تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الرابع_والستون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... هدوء ما قبل عاصفة من الحب...~
لم تستطع فرحة تصديق فكرة أن رجل مثل زايد بكل جاهه وهيبته تلك من الممكن أن يكتفي بها حبيبة وزوجة، لا بد أن هناك شيء خاطئ بالأمر، أو ربما لأنه لم يصل لمبتغاه فيها فأختصر الطريق الذي يعرف أنه لن يربح غيره معها، وعرض عليها الزواج ليرضي غروره فقط ويتركها بعد ذلك!
وهنا تملّكها أحباط وكآبة التمعت بعينيها التي شردت بعيدًا عنه، وكان في استقباله لها شيءً أكد ظهوره في نظرته، شيء أراد لو يعلنه مباشرة امام عينيها الدافئتان الذي لم يرى السلام والطمأنينة إلا فيهما.
شيء كان معناه واضحا ... وأنها الأميرة التي اقتحمت مدينته ورغم ذلك الأقتحام أقام السلام !
أشار لها لتجلس وكان في تعابير وجهه قبول وابتسامة خفيفة تعاند للظهور بوضوح:
_ اتفضلي أقعدي.
وانتبهت له فرحة وهو يمر أمامها متوجها لمقعد مكتبه الأزرق المبطن ذو الظهر المرتفع، وبنظرة سريعة رأت أن ذوق أختيار أثاث المكتب يمتزج بين الطابع الشبابي العصري والجادي بآنٍ واحد ... وعندما جلس أرخي جسده لظهر المقعد وتجنبت النظر إليه حتى جلس، ريثما أنه يمتلك مظهر شديد الجاذبية والوسامة خاصةً اليوم وكأنه تعمد ذلك....!
وجلست بحركة سريعة وبدا أنها تريد أنهاء المقابلة بأسرع وقت ... وبرر توترها لأنفرادهما بالمكتب فقال وعينيه تخبراها بمدى الأشتياق الذي كان كالحرب التي شنت على قلبه بالأسبوع الماضي :
_ تشربي إيه ؟
أجابت بثبات رغم ما تخفيه من توتر:
_ ولا حاجة ... ممكن نبدأ الأنترفيو ؟
انزوت على جانبي وجهه ابتسامة خاطفة وقال :
_ ده مش انترفيو، لأني مش لسه بفكر وبختار سكرتيرة، المقابلة دي عشان أشرحلك شغلك والبداية هتكون أزاي.
كانت تعتقد أنه لا يبتسم، أو نادرا ما يفعل!!، ولكنه بتلك الدقائق القليلة عقّب على حديثها عدة مرات بطيف ابتسامة حتى لو كانت خاطفة وتكاد لا يسعف انتباهها سرعة ملاحظتها ... فقالت بصدق:
_ الحقيقة أنا جاية ومقررة شيء، وهو أني لو حسيت أن الشغل هنا مش هقدر أفهمه هقدم استقالتي ليك، مش بعرف اكون في مكان وأحس أنه مش مكاني !
اشتبكت أصابعه ببعضهما بعدما أرخى ساعديه على المكتب وقال بتأكيد:
_ أول قاعدة لازم تتعلميها وتطبقيها في أي شيء في حياتك أن مافيش شيء مستحيل، حاولي وجربي ١٠٠ مرة لحد ما تتعلمي، لو كل انسان فكر زيك كده وبنى حياته على القرار ده يبقى مافيش حد هيتقدم خطوة واحدة في حياته، الحياة نفسها كفاح في كل خطوة.
رغم فلسفة حديثه ألا أن هناك شيء بحديثه سخر من كلماتها، وكأنه قرأ أفكارها فأوضح:
_ كلامي مش معناه تقليل من اللي قولتيه، تقدري تعتبريه توضيح مش أكتر، وعمومًا مافيش داعي للقلق لأن في سكرتيرة معاكي وأنا كمان معاكي.
ابتلعت فرحة ريقها بتوتر يزداد مع كل لحظة، بينما هو راقب ردة فعلها من تلميحه الأخير وراقه احمرار خديها وارتباكها الواضح، فكأنما يصوب السهم ويربح الضربة مثلما خطط.
وكان يئز سؤال بعقلها منذ اللحظة الأولى التي وطأت قدميها أرض مكتبه، ولكن طرح السؤال سيولّد كثير من الظنون لديه، ولهفة معرفتها للإجابة تسحق أي عارض يمنعها من قوله.
ومع حيرة التقدم والتراجع قالت بتجهم:
_ ممكن اسألك سؤال ؟
وشعر زايد أن ما ستقوله سيكون أمر يقترب لأن يكون شخصي ريثما مع ترددها الواضح هذا .... فقال بثقة:
_ قولي اللي عندك كله، عايزك زي ما عرفتك، واضحة .. وصريحة.
شقت الحيرة والتراجع قرارها بالتحدث مرة أخرى بما هجم على خاطرها بتلك الدقائق الفائتة، وصمتت للحظات أثار سكونها الحيرة بداخله ... ما الشيء الذي تود قوله وتتردد لهذه الدرجة من النطق به!
_ الفترة اللي كنت موجود فيها في المستشفى خدت بالي أن عندك سكرتير مش سكرتيرة، بس.....
ضيق زايد عينيه بتفكير وطيف ابتسامة ينسحب لزاوية فمه، أهذا الشيء الذي يشغلها حقا بهذه الدرجة! ... الأنثى لا تنسى أنها أنثى أبدًا مهما تعمدت أظهار الشدة والحزم!!
ربما كان تأثير السكرتيرة له مفعول البنزين الذي وضع قرب النار ! ..... فقال بتسلية:
_ بس إيه ...؟!
ازدردت فرحة ريقها الذي جف تقريبًا ونطقت ببعض التلعثم :
_ اتفاجئت بالسكرتيرة الموجودة برا ..!، طب طالما عندك سكرتيرة ليه هتحطني بالإجبار معاها ؟! ..... أظن يعني على اد معرفتي وخبرتي القليلة أن مافيش اتنين سكرتارية بيكونوا في مكتب واحد !
حرك زايد قلم حبر بين أصبعيه ونظراته بها وميض شديد المكر، وابتسامة خبيثة ظهرت بتجعيدة بسيطة أسفل عينيه ... وكان لصمته مفعول عجيب لأن يجعلها بقمة توترها وأحراجها ... حتى أنها ندمت على التفوه بتلك الكلمات .... وانتبهت له وهو يرد قائلا بعينان تومضان بشيء كالوعد .... فقال:
_ السكرتير بتاعي لسه موجود بس خليت شغله في مكان تاني عن هنا، السكرتيرة اللي برا دي جبتهالك مخصوص عشان عارف أنك هتتكسفي تسأليني وهتتوتري، وديمة وجودها هنا مؤقت لحد ما تتعلمي، هي في الأصل سكرتيرة والدي ... يعني مجرد ما فترة تعليمك تنتهي وتفهمي كل شيء مش هيكون غيرك هنا..... فهمتي يا فرحة ؟
اومأت رأسها ببطء ايجابًا، ورغم نطقه الدافئ لاسمها قالت :
_ بعد أذنك يعني مش عايزاك تقولي فرحة كده !، بلاش نشيل الرسميات، وطبعا هقولك مستر زايد زي ديمة ما بتقول ...
رفع زايد حاجبه بغرابة وقال:
_ طب ولو قولتلك فرحة فيها ايه ما أنا بنادي ديمة باسمها عادي!
قالت فرحة بتأكيد رغم الصرير الذي أحدثته أسنانها بغيظ عندما تحدث عن السكرتيرة الفاتنة بتلك الطريقة:
_ كده أفضل وهيريحني بعد أذنك.
راقبها بتسلية وادرك ما يجول برأسها ... ثم تحدث بهدوء مقصود ليستفزها:
_ تمام مافيش مشكلة ... ولو في شيء وقف معاكي فأنا موجود، مش هضايق أبدًا لو خدتي من وقتي شوية افهمك فيهم حاجة في الشغل.
نهضت فرحة بحركة فجائية المت عمودها الفقري، ولكن شعرت بأن حديثه يميل إلى أن يتطور للأمور الشخصية فهبت واقفة ... ثم قالت بجدية زائدة وهي تضع ملف أوراقها على المكتب:
_ دي الاوراق بتاعتي اللي ممكن أحتاجها عشان التعيين، بعد أذن حضرتك.
ولم يسعفه الوقت كي يتحدث معها أكثر بل تقريبًا ركضت هي لخارج المكتب فبات مدهوشا لبعض الوقت ... ولكن بعدها عاد جالسا باسترخاء وأفصحت شفتيه عن ابتسامة شقت ثغره ... هناك آتٍ معها.. هناك كثير من المفاجآت والأمل ... هناك أشياء يتمنى أن يتشاركها سويًا ويملأ وجودها كل ركن في حياته... لم يكن مجيئها لهنا كي تعمل !
بل لتظل قريبة .. تتعرف عليه ولكن تبقى قريبة ... جزءً له ... وجزءً عليه.....
وتألقت عينيه ببريق دافئ مفعم بالحب المتوق لنقطة تلاقي وتبدا حياتهما معا.
*******
ولاحظت ديمة سرعة خطوات فرحة وهي تخرج من المكتب فراقبتها بعينان متفحصتان بغرابة .... فقالت فرحة حتى لا تزرع في عقلها موطأ الظنون:
_ أنا خلصت المقابلة مع مستر زايد وعايزة أبدأ اتعلم الشغل ...
ابتسمت ديمة ابتسامة كان بها وميض سخرية :
_ واضح انك مستعجلة على الشغل فعلًا ...
وتجاهلت فرحة نبرة السخرية التي اشتدت بآخر حديث ديمة، وقالت:
_ هبدأ معاكي من النهاردة بأذن الله، قوليلي بقا هنبدأ بإيه ؟
أشارت ديمة لها كي تتريث وتتأنى قليلًا ... ثم ضحكت ضحكة خافته وقالت :
_ على مهلك يابنتي مالك متسربعة كده ليه ؟! .... أخلص بس الشغل اللي معايا وناخد بريك ربع ساعة وبعدها هنبدأ أن شاء الله.
تعجبت فرحة حد الدهشة وقالت بتأفف:
_ يعني هقعد المدة دي من غير ما اعمل حاجة كده !
والذي بدأ يتأفف ويضيق بالفعل هي ديمة، ولكنها أخفت ذلك الضيق وطبعت ابتسامة رسمية لا رحابة فيها وقالت:
_ هحاول أخلص بسرعة.
انكمشت فرحة بجسدها الصغير بزاوية الأريكة جالسة في صمتٍ تام، بينما بعد لحظات بدأ ذهنها يرتجل مشاهد خيالية مؤلفة ..... منها الذي ينساب شاعرية، ومنها الذي ينذر بالخطر ....
وانحدرت بفكرها إلى تلك الفاتنة الجالسة أمامها ورؤيتها لها ببادئ الأمر بمقارنة مع رؤيتها الآن ....
ديمة من نوعية النساء التي تخطفن الأبصار للوهلة الأولى بجمالهن، ولكن التكرار يقلل حدة الأنبهار مع الوقت ... ورغم أن معرفتها بها لم تتعدى النصف ساعة ولكن الآن بدأت تشعر فيها بشيء غير مريح للنفس .... شيء يشعرها بأن ذلك الجمال يخبأ وجها آخر مضاد له في الاتجاه ...
ووقعت عينا فرحة على مكتبه خشبية متوسطة الحجم ملصقة بحائط جانبي .... فقررت قضاء وقتها بأفيد طريقة ونهضت لتنتقي من يلفت أنتباهها ....
وبعد دقائق فغرت فاها عندما وجدت مجلدات لنجيب محفوظ والعقاد والسباعي !
ويبدو أن ديمة انتبهت للأمر فقالت بنبرة يشوبها الاستهزاء:
_ سكرتير مستر زايد اللي كان هنا قبلي بيحب يقرأ كتب من دي في وقت فراغه، فهتلاقي منها كتير عندك ! ... قال يعني مش لاقي حاجة يعملها بمرتبه فبيخلصه على الكتب!
ولم تستسيغ فرحة رنة السخرية من القراءة بحديث ديمة فعقبت قائلة:
_ ما اعتقدتش أنه كان بيخلص مرتبه على الكتب، بس يعني مش شيفاها حاجة وحشة للدرجة دي !
لوت ديمة شفتيها بنظرة ساخرة :
_ آه شكلك نفس الكتالوج ده ... خلي بالك بقا عشان مستر زايد مابيحبش السرحان والأنشغال بأي شيء عن الشغل .... مافيش رواية من دول هتدافع عنك وقتها!
وارفقت حديثها بضحكة سخيفة لم تعجب فرحة بل استفزتها .... وهنا كانت فرحة سترد عليها ولكن اعلن هاتف ديمة اتصال ... فنظرت اليه بتوتر ثم نهضت دون كلمة واحدة وخرجت من المكتب !
لم تشعر فرحة حيال الأمر بشيء من الشك فالموقف طبيعي على الأقل بنظرها ... وعادت للمكتبة تختار منها ما تود قرائته لحين تنهتي ديمة من عملها ويبدأن العمل .....
*********
انفردت ديمة بنفسها في زاوية بعيدة عن الأعين وأجابت على الهاتف :
_ مع حضرتك
قالت نوران زوجة والد زايد بصوتً به لهفة لكشف بعض الأمور :
_ عملتي اللي اتفقنا عليه يا ديمة ولا اجيب حد بدالك يخلصلي المهمة دي ؟!
راقبت ديمة الطريق حولها جيدًا ببعض التوتر ثم قالت :
_ لا طبعا أنا مع حضرتك وهنفذ اللي اتفقنا عليه، بس الأفضل الأوراق دي ما تختفيش غير بعد ما أرجع أنا شغلي الاساسي وابعد عشان مستر زايد ما يشكش فيا .... في واحدة هتستلم بدالي الشغل معاه وموصي عليها بالقوي ومهتم بيها بشغل غريب!
دهشت نوران ريثما أن زايد ليس من طباعه كثرة العلاقات النسائية وأن حدث ذلك فكان بحدود ولهدف محدد وبمدة وجيزة لن تطول عن الشهر حتى يحقق مراد والده في الاساس بالتعرف على أبنة ذاك وهذا من أصحاب الأموال الطائلة كي ييسر له بعض الصفقات....فقالت باستغراب:
_ زايد ! .... مش معقول !
وكان يبدو من صوت ديمة أنها تحمل غيظ من الفكرة فقالت بسخرية:
_ وياريت اللي مهتم بيها حتى حلوة ! .... ذوقه بيئة جدًا !
زفرت نوران بملل وقالت :
_ مش مشكلتي اللي انتي بتقوليه دلوقتي! ، المهم المهمة تتنفذ من غير أي دليل تسبيه وراكي ..... أما أزاي فدي بتاعتك أنتي بقا بس انجزي مافيش وقت، الشركا الاجانب اللي هيدخلوا مع زايد المشروع الجديد هيوصلوا مصر بعد اسبوعين عشان يعاينوا الموقع، ولازم التصميم بتاع المشروع كله يبقا في ايدي قبل ما يوصلوا .... المشروع ده لو اتنفذ هتبقى كارثة !
لم تفهم ديمة ما هو الكارثة في الموضوع ريثما أن المشروع هذا تحديدا سيدر نجاحا ملموسا لاسم الشركة وارباح هائلة ! .... ولكنها قالت لتنهي الحديث قبل أن ينتبه لها أحد :
_ هحاول اخلصه بأسرع وقت، وياريت حضرتك ما تتصليش بيا الا بليل اكون رجعت البيت وأقدر اكلمك براحتي .... انما هنا ممكن أي حد يسمعني.
قالت نوران بموافقة :
_ اوك .... المرة الجاية اتمنى نكون بنتفق على ميعاد تسلميني فيه ملف المشروع ... سلام موقتا.
ردت ديمة بعجالة :
_ مع السلامة يا مدام نوران .
وعندما أغلقت ديمة الأتصال والتفتت يمينا تجمدت !
فقد وجدت فرحة تقف بجانبها تقريبًا سوى خطوة واحدة تتقدمها ديمة عنها، ونظرت ديمة بصدمة لفرحة ... حتى قالت الأخرى بدهشة من مظهر ديمة وهي متسمرة هكذا :
_ أنا أسفة بس التليفون رن أكتر من مرة ومحبتش أرد وأنتي مش موجودة ...
تنفست ديمة الصعداء بعدما تصبب جبينها بعض حبيبات العرق عندما ظنت أن فرحة كشفت أمرها .... ولكنها يبدو أتت بالثوان الأخيرة فلم تلتقط أذانها أي كلمة ..... فقالت ديمة بعصبية وهي تمسح جبينها بمنديل ورقي :
_ طيب راجعة المكتب ...
وتركت فرحة تقف حائرة .... حتى رددت فرحة عدة كلمات وقالت :
_ مدام نوران ! .... وخايفة حد يسمعها وهي بتتكلم معاها ! .... واتصدمت لما شافتني ! .... هو في ايه ؟!
وكان بحقيقة الأمر أن فرحة لم تستمع غير للحوار الأخير الذي تحذر فيه ديمة امرأة عبر الهاتف الا تهاتفها إلا ليلًا .... ويبدو أيضا أن هذه المرأة تدعو " نوران" .... فمن هي نوران هذه ؟!
هكذا تردد هذا السؤال لفرحة وهي تعود للمكتب ..
*********
جلس هيثم بجانب أمه واضعا ساقا على ساق في استرخاء ثم قال وفي نبرته تعجب وملل :
_ هو أنا هفضل قاعد كده في البيت ولا إيه ؟! .... بقالي ٥ أيام واصل مصر ولحد دلوقتي مش عارف أروح الشركة بسببك ! ..... فهميني ليه عشان مش هصبر أكتر من كده !
نظرت له والدته بنظرة خبيثة وقالت :
_ لحد ما يخلص اللي في دماغي ما ينفعش تروح الشركة خالص.
رفع هيثم حاجبيه تهديدا وقال:
_ لو مفهمتنيش دلوقتي اللي بتخططيله هقوم اخد عربيتي واروح الشركة حالا ....
زفرت نوران بغيظ منه، فهي تعرف ابنها يحمل قدرًا وفيرًا من الغباء، ولو تدخل بالأمر لربما أفسد عليها نجاح مؤكد ... فقالت مرغمة:
_ طب اسمعني ونفذ اللي هقولهولك بالحرف ...
أولًا زايد بيحضر لمشروع كبير ، المشروع ده لو باسم ممدوح جوزي مكنتش زعلت ولا عملت ده كله، أنما زايد واخد المشروع ده باسمه ولحسابه، يعني بالمشروع ده بس هيبقى ناقصه بس مبنى لشركته الخاصة وفي أقل من سنتين هيدمر شركتنا وهينهب السوق نهب ....
زايد بيحضر للمشروع ده بقاله ٣سنين وصرف في تحضيره كتير وخلص دراسة الجدوى وكل اللي محتاجة عشان يبدأ .... ملف المشروع ده بالكامل في خزنته الخاصة اللي محدش يعرف مكانها غير ممدوح .... وبطريقتي أنا بقا قدرت أعرف من ممدوح مكان الخزنة دي فين بالضبط في الشركة ... واللي ساعدني أن زايد بعد سكرتيره المخلص عن مكتبه وبعت جاب سكرتيرة ممدوح جوزي موقتا عشان تعلم بنت لسه جاية جديد الشغل، والبنت دي هي اللي هتبقى سكرتيرة زايد بعد ما تتعلم ، وعرفت أن زايد مهتم بيها أوي وشاكله واثق فيها بزيادة... أما بقا سكرتيرة ممدوح دي في ايدي وتبعي .... عرفت بقا اللي في دماغي ولا مافهمتش ؟!
فكر هيثم لبعض الوقت وقال بنظرة يلتمع بها شيء:
_ اللي أهم من السكرتيرة المؤقتة ... هي السكرتيرة الجديدة دي ، ودي اللي لازم تكون تبعنا، لأن واضح أن في حاجة بتحصل غريبة بينهم، زايد مش من عادته يعرف واحدة غير لسبب.... عموما لما تخلصي مهمتك هتبدأ مهمتي أنا ..
قالت نوران بقلق من تسرعه وتهوره:
_ سيبلي أنا كل حاجة ونفذ اللي هقولك عليه وبس.
ابتسم هيثم باستهزاء بينما شردت عينيه للبعيد وكأنه بدأ يدبر شيء ....
*********
تمسكت الصغيرة ريميه بحميدة التي تركت عملها بالمشفى وأتت اليها خصيصا وقالت لليلى التي كانت ممددة على فراش بغرفة واسعة بأحد الطوابق العلوية من المشفى:
_ هاخد ريمو معايا يا مرات عمي، هتقعد معايا بالمكتب
قالت ريميه برجاء لأمها:
_ قولي آه ، قولي آه بقا
ابتسمت ليلى لصغيرتها بابتسامة كسولة وقالت :
_ خلاص ماشي ... بس ما تتأخريش يا حميدة وجبيها على طول ..
وافقت حميدة بابتسامة وخرجت والصغيرة تصفق بضحكة على ذراعيها..... وبعدها همست لحميدة وهما يعبران الرواق الطويل للمشفى :
_ حميدة حميدة، هو مش يوسفي هنا ؟
ضحكت حميدة وقالت :
_ آه هنا في المبنى ده، بس أنا بشتغل في المبنى التاني !
مطت الصغيرة شفتيها بأحباط ... حتى انتبها الاثنان لصوتً يصيح من خلفهما :
_ ريمــــــــــو....
ادارت الصغيرة رقبتها وهي تحاوط شفتيها بأصابعها الرقيقة وكأنها تحتوي صوتها ليصل اليه أسرع وهتفت:
_ يوسفي .. كنافتي
وركض نحوهما يوسف حتى وقف امامهما بضحكة ، ففرد الصغيرة ذراعيها لكي يأخذها ... بينما هو لم ينتظر أن تفعل ذلك فقد أخذها عنوة من ذراعي حميدة وقال لها بمشاكسة وهي تضحك :
_ هقول للقطة تعضك ، وحشتيني يا ريمو بقالك اسبوع مع مامتك هنا وغايبة عن البيت .....
ضحكت الصغيرة وهي تبعد يده عن رأسها وهو يشاكسها .... فقالت حميدة بحياء:
_ بعد اذنك يا يوسف ... هرجع لشغلي ..
عبس وجه يوسف فجأة ثم قال بمقت :
_ مش عارف ايه حكاية الشغل اللي طلعت على غفلة دي ... يا ستي لو عايزة تشتغلي ممكن تشتغليني يعني وهديكي مرتب كمان ، بس خليني أشوفك أكتر ينوبك ثواب ! .... قلبي متشحطف على ساعة زمن اقعد فيها معاكي ونتكلم ...
نظرت حميدة له بحدة وبنظرتها وكأنها تذكره بحديثه الصادم بيوم عقد القران .... فقال بغيظ :
_ يا سلام على الانسان لما يقسى على حبيبه الانسان اللي زيه !
قالت الصغيرة بعدم فهم وسألت باستفسار:
_ ليه يا يوسفي الانسان بيقسى على حبيبه الانسان ؟
رد يوسف على حالته المغتاظة:
_ اسألي حميدة !
سألت الصغيرة حميدة :
_ ليه يا حميدة ؟!
قالت حميدة بسخرية :
_ شكله كان جعان !
اقسم يوسف :
_ كنت واكل وشبعان واكلتك معايا يا ناكرة الجميل ... ده كله عشان ....
هتفت حميدة به لكي لا يتابع بوجود الصغيرة :
_ بس يا يوسف !
انفعل يوسف من هتافها وقال :
_ طب وطي صوتك !
نظرت له حميدة وشعرت أنها تمادت بعض الشيء في ارتفاع صوتها عليه وحولهما يمر الأطباء والممرضات.
فأعطاها الصغيرة برفقة، ثم تركها تقف دون كلمة .... عبست الصغيرة باستياء وقالت :
_ يوسفي مشي !
تنهدت حميدة وقالت :
_ عليت صوتي بس هبقى أصالحه لما ارجع البيت بعد الشغل ....
*********
وكانت ليلى قد باغتتها الغفوة مرةً أخرى وذهبت في سباتٍ عميق .... حتى شعرت بشيء يلامس بشرتها ففتحت عينيها ببطء ....
حتى اشرقت نظراتها على وجهه الحبيب ، والقريب، مثلما هو قريب لقلبها وروحها .... يبتسم بمحبة شديدة تتألق بعينيه .... وباشتياق أتى به لهنا مسرعا فورا وجود عدة دقائق وجد فيهم بعض الاستراحة .... وهي كانت راحته فأتى إليها دون تفكير حتى ...
اعتدلت ليلى بفراشها سريعا حتى اسرعت الى صدره بلهفة .... وقال مبتسما:
_ لو أعرف أن نفسيتك هتتحسن بوجودك هنا كنت جيبتك من زمان ....
قالت بصوتٍ مكتوم قليلا لكونها تتحدث محتضنة صدره:
_ امبارح بابا جفونه اتحرك وشفت ده بنفسي، فرحت أوي أوي .... روحتلك المكتب عشان أفرحك لقيتك رجعت البيت ... بس
قاطعها وجيه معتذرا أسفا:
_ ماينفعش اسيب البيت في الوقت ده بالذات يا ليلى ما أنتي عارفة الوضع، وكمان أول أيام جيتي فيها هنا كنت فيهم معاكي .... بس جيهان برضو ليها حق عليا ...
قالت ليلى متفهمة:
_ لو سيبتني اكمل كنت هقولك بس أنا فاهمة ومقدرة .... مش زعلانة.
ابعدها قليلا ونظر لعينيها بعمق وقال:
_ بما أن النهاردة ليكي ... ممكن أخدك بليل كده نتعشى برا ونرجع ؟ .... عايز اتكلم معاكي ...
سألت ليلى بلهفة :
_ في ايه ؟
هز وجيه رأسه بحيرة:
_ مش عارف .... بس عايز اتكلم معاكي، في أي حاجة ... المهم تبقي معايا ...
ابتسمت له بمحبة شديدة وعلمت أنه اشتاق لمحادثتهما وثرثرتهما بهذه الأيام السبع التي من المفترض ابتعدت فيها عنه..
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
الفصل ٦٥ هنزل نصه بكرة بأذن الله ونصه بعد بكرة ( يوم السب يعني) .... وروني تفاعل بقا ❤❤😘 أتمنى يكون الجزء ده عجبكم 💟
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس_والستون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... ليلة على النيل ...~
دخلت حميدة الغرفة المكتبية التي تتشاركها مع شقيقاتها الثلاث، وقد جهزت لهن خصيصاً منذ بضع أيام.
جلست على مقعد مكتبها الخشبي واجلست الصغيرة على ساقيها وبدت شاردة قليلًا ... حتى خطفت انتباه الفتيات الجالسات كل واحدة منهن أمامها حاسوب وكومة من الأوراق التي تحتاج المراجعة البسيطة.
فقالت سما وهي ترمقها بشك:
_ وشك مقلوب كده ليه يا حميدة ؟!
وانتقلت نظرة جميلة من على الصغيرة بمحبة إلى نظرة انتباه وقلق لحميدة وسألت باهتمام:
_ مالك يا حميدة مين زعلك؟!
حررت حميدة تنهيدة مشحونة بالضيق وقالت لتغير دفة الحديث:
_ مافيش حاجة ... يمكن صداع بس.
ضحكت رضوى وقالت بشيء أقرب للسخرية:
_ لا أجمدي كده ده احنا لسه في الأول ! ...
وقفت جميلة وقالت شيء قد وجدت الوقت المناسب لتخبرهن به:
_ بصراحة بقا أنا شايفة أننا بعد الجواز ننسى موضوع الشغل ده،
كفاية علينا المذاكرة وهم الجواز نفسه مش هيبقى الشغل كمان !
وافقتها حميدة بعدما لملمت تركيزها وعادت منتبهة لأقل التفاصيل:
_ أنا عن نفسي مش هشتغل دلوقتي خالص ... أنا جيت معاكم بس الفترة دي عشان ماتبقوش لوحدكم، أخلص جامعة وبعدين نفكر في الشغل ... لكن جواز وشغل ومذاكرة ليه يعني الشقا ده !
وأضافت جميلة لتوضيح سبب قرارها أكثر:
_ أنا لاحظت أن الموظفين اللي هنا بيتلمزوا علينا ! ... عشان يعني مش معانا شهادة كفاية وشغالين بالواسطة ... وبصراحة هي دي الحقيقة مش هنكر ! .... وهو لو كنا اشتغلنا في مكان تاني كنا بقينا لينا مكان لوحدنا كده وشغالين براحتنا وبمزاجنا كده ؟!
قالت سما رأيها الذي ادهش الفتيات:
_ وأنا مع رأيكوا ..
رفعت رضوى حاجبيها عليها بتعجب وقالت:
_ أنتي ؟! .... افتكرت انك هتعترضي زي كل مرة !
تنهدت سما بثقل ونهضت من مقعدها لتقف بوسط الغرفة امامهن وقالت:
_ جميلة عندها حق لما قالت اننا اشتغلنا هنا بالواسطة، مش ده اللي يرضيني، وبعدين أنا قلقانة على أمي ومش صح نسيبها لوحدها كده طول النهار !! ..... هرجع هنا تاني بس وأنا معايا شهادة اشتغل بيها ... وخطوة الشغل بس اللي هتراجع فيها مؤقتا.
ضيقت حميدة عينيها بشك وقالت:
_ وأنتي ناوية تقعدي ٣ سنين جامعة تثبتي لآسر أنك تقدري تنجحي ؟! ... يعني مش من تاني يوم جواز هتكونوا اتصالحتوا !
ضحكت جكميلة بضحكة عالية ولحقتها حميدة ... بينما قالت سما بتعابير ثابته لا يظهر فيها شيء :
_ ده مش سوء تفاهم ومحتاج قاعدة صلح وينتهي يا حميدة!، دي نظرة هو شايفني بيها ولازم اثبت عكسها ... ده لو ناوية فعلا افتح صفحة جديدة معاه وأقدر أنسى.
سألتها جميلة بصدق:
_ وأنتي ناوية تفتحي صفحة جديدة معاه؟
صمتت سما للحظات جعلت الفتيات ينظرن إليها بلهفة انتظار إجابتها ... خاصة رضوى التي تسير على نفس الخطا مع رعد وربما أزمتها معه أشد !
وتحركت سما تجلس على مقعدها ثانية ... ثم أجابت:
_ ده يتوقف على صدقه معايا، ... المسألة مابقتش أنهم مشيوا من البلد وسابونا ... المشكلة بقت ابعد من كده بكتير، المشكلة الحقيقية أنهم حتى لو بيحبونا بس نظرتهم لينا ما اتغيرتش ! .... احنا أقل منهم في التعليم ودي الحقيقة اللي هتفضل مأزمة نفسيتنا طول الوقت.
اعترضت حميدة وقالت:
_ أنا شايفة أن العقدة بقت جوانا احنا ومش عارفين نتخلص منها ! .... بس طالما هنستثمر طاقتنا دي في شيء مفيد
ونكمل تعليمنا يبقى احنا كده ماشيين صح.
فقالت رضوى:
_ نفضل بس كام يوم كمان عشان شكلنا مايبقاش وحش وبعدين نقعد.
*********
مضت فرحة في القراءة في أحد الكتب التي وجدتهم بالمكتبة وسرحت تمامًا عن أي نظرات تختلسها ديمة إليها بين الفينة والأخرى.
وكانت تلك النظرات منها الساخرة والمستهزءة .. ففرحة فتاة بسيطة جدًا لا تلفت الانتباه لا من النظرة الأولى ولا من العاشرة حتى ! ... فما الذي يغريه فيها لهذا الحد ؟!
لولا الصفقة الرابحة التي عقدتها مع زوجة أبيه لكانت رمت شباكها عليه واستغلت وجودها بقربه بهذا الوقت أفضل استغلال ممكن.
ولكنه يبدو بعيدا عن متناول يد أي امرأة سوى تلك الفرحة ذات الرداء الفضفاض والمظهر الأقل من العادي الغير مُلفت على الإطلاق!
وفي غمر معركة خواطرها تلك دلف عامل البوفيه وبيده صينية المشروبات المطلوبة .... قالت له ديمة دون حتى ان تنظر له:
_ سيب القهوة هدخلها أنا ..
غادر الرجل سريعا من المكتب وتعجبت فرحة مع وخزات الغيرة التي دهشت منها :
_ هو لازم السكرتيرة هي اللي بدخل القهوة ؟
ويبدو أن ديمة لم تحب طرح السؤال بهذه الصيغة فقالت بجفاء:
_ مش مفروض ... بس اتعلمت ادخلها أنا عشان استغل الفرصة واسأل على أي حاجة واقفة معايا في الشغل ... لأن ممدوح بيه مابيحبش حد يقاطعه كتير وهو بيشتغل في مكتبه.
واستشعرت فرحة أن ديمة استاءت من سؤالها فقالت معتذرة :
_ مش قصدي حاجة والله، بس أنا ما اشتغلتش سكرتيرة في شركات قبل كده ففي حاجات كتير مش عرفاها.
وابدت ديمة التفهم بينما ما كان بداخلها النقيض تمامًا، وقالت مبتسمة بزيف:
_ ولا يهمك ... قدامي ربع ساعة بالضبط وأفضى وابدأ معاكي.
ونهضت ديمة لتهم بدخول القهوة لمكتب زايد، بينما لم تعترض فرحة طريقها وشعرت ببعض الضيق والخجل بالأمر ... إذا سيكون عليها ومن ضمن واجباتها هذا الأمر ؟!
تنفست بحيرة وبدأ يتردد بعقلها خاطرة أن تذهب من هنا بلا عودة .... يبدو ما يحدث وكل شيء هنا لا صلةً له بها.
وعندما وضعت ديمة القهوة أمام زايد الذي كان منشغل تمامًا وأصابعه تتحرك بخبرة عالية على حاسوبه ...قالت بصوتً ناعم:
_ قهوة حضرتك ..
هز زايد رأسه دون أدنى اهتمام يزيد عن كونها موظفة ليس إلا ... واغتاظت ديمة من هذه الامبالاة ... ونظر بانذار وتحذير لها وقال:
_ مش عايز فرحة تضايق من أي شيء ، ولو في حاجة مش عارفة تتعلمها ما تقوليلهاش عليها نهائي وسبيهالي أنا هخلصها.
ولولا نظرته الحادة لها لكانت طلت نظرة استهزاء من عينيها ... ولكنها عوضا هزت رأسها ايجابًا وقالت بخضوع:
_ تحت امر حضرتك ... ماتقلقش عليها، هفضل معاها لحد ما تتعلم كل شيء.
رفع زايد كوب القهوة لشفتيه وعاد لتجاهله التام لها وهو ينظر للحاسوب مرة أخرى وقال باختصار:
_ تمام.
صرّت على أسنانها دون اعلان ذلك على صفحة وجهها ومضت خارجة من المكتب وصوت حذائها يحدث ازعاج بهذا الهدوء ... ومضت ديمة إلى مكتبها ونظراتها الجانبية لم تحيد عن مقعد فرحة، وتفحتصها بنظرات حاقدة حاسدة ..
وابتسمت بنفاق وقالت:
_ يلا نبدأ يا فرحة ... متحمسة جدًا اعلمك.
ابتسمت فرحة لها بمجاملة وشكر وبدأت ديمة بأسهل الأمور، ورويدا رويدا كانت تقدم المزيد والمهم ثم الأهم ... ومدحت ذكاء فرحة وسرعة استيعابها بشكل مبالغ فيه ويثير الريبة والشك !
وعندما انقضت ساعة أخرى رفعت ديمة رأسها عن الحاسوب التي تتدرب عليه فرحة وقالت:
_ ناخد استراحة بقا.
وافقت فرحة بترحاب وقالت:
_ ياريت ... عشان المعلومات ما تدخلش في بعضها.
طلبت ديمة لها ولفرحة عصير المانجو الطازج وبدت وهي ترتشفه غارقة الفكر في طريقة التقرب الى فرحة وصدقاتها لتعرف ما يحوم حولها من غموض ....فقالت مبتسمة برقة:
_ أنتي مخطوبة يا فرحة ؟
تعجبت فرحة قليلا من السؤال المفاجئ ولكنها أجابت:
_ لأ .
رسمت ديمة على وجهها الاستغراب والدهشة وقالت:
_ اكيد الرجالة اتعموا ! .... واحدة في أخلاقك وفي جمالك مش موجود منها كتير دلوقتي ...
وابتسمت فرحة لها بمجاملة سريعة، ولم تشعر أن ديمة مقتنعة بما تقوله بتلك الدرجة التي تؤكد بها ... فقالت باختصار:
__ ده نصيب وهيجي في وقته.
ردت ديمة بموافقة:
_ عندك حق .... بأذن الله كلها اسبوع او اتنين بالكتير واسيبك وأنتي تمام التمام في الشغل ... خصوصا أن مستر زايد موصي عليكي أوي ... و...
وقبل أن تتابع ديمة حديثها المراوغ لتعرف حقيقة علاقتها بزايد ... سعلت فرحة عدة مرات ولكن كان الأمر ليس إلا هروب من الإجابة على عدة اسئلة آتية تخص علاقتها بزايد ... فقطعت عن ديمة استرسال الحديث.
فرمقتها ديمة بنظرة ضيقة ماكرة وعرفت أن فرحة ليست بالبراءة التي تظهر عليها ... ولكنها قالت بتظاهر القلق:
_ استني هجيبلك كوباية مية ...
وبعد قليل ارتشفت فرحة من يدها المياه واعقب ذلك عودة سريعة للعمل دون اجترار الحديث مرة أخرى.
********
وبفيلا عائلة جيهان ...
كانت قد وصلت لمنزل والديها صباحا عقب ذهاب وجيه للعمل وأتت إلى سمر ....
ولاحظت سمر شرود جيهان وهن يجلسان بشرفة أحدى الغرف فقالت بقلق:
_ إيه واخد عقلك بالشكل ده؟!
انتبهت جيهان لحديثها وقالت بعد تنهيدة ثقيلة الهم وعبء الألم:
_ هيكون مين يعني غير وجيه ! .... المهم سيبك مني، فكرتي في االي قولتهولك ؟
برقت عينان سمر ببريق حائر يطيح به الألم كل لحظة ... فقالت باضطراب:
_ مش عارفة أفكر ... مش مستعدة ادخل تجربة تانية دلوقتي خالص ... وبعدين أمجد حتى لو لسه بيفكر فيا بس عند موضوع الجواز وهيفكر الف مرة ... وعنده حق !
تنهدت جيهان مرة أخرى وقالت بقوة:
_ لو بيحبك بجد واتفتحله طريق ليكي من تاني يبقى غبي لو ما اتمسكش بيكي ... الحب مش بيجي في العمر كتير يا سمر ... وممكن ما نقابلهوش خالص ! ....
قالت سمر بيأس:
_ بما أني اصبحت مطلقة فالمجتمع من هنا ورايح مش هيرحمني، ومش هقدر أدافع عن نفسي لكل حد هقابله، وحتى لو دافعت مش كتير هيصدقوني ! ... أكيد أمجد هيفكر في كل ده ...
قالت جيهان بعصبية :
_ ليه المطلقة بيتحكم عليها من نظرة الناس بالفشل ! ... ليه الناس بتبصلها على أنها ارتكبت ذنب ! .... محدش بيفكر للحظة أنها ممكن تكون مظلومة وشالت فوق طاقتها؟!... كله بيحكم من غير ما يعرف حاجة ! ... كله بيحكم حتى لو مالوش الحق أنه بس يسأل ! .... المأساة دي خلت ستات كتير أوي تستحمل الظلم عشان تبعد عن ظلم أكبر مستنيها لو اطلقت ...
قالت سمر بكسرة:
_ مش هقدر أغير تفكير كل اللي حواليا ...
هتفت جيهان بها والتمعت عينيها بالدموع:
_ أنتي لازم تقوي ! .... أنتي ما عملتيش حاجة غلط!، أنتي كنتي ضحية لواحد كداب ظلمك وكدب عليكي وعيشك في جحيم ... ماتسمعيش لأي حد ممكن يهز ثقتك في نفسك ... وبصي لبكرة وفكري في نفسك ...
شعرت سمر أن جيهان تعاني شيء لم تريد الافصاح عنه، أو ربما لا تستطع قوله ... دموعه عينيها تسبق كثير من الأحاديث ...خاصة التي تشير للطلاق وأموره.
فأجابتها بصدق:
_ هقوى ... بس محتاجة وقت، مش قادرة أفكر دلوقتي في ارتباط جديد.
صارحتها جيهان وقالت:
_ أنا مكنش المفروض أقولك على مقابلة وجيه وأمجد ... بس أنا ست وأقدر أفهم مشاعرك أكتر من وجيه، حسيت أنك محتاجة تعرفي أن لسه في انسان مستني بس اشارة منك ... انسان بيحبك بجد وباين في كلامه، بس طالما أنتي محتاجة وقت يبقى تمام ... المهم ماتكونيش رافضة الفكرة بحد ذاتها ؟
ولكي تكون سمر صادقة مع نفسها قالت:
_ مش رافضة أمجد، بس محتاجة فترة هدوء قبل ما اقابله ...
*******
عند نهاية دوام العمل بالمشفى جلست حميدة بسيارة يوسف تنتظره حتى يأتي .... وتمسكت بالصغيرة التي توسلت لأمها ليلى حتى تبيت معها هذه الليلة ووافقت ليلى على مضض .... ثم أتى يوسف وجلس بمقعد القيادة وبدأ يحرك سيارته دون ادنى كلمة لحميدة ...
نظرت له حميدة بغيظ وتمالكت أعصابها حتى مضت بعض الدقائق وقالت بعتاب :
_ لسه زعلان يا يوسف ؟!
اخفى يوسف أي معالم للابتسامة الذي يشعر بها وقال بجمود:
_ آه
قالت الصغيرة وهي تشاكسه ليضحك:
_ كنافتي ما تزعلش.
وكان يوسف يضحك من اللقب الجديد الذي أتخذته الصغيرة في هتافها له .... فقال وهو يمرر يده على رأسها سريعا:
_ كنافتك مش زعلان منك يا ريمو....
قالت حميدة وهي تضحك :
_ لأ كنافتي زعلان !
صحح يوسف وقال:
_ أنا كنافة ريمو بس .. مش حد تاني !
ضحكت الصغيرة عاليًا وشاركتها حميدة ريثما أنه بدا عليه طيف من المرح .... فقالت بصوتً ناعم قصدته:
_ أنا اسفة .. خلاص بقا.
كتم يوسف ضحكته وقال بثبات:
_ مستحيل ..
اغتاظت منه حميدة وهمست للصغيرة بشيء .... ثم ظهر العبوس على وجه الصغيرة فجأة وقالت له:
_ يوسفي ... أنا مخصماك .
رفع يوسف حاجبيه تعجبا وقال بدهشة:
_ وأنا زعلتك في ايه؟!
هزت الصغيرة رأسها بتصميم وقالت:
_ مش عارفة بس مخصماك ... حميدة قالتلي كده.
سخر يوسف وقال:
_ كنت متأكد !
فردت عليه حميدة بضحكة واثقة:
_ ماشي ... هنشوف بقا مين اللي هيصالح التاني ! ... أنا وريمو اللي هنكسب ولا حضرتك !
قال بعينان ضيقة :
_ بتتحديني يعني ؟! .... اوك موافق ...
وهمست حميدة بشيء للصغيرة جعل الصغيرة تضحك بقوة ... فنظر اليهم يوسف خلسة وتأكد من هزيمته !
*********
وعند دخول المساء ...
قد عادت جميلة منذ وقتّ طويل للمنزل ومعها شقيقاتها كل واحدة بسيارة زوجها ..... وانتظرت حتى خلت الردهة من الخدم وتسللت لقاعة الرياضة وبيدها كيس أسود يخفي بداخله شيء....
فتحت الباب بهدوء ثم استدارت واغلقته جيدًا بالمفتاح حتى لا يتسلل إليها ذلك الذي لا يعرف للحياء طريقا ...
وتنفست الصعداء وهي تلتفت وعلى وجهها ابتسامة ... حتى تجمدت عندما رأت جاسر يضع منشفة على كتفه العاري ويقف خلفها بابتسامة ماكرة ....
فقال بنفس الابتسامة المستفزة:
_ جيالي الجيم وبتقفلي علينا بالمفتاح ليه يا جميلة ؟! .... هو عشان أنا هنا لوحدي يعني ؟!
جف ريقها تقريبًا واستدارت سريعا كي تهرب ، ولكنه جذبها اليه وقال بضحكة ماكرة:
_ بتهربي ليه ضفدعة ؟! .... هو مش أنتي جيالي مخصوص في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟!
دفعته عنها وقالت بغيظ :
_ هجيلك ليه ما انت في وشي ليل نهار في البيت وفي الشغل ! .... بصراحة بقا أنا جيت العب رياضة، حاسة أني تخنت من وقت ما وصلت هنا وعايزة أخس شوية..
مرر جاسر عينيه عليها بدقة وابتسامة خبيثة ثم قال:
_ مش عايزك تخسي يا بطوط ...
كتمت جميلة ضحكتها بالكاد وقالت وهي تتجه لأحدى آلات الركض :
_ الخسسان حلو ، عايزة أبقى رشيقة ... وسع كده خليني اتمرن.
نظر جاسر للكيس الأسود البلاستيكي الذي بيدها وأشار له قائلا :
_ ايه اللي في الكيس الاسود ده ؟! ...
قالت جميلة بثقة:
_ ده الترينج النبيتي بتاعي وكام سندوتش كده عشان بجوع بسرعة.
مرر جاسر يده على رأسه ثم ضحك رغما عنه بصوت عالي أغاظها ... فقالت :
_ هروح اغير وأجي ... ما اشوفكش هنا .
قال بغمزة من عينيه:
_ اومال مين اللي هيمرنك ؟! ... أنا الكابتن هنا ....
قالت بثقة لم تكن تشعر بها حقا:
_ هتمرن لوحدي، اتعلمت من النت وجاية اطبق ...
أشار لها وقال بحماس:
_ البسي الترنج النبيتي ده وتعاليلي .... بس على فكرة لو لسه جديدة في التمرينات هيجيلك شد ومش هتعرفي تروحي الشغل بكرة ...
هزت جمياة رأسها وهي تتحدث بمنتهى الثقة وقالت:
_ لا أنا جامدة ...
سخر منها وقال بتحذير:
_ مش حكاية جامدة ... لو الجسم مش متعود على التمرين والعدات طبيعي يتعب في الأول دي مافيهاش جدال .... بس جربي مش هتخسري حاجة.
ذهبت جميلة على استحياء لحمام مرفقة بقاعة الرياضة الواسعة ، ثم وبعد دقائق خرجت ببطء وهي ترتدي " الترينج" النبيتي وتلف رأسها بحجابها القصير ... وعندما رأها وقف ناظرا لها مبتسما بنظرة ضيقة خبيثة للحظات ..... وتهربت من نظرته فقال:
_ الطرحة مش هتنفع في التمرين ... انا جوزك لو ناسية يعني ومافيش حد هنا غيرنا اصلا..
قالت معترضة ولكنها كانت تحب أن تغيظه وتضحك لنفسها:
_ لا مش هشيلها ...
لم يسمح لها لمزيد زمن الرفض ووجدت نفسها محمولة على ذراعيه حتى آلة الركض ... ووضعها بجانبها ثم قال :
_ خلاص انتي حرة ! ... يلا نبدأ ...
أرشدها ببدء تمرينات أولية لتجهيز جسدها لتمرينات أخرى ... ثم استخدمت آلة الركض بعد ذلك على سرعة متوسطة .... ورغم ذلك لهثت بأنفاس عالية وتصبب جبينها العرق الغزير ....
وراقبها جاسر بضحكة مكتومة وقال:
_ لسان طويل انما الحقيقة.. كريم كراميل !
*********
انتبهت كلا من وداد وابنتها سما لدق خفيف على الباب .... فنهضت سما وهي تحكم حجابها قبل أن تفتح بحركة روتينة ..وتفاجئت أن الطارق آسر !
ابتسم لها ابتسامة لطيفة ثم تحدث مع الأم وقال:
_ مساء الخير ..
أجابته وداد بألفة ... فتابع آسر :
_ بعد أذن حضرتك هاخد سما اتكلم معاها شوية في الجنينة ...
وأحبت وداد بشكل خاص سلوك الأدب في تعامل هذا الشاب، فهزت رأسها بموافقة اكيدة وابتسامة ودودة ..... فنظر آسر لسما وقال :
_ تعالي معايا يا سما ...
وكانت سما ترتدي ما يليق أن تظهر به أمام شباب العائلة جميعهم ... وخرجت معه مباشرة من الغرفة .... ثم أتى الصبي نعناعة لعمته وداد وقد لاحظ خروج سما مع آسر وقال بتعجب:
_ هو استأذن منك ولا ايه يا عمتي ؟
اومأت وداد بالايجاب فقال الصبي مجددا :
_ ماحستكيش بتقلقي منه زي ما بتقلقي من جاسر ورعد !
ضحكت وداد وقالت:
_ ده أنا قلقانة عليه ! ... دي سما بنتي دي تعقد بلد وتطبخلهم نكد!
هم الصبي نعناعة للشرفة وهو يضحك على مقولة عمته ..... ثم راقب سما وهي تسير بهدى بجانب آسر بمدخل الحديقة وقال وهو يكتم ضحكته:
_ شوفي ماشيين أزاي ؟! .... دول مش واحد ومراته ولا حتى خطيبته ... دول أسرى حرب مستنين التسليم !
ضحكت عمته وداد حتى احمرت عينيها والتمعت من الضحك.
************
وقف وجيه بسيارته عند مبنى عال لاول مرة كانت تراه ليلى .... قالت بابتسامة وهي تخرج من السيارة بواسطة يده:
_ المكان ده جميل أوي ... أول مرة أشوفه!
وكان هذا المبنى يطل على النيل مباشرة ويبدو أنه شيد حديثا .... فقد كانت عمارته تعود للطابع الروماني القديم .... وصعد معها للمبنى التي كانت فكرته في الاساس هي مطعم يقدم الأكلات البحرية الطازجة .... بينما ما يميزه هو أن الأماكن به منفردة وبعيدة عن بعضها وذات أضواء خافته ....
أجلسها وجيه على مقعد مبطن بالقطيفة الأحمر وأمامها طاولة دائرية بيضاء زاهية اللون .... وجلس قبالتها وطلب بعض المشروبات سريعا .... ثم قال بابتسامة واسعة :
_ لسه مكتشف المكان ده امبارح ..... الميزة هنا أن مافيش حد معانا ... تتكلمي، تضحكي، نتكلم براحتنا... محدش شايفنا ...
نظرت حولها تتفحص المكان المضاء بإضاءة بالكاد تستطع أن ترى فيها الوان المقاعد .. وقالت بأعجاب:
_ فعلا جميل أوي ...
وبعد قليل وضعت فتاة المشروبات وغادرت سريعا لأعداد العشاء واختفت عن الأعين ... وتسلل لأذن ليلى نغمات موسيقية هادئة وساحرة وكأنها تأني من الموجات الممتدة على صفح مياه النيل الساقطة عليها ظلال أضواء متعددة كقوس قزح ...
*********
وقفت فرحة بالطريق حتى توقف سيارة أجرة تقلها إلى منزلها ... ريثما أن من الصعب أن تنتظر عربات الاتوبيسات الشعبية بهذا الوقت .... حتى ترجل زايد من سيارته بعدما وقف يراقبها طويلا ... وكانت تدرك بوجوده وتتحاشى النظر اليه.... واقترب منها وهو يتحامل على العكاز ليصل اليها .... ثم وقف بالقرب وقال باهتمام واضح :
_ تعالي معايا هوصلك يا فرحة ... اقصد يا آنسة فرحة ...
ازدردت ريقها وأجابته بثبات:
_ ماينفعش اركب معاك عربيتك أنا أسفة ...
ووقف لها سائق سيارة أجرة وقالت لزايد بنظرة رقيقة:
_ بعد أذنك ..
جلست فرحة داخل السيارة وما كادت أن تأخذ وضعيتها في الجلوس حتى وجدت زايد يجلس بالمقعد الفارغ بجانها ... حملقت فيه بدهشة فقال للسائق:
_ اتحرك يا أسطى ...
سأل السائق:
_ العنوان يا اساتذة ؟!
زمت فرحة شفتيها للحظات ... رغم الأطمئنان الذي حل بداخلها بوجوده .... وأخبرت السائق العنوان وهي تلتفت لاتجاه النافذة وتتغاضى عنه وجوده ... ولو كان بالتظاهر حتى !
وانتظر السائق عنوان الراكب الآخر فأخبره زايد بنفس العنوان ....
فتمتم زايد مبتسما بعدما تحركت السيارة:
_ فكرة كويسة .... حد يوصلنا احنا الاتنين !
وابتسمت وظنت أن ابتسامتها محجوبة عنه ... ولكنها ظهرت في انعكاس وجهها على زجاج النافذة بجانبها ... وغرق بها كليًا ...
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
الفصل ال ٦٦ هايتقسم على يومين بكرة وبعده 😁
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس_والستون_الجزء١_من_الحلقة
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... بداية جديدة...~
سارت سما بجانب آسر جنبا إلى جنب في هدوء وصمت مفعم بالكثير من المشاعر المضطربة.
يود لو يخبرها شيء ! .... ولكنه لا يعرف ما هو هذا الشيء تحديدًا ! .. ولكنه يريد أن يتحدث ويتحدث، يتشاركا الأحاديث والأفكار، ويهدم هذا الحاجز الفاصل بينهما.
قال مبتسما بلطف :
_ من وقت ما أشتغلتي في المستشفى مابقتش عارف اتكلم معاكي زي الأول !
كانت تلف يديها حولها من تسلل بعض البرودة إليها ولفح الهواء البارد على بشرتها، ثم أجابت بصوتٍ ثابت حاولت فيه أن تخفي بعض من توترها:
_ على ما برجع بكون صدعت من الطريق، ولما برجع ببقى عايزة أنام.
اقتنع آسر بإجابتها فسأل باهتمام واضح:
_ طب وبعد الفرح هتفضلي تشتغلي ؟؟
ورغم أتخاذها سابقا قرارًا بهذا الشأن ولكنها أرادت أن تختبره فقالت:
_ أنت رأيك إيه ؟!
كان يعرف أن بهذا المكان سيكون بعيد عن الأعين المتلصصة ، فوقف آسر وهي قبالته وقال صراحةً:
_ لو عايزة رأيي بجد فرأيي أن مافيش داعي للشغل خالص دلوقتي، على الأقل وأنتي لسه بتدرسي، ويستحسن بلاش شغل من الاساس.
قالت بشيء من الانفعال:
_ أفهم من كلامك أنك هتمنعني أشتغل وأثبت نفسي ؟! ده مكنش اتفاقنا !
تحلّى آسر بالصبر والهدوء، ريثما أنهما على خطا ثابته للتفهم وتقارب الأفكار فقال:
_ في فرق أني أقولك رأيي ورغبتي، وفرق أني أمنعك وأجبرك على شيء، أنا عمري ما هجبرك على حاجة ... مش بس عشانك، عشان أنا مابحبش أحس أني تقيل على حد ... أو بتقل على حد.
وعندما كان صوته هادئ وهو يحدثها، كانت عينيه فيها العتاب واللوم ينضجان، فقالت بطيف اعتذار صادق:
_ مش أقصد أزعلك.
ابتسم لها بعاطفة وشعر بصدق تلك الكلمات البسيطة التي دحضت ضيقه، فأخرج من جيبه علبة صغيرة قد أخفاها حتى وقتها المناسب ... فراقبته بتعجب وهو يفتح العلبة ويرفع عنها قلادة رفيعة من الذهب الأبيض ... وضع العلبة في جيبه مجددًا ثم نظر للقلادة بابتسامة وتفحص حرفي اسمها واسمه وقال:
_ أول حرف من اسمي واسمك، ممكن البسهالك ؟
نظرت سما للقلادة بأعجاب، فقد كانت شديدة الرقة في تصميمها المميز الراقِ، وبين حرفي اسمهما كانت توجد فراشة بها فص فضيه بريق لامع ... يبدو بخامته ولمعته تلك أكثر قيمة من الفضة ... ولكنها استحيت أن تسأله فقالت:
_ هو لازم البسها دلوقتي ؟!
نظر لها بعتاب وكأن بترت ابتسامتها وتبدلت بالعبوس فقالت سريعا :
_ خلاص لبسهالي ما تزعلش.
استدارت سما ووالته ظهرها وارتسمت ابتسامة على شفتيها حمدت أنه لم يرها، ثم رفعت أطراف حجابها قليلًا من الخلف وبحركة بطيئة يبدو أنه تعمدها وضع القلادة حول عنقها، وارتبكت من حركة ذراعيه وهو يتتم وضع القلادة ... وبعدها بدقيقة وضع آسر قبضتيه برقة على كتفها وهمس بأذنها:
_ خلاص .... عجبتك ؟
ازدردت سما ريقها بصعوبة وارتباك شديد واكتفت بهزة خفيفة من رأسها ... فراقه ارتباكها الشديد هذا وهمس باسما :
_ بقت أجمل لما لبستيها يا سمكة.
وعندما أشتدت لمسته على اكتفاها انتفضت وكادت أن تبتعد وتركض حتى قبض على معصمها استوقفها.
وقفت وأنفاسها متسارعة من التوتر والحياء .... وعندما وقف قبالتها رفع وجهها اليه لتنظر له ... وابتسم !!
ثم قبّل رأسها متمتما بشيء لم تفهمه، ولكنها تمنت أن يكن اعترافا ! ... فنظر لها بنظرة عميقة من جديد وقال:
_ لو في قلبك شيء من ناحيتي ومضايقك مني قوليلي عليه ونتصافى، ما تخليش حاجة جواكي.
سألت فجأة :
_ لسه بتحب حبيبتك الدكتورة حبيبة ؟
نظر لها بعمق وتيقن امها تعرف جزء كبير من ماضيه ... ولكنه اعترف بصدق:
_ كنت بحبها، أو بالأصح كنت واهم نفسي أني بحبها، حبيبة لا تمثلي أي شيء دلوقتي، ولما بتحاول تفكرني باللي فات بصدها .... لأني مش عايز أفتكر أني كنت واهم نفسي للدرجة!
اطرفت عينيها وظهرت طيف ابتسامة على ثغرها وسبدو أنها صدقته! ... فشعر بانتصار وقال وهو يشبك اصابعه بأصابعها واكد مبتسما وهو يسير معها مجددا:
_ هي لو في دماغي كنت هبقى مبسوط بالشكل ده وأنا معاكي ؟!
ارتبكت ابتسامتها ورفعت رأسها وهي تنظر له جانبا .... فدهشت عندما غمز لهاوأعقبها نظرة خبيثة وابتسامة متسعة !
يبو أن آسر يحوي الكثير من الاشياء التي ستدهشها وليست متوقعة منه!
*******
انتهيا من العشاء الرومانسي ولحظاتٍ أخرى رادفت ذلك الجو الشاعري .... حتى نظر وجيه لها مليًا وهما يقفان ورأسها ملقى على صدره وهمس:
_ زي ما حسيت لقيت، نفسيتك هديت واعصابك ارتاحت مش كده ؟
هزت ليلى رأسها المسنودة على صدره العريض وقالت:
_ جدًا ، على أد فرحتي بحالة بابا اللي بقى قريب ويفوق، على اد ما التوتر لسه جوايا مقلش!
وابتعدت قليلا قائلة باعتذار وأسف:
_ أنا عارفة أني بنكد عليك بمشاكلي في كل لحظة حلوة ... بس اللي ابويا فيه مش مخليني أفرح فرحة كاملة بأي حاجة ...
هز وجيه رأسه بتفهم ولا زالت الابتسامة الدافئة على ثغره وقال وهو يتأملها بدقة:
_ تنكدي عليا !! .... أنتي مجرد وجودك جانبي كان حلم بالنسبالي يا ليلى ! ... أنا بقيت أقوى من يوم ما رجعتيلي.
ثم قال :
_ ريميه هتتعرض على الدكتور بكرة بأذن الله، هو وصل النهاردة الحمد لله، وبأذن الله يكون في أمل.
التمعت عينيها بالدموع وقالت:
_ مش عايزة أعشم نفسي وارجع اتوجع، حالتها ميؤوس منها وكل الدكاترة قالولي كده.
ربت على رأسها برفق وقال بحنان:
_ يبقا ما خسرناش حاجة يا ليلى، نعمل اللي علينا في أي لحظة نحس أن ممكن يكون في امل في الشفا، أي كان اللي هيقولوا الدكتور لما يشوفها، هفضل جنبها وجانبك لآخر يوم في عمري .... واعتقد أنها متأقلمة على وضعها ومش بتتألم منه ... الابتلاء دايمًا معاه الصبر والقوة ... وبنتي قوية وهتفضل دايمًا كده.
ضمته ليلى وهي تتنهد بارتياح شديد وقالت:
_ كل شيء هيبقى بخير ... أنا متفائلة.
ابتسم وهو يقبل رأسها وهمس:
_ بأذن الله ...
