تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الحادي والستون 61 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس_والأربعون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... طلب غريب ...~
بمجرد أن سمع يوسف صياح الفتاة الأنجليزية "ليزا" وثب من مقعده بعصبية وقال للجميع:
_ أنا هفطر في أوضتي .. ياريت تخلي حد يبعتلي الفطار يا جدي.
تعجب الشباب الثلاث منه ، ريثما أنه لم يكن سخيف أو بهذا التصرف الغير ودود مع ليز من قبل !
ولكن جده فهم السبب وسمح له بالابتعاد بهدوء دون جدال .
أتت ليز مسرعة وتكاد قدميها لا تطأ الأرض من الخطوات الخاطفة بعجالة السير ... ولم تتجاهل عادتها المتحررة في إرتداء ملابس كاشفة أكثر مما تخفي رغم برودة الطقس !
ووقفت عابسة بنظراتها باتجاه ابتعاد يوسف ... ثم تمتمت باستياء ببضع كلمات أنجليزية جعلت جاسر يبتسم بمرح .... حتى أشار لها لتجلس متحدثا بلغتها الأنجليزية ... فقالت له بكلمات عربية فصيحة قد تعلمتها خصيصا :
_ كاسر ... أنا هنا ببلد عربي ... لذا لا تحدثني بلغتي الأصلية حتى لا تفقدني شغف الرحلة !
ضحك رعد على نطقها الخاطئ لاسم جاسر لتجعله يبدو كوميديًا ... فقال جاسر ساخرا :
_ تصدقي أني غلطان ! .... أقعدي وافطري خلصينا !
تأرجح العبوس على وجنتيها وبدا عليها السخط لذهاب يوسف ... ثم قالت وقد قررت الذهاب له :
_ يبدو أنني فعلت شيء أغضبه مني ... سأذهب إليه بغرفته لأرى ما خطبه !
زم جاسر شفتيه ليصبح خط مستقيم بيأس من جرأة تلك الفتاة وتصرفاتها الغير مألوفة بالبلاد العربية ... فتنهد الجد باضطراب وقال :
_ ربنا يستر .... الموضوع مكنش مستحمل ليز كمان !
رفع جاسر كوب مشروبه وحاجبيه مرتفعان ببعض الدهشة .... وقال :
_ ليز بتكسر الصورة المعروفة للبنت الاوربية ... المفروض تعجب بواحد منحرف زيي كده ...
ابتسم الحد وهو يهز رأسه نفي وقال بتأكيد :
_ الأنثى أنثى في كل الدنيا .... بتحب الصادق والذكي وفي نفس الوقت ميكونش معقد ودمه خفيف ... أنما هتعمل إيه بواحد فلاتي وبتاع نسوان زيك يا جاسر ؟! ... ده مافيش أكتر من نوعيتك !
نظر جاسر له للحظات في غيظ، ثم قال مدافعا عن نفسه :
_ أنا مش بتاع نسوان يا جدي! ... بتاع بنات ماشي ، أنما نسوان محصلش ! ... وبعدين أنا مش منحرف أوي زي ما كلكوا فاكرين كده ! .... ده هما كام بنت كلمتهم شوية وخلصنا ! .. كلام بس والله... مش حاجة تانية.
ورغم أن توضيح جاسر اعجب الجد وطمأنه ولو قليلًا .... فلا زال الأنطباع السيّئ موجود .. ريثما أن كلمات جاسر ومكره يضعه بأحلك الظنون وأسوأها فرضية !
والأسوأ من كل ذلك أنه لا يحاول تصحيح تلك الفكرة المطبوعة بالأذهان، بل يتصرف وكأنه يفتخر ويزهو بها !
صمت الجد ولم يجد إجابة تروض مراوغة هذا الشاب الماكر ، الذي يستصعب عليه مجابهته بالحديث أحياناً.... وهنا الجميع كان بانتظار ظهور وجيه وامرأتيه !
********
وبغرفة جميلة .... اجتمع الأربع فتيات ولمعة مرح ظاهرة بأعينهن نظير ما حدث منذ قليل على مائدة الأفطار ...
ولكن لم تجترأ أي منهن أن تعلن بهجتها للأهتمام الواضح من الشباب باستثناء رضوى الشاردة بألم منذ البداية ... بل تظاهرن بالحدة، وقالت جميلة بارتباك وتظاهر بالعصبية :
_ شكلهم بدأو يزهقونا ويتريقوا علينا ! ... أصل تصرفاتهم مش مفهومة بصراحة !
قالت سما بحيرة واضحة بعينيها :
_ أنا سمعتهم أمبارح بيزعقوا ... بس ما سمعتش بيقولوا إيه ! .. وبصراحة استحرمت اتصنت عليهم .
وافقتها حميدة وقالت :
_ أنا برضو سمعتهم بيزعقوا .. بس ما رضيتش أخرج من أوضتي وقتها.
نهضت سما وهبت واقفة وكأنها كانت تجلس على الجمر ...وقالت بلمعتا عينيها الغاضبة :
_ أنا مش عارفة احنا مستنين إيه عشان نقدم في الجامعة ! ... ولا مستنين إيه عشان نشتغل وننشغل بحياتنا !
تدخلت حميدة وقالت موضحة ما عرفته من جدها سابقا :
_ سألت جدي وقالي أن لسه فاضل اسبوعين على تقديم الأوراق المطلوبة.... وبالنسبة للشغل فمش عارفة مكلمتوش الصراحة ... بس ممكن مايوافقش!
حرك الأمر بعض الاثارة والحماس بعقل سما .... ريثما لو وافق الجد والعم وجيه واعترض الشباب ! .... ستكن ضربة في منتصف كبريائهم وغرورهم المثير للغيظ والنفور .... وسيكن درجة يتسلقونها ليرتفعن بأنظار الجميع ...
حتى القت رضوى عليهم خبر كالقنبلة .. وقالت بعينيها السارحتان للبعيد :
_ اتقدملي عريس ... جدي كلمني امبارح عليه.... شافني في الحفلة وبعت أبوه يكلم جدي.
شهقت جميلة من الدهشة ... بينما فغرت حميدة فمها بصدمة ... واضيقت عين سما بكتل ثقيلة من الظنون والشك .... حتى نفضت جميلة دهشتها وقالت بغيظ :
_ أنتي مكنتيش ناوية تقوليلنا ولا إيه ؟! ..ده إيه الروقان ده !
أشارت حميدة لجميلة أن تصمت لبعض الوقت واسرعت نحو رضوى قائلة بابتسامة ماكرة :
_ ليكون رعد هو العريس يابت ؟!
تراقص المكر بعينين حميدة وهي تنظر لرضوى وتنتظر الرد التي تتوقعه .... بينما نهضت رضوى واطلقت ضحكة غريبة لم يكن موقعها الآن ... ضحكة غير مفهومة وليس لها سبب ! .... حتى قالت رضوى ببعض السخرية وهي تنظر لهن في كآبة اعتمت عينيها وظهرت على نقيض ضحكتها العابرة :
_ انتوا لسه مافهمتوش ! ..... ولا يكون لسه عندكم أمل فيهم ؟! .... دول شايفنا تحت أوي ... نظرتهم لينا عمرها ما هتتغير ... لا حبونا ولا هيحبونا .....عارفين سبب تصرفاتهم دي إيه ؟! ... أن وصلهم موضوع العريس اكيد ... وأن هيكون في قلق على ميراثهم لو في أغراب بقا ليهم فيه ....
تصرفاتهم كانت مكشوفة لدرجة خلتني أقرف منهم !
أنانية وغرور وعجرفة مالياهم...
اجفلت حميدة من التوضيح الشنيع هذا ... ثم قالت مستنكرة :
_ وأنتي ليه افترضتي أن تصرفاتهم عشان عرفوا ! ... ولما هو عريس متقدملك أنتي بس ليه كلهم اتقلب حالهم كده ؟!
أول مرة أحس أنك بتقدمي الظن الوحش الأول وبتبني عليه حاجات كتير ممكن ماتكونش صح !
كظمت رضوى غيظ هائل لأول مرة يجتاحها صوب شقيقتها حميدة تحديدًا .... ويبدو أنها خلف كل دفاع تدافع عن يوسف فقط ! ... فهتفت بعصبية بوجهها :
_ افترضت لأن رعد عارف وواجهني ! ... رعد عرف وهو في المستشفى وجه وساب شغله عشان كده ، اكيد مش جدي اللي هيقوله ولا حتى عم وجيه ... بس يوسف كان هنا ! ... يبقى مين اللي قاله ! ... وبشوية عقل لازم نفكر ... طالما رعد عرف يبقى كله هيعرف !
سألت جميلة بشك وكأنه تلملم أفكارها وتربط الخيوط ببعضها:
_ ورعد قالك ايه ؟
ابتسمت رضوى بمرارة وأجابت :
_ طلب يتجوزني تخيلي ؟! ....امبارح بس طلب يتجوزني ! ... يمكن لو قال كده في أي وقت فات كنت طيرت من السعادة وسامحته ....أنما لما يكون في سبب يخليه يجي يتقدملي فجأة كده .. فده شيء ميخلنيش اصدقه بسهولة وشكي يزيد فيه أكتر.... مش متخيلة أنهم بيلعبوا اللعبة الرخيصة دي علينا !
اعترضت حميدة وقالت بضيق منها :
_ ما يمكن خاف ليخسرك ؟! .... كنتي سمعتيه وشوفتي قال ايه !
مش حاسة أن اللي بتقوليه ده صح !
ظلت جميلة وسما يراقبون مجرى الحديث بتفكير وشرود .... حتى فاجأت رضوى الفتيات بسخريتها اللاذعة فقالت :
_ خاف يخسرني ! ... وهو كان فين الخوف ده لما مشي من البلد وقال اللي قاله في حقي وفي حقنا كلنا وحط كرامتنا تحت الرجلين ! .... مافتكرش بس يتقدملي غير لما عرف ! ... لا فعلا مظلوم وأنا اللي بفتري عليه ! .... انتوا يأما أغبيا يأما بتستغبوا عشان ماتشفوش حقيقتهم ..
وهزت رأسها بنظرة شرسة رافضة وأضافت :
_ أنما أنا مش هسمحله يلعب اللعبة دي معايا ... واللي هيشوفه مني عمره ما كان يتخيله .. وأظن جاتلي فرصتي .
ابتسمت هذه المرة ابتسامة خالية من المرارة أو الغضب ... بل بشيء يبدو أنها تخطط له وتضمره ... شيء يلتمع بعينيها ويُشير أنه سيبدو كالصاعقة .
وقفت جميلة أمام رضوى وقالت باهتمام وقلق عليها ... فرضوى تبدو بحالة من الغضب الأخرس ... الذي لا يصاحبه ثورة أو صراخ ، بينما ما يجعله يخمد هو الانتقام فقط ... فقالت :
_ وأنا بصفتي أختك الكبيرة يا رضوى مش هسيبك تاخدي القرار ده لوحدك ... مش هسيبك لدماغك ، وبما أني عارفة أنك بتحبي رعد فبقولك لازم ترفضي العريس ده ... عشان ماتظلميهوش وتظلمي نفسك ... محدش هيخسر غيرك صدقيني...!
أجابت رضوى وهي تتسع ابتسامتها بخبث، وعينيها اصبحتا كتلتين ملتهبتين من شيء ناري كالديناميت :
_ هو أنا لسه شوفته ولا قعدت معاه عشان اقرر اقبل أو أرفض ! .... ما يمكن يكون هو ده الشخص اللي هيحافظ عليا ويصوني زي ما كنت دايمًا بتمنى ! .... واكيد لو هو مش كده هرفضه ... لأني مش هطلع من حفرة وأوقع نفسي في بير غويط !
وتابعت مؤكدة بنظراتها القوية :
_ يوم ما اختار واحد هيكون احسن منه ... مش هطلع خسرانة في الآخر مهما حصل .
والقت عليهم ابتسامة ماكرة وكأنها ليست شقيقتهن التي نشأت معهن لسنواتٍ وسنوات ! ... بل تبدلت كليًا وأصبح الألم يطبق على أنفاسها حتى بدل طباعها للنقيض !
وبعدما خرجت من الغرفة قالت سما بتنهيدة حائرة اوخزت صدرها :
_ رغم أني خايفة عليها ... بس عذراها في أحساسها ، احنا اتهانا واتقل مننا بشكل مش هنعرف ننساه لسنين جاية ... ولا أي كلمة اعتذار ممكن تخلينا ننسى بسهولة !
هتفت جميلة بها بعصبية واردفت قائلة :
_ عذراها في إيه ؟! .... أنها هتستخدم واحد عشان تنتقم من واحد تاني بتحبه ! ..... طب لما تفوق وتلاقي نفسها متجوزة واحد مش عارفة تحبه لأن قلبها مع واحد تاني هيبقى إيه الحال ! ... رضوى بتلعب بالنار وأنا عن نفسي مش هحط نفسي في الوضع ده أبدًا ... لو حكاية فشلت فلسه في العمر بقية ! ... مش هما آخر رجالة على وجه الأرض يعني !
وأتممت حديثها بتأكيد :
_ مش هضيع حياتي عشان خاطر انتقم من حد ! ... اللي ما يستاهلش حبي يبقى مايستاهلش حتى عداوتي ! .... بس هخليه يشوفني من بعيد وأنا بنجح في حياتي ومبسوطة بجد، ويعرف أني مكنتش بالضعف اللي فاكرني بيه.
********
مع أصوات العصافير المغردة بقرب شجر اللبلاب المتسلق بالشرفة كأنه ثعبان كبير الحجم يتسلق الشرفات ... جلست ليلى بمقعد الشرفة بوجه مضيء بابتسامة واسعة وهي تراقب زوجها منذ أن خرج من الحمام وجفف شعر رأسه وبدأ يمشطه بتنظيم ....
كانت مع ابتسامتها يتخلل لأنفاسها عطر ما بعد الحلاقة الذي يستخدمه .... فقال بغمزة ماكرة وابتسامة عبر المرآة :
_ هتفضلي سرحانة فيا كده كتير؟! .
اسندت مرفقها على الطاولة الجانبية القريبة وقالت بمرح :
_ بحاول أنسى أنك هترجع بكرة الشغل وهيبدأ الجدول بينا أنا وجيهان ! .... من غير حاجة أنت كدكتور وقتك أغلبه في الشغل ! ... والكام ساعة القليلين اللي فاضلين هيتقسموا بينا أنا وهي ..... مش قادرة اتحمل حتى الفكرة ما بالك بالواقع !
القى المشط على منضدة المرآة واستدار لها بابتسامة واسعة .... وهجم على أنفاسها رحيق عطره بشكل اوضح وأقرب ....فأثار لهفة جامحة بقلبها .... ويبدو أن ذلك ظهر بعينيها الشاردة به ..... فأوقفها وجيه أمامه ويديه على كتفيها بابتسامته المعهودة وقال بلطف :
_ في شيء اسمه تليفون ! .... اعتقد هيصبرني لحد ما أرجعلك ... الوضع ده أنا عارف أنه مش سهل عليكي ... بس أفضل مليون مرة من فراقنا !
ارتعشت شفتيها بحيرة ويبدو انها كانت ستقول شيء وتراجعت ! .... فلاحظ ذلك وسأل :
_ قوليلي اللي محيرك كده !
كان من ضمن الأشياء المحببة لها أنه يستطع فهم ما تود قوله حتى لو صمتت عنه ! .... فنظرت له بنظرة بها بعض الألم وقالت :
_ أنا يمكن اللي هقوله دلوقتي يضايقك ... بس مش عايزاك تدلعني يعني قدام حد من عيلتك ... وخصوصا جيهان ، عاملني عادي قدامهم .
ابتسم وقال بتأكيد :
_ اكيد أنا فاهم قاصدك ... واكيد برضو أن في احترام للآخرين خصوصا أن اغلبهم سناجل !
واتسعت ابتسامته بمرح بعد قوله هذا ... فارتبكت ليلى أكثر وتابعت قولها ايضاحا :
_ وجيهان نفس الموضوع ... يعني ما تدلعهاش قدامي و ....
سكتت بحيرة وشحوب ظهر على وجهها من الحرج .... فضيق وجيه عينيه بابتسامة ماكرة وقد فهم لب هدفها ! ... فوضع يديه بجيوب بنطاله الأسود الرياضي بثقة و قال بخبث :
_ سكتي ليه ...كملي؟!
حركت ليلى فمها بكلمات خافته غير مفهومة وعينيها تتهرب منه نظراته الكاشفة لكل ما تواريه ! .... فأغضبها كونها كتاب مفتوح لأفكاره هكذا أثناء غضبها من شيء وقالت بعصبية :
_ مش هطيق أشوف بدلع واحدة غيري ! ...
ففجأة اصبحت قريبة منه لدرجة كبيرة وهو يتطلع بعينيها البندقيتان الحبيبتان .... وقال بهمس :
_ يا ظالمة ! ... ده أنا كنت ليكي ولوحدك وأنتي مش معايا وبعيدة ... تخيلي وأنتي معايا بقا ؟! ...
عاد لوجهها بعض الدماء وسرت قشعريرة بجسدها كاملًا تحت وطأة نظراته الماكرة وبذات الوقت يملأها الدفء والثقة .... وتلاشى كل ضيق أو غضب شعرت به منذ قليل .... وبضع كلمات ونظرة محبة جعلت منها الأميرة الوحيد بمملكته ... هكذا اكدت عينيه التي تنظر لها بعشق.
وعندما خرجا من الغرفة أوقفته بابتسامة متلاعبة وقالت بمكر :
_ ممكن تشيلني ؟
رفع حاجبيه بنظرة ماكرة وقال :
_ هنزل قدامهم وأنا شايلك ؟! ... فين كلامك اللي قولتيه من شوية ؟!
كتمت ضحكتها واجتاحها شعور عاصف بالمرح ..فاردفت بمزاح :
_ شيلني لحد آخر الممر بس .... لو مش هضايق سعاتك يعني !
قاطع حديثها وهو يحملها بين ذراعيه ويسير بالرواق الطويل ... بينما نظر لها بنظرة جانبية وقال بابتسامة خبيثة :
_ واضح أن وزنك زاد ! ...في يومين !
علت تعابير العبوس والغيظ على وجهها وقالت :
_ يعني أنا تخينة يعني ؟! ... أين لباقتك يا دكتور وجيه ؟!
رد ممزاحا :
_ مش عارف نسيتها فين ؟! ...
وعندما أنزلها اوقفها بنظراته الماكرة وقال :
_ بس تعرفي أنك بالكام كيلوا الزيادة دول بقيتي أحلى وأجمل ! ... تقريبًا رجعتي ليلى اللي شوفتها أول مرة .... جميلة وجذابة من غير أي اضافات صناعية ! .
ما كانت ليلى ترى نفسها بهذا الجمال ابدًا ... ولكنها ابتسمت لكل كلمة يقولها ... هي تعرف أنها بعينيه الأجمل مهما رأى أجمل منها .... هكذا أخبرها اختبار عشر سنوات من الانتظار.
*******
فتحت ليزا باب غرفة يوسف دون أن يسمح لها بالدخول .... فوجدته يقرأ أحد الكتب العلمية في اندماج واضح ..... وشعرت أنه يتهرب منها !
فقالت له بعتاب :
_ أخبرني بأي شيء أغضبتك ؟!
ولكي يهرب يوسف من الحديث الممل هذا قال لها باستحسان :
_ العربي اتحسن معاكي أوي يا ليز .... وكويس أنك بتنطقيه فصحى مش عامية لأنها صعبة عليكي.
تأففت ليز وقالت بضيق من تجاهله سؤالها :
_ أجب على سؤالي جوزيف !
نهض يوسف وشعر بالضجر من تصميمها على ما تريده دائمًا بتلك الطريقة المنفرة وقال بصدق :
_ أنا حذرتك قبل كده أن تصرفاتك ماتنفعش هنا ..... حذرتك وأنتي لسه مستمرة ! .. وفهمتك كمان أننا نعتبر أخوات وأنتي مش عايزة تقتنعي !
ضربت ليز الأرض بقدميها في رفض لما يقوله وعصبية وقالت :
_ لا أفهم ما تحاول أقناعي به ولم أسيء لك بأي شيء لتعاملني هكذا ! .... هل هناك فتاة أخرى بقلبك جوزيف ؟!
كان سؤالها مفاجئ ... ويبدو أنها لاحظت نظراته لحميدة فخمنت مشاعره اتجاهها ...ريثما أنها لأول مرة تطرح عليه هكذا سؤال ! .... فأعترف يوسف بصدق :
_ ايوة بحب واحدة تانية يا ليز ...... وأنتي بعتبرك أختي مش أكتر من كده ، وأسف أني ضايقتك بكلامي ده ... بس هي دي الحقيقة اللي لازم تعرفيها وتتأكدي منها.
أشارت ليز للباب ودلت أشارتها انها تقصد بأنك تلك الفتاة هي حميدة ....وامتلأت عينيها بالسخط، حتى اكد لها يوسف بوضوح وقال :
_ ايوة هي حميدة اللي بحبها.
اعترضت ليزا وقالت باشمئزاز :
_ هل تلك الفتاة القبيحة هي من تحب؟!
رفع يوسف سبابته بتحذير وعصبية ولو كانت رجل لكسر ذراعيه والكمه ضربا لهذه الوقاحة .... وقال :
_ احترمي نفسك يا ليزا ! .... مش هسمحلك تغلطي فيها مرة تانية !
اجهشت الفتاة الشقراء بالبكاء وفجأة وجدها ترتمي بين ذراعية باكية بقوة .... ربت على كتفها وقال معتذرا :
_ أنا أسف خلاص بقا ! .... ما انتي االي نرفزتيني !
مسحت الشقراء وجهها بكتفه وتسببت بأثار واضحة من طلاء شفاها على ياقة قميصه دون أن يشعر ودون أن تقصد هي ذلك .... وابتعدت وهي تمسح عينيها قائلة بحزن :
_ سأعود إلى وطني بالقريب .... لا تنزعج مني ارجوك .
عطف يوسف على حالها وقال برقة :
_ قضي اجازتك معانا زي ما متعودة ... بس وانتي أختي مش حاجة تانية !
رفضت ليزا العرض وقالت بألم حقيقي :
_ لا جوزيف .... لن استطيع ، سأرحل اليوم من هنا .
قال يوسف بحدة :
_ هتروحي فين ؟!
اجابت ليزا بحيرة :
_ لا اعلم تحديدا .... ربما حجزت بفندق، أو استأجرت شقة أنا وبعض الرفاق حتى موعد العودة.
صمم يوسف على رفضه وقال بغيظ :
_ أنتي اتجننتي يا ليزا ؟! ... رفاقك دول اللي اغلبهم رجالة اسيبك معاهم في شقة واحدة أزاي ؟! ... قولتلك قضي أجازتك معانا عادي جدًا لحد ميعاد سفرك ... فين المشكلة ؟!
ضمته ليزا مجددا وهي تبكي قائلة :
_ أنت عين المشكلة جوزيف! ... طفلي الطيب المهووس بالطعام مثلي ... سأفتقدك كثيرًا كثيرًا...
ابتسم يوسف وهو يبعدها عنه قليلًا .. ثم قال بصدق :
_ هتلاقي احسن مني بكتير ما تقلقيش ... أنا مش احسن واحد !
أومأت رأسها بيأس وقالت بدموع :
_ لا اعتقد ... فقد بحثت بالفعل ولم أجد !
اطلق يوسف ضحكة وهو ينظر لها وقد ابتعد ليلتقط هاتفه قبل أن يخرج من غرفته ....ثم رافقته ليزا إلى الطابق الأرضي.
*******
عقب دخول فرحة إلى عملها الصباحي بقسم الأشعة أتتها أحدى الممرضات بطلب أصبح غريب بالنسبة لها .. فقالت بنظرة ماكرة :
_ زايد عايز يشوفك يا آنسة فرحة .... ومستني وصولك من بدري...
زفرت فرحة بغيظ وعصبية وقالت :
_ وبعدين بقا ؟! ... عايز إيه ده كمان على الصبح ! .. مش كنا خلصنا من الطلب ده ؟!
رفعت الممرضة كتفيها بمرافقة مطه طفيفة من شفتيها بعدم معرفة .... ثم غادرت .
ولم تكن فرحة بمزاج جيد بهذا الصباح لتذهب اليه وتستمعه بأحاديثه المريبة ! .... ولكن بذات الوقت هذا الرجل يزرع بداخلها نبته رهبة وفضول لمعرفته السبب الحقيقي لأهتمامه بها .... وأستعلمت عن وجود الطبيب فعلمت أنه لم يأتي بعد ... فقالت داعمة نفسها بمرر افتراضي :
_ هروح وأشوف أخرتها معاه إيه !
وعندما وقفت أمام باب غرفته شعرت ببعض التراجع يتسلل إليها ... وكادت أن تعود بالفعل حتى فُتح الباب فجأة !
وظهرت عينيه التي ظلل سهر الليل أجنحته السوداء حولها .... فرمقته بارتباك وهو يستند على عكازه ويقف ناظرا لها كأنه انتظرها من دهرا.
أخذ نفسا عميق وبدأ انفعاله الواضح يهدأ بعض الشيء ... وذلك العرق النابض بعنقه لم يهدأ بعد ... وذلك يبدو أنه يتظاهر بالهدوء فقط ولا يشعر به !
قال بنبرة آمرة :
_ اتفضلي اقعدي ...
نبرته مليئة بالتحكم كأنه اعتاد أن يأمر فيطاع ! .... فأحتجت قائلة :
_ مش هقعد واتفضل قول اللي أنت عايزه بسرعة ورايا شغل !
جلس ببطء على فراشه وبينما كاد يجلس أنزلق عكازه عبثا، ولكنه سيطر سريعا.... فهرولت فرحة اليه بقلق وقالت بتوتر :
_ أنت كويس ؟!
جلس زايد على فراشه وأخذ نفسا عميقا .... ثم رفع نظراته اليها ببطء .... عينيه محراب للعذاب والتيهة والفقد لشيء لا تعرف ما هو تحديدا .... نظرات رجل قوي ولكن هزمه الألم .... وغموض جعله جذاب لدرجة مريبة لا تنكر ذلك .... فابتعدت عنه قدر المستطاع وقالت بنبرة أكثر جدية :
_ قول عايزني في ايه لو سمحت !
تطلع بها لبعض الوقت في صمت وكأنه يدرس كل كلمة سيقولها ... ثم فاجأها قائلًا :
_ تبقي سكرتيرتي ... هديلك مرتب أضعاف مضاعفة من مرتبك هنا ... وامتيازات كتير كسكرتيرة في شركة كبيرة ... وسكرتيرة ليا خصوصا .... لو وافقتي.
شحب وجه فرحة من الصدمة وشعرت للحظة أنها تحلم ! .... لا يعقل أنه يعرض عليها هذا العمل الذي سيكون أغبى مخلوق لو رأى أنه يناسبها أو أنها ستكن كفؤة وجديرة به !
ما خلف هذا الرجل الذي سيقودها للجنون بقراراته هذه !
ولماذا يهتم بها لتلك الدرجة ؟!
********
قد عاد الفتيات لمائدة الأفطار مجددًا وجلسوا في أماكنهن مرةً أخرى .... بينما خيم صمت مربك على الجميع .... مع نظرات الشباب لهن بمكر وبعضها كان دافئ محب ورقيق.
أتى وجيه ومعه ليلى وهما يتشاركان مزحة وضحكة بسيطة .... ثم اجلسها ونظر للمائدة الخالية من وجود زوجته الأخرى .... فقال بعدما جلست ليلى :
_ فين جيهان ؟!
أجاب الجد رشدي :
_ لسه في أوضتها ما نزلتش !
نظر وجيه للحظات بصمت مطبق ، ثم قال بجدية :
_ هطلع أجيبها تفطر معانا.
ولم ينظر حتى إلى ليلى كأنه خشي معرفة رد فعلها .... فقد تجمدت بمقعدها وتكورت غصة قاسية بحنجرتها وغضب سرى بمجرى الدم ... ولكن بماذا أخطأ ؟!
بحقيقة الأمر هو لم يخطأ وتعرف ذلك .... لكنها لم تستطع تجاهل تلك المرارة والغيرة القاتلة عن ثنايا قلبها !
ابتسمت حميدة سرا لأنها اعتقدت أن يوسف ذهب عقب مغادرتها منذ قليل.... حتى تفاجأت بمن يهبط السلم وبجانبه تسير تلك الشقراء الغبية ....
وأين كانت قبل أن تهبط السلم ؟! ... ولماذا يأتي برفقتها ؟! ... أسئلة كثيرة طلت بمقدمة أفكارها وشنت حربًا من الحيرة والفكر والظنون السوداء.
حتى تفاجأ يوسف بوجود حميدة .... فقد ظن أن وقت الأفطار أنقضى بالفعل وذهب الجميع لمشاغلهم !
ولمحه جاسر وهتف مناديًا :
_ تعالى بقا كمل فطار ... طالما اللي عايزة موجود !
كان جاسر يشير بخفاء لوجود حميدة ... بينما لم تفهم حميدة سوى ما تراه ... حتى جلس يوسف قبالتها بوجه متوتر وشاهد فجأة اتساع عينيها باتجاه ياقة قميصه !
لاحظ جاسر مصب صدمتها والتفت ليوسف بجواره .... حتى ضيق عينيه على احمر الشفاه البارز بوضوح على طوق الياقة وقال بنظرة ماكرة :
_ أنت كنت فين يا يوسف وبتعمل ايه ؟!
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني والستون 62 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السابع_والأربعون.
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... موافقة مع وقف التنفيذ...~
صوب الجميع أنظارهم فجأة اتجاه يوسف الذي بدوره اضيقت عينيه بنظرة سريعة على ياقة قميصه الذي ولسوء حظه كان لونه فاتح على غير العادة بهذا الطقس البارد..!
وعلى رغم أن ليزا لم تقصد بالفعل طبع هذا الاثر المثير للشك على ملابسه .. ولكن عندما انتهبت له منذ قليل لم تثير انتباهه بل حمدت تلك الصدفة التي أتت لها على طبق من ذهب دون مجهود !
هز يوسف رأسه برفض وكأنه وصم بوصمة عار ستلازمه صداها طويلا ، ثم نظر لليزا بنظرة ملتهبة وغاضبة يريد منها دفاع عنه وعنها أيضا !.... ولكن هيهات !
فقط رسمت الدهشة على وجهها ببراعة تُحسد عليها، واطبقت شفتيها على بعضهما بحرج وكأن الصدمة جمدتها حقاً!
وهرعت نظرته بعدها اتجاه حميدة .... التي سقطت دمعة من عينيها بنظرة قاتلة من العتاب والاحتقار ... والصمت أيضاً!
فشعر بصمتها خطرًا أكثر من أي شعور آخر يلتمع بعينيها وهتف مدافعا بشراسة :
_ أنا ما عملتش حاجة ! .... أقسم بالله ما عملت حاجة !
فأوضحت ليزا وليتها ما فعلت :
_ أظن هذا أثر فمي عندما كنت أعانقك منذ قليل ! .... لا بأس تستطيع تبديل ملابسك سريعا وسأنظف هذا القميص بنفسي ... لا تقلق .
عقد الجد حاجبيه بتقطيبة حادة ونظرات اتهامية عنيفة ليوسف .... فانتفضت حميدة واقفة قائلة بصوتٍ على شفير البكاء :
_ بعد أذنكوا ... هفطر بعد شوية .
وتحركت خطوتين عن مقعدها حتى نهض شقائقها الفتيات خلفها دون كلمة .... فوقف يوسف قائلا بعصبية شديدة دون مواربة :
_ مش عايزك تظلميني يا حميدة .... اقسم بالله انا بريء من اللي في بالك ... طب أزاي ده هيحصل وهي المفروض أصلا أنها أختي في الرضاعة ! .... هي بتتصرف كده بس أنا ماليش ذنب في طريقة تفكيرها .... أنا بحبك وبحترمك في وجودك وفي غيابك.
نظر له الجد بنظرة متسعة حادة انتبه لها يوسف سريعا وقال مؤكدًا للجميع وبجرأة :
_ ايوة يا جدي أنا مش هخبي تاني ... وأنت عارف أني بحبها وطلبتها منك بدل المرة كتير ! ... ولو حتى أنا خاين فمستحيل ابص لليزا بالذات ! ..
انتفض جسد حميدة وهي تقف موالية ظهرها له وشقيقاتها الثلاث يحاوطنها كأوراق الزهرة المحاطة بأمان......
نهضت ليزا بنظرة منفعلة ليوسف وتلفظت بعدة كلمات انجليزية بعصبية ، فهتف بها يوسف بنفاد صبر وقال :
_ دلوقتي بتتكلمي بغير العربي ! .... طالما وصلت لكده ومافيش فايدة فيكي يبقى لو هختار حد يبقى موجود هنا .. تبقى حميدة .
صدمت ليزا صدمة حقيقية لا زيف فيها وقالت بدموع :
_ جوزيف !
هز يوسف رأسه دلالاة اليأس منها ومن أفعالها السخيفة وقال :
_ لآخر وقت كنت بعاملك زي أختي ونيتي سليمة معاكي .... بس كفاية كده يا ليزا .... استحملتك كتير وفهمتك أكتر ... وطالما مش شيفاني أخ يبقى لازم تعرفي أني مش شايفك ولا هشوفك أكتر من أخت ! ....
قال الجد مقاطعا بحزم :
_ روحي أوضتك يا ليزا دلوقتي ... بعد أذنك.
ركضت ليزا كالأطفال وهي تنتحب وتبكي وتتمتم بالكلمات الغير مفهومة .... تحرك يوسف حتى وقوف حميدة التي لم ينكشف رد فعلها له بعدما قال .... حتى وقف أمامها بنظرة ضيقة من العتاب واللوم والرجاء أن تصدقه .... فقال :
_ لو مصدقتنيش دلوقتي هتثبتيلي أنك عمرك ما حسيتي بيا ...أنا عملت عشان اكسبك حاجات كتير ومستعد اعمل أكتر ... بس وأنتي واثقة فيا .... وهطلبك من عمي وجيه النهاردة تاني... ولو رفضتي يبقى أنتي اللي قررتي النهاية يا حميدة .... أنا مش هحارب لأرض مش ملكي !
كانت نظرتها ثابته بعيدًا عن عينيه... وبعدما اتمم حديثه بنظرات صامتة تطلعت بعينيه بنظرة لم يفهمها ..... لم يفهم أن كانت اقتنعت أم لا زالت على غضبها !
التمعت عين الجد بابتسامة ... بينما نظر الفتيات لحميدة بنظرات بها بريق البهجة ... وعلى مائدة الطعام رفع جاسر يده واسندها خلف رأسه بابتسامة واسعة صامته فهمس له رعد بمكر :
_ يوسف علم علينا كلنا وطلع الصايع اللي فينا بجد! ... ده أنا نفسي حبيته !
رد جاسر بابتسامته التي يتلاعب بها المكر وقال هامسا :
_ المشكلة دلوقتي مش فيه هو ... هو خرج نفسه زي الشعرة العجينة بكلمتين ... المشكلة في اللي المفروض احنا نعمله دلوقتي ويكون مستوى وإداء أعلى من كده بالنسبة للي هببناه! .... اجيب ثبات عاطفي للموقف ده منين؟! ... حاسس اننا محتاجين نتهزأ !
وافقه رعد باقتناع تام :
_ أنا برضو حاسس كده! ....
نهض آسر من مقعده ووقف بجانب يوسف وقال مؤكدا :
_ يوسف مش بتاع الكلام ده يا حميدة ! .... وهو فعلا من زمان بيحاول يفير تصرفات ليزا بس كل مرة بتبقى اسوأ من اللي قبلها ! .... وبعدين دي ماينفعش يبصلها حتى بصة مش تمام ! .... ليزا أخته في الرضاعة يعني المفروض أن ده يبقى واضح مايحتاجش تفسير كده !
هتفت سما بغيظ له :
_ أنت جاي تعكها تاني ولا إيه ؟! ... ما صدقنا البت بطلت عياط !
وبعدين بصراحة يعني ما اتعودناش على التصرفات دي أحنا ! ... فطبيعي تبقى غريبة عننا مهما كان فيه سبب ليها ! ... وبعدين اخته أزاي وشفايفها طابعة لون على قميصه كده؟!
زم آسر شفتيه بنظرة غيظ صوبها وهتف :
_ مين اللي بيعك دلوقتي ! .... أنا ولا أنتي ؟!
تجاهل يوسف ما قالته سما رغم غيظه منها وقال لحميدة بقوة :
_ أنا وضحتلك كل حاجة .... وردك على طلبي هو اللي هيبقى الإجابة .... أنا مش عايز كلمة حلوة منك غير بالحلال لأنك ماتستحقيش غيره يا حميدة ..
همس جاسر بضحكة خافته لرعد :
_ اكتب يابني الكلمتين اللي في الآخر دول عندك ... هنحتاجهم بعدين..... كلام من الأعماق كده !
كانت ليلى بعيدة جدًا عن ما يحدث ... فقد شردت تمامًا في ما فعله وجيه اخيرا ... واستطاع موقف بسيط أن ينتزعها من كل شيء حولها مهما كان بالأجواء توتر وحدة..... ولكن أنتشلها صوت صغيرتها وهي تأتي مع مدبرة المنزل العجوز بعدما استيقظت من النوم بغرفة حميدة ...
وهتفت بلهفة وهي تمد ذراعيها للفراغ ... وكانت على يقين أنها ستجد من تريد بانتظار يدها الممدودة وقالت بابتسامة بريئة :
_ يوسفي ... يوسفي ..
استدار يوسف للصوت ... حتى ابتسم بمحبة صادقة وهو يرها تتلهف لذراعيه ، فتوجه لها سريعا وحملها بخفة همسا لها بتحية الصباح .... فاتسعت ابتسامتها لا إراديًا .
فاقتربت ليلى لأبنتها وقالت بعتاب :
_ مافيش صباح الخير يا مامي ؟!
شهقت الصغيرة ووضعت يدها على فمها بدهشة ...... ثم مالت بجسدها للأمام بلافته أن تأخذها أمها وكأنها بذلك تعتذر ..
أخذتها ليلى بضمة يملأها الحنان .... ثم جلست بمقعدها والتزمت الصمت تمامًا وعدم التدخل فيما يحدث .... فيبدو أن ما يحدث يُعد أمور خاصة لا يجب التدخل فيها، ريثما أنها فردا جديدًا بالعائلة ولا تحب أن يؤخذ عنها انطباع سيًئ بالحشرية.
كان آخر شيء قاله يوسف لحميدة قبل أن يغادر وكأنه بتلك النظرات يؤكد حديثه :
_ هستنى ردك يا حميدة .... ولو مكنتيش واثقة فيا ، أنا واثق فيكي.
وأرفق حديثه بابتسامة خاصها بها وحدها ... فازدردت حميدة ريقها وحاولت أن تخفي ما شعرت به فتحلت بالجمود والثبات ..... ثم غادر يوسف من أمامها وبعدها أخذت أنفاسها بإرياحية وقالت لأشقائها :
_ هروح اقعد مع أمي شوية ...
تركت الجميع وانطلقت نحو السلم اتجاه غرفة أمها مباشرةً...
قال الجد للفتيات الذي راقبوا حميدة وهي تصعد راكضة بابتسامة صادقة لما فعله يوسف من أجلها وأمام الجميع :
_ تعالوا يا بنات كملوا فطاركوا ....
رمى آسر نظرة عابسة نحو سما فتجاهلته الأخيرة تمامًا ..... تجاهل ليس عمدًا بل ببقعة مظلمة تنتظر شمس الشروق ..
******
خرجت جيهان من حمام الغرفة وهي ترتدي روبها الثقيل وشعرها مبلل بالماء .... ويبدو أن وجيه انتظرها حتى انتهت من الاستحمام الصباحي المنعش ... تفاجئت جيهان عندما رأته جالسا على مقعد بقرب الشرفة وابتسم لها عندما وقعت عينيه عليها ... وقال :
_ صباح الخير يا چي چي ...
رفعت حاجبيها لهذا الدلال الذي نادرا جدًا ما كان يستخدمه ... ولكن يبدو أن مزاجه جيد بدرجة مرتفعة هذا الصباح ... فأخذت تجفف شعرها بالمنشفة وهي تعرف سبب ما خلف تلك السعادة الملتمعة بعينيه وقالت بجفاء :
_ صباح الخير.
تقدم منها ونظراته تختبر جمودها هذا وقال :
_ عرفت أنك روحتي لريميه أكتر من مرة ... وكنت عارف أنك ...
قاطعته جيهان بتأفف والتفتت له قائلة بحدة بعدما القت المنشفة لى الفراش بعصبية :
_ غلطت وبصلح غلطتي عادي يعني ... مش عيب أننا ندرك غلطنا ! .... يمكن معرفتش اتكلم مع البنت بس حاولت على الأقل ....
وضع وجيه يديه على مرتفع كتفها وقال بلطف وبنظرة داعمة :
_ وأنا نسيت زعلي منك ... وجيت عشان تنزلي معايا نفطر كلنا سوا ... حضري نفسك بسرعة وتعالي معايا .
لم تصدق جيهان مدى الود والألفة الذي يتحدث بها ! .... لأول مرة تره يتحدث معها بتلك الرقة ! .... حتى أن ابتسامته كانت حقيقية ليست مصطنعة للمجاملة .... ترددت ابتسامة على شفتيها وقالت :
_ طب دقيقتين وأخلص ... هتستناني ولا هتنزل ؟
هز رأسه بجدية وقال :
_ لأ هستناكي طبعا ... طالما دقيقتين !
وابتسم ابتسامة واسعة جعلتها ترد عليه بمثلها وركضت ترتدي أجمل ما في خزانتها .... وعلى رغم أنه لم ينافق في لطفه معها ... ولكن الحقيقة أن سعادته هذه خلفها ليلى فقط.... ولم تفي جيهان بعهدها وتأخرت اكثر بكثير مما قالت ... ولكنه لم يتأفف وانتظرها حتى انتهت .
وانتهت جيهان أخيرا من ارتداء فستان طويل ولكنه يجسم تفاصيلها بعض الشيء .... ويبدو أنها لم ترتديه عبسا !
واطلقت خصلات شعرها الذهبية على كتفيها كالموجات المتلألأة ... كأنها أحد خيوط الشمش بإشراقتها هذه المدهشة ... وبدت كأنها ذاهبة لمناسبة وليس لفطور صباحي عائلي !
وتأبطت يده وهي تسير برفقته في الرواق وعلى شفتيها ابتسامة صافية، وتهمس بكلمات عشوائية من هنا وهناك... وشعر وجيه ببعض الغرابة من تصرفها ... ولكنها تبدو متعمدة بكل هذه النظرات الشاعرية التي ترمقه بها ... وبدأ يشعر بخيوط الكيد تلتف حوله ..
******
وعلى مائدة الأفطار خيم الصمت على الجميع بانتظار وجيه وجيهان .... وكان لهب مستعر يأكل قلب ليلى بكل لحظة وشيطانها يوسوس لها بأشياءً كانت توقد بقلبها الجمر ... وأن استمرت تفكر هكذا سيقودها الأمر لأن تصعد وتذهب لغرفة جيهان بنفسها وتجرها غضبا..
حتى قالت سما بتمتمة :
_ عمي وجيه نزل .
فالتفتت ليلى سريعا نحو السلم لترى ما يؤكد كل ظنونها ... فضاقت نظراتها عليه بعينيها التي تبرقان من الغضب الصامت ... وتمادت جيهان في دلالها وهي متمسكة بذراع وجيه وتهمس له ضاحكة بنعومة وتعمد.... مظهرها وكأنها هي العروس ! ... أو قصدت أن تبدو كذلك!
ابتلعت ليلى غصة حارقة بحلقها وابعدت عينيها عنهما ... بينما وجيه عبس وجهه ولم يغفل عن نظرتها هذه .... وكتم تنهيدة ضائقة ..
القت جيهان بضحكة مستفزة تحية الصباح على الجميع ، ثم جلست بجانب الفتيات الثلاث وتحديدا بمقعد حميدة الفارغ وتركت المقعد الفارغ الذي يقرب لمقعد وجيه لليلى وقالت وهي تبتسم لها بخبث :
_ أنتي العروسة يا ليلى اقعدي جانبه النهاردة ...
اجفل وجيه للحظة من مدى خبث جيهان والشك التي تلقيه برأس ليلى ... وأن كان هذا الشك من أحد حقوقه ولكن لن تتفهم أنثى هذا الحق أبدًا ....
وجلس وجيه بقرب مقعد ليلى التي نظرت أمامها بجمود وعينيها تحبس فيهما عواصف من الغضب والدموع .... فتسحبت يده اليمنى لأسفل الطاولة ولمس يدها التي تسند ظهر صغيرتها ... فدفعت يده بعيدًا بعصبية ولم تنظر له ... وهنا نظر لها بنظرة ضيقة عصبية وتأكد من حدسه ...
راقب الجد هذا بصمت وفهم ما يحدث فنظرة لوجيه نظرة ذات مغزى بأن يهدأ ويحاول وزن الأمور ولا يغضب....
زفر وجيه زفرة غاضبة ثم اخذه انتباهه بعد ذلك نظرات الشباب الثلاثة الشاردة .... فجاسر وكأنه بنظرته للكوب أمامه بشرود يقرأ كتاباً شيقا ويندمج كليًا .... ونظرة رعد وآسر لم تكن أقل منه ! .... فقال متسائلا :
_ في إيه مالكوا ساكتين كده ؟!
قال جاسر وخد خرج من شروده :
_ يوسف عايز يكلمك شوية بعد ما تفطر يا عمي ... وأحنا كمان .
خمن وجيه لأي شيء سيتحدثون فيه ، فاختلس نظرة سريعة لوالده فهز الجد رأسه بأنه ذات الأمر .... ففهم وجيه المقدمة اقلا وقال بموافقة :
_ تمام ... بعد الفطار نتكلم .
حاولت ليلى بعصبية أن تجعل الصغيرة تشرب الحليب الدافئ بعض الشيء ... ولكن هتفت الصغيرة برفض ونفور قائلة :
_ مش عايزة أشرب لبن بقا مش عايزة ....
هتفت بها ليلى بعصبية رغما عنها :
_قولتلك اشربي اللبن ! ...
وضعت الصغيرة يدها على عينيها بتذمر وهي تهز رأسها بالرفض .... فزفرت ليلى بحدة وغضب ، قال لها وجيه بنظرة دقيقة لمدى غضبها التي تصبه على الصغيرة :
_ براحة يا ليلى .... هاتي البنت.
قالت الصغيرة بتصميم :
_ عايزة بابا وجيه ... مش عايزاكي أنتي .
أخذ وجيه منها الصغيرة ولمست يديه يدها قصدا لكي تهدأ .... ثم همس بأذن الصغيرة بكلمات جعلها تضحك بقهقة ... ثم همست له بشيء أيضا جعله يكتم ضحكة.
فقالت الصغيرة بتصميم له:
_ قولها بقا ....
أشار وجيه لليلى لكوب الحليب وقال لها بنظرة مشاكسة :
_ أشربي اللبن الأول عشان ريميه تشربه هي كمان .... احنا اتفقنا.
