تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الأول 1 - بقلم Shaimaa Gonna
سيد العائلة..
رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة!
وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟!
وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟
هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟
هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟
وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟
وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟
_____________
هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م �
مسائكم سعيد ��
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني 2 - بقلم Shaimaa Gonna
الفصل الأول
~... رجل الصمت الأسود ...~
لا يأخذ منا النسيان إلا ما تجاوزناه وتخطيناه ببساطة ولم يرهق قلوبنا ...بينما التناسي إرادة وليدة من بقايا قوة كنا عليها...
والأمس..واليوم ...وغدًا ؟!
هم مراحل العمر..
گ مراحل الألم..تمامـًا
عبرت السيارة البورش باناميرا السوداء بوابة منزل كبيـر....عريق الأصل...تحاوطه حديقه يملؤها أشجار الزيتون.
منزل يخطف الأبصار ليس ببنائه الحديث!
بينما لذلك المعمار الذي يرجع لأعوامٍ كثيرة ماضية كأنه باقي من العصر الفيكتوري......
بقايا من تاريخ أحدى كبرى العائلات.
تملئه الحكايا...تملئه البقايا..من كل راحل ..ومن كل ما زال على قيد الحياة.
نهبت السيارة الطريق برشاقة... كالمرأة الفاتنة التي تتبختر بغرور وتغنج، كأنها تدرك أنها الوحيدة التي يليق عليها الإغراء..
وذلك الذي يجلس في المقعد الخلفي من السيارة..تحاوطه هالة الرجولة والغموض... سيطر الغموض على سيمائه.
رجل لا يتحدث كثيرًا...كأن كثرة الحديث ستخطف جزءً من عمقه وهيبته....ومن سنواته الأربعين.
ينظر للنافذة بجانبـه في شرودٍ تام...
صمت غارق في شيء هو وحده يفهمه...ويواريه...يُخفيه عن تلصص الفضول.
ولا معرفة حتى ما خلف نظراته المشفرة بتلك النظارة السوداء التي تخفي عمق عينيه...وجسارة نظراته القوية الثاقبة...
رجل الصمت الأسود !
مثلما أطلق عليه !
" ماليش أمل في الدنيا دي...غير أني أشوفك متهنّي...حتى أن لقيت أن بعادي..راح يسعدك أبعد عني....".
أنطلق صوت الحب "ليلى مراد" من المذياع المُلحق بالسيارة..
انتفض رماح الشوق بخاطره ، بعد كبحٍ كاد يدميه أنين! رغم أنه لم ينسى مطلقـًا !
وانتفضت عروق فكيه من ضغطه على أسنانه بعصبيـة مكتومة...
هذه المقطوعة مجددًا ؟!
يا الله
تلاحقه گ أيام العمر !
...ليست بالنسبة له كما الجميع !
مقطوعة غنائية...استطاعت تشكيل ونقش عينيها على سجادة ضبابية للفراغ الناظر إليه بشرود..
عينيها التي لم ترحل من ذاكرته..ومن ابسط الأشياء التي كانت تخصها ...ومن بقاياها.
كان يتذكرها غامرًا بالحنين والأشتياق والغضب...
وبهجرها هجره أمتياز الحب.. وتخضبت جميع الاختيارات بالأسود بعد ذلك....ولكن الحب دائمًا يحمل الاستثناءات.
ارتفعت ضربات قلبه بالتدريج...صاح الألم بمرارة الريق وغصة لم تفارقه منذ سنوات...
كل مرة كان يُصيح عندما تتردد تلك المقطوعة بالخطأ في أي مكان يتواجد فيـه...كان يغضب ويأمر أن يتم أغلاقها في الحال...
اليوم لم يستطع هذه المرة...وأن أعترف وترك هذا الكبرياء جانبًا ولو لبرهة...سيعترف أن جنونه بها فاق الاحتمال والطاقة على صبر الفراق....
وللحنين عودة!
"عشر سنوات يا قاسيتي! "
دق قلبه بالعتاب لمكانٍ مهجور بزاوية معتمة بروحه..مكان بالقلب غارق بالدموع على امرأة ....
امرأة قلبه الأبدية.
الذي لم يتخطى حتى ذكراها ولو بعض الشيء!
انتهت المقطوعة...وضجت المصادفة الأكثر إثارة لمشاعره...عندما نطق صوت أنثوي إذاعي باسم المطربة...
لا يخصه بالأمر شيء سوى الاسم الأول فقط....
ضجيج المشاعر صاح باسم " ليلى"
ليلى من بين جميع الليالٍ ..فكر بسخرية أنه "قيس" النسخة الجديدة..والأكثر عذابـًا..والأتعس حظـًا!
نطق بصوته الأجش المليء بالشجن والحنين قائلًا للسائق أن يذهب به..... لذلك المكان الذي زاره مراتٍ كثيرة خلال سنواتٍ ماضية..ولكنه امتنع عن زيارته لأكثر من شهرين مؤخرًا...وأعتقد أنه يتداوى!
ظن وهمي بالشفاء ...
وكأن الذكريات شفاءها الابتعاد عن أماكن التصقت بها بعض المشاهد الساكنة بسير الوتين...
تساءل السائق في تعجب:
_ « طب مش هتروح المستشفى يا دكتور وجيه ؟ »
رد وجيـه وهو يعود بنظرته للنافذة وأكتفى بالقول :
_« لأ ...»
وكما عاهده السائق...قليل الكلام...إجابته بأقل عدد من الكلمات !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقفت السيارة السوداء أمام محل قديم..له باب معدني فضي يجّر من أعلى لأسفل للأغلاق والعكس إذا فُتح...
نظر إليه وجيه للحظاتٍ، ثم ترجل من السيارة بخطواتٍ يبدو عليها التردد!
گ الذي أصابه الإدمان لشيء يبغضه ولكنه مرغم عليه حتى يستعيد هدوئه.
وقف بجسده المنيف الذي يغطيه معطف طويل أسود يناسب فصل الشتاء الراهن العنيف..
قطرات مياه المطر تنزلق من بين كلمات مكتوبة باللون الأبيض من تلك اللوحة الزرقاء الشاحبة المتقشرة...المدون عليها اسم المكان ( محل الزهور )
قال وجيـه للسائق بنظرة متمعنة للوحة... وبإشارة من أصبعه... ودون الاستدارة :
_ « أرجع أنت يا علي....»
تسـاءل السائق "علي" وهو ينظر للرجل الموالي ظهره في ثبات :
_« أسيب العربية ولا أرجعها البيت يا دكتور ؟ »
رد وجيه باختصار :
_ « سيبها...أنت أجازة النهاردة...»
استدار وجيه هذا المرة ليخرج شيء من جيبه ثم وضع عدة أوراق نقدية بيد السائق ....ابتسم علي بخفاء، وراقه تلك الإجازة التي لم يطلبها والمدفوع ثمنها أيضاً وغادر عائدًا لمنزله...أوقف سيارة أجرة وأختفى من الطريق...
أقترب وجيـه من الباب الفضي ثم أخرج ميدالية مفاتيحه الخاصة التي من ضمنها المفتاح الخاص بهذا المكان...
والذي أصبح ملكه بعد عامٍ واحد من الفراق، أي من تسع سنوات...عندما أعلن المالك هذا المحل للبيع لضرورة السفر...وتم البيع
انحنى وفتح القفل الحديدي الذي تآكل من الصدأ بعض الشيء... بسبب مياه الأمطار الغزيرة لسنواتٍ عدة....جرّ الباب للأعلى ليتضح أمامه..... "ملف الذكريات"
طاولة زجاجية مستطيلة عليها بعض أصُص الزرع لعدد من سلالات الزهور التي ذبلت حتى الموت...وجرَّ أخرى بكل الأرفف الزجاجية التي تملأ الجدران ذي اللون الازرق... المليئة بأحواض فارغة من النباتات...وأطلال زهور اللافندر والريحان ...وخلف الطاولة ماكينة كهربائية لتصوير الأوراق والمستندات...بجانب أصُص زهور اللافندر.
يستطع رغم ذلك استنشاق رحيقها...الماضي يأتي بكل ما فيه... حتى الروائح تأتي من الحنين إليها !
وعلى يمينه أهم شيء ...الأقرب إلى قلبه
المقعد الهزاز من خشب الباولونيا.... الثابت بجانب أرفف صغيرة مكتبية...بها عدد من دواوين الشعر والقصص الرومانسية العالمية منها والعربية....التي كانت تعشقها.
أقترب بخطوات متزنة...تنقلت نظرته بين الكتب المائلة على بعضها بفوضى عارمة...المكان يغط في الفوضى ورغم ذلك يبقيه على ماضيه...فهو امتلكه لذلك الهدف ...
لمست أنامله الكتب وكأن ذلك كان إشارة لإثارة فوضى أكبر... فوقع أربع كتب مندسة بغلظة بقلب الرف المكدس..
كانت المفاجأة الذي لم يكتشفها سوى اليوم...كتاب كان أهداه لها منذ عشر سنوات!
كان يتجنب ذلك الرف تمامـًا...لما حرك المياه الراكدة اليوم؟!
يا لغبائه!
ولكن المُفجع حقـًا
أنها لم تأخذه معها !! حتى هذه الذكرى تركتها ولم تريدها ؟!
ماذا فعل لكل تلك الكراهية الغير مبررة !!
أزدرد ريقه بمرارة وهو يرفع الكتاب من الأرض حتى أستقام بطوله ونظر إليه في دقة، ونظرات تنثر بريق عاتب وغاضب ومتألم..
كان ديوان شِعر ...." لن أبيع العمر "
وكان إهداء الشاعر "فاروق جويدة" بأول صفحات الكتاب
هو ملخص عشر سنوات من الألم والهجر.
" يغمرنا العشق فنغرق فيـه ولا ندري هل نحمل عشقاً...أم موتاً..
فبعض العشق يكون الموت...وبعض الموت يكون العشق ! "
أغمض وجيه عينيه بمرارة غاصت في حلقه، وللحظة لم يحتمل فكرة أنها حتى تخلّت عن كل ما يذكـّرها به!
جلس بجسد ثقيل على المقعد الهزاز وعينيه تحجب الألم عن كل شيء.....ثم رجع بظهره للمقعد وأسند رأسه للخلف على حافته العلوية.... وعينيه مغلقتان في عذاب رجل غليظ الكبرياء...داهمته لحظات الحنين والضعف القاتل في الاشتياق لخائنة!
كان صدقه واستثنائية محبته لعنة عليه...
ليته بائع لأحاديث الهوى...
مرت ساعتين وتتهاوى علي قلبه سيوف قاتلة تنهش النبض به ...خرج من المكان ونظر إليه لبضع دقائق...في وعد وثائقي بينه وبين نفسه...أن يتخلص من هذا المكان ويعرضه للبيع....حتى لا يستطع المجيء هنا حتى لو أقتحمه الحنين رغماً عنه...وبالتأكيد سيحدث ذلك.
لم يستطع الذهاب لعمله....قرر أخذ عطلة سريعة لعدة ساعاتٍ فقط..
لبدنه عليه حق...فقد انغمس كليـًا في العمل بالسنوات الماضية وما كان يأخذ عطلة إلا نادرًا....فقرر العودة إلى لمنزله وقرر استئناف العمل عند مطلع الغروب....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بمنزل العائلة....
دلفت ممرضة إلى غرفة الجد "رشدي" وبين يديها دفتر ملاحظات...وبعض الادوية...
استقبلها الجد رشدي بابتسامته المرحة المعهودة وقال :
_ « صباح الخير يا كتكوته ...»
ابتسمت الممرضة "سمر" وهي تتوجه إليه، ثم جلست على مقعد خشبي بجانب فراشه وقالت بعدما وضعت ما بيدها على طاولة جانبية عدا دفتر الملاحظات تمسكت به:
« صباح الخير يا جدو رشدي..صحتك عاملة إيه النهاردة؟ »
ضيق الجد عينيه بثقة وبشكل مضحك ثم قال :
_ « صحتي بخير يا قمر...بفكر اروح الجيم كمان »
اتسعت ابتسامة سمر بضحكة سريعة...ثم قالت بنظرة امتنان :
_ « أنا عارفة أن حضرتك اخترعت حكاية المذكرات دي عشان تعلّي مرتبي...لما عرفت أني يتيمة وبجهز نفسي وهتجوز قريب....مش عارفة أشكرك أزاي....»
قال الجد رشدي بابتسامة راضيــــــة :
_ « ولا اخترعت ولا حاجة....أنا فعلًا كنت محتاج أفضفض واتكلم لحد برا العيلة.... عارفة يا سوسو لو مكنتيش مخطوبة كنت جوزتك لواحد من أحفادي التحف دول...»
ابتسمت سمر بمرح ثم قالت بحماس :
_ « حصل خير...أنا جيبت الدواء الناقص عشان لما تتغدا تاخده من غير تأخير...بس دلوقتي بقى نبدأ ....جاهز للإجابة يا جدو ؟ »
هز الجد رأسه بثقة ورد :
_ « جاهز يا روح جدو...اسألي .....»
فتحت سمر الدفتر ثم قالت وهي تشير بقلمها إليه :
_ « اسمك بالكامل ؟ وعدد أولادك وأحفادك...ياريت بقى مع نبذة عنهم ..»
تنهد الجد رشدي وتاهت ابتسامته قليلًا...نظر بعينيه التي تجمعت حولهما التجاعيد وخطوط الدهر...ثم أجاب :
_ « رشدي مصطفى محمود الزيان....خلفت أربع صبيان...تلاته ماتوا ومفضلش منهم غير وجيه...أصغرهم... ربنا يباركلي فيه....»
ملأ الحزن عينيه وهو يتابع :
_ « واحد مات من أربع سنين ..." مصطفى" كان متمرد على كل أوامري ...ساب كل شيء وراح أتجوز بنت ريفية وأتحداني...معرفتش عنه حاجة غير لما وصلني خبر موته بسكته قلبية مفاجئة...»
ابتلع ريقه بحزن شديد وأضاف :
_« والاتنين التانين ...كانوا برضو مش بينفذوا أي حاجة أطلبها...إلا حاجة واحدة...لما طلبت منهم يتجوزوا بنات صديق ليا كان مصري بس عايش في هولندا من سنين طويلة...كان تعبان ولما سافرتله وصاني عليهم... رغم أن...»
صمت الجد عن الحديث وكأنه أرهق من الذكريات المؤلمة... فحسته سمر على المتابعة فقال :
- « رغم أن البنات ما اتربوش في مصر ولا حتى معاهم الجنسية وبيتكلموا عربي مكسر... بس حبتهم وجوزتهم لولادي... "چيلان" جوزتها لأبني الكبير " كمال" وخلفوا جاسر ويوسف وبنت صغيرة كانت لسه رضيعة ...و"ريما" جوزتها لأبني التاني " صلاح " وخلفوا رعد وآسر "
جاسر الكبير فيهم وبعدين رعد..وآسر ويوسف......»
قالت سمر بنظرات مشفقة على العجوز المسكين :
_ « وبعديـن؟ ...»
تنهد الجد في تنهيدة ثقيلة... وقال بنبرة ملؤها الألم :
_« بعد جوازهم بكام سنة قرروا يسافروا لندن في أجازه يشوفوا أصحابهم هناك...ولادي الاتنين سافروا معاهم...كانت سفرية لأيام قليلة... عشان كده سابوا أحفادي إلا الطفلة..امها مقدرتش تسيبها فخدتها معاها ....الطيارة وقعت بيهم في البحر...الله يرحمهم كلهم..»
حوقلت الممرضة سمر بعطف ورثاء.... ثم صمتت عن أي أسئلة... فقال الجد بنظرة حزن شديدة :
_ « خايف يكون ده ذنب أبني مصطفى من قسوتي عليه ...تفتكري ده عقاب ؟ »
كانت نظرته تتوسل الإجابة... فقالت الفتاة برقة :
_« ده قضاء وقدر...كل واحدة مكتوبله هيموت أمتى وفين...ما تعذبش نفسك ....»
تابعت لتغيّر هذا الموضوع المأساوي ...فقالت :
_« في حاجة غريبة والكل مستغرب ليها....حضرتك ليه خليت كل احفادك دكاترة ؟...... دي صدفة ولا كانت إرادتك في الأساس ؟ حتى أبن حضرتك دكتور وجيه ..دكتور .....!»
تقبل الجد تغيير مجرى الحديث برضا، ثم أجاب وعادت تلك اللمحة المرحة بحديثه :
_« بصي ...أنا مش هكدب علي كتكوته زيك ...أنا في شبابي كنت فاشل..ما بحبش الدراسة ولا الشغل حتى !
كملت تعليمي بالعافية لحد الثانوية....والدي كانت مكانته كبيرة.... وكان عار أن ابنه يكون واخد الثانوية بس!
خصوصا أني كنت الوحيد على بنتين....كان دايمـًا بيقارني بشباب العيلة اللي بقى مهندس واللي بقى دكتور واللي واللي...بس أكتر واحد قارني بيه كان أبن عمي الكبير...دكتور ممدوح الزيان الله يرحمه بقا....»
فهمت سمر الأمر فقالــــت :
_« آآه....يعني عوضت اللي ما حققتوش في أحفادك مش كده ؟ »
أجاب الجد بتوضيح أكثر :
_« مش بس كده... خوفت يتقالهم زي ما كان بيتقالي ويطلعوا معقدين....يمكن خلتهم كده بسبب عقدتي..مش أنتِ مكسوفة تقوليلي أني معقد؟ »
قال ذلك بابتسامة فضحكت سمر قائلة بمرح :
_ « دايمًا كاشفني كده....!»
تحدث الجد بنبرة ضاحكة :
_« كنت معقد من كل شيء إلا الحسناوات...»
رددت سمر بابتسامة واستغراب :
_« حسناوات!! والله أنت راقي جدًا يا جدو....دول دلوقتي بيقولوا علينا نسوان وغفر ! »
أطلق الجد ضحكة من فمه الذي ينتشر حوله الشعر الأبيض ثم قال بنبرة تحمل الفكاهة :
_« رجالة الزمن ده مايعرفوش حاجة عن الإتيكيت واللباقة...بقى في حد يقول على نعمة ربنا " غفر " .... ولما يدلعها يقولها يا بت !!!
ده جدك كان عليه واحدة " تسمحيلي يا مودمزيل" تهز قلب أجمل بنت في مصر....البنات كانت بتعشقني....»
وضعت سمر يدها على فمها لتكتم ضحكات من حديثه...
مرت ثلاث ساعات بين الحديث والتذكر وتدوين ما يقوله الجد الطيب...الذي يبدو أن قسوته ما كانت إلا غطاء عقدته القديمة....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقف الشباب الأربعة بغرفة الجد الكبيرة والتي تضم أثاث كلاسيكي ولكنه فخم رغم ذلك... وأنظارهم تقف على العجوز الممدد على الفراش وينظر للممرضة بابتسامة مشاكسة..... حتى قال الجد رشدي لها بمزاح ليغيظهم :
_ « سنك كام يا كتكوته ؟ لأ قوليلي اسمك الأول ؟ »
مط جاسر شفتيه بسخرية وقال:
_« أصغر من أحفادك الأربعة يا زعيم الجدود....اسمها سمر ، خطيبة دكتور زميلنا....خطيبة إيـــــــه ؟ دكتور زميلنا...يارب ما تنسى تاني...»
كتمت الممرضة سمر ضحكتها من نظرة العجوز الغاضبة لأحفاده عندما هتف قائلًا :
_ « أنا بهزر معاها مالك أنت؟! هي السكر دي تتنسي ؟!
وبعدين أنت بتتكلم ليه يا شامبو ؟! لما اسمحلك أبقى اتكلم ...»
نطق يوسف بابتسامة وقال بمحبة وبعض المرح:
_ « أخبار صحتك إيه دلوقتي يا جدي ؟ طمنا على أمعائك..»
أجاب الجد بنظرة ثابته على يوسف :
_« أنا بخير يا يوسف، أنت اللي فيهم يا بلوتوث، يا موصلي أخبارهم القذرة يا حبيبي...»
زفر رعد بتعجب وتساءل :
_ « ليــه بتقصد تقلل مننا ؟! عندك هيموجلوبين التهزيق لينا مرتفع ليه! ...»
خرجت الممرضة سمر من الغرفة وتركتهم ....
تكلم جاسر كي يغيظ جده :
_« على فكرة بقا...اللي بيهزقني البنات بتكرهه..»
تطلع الجد به بثقة وقال بمكر بغمزته المعروفة والتواء رقبته بشكل مضحك :
_ « تكره مين يا شامبو أنت ! ، جدك ده كان واخد نوبل في خطف قلوب ملكات جمال المعادي يا جربان...»
نطق جاسر بضحكة ساخرة :
_ « ده كان القرن الماضي...وبعدين من شابه جده فما ظلم...طالعلك في كل حذفوره من حذافيرك يا رشدي باشا....»
توجه إليه الحفيد الرابع "آسر" محاولًا تلطيف الأجواء وجلس بجواره على الفراش قائلًا:
_ « صحتك بتتحسن الحمد لله...بس بلاش سجاير عشان خاطري...»
هتف الجد بعصبية وهو ينفض عنه غطاء السرير:
_« اسمها سيجار يا جاهل، دكتور بس لسه حمار...»
قال جاسر بابتسامة خبيثة:
_ « مش موجود غير سجاير وفرط كمان، السيجار أنقرض من سنة ١٩٨٠....إيه رأيك يا جدي؟ »
زمّ الجد شفتيه بغيظ... وقال متراجعـًا عن نبرة الثقة بحديثه:
_« زي بعضـه يا رعاع ، عايز سجاير بقا...»
دلف بهذه اللحظـة...من يعتبره الجميع منقذ العائلة الأول.. وفخرها.. العم...."وجيه الزيان"
دلف وجيه وهو بأبهى طلته وبحلّة سوداء أنيقة بعدما ابدل ملابسه المبتلة بمياه المطر.... ويفوح منها عطره المميز الباهظ الثمن ...ابتسم والده له فأقترب وجيه منه وقبّل رأسه قائلًا بأدب:
«صباح الخير يا بابا...رجعت تاني ..هروح المستشفى بليل »
ابتسم له والده وقال :
_ « صباح النور يا وجيه، كويس أنك جيت وهتنقذني من الرعاع دول.........أطردهم بس براحة...»
ابتسم له وجيه ابتسامة خفيفة... وأشار للشباب للخروج، فتمتم جاسر بنظرة ماكرة لجده:
_ « مستنيك على الفطار يا جدي...»
نظر له الجد بابتسامة منتصرة حتى خرج الشباب من الغرفة وأطمئن وجيه على والده.... ثم بادر الأب بالحديث وقال ببعض التردد :
_ « أنـا مش عاجبني حالك يا وجيـه، بتضيع عمرك سنة ورا سنه ومش عارف هتفضل كده لحد أمتى؟! »
شعر وجيه ببعض الملل في تكرار هذا الأمر بذات الموضوع كلما أنفرد بوالده للحديث...حتى بهذا الصباح!
ابتعد وجيه للنافذة ونظر للطقس الشتائي من النافذة الزجاجية وقـال:
_ « مش مستعد أكرر التجربة تاني، أنـت عارفني كويس وعارف أن الفشل مش بعرف أتقبله بسهولة...ثم أني كبرت ومش بفكر أتجوز خلاص ...نسيــت الموضوع ده....»
أعترض والده بشدة وتحدث بعصبية :
_« سنك 42 سنة!! معجزتش زيي يعني عشان تيأس كده!
قول أنك أنت اللي مش عايز تتجوز وأنا هقتنع أكتر!
بس أنا عارف..»
ضيق وجيه عينيه بحدة واستدار بذهول لوالده وقال:
_ « عارف إيه؟! ....»
قال والده بنظرة متفحصة لانفعاله الواضح وكأن أحد كشف سره العظيم:
_ « دايمـًا كنت بحس أن في واحدة مستخبية ورا كل اعتراضك للجواز....حتى أنها ورا فشل جوازتك الأولى اللي مكملتش 6شهور!....مستخبية دايمـًا في نظراتك لما بتسرح وتروح لبعيد...
ما تخبيش عليا أنا عارفك وحافظك.. ؟ »
توترت نظرات وجيه....ونظر لوالده بصمتٍ وبريق عينيه يفضح الكم الهائل من الحنين الذي أخفاه لسنواتٍ من العذاب مرت عليه... وأقسم أن لا يحب مرةً أخرى...بعدما تلقى صفعه الهجر دون سبب أو مبرر...
وتلقى وقتذاك خنجر الغدر في خشوع وكبرياء
وكأن هذا الخنجر الغاشم جعل أكنه على قلبه اتجاه...الحب
حتى بعد تجربة زواج أعتقد أنها ستنسيه ما مر به.....ولكنها جعلته يتأكد أنه لن يستطيع تقديم قلبه لامرأة مرة أخرى....مهما كانت فاتنة
قال في نظرة عاتبة لوالده :
_ « جوازتي الأولى كانت اختيارك مش اختياري...وبسبب حزنك على أخواتي الله يرحمهم... مقدرتش أعارضك ...»
قال والده في نظرة حزينة :
_« أنا عارف أني فرضت عليك زي ما عملت مع أخواتك...بس كمان فاكر أنك في الفترة دي كنت تايه وحزين لشيء مش راضي تقوله لمخلوق!.....أنت الوحيد اللي مكنتش هجبرك...لو رفضت مكنتش هعترض ....! »
رد وجيـه بتنهيدة حارة مثقله بالهموم:
_ « أنا مش عايز اتكلم في اللي فات....كفاية لحد كده...»
ارتاح والده لأغلاق هذا الحديث الذي يغمره بالندم ...وتساءل في أكثر شيء يشغل باله مؤخرًا :
_ « عملت إيه في الموضوع اللي قولتلك عليه ؟ »
وضع وجـيه يديه في جيب بنطاله في ثقة ، ثم استدار قائلًا وهو يستند بظهره على الحائط :
_ « تصريح القافلة الطبية جاهز....بس لسه الشباب مايعرفوش عنه حاجة...أتمنى ما يكشفوش اللي ورا موضوع القافلة ...»
عبس وجه العجوز وقال بقلق :
_ « بنات أبني مصطفى الله يرحمه لازم يجوا يعيشوا معايا هنا بأي طريقة .... ويسامحوني...ده حتى رفضوا مقابلة حد فينا السنين اللي فاتت... إلا أنت يا وجيـه »
تنهد بأسى وهو يزم شفتيه بوجوم.... ثم أضــاف:
_« وكل اللي عرفته أنهم سابوا البلد اللي كانوا عايشين فيها وراحوا قرية جانبهم...عند خالهم العمدة....أنا متفق مع خالهم في الخباثة عشان لما يوصلوا الشباب يستقبلهم عنده وكده يعني....»
تخيل وجيه للحظات كيف سيكن وقع الخبر الغير معلن للآن على شباب العائلة ...يبدو أن الأمر سيتخلله بعض المرح ....خصوصاً أن الفتيات تربوا بالريف وهذا نقيض مع البيئة المرفهة التي نشأ بها الشباب بهذا المنزل.....قال بجدية :
_ « خلال أيام هيكون الشباب عرفوا موضوع القافلة والسفر للأرياف...بس تعرف يا بابا...هيوحشوني على ما يرجعوا...»
قال ذلك بابتسامة طفيفة وهو ينظر لساعة معصمه.... فابتسم الأب قائلًا بمرح :
_« وأنا كمان....مش متخيل شكلهم لما يعرفوا اللي اتفقنا عليـه أنا وأنت...بس المهم دلوقتي أنهم مايعرفوش غير أنهم هيسافروا ضمن قافلة طبية للأرياف وبس....وميعرفوش حد أنهم من عيلة الزيان وإلا كل ده هيروح على فشوش...»
انتهى ذلك الحديث بخروج وجيه من غرفة أبيه وصعوده...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
ومرت ساعاتٍ كثيرة حتى هلّت أول ساعات الغروب....
استعد للذهاب...
وبهدوء غرفة بالطابق الثاني والآخير من المنزل الكبير ....البعيدة عن جميع الغرف الأخرى...الخاصة برجل العائلة الأول..والأهم..
" وجيــه الزيان"
أمطرت ذاكرته الحمقاء سيل هائل من المشاهد مجددًا ...
وهو ينظر للنسخة الأخرى من الكتاب....
" لن أبيع العمر "
ومن أعنف قصائده..." ولأن الشوق معصيتي "
ويقف أمام المدفأة النارية بالغرفة والتي يلتهب بها الجمر للتدفئة ..
وأي اختلاف يُطلق بين أجيج صوت اللهب المسترسل من نيران المدفأة... وبين نيران تستعر بداخل قلبه منذ سنوات؟!
يرفع خاتم كان يخص والدته قديمـًا..وبلحظة جنونية ساذجة وضع اسمـًا آخر عليـه...
كـان ذلك منذ عشرة أعوام...ولم ينسى لحظة!
كانت ذكراها تُجسد العذاب إذا ابتسم!
وولادة الظــلام!
وهجر الربيع إلى بكاء المطر!
ربما أراد قطار الذاكرة أن يقف عند تلك المحطة...
محطة موحشة كانت كفن سعادته!
سعادة أنتظرها عمرًا ... ولم يربحها
گ الفرس الرابح دائمـًا وهزم عند نهاية السباق!
وإلى الآن ينتظرها....بقلبـه الأربعيني!
تطلع بعينيه الرماديتان إلى ذلك الخاتم الذي احتفظ به حتى بعدما حفر عليه حروف اسمها....ليـلى !
هذه ليلتـه...عذبته!
كان بعيدًا عن الحب....ولكنها أجبرته!
كاد أن يسحق أسنانه من فرط الضغط بعصبية وغضب من رنين الحب الذي كافح كي يقتله بقلبه... ولكنه فشل فشلًا ذريع !
وتاهت عينيه بحروف اسمها...."ليلى"
يبدو أنه لن يفلح قط في نسيانها.....
ولكن سيكتب ختام هذا العذاب اليوم...كفى لهذا الحد...
القى الكتاب بعصبية على فراشه ودفن ذلك الخاتم بمكانه المعتاد في خزينته الخاصة....ثم غادر غرفته ..وغادر المنزل بأكمله إلى عمله بالمستشفى...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وكان قد أقبل الليل في ضجيج زئير اسود المطر والرعد الغاضب....
وفي الطابق الرابع من المشفى....
خرجت "ممرضة" بزيها الممزوج بين الأبيض والوردي الفاتح من غرفة الانعاش.....لتجد تلك المُتشحة بالسواد ، الباكية في صمتٍ بعيد عن ما حولها...والتي تلف يديها حول طفلة صغيرة لا تتعدى الخمس سنوات...
قالت الممرضة بلطف :
_ « تقدري تشوفيه بسرعة قبل الأشراف ما يجي...بس دقيقتين بالعدد..هدخلك بس عشان عياطك ده، لكن أرجوكِ ما تتأخريش ومتجبليش الكلام..ده مش وقت زيارة أصلًا....»
انتفضت "ليلى من جلستها وبين يديها طفلتها الشبه نائمة ...فاعترضت الممرضة وقالت :
_« لأ سيبي البنت هنا عشان ما تعملش صوت جوا وحد يشتكي من المرضى...بسرعة وتعالي...»
نظرت ليلى إلى ابنتها على ذراعيها وقالت برجاء ودموع:
_« بنتي زي ما أنتِ شايفة كده...مقدرش أسيبها لوحدها ...»
هزت الممرضة رأسها برفض وأسف :
_« في مرضى جوا مع والدك...مقدرش أجازف ، لو حابه تدخلي يبقى لوحدك ...أنا آسفة...»
امتلأت عين ليلى بالدموع والحيرة حتى بدأت الطفلة تدمع بأنين خافت بين ذراعيها...ربتت على ظهرها بحنان وقالت بهمس :
_ « خليكي هنا يا حبيبتي ومش هغيب عنك....»
تمسكت الطفلة بملابس أمها وبدأت تصيح وتبكِ بشدة..وضعتها ليلى على المقعد التي كانت تجلس عليه منذ لحظات وقلبها ينشق لبكاء صغيرتها...ولكن ما باليد حيلة.
ربتت الممرضة على رأس الصغيرة ثم ذهبت لعملها مرة أخرى.
دلفت " ليلى" للغرفة ووقع على ناظريها عدة أسرّة لمرضى ...منهم المستيقظ بإعياء ومنهم التائه في نوم أو غيبوبة، وتفصل بينهم ستائر زرقاء صافية اللون سميكة..
وقع نظرها على والدها المغمضة عينيه، فتوجهت له في بكاء ولهفة....ارتعشت أصابعها وهي ترفعها على رأسه وتمررها بحنان، وسقطت دموع عينيها على غطاء السرير الطبي وهي تقول :
_ « أنت اللي باقيلي ....أقوى عشاني ما تسبنيش لوحدي ...»
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها المعذبة الصارخة بالدموع وهي تراه لا يستجيب لدموعها بادنى حركة.....ظلت تنظر له بحزن صامت حتى أتت الممرضة لتحذرها من البقاء....
استجابت ليلى لتحذير الممرضة وتوجها الاثنان نحو باب الخروج ...حتى سألت ليلى الممرضة بقلق ونظرة خائفة :
_ « هو ممكن تستنوا بس اسبوعين لحد ما ادبر فلوس وادفع مصاريف المستشفى؟ أصل حد جالي من شوية وطلب مني أروح الحسابات...»
تنهدت بخوف ودموع طفرت من ضعفها وقلة حيلتها...تابعت:
_ « والدي حالته ما تسمحش أن يتنقل تاني من المستشفى...المستشفى اللي روحتها امبارح قبل ما أجي هنا رفضوا استقباله...طب اعمل إيه واروح فين ولا أسيبه يموت؟! »
أشفقت الممرضة على حالة ليلى وقالت بأسف :
_ « بصراحة مش عارفة أفيدك لأني لسه جديدة هنا...بس أنصحك تروحي الإدارة وتتكلمي معاهم...لو ظروفك صعبة أوي ممكن يتساهلوا معاكِ ....»
قالت ليلى بعيون حمرا باكية يلتهب فيها الدمع :
_« ظروفي أصعب مما تتخيلي...أنا بِعت بيتنا بسبب المستشفيات...يعني حتى أنا مش عارفة لو خرجت هروح فين ! »
أطرفت عينا الممرضة بظلال شفقة وأسى على حالة تلك المرأة ذات الرداء الأسود ....قالت بلطف :
_« طب عندي اقتراح يمكن يساعدك...ما تروحيش لحد...استني دكتور...»
قطع حديث الممرضة شهقة من فم ليلى عندما نظرت بالصدفة لمدخل الباب المفتوح ولم تجد أبنتها كما تركتها !
ركضت بالممر الخارجي تنظر بجميع الاتجاهات بقلب كاد يتوقف من الذعر...وصاحت :
_ « بنتي فيـــــن ؟! ...»
ثم صاحت تنادي بجميع الاتجاهات بخوف شديد :
_ « ريميـــــــــــــه ! ....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
خرج من المصعد ذلك الوجيه بالطابق الثالث بتعابير وجهه الجليدية القاسية....بعدما تعهد بنسيانها...ملأ قلبه من الذكريات قبل المغادرة نهائيـًا من براثنها الباقية...
كفى ألم...كفى عذاب...لما يظل على العهد بينما خانت أغلى ذكرى كانت بينهما؟!
ليته رأى ذلك الكتاب منذ زمن!
توجه إلى مكتبه بآخر الممر حتى أوقفه شيء وجعله شاخص البصر في صمتٍ....!
طفلة صغيرة تستند على الجدران ويبدو من ذراعها الممدود للأمام لتستكشف أي عثرة لتتفاداها أنها ...كفيفة !
ظل يتأملها في دقة قلب غريبة..هل بسبب حالتها هذه أم لشيء يجهله؟! مضى إليها برشاقة حتى وقفت الطفلة ووضعت أصبعها في فمها بملامح عابسة ونظرات خوف عندما شعرت بخطوات تقترب.
قال وجيه بصوتِ هادئ عادةً لا يخرج بذلك الهدوء إلا مع المرضى :
_ « بتعملي إيه هنا وجاية مع مين ؟! »
صدقت ظنونه عندما وجد الطفلة ترفع رأسها ذو الجديلة السوداء الطويلة على جسدها الصغير... وتنظر بعيدًا بعض الشيء عن اتجاهه الصحيح...أجابت بصوت ضعيف به تهدج البكاء:
_ « مع ماما ...»
انحنى لمستوى طولها القصير ..... ليسمع صوتها بشكل أوضح ولكن هزه شكل عينيها العسليتان المماثلة لعينان كعينان الريم... محفورتان بقلبه للأبد ...عميقة العينين بلونهما العسلي ذو البريق الأخاذ...تنهد بعمق ونفض تلك الخاطرة بالكاد... وقال بخشونة:
_ « وفين مامتك ؟ ...»
ارتعشت ملامح الصغيرة، وبكت عندما تذكرت ترك أمها لها ...قالت وهي تمسح عينيها بقبضتيها الصغيرتان :
_« سيبتها ...عشان سابتني ...»
رق قلب وجيه للصغيرة فقال بلطف :
_ « تعالي معايا المكتب وقوليلي سابتك ليه...هبعت اجيبهالك..»
اطرفت الصغيرة عينيها عدة مرات.... وكأنها تفكر بالعرض المطروح... فابتسم وجيه ابتسامة بسيطة لحيرتها الواضحة... ثم حملها بخفة حتى مكتبه...
وبداخل مكتبه..... وضعها على المكتب الخشبي العريض من خشب الزان المنقوش بحرافية... ثم جرّ مقعده الجلدي وجلس أمامها قائلًا باستفسار :
_ « اسمك إيه الأول ؟ ...»
كانت الصغيرة لا تزال تضع أصبعها بفمها....رفعت أصابع قبضتها الأخرى ومررتها على وجهه برقة لاكتشاف منحنيات ملامحه مثلما اعتادت مع كل غريب تراه.... وتصرّ مع كل غريب أنه ذاك الغريب... البطل الخارق " لحكايات قبل النوم " التي سردتها لها والدتها مؤخرًا....... ثم ابتسمت وكأنها تذكرت شيء !!
تعجب وجيه من أمرها فكرر سؤاله... وعندما نطقت الطفلة أجابت بشيء غير متوقع :
_ « الشاطر وجيه ....»
حملق وجيه عينيه في دهشة ! حتى اتسعت ابتسامتها بعينيها الدامعتان ...وأجابت على سؤاله أخيرًا وهي تنظر بعيدًا عن عينيه :
_« اسمي... ريميــه..»