وبعدها عادا إلى كلماته وهمساته الشاعرية التي خطفتها حتى من جمال المكان المحيط بها.
وقد استغل الوقت المتبقى من حجز ذلك المكان في تخييم جو العاطفة والذكريات الجميلة بينهما .... وقبل أن تنقضي الساعة المتبقية ويعودان إلى المشفى لقضاء يوم روتيني يتكرر ...
********
جلست جميلة على مقعد وأخرجت الطعام بالكيس الاسود وبدأت تلتهمه من الجوع وما سببته التمرينات الرياضية .... فضحك جاسر وهو يضع امامها كوب عصير طازج وقال:
_ براحة يا وحش الأكل مش هيطير !
رفعت جميلة رأسها له وفمها مملوء بالطعام وقالت بسخرية:
_ والله انا شاكة في شهادتك دي ! .... في دكتور بيتكلم زي ما بتتكلم كده ؟!
ضحك جاسر أكتر وقال وهو لس بجانبها:
_ أنا مكنتش عايز أبقى دكتور أصلا، وبعدين هما الدكاترة دول مش بني آدمين مابيهزروش ؟! مين الحمار اللي فهمك كده ؟؟
نظرت له جميلة بتعجب وقالت وهي تبتلع الطعام:
_ اومال كنت عايز تطلع ايه ؟
وضع جاسر ساقا على ساق وقال بثقة:
_ قبطان .... الله يسامحه جدي بقا.
قالت جميلة فجأة:
_ بتعرف تصطاد يعني؟!
نظر لها لدقيقة ثم اطلق ضحكة عالية على نظرتها البلهاء وقال:
_ كملي أكلك شكلك جعانة! .... نسخة من أخويا يوسف المفجوع ! ....
لم تكترث جميلة واستمرت تأكل في نهم حتى نفضت يدها وقامت لتتقدم للحمام وتبدل ملابسها .... ولكن بدأت تشعر بصقل في ساقيها فنهض جاسر وقال بشك :
_ حاسة بتعب ولا ايه ؟
نظرت له بتمرد وقالت وهي تسير أمامه متحاملة على ثقل قدميها :
_ أنا زي الحصان أهو !
فأطمئن جاسر وتركها تبدل ملابسها بالحمام المرفق بصالة الرياضة ....
*********
وقفت سيارة الأجرة قرب بيت فرحة .... فخرجت من السيارة وقبل أن تبتعد قال زايد لها :
_ السلام لحسام أمانة ... لحد ما أشوفه.
لم تجيبه فرحة ولكن اكتفت بهزة خفيفة من رأسها وابتعدت عن السيارة وتوجهت لمنزلها والابتسامة الحالمة على وجهها ....
وحينما دخلت منزلها وجدت شقيقها يركض من الحمام وقدميه لا تساعدانه على تلك الحركة ابدا والمنشفة بيده ... فتوترت فرحة وسألته بقلق :
_ بتجري كده ليه ؟!
نظر لها للحظات ثم قال بأسف شديد:
_ كنت مضبط المنبه على ساعة معينة أصحى واجيلك الشغل أخدك، بس للأسف راحت عليا نومة ولسه صاحي دلوقتي مخضوض ..
ابتسمت فرحة ابتسامة واسعة وهي تغلق الباب وقالت:
_ وتجيلي الشغل ليه هو أنا عيلة صغيرة هتوه !
قال حسام بتأكيد:
_ لأ ... بس برضو لازم اطمن عليكي.
اكدت له فرحة كي يطمئن:
_ لأ أطمن عليا ، أنا مبسوطة بالشغل الجديد وفي مكان كويس جدًا .... لو تشوف بيتعاملوا معايا هناك أزاي هتتأكد من كلامي.
اعترف حسام بما يحمله من قلق:
_ بس برضو خايف عليكي يا فرحة، يمكن موقف زايد الفترة اللي فاتت خلاني أعرف عنه حاجات كتير ... بس برضو خايف عليكي.
تقدمت فرحة منه وضمته مثلما كانت تفعل دائما كأنه صغيرها وقالت بحنان:
_ لا أطمن ومتخافش عليا ....مافيش أي حاجة تخليك تخاف عليا صدقني... وأنا لو كنت حسيت بأي قلق مكنتش كملت ساعة حتى ورجعت.
ربت شقيقها على كتفها بلطف ثم ابتسم وقال بحماس:
_ قبل ما أنام بقا عملت اكلة هتاكلي صوابعك وراها ... تعالي معايا .
قالت فرحة بضحكة:
_ طب هاخد دش سريع كده أفوق واجي نحضر العشا وناكل ...
وبعد دقائق خرجت فرحة من غرفتها متحمسة وذهبت مع شقيقها يحضران طعام العشاء الذي تخلله الضحكات والمزاح كعاداتهما.
**********
وعندما أصبح الصبح وأتى بيومٍ جديد بعد انقضاء ساعات الليل .....
تجمعت عائلة الزيان حول المائدة ... باستثناء جميلة ، فسأل جاسر بشك :
_ هي جميلة فين يا حميدة؟
اجابت حميدة وهي تطعم الصغيرة :
_ نايمة تعبانة شوية ..... مش هتروح الشغل النهاردة ...
نهض جاسر من مكانه وقال :
_ طب هطلع أشوفها واطمن عليها.
وصعد جاسر برشاقة عالية خطوات الدرج حتى وصل للغرفة المنشودة .... دق عليها باستأذان مرتين ولم يتلقى ردا .... ثم رغما عنه فتح الباب ببطء ولمح جميلة وهي مسطحة على فراشها ونائمة ..... والغرفة خالية منها تقريبا الا صوت مياه صادر من المرحاض .... ويبدو أنها والدتها ....
دلف جاسر للغرفة ببطء وفتحت جميلة عينيها على آخرهما عندما وجدته فتحركت تحذب الغطاء عليها أكثر ولكن صرخت بتألم :
_ رجلــــــــي !!! ...
اقترب منها سريعا وسأل بلهفة:
_ مالها رجلك !
تألمت جميلة وقالت:
_ وضهري كمان ! .... ودراعي ودراعي ... آآآه
واقف جاسر ناظرا لها للحظات ثم انطلق بضحكات عالية وموجة ضحك عنيفة .... وقال ساخرا :
_ وعاملة فيها الشبح وانا جامدة ومالكش دعوة وسيبني اتمرن !.... ده انتي باين حتى رموشك جالها شد عضل !
وانخرط مجددا في الضحك ورمقته جميلة بغيظ شديد فرفعت الوسادة التي كانت تنام عليها والقتها في وجهه .... التقطتها جاسر وهو يضحك ثم قال :
_ براحة طيب أنتي صحتك ما تسمحش !
هتفت جميلة به وقالت بتأكيد:
_ لأ ده مش شد، ده غيظ .... أنت اللي بتغيظني...!
أشار لها جاسر جاسر ودخل بموجات شديدة من الضحك مرة أخرى وهو يرها لا تستطيع حتى أن تتململ ....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
الجزء الثاني من الحلقة يوم الجمعة بأذن الله وهيكون أطول ❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس_والستون_جزء٢
مرر جاسر يده على شعره واستطاع بمجهود يُحسد عليه أن يمنع نفسه من الضحك مجددًا، ولكنها شعرت بالسخرية في عينيه فقالت بغيظ:
_ مش رايحة الشغل النهاردة، ريح نفسك بقا واتكل على الله.
ابتسم مانعا نوبة ضحك جديدة وقال بنظرة خبيثة:
_ ومين اللي هتتسندي عليه لحد ما تخفي من الشدة اللي انتي فيها دي؟ ... مش المفروض أنا سندك وقرة عينك ؟!
لوت شفتيها بسخرية وقالت:
_ قرة عيني قال ! ... وبعدين أنا لسه ما اتشلتش ! ... النهاردة بس وبكرة بأذن الله هبقى حلوة.
اقترب لها بنظرة وابتسامة الماكرة تلك، ثم مرر أصابعه برقة على وجهها وهمس :
_ لأ أنتي بالفعل حلوة، حلوة حلاوة بلدي من اللي تدوخ دي ...
ابتسمت لنفسها سرا بزهو ولكن تحكمت بنفسها تحت نظراته القريبة، وعندما اقترب بشكل خطر عضت أصبعه فتأوه وأبتعد بنظرات غيظ منها ... فقهقهت جميلة بالضحك وتحدث هو من بين أسنانه بعصبية:
_ سنان دي ولا منشار ؟! .... كل قوتك في لسانك وسنانك !
قالت بثقة:
_ ما أنا حذرتك ! ... عمومًا، أنا عايزة أفطر .. ومش هعرف أنزل كده ..
وضع يده بجيوب بنطاله وقال :
_ هبعتلك حميدة بالفطار .. تمام كده ؟
اومأت جميلة بالرفض ويبدو أن هذا ليس صوب هدفها، فأوضحت:
_ جيبلي أنت الفطار ... هو أنا مش مراتك ؟!
رفع جاسر حاجبيه ونظر لها بعمق وادرك أنها تخطط للسيطرة عليه ... فقال بمكر:
_ هو أنتي مش بتفتكري أنك مراتي غير لما تعوزي حاجة !
مطت جميلة شفتيها بعبوس وقالت بعتاب برزته بصوتٍ ناعم مدلل ومقصود:
_ خلاص يا جاسر مش عايزة أفطر، أنا يعني كنت عايزة أفطر معاك واستغل الفرصة نقعد لوحدنا ونتكلم شوية قبل ما تروح الشغل ... بس طالما ...
قاطعها بنظرة ماكرة وهو يقترب:
_ بس إيه يا شيخة ! .... مابسش خالص ... عشر دقايق واجيبلك الفطار ونفطر مع بعض يا بيوتيفولي ...
اسبلت عينيها وقالت بنعومة وبداخلها موجات ضحك عاصفة قد حجبتها عن ناظريه:
_ كتر بقا من المخلل.
كشر جاسر وقال باستفهام:
_ إيه ...؟!
صححت جميلة سريعا وقالت بنعومة مرةً أخرى:
_ ما تتأخرش بقا ... ماشي ؟
غمز لها بابتسامة خبيثة وقال:
_ أنا حاسس أن بينضحك عليا ... بس أنا مبسوط جدًا ..
غادر الغرفة بخطوات بطيئة وظل ينظر لها بنظراته الخبيثة حتى خرج ... فكتمت جميلة عاصفة من الضحك .. وخرجت أمها وكانت تبتسم بمرح...وقالت لها بنظرة ماكرة:
_ مين اللي علمك الخبث ده كله يابت ؟! .... بس ما تزوديهاش هو مجنون لوحده !
أجابت جميلة بعدما تحكمت بضحكاتها:
_ كلها كام يوم وهبدأ حياتي معاه، وبصراحة يمه أنا حباه أوي، وبما أن كتبنا الكتاب فقولت الين شوية في الكلام.
جلست الام بجانبها على الفراش وقالت بتحذير:
_ بس ما توزديش عن الكلام يا حبيبة أمك ... أنا هنزل تحت اقعد مع جدك شوية وهسيبك .... بس هسيبك وأنا حاطة في بطني بطيخة صيفي ... ولا ايه؟
قالت جميلة بثقة :
_ عيب يمه تقوليلي كده، أنا عارفة حدودي، بس هو يعني انتي مكنتيش بتتكلمي مع أبويا بعد كتب كتابكم كلام حلو ؟!
ابتسامة وداد ابتسامة ملؤها الحنين وقالت:
_ هو في زي مصطفى الله يرحمه، كان أخلاق ورجولة وشهامة، وكل ده كان معاه حنية الدنيا كلها .. تعرفي يا جميلة أنا اتكتب كتابي قبل الفرح بيومين ... قعد معايا مرتين في اليومين دول، مقربش مني صحيح، بس كلامه لسه بيرن في وداني لحد دلوقتي ....يابنتي القرب مش بس باللمسة، دي ممكن كلمة واحدة تتقال تحضن قلبك العمر كله..!
ابتسمت جميلة بمحبة وقالت:
_ هو مين من الشباب اللي طالع لأبويا يمّه ؟ ... أنتي نظرتك اصدق مني.
أجابت وداد بصدق:
_ ولا واحد فيهم ... يمكن في الشكل كل واحد واخد من عمه شوية، أنما في الطبع محدش منهم واخد من ابوكي حاجة، يمكن عمك وجيه فيه كتير منه.
تقبلت جميلة القول وسألت مجددا:
_ اللي بعمله مع جاسر غلط ولا صح من رأيك ؟ ... أو يعني اللي بدأت اعمله.
أجابت الأم قائلة:
_ لو هتكتفي بالكلام الحلو فأنتي صح ... لو هتزودي يبقى هتغلطي في حق نفسك ... الفاكهة اللي بتتقطف قبل آوانها محدش بيحس بطعمها وهي قطمة وبتترمي.
وبعدها غادرت وداد الغرفة بخطواتها البطيئة، ورفضت أن تمد ابنتها لها يد المساعدة، ريثما وهي بهذه الحالة البائسة إثر تمارين الأمس..!
وعاد جاسر بعد دقائق بعدما تلقى من السخرية ما جعله يكظم غيظه والا يدفع حذائه بوجه يوسف الذي غرق سخرية عليه وضحكات عالية ..... وضع الطعام أمام جميلة وجلس ... ثم بدأ يطعمها بحذر وكأنه يجري عملية جراحية !
فكتمت جميلة ضحكتها وقالت:
_ لساني مافيهوش شد عضل متخافش ! ...
قال ساخرا:
_ متأكد من الموضوع ده، ما هو لولا لسانك ده كان زمان معانا منه وحسام ! ... عيالي وحشوني من قبل ما أشوفهم !
قالت جميلة بسخرية ثم ضحكت رغما عنها:
_ يا مسكين !
وتشاركا المزاح والمرح بعد ذلك .... ورأى جاسر أنهما بدأ يسيران في الاتجاه الصحيح ... ولأول مرة يشعر برضا تام بوجوده مع أنثى .. مكتفيًا بها عن الكثيرات من بنات جنسها.
*******
كأنها تتململ على صفحة المياه وأصوات الموج المتلاطم، أشرقت عينيها على هالة بيضاء عالية ... وكان هذا سقف الغرفة المطلة على النيل!
حركت ليلى رأسها بكسل واطرفت عينيها عدة مرات لتستجمع ذاكرتها ... حتى رأت وجيه ممدد بجانبها وناظرًا لها بابتسامة صباحية مشرقة ... اعتدلت وابتسمت وهي تنظر له .. فقال بهمس مرح:
_ أنتي نسيتي أننا حجزنا جناح هنا امبارح لليلة واحدة؟ ...
وضعت ليلى يدها على رأسها واتسعت ابتسامتها وقالت :
_ لأ افتكرت ... امبارح كنت حاسة أنه حلم ... أحلى أحلامي معاك مكنتش بالجمال ده !
رفع أصابعها لفمه وقبلها ثم قال بلمعة دافئة بعينيه:
_ هنفطر في نفس المكان بتاع امبارح، أحلى حاجة في المكان ده أنه مش بس مطعم ... فندق صغير كمان .
ابتسمت ليلى بمحبة حتى وقعت عينيها على ساعة الحائط فوجدتها الثامنة صباحا ! ... اعتدلت بسرعة وقالت:
_ الساعة ٨ .... كده هتتأخر على الشغل!
نهض وجيه من الفراش ولم يبدو عليه أدنى اكتراث للتأخير وقال بابتسامة هادئة:
_ مضبط مواعيدي ... نجهز نفسنا بقا عشان هنفطر ونمشي على طول.
وقبل أن يتوجه لحمام الغرفة أوقفته بلهفة طلت من عينيها:
_ هنيجي هنا تاني مش كده ؟
استدار لها بابتسامة وقال:
_ عجبك المكان ؟
نظرت ليلى للغرفة باعجاب شديد رغم بساطتها وقالت بتأكيد:
_ فوق ما تتخيل ... كان نفسي أكون معاك في مكان زي ده من زمان، بس مكنتش فاكرة أنه موجود بجد !
عقد ذراعيه أمامه وأردف:
_ كل اسبوعين نقضي يوم كامل هنا .... إيه رأيك ؟
نظرت له بمحبة شديدة وقالت:
_ رأيي أني أخيرًا رجعلي الأمان ... أنا هخف يا وجيه وهرجع ليلى بتاعت زمان ... أنا متأكدة.
اقترب وجيه من الفراش وجذبها من يدها لتنهض وترتمي بين ذراعيه في ضمة يملؤها العاطفة ... وهمس بحنان وهو يربت على رأسها:
_ وأنا كمان متأكد ... بس متأكد أنك بس هتخفي، أنما أنتي ليلى بتاعت زمان ما اتغيرتيش يا ليلى ... غير بس احلويتي زيادة !
شاكسها بكلماته فابتسمت وهي تضمه بكل قوتها ... كأنها تضم السعادة بعد فراق طويل !
وعلى قدر بساطة الكلمات .. ولكنها تفعل بقلب الأنثى المعجزات !
******
وبالمشفى ...
جلست الطبيبة مروة بكامل هدوئها لهذا اليوم ... بعدما قررت قرار نهائي أن تبتعد عن قريبها أحمد وتنساه ... ولا يبقى من قرابتهما سوى الصلة فقط ...
وما أن جلست بدقائق وبدأت ترتشف فنجان قهوتها الصباحية بمكتبها الخاص .... حتى اقتحم المكتب شخص ... وكان هذا الشخص من قررت الانفصال عنه ...
دلف الضابط أحمد بوجه متجهم غاضب لأقصى حد، واغلق الباب خلفه حتى لا يتسنى لأحد التطفل ... وقال بغضب :
_ بتصل بيكي ما بترديش وعملالي بلوك رسايل ومكالمات، وقافلة فيس وواتساب عشان ما تشوفيش رسايلي ! .... فهميني عايزة توصليني لحد فين يا مروة ؟!
تنفست مروة بعمق قبل أن تجيبه، ثم رفعت نظرتها له وقالت بثبات:
_لو سمحت يا أحمد ... سبق وقولتلك كل شيء بينا أنتهى ، وأنت ....
قاطعها بنظرات شرسة :
_ أنا لسه بحبك وهفضل أحبك ! ..... غلطة واحدة غلطتها واعتذرت مليون مرة اعمل إيه تاني ؟!
زفرت مروة بقوة ثم قالت :
_ غلطة واحدة كسرت ثقتي فيك للأبد، قراري ده لمصلحتنا صدقني ... أنا مش هقدر أنسى أنك خنتني ومع اعز صحابي وروحت خطبتها كمان... كسرتني وأنت عارف وقاصد أنك تكسرني ... مش هعرف أنسى مهما اعتذرت ...
اطرق أحمد على مكتبها بكل قوته وصاح بوجهها:
_ مش هسيبك تنفذي اللي في دماغك يا مروة !
قالت مروة بثقة عالية :
_ محدش هيقدر يمنعني ... لا أحنا كنا مخطوبين قبل كده، ولا اللي أنت عملته يخلي حد يشفعلك عندي ! .... مشاعري من ناحيتك أنا بتخلص منها ... لأني لو كملت معاك يبقى بحكم على نفسي وعليك بتجربة فاشلة !
إلا الخيانة ... الخيانة بتحط مشاعر أي واحدة في تلاجة ... والمشاعر لما بتتجمد بتموت ... سيبني لأنسان يحفظ كرامتي وابدأ معاه من غير ذكريات توجعني وتنغص عليا حياتي.... أنا مابعرفش أنسى حاجة وجعتني للدرجة دي وسهرتني كتير ودموعي على خدي، كل شيء قسمة ونصيب وأنت مش قسمتي ولا نصيبي.
هز أحمد رأسه بصدمة، لأول مرة يراها اكيدة لهذه الدرجة وبهذا القرار المصيري ... فقال بذهول لم يستطع تجاوزه:
_ أنا مش مصدق ومش متخيل أنك في يوم تكوني لراجل تاني غيري! ، يعني ممكن في يوم الاقي نفسي بحضر فرحك زيي زي الغريب ! ...اسلمك بإيدي لواحد تاني عادي كده ؟! .... أنا من مجرد التخيل حسيت أني انتهيت ! ...
تنفست مروة بغصة مريرة عالقة بحلقها وقالت:
_ انساني لأني بنساك، وده قراري النهائي بعد تفكير كتير وحيرة ... ما تفتكرش أني خرجت قلبي برا حساباتي بالعكس ... قلبي هو اللي اتوجع... وقلبي هو اللي قرر البعد ...
بدأ احمد غير واعيًا لما يفعله من درجة الغضب الذي دفعه بها حديثها وبات يرمي كل شيء على الأرض بمكتبها... فصاحت به ليهدأ وهتفت برجاء:
_ ارجوك اهدى ...
أصبح المكتب في فوضى عارمة حتى التقط هاتفها ووضعه أمام عينيها وهتف عاليًا، وما المها وازعجها أن دموعه بدأت تتساقط من عينيه والذي لأول مرة تراها:
_ شوفي رسايلي ليكي ، شوفي اتحايلت عليكي اد ايه عشان تفتحي واطمن عليكي ولو بكلمة تردي بيها! ... شوفي كلامي كلمة كلمة وفكري كويس ... حد ممكن يحبك للدرجة دي غيري ولا لأ ! ... ما تحولنيش لمجنون ومجرم يا مروة !
أنا لو اتجننت هدمر أي بني آدم ممكن يقربلك ! ... مش بس يفكر يرتبط بيكي .... أنتي كبرتي قدامي يوم بعد يوم، أنتي كبرتي جوايا أنا .. أنتي حبيبتي أنا ولا يمكن تكوني لحد تاني ... لا مش هسمحلك معلش... وطالما المحايلة مش نافعة معاكي يبقى نجرب طريقة تانية ...
ضيقت مروة عينيها بدهشة ثم هتفت غير مصدقة ما يقوله:
_ تقصد ايه ؟! ... هتتجوزني بالعافية يعني ؟! أنت فعلا اتجننت وماتنساش أن وظيفتك حساسة وأي مشكلة هتضرك
انتفخت عروق عنقه وهو يُجيب بقوة :
_ أنتي عمرك ما هتضريني أنا متأكد، بس مش هسيب غلطة غبية عملتها في ساعة غضب تفرقنا... اسيبك تفكري وتتقلي عليا ماشي ... أنما تبعدي وتبقي لحد تاني فأنا أسف ... مش هسمحلك لو على جثتي.
هتفت مروة بعنف:
_ دي حياتي وأنا حرة فيها ، كل واحد يتحكم في حياته براحته! ..
امتلأت عينيها الدامعة بالعاطفة الجياشة وقال:
_ أنا بتحكم في حياتك ... لأن أنتي وحياتك هما كل حياتي ... أنا هكلم خالتي ونحدد ميعاد الخطوبة ...
شهقت مروة بذهول ثم قالت بعصبية شديدة:
_ ماتوصلنيش أني اكرهك ! .... أنت اتخطيت حدودك !!
نظر لها بعمق للحظات ... ثم قال بنظرات اضعفت مقاومتها:
_ يا مروة أنا حياتي ممكن تنتهي في أي مهمة من اللي بستلمها ... ممكن اروح شغلي في مرة ما ارجعش ! .... احساسك هيكون ايه وانتي بتودعيني غصب عنك وقتها ؟! خليني أفرح مرة واحدة قبل العمر ما ينتهي وكفاية بقا أنا محتاجلك جانبي أكتر من أي وقت عدى!
زمت شفتيها بمرارة وامتلأت عينيها بالدموع وهي تنظر له بحدة وغضب شديد ... وقد انشق قلبها لهذا الاحتمال بعدما كانت بالفعل قررت نسيانه دون أمل في الرجوع..!
ابتسم وقال لها بحنان:
_ جوازنا هيكون في أقرب وقت ... وعمرك ما هتندمي أنك سامحتيني أبدًا ... أوعدك.
وغادر المكتب وكأنه تمسّك بصمتها قبل أن تقابله بالرفض مجددا ، ولكنها لم تكن فاعلة، رغم قوة قرارها بالنسيان ... ولكن خوفها من الفراق الابدي ارعبها أكثر ! ... والحقيقة أنها لن تستطيع تحب رجلا آخر سواه !.
وعادت لمكتبها في صمتٍ مهيب وبدأت ترتب الأوراق مجددا، وتذكرت قوله بأمر الرسائل فقررت أن تفتح بيانات الهاتف لشبكة الانترنت .... وبدأ الهاتف يستقبل الكثير من الرسائل المحفوظة بسرعة عالية ... وفتحت تطبيق (الواتساب) ... وبغمر فكرها به لاحظت رسالة مرسلة من رقم ليلى !
ولكن ما استوقفها تاريخ الرسالة !
فهذا تقريبًا كان اليوم الذي مرضت فيه ليلى قبل مجيئها للمشفى ! ... أخذها الفضول لتفتح الرسالة فدهشت أكثر عندما وجدتها رسالة صوتية !
فتحتها، ومع أول كلمات بصوت ليلى المنتحب اتسعت عين مروة بذهول وانتفضت واقفة بصدمة وهي تستمع.... وبدت عينيها تتحركان يمنة ويسرة وهي تستقبل الصدمة بما تقوله ليلى ... واتممت حديثها بصمت وأنين ..... وادركت مروة أن النوبة الصرعية المت بها وقتذاك ! ....
وهذه المرة كانت الطرقة الغاضبة على المكتب بيد مروة الذي أطاح بها الغضب وهتفت :
_ جيهان الحقيرة !! ...هي حصلت تهددها ؟! ...
وذرعت مروة المكتب جيئة وذهابا والغضب يتملّكها ... حتى قررت البحث عن رقم هاتف جيهان، وليس من الصعوبة أن تصل اليه ، لابد أن تواجهها أولًا .....ريثما أن الدليل معها ...
وخرجت مروة من مكتبها وعادت بعد دقائق ورقم هاتف جيهان كان مدون على هاتفها، فقد استطاعت أخذه من أحدى الاطباء، ثم أجرت اتصال على هاتفها ... وأجابت جيهان دون أن تعرف من المتصل:
_ الو ... مين معايا ؟
هتفت مروة وقالت بعصبية:
_ مدام جيهان معايا ؟
ارتابت جيهان من عصبية المتصلة وردت :
_ ايوة أنا، مين بيكلمني ؟!
عرّفت مروة عن نفسها :
_ أنا الدكتورة مروة، المشرفة على حالة ليلى ... عايزة أقابلك لو سمحتي ؟
جف ريق جيهان تقريبًا وشحب وجهها من القلق، ثم قالت وهي تنعطف بسيارتها متوجهة الى المشفى :
_ طب أنا جاية على المستشفى ... أنا في الطريق، نص ساعة واكون عندك .
قالت مروة وهي تتحكم بأعصابها :
_ هستناكي.
وأنتهى الاتصال .. ووضعت مروة الهاتف وهي تفكر بشكل أكثر هدوء وتريث ، وقالت لنفسها :
_ أنا اتسرعت ولا ايه ؟! .... لأول مرة مابقاش عارفة أفكر ! ... بس برضو قبل ما أقول لدكتور وجيه كل حاجة لازم أعرف منها هي الاول .... لو قولتله الأول ممكن توصل أنه يطلقها وأبقى أنا السبب ! .... لأ .. بما أن معايا دليل قاطع لازم اتكلم معاها هي الاول وأعرف منها كل حاجة.
*******
دخلت فرحة مكتب السكرتارية المؤدي لمكتب زايد ... وتعجبت لعدم مجيء ديمة والساعة قد تخطت الثامنة صباحا !
أتى عامل البوفية وسألها لو كانت تريد أي مشروب ! ... فطلبت فنجان قهوة .. ونظرت لمكتب زايد بارتباك ... فهي لم تعرف أن كان أتى أم لم يأتي بعد ... وشعرت بالحرج أن تسأل العامل ومن المفترض هو من يستفسر منها !
فغادر الرجل ملبيًا طلبها، ثم نهضت فرحة وتوجهت للمكتبة تسلي وقتها حتى تأتي ديمة...
وأخذت الكتاب التي كانت تقرأ فيه بالأمس حتى أتت اليها قهوتها وبدأت ترتشفها بهدوء ... صدح صوت هاتف المكتب واحتارت أن تجيب عليه أم تتجاهله؟
ودق عدة مرات حتى قررت أن تجيب أخيرًا نظرا لتأخر ديمة لهذا الوقت ... وصاح صوت زايد من مكتبه يقول:
_ بقالي نص ساعة مستني حضرتك تجبيلي مواعيد النهاردة والشغل !
المتها معدتها من العصبية التي كتمتها بالقوة، وقالت بصوتٍ يشوبه الرجفة:
_ ديمة اتأخرت بس هدور على دفتر المواعيد ... أنا أسفة.
ولم تُعطِ له المساحة لأن يصحح لها سوء الفهم، فقد كان يظنها ديمة ! .... ابتلعت فرحة ريقها وبدا أن قرارها بالعمل هنا أكبر خطأ ارتكبته بعمرها .... ها هو يبدأ العصبية والله وحده يعلم ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك !
بحثت عن دفتر المواعيد الذي كانت تفره ديمة بالأمس مرارا وتكرارا ... ولكنها لم تجده ! .... تنهدت بضيق شديد وخنقتها دمعة وقفت بعينيها من فرط الضيق التي تشعر به، حتى فُتح باب مكتب زايد .... وطلّ منه بطلة أبهى من الأمس !
حيث كان يرتدي حلّة مكونة من قميص أزرق وسترة كحلية أنيقة جدًا ... وتهربت من نظرته حتى وقفت وهتفت بصوت مرتجف :
_ مش لاقية الدفتر ومعرفش لسه الشغل عشان اضبطه واجيبهولك ... أنا همشي.
وفرت دموع عينيها وهي تأخذ حقيبتها وتستدير متوجهة للخروج .... حتى وجدته يقف جهتها مقاطعا الطريق !
ينظر لها بهدوء ونظرة لو صح ظنها فهي نظرة أسف واعتذار ! .... وقال :
_ رايحة فين ...؟!
نظرت فرحة للأسفل وهي تبتلع ريقها بصعوبة ودموعها وكأنها وجدت سبيل الحرية لتهرب من عينيها ... وأجابت بصوت ينبأ بالبكاء:
_ همشي ... أنا قولتلك مش هنفع ! ... مش مضطر تستحملني لحد ما اتعلم !
وعلى رغم جميع توقعاتها وجدته يبتسم !!!!
نظرت له بدهشة أولا ... ثم بغيظ وقالت:
_ بتضحك عليا !!
بدت عينيه ملتمعة بقوة وهو يجيبها، وقال بنفس الابتسامة التي اعترفت لنفسها بحياء أنها ابتسامة سرقت تركيزها كليًا:
_ مش بضحك عليكي ... بس حسيت أن اللي واقف قدامي مش آنسة عدت العشرين ! ... حسيتك طفلة مش عارفة تخلص واجبها فقامت مقطعة الكشاكيل! ....
وانفرجت شفتيه بابتسامة مرحة لأول مرة ترها هكذا! ... وظهرت أسنانه اللامعة البيضاء بغمازتي خديه !! ...
وانتزعت عينيها لجهة بعيدة عنه كي لا يساوره شك أنها تأثرت به، فعاد قائلا بأعتذار واضح وأن لم يكن مباشر:
_أنا كنت فاكر أن ديمة اللي بتكلمني مش أنتي خالص ! ... اكيد مش هزعقلك على شغل أنتي لسه بتتعلميه ! .... ارجعي مكانك يا آنسة فرحة .. صدقيني مكنتش قاصدك أنتي.
شعرت بصدقه ... وظهرت الحيرة بعينيها ثم قالت :
_ ديمة ممكن تتأخر عن كده، واحتمال ماتجيش النهاردة كمان، وللأسف مش معايا رقم تليفونها اسألها، هقعد اعمل إيه ؟!
قال بجدية:
_ تعالي ورايا المكتب ..
دخل مكتبه وبدت قدميه أخف حركة من ذي قبل، ثم تبعته وتركت الباب مفتوح .... ولم يغفل عنه تلك الاشارة ولكنه ترك الحرية لها في كل شيء.... ثم جلس على مقعده مجددا وبدا مهيمنا بشكل كامل على الموقف .... وأجرى اتصال على رقم ديمة وهو يشير لفرحة للجلوس ... وبعدما انهى الاتصال بصوتٍ بدا حادًا مع ديمة، وضع الهاتف وقال بلطف وقد تحولت لهجته من جديد :
_ ديمة حصلها ظروف ومعرفتش تحضر، هتبعتلي المواعيد على الميل ... بالنسبة للشغل الباقي أنا هقولك تعملي ايه .... وكده كده أنا قررت أأجل نص المواعيد دي لبكرة ...
تعجبت فرحة وسألته:
_ هتأجل ؟!
رجع بظهره للمقعد في استرخاء وقال بثبات ونظرة واثقة:
_ إيه المشكلة !!.... هاخد بس المواعيد الضرورية النهاردة ...
وبتلك اللحظة ارسلت ديمة رسالة بكشف المواعيد على الايميل الإلكتروني ... فنظر زايد للحاسوب بدقة وقال :
_ فاضل ساعة ونص على أول ميعاد ... تمام كده ...
أخذ زايد أحد الملفات على مكتبه وبدأ يشرح لفرحة دورها في توظيف عدة ملفات بملف واحد نهائي بتقارير مفصلة عن كل شيء .... وبعد نصف ساعة تقريبًا توقف قائلًا :
_ كام دقيقة استراحة ....تشربي إيه ؟
تذكرت فرحة قهوتها التي تركتها ... وهزت رأسها بالرفض وقالت:
_ لا مش عايزة أشرب حاجة .. شكرا ..
رفع زايد الهاتف الارضي وطلب رقم البوفية ... ولم يكتفي بطلب مشروبات لها وله فقط! ... بل طلب عدد متنوع من" السندويتشات" السريعة .... فدهشت فرحة منه فابتسم وهو يغلق الاتصال:
_ مش هفطر لوحدي !
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السابع_والستون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~.. مواجهة الماضي ..~
_مش هفطر لوحدي !
لم تعهده فرحة لطيفا هادئًا ومبتسمًا أيضا..!
كل تلك الأشياء تتضح لها يوما بعد يوم، هل يتزين بها أمامها فقط، أم أنها من خصاله في الاساس !
لم تعرف، وليتها تعلم، ولما تهتم لتلك الدرجة بأمره ؟!
تتلهف لرؤيته، وعندما يقف أمامها تود لو تركض لأبعد مكان عن عينيه ؟! .... وجهان لعملة واحدة ... ولكن ما هي يا ترى تلك العملة تحديدًا ؟!
ابتسمت بمجاملة وللحظات سريعة وابدت رفضها بلطف، ولكنه لم يعتني برفضها ... يريد أن يشاركها أي شيء، وكل شيء ... والبداية من أبسط الأشياء .. وجبة طعام !
أتى عامل البوفيه ومعه ما طلب منه، ووضع الطعام والمشروبات على مكتب زايد، وتظاهرت فرحة بقراءة أحد الملفات وهي لم ترى شيء من المكتوب بالأوراق، ولكنها كرهت أن تبدو بمظهر المراهقة الساذجة التي يتلون وجهها عند محادثة أي رجل.
وجف ريقها عندما وجدته ينهض متكأ على عكازه ويتوجه للمقعد المقابل أمامها ... اللعنة على تلك الالام التي غزت معدتها فجأة من فرط الارتباك والتوتر ! ... حتى جلس بسهولة دون مساعدة منها واسند عكازه على ذراع المقعد، وقال مبتسما ورائحة عطره النفاذة تتسلل لأنفاسها بغزو:
_ نفطر الأول وبعدين نكمل ...
ازدردت ريقها ونقت حلقها أولًا حتى لا يفضح ارتباكها صوتها المرتجف وبعدها قالت بصعوبة:
_ مش جعانة والله ... شكرًا جدًا.
تنفس زايد بقوة ثم ارجع ظهره للمقعد باسترخاء وعم الصمت للحظات ثم قال بصوتٍ يبدو به لمحة عتاب:
_ لسه واخدة موقف مني بسبب ..
ولم يتابع، هو نفسه يكره نفسه عندما يتذكر تهوره بتلك الليلة ... ولكنه لم يستطع شرح ما كان خلف كل ذلك ... حيث انه في ذلك اليوم تحديدًا كان يود أن يهرب من الجميع مثلما يفعل بتاريخ نفس اليوم في كل عام ... ولكنه عوضا ذهب اليها ....!
تجهمت وقد عادت اليها تلك الذكرى السيئة وقالت بضيق وعصببة:
_ ياريت ما نتكلمش في الموضوع ده تاني ... بعد أذنك !...
اطرفت عينا زايد للحظات مفكرًا بشيء يستطع به أن يربح ولو بعض من ثقتها ... فقال بصدق:
_ مش هتكلم فيه تاني بس خليكي فاكرة أني لو ناوي على أذيتك من البداية مكنتش هخليكي تمشي بسهولة ... أنا مكنش في نيتي ااذيكي وهي دي الحقيقة ... بس اليوم ده بالذات أنا مابعرفش أفكر .. عقلي بيكون مغيب تقريبًا ... و...
وقطع حديثه ولم يستطع أن يتابع دون أن يفصح لها عن سراديب أسراره وماضيه ... فعقدت فرحة حاجبيها بنظرة استفهام ... تريد المزيد وفهم الموقف على حقيقته .... فقالت :
_ و إيه ...؟!
كان قد شرد قليلا للبعيد، ولكنه رفع نظره لها بلمعة معذبة ظهرت بعينيه وقال:
_ وأني لو في الظاهر كنت بهددك تبعدي عن أمجد ... بس ده بعد ما عرفت حكايته .... وكويس أنك بعدتي عنه ووثقتي في كلامي ...
ابتلعت فرحة ريقها بصعوبة، هل تخبره أنها تعرضت للرفض وأمجد من اعرض عنها وصارحها بحقيقة مشاعره اتجاه ممرضة بالمشفى ؟! ... أم سيضعها هذا الاعتراف بموضع من بحثت عن البديل بعدما تعرضت للرفض من رجل آخر ؟!
لا يهمه في الامر سوى انها ابتعدت عن أمجد... إذا ليست ملزمة أن تخبره بشيء. ... فقالت لتغير دفة الحديث:
_ أنا مش بحب اتكلم في اللي فات كتير ... اللي فات فوته، احنا في النهاردة ... ولو شايف أني واخدة منك موقف فالأحسن تثبتلي أنك مش الانسان اللي شوفته قبل كده ... ده لو الموضوع يهمك يعني أني اتأكد.
ابتسم زايد ببطء وقال:
_ يهمني جدًا جدًا .... ممكن بقا تفطري معايا ..؟
اعترضت مجددًا وهي تبتسم ولكنه أصرّ وناولها "ساندويتش" وكوب عصير طازج ...
*******
تأهبت الطبيبة مروة لوصول جيهان بأي لحظة ... واستعدت بما ستقوله لها ... ستكون المواجهة محتدمة بينهما بلا شك ... ومر من الوقت ما يكفي جيهان للوصول للمشفى.
ولكنها أتت وبدت شاحبة لدرجة ملحوظة، بعينان ذابلة لا حياة فيهما ! .... وبما أن الطبيبة ارسلت لها لتأت بأسرع وقت إذن فضح أمرها ! .... ولم تتفاجئ أن وجدت وجيه ينتظرها بمكتب الطبيبة أيضا ... !
جف ريقها وهي تقف أمام باب مكتب الطبيبة مروة وتعاركت مع مقاومتها للركض من هنا كي تثبت وتتم المواجهة ... ويحدث ما يحدث ... فتحت الباب وتقابلت نظرة جيهان مع نظرة الطبية في لحظة طويلة ... حتى قالت مروة بعدما حاولت الثبات:
_ اتفضلي يا مدام جيهان ..!
دلفت جيهان للغرفة بخطوات بطيئة وظهر على وجهها الخوف والتراجع .... ثم اغلقت الباب واستدارت لمروة في مواجهة محتومة! .... وعندما جلست ظهر أن أنفاسها تتسارع وكأنها مضت فترة طويلة تركض ...!
وقالت مروة بصوتً حاد وهي تشبك أصابعها ببعضهما:
_ بداية كلامي ....
قاطعتها جيهان على غير المتوقع وقالت بنظرة منكسرة قريبة للدموع:
_ البداية عندي ....قبل ما تقولي أي شيء، وأي كان اللي هتقوليه .... سبيني اتكلم الأول لو سمحتي ..
نظرت مروة لجيهان بتمعن، وحاولت أن تراقب حركات جسدها وهي تتحدث وتفسرها علميًا .... فقالت:
_ اتفضلي قولي اللي عندك أنا سمعاكِ ...
ابتلعت جيهان ريقها وعينيها تطرفان بدموع بدأت تتساقط ... عينان خاوية لا حياة فيهما سوى عمر يمضي دون الشعور به !
بدأت جيهان تبك ويزداد بكائها ... وقالت برجاء:
_ اكيد اللي هقولهولك ده سر بيني وبينك مش كده ؟
راقبتها مروة بدقة واومأت رأسها بالموافقة.... فقد شعرت بلهفة شديدة أن تستكشف المعالم النفسية المعقدة بداخل تلك المرأة الفاتنة الحزينة ...
اشتد بكاء جيهان وتحول إلى شهقات شديدة بعد لحظات قليلة ودموع تأبى التوقف، وتركتها مروة تبك دون مقاطعة ... ولكن عينيها تدرسانها بدقة شديدة ... حتى قالت جيهان ببكاء شديد :
_ اطلقت من وجيه من عشر سنين، الطلاق مفرقش معايا وقتها، لدرجة كنت بتباهى قدام صحابي وأقول مش فارق، وفعلا مكنش فارق ... بعدها بفترة اتخطبت ... ومحصلش نصيب، واتخطبت تاني ونفس الشيء .... واتقدملي كتير وقولت بلاش اتسرع في الخطوبة واعرف الشخص الأول .....
عشر سنين محدش بيقرب مني غير وهو طمعان في ورثي !
كل اللي دخل حياتي بعد وجيه كانوا طمعانين فيا بشكل خلاني أفقد حتى الثقة في نفسي مش في الناس بس !
انتبهت مروة لكل كلمة تقولها جيهان حتى لا يفوتها شيء ... حتى تابعت جيهان وبكائها يشتد :
_ وجعوني أوي ! ... مافيش حد فيهم كان عايزني أنا بجد! .... كانت الفلوس أغلى مني في عنيهم ! .... كنت بقف كتير قدام المراية عشان اتأكد لو كنت حلوة ولا لأ !! .... واسأل نفسي ليه أنا مابتحبش ؟! ... ناقصني إيه ؟! .... وقررت ارجع لوجيه !
بأي شكل ... استنيته يكلمني ويرجعني، بس ما اتكلمش !
سألت الطبيبة :
_ بتحبيه ...؟!
ابتلعت جيهان ريقها واومأت بالايجاب وقالت والدموع تغزو عينيها:
_ الكام شهر اللي اتجوزته فيهم زمان مجرحنيش ومظلمنيش في مرة.... عمري ما حسيت أنه طمعان فيا، وجيه مش محتاج اصلا ورثي عشان يطمع فيه ... هو الانسان الوحيد اللي حسيت معاه بالأمان .... وعرضت عليه نرجع ..
تفاجئت مروة بهذا الأمر، ويبدو أن ليلى لم تعرف أن جيهان من طرحت فكرة الرجوع بالاساس ، ويبدو أيضا أن وجيه صان الأمر ولم يعلنه لمخلوق.... فأضافت جيهان:
_ كان تقريبًا رافض، رغم أنه مقالهاش مباشرة بس حسيتها منه، وفجأة وافق بعدها بكام يوم ! .... وليلى كانت ظهرت من تاني ، واعترفلي أنه لسه بيحبها بس بيحاول ينساها .... ووافقت وكملت ... وكل شيء كان بيأكدلي أنه عمره ما هينساها ...
قالت مروة باستغراب:
_ يعني كنتي عارفة انه بيحب واحدة تانية ومش هيعرف ينساها ومع ذلك كملتي معاه ! ... مجرد أنه قالك أنه بيحاول يبقى الموضوع اصعب من المحاولة نفسها!! ... كان لازم تفكري كويس !
نظرت جيهان بألم لمروة وقالت:
_ أفكر وأنا خايفة من الوحدة ! .. أنتي عارفة يعني إيه الأول أن مايكونش ليكي أي حد ! ... بعد التجارب دي كلها مكنتش هعرف ادخل في تجربة جديدة ... وده معناه هفضل لوحدي !
أنا مغلطتش لما قررت ارجع لوجيه .... !
أنا تخيلت أنه ممكن ينساها وهو معايا بكل الحب اللي رجعاله بيه ! ....
وتابعت بمرارة:
_ لما حسيت أنه هيتجوزها سواء رضيت او لأ ... طلبتله ايدها أنا ! ... سبقته ولميت اللي فاضل من كرامتي ! .... وبرضو تخيلت أنه ممكن يزهد فيها بعد شوية .... يزهق ولهفته ليها تقل ويرجعلي واكسبه وافرح .... بس يوم بعد يوم كان بيحصل العكس !
قربها ليه خلاه يحبها أكتر، ويتعلق بيها أكتر، وأملي في قربه بيتدمر ! .....
سألت مروة بحدة:
_ هددتي ليلى ليه ؟ .... وأزاي عرفتي عنها كل ده ؟!
شهقت جيهان ببكاء مرير للحظات وقالت بعدها :
_ كانت لحظة ضعف مكنتش اقصد اهددها ولا كنت هقول لوجيه حاجة اصلا !! ... بس كان جوايا كره ليها كبير في اللحظة دي.... لكن والله العظيم ما كنت هقول لوجيه حاجة !
أنا سمعتك بالصدفة يوم فرح ليلى ووجيه وعرفت اللي حصلها .... يعني عارفة من فترة كبيرة ، لو في نيتي أقول كنت قولت من زمان ! .... أنا مش كده ... أنا مش وحشة .... صدقيني أنا مش وحشة للدرجة دي !
بس الشيطان بيغلبني ... بيدخلي من ضعفي .... قولي لليلى تسامحني ارجوكي لأني مش قادرة اسامح نفسي ...
تنفست مروة بعمق وفكرت للحظات .... ثم قالت وهي تنظر لجيهان التي انخرطت في عاصفة بكاء جديدة:
_ أنا هتصرف في موضوع ليلى ودي فرصة تانية ليكي .... أنا فهمت حاجات كتير من كلامك وللحقيقة عذرتك في بعض الأمور ...... ولكن ده مايعفكيش من اللي عملتيه مع ليلى .... أظن غلطتي في حقها غلطة كبيرة ولازم تعتذريلها بنفسك ....
ردت جيهان بموافقة سريعة:
_ لو عايزاني أروحلها دلوقتي أنا موافقة .... أنا مابقتش عارفة أنام أو أغمض عيني من وقت اللي حصل، وكمان وجيه حاسة أنه شاكك فيا بس مش لاقي دليل !
قالت مروة بصدق:
_ عايزة أقولك حاجة بخصوص دكتور وجيه ... لازم الحاجة دي تواجهي بيها نفسك ..... أنتي حبتيه احتياج للأمان .... وده مش حب ...
ابتلعت جيهان ريقها وقالت وهي تمسج دموعها :
_ أنا فعلا كنت محتاجة للأمان وده لقيته فيه هو وبس ... بس أزاي ده مش حب ! ... طب والغيرة اللي بحس بيها ودموعي اللي مش بتنشف تقريبًا !
أجابت مروة:
_ في شعرة بين الحب والاحتياج لشخص..... الحب مش مشروط ... بس الاحتياج مشروط ... الحب انتي بتحبي انسان بذاته مهما كان في احسن منه كتير موجودين .... بس أنتي عايزاه هو وبس .... أنما الاحتياج للأمان ده نابع أنك مش بتثقي في حد غير فيه .... وثقتك جاية من فعل مؤكد لأن هو الوحيد اللي مطمعش فيكي ..... أنتي لو لاقيتي حد غير دكتور وجيه واثبتلك أنه جدير بثقتك هتحسي نفس احساسك لدكتور وجيه ويمكن أكتر!
أما الغيرة ده أمر طبيعي جدًا .... الغيرة مش دايمًا دليل على الحب ! .... الغيرة ممكن تبقى تملك أو أنانية.
اجفلت جيهان عينيها بدهشة ولم تعرف بماذا تقول..... فتابعت مروة :
_ مشكلتك الحقيقية فيكي أنتي .... ليه حد زيك بثقافتك ومكانتك يبقى شايف نفسه ضعيف بالشكل ده ؟! ..... ليه موقفة احساسك بالقوة والأمان على رجل ؟!
وليه شايفة أن الطريق الوحيد للخلاص من الوحدة يتلخص في جوازة ؟! .... طب أنتي دلوقتي متجوزة .. حاسة بإيه ؟!
اتخلصتي من وحدتك ! .... اتطمنتي ؟!
امتلأت عين جيهان بالحزن والكسرة ولم تجيب ... ففهمت مروة صمتها وقالت:
_ بصي يا مدام جيهان أنا بكلمك زي ما بكلم ليلى بالضبط ... مش بحب أنسى واجبي ك دكتورة نفسية .....
الوحدة الحقيقية في الاختيار مش في الانتظار ! .... انتظارك لزوج مناسب ده شيء طبيعي وفطرة فينا كلنا ... أنما لما تختاري انسان انتي عارفة ومتأكدة أن قلبه بعيد عنك وبيحب واحدة تانية بالشكل ده يبقى أنتي اللي اخترتي تبقي وحيدة بس على ذمة رجل ! .... لو كل حد فينا عشان يخلص من وحدته ارتبط بشخص مش مناسب ليه هتبقى الحياة صعبة جدًا .....
وعلى رغم كل اللي قولتيه أنا شيفاكي قوية جدًا ! ...
مع كامل تيهتها بما قالته الطبيبة وتفسيرها ...قالت بدهشة:
_ شيفاني قوية ؟! .... أزاي؟!
شرحت مروة وقالت:
_ القوة اللي بجد هي اللي بتخلينا نواجه الغلط والعيب والحرام، أنتي حاولتي ما تأذيش ليلى ومانفذتيش تهديدك ليها وقولتي لدكتور وجيه ..... أنتي قوية ... لكن لو كنت قولتيله كنت هصدق أنك ضعيفة فعلا.
قالت جيهان بتأكيد :
_ لو بتقولي كده عشان ماتخلنيش أقول لوجيه حاجة فأوعدك أن الكلام ده لا هيطلع ليه ولا لغيره !
ابتسمت مروة وقالت:
_ لا مش ده قصدي .... لأن الحقيقة أنا اللي هقولها لدكتور وجيه بنفسي ... لازم ليلى تتخلص من الضغط النفسي ده .... أنا مكنتش عايزاها تقوله بصراحة تنسى اللي حصل ، لكن بعد الموقف ده لازم دكتور وجيه يعرف ... وهو اللي هيخلصها بنفسه من الضغط ده ...
أخفت مروة أمر الرسالة الصوتية، ريثما أن جيهان اعترفت بكل شيء دون جدال، ولأنها يبدو عليها تمر بأزمة نفسية شديدة ولم ترجح مروة أن تزيدها بذعر تلك الرسالة ...فقالت جيهان برجاء:
_ ممكن أطلب منك طلب يا دكتورة مروة ؟
قبلت مروة بهزة من رأسها فتابعت جيهان طلبها:
_ أنا محتاجة اتكلم مع حد زيك، يقدر يفهمني ويوضحلي اللي غايب عني.... ليكِ عيادة اقدر اجيلك فيها ؟
أجابت مروة بقبول طلبها:
_ للأسف لسه مش عندي عيادة خاصة، بس رقم تليفوني هو اللي اتصلت عليكي منه، يوم ما تحبي تتكلمي اتصلي بيا ونتقابل في أي مكان ....
سألت جيهان بقلق:
_ طب وهتكلمي ليلى تسامحني ؟ .... أنا عايزة ضميري يرتاح ارجوكي ... حتى لو قالت لوجيه اللي عملته.
قالت مروة بصدق:
_ هكلم ليلى وأفهمها كل شيء وهوصلها كلامك ... هحاول اصلح ما بينكم ... بس توعديني أنك ما تحاوليش تضايقها تاني ؟
اكدت جيهان بهزة قوية من رأسها وقالت:
_ مش هحاول ابدًا ..... أوعدك ...
وخرجت جيهان من المكتب .... واستراحت مروة في مقعدها تفكر بعمق ....قد أخفت ما حدث لليلى من نسيان الموقف بالكامل ... حتى لا يلعب بها شيطانها مرة أخرى ويجعلها تستغل مرض ليلى في ايذائها ....و كانت تظن أن المواجهة ستكون أعنف من ذلك ، ولكن صراحة جيهان وندمها الظاهر والواضح دحض كل شيء .... لابد من وجود فرصة ثانية للمخطئ !
وهنا تذكرت أحمد ... فتنفست بعمق ونفضت عن فكرها ذكراه.
*********
وأتى موعد الزيارة الأولى لأحد العملاء .... وكانت فرحة قد خرجت للتو من مكتب زايد بعدما شرح لها بعض الأشياء ..... وإثر دخول العميل اعلن الهاتف الخلوي لمكتب السكرتارية اتصالا .... فأجابت ببعض التوتر:
_ مع حضرتك ....
رد زايد وبدا منشغلا مع العميل بالثوان الأولى :
_ هاتي الملفات اللي خدتيها يا آنسة فرحة بعد أذنك ....
نظرت فرحة لعدد الملفات على مكتبها بنظرة متسعة، وتذكرت أنها لم تترك له الملف الخاص بالعميل الذي أتى منذ قليل .... فقالت باعتذار:
_ أسفة مخدتش بالي ... حالا جاية لحضرتك...
واغلقت الهاتف ولملمت الملفات ثم توجهت لمكتبه ....
وثوانٍ وكانت بالمكتب تقف أمامه ... وعلى جانبا يمكث رجل انتشر الشيب برأسه وذو وجه بشوش ويبدو أنه في الستين من عمره..... فوضعت فرحة الملقات وقالت بنظرة اعتذار:
_ أسفة والله ... دي الملفات اللي حضرتك طلبتها ...
هز زايد رأسه بنظرة لطيفة ثم قال :
_ طب اقعدي وسجلي اللي هقولك عليه ...
جلست فرحة وسجلت ما قاله زايد بدقة شديدة ... حتى ابتسم الرجل الستيني وقال ببهجة:
_ كده خلصنا بقا من السبب الأول في زيارتي ليك ...
سأل زايد الرجل بلباقة:
_ مش محتاج سبب عشان تزورني في المكتب يا حاج محمود .... بس يا ترى ايه السبب التاني ؟
أجاب الرجل ببشاشة:
_ السبب التاني أن فرح بنتي يوم الجمعة الجاية بأذن الله .... ويشرفني حضورك ...
ابتسمت فرحة وقالت بتلقائية :
_ الف مبروك ... ربنا يتمملها بخير ...
نظر لها الرجل مبتسما وقال :
_ الله يبارك فيكي يابنتي .... وانتي كمان هفرح أوي لو حضرتي ... عقبالك يارب ..
تسللت نظرة زايد لوجه فرحة الذي تخضب من الاحمرار وابتسم بمكر ... وقال بصوتً ماكر:
_ قريب بأذن الله ...
ارتبكت فرحة بدرجة كبيرة وصلت لأن لم تجد كلمات لترد بها ... فقال زايد مبتسما ابتسامة مرحة للرجل :
_ بأذن الله هكون موجود انا وآنسة فرحة .... ربنا يتمم بخير ...
اتسعت عين فرحة بدهشة ثم نظرت له بغيظ .... ونهض الرجل وغادر المكتب وبعدها وقفت أمام مكتب زايد وقالت بعصبية :
_ انت بتقرر عني ؟! ... أنا مش بروح مكان ما أعرفهوش ؟!
نظر لها للحظات وعينيه مليئة بالابتسامة والمكر ... ثم قال بهدوء مستفز :
_ حسام أخوكي وفادي هيكونوا معانا ... ارتحتي كده ؟! ....
هتفت فرحة بعصبية :
_ هو معزمش أخويا ومايعرفوش أصلًا ... هيروح ليه ؟!
استرخى زايد في جلسته وقال مبتسما بتسلية :
_ في الأفراح محدش بيدقق زي ما أنتي فاكرة ... واللي بيتعزم بيبقى مسموح له يجيب أي عدد معاه .... ساعتين بس ونمشي .....
قالت فرحة بغيظ من هدوئه هذا :
_ مش رايحة ...!
رد زايد وهو يستمتع بغيظها وقال:
_ يبقى كان لازم تقوليله وهو هنا ... وبعدين ما تتعوديش تكشفي غلطاتك قدام العملا .... ماتعتذريش قدام حد من العملا على غلطة وحاولي ما تكشفيهاش ... حضري نفسك بقا للحفلة ...
صرت فرحة على أسنانها بغيظ وخرجت من المكتب بخطوات سريعة .... فاتسعت ابتسامة زايد على طريقتها الصبيانية !
*******
قال وجيه وهو يتأمل مروة التي طلبت مقابلته لبعض الوقت في مكتبه :
_ اكيد في شيء ضروري للمقابلة دي ؟!
ابتلعت مروة ريقها كي تشجع نفسها وتخطو الخطوة الثانية .... فقالت :
_ في شيء لازم أقوله لحضرتك ... الشيء ده من الحاجات اللي عرفتها عن ماضي ليلى وكنت مترددة أقولك عليه .... ونفس الشيء ده اللي مخلي ليلى في حالة توتر شديدة من معرفتك بيه في أي لحظة ....
ضيق وجيه عينيه بقلق وقال بشيء من العصبية:
_ في أيه ..؟!
توترت مروة عكس ما كانت تعتقد .... ثم بدأت تتحدث :
_ اللي هكلمك عنه دلوقتي هو اللي خلى ليلى توافق على جوازها من صالح غصب عنها ....
اسودت عينان وجيه وكأنه سيواجه بأسوأ ظنونه وما كان يشك فيه ويحاول الا يفكر به .... حتى شرحت مروة السبب الحقيقي لموافقة ليلى على زواجها من صالح ....
ويبدو أن عينيه اضطرمت فيها النيران وانتفض واقفا بعينان اصبحت ككتل الفحم، وعروق عنقه منتفخة بعنف كأنه يريد العراك مع الد أعدائه ..... قلقلت مروة من مظهره المخيف وقالت برجاء:
_ يا دكتور أنا مقدرة اللي أنت حاسس بيه ... بس هو اصلا ما اغتصبهاش والله ... هو وهمها بس بكده واكتشفت الحقيقة يوم الفرح .... يا دكتور انا بقولك عشان تشيل من عليها الحاجز النفسي ده مش تزوده !
ليلى ما ذنبهاش حاجة .... دي اتظلمت وشافت المر معاه ... ارجوك أهدى وحاول تتحكم في أعصابك ...
ولكنه كان بدنيا أخرى ... دنيا لا يبحث فيها سوى عن ذلك القذر زوجها السابق ... لينتقم منه ويشفي غليله ... ولكن الآخر قد مات بالفعل ! .... أطرق وجيه على مكتبه بعنف ارعب مروة منه فقالت بقلق شديد :
_ ليلى ذنبها إيه في اللي حصل ! ...
نطق بعينان تلتهب غضب :
_ كان لازم أعرف ... كان لازم من عشر سنين فاتوا أعرف وأنتقم منه بنفسي .... مكنش لازم تخبي عني ...
وقفت مروة أمامه وقالت بعصبية:
_ اللي شجعني أقولك أني عارفة ومتأكدة أنك بتحبها ... أنا مش بقولك عشان تبقى في الحالة دي! ....قولتلك عشان هي خايفة ومرعوبة تعرف في يوم ... وغصب عنها مش قادرة تعترف بشيء بشع زي ده .... خليك فاكر يا دكتور وجيه أن ليلى محتاجة اللي يطمنها ويخفف عنها... ولو واجهتها وأنت كده الله اعلم حالتها ممكن توصل لفين ... أنت اللي في ايدك الأختيار.
مرر وجيه يده على رأسه وكأنه يكبت انفجار أوشك أن يلتهب ويثور .... ثم توجه للباب وخرج من المكتب وصفق الباب خلفه بعنف .... وضعت مروة يدها على فمها بخوف شديد ....
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السابع_والستون_الجزء٢
فتحت حميدة باب مكتب يوسف وهي تلهث ... ووقفت وأنفاسها تتسارع بشدة وقالت:
_ مالك يا يوسف ... ؟!
أخفى يوسف ابتسامته بعدما نجحت خطته بامتياز وأتى بها لهنا راكضة بعد مكالمة هاتفية أخبرها فيها أنه يتألم من جانبه الايمن ولا يعرف السبب ... فضغط على جانبه وتظاهر بالألم وقال:
_ مش عارف يا حميدة مالي ... فجأة لقيت جانبي بيوجعني وجع غريب كده!
فركضت إليه وهي ترتجف خوفا وأوشكت أن تصرخ من الرعب .... تحسست موضع يده على جانبه وقالت :
_ الألم من هنا ؟! ...
هز يوسف رأسه متظاهرًا بالألم ولكن عينيه بها شيء لم تتكهن حميدة حقيقته بغمر فزعها هذا .... فقالت وبدا عليها الحيرة والخوف:
_ هروح أقول لعمي وجيه واجيبهولك حالا يشوف فيك إيه ...
جذبها من معصم يدها قبل تبتعد وقال ليمنعها من الذهاب وملامح التعب المزيف هربت لثوان :
_ لا بلاش ... اقصد يعني هكون كويس بعد شوية ...
وعاد متظاهرا بالمرض مرة أخرى فقالت بتعجب:
_ لازم حد يشوف فيك ايه ؟! ... هتفضل كده معقول ؟!
همس بصوته قرب وجهها وكأنه يتوسل :
_ خليكي جانبي ...
جعدت حميدة ما بين حاجبيها بشك وابتعدت عنه قائلة بنظرة ضيقة:
_ أنت تعبان بجد ولا !!!
نهض يوسف من مكانه بنظرة متوترة ... حتى انتبه أن الباب مفتوح على مصراعيه ! ... فضيق عينيه بمكر وتظاهر بشدة المرض وهو يعاتبها ويتوجه للباب ليغلقه عليهما دون أن تنتبه لذلك ....وقال بأسى:
_ بتشكي فيا وأنا في الحالة دي ؟! ..... مكنتش متوقع منك كده أبدا يا حميدة ....
ودفع الباب وأغلقه بالفعل وكأنه لم يقصد ذلك ... ثم استند عليه بظهره وقال بنظرة شديدة العتاب :
_ أنتي الوحيدة اللي أخترتك تبقي جانبي في أشد أوقاتي !! .... متصلتش بحد غيرك ... عارفة ليه ؟!
اقتربت منه سريعا وقالت بنظرة اعتذار واسف:
_ ما تزعلش مني أنا غلطانة .... بس ليه ما اتصلتش بحد تاني ؟!
جذبها إليه بضحكة منتصرة وهمس لها بعد ذلك وقال:
_ عشان وحشتيني ... شوفتي بقا أني اقدر أجيبك جري لعندي من غير مجهود !! ...
وابتسم ابتسامة واسعة وهو يغمز بعينه في نظرة خبيثة ... فزمت حميدة شفتيها بغيظ وحاولت الابتعاد عنه ، ولكنه شدد قبضته عليها كي لا تبتعد .... فقالت بعصبية:
_ حرام عليك انا كنت مرعوبة عليك ! ..... هزارك بايخ وسخيف بجد !!
ثبت ذراعيها التي تدفعه بهما خلف ظهرها بقبضتيه ونظر لها مبتسما بمكر:
_ يعني مش مكفيكي أنك انتي اللي مزعلاني وأنا بصالح كمان متغاظة وبتتنرفزي ... تاني يا ميدا ؟!
ارتبكت من قربه ولكنها لم تحب أن تظهر له ذلك ... فهتفت بانفعال:
_ إيه ميدا دي ! .... وبعدين أنا مكنش قصدي ازعلك وانت ماسبتليش فرصة اعتذرلك اصلا ... سيب ايدي بقا !!
هز رأسه برفض بنفس ابتسامته الماكرة وهمس:
_ لأ .... وبعدين ميدا دي دلع حميدة .... مع أني بحب اسم حميدة، بس حابب أكتر ادلعك .... بصرف النظر مين مزعل مين ... بس وحشني الهزار معاكي ... مقدرتش استحمل أكتر من يوم ... أنتي الكسبانة .. مبسوطة بقا ؟
تسرب طيف ابتسامة على شفتيها وما زالت تتلوى لكي تتملص من قبضته ... وراقبها يوسف بعينيه الماكرتين فقالت بتعجب:
_ أنا بدأت أخاف منك ... مكنتش كده يا يوسف إيه اللي جرالك ؟!
ترك يدها ولكنه تمسك بها مجددا كي لا تبتعد عنه وقال بنظرة محبة:
_ مش بطمع غير في حقي يا حميدة، مابخدش خطوة غير وهي ليا ... تفتكري صح أنك تخافي مني لأني بحبك وبتوحشيني ؟! .... ده أنا لأول مرة تبقي جانبي وعايز الوقت يجري عشان ميعاد الفرح يقرب ... وتبقي معايا على طول ...
سكنت حميدة للحظات ناظرة له بمحبة شديدة تغزو قلبها ... ولكنها تضع لنفسها حدود ولن تخلفها... فقالت برقة وهي تبتسم بمنتهى الصدق:
_ مابقاش كتير يا يوسف، وماتفتكرش اللي بعمله ده عشان مش بحبك بالعكس ... بس كل حاجة في وقتها حلوة وأحلى ... ده اللي هيريحني ...
ابتسم بعشق وهو يقول :
_ يعني بعدين مش هتتعاملي كده ؟! ... مش هتبعدي عني ؟!
احمرت وجنتيها وهي تبتسم وتتهرب من عينيه المدققتان .... ثم هزت رأسها بالنفي ... فأشتدت ابتسامته رقة ومحبة وقال:
_ مكنتش محتاج اكتر من ابتسامتك دي وانتي بتجاوبيني .... وأنا مستنيكي يا حميدة تنوري عمري كله.
ابتعدت خطوة واحدة وظل ينظر لها بابتسامة حنونة ... ولكنها لا تنكر عن نفسها انها شعرت برجفة من ابتعاده ... !
وملأ وجهها ابتسامة حياء ....
وانتبها لصوت قرع على باب المكتب المغلق، ثم طل وجه جميلة وهي تحمل الصغيرة وتنظر لحميدة بنظرة ضيقة ... وقالت:
_ ريميه بتسأل عليكي يا حميدة ....
وكانت الصغيرة عابسة كأنها غاضبة من شيء .... فقال يوسف وهو يمد يده لأخذها:
_ ريمولينا حبيبة يوسفي ....
هزت الصغيرة رأسها بالرفض لأن يأخذها وقالت بعبوس:
_ كنافتي أنا زعلانة منك .... خاصم خاصم ...
ضحك يوسف وهو يحملها رغما وهمس لها قائلا:
_ مقدرش على خصامك ياروح قلب كنافتك .... قوليلي بقا زعلتك انا في إيه ؟؟
وراقبتهم حميدة بضحك شاركته مع جميلة ... واستأذنت الأخيرة لعملها .... فقالت الصغيرة بعبوس أزيد:
_ مش بقيت تلعب معايا، وقولتلي هتجيبلي القطة بتاعتي من البيت ومحصلش !! .... كل ده وأنا ساكتة !
ارتفعت ضحكة يوسف وشاركته حميدة ... فضم يوسف الصغيرة وهو ينخرط بموجة ضحك شديدة ثم قال:
_ أنا غلطان وأنتي من حقك ما تسكتيش فعلا ... اصالحك أزاي بقا ؟ اكيد حميدة اللي بتتكلم قدامك عني وعلمتك الكلام ده ...
نفت الصغيرة وقالت بتلقائية وبراءة:
_ لأ ... حميدة بتحضني وتقولي بحب يوسف أوي أوي يا ريمو ... وأقولها وأنا كمان ياحميدة ... وبتحكيلي قصص كتير اوي وكلهم اسمهم يوسف ... أنت يا كنافتي.
ووضعت الصغيرة يدها على فمها وضحكت بشدة، ولكن فغرت حميدة فمها ثم اغلقت بغيظ من الصغيرة وقالت :
_ بقا كده ؟! ... طب مش هقولك حاجة تاني !
مطت الصغيرة شفتيها بضيق مرة أخرى ... فتنهد يوسف وبعدها ضحك ضحكة خافته ونظر لحميدة بغمزة قائلا:
_ اشمعنى أنا اللي مش بيتقالي الكلام ده !! ... هو مش أنا يوسف برضو !
تماسكت حميدة بالثبات حتى خرجت من المكتب واطلقت ضحكاتها .....
********
دخلت ليلى مكتب الطبيبة مروة وعلى وجهها ظهر القلق ... ووجدت مروة تقف أمام النافذة بشرود وتواليها ظهرها ... فسألت ليلى بتوتر:
_ مروة ماشوفتيش وجيه ؟!
استدارت مروة وبدا وجهها شاحبًا .... فشعرت ليلى بإزدياد منسوب الخوف بداخلها ... وتلعثمت مروة في الاجابة:
_ مش عارفة راح فين ... في حاجة؟
وقفت ليلى تنظر لمروة بتعجب وحيرة وأجابت بعد قليل :
_ الدكتور اللي كنا مستنينه عشان يشوف ريميه وصل، والمفروض وجيه يكون موجود دلوقتي ... أزاي خرج ده بقالنا كتير مستنينه!!! ... وحتى بتصل بتليفونه والتليفون غير متاح !
ابتلعت مروة ريقها وقالت بتوتر:
_ اكيد في حاجة عطلته ... ما تقلقيش زمانه جاي .
زفرت ليلى بضيق شديد وقالت بيأس:
_ اتصلت بيه من تليفون الممرضة، تليفوني نسيته في البيت للأسف .... هحاول واتصل بيه تاني ...
نطقت مروة سريعا وبرفض :
_ لا لا ما تتصليش بيه تاني ... سبيه يرجع براحته ..
ضيقت ليلى عينيها بشك على وجه مروة القلق وقالت :
_ في ايه يا مروة مالك أنتي مش طبيعية النهاردة ؟!
ابتلعت مروة ريقها ... واحتارت أن تخبرها أو لا ... وأن كتمت الامر ستصدم به عندما يواجهها زوجها وجيه ... وذلك مع غضبه هذا لا يمكن أن لا يخبرها بشيء ويكتم الأمر ... فحسمت أمرها وقالت :
_ أنا قولت لدكتور وجيه على اللي حصلك يا ليلى ....
تجمدت ليلى في مكانها وتخشب جسدها من الصدمة ... ثم نطقت بالكاد :
_ قولتيله ايه ؟
قالت مروة بتوتر شديد:
_ على اللي صالح عمله ... وفهمته أنك مالكيش ...
لم تتابع مروة حتى دخلت ليلى في موجة من الصراخ والبكاء الشديد وهتفت بها:
_ انا مطلبتش منك تقوليله، ليه عملتي كده ؟! ..... أنا عارفة وجيه كويس مش بسهولة يعدي حاجة زي دي ولا ينساها ... حرام عليكي ... حرام عليكي انتي وعدتيني ان ده سر ما بينا....
وصرخت ليلى ببكاء وكسرة قلب فاسرعت لها مروة وقالت بقوة:
_ لازم يعرف يا ليلى ... لازم تتخلصي من خوفك ليعرف ... ده جزء من العلاج ...
صرخت ليلى فيها مرة أخرى وهتفت:
_ علاج ايه !!! ... أنتي عارفة حاجة زي دي ممكن تعمل فيه ايه ؟! ... أنا عمري ما هسامحك ابدا منك لله ....
تسمرت مروة وتساقطت دموع عينيها قائلة :
_ أنا عملت اللي شوفته في مصلحتك ... ومش هقولك لو بيحبك لانه فعلا بيحبك ... أنتي مأذنبتيش في شيء ... وكان لازم تتخلصي من الخوف اللي جواكي وتتخطي الموضوع ده .... يمكن الموقف قاسي وصعب عليكي وعليه أكتر ... بس لازم يعدي ولازم تبطلي تخافي منه يا ليلى .... أنا مش هعاتبك على اللي قولتيه غير لما تهدي والموضوع ينتهي ... أنا متأكدة انه هينتهي زي ما أنا حاسة ....
هزت ليلى رأسها برفض وبكاء شديد أن تسمع كلمة أخرى ... وركضت خارج من المكتب .... فجلست مروة على مكتبها وعينيها مليئة بالدموع وقالت:
_ مش معقول يحاسبها على شيء مالهاش ذنب فيه ... مش معقول ؟!
*******
اغلقت ليلى باب غرفتها عليها ثم ركضت للفراش وارتمت عليه بعاصفة من البكاء .... سيكسر هذا الاعتراف شيء بينهما ربما ... سيكسر فيه هو شخصيا شيء ! ... لم تعد قادرة أن تخمن أي رد فعل سيتخذه ... لم تعد قادرة على التفكير من الأساس ...
وظلت هكذا لساعات حتى دنت الشمس للمغيب .... ودلفت أحدى الممرضات لغرفتها وقالت:
_ دكتور وجيه وصل مكتبه يا مدام ليلى ... كنتي بتسألي عليه ...
رفعت ليلى رأسها من على الوسادة بعينان منتفخة من البكاء وتعجبت من أمرها الممرصة ... ولكنه لم تريد التطفل بالسؤال وغادرت سريعا ..... اعتدلت ليلى بفراشها بجسد متيبس ورجفة شديدة تجتاحها وخوف عاصف تملك منها ....
كيف ستنظر بعينيه وهي موصومة بهذا العار وأن لم يكن في حقيقته سوى كذبة !
ولكنها لابد أن تحدثه ، وتطمئن عليه .... وتدافع عن نفسها ... فنهضت وهي تمسح دموعها وتعزم على مواجهته.
********
لطرقت عدة مرات على باب مكتبه ولم تتلقى رد .... حتى فتحته ببطء وتسمرت نظراتها عليه وهو يقف أمام النافذة شاردا كليًا ويبدو أنه لم ينتبه لطراقتها من الاساس !
ارتجفت بشدة وهي تدخل بخطوات ثقيلة وعينيها رحبت بالدموع مجددًا بغزارة حتى اغلقت الباب عليهما... وتباطئت خطواتها إليه وودت لو تركض ... المواجهة اعترفت أنها ثقيلة الآن وأقوى من ضعفها الحالي ... وقالت بصوت مبحوح من البكاء :
_ وجيه ...
ظل واقفا مواليها ظهره بثبات ولكن سمعت صوت تنهيدته العميقة .... وكررتها:
_ وجيه ...
وعندما لم يستدير اجهشت بالبكاء بقوة وشعرت بتحقيق أسوأ ظنونها ... حتى قالت وقد انشق قلبها لهذا :
_ طلقني ..
وكادت أن تتابع حتى استدار في لمحة بتعابير وجه يكسوها الغضب والعنف ... ولكن ما الجمها هو يده التي جرحت والتف بها شاش أبيض ! ... فشهقت بخوف وهي تسرع اليه وترى ما فيها ....وقالت:
_ حصل ايه لايدك ؟!
جذبها من معصم يدها باليد الأخرى وهتف بغضب :
_ أطلقك ...؟!!!
قالت وهي تبكي بقوة :
_ أنا عارفاك وعارفة اللي بتمر بيه، مش عايزة أزود عليك بوجودي ! ... أنا...
جذبها اليه أكثر واحتدت نبرته بعنف وقال مقاطعا حديثها :
_ خبيتي عني ليه يا ليلى ؟! ...
انفطرت دموعها وهي تجيب:
_ كذب عليا ووهمني انه اغتصبني ومن الصدمة اللي كنت فيها صدقت، مكنش ينفع اشيلك ذنب ما عملتوش انت ذنبك ايه ؟! ليه تشيل غلطة غيرك واحط جواك كسرة مش هتعرف تنساها ابدا.
زم شفتيه بعصبية وغضب شديد وصاح بوجهها:
_ وأنتي كنتي مفكرة أني هحاسبك على شيء مالكيش ذنب فيه ؟! ... ضيعتي مننا عشر سنين كان ممكن فيهم ننسى اللي حصل واللي اكيد كنت هكتشف بنفسي انه كدبة ... كان لازم أعرف ... كان لازم تخيريني وكنتي هتشوفي بنفسك هختارك ولا لأ ... العشر سنين انا شوفت بكل يوم عذاب اكتر مليون مرة من اللي كنت هشوفه وانتي جانبي ... ده لو كنتي مفكرة اني ممكن احاسبك على ذنب انتي بريئة منه .... صالح لو كان عايش كانت نهايته هتبقي على ايدي النهاردة ....
قالت ليلى وهي تنظر بعينيه بدقة:
_ الحمد لله انه مات، الحمد لله أنك معرضتش نفسك للسجن بسبب انسان زي ده ... أنا كنت تايهة وضايعة يا وجيه ... وصعب عليا كنت اصارحك ... خوفت أنزل من نظرك .... خوفت اكسرك واحملك شيء فوق طاقة أي حد .... خوفت عليك تتكسر بسببي ..
أخذها بين ذراعيه بضمة عنيفة، كأنه يبث لقلبها الحماية، ويصبت لها أنه لن يتخلى عنها مهما حدث ... ضمة كانت في قوتها تجسيدًا للحماية والأمان .... وبكت بقوة، وتنهد وهو يضمها بكل ثانية اقوى مما كان ... وهمس لها بمحبة شديدة:
_ أنا اتوجعت عشانك يا ليلى، رغم زعلي منك عشان خبيتي عليا ... ضيعتي عشر سنين من عمري في عذاب، وكان ممكن تسبيلي الاختيار وقتها ... والله ما كنت هختار فراقك يوم واحد لو كل الدنيا هتقف قصادي ...
صدمت مما قاله ونظرت بعينيه في ذهول ... فربت على جانب وجهها بحنان قائلا :
_ يعني بعد ده كله لسه شاكة بحبك اد ايه ؟! .... اللي استناكي السنين دي كلها كان هيستناكي اللي فاضل من عمره لحد ما ترجعيلي تاني ...
أنسي اللي حصل يا ليلى ... غير انه طلع كذبة فأنا بحبك مهما حصل .. وعمري ما كنت هختار بعدك سواء زمان أو دلوقتي .... والسنين اللي ضاعت مننا دي هنعوضها ...
قالت ليلى والصدمة ما زالت متملكة منها وصوتها مرتجف:
_ يعني أنت فعلا ...
لم يترك لها مساحة لقولها كلمة زيادة ...وأخذها بين ذراعيه بضمة اجابت عن جميع تساؤلاتها ... وأشتد بكائها وهي تبتسم بسعادة وتحمد ربها بكل ما أتت من سعادة وعوض..
ثم همس لها بمنتهى العشق قائلا:
_ كل زعلي منك في السنين اللي ضاعت وكنت هتمسك بيكي ... زعلي انك حملتي نفسك الذنب وأنتي بريئة ! ، زعلي أنك ما وثقتيش فيا وفي حبي ليكي .... بس حتى الزعل قدام دموعك مابقاش زعل .... بقى كلمة اعتذار ... ووحشتيني.
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثامن_والستون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~.. قسم ..~
كان يعاتبها ولكنه ليس عتابا على قدر محبته ...
فأخيرًا حاوط وجيه كتفيها بذراعيه وقال بدفء:
_ أكتر شيء ريحني في الموضوع ده أنك اتخلصتي من خوفك منه، تجاوزيه يا ليلى وأنسيه ... البداية الحقيقية لعلاجك من هنا ...
مسحت ليلى عينيها الباكيتان اطمئنان وراحة بال وأجابته:
_ عندك حق ... دلوقتي بس أقدر أنسى ... واكون خطيت في علاجي أول خطوة بنجاح الحمد لله ..
وتذكرت فجأة أمر طبيب العيون فقالت ببعض التوتر وكأن الفرصة لم تسنح لها مجددًا:
_ الدكتور اللي كان ....
هز وجيه رأسه وقال مقاطعا بعدما ادرك سبب قلقها:
_ ما تقلقيش ... بسبب تأخيري عن ميعادنا الميعاد اتأجل لبكرة، كل تأخيرة وفيها خيرة ... وكلها كام ساعة وبكرا يجي ونعرض البنت عليه ..
تقبلت ليلى الخبر بهدوء، فلم يكن سبب كافِ للاستعجال، فهي متوقعة قراره مثله مثل غيره من أطباء العيون.
حتى نظر لها وجيه بنظرة عميقة تفصح عن رغبة شديدة في البقاء معها هذه الليلة ... ولكن الليلة من نصيب جيهان ! ... فقال بتنهيدة:
_ مش عايز أمشي واسيبك يا ليلى، عايز أبقى معاكي شوية .. ساعات كتير ببقى نفسي أقولك كلام كتير ... بس لما ببقى معاكي بنسي كل شيء ... وببصلك وكأني مش مصدق أنك أخيرًا معايا !
ابتلعت ليلى ريقها بمرارة، فبماذا تجيبه !! ... لو فسرت عن رغبتها التي أشد منه في بقائه لأثرت عليه وجعلته يمكث ... وسيسيّئ ذلك جيهان، ولها الحق وقتها بكل ما ستشعر به من ضغينة ! ... قالت متظاهرة بالثبات :
_ لأ لازم ترجع البيت يا وجيه، عشان جيهان ما تزعلش وماتحصلش مشاكل ..
أخذها مرة أخرى بتنهيدة يملؤها الاشتياق الذي سبق خطوات الابتعاد والمغادرة .... ثم قبّل رأسها وقال :
_ لحد ما أشوفك بكرة مش هتغيبي عن بالي لحظة ... وللحقيقة أنتي مش بتغيبي عن بالي خالص !
ابتسمت وهي تصر النظر بعينيه وقالت:
_ خليك كده على طول ... يمكن هكون أنانية في احساسي ده، بس دي الحاجة الوحيدة اللي مابحسش بالذنب فيها ... أني شاغلة تفكيرك حتى في غيابي ..
افتر ثغره عن ابتسامة وقال بتعجب:
_ السنين اللي فاتت ما اثبتتلكيش ده !! ....
خيم الصمت مع نظراتهما العاشقة ثم غادر دون كلمة .. ولكن ابتسامته كانت كافية لتنتظر حتى يصبح الصبح القريب ...
********
بعد أكثر من ساعة في سير بالسيارة بلا وجهة محددة .... وقف جاسر بسيارته بأحد شوارع القاهرة ... ثم تسللت نظرته جانبًا حيث جميلة تجلس باسترخاء وقال بمشاكسة :
_ عملت اللي عايزاه وبقالنا ساعة بنلف بالعربية، ده غير عنادك واصرارك بعد ما فطرنا أنك هتروحي الشغل وأنتي مش قادرة تتحركي اصلا !! .... ممكن أعرف تفسير لطلباتك دي ؟!
ابتسم جميلة ثم حرحت رأسها اتجاهه وقالت بصدق:
_ بصنع ذكريات حلوة ما بينا، عايزة أفتكر أنك مكنتش بترفضلي طلب حتى لو مش على مزاجك ... قبل ما ندخل قفص الجواز بكل مسؤولياته... وكمان احنا مافيش بينا غير ذكريات كلها مستفزة !
ابتسم وأعجبه حديثها، ريثما أنها بحديثها هذا تأكد أنها تفكر في أمر زواجهما جديًا وترغب في انجاحه وتحسين علاقتهما للأفضل .... فقال مبتسما بمرح:
_ ساعات بحس أنك فرحانة فعلا بجوازنا .... وساعات بقلق منك وبحس أنك هتنتقمي مني ! ...
اتسعت ابتسامة جميلة وما كانت تظن أن الاجابة الصادقة ستخرج من بين شفتيها بتلك البساطة :
_ بصراحة كنت بفكر كده في الأول مش هكدب عليك ...
ضيق عينيه بمكر وقال مبتسما:
_ وإيه اللي غير رأيك ؟!
نظرت جميلة أمامها ونظرت للطريق بنظرة عميقة واعترفت:
_ لما بسمع أمي بتتكلم عن أبويا وعن فترة جوازهم بستصغر نفسي !، وبحس أن الجواز ده حاجة أكبر بكتير أننا نضيعه في النكد والانتقام وكل الحاجات دي ... وبعدين طالما أنت بتحاول تثبتلي أنك اتظلمت في موضوع رعد فأنا بدأت أصدقك ..
ظل جاسر على ابتسامته، ثم تاه للبعيد شاردًا للحظات وقال :
_ أنا بقا مكنتش بشوف الحب والتفاهم بالشكل الكافي بين أمي وأبويا ... يمكن ماكنوش بيتخانقوا كتير، ولا حتى بيختلفوا كتير ....لكن مكنش بينهم برضو لهفة الحب دي ... يمكن عشان هي كانت انجليزية وثقافتها ومجتماعها غير مجتماعنا ... مفهموش بعض يمكن!
قالت جميلة بجدية:
_ كلمني عنها يا جاسر لو سمحت ... أنا شوفتها زمان لكن مش فكراها أوي.
ابتسم جاسر وهو يسترجع ذكرياته وقال:
_ أمي كانت جميلة بشكل مش طبيعي ... بس تقريبًا ده مكنش كفاية بالنسبة لأبويا ... كنت بحس أن في فجوة مابينهم مش فاهمها ... عمري ما نسيتها ... تعرفي ياجميلة أنا ماشوفتش حد في جمالها لحد دلوقتي ... ومش عارف ليه أبويا مكنش مستريح معاها بدرجة كافية!!!
نظرت له جميلة بدقة وقالت بضحكة ومشاكسة:
_ وأنا أول ما شوفتك بحسبك أجنبي !! ...
ضحكا معا ثم قال بخبث:
_ ما هو أنا شبه أمي أوي، أكتر من يوسف أخويا كمان ....
مطت شفتيها بسخرية وقالت:
_ لا ما تتغرش أوي كده !! ....
غمز لها بضحكة واستفزها ... ثم قال :
_ بقولك إيه أنتي جعانة ؟
هزت جميلة رأسها بقوة وقالت:
_ جدااااا
ترجل جاسر من السيارة عندما لمح أحد فروع لمطعم شهير وقال لها:
_ طب دقايق وراجعلك ... عازمك على العشا في العربية ...
وغادرها بضحكة أسرتها ... وقالت مبتسمة بمحبة ومرح:
_ اخيرا عرفت هو طلع قمر كده لمين ! ... خمسة في عنيا .. هتحسدي جوزك يا هبلة !!
وضحكت على نفسها وانتظرت مجيئه ... حتى أتى بعد خمسة عشر دقيقة وهو محمل بكيسين ورقيان من الطعام ....
جلس جاسر بمقعد القيادة وهو يبتسم لها ثم بدأ يخرج لفائف ورقية بداخلها "ساندويتشات" تفوح منها الرائحة الشهية .... وتشاركا الطعام وهما يتجاذبان أطراف الحديث والمزاح ....
*******
خرج آخر عميل بمكتب زايد ... وخرج وهو يضغط على عكازه ليسرع خطواته ... حتى وجد فرحة تضع رأسها على يدها مغمضة العبنان ويبدو أنها نامت بالفعل .... ابتسم بحنان وهو ينظر لها ... ويبدو أن نومها خفيف جدًا حتى شعرت به ونهضت واقفة بخجل .... قال وهو يود الابتسامة بقوة:
_ أسف على التأخير أنا عارف أنك كان لازم تمشي من ساعة وأكتر .... بس العميل ده رغاي أوي واسألته كتيرة وخد الميعاد وقت أكتر من اللازم ...
تظاهرت فرحة بالبحث عن حقيبتها وقالت :
_ مافيش مشكلة، كده كده حسام أخويا عنده جلسة علاج طبيعي النهاردة ومش موجود في البيت ... مش هيحس أني اتأخرت .
أشار لها اتجاه الباب وقال:
_ هوصلك زي امبارح، في تاكسي ...
رفضت واعترضت بشدة وقالت:
_ مش لازم ... هوقف تاكسي وأقل من ساعة وأكون في البيت ..
قال لها بنظرة متمعنة كأنه يؤكد لها مسؤوليته الكاملة عنها:
_ أسف ... طالما كنت سبب تأخيرك يبقى لازم أطمن عليكي لحد ما تروحي .... وبعدين عشان اريحك اتفقت مع سواق تاكسي يوصلك كل يوم ... رايح وجاي ... حد مضمون يعني .
وللحقيقة لم تضيق من الأمر، فهي بالفعل تقلق من جلوسها مع سائق غريب كل يوم .... وقالت :
_ طيب تمام ... بعد أذنك ..
حملت فرحة حقيبتها على كتفها وتحركت لتخرج من المكتب ... ولكن التمع ذهنها شيء فاستدارت اتجاه المكتبة ونظرت بدقة فيها .... فلمح زايد نظرتها وقال بتساؤل:
_ في حاجة ولا إيه ؟!
ترددت في الطلب، ولكن قد اغرتها تلك العناوين للروايات والكتب لأسماء أدباء كبار ... فقالت بحرج:
_ ممكن استعير كتب من هنا وارجعها بعد ما أقراها ؟ ... صدقني مش هبدلهم ... هرجعهم زي ما خدتهم ....
نظر زايد للمكتبة بغرابة، فقد ظن أنها ستطلب شيء اصعب من ذلك تحقيقه فقال ببساطة:
_ طب وإيه المشكلة ؟!
قالت فرحة بصراحة:
_ أصل ديمة قالتلي أن الكتب دي خاصة بسكرتيرك ... فقادرة أفهم حد بيحب القراءة والكتب أزاي هيخاف على كتب أشتراها بنفسه ...
رد زايد متعجبا بما قالته ديمة عن الكتب وقال:
_ السكرتير بتاعي هو اللي جاب الكتب دي فعلا، بس للجميع مش ليه لوحده! .. وإلا مكنش سابهم هنا ! ... ديمة بتكره تقرأ ...
وتلهفت فرحة لمعرفة مدى حبه للقراءة ... ولكنها كتمت ذلك السؤال ولم تتفوه به، حتى أخبرها ما يلتمع بعينيها وهو يبتسم وتظهر غمازتيه الذي تحمر خجلا عندما تراهما:
_ أنا زيك بحب القراءة .. بس للأسف وقتي مشغول جدًا .... كل الكتب اللي عايزاها تقدري تاخديها ليكي وهبعت أجيب نسخ غيرهم ...
ابتسمت بحياء وقالت وهي تهم بأخذ ثلاثة كتب:
_ لأ هقراهم وارجعهم تاني ... ما تتعبش نفسك ...
أخذت فرحة الثلاث كتب واستدارت له، فاقترب منها خطوتين ونظر للكتب جيدًا ... ثم استأذن منها ليراهم سريعا فمدت يدها بهم دون تردد .....
قلّب زايد الكتب الثلاث أمام عينيه ودقق في عناوينهم وأسماء المؤلفين .. ثم رفع نظراته لها قائلا بابتسامة وهو يعطيهم لها مجددًا:
_ طب تمام ..
وأخذتهم فرحة على استحياء وبعدها غادرت المكتب ... ولكي لا يسبب لها حرجا أمر سائقه أن يتبع سير السيارة الأجرة التي تجلس بداخلها فرحة ...
وظل طوال الطريق شاردا بابتسامة ... وسؤال يتردد بداخله في دهشة .... منذ متى وهو يحب القراءة !!
يبدو أن عشقه للقراءة أتى فجأة منذ دقائق ... يدغدغ مشاعره شعورا جميلًا ... مثل حبات السكر بعد كثير من مذاق المر !
*******
علمت الطبيبة مروة بمغادرة وجيه للمشفى ... واشتد خوفها واسرعت لغرفة ليلى ...
وما سمرها مكانها عندما فتحت لها ليلى باب غرفتها هو ذلك العناق الطويل المحمل بالاعتذار والابتسامة المشرقة على وجهها!!
فقالت ليلى بندم امتزج معه شعور واضح بالسعادة:
_ سامحيني ... ما تزعليش مني، عارفة أني زعلتك ودعيت عليكي و...
قاطعتها مروة وهي تغلق الباب بابتسامة واسعة :
_ لا بقا استني ... عايزة اعرف التفاصيل يا ليلى ... وإلا هعضك !
وضحكا بصوتٍ عال، وبعدها جلسا على الفراش وبدأت ليلى تسرد لها ما مر بتلك الدقائق الفائتة، والمواجهة كاملةً..!
فتنهدت مروة تنهيدة اخرجت فيها كامل قلقها وتوترها الناجم عن المشادة بينهما والخوف من ردة فعل وجيه ... وقالت:
_ كده الحمد لله ... أنا كنت حاسة أني عكيت وبهدلت الدنيا والمفروض أنا اللي بحاول اصلح !
ربتت ليلى على يدها بابتسامة شكر وامتنان قائلة:
_ مش عارفة أشكرك أزاي ... ما تتخيليش اللي حصل ده فرق معايا قد إيه ! ... كنت حاسة أني شايلة حمل كبير وأخيرا اتخلصت منه ..
نظرت مروة لها بتأمل، وفكرت هل تخبرها عن جيهان أم تؤجل الأمر ! .... ولكن طالما جيهان علمت فلابد أن تعرف ليلى كل شيء ... ربما هذا يطرق على الأبواب المحجوبة بداخلها ويساعدها أن تصل لأسرار الماضي ... فقالت :
_ أنا عرفت سبب رجوع نوبة الصرع ليكي يا ليلى ... كنت بفكر ااجل الموضوع ده بس حاسة أن ده هيساعدك أكتر ...
صدمت ليلى من حديث مروة وقالت بلهفة :
_ ايه اللي حصل وعمل فيا كده قوليلي ؟!
أخرجت مروة هاتفها من حقيبتها، ثم بحثت عن الرسالة الصوتية وضغطت لتشغيلها .... ومع كل ثانية تسمع فيها ليلى صوتها وهي تنتحب وتبك من الرسالة تضيق عينيها وهي ترى اشباح سوداء تطل بعقلها .... أشباح غير واضحة تمامًا ...ولكنها ثارت أخيرًا ... هزت ليلى رأسها بصدمة :
_ جيهان هددتني ؟!!! ... طب عرفت منين اصلا؟!
أجابت مروة وهي تدرس ردود فعل ليلى :
_ سمعتنا وأحنا بنتكلم يوم كتب كتابك على دكتور وجيه، جيهان اعترفتلي بنفسها لما اتصلت بيها وقررت أواجهها ... بس هي اعترفتلي قبل أي مناقشة ما بينا وندمانة جدًا على اللي عملته .... وعايزاكي تسامحيها يا ليلى ...
التمعت الدموع بعين ليلى وقالت برفض قاطع:
_ اسامحها أزاي وهي استغلت خوفي وحاجة أنا بريئة منها عشان انفذ كلامها !! .... ندمها ده مش أكتر من خوف أني اكشف حقيقتها لوجيه !!
قالت مروة بتنهيدة:
_ طب لو قولتك أنها مش طالبة ده وسيبالك القرار تقولي أو لأ ؟ .... كل اللي هي عايزاه منك أنك تسامحيها، ويا ليلى هي لو كانت عايزة تقول لدكتور وجيه مكنتش استنت كل ده ! .... جيهان في حالة نفسية صعبة جدًا ... شرحتلي ظروفها بالكامل .. وللأسف في حاجات مقدرش أقولهالك ... لكن اللي أقدر أقولهولك أن جيهان طيبة ... وبتعترف بغلطها بمنتهى السهولة ...
قالت ليلى باكية بعتاب:
_ صدقتي كذبها ؟! .... طب ده أكتر شيء يخليني اتأكد أن قلبها اسود هو انها خليتك أنتي تصدقيها وبقيتي في صفها !! .... خايفة اكشفها قدام وجيه فقالت تكسبك عشان تأثري عليا !
اوضحت مروة وقالت:
_ مين اللي قالك أن ده مش احتمال من ضمن احتمالات كتير جت في دماغي ! .... لكن فضلت اسمعلها وفهمت وضعها بالكامل .... هي مضحكتش عليا ... جيهان فعلا في وضع صعب ... صعب جدًا كمان .... عشان خاطري اديها فرصة تانية ومتحكيش لدكتور وجيه حاجة ...
مسحت ليلى دموعها وقالت :
_ هي عارفة أني مش هحكي لأني مابحبش اتسبب في أذى حد ... بس مش هقدر اسامحها ووصليلها كده ...
قالت مروة بصدق:
_ ليه يا ليلى ماتعتبريش أن اللي حصل ده في مصلحتك !
ابتلعت ليلى ريقها المرير بالدموع ونظرت لمروة بغرابة... فأكدت مروة قائلة بحماس:
_ لما سمعتي الرسالة اكيد حسيتي بحاجة، أو افتكرتي ولو شيء بسيط من الموقف ده ! ... الرسالة دي حركت شيء في عقلك مافيش أي علاج كان ممكن يحركه .... تأثير الرسالة دي مش نص الكلام نفسه ... دي لحظة مهمة من ماضي انتي نستيه اصلا ... والرسالة دي بتنورلك الطريق اللي بقالي كتير بحاول اوصل ليه في عقلك ... فكري فيها كده يا ليلى ... وحاولي تنسي اللي جيهان عملته ونركز في المهم ..
اطرفت ليلى أهدابها وبالفعل قد شعرت بعودة أطياف معتمة من ذلك المشهد ... وتأكدت مروة من ظنها في صمت ليلى وقالت مبتسمة:
_ أنا مبسوطة يا ليلى ... لأول مرة يحصل انتكاسة وابقى مبسوطة بيها كده ... الزقة اللي رجعتنا لورا .. رجعتنا عشان نمشي صح من البداية ... وعايزاكي لما تحصل أي حاجة تزعلك تبعتيلي رسالة زي دي ... بس الأفضل تكون صوت وصورة ... واكتبي كمان ... هاتي دفتر وقلم واكتبي اللي يخطر على بالك ... نشطي عقلك دايمًا ...
بدأت ليلى تسير في نظرتها لما تراه طبيبتها ... فقل بعض غضبها من جيهان، ولكن بالنهاية المسامحة الفعلية صعبة عليها بهذا الوقت !.
********
سارت رضوى من الممر المؤدي للحديقة .... حتى وجدت يد تجذبها اتجاه أحدى الأشجار!!
لهثت بذعر للحظات حتى وجدت رعد متمسكا بها وبعينيه المكر يسرد حكاياه !
دفعته بعصبية وقالت:
_ إيه الأسلوب المستفز ده ؟!
جذبها رعد اليه أكثر وهو يهمس تحت دفعات يدها على صدره العريض القوي:
_ بتهربي مني ... وبصراحة بتوحشيني أوي ..
ابتلعت ريقها من تأثرها بنظرات عينيها وتظاهرت بعدم الاكتراث وقالت بحدة:
_ غير اسلوبك معايا لأني مش بحب كده !
قال هامسا عند أذنها:
_ يعني ما وحشكيش اسلوبي المستفز ده ؟! ... طب أحلفي !
نظرت له بنظرة منفعلة وقالت بغيظ:
_ لو فاكر أنك هتكسبني بأسلوبك وبطريقتك تبقى غلطان !! ... لو عايز فعلًا تكسبني اكسبني بأسلوبي أنا واللي يعجبني ! .... أنا مش تحت أمرك عشان أمشي على هواك ! ...
لم يؤثر فيه حديثها وقال وهو يدقق النظر بعينيها:
_ زي ما أكون شايف رضوى تانية غير اللي عرفتها قبل كده !! .... تخيلي كده يا رضوى لو محصلش كل اللي حصل ده واتكتب كتابنا من غير أي مشاكل ... تفتكري كان هيبقى ده رعد فعلك دلوقتي ؟!
نظرت له بنظرة عتاب طويلة وقالت وعينيها البندقيتان يلتمعان بالدموع:
_ يمكن اللي حصل ده خلاني اكتشف أن ليا رأي وشخصية ورحمني من سيطرتك اللي كنت هتفرضها عليا بشكل كامل، وأنا كنت عبيطة وكنت هفرح تخيل !! .... أنت اللي زيك يا رعد مش عايز واحدة تطاوعك ... أنت عايز اللي تقف قصادك وتتحداك عشان تعرف قيمتها وتتمسك بيها !....
قلبي حطيته في مكانة عالية أوي ... اتعب بقا عشان توصله.
قال رعد بيأس :
_ كل ما بفتكر أنك بتنسي بكتشف أنك مابتنسيش !
ولصدمته رفعت أناملها لجانب وجهه برقة وقالت وعينيها مليئة بالحب رغم عنف قولها:
_ بيقولوا الحب الأول وجعه مابيتنسيش ! ... وأنا اتوجعت وجع خلاني احلف أني ادوقك منه ... وبعدها ممكن ارجع زي الأول واحسن كمان ... ارجع الطيبة ... استحمل بقا اللي بتنتقم لحد ما ترجع الطيبة من تاني ... هرجع بمزاجي ... لأني مش تحت أمرك.
وكانت أناملها بنعومة الحرير على بشرة وجهه وأثرت بمشاعره بشدة... وكان حديثها مثل الصفعة الذي غلفها عناق طويل مفعم بالعاطفة! ...
وتركته مسمرًا بمكانه ... منبهرا بقوتها ... وبضعفها أيضاً... !
ولكنه لحقها وجذبها مجددًا اليه من معصم يدها وهمس لها بتأكيد وعينيه تصدران كثير من المكر والابتسامة:
_ أنتي مش ادي يا رضوى، عنادك ده مش هياخد معايا أكتر من يومين بعد جوازنا...
ابتسمت بسخرية وقالت:
_ ما قولتلك أنسى رضوى القديمة!! ..... ده التحديث الجديد مني ... انا هخليك تحلم بيا حتى وأنت صاحي...
وضحكت وهي تبتعد .. كأنها تذكرت أنها لديها ارث الكيد من أنوثتها....
ونظر لها وهي تبتعد مذهولا....ومعجبا أيضا..!... وقال بابتسامة خبيثة:
_ كلها كام يوم.. ونشوف مين اللي هيكسب فينا!
*******
كانت ليلى تاهت بالتفكير حتى غلبها النوم وثقلت جفونها .... نظرت لصغيرتها النلئمة بجانبها في حنان ... ثم مدت يدها لتُغلق زر الاضاءة ...حتى تفاجأت بفتح الباب يطلّ منه وجيه مبتسما .... هرب النوم من جفونها وهي تعتدل مبتسمة له بغرابة وسألت:
_ رجعت أزاي ؟!
خلع وجيه معطفه وهو يجيبها مبتسما:
_ كنت في الطريق للبيت، بس جيهان اتصلت بيا واستأذنت مني تبات في بيت والدها ليومين ... لفيت ورجعت لهنا جري بالعربية ...
شردت ليلى في موقف جيهان، وشعرت أنها بدأت تقدم التنازلات بهدف الاعتذار والسماح، فهمت موقفها، ولكن وجيه لا يعرف ... ولا داعي أن يعرف ويتعكر مزاجه ... فنظرت له مبتسمة بصدق وقالت:
_ مبسوط أنك رجعت ؟
نظر لها بمكر وجذبها واقفا وقال:
_ أنتي شايفة ايه ؟
نظرت له وهي تتسع ابتسامتها بالتدريج، ثم نظرت لاتجاه آخر بحياء ... وكان يعشق تلك الحمرة بخديها عندما تستحي منه ....
********
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثامن_والستون_الجزء٢
وقد اقترب الوقت لمنتصف الليل ....ختمت سما القرآن الكريم قراءة للمرة الثانية منذ أن أتت لبيت جدها ... وكانت لا تزال تجلس على سجادة الصلاة بعدما أدت صلاة العشاء منذ فترة كبيرة ... جلست بعد القراءة تسبح وبعدها شرد بها الفكر .....
لاحظت أمها الصمت الذي خيم على أبنتها بعدما كانت ترتل الآيات، فصوبت بصرها اتجاه الارض وانتبهت لعينيّ سما الشاردتان للبعيد ... فسألت:
_ مالك يا سمكة ...؟!
تنهدت سما بعمق ثم تحركت وطويت سجادة الصلاة ووضعتها على ظهر مقعد بقرب باب الشرفة ... وأجابت باختصار:
_ مافيش يمّه, أنتي عارفة أني ساعات بسرح كده في حاجات كتير .. مش حاجة معينة يعني.
ضيقت وداد عينيها صوب أبنتها دلالاة أنها تشك بإجابتها ... وقالت :
_ طب عيني في عينك كده ..!
اطلقت سما تنهيدة غارقة بالحيرة ثم جلست قرب أمها وقالت معترفة:
_ مش بعرف أخبي عنك حاجة وحتى مش عايزة أخبي، بس يمّه آسر محيرني أوي ! ... مش عارفة أفهمه خالص !
قالت وداد باهتمام :
_ أزاي قوليلي يمكن افهم وافهمك !
زمت سما شفتيها ببعض الضيق ثم وضحت قائلة:
_ يعني شوية الاقيه مهتم بيا وعنيه مليانة لهفة يشوفني، ويرجع تاني بعيد ومتجنبني خالص وكأني ولا على باله !! .... ببقى خلاص بفكر اراجع حساباتي وانسى اللي فات ... بس تجاهله ليا بيرجعني لنقطة الصفر من تاني !
سألت الأم بتفكير :
_ طب أنتي لما بيهتم بيكي بيكون رد فعلك إيه ؟ ... في الغالب يعني بتعملي إيه ؟
نظرت سما ببعض الحرج لأمها وأجابت بحياء:
_ بصراحة أول رد فعل ليا بكون عايزة أجري من قدامه، بس لما بقف مابعرفش اتكلم وبتكسف .... ولو اتكلمت بتكلم كلام عادي يأما بغير الموضوع كله.
ابتسمت وداد بسخرية وقالت:
_ ومستغربة أنه بيتجاهلك !! ... يابت ده مابقاش خطيبك ! ... وبرضو مش جوزك أوي يعني ...
قالت سما بتعجب :
_ إيه الحيرة دي !! .. اومال هو بقا إيه ؟!
ضحكت وداد للحظات ثم قالت :
_ هو كاتب كتابك ... يعني يقولك كلمة حلوة مافيش مانع تردي برضو بكلمة حلوة، ضحكة حلوة، نظرة حلوة ... خلي عندك دم بقا ! ... والله ما أنتي فالحة...!
وتابعت بسخرية :
_ مش تقوليلي أجري واغير الموضوع ! ... طب ده أنا مخليتش ابوكي يعرف طعم النوم لما سلمت عليه وناديته باسمه وأنا بضحك كده بعد كتب الكتاب ...
أجابت سما بغيظ :
_ ده مش أبويا يمّه ... ده آسر ! ... ضحكة إيه اللي هتسهره الليل دي ؟! ... راعي يمّه أني خيبة وكار الدلع ده مش كاري ! ... ارحمي خيبتي.
ضيق وداد عينيها وهمست بمكر:
_ طب دلعيه باسمه، يعني قوليله يا سي آسر و....
اغتاظت سما وقالت ساخرة مقاطعة:
_ ما أقوله يا تاج راسي بالمرة وارسم حسنة في خدي ! .. مالك يمّه في إيه ؟! ...شوفيلي حاجة تانية ..
قالت وداد وهي تكتم ضحكتها:
_ قوليله يا سوكا .. لو اعتبره دلع خير وبركة، لو اتنرفز أهو تاخديلك كلمتين يستاهلوا غبائك.
رددت سما اللقب باهتمام وهي تبتسم ... وتعجبت وداد من تفكيرها وقالت بتعجب:
_ إيه ده عجبك ؟!
رددت سما الاسم وهي تبتسم بمرح :
_ سوكا .. سوكا ... حلو سوكا ...
وانخرطت سما بعاصفة من الضحك وهي تتخيل ردة فعله من الغيظ والعصبية.
ثم قاطعهما رنين هاتفها الخاص، وظهر رقمه واسمه على الشاشة بوضوح ، فقالت مبتسمة :
_ أبن حلال وجيت في وقتك ...
وأجابت عليه:
_ الو ؟
ابتسم آسر وهو يفتح باب غرفته ويستعد لنزول حديقة المنزل:
_ ممكن نتكلم شوية في الجنينة يا سمكة ؟
اجابت ببسمة ماكرة:
_ ماشي .. ١٠ دقايق وهنزل، مع السلامة يا سوكا ..
واغلقت الاتصال وهي تضحك ، وشاركتها أمها بدهشة من استجابة أبنتها لنصيحة هزلية لم تقدمها لتنفذ ! ....
******
نظر آسر للهاتف وهو يرفع حاجبيه بدهشة .... ثم قال بتأكيد :
_ لا اكيد سمعت غلط ... آه غلط، اصل لو مش غلط أنا اللي هغلط ! ..
وانتقت سما من ملابسها أجملها، فستان طويل محتشم، ولا يخلو من طابع الأنوثة في تصميماته الرقيقة، كانت تحب ذلك الفستان كثيرًا ، لأنه كان هدية غالية من هدايا العم وجيه الذي قدمهم لها ولشقيقاتها قبل زفافه من ليلى بأيام قليلة ...
وراقبتها الأم في تعجب، ابنتها وكأنها تستعد للذهاب لعطلة وليس مقابلة لا تخطو فيها إلا بضع خطوات لن يصلوا للمائة ! ..
واعتنت سما بمظهرها جيدًا وهي تبتسم لنفسها عبر المرآة بعدما انتهت من تهيئة مظهرها جيدًا، ثم استدارت لتنتقي حذاء مناسب .... ونظرت جيدًا وقالت بتبرم:
_ لازم بعد بكرة واحنا رايحين نجيب لبس الفرح املا دولابي هدوم وشنط وجزم بدل الدوخة والحيرة بتاعت كل يوم دي !!
قالت الأم بتعجب مع سمات نفاد الصبر:
_ عندك شبشبي خُديه، هو أنتي يعني خارجة ! .... صبرني يارب.
قالت سما مبتسمة بمكر وهي تضع خف أنيق بقدميها :
_ واحدة رايحة تقابل جوزها، المفروض تقابله بمريلة المطبخ يعني؟!
ضحكت وداد وتحدثت وكان حديثها يتضمن هُزءاً:
_ لا مايصحش طبعاً ... روحي الكوافير وكملي شياكتك ..
ولم تكترث سما بسخرية أمها بل كتمت ضحكتها بالكاد وهي تفتح الباب وتخرج ...
وفي أثناء مرورها من الدرج للأسفل وجدت الصبي نعناعة يمسك كتاب ويرفعه أمم عينيه وهو يكرر بعض الجمل لحفظها، حتى وجدها بهذا النظهر فضيق عينيه متسائلا بغرابة:
_ رايحة فين يابت السعادي ؟
قالت سما وهي تشير له بتحذير:
_ ما تقوليش يابت تاني، احترمني شوية قدام عيلة جوزي !
رفع الصبي نعناعة حاجبيه دهشة، ثم قال بعدما استفاق :
_ هي مش عيلة جوزك دي عيلتك ولا عقلك جاله حول ! .... ما تقولي رايحة فين وخلصيني !!
مطت سما شفتيها بثقة وقالت :
_ رايحة أقابل جوزي آسر في الجنينة ...
قال الصبي بحدة:
_ نفسي اهزقك بس مش لاقي مبرر ! ... القصد ... روحي بس ما تتأخريش ... أنا صاحي لحد الفجر ..
ابتسمت سما ساخرة ومرت حتى الطابق الأرضي ....
********
تسلل يوسف ببطء والشوكة الممزوجة بالحلوى داخل فمه إلى حديقة المنزل ... وضيق عينيه وهو يتوجه صوب آسر الذي يحدث نفسه بتعجب ويردد :
_ لا أكيد ما تقصدنيش بسوكا ، دي معجم النكد اساسا ومالهاش في حاجة من بتاعت البنات دي!
همس يوسف وهو يقف خلفه ويبتلع ما بفمه من حلوى:
_ مين اللي خلاك سوكا يا آسر ؟!!
التفت آسر بدهشة له ثم قال بغيظ :
_ يا أخي كح أو صفر او اعمل أي حاجة هتصرعني !! ... وبعدين أنتي بتيجي منين كده زي المصيبة اللي بطب على البني آدم؟!
عبس وجه يوسف وقال وهو يعطيه طبق حلوى بيده:
_ كنت بعمل حاجة حلوة لحميدة عشان زعلانة أن ريمو مش هنا، فكرت فيك لما لقيتك داخل الجنينة يا جاحد ! .... خد الكيكة دي اتنيل كُلها ..
نظر آسر للطبق الذي نهش أكثر من نصف ما فيه وقال ساخرا :
_ كيكة إيه ما أنت قمت بالواجب يا طفس وكلتها كلها ! ...
واشتد عبوس يوسف حتى وضع الطبق بيد آسر وقال بحدة:
_ تصدق انك فعلا سوكا واللي قالك كده مكدبش ..!
وكاد آسر أن ينفعل على يوسف حتى لاحظ أتيان جاسر وهو مبتسما بهيام، ويمسك هاتفه ويأتي من اتجاه الباب المطل على صالة الرياضة .... واقترب منهما وكأنه بعالما آخر تغرد فيه العصافير وتعلو فيه أصوات تلاطم الأمواج ومعه حبيبته جميلة منسجمان .... فعقد آسر حاجبيه وقال بغيظ:
_ المقابلة دي مبصوص فيها ... حضرتك بتعمل ايه في الجنينة أنت كمان؟!
همس يوسف ليغيظه :
_ بس يا سوكا !
وقف جاسر مبتسما بنظرات يملؤها العاطفة وقال برقة :
_ كنت بكلم القمر في التليفون، لسه سايبها بس وحشتني فروحت مكلمها ... وبعيد عنك بقا لما اخوك تفيض بيه المشاعر بالشكل ده ... حاسس أني بحب كل الناس ... حاسس أني بدأت أحبكوا باين !
كتم آسر عصبيته وقال لهما:
_ طب بعد أذن مشاعرك الفياضة دي عايز أبقى لوحدي في الجنينة ... لو مش هضايق مشاعرك يعني !
ضيق جاسر عينيه وعاد لسابق عهده من الخبث وقال:
_ هي شقيقة القمر مزعلاك ولا إيه؟! ... قول ما تتكسفش ده أنا ممكن أوصي عليك أخليها تنزلك حالا ! ... يابني أنا مسيطر !
رد آسر بسخرية:
_ آه واضح ... ده أنا قولت أنت بالذات مافيش واحدة هتعرف توقعك، ولو حتى وقعت مش هتدلق كده ! ... ده أنت اتاكل عقلك وانتوا لسه على البر !
ابتسم جاسر بخبث شديد وقال:
_ بالهنا والشفا لقلبها يا أخي... أنا يتاكل عقلي بس بمزاجي.
وافقه يوسف وقال:
_ عندك حق، دي جميلة فاضلها طقم حلل وتاخد اقامة في عقل جاسر !! ... وعامل نفسه مسيطر ! ... ده متسيطر عليه ومتسطر على شخصيته معاها بقلم حبر ومش عايز اتكلم بقا...
نظر له جاسر باستهزاء وقال:
_ أما نشوفك يا تنين عصرك !
ابتسم يوسف بثقة عالية وقال لهما :
_ أنا اسيطر على بلد بحالها ... بس مدكن ! .. عارف أنت الذئب البشري لما يكون خلوق وابن ناس؟! ... اهو ده أنا.
أتت سما وتعجبت من وجود جاسر ويوسف مع آسر .... فشرد بها آسر قليلا بابتسامة من طلتها الملفته ... ثم قال للشباب بكل رقة :
_ بعد أذنكم غوروا دلوقتي ..
همس يوسف لجاسر:
_ هو ماله ؟!
جذبه جاسر وهو يكتم ضحكة وقال بسخرية:
_ تعالى نغور يمكن أبو الهول ينطق !! قال يعني أحنا اللي واقفين في زوره مش عارف يتكلم مننا !!
وابتعد جاسر ويوسف وهما يتشاركان المزاح ... ثم وقفت سما مبتسمة أمام آسر وقد شتت انتباه اناقتها عن أي شيء آخر ... حتى قال :
_ كنتي بتلبسي طرح في البلد جميلة أوي ... كانت بتبقى مغطية لحد نص دراعك كده ...
تبدلت ابتسامة سما للغيظ وقالت :
_ ولسه بلبسها عادي لما بخرج ... بس وأنا في البيت بلبس حاجة أسرع منها شوية في اللف ... وبعدين أنا كنت نازلة ليك يعني مكنتش عارفة أن في حد معاك ... وكمان طرحتي دي برضو طويلة مش قصيرة !
عدل آسر قوله سريعا وقال:
_ لا لا مش اقصد ازعلك ... أنا بس كنت بحب أوي النوع اللي كتتي بتلبسيه في البلد ... فقولت اقولك لكن مش أقصد حاجة والله ...
اجابت سما :
_ فهماك يا سوكا ..
رفع آسر حاجبه بحدة وقد تأكد من ظنه ... فقال بغيظ:
_ إيه بقا سوكا دي ؟! ...
ابتسمت سما وقالت بنظرة خبيثة :
_ قولت ادلعك ... غلطانة يعني ؟!
استفز آسر هدوئها وقال:
_ يعني مالقيتيش غير سوكا ؟! ...
قالت بلا اكتراث:
_ حاضر هدور على دلع غير سوكا .. ولحد ما الاقي هقولك يا سوكا .... سمكة مرات سوكا .. والله حلو ..
واطلقت ضحكة عالية فاغتاظ منها أكثر وقال :
_ لا مش حلو ومش عايز اسمعه تاني ...
صمتت سما وعرفت كيف تستفزه عن طريق المزاح .... ثم قالت :
_ كنت عايز تتكلم معايا في إيه بقا ؟
تنفس آسر بهدوء ثم قال لها بنظرة مليئة بالاشتياق :
_ وحشني الكلام معاكي ... عايز اتكلم وخلاص، هو عيب ؟!
هزت رأسها بالنفي وقالت بلطف:
_ لأ مش عيب ... اتكلم ..
صدمها عندما أخذ يدها بقبضته وسارا جانبا لجنب ... ولكنها لم تبعدها عن يده وسارت معه بأمان وهي تبتسم ... ثم قال :
_ عارفة يا سما ... أنا بفكر من دلوقتي يبقى لينا شقة مستقلة لوحدنا ...
دهشت سما ووقفت قائلة باعتراض:
_ ونسيب أهلنا هنا ونمشي ؟! .... لا مش موافقة ، أنا مقدرش عنهم بعد ما اتجمعنا كلنا ! ...
قال موضحاً رأيه:
_ لا مش أقصد اللي فهمتيه، اقصد أني اشتري شقة تبقى لينا .. يعني لو حبينا نقضي فيها كام يوم كده تمام ... مش اقصد أننا نسيب العيلة تمامًا ... جدي مش هيسمح بكده اصلًا وهيزعل جدًا ....
سارت بجانبه مجددًا وقد فهمت ما يدور بخلده فقالت:
_ لو كده مافيش مشكلة ...
فسألها:
_ متمسكة بجو العيلة أنتي .... ده شيء جميل ..
تنهدت سما وقالت :
_ ما هو مش بعد ما اتحرم السنين اللي فاتت دي كلها من لمة العيلة ارجع ابعد عنهما تاني ؟! ... خصوصا أن مافيش سبب يخليني أبعد ... عمي وجدي وبيتمنوا لينا الرضا نرضى ... وولاد عمامي بيعاملونا كويس جدًا وهيتجوزوا أخواتي ... وأخواتي وأمي دول النفس اللي بتنفسه ... يبقى بأي عقل ابعد عنهم عشان اروح اقعد بين اربع حيطان على ما ترجع من شغلك؟!
نظر لها بعمق وقال بصوتٍ هامس:
_ طب وأنا فين من حساباتك ؟! .... يعني لو جاتلي سفرية شغل برا هتنفعني في مستقبلي هترفضي تيجي معايا ؟!
ضاقت سما من دفة الحديث وأجابت بصراحة:
_ ساعتها مش هيبقى البعد بمزاجي .. هاجي معاك بس هتمنى كل يوم ارجع لعيلتي وافرح وسطيهم ... بس بصراحة مش نعيش بعيد ..
وقف أمامها وقال بحنان:
_ وأنا من رأيك ومن نفسي عمري ما هختار ابعد عن عيلتي ... يعني تفتكري بعد ما فهمنا جدنا واتصالحنا وكل شيء بقى تمام ممكن اختار أمشي وابعد عنهم كده بسهولة ؟! ... كل الحكاية بس أني عايز يبقى لينا مساحة خاصة لوحدنا .. كل فترة كده أخدك ونقعد في شقتنا كام يوم ... ونرجع تاني عادي خالص .
كانت تتأمله سما بابتسامة ... ليس لشيء إلا أنه يجمعها بأحلامه ... يمزجها معه في كل خططه الآتية ... يريد أن ينفرد بها ولو لبعض الوقت ... وهذا ما حلمت به طويلا ... يبدو أن قلبه بدأ يدق لها وبها ... أو ربما كان يطرق منذ مدة ولم تلحظ أو تنتبه في غفلة تحديهما بالأيام الماضية... فقالت بموافقة :
_ موافقة طبعا ...
فاقترب منها وقبّل جبينها ولكنه تباطيء في الابتعاد وعينيه تطوفان على وجهها ببطء .. فابتعدت عنه عندما شعرت بالخطر ووجهها أصبح كتلة أحمرار من الحياء .... وخيم الصمت عليهما وهما يسيران مبتسمان بين الزهور والأشجار ...
*********
وعند الساعة التاسعة صباحاً ... كان قد استقبل وجيه الطبيب المتخصص في طب العيون في غرفة ليلى ... ولم يخبرا الصغيرة أن هناك فحص سيحدث ...
شحب وجه ليلى وهي تنظر لوجيه بخوف من معرفة قرار الطبيب ... وصوب وجيه نظرات آمنة وحنونة لها كي تهدأ وتعتبر الأمر ليس إلا فحص روتيني ان لم يفيد فلن يضر أيضا ....
نظر الطبيب بابتسامة للصغيرة التي بالكاد استطاعت ليلى ايقاظها من النوم ولا زال يملأ جفونها النعاس ... فقال لها برقة:
_ تعرفي أن بنوتي شبهك أوي .
ابتسمت الصغيرة لحديث الطبيب، حتى شاكسها الطبيب ومرر يده على رأسها وقال :
_ حتى شعرها لون شعرك بالضبط ..
قالت الصغيرة وقد تحمست :
_ بتعمل ضفيرة زيي كده ؟
أجاب الطبيب عليها مبتسما بحنان:
_ بتعمل ضفيرة زيك برضو ... وريني لون عينك كده .. ؟
شدت الصغيرة جفنيها بأصبعيها كي يتأملهما ظنا منها ببراءة الطلب، ولكنه وضع جهاز به ضوء مشع اتجاه عينيها ودقق النظر ... وقال :
_ حركي عيني كده عشان اتأكد من اللون ؟.
حركت الصغيرة عينيها ولم تعتقد شيء آخر أكثر مما قاله الطبيب، ثم ابتعد وهو يقول لها :
_ نفس لون عينك برضو ، هبقى اجيبهالك تلعب معاكي ... هتبقوا كأنكم أخوات توأم ...
فرحت الصغيرة وقالت وهي تصفق بيديها :
_ أختي ... جيبهالي النهاردة ..
فحص الطبيب تقارير الأشعة الماضية ، ثم دقق النظر في الأشعة الذي أجراها وجيه على الصغيرة منذ أيام بحيلة أخرى حتى لا تحزن بمعرفة أنها ستظل هكذا ...
تنهد الطبيب بقوة ثم قال لها قبل أن يخرج :
_ حاضر هخلي مامتها تجيبها تقعد معاكي ... هي اسمها أيسل ..
ونظر لوجيه قائلًا :
_ بعد أذنك يا دكتور ممكن نتكلم شوية ..
سقطت دمعة من عين ليلى وقد ادركت ما يخفيه الطبيب ....
وخرج وجيه معه خارج الغرفة .... حيث قال الطبيب بأسف :
_ كان المفروص الفحص يكون ادق من كده بس عشان نفسية البنت رضيت باقتراحك ...بس كل الأشعة بتاعتها القديمة والجديدة ما تدنيش أي طريق لعلاجها ... أنا اسف يا دكتور وجيه .... كان نفسي أطمنك بس الحالة فعلا ميئوس منها، وأي عمليات مش هيكون لها أي فايدة غير ارهاق البنت وخلاص ... خصوصا أن اللي سبب فقدان بصرها تسمم اكسجيني في الحضانة بعد ولادتها مباشرةً، وفات كتير أوي على علاجها... أنا أسف ...
ازدرد وجيه ريقه بمرارة ثم قال راضٍ بقضاء الله:
_ أنت عملت اللي عليك يا دكتور ما تتأسفش ... ده قضاء ربنا وراضيين بيه الحمد لله ..
قال الطبيب بلطف:
_ فقدان البصر مش نهاية المطاف، في نماذج كتير جدًا ناجحين وعلماء وكتاب ومشهورين من فاقدي البصر ... والأكيد أن الانسان بيبتلى ابتلاء مالوش يد فيه ربنا بيفتحله أبواب تانية يقدر يعيش منها وفيها .. مع كل إبتلاء منحة.
قال وجيه وقد لطف حديث الطبيب حدة المرارة :
_ ونعم بالله ...
وعندما استدار الطبيب وابتعد انتبه وجيه أن ليلى تقف بمدخل الغرفة تنظر لهما في دموع صامته، تنهد وتوجه لها، ثم ودون أن يتحدث أخذها من يدها بلمسة حنونة وألقى نظرة سريعة على الصغيرة التي تاهت بالنوم مجددًا ... ثم قال لليلى :
_ تعالي معايا المكتب بتاعي يا ليلى ..
واجهشت ليلى بالبكاء وهي تسير معه ... فقد سمعت اعتذار الطبيب له ونظرات الأسف بعينيه ... حتى دخل وجيه مكتبه وادخلها ثم اغلق الباب عليهما ....
ووقفت ليلى تضع يدها على فمها وتبكِ بعنف ... فضمها بحنان مواسيًا :
_ ربنا موجود ... يبقى دايمًا في أمل ..
قالت ليلى وهي تنخرط ببكاء شديد رغم توقعها النتيجة سابقا :
_ خايفة عليها من الناس والزمن، خايفة عليها اسيبها في يوم ومكنش موجودة ... الناس مابترحمش يا وجيه وبنتي ضعيفة ..
رغم حنان لمسته لكنه قال بحدة معترضا على حديثها :
_ ريميه مش ضعيفة ولا هي لوحدها ولا هتكون لوحدها!! ... ومش عايزك تتكلمي كده تاني يا ليلى ... ريميه وسطنا كلنا .. كلنا بنموت في الهوا اللي بتتنفسه ... ده حتى أبويا اتعلق بيها اكتر مني انا شخصياً ... كلنا بنحبها وكلنا جنبها ... الضعف بيبقى من شخصية الانسان وفكره مش من نظره أبدًا ...
ونظر لعينيها الباكيتان وقال بحنان:
_ أنتي مريتي بالضعف رغم أن ربنا أنعم عليكي بالبصر ، وأنا مريت بنفس الضعف ده مقاومتهوش بالبصر يعني!... مسيرها تكبر وتتأكدي من كلامي ... وتعرفي أن اللي كنتي فكراها ضعيفة دي هتبقى أقوى شخصية في عيلة الزيان بحالها ... دي بنتي يا ليلى وانا مسؤول عنها وعن وعدي ده ليكي ... وقريب أوي هقدملها في مدرسة خاصة اخترتها مخصوص بعد بحث كتير ..
نسم وعدها لطائف الأمن بداخلها .. ولو بعض الشيء ولكن قل خوفها .. وظلت تسند رأسها على صدره حتى هدأت تمامًا ..
*******
وعلى عكس الأمس ...
أتت فرحة للعمل بهذا اليوم متأخرة ما يزيد عن الساعة والنصف ... وحينما دخلت وجدت "ديمة" منكبة في عملها، ولكن عندما دخلت فرحة رفعت ديمة رأسها وقالت بسخرية:
_ ما بدري ...؟!!
ابتلعت فرحة سخريتها بهدوء وقالت باعتذار:
_ معلش والله بس سهرت شوية امبارح ومكنتش عارفة أنام وصحيت متأخر غصب عني ...
احتد صوت ديمة أكثر وقالت :
_ عارفة مستر زايد سأل عنك كام مرة وبسببك اتعصب عليا على الصبح ؟!
راق فرحة سؤال زايد عنها وأخفت ابتسامتها حتى قالت لديمة باعتذار حقيقي :
_ خلاص بقا أسفة حقك عليا يا ستي ...
تنفست ديمة بعصبية ثم قالت بشيء من السخرية والاستهزاء وهي تعود للاوراق بيدها من جديد :
_ قال يعني بقيتي مهمة يا فرحة ! ... اللي يشوف كده ما يقولش أن شغل امبارح اغلبه مستنيني أخلصه ! ... يوم واحد بس غيبته الشغل اتعطل كله ! ..
وهنا بدأت فرحة تضيق من سرب الكلمات اللاذعة التي تصوبها ديمة بوجهها ... أن تأخرت بعض الشيء فقد اعتذرت! ..
وحتى أن تأخرها وهي لا زالت تتدرب لن يضيق ديمة لهذا الأمر ..! .. وعصبية زايد عليها لن تصل ابدًا للأهانة فلما تفعل كل هذا؟! ...
جلست وهي تزفر بحدة ، ثم تذكرت الكتب الثلاث وقررت وضع أحدهم في المكتب بعدما أتممته قراءة بالليلة الفائتة ... وهذا ما جعلها تتأخر في النوم، ولكنها شعرت بالحرج بأن تفصح بذلك ... وما أن كادت تنتهي من وضع الكتاب برف الكتب حتى فُتح باب مكتب زايد وهي تواليه ظهره ...
وعلى قدر التوتر الذي اقتحمها الآن على قدر الابتسامة الواسعة التي ظهرت على ثغرها وحمدت وقفتها أمام المكتبة كي لا يرها أحد...
وسمعت أنفاسه المتسارعة دلالاة العصبية وكتم الغيظ، ولا تعرف لما أرادت أن تضحك بقوة !! ...
وظلت واقفة تنظر بكتاب آخر ومتظاهرة بقراءة مقدمته حتى يذهب زايد داخل مكتبه ولا يتواجهان ...
فسمعته يقول بنبرة صوت تخللها الغضب مع طيف سخرية :
_ ما صباح الخير يا سيادة المديرة؟! أسفين يعني لو كنا قلقناكي !
كتمت فرحة ضحكتها والتفتت عندما استطاعت التماسك وبيدها الكتاب تخفي نصف وجهها بيه .. وقالت وكأن ليس بالأمر شيء :
_ صباح النور يا مستر ..
وهنا رفعت نظرها له فوجدته يتطلع بها بغيظ شديد ويبدو أنه لاحظ ابتسامتها التي تخفي نوبة من الضحك .... فأشار لها بنظرة حادة تهديدية لكي تتبعه على المكتب ... ودخل مكتبه تاركا الباب مفتوح قليلا ... فدخلت فرحة بوجه لا تعابير له، وشعرت بوجوب عودتها لحدتها القديمة معه ..
وعندما شرعت بالدخول ووقفت أمامه لاحظت دخان السجائر المعبأ بالمكتب .. وهو يعود ويشعل سيجارة باسلوب عصبي ويضعها بفمه .. فقالت باستياء حقيقي :
_ أزاي قاعد والمكتب مليان دخان بالشكل ده !! ... وبعدين هو أنت طلعت بتشرب سجاير ؟! مخدتش بالي قبل كده !
زم شفتيه بعصبية وهو ينظر لها ثم تحدث بغيظ شديد من بين اسنانه:
_ فكرت أنك مش جاية، لا اتصلتي ولا اعتذرتي ... فكرتك سيبتي الشغل وصرفتي نظر! ..
وابتسمت سرًا لنفسها ولكنها ظهرت ثابته تنظر للكتاب بيدها ... فقالت :
_ كنت مشغولة بكتاب من اللي خدتهم امبارح وسهرت عليه ... قومت متأخر غصب عني أنا اسفة ...
ضيق عينيه عليها بنظرة غاضبة ثم اطفأ السيجارة من يده وقال لها وهو يشير لمكتبة الكتب الخاصة بمكتبه:
_ طب بصي للمكتبة دي كده ..
التفتت فرحة للمكتبه فوجدت رزمة مصطفة ومرتفعة على بعضها ... وتعجب قائلة :
_ دي كتب !
فقال بغيظ ولمحة من المزاح:
_ اومال ساندويتشات !
عبس هها بينما بداخلها كانت تنخرط بالضحك ... فعاد قائلا باهتمام :
_ جبتلك كتب كتير ، لنفس الكتاب اللي بتقريلهم ... شوفيهم كده وقوليلي رأيك ..
قالت باستفسار وتعجب:
_ اشتريتهم ليا أنا ...؟!
هز رأسه بالايجاب دون أن ينطق ... فقالت بحسم :
_ بس انا مش عايزة كتب .. ومش هاخدهم ..
عاد بظهره للمكتب باسترخاء وقال بمكر :
_ خلاص حطيهم في المكتبة اللي برا ... مكتبتي مليانة ..
نظرت فرحة لكمية الكتب وقالت بضيق وعبوس :
_ هشيل كل ده ! ..
ابتسم رغما وقال :
_ هبعت حد يطلعهم ... بس ما تتأخريش تاني ، ولو حصل اي ظرف اتصلي بيا طمنيني .. ومش هشرب سجاير وأنتي هنا ...
قالت باستغراب ولكنها قصدت استفزازه:
_ واتصل بحضرتك ليه لما ممكن اتصل بـ ديمة ؟!
صمت وهو ينظر بحدة كأنه يكتم بداخله كلمات غاضبة ... ثم قال :
_ تمام أنتي صح... فطرتي ولا نسيتي ؟!
اجابت فرحة دون أن تدرك :
_ طب وأنت مالك يا كابتن.. ؟!
وضعت يدها على فمها بعد ما قالته، ثم وجدت نفسها تكتم ضحكة ظهرت للتو ..... وركضت من المكتب بعد ذلك ....
ظل زايد ينظر لها بصمت حتى نظر للأوراق وانطلقت ضحكة على شفتيه ..
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
__________________
ده الجزء التاني من الحلقة ٦٨ ولكن خليته بحجم فصل .... معلش اللي عطلني عن النزول بليل هو النت لأن الشبكة سيئة جدًا عندنا في اسكندرية بسبب المطرة .... ورجائي انكم تدعوا للكاتبة شيماء فرح بالرحمة والمغفرة لأنها اتوفت بالأمس 💔
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_التاسع_والستون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... الفستان الوردي ...~
كثرة الحيرة والتردد بقرارًا ما ... تُقلل الرغبة فيه !
كانت مروة عطلة من عملها بالمشفى لهذا اليوم، فقد اسدت بالأيام الفائتة مجهود زائد عن المفروض .. وعزائها أن مجهودها تكلل بنتيجة محمولة بالأمل في شفاء ليلى ..
حملت كوب الـ " نسكافيه" لغرفتها بعد طعام الإفطار لتخلو بنفسها وتنغمس أكثر في افكارها بحرية ... وما آلت إليه الأمور مع حبيبها "أحمد" ... تنهدت بعمق وهي تجلس أمام شاشة " كمبيوتر" وتضع كوبها على منضدة الحاسوب ... وما لبثت أن تضغط عل زر التشغيل حتى وجدت أمها تدخل الغرفة وعلى وجهها ابتسامة ماكرة ....
وتأكدت مروة أن أمها ستخبرها بالتأكيد عن موعد الخطوبة القريبة التي لابد أن تم الاتفاق عليها بالأمس منذ ذهاب أحمد من المشفى ... وأرادت أن تقطع عليها شوطا طويلًا من الحديث فقالت :
_ عارفة اللي هتكلميني فيه .. وبصراحة مش عايزة اتكلم دلوقتي في أي حاجة تخص أحمد ..!
جلست الأم على الفراش قبالتها وقالت وقد تبددت سعادتها بعض الشيء:
_ أحمد مش هيجي يكلمني ويحدد ميعاد إلا لو كان متأكد أنك موافقة !! ... بس طريقتك مش مريحاني ... قوليلي بقا إيه الحكاية أنتي موافقة ولا حكايتك إيه ؟!
تنفست مروة بهم ثقيل يجثم على صدرها وأجابت بصدق:
_ الحكاية أن أحمد جالي الشغل امبارح ... خد من سكوتي موافقة ومشي ! ... سكت لما قلبي وجعني من كلامه ، استغل اني هتأثر من كلامه ... خوفني عليه ومابقتش عارفة أفكر .. لكني موافقتش الموافقة اللي المفروض تبقى موجودة !
سألت الأم بتعجب :
_ خوفك عليه أزاي يعني ...؟!
ابتلعت مروة ريقها وشعرت بالمرارة وهي تردد كلماته الذي قالها بالأمس ... فقالت الأم ثانيةً:
_ هو مأثرش عليكي على ما دي الحقيقة يا مروة ! ... أحمد ليه صاحب وزميله في الشغل استشهد في مهمة من ٥ شهور ! ... لو فاكرة أنه قالك كده عشان يأثر عليكي فتبقي غلطانة ... هو بس حطك قدام الواقع والحقيقة ... بينلك أن حياتنا أصغر من أننا نعذب نفسنا بالشكل ده ...
انتفضت عيون مروة بالدموع وقالت :
_ مش قادرة أنسى يوم خطوبته لما حبست نفسي في أوضتي وفضلت أعيط طول الليل، قعدت اسأل نفسي انا عملت إيه غير أني كنت بنت عارفة حدودها ومش عايزة تعمل حاجة غلط !! ... أنا وهو كبرنا وكل اللي حوالينا مقررين أننا لبعض ، بس ده مكنش سبب أني حبيته، كنت شيفاه حاجة كبيرة أوي لحد ما صدمني ، في وجع مابنعرفش ننساه مهما حاولنا ... يمكن مع غيرنا يبقى ابسط من كده ... لكن معانا بيبقى تقيل وفوق أي احتمال !
قالت أمها بعصبية:
_ لو فضلنا نفكر في كل غلطة بتتعمل في حقنا مش هنعرف نعيش في الدنيا دي يا مروة ... يمكن الغلط من اللي بنحبهم بيكون وجعه زيادة شوية ... بس مين فينا مابيغلطش ؟!
أنا أمك ... يعني عمري ما هحس أن في شيء ضرر ليكي وهحببك فيه ! .... أحمد بيحبك وشاريكي من سنين مش من دلوقتي ... ومش كل يوم هتلاقي اللي بيحبك بالشكل ده !
ولو لقيتي ... تفتكري هتكوني انتي كمان بتحبيه ؟!
نظرت مروة لكوب مشروبها الساخن في شرود ... ثم تنهدت وقالت :
_ هديله آخر فرصة .... بس فرصة وأنا مانسيتش ... ده أقصى شيء ممكن اقدمه دلوقتي.
كادت الأم تقفز غرحا وقالت بتشجيع وتأكيد :
_ اخيـــــرا ..؟! .... الف مبروووك يا حبيبتي الف مليون مبروك ، هو ده اللي كنت بتمناه من زمان والحمد لله أخيرا هيتحقق ...
ونهضت ذاهبة لأبنتها وأخذت رأسها بضمة حنونة ثم قالت بتأكيد:
_ هروح أفرحه ده مستني على نار ، وصدقيني والله هتنسي كل ده مع الوقت من حبه ليكي ... ده هيتجنن لما يعرف ..
وذهبت الأم بفرحة عارمة من الغرفة وودت لو تزغرد عاليًا .... ولكن يبدو أنها صمدت حتى اليوم الموعود ..
ابتسمت مروة وبدأت ترتشف المشروب الساخن وهي تفتح احدى الملفات العلمية المحملة على ذاكرة الحاسوب ... حتى مضى عدى دقائق وهي تقرأ مقال طبي خاص بأحدى الحالات الفصامية ...
وصدح رنين هاتفها الخاص النلقى على الفراش باهمال ... ودق قلبها توقعا بشيء ... وعندما نهضت وأخذت الهاتف تأكدت من ظنها ... كان هو !
فتنفست وكأن على انفاسها هيكل ثقيل تريد أن تزيحه عنها ... ولم يكن هذا الثفل غير حيرتها في العودة اليه بعدما تعاهدت طويلا على الفراق !
وترددت بعض الشيء في الاجابة عليه. .. ولكن وجدت من السذاجة عدم الرد ...فأجابت :
_ الو ..؟
التقطت أذناها لهفة صوته كأنها الحبيبة العائدة بعد هجر طويل ..... وتنهيدة سبقت اللهفة لهفة !
فقال باشتياق وعاطفة منذ زمن لم ترن بصوته :
_ وحشتيني يا مروة .... يمكن لسه كنت معاكي امبارح ... بس وحشتيني وكأنك غايبة عني من يوم ما زعلنا وبعدنا ... أخيرًا يا مروة أخيرًا ... أنا اتفقت اجيلكم النهاردة بليل ... مش هقدر استحمل لبكرة ...
دق قلبها حنين ولكن استجمعت ثباتها وقالت بجدية :
_ ممكن اطلب منك طلب ؟
قال مبتسما بسعادة :
_ قولي كل اللي نفسك فيه ...
ازدردت مروة ريقها لتنقي صوتها قبل أن تتحدث بجدية وتقول:
_ اكيد ماما كلمتك وقالتلك أني وافقت .... عايزة افهمك أن في ضوابط خطوبة ... كلامك أنت عارف أنه بيوترني ومابعرفش ارد عليه ... ومش صح كمان أننا نتكلم بالشكل ده وعادي كده .... ده اللي معجبكش زمان وسبتني عشانه ! ....
أنا ما اتغيرتش يا أحمد ... انا زي ما أنا ويمكن أكتر من زمان، لو مش عاجبك اسلوبي ده فأسفة مش هغيره ...
انتبهت لضحكته الخافته حتى قال :
_ ومين اللي قالك انه مش عاجبني ! ... زمان كنت فاكر أن ده كره ونفور منك ليا ... مافهمتش رغم أني كنت دايمًا قريب منك ! .... رغم أنك كبرتي قدامي ومعايا ... رغم أن مافيش مرة اتكلمتي فيها غير لما سيبت كل اللي حواليا وسمعتك لوحدك ! ... مافهمتش غير لما قابلتك بعد خطوبتي ودموعك نزلت غصب عنك قدامي من قبل أي كلام ... وأنتي مش عارفة حتى تكملي كلمتين وتقوليلي الف مبروك ! .....
وتوقف للحظة متنهدا ثم تابع :
_ مشيت وأنا بشتم نفسي على غبائي وقلة تفكيري ... وندمت ندم عمري ما جربته في سنين عمري اللي فاتت كلها ... واليوم ده أنا كلمت إسراء وفسخت الخطوبة، هي اللي اصرت ما نعلنش غير لما يعدي على الأقل شهر .... وقولتلك وماصدقتنيش ..!
ومن يومها وأنا بحاول اثبتلك ..
تذكرت مروة جميع الذكريات السيئة دفعةً واحدة، فترقرت عينيها بالعبرات ثم تحكمت بدموعها وقالت:
_ مش عايزة افتكر اللي فات، لو كنت عايزني أنسى.
تحدث أحمد وعادت نبرته القديمة الذي كانت يملأها الشوق واللهفة ... وقال:
_ خلينا نبني ذكريات جديدة على صفحة بيضا من أول وجديد، ذكريات هتكون حلوة أوي بأذن الله، مش هتسيب مكان في قلبك لأي زعل ... أنا متأكد.
ولأول مرة تتسلل الابتسامة لشفتيها بسبب حديثه منذ سنوات ولت.
******
وعقب دخول آسر مباشرة لمكتبه تفاجأ بصوت رنين هاتفه الخاص، كأن المتصل يعلم وقت دخوله وخروجه بالدقيقة !
جلس وهو يفتح الاتصال والهاتف قرب أذنه وأجاب:
_الو ؟
أجاب الطرف الآخر وكان صوت عال فتاة يبدو انها فقدت السيطرة على أعصابها وصاحت:
_ بقى أنا تعمل فيا كده يا آسر يا زيان ؟! .... أنا ريهام الدهبي ترميها الرامية دي ولا تسأل فيها وكمان تروح تكتب كتابك ؟! .
زفر آسر بنفاد صبر وعصبية مكتومة ثم قال بكراهة:
_ هو أنتي !
اشتد صوت ريهام أكثر وصرخت بالهاتف:
_ ايوة أنا ولا مكنتش متخيل انه أنا عشان عامل لكل أرقامي بلوكات !! .... بس مش أنا اللي يتعمل معايا كده وهتعرف رد فعلي قريب.
نهض آسر من مكانه بعصبية شديدة وحذرها قائلا بغضب:
_ اللي أنتي بتعمليه ده لا هيفيد بشيء ولا في مصلحتك !.... وبعدين هو أنا كنت وعدتك ؟!
هتفت ريهام بسخرية :
_ ليه هو أنت مش فاكر انك وعدتني خالص كده ؟! .... مش فاكر أننا اتفقنا نتخطب لفترة وبعدين كل واحد يروح لحاله ؟! ... ولا فاكر اننا اتفقنا أنت بسبب جدك وانا بسبب خطيبي اللي سابني وكنت ناوية انتقم منه وأنت خليت شكلي وحش اكتر من الأول !
رد آسر بعصبية شديدة اكثر مما سبق:
_ لآخر مرة هقولك يا ريهام أنسي كلامنا ده، مكنش اتفاق على اد ما كان لحظة طيش وكلام تافه وساذج .. وطالما مكلمتكيش فيه تاني يبقى مكنش ينفع تعلني عنه إلا لما ترجعيلي ... يبقى أنتي اللي اتسرعتي من البداية !
تحدثت ريهام بتهديد صريح:
_ بقولك ايه كلامك ده مايلزمنيش في حاجة، أنت خلفت وعدك معايا ووقعتني في ورطة أكبر من اللي كنت فيها، بس انا هعرف اردهالك يا آسر ... سلام مؤقتً.
وأنتهى الإتصال على هذا الحوار ، ودفع آسر الهاتف من يده على المكتب بعصبية وقلق مفرط.... فبالكاد استطاع أن يجذب سما إليه ويميلها ناحيته وهذا حدث بصعوبة جدًا .... وأن فعلت شيء تلك الفتاة التافهة ووصل الامر لسما فسيحدث ما لا يحمد عقباه !
زفر آسر بقلق شديد وقال:
_ ربنا يستر ....
********
وبمكتب ديمة ...
سعلت ديمة بعدما ارتشفت القليل من كوب الماء فقالت فرحة لتبدي اهتمام:
_ سلامتك ..
هزت ديمة رأسها وقالت وهي تبتلع الماء لجوفها:
_ شرقت بس الحمد لله، مين يا ترى اللي جايب في سيرتي ؟!
ابتسمت فرحة ابتسامة خفيفة ثم قالت ديمة بمكر :
_ ممدوح بيه هيوصل بعد كام يوم وهضطر ارجع شغلي معاه، ياريتك جيتي من الاسبوع اللي فات ... هو انتي كنتي بتشتغلي فين قبل ما تيجي هنا ؟
اجابت فرحة بعفوية:
_ كنت بشتغل في مستشفى خاصة ... بس سيبت الشغل قبل ما أجي هنا ... كنت تعبانة شوية ..
سألت ديمة بفضول ومراوغة:
_ سلامتك الف سلامة ... بس كنتي تعبانة بإيه بعد الشر ؟!
صرحت فرحة بالفيرس الذي أصابها منذ أكثر من اسبوعين ... فانتفضت ديمة وعادت بمقعدها للخلف في خوف وكأن فرحة اصبحت هي الفيرس ذاته !! ... ثم هتفت بفرحة قائلة بعصبية:
_ ولسه جاية تقوليلي دلوقتي ؟! .... حرام عليكي هو أنا ناقصة ؟!
انزعجت فرحة من موقف ديمة وصححت قائلة:
_ أنا خفيت واكيد لو مكنتش خفيت مكنوش هيخرجوني من العزل ولا سمحولي اتحرك خطوة واحدة! .... ماتخافيش أوي كده انا خدت أيام بعد ما طلعت على ما الحمد لله خفيت تمامًا ... أخويا عايش معايا فلو في شيء على الأقل كنت خوفت عليه أول واحد .. أطمني !!
نظرت ديمة لفرحة بعصبية جاهدت لتخفيها وقالت بابتسامة زائفة:
_ حمد الله على سلامتك ... بكرة بالكتير وهرجع شغلي مع ممدوح بيه ... وهسيب المكتب هنا ، فالنهاردة وبكرة بأذن الله لازم نخلص اكبر جزء من الشغل وتفهميه ... لو احتاجتي أي حاجة كلميني فون وهفهمهالك ...
هزت فرحة رأسها بالايجاب دون أي تعبير للترحاب بما تقوله ديمة ... ريثما بعد ردة فعلها هذه ....
********
مررت ليلى يدها بحنان على رأس صغيرتها التي تاهت بغفوة عميقة جدًا ... وللحظة رغبت لو تدخل هذه الصغيرة بداخلها مجددًا وتحميها مع العالم أجمع ...
حتى انتبهت ليلى لصوت دق خفيف على باب غرفتها ... نهضت قبل أن تنزعج الصغيرة وتستيقظ، ثم توجهت لتفتح الباب وصدمت بجيهان وهي تقف مرتبكة النظرات وتبتلع ريقها بقلق ....
نظرت ليلى لها بنظرة عصبية ثم قالت بصوت ليس مرتفع:
_ نعم ؟!
تأكدت جيهان الآن أن الطبيبة أخبرت ليلى ... وهذا قطع شوط طويل من جدال كان سيحدث بينهما وربما كان بلا فائدة... فأجابت جيهان قائلة بتوتر:
_ ممكن نتكلم شوية في مكتبي يا ليلى ؟
ردت ليلى بحدة:
_ أسفة، مش هسيب بنتي نايمة لوحدها واجي معاكي !! ....
صمتت جيهان للحظة وكأنها تحاول التفكير والاختيار بين التراجع والإصرار على التحدث معها ... فقالت:
_ خلاص نتكلم هنا، طالما ريميه نايمة..
زفرت ليلى ببعض العصبية وسمحت لها بالدخول .... فدخلت جيهان واغلقت الباب خلفها في هدوء ... واستدارت ببطء صوب ليلى، ولكن وقعت عينيها على الصغيرة النائمة في سباتٍ عميق وقالت بنظرة حنونة:
_ حاولت اصالح ريميه كتير، بس بمجرد ما بتسمع صوتي بتجري على أي حد وتبعد ! .... بزعل من نفسي أوي لما بشوفها كده ..
نظرت ليلى لجيهان مليًا وقالت :
_ المفروض اني اتأثر بكلامك ده ؟!
استدارت جيهان لليلى وقالت بصدق:
_ جاية اعتذرلك أنتي الاول يا ليلى ، كنت قاسية معاكي أوي وغبية كمان، بس كل اللي قولته وقتها معملتش منه أي حاجة ولا كنت هعمل اصلًا !!
قالت ليلى بألم:
_ يعني اللي سمعتيه معرفكيش أني اتظلمت واتخدعت وأن كل ده كان كدبة؟! .... مافكرتيش إلا في خوفي من الموضوع ده واستخدمتي خوفي ضدي ؟! ... بس أحب اقولك بقا أن وجيه عرف كل حاجة ... عارفة كان رد فعله ايه ؟
زعل مني ... بس زعل إني خبيت عليه السنين دي كلها وكانت النتيجة فراقنا ١٠سنين .... وجيه بكلمتين نساني خوفي ووجعي وطمني .... أنا بقولك كده عشان لو لسه فاكرة أنك ماسكة عليا ذلة فمعلش دوري على حاجة تانية ... لأن الموضوع ده بقى كرت محروق وانتهى خلاص ... الشيء اللي لسه مايعرفهوش هو أنك هددتيني !
ابتسمت جيهان رغم الم عينيها وقالت:
_ ليكي حق في زعلك مني، لو كنت مكانك كنت اكيد هقول كل اللي قولتيه ويمكن أكتر، وعايزة اقولك حاجة يا ليلى ... أنا مكنتش عايزاكي تخبي عن وجيه اني هددتك ... أنا لو قادرة أقوله كنت قولتله ... بس في نفس الوقت حاسة أني استحق العقاب ... أنا جيتلك النهاردة عشان اطلب منك تسامحيني ... ارجوكي حاولي.
نظرت ليلى لها ولم تنكر إنها رأت بعين جيهان صدق والم صارخ بالندم ... فقالت :
_ لا مش هقول لوجيه يا جيهان واخرب عليكي، مش هعمل زيك ... وطالما عايزاني اسامحك فأنا مسمحاكي، بس مش هقدر اتعامل معاكي تاني وأسفة لكده.. ده كل اللي اقدر اقولهولك ..
طفرت دمعة من عين جيهان وقالت بامتنان:
_ حقيقي أنا أسفة يا ليلى ... طلعتي أكرم مني ... انا براجع حساباتي كلها يا ليلى ... وفاضلي خطوة واحدة ... خطوة واحدة يمكن تبقى بداية جديدة لينا احنا التلاته ...
لم تفهم ليلى ما تحاول توضيحه جيهان، وما بقيت جيهان لتقول شيء أضافي بل استأذنت وغادرت الغرفة !
***********
وعند ساعات الليل ... كان لا يزال دبيب الحياة يحي الشوارع بالمارة والعابرين ...
وسيارة وجيه تنهب الطريق سيرًا بعدما انتهي دوام عمله لليوم .... وكانت جيهان بجانبه شاردة ... فقال بابتسامة:
_ أنا مبسوط جدًا يا جيهان أنك جيتي تطمني على ليلى .... حابب العلاقة بينكم تبقى كده دايمًا.
تنهدت جيهان بعمق وكادت أن تجيبه حتى لاحظت انعطافه بجهة غير جهة منزله فسألت بتعجب:
_ ده مش طريق البيت ؟!
فأجاب بلطف :
_ آه عارف، لما شوفتك في المستشفى حجزتلنا في فندق لليلة، تغيير جو ...
فهمت جيهان الأمر وقالت:
_ يبقى اكيد خرجت ليلى امبارح مش كده ؟
تنفس وجيه بنفاد صبر وتأفف، فها قد عادت جيهان لأسئلتها القديمة ... حتى اضافت جيهان بابتسامة صادقة:
_ وحتى لو خرجتها بالعكس أنا مش زعلانة، ليلى محتاجة اهتمام الفترة دي بالذات على ما نفسيتها تتحسن ... مش زعلانة والله بالعكس ...
اختلس وجيه نظرة جانبية لجيهان بدهشة علت ملامحه، حتى لاحظت جيهان ملامحه وابتسمت بمرح قائلة:
_ مستغرب ليه كده ؟!
رد عليها بابتسامة وقال بتعجب:
_ أول مرة يكون رد فعلك هادي كده ؟! ...
قالت جيهان وهي تنظر أمامها بشرود:
_ يمكن عشان بدأت أفهم يا وجيه، أفهم نفسي وافهم اللي حواليا، الانسان لما بيفهم نفسه صح في حاجات كتير بتتصلح في حياته ...
لم يفطن وجيه لما يدور بخلدها تمامًا، ولكنه شعر بشيء على وشك الحدوث ... ثم بدل دفة الحديث وقال بمرح:
_ بلاش الغاز وخلينا ننبسط بالخروجة دي ...
بادلته جيهان الابتسامة، وهي تعرف تمامًا أنه لا يشعر بالسعادة سوى بوجود ليلى ... ! مهما حاول اظهار غير ذلك ليرضيها... فالقلب ليس عليه احكام او أمر.
********
وبعدما عادت ديمة لمنزلها بعد دوام العمل .... لم تنتظر حتى لتبدل ملابسها واتصلت على رقم "نوران" ....
أجابت الأخرى وهي تجلس بشرفة غرفة أبنها هيثم حيث كانت تتحدث معه بعدة أمور ... وقالت لديمة:
_ ها في جديد فرحيني ؟!
قالت ديمة بصوت به شيء من الحماس:
_ قريب أوي أوي .... عرفت النهاردة أن مستر زايد وفرحة معزومين على فرح لحد من العملا اسمه الحج محمود... هستغل اليوم ده واروح المكتب أخد الاوراق اللي عايزاها ... أنا عرفت بصعوبة اعمل نسخة من مفاتيحه .... وهرجع لشغلي قبل المدة المحددة لتدريب اللي اسمها فرحة دي ...
سألت نوران بتعجب:
_ طب وهتمشي بحجة ايه وانتي لسه مخلصتيش فترة تدريبها، وممدوح مش راجع غير الاسبوع اللي بعد اللي جاي؟!
ضحكت ديمة ضحكة خبيثة وأجابت:
_ الاستاذة فرحة كان عندها فيروس من اللي منتشر الفترة دي ... عرفت النهاردة بالصدفة، وهمشي بالحجة دي ولمحتلها النهاردة ....يعني لو مشيت هيكون عشان الموضوع ده يعني ... وقبل ما مستر زايد يكتشف اختفاء الاوراق هكون خلعت من المكتب ....وتلبس بقا فرحة الليلة دي .... اما انا بقا محدش هيقدر يكلمني لأني مشيت بدري وكمان الورق كان موجود ... مين بقا اللي هيدبس فيها ؟!
ابتسمت نوران باعجاب وقالت:
_ فرحة طبعا ! ... وكده يبقى بعدنا عننا أي شبهة ...
قالت ديمة بضحكة:
_ بالضبط ... يومين بالكتير والورق يكون عندك ... سلام ...
اغلقت ديمة الخط بينما نةران وضعت هاتفها وهي تبتسم بانتصار ... وسألها ابنها عيثم وهو يرتشف قهوته :
_ طب ما تفرحيني ؟!
نظرت له نوران بمكر وأخبرته عن ما قالته ديمة بالكامل .... فرفع هيثم حاجبيه بنظرة خبيثة وقال:
_ وكمان هياخدها معاه فرح بنت عميل ؟! ... دي شكل فرحة دي ليها مكانة خاصة أوي .... ده بيوصلها لبيتها كمان!!
ضيقت امه عينيها وقالت بشك:
_ وأنت عرفت منين أنه بيوصلها ؟!
ابتسم هيثم بمكر وأجاب:
_ مراقبهم بقالي كام يوم، بس تعرفي أن العميل ده اتصل النهاردة على الفيلا وعزمني انا وأنتي .... مكنتش ناوي اروح، بس بما أن زايد وفرحة معزومين فأنا هروح ... بس مش عايزك انتي تروحي ..
قالت أمه بغيظ :
_ ليه بقا ؟!
ضحك هيثم بسخرية وقال:
_ مش هيعجبك اللي هيحصل، وبيبان عليكي وهتكشفينا .... خليكي أنتي وهروح أنا ...
********
ومر يومان لم يحدث فيهما الكثير من الأحداث ... عدى أن ديمة قررت العودة لعملها بعدما سلمت فرحة كافة شؤون العمل ... وبهذا اليوم وكان مساء ليلة العرس ... واستعدت فرحة مع شقيقها الذي تحمس نظرا لوجود فادي الذي اصبحا أصدقاء ...
وعندما ارتدى حلّته البنية الجديدة نقر على غرفة شقيقته التي فتحت قبل أن ترتدي حجابها .... فصفر حسام باعجاب شديد وقال :
_ ايه القمر ده ؟!
التفتت فرحة له بابتسامة وهي تبحث عن شيء وقالت بثقة:
_ طول عمري قمر .... بس ايه رأيك في الفستان ؟
نظر حسام للرداء الطويل الفضفاض باعجاب وأعجبه لونه الوردي كثيرًا، ورغم حشمته ولكنه اظهرها بمظهر الأميرات الحسناوات.... فقال بمرح :
_ تحفة وشيك ومحترم جدًا، بس ايه رأيك في بدلتي ؟
تطلعت به فرحة بمحبة ثم ضمته بحنان قائلة:
_ أنت عارف رأيي ، أنت اللي قمر واحلى من القمر كمان ومش بشوفك غير أبني الصغنون ..
ربت حسام على ذراع شقيقته وقال بابتسامة:
_ عقبال فرحك يا حبيبتي .... نفسي من زمان أحضر فرح، احنا مالناش حد ومحدش بيعزمنا على اي مناسبة...!
قالت فرحة بغمزة لشقيقها:
_ يوم فرحك بقا هعزملك الدنيا بحالها ...
ضحك حسام وقال:
_ أنا لسه صغير على الجواز !! ... لسه فاضلي كتير يا فرحة ...
شاكسته فرحة بابتسامة واسعة وقالت بمرح:
_ الصغير بكرة يكبر ويبقى اد الدنيا ... هتبقى عريس قمر ياض.
اتمتت فرحة ربط حاجبها الذي غطى كتفيها تمامًا وابتسمت لنفسها ولوجهها المتورد ببهجة، ثم استند على يدها شقيقها وخرجا من المنزل ....
كان فادي ينتظر خارج السيارة ومعه زايد الذي تعمد أن يظهر اليوم بأناقة لم ترها بها من قبل ... فأرتدى حلّة سوداء كليًا ...وظهر بمظهر ساحر خطف نظرات الفتيات من مارة الطريق .... بينما كان يريد أن يلفت نظرها خطفت هي لبه عندما طلت أخيرًا .... وشرد بها بابتسامة عاشقة .... فهمس له فادي بضحكة:
_ مش أوي كده ؟! .... خليك تقــــــيل!! ....
تمالك نفسه وظهر ثابتا ... بينما قلبه لم يكن كذلك ... كانت بكل خطوة قرب تقتحم قلبه أكثر ... حتى أنه بات لا يرى الأنوثة إلا بها .. وبكلتها التي على رغم من حشمتها ولكنها تبدو خلابة ... مليئة بالدفء والبراءة ... ودفء الأنوثة التي لا تنكشف سوى لرجلًا واحد .... رجل سيكون هو بطل قصتها ... رجل لن يأخذ قلبها ويأخذها كليًا سوى بالحلال ...
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
اقسم بالله الباقة خلصت وكنت هموت وانزل الحلقة ولسه حالا النت واصل... يارب تعجبكم واستنوا حلقة يوم الجمعة بأذن الله ونشوف الزفت هيثم هيعمل ايه وزايد هيكون رد فعله ايه 😁
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التسعون 90 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السبعون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... خطيبتي فرحة!! ...~
نظرة كالضمة، كالعناق الطويل ... ككلمة أحبك لأول مرة ..!
كانت عيناه بهما بريق اشتياق لأيام آتية ومحملة بسعادة يحلم بها كل ليلة ... كل ليلة تزوره بأحلامه بأجمل ابتسامةّ لها .. ويضمها اليه، فقد اصبحت ملكه في دنيا الأحلام قبلا ... أما الواقع والحقيقة هي الآن تقف أمامه، بفستانها الوردي الرقيق ... لا يستطيع حتى لمس أناملها لمصافحة سريعة !
فهي تضع أسوارًا عالية حولها لمنع الاقتراب ... وقلبه يدق بلهفة ليأخذها اليه .. ولكن بما يرضيها ويرضي رب العالمين ...
خرج من شروده وبقيت ابتسامته الصادقة ... حتى غمز له شقيقه فادي وقال بابتسامة خبيثة:
_ هنفضل واقفين كده ولا إيه ..؟!
بينما تخضب وجه فرحة بالحمرة الوردية، التي قاربت للون ردائها الوردي، فاصبحت جزءً منه كالوردة المحاطة بأوراقها!
وجلس زايد بجانب مقعد السائق، بينما أصرً فادي على قيادة السيارة مثلما أتى بها ... وتركه زايد نظرا لإصابة قدمه فلن يستطيع التعامل مع السيارة بالشكل الآمن تمامًا ... وجلست فرحة وشقيقها بالمقعد الخلفي للسيارة .. وانطلقت السيارة تسير بسرعة ليست قليلة ... خاصةً أن فادي يُشهد له بمهارة عالية في قيادة السيارات على أعلى سرعة ..
وانفصلت فرحة عن الواقع لبعض الوقت، حيث شردت بابتسامة ارتسمت على شفتيها بحياء ... وحاولت أن لا تظهر ما يملأ قلبها الآن من مشاعر متدفقة.
*******
بهذا اليوم الذي هو يوم عطلة للجميع وبالمساء أيضاً كانت فرصة سانحة لأن تنفذ ديمة خطتها ... خاصةً وأنها استطاعت رشوة بعض رجال الأمن الذي ساعدوها أيضاً بقطع تيار الطاقة حتى تتوقف كاميرات المراقبة عن التشغيل لبعض الوقت، وسيظهر أنه انقطاع للكهرباء طبيعيًا لا يُثير الشكوك ..
تسللت ديمة لمكتب زايد ومعها كشاف قوي الاضاءة .. ثم أخذت نسخة المفاتيح التي بصعوبة حتى استطاعت الوصول لها ... ربما اصعب من الوصول لمكان الخزينة الخاصة بزايد شخصيًا ... توجهت للخزينة سريعاً وضغطت بواسطة قفاز بيدها على عدة أرقام مكونة الرقم السري للخزينة قبل الفتح .... والتي أخبرتها به نوران بعدما استطاعت هي الأخرى الوصول له بصعوبة ومشقة عن طريق زوجها "والد زايد" ...
وعندما فتحت ديمة الخزينة وجدت فيها عدد من الملفات ورزم من النقود المصفوفة جانبًا .... فبدأت تطلع بالأوراق وتبحث عن المقصود، ولم تظن أن الأمر سيحتاج لكل هذا البحث !
حتى وجدت ملف محكم الغلق وشعرت أنه هو، ففتحته وما هي دقيقة الا وكانت تبتسم لنفسها بانتصار وهي ترفع عدة أوراق تلخص كافة التفاصيل عن المشروع الكبير .. نظرت للأوراق وقالت وهي تتنفس الصعداء:
_ هو ده ...
لملمت الأوراق وبعدها طوتها بداخل حقيبتها ورتبت الملفات الأخرى بالخزينة مثلما كانت، ثم أغلقتها سريعا وخرجت من المكتب راكضة ...
*******
وبشرفة غرفة فندق مشهور جلست جيهان على أحد المقاعد بإرياحية، ثم رفعت كوب العصير الطازج لشفتيها لترتشف منه القليل وقالت وهي تنظر لوجيه الجالس قبالتها شاردًا بعض الشيء :
_ لو هتفضل سرحان كده كتير يبقى الأفضل نلغي الليلة دي وترجع لليلى يا وجيه!، اكيد مش هحب انك تفضل معايا غصب عنك ..!
أجاب عليها بهدوء:
_ أنا مش بتغصب على حاجة يا جيهان، خصوصا أني حجزت هنا من نفسي ومن غير ما تعرفي ! ... مش بحب اشوف نظرات الاتهام واللوم اللي دايمًا في عنيكي !
ابتسمت جيهان وعينيها اصبحت فجأة بعيدة عنه كأنها تفكر في شيء لا تريد الافصاح عنه .... ثم نظرت له وقالت :
_ عايزة اكلمك في موضوع سمر ... كلمتها كتير الأيام اللي فاتت.
قال وجيه متقبلا تغيير الحديث الروتيني بينهما:
_ وأنتي حسيتي بإيه ؟
وضعت جيهان كوب العصير على المنضدة الفاصلة بينهما وأجابت :
_ حسيت أنها موافقة بس خايفة .... الست بعد أول تجربة جواز بتفشل فيها بتعتبر الرجل ده كائن معندوش قلب ولا رحمة ... كائن غريب وغامض ومش مفهوم، عشان تطلع من التوهة دي محتاجة تتحب بجد ... محتاجة انسان يبقى مجنون بيها ويخطفها لحياته بمعنى اصح ... لأنه لو استنى رأيها هيستنى كتير ... أول تجربة لو فشلت عشان ننسى مرارتها لازم التجربة التانية تكون ناجحة بدرجة نجاح اكتر من اللي اتمنيناه في التجربة الأولى .... بس انتوا الرجالة مش بتعيشوا الحرب النفسية اللي بتعيشها أي ست لو اتطلقت !
سأل وجيه باهتمام وقال:
_ بمعنى ...؟!
ردّت جيهان وهي تنظر بعينيه في دقة مقصودة وكأنها تقصد هو بالحديث :
_ يعني أنت لما طلقتني زمان مكنتش خايف من كلام الناس ولا الظنون والطمع اللي هتتعرضله ! ... مالكش صاحب هيقطع علاقته بيك لما يعرف أنك انفصلت ! .... محدش من المجتمع هيقولك اكيد قصرت معاها واكيد العيب فيك ! .... أنما أنا نص صحابي مدخلونيش بيوتهم بعد ما اطلقت ... والباقي نساني اصلا ! ... سمعت معايرة وشوفت نظرات الشفقة والعتاب واللوم من غير حتى ما يعرفوا مين اللي غلطان والسبب الحقيقي للطلاق!
كل الحاجات دي خلال السنين اللي فاتت بعد الطلاق كونت جيهان جديدة بقت خايفة من كل حاجة.... ومش حابة أبدًا سمر تتعرض للي اتعرضتله !
اوضح وجيه رأيه فيما يخصها شخصيًا وقال:
_ معاكي أن الست بعد الطلاق بتعاني أكتر من الرجل بسبب المجتمع، بس يا جيهان أنا بكره فكرة أن الست تخلي كل اهتمامها في الحياة رجل وجواز! ... مافيش حد مش بيدور على الحب وبيتمناه ... بس مع كل املنا ده الحياة لازم تستمر وتمشي، نحاول نحقق كل اللي نقدر نحققه بنفسنا ولنفسنا أولًا... يعني أنتي اللي اخترتي صحابك غلط .. وبالتالي عند أول أزمة باعوكي !
دخلتي بعد الطلاق في تجارب خطوبة واخترتي ناس غلط .. فطمعوا فيكي ودي نتيجة طبيعية جدًا !
تقدري تقوليلي حقفتي ايه لنفسك في السنين اللي فاتت ونجحتي في ايه؟! ....
صمتت جيهان وهي تنظر له بنظرات يملؤها الضيق .. فأجابت:
_ هو ده اللي كان لازم أفهمه من ١٠ سنين فاتت، خدت وقت كبير أوي على ما استوعبت وفهمت الدنيا أو بالأصح بدأت أفهمها!! ...
شعر أنه المها بحديثه فنهض وسحبها من معصمها لتقف ثم قال بابتسامة معتذرة:
_ مكنتش أقصد أزعلك ... أنا أسف !
هزت جيهان رأسها بابتسامة مجاملة وقاات:
_ ما تعتذرش .. أنت صح، أنت طبقت الكلام ده على نفسك قبل ما تقوله، ساعات كتير في السنين اللي فاتت كنت بستغرب كل الوقت اللي بتقضيه في الشغل والعمليات والسفر من غير فترات راحة الا قليل جدًا .... دلوقتي بس عرفت أنك كنت بتهرب من حزنك على فراقها ومش بتدي نفسك وقت تفتكرها!
قال وجيه بثبات لغير دفة الحديث :
_ خلينا في سمر دلوقتي ..
هزت جيهان رأسها وقالت باعتراض وعينيه تطلع بعينيه بعمق:
_ سمر مش محتاجة حد، أمجد هيعرف يخرجها من اللي هي فيه في وقت قليل ... لأنه بيحبها بجد ... كل اللي محتاجاه شوية وقت قبل ما تقابله تاني ... أنما أنا ...
قابلها وجيه بكلماته الهادئة وقال بلطف:
_ أنتي إيه يا جيهان ؟! ... أنا جانبك !
ترقرقت عينيها بالدموع وقالت :
_ أنت جانبي فعلاً .... بس روحك وقلبك فين دلوقتي ؟!
زفر وجيه بعصبية وقال:
_ كان ممكن الليلة تبقى أجمل من كده بكتير لو مارجعتيش للنغمة القديمة دي! .... النكد مش بيحل مشاكل على فكرة !
مسحت جيهان عينيها وقالت وقد استطاعت أن تسيطر ولو قليلًا:
_ مكنتش عايزة انكد عليك والله... بالعكس!
أنا مش عايزاك تفتكرني غير بالخير ...
نظر لها وجيه بغرابة وشعر أنها تقصد شيء تضمره بنفسها ... فابتسمت لتجذب انتباهه لانتهاء الحديث وقالت بمرح :
_ هو العشا أتأخر كده ليه ؟!
رد عليها بنظرة عميقة وأجاب:
_ متأخرش كتير، بالكتير عشر دقائق وتلاقيه جاهز
جلست جيهان مجددًا وتظاهرت بالاستمتاع وهي تشرب المتبقي من العصير الطازج وجلس قبالتها وجيه مفكرًا بعمق فيما قالته مؤخرا ....
*********
بداخل قاعة ضخمة بفيلا شاسعة الأطراف أقيم حفل الزفاف ..
وبين حشد غفير من المدعويين أتى الحاج محمود إلى زايد الذي يقف مع شابان وفتاة وصافحه بحرارة قائلا:
_ نورتني والله، كنت قلقان منك وافتكرت انك مش هتحضر خصوصا أني بسمع عنك أنك مابتحضرش مناسبات لأي حد !
ابتسم زايد بمجاملة وهو يتمسك بعكازه بيد وباليد الأخرى يصافح الرجل:
_ أنت مش أي حد يا حاج محمود ... الف مبروك.
وتلقى الرجل مباركته بود وامتنان شديد ثم توجه لفرحة قائلا:
_ فرحتي بوجوده نفس فرحتي بوجودك يابنتي ... عقبالك يارب .
شكرته فرحة ثم انصرف الرجل ليستقبل مدعويين جدد ، فنظر زايد لفرحة بابتسامة وشرد بها فقال فادي ضاحكا بخبث:
_ زايد كأنه بقى واحد تاني الأيام دي ! ... بيبتسم وبيحضر مناسبات ولا كأنه بقى هيثم أخويا فجأة ..
زفر زايد بمقت لذكر هذا المخلوق وقال لفادي:
_ أفتكرلنا حاجة احسن من كده!
وطريقته جعلت فادي يقهقه من الضحك ... وتعجبت فرحة من رد فعله عن ذكر شقيقهما الذي لأول مرة تعرف بوجوده من الاساس ! .... فنظر زايد لفرحة وقال قصدا بابتسامة متلاعبة:
_ خلينا في الحاجات الجميلة اللي حوالينا ونفرح شوية !!
أشتد احمرار وجنتي فرحة بقوة من الحياء وابعدت عينيها عنه تمامًا ....
وعلى بُعد مسافة ليست قليلة همس هيثم لأحدهم بشيء جعل الآخر يسير مبتعدًا بتنفيذ الأمر .... ونظر لفرحة بتفحص ودقة ... فقالت الفتاة المرافقة له بسخرية:
_ إيه عجباك للدرجادي ؟!
نظر هيثم لها وهو رافعا حاجببه باستهزاء وقال:
_ لسه عارفك امبارح وبتحاسبيني؟! ....
صححت الفتاة لهجتها وقالت وهي تقترب منه بنظراتها اللاعوب:
_ ماقصدش .. بس بسألك يعني ! ...
تجاهلها هيثم وعاد لمراقبة زايد الذي تأكد من نظراته لفرحه أنه متيم بها لأقصى درجة ... ريثما أن زايد لأول مرة يظهر عليه هذه الدرجة من الاهتمام ناحية أنثى !
*********
أتى نادل واقترب من زايد هامسا:
_ في حد طالب حضرتك على التليفون !
ضيق زايد عينيه بدهشة !، فالمتصل بالتأكيد يعرفه ويعرف رقم هاتفه الخاص فلمَ استخدم الهاتف الخاص بقاعة الحفل !
الأمر يبدو غريب ومريب ولكنه سأل النادل وقال:
_ فين التليفون ؟!
أشار النادل لجهة الهاتف، فاستأذن زايد لبعض الوقت وابتعد ....
وهنا ابتسم هيثم من بعيد وقال للفتاة بجانبه شيء جعلها تتحرك ايضا اتجاه فرحة ....
وتحرك هيثم قليلا نحو شقيقه حتى لوح له فادي بدهشة وقال ضاحكا :
_ ياريتني افتكرت مليون جنيه، جبنا سيرة هيثم لقيته هنا !
توجه هيثم اليهم وتعمد عدم النظر الى فرحة وتجاهلها تمامًا كأنها ليست معهم .... ورحب به فادي كثيرًا وبدأ يعرفه على فرحة وشقيقها حسام .... حتى وقف هيثم ناظرا لفرحة بصمت مزيف وقال :
_ مش معقول !!
نظر اليه كلا من حسام وفادي باستغراب بينما فرحة ضيقت عينيها عليه بريبة، ثم قالت عندما وجدته يصوب نظره لها بهذا الشكل :
_ هو ايه اللي مش معقول ؟!
هز رأسه وكأنه اخطأ في تشبيهه وقال لنظرة عميقة لها :
_ لا ابدًا ... يمكن مجرد شبه !
قال حسام بصوت حاد :
_ هو في ايه ؟! ... شبه ايه اللي تقصده ؟!
نظر هيثم بابتسامة مهذبة لحسام وقال :
_ في اليوم اللي سافرت فيه وقبل ما اركب الطيارة شوفت بنت في الطريق شبه الآنسة دي بالضبط ... أنا أسف مجرد شبه بسيط ....
تجاهلته فرحة تمامًا حتى صدمت بمن تصطدم بكتفها الايسر وتسكب عليها كوب العصير، فشهقت الفتاة الأخرى وقالت معتذرة :
_ اوووه أسفة جدًا جدًا ، أنا كنت مستعجلة وبدور على حد واتخبطت فيكي من غير قصد أنا أسفة جدًا ....
نظرت فرحة لذراعها التي نالته بقع من العصير المسكوب وقالت بمحاولة أن لا تغضب:
_ حصل خير ...
اصرت الفتاة وقالت :
_ تعالي معايا التواليت ننضفه ونرجع ...
نظرت فرحة للبقع وشعرت بالخجل أن تبقى هكذا فأستأذنت من شقيقها وذهبت مع الفتاة نحو الحمام ....
وبعد عدة دقائق خرجا الفتاتان مبتسمين وقالت الفتاة الأخرى باعتذار تكرر كثيرا وهما يقفان بمكان آخر:
_ بجد متأسفة جدًا جدًا بس الحمد لله اتحلت ... يارب مشكلتي كمان تتحل ...
لم تتدخل فرحة فيما لا يعنيها ، بينما كانت عينيها تبحث عن شقيقها الذي أختفى ومعه فادي والغريب الثالث ايضا أختفوا تمامًا ! .....فنظرت لها الفتاة بمكر وقالت :
_ أنا السكرتيرة الجديدة لمستر هيثم ممدوح ... معرفش شكله لأنه لسه راجع من السفر ... ولازم اديله شيء ضروري والمفروض أمشي دلوقتي لأن ورايا معاد مهم جدًا ...
نظرت لها فرحة وشكت بأمرا ما وقالت:
_ هو هيثم ممدوح ده له أخوات ؟
هزت الفتاة رأسها بتأكيد وقالت :
_ طبعاااا ... ده أخوه يبقى زايد ممدوح من أشطر رجال الأعمال وشركته تبقى (...)
قالت فرحة بعفوية وبراءة:
_ ده كان واقف لما خبطتيني !
شهقت الفتاة وكأنها ليست على دراية بالأمر وقالت وهي تخرج شيء من حقيبتها وتدسه بيد فرحة :
_ طب ارجوكي اديله الامانة دي انا لازم أمشي دلوقتي حالًا ...
دهشت فرحة منها وشعرت بالتعجب من اعطاها شيء هام لأحد لا تعرفه ! ... ولكن الفتاة تقريبًا ابتعدت راكضة دون ان تنتظر رد فرحة عليها .... فنظرت فرحة للفافة بيدها وهي لا تعرف ما بها ونفخت بعصبية....
وحينما قررت البحث عن زايد لتعطيه هذا الشيء ويصله لشقيقه ذو النظرات المريبة وجدت هيثم يقف أمامها فجأة كأنه خطط لذلك ! .... ثم قال مبتسما :
_ بدور على فادي وحسام ومش لاقيهم، شوفتك واقفة فافتكرت أنهم معاكي !
تنفست فرحة ببعض الراحة وقالت وهي تمد يدها باللفافة الورقية :
_ سكرتيرتك سابتلك دي .... هي لما عرفت أنك اللي كنت واقف لما خبطتني حطت في ايدي الحاجة دي وجريت !!
نظر هيثم لما بيدها بابتسامة خبيثة، ثم تحولت نظرته جانبًا بحثا عن زايد الذي من المفترض تخلص من المكالمة المجهولة ! .
فوجده على بُعد أمتارا قليلة يلتفت يمينًا ويسرة حتى انتبه لهما وتسمر مكانه... فنظر هيثم مرةً أخرى لفرحة وأخذ منها اللفافة وهو يتعمد النظر حوله وكأنه لا يريد لأحدًا أن يراهما ..
ثم قال مبتسما بنظرات تبدو وكأنها يهمس لها بسر:
_ تعرفي أني أول ما شوفتك مابقتش مصدق نفسي ! .... وانا في طريقي للمطار كنتي انتي في الشارع والاشارة وقفت وفضلت مراقبك لحد ما بعدتي .... عايز أقولك أني نزلت من العربية وحاولت الاقيكي بس للأسف أختفيتي ! ... معرفش عملت كده ليه بس اللي متأكد منه أني مكنتش هسافر وقتها ...!
ضيقت فرحة عينيها من الدهشة وقالت :
_ أنا ؟!
هز هيثم رأسه بتأكيد ونظرة وكأنه عاشق :
_ ايوة أنتي ... معرفتش أنسى ملامحك وحفظتها لحد دلوقتي ... أنا متأكد أن اللي شوفتها أنتي ...
شعرت فرحة بالحرج من طريقته في محادثتها، فغير هيثم دفة الحديث وقال:
_ عرفت أنك سكرتيرة زايد أخويا، وبصراحة أول مرة أشوفه مبسوط كده النهاردة ... أتمنى تكوني في يوم السبب اللي يصالحنا على بعض ... زايد واخد زاوية بعيدة عن الكل للأسف ...
ازدردت فرحة ريقها بتوتر وقالت:
_ السبب أزاي يعني ؟!
ابتسم هيثم بمكر وقال:
_ ما تخليهوش يكشر !
ابتسمت بمجاملة واستأذنت لتغادر... ولكن الذي وقف أمامها هذه المرة ليس هذا الغريب المتطفل ... بل الذي اقترب لقلبها بخطر حتى هذا الارتباك من مجرد استنشاق عطره .... رفعت فرحة نظرها اليه ولكن وجدته يقف متصلبا وعينيه لا تنذر بالخير ..... وهتف بها بغضب:
_ واقفة معاه ليه ؟!
الجم هتافه الغاضب صوتها للحظات، حتى اقترب هيثم اليهم بنظرة منتصر وقال:
_ وحشتني يا زايد .... بقالنا كتير ما اتكلمناش حتى بعد ما رجعت من كندا !
نظر زايد لها بعنف ثم سقط نظره للفافة الورقية القابض عليها هيثم بقبضة يده ... ثم رفع نظره له مرة أخرى ورد زايد بصوتٍ حاد:
_ أحب أعرفك ... دي خطيبتي ... فرحة ...
فغرت فرحة فاها بصدمة والرجلان ينظران لبعضهما في شرر عنيف وكأن بينهما ثأر قديم لا يقبل سوى الدمار !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن