تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثلاثون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... هنا القاهرة ...~
من يختار الفراق أولًا ... أفتح له الأبواب !
كان الجد " رشدي" بداخله اكثر من توقع للمقابلة ، ساورته الشكوك. وبصيص من التراجع ، ولكن تلك المواجهة محتومة ..أن لم تكن اليوم ستكن غدًا لا محالة.
دفع العمدة باب منزله وأشار للجد بترحاب أن يدخل ، أخذ الجد نفسا عميقا يجدد هواء رئتيه ثم أتكأ على عصاه وتقدم عدة خطوات للداخل.
بغرفة الفتيات...
تجمع الاربعة بنات بغرفتهن وكل واحدة يملأ وجهها الحيرة والقلق ... وبعض الحنين لأشياء ماضية تخص العائلة ... قالت حميدة بقلق :
_ أنا مش عارفة هطلع واتكلم معاه أزاي ؟! ... على اد ما كنت موافقة أننا نتلم زي اي عيلة ... بس دلوقتي حاسة أني مش هقدر أنطق بحرف.
قالت سما بتوتر واضح :
_ ومين سمعك ! ، أنا كمان زيك ... يمكن أكتر ، خصوصا أني مكنتش مستعدة خالص للمقابلة دي مع جدنا !
تدخلت جميلة بالحديث وكانت متماسكة عنهن بعض الشيء، وقالت بنبرة يشوبها شيء من القلق:
_ بقولكم إيه ؟! .... أظن أبويا هيكون مرتاح أكتر في رقدته لما نصالح جدنا ! ، نحط الفكرة دي في دماغنا عشان تعدي على خير .... وعموما هنشوف هيقولنا إيه ...
كانت الوحيدة الصامته الشاردة هي رضوى ... تتأرجح بصمت بين الحزن والحيرة والتشتت ، كلما آتاها توقع دفعه بعيدًا توقع آخر أكثر منطقية ! ....
فُتح باب الغرفة وظهر العمدة بوجه هادئ بشوش ... وقال بلطف :
_ جدكم برا با بنات .... نفسه يشوفكم أوي ... بس عايزكم توعدوني وعد ...
تطلعن به الفتيات في ترقب ، حتى أضاف العمدة قائلًا بتنبيه حذر:
_ جدكم جاي وشوفت في عنيه الندم ، شوفت الحزن على فراق أبنه ، باين عليه هدت الحيل ، خصوصا أن ولاده كلهم ماتوا واللي فاضله واحد بس منهم.... يعني هو مش حمل مناهدة ولا كتر عتاب وكلام شديد هيأثر على صحته وهيتعبه... أنسوا اللي فات وهو جاي يصالحكم بجد ... اوعدوني ماتعملوش مشكلة وتسهلوا الأمر عليه ؟
هز الفتيات رأسهن بالتدريج في موافقة ، فقالت جميلة بوعد :
_ فاهمين يا خالي ...
دلف نعناعة للغرفة وظهر عليه الأنفاس المتسارعة وحبيبات العرق كأنه كان يركض ، وقال لأبيه :
_ عايزك يابا في كلمتين مهمين ...
التفت له العمدة وقال :
_ بعدين يا نعناعة ... مش فاضي دلوقتي ..
كاد نعناعة أن يتحدث بعصبية حتى ظهر صوت الجد رشدي من خلفهم وهو يقف على عتبة الغرفة .... أفسح العمدة له الطريق ...
واصبحت أعين الفتيات لا إراديًا للأسفل ... لم يعرفوا أن كان هذا حزن وضيق منه ، أو مجرد توتر فقط.
رقت نظرة الجد وهو يقترب للفتيات خطوة بعد خطوة ، كان قد مر سنوات كثيرة على آخر مرة جمعتهم .... كانوا أطفال حينها ، أما الآن فهن آنسات على قدر من الجمال وخاصةً جميلة ... كانت أكثر من تشبه أبيها الراحل "مصطفى " ... أما رضوى أخذت لون عينيه وغمازتيه ، وحميدة بها لمحة منه ولكن يبدو أنها تشبه أمها أكثر .... والغريب أن الفتاة الرابعة التي يطل من عينيها الغموض والذكاء والعمق لم تشبه لا أبيها ولا أمها .... كانت سما ملامحها بعيدة عن أشقائها ...كأنها أستثناء بينهن !
قال الجد وفي صوته ظهر الحزن :
_ أبني مصطفى ده كان أغرب ولد في ولادي ، كان يقول نفسي في شيء والاقيه بيحصل ، فاكر مرة قالي فيها أنه نفسه يعيش في الأرياف ...وحصل
ومرة تانية قالي نفسه يخلف بنات كتير .. وبرضو حصل...!
الغريبة أنه كان بيتمنى يخلف بنت تشبه أمه بالضبط..! ، كنت استغرب وأقوله هتشبها أزاي ووالدتك توفت وانت حتى لسه ما اتجوزتش ولا مراتك شافت حماتها ! .... بس أظاهر أن أمنيته اتحققت..!
نظر الجد لسما بابتسامة حنونة وقال :
_ سما كلها جدتها ... نسخة تانية !
التمعت عين سما بالدموع في صمت ، وبدأت تشعر بالألفة اتجاه هذا الرجل العجوز ... فتابع الجد وهو ينظر لجميلة بمشاكسة :
_ البت جميلة نسخة من مصطفى أبني ، شقاوة عينيه ، وملامحه الجميلة ... مصطفى الصغير بس على بنت !
طفرت عين جميلة بالدموع ، وتذكرت أبيها الراحل وهو يضحك ويقول لها نفس الشيء ...
ونظر لرضوى الباكية مقدمًا وقال :
_ تعالي يام غمازة أنتِ ... قربي كده .
ترددت رضوى في القدوم ، ولكن تشجعت أكثر عندما نظرت لخالها وأشار لها برأسه أن تطيع جدها ... وقفت رضوى أمام الجد في ارتباك وتوتر ...قال الجد مقترحا :
_ أضحكي كده ؟
تعجب رضوى منه ولكنها ابتسمت كي ترضيه، ابتسم الجد رشدي قائلًا :
_ غمازات أبني دي...
ابتسمت رضوى هذه المرة بصدق رغم دموع عينيها ، ثم تابع الجد بلمحة حزن :
_ كأنك أحتفظي بضحكته في ملامحك ... كأنه بيضحكلي !
ذهبت ابتسامة رضوى وعادت لسابق عهدها مع الدموع ... واقترب من حميدة وتطلع بها مليًا وقال :
_ أنتِ حميدة صح ؟
كانت قد أحبته حميدة ، وتعجب أنها سامحته قبل حتى أن يتحدث ! ... ولم تكن تنوي ذلك !
قالت حميدة بابتسامة دافئة :
_ استريح يا جدي ، أنت جاي من سفر .
قال الجد بدمع في عينيه جاهد لكي لا تندفع ، ولكن قد سبق السيف العذل ، وانفرطت حبات متلألأة من عينيه وقال :
_ مش هستريح غير لما تسامحوني .
اندفع الفتيات الاربعة نحوه والتفوا حول جسده كوريقات الزهرة التي تعانق بعضها .... وطفرت دموعهم للحظات ... فقالت حميدة بمحبة ومسامحة وهي تجفف دموع عينيه:
_ مسامحينك ... ومش عايزين نشوف دموعك تاني .
قال الجد وكأنه استطاع الآن التنفس بعد سنوات من الحزن والضيق :
_ حنية البنات حاجة تانية برضو ، عارفين الأربع حيطان أحفادي ... مش بحنيتكم دي ... إلا يوسف حبيب جده طبعا ... وجاسر وأسر ورعد برضو ..
ابتسم الفتيات لمزاحه ...قال العمدة بابتسامة ارتياح :
_ طب يلا بقى يابنات حضرولنا الأكل بسرعة كده ... جدكم جاي من سفر ...
فر الفتيات متسابقين للخارج والابتسامة على وجوهن ... فنظر لهن الجد بسعادة وقال :
_ الحمد لله ... كنت خايف من المواجهة دي بقالي سنين وسنين ، بس البركة فيك أنت يا عمدة ... الله يكرمك بارب ، أنا عارف أنك ليك تأثير عليهم برضو ... وسهلت عليا كتير.
قال العمدة بابتسامة صادقة :
_ دول تربية مصطفى الله يرحمه ووداد أختي ، يعني قلوبهم زي اللبن الحليب .... والكلام في الفايت وجع بايت .. مالوش لزوم.
هز الجد رأسه بالايجاب وبإعجاب من طيبة وحكمة الرجل ...ثم قال :
_ هي فين أختك وداد ؟ ... عايز اعتذرلها بنفسي ، واسمع منها إنها مسامحاني ...
نقرت وداد غلى باب الغرفة فاستدار الرجلان لها ، قالت مبتسمة ويبدو عليها أنها كانت تبكي قبل قليل بعينيها وأنفها المخضبتان بالأحمر .... وقالت وهي تستند على الباب :
_ أنا جيتلك لحد عندك ... أنا اللي اقولك حقك عليا ، بسببي اتبنت فرقة بينك وبين أبنك .... بس مصطفى صمم الجوازة تتم .. ومش هخبي عليك ... كانت غلاوته في قلبي كبيرة ... أخويا فضل رافض ، لحد ما مصطفى جه وعاش في البلد وبعدها اتكتب اكون ليه ....
تقدم لها الجد رشدي ، ثم أخذ رأسها ناحية فمه وقبل رأسها بإعتذار قائلًا :
_ كان عنده حق ، أنا اللي كنت غلطان ، أنتِ بنت أصول وياريتني ما عملت اللي عملته وبعدتكم عني ...
بكت وداد تلقائيًا عقب قوله ، فربت على كتفيها شقيقها وقال :
_ أنسي بقى الدموع يا وداد ، اللي كنتي حاملة همه الحمد لله.
وأنتشر في المنزل عبق جميل مألوف من الونس والود ودفء العائلة ... كان الفتيات يضعون أطباق شهية على مائدة الطعام أمام الجد ويمزحون معه ... وارتفعت الضحكات بينهم .... مع أختفاء الصبي من المشهد !
بعد فترة وقبل أن ينهوا الطعام ، رفض الجد قطعة كبيرة من فخذ بطة سمينة وضعته أمامه حميدة وقالت بمشاكسة :
_ أتغذى يا جدي وسيبك من أكل المطاعم ده ، طب كل الحته دي عشان خاطري ...
ابتلع الجد ما في فمه بصعوبة وقال بضحكة :
_ وجيه لو يعرف أني كلت بط مش عارف ممكن يعمل إيه ! ، اللحوم ممنوعة عني اصلًا ، بس بصراحة كسرت القاعدة معاكم خصوصا بقى أن نفسكم في الأكل يجنن .... فكرتيني بيوسف ، بيعشق الأكل زي عينيه .... هيفرح أوي لو كان مكاني .
ابتسكت حميدة بحياء وظهر ذلك بوضوح ، ضيق الجد عينيه بمكر وابتسامة ماكرة وقال :
_ يا مسهل الحال يارب .... دي متيسرة على الآخر ..!
وكزت جميلة ذراع حميدة وهمست لها :
_ لمي كسوفك هتفضحينا ! ... جدك شكله لئيم يابت !
يبدو أن الجد انتبه لها وغمز لها بضحكة ، فاتسعت عين جميلة بدهشة ...وارتفعت ضحكة الجد أكثر .
******
وقفت سيارة وجيه أمام مبنى المشفى الضخم ، وبالكاد ارتضت الصغيرة أن تجلس على قدمي أمها لفترة الطريق فقط ... والغريب أن حالة الهلع والرعشة الشديدة لن تقل ولم تتبدل !
جاهد وجيه أن يخبرها بحقيقة وفاة والدها ، ولكنها كلما تقدم خطوة تراجع كثير .... حالتها لا تحتمل أي حزني أضافي أو ضغط عصبي ولو بسيط ... ماذا يفعل ؟!
حتى الطبيبة النفسية" مروة " عجزت عن وضع حل لتلك الضائقة ، وها هو طوال الطريق يكافح ليتحدث ... ولم يستطع !
فتحت ليلى باب السيارة بجانبها ثم خرجت منها بعد لحظات .... هتفت الصغيرة عليه كي يحملها ودق بصوتها البكاء ...فرأف بحالها وترجل من السيارة ، ثم أخذها من أمها وحملها بين ذراعيه بيسر...
تألمت ليلى من نفور أبنتها وقالت بعينين ذابلتان وجفن مرتخي من كثرة البكاء والسهر :
_ هي هتفضل خايفة مني كده ؟! ... أنا بموت لما بشوفها خايفة تقربلي بالشكل ده !.
طمأنها وجيه وقال وهو يربت على ظهر الصغيرة برفق:
_ كل حاجة بتاخد وقتها وتعدي يا ليلى ، أطمني ... أوعدك أنها هتبقى أحسن من الأول كمان ..
كأن قلبها ترطب بعد جفاف طويل ... تنهدت ببعض الراحة وقالت برجاء :
_ يارب...
تحركت خطوة لتبدأ الدخول للمشفى ظنا منها أنها ستطمئن على والدها ... فأوقفها وجيه قائلًا بعد معركة شرسة مع نفسه ليتحدث :
_ ليلى .... والدك توفى.
لحظة جمود كالثلج مرت عليها ، ثم تلاها شيء كألم الجرح الغائر العميق وتبللت عينيها من الدموع على هيئة صدمة .... حتى أن صوتها انعقد بحالة كالخرس ! ..
استدارت وهي تبرق عينيها بعنف، ثم قالت بصوت متهدج ضعيف :
_ أبويا ؟! ... أبويا مات ؟!...
هزت رأسها برفض ثم صرخت بصوتٍ عالي شديد وساءت حالة الصغيرة أكثر وهي تبكي بهلع بين ذراعيه..
دخلت ليلى في نوبة من الأنهيار العصبي والصراخ التي تأبى فيها أي محاولة من الآخرين كي تهدأ ....
وضع وجيه الصغيرة بالسيارة مرةً أخرى، ثم أسرع إلى ليلى التي تصرخ باكية وتنتحب وكأن العالم غادرها برحيل أبيها ...
فقال بخوف ضعف بعض من ثباته :
_ أهدي يا ليلى ارجوكِ ... أنا آسف ، بس كان لازم تعرفي.
كانت ليلى ساقطة على الأرض تبكي وتصرخ كأنها لا تقوى على النهوض ، وكثير من المارة وحرس المشفى يلتفون حولها بمحاولة في مساعدتها ... وعندما يأس وجيه من حالة الصراح التي المت بها واعقلها حالة من البكاء الشديد الذي لم يرها هكذا منذ رآها ....حملها بين ذراعيه كي يسعفها بالدخول للمشفى ونجدتها قبل أن يحدث لها شيء ..
******
في أحدى الفلل ذات المساحة والفخامة الشبيه بالقصور ... نفث ممدوح سراج الدخان من أنفه بشرود وهو جالس خلف مكتبه بثبات تام ... حتى قال أبنه زايد بغيظ :
_ بقى أحنا نقف قدام حتت بت زي دي ونترجاها ؟!
قال ممدوح بنظرة عصبية لأبنه المتهور دائمًا :
_ ماتنساش الانتخابات يا ذكي ! ، أنا أعدائي كتير ... وأخوك فادي بغباوته ممكن يضيع مني حاجة زي دي مستنيها بقالي سنين ... وفي صحفيين ما هتصدق وهتحط الف حكاية على الحكاية !
غضب زايد أكتر وصاح :
_ احنا مش محتاجين مناصب عشان تزودنا في حاجة ! ، ليه انزل من نفسي عشان واحدة تافهة ما اقبلش حتى اشغلها في أقل مكان عندي في الشركة ؟! ... قولتلك سيبلي الموضوع ده وهعرف أخلصه زي ما انت عايز واحسن !
نهض والده من مكانه وقال مشيرًا لأبنه بيده التي بها السيجارة المشتعلة :
_ عيبك أنك على طول الخط بتستخدم غرورك ! ، مش في كل الأوقات الشدة مطلوبة ياغبي ! ، في وقت لازم تعرف أن الهدوء بيجيب نتيجة أفضل ... أحنا دلوقتي علينا الف عين مستنية غلطة عشان توقعنا .... تقدر تقولي استفدت إيه لما اتحديتها واهانتها ؟! ....
ولا شيء ! ... خليتها تعند أكتر وتبجح فيك ! ، أنما لو استخدمت طريقتي هتعمل اللي أنت عايزه ...وبهـــــدوء.
غضب زايد من نعت والده له بالغبي ، فوقف أمامه متحديًا بعجرفة وغرور وقال:
_ حتى طريقتك مش مضمونة ، كلامها كان تهديد صريح ، بس أنا بقى هعرف أخليها تتنازل وهي راضية كمان ... وهخليك تشوفك بنفسك ....
خرج زايد من المكتب بخطوات سريعة ، ويبدو من اتجاه خطواته أنه خرج من الفيلا بأكملها ..
وضع ممدوح السيجارة بفمه مرةً أخرى ونظر له بمكر ....
******
أمام باب غرفة ليلى التي انتقلت لها عقب ما حدث ..... تنفس وجيه بعصبية وقال لجد ليلى الذي ظل بالمشفى :
_ كان لازم أعرف اللي حصل قبل ما اقولها ، سوء الفهم ده اتسبب في كارثة بالنسبالها .... بس لازم تعرف وحالًا أن ابوها لسه عايش...
قال جدها صادق بأسف :
_ اتصلت بيك كتير بس مرديتش عليا ، حاولت اوصلك لكن محدش يعرف مكانك ...حتى الاستقبال هنا اتصلوا بالبيت عندك وبرضو محدش قدر يوصلك ....
دخل وجيه غرفة ليلى التي غفت بعد حقنها بمهدئ ... ونظر لعينيها الباكيتان رغم غفوتها ... وهمس :
_ ابوكِ لسه عايش يا ليلى ... أنا أسف على اللي حصل ، ياريتني ما قولتلك ...
واستقام واقفا بتنهيدة ضائقة ، ويبدو أن كلماته ازعجت تيهتها ، فبدأت تغمغم وتحرك شفتيها بكلمات متقطعة ....
قال الجد صادق :
_ هفضل معاها لحد ما تفوق ، ارجع انت لبيتك يابني ، طمن أهلك عنك ..
التفت وجيه له قائلا بضيق :
_ للأسف مضطر أمشي ، لأني وعدت والدي ارجع النهاردة ، بس طالب منك طلب ... اتفضل معايا أنت وريميه ، البنت بتصرخ كل ما بعدت عنها ورافضة تروح لأي حد حتى ليلى نفسها ! ... ومقدرش أسيبها في الحالة دي وأمشي .
دخلت ممرضة باستأذان وقالت لوجيه :
_ يا دكتور ... البنت مش راضية تسكت خالص وحاولنا معاها ومافيش فايدة وبتنده عليك!
نظر وجيه للجد صادق الذي ملأت الحيرة عينيه .... فقال الجد بموافقة:
_ موافق وأمري لله ..
ابتسم وجيه شاكرا له وقال :
_ اتمنى والدي مايكونش سافر ، لو قابلته هتحب الكلام معاه أوي ... اتفضل معايا .
*****
في أثناء المرح المتشارك بين الجد والفتيات دخل الصبي نعناعة ناظرا لهم في غضب ... وقال :
_ الدكاترة ركبوا القطر وسافروا ، استنيت مخصوص لما بعدوا كتير عن هنا وجيت ....
شحب وجوه الفتيات من الصدمة ، بينما زم الجد شفتيه بتمتمة وكأنه كان يخاف من هكذا ردة فعل .... فتابع الصبي قائلا :
_ الاساتذة فاكرين أنك هتجوزهم بنات عمتي بالغصب فمشيوا ... وأنا قولتلهم مافيش واحد فيهم يحلم بس يخطب واحدة منم ...
انتفضت رضوى من الصدمة قائلة للصبي دون وعي منها :
_ أنت بتقول إيه ؟! ... أكيد كداب ولا بتخرف !
نظر لها الصبي وود لو يقول كل ما سمعه ولكن صمت .... فقالت جميلة بذهول وبمحاولة ان تستوعب ما سمعته :
_ ليه ؟! .. هما فاكرينا ايه بالضبط ؟!
قالت حميدة ببكاء ولم تصدق أن يوسف يفعل ذلك :
_ لأ اكيد في حاجة غلط ... وهو حد يصدق الواد العبيط ده !
غضب الصبي من قولها فقال ولم يدرك مدى قسوة الاعتراف :
_ آه انا عبيط ، عبيط عشان دافعت عنكم لما سمعت كلامهم بدل المرة اتنين ، عبيط لما لقيت الدكتور رعد اللي افتكرته صاحبي بيقول على رضوى أن اقصى طموحاتها تنضف البيت وتعمل الأكل ! ... وأظن اللي يثبت كلامي سفرهم ! .
تجمدت سما في مكانها ولم تستطع حتى التفوه بكلمة ، وأصبح مظهر الفتيات أقرب لأن يكونوا بعزاء ! .
نهض الجد على عصاه وقال بأمر وصرامة :
_ حضروا نفسكم عشان هتيجوا معايا مصر ، ودلوقتي ... اللي حصل مش هعديه بالساهل ، بس أنا عارف هربيهم أزاي.
غضب نعناعة وهتف قائلا :
_ يعني ايه يسافروا معاك ؟! ... أنت عايز بعد اللي حصل ده يقولوا سيبناهم في البلد جهم ورانا مصر ؟! لا مش هيسافروا .
عنّف العمدة ولده قائلا بانفعال :
_ نعناعة ... ده جدهم ، وبعدين من امتى بتعلي صوتك على الكبير يا قليل الرباية !
تفهم الجد عصبية الصبي وقال :
_ أنا مقدر عصبيته ، بس مش هيجوا معايا عشان موضوع الجواز ده لا أبدًا .... هيجوا معايا عشان ده حقهم وميراثهم ، هيجوا لبيت أبوهم وبيت العيلة يعيشوا فيه ... ومافيش جواز هيحصل غير لما اعلمهم الأدب واخليهم يترجوني أوافق اجوزهم البنات .
قال العمدة :
_ القرار ده اللي تحسمه وداد أختي ، لو مش قابلة مش هجبرها ، وهي وبناتها على روسنا كلنا وأولهم أنا .
قال الجد لوداد بنظرة راجية :
_ وافقي يابنتي ... صدقيني كرامتهم محفوظة واللي بعمله لمصلحتهم .
نظرت وداد للحزن الواضح على بناتها ثم قالت بعدما ابتلعت ريقها بقوة :
_ اللي تشوفه ، أنت جدهم ويهمك مصلحتهم زيي وأكتر .
صدم الصبي مما قالته عمته ، وقال بدموع :
_ يعني هتمشوا ياعمتي ! ، ده انا خدت عليكوا ، ده أنا مابقتش أضحك ولا أهزر غير لما قعدتوا معانا ! ... هتسيبوني وتمشوا ! ...
قالت وداد بألم لدموع الصبي :
_ هتلاقينا كل شوية هنا ما تقلقش ، بس ده اللي كان بيتمناه عمك مصطفى الله يرحمه... سيبني اعمل اللي يريحه وضميري يرتاح .
خرج الصبي من المكان باكيًا ، ودخلت كل فتاة في نوبة من الدموع الصامته ، في شرود وتيهة ، في نبذ وشعور بالهجر .. ولم يتفوهن كلمة توضح رفضهن أو موافقتهن للسفر ... كأن كل شيء أصبح ضبابي .
*******
بغرفة العناية المركزة ...
قبلت فرحة رأس أخيها التائه في غيبوبة وهي تبكي ، فأقترب منها أمجد وقال بعطف :
_ هتخليني أندم أني ساعدتك تدخليله ! ... الدكتور كلامه فيه أمل الحمد لله ...
كتمت فرحة فمها وشهقاتها من البكاء، ثم قالت وهي تنظر لشقيقها الصغير الذي كان يملأ أي مكان متواجد فيه بالحركة والضج والضجيج ... وقالت :
_ مش قادرة أشوفه كده ... صعب عليا أوي .
نظر لها امجد لوهلة ولدموعها ورق قلبه فقال :
_ تعالي نطلع ونتكلم برا أفضل عشان ما نزعجهوش ..
خرج وخرجت فرحه خلفه ، واجهشت بالبكاء بعدها ... تركها حتى تهدأ قليلًا وقال :
_ كنت ناوي أخليكي تشوفيه بكرة تاني ، بس بالشكل ده قلة الزيارة أحسن .
مسحت فرحة عينيها وقالت برجاء :
_ غصب عني والله ، بس مش بسهولة عليا أشوفه كده .. منهم لله اللي كانوا السبب .
ابتسم أمجد وهو يرفع سمك النظارة الطبية على ارتفاع أنفه وقال :
_ لا بهزر معاكِ ، اكيد هتشوفيه وهتطمني عليه زي ما تحبي ، بس عشان خاطري من غير دموع ، خصوصا أن النهاردة فيه تحسن .. يبقى نقول الحمد لله وربنا يقومه بالسلامة.
ارتبكت فرحة من نبرته الرقيقة معها ، فنهضت دون أن تعرف الخطوة التالية بعد النهوض ... وقف أمجد وقال لها بلطف :
_ أنا عرفت أنك ماروحتيش البيت من وقت الحادثة ، وبقالك كتير اكيد ما نمتيش ... ارجعي بيتك ارتاحي وبكرة بأذن الله هتيجي تلاقيني هنا ... أنا نبطشية النهاردة.
كادت أن تعترض فابتسم أمجد وأصر قائلا :
_ اسمعي كلامي ، لو في أي حاجة هخلي حد من زمايلك يتصل بيكِ ، طالما مافيش زيارة بليل يبقى مافيش داعي وقوفك هنا ! .
وبعد تصميم منه رضخت فرحة لحديثه ، وبقلبها شيء من السعادة لبقائه بجانبها بهذا التوقيت تحديدًا ....
وفي طريقها لمنزلها .... وعندما ابتعدت قليلا عن المشفى لتجد أي سيارة تقلها للمنزل .... وقفت سيارة فاخرة أمامها فجأة ... وطل من نافذتها وجه ذلك المتعجرف .... نظر زايد إليها لبعض الوقت بنظرات غموض ، وقابلته بنظرات غاضبة كأنها تود أن تصفعه أو تبصق بوجهه ... خرج من السيارة بحركة رشيقة سينمائية ... ثم وقف أمامها ووضع أحد يديه في جيوبه بثقة قائلا :
_ اتأخرتي أوي ... استنيتك كتير !
ضيقت فرحة عينيها بدهشة من قوله ... وهتفت :
_ وتستناني ليه أن شاء الله ؟!
ابتسم زايد بمكر وقال :
_ نتكلم ... ونتصالح.. وعلى فكرة ده عرض حصري ما اديتهوش لحد قبلك ... زي ما تقولي كده اقتنعت بكلامك... يمكن بس كنت عصبي لما قابلتك الصبح ... لكن ده مش معناه أني قصدت اتنرفز عليكِ ..
ربما لو كانت فتاة سطحية ساذجة لكانت تأثرت بوسامته الخاطفة ، أو مكره المغري لبعض الفتيات التافهات ... لكنها ليست بهذا الغباء ... فقالت بسخرية :
_ وفر حوراتك لنفسك ، وكلامي مع والدك مش معاك.
رد عليها بابتسامة مستفزة :
_ والدي سابلي حل الموضوع زي ما قولتلك ، وحقيقي أنا مش عايز أي مشاكل ، ومعترف أن أخويا غلطان ... قوليلي اعملك ايه تاني عشان تصدقي أني فعلا ناوي خير ؟! .... بتعامليني وكأني أنا اللي ضربت أخوكي !! ... موقفك هو نفس موقفي بالضبط لو تفكري!
تذكرت فرحة تحذير أمجد بالمشفى ، وأنهم سبحاولون جاهدين أن يكسبوها لصفهم ، ويجب التعامل بحذر قدر المستطاع ... فقالت فرحة وتظاهرت بالهدوء كي توهمه بالاقتناع :
_ طيب خلاص يا أستاذ ... أظن ردي كان واضح الصبح ،أخويا بس يقوم بالسلامة وبعدها كل مشكلة وليها حل بأذن الله.
أرسل لها زايد أجمل ابتساماته الساحرة وقال :
_ أنا تواصلت مع دكاترة من برا ، لو لزم الأمر هخليهم يجوا مصر مخصوص عشانه ، أو نسافرلهم أحنا ...
قال حديثه الأخير ببعض الخبث التي استشعرته فرحة بقلق ... فقالت بريبة وتوجس منه :
_ أنا مايهمنيش غير أنه يبقى كويس ، وعموما كلامنا يكون بحضور والدك ، ولو سمحت ما تحاولش تستناني تاني .. لأنك لو عملتها مش هتكلم معاك ولا هرد عليك ... بعد أذنك .
تحركت فرحة مبتعدة عنه ، وظل يراقبها في نظرات ساخرة ثم قال :
_ شوية اهتمام ببلاش عمر ما كنتِ تحلمي بيه حتى ! ... مش خسران حاجة... خلينا نشوف من المحترف ومين الهاوي !.
********
دلف وجيه وهو يحمل الصغيرة للمنزل الكبير ، وبجواره جد ليلى ، فاستقبلتهما السيدة العجوز مدبرة المنزل وقالت لوجيه :
_ رشدي بيه سافر يا دكتور ...
توقع وجيه هذا الخبر وقال :
_ طب حضريلنا العشا بسرعة ...
قال الجد صداق معتذرًا :
_ أعفيني أنا معلش ... أكلت في المستشفى ومش هقدر أكل تاني.
رفض وجيه ولكن صمم الجد على موقفه ، فتراجع وجيه عن وجبة العشاء وتم الغاءها .. ورحلت السيدة العجوز ...
وقال وجيه للجد :
_ هسيبك ترتاح دلوقتي ، وبكرة في حاجات كتيرة عايز اتكلم معاك فيها بخصوص ليلى ....
وافق الجد وصعد وجيه معه بنفسه لأحدى الغرف بالطابق الثاني ليقيم فيها الجد صادق ليلته .... ثم قال له قبل أن يغادر الغرفة :
_ هخلي الداد سعدية تهتم بريميه وتبات جنبها ... في الأوضة اللي جانبك ...
وقابلته السيدة العجوز ووضع على يديها الصغيرة النائمة وقال :
_ ياريت لو في أي هدوم هنا تنفعلها تغيريلها ...
قالت السيدة بتردد وحيرة :
_ هو في هدوم مناسبة ليها ، أي نعم قديمة شوية انما تمشي ، بس .... دي هدوم "أنچي"
تذكر وجيه تلك الصغيرة الراحلة منذ سنوات ، شقيقته الصغرى الذي لا يجرأ أحد على ذكرها منذ أن رحلت .... فقال بتنهيدة :
_ طلعي منهم حاجة تنفع ريميه وبعدين أبقي رجعيهم تاني ... أنا بكرة أن شاء الله هجيبلها هدوم ..
انصاعت المرأة للأمر وأخذت الصغيرة وغادرت ... ثم توجه وجيه لغرفته ... فتح باب الغرفة بإرهاق شديد واضح عليه ، وما يرى ذلك الرداء الخاص بالنوم والمغري جدًا الذي ترتديه جيهان ... لا يقول أن هذا الغضب والأنفعال يملأها عينيها وتعابير وجهها !
زفر بعصبية وهو يغلف يغلق الباب خلفه ويخلع معطفه .... وتجنبها لأقصى حد كي يتجنب موجة ثقيلة من الجدال والشجار ..... فنهضت جيهان بعصبية ووقفت أمامه عاقدة ذراعيها حولها ... وقالت بعصبية :
_ أظن ليك زوجة أولى بأهتمامك ورعايتك دي ! ، ده الأقربون أولى بالمعروف حتى!
حاول أن يسيطر على أعصابه ورغم شدة أرهاقه ولكنه نجح بذلك ... فقال بهدوء :
_ اهتمامي بيكِ مش معروف يا جيهان ده واجب ! ، وبعدين ليلى مكنتش في حالة تسمح ليها انها تلاحظ حتى وجودي ! ... الله يكون في عونها على اللي هي فيه .... وارجوكِ أنا مصدع وجاي مش شايف قدامي ... سبيني أنام الكام ساعة دول لو سمحتي.
اقتربت منه وتبدل غضبها للمكر وقالت بصوتِ يشبه الهمس :
_ أنا طلبت من الدادة تحضرلنا العشا ساعة وصولك ...
نظر لها وفهم ما ترمي اليه وقال مبتعدا بنفور من عدم مراعاتها لإرهاقه الشديد الواضح :
_ مش جعان ...
فتح وجيه درج الخزانة وأخذ منه ما يلزمه للنوم ، ثم توجه لحمام الغرفة وبيده منشفة .... صرت جيهان على أسنانها بغضب وارتدت بحركة غاضبة روب ردائها وخرجت وهي تتمتم بعصبية :
_ مش قعدالك هنا اصلا ..
وقفت عند باب الغرفة وطرأ على فكرها شيء ، فعادت ودقت على باب الحمام قائلة :
_ أنا هنام في أوضة تانية .... ها ؟
انتظرت اجابته بابتسامة ماكرة ... حتى أتاها صوته الهادئ :
_ طالما ده يريحك ... فراحتك عندي أهم ياروحي...