انتفض وجيه من مقعده ووقف متيبس الحركة أمامها... "ريميــه..!! "
ذلك الاسم الغالي أيضاً...الذي كان من المفترض أن يسمي به ابنته المستقبلية...
اتفاق ساذج مع امرأة غدرت به وتركته يتلوى بألم الفراق وحده !...."ريميـــــــــه"
صفة وصف عينيها الخائنة...ريمية العينان الممثلتان للعسل الصافي...اوقعان قلبـــه مع أول رمقة..!
نطق أخيرًا وشيء يعتصر قلبه من ذكرى ليلته التي تأبى مفارقته حتى بالصدف!....تساءل بحيرة :
_ « عرفتي اسمي منين ؟! ...»
توترت ملامح الصغيرة من نبرته الحادة وقالت بخوف :
_ « من الحدوته ...»
" حدوته ! "
كرر الكلمة بعدم فهم...لا يستطع فهم ما يحدث ... وقف أمامها كالتمثال لا يستوعب شيء ...حتى كاد يتحدث ويستفسر منها عن بعض الأشياء التي شك بها..لتأتي فجأة امرأة الرداء الأسود .... مثلما رآها أول مرة...
رمزها رمز الأسود التي تخضبه بقلب من يجترأ على الاقتراب....هي..نعم هي....!!
راكضة..
صارخة...
باكية...
بقلب مُلتاع على أبنتها الصغيرة التي لم تتركها بمفردها ولو لدقيقة منذ ولادتها...هرولت إلى أبنتها دون أن تكتشف من هو الرجل الذي يواليها ظهره بجسده الضخم...
هتفت باسم ابنتها...ضمتها ...معتذرة ، متأسفة، باكية
كل هذا أمام عينيه الذي ضج الرعد منهما وهو ينظر لها بنظرات نارية گ الجمر المتأجج بنار وحشية....
القلب جانبـًا أم أنه سيد الموقف ؟!
استقامت ليلى لتسأل الرجل الغريب عن سبب وجود أبنتها هنا ....
اتسعت عينيها في ذعر عندما رأته ووقعت نظراتها عليه بصدمة..
عشر سنوات مرت أمام عينيها في لحظة واحدة!
لو النظرات تخترق لكانت نظراته القاتلة اخترقت قلبها وماتت في الحال ...
نظراته تتنقل على عينيها بشراسة وعاصفة آتية لا محال....
جف حلقها عن جميع الكلمات بينما قابل ذعرها منه ...بتحرك عصب فكيه بعصبيه مفرطة واضح أنه يكبتها...
واسوداد عينيه بنار ملتهبة بتلك الثورة من الغضب.
ارتعش فمها وجسدها بأكمله بقوة كأنها محمومة !
حتى اسودت الرؤية أمام عينيها وسقطت على الأرض في نوبة اغماء لحقت بها جراء الوهن الذي اصاب جسدها من فرط التوتر وقلة التغذية بالأسابيع الفائتة بسبب حادث والدها.
من المفترض أن تحمد ذلك الأغماء التي أنقذها من براثنه...كان ذلك المعتقد بأول أفكاره وهو ينظر لها في صمته الأسود ...وجحيمه الذي يفتح ذراعيه من جديد إليها...بعدما كان جنة مزهرة من الحب والأمان...
لم تهتز عينيه المظلمة حتى لحالتها التي يرثى لها !
كان ذلك أقل الأشياء المنتظرة منه...طالما أتت من جديد....
داخل عرينه.....!
ويلها.....
« يتبــــع........»»»
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#سلسلة_الرجال
#رحاب_إبراهيم_حسن
#روبا
___________________________
أنتهى الفصل بخير.... لســـه ما أعلنتش ايام النزول.... ولكن هتتحدد على حساب تفاعلكم... وده غصب عني عشان عندي التزامات تانية.... ولكن بأذن الله لو التفاعل شجعني فده هيحمسني اكتب أكتر....
ملحوظة...الفصل هينزل على الاكونت الخاص بيا قبل أي مكان على الفيس بوك باسم
الكاتبة رحاب إبراهيم حسن
وشكر خاص على اجمل لمة وصحاب....آية محمد رفعت وأجمل مصممة شيماء جنة..... على هديتهم ليا بغلاف اتعمل في لحظات قبل الفصل...ربنا ما يحرمنيش منكم يارب 🥰❤
كل عام وأنتم إلى الله أقرب 🦋❤
#روبا
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث 3 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني
~...التحدي الجميل...~
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
مزق البرق صفحة السماء الحالكة بالعتمة....ورعدت الغمائم گ أسود تتنازع ببعضها..والبعض الآخر يتناوش من بعيد مشجعـًا القتال فيما بينهما....!
ومطر الليل يأتي بالدفء أحيانـًا ! ..خاصةً بالقلوب التي يملأها الحنين
دقت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل ..وذهب ليل كان مقداره عشرة أعوام بالنسبة له....
وفي ظل السكون بمكتبه....وبزاويةً ما فيه... على بُعد ليس أقل من مترين بين سريرها وبين النافذة الزجاجية المغلقة.. الذي يقف ثابتٍ أمامها يتأمل وابل من المطر الذي يضرب النافذة ويحجب عنها حقيقة قسوته...
يقف هو كأنه يجمع شيء تائه به ...أو يفرق شوق عنيف غمر روحه منذ رؤياها من جديد... حتى يستطع أن يقف أمامها دون أن يطرف بريق اللهفة بعينيه..ولا أن يترك هذا الميل إليها يعود..
وحلم سريع مر أمام عينيه في أقل من الدقيقة...
وهو يركض إليها في عناق طويل لا فراق فيه..وأعتراف آخير كالحقيقة المثبتة لا ريب فيها...
ولكن يظل الحلم حلم ويُنقل تحت قضاء القدر إلى أن يتحقق.
يا الله..لما كل هذا الحب في قلبه لخائنة ؟!
ثقيل هذا الحمل من العشق والانتقام ...
ودّ لو يصفع صوت بداخله صاح منذ ساعات أنه لن يتذكرها مجددًا ...سخرية من الثقة بأنفسنا لهذا الحد !
أين القوة على الرحيل من شيء وهذا الشيء داخل القلب كالأنفاس؟!
أغمض عينيه بقوة وبتنهيدة أخذ منها بعض القوة على المواجهة...والقلب يقسم أنه لن يضعف....كاذب يا قلب ويعرف!
كانت ليلى تغمض عينيها في ثباتٍ تام ...وبجانبها أبنتها النائمة أيضًا...
كأنها تختبر الغفوة الهادئة بعد غربة نفسية ذاقت مرارها طيلة عشرة أعوام ....
ويحدث أن تكون الغربة...غربة من ذاتك..وتبتعد عن كل آمالك وطموحاتك.....لتستطع التأقلم فقط مع واقع ارحم ما فيـه ..أنك تشعر بالوحدة...!
رويدًا رويدًا بدأت تفتح عينيها ...ونهض الإدراك مع ايقاظها ببطء...حتى انتفضت من مكانها عندما نطق لسان الرعد مرةً أخرى...وصرخت الطفلة بجانبها ويديها المرتعشتين تبحث عن سبيل لـ طيف لمسة من أمها....أخذتها ليلى بين ذراعيها بضمة خاطفة ....وبدأت الطفلة تهدأ بالفعل ...
ثم ذهب نظرتها اتجاه اليمين... للرجل الضخم الذي يقف عند النافذة...يضع يديه في جيبي بنطاله ويواليها ظهره في سكون....وقفته المعتادة !... الحادة كالسيف ..!
لم تنسى شيء يخصه حتى لو طرفة عين...رغم أنها كافحت كل تلك السنوات كي تنساه !
لو أنها كانت تجر أكياس ضخمة من الرمل في قلب الصحراء لكان عليها ارحم مما عانته بتلك السنوات العشر!
خرج اسمــه من بين شفتيها رغمـًا عن كل شيء قال لها سابقـًا توقفي عن ذِكره لكي لا يُختم على روحك بالخيانة :
_ « وجيــه....»
فتح عينيه من شروده بتلك اللحظة...لم يستدير مباشرةً ...تلذذ بخفاء بصوتها الذي كان يظن أنه لن يسمعه مرةً أخرى...ملأ قلبه من وجودها كي يصدق أنها حقًا هنا...بجانبه!
حبيبة الروح..ليلى
ومعذبته التي هجر قلبه إليها ..وسكنها..وتركه هو !
استدار ببطء...لكن القسوة أخذت راحتها على ملامحه من جديد...ونالت من عينيه في لحظة ! وضرب الجليد كافة انحاء معالم وجهه...
وضعت ليلى أبنتها التي تاهت في النوم من جديد على الفراش الصغير بغرفة مكتبه...لا تعلم أن كان يستخدمه للكشوفات ام لغرض الاستراحة السريعة..
وربما أرادت ان تهرب بعينيها لبعض الوقت قبل أن تواجهه... فلا شك بأن طيف الماضي سيتحدث الآن.
في اقترابه رغم الاتزان والثبات شيء خفي يركض إليها...ابتلعت ريقها بقوة وجسدها ينتفض عندما نهضت ووقفت على قدميها....وقفت حافية القدمين برداء أسود طويل محتشم...حتى حجابها كان أسود اللون ..طويل الأطراف...غضٌ الملمس
زادت في الوزن بعض الشيء ...امتلأت أنوثة أكثر من ذي قبل رغم شحوب بشرتها قليلًا....ولكن يبقى هذا الشيء الغريب بعينيها الذي يخطف بوادر أي حديث يكاد يقوله...يخطف انتباهه للحظات...يديها الاثنان خاليتان من أي خاتم أو "دبلة"
كانت تلك ملاحظاته وهو يقترب ..خطوة خطوة...ومع كل خطوة تبتلع ريقها وتحاول أن تنظر له ولكنها تخشي أولًا نفسها.....حتى لتلتحق بنظراته الحبيبة.
تبقّى خطوتين ...ووقف..!
منطقة أمان للحفاظ على هالته الظاهرة بالسيطرة ..حتى لا تكتشف أنه يقاوم شيء ما .
قــال أخيرًا بصوت جليدي...هدر دون علو ! دون أن يحدث ضجيج ..ولكنه قادر أن يجعلها ترتجف أكثر من هدير الرعد التي تسمعه.....وقال :
_ « قصة زي الغصة ....كانت قصتنا ..لكن مكنتش عارف أنها بالنسبالك هتكون حدوتـه تحكيها لولادك !
الشاطر وجيــه ؟! كام مرة ضحكتي لما أفتكرتيني؟! »
صدمت من معرفتـه بهذا الشيء...ربما أخبرته صغيرتها بالصدفة! فتلك الصغيرة أحبت بطلها الخارق بالقصص وتبحث عنه بكل غريب...ولكنها لن تستطع الافصاح بذلك ......قال وجيه هذا وامتلأت عينيه سخرية بنكهة " المر " ...ونطقت عينان ليلى دمعة قبل الحديث...قبل أن تتفوه بحرف ....
ارتعشت شفتيها وهي ترفع رأسها وتنظر لها بكسرة...وهمست قائلة بصوتٍ ضعيف قريب من البكاء :
_ « ولا مرة افتكرتك وضحكت! .....ولا مرة ...»
قالــت ذلك ورددتها بقصدٍ....نبذة صغيرة عن صدق وحقيقة لابد أن تخفيها...كي تبعده عن لعنة حلّت بها منذ سنوات...
لم تكن ابتسامته بها أي شيء من البهجة...بل مرادف للألم والعذاب ذو الكبرياء الرافض للدموع..
أقترب تلك الخطوة الداعية للخطر بثباتهما الاثنان ..وأشتد الغضب بصوته وهو يقول :
_« وبنتك عرفتني منين؟! ولا يمكن حد تاني..بنفس الاسم..!! »
أطرقت ليلى رأسها للأسفل في دموع وعجز عن أخباره أن لا رجل احتل قلبها غيره ....ولكنه استقبل دموعها بموضع اعتراف بالتهم !
أنقذها دخول الممرضة عندما كاد يتحدث بغلظة..ويغرز قلبها بشوك الاسئلة ...دقت الممرضة سريعاً ودلفت للمكتب في الحال وبيدها جهاز لقياس الضغط ....نظرت لـ "ليلى" بابتسامة لطيفة وقالـت :
_ « أخيرًا صحيتي ! شكلك كنتِ تعبانة وما نمتيش بقالك أيام...»
توجهت بالحديث لـ "وجيه " الذي ابعد عينيه عنهما الاثنان في غضب صامت ....وقالت الممرضة له :
_« عايزين حضرتك في قسم العناية يا دكتور ... أنا قولتلهم زي ما قولتلي...أنك مع حد تبعك...»
نظر وجيه للممرضة بعصبية وود لو يصفعها على ذلك الأفصاح ...تعجبت الممرضة من نظراته وابتعدت خطوة بقلق ثم قالت لـ ليلى سريعاً :
_« الزيارات خلصت للأسف وممنوع البيات في المستشفى للزوار ...»
ابتعد وجيه عنهما وتوجه لمكتبه الخشبي ...سحب "البالطو" الأبيض من مشجب مخصص له بجانب المكتب حتى استمع لحديث الممرضة وتظاهر بعدم الاكتراث :
_« المسجد بتاع المستشفى برد أوي عليكي.. الدنيا بتمطر جامد والأغطية اللي هنا خاصة بالمرضى ....شكلك تعبتي من البيات فيه ليلة امبارح ! »
كان يرتدي معطفه الأبيض فتوقف عندما انتبه لهذه الجملة!
لماذا تبيت ليلتها هنا ولمن يا ترى ؟! أين زوجها ؟!
لم تسنح له الفرصة ليتابع اسئلته...كانت ليلى تتحدث مع نظرات جانبية خاطفة ومرتبكة ناحيته...وكرهت أن يعرف حاجتها وضعفها بهذه الظروف...
ما كانت أبدًا تلك الفتاة التي هي عليها الآن ...
حملت أبنتها بحركة منفعلة وارتدت حذائها بعصبية ثم قالت بصوتٍ غاضب به لمحة بكاء :
_« هبات في أي مكان ...مش مهم البرد ...»
خرجت من مكتبــه في الحال ...وقف للحظة ينظر اتجاه الباب في ضغطة ساحقة على أسنانه...منذ ثانية واحدة كانت هنا..رأفت به الصدف بهذه الدقائق من لقاء انتظره سنوات! يا لسخائها ! ولسخريتها...!
وخرجت من مبنى المشفى ومضت اتجاه المسجد ووجهها غارق بالدموع ....
كان المسجد صغيرٌا ومكون من طابقين صغيرين...الأول خاص بالرجال ...والعلوي خاص بالنساء..فصعدت للطابق الثاني الذي ترتفع فيه البرودة نظرًا لخلوا المكان سوى من السجاد الأخضر وارفف عليها عدة مصاحف...
ولكن حمدت ربها على هذا المكان الذي رغم برودته يملأه الطمأنينة والسكينة... يقين بأن الله لا يترك العبد الذي ترتفع يديه للدعاء والنجدة....لبيك اللهم
دخلت بهدوء ووضعت ابنتها النائمة بزاوية بعيدة عن المصلّين وذهبت لتتوضأ.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
يلتف حوله ثلاثة أطباء بقسم العناية..كان منهما طبيب الماني يتحدث بلغة انجليزية طليقة .... جاهد وجيه ليخطف أطراف الحديث في شدة إرادته بالذهاب والبحث عنها...
رؤيتها فقط...وجودها فقط أكثر من كافي..
انتهى الحديث بينهما ....مع الاتفاق على خطة علاجية لبعض المرضى ..وأتى وقت المرور على بعض مرضاه...
سلّمت ليلى عقب إنهاء صلاتها ...رفعت يديها بالدعاء والدموع تغرق وجهها...انتبهت لها امرأة عجوز مسؤولة عن كل ما يخص المكان ...وانتبهت للطفلة الصغيرة النائمة التي يبدو عليها الرجفة من البرد...اقتربت العجوز اليها وأتت معها بغطائها الخاص ...ثم تمددت بجانب الطفلة وفردت الغطاء على اثنتيهما في صمت ...
هدتها ليلى بنظرة امتنان صامتة ...لا سبيل للحديث والعجوز تتهافت عينيها على الغفوة ...
اطمأنت على ابنتها ثم شعرت بقوة كبيرة من البكاء لا تناسب هدوء المكان وتلك النائمين ..
تسللت للخارج دون ان يشعر أحد وكم احتاجت لأن تصرخ عاليـًا ... وتقل كل شيء مر عليها ...
تذكرت عينيه التي القت عليها وابل من التهم ...هو لا يعرف أي شيء... لا يعرف حبيبها أي شيء ...
قصدت الحديقة التي يبث فيها بعض الاضاءة من بعيد ....
دلف وجيــه لمكتبه في حركة سريعة ... ظن لبرهة أنه سيجدها ! ولا يعقل أن يبحث عليها بنفسه أو يرسل احد للبحث عنها!
دخلت الممرضة التي كانت تحدثه أثناء وجود ليلى ...وبيدها هذه المرة عدة تقارير طبية..
قالــت وهي تفحصهم :
_ « التقارير اللي طلبتها مني جاهزة يا دكتور .....و ....»
قاطعها وجيـه ببعض التردد في السؤال :
_ « هي راحت فين ...؟ »
أشارت الممرضة " منى" لما بيدها وقالـت :
_« التقارير ؟ معايا أهيه يا دكتور...! »
زمّ وجيه شفتيه بنفاذ صبر من غبائها ...وقال متحكمـًا بأعصابه :
_« مش التقارير...اللي اغمى عليها وكانت هنا ! »
قالــت منى بعدما فهمت قصده :
_ « راحت المسجد....صعبانة عليا والله ..»
التفت وجيـه كليـًا لها ..وتساءل بلهفة :
_ « ليـه ؟!! »
ضمت الممرضة منى شفتيها في هزة خفيفة من رأسها دلالاه اليأس :
_ « حالتها صعبة أوي..والدها عمل حادثة وكان معاه طفلين وماتوا تقريبـًا ولادها....هو دخل في غيبوبة وربنا يستر عليه ....حالته ما تطمنش ...ده غير انها شكلها مالهاش حد ....»
أطرفت عينا وجيه بصمت دون أن يتفوه بكلمة.. ..فتابعت منى مستفيضة بما تعرفه عن ليلى :
_« كانت عايزة تكلم حضرتك عن مصاريف المستشفى...يعني بصراحة هي مش هتقدر تدفعها دلوقتي ....»
شرد وجيه بعض الشيء ....تعجب من الحالة التي وصلت إليها...ولكن ينتهي به الأمر لنفس النقطة...أين زوجها ؟!
تساءل في وضوح هذه المرة:
_ « هي لوحدها؟ مافيش معاها حد ؟! أخ مثلًا ...أو زوج ؟ »
كان يعرف أن ليس لديها أشقاء ذكور ولكنه راوغ بالسؤال... فأجابت الممرضة منى :
_ « والله ما أعرف ..ما سألتهاش »
اغتاظ منها ... هل من بين ثرثرتها لن تعرف هذا الأمر بالذات ؟! ...عاد إلى مكتبه وجلس وهو يقول :
_« قولتيلي أنها عايزة تكلمني...ابعتيهالي...افهم منها الموضوع »
توجست الممرضة "منى" بقلق ...فهي من طرحت الأمر وليس ليلى ...لم تعتقد أنه سيسرع في التلبية بهذه السرعة!
قالــت بتلعثم :
_« خلاص ..بكرة الصبح هقولها..»
هتف وجيه بتصميم وبعصبية :
_ « دلوقتي ...»
كشرت الممرضة بغيظ وقالت :
_« يا دكتور تلاقيها نامت ! هو في حد يتناقش مع حد الساعة واحدة بليل ؟! »
نهض وجيـه من مقعده بعصبية فأسرعت منى مبتعدة ..وقالت بموافقة وتراجع :
_ « دقيقة وهتلاقيها عندك ...»
عاد لمقعده بنظرة ثابته....هو نفسه لأول مرة لا يعرف ماذا يفعل...ولو رأى غيره يفعل ذلك لكان انتقده وسخر منه...
ولكنه هو الحب ...!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
احتمت ليلى أسفل سيقان شجرة كبيرة تمتد فروعها الطويلة ... بكت بكل ما تستطيع من قوة..بصقت بعض من قوة الصراخ التي تسكنها ...
لمحتها الممرضة وهي في طريقها للمسجد ....فاقتربت إليها قائلة بحماس :
_ « كويس أني لقيتك بسرعة ....أنا قولت لدكتور وجيـه أنك عايزة تكلميه على مصاريف المستشفى...وشكله وافق...وطلب تروحيله وتكلميه بنفسك وتشرحيله..»
تجمدت ليلى في مكانها وهي تنظر بصدمة للممرضة...هذا ما كان ينقص ! فهتفت بغضب ودموع عينيها تنتفض :
_ « أنتِ أزاي تسمحي لنفسك تعملي كده من غير ما تقوليلي ؟! أنا ما قولتلكيش تكلمي حد !! ولا عايزة مساعدة من حد ! »
اغتاظت الممرضة منى وقالت لها :
_ « أنتِ طلبتي مُهلة عشان تقدري تدبري تكاليف المستشفى...وأنا بحسن نية اتكلمت بدالك مع دكتور وجيه وهو شاف حالتك بنفسه ! أنا غلطانة يعني ؟! انتوا كلكم بتزعقولي ليه ؟! »
لا فائدة في المناقشة مع تلك الفتاة التي يبدو حقاً أنها تصرفت بعفوية...استجمعت ليلى بعض من قوتها ثم احكمت حجابها وذهبت إليه ...ولكن هذه المرة بشكل أكثر قوة وقدرة على الوقوف أمامه...
تحتمل أي شيء غير أنه يشفق عليها ...!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كان يدق بقلمه على جسد المكتب في شرود حتى اقتحمت ليلى مكتبه .....رفع نظرته لها في ثبات... ثم ترك القلم ورجع بظهره للخلف على المقعد....
كان يبدو عليها الغضب ...واضح جدًا
قال في هدوء تام اغضبها أكثر وهو ينظر لعينيها مباشرةً :
_« اتفضلي اشرحيلي ظروفك.....»
رمته بنظرة عاتبة كانت مدتها ثانية واحدة ثم هتفت بغضب :
_ « أنا مش محتاجة مساعدتك...ولا عايزاك تساعدني...ومش هشرحلك حاجة...أنا هاخد أبويا لمستشفى تانية ودلوقتي حالًا ....
وبعدين اشرحلك أنت ليه ؟! أنا طلبت اتكلم مع المدير هنا أو اي حد من الإدارة ؟! »
ضيق عينيه عليها بقسوة...لو حقا ظاهريًا اتضح أنه يستغل الموقف لصالحه ولكن الحقيقة أنه يحاول أن يساعدها بالفعل....لا يريد الانتقام منها وهي بذلك الضعف..
يريدها ليلى التي تركته منذ عشر سنوات..بكل قوتها وقسوتها..
نهض من مقعده وصوت أنفاسه أربكها ...وقف أمامها قائلًا :
_ « لمعلوماتك...المستشفى دي والدي شريك فيها ومعاه اتنين شركا كمان...يعني اعتبريني صاحب قرار هنا....مش بس دكتور »
ابتلعت ريقها بدمعة انزلقت من عينيها رغمًا وقالت :
_ « كل اللي بطلبه منك عربية أسعاف تنقل ابويا لمستشفى تانية...مش هخليه هنا....ومش طالبة أكتر من كده ..»
أطرق وجيه بقبضته على المكتب بعنف وهتف :
_ « أبوكي في غيبوبة لو ناسية ! أي محاولة لخروجه من هنا بسبب عنادك ممكن تعرض حياته للخطر !
لسه الجبروت ماليكي !
لسه العند جواكي !
حتى لأقرب الناس ليكي !
اتنازلي ولو مرة عشان غيرك يعيش ! »
هربت بعينيها من نظراته المحدقة بها بشراسة وكل رمقة تذكرها بما فعلته به....قالت بصوت مرتجف :
_ « ما تدخلش اللي فات في وضعي دلوقتي...اللي فات أنا نسيته ونسيتك ونسيت عشر سنين من عمري معاهم ...»
ضغط على نواجذه حتى انتفخت عروق رقبته من الغضب وهتف :
_ « للدرجادي حبتيه؟ ولا اصلًا كنتِ بتحبيه وبتستغفليني؟!
بنتك كانت اصدق منك لما قالت عني أني بقيت "حدوته"»
أطرقت ليلى رأسها للأسفل ببكاء مكتوم حتى أنفعل وجيه أكثر وصاح بمرارة واتهام :
_« لما أنتِ نسياني ...ليه وأنتِ على ذمة واحد تفكري في واحد تاني وتحكي عنه حواديت كمان ؟!
ولا خلاص الخيانة بقت بالنسبالك عادي وممكنة ! »
انتفض جسدها من الاتهام الظالم وهتفت ببكاء وحدة :
_ « أنا اطلقت من سنة ! ما حكيتش لبنتي حرف عنك وأنا على ذمة طليقي! ولا كنت اقدر افكر في أي شيء تاني اصلًا لا أنت ولا أي حد ! وأعتبر الحدوتة دي صدفة اسم مش مقصودة..»
رد بسخرية لاذعة رغم أن شيء به ارتاح لجملتها الأولى :
_« كنت احتياط يعني ! حقيقي أنا استاهل....لأني في يوم فكرت أني ادخل واحدة زيك حياتي...غلطة الحمد لله الف مرة أنها مكملتش للآخر...»
وقال قراره الآخير ببريق الكبرياء بعينيه :
_« قرار خروج والدك يخص الدكتور المشرف على حالته...لو وافق يبقى تتفضلي مع الف سلامة وهبعت معاكِ أكبر عربية أسعاف مجهزة فيها والدك لأي مستشفى .....وده اعتبريه الصفحة الاخيرة ما بينا...واتقفلت بأخلاقي...أنما لو رفض فتحترمي قراره وما تنطقيش بعدها...تقدري تتفضلي من مكتبي ...»
استدار عنها بعد هتافه...
وكان بهتافه لمحة طرد ! وتعرف أنها احتدت بالحديث وأخفت أشياء كان يظهر بعينيه لهفته لمعرفتها...ولكن النتائج المتوقعة لقرارها من بينها نتائج وخيمة تنذر بالخطر...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
منذ أن خرجت من مكتبه وهو تائه بالفكر...يعاتب نفسه على هذا الميل رغم أرادته القوية بالانتقام ...!
كيف البشر ينتقمون ؟!
كيف يقسون على أحبتهم ؟!
كيف يجمد قلبه أمامها وهو مليء بها...؟!
يعرف أنه يستطع إيذائها ولكن سيطاله الأذى أيضا...رفع هاتف مكتبه ليجري اتصال هام...
اتصال هو الفيصل الآن...
مع الطبيب المُختص....!!
دلف لمكتبه بعد دقائق..امرأة في آواخر الثلاثين من عمرها...
فاتنة ... يبدو من مظهرها انها لم تنفك عن الاعتناء ببشرتها وبشعرها الأشقر الطويل
اقتربت " چيهان " بمعطفها الأنيق من الكتان الأحمر ووقفت أمام مكتبه بابتسامة ليست صافية تماما ...ثم قالت :
_ « ممكن اتكلم معاك شوية ؟ »
تفاجئ وجيه حقاً بوجودها... فقد أصبح انتباهه في اتجاه واحد فقط....تحدث بلياقة وقال وهو يشير لها بالجلوس :
_« اكيد....»
لاحظت شروده وهي تسأله ...وجلست أمام مكتبه في ارتباك ...ثم قالت :
_« وجيه...أنا عمري ما سببتلك مشاكل سواء لما كنا متجوزين...أو في شغل المستشفى بعد ما اطلقنا...أنا مكنتش متخيلة أني ممكن أقول كده في يوم من الأيام ...بس أنا أتمنى أننا نرجع لبعض ..»
صدم وجيـه للحظة من قولها رغم أنه من المفترض أن لا يتفاجأ كثيرًا ...فجميع تصرفاتها واهتمامها به بالفترة الآخيرة كان يكشف ذلك....لم يجد إجابة يجيب به حقاً ...
الأمر مُحرج للغاية...والإجابة تحتاج كثير من اللباقة .
تابعت چيهان بارتباك وهي تنظر باتجاه آخر غير عينيه:
_ «بعد ما اطلقت ..ارتبطت مرة واتنين وتلاته...كلهم كانوا طمعانين فيا وفي ورثي ...أنت الوحيد اللي محستش لحظة أنه طمعان في أي شيء يخصني....»
التمعت عينيها بدموع وهي تضيف :
_« احساس وحش أوي لما ألاقي محدش بيقرب مني غير لمصلحة ....حسسوني أني ما اتحبش لنفسي.... وأني من غير فلوسي ولا شيء !! »
رد وجيــه عليها موضحـًا:
_ « يمكن أنتِ اللي كنتِ بتختاري غلط ؟ »
هزت احد كتفيها بحيرة :
_« يمكن...مش عارفة ....بس أنا اتعودت أن يكون حد جانبي...ولما بابا مات لقيتني تايهة ومش فاهمة حاجة حواليا ...مابقتش عارفة أفهم حد..ولا حتى نفسي...أكتر قرار خدته ومرتاحة فيه أني اتكلم معاك ... عشان واثقة فيك ..»
نهض وجيه من مقعده وهو لا يجد اجابة مناسبة للرفض حتى لا يجرح شعورها...وقف أمام النافذة ليخطفه مشهد آخر...
ليلته تقف تحت المطر مستسلمة تمامًا ويبدو إنها تبكِ!
تحدثت چيهان لمدة خمسة عشر دقائق...يقسم أنه لم ينتبه لكلمة واحدة مما قالتـه!!
نطق وعينيه لا تحيد عن ليلى وشاردًا تمامـًا بها وحدها :
_« لو سمحتي يا چيهان...الموضوع ده ليه وقت أنسب من كده نتكلم فيه ...دلوقتي ماينفعش نتناقش خالص ! »
سخر شيء بعقله...لماذا كل السبل تكن على مصراعيها عندما توجد ليلى فقط !
تخضب وجه چيهان ببعض الاحراج..هي تعرف أنها ليس هذا المكان او الوقت المناسب للتحدث فيه..ولكنها ستنتظر ..فعلى أي حال ..أخبرته وانتهى الأمر.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عادت ليلى لداخل المسجد وجلست مستندة بظهرها للحائط ...ونال منها الحنين للماضي حتى عادت بذكرياتها عشرة أعوام...
*** عودة بالزمن لـ ١٠ سنوات ماضية ***
محل لبيع الزهور...وتصوير الأوراق والمستندات... مع أضافة الهدايا المرتبة بالأرفف... وبعض الكتب المطروحة بأرفف أخرى...
كان عدة أماكن بمكانٍ واحد.. ومنفذ بيع واحد به فتاتين يعملان فيه.
أما عن زقزقة العصافير التي ترنم بصوتها الشجي الحزين فحدث ولا حرج ، كأنها تُشارك الألم الصامت لتلك الشاردة الجالسة على مقعد من خشب الخيزران.
جلست فتاة أخرى قبالتها تُسمى " إيمان" بعدما جرّت مقعدٍ آخر وقالت بمواساة :
_« هتفضلي على الحالة دي لحد أمتى يا ليلـى ؟! أختك بقالها تسع شهور متوفيـة وأنتِ حتى ما غيرتيش الأسود! »
اعتلت أمارات الكآبة على وجه ليلى وقالـت بتنهيدة:
_« مش عارفة ألوّن ! بس مش ده السبب الوحيد في حيرتي ...»
أطرفت إيمان عينيها بفضول وقلق ثم تساءلت:
_« في حاجة حصلت؟ ...»
ازدردت ليلى ريقها بمرارة كأنها تبتلع الخمط المر....وتنهيدة غائرة العُمق بكل ثقل هذا الحِمل والهم الثقيل بصدرها وأجابـت:
_« أبن عمي "صالح" و جوز أختي الله يرحمها....كلم أبويـا الأسبوع اللي فات.... عايز يتجوزني! ....المصيبة الكبيرة أن جدي لأول مرة يكلم أبويا بعد السنين دي كلها... وخيره أني لو ما اتجوزتش " صالح" هيفضل غضبان عليه لحد ما يموت! »
فغرت إيمان فاها من الدهشة... ثم اغلقت فمها بتقطيبه ارتقت على محياها وقالت بتعجب:
_« هو جدك مكنش ده كله لسه كلم أبوكي ؟!...رغم جواز أختك من أبن عمك من خمس سنين؟! »
شعرت ليلى لبرهة أنها ضاقت من متابعة هذا الحديث.... ولكن تابعت علها تنفض من على عاتقها هذا الهم واستطردت:
_« لأ مكنش كلمه..صالح اتجوز أختي لأنهم كانوا بيحبوا بعض وجدي مقدرش يرفض.... ولا عرف يضغط على أبويا...بس النهاردة بيستخدمني عشان يرجّع أبويا للبلد...طب أوافق أزاي واحط نفسي في جحيم واحد مش قادرة ولا هقدر أنسى أنه كان جوز أختي!
واحط أبويا في دايرة انتقام ثأر وأعرضه للخطر من تاني! »
طرحت إيمان سؤال آخر لتفهم الأمر أكثر :
_« طب وأبوكي موافق؟! ..»
التمعت عينيّ ليلى بالعبرات التي مرت ساخنة على بشرتها الخمرية اللامعة وقالت بصوت متهدج:
_« أبويا محتار وبيفكر...بس أنا شايفة ميل الموافقة في عنيه ! بالذات أن الموضوع مش بس كده...ده عشان ولاد أختي كمان يتربوا في حضني من غير ما تيجي واحدة تقسى عليهم...هو ده الكلام اللي متوقعة اسمعه منه قريب....»
جالت إيمان بفكرها لمدة دقائق وأعادت نظرتها بيأس إلى ليلى وقالت:
_ « مش عارفة أقولك إيه....يُستحسن ما تفكريش كتير في الموضوع ده وسبيها على الله...تعالي نقوم نخلص شغلنا قبل ما بنت صاحب المحل تيجي وأنتِ عرفاها...أنسانة لا تُطـــاق ...»
أنتهى دوام العمل لهذا اليوم..وعادت ليلى لمنزلها ...لتجد جارتها السيدة " أم سلمى " تركض من منزلها ويبدو عليها الخوف..أوقفتها ليلى بقلق وسألتها فأجابت السيدة ببكاء :
_« سلمى أغمى عليها يا ليلى ...هروح اجيبلها دكتور يشوفها ..»
ذهبت السيدة في عجالة بينما ركضت ليلى لبيت سلمى مباشرةً....كانت سلمى صديقة الطفولة لها ولشقيقتها المتوفاة أيضاً...لذلك ازدادت عرى الصداقة بالأخص عقب وفاة شقيقة ليلى الكبرى ..." صافية "
دلفت من باب الشقة المتروك على مصراعيه وتوجهت لغرفة سلمى فوجدتها تجلس على فراشها وتبكِ بكاء شديد!
قالت ليلى بغيظ :
_ « خضتيني عليكي ...»
رمقتها سلمى سريعاً ومسحت عينيها ثم اجابت بصوتٍ متهدج :
_« كنت مضايقة شوية ...معرفش وقعت من طولي كده أزاي !! »
جلست ليلى بجانبها وقالت :
_ « طب فضفضي...احكيلي اللي مزعلك...»
ردت سلمى باختصار :
_« مافيش ..عادي يعني ...»
هتفت ليلى لتحسها على الاعتراف :
_« يابنتي قوليلي اللي مضايقك يمكن اساعدك !! »
ضيقت سلمى عينيها لدقيقة في هدوء ثم نظرت بمكر لـ "ليلى" وقالت :
_ « فعلًا أنتِ تقدري تساعديني....»
وبدأت تؤلف قصة من نسج خيالها فنهضت ليلى بغيظ وقالت :
_ « يعني إيه يطردك من المحاضرة! هو أنتِ شغالة عنده ؟! ده عايز يتهزأ ! »
قالت سلمى ببكاء مصطنع :
_« يمكن لو عرف أني تعبت مثلًا يبطل يطردني...روحيله وقوليله أني اغمى عليا بسببه وشوفي هيعمل ايه..ده يمكن يجيلي هنا كمان ....»
ابتسمت نظرة سلمى بسذاجتها فقالت ليلى برفض :
_ « اروحله ! أنا لو روحتله هبهدله مش هسكت ...»
توسلت سلمى حتى وافقت ليلى على مضض وهي تعرف أنها لن تكتفتي بإخباره فقط بل وسترد له أهانه صديقتها....
وفي اليوم التالي ..تركت عملها وذهبت حتى مبنى الجامعة...وقفت تنظر لبوابة الدخول وتردد بخفوت :
_« طب أنا معرفهوش ولا أعرف حتى شكله إيه اللي موقفني كده ؟! »
شاهدت تجمع من الفتيات يتحدثون أمام المبنى بينما فتاة أخرى وحيدة تقف بعيدًا وكأنها تنتظر شيء...قالت ليلى لنفسها :
_ « هروح أسألها...»
توجهت ناحية الفتاة وطرحت السؤال عليها فأشارت الفتاة في الحال خلف ليلى ...استدارت الأخرى لتجد رجل ثلاثيني للتو ترجل من سيارته ويحمل حقيبة أوراق في يده تزاحمت عليه أنظار الفتيات فجأة وبإعجاب شديد....
يسير في طريقه بثقة ونظرة عينيه للأمام باتزان وكأنه ينظر لنقطة لا يحول عينيه عنها...بينما لم يلتفت لما حوله بما فيهم هي...
شردت قليلًا ...حتى تفاجئت أنه أختفى داخل المبنى فزمت شفتيها في غيظ من نفسها ومنه !
راقبت حرس البوابة حتى استطاعت التسلل وسط أحد المجموعات دون أن ينتبه لها الحرس واستطاعت الحرم الجامعي.....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
رتب وجيه أوراقه وبعض الأشياء بمكتبه ثم خرج متوجهـًا لأحد القاعات الدراسية ليبدأ أولى محاضراته لهذا اليوم....
قبل أن يدخل وجيه إلى القاعة الكبيرة المليئة بالطلاب بكلية الطب.... تسللت فتاة من جانبه ودخلت قبله ثم استدارت وقالت له بنظرة عدائية :
_« هدخل أنا الأول ! ...»
ضيق عينيه بحدة وكاد أن يجيب بعصبية لتصرفها الغير لائق حتى ابتعدت ليلي بخطوات واثقة !
جلست ودفعت حقيبتها على طاولة المقعد الدراسي مما احدث صوت ازعج من حولها....
جلست ليلي وهي تنظر له بعداء غير مفهوم!
تحكم بأعصابه ثم بدأ المحاضرة وبعد عدة دقائق من الشرح نظر إليها بصمتٍ لدقيقة ثم قـال:
_« أنتِ ؟....قومي أوقفي وقولي كنت بقول إيه...»
تظاهرت ليلى بالثبات وعدم الاكتراث بينما ارتجفت بداخلها من الخوف، كيف تردد ما قاله وهي لم تنتبه ولو لحرف واحد!
وما أتت لهنا إلا لشيء واحد.....ويبدو إنها كانت في شدة غبائها عندما فكرت في أهانته ورد ما فعله بينما كان من المفترض أن تخبره فقط ما حدث لسلمى...غبية !
وقفت وهي تبتلع ريقها في توتر ثم أجابت ببساطة:
_ « وقفت ...»
أغضبه تجاهلها لبقية سؤاله فكرر :
_ « قولي كنت بقول إيه؟ بالتفصيل ...»
أجفلت ليلى عينيها بارتباك حتى قالت لنفسها " أتت الفرصة إليها لترد له الصاع" ....قالت بثبات:
_ « مخدتش بالي....قول أنت اللي أنت قولته تاني كده ؟ »
هتف وجيـه بعصبية :
_« تعالــي وهاتي شنطتك معاكي ..»
حملت حقيبتها ثم هبطت الدرجات البسيطة للمدرج وتوجهت إليه بنظرة حادة فقال مطالبًا:
_ « الكارنيه؟ »
شحب وجهها فقد بدأت تخاف حقـًا وتلعثمت وهي تجيب:
_« مش معايا ...»
رفع وجيه حاجبيه بدهشة ثم قال:
_ « وأزاي دخلتي؟! »
ضحكت عندما تذكرت محاولة تسللها من البوابة وقالت:
_ « اتسحبت بصراحة ودخلت...هو أنت متعرفش؟! »
بدأت الطلاب في الضحك فنظر اليهم بحدة حتى ساد الصمت مرةً أخرى وعاد إليها بعصبية متسائلًا:
_ « أعرف إيه؟! »
كتمت ضحكتها وهي تستعد للهروب :
_« أنا مش طالبة هنا أصلًا ....»
تابعت وهي تكتم ضحكة أخرى كادت أن تفلت منها :
_« وجيت عشان ازعقلك وأمشي بصراحة وأردلك اللي عملته بس كفاية عليك كده....»
ركضت من أمامه في شدة دهشته مما يحدث بينما صوت خطواتها الراكضة تردد بالمكان ...نظر والغضب يملأ وجهه ثم خرج من المدرج....
بعد مرور دقائق كانت تقف بمكتبه بعدما منعها حرس البوابة أن تخرج وذلك عقب اتصال وجيه بأحدًا منهم لأن يمنع فتاة تسللت دون انتباههم للداخل واعطاه مواصفاتها...فشدد الأمن حراسته حتى استطاعوا تحديد الفتاة ...
* بمكتبه بالجامعة *
ابتلعت ليلى ريقها بخوف شديد وما كانت تدرك أنها ستقع بذلك المأزق واندفاعها الأهوج ....
قالت له بقلق:
_« أنت زعلت ولا إيـه ؟! »
جلس على مكتبه في هدوء وثقة وارجع ظهره للخلف في نظرة متفحصة للخوف النابض بعينيها ...ثم قال باختصار:
_« أظن أنتِ عارفة إيه اللي ممكن يحصلك بسبب غبائك ؟ ...»
هزأت رأسها بالإيجاب وقالت بصدق :
_« آه عرفت.... بس ما هو أنت برضو مستفز وتغيظ! »
هتف بعصبية:
_« لمي لسانك ! »
قالت سريعـًا وأسف:
_ « أقصد حضرتك...مستفز وتغيظ...»
تطلعت به لتجد أنه يشتد غضبًا فأدمعت عينيها وقالت موضحة سبب ما فعلته:
_« أنت زعقت لسلمى صاحبتي ومشيتها من المحاضرة عشان دخلت بعدك بعشر دقايق ...ورجعت البيت وفضلت تعيط من الصبح للمغرب! »
لم يعرف لما أراد أن يبتسم ...فقال:
_« وبعدين ؟ ...»
تابعت ليلى ببكاء:
_« وبعد المغرب...روحتلها ...ما هي جارتنا وكده، لقيت أمها بتجري في الشارع....»
تساءل وجيه باهتمام:
_« حصلها إيه ؟! »
أجابت ليلى بغيظ وهي تبكي:
_ « ما اتغديتش! »
نهض وجيه من مقعدة بعصبية وأشار للباب بحدة قائلًا:
_« اطلعي برا ...»
هتفت ليلى مرة أخرى وقالت:
_ « وفضلت قاطعة الأكل من العياط لحد ما أغمى عليها عاجبك كده يعني! أنت السبب ! »
قال بسخرية وهو يقف أمامها بقامته الطويلة :
_« وأنتِ بقى اللي جاية تنتقميلها؟! تفتكري بذكائك كده أن ده سبب كفاية يخليها تدخل في الحالة دي؟! مع أني ما طردتش حد أصلًا !! »
نظرت له بغيظ وقالت:
_ « كنت جاية أفهم اللي حصل لكن لما شوفتك صدقت...أنت بتخوف ومش بتستنى حد يكلمك!! بتمشي زي القطر ! »
نظر لها بصمت حتى استأذنت بارتباك:
_ « سلام عليكوا ...»
قال بشعور غامض من اللهفة ليبقيها:
_ « رايحة فين؟! »
أشارت للنافذة خلفه وقالت:
_« هروح شغلي...أصلي بشتغل في محل الورد اللي جنب الجامعة...عندنا مكنة تصوير كمان وكتب...و. »
تراجعت بتوتر من نظرته الثابتة والصامتة عليها وقالت بقلق :
_ « خلاص أسفة...»
ابتعدت ببطء حتى وقفت أمام باب المكتب واندفعت بعد ذلك راكضة واختفت تمامـًا عن ناظريه....
ظهرت ابتسامة على شفتيه ويبدو أنه أخفاها طويلًا...
نهض ولملم اوراقه من على المكتب والابتسامة كانت تتسع على شفتيه كلما ترددت كلماتها بخاطره.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
روت ليلى كل ما حدث بمرح لصديقتها سلمى عبر الهاتف وهي تجلس على المقعد الهزاز بـ " محل الزهور "
حتى تفاجئت أن سلمى تعنفها بعصبية :
_« هو أنا قولتلك ادخلي الكلية واعملي كده يا غبية ؟! أنا قولتلك قوليله بس ! شكلي إيه دلوقتي قدامي صحابي ! »
قطبت ليلى حاجبيها في ضيق ثم قالت بعتاب :
_ « ما أنا قولتله اللي أنتِ عايزاه بس بصراحة مقدرتش...وهو أصلًا مسابليش فرصة اكلمه قبل ما يدخل المحاضرة ده شبه القطر محدش عارف يوقفه ! »
تابعت في غيظ :
_« وبعدين زعلانة ليه هو مش طردك من المحاضرة ؟! »
هتفت سلمى وقالت باعتراف :
_« لأ ما طردنيش وكانت أشتغالة استريحتي ؟! »
أغلقت سلمى الاتصال بعصبية بينما تجمدت ليلى من الصدمة...نظرت لها إيمان "زميلة العمل " وقالت بعتاب :
_ « دبستي نفسك في حوار مالكيش فيه وبقيتي أنتِ كمان اللي غلطانة ؟! ياريت تتعلمي بقى من الموقف ده ! »
وضعت ليلى الهاتف وبعينيها بريق الندم والعبوس ...صمتت لدقيقة حتى قالت :
_« عندك حق يا إيمان...أنا غلطت ولازم أعتذر ...وبصراحة هو كان محترم معايا حتى لما كلمته بقلة ذوق...»
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
بالنسبة للأسماء يا جماعة ...
الرواية دي خليتها سلسلة..أول رواية في السلسلة كانت إمبراطورية الرجال..
تاني رواية قلبي وعيناكِ والأيام
السلسلة كلها هتكون بنفس الأبطال وأسمائهم ولكن قصة كل رواية مختلفة...
بالنسبة لرواية حوركيديا (حورية وشيطان ) هتنزل كاملة في نص يناير بأذن الله لذلك هنزل الرواية الجديدة كل ٣أيام لحد ما أخلص مراجعة على رواية حوركيديا وأنزلها للقراءة....
الرواية الجديدة محتاجة تركيز لان أول فصول بالذات فيها كم مشاعر وحب وتحدي مش طبيعي وكل احساس لازم يتكتب عشان أوصلكم كل طرف في الرواية ....أتمنى الفصل يعجبكم ... 🥰💙❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع 4 - بقلم Shaimaa Gonna
# الفصل_الثالث
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~...لن أنسى أبدًا...~
عادت ليلى بعد أنتهاء دوام العمل ... مُحملة ببعض الندم لخطة ساذجة انساقت خلفها دون تفكير....تفاجئت بـ "سلمى" وهي تقف تنتظرها أمام المبنى القديم الذي يضم عدة شقق قديمة الطراز في تصميمها ولكنها توحي بالأصالة للطبقة المتوسطة....ومنهم شقة والدها..
خمنت في أي جدال ستدخل ...قالت لتقطع أي خيط يصل للحدة بحديثهما :
_« رغم أنك ضحكتي عليا يا سلمى بس عشان خاطر أختي الله يرحمها ..مسمحاكِ ...»
ردت سلمى بغيظ منها وكأنها تقدمت بإعتذار وتنتظر الصفح!....وهتفت :
_ « أنتِ قولتي لحد أنك تعرفيني ؟! »
تمالكت ليلى أعصابها ثم قالت بهدوء :
_« قولت لدكتور وجيه اسمك الأول بس...لكن هو يعني مش هيعرف بتكلم على أي سلمى بالضبط ...ما في اكيد غيرك بنفس الاسم ....! »
تراجعت سلمى بعض الشيء عن حدتها وظهر بعينيها فضول لمعرفة التفاصيل ...فقالت بمراوغة :
_ « طب وقالك إيه لما عرف حالتي ؟ محاولش يعرف أنا مين بالضبط ؟ »
نظرت ليلى لها بتعجب وأجابت بعصبية :
_ « مصدقش طبعا أن يجرالك كده للسبب ده وكان شكلي وحش جدًا ... وعلى العموم ما تخافيش هو معرفش سلمى مين بالضبط ...وطالما اصلًا ما طردكيش فأنتِ في الأمان ...»
ثم أضافت بحيرة :
_ « بس أنتِ ليه أغمى عليكِ وكنتِ بتعيطي؟! وليـه كدبتي عليا وخلتيني أروح الجامعة وأقوله كده ! »
غمغمت سلمى بتلعثم ثم قالت :
_« أصل ...هو أنا مكدبتش أوي...هو احرجني في نص المحاضرة لما سألني ومعرفتش أجاوب...كنت سرحانة....»
نظرت لها ليلى لدقيقة وشعرت أن هذه كذبة أخرى ...فعلى رغم ما فعلته به اليوم... والذي كان كفيل أن يسبب لها مشكلة كبرى ....لكنه اظهر حسن تصرفه وأخلاقه لدرجة عالية وتركها دون إيذاء ...ما وراء تصرفات سلمى إذن؟!
قالت لتنهي هذا الموضوع السخيف :
_« حصل خير.....»
ومضت مبتعدة عنها...تعددت الاسئلة برأسها ولكنها تعرف أن سلمى لن تفصح عن أكثر ما تريد قوله...
وفي اليوم التالــــي ....
ذهبت ليلى مبكرًا للعمل...ولكنها لم تقصد وجهة العمل تحديدًا ...بل توجهت إلى الجامعة وحاولت التسلل مثل الأمس عدة مرات ولم تفلح...حتى قبض عليها أحد حراس البوابة الكبيرة وقال لها بعصبية :
_ « أنتِ تاني ؟! واحدة غيرك المفروض ما تقربش للشارع اللي جنب الكلية أصلًا....»
قالــت ليلى بغيظ :
_« ليه هي الكلية بتكهرب ؟! »
ضحك شاب من الحراس الذي عنفها بالأمس....بينما نظر لها الرجل المتحدث وقال بجدية :
_ « بلاش لماضة وقولي عايزة إيه ؟ واتكلمي بصراحة عشان بتخنق من الحوارات ..»
نظرت ليلى حولها وانتظرت حتى مر مجموعة من الفتيات للداخل حتى لا تثير سخريتهن وفضولهن... ثم أجابت على الرجل الكبير :
_ « بصراحة بقى يا عمو الأمن ...أنا داخلة أقول لدكتور وجيه حاجة وهطلع .... بص ..مش هاخد فمتو ثانية وهتلاقيني خارجة ... هدعيلك والله ...»
يبدو أن هناك من يقف خلفها منذ دقيقتين واستمع لما قالته ...
قال الرجل لها بابتسامة وهو يشير بيده تحية لدكتور وجيه :
_« آه ادعيلي يا بنتي....رمضان على الأبواب فاضله كام شهر....»
مر وجيه من جانبها وهو يخفي ابتسامته....حتى اتسعت عين ليلى ببهجة وقالت بقصد القاء السلام عليه ولكن القت. بتلحين ما كانت ستجيب به على حارس البوابة :
_ « أهلًا رمضـــان ...»
ارتفعت الضحكات حولها ، فأطرقت رأسها للأسفل بإحراج وتمتمه خافته يظهر منها أنها تنعت نفسها "بالغبية"......قال وجيه بابتسامة لم يستطع أن يخفيها أكثر من ذلك :
_ « سيبها يا عم اسماعيل .... »
رفعت رأسها وتبدل عبوسها ثقة عالية بابتسامة بها لمحة غرور ...ثم قالت لأحد أفراد الأمن الذي كان يضحك بسخرية ...والذي كان يجلس على مقعد على بُعد خطوتين :
_« شوفت .... لما تشوفني تاني تقوم توقف ...»
ضيق وجيه عينيه عليها واستطاع بأعجوبة أن يمنع نفسه من الضحك ... أشار لها لتأتي خلفه ورمى نظرة أعتذار سريعة لحارس البوابة....
في المكتــــب .....
جلس أمام مكتبه الخشبي وأصبح أكثر جدية رغم أنه كلما نظر اليها يبتسم رغمـًا.... ووقفت أمامه ولم تعرف لما تملّكها فجأة الخجل منه ...ربما لأنها الآن معه بمفردها..... كاد أن يتحدث حتى دلف أحد حراس البوابة وهو يعلق ساعة يد بين أصبعيه ويقول :
_« الساعة دي وقعت من شنطتك يا آنسة ....بنادي عليكِ لكن ما سمعتيش ...ماشية زي القطر!! »
سومها وجيه بنظرة ضاحكة وتذكر شيء ما قالته....
حملقت ليلى بساعة يدها التي نفذ صبرها منها من كثرة السقوط فقررت وضعها بحقيبتها ولكن سقطت أيضًا ..."ساعة نحس "
هكذا رددت بنفسها ...
رمقت الرجل بغيظ وخطفت الساعة منه وقالت :
_« شايلها زي الأرنب كده ليه ؟! دي ضد المية ! »
رماها الرجل بنظرة غيظ ثم ذهب....قال وجيه مبتسما :
_« كنتِ عايزة تقوليلي إيه ؟ »
ردت بنرفزة وهي منشغلة بإرتداء الساعة على معصمها الذي تأبى الأنغلاق :
_ « هلبس الساعة أستنى....»
نهض من مقعدهِ بخطوات هادئة و على شفتيه ابتسامة هادئة ثم وقف وتأمل تقطيبتها وهي تحاول جاهدة غلق السوار المعدني للساعة ولكنها فشلت ...
لأول مرة يجد فتاة تجعله يبتسم من قلبه بهذه الطريقة العفوية الغير مفتعلة... تثنيه عن أي منعطف فكري آخر غيرها..
فتاة تبدو بسيطة ...بسيطة جدًا ...بسيطة حتى الفتنة !
الم يكن الشيء الزائد عن الحد ينقلب إلى الضد ؟!
يبدو أن المرأة التي تبقى بعقل الرجل هي من تستطع التسلل إلى أفكاره أولًا ثم تقتحم كيانه بعد ذلك....
أحد ممرات العبور في الحب ....
خرج من شروده على صوتها وهي تقول بنظرة به لمحة ندم :
_« كنت عايزة أقولك...أنا أسفة ...»
وضع يديه بجيبي بنطاله فبدا كتفيه أعرض مما كان....وتأمل أحمرار وجنتيها وهي تنظر للأسفل ثم تسللت بنظرتها للأعلى بخلسة ونظرت للأسفل من جديد...
گ الطفلة تمامـًا ....!
قال مبتسمًا بصوت هادئ :
_ « يعني عرفتي أني مظلوم ومطردتش صاحبتك ؟ »
تساءلت في حيرة بينها وبين نفسها...لما الابتسامة ارتسمت على وجهه منذ أن وقعت عينيها عليه بدقائق فائتة وحتى الآن ؟!
هل تبدوا ساذجة وغبية لهذا الحد ؟!
هزت رأسها بالإيجاب وقالت :
_« فهمت غلط معلش.... أحيانـًا مابفهمش ...»
أطبق فمه كاتمـًا ضحكة ...حتى صححت بنظرة اتسعت بغيظ ظهر فجأة :
_« لا أقصد يعني...مش بفهم قصد اللي قدامي ... مش بستوعب بسرعة....أقولك حاجة .... أنا غبية ..»
اتسعت ابتسامته وهو يهز رأسه وقال بضحكة خافته :
_ « مقابلنيش حد زيك خالص...أنتِ مش طبيعية ! »
تساءلت بابتسامة بسيطة :
_« يعني حضرتك سامحتني ؟ »
هز رأسه مرة أخرى بابتسامة متسعة وعينيه تلتمع بـ بصيص المرح والتسلية وبريق شيء غامض...قالت بابتسامة ارتياح :
_« طب الحمد لله... تصبح على خير....»
نظر لها بدهشة لمدة دقيقة .....فصححت بضيق من نفسها وكأنها ستبكِ :
_ « لأ صباح الخير ...أنا مش هتكلم تاني مع حد ....»
خرجت من مكتبه بخطواتٍ سريعة مثلما فعلت بالأمس ... فأطلق ضحكة من شفتيه ...ثم استدار يجمع أوراقه للذهاب لأحد القاعات الدراسية .... وكاد يخرج من المكان حتى أنتبه لشيء يلتمع على الأرض...أنحنى ليلتقط ساعة معصمها التي يبدو أنها سقطت مجددًا دون أن تشعر...
ابتسم ابتسامة نابعة من قلبه وكأنه أحب تلك الهدية من القدر...يبدو أن هذا ليس اللقاء الآخير...!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دخلت ليلى محل عملها والابتسامة الشاردة على محياها ...لاحظت زميلة العمل "إيمان" ذلك فرمقتها بغمزة ماكرة وقالـت :
_ « اللي واخد عقلك يتهنى بيـه ! »
جلست ليلى على المقعد الهزاز وبدأت تتارجح بيه قليلًا والابتسامة لا تفارق محياها ...ثم قالـت :
_ « في صدف كده بتحصل في حياتنا ... بنتمنى تتكرر كل يوم ....بس ليه كنت متلغبطة بالشكل ده في كلامي معاه ؟! »
قالت إيمان بضحكة :
_ « طب أحكيلي هو مين ؟ أنتِ أصلًا كلامك يلغبط أي حد لما بتبقي متوترة....»
روت لها ليلى ما حدث فأطلقت إيمان ضحكة عالية على ما حدث لصديقتها .... ثم قالت بجدية أكثر :
_ « طب اعتذرتي وكده تمام....ما تروحيش تاني الجامعة نهائي ...لو حس زي ما أنتِ حاسة كده هيجيلك لحد عندك ...»
ابتلعت ليلى ريقها بخجل وقالت بتلعثم ونظرة رفض :
_ « مين قال أني حاسة بشيء ؟! أنا بس يعني ...»
قاطعتها إيمان بتفهم :
_« يمكن احساس وقتي من موقف حصل... بس برضو أعملي اللي بقولك عليه... لو ظني في محله يبقى خير وبركة وهنبل الشربات قريب ....لو مجرد موقف يبقى احسن أنك معلقتيش نفسك والموضوع أنتهى...بسيطة خالص....»
دلفت فجأة فتاة عشرينية يبدو من مظهرها التحرر دون محاسبة من الأهل...فقد كانت ترتدي تنورة قصيرة رغم برودة الطقس ! وكنزة ضيقة تبرز مفاتنها بشكل فاضح !
رمت " رسيل " نظرة محتقرة للفتاتان وهتفت بهما :
_ « انتوا قاعدين وسايبين الشغل؟! والله لما بابا يجي لقوله ! »
وسومت ليلى بعداء واضح هاتفة :
_ « وسيادتك قاعدة على الكرسي بتاعي اللي جايلي من برا مخصوص ! جاية تقعدي ولا تشتغلي حضرتك ! »
نظرة إيمان بنظرة تحذير إلى ليلى حتى لا تندفع خلف الشجار التي تجره تلك الفتاة البغيضة دائمًا ....فقالت وهي تحاول جاهدة التحكم بأعصابها قدر الإمكان :
_ « الشغل عمره ما اتعطل ...احنا اللي لسه على الصبح ولسه جايين ! »
أتى والدها بهذه اللحظة وهو يضع مفاتيح سيارته على المنضدة الزجاجية المليئة بكافة سلالات الزهور المشهورة بهذا الوقت.....فصاحت أبنته رسيل وأخبرته بما شاهدته فقال الرجل بهدوء :
_« وفيها إيه لما تقعد على الكرسي يا رسيل هي هتخطف منه حته ؟! وبعدين أنا قولتلك مليون مرة ما تزعقيش للبنات هنا تاني هما مش خدامين عندنا !! »
استشاطت الفتاة ذو العشرين عاما بغيظ شديد حتى ضربت قدميها بالأرض بغضب....أشار لها والدها بحدة نحو السيارة بالخارج وقال :
_ « استنيني في العربية ... دقيقة وهحصلك ...»
القت رسيل نظرات محتقرة للفتاتان ثم غادرت المكان بغضب وتمتمة يبدو منها أنها تلفظ الشتائم .....قال الرجل معتذرًا :
_ « أنا أسف يا بنات...هي بس مضايقة شوية النهاردة ...»
غادر سريعـًا بعدما أخذ شيء من خزانته الخاصة بالمحل .....
نظرت ليلى للمقعد التي تحبه كثيرا وقالت :
_« لو كنت اقدر على تمنه كنت أشتريت واحد زيه...بس النوع ده غالي أوي عليا ....»
ردت عليها إيمان وقالت بتعجب :
_ « ما هو جدك لو يعدل في الميراث كان زمان والدك مليونير ! ....حرام والله كده يحرمكوا من كل حاجة !! »
هزت ليلى رأسها بيأس ...ثم تحدثت بأسَى :
_« جدي ربنا يسامحه.....حرم أبويا من كل حاجة حتى من ميراثه في جدتي الله يرحمها.... ده كله عشان أبويا رفض يبقى سلاح غشيم في سلسال دم مابينتهيش.... طار بياخد معاه الظالم والمظلوم .....»
توالــت ساعات اليوم في هجر شمس الشتاء ....وأتى المساء... ورغم أن الشتاء وصل حتى منتصف عمره الموسمي ولكنه أتى لطيفـًا حتى اليوم....
اليوم ..... لابد أن اليوم مميز ...
كل شيء به مميز .... تسري به نغمة على وتر أرق من النسمات ... يأتيها مع رحيق المطر... ورائحته التي وكأن بها أثار حنين كل العشاق الراحلين...
جلسـت ليلى بعد يوم عمل طويل على المقعد الهزاز...بينما حملت صديقتها "إيمان" حقيبتها وقالـت وهي تهم بالمغادرة :
_« أنا مش هستنى لما الدنيا تبطل شتا...همشي حتى لو هروح غرقانة...مع السلامة يا ليلى .....»
أجابت ليلى عليها في سلام ووداع مؤقت...مرفق بابتسامة صافية...بشفتين مثلجتين من البرودة...وباب الـ " محل" مفتوح على مصراعيـه .... تنتظر فقط أن يهدأ سيل الشتا لتغادر إلى منزلها....ولكنها مع ذلك بقيت مبتسمة على مقعدها...شاردة ...تحمل كتاب كان عبارة عن ديوان شِعر أختارته من بين عدة كتب....أعجبها اسم الديوان ...
" لن أبيع العمـر "
من ذا الذي يبيع عمره ؟!
تردد السؤال بعقلها بتعجب....بجانبها طاولة صغيرة خصصها مالك المكان لوضع أكواب القهوة....الطاولة كانت تحمل وردة حمراء طبيعية...باقية من جمع الزهور بالهدايا طيلة اليوم.....منعشة الرائحة ...التقطتها يدها سريعـًا وفتحت الكتاب بشكل عشوائي وهي تتشمم ريحقها بعمق....وابتسامة هادئة.
أتى بالمصادفة فقرة غنائية بالمذياع التي تركته صديقتها مفتوح وكان يردد بعد الأخبار المسائية ... الصوت كان هادئ ...حتى أتت فقرة غنائية لصوت الحب...."ليلى مراد"
" أما أنا مهما جرى...هفضل أصون عهد الهوى...وأن غبت يوم ولا سنــة ...هفضل أنا...هفضل أنا "
رغمـًا وجدت نفسها تنظر لكلمات القصيدة دون أن تراها ولكنها تردد كلمات المقطوعة....وتتمايل الوردة بفعل يدها على شفتيها المبتسمة وهي تغني بصوتها وكأنها بمعزل عن العالم .....
لم تكن كذلك تمامـًا ...
كان هو بالقرب....
يقف مبتسمـًا بشرود ...يتأملها بصمتٍ تام
لم يكن صوتها طربي ...ولكنها تؤكد الكلمات كأنها تحب حقاً....تؤكد على البقاء .... تؤكد شيء كأنها ترى أحدهم من بين نظراتها الشاردة وشفتيها المبتسمة ...
وجه بالذاكرة...بالخاطر منقوش ملامحه....تحدثه وتخبره ...."هفضل أنا "
رأته مرتين فقط..... ليرسم هذا العالم بمخيلتها ....
غريب أمر الحب !
الإعجاب فيه گ الرشفة الأولى للعطش...ويبتلع الظمأ الأحلام في نهم.....ليرتوي القلب وتبتل أرض المحبة في بنائها للزهور.....زهور الحب ....
حدقت بعينيها عليه في صدمة ...لا
هتف المنطق لا مائة مرة ....لا يعقل أنه خرج من تفكيرها ليقف أمامها مثلما تمنت منذ لحظات.... وقفت ببطء والابتسامة رغما شقت طريقها بالتدريج ...
ورغم أنهما أغراب ولكن كان اللقاء گ لهفة العاشقين .... لا تعرف لما حقاً ...!
تحدث وعينيه مبتسمة ببريق به شيء يخبرها شيء !
مضت إليه في بطء ...تلاها خطوات أسرع ...حتى وقفت والفارق بينهما الطاولة الزجاجية التي تفصل البائع والمُشتري...
ران صمت بينهما في ابتسامات وحياء شديد منها ونظرات تسلية ولهفة بعينيه....ثم قـال وأخرجها صوته القوي من ظنها بأن هذا حلما اكيد :
_« الساعة بتاعتك وقعت تاني....في مكتبي ...»
كان وسيم لدرجة عالية ذلك الأسمر في معطفه الأسود على ملابسه الأنيقة....... وضع ساعتها على المنضدة فوضعت الوردة بالكتاب سريعاً دون ترتيب منها....ودفعتهم برجفة يديها على المنضدة وسحبت ساعة معصمها....
قالــت وخرجت منها الكلمات بالكاد في خضم هذا الحياء والفرحة التي ترفرف بقلبها برؤيته هنا....لعندها خصيصاً :
_« أنا أسفة أنها ....»
أهداها أجمل ابتسامة لديه وقال :
_ « متتأسفيش.... أنتِ ما قصدتيش ..... »
تخضبت وجنتيها بالحمرة الوردية ونظرت لساعتها في حياءٍ شديد وابتسامة كانت منتهى الصدق ...
ارتبكت من صمته ونظراته بها ...حتى قـال :
_ « ممكن تختاريلي باقة ورد من اللي موجودة....»
ارتاحت لمجرى الحديث وقالت وهي تنظر حولها لتتهرب فقط من نظراته :
_ « بتحب أي نوع ....؟ »
كان لا يدري كثيرًا عن أنواع الزهور .... حتى سقطت نظرته على الوردة الحمراء حبيسة الكتاب المُلقى أمامه على الطاولة....رفع الكتاب وفتحه حتى رفع الوردة أمام عينيها قائلًا :
_« النوع ده....»
خرج من المأزق بذكاء....فمضت هي ترتب باقة الزهور مثلما أراد....حتى وقعت عينيه على كلمات القصيدة الشعرية من الكتاب المفتوح....رددها بإعجاب شديد للكلمات التي ترنم على وتر المشاعر برقة.......
" لا تذكري الأمس إني عشتُ أخفيه..
إن يَغفر القلبَ..... جرحي من يداويه.
قلبي وعيناكِ والأيام بينهما..
دربٌ طويلٌ تعبنا من مآسيه..
إن يخفقِ القلب كيف العمر نرجعه..
كل الذي مات فينا..... كيف نُحييه......"
صوت جميل الإلقاء...واثق ..!
هناك نبرة تخرج خلف الكلمات تقصد شيء ....
تقصدك أنت...أو أحدهم ...!
ولكنها تقصد شيء بالتأكيد ...توقف بنظرة عميقة لعينيها .... بينما هي تركت ما بيدها وظلت متيبسة الحركة....
لو الف رجل قال تلك الكلمات ما كانت لتلتفت حتى ...!
حاولت تخفي ابتسامتها وهي تعود لترتيب باقة الورد ولكن فضحتها رجفة يديها التي أعلنت أن هناك شيء يرتجف بالقلب ....
انتبه وجيـه لصوت ليلى مراد بالمذياع ....فقال ولا زالــت عينيه تتسليان بمرح من الارتباك الواضح عليها :
_ « صاحبتك سلمى النهاردة بعد المحاضرة اعتذرتلي عن اللي عملتيه أنتِ امبارح .... بس قولتلها أن أعتذارك وصل ....يا ليلى »
نطق اسمها....
انتبهت للتو أنها لم تخبره اسمها قط...تساءلت بحيرة :
_ « عرفت اسمي منين ؟! »
يبدو من ارتباكها أنها لم تفكر جيدًا وتربط الأمور ...فاتسعت ابتسامته وأجاب :
_ « ركزي ....أنا قولت صاحبتك جت وأعتذرتلي ...يبقى عرفت منين ؟!»
ابتلعت ريقها بارتباك شديد وعادت لتنهي باقة الورد من يدها .... وأخيرًا أنتهت بعد دقائق وأخذتها إليـه .... ظهر بعينيه بعض الضيق لسرعتها وقال :
_« جميلة أوي....»
ابتعدت بعينيها بارتباك حتى قال وعادت لملامحه الابتسامة :
_ « أقصد الورد....»
أجابت بتلعثم ونظرتها تتهرب بحياء:
_ « الحمد لله أنها عجبتك ....»
_« جدًا...»
نطق بتلك الكلمة ببطء...ولمحة تأكيد... ولا يعقل أن تلك الباقة البسيطة تجعله يبدو هكذا...وعينيه تلتمع كأنه وجد ضالته...أو شيء كان يبحث عنه طويلًا ....قال :
_ « هي الكتب دي للبيع ولا خاصة بالمكان هنا بس ؟ »
أشار لديوان الشعر الذي كان يقرأ منه منذ قليل....
نظرت ليلى للمكتبه وقالت وهي تكافح كي لا يظهر عليها الارتباك التي تشعر به واكتفت قائلة :
_« للبيع....بس مافيش غير نسخة واحدة غير النسخة اللي قدامك دي ....»
هز رأسه برضاء وقال :
_« تمام.... عايز النسخة التانية...»
مضت ليلى اتجاه المكتبة وحررت ابتسامة خبأتها من عينيه ثم أخذت النسخة الاخيرة من الكتاب .... ورسمت الجدية على وجهها مرةً أخرى وهي تلتفت وتعود إليه....
سألها ثمن باقة الزهور والنسختين من الكتاب ....أخبرته ....مع بعض التعجب أنه سيأخذ النسختين !!
وكي لا يشعرها بالحرج أكثر من ذلك وضع المبلغ بين أوراق نسخة الكتاب التي أتت به وقدمه لها قائلًا :
_« أنتِ بتحبي الشِعر زيي...أعتبريها هدية ...»
كان وداعه ابتسامة وهو يأخذ النسخة التي كانت تقرأ فيها وباقة الزهور.....وقفت متجمدة للحظات من الدهشة ....انعقدت الكلمات بحلقها فجأة .... وحتى لو أرادت الرفض فأنه لم يترك لها فرصة !
أختفى من أمامها گ الحلم السريع ...
أخذت المبلغ ووضعته بخزينة الطاولة ثم قررت المغادرة....يكفي تلك الدقائق لليوم.... وضعت الكتاب بحقيبتها بابتسامة حالمة .... فرحة لفرحة قلبها....لربيع الحب التي تتمناه القلوب .... لفارسها الأسمر...
ومر أكثر من عشرة أيام بعد ذلك ...لم ترَ حتى طيفه...!
لم يهجر ذهنها ولو دلدقيقة..!
كانت تنتظر ظهوره كل لحظة ولكنه لم يظهر !
أجترت بالحديث مع صديقتها سلمى فعلمت أنه يأتي للجامعة گ المعتاد....!
إذن ما الحال ؟!
" التلاعب ..."
شيء يتقنه شباب اليوم بحرافية...وتنخدع الفتيات بسهولة.....ابتلعت ليلى غصة مريرة بحلقها وعند مساء اليوم العاشر من أختفائه ... اغلقت الباب الجرار للمحل وسقطت عينيها دمعة من الخذلان....
أو بالأصح من غبائها وسذاجتها ...!
وهي ابنة الخمسة وعشرون عام ...كان لابد أن تتخلى عن شعور المراهقة هذا ! وتكن أنضج من ذلك !
هطلت السماء بالمطر بعنف.... نظرت حولها بملابسها المبتلة من ماء المطر ولم ترَ أي سيارات أجرة بالطريق...!
يبدو الطريق خالِ تمامـًا ....
تنهدت بخنق وهم ثقيل يملأ رئتيها وقلبها.... والرؤية أمامها كئيبة وضبابية .... أشتدت الرياح بقوة وهوت على الأرض "المفاتيح " التي غفلت أن تضعها بحقيبتها فأنحنت لتلتقطها....
لترى فجأة قدمين طويلتان ببنطال أسود ..استقامت ببطء وهي ترفع رأسها حتى تسمرت عينيها أمام عينيه المبتسمة !!
يقف بمعطفه الأسود الجلدي وبأحد يديه مظلة مطر كبيرة حفظتهما من قطرات الشتاء...
كيف يفعل بها هذا ...كيف ؟!
وكيف للبعض أن يأخذ منا بهجة الحياة وتعود فقط عندما يعود..؟!
لاحظ أن عينيها حمراء ببريق دموع...وطيف عتاب لم يفصح بالحديث أي كلمة !
قال بابتسامته المطمئنة الهادئة وبصدق :
_« جيت عشانك ...»
كلمتان طمسا أيام من الغياب !
ماذا أيضاً...؟!
لفت يدها حولها واجتاحتها برودة شديدة ورجفة تسربت لكافة أنحاء جسدها... ورغم كل شيء ولكنها أرادت ان تبتسم من نفسها !
كأنهما على موعد وتأخر لبعض الوقت !
قالـت برجفة ورغبة جامحة بالركض من أمامه ورغبة أقوى بالركض إليه :
_ « بعد أذنك ...»
تحركت خطوتين مبتعدة عنه فأوقفها بصوتٍ قوي :
_ « ليلى ....أنا بحبك ...»
تجمدت گ الثلج ووقفت مكانها .....جف ريقها تقريبًا حتى أقترب تلك الخطوتين وقال بابتسامة دافئة :
_ « أنا عارف أنك هتستغربي...إيه الجديد؟
أنا نفسي مستغرب....بس هو احساسي ..وأنا عارف نفسي ...٣٣سنة أظن مش معقول ما ابقاش لسه مش عارف أنا عايز إيه.! »
نطقت بالكاد وهي تبتلع ريقها بقوة :
_« عايز ...إيه ؟ »
امتلأت عينيه بالدفء وقال :
_ « عايزك أنتِ يا ليلى ....بأسرع وقت...عايز اقابل أهلك....أنا عرفت عنك كل حاجة ...في الكام يوم اللي فاتوا ....ما نستكيش لحظة....»
ابتسمت وامتلات عينيها بالدموع ...وسرى دفء بقلبها من فقط...كلمات....
ولكنها أغلى الكلمات لقلبها ...!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
شعرت بيد رقيقة توضع على كتفها
فأنتفضت ليلى من غفوتها التائهة وهي جالسة بالمسجد وقد تذكرت أجمل ما مر عليها من ذكريات ...وللذكريات بقية !
نظرت لها الممرضة "منى" وقالـت :
_« تعالي معايا ....لقيتلك أوضة فاضية وبعيد عن أوض المرضى....تقدري تباتي فيها ....»
نظرت لها ليلى للحظات حتى تستوعب ما تقوله الممرضة بعد شن الذكريات حملة حنين على قلبها وخاطرها.....
تعجبت ...!
سألت مرارًا عن الأمر وقُبلت بالنفي التام ...لماذا الآن ؟!
انتبهت لصغيرتها وهي ترتجف قدميها اسفل الغطاء الخفيف المدثرة به مع العجوز....قالت بموافقة دون أن تفكر ما خلف الأمر :
_« جاية معاكِ ....»
حملت أبنتها الصغيرة وهي تكاد تفقد الوعي. من شدة الدوار الشديد برأسها....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كان يحتاج لبعض الهدوء. ...بعد هذه الكوكبة من المشاعر والحنين المقاتل بالبقاء ....
يعرف أنها ستدرك أنه خلف ما سيحدث لها منذ اليوم.... كم يريد الانتقام منها والأخطر أنه يريدها هي أكثر من أي شيء....وللآن يحاول أن يبعد كلا الاختياران عنه..
