تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... اقتراح عمل وخطوبة قريبة....؟!...~
ابتسمت ليلى بحنان ومحبة وهي تره يضحك عاليًا والصغيرة تتبعه في المرح بمنتهى العفوية ...
يُصبح الصباح صباح الخير عندما نبدأه وبجانبنا الأقرب إلينا ... الأقرب للقلب تحديدًا ...
تنهدت براحة وملامحها تتنفس أشراقة صباحية ولون وردي سكن على بشرتها ببهاء .. حتى وضعت المنشفة على ظهر مقعد المرآة واقتربت إليهما هذان المشاكسان ... المتربعان بأعلى منازل القلب.
وقبل الخطوة الاخيرة إليهما رفع وجيه ذراعه وقبض على معصمها جاذبًا إياها إليه في لهفةً واضحة، أكثر ما أوضحها قوة يديه لسرعة الاقتراب ... حطت جالسة بجانبه في خطفةً من الزمن، ونظرت بعينيه للحظات طوال .... وكأن الثواني معه تعويضا مُرضي عن سنواتٍ من الألم!
وعلى رغم كل شيء حدث بالأمس وبالسنوات البعيدة الماضية ... ألا أن قوة مشاعره اتجاهها لم تقلّ يومًا ... كل مرة كان يرها فيها كان أول شيء يلتمع بخاطره هي كلمة "أحبك" ... وأتى الفراق ومرت سنواتٍ ولم يتغير الحال سوى أنه أحبها أكثر !.. وانتظرها باشتياق كالأرض الصارخة العطش التي انتظرت عشر سنواتٍ عجاف.
لا زالت قبضته مُلتفة الأصابع حول معصمها ... وتنقلت تلك اليد الخشنة القوية لتلمس أناملها بلمسة دافئة... وابتسمت ليلى برقة وعينيها تهربت من عينيه للحظاتٍ كانت فارقة جدًا معه .... ليتها تعلم أن بأقل لافته من البُعد الف دقة اشتياق ترهق قلبه!
وللحظة شعرت أنها تمتلك العالم بأسره بين يديها ... ذلك الشعور الذي لم تخطئ فيه امرأة أبدًا .... شعور الوقوع كليًا في حب رجل ! .... أن تحبه كما هو به، وكما هو عليه ... وأن يصبح جزءً منها وهي حتى لا تعرف متى بدأ قلبها الطريق إليه ...
بينما نظراته كانت تهيم بها وجداً وحباً ... شغفاً من نوعا نادر في الحب ... لن يوجد بسهولة وأن وجد الحب كل يوم ! ...
قالت الصغيرة بعفوية بعدما تأففت من الصمت الذي خيّم فجأة حولها:
_ عايزة قطتي كوكا يا بابا وجيه! .... انتوا سكتوا ليه ها ؟!
خرج وجيه من شروده بعدما فوجئ حقاً بصوت الصغيرة وقال كلمات منفصلة عن بعضها بشيء من الحرج يخفيه:
_ آه ... هجيبهالك .... بعد ما ننزل ...
وكتمت ليلى ضحكتها على طيف الحرج الذي مر بعينيه لثوانٍ وأنقطع بعدها وهاجر وظهر محله الجدية والحزم.... ثم توجه لها مرةً أخرى ولاحظ ضحكتها قبل أن تخفيها عن نظراته .....
وسأل برفة ابتسامة خبيثة تمر على سيماه:
_ أنتي هتنزلي كده ؟!
وكان يعرف الإجابة الطبيعية والمتوقعة بالرفض ... ولكنه يشاكسها بمكر ... فجابهت مكره وقالت بثقة وهي تمرر أناملها بخصلات شعرها في لافته تدلل ونعومة مقصودة :
_ وفيها إيه يعني ! ... بصيت في المراية وشكلي عاجبني جدًا .... هو أنت معترض ولا تكون غيران !
ضيق عينيه بعض الشيء وهو يدرك أنها تحاوره بمكر الأنثى .... فسخر قائلًا :
_ وحجابك هتقوليله إيه ؟! ...
وهنا لم تتماسك أكثر من ذلك ودخلت بنوبة ضحك استمرت لدقائق ... وشاركها ومعه الصغيرة حتى ارتفعت صوت دق على باب الغرفة .... فنهض وجيه وهو يشاكس الصغيرة التي تبتسم وفتح الباب.
نظرت حميدة بتوتر واضح له، ومن بعده نظرت لليلى التي تجلس بإرياحية على الأريكة بالغرفة الواسعة الكبيرة ، فانتبه وجيه لتعابيرها المرتبكة والقلقة وقال بهدوء :
_ صباح الخير يا حميدة ...
ابتلعت حميدة ريقها وتسلل إليها بعض الاطمئنان للمشهد الباعث للراحة بالنفس التي تراه، وقالت بقليل من التلعثم:
_ صباح النور يا عمي ... أنا جيت أطمن على ريميه وكمان أقولكم أن الفطار فاضله دقايق ويجهز.
نهضت ليلى من مقعدها وأرادت الاعتذار لحميدة عن معاملتها الجافة بساعات الليل الفائتة، وتقدمت إليها ثم قالت بلطف :
_ تعالي يا حميدة.
نظرت حميدة لعمها التي لمحته يبتسم لها، وعلى حين غرة وجدته يجذب معصمها للداخل برفق ثم أغلق الباب عليهم .... وقبل أن تبدأ ليلى بالحديث أجهشت حميدة بالبكاء!، وكأنها كانت تكتم تلك الدمعات بالقوة والآن استطاعت تحريرهم وفك قيدهم أخيرًا ....
عبس وجه الصغيرة من صوت بكاء حميدة ففردت ذراعيه أمامها كي تستجيب حميدة وتأخذها .... وهذا بالفعل ما حدث في لحظاتٍ خاطفة، وضمتها حميدة برقة وهي تبكي وتقول بتحشرج صوتها من الدموع :
_ والله يا عمي ما حسيت نمت أزاي وما انتبهتش ليها خالص ... شكلها مش راضي يروح من قدام عنيا ... مش عايزاكم تزعلوا مني.
التف ذراعيّ الصغيرة حول عنق حميدة برقة شديدة وقالت هامسة لها بمواساة:
_ ما تعيطيش يا حميدة عشان خاطري بقا...
ضمتها حميدة بكل رقة حتى ربت وجيه على كتفها بحنان وقال مبتسما :
_ ما تعيطيش زي ما قالتلك ريمو ... محصلش حاجة الحمد لله والبنت كويسة... مش كده يا ريمو ؟
هزت الصغيرة رأسها بتأكيد وقالت :
_ أيوة...
مسحت ليلى دمعة هربت من عينيها متأثرة ببكاء حميدة وقالت بألفة وابتسامة بسيطة:
_ حبيبتي محصلش حاجة الحمد لله ... ريميه بقالها فترة بتشوف الكوابيس دي وبتأثر على نفسيتها لما بتصحى ... بعدها بتبدأ ترجع لطبيعتها تاني ... بس أن شاء الله قريب أوي هينتهي الموضوع ده ...
أخذت حميدة أنفاسها أخيرا من البكاء واستطاعت التحكم قليلا .. ثم تحدثت بصوتٍ به بحة :
_ أن شاء الله .... المهم أنها بخير ..
كفكف وجيه دموع حميدة بأنامله في لمسة آمنة أبوية، ثم قال بنظرة مرحة ليبث بالأجواء بعض البهجة :
_ هتردي عليا في موضوع يوسف النهاردة ... أظن اديتك وقتك !
اقتحمت الابتسامة وجه حميدة بعد الدموع ... رغم أن امتزج بها نسمات الحياء الصافية ... وتمتمت وهي تمسح ما تبقى من دموعها :
_ بأذن الله ...
وقد اتضح أن حميدة قد اتخذت قرارها أخيرًا ، أو ربما أخذته منذ وقت ... ولكن في النهاية تبدو راضية تمامًا بما قررته .. وهذا الأهم.
واستأذنت حميدة من عمها وزوجته قائلة :
_ طب بعد أذنكم هاخد ريميه معايا وأنا نازلة .... أصل بيسألوا عليها كلهم تحت ...
وترك وجيه القرار لليلى رغم أنه لم يكون مخطئ إذا وافق ... فوافقت ليلى بابتسامة وقالت :
_ ماشي يا حميدة خديها، بس أستنيني دقيقتين أكون غسلتلها وشها وغيرتلها هدومها ...
وأومأت حميدة بموافقة وترحاب .... وبعد تلك الدقائق قد جهزت ليلى صغيرتها تمامًا وأخذتها حميدة ... فأوقفتها ليلى قائلة بنظرة جدية :
_ لو حبيتي تتكلمي يا حميدة مع حد فأنا موجودة .... ما تترديش أبدًا تجيلي في أي وقت.
نظرت لها حميدة بتعجب ... وشعرت أن ليلى قرأت أفكارها بسهولة تحسد عليها! .... فقد كانت حميدة تطلع منذ أيام لأن تتحدث مع أحدا خارج محيط عائلتها الصغيرة المكونة من شقيقتها وأمها .... فابتسمت واكتفت بإيماءة موافقة من رأسها وأخذت الصغيرة وخرجت من الغرفة للطابق الأرضي.
وأغلق وجيه الباب ثم استدار لليلى التي توجهت لخزانة الملابس لتنتقي منها ما يلزم ....واقترب إليها بنظرة مبتسمة وماكرة ... ثم همس بصوتٍ يعرف أنه يربكها وقال مقتربا لها :
_ مبسوط أنك قولتيلها كده ... أنا حسيت أنها كان نفسها تتكلم معاكي .... هفرح لو صاحبتيهم كلهم ...
التفتت ليلى له بابتسامة واثقة وقالت بصدق :
_ هي نفسها تتكلم مع حد برا عليتها ...
تعجب وجيه وقال :
_ المفروض إنك من العيلة دلوقتي !
تنهدت ليلى وهي تنظر له وتجيب بجدية :
_ بس مش أختها، ولا أمها، مش في نفس الدايرة دي أقصد ... فممكن اكون شايفة حاجة هما مش شايفنها ...
قال وجيه مبتسما بخبث وهو يجذبها إليه :
_ أو يمكن عشان باين أنك المميزة عندي ... وبعاملك بأسلوب خاص عن الجميع ! ...
مطت شفتيها بسخرية وهي تكتم ضحكة :
_ المميزة عندك ! .... ليه هو أنت عندك كام واحدة !
ضيق وجيه عينيه بنظرة ماكرة خطيرة وقال :
_ ممكن يبقى عندي كتير على فكرة ... ما تتحدنيش !
رفعت ليلى حاجبيها وقالت بنظرة تهديد :
_ لأ أتحداك .... وما تبدأش تستفزني عشان بترجع تزعل لما اتنرفز ... قال كتير قال ! ، دي واحدة ومش عارفة أنام الليل بسببها تقوم تجيبلي تاني ! ... يارب موت كل الحريم اللي في الدنيا ... إلا أنا وبنتي.
وتخلصت من قبضته القوية ، واستدارت لخزانة الملابس بعصبية واضحة جعلت ابتسامته تتسع بتسلية ... ومرةً أخرى جذبها لتصبح قريبة منه ... وهمس لعينيها :
_ ماهو لو مكنتيش عندتي معايا من الأول كان زمانك بقيتي لوحدك في حياتي ... زي ما لوحدك جوايا ....
تذكرت لقاء أتى بعد عشر سنوات وما اندرج بعده من خلافات وعقبات بينهما .... وقالت بعتاب حقيقي :
_ مكنش لازم توجعني أوي كده يا وجيه وتتصرف بالشكل ده ... يمكن كنت ببعدك عني ، بس كان غصب عني ! ... أنت رجعتلها بعد ما اتقابلنا تاني !
أجاب بنظرات صادقة ونبرة معترفة بالخطأ :
_ بعترف أني غلطت واتسرعت ... رغم أني مش متعود اسيب نفسي للعند والعصبية واتصرف من غير تفكير .... بس جت لحظة عليا كنت ممكن اعمل أي شيء عشان أنساكي وأوقف تفكير فيكي بأي طريقة .. يا ليلى أنتي حطيتي قدامي استحالة ارتباطنا ... ووجودك بعد ما لقيتك بالنسبالي كان مسألة حياة أو موت ... محدش قدر يوصلني للمرحلة دي غيرك أنتي.
وكانت ابتسامته التالية غريبة عن مجرى الحديث الجاد والذي فتح سجل ذكريات مؤلمة .... فهمس بدفء قاصدا التأكيد على نطق كل كلمة :
_ عمري ما حبيت أن يكون ليا نقطة ضعف ... بس أنتي نقطة ضعفي ... والغريبة أني مبسوط بيها أوي وراضي ! .... راضي وبعتبر نفسي محظوظ جدًا ... محظوظ لأني لقيتك وحبيتك للدرجة الغريبة دي ... ومحظوظ أكتر أنك بقيتي ليا حلال وحق.
تلونت بشرتها بالحمرة الشديدة، وأشرقت عينيها البندقية بلمعة يذوب فيها عشقا... كلما توهجت وكلما رآها .... ولم تستطع قول كلمة بعد ذلك.. رغم أن ما تريد قوله سرب طويل من الكلمات التي وأن كثرت فلن تكفي لشعورا واحد تكنّه لهذا الرجل !
*********
نامت سمر بمنزل عائلة جيهان وقضت ليلها في سهاد لجزءً كبيرا منه ، وبنفسها صراع عنيف رسم الأرق حول عينيها.
وبهذا الصباح أيضا فعلت جيهان ما فعلته بصباح الأمس ودخلت عليها بصينية الطعام .... وصممت أيضا أن يتشاركان في تناوله.
وكانت جيهان تريد منها أي فضفضة وثرثرة تنفض ولو قليل من هذا الألم المحتقن بعينيّ سمر.... ولكن الأخرى لم تستجيب لرغبة جيهان الخفية .. والواضحة في عينيها.
فقالت جيهان بلطف :
_ حاسة أن جواكي كلام كتير محتاجة تقوليه ... بس مش قادرة دلوقتي ... عموما في أي وقت تحتاجي تتكلمي هتلاقيني جانبك وهسمعلك.
تطلعت سمر بنظرات فيها أطياف شاسعة من الخواء ! .... نظرات خالية من شغف الحياة ذاتها ! .... كأنها فقدت كل ما يهمها أمره بالحياة ! .....وقالت بضعف:
_ أنا اللي جوايا مش كلام ... جوايا صرخة مستنية تطلع وتفوقني لروحي .... جوايا حرمان للأمان حوجني لراجل كسرني أكتر من الوحدة واليتم ... نفسي أفضل اعيط واصرخ في مكان لوحدي ... محدش يسمعني فيه ... ولا يبصلي بشفقة !
سقطت دموع جيهان وهي تنظر لسمر بكسرة ... كأنها وصلت لعقر الألم الحقيقي بداخلها .... وللغرابة أن تلك نفس أمنيتها ... أن تصرخ وتصرخ حتى تجد للراحة سبيلا.
وقالت جيهان بصوتٍ مرتجف من البكاء:
_ مش عارفة الظروف هي اللي بتوصلنا للضعف ده ... ولا أحنا اصلا اللي كنا ضعاف ومش حاسين ! .... ليه فراق الأهل بيكسرنا للدرجة دي !
انهمرت دموع سمر وقالت وعينيها لا زالت للبعيد:
_ الكسرة الحقيقية بتيجي من الناس بعد ما بتبقي لوحدك .... مش هتلاقي حد يحبك لوجه الله كده بسهولة ! ... وهتكتر أوي الوشوش حواليكي ... واللي مش هيلاقي عندك مصلحته يبقى كرم منه لو سابك في حالك ! .... هتتصدمي كتير أوي في أقرب الناس... وهتحتاجي للأمان أكتر من أي شيء ... هتدوري عليه زي ما روحك بتدور على الهوا اللي بتتنفسه ....
وهيبقى الحب بالنسبالك مش أي شيء تاني غير الأمان !
وأضافت سمر ببكاء وحسرة :
_ ويا ويلك لو الاحتياج ده وقعك في طريق واحد ما يعرفش ربنا ... وكان مسترخصك !
كانت سمر تتحدث عن نفسها كليًا ... ولكن شرود جيهان ودموعها كأنها تتحدث بلسان حالها ! .... فنهضت جيهان واقفة بحركة خاطفة وقالت وهي تخفي دموعها جاهدة :
_ هروح اعمل تليفون ورجعالك ... خلصي فطارك .
واستدارت جيهان شبه راكضة من الغرفة وهي توقف دموعها حتى تنفرد بنفسها لبعض الوقت ....
حتى دخلت غرفتها وارتمت على الفراش باكية ..... والشيء العجيب الذي من المفترض أنه آخر شيء تشعر به بعد تلك الكلمات المؤلمة هو شعورها الجارف الاشتياق لوجيه !
*********
وتجمعت عائلة الزيان حول المائدة ... بشبابها وفتياتها .....
وقال الجد رشدي مستغلا هذا التجمع وبعدما أنتهى الجميع تقريبًا من تناول فطور الصباح :
_ بما أني مش لاقي وقت اكلمك فيه يا وجيه ... فلازم اتكلم معاك دلوقتي قبل ما تروح المستشفى.
تمتم رعد بضيق وقال بصوتٍ خافت :
_ خير اللهم اجعله خير !
ولاحظ الجميع شرود رضوى ... ولكنهم لم يعقبوا عليه وانتبه الجميع لحديث الجد حينما قال :
_ عاصم اتصل بيا امبارح وحدد ميعاد معايا ... هيجوا تاني !
قال جاسر ساخرا :
_ كنت متأكد !
القى رعد ملعقة الشاي الصغيرة بعصبية بجانب الفنجان وبشكل لاحظه الجميع ... أو ربما التفتوا إليه قبل أي رد فعل منه ! .... ابعد وجيه نظرته عن رعد وعاد قائلا لأبيه :
_ والميعاد ده أمتى ؟
أجاب الجد سريعا :
_ بكرة ...
وهنا أطلق رعد زفرة حادة مسموعة لمن حوله كأنه يرغب بشدة أن يدخل شجار عنيف مع أي مخلوق !
ونظر الصبي نعناعة لرضوى لبعض الوقت ثم قال :
_ بصراحة يا جدي أنا مش مرتاح للي اسمه وائل ده .... المرة اللي فاتت راقبت كلامه ومحستش أنه ينفع رضوى خالص ...
ابتسم رعد للصبي باستحسان ثم قال بتأكيد قوله :
_ والله ده رأينا كلنا ... أنت طلعت بتفهم ولماح يا نعناعة ... عقبال اللي في بالي !
شعرت ليلى بفضول أن ترى وجه رضوى ... فوجدتها ترمق رعد بنظرات حادة ... ولم تعرف لما كل هذا الشرخ بينهما ! .... فهي لم تتدخل بالأمور ولم تعرف السبب الحقيقي خلف الشجار الدائم بين الفتيات والشباب ....
ولكي يلطف وجيه الأجواء المتوترة حوله قال :
_ نتكلم في الموضوع ده لما ارجع بليل بأذن الله .... وكمان مستني رد حميدة النهاردة ... وهسيبلها النهار بطوله تحسم أمرها وتقرر قرار نهائي.
ابتسم يوسف ابتسامة عريضة ظهرت فجأة على وجهه وقال بسعادة :
_ ما تاخد رأيها دلوقتي يا عمي ... هو أنا هستنى لـ بليل !
قال جاسر بغمزة ليوسف وابتسامة واسعة:
_ متسهلالك ومفروشالك ورد يابن المحظوظة !
لكمه جده بضحكة وقال بنظرة ماكرة:
_ عشان عمره ما زعلني ... ده رضايا عليه يا فاسد !
نظر جاسر لجميلة بابتسامة خبيثة وقال :
_ يا جدي أنا مش فاسد ... أنا كلامي بيوحي بكده أنما أنا طيب .... طيب طيبة رهيبة ! ... مش كده يا عمي ؟
كتم وجيه ضحكته وقال متظاهرا بالجدية :
_ آه طبعا .... والمستشفى كلها تشهد !
ضيقت جميلة عينيها بمكر وقالت لجدها وعينيها تخفي الكثير من المفاجآت :
_ بمناسبة المستشفى يا جدي ... هو أنت قولت لعمي وجيه على اللي اتفقنا عليه ؟
رفع جاسر حاجبه الايمن بتحدي ... ولاحظ أنها تخفي شيء بالطبع سيغضبه .... فقال الجد بجدية :
_ آه كلمته في الموضوع ده من كذا يوم واتفقنا .... صحيح يا وجيه عملت إيه في شغل البنات ؟
حملق جاسر عينيه بقوة وبدهشة .... وكذلك فعل الشباب باستثناء يوسف الذي كان يبتسم لحميدة ببلاهة ..... فأجاب وجيه بهدوء بعدما ارتشف من فنجان قهوته :
_ شوفتلهم شغل مؤقت في الادارة .... بس ده يعتبر فترة تدريب ... أنما الشغل الأساسي هيكون بعد ما يخلصوا دراسة ويشتغلوا بشهادتهم الأساسية .... النظام نظام .... نبدأ بعد يومين بأذن الله على ما اخلص كل شيء في الموضوع ده.
ضرب جاسر يده على جبهته بصدمة ..... بينما شرد آسر بوجه متجمد لا تعابير له ..... والغريب أن رعد ابتهج فجأة للخبر وكان ابتهاجه ذلك محط سخرية بنظر رضوى !
وتذكرت موقف آخر من أيام مضت ... تلقى خبر قرابته لها بشكل مؤسف .... واليوم يتلقى خبر صلة مشاركة أخرى بالترحاب والقبول ! ....
وعلى رغم غضبه الشديد من خبر عودة أمر عرض الخطوبة من ذلك السمج وائل ... ولكنه استبشر خيرا من العمل معه بمكانٍ واحد ! .... وقربه منها بالعمل أيضا ...
********
دخل وجيه سيارته استعدادًا للذهاب للمشفى .... وأتت خلفه ليلى ومعها هاتفه الذي تركه على مائدة الطعام بالخطأ.
ودقت بخفة على زجاج السيارة وهي تبتسم بمرح وتخفي الهاتف بيدها التي تواريها خلف ظهرها .... فخرج وجيه من السيارة وتوجه إليها مباشرة وبعينيه لمحة من المكر والابتسامة الخفيفة ...... فقالت ليلى بمراوغة :
_ مش ناسي حاجة ؟
نظر حوله ليتفحص المكان بالمراج ولم يجد متلصص ... فاقترب منها ببطء جعلها تبتسم بقوة ... ثم فجأة جذب يدها التي تخفيها للأمام وقال بابتسامة واسعة وهو يفرد اصابع يدها عن هاتفه:
_ نسيت الموبايل !
عبست ليلى بغيظ ووضعت الهاتف بيده قائلة :
_ ربنا يخليهولك !
ووضعت الهاتف بيده وكادت أن تبتعد بعصبية ... حتى جذبها إليه بضحكة وهمس بأذنها:
_ طب على فكرة ... أنا ما نسيتهوش وسيبته مخصوص ...
أخفت ابتسامتها لتظهر أكثر ثبات وقالت بقوة :
_ مش مصدقاك على فكرة ....
ومرت عليهما لحظاتٍ من الرومانسية، ثم ارتفع صوت الهاتف باتصال .... ابتعدت ليلى وخطفت الهاتف منه وهي تضحك بمرح ...ولكن ضحكتها لم تدوم حينما رأت رقم جيهان هو المتصل .... فقالت وقد تبدلت ضحكتها للنقيض :
_ جيهان بتتصل .
أخذ وجيه منها الهاتف وهو ينظر لها بترقب تبدل مزاجها بلحظة ! .... وأجاب على الهاتف :
_ صباح الخير يا جيهان ....
احتدت أنفاس ليلى واصبحت مسموعة ... فنظر لها بتوجس ثم ابتعد عدة خطوات عنها وتابع :
_ أنتي بخير ؟
ابتلعت جيهان شهقاتها الباكية وقالت بصوتٍ حزين :
_ وجيه أنا محتجالك .... أنا هفضل هنا في بيت بابا ... بس أنت تجيلي هنا ... ارجوك ما ترفضش.... أظن النهاردة من حقي ... ومن حقي كمان اطلب منك تجيلي بيت والدي ... هرتاح هنا أكتر لو قضيت فيه كام يوم.
قال وجيه بنفور من هذا الاقتراح :
_ تقصدي أبات في بيت والدك يعني النهاردة ؟! .... أنتي عارفة يا جيهان أني ...
وقاطعته جيهان واعلنت بكائها قائلة برجاء:
_ ارجوك ما ترفضش ! ....
وكانت ليلى تأجج بداخلها الغضب عندما ادركت مغزى الحديث وتحركت مبتعدة عنه ... فقبض وجيه على معصمها وأوقفه وعينيه عليها ونظراته تأمرها بالانتظار ... ولكنه أجاب جيهان مضطرا :
_ طيب يا جيهان مافيش مشكلة ... هجيلك بعد ما اخلص شغلي .
وكانت جيهان على وشك أن تشكره ! ... ولكنها شعرت بسخافة الأمر .... فأنهت الأتصال دون أضافة كلمة أخرى ....
وهتف وجيه بليلى عندما اغلق الهاتف :
_ استني بقولك !
قالت ليلى بعصبية وهي تتهرب بعينيها الملتمعة بالدموع منه :
_ لو اتكلمت كلمة هتزعل مني زي العادة ... ولما مشيت برضو زعلت ! .... اعملك إيه أنا ؟!
ربت وجيه على جانب وجهها برفق متفهما دموع عينيها المتلألئة وتتأهب للنزول :
_ جيهان بتتصل بيا وبتعيط يا ليلى ... والطلب ده اللي هيريحها وأظن ده واجبي ...
قالت ليلى بعصبية وانهمرت دموعها اخيرا :
_ يعني حتى مش هشوفك ولا هتبات في البيت ! .... هي طلبت كده وعارفة أني هزعل ! ... ولو هي مكاني كانت هتزعل برضو ! ....
تحكم وجيه بأعصابه وقال :
_ ليلى هو أحنا هنفضل كده على طول ؟! .... أنا ليا شغلي اللي وأخد جزء كبير من تفكيري ووقتي ، يعني مش فاضي أراضي كل واحدة فيكم في اتفه المواقف بالشكل ده !
ده يومها يعني تقضيه معايا هنا أو في أي مكان في العالم هتفرق ايه ؟!
هز ليلى رأسها وهي تبكي :
_ لا مش هتفرق معايا طالما أنت شايف كده.
وعندما اقترب منها ليرضيها بطريقته ابتعدت وركضت للداخل وهي تبكي .... زفر بضيق شديد ولعن لحظة كانت أكثر لحظة شعر فيها بالغباء وذلك عندما وافق على عرض جيهان بالرجوع اليه.
ولم يكن متسع من الوقت ليعود ويتحدث معها .... ومع أسفه إنه مضطرا ومرغمًا للذهاب للعمل الآن.
********
وبغرفـــة زايد بالمشفى ....
بعدما أجبره الأطباء بالابتعاد عن محيط غرفة فرحة .... كي لا يعرض نفسه للإصابة بالعدوى .... يبدو الأمر خطيرا ، فقد راقبها لوقتً طويل ولاحظ شحوب وجهها وجفنيها الذي يتحرك ببطء شديد....
وضم الأختناق رئتيه بالألم فنهض مستندا على عكازه، وفتح نافذة الغرفة على مصراعيها ... فمرت دمعة بعينيه لم تزره لسنواتٍ وسنوات، وقال متنهدا وهو يتوسل لرب العالمين :
_ بعد سنين العذاب دي كلها يارب أنا مش حمل عذاب تاني ... وفراق تاني .... بعد ما لقيت فيها السكن والأمان ... والانسانة اللي رسمتها في خيالي وافتكرت أنها مش موجودة في الحياة ! .... بس لقيتها صدفة ... كل مشاعري اتحركت من ناحيتها بسرعة وغصب عني ، يمكن أنا نفسي مستغرب نفسي ... خوفي ولهفتي عليها مش بتقول حاجة غير أني ... بحبها !
أنا عايزها تقوم بالسلامة وتخف .... حتى لو هتبعد عني تاني بس تفضل عايشة ..
***********
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
يوم الثلاثاء بأذن الله في فصل .... الفصل الجاي هيبقى كله ضرب ضرب مافيش شتيمة 😹👊
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... المؤنسات الغاليات....؟!...~
هناك جراح قديمة بداخلنا لم تشفيها الأيام ... وستظل تؤلمنا حتى آخر الأنفاس.
خدوش في الروح لا يستطع أحد الوصول إليها ولا رؤيتها .. ولكنها تؤلم صاحبها بكل يومٍ يمر بأيام العمر.
ونكره لحظات الحزن لأنها تُرينا الجانب الضعيف فينا ... فكانت تلك مشاعره وصراعاته النفسية التي تحتدم بأنفاسه وبصدره طوال الوقت، واعتراك طباعه وحقيقته مع تطبعه بالقسوة والجبروت بالسنوات الفائتة....
وتمدد زايد على الفراش بعد تلك اللحظات الشديدة القسوة على نفسه، وفتحت الذاكرة ملفات سوداء من الماضي.
ملفات مُلطخة بأكبر أزمات حياته ..
عندما كان صغيرا ... بالكاد تخطى عمره العشر سنوات بقليل ... ذلك اليوم الذي زرع بركانً ناري بداخله، وأصبح الطامة الكبرى .....
منذ سنوات كثيرة مضت ... اعلنت ذاكرته طيفا من الماضي.
بيوم من أيام الماضي ... مر عليه سنوات كثر ...
وبعدما خرجت والدته من نوبة اكتئاب شديدة أوشكت أن تنهي حياتها بسبب كثرة أعطائها للمهدءات .... وذلك بسبب هجر زوجها لها لأشهر دون أن تعرف مكانً له.
وبعدما تحملت كثرة علاقاته النسائية وظلت تحت ضغط عصبي شديد طيلة فترة زواجها منه ... وتلك المشاعر اللعينة بالحب والوجد جعلتها ترضخ بالبقاء معه على أن تفارقه وترحل، وتنقذ نفسها من القهر كلما اكتشفت أنه على علاقة بأحداهن.
لم تكن بقوة نفسية كافية لأن تتخطى الأزمة القادمة ... وكان صغيرها زايد مدثر في الفراش ومريض بارتفاع درجة الحرارة ونوبة برد شديدة تجتاح وتنهش جسده الصغير ..
مررت يدها على جبينه بحنان، حتى فتح عينيه قليلًا ورفت ابتسامة بسيطة على محياه، مطمئن آمناً لأن أمه ترعاه وبجانبه أخيرا بعدما حُجزت لأيام كثيرة بالمشفى إثر أزمتها النفسية والجسدية الأخيرة.
وكان يتمتم بكلمة واحدة "ماما" ... فهمست له قائلة برقة :
_ لما ابوك يرجع اتمسك فيه ... أوعى تسيبه يا زايد مهما حصل، عشان خاطر ماما حبيبتك أوعى تبعد عنه أو تعامله وحش، لو عملت غير كده هزعل منك أوي.
هز الصغير رأسه بموافقة واستسلم للغفوة بأمان وراحة رغم وهن جسده ... ولكنه استيقظ بعد ساعاتٍ مفزوعا على صوت صراخها وبكائها الشديد ولم يكن الصبح قد أنار جسد السماء المظلمة ...
وبدا على والدته أنها فقدت صوابها تمامًا، بل وصلت لمرحلة أقرب للجنون، وفي حقيقة الأمر أن سبب تدهور حالتها كان اتصال هاتفي من أحداهن تخبرها فيه أن زوجها عقد قرانه فعليًا على امرأة ثرية ... وما أوصلها لحالتها هذه أكثر عندما أجرت اتصال على هاتف زوجها واكد لها الخبر سريعا مؤكدا أنه سيزورهما بالقريب ويوضح كل شيء وما خلف زواجه هذا من منفعة.
وبعدها ضربت المرأة كل شيء بالغرفة بعنف، ودخلت في نوبة هيسترية من البكاء أودت لفقدانها عقلها للحظات وتحكم منها الشيطان حتى اوصلها لأن تنهي حياتها ، ففتحت باب شرفة الغرفة والقت نفسها من الطابق الرابع ...
وكان زايد يراقب ما تفعله بجسد ينتفض من المرض والذعر وبالكاد نهض ليلحقها بجسده المحموم ... ولكنها كانت تنحدر للأسفل تحت نظراته المفتوحة على آخرهما من الذعر والفزع وهو يفرد ذراعه لها بمحاولة ضعيفة أن تتمسك به ...
انعقد صوته وانتابه نوبة من الخرس وهو ينتفض بهلع من مشهد والدته وهي تسقط ... حتى سقطت تمامًا على الأرض بعد لحظات سريعة، واتسعت دائرة كبيرة من الدماء خلف رأسها وعينيها جامدتان ومفتوحتان لا حياة فيهما... وهكذا ختم هذا المشهد على قلبه بالقهر والخوف وعدم الأمان ...
لم يشعر بأحد .. لا بأفراد الشرطة ولا بالصراخ الذي ارتفع بعد فترة من اكتشاف الواقعة ... لم يشعر غير بضابط الشرطة الذي كان يستجوبه بعد عدة أيام من وفاة والدته ، وكان بأحد المستشفيات للأمراض النفسية والعصبية، وذلك عقب صراخه طيلة الأيام التي تليت تاريخ الوفاة أو بالأصح "الإنتحار" ...
ويومٍ بعد يوم ... تمر الساعات ببطء وهو بالمشفى مُقيد بغرفة مغلقة ... نافذتها عالية وصغيرة جدًا ...كئيبة المنظر بشكل مثير للضيق واليأس، ولم يكن من المفترض أن يمضي كل هذه الفترة بالمشفى!!... وبدأ يدرك أن هناك شيء خاطئ يدور حوله.
حتى أنه تلقى معاملة قاسية من البعض وغير مبررة وغير منطقية لمريض المفترض أنه مريض نفسي ... !
ولكي يهرب من هذا الجحيم وافق أن يأخذه والده بعدما مضى من عمره ٥سنوات في هذا العذاب ... وكان حقيقة موافقته هي وصية أمه بآخر حديثً لها ... ألا يبتعد عن والده ويلازمه مهما حدث ... ولكنه لن يسامحه بهذه السهولة حتى وأن ظل معه.
وبعدما ذهب مع والده واكتشف كم من ترف وثراء أصبح عليه ... وقابل معاملة جامدة من زوجته وأبنها "هيثم" .... اكتشف مع الوقت أن تلك المرأة كانت خلف تعذيبه بالمشفى حتى تتخلص منه قبل أن يأتي وينغص عليها رغد العيش هذا .. ولكنه لم ينبث ببنت شفة عن الأمر ... فعلى كل حال لم يصدق والده عنها حرفً يدينها بشيء ... الصمت أفضل في بعض الحالات !
ولكنه سينتقم منها ببطء ... ودون حتى أن يفعل شيء أو يسلك دربً عنيف ، ولكن يبدو أن مجرد وجوده يُعدّ عقابً لها .... ولأبنها الغبي ... حسنا ... فليبدأ الانتقام البطيء.
خرج زايد من شروده على صوت دق خفيف على باب الغرفة بالمشفى ... اعتدل ونفض عنه هذا الشرود والغيمة القاتمة من الذكريات وسمح بدخول الطارق .... حتى فتح شقيقه من أبيه "فادي" ... وقال وهو يدخل ويغلق الباب خلفه:
_ ما رجعتش البيت امبارح وقلقت عليك ....أنت رجعت المستشفى تاني؟!
أطرف زايد عينيه بثبات وأعرض عن إجابة السؤال فقال:
_ حد عارف أنك هنا ولا هربان كالعادة ؟!
ابتسم فادي ببعض المرح وقد شعر أن بالأمر بعض المغامرة والحماس فأجاب:
_ هربان طبعا .... أمي نوران هانم فكراني بروح النادي وزقه السواق يراقبني، بس أنا بغفله وأخرج من باب تاني وأجي هنا ... وبرجع تاني بنفس الطريقة وهكذا ... بس أنت مجاوبتش على سؤالي يا برو ؟
واتسعت ابتسامته نظرا لأنه يقصد بهذا الأمر إطراء وإشادة لشقيقه الأكبر زايد ... ومحاولة لأن يتقرب إليه ولكن زايد يأخذ زاوية بعيدة عن الجميع ولا يسمح لأحد أن يقترب منها ... واكدزذلك رد زايد الحاد :
_ مش مضطر أجاوب عليك ! ... وقولتلك مليون مرة بلاش برو دي !
بُترت ابتسامة فادي وانعقد حاجبيه بعبوس ، ثم قال بعتاب :
_ نفسي أفهمك ! ... أنت بتحبني ولا بتكرهني ! ... لما بعمل مشكلة بتبقى واقف معايا قبل أي مخلوق وبحس أني غالي عليك وبتطمن .... بس معاملتك بعد كده بتكدب أحساسي ...
يبدو أن تلك الكلمات أثرت في زايد فأشاح بوجهه بعيدًا عن شقيقه الصغير وقال بحدة :
_ خليك بعيد عني ... احسن الست والدتك تزعل !
صمت فادي للحظات ... وكان صمته تعجب وحيرة من الحرب الباردة بين زايد ووالدته ! .... ليس الأمر مجرد أنها زوجة أبيه فقط ! .... فقال بحيرة :
_ أنا عارف أن مافيش عمار بينك وبين أمي ومش فاهم ليه بصراحة .... ليه ما تعتبرهاش زي والدتك و....
انتفض جسد زايد واسودت عينيه بغضب عنيف وهتف بشقيقه :
_ مافيش حد زي أمي ... ولا عمر هيكون حد زيها ولا مكانها !!
قال فادي فجأة وهو يمعن النظر بشقيقه :
_ ولا حتى فرحة ؟!
وكأن فادي استخدم أفضل وأسهل طريقة لصب الثلج على نيران زايد المتقدة والملتهبة ... فابتلع زايد ريقه بقوة ببعض الارتباك من هذه المواجهة الصريحة، ونهض ببطء مستندا على عكازه متجنبا نظرات شقيقه التي تدرس انفعالاته بدقة.....
اقترب فادي منه وقال بنبرة يلتمع فيها المحبة :
_ أول مرة أشوف بنت مأثرة فيك كده! .... حاسس أن هي دي اللي ممكن تصالحك على الدنيا ..
تعجب زايد من حديث شقيقه الصغير العقلاني الذي لا يظهر إلا نادرا .... فأضاف فادي بتأكيد:
_ قليل أوي لما كنت بشوفك بتضحك ... وتقريبًا عمري ما شوفتك فرحان ومبسوط ... وكنت بستغرب أن واحد زيك في ذكائك ونجاحك اللي الكل بيتكلم عليه ليه مش مبسوط !
رد زايد مقاطعا والمرارة تطوف بصوته :
_ لا ما تستغربش .... اللي زيي عمره ما هيعرف يعني إيه سعادة .... السعادة سابتني من سنين طويلة واتخلت عني وماتت! ....
وكان فادي يعرف بعض الأشياء عن ما حدث لوالدة زايد ، ولكن اعتقد أن بعد كل تلك السنوات لابد أن يكون زايد استفاق من هذه الصدمة وتخطاها ... ريثما بعد نجاحه بأكتساح في السباق التجاري لرجال الأعمال.
وضع فادي يده بربته بها شيء من الرفق والدعم .. وقال :
_ عارف يا زايد لما كلمتك عن فرحة امبارح وجيت هنا.. تقريبًا أول مرة أحس أني بشاركك في شيء ... انا نفسي أبقى زيك ... أنت مثلي الأعلى وقدوتي.
استدار زايد له وهزه بعنف من ذراعه وقال بغضبً شديد :
_ ابقى أي مخلوق تاني إلا أنا ! .... أنا عاجبك في إيه يا غبي ؟! ... أنت عايز تبقى زيي ... بس عمرك ما هتستحمل اللي أنا شايله جوايا ... لأني أنا نفسي مش قادر اتحمله ... خليك بعيد عني وأبقى حد تاني .. شبه نفسك ... شبه أخوك هيثم .. شبه أي انسان تاني غيري.
عبس وجه فادي ببعض الضيق وقال:
_ هيثم ! ... هيثم مش بحب اتكلم معاه ... كل كلامه تريقة عليا وتنمر، عمري ما احتجتله ولقيته!، وللأسف أمي راضيها طريقته دي معايا.... شخصيته مش بتعجبني زيك ... هيثم طول عمره بعيد عني حتى من قبل ما يسافر.... أنما أنت رغم بعدك عننا بس عارف أنك بتحبني وغالي عليك ... بلاقيك قبل ما أطلبك!
ولم يعتاد زايد أن يظهر مشاعره الحقيقية لشقيقه الصغير ... ولكنه فعليًا يحب هذا الصبي الذي سبب للعائلة الكثير من المشاكل .... ومع ذلك نظر له بثبات وقال :
_ ارجع النادي قبل ما السواق يكتشف أنك هربت ووالدتك تعاقبك أنك جيتلي!
تنهد فادي بيأس واحباط... فزايد لن تؤثر فيه الكلمات بتلك البساطة ... ولكن أقلًا رأى طيف دافئ بعينيه وهذه إشارة حسنة للآت...... فقال موافقا :
_ هشوف حسام واطمن عليه وبعدها همشي ... في حاجة عايزني ابعتهالك من البيت ؟
أجاب زايد بعد لحظات تفكير:
_ هدوم .... معملتش حسابي وأنا جاي .... ابعتلي شنطة هدوم ليا مع السواق ...
هز فادي رأسه بموافقة ثم غادر الغرفة ....
***********
فرغ المنزل من جميع الرجال سوى الجد رشدي الذي صعد لغرفته ..... ودخلت ليلى بعينان زائغتان للبعيد وبخطوات بطيئة للداخل ... بدا عليها أن بالها مشغول بشيء هام ... فقالت حميدة وهي تحمل الصغيرة وتشاكسها :
_ اللي واخد عقلك يا مرات عمي ؟
انتبهت ليلى بعد لحظات من الشرود لما تقوله حميدة وأجابت بتوتر :
_ لا أبدًا ... بابا وحشني وعايزة اروح أشوفه ...
تدخلت جميلة بالحوار وقالت لليلى :
_ ربنا يطمنك عليه يارب.
شكرتها ليلى سريعا ودخلت بعد ذلك في موجة من الشرود حتى نهضت وقد قررت شيء ... فقالت لحميدة:
_ أنا هروح المستشفى أطمن عليه وهاخد ريميه معايا، لو جدك سأل عني ابقي قوليله يا حميدة أنا فين.
وافقت حميدة حتى أخذت ليلى صغيرتها وارتقت درجات السلم حيث غرفتها الكبيرة استعدادا للذهاب ....
**********
وبعد أن وصل وجيه للمشفى وعلى إثره الشباب الأربعة الأطباء ذهب لمكتبه مباشرةً .... بينما تجمع الشباب الأربعة بمكتب جاسر حيث استغلوا فترة النصف ساعة قبل البدء الفعلي بالعمل.
وبعد دقائق كان كلا منهم يجلس في زاوية بمفرده عن الآخر ..... بينما رعد كان يجيء ويذهب بأرض المكتب في موجة عاصفة من الغضب .... وقال بعصبية لهم :
_ هيجي بكرة ! .... طب المفروض بقا اتصرف أزاي دلوقتي ؟!
قال جاسر وهو يحاول جاهدا أن يتحكم بأعصابه:
_ طالما وعدنا عمي وجيه بأننا نسيبه يتصرف يبقى لازم ننفذ كلامنا ... وماتنساش وائل اتصرف أزاي المرة اللي فاتت ...
زفر رعد بغيظ شديد وود لو يصب عصبيته بأي شيء حتى يهدأ ولو قليلًا .... ثم قال بنرفزة:
_ مش ناس وعدنا مع عمي ... لكن...
قاطعه يوسف بتأكيد :
_ مافيش لكن ! .... طالما عمي قال هيتصرف يبقى سيبه يتصرف ، أنت تقريبًا بتتحايل على رضوى عشان توافق وهي منشفة دماغها حبتين ..
تنهد رعد بيأس وشعر للحظات أنها لن ترضى قط ... فقال:
_ مكنتش فاكر انها عنيدة بالشكل ده ! ..... غلطت واعترفت بغلطي واتأسفت كتير ومافيش فايدة !
تحدث جاسر بصدق واعترف :
_ بص يا رعد ... أنت اخويا مش أبن عمي بس لذلك أنا شايف موقفها متزمت وعنيد وأوفر .... بس لما بصيت أنها برضو زي أختي حسيت أني عايز أضربك قلمين على وشك وأضرب نفسي معاك أني سمعت كلامك واتغابيت .... هي شكلها حبيتك واتعشمت فيك أوي وأنت بموقفك ده خذلتها وجرحتها جامد .... خصوصا أن شكلها طيبة أوي وحساسة.
قال يوسف بغيظ:
_ وأحذر غضب الطيب ده ....
التفت جاسر ليوسف وقال بسخرية :
_ قلبك جمد وبقيت بتزعق فينا يا أستاذ طبيخ !..... أنت قاعد معانا ليه ياض !
ابتسم يوسف ابتسامة واسعة ليغيظه أكثر وقال بثقة:
_ بتصعبوا عليا !
أشار له جاسر بتهديد أن يلكمه، ولكنه لم يستطع أن يخفي ضحكة فرت من شفتيه ...
فألتفت جاسر بعد ذلك لآسر وقال بسخرية :
_ ممكن أعرف استاذ افلاطون ماله ؟! ...
تسللت نظرة رعد لآسر وادرك مخاوفه خصوضا بعد قدوم حبيبته السابقة للمشفى والذي يتوافق مع قدوم سما للعمل هنا ... فقال:
_ أهو أنت بقا اللي اتغابيت لتاني مرة ومن غير تدهل من حد فينا .... تقدر تقولي بقا هتعمل ايه مع الدكتورة حبيبة ؟ .... حبيبتك القديمة !
رد جاسر باستهزاء:
_ لا والدكتورة حبيبة رامية شباكها عليه أوي الفترة دي .... دي بتقول للممرضات أنها قريبة آسر!
سأل يوسف جاسر وهو يضيق عينيه مكرا:
_ طب وأنت يا جاسر عرفت منين أنها قالت للممرضات كده ؟!
ابتسم جاسر بثقة وقال :
_هما اللي قالولي ... بيثقوا فيا يا أخي ... أقولهم لأ يعني ؟!
نهض آسر بضيق وعصبية ولم يبدو عليه أي صدمة بالأمر ... فقال:
_ وصلني أنها بتقول كده ... لو كنت عارف أنها راجعة عشان كده مكنتش ساعدتها والله .... ومش لاقي سبب مقنع يخليها تمشي من هنا ...
هتف جاسر فيه بغيظ وانفعال:
_ طب ما تحذرها إيه الغباء ده ! ....
رد آسر بنفس مستوى عصبيته :
_ قولتلها ونبهتها ... وقالتلي أنها عملت كده مضطرة لما لقت كذا حد بيضايقوها ....
لوى جاسر شفتيه وقال:
_ يعني بتبتزك عاطفيًا عشان تسمحلها بكده ! ... قابل بقا من ده كتير .... ويا سلام بقالما الكارثة بنت عمك تيجي هنا .... أبقى قابلني لو جوازتك تمت في سنين البيضا دي ..
ضاق آسر وتملّك منه الغضب منهم أكثر وخرج من المكتب .... فزفر جاسر بقوة ثم قال :
_ موضوعنا ده عايز معجزة عشان يتم ... ربنا يستر.
********
وبعد مرور ساعتين تقريبًا وصلت السيارة الخاصة بالجد رشدي أمام المشفى .... وكان بداخلها ليلى وصغيرتها ...
خرجت ليلى من السيارة وهي تحمل أبنتها وقالت للسائق أنها ستمكث لوقتً ربما سيطول ....
وبعدها توجهت للباب الرئيسي الذي يحاوطه رجال الأمن من كل جهة ....
ولم تتوجه لمكتبه مباشرةً بل أخذت خطواتها المضي إلى حيث مكتب صغير بأحد الطوابق قد خصصه وجيه للدكتورة مروة ..... واستقبلتها مروة بترحاب شديد وخصوصا الصغيرة التي ابتسمت شفتيها تلقائيًا لصوت مروة الحنون الدافئ ....
ثم سألت مروة بتعجب :
_ هو دكتور وجيه مقالكيش حاجة عن موضوع الفيروس المنتشر هنا ؟! .... كان الأفضل نتقابل برا !
أطرفت ليلى أهدابها بتعجب وحيرة ثم أجابت بنفي:
_ لأ مقاليش ! .... يمكن نسي ..
وكانت هذه الإجابة الأكثر منطقية للسؤال ... فقالت مروة بتأكيد:
_ لأ هو فاكر أننا هنتقابل برا على طول .. وممكن يكون نسي فعلًا ... المهم ما تقلقيش هو الموضوع الحمد لله مش منتشر أوي لدرجة تخوف... ٣حالات ظهروا والباقي كله عمل فحص وكله تمام والمستشفى اتعقم كل جزء فيها ....
اطمأنت ليلى بعض الشيء من حديث الطبيبة ... حتى لاحظت أن الصغيرة تغلق عينيها وتتيه بغفوة كل لحظة ثم تستفيق على أصواتهن....فنهضت ووضعتها على السرير الطبي بالمكتب وربتت عليها بحنان قائلة بهمس :
_ الحمد لله أنها نامت .... كنت عايزة اتكلم معاكي شوية ...
تأكد حدس مروة وقالت :
_ سمعاكي ... كلي آذانً صاغية.
ابتعدت ليلى عن ابنتها وتوجهت لنافذة المكتب ...ثم وقفت أمامها وشرحت الموقف الأخير والذي سبب شيء من الخصام معه .... فقالت مروة باستغراب:
_ ما عملتيش بنصيحتي ! .... أنا مش شيفاه غلطان يا ليلى ! ... ومش شايفة أن جيهان برضو غلطانة !!
التفتت ليلى لها بدهشة وقالت :
_ يعني مش قاصدة تضايقني ؟! ....
نهضت مروة وتقدمت لليلى عدة خطوات ببطء ثم وقفت قربها وقالت مجيبة:
_ طالما مش بتتعدى حدود حقها المفروض ما تزعليش .... أنتي بتقولي أن ده يومها ... يبقى هتفرق إيه تقضيه مع جوزها في أي مكان ! ... ما هي في النهاية وفي كل الأحوال معاه ! .... زي برضو أنك من حقك تطلبي منه يفسحك أو تتعشوا برا مثلًا في أيامك معاه ..... ساعتها لو جيهان زعلت هتستغربي وهتدي لنفسك الف حق! ....
ورغم علم ليلى أن ما تقوله الطبيبة هو المنطقي والصواب ... ولكن هناك مرارة بحلقها تمر كلما تذكرت ذلك ... ولم تستطع منع نفسها ابدًا من الاحساس بها .... شيء أقوى منها يدفعها لذلك .... ربتت مروة على ذراعها وقالت :
_ أنا قولتلك المرة اللي فاتت بلاش يجيلك وهو شايل هم أنك هتشتكيله وتحكيله .... أنا عارفة أنك بتحبيه ...بس احمدي ربنا أنك مش في موقف جيهان .... لو حطيتي نفسك مكانها بجد هتصعب عليكي والله ...
ابتلعت ليلى ريقها بحيرة وقالت :
_ اروحله طيب ؟
ابتسمت مروة وقالت بتأكيد :
_ روحيله بس ما تصالحيهوش على طول ..... غلسي الأول كده وشوفي رد فعله ... خليكي مكارة يعني .
وغمزت لليلى بخبث وابتسامة ... فمرت ابتسامة مرتبكة على ثغر ليلى ونظرت لأبنتها، فقطعت مروة سير أفكارها وقالت :
_ سيبي ريمو معايا ما تصحيهاش ... هفضل جنبها لحد ما ترجعي ما تخافيش عليها.
ووافقت ليلى على مضض ثم توجهت لمكتب وجيه مباشرةً....
*********
قبل اللقاء بقليل يُقال أن القلوب تتلاقى أولًا ... قبل حتى أن تقع أعيننا عليهم ! ...
وقفت ليلى أمام مكتبه في توتر وبعدما ذهبت لوالدها واطمأنت عليه من الأطباء على ازدياد تحسن حالته ولو بالبطء ... ثم حسمت أمرها ودقت على باب المكتب ... ولكنها لم تسمع ردا !
وكررتها وتلقت نفس الصمت ! .... حتى قررت أن تفتح الباب لكن وجدته خاليًا ! ....دلفت خطوات للداخل تنظر بجميع الاتجاهات حتى وجدت أحدى الممرضات تدخل للمكتب بعدما لمحتها من بعيد .... وقالت لها بترحيب :
_ ازيك يا ليلى ... أقصد يا مدام ليلى ...
وكانت هي تلك الممرضة التي رأتها بأول يوم أتت لهنا مع والدها إثر الحادث ... فأهدتها ليلى ابتسامة وقالت :
_ الحمد لله أنا بخير تسلمي .... هو دكتور وجيه فين ؟
وبعدما قصدت ليلى عدم الخوض في أحاديث جانبية كان يبدو أن الممرضة ستطرق إليها ... أجابت الممرضة منى بعدما شعرت بأختصار ليلى بالحديث:
_ شوفته في العناية اللي في الدور الرابع من شوية ... مش عارفة هو فين دلوقتي بس هروح ادور عليه وأقوله أنك هنا.
واختصرت الممرضة أيضا طلب ضروري كانت ستقدمه ليلى برجاء .... وغادرت الممرضة واغلقت باب المكتب وبداخله ليلى ....
فجلست ليلى على المقعد أمام المكتب الخشبي باستياء وتوتر شديد.... ما كانت تريد أن تنتظر لأن يأتي .... كان الأفضل أن تأتي اليه مباشرة ... لا أن تأتي وتنتظره وتهرب منها كلماتها بهذا الشكل ....
وبالفعل اسرعت منى بالبحث عن الدكتور وجيه بالطابق الرابع بأكمله .... حتى وجدته يتحدث بالأنجليزية مع طبيب أجنبي يأتي كل فترة للمشفى .... فقالت مسرعة :
_ يا دكتور يا دكتور يا دكتور .....
اغتاظت وجيه منها والتفت اليها ناظرا بحدة :
_ عايزة إيه ؟!
قالت منى بعبوس من عصبيته في الرد عليها :
_ مدام ليلى مستنياك في المكتب ...
تفاجأ وجيه بالفعل وصمت للحظات بدهشة اجتاحته ... ولكن لا ينكر أن تلك الدهشة كانت غلاف رقيق لبهجة شديدة محجوبة عن الظهور .... فقال بشيء من نبض بصوته :
_ طب .... هخلص واروحلها ...
ظنت منى أنه ربما يظن ليلى أهرى فقالت بتوضيح وابتسامة ماكرة :
_ يا دكتور مدام ليلى مراتك ! ... مش ليلى تانية ...
كان غباء منى دائمًا يثير غيظه وعصبيته ، ولكن الآن جاهد ليخفي ابتسامته من غبائها التي تؤكده بنظراتها البلهاء !
فقال بثبات زائف:
_ روحي لشغلك يا منى!
تمتمت منى بغيظ وقالت وهي تغادر من أمامه :
_ تعمل خيرا شغلا تلقى ! .... كل ما يشوف وشي يقولي روحي لشغلك ! ...
وظهرت ابتسامة على شفتيه ثم استأذن من الطبيب الذي يحدثه وابتعد مغادرا ....
وقصد أن يسير ببطء حتى مكتبه ..... كان يعرف أنها الآن تنتظره ولكن حقا لا يعرف أن كانت تريد الصلح أو الجدال الغير مُجدي !
***********
نفخت ليلى بعصبية من مرور الدقائق والانتظار ..... وعندما قررت الذهاب كان يفتح باب المكتب ووجدها تتأهب للمغادرة !
حمد سرا مجيئة بالوقت المناسب قبل أن تغادر ... ولكنه ظاهريًا تعامل بجدية مفرطة واغلق المكتب بالمفتاح دون أن تنتبه ليلى الذي تقدح عينيها شررا واضحا .....
استدار دون حتى أن ينظر لها وتوجه لمقعد مكتبه وجلس عليه بهدوء مستفز ..... راقبته ليلى وهي تضيق عينيها بدهشة ثم هتفت بعصبية :
_ يا هدوء أعصابك ! ...... أنت عارف مستنياك هنا بقالي أد إيه ؟!
رد وجيه بنفس الهدوء المثير لغضبها:
_ أنتي جاية وعارفة أني بشتغل مش فاضي! ..... وأنا مكنتش عارف أنك هتيجي النهاردة اصلًا ....
وفجأة تذكر أمر الفيرس المنتشر الذي غفل تمامًا عن أخبارها به لكثرة ما يدور بخلده .... فزفر بضيق ونهض قائلا باهتمام حقيقي :
_ مش عارف نسيت أقولك أزاي ... بس مش عايزك تيجي المستشفى الفترة دي .... في مرض منتشر و....
قالت ليلى بحدة :
_ يعني أنت عايزني أمشي من غير حتى ما نتكلم ؟!
تنهد وجيه وهو ينظر لها ثم قال بهدوء :
_ عايزة تتكلمي في إيه ؟!
فرت دموع من عينيها وقد جرحها جفائه وقالت بعصبية :
_ كنت جاية أقولك أني مش زعلانة انك رايح لجيهان .... وأني اتماديت في زعلي الصبح بس غصب عني ... وأنت حتى ما كلفتش نفسك تيجي ورايا ؟!
مرر وجيه يده على ذقنه مانعا ضحكة ثم قال مبتسمًا :
_ متأخر على شغلي بسببك وكمان عايزاني أجي وراكي ! ... ومن تواضعك جاية تقوليلي انك مش زعلانة أني رايح لجيهان اللي هي اصلا مراتي ....! .... أنا فخور بيكي يا ليلى.
اقسم بالله أنتي مجنونة ! ....
واتسعت ابتسامته بضحكة .... فنظرت له بابتسامة مرت رغم دموعها ، ولكي تستفزه استدارت للباب لتخرج ... ولكنها تفاجآت أن الباب مغلق تمامًا .... فاستدارت له بغيظ ووجدته يشير لها بالمفتاح وهو يضحك ... وقال :
_ مش هفتحلك غير بشروطي ...
ارتبكت وتظاهرت بالعصبية كي لا يتلذذ بانتصار من ابتسامتها .....وقالت بتوتر:
_ اللي هي إيه شروطك دي بقا ؟!
اقترب اليها ببطء حتى ابتعدت هي بتضاد خطواته ...وعندما التصق ظهرها بالحائط اسند معصمه على الحائط فوق رأسها تمامًا .... ثم مسح دموعها بابتسامة عاشقة وهمس :
_ ما تعيطيش تاني .... لولا شغلي وضرورة حضوري النهاردة كنت جيت وراكي ورضيتك ... بس أنتي كمان مش بتقدري موقفي ! ....
قالت ليلى بصدق :
_ لما حسيت أني تماديت جيتلك .... أزاي بقا مش مقدرة ؟!
ابتسم وجيه مرة أخرى لها وقال بغمزة من عينيه :
_ بقيت بخاصمك عشان اصالحك ... زعلك جميل بشكل !
رفت الابتسامة على شفتيها حتى اتسعت تدريجيًا .... وهمست برقة :
_ كل مرة تضحك عليا بكلمتين .... بس أنا مبسوطة .
ضيق عينيه بمكر وقال :
_ يعني لما بصالحك ومابيهونش عليا زعلك يبقا كده بضحك عليكي بكلمتين ؟! .... ده أنت بتاكلي عقلي بنظرتين وساكت ومش راضي اتكلم !
انخرطت ليلى بنوبة من الضحك .... وبعدها مرت عليهما لحظاتٍ من الرومانسية .....
*********
انتبهت مروة لاستيقاظ الصغيرة مذعورة باكية .... فادركت ما تمر به وكوابيسها المؤلمة .... فاعتدلت الصغيرة سريعا وهي تناشد أمها فاقتربت منها مروة وضمتها كي تطمئن .... ثم قالت برفق :
_ مالك يا ريمو ؟
تمتمت الصغيرة وهي تدمع :
_ با. .با ... بيعيط ....
ربتت مروة على راسها بحنان ثم قالت :
_ طب أهدي كده مافيش حاجة، ماما جاية بعد شوية ....
بدأت الصغيرة تهدأ رويدًا رويدًا وهي شاردة بحزن .... فهمست لها مروة وقالت :
_ احكيلي بتشوفي إيه يا ريمو ؟
ابتلعت الصغيرة ريقها بصعوبة وبدأت تتمتم بكلمات متقطعة لتجيب عن سؤال مروة ..... فشعرت مروة بشيء وارادت التأكد منه فسألتها :
_ طيب .... بابا صالح آخر مرة سمعتي صوته فيها قالك إيه ؟
اجابت الصغيرة وهي تنتفض :
_ كان بيعيط وبيناديلي ...
قالت مروة بقوة وكأنها وجدت ضالتها:
_ زي ما بتشوفيه في الحلم صح ؟
اومأت الصغيرة رأسها بتأكيد .... فتنهدت مروة وتأكدت من ظنها بأن الصغيرة تنسخ هذه الكوابيس لأن الأمر يلتمع بعقلها ... فقالت :
_ طب عايزاه ما يعيطش تاني يا ريمو ؟
هزت الصغيرة رأسها بقوة أكثر هذه المرة وكأنها تستغيث للنجاة .... فربتت مروة على يدها وقالت :
_ لما حد بيروح عند ربنا بندعيله بالرحمة ..... الرحمة دي بتروح لعنده هدية كلها نور كده وبتفرحه أوي .... بابا دلوقتي زعلان أنه سابك وأنتي زعلانة منه .... فعشان كده قولي لربنا أنا مش زعلانة منه وادعيله بالرحمة ....
سألت الصغيرة بلهفة :
_ هيبطل يعيط ؟
اكدت مروة مبتسمة :
_ اكيد .... هو دلوقتي يتمنى يرجعلك ياخدك في حضنه ويقولك بحبك أوي أوي وأنك مش زعلانة منه .... بس مش هيعرف للأسف ... لكن أنتي لو قولتي لربنا انك مش زعلانة منه ومش عايزة بابا يعيط يبقى ادعيله بالرحمة ..... وقولي أنا مسمحاه يارب وعايزاه يبقى مبسوط ..
تفاجئت مروة حقا بسرعة استجابت الصغيرة التي رفعت كفيها الرقيقان وقالت بتوسل ودموع :
_ يارب ما تخليش بابا يعيط تاني يارب أنا مسمحاه وعايزاه مبسوط ....
وكررتها الصغيرة عدة مرات ... ثم سألت الطبيبة مروة بلهفةً شديدة :
_ كده بابا بيضحك دلوقتي ؟
مسحت مروة دموع عينيها وضمت الصغيرة واكدت قائلة :
_ ايوة بيضحك ....ادعيله كتير بالرحمة عشان يفرح أكتر .....
" لا تكرهوا البنات ، فإنهن المؤنسات الغاليات "
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
في فصل بكرة بأذن الله وهنبدأ في الجد 😑... بتمنى يعجبكم الفصل ده ❤
الفصل ده وجعني بجد وكان لازم اكتب تفاصيله 🌹
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السابع_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... مواجهة وصدمة...؟!...~
لا تترك عثرة خلفك قد يأتي ريحها العاصف للآت !
ها وقد دقت الساعة العاشرة صباحاً ...
مرت فتاة من المدخل الرئيسي للمشفى .. وتقدمت بخطوات ثابتة للداخل وخصلات شعرها ترفرف على النظارة السوداء التي تخفي جزءّ كبير حول عينيها.
ويبدو أنها قد لفتت الانتباه منذ دخولها باللحظة الأولى بجمالها ومظهرها المُلفت وخاصةً أنها ترتدي بنطال من الجينز الضيق جدًا، وبلوزة بيضاء تماثله ضيقا وتبرز مفاتنها عن عمد.
ورغم برودة الهواء إلا انها لا يبدو عليها الاكتراث لأن ترتدي المزيد وتنعم بالدفء.
تبختر خطواتها وهي تسير يقول أنها تتعمد لفت الانتباه وأغراء الرجال ! .... حتى صعدت الفتاة التي تعلق حامل حقيبتها بمعصمها بمنتهى الثقة وكأن المكان أصبح ملكها تمامًا..!
كاد أن يسألها عامل المصعد عن هويتها، ولكنه خشي خلق مشكلة لنفسه وأكتفى بسؤالها عن رقم الطابق المقصود ... فأخبرته بثبات دون حتى أن تلتفت له.
ومرت دقائق حتى خرجت من المصعد لهدفها مباشرةً ... وكان هدفها هو مكتب الدكتور " آسر" ... وعندما مرت بالممر الذي يقف فيه يوسف يتحدث مع جاسر ويتبادلان أطراف الحديث عن شيء يخص المشفى ... أشارت بيديها تحية السلام، وبصوتً تغمره الأنوثة غمراً .... فرد يوسف دون أن ينظر لها بينما جاسر ضيق عينيه متعجبًا وقال باستغراب ليوسف :
_ مش دي ريهام الدهبي ؟! .....
التفت يوسف للفتاة التي ابتعدت عنهما خطواتٍ، وقال وظهر بعينيه أنه غير متأكدًا :
_ مش عارف .... وبعدين افتكرلنا حاجة عدلة بدل البت الملزقة دي ! ... والله جدي كان عنده حق يرفض خطوبتها بآسر .
زفر جاسر ببعض العصبية وقال:
_ لأ هي ريهام الدهبي أنا عارفها كويس .... بس اللي أعرفه برضو أن الموضوع ده المفروض أنتهى وآسر خلصه من وقت ما رجعنا من القافلة ! ....
اتسعت عينان يوسف بدهشة والتفت مرة أخرى للفتاة التي بالفعل دخلت مكتب آسر دون حتى أن تستأذن ... ثم قال بشك:
_ مش معقول آسر اللي يكون كلمها تيجي ! ... هو اصلًا مكانش بيحبها ولا كانت في دماغه ، هو كان عايز يعاند جدي وبالمرة يحاول ينسى حبيبته الأولانية بيها!
أطبق جاسر شفتيه على بعضهما في يأس ثم قال بتبرم:
_ دي أخرة العند .... وأدي سما عرفته أنه محبش أصلًا قبلها وكل اللي فات كان لعب عيال وعبط ! .... بس الانسان مش بيصبر !
نظر يوسف له بسخرية وقال:
_ لأ وأنت اللي كان صبرك يتحكي عنه ! ..... ما أنت كنت مقضيها !
رد جاسر بصدق واعترف:
_ انت قولتها بنفسك .... كنت !، بس دلوقتي خلاص عايز استقر وتوبت ، وبعدين أنا مالعبتش بواحدة ولا قضيتها زي ما أنت فاكر!، وكل اللي عرفتهم هما اللي جريوا ورايا وكلهم شمال اصلًا ! ..... بس لما لقيت البت الصح اللي دوختني ولففتني كده حواليها اتمنى بس كلمة .... اتمسكت بيها ... يابني أحنا بنحب البنت الصعبة اللي مانعرفش نوصلها بسهولة ... أنما السهلة دي تمامها يومين وبتتنسي ... ما بتلزقش في الدماغ غير ام لسانين اللي تيجي تكلمها تلم عليك الناس .
وضحكا الاثنان سويًا حتى قال يوسف بطيف محبة طفر بعينيه:
_ واللي بتلزق في القلب هي الحنينة الجدعة ... اللي تحسها حته منك ، اللي تبقى عايز بنتك شبها ، وتبقى عايزها أم لولادك ... عارف يا جاسر ...كلكم فاكرين أني بحب حميدة عشان اكلها حلو .... بس هي الوحيدة اللي عارفة الحقيقة ... بحبها عشان بحب حياتي بيها هي بالذات ... وبحسها قريبة أوي مني ...من قبل حتى ما أعرف أنها بنت عمي كنت بحسها مني !
ضربه جاسر ضربةً خفيفة على كتفه بمزاح وقال بابتسامة صادقة:
_ خلاص قريب هنشوفك عريس وهتفرح وتفرحنا معاك يا چو ... يمكن جميلة قلبها يحن وتحس على دمها وتوافق ! ..... بحب واحدة عندها أنيميا في المشاعر !
ضغط عالي في طولة اللسان والتهزيق! .... فيروسات في لسانها!
وانخرط يوسف في نوبة من الضحك وشاركه جاسر بعد لحظات.
********
كان آسر على وشك أن يعود للعمل بعدما أخذ فترة مروره على بعض المرضى ... ولكن توقف مدهوشا بدخول تلك الفتاة الذي واعدها لفترة قبل سفره للبلدة الريفية، وقد اتفقا سابقا أن يعلنا خطوبتهما لفترة وجيزة ومرتبة حتى ينال كلًا منهما هدفه بذلك الارتباط المزيف والمؤقت ...
قالت ريهام مباشرةً وهي تخلع نظارتها بثقة امرأة تدرك أنها فاتنة:
_ لقيتك مابتسألش قولت أما اسأل أنا !
تنهد آسر وهو ينظر لعدة اتجاهات بنظرات خاطفة، ثم عاد ناظرا لها وقال محاولا الهدوء قبل أن يتأكد من ظنه:
_ اللي بينا أنا نهيته يا ريهام ... وأظن علاقتنا مكنتش جدية للدرجة!.
ابتسمت ريهام ولكن ابتسامتها لا تنذر بالخير ... أو أنها لم تأخذ حديثه على محمل الجد ... فقالت:
_ نهيته بمكالمة تليفون ! .... مكلفتش نفسك تطلب تقابلني وتفهمني حتى ! .... المفروض أنك كنت مسافر قافلة طبية تبع المستشفى ، سافرت وكنت تمام ... مجرد ما رجعت القاهرة كلمتني وقولتلي كلام مافهمتهوش ! .... سيبتك تفكر وتهدا براحتك والنهاردة جيتلك .... أنت ناسي أن كان بينا اتفاق واكدتلي بتنفيذه؟!
تحكم آسر بهدوء هذه المرة أيضا وأجاب :
_ اتفاق فاشل .... وبعترف أني خدته في لحظة غضب من جدي وتحكمه فينا ... وأنتي كنتي عايزة تغيظي بيا خطيبك السابق ! .... أظن في كتير غيري يقدروا يقوموا بالدور ده واحسن مني !
احتدت نظرات ريهام وبائت أقرب للشراسة وهتفت:
_ بعد ما وصلتله أننا هنتخطب وأني على علاقة بيك ؟! ..... الفترة اللي فاتت دي عرفته أني بجهز للخطوبة مش أني هفركش ! .... لو مش أد كلامك بتقوله ليه ؟! أنت عارف أحنا لو ما اتخطبناش في أقل من شهر هيحصل إيه؟!
لم يكن آسر يعتقد أن الأمر سيتأزم لهذه الدرجة ! .... بل معرفة عابرة وانتهى أمرها ومرت ! .... فقال بتعجب :
_ هيحصل إيه يعني ؟!
نبض الغضب بصوت ريهام وهي ترد بصوتً مرتفع :
_ هيشمت فيا أكتر وهتكسرني قدامه ! ..... وعيلته كلها هتفرح فيا ومش هقدر اروح أي مكان هما فيه!
غضب آسر من سطحية رؤيتها وقال بحدة:
_ أنتي سطحية وتافهة! ... وأنا للأسف كنت هدخل نفسي في حوارات ومشاكل لو كنت خطبتك بالفعل! .... وأظن أنا كلمتك باحترام واعتذرت عن الاتفاق ده فلو سمحتي ....
أشارت له ريهام بنظرات واسعة تعبر عن التهديد الصريح وقالت:
_ مش ريهام الدهبي اللي يتقالها كده ! .... وأنا هعرف اتصرف وأخليه وأخليك أنت كمان تندموا على اللي عملتوه فيا !
وبعدها خرجت من المكتب بعدما رددت بشراسة تهديدها الواضح ..... فتمتم آسر بعصبية:
_ انسانة مريضة بعقلها وغبية! ....
وهنا تذكر سما ! ..... لم يكن وجه مقارنة بين تلك الفتاة الرقيقة والناضجة، وبين فتاة لم تعرف من العمر سوى أن الايام تمر وعقلها يضيق أكثر!
********
وبمكتب وجيه....
ابتعدت ليلى عن ذراعيه حتى وقفت بعيدة عدة خطوات شعرت فيهن ببعض البرودة تتسلل إليها .... فابتسم لها مقتربا مرةً أخرى وهو يرمقها بنظرة ضيقة ... وتسللت خطوات أضافية حتى النافذة ونظرت له شاردة لبعض الوقت ... ثم قالت عندما اقترب واقفا خلفها ومرر أنامله على ذراعيها بحنان :
_ وجيه .... عايزة أقولك حاجة وماتقولش لأ !
وبعدما اجتاح قلبه العشق باللحظات الفائتة، لم يكن بوسعه أن يرفض لها طلبا ... فهمس لها بدفء:
_ قولي وهوافق ...
استدارت لها وقالت بنظرة راجية:
_ في الأيام اللي هتكون فيها مع جيهان ... عايزة أبات مع بابا هنا ... احنا بقالنا كام يوم متجوزين ... بس صدقني مش قادرة أنساه لحظة ... وقلبي واجعني طول الوقت أني سيباه كده في الحالة دي ! ....
ابتسم لها وجيه بحنان ... ثم قبّل جبهتها وأجاب:
_ يا ليلى يا حبيبتي ... أنا لما اتكلمت مع الدكتورة مروة في حالتك هي اللي نصحتني اسرع قرار جوازنا .... لأنك كنتي في حالة في أشد الاحتياج لأنك تفرحي وتحسي بالأمان وكذلك ريميه .... وجدك كان مستعد لو رفضتي يجوزك غصب عنك .... بس هو عارف أن قلبك بيتمنى ... ده كله كان مفتاح حله أنك تبقي معايا ... وبعدين والدك مش لوحده ... جدك معاه ليل نهار والدكاتره مش بيسيبوه ابدًا .... قعدتك جانبه هتفيد بإيه غير أنها هتتعب صحتك ونفسيتك ... وكده كده مش بيفوت اكتر من يوم وبتجيله تشوفيه .... ظروفك مكنتش عادية عشان قلبك يوجعك للدرجادي ...
قالت ليلى بعد اطمئنت بحديثه:
_ بس برضو ده هيسعدني وهيريحني .... عشان خاطري ما ترفضش.