اتسعت نظرة ليلى بصدمة ونظرت لكوب الحليب وكأنه ليس مشروب مفيد ولذيذ بل كأنها ستسير على الشوك .... وللتو علم وجيه أنها مثل صغيرتها لا تحب الحليب نهائيًا... وتأكد أنها بالغد كانت تشربه رغما عنها لكي لا يدرك الأمر ويسخر منها .
هزت ليلى رأسها برفض طفولي وابعدت كوب الحليب عنها :
_ لأ مش هشربه تاني بقا، كفاية امبارح شربته غصب عني ...
دفنت الصغيرة رأسها بصدر وجيه وهي تنفجر بالضحك، واستقبلها وجيه بضمة وهو يضحك ويشاركها في المرح على تصرف ليلى الذي يشبه تصرفات الأطفال المتمردة... وتوجه الجميع بابتسامات نحو الصغيرة ... حتى جيهان لم تستطع مقاومة ابتسامة وهي تنظر للصغيرة بعاطفة قوية ...
اخفت ليلى ابتسامتها التي ظهرت عنوة عنها، ورسمت الغيظ على وجهها ثم قالت :
_ بتضحكي على مامي ؟!
هزت الصغيرة رأسها بالايجاب وقالت :
_ ايوة
وارتفعت ضحكاتها مرة أخرى .... تامل وجيه الصغيرة بمحبة شديدة وهي تضحك ثم قبل رأسها بحنان ... وتلك اللافته كانت كفاية لإذابة غضب ليلى وتبدل ضيقها لابتسامة شقت ثغرها واستقرت.
********
كانت غرفة وداد بالمشفى رغم هدوئها الذي جعلها وكأنها تبدو بزاوية بعيدة عن جميع الغرف بالمشفى ....ولكنها امتلأت بشحنات من الارتباك والتوتر ....
وتأمل زايد وجه فرحة وراقب تعابيرها عله يستشف مدى موافقتها أو حتى رفضها .... فتساءل باهتمام شديد :
_ رأيك إيه في اللي قولته ؟
أومأت برأسها ساخرة وقالت :
_ أنت قولت إيه ؟! .... كلامك مافهمتش منه شيء غير أنك شايف يعني أني لو وافقت هيكون وضعي المادي أفضل !
ممكن أعرف أنت ليه مهتم كده بوضعي ؟! .... شايف إيه في شغلي يخليك تقول أنه مش مناسب ليا ؟!
ابعد زايد عينيه عنها ثم نهض وهو يستند على عكازه واستطاع بسرعة أن يتمالك ميل بسيط ... ثم بخطوات بطيئة تبدو متعبة من صوت أنفاسه المسموع تقدم للنافذة ووالها ظهره ... كأنه لا يريد أن ترى شيء على وجهه وهو يجيبها .... وقف أخيرا شاحبا .... وقال بنرفزة وعصبية :
_ بعد موقف أخوكي وتنازله عن المحضر نظرتي اتغيرت فيكم ... أظن مش غريب اعرض عليكي أي عرض واحاول اسدد الدين ده .... واعتبري كمان أن دي كلمة اعتذار على اللي عملته معاكي قبل الحادثة... رغم أنك خدتي حقك وقتها وزيادة وسيبتك ومارضيتش أذيكي!
أشار بحديثه للجرح التي تسببت فيه لقدمه قبل الحادثة مباشرةً .... فقالت بثبات :
_ وأنا شايفة أن الموضوع خلاص أنتهى وأخويا اتنازل ومابقاش في شيء نتكلم فيه ... وأنت مش مطالب بأي شيء، وأظن التنازل ده كان هدفك من البداية ... وحصل ! ، عايز إيه تاني ؟!
كانت تشعر أن إجابته ليست مكتملة ... وأن السبب الحقيقي لم يقال بعد ... فالتفت لها بنظرات يتطاير منها الشرر والغضب قائلا :
_ مش عايزك تفضلي هنا ... هنا مش أمان ..!
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بشيء من الاستهزاء :
_ يعني هنا مش أمان .. ولما اكون في شركتك وسط موظفين اغلبهم رجالة ساعتها هكون في أمان ؟! ...
اسودت عينيه ونطق بنظرة شرسة، ولم يعرف كيف تستطع اشعال النار بداخله بتلك الدرجة ... فقال بصرامة وشدة :
_ هي دي الحقيقة رغم أنك مش مصدقاها.... وبعدين محدش يجرأ يبصلك وأنتي معايا ...
ابتعدت خطوة للخلف وتراجعت عندما هتف بغضب بهذا العنف... ورغم أنها بوضعها هذا أسرع حركة منه، ولكنه مع كل هذه القيود حوله يبدو خطرا بشكل مخيف !
قالت فرحة بارتباك شديد وخوف مجهول من شيء بعينيه يعثر كلماتها ويربكها :
_ لو حد المفروض ماكونش حتى قريبة منه يبقى أنت ... مستحيل أوافق طبعا ! ... لأن عمري ما هحس بأمان في مكان أنت موجود فيه .. وكمان بتملكه !
امتلأت عروقه بالدماء الحارة التي جعلته غير متحكم بأعصابه والقى ما عرفه عن أمجد بوجهها وقال :
_ لكن هتوافقي تتجوزي واحد بيستخدمك ضد واحدة تانية بيحبها ؟! .... مش بيحبك أنتي أفهمي بقا ! ...ماتستغربيش أني عرفت ، أنا عرفت وعرفت عنه كل شيء ، في ساعة زمن تاريخ حياته كله كان عندي ... ولو أنتي وافقتي بعد اللي قولتهولك ده تبقي غبية وعايزة صدمة اكبر عشان تفوقي !
تجمدت فرحة من الصدمة وتخشب جسدها تحت وقع كلماته على أذنيها ! ..... رفضت أن يكن هذا ما بنفس أمجد اتجاهها وصرخت رافضة ...حتى طفرت دموع عينيها فجأة:
_ أنت كداب وبتألف قصة غبية زيك عشان توصل لهدفك !... ما تخيلتش أنك حقير للدرجة دي وممكن تعمل أي شيء عشان بس توصل للي عايزه ! .. حتى لو هتدمر حياة حد عادي المهم أنت وبس ... أنت فعلا حقير ومش بني آدم..!
هز رأسه بيأس وسخرية مريرة وقال :
_ مش أنا اللي غبي ومش أنا اللي حقير ... ورد فعلك كنت متوقعه ! .... لو الحب أعمى فأنتي مش بس مش شايفة عيوبه ... أنتي مش شايفة حاجات كتير حواليكي !
والتمعت عينيه بشيء غامض ....فصرخت به مقاطعة بعنف ادهشه وصاحت وهي تبكي وتشير له بتحذير :
_ أنا مش هسمحلك تدخل في حياتي أكتر من كده ... ولو حصل وطلبت من حد في الممرضات أني اجيلك أو وصلني أنك بتسأل في أي شيء يخصني مش هيعجبك رد فعلي وقتها .... أنت اكيد مريض نفسي ... أنت لا يمكن تكون انسان طبيعي بتصرفاتك دي ! ... ليه مهتم بحد بيكرهك ومش بيطيق يشوفك أبعد عني بقا !
اصبحت عينيه كالجمر المتقد، والتمع جبينه من حبيبات العرق كأنه ينبض بالحمى ! .... وبإشارة غير مقصودة اطرقت عقر أزمته النفسية التي لم تضمد جراحها للآن.... وصاح بعنف :
_ اطلعي برا ... مش عايز أشوفك تاني.... أطلعي برا .
رمته بأقسى نظراتها قبل أن تفر هاربة من تلك الغرفة اللعينة هذه وصفقت الباب خلفها بعصبية ... فتصاعدت دقات قلبه داخل صدره المرتفع صعودا وهبوطا ... حتى أخرج هاتفه الخاص من جيبه وأجرى مكالمة سريعة على أحد رجاله وهتف به بنبرةً عنيفة الغضب :
_ ابعتلي عربية على المستشفى وابعتلي حد يخلص الحساب عشان هخرج النهاردة ...
والقى أمر لا يقبل الجدال فيه وأغلق الأتصال بعدها .... ثم دفع الهاتف على الفراش بغضب وهو يتلفظ الشتائم من غبائها ومن قلبه الأغبى منها .... قلبه الذي خلف جميع هذا الأهتمام ! ... وخلف هذه الرغبة النتوحشة بقربها.
********
ركضت فرحة بالرواق الطويل بالمشفى حتى وجدت غرفة فارغة من أي مخلوق .... فدخلتها وما أن جلست على أحد المقاعد حتى اطلقت لدموعها العنان ....
لا يمكن أن يفعل بها أمجد هذا ويستغلها لهذه الدرجة ...... لو كانت مقتنعة بهذا لما الدموع الآن ؟!
أم أن حديث زايد أطرق بقسوة على أحد شكوكها بأمجد ؟!
حينما عرض عليها الزواج وبعدها بلحظة ارتبك لمعرفته بمجيء أحدى الممرضات من إجازتها !
لا يعقل أنه بلا ضمير لتلك الدرجة ويستغل أعجابها به ! ...
وقفت فرحة تمسح عينيها وقالت داعمة نفسها بعدما استجمعت بعض قوتها :
_ لأ ... مش هصدق أي كلام لحد ما اتأكد بنفسي ... مستحيل أمجد يكون كده ويستغلني ضد واحدة تانية !
اقنعت نفسها بهذا المبرر وتأكدت أنها جففت عينيها جيدًا من الدموع قبل أن تخرج من الغرفة .....
********
شرحت حميدة لأمها كل شيء ... وظلت الأم تستمع لها بصمت ولم يبدو على وجهها سوى بعض العصبية ببادئ الحديث فقط .....
وختمت حميدة شرحها بحيرة وقلق :
_ مش عارفة أعمل إيه يمه ؟! ....
ربتت الأم على يدها بابتسامة خبيثة وقالت :
_ صدقيه ... واضح أنه مش كداب ، جدك كلمني امبارح عنه وجالي هنا مخصوص .... الواد ده اطيب واحد في ولاد عمامك ومالوش في اللف والدوران .. بس استني برضو ما تقوليش رأيك خالص دلوقتي ودوخيه شوية ....
وهنا كانت ستتحدث حميدة حتى انتبهت لطرق على الباب .... فاحكمت وداد حجابها على رأسها قبل ان تفتح حميدة الباب وتجد عمها وجيه يقف بوجه مبتسم أمامها ..... وقال باستأذان :
_ ممكن ادخل اتكلم معاكم شوية ؟
ارتبكت حميدة بعض الشيء وأجابت وداد عنها :
_ اتفضل ادخل يا دكتور وجيه .
دلف وجيه للغرفة وهو يقول لزوجة أخيه الراحل بلطف :
_ بلاش دكتور دي يا أم البنات ... أنتي مرات أخويا الكبير الله يرحمه، يعني قوليلي وجيه على طول ... أحنا أهل.
ابتسمت له وداد بمودة وأجابته :
_ ربنا يديم لمتكم يارب .... اتفضل اقعد متأخذنيش مش قادرة أقوم اسلم عليك .
رد عليها بابتسامة صادقة :
_ ولا يهمك ...
جلس على مقعد قريب وأشار لحميدة أن تجلس بجانبه على مقعد آخر ..... وفعلت ذلك وبدا عليها الحرج الشديد .... ثم بدأ حديثه قائلا :
_ أنا عرفت أن يوسف عايز يكلمني بس بصراحة جيتلك أنتي الاول يا حميدة .... يوسف مش محتاج منه دفاع أو مبررات لأني حافظه وفاهمه ... ده أبني ... وتربيتي.
ارخت حميدة عينيها التي ظهر فيهما الدفء ، فتابع وجيه ولم يغفل عن نظراتها هذه واستبشر بها قائلا :
_ بس بالأمانة أنتي مصلحتك تهمني أكتر من محبتي ليه ..... ودي حقيقة مش قابلة للجدال أو الشك ... عشان كده عايزك توافقي .... يوسف من غير مجاملة اصدق واحد في ولاد أخواتي ... وعمره ما كدب عليا أو في أي شيء ..... وافقي وأنا ضامنهولك...
تسللت نظرة مشرقة من عينين وداد لأبنتها التي تخضب وجهها بالأحمر .... ارتبكت حميدة وقالت وهي تخفي ابتسامتها وتحاشت النظر لوجيه :
_ اديني وقت أفكر يا عمي ... كام يوم كده وهقولك رأيي.
ابتسم وجيه بمكر وهو يرى ابتسامتها التي ترف على ثغرها وتحاول أخفائها بحياء .... فنهض وقال لوداد :
_ متخافيش على البنات ، أنا مش هقول كده غير وأنا واثق من رأيي ... يوسف هيشيلها في عنيه وبكرة تتأكدي من كلامي.
قالت وداد له بابتسامة مشرقة من سعادتها :
_ أنا متأكدة ... ومافيش كلام بعد كلامك ... زي ما أنت واثق فيه احنا واثقين فيك وفي رأيك ...
ابتسم وجيه لحميدة ورفع وجهها اليه المتورد بحياء وقال بمحبة :
_ شكلنا هنفرح قريب يا حبيبتي ....بس برضو هسيبك تفكري وتقوليلي رأيك .
ابتسمت حميدة بحياءًشديد وهي تنظر له ، فضمها وجيه بحنان ثم همس لها قائلا بضحكة ومشاكسة :
_ يوسف لو ما اتجوزكيش ممكن يمتنع عن الأكل وده بالنسباله كارثة ... ارحمينا من زعله مابحبش أشوفه جعان !
ضحكت حميدة على هذه المزحة بينما قلبها وكأنه قفز فرحا، فضمها عمها وجيه اليه مربتا بمحبة وابتسامة واسعة ... وبعدها خرج من الغرفة متوجها لجناحه الخاص بالطابق الثالث ....
وبعدما وصل لعند السلم وكاد أن يرتقي درجة واحدة أوقفه يوسف باعتذار وأردف بتوتر :
_ أنا أسف يا عمي .... بس محتاح اتكلم معاك شوية.
أخفى وجيه ابتسامته وقال بمراوغة :
_ قول عايز ايه ؟!
ومن لهفة يوسف للحديث لم ينتظر لذهابه بمكان مناسب للتحدث فيه عن هذا الممر العلوي من الطابق الثاني .... وقال بجدية :
_ أنا عايز اتجوز حميدة بنت عمي .... واكيد انت عرفت اللي حصل مع ليزا النهاردة .... وبصراحة أنا مش عارف اقنعها أزاي ..... وعايزك تتكلم معاها وتطلبهالي يا عمي ... أنت اكتر واحد يقدر يقنعها أني مش كداب، وأني.....
قاطعه وجيه وقال بابتسامة :
_ طلبتهالك يا يوسف ... كلمتها دلوقتي واللي ربنا قدرني عليه قولته في حقك ...
اتسعت عين يوسف بدهشة ... ثم ابتسم وقال مذهولا وغير مصدقا :
_ وهي وافقت ؟
أجاب وجيه بصدق :
_ من حقها تاخد وقت تفكر ..
سأل يوسف بلهفة شديدة وقال :
_ ايوة صح ... بس هي صدقت يعني أني بريء ؟ ... حسيت يعني أنها هتوافق ؟
غمز وجيه له بابتسامة ماكرة وهو يضع يديه بجيوب بنطاله في ثقة عالية ... فقفز يوسف هاتفا بسعادة كسعادة الصغار وارتمى عليه مقبلا رأسه ووجه وهو يهتف بسعادة :
_ بحبك يا عمي ... بحبك، بحبك، بحبــــك .... أنا مش عارف اعملك ايه ؟! .... هبوسك تاني ...
وقبله يوسف بضحكاته المرحة من خده ومن راسه ، فارتفعت ضحكة وجيه وهو يبعده قائلا بتهديد يتخلله المزاح :
_ بلاش غباوة يا يوسف .... كفايـــة !
نظر له يوسف وبالكاد توقف عن موجة الضحك وقال :
_ فرحان يا عمي والفرحة مش سيعاني .... ده جدي نفسه مقدرش يقنعها !! ..... أنت مش عارف الخبر ده فرحني أد ايه ؟! ... أنا ما فرحتش كده في حياتي !
ضربه وجيه ضربة خفيفة مازحة على ذراعه وقال بابتسامة عريضة :
_ أنا عشان عارفك روحت كلمتها لأني متأكد أنك طيب وهتحافظ عليها وهتصونها ... أوعى تقصر رقبتي بقا وإلا مش هرحمك !
هز يوسف رأسه بعدم تصديق وقال بصدق :
_ تعبت أوي على ما وصلتلها وطلعت عيني ... وأنا والله كنت ناوي جد من أول مرة شوفتها فيها ... ولما عرفت أنها بنت عمي فرحت بجد ... بس الظروف هي اللي كانت ضدي أنما أنا شاريها من زمان والله العظيم.
كان وجيه يصدق أي شيء يقوله يوسف فهو لم يختبر كدبه أبدًا ولم يرى منه سوى الصدق دائمًا .... فقال مطمئنا:
_ مصدقك .... وأن شاء هنفرح بيكم قريب.
ضمه يوسف بمحبة شديدة ... ثم توقف وقال :
_ طب وأخواتي يا عمي .. مش ها
قاطعه وجيه باعتراف :
_ مش هقدر اعمل معاهم اللي عملته معاك يا يوسف ... هما اللي لازم ياخدوا الخطوة دي بنفسهم، لأني بصراحة مقدرش اضمنهم زيك .... بس ما تقلقش أنا ليا اساليب تانية أقدر اتدخل بيها في الوقت المناسب ... بس لما اتأكد انهم جاديين ومصميين .... خلينا دلوقتي فيك أنت وحميدة ... مبروك مقدمًا يا حبيبي .
كانت إجابة يوسف ضمة أخيرة وقوية قبل أن يذهب ليستعد للأحتفال .... وبالطبع الأحتفال الذي يقصده طبق حلوى متنوع .....
********
دخل وجيه غرفته بالطابق الثالث وعلى وجهه ابتسامة واسعة لم تختفي منذ أن راقب يوسف وهو يركض على الدرج ضاحكا مستبشرا وسعيدا بهذا الخبر.....
عقدت ليلى يديها حولها بعصبية وهي تجلس بمقعد في شرفة الغرفة وقالت بغيظ :
_ أنت كنت بتنبهها على الغدا ولا إيه ؟! .... زي ما عملت في الفطار كده !
تقدم وجيه نحوها بابتسامة ماكرة وبخطوات بطيئة .... ثم أوقفها وجذبها اليه بغتةً وهمس لها بتهديد خطر قائلا :
_ بقا أنا امسك ايدك وتبعديها ؟! ... يتعمل معايا أنا كده ؟!
نظرت بغيظ وقالت بحدة :
_ اتأخرت على ما نزلت ليه ؟!
رفع وجيه حاجبيه تعجبا وقال :
_ وحتى لو اللي في دماغك دي مراتي ماتنسيش ! .... مع أنه محصلش وكنت مستنيها على ما تجهز .... بس آخر مرة تتكلمي بالشكل ده يا ليلى ... أنا مكنتش هسمحلها تسألني سؤال شخصي زي ده !
قالت بعصبية وعينيها تلتمع كالهرة :
_ اومال سمحتلي ليه ! .... خلاص ماكونتش تقول !
اتسعت ابتسامته بخبث وهمس بأذنيها :
_ عشان عارفك عصبية ومجنونة ... ومجنناني معاكي... بلاش تقلبيها نكد بقا واعقلي ..
ابتعدت عنها وارتفع غيظها منه وهي تقول :
_ آه ما اقلبهاش نكد .... عادي يعني ابقى عارفة أنك مع واحدة تانية وأفضل هادية....
قال وجيه بجدية :
_ ما هي الواحدة التانية دي مراتي مش من الشارع ! .... واحد وقاعد مع مراته شوية ايه اللي يزعل مراته التانية بقا ؟!
انتظر لحظة وهو يفكر فيما قاله، ثم انخرط بالضحك خاصةً عندما التفتت ليلى له وعينيها مليئة بالغضب .. فقال معتذرا وهو يضحك :
_ لأ تزعل ... أنا أسف.
ولأجل أن يصرف ذهنها ولو قليلًا عن هذا الغيظ ...قال :
_ فرحت أوي أن ريميه بدأت تخرج من الحالة اللي هي فيها .... بس برضو حاسس أنها لسه خايفة .. لما بتقعد لوحدها بلاحظ أنها بيبان عليها الخوف والذعر من شيء مش قادر أفهمه.
تقبلت ليلى تغيير الحديث وأجابت عليه قائلة :
_ أنا برضو اخدت بالي من كده ... بس مع الوقت بأذن الله هتطمن وتبطل تخاف .... ومبسوطة أنها بدأت ترجع تلعب تاني ...
اقترب منها وجذبها مجددًا بلمسة رقيقة ثم قال مؤكدا بأطمئنان :
_ يمكن ده ساعدها فيه يوسف ... هو بيبقى حنين أوي مع الأطفال وبيحبوه بسرعة ...
قالت ليلى متذكرة ما حدث اثناء الطعام وقالت باهتمام :
_بمناسبة يوسف .... أنا ماحبتش اتدخل لما حصل اللي قولتلك عليه وقت الفطار ... بس حاسة أنه مظلوم ، وبرضو حميدة عندها حق تزعل وتغير... أنا لو مكانها كنت اتجننت !
ضحك وجيه وهو يمرر يده على شعرها بمشاكسة وقال بتأكيد :
_ آه عارف ومجرب .... وفعلا هو مظلوم وليزا بتستعبط .... بس الحمد لله أن حميدة تفهمت الموقف وهنفرح بيهم قريب بأذن الله ....
ابتسمت ليلى بصدق لهذا الخبر السعيد .... ثم قالت بلهفة :
_ وجيه .. عايزة اروح أطمن على بابا ... عايزة أشوفه .
نظر لها وجيه بنظرات بها محبة شديدة وقال موافقا :
_ حضري نفسك على ما استعد ونروح نزوره دلوقتي ... بس على العموم جدك جانبه وحالته مستقرة وفي تحسن ... أنا بطمن عليه على طول وبتوصلني أخباره بالتليفون .... واحتمال كبير يفوق قريب بأذن الله...
تنفست ليلى بتنهيدة اطمئنان وابتسامة .. وهمت راكضة لتعد نفسها للخروج ...
*********
أعد يوسف طبق كبير من الحلوى ... ولكي لا يكسب وزنا زائدًا ذهب ليتذوقه في قاعة الألات الرياضية ليبدأ بعض التمارين عقب فترة من الطعام ...
وهناك كان يوجد الشباب الثلاث وكلا منهم يطلق لجام عصبيته في أحد التمارين ..... وجلس يوسف يتذوق الحلوى بشهية عالية ... فاستدار إليه الشباب الثلاث في نظرات دهشة من استمتاعه وسعادته الظاهرة رغم ما حدث!! .... فقال جاسر باستغراب :
_ أنت ليك نفس تاكل ؟! .... فكرتك هتضرب عن الطعام !
وإثر حديث جاسر قال رعد بنظرة ضيقة ومتشككة :
_ هو في جديد أحنا ما نعرفهوش ولا إيه ؟!
رد آسر بابتسامة ماكرة :
_ واضح أن السناجل البؤساء اللي هما احنا هينقصوا واحد يا شباب ...
رفع يوسف رأسه ونظر لهم الثلاث لبعض الوقت ... ثم قال ليغيظهم :
_ عشان تعرفوا بس أن اللي ضميره سالك وماشي عدل ومش دبش الطرق بتتفتح قدامه .... عمي كلم حميدة وطلب ايديها ليا ..... وهي تقريبًا وافقت بس طلبت وقت تفكر ... أنا متأكد أنها موافقة بس بتتقل عليا .... بس أنا راضي وعلى قلبي زي الكيكة اللي باكلها دي.
نظر الشباب الثلاث لبعضهم في نظرات ماكرة مبتسمة .... وقال رعد بنظرة انتصار :
_ بما أن جدي سافر البلد من شوية ومافيش غير عمي وجيه .....يبقى كده عرفنا الطريق اللي هنوصل منه ليهم ...
قال يوسف وهو يبتلع ما في فمه :
_ ما انتوا لو كنتوا سمعتوا كلامي من البداية كان زمانا على الاقل مكتوب كتابنا دلوقتي .... يافقر منك له ، أنما الحمد لله أنا وصلت لبر الأمان بأصراري وسلكاني.... تلبس بس الدبلة وهمسك فيها بإيدي وسناني ..
قال جاسر بسخرية :
_ طب ما تنصحنا يمكن نلحقك لبر الأمان يا أخ يوسف ! .... على أخر الزمن الجأ لنصايح اعبط واحد فينا !
وهجم جاسر على يوسف متوعدا بتهديد :
_ عارف لو ما روحتش وكلمت عمي وجيه عشان يكلمهم ويعمل معانا زي ما عمل معاك هعمل فيك ايه ؟
سأل يوسف بفضول وهو يبتلع الحلوى غير مكترث :
_ ايوة هتعمل ايه بقا ؟
قال جاسر بابتسامة ماكرة وهو ينسخ كذبة في مخيلته سريعا ليهدد بها يوسف:
_ هروح أقول لحميدة أنك متجوز عرفي ومخلف اتنين وراميهم في ملجأ.... وهي هبلة وهتصدق.
اجابه يوسف مجابها تهديدا بتحدي وقال بضحكة :
_ لو عايزني اعترف بعيالي ... روح هاتهم من الملجأ...!
____________________________________
#رحاب_إبراهيم_حسن
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
النت قطع أنا اسفة ولسه جاي دلوقتي ❤
وعلى فكرة استغليت ده وطولت الحلقة ودي تقريبا حلقتين مع بعض ❤🥰
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث والستون 63 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثامن_والأربعون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... لحظة عصبية...~
هتف رعد بجاسر ويوسف حتى يتوقفا عن المزاح والتحدي الغير مُجدي هذا ! .... ثم قال بجدية ليوسف :
_ اظن أحنا كمان من حقنا ناخد الفرصة اللي أنت خدتها يا يوسف .... كان نفسي عمي يعملها ويجمعنا كلنا مرة واحدة.
مط يوسف شفتيه بسخرية وقد تذكر موقفه الاساسي والذي كان السبب في كل ما يحدث .... وقال بغيظ :
_ أنت مش دكتور نفسي أنت مجنون وعايز تتعالج ! .... اللي أنت بتقوله ده هو اللي جدي كان عايز يعمله وحضرتك عكيت وطولت لسانك وعندت لحد ما وصلنا لحيطة سد كلنا ! .... دلوقتي عايز عمي يعمل كده؟! ... يا بجاحتك يا أخي !
وتابع بتفسير به بعض العصبية وهو ينهض ويقف أمامهم ويشير بأصبعه عليهم :
_ لأني كنت واضح من البداية عمي ساعدني ... أنما انتوا مافيش واحد فيكم انتوا التلاته كان فاهم نفسه اصلًا عشان يوضح لغيره ويفهمه! .... وأظن عمي أذكى من أنه يحاول يعمل شيء من وراكم حتى لو عارف انكم عايزين كده .... طالما عايزين تاخدوا قرارتكم لوحدكم يبقى شيلوا بقا وكل واحد يصلح اللي كسره !
امتلأ صدر آسر بالعصبية ... فكان موقفه أقرب إلى موقف يوسف تحديدًا دون عاطفة واضحة مثله ... فقال بضيق :
_ أنا كنت زيك على فكرة ! .... ليه بيعاقبني معاهم ؟!
نظر يوسف لآسر بنظرة وكأنها تذكر آسر بمدى فظاظته خلال الإقامة بالقرية الريفية ... وقال ملمحا :
_ أنت يا آسر موقفك أنت بالذات كان غريب .... لا مع ولا ضد ! .... مكنتش موافق على قرار جدي ، ولا رافضه برضه ! .... لحد من ساعات قليلة قبل ما تعرف موضوع وائل كنت متردد !
يبدو أن لا أحد سيفهم عمق المشكلة الأساسية التي يمر بها آسر ... حتى أقرب شباب العائلة له لم يفهمه أيضا! .... فقال وكأنه نفد صبره من الحديث بهذا الشأن :
_ مكنتش متردد !، مشكلتي معاها من البداية أني مكنتش عايز أحب تاني ... بس غصب عني لقتني بفكر فيها ، عايز أشوفها وملهوف أوي... عايز اتكلم معاها معرفش ليه ! ... اتكلم في أي شيء حتى لو هنتكلم هتطبخ إيه النهاردة! ...
ولاحت ابتسامة خفيفة على ثغره وعينيه كأنها تنسخ خيوط أيام مضت أمام عينيه .... واستطرد قائلا:
_فضلت اكدب في نفسي لحد ما رجعت القاهرة ورجعت حبيبة تتواصل معايا .... وقتها بس عرفت أني محبتش غير سما ...تخيل!! .... عرفت أن ده الأحساس اللي مش بسهوله هحسه تاني ... حبيبة جرحتني وغدرت بيا، وده مكنش سهل على كرامتي فمعرفتش أنسى.... لكن محبتهاش ! ... البُعد ده على أد ما آذاني في علاقتي مع سما ... على اد ما واجهني بالحقيقة كلها.
أطبق يوسف شفتيه في صمت ولحظات تفكير .... ثم قال لآسر :
_ كل الكلام ده حلو يا آسر .... لكن سما ذنبها إيه في حيرتك وتوهتك دي ؟! ....
تدخل جاسر وقال بتأفف وكأنه بريء من ظنون جميلة به :
_ طب رعد وغبي وقلب الترابيزة في وشنا ... وآسر السرحان مالناش دعوة بيه .... وحضرتك المدلوق وكسبت وبحقد عليك ... أنما واحد زيي كنت وصلت أني علقتها بيا خلاص ! .... دي من ساعة ما وصلت هنا مش طايقة تبص في وشي ! ... لا نافع معاها تلميحات ولا معاكسة ولا أي شيء !
رد يوسف باستهزاء وقال :
_ واحدة زي جميلة يا جاسر عمرها ما هتقبلك بشخصيتك دي ... وأن كنت قدرت تعلقها بيك واحنا في البلد فده لأنها مكنتش تعرفك كويس ... أنما لما عرفتك وشافت اللي بيتصلوا بيك ليل ونهار طبيعي ما تبصش في خلقتك .... لا وحضرتك بتستفزها وفخور أوي بيهم !! .... غباء ماشوفتهوش في أشد لحظات حياتي وأنا جعان !
تحكم جاسر كي لا يصوب له لكمة غاضبة على صدره ويفرغ هذه الشحنة السلبية من داخلها وينفض غبار الغضب هذا .... فقال بغيظ ومرغما :
_ أنصحني يا فهيم !
أخذ يوسف نفسا عميقا وهو يبتسم سرًا لنفسه من نيل مراده وجلس بمقعده ... ثم قال بهدوء :
_ حضرتك تبطل تعرف بنات وتستقيم ، والاستاذ رعد يبطل عناد ويبطل ينطح زي الطور ويتمسك بيها مهما قالت وعملت .... وأستاذ آسر بقا يبطل يتعصب ويفهم أنها حساسة زيادة عن اللزوم وياخد باله من كلامه معاها وهيكسبها ... بسيطة خالص!
اتسعت عين جاسر بجحوظ وكأن الأمر اشبه بالمستحيل .... ثم أشار بأثنان من أصبعيه وقال بدهشة :
_ أبطل أعرف بنات ... واستقيم ! ... الأتنين ؟!
هز يوسف رأسه مؤكدًا ....بينما رعد قال بغيظ وعصبية :
_ أنا مش بعند معاها هي اللي بتستفزني وبتخرج أسوأ ما فيا !
ويبدو أن آسر لم يجد صعوبة بتنفيذ نصيحة يوسف ... فقد عزم على هذا الطريق منذ وقت بالفعل.... فقال بصدق :
_ بحاول اعمل كده صدقني...
وقال يوسف أخيرًا ولم يجد شيء أكثر ليقوله :
_ انتوا اللي لازم تاخدوا الخطوة دي ماينفعش عمي وجيه ياخدها مكانكم ... وماتنسوش أنا عملت إيه عشان حميدة تصدقني وبعدها عمي وجيه اتدخل ... الكورة في ملعبكم يا شباب.
خيم صمت عليهم وبدأ يظهر على ملامحهم أنهم بدأوو بالفعل التفكير فيما قاله يوسف .... وعادوا استئناف بعض التمارين الرياضية ، ولكن لم يهجرهم الشرود ....
*********
مضت حميدة في طريقها إلى غرفتها ... وقد تبدل حالها للنقيض بعدما نالت ما تمناه قلبها دائمًا .... وفي طريقها رأت ليزا وهي تحمل حقائبها ويبدو عليها تذمر طفولي شديد ... أو ربما تستعمل تلك الطريقة للتأثير على من حولها من الرجال لتبقى !
وقفت ليزا لدقيقة تنظر لحميدة بتضيقة من عينيها وبنظرات يلتهب فيها الغيظ والسخط ...
ثم تفاجئت حميدة بليزا وهي تخرج لسانها لها لكي تؤكد لها إنها على ما يرام وغير غاضبة ... ثم رمتها اخيرًا بنظراتها تلك المليئة بالكراهية وهبطت السلم شبه راكضة ! ....
وقفت حميدة تنظر لابتعادها ثم ابتسمت بمرح وتأكدت أن تلك الفتاة لم تخرج من طور طفوليتها للآن وكان حديث يوسف على حق عندما أشار لها بذلك ... ولكن أخيرًا رحلت ورحل معها سخافتها وتهورها اللعين .... حسناً.
ومضت تهبط الدرج بهدوء والابتسامة تنعش وجهها ، حتى دلفت لغرفتها وتفاجئت بالثلاث فتيات وكأنهن ينتظرونها ! .... تنحنحت بتوتر وقالت وهي تغلق باب الغرفة خلفها في ارتباك ، وقالت لتخفي احمرار وجنتيها وجنتيها الواضح :
_ هو جدي سافر البلد ؟
ابتسمت حميدة ابتسامة خفيفة وهي ممددة على فراش حميدة بإرياحية ..وقالت :
_ آه سافر البلد ....
ابتلعت حميدة ريقها من نظرات جميلة المستكشفة والمتساءلة بخبث .... وهنا كان سبب توترها الأساسي باستشعارها أنها نكثت عهدها معهن وطاوعت قلبها دون تردد.... عندما تبلغهن امر الخطوبة.
وهنا نهضت سما وتعمدت الاقتراب لحميدة ببطء ... ثم قالت بنظرات متلاعبة :
_ إنا كنت لمحت كده عمي وجيه وهو رايح عند أمي ... وبما أنك كنتي هناك ماتعرفيش كان عايز إيه ؟!
أشتد احمرار وجنتي حميدة بشكل فاضح لما تحاول أن تخفيه ... فاقتربت رضوى لها بابتسامة بعدما كانت تستند على باب شرفة تطل على الحديقة :
_ الف مبروك يا حميدة .... مش محتاجة كلام أن عمي وجيه طلبك ليوسف ... يوسف بنفسه قال كده وقت الفطار .... أنتي كنتي خايفة تقولي لينا ؟!
التمعت عين جميدة بدمعة توتر وقالت بارتباك :
_ مش خايفة أقولكم ... بس خايفة تفتكروا أني كنت بكدب عليكم لما قولت أني هبعد وأنسى ... أنا ...
قاطعتها رضوى بضمة قوية وقالت بسعادة خالصة :
_ تبقي عبيطة ... أنتي لو مكنتيش وافقتي عليه بعد اللي قاله كنا هنجوزهولك غصب عنك ... مبروك يا حبيبتي الف مبروك .
نهضت جميلة بضحكة كانت تكتمها والتف الفتيات الثلاث حول شقيقتهن حميدة بمباركات ومزاح وضحكات تشاركن فيها .... ثم قالت حميدة بغمزة ماكرة :
_ سيبي الفرحة تدخل قلوبنا بقا شوية، والله ده الغلبان اللي فيهم واللي يستاهل السماح ....
نظرت حميدة لرضوى بقلق وقالت برجاء :
_ ما توافقيش على العريس اللي متقدملك يا رضوى ... مش بس عشان بتحبي رعد .... عشان فعلًا الفرحة اللي بجد حاجة تانية وتستحق الانتظار.
ابتسمت رضوى بمرارة وقالت وهي تضرب بخفة على ذراع حميدة وقالت :
_ سيبك مني دلوقتي ... خلينا فيكي ، أنا عارفة هعمل إيه .. ومش هتراجع عنه.... وبعدين مين اللي قالك أن فرحتي مع رعد هي الفرحة اللي بجد ؟! ... ومين اللي قال أنه يستحق !
تأففت جميلة من هذا الحديث الذي تحدثن فيه بما فيه الكفاية أثناء انتظارهن حميدة .... وقد ضاقوا من تصميم رضوى بعناد غريب عن طباعها !
فقالت جميلة بنفاد صبر :
_ ماتتعبيش نفسك معاها يا حميدة ، أحنا زهقنا أنا وسما من الكلام معاها، خليها تشوف بنفسها الحفرة اللي هتدفن نفسها فيها.
هزت سما رأسها بتعجب واستغراب قائلة :
_ كنت فاكرة أنا بس اللي عنيدة ... طلعتي أعند مني !
ابتسمت رضوى بنظرة ماكرة وقالت :
_ ولسه .... محدش لسه عارف هعمل إيه ... أنا هعرفه مين هي رضوى مصطفى الزيان ... هعرفه اللي اتريق عليها قدام ولاد عمي ومجرد ما شك في نية جدي هرب ومشي ... مش هعديها بالساهل أبدًا ....
********
خلعت جيهان ذلك الرداء الملفت ، والذي لم يكن مناسبًا تمامًا بوجبة افطار عادية! ..... ارتدت روب مخملي ثقيل مناسب للطقس البارد ووقفت تنظر للنافذة بشرود .....
رغمًا عنها يتملكها عبق الكيد وتنساق تمامًا في حناياه ... لم يطرق ولو بعض الندم وقتها .... ولكن الآن تشعر أنها تمادت كثيرًا وأكثر من اللازم... وبمحاربة كانت تبعد عنها شياطين عقلها كي يبعد عنها المكائد وخاصةً بعدما اكتشفت سرا خطيرًا عن ليلى ....
وبعد ما سمعته ليلة العرس وحديث ليلى مع طبيبتها النفسية .... لا .. لا ...
حاوطت جيهان رأسها بكلتا يديها وبرفض لهذه الأفكار الشيطانية التي يزينها الشيطان برأسها ويحثها على التنفيذ بأقصى سرعة... وقالت برفض وكره لأفكارها :
_ لأ مستحيل .... لأ مش هعمل كده ! .... استغفر الله العظيم
استغفرت ربها حتى تفاجأت بدخول وجيه للغرفة ... ويبدو عليه الجدية رغم هدوء ملامحه .... واقترب منها قائلا :
_ ممكن اتكلم معاكي شوية
انتبهت جيهان باعجاب يلتمع بعينيها لمظهره الأنيق المرتب والنظيف دائمًا ... ولمعطفه الرمادي الذي يناسب تمامًا ذلك القميص الأسود الذي يرتديه، ويبرز تقاسيم وجهه الوسيمة بشدة....ويبدو انه ينوي الخروج ! .... قالت وهي تعود للنظر بعينيه متأملة ما خلفهما من أسرار :
_ اكيد طبعا ... بس قلقتني !
جلسا الأثنان بمقاعد الشرفة حيث بدأ وجيه حديثه قائلًا باهتمام :
_ أنا لفت نظرك كذا مرة قبل كده للموضوع ده ... بس المرادي عايزك تهتمي برأيي شوية يا جيهان ... أنتي مراتي وماحبش مراتي تلبس لبس ملفت بالشكل ده .... أنتي عارفة أني مش بحب اللبس الضيق أو العريان ... وتصرفاتك كمان راقبيها شوية لما نكون قدام الناس ... لوحدنا اتصرفي والبسي زي ما تحبي مش همنعك.
نظرت جيهان له لفترة بصمت دون أي تعابير ظاهرة .... ثم قالت وظهرت بعض الحدة بنبرتها :
_ هي ليلى اتضايقت للدرجادي ؟!
زفر بضيق متوقعا ظنها ثم أجاب :
_ ليلى مالهاش علاقة بكلامي ده ! ... أظن ده رأيي من زمان مش جديد يعني !
تحدثت جيهان بعصبية وكأنه أهانها بحديثه هذا رغم أنه ليس المرة الاولى الذي يشير لهذا الأمر .... فقالت :
_ أنا ممكن اسألك سؤال يا وجيه وتجاوبني بصراحة ! .... أنت برضو بتكلمها كده وتفهمها اللي بتحبه واللي مابتحبهوش ولا هي استثناء ؟! ... أنا مش بلاحظ أنك بتزعل من أي تصرف بتعمله ولا فاكرني مخدتش بالي من ماسكة ايدك ليها على الفطار وعلى رد فعلها ! ...
نهض وجيه واحتدت ملامحه بعصبية وأجابها :
_ ليلى مش بتلبس عريان يا جيهان ولا بتلبس ضيق عشان أقولها كده او الفت نظرها ! .... ليلى بتحترم أن في ناس موجودة حواليها وبتتصرف بنضج وحكمة وده من نفسها مش تحت رغبتي ..... وزعلي منها بحاسبها عليه بيني وبنها زي ما بعمل معاكي كده بالضبط ! .... ومكنش في داعي تركزي في تفاصيل ماتخصكيش في شيء !
هزت رأسها بذهول لدفاعه بهذا الشكل عنها وقالت بدموع :
_ أنت مش شايف أي عيب فيها عيب ... ومش شايف أي ميزة فيا اصلا .... واضح أن نظرتك للآخرين أنت اللي بتقررها على حسب علاقتك بيهم ! .... أنا مركزتش في تفاصيلك انت وهي ! ... لكن شوفت اللي حصل بالصدفة ... وشوفت عنيك ليها حتى بعد اللي عملته .... أنت بتغفرلها وبتسامحها حتى قبل ما تعتذر وتقولك أسفة .... كنت أتمنى تعاملني كده !
هز وجيه رأسه بيأس وقال بضيق شديد :
_ أنتي بتحاسبيني حتى على نظرة عنيا ! .... لو فضلتي بالشكل ده لا هترتاحي ولا هتريحي حد معاكي يا جيهان ..... ياريت تراجعي نفسك وتفتكري أنك موجودة هنا بإرادتك وأني ما اجبرتكيش على شيء .... أنا ماشي .
وبعدما خرج من الغرفة انهارت على مقعدها مجددًا بجسد خائر القوى .... واعتقدت أنها ستذرف الدموع حتى تكتفي، ولكنها لم تبكي ولم تفعل ! .... بل وكأن البكاء أصبح روتين سخيف بأيامها وتريد التمرد عليه وتغييره !
تريد التمرد على كل شيء ربما تجد السعادة مختبأة بأحد الزوايا..!
********
لاحظت ليلى وهي تجلس بجانب وجيه بالسيارة مدى ضيقه وعصبيته ... مضت دقيقة وهي تراقبه وهو يحرك السيارة بقبضة يده المنتفخة العروق ... إذن تلك الدقائق الذي ذهب فيها لمحادثة جيهان يبدو أنها انتهت بشجار بينهما !
قالت متسائلة باهتمام وقلق عليه وهو يحرك المقود :
_ في حاجة زعلتك يا وجيه ؟ .... أنت كنت كويس قبل ما تروح لجيهان !
لم يجيب وجيه مباشرةً .... بل صمت وهو يخرج بالسيارة من الممر الطويل للمنزل حتى الشارع .....فتنهدت وهي تعود بظهرها بالمقعد في استرخاء .. ثم قالت بتقطيبة سريعة مرت على سيماء وجهها :
_ أنا لاحظت برضو أن .....
قاطعها وجيها بعصبية مفرطة وهو يطرق بقبضته على عجلة المقود بغضب..وهتف :
_ أنتي لاحظتي وهي لاحظت أنا بجد زهقت ! ... بقيت حاسس أني متراقب طول الوقت ولا كأني مسجون ! .... دي بقت عيشة تزهق وتخنق!
تسمرت ليلى بصدمة وهي تنظر له بعينين واسعتان ذاهلتين مما تفوه به ! .... كأنها تنظر لرجل آخر غير وجيه الذي تعرفه ! .... ظلت متمجدة في مكانها للحظات حتى ظهر عليه الندم وكاد أن يعتذر ويده اليمنى قد تسللت ليدها المضمومة ببعضها، وكادت أظافرها تجرح باطن يديها من ضغط أعصابها.... فقاطعته بنظرة جامدة وصوتٍ حاد :
_ نزلني هنا يا وجيه ...
تنهد بضيق شديد من نفسه ، حتى قال باعتذر صادق :
_ أنا أسف يا ليلى .. كنت زهقان شوية و....
قاطعته بعصبية وصوتٍ منفعل :
_ قولتلك نزلني هنا !
أوقف السيارة كي يستطع التحدث معها ونظر إليها ليقول شيء ... حتى وجدها تفتح الباب وتخرج ! ....
جذبها بعصبية من يدها للداخل وأمرها بنظرة محذرة أن تظل مكانها قائلا :
_ ما تتحركيش من مكانك وخلينا نتكلم ... !
ردت بعصبية شديدة نادرًا ما كانت تتحدث بها وقالت :
_ مش عايزة اتكلم معاك ولا ازهقك ... واضح أن وجودي معاك بقا مصدر زهق ... وواضح أن ظنوني كانت صح ، أنت استنتني عشان ما طولتنيش ! .... ولما طولتني زهقت واتخنقت! ... بس ماكنتش فاكرة أنك هتزهق بالسرعة دي !
ضيق عينيه بصدمة مما كانت تخفيه وتظنه عنه ! ... لم يصدق بعد كل ما حدث أنها تظن فيه ذلك من مجرد لحظات عصبية تمر على الجميع ! .... ولكنه تحكم بأعصابه بأعجوبة،وقال وهو يغلق باب السيارة بجانبها ويده الأخرى ممسكة بها بأحكام ... ثم اعتدل قليلًا وكان قريب منها جدًا، وقال بنظرات تهديد وعينيه الرمادية تلتهب من الغضب :
_ كلامنا مش هنا في الشارع ! ..... وظنك فيا وكلامك ده مش هنساه وهحاسبك عليه يا ليلى !.... بس دلوقتي مش عايز منك ولا كلمة لحد ما نروح المستشفى.
قالت بعصبية وموجة بكاء عاصفة :
_ لسه انت كمان اللي هتحاسبني بعد اللي قولته! .... ماسمعتنيش حتى وعرفت كنت هقوله إيه ... بس قبل ما اسكت عايزاك تعرف أني كنت هقولك أنها خدت بالها لما مسكت ايدي الصبح وقت الفطار .... واكيد ده سبب زعلها وعصبيتها واعذرها ... مكنتش هقولك أكتر من كده وهسكت ! .... بس صدقني أنا يتخاف من سكوتي!