أتى بمكتبـه طبيب شاب ... يرتدي نظارة طبية سميكة...تقليدي المظهر...ورغم ما يحمله من وسامة ولكنه يهمل مظهره لدرجة كبيرة.....تنحنح أمجد وقال بتهذيب :
_« ممكن اتكلم مع حضرتك شوية يا دكتور ....؟ »
أشار له وجيه بالجلوس وادرك عن أي شيء سيتحدث د.أمجد ....فبدأ أمجد الحديث بتلعثم يشبه خجل الفتيات المراهقات :
_ « أنا عارف أن خلاص ...أقصد يعني ... الموضوع اللي كلمتك عنه .... واتناقشنا وكان أنتهى ....»
لما الحب يجعلنا مثابرين لهذه الدرجة التي تكاد تجعلنا نحط من كرامتنا ؟! ..... لم يتعجب ...فهو يعلم جيدًا خطر أن يحب رجل بمنتهى الصدق....!
أجــاب على الطبيب الشاب بهدوء :
_« سمر بتعتبرني أخوها الكبير يا أمجد..... لما اتكلمت معاها عنك واديتها فرصة تفكر أختارت د. محمود ..."خطيبها "وهيتجوزوا قريب...أظن مافيش داعي اتكلم معاها تاني ! »
ظهر الحزن على وجه أمجد لدرجة لم يكن وجيه يتخيلها ....حتى قال ونبرة الألم تشتعل مع كلماته :
_« وأنا كمان بعتبر حضرتك أخ ليا.... أنا متأكد أني أكتر واحد هيحافظ عليها وهيصونها...هيحبها من كل قلبه .... بس هي موهومة للأسف ...»
هز وجيه رأسه وفهم مقصد أمجد ....فقال :
_« د.محمود أكبر من سمر بـ١٦ سنة تقريبـًا أو يمكن أكتر...حاولت أفهمها كده ....أن ممكن جدًا يكون ميلها ليه لأفتقادها والدها من صغرها ...خصوصـًا أني كمان مكنتش موافق على محمود گ شخص ولكن مقدرش أفرض عليها رأي.....هي حرة في حياتها ..»
تحدث أمجد والألم يلتهب بنظراته :
_« أنا خايف عليها أوي.....وخايف معرفش أنساها ... حاسس أن بمجرد ما تبعد عني مش هعرف أحب تاني ..!
أنا بحبها من زمان يا دكتور وحاولت مليون مرة أنساها ومعرفتش ! اتعلقت بيها كأني متعلق بآخر حاجة باقية في حياتي....! »
هز أمجد رأسه برفض لمجرد فكرة ابتعادها عنه وقال بضيق شديد :
_ « فكرة أنها تبقى لحد تاني ومع حد تاني بتخليني عايز أمشي لأبعد مكان عنها....أنا حتى لما كنت بنجح في شيء كنت بجري عليها وأفرحها قبل حتى ما اسيب لفرحتي مساحة أحس بيها !
أنا مش عارف هيبقى عندي حماس أصلًا أكمل في احلامي ولا لأ ! »
رد وجيه ببعض الشرود:
_« التعلق بشخص بيخلق أزمة في حياة البني آدم... بيخليه يقسم كل خطوة لأحلامه على اتنين.... فطبيعي لما الطرف التاني يبعد الشخص ده بيفضل واقف في مكانه لفترة لحد ما يفوق ويعرف أنه كان غبي لما دخل في أحلامه شريك! »
تسائل أمجد بحيرة والم:
_« طب وتفتكر يا دكتور وجيه الشخص ده محتاج أد ايه على ما يفوق؟ »
أجاب وجيه عليه بفلسفته:
_« للأسف.... ممكن تقعد سنين مش عارف تخطي خطوة واحدة... لأن ببساطة مش مصدق أنهم فعلًا سابوك ومابقوش جانبك.... أو لسه عندك أمل أنهم يرجعوا من تاني....
أحنا ساعات بنضيع أحلامنا على ناس ضيعونا أحنا وأحلامنا!»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بمنزل العائلة....
أمام شاشة تلفاز كبيرة يجلس أمام الثلاثي...يوسف ،رعد،وآسر....
أنهى يوسف آخر قطعة من طبق "الكيك" وقال مبتسمـًا :
_« الحمد لله أن جاسر نام قبل الماتش...وإلا كان هينفخنا.... المرة اللي فاتت لما الزمالك كسب اكلني بليلة غصب عني...طب وأنا مالي ؟»
نظر له رعد بضحكة وقال :
_« مش عارف لما يصحى ويكتشف أن فريقه خسر الماتش هيعمل فينا إيه ....»
تطلع بهما آسر بسخرية وقال :
_« الحمد لله أني مش كروي أوي زيكوا كده ...عندي اهتمامات أهم ...»
أشار لهم يوسف ليصمتوا ثم همس :
_ « أناحاسس أن في حد ورانا....تكونش الدادة سعدية ؟! »
نظروا الثلاثة خلفهم ليجدوا جاسر يقف وشفتيه السفلى أسفل أسنانه بغضب ....فرا رعد وآسر هاربين بينما تجمد يوسف للحظات وقال :
_ « حاسس أني اتشليت فجأة كده ليه ... ! »
قال جاسر بتوعد ونظرة انتقامية :
_ « الزمالك خسر ؟! »
بالكاد نهض يوسف بجسد ثقيل وأشار له بيده :
_« كانوا عظمة....اقسم بالله كانوا عظمة وأنا هعلن زمالكويتي بكرة قدام المستشفى كلها ....انا أخوك الصغير يا جاسر ومافيش منتخب هيعوضك عني ...! »
وقع نظر جاسر على كوب كبير به مشروب ابيض دافئ لزج....فأشار له قائلًا بغضب :
_ « إيه ده ؟! »
نظر يوسف للكوب ووضع يده على فمه بقلق ثم قال موضحا وهو يبتعد ببطء :
_ « ده سحلب.... أقسم بالله سحلب وعليه سوداني ....أوعى يكون اللي في دماغك؟! أنا برضو أاكلك بليلة ده أنت حبيبي ! »
حمله جاسر على كتفه بعصبية بينما يوسف يستغيث :
_ « يا أ هـــل البيت....يا جــــــــــدى ....»
القى جاسر يوسف على السجادة المفترشة أرضية قاعة الرياضة الخاصة بهم وقال بتوعد :
_« جايلك...لما اجيب الاتنين التانين من أقافهم ..»
ردد يوسف الشكر والحمد:
_ « الحمد لله ...مش هضرب لوحدي ...»
هم باللحاق خلف آسر الذي قبض عليه خلف أحد الستائر بغرفته بينما وجد رعد بخزانة الملابس ...خرج رعد من الخزانة بثقة وقال :
_« بقولك إيه أنا مستخبي في الدولاب مش خوف منك....أنا خايف عليك مني....أنت حبستهم فين ؟ »
صاح جاسر به :
_« في صالة الجيم ...هتيجي من سكات ولا ...»
قاطعه رعد :
_ « هاجي طبعا...يلا بينا ...»
احتدت الشجار بين الشباب وسط ضحكات منهم حتى دق على باب صالة الرياضة أحد...فتح جاسر الباب ليجد الجد "رشدي " يقف أمام الباب بروبه الرجالي الذي ترجع موديله لسنوات ماضية ....وعلى رأسه طاقية مثلثية من التريكو .....
دلف الجد للغرفة ونظر للشباب الثلاثة الذي يتضح انهم تلقوا كثيرًا من الضرب ...هتف بجاسر وهو يشير ليوسف :
_« أدك ده عشان تضربه يا حيوان ...»
قال يوسف وهو يلملم خصلات شعره الأسود الطويل بعض الشيء :
_« ضربني وقطعلي هدومي يا جدي....وشدني من شعري ...»
هز رعد وآسر رؤسهنا في تأكيد وقالا :
_« حصل وأحنا شاهدين ...»
أشار جاسر لهما الثلاثة وقال :
_« عارف التلاته اللي زعلان عشانهم دول يا جدي ...أهلاوية...أنت مربي ٣أهلاوية في بيتك يا جدي .... »
نظر الشباب الثلاثة لبعضهما في توجس...حتى نظر جدهم بتفحص وهو يقترب لهم ...وتساءل :
_« الكلام ده صح ؟! »
هز الشباب الثلاثة رؤسهما بإيجاب ...القى الجد رشدي نفسه عليهم هم الثلاثة وبدأ باللكلمات ...فكتم جاسر ضحكته في شماته وقال بضحكة :
_« أنا كده عملت اللي عليا....ليلة سعيدة يا شباب ...»
قبّل يوسف رأس جده بتوسل :
_« هنخسر بعض عشان ماتش ...ده أنا بحبك أكتر من مو صلاح يا جد قلبي....»
قال الجد وهو يلكمهم الثلاثة :
_ « وأنا كمان بحب صلاح يا حيوان بس هضربكم برضو....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دخلت ليلى بغرفة كبيرة بها سرير كبير وعدة أغطية...وأيضا به حمام خاص وشاشة تلفاز صغيرة معلقة على الحائط...تعجبت من الأمر لأنها ظنت أن الغرفة أبسط من ذلك بكثير...!
وضعت ابنتها النائمة على الفراش ودثرتها جيدًا حتى ظهر على ملامح الصغيرة راحة الدفء ....قبّلتها ليلى من جبهتها بحنان ثم قالت الممرضة منى :
_ « في وجبة جيالكم دلوقتي...صحي بنوتك عشان تاكلوا قبل ما تناموا....»
التفتت ليلى لها برفض وقالت :
_« لأ...أنا هطلع اجيب أكل ليا ولبنتي..ما تتعبيش نفسك ...»
تذكرت الممرضة تعليمات الدكتور وجيه لها برعايتهم بسرية تامة...فقالت بلطف :
_« بدل ما تتعبي نفسك هجيبلك أنا وجبة من هنا بسرعة!...»
بدأت تشك ليلى أن هناك شيء خلف تصميم الممرضة..وأن قبلت الاقامة بالغرفة لأجل صغيرتها فأنها لا تقبل أن تطعهما بالشفقة.....رفضتت بتصميم :
_« لأ....هطلع دلوقتي أجيب اللي محتاجاه ....متشكرة أوي لتعبك معايا....اللي طلباه بس تخليكي مع بنتي لحد ما أرجع ...»
ولم تمهل الممرضة وقت كي تقدم لها أي خدمة أخرى.... خرجت من الغرفة سريعاً.....ثم تسللت من باب آخر للمشفى يخص وقوف السيارات " الجراچ"....حتى لا ينهال عليها الأسئلة من حراس المشفى...
وفي الطريــــق ....
صفرت الرياح بقوة....ودموع الذكريات تضج بعقلها وبقلبها...ليت ما كانت ما أيقظتها الممرضة...كانت تجد بهذه الذكريات مواساة... ربته حنون على عمرها الضائع...
انتفض جسدها من شدة البرودة وهي تنظر بتيهة وتتفقد أي منفذ بيع للبقالة حولها....ولكن يبدو أن الجميع أغلقوا أبوابهم من شدة المطر...
وقفت فجأة سيارة بعرض الطريق...لمحت شبيهتها منذ دقائق بجراچ المشفى...ربما هي السيارة !
وخرج منها...هو ...!!
وكأن الزمن يعود بهما لعشر سنوات ماضية بذات المشهد...ولكن القلوب زاد على محبتها بعض...الأنتقام ...والألم ..
وعينان تعترفان بمنتهى الحب...ولكن اقسمت على العقاب وأن كان أولًا...!
ولكن...
هناك حب گ "المنتهى " گ أشد جميع المشاعـر بالقلب...گ الوقوف على تلة الجبل دون خوف من هاوية السقوط!
كأن الحب هو خمر المشاعر..وأخلاط الطيب بالأنفاس..ودواء منه الشفاء لعلة..وأثار جانبية تهدم فوائده.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
# رحاب_إبراهيم_حسن
___________
ممكن كل اللي بيقرأ يتفاعل بالحلقة دي هيفرق معايا جدًا وهتحمس أكتر 😍🥰❤... وماتنسوش رأيكم... نشوف الحلقة الجاية مع الرباعي الآخر... البنات 😍🥰
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس 5 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الرابع
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... أضطراب...~
ما أصعب أن تتخلى عن بعض من كبريائك الجريح حتى تطعم قلبك شيء من القرب .... ينعش روح الفؤاد ولو مؤقتً...
وبمنتهى الأسف ...الحب يملؤنا مد القوة .... والدرك الأسفل من الضعف .... شتان ..ونقيضان..!
بينهما نحن !
عجلة الزمن تعود لتلك النقطة ... منذ عشرة أعوام ..حتى الطقس هو !
عينيه تخبرها تردد نفس الكلمات...بلحن جديد ..أمتزج به طبقة ألم وعذاب ... دبكة جنون منتصف العمر...بين شيب وشباب.
التمعت نظراته ببريق شوق... ولكنه صامت صمت الظلمة الخرساء...ولكنها تئن عذاب ...
وقف قابضٍ للحظات على باب سيارته ويرميها بنظرات عاتبة...بينما هي تستقبل تحديقه كأنها تنظر له من عالم آخر ...كأنها مغيبة وكل هذا بين طيات كابوس مزعج...ظلت به سنوات !
قلوبنا تُعذبنا بالحنين ...تذلنا بالشوق إلى قلوب أضعف الإيمان أن لا نحمل لها طرفة عين من الإشتياق!
تقدم لها ...بصعوبة ابتلعت ريقها .....ليقف على بُعد خطوتين قائلًا بعصبية التهبت بصوته :
_« أنتِ ...»
قاطعت حديثه بثبات مُريب :
_« شكرًا ....»
ضيق عينيه عليها بشعلة غضب .... يعرف لأي شيء تُقدم الشكر .. تحرز هدفا في صميم كبريائه !
أكثر من أتقنت جراحه بمنتهى السهولة !
نظر للأرض المليئة بمياء المطر واستجمع صلابته مرةً أخرى وهو يكتم سيل من الغيظ والغضب... ثم نظر إليها قائلًا بحدة :
_« أعتبريه واجب ضيافة ... مش أول مرة أتصرف كده مع حد غريب ...»
بعينيها ظل انكسار..أنهيار...ساكن ومتربع على عرش الجفون ...من سمح له أن يقترب هكذا !
أخذت كلماته بصمت ...ونظرة تائهة بعيدة عن عينيه ...وأجابت بصوتٍ يكاد يصل لسمعه :
_ « كتر خيرك ...»
للعجب أن بينهما نغمة خاصة ...لا تسمعها إلا عندما يقفا هكذا ...كأنها أجمل النغمات العاطفية ...
ابتعدت عنه...بالأصح منـه
ولم يعرف لما هناك وميض غارق بعينيها يهتف ...أبتعد !
لفت يديها حولها من برودة الهواء ثم انعطفت بالسير اتجاه آخر ....أوقفها صوته !
_« ليلـى...»
وشيء من الحب كأنه نطق بنبرته !
ردد صوت بداخلها يبك بحسرة ...
لا ..لا ..أبتعد ارجوك...
أو قليلًا ...!
لا تبتعد كثيرًا ...!
ولا تقترب أيضاً....!
ليلتك عاقبها القمر ... وهاجر !
امتلأت سمائها بغرابيبٍ سود ... واستوطن!
أنا بقايا مني....
بقايا تتنفس على أطلال ذكريات من الماضي...الباقي من أيامي هشيم ...تذروه الرياح بمنتهى الألم ...!
أقترب إليها بفوضى الحنين وبعثرة مشاعره ...وقال بصوتٍ به دفء جعلها تزدرد ريقها بألم :
_« رايحة فين ...؟ »
تنهدت بثقل عظيم يملأ قلبها.. والتفتت له في نظرات حادة :
_« سيبني في حالي ...حاول تنساني ... أرجوك...»
كم ودت لو يعنفها ويصمم على البقاء!
أنا أحبك...أنا هنا...لن أرحل ...!
كلماتٍ بسيطة ....ولكن تحمل روح السعادة .... وهج العشق
تقول ابتعد وهي جدًا تحلم بالقرب !
هذا الألم الذي تحمله يحتاج لدعم هائل كي تعود كما كانت !
نفس الكلمات...هما هما الجملتان الذي شقوا قلبه لنصفين منذ سنوات .... تتذكرهم وتنساه هو بكل ذلك العشق !
ثقيلة هي كلماتها...گ المرض الخبيث على قلبه !
أي غباء جعله يحب امرأة ملثها !
ولا زال على حبها !
لو ما كان القلب مال لكان أتى النسيان في الحال !
كم أراد لو يصفعها ويهزها بعنف لتخرج من تلك العتمة والغشاوة على عينيها... وترى لو القليل من وجودها بعينيه...وأرغام طيفها على بقائها بقلبه!
هدر صوته بقوة...وبحدة ...ليس به أي رحمه هاتفاً:
_« أنا نسيتك بالفعل....أنتِ اللي جيتيلي برجليكي .... مش أنا اللي جريت وراكي! .... متطلبيش مني أنسى شيء مكنش موجود بالأساس ! ...يمكن سؤالي عطف وشفقة ...»
أخذ من كلماته القسوة التي تسربت لعينيه وهتف بها بعنف :
_« بصي حواليكي كويس .... أنتِ مين عشان أفضل فاكرك ؟! »
وأضاف بسخرية لاذعة مع دموع عينيها :
_« شوية فضول باقي...على شوية أسئلة منسية .... لواحدة كانت بالنسبالي مجرد نزوة ! »
وصل الألم بقلبها أشده !
حتى هو يطرق على جراحها دون شفقة !
حتى لو قالت أبتعد ....ربما لم تعترف له بالحب يومـًا....لكنها لم تجرؤا أن تنكر أنها أحبت أيضاً ! ...سفح تلة الغضب
انتفض جسدها بشدة....تلك النوبة من الهلع تعود مجددًا.... تشنجت أنفاسها ووضعت يديها على أذناها بصرخة فارت من شفتيها ...
لا تريد أن تسمع شيء...أي مخلوق ...حتى صوت الهواء يبدو مزعج حد الصراخ .... !
نظرت له بنظرة نارية... كأنها تقذف من نظراتها حمم بركانية من الغضب .... والحنين رغم ذلك ..!
اقتربت سيارة إليهما .... انتقلت نظرة ليلى إليها في قوة ...بينما هو مأخوذ بصدمة في ردة فعلها .. لم يخرج من تيهته إلا عندما وجدها تركض ويبدو أنها ستلقي نفسها أمام السيارة !!
أشارات عقله توقفت لشيء من الثانية أمام محاولة أنتحارها ....
السيارة تقترب بسرعتها...وتلك الراكضة تسرع إليها في لهفة الخلاص .... أي شيء جعل استقبالها للموت بهذه السهولة !
أين ايمانها بالله ورحمته ؟!
هناك شيء يبدو مخيف بصراخها ...!
جذبها من يدها قبل أقل من دقيقة كادت فيها أن تُنهي حياتها أمام سيارة مجهولة ....!
صرخت نظراته بعشرات الأسئلة ...وشرارات الغضب مما كادت تفعله ...هزها بعنف قائلًا :
_« أنتِ مجنونـــــــــة...؟! كنتِ عايزة تموتي نفســـــك ! »
التجم صوتها وهي تنتفض من البكاء ...بكاء يبدو أكثر من مجرد دموع ...أو عصبية .. به شيء خارج النطاق !
تناهيد تشنج....!
رق قلبه إليها رغما وقال بلمحة أسف :
_ « ليلى ..أنا ...»
ارتخى جسدها بين يديه....ومال رأسها للأسفل تمامـًا....كادت أن تفلت من بين يديه على الأرض بعدما غرقت بنوبة جديدة من الإغماء...حتى جذبها إليه وهو لم يعد يفهم ما يحدث !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في أحد المراكز الطبية ...
دلف شاب ثلاثيني إلى مكتب أحد الأطباء ....شملت نظرته المكان سريعاً ثم قال للطبيب الجالس خلف مكتبه يتفحص عدة تقارير :
_« صباح الخير.... هي مروة فين يا دكتور ...؟ »
نظر الطبيب لساعة الحائط التي تُشير لقرب صلاة الفجر وقال :
_ « صباح النور...لو استنيت ساعة واحدة بس كنت هتلاقيها راجعة البيت ...النباطشية بتاعتها تقريبًا خلصت....»
أتت في تلك اللحظة فتاة عشرينية محجبة .... تطلعت بأبن خالتها بنظرة مستفهمة فغمز لها حتى تنتظر ....قالت له :
_ « أنا خلصت شغل يا أحمد ...كويس أنك جيت عشان توصلني..»
وبعد قليل .....
كان الرائد " أحمد " يجلس بسيارته وبجانبه أبنة خالته الدكتورة " مروة " ....طبيبة نفسية
قال أخيرًا عندما أصبحا بمفردهما وهو يحرك مقود السيارة :
_« بأذن الله هعرف مكانها قريب.....بس قبل أي شيء يا مروة أنا خايف عليكِ.... البنت اللي اسمها " ورد " دي اكيد وراها بلاوي محدش يعرفها ...أنتِ ليه متمسكة تلاقيها بالشكل ده ! »
تنهدت مروة بملل من تكرار هذا السؤال :
_« يا أحمد أنت عارف أن البحث بتاعي عن حالتها .... البنت كانت قربت تخف خلاص وكان لازم تفضل تحت عيني وادرس كل تصرف بيحصل منها ... مش بسهولة ألاقي نفس الحالة وابدأ معاها من جديد ! »
زفرت بضيق شديد وهي تنظر لدفتر بين يديها...ثم فتحته لتجد بعض الجمل التي دونتها سابقًا قبل أن تختفي الفتاة .... رددت بصوتها ما وقعت عينيها عليه أولًا ...
_ « P T S D....»
حرك أحمد يديه على المقود بينما انتبه لما قالته فانكمش حاجبيه بعدم فهم ...وتساءل :
_ « بمعنى... ؟!! »
أجابت مروة بنظرة شاردة بعض الشيء :
_« أضطراب الكرب التالي للصدمة ..... »
حسها على المتابعة كنوع من أشغال الوقت بالحديث حتى يصلها للمنزل ويطمئن عليها ...فشرحت مروة :
_« أضطراب شرس... بيجي بعد صدمة عنيفة حد اتعرضلها ومقدرش يتكلم عنها... الاضطراب ده خبيث جدٌا .... تخيل أن ممكن ما يظهرش غير بعد سنين من الصدمة ! »
أضافت بتوضيح أكثر :
_ « لو اتملك من حد بينهش فيه ...بيدمره نفسيًا ... بيعمل أحتراق نفسي للأنسان ... بين ذكريات عنيفة بتمر قدام عنيه حتى في الأحلام ...وبين ذاكرة مشوشة ممكن يفقد منها جزء بمنتهى السهولة ..... يعني تبقى فاكر حاجة حصلت من سنين بمنتهى الوضوح ...وتنسي كلت إيه امبارح ! »
قال أحمد بتعجب :
_ « أزاي ؟! ما هو يأما فاكر أو ناسي ! »
قالت مروة باستفاضة :
_ « ده أضطراب يا أحمد... يعني توقع فيه أي شيء...مش كل المرضى فيه بينسوا حاجة من حياتهم ....إلا لما الاضطراب ده بيحتد جدًا ...لدرجة أنه ممكن يخليهم يفكروا في الأنتحار أو أذية نفسهم بأي طريقة....»
نظر أحمد للطريق أمامه ثم قال فجأة :
_ « ياااه....فعلًا المرض النفسي أخطر بكتير من العضوي...»
قالت مروة بابتسامة ساخرة :
_ « المرض النفسي حاجة كده زي الباب اللي بيدخل منه الأمراض العضوية....لو الباب ده اتفتح تحت تأثير نفسية صفر ...يبقى يا مرحب بالأمراض من كل حدبٍ وصوب ! »
ثم أضافـــت بأكثر جدية :
_« التشوه النفسي ...
أصعب نوع من الأمراض النفسية قابلني...
التشوه النفسي بيولد شبح مُظلم جوا الانسان...بيخليه مش شايف الأمل...الحياة...الخير...
تركيبة كده من كل أضطراب.... بنوا انسان شايف أنه ما يستاهلش أي شيء.... تخيل أن انسان يستخسر في نفسه أنه يفرح!
تخيل انسان في أمس الأحتياج للدعم ..وميقدرش يطلبه غير بصعوبة جدًا ومش لأي حد كمان
أنا اديت ورد ورقة وقولتلها ارسمي الكابوس اللي بتشوفيه وارسمي النهاية اللي شيفاها هتريحك للكابوس ده.....»
تساءل أحمد باهتمام بالغ :
_ « ورسمت إيه؟ »
نظرت مروة لدفترها مرةً أخرى وصمتت بشرود ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بعدما حملها إلى أحد غرف المشفى تحت أنظار الجميع ...وضعها على فراش بالغرفة برفق...وهي تغمض عينيها بتقلصات تظهر على ملامحها ودموع تأبى التوقف!!
أتى خلفه عدد من الممرضات فأمرهم بأتخاذ الإجراءات الطبية السريعة لتلك الحالة من الإغماء.....
وقف ثابتاً يراقب ملامحها المعذبة حتى في تيهتها هذه ...!
أخبرته أنها انفصلت عن زوجها.... وأخبرته أن ينساها ويتركها لحال سبيلها !! هل لتلك الدرجة تتعذب بذلك الأنفصال !
هل أحبته لتلك الدرجة ؟!
لن ينساها ...يعرف ذلك ....كانت محاولات النسيان في بُعدها ارحم بكثير من الآن ...
ولكن لابد أن يبتعد ....
فقد أختارت الفراق مرتين ...!
خرج من الغرفة بخطوات واسعة ...حتى قابلته الممرضى " منى " وهي تحمل الصغيرة " ريميـه" والصغيرة تبك بشدة من فقدانها لأمها....
وقف ينظر لها حتى قالت الممرضة له :
_ « أنا أسفة يا دكتور ...بس هي رفضت أجيبلها أي أكل من هنا وطلعت تجيب أكل من برا ....لسه عارفة دلوقتي أن حضرتك رجعتها ....»
كانت نظرة وجيه على وجه الطفلة فقال :
_ « روحي شوفيها ...وهاتي البنت دي لحد ما تبطل عياط ....»
أعطته الطفلة وذهبت لغرفة ليلى ....
في مكتبــــه .....
وضع الصغيرة على المكتب بينما هي كانت تمسح عينيها بقبضتها الرقيقة من الدموع ...قال لها بصوت خافت :
_ « بطلي عياط...ماما بخير....جاية دلوقتي..»
هدأت الطفلة ببطء ثم قالت بصوت متهدج :
_« عايزة ماما ...»
نظر لها وجيه بتنهيدة ... هو يريد نفس الأمر. للأسف....دلفت أحدى الممرضات للمكتب وقالت لوجيه :
_ « د. حسن صالح ... دكتور العناية وصل يا دكتور ...»
ارتعشت الصغيرة بذعر ومدت يدها لتتمسك بشيء حتى لمست طرف معطف وجيه وارتمت على صدره بهلع. ...تفاجئ وجيه مما فعلته حقا...ربت على رأسها بحنان وقال بحيرة :
_« مالك يا ريميه ؟! »
بكت الصغيرة وهي تدفن وجهها بصدر وجيه وكأنها ترى شبحاً....ولكن إن لم تكن ترى بالأساس فأي شيء جعلها تنتفض هكذا بشكل مفاجئ !
تعجبت الممرضة مما فعلته الصغيرة لدرجة أنها شكت بنفسها أنها أخافتها بدخولها السريع للمكتب...فقالت معتذرة :
_« أسفة يا دكتور مش قصدي والله ...»
هز وجيـه رأسه بتفهم حتى غادرت الممرضة وأغلقت الباب خلفها ....ترك الصغيرة تلتمس منه الحماية ثم ربت على رأسها بحنان أبوي وقال بتأكيد :
_« متخافيش ...أنا هنا....»
تأكد لدى الصغيرة ظنها البريء أنه البطل الخارق ....بطل حكايات قبل النوم....فوضعت يدها الصغيرة المرتعشة على يده وقالت برجاء وحروف متقطعة:
_« ما...تمشيش...»
سكن وجهها الصغير بين راحتي يده وقال بحنان :
_ « إيه اللي مخوفك كده ...؟! »
ارتخت جفون الطفلة في بكاء وكأنها تكتم أمرًا خطير ...وعاد لجسدها الارتجاف ....قال متراجعاً عن سؤاله بعدما شاهد خوفها :
_ « خلاص ...مش لازم تتكلمي...خليكي هنا في مكتبي وأنا هجيلك تاني بعد الظهر.....وماما هتصحي بعد شوية وهتشوفيها .... أنتِ جعانة ؟ »
ابتلعت الطفلة ريقها عدة مرات وصمتت ولم تفصح عن أمر معدتها التي تضور جوعاً...فهم وجيـه صمتها فأجرى اتصال هاتفي على " المطبخ " الخاص بالمشفى وطلب عدة أنواع من الأطعمة....
بعد قليـل....
أتى الطعام لمكتبه ...ورغم حيز الالم الذي أخذ مجال بعينيه ولكنه لم يصبه على ضعف تلك الطفلة ....بل كأنها صغيرته وأحب كثيرًا أن يطعمها بيديه ....ابتسم عندما ارجعت الصغيرة خصلات شعرها للخلف وقالت له لينتظرها :
_« استنى...هلم شعري...»
تذكرها....تلك الصغيرة بها دقة تفاصيل متطابقة من أمها....حتى رجفتها وهلع عينيها ...ذاته ...!
وبعدما شعرت بالأكتفاء من الطعام وضعها بالفراش والقى عليها الأغطية. برفق... ثم وصى عليها أحدى الممرضات لترعاها حتى تستفيق أمها.....
وعاد لمنزله....ليلة واحدة قلبت حياته رأسا على عقب ...!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وعند الساعة الثامنة صباحـًا
حول مائدة الافطار..... تجمعت العائلة مثل العادة ....بينما رأس العائلة " وجيه" يجلس شاردًا تمامًا وعينيه مليئة بالحزن .... تنحنح والده لكي يلاحظ فتنهد وجيه وهو يرفع فنجان القهوة لشفتيه .....
وأصطف الشباب بخط مستقيم بأحد زوايا المائدة ...قال وجيه بجدية اكثر من اللازم :
_« انتوا الأربعة هتكونوا من ضمن القافلة اللي أخدنا تصاريحها ...ومافيش نقاش في الموضوع ده ..»
نهض من مقعده وتوجه إلى غرفته بالطابق العلوي بينما تسمر الشباب الأربعة في أماكنهم ...وابتسم الجد في مرح ...قال جاسر باعتراض وغيظ :
_« يعني إيه ؟! طب أزاي مافيش نقاش ؟! المفروض لينا حرية الاختيار في الموضوع ده ! »
وضع رعد كوب المشروب الدافئ بضيق وقال :
_« طب أنا دكتور نفسي...لزمتي إيه بقى في القافلة دي ؟! »
رد الجد رشدي بضحكة ليغيظه :
_ « نفسية الفراخ تعبانة ومعذبة من بعد أزمة الفونزا الطيور....محتاجة وجودك جنبها...»
تابع يوسف طعامه وقال بلا اكتراث :
_ « بالنسبالي عادي....كام يوم وهنرجع عادي يعني ! »
رفض آسر القرار وهتف :
_ « المفروض يا جدي أني هخطب ....كنت مستني والدها لما يرجع من السفر ...وهيرجع بعد أسبوعين ...طب هقابله أزاي بقى والمفروض القافلة هتجهز للسفر على الأسبوع الجاي ! »
نظر له الجد رشدي لبرهة ثم قال :
_« البنت دي لا شبهك ولا هتنفعك ولا أنا موافق عليها....بنت مايعة كده ومش حمل مسؤولية ولا جواز ...»
نهض جاسر من مقعده بعصبية وقال :
_« يا جدي أنت لا عجبك الجد ولا المايعة برضو عجباك !! وعايز تجوزنا غصب عننا زي ما عملت في أهالينا بالضبط ... حتى في قرارات تخصنا بتفرض علينا رأيك ! وللأسف عمي بقا يعمل زيك كده بالضبط !!
أنا أسف يا جدي مش هقدر أسافر ...ورايا شغلي وحياتي كلها هنا ....أنا مش صغير عشان ......»
توقف جاسر عندما وجد الجد يديه على رأسه وعينيه تتوه ببطء ....هرع الشباب إليه بقلق حتى قال الجد :
_« ابعدوا عني....نادولي ابني وجيه ... يا وجيــــه ...»
في غرفة الجد رشــــدي ....
تنهد وجيـه بضيق وهو يرى والده يسعل بشدة على فراشه...بينما الشباب يقفون ناظرين إليه في تأكيد أن هذه المسرحية المتكررة تلك ولكن ما بيدهم شيء يفعلونه.....قال وجيه لهم بأنفعال وعصبية زائدة :
_ « عايز أعرف دلوقتي مين اللي رافض يسافر ؟! »
لم يجيب أحدًا من الشباب رغم العبوس والضيق الظاهر على ملامحهم ....
طالت نظرة وجيه عليهم حتى قال جاسر بضيق شديد :
_« أنا هسافر يا عمي .... بس لأول مرة بعترف أني مش راضي عن قرارك وإجبارك لينا...أنت مكنتش كده !! »
ابعد وجيه نظرته عنهم حتى خرج جاسر من الغرفة بعصبية وتلاه الشباب ....قال لوالده ببعض العتاب :
_« سمعت كلامك عشان أرضيك ...رغم أني شاكك في نجاح السفرية دي ...وحاسس أن المشكلة هتكبر أكتر ! »
قال الجد رشدي بحيرة :
_« ما أنت شايف ...لو فاتحتهم في موضوع جوازهم من بنات أبني مصطفى أنت اكتر واحد عارف هيبقى رد فعلهم إيه ....اللي فات كوم والموضوع ده كوم تاني ....مش هقدر عليهم صدقني ....هيتحججوا أنهم مايعرفهمش وساعتها انسى أنهم يوافقوا يسافروا يشوفوهم ...أنما بعد السفرية دي محدش هيقدر يتكلم ....»
قال وجيه بضيق وهو بالأساس لا يحتمل أي حديث :
_« أنا نفذتلك طلبك ...بس مش موافق أن واحد فيهم يتجوز واحدة مش عايزها .... مش هقدر أجبرهم ...أنا أسف ...»
رد والده عليه قائلًا بعناد :
_« يمكن خطتي تنجح ....أهو اكون عملت اللي أقدر عليه ...»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
أشباح تركض خلفها ....عيون دامية تخنقها وتنشب أظافرها بعنقها ...!
وصوت غليظ ...كريه الرائحة ...يصفعها مرارًا ....لتجد فجأة يدين تمتدان لجذبها من تلك الحفرة العميقة العابرة لغياهب الظلمة ....حاولت أن تتبين من هو ...لا يهم ...المهم أنه سينقذها .....
ولكنه هو ....حبيبها الوحيد !
هتفت بعلو صوتها وبصراخ ..." وجيـــه "
جذبها بيديه للأعلى حتى أخذها إلى صدره بعناق طويل أنساها كل سنوات العذاب والدموع .....
لتنتفض ليلى من فراشها بالمشفى ....وهي تهتف باسمه ...لتجد الممرضة منى بجوارها وتنظر لها بتعجب !
وآخر ما تتذكر ...أنها كانت تبحث عن أبنتها ..وفجأة وجدتها أمامها ...!
رددت بخفوت وبصوت متقطع وحبيبات العرق تنزلق من جبهتها وتلهث بأنفاس متسارعة :
_ « وجيــه.....أنا شوفته .... أنا متأكدة ...! لا مش بحلم ...لا ...»
وفجأة وضعت يدها على وجهها وبكت بقوة ....لتردد بتساؤل :
_ « بنتي فيـــن ؟! »
استطاعت الممرضة تمييز الكلمات أخيرًا وقالت وهي تهم بمغادرة الغرفة :
_« هروح أجيبهالك ...هي نامت في مكتب دكتور وجيه ....»
غادرت الممرضة الغرفة وتسمر ليلى في فراشها ....لتبتسم وهي تبكي ....وتردد بنبرة تحمل من العشق والأحتياج له ما تحمل :
_ « وجيــه ....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
تجمع الشباب الأربعة في أحد غرف المشفى ....بمعاطفهم الطبية البيضاء .....
أشار جاسر للثلاث شباب من أبناء عائلته وقال بسخرية :
_« أحنا مش بنات عشان يتفرض علينا كل شوية وضع مش قابلينه ! »
قال رعد بمنطقية :
_« موضوع القافلة أنت مكنتش رافضه أصلًا يا جاسر ! أشمعنى لما عمي قاله رفضت ! »
رد جاسر بغيظ :
_« هتعملي فيها ديكارت هعملك فيها واكل ناسه وهبلعك دلوقتي...خرج علم النفس من تفسيرك لتصرفاتنا مش ناقصك ! »
قال آسر بهدوء :
_ « أحنا نوافق المرادي ...ليه بقا ؟
عشان عمي اتدخل والموضوع شكله صعب ....نوافق ولما نرجع نعمل واقفة ونتحد ....»
هز يوسف رأسه بموافقة :
_« الرأي ده صح ...»
رمقه جاسر بغيظ وقال :
_« آه وأنت فارق معاك إيه ! ....ما أنت مش وراك بنات تسأل عليك وتوحشها وتوحشك يا متوحد ! »
كتم رعد ضحكته وقال بخبث :
_ « سفرهم معانا ...هنفرح كلنا...»
تبدلت ملامج جاسر لابتسامة ماكرة وقال :
_« بقى الكيكات دول هيستحملوا حر الريف ؟! مش هيهونوا على قلبي ...»
قال يوسف بتأثر :
_« كيكات ؟! أذن فليسافروا معنا .... »
رد جاسر وهو ينظر له بسخرية :
_« أنت هيليق عليك جو الريف أوي ....بط وفراخ وطور هنسيبوه في الخضرة ...»
نظر رعد وآسر إلى وجه يوسف الذي امتلأ بهجة من تخيل كم الطعام اللذيذ فأنفجرا ضحكاً....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وعند الغروب ....
بغرفتــه ....
يقف أمام باب الشرفة الزجاجي المغلق .....يشاهد قطرات المطر النازف ....إلى أين يأخذه هذا العشق ؟!
أتخذ قرار وقد كان ....سيبتعد عنها قدر المستطاع ...حتى وأن ترك عمله بالمشفى بالوقت الحالي ..!
هي من قررت ذلك...أخبرته يبتعد !
جرح كبريائه لمجرد كذبة قالها ....أنها نزوة ؟!
فماذا به ؟!...وهو كان لعبة بين يديها !