ابتسم مقتربا لعينيها وهمس بعشق :
_ عشان خاطرك اعمل أي حاجة ... وموافق لو ده هيريحك .... بس مش دلوقتي ... لحد ما أطمن أن المستشفى مابقاش فيها حالات عدوى ... وكمان لأن كنت مرتب شيء بخصوص البنات ..
تعجبت ليلى وسألت :
_ مرتب إيه ؟!
شرح وجيه ما يجول برأسه:
_ المفروض بعد يومين البنات هيجوا يستلموا الشغل ... بس ده مش هينفع مع موضوع الفيروس ده .... كنت هقولهم كده ولكن حسيت أنهم مش هيصدقوني وهيشكوا في كلامي ..... وأني بتحجج عشان ما يجوش يشتغلوا وخلاص ... فكنت هقولك وهرتب معاكي تأكيدلهم بنفسك موضوع الفيرس ده وأن رغم مرض والدك إلا أنك مش هتعرفي تزوريه زي الاول... وده هيكون اثبات صريح ليهم ...
استغربت ليلى من الأمر وقالت :
_ طب ليه مش هيصدقوك ؟! .....
رد وجيه بتوضيح :
_ بصي ... اللي بتصدقني فيهم أوي حميدة أنما التلات بنات الباقيين مش بيتكلموا كتير .... وده عرفته لما اتكلمت معاهم وحسيت أنهم بيفكروا في كل كلمة بس مش قادرين يقتنعوا بكلامي بالدرجة الكافية، وده عاذرهم فيه لأنهم لسه مايعرفونيش كويس زي الشباب ... أنا عملت حساب شكوكهم وحبيت أني لما أقول الشغل يتأجل شوية يبقى قراري منتهي مش قابل للمناقشة ... ومش قابل للظنون لأني كنت معارض فكرة شغلهم من البداية وهما عرفوا كده للأسف.
فهمت ليلى ما يدور بخلده وهزت رأسها بموافقة ... ولكن قالت بقلق:
_ طب ده معناه أني مش هشوف بابا ؟!
رد مبتسما بحنان :
_ لأ هتشوفيه .... بس مع احتياطات الوقاية ... ومش كل يوم ... كام يوم كده لحد ما الأمر تمر بخير واحضر أوضة مخصوص لينا ...
ابتسمت مع بعض التعجب وقالت:
_ لينا ...!
رمقها مبتسما ابتسامة بها بعض المكر من تعجبها ... وقال بجدية بعد ذلك :
_ آه لينا مستغربة ليه.... أي مكان هتكوني فيه هتلاقيني معاكي ..
ابتسمت له واحمرت وجنتيها بحياء ... ولكن مهلًا ...
هنا تذكرت حديث الطبيبة مروة .... وتذكرت موقف جيهان عندما تبدأ بالبيات بالمشفى ويصمم وجيه على المكوث بجانبها ولا يعود لمنزله ! ....
وكان الأمر به قسوة على جيهان واعترفت لنفسها بذلك ... ريثما أن المكوث لن يأخذ فقط يوم أو يومان ! ... بل لأجلا غير مسمى وغير معروف ! .... ولكن لابد أن تلازم والدها بمرضه ولا تتركه يومٍ آخر ومن المتوقع إفاقته بأي لحظة ....
**********
فتح زايد باب غرفته المتواجدة بأول الممر المؤدي للغرفة المنعزلة البعيدة والتي تمكث فيها فرحة .... رمق أفراد الأمن بعصبية وغيظ وعلم أنه لن يستطيع رؤيتها وهؤلاء الرجال متجمعون بالممر هكذا ! ....
وانتبه فجأة لخروج أحدى الممرضات من ذات الغرفة وأشارت له قائلة بصوتً عالي:
_ اديتلها التليفون لو عايز تكلمها ...
هجر بعض من استياءه وعبوسه وأومأ برأسه لها شاكرا .... ثم عاد لغرفته واغلق الباب سريعا ....وتوجه مستندا على عكازه ناحية الفراش المُلقى عليه الهاتف ....وكان يعرف رقم هاتفها ، فقد استطاع الوصول إليه قبل أن يغادر مسبقا من هنا ....وأجرى الأتصال في لحظات منتظرا صوت بات هاجسه بتلك الأيام .... وأجابت فرحة بصوتً ضعيف جدًا ويكتمه بحة مختنقة .... وقالت وهي لا تعرف من المتصل :
_ مين ....؟!
تنهد تنهيدة ارتياح لأول مرة بعد مرور عدة ساعات تصارع فيها مع كافة المشاعر الغاضبة والمنفعلة .... فرد بعدها كأنه وجد طريقا بحث عنه سنوات :
_ أنتي بخير ؟
تاهت فرحة قليلًا في صوته ومدى تأثيره عليها، ولم تأخذ وقتً للتعرف عليه ... بينما شعرت بشيء مبهج يتسلل بأوردتها وبمجرى الدم قد أنعش ذهنها قليلًا ..... فأجابت:
_ الحمد لله ..
ردد الكلمتان بمشاعر صادقة من الشكر والحمد لرب العالمين .... ثم قال بصوتً قوي رغم هدوئه:
_ ماتخافيش ... صدقيني هتكوني بخير .. هستناكي لحد ما تخفي عشان نكمل كلامنا ..
ابتلعت ريقها الجاف تقريبًا وأنتابتها رجفة ارهقت جسدها أكثر وضعفت بقايا قوتها .... وطرحت سؤالها بتوتر:
_ نكمل كلامنا! .... كلام إيه ..؟!
أجاب بتأكيد :
_ كلام كتير يا فرحة .... فيه منه قولته ، والباقي منه لسه باقي !
لم تكن بحالة جيدة لأن تطرف حتى بجفنيها لتفكر بكلماته .... فأخذت الممرضة منها الهاتف بيدا مغلفة بقفاز غليظ، وقالت من بعيد ليصله صوتها :
_ طمنتك عليها ... هتتعب لو اتكلمت أكتر من كده ... مع السلامة ..
واغلقت الممرضة الهاتف ووضعته بعيدًا عنها ... ثم قالت معتذرة :
_ أنا غصب عني سيبتك تتكلمي بس هو كان هيتجنن ويدخلك ..... واضح أنه بيحبك أوي ...
هربت بقايا الدماء من وجه فرحة وبات وجهها شاحب كالأموات .... وهناك العديد من الأفكار والتخبط من هنا لهناك في خواطرها ..... ورغم ما يفعله الآن ... فأنها لم تنسى ذلك اليوم الذي أمر بأختطافها !
*********
وحل المساء بنسمات معتدلة ... بينها البارد ومنها الدافئ ...
ووقفت ليلى بشرفة غرفتها بالمنزل تنظر أمامها بشرود .... بعدما ادت فرضها منذ وقت، وروت الكثير من الحكايات لصغيرتها ... ودقت الساعة التاسعة الآن ...
لابد أنه الآن بمنزل عائلة جيهان ! .... اغلقت عينيها لتكتم هذه الثورة التي تغزوها مجددًا ... حتى انتبهت لدق خفيف على باب الغرفة .... وعادت لداخل الغرفة لتفتح الباب ...حتى وجدت حميدة قبالتها ترمقها بتوتر وبعض التردد .... ابتسمت لها ليلى وأشارت لها بالدخول قائلة:
_ تعالي يا حميدة ادخلي ....
دخلت حميدة ببطء وما أن اغلقت ليلى الباب حتى جذبتها ليجلسا معا بالشرفة في هذا النسيم المنعش ..... وكانت حميدة تحتاج حقا لهذا الهدوء ... فقالت ليلى مبتسمة :
_ كويس أنك جيتي تقعدي معايا .... مكنش جايلي نوم خالص.
ابتلعت حميدة ريقها وقالت بحرج :
_ هو عمي هيتأخر ؟
نظرت لها ليلى لبعض الوقت وقد كشفت سبب سؤالها هذا فاتسعت ابتسامتها بمكر وأجابت :
_ ده هيبات برا كمان ....
اتسعت عينان حميدة فجأة وظهر بعد ذلك تقطيبة تحمل كثير من العتاب .... فقالت ليلى مجددًا :
_ بس اكيد لما يرجع بأذن الله أول حاجة هيعملها أنه يكلمك وياخد رأيك .... اكيد يوسف دلوقتي مستني على نار.
ووضع بموضع العبوس الحياء والحمرة الخفيفة .... حتى تنسمت شفتي حميدة ابتسامة رقيقة وتهربت من عيني ليلى ... وقالت بتلعثم:
_ بسأل بس بطمن عليه ... وكمان بصراحة دي فرصة كويسة عشان اتكلم معاكي.
شجعتها ليلى لتتابع .... فبدأت حميدة وقالت وهي تبتسم بحياء شديد وارتباك :
_ أنا فكرت وقررت ... بس يعني كنت مكسوفة أقول لعمي قراري ..... أنا موافقة ..
قالت ليلى بلهجة ومشاعر صادقة :
_ مبروك يا حميدة الف مبروك ..... بجد مبسوطة عشانك أوي أوي.
ظهرت ابتسامة حميدة وقد أخذت بعض الحرية من تلقائية ليلى واكملت بارتياح وسهولة :
_ بحسك مننا كده وعلينا يا مرات عمي ... عشان كده حبيت اتكلم معاكي شوية .... يمكن أنا موافقة وفرحانة مش هنكر .... بس خايفة أوي ... أنا معرفش يوسف كويس ، هو فعلا حاسة أني فهماه وعارفاه وحفظاه ... بس الحقيقة والواقع أني فعلّا معرفهوش كويس ... وخايفة أوي من اللي جاي .
سألت ليلى :
_ خايفة من أيه بالضبط ؟
صمتت حميدة لبرهة كأنها تبحث عن الإجابة الحقيقية للسؤال .... فقالت بحيرة:
_ مش من حاجة معينة .... بس أنا وخاصةً بعد ما أبويا توفى بقيت بحس أني خايفة ... حتى في عز الفرحة بلاقي الخوف ملاحقني ! .... خوف زي الشبح مش عارفة أحدده .... بس بخاف.
تفهمت ليلى حديث حميدة وقالت :
_ طبيعي يكون ده احساسك يا حميدة .... أنا يوم كتب كتابي على وجيه معرفتش أفرح ... جوايا فرحة اد الدنيا بس محبوسة ! .... وده عشان ظروف مرض أبويا وأنه مش معايا ..... حاجة كده بتلاقيه جواكي وتلومك أنك فرحانة من غيره فبيتقلب الفرح لقلق وخوف ....
أشارت حميدة مؤكدة:
_ ايوة زي ما بتقولي كده بالضبط .... ومش عارفة اعمل إيه ؟!
قالت ليلى :
_ ادعي وسبيها على ربنا .... واللي جاي كله خير بأذن الله ....
وفجاة وهن يتحدثان التفت للباب الذي فتح فجأة ... واتسعت عين ليلى عندما رأت وجيه يقف مبتسماً عند الباب .... وقفت حميدة مبتسمة له وقالت :
_ مساء الخير يا عمي
دلف وجيه للداخل بنظرات مبتسمة وقال لحميدة بمشاكسة:
_ جيتلك مخصوص .... عشان موضوع يوسف وأخلصه النهاردة زي ما اتفقنا...
قالت ليلى وعينيها مفتوحتان على آخرهما من الدهشة :
_ بجد أنت جيت ! .... كنت فكراك هتروح لجيهان !
أجاب وجيه بصدق:
_ خلصت شغلي وجيت على هنا .... نخلص موضوع حميدة وهروح لجيهان برضو .....
وراقب وجهها الذي تبلد فقال لها :
_ نفك التكشيرة بقا !
ابتسمت ليلى ابتسامة مترددة له ..... حتى وجه وجيه حديثه لحميدة التي اصطبخت وجنتيها أكثر ... وقال لها بابتسامة :
_ عروستنا رأيها إيه ؟ .... نقول الف مبروك ؟
جف ريق حميدة وارتجفت بحياء ثم قالت قبل أن تركض خارجة من الغرفة :
_ نقول يا عمي ...
واتسعت ابتسامته وهو يراقب ركضها للخارج .... ثم التفت لليلى التي ابتسمت أيضا على ما حدث وقالت له :
_ حميدة موافقة .... هي قالتلي كده ...
قال بثقة:
_ ما أنا عارف أنها هتوافق .... بس برضو سيبتها تفكر .....
هروح بقا أطمن يوسف لأني لو فضلت هنا مش ماشي ...
ورماها بنظرة مشاكسة ضاحكة ... حتى تسللت اليها ابتسامتة اتسعت شيئا فشيء .....
وكما توقع وجيه عندما يخبر يوسف بالموافقة .... كاد أن يقفز من فرط الفرحة وتجمع الشباب حوله للمباركة والتهنئة .... حتى سأل رعد بترقب:
_ طب وموضوعي يا عمي ؟
رد عليه وجيه وقال بنظرة فيها الكثير من الخبايا:
_ كل شيء هيتحل في وقته .... أما نشوف لما تقعد معاه بكرة هيكون ردها إيه !
قال يوسف بسعادة شديدة :
_ والله أنا حاسس أن فرحنا الاربعة هيكون في يوم واحد ....
فأضاف وجيه بتوضيح :
_ وأنا أتمنى ده أكتر منكم .... نشوف موضوع رضوى بكرة وبعدها نحضر خطوبة يوسف وحميدة بأذن الله ...
وبدا على آسر بعض الشرود المريب ... ولم يستفيق منه حتى بعدما خرج وجيه ....
فقال جاسر له بشك :
_ بقولك إيه يا آسر .... إيه حكاية ريهام الدهبي معاك ؟ أنت مش قولت أنك كنسلت الموضوع ده ونسيته؟!
غضب آسر من تذكيرها بأكثر أمر ملأ قلبه بالقلق في الساعات الماضية وأخذ كتيب صغير وخرج دون أن يرد على جاسر .... فقال الآخر بيأس :
_ بتجيب لنفسك مشاكل من الهوا !
حتى أنشغل الشباب مجددًا بالمرح والشعور بالفرحة من الخطوبة المنتظرة ....
*******
وبعد ساعات قليلة وصل وجيه لمنزل عائلة جيهان .... واستقبلته الأخرى بشوق شديد وركضت اليه حتى ارتمت بين ذراعيه بقوة ..... حاوطها بذراعه ، وقال بثبات دون تأثير واضح بصوته من اقترابها منه :
_ اخبارك أنتي وسمر إيه ؟
اجفلت جيهان للحظة من هجر اللهفة والاشتياق من صوته .... وابتعدت قليلا ونظرت بعينيه بقوة ... ثم قالت بقوة :
_ وجيه هو أنا وحشتك ؟
رد سريعا :
_ اكيد و....
هزت جيهان رأسها بدموع وهي تبتعد عنه... ثم قالت وعينيها يلتمع فيهما الألم:
_ اكيد دي محستهاش في صوتك ولا في لمسة ايدك ! .... ارجوك لما تلاقيني في الحالة دي عاملني بشوية حب .... حتى لو هتمثل عليا ! ....
نظر لها وجيه وفي نفسه يعرف أنها محقة ... هو يعاملها بالواجب وليس الحب ... ولكن ما ذنبه هو إذا كانت الظروف فرضت عليه وضع في قرارة نفسه لا يقبله !
فقال لها وحاول أن يبتسم:
_ هي دي مقابلتك ليا بعد يومين تقريبًا ما شوفتكيش فيهم ! ....
تداركت أنه يبتعد عن مجرى الحديث الأساسي فقالت بعد تنهيدة مؤلمة:
_ العشا جاهز وأنا ....
قاطعها وقال :
_ مش هقدر أتعشى للأسف .... اتغديت في المستشفى ومش جعان دلوقتي ....
يبدو أن هذا أول شعور يتشاركا فيه ! .... فهي أيضا لم تشعر بأدنى لهفة للطعام ! .... فقالت بموافقة :
_ خلاص .. اطلع ارتاح أنت في أوضتي وأنا هطمن على سمر واحصلك ....
وتركها وجيه بالفعل وصعد للغرفة الذي يعرف أنها تخصها .... بينما توجهت جيهان للمطبخ المؤثث بأفخم أدوات الطهي ..... ثم فتحت الثلاجة وأخرجت منها شريط دواء به عدة أقراص لمنع الحمل حفظته هنا حتى لا يكتشفه بأي صدفة ..... فأتى صوت من خلفها يقول بعتاب :
_ ليه يابنتي بتعملي كده ؟! .... في واحدة تمنع رزق ربنا كده وهي في أشد الاحتياج ليه ؟!
التفتت جيهان لمربيتها العجوز وقالت بدموع :
_ مش بإيدي يا دادة .... أنا حاسة أن حياتي معاه على المحك ! .... مش عارفة بكرة هكون معاه ولا لأ ! ..... والأبشع أني متأكدة أنه مش عايزة يربطنا أطفال ! ....... مش هقدر أشوف الزعل في عنيه لو قولتله في يوم أني حامل .... مع أني هموت وأبقى أم ! .... عشان لو في يوم قدرت اسيبه مافيش حاجة تربطني بيه تاني ...
قالت المربية بصدمة :
_ ليه يابنتي بتقولي كده بعد الشر عليكوا ! .....
ابتلعت جيهان القرص برشفة مياه .... ثم قالت وهي تضع الشريط مجددا بالثلاجة:
_ مش أنا اللي بقول ..... الأيام الجاية هي اللي هتبين حاجات كتير ....
وانتهت جيهان الحديث مع المربية وصعدت لتطمئن على سمر قبل أن تتوجه لغرفتها .....
*******
وأتى مساء اليوم التالي ومعه الموعد الثقيل لعائلة عاصم ! ....
وظل الشباب بغرفة رعد ليمنعوه من التهور والنزول وارتكاب فعل بالتأكيد سيندم عليه لاحقا ....
بينما عكف الفتيات بغرفة رضوى يساعدونها في الاستعداد للمقابلة ....... وجلس وجيه وزوجتيه والجد رشدي مع عائلة عاصم .... بينما اليوم حضرت سلمى شقيقة وائل .... والتي كانت تنتظر ظهور رضوى بأي لحظة ..... وتراقب بصمت تام.
وقال عاصم بجدية لوجيه :
_ طبعا يا دكتور أنت عارف أن المقابلة دي مش عشان وائل وبس ... عايز كمان البنتين التانيين غير حميدة
نظر له وجيه للحظة ثم أجاب بهدوء:
_ نشوف بس موضوع رضوى الأول يا عاصم .... ماتحسسنيش أنك داخل على طمع كده وعايز تخطف ٣ بنات مننا مرة واحدة! ...
وقالها وجيه واظهرها ببعض المرح كأنها مزحة ... بينما رمقه عاصم بنظرة ضيقة وعلى يقين أن وجيه لن يعبث بالكلمات لمجرد العبث بل بقصد شيء! ..... فقال عاصم بشيء من الحدة :
_ ماشي يا دكتور اللي يريحك ... خلينا في رضوى دلوقتي.
وأتت رضوى بالمشروبات مثل المتعارف عليه .... فأشار لها وجيه لتجلس ... وبدت بردائها الحريري الأزرق كوردة للتو أزهرت ....... ولم يحيد وائل نظراته عنها .... حتى قالت أمه بضحكة :
_ نسيبهم يتكلموا شوية ولا إيه يا دكتور ؟
رد وجيه بلياقة :
_ طبعا ده حقهم ...
وأشار لرضوى بالموافقة ، ثم نظر لليلى أن تصاحبها حتى أحدى غرف الصالون وانتبهت جيهان لذلك بمرارة جرت بريقها .....
وفي غرفة الصالون ....
تركت ليلى رضوى جالسة بعينان زائغتان وشاردتان للبعيد .... كأنها تريد الهروب من المكان بأكمله .... وجلس قبالتها وائل في ابتسامةً ماكرة وهو يتفحصها بدقة ..... وقال :
_ أنتي جميلة أوي ... والأزرق لايق مع لون عينك بشكل يجنن !
انفعلت رضوى وقالت له :
_ هي دي مقابلة للتعارف ولا حضرتك جاي تعاكس ؟!
وأضافت وكأنها وجدت مبرر لتنفث عن غضبها :
_ لو جاي عشان كده أنا ممكن أقوم عادي !
أشار لها معتذرا وبداخله غيظ شديد منها .... فقال متظاهرا باللطف :
_ لا لا أسف مش أقصد ... بس لقيتك متوترة قولت أما اطمنك شوية واخليكي تفكي ...
قالت وهي تزفر ضيقا واختناق:
_ لا شكرا ....
انبعثت منه رائحة التبغ وهو يتحدث، فنفرت منه وودت لو تهرب لأبعد مكان عنه ..... حتى وقف عند :
_ ولفت نظري أخلاقك يوم الحفلة ... يمكن ما شوفتكيش إلا مرة واحدة بس ... لكن بعدما ما اترددتش لحظة اتقدملك ...
وابتلعت رضوى ريقها بمرارة وهي تتذكر رعد الذي تركها ونبذ قرابتهما وخرج فجأة من القرية. الريفية ...... حتى انتبهت لحديث وائل وهو يقول :
_ مش هكدب عليكي .... أنا معجب جدًا بشخصيتك دي ، أنا بحب البنت المحترمة اللي عارفة حدودها .... وأنا عايز اسمعك وارد على أي شيء عايزة تعرفيه عني ...
وكان بحديث وائل انتقاء للكلمات التي جعلتها رغما عنها تجيبه بهدوء وتهذيب .....
ومر ساعة تثريبًا وهو يتحدث وهي صامتة تجيب بكلمات بسيطة وعينيها تائهة للبعيد ..... حتى أرسل وجيه جيهان هذه المرة لترى ما أن كانت استكفت رضوى من المقابلة أم تريد المزيد ....
وبغرفة رعد .....
ضرب على خزانة ملابسة بعنف وهتف :
_ مش قادر أقف مكاني وأفضل ساكت .... في نار قايدة جوايا ومش هتهدى غير لما أنزل واطرد الحيوان اللي اتجرأ واتحداني وجاي يخطبها ...
وكان جاسر يقف متحكما بحركة رعد حتى لا يثور ويفر من بينهم بعدما أخفى رعد مفتاح الغرفة .... وقال له :
_ كلها شوية ويغوروا من هنا ....
وبعد لحظات انتبه الشباب لصوت سيارة يتحرك، فتقدم يوسف للنافذة ليرى الأنر ... فتنهد بارتياح قائلا :
_ اهم غاروا والحمد لله ....
وبتلك اللحظة ترك جاسر رعد يتحرك بحرية أخيرا حتى ركض من الغرفة سريعا للهارج ....
وكانت رضوى تصعد درجات حتى غرفة أمها التي رفضت النزول والمشاركة، وتبعها الصبي نعناعة في قرارها وجلس مع عمته منفردان بغرفتها..... وتقابلت نظرات رضوى بنظرات ذلك الثائر الذي يركض على الدرجات نزولا ...
حتى وقف أمامها للحظات وتفحصها جيدًا وخاصة وجهها المتوهج احمرارا ... وظنه احمرار الحياء والذي ينتاب الفتيات بعذا الوقت ... بينما كانت تكتم غضب وتوتر شديد طيلة الدقائق الفائتة ... فهتف بها بشراسة :
_ قعدت معاه ؟! ... قالك ايه بقا عشان وشك يحمر كده ؟!
وكان وجيه قد أتى ومعه الجد وجميع العائلة تقف ناظرة للذان على استعداد تام للشجار والأشتباك... فصرخت رضوى به وقد تملكها ونهش فيها الغضب :
_ أنت بالذات مالكش دعوة بيا ولا حتى تكلمني كلمة !
وكانت غاضبة لهذا الحد منه ، لأنه السبب خلف شعورها بالألم والكسرة هذه وما تشعر به من تيهة ..... فثارت ثائرة رعد وطلت نظراته شرسة وهو يصيح:
_ مش هتتجوزيه ... لو على جثتي مش هتتجوزيه ... ويا أنا يا أنتي !
صرخت به مجددًا :
_ احترم نفسك وخليك في حالك !
هتف وجيه بعصبية :
_ طب احترموا نفسكم انتوا الاتنين ومحدش يعلي صوته وجدكم واقف !
نظر رعد لجده بغضب شديد وأشار له بنظرة اتهام وذنب :
_ أنت السبب في كل اللي وصلتله .... أنا عمري ما هسامحك ... عمري ....
نظر له الجد رشدي بحزن شديد وبعدها سقط مغشيا عليه وسقطت عصاه الخشبية بجانبه.... فاتسعت عينان رعد بذهول وركض عليه بلمحة ودموعه تسقط هاتفا بصراخ:
_ جـــــــــــــدى ....؟!
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثامن_والخمسون_الجزء_الأول_من_الحلقة
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... قرار نهائي ...~
يبدو أن الانسان لا يدرك مدى خطأه إلا عندما تقع كارثة تصفعه ليستفيق !.
في خلال وقت قصير كانت العائلة بجميع أفرادها تقف أمام باب الرعاية المركزة ..
ينظرون جميعا وفي أعينهم خوف مهيب ودموع محتبسة ببعض الأعين ....
وكان وجيه يقف متجمدا كالحجر .. وكان في أمكانه أن يدخل مع الأطباء بمشفاه .. ولكن لم يستطع أن يرى والده بتلك الحالة المتعبة والمنهكة من المرض .... كأن يد قيدت روحه عن الحياة عندما رأى والده يسقط مغشيا عليه !
لامست يده ليلى في رجفة لتمده بالدعم ... ولكن عينيه كانت بعيدة عن كل من حوله .... كأنه يرتعب من فقدان والده ويكتم صرخة ذعر !
اليوم فقط ذاق احساس من كان يراهم من الغرباء بتلك اللحظات ... وها هو ينتظر الطبيب ليطمأنه .. كأنه لم يدرس الطب يومٍ ولا يعرف منه شيءً..!
والفتيات يقفن بمحاذاة بعضهن وظهورهن للحائط في ترقب وخوفا شديد ..... بينما رعد يجلس على مقعد معدني فضي بعيدًا عن الجميع .... ويرمي رأسه بين يديه في دموع متساقطة لا يرها أحدًا .... كان سقوط جده بتلك الطريقة هو أنهيار كامل لظهر العائلة وبمثابة كسر ساقيها كليًا !
وأراد يوسف أن يذهب إليه ويشدد من عضده قليلًا ويُعينه ... ولكن مع ذلك الشعور بالشفقة فيض هائل من الغضب أيضاً ....
ولم يستطع الشباب أيضا أن يدخلوا للغرفة والجد بهذه الحالة الهائلة الضعف .... ربما صدمة للجميع !
خرج أحد الأطباء بعد قليل وركض وجيه اتجاهه وكذلك البقية ... حتى قال الطبيب قبل أن يسأله أحد :
_ هو اكيد أهمل الدوا بتاعه وصحته في الفترة الأخيرة.... جاتله غيبوبة سكر .... وبأذن الله هيكون بخير ... ياريت محدش يدخله دلوقتي ونسيبه يرتاح وأعصابه تهدأ لأن في مشاكل في القلب للأسف ...
قال وجيه بالكاد بوجه شديد الشحوب :
_ هدخل أنا بس أطمن عليه ...
والفت للجميع قائلا بأمر :
_ ارجعوا انتوا البيت .... محدش هيدخله غيري ...
اعترض يوسف وقال برجاء :
_ يا عمي ماينفعش أحنا ....
وقاطعه وجيه بحدة وغضب وكان الطبيب تركهم وأنصرف ..... وقال :
_ انتوا كلكم السبب في اللي هو فيه .... محدش هيدخله دلوقتي وادعوا ربنا ان ما يحصلوش حاجة .... عشان مش هرحم حد فيكوا ...
نظر الشباب لبعضهم في يأس وحزن شديد وبعض رمقات الندم .... وبعدما دخل وجيه لغرفة العناية أتت فتاة راكضة وهي ترتدي زي الأطباء ...ووقفت أمام آسر قائلة بلهفة مصطنعة :
_ جدك ماله يا آسر ؟! .... أنا لما عرفت أنه جدك جيتلك جري ...
نفخ جاسر بعصبية وابتعد عن الشباب .... وتطلع يوسف بآسر في غضب ... حتى قال آسر بنفاد صبر وقد حجب جسد حبيبة نظرات سما المحدقة فيهما بصدمة :
_ جدي هيبقى كويس بأذن الله ...
أضافت حبيبة بنظرات متلاعبة ولهفة مزيفة :
_ بأذن الله ... ما تقلقش أنا هفضل جانبك لحد ما نطمن عليه ... مش هسيبك
أغمض آسر عينيه لمدة دقيقة في رغبة شديدة لأن يدفعها لأبعد مكان عنه .... ولكنه تحكم ورد قائلا :
_ لا متتعبيش نفسك ... روحي تابعي شغلك يا دكتورة حبيبة ...
وكانت سما تردد اسم الفتاة وتتذكر ذلك اليوم الذي كرر نفس الاسم على سطوح مضيفة بيت الريف .... وتذكرت انه نفس اسم حبيبته الأولى ! .... ويبدو من تصرفات الفتاة أنها هي ذاتها!
لاحظت حميدة نظرات شقيقتها سما المصدومة ... فسحبتها بعيدًا كي تنتزعها من هذا الموقف المثير لدقات حزنها الصامت الدفين .....
*******
أنحنى وجيه على وجه والده المغمض عينيه ومُعلق له محاليل وريديه ... وأمر بخروج الممرضات في جملة واضحة .... فخرج الممرضتان من الغرفة وطبيبة معهن ...وفرغت الغرفة سوى منه ووالده الذي لا يعي شيء تقريبًا مما حوله ....
سقطت دموع وجيه التي لم تظهر سوى نادرا جدًا بسنواته الأربعين ....ثم قبّل يد والده بقوة وهمس له بمحبة شديدة :
_ قوم عشان خاطري ... كل اللي أنت عايزه هنفذهولك بس أفضل وسطنا ... وقعتك قدامي خلتني أحس أني لأول مرة ضهري اتكسر ! ....
ولم يستطع منع دموعه لمدة دقائق .... حتى استقام وهو يمسح عينيه من الدموع، ونظر للمحلول الوريدي المتساقط قطرة قطرة بين أوردته .... وقال له بهدوء مرةً أخرى :
_ هتكون كويس وتمام بأذن الله ... وليك عندي مفاجأة هتريحك أوي لما تقوم بالسلامة ...
وقبّل والده من جبينه بحنان فائق ثم خرج بعد دقائق من الغرفة ....
نظرت له ليلى بخوف ولهفة لضمه عندما لمحت عينيه الحمراء من الدموع ... وكرر أمره للشباب مرةً أخرى حتى لا يدخلون إلي الجد حتى الصباح على الأقل ...
اقتربت جيهان منه عندما انتبهت أن يترك الممر ويتوجه لمكتبه بالطابق ذاته .... فقال لها دون أن يلتفت :
_ سبيني لوحدي يا جيهان .... أنا راجع بعد شوية ... اكدي على الممرضات محدش يدخله دلوقتي.
فأومات رأسها بقلق عليه وعادت أدراجها جالسة على أحد المقاعد الفضية .... وتبعته ليلى بنظراتها في لهفة عنيفة وبالفعل تقدمت خطوات ، وفجأة وجدت جيهان تقف وتمنعها قائلة :
_ وجيه قال نسيبه لوحده شوية ... لما بيبقى مضايق مش بيحب يتكلم مع حد ...
نظرت لها ليلى بحدة ونظرة منفرة من يدها التي سدت طريقها وقالت بعصبية :
_ أنا مش حد ومش هسيبه لوحده في الحالة دي مهما حصل ومهما أعترض !
ودفعت ليلى يد جيهان بعيدًا وركضت تقريبًا لمكتب زوجها وجيه بنفس الطابق .... فوقفت جيهان ساهمة وناظرة لها في شيء من التيهة ....
*********
ودقت ليلى بعد لحظات على باب مكتبه ... ولم تسمع رد ... وكررتها لتجد أنه رد بغضب وبهتاف مانعا الدخول !
ولكنها فتحت الباب ببطء ونظرت منه لدقيقة حتى شاهدها وجيه وابعد عينيه الدامعتين ووقف وابتعد عن مقعده وولاها ظهره .....ثم قال بصرامة :
_ سبيني لوحدي يا ليلى لو سمحتي .
ولكن ليلى لم تسمح له بأن يبعدها .... دخلت وأغلقت الباب بأحكام حتى لا يدخل أحدًا آخر ومضت إليه بخطوات محسوبة .....وعندما وقفت خلفه قالت بتأكيد :
_ لا مش هسيبك لوحدك يا وجيه .... فضفض معايا وخرج اللي جواك أن شالله حتى تضربني بس ما تسكتش كده وتقفل على نفسك!
وصمت وجيه وهو يبتلع ريقه بألم شديد .... وفجأة وجدها تجذبه من ذراعه لينظر لها، وبثوانٍ ارتمت بين ذراعيه بضمة قوية .... وعكس ما قاله منذ قليل فقد ضمها بقوة يديه المرتعشتين وقال وصوته ظهر فيه الدموع وهو يدفن وجهه بكتفها:
_ أول مرة أشوف أبويا بيقع من طوله كده ! .... أول مرة أشوفه بالضعف ده ! .... لما كان بيتعب قبل كده مكنش أبدًا بيوصل للمرحلة دي . .... أنا خايف عليه أوي يا ليلى .... أنا مش خايف ... أنا مرعوب !
ترقرقت الدموع من عينيها بألم .... ثم قالت بتأكيد :
_ هيكون بخير بأذن الله .... بس المهم مايتعرضش للزعل تاني .....
صمت وجيه لبعض الوقت .... ثم ابتعد وهي يمسح دموع عينيه وقال بنظرة امتلأت تصميم وحدة :
_ في قرار كنت مأجله لأخر وقت لما كل الحلول تخلص .... بس غيرت خططي ....
نظرت له ليلى بقلق وسألت :
_ قرار إيه ؟!
ضيق وجيه عينيه وعادت شخصيته الصارمة اليه وأجاب:
_ كتب كتابهم هيتم بعد ما أبويا يقوم بالسلامة بأذن الله .... غصب عنهم ده اللي هيحصل .... مع أني عارف أن كل واحد وواحدة فيهم كانوا مستنين مني أخد القرار ده من زمان، بس كنت عايزها تيجي بالرضا....لكن طالما كلهم بيعاندوا بعض بالشكل ده ... أنا اللي هاخد القرار ده عنهم وهينفذوه....
ولم يكن متوقع من ليلى أن تتقبل ذلك القرار بهذه السهولة ... فقالت بموافقة رأيه:
_ اللي حسيته أنهم بيحبوا بعض .... بس في مشاكل مانعة كل واحد فيهم يقرب من التاني ..... اللي أنت شايفه يا وجيه صح اعمله ... وأنا معاك ..
*********
نظر يوسف للفتيات الاتي يبكين في بؤس وحزنً شديد ... واقترب إليهن وقال لحميدة :
_ ماينفعش تفضلوا واقفين كده لحد الصبح .... هشوفلكم أوضة فاضية ترتاحوا فيها الكان ساعة دول لحد ما عمي وجيه يوافق ندخل لجدي .....
وافقت حميدة على مضض حتى أخذ يوسف الفتيات لأحدى الغرف القريبة بالطابق ليبقين عن قرب من أي شيءً يجد حدوثه.... وما أن جلست رضوى على أحد المقاعد بالغرفة وانخرطت في نوبة عنيفة من البكاء وشعور الذنب المخيف هذا الذي يجتاح قلبها وروحها..
فقال يوسف لها برفق:
_ مالوش داعي العياط مش هيفيد بحاجة ....
ردت رضوى عليه باكية :
_ لو حصله حاجة مش هسامح نفسي .... بس والله غصب عني أنا مجروحة أوي ومش عارفة أنسى ...
تحدث جاسر بغضب من خلف يوسف بعدما لحقهم للغرفة :
_ ياريت بعد جدي ما يفوق تصلحوا انتي ورعد اللي عملتوه ! .... وياريت كل واحدة فيكم تشوف هي من جواها بجد عايزة ايه ومتعاندش ..... حتى لو غلطنا بس اعتذرنا وندمنا وعلى الأقل كنتوا سيبتوا لينا ولو نص فرصة نثبت فيها أننا صادقين !
قال يوسف له بعدما لاحظ أزدياد بكاء الفتيات :
_ خلاص يا جاسر .... مش وقته الكلام ده !
هتف جاسر بعصبية بهم جميعا :
_ ده هو ده وقته ! .... جدي اللي حصله ده هيتكرر لو فضلوا يحسسوا بالذنب وأننا عملنا كده بسبب تحكمه فينا ! .... وصحته اصلا مش متحملة ... أنا قولت اللي الكلمتين اللي كنت كاتمهم ومقدرتش ما أقولهمش ... بس طالما ده يريحه وهيريحنا كلنا ماتنكروش، يبقى ليه لأ ما نفرحش ونفرحه معانا ؟!
شرد الفتيات بما قاله جاسر ويبدو أنهن لأول مرة يأخذن حديثه على محمل الجد ...
********
وحتى ساعات الصبح قد منع وجيه دخول أحد لغرفة أبيه .... حتى دقت الساعة السادسة صباحا وهو جالس بقرب فراشه بالغرفة ..... دون وجود أحدا آخر ... وعندما فتح الجد عينيه ببطء اسرع اليه وجيه بلهفةً شديدة وحمدا كبير أن والده بدأ يستفيق بالفعل ولم يستغرق وقتً أكثر من هذا وتتدهور حالته ..... فقال وجيه بعدما قبل رأسه بحنان :
_ أنت بخير يا بابا أطمن .... واللهِ بخير.