شعر بالذنب والندم من قولها حتى ختمت بهذا التنبيه، وكأنها تهدده ! ....فقال بحدة رغم أن لمسة يده الممسكة بها تشير لغير ذلك :
_ واضح أن ده تهديد ! .... بس برضو مش هتكلم هنا، لما نوصل لينا كلام تاني.
واستدار بجسده بالمقعد ليجلس بثبات، ولكن ظلت عينيه ثابته على وجهها الحزين وعينيها الباكية وهي تنظر لجهة أخرى ... وعندما حرك السيارة كانت تبكي بصمت وهو يختلس النظرات عليها من حين لآخر....
********
لم تستطع فرحة بعدما سمعته من زايد أن تعود لعملها وتتابع بهذا التشتت !
قررت تسجيل غيابها لهذا اليوم ثم ذهبت لشقيقها حسام بغرفته بالمشفى ..... وحينما دخلت الغرفة وجدت " فادي" ذلك المراهق الذي يكبر أخاها على ما يبدو بسنواتٍ قليلة ... واستقبلها فادي بابتسامة سرعان ما اختفت من عبوسها وتورم عينيها الحمراء من البكاء .... فقال :
_ جيت أشوف حسام .... احنا بقينا صحاب.
لم تطلب منه التوضيح ولكن يبدو على الصبي أنه يتقرب اليها لتسامحه عما فعله بشقيقها ....فقالت بهزة من رأسها وكأنها تختصر الحديث معه :
_ كويس .
شعر فادي بالحرج ونظر لحسام الذي كان يراقب التوتر بينهما وقال :
_ طب همشي أنا بقا يا حسام وهجيلك تاني ... أنا النهاردة جيتلك هربان من البيت مع السواق اللي جاي يرجع زايد أخويا البيت .
واعتبرها حسام مزحة وابتسم له قائلا بمرح :
_ هستناك تهرب تاني.
ابتلعت فرحة غصة مريرة على ذِكر سيرة زايد .... وتجنبت التفكير فيه أكثر من ذلك ..... ولم تنتبه حتى لإشارة فادي بمدى صعوبة خروجه من المنزل لجعله يلجأ للهرب.
وبعدما خرج فادي من الغرفة جلست بجانب شقيقها صامته .... فقال لها بقلق :
_ ايه اللي مخلي عينيكي حمرا كده دايمٌا وكأنك مش بتبطلي عياط ؟! قوليلي يا فراشة مين زعلك وانا اقوم ابلعه بلع.
ابتسم حسام بقصد أضحاكها مستخدما صيغة تدليلها عن عمد....فقالت ببكاء ولم تستطع كبت هذه الهموم أكثر من ذلك :
_ هقولك ... أنا ماليش حد غيرك أفضفض معاه .
وعلى رغم شعوره بالقلق من دموعها ولكنها تظاهر بالهدوء واستمع لها في صمت .... حتى انتهت من حديثها بعدما أخبرته كل شيء ..... وعندما نظرت له وجدته يتأملها في حنان فقالت بتعجب وي تمسع عينيها من الدموع :
_ بتبصلي كده ليه .. أنت مش مصدقني ؟!
ابتسم حسام وقال بهدوء :
_ ومن أمتى كدبتك ؟!
قالت متابعة بعد تنهيدة اطلقت فيها بعض من حزنها :
_ موقفي صعب ... هو اتقدملي وما اتكلمش تاني من وقتها ....ومش قادرة اروح اكلمه ، صعب عليا أوي وحاسة ماينفعش كمان ..
وافقها حسام بجدية واستطرد :
_ طبعا ماينفعش .... لو ما كلمكيش تاني اوعي تفتحي الموضوع ولا حتى تلمحي ... بس زايد مش كداب ، ده اللي فهمته من كلام فادي عنه.
ابتلعت فرحة ريقها المر وقالت :
_ انا حسيت بكده ... خصوصا لما افتكرت رد فعل أمجد اما الممرضة قالتله على وصول زميلة ليها اسمها سمر .... و ..
قال حسام بصراحة مقاطعاً :
_ احتمال كبير أن زايد بيحبك ... مالهاش تفسير تاني .
نظرت فرحة بجمود لشقيقها... رغم أن هذا التصريح لم يبدو في محتواه شيء صادم لما ظنته مراتٍ كثيرة ... ولكن أن يخبرها هذا شقيقها ويفكر بما فكرت به فهذا جعلها ترتبك وتشعر بالحرج الشديد .... فتابع حسام قائلا بجدية :
_ رغم أني حاسس اني عايز امسكهم هما الاتنين ارميهم من الشباك ده ... بس برضو نفسي تفرحي وتعيشي حياتك ، أحنا اتحرمنا كتير يا فرحة ... اتحرمنا من الأهل واللمة .. اتحرمنا نخرج ونتفسح ونعيش حياتنا زي كل اللي في سننا ، واتحملنا مسؤولية نفسنا في وقت كنا محتاجين فيه أي ايد ممدودة لينا ... زايد شكله بيحبك وبيغير عليكي ... وأمجد حكايته ما تطمنش ومش مستريحله ...
قالت متساءلة تريد بالفعل لأن يرشدها أحد ماذا تفعل:
_ طب انصحني .... اعمل إيه ؟
أجابها بصدق :
_ أمجد لو عايزك مكنش قطع كلامه ... وكان اتقدملك وقرر واستعجل وخطبك في أسرع وقت بس سكت ومكررهاش! ... طريقته فيها تردد وحيرة وده يقلق، لكن اللي يخلي زايد يسأل ويعرف عنه التفاصيل دي في حاجة ماتخصهوش أصلًا اكيد شيء يخليه لو مكان أمجد ...كان هيتجوزك في ظرف أسبوع !
شعرت بحرقة في حنجرتها وهي تتحدث معترفة وقالت :
_ أمجد كنت شيفاه من بعيد حاجة تانية فير دلوقتي ... بدأ يقل من نظري، وبدأت أخاف منه .... مش احساسي الأول هو احساسي من ناحيته دلوقتي !
رد حسام وقال بتوضيح :
_ لأنه اعجاب ، أعجاب وبس مش أكتر ... بس أتمنى ما تكتشفيش أن قلبك مال لزايد بعد ما خلاص مشي ! ... الغريبة أني حاسس أن يهمك أمره في نفس الوقت اللي فاكرة أنك معجبة بأمجد ! .... فكري فيها كويس !
امتلأت الحيرة عينان فرحة .... وشردت للبعيد، ولأول مرة تشعر بكل هذا التشتت والحيرة ؟! ... هل يوجد شخص لا يعرف لمن يدق قلبه تحديدًا ! .... أم أن دقات الحب توأمها الخادع دقات وهمه!
*********
المرأة مهما أحببت ووثقت وتأكدت بمئات المواقف من حب رجل لها ... سيظل هذا الداء الحوائي بنفسها .... داء الشك أن الرجل الذي يحبها .... لا يحبها بآنٍ واحد !
خرجت ليلى من السيارة بعدما توقفت أمام المشفى ... ولم تنتظره أن يظهر اللباقة في تصرفه معها ويفتح لها الباب بنفسه ..... ويبدو على وجهها أنها لو طالت أن تصرخ بأعلى صوتها لفعلت دون تردد !
اغلق باب السيارة وتوجه لها بنظرة تدقق بوجهها بعمق ... وقبل أن يتفوه بكلمة كانت تسبقه بخطوتين للداخل !
زفر بغيظ ثم اتبعها بخطوات رشيقة وواسعة .....
وبداخل المصعد للأدوار العالية انتظر حتى غلق الباب اتوماتيكا ، والتفت لها بعصبية محذرا :
_ اتعاملي كويس قدام الناس .. ماتستفزنيش !
لم تجبه بكلمة وكأنها تنفذ وعدها بالصمت .... بل ما أعارته أي اهتمام سوى بنظرة خاطفة غير مكترثة، وبعدها نظرت لباب المصعد بنظرة متحدية بداخلها يتقد الغضب ويتأجج !
اشتدت عصبيته من صمتها المستفز هذا وضرب حائط المصعد بجانبها بعصبية وهتف :
_ ولما اكلمك تردي عليا !
خافت من عصبيته حقا ولكنها تمادت في تحديها له، ولم تجيب ولو بطرفة عين ... أن كان هو نفسه اعتبر حديثها ووجودها ذاته خانق ويسبب له "الزهق" .... فستهديه بالصمت وله ما يشاء وما طلبه بنفسه واعترف به...
هتف بتحذير غاضب ونبرة ونظرة مهددة:
_ ليلى !
ارتجفت بخوف ولكن ما أنقذها فتح باب المصعد للطابق المطلوب .... نظر للباب سريعا وتفاجئت بيده وهي تقبض على معصمها بغلظة زائدة ومؤلمة .... ولاحظت بخوف أنه لا يتوجه لغرفة والدها بل لمكتبه !
وصل به الغضب لأن لا يكترث للنظرات الفضولية المسلطة عليه حتى وجدته يدخلها للمكتب بعصبية ويغلق الباب بالمفتاح كي لا يقتحم أحدًا هذا الشجار الذي يبدو سيبدأ الآن.
ابتعدت بخطوات تبدو ثابته كي لا يصل اليه خوفها .... ولكنها بالفعل ترتجف خوفا من غضبه.... فجذبها بعنف حتى اصطدمت بصدره وقال لها بغضب ويديه تقبض على كتفيها :
_ أنتي عنيدة ليه وأزاي بتعرفي توصليني للحالة دي ؟! .... عجبك اللي عملتيه قدام الأمن تحت وحرجتيني !
كتمت كلماتها بفمها ولم ترد رغم أنها اشتعلت غيظ منه ... اضاق من هذا التصرف بينما ما قاله عاديًا من وجهة نظره ؟!
غرز أصابعه بلحم كتفيها دون أن يشعر كم يؤلمها ، فنظرت ليديه بألم ثم نظرت اليه بنظرة عاتبة جعلته يتأمل عينيها للحظات .... وتخيلت أنه سيغضب أكثر بينما ما كان غضبه سوى ضمة خانقة لضلوعها ... فبكت ليلى دون احتراز لأي تحدي أو شيء .... فرقت يديه وهمس بأذنها في اعتذار قائلا :
_ مش لما تزعلي مني تستني اعتذرلك ... ولا ترفضي حتى تسمعيني ؟! ... هو أنا حتى أنكرت أني غلطت يا مفترية !
نظرت لعينيه التي تعشق حتى أهدابها الطارفة كل لحظة ، وتذكرت ما قاله منذ وقت ، فقالت وهي تبتعد عنه بألم وعينيها تتهرب من عينيه العاشقتان:
_ عايزة أروح أشوف بابا.
وجذبها إليه مرة أخرى ولكن كانت نظراته الغارقة بعينيها الحبيبتان سابقة لحديثه بالأعتذار ... ثم قال بهمس :
_ طب هتروحي تشوفيه وأنتي معيطة كده ! .... مش لما نتصالح الأول !
قالت بدموع وهي تنظر له بعتاب شديد :
_ مش عايزة أعطلك أو ازهقك وأخنقك ! .... كفاية عليك مستحملني أنا وبنتي ! ... كتر خيرك.
ارخت جفنيها لتبك دون أن تنظر له وتضعف... حتى رفع وجهها اليه بطرف أصبعه وقال بعشق :
_ وأنا ايه اللي جبرني استحمل ١٠ سنين وخلاني استناكي ترجعيلي غير أني بعشقك ومقدرتش أحب غيرك ولا انساكي لحظة؟! عيب لما كلمتين في وقت عصبية يخلوكي تشكي في حبي ليكي ! .... وقولتلك كتير خلي ريميه بعيد عن أي حاجة ما بينا ... دي بنتي ومش هسمح لمخلوق يحسسني بغير كده حتى لو أنتي !
قالت بألم حقيقي وهي تنخرط بالبكاء :
_ أنا اكتر واحدة عارفة أن وقت الزهق ما بيتقالش غير الحقيقة !
هز رأسه رافضا بقوة وأوضح :
_ مش دايمًا ومش قاعدة ! .... عايزك تسألي نفسك سؤال وتجاوبي بصراحة .... الكام الساعة اللي فاتوا من وقت كتب كتابنا ومن وقت ما بقيتي مراتي رسمي ... حسيتي لحظة أني زهقت أو مضايق ؟! ما وصلكيش سعادتي وفرحتي بيكي كده خالص؟!
ازدردت ليلى ريقها بارتباك وهي تنظر له بعينيها الدامعتين ... فتابع بمحبة تغمر عينيه كليًا :
_ أنا معرفتش يعني إيه فرحة غير لما اتجوزنا وبقيتي معايا .... تخطيت عقبات في طريقنا عشانك ... مستحمل اتهامات جيهان ليا دايمًا بالتقصير معاها واحساسي بالظلم عشانك وعشان تفضلي جانبي .... واستحملت برضو لو مش واخدة بالك نظرة الناس ليا وكلامهم عليا وهيبة ومركز الدكتور المحترم القدوة اللي اتجوز على مراته بعد ما رجعلها بأقل من شهرين! ..... وده كله واكتر منه بالنسبالي ولا شيء في لحظة ممكن تبعدك عني تاني .... أنا مش هقدر على فراقك تاني يا ليلى ولا هقدر أعيش من غيرك ... صدقي أو متصدقيش بس هي دي الحقيقة !
تطلعت به بصمت وقد شعر من عينيها إنها تأكدت من صدقه وأن لم تفصح !... فقبل رأسها بقبلة طويلة ثم نظر لعينيها عن قرب وقال هامسا :
_ حقك عليا أنا أسف ..... جيهان نرفزتني بكلمتين وطلعت زهقي عليكي معلش .... بس والله العظيم مافي حرف من اللي قولته كان صح .... أنا زهقت عليكي ما زهقتش منك !
وقربها اليه بنظرة دافئة مليئة بالعاطفة وهمس مجددًا:
_ وأزهق أزاي وأنا لسه مش مصدق لحد دلوقتي أنك قدامي حقيقة مش خيال ! .... وأزهق أزاي وأنا لما بكون معاكي بحس أن العمر بيرجع بيا لسنين وكأني مكبرتش ولا عمري هكبر ! .... ده الضحكة اللي بجد ما بتطلعش غير ليكي وتقوليلي أزهق؟! .... بأي عقل طيب ؟! ... اديني نص دليل يخليكي حتى تشكي ؟!
رفعت يدها تعدل ياقة قميصه المرتبة ! .... وقالت مبتسمة له وكأن كل ما قاله لم يكن ولم يتفوه به:
_ أستاذ في كلام مش بس في الطب ؟!
احتوي يديها بين يديه وهو يقول بابتسامة صادقة :
_ والله مابعرف اتكلم كده غير معاكي أنتي بس ! ..... باخد معاكي راحتي يا كل راحتي.
ظهر من بين عينيها التي قاربت أن تجف من الدموع بعض التلاعب ومكر الانثى ... فقالت بصوتٍ ناعم بقصد :
_ ما تتعصبش عليا تاني ..ماشي ؟
ابتسم بمكر وهو يجيبها ويقربها اليه بيديه القويتان :
_ لأ مش ماشي ! .... أصل هي دي الحياة ، نتخاصم ونتصالح ، وبصراحة حتى الخناق معاكي بيبقى ليه طعم مميز ... وبعشق ابتسامتك ونظرة عنيكي المكارة بعد ما اصالحك ... أنا ممكن ازعلك مخصوص عشان أصالحك واقعد ابصلك بعدها!
ضحكت وقالت :
_ صراحتك مستفزة... بس بحبها !
رفع أناملها لشفتيه وقبل يدها برقة شديدة وهو مسرور بتأثيره عليها .. ثم قال بمحبة صادقة :
_ وأنا محبتش حد ادك في الدنيا دي .... أوعي تصدقي أي شيء غير كده ...
ابتسمت ابتسامة مرحة وقالت :
_ افتكرتك لما قفلت الباب انك اتعصبت لدرجة أنك هتحدفني من شباك المكتب ! ...
أجابها بمشاكسة ونظرات خبيثة :
_ هو أنا كنت عصبي ومتغاظ منك فعلًا .... بس لما جيبتك هنا مكنش في نيتي غير أننا لما نخرج نكون متصالحين ....
تنهدت ليلى برضا وقالت :
_ الحمد لله انا تمام .... بابا وحشني أوي تعالي نشوفه.
مسك يدها بقبضة دافئة رقيقة وقال وهو يفتح باب المكتب :
_ كده اسمحلك تشوفي بباكي.
********
وحلّت ساعات آواخر النهار .... وبعد ترحيب حار بمنزل العمدة وفترة الطعام المثمر بالأكلات الريفية الشهية، جلس العمدة مع الجد رشدي بالمضيفة ... وأتى الصبي نعناعة الذي لا زال المرض يظلل خطوطه على وجهه ووضع الشاي على الطاولة الخشبية القصيرة ... وقال بابتسامة مجاملة :
_ نورتنا يا جدي ...
نظرت له أمه بغرابة وهي تجلس بالمضيفة الواسعة، فرد الجد رشدي بمحبة لهذا الصبي :
_ بنورك يا حبيب جدو .... تعالى بقا عشان عايز اتكلم عنك شوية.
شعر الصبي بالتعجب بعض الشيء ، ولكن كان الجد طرح الاقتراح الذي أتى لأجله على العمدة ... ورفض العمدة طويلًا الأمر حتى اقنعه أخيرا... وأضاف الجد بصدق :
_ صدقني كده أفضل ... البنات مش بيبطلوا سؤال عنه وزعلانين أوي عليه ، وبالمرة يكمل تعليمه ونكون حواليه ونشجعه ... وهتبقى الفرحة أكبر بكتير لو وافقت تيجي أنت وحرمك معانا ....
قالت زوجة العمدة بشكر وامتنان صادق :
_ تسلم يارب ... بس احنا مانعرفش نعيش غير هنا في بلدنا وفي بيتنا ... ومش هينفع نعناعة يبعد عننا .
فهم الصبي الأمر وقال بسعادة :
_ أعيش مع أخواتي تاني يعني ! ... ياريت والله .
نظرت والدته مجددًا له بقوة ، فسحب الصبي حديثه وقال بحزن :
_ لا مش هينفع ... أنا هنا كويس وبخير .
ونهض والحزن يأكل عينيه وعندما خرج قال الجد برجاء :
_ البنات هيزعلوا أوي لو رجعت من غيره والله ... أنا وعدتهم خلاص ، وكمان الولد ده أنا حبيته زي أحفادي بالضبط وربنا يعلم ... ارجوك وافق يا عمدة.
شعر العمدة بالحرج من رجاء الرجل العجوز له ... فقال بحيرة :
_ طب سيب الموضوع ده دلوقتي نفكر فيه براحتنا وخلينا نفرح بزيارتك الأول ... معلش انا عارف ان البيت مش اد المقام .
قال الجد سريعا بمنتهى الصدق :
_ ده أنت ومكانك المقام كله يا عمدة ... كفاية اصلك وأخلاقك اللي زرعتهم في بنات أبني الله يرحمه ... معروف شايلهولك على راسي مش ناسيه ... وأنت لسه مستكتر نعناعة يقعد معانا بس لحد ما يخلص الثانوي ! .... شوفت بقا أنك هتزعلني بجد وهتكسر بخاطري !
رد العمدة بأسف وقال بحرج شديد :
_ ما عاش اللي يكسر بخاطرك ولا يزعلك ... بس مش هقدر أقولك رأي غير لما اسأل نعناعة الأول.
هتف العمدة مناديًا أبنه ... حتى أتى الصبي وهو يهرب بعينيه من أمه وكأنه ارتكب ذنبٍ عظيم ... فسأله والده عن قراره بالسفر فصمت الصبي .... حتى قال له العمدة بابتسامة أظهرت موافقته :
_ لو وافقت أحنا كمان موافقين ... طالما هتجيلنا كل أسبوع ولا اتنين ، وطالما هترضى أخيرا تكمل تعليمك وترجعلنا ومعاك شهادة كبيرة.
رفع الصبي رأسه بدهشة غير مصدق موافقة والده ... فقال بابتسامة عريضة وسعادة طلت بعينيه كالموجات العالية :
_ هرجعلكم كل اسبوع وهنجح والله ... بس أنت موافق يا أبا ؟! مش زعلان مني ؟
نظر العمدة لزوجته بابتسامة هادئة لدموع عين زوجته التي طفرت بعينيها .. وقال لأبنه برفق :
_ هزعل أكتر وأنا شايفك حزين ولوحدك ومش عايز تتعلم ... بس لو سيبت المدرسة هناك زي ما عملت هنا هرجعك، أنت فاهم ولا لأ ؟!
قالت الام بعدما فهمت وجهة نظر زوجها ووافقت على مضض :
_ زي ما قالك أبوك يابني .... لو هتروح وتنجح يبقى روح ، لكن لو هتروح عشان يس عايز تسافر يبقى هنرجعك تاني .... وهعتبر أنك روحت الجيش وهصبر نفسي على ما ترجع كل كام يوم.
كانت أمه بسيطة وكلماتها أبسط ... فهرول الصبي لأمه مقبلًا يدها بمحبة وحنان قائلًا :
_ والله يمه لنجح وأخليكم تفتخروا بيا ، حتى لو عايزاني أفضل هنا ... هفضل.
مسحت الام عينيها وربتت على يده بعدها بحنان وقالت بموافقة صادقة :
_ لأ روح مع جدك ... أنا مايهمنيش غير أنك تبقى مبسوط ... بس أوعي تغيب عن أمك كتير.
وبكت مجددًا وبكى معها الصبي ..... وراقبهم الجد بمحبة حقيقية لهذه الأسرة الصغيرة المليئة بكل صدق ومحبة .... وقال :
_ طب حضر نفسك عشان هنرجع القاهرة النهاردة ....
********
وعند الساعة الحادية عشر ليلًا ....
تكونت سحب غائمة بجسد السماء المظلمة ... ويبدو أن القمر يستحي ليتخفى نصفه خلف غيمة رمادية ....
لم يكن الجد وصل القاهرة بعد ... وانتظر الفتيات لحين مجيئه بانتظار رؤيته ومعه الصبي الذين اشتاقوا له كثيرا ...
فجلست حميدة وجميلة على أريكة تتوسط المنزل الكبير وأمامهن على بُعد خطوات شاشة تلفاز كبيرة وضخمة .... بينما جلس يوسف على الأرض وأمامه الصغيرة ريميه التي تستمع لأغانيه الطفولية وتحاول حفظها مثلما قال لها...
فقال يوسف بدندنة بعدما اختلس نظرة سريعة مشاكسة لحميدة :
_ ذهب الليل وطلع الفجر والعصفور إيه ؟!
ضمت الصغيرة قطتها وقالت بتأكيد :
_ والعصفور نونو !
ضحك يوسف عاليًا وقال :
_ في عصفور بينونو ؟! ....
عبس وجه الصغيرة بحيرة ولم تعرف الإجابة ولما يضحك يوسف ! .....
وضع جاسر ساقا على ساق بثقة عالية من مظهره الجذاب ، ونظر وهو يجلس على أريكة أخرى مقاربة للاريكة التي يجلسن عليها الفتاتان ... وقال بابتسامة خبيثة ليستفز جميلة :
_ العصفور بينونو ولا بيصوصو يا بيوتيفول أنتي ؟
كتمت حميدة ضحكتها من أسلوبه وطريقته المضحكة بالفعل ... وكذلك جميلة ولكنها نجحت في الثبات ظاهريًا وأجابت :
_ بيجعر ... زيك كده.
ضحك يوسف بقوة عندما سمع جملة جميلة ، وتماسك جاسر كي لا يظهر عليه الغيظ وتابع بلطف مصطنع :
_ اوك .... بس خلي بالك من الفاظك ... بقا في أنثى تقول بيجعر ! .... خليكي رقيقة عن كده يا أنثى البطريق أنتي ! ... ده أنا كنت أعرف بنات بيغمى عليهم لما بعطس !
حمحم يوسف بصوتٍ مرتفع ليجعل جاسر ينتبه أنه يعكر صفو الحديث بينهما .... فأنتبه جاسر بالفعل وقال موضحا بنفي :
_ بس كنت بسيبهم وأمشي ... هو أنا فاضيلهم ولا فاضي للمرقعة دي !
قالت جميلة بسخرية :
_ لأ صدقتك ! .... مسكين ومظلوم !
فقال بتأثر شديد :
_ يابنتي أنا حياتي بلا بنات ! .... ده أنا زمايلي مسميني في الشغل الوحداني ! ...
نظرت جميلة بنظرة ماكرة لحميدة التي كتمت ضحكتها مرة أخرى وقالت له بخبث :
_ طب أبقى فكرني أبقى اتأكد لما أجي المستشفى .
سأل بتعجب واستغراب ولم يفهم تلميحها:
_ ليه مالك ؟ ... حاسة بحاجة ؟ قوليلي ...ده أنا افديكي بقلبي يعني !
قالت جميلة بعدما فكرت في شيء يبدو انها تخطط له :
_ حاسة انك لازم تقوم وتروح تنام ... الا صحيح أنت غايب النهاردة ليه ؟! ... مأنتخ ليه ؟!
ضحك يوسف وهو ينظر لجاسر الذي ممر يده على شعره ليتحكم بأكبر قدر على أعصابه كي لا ينهض ويعنفها من فرط غيظه منها .... فأجاب بضيق :
_ عمي واخد أجازة جواز يومين ... خدنا معاه، مش بعرف امسك السماعة وعمي مش موجود ! ... ارتحتي !
كتمت نوبة من الضحك ولم تجيبه ولكنها تظاهرت بالثبات والهدوء....
أتى رعد وهبط الدرج بحيوية وهمة عالية ... ويبدو عليه بعض التفاؤل وأردف قائلا وهو يجلس بجانب جاسر :
_ فكرتكم نمتوا !
قال جاسر ولا زال ينظر لجميلة بغيظ :
_ هو حد بقا يعرف يغمض عنيه في البيت ده ! ....
تنحنح يوسف بتنبيه لجاسر ... فزفر جاسر بغيظ وصحح :
_ قلبي بيدق ... من كتر ما قلبي بيدق ، الفرحة مش سيعاني بلمتنا !
قال رعد بابتسامة :
_ طب الحمد لله ..
نظر جاسر لرعد بتفرس وغرابة ثم سأله :
_ ايه ده مالك كده ؟!
تنفس رعد بعمق وأجاب وهو يسترخي بمقعده :
_ مالي يعني ؟!
رد جاسر بسخرية :
_ متفائل ومبتسم ! .... مش عوايدك !
وعلى رغم من سخرية جاسر ولكنه بسؤاله اهتمام حقيقي ... فأجاب رعد مبتسما بصدق:
_ رجعت للرسم تاني ... لما برسم بحس أني مرتاح .
وتردد في السؤال ولكنه سأله ببعض الجراءة :
_ هي رضوى فين ؟!
رفعت جميلة حاجبيها وكأنها تقول له كيف تتجرأ ؟! ..... فقال يوسف مجيبًا لتأكيده أن الفتيات لن يخبروه بشيء :
_ في الجنينة هي وسما ... شوفتهم من شوية.
فنهض رعد وتوجه للحديقة مباشرة .... فتمتم جاسر بضحكة ماكرة وهو يرتشف من كوب عصير طازج :
_ هو قرر يبقا بجح زيي ولا إيه ؟! ...
نظرت جميلة لحميدة نظرة طويلة .... فهمست حميدة لها وقد فهمت ما تفكر فيه جميلة :
_ سما معاها ما تقلقيش ... وبعدين رضوى ما يتخافش عليها !
خرج رعد للحديقة وقد صمم أن يتحدث معها ، وعندما أتى للحديقة وجد آسر يستند على أحد الأشجار وينظر صامتا لسما التي تجلس بجوار رضوى يتحدثن باندماج ، متجاهلين تمامًا وجوده !
فمضى إليه مباشرة .. وعندما وقف رعد قربه قال له متسائلا :
_ أنت كلمتها ؟!
فك آسر تقطيبته ورد وعينيه عليها :
_ بذمتك ده منظر واحدة لو روحت وكلمتها في شيء ممكن تسمعني ! ..... خايف ليكونوا فعلا ناويين يبعدوا مش مجرد عند فينا !
وكان آسر محقا بنظرته ... فحتى ظهور رعد لم يلفت أنظارهن ولو بلمحة بسيطة ! .... وهنا تراجع قراره بعض الشيء في التحدث معها .... وقال بضيق :
_ ياريت يقلدوا حميدة ويفرحوا ويفرحونا معاهم ونتلم بقا ! ... مكنتش غلطة اللي تقلب حالهم كده !
وبعد دقيقيتين قال بعزم :
_ بقولك ٱيه ، بدل وقفتنا دي تعالى نروحلهم .
تردد آسر قليلًا ولكنه وافق رعد بالأخير، ومضا اليهن في خطوات واثقة...
همست سما بتوتر واحمرار على وجنتيها وقالت :
_ دول جايين علينا ! .... تعالي نمشي !
وكان هذا التجاهل الظاهر قمة الاهتمام والملاحظة ولكن دون أدنى ظهور ! .... فأردفت رضوى بتحد قائلة :
_ أثبتي وخليكي قاعدة .... ماتبينيش أنك مكسوفة ولا كأنهم موجودين ... هما الرجالة كده، تتجاهليهم خالص يهتموا ويجروا وراكي ... ماتعبريش حد واسكتي.
مساء الخير...
قالها رعد بابتسامة رسمها بدقة ..... وظلا الفتاتان صامتين لحين قالت رضوى بجفاء :
_ مساء النور !
سأل آسر سما بلطف وقال :
_ صاحيين لحد دلوقتي ليه ؟!
اجابته رضوى بحدة بدلا من سما وقالت :
_ طب وانتوا صاحيين برضو لحد دلوقتي ليه !
قال رعد لها وكان صادقا في رده:
_ احنا مش متعودين ننام بدري اصلًا !
فتدخلت سما لتنهي الجدال :
_ جدي اتصل بينا وقالنا أنه جاي في الطريق ومعاه نعناعة .... خلاص ؟!
قال آسر بغيظ :
_ طب وانتي متعصبة كده ليه ؟!
التفتت له سما بنظرة حادة ولم تجيبه ..... فقالت رضوى بعصبية انفلتت ظاهرة منها دون أن تدري :
_ انتوا عايزين إيه ؟!
قال رعد بهدوء مستفز وابتسامة خبيثة :
_ بصراحة ؟ .... عايزين نتجوزكم.
ما بات يؤثر هذا الأمر بالفتيات الثلاثة فقالت رضوى بسخرية :
_ لا بجد ؟!
فرد عليها آسر قبل أن يتحدث رعد :
_ أصل لو ده محصلش ... يبقى مش هيحصل خالص !
امتلأت عين سما بالاستهزاء وغمغمت قائلة :
_ عافية يعني !
أكد رعد وقال لرضوى تحديدًا :
_ آه عافية وغصب واقتدار ... لو مابقيتوش لينا مش هتبقوا لغيرنا ... ولا احنا هنتجوز غيركم ، وخلينا بقا في الحرب دي كتير.
واكد بنظرة أكثر شراسة لرضوى :
_ واللي جاي بكرة ده لو فكرتي توافقي عليه هيحصل حاجات كتير مش هتعجبك ...
قفتحدثت رضوى بتحدِ :
_ يبقا خليني أجرب وأشوف مين هيكسب ... مش يمكن يطلع يستاهل وابن ناس ويستحقني !
أصل أنا مش قليلة ولا عبيطة عشان أوافق على أي حد كده وخلاص ! ..... وبما أني رفضاك وانت عارف كده فليه لأ ما اقابلش وائل واتكلم معاه ...
قاطعها رعد بنظرة عنيفة بعدما ابتلع رغما أهانتها له وهدد :
_ أنا حذرتك حتى تفكري مش تجربي ! ... ولو متأكد أنك رفضاني كنت بعدت من زمان ....
ابتلعت ريقها بمرارة وقالت دون أن تدرك كلماتها جيدا :
_ ما أنت بعدت زمان !
أجفل للحظات من أعترافها التي قالته سريعا ويبدو أنها ندمت عليه من دموعها التي ظهرت إثره ... فقال بمحبة واضحة وقد رق من هذا الاعتراف المفاجئ :
_ وبصلح غلطتي ... اديني نص فرصة وشوفي هعمل ايه عشانك !
مسحت رضوى عينيها وهي تعنف نفسها وتنعت نفسها بالغباء .... وابتعدت خطوات واتبعتها سما ... حتى سمعا فجأة صوت مألوف يأتي راكضا اليهن وهو يهتف :
_ رضــــــوى ، يا حميـــــدة ، يا عمتــــي يابنات عمتي أنا جيــــت.
استدارت رضوى وهي تبتسم بسعادة لمجيء الصبي وركضت سما اليه وهي تصرخ بضحكة .....
وضع آسر يديه بجيوبه في ابتسامة شاردة في ضحكاتها وهي ترحب بالصبي وتضحك معه ..... ونادرا ما كان يرها كذلك ... فقال بتنهيدة :
_ لما بتضحك بتبقا عاملة زي الأطفال ... مش عارف ليه دايما مكشرة !
قال رعد بغيظ من نفسه ومن غباءه :
_ أحنا السبب ... مننا لله بجد يعني .... بقولك ايه ، تعالي نسلم على نعناعة والله وحشني .
قال آسر بضحكة صادقة :
_ ووحشني أنا كمان ... تعالي نروحلهم .
وكان الصبي وكأنه سيقفز فرحا برؤية الفتيات ... وأتت جميلة راكضة بابتسامة واسعة ومعها حميدة من الداخل، واجتمعا الشباب والفتيات جمبعهم حول الصبي بمحبة حقيقية له ...
فقال نعناعة لهن :
_ وحشتوني أوي أوي ، أبويا وأمي باعتين لكم حاجات كتير هتفرحوا بيها أوي ...
قال جاسر بابتسامة :
_ حمد الله على سلامتك يا نعناعة ... بجد مبسوط أنك هتعيش معانا ..
قال الصبي بفرحة صادقة :
_ وانتوا كمان والله ده ....
وبعدها صمت وظهر عليه الضيق فجأة ، كأنه نسى ما فعلوه وظهرت محبته لهم .... وقد لاحظ الشباب ذلك ونظروا لبعضهم بنظرات فهم لردة الفعل هذه من الصبي... فتقدم الجد رشدي لهم وقد راقب المشهد من أوله :
_ أنا جيبته ووعدت والده ووالدته أني هرجعهلهم ناجح ومتفوق .... وطبعا دي مهمتكم ، انتوا دلوقتي أخواته .
كان الصبي يشعر بذلك بقوة ، ولكنه مع تلك الألفة الكبيرة لم يستطع نسيان ما فعلوه مع الفتيات .... فقال للجد رشدي باعتذار :
_ معلش يا جدي ... أنا هخلي أخواتي البنات يذاكرولي .
تمتم جاسر بغيظ :
_ دول مش حافظين حتى جدول الضرب انت أهبل يابني ؟!
لكمه يوسف ليتوقف حتى لا يسمعه أحد وقال للصبي بلطف :
_ اللي أنت عايزه كله هيحصل ، المهم دلوقتي نحتفل بيك وبوجودك وسطنا ... وحشتني يا صاحبي.
لم يستطع الصبي سوى أن يظهر محبته الصادقة ليوسف وقال :
_ وأنت كمان والله.
ومن الطابق الثالث تأمل وجيه ذلك المشهد بضحكة خافته ، فأتت من خلفه ليلى واسندت مرفقيها على كتفيه بدلال قائلة :
_ بتضحك على ايه ؟!
أشار وجيه لممر الدخول بالأسفل وقال بضحكة :
_ على الشباب ... في ظرف يومين هيخلوه في صفهم أنا عارفهم كويس أوي ....
ابتسمت ليلى للمشهد ولم تفهم ما يقوله كثيرًا ، فلاحظ أن عينيها تبدو قلقتان فتساءل :
_ مالك قلقانة كده ؟!
تنهدت ليلى وهي تنظر له ويديها على صدره بأمان :
_ هترجع بكرة الشغل .... وهتبدأ تقسم وقتك بيني وبين جيهان ... طب لو وحشتني وحبيت أشوفك ومكنش يومي اعمل ايه ؟!
جذبها اليه بضمة حنونة وقال :
_ اشتاقيلي لحد تاني يوم ... بسيطة !
لم تتحدث ليلى ، لانها تعرف أن الأمر ليس بتلك البساطة أبدًا .....وهو يعرف ذلك ولكنه لا يريد أن يصعب عليه الأمر.
*******
وبعد دقائق من الترحيب والحفاوة التي وجدها الصبي من أهل البيت صعد لغرفة عمته التي استقبلته بذراعين مفتوحتان لت مستيقظة لأجله.
فقالت :
_ نورت يا حبيبي .... يا ريحة الحبايب والغاليين.
قبل الصبي يدها وقال باشتياق :
_ وحشتوني يا عمتي ... ومكنتش طايق البيت لما سيبتوه ، والله كنت بفضل فوق السطح لوحدي حزين على بعادكم ... بس يارب ماكونش ضيف تقيل هنا.
قالت وداد بنفي :
_ يبقى انت ماتعرفش كرم عيلة الزيان ... مش هتحس أنك خرجت من بيتكم والله ...
ابتسم الصبي بارتياح وقال :
_ أنا حسيت فعلا أنهم مبسوطين بيا ... بس يعني مش قادر أنسى اللي عملوه الدكاترة ...
أشارت له وداد بتحذير وقالت :
_ أوعى تعاملهم وحش ! ... سيبك من أي شيء حصل قبل كده واسمع كلامي ... الموضوع فيه حاجات كتير وبكرة كل شيء هيبان ... يبقا مالوش داعي أنك تعاملهم وحش .
قال الصبي بحيرة:
_ اللي في قلبي بيبان على وشي
قالت وداد بابتسامة :
_ أنت كنت بتحبهم وفرحان بيهم في البلد ، أنت بس واخد على خاطرك منهم شوية ... مالكش دعوة أنت باللي عملوه وعاملهم كويس .
هز الصبي رأسه بموافقة ... ثم أخبرته وداد بأمر خطوبة يوسف وحميدة ... فهتف الصبي بسعادة وقال :
_ بجد يا عمتي ؟ ... انا فعلا سمعته يومها وكان مش عايز يمشي ... عشان كده معرفتش ماضحكش في وشه .... انا مبسوط أوي لحميدة والله .
قالت وداد بتنهيدة ارتياح :
_ اطمنت على واحدة .... عقبال باقي بناتي يارب.
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع والستون 64 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_التاسع_والأربعون_ج١
قالت وداد للصبي ذلك وبعدها تابعت أخبارها بأمر رضوى ... فصمت الصبي للحظة ثم قال بقلق :
_ لتكون ناوية توافق غيظ فيه ياعمتي ! ... مش هتكسب غير الوجع !
قالت وداد ببعض الطمأنينة :
_ مش هكدب عليك وأقولك أني مش خايفة ... بس اللي مخليني مطمنة شوية أن عمهم وجيه فاهم كل حاجة ... ولمحلي كده من بعيد أنه مش هيخلي حد يغلط تاني ... سواء في حق نفسه او في حق غيره ... ومبسوطة أنك انت كمان جيت ، أنت أخوهم وهتخلي بالك منهم اكتر مني ... أنت شايفني لا بقدر أقوم ولا اتحرك كتير .
فقال الصبي بوعد بعدما أوضحت له عمته لوحة مفاتيح لب المشكلة :
_ ما تقلقيش بالك ... خليها تقابل العريس الأول ونشوف هيحصل ايه ... وعيني هتفضل عليهم طول الوقت .. اوعدك.
*******
مر منتصف الليل بساعاتٍ ثقيلة على البعض .. والبعض الآخر مرت عليه تلك الساعات أسرع من وقت ارتشاف فنجان صغير من القهوة !
وتملمت ليلى بفراشها ليلًا ، وقد مضت غفوتها بتلك الساعات الفائته في أرق وانزعاج صامت وزفرات ضائقة لا تنقطع .. كأنها ستخرج من حلما جميل اوشكت نهايته على البدء !
يومان من عمرها ... بالعمر الفائت كله !
بالعمر التي لا زالت لا تتذكر فيه بعض الأشياء ، وربما لا تريد تذكرها ! .... وحمدت رب العالمين أنها بتلك اليومين لم تزعجها ذاكرتها وتختفي مثل الزئبق! ... مثلما حدث قريبًا !
إلى متى ستظل مرعوبة من هذا الاحتمال ؟!
هل من الممكن أن تنسى أنها تزوجت من الرجل الوحيد الذي أحبته ؟!
والأكثر رعب لو نسيته هو ذاته !
يا الله ... كم يبدو أن الانسان أضعف من كونه يستطع التذكر شيء عن نفسه حتى لو أراد ورغب !
هناك أشياء بنا لا نستطيع التحكم فيها ... كأننا نسير بجسد لا نملكه سوى مؤقتً ! ... ولا نملك السيطرة عليه ولو بطرفة عين !
جف ريقها من الخوف واعتدلت وهي تستغفر ربها وتتوسل إليه بصوتٍ خافت ألا يحدث هذا وتنسى من خفق قلبها له ... التقطت أنفاسها المشتته بعض الشيء ، ثم نظرت جانبًا تروي عينيها بالنظر له....
تطلعت به بنظرة لم تطرف حتى ! .... ودققت في أدق تفاصيل ملامحه المنحوته بإبداع الخالق وهو نائم بهدوء تام ومضطجع على جانبه الأيسر ، صدقا لم تقابل رجل مثله !
أو ربما لأنها تحبه تشعر بذلك ... ولكنه بالفعل مميز هذا الرجل بشيء غامض هي نفسها لم تستطع كشفه حتى الآن.
خلافا عن وسامته الخاطفة لنظر أي امرأة ... فهو يملك شخصية ساحرة للنساء ... يستطع لفت الانتباه دون مجهود حتى لو هناك الأجمل منه بالقرب !
لاحظت ابتعاد الغطاء سنتيمترات قليلة عن كتفيه، فاقتربت وسحبت الغطاء بهدوء حتى أخفى جسده دون وجهه ... فابتسمت ليلى بحنان وهو يتنفس بإرياحية مغمض العينان وكأنه كان يشعر بالبرد ورحب بالدفء أخيرًا.
وبعدها مررت يدها برقة على شعره الناعم الذي ورغم دخوله الأربعين منذ عامين، لم ينتشر فيه الشيب سوى قليلًا ولمن يدقق النظر فقط سيرى.
تنهدت بضيق من شيء تذكرته ... شيء مر بعقلها ورسم ذلك الحق بالقرب لزوجته الأخرى ! .... اعترفت ليلى لنفسها أنها لن تتقبل زوجة أخرى له مهما حدث .... ولولا حبها له ما كانت وافقت أبدًا بهذا الوضع.... ومع ذلك من الأنانية والجحود أن تفكر حتى في تفريقهما ! ... لن تفعل ذلك مهما تعذبت مشاعرها !
والغد .. وما الغد !
غدًا أول يوم عمل ... وأول يوم من بياته خارج غرفتهما بقرب امرأة أخرى ! ...هذا العذاب بعينه ...!!
هكذا صرخ قلبها وهي تنهض من الفراش ببعض العصبية، ومن سريان تلك الموجات الغاضبة بداخلها لم تدري بردائها الخفيف وهي تنهض وتقف أمام النافذة الزجاجية المغلقة بعدما أزاحت عنها الستار الثقيل المتعدد الطبقات.
عقدت ذراعيها حولها ونظرت للفراغ المُظلم الذي ينتظر بلهفة أمل الضحى المشرق .... ثم ابتلعت ريقها بتنهيدة متثاقلة وخصلات شعرها القريب اللون من لون عينيها البندقية يحيط وجهها بحراسة ..
وتاهت بالفكر لدقائق حتى شعرت بأنامل قوية ولكنها رقيقة اللمسة تمر على أعلى كتفيها وتديرها إليه .... فنظرت لعينيه المشاكسة وكأنها تسبح في موجاتها المرتفعة ... وكم كان يروقه نظرتها له .... كم يحب تلك اللمعة المميزة عندما تتلاقى أعينهما في صمت ! ... ورعشة شفتيها كأنها تريد أن تقول شيء وتتراجع أو تخجل فتصمت... فابتسم وقال لينهي حيرتها:
_ كنت عارف أنك مش هتعرفي تنامي النهاردة !
انتزعت نظرتها من على عينيه كأنها تبترها وقالت بنظرة مشتتة حائرة وبها من القلق ما جعلها على وشك البكاء:
_ في حاجات كتير مخوفاني ومطيرة النوم من عيني .... مش اللي جه في دماغك بس ...!
وكانت تقصد بمعني خفي عودته لحياته الروتينيه مع زوجته الأولى جيهان ... فخمن عدة أسباب ولكنه تساءل:
_ طب قوليلي إيه اللي مخوفك للدرجة دي ؟!
كادت أن تتحدث بعد لحظة من الصمت الثقيل ، حتى وقعت عينيها على ساعة الحائط التي تشير للثالثة فجرا .... فتراجعت وقالت وهي تتجه للفراش :
_ المفروض تنام عشان تصحى فايق للشغل بدري ..
ولكنها لم تتابع طريقها ... بل امسكت يده معصمها فأوقفها ... اخفضت ليلى رأسها بمحاولة أن تتحكم في تلك الرغبة الحمقاء في البكاء ولكنها لم تستطع ...
فأخذها سريعا بضمة رقيقة، ثم ابعدها قليلا ونظر لعينيها الحمراء الباكية وقال بمحبة حقيقية لا شك فيها :
_ يا ليلى أنا بحبك ... مع مين اكون بحبك أنتي ... ومحدش هيقدر ياخد مكانك عندي أبدًا .... اعملك إيه عشان تصدقي وتطمني وتبطلي القلق ده !
نظرتها له كان بها خوف أقلقه عليها بحق ! .... كأن هناك شبح يبحث عنها وترتعب منه ! .... فقالت وعينيها مليئة بالارتياع :
_ أنا مصدقة كل كلمة بتقولها .... مش هنكر أن قلبي بيوجعني كل ما بتخيل بكرة والأيام الجاية ... واتخيل أن بعد كام ساعة هترجع من شغلك وتروح لجيهان .... بس خوفي الأكبر مش بسبب كده!
وكان يزيل دموع عينيها بأطراف أصابعه حتى تابعت وجسدها بدأ يرتجف بقوة :
_ خايفة أنساك ... خايفة في يوم الاقي نفسي معرفكش ! ... أنا مرضي النفسي خطير وصعب علاجه ... والكارثة أن النسيان في المرحلة دي مش مرتبط بصدمة أو زعل ! ..... ده ممكن يجيلي في أي لحظة ... !
اجهشت بالبكاء وهي ترمي رأسها على صدره وتضمها بكل قوتها وتقول :
_ أنا مش عايزة انساك يا وجيه .... مش عايزة انساك.
وكررتها وهي تحاوط خصره بذراعيها بأشد قوتها وتبكي .... فضمها بقوةً مرة أخرى وهمس لها بتأكيد :
_ أطمني ... مش عايزك تحطي الاحتمال ده في دماغك وأن شاء الله مش هيحصل كده.