صدح صوت هاتفــه الخاص ....أخذه من على طاولة قريبة منه وأجاب...ليجد الممرضة منى تُهاتفه :
_« ليلى بتسأل عن حضرتك يا دكتور ....مصممة تشوفك ..! »
تنهد بعمق ....تسخر منه يا ترى !
أم تريد ربح جولة جديدة وتنال من كبريائه !
ربما كل ما فعلته كان مجرد ...لُعبة !
مريضة بإرضاء غرورها والنيل من قلبـه ..!
قال بحسم :
_« أنا مسافر كام يوم يا منى .....دكتور العناية رفض خروج والدها...قوليلها ....»
ردت منى قائلة :
_ « قولتلها وهي ما قالتش حاجة....بس مش عارفة عايزة حضرتك في إيه..؟! »
شرد وجيه قليلًا ثم قال رغما عن هذا الشوق العنيف بقلبه :
_ « قوليلها سافر .... »
انتهى الأتصال ....نظر للهاتف لدقائق ثم أجرى اتصال بعد تردد كبير....لتجيب چيهان في خلال ثواني قائلة بلهفة :
_« إيه يا وجيه طمني عليك....على ما وصلت مكنتش موجود زي عادتك في المستشفى ؟! »
صمت حتى أنهت حديثها ثم قال :
_ « چيهان....أنا موافق نرجع لبعض .....»
تلقت جيهان منه الخبر بدموع فرحة ودهشة ...ولكنها تمالكت بعض الشيء وقالت :
_« هنتكلم لما نتقابل ..ولا تحب نتقابل برا المستشفى احسن ؟ »
كلاهما سواء بالنسبة له فقال بضيق :
_ « اللي تختاريه ...»
قالت جيهان بابتسامة واسعة :
_« نتقابل برا ...في المطعم اللي كنا بنروحه زمان .....إيه رأيك بكرة الساعة ٩ م ؟ »
وافق وجيـه سريعـًا وانتهى الأتصال.....لم ينتابه أي لحظات ندم...
وشعر كأنه يعقابها بهذا القرار... واثبات كاذب بصحة نكرانه في نسيانها .....
ولكن الحقيقة أنه يعاقب نفسه أكثر .... لأنه جدًا يحبها ..!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وعند الليل وهبات الهواء البارد .....
في أحد القرى بالريف .....
قرية كانت تُحاط بالأراضي الخضر والأشجار...ورغم ذلك ينتشر فيها الأمية وتقل فيها الأمكانات خاصةً الطبية والعلمية ..
تبقى على تراث الريف القديم في ضواحيها وروابضها ....
وهناك عرس ريفي لأحد فتيات القرية ويلتفن حوله الأهل والجيران والصغار الذي يقفزون فرحاً بعجين الحنة وكأنهم ربحوا جائزة...سعادتهم صافية...نقية...
ضجت أغاني الأعراس من أفواه الفتيات والدق على الدفوف ...وهم يلتفون حول العروس بمنزلها ...
هتفت سما بصوتٍ ممزوج بالـ "شقاوة" والضحك وصاحت عاليـًا بغناء :
_ « أهو جالك يـــابت ....ريح بالك يــابت
اطبخيله الصبح بطة ....واطبخيله العصر بطة...وكتري يابت الشطة وأهو جالك يا بت..
خدناها خدناها....
خدناها بالملايين ..وهما مكنوش راضيين وعشانها بعنا الفدادين الحلوة اللي كسبناها ....»
تمايلت بضحكات عالية وهي تضرب بيدها اليمنى جانب رأسها وتضرب بيدها اليسرى جانبها الأيسر ....
جرّتها شقيقتها حميدة بضحكة تكتمها وهي تهمس لها بتحذير :
_« خالك عبد السميع باعتلنا يا اللي تنشكي ..اتأخرنا ....»
تملصت منها سما وقالت بضحكة واثقة :
_« بوجب مع البت نحمده .... تعالي تعالي ...خالك زمناته قاعد مع مرته يتعشوا محشي ...خالك بيعشق المحشي ....»
أتت جميلة ورضوى وهم يكتمون ضحكاتهم من تلك الفتاة التي تصغرهم ..... قالت جميلة بمرح :
_ « يلا يا سمكة على الدار ...المرة اللي فاتت المندرة كانت هتتسرق واحنا في الغيط....»
ضحكت سما عاليًا وقالت :
_ « حرامي معفن بصحيح....حد يسرق المخدات والتليفزيون اللي بيكح ده ! طب كان خد مرات خالك
ولا العرة أبنها ...نعناعة ...ولا وجب معانا وسرق خيبتنا دي بدل ما احنا لا طايلين علم ولا جهل جاتنا ستين خيبة ..»
لكمها الفتيات على ذراعيها بضحكات عالية ثم خرجوا الأربعة من العرس.....ساروا بالطريق بملابسهن المحتشمة الواسعة التي كانت عبارة عن عباءة سوداء وعليها حجاب ملون يبرق تحت ضوء القمر ......
أخرجت سما من جيب ردائها حبات من " اللب " ثم وضعت بيد كل فتاة القليل وتركت لها البقية وقالت بحماس :
_ « أزأزي يابت منك ليها .... أحنا على لحم بطننا من العصرية ...»
قالت جميلة بسخرية :
_« ما أنتِ اللي نازلة رقص وغنا ولا أكنه فرحك يا هبلة ! »
ردت سما بضحكة وهي تهمس لهم :
_« قال وأنا اللي عمالة أقول كتري يابت الشطة ...ده العريس شايل اللوز وعنده اشتباه ديدان ....بس طيب »
توالت ضحكات الفتيات عاليًا لتضيف سما بضحكتها ذات الصوت الرفيع :
_« ولا شوفتي مرات أبوها ؟ وليه عقربة ....عايزة تبوظ الجوازة»
قالت رضوى بشهقة وذهول :
_ « يا مصيبتي ...عملت إيه ؟! »
أجابت سما بغيظ :
_ « الولية أقولها جوعت يا خالة أنا والبنات تروح تجيبلي طبق نابت وشقتين عيش ومخلل ! ... فوتت عليا المحشي بنت عبراضي الفاضي ....»
ضحك الفتيات مرةً أخرى ثم ساروا بالطريق إلى منزل خالهم
" العمدة عبد السميع "
قالت حميدة وهي تطرح طرف حجابها للأسفل بعدما تدلى قليلًا :
_« عندي أحساس كده أن في حاجة هتحصل قريب ...مش عارفة بقالي شهور حاسة بكده ..»
قالت سما بابتسامة وهي تمر حبة لب بين أسنانها :
_ « يارب نتجوز ...أهو الاقي فرح أغني فيه وحد أقوله يا سيد الناس يا عترة...»
قالت رضوى بغيظ وهي تضرب بكوعها بذراع سما:
_ « ملهوفة أوي تسبينا !! »
هزت سما رأسها بتأكيد وقالت بضحكة :
_ « بصراحة آه....عايزة اصطبح بخلقة تفتح النفس بقا...»
ردت جميلة بسخرية :
_« بكرة نشوف .... آخر تريقتك على خلق الله هتكون إيه ! »
أشارت سما لها لتصمت وقالت وهي تكتم ضحكتها :
_« بت ...أنتِ بالذات تسكتي... ده أنا بصطبح بشعرك المنكوش اللي شبه خارطة الطريق ! و نص ساعة عبال ما تفتكري أنتِ مين واحنا مين...
ولا البغلة اللي اسمها رضوى ... درفيل بيتقلب طول الليل لأ وبجحة بتنكر! ... ولا الخالة حميدة بقا...دي الشبح اللي فينا..... تفضل طول الليل تمشي وهي نايمة واللي يوقفها تنزل فيه ضرب ومش حاسة.... بصراحة العيشة معاكم معفنة...»
قالت حميدة بعصبية :
_« والبشمهندسة سما بتعمل إيه بقا ؟! »
رفعت سما يديها للسماء وقالت :
_« بفضل ادعي طول الليل أغور من وشكوا لبيت القمر اللي هتجوزه ....ما هو لازم يبقى والا هتولعوا فيا تريقة وتأليس يا عرر ...»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
اللي عايز يعرف أكتر عن PTSD
يكتب على جوجل ( اضطراب الكرب التالي للصدمة)
ماتنسوش تعرفوني رأيكم هنتظره بشغف 🥰😍😍😍❤
ملحوظة...ابتداءً من الفصل الخامس هنشر على الصفحة بتاعي وهي...تابعوني هنا 👇
سندريلا الإبداع-رحاب إبراهيم
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس 6 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس
~...لقاء عاصف...~
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
عند الساعـة العاشرة مساءً ....
دلف إلى عيادة خاصة لـ " طبيب نفسي " ....كان هذا الطبيب يخصص مواعيد مسائية لمن يضيقون بالتواجد بين بعض المرضى نفسيًا بمواعيد النهار...!
ريثما أن البعض يخفي أنه مريض نفسي كأنه يخفي كارثة !
استقبلته سكرتيرة الطبيب بابتسامة رسمية وأشارت له بالدخول فقد أتى في موعد الحجز تمامًا ....
وفي مكتب الطبيب " د.شاهر " المبتسم دائمًا بوجه بشوش ...بينما ظهرت ابتسامته أكثر عندما رآى مريض قديم قد عاد إليه !
قـال كأنه يرحب به :
_« دكتور وجيــه ..؟! نورت العيادة .... بقالنا تقريبـًا تسع سنين ما اتقابلناش حتى لو صدفــة ! »
صافحه وجيه بابتسامة سريعة وقال بلمحة مزاح ظهرت في جملته :
_ « وأهو جتلك بنفسي من تاني ..! »
أشار د.شاهر للمقعد أمام مكتبه ليجلس وجيه وقال :
_« بصراحة مكنتش هقابل النهاردة أي حد ...بس لما السكرتيرة ورتني المواعيد وشوفت اسمك استغربت ! ....بصراحة مقدرتش امنع فضولي أعرف اللي حصلك في التسع سنين دول ! ....»
تنهد وجيه وقال بسخربة :
_« مش هكدب عليك ...أنا حاولت أنسى أني كنت بتعالج نفسيًا مع محاولتي نسيانها .... مكنتش اتخيل أبدًا أن بسبب تجربة حب فشلت أني أبقى مريض نفسي ! »
اعترض د.شاهر :
_« أنت مكنتش مريض نفسي ....أنت مريت بتجربة حب متوقعتش أنها تفشل .... حطيت ثقتك كلها في شيء ..والشيء ده خالف كل توقعاتك فطبيعي متعرفش تنساه بسهولة...بس أظن أني مكنتش حابب يكون بينا القاب....أحنا حتى نعتبر زملاء ..! »
ابتسم د.شاهر له بود بينما تذكر وجيه ذلك الأمر فرد له الابتسامة بنظرة هادئة وشاكرة ....ثم قال :
_« فاكر .... »
قال شاهر وهو يرجع بظهره للمقعد في جلسة مريحة :
_« فضفض ......»
كان يعرف الطبيب أن وجيه لا يحب جلسة الشيزلونج ...يحب أن يتحدث و اقفًا ...ينظر باتجاه آخر سوى عين الطبيب المترصدة للكلمات والجمل...
تقدم وجيـه للنافذة ووقف مواليًا ظهره في ثبات ....أخذ نفس عميق ...ثم قال وكأن صوته يأتي محمل بالذكريات :
_ « آخر مرة جتلك كنت عارف أني هجيلك تاني...مكنتش نسيتها بس اتظاهرت بكده ... الفكرة كلها في أحساسي وقوة مشاعري دي لأنها باعتني وبعدت بسهولة..... افتكرت أني طالما حبيتها بسرعة وبالشكل ده هقدر أنساها بنفس السرعة ...! »
هز رأسه رافضاً ظنه الخادع :
_« مقدرتش....!
سنة كاملة بتعالج نفسيًا من جرح كبير بعد ما سابتني !
في كل لحظة طول السنين اللي فاتت كنت بسأل نفسي أنا ليه مش عارف أنساها ؟! حتى لما اتجوزت واحدة تانية ....يمكن أحلى منها في الشكل ! برضو ما نسيتهاش ! »
صمت لدقيقتين وران صمت يضج بالذكريات المؤلمة بعينيه فتابع :
_ « كنت أتمنى لو كانت مجرد عاصفة تعدي في حياتي وتنتهي ...حتى لو هفتكرها في بعض اللحظات ....بس تتحط في خانة الذكريات اللي مسموح ليها بالنسيان .... ليلى احساسي بيها كان أكبر من أني أنساه بسهولة.... كان أكبر أني أخد وقت عشان اكتشفه ..... لازم نعترف أني في أحساس ما بيتكررش مرتين !
تفتكر لو كنت اتجوزتها كنت هفضل أحبها بالقدر ده ؟! »
رفع الطبيب حاجبيه وهز رأسه بالنفي ببطء ثم أجاب :
_« ما اعتقدتش.....وده مش بالضرورة أنك محبتهاش بالعكس .... حاجة كده عاملة زي البرفيوم ....ممكن جدًا يكون أصلي وجودته عالية من الآخر يعني....بس لو اتحفظ سنين بتعلى جودته أضعاف أضعاف ورحقيه بيبقى أجمل وأبقى ....»
وأضاف بتوضيح :
_« سبب أنك ما نسيتهاش مش بس أنك حبيتها .... السبب ممكن يكون أنك مش عارف هي حبتك ولا لأ .... ثقة زيادة حطتيها مع حب عاصف وعدم وجود سبب مقنع للفراق وحط عليهم شخصية زي شخصيتك مش من النوع اللي بيحب بسهولة ...كل ده خلى الاسئلة تعيش جواك وتتوالد مع الزمن بمليون سؤال تاني ....كل سؤال كان رباط بيربطك بذكراها أكتر .....هتنساها أزاي بقى ؟! »
اقتنع وجيه بعض الشيء بتفسير الطبيب وأضاف على حديثه :
_ « والأكتر من ده .... أني بعترف ...أنا ما صادفتش الاحساس اللي حسيته معاها تاني...لا صادفته قبل ما أعرفها ولا بعد ما افترقنا .... احساس زي حياتنا..مابيتعاش مرتين ! »
تساءل الطبيب :
_« طالما رجعت هنا تاني...يبقى هي رجعت ...مش كده ؟ »
أجاب وجيـه مختصر إجابته بهزة رأس بالإيجاب.....فقال الطبيب شاهر :
_ « حسيت بإيه لما شوفتها بعد السنين دي كلها...؟ »
ران الصمت للحظات....شعر فيها وجيه أن الاجابة ثقيلة ...بها شيء من اعلان ضعفه ... ولكنه اعترف بصدق :
_« أول لقاء بينا بعد فراق عشر سنين كان عبارة عن منتهى الانتقام ...ومنتهى الأشتياق..!
حتى شعور الانتقام كان عبارة عن عتاب مستني مبررات ...تقولي أنها حبتني زي ما حبيتها ...عارف لما تبقى مستني عشر سنين جملة " أنا بعدت غصب عني لكن أنا حبيتك " »
تطلع به الطبيب متفحصا شروده وقال :
_« طب وهي كان رد فعلها إيه ؟! »
ابتسم وجيه بمرارة انتشرت بعينيه :
_ « ما اتغيرش....كل اللي جوايا ده اترفض مرتين بمنتهى الجبروت...بكلمتين مكرهتش ادهم في حياتي
" أبعــد عني " »
تلاشت الابتسامة وتبقت المرارة التي تسربت لصوته واستطرد:
_« السنين بتعيد نفسها من تاني....زمان قررت انتقم منها واتجوز وحصل فعلًا ....مقدرتش اكمل أكتر من ٦شهور....كان صعب ادي كل حياتي اللي رسمتها مع انسانة لأنسانة تانية ...!
دلوقتي هرجع لطليقتي بعد نفس الكلمتين.... بس المرادي هحاول أنقذ عمري اللي بيضيع وأنا مستني انسانة رفضاني حتى بعد ما انفصلت عن جوزها .... !! »
تساءل الطبيب مرة أخرى :
_« أظن أنك هتحتاج جلسات مكثفة ...الفضفضة هتريحك ....عايز المرادي أبدأ معاك من بداية طريق العلاج ... عشان تتخطى الأزمة النفسية دي ....»
استدار وجيه للطبيب وقال بنظرة قوية :
_ « أنا جيتلك گ نوع من قفل الصفحة دي من حياتي ....أعتبرت زيارتي ليك النهاردة آخر صفحة في حكايتي مع ليلى .... واقفة مع نفسي ....أنا مجيتش عشان أكرر زيارتي يا دكتور....أنا جيت أقولك أني بعد السنين دي كلها أول مرة أحاول بجد وبكل قوتي وإرادتي وعقلي وقلبي أني أنساها ..... مكنتش تستاهل أبدًا الحيز ده من تفكيري...»
كان يظهر من حديثه أنه قرر المغادرة بلا راجعة ...فتأمل الطبيب بعينيه وقال :
_ « رغم أنك ما قولتش كل حاجة بس قرارك صحيح .... بدعمك جدًا....والنسيان مش قرار لأنه مش بإيدينا ...بس في بديل للنسيان اسمه التجاوز....نتجاوز كل شيء بيوجعنا عشان نقدر نكمل .... »
تشاركا الأثنين بنظرة سريعة وهم وجيه بالمغادرة حتى أوقفه الطبيب بجملته الأخيرة :
_ « بس خليك حذر وأنت بتنساها تظلم نفسك ...أو تظلم حد مالوش ذنب .... خد قرار التجاوز صح عشان مترجعش لنفس النقطة من تاني .... أتمنالك السعادة....»
أهداه وجيه بنظرة امتنان وقال :
_« بشكرك جدًا ....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كانت بغرفة المشفى الذي نقلت لها بعد إغمائتها الأخيرة...غرقت بغفوة أخرى من فرط الإجهاد والإرهاق والوهن ....
هجم على أحلامها صوته...يردد كلمات جعلت قلبها يعتصر عصرًا ....يخبرها أنها كانت " نزوة "
لم تقبل تلك الكلمات حتى بأحلامها ...!
انتفضت من نومها لتجد نفسها بغرفة غريبة ...وبجانبها صغيرتها النائمة " ريميه "
نظرت ليلى حولها بتيهة ....وابتلعت ريقها بصعوبة حتى عندما دلفت الممرضة وبيديها وجبة طعام تكفي لشخصان :
_« جبتلك وجبة ولازم بقى تاكلي .... »
احترقت ليلى من الشوق لمعرفة شيء عنه ...فتساءلت بلهفة :
_ « هو دكتور وجيه هيجي أمتى ؟ »
توخت الحذر الممرضة منى وهي تجيب ويبدو أنها تخفي شيء :
_ « هو.... هو سافر ....»
صدمت ليلى من الخبر....فقالت بحيرة وتيهة :
_« فجأة كده ؟! أنا فاكرة أنه كان هنا ...شوفته مع ريميه بنتي وبعد كده ما حسيتش بحاجة ....»
تعجبت الممرضة من قولها ...فهي رأته بعد ذلك ! ....قالت :
_ « معرفش....ده اللي عرفته وقولتهولك...لما أعرف عنه شيء جديد هقولك ....»
خرجت الممرضة مثلما أتت...وبقيت ليلى على تيهتها وعلامات الألم والتشوش بعينيها واضحة...نظرت لأبنتها النائمة ثم اقتربت منها وحاولت أن تُيقظها ....استيقظت الصغيرة بكسل فقالت ليلى بحنان :
_ « اكيد جوعتي يا روحي...قومي كُلي ....»
تثاءبت الصغيرة وهي ترتمي بأحضان أمها بألتجاء وقالت بصوتٍ ناعس :
_« الشاطر وجيه أكلني يا ماما...كنتي نايمة ...»
تفاجئت ليلى بالأمر ...لم تعرف كيف حدث ذلك ولكنها رغم كل تيهتها ابتسمت وعينيها تدمع....ثم أخذت أبنتها بضمة حنونة وظلت مستيقظة تفكر .......وتسترجع الذكريات ...
** عودة ثانية لعشرة سنوات ماضية **
انتظرت ليلى وقع الخبر على صديقتها "إيمان" بمحل العمل ....فقالت إيمان بمباركة :
_ « الف مبروك يا ليلى ....نصيحتي بقى ليكِ ...امبارح جالك بعد ما مشيت واعترفلك واتقدملك كمان وكده تمام .... بس أنتِ ناسية موضوع صالح أبن عمك ؟! »
عبس وجه ليلى بضيق ثم قالت بمحاولة نسيان هذا الأمر :
_ « أنا لقيت أبويا ما اتكلمش فيه تاني ...وبصراحة بقى أنا سمعته في التليفون بيكلم جدي ويقوله أن ماينفعش اتجوز دلوقتي خصوصا أني بحضر دراسات عليا في التخصص بتاعي....الحمد لله ما اضطرتش للجدال عشان اقنعه بالرفض ....»
قالت إيمان بتفكير :
_ « ما هيبقى نفس الأمر بالنسبة لوجيه كمان يا ذكية لو اتقدم !
يعني هيبقى ده رد فعل أبوكي كمان لو وجيه كلمه ! ساعتها هتعملي إيه ؟! »
هزت ليلى رأسها برفض وقالت :
_« لأ ...في فرق ....وجيه دكتور ومثقف ومتعلم يعني مش هيمنعني اكمل دراستي .....أنما صالح خلى أختي متكملش كليتها أصلًا وقعدها في البيت .... يمكن عشان هو مش متعلم اصلًا زيها ...الغريب أنه قادر يدير مصانع جدي كلها وتعليمه على اده ! ...يعني في النهاية أنه مش مناسب ليا زي وجيه ....»
تعجبت ايمان وقالت معترضة :
_« مش شرط...خطيبي أقل مني في التعليم ومع ذلك شجعني اكمل ومحستش أنه زعلان خالص ! مش عارفة ...اسمعي نصيحتي وخلاص....متحاوليش تتكلمي مع وجيه خالص لحد ما يتقدملك وترتبطوا رسمي .....وكمان ده الصح على فكرة ...»
ظهر الضيق بعين ليلى وهي تقول :
_« طب يعني لو جه هنا ...»
قاطعتها إيمان بجدية :
_« اتعاملي معاه بحذر يا ليلى .....مش لأنه انسان وحش لأ....لأن انتوا الاتنين هتمشوا ورا مشاعركم وتتعلقوا ببعض أوي من قبل ما يبقى في تأكيد رسمي أنكم هترتبطوا ..... عشان لو لقدر الله مافيش نصيب ما تتعذبيش.....ولا هو يتعذب ...ولا تبقى في ذكريات بينكم صعب تتنسى ...»
رددت ليلى الكلمة بشرود :
_ « ذكريات ...! »
اكدت ايمان قولها :
_« ايوة ذكريات .... ذكريات بين أي أتنين حبوا بعض من غير ارتباط رسمي ولكن مع الأسف مكنوش من نصيب بعض ...تفتكري الذكريات دي بتتنسي بسهولة !
شيء فظيع أن واحدة تفضل شايلة ذكريات لانسان وهي مع شخص تاني !
ربنا مش بيمنع عننا شيء غير لو فيه ضرر لقلوبنا وهيوجعنا ....»
كادت ليلى أن تُجيب حتى لفت نظرها عينيه المبتسمة باشتياق .... تركت صديقتها كما تىكت نصائحها جانبًا وابتسمت وهي تنهض سريعا وتذهب إليه ....
كانت السماء ملبدة بالغيوم لهذا المساء ...ولكنها بدت جميلة الآن فجأة !
ابتسم وجيه قائلًا بأشتياق :
_« وحشني الورد جيت أشوفه ...ممكن باقة كمان زي بتاعت امبارح ...؟ »
ابتسمت ليلى بحياء ونظرت حولها متهربة من نظرته....راقبتها إيمان بيأس وابتعدت عنهما .....قال وجيه بلهفة :
_« كلمتي والدك ؟ هقابله أمتى ؟ »
أجابت ليلى بتلعثم :
_« بصراحة امبارح معرفتش أكلمه خالص .... بس هتكلم معاه النهاردة وأقوله ... »
نظر لعينيها العسلية وقال مبتسما :
_ « تعرفي لما نخلف بنت ...هسميها ريميه ...اسم شبه عنيكِ !
قابلني الاسم في قصيدة شِعر...كل لما أشوفك افتكرها !»
تعجبت ليلى بابتسامة:
_« ريميه ؟! شبه عنيا أزاي ؟! »
أجاب بنظرة بها بريق دافئ :
_« عيون الريم ...شبه عنيكِ .... ريميه وجيه ...أعتقد لايق ؟ »
هزت رأسها بالإيجاب بابتسامة خجولة وهي تنظر للأسفل ....قالت وهي لا تستطع النظر لعينيه التي تخطف ثباتها :
_« هحضرلك باقة الورد ...»
عادت ليلى لمنزلها بهذا المساء وعقدت النية أن تتحدث مع والدها...أن تصر وتقاوم أي بادرة أعتراض... أن تخبر والدها كل شيء....لطالما كان والدها أقرب صديق لديها أيضاً....
دقت على باب منزلها حتى فتح الباب والدها وارتمت على صدره بابتسامة واسعة وهي تقول :
_« هعملك أحلى عشا سريع كده عشان عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم يا زيزو ...»
كانت تشاكسه دائمًا بدلع اسمه" عبد العزيز " ولكن حينما دخلت المنزل وكادت أن تضع حقيبتها وقعت نظرتها على آخر شخص توقعت رؤيته ......جدها !
بنظراته القاسية وملامح وجهه الغليظة ....يجلس ويملأ المكان بعض الرهبة حوله...ابتلعت ريقها بقلق وحاولت أن تظهر حسن تصرف ...اقتربت له قائلة بابتسامة بالكاد اظهرتها :
_ « أزيك يا جدي ....؟ »
رد عليها الجد بفتور وجفاء حتى قال والدها بقلق يظهر بعينيه :
_« روحي أنتِ يا ليلى حضريلنا العشا عشان جدك يتعشى معانا ...»
يظهر من صوت والدها أنه كان يريدها أن تذهب فقط ...قال الجد " صادق " بحزم :
_ « اقعدي يا ليلى....عشان تسمعي الكلمتين اللي جاي أقولهم ....كلمتين يخصوكي أنتِ بالذات وأنا عارف أنك مش هتكوني زي أبوكي وتكسري أوامري .....»
نظرت ليلى بخوف لوالدها الذي نظر لوالدها بعتاب وشيء من الرجاء .....جلست ليلى مرغمة وبدأ الجد في الحديث :
_« ولاد أختك "صافية" الله يرحمها لسه صغيرين ..... ده غير أن صالح ماينفعش يتجوز أي واحدة وخلاص لمجرد أنها تربيله العيلين دول ! أنتِ عارفة أننا مش أي حد ..... اللي جايله النهاردة مش أختيار.....ده قرار وشايفه الأنسب للكل ....
ربي ولاد أختك في حضنك وما تدخليش عليهم واحدة غريبة ...»
اهتز قلب ليلى بقوة من الخوف بينما حاولت أن تبتعد عن مقصده الحقيقي وقالت بمراوغة :
_« أنا مستعدة اتفرغلهم واقعد معاهم هنا...وصالح يجي يشرف في أي وقت عشان يشوفهم ... وهو لو عايز يتجوز محدش مننا هيزعل ده حقه .... »
امتلأ الغضب بعين الجد من هروبها ولعبها بالكلمات ....حاول أن يسيطر على غضبه وقال بثبات :
_« ما هو أنا جايلك عشان كده....لأني أخترتك أنتِ ليه .... مكان أختك صافية الله يرحمها ....»
ارتعد جسد ليلى رغم أنها كانت تعرف الأمر مسبقا ولكن يبدو أن جدها قرر وحسم الأنر...انتفضت من مقعدها ولك تشعر إلا وهي تبكي وتصيح بالرفض :
_« لأ ...ومليون لأ .... دي حياتي ومحدش ياخد القرار ده عني ...ده ظلم ! »
نهض الجد من مقعده ثم صفعها على وجهها بقوة هاتفا بغضب :
_« نفس كلام أبوكي وأعتراضه .... نفس بجاحته قدامي !
لو كان سمع كلامي كان زمانه قاعد في ملكه وورثه اللي كان هيغرقكم خير وعز ...ولا عاجبكم الفقر اللي عايشين فيه ده ؟! »
هرع عبد العزيز لأبنته وضمها بحنان وهي تبكي وقال لأبيه بحدة :
_« كفاية كده ...أنا محرمتش بناتي من حاجة ....وبنتي ليها حرية اختيار اللي هتعيش معاه .... أنا متعودتش أجبرها هي أو أختها على شيء .... بدليل أني وافقت على قرار صافية الله يرحمها بالجواز من صالح ابن أخويا ...ولو عليا عمري ما كنت هوافق ! »
أشار الجد صادق لأبنه بتحذير عنيف :
_« المرادي يا عبد العزيز أنا مش هسيبلك فرصة التصرف...خلفتك قليلة الرباية زيك....كفاية عصيان عليا ومعايرة الناس ليا بسببك ...أنت وبنتك هترجعوا معايا البيت الكبير ولو رفضت متزعلش من اللي هعمله ....»
قال عبد العزيز بألم يلتمع بعينيه وقال :
_« أنا سيبت كل حاجة ...سيبت ظلمك للناس ...سيبت ظلمك للي منك ....سيبت العز اللي بتقول عليه اللي كنت بحس أنه شوك بينهش فيا وفي بناتي ....العز اللي وراه حق مظاليم كتير كنت بسمع دعواتهم علينا ومقدرش اتكلم ....أنا مش عايز حاجة منكم ...أنا عايزكم تسيبوني أنا وبنتي في حالنا ....
احنا مبسوطين وراضيين بفقرنا ....»
قبض صادق قبضته بقوة وأشار بنظرة عنيفة لولده :
_« لولا أني مش عايز أقل منك قدام بنتك كنت فوقتك بقلمين وعرفتك بتتكلم كده مع مين .... بس العيب مش عليك ....العيب اللي ربتك تربية خرعة زيها وماتت ...»
قال عبد العزيز بحدة والم :
_« متجبش سيرة أمي ياحج الله يرضى عنك .... أنت عارف أني مش بحب سيرتها تيجي بالشكل ده .... الله يرحمها أمي.... كانت سندي ومن بعديها ضهري اتكسر....»
أخذ الجد الغاضب نفس عميق ملء رئتيه ثم قال :
_« مش هقولك فكر....هقولك حضر نفسك أنت وبنتك عشان هترجعوا معايا....أنا مش منقول من هنا غير ورجلي على رجلك ....»
لفت الدنيا تحت قدميها وأمام عينيها ....أي كارثة تحدث الآن ؟!
ربت والدها على كتفيها برفق وقال مواسيًا :
_« روحي أنتِ أوضتك يا ليلى وأنا هجيلك نتكلم شويـة ...»
فعلت ليلى ما أمرها به والدها ...حتى أتى لغرفتها بعد قليل مثلما قال وجلس قبالتها على فراشها وقال بأطمئنان :
_« متخافيش من شيء .... أنتِ بنتي أنا ومحدش له كلمة عليكِ غيري أنا ....»
ارتمت ليلى على صدر والدها وبكت وهي تخبره بأمر وجيه كاملا ...ابتعد والدها عبد العزيز بنظرات عاتبه وقال :
_« يعني كنتِ بتكلمي واحد من ورايا يا ليلى ؟!
هي دي ثقتي فيكِ ؟! »
نفت ليلى الأمر بقوة وأوضحت :
_« والله ما خونت ثقتك فيا ... كل اللي حصل حكيتهولك ...عمري ما خرجت معاه ولا كلمته غير لما جالي المحل ...وكنت برد عليه زي ما برد على أي حد .... بس أنا موافقة عليه يا بابا ...انسان محترم جدًا ومحاولش حتى يلف ويدور ..اتقدملي على طول وطلب يقابلك ...»
قال الأب بهدوء :
_ « ماينفعش نتقابل هنا وجدك موجود....اديله عنوان شغلي ونتقابل بعد بكرة بأذن الله ...ولو كلامك عنه صح يبقى ربنا يسعدك يابنتي ومافيش حد هيعطل فرحتك ...أنا مسؤول عن كلامي قدامك ...»
ضمت ليلى والدها بابتسامة واسعة ومسحت دموع عينيها وقلبها يدق من الأمل الذي عاد إليها محمل بالابتسامات .
مر يوم غد ....
وذهب عبد العزيز لعمله وانتظر مجيء وجيه بعدما علم أنه علم بالموعد المحدد.....
وبعدما جهزت ليلى فطار سريع للجد الذي استيقظ متأخرًا عن عمد ....قالت له وهي تسرع لغرفتها لتذهب للعمل :
_ « أنا هروح شغلي بعد اذنك يا جدي....استأذنت ساعة على ما صحيت وحضرتلك الفطار...تطلب أي حاجة قبل ما أمشي ....»
ابتسم لها الجد بابتسامة تبدو طبيعية :
_« لا يا بنتي ...روحي أنتِ ....»
تعجبت ليلى من ابتسامته التي ظهرت أخيرًا وتأملت أن يكن ورائها شيء من التراجع ....استعدت خلال دقائق وخرجت من غرفتها حاملة حقيبتها الصغيرة .....كادت أن تفتح الباب لتغادر حتى تفاجئت بشاب ثلاثيني ... نظراته خبيثة لدرجة كبيرة ....عينيه سوداء بها مزيج من لون مدمم على جوانبها...!
وبأصبعه الصغير باليد اليسرى خاتم فضي به فص كبير أسود....يلف حول كتفيه لثام رجالي من النوع الكبير الحجم ويتخلله اللون الأبيض المقلم مع الأسود .....
اطلق نظرة متفحصة عليها ثم قال :
_ « صباح الخير يا ليلى ...»
شعرت ليلى بضيق شديد من وجوده المفاجئ ولكنها اجابت بثبات :
_« صباح الخير يا صالح .... جدي جوا .... استأذن أنا ...»
رفع حاجبيه كأن ذلك لافته للرفض وقال بصوت حاد :
_« هي دي ضيافتك ليا يا ست البنات ؟! ده أنا قبل أي شيء ممكن يحصل ...أبن عمك ! »
رفعت رأسها لعينيه بقوة وحدجته بنظرة غاضبة وتمنت أن يكن ظنها خاطئ .... قالت بنرفزة وهي تلبس حذائها وتجنبته تمامًا :
_« جدي جوا بيفطر ...ادخل افطر معاه أنت مش غريب يا صالح ...أنت أخويا ...»
رمت جملتها عن قصد وغادرت المكان ...وقف صالح يتأمل خطواتها المبتعدة بنظرة واعدة ....شيء كان يلتهف إليه بكامل رغبته وفجأة أصبح بين يديه على طبق من ذهب ..!
دلف صالح للشقة الصغيرة البسيطة بالنسبة للثراء الذي يتململ فيه ليلًا نهار....ورحب به الجد ويبدو أنه كان يعرف بمجيئه .... قال الجد وهو يلوك الطعام بفمه في شهية :
_« تعالى أفطر معايا .... على اد حالتهم ضيق وفقر بس الواحد شبع نوم هنا وبياكل بشبع ..! »
تمتم صالح بعض الكلمات في نظرة بعيدة :
_« مش أي حاجة بتشبعني يا حج صادق .... بس آن الأوان ...»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في طريقها للعمل ...كانت تجلس بأحد " الأتوبيسات " الشعبية ..جلست بجانب النافذة وشردت بضيق يخنق أنفاسها ....مشهد قديم ولكنه گ عاصفة من الدخان لا تزول ...تختنق كلما اذكرته .....
كانت بذات يوم في المنزل الكبير ...بعدما تزوجت شقيقتها هذا الرجل الغامض والمريب ....والذي كانت قصة غامضة أيضاً حدثت سريعاً دون أن يدرك أحد....
في هذا اليوم كانت تمكث في منزل جدها الشبيه بالقصور ...بالأخص في غرفة بالطابق الثاني بجانب غرفة شقيقتها ....وكان صالح مسافرا في أحد البلدان لمهام تخص أعمال مصانع العائلة للأخشاب ...
نهضت ليلى في ساعة متأخرة من الليل ...تحديدًا كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ...ثم شعرت بدق على باب غرفتها .... قبل أن تفتح الباب نظرت لنفسها بالمرآة بملابس نومها الخفيفة التي تكشف ذراعيها وعنقها بالكامل ...وبنطال قطني يفصل أنحناءات ساقيها تفصليًا ...ولكنها ما كانت تستخدمه سوى للنوم ولم يرها مخلوق عدى شقيقتها ووالدها بمراتٍ قليلة ....
قالت قبل أن تفتح الباب :
_« مين ؟! »
انتبهت لصوت شقيقتها صافية :
_« أنا صافية يا ليلى ...أفتحي متخافيش ...»
تنفست ليلى الصعداء واسرعت لتفتح الباب ...لتجد شقيقتها تضع يدها على رأسها ويبدو أنها تشعر بألام الصداع ....تساءلت بقلق :
_« مالك يا صافية ؟! »
ابتلعت صافية ريقها بقوة وقالت بوجه شاحب :
_ « مش عارفة ....بقالي فترة بيجيلي صداع فظيع ...مش بيهدا غير بالعلاج بتاعي بس للأسف العلاج خلص وصالح مسافر ....»
شعرت ليلى بالعجز فتابعت صافية :
_« تعالي اقعدي معايا ...أنا بخاف من البيت ده واللي فيه ...لما صالح بيسافر بفضل صاحية طول الليل ...»
قالت ليلى برقة :
_« حاضر ....هلبس جاكيت البچامة وجاية معاكِ...»
بعد لحظات كانت ليلى تتمدد بجانب شقيقتها بعدما خلعت تلك القطعة من الملابس مرةً أخرى لتنام بذراعي مكشوفة
..وبينهما طفل صغير رضيع هو أبن صافية الذي ولد منذ أسابيع قليلة ...
كانت عيون صافية شاردة ...بها حزن مكتوم ...شيء مغلوب على أمره ....رمقتها ليلى بتعجب وقالت :
_« ليه حاسة من فترة كبيرة أنك حزينة يا صافية ؟! أنت خدتي اللي بتحبيه ومشاء الله مش مخليكِ عايزة حاجة وكمان قاعدة في بيت العيلة الكبيرة ....ليه بقى الحزن ده ؟! »
تنهدت صافية بشيء من المرارة مر بعينيها ثم قالت :
_« حب ! أنا قربت أصدق أن مافيش حاجة اسمها حب أصلًا ...نامي يا ليلى ...الوقت متأخر ....»
قالت ليلى بدهشة :
_« لأ مش هنام ...في إيه مالك ؟!»