تنفس الجد رشدي بصعوبة وحرك جفنيه ببطء شديد .... ثم بدأ يتمتم بكلمات حروفها متقطعة وقال :
_ أنا ... فين ....؟!
ربت وجيه على رأس أبيه بحنان وقال :
_ في المستشفى ..... شوية فحوصات كده على السريع عشان بس مستوى السكر نزل شوية .... لكن الحمد لله دلوقتي بقيت تمام .... بس أهم حاجة ما تهملش الأدوية تاني ...
ويبدو أن الجد بدأ يتذكر آخر مشهد قبل أن يفقد الوعي .... وبدأت عينيه تتلألأ من الدموع .... فقال وجيه له بتأكيد :
_ أقوى كده وقوم بسرعة عشان انت اللي هتكون مسؤول عن كل حاجة في كتب كتابهم ...
اجفلت عينان الجد في دهشة .... حتى هز وجيه رأسه بتأكيد وقال بابتسامة :
_ زي ما قولتلك كده بالضبط ... أنا قولتلهم وكلهم وافقوا عشان تفرح وكل شيء اتحل الحمد لله .... مستنين بس تقوملنا بالسلامة.
بدأ رفيف ابتسامة يظهر على ثغر الجد غير مصدقا ..... وكان وجيه يكذب بأخبار الشباب والفتيات .... ولكنه سيفعل ذلك اليوم ...وسيسوي الأمر بالرضا أو بالاجبار.
**********
وبمكتب وجيه بالمشفى اجتمع الشباب والفتيات بعدما أحضرهم وجيه جميعهم ..... وتجاهل رعد عن عمد ....فلو ترك لجام غضبه لأبرحه ضربا حتى يكتفي....
ووقف أمامهم ناظرًا لهم بثباب ... حتى قال يوسف بقلق :
_ يا عمي أحنا عايزين ندخل لجدي نطمن عليه ، ليه مانعنا ؟!
رد وجيه عليه بصوتً حاد :
_ محدش هيدخله غير لما يوافق على اللي هقوله دلوقتي .... واللي مش هيوافق يتفضل بدون نقاش يرجع البيت ...
توجهت أنظار الجميع لوجيه بانقباض وتركيز وقلق ..... حتى قال وجيه قرار :
_ كتب كتابكم بعد ما يخرج جدكم ويتعافى ..... أظن انتوا مش محتاجين فترة خطوبة ! ..... وكل بنت فيكم زعلانة من اللي هيكون جوزها في شيء أظن الأمور هتكون أوضح بعد كده وتقدروا تنهوا الأمور دي ما بينكم ...... ولعلمكم ....
أنا كنت سايب الحل ده للآخر .... وسيبت كل واحد وواحدة فيكم تحلوا أموركم بنفسكم من غير تدخل مني أو من أي حد .... ورغم كده الموضوع كان بيزيد سوء ! .... وقراري ده مافيهوش راجعة واللي معترض يتفضل يمشي .... أنا قولت لجدكم أنكم بالفعلوا وافقتوا ومستنين خروجه ... واللي هيرفض كلامي ده هيكون المسؤول قدامي عن أي تدهور في حالة أبويا الصحية ... وعمري ما هسامحه ...
وانتظر وجيه أن يعترض أحد ... ولكن من نظرات الشباب أنهم كأنهم وجدوا الطريق بعد فترة تيهة وغياب ... ومن نظرات الفتيات الثلاثة باستثناء حميدة أن الحيرة اخرست أصواتهن .... ولم تسطع واحدة منهن أن تعترض خصوصا أن العم وجيه وضع الحالة الصحية للجد في كفة من الميزان ....والكفة الأخرى وضع قرارهن بالقبول أو الرفض .... ويبدوا أن القبول قد فاز ....!
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثامن_والخمسون_الجزء_الثاني_من_الحلقة
حتى لو فاز القبول الآن ... ولكن هنا شيء يعكر هذا القبول ... وكان وجيه يعرف أنه لا يجبرهن بالمعنى الظاهر ... بل أنه على تأكيد أنهن الآن يتنفسن الصعداء بإزاحة هذا العبء من على كاهلهن ...
وبدا على رعد تحديدًا وكأنه ربح الجائزة الكبرى .. فقط ينتظر الوقت المناسب لإعلان سعادته ، ريثما بما يمر من وقت عصيب بسبب حالة الجد الصحية ... فقال يوسف بموافقة تامة :
_ صح كده يا عمي ... كان لازم ده يحصل وإلا مكنتش حاجة هتتغير ..!
سمع الجميع تنهيدة رعد التي تُظهر سعادته الصامتة بهذا القرار الحاسم الغير قابل للمناقشة أو حتى التراجع.... وقال بعينين تلتمع بقوة من فرط ما يفيض بهما من أمل وسعادة تلوح بالأفق :
_ أول مرة في حياتي حد يجبرني على شيء وأبقى سعيد بيه وراضي ..
لم تحتمل رضوى كتمان دموعها واستدارت راكضة من الغرفة وهي تكتم فمها، كي لا يصدر عنها أخف شهقة.... لم تحتمل الفكرة ذاتها ... رغم أنها لوهلة كادت أن تطير فرحا ... !
ومع ذلك تعترف لنفسها أنها ما أن تصبح زوجته سيبدأ هو بكل ما يستطيع ليجعلها تسامحه .... وشيء من الثقل يجهد قلبها ويرهقه ... فكأنها تستحي من هذا العهد الذي قطعته على نفسها بأن تجعله يتلوى ندما وألمًا ! ... قبل أي شيء.
فالتفت الجميع لها وبعد دقيقة ركضن الفتيات الثلاث خلفها، وأصبح رجال العائلة يقفون أمام بعضهم البعض في ثبات .. ويقف العم وجيه أمامهم في صلابة وهيمنة .... وقال :
_ مكنتش عايز الخطوة دي وكنت سايبها للآخر ، بس بعد اللي حصل لجدكم كنت مضطر للأسف.
وبدأ يتحدث رعد ويقلل من حدة الموقف ولكن وجيه قاطعه بصوتً غاضب وكشف عن موقفه الصريح معه :
_ أنت بالذات مش عايز اسمع صوتك ، أنا مرضتش اهينك قدام البنات عشان ما أقللش منك ... بس حسابك معايا ما خلصش يا رعد ... جدك بس يقوم بالسلامة وهعرفك أزاي تعلي صوتك عليه وتوصله للحالة دي.... أنا حذرتك قبل كده وأنت ما اتعلمتش ! .. يبقى تستاهل اللي هيحصلك.
تقدم رعد خطوات إلى عمه ونظراته بها الكثير من الأسف والاعتذار فقال بألم صادق:
_ حقك عليا يا عمي ... أنا أسف وندمان على اللي عملته، للأسف مش بعرف أسيطر على غضبي ، بس اوعدك مش هتتكرر تاني .
هز وجيه رأسه برفض هذا الرد .... وقال بيأس :
_ لا مابقتش أصدقك لأني سمعته المرة اللي فاتت وخذلتني .... وبخلاف كل شيء فأنا بحذرك يا رعد واعتبر كلامي تهديد لأني مش هخلفه ... أنت هتتجوز رضوى وهتبقى مراتك ... أنما لو عرفت أنك اتغابيت واتصرفت تصرف غبي من تصرفاتك فعايز أقولك أن طلاقها هيكون أيسر الحلول عندي ... كل اللي فات حاجة .. واللي جاي حاجة تانية خالص ... وزي ما جوزتهالك زي برضو ما ممكن اطلقها منك لو جرحتها تاني.
والمرادي هجوزها لواحد تاني وقدام عينك .... زي ما بعتبركم ولادي فهما بناتي ...
قال رعد بصدق :
_ أنا تعبت أوي عشان اوصل للوقت ده يا عمي ، يمكن حتى ما وصلتلوش بنفسي وأنت كنت السبب بعد ربنا .... فتفتكر أني ممكن أفكر حتى اجرحها بكلمة؟! ... رضوى رغم أني متأكد أنها بتحبني بس عمرها ما كانت هتوافق عليا ... أنا عارف أني جرحتها أوي واللي جاي مش وقت تصرفات غبية ... وقت صلح واستقرار ...
قال وجيه وتمنى بكل قلبه أن يكن هذا ما سيحدث بالغد القريب .... فقال جاسر بابتسامة :
_ وبعدين يا عمي انت عارف كويس أنك مش هتطمن عليهم غير معانا ... يمكن اتصرفنا في اللي فات بتهور شوية لكن والله بنحبهم وعايزين نتجوزهم بجد ..
رد وجيه على جاسر بصرامة :
_ الكلام اللي قولته لرعد مش ليه لوحده ، ده لكل واحد فيكم ، يعني اللي هتيجي تشتكيلي من واحد فيكم هنسى أني أعرفكم أصلًا وتصرفي مش هيعجبكم ...
قال جاسر مدافعا :
_ لو لاحظت يا عمي أنا ما بقتش اكلم أي بنت ، والله ما بقيت حتى بقولهم صباح الخير ! ....
قد انتبه وجيه بالفعل من هذا الأمر بالأيام الفائتة، ولكن الامر كليًا سيحسمه التجربة الفعلية .. وها هي ستبدأ.
فقال:
_ ياريت بقا تستمر على كده ، جميلة اعند من رضوى ولو قررت تبعد أنسى أنك تقدر تغير قرارها مهما عملت ... ولو خسرتها مش هتلاقي زيها ... أظن أنك عرفت بنات بما يكفي وعارف قيمة بنت محترمة زي جميلة ...
تدخل آسر وقال بنظرة بها وميض تشتت وحيرة:
_ أنا يمكن وضعي مختلف شوية يا عمي ، لو مكنتش عملت كده مكنتش هقدر أخد الخطوة دي بسهولة واطلبها بنفسي ... وهي مكنتش هتوافق ... أنت كده قصرت علينا طريق طويل كله مشاكل ...
قال يوسف بتصميم وهو يخرج عن نطاق الحوار:
_ أنا عايز أشوف جدي بقا ..؟!
أشار وجيه للباب وقال :
_ تقدروا دلوقتي تشوفوه ... بس مش أكتر من ١٠ دقايق.
*******
وبغرفة الجد بالمشفى الذي بدأت الدماء تعود لوجه تدريجيًا ... وبدا تنفسه هادئ منتظم كأن ما كان يثقل صدره بالهموم هما وأنزاح بعيدًا ...
ودخل الشباب الأربعة الغرفة بخطوات تعمدوا أن تكن بلا صوتً مزعج عالِ ولكن متعجلة أيضا .... وأنحنى رعد على رأس جده بقبلة تخللها قطرات من الدموع التي سقطت من مقلتيه ... وهمس معتذرا بندمٍ شديد:
_ حقك عليا يا جدي أنا أسف .... أنا غلطان وأستحق اللي بيحصلي كله ... لو سامعني رد عليا ارجوك .
ومن الجهة الأخرى المقابلة لرعد فعل يوسف ما فعله أيضا ووضع قبلة حنونة على جبين جده وقال :
_ أنت بخير يا جدي ... حاجة بسيطة بس خضتنا عليك.
ومثلما فعل يوسف فعل جاسر وآسر وظلوا يتحدثون لجدهم النائم في سلام لبعض الوقت .... حتى أتى الفتيات للغرفة ، ولكن المُلفت للانتباه أن لم يكن من بينهن رضوى !
فنظر لهن رعد وقال بتقطيبة:
_ هي رضوى فين ..؟!
أجابت حميدة وهي تتأمل وجه جدها بألم :
_ في الأوضة اللي بيتنا فيها امبارح .... هتيجي بعد شوية.
وشعر رعد أنها لربما كانت بحالة لا يرثى لها الآن ، ربما كانت تبكي بشدة ، وربما صدمت من قرار العم الصادم ! .... وربما قررت أن تأتي بعدما يرحل كي لا تراه!، ولكنه يعرف أن بين كل هذه البعثرة بداخلها قلب يشتاق لأن يعلن سعادته التائهة.
ومضى الفتيات إلى جدهن بلهفةً مُعلنةً بأعينهن .... وظلوا يتأسفن له أيضا حتى فتح الجد عينيه بالتدريج وببطء شديد ، فحدق فيه رعد وارتمى على صدره بكلمات مرتجفة معتذرة ..... ونطق الجد بصعوبة قائلًا :
_ أنا ...بخير ، ماتخافوش ..
ربت جاسر على رأس جده مبتسما وقال :
_ أنا عارف أنك بخير يا جدي وهتقوم بالسلامة .... حمد الله على سلامتك ياجدي.
رفع رعد رأسه له بعينان دامعتين وقال له :
_ سامحني يا جدي أنا غلطان .... أنا مش اد زعلك مني .
افترّ ثغر الجد رشدي عن ابتسامة تتسع بصعوبة من فرط التعب وقال بصوتً ضعيف:
_ مش عايزك أنت اللي تزعل مني يا رعد ..... يمكن جبرتكم كتير ، بس كنت خايف تبقوا زيي ! ... كنت عايزكم تشيلوا شهادة كبيرة ومحدش يحط قيمتكم من قيمة اسم العيلة بس ! .... زي ما حصلي ... كانوا بيقولوا عليا الفاسد اللي مفلحش في حاجة غير الجري ورا البنات وفلوس عيلته اللي معيشاه ! ..... رغم أني كنت بشتغل وبكسب برضو!، بس استخسروا فيا حتى ورثي ! ....مكنتش عايز واحد فيكم يحصل معاه كده .... بس والله حبيتكم أكتر من نفسي ومكنش قصدي أن كل ده يحصل...!
والتهبت عينيً الجد بالدموع الصادقة، فضمه رعد بمحبة شديدة وقال دامعا :
_ ننسى اللي فات با جدي ، ومن هنا ورايح طلباتك كلها أوامر واحنا راضيين ومبسوطين ... هقولك آه من قبل ما أعرف اللي هتقوله ....
مسح يوسف عينيه وقال ليضيف نكهة المرح :
_ احنا هنقلبها نكد كده ليه ؟! .... جدي وزي الفل أهو واطمنا عليه ، وأحنا وفي كتب كتاب وأفراح مستنيانا .... يبقى المفروض نفرح بقا !
وعلى رغم موقف الفتيات من الشباب إلا بعدما رأو تحسن حالة الجد بالحديث مع الشباب قبلن الأمر بعض الشيء ...
********
انتظرت جيهان وليلى خارج الغرفة ... حيث قالت جيهان بتعجب :
_ ما كنا دخلنا معاهم نطمن على حمايا !
اوضحت ليلى وقالت :
_ ماينفعش دلوقتي .... خليهم يدخلوا الأول ونسيبهم يقولوا اللي عايزين يقولوه براحتهم .... لما يطلعوا هندخل.
اقتنعت جيهان بذلك التفسير وصمتت .... حتى أتى رجل في العقد الخامس من العمر وبين يديه ورقة مليئة بعدة تفاصيل مطبوعة .... وقال لجيهان :
_ أنا روحت لدكتور وجيه في مكتبه بس ماعرفتش ادخله لأن كان في حد معاه .... فلو سمحتي يا مدام جيهان أنا محتاج قرار في الموضوع ده.
سألته جيهان باهتمام :
_ قرار إيه ؟!
بدأ الرجل الشرح وهو التابع لقسم الحسابات بالمشفى ... ثم أضاف :
_ الحمد لله كلنا عملنا فحص ومافيش حالات ظهرت تاني وحصل تعقيم للمستشفى كلها .... بس بالنسبة للبنت اللي اتعدت دي وبتشتغل هنا تكفلة علاجها هتكون على حساب المستشفى ولا حسابها ؟... لأن في حد طلب من قرايبها يدفع الحساب وأنا اجلت لحد ما اتكلم مع الدكتور وجيه.
أخذت جيهان الورقة منه وطلبت منه قلم حبر لتسجل توقيعها الشخصي .... فأعطاها الرجل القلم فقالت وهي توقع :
_ تكلفة علاجها على حساب المستشفى طبعا طالما سبب العدوى من هنا .... تكلفة علاجها كاملة دخلها في حسابي الخاص مش حساب وجيه ... والاتنين التانيين كمان معاها .... ومش عايزة ااكد عليك طبعا في تقديم الرعاية الكافية ليهم لحد ما يتعافوا عشان هتابع بنفسي ...
أخذ الرجل الورقة الموقعة وقال بموافقة :
_ تمام جدًا .... شكرًا يا مدام جيهان.... بعد أذنك.
اومأت جيهان برأسها حتى غادر الرجل ... ولم يكن على وجهها أي تعبير حتى تفاجأت بنظرات ليلى لها .... نظرات ليلى كانت بها شيء من الإعجاب فقالت :
_ ربنا يجازيكي خير ... تصرف جميل منك .
ابعدت جيهان عينيها عن ليلى وقالت بنظرات تاهت للبعيد قليلًا :
_ ده مش صدقة مني ده واجب ، طالما الأذى جالهم وقت شغلهم يبقا احنا نتحمل علاجهم لحد ما يقوموا بالسلامة ...
اوضحت ليلى وهي تنظر لجيهان بنظرة مختلفة لأول مرة تطل من عينيها وقالت:
_ برضو اتصرفتي برحمة .. بدليل أنك دخلتي علاجهم على حسابك لوحدك ... وكان ممكن تشاركي التكلفة مع وجيه كمان بما أنكم شركا بالاساس ...
لم تتحدث جيهان ... ولكنها شعرت لاول مرة أنها منتصرة أمام ليلى ، لم تغلبها بالمكائد والشر ، ولكن غلبتها بموقف طيب لم تقصده ولا ترتب حدوثه .. ولا حتى انتظرت هذه الكلمات من ليلى ....
**********
ومرت ساعاتً كثيرة .... حتى بدأ قرص الشمس ذات الشعاع الباهت تغيب عن الأنظار .... والمساء أصبحت رمادية تثير الشجن بالنفوس ... فتمت رضوى صلاة المغرب بغرفة المشفى بينما تمددن الفتيات الثلاث الاخريات على السريران بالغرفة .... فنهضت رضوى وقالت لهن :
_ أنا رايحة أشوف جدي ...
اعتدلت جميلة بنومتها وقالت لها :
_ انا زهقت معاكي كلام يا رضوى من الصبح ، بس بجد جدي مش مستحمل وانا حكيتلك اللي قاله رعد ليه بالحرف ... احنا ما قدمناش حل غير أننا نوافق ! ....
وافقتها حميدة وقالت :
_ انتوا عايزين ايه اكتر من اللي عملوه ! ... دول شوية كمان وهيبوسوا رجليكم عشان توافقوا !
وكان رأي سما مختلف كثيرًا عن شقيقاتها فقالت :
_ أنا فاهمة رضوى .... وعارفة اللي في دماغها وعشان كده ماجدلتهاش خالص .... سيبوها ومحدش يضايقها ...
نظرت رضوى لسما بنظرة امتنان ثم قالت :
_ هروح أشوف جدي ويارب يكون الشباب مشيوا ... أنا استنيت كتير
وتحركت للباب وخرجت متوجهة لغرفة الجد .... بينما التفتت جميلة بغيظ لسما وقالت :
_ أنتي بقا ست العاقلة اللي فينا وعايزاها تنفذ اللي في دماغها ؟! ....
رفعت سما حاجبيها وقالت بسخرية:
_ مالك كده يا جميلة اتقلب حالك ؟! .... مش ده جاسر برضو ولا واحد تاني ؟! .... مش ده اللي كنتي بتحلفي لتنتقمي منه ؟!
تلعثمت جميلة قليلًا ثم قالت ببعض التوتر :
_ آه هو جاسر ، وكنت حالفة انتقم منه .... بس برضو شايفة أنه شاري وانه بيتغير عشاني .... بدليل مافيش ولا بنت بقت تتصل في البيت ولا بقيت أشوفه بيتكلم أصلا في التليفون .... ومش عيب يعني أني اسامحه ولو شوية ... هو عيب أني أحب يعني !
ابتسم سما وقالت :
_ والله لو بجد اتعدل يبقا ربنا يتمملكم بخير .... وأنا مش بقول أنك غلطانة .... بس رضوى واقعة بين أنها فرحت انها جت من عمها وحطنا قدام الامر الواقع .... وزعلانة لانها عارفة أن لو بقت مراته مش هتعرف تنتقم منه زي ما كانت بتفكر ....
تدخلت حميدة وقالت بحدة:
_ بصوا بقا أنا سكت كتير عليكم ، بس مابقتش قادرة خلاص ، احنا عرفنا أن سبب تصرفهم تحكمات جدي مش أنهم رفضينا يعني ! .... والأهم من كده أن كلهم شارينا وبيتمنوا لينا الرضى نرضى .... يا ختي نتجوزوهم وننتقم منهم براحتنا !
وكتمت حميدة ابتسامة رافقت هذا القول .... فغمزت لها جميلة بمكر وقالت :
_ صح يابت .... هو أنتي فكرك أني هسلم كده بسهولة ؟! .... ده أنا هدوخه الأول .... هخليه مشغول بيا ليل نهار، وبما أن قرار عمي لازم يتنفذ فهنفذه ... بس زي ما احنا عايزين برضو.
********
وعبرت رضوى الممر حيث غرفة جدها ... فأستوقفها رعد الذي كان ينتظرها لعلمها أنها تنتظر لحظة مغادرته للمشفى وتأتي !!
فتهربت من عينيه بارتباك حيث قال بمكر :
_ بلاش تقولي لجدي حاجة تزعله يا رضوى ... وسبيني أصالحك وأنتي مراتي ... اعتقد هيكون الصلح أجمل بكتير ...
ابتلعت رضوى ريقها بارتباك شديد ... ولم تعرف بما تقول ، ولو نطقت لظهرت رعشة صوتها لتفضحها توترها علنًا أمامه !
وسيعرف أنها حائرة ! ... أذا انها تريد ، أذا أن لا زال بقلبها شيء يدفعها لتعود تلك السمراء التي تحمر خجلا عندما تراه ! ....
فعاد قائلا بصوتً هادئ جدًا :
_ جدي هيخرج بعد يومين كده، وكتب كتابنا الأسبوع الجاي ، أحنا أتفقنا النهاردة معاه على كده ... يعني دلوقتي نعتبر مخطوبين.
رفعت رأسها بنظرات مصدومة ، حتى وجدته يبتسم بدفء وعاطفة شديدة .... وأثرت تلك الابتسامة على مشاعرها ولكنها أجابت بأنفعال لم يكن هو حقيقة ما تشعر به:
_ بعني إيه كتب كتابنا الأسبوع الجاي ! ... من غير ما....
قاطعها وصول وائل الذي احتدت ملامحه عندما رأى رعد يقف معها وينظر لها بتلك الطريقة الحنونة.... فأسرع اليهما وقال لها وقد تجاهل رعد تمامًا:
_ أنا بتصل بالصدفة بالبيت وعرفت الخبر .... الف سلامة على جدك يا رضوى .
جذبه رعد من ذراعه بعصبية وهتف به :
_ آنسة رضوى ، رضوى دي ما تتقالش تاني وإلا هعمل اللي كان نفسي اعمله من زمان .
نظر وائل ليد رعد على ذراعه وقال له بنرفزة:
_ أنت ما حرمتش من اللي عملته أول مرة ولا إيه يا رعد ؟! ..... وبعدين أنا اتقدمتلها رسمي ومنتظر الرد .... وعلى فكرة كان بينا قبول وتوافق وده كان باين أوي وقت المقابلة .
اتسعت عينان رضوى بدهشة ... فلم يكن الأمر أبدًا مثلما يقول وائل، بل كانت إجاباتها جافة دون روح، وحتى نظراتها كانت حزينة وبعيدة عنه تمامًا بتلك المقابلة .... فمن أين أتى بهذا القول الجائر ؟!
تحكم رعد للمرة الأخيرة بأعصابه وقال :
_ طب اللي أنت ما تعرفهوش أن رضوى بقت خطيبتي وكتب كتابنا الأسبوع الجاي .... يعني أنت مش مرفوض ده أنت مطرود يابني !
صدم وائل مما قاله رعد والتفت لها بغضب وسأل :
_ الكلام ده حقيقي ؟!
لم يكن بأمكانها أن تكذب الخبر أو ترد بالايجاب .... فصمتت ... فهتف بها وائل دون أن يتحكم بنفسه ، فنظرت له بحدة ودهشة من تصرفه السخيف معها وأن كان محقا بعض الشيء ..... حتى اغتاظت منه وقالت :
_ أنت بتشخط فيا كده ليه ؟! .... ايوة صحيح وحضرتك مرفوض وحتى لو كنت وافقت بعد أسلوبك معايا ده كنت هرفضك !
صاح بهما وائل بغضب شديد وشعور كبير بالإهانة وقال :
_ يعني إيه الكلام ده ؟! ... هو أنتي اتخطبتي بين يوم وليلة ؟! ...ولما أنتي كنتي مخطوبة وافقتي تقابليني ليه !
نظرا لأن وائل لم يعرف ما حدث فعصبيته هذه له الحق فيها .... فقالت بشيء من الاعتذار:
_ أنا أسفة يا أستاذ وائل ... الموضوع مش زي ما أنت فاهم ولا كنت مخطوبة لما قعدت معاك ... بش مش هينفع أشرحلك للأسف .... بجد بعتذرلك وبأذن الله هتلاقي اللي احسن مني.
لم يحسن استقبال أسفها وارتفع صوته بصياح وغضب شديد .... وهتف:
_ أنا اللي غلطان اللي اتقدمت لواحدة .....
ولم يتابع ولم ينطق حرف زائد حتى وجد نفسه يدفع للحائط بشراسة وانقض عليه رعد ونشب أظافره في عنق وائل قائلا بنظرات عنيفة :
_ حرف زيادة عنها وهخليك انت والحيطة واحد، اللي بتعلي صوتك عليها دي كلها أيام وتبقى مراتي ، يعني لو بس اتعرضتلها بنظرة مش هيكفيني رقبتك ...
صرّ وائل على أسنانه بنظرات انتقامية، حتى جذبت رضوى يد رعد وهي تهتف به :
_ ابعد عنه وسيبه يمشي بلاش أذية !
تركه رعد ولكن نظراته مهددة بدرجة خطيرة .... فعدل وائل هندامه وهو ينظر لهما باحتقار وابتعد ..... حتى التفت رعد وقال بعصبية لها :
_ شوفتي اللي كنتي بتتحديني بيه ! .... لو مش هعمل فضيحة في المستشفى كان زماني مخليتش فيه ضلع سليم ... ده عايز يخطبك بالعافية وياخدك مني ! .... ده ياخد روحي الأول.
ابعدت رضوى عينيه عنه ولكن للعجب أنها قاومت ابتسامة ولكن هجمت الابتسامة على شفتيها رغما عنها.... فتسمر رعد مكانه للحظة وهو يحاول أن يتأكد أنها بالفعل تبتسم !
وقال مبتسما بعدم تصديق :
_ أنتي بتضحكي بجد ولا أنا مش شايف ولا إيه ؟! ....
استجمعت مقاومتها وتحكمت بنفسها .... فظهرت ثابته وقالت :
_ لا مش بضحك ... هضحك على إيه يعني ؟!
تنهد رعد تنهيدة عميقة ثم رمقها بابتسامة ماكرة وقال :
_ اعندي براحتك ... كلها كام يوم بس ....
اطرفت عينيها بارتباك شديد وركضت لداخل غرفة جدها ...فاتسعت ابتسامته .... وقال بابتسامة خبيثة :
_ استنينا كتير ... نستنى كمان الكام اليوم دول .... بس باين كده أن الأيام الجاية جميلة زي جمال عنيها ...
***********
وبعد مرور ساعتين تقريبًا...
وبمكتب وجيه ....
دخل وجيه مكتبه بعد فترة عمل سريعة فوجد والدة الفتيات ومعها الصبي بأنتظاره .... فرحب بهما وجلس أمامهما بالمكتب وقال :
_ ليه تعبتي نفسك ! ... انا طمنتك بالتليفون والحمد لله أبويا حالته اتحسنت وهيخرج بعد يومين ويكمل علاجه في البيت ...
أجابت وداد بقلق :
_ أنا معرفتش أصبر لحد ما يرجع وجيت اطمن عليه .... بس لما البنات قبلوني وجابوني على هنا قالولي اللي حصل وكلامك معاهم وقرارك.
تطلع بها وجيه وقد أدرك وتفهم مخاوفها ... بينما الصبي أصرّ الصمت وترك الحديث لهما وراقب ما يقال بإنصات .... فقال وجيه بتفهم :
_ أنا متوقع أن القرار ده يمكن خوفك ....ويمكن زعلك، بس أنا لو كنت لقيت الأمور بتتحسن مكنتش عملت كده، وكمان أنا عارف ومتأكد أن رغم أن يبان قراري إجبار لكن في حقيقته انقاذ للموقف .... البنات صعب يوافقوا وأنا عارف أن جواهم موافقين بس اللي حصل عندكم في البلد مأثر على نفسيتهم ... والشباب أنتي طبعا عارفة أنهم عايزين ومرحبين .... يعني اصلا انا ما أجبرتش حد ... لكن سرعت بس القرار ده .... وعلى فكرة أنا حريص على مصلحتهم أكتر من الشباب .. دول بناتي.
قالت وداد بثقة فيه :
_ أنا مش بثق في حد أكتر منك ... وبصراحة كنت قلقانة شوية بس أنت طمنتني .... هو اللي مقلقني يعني أنه هيتجوزوا وهما لسه زعلانين وشايلين في نفسهم من اللي حصل في البلد .
وهنا تدخل الصبي وقال لعمته :
_ يا عمتي لما يتجوزوا الوضع هيختلف .... جميلة هتبطل تهزأ جاسر لأنه هيبقى جوزها ولازم تحترمه ... وبقية البنات هيبقوا كده ... ونخلص بقا من خناقاتهم وتطمني عليهم وتبقى كل واحدة مع جوزها يراضو بعض براحتهم .
قال وجيه موافقا حديث الصبي:
_ بالضبط كده، الأمور هتبقى أسهل لو اتجوزوا .... كتب الكتاب الأسبوع الجاي والفرح بعده بشهر على ما نجهز كل شيء ... وعشان تكوني مطمنة عليهم أكتر هخلي البنات كلهم معاكي في اوضة واحدة ... أنا مقدر خوفك وفاهمه .... وعلى فكرة ولاد أخواتي مش هيتعدوا حدودهم ... وخير البر عاجله
تنهدت وداد براحة وهي تبتسم ... ثم قالت :
_ عندك حق ... خير البر عاجله.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_التاسع_والخمسون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... اليوم المنتظر ؟!...~
هناك أشخاص غيابهم كان أكثر شراسة من أهمال الحضور ... نفتقد حتى عبوسهم الدائم بوجوهنا ... !
بذلك المساء دلف د.أمجد لمكتبه ليتفقد بعض أوراقه قبل أن يغادر ويُنهي دوام عمله لليوم، وبدا كل شيء باهتا بلا حياة أو روح بدونها !
أين هي ..؟!
ولماذا اختفت فجأة بعدما عادت لتستأنف عملها !
لم يحب أن يبادر بالسؤال عنها ويثير التساؤلات حوله ... فهي الآن زوجة رجل آخر ، وأي أشارة منه تخصها فذلك سيثير الظنون والأقاويل ... لن يفعل ذلك بها... فراجع أفكاره وتراجع.
تنهد بهم ثقيل جدًا جاسم على قلبه ولم يكن بمزاج جيد أو طاقة لمزيد من التمهل والصبر للمكوث أكثر من ذلك.
وعند مغادرته لمكتبه سار بالممر تائه وزائع العينين، يكاد لا يرى شيء حوله ولا تعنيه الأصوات من الزوار والمرضى ... حتى وجد د.وجيه يخرج من مكتبه وهو يودع امرأة تستند على عصا ومعها صبي لم يتعدى الخمسة عشر عاما .... وبعد قليل ابتعدت المرأة مع الصبي الذي صاحبها بخطوات توازي بطء خطواتها.
وقبل أن يعود وجيه أدراجه بداخل مكتبه لمح أمجد الواقف على بُعد خطواته وتبدو بعينيه اسئلة مُلحة .... فتطلع وجيه به لدقيقة مفكرا بشيء ... ثم أشار له ليأتي إليه.
لم يصدق أمجد للحظة أن وجيه أشار له ليدخل مكتبه، كأن وجيه سمع نداء أمجد الصامت ولبى رغبته الصامتة بالحديث.
وجلس وجيه أمام مكتبه مرةً أخرى بهدوء وهيبة، حتى دلف أمجد ووقف ناظرا لوجيه بتوتر ... فقال وجيه له بنظرة متفحصة تدرس تعابيره :
_ اقعد يا دكتور أمجد ... حاسس أنك عايز تتكلم معايا !
جلس أمجد بعينان أزدادتَ توتر، وللحظة أراد لو يذهب من هنا قبل أن يدرك وجيه سبب حيرته هذه .... حتى هربت دقة التراجع وقال بصدق :
_ دي حقيقة يا دكتور ... دايمًا كنت بتفهمني .
قال وجيه له باهتمام وتمنى لو يكون ما يجول بفكره هو ذاته سبب حيرة ذلك الطبيب الشاب :
_ طب نطلب حاجة نشربها وعلى ما توصل تكون قولت اللي عندك.
وطلب وجيه فنجانين من القهوة، وبعد ذلك بدأ أمجد يتحدث وكأن الكلمات تُنتزع من فمه انتزاعا، وقال بتلعثم وقلق وجمل متقطعة:
_ بصراحة ... مش عايز حضرتك تفهمني غلط، بس يعني ..... أنا ملاحظ أن ... أن آنسة سمر بقالها كام يوم مش بتحضر.
ابتسم وجيه وقد تأكد من ظنه فقال بتعجب ولو كان يخفي بعض المكر :
_ أنسة سمر ! ... أنت ناسي أنها اتجوزت ولا إيه ؟!
رفع أمجد أطار نظارته الطبية بتوتر شديد وقال وبدا على وجهه الشحوب والثقل من صفعة نطق الإجابة المؤلمة:
_ أسف... أصل اتعودت أقولها كده ... ونسيت.
ولم يكن أمجد يقول الصدق، فكم كان شاقا عليه أن يتذكر أنها اصبحت زوجة لرجل آخر ... لذلك تجنب منادتها بعدما عادت من عطلة شهر العسل.
هز وجيه رأسه متفهما تمامًا ما يمر به أمجد، وللحظة شعر وكأن أمجد هو صورته منذ عشر سنوات .... كان يتهرب من نفس هذا الألم المميت ... فقال بهدوء:
_ حصل خير ... بس بتسأل عنها ليه ..؟!
وهنا الرد كان صعب الكذب فيه، فوجيه يعرف مدى محبة أمجد للممرضة سمر، فصمت أمجد وارتخى جفنيه للأسفل في حرج وحزن كبير لم يستطع هزمه وأخفائه ..... ولم يحب أن يراوغ أكثر من ذلك فقال وهو ينهض ويفض هذا الحديث :
_ أسف يا دكتور ... أنا عارف أن ماينفعش وعارف أني غلط ومايصحش اسأل عنها ... اوعدك مش هتتكرر تاني.
تطلع به وجيه للحظة ثم قال وهو يدقق النظر بردة فعله الآتية:
_ سمر سابت المستشفى يا أمجد ... مش هتشتغل هنا تاني.
رفعت الصدمة وجه أمجد لوجيه ، وانسحبت الدماء من وجهه بالتدريج حتى بات شاحبا .... ثم ابتلع ريقه بقوة كأنه يبلع مرارة الفراق وعينيه تتوهج الم .... فسأل وجيه سؤال كان لا يقل صدمة عن الصدمة الاولى :
_ لسه بتحبها ..؟!
التمعت عينان أمجد بحزن شديد وقال له :
_ هتصدقني لو قولتلك أن كل يوم بيعدي بحبها وبحتاجلها أكتر ؟!
مكنتش عايز غير بس أني أشوفها ولو من بعيد .... بس معقول يكون ده السبب اللي خلاها تمشي ؟!
نهض وجيه من مقعده ووقف أمام أمجد ناظرًا له بثبات ثم قال :
_ لا مش ده السبب .... بس عايز اسألك سؤال وترد عليا بصراحة ...
لم يشغل عقل أمجد أي تعجب أو استغراب من أحاديث وجيه ... فقال والحزن ينهش عينيه :
_ اكيد..
أتمم وجيه صيغة السؤال بعقله في ثوانٍ ثم طرحه قائلًا :
_ شايف في عنيك أن لو سمر اتطلقت ممكن تتقدملها تاني ؟! .... معقول يكون احساسي حقيقي ؟!
ابتسم أمجد بمرارة .. ابتسم سخرية من مجرد الحلم بهذا الشيء فقال :
_ احساسك حقيقي يا دكتور ... بس أنا مش بالأنانية اللي تخليني اتمنالها تطلق ! .... هي اختارت واحد تاني واتجوزته برضاها محدش أجبرها ... وأنا عايز أشوفها مبسوطة.
لم ترضي وجيه تلك الأجابة فكرر حديثه:
_ ولنفترض أن ده حصل ... هتعمل إيه ؟
وهنا بدأ أمجد يشعر بغرابة السؤال، ولكن سرقه أمل الإجابة وقال :
_ هتقدملها واتجوزها .... بس لو حسيت فعلا أنها بدأت تحس بيا وبمشاعري ناحيتها ... مش وخداني دوا نسيان !
ابتسم وجيه ابتسامة بسيطة ثم قال بجدية:
_ لو ده حصل يا أمجد ما تفكرش أنها هتاخدك دوا نسيان، أي واحدة بتنهي تجربتها الأولى بتبقى حريصة تتفادى الأخطاء في أي تجربة بعد كده .... يعني لو اتطلقت واختارت تتجوزك مش هتتجوزك عشان تنسى بيك واحد تاني! .... هتتجوزك عشان تعوضها عن اللي شافته ووجعها، لأن لو كانت باقية عليه مكنتش اتطلقت ... الست بالذات يوم ما بتطلب الطلاق بإرادتها بتبقى عارفة أنها قادرة تنساه وتكمل من غيره.
لو ده حصل اعتبرها فرصة تانية معاها ... وفرصة أخيرة كمان... واتمسك بيها.
لمح أمجد نظرات غامضة بعين وجيه، يتحدث وكأنها بالفعل انفصلت عن زوجها ! .... هكذا فكر أمجد وقال بحيرة:
_ مش فاهم يا دكتور حضرتك بتقولي كده ليه ؟!
ابتسم وجيه له بمكر وقال :
_ فكر في كلامي كويس ... محدش عارف بكرة ممكن يحصل إيه .... يمكن اللي بتتمناه يتحقق ... مين عارف ؟!
ضيق أمجد عينيه بحيرة شديدة حتى أنهى وجيه حواره بنظرات ماكرة وتركه وغادر المكتب ... وحقق غرضه من تلك المقابلة وجس النبض دون افصاح عن ما يخفيه.
وتوجه مباشرةً إلى غرفة والده حيث العناية المركزة.
********
كانت رضوى تقف بجانب سرير جدها الطبي بغرفة العناية وعينيها أغرورقتان من الدموع أسفا ... فنظرت لها أمها التي أتت منذ دقائق ومعها الصبي وقالت :
_ هيقوم بالسلامة أن شاء الله ...
قبلت رضوى رأس جدها النائم وقالت بتمني ودموع :
_ يارب.
وكانت أمها على رغم حزنها بحالة والد زوجها الراحل، ولكن تلهفت أن تعرف ردة فعل أبنتها من قرار عمها الحاسم ...فقالت وداد :
_ أنا اتكلمت مع عمك قبل ما نعناعة يجبني هنا .... وبصراحة كلامه أقنعني ... ماتنشفيش دماغك يابنتي ووافقي ... أنا عايزة أطمن عليكم قبل ما يجرالي حاجة.
ابتلعت رضوى تلك الكلمات القاسية وسقطت الدموع من عينيها ثم قالت :
_ مش وقته الكلام ده يمّه ... هنتكلم بس مش هنا.
فقال الصبي لها بلطف وهو يقدر ما يجول بخاطرها :
_ والله رايدك وشاريكي يابت يا رضوى .... ده هيموت ويتجوزك وأنتي ادبتيه بما فيه الكفاية ... وماتنسيش أن قرارك بالرفض هيأثر على أخواتك كمان ...
تنهدت رضوى بألم شديد .... وايقنت أن لا أحد سيشعر بالعواصف التي تأرجحها يمينا ويسارا ... يبدو أن ما فعلته كافيًا ليقدر قيمتها ... وبلحظة أخرى تشعر أن كل هذا ليس بكافِ وتريد المزيد والمزيد ليهدأ كبريائها الجريح!
حتى دخل وجيه الغرفة بخطوات هادئة ... وتجنب رضوى تمامًا وهي التي انتبهت لدخوله أولًا وانتظرت بلهفة أن يشير لها ولو بإلقاء السلام السريع.
ولكنه لم يفعل !
بل القى السلام مرةً أخرى على وداد والصبي وتوجه لوالده مباشرةً يتفحص الأجهزة الطبية الموصولة بجسده ... فوجد أن الحالة الآن بدأت في الاستقرار فعليًا، فتنفس الصعداء ببعض الأطمئنان وقال :
_ الحمد لله ..
فسألته رضوى بقصد جر الحديث معه وقالت :
_ طمني يا عمي ؟
تنفس وجيه ثم أجابها باحتصار وبجفاء ولم يلتفت لها حتى فقال:
_ اتحسن ... الحمد لله.
ووخزها جفاء رده فأنفطرت دموعها وهي تقول بصوتً متهدج :
_ حتى أنت يا عمي مش فاهمني وحتى كأنك مش عايز تتكلم معايا ! .... طب أبويا الله يرحمه أكتر حد كان بيفهمني من غير حتى ما اتكلم .... لكن أجيبه منين دلوقتي يشرحلكم اللي جوايا ... !
لما رجعنا لجدي افتكرتك هتكون مكانه وتضيع مرارة اليتم من جوايا ... بس أنت اثبتلي فعلا أن محدش هياخد مكان أبويا أبدًا ....
ولم تتابع بكلمة أضافية، بل ما كانت تستطع نطق كلمة أخرى وبحلقها تلك الغصة المتكورة والعالقة من المرارة والألم والدموع، وكل ما استطاعت فعله أن تركض وتخرج من الغرفة.
وتجمد وجيه لوقع تلك الكلمات عليه ! .... ما كان يظن أن بذلك التجاهل سيؤلمها لهذا الحد !
بل كل ما أراده هو عتابها ولو بالصمت وبعض التجاهل .... ولكن يبدو أنه كان مخطئ ... فانتفض وأسرع خلفها ليصحح لها ظنها به.
وبالرواق الطويل التي كانت تسير فيه رضوى باكية أتى خلفها وجيه وأوقفها ممسكا معصمها بقوة ... فالتفتت له وظنت أنه رعد وكادت أن تصرخ به ... ولكن توقفت بنظرات عتاب شديدة لعمها وجيه ... فأخذها من معصمها برفق وقال لها بهدوء :
_ عايز اتكلم معاكي شوية يا رضوى .... في مكتبي.
وذهبت معه بالفعل وبكائها يشتد حتى ادخله مكتبه واغلق الباب .... ووقف ناظرا ليديها التي تمسح دموعها المنهمرة بكثرة .... فأخذها بين ذراعيه بحنان أبوي وقال معاتبًا :
_ مش هعاتبك على اللي أنتي قولتيه دلوقتي ، بس أنا كنت زعلان منك شوية وماسمحتش لنفسي اخرج عصبيتي عليكي .... بس تفتكري أن كل اللي بعمله ده بعمله عشان مين ؟!
بكت رضوى بقوة فربت وجيه على رأسها بحنان شديد ثم قبّل رأسها معتذرا وقال :
_ حقك عليا ماتزعليش ...
وبعد لحظات بدأت تهدأ تدريجيًا ... فسكن وجهها بين راحتي يديه وقال ناظرا لها بابتسامة أبوية رقيقة :
_ أنا خدت القرار عنك عشان عارف أنك بتحبيه ورحمت كبريائك يا رضوى وخليتها ولو ظاهريا بالإجبار .... ورعد أنتي لسه ماعرفتيهوش ... وقراري ده هو اللي هيعرفك حقيقته عاملة أزاي .... وكمان عشان أخواتك ... اوعي تفتكري ولا تظني فيا أني ممكن أجبر واحدة فيكم على شيء ضد رغبتها !!
لو دلوقتي قولتيلي مش عايزة الجوازة دي هوقف كل حاجة وأنسي أي قرار خدته ... ده جواز يابنتي مش لعبة !
تلألأت عينيها بحياء شديد ودموع تتساقط ، وتهربت من نظراته التي تنتظر إجابتها وصمتت عن الرفض ، بل عينيها كانت تؤكد موافقتها.... فابتسم وقال بمشاكسة:
_ شوفتي بقى أن قراري مش ضد رغبتك وأني عارف اللي جواكي من غير حتى ما اسألك !
أنتي عايزة توافقي ونفسك توافقي بس كبريائك مانعك .... وأنا اتصرفت كده عشانك أنتي بالذات ....
أنا خدت الخطوة عنك ومتأكد أن سوء التفاهم اللي بينكم هيتحل.
قالت رضوى بدموع :
_ سوء تفاهم ! ... ده لما عرف أننا ولاد عم أسلوبه اتغير معايا ! ، ولما عرف نية جدي واللي ناوي يعمله سافر وسابلي كلام كسرني ووجعني ... قلل مني يا عمي ! ....مهما كانت مبرراته مش قادرة أنسى الكلام اللي قال في حقي !
هز وجيه رأسه متفهما ما تشعر به فقال :
_ أنا عرفت اللي قاله، وعذرتك .... لكن مش هدافع عنه، بس هحكيلك حاجة خاصة بيا أنا شخصيًا، والحاجة دي بقولها ليكي وده سر ما بينا مايطلعش....
أطرفت رضوى أهدابها بتأكيد ونظرات فضولية ... حتى بدأ وجيه قائلًا :
_ لما رجعت لجيهان كان عشان انتقم من ليلى ... ليلى اللي هي حب عمري كله ومحبتش انسانة غيرها ... كنت بقولها هنساكي وأنا متأكد أني مش هقدر، وقولتلها بكرهك وأنا بموت حتى في الهوا اللي بتتنفسه ... وده لما حسيت أنها بتجبرني أبعد عنها .... اجبرتني لشيء ضد اللي عايزه حرفيًا ... غضبت وما ادراكي شدة الغضب ! .... عملت اللي اكتر بكتير وكارثي من اللي رعد عمله ... اتجوزت واحدة غيرها !
ولما عرفت السبب الحقيقي ورا كل تصرفاتها اتمسكت بيها واجبرتها نتجوز ... وكنت عارف أني مش بجبرها ... بس مكنتش قادرة تاخد القرار خاصة في الظروف الصحية بتاعت أبوها .... وجوازنا قطع شوط كبير من طريق طويل كله سوء فهم ومشاكل ....
تفاجئت رضوى بما قاله وجيه بما يخص علاقته بزوجته ليلى، حتى استطرد وجيه حديثه:
_ رعد شاف في قرار جده اجبار .... مكنش عايز يشوفك في الزاوية دي أبدًا، كانت لحظة غضب مش المقصود بيها أنتي أبدًا... لو قرار جدك اتأجل شوية كان رعد اتقدملك واتخطبتوا من غير أي مشاكل وكان هيفرح جدًا لما كان هيعرف أنكم ولاد عم .... بس قراره بيكي كان هيسبق أي شيء تاني وقتها ... مكنش هيفرق معاه أي حاجة بعد كده....
قالت رضوى بحيرة ملأت عينيها :
_ قولي اعمل إيه يا عمي وأنا هعمله.
مسح وجيه دموع عينيها وقال مبتسما وقد ادرك أنها تستحي أن تعلن موافقتها:
_ تفرحي ... اللي عايزه أنك تفرحي بجد.... وأنا متأكد أنك ذكية وهتكسبي الجولة دي في أقرب وقت بطريقتك ...
ابتسمت تدريجيًا وتلونت وجنتيها بحمرة شديدة من الحياء ....
فأضاف في الختام :
_ ارجعي مع أخواتك للبيت، جدك بخير الحمد لله ويومين بالضبط وهيرجع هو كمان ... هخلي يوسف يوصلكم.
وافقت رضوى على مضض وعادت تخبر شقيقاتها بقرار العودة للمنزل.
*********
انتظرت جيهان وجيه بمكتبها الإداري حتى أتى إليها بعدما ترك رضوى تعود شقيقاتها .... وعندما دخل المكتب وقفت وقالت باستفهام :
_ استنيتك كتير ... عندي فضول أعرف سبب الرسالة اللي بعتهالي من شوية استناك هنا!
أشار لها لتجلس ثانيا وخلع معطفه بارهاق ثم جلس قائلا :
_ السبب هي سمر ...
تعجبت جيهان وقالت بغرابة:
_ مالها سمر ؟!
شرح لها وجيه أمر أمجد والحوار الذي دار بينهما .. ثم أضاف قائلا :
_ اتكلمي مع سمر بوضوح وجسي النبض كده .... لو لقيتي قبول منها بلغيني عشان أبدأ أخد الخطوة دي ....
فقالت جيهان بابتسامة وحماس :
_ طب ما أوصلها اللي قاله وده هيشجعها أكتر تفكر !
قال وجيه ببعض الحيرة :
_ مش صح ده يحصل دلوقتي غير لما أوصل لأمجد خبر طلقها فعليًا وأشوف رد فعله .... مكنش ينفع أقوله الخبر لأن ده يعتبر في الوقت الحالي سر محدش يعرفه .... فلو عندها قبول هقوله واتأكد أن كان كلامه جد ولا كان مجرد كلام .... مع أني حاسس أنه فعلًا هينفذ اللي قاله ... بس برضو محبتش اتسرع وأقوله.... يعني اتكلمي معاها بنفس الاسلوب اللي كلمت بيه أمجد كده .... وشوفي رد فعلها.... لو كان كده يبقى على الأقل نتفق لحد ما يعدي وقت ونفسيتها ترتاح من اللي حصل وبعدين ربنا يتمملهم بخير.
قالت جيهان وهي تحمل حقيبتها وتنوي الذهاب لمنزل والديها الرحلان :
_ هنفذ دلوقتي حالًا واروحلها .... أنت ماتعرفش فرحت بكلامك أزاي ..
أشارت له جيهان بابتسامة واسعة وخرجت من المكتب ... وفك وجيه زر قميصه العلوي ليستنشق الهواء بحرية أكبر ... حتى تفاجأ بدخول ليلى وهي تنظر له بنظرة ضيقة وتتفحصه بدقة ....فتعجب من نظراتها له وقال :
_ بتبصيلي كده ليه ؟!
قالت ليلى بغيظ :
_سألت عليك قالولي في مكتب جيهان، جيت لمكتب جيهان لقيتها خارجة ومشاء الله باين عليها مبسوطة ....
ودققت ليلى النظر بعصبية في زر القميص المفتوح ومعطفه المُلقى على المقعد ... فرمقته بغيظ وتمتمت بكلمات غير مفهومة وهي تلتفت لجهة أخرى وتحدث نفسها بصوتٍ خافت بعصبية...
اقترب منها وجيه بنظرة ضيقة ودهشة ، وحاول أن يسمع ما تقوله فاستدارت فجأة لتجده خلفها محاولا استراق السمع .... فقال بحيرة :
_ أنتي بتكلمي نفسك ليه يا ليلى ؟!
قالت بتلعثم :
_ عادي يعني .. !
تجاهل الأمر ثم تحدث بجدية :
_ الأسبوع الجاي هيكون عندنا حفلة عائلية كده عشان كتب الكتاب ... حضري نفسك انتي وريمو واستعدوا ....
قالت ليلى بحيرة حقيقية :
_ مش هقدر اقعد كتير للأسف ... أنا مش هقدر اسيب بابا أكتر من كده يا وجيه، زيارتي ليه كل يوم مش مكفياني.... وكنت ناوية اتعالج وانا هنا جانبه ... أنا عارفة أن الفترة دي هتكون صعبة علينا بس قلبي بيوجعني طول ما أنا بعيد وهو في الحالة دي.
قال وجيه متفهمًا :
_ الموضوع مش هياخد أكتر من ساعتين، وبأذن الله هجيبك هنا بعد ما نخلص وتقعدي مع والدك زي ما أنتي عايزة .... والصبح هزوره لنفسي وأطمنك عليه .... أنا حابب تكوني جانبي اليوم ده يا ليلى ... أنتي بالذات.
ابتسمت ليلى ببطء وتذكرت نصيحة طبيبتها النفسية فتجاوزت شعورها بالغيرة القاتلة .... وليتها تستطع كل مرة أن تتجاوز الأمر دون ادراج شجار بينهما.
***********
واعتبر زايد أن مكوثه كالسجن بتلك الغرفة التي رغم رحبتها ولكنها تضيق أنفاسه ثقل وخنقة ... فقد تسللت إليه الأخبار بأن بمدير المشفى هنا منذ الأمس وهناك حالة طوارئ بالمشفى بسبب حالة والده الصحية.
وذلك أثر بالسلب على ذهابه للأطمئنان على فرحة ... فقد حذرته الممرضة بأن لا يثير انتباه المرور الأمني المكثف منذ الأمس لكي لا يُمنع تمامًا حتى من الأطمئنان عليها ولو من خلف النافذة الزجاجية...
وعليه أن يتحلّى ببعض الصبر لعدة أيام ... وليت الصبر كان يعرف له طريقا !
وسخر بينه وبين نفسه للحظات.
المال لا يستطيع شراء كل شيء! .... بل أن المال لا يستطيع غير شراء الشيء الزهيد فقط !
أما اكثر ما يحتاجه البشر بالحياة مثل الأمان والحب والصحة والعافية، والسعادة ... كلها أشياء ليس لها صكوك مالية.
كل ما سيستطيع فعله أن يجري اتصال مرة واحدة يوميًا عليها مثلما أخبرته الممرضة بتحذير..
فامسك هاتفه واعتدل بفراشه ثم أجرى الأتصال .... لتمر دقيقة ومثيلتها ولم يجيب أحد ...وكرر الأتصال ثانية.
فأجابت فرحة بصوتٍ مبحوح من السعال ... وقالت بثقل المرض :
_ مافيش داعي وجودك هنا ... لو سمحت ابعد عن المستشفى عشان الفيرس ده متعب جدًا ....
ووجد في صوتها يأس والم .... وقلق أن يكون اتصاله ثقيل عليها أيضا فأجاب:
_ أنا قولتلك مش همشي غير وأنتي معايا !
فنفد صبر فرحة من كلماته المؤكدة وقالت بعصبية وعينيها تتلألأ بالدموع:
_ لو بتعمل كده عشان اسامحك فأنا سامحتك .... مع أني مكنتش ناوية اسامح يوم ما..
ولم تتابع ... ولكنه فهم أنها تقصد ذلك اليوم الذي تم اختطافها فيه ... فقال بندم حقيقي :
_ مأذتكيش ولا كنت ناوي أاذيكي، ولو عايز مكنتش هسيبك تمشي بالسهولة دي .... ولو تفتكري أنا فعلًا معملتش حاجة غير أني مكنتش عايز أشوفك مع اللي اسمه أمجد ده تاني .. حتى لو اعتبرتيه تهديد ... لكن ده أقصى شيء كنت هعمله.
غضبت فرحة عندما تذكرت، ولكن ما جعل غضبها يهدأ حينما تذكرت أيضا أنها جرحت قدمه بعنف بواسطة سلسلة حديدية ولم يقدم على إيذائها رغم نزيف قدمه الشديد ... فلو أراد لكان فعل بسهولة ...
فصممت ولم تعطي تبرير لفعلته لنفسها أكثر من ذلك ... حتى اعترف بشيء لم يكن يريد الاعتراف به ... وهو ذلك الشيء اللذي جعله مثل المجنون بذلك اليوم تحديدا ... ونطق والمرارة تملأ حلقه:
_ اليوم ده مكنتش تقريبًا في وعيي من الغضب والتوهة ... تاريخ وفاة أمي ...
لم يخبرها بكل شيء .... ولم يخبرها أنه بذلك اليوم صباحا لم يفكر في مخلوق يبعد عنه ولو بعض هذا الألم النفسي سواها!، ورؤيتها والتحدث معها حتى لو كانت غاضبة كعادتها....
ولكنه بذلك الصباح وجدها تقف مع أمجد تبتسم بحياء والأعجاب يطل من عينيها ... ونظر إليها وقتذاك بعاصفة قهر تنهش روحه .... وزاد الطين بلّة عندما تركته يقف وسارت مع ذاك الطبيب جنبا إلى جنب دون أي اكتراث لوجوده.... وهو من أراد أن يتحدث معها فقط ....
وبعدها جن جنونه وكأنه عاد لسنواته المظلمة وهو حبيس غرفة ضيقة بمستشفى للأمراض النفسية والعصبية...
فأمر بخطفها في لحظة من الغضب الأعمى ولكنه ما أن رآها لم يستطع سوى التحدث بصوتٍ منفعل .... ولم يكن ينوي بأكثر من تهديد لكي تبتعد عنه ... ومنذ ذلك اليوم وهو يندم على هذا التصرف الغبي والحقير منه.
وصمتت فرحة وتفاجئت بالأمر بعض الشيء... فهي تعرف شعور أن يمر تاريخ يوم رحيل أحد الوالدين ... ولكن ليس عذرا كاف أيضا فقالت له بصوتً على ضعفه ولكنه غاضب:
_ رغم أن مش مبرر اللي بتقوله ... لكن سامحت وبحاول أنسى.
وكان يشعر أن شق كبير من انفعالها هذا سببه المرض، فأكتفى بهذا القدر المناقشة لليوم ... ربما الغد تخبرها الأيام وتؤكد لها صدقه.
*******
ومر بعض الوقت حتى وصلت سيارة يوسف أمام المنزل الكبير .... وترجل من السيارة وخرج الفتيات واحدة تلو الأخرى ... حتى قال لهنّ:
_ رعد وصل أمكم ونعناعة واكيد هما وصلوا قبلنا بكتير ...
توجهن الفتيات نحو المنزل حتى قال يوسف مجددًا لحميدة وسما تحديدًا :
_ عايز اتكلم معاكم شوية يا بنات .... بعد أذنكم يعني.
نظر الفتيات لبعضهن حتى قالت جميلة بتعجب :
_ طب ما اتكلمتش واحنا في الطريق لهنا ليه ؟!
أوضح يوسف وقال:
_ مكنش ينفع وأنا سايق العربية اتناقش معاكم بهدوء .... هسيبكم شوية على ما ترتاحوا ونتعشا سوا كلنا وبعدين نتكلم ....
قالت حميدة بموافقة لعلمها أنه بالتأكيد سيقول شيء هام وضروري قوله للفتيات :
_ خلاص يا يوسف ... بعد العشا نتكلم ...
قالت سما ببعض الشرود :
_ أنا مش جعانة .... وعايزة أنام
رد عليها يوسف بوضوح:
_ ماهو الكلام بخصوصك أنتي بالذات يا سما ..
قالت جميلة بفضول :
_ خلاص يا يوسف نتكلم الأول على ما العشا يجهز للي عايز ياكل .... حاسة أن في حاجة مهمة عايز تقولها.
أكد يوسف بإيماءة من رأسه وقال:
_ مهمة جدًا ... هتغير ولو شوية من نظرتكم لأخواتي ..
نظر الفتيات لبعضهن في اهتمام وترقب ثم دخلوا جميعا للمنزل بعد ذلك الحوار السريع.
*********
وفي مكتب العم وجيه اجتمع الرباعي من الفتيات ويوسف ... حيث قالت جميلة :
_ قول اللي عندك يا يوسف ..
أخذ يوسف نفسا عميقا قبل أي كلمة ثم بدأ يتحدث بجدية:
_ أولًا أنا اجلت الكلام اللي هقوله دلوقتي عشان لو كنت قولته من فترة مكنش حد هيصدقني فيكوا، وكنتوا هتقولوا بعمل كده عشان اكسب حميدة وبس !
بس بما أني كنت شاهد على كل اللي حصل في البلد وعارف كل واحد في دماغه إيه بالضبط فبقولكم أنهم والله العظيم صادقين معاكم وأن قرار رعد أساسه جدي مش انتوا خالص..
ثم نظر لسما وأشار لها بالحديث :
_ واللي عايز أوضحه لسما أن مافيش أي حاجة بين آسر وبين البنت اللي جاتله العناية الصبح .
قالت سما بسخرية تخفي كثير من المرارة:
_ الدكتورة حبيبة ! .... حبيبته القديمة لو مكنتش غلطانة !
ضيق يوسف عينيه وتأكد من ظنه ثم قال:
_ يبقى شكي كان في محله، أنتي سمعتي كلام آسر لما لقيناكي بليل على السطح واحنا في البلد مش كده ؟!
وجهت سما وجهها لجهة أخرى وعينيها يُضنيها الغضب ... حتى أضاف يوسف بهدوء:
_ هي فعلا حبيبته القديمة أنتي مش غلط... بس اللي أنتي مش عايزة تشوفيه هو أسلوبه معاها ! .... حبيبة اتطلقت واتحايلت على آسر عشان تشتغل في المستشفى ... وهو ساعدها تشتغل فقط ومش في نيته أي شيء لأنها أصلا مش في باله ولا فاكرها ..... بس هي من وقت ما اشتغلت وهي بتحاول بكل الطرق توقع في شباكها تاني زي ما انتي شايفة كده ... أنما هو مش باله غيرك أصلًا وعايزك أنتي.
التفتت سما له بصدمة من قوله ... رغم أن الأمر ليس مفاجئا لها ... ولكن أن يأكده يوسف فهذا شيء آخر .... فقال يوسف متابعا:
_ آسر كتوم ومش بسهولة يخرج اللي جواه ... وبيخاف يقول حاجة ويلاقي صد ... بيخاف من الرفض جدًا ... أظن كلامي ده هيوضحلك كتير من تصرفاته.
ابتلعت سما ريقها بتوتر وبدأت تفكر في حديث يوسف بجدية ....
وبعدها توجه لرضوى وقال بصدق :
_ أنتي لو تعرفي رعد بيحبك أد إيه هتفتحي صفحة جديدة معاه .... وبكرة الأيام تثبتلك... ونصيحتي ليكي كأخ أنك تعيدي حساباتك وتحاولي تتأكدي من حبه ... مش تعندي وخلاص والمشاكل تكبر أكتر ...
وبعدها نظر لجميلة وابتسم ابتسامة جميلة وقال:
_ عايز أقولك ياجميلة أن جاسر عمره ما فكر حتى يخطب مش يتجوز ! ... ومن يوم ما رجعنا القاهرة وهو قطع كل علاقاته مع أي بنت وللحقيقة هما اللي باردين وبيجروا وراه ...
قالت جميلة سؤالها بلهفة كشف حقيقة خوفها:
_ علاقاته دي وصلت لفين يا يوسف ؟....
اعترف بصدق:
_علاقات عابرة وسطحية وشوية كلام ... مش اللي في دماغك والله.... ولو كنت أعرف عنه كده كنت قولتلك الحقيقة، أنتي أختي زي ما هو أخويا ... ولو كان لسه بيكلم أي بنت برضو كنت قولتلك ... وزي ما قولت هو عمره ما فكر في الخطوبة حتى ... فكونه انه ملهوف بالشكل ده يتجوزك فهو حبك بجد وعايز يستقر.
وقال بابتسامة ماكرة :
_ بس قوليلي الأول ... أنتي أهلاوية ولا زملكاوية ؟
دهشت جميلة من سؤاله العجيب هذا وقالت :
_ زملكاوية !
ضحك يوسف وقال :
_ يا خسارة .... فات علينا ضحك كتير ، أصل هو زملكاوي متعصب جدًا....ده بيحبسنا وينزل فينا ضرب لو الزمالك اتغلب في أي ماتش ! .... كان نفسي تاخدي حقنا منه المفتري ده.
ضحكت جميلة للحظات ثم قالت بنظرة ماكرة :
_ طالما كده ... فأنا أهلاوية من النهاردة.
ضحك يوسف مجددًا وأضاف :
_ كده أنا عملت اللي عليا ..
وانتظرت حميدة أن يخصها ببعض الكلمات أيضا .... ولكنه ابتسم لها بمحبة شديدة وقال :
_ كتب كتابنا بعد كام يوم يا حميدة ... مستني اليوم ده اكتر من أي شيء استنيته في حياتي ..
وتخضبت وجنتي حميدة بحمرة شديدة من الحياء فقالت جميلة بابتسامة مشاكسة :
_ نحن هنا على فكرة !
وابتسم الجميع للارتباك الذي اصبغ وجه حميدة بحمرة شديدة .... حتى قال يوسف بسعادة :
_ الحمد لله .. خلينا بقا نرتب لكتب الكتاب.
*******
وأتى اليوم الموعود بعقد قران الفتيات .... وذلك عقب خروج الجد رشدي من المشفى بعدة أيام وتحسن حالته الصحية جزئيًا ...
وكان قد حضر العمدة وزوجته منذ يوم الأمس ....
وبصباح هذا اليوم الموافق يوم الجمعة .... اجتمعت عائلة الزيان حول مائدة الافطار ... وعلى رأسها الجد رشدي كعادته ... ولكن اليوم كان مميزا بحضور "وداد" وشقيقها العمدة وزوجته الذي لقوا ترحاب كبير من العائلة بجميع أفرادها ...
وكان بالأجواء بهجة الافراح ... تتسلل عبر الأنفاس بارتياح ونشوة .... وبركة الحلال.
فقال العم وجيه بابتسامة للشباب :
_ بعد الفطار عايزكم في المكتب يا شباب ....
ولم تنقطع نظرات جاسر المشاكسة عن جميلة التي كانت تتجاهله، ولكنها سرا تضحك على تصرفاته .... فقال جاسر بمرح :
_ أنت رجعت في قرارك ولا إيه يا عمي ؟! ....
قال وجيه بضحكة خافته :
_ لا يا لمض .... بس عايزكم في حاجة كده.
قالت ريميه بابتسامة واسعة :
_ ماما جابتلي فستان جميل أوي وهلبسه النهاردة يا بابا ...
وضمت الصغيرة قطتها بسعادة وهي تجلس على قدمي أمها .... فقبلتها ليلى من رأسها بحنان وهمست :
_ هتكوني فراشة صغنونة قمر ...
تطلع بها وجيه بمحبة شديدة وفعل مثل ليلى وقبلها على رأسها وهمس قائلا :
_ أميرتي الصغيرة .... الأميرة ريمولينا.
وتدخل جاسر لها للصغيرة وقال :
_ الفستان اللي هتلبسيه يوم الفرح بقا هيتصمم مخصوص ليكي يا ريمو... هتبقي قمر.
سعدت الصغيرة بقوة ثم همست لأمها قائلة بتساؤل:
_ ماما هو أنا قمر ؟
فسمعها يوسف وقال بتأكيد :
_ أنتي أجمل من القمر نفسه ...
دفنت الصغيرة وجهها الضحك بجسد قطتها وتطلع بها الجميع بمحبة .... ثم قال الجد رشدي للعمدة :
_ بعد الفطار يا عمدة نقعد في الصالون نتكلم شوية بخصوص ترتيبات الفرح .... قدامنا شهر نخلص فيه كل حاجة.
قالت زوجة العمدة :
_ بأذن الله نقدر نخلص كل حاجة.
رد عليها وجيه بتأكيد :
_ ما تقلقيش ... كل شيء هيخلص قبل المدة دي كمان .. والبيت كبير وفي الوقت ده هيكون خلصنا كل التجيهزات ...
وكان وجيه بدأ بالفعل منذ أيام بترتيب الطابق الثاني بأكمله وتنظيمه لأربع غرف واسعة جدًا، وكل غرفة أقرب إلى شقة صغيرة بكل احتياجاتها ومرافقها....
وبعد انتهاء الأفطار الصباحي أخذ الجد رشدي العمدة والصبي وزوجة العمدة للصالون .... واخذت جيهان وليلى الفتيات وأمهن ليستعدن لعقد القران عقب انتهاء صلاة الجمعة ....
أمام وجيه فقد أخذ الشباب لمكتبه مثلما أتفق معهم...
وفي المكتــــب .....
وقف وجيه أمامهم بثبات ... ثم قال بجدية :
_ النهاردة كتب الكتاب .... والفرح فاضله شهر على ما نجهز كل حاجة ..... مش عايز أعرف أن واحد فيكم تعدى حدوده .... مش عايز أي مشاكل وخلوها تعدي على خير ... من النهاردة لازم تتعلموا تستخدموا العقل والحكمة قبل العصبية والتسرع .... ماينفعش بعد النهاردة تعتمدوا عليا في حل مشاكلكم ! .... والبنات ان كانوا وافقوا فمنسيوش لسه اللي حصل في البلد ...
قال جاسر بابتسامة ماكرة :
_ هنسيها كل اللي حصل ماتقلقش خالص يا عمي .
اقترب وجيه بنظرة تحذيرية جدية لجاسر وقال بشبه تهديد:
_ أنت بالذات يا جاسر لو وصلني وعرفت أنك عملت حاجة تضايق جميلة أو تقصر رقبتي قدامها وقدام امها وخالها مش هرحمك .... اتأدب لحد ما تبقى مراتك ومعاك ....
قال جاسر بغيظ :
_ ما النهاردة كتب الكتاب يا عمي !
رد وجيه بحدة :
_ في أصول وأدب حتى لو كاتب كتابك عليها .... وعمومًا أنا واثق فيها ... مش هتسمحلك اصلًا تتعدى حدودك معاها لحد يوم الفرح.
اكد يوسف وقال وهو يكتم ضحكته على غيظ جاسر :
_ كده صح يا عمي ... ده أنا خايف بعد كتب الكتاب ياخدها ويسافروا شهر العسل ! ده مجنون ويعملها !
نظر وجيه ليوسف بابتسامة وقال :
_ أنت مايتخافش منك يا يوسف .... بتفكر صح وعارف حدودك
قال جاسر بسخرية وضحكة :
_ ده مكار وخبيث يا عمي هو بس اللي شكله أهبل كده !
عبس وجه يوسف وقال له بحدة :
_ مكار وخبيث في الصح وفي الوقت الصح ... مش زيك متهور ! ، كل حاجة في وقتها حلوة.... متقعدش جميلة معاه النهاردة ياعمي لتصبح خائفة من شيء ما !
ضحك الجميع على نظرات جاسر المتوعدة بالانتقام ليوسف ... حتى قال وجيه بضحكة :
_ دي اللي هتعيد تربيته من أول وجديد متخافش عليها ...
وافقة يوسف وقال ضاحكا :
_ عندك حق .... ده مابيقدرش يتنفس قدامها !
وعندما نظر وجيه لآسر قال له بهدوء :
_ أنا واثق في عقلك يا آسر ...
فقال جاسر بسخرية مرة أخرى بتمتمة :
_ بس ربنا يبعد حبيبة وريهام عنه وهيبقى زي الفل .
ابتسم آسر لعمه وقال بتأكيد :
_ مش هتعدى حدودي يا عمي متخافش ....
ولاحظ رعد أن عمه قليل الكلام معه بالآونة الأخيرة ... فانتظر حتى انتهى حديثه مع آسر ثم مضى اليه وضمه فجأة معتذرا وقال :
_ أنا عارف انك زعلان مني لسه ومابقتش تتكلم معايا زي الأول .... بس متأكد أن الحضن ده هيصالحنا على بعض .
ابتسم وجيه وهو يعانقه بمحبة أبوية وقال بصدق:
_ مقدرتش اعاقبك ... واللي قدرت اعمله بعدت شوية.
ابتعد رعد قليلًا ونظر لعمه بمحبة شديدة وقال :
_ يمكن اللي حصل للعيلة من وقت ما البنات ظهرت كان كله مشاكل .... بس كانت احسن مشكلة واجهتنا عشان تضيع أي زعل محدش عارف يقوله ويعترف بيه ... دلوقتي يا عمي نظرتي لقرارات جدي اتغيرت .... بقيت بعمل كل اللي بيقوله بحب ومتأكد أنه في مصلحتي .... حتى بقيت بحب شغلي واهتميت بيه أكتر .... وفرحان أوي لأول مرة أفرح كده ... كمل فرحتي وقولي أنك مش زعلان مني ؟
انشرح صدر وجيه للسعادة الملتمعة بأعين الشباب بقوة وقال بابتسامة صادقة :
_ محدش بيزعل من ولاده .... الف مبروك يا حبايبي .
والتف الشباب الأربعة بين ذراعي بضحكات وتهنئة وسعادة تغمرهم بصدق ..
*********
أدت وداد فرض صلاة ظهر الجمعة وهي جالسة بمكانها ... وفعلن الفتيات مثلها ... وكانت ليلى مؤخرا تعلم أبنتها حركات الصلاة ... فما أن بدأ ليلى تصلي حتى تذكرت الصغيرة ما علمتها أمها بالأيام الفائته وبدأت تصلي ... كانت حركاتها سريعة وهي تحرك شفتيها بالفاتحة ... وتأملت جيهان صلاة الصغيرة في استحياء من تقصيرها بعمرها الفائت في أداء الصلاة ...
وما أن انتهى الفتيات من الصلاة حتى استعدوا للتزين بمساعدة جيهان وليلى ...
وكانت وداد تتأمل بناتها في دعوات ودموع وابتسامة لم تنقطع من شفتيها طوال اليوم....
كل فتاة منشغلة أمام المرآة بوضع أشياء رقيقة من مساحيق التجميل ويساعدن بعضهن ويضحك أحيانا على جهلهن بأسماء مساحيق التجميل...
وتخلت كل فتاة اليوم عن ضيقها وما تخاف منه .... وتركن السعادة تأخذ مكانها اليوم .... وبينما اعلنوا الفتيات الأربعة انتهائهن من التزين ارتفعت زغرودة مفاجئة من فم الأم ...
اتسعت اعين الفتيات بدهشة وسعادة ..... فأمهن لم تفعل ذلك منذ رحيل زوجها بأي مناسبة تخص الجيران والأقارب بالبلدة الريفية ...
ومضوا اليها في عناق ومحبة وقابلتهن بدموع الفرحة ..... حتى فتح وجيه الباب بعد عدة طرقات وأخذ كل واحدة في عناق حنون ودافئ وقبلة على الرأس .... ثم قال :
_ تعالوا معايا عشان تمضوا على القسيمة ... ربنا يتمملكم بخير ...
وطلت الفتيات الأربعة بفساتين من نفس اللون "السيمون" اللامع برقة .... يشهبن الزهور بأشد أوقات الربيع ... اما الصغيرة كان ردائها يشبه الفراشة الزرقاء الصغيرة ... فحملها وجيه وهمس لها وأثنى على مظهرها فضحكت بزهو ...
وبعدها ارتفعت أصوات الزراغيد مجددًا والفتيات يهبطن مع العم درجات السلم حيث التجمع العائلي بالطابق الأرضي ...
*********
وترك الشباب الأربعة الاربعة زاوية المأذون وتحركوا اتجاه السلم ... ووقفوا الاربعة في خط واحد وبدا عليهم أناقة شديدة وكل واحدًا منهم يرتدي حلّة سوداء جعلته بأوسم طلة ظهر بها، ووقفوا بأنتظار الفتيات بشوق عاصف .... فهمس يوسف وقال بابتسامة سعادة:
_ أخيرا يا حميدة ...
قال جاسر بضحكة :
_ وحشتني بغباء بنت اللذينا ... يمكن عشان بقت مراتي !
فقال رعد بشوق ضج بعينيه :
_ محضرلها كلام النهاردة كتير ...
حتى قال آسر بنظرة يغمرها اللهفة لرؤية سما التي ستصبح زوجته بعد لحظات :
_ محستش بالفرحة دي قبل كده ... نفسي أشوفها أوي.
حتى طل الفتيات من بعيد وعمهن يتقدمهن وهو يجمل الصغيرة وحولهن نساء العائلة .... اتسعت ابتسامة جاسر وهو يرمي غمزة لعينان جميلة من بعيد وقال:
_ الشبح ظهر أهو .... دي بتنزل على قلبي مش على السلم !
حملق يوسف عينيه بقوة وقال وهو ينظر لحميدة بتفحص :
_ الله ... شكلهم حلو أوي كده ليه ... ؟! ...
ابتسم رعد بنظرة ماكرة لرضوى التي تخضب وجهها حمرة عاصفة .... وقال :
_ كنت عارف أنها حلوة ... بس مش للدرجة دي !
بينما صمت آسر شاردا بابتسامة بتلك العينان التي يملأها الحياء وتتهرب من عينيه بارتباك شديد.
أتى الصبي نعناعة وقال لهم بضحكة ليفصحوا الطريق للفتيات :
_ كتفك كده يا دكتور أنت وهو خليهم يعدوا ! ... وسعوا الطريــــق !
ومر الفتيات تحت أنظار الشباب المدققة بقوة فيهن ... حتى جلسن بزاوية خصصت لهن وتم توقيع وثيقة الزواج لكلا منهن ... وتم اتمام عقد القران مع أصوات الزراغيد والمباركات من بعض الأصدقاء والأقارب .... سوى عائلة عاصم هم من لم يحضروا حفل عقد القران ... ومر الوقت حتى ذهبت ساعات النهار ببطء وانصرف المدعوون من الحضور ..
واستأذن الشباب من العم وجيه والجد رشدي الذي جلس يضحك بقوة مع الفتيات ... بأن كل واحدا يأخذ زوجته ويتحدث معها على انفراد لبعض الوقت ... ووافق وجيه والجد ولكن تحت نظرات وجيه المحذرة والمذكرة لما قاله بالصباح ....
فأخذ رعد رضوى من يدها برقة شديدة وتوجه بها اتجاه الحديقة ... وفعل مثله الشباب الثلاثة واتخذ كل ثنائي زوجته لمكانً ما ليتحدث معها ....
وبالحديقة ....
كانت الشمس قاربت على المغيب .... إلا سحب بعيدة قرمزية تودع الضياء بطقسا بارد بعض الشيء ....
وكانت رضوى تحاول سحب أصابعها من قبضته ولكنه تشبث بها بقوة ... ولم يخفى عليه رجفتها وارتباكها الشديد .... وحينما وقف في زاوية بعيدة عن الأعين كادت أن تسحب يدها وتعترض على شيء .... فجذبها اليه فجأة وكليًا وضمها بقوة وابتسامة تشق تعابير وجهه وعينيه ....
تخشب جسدها للحظات بصدمة ... وبصعوبة حتى انتزعت نفسها من ذراعيه ... ولكنه لم يضيق بل امتلأت عينيه بالدفء والعشق وقال بهمس :
_ مكنتش هعمل أكتر من كده ما تقلقيش مني ... أنا وعدت عمي .
التمعت عينيها بدمعة لخيانة مقاومتها لها واستجابة قلبها له ... حتى اقترب مجددًا وقبّل رأسها ببطء وبرقة جعلت جسدها يرتجف بشدة .... ثم نظر لعينيها البندقيتان وقال هامسا :
_ مستحيل كنت اسيبك تبقي لحد تاني .... أنتي ليا انا وبس .... حبيبتي وكل حاجة ليا ...
ابتلعت ريقها الذي جف تقريبًا ... حتى ابتسم بعشق قائلًا :
_ رضوى .... أنا بحبك بجنون.
#قلبي_وعيناك_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
#ثم_مات_المنتج_والمخرج
#وبعدين 😏
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الستون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... اتفاق على هدنة....~
نرى أن هناك نوع من الكلمات تستطع بكل سهولة أن تهزم كل ما شيدناه من قوة .. تضعف مقاومتنا وتكتب لقرار الفراق كلمة النهاية ...
لم يكن ذلك الاعتراف بالحب أكثر قوة وتأثير من نظراته الملتمعة بالعاطفة الشديدة التي تتمناها أي أنثى بعينان من تحب.
ابتلعت رضوى ريقها بصعوبة وهي تخطف نظرها من اتجاه عينيه القريبة ... وللحظة شعرت بالصدمة من نفسها أنها رضخت ووافقت بتلك البساطة !
ويبدو أنه فهم حديثها مع نفسها فهمس مجددًا وقال:
_ أنتي كده عملتي اللي عليكي ... الخطوة الجاية بقا عليا .... لحد ما ترجعي رضوى بتاعت زمان ...
دعمت نفسها وجرت أذيال الماضي بفكرها لتستطع مجابهة ثقته العالية بنفسه بهذا القدر المثير للغيظ ... فقالت وهي ترفع رأسها مجددًا وتنظر له بتحد :
_ أنت عارف كويس سبب موافقتي .... ولو مكنش اللي حصل لجدي حصل مكنتش هتبقى أنت العريس الليلة !
مجرد الاشارة لهذا الأمر جعلته يشعر بالغضب ولكن ....!
مع كل ما تقوله فهي سعيدة باقترانها به .... متأكدا من ذلك ، وما تتفوه به مجرد كلمات من تردد صوت كبريائها التي تظن أنه طعن ...
فقبل أن يتحدث قالت بسخرية:
_ وبعدين أنا عايزة أعرف حاجة محيراني ..!
أنت فضلت طول الفترة اللي فاتت تقول وتبرر أن سبب تصرفك هو جدي وتحكماته وأن هو اللي وصلك للي عملته .... ولما جدي تعب اعتذرت على اللي فات وكأن انت اللي غلطان في كل حاجة ... ما اعتذرتش بس أنك عليت صوتك عليه وزعلته ! .... راح فين دفاعك عن نفسك ومبدئك ؟!
تطلع بها رعد بهدوء للحظات طوال .... ثم انسحبت نظراته لجهة أخرى وقال وعينيه تبدو بعيدتان عنها وعن كل شيء ... كأنه ينظر للماضي ! ... وقال بنبرة غمر فيها الألم:
_ أمي وأبويا ماتوا في نفس اليوم ... عارفة يعني إيه اخسرهم هما الأتنين مع بعض وفي نفس الوقت ؟! ..... بعدها خدنا جدي وبقى مسؤول عننا في كل حاجة .... أنا مكنتش بكره اختياره لينا ... بس كنت بكره اجباره أننا ننفذ ... لما كان بيقولي ذاكر دروسك ويجبرني اقعد أذاكر كنت بكره المذاكرة رغم أنه قبل ما يقولي كنت بذاكر بتركيز وحماس عالي .... !
وتنهد قليلا ... ثم تابع بفيض من الشجن:
_ جدي لما وقع قدامي قلبي اتنفض ... اترعبت، حسيت كأن أمي وأبويا بيموتوا تاني قدامي عيني ... نسيت كل اللي فات في لحظة من رعبي أنه يسيبني ... لو كرهت تحكمه ده مش معناه أني مش بحبه يا رضوى ... جدي بالنسبالي هو كل حاجة ليا ... كان المطلوب مني يعني أفضل اتحداه وأقف قصاده وهو في الحالة دي ؟! ... سامحته لأن رغم تحكمه بس هو السبب بعد ربنا للي وصلتله ... ما اخترليش حاجة تضرني بالعكس .... سامحته لأنه عمل كل ده عشان حبني أنا وأخواتي وخاف علينا ... يمكن فهمت ده متأخر بس فهمت، زي ما أنا بطلب تسامحيني على اللي عملته لأن وراه حب بجد رغم الطريقة الغلط ...
سقطت دموع رضوى واعلنت ضعفها وهي تقول :
_ مش عارفة أنسى ... أنا بتمنى أنسى عشان ارتاح، عارف أنا كنت عاملة زي الصفحة البيضا اللي مافيهاش أي كلمة ... وأنت جيت كتبت كلام وجعني بقلم حبره مش بيتمسح ... كل اللي بتقوله ده عبارة عن شخبطة .... مجرد شخبطة بتبني جوايا حواجز اكتر ! ..... ما تفتكرش أني مش عايزة اسامحك وأنسى وابدأ صفحة جديدة !!
وهنا كانت صادقة جدًا وهي تبكي وأضافت :
_ بس مش عارفة اتخطى الصفحة دي ...!
رفع يديه لعينيها وهو يهمس قائلا ويكفكف دموعها بأنامله في رقة شديدة :
_ أنا فاهم اللي بتمري بيه ... وطالما فهمت يبقى هصلح كل شيء ... مسألة وقت صدقيني ... ومن هنا لحد ما تقدري تاخدي معايا صفحة جديدة هكون جانبك .... بس بالشكل اللي يرضيني ... واللي يرضيني أنك تكوني مراتي ...
نظرت له مليًا كأنها لمحت شعاع أمل من بعيد يأتي إليها ... وقالت وكأنها تريد أن تتأكد من شيء :
_ يعني هتصبر عليا ؟ .... مش هتجبرني على شيء ؟
ضيق رعد عينيه للحظات وحاول أن يسبر أغوار فكرها ويتأكد من ظنه .... ولكنه لم يسعه غير أن يقول :
_ مش عارف تقصدي إيه بالضبط، بس أنا آخر انسان يجبر حد على شيء .... مش هتصرف تصرف أنا بكره وضده ... ومش هتصرف تصرف يقلل مني أو منك ... أطمني.
بدت نظراتها بعد ذلك آمنة بعض الشيء ..ومسحت عينيها بهدوء مما جعله تبدو وكأنها على حافة أن تغلق عينيها وتنام !
فابتسم وقال والسعادة تملأ عينيه :
_ مش همنعك لو عايزة تكملي دراستك .... بالعكس هشجعك، بس مش شايفة أن موضوع الشغل ده هيبقى ضغط عليكي أوي ؟!
قالت رضوى ساخرة :
_ أنت مش وعدتني مش هتجبرني على شيء !
ضحك رعد بمرح وصحح :
_ أنا بناقشك يا رضوى مش بجبرك ! ... وعمومًا زي ما تحبي، والجميل في الموضوع أنك هتكوني في المستشفى ... يعني معايا وتحت عيني.
تلونت وجنتيها بالحياء وظل يراقب ارتباكها بتسلية وابتسامة ماكرة ...
***********
قد أخذ آسر زوجته "سما" بأحد الزوايا المؤدية للمسبح ...
وكان بُعد خطوة من أن يأخذها لصدره ... ولكنها مكابرة وستعترض وتثور ... رغم أن هذا أصبح من حقه الآن بعض الشيء ...
ورغم كل شيء ابتسم ..!
ابتسم بسعادة حقيقية ... لم يعهدها بأيامه من قبل !
لم يختبر طرفاتها ونسائمها على قلبه ... فكان يسيران جنبا إلى جنب برواق طويل مستوي مُعبّد للسير فيه ...
وكان الصمت هو الصوت السائد بينهما !!
وكأن أصبح للهواء نغمة طربية على سمعهما فظل يسيران بهدوء وبخطوات بطيئة تمنى كلا منهنا الا تنتهي !
وعلى حين غرة وجدت رضوى يد آسر تأخذ يدها في قبضة دافئة فنظرت جانبا له بدهشة ورجفة اجتاحت جسدها بعنف .... فوجدته يبتسم وهو يسير وينظر أمامه بمنتهى الهدوء !
ولأول مرة تعترف لنفسها أن الدقة الخفيفة من الحياء الذي يظهر بعينيه يأسرها ! .... والارتباك الذي ينتابه أحيانا يحمل قلبها لطواف الحنين إليه ... ليته يحبها بتلك القوة التي تحبه بها .. وهذه الحقيقة المطلقة التي ترها فقط ...
وبما أن لمسة يده الآن أصبحت متاحة له فتركت أناملها بسلام بقبضة يده ...وتابعت سيرها ولم تعلق على الأمر .... حتى قال فجأة وهو على نفس ابتسامته لم ينفضها من شفتيه:
_ تعرفي يا سما ... أنا أول مرة المس إيد بنت ! ... بس الأجمل أن اللمسة دي حلال .... أظن دلوقتي تقدري تبصي في عنيا براحتك !
وازدردت سما ريقها بارتباك شديد .... يبدو أنه لاحظ أن نظراتها له خاطفة عدى وقت الشجار فكانت تتحداه بكل ما بها من قوة !
وتأكد من حدسه من رجفة يدها، فنظر جانبًا لها وشاهد موجات الحياء الشديد تتأرجح على تقاسيم وجهها ....
وشدد في قبضة يده على أنامله مما جعلها تنتفض ونتج ذلك تعثر قدميها والتواء كاحلها بداخل الحذاء ذو الكعب العالِ وسقطت أرضا وهي تتأوه بألم!
نظر لبرهة مصدوما من سقوطها المفاجئ ثم انحنى بلهفة متسائلا :
_ حصلك حاجة ؟!
حسست سما على كاهلها بألم وقالت :
_ رجلي اتلوت وبتوجعني أوي.
ذهبت عينيه لكاخلها لا اردايًا ثم دون تفكير حرك ذراعه ليزيح عن كاحلها الحذاء ويمسد الألتواء لتقل عنه الحدة فصرخت به معترضة وقالت بارتباك :
_ لأ استني ....
التفت لها وقال بغرابة :
_ استنى إيه ..؟!
اجابت وهي تتهرب من عينيه القريبة المحدقة بها :
_ هقلع الصندل .... ممكن تبعد شوية كده !
زم شفتيه بغيظ منها ولم يكترث لها وهو يهم بخلع الحذاء عن كاحلها، فتأوهت مرةً أخرى ووضعت رأسها على كتفه وهي تتألم ... فكان الالتواء اقرب لتشخيص تمزق في أربطة كاحل القدم .... وكان لهمس صوتها تأثير شديد عليه ولكنه تجاهل منحنى تفكيره وفحص كاحل قدميها بدقة بعدما أبعد الحذاء عنه ..... وقال ووهو يمسد كاحلها بحذر :
_ هجيبلك چيل مسكن هيقلل الألم كتير ... بس ما توقفيش على رجلك لحد ما أجيبه ... دقيقة وراجعلك ..
وقف وكاد أن يتحرك فوجد أن من غير اللائق أنه يتركها جالسة على الأرض هكذا ... وبينما سما مستغرقة بتمسيد كاحلها حتى وجدت نفسها تحمل على ذراعيه بعدما اسندها لتقف مستندة على ذراعه وحملها سريعا لأقرب مقعد ...
تجمدت سما للحظات وهي تنظر لجانب وجهه القريب جدًا لها ولصدره الذي تسند رأسها عليه .... حتى اجلسها على مقعد بقرب المسبح وفر راكضا للداخل ليأتي بالدواء ...
نظرت سما لخطواته المبتعدة في تيهة وشرود ... وكانت تحتاج لأن يصفعها أحد لتتأكد أن ما يحدث الآن حقيقة وليس حلمٍ مثل أحلام كثر ...
وبعد قليل أتى راكضا أيضا وانحنى حتى قدميها، حتى وضع القدم المصابة على ساقه لترتفع قليلا عن الأرض وبدأ يحرر من أنبوب الچيل بعضا منه ويضعه على منطقة الالتواء ...
وراقبته سما في شرود تام ... يتعامل برقة شديدة كأنه يتعامل مع طفل رضيع لا يتحمل أقل الم !
وعندما أنتهى وضع الأنبوب على منضدة بجانب المقعد الخشبي ورفع رأسه لها قائلًا بتأكيد :
_ دقيقتين بالضبط وهتحسي بالفرق ... بس هتحسي بالألم شوية لما تمشي ... وبكده هطلعك لأوضة والدتك بطريقتي بما أنكم هتقعدوا فيها كلكم ...
كانت سما غفلت عن ما حدث لقدميها وخطفتها أحلامها برؤيته هكذا ! ... وعندما لاحظ شرودها به ابتسم ببعض المكر وقال :
_ سرحانة في إيه ؟!
لملمت أفكارها وانضبطت ... ثم أجابت بعبوس وحدة لكي لا يأخذه الغرور أكثر من ذلك :
_ هو أنت عرفت حد من زمايلك في المستشفى أن كتب كتابك النهاردة ؟
ضيق عينيه عليها وفهم ما تقصده فأجاب :
_ عزمت كتير منهم هو أنتي ما شوفتيهمش ! ... بس لو تقصدي الدكتورة حبيبة فمعزمتهاش ولا يهمني حضورها ... وده بالنسبالي ... أنما بالنسبالك فحضورها كان هيضايقك اكيد ... ومحبتش ازعلك في يوم زي ده.
ونمت رفة خفيفة من الابتسامة على ثغرها ... فقال مبتسما لأنتصاره لأول مرة في الحديث معها :
_ ممكن نتفق اتفاق يا سما ؟
قالت بريبة :
_ اتفاق إيه ..؟!
كان هذا اتفاق فيه خطة للفوز بها ... ودون أن يفقد كبريائه لو اعترف لها بحبه ورفضت كعادتها ... فقال بمراوغة وخبث:
_ احنا دلوقتي خلاص ارتبطنا ببعض ، وفرحنا بعد شهر .... يعني الأفضل نفكر بجد أننا .... نفهم بعض ..
خذلها بختام حديثه ... فقالت بتنهيدة وكأنها لا تفهم شيء :
_ عايز توصل لأيه مش فاهمة ..؟!
كان متأكد أنها تفهمه ... ولكنه ليس متأكدا تمامًا أنها تحبه ... بل أوقات كاد أن يقسم أنها لا تكره احدا سواه ! .... فتابع بنظرة متطلعة بدقة بعينيها وببعض الارتباك قال:
_ يعني اقصد أن لو حتى جوازنا عشان نرضي جدي فليه لأ ما نحاولش نخليه بجد .... ندي فرصة لنفسنا ... مش يمكن !
ابتلعت ريقها بتوتر شديد وقالت وهي تنظر لجهة أخرى :
_ مش يمكن إيه ؟!
ادار وجهها له برفق وقال وعينيه تلتمع بشيء غامض :
_ يمكن نحب بعض وعلاقتنا تنجح ... يمكن في بكرة يجمعنا ليه لأ !
ببعض المرات كان يشير لها بأنه يحبها ... بل قال كان يصرح ببعض الكلمات التي تؤكد ذلك ... لماذا الآن يقول ذلك ! ... سيصبها بالجنون هذا الرجل !
وصمتت ولم تعرف بما تجيب .... وخشي آسر أن يعترف لها بما يكنه لها ... فاليوم غير جميع الأيام الفائته ... اليوم سيكن ثقيل عليه أن قابلته بالرفض كعادتها .... فراوغ حتى يصل لها دون أن يصفعه صدها وبعدها عنه .... حتى أجابت :
_ نجاح أي علاقة مش لازم يسبقه اتفاق معقود بين الطرفين .... نجاح الارتباط والجواز بيبقى مبني على حاجات كتير ... منها الثقة والأمان والاحترام ... والحب .
فأكيد لو لقينا ده مع بعض علاقتنا لوحدها هتنجح .... فلو عايز رد مني فالرد مش عندي .... الرد عند الأيام الجاية .. هي اللي هتقولك أن كنت واخد الموضوع بجد ... ولا بتنسى حد بحد !
هربت من الإجابة المباشرة بذكاء اعجبه ... فابتسم ناظرا لها للحظات ...ثم قال :
_ لو بقربلك عشان أنسى بيكي واحدة تانية فهكون انسان غبي ... وأنا مش غبي .... بس أنتي عندك حق ، الايام كفيلة تجاوبك على كل حاجة محيراكي ... بس الأول لازم أقولك حاجة ... لأ هما حاجتين بصراحة ...
تساءلت باهتمام :
_ ايه هما ..؟!
اقترب منها بابتسمة شديدة المكر وهمس :
_ أول حاجة عايز أقولها أني معرفتش ابعد عنيا عنك النهاردة .... خطفتي عيوني من أول لحظة ظهرتي فيها ..
تصبخ وجهها بحمرة شديدة وابتسمت رغما عنها وهي تتظاهر بالنظر لكاحل قدميها ... فرفع وجهها اليه مرة أخرى وتابع :
_ وتاني حاجة بقا ...
وفجأة قبّل جبينها برقة وبعدها نظر لعينيها بمحبة شديدة وهمس:
_ تاني حاجة عايز أقولها أني مبسوط جدًا جدًا ... يمكن أكتر يوم فرحت فيه في حياتي ...
ها بقا انفع زوج رومانسي ؟
ارفق حديثه بضحكة مرحة ليزيح عنها هذا الحياء والخجل الشديد ... فابتسمت وقالت بحياء:
_ تنفع ...
***********
وفي زاوية بعيدة من غرفة صالون لا تستخدم الا نادرا ....
دفعت جميلة جاسر عنها وأشارت له بتحذير وهي على وشك الضحك من قوتها في دفعه ليجعله يكاد يسقط على ظهره :
_ ايدك دي شكلها هتوحشك قريب ... عارف لو قربت ناحيتي تاني هعمل فيك إيه؟!
استقام جاسر وارتكز في وقفته وهو ينظر لها بغيظ وعصبية ... ولكنه أذكى من أن ينفعل بذلك الوقت ...بل ابتسم وهو يقترب مرة أخرى وقال بخبث :
_ هتعملي فيا ايه أكتر من اللي عملاه يا قادرة ؟! .... يا بيوتيفول أنتي بقيتي مراتي ! ... عارفة يعني إيه ؟!
قالت جميلة بسخرية وأخفت ابتسامتها بالكاد :
_ يعني إيه ..؟!
غمز بعينيه بطريقة جعلتها تبتعد خطوات عنه وأشارت له مجددًا وهددته قائلة :
_ لو فضلت على أسلوبك ده هصوت وهلم عليك العيلة كلها وأقول اتهجم عليا ...
قال ضاحكا :
_ حد بيتهجم على مراته برضو ! .... مش عارف أنتي ليه خايفة مني رغم أنك بتموتي موت فيا ....
سخرت بضحكة وقالت وهي تضرب كفا على كف :
_ اموت فيك أنت ! .... ده لولا مرض جدي ...
قاطعها واكمل عنها قائلا :
_ مكنتش اتجوزتك ولا بصيت في وشك ... مش كنتي هتقولي كده ؟! ... احب أقولك بقا أن لسانك الطويل ده مش هينفع بعد النهاردة ... وماتنسيش أني دلوقتي جوزك ... يعني أي حاجة لازم نتكلم فيها ومحدش يعرفها ....
قالت جميلة بجدية :
_ بص يا جاسر ... أنت آه بقيت جوزي دلوقتي ، بس أنسى اللي في دماغك ده دلوقتي ولحد الفرح مالكش عندي حاجة يا شبح ...
صر جاسر على أسنانه من الغيظ وقال لها :
_ لا مكنتش هتخطى حدودي لأني وعدت عمي ... وبحترم أهلك ... بس الهوى غلاب يا بيوتيفول وبضعف.
ابتسمت سريعا ثم تظاهرت بالجدية وقالت :
_ غلاب يا دحلاب ! .... فكرك هتضحك على عقلي بكلمتين ! ... ده أنا خبزاك وعجناك وعارفة خباياك ودواخلك السودا !
قال جاسر بغيظ :
_ كان نفسي اعيش لحظة رومانسية لكن البعيدة جبلة !
بت أنتي عدوة نفسك اقسم بالله .. ضيعتي حتة مشهد كنت راسمه في دماغي أنما رهيب .... منك لله .
ضحكت جميلة رغما عنها ... ثم اقتربت له قائلة بابتسامة :
_ خلاص مش هعكنن عليك النهاردة ... كفاية كده خناق ونتكلم جد وبهدوء شوية ....
همس جاسر لها بنظرة ماكرة وبشيء جعلها تبتعد عنه خطوتين ... فارتبكت وهي تقول :
_ مش هسمحلك بأكتر من مسكة ايدي بما أنك بقيت جوزي يعني ... اصلك مش مضمون بصراحة.
لوى جاسر شفتيه بسخرية وامسك يدها وخنق أناملها بقبضته حتى تألمت جميلة فضحك هو بقوة .... ثم رقت قبضته ورفع أناملها لشفتيه وقبّل كل أصبع فيهم ببطء ... فارتجفت وسحبت يدها سريعا من قبضته ... فضيق عينيه عليها وقال بخبث :
_ ده أنتي خايفة من نفسك مش خايفة مني بقا !
للدرجة دي بتحبيني يا بيوتيفول ؟
توترت جميلة بحياء شديد منه ... وقالت وهي تهم بالركض :
_ هروح أجيب حاجة نشربها وجاية ...
وعندما جذبها من معصم يدها لكي لا تبتعد دفعت بدون قصد على صدره .... فابتسم بمكر وقال :
_ شوفتي الصدف القمر ! ....
وعندما لاحظ رجفتها الشديدة مرر يده على رأسها برقة وهمس لها بصدق :
_ متخافيش مني يا جميلة ... محدش بيأذي حد بيعشقه ...
ابتعدت وهي تردد الكلمة الأخيرة ... فقال بتأكيد :
_ ومايقدرش يعيش من غيره كمان ... هو إيه الغريب أني أحبك للدرجة دي !
نظرت له بعتاب حقيقي وقالت :
_ اتخليت ... ومشيت !
هز رأسه معترضا وقال :
_ مكنش بإيدي شيء غير أني اسافر ... رعد نرفزه قرار جدي وخوفت يسيب البيت ويمشي واحنا مش موجودين ... مكنش ينفع اسيبه لوحده صدقيني... بس مش هو ده بس اللي مخوفك مني ..
ابتلعت ريقها بقوة ولم تجيب ... ولكنه فهم حيرتها وقالت :
_ أنا مكدبتش عليكي واعترفت أني كنت بعرف بنات قبلك ، بس بعدت واخترتك أنتي بس ...
هزت جميلة رأسها بيأس وقالت :
_ الكلام لوحده مش كفاية يا جاسر ... وإلا كنت صدقتك من زمان !
أخذ يديها بين راحتي يديه وقال بمحبة ظاهرة :
_ طب ما تخلينا كويسين مع بعض ولو شوفتي عليا حاجة ابقي اعملي اللي عايزاه .... ماينفعش نعيش حياتنا وأنا بثبتلك أني ماحبتش غيرك في حياتي ؟!
تركت جميلة اناملها بين قبضتيه وقالت بصدق :
_ محدش بيعرف يدي الأمان وهو مش مطمن ... تصرفاتك واللي عرفته عنك غصب عني خلاني مش قادرة أثق فيك ... خايفة تخذلني بعد ما اكون اديتك ثقتي كلها وتغدر بيا ... ساعتها عمري ما هسامح نفسي أبدًا ..
قال لها بتأكيد صدقه :
_ طالما بقينا لبعض أنا متأكد أن كل شيء هيمشي زي ما بتمنى .... عن نفسي مش بفكر في اللي فات ... أنا معاكي انتي وبس ...
**********
وبغرفة الطعام الواسعة ....
اجلسها ثم ذهب لبغض الدقائق وأتى بعدة أطباق للطعام بها ما لذ وطاب من الحلوى .... فابتسمت حميدة وهي تراه يجلس بجانبها ويأخذ أحد الأطباق ... ثم تفاجئت أنه يريد أن يطعمها !
فقالت بابتسامة خجولة :
_ مش جعانة ...
فابتسم يوسف بسعادة وقال برجاء :
_ نفسي من زمان ااكلك ... كلي الحتة دي بس ..
ابتسمت بحياء شديد وهي تتذوق من يده الحلوى ..ثم ابتلعتها بشهية عكس ما كانت تشعر به منذ قليل .... فوضع يوسف الطبق على المنضدة وقال بتنهيدة ارتياح :
_ الحمد لله ... تعرفي يا حميدة أني من تاني مرة شوفتك فيها وكنت حاسس أن اليوم ده هيجي ... أو يعني كنت بتمنى .
قالت حميدة بابتسامة بها طيف حياء :
_ طب وأول مرة شوفتني فيها ؟
نظر لها بمجبة وعاطفة وأجاب :
_ أول مرة شوفتك معرفتش انساكي ... اوعي تفتكري أن الفطير وريحته اللي شدتني !! ... أنا بحب الاكل بس مش للدرجة دي يعني ! .... أنا كنت ماشي بتفرج على البلد عادي لحد ما لمحتك من بعيد ... كنت حاسس أني شوفتك قبل كده وفضلت أبصلك عشان أفتكر شوفتك فين .... بس بعد شوية معرفتش اشيل عنيا من عليكي .... عرفتي بقا أني بحبك اكتر من الفطير !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
يا ترى الحلقة الجاية زايد وفرحة هيحصلهم إيه ؟
وعمو وجيه وليلى هيحصل بينهم إيه وهتكون سببه جيهان !
وأول ظهور لعمو أكرم حجازي هيكون الحلقة الجاية وهنعرف سببه اختفائه عن الجميع وليه مشي وأختفى !
موعدنا الحلقة الجاية بأذن الله ❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الواحد_والستون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... أنتِ لي.....أو لي ...~
عرفتي بقا أني بحبك أكتر من الفطير !
قال ذلك بعفوية وابتسامة تزين ثغره فضحكت حميدة بقوة على مقولته، ورغم زج سيرة الطعام بأول مقابلة بينهما بعد عقد القران ولكن بات كل ما يقوله محبب لها .. تريد ان تسمعه يتحدث فقط .... فقالت بعدما استطاعت التحكم بضحكاتها :
_ مافيش جملة تنتهي معاك إلا لما تجيب سيرة الأكل !
تأمل اشراقة وجهها من الابتسامة والضحك وقال بعد تنهيدة حملت كثير من السعادة والارتياح:
_ عشان عارف انك هتضحكي ... بقولك إيه يا حميدة .. عايز أقولك حاجة أول مرة أقولها لبنت ..
ابتلعت حميدة ريقها بتوتر وارتباك شديد وأومأت برأسها دلالة الموافقة ... فاقترب يوسف لها أكثر وهمس بالقرب من أذنها بصوتً خافت دحض بعض تأكيدها أنه بتلك البراءة التي تعتقدها ... وتفوه بكلمات جعلتها تبتعد عنه متسعة العينان بدهشة ... وظهرت ابتسامة يوسف الماكرة ...فقالت بحدة لم تكن فعليًا بداخلها :
_ مكنتش فكراك كده ! .... مش معقول أنت يوسف اللي أعرفه.. اتغيرت أمتى ؟!
ضحك يوسف وهو يمرر يده على رأسه ثم نظر لها ونظراته وكأنها عقدت وثائق مع المكر والمراوغة وانقلب حاله ! .... فقال :
_ اتغيرت بعد أول دقيقة من كتبنا كتابنا ... بس ما تقلقيش مش هقولك كده تاني دلوقتي ...
أشارت له بتحذير ونظرة يملأها التهديد:
_ بعد كده مش هتكلم معاك لوحدنا ... بالكتير هسلم عليك ...
عبس وجهه يوسف فجأة وقال متعجبا:
_ ليه محسساني أني لسه خطيبك ! .... على فكرة مش حرام طالما اتكتب كتابنا ...
زمت حميدة شفتيها بحدة وهي ترتجف خوفا من شيء ... ثم هتفت به بعصبية وقالت :
_ ماشي ... هروح أستأذن أمي الأول ...
وتوجهت وهي تكتم ضحكتها من صدمته حتى جذب يدها وعينين مصدومتان منها وقال :
_ هتروحي تستأذني امك في إيه أنتي اتجننتي ؟!
قالت وهي تفلت يدها من قبضته وتجيب :
_ هستأذن منها في اللي طلبته ! ...
ضيق يوسف عينيه عليها ثم قبّل رأسها وقال بغيظ :
_ طب هبوس راسك بس....لكن يعني ...
قاطعته حميدة بجدية وقالت :
_ عارفة أن من حقك يا يوسف ، بس مش هسمحلك بالحق ده قبل الفرح ... مكنتش اتخيل أنك تطلب مني طلب زي ده !
دهش يوسف للحظة ثم قال :
_ ده شيء قليل من حقي فيكي، ولكن طالما أنتي مش عايزة ده دلوقتي مش هجبرك اكيد ... بس إيه حكاية هتقولي لأمك دي احنا هنبتدي كده وكل اللي بينا هيتعرف بالسهولة دي ولا إيه !
عقدت حميدة يديها حولها وقالت بثبات :
_ لأ مكنتش هقول لأمي على فكرة ... بس مكنتش متوقعة أنك تطلب طلب زي ده ... كنت فكراك مؤدب عن كده !
ضحك يوسف وقال بعد لحظات :
_ ولسه مؤدب ماتفهمنيش غلط، بس بما أننا كتبنا كتابنا مسموح ببعض الأشياء يعني .. أنتي دلوقتي مراتي قدام ربنا وقدام الناس كلها .... ومكنتش هتخطى الحدود اللي مسموحلي بيها دلوقتي.
ردت حميدة بحسم وجدية بعدما حوقلت :
_ مسموح لك ببعض الأشياء ... بس أنا مس هسمحلك بأكتر من مسكة أيد .. وده اللي هيريحني يا يوسف ... رأيك إيه ؟
اقترب لها ومسك أحدى يديها وقبّل كل أصبع على حدى ثم غمز لها بابتسامة خبيثة:
_ دي مافيهاش رأي ... انتي تتشالي على الراس يا حميدة ومش عايزك تزعلي مني ... احنا لو لسه بس مخطوبين عمري ما كنت هطلب منك كده ... بس عمومًا كلها شهر هستنى أخره بفارغ الصبر ... اضحكي بقا !
وجهت عينيه لجهة أخرى لكي لا تؤثر عليها ابتسامته وتضحك ... فقال بمزاح ضاحكا :
_ هتشتكيني لأمك يا حميدة ؟!
ولم تعد تتمالك نفسها فضحكت بقوة من طريقته المشاكسة ....
*********
وبعد دخول المساء تمامًا...
وبين الجمع العائلي بغرفة الصالون ربتت ليلى على رأس ابنتها التي نامت بعد وقتً طويل قضته في اللعب والضحكات مع الشباب والفتيات بفترة النهار ...
استأذنت الجميع لتصعد وتضع أبنتها بالفراش، وبالفعل حدث ذلك وغادرت بلحظات تحت نظرات وجيه المراقبة بلمعة اشتياق لحبيبته ليلى ....
وكانت تراقب جيهان نظراته بشرارة تحترق بداخلها وتنهشها .... حتى استأذن هو أيضا ليجري اتصال هام.
بينما جيهان كانت تشك به وحينما قررت أن تخرج مغادرة أيضا لتتعقب سيره وتكشف كذبته ، وقفت متجهمة الوجه في الردهة وعينيها لمحت آخر خطواته للأعلى وهو يصعد ...
زفرت بغضب كظمته وقالت :
_ زي ما تحب يا وجيه ... طالما أخترت يبقى استحمل.
وبغرفة ليلى ...
فتح الباب بهدوء مقصود لكي لا يزعج الصغيرة النائمة .... فالتفتت له ليلى وابتسمت وهي منذ دقيقة كانت تربت على رأس ابنتها النائمة وتقبلها ...
قالت مبتسمة بدفء :
_ كنت حاسة أنك هتيجي.
اقترب لها بعينيه التي يتحدث فيهما المكر والاعجاب بردائها العسلي الرقيق الذي سلب عقله منذ الوهلة الأولى ... دائمًا كانت حريصة أن تختار الوان تشبه لون عينيها ..
نظرة للصغيرة بحنان وابتسامة ثم جذب ليلى إليه وهمس لها قائلا :
_ ذوقك دايمًا بيعجبني ... أو يمكن أنتي اللي أي حاجة بتلبسيها بتليق عليكي بالشكل ده!
رفعت أناملها لياقة قميصه الأبيض تحت سترته السوداء الأنيقة وقالت مبتسمة بنعومة وهي تتأمل عينيه :
_ عارف أن النهاردة حسيت احساس غريب أوي.
قال بلهفة لسماعها أكثر:
_ احساس إيه ؟
ابتسمت ليلى أكثر وقالت وهي تنظر له بأعجاب شديد وزهو :
_ مكنتش أنت النهاردة العريس، بس مافيش حد كان زيك ولا في هيبتك ! ... محدش وقف جنبك وكان احسن منك، حتى ولاد أخواتك، خطفت الضوء منهم ...
ولا ينكر أنه يحب ذلك الأطراء التي تقوله ويشعر بأنه لا رجل غيره تراه، فابتسم بثقة وقال وهو يقترب اليها أكثر :
_ واضح أني كنت متراقب من ذات العينان العسلية دي.
ضحكت بمرح وكاد أن يهمس لها بشيء حتى دق رنين هاتفه الخاص .... فزفر وجيه بغيظ وأخرج الهاتف من جيب سترته وتعجب عندما وجد رقم المتصل "جيهان" !
وأجاب باستغراب:
_ في حاجة حصلت يا جيهان ؟! .... أنا دقيقة ونازل.
وزم شفتيه من أعترافه غير المقصود أنه بالأعلى ... فقالت جيهان بسخرية اخفت فيها سوط الغضب :
_ لا خليك مع ليلى .... أنا مصدعة وعايزة أبقى لوحدي.
تنهد وجيه وهو يمهد نفسه لجدال طويل مع جيهان وقال مختصرا :
_ لأ جاي ... دقيقتين بالضبط واكون عندك.
انهى الاتصال وهو يتنهد بضيق شديد وقالت ليلى بتوتر :
_ لو انا مكانها هزعل يا وجيه ... انا فرحت أنك جيت ورايا ونسيت جيهان ... أنا أسفة.
هز وجيه رأسه برفض وقال بحدة:
_ كانت غلطة عنادي وغلطتك عشان مصارحتنيش بكل حاجة ..... والنتيجة أني لو بس ضحكت معاكي شوية جيهان هتحسسني بالذنب ! ... لكل انسان قوة احتمال ... وأنا طاقتي قربت تخلص ومابقتش قادر اتحمل الوضع ده أكتر من كده ..
قالت ليلى له برجاء :
_ عشان خاطري يا وجيه أهدى وفكر أنها من حقها تزعل ... أنا برضو كنت بزعل من حاجات تافهة ... عشان كده عذراها ..
هتف وجيه واعلن ذلك الشيء الذي كان متأكدا منه :
_ جيهان مش بتحبني يا ليلى ! .... تصرفاتك بعذرك فيها لأني عارف ومتأكد من اللي جواكي ... أنما جيهان معتقدة أني لو حبيتها حياتها هتتبدل وهتكون سعيدة ... أنما الحقيقة ان مافيش حاجة هتتغير برضو ... جيهان محبتنيش طول العشر سنين اللي فاتوا ! ....
وتابع بتأكيد:
_ هي شافت فيا حاجز كبير هيرحمها من الوحدة وكلام الناس وطمعهم فيها ... وهمت نفسها انها بتحبني عشان ما تعترفش لنفسها أنها ضعيفة وأنها رجعتلي خوف من كل اللي شافته ومعرفتش تواجهه ...
مش ده الحب يا ليلى اللي أي راجل بيتمناه من مراته !
مش ده الحب اصلا ... تخيلي أنتي لو لقت هي حد تاني بيقدملها نفس اللي قدمتهولها بأختلاف أنه مش بيحب ولا متجوز تفتكري كانت هتختار مين فينا؟
ولو أنتي لقيتي حد احسن مني في كل حاجة أنا متأكد أنك كنتي هتختاريتي أنا برضو ... هو ده الفرق ما بينكم.
*********
أخذت جيهان الغرفة جيئة وذهابا بعدما بدلت ثيابها .. وها هي تلك الدقيقتان ليعود زادا عن الخمسة عشر دقيقة !
وجلست على الفراش استعداد للنوم وتركه وشأنه أن عاد أو حتى لم يعود ...
حتى فتح وجيه الباب فجأة ودلف للغرفة بملامح عابسة وكأنه مرغم على المجيء ... وغضبت من تجاهله التام لها فقالت بعصبية :
_ أنا قولتلك خليك مع ليلى !
وكأن كان ينتظر أن تتحدث ليصب غضبه فهتف :
_ ولو خليتني كنتي هتفتحيلي محضر بكرة الصبح ومش هتفوتي نص فرصة غير لما تفكريني أد ايه أنا ظالم وبسيبك وبروح لليلى ، ده غير كم الاحساس بالذنب اللي هتعيشيني فيه مع كام دمعة لزوم التأثير والمصداقية!
نهضت جيهان وهي مصدومة من موقفه وهو من المفترض يظهر الاسف والاعتذار فقالت :
_ أنت كمان اللي زعلان ومضايق !
أجابها بعصبية :
_ فيها ايه لو روحت اطمن على ليلى ؟! ... فيها لو طلعت عندها اتكلم معاها شوية ! .... ليلى مراتي مش عشيقتي ، ليلى كنت بسيبها برضو وبجيلك لما تحتاجيلي !
طفرت دمعة من عين جيهان رغم عصبيتها وهي تجيب:
_ لما احتاجلك ! ... بس أنت عمرك ما احتجت تبقى معايا ، دايمًا بحس أنك مجبور تجيلي ومابتصدق تمشي وتروح لليلى ... لو كده يبقى روحلها وليك عليا مش هتكلم ولا هعاتبك ... بس ما تخلنيش احس أني تقيلة عليك بالشكل ده !
أشار لها وجيه بحدة وتحذير وقال :
_ من الآخر يا جيهان ... هقولك اللي عندي.
وقتي وقسمته وبحاول على اد ما اقدر اعدل ما بينكم، أنما مشاعري واحساسي وميلي لليلى ده أنا نفسي مش مسيطر عليه... فأزاي أنتي عايزة تسيطري ! .... لو عايزة ترحمي نفسك وترحميني شيلي ليلى من دماغك ... اعتبريها مش موجودة.
قالت ساخرة بمرارة :
_ وأنت هتعتبرها مش موجودة برضو ؟!
زفر وجيه بحدة وكافح ليتحكم بغضبه فقال :
_ عندي حل يرضي جميع الأطراف ... أنا شايف أن الأفضل اجيبلك شقة وتسكني بعيد عن هنا ... أظن ده حل هيريحك وهيغنينا عنا مشاكل كتير ممكن تحصل.
انفعلت جيهان وشعرت بالكره اتجاه الجميع وهي تقول:
_ وليه هي اللي ما تطلعش من هنا وتجيبلها شقة برا ؟!
أجاب وجيه سريعا :
_ ليلى لسه تعبانة ومحتاجة جو العيلة حواليها هي وريميه ... ماينفعش ابعدها ووجود العيلة جزء من علاجها !
هزت جيهان رأسها برفض قاطع وقالت:
_ لا يا وجيه ... أنا اللي كنت هنا وهي جت بعدي ... وزي ما هي محتاجة وجود عيلتك أنا كمان محتاجة نفس الشيء ... بس أنت ما بتفكرش غير فيها وبس !
انفعل وجيه وشعر بالغيظ الشديد منها وقال:
_ للأسف مضطر أقولك أني بكره النقاش معاكي ، دايمًا متمسكة برأيك ومش شايفة غير أنك ضحية ومظلومة ... ولو حسبتيها صح هتعرفي أنك أنتي اللي ظلمتي نفسك من البداية.
تحبي اثبتلك ...
ضيقت جيهان عينيها عليه حتى قال بتحدي:
_ لو كنت قررت أخد لليلى شقة برا وابعدهم عن هنا ... كان هيبقى موقفك ايه ؟
اطرفت عينان جيهان بتوتر بعدما فكرت للحظات ، فقال وجيه وكأنه وجد من توترها الاجابة:
_أنا متأكد أنك كنتي هتزعلي أني معملتش نفس الشيء معاكي ... تصبحي على خير يا جيهان .
واستدار عنها وتوجه لخزانة الملابس ليأخذ ما يحتاجه ويدخل يأخذ حماما سريع قبل أن يخلد للنوم.
علت تقطيبة على وجه جيهان وباتت لا تعرف ما تريد تحديدًا ....بات لا يرضيها أي شيء ! ...
***********
قررت سما أن تصعد لغرفة أمها وتخلد للنوم بعد يوم حمل من التوتر والحركة ما جعل رأسها ثقيل وعينيها تتلهف للغفوة ... ولكن منعها التواء كاحلها الذي شل حركتها بحرية.
فشعرت فجأة بيد آسر تحاوط خصرها ليسندها ... فأنتفضت ناظرة له بصدمة ... فقال بتأكيد:
_ بسندك عشان ما توقعيش ... اسندي عليا.
ابتلعت سما ريقها بصعوبة وكأن صوتها انعقد عن الحديث فجأة ... حتى ادخلها آسر للمنزل، وحمدت سما ربها أن العائلة يجتمعوا بمكانً آخر عن هنا .... ويبدو أن آسر استغل ذلك وحملها فجأة بين ذراعيه، وبدأ يصعد السلم مع شهقاتها المفزوعة المضطربة ...
فغمز لها بابتسامة وقال :
_ كده أسهل وأأمن ....
ولكن لم تسعده الصدفة بالكامل فقد وجد الباب مواربا وأمها بالداخل تجلس على فراشها المريح وترتل آيات الذكر الحكيم .... وانقطعت الام عن القراءة عقب رؤيتهم هكذا ونظرت بحدة لأبنتها .... فهتفت سما بآسر لينزلها وفعل ذلك برفق حتى لا تتأذى ....
ثم قال وهو يسندها ويذهب بها لفراش أمها :
_ رجلها اتلوت ومكنش ينفع تمشي عليها ..
هزت وداد رأسها دون أي اشارة لقبول ما يحدث .... فأستأذن آسر وغادر الغرفة مغلقا الباب خلفه .... حتى توجهت وداد لأبنتها في عتاب هادئ وقالت :
_ بقى هو ده اللي اتفقنا عليه يا سمكة !
ولا يعني عشان كتبتوا الكتاب اتخرس وما اتكلمش !
قالت سما بدفاع وقالت :
_ لا يمه بعد الشر عنك من الخرس ... والله العظيم رجلي اتلوت فعلا ولقيته فجأة قام شايلني ... بس ما تقلقيش علينا ده احنا تربيتك.
تنهدت وداد براحة وقالت بهدوء:
_ يابنتي أنتي دلوقتي مراته آه وأنا مقدرش اتكلم ... بس برضو في أصول في الأوقات اللي زي دي .... وطالما الفرح ما جاش يبقى اكنكم مخطوبين ... هو عاداتنا كده واتربينا على كده ... ولا أنتوا سيبتوا البلد بكل اللي اتعلتموه فيها !
اكدت سما بصدق:
_ أطمني يمه وثقي فيا ... أنا عارفة حدودي كويس أوي ... مش عايزة أقولك أني حتى بعد الفرح مش هعرف اخليه يقربلي بسهولة من غير ما أطمن أنه فعلا حبني .
اتسعت عينان وداد وقالت :
_ جنان إيه اللي بتقوليه ده ؟! ... هو أنتي فهمتي كلامي غلط للدرجة دي ! ... يابت بقولك الفترة اللي قبل الفرح بس مش بعده كمان ! ..... أنتي لو ناوية على كده تبقي اتجننتي رسمي ! ....
نظرت سما لجهة بعيدة وقالت بألم:
_ مش هقدر يمه ... أنا عارفة نفسي، هسلم واطمن واتعشم وفي الآخر ممكن اخد قلم على وشي يفوقني على حقيقة أنه انسان مش عارف هو عايز ايه ولا بيحب مين !
قالت وداد بعصبية :
_ وأنتي يعني باللي هتهببيه ده فاكرة انك هتكسبيه ! .... الراجل مش بيحب الواحدة اللي تعانده وتتحداه ... ده غير اللي ناوية عليه ده حرام اصلا.
استدارت سما لأمها وقالت بعصبية :
_ بتفضلوا تعلمونا نرضيهم أزاي حتى لو على حساب راحتنا ... بس ليه هما ما اتعلموش اللي يرضينا ! .... ليه أنا كزوجة اللي لازم اعافر عشان اكسبه واخليه يحبني وافضل مشغولة ليل نهار أزاي أرضيه في نفس الوقت اللي ممكن ما اكونش في دماغه اصلا !
أنا انسانة ... يعني زي ما بدي لازم أخد عشان اقدر اكمل واعطي .... زي ما بحبه عايزة احس بحبه ليا وأني مكفياه مش مجرد كلام اتقال وخلاص عشان أرضى واسكت !
قالت وداد وهي تتعجب من عصبية وانفعال ابنتها لهذه الدرجة بيومٍ كهذا :
_ ومين اللي قال أني عايزاكي تكسبيه وتعافري لوحدك ! .... الراجل اللي يستاهل لما يلاقي مراته بتعمل اللي في جهدها عشان تخليه مبسوط م ومرتاح في عيشته ش هيبخل عليها حتى بروحه ! ..... بصي يابنتي أنا هنصحك واعملي اللي انتي عايزاه بعد كده ..... اللي ناوية عليه ده غلط ومايرضيش ربنا ... أفرحي وفرحيه واكسبيه وعيشي حياتك يا حبيبتي ... ليه تحطي كل العقد دي !
قررت سما اغلاق هذا النقاش ليقينها أن امها ستربح بحديثها المقنع والمنطقي..
*******
وبصباح اليوم التالي ....
بالصباح الباكر تحديدا ... انطلق زايد نحو غرفة فرحة مباشرة بعدما قضي طوال الليل في أرهق وتوتر من النتيجة المنتظرة لأخر فحص أجرى منذ ساعات قليلة ...
وعندما استطال الوقت عهد أن يرها اليوم مهما كانت نتيجة الفحص .... ولكن بينما هو خارج من الغرفة وجد الممرضة تسير عائدة لغرفة فرحة بابتسامة مستبشرة فأوقفها متسائلا عن النتيجة .... فأجابت الممرضة بالبشرى المنتظرة :
_ الحمد لله النتيجة طلعت سلبية وتعافت ... فضلنا أسبوعين نحارب الفيروس ده وبصراحة كانت تعبانة أوي بس الحمد لله عدت على خير ..
ابتسم زايد بسعادة وود لو يركض ثم قال :
_ ينفع أشوفها ؟ أنا عملت فحص امبارح تاني عشان يسمحولي أشوفها لو كانت تمام ...
هزت الممرضة رأسها بالإيجاب وقالت :
_ هسمحلك بس تفضل بعيد برضو الاحتياط واجب ... وده على بيخالف قوانين المستشفى ، بس أنا مقدرة كمية التوتر الخوف اللي مرت عليك الفترة اللي فاتت ...
وبغرفة فرحة ...
كان المرض أخذ من أشراقتها واشراقة جلدها الكثير ...
وأصبحت باهته ذابلة ثقيلة الجسد ... ولكن تجربة وعلمتها الكثير وعادت بترتيب الحسابات .... وأول قرار ستتخذه هو أنها ستغادر من المشفى وترحل عنها وتبحث عن عمل آخر ...
فبعدما فعله معها أمجد لا تستطيع رؤيته مرةّ أخرى بما تحمل لها من تعاسة وكآبة .... وبغمر شرودها وهي جالسة مستندة بظهرها على الوسادة وجدت زايد يستند على عكازه عند مدخل الباب ....
مبتسما فرحا ...فقال وهو يتقدم خطوة للداخل :
_ الحمد لله عدت على خير ... النتيجة طلعت سلبية.
كانت فرحة تشعر بذلك بتحسن حالتها الملحوظ منذ الأمس .... فقالت بثبات مثير للتعجب والدهش :
_ الحمد لله ... كده الأفضل ارجع البيت ...
قال زايد بعد تنهيدة ارتياح :
_ لسه فاضلك كام يوم هنا كمان ... يومين تلاته كده وتخرجي بالسلامة من هنا....
وتوقف عند الكلمة الأخيرة ونظر لها بنظرة تقول الكثير وقال:
_ بس مش هترجعي هنا تاني ولا حتى للشغل ...
تنفست فرحة بعمق وقالت:
_ أنا هقدم استقالتي من هنا ... ده قراري اصلا ...
رفرف على ثغره طيف ابتسامة وقال :
_ هترجعي معايا ....
ضيق عينيها عليه بتعجب فقال باعتراف :
_ تتجوزيني يا فرحة ؟
صدمت فرحة .. ولم تعرف لما صدمت!، ابعد كل ما فعله معها بالأيام الفائتة تصدم من عرضه الزواج بها ! .... وصمتها كان كالصفعات على وجه زايد .... فقالت وهي تنظر لجهة أخرى بعيدة عنه:
_ يمكن أنت الوحيد اللي وقفت جانبي أنا أخويا في أصعب أوقاتنا ... بس ده مش هيخليني أنسى اللي عملته معايا من كام يوم ! ....
وعلى قدر مدى جرح زايد من ردها بالرفض ولكنه وضع له احتمال .... فنظر لها بنظرة يغمرها التحدى والتصميم وقال :
_ مش هجبرك ... بس في طلب تاني ولازم تفكري فيه ....
الطلب هو بطلب منك تبقي سكرتيرتي .....
تطلعت به بغرابة ثم قالت :
_ طب والطلب التاني له علاقة بالأول ؟! ....
ضغط زايد على أسنانه بعصبية ثم قال :
_ من حقك تعرفيني الأول قبل ما توافقي تتجوزيني ... ودي فرضة مناسبة تتعرفي عليا وعلى حقيقتي .. وعلى فكرة أنا مش بعرف اتلون ... ولا عشان أي حد ... يعني اللي هتشوفيه مني هو أنا ودي طبيعتي ....
ورماها بنظرة قوية وغادر الغرفة ... وتركها مصدومة من تصميمه الواضح عليها .... لم يخبرها حتى أنه اعجب بها ...!
واعترفت أمام نفسها أنها مع كل مقاومتها للرفض ... فأنها تريد أن توافق وتكن قريبة منه وتعرفه على حقيقته.
***********
وبعدما كادت ليلى أن تخرج من غرفتها لتهبط حيث العائلة بموعد الافطار وجدت جيهان أمام الباب وكادت أن تقرعه....
فتأملتها بريبة وقالت :
_ صباح الخير !
ردت جيهان بجفاء ثم سألت مباشرة:
_ بنتك معاكي ؟!
اطرفت ليلى عينيها بتعجب وأجابت :
_ لأ ...حميدة جت خدتها من شوية ... ليه في حاجة؟!
دخلت جيهان لغرفة ليلى حتى دون موافقتها واستدارت لها قائلة :
_ اقفلي الباب وخلينا نتكلم بهدوء .
نظرت ليلى لجيهان عدة لحظات بصمت ... واغلقت باب الغرفة عليهما وتوجهت ليلى بالسؤال ... ولكن باغتتها جيهان بغضب وتحذير :
_ لو فاكرة أنك هتقدري تخسريني جوزي وتمشيني من هنا تبقي غلطانة ! .... كل تصرفاتك وأفعالك أنا كشفاها كويس أوي وعارفة أنتي عايزة توصلي لأيه ... بس عشان أثبتلك أني احسن منك عايزة أعرفك أني عارفة عنك كل حاجة .... عارفة اللي خلاكي تتجوزي طليقك اللي مات واللي لسه مخبياه عن وجيه لحد دلوقتي وخايفة تقوليله .
وابتسمت بسخرية وانتصار وذلك عندما شاهدت صدمة ليلى الشديدة، وقالت مستطردة:
_ ما تسألنيش عرفت منين لأن مش ده المهم ... المهم كنت عارفة طةل الفترة اللي فاتت وساكتة وسيبتك تعيشي هنا ... أنما لما احس أنك ناوية على طلاقي يبقى مش هيكون طلاقي لوحدي ... احسبيها كويس يا ليلى واعرفي أنتي بتتحدي مين لأن في امكاني ادمرلك حياتك في خمس دقايق أقول لوجيه كل حاجة ....
قالت ليلى بتلعثم وبصدمة جمدت جسدها :
_ أنتي ... تعرفي ايه عشان تتكلمي معايا بالشكل ده !
صرحت جيهان بكلمة كانت اختصارا لكل شيء وقالت :
_ أن صالح طليقك اللي مات ... اغتصبك قبل الجواز ....
**********
بأحدى الغرف بمنزل كبير وضخم على طريق صحراوي ...
انزاحت ستائر نافذة زجاجية بأحدى الغرف ليطل منها نور الصباح أشعة الشمس .... وسقط الضوء على ذو التقاسيم الوسيمة والغامضة أيضا ... وظل ينظر للطريق الهادئ بثبات وبصمت تام .... وصوت التلفاز من خلفه يُعلن أخبار اصبحت خبر كل يوم لبعض الصحفيين والأعلاميين ....
" أختفاء رجل الأعمال والموسيقار أكرم حجازي"
جميعهم يشيرون بأصابع الاتهام بأن الرجل رغب في أثارة البلبلة ربما لعملا موسيقيا قادم ... لا أحد يعرف ما يجعل رجل قوي الشخصية وواثق بنفسه يريد العزلة فجأة عن الجميع ...
ربما كان طعنات الغدر أكبر من تحمله وقوته ....
وخرج الغامض فجأة من شروده على صوت طفل دخل الغرفة وصاح بحماس :
_ عمو أكرم ... عمو أكرم ... يلا مستنينك
استدار أكرم للطفل الذي لم يتعدى السنوات السبع من عمره ... وأجاب :
_ روح أنت وهسبقك يا علي ...
ركض الصغير فرحا وابتعد ... بينما شنت ذاكرة أكرم ذكرى ذلك اليوم الذي أصيب فيه بحادث سير نجى منه بأعجوبة، اللهم الا بكدمة كبيرة وجرح برأسه .... ونام ليلته بالمشفى من فرط الألم وما لاقاه بعد الحادث ... وكان الزائرين من القارب والأصدقاء يظنونه أنه في حالة من الأعياء والتيهة مما جعلهم يتحدثون بحرية لبعضهم البعض أثناء غفوته ...
ليكتشف الوجه الآخر للكثير .... حادث سير نجى منه بأعجوبة ولكن الأكثر أعجوبة ما سمعه وهو مغمض العينان والجميع يعتقد أنه نائم !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني_والستون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... نوبة نسيان أجباري!...~
كمن سقط على رأسه الثلج فجأة تجمد جسد ليلى وعينيها متسعتان بذهول.
فأكدت جيهان معرفتها بالحقيقة الدفينة :
_ من غير كتر أسئلة وعرفتي منين وأمتى وهكذا ... لأنها أسئلة مالهاش لازمة وتضييع وقت على الفاضي، اللي عايزاه منك تمشي من هنا وتخلي وجيه يجيبلك شقة برا ...
لم يكن أي شيء يعني لليلى أكثر من صدمتها بمعرفة جيهان تلك الحقائق ... فقالت بصوتٍ مرتجف وكأن الأرض أصبحت تدور أسفل قدميها :
_ لأ لازم أعرف عرفتي منين ! ... ومين اللي قالك أني اغتصبت ؟!... محدش قربلي ولا ده حصلي!
مالت بسمة جانبية ساخرة على شفتي جيهان وقالت:
_ كنت متوقعة تقولي كده، بس لو دي الحقيقة مكنتيش خبتيها عن وجيه ولا كنتي وافقتي تتجوزي اللي اسمه صالح ده من البداية ! ...
صرخت ليلى باكية برجفة عنيفة تنهش جسدها وانتفضت بعنف :
_ محصلش أنا محدش قربلي ! ...
توترت جيهان من صراخها وخشيت أن تقلب المنضدة فوق رأسها وتظهر بموضع المتآمرة الشريرة ... فقالت وأخفت قلقها:
_ حصل ولا محصلش ده مش موضوعي، المهم عندي تنفذي اللي قولتلك عليه.
ضيقت ليلى عينيها المليئة بالدموع وهي تعقد ذراعيها حولها وتقاوم موجة من الارتجاف كأنها محمومة ... وقالت :
_ ولو مانفذتش هتعملي ايه ؟!
ابتلعت جيهان ريقها بتوتر ووميض ينخزها بالندم والشفقة على ليلى، فهي وأن حدث لها ذلك ستكن ضحية قاست الأمرين .... وقالت وهي تريد انتهاء هذا الحديث بأسرع وقت والهروب من هنا:
_ فكري في اللي قولتهولك يا ليلى.
وبالفعل استدارت جيهان واسرعت من أمام ليلى وخرجت من الغرفة وتوجهت لغرفتها بالطابق الثاني مباشرة.
ضاع هدوء ليلى وثباتها وبعض القوة التي بدأت تعود لها ... ارتجفت بعنف وسقط جسدها على الفراش وهي تتنفس بسرعة مخيفة وعينيها باكيتان ... ثم تسحبت بالفراش لتجذب هاتفها وسجلت بصوتها رسالة عبر أحدى تطبيقات المراسلة وتم الارسال بالفعل إلى طبيبتها لتأتي .. واخبرتها سريعا وباختصار ما حدث مع جيهان ...
ثم بعد دقائق قليلة ساءت حالة ليلى بدرجة خطيرة
وشبح ماضي أسود مخيف كلما اقتربت منه كلما انتكست حالتها التي تحبو بأولى خطوات الشفاء.
*******
كان وجيه يتشارك المزاح مع الفتيات وهم مجتمعون حول مائدة الافطار ... حتى صمت وهو ينظر للدرج بحيرة وقال :
_ ليلى وجيهان اتأخروا كده ليه على الفطار!
قال الجد رشدي له :
_ اطلع شوف إيه اللي أخرهم طيب .
نهض وجيه وهو ينظر لساعة معصمه السوداء ليتأكد أن لا زال متسع من الوقت ..
وعاد الجد رشدي للفتيات بابتسامة ماكرة وهمس:
_ لسه مصممين على الشغل ولا خلاص كده ؟!
قالت جميلة وهي تنظر لجاسر الذي غمز لها بنظرة شديدة المكر وابتسامة أكثر مكرا :
_ طبعا لسه مصممين يا جدي، وأنا وأخواتي اتجمعنا امبارح بليل بعد الحفلة واتفقنا نبدأ بعد يومين كده.
قال جاسر وهو على حاله:
_ المستشفى هتنور والله ... بس استنوا شوية عشان نتأكد من موضوع الفيرس ده ... أخاف عليك يا بطل.
حدجته جميلة بحدة فقال لها ضاحكا :
_ ومين يلومني بقا وأنتي مراتي !
وضحك الفتيات والشباب على ثنائي القط والفار جميلة وجاسر ....
**********
كان سيتابع وجيه خطواته للطابق الثالث ولكن توقف ... فجيهان زوجته بهذا الطابق ، فتوجه لها كي يحسها على الاسراع فقد تركها تستعد للنزول.
وكانت جيهان تطوف الغرفة جيئة وذهابا وهي تضرب قبضتيها ببعض وعينيها باكيتان بشدة ....
ثم حين أخرى تضع يدها على رأسها وتضغط عليه كأنها تمنع قنبلة من الأنفجار أو الأشتعال المتأهب ...
وقالت مصدومة بنفسها وهي تبكي وتكتم دموعها :
_ أنا عملت كده أزاي وليه قولتلها كده ! .... أزاي يوصل بيا الأمر أني اهددها تمشي والا هفضحها ! ..
توقفت فجأة ونظرت لأنعكاس صورتها على المرآة ورأت وجهها فثارت غاضبة ... وشعرت بحالة غريبة من الكره الذاتي ولم يكن في متناول يدها سوى وسادة صغيرة على مقعد قريب ...
فأخذتها ودفعتها اتجاه المرآة في غضب وشراسة وهي تلعن وتسب نفسها.
ولولا أن الوسادة الصغيرة ليس من قوتها أن تحدث فارق لكانت المرآة تهشمت لو دفع اتجاهها شيء صلب غير الوسادة.
وفتح وجيه بعد بلحظات باب الغرفة ورآها وهي تقف باكية بهذا الشكل ... فتوجه نحوها بقلق وقال :
_ بتعيطي ليه يا جيهان ؟!
نظرت له جيهان وكم ودت لو تعترف بذنبها ، ولكن أن اعترفت ستعترف بكل شيء ومن ضمن الاعتراف سيكن ما تخفيه ليلى .... وهي بالاساس لم تكن لتخبره وما كان سوى تهديد لليلى فقط .... فابتلعت ريقها بصعوبة شديدة وهي تبتعد عنه وتدير له ظهرها .... فجذبها من معصمها لتنظر إليه وقال معتذرا بصدق:
_ لو زعلتي من عصبيتي عليكي امبارح فأنا أسف ... بس أنتي اللي مصعبة الأمور علينا يا جيهان ... طب تعرفي أن امبارح لما اتصلتي بيا ليلى وقفت في صفك واديتلك الحق في زعلك... صدقيني سبب رفضي هو أن ليلى فعلا محتاجة وجود عيلتي معاها عشان مرضها ... مش مجرد أنها رغبتي .
وقفت الكلمات بفم جيهان وامتلأت عينيها بالدموع وهي تنظر له بألم غامض لفت انتباهه بشدة ... فعبس وجه وجيه وقال بضيق :
_ أنا زعلتك للدرجة دي !
واستطاعت جيهان التحدث بصعوبة :
_ لا يا وجيه ... أنا اللي المفروض اتأسفلكم .
تعجب وجيه بعض الشيء من غرابة ردها ... ولكنه تجاوز شعوره بالحيرة وقال مبتسما بهدوء :
_ طب يلا عشان نفطر سوا كلنا ، العيلة كلها مستنية تحت حتى أم البنات ...
وخرجت جيهان معه بخطوات كانت ستتعثر بكل حركة ... وعند بداية أول خطوة للهبوط قال لها مستأذنً :
_ هشوف ليلى واحصلك عشان اتأخرت برضو ، مش عارف ليه كسلانين انتوا الاتنين النهاردة كده !
وشاكس جيهان على رأسها بابتسامة واسعة وابتعد ، وارتفع معدل سرعة دقات قلبها وأنفاسها خوفا ... هي الآن من ترتعب من كشف الحقيقة التي لا تخصها بالأساس !
**********
دلف وجيه للغرفة وهو مبتسما بلهفة وأشتياق شديدان حتى تبدلت ابتسامة لصدمة عنيفة وهو يرى ليلى ساقطة على ظهرها على الفراش ويديها ملتفتان حولها بأحكام كأنها تستنجد للدفء من طقس بارد ... بينما عينيها مفتوحتان على آخرهما وينزلق منهما الدموع الغزيرة وهي تنظر لسقف الغرفة وجسدها ينتفض بعنف.
ركض وجيه اليها في ذعر وهو يصرخ :
_ ليــــلى ! ... فيكي ايه ، وايه اللي حصلك ؟!
ورفع ظهرها عن الفراش وهو يربت على جانب وجهها بسرعة وبرفق وهو يناشدها برجاء :
_ ليلى ارجوكي فوقي !
وسقط رأس ليلى للخلف وجسدها يزداد ارتجاف ويبدو أنها تعاني من نوبة قاسية من نوبات الصرع والهلع!
حملق وجيه فيها وقلبه كاد يتوقف رعبا عليها ... حتى تركها وجذب وسادة مسطحة ووضعها برفق أسفل رأسها ثم نزع عنها حجابها وابعده كي يسهل أخذ أنفاسها بأكثر حرية ... فتلك النوبة ستأخذ دقائق وستزول كما أخبرته الطبيبة.
وكان العرق يتصبب من جبينها وجسدها بدا وكأنه محموم ! .... وأخرج وجيه من جيب سترته هاتفه الخاص وأجرى اتصال سريع على رقم الطبيبة التي اجابت بنفس الدقيقة ... وحينما أخبرها بحالة ليلى وهو تخرج منه الكلمات بصعوبة، وكانت ليلى هدأت واغمضت عينيها في حالة تشبه الأغماء تمامًا ... فقال :
_ ليلى جاتلها النوبة ... لازم تجي فورا ، ارجوكي .
ودهشت الطبيبة مروة وقالت بعجالة:
_ طب أنا في عربيتي دلوقتي ، نص ساعة بالضبط واكون عندك بس ياريت زي ما فهمت حضرتك قبل كده ... اتعامل معاها لوحدك ومتخليش حد يشوفها في الحالة دي عشان نفسيتها .
بدأ العرق يتصبب أيضا من جبينه وهو ينهي الاتصال ويلقيه جانبًا ... ثم نظر لليلى التي سكن جسدها كالجثة الهامدة وعينيها مغلقتان الا قليلا ... فهمس لها بلهفة وخوف يرتجف بعينيه وصوته:
_ ليلى أنتي بخير ؟!
وبينما وهو يمرر يده على وجهها وجد ملمس بشرتها ساخن لدرجة الخطر .... فلم ينتظر إجابتها ونهض راكضا حتى أتى بمنشفة مبللة بالماء البارد وبدأ يمسح وجهها بلطف شديد.
وبدأت تهمس بصوته وتغمغم كالمخدرة ... وتستفيق رويدا رويدا ... نظر لها وجيه بعاطفة جامحة وقبل رأسها هامسا بألم :
_ أنا جانبك يا حبيبتي ما تقلقيش.
نظرت ليلى بعينان ذابلتان اليه، وفر منهما الدموع ثم قالت بصوتٍ واهن متقطع:
_ حصلي ايه ؟
هز وجيه رأسه بالنفي بعينان يلتمعان وقال:
_ محصلش حاجة أطمني ...
وكانت ليلى تمر بحالة تشوش في ذاكرتها بسبب الخلل الذي حدث وأدى لنوبة من الصرع والهلع العنيف جعلتها تفقد ما حدث ... وكيف أتت لها النوبة ولماذا !
فكثيرا ما كانت تفقد الساعات القليلة ما قبل النوبة .. وتستيقظ وتحاول استرجاع ما حدث ولكن دون فائدة .
فالنوبات الصرعية تمنع الدماغ من تسجيل الذكريات الأخيرة وتخزينها، ويمكن أن يتذكر المريض تدريجيًا وربما لا يتذكر إلا القليل بعد مرور الوقت.
شعرت ليلى بموجة أخرى من الارتعاش ولكن هذه المرة بسبب ارتفاع درجة الحرارة .... وانتبه لها وجيه فأسرع بسحب الأغطية عليها وتدفئتها جيدًا .... فهمست بألم وهي تضع يدها على رأسها :
_ دماغي بيوجعني أوي ، صداع مش طيقاه.
ربت على رأسها بحنان ثم همس لها :
_ نامي على جانبك ... وهبعت اجيبلك الفطار عشان اقدر اديكي مسكن للألم ..
قالت له بقلق وخوف:
_ حد شافني وأنا بالحالة دي ؟
هز وجيه رأسه بالنفي وقال بتأكيد:
_ لأ طبعا يا ليلى ، محدش شافك نهائي ولا حد حس بحاجة اصلا .... وأنا مش هقول وكأن محصلش حاجة، وفعلا محصلش حاجة أطمني.
أطرفت عيني ليلى عليه وهي تعرف أنها بحالتها جعلته يرتعب عليها ولكنه لا يريد الافصاح ... فاقتربت بجسدها الثقيل الى صدره وتمسكت به وهي تبكي بقوة ... فكأنما انتظر وجيه ذلك القرب وأخذها بضمة قوية بين ذراعيه وربت على رأسها قائلا لتهدأ:
_ لو العياط هيريحك .. عيطي...بس الدموع هتصدعك أكتر للأسف.
وشهقت ليلى من البكاء دون كلمة حتى هدأت بعض الشيء واستمرت بين ذراعيه لوقتً طويل ساكنة تمامًا ....
وقد أنتهت وجية الافطار الذي تعجب فيها الجميع بعدم نزول العم وجيه وزوجته ليلى ... ولكن أقرب الظنون كان يميل للاتجاه الماكر ولم يدع الجد رشدي احدًا يصعد لغرفته ابنه وجيه بل أمر بتركه وشأنه.
وشردت جيهان طيلة وقت الافطار ولم تأكل تقريبًا وذهنها يرسم جميع السيناريوهات التي تحدث الآن مع ليلى ومما آلت إليه الأمور ... وصعدت غرفتها سريعا وظلت تجوب الغرفة جيئة وذهابا حتى استقرت أمام النافذة ووقفت شاردة تمامٌا بحزن شديد.
ولكن ما أخرجها من شرودها هو رؤية الطبيبة النفسية تخرج من سيارتها أمام البوابة الكبيرة وتتوجه شبه راكضة نحو المبنى ....
وهنا ابتعدت جيهان عن النافذة كأنها ترى شبحا ووضعت يدها على فمها من البكاء .... وقالت بندم حقيقي:
_ يبقى ليلى حصلها حاجة ... أنا عمري ما هسامح نفسي أبدًا .
********
ووجد وجيه دقات على باب الغرفة، وكان أصعب شيء الآن ممكن يفعله أن يبتعد عنها وهي تتشبث به هكذا ... ولكنه رغما ابتعد وفتح الباب ليجد حميدة تقف بعيدة عن واجهة الباب مباشرة وتحدثه ببعض الحياء:
_ الدكتورة مروة بتسأل عن أم ريميه يا عمي.
تنهد وجيه بعمق ثم قال وبدا عليه ارهاق شديد وحزن يغمر عينيه تعجبت منه حميدة :
_ خليها تطلع هنا ...
دهشت حميدة وقالت للتأكد :
_ اطلعها هنا ؟!
اكد وجيه ببعض العصبية :
_ ايوة طلعيها هنا فيها ايه ! ..
اومأت حميدة بالايجاب وقالت وهي تبتعد :
_ خلاص ماشي ... هروح اجيبها.
أوقفها وجيه متحكما بأعصابه قليلا :
_ لو سمحتي يا حميدة خلي حد يطلع الفطار لليلى وخليه يعمل حساب الدكتورة مروة معاها ... وفنجان قهوة سادة ليا.
هزت حميدة رأسها بالايجاب مجددا وتابعت سيرها لأسفل ....
وعندما صعدت الطبيبة مروة لغرفة ليلى تركتها حميدة تقف مع وجيه أمام الغرفة وانسحبت وبداخلها ريبة مما بحدث ...
قالت مروة بقلق وهي تدفع باب الغرفة:
_ هدخل أشوفها حالا يا دكتور .
ونظرت لها ليلى وهي مضجعة على جانبها الأيسر اتجاهها ، فاقتربت منها مروة ثم انحنت عليها وربتت على رأسها مبتسما وقالت:
_ أنتي بخير يا ليلى مافيش حاجة ... صدقيني أنتي بخير.
وكانت ليلى تمر بحالة من الكآبة والتعاسة لشيء يعصر قلبها دون أن تعلم ما هو .... فنظرت لها الطبيبة للحظات بشك وابتعدت لخارىج الغرفة وقالت لوجيه بعصبية:
_ مين اللي وصلها للحالة دي يا دكتور ؟! .... أنا عارفة كل حاجة عن حالة ليلى وهي ما توصلش لكده غير لما تكون اتعرضت لموقف مقدرتش تتحمله.
قال وجيه بتأكيد :
_ محدش عملها حاجة وما اتكلمتش مع حد اصلا ، أنا طلعتلها عشان انزلها للفكار لقيتها كده ومكنتش شافت حد لسه !
قالت مروة بعصبية وشدة:
_ متأكد ! ....
صمت وجيه وبدأ يساوره الشكوك من عصبية مروة .... حتى قالت الأخيرة :
_ للأسف أني حتى مش هعرف اللي حصل لأن كالعادة هلاقيها ناسية آخر مواقف حصلت معاها ... نوبة الصرع بتمنع المخ يسجل آخر مشاهد المريض شافها ... يعني اكيد هي ناسية دلوقتي اللي وصلها لكده !
تأكد وجيه من حديثها وتذكر أن ليلى بالفعل لا تعرف ما أودى بها لتلك النوبة الشرسة ... فقال بحيرة:
_ هي فعلا ناسية ، بس محدش والله كلمها ولا حتى كانت لسه نزلت من أوضتها النهاردة.
زفرت مروة بضيق شديد ثم قالت :
_ طب ممكن أقولك اقتراح هيفيدها جدا الفترة دي .. خد ليلى وبنتها المستشفى وتقعد هناك كام يوم بعيد عن هنا تمامًا .... وكمان تبقى جنب والدها ودي كانت رغبتها في الأساس يعني شيء هيدعم نفسيتها أكتر ... رأيك إيه ؟
وافق وجيه على الفور وقال:
_ طالما ده في مصلحتها أنا موافق من غير تفكير ، بس الأول تفوق وتقدر توقف على رجليها ...
قالت مروة :
_ هي هتاخد اليوم راقدة وتعبانة شوية ... بس بكرة هتبقى احسن وهترجع عادي بالتدريج....بس خلى بالك يا دكتور أن النوبة دي بترجعني شهور في مرحلة علاجها ... وأنا لسه متأكدة أن ليلى اتعرضت لشيء وصلها كده ..
ابتلع وجيه ريقه المرير وقال بأسف:
_ ايه بس اللي اتعرضتله ويكون وصلها للحالة دي ؟! ... لو شوفت حد بيعاملها وحش مكنتش هرحمه ولا هيفلت من تحت ايدي بس فعلا محدش عملها حاجة !
ضيقت مروة عينيها بتفكير وشعرت أن جيهان لها علاقة بالأمر ... فهي الوحيدة التي تكدر صفو حياة ليلى بالوقت الراهن .
وعندما انفردت مروة بليلى وانسحب وجيه لمكتبه مقررا الغياب اليوم من العمل .... جلست مروة قبالتها وقالت وقد رسمت ابتسامة بسيطة وأشارت للطعام الذي أتى منذ قليل:
_ لازم تفطري عشان تقدري تاخدي مسكن وتتحسني.
اعتدلت ليلى بفراشها في بطء شديد وقالت بألم وهي تحسس على جبينها:
_ راسي تقيلة أوي وصداع بشع ....
راقبتها مروة وابتلعت ذلك السؤال الملح ... فقالت ليلى عندما نظرت لها وانتبهت عليها:
_ اكيد عايزة تسأليني كالعادة ايه اللي حصل عمل فيا كده ؟! .... وهرد عليكي برضو كالعادة وأقولك أني مش فاكرة حتى صحيت أمتى وعملت ايه بعدها !
دهشت الطبيبة مروة لشيء ووثبت من مقعدها محدقة عينيها بدهشة في وجه ليلى ... ثم قالت :
_ يعني أنتي فاكرة أني كنت بسألك وفاكرة ردودك عليا ! .... ليلى أنتي مكنتش بتفتكري الحاجات دي في المرات اللي فاتت !
ذهنك كان مشوش جدا كل مرة وبتقعدي بالأيام تايهة على ما تبدأي تفتكري بعض الأشياء....
نظرت لها ليلى وكأنها طالت املا محلقا للأعلى .... حتى سألت مروة لتتأكد :
_ طب أنتي فاكرة حصل ايه امبارح ؟
نظرت لها ليلى لثوان ثم اخبرتها بجميع أحداث الأمس ... فتنهدت مروة وتنفست الصعداء ببعض الغيظ وقالت :
_ كان البرنامج العلاجي بتاعي ماشي تمام التمام لولا اللي حصل ده .....عمومًا ما تفكريش كتير وأن شاء الله ربنا يكتبلك الشفا ..
التمعت عين ليلى بالدموع وقالت:
_ صعب عليا أعيش مع المرض ده ، افرضي في موقف لازم اتحرك فيه واعمل حة يقوم يحصلي كده ! .... أنا مش فاكرة حتى عملت ايه لما صحيت ! وإيه اللي ممكن يكون وصلني لكده !
قالت مروة بشك :
_ ليلى أنتي شوفتي جيهان النهاردة ؟ .... حاولي تفتكري .
عبس وجه ليلى بحيرة شديدة وضيق ، ثم قالت :
_ جيهان مش بتجيلي هنا خالص ومجتش غير قليل وعشان وجيه ....
فقالت مروة بتقطيبة وحيرة:
_ ودكتور وجيه اكدلي أنك ما نزلتيش اصلا ولا حد اتعامل معاكي النهاردة ولا حتى شافك .... يبقى ايه اللي حصل ؟!
تأججت الحيرة بعينان ليلى حتى قالت الطبيبة مروة بدعم :
_ هتفتكري .... بس مع الوقت، ولو ما افتكرتيش يبقى احسن ويمكن محصلش حاجة اصلا والنوبة جاتلك من غير سبب .... عموما أنا اقترحت على دكتور وجيه يجيبك المستشفى تقعدي فيها يومين بعيد عن هنا ... وأنا هلازمك ليل نهار هناك .... تريحي أعصابك وترجعي تاني بألف سلامة.
قالت ليلى بتيهة :
_ أنا فعلا محتاجة اكون جنب أبويا شوية ...
قالت مروة مبتسمة :
_ يبقى أفطري وخدي مسكن عشان تفوقي كده وتقدري تقومي وتحضري نفسك لكام يوم كده بعيد عن هنا ....
********
وبأحدى الشقق بالأحياء الشعبية البسيطة ....
سمعت فرحة دقات على باب منزلها الصغير ولكن تجاهلتها وأمرت شقيقها بتجاهلها أيضا... فشعرت بدقات أعلى تصدح داخل قلبها ...
كانت جالسة بغرفتها ومدثرة أسفل الفراش وشقيقها بجانبها يحدثها قائلا :
_ كان يستحسن نقول لزايد أننا هنمشي من المستشفى يا فرحة بعد ما سمحولك بالخروج ! ..
أجابت فرحة وعينيها شاردتان للبعيد :
_ كتر خيره لحد كده ....
فقال حسام مزفرا بتقطيبة علت ملامحه :
_ بعد اللي عمله معانا على الأقل كان ....
هتفت فرحة بصوتها المتعب بشقيقها وقالت :
_ أنسى الموضوع ده يا حسام، أنا لا شبه ولا حياتنا شبه بعض ...
قال حسام بتصريح :
_ بس حاسس أنك معجبة بيه ، وأنا شايف أنه شاري ، يبقى ليه العناد ؟! نفسي أشوفك فرحانة يا حبيبتي ومبسوطة ....
ارتفع صوت الدقات بشكل مزعج ... فقال حسام وهو يقف مستندا على عصاه:
_ هروح أفتحله ... اكيد هو أنا متأكد.
لم تمنعه فرحة هذه المرة وتركته يذهب .... تركته وهي تتمنى أن يكون هو زايد .... وعندما فتح حسام باب الشقة المتهالك نظر له زايد بنظرة عتاب طويلة وحادة .... فطأطأ حسام رأسه وقال بضيق:
_ عارف أنك زعلان ... بس هي صممت تمشي الفجر.
قال زايد بصوتً حاد كالسيف :
_ مكنتش همنعها، بس ما اقلبش المستشفى عليها واعمل ١٠٠ مشكلة على ما عرفت أنها سابت المستشفى!، وده عشان مكنتش عايزاني أعرف أنها مشيت ! ...
وهتف عاليا لكي تسمعه :
_ أنا عرضت عليكي الجواز ومجاوبتنيش واتهربتي مني، ولما حسيت بحيرتك وخوفك عرضت عليكي تشتغلي معايا في الشركة وتعرفيني أكتر ... وتكوني في أمان وتحت عيني .... وبرضو مجاوبتنيش ! .... بس أنا جاي النهاردة عشان أقولك أن من الاسبوع الجاي شغلك معايا هيبدأ وخلي حد يكلمك قبلها ... ومش هقبل برفضك تحت أي سبب.
ونظر زايد للصبي حسام وهو يتكأ على عكازه وقال له:
_ أسف يا حسام .... بس أنا طلبتها منك رسمي وشايف أنها مش رافضة ومعرفش ليه خايفة ! .... بعد أذنك.
غادر زايد دون حنة أن يرها ، فأغلق حسام باب الشقة في تفكير عميق .... ولولا معرفته بزايد وما فعله معهم بتلك الأيام الفائتة وطلبه الزواج منها مباشرة لما كان سيسمح له بهذا التصرف.
وعاد حسام لغرفة شقيقته ليجدها تبك وتمسح دموعها ... والغريبة أن تلك الدموع رافقها ابتسامة !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
تفتكروا الدكتورة مروة هتعرف اللي حصل منين ؟
******
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثمانون 80 - بقلم Shaimaa Gonna
الفصل_الثالث_والستون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... مقابلة بعد انتظار طويل!...~
يأبي القلب شعور ، ويتلهف عليه بذات الوقت، أرجوحة المشاعر هذه تعني أن القلب به شيء.
راقب حسام الحالة الغريبة التي بدت بها شقيقته وهي بين الابتسامة والدموع غارقة كليًا !
فقال هو يقترب لها ببطء :
_ القرار قرارك يا فرحة، بس أنتي رفضتي طلبه بالجواز منك، وفي نفس الوقت حاسس أنك بتفرحي بوجوده .. أو على الأقل بتطمني ! ... فهميني إيه اللي جواكي ؟
اعتدلت فرحة أكثر بفراشها ومسحت عينيها وهي تجيب:
_ لو سمحت يا حسام بلاش نتكلم في الموضوع ده.
زم حسام شفتيه بيأس ثم سأل :
_ طب هتعملي إيه في موضوع الشغل ده ؟
تنهدت فرحة وهي تتهرب من عينيه ثم أجابت والحيرة تملأ عينيها:
_ كده كده هدور على شغل بما أني سيبت المستشفى، هفكر في عرض الشغل معاه، زيه زي أي مكان هشتغل فيه، لسه مخدتش قرار.
قال حسام بصدق :
_ نفسي أفرح بيكي يا فرحة، أوعي تكوني بترفضي بسببي ! ، لو عرفت أنك رفضتي بسببي مش هسامحك أنك حرمتيني أفرح بيكي، وأنا أقدر أعيش لوحدي وكلها كام سنة واتجوز يعني.
ابتسم لها فبادلته الابتسامة والمحبة وقالت:
_ اللي مكتوبله حاجة هيشوفها.
ولم يقتنع حسام باختصار حديثها ريثما أنه شعر بأن هناك الكثير تخبأه .. ولكنه لم يجبرها على التحدث.
********
أخذت الطبيبة النفسية مروة الأخذ بالحديث مع ليلى ريثما تمسك طرف الخيط، ولكن لم تصل لشيء فليلى بهذه الحالة تنسى ما مرت به خلال الساعات الأخيرة بالفعل .. بالأضافة لمرضها النفسي الذي زاد الأمر سوء.
نهضت مروة من مقعدها بعدما شعرت أن ليلى تمضي للتحسن وقالت بلطف:
_ همشي أنا دلوقتي وهستناكي بكرة في المستشفى بأذن الله، وما تفكريش في اللي حصل ولا كأنه ما كان، بس ما تنسيش الدوا بتاعك والفيتامين.
شعرت ليلى بألم مبرح في رأسها بعدما اومأت بالايجاب للطبيبة، وعندما خرجت مروة من الغرفة سارت بالممر المؤدي للسلم، ولكن حينما وصلت للطابق الثاني خرجت جيهان من غرفتها بطرفة عين، وكأنها كانت تنتظر ظهور مروة وتقدمت إليها مباشرة دون تردد...وقالت بتتوتر ظاهر :
_ ليلى عاملة إيه دلوقتي ؟
ضيقت مروة عينيها بشك وصمتت تتفحص جيهان بدقة ثم قالت:
_ وحضرتك عرفتي حالة ليلى منين ؟
ارتبكت جيهان وظهر بعينيها الندم على تسرعها بالسؤال، ولكنها انقذت نفسها وقالت:
_ أنتي مش هتجيلها إلا لو كانت فيها حاجة، أنا شوفتك من شباك أوضتي وأنتي داخلة تجري فعشان كده عرفت أن ليلى فيها حاجة .. خصوصا انها كمان ما نزلتش تفطر معانا !
هربت جيهان من ورطة الاجابة بذكاء واقتلعت نفسها من براثن الشك ... ولكن لم يزول شك مروة فيها بل وكأنه ازداد وهي تبتسم لها وقالت بمراوغة:
_ لا أبدًا مافيش حاجة، هي حست بدوخة شوية فطلبتني أجيلها وعلى ما جيت لقيتها تمام اتكلمنا شوية والموضوع أنتهى، أطمني عليها.
ابتلعت جيهان ريقها بتوتر وخوف لم يمر من ملاحظة مروة مرور الكرام ... ثم قالت وكأنها تحدث نفسها:
_ اتكلمتوا !! ... طب هي كويسة يعني ؟
تأملت مروة للحظات ارتباك جيهان وقلقها الواضح عند كل سؤال وإجابة، فتأكدت أنها خلف ما حدث لليلى .. ولكن لم تتفوه بحرف أن لم يكن معها الدليل وأجابت بهدوء :
_ آه هي تمام مافيهاش حاجة تقلق.
وشعرت جيهان من نظرات مروة أنها على علم بشيء ، ربما روت لها ليلى ما حدث وتنوي على أخبار وجيه ! ، كيف وضعت نفسها بتلك الورطة الكبرى ! ... واستأذنت مروة بالانصراف وعينيها تدقق في وجه جيهان ...
وما أن خرجت مروة من المنزل الكبير حتى أجرت اتصال هاتفي على رقم وجيه .. فأجاب عليها وهو بمكتبه قائلا :
_ معاكي يا دكتورة مروة ..
قالت مروة بقرار صريح :
_ دكتور وجيه بعد أذنك ما تخليش حد يعرف اللي حصل لليلى ولا أنها نسيت بعض المواقف الاخيرة ، مش هتأثر الساعات دي في معاملتها مع اللي حواليها ..
اكد وجيه فائلا :
_ ده اللي كنت ناوي عليه فعلا، وزي ما قولتي الكام ساعة دول مش هيأثروا بس الخوف الموضوع يتطور.
تنهدت مروة ببعض الضيق وقالت:
_ لو في حد هو السبب في حالتها يبقى لازم نعرفه لأن كده الموضوع فعلا هيتطور معاها، أنما لو شيء عارض فمش هيتكرر كتير مع العلاج والهدوء وهيقل جدًا مع الوقت.
ضيق وجيه عينيه ووصله ما تحاول مروة توضيحه فقال :
_ لو عرفت أن اللي حصل لليلى بسبب حد فصدقيني مش هرحمه مهما كان مين، أنا كنت صدقت أنها خفت خلاص ومكنش في أي أعراض ليه الفترة اللي فاتت !
قالت مروة بعصبية:
_ حالة ليلى محتاجة للهدوء والاستقرار أكتر من أي حاجة لذلك مكنش في أي اعراض وهي بالفعل بدأت نفسيتها تتحسن، وده اللي زود شكي أن في طرف مش معروف، أنا اسفة يا دكتور أني بقولك كده ولكن يهمني مصلحة ليلى في المقام الأول ... من بداية معرفتي بليلى محصلهاش الحالة دي من غير سبب، فحاول تشوف مين اللي كلمها قبل ما تنزل من أوضتها.
صمت وجيه للحظات وقد زاده شك حديث مروة، ولو فكر بشخص فلن يكون سوى جيهان!.. وانتهت المكالمة وظل وجيه جالسا شاردا بمكتبه بوجه متجهم ... فحتى لو ذهبت جيهان لليلى فأي شيء ممكن أن تقوله ويؤدي بليلى لهذه الحالة !
جيهان وأن انفعلت أو غضبت ولكنه يعرف أنها بحقيقتها مسالمة لن يصل بها الأمر لتهديد مخيف مثلا !
********
وفي المشفى ...
دخل جاسر مكتبه بعدما تلقى التهاني والمباركات من الزملاء، مع نظرات الغيظ والغضب من بعض الممرضات الذي واعدهن قبلا .... رفع هاتفه بنظرة ماكرة وكتب رسالة نصية وكان محتواها غرامي جريء ... ثم ارسلها لرقم جميلة التي استقبل هاتفها الرسالة وهي بغرفتها المستقلة التي وافقت امها على المكوث بها نهارا فقط دون الليل...نظرت جميلة للهاتف الملقى بجانبها وأخذته لترى من بعث لها برسالة ووجدت رقمه فابتسمت ... ولكن لم تدم الابتسامة طويلا وشهقت من جرأة الكلمات التي لم تحن مباشرة ولكنها ماكرة وخبيثة ... وقررت الاتصال به وهي بحالة الغيظ هذه ...
وجلس جاسر بارياحية وهو مبتسما من الاتصال معتقدا أنها مثله تبتسم وتمر بحالة شديدة من العاطفة ... فأجاب وهو يتنهد بابتسامة :
_ وحشتيني يا عمري ... عارفة يا جميلة أنا ....
هبت واقفة على فراشها وقالت بعصبية :
_ وحشك عفريت ، ايه الكلام السافل اللي باعتهولي ده ! ... بقى في واحد محترم يبعت لبنت الكلام القليل الادب ده ؟!
قال جاسر مدهوشا :
_ هو في إيه ؟!
صاحت جميلة بغيظ وقالت :
_ انت اللي في ايه ! ... أنت مش امبارح وعدتني أنك مش هتقل ادبك معايا ؟؟ ... بقا ده كلام تبعتهولي ! ... أنت فاكرني مراتك !
رد جاسر بغيظ شديد وهتف:
_ يا بنتي أنتي مجنونة ما أنتي مراتي ! .... وأنا اللي فكرتك هتفرحي وتتكسفي يا بومة تايهة في الغيطان ! ... وقال ايه برد عليكي والعاطفة مبهدلاني ! ..... مشاعري دي تستحق قلمين ، وانتي كمان .
هتفت :
_ وأنا كمان ايه ؟
تراجع جاسر وقال:
_ تستحقي مشاعري بعد القلمين، طب ايه الكلام اللي يرضيكي ؟ .... أقولك خواطر حزينة؟ ليكي في أشعار الجاهلية؟
قالها بغيظ جعل جميلة تكتم ضحكتها، فقالت وهي تجلس مجددا على الفراش :
_ أي حاجة غير الهباب اللي بعتهولي ده.
ولم تتلقى رد وبدا أنه كان يتمتم بالشتائم ... ثم قال وتحكم بعصبيته:
_ حاضر ... هدورلك على أكتر شيء مهبب وابعتهولك تتهبي بيه يا حبيبتي... حقيقي يعني بحتقر اختياراتي.
هتفت مجددا :
_ بتقولك ايه ؟!
تراجع جاسر وقال :
_ بفتخر باختياراتي ... تخيلي يوم ما اختار شيء بإردتي تكوني أنتي ! ... والله جدي كان عنده حق في اللي بيعمله ! ...
قالت بسخرية:
_ والله لو مش عاجبك تقدر تنسحب محدش جابرك !
ضيق عينيه وقال بنبرة وضح فيها المكر :
_ واسيبك لمين يا بيوتيفول ! ...
ضحكت وسمع صوت ضحكتها فابتسم ابتسامة عريضة وقال:
_ أحيانا بتحسسيني أنك أنثى ...
قالت ساخرة :
_ أحيانا !
قال بتصحيح :
_ أحيان كتير يعني، المهم .. عايزك تستقبليني حلو قدام العيلة، أنا مأكدلهم أني مسيطر ..
قالت بتعجب :
_ استقبلك حلو أزاي يعني أخدك بالأحضان ! ...
تنهد جاسر قائلا :
_ ياريت .. خليكي معطاءة.
قالت جميلة بهدوء :
_ لو فضلت تتكلم كده مش هتكلم معاك في التليفون تاني يا جاسر .
صرّ على اسنانه بغيظ وقال :
_ طب يعني حتى مافيش حتى ولو نبذة دلع، ترابة من الحنان، أي شيء كده بسيط.
فكرت جميلة قليلا ثم قالت بجدية :
_ ماشي موافقة، هدلعك باسمك، هقولك جلاجل بدل جاسر ... إيه رأيك يا جلاجل؟
وانخرطت بضحكة عالية عندما انهى جاسر المكالمة ... فقالت بتأكيد:
_ والله لدوخك على كلمة حلوة ... فاكرني سهلة زي اللي عرفهم !!
********
وفي غمر شروده وخواطره قرر وجيه الصعود حيث غرفة جيهان، لن يستطيع التحدث معها مباشرة ريثما أنه تعهد أن لا يقول شيء عن ما حدث لليلى ... ولكن كل الشكوك تتجه إليها ولابد أن يكتشف الحقيقة.
نهض من مقعده وخرج من المكتب متوجها لغرفة جيهان بمعالم وجه لا تنذر بالخير...
وبالغرفة كانت جيهان تقف أمام النافذة شاردة وعينيها زائغتين في دروب الألم والندم، وطفرت دموعها تنسال على وجنتيها دون أن تمنعهم من السريان، حتى دخل وجيه للغرفة بوجه شديد التجهم فالتفتت له ودب الخوف قلبها ...
نظر إليها لاحظات ولدموعها المسترسلة وبدأ شكه يزداد بكل طرفة عين، فشعرت أنه بدأ يشك فيها فمسحت عينيها ورسمت ابتسامة مصطنعة وقالت:
_ لسه ما روحتش الشغل !
اقترب منها وجيه ببطء ودرس توترها الزائد بكل خطوة ثم قال بصوت لم يكن به اهتمام مثلما ما به من تهديد لتعترف:
_ بتعيطي ليه يا جيهان ؟!
جف ريقها وهي تحاول التماسك والثبات، ونطقت بالكاد ولم تستطع أخفاء ذلك الاضطراب الذي هجم على وجهها:
_ دي بقت طبيعتي خلاص، لما سألت عرفت أن ده اكتئاب موسمي بيخليني في فترة معينة من كل سنة في مزاج عصبي وعيوني مليانة دموع ومش رايقة، كنت مستغربة زيك كده.
تنهد وجيه بعمق وعلم أنها ستراوغ بكل إجابة ولن تعترف بسهولة أن صح ظنه، فقال:
_ لو في حاجة جواكي يا جيهان احكيهالي، قوليهالي قبل فوات الآوان.
وكانت جملته الأخيرة تهديد واضح، فأجفلت لبرهة بذهول، لهذه الدرجة التخلي عنها يكون بهذه السهولة ؟! .... وعلمت أيضا أنها لو حتى اعترفت فسيكون الآوان قد فات أيضا، لأنه لن يغفر لمخلوق يطال ليلى بأي ضرر ... فقالت بتلعثم وجسدها تقريبا يرتجف:
_ ليه حاسة أن كلامك فيه حاجة غريبة !
اقترب منها أكثر ووقف أمامها مباشرة وقال بجدية:
_ لازم يا جيهان تعرفي حاجة مهمة جدًا، أني حاولت بكل جهدي ما أظلمكيش، حاولت فعلًا والمحاولة دي من أصدق الحاجات اللي عملتها في حياتي.... عاملتك بما يرضي الله وكل مشكلة كانت بينا كان سببها شيء خارج عن سيطرتي، وهو حبي لليلى، أنما غير كده ما ظلمتكيش نهائي وكنتي زيك زيها في كل حاجة.
ابتلعت جيهان ريقها بصعوبة وشعرت بالخطر من حديثه، فسقطت دموعها بغزارة بنوبة بكاء وهي تقول :
_ أنت بتقولي كده ليه يا وجيه؟!
تنفس وجيه بعمق ثم قال :
_ حسيت أني عايز أقولك كده، يمكن ده سبب دموعك ! ... فلو جواكي شيء ياريت تقوليه ليا ونحاول نصلح المفهوم ده.
كان يحسها أن تخبره بالحقيقة، فربما لو اعترفت يتدارك الأمر ريثما أن اعتذرت وشعرت بالندم، ولكنها لم تقول شيء ، أي شيء واكتفت بالدموع فقط ... وقالت بعد ذلك بنظرة شديدة الحزن :
_ لو جوايا شيء هقولك.
تفحصها وجهها وعينيها التي لا تستطيعان النظر اليه وبدأ يساوره الشكوك بالكثير من الظنون وخرج من الغرفة.
*******
وعند دخول المساء وصل الرباعي الشباب للمنزل بعد يوم عمل شاق... واستوقف رعد ظهور رضوى بالحديقة تجمع نبات النعناع الأخضر الطازج ... فقال للشباب الثلاث وهو يدفعهم بعيدا عنه:
_ طب بالسلامة انتوا بقا ..
غمز جاسر له وقال بابتسامة خبيثة :
_ النعناع ده هينفخك دلوقتي.
قال رعد بثقة :
_عيب عليك، أخوك مسيطر.
ضحك جاسر بسخرية وقال :
_ كان غيرك أشطر ! .... مافيش راجل بيسيطر بعد الجواز يا بني دي كذبة وأحنا بنصدقها جدعنة كده عشان شكلنا، أحنا غلابة أوي يا رعد يابني!
ضحك يوسف وقال :
_ كل واحد يتكلم عن نفسه يا أخ ...
ضيق جاسر عينيه على يوسف حتى اقترب منه وهمس قائلا :
_ لولا اني عارف حميدة كنت شكيت فيك ياض، ساكت كده بس دماغك دي بتقلقني! عملت ايه يا انسان الغاب يا دكتور الناب ؟
قال يوسف بضحكة:
_ أنت تعرف حميدة بس ما تعرفنيش أنا، وأنا مش هقولك عليا ..
ضحك آسر على مزاحهما وجرهما الاثنان للداخل وتركوا رعد يراقب رضوى ...
حتى اقتحم رعد هدوء المكان ووجدته رضوى يقف أمامها فتوترت، ابتسم لها وقال :
_ بتعملي ايه ؟
تنفست الصعداء ثم قالت وتابعت جمع اعواد للنعناع:
_ بجيب شوية نعناع لأمي، بتحب تحطه على الشاي.
وشعرت رضوى أنه سيقترب لها فابتعدت عنه سريعا ، وبدلا أن يضمها ضم جسد شجرة الزيتون ، فاطلقت رضوى ضحكة عالية وهي ترى صدمته وركضت للداخل عندما يقترب اليها منتقما ...
وعندما دخل الثلاث شباب للمنزل وجد جاسر جميلة تهبط من الدرج بخطوات هادئة ... فقال لها بغمزة وهو يفتح ذراعيه لها:
_ لو كان قلبي معي ما اخترت غيركم ، ولا رضيت سواكم في الهوا بغلا
همس له يوسف بتصحيح :
_ بدلا مش بغلا يا عنترة يا اللي هتودينا ورا الشمس بشارعين
دهش جاسر :
_ إيه ده بجد ! .... لسه حافظها وأنا جاي، جبتلها شعر جاهلي يليق بيها، مش مهم، المهم الاحساس وأنا بقولها.
لوت شفتيها بسخرية وتوجهت للمطبخ لتحضر الطعام ، فهتف جاسر قائلا بمكر:
_ هتقعدي جانبي وأنا بتعشا ..
ودخلت جميلة وهي تضحك للمطبخ، وعندما نظر اليها بعض العاملين استجمعت ثباتها وبدأت تعاونهم في اعداد العشاء.
وعند العشاء لم يأتي وجيه بل أمر بأن ياتي الطعام له بغرفة ليلى ووضع مبرر بوجود وعكة صحية المّت بها منذ صباح اليوم ...
وتجمعت العائلة جميعها حول مائدة العشاء دون وجيه وزوجتيه.... وبينما جلست كل فتاة بجانب زوجها شعرت سما بيد آسر وهي تتسلل اليها وتلمس يدها في رقة ... ارتبكت ونظرت له بقوة فابتسم وهو يختلس النظرات للجميع ويتأكد أن لا أحد ينتبه لأمرهما .... فهمس قائلة وبعينيها الانفعال:
_ سيب ايدي !!
هز رأسه رافضا وهو يبتسم بتسلية، وبعد لحظات ترك يدها وهمس لها قائلا شيء جعلها تحمر خجلا.
*******
وبغرفة وجيه وليلى ...
كان يطعمها برفق ويطعم الصغيرة التي ضمتها أمها ليلى بحنان ... حتى قالت ليلى بعبوس :
_ طب وأنت مش هتاكل ؟!
فقال ممازحا ليبعد هذه التيهة من تفكيره:
_ من فيكم بقا هتأكلني ؟!
رفعت الصغيرة يدها وقالت :
_ أنا أنا ...
ابتسمت ليلى بمحبة وضمت صغيرة الضاحكة ، ثم ساعدتها كي تضع الطعام بفم وجيه ... وكانت الصغيرة تضحك بانتصار كلما وضعت الملعقة بفمه ... ثم قال وهو يشاكسها :
_ أنتي وماما هتيجوا معايا الشغل بكرة .... هتقعدوا في المستشفى يومين كده ...
مطت الصغيرة شفتيها وبدا أنها تفكر ثم قالت ببراءة :
_ طب وحميدة !
أخبرها وجيه بالامر قائلا :
_ حميدة هتكون هناك برضه، كلنا هنكون معاكي ...
ابتسمت ريميه وقالت مثلما تسمع يوسف يجيب أحيانا :
_ أوكيه.
ابتسم وجيه لها حقا ، ثم قال ليلى :
_ الدكتور اللي كلمتك عنه هيوصل الاسبوع الجاي ، هو للأسف اتأخر وكنت مستنيه، ودي فرصة كويسة كمان نستغلها ونطمن عليها يمكن يكون في أمل.
لم يذكر اسم الصغيرة فلم تدرك أن الحديث عليها، أومات ليلى رأسها بالايجاب ... حتى تابع وجيه :
_ الدكتورة مروة هتكون معاكي بس برنامج العلاج هيتأجل شوية لحد ما أعصابك تهدى، اتفقنا على كده.
وافقت ليلى وشعرت بالارتياح للأمر، فأي ضغط كي تتذكر ما حدث يزيد نفسيتها سوء ... لأنها بالفعل لا تستطيع التذكر ....
وبهذا الوقت اعلن هاتف وجيه اتصال ، فرفع هاتف ثم أعطى الهاتف لليلى قائلا :
_ دي الدكتورة مروة ، المكالمة دي ليكي ..
فأجابت ليلى على طبيبتها وتحدثا للحظات حتى قالت مروة بتنبيه:
_ لما تحبي تكلميني اتصلي بيا يا ليلى عشان مش بفتح نت الفترة ومش عايزة اشوف أي رسايل من أحمد ... بيحاول يتصل بيا بس مش برد ...
قالت ليلى بتعجب :
_ حصل حاجة تاني ؟
قد سردت مروة لليلى أمر قريبها الضابط أحمد التي أحبته منذ صغرها .... فأجابت بتنهيدة يبدو فيها التعاسة:
_ بتهرب منه في أي شيء ممكن يوصلي فيه ، أنا مش قادرة اسامحه يا ليلى ومش هقدر أرجعله، بيبعتلي يجي ١٠٠ رسالة قي اليوم ولما زهقت قفلت النت كله من الفون ومابقتش أفتحه ، مش عايزة أضعف من كلامه ... حتى البيت لما بيجي مش بخرج له اسلم عليه حتى ... كده أحسن .
قالت ليلى بضيق:
_ لما نتقابل نتكلم في الموضوع ده.
ضحكت مروة وحاولت أخفاء حزنها وقالت:
_ لا مش عايزة اتكلم فيه تاني وعايزة انسى ، وبعدين مين فينا اللي يفضفض لمين ! ... باب النجار مخلع باين !
وابتسمت لحزنها كي لا تثقل الهموم على كاهل ليلى ....
ومر من الوقت اسبوعا كاملا .... ذهبت فيه ليلى للمشفى وبدا الأمر مستقرا ، حتى أن الفتيات ترددن على المشفى لزيارتها وبدأن العمل بالفعل بعيدا عن محيط العمل الذي يخص الشباب، لذلك كانت تلك الأيام القليلة تبدو هادئة مستقرة...
ولكن الأيام دائمًا تحمل المفاجآت ....
**********
دخلت فرحة مكتب كبير تنبعث منه رائحة القهوة المنعشة والأوراق .... ووقفت أمام مكتب السكرتيرة وانتظرتها حتى أتت من طابق الحسابات .... وظنت فرحة أن زايد لديه سكرتير رجل وليس امرأة ! .... ولكنها تفاجئت بأن السكرتيرة أكثر امرأة فاتنة رأتها بحياتها أيضاً! .... فشعرت بغضب شديد يتسلل اليها ، وجلست السكرتيرة التي ترتدي ملابس رغم أنها لا تكشف الكثير من جسدها ولكنها لم تخفي فتنتها الطاغية أيضا .... وقالت ديما بصوتها الشديد النعومة:
_ اتفضلي يا آنسة فرحة ثواني هعمل مكالمة وهبقى معاكي .
اومأت فرحة بالقبول وهي تتفحص الفاتنة بصمت ....
وكان يبدو على حديث السكرتيرة اللطف واللياقة الشديدة في الحديث ، حتى انتهت ديما من المكالمة وتوجهت لفرحة قائلة بابتسامة رسمية :
_ مستر زايد كلمني عنك ، هو دلوقتي مع حد من العملا فمش هينفع اقاطعه للأسف، نص ساعة بالكتير وتقدري تدخلي ليه المكتب.
وانقضت الدقائق التالية في بطء شديد جدًا حتى كانت فرحة على أهبة أن ترحل بلا راجعة .... وفجأة تجمد جسدها من خروج رجل من باب جانبي كبير الحجم .... وقالت ديما بابتسامتها التي تفتك بمقاومة أي رجل :
_ دقيقة هدخل لمستر زايد وهرجع ادخلك .
ولم تنتظر ديما أن تسمع رد فرحة حتى ودخلت للمكتب بخطواتها المتمايلة بدلال واضح ومثير !! .... تنفست فرحة بانفعال شديد وللحظات شعرت بأقليتها الشديدة أمام تلك الفاتنة ... ربما نساها زايد تماما بعد قدوم ديما ...!
ولكن بعد دقيقة وجدت السكرتيرة تخرج وتشير لها بالدخول ، فاهتزت فرحة بارتباك وقلق شديد ، وللحظة أرادت أن تهرب وتركض من هنا بأسرع قوتها.... ولكن سيبدو موقفها سخيفا وساذجا أن فعلت ! .... فقررت الدخول وبعدها ستمضي وقتها وترحل دون عودة ...
وغاصت قدميها في السجاد الفاخر وهي تدخل المكتب والتوتر ينهش أعصابها .... ووجدت زايد يقف مستندا غلى عكازه ويقابلها بأجمل وأرق ابتسامة رأت على وجه رجل....
نظرته كانت دافئة لدرجة جعلتها تحمر خجلا .... لا يمكن أن يحبها لتلك الدرجة الجنونية الظاهرة بعينيه !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
جينا للفصول اللي انتوا بتحبوها 😏