بعد دقيقة سمع وجيه باب الغرفة يغلق بصوتِ مزعج .... وخرج من الحمام بعد دقائق وشعره يتساقط منه الماء ...فابتسم قائلا :
_ يارب ادمها نعمة واحفظها من الزوال ....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
********
حاسة بفرحة كام فانزاية كده وضحكتهم الشريرة 🙂
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الواحد_والثلاثون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... هنا القاهرة 2 ...~
الخذلان من الطرف الآخر بعد منح الاهتمام له كأننا وضعنا الورد بإيديهم ورمونا بالشوك ! .
أخذت جيهان طريقها في الممر بالطابق الثاني وهي لا تعرف إلى أين ستذهب تحديدًا ... حتى انتبهت لصوت طفلة قريب منبعث من أحد الغرف ...
فتتبعت اتجاه الصوت حتى وجدته بغرفة على بُعد مترًا من وقوفها ... توجهت للغرفة وفتحتها لتتفاجئ بإبنة ليلى يبدو عليها التذمر والرفض لمحاولات مدبرة المنزل في أحتوائها.
وتعجبت ... لمَ الصغيرة هنا ؟! ... دخلت ببطء للغرفة حتى وقفت المرأة العجوز وقالت :
_ دكتور وجيه جاب البنت دي وكان معاه واحد تاني .
أنكمش ما بين حاجبيّ جيهان وتساءلت :
_ واحد تاني ؟! ... ماتعرفيش مين ؟! ..
نفت المرأة معرفتها بالأمر ... وأضافت :
_ دكتور وجيه دخله الأوضة اللي جنبنا دي يبات فيها ..
فهمت جيهان تلميح السيدة العجوز ... وأن تحذر بوجود رجل غريب ، فألقت نظرة على الصغيرة التي تفتح جفن عيناها اليمنى بحالة قريبة للبكاء ... وللحظة أرادت أن تربت عليها وتبتسم بوجهها ... فالصغيرة تبدو مثل القطة الخائفة التي تبحث عن أمها .. ظهرت ابتسامة على محياها ، وعندما تذكرت أن أمها ليلى أختفت ابتسامتها وخرجت من الغرفة.
تركت جيهان الطابق الثاني بأكمله وهبطت لغرفة بالطابق الأرضي مطلة على المسبح ... دخلت واغلقت الباب خلفها بعصبية ... ثم توجهت للفراش الموجود بالغرفة والمواجه لباب الشرفة الزجاجي ... جلست وضمت قدميها إلى صدرها في شرود ... إذا كانت تشعر اتجاه طفلة بهذه المشاعر ... فكيف عندما تأتي ليلى نفسها وتقيم كزوجة ؟! ..
شردت بعمق لدقائق حتى تفاجئت بوقوف وجيه باتجاه جانبي ينظر لها بصمت .... تطلعت فيه بعتاب ولوم حتى اقترب لها ورسم ابتسامة بسيطة وهو يجلس قبالتها ... ثم قال بهدوء :
_ سرحانة لدرجة أنك محستيش بيا وأنا داخل ! ...
نظرت له نظرة مليئة بالعتاب والعذاب وقالت :
_ ما اتفاجئتش كتير بوجودك .... لأني كنت بفكر فيك.
تنهد ببعض الضيق من نفسه ، فقد أتى إليها بعدما شعر ببعض تأنيب الضمير ... فبحث عنها حتى أخبرته أحدى الخادمات الصغيرات بالمنزل أنها دخلت لهذه الغرفة .... فقال بإعتذار :
_ جيت اصالحك ، وكمان ماينفعش تطلعي باللبس ده برا اوضتنا يا جيهان ، جد ليلى هنا ، وغير كده ماينفعش تطلعي كده تاني ... احنا مش عايشين في البيت لوحدنا !
زفرت بضيق وأوضحت :
_ والدك وعارفة أنه مسافر ، وولاد أخواتك وبرضو عارفة أنهم مش موجودين حاليًا ، فخدت راحتي شوية بس دي مش طبيعتي وأنت عارف ... أنما بقى اللي مكنتش أعرف بوجوده هو جد ليلى !! .... ممكن أعرف سبب وجوده هنا ؟!
أجاب وجيه عليها بإختصار :
_ بعد موضوع الخطف ، ريميه كانت بتصرخ لو بعدت وماسكة فيا ، أظن لو قولت لجدها أني هاخدها معايا مكنش هيوافق ... فجيبته معايا ... وليا طلب عندك ..
ضيقت جيهان عينيها وصمتت بفضول شديد أن تعرف ما يريد قوله ، فخرج وجيه من صمته وقال:
_ قريب جدًا أنا وليلى هنتجوز ، طبعا هتعيش هنا ، اللي بطلبه منك متدخليش ريميه بينا أحنا التلاته ، دي طفلة وكمان كفيفة واتعرضت لعنف كتير ، يعني أي تصرف منك فيه عصبية هيأثر عليها بالسلب ... ده غير أن زعلها هيضايقني جدًا ... ومش هحب أن ده يحصل.
قالت جيهان بتعجب ونبرتها تلومه :
_ ده تهديد مش طلب ! ... أظاهر أن ليلى في مركز قوة اكتر بكتير مما كنت أتخيل !
ثم هزت رأسها بألم وقالت وهي تنظر لعينيه كأنها تريد اثبات شيء :
_ وبعدين مين اللي قالك أني هعامل البنت بعصبية ! ، أنا مش وحشة أوي كده يا وجيه ! .... أنت مش متخيل اد إيه أنا بحب الأطفال ... وبحلم يكون عندي طفل ..
رفع جيه يده ومسح عينيها من الدموع بأطراف أصابعه ، ثم قال متفهما :
_ أنتِ قلبك طيب يا جيهان وأنا عارف ، بس الوضع اللي أنتِ فيه مش سهل وأنا مقدر ده ... بس حابب أأكدلك تاني ... أنا ماخونتكيش .... ولا عرفتها عليكِ ، والحقيقة أني عرفتك أنتِ عليها ...
صمت للحظة ثم تابع :
_ وفي حاجة كمان، ليلى هتيجي هنا وهي المفروض هتدخل في مرحلة علاج نفسي مش سهلة أبدًا ... مش هقولك اكيد ساعديها لأن ده اكبر من احتمالك ومش مفروض عليك أصلًا ... بس ما تاخديش أهتمامي بيها على أني نسيتك واهملتك ... وزي ما هراضيها لما تزعل ... هيكون نفس المعاملة معاكِ.
ابتسمت جيهان بمرارة وقالت :
_ أنا عارفة يا وجيه أنك بتحاول ما تظلمش، بس مهما عدلت ما بينا .... هشوفك ظالم !
رد عليها وقد ضاق من كلماتها القاسية :
_ أنا مش هتحاسب على احساسك ... لأن ده الطبيعي أنك تحسي كده، بس هتحاسب على أفعالي ونيتي اتجاهك ... يلا قومي معايا نرجع أوضتنا.
نظرت جيهان ليده الممدودة لها ، ثم نظرت لعينيه بعمق وتمنت أن يكن قلبه من فعل ذلك ...
*****
في الصباح الباكر ... قبل الشروق بنصف ساعة تقريبًا ...
وقفت سيارة أجرة أمام منزل عائلة الزيان ... وترجل منها الأربع شباب وبدأ كلًا منهم ينزل حقيبته من سطح السيارة ... وترتسم على وجههم الكآبة والتيهة ... لم يكن هذا المفترض ان يشعروا به بعودتهم البيت الكبير للعائلة !!
يمكن أكثر من آخر دقيقة قد تركوا فيها البلدة الريفية ...
رحب بهم البواب بحفاوة وبدأ يحمل حقائبهم ، حتى أنه أشار لأحد الخدم أن يعاونه ...
القى يوسف على الشباب الثلاث نظرة عصبية ثم تركهم ودخل للمنزل .... وقف جاسر متنهدًا بحدة وعينيه على خطوات يوسف الغاضبة وقال :
_ أتمنى مايكونش رجعونا غلطة كبيرة هنندم عليها بعدين ...
صر آسر على أسنانه بغضب شديد وقال :
_ لا ماتتمناش لأن هو فعلا غلطة في منتهى الغباء ، أنا حطيت نفسي مكانهم للحظة وحسيت أني عايز اضرب نفسي وأضربكم بالقلم ... المشكلة أن جدي مش هيعديهالنا بالساهل !
انفجر رعد بصوتٍ عال وغضب :
_ ما هو السبب في اللي بيحصل ده ! ... لولا تدخله مكنش هيحصل كل ده ولا سيبناهم و....
أنقطع حديثه بعدما افتضح أمر لهفته ، ظهر مدى شوقه إليها وعذابه المختبئ الذي يكافح كي يبقيه سرًا .... فقال جاسر بغيظ منه :
_ لولا أنك معقد ، ولولا أن جدي اتعود يجبرنا مكنش ده كله حصل ، أنا محبتش طريقته ... ولا في دماغي اخطب أصلًا ...بس للحقيقة أحنا اتصرفنا تصرف غبي ... ومكنش قدامي للأسف حل غيره عشان ميحصلش كارثة أكبر.
قال آسر قبل أن يشتد الحوار بين جاسر ورعد :
_ طب هنتكلم هنا ولا إيه ؟! ... ندخل وبعدين نتكلم براحتنا ..
تقدم الشباب الثلاث نحو المنزل والعصبية تبدو المسيطرة على سيمائهم ...
*****
صعد يوسف للطابق الثاني وتوجه نحو غرفته مباشرةً ... وسار في الممر إليها ، ولكن توقف عندما سمع صوت نقر خفيف على أحد الأبواب وتلاه صوت أنين ضعيف !!
ضم ما بين عينيه بتعجب وعبوس ثم اقترب بحذر .... كان يزداد صوت النقر كلما اقترب ، فوقف أمام الباب للحظة حتى حرك المقبض وفتح الباب بالتدريج ...
كانت ريميه تقف ملتصقة بالباب ، فعند الفتح دفعها الباب للحائط فاصبحت بين الحائط والباب وهي تئن بخوف ودموع ... وصوتها مخنوق بالرعب .
وقف يوسف باحثا بعينيه في الغرفة عن مصدر الصوت الذي يسمعه ولكنه لم يرى شيء !
قال باستغراب :
_ طب الصوت جاي منين ؟ ... ومين اللي كان بيخبط ؟! ..
بدأ يسمع صوت ضعيف جدًا لأنفاس ، ثم انتبه جيدًا ليجد الصوت يقول برجفة واضحة :
_با..با ..وجيه.
التفت يوسف للباب وظل ينزل بنظرته حتى اتسعت عينيه دهشة عندما وجد جسد صغيرة ظهره للحائط ووجهه يلتصق بالباب وكأنه يختبأ به ! .... نزل على قدميه ونظر للصغيرة بدهشة ... ثم قال :
_ أنتِ مين ؟!
رددت ريميه بصوت ضعيف يبك :
_ بابا وجيه فين ؟
دهش يوسف أكثر أنها تردد اسم عمه وتطلبه بهذا الأصرار ! ، ولكنه ابتسم لتحدثها وهي تلصق رأسها بالباب كأنها تختبأ ... فقال :
_ اكيد نايم دلوقتي ، بس قوليلي ... أنتِ خايفة كده ليه ؟! ... واسمك إيه ؟
أصرت الصغيرة ببكاء على حضور وجيه ، فجذبها يوسف من يدها برفق لتقف أمامه ... فوقفت الصغيرة بجسد هزيل مرتجف بقوة وعينيها الباكية اتجاهها للأرض ... لململ يوسف بنظرة حنونة شعر الصغيرة المبعثر وقال :
_ طب هجيبلك عمي وجيه لو قولتيلي اسمك ايه ..
ابتلعت الصغيرة ريقها وفركت عينيها بقبضتها الرقيقة ثم رفعت رأسها اتجاه مصدر الصوت وقالت :
_ اسمي ريميه ...
لاحظ يوسف شيء بعينيها ، هي لا تنظر له مباشرةً ، فقال بإعجاب ولم يدرك حالتها :
_ اسمك جميل أوي أوي... مين بقى اللي جابك هنا يا ريميه ؟
"جدو"
قالت ذلك الصغيرة وهي ترتجف وتضع أصبعها بفمها ، ثم قالت باكية وكأنها تتوسل :
_ عايزة بابا وجيه
رق قلب يوسف لبكائها وقال وهو ينظر لساعته :
_ الساعة لسه ٥ الصبح ، يعني غالبًا نايم دلوقتي ... حتى بصي عشان تتأكدي الساعة كام ؟
كان يريد مشاكستها والمزاح معها ، فمد معصم يده بساعة اليد ، رفعت الصغيرة يدها الرقيقة ببطء وبحثت عن يد يوسف التي شعرت بحركتها .... وضيق يوسف عينيه واكتشف انها كفيفة ... نظر لعينيها الجميلة الباكية وقال :
_ هجيبلك عمي وجيه ... بس بطلي عياط.
دخلت مدبرة المنزل في هذه اللحظة للغرفة ، بعدما تركت الصغيرة نائمة وذهبت للأشراف على طعام الإفطار خاصةً أن هناك ضيف بالمنزل .... وقالت معتذرة :
_ كنت بعمل الفطار والله وكانت نايمة ، حمد الله على سلامتك يابني ... أنا لسه عارفة من شوية أنكم وصلتوا.
رد يوسف على السيدة دون أن يرفع عينيه من على الصغيرة ، وقال :
_ الله يسلمك يا دادة ... لو سمحتي صحي عمي وجيه عشان ريميه عايزاه ...
قالت السيدة بحيرة :
_ بس ماينفعش اصحيه .. أنا ..
قاطعها يوسف بتصميم :
_ معلش صحيه ... ريميه عايزاه وبتعيط ...
نظرت السيدة للصغيرة بعطف وذهبت لتنفيذ الأمر ... جلس يوسف على الأرض واجلس الصغيرة التي بدأت تهدأ ... ثم أخذ يدها الرقيقة وربت عليها بحنان قائلًا :
_ مش أنتِ بتحبي عمي وجيه ؟
لم تكن الصغيرة تحب مناداة وجيه. بـ "العم" ولكنها هزت رأسها بالايجاب .... فرفع يوسف يديه ومسح عينيها برقة وقال :
_ يبقى هيزعل لو شافك بتعيطي ....
تجنب يوسف أن يسألها عن من تكن ، فمن غير المعقول أن طفلة بعمرها وبحالة الخوف الواضحة عليها ستجيبه إجابة واضحة .... مرر يده على رأسها بحنان وابتسامة لوجهها الصغير ... ثم قال بمشاكسة :
_ عارفة اسمي إيه ؟
هزت رأسها بالنفي ... فقال مبتسما :
_ اسمي يوسف ...
ظن أنها ستردد اسمه ،بينما من قاله كان أحدًا آخر ..
"يوسف...."
التفت يوسف لصوت عمه وجيه ، فوجده يقف بملابس بيتيه من بنطال أسود رياضي وتيشرت أزرق قطني أنيق .... نظر وجيه له بنظرة غامضة ... فقد علم أن الشباب عادوا قبل موعد انتهاء مدة القافلة ... وأبيه قد سافر للبلدة الريفية بالأمس ... وهم هنا اليوم ! ، الأمر واضح لا يحتاج لكثير من التفكير ..
نهضت يوسف ونظر لعمه بثبات ... فقال وجيه له بحدة :
_ أنتوا سيبتوا جدكم في البلد وجيتوا؟!
ظهر الضيق والأسف على وجه يوسف ثم أجاب بصدق :
_ أنا كنت مضطر ياعمي ... قبل ما تحكم عليا اسمعني الأول ... صدقني أنا كنت رافض ارجع القاهرة دلوقتي ...و
قاطعه وجيه بنبرة غاضبة :
_ اكيد مش هتروحوا المستشفى النهاردة ... بعد الفطار تعالوا انتوا الاربعة على المكتب ... أنا مش هحكم دلوقتي غير لما أعرف اللي حصل بالضبط ... بس اللي غلط يتحمل نتيجة غلطه ، لأني مش هتساهل في أي شيء يزعل ابويا ويحطه في موقف وحش قدام الناس .
عبس وجه الصغيرة بضيق وهي تنتظر أن يلتفت لها وجيه ، فعندما وقعت عينيه عليها رقت نظرته واتجه لها .... ومرر يده على رأسها بابتسامة وقال :
_ صباح الخير يا ريمو .... النهاردة بقى هجيبلك هدوم حلوة كتيرة أوي ... هتقعدي معايا هنا على طول.
اطرفت عينان الصغيرة وهي تضع أصبعها بفمها ويبدو أنها رحبت بما قاله ، ولاحظ وجيه أنها لم تعد مثل السابق ! ، كانت تبتسم بمجرد أن تسمع صوته ، وتضحك بسعادة عندما يلبي لها شيء أردته ! ، ولكنها الآن تستقبل تنفيذ رغباتها بصمت ، اللهم هزة رأس وعدة كلمات بسيطة تقولها بالكاد .
قال يوسف له بتعجب :
_ مين دي يا عمي ؟!
أجاب وجيه وهو يحملها على ذراعيه وينظر لها بابتسامة أبوية محبة :
_ دي بنتي ... ريميه
حملق يوسف فيه بذهول ، ولم يستطع أن يفرق بين المزاح والجد ... كاد أن يتحدث يوسف بتساؤل حتى قاطعه وجيه :
_ بعدين يا يوسف .... هفهمك بعدين .
*****
في أحدى غرف المنزل ...
تجمع الشباب الثلاث حتى أتى يوسف بعدما بحث عنهم ... ونظر لهم بضيق وقال :
_ عمي عايزنا بعد الفطار نروحله المكتب ، وأظن أحنا محتاجين وقوفه جانبنا قدام جدي ... بعد اللي عملناه فأنا بجد خايف من ردة فعله.
تمرد رعد بغضب وهتف :
_ أنا ما غلطتش عشان احتاج حد يدافع عني ! ... ده حقي أنا مش مسجون !
وقف جاسر وتحرك بالغرفة بخطوات بطيئة شاردًا بعض الشيء... ثم قال :
_ عمي وجيه ممكن يقلل فعلا من حدة الموقف ، بس ما أظنش يقف قدام جدي وخصوصا المرادي.
غضب رعد من ترقبهم لطلب السماح وصاح :
_ أنا خارج اتمشى شوية .... حاسس أني مخنوق.
يوسف بعصبية :
_ طب ولما عمي يسألني عليك ؟! ... بقولك عايزنا نروحله المكتب ؟!
تنفس رعد بزفرة حارة غاضبة وأجاب :
_ وأنا مش تحت أمر حد ، كفاية بقى ٣٠ سنة من عمري !.
خرج رعد من الغرفة بعصبية ، فقال جاسر بضيق :
_ أنا مصدع ومش رايق للكلام والشرح ، هروح أوضتي أنام ومحدش يصحيني ...
خرج جاسر من الغرفة وترك يوسف الواقف يأز غليانه وغضبه منهم .... فقال آسر :
_ بصراحة يا يوسف الكلام دلوقتي تقيل ومحدش رايقله ، بس أنا مش هسيبك ....
رد عليه يوسف بغيظ :
_ ما أنا اللي بشيل أي بلوة بتحصل في البيت ده ! ..
******
بمكتب وجيه بالمنزل ....
كان يرفع هاتفه نحو أذنه ويستمع لحديث والده الذي سيأتي بعد ساعتين بالكثير ويعود للقاهرة .... حتى قال وجيه براحة :
_ احسن مافي الموضوع أنك اتصالحت مع بنات مصطفى وراجعين معاك .... الحمد لله ، أنا كده قلبي ارتاح .
رد عليه الجد وهو بالسيارة خلال طريق السفر:
_ ماتكلمهمش وسيبهم خالص ، ماتحسسهمش أننا هنعاقبهم على اللي عملوه...
فهم وجيه ما يرمي إليه والده وقال :
_ فهمتك .... وهو ده الصح ، لو هعاتبهم فهيكون أنهم سافروا قبل ميعاد القافلة ماتنتهي ... توصلوا بالسلامة يارب .
قال الجد رشدي وهو ينظر أمامه للطريق :
_ الله يسلمك يا حبيبي ... هقفل أنا بقا دلوقتي ... ساعتين بالكتير وهنكون عندك .
اغلق الجد الاتصال ونظر للمقعد الخلفي من السيارة المتكدس فيه الأم وبناتها الأربعة .... النائمات تقريبًا بعد ساعات كثير من السفر وبكاء في وداع عائلة العمدة البسيطة ...
*****
وقف يوسف أمام عمه بالمكتب ومعه آسر ، وتفاجأ أن عمه لا يلقي عليهم اللوم اتجاه بنات العم ، ولا بعدم حضور رعد وجاسر! ...ووضع علامة الاستفهام بهدوئه هذا .... فقال :
_ المفروض قبل ما تقرروا ترجعوا كنتوا اتصلتوا بيا عرفتوني ، وإلا كده هيتقال أنكم عشان ولاد أخواتي بتتعاملوا زي ما انتوا عايزين وتسافروا وترجعوا وقت ما تحبوا ! ....
قال يوسف بعدما شرح ما حدث كاملا :
_ ما هو اللي حصل كان السبب زي ما قولتلك كده بالضبط ... رعد كان عصبي وجاسر قلق لتحصل خناقة والموضوع يكبر أكتر ... خصوصا ان نعناعة سمع كل كلامنا.
رجع وجيه بظهره للكرسي ثم قال بهدوء ادهش آسر ويوسف :
_ اديتوا الحكاية أكبر من حجمها ، جدكم كان بس بيديلكم فرصة تشوفهم من غير ضغط لأنه عارفكم كويس .... أنما محدش كان هيتجبر على الجواز ... أبدًا !!
رد يوسف بعصبية :
_قولت كده ومحدش صدقني ، لكن رعد اتجنن لما عرف وتصميمه يمشي من البيت خوفني ... مكنش قدامي حل تاني للأسف ...
قال وجيه بنفس الهدوء :
_ اعتبروا الموضوع ده كأنه مش موجود ... يعني بعد اللي عملتوه طبعا انسوا حكاية الجواز من بنات عمكم... ودلوقتي نرجع تاني لروتينا اليومي ... المستشفى والبيت ...
حدقه يوسف بدهشة ، ثم نظر لآسر الذي تسمر في مكانه .... فقال يوسف بعصبية :
_ يعني إيه الكلام ده يا عمي ؟!
ابتسم وجيه وقال ببساطة :
_ أنت زعلان ليه ؟! .... مش كنتوا زعلانين من فكرة الجوازة دي ؟! ... خلاص اعتبروها اتلغت من الاساس ..
نظر آسر لوجيه بنظرة عميقة غامضة ، ثم قال :
_ تمام ... بعد اذنك يا عمي ، تعالى معايا يا يوسف .
رأى يوسف أن الجدال لا طائل منه ولا منفعة ، فخرج مع آسر الذي جذبه للحديقة ...
رمقهم وجيه بابتسامة متسلية وقال بصوتٍ خافت :
_ اللي ماجبهوش الأهتمام ... يجيبه التجاهل !
وفي الحديقة ...
وقف يوسف بعصبية معلنا غضبه بكلمات منفعلة ... فقال آسر بحيرة :
_ الخوف ليكون جدك بيلعب لعبة تانية ، بس لو ده حقيقي فلعبته المرادي أخطر بكتير .... وغالبًا هنخسرها كلنا .
لم يفهم يوسف مقصده فقال بريبة :
_ تقصد إيه ؟!
تنهد آسر بعمق وقال :
_ يعني زي ما خطط للقرب ، يخطط للبعد عشان يجيب رجلنا واحد ورا التاني ... خصوصا أن رعد قاله أننا كنا بنفكر فيهم فعلا .... يعني من الآخر كده بعد ما كان هيجبرنا نتجوزهم ... ممكن يحلف أن محدش فينا حتى يفكر يخطب واحدة فيهم ...
ضرب يوسف بيده على جبهته بعصبية وقال :
_ تبقى مصيبة لو ده صحيح ... أنا ذنبي إيه في كل ده ؟!
اغتاظ آسر منه وقال هاتفا:
_ يابني اتقل شوية بلاش الدلقة دي ؟! ...
عبس وجه يوسف وقال بضيق شديد :
_ دي مش دلقة ... دي واحدة حبيتها وكنت مستني اليوم اللي هخطبها فيه ... ماليش علاقة بقرارتكم وتفكيركم المعقد السخيف ده !! ... واحدة اكيد أنا دلوقتي سقطت من نظرها بسببكم ! .... أنا مش عارف اعمل إيه ... بس لما يوصل جدي هعتذرله واسافر البلد اخطب حميدة ... وكل واحد بقى يختار الحياة اللي عايز يعيشها ... أنا اخترت وقررت خلاص .
ابتعد يوسف وخرج من المنزل بأكمله بعصبية واضحة ... وراقبه آسر بحالة من الشرود ... أن كان يشعر ما يشعر به يوسف ... ولكنه لا يعترف بهذه البساطة لنفسه ... ولن يتحمل فكرة الرفض مرة أخرى ....
صعد لغرفته وقرر أخذ قسطا من الراحة والخلود للنوم بعض الوقت ، قبل المواجهة الشرسة مع الجد عند وصوله.
*****
ومر تقريبًا أكثر من ساعة ... وكان وجيه في انتظار وشوق وصول أبيه والفتيات للمنزل ... ذلك الشيء الذي لم يخبر به أحدًا ... وأيضا كي يذهب إلى ليلى بالمشفى ويطمئن على حالتها ....
دقت الساعة الثامنة صباحا ... واعقبها عدة دقائق حتى وقفت سيارة الجد أمام المنزل ..
ترجل الجد رشدي من السيارة وقد أثر عليه الجلوس لساعات كثيرة بالسيارة وبدا عليه صعوبة الحركة .
وكان الفتيات في حالة صمت معتمة من الكآبة والتعاسة التي تملأ قلبهن مما حدث ... فتاهت كل واحدة منهن في حزنها ، حتى أنهن تظاهرن بالغفوة خلال ساعات السفر كي يتجنبن الحديث ..
خرجوا من السيارة وساعدوا امهم وداد في الخروج حتى استطاعن ذلك بعد لحظات ..
ثم وقفن الأربعة فتيات ينظرن للمنزل الضخم في شرود ، كأنهن يقرأن صفحات من الماضي وبحديث والدهن عن حبه لهذا المكان ... ورغم فخامة المكان والثراء الواضح عليه إلا أن لم يؤثر على حزنهن شيء .... فاقترب الجد إليهن وقال بحنان :
_ حمد الله على سلامتكم يا حبايبي ... من النهاردة اعتبروني الفانوس السحري .... طلباتكم كلها مجابة.
وتابع بإضفاء المرح في حديثه :
_ أنا بلغت وجيه يخلي الخدم يحضرلكم أواضكم ، كل بنت منكم أوضة ... حاجة كده مؤقته على ما اضبط كل شيء .
لم يكن في خيال الفتيات سوى أنهن سيكونوا قريبين من الشباب الأربعة .... قرب ربما سيسبب لهن مزيد من العذاب والحزن ... فقالت وداد برضا:
_ كفاية وجودك جانبهم ...
ربت الجد على يدها وقال :
_ هعوضهم عن اللي فات كله.
وبداخل المنزل .... استقبلهم وجيه بترحاب شديد وبجانبه زوجته جيهان التي كانت ترسم ابتسامة رسمية ليس أكثر ... وضم والده اولا ثم رحب بحرارة بزوجة أخيه وداد ...
وأخذ وجيه الفتيات بعناق دافئ لكلا منهن ، حتى أخذهن الأربعة تحت ذراعيه كأنه طير يطوقهن بجناحيه .... وقال :
_ أنا مبسوط جدًا جدًا أننا اتجمعنا وهنكون في بيت واحد أخيرًا ، نورتوا البيت ونورتوا حياتنا كلها ...
علت ابتسامة صادقة من ثغر الفتيات متوجهة إلى العم وجيه ... ولكن أنظارهن كانت تتجه يمينا ويسارا بحثا عن أي واحدًا من الشباب .... ولكن ما كان منهم سوى جاسر الذي صعد لغرفته واستغرق في نوم عميق منذ أن أتى .... والبقية خرجوا من المنزل واحدًا تلو الآخر ...
قالت جيهان بعد كلمات الترحيب :
_ تعالوا بقا يا بنات اخد كل واحدة لأوضتها عشان تغيروا هدومكم قبل الغدا ...
رفض الفتيات أمر الغداء استحياءً.... فقال الجد رشدي بمرح :
_ اطلعوا ارتاحوا شوية عشان هنتغدى واخدكم نتفسح ونعمل شوبينج بليل... من زمان ماجيبتش لبس بنفسي .... قططي حضروا بقا وهينقولي بنفسهم ..
نظرت وداد لبناتها بابتسامة ... وشعرت أن الحزن المرتسم بأعينهن هو مجرد شعور وسيزول سريعا ... فالترحاب والمحبة التي استقبلتهم بها العائلة شيء يدعو للراحة والسعادة الحقيقية ....
أخذت جيهان الفتيات وكانت غرفهن بالطابق الأرضي ... بعيدًا عن غرف الشباب بالطابق الثاني ...
نظرت جميلة للمنزل الكبير الضخم ذو المساحة الشاسعة ، صمم بتصميم المنازل القديمة التي يدخل في تأسيسها كثرة الغرف والأسقف العالية جدًا ....
ودخلت كل فتاة غرفتها ، مع حقيبتها الخاصة ...
وبغرفة جميلة كان اللون الزيتوني الصافي الهادئ يسيطر على المكان والأثاث.... بدأت ترتب ملابسها في الخزانة الخاصة ، وسريعا ما انهت المهمة .... ثم انتقت جلباب بيتي مخملي الملمس من اللون الأزرق ... ونظرت له بدقة وقالت :
_ بما أن مش هبقى على راحتي في البيت ده ... فهلبس الجلابية دي ...
أخذت الجلباب ودخلت حمام الغرفة لتأخذ دشا سريع ... ثم خرجت وهي ترتديه وتجفف شعرها الأسود الطويل ... تطاير شعرها بهواء صادر من باب زجاجي مطل على الحديقة ... توجهت لتغلق ذلك الباب حتى لاحظ غرفة جانبية مضاءة ويظهر منها آلات رياضية ... فقالت جميلة بابتسامة واسعة :
_ الله ... ده شكله جيم ! ...
ارتدت حجابها سريعا وخرجت من الغرفة إلى الحديقة ثم توجهت لتلك الغرفة ....
فتحت جميلة الباب الزجاجي لغرفة الرياضة الواسعة أكثر مما اعتقدت ... وشهقت عندما وجدت الكثير من أنواع الآلات الرياضية .... فقالت بقفزة من السعادة المؤقته :
_ كان نفسي من زمان اروح جيم ... أهو جالي لحد عندي ..
توجهت لجهاز المشي " تريدميل" واحتارت كيف يعمل ، حتى وجدت أزرار عدة وبدأت المشاية تتحرك استعداد لاستخدامها البشري في حركة الساقين لمن يستخدمها ...
نظرت جميلة لـ " الشبشب" التي ترتديه بقدمها وقالت :
_ مش مهم ... هجرب برضو ...
وقفت جميلة عليه وبدأت تساير حركته في السير وهي تضحك بصوتٍ عالي ...
ومع الوقت لم تنتبه انها ضغطت على زر السرعة بالخطأ ... فبدأت سرعة السير تزداد، وبدأت جميلة تلهث من الركض ولم تستطع الابتعاد ..
كانت تتوسل أن يتوقف الجهاز فهي لم تعد تسيطر عليه .....
كان جاسر استيقظ وأخذ منشفة وزجاجة ماء، وتوجه لصالة الرياضة مباشرةً ... ولم يخبره أحد بوصول الجد رشدي ومن معه ، وعند هبوطه للطابق الأرضي ما وجد مخلوق أمامه ....
كان يتثاءب بكسل وهو يدخل قاعة الرياضة وفتح زجاجة الماء وشرب منها بضع قطرات وهو يفتح باب الغرفة ....
توقف الماء بفمه وهو يرى شبح أزرق يركض على جهاز المشي ويستغيث ... لم يكتشف أنها هي لأنها تواليه ظهرها ....
اسرع اليها وأوقف حركة الجهاز سريعا ... ولكنه أبصق ما بفمه بصدمة بوجهها عندما رآها ووقف قبالتها .... سقطت جميلة جانبًا بحالة دوار شديد .... وقال جاسر بذهول :
_ تهيؤات دي ؟! ... نهاركم مش فايت ... أنا اتجننت ولا ايه ؟!
تألمت جميلة من الم قدمها وهنا فغر جاسر فاه وهو يحدق فيها بعدم تصديق .... فأنحنى ليتأكد أنها هي حتى دفعته بحدة بعيدًا عنها ..... اعتدل سريعا ووقف بعصبية وقال :
_ كده اتأكدت .... الحمورية دي ما تطلعش غير منك ... حتى الجن مش أجن منك ! ...
نهضت جميلة وهي تنظر له بشراسة :
_ أنت جاي هنا ليه ؟!