تأفتت صافية بضيق وقالت :
_« خلاص هنام أنا ....»
أغلقت عينيها وصمتت...تطلعت بها ليلى بقلق وعلمت أن هناك ما يشغلها ويورقها لتقل ذلك...لم يكن سبيل أن تعرف ما بشقيقتها بهذا الوقت فأغمضت عينيها وحاولت النوم ....
لم تستطع بسهولة أن تغفو ولكنها بالاخير سبتت سباتٍ عميق ...
عند الفجر ....
لم يكن أي من في المنزل يعرف " صالح " سيعود اليوم ... هو نفسه لم يرتب لذلك ولكن انتهى عمله وزيارته السريعة وعاد دون أن يخبر احدًا....ارتقى الدرجات وبفمه سيجارته التي ينفث منها الدخان بشراهة ....
فتح باب غرفته گ المعتاد ليجد الغرفة تغط في ظلمة حالكة ...فأضاء المصباح ليتسمر فجأة بشيء سرق انتباهه ....
زوجته تنام في فراشهما وبجانبها الرضيع گ المعتاد ...ولكن زاد على المشهد شيء آخر ....شقيقتها "ليلى " بملابس رغم انها تميل برسوماتها الكرتونية إلى الطفولة ولكنها تبدو بقمة الفتنة والإغراء بذراعيها العاريتان.....اقترب ببطء للفراش حتى وقف بجانبه اتجاه زوجته ولكن عينيه على النائمة الأخرى وشعرها العسلي يضم وجهها وجزء كبير من بعد عنقها عاريًا .... قارن بسرعة بين الشقيقتان وكانت المقارنة مخزية بالنسبة لزوجته
تفرست عينيه الوقحة بفتنتها بابتسامة ماكرة حتى اختنقت أنفاس ليلى من الدخان القريب وبدأت تسعل وتسستيقظ...
حينما فتحت عينيها قليلًا ازعجها النور المضاء ولكن ما جعلها تسحب الغطاء الخفيف على ذراعيها هو تحديق ذلك الذي يقف قبالتها متأملًا ...!
قالت وهي تخفي ذراعيها بالغطاء ونظرة عصبية :
_« أنت جيت امتى ؟! طب كنت نبهنا حتى ! »
ابتعد صالح من الفراش بخطوات بطيئة وارتسمت ابتسامة خبيثة على محياه وهو يتقدم للخروج من الغرفة :
_« مكنتش أعرف أنك هنا اصلًا ....البيت بيتك يا ليلى ...خليكِ فاكرة ....»
وها هي تتذكر ذلك حتى بعد مرور عشر سنوات ...وهي بالمشفى ......وكانت نتيجة ذلك رعدة في جسدها وهي تضمة صغيرتها بين ذراعيها أكثر والدموع تنزف من عينيها ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وفي صباح اليوم التاليــ
وضع وجيه فنجان قهوته على المائدة وأعلن :
_« في موضوع جه فجأة ...بس لازم تعرفوه لأنه هيتم خلال أيام قبل سفركم يا شباب ...»
راقبه الشباب الاربعة في صمت بينما الجد " رشدي" كان قد علم بالأمر بمساء الليلة الفائته ولكنه لم يتناقش ولم يتجادل مع أبنه ...
حتى قال وجيه مرة أخرى وكأن يتحدث عن شيء أقل أهمية من اهمية هذا الأمر :
_ « هرجع لطليقتي ...في تجمع صغير بين العيلتين ....قبل سفركم على طول عشان تبقوا معايا ....»
ابتسم الشباب في مباركات وتهنئة فقال جاسر وقد أنساه الخبر ضيقه من تلك السفرية :
_« الف مبروك يا عمي ....»
هتف يوسف بمرح :
_« أنا هعمل حفلة على الضيق كده ...حفلة حلويات يعني ...»
ضحك الشباب عليه بينما ظل الجد صامتٍ حتى انتهوا من الأفطار وذهب الشباب لعملهم بالمشفى.....وقال :
_« مش حاسس أنك مبسوط ...! »
تنهد وجيه ببعض الشرود ثم قال :
_ « مش كل حاجة بنتمناها لازم ناخدها....أحيانًا بيكون منتهى العقل أننا نحجم أحلامنا ....نفكر قبل ما نتمنى .... نعرف الأنسب ونختاره .... جيهان انسب حد ليا ....»
هز والده رأسه بالاعتراض قائلًا :
_« أنت بالذات لو مخدتش خطوة وأنت مبسوط ومرتاح مش بتكمل فيها ..... »
تهرب وجيه من الحديث وقال متطرقا لموضوع آخر :
_ « قولت إيه في الموضوع اللي اتكلمنا فيه امبارح....هتيجي المستشفى وتكون تحت الرعاية الكاملة هناك ولا هترفض برضو ؟ الشباب مسافرين وسمر الممرضة هتاخد اجازة عشان تحضر لجوازها بعد شهر...وأنا هكون مشغول في شغلي لدرجة أني مش هاخد أجازه جواز حتى ....»
قال والده بنظرة دقيقة لعينيه :
_« موافق وأمري لله .....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
أتى المساء بزيارات أسود المطر من جديد...الرعد والبرق...كأنه ينذر بشيء مخيف....
ظلت تنتظره بكل دقيقة.....أين هو ياترى ؟!
لو كان يعلم أنها هنا لما لم يأتي إليها ؟!
لم تعهده هكذا...!
مسحت عينيها من الدموع وخرجت من الغرفة وتركت صغيرتها على الفراش نائمة بعد فترة يقظة طويلة .....
مرت بالمرر الذي فيه الاضاءة ضعيفة بعض الشيء....لتتجد فجأة اللعنة تتمثل في عينين ...!
تجمد جسد ليلى وانتشر الرعد بأطرافها وهو يمضي إليها ...بذلك اللثام المُلتف دائمًا حول كتفيه ويتغير اشكاله فقط ...اليوم كان أسود مثل عينيه الثعلبية ....
وقف أمامها وملامحه تمهد القسوة والتوعد قبل الحديث ....لتتلعثم بذعر :
_« صالـ....ح ...»
قال بتضيقة من عينيه غادرة :
_« آه ....هو ...
ماجتش غير لما خدت حق ولادي الاتنين ...مخدتش العزا فيهم غير بعد ما خدت قصادهم أربعة من زينة شباب السوالم .... وأبوكي لو كان مات معاهم مكنتش هاخد عزاه .... »
ارتجف الدمع بعينيها وهي متيبسة الحركة من فرط الخوف من هذا الرجل الذي يجسد خطوات الشيطان في أفعاله ..... لمن تلجأ؟
لوالدها الغارق في غيبوبة ؟!
لجدها النسخة الأكبر من هذا المجرم ؟!
لمن يا ترى ؟!
أشارت من بعيد الممرضة منى وقالت :
_« دكتور وجيه في مكتبه يا ليلى...الحقيه بسرعة عشان هيمشي....»
نبض الأمل بقلبها من مجرد اسمه حتى دبت الحياة بها وهي تركض إلى مكتبه.... گ السجين الذي وجد الحرية بعد سنوات من العذاب والوحدة والألم والقهر....
اسم واحد ...يحدث أن يضع الأمان بقلوبنا
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
الفصل ده كان جملي كل ما اجي أنزله النت يقطع 😂😹
حتى لما النت جه جيت أنزله لقيت نصه اتمسح معرفش أزاي 😒😭💔
عوضوني بالتفاعل بقى يمكن انزل فصل ولا نص حتى بكرة 😒😊
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع 7 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... صدمة...~
على مفترق طرق تلاقينا....القلوب تميل والطريق مفارق !
ساقه القدر إلى هنا...المشفى ..!
بعدما آتـاه اتصال هاتفي من أحد الأطباء بضرورة وجوده لأمر هام لن يحتاج الكثير من الوقت .....
استغلت چيهان الفرصة وذهبت إليـه قبل ان يغادر ...بعدما ألتقيا أمس واتفقا على بعض الأشياء النهائية بشأن زواجهما....
كان گ الذي يذهب إلى الشاطئ ويعرف أنه سيغرق حتى الموت !
قالت چيهان وهي تقف عاقدة ذراعيها حولها في نظرة تتدلل وابتسامه تتراقص على وجنتيها بشيء من العتاب :
_« افتكرت إنك جاي عشاني ! ليلة امبارح اتكلمنا في كل حاجة بخصوص جوازنا.... ماسمعتش منك كلمة رومانسية حتى ...! »
كل شيء تفعله كأنها تفعله من خلف حجاب !....أو ستار يواري أنوثتها ودلالها فلا يراها ولا يتأثر !
قال وهو يفحص تقرير أحد مرضاه وظهر بعينيه عدم الاكتراث :
_ « أنتِ عارفة أني مش بحب اتكلم كتير يا چيهان.... بس عمومًا لكل مقام مقال ... الكلام الحلو له وقته وآوانه ...»
اقتربت منه بخطوات هادئة ....والابتسامة على شفتيها تعلن أنها سعيدة بكل ما للكلمة من معنى....ونظرتها تخبره أن بين كتمانها شيء من الحب تكنّه له ....
كثير من الرجال تغلب مقاومتهم أنوثة امرأة ... أو حتى تقلل ثوراتهم الغاضبة ... ويرق لهن الصلد ....بينما هو ضاق فجأة من اقترابها...!
كأنها هم ثقيل ....يملأ رئتيه اختناق ...وقلبه ارهاق ...ينقض الظهر حملًا مرتمي من قسوة الظروف ....
وضعت چيهان يدها بجرآة غلى كتفه واليد الأخرى سحبت الاوراق من يده والقتها على المكتب بأهمال، وعينيها على عينيه بدقة وقالت بتدلل :
_ « وجيه .... المرة دي أنا ناوية احافظ على بيتي بجد ....أنا مش چيهان اللي اتجوزتها من عشر سنين وطلقتها في شهور....أنا دلوقتي انسانة بتحب واحد وعايزة تعيش معاه لآخر نفس في حياتها.... اوعدني أنك تفضل معايا وتحافظ على جوازنا... ماتسبنيش وتمشي من أول غلطة زي زمان..! »
حاول أن يتهرب من عينيها...أن يبعدها عنه ....ولكنه على وعد غليظ مع نفسه ... لن ينكثه بهذه السهولة ...!
تريد وعد ؟!
أن يبقى معها !
حسناً..... سيكن رباط أكثر غلظة على نفسه ....لكي لا يحرق كبريائه بخطوة سيفعلها رغما عن كل كبريائه إذا استمر حرًا طليق .....
قال وهو ينظر لعينيها ...ولكنه لا يرى عينيها ...!
بل عينان أخرى ....يتحديانه منذ زمن بعيد.....قال بصوت مُحمل بثقل عظيم لذلك الوعد على قلبه :
_ « اوعدك....»
اتسعت ابتسامة جيهان وقالت وقلبها يُحلق عاليًا من السعادة :
_ « أنا مبسوطة اكتر مما تتخيل ...بس أنت مكشر ليــه ؟! بقا المناسبة دي ما تستهلش أنك تفرح ؟! .....»
ابتسم ابتسامة باهته حتى يرضيها ولا يكسر فرحتها الظاهرة بصدق .....وفي قرار المغادرة الذي كان على أطراف لسانه وكاد أن يتفوه به هجمت على المكتب ....ليـلى !
ابتعدت جيهان بحركة سريعة وبعض الخجل والعصبية من اقتحام غريب انفرادهما.....بينما تسمرت عينان وجيه بثبات على عينان ليلى المنتفخة من البكاء ...المملؤءة بالذعر والخوف ....
نظرت له ليلى بصدمة من هذا القرب بينه وبين المرأة الأخرى الذي تتذكر أنها رأتها بأحد الصحف ربما .....
تجمدت ليلى للحظات ودموع عينيها تتساقط حارة على وجنتيها ....
الشيء الوحيد الذي أنساها ما رأته هو صوت صالح وهو يهتف اسمها بالخارج ....ويبحث عنها ...
غفلت عن كل شيء وركضت إلى الشخص الوحيد الذي سيظل لها كل شيء ....مهما فعل ...
ركضت إليه ...وابتلع ريقه عندما رأها تتجه إليه بهذه اللهفة...خاطرة متهورة مرت على عقله بثوانِ ....
صورت له مشهد سريع .... أنه سيأخذها بين ذراعيه من أي شيء سبب لعينيها الألم ....وينقذ نفسه وينقذها ...
يحارب الهجر والظروف وكل شيء ....
أين هو من هذه الشجاعة ....؟!
وقفت أمامه وهي تبكي بقوة وقالت له :
_ « وجيـه....أنا مش مصدقة أني شوفتك تاني..!!»
ضيق وجيه عينيه في دهشة !! ماذا تقول ؟!
ربما لو كان ذلك استقبالها له بأول مرة بعد هجر سنوات ما كانت آلت الأمور لما هي عليها !
كادت أن تتابع ...وتقول شيء...بل أشياء....كل شيء
ليدق الذعر بقلبها من جديد بدخول صالح ...
ارتجفت ليلى گ المحمومة وهرعت الي وجيه أكثر .... تمسكت بياقة معطفه وتوسلت ببكاء :
_« ما تسبنيش تاني عشان خاطري.... ماتسبنيش .....»
رددت الكلمة بتأكيد...كأنها تؤكد عليه أني يأخذها من هنا...الأمر أمرها !!
ضيقت جيهان عينيها بغضب من تلك المرأة المجهولة التي تقترب إليه بذلك القرب الغريب !
تابعت ليلى ببكاء يشبه الصراخ :
_« أحميني منه ... خليني هنا....جانبك ... لازم تعرف أني ..»
التمعت عينيه ببريق شديد....ظهر بها ضعف وشوق يسخر من مقاومته التي شيدها ...ولكن ....
أتت الرياح بعدما أحترقت السفن ..!
تكذب لتنقذ نفسها...مؤامرة الأفاعي....!
قاطعها ورفع يديه ليدها المتمسكة بمعطفه ووضعها على يدها... فتبسمت عينيها بالأمل....حتى أنزل يدها من على ملابسه بقسوة .....
ورغم ذلك عينيه ثابته على عينيها كأنها تُعيد لها مشاهد ماضية .... وكأنها تشاهد ملفات الماضي فيهما !
نظرت ليلى ليدها الساقطة جانبها بصدمة جمدتها ...حتى قال بصوت جليدي جاف ونظرات تلتهب انتقام ورد الصاع لها مثلما فعلت.... وبنفس الكلمات التي قتلته بها سابقـًا:
_« أبعدي عني.... سيبيني في حالي .....أنسيني ...»
كلمات .... كأنت گ السم !
طعنات ..!
استخدمتها قبله ؟!
قتلته بها أولًا ....!
هي البادئة !
اتسعت عينيها في صدمة راعدة ....وأصبحت فجأة وكأنها بلا روح !
أين انت فيك ؟!
تردد هذا السؤال بعقلها وهي تتنظر له بذهول ....!
ورغم ما قاله ...ولكنه ود لو يصفع نفسه على ما قاله !!
لم يكن رد الضربة من شيمه !
ابتعدت عنه خطوة خطوة ببطء...كأنها الآن تهرب منه هو فقط !
حتى اصطدم ظهرها بالحائط واستندت عليه ببكاء صامت...أقوى من الصراخ ...بكاء يملؤه الضياع والضعف والتيهة .....
شاهدت الممرضة منى ما حدث وهي تقف خلف صالح وصدمت من موقف وجيه ومن كلماته !
اشفقت على ليلى واقتربت لها قائلة :
_ « تعالي يا ليلى .... بنتك لوحدها وهتصرخ لو مالقتكيش جنبها...»
كانت ليلى في صمت تام...الدموع تسقط من عينيها فقط وتنظر له ....
ونظرتها التي قتلت فيه قوة مزيفة ربحها كي ينساها فهواها اكثر!
وتلاقت نظراتهما في صمت مزعج من النظرات الصارخة..!
سحبتها الممرضة وهي لا حول لها ولا قوة ....كأنها بالفعل أصبحت جثة تتحرك !
ضاقت نظرات صالح على وجيه وقال :
_ أنت رميتها زي ما رمتك زمان ...وزي ما أنا رميتها وطلقتها ....مابقيتش تلزمني .....بس بنتي مش هسيبها ....»
خرج صالح من غرفة المكتب وترك وجيه يقف بلا حركة ....كأن أحدًا انتزع شيء من روحه !
اقتربت جيهان منه وتساءلت بعصبية :
_ « مين دي يا وجيه ؟! وكلمتك كده ليه ؟! وأنت....»
صاح وجيه بغضب فيها وصب عليها كامل غضبه وهو يتنفس بحدة كأنه في سباق للركض:
_« سيبيني دلوقتي ...عايز أبقى لوحدي ....»
كتمت چيهان كم هائل من التساؤلات واطاعت أمره حتى لا يغضب عليها أكثر من ذلك وخرجت ....
توترت عينيه في صدمة من نفسه...كيف لجأت إليه وخذلها بهذه الطريقة ؟!
عناد ؟!
كبرياء ؟!
أم صفعه حتى تشعر بما وضعته بشراب عمره الفائت وتجرعه بمرارة ...نقطة نقطة ! ...دون رحمة منها؟!
العقل يقول احسنت....
والقلب يبك بقهر !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
اقتحم جسد ليلى رجفة عنيفة تشبه نوبات مرض الصرع .....اسندتها الممرضة منى بقلق وتوجس من حالتها ....وادخلتها لأقرب غرفة كانت فارغة من المرضى...رافقتها حتى تمددت ليلى على الفراش وهي ترتجف بشدة وكأنها محمومة ...قالت الممرضة منى بخوف :
_« مالك يا ليلى ؟! ...»
نطقت ليلى باسم ابنتها وأسنانها تصطك ببعضهما :
_« بـ...بنت...ي ...»
فهمت الممرضة ما تريده فقالت :
_ « حاضر...هروح اجيبهالك حالًا.....»
ذهبت الممرضة لتأتي بالطفلة ....ولكنها لم تجدها بالغرفة !
وجدت فقط أحدى الممرضات وهي تأخذ جهاز قياس السكر من درج الكومود بجانب الفراش ....تساءلت :
_« البنت الصغيرة اللي كانت نايمة هنا فين يا سماح ؟! ...»
أجابت سماح بتلقائية :
_« واحد خدها وقال أنه أبوها ....البنت صحيت ومشيت معاه بس كانت بتعيط ....»
هتفت منى بغيظ :
_ « وبتسبيه ياخدها ليه من غير أذن أمها ؟! »
نظرت لها سماح بقلق وشعرت وكأنها تسببت بمشكلة كبيرة ...واجابت :
_ « طب تعالي نلحقه ...اكيد مبعدش من هنا ولا لحق يخرج من المستشفى ...»
هرعت منى معها للخارج ولكن لا وجود لطيف ذلك الرجل البغيض ولا الطفلة ...!!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دخل صالح ومعه الطفلة " ريميه " التي تبكي بقوة ...إلى مكتب وجيه الذي وضع رأسه بين راحتي يديه في حزن شديد....
ليرفع رأسه ناظرًا بأحتقار لهذا الرجل الذي سرق منه أغلى شيء لقلبه ....حبيبته ...
قال صالح بعجرفة وغرور :
_ « عرفت أن عمي هنا....حساب المستشفى عليا .... شيك فاضي واكتب فيه المبلغ اللي أنت عايزه....»
ضيق وجيه عينيه بكره شديد للذي يتحدث بعنجهية وتسلط ..! نهض وتحكم بأعصابه كي لا يصفعه على وجهه وقال :
_« الحساب اتقفل بالفعل ... فلوسك مالهاش لازمة ....»
رفع صالح عينيه بنظرة ضيقة ماكرة :
_ « ومين اللي قفله ؟! ...»
جزّ وجيه على أسنانه بقوة وعصبية ثم أجاب :
_ « مالكش فيه .... دي حسابات خاصة بالمستشفى .... مش أي حد يطّلع عليها !! »
فهم صالح أن وجيه يسخر منه ويقلل من شأنه خلف الكلمات ....تطلع به بعدائية وشر ثم قال :
_« ما تتحدنيش أنت ماتعرفش أنا ممكن اعمل إيه....أبقى اسأل كويس عليا ....وبخصوص عمي فأنا عملت اللي عليا ...أنما هو ما يلزمنيش لا هو ولا بنته....بس بنتي اللي تلزمني ....»
نظر وجيه للطفلة التي تتلوى ببكاء في قبضة أبيها فأعتصر قلبه يد من الألم لأجلها .....سأله في كره :
_ أنت واخدها غصب عنها ؟! أمها عارفة وموافقة ؟! »
مدت الطفلة " ريميه" يدها وهي عاجزة عن رؤية اتجاهه... حتى انحنى وجيه لها وامسك يدها في لمسة حنونة وكاد أن يسألها فأرتمت الطفلة على صدره ببكاء وهمست له :
_ « ماتسبنيش ...معاه....خليني معاك ....»
ودفنت رأسها بكتفه في احتماء ....
يا الله ..
تلك الكلمات مرةً أخرى !
من النسخة الصغيرة لحبيبته !
تمسكت الطفلة بمعطفه وهي تصرخ وتبك، فجذبها وجيه إليه بقوة ...لم يبقى على هذا العهد الزائف الكريه .. وقال لـ صالح بعصبية :
_« طالما مش راضية تيجي معاك يبقى سيبها مع والدتها...لما أمها توافق أبقى خدها....مش هسيب البنت معاك وهي بتعيط كده ! »
تملّك الغضب والشر من صالح ...ولكنه ليس غبي لدرجة أن يستخدم العنف الآن....كان لديه شيء أكبر يربح به.....أخرج ورقتان من محفظته الخاصة ورفعهما أمام عين وجيه قائلًا :
_« طب ما تقرأ اللي في الورقتين دول ....يمكن تعرف أنا مصمم أخد بنتي ليه.... أنت مش هتمنعني أخد بنتي بس حابب أنك تعرف السبب....ولو كنت مكاني كنت هتعمل كده .....»
استقام وجيه بجسده وترك الطفلة التي تشبثت بقدميه في خوف وأخذ الورقتان ليقرأهما .....اتسعت عينيه بذهول وصدمة ....
ردد ما يقرأه دون أن يستوعب أو يصدق ما يقرأه ....
ادمان مخدرات..؟!
واسم المريض......" ليلى عبد العزيز "
خطف صالح الورقتان منه وقال بابتسامة ساخرة :
_ « أظن فهمت دلوقتي.... دي شهادة مرضية من المركز الطبي اللي ودتيها تتعالج فيه ...... ولولا أن ليا اسمي وسمعتي وهتفضح كنت رفعت عليها قضية وخدت البنت....بس بنتي لو مخدتهاش بالذوق هخدها بالقانون....امها غير أمينة على طفلة صغيرة بظروف بنتي .... وخصوصا لو بحالتها دي....»
حمل صالح الصغيرة التي تناشد وجيه وتمد ذراعيها للنجدة، ولكن وجيه يقف زائغ النظرات....يلهث في دروب التيهة...ضائع الفكر ...مشتت ...في صدمة عنيفة ....
قابل صالح الممرضتان بخارج مكتب وجيه وأوقفاه فقال لهما في ثقة :
_ « اسألوا دكتور وجيه....وهو هيجاوبك .... أنا فهمته حالة ليلى ..»
تعجبا الفتاتان وتركاه يذهب .... بينما ذهبت الممرضة منى لوجيه ....لتجده يقف مكانه دون حركة ...لا زالت حالة الصدمة متملكه منه .....قالت له في ضيق :
_ « يا دكتور ..... وليلى لما تسأل على بنتها هقولها إيه ؟! »
ابتلع وجيه ريقه بصعوبة ولم يجيب .....فكررت منى سؤالها حتى هتف وجيه بعنف :
_« أخرجي برا ... مش عايز اسمع اسمها....»
صدمت منى من تعنيفه وطرده لها .....ما كان بذلك الغاضب يومًا مهما أستاء من شيء ....لم تره هكذا في مدتها القصيرة بالمشفى....خرجت من المكتب وهي تدمدم بالكلمات واالسخط ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
توجهت الممرضة منى لغرفة ليلى فوجدتها تقف بحمام الغرفة وتصب الماء على وجهها ...كأنها تخمد نيران تحترق .....علها تستفيق من تيهتها ...ومن غفلتها ...ومن هذا العجز...!
فقالت منى بأسى وضيق :
_« الراجل اللي كان واقف معاكِ خد ريميه يا ليلى.....جريت وراه أخدها منه لقيته استأذن من دكتور وجيه....»
انتفض جسد ليلى واستدار لها بعينيان مذعورتان وهتفت :
_« صالح خد بنتي ؟! .....»
توجست الممرضة من الهلع الواضع على وجه ليلى وقالت بتلعثم :
_ « والله روحت لدكتور وجيه أسأله قام طردني ومش عايز يسمع اسمك!! »
اتسعت عين ليلى على أخرهما ....لا تصدق أنه فعل ذلك حقاً !
زلزلت الأرض أسفلها وارتعد الغضب بكامل كيانها .... توعدت عينيها بشيء صارخ وهي تغادر الغرفة كأنها تركض ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
گ الشيء الثقيل الذي هزى على رأسه ما ترك بعقله انتباه أو تركيز....
حتى أنه شعر بأن عينيه قلت رؤيتها بعض الشيء !
وبينما وهو يسند يده على المكتب واقفا محني الرأس في كسرة ...استقام أخيرًا وشعر بأختناق كبير بهذا المكان ....بشيء يدمي قلبه .... تحرك نحو الباب وخرج من المكتب مغادرًا المشفى بأكملها....
خطواته بالمرر الطويل والمارة حوله اكدت للجميع أن به شيء غير طبيعي ...حتى أوقفه صوت صارخ يهتف باسمه ....استدار ببطء ليجدها تمضي إليه بخطوات واسعة كأنها تنوي نشب أظافرها بعنقه .....بنظراتها الغاضبة تلك ....
الذي لم يرها بتلك الكراهية من قبل !!
مضت إليه ليلى في سرعة أكثر من المعتاد حتى وقفت أمامه وكأن الزمن تقف بينهما ...وحولهما ....
لترفع يديها وتهوي بها على وجهه بصفعة شرسة ....
وصرخت بعينيها الحمراء ودموع تغرق وجهها :
_ « دلوقتي حاسة أني ما بكرهش حد ادك .... ايوة ...أنا بكرهك ...»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
ده نص الفصل على ما اكتب النص التاني لأنه هياخد معايا وقت وورايا مشوار سريع 😊❤
تفتكروا رد فعل وجيه إيه ؟! 😒
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن 8 - بقلم Shaimaa Gonna
الجزء الثاني من #الفصل_السادس
أكثر ما يؤلمنا هو الظلم....والأكثر ألم أن يكون بيد من نحب !
حملقت أزواج من العيون عليهما ..... بينما يده على جانب وجهه في صدمة مما فعلته !
صفعة !
لرجل بمكانته...بهيبته ...بشخصيته !
ستكن بالتأكيد علكة يمضغها الآخرين بأفواههم لفترة كبيرة ....
احتد به الغضب... غضب لكرامته گ رجل تمت أهانته أمام الجميع .... أطبق شفتيه على بعضهما في غضب تنذر به عينيه، ثم بنفس اليد التي كانت على وجهه إثر الصفعه كانت تجرها من ذراعها لمكتبـه....
حاولت أن تتخلص ليلى من قبضته وهي تتمتم بعصبية ...ولكن كأنها صبت جميع قوتها بتلك الصفعة، وأصبحت بعدها ورقة ذابلة من شجرة هشة تخطفها النسمات....
دفعها وجيـه بداخل مكتبه بعصبية بينما عينيه تصرخ بعنف وتلتمع بشرر ناري..... لم يكترث للهمهمات ولا للأقاويل فيبدو إنه نفذ لجام التحكم بأعصابه .....
اندفعت ليلى على مكتبه بقوة .... حتى استدارت له بنظرة غاضبة ولمحته وهو يغلق باب المكتب الذي حجب عيون الكثير من الأشخاص ..... قالت بصوتٍ عالِ وهي تتحدث بغضب ودموع متساقطة :
_ « أنا عايزة أمشي من هنا ...مش عايزة أشوفك ... جايبني هنا ليــــه ..؟! »
أقترب إليها بنظرة تشتعل غضب وكراهية .... حتى لو كانت وليدة موقف وستزول ...ولكن حقا مرت عليه تلك اللحظة أخيرًا...ويرجو أن لا تزول.....قال بغضب :
_ « أخرسي خالص ....أنا مش طايق حتى اسمع صوتك .... أنا بالفعل كنت رميتك ورا ضهري .... كنت شوفت حياتي أخيرًا ! لكن اللي عملتيه ده مش هيعدي بالساهل ...»
ابتعدت خطوات للخلف وهي تهتف ولكن بداخلها ترتجف بكاء وألم :
_ « اللي أنا عملته ولا اللي أنت عملته ؟! »
أشارت لنفسها وهي تبكِ بمرارة :
_ « أنا جريت عليك لما حسيت بالخطر...!
استنجدت بيك عشان تحميني ...!
ما شكيتش لحظة أنك هتدافع عني وتحميني ..!
كنت فكراك حاجة تانية غير اللي واقف قدامي دلوقتي ...!
وكله كوم...وأنك تسمح لحد ياخد بنتي كوم تاني !
ده أنا جريت عليك ومرعوبة منه تقوم تسلمه بنتي من ورايا ؟!
للدرجة دي ......»
قاطعها بالحديث وقطع المسافة بينهما بحركة سريعة وعصبية ...ليتحدث بنبرة قاسية وعنيفة :
_« للدرجة دي أنا بحتقرك !
مش أنتِ كرهتيني ؟! ده أقل شعور حاسه دلوقتي ليكِ !
عمري ما كنت اتخيل في يوم أنك مدمنة مخدرات !
واضح أن طليقك استحملك بما فيه الكفاية ...يمكن كمان كان عارف من قبل ما يتجوزك .... عشان كده وافقتي عليه وبعتيني في لحظة ! .... ومكنش في أي شيء يخليكي توافقي عليه وترفضيني طالما والدك كان موافق عليا .... ! »
أطرقت رأسها للأسفل بنظرة باكية ... وارتجفت من البكاء بشكل عنيف أمام عينيه ...وضعها صمتها موضع اتهام أكثر .... فهتف بعنف والمرارة تطوف بعنف في عينيه :
_« لعبتي بيا ... كنت صريح وأصدق من أنك تعملي فيا كده !
يمكن لو كنتِ قولتيلي الحقيقة كنت ساعدتك تتعالجي ووقفت جانبك ! »
نظرت له بألم وقالت بحزن وكسرة :
_« أنا مكنتش مدمنة لما عرفتك ..... ده حصل ...»
أغمضت عينيها في ألم وتيهة وهي لا تجد إجابة بعقلها المشوش والتائه ...فقالت ببكاء وتيهة :
_« مش عارفة...مش عارفة ..... »
لم يرى بإجابتها سوى الكذب والمراوغة فقال بسخرية ونظرة محتقرة :
_« يعني كمان مكنش في سبب عشان تعملي فيا كل اللي عملتيه ! بس يمكن ده من حسن حظي أني بعدت عن انسانة منحلة زيك ... ماتنفعش أم ...ولا تنفع زوجة تشيل اسمي ...»
كتمت ليلى صرخة عالية ... والسبب الوحيد الذي جعلها تتزوج ذلك المجرم ...لا تستطع التفوه به ...... هزت رأسها والدموع تتساقط من عينيها وقالت بكسرة :
_« أنا هاخد أبويا من هنا .... لو كنت أعرف إنك هنا مكنتش جيبته هنا ..... »
صاح بوجهها بعصبية وود لو يصفعها ولكن رجولته تأبى ذلك :
_« أظن الدكتور قالك ماينفعش .... »
نظرت له بتيهة وهي لا تتذكر أنها تحدثت مع أي طبيب ...قالت بتلعثم :
_« محدش قالي حاجة ! »
سومها بنظرة غاضبة وهتف بها :
_« بطلي كدب بقى !! أنتِ عارفة أن الدكتور المشرف على حالته رفض تاخديه ....أظن هتنكري كمان أنك وقفتي نفس وقفتك دلوقتي واتحدتيني ! »
صدمت من قوله ... ضيقت ليلى عينيها وبفوضى عارمة تحدث برأسها وأفكارها المتأرجحة ...... هزت رأسها بالنفي !
امتلأ الغضب بعينيه، فهو لا يدري موجة تيهتها وقالت بحسم حتى لا يرى ضعفها أكثر من ذلك :
_ « أي كان ...هاخد أبويا من هنا...أنا المسؤولة، الدكتور مش هيجبرني أبقى...أنا مش عايزة أكون في مكان أنت فيه ....وكفاية كده ...»
اسودت عينيه بظلال قاتمة من الانفجار الناري ......
ماذا يفعل مع تلك المخلوقة التي أستاطعت أن تزرع بقلبه منتهى الحب ومنتهى الكراهية في نفس اللحظة !
قال بتوعد ارتعد بنبرته وكأنه ينذرها بأمر خطير :
_« خديه مش همنعك....بس أوعدك مافيش مستشفى هتستقبل حالته ولو ليوم واحد ....لو طلع من هنا يبقى حكمتي عليه بالموت ...وأنتِ عارفة أني اقدر اعمل حاجات كتير ..... جربي عشان تتأكدي من كلامي ...بس خلي بالك ...التجربة هنا فيها موت .... أنا مش متمسك بيه عشانك !
أنا متمسك انتقم منك ....على اللي عملتيه زمان...واللي عملتيه دلوقتي..... مش هسيب الفرصة دي من ايدي عشان أقفل آخر صفحة من حكاية كلها خيانة وغدر ....»
نظرت له نظرة طويله كلها عتاب وحزن ثم قالت :
_ « يبقى من حقي أعرف مصاريف علاجه ...مش هيتعالج ببلاش ...ولا شفقة منك .... بس خلي انتقامك بعيد عنه وعن بنتي ...أنما أنا خلاص.... أنت زي اللي بيطلب الأعدام لميت ! »
التمعت عينيه فجأة بخاطرة ماكرة ابتسم لها بسخرية .... توجه لمكتبه ورفع سماعة هاتف أرضي وأمر بإرسال " رئيسة الممرضات" ..... مدام " عفاف"
نظرت له ليلى بصدمة وقالت وهي لا تعرف لأي شيء يخطط ...
أتت سيدة اربعينية وتقترب إلى الخمسين مرتدية زي أبيض مختلف عن الممرضات وعن الأطباء أيضاً..... ووقفت أمامه في وقار قائلة :
_« نعم يا دكتور ...؟ »
جلس وجيه أمام مكتبه وارجع ظهر للوراء بنظرة متمعنة بوجه ليلى الذي وكأنها تنتظر حكم الأعدام ...وقال والسخرية تملأ عينيه :
_« شوفيلها شغل هنا .... أي شغل ....»
ضيقت ليلى عينيها بدهشة في حين نظرت لها السيدة بتعجب ....من طلب وجيه الذي لأول مرة يطلبه من أحد...ولأن تلك الفتاة لا يبدو أنها تدري ما هو عمل المستسفيات من الاساس ...ومن حالتها التي لا يرثى لها ..... فقالت بتعجب :
_ « هتشتغل إيه يا دكتور ؟! يعني ما اظنش أنها دكتورة ولا حتى ممرضة ... هي معاها شهادات إيه ؟! »
رمى وجيه نظرة جانبية لعينين ليلى التي شردت بتيهة واضحة فقال :
_« أي شغلانة على ما تحضر أوراقها .... »
قالت السيدة وهي ترمق ليلى من رأسها لأخمص قدميها ...وقالت باستغراب:
_« مافيش اماكن فاضية غير النظافة يا دكتور ...حتى المطبخ العمالة فيه اكتفت ! »
تنفس وجيه بملامح جامدة وهو ينظر ل" ليلى" ونظرته بها بريق وكأنه يجاهد شيء بداخله سريعا ما أخفاه ...ثم قال وابعد عينيه عنها :
_ « مافيش مشكلة .... »
غادرت السيدة وهي تعده بترتيب الامر في خلال ساعة واحدة .... تحركت ليلى أمام مكتبه وقالت وهي تكتم دموع هائلة :
_ « لو فاكر أنك كده بتعاقبني تبقى غلطان .... ياريت كل العقاب كان كده .... حتى لو هشتغل هنا اي شغلانة الشغل مش عيب....وأهون مليون مرة من حاجات كتير وأولهم أنك تشفق عليا أنا وابويا .... بس هروح أجيب بنتي الأول .... مش هقدر أعيش من غيرها ...»
نبضت عينيها بالدموع وظهر بها بريق توسل فنظر إليها بثبات ثم قال :
_« طليقك مش هيسبك في حالك لو خدتيها .... خصوصا أن ليه الحق في أخد البنت بعد اللي عرفته ....»
قالت بألم :
_ « أنت مش عارف أي حاجة ..... سيبني أجيب بنتي ... ريميه مش بتحب عيلة أبوها لأنهم قاسيين عليها ... ولا هو بيدور عليها حبا فيها ..... هو عايزها عشان عارف أن هي الطريق ليا ....بيذلني بيها عشان أرجع .... »
حدجها بنظرة شرسة ونارية ثم مسحت هي عينيها من الدموع وقالت :
_ « لما أبويا يفوق هنسافر لأبعد مكان عن الكل .... لحياة جديدة وناس جديدة ...يمكن أقدر ارجع نفسي اللي مش عارفة ألقيها ....»
استدارت لتخرج من المكتب فأوقفها بحدة ....اتجهت له من جديد فوجدته يقترب لها بتريث....وقفها أمامه وظهر بعض التردد بعينيه ...كأنه يكفاح لقول لشيء....أو بالأصح لأخفائه ...!
قال أخيرًا بنظرة ثاقبة لعينيها دون تعابير على وجهه :
_« شغلك ابتدا من دلوقتي ....مش هينفع تخرجي .... شغلك وبياتك هيكون هنا.... خروجك بأذن .....»
ردت بغضب :
_« أنا مضطرة ارجع على فكرة ولا ناسي أن ابويا هنا ؟!
بس مش هسيب بنتي معاه ! دي زمانها مموته نفسها من العياط ...! »
رفض بعصبية :
_« قولت مش هتخرجي ....»
صرّت على أسنانها بغضب وتحركت اتجاه الباب وفتحته قليلًا حتى لحقها وأغلقه بيده مرةً أخرى وهتف بها :
_ « أنتِ مش هتخرجي من هنا ..... مش هسيبك تكوني معاه لوحدك ..... »
رفعت نظرتها له وتطلعت لارتباك عينيه ببطء وكأنه ندم على ما قاله .... تملكه الغضب بعنف ليخفي هذه اللمحة وهتف :
_« خروجك بأذني...ودلوقتي اطلعي برا مكتب يا ليلى ....شغلك مش هنا في مكتبي ....»
رمتها بنظرة عاتبة ثم قالت ببكاء :
_« قولتلك راجعة.... لو أنت مكاني هتسيب بنتك كده ؟!
أنا بحس أني هموت كل ما أتخيل حالها دلوقتي ...»
أطرق بيده على الباب بعصبية وهتف :
_« وأنتِ متخيلة أنك لو روحتي تجبيها هيسيبك تاخديها بسهولة ؟! »
هتفت به كي يتركها وشأنها :
_ « مالكش علاقة بأموري الخاصة....شغل وهشتغل طالما هسدد مصاريف علاج أبويا وحتى لو قعدت عشر سنين اشتغل وطالما أنت هتكون مبسوط لما تذلني !! .... لكن أنك تحدد اقامتي مش هسمحلك ! »
رد بعصبية :
_« دلوقتي أنا بس اللي مسؤول عن كل خطوة بتخطيها .... »
ضيقت عينيها بنظرة شرسة وصاحت :
_« انت ما اشترتنيش! لا أنت ولا أي حد هيقدر يسيطر عليا ..... ومتفتكرش أني عاجزة أني اخد أبويا من هنا .... كل اللي موقفني أني خايفة عليه ...وعارفة أن أي مكان تاني مش هيكون أمان أكتر من هنا.... جتلك الفرصة يا وجيه تنتقم مني ....تمام
بس بنتي خارج الحسابات .... مش هسمح لحد يقربلها .... ولا هسمح لحد يبعدني عنها ...»
فتح وجيه باب المكتب ودفعها للخارج بغضب ....أمام الجميع ....رد لها صفعتها ودون حتى أن يقصد ذلك ..!
لم يتحكم بغضبه ...ولم يستطع أن يخبرها ...أنه مع كل وجه العقاب والانتقام هذا ...أنه جدًا يغار !!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في أحد المكاتب بالمشفى .....
وقفت ممرضة شابة ....جميلة الملامح لحد الفتنة ...أمام جاسر وقالت بدلال :
_ « يعني خلاص هتسيبنا يا دكتور ؟! هنهون عليك ؟ »
أجاب جاسر بابتسامة ماكرة :
_ « وأنتِ عمرك هونتي عليا غير مرتين تلاته كده يعني ؟ »
ضحكت الممرضة " منار" ووضعت يدها على فمها ثم قالت :
_« أهو ضحكتني وأنا زعلانة ...ينفع كده ؟! »
هز رأسه بابتسامة واسعة وقال بخبث :
_« يا قسوتي .....لأ ما ينفعش ... بس إيه الضحكة دي ؟ ما تضحكيش تاني لو سمحتي ...»
سألت منار بمكر ورسمت على ملامحها عدم الفهم :
_« ليه ؟! »
رد جاسر بمكر وهو يخلع المعطف الطبي الأبيض :
_ « قلبي .... قلبي دق وقال منار ...منار ...منار ...»
هجم على المكتب فجأة شقيقه يوسف ...طبيب اسنان ....نظر يوسف له وهو يرفع حاجبه عندما وجده يخلع معطفه ويتحدث بتلك الطريقة الماكرة :
_« وحــــــدوووووه ....»
تنحنحت منار بحرج ....ووضع جاسر البالطو الأبيض على ظهر المقعد ورد عليه بغيظ :
_« لا إله إلا الله ..... خير يا ...دكتور يوسف ؟ »
أقترب يوسف بابتسامة حاول يخفيها وغمز قائلا :
_ « بقول وحدوووه ...وحد الله يا جاسر ....وحدي الله يا منار .... احنا في المستشفى مش في قاعة الؤلؤة ؟! »
استأذنت الممرضة منار وخرجت من المكتب بينما جر جاسر شقيقه يوسف من ملابسه وهز قائلًا بغيظ :
_ « كام مرة حذرتك تدخل زي الحمار كده على مكتبي ؟! »
عد يوسف على أصابعه العشرة ثم قال بشرود :
_« تقريبًا عديت الألف وخمستاشر مرة ..... مافيش مرة فيهم كنت لوحدك...لازم أقفشك مع حد.... أنت مش عاتق ....لا جامعة ولا النادي وحتى المستشفى يا مفتري.... كل اسبوع واحدة شكل .... كتير كده !! »
قال جاسر بنفاذ صبر:
_« عايز إيه أخلص ! مابتجهمش على مكتبي كده غير لو في مصيبة .... »
حاول يوسف التذكر ولكنه نسى ما أتى إليه فقال بارتباك :
_« طب سندوتش وراجعلك ....نسيت ...»
ظهر فجأة آسر ورعد عند باب المكتب ....أغلق آسر الباب خلفهما ثم قال يوسف بعدما تذكر من صدمتهم :
_« افتكرت .....عمكم أضرب بالقلم يا رجـــــالة ......! »
فغر جاسر فاه من الصدمة حتى قال آسر بعصبية :
_ « أنا حاولت أعرف هي مين معرفتش ...ومش فاهم حاجة ! »
رد عليه رعد بتفكير :
_« طالما معملهاش حاجة وخدها مكتبه يبقى يعرفها ....»
نطق جاسر والذهول يملأ ملامحه وهتف :
_ « دي مين اللي اتجرأت وعملت كده ؟! »
قال يوسف محاولًا التذكر :
_« سألت منى وناسي قالتلي إيه !! يا جماعة سيبوني اتعشا وارجع ! عقلي هيشتغل وهعرفلكم كل حاجة والله والله ...»
عقد آسر يديه حوله وقال بحيرة :
_ « أنا شايف أننا نستنى لما نرجع البيت ونسأله ...هتلاقوه دلوقتي عصبي ..... »
نفخ جاسر بضيق وغيظ :
_« أحنا متفقين على سهرة النهاردة ....بقولك ايه أحنا هنتنفي والله وحده يعلم موضوع القافلة ده هياخد اد إيه ....بعدين نبقى نعرف اللي حصل ..... قدامنا ٣أيام على السفر مش هضيع منهم دقيقة ....»
قال يوسف بتصميم :
_« لو المكان اللي هتروحوه فيه أكل ...هروح معاكم .....وإلا هقول لجدي ...»
جره جاسر أمامه وقال له بغيظ :
_ « رايحين عيد ميلاد في ديسكو ....بس انت عارف لو حد عرف هعمل منك كفته ....»
قال يوسف مبتسما :
_« كفته ...طب ياريت ....بس مين عيد ميلاده في ديسكو ؟ »
ابتسم جاسر وتذكر تلك الفاتنة صاحبة الحفل:
_« بسبوسة ...»
يوسف بتعجب :
_« بسبوسة وعاملة عيد ميلاد لنفسها ؟! والتورته موافقة ؟! »
ابتسم رعد رغما عنه وقال :
_« دي صديقة جاسر.... بوسي »
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقفت چيهان أمامه وهو يجلس شاردًا بعينيه للبعيد ولا يعرف لعذاب قلبه من طريق للخلاص ....قالت بعصبية :
_« ممكن أعرف يا وجيه دي مين بالضبط ؟! أظن من حقي ؟! »
تنهد بقوة ثم قال بضيق :
_ « حكاية قديمة وخلصت يا چيهان .... أو عشان أكون صادق معاكِ ....بتخلص ....»
راقبت چيهان عينيه التي يملأها الحزن وقالت بضيق وغيرة :
_« طالما كده يبقى مش عايزة أعرف تفاصيل .... بس عايزة افكرك بحاجة....أنت وعدتني أنك مش هتسيبني .... ولا ....»
صمتت بخوف مر بعينيها وبنبرة صوتها ....وترقبت اجابته بقلق ولهفة ... قال ببطء كأن الأجابة اجبارية :
_ « فاكر ..... أنا للأسف مش بنسى بسهولة .... أو مش بنسى خالص ..... ياريت كان بإيدي أقدر اتخلص بجزء كبير من ذكرياتي ..... »
كانت كلماته متقطعة.... ومليئة بالمعاني الكثيرة .... والألم بأطراف معانيها ظاهر !
زفرت جيهان بضيق شديد....علمت أنها ستواجه شيء كبير هو نفسه يواجهه ....ولكن أن انهزم سيضيع كل شيء....وهي لا تستطيع محاربة مشاعره لامرأة قلبه معها !!
تارة تملكها شعور التحدي ...وتارة أخرى تملّكها رغبة الأنسحاب ....
أي الاختيارين أفضل؟! ...
بعض الاجابات تترك للأيام .......
دقت على باب المكتب السيدة "عفاف" وسمح لها وجيه بالدخول...دخلت وظهر عليها الارتباك والقلق وهي تتحدث :
_ « البنت اللي كلمتني عنها يا دكتور مشيت ....سألت الكل عليها لحد ما عرفت أنها خرجت برا المستشفى ..... الكلام ده بقاله دقايق ...»
انتفض وجيه من مقعده بصدمة....ومر بعقله خط سيرها وهي تبحث عن ابنتها ....مع ذلك الرجل الذي يعرف أنه لا يعرف معنى للرحمة .....
اتقدت نيران الغيرة والخوف عليها حتى اشتدت أنفاسه غضب وتحرك وهو يتمتم بكلمات غاضبة .... ومن بين كلماته انتبهت جيهان لجملته الأخيرة ..... " مش هسيبها لوحدها معاه ...لازم ترجعلي"
ادمعت عين جيهان وهي تره يسرع خلف حبيبته ويتركها كأن حديثه منذ قليل لم يكن .....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
الفصل ده كان مرهق نفسيا والله وكتابته مكنتش سهلة أتمنى يعجبكم وأعرف رأيكم...ياريت أعرف رأيكم بمنتهى الصدف عشان احس أن مجهودي بيقابل استحسان منكم 🥰❤
بس حاسة أني بكتب مسلسل ضخم 🤔
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع 9 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السابع
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... ابتسامة على شفتيه...~
ذلك الكبرياء الذي قال بالأمس أنا ..... فقد ذاكرته حينما دقت عقارب الفراق...!
لم تكن أنفاسه المتسارعة تلهث من سرعة حركته إلى سيارته ..... بل من محارب خوف قلبه عليها .....
عاقب يا قلب عنيد ولكنك تحب بالتأكيد .....
فتح باب سيارته وسرعان ما شقت سيارته سير الطريق .... عينيه تلتفتان بجميع الاتجاهات بحثًا عنها ....
بينما هي أوقفت سيارة أجرة على بُعد أمتار بعيدة خارج المشفى ...واستقلتها إلى عنوان شقة بأحد أحياء القاهرة كانت تعرف منذ سنوات أنها تابعة للعائلة .....
لم تثبت عينيه على شيء لأكثر من ثوانِ قليلة وهو ينظر هنا وهناك عل عينيه تلمحها .....
وأخيرًا وقعت نظرته على الوجه المستهدف .... أوقف وجيه سيارته وهو يتلفظ باسمها بصوتٍ عالِ...
لم تنتبه له..... ولم تدرك أنه موجود بالاساس بل استقلت السيارة الأجرة وابتعدت في دقيقة !
أطرق وجيه على مقود السيارة في عصبية، ثم حرك سيارته مرةً أخرى....وتعجب إلى أين تريد الذهاب !
هل ستستقل القطار لتصل إلى منزل عائلتها هناك ؟!
ماذا يدور بذلك الرأس المحكمة بحجاب اسود كأنه يحجب أفكارها !!
اعطت ليلى السائق عنوان الشقة ...وتنهدت بدموع عينيها في حسرة ....
من بين تشوش أفكارها ....وذاكرتها المتأرجحة ....التي تُلقي ببعض الأحداث ...كأنها تلفظ نواة !
إلى أين تأخذها الأيام ؟!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بالمشفى .....
أنهى د.أمجد مروره على بعض المرضى.... وكأن حزنه أنعكس على ملامحه العابسة....وتقطيبته التي باتت وكأنه أحد سيماء ملامحه !
رفع حجر نظارته أعلى أنفه بعدما ارتخى قليلًا ، حتى توقف عندما سمع بالصدفة اسم الممرضة " سمر"
استدار بلهفة ضجت بها عينيه حتى وجدها تأتي من مدخل الطابق وقد أوقفتها أحدى أصدقائها الممرضات في ترحيب .... وقف يتأملها بشوق وأنين قلبه يبكِ بخفاء ....
ظل هكذا حتى أنتهى الحديث سريعاً بين الفتاتين ولم يشعر إلا عندما ساقته قدميه اتجاهها .... فكادت سمر أن تنعطف لممر جانبي، ولكنها وقفت بابتسامة بسيطة عندما وقف أمجد أمامها :
_« أزيك يا دكتور أمجد ...؟ »
قالتها ببساطة ... ولكن ماذا يفعل بابتسامة تتسلل إلى قلبه گ شمس الصباح؟
تخرج الصبح على عتمة أحزانه ووحدته ؟!
قال ببطء :
_« بخير يا آنسة سمر .... أنتِ أخبارك إيه ؟ »
هزت سمر رأسها في نظرة راضية وقالت :
_« الحمد لله ... جيت اسلم على زمايلي قبل ما أخد الأجازه بتاعتي ....عقبالك يا دكتور ...»
كأن كلماتها حد السكين ... تجعله يسير رغما عنه على أثيرها.... ابتلع أمجد غصة مريرة ورد عليها :
_« ربنا يراضيني باللي بتمناه .... من حقي اتمسك بحلمي حتى لو شايفه مستحيل يتحقق .... »
استاءت سمر من الحديث بهذا الأمر.... لما يريد هذا الطبيب الشاب أن يرغمها على الندم والتراجع في قرار زواجها ؟!
قالت وظهر بعينيها الضيق :
_« من حقك طبعاً يا دكتور .... بس الأفضل أنك تبص لأرض الواقع عشان ما تلاقيش نفسك في يوم من الأيام لوحدك !
مش كل احلامنا لازم ناخدها .... خصوصا ......»
قاطعها أمجد بنبرة بها لمحة عصبية وغضب :
_ « خصوصاً أني شايف أنك بتضيعي نفسك .... أنا محاولتش العب بيكِ يا سمر ! أنتِ مش بتحبي د.محمود... وغير ده كله هو مايستحقكيش صدقيني ! ....ارجوك راجعي نفسك لسه في وقت !»
رفعت سمر أصبعها بتحذير في وجهه، ونظرة منفعلة بضيق وقالت :
_« لو سمحت يا دكتور ....كفاية لحد كده لأني مش هسمحلك !
ما تنساش أن د.محمود يبقى خطيبي وبعد شهر هيبقى جوزي بأذن الله .... يعني مش هسمح لحد يتكلم عليه كلمة واحدة !
مش شايفة أني عملت حاجة غلط عشان حبيته واختارته !
ولا هو عشان أكبر مني بـ بكام سنة يبقى ماينفعليش وهندم وووووو ؟! »
ضيق أمجد عينيه بنظرة قاسية معذبة وقال :
_« مش السبب أنه اكبر منك ب ١٦ سنة بس ....أنتِ عارفة كويس أنه عينه زايغة وبتاع بنات ... خايف تندمي .... مش هحب أشوفك حزينة ... ومش هحب أشوفك برضو مع حد تاني .... ومش عارف اللي جاي إيه بس أنا بحاول ....»
زفرت سمر بضيق شديد من حديثه...لما يذكرها دائمًا بشيء تحاول تجنبه بالأخص في الفترة الأخيرة.....قالت بنرفزة :
_« كل واحد حر في حياته يا د.أمجد ....الحب مش بالعافيه ! »
تركته يقف وحيدًا يتأملها في صمت ...گ الطائر الجريح الذي بترت أحد جناحيه ....
دلفت سمر لأحد الغرف الخاصة بالممرضات ووضعت حقيبتها في حركة عصبية.... تفاجئت بها الممرضة منى وابتسمت عندما رآتها ....توجهت لها مرحبة حتى لاحظت مدى الضيق على وجه سمر ..... خمنت منى السبب وقالت :
_« د.أمجد ولا د.محمود ...؟ واحد فيهم اللي بيخليكي كده ؟! »
نطقت سمر بغيظ وهي تنفخ بعصبية :
_« المستفز اللي اسمه أمجد ! كل ما يشوف وشي يديني محاضرة في حبه وأحلامه ...أنا مش فاهمة أزاي لسه عنده أمل وأنا خلاص هتجوز بعد كام يوم ؟! »
ابتسمت منى ببعض اليأس من تراجعها بامر زواجها وقالت لصديقتها :
_ « عشان بيحبك ..... وياريتك كنتِ هتتجوزيه هو.... بصراحة أنتِ عارفة أني مش بطيق د.محمود وعمري ما شوفته مناسب ليكِ أنتِ بالذات .....»
رمتها سمر بنظرة غاضبة وهتفت :
_« أنتِ كمان يا منى ؟! ماله محمود مش فاهمة ؟! ما في بنات كتير اتجوزت واحد أكبر منها بكتير وعايشة مبسوطة فين المشكلة ؟! لا حرام ولا عيب...... وبعدين أيه أنت بالذات دي ؟! »
أجابت منى وهي ترتب بعض أوراق تقرير طبي خاص بأحد المرضى :
_ « هو في نماذج فعلًا ناجحة وعايشين مبسوطين ....بس نسبة كبيرة برضو يا سمر عايشين في مشاكل ....بس مش هو ده السبب برضو.... اللي كلنا شايفينه وأنتِ رافضة تشوفيه ..... د.محمود بتاع بنات من الدرجة الأولى...هتستحملي ده يبقى كملي ...مش هتستحمليه فكري قبل ما تدبسي ......»
وأضافت بتوضيح :
_« أنت بالذات بقى لازم تاخدي بالك ....عارفة أن اللي هقوله جارح بس حالنا من بعضه يا سمر.... أنتِ زي حالاتي ....لأ أب عايش ولا ليكِ أخ ولا حد يوقف في ضهرك لو في يوم جوزك هانك ..... يعني لما تختاري لازم تفكري الأول أنه أبن حلال وهيصونك وهيتقي الله فيكِ....زوج يبقالك كل اللي اتحرمتي منه ...مش يحرمك حتى من وجوده في حياتك !
عارفة يعني إيه تبقي متجوزة وحاسة أنك لوحدك ومالكيش حد ؟!
ده احساس مش بيجي غير نتيجة اختيار غلط ...خلي بالك ...»
جلست سمر على مقعد بالغرفة أمامه طاولة بيضاء معدنية وقالت بتنهيدة عميقة والقلق يحوم بنظراتها :
_« مش هخبي عليكِ وأقولك أني مش خايفة .... بس كل ما أجي أفكر ألاقيه بيضحك عليا بكلمتين حلوين ..... الغريبة أنه مش سايبلي فرصة حتى أني أفكر في ارتباطنا قدام.... !
تعرفي ...لما مرة أجي اتكلم معاه في بكرة....الاقيه بيكلمني عن دلوقتي.....كأنه مش شايفني معاه في اللي جاي .... بيحسسني أن وجودي فترة في الوقت اللي بنيت أحلامي كلها بوجوده معايا ! »
فقالت منى أخيرًا قبل أن تخرج من الغرفة :
_« فكري تاني وتالت ....قدامك شهر تقدري تاخدي فيه قرارات كتير..... فكري الف مرة قبل ما تغلطي مرة واحدة ....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقفت السيارة الأجرة عند مدخل مبنى راقي من عدة طوابق عالية ...مبنى أشبه بناطحات السحاب..... وحدة سكنية راقية بأحياء القاهرة .....
نظرت ليلى لشقة الطابق الرابع بالمبنى وتمنت أن يكن ظنها صحيح ..... تعرف أن صالح لا يعرف الأختباء فهو مثل الحاكم الظالم ..... يستبد في حكمه بمنتهى الجبروت ....
خرجت من السيارة سريعاً واقتربت من حارس المبنى وسألته ....تنفست الصعداء عندما أخذت الإجابة المرجوة بأن صالح أتى مع صغيرتها منذ دقائق .....
تركها الحارس تدخل للمبنى فهو يعرفها حق المعرفة ولم يأخذ إذن بمنعها من الدخول.....
ركضت إلى باب أحد المصعدين المتجاورين حتى دخلته ...ولحظات قصيرة وكان يرتفع للأعلى حتى شقة الطابق الرابع .....
بداخل الشقــــــة .....
دفع صالح الصغيرة الباكية إلى داخل أحدى الغرف بقسوة كأنه خاطفها وليس أبيها !
بينما شاهده الجد " صادق" وهو يجلس على أريكة من القطيفة بلون ذهبي .....يرتدي عباءة سوداء ثقيلة على كتفيه ويجلس بنظرة للأسفل ولكنها تبدو شاردة بعيدة.....
جلس صالح وهو يضع سيجارة بفمه ويشعل أطرافها بابتسامة شامته ....لم يتحدث .... نفث دخان سيجارته وقال بنظرة انتصار والسيجارة يهرب منها السنة الدخان بين أصبعيه :
_ « هتجيلي لحد عندي....تترجاني .... هحط رجل على رجل وتنفذ شروطي .....»
وضع صالح ساق على ساق بغرور ...رفع الجد صادق رأسه ونظر له في ثبات وقال :
_« وأخرتها يا صالح ؟! ما تنساش أنها حفيدتي واللي بيحصلها مش راضيني ...! »
وضع صالح السيجارة بفمه مرة أخرى وهو ينظر لجده في نظرة ضيقة حادة...كأنه ينذره أو يحذره ...أو بالأصح يهدده !
ثم نفخ الدخان باتجاه جده وقال بنبرة بها تحذير :
_ « خليك فاكر يا حج صادق أن اللي بيعارضني بيخسر.... وما تنساش أن كل اللي عندك اتحول باسمي ....يعني بكلمة مني أطرد العيلة كلها في الشارع ومحدش ليه عندي جنيه ...ومن حقي ....
من حكم في ماله ما ظلم ....يا حج ! »
أكد صالح على كل كلمة ....فنظر له الجد بنظرة بها ندم رجل لم يندم على شيء مثل ندمه على تسليم الأمر كاملًا لذلك المخادع الماكر....الذي استطاع أن يحول جميع ثروة العائلة منذ عقود باسمه !!
قال صادق بصوتٍ حاد :
_« حقك يابني ..... أنت مش غلطان ..... الغلط مني أنا .... أنا اللي ربيت تعبان لحد ما كبر ونهشني ..... ياريتك طلعت زي أبوك الله يرحمه .... كان زيك في كل شيء إلا أنه يتحداني ويهددني ....لولا أني مش هقدر على شماته الكل فيا مكنش همني اللي هتعمله ....»
وأضاف الجد بحسرة :
_« حتى ولادك اللي قولت هيعوضوني عنك ...ماتوا .....السوالم فضلت ورايا لحد ما كسروا ضهري تاني !! »
جز صالح على أسنانه بعنف وقال :
_ « ما أبنك السبب .... »
هتف الجد بعصبية :
_« اسمه عمي ...مش أبنك !
أبني ده اللي ادالك بناته الاتنين اللي اتسببت في انتحار واحدة ....والتانية كانت هتحصل أختها لولا ستر ربنا ....لولا أني مش راضي الفضيحة كنت عرفت الدنيا بحالها أن صافية انتحرت ...مش ماتت موتة ربنا زي ما الكل فاكر! »
دث صالح عُقب سيجارته أسفل حذائه ودهسه بغلظة ....وبنظرة عنيفه لجده ثم قال بتحذير له :
_« أنت قولتها ياحج صادق ....أنت ربيت تعبان ....أنا تعبان ... تحذيري لوحده سم ....مش هفكرك أني مش ببقى على حد .... ولا حتى هبقى عليك أنت....تربيتك وشربت منك اللي أنا فيه نقطة نقطة .... جاي تلومني على شيء أنت ربتني عليه في الأصل يبقى لوم نفسك ! »
خشي الجد من نظرات حفيده الشرسة ...الذي يعرف أنه على أتم الاستعداد لفعل أقبح الأشياء دون رمقة ندم !
نهض صالح من مقعده وقال وهو يحكم الشال الثقيل حول كتفيه جيدًا :
_ « أنا خارج ....هقابل المنصوري في مكتبه عشان طلبية الخشب اللي بقالها أسبوع متعطلة .... »
توجه صالح بعد ذلك في اتجاه باب الشقة ثم غادرها ......
دخل المصعد وبعد نصف دقيقة خرجت ليلى من المصعد الآخر الجانبي وهرعت إلى الشقة رقم ١٠ .....
دقت جرس الباب وفتح لها الخادم الذي نظر بها بقلق وحيرة من السماح بالدخول....دفعته بحدة وركضت للداخل حتى توقفت عندما وجدت جدها يضع رأسه على يديه التي تضم عصاته التي يستند بها على الأرض ....يبدو أنه في حالة من الضيق والحزن ....كانت تعرف أن تلك اللمحة لا تظهر عليه بالصدفة !
قالت بهتاف وعصبية :
_« بنتي فين ؟! »
رفع الجد رأسه بهم ثقيل يطل من عينيه ....ثم نظر إليها بنظرة غامضة فكررت ليلى سؤالها بعصبية :
_« رد عليا بنتي فيـــــــن ؟! »
قال الجد وهو يهرب بعينيه في نظرة خزي وندم :
_« بنتك في الأمان يا ليلى ....هتلاقيها في الأوضة اللي على شمالك دي....خدي بنتك من هنا وأبعدي يا بنتي ..... أبعدي عن الشيطان ده.....»
هرعت ليلى للغرفة على يسارها وفتحتها سريعا حتى وجدت أبنتها الصغيرة تدفن رأسها بالوسادة وتكتم صرخاتها ....ركضت إليها وهي تردد اسمها حتى رفعت الصغيرة رأسها بعينيها تطرفان بسرعة عالية كأنها وجدت طاقة نور بآخر النفق المظلم .....
ضمتها ليلى باكية بقوة وتمسكت بها الصغيرة وهي تبك أيضاً وتعاتبها ببراءة على تركها فقالت ليلى بأسف ودموع مؤلمة:
_ « حقك عليا يا عمري....لو هموت مش هسيبك تاني ...»
نهضت ليلى وهي تحمل أبنتها التي علقت ذراعيها الصغيرة حول رقبة أمها تناجي منها الأمان والحماية .....
خرجت من الغرفة فوجدت الجد صادق يقترب منها ....ابتعدت عنه وهي تحتوي أبنتها بين ذراعيها أكثر ....فقال الجد بشيء من الأسف :
_« حاولي تسامحيني يابنتي ....أنا عارف أنه صعب ....بس حاولي .... صالح مش هنا ....أمشي قبل ما يجي تاني .....»
قالت ليلى بنظرة شرسة ونبرة غاضبة :
_ « أنا جيت من الباب مجيتش متخفية ....جيت وكان نفسي أشوفه عشان أقوله أن من النهاردة هقدر اقف قصاده ....واللي هيقرب لبنتي يبقى نوى على موته .....»
قال لها الجد بصدق :
_« ده شيطان يابنتي ...متقربيش منه ...أبعدي عنه على اد ما تقدري ..... وخدي بنتك وأنا هبعتلك اللي يكفيكِ....أنا حتى مش عارف أروح أشوف أبني بسبب المجرم اللي نكر خيري ونهش لحمي وأنا حي ..... حرم عليا أزوره»
صدح صوت صالح من باب الشقة الذي ظل مفتوح ...قال بابتسامة ساخرة :
_ « منورة بيتك يا ست الحسن والجمال ....كنت عارف أنك هتيجي ....البواب قالي أنك هنا ....رجعت أشوف مراتي ! »
جف ريق ليلى من مفاجئة وجوده ....وتظاهرت بالقوة ولكنه ترتعب من مجرد وجوده .....قالت وهي ترتجف :
_« أنا مش مراتك ...مابقتش على ذمتك ....يمكن دي الحاجة الوحيدة اللي خليتني أقدر اقف رجلي من تاني .....»
اقترب صالح ببطء .... ورغم ذلك شعرت بسرعة اقترابه !
ضغطت على أسنانها بقوة حتى لا يظهر رجفة شفتيها وهي تبتعد خطوة للخلف .....وقف أمامها ونفث دخان التبغ بوجهها وقال :
_ « عايزة بنتك خوديها ...حبيت بس أعرفك أني اقدر أخدها بأقل مجهود..... بس لو فكرتي مجرد تفكير تبقي على ذمة راجل تاني مش هتردد لحظة أني أموته قدام عينك ....وأظن أنتِ عارفة كويس أوي أني اد كلامي .....»
ضيقت ليلى عينيها باحتقار وكراهية العالم كله بنظراتها له الآن مع بريق سخرية من نعت نفسه بالرجل ...!!
أسودت عين صالح بعنف وفهم ما ترمي إليه ...حتى عندما رفع يده ليصفعها أوقف يده جده قائلًا بغضب :
_ « أمشي يا ليلى أنتِ وبنتك دلوقتي ..... وكلامنا بعدين ....»
قال صالح بنظرة عنيفة من بين أسنانه :
_« خلي الدكتور ينفعك ..... ده لو قدر يحمي نفسه مني لو فكر بس يقربلك ..... أنا محدش ياخد مني حاجة غصب عني .... ولو حصل ههد الدنيا على دماغك ودماغه....هتلافي نفسك خسرانة كل حاجة .... وأولهم هو ....»
نزفت عينيها دموع منهمرة وقالت بحسرة ومرارة :
_« أنت أزاي ناسي أن ربنا موجود ؟! أزاي مش خايف منه ومن كل سنين الظلم اللي دوقتني مرارها كل يوم في العشر سنين اللي فاتوا ؟! منك لله....منك لله .....»
اسرعت للخارج وهي تبكِ.....كانت أبنتها الصغيرة تحتمي بذراعيها ....الصغيرة لا تفهم معنى ما يقال....لا تفهم سوى لغة الصراخ والعنف التي طالته على يد أبيها .....
بالطريق ......
خرجت ليلى وهي تضم صغيرتها بقوة واستطاعت بصعوبة أن توقف سيارة أجرة من الطريق .....
جلست بالسيارة وكادت أن تخبر السائق العنوان حتى رأت من يفتح باب السيارة المجاور لمقعدها ويجلس بجانبها ...حتى أن السائق تفاجئ ...... قال وجيه بصوت متعصب وأخبر السائق بالعنوان ......
تحركت السيارة تحت نظرات ليلى المصدومة من مجيئه ...
أرادت بقوة أن تبتسم ...!
ترتمي بين ذراعيه وتطلب أن يبقى إلى الأبد ....!
أن تخبره بكل ما تستطع تذكره من تيهتها ....
ولكن ....أين المسير والمصير بعد هذا ؟!
يجب أن يبقى بعيدًا ....لابد أن يبقى بعيدًا ......
انتبهت الصغيرة لصوت وجيه فبدأت تبكِ مرة أخرى بعدما توقفت بعض الشيء.....
بكائها عتاب ! كأنها تعاتب والدها أنه ترك يديها بين الزحام ؟!
تنقلت نظرة وجيه على ليلى والصغيرة ....لم يريد أن يتحدث ليثير فضول السائق ....فقال هامسا للصغيرة الباكية :
_ « بطلي عياط ...»
تمسكت الصغيرة بملابس أمها وقالت له في بكاء وعتاب :
_« مالكش دعوة بيا ....أنت سيبتني ....أنا زعلانة منك ...»
اغمضت ليلى عينيها بدموع وعذاب...كأنها هي من تقول ذلك وليست صغيرتها .....!
صمت وجيه ونظر أمامه في تنهيدة يملؤها الهم والعذاب ....فقد لاحظ أن ليلى تأثرت مثله بكلمات صغيرتها .....
تاه كل منهما في حالة من الشرود .....ولكنه كان يشعر بأنين دموعها .....
هناك ضجيج بهذا الصمت....هناك رباط بينهما معقد لا يقبل الفكاك والهجر.....هناك شيء سيبقى بينهما دائمًا....!
بالمشفى ......
دخل مكتبه منذ دقائق عدة ....ذرع المكتب ذهابًا وإيابًا ....لم يستطع أن يغضب حتى وتلك الصغيرة التي تشبه الملائكة متمسكة بها ....يكفي أنه تركها وهي تستنجد به !
أتت لمكتبه رئيسة الممرضات "عفاف" وقالت له بهدوء :
_« رجعت يا دكتور ... رتبتلها أوضة مجهزة زي ما قولتلي ..... بآخر الممر ده ..... »
هز وجيه رأسه وغادرت المرأة ..... ولم يستطع وجيه أن يقف أكثر من ذلك....خرج من مكتبه وتوجه لغرفة آخر الممر .....
وبالغرفـــــة......
تلقت ليلى زي خاص بالمشفى ووجبة طعام مسائية ..... أطعمت أبنتها ثم تركتها تأكل ثمرة من التفاح الطازج وبجانبها ثمرتين من الموز .....
دخلت ليلى حمام الغرفة لتغتسل وترتدي زي المشفى ولحظات وكان وجيه أمام الغرفة ....دق مرتين ولم يسمع أي صوت ففتح الباب بقوة.....حتى وجد الصغيرة على الفراش تحرك فمها بالمضغ .....
رقت نظرته عليها وأقترب لها بعدما أغلق الباب .....توقفت الصغيرة عن المضغ وبدأ القلق يضم ملامحها وهي لا تعرف من صاحب الخطوات .....
همس ليطمئنها :
_« أنا الشاطر وجيه .....»
ابتسمت الصغيرة " ريميه" ثم أخفت ابتسامتها عندما تذكرت ما حدث منه وامتلأت عينيها بالدموع سريعاً....منتهى البراءة في المحبة وسرعة الخصام .....
مرر وجيه يده على رأسها بحنان ...وأسفه أنه وقع بحب تلك الصغيرة أيضاً..... محبة أبوية صادقة زرعت بقلبه منذ رؤياها ....همس بأسف :
_« أنا أسف ....مش هسيبك تاني ....»
مسحت عينيها وكأنها بدأت تصفح عنه فتابع :
_ « مامتك فين ؟! »
أشارت الصغيرة للأمام وقالت :
_« راحت هنا ...»
نظر وجيه للإتجاه المشار وانتبه لحركة بداخل حمام الغرفة ..... تسمر مكانه عندما شاهد ظلها خلف الباب الذي نصفه من الزجاج ويبدو أنها تبدل ملابسها ..... وتمايل ظل شعرها الطويل كان واضحا ....
ارتبك وابعد عينيه عن ذلك الاتجاه سريعا .... وقعت ثمرة التفاح الكبيرة من يد الصغيرة .....عبست بضيق فابتسم وجيه للحظة من عبوسها ......أخذ الثمرة والسكين من على الطاولة وبدأ يقطع الثمرة لقطع صغيرة ويطعم الطفلة...
ابتسمت الصغيرة وهي تأكل ....وكأنه لم يخذلها قط فقد غفلت عن ما حدث وضيقها منه بتلك الثوان البسيطة !!
اطعمها قطعتين مع بعضهما ....فضحكت ريميه ضحكة خافته جعلت وجه وجيه تتسلل اليه الابتسامة في دفء ومحبة ... وقال ليشاكسها :
_« ضحكتك زي ضحكتها .... بتخطف ! »
تسللت الابتسامة لوجه آخر...كان وجه ليلى التي تبدلت دهشتها لوجوده إلى ابتسامة حنونة وهي تراه يطعم أبنتها ......
يبدو أنه لم يشعر بخروجها تحت ضحكات الصغيرة التي تعالت شيئاً فشيء ....
ثم أخذت الصغيرة قطعة التفاح من يده وبدلًا أن تضعها بفمها قالت له :
_ « هتاكل دي ...هم نم ....»
وضعت يدها الصغيرة على فمها وضحكت .... ابتسم لها وجيه أكثر وأخذ يدها لتضع القطعة بفمه ..... ظهر صوت ضحكة ليلى الآن فنهض وجيه وتبدلت ابتسامة تقطيبة ونظرة غاضبة .....
حاول أن يترك أمر طلتها التي وكأنها أضاءت بذلك الزي الخاص بالمشفى ... كان الزي من قطعتين...أحداهما قميص مفصل للسيدات والأخرى بنطال .....
ورغم أنه بسيط جدًا بلونه الزيتوني القاتم والحجاب المكون من قطعتين أيضاً من اللوني الأسود والزيتوني..... ولكنه أبرز لون عينيها العسلية أكثر..... لدرجة أربكته....
شملها بنظرة سريعة وكأن ذلك أغضبه أكثر وهتف بعصبية :
_« آخر مرة تخالفي آوامري وتخرجي....أنا سكت بس عشان ريميه والحالة اللي كنتِ فيها ....بس ممنوع تخرجي غير بأذني بعد كده ......»
نظرت ليلى لقطعة التفاح بفمه الذي يجاهد كي يتحدث دون أن تعيق حديثه فرغما عنها ابتسمت .....
دهش وجيه وصاح وهو يحاول ابتلاع قطعة التفاح ولكنه فشل :
_« بتضحكي على إيه ؟! »
أشارت له ريميه بثمرة من الموز وقالت له :
_« قشرلي دي ....»
كتمت ليلى ضحكة كادت تفلت منها .....أخذ وجيه ثمرة الموز من الصغيرة وعينيه على ليلى ويديه تزيل قشرة الموز وقال بعصبية :
_ « شغلك هنا ما ينفعش فيه استهتار لأني......»
وضعت ليلى يدها على فمها وضحكت رغما عن كل شيء يبكِ بقلبها ولكن مظهره حقا جعلها تضحك ....
اطبق شفتيه بغيظ ثم أعطى الطفلة الثمرة مقشرة ....قطعت الطفلة الثمرة لنصفين وقالت له :
_ « عايزة أقول حاجة في ودنك ...»
نظر وجيه للصغيرة وبدأ يغتاظ منها بالفعل .....اقترب منها قائلًا :
_« هتقولي إيه ؟!! »
رفعت الصغيرة قطعة الموز لاتجاه مصدر الصوت وقالت بضحكة :
_« هم نم تاني ......»
استطاعت بذكاء أن تضع قطعة الموز بفمه فأنخرطت ليلى بضحات لم تستطع وقفها .........
ابتلع وجيه ما بفمه بنظرة غيظ لكلاهما قال بصوت محشرج من الفاكهة بفمه :
_« حصليني على المكتب ....»
هزت ليلى رأسها بالإيجاب وهي تضحك حتى غادر الغرفة بحركة عصبية ......ضمت ليلى صغيرتها بحنان ودثرتها بالغطاء جيدًا قائلة بهمس :
_« هجيلك كل دقيقة أطمن عليكِ يا حبيبتي ....ما تخافيش ...»
وكأن الصغيرة أيقنت الأمر وشعرت به قبلًا...هزت رأسها بموافقة وتمددت أسفل الغطاء وهي تبتسم بقبول وهدوء .....
قبّلتها ليلى على رأسها برقة ثم خرجت من الغرفة ......توجهت لمكتبه مباشرةً....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دقت ليلى على باب مكتبه حتى سمعت صوته وهو يسمح لها بالدخول.....
نهض وجيه من مكتبه وأخفى كل شيء كان يصيح بعينيه منذ قليل وتظاهر بالثبات وهو يقف أمامها.....للتو لاحظ أن مقاس الرداء مناسب تمامًا عليها....يفصل جسدها بعض الشيء.... زفر بعصبية ونعت من اختار لها هذا المقاس تحديدًا ....ثم قال بعصبية واضحة :
_« كلامي ما يتناسش ....عشان ما تحطيش نفسك في موقف وحش ....»
أرادت أن تبتسم حقا....ليس للمرح هذه المرة ....بل لأن حتى تهديده وأقسى شيء لديه هو أن يهتف بها هكذا !
يخفي ما يكنّه بتلك النبرة التي حتى لا تعتبرها غاضبة للحد الكريه والمنفر....
بينما هناك ما كان تهديده بالقتل ...والموت !
شتان بينهما !!
قالت بهدوء :
_ « حاضر ....مش هطلع غير بأذن ...طالما بنتي معايا وأبويا هنا مش هحتاج أطلع أصلًا ....كل اللي محتاجاه أنهم يبقوا في أمان ....»
أحتار وتردد في طرح السؤال ...حتى قاله في عصبية :
_ « طبعا لقيتي طليقك وأنتِ بتاخدي البنت ....ضايقك ؟ »
قال كلمته الأخيرة بأكثر عصبية وكأنه ينتظر اجابتها ليذهب وينقض عليه ضربا .....قالت ليلى وهي تزدرد ريقها بقوة....لما تأبى ذاكرتها نسيان كل ما يفعله ذلك المجرم ؟!
بينما تعاقبها بنسيان أشياء تطيب مرارة أيامها ؟!
قالت بتنهيدة :
_« لأ.... »
كانت إجابتها مختصرة بالنفي...ورغم ذلك لم تريحه ولم ترضيه ...كان ينتظر منها أن تخبره أكثر من ذلك ....أن تنفي أنها لم تحبه يوما ...أي شيء ...ولكنها لم تتفوه بأكثر من النفي !
قال بتعجب وسخرية :
_ « هدوئك وكأنك مش خايفة من اللي ناوي عليه يثير السخرية فعلًا !! »
نظرت له بثبات وقالت بنبرة عتاب :
_ « أنا مبخافش منك .....»
صمت للحظات وهو يحاول فهم إجابتها لأي منحنى تسير ...قال بمحاولة حقيقية للفهم :
_ « تقصدي إيه ؟! »
ادمعت عينيها رغمًا وقالت بصدق :
_ « لو تعرف اللي أقصده يمكن مكنتش فكرت تعاقبني ! »
أطرقت رأسها للأسفل وهي تمسح عينيها من الدموع ....ف رقت نبرته فجأة وقال :
_ « كتر الكدب بيوصل الانسان أنه بيبقى نفسه يصدق حد معين....وخايف يصدقه ....لا عارف يقسى ...ولا يرجع بطبيعته معاه !! »
دقت كلمات صالح بعقلها ....اغمضت ليلى عينيها بقوة كي تبعدها .....يبدو أن وجيه من بين جميع قسوته ينتظر بادرة منها ليقترب !!
قالت مقاطعة :
_ « طب بعد أذنك يا دكتور....دكتور عفاف قالتلي ما تتأخريش ....»
نظر لها بغيظ وعصبية ثم هتف بها :
_« طب أبقي قوليلي تغيرلك مقاس اليونيفورم ده ....!! »
تعجبت ليلى منه وتسائلت وهي تنظر لنفسها :
_« ليه ماله ؟! »
صرّ على أسنانه بحدة وصاح بحدة :
_« ضيق ....»
اتسعت عين ليلى بدهشة .....لم يكن المقاس بالضيق أبدًا ....ولم يكن بالفضفاض أيضا ولكنه مناسب تمامًا ولا يبدو فيه شيء مُلفت للأنتباه !!
أحمرت وجنتيها بحياء وخرجت من المكتب دون حتى أن تستأذن منه ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في إحد النوادي الليلية ....
جلس الرباعي الشباب من عائلة الزيان حول طاولة في قاعة يضج فيها كثير من الأضواء المتراقصة .....
قال يوسف بضحكة ساخرة :
_« عندي أحساس أنه كباريه ! »
رد رعد بسخرية وهو يضع ساق على ساق بثقة :
_« حاسس مش متأكد ؟! »
نفخ آسر بعصبية وهو ينظر حوله بنظرة ضائقة وقال :
_ « أنا جيت بس عشان أخد بالي منكوا ....حاسس أن الليلة دي مش هتعدي على خير .....»
نظر جاسر لهم وقال بغيظ :
_ « جاتكوا الهم...عيلة كئيبة !! أزاي حد فرفوش زيي يبقى قريب من ٣أكئب من بعض !! »
سومه رعد بنظرة ماكرة وقال :
_ « كنت عايز بوسي هي اللي قريبتك صح ؟! »
اشار له جاسر بتحذير :
_« كنت خنقتها بإيديا ..... ليه أنت شايفني إيه ؟ »
قال يوسف وهو ينظر لاتجاه آخر :
_« طرابيزة....»
ضحك رعد وآسر بينها هتف جاسر بعصبية وهو يمنع نفسه أن يلكمه في صدره :
_« طولة لسان مش عايز !! »
صحح يوسف وقال وهو يشير للطاولة المتحركة التي تثبت عليها حلوى عيد الميلاد وتقترب بيد النادل لنصف القاعة ....وقال :
_ « يابني أنا بتكلم عن الطرابيزة اللي عليها التورته .....هناك أهيه .... خطفت قلبي بفانليتها ....بالكيوي المدفون حواليها ....بالمانجا المترصصة بالراحة على طبقة الكريمة ..... »
كاد جاسر أن يرد عليه حتى أتت فتاة برداء فاضح قصير رغم برودة الطقس فهمس يوسف بدهشة بأذن رعد :
_ « إيه ده هي مش سقعانة ليه ؟! أنا سقعان وجعان !! »
أجاب رعد بهمس :
_« يابنتي البنات قدام اي فستان حلو بينسوا أننا في أيام الشتوية ....خليك أنت في المهلبية اللي في دماغك.....»
رحبت بهم الفتاة التي تدعى بوسي وقالت لجاسر بدلال :
_ « أحلى عيد ميلاد مر عليا ..... عشان أنت موجود معايا يا جسورة ....»
ضحك يوسف عاليًا ولم يستطع أخفاء ضحكته :
_« اتبسط من جسورة !! عامل علينا بس الشبح وأنت كوكو واوا خالص !! »
بالكاد كبت آسر ضحكته من حديث يوسف حتى رمق جاسر شقيقه يوسف بنظرة عنيفة تنذر بالضرب لاحقاً...
قال يوسف وهو يضع يده على فمه :
_« خلاص مش هتكلم ....أنا جاي أكل وبس......»
جذبت بوسي يد جاسر بقوة وشجعت الثلاثي أن يتبعوها لمنتصف القاعة .....وبعد دقائق أظلمت القاعة وهمس بوسي لجاسر :
_« ولع الشمع يا بيبي عشان يبدأ الأحتفال ....»
أخذ جاسر القداحة من يدها في الظلام وأشعلها....ولكن الجميع تفاجئ بأختفاء التورته .......!
وعلى نور القداحة وأنظار الجميع بذهول ...همس رعد بضحكة مكبوته :
_« يوسف ...»
هز آسر رأسه بضحكة وتأكيد :
_« يوسف ....»
__________________________
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل العاشر 10 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثامن ....
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... كيد النساء...~
تفاجئ الجميع بأختفاء جزء كبير من تورته عيد الميلاد والذي به اسم بوسي منقوش بالحلوى ..... ضيق جاسر عينيه وهو يدمدم متلفظ الشتائم .... فهو يعرف من يستطع فعل ذلك !
ابتسمت بوسي بمرح وهي تضع يدها على فمها ثم قالت لجاسر بضحكة خافته :
_ « يوسف أخوك قالي قبل ما نقفل الاضاءة هاخد حته من التورته وهيطلع الجنينة بس هو خدها كلها تقريبًا !! »
تعصب جاسر من الأمر وتحرك اتجاه الحديقة، فتوجست بوسي من عصبيته .... لم يكن اختفاء الحلوى بتلك الاهمية بالنسبة لها وبالأخص أن الفاعل شقيق هذا الطبيب الوسيم التي ظلت تحوم حوله لأشهر حتى صادقته ....
أنشغل الجميع بالضحكات والهمهمات بينما ركضا آسر ورعد خلف جاسر لكي يصدوه عن أي عنف يقدم عليه اتجاه أصغرهم....يوسف
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
قسّم يوسف الحلوى لأكثر من ثمانية قطع وهو يستند على سيارته بالخارج ووزعهم على أطفال كان قد انتبه لهم فور وصوله لهنا منذ ساعة تقريبًا .....قال بابتسامة واسعة وهو يراهم يأكلون بنهم قطع الحلوى :
_ « لو فضلنا جعانين يا أبطال هاخدكم ونروح على أقرب حلواني نملا المعدة لحد ما نشبع....»
كان الأطفال أكبرهم لا يتعدى السبع سنوات ...ملابسهم قديمة بالية .... يستعطفون المارة كي يمدون لهم العون ببضع جنيهات يستطيعون بها أن يسدوا جوعهم لهذا اليوم .....ولكنهم يأخذون الخذلان من قسوة بعض البشر بدلًا من العون
رقت نظرة يوسف بابتسامة راضية وهو يراهم مبتسمين بفرحة ويبتلعون الحلوى بشهية عالية .....
خرج جاسر وخلفه أبناء العم الأثنان وتتبعهم بوسي ببعض القلق ...ولكنهم توقفوا أمام النادي الليلي عندما شاهدوا هذا المشهد البسيط الدافئ ....
ابتسم رعد بمحبة وقال :
_« مش بحبه من شوية ....»
رد عليه آسر بابتسامة واسعة :
_ « هو ده يوسف ... طفل وهيفضل طفل ...بس يارب يفضل جميل كده دايمًا ....»
لم تظهر أي تعابير عصبية او حتى رضا عن ما يشاهده ...وبعدما توقف تحرك مجددًا إلى يوسف بحركة واسعة .....
انتبه له يوسف وامتلأت عينيه بالقلق .....ليس خوفا ولكن قلق أن بتهور جاسر ويتعصب وبالتالي ستنجرح شعور الأطفال الفقراء .....
تركهم قائلًا بابتسامة مطمئنة :
_ « دقيقة وراجعلكم .... »
هز الاطفال رؤوسهم في موافقة وهو يلعقون أصابعهم الملتصق بها الشيكولاته وكريمة السكر .....
حتى توجه إلى جاسر قائلًا بحذر :
_« استنى ما تزعقش....أنا قولت لبوسي أني هاخد حته من التورته ....! ما المكان مليان خمر وميسر ومكان حرام في حرام بصراحة.....قولت اتصرف أنا بالحلال ...»
ابتسم جاسر ابتسامة واسعة وهو يهز رأسه ....وقال بابتسامة صادقة :
_ « لأ جدع ... بس تصدق ...أنت اجدع واحد فينا .... أنا مزاجي اتحسن لما شوفتك مع الاطفال دي..... انت مش كنت عايز تتعشى ؟ »
هز يوسف رأسه مبتسما وقال بلهفة :
_« جعان جدًا يا شقيق ....»
ضم جاسر أصبعيه بفمه واطلق صفيرًا عاليًا للأطفال لينتبهوا له ....ثم هتف قائلًا :
_ « تعالوا معانا .... »
ركض الأطفال له بحماس وتجمعوا حول يوسف فرحين .....فقال جاسر بابتسامة مشجعة :
_« هنتعشى الأول ....وبعدين ماتش كورة هبهدلكم فيه ...»
قال يوسف بدهشة :
_ « هنلعب كورة في الشارع ؟ .....معقول ؟! »
أتى رعد وآسر إليه بضحكات عالية :
_ « يلا يا چو..... بجد هتبقى سهرة تجنن .....»
اقتربت منهم بوسي وقد عشقت اتفاقهم ومحبتهم لبعضهم...تمنت لو كانت أحد أفراد هذه العائلة لتنعم بدفء ذلك الرباط والتجمع بينهما... وقالت بحماس :
_« ماليش دعوة هاجي اتفرج عليكم .... كنت حاسة أنه هيبقى أحلى عيد ميلاد ليا بصراحة .... »
أشار لهم جاسر أن يستعدوا للذهاب ثم أخذ ثلاثة من الاطفال بسيارته والخمسة الآخرون تقاسهم الشباب الثلاث بسيارتهم
تركت بوسي رفقائها بالنادي الليلي وذهبت بسيارتها خلف الشباب للأستعداد لسهرة أخرى اكثر حماسة...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
خرجت ليلى من غرفة الأنعاش وحاولت أن تطمئن على صحة والدها ولكن حالته لم يحدث بها أي تطور أوتحسن .....أنفاس تدخل وتخرج فقط من هذا الجسد الصامت عن ضوضاء الحياة .....
توجهت بعد ذلك في الممر المؤدي لغرفة رئيسة الممرضات .... لمهام عملها الجديد ....
لو ظن وجيه أنه يعاقبها بهذا العمل فقد أخطاء حتما ..... فهذا يبدو جنة مقيمة وهناء بالنسبة لما رآته بالماضي .....
تسع سنوات بالذاكرة جعلت منها حطامٍ..... جلست بعقلها ورفضت مكوث أي مشهد وليدًا آت ....!
كأنها تعلن أستقلاليتها عن جميع الأفكار والذكريات !
وقفت أمامها فجأة الممرضة " منى" ونظرت لها بتعجب من أخمص قدميها حتى رأسها ...ثم قالت بأستغراب :
_ « لما قالولي مصدقتش ! .... حتى موضوع القلم اللي ضربتيه لدكتور وجيه خلاني مش شاكة أنك تعرفيه من زمان يا ليلى .... دكتور وجيه لو دكتور عادي هنا كان زمان حكاية القلم دي على لسان اللي يسوى واللي ما يسواش .... بس عند دكتور وجيه والكل بيتخرس محدش يقدر يتكلم عليه .....»
تساءلت ليلى كأنها لا تعرف عن طباعه شيء وقالت :
_« ليه...؟! »
ابتسمت منى بسخرية وقالت :
_« لأن دكتور وجيه له في المستشفى نسبة كبيرة ...يعني اللي يفكر يتكلم عليه نص كلمه يبقى مستغني عن أكل عيشه ...... بس غريبة موضوع شغلك اللي اترتب في ساعة زمن ده !! »
قالت ليلى بشبه سخرية هي الأخرى :
_« مش أنتِ لسه قايله أن دكتور وجيه ليه نسبة كبيرة في المستشفى ؟..... مستغربة ليه ؟! »
هزت منى رأسها بموافقة وقالت بابتسامة :
_« عندك حق ...نسيت ..... بس تعرفي أنا فرحت والله ...عشان بنوتك العسل هشوفها على طول ...وكمان أنا حبيتك وشكلنا هنبقى صحاب ....لو أحتجتي أي حاجة أنا موجودة .... وآه قبل ما أنسى .....
الريسة عفاف طبعها شديد خلي بالك منها .... دي ممشيانا بالساعة والدقيقة واللي بيغلط يا ويله منها ..... »
لم تقلق ليلى من الحديث فقالت منى بفهم وابتسامة ماكرة :
_ « ماشي نسيت تاني..... أنتِ مسنودة وليكِ واسطة ...ومش أي واسطة يابنت الآيه ..... الله يسهله ....»
ضمت ليلى حاجبيها في عبوس وضيق ...يبدو أن امر عملها سيثير الشكوك حول علاقتها ب" وجيه" لم تستطع قطع الألسنة....ولن تستطع دحض الظنون.....
فأي شيء ستستطع إنكاره وهو بالفعل حقيقي !!
هي تحبه .... وأن اخمدت هذا الحب لسنوات كي لا تشعر بخندق الذنب يخنقها .... ولكنها الآن أقلًا تستطع التفوه لنفسها بأنها لا زالت تحبه ......
بينما هو غارق تمامًا بتلك القصة القديمة .... تعرف أنه باقي على العهد .... قالت بعصبية :
_ « دكتور وجيه كان أستاذ صاحبتي في الجامعة.....أظن ده كفاية يوضحلك معرفتي بيه !! »
نظرت لها منى بأسف وقالت :
_« أنتِ زعلتي ولا إيه أنا مش اقصد والله .... خلاص أسفة ما تزعليش ...خلينا في شغلنا .... وعند كلامي ...لو أحتاجتي شيء تعاليلي ..... »
تنفست ليلى بعصبية ...لم تكن تلك النوبة من العصبية من الممرضة منى.... عصبيتها هي قناع للخوف والقلق من الآت ....خوفا عليه ...وعلى أبيها ...وعلى أبنتها ....!
وأخيرًا نفسها ..... من ذلك المجرم الذي يخافل صفة اسمه !!
صالح !! وهو أكثر فاسد رأته أو سمعت عنه حتى !
تركتها منى بالممر وذهبت لوجهتها.....وتابعت ليلى سيرها حتى غرفة رئيسة الممرضات .....
بالغرفــــــة.......
وقفت ليلى أمام مكتب "عفاف" التي رفعت للتو نظارة طبية على عينيها ....نظرت المرأة جيدًا لـ "ليلى" وتعجبت من ما أمرها به دكتور وجيه منذ دقيقتين....فقالت بشيء من العصبية :
_« هسلمك يونيفورم تاني .... واحدة من زمايلك هتدهولك...هتلبسيه وتستلمي شغلك دلوقتي ..... أنتِ وعنايات وبثينة مستلمين الدور ده كله ... هتعرفي منهم كل التفاصيل بالضبط أنا مش فاضية للشرح .....»
لم ترد ليلى واكتفت بهزة من رأسها بتعابير هادئة.....تساءلت عفاف وهي تنظر لبعض الأوراق :
_« أنتِ معاكِ شهادات إيه ؟ »
قالت ليلى بثبات :
_« كلية آثار....»
تفاجئت السيدة ونظرت لها بتعجب ....فقالت :
_« يعني مالقيتش شغل للدرجادي ؟! »
صمتت ليلى ونظرت للمكتب بصمتٍ تام حتى أضافت السيدة سؤال آخر :
_« طب أنتِ علاقتك إيه بدكتور وجيه ؟! يعرفك منين يعني ؟! »
صرّت ليلى على أسنانها بعصبية ....لم تحب أبدًا هذا التطفل والتدخل بأمورها ....ريثما من الغرباء كأمثال منى وهذه السيدة الغليظة الطباع .....قالت بضيق :
_« كان استاذ صاحبتي في الجامعة....ممكن استلم شغلي بقا؟! »
نهضت عفاف من مقعدها بغضب....لم تعتاد أن يتحدث معها أحدًا هكذا بل من يعملون هنا تحت رآستها لا ينبث أحدًا منهم ببنت شفة أمامها ...!
أطرقت على مكتبها بعصبية وقالت بتحذير :
_« لو اتكلمتي معايا كده تاني اعتبري نفسك مطرودة من هنا....وروحي على شغلك ...لو وصلني أي غلطة منك هتتجازي الضعف عن كل زمايلك .... ومش هيهمني حد ....»
شعرت ليلى أن هذه الكريهة تشير من بعيد لوجيه ...بما أن هو خلف عملها هنا .... ويملك نسبة بالمشفى أيضاً..... ولكن لماذا الكل يخشاه إلا تلك السيدة الخمسينية ؟!
قالت ليلى وتظاهرت بالهدوء وهي :
_ « بعد أذنك .... »
خرجت من المكتب وتطلعت بها عفاف بعصبية وهي تتمتم بالسباب ......
وقفت ليلى بمنتصف الممر وهي لا تعرف إلى أين تذهب تحديدًا .....حتى لمحت أحدى العاملات وهي تحمل علبة بلاستيكة من نوع من المنظفات وتخرج من أحدى غرف المرضى...اسرعت لها ليلى وعرفت عن نفسها ....
كانت بثينة على علم بالعاملة الجديدة بينهم ....امرأة ثلاثينية متوسجة الجمال ويبدو من ملامحها هموم الدهر المتراكمة ...قالت بلطف :
_« تعالي هوديكي لعنايات وهي هتسلمك شغلك يا ليلى .... هي الأقدم هنا ومسؤولة عن الجديد.... »
رافقتها ليلى حتى غرفة بآخر الطابق ...بجانب مغسلة بعيدة عن الغرف....تحتوي على أدوات النظافة بكامل محتواياتها .... فتحت بثينة الباب فوجدت السيدة المسماة "عنايات" تبحث عن شيء وسط كومة من الأقمشة المطوية برف خشبي ملصق بالحائط ....قالت :
_« جبتلك ليلى يا عنايات..... زميلتنا الجديدة ..... وربنا يجعل وجودها خفيف عليكِ وعلى الكبيرة .....»
قالت بثينة جملتها بشكل يبدو مرح ...بينما شعرت ليلى وكأن بثينة تحذرها من شيء...ويبدو أن ما تقصده بثينة خلف كلمة " الكبيرة" ...هي عفاف ..!
استدارت عنايات ببطء وبيدها رداء مغلف ...طالعتها ليلى ببعض القلق فملامح المرأة تبدو مخيفة بعض الشيء ....!
نظرت عنايات ل ليلى ببطء وقالت وكأنها كرهتها منذ النظرة الأولى :
_« خدي ده والبسيه ....»
أخذت ليلى ما بيد عنايات وهي تزدرد ريقها ببعض القلق ثم قالت :
_« هروح البسه وأجي ....»
كادت أن تتوجه خارجة بينما أوقفتها عنايات بصوتٍ حاد غليظ لا ينذر بأي رحمة بداخلها وهتفت :
_« أنتِ رايحة فين يا اسمك ايه أنتِ ؟! »
استدارت ليلى وقد أغضبها نبرة الغضب بصوت هذه السيدة واجابت بغيظ :
_« اسمي ليلى! »
لوت عنايات شفتيها بسخرية ونظرة كارهة وقالت :
_« غيري هنا ولما تخلصي هسلمك شغلك .... بس خلصي بسرعة مش فاضيين للدلع !! »
رمتها عنايات بنظرة غريبة وخرجت من الغرفة....بينما خرجت بثينة من صمتها وهمست إلى ليلى قائلة بتحذير:
_« ما تزعليش هي طبعها خشن كده ....عملت معايا أكتر من كده ولولا أني محتاجة الشغل كنت مشيت من هنا من تاني يوم....ما ترديش عليها وخلصي شغلك من سكات وابعدي عنها وهي مش هتكلمك .....»
تساءلت ليلى بحيرة :
_ « هي بتكلمني كده ليه ؟! زي ما أكون عملت حاجة غلط ! أنا أول مرة أشوفها حتى !! »
أجابت بثينة بسخرية :
_ « هي مش بتحب الصغيرين يشتغلوا معاها .... غيرة حريم هتعملي ايه ! مع أن الحاجة أمينة في الدور اللي تحت اكبر منها وزي السكر ....الكل بيحبها هنا موت ...ياريتنا كنا شغالين معاها بس الشغل هنا مش بالمزاج للأسف .....»
اضافت بثينة وهي تربت على يد ليلى برفق :
_ « هسيبك دلوقتي ...غيري بسرعة وحصلينا .....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بأحد المطاعم .......
ارجع يوسف ظهره للمقعد وهو يربت على بطنه بابتسامة راضية ...وقال :
_« اتعشيت تمام...محتاجين بقى نهضم بالماتش ....»
ضحك الأطفال ببراءة وهم يلتهمون الطعام بشهية بينما ابتسمت له بوسي وقالت بصدق :
_« أنا مبسوطة جدًا أني معاكم..... ياريت كان عندي أخوات زيكم ...»
همس لها جاسر بنظرة ماكرة وقال :
_ « وأنا برضو من ضمن الأخوات ؟! »
ضحكت بوسي ضحكة عالية ثم نهض رعد قائلًا بحماس :
_ « يلا بقى عشان نلعب ماتش تمام .... »
أشار جاسر للنادل ليأتي بحساب الطعام .... وانتهى من المحاسبة بوضع كل ما في جيبه من نقود بهذه الوجبة !
ثم خرجوا أمام المطعم ونظر جاسر حوله جيدًا ودقق النظر......وجد أحد الشوارع الجانبية البعيدة عن مرور السيارات فأشار لهم قائلًا :
_« هاتوا الكورة اللي أشتريناها وتعالوا ورايا يا رجالة ..... بس الجو ما يطمنش شكلها هتمطر ! »
قال رعد بنظرة واثقة :
_ « حلو الجري في البرد ده ...طاقة ...»
أخرج آسر الكورة الذي ابتاعها قبل دخولهم للمطعم وهم خلفهم راكضاً.......استندت بوسي بظهرها على أحد السيارات وشاهدت بدء تحركاتهم ....تحت مصباح خاص بالطرقات...وضحكات الأطفال الصاخبة الخالية من الزيف والنفاق....
والمشهد الخالي من المجاملات وتزيين الرفاهية ....
كان المشهد رائعاً.....رائعا ببساطته ....بمجمل الأشخاص فيه .....تفاجئت أنها ابتسمت لمدة عشرة دقائق كاملة بمنتهى الصدق !!
لن تكن الابتسامة صافية تمامًا وسط زحام النفاق !
ضربت يديها ببعضهما في ضحكة وحماس وهي تشجع أحد الضصغار الذي سرق الكرة من قدم جاسر ومررها إلى يوسف بهتاف وضحكة .....
كانت الضحكة معدية وتسللت لأفواه الجميع ......حتى استطاع يوسف أحراز الهدف الأول ورفع يديه مصيحاّ والتف حوله الأطفال بضحكات مرتفعة صاخبة ......
عدة دقائق بسيطة جدًا....كانت كفيلة أن تنبذ رفاق النفاق التي كانت تعرفهم من قبل....دقائق بسيطة كانت گ الممحاة التي تزيل الشوائب من رؤيتها ...لترى أن جمال الحياة يكن بمنتهى البساطة ....ولا تكن البساطة إلا مع الصدق ..
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دلفت سما بمنزل خالها العمدة بالقرية الريفية وبيدها كوب شاي دافئ.....سومت جميلة بنظرة ضيقة متعجبة ....بينما كانت جميلة تجلس على فراشها شاردة وتحمل ملامحها وعينيها هم وضيق شديد......جلست سما بجانبها وارتشفت من الكوب ببطء ....ثم قالت بضحكة :
_« بقى واحدة يتقدملها عريس حليوة وتبقى مهمومة كده يا فقر ؟! ده أبن المرتشح للعمودية جديد يابت !! »
نظرت جميلة لها بنظرة جانبية وقالت بحدة :
_« ده فلتان وعينه تندب فيها رصاصة !! كفاية أنه مطلق مرتين وسمعته زي الزفت ! »
قالت حميدة وهي تطوي كومة من الملابس وتضعها بترتيب في الخزانة :
_« الغريبة أن الحج توفيق أبوه محترم وطيب ومحبوب من الكل !! مطلعش لأبوه خالص !! بس خالك قلقان منهم معرفش ليه ...وحاسة أنه قلقان يرفض ...!! »
تدخلت رضوى قائلة :
_ « عشان العريس اللي اسمه نبيل ده مفتري ولسانه عايز القطع ....البت فاطمة مراته الأولانية ....بت تتحط على الجرح يطيب ....وشاطرة وبتاعت عيشة ولما اتطلقت منه بسبب طبعه الزفت بقى يتكلم عليها وخلى سيرتها على كل لسان بالظلم .....اكيد خالك مش خايف منه بمعنى الخوف يعني ...بس خايف من لسانه والناس مابتصدق تمسك سيرة حد .....»
تفاجئت سما واتسعت عينيها على آخرهما بدهشة...ثم قالت :
_ « يا مصيبتي !! ده أنا بحسبه أخوه مش هو نبيل ده !!
طب يبقى يتكلم نص كلمة على جميلة وأنا همسك لسانه أولع بيه فرن الحامية وأخبز عليه كمان .....»
قالت حميدة بثقة :
_ « متخافوش...خالكم مش سهل وهيعرف يتعامل معاه....»
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بغرفة مجاورة لغرفة الفتيات بمنزل العمدة ..."عبد السميع "
دخل الرجل لغرفة خصثها لشقيقته التي عجزت عن الحركة منذ وفاة زوجها منذ سنوات ماضية .....
نظرت له " وداد" المتشحكة بالسواد ولاحظ الدموع بعينيها ....جلس على أريكة أمام فراشها وقال :
_« لحد أمتى يا وداد هتفضلي ماسكة على البكاء والحزن ده ؟! صحتك هتروح واللي راح مش هيرجع !»
مسحت وداد عينيها وقالت بألم :
_ « كان نفسي يفضل عايش ويجوز بناتنا ...يشوف خلفتهم ويفرح بيهم .... سابني مقهورة على فراقه ...... »
قال شقيقها بحزن صادق ظهر بعينيه :
_ « كان طيب وأصيل...... كفاية أنه كان حاطك في عنيه من وقت ما خدك وبقيتي على ذمته ..... ساب الغنى والعز وكل حاجة وأشتراكي .....الله يرحمه مصطفى .....»
اغمضت وداد عينيها بحزن شديد...ولكنها تماسكت بحضرة شقيقها الكبيرة وقالت :
_« عملت إيه في موضوع العريس اللي متقدم لجميلة بنتي يا حج ....أنا معتمدة عليك في الموضوع ده ...ماليش غيرك بعد ربنا يا كبيرنا وسندي ...»
رقت نظرة الل لشقيقته وقال ليطمئنها :
_ « متخافيش يا وداد....والله مافي بنت من بناتك داخلة بيت راجل إلا لما يكون راجل بجد وعليه القيمة ..... دول بناتي برضه.... طب والله لو أبني كبير شوية لكنت جوزته لجميلة ولا لواحدة فيهم بس للأسف صغير عنهم الأربعة.....والموضوع ده هحله بس بالعقل عشان الواد نبيل ده قليل الرباية ومحدش عارف يحكمه ومش عايزه يطلع يتكلم علينا ..... ربك هيحلها يا وداد توكلي على الله ....»
رفعت وداد يديها بالدعاء وبقلب صادق رفعت دعواتها لرب العالمين أن يحفظ بناتها من كل سوء......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
أخذت ليلى وقت كبير في ارتداء المقاس الآخر من زي المشفى....حتى تتقبله ...ولكنها لم تتقبل أن ترتدي هذا الرداء الذي يناسب فتاة أخرى معها ....!!
حاولت التحرك به ولكن البنطال كان مقاسه أكبر من مقاس خصرها برقم كبير ....بل وكادت أن تتعثر به أيضاً أثناء السير !!
نفخت بعصبية وقررت أرتداء الزي الأول وانتهت بعد دقائق قليلة وخرجت من الغرفة أخيرًا ......
تعمدت عنايات أن تتركها ولا تنذرها بالخروج كي يتثنى لها التعنيف لتأخرها بالوقت تجد مبرر كافِ للغضب ...!
تفاجئت ليلى بالذي تقف وتلف يديها حولها بنظرة ضيقة غاضبة ....وهتفت عنايات فور خروج ليلى من الغرفة وهي تتفحصها :
_« من أولها كده تأخير وقرف !! وبعدين مش ده المقاس اللي اديتهولك !! »
تجنبت ليلى نصف الجملة الأولى نظرًا لسن هذه المرأة الكبير .....وقالت :
_« قيسته ومعرفتش اتحرك بيه خالص !! وبعدين اللي أنا لبساه مناسب جدًا عليا ومش ضيق خالص !! »
وهذا ما رأته عنايات أيضاً ولكن خالفت رأي ليلى كي تعنفها فقط فقالت وهي تشير لمساحة بيد خشبية تستند على الحائط :
_« عايزة الطرقة دي بعد خمس دقايق بتلمع ..... بعد ما تخلصيها اطلعي بالممر اللي قدام استقبال الدور.... وأبقي خدي المعطر من بثينة لما تخلصي.... يلا حركي رجلك بدل الوقفة دي !! »
تركتها عنايات بنظرة زئبقية تصعد وتهبط .... باشرت ليلى العمل ورغم ثقل جسدها بالبداية ...ولكن ربما يخرج العمل تلك الهالة السلبية الغاضبة والمكبوته من داخلها .....
أتت عنايات بتمام الوقت ووجدت ليلى تنهي آخر مساحة الطرقة فهتفت بعصبية :
_« خفي ايدك شوية بلاش الملل ده !! أنا بزهق بسرعة ! »
تجنبتها ليلى تمامًا...اكتفت بنظرة لها سريعة وعادت لعملها لتنهيه ...وكأن بذلك الهدوء أغضبت المرأة أكثر فبدأت بالصراخ عليها ....
تركتها ليلى تقول ما تقول .... حتى أنهت الطرقة سريعاً وتوجهت مباشرةً للممر الكبير الذي يضم طاولة استقبال للطابق .....
ضمت عنايات شفتيها ببعضهما في فيظ شديد...ليت تلك الفتاة نطقت بشيء حتى لتبرر موقفها ....ولكنها يظهر أنها تستخدم أسلوب الأفاعي الصامت ......هكذا اعتقدت عنايات وهي تراقب ليلى من بعيد......
شعرت ليلى ببعض الحرج تحت نظرات بعض الممرضات عليها ....حتى أتت عنايات من جديد وكانت ليلى أنتهت من نصف الممر .....أشارت لها عنايات لغرفة مكتب قائلة :
_« ادخلي مكتب مدام چيهان امسحيه بسرعة قبل ما ترجع .....بس امسحيه بذمة دي من الإدارة ....يعني لو شافت أي غلطة في جزا لينا كلنا .......»
قالت ليلى وهي تنظر للممر بحيرة :
_ « طب هكمل الممر الأول ....هسيب نصه أزاي ؟! »
هتفت عنايات بعصبية وكررت ما قالته ...فأشارت لها أحدى الممرضات من بعيد أن تصمت وتفعل ما تريده تلك المرأة دون أعتراض !!
تنفست ليلى بضيق شديد وتوجهت لغرفة المكتب مجبرة على أمرها .....
فتحت الباب بقوة وتفاجئت بوجود تلك المرأة الشقراء أمام مكتبها ..... جف ريقها بحرج وهي تتأسف بينما أتت عنايات معنفة ....نظرت لها ليلى بصدمة !!
هي من حثتها على المجيء لهنا لما الآن تنكر الأمر !!
نهضت جيهان من مقعدها وتأملت ليلى جيدًا .....نظرة مقارنة سريعة بينهما ....
والغريب أنها لم ترى أن ليلى تمتلك من الجمال ما يجعلها حتى تنظر لها .....ولكن للرجال رأي آخر .....
قالت چيهان بهدوء ونظرة دقيقة على ليلى :
_« خلاص سبيها حصل خير... بلاش صوت عالي يا عنايات ....خليها تنضف المكتب على ما أرتب شوية أوراق .....»
غادرت عنايات بعدما رمت نظرة محتقرة لـ ليلى.....وتعجبت ليلى لما تأخذ تلك السيدة هذا الموقف العدائي منها !!
تحركت ببطء للداخل ....بينما بداخلها عدة أسئلة لتلك المرأة التي علمت أنها طليقته ....
تظاهرت چيهان بالنظر للأوراق بينما كانت تسترق النظر باتجاه ليلى.....وحيرة تنهال على رأسها .....ما الذي يجذبه إليها ولا يوجد بها !!
فأي مبصر يستطيع أن يرها الأجمل ولا مجال للمقارنة ....بينما تلك ال " ليلى" لا يميزها شيء باستثناء لون عينيها العسلية .....لا يعقل أنه يغرم بعينيها فقط !!
لم يقل ...ولكنها تعرف بشعور الأنثى أنه يميل إليها ....هذه تلك الأنثى الساكنة بعينيه وتحجب نظرته عن الأخريات ....!
قالت چيهان وحاولت أن تبدو لطيفة :
_ « على مهلك .... أنا مش مستعجلة .... أنا....حاسة أني شوفتك قبل كده ....أنتِ اللي دخلتي فجأة وأنا مع وجيه صح ؟! »
تعمدت قول اسمع دون القاب .....وتعمدت تذكير ليلى بهذا الموقف .....وشعرت ليلى أن أفكارها ومشاعرها مرئية للجميع .... قالت وكأنها تقرأ كلماتها من كتاب :
_« دكتور وجيه كان استاذ صاحبتي ....ودي معرفتي بيه .....»
قالت مثلما قالت قبل دقائق للسائلين ......لم تقتنع چيهان بتلك الاجابة السريعة ....بل تأكدت من ظنها ....فقالت :
_« طب متعصبية ليه ؟! عموما ده كان سؤال عادي....خصوصا أني أنا ووجيه هنرجع لبعض بعد أيام قليلة ..... وجودك كان وشه حلو عليا تقريبًا......»
ابتسمت چيهان بابتسامة ماكرة وهي ترى جمود ليلى التي توقفت عن التنظيف وكأن لامسها صاعقة .....
التمعت عينيها بصدمة .....رغم أنها قررت أن تبتعد عنه ....ولكن الأنثى حتى لو قررت الأبتعاد والهجر....ترفض أن ينساها رجلًا تحبه !!
سقطت دمعة من ليلى شاهدتها چيهان برضا ....وتظاهرت أنها لم ترها وتابعت بابتسامتها :
_« كان متوقع أننا نرجع لبعض في أي وقت ....يمكن لما أتجوزنا زمان مكناش بنحب بعض .....بس السنين اللي فاتت دي خلقت بينا مشاعر وحب صامت...قصة مايعرفهاش غيرنا .....»
ارتجفت يد ليلى بقلب ينتفض قهر ....حتى أتى وجيه لمكتب جيهان وقد قرر شيء يخبرها به ......ولكنه عندما دلف صدم بمن عادت لتنظيف الأرض ودموعها متساقطة .....
أسودت عينيه وتجمد مكانه من رؤيتها هكذا ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
طب لو التفاعل عدى ١٥٠٠ لايك هنزل فصل بكرة وده تحدي 🌚