وظلت بين ذراعيه متمسكة به كالهرة المرتعبة حتى نظر لعينيها بعد قليل وقال بابتسامة حنونة :
_ وحتى لو نسيتيني ... أنا فاكرك وعمري ما نسيتك ، حتى لو نسيتي يا ليلى ... هبدأ معاكي حكاية جديدة ... هتحبيني فيها من أول وجديد... ولو نسيتي كل يوم ... هفضل افتح معاكي صفحة جديدة لحد ما نوصل لبر الأمان .... وساعتها هنقف وهفكرك بكل الموج العالي اللي قابلنا ... لحد ما وصلنا أخيرًا ......مافيش داء من غير دوا ... وأنا معاكي مش للنهاية ... أنا معاكي لنهايتي وآخر عمري.
رغم دموعها المنفرطة على بشرة وجهها كانت تبتسم !
وعند الصادقين فقط ... تصبح الكلمات أدلة واضحة وبرهانً اكيد.
فاتسعت ابتسامة وشاكسها قائلا :
_ بعرف ابدل مزاجك في لحظة .... من العياط للأبتسامة في لمحة! ... أنا مُقنع جدًا.
وكان محقا ... فقد استطاع رغم كل ما تشعر به أن تطمئن وتبتسم بكل ثقة وأمان ... أن يرحل عنها كثير من خوفها من الآت.
******
وعند بزوغ الشمس ....اجتمعت العائلة حول مائدة الأفطار جميعهم .... وكان الصمت يخيم على الجميع بغير عادة !
نظر الجد حوله وقال بتعجب :
_ هو نعناعة فين ؟!
أجابت حميدة وهي تتحاشى النظر ليوسف الذي كان يبتسم لها واثارت ابتسامته هذه جميع الانظار عليها :
_ أنا خبطت عليه من شوية عشان يجي يفطر ورد قالي ماشي نازل ... بس تلاقيه مكسوف ينزل !
قالت جيهان بتلقائية :
_ طب ما تروحيله تاني وتدخلي تصحيه يا حميدة ؟ ...
نظر الفتيات الأربعة لبعضهن ثم أجابت جميلة عوضا عن حميدة:
_ لا ما اتعودناش على كده ... هو أخونا آه بس مش لدرجة ندخل عليه أوضته يعني وهو نايم! .... مايصحش يا مرات عمي هو مهما كان راجل برضو !
قالت حميدة بقصد وهي تنظر ليوسف نظرات خلفها أشياء كثيرة :
_ رغم أنه اصغر مننا لكن برضو الأصول أصول ...
قال يوسف بعتاب وقد فهم قصدها:
_ ما خلاص بقا فهمنا والموضوع عدى هنفتحه تاني !
ابتسم وجيه بمرح وهو ينظر لحميدة .... بينما أرادت ليلى أن تتدخل لتعجبها من كلمات جيهان ولكنها تراجعت ... فأن وافقت الفتيات ستضع جيهان في موضع احراج كبير ....فصمتت .
ارتشفت حميدة من كوب ماء أمامها وتجاهلت يوسف وهي تكتم ضحكتها .... فقال جاسر بابتسامة ماكرة لجميلة :
_ جبتي العقل ده كله منين يا جميلة ؟ ....
أجابت وهي مبتسمة لتستفزه:
_ مش هقولك المكان عشان ماتروحش تجيب ! ...
كتمت ليلى ضحكتها وهي تنظر لوجيه الذي نظر لفنجان قهوته وبالكاد تحكم بضحكته هو الآخر ..... بينما انتشرت الضحكات بين الجميع سوى جاسر ...... نظرت له جميلة بانتصار حتى قال بنظرة متوعدة :
_ لولا أنك بنت عمي كان زمانك لابسة الفنجان اللي قدامك ده في عقلك الجميل ده ...
تحدث وجيه بنبرة تحذيرية ونظرة حادة لجاسر :
_ جاسر ؟! ...... وبعدين !
كاد جاسر أن يرد بغيظ حتى أوقفه الجد وقال :
_ كفاية بقا تصرفات القط والفار دي ! ...... خلينا في المهم .
نظر الجد لأبنه وجيه وقال بهدوء :
_ حاول توصل قبل الساعة ٥ يا وجيه ... ماينفعش أقابلهم لوحدي !
وأشار الجد بحديثه على زيارة عاصم وأبنائه الشباب الثلاثة .... فدفع رعد ملعقة شاي صغيرة قد احدثت صوتٍ مزعج ونهض قائلا بعصبية :
_ مش عايز أفطر .... ومش رايح الشغل النهاردة.
ضيق وجيه عينيه عليه للحظة ثم قال :
_ هو كل يوم غياب ! .....
رد رعد بسخرية وهو ينظر لرضوى التي تجاهلته تماما وتتابع طعامها في صمت :
_ ما طول الوقت كنت بشتغل ! .... ما أفتكرش أننا كنا بناخد أجازات خالص ! ..... أظن من حقي أخد كام يوم كده على ما أروق.
ومن نظرات رعد الحادة لرضوى فهم أن الجدال معه سيزيد الأنر سوءً.... فوافق مرغمًا ولكنه قال بتحذير صريح :
_ مافيش مشكلة في الغياب يا رعد ..... بس مش عايز أي مشاكل النهاردة ... ولا حد يجيلنا ويمشي مضايق مننا .... الضيف ليه احترامه وواجبه بغض النظر هو جاي ليه.
نظر رعد لعمه وجيه نظرة طالت لدقيقتان ، ثم انتقلت نظرته على رضوى بتهديد واضح لم يمنعه حتى تحذير عمه وقال :
_ في حاجات يا عمي ماينفعش نسكت عليها .... وماينفعش حد ياخدها مننا .... واللي هيقربلها مش هرحمه.
وبعدها غادر المائدة وصعد لغرفته .... اصطبغ وجه رضوى وخاصةً بعدما أصبحت العيون مسلطة عليها ..... فقال جاسر بنفس ابتسامته الماكرة :
_ أيوة زي ما رعد قال كده بالضبط ... وهضيف أنا بقا .... واللي هيقربلها مش هرحمه وهضربه.... أنا رايح أوضتي.
وغادر جاسر المائدة أيضا.... فقال آسر وقد نطق أخيرا :
_ أنا بقا اللي هيقربلها مش هرحمه وهضربه وهطرده ...
بعد أذنكم .... رايح أوضتي طبعا..
وبعدها غادر أيضا
رفعت سما حاجبيها بتعجب .... فقال وجيه ليوسف :
_ طب وانت ؟!
كتم يوسف ضحكته وقال لعمه وجيه :
_ مقدرش أسيبهم يا عمي .... بعد أذنك.
وغادر يوسف أيضا ... وضع وجيه فنجان القهوة من يده ثم ضحك رغما عنه وقال :
_ ربنا يستر على عاصم وولاده من الحيتان دول !
رغم ابتسامة الجد السريعة وارتباك وقلق الفتيات مما يحدث ... قال الجد بتوتر :
_ لازم تيجي بدري .... ماينفعش نبان قلالاة الذوق مع الناس حتى لو هنرفضهم !
وعندما سمعت رضوى تلك الكلمات نهض متجهمة الوجه وكأنها تعترض ....واستأذنت عائدة لغرفتها وتبعها الفتيات واحدة تلو الأخرى ..... فأجاب وجيه بموافقة :
_ هاجي بدري .... بس محدش يتكلم مع رضوى خالص دلوقتي ... دي زيارة تعارف لسه ، بعد الزيارة لينا كلام تاني... يمكن هو مايعجبهاش وترفضه من نفسها.
وكم تمنى الجد ذلك أن يحدث بالفعل ... ولكن مع عناد رضوى فأنه يشك بالأمر.
********
وبعد أن انتهت وجبة الأفطار وقفت جيهان بردائها المحتشم مثلما نبهها وجيه لتودعه قبل أن يغادر للعمل .... وقد سبقت ليلى لشعورها بأنها ستفعل ذلك .....ووقفت بجانبها ليلى وهي تحمل صغيرتها ريميه ...
قصدت جيهان أن تقترب منه وترتب دون حاجة ربطة العنق ...وقالت بصوتٍ ناعم متغنج:
_ توصل بالسلامة ...
ابعدت ليلى نظراتها عن جيهان وتظاهرت بالحديث مع صغيرتها ..... فقال وجيه مبتسما بعفوية :
_ الله يسلمك يا جي جي ...
اتسعت ابتسامة جيهان بنظرة ماكرة سريعة لليلى .... والتفتت ليلى له بنظرة غيظ سريعة ... فلما لا يدللها ؟!
هكذا صدح هذا السؤال بعقلها ... بينما ادرك وجيه ما شعرت به ليلى ....فربت على ذراع جيهان بابتسامة سريعة ....ثم توجه لليلى مشاكسا الصغيرة بابتسامة لعينين ليلى ذات معنى وقال :
_ ريمو هتوحشني أوي ...
مدت الصغيرة ذراعيها ليأخذها وجيه ... ثم أخذها بالفعل وضمها بحنان قائلا بابتسامة واسعة :
_ النهاردة هجيبلك لعب كتير أوي وأنا جاي .... بس مش هقولك عليها ....
امتلأت تعابير الصغيرة بالحماس وابتسامة فرحة .... ورقت ليلى لسعادة صغيرتها وقالت بمحبة:
_ توصل بالسلامة يارب .
نظر وجيه لجيهان التي ابتعدت لتصعد غرفتها ... والتفت لليلى وهمس بأذنها بخفوت:
_ هتوحشيني جدًا.
ابتسمت ليلى ابتسامة واسعة وهي تنظر له وقد استطاع كالعادة أن ينسيها أي ضيق بأقل كلمات...
وغادر وجيه لعمله مبتسما ومتعجبا مما انعطفت حياته فجأة ! ..... لم يظن للحظة مضت من عمره أنه سوف يكون زوج لأمرأتين !
ويبدو لو دلل واحدة لابد أن يدلل الأخرى بنفس اللحظة وإلا سيكون ظالمًا لا يعرف معنى العدل بنظرهن ...
ضحك وهو يجلس داخل سيارته لتلك الخاطرة ....
********
وعند ساعات النهار ظهر الصبي نعناعة وهو يتجول بالمنزل الكبير ..... فأوقفته حميدة بالممر المؤدي للمطبخ وقالت :
_ أنت فطرت ولا لسه يا ولا ؟!
عبس وجه الصبي وقال بتمرد :
_ اسمي نعناعة مش ولا ! .... وبعدين آه فطرت من بدري ، بس كنت بتفرج على البيت .... ده قصر مش بيت !
نظرت حميدة له بضحكة وقالت :
_ لما جينا هنا قولنا نفس الكلام .... وعلى فكرة في جيم هنا ، مش كان نفسك تروح جيم من زمان ؟!
فغر الصبي فاه من الصدمة .... ثم قفز بسعادة وقال :
_ بالحق يابت ! .... هو فين ؟!
أشارت حميدة لباب كبير عن جميع أبواب غرف المنزل جميعها وقالت :
_ هناك أهو .... روح اتبسط شوية ...
ركض الصبي للجهة المشار إليها بسعادة .... فقد كان يرى تلك الآلات الرياضية التي يستخدمها الرجال ذو العضلات الضخمة ويتمنى أن يصبح مثلهم .... ولم يطرق الباب حتى بل فتح الباب دون استأذان ....
نظر له جاسر بعدما وضع حمل ثقيل من الحديد وصدره العاري يقطر حبيبات العرق .... فنظر له الصبي بأنبهار وقال:
_ أنت زي اللي بيطلعوا في التلفزيون ! .... هي العضلات دي بتتعمل أزاي ؟!
وفجأة توقف بضيق من نفسه ... فقد كان يتذكر كلمات عمته وتحذيرها ولكنه لن يستطع نسيان ما سمعه بتلك البساطة ! .... فقال مقتطب الوجه :
_ بالأذن ... أنا خارج.
كان رعد منشغل بضربات الملاكمة ولم يلتف للصبي بأدنى التفاته ..... وآسر يستخدم آلة يجلس عليها لتقوية عضلات القدم والظهر فلم ينتبه للصبي من الأساس .... أشار جاسر للصبي وقال :
_ لأ تعالى ...
وقف الصبي بتردد حتى اقترب منه جاسر وهو ممسك بكوب عصير طازج ويرتشف منه القليل ....ثم قال :
_ لو عايز تتمرن هعلمك .... هو مش أحنا كنا صحاب ولا نسيتنا ؟!
نظر الصبي له بعتاب على ما فعلوا بالريف ... ففهم جاسر ما يجول بداخل الصبي فقال بتفهم :
_ أنا عارف أنك زعلان مننا .... بس هفهمك اللي حصل ، لكن اوعدني هتكون معانا !
نظر الصبي له بتردد وقال :
_ لو طلعتوا معاكوا حق هكون معاكم اكيد ... بس يعني حق إيه بعد اللي سمعته بوداني ؟!
توقف رعد عن رد الضربات للحامل الرملي وخلع قفاز يديه الثقيلان ، ثم استدار للصبي وهو يجفف جسده بالمنشفة :
_ ما هو اللي سمعته ده جزء بسيط من الحقيقة مش كلها ...
واجلس جاسر الصبي على مقعد خشبي مريح ثم جلس قربه وبدأ يتحدث ... حتى روى له كل شيء تقريبًا ... وكان لابد أن يجعل الصبي بصفهم ... فهو يستطع التأثير بشكل ايجابي على الفتيات .... وبعد دقائق طويلة نظر الصبي نعناعة لجاسر بحيرة .... فقال آسر الذي ترك التمارين وانضم للشباب حول الصبي :
_ اعتراض رعد مكنش على رضوى رغم انه ظهر كده بالفعل ..... أنما أنت حتى لو أصغر منا بس شاب وهتحس بينا برضو .... رد الفعل ده بسبب ضغط جدي كل السنين اللي فاتت ....
واستغل رعد أن الصبي بدا عليه الميل لتصدقيهم وأضاف :
_ أنا عايز اتجوزها والقرار ده من قبل ما أعرف أنها بنت عمي .... فأزاي هغير قراري بعد ما عرفت .... أنا بس ماحبتش أنها تتفرض عليا هي كمان .
نظر الصبي له بتعجب ولم يفهم تلك المسألة المعقدة وقال :
_ تتفرض عليك أزاي وأنت عايز تتجوزها من الأول ؟!
ابتلع رعد ريقه وقد تأكد من ظنه بأن الصبي لن يفهمه .... فقال آسر موضحا :
_ هفهمهالك ..... أنت مش عايز تتعلم وتنجح وتتفوق كمان؟
رد الصبي بجدية :
_ ايوة طبعا
فأضاف آسر مضيفا :
_ أنا فاكر أنك قولتلي في البلد أن الاساتذة بيعاملوك وحش وبيضربوك عشان تتعلم ..... ورغم أنك عايز تتعلم لكن ما كملتش بسبب الضغط والاجبار ! ... صح ؟
بدأ الصبي يفهم المغزى وأجاب بصدق :
_ صح والله ... كل شوية ذاكر واحفظ ذاكر واحفظ ... لحد ما بقيت لا عايز أذاكر ولا بحب احفظ !
قال آسر وقد وصل للهدف الأساسي :
_ أهو رعد حصله اللي حصلك بس بشكل مختلف ... هو كان عارف أن جدي كالعادة هيجبرنا على الجواز من بنات عمنا زي ما عمل في كل حاجة في حياتنا .... لما ده حصل رعد رفض أنها تتفرض عليه ويحس الاحساس ده تاني ...
وقال رعد بصدق معترفا :
_ كنت غبي واتكلمت بشكل ماينفعش بس كان غصب عني ومستعد للأعتذار لحد ما ترضى .... أنما هي زي ما أنت شايف كده !
فهم الصبي الآن كل شيء وقال لرعد بضيق :
_ أنت جيت على اغلب واحدة في البنات وجرحتها!.. والطيب زعله وحش أوي ..... ويمكن أنا فهمت اللي حصل .... بس هي مش هتفهم ده بسهولة .... ما هو محدش بيسيب جرحه بينزف ويروح يطيب جرح غيره يا دكتور ولا إيه ؟
هز رعد رأسه متفهما الخطأ الغبي الذي ارتكبه وقال معترفا :
_ عندك حق ... بس أنت مصدقني ؟
تطلع به الصبي لدقائق ثم قال :
_ مش مهم أنا أصدقك .... المهم هي
*********
عند دخول المساء ...وتحديدًا وقت وصول وائل ووالديه وأشقائه الشباب الأثنان ....
استقبلهم الجد رشدي ووجيه استقبال مرحب .... بينما أخذت جيهان وليلى والدة وائل لصالون قريب من الرجال ليتحدثن بحرية أكثر.... حتى أتى جاسر مبتسما وقال لوائل بعد ترحيب مزيف بهم ونظرة وكأنها تضمر شيء:
_ ما تيجي يا شباب نقعد شوية في الجنينة ؟
ضيق وجيه نظرته على جاسر ووجه اليه نظرة تحذيرية بألا يفعل شيء يسبب لهم ولو شيء بسيط من الاحراج! ... ولكن يبدو أن جاسر في خططه شيء وينوي تنفيذه بكل الطرق !
ونجح في أخذ الشباب الثلاث للحديقة.
واستقبلهم رعد ويوسف وآسر في الحديقة بنظرات متحدية ..... همس رعد قائلًا :
_ مش هتقابله ...
رد يوسف بتحذير :
_ وائل مش سهل زي ما أنت فاكر .... لو داخل على طمع يبقى أنسى أنه يبعد.
ابتسم رعد بسخرية وعينيه تلاحق المقتربين عليهم :
_ اومال داخل على إيه ؟! ..... هما دول بيهم شيء غير الفلوس ولا ناسي سلمى أخته وموضوعها معايا ؟
قال آسر بنفي :
_ سلمى كانت بتحبك يا رعد ما تنكرش !
رد رعد بعصبية :
_ بتحبني ... بس اللي شجعوها أهلها ... اللي باصين لكل حاجة نملكها .... ودلوقتي التلات فيران دول جايين من ناحية تانية ..... بس والله ما هما طايلين حاجة ...
واجتمع الشباب جميعهم بعد مصافحة جافة حول طاولة كبيرة بالحديقة وحولها مقاعد خشبية .... نظر رعد لوائل قائلا ببعض السخرية :
_ منور يا وائل .
شعر وائل وكأنه وقع بفخ من وجوده هنا مع هؤلاء الخبثاء الأربعة .... فقال بثبات وأخفى قلقه:
_ بنورك يا رعد ....مالحقتش اتكلم معاك يوم فرح عمي وجيه !
ضحك رعد باستهزاء وقال :
_ هو أنت كنت بتتكلم غير مع البنات يابني ! ... شكلك مالكش في قاعدة الرجالة !
وضحك الشباب سوى وائل ورعد المتشابكة أنظارهما في عدائية ظاهرة ..... فزفر وائل بملل وقال :
_ احنا قاعدين هنا ليه ؟! ... تعالوا ندخل نقعد معاهم جوا ! .... وبعدين ماينفعش نتكلم انا والآنسة رضوى هنا كده !
التهبت عين رعد بالغضب ونظر له الشباب الثلاث بترقب ..... بينما أشقاء وائل التزموا الصمت تمامًا ..... فقال رعد بفضب لم يردع ظهوره :
_ أنت مش قاعد مع حد ! ..... لما احنا نوافق عليك نبقى نخليك تقعد معاها !
ابتسم وائل بسخرية وادرك مدى غضب رعد من طلبه للزواج من رضوى تحديدا ..... فأثاره هذا الغضب ليصمم أكثر على الزواج منها ... فأجاب بهدوء مستفز :
_ زي ما تحب يا رعد .... أحنا أهل وعيلة واحدة ومش هنختلف ..... تحب تتكلم في ايه دلوقتي؟
يبدو أن وائل يلعب لعبة خطرة ... ومثلما قال يوسف عنه بأنه خبيث ليس بالسهل ..... فادرك جاسر من نظرات وائل مدى تلاعبه بالكلمات ..... فنظر لكوب عصير على المائدة وابتسم بمكر ... ثم مسك جاسر الكوب ووضعه أمام وائل قائلا :
_ طب أشرب وروق كده يا وائل ... على ما اروح اخلي الخدم يحضروا العشا .... أشرب الليمون وأهدا ...اهدأ ها ...
واتسعت ابتسامة جاسر اتجاه رعد .... وتعجب يوسف من غمزة جاسر لرعد ....ونظر لكوب العصير الذي بدأ يرتشف منه وائل بالفعل .... والعجيب أن رعد كان ينظر له بابتسامة ونظرة ضيقة خبيثة كأنه ينتظر شيء !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس والستون 65 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_التاسع_والاربعون_الجزء٢
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
فطن يوسف وتبين له أن خلف تلك الابتسامة الماكرة التي تتراقص على وجه رعد بخبث لم تكن بالصدفة أو للاشيء ... بل تأكد بحدسه أن رعد يخطط لشيء خطير، ويبدو أن جاسر متعاون معه أيضاً أو حتى المصدر الرئيسي لتدبير المكائد، اما آسر يبدو على علم ولكنه غير راضٍ بما يحدث ...كالعادة !
زفر يوسف واطلق زفرة حارة حملت ضيق شديد منهم على حجبهم عنه لما يخططون إليه من وراء ظهره!، كأنه أصبح فجأة غريب عنهم ويخشون من إفشاء مخططهم !
وأتت أحدى الخادمات ووضعت أمامهم صينية كبير من المشروبات من نوع عصير آخر على الطاولة ...
فأشار لهم آسر بلياقة أن يحتسون المشروب البارد قليلًا ... وفي تلك اللحظة وضع وائل كوب شراب الليمون الشبه فارغ وقال شاكرًا :
_ لأ أنا تمام كده.
والذي أكد ليوسف ظنه هو تبدل أسلوب رعد المرحب فجأة وقال لوائل بابتسامة واسعة :
_ لا طبعا ماينفعش ... هو احنا بنتقابل كل يوم !
وعلى رغم أن المتوقع من وائل هو الغرابة والتعجب من ترحيب رعد المفاجئ، لكنه استغل ذلك الترحيب وبدأ يرمي النكات، الكثيرة منها المضحك ومنها السخيف.
وبعد ما مضى أكثر من العشر دقائق بدأ يظهر على وائل أعراض غريبة مثل تغير في المزاج المرح إلى التقطيب والضيق الغير مفهوم ! .... وبعض شحوب الوجه والتقلب في جلسته متوتراً .... ثم قال وهو يهب واقفا فجأة :
_ ثواني وراجعلكم ...
ولم ينتظر حتى أن يجيبه احدًا فقد ركض تقريبًا للداخل ... بدا رعد شاردًا بعض الشيء ولم يبدو عليه أي بوادر انتصار وكأن المتوقع ليست تلك الأعراض فقط!
*******
كان جاسر يجلس على احد الآرائك بالردهة ويضع ساقا على ساق بانتظار الفوضى المخطط لها، فلاحظ خطوات وائل المتسارعة اتجاه حمام الطابق الأرضي .... فرفع حاجبيه ببعض التعجب وظن أن تلك بعض الأعراض الجانبية ...فابتسم بمرح .
وخرج وائل بعض قليل ورغم أن شحوب وجه أزداد ولكنه بدا هادئا، يسير بإرياحية اتجاه الحديقة مجددًا .... نظر جاسر لساعة معصمه ولاحظ أنه مر أكثر من ربع الساعة فبدا مستغربًا !
مفعول ذلك القرص لن يستغرق اكثر من ذلك ليظهر نتيجته في الهلوسة ... فما الأمر ؟!
بعد دقيقة أتى رعد من الداخل وتبعه آسر ايضا ... ووقف أمام جاسر غاضبًا وقال :
_ المفروض أنه كان دلوقتي مهيبر ومش في وعيه ... مش معقول تكون دماغه تقيلة للدرجة دي أن الحباية ما تعملش مفعولها !
وقف جاسر بدهشة لم يكن أقل من رعد انفعال وقال :
_ أنا برضو استغربت ! ... معقول يكون متعود ياخد البرشام ده عشان كده متأثرش !
قال آسر بثبات قبل أن يعلن عن ما يخفيه :
_ تعالوا نتكلم بعيد عن هنا عشان محدش يسمعنا
نظر جاسر ورعد له بشك من ثباته هذا ... ولكنهما رافقوه حتى صالة الجيم وهي أقرب شيء لهم يستطيعون أن يتحدثوا فيه دون أن ينتبه لحديثهم أحد ....
وبداخل صالة الچيم ...
وقف آسر متنهدا قبل أن يفصح عما فعله دون معرفتهما :
_ بصراحة كده ... أنا محطتش البرشامة اللي انتوا جبتوها معرفش منين ! ... أنا حطيت مُلين وبرضو مش هيعرف يقعد على بعضه لأن المُلين ده مفعوله قوي ومش هيرتاح منه غير بعد مش أقل من ٤ساعات ... تكون المقابلة انتهت ونفذنا برضو اللي احنا عايزينه.
جن جنون رعد وجره من ياقة ملابسه وهزه بغضب قائلا :
_ أنت بتتصرف من دماغك ؟! .... لو مكنتش موافق كنت أخرج منها وسيبنا نتصرف لكن ما تتصرفش من دماغك وتبوظ كل اللي عملناه بغبائك !
تخلص آسر من قبضة رعد العنيفة وقال له بعصبية :
_ عايز تحطله مخدرات ! .... ما فكرتش في اللي بعد المقابلة ولما عمك عاصم يكتشف اللي حصل لابنه ! ... ماهو اكيد مش غبي عشان ده يحصل ومايعرفش أننا اللي وراه ! ... ومش هيسكت!
بدا جاسر مفكرًا بحديث آسر وثابتًا ... على نقيض رعد الذي تلون وجهه بلون الدم من لهيب الغضب بداخله ...فأضاف آسر بتأكيد:
_ والعيلة كلها كانت هتعرف وأولهم رضوى وهتعند معاك أكتر ... لأن ببساطة وائل كان هيقنعها بمليون دليل أنه مش بيتعاطى مخدرات ... لما اقترحتوا اعترضت وانتوا صممتوا برضو ...! مالقيتش حل غير أني انفذ اللي في دماغي واللي برضو مش راضي عنه ! .... لكن مكنش قدامي حل غير كده.
فتح يوسف باب الجيم وظهر على وجهه أنه سمع حديثهم ... دخل وأغلق الباب خلفه بعصبية ، ثم التفت إليهم بنظرات تختلج ما بين العتاب والغضب لما فعلوه ... فقال لرعد بانفعال :
_ ما اتعلمتش من اللي فات برضو ! .... في وقت عصبيتك بتتعامل بغباء وما بتحاولش تفكر صح ! ...
تأفف رعد واستدار لجهة أخرى بنفاد صبر وهو يقول :
_ الاستاذ وعظ وصل !
جذبه يوسف من يده لينظر له وقال بعصبية :
_ أنا مش بوعظك أنا يهمني مصلحتك ! ... أنا عارف ليه ما قولتليش ... لأنك متأكد أني مش هوافقك على الرأي ده ! .... احمد ربنا أن آسر اتصرف كده وإلا كنت هتحطنا كلنا في موقف زي الزفت ! ... مع أن برضو هيتشك فينا في كل الأحوال، بس الملين ارحم بكتير من المخدرات ومش هيتسبب في كارثة كانت ممكن تحصل !
شعر جاسر بالغباء من تصرفهم هذا وقال معترفا :
_ احنا اتسرعنا يا رعد فعلًا .... و
وهنا انتهبوا جميعا إلى صوت قرع على الباب ، فذهب يوسف ليفتحه ووجد الصبي يقف قائلا بوجه متوتر :
_ تعالوا بسرعة ... وائل تعبان أوي وعمي وجيه عايزكم .
نظر يوسف لهم في غيظ وخرج سريعا خلف الصبي، فقال آسر بقلق وبعض التعجب :
_ ربنا يستر .... بس الملين مش هيوصله للتعب ده يعني!!، ده اقصى شيء ممكن يحصل هيجيله اسهال !
لم يبدو على رعد أي قلق وكأنه تمنى أن يذهب هذا الوائل إلى الجحيم بأي طريقة ...
********
الجميع التف حول وائل في الردهة وهو يضع يده على بطنه ويتألم بشدة وأمه تبكي وتنتحب وممسكة به وهو يقول بألم :
_ مش عارف حصلي إيه ؟!.... جاسر ادني كوباية عصير ولما شربتها كأني شربت سم ! .... أنا عمري ما حسيت بالألم ده في معدتي !
رفع آسر حاجبيه بدهشة ونظر لجاسر الذي اسودت عينيه من الغضب لهذه المسرحية المفتعلة ... وتمتم رعد بشراسة:
_ مكنش خسارة فيه الحباية ....
فغمغم جاسر بخفوت بنظرة غاضبة لوائل وتتوعده بالانتقام:
_ طب كويس انك جبتها عندي ... أنا هعرفك مقامك كويس .. بس مش وقته.
اجتث وجيه نظرته الغاضبة من على جاسر ورعد تحديدًا ، وتقدم إلى وائل قائلًا بهدوء ليطمئنه. :
_ تعالى معايا المستشفى وهتكون بخير ما تقلقش ... اكيد ده مالوش علاقة بالعصير احنا مش هنحطلك سم يعني !
تظاهر وائل بالألم الشديد، والتمادي في تمثيله الذي لم يتقنه كثيرًا ولكن بهذا الوقت لن يكذبه احد مهما كان شكه.... وقال معتذرا لوجيه :
_ أنا أسف يا عمي وجيه مش قصدي، بس والله هو ده اللي حصل أنا مش كداب حتى اسأل يوسف وآسر ... ورعد كان زهقان عليا ورافض آنسة رضوى تقعد معايا معرفش ليه ! ...
ورد عليه أشقائه الأثنان مؤكدان ما قاله شقيقهما وائل....
وتدخل عاصم بعدما انتبه لتلميح إبنه المريب وفهم مغزاه، فقال بعصبية قاصدًا كل كلمة وكأنه يهدد :
_ لأ أنا هاخد أبني واوديه لأقرب مستشفى ما تقلقوش عليه ... شكرًا على الضيافة يا دكتور وجيه !
ووضعت تلك الكلمات وجيه بموضع أحراج شديد وموقف لا يحسد عليه، ولم يستطع لأول مرة أن يرد عليه ويضعه عند حده! .... وبعدها وقف الجميع ينظرون بصمت وعلى وجوههم التوتر والريبة مما ستؤول إليه الأمور .... حتى أن الجد لم يبدي أي كلمة من صدمته بما يحدث أمامه ! ... وشعوره أيضا بالذنب لكل ما يفعلوه الشباب.
وبعدما غادرت عائلة عاصم جميعها وهو يساندون وائل الذي وكأنه ابتلع سما حقيقيا ويتلوى متوجعا بزيف، خرجت رضوى التي راقبت المشهد كاملا من غرفتها وخلفها الفتيات .. وقفت بالردهة وقالت بعصبية وهي تشير لرعد بتهديد :
_ أنت اكيد اللي ورا اللي حصله ! ... وبعدين مين ادالك الحق أنك تقرر أقابله ولا لأ؟! ... ده شيء يخصني أنا وبس !
اسودت عين رعد بشعور قاتل من الغيرة والحب والغضب من دفاعها عن رجل آخر حتى تجهل معرفته للآن ! .... ورد عليها بصوتٍ عنيف :
_ مايخصكيش لوحدك القرار ده ! .... وبعدين بدافعي عنه كده ليه! هو أنتي لسه حتى عرفتيه ولا قعدتي معاه ! ... ولا أنتي وخداه عند وخلاص المهم أي واحد تستخدميه عشان تنتقمي مني !
وعلى رغم أنه بحديثه بعض الحقيقة ولكنها ارتجفت من الكراهية التي شعرت بها فجأة اتجاهه، فرفعت يدها تصفعه بعدما اعمى الغضب ادراكها بجميع من حولها تمامًا... ولكنه قبض على يدها قبل أن تهوي على خده بصفعه مدوية، وتطلع بعينيها الكحيلة التي يشبه لون حبتها لون العسل الصافي، والواقع فيهما كليًا ، وتمتم في تحذير شرس :
_ ما تفكريش تعمليها تاني ، بما أنك مراتي المستقبلية يعني.
ورافق ارتخاء قبضته على يدها نظرة متلاعبة ماكرة بعينيه تضمر شيء ، فرمته بكل ما في قلبها من غضب ظهر بحدة صوتها وقسوته :
_ ده ابعد حتى من أحلامك ، وكل اللي بتعمله ده ولا يحرك فيا شعرة حتى ... وأن كانت المقابلة دي انتهت فمش هتكون الأخيرة ... ولا هو هيكون أول واحد يتقدملي !
تدخل وجيه بصوتٍ حاسم بالا يتحدث أحد مجددًا، قاطعا شوط من الصراعات بين رعد ورضوى وتعكر كل شيء بينهما...وقال:
_ لو سمحتي يا رضوى روحي أوضتك دلوقتي ...
التفتت رضوى لعمها بنظراتها التي تمتلئ غضب والدموع رافقت كل هذا أيضا ...وقالت بدهشة من جملته :
_ يعني أنت يا عمي عجبك اللي عمله؟!
تنهد وجيه بقوة وادركت ليلى وهي تنظر له من بعيد مدى غضبه الذي يخفيه ونخزها قلبها قلقا عليه..... حتى جذب وجيه يد رضوى بلطف وأخذها إلى غرفتها .... وعندما ادخلها ربت على جانب وجهها بنظرة حنونة وقال :
_ أنا حاسس بيكي، ومقدر زعلك وفاهم اللي بتمري بيه .... وعارف برضو أن أي كلام عن رعد دلوقتي مش هتصدقيه .... بس نصيحتي ليكي والنصيحة دي أنا جربتها شخصيًا ومريت بكل أحداثها .... ما ترتبطيش بحد لمجرد العند ... محدش هيدفع تمن القرار ده غيرك أنتي ... والقرار الصح له مدة ، وممكن على ما تفوقي تكون المدة انتهت وتندمي ... والندم مش بيرجع اللي ضاع مننا ... بس بيلون حياتنا بالعذاب.... فكري كويس وبهدوء ... واوعدك أن رعد مش هيعمل شيء يضايقك تاني.
وربت مجددًا على وجهها بلطف ثم تركها بالغرفة ودخلوا الفتيات لغرفتها واغلقوا الباب عليهن ...
عندما خرج وجيه كان أبيه عاد لغرفته، وجيهان كذلك لم تريد التدخل بينهم فصعدت لغرفتها .... بينما ليلى كانت قلقة عليه وأرادت التحدث معه ولو قليلًا فظلت واقفة تنتظره .... ونظر وجيه للشباب الأربعة في نظرة الهدوء ما قبل العاصفة ... نظرة لا تنذر بالخير..... فأشر لهم بيده أن يسبقوه لغرفة مكتبه بالمنزل قائلا :
_ تعالوا ورايا .
ذهب الشباب للمكتب خلفه وتبقى ليلى والصبي نعناعة فقط .... فتمتمت بدعاء أن يمر الامر بسلام، حتى قال الصبي بقلق :
_ بأذن الله هتعدي .... بعد أذنك هطلع عند عمتي.
وكان الصبي يستأذن بأدب بكل حركة يخوضها داخل المنزل ..... فتركته ليلى يصعد دون كلمة وجلست على أحد الآرائك بالردهة تفرك يديها ببعضهما في قلق .... على رغم تأكيدها أن وجيه سيتصرف على الوجه الأمثل وبمصلحة الجميع، ولكن سيتحمل الكثير من التوتر والضغوطات حتى تتصلح الأمور بين جميع أفراد العائلة...
وتجهمت عندما تذكرت تعابير وجهه عندما تحدث عاصم بعصبية وأخذ عائلته وغادر !
فنظرت ليلى للمكتب وبداخلها رغبة هائلة للأنفراد به ولو قليلًا، وطمأنته وتبديل عصبيته حتى يهدأ.
********
وقف وجيه أمام الشباب الأربعة في مكتبه ... وبدا على وجه رعد تحديدًا التحدي والتصميم ....
تنهد للحظات ناظرا لرعد مفكرا ثم قال بعصبية :
_ عملتله إيه خلاه في الحالة دي ؟!
رد آسر معترفا :
_ أنا حطيتله مُلين يا عمي ، يمكن يحس بشوية مغص بس مش لدرجة أن يحصله كده ! ....
وبعدها قال رعد بنرفزة وغيظ شديد :
_ ده تمثيل انتوا صدقتوه ؟!
سخر وجيه منه وقال ببساطة :
_ لأ طبعا مصدقتش بس هو طلع أذكى منكوا ورماها عليكوا ... وبدل ما يطلع خسران خلى شكلكم وحش واتهمكوا باللي جراله... ولو طلب مقابلة تانية طبعا مقدرش أرفض ! .... مكنتش متخيل أنكم بالغباء ده !
تحدث يوسف مدافعا عن نفسه وقال :
_ أنا مكنتش أعرف يا عمي، أنا عرفت بالصدفة والله.
زفر جاسر بغيظ وقال بتصريح قاله من غيظه من وائل وخبثه :
_ أنا كنت هحطله قرص (...) ، كان هيهبر وهيهلوس ومكنش هيبقى طبيعي... بس للحقيقة آسر بدل القرص بمُلين ... وبعد اللي قاله الحيوان ده ياريت آسر ما كان بدله ... على الأقل كنت شفيت غليلي منه.
اتسعت عين وجيه بصدمة وبلحظة اندفع اتجاه حاسر وجره من ياقة قميصه وهزه بعنف ونظرة شرسة :
_ مخدرات !! .... انت جيبت القرص ده منين أنطق وإلا اقسم بالله ما تقعد هنا لحظة ؟! ... أنت بتتعاطى يا جاسر !
صدم جاسر من ظن عمه فيه وقال بنفي ودفاع صادق :
_ بتعاطى إيه يا عمي بس ! ... لا والله العظيم هو انا حتى بشرب سجاير لما اتعاطى ! .....
هزه وجيه بشراسه وصاح :
_ اومال عرفت تجيبه منين ؟! .... الحاجات دي مش بتتجاب غير يا من المجرمين يا تحت استشارة الدكتور ولأمراض معينة عشان الألم .... ومستحيل دكتور يديهولك من غير دليل أن حد عندك مريض .... يبقى جيبته منين !
اعترف جاسر وقال ببعض الندم :
_ ده واحد صاحبي أخوه عنده الكبد وبياخد جرعة بسيطة من البرشام ده عشان تسكن الألم ... فخدت واحدة منه تحت ضغط كمان ... محدش يعرف غيره والله.
نظر له وجيه بعنف محاولا اكتشاف أن كان صادقا أم كاذب .... فدافع رعد عنه وقال بتأكيد :
_ الكلام ده حقيقي وحصل قدامي... يا عمي أحنا مش بتوع الكلام ده وجيبناه لهدف وأهو ما اتحققش اصلا !...
دفع وجيه جاسر بعيدًا عنه وزفر بقوة بعدما شعر بالذعر من مجرد الشك بأن جاسر يتعاطى تلك العقاقير المحذورة والمدمرة..... ولكن غضبه منهم لم يهدأ بعد وصاح بهم :
_ انتوا عارفين لو كان ده حصل كانت النتيجة هتكون ايه ؟! .... عاصم مكنش هيسكت وهيردها بأي شكل وبأي طريقة... ومش هقدر اغلطه لأن لو واحد فيكم اتعرض لموقف زي ده مكنتش هغمض عيني غير لما ارجعله حقه وازيد كمان ... احمدوا ربنا أنها جت على اد كده .... عاصم مكنش هيأذيكم انتوا بس ،كان هيتكلم على بنات أخويا كمان ومش هيرحم حد.
اضطربت عينان رعد وبدأ يشعر بالتشتت ووصل الحال به لأن يشعر أنه عاجزا ولا يستطع التفكير بأي طريقة ليحل بها الأزمة ..... فقال يوسف محاولا تهدأت عمه بعض الشيء:
_ وائل كان بيمثل وده واضح وأبوه عارف ومثل هو كمان وعملوا حوار بايخ ..... وعلى فكرة هيطلبوا يجوا تاني وتالت كمان ..... المشكلة دلوقتي أن وائل بكل سهولة هيقول لرضوى وهيأكدلها أن رعد السبب في اللي حصله ، وطبعا بدون نقاش هتصدقه ....
هز وجيه رأسه بغيظ منهم بيأس وهتف بعصبية :
_ ضيعتوا كل اللي كنت بفكر فيه بتصرفكم الغبي ده ، ولا انتوا فكركم أني مش عارف أنهم داخلين على طمع ! .... عاصم لما عرف أن حميدة اتخطبت ليوسف من جدكم ، اتقدم لجميلة وسما لولاده التانيين بشكل مباشر ... يعني مافيهاش تلميحات تاني ! ....
صرّ جاسر على أسنانه بغضب وقال هاتفا بشراسة :
_ ولاد ال ...... محدش فيهم هيدخل البيت ده تاني ! ... ومحدش يحاسبني على اللي هعمله !
صاح وجيه بعصبية بوجه جاسر وحذر :
_ اياك يصدر منك أي فعل غبي من افعالك ، أنا كل ما احلها تيجوا انتوا تخربوا كل اللي ببنيه في لحظة ! ..... مين اللي قالك أني كنت هوافق بسهولة كده ! .... ولا أزاي أبقى عارف انهم طمعانين فينا واسلمهم بنات أخويا كده بالساهل ! .... بس الرفض المباشر من غير سبب مش حل ... والرفض من غير ما اتكلم مع البنات واخد رأيهم هيخليهم يعملوا نفس اللي بتعمله رضوى .... وزي ما قالت رضوى بالضبط ... ده مش هيكون أول عريس يتقدم !
يعني مش هنفضل كده كل ما يتقدم حد ليهم ! ....
قال آسر بعصبية :
_ طب اقولنا نعمل إيه وهنعمله، المرادي هنسمع كلامك ومش هنعمل أي حاجة من دماغنا .... بس اوعدنا انك تحلها.
رفض وجيه وقال ساخرًا فلم يعد الحل سهلًا هكذا بعدما حدث:
_ مع تهوركم ده مقدرش أوعد بحاجة مش مضمونة ! ..... اثبتولي الأول أنكم مش هتتهوروا تاني وتتصرفوا من ورايا .... وشوفوا انا هعمل إيه ! .... وشوفوا لما يوسف اتقدم لها واثبتلها إنه بيحبها وشاريها بجد عملت إيه من غير حتى ما يكلمني....
تقدم رعد خطوتين ووقف أمام عمه وقال باعتذار حقيقي واعتراف بالخطأ:
_ أنا أسف يا عمي على اللي أنا عملته .... حقيقي بتأسفلك ومش عايزك تزعل مني ... واوعدك مش هتهور تاني بس عشان خاطري حاول بأي طريقة تحلها .... أنا مش متخيل أنها تكون لغيري ! ... يمكن عشان كده بتصرف بعصبية ومن غير تفكير.
جعل أسف واعتذار رعد أن يبدد ويدحض تلك السحابة المظلمة بالغضب بعقل وجيه ... فتنهد وجيه ليفرغ صدره من الغضب وقال مؤكدا :
_ يبقى سيبني اتصرف يارعد وثق فيا .... أنا مش عارف انتوا ليه مش متأكدين أني يهمني سعادتكم ومصلحتكم ؟!
انتوا ولادي ... يعني مستحيل أكون عارف أن في حاجة ممكن تسعدكم وابعدكم عنها ... لكن أنا بتصرف بعقل، لأن في أطراف غريبة ماينفعش اتعامل معاها بعصبية .... كل شيء بأذن الله هيتحل وبرضا الجميع ... ومن غير مشاكل لأي حد .
ابتسم جاسر بمكر وقال وهو يضع يديه بجيوبه في ثقة وزهو :
_ يعني هنتجوزوهم يا عمي ؟
ابتسم وجيه رغما عنه له وقال بسخرية :
_ أنت بالذات حلال اللي بتعمله جميلة فيك ! .... لكن للأسف مش هكون مطمن على واحدة فيهم مع حد غريب ... انتوا رغم طيشكوا ده بس متأكد أنكم هترتاحوا مع بعض وهتستقروا ....
تنهد جاسر بابتسامته الماكرة وقال بنظرة شاردة قليلا وكأنه ينسج بخياله احلاما تروقه:
_ آه والله ... هرتاح معاها أوي أوي أوي يعني.
ضحك الشباب عليه وخاصة عندما تطلع به وجيه بنظرة محذرة رغم أنه أراد بقوة أن يبتسم ..
***********
وبعد أن خرج الشباب من غرفة المكتب ... انتظر وجيه لبعض الدقائق مفكرا بالمسألة في ضيق مما سينتج عنه هذا التصرف ... وبدأ يفكر في الحلول .... ولكنه خطر بباله فجأة أن الوقت متأخرًا ولا بد أن يصعد لغرفته ليأخذ قسطا من النوم ....
وقد غفل لساعاتٍ أن بدءً من اليوم سينقسم وقته بين زوجتيه .... واليوم مع الأسف سيذهب إلى جيهان ....
زفر بضيق شديد، وكم تمنى أن كان هذا اليوم لحبيبته ليلى .... هي الوحيدة التي تستطع الآن أن تبدل مزاجه السيّئ هذا .... ولكن مع أسف قلبه للواقع لن يستطع تغيير مساره ....
خرج من المكتب وصعد خطوات ثقيلة على الدرج المؤدي للطوابق .... وعندما صعد الخطوات حتى الممر كاد أن ينظر لساعة معصمه بحركة لا إرادية....وجد نفسه فجأة مشدودا بواسطة يد رقيقة استطاعت ايقافه اخيرا بقرب ستارة ثقيلة على أحد الجوانب ...
اقتربت منه ليلى بنظرات قلقة، وقالت بلهفة وهي تحسس على جانب وجهه برقة بأحدى يديها:
_ استنيتك تحت كتير عشان اطمن عليك بس اتأخرت .... خوفت من العصبية اللي كانت ظاهرة عليك وقت ما الضيوف مشيوا ... أنت بخير ؟
نظر لعينيها القريبة منه جدًا ، وشعر بلمسة يدها الاخرى التي على رغم رقتها ولكنها استطاعت جذبه بتلك القوة والسرعة ! ..... فابتسم ببطء وبمكر وهو يتطلع بعينيها بدقة .... وهنا كأن كل ما حدث منذ قليل لم يكن أو كان منذ زمنً بعيدًا ومضى طي النسيان..
وتعجبت وارتبكت من صمته ونظراته المتنقلة ببطء على عينيها ... ولكنها ابتسمت لتلك الابتسامة التي ارتسمت على ثغره ببطء.... فقال بغتةً وبهمس :
_ مكنتش بخير .... بس دلوقتي أنا بكل خير.... تمام جدًا
وقربها اليه بقوة وعاد همسه قائلا بمكر عينيه :
_ في حد عايز يطمن على حد يعامله بالعنف ده؟! ... أنا في لحظة لقيت نفسي وكأني هتخطف !
ضحكت بخفوت وقالت بتحدي مرح وعينيها مسلطة على نظرته المتطلعة بها في ثبات :
_ آه هخطفك ... والله معرفتش أنام غير لما اطمن عليك.
اتممت اجابتها بصدق دون وجود للمزاح ....فضمها بحنان وهمس بأذنيها قائلا :
_ ده أنتي العيشة معاكي تقصر العمر !
تجمدت ليلى بمكانها وابتعدت ناظرة له بصدمة ... حتى ضحك بقوة وظهرت اسنانه البيضاء اللامعة بضحكة نابعة من قلبه صادقة .....وقال مصححا :
_ أقصد الوقت بيعدي معاكي لحظة مهما طال والله! .... تخيلي اليومين اللي فاتوا محستش عدوا أزاي ! .... كأنهم دقيقتين وعدوا من غير ما احس ! ...
وكان اصعب ما عليها أن تتركه الآن ولكنها قالت أخيرًا :
_ هقولك تصبح خير قبل ما تقولهالي أنت وتمشي .
جذب يدها بعدما ابتعدت خطوة ... ولكنه قربها أكثر من تلك الخطوة وهمس باشتياق :
_ خليكي شوية .
نظرت له بعينان يملأهما اللهفة والعشق ... ولكن عندما تذكرت جيهان...عادت قائلة بغصة مؤلمة عالقة بحنجرتها:
_ ماينفعش يا وجيه ... أنت مش ليا لوحدي ... هتوحشني أوي لحد بكرة.
فهمس مع نظراته التي تحمل من الحب ما يفوق كل ما تتخيله :
_ طب ولما يجي بكرة ؟
قالت مبتسمة :
_ هتوحشني أكتر.
*********
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس والستون 66 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... رسالة الفجر ...~
وأحيانا يكون من الصعب أن نبقى ... والاصعب أن نبتعد !
شتان طرق لا يجتمعان إلا في ازمات القلوب.
وهناك لمسة للنظرات أرق من لمسة الأنامل ! ..
كانت تلك نظراته المعانقة لعينيها وهما ينظران لبعضهما للحظات في صمتٍ كان أكثر إثارة لأشتياقه إليها من أي حديث ! ..
يا نبض قلبه أن تحدثت ... ويا ويل مشاعره أن صمتت .. حتى صمتها يشهد له قلبه بغزو أنوثتها الهادئة والغير مفهوم مصدر سحرها !
فإن قال أنها الاجمل بمعايير العصر كذب ... ولكنها بعينيه هي الأجمل على الأطلاق ... تلك الليلى التي أنارت عمر لياليه... والتي سرقت منه رغبته بأي امرأة أخرى سواها... كيف فعلت ذلك ... لا يعرف؟!
وكانت كل لحظة تبتعد فيها ليلى عنه وكأنها تتركه بيديها بين براثن أنثى أخرى ! .... وهي تعلم أنه رغما عنه سينساها كليًا لبعض الوقت! ... كيف تعطيه هذا التصريح ولو لثوانٍ ؟!
كيف ستستطيع التعود والتأقلم على هذه الشعور القاتل !
وكأن وجهها يحارب الشحوب بعد حمرة الخدين في القرب !
كأن مواسم الزمن تمر بتلك اللحظات على وجهها !
وابتعدت عنه وفلتت يدها من يديه التي كانت تقبض عليها بقوة وتمسّك ... وأصبح قلبها كأنه بين قبضةً غليظة تعتصره عصراً دون رحمة.
وراقبها وجيه وهي تبتعد وتصعد السلم بنظرات اشتاقت واشتكت من البُعد قبل البُعد!
وتردد بخاطره أن يتبعها ويحملها إلى غرفتهما ليرضي قلبها ولو قليلًا ويعود لزوجته الأولى مرةً أخرى .... مجرد دقائق بسيطة سيصلها فقط للغرفة.
ولكنه عاد سريعا بالفكر واعترف لنفسه أن فعل فلن يعود للطابق الثاني حيث غرفة جيهان بهذه السهولة !.
وأن فعل سيبدأ بتلك الخطوة في طريق ظلم زوجته الأولى ... وهو لا يريد ذلك مهما تحمل ضيق ومسؤولية مفروضة عليه.
زفر بحنق وهو يسلب نظراته لجهة أخرى مجتثً اشتياق عينيه الجامح، وتوجه لغرفة جيهان بطريقة آلية كأنه يسير لمهمة عمل ثقيلة ويشتاق العودة للديار.
*******
وبغرفة الفتيات ..
اجتمع الرباعي الفتيات بالغرفة وكان ثلاثة منهن يسلطن نظراتهن على رضوى بحدة ... كأنهن يلومونها على ما تفعله وعنادها الغليظ هذا .... فقالت جميلة بغيظ :
_ لآخر مرة يا رضوى بقولك اللي أنتي بتعمليه ده غلط !
سحبت رضوى حجاب رأسها بهدوء .. وعلى عكس المتوقع بدت هادئة غير منفعلة، وهذا كان بحد ذاته يثير كثير من الشكوك حولها .... ريثما بعد ما فعلته مع رعد وعصبيتها وقتذاك..!
القت رضوى حجاب رأسها على ظهر مقعد المرآة وحررت شعرها ليسدل على كتفيها بتموج ليلي لامع .... وغضبت جميلة من تجاهلها للإجابة وعدم اكتراثها لأي شيء يحدث ...فهتفت بها :
_ أنتي اظاهر عليكي محتاجة قلم يفوقك !
وهنا استدارت رضوى وتبدل تعابير وجهها الهادئة للغضب وقالت :
_ إيه يا جميلة عايزة تضربيني عشان بحافظ على كرامتي ؟!
لو ده يرضيكي تعالي اضربيني .... بس برضو مش هوافق عليه !
استنشقت جميلة بعض الهواء حتى تتمالك أعصابها أكثر من ذلك ، ثم لانت نظراتها الحادة وقالت بصوتٍ أقل انفعال :
_ لأ طبعا مش هضربك أنتي مش صغيرة ! .... ولا أنا بقولك وافقي على رعد اصلًا ! .... أنا بكلمك عن العريس وأنك محضرة الموافقة سواء كان كويس أو وحش .... !
اقتربت حميدة من شقيقتها رضوى وجذبتها لتجلس على الفراش بلطف .. ثم قالت بصوتٍ هادئ :
_ أنتي مش شايفة أن رعد ندمان فعلًا وبيحاول يصلح اللي عمله ؟! ... طب على الأقل ما توافقيش على العريس اللي متقدم ده ... أنتي بتحبي رعد ما تكدبيش على نفسك !
اطرفت عين رضوى وهي تهز رأسها بسخرية ونظرات يملأهما المرارة والغضب منهن .... وقالت وهي تنهض غاضبة :
_ سامحتوهم بالسرعة دي ؟! ... مجرد ما قالوا كلمتين حلوين خلاص وقعوكوا تاني على وشكوا !
وعادت ضاحكة بمرارة والم :
_ صح ... ما الكلام اللي اتقال كان عني في الأصل وانتوا بس مجرد تلميح ! .... اللي عاند ومشي وصمم يبعد وخد أخوه وولاد عمه ومشيوا مكنش يوسف ولا جاسر ولا آسر ! ....
هتفت جميلة بها بانفعال :
_ يابنتي كفاية بقا عناد ! .... أنتي مش مكفيكي اللي عمله النهاردة مع العريس ؟! .... وتصميمه عليكي مش كفاية كده ؟!
وتفاجئ الثلاث فتيات بدخول رضوى بعاصفة بكاء وهي تهتف :
_ لأ مش كفاية .... أنا هوجعه زي ما وجعني ، هخليه يحس أنه اقل انسان في الدنيا زي ما حسسني ، في عز تصميمه بيا هسيبه وابعد .... انتوا مافيش واحدة فيكوا حاسة بيا ولا بالنار اللي جوايا .... أنا عمري ما هقدر اسامحه بسهولة كده زي ما انتوا فاهمين ! .... وكل اللي بيعمله ده مايكفنيش ولا يرضيني ... أنا مش هرتاح غير لما أشوف وجعه ودموعه قدامي .. وحسرته وكسرته على خسارته ليا .... وقتها بس هقدر أنسى اللي حصل.
هرعت سما إليها وضمتها برفق بين ذراعيها .... فأشتد بكاء رضوى بعنف وهي ترمي رأسها على كتف شقيقتها سما ، وبكت كأنها فتح لها الباب أخيرًا لتزيح هذا الألم من قلبها ببضع قطرات من الدموع.... حتى تنهدت جميلة وقالت بأسف :
_ يا رضوى أنا خايفة عليكي .... انتي بتقولي محدش حاسس بيكي! ، بس عشان احنا حاسين بيكي وعارفين اللي جواكي كويس بنحذرك .... أنتي مش هتعرفي تنسي رعد بسهولة ... وأظن ماينفعش ترتبطي بحد وأنتي في قلبك حد تاني ... بس أنا حاسة أنك مش هتعمليها .
********
بغرفة وداد التي كانت في الأصل غرفة زوجها الراحل ..... جلس الصبي يضيق عينيه بتعجب من ضحكة عمته وداد .... فقال باستغراب :
_ بتضحكي يا عمتي ؟! ... بقولك كانت هتضربه بالقلم وسط العيلة كلها بعد اللي عمله !
تمالك وداد نفسها من الضحك وقالت بمكر :
_ اسكت خليها تربيه ... ما هو برضو اللي عمله مش شوية ! ... بس هما حطوا للعريس إيه المجانين دول ؟!
كتم الصبي ضحكته وقال بخفوت :
_ جاسر جاب برشامة من الممنوعات وكان هيحطها ، بس آسر بدلها وحط ملين ، فوائل ده شرب العصير من هنا ومابقاش على بعضه بعدها.
وأضاف بشك :
_ أنتي مش هتكلميها ولا إيه ؟ ... أنا خايف لتوافق يا عمتي ! ... والله رعد صعب عليا وهو بيحيكلي سبب اللي عمله في البلد ...
ابتسمت وداد وقالت :
_ أنا مطمنة طول ما عمهم وجيه معاهم ... وبيني وبينك أنا راضيني اللي بتعمله في رعد ، مش عايزاها تسامحه بسهولة غير لما يحفي وراها الأول عشان يعرف قيمتها ويندم بدل المرة الف .... وعشان مايفكرش يعايرها تاني أنها مش زيه في التعليم.... أنا عارفة أنها عمرها ما هتتجوز غير وهي فرحانة بعريسها .... مهما عندت مش هتكمل صدقني.
هز الصبي رأسه بفهم ... ثم قال وهو يربط على يدها بأطمئنان:
_ وأنا يا عمتي معاهم ... مش هسيبها تتجوز وهي مش راضية ، ما تقلقيش.
رفعت وداد يدها لكتفه بربته حنونة وقالت بمحبة :
_ تسلم يا حبيبي ... والله من وقت ما جيت وأنا قلبي اتقفل واتحط فيه الأمان وسكن... قاعدة في أوضتي وبالي رايق ومطمنة اكتر بوجودك ، وكمان أنت عارف عمتك ... طول ما انا في بيت مش بيتي مش بحب اتحرك كتير وبسيب أهل البيت براحتهم .
ابتسم الصبي وشرد لبعض الوقت ... فلاحظت عمته ذلك وتساءلت :
_ مالك يا نعناعة ... روحت فين ؟!
نظر لها الصبي وقال ولمعة انبهار تمر بعينيه :
_ تعرفي يا عمتي ... أنا نفسي لما أكبر شوية كمان أبقى زي عمي وجيه بالضبط .... في هيبته وشخصيته وعقله ... بحس لما بيتكلم أنه واثق من كلامه كلمة كلمة ... ولو وعد تبقي متأكدة أنه هينفذ ، نفسي تبقى شخصيتي زيه كده أوي....
ابتسمت وداد وقالت :
_ على فكرة يا نعناعة عمك مصطفى الله يرحمه كان بيقول نفس الكلام ..... رغم أنه اكبر منه بس الدكتور وجيه من صغره وهو يعتبر الكبير ... رغم أنه اصغر واحد في أخواته!
تساءل الصبي بلهفة الإجابة:
_ تفتكري يا عمتي ممكن أبقى زيه كده في يوم من الأيام ؟
اومأت وداد بتأكيد وأجابت :
_ تقدر ونص ، بس بشهادتك ونجاحك .... عمرك ما هتكون زيه وأنت من غير شهادات وتعليم.... وتقدر تبقى احسن كمان.
وأضاف الصبي أخيرًا بشيء أثار دهشته منذ وصوله لهنا :
_ بس اللي صدمني أنه اتجوز اتنين ! ... طب ليه ....
قاطعته وداد بتحذير بألا يتابع وقالت :
_ شيء ما يخصناش ... مالناش دعوة بيه، كل واحد حر في حياته يا بني ... احنا لينا معاملته معانا وبس.
وافقها الصبي وقال :
_ صح يا عمتي عندك حق ..... أنا رايح أوضتي بقا أنام ، اصل يوسف هياخدنا بكرة أنا والبنات عشان هنقدم أوراقنا .... أنا في المدرسة وهما في الجامعة المفتوحة.
رفعت وداد يدها بالدعاء لهم جميعا ... وهكذا كان أفضل ختام للمساء ...
**********
وبعدما استراحت عائلة عاصم بالفيلا الخاصة بهم، وأخذ وائل بعض الأقراص التي تهدأ من حالته ...
جلس الجميع بالصالون ينظرون للجالس بهدوء غريب ناقض حالته منذ مجيئه تمامًا .... يبدو غارقا بالتفكير وكأنه يحيك أحدى الخطط بحرص شديد من أي ثغرة تسقطه بفخ.
قال عاصم بغرابة :
_ يبقى شكي كان في محله ... أنت مكنتش بتتألم وده كله فلم من تأليفك وأخراجك ! ..... طب ليه ؟!
انتشل وائل من أفكاره صوت أبيه الحاد الذي يشير له بالاتهام ... فابتسم وائل وقال بخبث:
_ لأ ... نص اللي حصل كان بجد ، بس النص التاني تأليفي فعلًا .
قالت الأم بعصبية :
_ يعني خضتنا وكسفتنا قدام الناس وضيعت الليلة وتقولي تأليفي ؟! .... أنت اتجننت !
نظر شقيقان وائل إليه في صمتٍ تام كعادتهما ... فهما ليس لهما رأي أو قرار في أي شيء ، اللهم إلا أنواع الطعام الذي يأكلونها كل يوم يبدون بعض الرأي فيها ... حتى أوضح وائل قائلا :
_ هما حطولي ملين في العصير فعلا ودي مش محتاجة تأكيد .... أنما حواري أنا ووجعي الأوفر ده تأليفي .... رعد مكنش هيخليني اقعد مع رضوى وقالي كده بنفسه ... وده يأكدلي أنه عينه منها زي ما قولت قبل كده واستعجلتكم في الخطوبة عشان كده .... فعملت الحوار ده عشان لو طلبت مقابلة تانية اقعد معاها براحتي ....
قالت الأم باستخفاف وهي تتنقل بنظراتها من ولدها إلى وجه زوجها :
_ ومين قالك أنهم مش هيكرروا عملتهم السودة دي ؟! ... ما يمكن المرة الجاية تبقى أزيد !
هز وائل رأسه بابتسامة خبيثة وقال :
_ لأ ... عمي وجيه مش غبي عشان يسيبهم يعملوا حاجة تاني معايا ! ... أنا لو مكنتش عملت كده مكنتش هقعد معاها وغالبًا الموضوع كان هينتهي بالرفض ..... أنما دلوقتي لو طلبت مقابلة تانية هيوافقوا بدون تردد وهيترحب بيا كمان، ك رد واعتذار عن اللي حصل .. وعشان ما يبانش أن اللي حصل ده مقصود.
ضيق عاصم عينيه على ابنه بنظرة اعجاب وقال مبتسما :
_ طول عمرك ذكي زي أبوك ... بس طالع شرير لأمك .
وضحك عاصم وهو ينظر لزوجته التي مطت شفتيها باستهزاء من مزحته .... حتى أضاف وائل وهو ينهض :
_ يومين كده ونبقى نكلمهم نطلب مقابلة تانية ...
صعد بعدها وائل لغرفته وتشارك أفراد العائلة بعض الأحاديث حول هذا الأمر ....
*********
وبأحدى الاحياء الراقية بالقاهرة ...
كانت هناك من تشعر وكأنها تسكن بداخل قبو مظلم لا سبيل فيه للحرية أو التنفس والراحة .... رغم المساحة الشاسعة للشقة الفخمة ذات الأثاث الراقي والتي لا يوجد انشا فيها لا يدل إلا على الثراء ....
كل شيء حولها يخنقها ويسكب على قلبها الوحدة والظلمة أكثر ... حتى رائحة الأثاث الجديد كانت وكأنها رائحة جيفة متعفنة لا تطيق الاستنشاق ولا قادرة على التنفس بجوارها ...
ولكن أين ستذهب ؟!
وكيف ستخرج من هنا دون أن يجدها ويجرها جرا إلى هنا مجددًا ؟!
وقفت سمر أمام مرآة غرفة نومها المكسوة بالأثاث الفخم والتي انبهرت بها حين النظرة الأولى .... وبعد تلك النظرة تسلل الخراب والدمار لحياتها ... منذ ذلك اليوم التي زفت فيه لرجل لا يحمل أي من صفات الرجولة ... وها هي هنا .... بعد زفافها ما يقرب للشهر تقريبًا لا زالت عذراء ...!
ورجل كاذب مخادع كان يعرف ما به من ضعف، ورغم هذا تابع في ارتباطه بها بضمير لا روح فيه !
لتكن هي وجهة اجتماعية ليس اكثر، وتحميه من الظنون والاشاعات الجاثمة على رأسه من كل صوبٍ وحدبٍ !
وكل هذا مقابل حياة يظنها مرفهة وبضع جنيهات !
نظرت سمر لأنعكاس وجهها الشاحب من كثرة البكاء وهي تتمنى لو تعود بالزمن بضع أيام فقط !
هي المخطئة في اختيارها ... لم يجبرها مخلوق .
وكانت تطرد وجه أمجد الذي يطل أمامها كل لحظة بنظراته العاتبة المحبة ... وبأعمق قلبها كم تمنت أن تركض اليه ليحميها من الجميع ... ولكن !
أنها لن تقابل الغدر بالغدر ... ليس لأجل زوجها الحقير هذا ... بل لأجل أن لا تكره نفسها أكثر من ذلك .
وخرجت من شرودها على صوت باب الشقة يُفتح ثم يقفل .... وانقبض قلبها كأن شبح مرعب قد أتى .... ركضت لباب الغرفة واغلقته عليها مثلما فعلت بالأيام السابقة ... حذرا منه ومن أهانته لها دون حتى سبب .... والذي أنتهى بالمرات السابقة لأن تلقت ضربا مبرحا وكادت تتأذى بشكل عنيف عندما انهال عليها بالصفعات بعدما أخبرته أنها ستذهب لأحدى أقربائها بزيارة سريعة ...
اغلقت الباب جيدًا وحمدت ربها أنه تجاهلها وذهب لغرفةً أخرى .... وجلست سمر على الفراش باكية وهي تنتفض بذعر وخوفٍ شديد .... ولا تدري لأي وقتٍ ستظل هكذا ؟!
ووقف تفكيرها عند شخص واحد .... أكثر شخص سيستطع مساعدتها دون خوف من زوجها...
وقالت بأمل رغم دموعها :
_ دكتور وجيه ... هو اللي هيقدر يساعدني ، بس أزاي هشرحله اللي أنا فيه من غير ما أعرفه أني لسه .... ؟!
واظلم الأمل بعقلها وشعرت بكأبة ووحدة مخيفة .... وتضرعت لرب العالمين أن ينجدها من هذا المجرم المسمى زوجها.
**********
ومرت ساعاتٍ طوال ... حتى عند الهزيع الآخير من الليل أشتد رطب الهواء الذي حرك زجاج النوافذ قليلًا.
فتح وجيه عينيه ونظر جانبًا لزوجته جيهان النائمة بهدوء تام .... والذي يرها الآن لا يرها عندما دخل الغرفة منذ ساعات ... كانت متوترة وبحالة قاسية من الضيق والعصبية .... وعندما سألها حالها لم تجيب ...أو بالأصح لم تجد إجابة واضحة بنفسها ... فيبدو أن حتى الهواء الذي تتنفسه يخنقها !
وبصعوبة حتى جعلها تبتسم وسرق منها ولو بعض توترها ووهبها شيء من الأمان واللطف وحسن العشرة...
ولكن سرا يعترف أن قلبه غائبًا .... ليس هنا !
ولكنه لن يستطيع حتى أن يشير لها بذلك ... لن يتحمل نظرات الاتهام بعينيها ... تنهد وجيه بعمق ثم اعتدل ببطء شديد حتى لا تشعر جيهان ولا تحس به ... وسحب هاتفه كاتبًا رسالة سريعة لليلى ....
كان على يقين أنها تتململ الآن وربما بكت كثيرًا .... بل متأكدًا من ذلك ... ولن يصبر حتى الصباح ليتحدث معها.
ابتسم باشتياق وهو يكتب الكلمات على لوحة مفاتيح الهاتف ...
" مش هقولك غير كلمة واحدة ... وحشتيني "
وكان ظنه في محله ...
بعد نوبة بكاء مدمرة وليلّ عاتٍ مظلم من الألم ...وتململ بالفراش وكأن به شوك كحد السيوف خرجت ليلى للشرفة علها تستطيع طرد هذا الأختناق من صدرها.... كانت ستذهب لصغيرتها ولكن قلقت أن تزعجها بهذه الحالة المشتتة المُلمة بها، فتركتها مع حميدة بالغرفة.
نظرت للفراغ المظلم أمامها وتمتمت باكية :
_ حتى لما بقينا لبعض في حاجة بتفرقنا ؟! .... هو أنا مكتوب عليا الوجع حتى في فرحتي !
ولحظة وانتبهت لصوت الهاتف يُعلن بنغمة الرسائل قدوم رسالة نصية جديدة.... ومثل كثير من الرسائل الروتينية التي تصل من شركة الاتصالات ظنت ليلى ذلك فتجاهلتها ..
أما وجيه كان يتلهف لأي رد منها برسالة ولو قصيرة.... على رغم صعوبة التواصل بالرسائل في هذا الوقت الساكن من الليل بدون أن تشعر به جيهان ، ولكن كان يريد أن يتحدث معها ولو بالكلمات المقروءة .....
لا سبيل أن يتعجب من نفسه لهذا الشعور الجامح بالحب ... شعور يشبه تهور المراهقين ... والعواصف العالية للحب الناضج !
تلك هي التي حلم بها بكل ليلة في عشر سنوات مضت !
فكيف لا يعشقها هكذا ؟!
كانت كالمعجزة التي تحققت في عسر اليأس والوحدة .... وكالنبضة الحية التي وضعت الحياة بقلب كاد أن يتوقف عن الخفق.
كانت كعناق طويل محمل بالعودة بعد هجر سنوات.
كان بها جزءّ لم يتعرف عليه إلا بعد زواجه منها ... جزء رقتها الحقيقية ... لهمس كلماتها المحبة.
حتى في صمت الكلمات تستخدم عينيها في الحديث...!
وحتى حرية عينيها في اعلان الاشتياق واللهفة والقرب لها طابع خاص!.... ودفئها وأنوثتها الساحرة التي تشبه الكلمات المتقاطعة ... لم يستطع فك أسرارها رغم كثر محاولاته!
هذا الجزء أغرقه في محيط حبها أكثر وأكثر ... هذه المرأة لا تأتي بحياة رجل مرتين ! ... وعندما تأتي تخطف صفحات قلبه لها وحدها ... لا سبيل لأخرى ولا مكانً حتى !
وعادت ليلى لفراشها وهي تعرف أنها لن تغفو ... ولكنها لم تنظر للهاتف ولم تفكر بأي شيء سواه هو ....
********
ومرت ساعاتٍ طوال حتى ظهر الصباح سابقا قرص الشمس الباهتة أشعته .... واقتحمت الغيوم سماء هذا الصباح ....
وتحت سقيفة المنزل الكبير تجمع الشباب كعادتهم حول مائدة الطعام بانتظار الافطار .... واليوم كان موعد ذهابهم للعمل بعد اجازة سريعة .... قال الجد لهم بتحذير :
_ مش عايز بقا لماضة وطولة لسان بعد كده .... خليهم يغيروا الفكرة المهببة اللي واخدينها عنكم بقا !
قال جاسر بجدية غير معتاد عليها :
_ عندك حق يا جدي ... لازم نتغير بقا عشان كل واحد فينا يستقر ويشوف حياته.
نظر له آسر بغرابة وقال :
_ أنت هتتغير ؟! .... ما اصدقش !
قال جاسر بتأكيد بعدما ارتشف من كوب الحليب الدافئ:
_ لأ صدق ... أنا عندي ٣١ سنة ... هستنى إيه تاني عشان اقرر استقر يعني ؟! ..... وبعدين احنا حياتنا جافة أوي كلها مذاكرة ومستشفيات ومرضى .... عايزين حاجة طرية بقا تحلي الأيام .
ضحك الشباب عليه بينما هز الجد رأسه بيأس وقال :
_ مافيش فايدة فيك ....
همس جاسر لجده بابتسامة خبيثة وقال :
_ يا جدي ما هو أنا مش طالع لحد غريب .... أنا نسختك ماتنكرش ... بذمتك مش بتشوف فيا شبابك وشقاوتك يا رشدي أباظة أنت .
ضحك الجد بقوة من مزحة جاسر ونظراته الخبيثة ... حتى رتب الفتيات الاربعة أطباق الطعام على المائدة ... وتجاهلن الشباب تمامًا ... والغريب أن الشباب فعلوا ذلك أيضا باستثناء يوسف ... الذي قال لهن :
_ تسلم ايديكم يا بنات عمي .... والله أنا ما بقيت احب اكل إلا من ايديكم ... اكلكم عسل زيكم.
قالت رضوى بابتسامة صادقة له :
_ بالهنا والشفا يا يوسف ... حميدة هتعمل النهاردة فطير ليك مخصوص ..
احمر وجنتي حميدة ونظرت لرضوى بغيظ من إفشاء الأمر هكذا .... فقال جاسر بضحكة خافته :
_ عقبالي أنا كمان والاقي االي يهتم بيا حتى لو اهتمامه صغيرة.
تجاهلت ما قاله جميلة .... حتى وجهت اسألتها ليوسف قائلة :
_ أنت هتروح الشغل النهاردة يا يوسف ولا هتيجي معانا ؟
رفع رعد رأسه وقال باهتمام واضح وهو ينظر لرضوى :
_ معانا ؟! .... انتوا رايحين فين ؟!
أجاب يوسف عندما اطبق الصمت على الجميع وتجاهلن الفتيات الإجابة بقصد ....وقال:
_ رايحين يقدموا ورقهم في الجامعة المفتوحة ... أنا تابعت الموضوع الأيام اللي فاتت لحد ما باب التقديم اتفتح.
فهم رعد الأمر وصمت بعد ذلك ..... وبعد دقائق كان وجيه يهبط الدرجات مع زوجته جيهان التي بدت مبتسمة للجميع بهذا الصباح ....
همس وجيه لجيهان بعدما جلست :
_ هروح اشوف ليلى .... شكلها لسه ما صحيتش.
وعندما كادت جيهان أن تتحدث بغيظ تذكرت أنه فعل معها نفس الموقف بيوم صباحيته أيضا ! .... فصمتت وكظمت غيظها .
*********
وفي الحقيقة أنه انتظر الدقائق تمضي حتى طل الصباح أخيرًا .... وارتقى الدرج بسرعة ورشاقة ملحوظة حتى الطابق الثالث.
وعندما فتح الباب وجد ليلى تجفف وجهها وشعرها بالمنشفة ورائحة الصابون المعطر تفوح منها .... ابتسم بإشراقة وهو يغلق الباب وانتبهت له ليلى بارتباك ...
ما كانت تحب أن يرها إلا بعدما تنتهي من استعدادها للنزول .... ريثما أن جيهان كعادتها ستبدو متألقة.
وقف ينظر لها بتأمل مبتسما .... حتى القت المنشفة بعصبية وقالت :
_ كنت نازلة .
كادت أن تبتعد حتى جذبها إليه وقال هامسا :
_ استنيت رد الرسالة ... بس تقريبًا كنت نايمة .
رفعت ليلى عينيها له بتعجب وتساءلت :
_ رسالة إيه ؟!
اتضح لوجيه عدم معرفتها بالرسالة ... فتوجه للفراش وأخذ هاتفها من عليه، ثم فتحها فتأكد أنها لم تفتح الرسالة ويبدو أنها لم تراها من الاساس.
فأشار لها بالهاتف قائلا :
_ أفتحي الرسالة كده .
تبدل عبوس ليلى قليلا ولكنها اجلت ابتسامتها لحين تأكيد ظنها .... وعندما قرأت الرسالة ابتسمت ببطء وكأن قلبها يشرق من جديد .... فأكد وجيه وقال :
_ اتأكدي من وقتها كده وشوفي بعتهالك أمتى ؟
نظرت ليلى بتدقيق في الوقت ، وتذكرت رنين هاتفها ليلا وتجاهلته ! .... ولكن رغم ذلك رفعت رأسها له بابتسامة شقت تعابيرها المنفعلة ودحضتها .... فقال هامسا لها من جديد :
_ مش قلبي بس اللي كان معاكي ... عقلي كمان !
لم يزيد من محبته رمقة أخرى وقد ارتمت على صدره بضمة قوية وقالت :
_ أنا اسفة يا وجيه ... أنا عارفة أنك مش عايز تظلمها ولا أنا والله عايزاك تظلمها أو تزعلها، بس غصب عني بموت لما بحس أنك مع غيري ... أنا ما نمتش طول الليل ومش عارفة هستمر كده أزاي؟!
مرر يده بحنان على شعرها وهمس :
_ عايزك كل اللي تفكري فيه وتتأكدي منه أني بحبك فوق ما تتخيلي ... أنا معرفتش أنام غير لما بعتلك رسالة عشان عارفك وعارف أنك مش هتبطلي عياط .... ده مش كفاية ؟
ابتعدت عنه قليلا وقالت بمحبة فائقة :
_ عمري ما كنت اتخيل أوافق بالوضع ده ... بس بعد كل اللي شوفناه السنين اللي فاتت من عمرنا مقدرتش أبعد تاني ... بتعذب ايوة ... بس كنت هتعذب اكتر بكتير لو بعدت عنك تاني .... أنت كلمة السر لسعادتي وراحتي.
رتب وجيه خصلات شعرها المبعثرة على جبينها بابتسامة وقال :
_ وأنا مش عايز اشوف عينيكي فيها الم ووجع تاني ... أنا لو فين ...بكون معاكي أنتي وبس.
ابتسمت بسعادة حقيقية ورضا ثم قالت :
_ طب هغير هدومي عشان ننزل ....
وتركها وجيه تستعد مع نظراته التي لم تبتعد عنها لحظة واحدة .... نظرات عاشق مجنون بحب امرأة.
*********
عند الساعة السابعة تماما استيقظت فرحة بقصد ثقيل جدًا .... اعتدلت بفراشها وتعجبت من مدى ثقل جسدها وارتفاع درجة حراراتها بعض الشيء .....
نهضت بصعوبة وشعرت بارتخاء أطرافها بقوة كأنها مصابة بنوبة برد شديدة ....
وعندما اغتسلت وأخذت حمام دافئ لم تتحسن حالتها كثيرًا .... قالت وهي تستعد وترتدي ملابسها للذهاب للعمل :
_ شكلي داخلة على نوبة برد شديدة ... ربنا يستر والله ما فايقالها ولا فاضية ليها !
وعندما ابتلعت قضمة صغيرة من خبز محشو بمربى التين شعرت بألم حاد بمعدتها واسرعت للمرحاض حتى تقيأت وافرغت كل ما اكلته بالأمس.
وارتجف جسدها بإعياء ومرض واضح .... غسلت وجهها سريعا ورغم حالة المرض التي بدأت تشعر بها بالفعل ولكن صممت على الذهاب للعمل .... فإذا سجلت غياب اليوم أيضا سيفكر الطبيب فعليًا بطردها من العمل .
وتحاملت على نفسها وذهبت للعمل، وقد بدت عينيها حمراء من ارتفاع درجة حراراتها ...
********
نزلت ليلى مع وجيه على وجيهما ابتسامة متشاركة ... فتجاهلت ذلك جيهان تمامًا ... ولكنها تشتعل وتحترق دون أن يشعر بها احدًا ....
وعندما جلس وجيه وانبه ليلى وبدأ الجميع يتناولون طعامهم ... أتى الصبي نعناعة بخجل وجلس بجانب الفتيات ... فنظر له وجيه بابتسامة :
_ ده بيتك ، يعني مالوش داعي الكسوف ده !
ابتسم له الصبي وقال له بألفة :
_ شكرًا يا عمي يا وجيه ...
قال وجيه بعدما ارتشف من كوب العصير الطازج :
_ على فكرة ... هتابع دراستك بنفسي ، واسأل الدكاترة عني ...في الجد مابهزرش ...
فرح الصبي بغبطة وقال بعدم تصديق :
_ بجد يا عمي هتذاكرلي ! ... ده انا كده هذاكر جامد بقا.
ابتسم له وجيه بمحبة صادقة وقال :
_ مش هذاكرلك بالضبط يعني ... بس هتابعك من وقت للتاني ، وكلنا هنا لو احتجت أي شيء .
شعر الصبي بحماس شديد وفرحة حقيقية لهذا الدعم والمحبة من الجميع .... وللحظة أراد لو يركض ويمزق الكتب مذاكرة وتطبيق ...
وقبل انتهاء وجبة الطعام أتى لجيهان اتصال من رقم غريب ، فنظر لها وجيه متسائلا :
_ مين يا جيهان ؟!
نظرت جيهان للهاتف باستفهام وقالت :
_ رقم غريب .... بعد اذنكم هروح أشوف مين ، اكيد واحدة من صحباتي غيرت رقمها.
وتركها وجيه تذهب مع بعض التعجب ....
وبعدما ابتعدت جيهان اجابت على الاتصال الغامض ... حتى أتاها صوتٍ تألفه ... وقالت سمر بصوتٍ يبدو باكي:
_ مدام جيهان معايا ؟!
اجابت جيهان بقلق :
_ ايوة أنا ...مين معايا ؟!
اوضحت سمر هويتها وقالت :
_ أنا سمر الممرضة اللي كنت ممرضة والد دكتور وجيه ...
قاطعتها جيهان بابتسامة وقالت بعدما عرفت من هي :
_ ايوة يا سمر عرفتك .... حمد الله على سلامتك والف مبروك ... أنا عرفت انك في شهر العسل.
تألمت سمر وابتلعت مرارة بحلقها ثم قالت بدموع :
_ عايزة اتكلم مع حضرتك ... أنا ماليش حد اتكلم معاه ويلحقني ... فكرت اتصل بدكتور وجيه بس تراجعت ... اللي هتكلم فيه ماينفعش حد يعرفه ..... معرفش أزاي لقيتك في بالي وخدت رقمك من زميلة ليا واتصلت بيكي من غير ما افكر ... يارب ما اكونش ازعجتك بس.
ردت جيهان سريعا واجابت بصدق :
_ لا طبعا مافيش أي ازعاج يا سمر ... أنا عارفة أنك بتعتبري وجيه أخوكي الكبير... بس ممكن تعتبريني أنا كمان أختك الكبيرة ؟
قالت سمر ببكاء :
_ ياريتك كنتي أختي بجد ... أنا اكتر مرة حسيت فيها باليتم النهاردة ... عايزة اتكلم مع حضرتك وياريت النهاردة .. ارجوكي.
قالت جيهان بقلق عليها :
_ طبعا .... قوليلي نتقابل فين واجيلك .
أخبرتها سمر عنوان جحيمها ... عنوان شقة زوجها ...
وقالت :
_ هو قافل الباب عليا بعد ما ضربني .... ومش بيجي غير بليل متأخر واكتر الأيام بيطبق في الشغل ... يعني مش هيجي بالنهار.
تساءلت جيهان بقلق ودهشة :
_ طب لما اجيلك هتفتحيلي أزاي ؟!
مسحت سمر دموعها وقالت :
_ معايا نسخة تانية مخبياها ... وهفهمك كل حاجة لما أشوفك... هستناكي.
تعجبت جيهان من الأمر ولكنها وافقت بالنهاية ... فتلك الفتاة وجيه يعتبرها شقيقته الصغرى ... ونظرا لأنها اتصلت بها بدلًا منه فالأمر يبدو شخصي جدًا ...
عادت جيهان للمائدة وتفاجئت بأن وجيه غادر للعمل ... ويبدو أن ليلى ذهبت معه لرؤية أبيها .... فقالت للجد بأستأذن :
_ بعد أذنك يا بابا في واحدة صاحبتي اتصلت بيا وعايزاني ضروري .
هز الجد رشدي رأسه بموافقة وقال :
_ روحي يابنتي ... وخلي السواق يوصلك.
قالت جيهان سريعا :
_ لأ بحب اسوق عربيتي بنفسي.... بعد أذن حضرتك.
نهض الشباب من أماكنهم وقال يوسف للجد :
_ ساعة زمن وهرجع يا جدي .. هروح المستشفى وراجع على طول عشان اروح مع البنات للتقديم.
وافق الجد أيضا وغادر الشباب ليوم عمل جديد خلف عمهم وجيه .....
**********
وبمكتب د.أمجد ....
جلس حائرًا خلف مكتبه .... نادمًا على قراره المتسرع بخطوبته من فرحة .... أصبح يتهرب منها كلما لمحها ولو من بعيد .... يبتعد وكأن لدغه عقرب ...
وتأكد أن مع وجود سمر حوله لن يستطيع نسيانها مهما حاول .... وسيظلم أي فتاة أخرى يفكر أن يدخل معها في ارتباط رسمي ....
وقراره الأكيد الآن هو اعتذاره لفرحة عن هذا الطلب حتى لا يتركها معلقة هكذا وهي لا تفهم موقفه بوضوح....
نهض من مقعده وقرر الذهاب لمقر عملها ....
وبعد دقائق كان أمام مكتبها الفارغ ... انتظرها لدقائق أخرى حتى لمحها تأتي من الممر إليه... ولكن خطواتها بطيئة وغير متزنة تشبه السكارى !
ضيق عينيه عليها تعجبا وذهب إليها ...حتى قال دون حتى مقدمات :
_ عايز اتكلم معاكي في موضوع مهم.
وكان تصميمه هذا استغلال لحماسه في إنهاء علاقته بها .... وكانت تقريبًا لا ترى شيء أمامها وتسمع الأصوات من بعيد .... فقالت ببطء :
_ موضوع إيه ؟!
رد أمجد سريعا وكأنه سينسى تلك الكلمات وقال :
_ الموضوع اللي اتكلمت معاكي فيه ... خطوبتنا ، أنا بعتذرلك يا آنسة فرحة ... مش عارف أقولك إيه بس مش هينفع ارتبط بيكي وأنا بحب واحدة تانية ..... أنا بعتذرلك وعايزك تسامحيني و....
وهنا سقطت فرحة مغشيًا عليها ... وكلماته لم تصلها من الأساس .... ونظر لها أمجد للحظات محدقا عينيه بصدمة ...
********
وقفت سيارة جيهان أمام مبنى راقي ... وبعدما خرجت من السيارة وسألت البواب سريعا، أخبرها بما تريده وصعدت سريعا لشقة الطابق السادس.
وعندما وقفت أمام الشقة رقم ١٢ المدون عليها اسم زوج سمر الطبيب ... ضغطت على جرس الباب ببعض القلق ... وبعد لحظات فتحت لها سمر بوجه يملأه الكدمات الزرقاء وأثار الدموع الواضحة ... وارتمت سمر على صدر جيهان ببكاء مرير ....
ربتت عليها جيهان بعطف وقالت :
_ طب أهدي الأول وبطلي عياط ...
هدأت سمر قليلًا وبعدما دخلا للشقة واغلقت الباب جيدًا ، ثم جلسا بردهة واسعة ...قالت سمر بحزن شديد:
_ أنا أسفة بس والله العظيم ما ليا حد غيركوا بعد ربنا ...
ربتت جيهان على يدها برقة وقالت :
_ ولا يهمك ... قوليلي إيه اللي مزعلك وليه مضروبة كده ؟!
بدأت سمر تقول كل شيء .... وترمي عن كالها هذا الألم ، كانت تتحدث ببكاء وقهر عما وصلت إليه ... واستمعت جيهان بصدمة لما تقوله سمر ..... كانت تظن أنه مجرد شجار بين زوجين جدد مثلما يحدث احياناً..... ولكن ما قالته سمر جعلها تتجمد بصدمة للحظات .... واشفقت على ضعف الفتاة الذي يستقوى عليها مخلوق من أشباه الرجال ..
وختمت سمر قولها قائلة بألم :
_ ضربني الصبح بالشكل اللي أنتي شيفاه ده عشان صممت اروح الشغل ! ... خايف لأكشف سره ... ورافض يطلقني وخايف افضحه بعد الطلاق ! طب قوليلي اتخلص منه أزاي ؟! ... أنا معايا المفتاح ومقدرتش أهرب ! ... اترعبت منه ، ده لو لقاني ممكن يموتني !
ودخلت سمر في نوبة عاصفة من البكاء ... بينما ما شعرت به جيهان هو اعصار من الغضب وهتفت :
_ تعالي معايا دلوقتي ... لو هتضحي بحياتك مع حقير زي ده عشان خايفة من كلام الناس هتفضلي كده على طول ...
هزت سمر رأسها برفض ورعب وقالت :
_ مش معقول اعرضك للمشاكل وللخطر انتي ما تعرفيهوش ! .... أنا عايزة اتطلق من غير مشاكل ، مش عايزة أفضحه ولا اتسبب له في أذى كفاية اللي هو فيه .... أنا مش عايزة شيء غير أنه يطلقني.
نهضت جيهان وهتفت بها بقوة :
_ قومي يا سمر ولمي هدومك وتعالي معايا ... مين ده اللي أخاف منه أنتي اظاهر ماتعرفنيش! .... أنا عندي اللي ما يخليهوش يطلع من بيته اصلا وهو عارف كده وعارف مين هي جيهان الشيمي.... قومي وأنا هعملك اللي أنتي عايزاه بس مش هسيبك هنا وتتعرضي للضرب بالشكل ده تاني.
احتارت سمر فاكدت جيهان لها :
_ هتيجي معايا وهوديكي للفيلا بتاعت والدي الله يرحمه ... هناك في حراسة محدش يقدر يقربلك .... سواء اتطلقتي دلوقتي أو استنيتي شوية عشان كلام الناس هتكوني بعيد وفي أمان ... وأنا هتصرف معاه ... متخافيش... بس لازم كشف طبي يثبت كلامك ..وكشف طبي عليه هو كمان... وساعتها هيطلقك غصب عنه وإلا هيتفضح.
********
#رحاب_إبراهيم_حسن
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع والستون 67 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الواحد_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... اتصال صادم ...~
وتكن أمامنا حلول الخلاص .. وتصعب علينا خطوات التنفيذ خوفا من الآت.
ثارت ثائرة جيهان عندما سمعت من سمر تلك الحقائق والأسرار ، ورغم أن الأمر لا يُعنيها من بعيد أو قريب ولكن غضبت بشراسة....كأنها أصبحت لا تطيق أن ترى امرأة مقهورة ومجبورة على وضعها ... وحملقت فيها سمر بعينان حائرتان يملأهما تراجع يخبئ خلفه خوفاً شديد.
أن كان ذلك الرجل المخادع تزوجها لأجل أن تكن واجهة اجتماعية ليس أكثر، وزواجه ينفي عنه بعض الأقاويل فإذن لن يتركها بتلك البساطة تهدده بالأنفصال والفضيحة المحتملة !
قالت وهي تنظر لجيهان بخوفاً شديد:
_ أنا متوقعة منه أي شيء ، مش هيسبني في حالي صدقيني !
اشتد غضب جيهان تحت تراجع سمر المخزي هذا ! .... وهتفت بها بعصبية :
_ مستنية إيه ؟! ... مستنية يضربك ويأذيكي أكتر من كده ويا عالم آذاه هيوصل لحد فين ؟! ..... اللي زي ده ممكن يعمل أي شيء عشان يعوض احساس النقص اللي عنده .... قومي حضري نفسك مافيش وقت.... وأنا اوعدك أني هوقفه عند حده ومش هيقربلك تاني.
نظرت سمر لها وتوسمت فيها الخير والأمل ... وبعدها نهضت وتوجهت لغرفتها لتستعد للرحيل من هذا الجحيم.
*******
وبالمشفى ... حيث الغرف الذي ينتصر اللون الأزرق النيلي فيها ....
دلفت ليلى لغرفة أبيها بأشتياق رؤيته ... وقابلها جدها "صادق" بوجه بشوش مسرور برؤيتها .... ف سرت برؤيته وقالت :
_ وحشتني يا جدي .... من يوم كتب كتابي أنا ووجيه ما شوفتكش ! .....
ربت الجد على ذراعها بلطف وقال :
_ كنت بسافر للبلد كل يومين عشان أشوف الحال هناك ... أنتي عاملة إيه يا ليلى طمنيني عليكي .... هو فين الدكتور وجيه ؟
أجابت بعد تنهيدة وتعابير وجه عابسة تحمل همًا كبير :
_ كان جاي معايا هنا بس طلبوه ضروري في العناية ....
لاحظ الجد أن ليلى ليست بحالة أفضل كما كان يظن ويتمنى ! .... فسأل باهتمام وقلق :
_ مالك يابنتي ؟ .... باين عليكي حزينة !
التمعت عين ليلى بالدموع وقالت بصدق :
_ حاسة بالذنب يا جدي ... أبويا في المستشفى وفي غيبوبة وأنا رايحة اتجوز ! .... كل ما أفرح الاقي حاجة جوايا بتلومني !
ده غير قلقي وخوفي عليه في كل لحظة.
تنهد وتسحبت عينيه لإبنه الراقد في غفوةً لا يعلم موعد انتهائها .... ثم عاد بنظرته لليلى في ثبات وقال :
_ بتمنى من ربنا أنه يقوم بالسلامة عشان يأكدلك أن اللي عملتيه هو الصح ، أنا سايبك مع جوزك ومرتاح بالي أنك في ضل راجل بيحبك وهيصونك وهيحميكي من الدنيا بحالها ... جوازك من وجيه رغم الظروف اللي احنا فيها هو أكتر قرار صح خدته في حياتي ... مش بقولك أنسي ابوكي أو ما تخافيش عليه ، بس ماتمنعيش نفسك تفرحي مع اللي استناكي سنين ضاعت من عمره عشانك.
ومسح عينيها من الدموع بابتسامة ليطمئنها وتابع :
_ ما تلوميش نفسك يابنتي أنتي ما عملتيش شيء غلط ولا حرام ... أنا بقولك اطمني ... أن شالله حتى تعتبريني أجبرتك أنك تتجوزي وتجيبي الذنب عندي ... ده لو هنعتبره ذنب يعني !
ورقت عين ليلى الدامعة وهي تنظر لجدها بمحبة ... ثم ضمها وهو يقول والأمل دب في نبرته فجأة عندما قال:
_ طب تعرفي ... أنا كل يوم بقعد اتكلم مع ابوكي واعيد وأزيد واكد أنك خلاص اتجوزتي د.وجيه .... من كام يوم كده وأنا بكلمه حسيت وكأنه ابتسم ! ... مش عارف أنا وهمت نفسي ولا ده حصل فعلًا .... بس قلبي حس أنه سامعني وفرحان عشانك واطمن عليكي .... ده أكتر خبر هو محتاج يسمعه دلوقتي .
اطمئنت ليلى بحديث جدها وتمنت أن يكن ما رآه حقيقة ليس وهما ينسجه ما يتمناه وأمله ... وأن يكن والدها بالفعل يدرك ما حدث وسعيد لأجلها ....
وبتلك اللحظة فُتح باب الغرفة ودخل وجيه بابتسامة هادئة وقال لكلاهما :
_ هما الدكاترة عملوها وقالولكم قبل ما أقولكم ولا إيه ؟
اتجها كلًا من ليلى وجدها إليه في غرابة ... وقالت ليلى له باستفسار:
_ تقصد إيه ؟!
رحب وجيه بالجد أولًا ثم التفت لليلى قائلًا بابتسامته :
_ الدكاترة طمنوني النهاردة كمان أن حالته بتتحسن عكس المتوقع .... من وقت ما جه هنا وكانت حالته ميؤس منها .... لكن مش دايمًا الحالة بتستمر كده .... بيحصل تحسن أو العكس ... والحمد لله في تحسن ونسبته بتزيد ....
ابتسمت ليلى بتنهيدة ملئية بالراحة والحمد ... ورغب وجيه لو يأخذها إليه في ضمة قوية ولكن مع وجود جدها فالأمر سيبدو محرجا لكلاهما ....
وتوجه الجد صادق لأبنه مقبلًا جبينه بقوة وتمتم بالدعوات ....
وأضاف وجيه بجدية :
_ زي ما اتفقنا يا ليلى .... د. مروة منتظراكي عشان بداية العلاج .... هي هتتفق معاكي على أيام معينة تحضري فيها هنا .
للحظة لم تدري ليلى عن ما يقوله وجيه ، حين تذكرت ذلك البرنامج العلاجي المخطط له من قبل الزفاف حتى .... فقالت بتوتر وببعض الضيق الذي عاد إليها:
_ قلقانة أوي يا وجيه ... مجرد ما بشوف دكتور نفسي بتوتر وبحس أن نفسيتي بتتعب أكتر...!
ربت وجيه على كتفيها برفق وقال داعمًا :
_ البرنامج العلاجي مش هيكون دايمًا في المستشفى ... يعني مثلًا هتخرحوا تتمشوا وتتكلموا في أي مكان تحبوا تقعدوا فيه ... بس اكيد هكون عارفه وعارف خط سيركم كله ... أنا عارف أنك مش بتحبي المستشفيات .
كانت خطة العلاج تبدو لبست بهذا السوء التي ظنته ... فراقها أن تخرج مع طبيبتها النفسية خارج المشفى ويتحدثن على انفراد ... وترك هذا الأنطباع اثرًا مريحا على وجهها .... فقال :
_ تعالي معايا ... هي مستنياكي في مكتبي.
واستئذن الاثنان من الجد وانصرفا في خطواتٍ هادئة ... وبخارج الغرفة ضم وجيه يدها براحة يده مع نظرة محبة من عينيه حتى دخلا لمكتبه الخاص.
وتجولت نظرة ليلى بالمكتب الفارغ تمامًا من أي مخلوق سواهما ... فاستدارت له متساءلة حتى وجدته يغلق الباب جيدًا ويستدير إليها مبتسما ... وقال بمرح :
_ د.مروة على وصول .... لسه مجتش.
أخفت ابتسامتها من تلاعبه وقالت متظاهرة بالجدية :
_ يعني كدبت عليا !
التمع بعينيه المكر وأجاب بابتسامته التي تجعلها ترتبك بشدة :
_ مش بالضبط ... بس أنا بستغل أي وقت ينفع أخطفك فيه شوية ...
واتسعت ابتسامته من ارتباكها وحيائها الواضح وقال بمحبة خالصة :
_ مكبرتيش يا ليلى ! .... مع كل السنين دي أنتي لسه زي ما أنتي ! .... زي ما شوفتك أول مرة ....
وكتم ضحكة وهو يعلم أن سؤاله الآتي سيثير غيظها أكثر فقال :
_ صحيح أنتي ما كملتيش حكاية صاحبتك اللي بعتتك الجامعة مخصوص عشان تعرفيني إنها مريضة .... !
ادرك وجيه منذ سنوات ما تحمله تلك الفتاة من اعجاب له ... ولكن بدلًا أن توقعه بشباكها قدمت له أغلى الصدف ....
وكان محقا في ظنه ، فقد تبدلت تعابير ليلى للغيظ وصمتت ... فالتمعت عينيه بالمكر أكثر وتأمل غيظها الصامت باستمتاع .... ثم قال كأنه لا يعرف الحقيقة :
_ ساكته ليه ؟!
أجابت ليلى بعصبية وهي تذهب لنافذة المكتب بعصبية وتقف أمامها وتتجنبه :
_ معرفش ومش فاكرة ... هي مش كانت طالبة عندك ! ... مسألتهاش ليه وقتها ؟!
بالكاد استطاع كتم ضحكته ، ثم اقترب لها بخطوات هادئة ..... وليغيظها أكثر قال :
_ بسألك أنتي ... اصلها جت في بالي فجأة.
استدارت له بعصبية وتفاجئت للحظة أنه قريب منها لهذه الدرجة ... حتى تجنبت تلك اللافته وهتفت به بعصبية :
_ وتيجي في بالك ليه يعني معلش ؟! وتفتكرها ليه اصلًا ! .... بالك ده مايفتكرش غيري أنا وبس انت فاهم ؟!
جذبها اليه بضحكة عالية وقال بهمس:
_ يا شرسة ! ....
تخلصت من قبضتيه وابتعدت متظاهرة بالغيظ ... ولكنها كشفت مخططه بفراسة ولم تفصح ولم تظهر ابتسامتها ..... جلست أمام مكتبه على مقعد من الجلد الأسود .... فأدار المقعد بقوة لوجهته واسند راحة يديه على ذراع المقعد ، وقال لها بمكر وابتسامة متلاعبة :
_ هي كانت معجبة بيا ولا إيه ؟! ... حسيت بكده من نرفزتك!
قالت بسخرية والدم يغلي بعروقها :
_ والله ! ... وأنت إيه بقا اللي يخليك تهتم كده ؟! ....
نظر لعينيها بعمق بنظرة ماكرة ثم قال بتلك الابتسامة المستفزة :
_ بستمتع جدًا بغيرتك عليا .... بصراحة مش قادر أنكر !
وضحك ضحكة غمرت عينيه إشراقة وحياة ... فتأملته بابتسامة عاشقة ظهرت دون أن تدركها ... ثم عادت جدية وقالت بثبات :
_ مش بغير ! ... بس ماتجيبش سيرة واحدة قدامي تاني ... ايوة مش بغير باصصلي كده ليه؟!
وكانت نظراته ضاحكة وساخرة ..... ولكنه أوقفها وقال هامسا برقة وتبدلت سخريته لعاطفة شديدة غمرت صوته الهامس :
_ كل يوم بكتشف حاجة جديدة فيكي .... بس الغريبة أن كل حاجة بكتشفها بتحببني فيكي أكتر .... ١٠٠ احساس بشوفه في عنيكي في اللحظة الواحدة !
قالت بابتسامة متنقلة بتردد بين وجنتيها :
_ أنت بتستفزني والمفروض ده بيعصبني وبيتعب نفسيتي خلي بالك !
نظر لها بغمزة وقال بابتسامة خبيثة:
_ يعني أنتي دلوقتي مضايقة ؟!
قالت بتأكيد لتستفزه :
_ آه مضايقة منك
نظر لها للحظة مفكرًا .... ثم قال وهو يبتعد :
_ طب تمام ... همشي اروح لشغلي عشان تروقي طالما مضايقة مني.
سحبته بقوة ليقف وقالت بغيظ :
_ أنت رايح فين ؟!
وقف أمامها وكتم ضحكته من أنفعالها ... ولكنه قال بجدية :
_ هروح شغلي !
ضحكت فجأة وقالت :
_ لا مش مضايقة أنا كدابة .... بغيظك.
وتابعت ضحكاتها وهو يتأملها مبتسما وقال :
_ أنتي مش كدابة .... أنتي طفلة !
********
ورويدًا رويدًا بدأت تستفيق فرحة وتَفتح عينيها ببطء شديد ، وانتشر الخدر بأنحاء جسدها وجعلها أسيرة المرض الذي باغتها فجأة .... حتى وجدت د.أمجد يجلس على بُعد خطوات من فراشها .... وبدا عليه الضيق الشديد والصمت الذي على أهبة الثورة .
وعندما انتبه لصوت أنفاسها تطلع بها بنظرة تبدو آسفة ... ولكنها عاجفة من أي لهفة أو اهتمام حقيقي بها ... وقال بعبوس :
_ عاملة إيه دلوقتي ؟
تنهدت فرحة وهي ترفع يدها وتحسس على رأسها بألم ... وقالت كاذبة وقد بدأت الرجفة بصوتها تعكس ما تجيب به :
_ كويسة الحمد لله.
لم يفكر بإجابتها كثيرًا وبمدى صحتها ... وقال معتذرا لظنه أن حالتها ناتجة عن صدمة فسخ الخطوبة التي لم تقام من الاساس :
_ أنا أسف يا أنسة فرحة .... مكنتش عارف أن اللي هقولهولك هتكون نتيجته كده .... بس كان لازم تعرفي .
نظرت له فرحة بدهشة ...حاولت التذكر ولكنها فشلت تمامًا ، آخر شيء تتذكره هو مجيئه لها وبدأ بالحديث .... مع بداية الحديث كان ذهنها يغيب تدريجيًا ولم تنتبه لكلمة واحدة ... عن أي شيء يعتذر عنه ؟!
فقالت بعدم فهم :
_ أعرف إيه ؟ .... أنا...
وقاطعها ظنا منه أنها ستبدأ بلومه وليس بالأستفسار عن ما قاله .... وقال بندم واضح :
_ أنا حقيقي كنت شايفك مناسبة ليا جدًا ، أنسانة محترمة وأخلاق وتقدر تتحمل مسؤولية بيت وأسرة .... بس الحقيقة اللي أنتي ما تعرفيهاش أني بحب واحدة تانية وللأسف هي اتجوزت وبعدت عني .... ومش عارف أنساها ، وهمت نفسي أني أقدر بس لما هي رجعت عرفت واتأكدت أني هفشل ... مش عايز أظلمك معايا ... أنتي تستحقي حد احسن مني يحبك بجد ... أنا أسف جدًا.
لم يكن وجه أمجد هو من أمامها ... بل تذكرت زايد وهو يؤكد لها ذلك ولم تصدقه .... لم تكن دموعها على حديث أمجد تحديدًا ... بل ضربة موجعة لكبريائها وكرامتها ..... فأشاح عينيه عنها ونهض قائلًا :
_ الممرضة خدت عينة دم عشان التحليل لأن حرارتك مش بتنزل حتى مع الأدوية...
وبهذه اللحظة دخلت ممرضة وظهر على وجهها القلق وهي تتطلع به بوجوم ... ثم استجمعت ثباتها وقالت له :
_ عايزينك يا دكتور .
لم تهتم فرحة بحيث الممرضة ... بل اشاحت بصرها عنهما لجهة أخرى وتاهت بحزن .... وعندما خرج أمجد مع الممرضة قالت له وهي تبتعد خطوة بحذر :
_ لازم تروح المعمل دلوقتي يا دكتور وتطمن على نفسك ... وأنا كمان هطمن .... فرحة جالها فيروس مُعدي والمشكلة أن الفيروس ده ظهر على اتنين من الممرضات هنا في المستشفى... يعني كلنا لازم ناخد احتياطنا ونطمن على نفسنا ...
صدم أمجد مما قالته الممرضة وقال بقلق :
_ الموضوع خطير للدرجة دي ؟! .... يعني ..
اجابت الممرضة بتوضيح وقاطعته :
_ على حسب مناعتها .... وعمومًا التقرير بتاعها معايا وهوصله لدكتور وجيه ... ولو سمحت ما تدخلهاش تاني دلوقتي خالص...
هز أمجد رأسه مجيبا بموافقة وقال :
_ تمام ....
وتوجه أمجد بعدها ليأخذ الاجراءات اللازمة للسلامة ....
بينما ترك فرحة بالغرفة يشتد الألم برأسها مع أعراض ضيق بالتنفس مصاحب بارتفاع درجة الحرارة التي جعلتها ترتجف بشدة .... ولأول مرة تتمنى وجود زايد بالقرب !
*********
فتح وجيه باب المكتب للطبيبة مروة التي قرعت على الباب بخفوت .... وما ان وقعت عينيها على ليلى حتى ذهبت إليها سريعا بابتسامة واسعة كأنهما أصدقاء منذ زمن.
وقالت مروة لوجيه بصدق :
_ والله ليلى وحشتني أوي يا دكتور .... كأني أعرفها من سنين !
ابتسم وجيه لها بلطف وتشارك الثلاثة المزاح لدقائق، ثم قال وجيه وهو يستعد للخروج :
_ أنا هسيبكم لوحدكم بقا براحتكم .... أي شيء تحتاجيه ابعتيلي ممرضة في الدور الرابع ... سلام.
وأشار لهما بالتحية وخرج من الغرفة سريعا ....
استدارت مروة لليلى وقالت بحماس :
_ محضرالك برنامج علاج أنما إيه ... ولا برنامج إذاعي !
ضحكا الاثنان بمرح .... ورغم ضحكة ليلى إلا أن مروة لاحظت شيء فيها .....وقالت بنظرة ثابته لعينين ليلى :
_ في حاجة جواكي يا ليلى مش عارفة تقوليها ؟ ... صح ؟
توترت ليلى للحظات ثم هزت رأسها بالايجاب ، وهنا ظهر ضيقها واضحا .... فأخذت مروة يدها واجلستها على المقعد بهدوء ... ثم جلست قبالتها وقالت بابتسامة :
_ لو مش عايزة تحكيلي أنتي حرة ....ده مش ضمن برنامج العلاج .
قالت ليلى بتنهيدة تطلق فيها ما تحمله من هم :
_ لأ هحكيلك ... أنا عايزة اتكلم بس مافيش حد حواليا ينفع اتكلم معاه ... بالذات في حاجة خاصة زي دي.
سألت مروة بشك :
_ ولا حتى دكتور وجيه ؟
اكدت ليلى بألم :
_ بالأخص وجيه .... ماينفعش اتكلم معاه خالص.
قلقت مروة بعض الشيء وقالت :
_ طب احكيلي ...
صمتت ليلى للحظات كأنها تتحكم بأعصابها كي لا تثور وهي تتحدث أو حتى تبكي .... فبدأت تسترسل بالحديث بألم وعينيان شاردتان:
_ أنا بحب وجيه ... بحبه فوق ما أي حد يتخيل ، وحبي ليه زاد أضعاف كتير لما رجعنا لبعض تاني بعد التوهة دي كلها .... بس لما بشوفه مع جيهان بموت .... بحس أنه بيخوني ! ... أنا عارفة أن الجملة دي وهي مراته هتخليكي تقولي عليا هبلة أو عبيطة ... بس بجد ده اللي بحسه ... لما بيجي ويقولي كلام حلو بكون مبسوطة ... مبسوطة وطايرة ....
بس بعدها بتيجي لحظة عليا كده بفتكر فيها أنه برضو بيقولها كده ... ساعتها بحس أني عايزة أزعقله واتعصب ... ببقا نفسي يحلف أنه بيقولي الكلام ده لوحدي ... وببقا عايزاه يوعدني أنه ما يقولوش غير ليا برضو .....
وزفرت بضيق شديد وهي عابسة وتابعت :
_ وفي الآخر لما بقف قدام نفسي في المراية وأشوف وضعي واشوف أنا فين .... وأفتكر أنها قبلت جوازه مني بحس أني أنانية أوي .... بكره نفسي وقتها ، أنا بجد لو مكانها مكنتش هتحمل الوضع ده بسهولة .... يعني أنا حاسة بكده وأنا متأكدة انه بيحبني وحارب عشان نتجوز ... ما بالك هي حاسة بإيه !
جاوبيني بصراحة .... أنا أنانية ؟
استمعت مروة لها بهدوء ... فابتسمت وهي تقول لليلى بتأكيد :
_ هجاوبك بصراحة يا ليلى .... أنتي مش أنانية ... أنتي طبيعية !
واستطردت موضحة عندما ظهر على وجه ليلى عدم الفهم للإجابة :
_ طبيعية لأن ده عادي تحسيه ... أي واحدة مكانك هتحس كده .... الأنثى لا يمكن تقبل القسمة على اتنين أبدًا .......
هو بيتعامل معاها بالعدل ... أنما معاكي أنتي بيعاملك بالحب .... لازم تفرقي بينهم يا ليلى وتقدري موقفه ....
قالت ليلى بعدما بدأت تفهم الإجابة على حيرتها :
_ طب انصحيني .... اعمل إيه ؟
قالت مروة بتأكيد كل كل كلمة :
_ ما تحطيش جيهان في دماغك ... ما تبصلوش وهو بيتكلم معاها ... ما تستنيش منه لو ابتسم لها ابتسامة أنه يردهالك في نفس اللحظة عشان يبقى عدل بينكم.... ! ... ده مثال بسيط عن الوضع اللي ما بينكم مش كده.
هربت ليلى بعينيها للبعيد وكأن الطبيبة كشفت بعض أفكارها .... فضحكت مروة بمرح وقالت :
_ كلنا بنفكر بنفس الطريقة ما تقلقيش .... اللي عايزاكي تفكري فيه هو الوقت اللي بيقضيه معاكي ... بدل ما تخليه للعتاب والخصام والكلام في المشاكل وجيهان عملت وأنت عملت، خليه في الهدوء والكلام الحلو .... خليه يلاقي راحته في قربك يا ليلى .... صدقيني الحب بعد الجواز مختلف تمامًا عن قبل.
قطبت ليلى حاجبيه بعبوس وقالت بعصبية :
_ إيه ده ...؟! ... يعني ممكن وجيه يبطل يحبني !
ضحكت مروة بقوة من ردة فعلها ... ثم قالت بتوضيح وهي تضحك :
_ لأ مش أقصد .... حد زي دكتور وجيه وصفاته صعب يحب كل شوية كده .... أقصد أن الجواز بيكشفلك أن الحب لوحده مش كفاية عشان يلاقي راحته معاكي .... قبل الجواز بتكون اللهفة طاغية وفي تشويق فبنتغاضى كتير عن أخطاء بعضنا .... انما بعد الجواز بنضمن بعض ... يعني هيرجع من الشغل يلاقيكي ... هيتصل بيكي هتردي عليه من غير خوف من حد ..... لو قالك تعالي معايا للمريخ هتروحي عادي !
في ضمان .... الراحة والأمان أهم من الحب بعد الجواز ...لأن دول هما اللي بيبنوا البيت والاستقرار والألفة بين أي زوج وزوجة ..... لكن هتتعصبي وتقولي عايزة ازعقله واحلفه والكلام ده ...فأنتي كده بتضيعيه بمنتهى السهولة.
فغرت ليلى فاها من الصدمة .... وتذكرت في الأيام الفائته منذ عقد قرانها كم مرة تخاصمت معه وغضبت !
ابتلعت ريقها بتوتر ... فربتت مروة على يدها لتطمئنها وقالت :
_ ما تخليش الشيطان يلعب في دماغك ... أنا بوضحلك الصورة ليس إلا ... أنما هو بيعشقك اصلًا .... أنا جايالك انتي مخصوص وهو اللي شغلني هنا عشانك ... د.وجيه بيحبك وأكتر كمان .... بس أنتي لازم تحافظي على الحب ده بذكائك.
قالت ليلى بصدق :
_ أنا فهمت حاجات كانت غايبة عني فعلًا .... يمكن لأول مرة أفكر فيها !
قالت مروة بابتسامة لطيفة :
_ وأنا مبسوطة من استجابتك دي ... بداية مبشرة للعلاج ... وبالنسبة بقا للبرنامج بتاعي فهو هيكون أدوية هتفيدك جدًا .... وأيام هخصصهالك مخصوص عشان تتكلمي فيها براحتك في أي شيء .... أنا عايزة أوصل للسبب اللي وصلك لأضطراب الكرب يا ليلى .
وثبت ليلى من مقعدها بنفضة وكأن لدغها عقرب .... لسبب لا تتذكره ولكنها تعرف أنه مدمر .... وقالت بتوتر شديد :
_ لما بنتكلم في الموضوع ده جسمي بيتنفض وبحس أني خايفة ومرعوبة .... أنا حقيقي مش فاكرة .... بس قلبي بيتقبض لما بحاول افتكر .... أو حتى نتكلم في الموضوع ده.
قالت مروة فجأة وهي تراقب ليلى بدقة:
_ مين ورد يا ليلى ؟!
وضعت ليلى يديها على أذنيها وقالت بصراخ وهي تجهش بالبكاء :
_ مش عارفة ... مش فاكرة ... كفاية ... كفاية ...
تنهدت مروة ببعض اليأس .... ثم قالت لها برفق وأسف :
_ طب خلاص ما تضايقيش نفسك .... أنا بس كنت عايزة أعرف أنتي لسه بتخافي لما بنبدأ نتكلم في الموضوع ده ولا لأ .... كان لازم اتأكد ...
انزلت ليلى يدها وهي تنظر لمروة ببعض الدهشة ... وقالت :
_ يعني إيه ؟
أجابت مروة بصدق :
_ رفضك الواضح ده مش وراه نسيان .... وراه خوف من شيء جواكي دفناه .... ومش قادرة حتى تقربيله .... بس اللي عايزاكي تفتكريه أن صالح خلاص مات ... يعني مافيش أي خطر أنك تفتكري اللي حصل..... ولو افتكرتي يبقى عدينا من أخطر مرحلة في العلاج .... وهيكون في أمل كبير أنك ماتنسيش تاني ..... أنا بكلمك بمنتهى الأمانة ...كطبيبة... وكصديقة.
تشتت نظرة ليلى ... وباتت لا تفهم نفسها ، هل هي بالفعل كما تتحدث الطبيبة ! .... لا بد أنها كذلك .... وإلا ما كانت ترتعب هكذا كلنا اقتربت لتلك البقعة المظلمة بداخلها المليئة بالأسرار.
*********
وقفت جيهان بسيارتها أمام المنزل الضخم لوالدها الراحل .... كانت تشعر أنها تملك من القوة ما يملكه أكثر الرجال شجاعة وجسارة وذلك عندما ساعدت فتاة مسكينة ..... أو يبدو أنها كانت تريد أن تشعر بذلك بعدما اختبرت المعنى الحرفي للضعف بالأيام الماضية.
نظرت جانبا لسمر التي تجلس بعينان زائغتان شاردتان للبعيد .... وكأنها لا ترى أي غد بعمرها .... فقالت جيهان بتشجيع :
_ سيبي الشنطة في العربية البواب هيدخلها .... تعالي معايا .
وخرجت من السيارة ...وتبعتها سمر بجسد ثقيل مُتعب .....وعندما دخلت جيهان من الباب الكبير أمرت الحارس بإتيان الحقيبة الخاصة بسمر سريعا....
وأتت احدى الخادمات ترحب بجيهان بحرارة وترحيب ... فأشارت لها جيهان بابتسامة، وأجابت عليها سريعا
ثم جذبتها بلطف ليصعدا معا على السلم الرخامي الواسع .....
وبأحدى الغرف الواسعة المؤثثة بأفخم الاثاث الحديث .....
فتحت الباب جيهان وأشارت لسمر بابتسامة قائلة وهي تدخلها معها للداخل:
_ دي من النهاردة هتكون أوضتك .
لم تصبح الفخامة تغري عينين سمر ... بل باتت ترها تجسيدا للزيف والأصطناع .... فقالت بجفاء وهي لا تنظر لشيء حولها بأدنى انبهار :
_ جميلة أوي.
تفهمت جيهان حالة سمر المتألمة وقالت بعطف :
_ هسيبك ترتاحي وهبعت حد بالغدا هنا... وانا هعمل كام تليفون كده وهرتبلك كل شيء اوعي تقلقي ... البيت بيتك يا سمر .
واظهرت جيهان الكثير من اللطف والمحبة لفتاة لا تعرفها إلا معرفة سطحية ... ولكن وجدت سعادة حقيقية في مساعدتها.
وعندما تركتها جيهان هبطت الدرج وأجرت اتصال هاتفي على رقم وجيه ...لتبدأ معه حل المشكلة ...
وخرج وجيه من غرفة العناية عندما تلقى منها اتصال وأجاب ببعض القلق :
_ الو .... ايوة يا جيهان معاكي !
قالت جيهان بهدوء :
_ عايزاك في شيء ضروري يا وجيه .... لازم يخلص النهاردة .... أنا عارفة أن وراك شغل كتير بس ده مش أهم من الشغل بالعكس.
ازداد قلق وجيه وسأل :
_ في إيه قلقتيني ؟!
شرحت جيهان وضع سمر بالكامل .... وذلك اتفقت عليه أثناء الطريق معها ... ريثما أنها شعرت أن من الأفضل أن تتم مواجهة زوج سمر أما وجيه وهو سيتولى ذلك...
صمت وجيه للحظات بصدمة .... ليست الصدمة من ما عانته سمر فقط بل من تصرف جيهان أيضا ... وقال لها بعصبية :
_ أنتي بتتصرفي من ورايا ؟! .... يعني روحتي لسمر من غير ما أعرف وخدتيها من بيتها وده من غير ما حتى تتصلي بيا ! ....
دهشت جيهان من ردة فعله وهي من كانت تتوقع العكس تمامًا .... وقالت باستغراب :
_ كنت فكراك هتأيد تصرفي وهتجيلي فورا !
تنهد وجيه بغيظ منها وقال :
_ كان لازم تتصلي بيا يا جيهان وأعرف ... أفرضي جوزها وصل في أي لحظة وأنتي هناك وعرف أنك هتاخديها كان هيبقى إيه الوضع ؟! .... أنا مش بقولك أنك غلط بس مكنش ينفع تبقي لوحدك أبدًا ! ... مع شخص زي ده كان لازم تحسبي كل خطوة ...
ردت جيهان بعصبية:
_ يعمل اللي يعمله هو مايقدرش يقف قصادي وإلا هدمرله اسمه للباقي من عمره .... إظاهر يا وجيه وضعي معاك نساك أنا مين في الأساس .... أنا جيهان الشيمي ... يعني لا ده ولا اللي اكبر منه يقدروا يهزوا فيا شعرة .... أنت بس االي فكرتني ضعيفة !، وكمان أنت لو شوفت سمر عاملة أزاي من الضرب كنت عذرتني في تصرفي ... أنا اتصلت بيك عشان تكون أنت المتصرف وانت اللي تواجه ... بس لو رافض فأنا معنديش مانع أني أواجهه بنفسي.
زفر وجيه بغضب من كلماتها له المتحدية وهي لا تحسب حساب لقلقه عليها من مجرد تخيل سيناريو آخر كان ممكن أن يحدث .... لا يحب تهورها وعلى رغم أنه كان سيساعد سمر بجميع الاحوال.... إلا أنه لم يحب أن تتورط زوجته مع رجل مثل زوج سمر في أي مشكلة ، فكيف يبدو مذنبا في نظرها وهذا لأنه قلق عليها ؟! ... فقال بعصبية :
_ خليكي عندك ... أنا هجيب المحامي وجايلك ... أنا عمري ما كنت هتخلى عن سمر وهجيبلها حقها لحد عندها .... ولكن مش بالأنا بتاعتك يا جيهان ...
كنت هرجعلها حقها بالحق والعدل ومن غير فضايح لحد فيهم أو أذية في مستقبله.... كون أنه ضربها ده شيء هحاسبه عليه .... ولكن مش هقدر اتغاضى أنه مكسور من جواه وحرام اتسببله في فضيحة وأكسره أكتر... ساعة بالكتير واكون عندك.
واغلق الاتصال دون كلمة أضافية ... ووقفت جيهان متجمدة مكانها ... وهو مثل مراتٍ كثيرة ربح جولة الحديث ووضع بموضع المتهمة والمذنبة... وحسىت هي بأندفاعها بالكلمات حتى لو كانت على حق .
وراجعت كلماتها .... وراجعت عتابه وخوفه عليها ، وجدت أنه له بعض الحق ... أن أتى زوج سمر بالصدفة كان الأمر سيتحول إلى شجار وربما إلى كارثة محتومة لابد أن تعترف بذلك .... وأقل شيء كان سيحدث هو الرمي بالكلمات والشتائم بينهما ....
كرهت اندفاعها وشعرت بالغباء للحظات .... ليتها تهدأ وتعقل الكلمات .... ولا يأخذها الأندفاع لأن تتذكر من هي .... كأنها تتحدى الظروف بمكانتها الاجتماعية الرفيعة .... والعجيب أنها خسرت دائمًا ولم تتعلم من التجارب.
*********
في أحدى الفلل الضخمة ....
وعلى رغم ضوء النهاء كانت تغط أحدى الغرف بالطابق الثاني في الظلمة ... إلا نور مصباح صغير يأتي من مشكاة على منضدة بعيدة من الفراش .... تضيء الغرفة قليلا .... وينعكس الطقس المعتم على النافذة الزجاجية النظيفة ....
نهض من فراشه بجسده الطويل وهو يجذب عكازه ليستند عليه ...... وعندما وقف اخيرًا ... توجه ببطء للنافذة ... لقد سأم من المكوث بالفراش ..... ريثما أن حياته كانت مليئة بالحركة والرياضة الدائمة ... والذهاب والسفر.
وبلحظة خاطفة أعلن الهاتف عن اتصال ..... ولكن تجنبه زايد مثل كثير من الاتصالات، وظل ينظر أمامه بشرود للبعيد .... وصمت الهاتف .... ليعلن الاتصال من جديد بعد لحظات ....
زفر زايد بعصبية وقرر أن يغلق الهاتف نهائيًا ....استدار متوجها إلى الفراش ببطء ، ثم وقف بعد عدة خطوات وأنحنى على الفراش ليلتقط الهاتف .... وبعدما مسكه تجمد للحظات وهو يرى المتصل شقيقه فادي !
فادي لا يتصل عليه إلا إذا حدث له مكروه أو شيء طارئ ! .... أجاب وكاد أن يعنفه بانزعاج .... حتى قال فادي وبدا على صوته القلق :
_ أنا مش عارف اعمل إيه يا زايد !
احتدت عصبية زايد وقال بغضب :
_ كالعادة ! .... اكيد عملت مصيبة كعادتك ! .... ابوك مسافر وأنا مش عارف حتى أخرج من أوضتي ... مستني مين ينقذك المرادي !
قال فادي بتوضيح :
_ أنا ما عملتش حاجة والله .... أنا عملت نفسي رايح النادي وروحت لحسام المستشفى اطمن عليه .... وسألني على أخته عشان ما شفهاش من امبارح وقلقان عليها ، روحت ادور عليها في مكان شغلها قالولي وقعت واتحجزت .... المصيبة مش في كده كمان ...
اتسعت عينان زايد بصدمة ورعب وهتف به بقلب يرتجف خوفا :
_ حصلها إيه فرحة ؟! انطــــق!
قال فادي بتوتر :
_ الممرضة قالتلي أنها اتعدت وجالها فيرس ومعزولة .... طب هروح أقول لحسام إيه وهو في الحالة دي؟ ... مش عارف اعمل إيه !
تابع فادي حديثه ... ولكن زايد كان في حالة صدمة جعلته بعيدا عن أي شيء ..... جعلته يتمنى لو يكن أمامها بغمضة عين.... صدمة جعلته لا يدري كيف يرتدي ملابسه ويتحمل ألم قدميه من حركة جسده السريعة .... وينسى ما قالته ...
تذكر فقط لهفته وأشتياقه وخوفه المجنون عليها ....
********
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن والستون 68 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... أتيت إليكِ ولن أرحل...~
هناك مرحلة في الحب نلغي فيها عقلنا وتعقلنا .. من المخطئ لا يهم ، من فارق أولًا ليست بالأزمة ...
مرحلة تجعلنا مع جميع العثرات ننهض فقط لنتابع الطريق سويًا ... وكل ما يحمله القلب من هم أن نبقى معاً.
على رغم صدق تلك المرحلة ... ولكنها خطرة عندما نخطأ الاختيار.
مثل الجمر الذي تأججت فيه النيران المتصاعدة وتشابكت بما حولها واندلع حريق هائل لن يستطع احدًا إخماده.
كانت تلك نبذة عن ما يشعر به وهو يتحرك بقدر استطاعته من سرعة ويبدل ملابسه بأخرى.
واستطاع ارتداء معطف كحلي على بنطال وقميص فحمي أبرز نحولة خصره وعرض منكبيه ، ثم التقط هاتفه وارتكز على عكازه الذي أصبح رفيق لا بأس به بالأيام القليلة الفائته.
وبالطابق الأرضي من الفيلا....
كانت زوجة والده تجلس على مقعد مبطن بقماش مخملي أحمر يبدو عليه باهظ الثمن، وتقلّب بين يديها أوراق مجلةً نسائية تعرض أحدث صيحات الموضة وتتأملها باهتمام ودقة علها تجد ما يثير أعجابها من الأزياء.
حتى آتاها ذلك الصوت المزعج لحركة العكاز على رخام السلم فعرفت من القادم.
غمر أنفاسها الملل ونفاد الصبر من وجود ذلك الشاب الذي اقتحم حياتها منذ سنواتٍ وسكن بالمنزل مع والده ...
ومنذ ذلك الحين وهي تكره حتى التحدث معه، ولا تنفك أن تستغل أقل الفرص كي تضيقه وتغضبه وتكدر عليه هذه الرفاهية عله يسأم ويرحل ...
ولكنه يبدو يكيدها بالبقاء ... يثير غضبها بعزلته وتجنبه كل من بالمنزل بذلك الجناح البعيدة بالطابق الأخير.. والأكثر من ذلك والأخطر أيضا أنه أخذ منصب والده في كثير من أعماله وفروع الشركات.
حتى بات اسمه يلتمع بين أمهر وأمكر رجال الأعمال الشباب ... وله صيت رنان بين العملاء والزبائن ..
كان كل شيء عنه يعصف أفكارها كلما رأته أمامها .... ولكي تستفزه قالت نوران المشهورة بين عائلتها باسمها المدلل " ناني" لتوقفه وتعرف لأين الوجهة :
_ رايح فين يا زايد .... ؟
كان آخر شيء يريد أن يره الآن هي تلك المخلوقة المتعجرفة التي على نقيض والدته الراحلة في كل شيء ، ورغم ذلك والده ترك أمه على مد ذراعيه فريسة سهلة للحزن والاكتئاب لأجل تلك المرأة التي لا تساوي حتى مساحيق التجميل التي تلطخ بها وجهها ليلًا نهار !
ولكن أجاب بصوتٍ حاد دون أن ينظر لها ولا يعيرها أدنى اهتمام :
_ مابحبش حد يسألني رايح فين .... وأظن أنك عارفة كده !
كانت إجاباته عليها دائمًا مستفزة ، وتسأله وهي تتوقع مدى سخافة الرد ... ولكن كأنها تمد أفكارها بمزيد من الكراهية لكي تتابع خططها في طرده من هنا دون أن ينكشف أمرها .. وأن كانت محظوظة ستطرده بلا راجعة من كل شيء يملكه والده.....دون أن يمس اسمها بالأمر.
وتتبعت خطواته التي على رغم عجز قدميه ولكنها سريعة الحركة ....حتى انتشلها من شرودها صوت هاتفها الخاص ، فرفعت الهاتف ونظرت له لدقيقة ثم رفعت نظرتها لباب الفيلا الكبير للتأكد من ابتعاد زايد ..... وبعدما تأكدت أجابت بهدوء :
_ معاك يا ماجد ....
أجاب عليها شقيقها ماجد عبر الهاتف وقال ببشرى :
_ عندي ليكي خبر بمليون جنيه..... لأ بعشرة مليون.
وضحك بمزاح ..فابتسمت ناني بحماس وقالت :
_ قول وفرحني ... ولو فعلا زي ما بتقول مش هبخل عليك.
راوغها شقيقها بمزاح لدقائق ثم قال مفاجأة الكبرى :
_ هيثم راجع مصر ... ومش بس كده ، أنا اقنعته أنه يشتغل مع جوزك كمان في فرع القاهرة .... أظن ده اللي بقالك سنين بتحلمي بيه.
انتفضت ناني من مكانها وعلى وجهها تعابير الذهول والفرحة ، فقالت بدهشة وغبطة:
_ أنت بتتكلم بجد يا ماجد ! .... معقول اقتنع بسهولة كده !
رد عليها ماجد بشيء من السخرية:
_ سهولة إيه ! ..... أنا بقالي ٤ سنين بزن عليه عشان يرجع ، لولا أن مكتبه اللي في كندا فلس وخسر مكنش هيوافق اصلًا .... وكمان أنا خوفته.
قطبت ناني حاجبيها بتعجب ودهشة وسألته بقلق :
_ خوفته أزاي ومن إيه ؟!
رد ماجد وبصوته ضحك خبيثة قائلًا بتوضيح :
_ أنتي ورثتي من جوزك الأولاني ابو هيثم بعد ما مات .... ولما اتجوزتي دخلتي شراكة مع ممدوح في الشركة .... والشركة بقت شركتين وأكتر، والمشاريع بقت عشرة ....يعني كل ده أنتي ليكي نصه وده مافيهوش خلاف من حد .... بس اللي شايفه أن زايد خد مكانة أكبر من المفروض ياخدها .... ولو سيبناه كده هيتفرعن أكتر ومحدش هيقدر عليه ولا حتى أبوه ! ..... وكل الشغل في ايده وده يقلق .... لو ممدوح جوزك جراله حاجة زايد ممكن يبيع كل شيء ليه بمليون طريقة .... وساعتها أنتي وولادك مش هتطولوا حتى الفيلا اللي عايشين فيها دي ...!
كان ماجد يمثل يد الشيطان في بث الشر في النفوس تداعيًا لأغراضه الخاصة، ولمكانته التي حجّمها زايد منذ أن أتى للعمل مع والده ... كأنه ادرك ما بنفس ماجد من طمع وشر وأبعده عن كل الصلاحيات في اتمام أي مشروع بجميع الأفرع.....
ولم تكن شقيقة ماجد "نوران" أقل منه جحود وطمع ... ولم يكن بداخلها مساحة فارغة لتمدها بالمزيد بكراهية أبن زوجها ... الذي من المفترض على رغم كل مكره ودهائه أنه مريض نفسي بالأساس! .... وسجن بمشفى للأمراض النفسية والعصبية طيلة خمس سنوات من عمره الفائت.
قالت وأنفاسها امتلأت غضب وكره :
_ وأنا مش هسيبه يعمل كده فيا وفي ولادي ... وكويس أن أخيرًا هيثم وافق يرجع ، كده هبدأ أنفذ خططي صح ...
راق ماجد التصميم في صوت شقيقته، وقال سؤاله الذي يواريه حقد هائل:
_ دماغك فيها إيه ؟
قالت ناني بابتسامة ساخرة وسردت :
_ هو مش قعد خمس سنين بحالهم في مصحة نفسية ! ...... الموضوع ده محدش يعرفه غيرنا .... وأنا مرضيتش أنشره عشان الخسارة هتبقى على الجميع مش عليه لوحده .... أنما في وجود أبني الوضع هيختلف .... هجننه وأدخله المصحة تاني وأبني هو اللي هيمسك كل حاجة.
أعجب ماجد بذلك الحماس الذي يوافق جميع خططه الخاصة ... وقال في ختام حديثه :
_ كلامك ده مش نافع في التليفون ، ده محتاج أشوفك ونتكلم .... هتصل بيكي ونتقابل برا تمام ؟
وافقت نوران على عرضه واغلقت الأتصال بعد ذلك .... التهبت عينيها كرها أشد بكل لحظة تنسج وتُحيك مخططها بعناية ودقة.
********
استوقف حديث ليلى وهي بمكتب وجيه صوت قرع على الباب .. وبعد دقيقة فُتح وطل وجه وجيه وسيماء وجهه جامدة وجافة كأنه يخفي فيض من الغضب ..... وقال لها :
_ مضطر أمشي دلوقتي يا ليلى من المستشفى ... جالي ميعاد فجأة وضروري ولازم اروحه .... تحبي ارجعك البيت ولا تكملي كلامك مع دكتور مروة لحد ما ارجع ؟
لم تفكر ليلى كثيرًا وأجابت :
_ لأ ... هستناك لما ترجع.
ووافق على إجابتها ريثما أن جدها هنا أيضا، وبالتأكيد تريد الجلوس معه لبعض الوقت ....غادر واغلق الباب خلفه دون مزيد من الحديث ... وتعجبت ليلى من ذهابه ولكنها لم تشغل بالها كثيرا ... فربما موعد بمشفى آخرى أو مع أحد الأطباء !
وعادت مروة لها بابتسامة .... وقالت :
_ ريمو وحشتني أوي .... هي لسه بتعيط وهي نايمة ؟
امتلأ الألم بعينان ليلى وأجابت :
_ لسه للأسف .... بنتي مش بتنسى بسهولة ، صحيح جو عيلة وجيه خرجها شوية من حالتها وخوفها من كل حاجة .... بس لسه بشوف في عيونها الخوف لما بتبقى لوحدها ... أو لما بتقوم مخضوضة من النوم وبتعيط .... مش عارفة اتعامل معاها أزاي عشان تطمن !
قالت مروة بضيق :
_ نفسية الأطفال مش بسهولة حد يوصلها ... عياطها وهي نايمة مع الوقت هيقل لحد ما يختفي ، بس خوفها وعدم احساسها بالأمان ده مش سهل أنه ينتهي .... هتقابله بالعزلة والبُعد وهتتعود على كده ... ومش هينفع تتعود على كده.
ثم أضافت مروة بتوضيح :
_ زي ما ليكي برنامج علاج يا ليلى هيكون للبنت كمان .... بس بشكل مختلف شوية ، أنتي عارفة أنك بتتعالجي ، وأني وجودي هنا للسبب ده .... أنما مع ريميه الطريقة دي ما تنفعش !
البنت اتحرمت من الهدوء والحب من والدها ..... بالعكس عاملها بعنف وكان بيهينها على طول !
واصعب احساس بيمر بيه الطفل أنه يحس أن حد من أهله بيكرهه أو رافض وجوده .... وده طبعا اللي زوده حالتها المرضية ، أنا بجد مش قادرة استوعب أزاي أب بنته تمدله ايديها عشان تتسند عليه ويسلمها من الوقوع يقوم هو اللي يوقعها ويوجعها ! ...
قالت مروة ذلك بغضب وكأنها غفلت للحظات أن والد الطفلة توفى ورحل عن عالمنا بالفعل .. والعتاب لا قيمة له !
وتمالكت أعصابها بعدما لمحت كسرة عينين ليلى بلمعة دموع حبيسة .... فربتت مروة علي كتفها باعتذار :
_ أنا أسفة يا ليلى .... بس بجد ريميه مكنتش تستحق المعاملة دي أبدًا .... ولكن عمومًا علاجها الأساسي زي ما قولتي ... في وجود لمة العيلة حواليها .... طالما بيحبوها بجد هيخروجها من خوفها.
تقبلّت ليلى أسفها وقالت بأسى :
_ أنتي عندك حق .... بنتي شافت قسوة في عمرها ده أنا نفسي مقدرتش اتحملها ... لما حسيت أنها بتضحك وبتلعب وبتبقى زي الاطفال العاديين في وجود عيلة وجيه وولاد أخواته وبنات أخوه سيبتها معاهم وأنا مطمنة ... بس لما بتبقى لوحدها بحس أنها رجعت تاني زي الأول!
قالت مروة داعمة :
_ طالما بتبقى كويسة حتى لو لبعض الوقت يبقى في أمل كبير .... أطمني وبأذن الله رحلة العلاج ده ماتبقاش طويلة سواء ليكي أو لريمو االي وحشتني .
وأتممت حديثها بابتسامة مطمئنة ... فقالت ليلى بمحبة صادقة :
_ بس هنفضل صحاب ... أنا مش جيالك اتعالج ، أنا جايالك افضفض واتكلم وأنا واثقة في تفكيرك وأنك هتفهميني ... أنا بعتبرك في مكانة أختي الله يرحمها.
اتسعت ابتسامة مروة وقالت بتأييد:
_ احنا صحاب غصب عنك .... وبعدين يعني أنا برضو هبقى افضفض معاكي ... هستغلك.
وتشاركا الابتسامات والمزاح لبعض الوقت ... ثم عادا للحديث بجدية مرةً أخرى.
*******
غرقت سمر بالفكر .. تائهة ، شاردة، بها من الألم ما يكفيها لتتذكره حتى آخر أنفاسها.
ما كان اختيارها لهذا الرجل نابع عن حب لا تنكر ... ولكن لم تختاره لأجل ماله ومكانته الإجتماعية على الإطلاق!
بل توسمت فيه الأمان والطمأنينة وتعويضا عن فقدان أبيها الراحل منذ نعومة أظافرها .. شعرت أنها تحتاج أن تطمئن اكثر من احتياجها للحب .. وقد اعطاها الأمان الزائف بسخاء في بداية ارتباطهما.
فتمسكت به تمسك الغريق لأي شيء يحمله فوق الماء .. لكنه كان وهما هباء لا أمن فيه ولا سلام ... بل جعل الغرق والموت اسهل وأسرع.
شعرت أنها بنهاية المطاف رغم عمرها الذي لم يتعدى عن السادسة والعشرون عاما... وأن اختيارها للأنفصال بهذا الوقت وإن كان سينقذها من العذاب فإنه سيجعلها علكة بأفواه الجميع ... وبطبيعة الحال لن يصدقون الناس في الرجل شيء ... بل سيشيرون بأصابع الاتهام إليها هي فقط ! .... مهما قالت ... ومهما دافعت عن نفسها لن يرحمها أحد ... ولن تُسلم من الظنون السيئة، ولا رجف الأقوال.
ولكن ... يحدث ما يحدث ، يُقال ما يقال ، لن تعود لهذا الجحيم مجددًا ... ولن تضحي بنفسها خوفا من الأقاويل ... وليذهب كل شيء إلى الجحيم.
انتبهت لدق خفيف على باب الغرفة ونظرت له بصمت ... كأنها لا تملك حتى أن تسمح بالدخول لأي مخلوق، وبعد لحظات دلفت جيهان وبين يديها صينية خشبية وعليها اطباق مملؤة بالأطمعة التي تفوح منها الأبخرة والرائحة الشهية ..
ودخلت بابتسامة يبدو أنها رسمتها منذ لحظات ... واقتربت منها حتى وضعت الطعام جانبًا على الفراش وقالت لها بلطف :
_ أنا ما فطرتش .... وحضرت فطار يكفينا أحنا الأتنين ... يلا بقا افتحي نفسي وكلي معايا.
اعتدلت سمر بالفراش وقالت بعينين حمراوان من أثر البكاء :
_ مش جعانة ... أنا أسفة.
لم تسمح لها جيهان بهذا الاعتذار وقالت بتصميم :
_ هتاكلي يعني هتاكلي .... هتفضلي يعني من غير أكل ! .... على الاقل عشان لما يجي المحامي ويسألك تبقي قادرة تردي عليه ... أنا اتصلت بوجيه زي ما اتفاقنا وهو كلم المحامي وزمانهم في الطريق.... ممكن بقا تفطري معايا !
نظرت لها سمر بامتنان، ولم تتخيل أن جيهان ستتخذ هذا الموقف السريع وتساعدها .... فقالت بشكر :
_ أنا مش عارفة أقولك إيه .... يمكن مكنتش أعرفك كويس عشان اكلمك وتساعديني بالشكل ده ... بس لقيتك في بالي ومترددتش أني اكلمك ! ..
ابتسمت لها جيهان وقالت بصدق :
_ يمكن ده من حسن حظي يا سمر ... لو تعرفي اللي عملته النهاردة فرق معايا أزاي كنتي هتنتظري مني أني انا اللي اشكرك ..... اللي عملته معاكي رجعلي جزء من نفسي وطبيعتي الحقيقية ... أنا عارفة أنك مش هتفهمي كلامي ... بس أنا ساعدت نفسي قبل ما أساعدك .... وعشان خاطري بقا افطري معايا ..
لم تشعر سمر بأدنى شهية للطعام ، ولكن مع إصرار جيهان شعرت بالحرج من الاعتذار مجددًا ... فبدأت بتذوق قطة خبز صغيرة جدًا ....
وبعد دقائق انتبها سويا إلى قرع على باب الغرفة فقالت جيهان وهي تبتلع ما في فمها :
_ ادخلي يا دادة ...
وما كان يصعد للطوابق سوى مدبرة المنزل العجوز التي لازمت جيهان منذ طفولتها ... فقالت المرأة العجوز بعدما دخلت الغرفة :
_ دكتور وجيه مستنيكي تحت في الصالون يا چي.
ودائبت العجوز كل تلك السنوات على مناداتها باسمها المدلل "چي" .... حتى الآن ... فقالت جيهان وهي تنهض :
_ قوليله نازلة ....
خرجت المرأة واتجهت جيهان ناحية سمر وقالت بلطف :
_ كملي فطارك واستعدي للنزول لحد ما اجيلك تاني واخدك ....
وودعتها موقتً بابتسامة وغادرت الغرفة.
********
كان وجيه يقف مواليًا ظهره وهي تسير اتجاه مدخل الصالون ... وقد تحكم بعصبيته طيلة الطريق لهنا.... اقتربت جيهان وسمع وجيه وقع خطواتها بحذائها ذو الكعب العالي.
لم يلتفت لها ، بل دعم أعصابه ببعض الثبات والهدوء أولًا ... حتى وقفت جيهان وهي تبتلع ريقها بارتباك وقلق، وقالت بصوتٍ أخفت فيه توترها بالكاد:
_ هو المحامي مجاش معاك ؟!
قال بصوتٍ حاد ولا زال على وقفته وثباته :
_ ربع ساعة بالكتير وهيكون هنا ...
وعندما ادركت مدى غضبه من حدة صوته انفعلت وقالت بعصبية :
_ ليه شايفني غلطانة ؟! .... لو كنت مكاني كنت .....
واستدار بحركة مفاجأة وقال لها مقاطعا بنظرة أشد حدة من صوته :
_ لو كنت مكانك كنت عملت اعتبار للطرف التاني وعرفته ولو بمكالمة أنا فين وهعمل إيه ... لو كنتي كلمتيني مكنتش هعترض أبدًا وكنت جيتلكم بنفسي وأخدتكم ... بس تعرضي نفسك للخطر وأنا حتى معرفش أنتي فين مكنش تصرف عاقل منك !
اشتد أنفعالها وقالت وهي تدرك أن هذه المقارنة خاطئة ولكنها كرهت أن تقف مكتوفة الإيدي أمامه :
_ يعني أنت كنت عملتلي اعتبار يوم ما ليلى اتخطفت وروحت وراها ومعرفتش اللي حصل غير لما رجعت تاني يوم ! ...
لم يصدق ما تقوله فتحدث بدهشة قائلا :
_ أنتي بتقارني إيه بإيه ! ... ليلى وقتها كنت قررت اتجوزها وأنتي بنفسك اللي روحتلها من ورايا وطلبتيها ليا ! .... ولا كنتي عايزاني اتصل بيكي وأقولك الحقيني ليلى اتخطفت ! ... أنتي بتفكري أزاي ؟! ...
واستطرد بعصبية :
_لكن كونك ست وليها زوج المفروض في موقف تحسي فيه بأقل خطر عليكي تتصلي بيا وتعرفيني مكانك واللي بيحصل ....
ماتنسيش أنك مسؤولة مني ... !
لم تعرف لما راقها عصبيته وخوفه عليها ... رغم عصبيتها منذ لحظات ولكن أعجبها نبرة القلق بصوته .... تلك الطريقة يستخدمها مع ليلى أيضا ... فاقتربت منه وتسحبت الابتسامة لشفتيها بمكر .... ثم رفعت يديها لياقة معطفه الخريفي وقالت بدلال :
_ خوفت عليا ...؟!
ضيق عينيه بدهشة من تحولها المفاجئ هذا ... ونرفزه اقتناصها شيء طبيعي أن يحدث وتجاهلت أهم ما في الأمر بطريقة أغضبته.... فأنزل يدها بعصبية وقال :
_ ما تغيريش الموضوع !
نظرت له بغضب عقب ابعاده يديها عنه قصدا وقالت بحدة :
_ أنا مش بغير مواضيع ! .... أنا كنت بحاول أخليك تهدا ... وبعدين فيها إيه لما أفرح من خوفك عليا ؟! .... هو مش أنا مراتك زي ما بتقول ! ....
رد عليها بقوة :
_ كلمة أسفة كانت كفاية أني اهدأ ...
ثارت بعصبية وقالت بأنفعال :
_ أنا مغلطتش عشان اتأسف! ..... قولي فين الغلط اللي عملته ولا أنا كان لازم اكلمك استأذنك الأول اساعدها ولا لأ ؟!
زفر بحنق من إدارتها للأمور وفق رؤيتها الخاصة فقط ... وقال بصوتٍ حاد :
_ قولتلك أني مكنتش هرفض ... بس قبل أي شيء كان لازم تكلميني وأعرف أنتي فين .... أفرضي محمود جوزها جه فجأة كان هيحصل إيه ؟! ... ولا أنتي فاكرة أنه هيحط مكانتك ونفوذك قصاد سمعته والفضيحة دي اللي هتلازمه العمر كله ! .... كان هيبقى إيه الوضع لو ده حصل ؟ .... وأنا عارفك مكنتيش هتسكتي .... ورد فعله اكيد مكنش هيبقى هادي وساعتها رد فعلي أنا كان هيبقى أشرس ... أنتي مكنتيش غلط لما قررتي تساعدي سمر ... بس غلطتي أنك نفذتي لوحدك وواجهتي خطر كان محتمل يحصل وهيوقعنا في مشاكل الله اعلم كانت ممكن توصلنا لفين...
وهز رأسه بيأس وقال :
_ عمرك ما هتفهميني يا جيهان .... أنتي لما بتحسي بقوتك وتفتكري أنتي مين بتنسي حتى أن ليكي زوج لازم تحترمي وجوده ...!
التمعت عيون جيهان بالدموع وقالت :
_ وليلى اللي بتفهمك مش كده ! .... ليلى اللي لو عملت اكتر من كده بتعديهالها ! .... أنا نفسي تعاملني زي ما بتعاملها ! .... يمكن فعلا اللي غلطت فيه اني مكلمتكش قبل ما أخرج من بيت سمر .... بس أنا مكنتش اقصد !
أنا حسيت أني بشوف نفسي فيها !
اسودت عينان وجيه من الصدمة والغضب لجملتها الأخيرة .... لا يعقل أنها تقول ذلك ! ....
وهتف بشراسة وقد اعماه الغضب من كذبها :
_ بتشوفي نفسك في مين أنتي اتجننتي ولا حصل في دماغك حاجة ؟!
ففهمت لأين وصل تفكيره، وقالت بمرارة موضحة سوء الفهم :
_ بشوف نفسي في حزنها واحساسها بالضياع والوحدة ... يمكن سبب حزنها مش هو نفس سبب حزني .... بس الوجع احساسه مابيعرفش اسباب معينة ... هو احساس واحد لمليون سبب ... فهمت أقصد إيه؟!...
تطلع إليها لدقيقة ثم قال بعدما فهم ما تعنيه بتلك الجملة تحديدًا :
_ في يوم من الأيام هتعرفي أن حالتك دي أنتي اللي وصلتي نفسك ليها يا جيهان... كل كلامك لازم تقارني نفسك بليلى ! .... ليلى أنا سيبتها في المستشفى وجيتلك ومترددتش لحظة ! ... أظن لو كان الوضع معكوس كنتي برضو هتزعلي وهتقارني نفسك وتعاتبيني أني سيبتك ومشيت ! .... بس أنتي بتحاسبيني على أحساسي مش معاملتي ... واللي اصلًا مش بإيدي !...
لم تعرف لما قلقت من تفسيره ... وخشيت أن تكتشف أنها كانت الحقيقة بيوم !
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت مغيرة دفة الحديث :
_ خلينا في الأهم دلوقتي ... هتعمل إيه مع دكتور محمود ؟!
تقبل تغير هذا الحديث الممل وأجاب بحسم :
_ أنا اتفقت مع المحامي بالتليفون انه يتصل بمحمود ويديله العنوان على هنا ... ده غير أنه هيجيب المأذون معاه عشان نخلص الموضوع من غير مشاكل ....
تعجبت جيهان قليلًا وقالت :
_ ليه خليت المحامي اللي يكلمه ؟!
تنهد بعمق ثم قال موضحاً :
_ ده تهديد رسمي ليه ... عشان يبقى جاي وعارف أنه لو ما وافقش على الطلاق هيبقى في اجراءات تانية مش هتعجبه وهتسببله فضايح... مش مجرد تهديد مني ... ولازم سمر تعمل كشف طبي النهاردة تثبت فيه أثار الضرب ...والاهم إنها تثبت بالدليل أنها لسه عذراء ....
وأضاف بنظرة لها ذات مغزى :
_كنت أفضل ده يحصل الأول ولو كنتي قولتيلي وكلمتيني كنت خدتكم على المستشفى فورا ، والكشف والتقرير كان هيخلص في نص ساعة بالكتير .... بس عموما بعد ما المحامي يجي هنتفق على كل شيء بشكل اوضح ... وهنشوف الحل السلمي الأول ولو مانفعش في حلول تانية كتير ماحبش استخدمها الأول.
قالت جيهان بعصبية :
_ حل سلمي بعد اللي عمله فيها !
قال وجيه بجدية وصدق :
_ أنتي لو مدركة حجم الكارثة اللي هو فيها هتفكري زيي ... أنا فاهمه كويس رغم أني هحاسبه على الضرب اللي اتعرضتله سمر ... بس مش قادر ما احسش بالشفقة عليه ! .... احنا لما بنتعرض لمشكلة بنعجز قدامها على الحل وقتها بنفقد جزء من ثقتنا في نفسنا .. تفكيرنا بيتشتت وبصعوبة على ما ناخد قرار ... اكيد مش بدافع عنه .. بس االي هو فيه كفيل أنه يكرهه في كل شيء وأولهم نفسه ... وده اللي مخليني بلجأ للحل الودي الأول معاه ...
على رغم من موافقتها على حديثه ولكنها قالت :
_ كان عارف ومع ذلك اتجوزها ... وافق إنه يعيش انسانة في عذاب عشان شكله الاجتماعي ! ... أظن ده ما يخلنيش احس بأي شفقة عليه ..
رد وجيه محاولًا كسب مزيد من الطاقة للإجابة عليها وألا ينفعل أكثر من ذلك:
_ وأنا قولتلك هحاسبه ... واللي عمله ده ذنبه وهو يتحمله ، وأنا ماليش أكتر من أني ادخل وانهي اللي ما بينهم بهدوء ... وزي ما حاسس ببعض الشفقة عليه فأكيد سمر قبله ! ... رغم برضو أنها كان عندها خلفية بأخلاقه ووافقت رغم فرق السن مابينهم ! .... سمر ظلمت نفسها زي ما هو ظلمها بالضبط واخطأت الاختيار.
وهنا استأذنت المدبرة العجوز وقالت وقد بدا عليها بعض القلق:
_ في واحد جه برا وبيقول أنه المحامي الخاص بدكتور وجيه ... وفي مأذون معاه!
يبدو أن المرأة اعتقدت أن هناك مكروه سيحدث بين جيهان وزوجها وجيه .... فقال وجيه لجيهان :
_ هستخدم مكتب والدك ... وقولي لسمر إني عايز اتكلم معاها شوية ... لما تجهز ابعتيلي.
واومأت جيهان رأسها بموافقة وتركته يذهب من أمامها .... وغرقت بالحيرة ... هي معها حق بدفاعها ... وهو أيضا معه حق بحديثه .... أين الخطأ إذن ؟!
*********
وقفت سيارة زايد أمام المشفى ....
وترجل السائق سريعا ليفتح له الباب ويسانده في النزول ... ولكن زايد يبدو إنه لا ينتظر صبرا لدقيقة إضافية !
فأستند على الباب حتى استطاع الوقوف متكأ على عكازه وقال للسائق :
_ ارجع أنت ...
تساءل السائق بتعجب :
_ طب وحضرتك هترجع أزاي البيت ؟!
رد زايد بنفاد صبر واستعجال :
_ قولتلك ارجع ... لما احتاجك هتصل بيك تجيلي ...
غادر السائق دون جدال وتوجه زايد خطوة خطوة على عكازه لداخل المشفى ....
وفي أحد الطوابق العلوية خرج من المصعد وكاد أن يتصل على شقيقه ليعرف أين فرحة تحديدًا ... حتى رأى فادي شقيقه يركض إليه من الممر كأنه انتظره عاما!.... نظر إليه زايد برجفة قلب ترتعد من وقوع أي مكروه قد حدث بالفعل .... وعندما اقترب منه فادي قال بزفرة حارة :
_ الحمد لله أنك جيت .... أنا كنت واقف محتار مش عارف اعمل إيه ... وحسام عمال يتصل بيا وتليفون أخته مقفول !
قال زايد بتلعثم :
_ فرحة حصلها حاجة ؟
رد فادي بقلق :
_ مش عارف ... هي في أوضة في الدور اللي فوقينا على طول في أوضة رقم ٣١٠ ، ومعزولة وممنوع حد يدخلها ... وكمان ماينفعش حد يدخلها وإلا ممكن يتعدي !
وأشار لكمامة في يده وقال بضيق :
_ قولت للممرضة البس كمامة وادخل اطمن عليها رفضت ... الكمامة مش كفاية للأسف.
ظل زايد صامتً للحظة ... ثم التقط من يد أخيه الكمامة الطبية وأرتداها سريعا لتكون مبررا أمام الطاقم الطبي ، حتى وأن كان مبررا ضعيفا ... ثم قال بعجالة :
_ ارجع أنت البيت وأنا هطمنك بالتليفون .... وهروح لحسام أطمنه ...
قال فادي بدهشة :
_ مش هيرضوا يدخلوك ! .... وبعدين أنا قولتلك أن الكمامة مش كفاية !
رد زايد بعصبية زائدة وكأنه يتعارك مع ذباب الهواء :
_ كفاية ولا مش كفاية أنا لازم أطمن عليها بأي طريقة ... مستحيل أسيبها لوحدها.
وتطلع به فادي بغرابة ولحظات صمت اعقبت ذلك .... حتى راقبه وهو يدخل للمصعد صاعدًا للأعلى ... شك بشيء ولكن ما منعه أن يفرح أن فرحة بحالة سيئة ... وما من أحد يعرف إلى أين ستؤول الأمور ... ولكن تمنى بصدق أن تتحسن حالتها ليس فقط لأجل شقيقها حسام ... بل لأجل شقيقه زايد أيضا...!
*******
اتفق وجيه مع المحامي على عدة أشياء، حتى استأذنت جيهان بالدخول للمكتب وقالت لوجيه :
_ سمر برا ومستنياك يا وجيه .
نهض وجيه من مكانه وقال للرجلان :
_ دقايق وراجعلكم.
وبعدما خرج من المكتب وجد سمر تقف بجانب جيهان بالردهة وعلى وجهها الشاحب كالاموات يرتسم الأسى والحزن الشديد .... فتطلع بها بعطف وقال عندما وقف أمامهن :
_ عايز اتكلم معاكي شوية يا سمر ... مش هعنل شيء ضد إرادتك ... بس الأول عايز أعرف أنتي عايزة إيه بالضبط .
قالت جيهان وهي تشير للصالون :
_ طب هتفضلوا واقفين كده !
وأخذتهما للصالون البعيد حيث الارائك الوثيرة بأفخم الأقمشة ..... وبعدما جلس وجيه وجلست سمر على مسافةّ منه ... قالت جيهان وهي تنظر لهما :
_ طب هروح أنا اقول للدادة حاجة وراجعة ..
وذهبت لتترك مساحة الحرية لسمر للحديث .... فقال وجيه لها بلطف :
_ قوليلي عايزة إيه سمر ؟ ....
أجابت بقوة رغم ضعف صوتها :
_ عايزاه يطلقني وبس... ومش عايزة منه أي حاجة ، مش عايزة حاجة تفكرني بيه ولا بالأيام اللي عيشتها معاه .
قال وجيه بتأكيد :
_ ليكي حقوق وهتاخديها ... سيبيلي الموضوع ده.
نظرت سمر لوجيه وانهمرت دموع عينيها فقالت بإصرار :
_ لأ مش عايزة منه شيء ... ده اتجوزني عشان كان فاكر أني هرضى بالفلوس اللي بيديهالي وهسكت ! .... هو أنا رخيصة أوي كده ؟! أنا كرهته وكرهت فلوسه وكرهت حتى نفسي ... مش عايزة منه أي شيء وارجوك يا دكتور ده رجائي وطلبي منك ... خليه يطلقني وانا متنازلة عن أي حق ليا.
هز وجيه رأسه موافقا تحت رغبتها هذه .. وقال وهو ينهض :
_ خلاص يا سمر ... أوعدك الموضوع ده ينتهي النهاردة ... وهنهيه للأبد ... مش هسمحله يتعرضلك ولو بكلمة ! ... كل شيء جاهز بس هو مش عارف اتأخر كده ليه ؟!
تسلل الخوف إليها من جملته الأخيرة ، فشعر وجيه بذلك وأراد أن يبث بقلبها الطمأنينة ولو قليلًا فقال:
_ متخافيش .... هو اكيد بيحسبها وبيفكر هيخرج من الأزمة دي أزاي .... بس لو فعلا بيفكر صح يسمع كلامي ونخلص كل شيء النهاردة من غير مشاكل ... لأنه مش أد اللي هيحصله مني لو رفض يطلقك.
وتابع حديثه قائلًا :
_ اللي حصل ده مش آخر المطاف ، تجربة وعدت بكل ما فيها ، بس طول ما فينا نفس اكيد في بداية جديدة مستنيانا ... أنتي لسه صغيرة يا سمر وقدامك لسه بكرة ... ومحدش عارف ، يمكن تلاقيكي حد كان مستنيكي ويعوضك عن اللي شوفتيه.
ابتلعت سمر غصة حارقة بحلقها وفهمت لمن يلمح وجيه بحديثه ..... وبعدما قال ذلك عاد مجددًا للمكتب وللمحامي الذي سأم من انتظار الطرف الثاني ليُنهي هذه الزيجة.
********
وقف زايد أمام الغرفة المدون عليها نفس الرقم الذي قاله فادي ...ودون تردد فتح الباب ، ولكن تفاجأ بوجود ممرضة مكممة بحماية زائدة عن العادي، وتتعامل بحذر مع فرحة المغمضة عينيها وتائهة بغفوة كالغيبوبة ! ....
وحينما لمحته الممرضة غضبت وهتفت به بعصبية تشير له للخروج بأمر:
_ لو سمحت اطلع برا ، ممنوع الدخول هنا !
لم يكترث زايد لأي شيء ، لا لتعنيف الممرضة ولا لصراخها به حتى يخرج .... بينما هي لاحظت عكازه وحالة قدميه ،فلم تريد استخدم العنف معه ليخرج .... فخرجت من الغرفة سريعا بعدما يأست منه وهتفت بالممر على أفراد بعض الأمن بالطوابق.
اقترب زايد بعينان مشتاقتين لرؤيتها وقال بصوتٍ يكسوه خوف وصل حد الرعب :
_ فرحة .... أنتي سمعاني ؟ ارجوك ردي عليا طمنيني.
وردد اسمها عدة مرات وهو بقرب فراشها ، حتى بدأت تفتح عينيها ببطء شديد ورؤيته أمامها تبدو ضبابية مشوشة كأنها تطوف بين اغصان حلما كانت تريده بشدة ... وتمتمت باسمه بحروف متقطعة :
_ زاي..د....
وكررتها مرةً أخرى كأنها تستغيث به وتناشده ... فهمس لها بتأكيد ولو فتحت عينيها أكثر لرأت مدى ظهور مشاعره المتدفقة بالحنان المختبئ ترتسم على وجهه بأعتراف :
_ أنا جانبك ... ومش همشي من هنا وغير وأنتي معايا.
أطرفت جفنيها الثقيلان كأنها وعت لكلماته ، ولكن أجبرها دوار رأسها أن تتيه بغفوة أخرى .... ابتلع زايد ريقه بخوف شديد ... لن يستطع تحمل هذا الفراق مجددًا .. يكفي والدته وبعدها ظل سنوات يشفى منه ... ولم يندمل جرحه للآن ...
وأتت الممرضة ومعها فردين من رجال الأمن وعاملوه بعصبية ليخرج .... فخرج من الغرفة وقالت له الممرضة بضيق:
_ لو سمحت طالما اختلطت بيها يبقى لازم تطمن على نفسك ... أحنا مش ناقصين حد يتعدي تاني !
وقف زايد ناظرٌا للفراغ شاردا للبعيد ... لا يسمع أي شيء ممن حوله ... فأخرج هاتفه من جيب معطفه واتصل بسكرتيره الخاص وقال له بحزن شديد صدح بصوته:
_ أنا رجعت المستشفى ... هفضل هنا كام يوم .... خلصلي ورق الدخول أنا مش فايق لحاجة.
قال السكرتير ببعض القلق :
_ طب حضرتك بخير ؟ ... أنا سايبك امبارح وكنت كويس!
أجاب زايد بعصبية ونفاد صبر :
_ مش وقته .... قولهم أني محتاج رعاية طبية بسبب رجلي ... قول أي سبب ، بس أفضل هنا ... وبالذات في الدور الخامس، اعمل أي حاجة بس اللي بقهولهولك يتنفذ.
وافق السكرتير وقال :
_ طب أنا جاي لحضرتك وهجيب الملف الطبي بتاعك معايا .... وما تقلقش ساعة بالكتير وكله هيبقى تمام .
انهت الممرضة من حديثها مع الأمن ثم عادت لزايد قائلة :
_ حضرتك قريبها ؟!
صمت زايد للحظات ثم قال بدون تردد :
_ خطيبها ...
هزت الممرضة رأسها وفهمت سبب تصرفه ... فهدأت بعض الشيء وقالت :
_ أنا اسفة على معاملتي معاك بس دي اجراءات أمان عشان العدوى ما تنتشرش في المستشفى وبرا المستشفى كمان .... فياريت تعمل زي ما قولتلك وتطمن على نفسك .... اكيد هي مش هتفرح لما تتعدي انت كمان لا قدر الله .... وكمان عشان تقدر توقف جنبها في الازمة وأنت كويس ... بعد أسبوعين أو تلاته بالكتير بأذن الله لو ربنا كتبلها الشفاء هتقدر تدخلها .... ولو حصل حاجة ليك هتتمنع تشوفها عشان سلامتها هي بقا .... فإيه رأيك ؟
هز زايد رأسه موافقا ولكن لم تهدأ رجفة قلبه ولو قليلا .... كيف سيظل كل تلك الأيام دون أن يرها ؟!
ويبدو أن الممرضة فهمت حيرته ... فأشارت له بنافذة زجاجية قريبة من فراشها وقالت :
_ تقدر تشوفها من بعيد من ورا الأزاز ده .... هو ده أقصى شيء أقدر اساعدك بيه .. بس ارجوك بلاش دخول دلوقتي.
والتفت زايد للنافذة الذي لم ينتبه لها من فرط قلقه عند وصوله لهنا ... وتوجه لها وعندما وقف سلط عينيه على فرحته الغائبة عن الوعي .... سيظل يقرابها من هنا حتى لو من وراء هذا الحاجز .... ولن يغفل له جفن حتى تعود لها عافيتها ....
ثم قال للممرضة دون أن يُحيد نظره عن فرحة، وعينيه تلتهب خوفا ولهفة :
_ أي حاجة هتحتاجها اطلبوها مني ... وعلاجها هيكون في حسابي أنا ... اعملوا أي حاجة وأنا هدفع اللي تطلبوه كله ... بس ما أشوفهاش بتتوجع ولا اسمعها بتقول آه.
طمأنته الممرضة وقالت :
_ متخافش عليها ... هي هنا في رعاية كافية لحد ما تقوم بالسلامة بأمر الله... الأعراض لحد دلوقتي مش في مرحلتها الشديدة ....
هدأ روعه قليلًا ... قليلا جدًا ... ليس لدرجة أن يستكين قلبه ... ولكنه هنا ... وسيظل حتى تعود كما كانت ... وبعدها لن يتركها لحظة حتى لو أرادت الإبتعاد.
*********
ومرت ساعاتٍ بعدها .... وطل الليل بنسمات باردة .
ولم يأتي زوج سمر بعد !
قال المحامي بنفاد صبر وغيظ وهو يحاور وجيه بالمكتب :
_ شكله كده عايزها قواضي ومحاكم وفضايح .... مع أنه ممكن ينهيها من غير شوشرة !
زفر وجيه بعصبية ، ثم نهض وابتعد اتجاه شرفة المكتب واجرى اتصال على هاتف ليلى .... بعدما اتصل بها منذ ساعتين واعتذر للعودة بالوقت الحالي دون أن يفصح لها عن ما يحدث، أكتفى فقط بإخبارها أنه مشغول بالعمل.... فأخبرته بتفهم أن جدها سيصلها للمنزل بنفسه .....
أجابت ليلى على الإتصال سريعا وهي بغرفتهما وقالت بلهفة :
_ هترجع أمتى ؟
ابتسم سريعا وأجاب :
_ مش عارف بالضبط ... بس حبيت اطمن عليكي.
قالت وقد تنسمت شفتيها ابتسامة :
_ أنا بخير .... جدي صادق وصلني لحد البيت واتغدا معانا كمان .... وعلى فكرة ريمو سألت عليك النهاردة كتير.
رق قلبها واتسعت ابتسامته قليلًا وأجاب :
_ وحشتوني أوي .... بأذن الله مش هتأخر كتير ...
وانتهى الاتصال سريعا خاصةً عندما أتت جيهان للمكتب بوجها تعابيره قلقة بعض الشيء واعلنت وصول دكتور محمود !
فنظر لها وجيها بثبات وقال :
_ قبل اي شيء ... هتكلم معاه الأول لوحدنا ... مش هتأخر عليكم ... بس محتاج اتكلم معاه الأول.
وافق المحامي لعلمه أن وجيه سيعد كل شيء وسيظل فقط الاجراءات القانونية ....
خرج وجيه من المكتب حتى الردهة ووجد محمود يقف شاحب الوجه وعينيه منتفختان ... وهذا ما كان يتوقعه وجيه ، أنه قضى الساعات الفائته في حالة من الحزن الشديد وكشف أمره .... قال له وجيه بهدوء :
_ اتفضل معايا .
وذهب خلفه محمود وهو يتجنب نظرات جيهان الغاضبة له ....
وبعدما جلسا في أحد الزوايا البعيدة المنفردة عن الأعين على مقعدين متقابلين ... ابتدأ وجيه حديثه وقال :
_ لو أنت هتسيبها وتطلقها بهدوء اوعدك الموضوع ده مايخرجش برا عننا ... لكن لو هترفض الطلاق فأنت كده اللي غاوي مشاكل وفضايح لنفسك ...
ابتلع محمود ريقه بصعوبة وقال :
_ مالوش لزوم الجدال والمناقشة .... طالما مصممة تطلق يبقى هطلقها ...
تنهد وجيها لخوضه نصف المشكلة بنجاح ... ثم قال باقي حديثه :
_ وفي شيء كمان يا محمود .... بخصوص شغلك في المستشفى .... هساعدك تشتغل في مستشفى تانية ، وتنهي عقدك معايا ..... وسمر كمان هخليها تعمل كده ... وبكده محدش فيكم هيكون له فرصة أنه يتكلم على التاني ويسوء سمعته ... انا متأكد منها بس زيادة احتياط ... أنما أنت لو وصلني كلمة قولتها على سمر في أي مكان صدقني هتزعل من رد فعلي .... خصوصا أنك انت اللي ظلمتها مش هي !
قال محمود والقهر يملأ عينيه ولم يستطع النظر ولو بنظرة لوجيه :
_ يمكن فعلا ظلمتها ... يمكن كان أغبى قرار خدته في حياتي لما قررت أتجوزها ... بس ربنا اعلم باللي جوايا والحالة اللي بمر بيها .... أنا هكتبلها الشقة باسمها وهطلقها ... بس خليها تسامحني .
تفاجأ وجيه فعليًا من الرضوخ في كل شيء من جهة محمود .... وقال :
_ سمر مش عايزة منك حاجة ... هي طلبت ده واكدت عليه ...
تنهد محمود بحزن وعذاب ... ثم قال :
_ يمكن ده قرارها دلوقتي .... بس بعدين تغير رأيها ، هطلقها وهمضي استقالتي ... في شيء تاني عايزني اعمله يا دكتور وجيه ؟
نظر له وجيه ببعض الشفقة ... ولم يثقل عليه الحمل بالتعنيف ... فيكفي تهديده الصريح وإجباره على الاستقالة .....فأجاب وجيه وهو ينهض :
_ لأ ... بس خليك فاكر اللي قولتهولك ... سمر بعتبرها أختي ومش هسمح لحد يضايقها تاني.
نهض محمود ونظر اليه بنظرة تملأها المرارة والحزن :
_ هستفاد إيه ؟! ....... يمكن هددتها بكده فعلا ، بس عشان ماتقولش لحد وتكسرني قدام الناس... كنت بضربها بس من جوايا مخنوق وبموت ... ظلمتها بس كان عندي أمل ... ولو يرجع بيا الزمن مش هفكر حتى اخطبها ..
وبعد ما تعدى الساعة واصرت فيها سمر أن لا تأخذ شيء منه ... تمت اجراءات الأنفصال دون كثير من الحديث ... ورحل محمود من المنزل وعن حياتها بالكامل ... وغادر أيضا المحامي والمأذون الشرعي .... وقف وجيه متنهدا براحة وقال:
_ كل شيء انتهى بهدوء الحمد لله ... مكنتش حابب أبقى السبب في كسرته اكتر من كده ... بس مكنش هيبقى قدامي حل تاني.
قالت جيهان معترفة بصدق :
_ بصراحة للحظة حسيت أنه صعبان عليا ، باين عليه الندم والحزن...
هز وجيه رأسه وقال بتأكيد :
_ عشان محطتيش نفسك مكانه للحظة .... هو ظلمها بس ندمان .... ومكنش بيعمل كده بمزاجه ... مكنش ينفع استخدم معاه الضغط والتعنيف وهو اصلا موافق على كل شيء بقوله من غير اعتراض ! ....
قالت جيهان برجاء :
_ هفضل هنا معاها النهاردة .... أنا هقلق عليها لو سيبتها لوحدها النهاردة بالذات ... وكمان النهاردة يوم ليلى .
قالت ذلك وكأنها تعاتبه وتلومه ! .... فوافق على طلبها حتى تفاجأت جيهان بهاتفها يُعلن اتصال .... وشهقت عندما وجدت عدد الاتصالات الفائته من رقم والد وجيه ... فأجابت سريعا :
_ أيوة يا بابا أنا بخير اطمن ...
قال الجد رشدي بغيظ عبر الهاتف وقد كان جالسا مع الفتيات بالطابق الأرضي وليلى تلهو مع صغيرتها وتشاكسها :
_ الدادة بتاعتك اتصلت عليا تطمني بس أنا اتصلت عليكي كتير ومش بتردي !
قالت جيهان باعتذار :
_ أنا أسفة والله .... بس كان في مشكلة كده وخلصناها أنا ووجيه الحمد لله.
اغمض وجيه عينيه بغيظ منها ، فلم يريد أن يعرف أحد سبب مجيئه لهنا، وهو من أخبر ليلى ووالده أنه بالعمل بمكان آخر .... ولكن جيهان تحدثت بعفوية ، وتعجبت من رد فعل وجيه الغاضب بصمت ..... فقال الجد بدهشة :
_ وجيه عندك في بيت والدك ؟! ...... من أمتى ؟!
أجابت جيهان بتلقائية :
_ من بعد الضهر كده ...
صرّ وجيه على أسنانه وأشار لها بالمغادرة وذهب .... وتمنى أن لا تكون ليلى سمعت حديث أبيه بالهاتف ... ولكن هيهات !
فقد تجمدت ليلى بمكانها عندما سمعت حوار الجد مع جيهان بالهاتف ! .... تركها وذهب لجيهان بمنزل والدها ! .... الم تكن المشكلة التي تتحدث عنها غير قابلة للتصفية إلا بمنزل والدها وبعيدًا عن هنا !
اشتعل قلبها بالنيران وهي تظن به الظنون .... وحملت صغيرتها وصعدت بعصبية واضحة دون أن ينتبه لها أحدًا .....
وبعدما أنهى الجد الأتصال قال يوسف وهو يجلس بعدما أجرى اتصال هام :
_ خلاص فاضلهم دقايق ويكونوا هنا .
قال الجد بغرابة :
_ هو قي إيه النهاردة ! ... وجيه وغايب ومحدش عارف يوصله ، وولاد عمك واخوك في المستشفى لحد دلوقتي ! .
وهنا لم يكمل الجد حديثه ووجد أحفاده الثلاث يدخلون من باب المنزل الكبير.... وزفر جاسر بإرهاق وهو يجلس على أحدى الارائك وقال :
_ المستشفى النهاردة مقلوبة حرفيًا ... وعمي وجيه محدش عارف يوصله ولا يلاقيه وبنتصل عليه مش بيرد !
توقفت ليلى بأحدى الدرجات الصاعدة عندما سمعت تلك الكلمات ، واسودت ظنونها أكثر .... وبعد لحظة تابعت صعودها بغضب عنيف يمر بداخلها ... وتوجهت لغرفتها مباشرةً.
تأملن الفتيات وجوه الشباب بقلق ... ولكن لا واحدة منهن اجترأت أن تبدي اهتمام أو قلق .... فسأل الجد بقلق :
_ ليه مالها المستشفى ؟!
قال رعد وهو يخلع ساعة معصمه منزعجا منها ودفعها على الطاولة وقال :
_ في ٣ حالات ظهروا في المستشفى لفيروس منتشر الأيام دي ... وكلنا كشفنا .... وطبعا بغياب عمي وجيه مكنش ينفع نمشي ...
نطقت رضوى دون أن تدرك ظهور لهفتها للجميع :
_ وأنت بخير يا رعد ؟
التفتت لها جميع الأعين ... بينما عينان رعد اضيقت عليها بنظرة ماكرة وابتسامة أشد مكرا ....وقال :
_ إيه اللهفة القمر دي! ... أنا بخير أوي أوي ...
وانتظر جاسر سؤال جميلة ... بينما نظرت له بابتسامة وقالت لتغيظه :
_ مش هسألك !
قال بثقة وابتسامة خبيثة :
_ بس نفسك تسألي وتطمني على أبو ريان وآدم وأطفال آخرين ... ده حق صغنن من حقوقك عليا.
قالت بعدم فهم :
_ مين ريان وآدم دول ؟!
اتسعت ابتسامته بثقة واجاب :
_ ولادنا يا جميلة .... ما هو أنا اللي هتجوزك ودول عيالي .
انخرط الجميع بالضحك .... حتى قالت جميلة بسخرية :
_ أنت مصمم تتجوزني ليه ؟!
قال قبل أن يضحك ضحكة عالية :
_ نفسي أهددك بالطلاق .
انخرط الشباب الأربعة في موجة شديدة من الضحك .
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع والستون 69 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثالث_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... من أنت....؟!...~
قال قبل أن يضحك ضحكة عالية :
_ نفسي أهددك بالطلاق.
انخرط الشباب الأربعة في موجة شديدة من الضحك .
وجميلة كانت تجاهد ألا يظهر عليها ولو شيء بسيط من الإبتسامة ... ولكنها لم تستطع الصمود أمام هذه الألفة التي تتسرب بأجواء هذه العائلة .. فابتسمت.
ليس لمزحته .. ولكن لشعور الدفء الذي يزداد يوما بعد يوم.
ونظر الجد رشدي لهن في تفكير وبعض التردد من فتح أمرا ما ... ولكن ليفتحه يلزمه الانفراد بهن ... ولا إن يكون الحوار أمام الشباب الذي من المؤكد أن ستثور ثورتهم بعد معرفة المستجدات بما يخص خطوبة رضوى.
أتى الصبي نعناعة هابطا الدرج ويبدو إنه كان بغرفة عمته ... وجلس مبتسما بالقرب من الشباب ... ثم قال :
_ أنا متحمس أوي للمذاكرة ... أول مرة أحس أني عايز أذاكر !
تطلع به يوسف بابتسامة ودودة وقال :
_قدمنا أوراقك وكله تمام ... الدراسة هتبدأ بعد ٢٠ يوم وعايزين نشوف شطارتك بقا ...
تدخل جاسر بالحوار قائلا بضحكة بسيطة :
_ صحيح يا منعنع ... أنت أزاي قدرت تستغنى عن الجاموسة بتاعتك كده بسهولة ؟! ... ده أنت حسستني أنها بالنسبالك زي جميلة كده !
كتم الجميع ضحكته مع نظرة جميلة التي تحولت للغيظ اتجاه جاسر .... والذي رمقها برفعة سريعة من حاجبيه ونظرة ضاحكة ... فقال الصبي بتلقائية:
_ غلاوتها ما تفرقش عن غلاوتك عندي يا دكتور ... والله أنت أزيد.
وهنا ضحكت جميلة بملء فمها وكأن الصبي بعفوية صدد الضربة بنجاح بدلا منها .... ثم قالت ضاحكة :
_ مقارنة عادلة جدًا ....
صرّ جاسر غيظا على أسنانه منها ... ثم نظر للصبي الذي بدا عليه بعض الندم بعدما ادرك ما قاله ... فقال جاسر له بعصبية :
_ أنت بتحب الملاكمة ؟
رد الصبي بنظرة يملؤها الحماس :
_ أوي ...
ضيق جاسر عينيه بنظرة تسحبت إلى جميلة وقال وكأنه يستفزها :
_ هدربك ... بس هتستحمل ؟
احتدت جميلة وقالت بتحذير :
_ لا ما تعلموش حاجة ... أنت عايز تعلمه يتخانق مع الناس !
سخر جاسر قائلا :
_ ليه وأنتي شيفاني كل يوم في خناقة ؟! .... دي حاجة كده جنب مذاكرته هتديله طاقة وثقة في نفسه ....
قالت جميلة بعصبية :
_ لأ ... علمه أي رياضة تانية مش لازم ملاكمة !
اعترض الصبي واحتج قائلًا بعصبية:
_ ما تسبيه يدربني ! .... أنتي زعلانة ليه يابت !
كتم جاسر ضحكته بنظرة واثقة لجميلة، بينما هي حدقت في الصبي بغيظ وهتفت به بعصبية من رده الذي احرجها :
_ أنا غلطانة اني قلقانة عليك يابو قردان !
وكان الجميع يراقب ردود الأفعال من ثنائي القط والفار المتمثل في شخص جميلة وجاسر .... حتى أضفى نهوض سما شيء من الجدية في المجلس ... وقالت :
_ بعد أذنك يا جدي ... هخرج الجنينة أشم شوية هوا ...
وسمح لها الجد لبعض التنزه ... ثم نهض قائلًا بعدما تثاءب :
_ كنت مستني وجيه عشان اتكلم معاه شوية ... بس واضح أنه هيجي مرهق ومش مستعد لأي كلام أو نقاش ... تصبحوا على خير أنا هروح أنام.
وبعدما صعد الجد لغرفته بخطواتٍ بطيئة، همس رعد لجاسر وقال :
_ يا ترى جدك عايز عمي وجيه في إيه ؟ ... يا رب ما يكونش اللي في بالي !
رد جاسر وقصد أن يتحدث بصوتٍ مسموع وواضح :
_ وحتى لو اللي في بالك ... الموضوع بالنسبالنا منتهي وكل واحد عارف طريقه مع مين .... اصلنا عيلة واحدة وهنفضل عيلة واحدة ... مافيش صراصير هتدخل ما بينا... ولو صرصار دخل طبعا عارفين هنتعامل معاه أزاي.
وقال ذلك مؤكدًا على كل كلمة ... ولكنه لم يوجه هذا الحديث لجميلة فقط ... بل للفتيات الثلاث الجالسين .... حتى قال يوسف بابتسامة لحميدة :
_ أنا نفسي بقا اسمع الخبر اللي مستنيه ... عايز أفرح والله.
تخضب وجه حميدة بحمرة وابتسامة يغمرها الحياء ... فنهضت قائلة :
_ بعد أذنكم هروح أوضتي .... تصبحوا على خير.
وقال يوسف مجيبًا عليها بلهفة :
_ وأنتي من أهل الخير يا حميدة.
وبدت خطوات حميدة سريعة لغرفتها ... كأنها تود ترك الحرية لأبتسامتها التي أخفتها عن عينيه !
وفكر جاسر للحظات ... ثم قال لرضوى إبنة عمه فجأة :
_ مابقتيش بتضحكي ليه يا رضوى زي ما كنتي في البلد ؟ .... ليه دايمًا حاسس إنك حزينة وعايزة تعيطي ! ...
وكان حديثه مفاجئ حتى لإبن عمه رعد ! ، فنظرت له رضوى بجمود للحظات ... ثم أجابت وتجاهلت نظرات رعد المُسلطة عليها منتظرا منها أي إشارة:
_ رضوى بتاعت البلد مش رضوى اللي أنت شايفها دلوقتي ... يمكن عقلت وفهمت أكتر ... واكتشفت أن كل ما البني آدم بيفهم أكتر .. كل ما بينعزل عن الناس أكتر وأكتر ... الناس مش بيجي من وراها غير الهم .
وفهم رعد أنها تقصده ... فتنهد بعمقٍ وضيقٍ شديد ... وحقا بدأ ينفعل من عنادها الدائم اتجاهه .... ولأول مرة يبدو أن جاسر مهتم حقا بأمرها وراحتها ... فقال مبتسما :
_ مش كل الناس يا رضوى ... هتلاقي حد وسط كتير يهمه أنتي ..ويهمه أنه يكون جانبك ... لو فهمتي فعلا هتعرفي أن قبل أي رد فعل سبب مهم ... بالضبط زي السبب اللي وصلك لرد الفعل ده ... الفهم مش اننا نبص لنص الكوباية ... الفهم أننا نشوفها كلها ... وناخد منها اللي يسعدنا ... ونحكّم عقلنا.
حملقت جميلة فيه بدهشة ... ثم قالت :
_ أنت جاسر اللي بتتكلم بجد ؟!
كان جاسر يتوقع رد فعل جميلة من حديثه الجاد ... وربما بعض التعجب من الآخرين .. ولكن اسلوبه المرح هذا جزءً من طبيعته وشخصيته ... وليس الكل ! .... فأجاب مبتسما بثقة :
_ آه هو بعينه .... مش معنى أني بهزر كتير أني تافه ! .... بس انا بطبيعتي مابحبش النكد .... وكمان البني آدم مش بيظهر على طبيعته غير مع الناس اللي بيحبهم .... عشان كده بهزر كتير معاكي.
ارتبكت جميلة من مقصده بتلك الكلمات الغير مباشرة .... فنهضت بتوتر وقالت :
_ كبس عليا النوم .... بعد اذنكم .
وركضت لغرفتها ... فاتسعت ابتسامة جاسر بمكر ونهض هو الآخر قائلا بتثاؤب:
_ وأنا كمان هروح أنام ... ورانا شغل كتير بكرة ...
وكان ينتظر رعد انفراده ولو لبعض الوقت مع رضوى ... ولكنها فعلت مثل شقيقاتها وهربت لغرفتها قبل أن يستأتف النقاش معها .....
وما تبقى في الآخير سوى آسر وذهب الجميع لغرفهم... والذي كان شاردا اغلب الوقت .... وسايرهم في الابتسامة والصمت أيضا ...
ولكننا أحيانا نشعر بلهفة للحديث ... أن ننفض عن روحنا ثقل كلمات حبيسة منذ وقت .. ونتحدث عن أشياء عذبتنا من كثرة الكتمان ... ونتنفس الهواء بعد حديث طويل قد أخرجنا به بعض ما نشعر به من الم .... كأننا نعطي اجازة راحة لروحنا ... حتى تستأنف إجباريًا العذاب من جديد....!
ودقت لهفة الحديث بقلبه ... ولم يجد بهذا القلب سوى أبواب مسكنها ... فأطرق ... وكانت طرقاته خطوات إليها وهي بالحديقة.
*********
في موسم الحب تجف الزهور وتتورق بلحظة واحدة !
كانت تشعر بذلك كلما مر مجرد عطره بأنفاسها .... تشتاق وتتجاهل وتلتهف وتبتعد بآنٍ واحد !
وكلما ابتعدت ... كلما اشتاقت أكثر !
وعند الاشتياق يولد طيف شديد وجديد من الكبرياء يؤلمها ويذكرها بما مضى .... أي عذاب هذا ؟!
ما كان خروجها للحديقة لمجرد أن تستنشق الهواء فقط ... بل لإيجاد رواية ورقية كانت تقرأ فيها بنهار هذا اليوم بعدما عادت مع أشقائها من تقديم الأوراق بالجامعة ، وتركتها بالخطأ عندما تذكرت موعد إعطاء الدواء لأمها ....
ولم تحب أن يكتشف احد أنها تقرأ تلك القصص ... فقد أبتاعتها اليوم سرا عند التسوق مع الفتيات ... ومعها عدة روايات أخرى ...
وأخيرًا وجدتها ... تنفست سما الصعداء والتقطت الرواية من على مقعد من خشب الخيزران بالحديقة .. ولكن مهلًا !
اشتاقت أنوثتها لقراءة بعض الأبيات الشعرية والكلمات المتدفقة المشاعر من أبطال هذه القصة .... لتروي هذا الحنين.