مطت شفتيه بسخرية وقال :
_ أنتِ اللي بتهببي إيه هنا ؟! ومين جابك ؟! ومين دخلك الجيم بتاعي ؟! .... وبعدين حد يجري على الجهاز بجلابية وشبشب يا هبلة!.... اكيد جيتي مع جدي صح ؟ .... يابنتي أنا كنت متأكد أنك مش هتقدري تنسيني....أنا مابتنسيش.
شهقت جميلة من حديثه ريثما اعقب قوله بابتسامة ماكرة وهو يضع المنشفة على كتفه العاري بثقة عالية ... فهتفت صارخة :
_ انساك ؟! هو أنا اصلا فكراك ؟! ليه كنت عبايتي السودا ولا الروج السحري ؟
قال جاسر بابتسامته الخبيثة ليستفزها :
_ حلوة الجلابية الزرقا دي .... شبه حوض السمك ، بس حلوة للجيم حقيقي ومناسبة ... اشغلك فرح العمدة على الكمبيوتر عشان تتمرني بمزاج ؟!
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني_والثلاثون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... النظر الثانية ...~
رمى جاسر أسهم نظراته المبتسمة الساخرة عليها ، يقينا كان يسخر ولكنه استخدم تلك اللعبة لأخفاء صدمته وارتباكه من رؤيتها ! ، وصدمته كانت في دقة عالية بقلبه تعالت بلحن يخبره أن هذه الفتاة تركت شيء بداخله .... شيء هو لأول مرة يختبر مذاقه ....
ولكن هي لم تدرك تلك المشاعر والخواطر بعمقه ، وهي تره الآن متلاعب ومخادع ... يسرق الهدوء منها ويضع الترقب بديلًا ... قالت بمقت وعصبية سربت بعض قطرات الدموع بعينيها :
_ لا ماتتعبش نفسك ، سيبني في حالي ويبقى كده كتر خيرك ... وأن كان الجيم ده بتاعك فمعلش مكنتش أعرف ...
رحلت الابتسامة من وجه جاسر وبدأ يدقق النظر بدموع عينيها التي تأبى السقوط ... وشعر بالسخف من نفسه فقال بلمحة اعتذار بحديثه :
_ اكيد واضح في كلامي أني ما اقصدش أهينك ! ..
تنفستميلة بمرارة وسخرية ثم قالت :
_ الإهانة مش بس كلام ... الإهانة أفعال برضو ...
توجهت مم باب الشرفة المطل على المسبح حيث أتت ، فقال لها قبل أن تبتعد :
_ بتطلعي من هنا ليه ؟! ... ممكن تطلعي من الباب عادي !
استدارت له بنظرة حادة تؤكد حديثها وقالت :
_ لا .... ما أحبش أن حد يفتكر أني كنت في مكان أنا وأنت لوحدنا .... مش عشان أنت أبن عمي يبقى هسمحلك بأكتر ما بسمح للغريب ! ... زيك زي أي حد ما أعرفهوش ...
ضيق جاسر عينيه عليها وشعر بحديثها بتهديد صريح ... اقترب منها بخطوات قليلة حتى وقف أمامها بنظرة متحدية وقال :
_ واضح أنك جاية هنا وناوية على حاجات كتير ... يمكن اتصدمت للوهلة الأولى من وجودك هنا ، بس كنت متوقع أن ده هيحصل في يوم من الأيام ... ومن البداية بقولهالك يا جميلة ... لو ناوية تتحديني وشغل البنات ده ... فأنتِ أخترتي الشخص الغلط ... وأنا مش زيي زي الغريب .... ومش هيكون وجود لأي حد غريب هنا ! .... أظن مفهوم ؟
غلى الدم بعروقها من عجرفته وغروره ، ابعد ما فعله يجرؤ على التحدث هكذا ؟! .... ردت بغضب :
_ افهم إيه من كلامك ده؟!
صمت للحظات وهو يخبرها بصمته وبنظراته الحادة الكثير ، حيث أنه ظن أنها ستستخدم ربما أول رجل ستقابله في تحديه والوقوف أمامه ، فأجابها بثبات وثقة :
_ افهمي زي ما أنتِ عايزة ، وآه نسيت أقولك حاجة .... على فكرة أنا مبسوط أنك هنا ... ومتسألنيش ليه.
رمته بنظراتها الساخرة فابتسم جاسر بمكر ، ابتعدت عنه وتابعت سيرها للخارج والعودة لغرفتها ، فقال بنبرة فيها ضحكة خفية :
_ لو محتاجة مساعدة في التمرين قوليلي ... أنا ضليع في تقوية عضلات القلب.
أرفق جملته بضحكة فاسرعت جميلة راكضة أكثر لغرفتها ، حتى دخلتها واغلقت باب الشرفة وهي تبكِ .... كشف ما تخفيه ، وكشف تحديها له ، أصبحت دون مجهود كالكتاب المفتوح أمامه ... لا تنكر أنها تحبه ... ولكن لن تغفر له فعلته بتلك البساطة .... تنهدت بقوة وبكآبة ، حتى أنها ندمت على موافقتها للمجيء لهنا ...
*******
في مكتب وجيه ....
وقف وجيه بعد حديث طويل مع ابيه وأخبره والده ما حدث بالبلدة الريفية ، ثم أخبره وجيه عن ما حدث لليلى بتلك الساعات الماضية .... فقال وهو يأخذ مفاتيح سيارته :
_ أنا لازم أروح المستشفى دلوقتي ... هرجع الصبح بدري عشان عندي شغل النهاردة كتير في المستشفى ....
هز والده رأسه بتفهم ثم سأل :
_ هو جد ليلى فين ؟ ... عايز اتكلم معاه شوية .
أجاب وجيه :
_ راح يستلم جثة صالح عشان الدفن ، هيستلمها وهيسافر بلده ويدفنه هناك ... بصراحة صعبان عليا الله يكون في عونه ، هو متماسك قدامنا عشان ما نستغربش أنه مقهور على موت صالح .... مهما كان اللي عمله بس أكيد مش فرحان بموت حفيده ! ...
قال الجد رشدي ببعض الألم :
_ ومين بيفرح بموت حد من دمه يابني ؟! ... ربنا يقويه ... المهم دلوقتي ليلى وبنتها ... هي البنت فين صحيح نفسي أشوفها ...
ابتسم وجيه لوالده بمحبة وقال :
_ مع الدادة فوق ، متأكد أنك هتحبها أوي ... مضطر أسيبها هنا على ما ارجع...
خرج وجيه من المكتب وصعد للطابق الثاني .... وتزجه لغرفة الصغيرة حتى تلقته بالتفاته مهتمة وهي جالسة على الفراش ومدبرة المنزل تمشط لها شعرها بهدوء .... ابتسم وهو يقترب لها ثم وضع يده على وجهها بربته حنونة وقال بهمس :
_ خارج شوية وهجيبلك حاجات حلوة كتير أوي ... عايزة حاجة مخصوص اجيبهالك ؟
مطت الصغيرة شفتيها وهي تنظر بعبوس للأسفل ويبدو عليها الضيق من قوله .... فربت على رأسها برفق وتابع بابتسامة :
_ فين ابتسامة ريمو الجميلة ؟!
ظلت الصغيرة على حالها لم تبدي أي إجابة ... تنهد وجيه ببعض اليأس من حالتها وقال :
_ هتصل بيكِ كل شوية .... والدادة جانبك ما تقلقيش .
مرر وجيه يده بمشاكسة على شعرها ، ثم خرج من الغرفة فبدأت الصغيرة تبكِ بصمت .... كيف تخبر الجميع أنها خائفة ؟!
مرعوبة من كل شيء ؟!
الاصوات ، والهمسات ، حتى الخطوات الغريبة ترجف قلبها ؟!
لم تجد ملجأ آمن سوى ذراع بطل الحكايات ! ... التي تراه ببراءتها وخيالها الوليد مثل الوحوش الطيبة ... يستطع حمايتها من كل شيء .... دون أن يؤذيها.
كيف تفسر وتوضح ..ومعجم كلماتها صفحاته بيضاء خالية من التعبير؟!
الطفل يتألم ويشعر بالرعب أكثر من الكبار ... يصله أصواتهم العادية هتاف ... والهتاف صراخ ، والنظرة الحادة تهديد يرعبه.
********
ابتلاع الدموع عند الضعف والكسرة .. كأبتلاع الشوك .
شيء أخفته وداد في أساس موافقتها للمجيء لبيت العائلة الكبير .... حيث نشأ رجل قلبها الوحيد .... حيث أتى وجاء وغادر وعاد ومر من هنا ! ... الحوائط تبدو شاهد صامت على ذكرياته .... كم ودت لو تتحدث وتخبرها قليلًا عنه ... عل شوقها إليه يخمد ولو قليلًا ....
تذكرت أول مرة شاهدته في بلدتها الريفية .... كانت ذاهبة لزيارة صديقةً لها ... حيث كان هو ترجل من القطار وينظر يمينا ويسارًا مستوضحا الطريق وهو واقفا بقرب المحطة ....
كان بهي الطلة بملامح مُلفته خاطفة للعين ، كأنه خرج من أجمل الحكايات العاطفية..
خطف قلبها من أول نظرة وتعجبت من تحديقه بها لفترة تعدت الخمس دقائق ....
مرت من طريق المحطة أخيرًا بعد زحام من العائدين سفرا ، وابتعدت عنه على استحياء ... كان يتبعها بنظراته باهتمام شديد ، وكيف دخل بقلبها تلك الموجة العاصفة من المشاعر حتى بدون كلمة واحدة أو موقف طويل يبرر مشاعرها هذه ! ...
ظلت طوال الطريق عابسة ، كأن أحدًا سرق من قلبها بعض النبض والحياة .... أو كأنها فارقت حبيب أحبته لسنواتٍ ....
ودخلت بيت صديقتها وبدا عليها بعض الحزن .... فسألتها صديقتها قائلة وهي جالسة بأحدى الغرف:
_ مالك يابت وشك مقلوب كده ليه ؟!
ابتلعت وداد ريقها وتظاهرت بضحكة لم تصل لعينيها وقالت :
_ ما لازم ازعل ... أنتِ مش قولتي لما تولدي وتجيبي بت هتسميها على اسمي ؟! .... اومال سمتيها بهية ليه ؟!
ضحكت صديقتها بصوتٍ مرتفع وهي تحمل صغيرتها التي وضعتها منذ أيام وقالت :
_ توفيق ياستي صمم يسميها على اسم حماتي ... تتعوض في اللي جاي بقى ....
ثم انتبها لصوتِ يصدر من صالة المنزل الصغير ، فقالت :
_ توفيق شكله معاه حد ... أستني أما أقوم وأشوف مين ... سمي بقا وخلي بهية معاكِ على ما أرجع.
حملت وداد الصغيرة على ذراعيها وتبسمت بوجهها في حنان ، بينما صديقتها كانت تبحث عن رداء محتشم فضفاض بالخزانة ترقبا لوجود أي غريب ..... هتف توفيق من الخارج وهو يطلب من نساء المنزل بإحضار طعام الغداء .... فقالت صديقة وداد بغيظ :
_ معلش يا وداد اديله البت وقوليله هنحضر الغدا .... هتعبك معايا معلش ....
خرجت وداد من الغرفة ووقفت عند مدخل الصالة حتى تسمرت مكانها وهي ترى ذاك الغريب يحدق فيها بذهول .... دق قلبها بعنف وتلعثمت وهي تقول لزوج صديقتها :
_ هنحضر الغدا .... خد بهية عشان ما تفضلش لوحدها.
أتى توفيق إليها مبتسما وحمل طفلته وهو يضحك .... بينما صديقه مصطفى قد شحب وجه من الصدمة ... تلك الفتاة الريفية التي خطفت قلبه منذ أول نظرة كانت زوجة صديقه ! ... لم يرها جيدًا أثناء الزفاف!
حمد لله أنه لم يتسرع ويسأله عنها حتى يجدها .....
أسرعت وداد للداخل وهي تبتسم بسعادة ، فلاحظت صديقتها ذلك وتعجبت ...ثم قالت :
_ في إيه ؟!
لم تخفي وداد عن صديقتها شيء ، ريثما أن من الممكن فهم ابتسامتها خطأ وتؤول ذلك إلى توفيق .... فابتسمت صديقتها بمكر وقالت :
_ استني هطلع اسلم عليهم كده وأشوف اللي وقعك كده !
عارضتها وداد ولكن الأخرى صممت ..... وتقدمت بإلقاء السلام وقالت لزوجها مبررة:
_ خلي البت معاك لحد ما اخلص ولو عيطت قولي ...
تعجب مصطفى من الأمر ، حتى أنقذه توفيق وقال بضحكة :
_ يا أخي الواحد كان مرتاح وباله رايق ...ادي الجواز اللي كنت هموت عليه !! ...
رمى مصطفى مزحة ولكنه قصدها :
_ أنت اتجوزت اتنين من ورايا ولا إيه ؟! ... اومال عزمتني في فرح واحد ليه ؟!
تفاجأ توفيق من قوله وقال :
_ أتنين إيه يا جدع هو أنا قادر على واحدة ؟! ...
وتابع بضحكة عندما تذكر صديقة زوجته :
_ تقصد اللي طلعت الأول ؟! ... دي صاحبة مراتي .... أنما اللي بتشخط التانية دي تبقى مراتي ...واضحة يعني ...
وارفق قوله الاخير بضحكة وشاركه فيها مصطفى بسعادة حقيقية ..... وقال فجأة :
_ هي مخطوبة ؟
رمقه توفيق بمكر وأجاب :
_ لأ .... وبنت أصول ومحترمة ، ولو نويت هروح اخطبهالك بنفسي .
ابتسم مصطفى بفرحة وقال :
_ يبقى حضر نفسك ..
دهش توفيق من استعجاله بالأمر وقال :
_ القرار في ثانية كده اتاخد ؟! ...ده انا كنت بتحايل عليك عشان تكمل نص دينك ونفرح فيك وكنت رافض! ....
قال مصطفى بابتسامة دافئة :
_ شوفتها أول لما نزلت من المحطة .... معرفتش أنزل عيني من عليها ، ولما بعدت عن عيني ومشيت حسيت أني كنت أعرفها من سنين ووحشاني .... ما هو في احساس كده مش بتقابله مرتين ! .
اتسعت عين زوجة توفيق وهي تسمع حديثهم من الداخل ، وركضت لصديقتها وداد التي بدأت في إعداد الطعام بالمطبخ ...وقالت وهي تغمز لها بمكر :
_ ده طلب إيدك ؟! ....
حملقت وداد فيها بصدمة ....
وعادت وداد بذكرياتها وهي بغرفة مصطفى زوجها الراحل ... عادت من تلك الأيام الأجمل بعمرها باكية بلوعة وقهر على فراقه .... تعثر زواجهما ببادئ الأمر بسبب رفض والد زوجها ...ولكن بالنهاية تزوجته وقضت معه أجمل سنوات عمرها ....
كان عطوفا متفهما محبًا لها لأقصى حد ، لم تتذكر له أنه ابكاها يوما ظلما أو قسوة ..... رغم أن حكم على زواجهما بالفشل بسبب فارق الطبقات والفوارق الاجتماعية .... ولكن على عكس جميع التوقعات كان نموذج ناجح اجتمعا على الألفة والمحبة والرحمة.
ضمت وداد صورته لقلبها وظلت تبك بحسرة وافتقاد ووحشة من رحيله ....
ومنذ ذلك اليوم وهي فقدت النهوض على قدميها .... ورددت اسمه بإشتياق ... ولكنه لم يطرق صوته إلا بقلبها ... فهو حي هناك فقط .
*****
ارجوحة بالحديقة .... تهتز بين الأشجار ... وضوء النهار قرر المغادرة ببطء..
جلست عليها سما وشاركتها رضوى في صمتٍ مطبق بينهما .... حتى قالت سما بألم واضح بنبرتها :
_ خايفة يفتكروا أننا جينا عشانهم !
ابتسمت رضوى بمرارة وعذاب يلتمع بعينيها :
_ طب ما هي دي الحقيقة !
التفتت لها سما بدهشة ... ثم اعترضت :
_ يمكن جزء منها ، بس مش كلها ، أنا مجيتش هنا عشان حد ، أنا جيت عشان حاجة أهم منه ومن أي حد ... جيت اكمل تعليمي ، هدخل جامعة مفتوحة وأذاكر وانجح ... هخليه يعرف أني مش غبية ولا جاهلة....واستاهل الأحسن منه كمان.
نظرت لها رضوى ببعض السخرية وبداخلها ألم ...وقالت :
_ برضو النتيجة بتروحله .... اثبات أو تحدي مش فارقة ، أحنا حبيناهم يا سما ... وهي دي الكارثة .
وقفت سما بعصبية وهتفت بها:
_ لا مش كارثة ، مش نهاية العالم لما حكاية تفشل ... بس هتكون نهايتك لما توقفي عندها وماتتحركيش ... حتى لو جيت هنا عشانه ..فجيت أقفل صفحته وأنا قوية ، عشان لما اقفلها ما افتحهاش تاني ...
قالت رضوى بتفس صيغة اليأس بصوتها :
_ اللي يشوفنا يقول أنهم عشمونا ووعدونا ! ... أحنا اللي وهمنا نفسنا ، وبنكمل الوهم للأسف بمجيتنا هنا ...
قالت سما بحدة :
_ اللي أعرفه أنهم مشيوا عشان محدش فيهم موافق يتجوز واحد فينا .... شايفنا أقل منهم ودي حاجة كفاية تخليني أثبت العكس ... مش ليه .. لنفسي ، لو فضلتي بالحالة اللي أنتي فيها دي يبقى مجيتك هنا خسارة كبيرة ليكِ .... أنا عن نفسي جاية وناوية أبقى واحدة تانية ... أقوى وانجح.
صمتت رضوى بحزن يفيض بعينيها حتى يأست منها سما وابتعدت لتدخل المنزل .... حتى وجدت آسر يقف بسيارته قبالتها من مدخل البواية بجانب الحديقة .... تجمدت للحظات وكأنها غفلت عن ما قالته منذ قليل ... ونظرت له بنظرات عاتبة .... حتى ترجل آسر من السيارة وأغلق باب سيارته ...وكاد أن بتقدم خطوة حتى توقف مدهوشا .... خلع نظارته الشمسية السوداء وحدق فيها بذهول وهو يتفوه باسمها ....
ابتلعت سما ريقها بنظرة عميقة له، ودخلت المنزل في خطوات سريعة أشبه بالركض ....
ولكنه ركض خلفها كي يصدق أنها هنا بالفعل ....صعدت سما أول الخطوات للطابق الثاني وقد نست تمامًا أين توجد غرفتها .... فهتف آسر بقوة وهو يسرع خلفها :
_ سما ...؟؟!!
توقفت وقلبها يدق بقوة ، ولكنها تذكرت تصميمها وتوعدها لنفسها ... فاستدارت بملامح جامدة كأنها أصبحت تمثال لا روح فيه ... اقترب منها آسر برفة ابتسامة تطوف على ملامحه :
_ أنتِ هنا بجد ؟! .... أزاي ؟!
تنهدت بقوة قبل أن تجيبه ثم قالت بجفاء:
_ اللي حصل ! ... في اعتراض ؟!
لاحظ جفاء إجابتها فقال مجيبًا بابتسامة :
_ لا مافيش اعتراض ....
ابتسامته حيرتها ، كيف يكون الشيء ونقيضه هكذا ! ... أم أنه يتلاعب ؟! .... فتابع بتلك الابتسامة :
_ أظن مالهاش لزوم التكشيرة دي ، أحنا دلوقتي في بيت واحد .
ضيقت عينيها عليه وكانت جملتها نابعة من مكر نظراته وابتسامته الخبيثة .... فقال مصححا بضحكة :
_ اقصد يعني أحنا عيلة واحدة ... مش معقول هنتكلم كده وكل يوم هشوفك تقريبًا .... مش إقامة برضو ؟
استفزها استسهال ما فعله بطريقة حديثه ، فأجابت بعصبية :
_ جدي اللي صمم يجبنا أحنا مكناش عايزين نيجي ، ولو كنت هقعد هنا فده مش معناه أننا هنتكلم عادي كده .... كل واحد يلزم حدوده ... أنت غريب وهتفضل غريب.
ضيق عينيه عليها بغيظ وقال بحدة :
_ اوك ... كده احسن ...
رمته بنظرة نارية من الانفعال واستدارت لتصعد ، فسألها بتعجب :
_ هو جدي خلى أوضتك فوق ؟! ...
تذكرت سما الأمر وصرّت على أسنانها بعصبية من نفسها ... فهبطت مرة أخرى واسرعت لغرفتها بالطابق الأرضي .... راقبها آسر بابتسامة تتسع .... وصعد الخطوات إلى غرفته والابتسامة تشرق على ثغره أكثر ...وقد تبدل حاله بين لحظة برؤيتها هنا ...!
بينما التزمت سما بغرفتها بدموع من خفق قلبها له بعدما فعل ....
******
كانت حميدة تعد حلوى قليلة السكر للجد ، مثلما وعدته منذ قليل وانتظرها منها .... قالت حميدة لأحدى الخادمات بالمطبخ :
_ قربت اخلص الحمد لله ...
قالت الخادمة وهي تنظر للفرن الكهربائي التي وضعت به حميدة الحلوى منذ وقت:
_ ريحة الكيكة مالية المطبخ ... تسلم ايدك .
ابتسمت حميدة لها ابتسامة خفيفة ، حتى قالت الخادمة :
_ طب هروح أنا بقى اخلص شغلي .. محتاجة حاجة مني ؟
قالت حميدة :
_ لأ ... روحي .
غادرت الخادمة المطبخ ، ثم نظرت حميدة للفرن بشرود وتذكرت يوسف التي لم تره حتى الآن .... فكيف ستكون أمامه من ثبات وهي بتلك اللهفة ؟!
دخل يوسف من باب المنزل وكاد أن يصعد لغرفته وقد أشتد على وجهه العبوس والضيق .... ولم ينتبه لرضوى وهو يدخل ؤيثما أن رضوى تختبأ بداخل الحديقة ....
اشتم رائحة حلوى شهية جدًا فابتلع ريقه بلهفة تذوقها ...وقال لنفسه بسخط :
_ زعلان بتاكل فرحان بتاكل ؟!... أنا زهقت مني !
ورغمًا عنه توجه اتجاه المطبخ وهو يشتم مصدر الرائحة الشهية بأنفاس مسموعة .... حتى دخل المطبخ ووجد فتاة تواليه ظهرها وتخرج شيء من الفرن الكهربائي ...
فتساءل بعفوية :
_ بتعملوا كيكة ؟! .... عايز حته
اتسعت عين حميدة على أخرهما ووقعت صينية الحلوى من يدها على الأرض من رعشة يدها .... تقدم لها باعتذار وقال :
_ أس....
لم يكد يكمل كلمته حتى استدارت حميدة بوجه شاحب من الارتباك وللتوتر ....فحملق يوسف فاغرا فاه وهو ينظر لها بصدمة ...... ثم قال بذهول :
_ حميدة !
نظرت له بدموع كتمتها بالكاد وهتفت :
_ آه هي ...
نظر لها لثوان ثم ابتسم ، واتسعت ابتسامته ببلاهة ، ثم عبس وقال بدهشة :
_ أنا مش بتخيل وأنتِ بحق وحقيق صح ؟ ...
مظهره مضحك لدرجة جعلتها تخفي ابتسامة ...وقالت بحدة :
_ إيه صعب أوي أنك تصدق ؟! .... جدي جابنا هنا أنا وأخواتي ... وهنقعد هنا ...
اتسعت عين يوسف بسعادة كأنه وجد كنز نادر حتى هتف :
_ احلفي .. ؟! لحظة كده ......جــــــــــــــــــــــدى ...
وركض من المطبخ وهو يصيح ويصعد الدرج في جنون اتجاه غرفة جده .... كتمت حميدة ابتسامة أخرى وقالت :
_ اتجنن من الصدمة !
هجم يوسف على غرفة جده الذي يرتشف مشروبه على الفراش ... فتفاجأ الجد بريبة منه وقلل :
_ خضتني ياأبن الهبلة ! ... جالك صرع ولا إيه ؟! سلامتك يا كتكوت .
ابتسم يوسف بمكر وهو يتوجه له ببطء وقال :
_ أنت هتخلي بنات عمي هنا على طول صح؟ .... اقسم بالله لجوزك .... حبيبي يا ابو الرشد يا لئيم.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني_والثلاثون_ج٢
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... النظرة الثانية ...~
ضحك الجد من مزاح حفيده يوسف الذي يبدو عليه سعادة حقيقية خالصة... فقال الجد بمكر :
_ للدرجة دي مبسوط؟!
هز يوسف رأسه بتأكيد وقال بغمزة خبيثة :
_ ده بالنسبالي حلم واتحقق ، كده هصالح حميدة وهراضيها ... لو مكنش النهاردة يبقى بكرة ، ولو مش بكرة هيكون في أقرب وقت ، أنا كنت محتار مش عارف أعمل إيه.
تساءل الجد بحيرة :
_ طب ليه رجعت معاهم وسمعت كلامهم ؟! ... أنا عارف أنك مش بتفكر زيهم واتصدمت فيك !.
أطبق يوسف شفتيه بضيق للحظة ثم قال :
_ رعد كان هيمشي من هنا لو مكناش رجعنا معاه كلنا ، رعد كان فاضله خطوة ويخطب رضوى ...
تفاجأ الجد بالأمر فتابع يوسف موضحا :
_ دي الحقيقة ... بس أنت عارف رعد يا جدي ، لما بيتجبر على شيء بيكرهه ... وده اللي حصل ، لما اكتشف أنك كنت ورا سفرنا مع القافلة عشان نشوف البنات اتجنن واتمرد ...
فكر الجد لبعض الوقت ، هل كان مخطئ أو على صواب فيما فعله ولم يضع في احتماله تفكيرهم ومشاعرهم ! ... فقال متساءلًا :
_ طب وجاسر وآسر .... موقفهم إيه ؟!
رد عليه يوسف وهو ينهض ويضع يديه بجيوب بنطاله الجينز :
_ جاسر مش فاهم موقفه ... هو معجب بجميلة ولافته نظره جامد ... بس في نفس الوقت مش في باله الارتباط والخطوبة وسيرة الجواز بتعصبه ... آسر بقى عنيد وغشيم احياناً ... يعني باله مشغول ومعجب بسما وكل حاجة ...أنما عند موضوع الخطوبة وبلاقيه بيتراجع وبيرفض !
بس هو مش زي جاسر ... هو عنده عقدة الرفض ، خايف يتقدم ترفضه ... خصوصا أن سما بنت عمي جد زيادة أوي ... ومش بسهولة يبان عليها أي حاجة حتى لو معجبة بيه ... وهو مستني منها إشارة... وندور في نفس الدايرة !...
توقف يوسف عن التوضيح وسأل جده :
_ أنت جبتهم هنا عشان تتمم موضوع الجواز صح ؟ ... ولا صرفت نظر ؟
ابتسم الجد بمكر وعاد يرتشف من كوب مشروبه الدافئ ، ثم قال :
_ بنات أبني وجبتهم يعيشوا معايا .... إيه غريبة للدرجادي ؟!
قطب يوسف حاجبيه وأجاب :
_ لأ مش غريبة .... بس احساسي بيقولي أن مش دي كل الحكاية ! ...
نظر الجد ليوسف وقال بصدق :
_ جبتهم هنا لأن ده حقهم والمفروض كان يحصل ده من زمان ، أنما بالنسبة لموضوع الجواز فهسيبه ... أعتبرني صرفت نظر ، اللي يهمني أنهم يكونوا مبسوطين ... سواء معاكم أو مع غيركم .
قال يوسف بعصبية وقد شعر بالخذلان:
_ أنا اعترفتلك باللي حصل يا جدي وكنت مجبور واتظلمت... افتكرت إنك هتوقف جانبي وهتكلمها عشان تصدقني !
تنهد الجد بقوة ثم قال ليوسف بحكمة :
_ في أوقات لو استسلمت فيها قصاد الظروف هتخسر حاجات كتير .... أنا ممكن اكلمها عادي جدًا وأحاول اقنعها ...في احسن الأحوال هتوافق ... بس وهي مش واثقة فيك برضو. ... ما تخليش أي حد يتدخل واثبتلها بنفسك ولوحدك أنك شاريها.... عشان تبدأ معاها صح ....
وتابع ببعض الندم :
_ تعرف ... لأول مرة أعترف أني ندمان على إجباركم في حاجات كتير ... كنت خايف عليكم من الفشل اللي واجهته ، كنت عايزكم تتعلموا وتأخدوا أعلى الشهادات عشان محدش فيكم يتوه زي ما تهت أنا بعد موت أبويا .... وعشان أسوأ لحظة ممكن انسان يعيشها وهي أنه بعد طريق طويل وسنين كتير من عمره ... يندم أنه ما تعبش ولا اجتهد ولا اتعلم كفاية عشان يبقى زي اللي حواليه مش أقل منهم ... الاحساس ده هيخليك تحس بالنقص طول ما أنت عايش.
هز يوسف رأسه بيأس فقد اعتقد أن الامور ستسير ايسر من ذلك وقال :
_ عندك حق .... أنا اتظلمت في اللي حصل ، بس هحاول اقنعها بكل الطرق.
*******
بعدما أخذت حميدة صينية الحلوى التي لم تنفرط على الأرض وكانت متماسكة ، بدأت تزينها بمعجون الشيكولاته وشرائح الفاكهة الطازجة .... وجاهدت لكي تبعده عن فكرها وخواطرها وتقوى أكثر من ذلك ....
حتى انتبهت لخطوات من خلفها تقترب .... تركت ما بيدها واستدارت ، حتى وجدت يوسف مبتسما ابتسامة رقيقة ويبدو كأنه طفل سيربح أكبر قطعة من الحلوى .... وقال بمشاكسة :
_ الكيكة دي شكلها لذيذ جدًا ....
واقترب حتى أخذه قطعة ووضعها بفمه متذوقا ونظراته متسللة إليها بابتسامة ، ثبتت حميدة عينيها جامدة ناظرة بعيدًا عنه ، لو نظرت له ستبتسم رغمًا عنها من تصرفاته الطفولية .... هكذا اعتادت منه .. فمدح مذاق الحلوى بشدة :
_ الذ كيكة كلتها في حياتي ، زي ما تكوني عملهالي مخصوص !
اختبر بمكر ردة فعلها ، فنظرت له حميدة بعصبية وقالت :
_ مكنتش عملهالك ! ، دي لجدي .... ومتكلمنيش بالطريقة دي تاني !!
تركته وتقدمت لتخرج من المطبخ ، فأوقفها بصوتٍ متلهف وقال :
_ حميدة .... قبل ما أدافع عن نفسي وأقول أي حاجة .....عايز أقولك أنك لو ما جتيش أنتِ هنا ، كنت هسافرلك البلد النهاردة .... عشان اتقدملك .
برقت حميدة عينيها بصدمة ، فبعد ما حدث كان هذا آخر شيء ممكن أن تتوقعه منه .... فمضى يوسف إليها ووقف أمامها مبتسما بسعادة حقيقية لوجودها هنا :
_ والله العظيم دي الحقيقة ، رعد كان غضبان من قرار جدي وصمم كلنا نرجع معاه وإلا هيسيب البيت ويبعد عننا كلنا ، كنت مضطر ومكنش في وقت أفهمك حاجة ...
نظرت له بدموع وقالت :
_ وإيه اللي اتغير دلوقتي ؟! .... ولا أنت بتضحك عليا ؟!
هز رأسه بنفي وتأكيد :
_ اسألي جدي مين اللي قاله أن رعد قرر يسافر ولازم يجي البلد بأسرع وقت ، أنا اتحطيت في موقف مكنش ينفع اعترض فيه ....سافرت غصب عني عشان رعد ما يسبش البيت هنا ويمشي ، أنما كنت راجعلك وده مكنش فيه أي شك .... أنتِ ما تعرفيش غلاوتك عندي يا بتاعت الفطير.
اتسعت ابتسامته لها...فتسحبت ابتسامة على شفتيها سرعان ما أخفتها مجددًا، وقالت متظاهرة بالحدة :
_ برضو مالكش دعوة بيا ... وخليك في حالك.
قال يوسف بمرح وبعض المكر:
_ لأ ما أنا قررت أنك أنتِ هتبقي حالي وأم عيالي ... أن شاء الله ... قولي أن شاء الله بقا.
اخفت حميدة تمتمتها ولكن يوسف قد لاحظ، وضحك عليها بصوتٍ عالي ... اغتاظت منه وعادت لتأخذ طبق الحلوى للجد .... وأشارت له ليفسح لها الطريق :
_ وسع كده خليني أعدي.
أفسح يوسف لها للطريق مبتسما وكان الابتسامة حفرت على وجنتيه منذ وقعت عينيه عليها هنا.
******
في المشفى ....
دخل وجيه مكتبه برادئه الطبي الأبيض ، وبدا عليه بعض الارهاق من زحام العمل والمرضى .... خلع معطفه الطبي تزامنًا مع دخول أحدى الممرضات ... وقالت له :
_ ليلى فاقت من نص ساعة يا دكتور وهي عند والدها دلوقتي بتطمن عليه.
وضع وجيه معطفه الطبي على المشجب ورد عليه وهو ينظر لساعة معصمه :
_ تمام ... هي عرفت الخطأ اللي حصل ؟
اجابت الممرضة بإرتياح :
_ آه ... اعتذرتلها وهي قبلت أعتذاري الحمد لله ...
تنفس وجيه الصعداء ثم قال :
_ خلاص ... ارجعي أنتِ لشغلك وركزي عشان مش هقبل الغلط ده مرة تانية ..
اعتذرت الممرضة مرة أخرى وذهبت من أمامه ... فخرج بعدها وجيه من مكتبه متوجها لغرفة العناية المتواجد فيها والد ليلى ....
وبعد دقائق فتح باب تلك الغرفة فوجد ليلى تحضن يد ابيها وتقبلها بدموع هادئة مطمئنة وابتسامة .... رقت عينيه عليها ومضى إليها بهدوء ... ثم قال بنظرة دافئة :
_ والدك بخير وبيتحسن ... مالهاش داعي الدموع يا ليلى.
ابتلعت ليلى ريقها وقالت وعينيها مصوبة اتجاه والدها بمحبة شديدة :
_ أنا بعيط من فرحتي .... أنه بخير ولسه جانبي ، أنا راضية حتى لو فضل كده ... بس يفضل معايا.
قال وجيه مفاجئته :
_ تعرفي إيه أكتر حاجة ممكن تحسن حالته أكتر .... نتجوز.
ورغم أن هذا الأمر ليس مفاجأة لها بالمعنى الواضح ، ولكن هناك شيء جعلها تنتفض واقفة أمامه باعتراض :
_ لأ ...
ضيق وجيه عينيه عليها بتعجب وقال:
_ رفضك المرادي مالهوش مبرر ! ... والدك وكان موافق عليا وأنا متأكد أنه لو يقدر يتكلم دلوقتي هيقولك وافقي ... وجدك مستني اللحظة اللي تقولي فيها موافقة ... واكيد مش محتاج أقولك ريميه هتفرح أزاي ...وطليقك وأنتهي أمره للأبد..
إيه سببك للرفض المرادي ؟!
سقطت دموع ليلى أكثر وبعينيها موجات من العذاب ... ثم قالت :
_ مش عارفة .. بس حاسة أني مستعدة دلوقتي للجواز ، حالتي النفسية مش ....
قطع وجيه حديثها بعصبية وقال :
_ هتضيعي أكتر من السنين اللي فاتت إيه ؟! ... محتاجة كام سنة كمان عشان توافقي وتبطلي خوف ؟! ... أنا المرادي مش هسيبلك الفرصة تقرري ...
قالت بدهشة :
_ يعني هتتجوزني غصب عني ؟!
نظر لها لثوان ثم قال بتصميم :
_ لو عندي شك ولو قليل أنك مش هتكوني سعيدة كنت اتراجعت ، أنما أنتِ بتبعدي لشيء غامض ومش مفهوم .... أنتِ عايزة توافقي بس في حاجة منعاكِ .... أنا متأكد أن تفكيري صح ؟
هربت ليلى بعينيها في نظرة معذبة حائرة ... فقال وجيه مشيرًا لها بتأكيد :
_ دلوقتي اتأكدت أكتر .... عشان كده مش هستناكِ تقرري ، وجوازنا هيتم في خلال أيام ... وده قرار نهائي .
اغمضت عينيه كي تمنع الخوف الواضح فيهما ، ثم نظرت لها وغيرت مجرى الحديث قائلة :
_ بنتي معاك ... عايزة أشوفها.
رد عليها محاولًا الهدوء من أستفزازها له :
_ ريميه مع أهلي في البيت أطمني عليها ... هي بس محتاجة تهدأ قبل ما تشوفيها .... أنا مقدر أنها حاجة صعبة عليكِ ، بس نفسية البنت تقريبًا مدمرة ... أصبري بس يوم أو يومين وهجيبهالك.
لم يحب أن يخبرها مباشرةً أن الصغيرة تصرخ وتخاف عندما تراها ... ف ليلى لم تستطع حمايتها بذلك اليوم ...
وافقت ليلى بألم على أقتراحه ، فقد اكتشفت مدى خوف أبنتها سابقًا .... أضاف وجيه برفق :
_ في يوم هتعرفي أني كان لازم أجبرك على الخطوة دي ... وأني لو ما عملتش كده يبقى مكنتش بحبك ....
كأنه قرأ أفكارها وهي تتألم ، وإنها بحاجة أن يسرقها عنوة من ضعفها وخوفها .... هي بحاجة إليه ولكن يديها مقيدتان بالماضي ولم تستطع أن تبسطهما كي يتشبث بهما ويلتقيا.
******
في قسم الأشعة المقطعية بالمشفى ..
مضى أمجد من الممر المؤدي للقسم حتى وجد مساحة تخص الموظفة المسؤولة عن تحضير أوراق المرضى وتنظيم الدخول وترتيب مواعيد الحجز....
وجد فرحة تضع رأسها على المرتفع الرخامي أمامها وتخفي وجهها .. فقال لها :
_ مساء الخير.
رفعت فرحة رأسها بلفتة سريعة ، وتفاجأ أمجد أنها كانت تبكِ وعينيها متورمتان من البكاء ... فقال بعبوس :
_ شكلك معيطة أوي ليه كده ؟! ده أنا جاي أطمنك !
ابتسمت فرحة وكأنها وجدت قارب النجاة برؤيته وقالت :
_ طمني ارجوك ...
رفق أمجد بحالها وقال البُشرى:
_ أخوكِ بدأ يفوق وحالته اتحسنت عن امبارح كتير ... استنيتك تيجي الصبح بس ماجتيش ! ...
قالت فرحة وهي تمسح عينيها من الدموع:
_ اتحايلت على الدكتور استأذن ربع ساعة بس.. لكن مرضيش ، وكمان زميلتي غايبة النهاردة ومافيش غيري ... كنت مستنية ميعاد البريك وأروح أشوفه... خلاص فاضل ١٠دقايق مستنياهم يخلصوا.
عطف أمجد على حالها وقال برقة :
_ طب كويس أني جيتلك ... على الأقل اطمنتي عليه لحد ما تقدري تشوفيه ، وعلى فكرة أنا وصيت الممرضات هناك عليكِ ، يعني لما تروحي تشوفيه محدش هيمنعك.
ابتسمت فرحة له وبدا يظهر على وجهها الأحمرار والحياء .... فقال أمجد متعجبًا من نظراتها له التي تثير فيه شيء :
_ طب أمشي أنا بقا عشان ما أعطلكيش عن شغلك.
أوقفته فرحة وخرجت من خلف المرتفع الرخامي ، ثم وقفت أمامه بنظرة امتنان وشكر قائلة :
_ أنا مش عارفة أقولك إيه ولا أشكرك أزاي .... أنا فعلًا كنت محتاجة أطمن ومش عارفة اعمل إيه.
ارتبك أمجد بعض الشيء ورفع نظارته على أنفه وضبطها سريعا ، ثم تحدث وعينيه تتهرب منها :
_ مالوش داعي الشكر ... أنا ما عملتش حاجة.
ران صمت بينهما للحظات مع تصاعد خجل كلًا منهما ، وأكثر ما لفت أنتباه فرحة به تلك اللمحة الخجولة بشخصيته .... أتى بتلك اللحظة آخر شخص كانت تريد فرحة رؤيته .... لينظر زايد إليهما بشيء من السوط والعصبية ...وقال بحدة :
_ أستنيتك في العناية لكنك ماجتيش فجيتلك أنا.... على فكرة أخوكِ فاق ....
نظر أمجد له بنظرة ثابته وقابله الآخر بتحد واضح غير مبرر ، وتنقلت عين فرحة بينهما ... وقالت لزايد برسمية :
_ آه عرفت ... ومكنش في داعي تجيلي لأني قولتلك بلاش الطريقة دي معايا ... بعد أذنك.
أخذت فرحة حقيبتها وكادت أن تبتعد ...فقال أمجد وهو يتقدم ليسير معها :
_ هاجي معاكِ .
سارت فرحة معه بالممر وهي تخفي ابتسامتها ... وتركت زايد واقفا يتطاير من عينيه....
فقال لها أمجد بابتسامة وهما يمضيان بالممر بعدما ابتعدوا قليلًا متعجبًا :
_ بتضحكي ليه ؟!
تلعثمت وارتبكت ...ثم قالت وهي تخفي ابتسامتها :
_أصل يعني .... مبسوطة أن أخويا بخير الحمد لله ...
قال متفهما :
_ طالما كده خدي راحتك.
تخضب وجه فرحة بالأحمرار والحياء .... وتعجب أمجد من نفسه ، ... لما كل هذا الأهتمام بها ؟! ... وتبدلت ابتسامته لحزن كان يخفيه ... يبدو أنه يبحث عن أي شيء يسرقه من حزنه على فراق حبيبته التي تزوجت بغيره.
*******
فتحت حميدة باب غرفة جدها وقدمت له الحلوى الشهية .... وظهر على وجهها أسئلة كثيرة تتردد في طرحها .... فنظر لها الجد بنظرة كشفت أفكارها وقال :
_ أقعدي جانبي نتكلم شوية يا حميدة ..
جلست حميدة وحاولت أن تبدو طبيعية ، فتساءل الجد بمكر :
_ اكيد يوسف كلمك ... ودافع عن نفسه ، أنا عارفه وعارف أنه مش هيستنى وهيكلمك.
قالت حميدة وظهر على وجهها الحيرة والضيق ... فقالت بصدق :
_ آه كلمني ... شكله صادق ، بس خايفة أصدقه.
ابتسم الجد بمحبة وقال :
_ يوسف هو السبب أني كنت عندكم في البلد امبارح ، لما حس أنهم ناويين يرجعوا القاهرة بعتلي رسالة عشان أجي الحقهم ... وده معناه أنه مكنش عايز يسافر ويمشي.
التمع عين حميدة بالدموع فربت جدها على يدها بحنان وقال :
_ بيحبك وهيموت عليكِ ومظلوم في اللي حصل ... بس أنا بقا عايزك تجننيه ، مش عايزك تقوليله أني كلمتك ، ولا تحسسيه أنك مصدقاه دلوقتي خالص ...واتقلي عليه على اد ما تقدري .... خليه يهد الدنيا عشانك قبل ما ياخدك...
نظرت حميبدة لجدها بلستغراب فأوضح الجد مبتسما بخبث:
_ مستغربة من كلامي صح ؟ ...هو بيحبك وشاركي بس هيحبك أكتر لو تقلتي عليه ... وده اللي أنا عايزه ، أنا عارفهم وحافظهم ، وكلامنا ده مايطلعش لأي مخلوق.... ماشي ؟
هزت حميدة رأسها بابتسامة وقالت :
_ حاضر ...
ربت الجد على رأسها بابتسامة وحنان ثم قال بمرح :
_ تعالي بقا ناخد الكيكة دي وننزل وناكلها بعد العشا .... قولي للبنات يحضروا نفسهم عشان هنتعشا كلنا سوا .... وهبعت للشباب يجوا ...
نظرت حميدة لجدها للحظة ثم ضحكت وهي تمسح عينيها من الدموع وقالت :
_ أنت عايزها حرب بقا يا جدي ... !
غمز لها الجد وقال بمكر :
_ حرب باردة .... اللي هيحارب فيها مش انتوا خالص .... خلينا نشوف هيحصل إيه ... ولسه اللي جاي مش هيخطر على بالهم ...
قالت حميدة بضحكة :
_ ناويلنا على إيه يا جدي ؟!
استند الجد على يدها وهو ينهض ثم قال :
_ هخليكم هوانم .... أميرات ، برنسيسات ...
تساءلت حميدة بحماس:
_ طب وهما هتعمل فيهم إيه ؟!
وضع الجد يده في جيوب روبه الطويل وقال بابتسامة خبيثة:
_ بودي جارد .... هلففهم وراكوا زي الحلزون كده ..
انخرطت حميدة بموجة من الضحك مع تعابير وجه جدها المرحة ....
ونهضت وهي تأخذ يده بيدها ... فقال الجد بنظرة محبة لها :
_ بس تعرفي ... الواد يوسف هيصعب عليا شوية ، ده غلبان مالهوش في حاجة.
حاولت حميدة أن تكتم ضحكتها ولم تستطع .... فقال لها الجد بهمس :
_ أضحكي بس بشويــــــش.
هزت حميدة رأسها بإطاعة ، ولكنها تعرف أنها لم تصمد وخصوصا أمام جدها ....
********
وأتى المساء ببعض البرودة.... وذهبت الشمس بوداع مؤقت حتى صباحٍ قريب.....
وظلت رضوى تتجول بالحديقة تائهة شاردة....
حتى لمحت رعد يترجل من سيارته ويدخل من البوابة الحديدية الكبيرة.... فارتجفت وتخشب جسدها عن الحركة....
ثم ركضت و اختبأت خلف شجرة قريبة وهي تلهث من التوتر والارتباك... ظنت أنها كرهته بعدما فعله، وأنها ستكن اقوى من ذلك... ولكن بمجرد أن لمحته من بعيد ارتجفت وانفرطت مقاومتها هباءً.... كأن ما فعله لا يُعد المه أكثر من نظرة قاسية!
كان قد لاحظ ظل يهتز قليلًا من خلف شجرة الكافور.... فضيق عينيه وتوجه بحذر... ولكنها عندما انتبت لظل جسده يقترب انتفضت خوفا وركضت غير مكترثة أن يرها....
ولكنه لحقها وسد عليها الطريق.... حتى ثبتت عينيه عليها في شوقٍ معترف ولهفة واضحة... وهمس كأنه لا يصدق أنها أمامه:
_ رضوى
ازدردت رضوى ريقها بصعوبة، كأن ما تحاول أن تبتلعه هو ضعفها وميلها إليه... حاولت أن تتهرب بعينيها كي لا تنظر له... ولكنه ردد اسمها بأكثر رقة كأنه أراد النيل من مقاومتها هذه وجعلها مثل السابق...
التمعت عينيها بدموع تمنت لو تبقى مكانها ولا تفضح تأثرها بوجوده.... فتطلع بها رعد بنظرة فيها عاصفة من الاشتياق المتواري.... وقال بصوتٍ خافت:
_ مش هتصدقيني.... بس كنت حاسس أني هرجع الاقيكي هنا !!
رفعت رضوى رأسها ونظرت له بنظرة ضيقة كأنها تسخر من قوله، وامتلأت نظراتها بالألم والمرارة بعد ذلك، فهم رعد مرادف حديثها الصامت....
فأخذ نفسا عميقا بضيقٍ شديد من نفسه، ومن تلك الضبابية التي عكرت شيء جميل بينهما.... وهمس لها:
_ حطيت احتمال أن جدي يجبكم معاه و.....
اندفعت رضوى بصوتٍ حاد وعينين ملتهبة من الغضب الذي يخفي بباطنه دموع منهمرة.. وهتفت:
_ وأنت فاكر أني جيت هنا بمزاجي؟!.... لو عليا مكنتش خليتك تشوف وشي تاني.... أنا جيت لأن مكنش ينفع أعصي أمي ولا ارد لجدي كلمة....
وجودي هنا مش معناه أنك سهل تتكلم معايا، ولا مسمحولك حتى تنطق اسمي بسهولة كده....
تنهد رعد بثقل كبير من الهموم على صدره، يبدو أن الصبي اخبرها بما سمعه، ولكن لا يلومها فكان قوله أحمق وغبي بلحظة غضب اعمته عن كل شيء..... فقال بنبرة تحمل في طياتها الاعتذار الغير مباشر:
_ وجودك هنا هيخليكي تعرفي سبب موقفي من أي شيء بيقوله جدي.... وأن مش دايمًا اللي بنقوله بيكون هو اللي جوانا...
ابتسمت رضوى ابتسامة مليئة بالالم والمرارة والاستهزاء فيما سمعته للتو....وقالت بسخرية:
_ بقولك إيه... وفر كل اللي هتقوله لنفسك لأن كلامك مايهمنيش.... وسيبني في حالي عشان ما اكرهش وجودي هنا اكتر من كده.
قال لها بصدق:
_ لو في قرار واحد جدي خده وريحني... فهو وجودك هنا... متتخيليش وجودك هيفرق أزاي.
غصبت رضوى منه ومن محاولة ضعف مقاومته وهتفت:
_ وأنا مكرهتش أد وجودي هنا...
قال لها عتاب شديد ظاهر بعينيه:
_ عايزة ترجعي البلد؟... وتمشي!
هربت بعينيها منه للحظة، وتملكها قوة غريبة عنها وعاصفة تحدي.... ونظرت له بحدة قائلة:
_ لما امشي من هنا مش هرجع البلد، لما أمشي من هنا هكون رايحة بيتي... لا هنا بيتي... ولا بيت البلد بيتي.
ضيق عينيه بشرر ملتهب عندما فهم ما ترمي إليه، وتبدلت رقته لغضب شرس وهو يجذبها من يدها بعنف ويصيح بوجهها:
_ تقصدي إيه؟!.. هو أنتِ فاكرة أني هسمحلك اصلًا؟! ولا هسيبك لعنادك ده وتضيعي نفسك وتضيعني معاكِ؟!.
تفاجئت رضوى بجذبه لها فتملكها الغضب ودفعته بعيدًا عنها بقوة...ثم وقفت أمامها وصفعته على وجهه بكل قوتها وعينيها تلتهب من الغضب...وقالت:
_ لو فكرت تعملها تاني رد فعلي مش هتقدر حتى تتوقعه، وبعدين أنت مين عشان تسمحلي ولا ما تسمحليش؟! ولا فاكر أني جاية ارمي نفسي في اي جوازة والسلام عشان بس اغيظك؟!
لا فوق لنفسك...انا يوم ما امشي من هنا واروح بيت تاني هيكون لراجل بجد يعرف قيمتي ويصوني... راجل....مش...
قطع رعد حديثها بصوتٍ شرس من الغضب وقال:
_ مش قولتلك أن مش دايمًا اللي بنقوله بيبقى هو اللي جوانا؟! القلم ده هتتحاسبي عليه يا رضوى...حساب هيزعلك.
وقفت أمامه وقالت بتحد:
_ يستحسن تخليك في حالك، لأن أنت ما تعرفنيش لسه، وأعتبر وجودي زي ما أنا معتبره وجودك كده.... زي عدمه!
رد بعصبية شديدة:
- كدابة..... وهثبتلك ده.
ابتسمت رضوى بسخرية وقالت:
_ أنت اللي هتحتاج تثبت لنفسك حاجات كتير في الأيام الجاية.... أنا مش جاية اثبتلك حاجة، ولا أنت فارق معايا من الأساس.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
_______
كنت هنزله امبارح بس الباقة خلصت..سوري 🙈🥰
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثالث_والثلاثون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... سهرة آخر الليل ...~
وقف رعد متسمرًا أمامها دون حراك ، صدم من تقلّب حالها للنقيض ، من تلك الفتاة الرقيقة الخجولة التي كانت تحمر خجلًا من أقل كلمة منه ...إلى الفتاة الشرسة الواقفة أمامه بمنتهى التحدي والقوة .... ورغم صدمته ولكنه يعترف أن تحديها له أنار ركنً بعيد بزاويةً ما بداخله ...
رمته رضوى بنظرة أخيرة قاسية قبل أن تبتعد عنه ، ويبدو أنها اتقنت اللعبة سريعا ... فقد اضحت حتى حركتها نابعة عن ثقة عالية بالنفس.
نظرة عينيه تنقلت معها وهي تبتعد ، مُسلطة عليها كأنه يرها لأول مرة ... وأن أرجع المعادلة لعلم النفس الذي درسه، فسيعرف أن المرأة أن تم جرح قلبها بقسوة فأنها باليوم التالي تحاول النجاح بأي شيء آخر وبمنتهى السرعة ... كلافته عالية تريد أن تخبر بها الجميع أنها ليست ضعيفة ، ليست فاشلة ... وأنها لا زالت قوية ولا يعني هذا الجرح لها شيء ... وهي جدًا تئن وجع !
تحرك بخطوات بطيئة اتجاه الشجرة التي كانت تختبأ خلفها واسند عليها بظهره شاردًا ....
وعلى رغم كل شيء ... ابتسم بسعادة خفية لوجودها بالقرب.
*****
تم إعداد الطعام ورتب على المائدة .... وبشيء لم يعتاد الجد رشدي عليه ... شاركوا الفتيات في ترتيب الأطباق وامتلأت الأجواء بالبهجة .... ابتسم الجد لهن بمحبة وقال :
_ كنتوا فين من زمان ؟! .... أنا من فترة كبيرة مش بقعد على السفرة وأكلي بيطلعلي أوضتي .... خصوصًا وجبة العشا.
ابتسم له الفتيات ثم جلسوا بصف واحد على المائدة وتبقى المقاعد المقابلة .... نظروا لبعضهن في توتر لإفتراضية مجيء الشباب بأي لحظة...
أتت مدبرة المنزل العجوز وقالت للجد :
_ جايين دلوقتي .... والست جيهان مش هتتعشى والست وداد أم البنات لقيتها نايمة ... وريميه دكتور وجيه نبه عليا ااكلها لوحدها عشان بتخاف ولسه مخدتش علينا.
رد الجد رشدي بهدوء :
_ خلاص ماشي ...
خرج جاسر من صالة الرياضة وأغلق الباب خلفه ، شعره يلتمع ويبدو أنه أخذ دوشا وبدل ملابسه بطقم رياضي اسود بالكامل .... رمى نظراته على جميلة التي تطلعت به للحظة وابعدت عينيها سريعا .... ابتسم بسخرية وأختار المقعد المقابل لها تحديدًا كأنه قصد أستفزازها .... وقال لجده بمرح وعينيه الماكرة على جميلة:
_ مساء الخير ياجدي ... ياحبيبي.
رد عليه الجد وتجاهل طريقته كأنه لم ينتبه لشيء ...وقال :
_ مساء النور ...
لوت جميلة شفتيها كأنها ترد عليه بسخرية صامته .... فاتسعت ابتسامة جاسر وقال وهو يرجع بظهره للمقعد في ثقة ويرميها بنظرات خبيثة:
_ البيت وحشني أوي أوي يا جدي ... بفكر أخد أجازة كام يوم كده أشبع منه الأول ...
أجاب الجد بصدق :
_ هو بعد ما سيبتوا القافلة قبل معادها هينفع تاخد إجازة ؟؟! ... ده أنت هتاخد على دماغك !
ابتسمت جميلة واخفت ضحكتها .... وراقبن الفتيات الثلاث نظرات جاسر لجميلة والعكس .... حتى أتى آسر وقد بدل ملابسه أيضا .... ورمق جاسر المواجه لجميلة ، فتسحبت نظرته لسما ووجدها ترمقه بقرف ... اغتاظ منها وجلس مواجهًا لحميدة ..... وقال بعصبية لجده :
_ هقعد هنا
رد الجد بتعجب :
_ طب وأنا مالي ؟! ...أنت في حصة علوم ؟!
ابتسمت سما وقصدت أن تظهر له ذلك، فأغتاظ منها أكثر وتطلع بها بحدة ..... ودقيقة وكان يوسف يركض هابطا من غرفته بالطابق الثاني اتجاه المائدة مباشرةً ..... وابتسم لحميدة وقال لجده :
_ الله بقا .... بحب اللمة .
وتفاجأ بآسر الجالس اتجاه حميدة ، فهز ظهر مقعده وقال لآسر هامسًا :
_ قوم ده مكاني !
نظر له آسر بحدة وقال :
_ من أمتى وده مكانك ؟!
ضيق يوسف عينيه له وهمس مرة أخرى :
_ من النهاردة وقوم بقا !
سأل الجد يوسف :
_ في إيه يا يوسف مالك ؟!
قال آسر بصوتٍ عالِ :
_ بيقولي قوم وعايز يقعد مكاني يا جدي ؟!
طافت ابتسامة على وجه حميدة ولكي تبقيها سرًا نظرت للأسفل .... ابتسم الجد بمرح ليوسف ثم قال له بخبث:
_ اقعد يا يوسف في أي مكان أحنا مش في حضانة !
انتهز آسر الفرصة بذكاء ليحقق ما يريده ونهض من مقعده قائلًا :
_ ولا تزعل ...تعالى اقعد.
جلس يوسف بابتسامة مرحة صوبها لحميدة ، بينما جلس آسر مقابلًا لسما مباشرةً .... ورمقها بنظرة متحدية.
ترقبت رضوى ظهور رعد ، وتمنت أن لا يأتي وهي بموجة من الحيرة والكبرياء المتأرجح بين القوة والضعف .... ولكنه حضر بعد لحظات من الصمت خيمت على الجميع .... وتوجه مباشرةً اتجاه رضوى جالسًا ....
كأنه يخبرها شيء بنظراته القوية الحادة هذه...
نظر الجد يمينًا للفتيات ثم انتقل بنظرته يسارًا للشباب ... وكانت ستغلبه ضحكة من مظهرهم ونظراتهم القتالية لبعضهم البعض .... فقال :
_ انتوا مش بتاكلوا ليه ؟! ...يلا ابدأو ..
نظرت حميدة لأخواتها ببعض الارتباك ، فهي لا تحبذ الأكل بالشوك والسكين ولم تعتاد عليه ... وكذلك الفتيات ، لمح يوسف ارتباكها وفهم بذكاء ما يدور برأسها .... فألقى الشوك والسكين جانبًا وقال بمرح :
_ تعرف يا جدي ... أحلى أكل كلته في البلد عند أهل مرات عمي ، واتعودت اكل بإيدي من غير شوكة ولا سكينة ... وبصراحة أريح وأطعم.
ابتلع الجد رشدي ما بفمه بابتسامة محبة ليوسف ، ثم ذهبت نظرته لحميدة التي كانت عينيها تشع دفء وهي تعلم أنه فعل ذلك لأجل ارتباكها .... فقال الجد مُلقيًا الشوكة من يده أيضا :
_ وأنا كمان هعمل زيك.
وفعل ذلك بقية الشباب وتشارك الجميع الطعام بإرياحية ... حتى قطع الجد الصمت وقال :
_ في حفلة هنعملها قريب ، لمناسبتين ... أول مناسبة هسيبك عمكم وجيه هو اللي يقولهالكم .... تاني مناسبة عشان أعرّف البنات على بقية العيلة ومعارفنا وصحابنا.
قال رعد بسخرية :
_ أتمنى ماتكونش المناسبة الأولى تدبيسة لينا كالعادة !
توجهت نظرة رضوى عليه مباشرة بعصبية وهي تعرف مغزى حديثه ، فبادلها بنظرة متحدية فتأكدت أنه قصد التقليل منها ومن أشقائها أيضا حتى لو بدون قصد.
تنفست بعمق بعدما تركت طعامها ، ثم نهضت من مقعدها واستأذنت الأنصراف .... فسألها الجد :
_ أنتِ لحقتي كلتي يا رضوى ؟!
تظاهرت رضوى بابتسامة بسيطة وقالت :
_ الحمد لله ، أنا اكلتي ضعيفة أصلًا يا جدي ... بعد أذنك.
توجهت مباشرةً إلى غرفتها وهي تتحكم بدموعها قدر الإمكان ، ابطأ رعد في طعامه ببعض الشرود والعبوس الذي ظهر على وجهه إثر مغادرتها ...كأنه غضب من نفسه على هذا القول الغبي .... فأجاب الجد بعصبية :
_ لا مافيش تدبيسة ولا هيكون في من النهاردة ما تقلقش ... مش هختار حاجة ليكوا تاني .... رغم أني أختياراتي كانت كلها لمصلحتكم .... بس بما أن ده مش عاجبكم فهلغي أي حاجة كنت مرتبها ليكم... حتى لو كنتوا عايزينها.
نظر يوسف بصدمة لجده ، بينما نهض الفتيات الثلاث وتوجهوا لغرفة رضوى .... وتجاهلن تمامًا الجالسين أمامهن..... وصوب رعد نظرة غامضة طويلة إلى جده ...
ابتلع الجد آخر ما بفمه وقال :
_ أنا هخرج مع البنات نتفسح شوية ، لو وجيه رجع وكنت أنا لسه برا قولوله ....
نظر جاسر لساعة الحائط بدهشة وقال :
_ الساعة داخلة على ١٠ ... تتفسح دي معناها مش أقل من ٣ساعات ! ....هترجعوا أمتى ؟!!
نهض الجد وقال له بثقة :
_ أرجع وقت ما ارجع أنت هتناقشني ؟!
زفر جاسر بغيظ وقال :
_ ياجدي ما تعودهمش على كده دول في البلد كانوا بيناموا من المغرب ! .... وبعدين ماينفعش يفضلوا الوقت ده كله برا حتى لو كنت معاهم .... برضو هفضل قلقان !
سأل الجد بسخرية :
_ وأنت تقلق ليه وأنت مالك ومالهم ؟! ... دول اللي انتوا اعترضتوا عليهم لو ناسيين ؟! ، يبقى محدش فيكم ليه حق ينطق في أي شيء يخصهم ....
كل واحد فيكم يخليه في نفسه واعتبروهم مش موجودين.
نهض رعد بغضب واضح والقى على جده نظرة حادة ثمخرج من المنزل بكامله ....ذهب وبدأ يتأكد شكوكه .... هز الجد رشدي رأسه بيأس وقال :
_ عنيد وكبريائك أعمى وهيوديك في داهية !
نهض جاسر وحاول أن يسيطر على أعصابه فقال :
_ طب ياجدي .... ممكن حد فينا يجي معاك ؟! .... أصل ماينفعش يبقى معاك أربع بنات وتفضل تلف بيهم من مكان للتاني ومايبقاش معاك حتى أي حرس !!
صمم الجد على رأيه وأضاف:
_ أنا قولت كل واحد يخليه في حاله ! .... اكيد مش هتخافوا عليهم اكتر مني يعني ! .... ولو هختار بين حد من الحرس أو انتوا يبقى من الحرس احسن .... أنا بدي الاختيار مرة واحدة ولو اترفض بمنعه خالص ...أظن فهمت ؟
ضيق جاسر عينيه بنظرة غاضبة بعدما فهم المقصود ، ووقف آسر بعصبية قد حاول كبحها منذ وقت وقال :
_ ماتخليش موقفك معانا يجي على حساب سلامتهم ، لو سمحت خد حد من الحرس معاك لو رافض حد مننا يجي ! ....
قد رتب الجد الأمر ولكنه أراد أستفزازهم ....فأجاب بهدوء :
_ برضو مالكش دعوة.
سأل يوسف بمقت :
_ طب انتوا رايحين فين ؟!
أجاب الجد بصدق هذه المرة:
_ لسه مقررتش .... بس حتى لو اتمشينا بالعربية كده يعني هكون مبسوط ...
وضع يوسف يده على وجهه بضيق شديد ...
******
وقف الثلاث فتيات ينظرن بريبة إلى رضوى التي تقف أمام خزانة الملابس وتنتقي منها بعناية ما يناسبها .... قالت جميلة بقلق :
_ خايفة من سكوتك ده ، لو عايزة تفضفضي يبقى احسن ... ومايهمكيش من الغبي ده بكره يندم عليكِ ...
التفتت رضوى لهن بابتسامة ساخرة على عكس المتوقع وقالت :
_ وهيندم وأنا كده ؟! .... أنا عايزاه مش بس يندم ..... أنا عايزاه يتقلب موجوع الليل من خسارته ليا ...
تقدمت لها حميدة وقالت بخوف عليها :
_ اوعي تتغيري يا رضوى ، مايستاهلش اللي بتعمليه في نفسك ده ؟! أنا حاسة بيكِ والله ...
تدخلت سما وقالت بجدية :
_ بقولكم إيه ؟ ..... هي مقالتش أنها هتنحرف لخوفكم ده ...كل اللي هنعمله احنا الأربعة أننا هنتمتع بورث أبونا ... نلبس ونتعلم ونشوف الدنيا ونعيش بقا .... إيه الغلط في ده طالما مش هنتعدى حدودنا وهنفضل محافظين على أخلاقنا ؟!
أجابت جميلة عليها بموافقة :
_ لو كده فمافيش مانع وأنا أولكم ...
تنفست حميدة الصعداء وقالت :
_ وأنا معاكم .... لو على الجمال والشكل فسهل يتجاب ....أنما الطبع فغلاب ..... أحنا مش أقل منهم ... ولازم يعرفوا كده.
******
بعد مرور بعض الوقت ....
كان الجد يجلس بسيارته بالمقعد الأمي وتولى السائق الخاص به مقعد القيادة ...... وجلسن الفتيات الأربعة بالمقعد الخلفي .... قال الجد رشدي لهن:
_ نروح الأول نشتري شوية حاجات وبعدين هعزمكم على أكلة تجنن ....انتوا مكالتوش في العشا... مستعدين ؟
قال الفتيات بنفس واحد وبحماس :
_ مستعدين يا جدي.
همست حميدة لسما قائلة :
_ أنتِ قولتي لأمي أننا خارجين ؟
أجابت سما بالإيجاب:
_ آه روحت استأذنتها وهي وافقت على طول لما عرفت أن جدي معانا ....
ارتاحت حميدة لمعرفة أمها ثم بدأت تراقب تواتر الطريق من نافذة السيارة التي للتو تحركت ....
وأمام المنزل كان رعد بداخل سيارته يراقب خروج سيارة جده من بعيد .... وحرك السيارة بغضب من عناد جده معه تحديدًا، حتى وجد يوسف يقفز داخل السيارة قائلا :
_ خدني معاك ...
وبعدها وجد جاسر وآسر خلفه يدخلان السيارة ....فقال جاسر بغيظ:
_ مش هنروح كل واحد في عربية ، نروح مع بعض .... يلا الحقهم .
هتف بهم رعد بعصبية وقال كاذبا :
_أنا مش رايح ورا حد !!
صاح جاسر بانفعال وقال :
_ ياعم اتكتم بقا واسكت ما أنت اللي عكيت الدنيا، وأنت هتموت عليها أصلا، وانا مش عايز أفضحك قدامهم أكتر من كده...! خلينا ساكت احسنلك.
شجّع يوسف جاسر وقال :
_ ايوة يا جاسر اديله كلمتين كمان.
قال آسر وهو يضرب المقعد بضيق :
_ بطلوا غباء واسكتوا وخلينا نلحقهم .... يعني أغبيا ورغايين ؟!
انطلق رعد بسيارته فور جملة آسر وبدأ يبحث عن سيارة جده بالطريق ....
*******
وعقب وصول وجيه للمنزل ومعرفته بذهاب إبيه مع الفتيات ، توجه مباشرةً لغرفة الصغيرة ليطمئن عليها ...
فتح الباب فوجد الصغيرة نائمة على الفراش ومدبرة المنزل ليست بجانبها .... ضاق من أهمال المرأة العجوز في رعاية الطفلة ... وبينما كاد يخرج حتى انتبه لتمتمة خافته .... كأنه صوت عصفور يئن!
استدار لفراش الصغيرة ثم اقترب منه فوجدها تتمتم وهي نائمة ...والأغرب من ذلك أن الدموع تنزلق من عينيها .... ادرك أنها تحلم بكابوس مزعج ...وضع يده على رأسها بربته رقيقة وهمس لها كي يوقظها ...
اهتز جسد الصغيرة برجفة شديدة وهي تفتح عينيها وتبك .... رددت بذعر مرتسم على وجهها :
_ بابا ..صالح ، بابا ..صالح
ضيق وجيه عينيه عليها بتعجب ثم همس لها لكي تطمئن :
_ حبيبتي أنا بابا وجيه .... جيت اطمن عليكِ .
اعتدلت الصغيرة وهي متمسكة بيده الممدودة ، ثم قفزت على صدره باكية وهي تقول :
_ بابا صالح ...كان بيصرخ وبيناديلي أنا وماما .
نهض وجيه وهو يحمل الصغيرة بين ذراعيه بحنان وقال برقة :
_ حلم، مش حقيقي .... متخافيش.
لا يبدو على الصغيرة أنها اقتنعت فظلت تبك، فسألها وجيه كي يبعد فكرها عن هذا الحلم المزعج:
_ أكلتي ؟
لم تجيله الصغيرة مباشرةً ، حتى هزت راسها نفيًا ، فقال لها بحنان :
_ طب أنا ما أكلتش مخصوص عشان ارجع اكل معاكِ ، كلهم قالولي كل وأنا قولت لأ هاكل مع ريمو بنتي حبيبتي ....
طافت ابتسامة رقيقة وبسيطة على وجه الصغيرة وفركت غينيها لتمسح دموعها ... فابتسم لها وجيه بمحبة شديدة وقال :
_ يلا بينا بقا نحضر الأكل سوا ، وكمان عايزك تحكيلي أنتِ حدوته ... هتعرفي ولا أقول للناس أن ريمو مش بتعرف تحكي حواديت ؟!
عبست الصغيرة وظنت أنه يقول ذلك حقا ، فقالت بتأكيد :
_ لأ هحكي هحكي ....
ضحك على تصميمها وقبّل رأسها بمحبة ، ثم هبط للطابق الأرضي وهو يتحدث معها بمرح.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
الجزء الثاني من الحلقة بكرة بأذن الله وهيكون طويل بأذن الله وبكده يعتبر أنا بنزل اربع ايام في الأسبوع مش يومين 😁😭
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثالث_والثلاثون_ج٢
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... سهرة آخر الليل ...~
المرأة تغار من المرأة .... ولكن أن تغار من طفلة فهذا شيءٌ مريب !
وقفت جيهان بالممر بالطابق الثاني وعينيها على وجيه وهو يهبط ومعه الصغيرة .... زفرت بصوتٍ مسموع وتمتمت بعض الكلمات الغاضبة ، ثم توجهت لغرفتها مباشرةً.
وقفت مدبرة المنزل أمام وجيه وقال لها :
_ حضريلنا عشا خفيف كده يا دادة.
أطاعت السيدة الأمر وذهبت لتعد وجبة خفيفة ، وتوجه وجيه لمائدة الطعام .... حيث كانت الصغيرة في حالة من الصمت دون لمحة من الابتسامة أو حتى التذمر ! ...
وضعها على أحد المقاعد ثم جلس بجانبها قائلًا بمشاكسة :
_ يلا بقا احكيلي حدوته حلوة كده زيك.
حركت الصغيرة شفتيها بصوتِ ضعيف جدًا ، ثم بدأت تتحدث بكلماتٍ متقطعة .... ما كان يهمه هو أن تخرج من قوقعتها وتتحدث بأي شيء ... لا يهم ما تقول تحديدًا ..
تفاعل معها واظهر حماس لما تقوله ، بينما هي كأنها تركض خلف الكلمات لتأخذها وتخرجها من فمها ... تكافح للحديث !
أتت مدبرة المنزل بالطعام ووضعته أمامه على المائدة، ثم انصرفت مبتعدة .... أخذ وجيه في أطعام الصغيرة التي تلوك الطعام بفمها في بطء ...ثم قالت على حين غرة :
_ كل أنت كمان !
ابتسم لها بمحبة وأجابها :
_ حاضر هاكل ... بس هأكلك أنتِ الأول.
وبعد فترة من المرح والأحاديث بينه وبين الصغيرة أخذها للغرفة التي خصصها لها وصعد بها ....
وضعها على الفراش ودثرها بالغطاء جيدًا ، نظر لها بمحبة شديدة ... محبة جعلته يتعجب كيف أتت بهذه القوة .... يعتقد أن لو كان له إبنه لما أحبها أكثر من هذه الصغيرة ريميه ....
فتحت جيهان باب غرفة الصغيرة ببطء ، ثم وقعت نظرته عليها وهي تقف تطلع بهما ... فقالت بعصبية :
_ مسألتنيش حتى اتعشيت ولا لأ ؟!
أشار لها وجيه لتصمت ، فيبدو أن هذه الجدال سيحتد من عصبيهتا الظاهرة ! .... نهض وربت على رأس الصغيرة هامسًا :
_ الدادة هتجيلك بعد شوية وتفضل معاكِ .
حركت الصغيرة جفنيها بكسل وبدا عليها النعاس ، وقالت فجأة :
_ بابا وجيه .... عايزة أفضل معاك هنا .. مش عايزة اروح البندق ...
اتسعت ابتسامة وجيه بقوة عندما ادرك أنها تقصد بالبندق "الفندق" ... ثم قبّل رأسها قائلًا بتأكيد :
_ هتفضل معايا على طول ... أنتِ بنتي.
اغمضت الصغيرة عينيها بطيف ابتسامة ... استقام وجيه ولا زالت عينيه المبتسمة عليها ... ثم تذكر وقوف جيهان التي سرحت بعاطفتها بهذا الموقف ... ومال قلبها قليلًا لتلك الطفلة !
وبغرفة وجيــه .....
تفاجئت جيهان أنه سحبها من يدها برفق ووقف أمامها مبتسما بطيف اعتذار بعينيه ... وقال :
_ ما تزعليش أنا أسف ... بس افتكرتك نايمة.
نظرت له بتعجب ، ومن الابتسامة الصادقة الواضحة بعينيه ، واعتقدت أنه ربنا اعتاد على وجودها وألف قربها .... ابتسمت جيهان قائلة :
_ حصل خير .... أنا أصلًا مش باكل قبل ما أنام ...
اتسعت ابتسامته بمزاح وقال وهو يخلع جاكته :
_ غاوية عتاب يعني ! ....
نادر.ًا ما كان يمزح معها ... ربما لأنها دائمًا ما تحدثه سوى بالعتاب واللوم ! .... فبدأت تكتشف شيء كان غائبًا عنها .... فتشجعت واظهرت المرح وقالت :
_ غاوية اسمع كلام حلو ..... تعرف يا وجيه أنت حنين أوي ، يمكن دي أكتر حاجة بتطمني فيك ، لما شوفتك مع ريميه أتمنيت أنها تكون بنتي ... أنت هتكون أحن أب ممكن أشوفه.
تنهد وجيه والابتسامة على وجه ... ثم قال بصدق :
_ كل شيء له آوان يا جيهان ، لهفتي للأبوة دلوقتي أكبر بكتير من عشر سنين فاتوا .... حاسس أن دلوقتي ينفع أكون أب بجد ولاده يفتخروا بيه.... ويديلهم كتير من وقته واللي اتعلمه في اللي فات.
نظرت له جيهان بدهشة وقالت :
_ يعني من عشر سنين مكنتش عايز تخلف ؟!
استدار لها وجيه وقال بصدق :
_ مش كده .... بس أنا بحب ادي لكل شيء حقه ، وزمان مكنتش هقدر اديلهم الوقت اللي محتاجينه مني ، بسبب شغلي وتكوين مستقبلي .... وكنت هفضل حاسس بالتقصير ، وعلى ما أوصل للي عايزه في شغلي هتكون عدت أيام عليهم سيبت فيها فراغ وجودي ...وده شيء مش بيتعوض.... أنما دلوقتي أنا مستعد جدًا.
وضعت جيهان يديها على صدره بدلال وقالت مبتسمة :
_ هفضل احلم باليوم اللي أشوفك فيه مع ولادنا وبيتنططوا حوالينا ....
شاكسها ومرر يده على شعرها بمزاح ثم أخذ ملابس من خزانته ودخل لحمام الغرفة يغتسل قبل الخلود للنوم.
******
وقفت سيارة الجد أمام مول تجاري ضخم البنية ، والأضاءة ذات الألوان العديدة تحاوطه من جميع الاتجاهات ...
نظرت جميلة للمبنى وقالت بإنبهار:
_ الله .... أول مرة أشوف مكان بالجمال ده !
قال الجد بابتسامة خبيثة :
_ وأنتِ لسه شوفتي حاجة !
ترجل الجد من السيارة على عصاه ، وخرج الفتيات من السيارة تباعاً .... دخلوا الفتيات معه لمبنى المول التجاري ودخلوا المصعد لأحد الطوابق.... وعندما خرجوا كان الجد يشعر بالدوار الشديد ...فأسندته حميدة قائلة بقلق :
_ مالك يا جدي ؟!
تنفس الجد براحة وقال مبتسما :
_ بدوخ من الاسانسير بس ... خمساية كده وهتلاقيني دبور في المكان.
ضحكت حميدة على مزحته فقال لهن بجدية :
_ بصوا بقا .... مش عايز واحدة فيكم عينيها تيجي على حاجة عجباها وتسكت ! ...أزعل كده ! .... اشتروا كل اللي نفسكم فيه واصرفوا مايهمكوش حاجة ....
ابتسم الفتيات له بمحبة ليس من سخائه ، بل من المحبة الصادقة الظاهرة عليه والتي يريد بكل ما يستطع فعله أن يعوضهن ولو بشيء قليل.
انبهر الفتيات وهن بيسيرون بالممرات الواسعة للطابق الرابع الذي كان بداية المحلات التجارية للملابس والذهب والإكسسوارات ...وأشياءً أخرى كثيرة ...
الإضاءة ورائحة المكان العطرة تحسن الحالة النفسية لأي مخلوق ... دخل الفتيات أول محل للملابس النسائية .... وكان به فتاتان يعملان به .... الحوائط التي تشبه لون العسل الصافي ...والمكان رحيب بنظافة عالية .... وانتشر الفتيات بالزوايا لإنتقاء الملابس المناسبة لكلًا منهن.
وراقبهم الجد بابتسامة كأنها التصقت على ثغره ، وأشار لأحدى الفتيات العاملات وقال :
_ تعالي أقولك يابنوته يا حلوة أنتِ.
ابتسمت له الفتاة وأتت إليه .... فقال لها الجد بهمس :
_ خليكِ معاهم وساعديهم ... أنتِ قمورة وذوقك اكيد شبهك.
اتسعت ابتسامة الفتاة من طريقة العجوز وقالت له بمواققة:
_ اكيد هساعدهم ... اتفضل أقعد على ما يخلصوا.
وأشارت إليه كي يجلس على مقعد قريب ...فقال الجد بمشاكسة:
_ أنا هقعد بس مش عشان رجلي وجعتني ... هقعد عشان أنتِ عايزة كده...
ضحكت الفتاة مرة أخرى ، ثم اسرعت للفتيات تساعدهن في الانتقاء والملائم لهن ..... همست حميدة لسما وقالت :
_ يالهوي على دي هدوم يابت .... ده أحنا مكناش عايشين !
ضربتها سما بكوعها ذراع حميدة وقالت بتحذير:
_ وطي صوتك يا بغلة البت اللي شغالة هنا هتسمعك !
عبس وجه حمبدة إثر الضربة ... قالت الفتاة العاملة وهي تجذب رداء طويل يناسب المحجبات ورفعت أمام أنظارهن .... اعجب الرداء حميدة كثيرًا وقالت :
_ فظيع .... عايزة اقيسه ؟
أشارة الفتاة للبروفا وقالت :
_ البروفا هناك ...تقدري تقيسيه براحتك.
دخلت حميدة لتختبر مقاس الرداء .... ودقائق وكانت تخرج مبتسمة برضا عن مظهرها .... نظرن الفتيات لها باستحسان فقالت جميلة بتأكيد:
_ حلوة أوي أوي ...لايق عليكِ جدًا.
نظرت حميدة لجدها فوجدته يهز رأسه علامة الإعجاب بالرداء ... عادت لترتدي ملابسها مرة أخرى .... حتى وقفت رضوى أمام أحدى الفساتين السواريه مشدودة لمظهره الرقيق الرائع ..... وقفت بجانبها أحدى العاملات وقالت :
_ لو عاجبك أنزلهولك تقيسيه ؟
نظرت رضوى للرداء الأزرق الشيفون بإعجاب شديد وقالت دون تردد :
_ نزليه ...
جذبته الفتاة من المشجب وأخذته منها رضوى حتى خرجت حميدة من البروفا وأخذت مكانها .....
ارتدت رضوى الرداء أمام المرآة الكبيرة ولكن ما ضاقها هي سحابته الخلفية .... فأزاحت الستار قليلًا وأشارت لحميدة أن تأتي وتساعدها ....فمضت حميدة إليها سريعا وقالت :
_ في إيه ؟!
قالت رضوى بتأفف :
_ الفستان سوسته مش راضية تفتح ! ... معلقة.
نظرت حميدة لسحابة الرداء وحاولت معها حتى اتلفت مسارها ...فقالت حميدة بضيق :
_ السوسته باظت ! ... طب قيسيه الأول وبعدين نشوف موضوع السوسته.
ارتدته رضوى وهي تعرف أنها ستأخذه لا محال ...فالرداء مبهر وضعفت أمامه .... وكان ظنها صادقا فقد أخذها مظهرها به وطلتها الساحرة ..... قالت حميدة بإعجاب شديد :
_ طلقة عليكِ ....
ابتسمت رضوى وكادت أن تخلعه حتى تذكرت شيء ... فقالت بنظرة تحدي :
_ لأ مش هقلعه ... هفضل لبساه.
تفاجئت حميدة ودهشت ....ثم قالت :
_ طب مش تضبطيه الأول عليكِ وبعدين تلبسيه ؟! ...ده احنا حتى لسه ما أشترينهوش !
مطت رضوى شفتيها بلا اكتراث ...وقالت:
_ هشتريه .... وهفضل لبساه ، اومال هشتريه ليه ؟!
قطبت حميدة حاجبيه وقالت :
_ يابنتي عايز يتقصر عشان طويل ، وبعدين جدك يقول علينا ايه ؟!
اكدت رضوى :
_ هيفرح لفرحتي ...بسيطة خالص !... وبعدين ما احنا يعتبر في سهرة وهو سواريه ، هشتري صندل عالي دلوقتي وهيبقى تمام ... والله ما أنا قلعاه....
ضحكت حميدة عليها وقالت :
_ آه يا هبلة ... بس خلاص طالما ده هيريحك ...بس هنعمل إيه في حكاية السوسته دي ؟! ...
فكرت رضوى لدقيقة ثم قالت :
_ روحي قولي للبنات اللي برا أن سوست الجيبة بتاعتي اتقطعت وعايزة دبابيس ضروري .... اقوم أنا بقى حاطة الدبابيس في الفستان وشكرًا ....
نفذت حميدة الأمر وبالفعل أخذت من أحدى الفتيات دبوس كبير لم يوجد غيره معها .....ودخلت لرضوى مرة أخرى وأخفت تلف سحابة الرداء بذلك الدبوس ....ثم قالت :
_ حاجة مؤقته بقا ، والطرحة هتداري السوسته.
ابتسمت رضوى وهي تلف حجابها جيدًا ...ثم قالت بعبوس:
_ الطرحة مش لايقة مع الفستان ! .... ماشي ، هلبسها مؤقتا واكيد هلاقي حاجة لايقة عليه.
وخرجا الأثنان من البروفا بعد ذلك ونال مظهر رضوى رضا واستحسان الجميع حتى العاملات بالمكان .... وقالت رضوى مبررة تمسكها بلبس الرداء:
_ سوستت جيبتي اتقطعت ومانفعش الدبوس فيها ، فلبسته.
قال لها الجد بمدح :
_ قمر يارضوى ... أنا عايزك تفضلي لبساه ياحبيبتي وتتبسطي.
بدأت الثقة تزداد بداخل رضوى ، حتى من أقل الأشياء والمواقف.
وانتقى بقية الفتيات ما يناسبهن ...حتى خرجوا من المحل التجاري وهم محملين بالمشتريات ..... وقف الجد بالممر ينظر لجميع المحال الأخرى المختلفة ....ثم أشار لأحدهم :
_ تعالوا نكمل هنا .... مش هنسيب مكان غير لما نشوف اللي فيه واللي يعجبنا ناخده.
قالت سما بتعجب:
_ ياجدي ما كفاية اللي جيبناه !
غمز لها الجد بثقة وقال :
_ لأ مش كفاية ، وبكرة تعرفي أنه مش كفاية خالص ، الهدوم اللي جبتوها دي يدوب تقضي مشوار واحد ! ...
ومثل ما فعلوا في المحل الأول فعلوا في الثاني.
********
سيارة رعد كانت تقف أمام المول التجاري ، ولكن بعيد عن صفوف السيارات الأخرى ، حتى لا ينتبه الجد أو أحدًا من الفتيات إذا خرجوا فجأة من المبنى.....
قال رعد بسخط وعصبية وهو جالس خلف عجلة القيادة:
_ هما بيعملوا إيه كل ده ؟!
قال يوسف باستغراب:
_ كل ده ايه ؟! ....دول بقالهم نص ساعة بس ، وبعدين يابني دول بيشتروا لبس وحاجات بتاعت البنات دي ... يعني خمسة خمستاشر سنة كده.
خيم الصمت للحظات ....فتح جاسر الباب بحدة وخرج من السيارة ...فسأله يوسف :
_ رايح فين ؟!
قال جاسر بغيظ:
_ داخل المول .... مش طايق أقعد.
خرج الشباب سريعا من السيارة ، فقال يوسف بعصبية:
_ ولا أنا .... أنا قلقان لحد يبصلهم كده ولا كده والمول مليان رجالة وشباب ...
ضيق رعد عينيه بعصبية واضحة ، نظر له يوسف بمكر وكتم ابتسامته ...وأضاف ليستفزه أكثر:
_ ايوة زي ما بقولكم كده .... بنات زي دي باين عليهم اللبخة وأنهم خام ....
ثم نظر لجاسر وأكد:
_يعني فريسة سهلة للذئاب البشرية اللي زيك كده يا جاسر .... تخيل لما حد زيك يبص لواحدة فيهم ...
ضغط جاسر على أسنانه بانفعال واضح ، بينما آسر تقدم خطوة للداخل وهتف بهم :
_ أنا داخل واللي يحصل يحصل ... مش وقت كبرياء وغباء !
تبعه الشباب الثلاث بينما كان يوسف ينظر لهم في ابتسامة خفية ....
*******
خرج الفتيات مع جدهم من المحل الثاني واتجهوا للثالث مباشرةً بعدما أخذوا مشترياتٍ عدة .... وقفت رضوى تتأمل الحقائب النسائية .... وعلى رغم اعجاب جميلة وسما بالمكان ولكنه لم يروق لها ما فيه كثيرًا .... همست لحميدة قائلة:
_ الشنط دي مش عجباني كلها كده على بعضها ... تعالي نروح مكان تاني.
ردت حميدة ونظرتها تجول المكان:
_ جميلة وسما بينقوا استني لما يخلصوا ....
نفخت رضوى بضيق ، ثم التفتت حولها فوجدت محل مقابل يبيع كافة أنواع أقمشة الخمار والنقاب والحجاب، والكثير من الأكسسوار.
قالت لحميدة مجددًا :
_ طب أنا هروح المحل اللي هناك ده على ما تخلصوا ...
هزت حميدة رأسها بموافقة ، تقدمت رضوى هامسة لجدها بأمر الذهاب فوافق الجد أيضا بما أنها لن تبتعد كثيرًا ....
اسرعت رضوى للمحل المقابل وكادت أن تتعثر بسبب طول ردائها ، ولكنها انقذت الموقف سريعا ....دخلت المحل فوجدت فيه شاب وفتاة ....تعجبت لوجود شاب بمحل محجبات ! ...
رحبت الفتاة بها وهي تتحدث بالهاتف وأشارت لها بالدخول حتى تأخذ ما تريد .... والقى الشاب نظرة متفحصة على رضوى ثم ابعد عينيه سريعا عندما انتبه للنظرة الحادة التي رمته بها زميلته.
هزت الفتاة المتحدثة بالهاتف رأسها بيأس منه وتابعت التحدث بالهاتف ....
تجولت رضوى تنتقي اللون المناسب للرداء الأزرق ... فوجدت لونين مناسبان للرداء كثيرًا ....وظهرت الحيرة على وجهها حتى اقترب منها الشاب قائلًا بعدما استغل ابتعاد زميلتها للخارج وانشغالها بالمكالمة الهاتفية.... وقال بصوتٍ هادئ :
_ شكلك محتارة ....تحبي اساعدك ؟
اجابت رضوى بهدوء ...ما يقوله من صميم عمله لا يستعدى العصبية منها :
_ لأ شكرًا .... أنا هختار بنفسي.
رفع الشاب حاجبيه بسخرية من صدها .... وابتعد قليلًا ، ثم قال مرة أخرى:
_ في ميك أب في الزاوية دي لو عجبك حاجة ....
وأشار لها لفترينة كبيرة لم تنتبه لها .... وكانت مليئة بمساحيق التجميل الذي يبدو عليها جميعها من ماركات أصلية ثمينة..... فقررت رضوى سريعا أخذ الحجابين كي تتخلص من حيرتها ، ثم توجهت لزاوية للأرفف الزجاجية وبدأت تتفحصها جيدًا ....
أتت الفتاة من جديد واقتربت من رضوى بابتسامة رسمية ...وقالت :
_ أنتِ بشرتك نوعها إيه ؟
أجابت رضوى عليها :
_ دهنية
نظرت الفتاة للأرفف وأخذت مساحيق تخص تلك النوعية وقالت لها وهي تضعهم أمامها على الزجاج :
_ دي كل حاجة تخص البشرة الدهنية ، صن بلوك ، فونديشن ، كريم ليل ، نهار ، عيون ......
وظلت الفتاة تذكر أسماء المنتجات بالعربية ، وحمدت رضوى ذلك ..فأخذت منهم ما أعجبها، ثم اختارت بنفسها مرطب شفاه ... فقالت رضوى للفتاة :
_ عايزة اضبط طرحتي ممكن ؟
وافقت الفتاة على الفور وقالت لها :
_ اكيد طبعا ، في حمام هنا ...
وأشارت لها اتجاه الحمام .... دخلت رضوى الحمام وبدلت حجابها بأحدى الأثنين التي ابتاعتهم منذ قليل .... ثم نظرت لمرطب الشفاه الأحمر وأغراها أن تجربه .... وما أن فعلت ذلك حتى ابتسمت بإعجاب للونه على شفتيها ، رغم أنه ليس فاقع اللون ولكنه أضفى لمعة رقيقة رائعة لشفتيها .... خرجت من الحمام وهي تبتسم بثقة وتفاجئت أن الفتاة ليست موجودة !
بل كان الشاب هو من عاد ويبدو كأنه تشاجر مع أحد ! ..... تجاهلته رضوى وانشغلت برؤية الأكسسوارات حتى يأتي أشقائها وجدها حال أنتهائهم ....
تحرك الشاب اتجاه الباب وظنت رضوى أنه سيخرج فتنفست الصعداء ، ولكنه توقف للحظة ناظرًا لشيء لفت انتباهه فجأة وسمره بمكانه، وقد كاد أن يتركها ويخرج بالفعل ...
كانت سحابة فستانها مفتوحة من الأعلى وتظهر حيز من ظهرها ..لم تشعر رضوى بسقوط الدبوس المعلق بالسحابة وأيضا قد نست تمامًا هذا الأمر.... والحجاب التي ارتدته طوله يسقط على كتفيها ولا يخفي من ظهرها الكثير.
وقف الشاب متمعنًا فيها بنظرة دقيقة متفحصة ، وكأنه يتمنى أن يظهر اكثر وأكثر من جسدها ! ....
كانت هناك مرآة دائرية أمام رضوى مباشرة تظهر انعكاس وجههاّ، وهذا ما جعل رعد يتعرف عليها من بعيد ...ولكنه ضيق عينيه لمن يقف وعينيه مسلطة عليها بنظرة شهوانية.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
______________
محدش يقولي الفصل قصير لأن ده مش فصل ، ده نص فصل تكملة لفصل امبارح .... بس اوعدكم لو تفاعلت المرادي هنزلكم بكرة ....قراءة ممتعة يا قلوبي ❤😘
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الرابع_والثلاثون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... اتفاق وتحدي ...~
انتشر عبق رائحة عطر نفاذة بالمكان، رائحة تسللت لأنفاسها بطيف حنين ولهفة ، كأن هذا العطر يخصه وحده وصنع لأجله فقط !.
ابتلعت رضوى ريقها وهي توبخ نفسها بشيء من العذاب ... لا يُعقل أنه وحده من يستخدم تلك الماركة !
لم يشعر رعد إلا وهو يدخل المحل بخطوات واسعة اختصرت المسافة بينهما ، وكان اكثر ما يهمه هو حجب ذلك الجزء من جسدها عن أنظار الجميع ، فجذبها من يدها بعصبية شديدة لكي تستدير له ويصبح ظهرها للأرفف الزجاجية.
انعقدت الكلمات بحلق رضوى وهي تنظر له بذهول ، وتحرك الشاب العامل بالمحل إليهما في استياء مما يحدث ، ولأنه لا يعرف صلة القرابة بينهما....وكاد أن يتحدث حتى ترك رعد يد رضوى وهوى بها على خد الشاب بصفعة مدوية.
حملقت رضوى وانفرجتا عينيها بصدمة من مرأى الشاب الذي حسس على موضع الصفعة بصدمة ، وكأنه لا يصدق أنه تلقى صفعة دون حتى سبب صغير لفعلها !.
خرجت رضوى من حالة الجمود وصرخت به :
_ أنت اتجننت ؟! ....
زم شفتيه بعصبية ظاهرة على سيمائه وضوح الشمس ولم يجيبها ، كان يلجم سيل غاضب من الكلمات بحلقه ، لو أجابها لأزداد الأمر سوءً بينهما.... بينما الشاب الآخر اندفع اتجاه رعد ليسد له الضربة بأشد منها .... ولكن رعد لوى معصمه ودفعه على الأرض بعنف ، ثم سحب الحجاب الآخر التي تمسكه رضوى بيدها، ولفه بحركة سريعة على كتفيها وبذلك أخفى ما يظهر جسدها، وهمس بتحذير:
_ فستانك مفتوح ومبين ضهرك ... والحيوان ده كان واقف يتفرج !... ليا كلام تاني معاكِ....بس مش ههينك قدام حد.
تذكرت رضوى أمر السحابة التالفة بطرفات متتالية من عينيها بإستياء وضيق وسوء حظ جعل رعد يضبطها بهذا الموقف.
ترك رعد الشاب يتلوى على الأرض وسحب رضوى من معصم يدها للخارج ، بينما حاولت هي أن تتملص منه وهي تكيل له الشتائم والضربات على ذراعه.
أوقفها بغضب أمام الجد والفتيات الذي ركضوا من المحل الآخر مسرعين عقب إنتباههم لما يحدث مع رضوى.
وقال رعد لجده بعصبية:
_ خليها تحكيلك حصل إيه ؟ ... عشان لما اعترضنا على خروجهم من غير حراسة زعلت ! .... دي واحدة مش دارية بنفسها اصلًا ولا ممكن تحسس بأي شيء غلط بيحصل معاها !... ولا حتى حست باللي واقف وراها وعينيه هتطلع عليها ويا عالم كان ممكن يحصل إيه؟!
مقت الجد عصبية رعد وصوته العالي هذا ، وقال بحدة:
_ حصل إيه فهموني؟!
هتفت رضوى ببكاء وعصبية لم تستطع أخفائهما وقالت:
_ أنا معملتش حاجة عشان يقولي كده ؟! ، سوستة الفستان اتفتحت ومحصتش بيها ، ده معناه أني مش دارية بنفسي ياجدي؟! ولا هو جاي ورانا مخصوص ومستنيلي على غلطة ؟!
رمقتها حميدة بنظرة عتاب ولوم ، فهي نبهتها بتلك العقبة قبل أن تتمسك بإبقاء الفستان عليها، قال الجد بنظرة غامضة لرعد:
_ هو أنت مش كنت خرجت قبلنا ؟! ... عرفت منين أننا هنا ولا تكونش دي صدفة ؟!
ضيق رعد عينيه بدهشة من موقف جده الغير جدي وحازم بهذا الشأن ، وقال بصوتٍ غاضب:
_ هو ده اللي فكرت فيه ياجدي؟! يعني مش هامك اللي قولته وافتكرت بس أني خرجت قبلكم ؟!
رد الجد بصدق :
_ الحمد لله محصلش حاجة وأنت اتصرفت، وكمان هي اكيد مش قصدها يا أبني !... يعني هي مثلًا اللي قطعت السوسته عشان رقبتها تبان ؟! ... مش المفروض برضو تحكم عقلك؟!.. ولا أنت قلبك اللي مسيطر ؟!
أشنتدت عصبية رعد من جده ومكره ، فيبدو أنه يستغل كل شيء وكل موقف ليكشف ما يشعر به اتجاهها .... فأحتد صوت رعد وهو يجيب عليه:
_ المفروض أن دي بنت عمي ، يعني حتى لو مش بطيقها ولا بطيق أشوفها فهي من دمي ومش هسمح لحد يبصلها .... مش عشانها هي شخصيًا ..... ده عشان أنا راجل وما اقبلش ....
لم تحتمل رضوى أن تظل واقفة ويحترق كبريائها أكثر من ذلك ، فقالت لجدها وصوتها تخنقه الدموع :
_ أنا هستناكم في العربية يا جدي ، مش طايقة أقف اكتر من كده.
وركضت حتى دون أن تسمع إجابة الجد بالموافقة أو الرفض ، ضغط رعد على أسنانه بعنف وهو يرها تركض باكية .... وتنفس بغضب من نفسه ومن لسانه السليط أحيانًا ، والذي يوقعه بأخطاء جسيمة لا يبرأ منها بسهولة.
توقف رعد عن الحديث وبدا عليه بعد الندم والعذاب ، ثم ركض بذات الاتجاه .... نظر الجد له بنظرة غيظ وقال :
_ لسانك عايز قطعه ! ...
ودقيقة وقد ارتفع صوت الشاب بالمحل المقابل والذي ضربه رعد مع صوت فتاة غاضب..... وكانت الفتاة علمت بالأمر وانهالت عليه بالتوبيخ قائلة:
_ والله أنا مبسوطة باللي حصلك، ده أنت حتى مش عاتق الستات الكبيرة ونازل بصبصة ومعاكسة وقلة أدب ! ..... أنا هكلم صاحبة المحل وأقولها على اللي حصل دلوقتي ويا تمشي من هنا وتريحنا منك .... يأما تحترم نفسك وتحترم المكان اللي قاعد فيه.
توسل الشاب وهو يمسد ذراعه بألم وقال :
_ لا خلاص ... لو اتكرر اللي حصل أبقي كلميها ، وبعدين أنا ما عملتش حاجة والبنت نفسها زعقتله ! .... بالله عليكِ ما تقطعي عيشي أنا محتاج الشغل وأنتِ عارفة ظروفي.
ورغم أن الفتاة على يقين أنه مذنب ، ولكن كانت تتغاضى عن كثير من تصرفاته وأفعاله السيئة بسبب مرض والدته المزمن ، وهو أبنها الوحيد والعائل الوحيد أيضاً..... فقالت بيأس:
_ ماهي ظروفك دي اللي مخلياني ساكته .... بس مش هسكت لو اتكرر الموقف ده تاني.
*******
لم تكن دموعها فقط لأنه اثبت عدم ادراكها بما حولها ، أو تيهتها وتشتتها .... بل كانت تبك لأنها قبل أن يتحدث ويقول قوله الآخير الذي شق قلبها ارتجف قلبها سعادة من ظنها بغيرته ، ومن وجوده الواضح بتعمد وليس مصادفةً... ومن لهفتها وغضبه لنظرة رجل آخر .... ولكنه بكلمات قليلة جدًا دحض هذا الأمل وتلك السعادة....
لماذا عليه أن يتقن لعبة عذابها لهذه الدرجة؟!
ولماذا لم تستطع كرهه حتى الآن ؟
خرجت من المصعد للطابق الارضى بالمول ، وتوجهت لباب الخروج مباشرةً....حتى انتبهت لصوته وهو يناديها ولكنها، لم تقف ، بل ركضت أكثر إلى الخارج وتوجهت للسيارة التابعة للجد.
ناداها رعد مرةً أخرى وهو يُسرع خلفها ولكنها كانت تبتعد بسرعة عالية ، كأن الرياح تقذفها كالموج للبعيد..!
فتحت باب السيارة وجلست بداخلها في حالة غريبة من الأختباء ، لا تريد حتى أن ينظر لها مخلوق وهي هكذا عارية الضعف والدموع.
توجه رعد إلى سيارة جده بسرعة عالية ، حتى وقف ناظرًا لها من نافذة باب السيارة.... ولم ترميه حتى بنظرة ، بل كانت تنظر أمامها بدموع مكتومة تكافح كي لا تنفطر أمام عينيه.
تنفس رعد بعمق قبل أن يتقدم ويفتح باب السيارة الآخر .... ويبدو أن السائق ذهب لشراء شيء أو ابتعد لأي سبب ..ولكنه الآن ليس بالسيارة.
جلس رعد بجانبها ، فضغطت على أسنانها بغضب شديد وكادت أن تفتح الباب الذي بجانبها لتخرج من السيارة ...حتى قال رعد بصوتٍ ذكرها بأيام فائتة مليئة بالرومانسية والأحلام الجميلة الساذجة....وهمس معتذرًا:
_ رضوى ... أنا أسف.... مقصدتش أزعلك....بس...
التفتت له رضوى والتمعت عينيها بالألم وهي تجيب:
_ بس أنا ندمانة أني جيت هنا وما اعترضتش ورفضت ، مشكلتك معايا هو قرار جدي بموضوع الجواز ، بس نسيت أني ماليش ذنب في القرار ده ... كنت هحترمك لو كلمتني بصراحة واتفقنا أننا نرفض قراره ده ونتمسك برأينا ... كنت هحترمك لو أحترمتني وصونت كرامتي بما أني من دمك زي ما بتقول....
رد عليها بجملة ادهشتها :
_ كنتِ عايزاني اكلمك وأقولك أرفضيني ؟! .... ولا أقولك أني رافضك ؟! .... كنتِ هتحترميني لما اكدب عليكِ وأقولك مش عايزك ؟!
هزت رأسها وصوتها ظهر مليء بالمرارة وقالت :
_ أنت ما قولتش ...أنت عملت ! ، بس على الأقل كنت ساعتها هحترم قرارك ومايبقاش في حاجز كراهية ما بينا بالشكل ده....أنا مجيتش هنا عشان احاربك... ولا جيت عشانك أصلًا
كانت كاذبة واغضبه كذبتها هذه ، وضرب رعد بيده على ظهر المقعد المقابل له وهتف بعصبية:
_ الحاجز ده أنا بحاول أكسره ما بينا ، الحاجز ده مش أنا ....
قاطعته رضوى بختام ما وصلت اليه في حكايتها معه :
_ لو سمحت ، أعتبرني مش موجودة حواليك ، أعتبرني مش موجودة أصلًا ، أنا مابقتش طايقة حتى أشوفك .. مجرد وجودك بيحسسني بخنقة.... ماتخلنيش أكرهك أكتر من كده.
صدم رعد للحظة لمَ سمعه ، ثم ردد بنظرة مشتتة تائهة:
_ بتكرهيني !
ابتلعت ريقها بصعوبة ، وقالت بعدما استجمعت قوتها لتكررها :
_ أيوة بكرهك ! .... ده أقل شيء ممكن أحسه من ناحيتك بعد اللي عرفته من نعناعة، وبما أننا هنعيش في بيت واحد فمش مطلوب منك اكتر من أنك تسيبني في حالي .... وبالنسبة لقرار جدي فعايزاك تطمن ، لو على جثتي الجوازة دي مش هتم... أنت آخر واحد ممكن أفكر أتجوزه.... لو كنت صبرت شوية كنت عفيت نفسك من غضب جدي ، وكان الرفض هيجي مني ... أنت كنت وما زلت بالنسبالي ولا حاجة.
قال بذهول :
_ أنتِ بتقولي إيه ؟! .... يعني إيه بتكرهيني ويعني إيه أسيبك في حالك مش فاهم ؟! ويعني إيه بالنسبالك ولا حاجة ؟؟
وأشتد غضبه للعنف وهز ينظر لها :
_ يعني لما حسيت أن في حاجة بينا كان احساسي لوحدي ؟! ... يعني لما كنتِ وشك بيحمر وبتتكسفي لما تشوفيني وتتلغبطي وعينيكي تهرب مني كان شيء عادي بيحصل مع كتير غيري ؟! ... ولما شغلتيني وخلتيني أفكر فيكي كنت أنتِ عادي وكنت ولا فارق معاكِ !، يعني حتى لما اغلط مفكرتيش تفهمي سبب تصرفي ده ايه ؟!..... أنت عارفة ده لو صحيح هيبقى معناه ايه ؟!
نظرت اله بحدة فأضاف بصزتٍ يرتعد انتقام وشراسة :
_ معناه أني مش هسيبك في حالك ، معناه أني مش هعديهالك بالساهل كده يا رضوى ... معناه أنك دخلتي لعبة أنتِ مش ادها لأن لو اللي بتقوليه ده صحيح مش هرحمك.
قالت بتحد :
_ دي الحقيقة ... وأنت مالكش عندي حاجة... وماتدخلنيش معاك في لعبة التحدي والأنتقام ... لأن صدقني أنت اللي هتطلع خسران.
ابتسم بسخرية وعينيه تتقد غضب وهمس لها بصوتٍ أربكها :
_ تيجي نتفق اتفاق ؟
لم تجيبه ، ولم ينتظر إجابتها فتابع بنظرة ماكرة :
_ اللي يكسب فينا ليه شرط هدية ... شرط واجب التنفيذ ، فكري براحتك في الشرط مش مهم .... لأني أنا اللي هكسب في الآخر.
*******
خرج الجد مع الفتيات من المصعد ، حتى اسرع يوسف الذي يأس من البحث عنهم وأوقفهم قائلًا بابتسامة مصوبة لحميدة مباشرةً:
_ قلبت الدنيا عليكم يا جدي ....
ابتسم الجد له بمرح وقال :
_ صريح أنت مش بتلف وبدور ...
رد يوسف بتلك الابتسامة التلقائية:
_ وألف وأدور ليه ؟! ..... هو حد يتكسف لما يحب يطمن على اللي منه ؟! ....
أخفت حميدة ابتسامتها وهربت بعينيها لجهة أخرى ، فتابع يوسف بحماس :
_ بقولك إيه يا جدي .... تعالى ناخد البنات ونطلع الدور السادس ، في محل هناك فيه فساتين تجنن ... لمحتهم كده وأنا بدور عليكم.
قال الجد بارهاق :
_ طب خدهم أنت وروح ، وأنا هستناكم في العربية مع رضوى ...
أبدى الفتيات أعتراض لأستعجالهم للحاق بسما ، ولكن الجد سمح بالذهاب وغمز للفتيات بمكر .... ورغم أنهن لم يفهمن ما يحاول قوله ولكنهم اطاعوا الأمر...
تحرك الجد اتجاه باب الخروج ، وصعدوا الفتيات مع يوسف المبتسم ابتسامة واسعة وعينيه تتسلل لحميدة.
وعندما توقف المصعد بالطابق السادس خرجوا من المصعد ومضوا اتجاه المحال التجارية..... انتبه يوسف لآسر من بعيد ولكن آسر كان منشغلا بالبحث عنهم باتجاه آخر .... أجرى يوسف وهو يسير برفقة الفتيات اتصال هاتفي على رقم آسر ...وأخبره بمكانهم ...حتى التفت آسر إليهم وتوجه ناحيتهم مسرعا .....
تلعثمت سما وبدأ وجهها يتصبغ بحمرة خفيفة .... اقترب آسر منهم وقال وهو يتحدث بشيء من العصبية :
_ قلبنا المول عليكم !
قالت سما باستغراب:
_ وانتوا جايين ورانا ليه ؟!
رمقها بغيظ وأجاب:
_ تصدقي أننا غلطانين أننا خايفين عليكوا ؟! .... ما هو اللي زيكوا يتخاف عليهم ... بنات متعرفش حاجة هنا ولو واحدة فيكم تاهت مش هتعرف حتى ترجع البيت !
مطت سما شفتيها بسخرية ثم قالت :
_ معلش .
زم آسر شفتيه بعصبية من ردها ، فأنقذ يوسف الموقف وقال :
_ يلا بقا مش هنفضل واقفين كده ! ... تعالوا للمحل اللي قولتلكم عليه.
سأل آسر باهتمام:
_ هو جدي فين ؟!
أجابه عليه يوسف وهو يجري اتصال آخر على رقم جاسر:
_ مستنينا في العربية تحت ....
وبداخل المحل الكبير ....
وقفت سما أمام أحد الفساتين السواريه وظلت أمامه لأكثر من خمسة دقائق ، وتتفحصه بإعجاب شديد ، ولكن ما ضاقها أنه غير مناسب للمحجبات .... فوجدت صوت آسر خلفها يهمس قائلا :
_ لأ .... مش هينفعك.
التفتت له بحدة وقالت :
_ وأنت مالك ؟!
قال بثقة ليغيظها :
_ معندناش بنات تلبس عريان ، في مليون فستان غيره.
رمقته سما بانفعال حاد ، فابتسم ناظرا لها بتحدِ....
وبعيدًا عنهما وقفت جميلة تسأل العاملة عن أحد الفساتين ، ويبدو أنها قررت أن تشتريه .... فابتعدت العاملة قليلًا لتتأكد من سعره ، بينما جميلة نظرت للرداء بين يديها بابتسامة رضا تام ....فهمس جاسر من خلفها قائلا بصوتٍ ماكر :
_ هتلبسي أحمر ؟! .... هو أنتِ ناقصة جنان !
اتسعت عين جميلة بدهشة ، رغم أمها توقعت ظهور بأي لحظة ، ولكنها للحظات غفلت عن تلك الخاطرة وتفاجئت بوجوده حقا.... استدارت له وتظاهرت بالجدية :
_ احفظ لسانك شوية ، أنت هتبقى محترم أمتى ؟
وضع جاسر يديه بجيوب بنطاله الجينز الأسود ، وظهر أطول قامة وأعرض قليلا ....وقال بابتسامة ماكرة:
_ طب ما أنا محترم ! ...
وتابع بابتسامة واسعة ليستفزها :
_ هو لو مش أنا محترم ما كنت سيبتك ولا سألت فيكي ... بس قلبي مطاوعنيش ... قال وأنا اللي كنت مستغرب إيه اللي بيجذبني ليكِ....أتاريها صلة الرحم !
كادت جميلة أن تبتسم ولكنها لم تدعه ينل تلك الجائزة وقالت بسخرية:
_ لا والله ؟! ..... صدقتك !
اكد جاسر بنظرة ماكرة :
_ لازم تصدقيني .... أشمعنى أنت يعنيِ مش هتصدقيني ! ... كلهن مصدقيني برضو.
وات جميلة عصبية من ملاحظته وقالت باستهزاء :
_ كلهن ؟! ..... ما أغبائهن !
ضحك جاسر وقال :
_ لأ لمضة .... وأنا بتستفزني اللماضة، واللون الأحمر.
قالت جميلة بعدما نظرت له باستهزاء:
_ صدقني كده هبدأ اكره اللون ده ! .... أي حاجة بتحبها بحس أنها عرة !
اطلق جاسر ضحكة عالية جعلت الأعين مسلطة عليه ، ثم أشار لها قائلا :
_ بتشتمي نفسك ليه طيب !... أنتِ اللي حكمتي على نفسك ....
وتجاهلت ما يشير له بالكلمات وقالت بعصبية:
_ ماتخليك في حالك كده وتبعد عني يابارد يا ساقع يا تلاجة!...
قال بابتسامة مستفزة :
_ مش ماشي .
تنفست جميلة بحدة وابتعدت عنه خطوات تحت نظراته التي تتبعها....
*******
خرجت فرحة مكن مبنى المشفى بمساء هذا اليوم التي استطاعت فيه استنشاق الهواء براحة .... فكلما تذكرت تحسن حالة أخيها تستبشر خيرًا وتطمئن ..... وتلك الذكرى تهجم على قلبها وتحعلها تبتسم بسعادة....
سارت بالطريق مبتسمة ثم نظرت للسيارات حتى تحاول ايقاف سيارة أجرة....
وبينما هي تقف على الرصيف حتى وجدت سيارة ضخمة تتوقف أمامها ، وحجبت عن ناظريها الطريق فجأة ....ثم ترجل منها رجل ضخم البنية وجذبها داخل السيارة قبل حتى أن تستوعب ما يحدث وتصرخ.
وضع على فمها لاصقة كي لا تصدر أصوات صريخ ، وبدا عليها حالة من الرعب والغضب أيضا ... وبدأت تركل كل شيء بقدميها وتضرب بيديها بعنف المقاعد .... شل حركتها امرأة كانت بجانبها وقيدت يدها ....ثم أجرى الرجل الضخم اتصال هاتفي وأجاب الطرف الآخر سريعا :
_ ها ...عملت إيه ؟
أجاب الضخم :
_ زي ما قولتلي يا باشا ...هجيبهالك القصر ، نص ساعة واكون عندك ...
انتهى الأتصال وبدأت تدرك فرحة من هو خلف ما يحدث.
*******
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس_والثلاثون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... حادث وطريق آخر للقلب ...~
دق الهلع بقلب فرحة ، من خلف ما يحدث لها الآن ؟! .... وبأي شيء تستطيع انقاذ نفسها من هذه الكارثة ! ... حتى أنها لا تسطع الصراخ!
ولم يكتفوا فقط بقيدها ، بل عصبوا عينيها عن الرؤية بشريط أسود قاتم، واصبحت مقيدة تمامًا عن الحركة والرؤية وحتى النطق!
وبعد ما يقرب بحوالي الساعة تباطئت سرعة السيارة رويدًا حتى وقفت تمامًا ، وترجل منها الخاطفين ليجذبوها بقوةً من ذراعيها ويدفعوها لداخل مبنى قديم ، على قدر رحابة مساحته ولكنه يبدو كشجرة قائمة من زمن الأساطير وهجرها صباها ، فأصبحت هيكل لا روح فيه ، قائم كالتمثال فقط.
وبغرفــة واسعة داخل هذا القصر المهجور زُجت فرحة بدفعة غادرة قوية ، وسقطت على الأرض وهي تتأوه باكية ويديها مغلولةً بحبلٍ سميك.... حتى انتبهت لخطواتٍ تقترب! ، تقترب اتجاهها تحديدًا فاعتدلت بصعوبة وهي تزدري ريقها برعب ...
نفحت أنفاسه رائحة تبغ مميزة وهو يقترب إليها ويهمس بصوتٍ به رنة منتصرة:
_ ها إيه رأيك ؟! .... عرفتي بقا أنتِ بتتحدي مين ؟! أقل من ساعة وكنتِ قدامي هنا ... الوصول ليكِ أسهل مما تصورت...تخيلي ؟!
تنفست فرحة بسرعة عالية وهي تستجمع في ذاكرتها وتبحث عن صاحب هذا الصوت ، ولكن يا للغباء التي شعرت به عندما ادركت أنه هو ...."زايد" ، ذلك الشاب المتعجرف الأحمق ، فهزت يديها بغضب وهي تحاول فك قيدها ...
ابتسم زايد بسخرية على محاولاتها الفاشلة ، وقرر ترك بعض الحرية لها ، فسحب عن فمها اللاصقة وعن عينيها العصبة السوداء .... ثم نظر لعينيها الحمراء الباكية وقال بابتسامة شامته:
_ ما اعتقدتش أنك اتصدمتي كتير ! ، كان لازم تعرفي من أول لحظة أني أنا ورا اللي بيحصلك .... واللي هيحصلك.
نطقت فرحة بغضب يفتك غروره :
_ كان لازم بدل محضر واحد اعمل فيك أنت كمان ، لأنك أكتر من أخوك حقارة وإجرام ...
مط زايد شفتيه باستهزاء ورد قائلًا بابتسامة ماكرة؛
_ هو مش هيكون في محاضر خالص لمعلوماتك ، بس فكرة أني اتحدى حد ضعيف وبيقاوح وعايز يقف قصادي بالشكل ده... دي فكرة مغرية جدًا بالنسبالي ...
هتفت فرحة بصوتٍ عنيف قائلة:
_ لو أنت مش عارف أني أقدر مكنتش جبتني هنا ! ، ومكنتش كلمتني وحتى ما عندكش الجرأة تفكني ! .... كان عندي بُعد نظر لما عرفت أنك جبان من أول مرة شوفتك.
اسودت عينا زايد وبدأ غضبه يتصاعد منها ، ولكنه اقترب بعصبية وفك قيدها بحركة عنيفة المتها .... وما كاد أن يلقي الأحبال من يده حتى وجد دفعة قوية من يدها جعلته يترنح !
اتسعت عينيه بدهشة وهو يعتدل واقفًا ، بينما انفلت زمام السيطرة من أعصابها وهوت على وجهه بصفعة موجعة ... لم تحسب لأي شيء حساب ، لم تستمع سوى لغضبها وعناقيد الانتقام بنفسها.
واصبحت عينيه كالجمر الأسود من الغضب ، ويده على خده بنظرات قاتلة لها ، لم تنكر أنها ارتعدت بداخلها ، ولكن عليها أن لا تظهر ذلك .... حاول الرجل الذي خطفها الاقتراب والتدخل ...بينما أشار له زايد ليبتعد وعينيه مُسلطة عليها بوعيد شرس ....
نظرت فرحة حولها جيدًا بنظرات خاطفة ، علها تجد شيء تستخدمه للدفاع عن نفسها، وقدميها تبتعد لتوسع المسافة بينهما ، واقترابه كان نذير خطر جعلها ترتجف رعبًا.
وقعت نظراتها على سلسلة من الحديد "جنزير" ملقاه على بُعد خطوتين من جانبها الأيمن ، فركضت فجأة لها قبل أن يسرع إليها زايد وسحبتها بخطفة عابرة لتصبح السلسلة المعدنية بيدها ..... صرّ زايد على أسنانه بعنف من وقوفها أمامه بتلك الجرأة والقوة ......
وظن أنها لن تفعل بها شيء سوى التهديد بها فقط من بعيد ، ولكنه ما أن تقدم خطوة واحدة مقتربًا حتى ضربته فرحة على قدميه بقوة ..... تألم زايد وتأوه صارخا من الألم وهو يتحسس موضع الضربة ، والتي يبدو أنها تنزف دمًا أسفل ملابسه...
بعدما قرر بشكل قاطع أن ينتقم منها أشد انتقام أتى والده فجأة مسرعا للغرفة وأوقفه بعصبية :
_ خليك في مكانك يا زايد أوعى تقرب لها !
تفاجأ زايد من وجود والده وقال :
_ مين اللي قالك أني هنا ؟!
تنفس والده بسخط وغضب ثم أجاب :
_ اللي قالي قالي مش ده المهم ، المهم أني لحقتك قبل ما تتهور وتوقعنا في مصيبة أكبر من مصايب أخوك !
التفت زايد ناظرًا لفرحة بشراسة وقال :
_ اللي في دماغي هنفذه مهما كانت العواقب ...
مضى والده ليه وهزه بعنف من ذراعيه بصياح :
_ فوق من عصبيتك وتهورك بقا ، لأمتى هفضل اصلح غلطاتك أنت وأخوك ! ... أمتى هتعقلوا بقا ! الدنيا مش بالدراع زي ما انتوا فاكرين كده !
اطمئنت فرحة بعض الشيء لوجود والده ، وصرخت ببكاء معلنة ما بداخلها :
_ أنا همشي من هنا بس مش هعدي اللي حصل ده غير لما أخد حقي ، وهوديكم كلكم في داهية.
نظر الرجل لأبنه زايد بنظرة قوية تجبره ألا يتحدث ، ثم استدار لفرحة ولانت تعابير وجهه قليلًا وقال:
_ وإيه دليلك ؟! ما ممكن على ما تروحي تشتكي نكون اتصرفنا برضو ولفقنالك تهمة !
هزت فرحة رأسها بتأكيد ، فهي لم تحسب الرجل ملاكا وهؤلاء أبنائه ! ..... قالت بكراهية:
_ ايوة بانو على حقيقتكم كلكم ، كلكم أسوأ من بعض ، ماصدقتش وش الطيبة اللي كنت رسمه لنفسك قدامي.
ظهر على وجه زايد أنه على وشك الأنفجار ، فرد أبيه عليها بهدوء قائلًا:
_ أنا قولت ممكن ! ...ما اكدتش أني هعمل كده !، المرادي أوعدك أن محدش هيتعرضلك تاني بأي أذى ... اتفضلي أخرجي وهبعت السواق بتاعي يوصلك لبيتك.... بس خليكِ فاكرة أني اقدر اعمل كتير ، طالما أنتِ بخير يبقى الأفضل تفكري بعقل... أتفضلي.
رمت فرحة نظرات كره وغضب لكلاهما ، وخرجت راكضة من المكان المغلق تقريبًا والمعبأ بالتوتر والضيق ...
عاد الرجل واقفًا أمامه أبنه بغيظ وقال :
_ أنت ليه مصمم تودينا في داهية ؟! ... أنت كنت ناوي تعمل فيها إيه ؟!
تشنجت عروق عنق زايد من العصبية المفرطة ، وهو الذي لم يستطع حتى رد كلماتها خلافا عن الضربات الموجعة التي اصابته! .... فقال بتوعد :
_ مكنتش ناوي اعمل اكتر من كارت تهديد لو أصرت تعمل اللي في دماغها ، بس دلوقتي ناوي اعمل كتير ومش هرحمها.
أطبق والده شفتيه للحظات بغضب ، ثم قال بأمر:
_ أنت وأخوك أكبر بلوى ابتليت بيها ، ناويين تضيعوا كل اللي بنيته في سنين ، استفدت إيه من اللي عملته دلوقتي بغبائك ده ! ، ليه أول حل بنسبالك هو التهديد لما ممكن تستخدم مخك شوية وتحلها ودي !
هتف زايد بأنفعال :
_ هو ده اللي اتعلمته منك ! ، أنا مجبتش حاجة جديدة عليك ! ، جاي بعد السنين دي كلها وتقولي أهدا وفكر ! ... أنت لا علمتني الهدوء ، ولا علمتني أفكر بهدوء !
وتابع بسخرية بها طيف من المرارة :
_ كل ما تكلمني تقولي أهدى وفكر وبلاش العنف ! .... مع أن أنت أول واحد علمني يعني إيه قسوة ، ويعني إيه مايهمنيش مخلوق حتى لو كنت أنا غلط ، علمتني الأنانية والغرور وجاي دلوقتي بتخلي مسؤوليتك وبتلومني ! ....
تأفف الرجل الأشيب بضجر من فتح سجلات الماضي مجددًا وقال :
_ وبعدين ! .... مالوش لزوم نفتح القديم يا زايد !
ضحك زايد ضحكات عالية بمنتهى الاستهزاء ، ثم نظر لوالده بنظرة معذبة وغاضبة قائلا :
_ عشان ما بتحبش تواجه نفسك بغلطك ، شايفني وحش .... بس ماشوفتش أن السبب في اللي أنا فيه هو أنت ! .... لا أنا عارف اتغير .... ولا أنت هتبطل تشوفني كده ، يبقى سيبني زي ما أنا وبلاش تحسسني أنك كنت الأب المثالي وأنا الأبن الضال! ... وبلاش أفكرك أني اتسجنت خمس سنين من عمري في مستشفى أمراض نفسية وكنت أنت السبب!
قال ممدوح محاولًا امتصاص غضب أبنه :
_ عشان كده مستحملك يا زايد ، مش لأني شايفك وحش بنصحك وبصلح وراك ، لأني معترف أني غلطت في حقك أنت ووالدتك كتير ... للأسف هي ما استنيتش ولا صبرت عليا .... و...انتحرت !
ظهر تأجج العذاب والألم بعينان زايد ، ونظر لوالده بنظرة اتهام صامته والدموع تتلألأ بعينيه على ذِكر والدته ..... تشنجت عروق رقبته بشكل واضح ، ويبدو أنه يكبت موجة من الهيستريا التي تلحق به كلما وقف عند تلك الدرجة من الغليان العصبي ....
ثم تحرك بخطوات واسعة وسريعة للخارج كأنه هارب من ذنبٍ عظيم ، ودخل سيارته والدموع تلتمع بعينيه السوداء ولم يتوقف لأي صوت يناشده ويأمره بالوقوف.
**********
وقف الجد أمام سيارته بنظرة دقيقة ، فخرج رعد من السيارة بتعابير وجه لا تنذر بالخير .... اقترب لجده ووقف أمامه لدقيقة صامتً ....فقال الجد بقلق :
_ أنت قولتلها إيه ؟!
تنهد رعد بعصبية وقال:
_ اللي قولته ، واللي هي قالته ، وكل اللي بيحصل ده أنت السبب فيه يا جدي.
رد عليه الجد بضيق وقال :
_ أنت اللي عنيد وجايب الغلط عندي !
هز رعد رأسه بيأس وحزن قائلًا :
_ لأ .... إجبارك لينا في كل حاجة فاتت هو السبب في اللي أنا فيه دلوقتي ... كنت فاكر أنك جبت البنات هنا تصلح الأمور بينا وتخلينا نختار بعض برضانا ، أنما أنت جبتهم عشان تتحدانا ، ياريت تعرف من دلوقتي أنك بالشكل ده بتفرق مابينا أكتر !
نظر له الجد بصمت تام ، نظرة مرتبكة تظهر خشيته من حقيقة ما قاله رعد .... ذهب رعد مبتعدًا اتجاه سيارته وترك جده واقفًا متخبطا في أفكاره .... ثم نظر لرضوى التي تاهت عينيها للبعيد بشرود حزين ، وللحظة دق قلبه خوف من مسار خطته التي يبدو أنها تسير بالطريق الخطأ !
*******
وفي خضم الزحام بطريق السير ، كانت تركض سيارة بأعلى سرعتها كأن من يقودها بحالة سُكر أو شبيهتها ...
عينان مصوبتان على الطريق الذي تقريبًا لا يرى منه شيء ! ، عينان دامعتان يكبلهما الحزن ويطوقهما بأسياج من ذاكرة الماضي المتقدة بنيران القسوة والحرمان ....
لا ينفك أبيه أن يُلقي عليه وابل من الوعظ وأشارة غير مباشرة أنه فاشل ! ... بالكاد استطاع أن يثبت له بسنوات قليلة أنه ليس كذلك ... ولكن في نفسه سيظل ذلك المريض النفسي الذي يرى كل شيء ضبابي ، أسود قاتم ، رؤية فولاذية للوحة سوداء ! ...
قد ظن الكثير أنه تعافى ، ولكنه بقرارة نفسه يعرف أنه يحمل مدخر هائل من الثورة الغاضبة ، تنتظر فقط الأنفجار لتعلن عن نفسها .....
ضرب زايد المقود بغضب شديد ، وصورة والدته الراحلة أمام عينيه معلقة بحبل بسقف أحدى الغرف الفندقية ... وكانت محاولة انتحار ناجحة وقعت أمام عينيه البريئة طفلًا لم يتعدى العشر سنوات ...
وفجأة أسودت الرؤية أمامه ، بعدما تم أصطدام سيارته بسيارة أخرى وتلقى ضربة عنيفة على رأسه من قوة الأصطدام.!
آخر ما شعر به هو تجمع حشد غفير من البشر حوله وأصوات تستغيث بطلب الأسعاف .... كان يردد فقط كلمة واحدة قبل أن يتيه بغيبوبة ...
_ أمــي ..
*******
عند خروج الفتيات والشباب من الفندق ، ابتسم يوسف لحميدة وقال بتلقائية :
_ النهاردة مالحقتوش تلفوا على كل المحلات ، المرة الجاية هاكون معاكم بأذن الله.
أخفت حميدة رفرفة ابتسامة عندما تذكرت تحذير جدها وقاات برسمية:
_ مافيش داعي ... طالما جدي معانا يبقى مافيش داعي تتعب نفسك.
أصر يوسف وقال :
_ مافيش تعب ولا حاجة ، بس ماينفعش تبقوا لوحدكم حتى لو جدي معاكم .... وكمان هو مش كل مرة هيكون معاكم ، صحته هتتعب كده.
لم تتجادل معه حميدة بل تظاهرت بالتجاهل التام لحديثه ، فسرق نظرات جانبيه لها بتعجب ، كان يظنها ستفرح للأمر وتستقبله بالموافقة والترحاب !.
بينما سار آسر بخطوات هادئة كي يساير خطوات سما ، وعندما وجد اللحظة المناسبة قال لسما بتحذير:
_ لما أقولك على حاجة لأ يبقى لأ ، ماتنسيش أني أبن عمك ومن حقي أخاف عليكِ ، ومن حقي كمان لما أشوف لبسك مش عاجبني أنبهك وأحذرك ...
قالت سما بسخرية:
_ هو اللبس اللي جبته مش عاجبك ؟!
رد عليها آسر بغيظ :
_ آه ، وبالذات الفستان الأسود! ...
ابتسمت سما بخبث ولم تتفوه بحرف ، فزفر آسر بعصبية عندما لاحظ نظرات عينيها التي تضمر الكثير وقال :
_ لو الفستان ده اتلبس مش هيعجبك رد فعلي ... أنا عارف أنك عنيدة وواخدة وضع التحدي دايمًا ... بس هنا مش زي البلد خليكِ فاكرة!
قالت سما بهدوء أثار غيظه أكثر :
_ الفستان محترم ، وأنت مالكش عندي حق ، واحمد ربنا أني سيباك تتكلم معايا ...
ضيق آسر عينيه بنظرة غاضبة تحذرها ، ولكنها مضت في سيرها كأن ليس له وجود بالأساس ....
تسحبت نظرة جاسر نحو جميلة ، التي يبدو تنتظر أي لمحة منه كي تتشاجر معه ... ابتسم وهو يسير واضعا يديه بجيوب بنطاله بثقة عالية .... ثم قال بخبث :
_ بما أني سمعتك وأنتي بتقولي مقاساتك في المحل ... فأنتظري مني هدية هتعجبك يا أبنة العم ...
قالت جميلة بسخرية ولم تلقي عليه حتى نظرة جانبية:
_ خليهالك ... مابقاش إلا أنت اللي هاخد منه هدية كمان ! ... هنخيب ولا إيه ؟!
رفع حاجبيه بنظرة قوية وقال :
_ مابقاش إلا أنا ؟! .... مالي يعني ! .
قالت بابتسامة جاهدت كي تواريها عن أنظاره :
_ مش بطيقك ياجدع ... بستتقل دمك.
استطاعت بنجاح أن تستفزه وتثير أعصابه ، فقال لها بتحذير :
_ ما تستفزنيش ... عشان لو حطيتك في دماغي هخليكي تولعي في نفسك، بس صحيح يا جميلة ... هو إنتِ مش راضية تخليني أشيل الشنط اللي معاكِ دي ليه ؟ ... هي فيها إيه ؟!
قالها وقد عادت لثغره ابتسامة ماكرة ، فغضبت جميلة وارتبكت بعض الشيء ... ثم قالت بغيظ :
_ فيها رخامة وحشرية ... تاخد شوية ولا أنت مستكفي ؟!
اتسعت ابتسامته بأستفزاز ثم قال :
_ سبحان الله ... كل البنات اللي عرفتها كانوا بيموتوا واسألهم عن أي حاجة ، أفتكر مرة كنت مع توتو بنعمل شوبينج ... سألتها عن شيء كده فضحكت و....
لم يكمل حديثه حتى وقعد أحد الأكياس التي تمسكها جميلة تندفع على وجهها بلطمة قوية ... ثم نظرت له وهتفت به بعصبية وبداخلها تئز غليان :
_ أنت قليل الأدب ومش محترم ... وأنا مش توتو عشان تكلمني كده !
وقف الفتيات والشباب ينظرون لجاسر الذي يتطلع بجميلة بغضب .... وصاحت جميلة به أكثر وعينيها تلتمع بوميض غامض :
_ لو ما احترمتش نفسك معايا مش هتلاقي مني غير الإهانة ، أنا بنت جاية من الريف ، يعني جزمتي بس بمليون واحدة زي توتو بتاعتك السافلة دي !
أطبق جاسر على شفتيه بعصبية حتى ركضت جميلة متحكمة بغضبها بقدر ما استطاعت ، وجلست بجانب رضوى بسيارة الجد ...
ذهبت سما وحميدة خلفها ، فقال يوسف بعتاب لشقيقه جاسر:
_ أنت هتقارن بنت عمك زي اللي كنت بتخرج معاهم !
قال جاسر بغيظ :
_ لسانها أطول منها ، بس والله ما أنا سايبها غير لما تسلم.
رد آسر بتحذير:
_ ماتفوق يا جاسر !... دي بنت عمك ! .. يعني مش زي البنات اللي كنت بتعرفهم !
رد جاسر بحدة وقال :
_ بنات إيه ؟! ... وهي لو زي البنات دي كنت هسيبها تخرج اصلًا ولا تشوف الشارع؟! ... بس بتغيظني وبتعرف تستفزني ! ... أنا مضايق ومش طايق حد ! ولا طايقك أنت كمان يا يوسف !
قال يوسف كاتما ضحكة :
_ وأنا مالي ! .....لأ وأنت اللي فضولك واخدك تعرف اشترت إيه ، اديك اضربت بنفس ذات الشنط !
صرّ جاسر على أسنانه بغضب فقال يوسف معتذرًا :
_ أنت هتبلعني ولا إيه ؟! .... لا أستنى ، نروح ونتعشا الأول.
سأله آسر بتعجب :
_ أنت مش اتعشيت يابني ؟! ....
شرد يوسف بابتسامة شاعرية وقال بهيام :
_ كل ما بشوفها بحس أني جعان حتى لو لسه متغدي ... مش عارف ببقى جعان بجد ، ولا الحب سعراته الحرارية عالية وبيحرق الأكل جوايا..... حبيبتي فيها شيء من الزبادي.
قال جاسر بعصبية :
_ أستاذ طبيخ .... يلا نرجع البيت ، وإلا ...
قاطعه يوسف بنفس الابتسامة السابقة:
_ نرجع منرجعش ليه ...
زفر جاسر وآسر وهما يجذباه نحو سيارة رعد ...
بينما عاد الفتيات مع الجد بسيارته ، واسرعت سيارة رعد التي تحمل الشباب الثلاثة خلفهم ...
لاحظ يوسف مدى الغضب الواضح على سيماء أبن عمه "رعد" ، فغمز لجاسر بيأس .... قال جاسر وهو يجلس بالمقعد الخلفي للسيارة:
_ أنت هببت إيه ؟ رضوى بتعيط وأنت مش طايق نفسك ؟!
*******
وبعد مرور الوقــــت لساعاتٍ
دقت الساعة الواحدة ليلًا ....واجتمع الفتيات الأربعة بغرفة رضوى .... نظرت حميدة لها بلوم ورضوى جالسة على فراشها تبك بصمت :
_ على فكرة أنتِ اللي غلطانة يارضوى ! ، أنا حذرتك وأنتِ اللي استعجلتي ... هو أنتِ كنتي عارفه أنه جاي ؟!
لم تجيب رضوى مباشرةً ، بينما نطقت بعد دقيقتين وقالت بصدق :
_ كنت حاسة أنه جاي ، مكنتش متأكدة بس حاسة ومتوقعة ، ورغم كده لما شوفته اتفاجئت بجد ! .... معرفش أنا بقيت بفكر أزاي ! ....حاسة أني تايهة !
قالت سما بمواساة:
_ موقف وعدى ماتفكريش فيه كتير ، بس ما تتسرعيش تاني ... وبصراحة يعني المفروض تفرحي .... غيرته كانت باينة وواضحة !
قالت رضوى بمرارة وبكاء :
_ أفرح ! ..... أفرح أني بشوف الرفض في كلامه ، ونظرته ليا اللي بتأكدلي أنه شايفني أقل من أني استحق حتى يبصلي ! ، ولا أفرح أن مع كل ده مصمم يخليني اتعذب وأفضل أحبه ! .... هو مش بيحبني ... هو عايزني أفضل أحبه ودي الحقيقة للأسف !
نهضت جميلة وقالت بغيظ :
_ دول عايزين يتربوا ونثبتلهم أننا مش قليلين.
قالت سما بثقة:
_ أنا كنت نقررة اتكلم مع جدي بكرة أن شاء الله ، قررت اقدم ورقي في جامعة مفتوحة ... إيه رأيكم تكملوا معايا ! ، مش ده كان حلمنا ؟
مسحت رضوى عينيها بقوة وقالت بموافقة:
_ وأنا موافقة ...
"وأنا كمان "
قالتها جميلة بتأكيد فسيارتهم حميدة بالموافقة .... فأضافت سما قائلة :
_ ومش بس هنكمل جامعة ، هنشتغل ، ومافيهاش حاجة لو كلمنا جدي يتوسطلنا لشغل كويس ومناسب لينا .... على الأقل هننشغل ومش هيبقى في وقت نفكر فيهم ...
نال الأقتراح اعجاب الفتيات واتفقوا على التحدث مع الجد بالصباح ....
********
وعند صباح اليوم التالي ....
وقف وجيه أمام المرآة يضبط ربطة عنقه وينثر بعض من رذاذ العطر الفواح على ملابسه .... وقفت جيهان خلفه تتأمله بكل لافته .... فاستدار وابتسم لها قائلًا :
_ شكلك عايزة تقوليلي حاجة ؟!
اقتربت جيهان له وقالت بنظرات متألمة :
_ أنت حددت الجواز من ليلى أمتى ؟
أجابها بصدق :
_ هنكتب الكتاب الأسبوع الجاي ، كلمت جدها قبل ما يسافر واتفقنا.
قطبت جيهان حاجبيها وتلعثمت في القول ...ثم طرحت سؤالها :
_ هو مش المفروض أن طليقها أبن عمها ومات ! ... يعني في عزا عندهم وكده !
أوضح وجيه الأمر :
_ أولًا هو طليقها ، ثانيًا اللي عرفته أن محدش زعلان في موت صالح بالعكس ، كل الناس ارتاحت من شره وأذيته ، فمعتقدتش أن خبر جواز ليلى هيكون صادم لحد ... وبعدين اللي يزعل يزعل مايهمنيش .... اللي يهمني هي.
نظرت له جيهان بألم وكأنه صفعها صفعة حادة ، فادرك وجيه خطأه سريعا وربت على كتفيها معتذرًا وقال :
_ أنا أسف .... أنا...
قالت جيهان بابتسامة تخفي عذابها وقالت :
_ أنا مزعلتش .... أنا سألتك وجاوبتني بصراحة ... وبس !
ابتعدت عنه وهي تتظاهر بالثبات ، بينما تنهد وجيه بضيق من نفسه ... يجب أن ينتبه بالحديث معها أكثر من ذلك ...
*********
ظهرت بعض الدوائر القاتمة حول عينين فرحة وهي تدخل المشفى .... بعدما ظلت طوال الليل تبك من قلة حيلتها وضعفها أمام هؤلاء الأثرياء ....حتى فوضت أمرها لله ..
وحمدت ربها أنها وصلت المشفى بوقتٍ أبكر وكافٍ حتى تستطع الذهب لرؤية شقيقها ....
وبينما هي تتوجه لغرف العناية حتى تفاجئت بوالد زايد يقف باكيًا أمام أحدى غرف العمليات .... وعندما لمحها أسرع إليها بحالة صدمتها !
وقف الرجل أمامها وعينيه ممتلئة بالدموع وقال :
_ زايد أبني عمل حادثة ، ودلوقتي هو بين الحياة والموت .... سامحيني يابنتي ...وسامحيه.
اتسعت عين فرحة بذهول .... وحوقلت ولا زالت بحالة صدمة ، وادركت المعنى الحقيقي لضعف البشر ... وأن القوة التي تخيلتها مساء أمس وبكت من ضعفها أمامهم ...ليست أكثر من بضع كلمات يختبأ خلفها انسان بكل ضعفه، ولكنه يوهم الجميع بأكذوبة قوته الزائفة.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
_____________________________
في انتظار حفلة كتب الكتاب ، وتفتكروا بها زايد هيفضل العصبي العنيف ده مع فرحة ولا الأمور هتروح لحته تانية خالص ؟!
أنا اتحمست لقصتهم أكتر من وجيه وليلى 😂
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس_والثلاثون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... لا تتركني ...~
وقف والد زايد أمامها يترقب منها أي إجابة تُريح قلبه المقهور ، ولكنها تشتت للحظات ووقعت بحيرة بين حالة الغضب والكره لذلك الشاب ، وبين شفقة شعرت بها على ما حدث له.
فقالت باختصار:
_ ربنا يقومه بالسلامة.
وبعدها توجهت لغرفة شقيقها مباشرةً قبل أن ينقضي الوقت بلا فائدة، لم يمنعها أي من الممرضات نظرًا لتوصية د.أمجد ...
استقبلتها ابتسامة شقيقها بعدما استفاق تدريجيًا ورأسه لا زالت ملتفة بشاش أبيض طبي، وركضت فرحة إليه بابتسامة أمل تدق بقلبها ...فقالت وهي تمرر يدها بحنان على رأسه :
_ عامل إيه دلوقتي؟
رد عليها شقيقها بمنظرة مؤكدة قوله:
_الحمد لله ، حاسس أني بتحسن يوم عن يوم.
وتوقف عن الحديث عندما انتبه لعينيها المتورمتان فقال بعبوس:
_ أنا بقيت كويس ليه بقا بتقعدي تعيطي ؟!
ابتسمت فرحة ابتسامة خفيفة وقالت بنفي:
_ أنا مش بعيط ، أنا قدامك أهو بضحك وعادية!
رفع شقيقها يده لعينيها مشيرًا وقال :
_ طب وعنيكي حمرا كده ليه؟!
أطرفت فرحة عينيها بتنهيدة، ثم تظاهرت بابتسامة وهي تنظر له وتقول:
_ سهر وقلق وخوف عليك، لما تقوم بالسلامة كل ده هينتهي... وبعدين في حاجة عايزة اسألك عنها.
نظرت فرحة له بحيرة وتساءلت:
_ في ممرضة قالتلي أن في حد جه زارك قبل ما أجيلك امبارح، مين ده ؟!
تلعثم شقيقها " حسام" وظهر عليه التردد ، فضيقت فرحة عينيها بشك وقالت :
_ ما تقولي مين اللي زارك هو أنا هضربك !
أجاب حسام بصدق :
_ بصراحة يعني ...فادي.
غضبت فرحة وقالت بعصبية:
_ هو ليه عين بعد اللي عمله فيك ؟! ده بجح أوي!
قال حسام شيء جعل فرحة تحملق فيه بصدمة:
_ أنا هتنازل عن المحضر يا فرحة ... أنا مش عايزه يتسجن بسببي.
لم تصدق فرحة ما سمعته منه ، فأكد شقيقها حسام قوله معترفاً:
_ هو اتأسفلي واعتذر كتير ، قالي أن صحابه اللي اتعرف عليهم بقاله شهرين هما اللي وصلوه لكده.
قالت فرحة بسخرية وغيظ:
_ وأنت صدقته ؟!
أكد حسام ظنها:
_ صدقته .. لأني أعرفهم ، ومنهم اللي اتخانقت معاه قبل كده لما اتريق عليا عشان مش بشرب سجاير .. وعارف عنهم كتير ، لما حكالي عنهم عرفت أنه مش كداب.
ردت فرحة بعصبية :
_ بس ده مايمنعش أنه كان ممكن يأذيك أكتر من كده ! ، أنا مش مسؤولة هو عرف مين ومين اللي حرضه ! ، كل اللي أعرفه أنه السبب في وجودك هنا دلوقتي !
قال حسام وبعينيه رجاء أن توافق على رغبته بإنهاء الأمر:
_ بس أنا مسامحه ، وكمان احنا مش ناقصين مشاكل.
التمعت عين فرحة بالدموع وقالت له بعتاب :
_ قول بقا كده ، قول أنك مش واثق فيا ومش واثق أني ممكن ارجعلك حقك وشايفني ضعيفة!
تأسف شقيقها وقال باعتذار:
_ مش اقصد وأنتي عمرك ما كنتي ضعيفة ، بس أنا سامحته بجد، ولما اتكلم صعب عليا أوي، خصوصا أني حسيت لما جت سيرة أخوه الكبير أنه بيترعب منه ، وأبوه مش فاضيله أصلًا ، وبالنسبة لحالتي فأنا كلها أسبوع أو اتنين وأبقا احسن من الأول أن شاء الله .. مش هستفاد حاجة من اذيته.
نظرت له بدقة وقالت :
_ لو ده اللي هيريحك أنا هتنازل ، بس اتأكد أن ده اللي يريحك مش حاجة تانية.
ابتسم حسام لها وقال بتأكيد:
_ والله هي دي الحقيقة ، أنا مسامح ولو مكنش اعتذرلي وعرفت اللي عرفته مكنتش هسامح.
لم تحب فرحة أن تخبر أخيها بحادث زايد ، ولم تريد أخباره عن ما فعله معها منذ ساعات ... فتغاضت عن التحدث بأي شيء متعلق به وخرجت من الغرفة إلى عملها بقسم الأشعة.
*****
التمعت عين أمجد بالحزن والألم وهو يتطلع بهاتفه لصور الزفاف التي تشاركها أصدقاء سمر من حفل الزفاف بالأمس على صفحتها الشخصية بأحد مواقع التواصل الأجتماعي...
جميلة ، رقيقة ، ملثما تمناها منذ أن وقع بحبها ، شيء بقلبه يخبره أنه لن يستطع نسيانها أبدًا ....وشيء آخر ثائر يريد فعل أي شيء ليقتلع ذلك العذاب والحب من قلبه ونسيانها.
دفع هاتفه بعيدًا ووقف وهو يتنفس بصعوبة، ثم خرج من مكتبه كأنه يهرب من شبح أسود يركض خلفه.
لم يشعر إلا عندما وجد نفسه يقف أمام فرحة بعقر عملها ، كانت الأنظار مصوبة عليهم وذلك جعلها ترتبك وتحمر خجلًا ... فقال أمجد بضيق وعصبية واضحة على وجهه:
_ هتخلصي شغلك أمتى ؟
فوجئت فرحة من سؤاله ولكن أجابت :
_ لسه كتير ، أحنا الساعة ٩ الصبح !.
رفع نظارته على أنفه بعبوس وضيق وكأنه كان يتوقع أن تترك عملها لأجله ! .... فهزأ رأسه دون دلالاة واضحة وابتعد عنها !
عادت فرحة تنظر للأوراق أمامها بذهن مشتت ولا ترى من الاوراق سوى كلمات بعيدة عن رؤيتها.
*****
استقبل وجيه عقب وصوله للمشفى الدكتورة "مروة" ... جلست الأخيرة أمامه بمكتبه الخاص ، فقالت مروة متساءلة بقلق:
_ أتمنى مايكونش حصل حاجة تاني لليلى ؟!
نفى وجيه ظنها وقال موضحا :
_ لأ الحمد لله ، بس طلبتك عشان شيء مهم جدًا ...
راقبت مروة الحيرة بعينين وجيه وادركت أن هناك شيء يتردد في قوله ولكنه مجبور .... فقال بعدما اخذ نفسا عميق:
_ كتب كتابي على ليلى بعد أسبوع ، أنا مش هأجل تاني مهما حصل .... بس اللي شاغلني أني متأكد أن ليلى مخبية حاجة ، وحاجة خطيرة كمان !
قالت مروة بتأكيد شكوكه:
_ ده برضو اللي حسيته ، لكن على ما جيت أعرف منها هربت من المركز ومعرفتش أوصلها .. بس ممكن أعرف السبب اللي خلاك تشك في كده ؟
أطبق وجيه فمه على بعضهما في ضيق وعينيه أمامه ثابته بالفراغ للحظات .... ثم قال :
_ كل ما أقرب لليلى تبعد ! ، أنا متأكد أنها بتحبني بس في شيء بشوفه في عنيها لما بتيجي سيرة جوازنا ، في البداية كنت بقول بسبب خوفها من طليقها واللي ممكن يعمله ، أنما دلوقتي بعد ما مات هي خايفة من إيه ؟! .... ده اللي مش قادر أفهمه !
وتابع بضيق شديد :
_ في حاجة ليلى مش قادرة تتخطاها ولا تنساها ، حاجة هي من وجهة نظرها شايفة أنها ممكن تأزم جوازنا !
تساءلت مروة بصدق :
_ طب وعايز تعرف عشان تقرر تكمل معاها؟ ... ولا هتكمل في كل الأحوال ؟
رد وجيه بتأكيد لا فيه شك:
_ أنا عمري ما هسيبها ولا هسمحلها تبعد عني تاني ... مهما كان اللي حصل.
قالت مروة برفق:
_ يبقا كده صح ... وعايزة أقولك أني ماسكة أول الخيط ومش هسيبه غير لما أوصل لنهايته.
تعجب وجيه وقال :
_ إيه هو أول الخيط ؟!
شردت مروة للحظات ثم قالت :
_ اسم " ورد" ، ليلى جت المركز ولما سألتها عد أيام كتير كانت رافضة فيهم تتكلم ، قالت أن اسمها" ورد"، الاسم ده أنا متأكدة أنه له علاقة بحالتها ، علاقة قوية كمان ، هل الاسم ده عشان هي زمان كانت بتبيع ورد ؟ ... ولا له حكاية تانية؟
تنفس وجيه بعصبية وقال :
_ اللي كان ممكن يجاوب على السؤال ده أبوها ، لكن للأسف مافقش من الغيبوبة لحد دلوقتي !
وجدها لو يعرف حاجة كان قالهالي ، هو نفسه مش فاهم اللي بيحصلها !
قالت مروة فجأة:
_ ريميه.
اتسعت عين وجيه وشعر بالغباء ، فقالت مروة :
_ ممكن نعرف منها ، بس ماينفعش دلوقتي ، البنت حالتها مدمرة ، أي استدراج في الكلام مع حالتها دي هيتعبها أكتر .... بس اللي عايزة أعرفه دلوقتي ، لما كلمت ليلى عن الجواز آخر مرة ... رفضت بشكل قاطع ولا بان عليها الحيرة والخوف ؟
تذكر وجيه وقع حديثه عليها بآخر لقاء فأجاب:
_ هي مارفضتش أصلًا ، بس حسيت أنها خايفة توافق ، هي موافقة جدًا بس في حاجة مخوفاها ... عشان كده قررت أن كتب الكتاب الاسبوع الجاي.
وافقته مروة وقالت بمباركة:
_مبارك عليك يا دكتور ، ده احسن قرار أخدته معاها ، مكنش ينفع تستنى لما تقولك موافقة لأن صعب حاليًا ....
وأنا من جهتي هفضل معاها لحد ما ربنا يعافيها.
قال وجيه برجاء شخصي :
_ لو طلبت منك تشتغلي هنا ، ومرتبك هيكون ضعف مرتبك بالمركز ، ده غير صلاحيات كتير هتلاقيها هنا وما اعتقدتش هتلاقيها في أي مكان تاني.
ابتسمت مروة وقالت وهي تنهض:
_ بصرف النظر عن موضوع المرتب لأن العرض فعلا مغري خصوصا لو في مستشفى كبيرة زي دي ، بس حالة ليلى هتلزمني اكون هنا كتير ، وده هيجي على شغلي بالمركز ... موافقة.
نهض وجيه وقال لها بامتنان :
_بشكرك جدًا ، حضري الملف بتاعك براحتك ، وشغلك تقدري تبدأيه من دلوقتي.
وافقت مروة وانتهت المقابلة .... وعاد وجيه لعمله مطمئنا بعض الشيء ..
******
على مائدة الإفطار جلس الجد شاردًا قليلًا في حديث رعد وكلماته التي لم تبتعد عن مدار تفكيره.
رتب الفتيات أطباق الطعام وجلسوا بهدوء على المقاعد ...وبعدها أتى الشباب واحدًا تلو الآخر ، وجلسوا متقابلين للفتيات التي تجاهلن تمامًا وجودهم... بإستثناء يوسف !
سأل الجد بتعجب:
_ هو يوسف فين ؟...مش هيفطر؟!
نطقت حميدة بارتباك وقد عرفت من أحدى الخدم مكانه، فقالت بحياء :
_ هو تقريبًا مع ريميه ، أم السعد سمعتها بتقول كده، بس صحيح يا جدي ، من ريميه دي ؟
ابتسم الجد وقال :
_ هتعرفوا مين قريب، أنا طلعت أشوفها امبارح بس لقيتها نامت للأسف.
تساءل جاسر بجدية :
_ أنا عايز أعرف دلوقتي يا جدي !
لم يجد الجد بدٌا من الافصاح بالأمر فقال :
_ دي بنت اللي هيتجوزها عمك وجيه قريب .
فغر جاسر فاه بصدمة ، بينما رعد وكأنه أصبح لديه أي شيء ممكن ولم يصدم كثيرًا ، بل كان جهاده الأول في تجاهل رضوى تمامًا ...ولكنه لم يستطع واختلس النظرات لها بغضب .
قال آسر بدهشة:
_ هو عمي وجيه هيتجوز تاني ؟!
خرج جاسر من صدمته وقال :
_ نفسه اتفتحت للجواز مرة واحدة ، عقبالنا
هربت جميلة بعينيها المليئة بالسخرية ، فقال جاسر بمكر وعينيه عليها :
_ بس أنا بقا مش هتجوز أي واحدة ، هتجوز اللي كل يوم الاقيها بشكل مختلف ، بت مجنونة وفرفوشة كده وتجنني معاها ، مش بومة!
التفتت له جميلة بنظرة مصوبة بعصبية ، فبادلها بنظرة خبيثة وابتسامة منتصرة ...
قال رعد بضيق شديد:
_ عمي وجيه المحظوظ الوحيد اللي فينا ، هو الوحيد اللي اختار كل حاجة في حياته ...
وكزه آسر بغيظ وهمس له:
_ أنت بتعك !
لم يكترث رعد لما قاله آسر ونظر لرضوى بحدة ، فقابلته بغضب كافحت كي تروضه ، فقالت لجدها متظاهرة بالابتسامة:
_ صحيح يا جدي .... كنا عايزين نقدم في الجامعة المفتوحة ونكمل تعليمنا.
رد الجد بحماس:
_ وماله ، أقدملكم واعملكم كل اللي نفسكم فيه.
نظر جاير لجميلة بسخرية وقال :
_ هو أنتي كمان هتدخلي الجامعة المفتوحة ؟!
أجابته بثقة:
_ وأنت مالك ؟!
صةبها جاسر بغيظ ثم قال لجده بعصبية:
_ شايف ردها ؟! ... المفروض لما اتكلم معاها ترد عليا باحترام !
قالت جميلة بعدما استفزها :
_ أنا نفسي تخليك في حالك !
قال ليستفزها أكثر:
_ مابعرفش !
تدخل الجد لينهي الجدال فقال :
_ بس كفاية بقا ! ، وماتدخلش تاني با جاسر.
ابتسمت جميلة بثقة وهي ترى وجه جاسر المتقدة تعابيره من الغيظ ..... فقال آسر بتحذير:
_ طيب ... لما تبدأو دراسة ابقوا قولولنا ، عشان نعرف انتوا فين لما تتأخروا ... أظن كلامي ما يزعلش حد !
قالت سما بثبات :
_ وأظن أن مافيش أي حاجة تخليكم تدخلوا في حياتنا ، اللي ليه يسأل ويعرف كل حاجة هو جدي وعمي وجيه ...
نظر الشباب لهن في عصبية ، حتى سأل الجد :
_ أمكم فين يا بنات مش هتفطر ؟
أجابت حميدة وهي تبتلع ما في حلقها:
_ أمي مش بتتحرك كتير يا جدي ، وما تقدرش في كل وجبة تطلع السلم وتنزل .... أنا طلعتلها الفطار فوق من ساعة كده وفطرت.
تفهم الجد الأمر ، حتى فوجئ الجميع بمجيء يوسف وهو يحمل الصغيرة ريميه على ذراعه وينظر لها بابتسامة ...
بينما هي تمسكت بملابسه خوفا من السقوط وعينيها يرتسم فيهما الخوف الشديد .
جلس يوسف بجانب جاسر وقال :
_ جبتها تفطر معانا
امتلأت عين الجد رشدي بالحنان والعطف على الصغيرة ، وبدأت نظرة الفتيات ترق عقب ظهورها. . خاصةً حميدة التي تحب لمحة الطفولة به .
أطرفت عين الصغيرة بقلق وتوتر ، فربت يوسف على رأسها بحنان وقال :
_ هعملك سندوتشات وأنتي تاكلي .
كانت الصغيرة جائعة وتضور جوعا منذ الأمس ولكثرة نومها رغما .... فوافقت يوسف على اقتراحه للهبوط .
ولحظات وظهرت جيهان ويبدو عليها الكآبة والحزن ، القت تحية الصباح وبدأت تشاركهم الطعام بنظرت زائغة بعيدة عن أي شيء أمامها .... وخيم عليها الهدوء والصمت.
******
دخل وجيه مكتبه مرةً أخرى بعد فترة عمل مرهقة ، أحضرت الممرضة كوب من العصير الطازج له وبدأ يرتشفه بهدوء وهو جالسا خلف مكتبه .
انتبه لنقرات على باب المكتب فسمح بالدخول ... دخلت ليلى بتردد ويبدو عليها الارتباك والقلق ...
نهض وجيه مبتسما ورحبت بها عينيه المُحبة قبل أن يقول :
_ كنت لسه جايلك ...
قالت بتوتر:
_ جيتلك أنا ... وجيه أنا ...
قال مقاطعا بنظرة راضية دافئة:
_ أنتي لازم تحضري نفسك يا ليلى .... كلها أسبوع وحلم عشر سنين هيتحقق .... وما اظنش انك جاية هنا دلوقتي عشان تخليني اتراجع أو ااجل !
طفرت دمعة من عينيها رغما ، وصمتت !
فهم وجيه ما تمر به وقال بحنان :
_ أنا عارف أنك مخبية حاجة وخايفة منها ، بس أنا مش خايف يا ليلى .... أنتي في عنيا هتفضلي أنتي ، مافيش حاجة بتتغير غير غلاوتك ... وبتزيد مع كل لحظة ، سواء كنتي قريبة أو بعيدة ...
انزلقت دموعها أكثر وهي تنظر له ...ثم قالت وكأنه تتوسله:
_ ماتسبنيش
هز رأسه نفيا ، مع ابتسامته العاشقة لها .... وأكد:
_ عمري .
دخلت الكلمة الطيبة لقلبها وسكنت ... واسكنت الأمال القديمة ..
ويوم مر بعده يوم ......حتى أتى الموعد المحدد بعقد القران ..
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
____________________
أنا كتبت الفصل ده وربنا يعلم بيا ، ولكن لميت فيه أحداث والفصل الجاي جواز وجيه بليلى ... ودخول فرحة دوامة مكنتش على بالها .... بس مع ده كله تفتكروا جيهان هيكون دورها إيه الفصول الجاية؟!
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخمسون 50 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السابع_والثلاثون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... حفل زفاف ...~
قد مر الأسبوع دون شيء جديد على جميع الأطراف.
باستثناء د.أمجد التي تغيرت تصرفاته مع "فرحة" كليًا ... حارت خلال الأيام الفائتة في سبب تحوله هذا.
هل كل هذا التجاهل بسبب عدم انصياعها لرغبته بالتحدث ذلك اليوم الذي أتى فيه إليها بأوج أوقات عملها؟!
لا يعقل أن يكون ضيق الأفق لهذا الحد! ... وقفت فرحة تباشر عملها بهذا الصباح الجديد وعينيها يشتعل فيهما الحيرة.
ما كادت أن تفتح دفتر مدون فيه بعض الملاحظات حتى انتبهت لوقوف والد زايد أمامها بوجهه الذي ظهر عليه علامات التقدم بالسن بدرجة كبيرة خلال أيام ...وقال وكأنه يرجوها :
_ أنا عارف أني مش من حقي الطلب ده ، بس أعتبريني والدك وأفهميني.
قطبت فرحة حاجبيها بغرابة وتساءلت :
_ طلب إيه ؟!
قال الرجل بتوتر:
_ زايد عمل العملية واتحسن شوية ... بس من وقت ما فاق ساكت ومش بيتكلم ، بقعد اتكلم معاه مش بيرد عليا ولا على أي حد حتى الدكاترة ! .... أنا عارف ومتأكد انه حاسس بالذنب من ناحيتك من وقت اللي حصل .... ممكن تروحيله وتتكلمي معاه ؟ ....طلبي تقيل عارف ، بس أنا بدور على أي شيء يحسن حالته ... وزيارتك ليه هتفرق.
دهشت فرحة من هذا الطلب وقالت برفض :
_أسفة ... بعد اللي حصل مستحيل أحس بالشفقة عليه ، يمكن أخويا سامح فادي أبنك على الحادثة ... أنما أنا مش هسامحه على اللي عمله..... وزي حضرتك ما قولت كده ...طلبك تقيل ، وفعلًا تقيل عليا ومش هقدر اعمله.
شحب وجه الرجل بيأس والم ثم هز رأسه متفهمًا وذهب من أمامها ، شعرت فرحة برمقة ندم على قسوتها بالحديث خصوصا أن هذا من أنقذها وقتذاك، ولكنها رجعت ثابته ومتأكدة من قرارها ....
ورجعت بالفكر للذي تجاهلها طيلة أسبوع كامل وغمرها الشعور بالضيق ...
وفي مكتب د.أمجد...
أرتدى معطفه الطبي ويبدو عليه الكآبة والحزن ، وقف للحظات ساهمًا للبعيد بعينين متألمتان يلهبهما الحنين لرؤيتها .... ولكن كيف يحق له أن يعطي الحق لنفسه في شعوره نحوها بعدما تزوجت ؟!
تنهد أمجد بقوة وحزن يصرخ بضلوعه ، ثم تذكر فرحة !
لم تفعل له شيء حتى يتجاهلها بتلك الطريقة وهو من قرر مد يد الدعم لها !
لو قارنها بحبيبته سمر لظهرت فرحة بملائكية وربحت المقارنة !
سمر كانت تلكم قلبه بكلماتها وبجميع أفعالها ومع ذلك لم يستطع ولم يقدر على تجاهلها ولو ساعةً واحدة !
يبدو أن القلوب لا تحب سوى من بيده سوط القسوة!
زفر بحدة وقرر الذهاب للمرور على غرف المرضى ، ولكن وجد فرحة تقف عند مدخل باب المكتب ناظرة بحياء وارتباك .... وقف أمجد يحدق بها بتعجب وثبات حتى نطقت فرحة بتلعثم :
_ دكتور الأشعة استأذن غياب والشغل اتنقل قسم الاشعة في المبنى التاني ...
أطرف أمجد عينيه ولم يفهم لمَ تشرح له ذلك ... فازدردت فرحة ريقها بتوتر وقالت :
_ اقصد يعني ... أني استغليت أن النهاردة مافيش شغل وجيت اسأل حضرتك .... هو أنا عملت حاجة ضايقتك ؟
هرب أمجد بعينيه منها ولم يجد إجابة يرد بها ، فشعرت فرحة بالندم من قولها هذا ، ووبخت نفسها سرًا ... فأضافت باستياء:
_ أنا أسفة ... بعد أذنك.
ابتعدت فرحة عن ناظريه ولا زال واقفّا متجمدًا ، ثم أسرع فجأة خلفها أقلًا كي لا يبدو سخيفا بعدم رده .... فأوقفها بالطرقة الواسعة خارج المكتب بعدما اجتازت الممر القصير ..
وقال :
_ آنسة فرحة ؟
وقفت فرحة فجأة وهي تمسح عينيها من الدموع ، وفوجئت صدقا بمجيئه خلفها .... حتى اسرع ووقف أمامها معتذرًا بصدق وقال:
_ أنا اللي آسف .. بس اعذريني أنا كنت مخنوق اليومين اللي فاتوا ومضايق شوية ... واكيد مش بسببك !
بدأ وجهها يعود له الدماء وعينيها حمراوان ، فابتسم ابتسامة ظاهرية فقط كي يبدو لطيفا وقال :
_ مش هتقبلي أعتذاري ؟!
ترددت ابتسامة لتظهر على وجنتيها ، فقالت :
_ حضرتك ما زعلتنيش عشان تعتذرلي ... وعمومًا مش زعلانة.
ارفقت حديثها بابتسامة بسيطة وعينيها تنظر له بحياء، وأجاب عليها بنفس بابتسامة هادئة وقال:
_ طب الحمد لله ... أخوكي عامل إيه دلوقتي ؟
قالت فرحة براحة واطمئنان :
_ بخير وبيتحسن الحمد لله ، بس كنت عايزة أخد رأي حضرتك في حاجة.
هز رأسه بتقبل سؤالها وقال:
_ آه طبعا قولي ..
ترددت فرحة للحظات ثم قالت :
_ حسام أخويا خلاني أتنازل عن المحضر اللي عملته ، وسامح الولد اللي كان سبب الحادثة ... هو حضرتك عرفت أن اخوه الكبير اللي كان بيهددني ده...
قاطعها أمجد وأكمل عنها :
_عمل حادثة مش كده ؟! .... عرفت.
قالت فرحة ولم تشير لأمر الاختطاف وقررت أن لا تخبر به مخلوق ... فقالت :
_ أنا مش شمتانة فيه ، بس والده طلب مني أزوره عشان يعني لو هو حاسس بالذنب فزيارتي هتخفف عنه ... وأنا رفضت.
تعجب أمجد قليلًا ثم قال بصدق:
_ طالما رفضتي فده قرارك وحريتك ... وبصراحة الطلب غريب شوية ! ... وانصحك تبعدي عنهم طالما كمان اتنازلتي عن المحضر والموضوع أنتهى.
قالت بموافقة رأيه :
_ عندك حق .... أنا فعلًا كنت بدأت اعمل كده.
قالت ذلك ثم تخضب وجهها من نظرة أمجد المبتسمة لها .... فقال بقصد المرح :
_ طب لما كنتي بدأتي تعملي كده بتسأليني ليه ؟!
تخضب وجهها بإحراج فضحك أمجد وقال باعتذار:
_ خلاص أسف مش أقصد .... هنرجع للزعل تاني ولا إيه ؟!
هزت رأسها بابتسامة وهي تنظر للأرض بحياء وارتباك ...
انتبهت لصوت أنفاس عالية واضحة كأن أحدًا يركض واقترب منهما .... رفعت فرحة رأسها والتفتت جانبًا لتجد ذلك الجالس على مقعد متحرك وخلفه أحدى الممرضات تحركه .
نظرته لها نارية شرسة ... وكأنه لو استطاع الوقوف ونشب أظافره في عنقها لن يتردد !
ثم انتقلت نظرته العنيفة لأمجد ، فبادله أمجد نظرة ضيقة باستغراب من عداوته الواضحة دون مبرر !
ضغط زايد على أسنانه بعنف وعينيه تلتهب غضب وهتف بالممرضة :
_ عايز أرجع لأوضتي .
قالت الممرضة بتعجب :
_ حضرتك اللي صممت أخرجك !
أطبق زايد شفتيه على بعضهما بعنف وصرخ بها بأعنف نبرة لصوته:
_ أبعدي عني .... ابعدوا كلكم !
وهز رأسه برفض أي مساعدة للممرضة ، وتحرك شعره الطويل بعض الشيء على الشاشة الطبية التي تلف رأسه بسبب جرح كبير إثر الاصطدام .
بعدها ظهر كالثور الهائج بملامح وجهه المشدودة بشراسة ، دفع يد الممرضة بقسوة لتبتعد عنه ، وحرك عجلات المقعد بحركة عصبية شديدة أظهرت عروق يده المنتفخة.
فتحركت العجلات بسرعة على الأرض الناعمة لجهة غير محددة ، كان يريد الابتعاد فقط ، أن لا يرى أحد عجزه وقدر غضبه ،والأهم لا يكتشف أحد سبب هذه الثورة البركانية المتقدة بداخله.
حدقت فيه فرحة بعينان متسعة من الذهول وانتهبت لمقعده الذي تركض عجلاته على السيراميك الناعم بسرعة عالية باتجاه السلم ! ...
جف ريقها وهي تنتقل بنظرتها بينه وبين اقترابه من درجات السلم الذي إذا حدث وسقط عليها سيحدث له ضرر لا يحمد عقباه خاصةً مع حالته هذه ..
اندفعت فرحة إليه وركضت خلفه بينما تجمد أمجد للحظات وشل تفكيره من ما يحدث أمامه.... واستطاعت هي أن تسبقه قبل أن يسقط مقعده على الدرجات الهابطة للأسفل.
وقفت أمامه متمسكة بأطراف المقعد وهي تلهث وخلفها مباشرةً السلم .... قالت وهي تلتقط أنفاسها بلهاث :
_ أنت مجنون ومش طبيعي ! ... عارف لو كنت وقعت على السلم وانت بالحالة دي كان هيجرالك إيه ؟!
التقط زايد أنفاسه المتسارعة بعنف وعينيه محدقة بعينيها القريبة ، ولكنه لم يتفوه بكلمة ... ظل ينظر لعينيها وهو يتنفس بحدة حتى استقامت فرحة وسحبت مقعده للغرفة ... وهنا صاح باعتراض وغضب :
_ ابعدي عني ... ابعــــــــــدي عنـــــــــي !
لم تستمع له بل جذبت المقعد لداخل غرفته ، ثم اغلقت الباب وأشارت له بعصبية :
_ أهدأ !! .... أنت كنت هتتسبب في مصيبة للممرضة بعملتك دي ! ... ياريت تفتكر قبل ما تندفع وتتهور أن ....
حملقت بذهول فيه وبتر الحديث من فمها عندما وجدته يلتقط إبرة طبية ويحاول جرح شرايين يده بها، ويبدو أنه فقد السيطرة على انفعالاته تمامًا، وأصبح بحالة من الانهيار العصبي الحاد...
مضت إليه بلمح البصر وأوقفت يده المقبضة على الإبرة في محاولة لإبعادها عنه .... تأذت من سن الإبرة وتألمت ، ولكنها أصرت على أخذها من يده كأنهما يتصارعا ! ...
ثم صرخت عندما دست الإبرة بالخطأ في باطن يدها ، والتمعت عينيها بالدموع ... تجمد زايد فجأة وهو ينظر ليدها وأطرفت عينيه كأنه اقترف ذنبٍ عظيم!.
بدا كالطفل تمامًا الذي على مشارف البكاء !.
ضغطت فرحة على معصم يدها من فرط الألم وهي تبتعد عنه ويدها بدأت تنزف الدماء ... حتى فتح الباب أمجد واسرع لها بقلق .... قالت وهي تبكي بألم :
_ الإبرة جت في إيدي بالغلط ....
خلّص أمجد يدها من سن الإبرة الجارح وأمر الممرضة أن تأتي بالإسعافات الأولية ...
نظرت فرحة بدموع والم ليدها التي تنزف ، ثم نظرت لزايد بغضب وصمت .... ولكنها شعرت للحظة بالذهول .
ذهلت عندما رأته يهرب بعينيه الدامعة بعيدًا عنها ... كأنه كره أن تره هكذا .
اجفلت للحظات ، ريثما أنها لم ترَ بكاء رجل من قبل !
بدأ أمجد يضمد الجرح ويعقمه ، بينما عينيها كانت تتسلل لزايد من حين لآخر ... خاصةً بعدما ظهر وكأنه أصبح تمثال بلا حركة .... وعينيه مصوبة عليها بشيء عنيف من الندم والاعتذار والغضب أيضا! ... وشيء آخر لم تفهمه !
قال أمجد بعصبية لزايد :
_ الحمد لله أنها جت على أد كده .... ياريت بلاش تهور تاني !
تبدلت نظرة زايد للعنف مرة أخرى وبشكل خطر اتجاه أمجد ... فقال بصوتٍ قوي خشن كأنه يتحدث من بين أسنانه بشراسة:
_ بلاش النبرة دي معايا !
تنهد أمجد بسخط لعجرفة هذا الشاب وقال لفرحة :
_ تعالي معايا ...
لم تعرف فرحة لمَ تسللت عينيها لعينان زايد التي امتلأت غضب مجددًا .... وقبل أن ترد قال هو بحدة:
_ أطلع أنت .... وسيبها !
رد أمجد بعصبية:
_ مافيش أي شيء يسمحلك تتكلم معايا بالطريقة دي ! ... ولأول مرة محسش بأي عطف على مريض !
ضرب زايد على مقعده بعنف وهتف به ونظرته وكأنها ستقتلع رقبة أمجد من جسده :
_ أنا مش مريـــض ، ومتكررهاش تاني !
زم أمجد شفتيه بعصبية فقالت فرحة له لتنهي الجدال:
_ يلا يا دكتور ونسيبه يرتاح شوية ..
رفع زايد أحدى حاجبيه بتحذير شرس ألا تفعل ما قالته للتو ... فضيقت فرحة عينيها بدهشة ! ... كأنه يملك سلطة عليها كي يعاملها هكذا !!
فقالت بغيظ :
_ اتفضل يا دكتور .... خارجة معاك.
ضيق زايد عينيه عليها بنظرة خطرة نارية لا تنذر بالخير ، فتقدمت فرحة بالسير جانبًا مع أمجد لخارج غرفة زايد .... فقال أمجد لها بغيظ:
_ حتى في حالته دي متعجرف ومغرور ! ...
لأول مرة تشرد فرحة عن حديث أمجد وتتيهه بشيء آخر .... ويبدو أن أمجد انتبه لشرودها فقال باستغراب :
_ سرحتي في إيه ؟!
اطرفت عينيها بحرج وقالت بنفي :
_ لا أبدًا ، بس مستغربة من موقفه وتصرفاته !
فقال مقترحا :
_ يمكن الحادثة سببت نوع من فقدان السيطرة على أعصابه ، وكمان يحمد ربنا أن مخه سليم والإصابة طالت رجليه وبس ... أي مريض بتبقى حالته النفسية مدمرة في فترة مرضه ... ما تشغليش بالك.
أتت احدى الممرضات وقالت لأمجد:
_ اتأخرت يا دكتور على المرور !
فقال مستأذنا فرحة بلطف:
_ أشوفك بعدين .... مع السلامة مؤقتً.
ذهب من أمامها وظلت واقفة للحظات ، وكادت أن تذهب لشقيقها حتى تذكرت تحذير الطبيب من كثرة الزيارات وتركه يستريح دون توتر أو أي شيء يسبب له القلق ....
فتراجعت ...
وتسللت نظرتها لغرفة زايد وقررت فجأة الذهاب إليه ...
بالغرفة...
فتحت الباب ببطء وقد ظنت أنها ستجد الممرضة مثلما تركتها ، ولكن يبدو أن الممرضة ذهبت وتركته وحيدًا .. جالسا على مقعده بسكون تام أمام النافذة الزجاجية ....
ويبدو أنه ادرك دخول أحدهم فقال بعصبية دون أن يلتفت :
_ مش عايز أشوف حد !
وعلى رغم ذلك تقدمت فرحة خطوة أخرى إليه وقالت :
_ أنت مش كنت عايزني أفضل هنا ؟!
وبسرعة عالية وجدته يحرك عجلات مقعده ويستدير ناظرًا لها بدهشة أقرب للذهول .... وتاهت نظرته بعينيها للحظة، ثم قال كانه لا يصدق أنها أمامه :
_ يعني أنتي رجعتي عشاني ؟!
ابتلعت فرحة ريقها للحظة وقد شعرت سرًا إنها الحقيقة ، ولكنها انكرت وقالت بنفي :
_ مش بالضبط ....
ظهرت على جانب شفتيه طيف ابتسامة ، والتمعت عينيه بالمكر كعين الثعالب وقال مؤكدًا :
_ لأ ... أنتي رجعتي عشاني.
غضبت من غروره وقالت بعصبية:
_ مغرور لدرجة تنرفز !
تنقلت نظرته لعينيها ببطء ومكر ، ورغم حالته ولكنها شعرت بالخطر منه .... فقالت وهي تهم بالخروج :
_ أنا غلطانة أني رجعت !
كادت تخرج وتخافي عن ناظريه فقال :
_ فرحة
التفتت له بعصبية لتضع حدًا بطريقة معها التي تثير الشكوك ...حتى سبقها وقال بصرامة :
_ماتوقفيش معاه تاني ...
حملقت فيه بصدمة ثم هتفت بغيظ:
_ أنت بتقول إيه ؟!
كرر ببطء وبثقة :
_ ما توقفيش ... معاه ... تاني ، بسيطة وسهلة خالص !
صاحت بغضب :
_ كان لازم اسيبك توقع يمكن لما تتخبط في نفوخك تفوق ، أنت مين عشان تقولي كده ؟!
تحكم بغضبه وأجاب:
_هو اللي مين عشان يوقف معاكي ويبصلك كده ويضحك معاكي كمان ؟! .... حظه ساعده أني قاعد على الكرسي وإلا مكنش هيفضل واقف على رجليه .
قالت بعد لحظات ذهول :
_لأ أنت بجد حصل في مخك حاجة !، أنا هقول للدكتور بتاعك يعيد الأشعة على المخ ويتأكد لأنك مش طبيعي.
ابتسم زايد بمكر وقال :
_ آه مش طبيعي .... كنت عصبي ، دلوقتي بقيت مجنون !
لم تستوعب ما يقوله ، ولكنها لم تشعر إلا وهي تركض من الغرفة تحت نظراته العميقة الماكرة لها .... ربما كانت أمكر نظرات رأتها بعينين رجل !
*********
وعند الغروب .....
في جمع عائلي كبير.....
اجتمع الشبان الأربعة حول عمهم وجيه والجد رشدي الذي كان منغمس في الحديث مع جد ليلى .... حيث قال الجد رشدي بتساؤل :
_ كويس أن ليلى وافقت على كتب الكتاب مع ظروف والدها ...
رد صادق جد ليلى قائلًا:
_ عايز أسترها بأسرع وقت ، وحالة عبد العزيز أبني ما تطمنش وكل ساعة بحال ... خليني أنهي الموضوع ده وأسيبها مع جوزها واطمن عليها .... وأنا متأكد لما عبد العزيز يقوم بالسلامة بأذن الله هيوافقني في رأيي ... لأنه لو كان مكاني كان هيعمل كده.
قال الجد رشدي بتفهم :
_عندك حق ... واطمن عليها وعلى ريميه ... دول بقوا مننا خلاص.
قال صادق بامتنان :
_ أنا عارف ومتأكد ... ولو ثقتي دي مكنتش هوافق بسهولة خصوصا مع ظروف أبوها.
وقف وجيه وحوله الشباب الأربعة مبتسمين وضاحكين ....فقال جاسر بغمزة ماكرة:
_ طلعت نمس يا عمي ... أنت قدوتي.
ابتسم وجيه وقال :
_ بتعشق الانحراف ! ... بس الموضوع مافيهوش انحراف معلش هخيب ظنك ...
يبدو أن الشباب الأربعة قد عرفوا الحكاية كاملة بالأيام الفائتة ... فقال يوسف بمباركة:
_ الف مبروك يا عمي ... أنا فرحان عشانك يمكن أكتر ما فرحت أن حميدة جت هنا.
قال جاسر ليوسف بضحكة وسخرية:
_ يا مـــــدلوق يا كاسفنا !
ربت وجيه على كتف يوسف بمحبة وقال :
_ ولا مدلوق ولا حاجة ... خليك كده يا يوسف أوعى تتغير ... وبكرة ربنا ينولك اللي في بالك طالما نيتك خير.
رفع يوسف يده بالدعاء حتى ثبتت عينيه فجأة على من تهبط درجات السلم بفستانها الفيروزي الطويل .... فتساءل وجيه بتعجب :
_ مالك يا يوسف ؟!
تسللت نظرة جاسر صوب اتجاه نظرة يوسف حتى ضحك قائلًا :
_ اللي في باله نزلت يا عمي ، كل ما يشوفها يستلوح كده !
قال يوسف بابتسامة هائمة بحميدة التي احمرت خجلا من نظرته:
_ بعد أذنك يا عمي ثواني وراجع.
قال آسر بسخرية:
_ لا خليك ما ترجعش !
ضحك الشباب الثلاثة مع عمهم .... بينما رعد جاهد كي يبدو طبيعيًا غير مبالي بظهور رضوى بأي وقت ....
اقترب يوسف من السلم وانتظرها حتى هبطت آخر درجة وقال لها مبتسما بإعجاب :
_ مشاء الله ... شكلك يفتح النفس.
قالت حميدة بثقة وهي تتحدث :
_ دي أقل حاجة عندي ... حتة سواريه كده خفيفة عشان التجمع عائلي على الأد بس.
رد يوسف بابتسامة واسعة :
_ خطفني تواضعك !
قالت حميدة وبدا عليها التردد :
_ بقولك إيه يا يوسف .... أنا سمعت طراطيش كلام كده أن فيه تورت وحلويات كتير جت جاهزة من الدكاكين بتاعتكوا اللي هنا.... آلا صحيح الكلام ده؟
كتم يوسف ضحكته ، ثم قال :
_ صحيح ، وخبيت كده كام جاتوهاية وتورت على قدنا أنا وأنتي وبس .... خدي اللي بالكيوي وأنا هاخد اللي بالمانجا.
قالت حميدة بعبوس:
_ بس انا بحب المانجا ...
أطرف يوسف عينيه بخبث وقال بهمس:
_ كنت حاسس ... عشان كده كترت اللي بالمانجا ... أنا مبسوط بيكي أوي.
ابتسمت حميدة بحياء ونظرت لجهة أخرى....
رمق جاسر يوسف من بعيد وهمس لرعد قائلا بضحكة:
_ أقسم بالله بيكلمها عن الأكل ... شوف ضحكتها وضحكته ؟ ...
ابتسم رعد بصدق وهو ينظر ليوسف ، وكاد أن يرد حتى فوجئ برضوى وهي تقف مع شاب من معارف العائلة !!..
تبدل وجهه لكتلة من لهيب الغضب واندفع بوجعتهم....
بينما رضوى ضاقت بالذي أوقفها عنوة ليسألها عن من تكون ...فقالت له ببعض العصبية:
_ يعني حضرتك لسه متعرفش ؟! .... متعرفش أني حفيدة رشدي الزيان ؟
قال الشاب بنظرة مدققة لعينيها العسلية :
_ آه افتكرت .... احب أعرفك بنفسي ما أحنا قرايب !
أتى رعد أمامها فجأة ونظر للشاب الذي يدعى " وائل " ورد بعصبية :
_ لا معندناش حد بيتعرف يا لذيذ !
ابتسمت رضوى سرا لعصبيته وغيرته الواضحة ولكن لم تظهر ذلك بل اظهرت النقيض ..... فرد وائل عليه بغيظ:
_ مالك في إيه يا رعد ؟! دي قريبتي ومن حقي أتعرف عليها !
رفع رعد حاجبيه بسخرية ورد بحدة :
_ ومين اللي ادالك الحق ده أن شاء الله ؟! ... مامي و لا بابي ؟!
أشار وائل لرعد بتحذير وقال :
_ اتكلم معايا بأسلوب احسن من كده !
تدخلت رضوى لفض الجدال وقالت لرعد بنظرة جامدة:
_ أنا مش قولتلك خليك في حالك ؟!
صر رعد على أسنانه بغيظ شديد منها ، ثم نظر لوائل قائلا بأشارة خطر:
_ أهلك مستنينك يا حبيبي ... روحلهم.
تفاقمت عصبية وائل وقال بضيق:
_ دي قلة ذوق أنك تكلمني كده وأنا في بيتك ! ، بس ليا كلام تاني مع عمي وجيه .
وابتعد وائل من المشهد ، فألتفت رعد ناظرًا لرداء رضوى المُلفت لونه ، حيث كان بلون الخوخ الفاتح مع حجاب من الستان بدرجة أغمق ...وقال بعصبية:
_ أطلعي غيري الفستان المقرف ده !
فغرت رضوى فاها بصدمة ، ثم رفعت سبابتها بتحذير غاضب:
_ أنت فعلا قليل الذوق ومعندكش أي احترام لغيرك ! ... رغم انك دكتور نفسي بس أنت اصلا محتاج تتعالج !
كرر رعد بغضب :
_ برضو الفستان مقرف وهتغيريه !
قالت بعناد :
_ مش هغيره والفستان مش مقرف ، دي طريقتك وكلامك هو اللي مقرف .... مش ذنبي أن شكلي حلو وملفت !
وده اللي مجننك مش كده !
زم رعد شفتيه بنظرة عنيفة حتى أتى جاسر لهما وقال وهو يجذبه :
_ لم الليلة عشان الغتت اللي اسمه وائل بيشتكي لعمي وجيه ! ... وأنا بصراحة على تكة وهروح أضربه .
نظرت رضوى له باستهزاء وابتعدت عنهما ، فقال له جاسر بمكر:
_ أنت كنت اعقل واحد فينا ايه جرالك ؟! ... على فكرة هي كده هتعند أكتر معاك ...
قال رعد بعصبية:
_مش عارف اعمل ايه معاها ؟!
غمز له جاسر وقال :
_ سيبها وكأنها مش موجودة ...هتستفزها أكتر ، انما كده انت الخسران لوحدك.
ضيق رعد عينيه بمكر ثم قال :
_ فهمت .
قال جاسر بشك :
_ شوية تجاهل ها مش تعك الدنيا وترجع تقول جاسر اللي قالي !
أتى يوسف اليهما وهو يأكل قطعة من الجاتوا بطبق في يده ، نظر لهما بشك ثم قال :
_ مش عارف قالك ايه بس طالما بيزغر بعنيه كده يبقى بينصحك ...ماتسمعش كلامه هيضيعك ده خرابة.
قال جاسر بسخرية:
_ وأنت عرفت منين يا فصيح ؟!
ابتلع يوسف ما بفمه جيدًا وقال :
_ ماضيك أسود ....
تركهم رعد وتوجه ناحية أحدى الفتيات التي تقرب لعائلة الزيان ... فهز يوسف رأسه وقال بضيق:
_ روح ياشيخ .... يارب جميلة تديك بالبونية في وشك تاني تطبقه خالص المرادي!
قال جاسر بابتسامة ثقة وتأكيد:
_ دي بتموت فيا يابني ، محدش بس هياخد باله غيري.
قال يوسف بضحكة:
_ عشان محدش بياخد على دماغه منها غيرك .... هسيبك بقا وارجع لحميدة اكمل أكلي.
*********
وقفت ليلى بردائها الطويل المائل للون الأبيض .... ولكن عينبها مليئة بالحيرة والدموع .... وقد سردت ما فعله صالح فيها منذ سنوات لطبيبتها مروة ... فقالت مروة مربته على يدها باطمئنان :
_ ليلى ....صالح مات خلاص ، وكمان أنتي ما أذنبتيش في شيء ! ، وطالما أصلًا ماقربلكيش ولا اعتدى عليكي يبقى المفروض ترمى ده كله ورا ضهرك وتبصي للي جاي ..... خوفك مالوش داعي !
قالت ليلى بضيق شديد:
_ حاسة أن لازم وجيه يعرف ، بس مش قادرة أقوله !
واحساسي أني مخبية عليه حاجة خانقني .
قالت مروة بصدق:
_ وأنا ما أنصحكيش تقوليله .
تفاجئت ليلى بقولها فأكدت مروة :
_ هتستفادي إيه ؟! ....هو من جهته حتى لو عرف مش هيرمي اللوم عليكي ومش هيتكلم في الموضوع تاني .... بس مش هينساه وده خطر ! ... خليكي فاكرة حاجة ....أنتي محدش اغتصبك ، أنتي ما أذنبتيش ولا غلطتي ... واللي وهمك بكده اتجوزك حتى لو غصب عنك .... ومات ! ، صفحة جديدة ومن أول السطر بقا .
لم تخف دموع ليلى فأضافت :
_ طب وموضوع فقداني الذاكرة اللي بيحصل كل فترة ؟! .... أنا من يومين فضلت ساعات أفتكر انا في المستشفى ليه ؟! لحد ما افتكرت وبصعوبة .... هحمله أكتر من طاقته وممكن كمان يكرهني !
ربتت الطبيبة على يدها وقالت مؤكدة:
_ ده أكتر وقت لازم فيه تتأكدي أنه حبك بجد ، أصل الحب ده مش بيبان واحنا مبسوطين وعادي..
امتلأت المرارة عين مروة للحظات حتى أخفتها سريعا وتابعت :
_ اتمتعي بكل لحظة يا ليلى وعيشي حياتك وأفرحي.....ده علاجك الحقيقي ... أنا مهما عملت وحطيت برامج للعلاج مش هيكون مفعولها نص وجودك مع اللي بتحبيه بعد السنين دي كلها.
انتبها لنقر على الباب ، فاسرعت مروة لتفتحته حتى وجدت جيهان تقف بنظرات غامضة لليلى وبيدها الصغيرة .... نظرت ليلى لأبنتها بمحبة وابتسامة ... تبدو طفلتها كعروس صغيرة بردائها الذهبي المنفوش وتاج رأسها المحكم ..... قالت جيهان لليلى بنظرة غريبة:
_جهزت ريميه بنفسي ....شوفي شكلها جميل أزاي ؟
انتظرت الصغيرة رد فعل أمها ، حتى اقتربت ليلى منها وحملتها بضمة حنونة وقالت :
_ شكرًا جدًا يا جيهان .... مش عارفة أقولك ايه بصراحة.
قالت جيهان بابتسامة ماكرة:
_ ماتقوليش حاجة .... أنا هروح أشوف الضيوف... بعد أذنك.
أطرفت الطبيبة مروة عينيها بشك ولكنها لم تريد إخافة ليلى .... همست ليلى لأبنتها قائلة بمشاكسة:
_ طبق بنور فيه نور وريمو قاعدة فيه بفستان الدهبي ، وكل الناس بتقول مين القمورة دي ؟
ابتسمت الصغيرة لأمها وراقبتهما مروة بابتسامة دافئة ..... ثم ظهر وجيه عند باب الغرفة وقال :
_ كتبنا الكتاب وسيبتك تحضري نفسك براحتك !
حمحمت مروة وقالت وهي تنسحب :
_ طب هستناكم برا بقا ... الف مبروك .
أنزلت ليلى الصغيرة حتى وجدت وجيه يتأمل فيها بعشق ويبدو أنه كان سيفعل شيء عندنا اقترب منها ...فأبعدته مشيرة للصغيرة ... فتنهد قائلا :
_ اوك .... يلا عشان الناس مستنيانا .
وقوس لها ذراعه كي تتأبط به، حتى حمل الصغيرة وشاكسها بكلماته .... ابتسمت الصغيرة له وخرجوا من الغرفة....
******
وحينما ظهر وجيه ومعه ليلى والصغيرة ارتفع اصوات الزراغيد من أفواه الفتيات الأربعة .... نظر آسر لسما بابتسامة من شقاوتها الغير معودة بهذا اليوم ...
بينما أخذه طلتها الرقيقة منذ أن وقعت عينيه عليها...
أقترب جاسر لجميلة وقال بتشجيع :
_ ممكن زغرودة كمان معلش ؟
التفتت له جميلة وقالت بسخرية:
_ ليه ؟!
ابتسم لها بخبث وأجاب:
_ عشان الفرحة تعم على المكان... عليكي ... وعليا ، وعلينا وكده
رمقته بسخرية والتفتت لعمها مرة أخرى فهمس جاسر مجددًا :
_ جميل عمي .... جميل ورقيق ومحلو عن العادي !
استدارت له بنظرة حادة وقالت :
_ هو مين ده ؟!
أشار جاسر لعمه وقال بضحكة:
_ عمي وجيه ، جميل أوي النهاردة.... يا بدلته اللي تجنن !
قالت جميلة بعصبية :
_ أنت عارف لو مكناش في مناسبة ، كنت اديتك قلم طيرك لحد البوابة اللي برا .... لم لسانك عشان أنا ايدي مابتفكرش !
نظر جاسر لها بتحدي وغيظ وقال :
_ مافيش بنت وقفت قدامي الواقفة دي ، أنا خايفة اتجاهلك يجرالك حاجة !
نفخت جميلة بنفاد صبر وأشارت ليوسف فأتى في خلال دقيقة وقال لها :
_ ايه ؟!
قالت له جميلة بعصبية:
_ خد أخوك ده من هنا وحطله أكل يمكن جعان !
ابتسم يوسف وهو ينظر لجاسر حتى ضحك عاليًا عندما وجد جاسر يزفر من الغيظ وقال:
_ قولتلك أنا الكلام ده ولا ماقولتش ؟! تعالى كل معايا ..
نظر لها جاسر بغيظ وقال بتوعد:
_ تعرفي بقا أني غلطان عشان بعبرك.... هتجاهلك لحد ما تموتي مجهولة من تجاهلي يا جهلة !
لم تكترث له جميلة وانشغلت بالحفل بعد ذلك...
أتت جيهان وجذبت وجيه من يده لرقصة بطيئة .... كان يبدو عليها الرومانسية الشديدة وكأنها تؤكد أنها لا تكترث كثيرًا لزواجه الثاني!
تطلع بها الجميع بغرابة ونظرت ليلى لهما في هدوء ، بينما بداخلها تتأجج نيران الغيرة والغضب...
أنتهت الرقصة بعد دقائق ، وصممت جيهان لى رقصة أخرى معه....
همس وجيه لها بضيق :
_ ماينفعش كده يا جيهان !
تحركت معه على أنغام رومانسية وهمست :
_ ينفع ونص ، يعني أنا من الصبح بحضر للحفلة وكان ينفع ، ودلوقتي وانا برقص معاك ماينفعش !
وضعت رأسها بقرب عنقه فضاق أكثر منها بسبب جرأتها أمام الحضور .... فقال بتحذير:
_ أنتي عارفة أني مابحبش كده ! ..... ماينفعش تصرفاتك دي قدام الناس !
رفعت راسها بنظرة نارية وقالت :
_ ولو ليلى اللي بترقص معاك دلوقتي وعملت كده كان هيبقى رد فعلك إيه يا وجيه ؟!
أبعد عينيها عنها بزفرة غاضبة فتابعت حركتها الجريئة .....
نهضت ليلى من مكانها بغضب حاربت كي تلجمه ....بينما نظرت لها وداد والدة الفتيات من بعيد وهمس لأبنتها رضوى بتعجب:
_ شغل الضراير أشتغل !
قالت رضوى بتعجب مما يحدث :
_ هي صعبانة عليا ، بس بصراحة اللي بتعمله مايصحش قدام الناس كده !
ومن بعيد بقرب البوفيه ، جلس يوسف وبيده طبق كبير من الحلوى وامامه الصغيرة التي لا تدرك ما يحدث حولها .... وقال لها بابتسامة ومرح :
_ حته تورته كبيرة بالشكولاتة بتنادي على مين ؟
ضحكت حميدة ورددت :
_ على مين ؟
ابتسمت الصغيرة لما تسمعه ، فقال يوسف وهو يقرب الحلوى لفمها :
_ على ريمو ... همممممم
ابتلعت ريميه قطعة من الحلوى فضحك يوسف وقال :
_ عضيتي صباعي !
نظرت حميدة لضحكاته مع الصغيرة وابتسمت بحنان ...وتساءلت ! كيف بكل هذه الطفولية به ستستطيع أن تنفذ مؤامرة جدها ؟!
التف الفتيات الثلاث حول ليلى بنظرة داعمة لها .... بينما نظرة ليلى مصوبة بغضب هائل اتجاه وجيه الذي استطاع أخيرًا الخلاص من ذراعي جيهان...
واقترب اليها بنظرات آسفة معتذرة ولكنها لم تتقبلها .... وقف أمامها بصمت فأنسحب الفتيات وابتعدوا ...وقال :
_ من حقك تزعلي ...بس كلامنا مش هنا.
كادت أم ترد بغضب ولكنها تحكمت بغضبها بأقصى قوتها ..... حتى أنتهى الحفل وودع وجيه ضيوفه ...
قد كانت صعدت جيهان لغرفتها هاربة من آخر مشهد سينتهي به الحفل ...وهو صعود وجيه مع ليلى لجناحهما بالطابق الثالث الذي خصص خصيصا لها وفي خلال أيام قليلة. .... وقد أراد بذلك إبعادها عن الجميع بسبب مرضها وسوء حالتها السريع الزئبقي .
وبعدما استأذن آخر ضيف تمسك وجيه بيد ليلى وجذبها لتودع جدها قبل أن تصعد معه ....
وقف رعد ناظرا بانتصار لرضوى التي تلون وجهها باحمرار الغضب منذ أن أخذ احدى الفتيات لحلبة الرقص وظل معها طيلة وقت الحفل...
فأسرعت رضوى لغرفتها وتركته يتلذذ بانتصاره وحده....
ضم الجد صادق حفيدته ليلى بمباركة وقال لوجيه :
_ مش هوصيك عليها.... أنت هتخاف عليها أكتر مني كمان أنا متأكد.
طمأنه وجيه حتى صافح الجد الجميع وغادر بسيارته ... تساءلت ليلى عن أبنتها ويبدو عليها الغضب والعصبية ...فأجاب وجيه عليها :
_ ريميه نامت وحميدة خدتها معاها أوضتها ،ما تقلقيش عليها.
نظرت له بحدة حتى أخذها وصعد معها لغرفتها بعدما القى تحية المساء على الجميع.
وبجانحهما الجديد....
فتح وجيه باب الغرفة وعينيه على ليلى التي تتقد غضب ، ودخلت الغرفة بحركة سريعة.. فأغلق وجيه الغرفة وتقدم إليها ببطء بعدما القى مفاتيح على المنضدة ..
كادت أن تخبط قدميها بالأرض كالأطفال بعصبية واستدارت له بغضب هاتفة:
_ ولا كأني كنت أنا العروسة ولا.....
لم يمهلها كثيرّا ،فجذبها لصدره بضمة قوية خانقة للضلوع ، وهمس بجانب أذنيها بابتسامة نابعة من قلبه وبمنتهى العشق قال :
_ عشر سنين يا مجرمة عشان اليوم ده يجي !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
____________________
لو عجبتكم الحلقة ماتنسوش اللايك ورأيكم في التعليقات 😘🥰❤😍😊