كانت البطلة تشبهها في بساطتها ... ليست أسطورة في الجمال ، ولا برقة الملائكة ! .... فتاة مثل الكثير ... لا تنبهر بنفسها عندما تنظر بالمرآة ... ولا يسقط شعرها عند كاحل قدميها طولا !
ولم تقابل رجلا واحدًا أنبهر بعينيها !
ولكن بداخلها هذا القلب الحالم .. الذي يجعلها تشعر عند دقة الحب أنها السندريلا التي تحب الأمير .... حتى وأن كان هذا الأمير في الحقيقة رجلا فقير ! .. بسيط لدرجة التعجب من الميل إليه..!
فدقات الحب ليست مدفوعة الأجر ... ولا يحركها المال وعرش الملوك ! ... أنما تشبه الروح في غموضها ... شيء لا نره ولا نستطيع أمتلاكه ولا السيطرة عليه... ولكنه يحركنا بالحياة والأمل ...
بعضً من الوقت في القراءة بهذا الهواء الطلق لن يسبب كارثة بالتأكيد .... فجلست على نفس المقعد الخيزراني ووقفت عند الصفحة التي توقفت عندها قراءة ...
كان البطل فيه الكثير من صفات "آسر" .... ربما لهذا السبب جذبتها تلك القصة تحديدًا بين العدد الذي اشترته اليوم.
هادئ ، وشاردا بأغلب الأحيان ... يبدو ماكرا للحظات ... ويبدو رجلا يغلب عليه الصفة العملية الروتينية للحظاتً أخرى .... وتظهر عينيه فجأة ممتلئة بالكثير من المشاعر والحنين ... وبلحظة يسكنها الجمود مرةً أخرى !
ويغلبه التردد أحيانا .... وترتسم الحيرة عليه بلمحات سريعة سرعان ما تختفي !
أي منهم هو ؟ ... ما حقيقته ؟! .... لا تعرف !
ربما توسمت بهذه القصة أن تخبرها ولو قليلا عن حقيقة شخصية بتلك الصفات ... ربما فهمته !
كانت الحيرة تبدأ من عنوان الرواية...." من أنت ...؟! "
وكانت البطلة حائرة مثل حيرتها هذه تمامًا .... وتريد أن تسأله كلما رأته ... من أنت...؟؟
وكأن الصدف أحبت أن تفاجئها وتجيب على سؤالها الصامت .. التي لن تسأله قط ! .... فوقف أمامها لا تعرف كيف أتى دون أن تشعر بخطواته ... وردد :
_ من أنت ..... سؤال قوي وتقريبًا محدش هيعرف يجاوب عليه.... أول مرة أعرف أنك بتحبي القصص الرومانسية !
وقد ادرك من الغلاف أن القصة ذات طابع رومانسي وشاعري .....رفعت رأسها إليه ببطء بعد لحظات من الجمود المت بجسدها ... وبنفس اللحظة التي أرادت أن تهرب منه ... أرادت أن تهرب إليه !
صفعة من الحيرة الشهيرة ... التي تلتهم دقات القلب عندما يحب !
وأزدردت ريقها بصعوبة حقيقية .... بأي شيء تجيبه ؟! ... رغم أن ليس من المخجل قراءة الروايات الرومانسية، ولكنها لم تريد أن تخبر أحدًا بشغفها بها !
فأغلقت الكتاب بين يديها ونهضت متوترة ... ومفكرة بإجابة مناسبة ... تبرد دفء قلبها وتقلل تلك الحمرة الغادرة التي اقتحمت بشرتها.
فقالت بثبات وإن كان ظاهريًا فقط :
_ مكنتش أعرف أنها رومانسية .... أشتريت النهاردة كتب كتير واتفاجئت بالكتاب ده معاهم .... فخدني الفضول وبدأت اقرأ فيه ! .... إيه المشكلة ؟!
ابتسم لها ابتسامة جعلتها تتوتر أكثر ... وكرهت استغلاله لإرتباكها هذا .... وكرهت أكثر ميلها إليه .... فقال بهدوء :
_ مافيش أي مشكلة ! .... العنوان لفت نظري بس ... وبصراحة حتى لو بتحبي القصص الرومانسية فأنا مش مستغرب خالص .... بس ممكن تحكيلي قصته ؟
توترها ازداد تحت وطأة كلماته الأخيرة، وما تزن من كشف لطبيعتها الرقيقة .... فقالت ببعض التلعثم :
_ وأنت بتحب القصص الرومانسية ؟! ... أصلي هستغرب !
وبدت أنها ترد الضربة بطريقة ماهرة جدًا .... ويبدو أنها تظنه فظا غليظ القلب ! .... أو أنه لا يعرف الحب !
فأجاب وتحلّى بالهدوء :
_ مش من هواة قرائتها ... بس لو فكرة شدتني بقراها فورا .... المهم تكون شيء منطقي .... مع لمحات من الخيال .
قالت ساخرة :
_ منطقي وخيال ! ... اعتبر ده تناقض !
اتسعت ابتسامته قليلًا وقال :
_ لأ أبدًا .... بس احنا بنقرأ وبنهرب لبعض الوقت من الواقع ، بنهرب من واقعنا عشان مابنقدرش نحقق فيه اللي بنشوفه في خيالنا ... فبندور عليه في القراءة ... لأنها جاية من العالم اللي بنحبه ... عالم الخيال.... بس خيال عن خيال يفرق ... في خيال على رغم صعوبته بس ممكن يحصل ... أنما في خيال أوفر وغبي ومستحيل يحصل ... وده اللي ما أحبش أقراه.... مش بحب ينضحك عليا.
وشعر بحدسه أنها ستنسحب من المناقشة ... فأرفق حديثه بطلب وقال :
_ ممكن اقرأ الكتاب ده لو خلصتيه ؟ ..... وياريت قبل ما اقرأه تقوليلي نبذة عنه ...
ترددت سما بتوتر لبعض الوقت ... ثم وجهت الكتاب إليه وقالت عمدًا وهي تتهرب من نظراته :
_ ما كملتوش ... ماينفعش اتكلم عن شيء معرفش نهايته ... واللي قرأته كانت البداية بس ... اتفضل اقراه ... بصراحة مكنتش ناوية اكمله.
تبدلت ابتسامة آسر لنظرة ضيقة واجمة على عينيها .....وأخذ منها الكتاب وهو يدرك أنها تلخص قصتها معه... نبذتها كانت عن قصة أكثر واقعية .... واكثر الم.
وقال لها متعمدا أيضا :
_ هكمله أنا يا سما ... هبدأ من البداية ...
جف ريقها من أشارة حديثه .. وهما يدركان أن ما خلف نقاشهما ليست هذه الرواية ! .... فابتعدت خطوة حتى تعود للداخل ... فاوقفها قائلا بلهفة شديدة لوجودها:
_ محتاج اتكلم معاكي شوية .... أنا حاسس أني لوحدي !
ولم يجب أن تشعر هكذا ... ولكنها رغبت بشدة أن تجلس وتسمعه ... وتتيه بكل كلمة وتحاول جاهدة أن تخفف عنه .. ولكن لم تعطيها حتى صلة القرابة الحق بهذه الرابطة .... فقالت بصدق :
_ الوقت متأخر ... أنا أسفة .
وتقريبًا ركضت لغرفتها قبل أن تضعف .... لم يكن من الصواب ولا من التأدب أن تظل وتتحدث معه وهما بمفردهما ! .... لم تعتاد على ذلك .... بل لتلك الدقائق البسيطة سايرها بعض الشعور بالذنب .
وكانت محقة ويعرف ذلك .... وتوقع منها أن ترفض ولم يصدم بردها .... ما كان احتياجه للشكوى إلا منها.. إليها !
وقبل برضا بعض الهدنة بينهما ... الذي يعرف أنها ستكن حربا عاصفة بالأيام القادمة ...
وربما تبدأ من هنا الحكاية !
*******
طافت ليلى بالغرفة جيئة وذهابًا وهي تضرب يديها ببعضها في عصبية ... إلى أن تنتهي أنفاسها لن تستطع السيطرة على جنون غيرتها عليه ... من أنفاسه حتى !
كانت الصغيرة قد غفت لبعض الوقت ... ومن صوت خطوات ليلى استيقظت مرةً أخرى وقالت بانزعاج :
_ نامي بقا يا ماما ! ..
التفتت ليلى إلى صغيرتها وقالت مرتبكة :
_ نامي أنتي يا حبيبتي ... ماما مش جايلها نوم.
صمتت الصغيرة لبعض الوقت وتابعت استماع وقع صوت خطوات أمها بالقرب ... فقالت الصغيرة بعصبية وهي تزيح الغطاء عنها وتعتدل جالسة بالفراش :
_ مش عارفة أنام منك ! .... وديني عند حميدة ...
اقتربت ليلى منها وربتت على رأسها بحنان وقالت :
_ طب أنا أسفة .... هنام خلاص.
وظلت ليلى تربت على رأس صغيرتها حتى بدأت الصغيرة تغفو من جديد .... وتسحبت ببطء من جانبها وأخذت جولتها مرةً أخرى في الذهاب والتجول بالغرفة في عصبية ....
أي ما كان سذاجة ما تشعر به الآن وهو المفترض أنه مع زوجته ... ولكنها تشعر بنيران تحت..رق بداخلها خاصة أن جيهان تعرف أن هذه الليلة ليست ملكها ! .... ويبدو أنها خططت لتسرق منها ليلتها وتكيدها !
والأكثر من ذلك أنها رتبت للقائه بعيدا عن هنا ! ... لما !
كانت على وشك البكاء من ما ينسجه الشيطان من ظنون سوداء بعقلها ... حتى نهضت الصغيرة من جديد وهي تنفخ بعصبية :
_ ما تنامي بقا في الليلة دي ! ...
ولو كانت ليلى بموقف آخر غير هذا لضحكت عاليًا من رد فعل الصغيرة المنفعل والمضحك بآنٍ واحد ! ... ولكن اعتذرت ليلى وهي تشعر بالأختناق وقالت لها بربته حنون على رأسها :
_ خلاص ما تزعليش بقا مش هصحيكي تاني .... يا لمضة !
وكتمت الصغيرة ضحكتها وهي تختبأ أسفل الغطاء الثقيل الدافئ ... وقررت ليلى أن تخرج من الغرفة وتستنشق بعض الهواء في شرفة الممر ... واستغلت أن هذا الطابق لا يوجد به أحدًا سواها ....
وعندما خرجت من الغرفة مضت بالممر في خطوات يطفو عليها العصبية ... حتى شعرت بأصوات أقدام أخرى تصعد ... حبست أنفاسها للحظات، ثم استنشقت الهواء بملء رئتيها قبل أن تتابع خطواتها إليه.
وكان وجيه الوحيد الذي يصعد للطابق الثالث عدى الخدم من الإناث .... وقبل أن يصعد آخر درجة وجدها تقف ويظهر عليها الغضب المكبوت ..... أخذ نفسا عميقا وادرك أن هناك شجار سيحدث لا محال ....
فتح ذراعيه لها مبتسما بمرح وقال ليشغلها عن ما تفكر به :
_ اللي وحشت جوزها ميــــن ....؟!
رفعت حاجبها الايمن بغضب وقالت بحدة :
_ كنت فين طول النهار ؟!
وقف أمامها ونظر لوجهها المتوتر الملامح ونظراتها الغاضبة ... وادرك أنها علمت بوجوده مع جيهان .... فقال بثبات :
_ كنت بخلص مشكلة كده ... ومش لازم تفاصيل.
هتفت بعصبية :
_ مع جيهان صح ؟!
هز رأسه وكتم ضحكته بأعجوبة .... ففي هذه الحالة لم يعرف لما ينتابه المرح ...فقال :
_ صح ....
فضربت ليلى قدميها بالأرض كالأطفال وهتفت به :
_ وهو يعني ماينفعش تحل مشاكلها وهي هنا ! ... لازم تروح بيت أبوها ! .... ولازم أنت اللي تحلها !
رد مبتسما ليثير جنونها أكثر وقال بهدوء مستفز وثقة عالية :
_ وهي ليها حد غيري ! ..... ليلى ...ليه حاسس أنك زعلانة !
هتفت بغضب وذهول :
_ زعلانـــــــة !!!..
هز رأسه مؤكدا وهو يبتسم بمكر .... فصرت على أسنانها والتمعت عينيها بدموع وهي تصيح :
_ لا مش زعلانة ... أنا كويسة خالص أهوه ! .... لأ وهادية كمان ، بقولك إيه ... أنت مش هتبات النهاردة في الجناح بتاعنا ... مش عايزة أشوفك ....
مرر وجيه يده على رأسه للحظات جاهدا أن لا يضحك ولكنه لم يستطع ... فأغتاظت أكثر وركضت عائدة لغرفتها .... فمضى خلفها وفجأة وجدت نفسها محمولة على ذراعيه وقال بضحكة :
_ بحاول ما اخلكيش تتنرفزي بس والله مش بقدر .... عصبيتك نفسها لذيذة جدًا وبتوحشني .....
وعندما دخل الغرفة تفاجأ بوجود الصغيرة ..... والذي خصص لها مربية لتبيت معها ، خلافا أنها تبيت مع الفتيات وأمها بالأيام الذي يذهب فيها إلى زوجته الأخرى جيهان ....
وأنزل وجيه ليلى من على يديه، ونظرت له بتحدي وقوة .... فالتفت إليها بوجه لا تعابير له ... حتى وجدها تتجاهله تمامًا وتقترب لإبنتها ....
وقف يتأملهما لدقائق وشعر بأن ليلى تتحداه بالصغيرة ! .... وأن اعترض ستفسر هذا أنه بدأ يتأفف من وجود أبنتها !
وأغضبته هذه الفكرة ....
فهذا الوضع الذي تسلكه ليلى ليس صحيحا ... ولا وجود للصغار سوى بأماكنهم المخصصة لهم ...
لم يحدثها ولم يعاتبها .... بل أكتفى بقول :
_ روحت لجيهان لأن في مشكلة فعلا حصلت ... ومشكلة شخصية تخص حد من قرايبها فمش هعرف أحكيلك تفاصيلها .... وطول الوقت ده كان معايا محامي وبنحلها ... وعلى فكرة يا ليلى ... أنا مكنتش مطالب أني أقولك ... لأنها مراتي في الاساس !
واستدار لخزانة الملابس وأخذ ما يحتاجه منها، ثم توجه للحمام ليأخذ دش سريع قبل أن يخلد النوم.
فقطبت ليلى حاجبيها بحيرة ... منذ أقل من نصف ساعة كانت تعطي كامل الحق لنفسها فيما تشعر به ... أما الآن وبكلمات بسيطة جعلها تشعر بحماقة ما شعرت به ... ومثلما فسر تصرفه كانت تريد شرح ما مرت به رغما عنها ... كلاهما يخطأ ...وكلاهما على صواب !
وبعدما خرج بعد دقائق تجاهلها تمامًا ... وتحرك بهدوء بالغرفة وهو يجفف شعره المبتل ويمشطه ... لا يبدو عليه الهدوء ... ولم تتأكد من عصبيته أيضا ! .... أحيانا يكن غامضا لدرجة غير مفهومة اطلاقا !
وعندما اقترب من الفراش اعتقدت أنه سيصالحها ولكنه انحنى قليلًا وقبّل رأس الصغيرة بحنان فائق ....ثم ابتعد عن الفراش
وفاجأها بخروجه من الغرفة !
فأنفطرت دموعها وهي تتمدد بجانب صغيرتها النائمة ... وبدت كالطفلة التي عنفها والديها على خطأ غير مقصود !
*******
وعند هبوطه بعصبية من الطابق الثالث للطابق الثاني قاصدا مكتبه بالطابق الأرضي .... وجد حميدة تخرج من الغرفة التي خصصت للصغيرة من الأساس ويبدو العبوس على ملامحها .... وعندما رأته ابتسمت قائلة :
_ حمد الله على سلامتك يا عمي .... كنت غايب النهار بطوله !
ربت على كتفها برقة ثم قال :
_ الله يسلمك يا حميدة ... لينا قاعدة مع بعض عشان أعرف رأيك في موضوع يوسف ... لو الوقت كان يسمح كنت اتكلمت معاكي ... بس اكيد عايزة تنامي.
قالت حميدة واقتحمت وجهها الحمرة :
_ ماشي يا عمي خلينا وقت تاني .... أنا جيت أشوف ريميه عشان أخدها تبات معايا زي كل يوم .... بس مالقيتهاش !
سرى بعقله فكرة ما ... وابتسم سرا لنفسه، ثم قال بجدية لحميدة :
_ هي مع ليلى ... روحي خديها.
شعرت حميدة ببعض الحرج وقالت :
_ بصراحة يعني ... اتكسف اروح أخدها من أمها ... خلاص بقا هرجع أوضتي .
قال وجيه سريعا :
_ لأ عادي ... روحي خديها ... ماتتكسفيش دي مرات عمك، ليلى بتحبك أوي على فكرة .... عشان ريمو دايمًا تتكلم عنك .
ابتسمت حميدة بمحبة صادقة وقالت :
_ والله يا عمي وأنا كمان ... ماشي هروح أخدها.
" وصممي"
قالها وجيه سريعا دون ادراك ... فتعجبت حميدة للحظات ... فصحح قائلا :
_ أقصد يعني عشان البنت اتعلقت بيكي وكده .... وما تزعلش لما تصحى وتعرف أن جيتلها وماصحيتهاش.
قالت حميدة بموافقة :
_ ماشي ... هروح حالًا ليها، أصلها وحشتني أوي النهاردة، طول الوقت مع مامتها ومعرفتش العب معاها.
أومأ وجيه رأسه وذهبت حميدة بخطوات سريعة للطابق الثالث ... فاتسعت ابتسامته بمكر وهو ينزل الدرجات للمكتب ....
********
انتبهت ليلى بعد دقائق من ذهابه لطرقات على باب غرفتها ... وبسبب ذلك الصوت انزعجت الصغيرة ونفخت بعصبية وهي تتقلب بنومها ..... فاعتدلت بتعجب وهي تجفف دموع عينيها ... فلو كان وجيه لدخل دون استأذان ! .... فقالت :
_ مين ....؟!
ردت حميدة من الخارج :
_ أنا حميدة يا مرات عمي .... أفتحي .
تمتمت الصغيرة اسم حميدة وتخيلت أنها تحلم .... حتى نهضت ليلى وتوجهت للباب وفتحته .... فطل وجه حميدة المبتسم وقالت :
_ معلش قلقت نومك .... بس أستأذنك يعني أخد ريميه تبات معايا ...
وقبل أن ترد ليلى بالاعتذار اعتدلت الصغيرة بعدما تأكدت من صوت حميدة الواضح ...وقالت وهي تفرك عينيها بكسل :
_ خديني يا حميدة .... واحكيلي الحدوته بتاعت امبارح ... بتاعت الدبة والأرنب المشمشي ...
اتسعت ابتسامة حميدة وتلقائيًا توجهت للصغيرة التي تمد لها ذراعيها بأنتظار أن تحملها .... ولم تستطع ليلى سوى أن توافق وإلا ستبكي صغيرتها ... فقالت :
_ خلي بالك منها يا حميدة ...
ضمتها حميدة بحنان وقالت :
_ من عينيا ... ده أنا وهي بقينا ولا التوأم اللي مش بيقدروا يستغنوا عن بعض ... يوسف بياخدها بالنهار ... وأنا بليل بألف حكايات مخصوص عشانها ....
وبعد لحظات خرجت حميدة والصغيرة تضحك على ذراعيها .... واغلقت ليلى الباب بكآبة .... وعادت تذرع الغرفة جيئة وذهابًا من الحيرة ..... حتى قررت أن تذهب إليه .... فهو بالتأكيد لجأ لمكتبه كالعادة ....
وكان وجيه بالمكتب جالسا وأمامه كتاب مفتوح ولا يرى من كلماته شيء .... وبين لحظة وأخرى كان يحترق شوقا لمجيئها لهنا .... وينتظرها بلهفة كاسحة لجميع بقاع مقاومته .... حتى انتبه لقرع خطوات تأتي إليه ....... فأرتدى نظارته الطبية سريعا وتظاهر بالقراءة والأنغماس فيها .... بينما عينيه كانت تتسحب بخفاء اتجاه الباب ....
حتى تأكد من احساسه، وكانت ليلى التي تقف عند الباب مرتبكة وحزينة ..... وطاف ظل ابتسامة خفيفة على شفتيه أخفاها سريعا وهو يتجاهلها تماما كأنه لا يرها !
وكان حقيقة تجاهله ... دليل أهتمام أخفاه الكبرياء.
*******
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
والله قلة تفاعلكم دي اللي بتضيع الشغف مني 😑
ماشي يابني آدمين
طب والله لو التفاعل حلو لنزل فصل بكرة 🙄❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السبعون 70 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الرابع_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... زوجي..وأبنتي ...~
لا تغفر امرأة التجاهل بسهولة ... خاصةً لو كانت تحب ..
ولكن ليلى كانت تقف عند مدخل المكتب حائرة ، تريد أن يتصالحا ، وبذات الوقت لا تريد الأعتذار عن خطأ لم تفعله بالأساس !
بينما هو كان يجن لهفةً لأن يأخذها إليه ... بينما بين لحظة وأخرى تجري أمامه بعض الأمور التي تجعله يضيق منها ويغضب ...
لم يعقّب على أمر الصغيرة كي لا يسود الموقف سوء فهم .. ولكن حتى أن أنجب منها مائة طفل لن يتغير موقفه على الإطلاق ...
ليتها تفهم وتتفهم ما يدور بخلده ... وليس سهلًا عليه أن يشرح ويفسر ... وأن فعل ذلك لا يضمن أن مضمون حديثه سيصلها كما يقصده !
أما هي ... فهي الحبيبة التي تقترف ذنبًا بحقه ولا يجسر بأزيد من الصمت الذي يليه عتاب .. وبعدهما كثيرًا من الحب والمصالحة.
كما يحب أن تنتهي العقبات بينهما ... مهما تأزم الموقف ..
اختلس نظرات سريعة إليها لخصت كثيرًا مما يظهر عليها .... وكانت حتى في حيرتها وعبوسها تلفت انتباه قلبه فيتأملها قبل عينيه ... وبعد لحظات مال على الكتاب وتظاهر بالقراءة في اندماج واضح ...
ابتلعت ليلى ريقها بتوتر ... فمجيئها لهنا يعتبر هذا نصف اعتذار !
وهي وأن أتت فلم تأتي لتقول آسفة لذنب لم تقترفه !
فقالت بصوتٍ رن فيه العصبية بوضوح :
_ ممكن اتكلم معاك شوية ...؟
لم يبعد الكتاب عن يديه، ولكن أكتفى بنظرة إليها ولم يجيب .... ثم عاد مرةً أخرى للقراءة !
احتدت عصبية ليلى من صمته المثير للغيظ هذا ... وعلى عكس المتوقع استدارت اتجاه الباب وضيق وجيه عينيه بدهشة لظنه إنها ستذهب لغرفتهما حتى دون نقاش !...
ولكن ليلى بدلًا أن تخرج اغلقت باب المكتب عليهما كي لا تدع طرف ثالث يتدخل بينهما ولو بالاستماع .... وبعدما اغلقت الباب استدارت له بعصبية اكتسحت تعابير وجهها ....
وقد كاد وجيه أن ينهض ويذهب خلفها، ولكنه حمد تلك الدهشة التي جمدته للحظات حتى تبين موقفها بوضوح ... ولم يعرف لما الابتسامة تحارب للظهور على ثغره!
وتظاهر بالقراءة بقوة بينما اقتربت ليلى منه وانتزعت الكتاب من يديه، والقته بعيدًا عنه بعصبية .... ثم قالت :
_ لما اطلب منك تسمعني يبقى لازم تسمعني ! ...
وعلى رغم أن ما فعلته يستفز أي مخلوق ويغضبه ... ولكنه يتقبل منها ما لا يتقبله من غيرها ... وخلع نظارته الطبية بهدوء وبعدما وضعها على المكتب نظر لها قائلا بثبات :
_ عايزة تقولي إيه ...؟!
وهنا كانت الإجابة بها بعض التردد والحيرة ... فقالت :
_ أنت مشيت ليه لما شوفت ريميه معايا ؟! .... أفهم من موقفك ده إيه ؟!
وحتى في صمته ساءت الفهم ! ... زفر وجيه بضيق شديد، ثم نهض وتحرك ببطء إليها ... وعندما وقف أمامها قال بحدة :
_ تفهمي نفس اللي هتفهميه لما ربنا يكرمنا بأطفال وتلاقي ده نفس موقفي ! .... لأن ببساطة أنتي مش قادرة تصدقي أن ريميه بعتبرها بنتي ومش اقل من كده .... مش عارفة تفرقي بين حبي ليها وخصوصيتنا ! .... البنت ماينفعش تتعود على كده !
وأن كنت بعتبرها بنتي بكل مشاعري وأحساسي ... أنما اساس الحقيقة أني مش والدها الحقيقي ... وأن علاقتي بيها تحكمها الرابطة دي من الأساس....فكري فيها بعقل يا ليلى وهتفهمي قصدي ....
ازدردت ليلى ريقها وهي تعرف أنه محق بالحديث .... فالصغيرة ليست أبنته بصلة الدم ... وعلاقته بها تحكمها هذه الرابطة مثلما قال ... فقالت مدافعة عن نفسها :
_ أنا فاهمة اللي أنت بتقوله كويس أوي ... بس اللي أنت ما تعرفهوش أن هي طلبت مني احكيلها حواديت زي زمان لحد ما تنام ... ومن كتر ما بالي مشغول بيك وبتأخيرك خصوصا لما سمعت والدك بيكلم جيهان وعرفت أنك معاها .... تركيزي راح مني ومحستش غير وأنا في أوضتي ....أنا مغلطتش يا وجيه عشان أعتذر ! ...
تفاجأ وجيه بذلك ... ولم يعرف أن الموقف تصاعد معها هكذا ولم يأتي في باله حتى ! ... وعاتب نفسه ولأول مرة يشعر أنه مخطأ الظن فيها.... ويبدو أنها لاحظت لمحات الندم على سيمائه فلم تجد ما تقوله أكثر من :
_ لو غلطت مرة مش معناها أني كل مرة هكون غلطانة ! ... يمكن اضايقت من وجودك الغريب في بيت والد جيهان ... وحسيت أنها قاصدة تضايقني ... بس بعد ما وضحتلي موقفك مكنش له داعي تسيبني وتمشي ! ... أنا لو غلطانة مش بتكسف اعتذر! ... ومش عشان بحبك بس ... عشان بحترمك كمان.
والتمعت دموع بعينيها عتاب ولوم ، وتطلع بها بعمق ، وعندما قررت الخروج واستدارت لتفتح باب المكتب، جذبها إليه في حدة لعدم الابتعاد .... لن يسمح لها أن تبتعد قبل أن يصالحها ويجعلها تبتسم وترضى.
حاولت التخلص من قبضته وهي تدمع وتبتعد عن عينيه المتأسفة بأعتذار حتى همس :
_ المرادي أنا اللي غلطان ... حقك عليا.
نظرت لعينيه المشتاقة وقالت بدموع :
_ أنت مش مقدر الأحساس اللي بحسه لما بتكون معاها ، عارفة أنها مراتك وليها حق عليك زي ما ليا بالضبط .... بس أنا غصب عني مش قابلة مشاركة فيك ... وجودك معاها بيموتني.
وضمها بقوة الجمت حركتها ... وسكنت على صدره بعينيها الباكية وهو يهمس قائلا :
_ أنا غلطان يا ليلى وبعترف ... بس والله كنت جاي ومستني اللحظة اللي هشوفك فيها ... تخيلي أنتي اني في عز أنشغالي بالمشكلة اللي حصلت ما روحتيش عن بالي لحظة ! ... أنا لما سيبتك فسيبتك عشان عصبيتك ما تزيدش أكتر والبنت موجودة ! ... وللحقيقة أفتكرت أنك بتعاقبيني بيها وده شيء ما أحبش أشوفك بتستخدميه ضدي... بس مكنتش هغيب كتير ... لو صبرتي شوية صغيرة كنت هاجيلك واغلس عليكي لحد ما نتصالح.
ابتسمت ليلى بين دموعها وقالت :
_ يارتني ما نزلت ..!
ظهرت ابتسامة على شفتيه وهو يبعدها قليلًا وينظر لعينيها بعشق .... وهمس:
_ ماهونتش عليكي .... زي برضو انك مكنتيش هتهوني عليا ... عشر دقايق بالكتير وكنتي هتلاقيني بجري عليكي .... هو حد بيعرف يخاصم روحه !
وقبّل رأسها معتذرا مرةً أخرى وقال برقة :
_ حقك عليا .. إديني بقا ابتسامة من وشك الجميل ده .
ابتسمت ليلى ومسحت عينيها .... ثم قالت له بتساؤل :
_ على طول كنت نفسي اسألك السؤال ده .... أنت بتشوفني جميلة عشان بتحبني ؟ ولا بتحبني عشان جميلة !
اتسعت ابتسامته وهو يتعمق بعينيها البندقية ... ثم قال بنظرة متأملة :
_ بشوفك زي ما كنت بشوف أمي الله يرحمها .... جميلة وأجمل انسانة في الدنيا .... محدش يقدر ياخد مكانها مهما كان ومهما عمل .... الأجمل منها ما يلزمنيش ... هي واحدة وبس مالية عيني ومكانها جوايا خط أحمر ....
المنطق بيقول أنك مش أجمل ست في الدنيا .... بس عنيا وقلبي شايفينك كده ! ... وعند الإثبات مش هصدق المنطق واكدب القلب اللي بيدق جوايا !
وشاكسها قائلًا بابتسامة عريضة :
_ قلبي ده زي ما يكون أنتي حلفتيه ما يحبش غيرك ....
جاهدت لتخفي ابتسامتها وقالت :
_ خلاص مش زعلانة ...
ضيق عينيه مكرا وقال وهي بين ذراعيه :
_ أنتي بقالك عشر دقايق مش زعلانة ! .... الكلام اللي بعد كده مش للصلح .... ده بس عشان بحب أشوف ابتسامتك دي ...
ظهرت ابتسامتها بوضوح هذه المرة وكأنها لم تبك قط .... فضمها مرةً أخرى وهو يبتسم ... وقد تعلّم شيء اضافي ... أنه يفهم الوضع كاملا قبل أن يحكم عليها .... ويستمع لما تقوله لآخر كلمة ..... ولا يترك جرس الحكم له فقط.
وتبددت الغيامة السريعة عليهما ... لتأتي زهور الحب مجددًا بينهما ... وعندما صعدا للطابق الثالث صمم أن يحملها مثلما تحب ..... رغم إنه شعر بمرح أن وزنها أزداد مؤخرا ! ....
************
وبغرفة حسام شقيق "فرحة" بالمشفى ....
بعدما أجرى زايد فحص طبي قد صمم عليه الأطباء للتأكد من سلبية النتيجة .. والذي سيتكرر بالأيام الآتية لزيادة التأكيد ..... دلف زايد لغرفة حسام وهو يستند على عكازه .... فوجد حسام يبدو أنه قرر المغادرة ... فقد نهض وأجمع أغراضه القليلة بالغرفة وقرر الذهاب والبحث عن شقيقته ....
وقف زايد أمامه وقال ناظرا لعينيه بدقة :
_ رايح فين ...؟
كانت قدم حسام أيضا مصابة جراء ما حدث له على يد شقيق زايد ..... فأجب حسان بنرفزة ووجه شاحب وشاش أبيض ملتف حول رأسه وبه بقع دماء جافة :
_ هشوف أختي فين ! .... ما اتصلتش بيا ولا جاتلي ولا هي موجودة هنا أصلًا !
تنهد زايد تنهيدة ثقيلة وأجمع بعض من تركيزه ليستطع السيطرة على حسام ...فقال بإعتراف دون مواربة:
_ أختك هنا في المستشفى ..
وكان زايد يجيب بثقة جعلت حسام يتجمد بصدمة .... شقيقته هنا بالمشفى ولم تجري حتى اتصال سريع لتطمأنه عليها ! .... فربت زايد سريعا على ذراع حسام وقال :
_ نقعد الأول وأفهمك .... أحنا الاتنين ماينفعش نوقف كتير مع الإصابة اللي في رجلينا دي .... الحال من بعضه ..
لم يفسر حسام قول زايد بأي شيء .... فقال بعصبية :
_ أختي فين ؟! .... أنا مش هقعد هنا ثانية واحدة كمان من غير ما أعرف فرحة فين !
صمت زايد للحظات .... ثم نظر لها بقوة وقال :
_ فرحة معزولة هنا في المستشفى ... جالها فيروس مُعدي وممنوع حد يشوفها ...
ابيض وجه حسام من الشحوب والصدمة ....حتى انهال جسده بضعف على الفراش وبعدها رمى رأسه بين يديه في بكاء نبض بعينيه فجأة ...... وقال :
_ لازم أشوفها .... لازم أطمن عليها ، أنا ماليش غيرها ... يارب ما تكتبش عليا اليُتم تاني.
وبكا حسام بكاءً شديد جعل زايد يتأثر بألم ينبض به قلبه .... فربت على كتف الصبي بلطف وعطف قائلا :
_ حالتها مش خطيرة ما تقلقش ... بس طبيعي كان لازم تتعزل على ما نتيجتها تطلع سلبية .... خصوصا أنها بتشتغل هنا .... أنا هنا جانبكم ومش عايزك تخاف من أي حاجة.
تذكر حسام للحظة ما أخبرته به شقيقته فرحة منذ وقت ..... فقال ماسحا دموع عينيه :
_ خايف عليها ومرعوب .... دي هي أمي وأبويا وكل أهلي ! .... وصاحبي ونصي التاني كمان .... أزاي ما أخافش ! .... أنا أول مرة أحس أني خايف كده ! ... انا جربت الفراق ومرارته .... مش حمل أجربه تاني .... ارجوك وديني للدكتور اللي بيشوفها يطمني عليها ... وتبقى عملت فيا معروف لو خليتني أشوفها.
دق الألم بقلب زايد واشفق على حسام بقوة .... فقال له برفق وتأكيد:
_ ماينفعش تشوفها دلوقتي ... بس هطمنك عليها وعندي حل مؤقت ... تعالى معايا ..
***********
قد استفاقت " فرحة " مخدرة الأطراف ثقيلة الرأس ... ويجتاح صدرها ضيق التنفس والسعال الجاف .... ويبدو أن حرارة جسدها تأبى الهبوط !
وتجولت عينيها الذابلتين ببطء لأرجاء الغرفة الطبية المغمورة برائحة الأدوية والتعقيم .... وطاف بمخيلتها توقع أشد النتائج لحالتها ....الموت !
من منا عندما يشتد به المرض لم يتخيل نفسه على مشارف النهاية ! .... هل اقترب الأجل ؟
علمت من الممرضة حالتها ... وقد أشاع بالأونة الأخيرة عن فيروس مُعدي أدى لوفاة بعض الأشخاص .... لذلك اشتد الظن بداخلها وبكت فجأة .... خوف ورهبة ...
حتى سمعت صوت دق خفيف على زجاج النافذة القريبة لها ..... ووجدت شقيقها يقف خلف الزجاج ودموع عينيه تشبه دموعها ..... وتشاركا الأثنان بكاء صامت مؤلم للقلب .... ولكن دموع شقيقها كانت أشد .... وبينما هي بقمة الألم والدموع وجدت طيف طويل يقف خلف شقيقها ويربت على كتفه بلطف .... حتى استدار حسام ورمى رأسه على كتف زايد ببكاء كأنه طفل ويستغيث لكتفي والده للأمان.
ربت عليه زايد بلطف شديد ودعم واضح كأنهما أصبحا أشقاء وليس فقط أصدقاء .... شاهدت فرحة ذلك وبدأ الأطمئنان يتسلل لقلبها المرتجف خوفا ....
هو الآن تره بنظرة مناقضة تمامًا للنظرة الأولى .... النظرة الأولى ليست صادقة بأغلب الأحيان ..... ليست كافية لكشف حقيقة انسان ربما كان يتخفى وراء قسوة زائفة ليست من خصاله وشيمه .... وهز زايد رأسه لها كأنه يخبرها أن شقيقها بأمان لا داعي لأن تقلق عليه .... فابتسمت بين دموعها له شاكرة..
ودق قلبه لهفةً !
*********
وعند مطلع الفجر....
وبعدما سردت حميدة حكايات قبل النوم للصغيرة وحماسها في الاستماع .... استغرقت في النوم وتأملتها حميدة بابتسامة ومحبة شديدة لهذه الصغيرة التي تشبه الملائكة .....
وبعدها غرقت حميدة بغفوة عميقة وانتفض جسد الصغيرة واستيقظت وعلى ملامحها يرتسم الذعر والفزع!
ذلك الكابوس مجددًا يزور أحلامها البريئة !
تمتمت بأستغاثة وأحرف متقطعة:
_ حم يد ة ...
ولكن حميدة لم تنتبه لهذا الأنين الخافت بين غفوتها العميقة ... فبدأ ينتاب الصغيرة رعشة تزداد مع كل لحظة ....
ازداد ذعر الصغيرة وهي تستغيث بصوت مخنوق:
_ ما ...ما ، بابا .. وجيه .. يو. سف.
وهذه المرة لم تستيقظ حميدة لإغاثتها مثل المرات السابقة .....
********
تململ وجيه بكسل بنومه ثم فتح عينيه ببطء بعدما شعر بأنفاسه متسارعة بجانبه ..... فلاحظ ليلى جالسة وليست نائمة !
اعتدل سريعا وأضاء المصباح ليطمئن عليها ، فوجدها تضع يدها على صدرها وتتنفس بصعوبة .... فاتسعت عينيه خوف وسألها سريعا:
_ مالك يا حبيبتي في إيه ؟!
ابتلعت ليلى ريقها بشدة وهي تلهث تقريبًا ، ثم قالت بصعوبة :
_ مش عارفة ... نفسي اتكتم وحسيت وكأني هموت ... عايزة بنتي يا وجيه ... هاتلي بنتي ...
وبدأت تبكي بعدها بقوة وهي تشعر بعدم استطاعتها على الوقوف من قوة رجفة جسدها .. شحب وجه وجيه وهو ينظر لها متجمدًا .... فقال لها لتهدأ رغم رجفة قلبه المرعوبة :
_ طب أهدي ... مافيش حاجة ، هروح أجيبلك ريميه ما تزعليش ... ثواني واكون عندك.
جف ريقه من رؤيتها هكذا ... وأسرع للصغيرة بالطابق الأرضي ... خصيصا بغرفة حميدة....
وبالطابق الأرضي ...
دق وجيه بقوة على باب الغرفة حتى فتحت حميدة عينيها بكسل ... ولكن تجمدت عندما وجدت الصغيرة تتمتم بصمت وعينيها مفتوحتان وباكيتان .... وكأنها على مشارف أن تفقد وعيها ... هتفت حميدة بها برعب :
_ ريمــيـه ...!
ويبدو أن الصغيرة ظلت هكذا لفترة طويلة حتى استسلمت للرعب والخوف .... أزداد الطرق على باب الغرفة بعدما سمع وجيه صوت صراخ حميدة .... وبعدها فتحت حميدة بخوف شديد وهي تشير للصغيرة وتقول :
_ مش عارفة يا عمي مالها
هرع وجيه للصغيرة وحملها وهو يربت على وجهها قائلا :
_ ريميه ... متخافيش يا حبيبتي أنا جانبك ...
ارتجفت الصغيرة بشدة بجسدها الصغير هذا بين ذراعيه وبدأت تبكي بقوة .... وكأنها وجدت الأمان أخيرا لتعلن خوفها ....
فضمها وجيه بقوة وحنان وهو يهمس لها ليتهدأ ..... ودقائق قليلة وهو يحاول أن يهدأ من روعها قبل أن يصعد بها حيث ليلى .... بينما ليلى لم تنتظره وأتت راكضة إلى أبنتها التي تبكي مذعورة ...... وخطفتها من يد وجيه لصدرها وهي تربت عليها وتقبلها ببكاء وأعتذار ..... وقالت الصغيرة ببكاء وذعر :
_ بيصرخ يا ماما ... بيصرخ وبيعيط ....
لم تفهم حميدة وهي تبك أيضا ما تقصده الصغيرة دائما ويأتي لها بالأحلام هكذا .... بينما وجيه وليلى كان يعرفون ما تمر به ريميه ..... أخذت ليلى أبنتها وغادرت الغرفة ....بينما اقتربت حميدة من عمها الذي يقف ناظرا لخطوات ليلى المبتعدة في تفكير وهي تضم أبنتها بقوة وتركض .... وقالت بدموع:
_ والله العظيم يا عمي ما حسيت بيها خالص ومعرفش نمت أزاي ! .... بس معلش والله ما هتحصل تاني وهفضل سهرانة جنبها لحد الصبح ...
التفت وجيه لحميدة وقال برفق وهو يربت على ذراعها :
_ ما تزعليش يا حميدة أنتي ما عملتيش حاجة ... والبنت هتكون كويسة ما تقلقيش.
وبعدها تركها وعاد لغرفته ......
فتح باب الغرفة بهدوء ليجد ليلى جالسة على الفراش، وتضع صغيرتها التي استشعرت الأمان وسكنت بين ذراعي أمها ..... وكانت ليلى تبكي وهي تنظر لأبنتها بشعور الذنب ..... رغم أنها لم تتركها بإرادتها والصغيرة من اختارت الذهاب مع حميدة !
بينما وجيه كان شعوره بالذنب أكثر منها بكثير ، ولكنه لم يفصح لها لكي لا يزداد شعورها أيضا .....
قالت ليلى باكية :
_ أنا اللي سيبتها ... الحق عليا أنا ....
قال لها بحنان :
_ البنت نفسيتها تعبانة يا ليلى .... بس الوضع ده مش هيستمر صدقيني ....
قالت ليلى وأشتد بكائها :
_ جوازنا مكنش في مصلحتها يا وجيه .... حاسة أني أهملتها !
جلس وجيه متنهدا بعمق وقد تحققت اسوأ توقعاته ... فقال لها بتأكيد:
_ أني ما أهملتيهاش يا ليلى .... أنتي معاها طول الوقت ، واللي حصل ده كان ممكن يحصل لو كنتي جانبها برضو هي مكنتش لوحدها ! .... وبعدين أنتي شايفة أني وجودي معاكم مسببلكم أزمة للدرجة دي !
هزت ليلى رأسها وباتت لا تعرف شيء ..... ثم قالت ببكاء :
_ مابقتش عارفة حاجة .... قدام دموعها مابعرفش أفكر في أي شيء ....
تفهم حالتها وموقفها لذلك اقترب وقبل رأسها بحنان .... ثم أخذ الصغيرة من يديها وتوجه لآريكة قريبة من الفراش وجلس .... ثم أحتوى الصغيرة بذراعيه وسكنت هي أيضا على صدره .... ثم قال بهدوء :
_ أطفي النور وتعالي أقعدي جانبي ... ريمو بتحب الحكايات وأنا المرادي اللي هحيلها حكاية ....
فعلت ليلى ما قاله واغلقت إضاءة الغرفة .... ثم جلست بجانبه واستمعت لصوته الهادئ ... ولأنفاس صغيرتها التي أصبحت هادئة تمامًا أيضا بعد مشقة ...بل وبعد لحظات تمتمت ريميه بخفوت ليتابع أحدى القصص فابتسمت ليلى بأطمئنان ومسحت عينيها من الدموع .... ثم مالت برأسها على كتفه وتمسكت بذراعه ... وتركته يهمس بالحكايات .... وشعرت أنها تريد أن تسمعه مثل صغيرتها .... بل وربما أكثر أيضا ...!
**********
وفي الصباح الباكر ....
وبعد غفوة طويلة .... تحرك جفني فرحة ببطء ، حتى وجدت زايد يقف خلف الزجاج ناظرا لها .... قطبت حاجبيها بدهشة ... لم تستطع التخيل أنه ظل واقفا هكذا منذ الأمس !
رفع زايد ورقة كبيرة ويبدو أنه دون عليها عدة كلمات ..... والصقها بالزجاج لتتمكن من قرائتها .... فأطرفت فرحة عينيها عدة مرات لتتمكن من رؤية المكتوب .... فوجدت الرسالة كألاتي مكتوبة بالخط العريض ......
* أنا مش همشي من هنا غير وأنتي معايا..خلي بالك من نفسك *
بصعوبة قرأت الكلمات المكتوبة .... ثم نظرت للواقف خلف الزجاج بصمت .... فابتسم زايد لها ابتسامة خفيفة ... بينما عينيه لم تكن تبتسم بخفة .... بل بثورة متقدة من الأشتياق ....
***********
استيقظت ليلى وهي على الأريكة بجانب زوجها النائم في هدوء تام، وصغيرتها أيضا التي تبدلت جلستها إلى جانبه لتكن أكثر إرياحية ورأسها على كتفه بأمان وثقة ..... شعرت ليلى ببعض الألم في رقبتها من هذه الوضعية ... فحركت رقبتها بتأوه ...ثم نظرت جانبًا لهما .... وابتسمت !
لم تترك يد وجيه الصغيرة ولم تلفتها حتى وهو نائم وتائه بالنوم أيضا ! ..... نهضت لتغتسل بالحمام ..... وتوجهت إليه مباشرةً وبعدها بدقائق خرجت وهي تجفف شعرها برداء أصفر رقيق يكشف عن ذراعيها ورقبتها .....
ولكنها وجدتهما مستيقظان والصغيرة تخبره بشيء في أذنه ويستمع لها باهتمام شديد .... ربما أكثر مما يستمع لأحد .... حتى همست له الصغيرة وقالت :
_ و طوق ورمل للقطة ...
هز وجيه رأسه بموافقة وقال :
_ موافق .... شوفي في حاجة تانية عايزاها في الكورة الصغيرة دي ...
وشاكسها بيده على رأسها وكان يقصد ذلك الرأس الصغير، فضحكت الصغيرة كأن ما حدث بالأمس لم يحدث .... ففغرت ليلى فاها بدهشة !
قالت الصغيرة وهي تفكر :
_ جاسر قالي لو اتجوز جميلة هيجبلي فستان عروسة زيها في الفرح ... خليها تتجوزه ...
ضحك وجيه بقوة لبعض الوقت ... ثم قال :
_ دي بقا مش في إيدي .... قولي لجميلة توافق...
تدخلت ليلى بضحكة :
_ مش مصدقة أنك بتتكلمي كده ! .... بقيتي لمضة أوي يا ريمو وشقية ....
تأمل وجيه مظهر ليلى المنعش الصباحي وقال بنبرة ماكرة :
_ حد يلبس أصفر وصيفي كده في الشتا ...؟! ...
قالت الصغيرة وهي تضحك :
_اسبونج بوب ... أصفر كموني.
تأمل وجيه ليلى المغتاظة للحظات وقال بثبات :
_ أنا لا يمكن أضحك عليكي على فكرة
ثم ظل ثابتا للحظات وبعدها انفجر بالضحك .....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن