تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_التاسع
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... يطعمها بيديه...~
هل ضر هذا الكون نبض لقاءنا ....؟!
أم أن هذا الحزن أدمن أضلعي ....؟!
قل للمسافــــات البعيدة بيننـــا....
أرجو بحق الله أن تتواضعي ..!
( جلال الدين الرومي)
أسودت عينيه وتجمد مكانه من رؤيتها هكذا ......
كانت رجفة يديها واضحة لا تحتاج كثير من التمعن والنظر ... تساقط دموعها بصمت تام تعني منه أن الألم فاق الكلمات والأحاديث ...أو ربما فات الآوان !
كلمات بسيطة تستطع أن تنقلنا من منعطف الدموع إلى غمر السعادة ...
وقف على بُعد خطوات بسيطة وشعرت به يحدق بها !
ذلك العطر الخاص به تستطع تميزه بين الكثير ..... بينما يخلف وجوده شيء من الربكة والتوتر والكثير من الأطمئنان ....
سحق أسنانه بعصبية وهو يرى كم تُهان بوضع أختاره لها بحماقة للتو ندم عليه..... هتف بعصبية وود لو يصفع چيهان على ما يحدث :
_ بتعملي إيه هنا يا ليلى ؟!
ابتلعت ليلى ريقها ذو الغصة المريرة وقالت وهي تتابع عملها في التنظيف وصوتها يرتعش من الحزن :
_ زي ما حضرتك شايف.... بشتغل... !
اجابتها بها عتاب ولوم .... شيء من الأنكسار التي يتعجب لما رضيت به بهذه البساطة !
نظر وجيه لچيهان التي شحب وجهها بخوف من عصبيته ونتائج أفكاره التي تدور بخلده الآن ..... قالت چيهان وهي تقترب إليه في لهفة وخوف ظاهر للعيان :
_ كويس أنك جيت...كنت عايزة اتكلم معاك يا حبيبي .....
ارتفعت أنفاس ليلى وظهر جليًا أنها تريد البكاء وتكتمه بشدة.... زفر وجيه بحدة وهو ينظر لـ"ليلى" وهتف بچيهان بقسوة :
_ استنيني في مكتبي يا چيهان ؟ ....لو سمحتي ..
نبرته الغاضبة لم يكن بها استئذان !! بل أمر ولابد أن تفعله ....وهي ستفعل ما يقوله ....قالت بتوتر :
_ تمام ....هستناك....بس متتأخرش عليا ....
أخذت چيهان حقيبتها من على مكتبها بحركة بطيئة ...درست من خلالها نظرات وجيه ل "ليلى" والعكس .....
بعض النظرات تقل أحبك دون أن ننطق حرف واحد من الكلمة !
لم يكن الأمر بالممتع حتى تباطئ جيهان في التحديق فيهما ....بل بقلبها نار متقدة ..... نار امرأة تريد رجل بكل قوتها وهي تعلم أن قلبه تملكه امرأة أخرى .....!
انتظر وجيه حتى غادرت جيهان تمامًا ومضى اتجاه ليلى في عصبية وقال :
_ هنا مش من ضمن شغلك يا ليلى !! أزاي بتعرفي تندميني على قرار خدته نتيجة عمايلك وتصرفاتك معايا !!
أزدردت ليلى ريقها بقوة وحاولت أن تبدو طبيعية وهي تتحدث :
_ لا يا دكتور وجيه ....ده ضمن شغلي ..... بس هل ده كان هيكون رد فعلك لو بنضف أي مكتب لحد تاني ...ولا عشان هترجعوا لبعض؟!
ضيق وجيه عينيه في دهشة ....هذا القرار لم يعرفه أحد بالمشفى حتى الآن .....أو بالأصح ليس الكثير ...فكيف علمت به ليلى ؟!
تساءل في غرابة :
_ مين اللي قالك ؟!
ابتسمت ليلى بمرارة وهي تتوقف عن العمل ويد المكنسة الخشبية بيدها :
_ مش مهم مين اللي قالي ..... المهم أني نسيت أقولك الف مبروك .... ربنا يسعدك .....
صاح بوجهها في عصبية وعذاب يتشاجر بعينيه :
_ وأنتِ شيفاني سعيد ؟! أنتِ لو حبتيني في يوم بجد عمرك ما كنتِ هتتمنيلي السعادة مع غيرك ؟! أو على الأقل مش هتكوني بالهدوء ده وأنتِ شيفاني ببعد.....!
وتابع بغصة حارقة بحلقه :
_ ولا حكايتنا كان العذاب فيها من حظي أنا وبس ؟! ...إذا بالنسبالك كانت حكاية اصلًا ...!
أنتِ بتعلميني أكرهك بمنتهى الأحتراف !!
ارتعشت شفتيها ....حتى رحبت عينيها بالدموع ....قالت وعروق عينيها تخضبت من هطول الدموع:
_ أنت لازم تبعد عني .... ماينفعش تقرب يمكن دلوقتي أكتر من زمان ..... حتى لو كنت عايزة بس ماينفعش ....ماينفعش ..
دفعت ما بيدها واسرعت اتجاه الباب لتختفي عن ناظريه وتعطي دموعها الحرية...ولكنه سبقها أغلق الباب براحة يده اليمنى قبل ان تخرج ....وقال بشيء من الرجاء :
_ برري ودافعي عن نفسك وأنا هسمعك يا ليلى ....قولي أنك اتجبرتي على جوازك ....قولي أن كلام طليقك غلط وانك مكنتيش مدمنة !! أنا استنيتك ترفضي اتهامه لكن ما اتكلمتيش !!
قولي أنك كنتِ بتحبيني .... قولي أي حاجة تنقذ آخر خطوة بينا قبل ما تنتهي كل حاجة..... دي خطوة من عمر عشر سنين فاتوا يا ليلى ...ارجوكِ ما تضيعاش....!
رفعت رأسها بدموع وقالت :
_ أنت مكنتيش وفي أوي زي ما بتقول .... بدليل أن كنت مقرر ترجعلها !!
أخذ وجيه نفس عميق ملء رئتيه وهو يحترق للإجابة المرجوة منها وأجاب :
_ كان قرار متسرع عارف ....أنا عمري ما ندمت على قرار خدته في حياتي .... بس أنتِ السبب في القرار ده ....خدته وأنا عارف أنه هيعذبني ....بس لو فضلتي على رأيك يبقى الأفضل أني افتكر حياتي اللي نسيتها عشر سنين من عمري .....
وعاد متحدثا وعينيه يملأها الحنين والحب :
_ بس كلمة منك ممكن تغير كل ده .... لو سكتِ المرادي يبقى خسرتيني للأبد .....
جف ريقها وكأن الكلمات أختنقت بفمها ...ماذا تخبره ؟!
لو أخبرته لحكمت عليه بالموت على يد مجرم .... نتيجة متوقعة لأفعال ذلك الشيطان !!
ماذا تخبره ايضا ؟!
هل تخبره أن نتيجة نتيجة قرارها بالماضي كان حدث جلل حدث لها ؟! ...وكرهت بعده حتى أنفاسها ؟!!
كان الصمت أكثر يسر من أن تعود بالماضي ....كان قرارها السري بأبتعاده وفراقه أكثر رحمة من فراقه من الحياة إذا قررت الاقتراب منه ؟!
وابنتها ...؟!
بكلمة واعتراف منها .... سيكن فراق نهائي لصغيرتها إن فكرت فقط بالزواج مرة أخرى ؟!
ابتعدت خطوة منه ...استندت بظهرها للحائط ونظرت للأسفل في دموع وبكاء ..... لم تجيب ولم تتدافع بهتف بها بغضب :
_ أنا مش فاهم حاجة من دموعك ؟!
لو دموعك خوف قوليلي وأنا هحميكِ من أي حاجة .... أنا مش هعرف أخد أي خطوة من غير ما تتكلمي !
أغمضت ليلى عينيها وقالت بنبرة يغمرها القهر ويديها تلفها حولها كأنها ترتجف من البرودة:
_ ربنا يسعدك .....
صدم وجيه وكأنها وضعت خنجر بصدره .... حتى بعدما ترجاها تقل ذلك ؟!
بعدما دهش كبريائه للمرة المائة أسفل قدميه منذ لقياها مجددًا ؟!
لا يعقل أن تكن بتلك الجبروت والقسوة ؟!
قالت وعينيها تنزف بخشوع :
_ أحنا ما ننفعش لبعض ..... صدقني كده أفضل ....
استقبل عقله الصدمة بهدوء مريب .... حتى قال بلافته مخيفة بعينيه :
_ أنتِ اللي أخترتي .... كنت فاكر لما أنهي اللي بينا بإيدي هكون مرتاح بس معرفتش للأسف ....على الاقل دلوقتي مش هندم لحظة وأنا ببعد ..... يمكن الحاجة الوحيدة اللي رحمتك مني هي ريميه ....بنتك ....
اللي برضو معرفش أزاي خدت مكان جوايا بنفس سرعة حبي ليك ِ!! واللي عشانها هي بس ...هرحمك !
اجهشت ليلى بالبكاء في ضعف هائل حتى أضاف وجيه بقسوة تحاوط نظراته عليها :
_ شغلك هيتغير في خلال أيام .....هتعرفيه في الوقت المناسب ....
حرك وجيه يديه على جسد الباب وقبض على المقبض وفتحه وهي تحت نظراته المسلطة عليها ببركان متقد ولم يثور .....خرج من مكتب چيهان للخارج ......
لم يعود لمكتبه ....لم يكن باستطاعته للتحدث أكثر من ذلك ... كان يحتاج فقط للصمت ......
احتياجنا للصمت أحيانًا هو السبيل الوحيد للهدوء ولو مؤقتٍ !
استندت ليلى وارخت جفونها للأسفل وهي تبكِ بقهر .... لما هذا الألم كان من نصيبها ...ولقلبها البريء !!
دقائق ...استمرت فيهم تبك في المكتب ....حتى أتت چيهان ووقفت أمامها في ثبات ......
تداركت ليلى موقفها ومسحت عينيها وهي تخبرها الذهاب ...قاطعتها چيهان قائلة بشيء من القلق :
_ بعد أذنك يا ليلى ....عايزة اتكلم معاكِ ....
كان من الغريب أن لا تعرف ما مضمون الحديث المنتظر .....واحتارت هل توافق أو ترفض ....فهمت حيرتها جيهان ب حس الانثى وقالت باهتمام :
_ موضوع مهم ...بعد أذنك
وقفت ليلى تستقبل مشهد آخر ...طعنة أخرى منها ....كأنها ما باتت تشعر بأي ألم بعدما فارقت الرجل الوحيد الذي أحبته .....اغلقت چيهان الباب ثم تنهدت وهي تبدأ حديثها :
_ مافيش شك أن في شيء كان بينك وبين وجيه ...حتى لو من فترة .... أو يمكن من قبل جوازي منه كمان !!
مش ده المهم..... اللي شايفاه أن الشيء ده لسه موجود !
ابتلعت ليلى ريقها بقوة .... لو لم يكن وجود طليقها أكبر كارثة ستظل بعمرها إلى أن يموت احدًا منهما ....لكانت صرخت بوجه الجميع وأعترفت أنها تحبه ....أنها ستبقى ....وأخبرته بكل شيء .......ولكنها عوضا عن كل شيء صمتت وقبلت أن يحيى مع امرأة أخرى ولا أن يطاله الغدر والقتل بيد مجرم !
انتظرت جيهان ردها ولم تناله ....قالت بشيء من الخوف :
_ ليلى ...أنا مش وحشة ولا شريرة عشان استقصدك أو أأذيكي !
لو فاكرة أنك ضعيفة فأنا أضعف منك من غيره !
ادمعت عين چيهان بألم وقالت بصدق :
_ أنا حاولت صدقيني ابدأ حياتي مع حد غيره ....بس كل اللي عرفني طمع فيا .... كنت بشوف الغدر في عيونهم !
وجيه الشخص الوحيد اللي كنت مطمنة معاه ...حتى وأنا متأكدة أنه مش بيحبني ....مظلمنيش ولا أهانّي .... أنا مش عايزة أفضل لوحدي .... الوحدة صعبة أوي !
أنا عارفة أني ماينفعش أقولك الكلام ده ....بس ارجوك أبعدي عنه لأني ماليش غيره .....
نطقت ليلى وعينيها مليئة بالدموع وقالت بصدق :
_ خلي بالك منه .... وأطمني ..... أنا اتكتب عليا أفضل لوحدي العمر كله ..... حتى لو لسه بحبه .... مستحيل أكون معاه ...أو حتى مع غيره ......
اطمئنت جيهان لما قالته ليلى ولكنها اظهرت الثبات والهدوء فقالت بلطف :
_ ممكن نبقى صحاب ؟
هزت ليلى رأسها برفض وقالت وهي تمسح عينيها :
_ للأسف ...عمرنا ما هنكون صحاب ....رغم أني متأكدة أن عرضك مجاملة مش أكتر !
صمتت جيهان بحرج بعدما كشفت ليلى منحنى تفكيرها ...فقالت ليلى بتفهم وهي تكتم دموعها :
_ بعد أذنك ....
كادت أن تغادر الغرفة فقالت جيهان سريعا كنوع من رد الجميل :
_ ممكن أشوفلك شغل تاني لو حبيتي ....لو مش عايزاه في المستشفى ممكن أشغلك في شركة كبيرة كمان لو عايزة ....
فهمت ليلى أن جيهان تغريها بالعرض الآخر للعمل ...استدارت لها وقالت :
_ شغلي المستشفى سببه أن والدي هنا .....لما أبويا يقوم بالسلامة همشي من هنا ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وبعدما انهت ليلى عملها دلفت لأبنتها ......لتجدها نائمة بهدوء ....قد استلمت ساعات راحتها القليلة من العمل حتى ساعات الصبح الأولى ......
تمددت على الفراش وضمت ابنتها لصدرها وبدأت عينيها في سرد الدموع مرةً أخرى .....
" عودة بالذاكرة "
بمساء أحد الأيام بعدما تعهد أبيها على مقابلة وجيه بالعمل ....عاد للمنزل ليجد ابنته ليلى تقف بالمطبخ تحضر الطعام وعينيها تنظر لأبعد من الأواني على الموقد .......
همس عبد العزيز لأبنته بحذر :
_ قابلته .... جالي الشغل زي ما اتفقنا ....
استدارت ليلى بلهفة والابتسامة تتأرجح على على ملامحها وقالت بصوت خافت :
_ وإيه رأيك فيه ؟
ربت عبد العزيز بنظرة راضية على كتف ابنته وقال :
_ شاب محترم ومثقف وأبن ناس .... عجبني أوي بصراحة..... زي ما اتمنيت يكون جوز بنتي بالضبط .... سؤال بسيط بس عليه وهقولك رأيي النهائي....بس بشكل مبدأي أنا موافق يابنتي .....
ارتمت ليلى على صدر أبيها وهي تكتم ضحكتها بسعادة حقيقية ثم تذكرت شيء وتساءلت بقلق :
_ طب و......وجدي ...واللي قاله ؟!!
تنفس عبد العزيز بحدة وكان يعرف أنه سيدخل بمعركة وعصيان للمرة الثانية ضد أبيه ....ولكنه قال بابتسامة ليطمئن ابنته :
_ زمان محدش قدر يجبرني لما خدتكوا وبعدت ..... والنهاردة برضو محدش هيجبرني على شيء .... وجيه أحسن من صالح مليون مرة ....ده ظني ...فاضلي بس اتأكد ....ولو اتأكدت أنسي أن حد يقدر يغصبك على حاجة ......
ضمت ليلى أبيها وهي تقول بتأكيد وبابتسامة واسعة :
_ ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا بابا .... أنا خلاص مش خايفة .....
ربت على رأسها بحنان وقال بتحذير :
_ بس أوعي تعلي صوتك على جدك تاني .... أوعي تغلطي فيه مهما استفزك ....ماتنسيش أنه جدك ولازم تحترميه ....متخليش حد يقول عبد العزيز معرفش يربي !!
هزت ليلى رأسها بالموافقة .......
استمع صالح لهذا الحديث وهو يختبئ عن أنظارهما....كان الجميع يظنه نائم بأحد الغرف ولكنه لم يفعل ..... بل انتظر عمه حتى شعر بحركة من باب الشقة فأراد التأكد أنه هو ....
عاد للغرفة المقيم بها بمنزل عمه وهو يعد العداد لمخططه ....وفي الصباح وبينما ذهب عمه لعمله واستعدت ليلى للذهاب لعملها بعدما جهزت طعام الفطار لجدها وأبن عمها .....
كان قد علم الجد بما سمعه صالح ....فقد أخبره مبكرًا وقد تسلل لغرفته .....
قال الجد بحسم وليلى تحمل حقيبتها على كتفها للذهاب :
_ لازم نرجع البلد دلوقتي ..... أبن أختك تعبان والدكتور عنده .....وطالبك تكوني جانبه .....
صدمت ليلى من الخبر ودق قلبها خوف على أبن شقيقتها ....نهض الجد وهو يشير لصالح :
_ يلا مافيش وقت ..... هنسافر دلوقتي ...اتصل بعمك يا صالح يجي معانا .... قالولي حالته خطرة .....
اتصل صالح وهو ينظر ل "ليلى" بمكر ورد عليه عمه عبد العزيز ....وعندما علم الخبر قال بخوف :
_ أنا جاي معاكم ..... هشوف حفيدي فيه إيه !
قصد صالح أن يرفع صوت الهاتف حتى يصل لسماع ليلى ....قال الجد بأمر :
_ يلا يا ليلى تعالي معانا .... عمتك قالتلي أنه مابطلش سؤال عليكِ ......
شعرت ليلى بالخوف من الذهاب معهم ...ولكن خوفها الأكبر على الصغير قد حجب أي تفكير ....وبالأخص أن والدها سيأتي معهم حتما .....قال الجد بعصبية :
_ هنستنى أبوكي في المحطة ولو سافرنا من غيره ارجعي تاني !
هو أحنا هنخطفك !!
بالطبع كان هذا الشعور يتسلل إليها ....ولكنها لم تظن أيضا أن هذا كله مجرد مشهد خادع لإبرام أمر ما ......
وصدق الجد في وجود ولده عبد العزيز الذي تفاجأ بابنته تقف مع أبيه وابن عمها صالح بمحطة القطار !!
نظر اليها بقوة وفهمت أنه يوبخها بصمت ولكنها أجابت بصمت أيضا وبنظرة معتذرة ....وستشرح له الأمر فيما بعد .....
وصلوا للمدينة التي بها المنزل الكبير للعائلة .....
وقبل أن يصلوا كان صالح أتصل بالمنزل وعقد الخطة وانصاع صغيره بخوف منه لأوامره....... ومر يوم بعد يوم ....
بدأ عبد العزيز يشعر أن هناك مؤامرة خلف تمسك الجميع بوجوده هو وابنته بهذا الشكل وبهذا الاصرار !!
تحدث عبد العزيز مع أبنته بعد تناول طعام الغداء وبعد قضاء أسبوع بمنزل العائلة في أحدى الغرف :
_ أنا كلمت جدك وقولتله على وجيه .... وهو عشان يوافق طلب يشوفه ..... وللأسف مضطر اسافر بنفسي لأن المفروض أن وجيه هيجيلي النهاردة الشغل عشان يعرف الرد ....هفهمه كل حاجة ولو كده هجيبه وهاجي هنا ....لو متمسك بيكِ هيجي معايا وهيصمم عليكِ.....
قالت ليلى بقلق :
_ طب هتسيبني هنا ؟! خدني معاك .......
رد الأب بيأس :
_ جدك حلف عليا يا ليلى ....لو خدتك ومشيت هيغضب عليا .....أول مرة يقول الكلمتين دول مهما عصيت أوامره ! ..... أنتِ مش في بيت غريب أنتِ بيت أهلك ما تقلقيش ..... هرجع آخر النهار وبأذن الله ربنا ييسر الأمور ......
وافقت ليلى وغادر الأب ....وعند ساعة الغداء انفرد الجد بحفيده صالح وقال :
_ ما تخافش ..... حتى لو جابه معاه هطفشه بالذوق وبهدوء ..... يبقى كده خلصنا من العريس ده كمان .....
كانت السخرية تحوم بنظرات صالح .....ونهض وهو يرمي طرف الشال الرجالي الأسود للخلف وقال :
_ تسلم يا حج ..... عيشت ....
قال جملته وتوجه ناحية السلم للطابق الثاني .....وعند غرفة صغاره الأثنان نظر لأحدى الخادمات في نظرة ذات مغزى ......ثم فتح باب الغرفة وتنحنح وهو يعلم أن ليلى بالداخل ....
نظرت له في جمود وهي تعتدل بالفراش بجانب الصغير الذي يتظاهر بالأعياء ..... قال صالح بنظرة عميقة وهو يقترب للداخل :
_ خليكِ مطرحك ..... أنا هطمن على أبني وأمشي .....
لم ترد عليه ليلى والتزمت الصمت .....فتابع قائلًا :
_ أنا عارف أنك رفضاني ....وأنا مش هقبل اخد واحدة رفضاني ....أنسي الموضوع ده .....
اتسعت عين ليلى بدهشة !! هل يتنازل عن أمر الجد بهذه البساطة ؟!!
وليكن......هذا شيء يدعو للتفاءل ....قالت وهي تحاول أن تصدقه :
_ أحنا ما ننفعش لبعض ....أنا عمري ما اعتبرتك أكتر من أخ .....
قال مبتسما ليطمئنها ويجعلها تثق فيه :
_ على فكرة ...أنا اللي اقنعت جدي أنه يقابل العريس اللي متقدملك ....لأنه قالي وأنا قررت ابعد ..... وهكون موجود كمان في المقابلة .....لو كويس ويستاهلك يبقى مبروك يا عروسة .....
ابتسمت ليلى بذهول .....قالت وهي لا تصدق ما تسمعه وكأن طاقة النور فتحت لها بعد عتمة طويلة :
_ مش عارفة أشكرك أزاي يا صالح ......بجد أنا مبسوطة أوي .....
دلفت الخادمة بمشروب على صينية من الأستانلس الفضي اللامع .....وقدمت المشروب إلى ليلى .....غفلت ليلى أنها رفضت أي مشروبات منذ قليل ...كل ما كانت تشعر به هو السعادة وكأنها تريد احتضان الجميع .....
قال صالح :
_ هو المفروض شربات بس ملحوقة .....
ارتشفت ليلى وهي تبتسم بسعادة شديدة .....وقفت الخادمة وسومت نظرة الى صالح الذي راقب ليلى ....حتى ذهب وعيها بالتدريج ...... حملت الخادمة الصغير الذي لا يعرف ما يحدث حوله وما تحمله الظنون والنوايا .......
وبعد مرور ساعة تقريبًا ..... انتفضت ليلى من الفراش بعدما فتحت عينيها ورأت نفسها بين ذراعي ذلك الرجل ....الذي كان بيوم من الأيام زوج شقيقتها !!
حملقت فيه بذهول وهي تضم الغطاء لجسدها الشبه عاري .... نهض صالح بنظرة شيطانية :
_ لو أبوكي عرف ....يبقى حكمتي بالموت على حد فينا .....بس أوعدك أن اللي هيموت مش أنا .....لأني هثبت أن اللي عمل عملته وهرب هو حبيب القلب .....وابوكي عايز يستر عليكِ...... أنا لسه عند طلبي ......وافقي عليا وهكون متجوزك في أقل من اسبوع ....
ارتدى ملابسه بسرعة عجيبة تحت صدمتها التي وكأن روحها غادرت جسدها وتركتها هكذا .......
حلم ....لا كابوس ....لا لا أكثر ......هذا مثل الموت على موت ....مثل الطعنات بجسد متألم !!
وضعت يديها التي ترتجف بجنون على فمها تمنع صرختها .....وأنفاسها المتسارعة كأنها شارفت على الموت .....حتى لاحظت هاتفها يعلن أتصال .....كان أقرب من أن لا تشاهده .....وجدته رقم أبيها ...
نظرت للهاتف بدموع ساقطة .....رثاء لعفتها وشرفها الضائع ..... اجابت وأرادت بقوة أن تصرخ ولكنها كأنها تعافر لتحيا وتنطق!
قال والدها بنبرة متفائلة ويبدو أنه بالقطار :
_ وجيه معايا يا ليلى ......هو اللي صمم يجي معايا من غير ما أقوله حتى ..... هيطلبك من جدك وهنتفق النهاردة بأذن الله .....ماتخافيش يابنتي ....
نطقت ليلى بالكاد :
_ مش..... موافقة
صدم والدها من قولها بصدمة لم يتوقعها منها أبدًا ..... نظر وجيه لوجه الرجل المأخوذ بصدمة .....هتف عبد العزيز بالهاتف :
_ يعني إيه مش موافقة ؟! أنت جرالك ايه ؟!
صرخات قلبها تنتحب بينما قالت ببطء وكأنها تودع الحياة:
_ مش ...موافقة ...عليه..... يبعد عني ....قوله ينساني ....
اغلقت الخط .....ودقائق وصرخت بأعلى صوتها :
_ هو ذنبه ايه ؟! ذنبه إيـــــه ؟!
لطمت على وجهها بقهر بينما دلف الجد لغرفة صالح فور انتباهه لخروجه من غرفة الصغار الذي تقيم بها ليلى .....وقف أمامه وهو يجره من ياقته بغضب ويهتف :
_ ليلى بتصرخ ليه ؟! أنت عملت ايه ؟!
نفض صالح يدا جده من ملابسه وقال وهو يجلس واضعا قدما على قدم :
_ معملتش حاجة.....تمثيلية صغيرة ويوم الفرح هتعرف أنها صاغ سليم ....ما هو أنا برضو مش عايزها تكرهني للدرجادي.....ولو نطقت هثبت انها كدابة وتتبلى عليا وهجننها ومش هخليها تتجوزه برضو.... المهم أنها ماتخرجش من هنا نهائي لحد ما اتجوزها ......
مش لازم تكتشف الحقيقة قبل ما اكتب كتابي عليها .....
نظر له الجد بأحتقار :
_ ولو كنت بتكدب عليا ؟
أشار صالح للباب وقال :
_ روح اعرضها على دكتورة وانت تتأكد..... أنا مش مضطر أكدب لأني ما بخافش من حد .....
ذهب الجد لغرفتها وارتمت ليلى على صدره باكية واخبرته بما حدث بعدما خرج الجميع ....قال الجد دون أن يظهر عليه أي ثورة ملثما المفترض :
_ من غير كلام ...كتب كتابك على صالح الأسبوع الجاي ....لو ابوكي عرف هيكون فيها دم ....وصالح مش بيكبر لحد ....وافقي وامرك لله ....
صدمت ليلى صدمة أخرى من موقف جدها وقالت بقهر :
_ هو ده اللي قدرت عليه ؟! أنا كنت فكراك هتموته بإيدك ؟! ده سرق شرفك !!
ضرب الجد بعصاه بغضب مكبوت :
_ واللي المفروض يحصل عشان ما نتفضحش أنه يصلح غلطه ....وبعد كده اللي هتطلبيه هعمله ....
سقطت ليلى على قدميها ببكاء مقهور .....وأمر أخبارها لوالدها سيكون مخيف لرد الفعل المتوقع منه ...
أتى والدها وصدم الجد أن وجيه أتى معه ....يبدو عليه الشرود والفضب والحزن ولكنه لم يعود أدراجه دون أن يفهم ما حدث فجأة !!
تسللت الخادمة الى غرفة ليلى الذي سكنت كالجثة الهامدة بعد صرخات لم يفهم منها أحدًا أي شيء ..... واعلنت الخبر.....انتفضت ليلى من فراشها وهي ترتجف بشدة والذعر الذي استوطن قلبها من معرفة أحدًا بالأمر.....
هرعت خارج الغرفة واستندت بيدها على السلم وهي تنظر لوجيه الذي يقف بثقة عالية جانب والدها رغم نظرة الحزن بعينيه .....قال الجد وهو يجلس وينظر للواقفين أمامه :
_ الرأي رأيك يا عبد العزيز...طالما موافق وبنتك موافقة...أنا كمان هوافق .....
ابتلعت ليلى مرارة كادت تقتلها ....ومسحت عينيها من الدموع وتظاهرت بقوة كانت آخر بقايا القوة بها ....وهبطت الدرجات بساقيها الواهنتان ...... حتى شعر وجيه بخطوات تأتي من خلفه ......استدار وعينيه وقفت على عينيها الثابته أمامه كأنها تتحرك بزر كهربائي !! أو كأنها انسان آلي أمامه !!
وقفت ليلى ونظرت لهم جميعا ببطء ثم قالت :
_ أنا موافقة على صالح يا جدي....مش هتجوز غيره
اشتد الحزن بعين وجيه وهو يتطلع بها في خذلان .....اقترب والدها لها بنظرات غاضبة وهتف بها :
_ يعني كنتِ بتكدبي عليا أنا كمان ؟! أنا مش مصدق اللي بسمعه منك ؟!
قال وجيه بحزن يطوف بمقلتيه طوف النظر وكأنه لا يصدق قولها أو يريد التأكد منه:
_ أنا جيت أطلبك من جدك ....جيت لحد هنا .....!!
صرخت ليلى وكأنها وجدت شيء تتظاهر به لتصرخ وتخرج ما بداخلها :
_ وأنا مش عايزاك....أبعد عني...وانساني !!
التمعت عينيه وجيه وكأنه يبكي سرًا ....أو يكتم الدموع من خداعه والغدر به ....ومن لعبة وقع بها بمنتهى السذاجة والغباء من فتاة استهترت بمشاعره !!
خطواته كانت سريعة للخارج حتى أختفى عن ناظريها .....اجهشت ليلى بالبكاء واقترب منها والدها معنفا حتى قالت بقهر :
_ هو ذنبه في اللي حصل ....يتحمل غلط غيره ليه ؟! مش هقدر أشوف نظرته ليا بعد ما يعرف ...حتى لو كنت مظلومة..... هو مالوش ذنب أني ضيعت...
ضيق ابيها عينيه في رعدة ...ونظر لها بشك وهو يقترب منها ويقول :
_ تقصدي ايه ؟! أنطقـــــي .......
وقعت ليلى بإغماء ....ظلت فيه لدقائق كثيرة ....وعندما استيقظت كان والدها بجانبها يبك بصمت ......نظر لها وهو يمرر يده على رأسها بنظرة منكسرة وأسفة :
_ أنا اللي سيبتك للمجرم ده .....سامحيني يابنتي .....أنا روحتله وكنت هقتله بس فلت مني ومكتوبله يعيش... بس مش هسيبه أبن ال......
قالت ليلى بقهر :
_ هتجوزه.... أن كان نصيبي كده هحاول أعيش....ومحدش يعايرك ولا يذلك .....
هز عبد العزيز رأسه بموافقة وقال بنظرة بها شيء آخر :
_ اتجوزيه ....بس مش هتفضلي على ذمته كتير.... وأنا مش هسيب طاري مهما حصل ......
بكت ليلى بألم...... ومرت الأيام ثقيلة ..بطيئة ...تنزف الألم بكل لحظة....حتى أتى يوم الزفاف وصدمت أنها لا زالت عذراء !!
نهض صالح من فراشه بنفس الطريقة وهو يضحك عاليًا ويقول :
_ مفاجأة مش كده ؟! كدبة صغيرة ...بس أنت كنتِ في السليم .....عرفتي يعني ايه أني لما بعوز حاجة باخدها ؟!
تداركت ليلى الصدمة ولم تشعر الا وهي تنهض وترتدي ملابس أكثر حشمة وتركض لغرفة والدها وتخبره .....
وقف عبد العزيز أمامها بصدمة ولكن صدمة جعلت من احساسه بالعار يشفى ويندمل ...وبترت الكسره فيه ...قال بعدم تصديق :
_ يعني مقربش منك ولا أذاكي ؟! اومال ايه اللي قولتيهولي ؟!
دخلت ليلى بنوبة بكاء شديدة :
_ هو فاكر أني كده ممكن اسامحه أو اعتبره جوزي بس مستحيل ....أنا من النهاردة لو حاول يقربلي هموت نفسي .....
قال لها أبيها بتحذير :
_ طالما مافيش حاجة تكسرك قدام أي حد أنا معاكِ....وبرضو هاخد طاري منه ...كشف الحقيقة مش معناها أني نسيت أنه خدعنا ....ومش هقدر أغفرله خططته عشان يقنعك وانه......
لم يستطع الاب قول المزيد ولكن الأهم أن شرفه لم يدنس واقتلع رقبته من تحت أقدام العار ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عادت ليلة بالذاكرة مرة أخرى وهي تضم صغيرتها بغرفة المشفى....
عشرة سنوات كانت تحارب حتى تتخلص من ذاك المجرم....ولم يستطع الاقتراب منها الا مرات قليلة وذلك رغما عنها وبعدما استخدم المواد المخدرة كي تغيب عن الوعي .....
وصدمت بأحد الأيام أنها تحمل جنين بداخلها ....في ظل مرات كثيرة للطلاق وكان يلجأ لسجنها بداخل المنزل .....
كرهت حتى جنينها منه ....وعندما ولدت الطفلة كأنها تعاقب مرة أخرى بمرور الطفلة في خضم الأهمال الطبي بالمشفى رغم أنها خاصة !
وتم وضع الطفلة التي ولدت وزن ناقص عن الطبيعي تحت نسبة أكسجين عالية.....فأصابها تتسم أكسجيني لا رجاء للشفاء منه وادى إلى فقدانها البصر.....
وفي خلال تلك السنوات عشر...اكتشفت ما هو أبشع وكان يخص شقيقتها .......
دق باب غرفة المشفى ودلفت بثينة قائلة بهمس ونظرة تحذيرية:
_ يلا يا ليلى ...البريك خلص ....قومي عشان عنايات لو جاتلك هتسمعك كلام زفت ....
تركت ليلى صغيرتها ومسحت عينيها من الدموع ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
مر ثلاثة أيام بعد تلك الليلة الحافلة بالأحزان ......
وبأمسية اليوم الثالث .......في منزل عائلة الزيان .....
وبعدما تم عقد القران احتفل الشباب بالحفلة العائلية الصغيرة ....وانتشروا بين الجمع .....
بينما تعلقت جيهان بيد وجيه برداء سهرتها المطرز بأناقة وفخامة....وعيني وجيه تنظر بثبات كانه يحاول يصدق حقا ما يحدث !!
وبدلًا أن يسكن الفرح نظراته سكن الألم والحزن الصامت....قالت جيهان له بسعادة ظاهرة جليًا بابتسامتها الواسعة :
_ ولاد أخواتك دمهم خفيف بشكل مش طبيعي !
لم يرد وجيه بأي لمحة فتمسكت جيهان أكثر بذراعيه قائلة بمحبة :
_ أنا مش مصدقة أننا رجعنا لبعض !! حلم جميل واتحقق ...
لو كانت بهذه السعادة لمجرد تحقيق حلم جميل على حد تعبيرها ...فما كانت نسبة سعادته لو كانت ليلى هي من عقد عليها هذه الليلة ؟!
انتبهت جيهان لنظراته الشاردة الحزينة ...وصمته الذي لاحظه الجميه فقالت بضيق :
_ وجيه لو سمحت....الناس بدأت تاخد بالها ....كأنك في عزا مش في فرحك ؟!
لو كانت تشك فإذن هي غبية لا ترى.....هو حقا في عزاء هذه الليلة....في رثاء لشيء دفنه بداخله رغما عنه .... قال برنة تتألم بصوته :
_ جيهان ....أنا أعترفتلك أني بحاول انساها ...وخيرتك ...وانتِ أخترتي تبقي ....يبقى مالوش لازمة كتر الاسئلة !!
أخذت جيهان تنهيدة عميقة وقالت بموافقة :
_ مش هسألك ...وهصبر عليك....هقف جانبك لحد ما تنساها.....
ارفقت جملتها بصوت أكثر نغومة وكأنها تعطي له لافته أنها ستستخدم أنوثتها في ذلك ....وان قررت ذلك دون أن تستخدم ذكائها أيضا ستكن حقا غبية ....
مجرد أنثى جميلة فقط ....تظن بغباء أن الجمال وحده كافِ لنسيان رجل امرأة يعشقها حتى الجنون ......
لكان فتيات الليل أوفر حظا لو كان هذا المبدأ ينطبق على كافة الرجال ......
ضحك جاسر ضحكة عالية وهو يتحدث مع بوسي التي أتت بدعوة خاصة منه :
_ نتقابل تاني لما ارجع من مهمة القافلة دي .....بس أنت عملتي مع الأطفال ايه ؟!
اجابت بوسي بابتسامة راضية :
تعرف يا جاسر ...كتير نصحوني أغير أسلوب حياتي .....كنت بتعامل بتريقة.....لما شوفت اللي عمله يوسف حسيت اد ايه أنا تافهة .....من حاجة بسيطة زي التورته كان ممكن أفرح أطفال صغيرين !!
لما بتحس أنك فرحت حد بجد بتفرح أكتر منه لفرحته !
قال جاسر بغيظ :
_ آه...عقلنا يعني وهنبطل خروجات...ده ناقص تقوليلي دي آخر مقابلة ما بينا !!
ضحكت بوسي بقوة...فكان ذلك قرارها بالفعل وقالت مؤكدة:
_ ده فعلًا اللي هيحصل ....جيت بس عشان أطمنكم أن الولاد خدتهم معايا الفيلا وهيقعدوا معايا على طول....ههتم بيهم أوي....أنا لقيت سعادة حقيقية معاهم ....والغريبة أن من يومين بس اتغيرت نظرتي لحاجات كتير في حياتي ....من غير اي قصد !!
استئذنت بوسي وباركت العروس مرة أخرى ثم غادرت ....اقترب جاسر من يوسف الذي يضم طبق كبير لصدره ويأكل منه بشهية عالية وقال بغيظ :
_ اعمل فيك ؟! أخنقك ؟! أعضك طيب ؟! أفش غلي فيك أزاي ياللي هتبلعنا في مرة وأنت جعان !
قال يوسف بعبوس وهو يبتلع ما في فمه :
_ أنا عملتلك ايه ؟! أنا باكل وفي حالي مجتش جانبك ؟!
تعالى تعالى أنا حجزتلك طبق كله تورته بالفانيليا ...وكلت الشيكولاته كلها .....
أتى رعد ضاحكا وهو يضم كتف يوسف :
_ بقولكم ايه مش طالبة خناق....عايزين نفرفش قبل ما نسافر بكرة للقرية الريفية.....
قال يوسف وهو يضع قطعة كبيرة من الحلوى بفمه :
_حاسس أني متفائل ...
اغتاظ جاسر منه أكتر وقال في حيرة :
_ طب والمكان اللي احنا فيه هعرف اسمع منه الماتشات وفيه نت وكده ولا هتنيل اسمع الماتش فين ؟!
اقترح يوسف ببساطة :
_ اسمعه في الراديو .....تخيل أن الزمالك جاب جون .....ده العادي يعني أنك تتخيل !!
فهم جاسر قصده فضم شفتيه بغيظ، وخطف منه طبق الحلوى بنظرة انتقامية ....أشار يوسف له بتوجس وقال :
_ بهزر معاك .....بهزر معاك .... يابني ده قلبي أبيض مش أحمر من وأنا صغنن !!
هم جاسر بالأنقضاض عليه حتى ركض يوسف مبتعدًا عنه ......حتى اصطدم وهو يركض بمن يجلس على مقعد بالحديقة ويدون بعض الكلمات في مدونته الورقية ......
هتف آسر وهو ينهض بعصبية ويهتف:
_ بتجري كده ليه يا بني ؟!
قال يوسف بخوف :
_ جاسر بيجري ورايا ....هيضربنا كلنا صدقني .....هيحبسنا في الچيم تاني ....
تحدث آسر بعصبية وقال باعتراض :
_ هو كل ما يزهق يجي يلطش فينا ؟! أجري أنت أما أشوف أخرتها ايه معاه ....
انتبها لجاسر وهو يأتي من بعيد فقال آسر بتراجع :
_ شكله هيفرمنا للأسف..... أجري يا يوسف ....
ركض يوسف ومعه آسر حتى ركض خلفهما جاسر ....وبعد لحظات كان القاهم الثلاث بحمام السباحة وهو يضحك بشدة :
_ شكلكم أهبل أوي ......قولت مليون مرة محدش يستفزني !
أشار رعد له بتحذير وهو بعمق المياه ببدلته السوداء الأنيقة التي أصبحت جزء لا يتجزأ من عمق المياه :
_ ما تفتكرش أننا خايفين منك !! أنت بس عشان الكبير فينا مش بنرضى نكلمك .....ماتخلنيش استخدم الغباوة ....
قال جاسر وهو يتحسس أذنه قائلا :
_ تستخدم إيه ؟ قول وسمعني تاني ....
أشار له يوسف ليقترب وقال :
_ هقولك أنا ....تعالى كده....
اقترب جاسر من المسبح فتمسك الثلاث شباب بقدمه وأوقعوه بالمياه ضاحكين بأصوات عالية ....القى جاسر بغيظ المياه عليهم وقال :
_ الماية ساقعة يا أغبية !!
سبح يوسف بظهره على المياه وهو يجدف بقدميه في ابتسامة:
_ السباحة في الساقعة خير....زي الحلم كده يا جسورتي ....
ضحك جاسر رغما عنه وبدأ الرباعي يقذفون المياه على بعضهم البعض في مرح ......
نظر الجد رشدي من غرفته لهم في ابتسامة محبة ..... فقد أكتفى بحضور عقد القران والمباركة ثم صعد لغرفته سريعا....طالما أن يشعر بعد سعادة ابنه ....لم يستطع المكوث طويلًا ويشاهده بهذا الحزن الذي يخفيه .......
ذهب المدعوون وأنتهى الحفل ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
انهمر المطر قبيل الساعة الأخيرة من ثلث الليل الأخير.....ورغم ذلك خرج وجيه لشرفته وهو يرتدي روب نومه الثقيل .....انقضت الساعات الأخيرة الماضية رغما عن ارادته بالرفض لكل شيء....ولكن كان قد تعهد بأن يقيم حياته من جديد ...مع امرأة على الأقل يعرف أنها تحبه ....
وأرضى رغباته كرجل مع رفض قلبه لما يحدث كليًا......
نظر أمامه بشرود....وبثبات ...للاشيء...ويفكر للبعيد....للمشفى وما يسكنها .....تفاجئ بيد ناعمة تحاوط كتفيه وطل وجه جيهان بابتسامة رقيقة بها بعض المكر وبرداء الثقيل ورغم ذلك فاتن ومثير...همست برقة له:
_ خارج الڤراندا في البرد ده ليه ؟!
أخذ نظرة سريعة لها ثم نظر أمامه مرةً أخرى وقال :
_ متعود أصحى في الوقت ده ....ارجعي نامي تاني يا چيهان ...
هزت چيهان رأسها بأعتراض ونظرة رافقها ابتسامة مرحة :
_ لأ..... هقعد معاك ...في أي زقت ...وفي أي مكان...معنديش أعتراض خالص على أي شيء متعود عليه ....
ابتسم بشيء من السخرية وقال :
_ مكنتيش كده زمان !!
اجابت بنظرة قوية وكأنها تؤكد ما ستقوله :
_ وتفتكر عشر سنين مش كفاية أني اعقل وأفكر بشكل أنضج ؟!
وكأنها تعاتبه بهذا الأجابة أو توجه اجابتها بسؤال له ...فقال شاردًا بلمحة مؤلمة بعينيه :
_ أحياناً مش بيكونوا كفاية..... بس الذكي اللي يقدر يلحق نفسه قبل ما يضيع السنين دي كلها من عمره ....
لم تفهم ما يقصده فتساءلت بقلق :
_ تقصد إيه ؟!
نظر لها بمكر يعرف أنه سيرضيها فقابلت نظرته بابتسامة خجولة ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
أنتشر الخبر بالمشفى بهذا المساء ..... كان الجميع يتهامسون ومن ضمن الهمسات علمت بأمر الزواج .....ومن بعض الهمسات كان البعض يؤكد أن هذا أمر متوقع منذ سنوات .....بل تم تأليف مواقف غرامية كاذبة للثنائي وجيه وجيهان حتى يستعرضوا فقط حصرية الأخبار لديهم ويتميزون عن غيرهم ....
وكل هذا ولا أحد يعلم ...أو يدري ...بالذي ينشق قلبها كل لحظة ....
والذي ظرفت المدوع حتى ما باتت عينيها تحمل المزيد.....أتت ساعة راحتها من العمل ....وذهبت للغرفة التي ترقد فيها صغيرتها ....
وجدت الصغيرة جالسة على الفراش وتبدو سعيدة لشيء....اقتربت ليلى منها وقالت وهي تجاهد ليبدو صوتها طبيعي وتنقيه من الدموع:
_ بحب أشوفك بتضحكي ...
اتسعت ابتسامة الصغيرة ووضعت رأسها على صدر أمها وهي تقول بفرحة :
_ حلمت بالشاطر وجيه ....بيحضنا احنا الاتنين كده ....
لفت ريميه ذراعيه الصغيرة حول كتف امها فلم تستطع ان تحتويها ....ولكنها استطاعت أن تعبر عما رأته بحلمها ......أغمضت ليلى عينيها في دمعة سقطت رغما وقالت لتثنيها عن الحديث والمتابعة بهذا الأمر :
_ هروح اجيبلك أكل ...تاكلي قبل ما تنامي ....
ابتعدت خطوتين فقالت الصغيرة وهي تنظر أمامها في مشهد وحيد لا ترى غيره...وهو لوحة مظلمة تلونها بأحساسها ومشاعرها ...بالأفراح والأحزان....مشهد حسب الشعور !
قالت برقة وببراءة :
_ ماما....أنتِ قولتيلي لما نحلم بحاجة وعايزينها تتحقق ...نسجد ونقول يارب .......
قالت ليلى وهي تمسح عينيها :
_ آه ...
سجدت الصغيرة على الفراش وقالت ببراءة :
_ يارب ...يارب ....الشاطر وجيه يفضل معانا على طول يارب ......يارب
ارتعشت ليلى من دعوة ابنتها ...واقتربت لها حتى اعتدلت الصغيرة من جديد ...ضمتها ليلى وهي تبك بقوة ولم تستطع تفسير بكائها بأي كلمة ! ......سوى أنها تردد على دعوة صغيرتها التي لم تجرأ على التفوه بها ....ولكن الله استمع لأنين قلبها ....ودموعها .....وما كانت تخشى قوله والقلب صرخ به .....
وفي الصباح .....ودع وجيه وزوجته جيهان والجد رشدي الشباب الأربعة وهم يحملون حقائبهم للسيارة التابعة للقافلة ......
قالت جيهان وهى ترى الشباب يبتعدون أمامها :
_ أظن أنت النهاردة عندك أجازة لحد العشا ؟!
قال وجيه ووجهه لا يعبر عن أي شيء :
_ لأ ....في شغل كتير مستنيني مش هقدر أأجله .....دلوقتي من بليل مش هتفرق كتير....
قالت دون أعتراض :
_ خلاص هاجي معاك .....باي يا بابا
أشارت لوالد وجيه الذي هز رأسه بابتسامة بسيطة ...... ثم اختفت ابتسامته وهو يراقب ابنه وجيهالذي يبتعد الى سيارته وكأنه يريد الهرب من الجميع ...!
وبالمشفى ......
كان استقبال الجميع لوجيه بعد معرفتهم بالزفاف حافلًا....فقرروا أن يحتفلوا بالفعل وااوا بحلوى كبيرة وارغموا وجيه أن يقطعها لقطع ويده بيد زوجته چيهان ......
تم ذلك بالفعل حتى أتت منى قائلة له بمباركة ونظرة عميقة :
_ الف مبروك يا دكتور ....على فكرة رميه سألت عنك كتير أوي ...صعبت عليا من كتر سؤالها عنك ..... ومن وقت ما أكلتها آخر مرة وهي مش عايزة تاكل غير من ايدك ....!
شعر وجيه بغصة في قلبه ....يقسم أن هذا الصغيرة أخذت حيز في قلبه ولم يشعر كيف حدث ذلك !
أخذ طبق فارغ ونظم فيه عدة قطع من الحلوى وهو يسأل الممرضة منى :
_ هي فين ؟! في أوضتها ؟!
نفت منى الأمر وقالت :
_ لأ ..... من كتر عياطها امها خدتها للجنينة عشان تسكت .....
هز وجيه رأسه بتفهم وتحرك مبتعدًا عن جيهان التي انشغلت بالمباركات والتهنئة .....أو يظنها انشغلت !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
تنهدت ليلى بضيق وهي ترى ابنتها ترفض الطعام وقالت :
_ يا حبيبتي ....تعالي بقى عشان ااكلك أنتِ مكلتيش من امبارح غير مرة واحدة بس !
هزت الطفلة رأسها وقالت بتصميم :
_ لأ ....لما يجي الشاطر وجيه هيأكلني .....
صاحت فيها ليلى بعصبية :
_ ما تتكلميش كده تاني ومالكيش دعوة بيه وما تسأليش عليه تاني !
امتلأت عين الطفلة بالدموع وقالت وهي على شفير البكاء :
_ حلمت بيه تاني وكنت بقوله يابابا .....يارب يارب يبقى بابا عشان ما يسبنيش تاني وأنتِ تزعقيلي كده ......
تأسفت ليلى وهي تضم أبنتها وبكت رغما عنها وهي تعتذر وتقبل رأسها ......حتى انتبهت لصوته ولم تشعر بخطواته وهو يقترب لها مع عصبيتها بالدقائق الماضية ....قال وجيه بنظرة بها دفء غريب :
_ وحشتيني أوي .....
رفعت ليلى رأسها له بدهشة ....كانت سمعت أنه سيأتي ليلًا وليس الآن !
ابعدت عينيها عن نظرته الثابته عليها ولم تستطع وقف دموعها ......ابتسمت ريميه وكأنها نالت دمى كبيرة ورددت بهمس :
_ بابا وجيه
اعتقدت ليلى أنه سيغضب أو على الأقل لم يرحب بالأمر ولكنها رأت نظرته الحنونة على صغيرتها وقال :
_ أحلى من الشاطر وجيه ..... قوليها دايمًا ......
تنهد بعمق وقال :
_ قالولي أنك مش عايزة تاكلي .... هتاكلي من ايدي ولا أمشي ؟
هزت الصغيرة رأسها بابتسامة واسعة فقطع وجيه قطعة صغيرة من الحلوى بمعلقة صغيرة وقربها لفمها الطفلة فأبتلعتها في شهية....وتلاها قطعة أخرى .....
والقطعة الثالثة لم يوجهها لفم الصغيرة ...بل وجهها الى ليلى....وتجمدت من لافتته مع نظرته الغامضة....هز رأسه كي تبتلعها فنظرت له في تعجب وحيرة .......
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
طب وأنا 😒💔
طب نشوف التفاعل اللي ممكن يخليني انزل نص فصل بكرة ده 🙂🤗😁 الشباب راحوا الريف خلاص والكوميديا هتبدأ من الفصل الجاي...مبروك عليكوا الشخلعة 😏
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_العاشر
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... قافلة...ومشاكسين...~
في العينين فقط....لا يستطع التظاهر بالنسيان أن يملأ مكان الحب أبدًا.....سيتسرب الشوق من ثقوب الحنين ..... رغما عن كل شيء يخبرنا أن نبتعد !
تلك نظرة متسائلة من عينيها ....إلى أين يريد الوصول بعدما مد يده بقطعة حلوى لتأكلها ؟!
عينيه مفترق طرق ....بها زهور تسقي نفسها بالأمل لتحيا ...وبها شوك يتوعد بالخدش والجروح !!
بماذا تجابهه تحدي ؟!
أم غادرها شغف التمرد؟!
يضعها بقلب البين ؟!
لأول مرة لا تستطع ترجمة أفعاله !
ضمت ابنتها بين ذراعيها أكثر وكأنها تحتمي بها ....وهزت رأسها بالرفض ....بينما ظلت يده ممدوده في ثبات ..... بقطعة الحلوى ....فارتبكت ليلى وهربت بنظراتها منه .....وفي بادرة غير متوقعة منه ...أخذ يد الصغيرة ولامس أصبعها بمعلقة الحلوى المقترب لفم أمها ..... فابتسمت ريميه ودفعت يده بالمعلقة وحمست أمها قائلة :
_ كليها هم النم
استخدم حماس الصغيرة في كسب اللعبة ! وربح بالفعل عندما ابتلعت ليلى جزء من القطعة وذابت الحلوى بفمها ..... وذاب مع الحلوى ...نبعة من الحنان .... وللآن لم تفهم السبب خلف ما يفعله الآن ....فقال وجيه بغموض :
_ يمكن طعم الشيكولاته يضيع احساس المرارة اللي باين في عنيكِ ..... حاسس أنك بتتعذبي !
بدت عينيه قوية في الترقب ....وفي رد الألم بالألم ...!
إذن لم يكن الأمر خلفه حسن النوايا !!
بل ارتضاء تعذيبها أكثر !! وابتسامته الساخرة بغضب مُقيد تفسر ذلك ....أجابت ودفعت بعينيها جميع بقايا القوة :
_ يمكن أنت اللي عايز تحس بكده ؟! .... لو ده هيرضيك ... أعتبرني بتعذب !
مكر حواء !!
لا يهجرها حتى لو كانت عظام نخرة ببقايا أنفاس !!
فهمت اللعبة ...وحركت النرد بضربة أنهت خبث المراوغة بدربٍ يسلكه.. !
وللعجب.... ابتسم من فهمها له ولم يتعجب منها...لو لم تفهمه لما تركت أثر بداخله...وقال بمكر :
_ بيهمك ترضيني !! ..... لافته هفتكرها كتير .....خصوصا في اللي جاي ....
يبدو أنه يتوعد لها بهدية مغلفة بالدموع ! ....مع الآت ...حتى مع الابتسامات ..!
ردت في ثبات صوت ..... وحدة حزن بعينيها :
_ أنا مش من ضمن اللي جاي ! ..... وجودي في المشهد كان في ثواني التعديل .... الصورة مش هتطلع بيا.... صدقني .....
تابع وجيه اطعام الطفلة التي انغمست بمذاق الشيكولاته بشهية ولم تتابع الحديث ولم تفهم منه شيء حتى.....أجاب عليها بنظرة بها شيء عنيف .... بنظرة ك اليد التي تقبض على شيء تخاف ضياعه :
_ خلي اللي جاي لبكرة ...مش يمكن الأدوار تتبدل ؟! ..... مش يمكن تكوني لوحدك في الصورة أو بطلة القصة كلها؟!
شيء يتوارى خلف الكلمات يشير انها بطلة العمر أيضا...بطلة كل لحظة اشتياق....وحنين ...وحب ...كنّه رجل ليس يسيرًا عليه أن يحب !
أضاف بشيء أخبرها أنه صادق :
_ اقتنعت بجملة .... أترك الشيء الذي تريده بشدة ...فإن عاد إليك فهو لك ..... وإن لم يعد فلم يكن لك من البداية ......
ابتلعت ريقها بخوف وهي تنظر له ...تتساءل عن معنى جملة وخلف مقصده معانٍ كثيرة....فقال لها بصوتِ حاد به تصميم غريب :
_ لو من البداية الشيء ده كان ليا .... يبقى هيرجعلي تاني ..... مش دايمًا الحل في التمسك ... أحنا مش بنعرف قيمة الحياة إلا لما بنشوف لحظاتنا الأخيرة ....
تابع صوت آخر .....قالت جيهان التي انتبهت لأختفائه من التجمع بالمشفى حولهم....ونظرت لكلاهما في ضيق :
_ بيسألوا عليك يا وجيه .....
مرر وجيه يده على رأس الصغيرة بحنان... فابتسمت أمامها بنظراتها البطيئة المصوبة بزاوية قائمة دائمًا ..... ترك طبق الحلوى على مقعد بجانب ليلى وقال إلى ليلى :
_ اكليها ده وهبعتلها تاني.....
استدار ليغادر المكان فأستوقفته ريميه بصوتٍ عال :
_ بابا وجيه ؟
ابتسم بنظرة دافئة لقول الصغيرة القريبة جدًا لقلبه والتفت لها مرةً أخرى....فتابعت ريميه بابتسامة مشاكسة :
_ تعالى تاني .....
هز رأسه بابتسامة صادقة وأشار لها بوداع مؤقت ..... اللعنة على كل شيء يعثر الطريق لتلك الطفلتين التي من بينهنا حبيبته والأخرى أبنتها ...ومع ذلك يراهما طفلتين ....!
لفت جيهان يديها حولها بحركة عصبية ..... عذرتها ليلى في عصبيتها فلها كل الحق في ذلك ..... لتقل الأخرى بحدة :
_ لو سمحتي .... اللي شوفته ده ما يتكررش تاني ..........
قالت ليلى بهدوء وشعور يصفعها بتأنيب ضمير :
_ أنا أسفة .....بس أنا .....
قاطعتها جيهان في غضب :
_ أنا مش مستنية مبررات ! ..... أنا مش هسمح لحد يسرق مني جوزي ...لو ده اتكرر تاني هطردك من هنا ..... أنتِ فاهمة !
رمتها جيهان بنظرة محتقرة شرسة .... كأن تلك المخلوقة التي حدثتها قبلًا تبدلت كليًا الآن !
ومع ذلك أعترفت ليلى أن جيهان محقة في غضبها ....لو كانت بموقفها لفعلت ما فعلت دون تروي... ويشتعل بقلبها النيران .....
قالت ليلى بثبات :
_ أنا لسه عند كلامي ..... لما أبويا يقوم بالسلامة هبعد عن هنا ..... لو في نيتي أتقرب لدكتور وجيه كان في إيدي حاجات كتير اعملها في الساعات اللي فاتت ....واعتقد أن لسه في إيدي برضو ..... ومع ذلك ماينفعش حتى أفكر اقرب أو افكر في حد ......
جزت جيهان على أسنانها بغيظ وكره ....من تلك التي تتحداها بهذا الشكل !! الأمر ليس عراك على رجل !
المرأة تأخذ اهتمام زوجها أو حبيبها بامرأة أخرى هو اعتراف صريح أنها ليست أنثى تلفت نظر أي رجل ....
ضيقت جيهان عينيها وهي تجيب :
_ أنا حذرتك .... ولو عايزة فعلًا تثبتي حسن نيتك ...عندي اقتراح يرضي جميع الاطراف ...... والدك هيتنقل مستشفى تانية ...تكاليف علاجه كلها على حسابي ...ده غير أني اقدر أشغلك في شركة كبيرة بتاعت حد من معارفي .... ولو معندكيش مكان تسكني فيه الشركة هتتكلف بالأمر وده عرض حصري جدًا مش لأي حد ....أظن لو رفضتي تبقي بتأكدي ظنوني !
تاهت ليلى في حيرة كبيرة ....ليس لشيء سوى أنها تريد بالفعل أن تبعد عنه الخطر...أن بقيت هنا سيظل الماضي يتردد أمام عينيها حتى لم تستطع ألا تخبره بكل شيء .....وماذا بعد الأعتراف ؟
كثيرًا من الحب ....كثيرًا من الأمال والحلام التي ستتحقق امام عينيها ....وكثيرًا من الخطر والخوف بكل لحظة ستمر !! وربما تضع بطريق النهاية لحياته غدرًا ...
قالت جيهان بمكر وهي ترها تفكر :
_ هسيبك تفكري يا ليلى براحتك ....بس صدقيني أنا مش هسيب حد يبعدني عنه ...ومصلحتك أنك ماتتحدانيش ..... وبأكدلك تاني ...أنا مش وحشة أو شريرة ...انا بحافظ على بيتي وأظن من حقي !! ....وأنتِ اللي بتحاولي تخربي البيت ده ....لو ده حصل عمري ما هسامحك .....
التمعت عين جيهان بدمعة كتمتها ثم تركتها وغادرت ......فأمتلأت عين ليلى بالألم ....يكفي ما تعانيه ... سيكن الأمر شاق أن انعكس شعورها بالظلم إلى ظالمة ...!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وبالطريق إلى القرية الريفية .....
اسرعت الحافلة التي تحمل الفريق الطبي في الطريق ..... جلس جاسر بجانب النافذة وشرد قليلٌا ..... رمقه آسر بنظرة سريعة وهو جالس بجانبه وتساءل :
_ سرحان كده ليه يا جاسر ؟ ....أنت لسه مضايق من حكاية القافلة برضو ؟! ....يا عم هنتعود وبصراحة جو الريف أصلًا يجنن ...هينسيك زعلك وممكن جدًا تغير رأيك كمان .....
نفى جاسر الأمر وفسر سبب ضيقه :
_ مش موضوع قافلة ولا ده سبب كافي يضايقني اساسا..... عمي مش مبسوط بجوازته يا آسر ! ....من امبارح وأنا بسأل نفسي هو ليه رجع لطليقته طالما اصلًا مش بيحبها !! ..... أنا بضايق لما بشوفه كده ....
تنهد آسر وقال موافقا رأيه :
_ عندك حق ...أنا فعلًا حسيت بكده بس مش في إيدينا حاجة ....أتمنى أني أشوفه فرحان بجد من قلبه قريب .... بس أنا مقتنع تمامًا أن السعادة الحقيقية هي اللي بنصنعها لنفسنا ....مش بظهور حد في حياتنا !
رفض جاسر الأمر وقال ببعض الشرود :
_ لأ...أنا مقتنع أن الانسان مش بيفرح بجد غير لما يلاقي نصه التاني اللي بيكمله .... أحنا محتاجين نحب ونتحب ....محتاجين حد جنبنا يبقى عنده استعداد يكون السند لو وقعنا ....
شرد آسر في قصة حبه أيام الجامعة...قصة تتكرر كثيرًا بين الطلاب .... شاب خجول يحب فتاة ويحاول الأقتراب منها بحذر ...ولكنها أخيرًا تختار بسعادة من ينشر نظرات الأعجاب لجميع الفتيات حوله .... كأن قلبه للجميع !
قال بغصة حارقة مرت بحلقه :
_ الحب !! ..... مش دايما نظرتنا بتبقى صادقة في بعض الناس .... اسوأ شيء لما نختار غلط ...ونحاول نقنع نفسنا أنه صح ...!!
نظر له جاسر ولمح نظرة عينيه الحزينة وقال :
_ أنت لسه فاكرها ؟!
رد آسر بصدق :
_ مش فاكرها هي تحديدًا .....بس بيبقى شيء صعب أنك تتعاقب عشان كنت محترم وبتحب بصدق !
عشان حبيت ومالفتش وعملت حوارات !
عشان كنت عايز أحبها براحتي بس بالحلال !
قال جاسر بتأكيد :
_ اللي تكره الحلال ....تستحق الحرام !
يعني هي معجبهاش أنك محترم ! ....بس كسبت إيه من ابو عين زايغة ؟ ....ما هي اتطلقت يا آسر !!
غير آسر دفة الحديث وقال :
_ أنت جبت السيرة ....بما أنك شايف أن ابو عين زايغة نهايته سودة كده ....ليه بتعرف بنات كتيرة كده ؟! ده غلط !
أجاب جاسر موافقا :
_ بصراحة عارف أنه غلط ....صدقني حاولت أبقى ملتزم بس مش بعرف ! ....أنا علاقتي بيهم مجرد خروجات بسيطة مش اللي في دماغك والله بس بقيت بحس أن البنات كلها بنت واحدة !! ....بنت شايفة واحد حلو وأمور وغني ...بتجري وراه وشيفاه كنز علي بابا اللي هيحققلها أحلامها !!
شرد جاسر بابتسامة وقال :
_ تعرف أنا نفسي بجد الاقي بنت أبقى متأكد أني لو فقدت كل شيء هتفضل تحبني بنفس الدرجة.....ابص في وشها ارتاح كده وأحس أني مش عايز حاجة تاني من الدنيا !!
في ظل حديثه وقع على كتف جاسر قطعة من "الخيار المخلل" فقطبت ملامحه ونظر للأعلى فوجد يوسف يستند على رأس المقعدين ويبدو أنه كان بستمع للحوار بأنسجام وهو يأكل من "ساندوتش الفول "
أشار لهم يوسف وقال وهو يحرك فمه بالطعام:
_ كملوا ....كملوا ...انتوا مسليين جدًا ...
أشار له جاسر بقبضته بتهديد وقال وشيء من المرح يمر بعينيه :
_ هتقعد ولا ؟!
جلس يوسف على مقعده ثانيةً دون نقاش.....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في القرية الريفية.....
وسط الحقول والمراعي ...يوجد فرن لطهي الخبز مصنوع من الطين الأسود مخلوط بـ قشرة نبات القمح "التبن" .... يتوسطه لوح من معدن الحديد يوقد أسفل اللوح الأخشاب وقش الأرز والروث الجاف للماشية ...
غذت سما الفرن بفروع الأشجار الخشبية فتعالت السنة الدخان منه ....قالت وهي جالسة أمامه على قالب من الطوب الأبيض يديها تفرد عجين "الفطير" على صينية فضية واسعة :
_ الحمد لله أن الجو رايق النهاردة من الشتا وعرفنا نقعد قدام الفرن يابت يا حميدة ...
رققت حميدة بين يديها خبز الفطير لتصبح دائرة واسعة وقالت وهي تبتسم بابتسامة واسعة :
_ والله الواد نعناعة كان نفسه في الفطير بقاله شهر .... يلا بالهنا والشفا على قلبه ..... ونخلص بقى عشان ورانا غسيل ياختي ....
ضحكت سما بمرح ثم تساءلت بعد قليل :
_ هي جميلة ورضوى فين ؟! اختفوا فجأة !!
ردت حميدة عليها وهي ترمي ما بيدها على الصينية الفضية لتشير بها لسما حتى تدسها بالفرن لتنضج:
_ قالتلي الصبح أنها رايحة تجيب التموين من عند عمك حامد في أول البلد .....زمانتها في الطريق ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بهذا اليوم كانت عنايات تطوف بغرف الطابق بالمشفى طوفا ....وعينيها على ليلى كأنها تنتظر أن تشاهد اي شيء خطأ لتعلق عليه ..... لاحظت ليلى ذلك ولكن عرض جيهان كان يشغل تفكيرها ...... اقتربت منها بثينة وهي تجلس بجانبها بوقت الراحة في منتصف اليوم :
_ عنايات النهاردة ناوية جزا شكلها كده !! خلي بالك يا ليلى وتجنبيها خالص....
تعجبت ليلى وطرحت سؤال شغلها تفكيرها كثيرًا :
_ هي ليه عنايات بتعاملني كده رغم أنها عارفة أن دكتور وجيه هو اللي شغلني ؟! .....يعني بما أنه ليه نسبة في المستشفى وكده ؟!
ابتسمت بثينة وقالت بسخرية :
_ عنايات تبع مدام جيهان .... هي اللي شغلتها ....يعني زي ما دكتور وجيه محدش يقدر يكلمه ...هي كمان محدش يقدر يكلم حد هي شغلته .... عشان كده عنايات متفرعنة....وحاسة أنها خايفة تاخدي مكانها ....بالذات أنك خريجة كلية وتعليمك عالي ....ابعدي عنها يا ليلى دي مؤذية...
تنهدت ليلى وهي تفكر جديًا بعرض جيهان ....يبدو أن القادم ليس سهلًا.....لما طريقها كله يملأه الشوك بهذا الشكل !!
كلما ذهبت ...وكلما وطأت قدميها في أي مكان .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقفت الحافلة في مقدمة دخول البلدة الريفية وترجل منها الفريق الطبي ...... وقف أحد عاملي الوحدة البيطرية امام الحافلة وقال :
_ معلش يا دكاترة....الوحدة الصحية غرقانة من الشتا ....هنخلي الخيمة في مبنى الوحدة البيطرية عشان صرفها اتصلح السنة اللي فاتت وكانت غرقانة برضو.... على ما نصلح الصرف بس ونجهز الوحدة بكل شيء .....
لم يكن الأمر بالفارق الشديد مع الاطباء فالأهم أداء واجبهم أينما كانوا .....ولأن مظاهر الريف مستوطنة في كل شيء .....
سأل أحد الأطباء وهو يحمل حقيبته :
_ طب الوحدة البيطرية فين ؟!
أشار العامل لمكان قريب على يساره وقال :
_ اللي هناك دي يا دكتور .....تعالى اما أوصلكم لهناك .....
اتجه الأطباء للخيم الكبيرة التي كانت تضم أجهزة طبية نظيفة معقمة بشكل مقبول .... دخل جاسر أحد الخيم وتبعه آسر ...القوا نظرة رضا عن المكان وقال جاسر :
_ احسن مما توقعت .... بس الشتا برضو ممكن يطولنا هنا ولا ايه ؟
رد عليه احد العمال بالمكان وأشار لسقف خرساني أعلى الخيم وقال :
_ لأ الشتا مش هيطولكم لأن الاستراحة دي سقفها صبة خرسان ....حطينا بس الخيم عشان الترابة والساقعة ....كام يوم وهنضبط كل حاجة بأذن الله .....
اجاب العامل أيضا على عدة اسئلة ثم تركهم ودخل المبنى الجانبي يباشر عمله .....دخل رعد على الخيمة الذي اختارها جاسر وآسر وقال بغيظ :
_ نفسي أعرف هشتغل هنا إيه ؟!
سمعه يوسف وهو يبتلع مشروب "الكوكاولا" وأجاب :
_ اكيد هتلاقي حاجة تضيع وقتك بيها ...انت بصراحة مالكش لازمة هنا ..
كاد يلكمه رعد بغيظ فأوقفه يوسف بضحكة :
_ أقضد تخصصك يعني ....يابني الناس هنا بسيطة وعلى الطبيعة والفطرة أوي ...مش هتلاقي هنا مرضى نفسيين .... شامم ريحة الخبيز تحفة أزاي ! ....حاجة منعشة جدًا
ابتسم جاسر بمرح وقال :
_ همك دايمًا على بطنك !
وكز يوسف بمشاكسة ثم اه لفاتحة الخيمة ليخرج فسأله يوسف :
_ رايح فين ؟!
أجاب جاسر وهو ينظر لاتجاهات كثيرة :
_ عايز اكتشف المكان ....هتمشى شوية في الأراضي الزراعية دي ....
وافقة يوسف قائلًا بحماس:
_ استنى هاجي معاك ....
هتف جاسر باعتراض:
_ لأ ...عايز اتمشى لوحدي ماتبقاش غتت بقى !!
عبس وجه يوسف وقال لنفسه بتمتمة:
_ أنت اللي غتت...!
أخذ آسر يتفحص الاجهزة المرتبة بنظام ودقة وتحدث مع رعد في بعض الأشياء.....تسلل يوسف من بينهنا وخرج أيضا ليستكشف البلدة التي ورغم بساطتها ولكن كأنها تحمل عبق الأصالة وبعث الراحة للنفس .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
خرجت جميلة ورضوى من "دكانة" العم حامد موزع التموين بالبلدة ...تشاركا الأحاديث والضحكات وهم يسيرون بالطريق ويحملون صندوق ورقي به علب الزيت وأكياس السكر والشاي...مرا الفتاتان بجانب الترعة التي تبسط على طول المراعي والحقول الواسعة الخضراء ....أشارت رضوى لأحد الاراضي وقالت :
_ جوافة عمك ابو الحسن زي السكر يا جميلة ...نفسي هفاني عليها .... هو هناك اهو في أرضه ...تعالي نستأذن منه ونقطف لنا شوية ....
ضحكت جميلة بعفوية وقالت :
_ والله الراجل ده طيب أوي...المرة اللي فاتت قال للبت سمكة تيجي تاخد اللي عايزاه في أي وقت ومن غير ما نستأذن منه ....بس تعالي نقوله برضو ...
بعد خطوتين تعثرت قدم جميلة والتوى كاحلها بثرى الأرض الموحل ....تألمت بشدة وهي تنحني وتمسد كاحلها بألم وتوترت رضوى لحالتها .....قالت بقلق :
_ سلامتك يا جميلة...هتعرفي تمشي عليها ولا اجري على البيت اجيب الواد نعناعة ....
وقفت جميلة وهي تحرك قدميها قليلا وتحاول أن تتحرك ...استطاعت بعض الشيء فقالت لرضوى :
_ خدي التموين وروحي أنتِ....أنا هروح لعمك ابو الحسن وهخليه يقطفلي جوافة ...شوية ووجع رجلي هيروح ما تتوغوشيش عليا...
ترددت رضوى ولكنها انصاعت للأمر بالأخير وذهبت .....
تحركت جميلة اتجاه الأرض الزراعية التي يلتف أسوارها بأشجار الجوافة والموز والكافور العالي.....استأذنت صاحب الأرض ورحب الرجل بطيبة ولكنه لم يلحظ وهن قدميها وغادر عائدًا لمنزله جالسا على عربة خشبية يجرها حمارًا أبيض....
نظرت جميلة للشجرة القصيرة التي لولا الم قدميها لكانت استطاعت تسلقها بسهولة .....وقفت تنظر للأعلى في ضيق وحيرة ....وكلما حاولت الوقوف على أطراف أصابعها للتسلق يشتد الألم بها .....
كررت المحاولة واستطاعت بعد محاولات عدة أن تجلس على أقرب فرع وجذب ثمار الجوافة الناضجة منها
وريقاتها .....
جمعت الكثير من الثمار والقته للأسفل على نبات "البرسيم " المنتشر بالأرض الزراعية ثم عادت حيرتها الأولى ....كيف ستهبط !
أخذت قرارها بأن تدفع نفسها على الأرض وفعلت ذلك .....سقطت بين نبات البرسيم وهي تتأوه بألم عندما خدشت قدميها بجروح أخرى !
جلست على الأرض ورفعت عبائتها السوداء لتكشف عن نصف قدميها وتكتشف الجروح ....نظرت حولها جيدًا قبل ذلك ولم تلمح أحدًا .....تأوهت بألم مرة أخرى وهي تلمس الخدوش بساقيها .....
سار جاسر بالطريق الحقول وهو يحرك هاتفه بغيظ ويحاول ايجاد شبكة اتصال لا سلكية ...ولكن الشبكة كانت ضعيفة جدًا بالحقول ..... زفر بغيظ حتى استمع لصوت آنين يصدر من الأرض الذي يسير من أمامها الآن وعلى يساره ......
تقدم للصوت حتى لاحظ أنه يصدر من اتجاه شجرة الجوافة فأقترب لها بحذر ......
فغر فاه وهو يرى ساق يظهر منها ما يقرب الربع متر ورغم ذلك تبدو صاحبتها فتاة يافعة ...صبية ....
اقترب والابتسامة الماكرة تظهر على شفتيه ببطء ......
لم تره جميلة الا عندما وجدت رجل يأتي فجاة وكأنه أتى من المجهول !
اتسعت عينيها بذهول بالمحدق فيها بدهشة وكانه رأى شبحا !!
كان اطراف شعرها الأسود ظاهرة من الحجاب الذي ارتخى تحكمه بعد السقوط من الشجرة .....ورغم بساطة المشهد ولكن أخذه ووقف ناظرا لعينيها بثبات وصمت ....ثم قال :
_ الريف جميل جميل جميل .... جامد
انتفضت جميلة واقفة وهي تعدل ملابسها وحجابها بعصبية :
_ أنت مين يا بغل أنت ؟!
اطرف عينيه عليها بدهشة ...لم يستطع أن يصدق أنها تشتمه هكذا فقال مشيرا لنفسه ليتأكد :
_ أنتِ بتشتميني أنا.... ؟!
أخذ منها العصبية أن تدفعه بالترعة التي تمد الأرض الشرقى بالماء وتروي ظمأها .....وصاحت :
_ عشان تبقى تبحلق في الحريم يا قليل الرباية ....أنت مش من بلدنا ولو كنت من بلدنا كانوا قطعوا راسك يا مدفوس الراس أنت ...
لم يصدق جاسر أنه يسبح بمياه الترعة الممزوجة بالثرى وهو من كان يسبح بمياه المسبح النظيفة في استمتاع ....رشها بالمياه وهو يصيح بعصبية وتوعد :
_ لو أنتِ فعلًا اد كلامك استنيني لما اطلع ...وبعدين أنا مدفوس الراس ؟! يعني ايه مدفوس دي أصلًا !
جمعت جميلة الثمار سريعا وتعجبت أن قدميها خف وجعها بعض الشيء..... كاد جاسر ان يخرج فألقت عليه ثمرة جوافة وقالت ضاحكة :
_ أغرق تاني يا مدفوس ....
اسرعت من الأرض وهي تكتم ضحكتها ...ولكن تحديقه لقدميها العارية جعلها تغضب لهذا الحد......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقفت سما أمام الفرن وهي تنفض ملابسها ثم قالت لحميدة :
_ هسبقك على الدار بقى يا حميدة عايزة اتشطف واروح أشوف الواد مهند صالح نور أزاي ..... ده وقعها على السلم المعفن ! ....بس رومانسي .... المسلسل شكله عواطفي أوي
ضحكت حميدة بصوتٍ عالِ وقالت :
_ طب روحي وأنا هطفي الفرن وأجيب الفطير والحقك ....
غادرت سما وتركت حميدة تطفئ نيران الفرن ثم وبعد دقائق لاحظت حميدة نقص في عدد الفطائر ....احتارت بالأمر ولكنها اعتقدت أن شقيقتها لربما أخذت واحدة لتأكلها بالمنزل حتى وقت العشاء ......
استدارت للفرن مرةً أخرى وتأكدت من اطفاء نيرانه وكادت أن تستدير حتى لاحظت أن الفطائر نقصت بشكل ملحوظ ....
سمت باسم الله في خوف وهي تنظر حولها ....وركزت بصرها بدقة رغم خوفها الشديد حتى رأت يد تمتد من ثقب واسع أسفل العشة الملحق بها الفرن ...
ضمت حميدة يديها بغيظ وانقضت على اليد المليئة بالشعيرات السوداء ليأتي وجه يوسف من الثقب الواسع ....
نظرا لبعضهما في دقيقة صامته ....ابتسم يوسف معتذرا وقال :
_ بصراحة كان نفسي في فطير من زمان أوي...أسف والله .....ممكن أعرف تمنه كام ؟
شعرت حميدة بابتسامة اتت فجأة على شفتيها فأخفتها سريعا وتظاهرت بالقوة وهي تترك يده .....دلف يوسف للعشة وقال بابتسامة معتذرة:
_ أنا مش حرامي والله ...صدقيني.....
تعجبت حميدة من مظهره الذي لا يبدو عليه أي فقر أو حرمان حتى يسرق الفطائر !! ...قالت ببعض اللوم :
_ شكلك غريب عن البلد ....لو كنت قولتلي كنت اديتك اللي يكفيك وزيادة ومن غير فلوس .... ولا أنت مجربتش كرم الفلاحين ؟!
قال يوسف بابتسامة وهو يبتلع ما بفمه :
_ تسلم ايدك ....بصراحة الفطير يجنن .... مش هعرف أنسى طعمه بسهولة ....
ابتسمت حميدة بحياء ثم انحنت وسحبت أثنين من الفطائر الكبيرة وقالت له :
_ بالهنا والشفا ......
ود يوسف أن يضمها حتى على هذه الهدية الثمينة بنظره ....قال بشكر وامتنان :
_ تسلمي....بصي يا ......
لم تجب حميدة وتخضب وجهها بالخجل فتابع يوسف غير مكترث وقال :
_ أنا من ضمن القافلة الطبية اللي جت...لو احتاجتي أي استشارة أنا موجود .....
قالت بتساءل وهي حقا لا تعرف أمر القافلة:
_ قافلة ..؟ .....فين القافلة دي ؟!
أجاب يوسف وهو يقطع قطعة من الفطير:
_ في الوحدة البيطرية .....
اتسعت عين حميدة بصدمة وتلونت عينيها بالغضب ودفعته بعصبية .....ثم حملت صينية الفطائر وذهبت بنظرة غاضبة منفعلة منه ......
لم يفهم يوسف لما غضبت ولما دفعته ولما تغير هدوئها إلى الغضب !!.......احتار ثم ابتسم وهو ينظر للفطائر بيده !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
________________
أين النكد 💔😔
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الحادي_عشر .....
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... رحيل وغضب العاشق...~
تابعت ليلى عملها ....وهي تائهة بعض الشيء ....تفكر جديًا باقتراح جيهان .... طالما كانت هنا سيحاوطه ويحاوطها الخطر ....
لتجد خطوات تقترب إليها ...رفعت رأسها ووجدت عنايات تقف بالقرب منها ....تنظر لها بنظرة فيها لمحة تهديد وعداوة واضحة ...!
كأنها تضمر شيء وتنوي عليه !
قالت عنايات بصوتٍ عال:
_ أنتِ بطيئة في الشغل كده ليــه ؟! ما تخلصي بسرعة ياختي !!
كتمت ليلى رد غاضب .... ليس وقت أن تفتعل المشاكل وهي في غنى عنها ......قالت وهي تتابع عملها واسرعت يديها بشكل واضح :
_ بخلص ...
غضبت عنايات من البرود والهدوء التي تستخدمه ليلى في الرد ....فكان أكثر استفزاز من أي رد منفعل !
ابتعدت قليلًا وهي تتمتم ويبدو أنها تلفظ الشتائم !!
نظرت لها ليلى بتعجب !! ....وشعرت أن موقف عنايات خلفه شيء !
وتذكرت ملاحظة بثينة بأن خلف عمل عنايات بالمشفى "جيهان" .....لربما كانت الرؤية واضحة الآن أمامها بعداوة تلك المرأة دون سبب مقنع !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عاد يوسف للوحدة البيطرية ...وبيده الفطائر الذي التهم منها ما يقرب نصفها .....وفي خاطره يتسأل عن الموقف الغاضب لتلك الفتاة المجهولة .... التي يحاول يتذكر متى رآها ....!
وجهها مألوف إليه لدرجة كبيرة !!
فوجد رعد وآسر على حالهما في الخيمة ....يتجاذبون أطراف الحديث .... تعجبا من ما بيد يوسف ...!
ولم يتعجبا بنفس الوقت ..!
اقترب يوسف منهما ووضع الفطائر على طاولة خشبية امامهما وقال بابتسامة مرحة :
_ جبتلكم فطير أنما إيه .....حاجة كده هتاكلوا صوابعكم وراها .....
مد رعد يده بشهية للفطير الطازج ...اللامع بالسمن البلدي...ورائحته النفاذة اللذيذة التي تؤكد على أن جودته عالية .....اخذ قطعة صغيرة تملأ فمه ومضغها في نهم .....هز رأسه بابتسامة واعجاب ثم قال :
_ فعلًا جميل أوي .....بس جبته منين ؟!
جلس يوسف أمام الطاولة وهو يتابع أكل الفطير وروى لهما ما حدث .....قال آسر بعتاب :
_ أنت مش هتبطل تضعف بالشكل ده قدام الأكل ؟! ....ده مرض !
يعني هتبقى مبسوط لما يتقال عليك حرامي في مرة ؟!
قطب وجه يوسف في عبوس كالطفل المعاقب ....ثم قال بشيء من الندم :
_ كان نفسي في الفطير من زمان ....أنا أول مرة اعمل كده ...على طول بستأذن ....بس البنت دي مش عارف ليه حسيت أني أعرفها ....كأني شوفتها قبل كده !
كأن بينا عشم والله ...لكن أنا مش باخد حاجة من غير اذن صاحبها .... وعموما أنا اعتذرت ليها وهي قبلت وادتني فطرتين كمان وهي مبتسمة كده ....بس مش عارف ليه اتبدلت في ثانية !!
عاد رعد لمرحه بعدما فهم يوسف .....نظر لآسر الذي كتم ابتسامته هو أيضاً ويبدو أنه فهم سبب غضب الفتاة ......فقال آسر له بضحكة :
_ مش عارف ياغبي ؟! ...... يعني فهمتها أنك دكتور في الوحدة البيطرية وعرضت عليها اقتراح استشارة وعايزها ما تزعلش ؟!
اكيد افتكرت أنها حمارة ولا معزة ....
انخرطا آسر ورعد في موجة من الضحك واتسعت عين يوسف في دهشة .... ثم قال وهو ينهض بقوة :
_ صح ممكن تكون افتكرت كده ....بس أنا مش أقصد والله ....
تابع بنظرة ضيق :
_ لو شوفتها تاني هعتذرلها ....كانت لطيفة وكريمة معايا أوي بصراحة .....
جلس مرةً أخرى وقال مبتسما وهو يتذكر :
_ صدفة غريبة ....بس جميلة .....اتمنى تتكرر تاني ....
قال رعد مبتسما بغمزة ماكرة :
_ هي السنارة غمزت ولا إيه يا چو ..؟! من أولها كده يا واقع !
اعترض آسر على حديث رعد وقال :
_ سنارة إيه وغمزت إيه يا أبني ؟! ...هو لحق ؟! وبعدين دي بنت بسيطة يعني و.....
قاطعه يوسف بمقت وقال :
_ هو اكيد رعد مكبر الموضوع بس يعني يا آسر كلامك أنت الغريب .....هو يعني البنات هنا مايتحبوش ولا إيه ؟! ولا هتعمل زي جدك ؟!
صحح آسر رأيه وقال :
_ مش أقصد اللي فهمته .... بس مجرد رأي يا يوسف .... أنا عارف أنك مش بتفكر كتير في الفوارق ..... بس مهم تفكر ..... ده الواقع...
قال يوسف مبتسما بسخرية وقال :
_ أنت كبرت الموضوع اوي كده ليه يا أبني أنت ؟! .....أنت حسستني أني قولتلكم أني بحبها وعايز اتجوزها ؟!
عاد رعد بظهره للمقعد وقال لهما الأثنان بمكر :
_ تعرفوا بقى .....أنا مش بفكر في فوارق خالص .....أنا يوم ما اتجوز واحدة .....هختار واحدة تجنني ..... تطير النوم من عيني .....اخوكم عاقل ...عاقل ...عاقل ...ومحتاج شوية جنان ....
نظر آسر له بضحكة ساخرة :
_ اتجوز واحدة من مستشفى المجانين ...وبالمرة تجرب فيها ابحاثك في الطب النفسي ....
رد يوسف بابتسامة شاردة :
_ يابني هو الجواز ده صفقة تجارية ؟! ......الجواز يعني انسانة تكملك وتلاقي منها الطبطبة والحنية ...... ويا حبذا لو طباخة هايلة ..... ده هتاخد قلبي وأبراج عقلي كمان ....
تنهد آسر بسخرية وهو ينظر لهما ورد عليهما :
_ انتوا خياليين بزيادة يا شباب .....بصوا لأرض الواقع شوية.....
وبعدين ما احنا حبينا خدنا إيه يعني ؟!
تبدلت نظرة آسر للألم فقال رعد بغيظ :
_ أنت اللي اخترت غلط ...وغلطك الأكبر أن التجربة دي أثرت على نظرتك كلها !! ....اكيد التكافؤ لازم يبقى موجود بين الزوجين بس يعني يا آسر لو قابلت بنت بسيطة واعجبت بيها وقدرت تشدك .... لقيت فيها نصك التاني ....حسيت أنها ينفع تكون ام ولادك ....هتسيبها عشان أقل منك في الشهادات أو مش من عيلة غنية ؟! .......
تابع بسخرية :
_ يبقى كده الفقير يتجوز الفقيرة والغني يتجوز الغنية .....يخلفوا جيل أسياد وعبيد .....الحياة ابسط من كده بكتير والله... والزوجة الصالحة دي بالدنيا ...
وافقة يوسف بينما آسر يبدو كأنه لم يقتنع بحديثهما .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في الأرض الزراعية .....
خلع جاسر ملابسه المبتلة من ماء الترعة وفردها على أفرع أحدى الأشجار وهو يتلفظ الشتائم بغيظ .....لفحه البرد وقرص جسده فبدأ في موجة من العطاس ...... لا يستطع العودة إلى زملائه بالفريق هكذا ولا السير بين سكان القرية بهذه الملابس التي تعتصر ماء ...!
قال وهو يرتعش جسده من البرد :
_ بقى أنا يتعمل فيا كده ....بنت ال.....ماشي ....لو وقعت في ايدي تاني مش ......
انتبه جاسر لصوت رجل صادر من الطريق ....التفت له فوجده رجل يبدو أنه تخطى الخمسين من العمر...يرتدي جلباب أبيض وعليه عباءة رجالية سوداء تشبه الروب .....وبيده عصاه يتوكأ عليها .....قال العمدة "عبد السميع " بتساؤل:
_ أنت مين يا أبني ومالك عامل كده ؟!
لاحظ الرجل ذلك الشاب العاري الصدر والذي يفرد ملابس على فروع الأشجار ....شكله غريب عن شباب القرية .....رد جاسر وهو يضغط على أسنانه من البرد :
_ أنا دكتور وصلت النهاردة ضمن القافلة الطبية ....
تعثر في قول الحقيقة ...وبدأ عليه أنه ينتقي الكلمات فتابع :
_ اتزحلقت ووقعت في الترعة دي وهدومي غرقت .... قلعتها ومستنيها تنشف .....
نظر العمدة إليه في نظرة غامضة وسأله :
_ أنت اسمك إيه ؟!
أجاب جاسر :
_ اسمي جاسر الزيان .....
تأكد العمة من ظنه ...ابتسم وهو يهز رأسه وقال كأنه يمزح :
_ الجو مغيم وكله شتا ....هتفضل مستني الهدوم تنشف كتير معلش ......تعالى معايا البيت احسن ...نتغدا وأخلي أهل البيت يغسلوها وينشفوها ......
بدا العرض مرضيا لجاسر ...خصوصا أنه يحتاج اليه بالفعل .....ولكنه نظر للملابس واحتار مجددًا كيف يسير وهو عاري الصدر هكذا ...فهم الرجل حيرته وعرض عليه عباءته السوداء وقال وهو يخلعها من على كتفيه:
_ البس دي احسن ما تاخد برد يا دكتور .....
لملم جاسر ملابس واتجه ناحية الرجل ...شكره بامتنان وهو يرتدي العباءة على صدره العاري ....كتم الرجل الكبير ضحكة لأن ليس المعتاد أن احد يرتدي هذا النوع من العباءة دون جلباب ولكن ليس بالأمر وسيلة أخرى ......
شعر جاسر أن مظهره مضحك ولكنه التمس منها الدفء فتجنب مظهره الغريب وسار بجانب الرجل الذي أتى إليه كالنجدة ..... واتجه بشدقِ القرية المؤدي لمنزل العمدة....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في حظيرة بمنزل العمدة ....جلس صبي في الخامسة عشر من عمره على حاجز طعام للماشية يسمى "طوالة" ..... قال وهو ينظر لعينيه واسعة جدًا ...نظرته بها محبة فائقة وقال :
_ عارفة يا سكرة .....كلهم عايزيني أبيعك ... بس أنا ممكن ابيع البت سمكة بذات نفسيها ولا أبيعك يا لهطة القشطة أنتِ .....
أطرفت ذات العينين الواسعة عدة مرات وهي تنظر له ...ربت نعناعة على رأسها بحنان وقال:
_ كلها أيام وتولدي ....و....
قاطعه صوت خوار حاد ....ثم أتت سما على باب الحظيرة وهي تتحدث بغيظ :
_ واد يا نعناعة؟! .....أنت هتفضل تكلم في الجاموسة دي كتير ؟! بتحب جاموسة يا منيل ؟!
ربت نعناعة على رقبة الجاموسة الذي اطلق عليها اسم "سكرة" وقال بزهو:
_ وما أحبهاش ليه يابت ؟! دي بتخلف في السنة مرتين وساعات تلاته... بتجبلنا قشطة وجبنة مغرقة الدار وطول النهار تلهطي فيهم لما بقيتي شبه الكرنبة ....
حملت سما عقدة من البرسيم كانت من ضمن عقد كثيرة بجانب الحائط ودفعتها بوجه أبن عمها الذي يصغرها بسنواتٍ كثيرة وقالت بغيظ :
_ أنا شبه الكرنبة يا زرع البصل .....هم على المندرة أبويا العمدة بينادي عليك .... شكل معاه حد غريب....
تأفف نعناعة وقال بعصبية :
_ معرفش اقعد أنا وسكرة لوحدينا شوية يعني ؟! ..... القصد......قوليله جاي ....
غادرت سما الحظيرة بخطوات سريعة لتخبر خالها العمدة ......بينما نظر نعناعة للماشية التي تحرك فمها الواسع بالطعام وقال لها برقة :
_ ولا يهمك منها يا حبيبتي ...دي بقرة ....أنما أنت ؟ِ...أنتِ جاموسة !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وضع ملابسه المبتلة على "طبلية" خشبية تتوسط المكان ثم جلس جاسر بالمندرة على أريكة مقلمة من قماش التنجيد التقليدي ....وقال له الرجل :
_ بأذن الله انت وزمايلك معزومين عندي بكرة ....كده كده كنت محضر العزومة ومرتب كل شيء ...زمان الخبر وصلهم كمان دلوقتي في الوحدة ......
تعجب جاسر من الرجل .... حتى دلف الصبي نعناعة وقال :
_ نعم يا بويا العمدة ...
فهم جاسر الأمر ...إذن هذا الرجل يكون عمدة البلد ....اتضح الأمر الآن ...ليس بالغريب أن يجتمع بهم بترحيب .....
قال الرجل معنفا ابنه :
_ سلم على ضيفك الأول يا غبي !!
نظر نعناعة لجاسر الذي يرتدي عباءة سوداء على لحم صدره العاري الظاهر من ياقة العباءة ....كتم ضحكته واقترب له قائلًا :
_ شرفت وأنست ....
اغتاظ جاسر من ضحكة نعناعة ورد عليه من بين أسنانه ...قال نعنناعة وفلتت منه ضحكة خفيضة الصوت :
_ أنت لابس العباية على اللحم كده ليه ؟! ...... أنت زعلانة من حاجة ؟!
أصر جاسر على أسنانه بعصبية ليتحكم ويتجنب سخرية الصبي ...والأكثر سخرية انه بالفعل يضيق مما فعلته الفتاة الريفية به ...آه لو كانت أمامه الآن ؟!
مرت الخاطرة بعقله في غيظ .....
قال العمدة له في أمر :
_ شيل الهدوم دي وخلي أخواتك ينضفوها وينشفوها ....بسرعة خف رجلك ....
أخذ الولد الملابس المبتلة مطيعا أمر والده ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقفت جميلة مع حميدة بمطبخ منزل خالها العمدة ....وشردت كلًا منهما بخواطرها ..... ضغطت جميلة على زر الخلاط الكهربائي وهي تُعد عصير الجوافة الطازج ....ثم تذكرت سقوط الشاب الوسيم بالترعة وضحكت رغما عنها .....
انتبهت لها حميدة وخرجت من شرودها متسائلة :
_ بتضحكي على إيه يا جميلة ؟!
ارتفعت ضحكات جميلة أكثر ثم قالت :
_ هبقى احكيلك بعدين لما نخلص العصير وابعته المندرة ....على ما نحضر الغدا كمان ..... بس مين هو الضيف اللي مع خالك ؟!
أجابت حميدة دون دراية بالأمر وبلا اكتراث :
_ مش عارفة ....بس عادي يعني ما ضيوف خالك كتير ...أنتِ ناسية انه العمدة ؟!
قالت جميلة :
_ عندك حق ..... هخلص اللي في ايدي واجي اساعدك في الغدا ....
صبت جميلة العصير الطازج في كوبين كبيرين من الزجاج وأرسلته مع أبن خالها الذي كان متوجهًا وبيده لفافة من الملابس المبتلة متوجها اليهم ....
أتت سما بنفس اللحظة متسائلة عن الضيف فقال لها نعناعة بعجالة :
_ خدي الهدوم دي اغسليها ونشريها يابت ....وانا هاخد العصير ده اوديه للضيف .....
أخذت سما منه الملابس ومرت سريعا مبتعدة ....وقد أخذ نعناعة صينية العصير من يد جميلة التي نظرت للملابس بشك ....!
حاولت التذكر .....والوان الملابس وهي مبتلة تبدو الوانها أغمق من وهي جافة .....تمنت أن يكن شكها بغير محله والا ستتعرض لموقف محرج أمام خالها حتى وأن كان معها الحق ......
بعدت الفكرة عن رأسها ...فكيف سيعرف ذلك الشاب أنها تقرب لعمدة القرية ؟!! ....بالتأكيد ضيف آخر ...هكذا اقنعت نفسها وهي تعود للمطبخ ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وفي المنـــدرة ......
تحدث العمدة مع جاسر بعض الأحاديث ثم قال بمكر :
_ أنت قولتلي أن اسمك جاسر الزيان صح ؟
هز جاسر رأسه بالإيجاب .....تابع الرجل قائلًا بشيء من التحذير :
_ طب نصيحة ليك يا أبني ...ده زي أبني برضو ....ما تقوليش اسم عيلتك لحد من البلد ....خالص ...
اكد العمدة حديثه بنظرة مؤكدة ....تفاجئ جاسر من قوله وتساءل بدهشة :
_ ليــه ؟!
كان رد العمدة اجابة مفبركة وليست حقيقية ..اضطر على قولها :
_ أصل كان عندنا واحد هنا من نفس الاسم ده...وكان مكروه والناس مشته من البلد ...مش لازم اقول تفاصيل يعني ربنا ستار حليم .....ولكن اسم عيلته شبيه لاسم عيلتك ....تشابه اسماء يعني ....خلي بالك عشان مايفتكروش أنك قريبه ولا حاجة ....
ضيق جاسر عينيه بضيق ....لم يعتاد قول اسمه غير هكذا ....ولكن يبدو أن العمدة لم يحذر هباءً..... ويبدو أن الأمر الذي أخفاه عن الرجل المطرود من القرية خطير.... هز رأسه بالإيجاب وقال :
_ خلاص مافيش مشكلة .....في كل الأحوال احنا مش هنستمر هنا ....يعني مدة القافلة ونمشي ....نقضيها بهدوء ومن غير مشاكل أفضل .....
أتى نعناعة بصينية العصير الطازج ووضعه أمام الضيف ....نظر جاسر بغيظ لعصير الجوافة الذي اتضح من رائحته ....وتذكر تلك الفتاة قاطفة الثمار .....ثمار الجوافة !
قال العمدة بترحاب :
_ اشرب يابني العصير ...بل ريقك لحد الغدا ما يجهز .....
تنهد جاسر ورفع كوب العصير لفمه وقال قبل أن يرتشف منه :
_ مش لازم غدا يا عمدة ....كفاية العصير ده وهقوم أمشي لما هدومي تنشف شوية ...واجبك وصل .....
صمم الرجل على ذلك وقال :
_ والله تبقى عيبة في حقي .....بقى تدخل بيتي وتخرج من غير ما تاخد واجبك ودي تيجي ؟!......طب على الأقل اعتبره ترحيب بيك وبزمايلك ......
مع أصرار الرجل وانتظار الملابس المبتلة لتجف ....جلس جاسر مضطرًا ......عابس الوجه لا يريد حتى الحديث .....
وحتى قاربت الملابس لتجف بعض الشيء كان طعام الغداء تم اعداده وأخذه الصبي نعناعة إلى المندرة .......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
مرت ساعات وقارب قرص الشمس على المغيب ....
أتى الهواء رطب بارد لهذا المساء .....مُحمل بنذير شتاء ممطر يحوم بالغيوم ......
دخل وجيه لمكتبه أخيرًا بعدما انشغل طيلة نهار اليوم بالعمل ...بدا عليه الأرهاق .....وقف أمام مكتبه وهو يضع بعض الأوراق ويرتبها..... ويتلهف لرؤية من أرسل في مجيئها حتى يتحدث معها بأمرًا ما كان قد قرره بخصوص ابديل عملها لعمل آخر.....
دخلت بعده بدقائق جيهان ....وبيدها طبق كبير بع كوب عصير وبعض السندوتشات السريعة ......قالت مبتسمة وهي تضع الطبق على المكتب :
_ ما اتغديتش خالص النهاردة ! ....بس أنا ما نسيتكش .....جبتلك الغدا لحد هنا على ما نرجع البيت .....
جاملها بابتسامة سريعة وقال :
_ مش بتغدا مرتين ...خلينا لما نرجع البيت أحسن .....عشان ناكل كلنا مع بعض .....وما اسيبش بابا يتعشا لوحده ....
اقتربت منه جيهان بنظرة متدللة وقالت بنعومة :
_ بس ده حاجة بسيطة مش هتشبعك .....طب أشرب حتى العصير !
رفض وجيه بهدوء فأقتربت منه أكثر ووضعت يديها على كتفيه بنظراتها المتمايلة مكر ....وابتسامة تظهر ما بعينيها ....وكانت جريئة في الخطوة التالية حتى دقت على الباب ليلى بخفوت ثم فتحت الباب .....
كانت لهفتها هي أيضا في رؤيته أكثر من أن تنتظر تسمع صوته يسمح لها بالدخول .....ليتها ما تسرعت ....
كان وجيه يتذكر جيدًا أمر ليلى .....ترك جيهان تفعل ما يحلو لها ....لم يعرف لما أراد بقوة أن يرى رد فعل ليلى ....سيظهر على وجهها وعينيها تحديدًا ....أن كانت ستشعر بالحرج لمجرد مقاطعة انفراد زوجين ...أم أنها ستتألم لرؤية رجل تحبه مع امرأة أخرى بموقف شاعري ؟
تسمرت ليلى بمكانها واهتز قلبها غضبا وألم ....ابعدت عينيها في اللحظة التالية بعدما رأته .....وبالأخص عندما قصد أن يرفع يديه ويضم زوجته اليه ...حقها وحقه....لم يفعلا شيء محرم واذ كان المكان غير مناسب بالتأكيد .....
ماذا تفعل هنا غير تلقي الاهانة والألم ؟!
هكذا هتفت بقلبها الأحمق .....
اغلقت الغرفة سريعا ثم اسرعت باكية الى ابنتها ...كأنها تلجأ إليها لتحتمي ببراءتها عن الكون .....
ابتعد وجيه عن جيهان وانتبهت الأخرى لحركة الباب ونظرت له قائلة بحيرة وكأنها لا تعرف انها ليلى :
_ مين اللي فتح الباب وقفله ....؟!
رد وجيه وهو ينظر للباب بنظرة عميقة :
_ مخدتش بالي .....
ابتسمت وتظاهرت بالخجل منه ثم قالت:
_ طب هسيبك تخلص الشغل ...أنا في مكتبي ...ماتنساش العصير .....
خرجت من المكتب وتوجهت لمكتبها ....
وفعل وجيه ذلك أيضاّ.....توجه للمكان الذي يعرف أنها ستذهب إليه ....غرفة الصغيرة ......
ربتت ليلى على رأس صغيرتها التي قاربت على الدخول بغفوة ....سقطت دموعها صامته دون آنين .....كي لا تزعج صغيرتها .....حتى اقتحم وجيه الغرفة فوجدها تجلس على الفراش بجانب الصغيرة الممددة وشبه نائمة....
صوت فتح الباب هلع قلبها ونهضت من مكانها بقوة...وفتحت الصغيرة عينيها وهي تعتدل ....
صوت أنفاسه اكد ظنونها ...أنه هو ....رفعت يدها لتمسح عينيها سريعا قبل أن يراهما .....فأقترب إليها قائلًا بصوت حاد وكأنه يعرف أنها تبكِ :
_ ممكن افهم سبب دموعك ؟! ....
ابتلعت ريقها المر بقوة وكم ودت لو تصرخ بوجه ...ولكن بأي حق ؟!
استجنمعت قوتها واستدار له وقد مسحت عينيها :
_ مكنتش بعيط !!
كانت الصغيرة تبتسم له ....مرر يده على رأسها بحنان ليطمئنها أنه يتذكرها ..... ثم اتجه الى ليلى وقال بنظرة ماكرة :
_ آه واضح ....في حاجة كنت هتكلم معاكِ فيها لما بعتلك ....بس أنتِ مشيتي ....
تعالى الغضب بداخلها من رنة كلماته ....التي تقصد إيذاء مشاعرها وكبريائها ......قالت بانفعال :
_ كنت عايزني أقف مكاني ؟!! ....
أجاب بهدوء وهو ينظر للصغيرة ريميه الذي عادت لتغفو وتمددت على الفراش واسفل الأغطية ...قال بغموض :
_ مكانك كان ممكن جدًا يبقى مكانها ....بس أنتِ اللي أخترتي ....
هنا سقطت دموع ليلى وهتفت به باكية :
_ وأنت بتقصد تعمل كده قدامي ؟!
نفى وجيه الأمر وقال بصدق :
_ مقصدتش ....الصدف هي اللي بتقصد تظهر اللي بتخبيه .....
وعمومًا خلينا في الموضوع المهم .....
قاطعته ليلى باعتراض :
_ مافيش بينا مواضيع ....لو سمحت خليك فاكر ده !
نظر لها بعصبية وقال بتحذير:
_ وماتنسيش أني خيرتك وأخترتي تنفذي أوامري !
قاطعهم صوت دخول عنايا لغرفة ليلى وهي تطلق صوتها بغضب ولم تدرك أن وجيه بالداخل .....هتفت فور دخولها :
_ هو انا بقى شغالة عندك ولا ايه يا زفته أنتِ ؟!
نظرت ليلى إلى وجيه الذي استدار ونظر لعنايات بنظرة شرسة اوقفت الكلمات بحلقها .....يبدو أنها عندما نفذت أوامر جيهان كانت تدق مسمار طردها من هنا ......انتفضت الصغيرة بخضة من فراشها ....ربتت امها عليها ختى تهدأ وردت ليلى عليها بنظرة عاتبة الى وجيه :
_ لأ أنا اللي بشتغل هنا ...
مرت ليلى من أمامه وخرجت من الغرفة ....اتجه وجيه ناحية عنايات التي شحب وجهها بتوجس منه حتى قال بحذر والغضب كالمطر العنيف بعينيه :
_ لو سمعتك بتغلطي فيها تاني اعتبري نفسك مطرودة من هنا ومحدش هيقدر يرجعك ..... ده أول وآخر تحذير ليكِ ......
هزت عنايات رأسها بالموافقة وعينيها يملأها القلق والخوف ....لم تدرك أن تمسك وجيه بتلك الفتاة سيكن صادم وشرس لهذا الحد !!
لم تتوجه ليلى إلى عملها بل إلى مكتب جيهان التي يبدو انها كانت تنتظرها ....بعدما خمنت شعورها الآن ....نظرت جيهان المبتسمة كانت منتصرة بخفاء ....قالت بلطف :
_ تعالي يا ليلى....واقفلي الباب وراكِ ....
اغلقت ليلى الباب وتحكمت بدموعها اخيرًا ثم اقتربت إلى مكتب جيهان قائلة :
_ أنا موافقة على العرض اللي قدمتيه ليا .....
نهضت جيهان من مقعدها وقالت بتنهيدة ارتياح :
_ أنا رتبت كل شيء ...ما تستغربيش ...تليفون بسيط مني كفاية يفتحلك أبواب كتير .....حجزتلك اوضة في فندق لمدة أسبوع على ما الشركة ترتب موضوع الشقة ده .....شغلك حتى اتحجز وتقدري من بكرة تبدأي فيه .....والدك بقا مش هينفع يتنقل على طول لأن دكتور العناية لما سألته رفض يتنقل ....الموضوع هياخد وقت بس هخلصه ما تقلقيش .....
صدمت ليلى من السرعة الفائقة التي رتبت بها جيهان كل شيء !! قالت بدهشة :
_ بالسرعة دي ؟!
ابتسمت جيهان لها وقالت بثقة :
_ أنا قولتلك ما تستغربيش .....الشركة اللي هتروحيها لصديق قديم جدًا لوالدي ....أنا وصيت عليكِ أوي....هتشوفي بنفسك الاستقبال وهترتاحي في الشغل.... هتمشي النهاردة بليل من المستشفى بعد ما أنا ووجيه نمشي.... لو رجعتي هنا يا ليلى أنا مش همنعك بس ااكدلك أنك مش هترتاحي لحظة واحدة .....
وطبعا أنا مش غبية عشان اسيب دليل ورايا أني كنت ورا شغلك .....يعني ما تحاوليش تفكري حتى أنك توقعيني .......
تأكدت ليلى من تهديدها الخفي فيكفي أمر عنايات ليجعلها تتأكد ......قالت :
_ أنا مش في دماغي أني اوقعك ....ولو عايزة مكنتش هطلب أمشي .... ووجودي هنا اكتر من كده عارفة أنه هيضايقك ومش هيريحك......الأفضل أبعد ....
اخفت جيهان غيظها من الثقة العالية التي تتحدث بها ليلى ....قالت ورسمت ابتسامة زائفة :
_ أنا اتعلمت في ادارة الأعمال أن الصفر له قيمة ....ماينفعش اهمشه ..... نهاية كلامنا ...بتمنالك التوفيق والنجاح في شغلك بمنتهى الصدق ....وبتمنالك صفحة جديدة مع ناس جديدة ..... بالتوفيق ...
ابتلعت ليلى تلك الأهانة ...هي تعرف أن جيهان ما قدمت ذلك العرض الا عندما تأكدت أنها تشكل خطر بوجودها بالمشفى .....يكفِ شعورها بالخوف ....ومن التربص لكل نظرة من عين زوجها ......لو فكرت في أشياءً عدة لأشفقت على جيهان حقاً....
اعطتها جيهان عنوان الفندق واستمارة الحجز ...وكارت بعنوان الشركة التي ستعمل بها .....
وغادرت ليلى مكتبها بعد ذلك.....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عاد جاسر الى مقر الوحدة بعدما ارتدى ملابسه التي لا زالت مبتلة ولكن ستفي بالغرض حتى يصل لحقائبه ويبدل ملابسه .....
تفاجئ الثلاث شباب بدخوله الخيمة وهو بهذا الشكل وقال يوسف بتعجب :
_ هي الدنيا مطرت عليك أنت بس ؟!
أشار جاسر له بتحذير حتى يصمت ثم تسأل :
_ هي الشنط بتاعتنا فين ؟! عايز أغير هدومي ...
رد رعد بضيق :
_ المكان اللي اترتب للفريق مكفاش ....ناقص سريرين ...بس بما أن انا عن نفسي مش بحب اكون بمكان انتوا مش فيه فأخترت افضل معاكم واضحي لأجلكم .....أولادي قرة عيني .....
رد رعد قائلًا بسخرية :
_ أنا اللي انسحبت في الأول يا كداب ....كداب ومفجوع !
رد يوسف بعدم اكتراث :
_ أنت خدت قرار الانسحاب من طراطيف إرداتي ...كنت هعمل كده ....وكمان اكل الفطير براحتي ...
لكمه آسر بضحكة :
_ قول انك خوفت على الفطير يا مفجوع .....
قال يوسف بحماس :
_ أنا متحمس اوي للعزومة بتاعت بكرة عند عمدة البلد .....يارب يكون فيها محضي وبط ....بحب البط أوي ....البلد هنا مليانة بط .....
تذكر جاسر شيء وقال بابتسامة ماكرة :
_ فعلًا .... فيها بط ماشوفتوش قبل كده ..... البط اللي شوفته كان عُصفر ...بيبي خالص....أنما دي بطة زقة واحدة وقعتني في الترعة..! مش عارف كانت متغدية ايه ؟!
قال يوسف بتأكيد:
_ اكيد فطير.....
سومه رعد بنظرة ماكرة بعدما فهم نظرة جاسر الماكرة :
_ شكلك مش هتجيبها لبر .....
فتح جاسر حقيبة من حقائب ملابسه التي انتقلت للخيمة واناقى منها ما يناسبه ....رد بضحكة وهو يخلع ملابسه ويرتدي أخرى :
_ مكنتش ناوي ...بس البط هنا شرس أوي يا ابن العم...حاجة كده تملا العين وتعميها بنفس الوقت .....
قال يوسف بحيرة :
_ أنت تقصد بطة بطة ....ولا بطة اللي هي بطة ؟!
غمز له جاسر بابتسامة خبيثة فنهض يوسف قائلًا بحدة :
_ ده اللي كنت عامل حسابه ..... ربنا يستر على البط اللي هنا منك يا ناقوس الخطر ...... أنا اتوترت ...فين الفطير ؟
أشار له آسر على طاولة جانبية فذهب يوسف اليه وبدأ يأكل منه للمرة العاشرة .....
قال يوسف مبتسما :
_ الشغل هيبدأ من بكرة .....حيث كده أنا مستني عزومة بكرة ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وفي المساء ....كان على ليلى أن تستعد للرحيل وخاصةً بعدما علمت أن وجيه غادر المشفى مع زوجته ...... ذهبت لوالدها واطمأنت عليه ثم وعدته أن يلتقيا عن قريب ......كان والدها لا زال لا يعي شيء ولا يشعر بشيء حوله .....
أخذت ابنتها دون أن يشعر أحدًا وغادرت المشفى .....حتى عنوان الفندق ....
سألتها أبنتها طيلة الطريق عن سبب مغادرتها المشفى ولم تجيب ليلى ......وقبل أن تصل بها السيارة الأجرة أمام الفندق بكت الصغيرة ريميه وهي بين ذراعي امها وقالت :
_ يعني مش هشوف بابا وجيه تاني ؟! ....رجعيني هناك....
ربتت ليلى على رأس ابنتها وقالت بألم :
_ ما تعيطيش يا حبيبتي .....عشان خاطري بطلي عياط.....
رفضت الصغيرة وقالت وهي تضع يدها على وجهها ببكاء :
_ لأ أنا عايزة ارجع هناك ماليش دعوة .....
قالت ليلى كاذبة حتى تهدأ صغيرتها :
_ حاضر هنرجع ....شوية وهنرجع بس بطلي عياط ....
هدأت الصغيرة رويدًا بعد ذلك ...حتى خرجت ليلى من السيارة واتجهت ناحية الفندق المقصود ....ثم تأكدت بالفعل أن الحجز تم ورافقها العامل حتى غرفتها .......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وفي الصباح ......
دخل وجيه مكتبه .....ودخلت خلفه عنايات بنظرات فيها خوف شديد من أن يظن انها خلف اختفاء ليلى وبعدما حذرها بالأمس .....نظر لها وجيه بتعجب وقال :
_ مالك في إيه ؟!
تلعثمت عنايات في أخباره وبدا وجهها شاحبًا ....قالت :
_ بصراحة ....والله العظيم ما ليا ذنب ولا كلمتها تاني ....
شعر وجيه أن الأمر يخص ليلى فنهض من مقعده بلهفة قائلًا :
_ مالها ليلى فيها ايه ؟!
تلعثمت عنايات مرة أخرى واجابت ببطء:
_ مشيت من المستشفى......قالت لبثينة أنها هتسيب الشغل هنا .....
اتسعت عين وجيه بصدمة .....لا يصدق أنها فعلت ذلك !! لا يصدق أنها ابتعدت مرة أخرى ؟!
فراق آخر ..أيام ..شهور ...وربما سنوات أخرى ....
اتقدت عينيه بغضب مميت .....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
________________________
الفون مكنش معايا لذلك اتأخرت لأني بكتب عليه...بعتذر للتأخير وهنتظر رأيكم بشغف...😘
قراءة ممتعة 🥰💙
ياترى مقابلة آسر وسما هتبقى أزاي 😹💔
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني_عشر
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... أبيها كلمة السر...~
فراق أحدهم يمكن أن يطفئ فينا بهجة الحياة ....أن يكن للعتاب متعة ...وللعذاب رضا .... وللصعب حافز للعبور ....أن نرى أن المستحيل يصبح ممكنا ... حتى العقاب يكن بالحب كصفعة مزاح بين الأصدقاء ..... گ ثورة الصغار ......
وأحيانًا لا نصدق أنهم فارقونا .... ليت عذابهم استمر ...!
راقبت عنايات ثورة المشاعر على الوجه الذي اتقد احمرارًا من الغضب ....والصوت الذي كأنه كُبّل بالأصفاد فجأة ...!
وهو كأنه يُخيّر بين جحيمين !
أيهما يختار ؟
أن يبتعد ويرضي مجبورًا على فراقها حرصا على زواجه ؟
أم يعلن عن ثورته ...وغضبه ...أنه عاقبها كي تشعر به ...عاقبها لتبقى ....كل شيء فعله لتبقى !
هل انتظار عشر سنوات لم يجيب على ظنونها ؟!
لم يجعلها تفكر لحظة أن تحب !
لا ...هي تحب ....شعور يؤكد له ذلك .....لم يشعر مرة وهو ينظر لها أنها لا تحبه .....!
هناك شيء ...شيء مريب خلف صمتها ...خلف هروبها ....خلف عشر سنوات من الألم يبدو أنها تحملتها ..... الشيء الوحيد الذي أرثى تلك السنوات الحاكلة السواد ....تلك الصغيرة ...
الحبيبة القريبة ....للقلب مثل أمها .... الذي ظنّ أن القدر يُهديه ويجازيه جزاء الصبر ...فأعطى له نسخة صغيرة هدية من حبيبة العمر ....
ومثلما أحب أمها منذ اللقاء الأول .....
تسللت لقلبه تلك الصغيرة منذ اللقاء الأول أيضا ...قبل ان يعرف حتى أن ليلى أمها ...!
كان يعاقبها محبة ....كانت تلك النظرة الغاضبة إليها تخبرها سرًا أنا أحبك ....وتلك الكلمات الفظة خلفها اعتذرًا وأعذار ..... وبثنايا كلمة أذهبي الف تكرار يقول اقتربي ....
اغتربي عن عنادك وكوني لي ...أنتِ لي ...
تجمعت في مقدمة أفكاره فكرة واحدة فقط .....بعدها يحدث ما يحدث .....قال بشرر يتطاير من عينيه وبهدوء ما قبل العاصفة :
_ ابعتيلي أمن المستشفى حالًا ....
تعجبت عنايات من هذا الأمر ولكن ما بيدها سوى التنفيذ ...ليس من مهامها المناقشة .....هزت رأسها بالتاكيد وذهبت ....تركت على حالته الغامضة بالنسبة إليها .....
ضرب وجيه قبضتيه الأثنان على المكتب بغلظة وحدة ....ضربة احدثت صوتٍ مسموع للخارج .....ثم تمتم بتوعد عنيف :
_ مش هسيبك تمشي بالسهولة دي يا ليلى ... مش هستنى عشر سنين تاني عشان نتقابل .... المرة اللي فاتت أنتِ اخترتي ...لكن المرادي أنا اللي هختار .....
رفع سماعة هاتف المكتب واتصل بالهاتف الداخلي بقسم العناية المركزة ....حتى أجاب أحد أطباء العناية ....سأله وجيه عن والد ليلى فأجاب الطبيب إجابة جعلت وجيه يتنفس قليلًا ....والدها لا زال بالمشفى ...إذن ستأتي حتمًا لملاقته ...أو لأخذه .....
انتهى الأتصال وهو يبرم خطة سريعة ...يعرف أنها ستكن حديث المشفى ولكن لا يهم ....اللعنة على الأفواه التي لا تتحدث غير بشأن الآخرين ....لا يهمه الجميع ....هي فقط
بعد دقائق دخل لمكتبه أثنان من الحرس ....انتقلت نظرة وجيه عليهما في عجالة وقال بأمر :
_ انتوا الأتنين مطلوب منكم حراسة قسم العناية في الدور التالت ....مافيش مريض يطلع غير بأذني وموافقتي ....
نظر الرجال لبعضهما في تعجب ولكن فعلا مثل عنايات ولم يناقشا الأمر ...تردد وجيه في قول هذا ولكن لابد أن يراقب الدخول أيضا :
_ في مريض اسمه عبد العزيز صادق ...لو حد جه يشوفه أو حد من قرايبه سأل عنه لازم أعرف في وقتها وإلا انتوا عارفين هيحصل إيه ....
هز الرجلان رؤوسهما في موافقة ثم غادرا لمهمتهما الجديدة .....نظر وجيه بثبات أمامه في شرود حتى رفع مرفقيه على المكتب ووضع رأسه على ضمة يديه في حزن وضيق شديد .....
يعترف الآن بكل صدق .....أنه لا يستطيع غير أن يحبها أكثر ....الآن فقط يعترف أنه لم يكرهها لحظة حتى عندما عذبته .....
أي لعنة وضعته بها ليصبح مهووسا بها هكذا .....!!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كان الفندق على فخامته وموقعه الراقي بأحياء القاهرة لم يروّح على قلبها المكدود ....ولم يرفه عنها ولو لحظة واحدة ....
تصبح الفخامة ضبابية النظرة عندما يكون القلب مُثقل بالهموم والآلام ....
هدأت الصغيرة بعض الشيء ...وليس الهدوء الذي جعلها تغفو مثلما كانت تغفو بالمشفى !
قالت ريميه بصوتٍ يلوح بالحزن والدموع :
_ ماما ..... عايزة اروح عند جدو عزيز ......
استخدمت الصغيرة الاسم المختصر لوالد ليلى ....وعلمت ليلى أن خلف حديثها رغبتها القوية والغريبة بالعودة إلى وجيه !
يبدو أن قلب ابنتها مثل قلبها تمامًا ...!
سيطر عليها قرب هذا الرجل ولو كان حب الصغيرة حب طفلة لرجل تريد ببراءة أن يصبح أبيها وتغفو على عاطفته ودعمه!
ولكنها هي ....
تريده كرجل ...حبيب لم يرأف بقلبها ....ولم يترك لحبيب آخر مساحة دخول بالقلب...
تنهدت ليلى بهموم طلت بعينيها لامعة .....وأجابت على ابنتها :
_ هوديكي لجدو قريب أوي .... عشان خاطري ما تعيطيش تاني بقى .....
لم تبدي الصغيرة أي اجابة ...كأنها تشك بما تقوله أمها ...صمتت بعبوس يملأ وجهها ...وعينين تلتمع كعين هرة رضيعة مختبئة بجسد أمها .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كانت إشارات جهاز القلب تؤكد أن حالة المريض ليست جيدة تمامٌا .....
وقف وجيه أمام السرير الطبي بغرفة العناية لمريض في غيبوبة منذ مجيئه إلى هنا .....
لا يذكر لهذا الرجل إلا الخير .....كان يدعم ابنته بقرارها ولكنها خذلت الجميع بقرارها الصادم .....
انحنى وجيه بالقرب من والد ليلى وقال بصوت خافت ورغم ذلك خرج من حلقه كأنه يهدد ويتوعد :
_ اكيد في السنين اللي فاتت دي كلها عرفت حاجات كتير ....عرفت هي وافقت ليه تتجوز أبن عمها فجأة .....عرفت اللي لحد دلوقتي أنا مش قادر أوصله ....أنا متأكد أن ليلى مخبية حاجة .... قوم وقولي الحقيقة ...قولي أنها مظلومة .... قولي اللي حصل ..... يمكن أنت طرف الخيط اللي بدور عليه ومكنتش شايفه .....
ظهرت مرارة بعين وجيه وهو يقول بحزن :
_ أنا لحد دلوقتي بحبها .... لو عرفت انها مظلومة هحميها من الدنيا بحالها بس مش قادر أعرف اللي حصل !
وهي مش عايزة تتكلم ......
نظر وجيه للرجل النائم بنظرة رجاء وأضاف :
_ لما جيتلك من عشر سنين وفهمتني قرار جدها ساعتها كنت مستعد أقف قدام الدنيا بحالها عشانها ..... لكن اتصدمت بقرارها وأنها وافقت !
لحد دلوقتي مش قادر اقتنع أنها وافقت برضاها ! ....لحد ما اتقابلنا تاني ...نفس الشغف ...نفس المحبة واللهفة ....ونفس كل حاجة حسيتها زمان يمكن دلوقتي الأمر زاد....!
واستطرد وتملكه القوة وهو يقبض على يد الرجل الغائب عن الحركة:
_ قوم عشان بنتك ....هي مش هتتكلم ...ليلى هربت مني تاني ...اكيد أنت سامعني ....أنت فاهم يعني ايه هي دلوقتي لوحدها هي وريميه !
أنا بحاول أتجنب التفكير في ده بكل طاقتي وقوتي عشان ما اتجننش !
انتبه وجيه لخطوات طبيب العناية تقترب إليه فأستقام معتدلًا بوقفته وتبدل وجهه للثبات مرةً أخرى ....وقف الطبيب بجانبه وقال بغموض :
_ المريض ده ماله يا دكتور ؟!
حضرتك بلغتني من فترة أني ارفض قرار خروجه ...ودلوقتي موصي أن مافيش مريض يخرج من هنا ....بس حاسس أن الموضوع يخص المريض ده برضو !
تنهفس وجيه بحدة ونظر للطبيب قائلًا بنبرة تحذير :
_ شوف شغلك يا دكتور .....وبس !
توجه إلى باب الخروج دون إضافة كلمة أخرى ....نظر له الطبيب بغرابة ثم نظر للرجل المدد بعدة اسئلة فضولية .....كاد أن يغادر عندما وجد يد الرجل بها أصبع الأبهام يهتز قليلًا .....ثبّت الطبيب نظره على اليد جيدًا فلم يجد أي حركة ...!
اعتقد أنه يتوهم أو ربما حركة عصبية باليد .....صرف انتباهه على بقية المرضى الآخرين
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
باليوم التالي .....
اضطر الشباب الأربعة المبيت بالخيمة نظرًا لإكتفاء الآسرة المجهزة للفريق ..... ربما لأن العدد في الأساس كان محدد وضابطا حتى زاد أثنين من أطباء الأطفال بآخر الوقت ...لذلك لم يصل الخبر قبل أن يصل الفريق الطبي للقرية ....
غفا الشباب على المقاعد طيلة الليل .....استيقظ يوسف بكسل في تمام الساعة الثامنة صباحا وهو يتثاءب ويفرد ذراعيه على وسعهما ....ثم قال :
_ أنا معرفتش أنام خالص ....نومة الكراسي دي عاملة زي اكلة المكرونة اللي مش جنبها مخلل شطة !
رد عليه رعد ولا زالت عينيه مغمضتان :
_ أنت مدخل الأكل حتى في النوم ! ..... أنت في البطاطس والله !
دندن يوسف وهو ينهض مبتسما متجها ناحية الطاولة المفترش عليها الفطائر اللذيذة:
_ الأكل جميل ...جميل الأكل ....الاكل جميـــل ...وله بهارات ....
صمت فجأة متسع العينين عندما وجد الطاولة فارغة من الفطائر ....!
بل هناك بقايا صغيرة جدًا تصل للفتات من أنقاض الفطائر !
صرخ فجأة كالطفل الذي خطف منه حلوى الأيس كريم :
_ حيوانــــــــــــات .....الفطير فيـــــن ؟! فيـــــــــــن ؟!
لم يكترث لصراخه رعد بل انه اعتاد الأنر ...ولم يستيقظ أي من آسر أو جاسر رغم علو الصوت .....أشار رعد لجاسر قائلًا :
_ جاسر كله بليل وأنت نايم ...... ومش عايز اخبي عليك أن آسر تحالف معاه وساعده ....كل أعوانك خانوك يا قلب الأسد ...
نظر يوسف لجاسر بعصبية وغيظ ثم اتجه اليه ......وبينما كان جاسر ينام مبتسما بحلم يبدو أنه يسعده ويضع ساق على ساق في ثقة حتى وهو نائم !!
صاح يوسف بغيظ :
_ مغرور حتى وأنت نايم ....قــــــــوم !
دفع يوسف قدمه بقدم جاسر المرفوعة على الأخرى حتى سقطت بمحاذاة الأخرى ......فتح جاسر عينيه بدهشة من صياح شقيقه الصغير وقال وهو ينهض :
_ مالك يابني في ايه ؟!
عندما وقف جاسر امام يوسف بنظرته الحادة ...تراجع يوسف قائلًا وهو يضع يديه على ذراعي جاسر كأنه يحمسه وقال :
_ أنت اللي كلت الفطير ؟!
قال جاسر بثبات :
_ آه انا اللي كلته ...... في حاجة ؟!
صر يوسف على أسنانه في غيظ وقال له :
_ ضميرك مرتاح وأنت واكل حق غيرك ؟!
نمت مرتاح أزاي يا ظالم ؟!
ضيق جاسر عينيه بتعجب وقال :
_ هو أنا اكلت عليك الميراث ؟! ..... دي فطيرة ! ....بس كانت اكلة فظيعة .....مليان سمنة وقشطة و
كتم يوسف فم جاسر وقال بألم :
_ كفاية بقى ! ..... دي غلطتي أني سيبت الفطير لوحده مع غيلان زيكم ! ....مكنتش عارف أنكم هتنهشوا اكلي وانا نايم !
يلا بالهنا والشفا.....حد يروح يجبلنا فطار أنا جوعان ......
قال آسر الذي استمع لما قاله يوسف منذ قليل وكتم ضحكاته :
_ هنجيب فطار من هنا منين يعني ؟! هو احنا نعرف حاجة هنا ؟! ....استنى بقى شوية كده لما الوحدة تفتح ونشوف هنفطر ايه .....
قال يوسف متذمرٌا :
_ واحنا مالنا بالوحدة هو احنا هنفطر برسيم !
بدأ جاسر تمارينه الرياضية الصباحية وقال بضحكة :
_ أنا خايف تلبد هنا ومترضاش تسافر معانا ...... الجو هنا يرضي رغباتك ...
قال يوسف بسخرية :
_ على الاقل رغباتي احسن من رغباتك الدنيئة....!
رغباتي أنا تفتح النفس... مطبوخة ومتسبكة .... بتفيد الصحة مش زيك ! ... ده أنت فصيلة دمك B بنات ....
ياللي مسمي الشرايين شيرين والرئة ريهام ! ....
رفع جاسر حاجبيه بتحذير أن يتابع يوسف .... وتابع تمريناته الصباحية حتى تمتم يوسف بغيظ :
_ يارب تتخبط في صباع رجلك الصغير ....
مضى من الوقت ساعةً كاملة حتى بدأ اليوم المهني بالوحدة البيطرية .......
وبطريقةً ما اعد عاملين الوحدة طعام سريع للأفطار وهو عبارة عن وجبة من عدة سندوتشات من الفول المطهى وثمار الفاكهة اللذيذة والخضراوات ......
كانت الوجبة شهية لدرجة كبير رغم بساطتها .....اجتمع الشباب الاربعة بالخيمة يتناولون وجبة الفطار مع أكواب الشاي الدافئة .....
انهى جاسر وجبته وتابع طعامه بوجبته شقيقه يوسف ...عبس وجه يوسف بغيظ وقال والطعام بفمه :
_ وبتقول عليا مفجوع !
قال جاسر بضحكة وهو يلتهم الطعام بشهية:
_ الأكل هنا مش عارف فيه ايه ؟!
نظر يوسف للطعام بيده وقال مبتسما :
_ لذيذ أوي أوي .....
وتذكر الفطائر فجأة فعاد ناظرًا لجاسر بغيظ ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في منزل العمــدة ......
وقف نعناعة أمام "الجاموسة " في الحظيرة وهو مكدود وفي ضيق شديد وعناء ظاهر على سيماء وجهه .....قالت له سما وهي تقف وترى الماشية بحالة لا يرثى لها :
_ آدي أخرة كلامك عنها ....كل شوية بتولد مرتين بتولد عشرة ...اهي اتنشت عين وبركت يا فالح !
بقى في جاموسة بتولد ٣مرات ولا حتى مرتين يا بغل !
قال نعناعة بأسى :
_ ماهو كنت بقول كده عشان لما قولتلهم فيها عفريت محدش صدقني ..... ابويا كان هيبيعها وهي غالية عندي ....لو مقولتش كده كان الف ومين هيشتريها .... سوقت سمعتها غصب عني !
اشفقت سما عليه وقالت :
_ طب تعالى ناخدها على الوحدة نشوف مالها ....ابو ربيع بتاع البهايم مسافر السوق من امبارح وعلى ما يجي يشوفها يكون لا قدر الله يعني .....
تألم الصبي وقال بخوف :
_ طب يلا اسحبيها معايا بسرعة نوديها الوحدة .....
كافحت سما وهي تجذب معه الماشية من قيدها المعلق برقبتها، وكان الأمر شاق جدًا على قوتهما معاً ....وخصوصا أن الماشية ثقلت حركتها بسبب المرض الفاجئ .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
تذكر يوسف تلك الفتاة التي رآها بالأمس ...ابتسم فجأة وهو يجلس بالخيمة ....قال رعد بتأفف وملل :
_ الشغل هيبدأ من اول بكرة على ما المكان يجهز تمام لأن هنا مش هينفع ......
قال يوسف بشرود :
_ يا ترى في العزومة طابخين لينا ايه ؟!
شعر آسر بألم في معدته من الكمية الكبيرة من الطعام الذي تناوله بالساعات الفائتة فقال وهو يتحسس معدته :
_ بطني بتوجعني أوي.... أنت بصيتلي في الفطير ولا إيه ؟!
رد يوسف بعصبية :
_ أنا آه اتعصبت بس مش بستخسر فيكوا اكلي ....ده أنت غتت بصحيح !
اهمل جاسر رد يوسف وقال :
_ هتمشى شوية يمكن أروق ...
رمقه رعد بنظرة ماكرة حتى أضاف يوسف بسخرية :
_ طب حاسب لتتحدف في الترعة تاني !
صرّ جاسر على اسنانه لأفتضاح أفكاره وقال وهو يجلس :
_ مش رايح ... عشان حضراتكم تستريحوا ..... أن شاء الله تيجي اي حاجة وتخفيكم من قدامي دلوقتي...
وقف يوسف وقال :
_ أنا هختفي من نفسي ..... هتمشى شوية وراجع ....
اغتاظ جاسر منه ورمقه بعصبية .....اصطدم كتف يوسف بطبيب بيطري أتى للخيمة ليأخذ محلول تعقيم بدلا من الذي نفذ ...
خرج يوسف من الخيمة متجها للخارج وهو يتمتم بغيظ .....وفي أثناء خروجه وجد صبي وفتاة يسحبون ماشية تبدو مريضة من حركتها البطيئة ...... حتى ترك الصبي قيد الماشية وركض اتجاه يوسف قائلًا :
_ الدكتور جوا ؟
فهم يوسف أن الصبي يقصد الطبيب البيطري ..... ودون أن يفكر كثيرًا أشار للخيمة لتكره امر الطبيب ......أسرع الصبي مبتعدًا وكاد يوسف ان يهتف به ويوضح ولكنه ابتسم بخبث ...ثم ضحك فجأة وتمتم بشيء .....
صاح نعناعة بسما وقال بعصبية وهو يسحب الماشية :
_ روحي نادي على الدكتور بسرعة يابت ....هو في الخيمة اللي هناك دهيه....
اسرعت سما بعبائتها السوداء اتجاه الخيمة حتى وجدت آسر يجلس وحيدًا بالخيمة ويبدو أن رعد وجاسر خرجا مع الطبيب البيطري من الاتجاه الآخر للخيمة ......ختفت سما بصراخ :
_ يا دكتـــــــور ....؟
صرع آسر من الصراخ ونهض بنفضة من مقعده وقال :
_ في إيــــه ...؟!
قالت سما بصراخ :
_ سكرة شكلها بتولد ....الحقنى يا دكتور !
قال آسر وهو يمسك هاتفه ليجري اتصال :
_ طب دخليها وهتصل بدكتور جاسر .......
ركضت سما للصبي بالخارج وأشارت له ليسرع اتجاه الخيمة ....صرخ نعناعة بها :
_ تعالي شديها من الحبل ....
ركضت سما اليه وفعلت ما قاله حتى اسرع نعناعة خلف الماشية ودفعها للأمام بيديه الأثنان اتجاه الخيمة وهو يلهث ويشجعها على الحركة .....
وفي الخيمة ....دخل رعد وجاسر مسرعين وقال رعد بحماس :
_ أخيرًا هنشتغل !
نطق جاسر بعصبية وهو يرى آسر يجر عربة الأسعافات اتجاه المدخل الاخر للخيمة ولم يجد مكان فارغ سواه :
_ شغل إيه ؟ هعمل عملية ولادة هنا أزاي يا أغبية ؟!
كاد أن يرد جاسر حتى وجد شبح أسود ضخم يهجم على الخيمة
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
ده نص الفصل...والله ما قدرت اكتب اكتر منه بس بأذن الله بكرة اكمله واخليه طويل..... اتمنى يعجبكم ❤🥰
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Shaimaa Gonna
#الحلقة_الثالثة_عشر
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... بين القبول والحب...~
اقتحمت الماشية الخيمة وكأن الحركة دبت بجسدها فجأة .... لم يعرف جاسر لما توجهت إليه مباشرةً وكأنها تستغيث به .....قال جاسر بصدمة وهو شبه متجمد :
_ دي جيالي أنا بقا !! لاااااااا
هتف رعد عليه بغضب :
_ أجــري من قدامها بسرعــــــــة !!
استطاع جاسر الركض من أمامها بالكاد بينما ثارت الماشية واحدثت فوضى عارمة حتى دفعت بجسدها الضخم كل ما بالخيمة !!
صرخت سما وهي محتجزة بجانب صندوق زجاجي به بعض الأدوية فأشار لها نعناعة من الخارج :
_ بطلي صريخ هي عرفاكي ! .....
ووجه حديثه للماشية بلطف :
_ اهدي يا سكرة ده الدكتور !!
دفع جاسر بوجهه أحدى علب الدواء وصاح بعصبية :
_ هي محتاجة توصية يا غبي !! ......
وقفت سما وهي تنتحب فنظر لها آسر بغيظ وهو يتفادى هجوم الماشية التي تصر على اللحاق بجاسر :
_ هي دي سكرة يا غبية ؟! ...... عجبك اللي بيحصل ده ! أنتِ عارفة علب الدوا اللي اتكسرت دي بكام ؟!
التفتت له سما بعين متسعة عندما انتبهت انه يشتمها وهتفت به :
_ أنا غبية يا حمار أنت ؟! ..... ما أنت لو مجدع كنت قدرت تمسكها ! ...... دكتور أونطة !
استشاط آسر غضبا وتقدم نحوها بغيظ شديد بينما لم ينتبه أن الماشية تعود بجسدها للخلف بعدما كادت أن تسقط الخيمة على رؤوسهما .......
خرج جاسر من الخيمة بأعجوبة بينما دفعت الماشية جسدها بظهر آسر وأوقعته على سما التي كانت تلوح بيديها بالشتائم وسقط عليها وسقطوا سويا على الأرض .....
ثم ركضت الماشية للخارج خلف جاسر ورعد الذي ركضا بالخارج ......
أسرع جاسر ورعد بمساحة فارغة جانب الوحدة ونظر خلفه يلقي نظرة..... فوجد الماشية تسرع اتجاهه في اصرار غريب !!
قال رعد بتوتر :
_ احنا نرفزناها في ايه عشان تعمل معانا كده ؟! هو ابوها كان حمار ولا ايه ؟!
ضيق جاسر عينيه بغضب وهتف بها قائلًا :
_ بقولك ايه أنا عصبي ومش عايز اتغابي عليكِ .... و
اسرعت اليه اكثر فركض جاسر مستغيثا فكاد أن يضحك رعد رغما عنه لما يشاهده، حتى استدارت له الماشية وركضت خلفه فأسرع رعد يقفز على قوالب الطوب الأبيض المنتشر بفراغ الأرض واستطاع بصعوبة أن يختبئ منها ......
سقطت الخيمة على ظهر آسر الذي نظر لسما المصدومة من وضعهما هذا ودفعته ولكن عندما سقطت الخيمة أصبح النهوض أصعب ....دفعته عنها وهتفت بغضب :
_ يا قليل الأدب يا حيوان يا ....
قاطعها بغيظ وهو ينظر لعينيها عن قرب :
_ ما الجاموسة اللي شبهك هي اللي وقعتني عليكِ !! .....
أزاحت سما جسده الثقيل عنها بكراهية هذا القرب ولو كان غير مقصود ......وظلت تزيل الخيمة الساقطة من على رؤوسهما حتى صرخت بعصبية مفرطة :
_ شيل النيلة دي من عليا بتخنق !
قال وهو يدعو بعصبية :
_ ان شاء الله تتخنقي وتموتي وما أشوفش وشك تاني ....
كاد أن يتابع حتى وجد دبوس يدس بمعصم يديه بقسوة فصرخ بتأوه حتى ابتعدت سما من أسفل الخيمة وهي تركل قدميه بقدميها في ضربات متتالية .....
ارتفع منسوب الغضب بداخله ونهض وقد تخلص من قيد الخيمة ووقف أمامها ناظرا بغضب من ضرباتها له :
_ أنتِ متخلفة وغبية وفعلًا ما تفرقيش حاجة عن الجاموسة دي ....
أشار لها بيده في حدة :
_ لولا أنك بنت كان زماني عرفتك أزاي تضربيني كده !
اتقد الغضب بسما وهتفت بوجهه :
_ عارف أنت لو مش هسبب مشكلة كنت وريتك أزاي ترفع عينك عليا يا ......
انتبه آسر أن الماشية تأتي بإتجاههم ومن خلف سما التي انشغلت بالشتائم ولم تشعر ما يأتي خلفها .....
نظر للحظات في جمود ثم دون ادراك جذب يد سما وركض اتجاه الوحدة بجانبهم، فوجد بابها قد أغلقه أحد العمال فور ما حدث .....
وكان هناك سلم ضيق بجانب باب الدخول للمبنى الابيض ......تلوت سما بيده وهي تصرخ وتلكمه وللآن لم تدرك ما حدث .....غير اتجاهه للسلم وهي بيده حتى تقدم له فوقفت سما متمسكة بحائط السلم وهي تتملص من قبضته وتلفظه بالشتائم :
_ سيب ايدي يا ابن ال.....
قاطعها وهو يجذبها بعنف ......لم يكن غضبه لأقتراب الماشية التي وكأن أصابها السعار فجأة !
بل لوقحاتها لهذه الدرجة وهو من يحاول إنقاذها !
تقدمت سما خطوات للأعلى رغما عنها بسبب يديه التي تجذبها حتى اطمئن آسر أن الماشية يستحيل أن تستطع الصعود !
دفعها آسر للحائط بنظرة غاضبة وقال :
_ اقسم بالله لو كنتِ كملتيها لكنتي هتندمي طول عمرك ....ده جزائي أني حاولت انقذك بدل ما كنتِ تحت رجلين الحيوانة اللي أنتِ جبتيها دي وتموتك !
نظرت سما للماشية التي ابتعدت عن السلم وعلمت أن ما قاله لم يكن كذب ولكن ما حدث عندما سقط عليها تحت الخيمة ونظرته الغريبة لها عن قرب جعلتها كلما تذكرت تشتعل غضبا ...!
لم يجرأ مخلوق على الاقتراب منها ولم تسمح أن يلمس رجل حتى يديها عند التصافح !
يقول ما يقول ....هي على يقين أن نظرته لها منذ قليل لم تكن بريئة أبدًا ....قالت بعصبية :
_اللي يقربلي اكله بسناني وأنت متعملش نفسك محترم وقلبك عليا اوي كده احسن أصدق ! ...... ولا افكرك بصيتلي ازاي من شوية !
ورغم أن حديثها فيه شيء من الحقيقة ولكن نظرته كانت نتيجة وضعهما التي ارغمتهما عليه الظروف للحظات ولو كان تأثر بهذا القرب فعليًا...
.....قال بعنف وهو يضيق عينيه بشيء من الاستخفاف :
_ أنا ابصلك أنتِ ؟! ......أنتِ هبلة ولا عبيطة ولا مش شايفة نفسك ؟! ..... زيادة أن لسانك طويل فأنتِ كمان هبلة ! لولا صوتك مكنتش عرفت انك بنت اصلًا !
لمس بحديثه الوتر الحساس بداخلها .....لم ترَ نفسها لدقيقة واحدة أنها جميلة .....كان ينعتوها بأنها أقل جمالًا من شقيقاتها ....وأنها تشبه الرجال في تصرفاتهم .....قالت سما وابتلعت مرارة بحلقها تكورت بغصة:
_ لو ما احترمتش نفسك هصوت وهلم عليك الناس ....
نظر لها آسر نظرة ساخرة حقرت من شأنها ثم ابتعد عنها وهو ينظر حوله للمكان الذي عم السكون عليه فجأة .......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
هرب رعد بالكاد من محيط الوحدة حتى طريق الحقول ...... ظل يسير بالطريق لمدة النصف ساعة وبدأ يشعر بأنه تاه عن الطريق الصحيح للعودة إلى الوحدة .....
وجد عربة خشبية " كارو" يستخدمها المزارعين في حمل الحصاد والخضراوات إلى منازلهم فأشار لها بيديه حتى تقف ووقفت بالفعل ......
نظر له المزارع الذي يرتدي جلباب بسيط قاتم اللون وبين يديه أحبال طويلة مقيدة برقبة حمار أبيض يجر العربة .....قال له الرجل بوجه البشوش :
_ في حاجة يا أستاذ... أي مساعدة ؟
قال له رعد بنظرة امتنان :
_ ياريت تساعدني ....أنا تقريبًا توهت عن مكان الوحدة البيطرية .....ممكن توصلني ليها لو سمحت ؟
هز الرجل رأسه بترحاب وأشار له بصعود العربة .......
صعد رعد بالفعل وفرد ساقية جالسا بارتياح في داخل العربة وهو يبتسم لمساحات الحقول الشاسعة التي ارغمته أن يهجره التوتر لبعض الوقت ويسبح بهذا المنظر الطبيعي الباعث للارتياح ....
وفي الطريق ......
وقف الرجل الفلاح بالعربة فجأة عندما مر بجانب السوق ....نظر للفتاة التي تقف حائرة وعلى رأسها حقيبة محاكة من خيوط سميكة تشبه الجريد، ويبدو أن بداخلها كثير من الفاكهة والخضروات ......
هبط الرجل من الصندوق الجالس عليه بالعربة واقترب إليها مستفسرًا :
_ واقفة كده ليه يابنتي ؟!
ابتسمت له رضوى بوجهها الدائري السمين وقالت بترحاب :
_ أزيك يا عم محمود عامل ايه ؟
رد عليها الرجل بود فكان والد صديقة لها فتابعت رضوى قائلة بحيرة :
_ والله ياعم محمود بقالي ساعة واقفة ومش عارفة أمشي في الطينة خالص ....مش عارفة هرجع البيت أزاي ومحتار دليلي ....
خصوصا بالشيلة اللي معايا دي ..!!
عرض عليها الرجل الطيب أن يقلها بعربته حتى مدخل القرية حيث يكون منزل خالها العمدة على بُعد مترات قليلة تستطع عبورها بسهولة......
وافقت رضوى بابتسامة شاكرة واتجهت للعربة وهي لا تعرف أن هناك غريب قد سبقها واستنجد بالرجل أيضاً.......
نظرت له بحرج من الأسفل ولكن تشجعت لأن والد صديقتها هذا الرجل الطيب سيكن حاضرا.... إذن لا خلوة ولا انفراد بينها وبين غريب .....
تسلقت الى العربة واستطاعت الصعود بسهولة وبرشاقة تعجب لها رعد ولكنه ابعد عينيه عنها بلا اهتمام ....
وضعت رضوى حقيبتها القماش أمامها وجلست بأبعد مساحة عن الغريب .....
حرك الرجل العربة وهو يقول مبتسما بحنين :
_ عارفة يارضوى يابنتي ....كل لما بشوفك بفتكر خديجة بنتي الله يصبحها بالخير ......فات سنة على جوازها ...سابتنا أنا وامها وفضى البيت علينا ......والله لو بإيدي ما كنت جوزتها بعيد عني بس أبن عمها بقى ومن العيلة مقدرتش اخالف رأي أخويا ......ربنا يهنيها ويوعدك أنتِ كمان بأبن الحلال .....
تذكرت رضوى صديقتها خديجة وابتسمت قائلة :
_ تسلم ياعم محمود .....والله وحشتني أنا كمان أوي ..... ابقى سلملي عليها بالله عليك ....
قال الرجل بطيبة :
_ يوصل ..... ياريت كان عندي ولد كبير والله ما كنت سيبتك ....
اتسعت ابتسامة رضوى فرمقها رعد بابتسامة بسيطة لضحكتها ذو الغمازات على وجنتيها ....ابعد عينيه سريعا وعاد ناظرا للحقول ......أخرجت رضوى من الحقيبة خبز محشو بالعجوة واحتارت كيف تعطي الرجل الكبير منه وهي على بعد خطوات منه والعربة تتحرك أيضا .....تنحنحت بحرج وهي تشير للغريب بالخبز .....
نظر لها رعد بتعجب فقالت وهي تنظر امامها بعيدًا عنه:
_ وصله لعم محمود ....
فهم رعد مقصدها وأخذه منها سريعا واعطاه للرجل الذي يواليه ظهره ويقود العربة ......قال الرجل وهو يأكل الخبز :
_ حتى في دي زي خديجة ......كانت بتموت في عيش ابو عجوة ده وكنت بجيبهولها مخصوص من السوق كل جمعة ..... تسلم ايدك .....
أخذت رضوى واحد من الخبز وتوجهت ناحية رعد فظن أنها تقصد اعطائه للرجل فقالتسربعا ببعض الحرج :
_ لأ ده ليك ....
ابتسم لها رعد بشكر وقال :
_ لأ شكرًا جدًا مش جعان .....
هزت رضوى رأسها وأصرت على أخذه... فأخذه رعد وبدأ ياكل منه ليختبر مذاقه ......
ابتسمت رضوى وهي تبعد عينيها عنه وبالأخص عندما وجدته التهم الخبز سريعا ويبدو أنه تلذذ بمذاقه .....
ابتلع رعد آخر قطعة ولم يدرك كيف أكل الخبز بهذه السرعة !! .....نظر لها مرةً أخرى وابتسم بصمت كأنه يرسل لها شكر خاص .....
احمرت وجنتيها بحياء وتماسكت الا تبتسم ........
قال والد صديقتها مرةً أخرى :
_ لما تيجي خديجة هبعتهالك ...... مش كنتِ وافقتي على أبن أخويا التاني وكان زمانك سلفتها دلوقتي وكنت اطمنت عليكوا انتوا الاتنين ؟!
تبدلت ابتسامة رضوى بحرج وبعض الضيق للتحدث بهذا الأمر وخصوصا أمام غريب ....ولكن الرجل تحدث بعفوية وخصوصا أن هذا الأمر الجميع يعرفه ...قالت رضوى بصدق :
_ مافيش نصيب ياعم محمود ..... وأنا مرتاحتش بصراحة ....بس هو محترم والله ....بس القبول من عند ربنا بقى .....
قال الرجل بتلقائية وبساطة :
_ يابنتي القبول بعد الجواز ...ما احنا اتجوزنا والله ما كانت حتى أعرف شكل أم خديجة ايه !
ضيق رعد عينيه من اجابة الرحل الغريبة حتى استمع لرد رضوى :
_ القبول مهم عشان أوافق وأنا مرتاحة وفرحانة .....أنما الود والمحبة بيجي مع العشرة والأيام ...... هو ينفع أقول آه وجوايا بيقول لأ ؟!
يبدو أن الرجل الكبير لم يفهم مقصدها تماما ففصل الصمت ولكن رعد قال فجأة :
_ لا ماينفعش ....
تفاجئت رضوى بمقولته وشعرت بشيء يسري بقلبها ....شيء يبغض ويحب تدخله في آنٍ واحد ...!
تابع رعد ونظرته لا زالت بعيدة عنها :
_ لو ماحستيش أنك مبسوطة وقابلة الموضوع يبقى بلاش ..... محدش بيعيش مرتين ....ماينفعش تتجوزي وخلاص .....القبول مهم جدًا .....
قال الرجل الكبير بإعتراض :
_ جيلكم عجيب وغريب.... يعني هو الصح يعني يعرفوا بعض الأول وبعدين يتخطبوا !!
قالت رضوى برفض :
_ لأ طبعا مش صح...... تعرف ياعم محمود ...أبويا الله يرحمه زمان قالي أن الحب ده رزق .... بس الحب اللي مايغضبش ربنا يعني ..... يعني لما واحدة تحب جوزها حرام ؟
اكيد لأ ..... يبقى مش حرام طالما بالحلال .....
ماهي دقة المحبة دي بدايتها قبول !
قالت ذلك وهي شاردة ....ادركت ما قالته فاشتعل وجهها احمرار والتزمت الصمت وساد الصمت بالفعل بعد ذلك .....
ظل رعد ينظر لها للحظات ....كلمات بسيطة ولكنها دافئة ..... خطفت انتبائه ..... هذه الفتاة تريد الحب .....تريده بشده ....واضح بعينيها التي شردت بعد انقطاع حديثها .....ولكنها أيضا تريده دون عصيان لرب العالمين ......
مرت خاطرة سريعة امام عينيه .....كيف لو وجدت الرجل الذي تحلم به ...وتزوجها ...كيف ستكن تلك الفتاة ؟
بالتأكيد ستغمره بنعومة مشاعرها ...بحيائها وانوثتها أيضاً....
شيء مثير للمشاعر ......
وللحظة عابرة رسم خياله انه هذا الرجل لا يعرف كيف !
خرج من شروده ليجدها على شرودها فابتسم بدفء .....
وقفت العربة بعد قليل عند مدخل القرية وهمت رضوى بالهبوط سريعا .....كادت أن تأخذ حقيبة المشتريات وتبتعد حتى فكرت قليلًا واخرجت كيس ورقي به أربع اعداد من خبز العجوة....قالت للرجل الكبير بابتسامة وهي تعطيه أثنان :
_ ماتنساش تسلملي على خديجة ياعم محمود ....
ابتسم لها الرجل بمحبة وأشار لها مودعا وهو ياخذ الخبز
ونظرت رضوى للغريب والقت الأثنان الآخران عليه قائلة وهي تحمل الحقيبة رأسها بعد ذلك :
_ بالهنا والشفا
ابتعدت سريعا بحياء وتفاجئ رعد من ما فعلته ولكنه تتبع خطواتها المبتعد وابتسم لها .....
خمسة عشر دقيقة مرت ....نسجت بينهما حكاية لم تبدأ بعد !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
جلست جيهان بمكتبها في المشفى في ضيق شديد.....
منذ الأمس وهو كأن أحد سرق منه كنزه الغالي أو اغلى ما لديه !
لم يغفو لحظة !
ظل طيلة الليل بمكتبه في المنزل لم يريد حتى النظر اليها ؟!
هل يشك بها أم غضبه جعله لا يرد التحدث مع مخلوق ؟!
احتمالات كثيرة ولا بد أن تتحلى بالهدوء أكثر من ذلك .....
دلفت احدى الممرضات لمكتبها وقالت وهي تقف امامها بصوت خافت كأنها تخبرها سرا :
_ مدام جيهان .... العناية اتحط قدامها حرس !
وكمان سمعت دكتور وجيه بيكلم مع دكتور العناية وشكل الموضوع كبير !! .....صعب أنك تعرفي تخرجي المريض ده بالذات في الوقت الحالي ! ....
نهضت جيهان من مقعدها بعصبية وهي تزفر بغضب :
_ لازم المريض ده يمشي من هنا قي خلال يومين ....معرفش بس زم ده يحصل بأي طريقة وبأي تمن .....
فكرت الممرضة قليلًا ثم قالت بمكر :
_ بأي تمن ! ......لو كده فالتمن هيبقى كبير ....يعني ١٠الاف جنيه كده .....تمام ؟
سخرت جيهان بداخلها من الثمن وقالت لها بتأكيد :
_ هدفعهم ....بس لما أتأكد أنه خرج ......واكيد مش هخلي بكلامي .....
هزت الممرضة رأسها وقالت بنظرة خبيثة :
_ يبقى في أقل من يومين هيخرج ......استني مني خبر قريب .....
غادرت الممرضة سريعا ويبدو أن المال أغراها لفعل أي شيء .....تنهدت جيهان بعمق وهم ثقيل على قلبها وقالت بألم :
_ آخر شيء كنت متوقعة أعمله .....بس مش قدامي حل تاني ....
جلست على مكتبها وشردت قليلًا حتى ادمعت عينيها وقالت :
_ أنا مش عايزة أبقى وحشة .... ولا عايزاه يكرهني ....بس أنا محتجاله جانبي ومش هقدر ابعد ......أنا مصدقت أنام وانا مطمنة أن محدش هيغدر بيا ولا يخدعني ! ......
انتبهت وهي تبك بصمت لصوت هاتفها ....رفعت الهاتف فوجدته رقم أرضي خاص بالفندق الذي تقيم فيه ليلى ....اجابت وهي تحمل كراهية شديدة لتلك المخلوقة :
_ عايزة ايه ؟!
تعجبت ليلى من نبرتها الغاضبة فقالت بقلق :
_ يعني ايه عايزة ايه ؟! عايزة ابويا ....مش ده اتفاقنا ؟!
مش المفروض كنتِ تتصلي بيا وتعرفيني أبويا هيتنقل أمتى وفين؟!
جاهدت جيهان كي تجيب بهدوء وثبات فقالت :
_ النهاردة أو بكرة بالكتير .....وأول ما يتنقل هبعتلك على طول ....
شعرت ليلى بشيء تخفيه جيهان فقالت مستفسرة :
_ حاسة أن في حاجة عندك ؟! ياريت تعرفيني اللي بيحصل لأني في جميع الأحوال هعرف الحقيقة .....
قالت جيهان بتنهيدة عميقة وما كانت تريد أن تخبرها بذلك :
_ وجيه حط حراسة على قسم العناية ....يعني صعب انقله دلوقتي ....ياريت تصبري شوية .....
صدمت ليلى من ردة فعله الغاضبة لهذا الحد ....وللصدق تعترف أن بداخلها شيء أضاء أيضا ..!
تعلثمت في القول فقالت جيهان بتصريح :
_ ليلى .....أنا بحب جوزي ومش مستعدة أسيبه ....خليكِ فاكرة أن أي تراجع منك ده ظلم ليا ومش هسامحك عليه .....ارجوكِ ماتخربيش بيتي .....
وضح بنبرة جيهان الحزن والرجاء ....!
حقا اشفقت عليها ليلى كثيرًا ولكنها بحق تريد ان تبتعد لتحميه ....قرار الفراق الآن أكثر قرار صائب تفعله لحمايته .....
ولأنها تدرك أن جيهان محقة فيما تقوله .....
قالت بتأكيد :
_ أنا عايزاه يبعد .....مش لأني مش بحبه .....بالعكس ....لأني بحبه لازم يبعد عني .....طريقي كله شوك ....
قالت جيهان وحاولت أن تصدقها :
_ يبقى على اتفاقنا ...اكيد وجيه مش هيأذي والدك ابدًا ولكن هو مستني تظهري لأنك اكيد مش هتسيبي ابوكي في المستشفى ....!
قالت ليلى بقلب ملتاع :
_ أبويا وحشني ونفسي اطمن عليه .....
أجابت عليها جيهان بصدق :
_ لو عرفت اخليكِ تشوفيه من غير ما الحرس ياخدوا بالهم هعمل كده اكيد....امر مؤقت لحد ما نقدر نخرجه ....هتصل بيكِ بعد شوية وأقولك ينفع ولا لأ .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عاد يوسف لمقر الوحدة فوجد الفوضى تعم المكان وبعض العاملين يحاولون إعادة ترتيب الفوضى ....بينما جاسر يجلس على مقعد خشبي ويضمد جراح معصمه الناتجة عن الركض والتخبط بالجدران والحوائط ......
قال جاسر بعصبية :
_ الله يخربيت دي جاموسة .....!
ولا كأن كنت واعدها وغدرت بيها !
ضحك يوسف وهو يقترب إليه وقال بسخؤية :
_ مش كنت بتدعي نختفي من قدامك وتيجي حاجة تخفينا ؟!
اهي دعوتك اتحققت في لحظة والخيمة اتهدت على دماغكم ...يا واكل فطير الغلبان ...
أشار له جاسر بتحذير أن يصمت :
_ أنا مش ناقصك !! سيبني في اللي أنا فيه ....أنا بقيت ملطشة اصلًا حتى للحيوانات ! ...
قال يوسف بضحكة :
_ بطة توقعك في الترعة وجاموسة تعضك ! ...... أنت ناقص عليك شوية حمير يجروا وراك ويبقى كده فل الفل ....
قال جاسر وهو ينظر ليديه المليئة بالخدوش والجروح :
_ هروح العزومة كده أزاي ؟! .....اكيد البلد كلها عرفت أن الجاموسة كانت بتجري ورايا وعملت فيا كده ....
أتى رعد من خلف يوسف ونظر لجاسر وانخرط في ضحكات عالية قائلًا :
_ حتى الجاموسة بتجري وراك يا دنجوان !
بس أنا خلعت منها ومعرفتش مكاني ......جاموسة خبيثة أوي !
سأل يوسف وهو ينظر حوله باحثا :
_ هو آسر فين ؟!
أشار جاسر لمكان الخيمة :
_ أهو متلقح بيرتب الخيمة من تاني .... سيبتوني كلكم وجريتوا ....اصبروا عليا ...مش هخلي فيكم حتة سليمة بس اقوملكم بس ....
قال يوسف بتساؤل مرة أخرى :
_ هي الجاموسة فين ؟! .....
نهض جاسر من مقعده وقال بصياح غاضب :
_ متجيبش سيرتها قدامي ! ......
ركض اليهم الصبي نعناعة وقال فرحا :
_ سكرة ولدت ...سكرة ولدت ......يحيا العدل .....
قال جاسر ليوسف وهو يعطيه زجاجة صغيرة :
_ امسك البيتادين ده كده ....
اخذه يوسف منه فتوجه جاسر للصبي بعصبية وهتف :
_ عارف لو مخدتش الكلبة دي من هنا هعمل فيكم ايه ؟!
قال نعناعه بفرحة وهو يقفز فرحا :
_ انا فرحان يا دكتور ...فرحـــان ....سكرة ولدت وقامت بالسلامة ....هسمي العجل على اسمك ....
فغر جاسر فاه من الصدمة فدخل يوسف ورعد في نوبة من الضحكات ...جر جاسر الصبي من ياقة ملابسة بغيظ وقال :
_ أنا عصبي ....أنا إيــــه ؟
قال الصبي بابتسامة واسعة :
_ أنت عسل يا دكتور .....
ضمه الصبي بعناق وقال :
_ وشك حلو على الجاموسة ..... هجيبهالك كل يوم .... سامع صوتها ؟ حاسس أنها بتندهلك ....
نظر جاسر بذهول للصبي الذي يضم بسعادة ....ولم يستطع غير أن ينظر له بصدمة ......
وفي الخيمة التي وبصعوبة شديدة تم نصبها مرةً أخرى .....بدا آسر شديد العصبية وهي يضع الأدوية التي لم يطالها الأذى بترتيب ......دلف الشباب للخيمة ووجدوه هكذا .....بينما كان جاسر من كثرة غباء الصبي نعناعة تبدل غيظه للمرح .....
قال جاسر وهو يجلس على مقعد وبنظرة خبيثة :
_ الا قولي يا آسر بيه .....هي لما الخيمة وقعت عليكم حصل ايه ؟!
قال يوسف بسخرية :
_ هيشرب نسكافيه !! .....هيعمل ايه يعني يا معشوق المواشي؟
رمى جاسر نظرة حذرة ليوسف فصمت الآخر ...وعاد بمكره الى آسر الذي ارتبك فجأة .....وقال :
_ ايه اللي حصل يعني ؟! طلعت أنا وهي !
ضيق رعد عينيه بخبث :
_ وهي ؟! .....وهي مين بقا ؟!
رد يوسف بتأكيد :
_ الجاموسة اكيد يا ناصح !
وقف جاسر أمام يوسف وقال محاولا الهدوء :
_ يوسف ....أنت في عالم ميكي موس ....ياريت ما تدخلش في كلام الكبار !
لوى يوسف شفتيه باستهزاء وقال :
_ أنت محسسني انكم سلاحف النينجا !
وبعدين أنت بتعايرني عشان بسمع كرتون لحد دلوقتي يعني ؟!
أصر جاسر على أسنانه وكتم غضبه ثم اتجه لآسر قائلا بمكر :
_ أحكيلي بعدين ...أنا بحب اسمع الحكايات دي ....
قال يوسف بضحكة :
_ أنت موسوعة في الأنحراف .....بكرة نشوف ....
نظر له جاسر بثقة وقال بابتسامة ماكرة:
_أنا عالمي يابني ....صعب أقاوم ......
هز رعد رأسه بتأكيد وقال :
_ صادق ....الحيوانات نفسها مقدرتش تقاوم يامفتري !
ضحك عليه الشباب وهو يرمقهم بغيظ .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وبمنزل العمدة .......
كان الفتيات عادوا للمنزل .....وكل واحدة انشغلت بتحضير الطعام ....ولم تسمح واحدة منهم أن تظهر أي شرود عليها ......كل واحدة دخل بحياتها غريب اطلق شرارة متوهجة بقلبها .....رغم حدة لقاء بعضهم ....ولكن هناك شيء قد نبض بالقلب .....
وكان قد عاد أيضا الصبي ومعه الماشية التي أتي بها بعربة خشبية تحملها هي وصغيرها من الوحدة البيطرية......
وارتفعت ضحكاته بالمنزل وهو يروي لهم ما حدث .....ثم يعود يتحرك هنا وهناك لأعداد الوليمة للفريق الطبي .....
دخلت زوجة العمدة وهي امرأة طيبة الخصال ...قالت بمحبة للفتيات :
_ شدوا حيلكم يابنات.....ربنا يبارك فيكم يارب ....والله انتوا منورين بيت خالكم ....لولاكم لكنت احتست لوحدي دلوقتي وأنا ست كبيرة مابقتش قادرة على الشغل زي زمان .....
نظرت لها حميدة بابتسامة وهي تغسل يديها أسفل صنبور المياه :
_ البركة فيكِ يا أمه أمينة ......ما احنا بناتك برضو .... متخافيش ...الأكل فاضلة شوية صغيرة ويستوي ..... على ما الضيوف يجوا .....بس مين اللي معزوم من الوحدة يا امه أمينة ؟!
أجابت السيدة وقالت بصدق :
_ والله يابنتي ما أعرف ....هو خالك بيقولي حاجة ! ....كل اللي أعرفه أن في عزومة لضيوف جايين من مصر .....سمعته بيقول كده ...قافلة كده .....مش عارفة .....
قالت سما وقد تبدل حالة مرحها طيلة اليوم للصمت والوجوم :
_ واحنا مالنا بالضيوف ...ما اللي يجي يجي ...المهم نكرمهم وخلاص ....
نظرت رضوى لسما بشك ....اقتربت لها هامسة :
_ مالك يابت ؟!
ابتلعت سما ريقها الحاف وقالت بنفي :
_ مافيش .....دماغي واجعني بس شوية ....يمكن من تخريط البصل....
صدقت رضوى اجابتها وانشغلت بتقطيع خضار السلطة ....حتى تذكرت ذاك الغريب وابتسمت برقة وهي تعود ساعات ماضية وكيف كان اللقاء الهادئ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
اجتمع الفريق الطبي وبعض عاملين الوحدة بمندرة منزل العمدة ... في حين قال العمدة :
_ أنا عرفت أن المكان مكفاش الدكاترة للبيات ......أنا فضيتلكم مندرة الضيوف جنبنا هنا....تقعدوا فيها براحتكم طول ما انتوا هنا .... هي مش كبيرة بس هتاخد العدد اللي فاضل منكم بأذن الله .....
قال رعد بشكر:
_ الف شكر يا عمدة ....بجد عملت فينا معروف ....الخيمة كانت برد أوي ومكناش هنعرف نشتغل بالشكل ده .....
رد يوسف بموافقة :
_ خلاص أنا وأخواتي هناخد المندرة نبات فيها .... هو العدد ناقص اتنين في مكان الفريق بس أنا مش بعرف اغيب عنهم بصراحة ....هروح معاهم .....
همس له آسر بغيظ :
_ اسكت بقا ...هو أنت لازم تحكي مآساتك للقريب والغريب ! ....ايه جو كي جي وان اللي أنت فيه ده !!
نظر له يوسف وقال بنرفزة :
_ مالكش دعوة بيا ....
قال العمدة مبتسما ومجيبا على يوسف :
_ خلاص يا دكتور ....نبعت نجيب الشنط بتاعتكم من الخيمة .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
لم تذهب ليلى للعمل مثلما اتفقت مع جيهان بل انشغل بالها بقلق ووحشة على والدها ....كيف هي هنا وتتركه وحيدًا بالمشفى !! وجيهان لم تتصل بها إلى الآن...
فكرت كثيرًا واحتارت في الأمر ولكن أخيرًا قررت الاتصال على رقم بثينة ......أجرت الاتصال من هاتف الغرفة بالفندق وردت الأخرى بعد عدة محاولات :
_ الو ...؟!
قالت ليلى بتوضيح :
_ أنا ليلى يا بثينة .....اللي معاكِ في الشغل ....
قاطعتها بثينة بلهفة :
_ أنتِ فين يا ليلى الدنيا مقلوبة عليكِ هنا ؟! ....لو كنت أعرف أن ده هيحصل مكنتش خليتك تخرجي ...!
قالت ليلى بضيق :
_ عرفت اللي حصل ....طمنيني على أبويا ارجوكِ ....
قالت بثينة بحيرة أن تخبرها أم لا ....فقالت أخيرًا :
_ بصراحة انا سمعت دكتور العناية بيكلم دكتور تاني عن حالة ابوكي والموضوع شكله فيه حاجة ....خصوصا أن كام دكتور جهم شافوا ابوكي النهاردة ...مش عارفة في ايه !
دق قلب ليلى بعذاب....فقالت بثينة :
_ ارجعي يا ليلى ...مايصحش تسيبي ابوكي لوحده كده ومالوش حد !! ....أفرضي الدكاترة طلبوا شيء مايلاقوش حد جنبه !
ادمعت عين ليلى وقالت :
_ غصب عني مقدرش ارجع صدقيني .....ينفع أشوفه ولو دقيقة واحدة بس ؟!
نظرت بثينة للمر المؤدي لغرف العناية وقالت :
_ الحرس بياخدوا راحة دقايق بسيطة وبيرجعوا ....وبفضل واقفة على ما بيجوا تاني .....لو قدرتي تدخل المستشفى هدخلك في وقت الراحة بتاعتهم ......
قالت ليلى بقلق :
_ ربنا يستر ....هحاول ادخل من غير ما حد ياخد باله .....أنا جيالك ....
انتهى الاتصال وتعجبت بثينة من الخوف في العودة للمشفى من جهة ليلى ....!
ماذا فعلت لتخاف هكذا ؟!
وماذا فعلت لتنقلب المشفى رأسا على عقب فور اعلان اختفائها ؟!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
خليته فصل لأنه طويل.....بأذن الله الحلقة الجاية هي البداية الحقيقية للأحداث المشتعلة...يارب يعجبكم 🥰❤
نكمل بكرة ولا التفاعل هيبقى محبط 🙂😁
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس عشر 16 - بقلم Shaimaa Gonna
#الحلقة_الرابعة_عشر
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~...عتاب وعقاب...~
أحيانًا يخرج أعتراف الحب كصوت غاضب ..... گعتاب مؤجل .... گهزة تحت أقدامنا تجعلنا ننتبه أن هناك ميل ..!
في المركز الطبي .....مع ساعات النهار الأخيرة من هذا اليوم الشاحبة شمسه....ثارت ثائرتها ...
لم تكن تلك المريضة كأي حالة بالنسبة للطبيبة "مروة" ... أتى إليها قريبها ...... الضابط أحمد ...أبن خالتها .....
بعينيه نظرة تقول شيء يتردد في الاعلان عنه ... حيرة مبعثها عدم ثقته في مشاعرها نحوه .... وهي گ اللون المحير الذي يتصف بعدة أسماء ....مشاعرها متأرجحة ...
تارة تدفعه للإعتراف ...ويأخذه الحماس !
وفي التو ترجع لذات السكوت والصمت ..!
دلف مكتبها ...أقترب إليها وهي تقف شاردة أمام النافذة كأنها تفكر بحبيب طال انتظاره ..!
تطلع بشرودها جيدًا وكم تمنى أن يكن البال مشغول بحبه !
قال بصوت خرج هامسا :
_ مروة ..... اللي واخد عقلك ؟!
توترت ملامحها ... ودائمًا كان يأتي في الوقت الصحيح ...!
عندما يجتاحها الشوق وتتلهف لرؤيته تجده ماثل أمامها !
كيف الشوق يأتي به عند الطلب ولم يزلّ لسانه بالإعتراف ؟!
التفتت له ببطء ...لم يكن بمفاجئة أن تره ...وجوده قائم حتى وهو غائب لا عجب ..!
شعور مقيت يدفعها كي ترتمي على صدره وتخبره أنها تحتاج إليه ؟! ....ولكن بعد حساب أن هذا يخالف أخلاقها وحيائها ....كان يخالف الكبرياء أيضاً.......
هي ليست احتياط أو بديل كي يجده حينما ينتهي من علاقة أو ارتباط مع أحداهنّ....!
قالت بثبات وهي تعقد ذراعيها حولها ....إشارة دفاع ترسلها لقلبها سرًا :
_ شغلي اللي شاغل بالي يا أحمد ..!
تنهد أحمد بنفاد الصبر .... العمل مجددًا ..! ....لا بأس سيتحكم بأعصابه للمرة ما بعد المليون ...قال بهدوء :
_ ورد تاني ؟! ...... كل حياتك شغل ...شغل..!!
هتضيعي عمرك بالشكل ده !!
ارتاحت أنه صدق ما قالته للتو ..... يكفِ ضعف أمامه ...قالت :
_ هدفي أني اكمل مشواري معاها ....أنت عارف أني عنيدة ....
هز رأسه موافقا قولها ...مؤكدًا على ذلك بكل قوته ....لكن الأمر كان يبدو أنه أبعد عن حديث العمل ....قال بسخرية :
_ ومين يعرف أدي ؟! ..... عنيدة وعندك هيوصلك لحيطة سد ! ....
يتلاعب ثم يعاتب ؟!
أيا رجل ألا تسأل أفعالك عن ما طالك منها ؟!
التمعت عينيها بضيق منه .....
يؤرق القلب عتاب مختبئ ....كلمات كان لابد أن تُقال وقيدها الصمت .... أعتذار وأعذار ...دفاع ربما بعده كان السماح ممكن !
قالت بحدة صوتها :
_ تقصد إيه ...؟!!
أقترب احمد إليها خطوة....خطوة واحدة كان يعرف أنها ستؤثر على حدتها .....القرب يؤثر على غضب الأنثى ويعرف ذلك ...
قال بنظرة عتاب لعينيها :
_ اقصد أني عمري ما حبيت غيرك ..... يمكن خطوبتي كانت بقصد أني استفزك واغيظك...أخرجك من مرحلة السكوت والجمود ده ...... غلطت ...حسبتها غلط ...ظلمت انسانة معايا مكنش ذنبها أني بحبك .....بس عملت ده كله بسببك أنتِ..!
ابتسمت بسخرية ....مرارة ارتسمت على شكل ابتسامة ساخرة !
قالت :
_ حكايتنا كانت جميلة ....بنت خجولة وبتتكسف ...قلبها لسه أخضر .... وشاب شايف أن الحب عبارة عن كلام !!
أني لما تقولي بحبك ....يبقى لازم أرد وأقولك أنا كمان بحبك ...!! مافهمتنيش ....
التمعت عينيها بالدموع وتابعت :
_ ماحسبتش أني حسيتها بس كان صعب أقولها ....اسأل نفسك لما أنا مردتش كسوف وخجل كان رد فعلك ايه ؟!
عرفت كام واحدة وفي الآخر خطبت صاحبتي !
وده كله عشان تستفزني ....فكرك أني كده يعني هجري عليك وأقولك بحبك ؟! ......
سقطت دمعة من عينيها وهي تضيف بانكسار :
_ أنت كسرت جوايا مقامك عندي .... كسرت حلم بريء أوي اتمنيت أنه يكمل بشكل راضية عنه .....وده كله عشان احترمت مشاعري وحبيت أديها حقها بشكل رسمي ......
أنت بقى كنت عايز واحدة زي إسراء صاحبتي ....
بنت بتعرف تحب ...وبتعرف تلبس وتتشيك ...بتعرف تتكلم وتلف دماغك بكلمتين حلوين ....ده يعني من وجهة نظرك...!
بس الحب بالنسبالي مش كده !!
ومش هقولك عشان أنت ما تستاهلش ...واحمد ربنا أني قادرة اعتبرك حتى أخ ...!!
هتفت في آخر حديثها واشتدت دموعها انهمارًا ......للتو اكتشف كم كان غبي في قراره الذي عذبها هكذا ....قال بأسف وندم :
_ نفسي أعرف كام مرة لازم أعتذر واتأسف عشان تسامحيني ؟
كل اللي أقدر أقوله ....أني غلطان وندمان .....
أنا حبيت بجد ....بس أنا مش ملاك ....فهمت غلط ...وغلطت ...عكيت الدنيا ... كسرت بغبائي أحلى حاجة في حياتي ..... بس تفتكري لو أنا بالفعل عملت ده كله بدافع إنك تتحركي وتتكلمي وتبيني اللي جواكِ حتى لو كنت غبي في تصرفاتي ....ما استاهلش السماح ؟
عجزت مروة عن الرد ..... بماذا تجيب ؟!
بعض من الحكمة يخبرها أن تعطيه فرصة .....ولكنها تمقت هذا الشيء ....تمقت أن تكن لعبة بين يديه !!
وربما كان كاذب ....للأسف هي لا تعرف حقيقة مشاعره حتى الآن !
رغم أنه فردًا من عائلتها ....ولكن القلب محراب مغلق الدوام......لا يفتح لاحدًّا ......
ابتلعت ريقها وتهربت بحركة عائدة إلى مكتبها ....وراقبها بتمعن بانتظاره كلمة تبل ريقه بالحياة والفرحة....قالت :
_ أنا راجعة البيت .....بعد أذنك ....
صرّ على أسنانه بغضب مكتوم ....ثم قال بعصبية رنت بصوته :
_ هوصلك ....
رفضت قائلة وهي تحمل حقيبتها وتظاهرت بالبحث بداخلها عن شيء :
_ لأ مافيش داعي .....كنت بسيبك الفترة اللي فاتت توصلني عشان كنت بتساعدني أدور على ورد ...أنما دلوقتي مافيش داعي توصلني .....شكرًا جدًا ....
ارتفع صوته بعصبية ولمحة أصرار :
_ من غير نقاش يا مروة يلا عشان أوصلك ....أظن مش من الذوق أو الرجولة أني أسيبك تركبي مواصلات لوحدك بليل كده .....!
اللي بينا شيء .....وقرابتنا شيء تاني ....
قالت مروة وهي تحمل الحقيبة على كتفها :
_ أحنا مافيش بينا حاجة غير أننا قرايب وبس .....وعمومًا هتوصلني ولا هنقف كده كتير ؟!
تنفس بعمق وعصبية تلتمع بعينيه وهو يشير لها أن تخطو أمامه ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
انهمكت الفتيات في تحضير الطعام على صواني فضية اللون دائرية الشكل ......وكان الفريق الطبي مؤلف من ستة عشر طبيبًا من مختلف الاقسام والتخصصات وأثنين من الصيادلة وبعض الافراد الأخرى .....
وفي مندرة منزل العمدة التي كانت واسعة جدًا لأستقبال ضعف هذا العدد .....وضع نعناعة طاولات خشبية على شكل مستطيل أمام الضيوف وهذا طبقاً لطقوس إعداد الطعام الذي تعود عليها .....
فلا يترك أي من الفتيات تقترب من المندرة أثناء وجود أي من الرجال الغرباء .....ويستقبل هو مهمة ترتيب الأطباق على المائدة الريفية الثرية بالأطعمة اللذيذة ....
بدأ الصبي في نقل الصواني من المطبخ حتى المندرة ووضع الأطباق أمام الضيوف .....
ابتسم يوسف وهو ينظر للأطباق التي ترتفع منها السنة البخار برائحة شهية نفاذة بمختلف الأطعمة الدسمة.....وقال هامسا لرعد :
_ شوف الاكل اللي يفتح النفس ! ...... ومستغرب أني مبسوط هنا !! .....طبيعي أتبسط جدًا .....ريحة الأكل ده بتفكرني بريحة الفطير بتاع البنت العسولة الفلاحة اللي شوفتها من قريب ....
رد رعد عليه مبتسما بمكر :
_ البنت العسولة الفلاحة !! ..... وإيه كمان يا حنين ....يا ابو قلب كبير....يا أبو بطن كبيرة!
تحسس يوسف بطنه المسطحة وقال بتعجب :
_ بطني مش كبيرة يا غلس !! أنا بعوض بالرياضة وده قمة الذكاء بقا خد بالك...... باكل اللي أنا عايزه ....وساعة رياضة تخليني رشيق جدًا...
وعلى الجانب الآخر همس آسر ليوسف :
_ يوسف ...الأكل ده كله بالسمنة البلدي يعني خلي بالك .....ماتنزلش فيه أوي عشان أنت مابتصدق ....
تنقلت نظرة يوسف للأطباق الذي يرتبها نعناعة على الطاولة الخشبية أمامهم ورد على آسر وعينيه على الطعام :
_ شايف الطبق اللي فيه محشي قدامك ده ....عايزه ....
قال آسر بدهشة :
_ ما انت قدامك واحد من الناحية التانية؟!
وضح يوسف قائلًا :
_ رعد عايزه
هز آسر رأسه موافقا ...انتظر يوسف للحظات ثم همس لرعد :
_ بقولك .... قرب عليا طبق المحشي بتاعك ده كده ....أصل نفسي فيه ....
قال رعد بتعجب :
_ اومال اللي هناك ده بيعمل ايه ؟! ..
أجاب يوسف متظاهرا بالضيق :
_ آسر عايزه
قال رعد مبتسما وهو يربط على قدم يوسف بتأثر :
_ حاضر ...أول ما نبدأ اكل هحطه قدامك ....أنت أخويا يابني.... !
نظر يوسف له وأطرف عينيه سريعا بتأثر :
_ ربنا يحميك ويكتر من أمثالك لأمثالي ....
ابتسم رعد بشكر :
_ حبيبي تسلم ....ربنا يديك على أد معدتك يا حبيبي ....
تم ترتيب الطعام بعد دقائق قليلة فقال العمدة لهم جميعا وهو يبدأ باسم الله :
_ بسم الله يا دكاتره ...بالهنا والشفا ....
وضع رعد وآسر طبق "المحشي" في وقتٍ واحد أمام يوسف ....حتى نظر كلًا من رعد وآسر لبعضهما وفهما مكر يوسف عليهما فضيقا أعينهما في غيظ منه ..... بينما ضم يوسف الطبقين أمامه في ابتسامة واسعة ورماهمها بغمزة .....
تمتم آسر ورعد وكتما بعض الكلمات العصبية .....
تفاجئ جاسر بيد نعناعة التي تضع أمامه مزيدًا من الطعام من حين لآخر ببسمة واسعة .....حتى نظر جاسر له بغيظ وقال :
_ كفاية !!
قال نعناعة بضحكة بلهاء :
_ لازم تتغذى يا دكتور .... أنت نورت الدنيا والله ....
كتم جاسر غيظه من هذا الصبي المزعج وتابع طعامه الذي تلذذ به حقا ......
قال الصبي نعناعة بحماس :
_ على ما تخلصوا هكون جبت شنط الدكاترة اللي في الخيمة ....فوريرة وهتلاقوني جاي .....
قال أبيه العمدة بأمر :
_ لأ استنى .....بعد لما يخلصوا عشان تشيل الأكل وتدخله المطبخ......وتبعتلنا الشاي ....
وافق الصبي في ترحاب شديد بالضيوف .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
قالت سما بسيمات الإرهاق على وجهها وهي تستند على رخامة المطبخ:
_ طب كده هيكون فاضل بس المواعين تتغسل .....هروح استريح في اوضتنا ....مابقتش قادرة أقف ...
قالت جميلة وهي ترتشف كوب من شاي بالنعناع :
_ روحي ارتاحي أنتِ يا سمكة ....هخلص انا المواعين أنا وحميدة ورضوى......
هزت سما رأسها وتوجهت لغرفتهم بداخل المنزل .....قالت حميدة بصوت خافت وضيق لأجل شقيقتها :
_ البت سمكة مابقتش بتهزر زي الأول ..... أنا زعلانة عشانها أوي ....
قالت رضوى بغيظ :
_ منه لله اللي كان السبب ..... واحد مايستاهلش تعريفة كرهها في عيشتها وطفش !
تنهدت جميلة بألم وقالت :
_ غلبانة سمكة ....كانت راضية بيه رغم انها مكنتش بتحبه ولا كانت عايزاه في الاول .....احنا اللي اقنعناها وفضل خاطبها اربع شهور ......اربع شهور مقالهاش كلمة حلوة !!
على طول كلامه دبش ....وشايفها وحشة ومسترجلة ! اومال حفي على ما وافقت عليه ليه ؟!
أجابت حميدة عليها :
_ بس سمكة برضو غلطانة يا جميلة ....هي جافة أوي بصراحة ....ماهي ممكن توصل اللي في دماغها بشكل هادي من غير مشاكل ...هي عصبية وهو عينه زايغة وطلع مش سهل ....
وضعت رضوى يديها على خصرها بإعتراض :
_ يعني تتسهوك عشان تعجب يعني !! مايغور في داهية ....بكرة يجي سيد سيده !!
نفت حميدة الأمر وأوضحت :
_ مش بتكلم عن الواد ده ...بتكلم عمومًا يا رضوى .....سمكة عصبية في كل حاجة والدنيا مش بتتاخد كده ..... لما تتجوز هتفضل كده برضو وهتتعامل كده ودي المشكلة الحقيقية .....
في غرفة الفتيات .....
التي تضم سريرين وخزانة ملابس كبيرة تحتوي على ملابسهما الأربعة ......وأريكة جانبية خلفها نافذة خشبية باللون الأخضر الباهت بعض الشيء ......
أغلقت سما الباب جيدًا خلفها ثم توجهت للأريكة ....فتحت نصف النافذة ونظرت للسماء الغائمة وهي تدمع وتتذكر كلمات الطبيب الشاب .....مع ذكريات مؤلمة مرت بها ...
وتقول دموعها الكثير .....
لست قبيحة .....لست كما تراني أعينكم .....انظروا إلى قلبي ...إلى روحي ....أنظروا إلى بعين الأنصاف ....
انظروا إلى وأنا اطعم طير ضعيف يبحث عن الطعام بجوع ..... أو وأنا احمل صغير وابتسم له .....
أنظروا لما أصنعه بيدي ....وليس لما بيدي فيه أي صنع !!
لست مثل أحد للمقارنة بالأخريات ... أنا أحب تلك الملامح بوجهي.... لما اجبرتوني على كرهها لأنها لا تروق لكم؟!
أنتم تنظرون لما ترونه ...ولكن لا ترون دموعي بالخفاء ليلًا على كلماتكم الجارحة .....لا ترون أنشقاق قلبي عند تذكرها ....ولا ترون صفعات الألم مع تردد صداها وتأثيرها برحي .....
أعينكم ليست مبصرة ...وقلوبكم دون بصيرة لرؤية الجمال الكامن بالقلب والروح .....
أي جمال يمتلكه انسان يؤذي مشاعر غيره بمنتهى الثبات دون رفة ندم ؟!
وعن أي قبح تتحدثون عنه بفتاة لا تريد من الحياة أكثر من أن تغفو عند المساء دون دموع ؟!
أنتم بشر ....والبشر ليس ملائكة ....إذن علي تحمل ما اقابله منكم...أسفا على قلبي ....وعلى قوة احتمالي .....
وعلى حياة لابد أن اتحملكم فيها وليس بيدي شيء سوى أن أهرب لغرفتي وأبكِ في عزلتي ..... في شموخ صمتي ...
هذا رد فعل متأخر .....يسبقه رد سريع ببسمة تخفي دموعي حتى أنفرد بنفسي .....بمساء أبكِ فيه وحدي ....مثلما أفعل الآن تمامًا...
انتفضت سما من البكاء وهي تسقط رأسها على حافة الأريكة وتدفن دموعها بجفاف قماشها المقلم ......
ورغم أن العين تدمع ....والقلب منكسر ... لكن هناك يقين بأن السعادة آتية بالأماني ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
القلب له أعين ....تسهر وتنام ...تغفو بالأحلام ...وتستيقظ مهلة وأحيانا فزعة .... بينما هناك قلوب عينيها گعيون التماثيل الثابته .... ساهدة صباحها ومسائها .....تنتظر مساء الفرحة بيوم ....
كانت في طريقها إلى المشفى ....وقد دخل الليل بعاصفة من البرد الشديد ..... كانت قد ابتاعت بعض الملابس بنهار اليوم لها ولأبنتها ...ببعض المال الذي تبقّى معها ...
أضفى الرداء الطويل الكحلي من قماش القطيفة نعومة في طلتها .... ولابد أن تعترف أن لهفتها يشوبها لهفة لرؤياه ...رغم أيضا بعض القوة التي لا تريد أن تراه ....فسيبدو الأمر بعدما حدث كارثة !
كارثة ليس بمعناها المعروف...
كارثة مشاعر !!
ربما هذا نوع من الكوارث يدحض أخطر القرارات .... أن نحب كثيرًا ....ونضحي أكثر ...ونبتعد ونفارق لإبعاد الخطر عن قلوبهم ....وتأتي تلك الكارثة الحسية وتخبرنا أننا نريد البقاء ويحدث ما يحدث ...
ويتنحى الكبرياء لبعض الوقت ....
شيء شديد الخطورة بالأخص في هذا الوقت .... التي تبعده لتسعده .... أو لتقنع نفسها بذلك .....
مرت السيارة الأجرة بالطريق ووصلت أمام المشفى في سرعة لم تشعر بها ليلى ..... همست ليلى لأبنتها التي صمتت طيلة الطريق فقط لأنها تعتقد أنها عائدة لبطل حكايات قبل النوم ..... لأبيها التي قررت ببراءة أنه أصبح أبيها !
وقالت للصغيرة :
_ أوعي تعملي أي صوت .....وإلا هيزعقولي أنا ...ماشي يا حبيبتي ؟
اومأت الصغيرة برأسها في موافقة عاجلة .....للأسراع فقط والدخول .....وقفت السيارة الأجرة بقرب المشفى ....نظرت ليلى من النافذة الزجاجية لتتعجب !!
ليس هناك حراسة على باب المشفى !
أين هم إذن ؟!
مصادفة أم غير ذلك ؟!
تذكرت ليلى أن الحرس قد أرسلهم وجيه لقسم العناية .....سبب مقنع لأختفائهم ....رغم أن عدم وجود باقي الحرس أمر مثير للشك .....ولكن سيسهل الامر عليها بهذه الطريقة للدخول ....
خرجت من السيارة الأجرة وتوجهت إلى المشفى وهي تحمل طفلتها ......
دق قلبها بخوف وشعور قوي أن هناك مؤامرة بالأمر ....ولم تعرف لما لم تبحث على الأقل عن وسيلة أخرى للدخول ....
كأنها تريد أن يقبض عليها وتقنع نفسها أنها ما كانت تريد ذلك !
خطواتها كانت بين البطء والسرعة وهي تمضي من باب الدخول بيسر ....كأن الظروف تمهد لها ذلك ....ولا تدرك فعليًا أن الأمر مرتب له من قبل .....
مضت من أمام مكتب الاستعلامات وهي تخفي وجهها في كتف أبنتها .....ووقفت أمام باب المصعد ....تنتظر أن يحتويها قبل أن يرها أحد .....
أي كارثة وضعت نفسها بها ....للتو ادركت الأمر ....رغبتها متضاربة بين اللهفة والخوف والابتعاد .....
لسان الافتقاد هو من ارغمها على هذا العبث والمجيء بهذا الشكل ....علها تره ...عله يجدها في تيهتها ...رغما عنها ....
وقف المصعد وتنفست الصعداء عندما خرج منه بعض الغرباء .....دخلت وهي تتعجب من نفسها !!
ماذا تريد ؟!
ما هذا الجنون ؟!
تريده بشدة أن يجدها ....وتريد بجنون الهرب منه ! ...أي عبث هذا ؟!
بين اللحظة والأخرى الف شعور ولهفة وهجر يتقلب بخاطرها .....!
صعد المصعد بها وهي لا زالت تحمل ابنتها ....وعامل المصعد يواليها ظهره بانتظار الطابق المقصود ....
حتى وقف المصعد وتابعت سيرها ...على سير من الجمر والخوف وهي تترقب ظهوره بين اللحظة والأخرى .....لتقابلها زميلتها "بثينة" وهي تباشر عملها بتنظيف الممر .....
دهشت بثينة من رؤيتها تسير هكذا وهي من هربت بالأمس !!
تركت ما بيدها واسرعت إليها في تحذير وقلق :
_ كنت اتصلي بيا وطنت نزلت جبتك من باب تاني ....أنتِ مش خايفة وأنت ماشية كده عادي ؟!!
قالت ليلى بعجالة :
_ نبقى نتكلم بعدين يا بثينة ....خليني بس أشوف أبويا الأول واطمن عليه .....
نظرت بثينة حولها بترقب ثم قالت :
_ طب هاتي بنتك هخليها معايا ....البسي لبس ممرضات وكمامة وادخلي شوفيه ...محدش هيعرفك بالكمامة ....
أنا حضرت اللبس في أوضة المنظفات ...ادخلي بسرعة ومتتأخريش ..... الحرس عندهم راحة بعد دقايق ...قدامك عشر دقايق بالضبط أكتر من كده معرفكيش .....
اودعت ليلى صغيرتها مع بثينة وتوجهت لغرفة المنظفات سريعا ....وبسرعة خارقة كانت ارتدت رداء الممرضات وارتدت الكمامة الطبية التي حجبت ملامحها عن التعريف .....
ثم خرجت من الغرفة وهي تنظر حولها ولاحظت أن بثينة اختفت من الممر أيضا .....
سارت ليلى بترقب وخوف وهي تنظر حولها ....كان الطريق لغرف العناية هادئ وخالِ من المرور ......
مضت بساقيها التي ترتجف من الخوف وتحملها بالكاد .....كانت تبتلع ريقها بصعوبة كلما مرت خطوة ..!
حتى وقفت اقتربت من غرفة العناية التي بها والدها ....وانتبهت لبثينة وهي بغرفة مواجهة وتحمل الصغيرة .... نظرت لها بثينة وحذرت إنها ليلى بتلك الكمامة الكبيرة الحجم .....اغلقت ليلى الباب علي بثينة وقالت بهمس :
_ ماتعمليش صوت يا ريمية زي ما قولتلك ....رجعالك تاني ....
ضافت الطفلة من ترداد قول أمها للمرة التي لم تحسب كم !
وبدأت تتأفف من الانتظار ......
اغلقت ليلى الباب وحمدت ربها أن الحرس ذهبوا للإستراحة قبل أن تأتي وأنهم لم يتعرفوا على ابنتها....
فتحت باب العناية المركزة لتخدمها الظروف أيضا أن هناك ممرضة واحدة تعاين أحد المرضى على بُعد خطوات بعيدة من والد ليلى الذي كان سريره مقابل للباب مباشرةً.....
توجهت بنظرة يغمرها اللهفة لفراش والدها ....لتجده على حاله ....اطرفت عينيها بإعتذار ودمعة سقطت من عينيها وقالت بصوت خافت جدًا :
_ غصب عني سيبتك .... بس جيت رغم كل شيء عشان أشوفك .... بس بالكتير يومين وهتتنقل وهقدر اكون جانبك على طول .....أنت سامعني يا بابا ....أنا متأكدة ...
مرت الممرضة بجانبها وقالت متسائلة وهي تنظر لليلى بتعجب :
_ مالك ؟!
جف ريق ليلى التي ضيقت عينيها لتخفي الدموع وقالت بتلعثم :
_ لا أبدًا ....أصل ....أصل حسيت بحركة ...و
قاطعتها الممرضة وقالت بموافقة:
_ أيوة فعلًا ..... النهاردة الدكاترة كانوا بيتكلموا عن الموضوع ده ...يمكن المريض ده قرب يفوق مين عارف ...
لم تعتقد ليلى أن كذبتها تشكلت حقيقة وواقع ! .....أرادت بشدة أن تبك بسعادة ....نظرت لأبيها وعينيها ملؤها الدموع وابتسامة بآنٍ واحد ....حتى انتفض جسدها عندما اقتحم القسم من هربت منه .....من اصبحت لديه كالهواء الذي يتنفس ولا يستطع أن يمسكه بيديه!
اتسعت عينيها وكاد قلبها أن يتوقف عندما سمعت صوته وهو يدخل سريعا للقسم وخلفه الحرس......
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
________________
نكمل بكرة بأذن الله بقية الفصل عشان الفصل ده طويل وعايز تركيز ...... والوقت هيتأخر... أتمنى يعجبكم ..🥰❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع عشر 17 - بقلم Shaimaa Gonna
#الحلقة_الرابعة_عشر_الجزء_الثاني
أنا لا أخاف منـه .... أنا أخاف من شوك الطريق إليه ....
ولكن هجوم خطواته على قسم العناية يعلن أنه يعرف أنها هنا !!
النبضة التي كانت هادئة منذ لحظات انتفضت بقلبها ...
وهنت ساقيها وكأنها لا تستطع الوقوف لأكثر من دقائق آتية .... حمدت تلك الكمامة الطبية التي تخفي معظم معالم الخوف والذعر على وجهها ....
باستثناء اتساع حدقتيها وبؤبؤ عينيها التي انفرجا بصدمة .....
اسرع وجيه اتجاه والدها ولم يدرك أن تلك الممرضة المتخفي وجهها خلف كمامة هي ....تظل عينيها بالنسبة إليه مميزة ...بالتأكيد إذا نظر إليها سيشك على الاقل .....
تعمدت اسقاط قرص دواء كان على طاولة خشبية صغيرة بجانب الفراش وانحنت لتلتقطه وتباطئت بتعمد ....
نظر وجيه حول المريض التائه بغيبوبة ولم يرَ سوى تلك الممرضة وممرضة أخرى !!
أين هي ؟!
يشهر برحيقها يحوم حوله ؟!
كان ترك الباب الرئيسي مفتوح دون حراسة ضمن خطته لتسهيل دخولها دون مجهود .....
ترك الفتاة المنحنية للأسفل بلا اكتراث وقال لأحد الحراس وهو ينظر لجميع الجهات :
_ اقلبوا المستشفى حته حته لحد ما تلاقوها ....واقفلوا كل ابواب الخروج....طالما ظهرت في االكاميرا ودخلت المستشفى ومخرجتش يبقى اكيد لسه موجودة هنا ..... بس الحرس اللي هنا راحوا فين ؟!
هتف بعصبية بوجه الحارس فقال الآخر بتوتر :
_ ليهم خمس دقايق راحة عند كل وجبة ..... في بنت عاملة هنا بتفضل لحد ما يرجعوا وبتحرس الباب في الدقايق دي ...
وضع وجيه يديه على رأسه بعصبية وقال :
_ هي فين ؟! ابعتوهالي فورًا وراقبوا المكان هنا ما تتحركوش لحظة واحدة .....
انتفض جسد ليلى بخوف ....لو رأى صغيرتها ماذا سيكون الحال ؟!
استقامت وهي تنظر للأسفل بتعمد حتى تبعد وجهها عنه وهو منشغل بالتحدث مع الحراس .....
كانت بالكاد تسير ولكن اسرعت خطاها حتى اوقفها صوت الممرضة الأخرى من داخل القسم وقالت :
_ استني .....ماينفعش تخرجي وقت النباطشية!! ....
لم تتعرف الممرضة على هوية ليلى ولكنها حسبت انها احدى زميلاتها ...وبوجود طبيب كبير مثل وجيه واهتمامه بالقسم لهذا الحد كان الألتزام بالعمل يبدو زائد أمامه.....كاد قلب أن يقف ولو استدارت ستكن مخاطرة ومجازفة ......
ومع تكرار سؤال الفتاة كان لابد أن تلتفت ليلى وخصوصا أنها سمعت صوت وجيه يتحدث مع الرجل.....
استدارت وكادت أن تتحدث لتصطدم بعينين وجيه وهي مثبته عليها رغم انه يتحدث مع الحارس .....
جف ريقها مع نظرته الضيقة على عينيها ولم تستطع أن تقف خصوصا وهي ترى قدميه وكأنه تستعد للأنقضاض عليها.....
لم تدرك إلا عندما وجدت نفسها تركض للخارج وبأسرع ما في قوتها وسرعتها ......زم وجيه شفتيه بغضب واندفع خلفها تاركا الحرس بالقسم وأمرهم بأغلاق أبواب المشفى .....
من التفات وصمت وارتباك بعينيها الحبيبة ....كان الأمر أكثر من كافِ ليعرف أنها هي !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كان الممر خارج غرفة العناية طويل وبه غرف على جانبيه ....خرج وهو يلتفت بجميع الجهات بنظرات يتطاير منها الشرر والغضب ولكنها اختفت بلمح البصر !!
أين هي ؟! ...أين اختفت ؟! ....كأنها لم تكن !!
اندفع يفتح الغرف بحركة غاضبة جنونية بأن يجدها ....فتح أثنين وعندما فتح باب الغرفة الثالثة وجد الممرضة منى تدثر طفل نائم بالأغطية ذو عشر سنوات كان مصاب بكسور في عظامه منذ أيام .....
قال وجيه بعصبية لها :
_ محدش دخل هنا ؟!
تظاهرت منى بالثبات وقالت :
_ لأ يا دكتور محدش دخل ....
كاد وجيه أن يخرج حتى شعر بحركة داخل حمام الغرفة فوقف وهو يمعن النظر اتجاه الحمام .....ثم نظر لمنى التي شحب وجهها من الخوف ليقول بحدة :
_ مين اللي هنا؟!
أشار اتجاه الحمام فقالت منى بتلعثم :
_ دي أم الطفل ده ....
ضم شفتيه في ضيق شديد ثم خرج من الغرفة متابعا بحثه .....
تأكدت منى أنه ابتعد بالفعل بالممر ثم اسرعت اتجاه الحمام وفتحت بابه وهي تقول إلى ليلى التي كانت تبكِ بصمت وهي تضع يديها على فمها تكتم شهقاتها :
_ الحمد لله عدت على خير ....بس لازم أعرف عملتي إيه خلى دكتور وجيه كده !!
استندت ليلى على مقبض باب الحمام ودموعها تتساقط وارتخى جسدها وكادت أن تسقط بإعياء :
_ معملتش حد اطمني .... أنا مشيت وكنت وعدته أني مش همشي ....دي كل الحكاية .....
قالت منى بشك :
_ حاسة أنه بيحبك ! .....دكتور وجيه من وقت ما أختفيتي وهو مش طبيعي وحاله اتقلب !
من صمت ليلى ونظرتها الساقطة بحزن للأسفل تأكدت منى من ظنها فقالت بعطف :
_ طالما كده يبقى تمام .....مش هجبرك تقولي حاجة وخصوصا دلوقتي ......
تاهت ليلى في حيرة وخوف فقالت :
_ بنتي ....عايزة بنتي ..... بنتي مع بثينة ....هروحلها أزاي دلوقتي وهنخرج أزاي اصلًا !!
امتلأت عين منى بحيرة وتردد ثم قالت :
_ هحاول اتصرف ....بس ما تطلعيش من هنا لحد ما ارجعلك ....ربنا يستر وتعرفي تخرجي من هنا ......
خرجت منى من الغرفة وليلى تحاول ايجاد مخبأ بالغرفة من اقتحام أي غريب الغرفة .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
طاف وجيه بالطابق بحثا ولم يجد لها أثرًا .....تلاحقت أنفاسه واصبحت عينيه گ الجحيم وكاد أن يبتعد من أمام غرفة العناية ليوقفه صوت بكاء طفلة ...!
اتجاه الباب المقابل لقسم العناية !!
الصوت مألوف لديه ....ليس بغريب ....جذب قلبه مباشرةً.....توجه للغرفة وفتح بابها ليجد بثينة تحاول أن تهدأ من بكاء الصغيرة ريميه !
عين الطفلة الحمراء بالبكاء رق لها قلبه ....قال بحنان عندما رآها وأشرق قلبه من شمس برائتها :
_ ريميه ؟
التفتت الصغيرة سريعا لمصدر الصوت وتوقفت فجأة وهي تطرف عينيها لتتأكد من ظنها ....
وقفت بثينة وهي تحمل الطفلة وقالت بخوف شديد أقرب للبكاء :
_ دكتور أنا .....
تبدلت نظرة وجيه عليها بعصبية وقال :
_ ليلى فين ؟ ....
كانت نظرة كفيلة أن يفهم أنها تآمرت مع ليلى للدخول إلى هنا دون علمه وهو من يجن بحث عنها .....
قطبت بثينة حاجبيها برعب من نظراته الغاضبة وقالت بتلعثم :
_ هي ..... هنا ...بس مش عارفة راحت فين ....
قال وجيه بعصبية وأمر :
_ سيبي البنت وأمشي....اعتبري نفسك مطرودة ....
تلألأت الدموع من عين بثينة بشعور الظلم .....لم يكن هو بذلك الجبروت أبدًا ...ولكنه اعتبر تصرفها مؤامرة عليه .....
تركت بثينة الصغيرة على المقعد وخرجت من الغرفة واغلقت الباب خلفها ......
التفت وجيه للصغيرة التي ابتسمت ووجهها غارق بالدموع ..!
اقترب اليها بلهفة، وضم قبضتيها الصغيرة التي رفعتها اليه بيديه الدافئة وقال وهو ينحني بعض الشيء .....همس وهو يقبل رأسها الصغير بحنان :
_ ريميه ...أميرتي الصغيرة .....
قالت ريميه وهي تطرف عينيه المبتسمة :
_ بابا وجيه ....وحشتني أوي أوي .... كنت بعيط عايزة أشوفك ....فين ماما ؟
تنهد وجيه بعمق ....ذات السؤال يتردد بعقله كل ثانية ...ويهتف به القلب ...أجاب:
_ أنتِ عايزة ماما ؟
قاطعته ريميه باجابة سريعة وعفوية :
_ عايزة ماما ...وعايزاك أنت كمان ....عايزاكم مع بعض ....
اجابة بريئة ....غير مقصودة من طفلة بعمرها الصغير الذي لم يتعدى الخمس سنوات ......ولكنها حملت ما يتمناه قلبه بجميع الأماني ....
صمت وجيه للحظات وشرد بعينيه حتى نظر للصغيرة من جديد ويشبع عينيه منها ...فقط اشتاق لها بشدة ....اشتياق أب لأبنته الغائبة .....قال بدفء :
_ لو بعدتِ تاني هزعل منك ....... عشان أنتِ وحشتيني أوي .... مش أنا بابا ؟
ابتسمت الصغيرة ورفعت يدها ترفع خصل شعرها التي تسقاطعت على وجهها وقالت ببراءة :
_ أيوة أنت بابا .... أنا حلمت بيك وأنا بقولك يا بابا .....كنت بتحضني أنا وماما ....
سرى الدفء بعين وجيه ....ليت حلم الصغيرة يتحقق .....ورغم كل شيء فأن غضبه من ليلى دفن مؤقتٍ برؤية الطفلة .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
تسللت ليلى بعد نفاد صبرها عبر الممر ....لتجد بثينة تسير متجهة لغرفة المنظفات وهي تمسح عينيها الدامعة فاوقفتها متسائلة بخوف :
_ بنتي فين ؟
نظرت لها بثينة وقالت بعصبية :
_ بنتك مع دكتور وجيه ...وبسببك أنا اتقطع عيشي ....مش عايزة ادعي عليكِ يا ليلى ....سيبيني بقى أمشي .....
احترقت غصة بحلق ليلى ....يكفيها عذاب ...لن تحتمل عذاب الضمير أيضا وهي من تسببت بطرد زميلتها المسكينة .....قالت بطلب :
_ طب ممكن اعمل اتصال من تليفونك ؟ ....لمكتب دكتور وجيه ....
لم تخف بثينة ...لم يعد بالأمر أي خوف بعدما تم طردها فقالت وهي تعطيها الهاتف :
_ لو تقدري تكلميه يرجعني يبقى كتر خيرك .....
ردت ليلى بتأكيد :
_ هحاول اصلح اللي عملته .... هو اكيد ميعرفش رقمك ..... تعرفي رقم تليفون مكتبه ؟
اجابت بثينة بالايجاب وتم إجراء المكالمة على الهاتف الأرضي للمكتب ....وبعد عدة محاولات كان قد دلف وجيه للمكتب وهو يحمل الصغيرة التي ارتسمت الابتسامة على وجهها بثبات ....وضع وجيه الطفلة على المكتب ورفع سماعة الهاتف بلهفة ...فقالت ليلى وهي تقف بغرفة المنظفات بتلعثم وتوتر :
_ أنا ليلى .....
تملك منه الغضب مجددٌا ....ولكنه تحكم بغضبه بوجود الطفلة ....أخذ الهاتف مبتعدًا عنها وقال إلى ليلى بتوعد وحدة :
_ مش بيهرب غير الجبان اللي مش قادر على المواجهة ..... كان في امكانك تواجهيني وتقولي كل اللي عايزة تقوليه ..... اكيد مكنتش هسجنك هنا !
كذبت ليلى وقالت :
_ أنا خرجت من المستشفى .....وعايزة بنتي ارجوك .....ولو ليا خاطر عندك ترجع بثينة لشغلها دي غلبانة ...... أنا اللي اتحايلت عليها هي مذنبهاش حاجة ....
صرّ وجيه على اسنانه بغيظ وغضب وقال :
_ عايزة بنتك يبقى تعالي خديها بنفسك .....عايزة ترجعي بثينة لشغلها اقفي قدامي واطلبي مني كده وجها لوجه .... أبواب المستشفى هفتحها ..... وأنا عارف أنك بتكذبي وأنك لسه هنا ....بس عارف كمان أنك مش هتقدري تمشي وريميه مش معاكِ ...... وأنا مش هسلمها لحد غيرك مهما كان .....
ابتلعت ليلى ريقها ذو الغصة بخوف من مواجهته ......فهتف بها بعصبية مرةً أخرى :
_ جبانة يا ليلى .....عيب اكتشفته بخلاف خيانتك وكذبك وعيوب كتير أوي فيكِ......جيهان أفضل منك الف مرة وهي اللي تستحق تشيل اسمي ..... تعالي خدي البنت اللي فعلًا ما تستحقش أم زيك ......
اغلق الهاتف وهي ما زالت تضع الهاتف على أذنيها بقلب يلتهب بالنيران والثورة ......
راقبتها بثينة بقلق وترقب .....لتجد ليلى تجهش في حالة بكاء وهي تضيق عينيها الغاضبة من ما سمعته منه......
خلعت ليلى الكمامة من وجهها وقالت بنيران تتقلى بعينيها :
_ أنا هروحله بنفسي ....وهاخد بنتي ومش هخليه يشوف وشي تاني .....
اتسعت عين بثينة بصدمة من مجازفة ليلى بالأمر....وللحظة غفلت عن أمر طردها وانحصر تركيزها كله على المقابلة الصادمة بينهما .......
اخذت ليلى ملابسها وخلف حاجز من الصناديق الورقية بدلت ملابس التمريض إلى ملابسها الاساسية ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
ودقائق كانت تقتحم مكتبه بثورة مشتعلة تطل من عينيها ....نظراته لها كانت ثابته وكأنه لم يكن يبحث عنها منذ قليل ....!
ولكنها تطلع به بغضب شديد ......ودموع تضرب أي مقاومة عرض الحائط .....جالت نظرتها عن ابنتها ولم تجدها !!
هتفت به بعصبية مفرطة :
_ جتلك بنفسي ومطلعتش جبانة ....بنتي فين ؟!
اقترب لها ببطء حتى وقف أمامها بثبات وتركها تثور ....لتكرر بشكل هيستيري من الغضب :
_ بنتي فين ؟! .... عايزة اخدها وأمشي من هنا ....أنا ما استحقش اي حاجة وكدابة وخاينة وبيعتك وغدرت بيك كمان ...... كفاية ولا أقول تاني ؟!
ضيق عينيه بنظرة شرسة ورد بثبات رغم غضبه :
_ لسه عندك تاني ؟! ......أكتر من كده ؟!
تذكرت ما قاله عن زوجته وهتفت بعنف وهي تبك :
_ آه عندي ..... وقولتلك سيبني في حالي بدل المرة اتنين وتلاته ....... ولا لازم اقولك أني مش بحبك !!
اسودت عينيه بصدمة .....اي شيء كان متوقع منها غير أنها تقول ذلك !! ..... اتسعت عين ليلى بعدما قالت ذلك في هوج غضبها .....صدمتها كانت من نفسها. ومما قالته !
ابتلعت غصة حارقة وهي تنظر له بقهر وتضرعت أن لا يصدقها ولكنه كاد أن يصفعه وتراجع وارجع يديه جانبه .....
لا تسحق يا قلبي ...لم تكن تستحق حتى تلك رفة الشوق بعينيه .....رجع وجيه خطوة ...وتلاها خطوة ....مبتعدًا عنها ....صدمة زلزلت كيانه بكل صدق .....
كان ينتظر منها الاعتراف بالحب .....لتصدمه أنها لا تحب !
أي منعطف مال قلبه إليه ؟!
وأي جحيم وضع نفسه به ......
ابتلعت ليلى ريقها بخوف عليه .....صدمة رجل كان قائدًا لجيش عظيم وهزم بآخر معاركه ...!
حاولت أن تقول شيء ولكنه أشار لها أن تصمت وقال بنظرة انهزام بعينيه :
_ أبعدي عني يا ليلى ....أرجوك أبعدي عني ..... لأول مرة من عشر سنين فاتوا أبقى عايز أخرجك من حياتي بجد .......كل مرة كنت بثور وأقول وأقول ...كلام كتير مكنتش بنفذ منه حرف مجرد ما بهدا وأحن ليكِ.....
المرادي لأ ......أنك قولتي كده والمفروض اتمسك ...ده مستحيل .....بنتك في نفس المكان اللي خصصته ليكِ هنا ...والدك تقدري تاخديه في أي وقت محدش هيمنعك ........ بس ابعدي عني ..... أنا كرهت قربك ......
نطقت اسمه ببطء من صدمته في حالته الغريبة التي لأول مرة تراه بها :
_ وجيه ....
قاطعها بحدة :
_ دكتور وجيه ....مافيش بينا أي رابط .....اتفضلي أمشي من هنا ....
لم تتحرك ليلى التي وكأن أصابها حالة من الجمود والتسمر .....فتحرك هو وخرج من المكتب وتركها تقف مكانها بلا حركة ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
غادر الفريق الطبي من منزل العمدة باستثناء الأربع شباب ....شباب العائلة الواحدة ......وصاحبهم الصبي نعناعه حتى مندرة الضيوف بجانب منزل العمدة .....
مندرة عبارة عن شقة صغيرة بها غرفة واحدة وحمام صغير مع مساحة واسعة لصالة الاستقبال يلفها الآرائك الخشبية التقليدية.......
قال نعناعه بحماس :
_ هروح بقى اجيبلكم الشنط وجاي .....
كان جاسر يضع يديه في جيبه وينظر للمكان بتمعن ....غادر الصبي فتهالك كلًا من رعد وآسر على الآرائك وقال رعد :
_ أنا كلت كتير ومش قادر اتنفس !
شاركه آسر قائلًا :
_ محتاج ساعتين رياضة عشان أقدر أنام ..... الأكل هنا دسم أوي ....
جلس يوسف بجانبهم بضحكة واثقة وقال :
_ أنا بقى زي الفل .... نفسي ابعت رسالة شكر لمعدتي بصراحة ..... بهنيها عليا
قال جاسر بضيق :
_ بقولكم ايه ....مش في سطح هنا ؟ .....اكيد يعني ....أنا طالع أشم شوية هوا ...... بدل الجو اللي اتقلب بط ومحشي وملوخية ده !!
توجه جاسر للدرج بخارج المندرة صعودًا لسطوح المبنى .....بينما سخر يوسف واستنكر قوله وقال :
_مش وش نعمة!
شرد رعد وظهرت ابتسامة على وجهه ....ضيق يوسف عينيه وهو يتسلل اليها مقتربا وقال وهو ينظر بعينيه جيدًا بوجهه :
_ سرحان في إيه يا رعد ؟ ..... ابتسامتك مرسوم فيها فتاة !
قال آسر بسخرية :
_ فتاة ! وهنا ؟! ...... أحنا بقالنا ساعتين هنا ماشوفناش أي فتاة لحد دلوقتي !!
قال يوسف بابتسامة تسخر منه وقال :
_ يابني هنا مش زي المدن ..... مافيش اختلاط والكلام ده ..... وبصراحة كده احسن ....
قال رعد بابتسامة تتذكر ذلك الوجه ذو السمرة المحببة :
_ هنا البنات جمالها طبيعي .... ضحكتها جميلة ....وبغمازة كمان ..... بتتكسف من أقل شيء ..... شيء كده يشغل البال وأسمر يا أسمراني وربنا يستر .....
هز يوسف رأسه بضحكة ماكرة وقال :
_ ما تقول هي مين وتفضفض يا رعدود !!
تابع رعد على نفس شروده :
_ بنت شوفتها صدفة ..... هو أنا مش عارف اتشدتيت ليها ليه تحديدًا ....... بس لما ضحكت بغمازتها دي قلب أخوك مابقاش على سابق عهده ......
اغمض يوسف عينيه بابتسامة شاردة وهو يتذكر حميدة :
_ أيوة ....ايوة ....كمل كمل ..... وقفت عند سابق عهده ...وبعدين ؟
هتف آسر فيهم بحدة ففتح يوسف عينيه بخضة ورمقه بغيظ .....ليقول آسر مجددًا :
_ ياريت نفوق لشغلنا كده بدل جو يوم من عمري ده اللي هيجبلنا مشاكل ...ويعطلنا ......
وقف يوسف قائلًا له بغيظ :
_ أنت اللي جواك ده مش قلب ....دي علبة تونة وفاضية !
رد آسر بسخرية :
_ احسن من برطمانات العسل اللي عندكم ...بس عسل أسود !
رد آسر وهو قاطب الجبين بغيظ من آسر :
_ يا كئيب يا عدو الفرحة !! ربنا يوقعك في واحدة تخليك ماتنامش الليل وتحتار حيرتنا وتسرح سرحتنا قادر يا كريم ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وضع الفتيات الملابس المبتلة على سطوح المنزل .....تثاءبت حميدة وقالت :
_ بصراحة أنا تعبت ومش قادرة أنشر هدوم .....
وسايرتها رضوى التي كانت تكره هذه المهمة وقالت متظاهرة بالنعاس:
_ وأنا كمان ....هموت وأنام ....
فهمت جميلة الأمر وقالت ضاحكة :
_بتخلعوا يعني !! ...ماشي ......انزلوا وأنا هنشر الهدمتين دول واحصلكم ....
ركضا كلا من حميدة ورضوى ضاحكين إلى الأسفل ....وبدأت تفرد جميلة الملابس المبتلة على الأحبال .....
حتى لاحظت ظل لشبح طويل وعريض المنكبين خلفها .....
كان جاسر يقف بسطوح المبنى حتى لاحظ اصوات الفتيات ....لم يكترث للأمر حتى صدم بتلك الفتاة التي أوقعته بترعة الأرض الزراعية ..... قفز من على السور الفاصل بين المنزلين .....وتسلل بخفاء حتى استطاع الوقوف خلفها دون أن تشعر.... ورسم خياله ظل ضخم أمامها .....
انتفض جسد جميلة وهي تسمي في صوت مرتعش اسم الله وتتستعيذ بالله ..... كتم جاسر ضحكته ورفع يديه وكأنه سيخنقها فظهر ظل يديه ضخم جدًا جعلها تكتم صرخة بحلقها .....
ضخم جاسر صوته وتظاهر بأنه شبح وقال :
_ أنا عفريــــــت الليل ........ شيييييييش
جف ريق جميلة من الذعر ولكنها تعجبت وقالت :
_ شييش !! ..... عفريت القناة الخامسة !
استدارت جميلة وكادت أن تصرخ حتى ضحك جاسر عليها ووضع الرداء المبتل الذي كان بيدها على فمها لتصمت ...فقال وهي يحاول أن لا يضحك أكثر من ذلك :
_ أنتِ بتطلعيلي ليه كل ما بكون زهقان ؟!
حدجت جميلة فيه بصدمة ....لا يعقل أنه هنا ؟!
نظر جاسر لعينيها الملتعمة تحت قمر الليل وقال مبتسما بمكر :
_ عينك الحلوة دي خدت قلبي غسيل ومكوة ..... زي الغسيل اللي غسلتيه ده ....يكونش ده قلبي ومش واخدة بالك ! ولا دي.......
فجأة وجده نفسه يُدفع بعيدًا والملابس المبتلة تتدافع في وجهه فتأون بألم من اصطدم شيء معدني بوجهه وهي تهتف بعصبية :
_ لأ دي الله يرحمها كرامتك اللي هتتنشر وهتتعصر وهتتفرد دلوقتي ..... جاك حش وسطك يا بعيد.....
..... الحقونــــــــــاي....هموته
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Shaimaa Gonna
#الحلقة_الخامسة_عشر ...
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... خيط الوصل...طفلتها...~
دفعت جميلة الملابس المبتلة بوجه جاسر قطعة ورآها أخرى ...كان يتفادى الملابس كأنه يسد الأهداف بمرمى كرة القدم !
نعت غبائه الذي جعله يقترب لتلك الشرسة مرةً أخرى وهو من كان يتوعد لها لما فعلته به بلقائهما الأول ....
هتفت بعصبية ويديه تحجب وجهه بحركة دفاع :
_ يعني بتصرخي وأنتِ بتحدفي في وشي الهدوم دي !! ...ما شوفتش في غبائك !
رمت جميلة بقوة آخر قطعة بيدها والتي أصابت وجهه تمامًا ..... أزاحها جاسر بغيظ وهتف بنظرة غاضبة وهو يقترب لها سريعا :
_ كان نفسي تبقي شاب عشان أعرفك نتيجة اللي عملتيه ده دلوقتي .....كنت فرمتك ....!
غضبت جميلة من اقترابه وعصبيته الواضحة فصاحت بصوتٍ عال :
_ أنا ارجل منك واللي تقدر عليه اعمله ..... ولا ناسي لما حدفتك شبه الجردل في الترعة ! ...... لأ وجاي لحد هنا كمان ومعرفش وصلت لهنا أزاي ؟!.....يا بجاحتك !!
زفر جاسر بعصبية وهو يتمنى لو يستطع أن يلقيها من على السور للأسفل ......وجد الصبي نعناعه وخلفه الفتيات يأتون من المبنى الواقف على سطحه راكضين...... وشباب عائلة الزيان يسرعون خلف بعضهم أيضا ....وذلك من خلف الفاصل بين المندرة ومنزل العمدة .....
هذا بعض صياحها گ الديك المصيح فجرا !!
نطق جاسر من بين أسنانه بعصبية :
_ فضحتينا الله يخربيتك ....الناس اتلمت !
لوحت جميلة بيديها وكأنها بإتيان الفتيات اصبحت في مركز أكثر قوة :
_ أنت لسه شوفت حاجة ....... أصبر عليا .....
هرع الصبي نعناعه وقال باستفسار لجميلة :
_ بتصوتي ليه خرعتيني !!
تسلل الشباب لسطح المنزل الآخر مثلما فعل جاسر منذ لحظات.... حتى أقتربوا من جاسر الذي يقف بمفرده بين الأربع فتيات والصبي ......
اجابت جميلة بعصبية وهي تشير بوجه جاسر بسبّابتها :
_ البغل ده لقيته على السطح بتاعنا ....اكيد حرامي !
نظر الصبي لجاسر وعاد ناظرا لجميلة قائلًا بحدة :
_ ده حرامي ده ؟! ....ده الدكتور جاسر !!.....من فريق القافلة اللي وصلت للبلد.... وأبويا العمدة دخله المندره هو و٣ دكاترة معاه .....
ضيقت جميلة عينيها عليه بعدما وقف جاسر بثقة ينظر لها ويراقب ردة فعلها باهتمام وترقب ......وكأنها لم تتفاجئ بالأمر رغم أنها بالفعل تفاجئت بعض الشيء في حين لم تحب أن تظهر ذلك .....
تسمر الثلاث شباب خلف جاسر وهم ينظرون للفتيات اللواتي نظرن لهم في دهشة .....
ابتسم يوسف لحميدة التي تنقلت ابتسامتها من الجهة اليمنى واليسرى على وجهها في فرحة بائنة تحاول أن تخفيها ودهشة واضحة ....
ونظر آسر بعصبية لسما التي ضيقت عينيها عليه كأنها تريد أن تصفعه ..... بينما كان هو لا يختلف كثيرًا عنها وصرّ على أسنانه بغيظ كأنه سيبدأ شجار معها .....
تخضب وجه رضوى بإحمرار ودقات قلب متسارعة وهي تنظر لنظرات رعد المبتسمة لها بدفء ومكر يلتمع بعينيه ......
كأنه كان يعرف أنهم سيتقابلا ثانية !
لم يعرف متى أو أين ....ولكنه ادرك أن شروق اللقاء الثاني لقريب !
هتف الصبي نعناعه بجميلة وقال وهو يرمق قطع الملابس المترامية على الأرض بفوضى :
_ احمدي ربنا أن ابويا راح يصلي العشا في الجامع وما سمعش صوتك المسرسع دهوه ..... بقى ده شكل حرامي يا حوله ؟!
ابتسم جاسر بسخرية وكأنه تلذذ بما بتعنيف الصبي لها....اسودت عين جميلة بعصبية وهي تلكم نعناعة على كتفه بغيظ وتهتف :
_ أنا حوله يا حصيرة مقطعة !! ......
خرج يوسف من شروده بابتسامة بوجه حميدة وقال بابتسامة وكأنه يستمتع بما يحدث :
_ في إيه يا جاسر ....متعصب ليه ....ده الجو جميل خالص أهوه لدرجة أني جوعت وأنا لسه واكل ...!!
تذكرت حميدة قطع الفطائر وابتسمت بخجل..... وعلى رغم عصبيتها بآخر لقائها به ....ولكنه يبدو تصرف بعفوية .....
رد رعد بابتسامته الماكرة وعينيه تتسحب باتجاه رضوى :
_ هو جميل بعقل !! ......
اشتعلت وجنتي رضوى بحياء وابتسامة متأرجحة وابعدت عينيها عنه بعدما شعرت أن هناك شيء يقصده خلف الكلمات ....
قاطعهم آسر بإستهزاء وهو ينظر لسما بحدة ويتذكر ما قالته له سابقاً :
_ بالعكس .... أنا اتخنقت وعايز أمشي.... شيء مستفز !!
قالت سما بعصبية لآسر واعلنت أنها فهمت مقصده :
_ وأنت إيه اللي جبرك تفضل هنا ؟!... طريقك أخضر يا خويا !
زم آسر شفتيه في غضب يكتمه بالكاد .... اسلوبها فظ لدرجة كبيرة معه ..... لم يعتاد أن يتحدث معه احد بتلك الفظاظة من قبل ......
سومها الصبي نعناعه بضيق وقال :
_ اكتمي يابت ....بتتكلمي وأنا واقف ؟! ..... كوز درة أنا ؟!
الدكاترة دول ضيوفنا .... يعني ما أشوفش واحدة منكم هنا تاني إلا للضرورة...... يلا انزلوا خليهم ياخدوا راحتهم !
ظهرت بعين آسر نظرة انتصار لما قاله الصبي لها وكأنه ثأر منها !!
قال رعد بابتسامة وبنظرة تقصد شيء يتوارى خلف كلماته وكأن هذا سيصبح عادته من الآن :
_ ما تقلقش على راحتي ..... أنا فعلًا لقيتها هنا .....وأنا وهي مرتاحين أننا مع بعض جدًا .... كانت وحشاني والله .... راحتي ....
اكد على الكلمة الأخيرة ...... كان يبدو واضحا أن بكلماته شيء ما غامض ...... لم تعرف هل قصد أن يخفيه أو يظهر !
بينما تلعثمت رضوى بإرتباك وركضت مبتعدة بعد ذلك ....فأتسعت ابتسامة رعد بتسلية وهو يضع يديه بداخل جيوب بنطاله بثقة ...
رمت سما آسر بنظرة حادة وقالت لجميلة بعصبية ظاهرة:
_ خلصي نشير الغسيل وانزلي يا جميلة ....أصل الجو هنا كله هباب ويخنق !
استدارت مبتعدة بعدما نالت من نظرات انتصاره واغضبته ....... قالت حميدة بتلعثم وخجل وهي تتهرب من ذلك المحدق بها بابتسامة بلهاء تثير الشكوك وتلفت الأنظار :
_ معلش أحنا مكناش نعرفكم .....ومنعرفش أنكم هتقعدوا في المندرة ...متأخذوناش .....
رد عليها يوسف بابتسامة وهو ينظر لها بفرحة واضحة لرؤيتها مجددًا....كأنه التقى بشيء كان يفتقده بشدة :
_ معرفة خير بأذن الله.....
ابتلعت حميدة ريقها بتوتر ثم لحقت الفتيات للأسفل بخطوات سريعة مهرولة للأختباء والتخفي عن أنظاره.....
وبين تلك الكلمات بين الشباب والفتيات كان جاسر يرمق جميلة بغيظ لحظات وبسخرية للحظاتٍ أخرى ......وشيء من التسلية لوجودهما بهذا القرب الذي سيخلق بالتأكيد مواقف أخرى آتية .....
لملمت جميلة قطع الملابس وقالت وهي تضعهم بترتيبهم الأول داخل "كروانة" من البلاستيك :
_ هنزل أشطفهم وانشرهم في أي حته تانية غير دي ..... على ما الغمة تتزاح .....ربنا يزيح العلل
ردد جاسر الكلمة بغيظ وهو يعرف أنه المقصود بهذه الكلمة....
ذهبت جميلة بالفعل بعد دقائق ورمقها جاسر بابتسامة مستهزأة منها عله ينل من ثقتها وتمردها الشرس هذا ولكن هيهات !! ......حتى قال الصبي نعناعة لهم في شبه اعتذار :
_ تتمسوا بالخير بقى يا دكاترة ...... ولا كأن حصل حاجة .....
أشار لهم ملوحاً وهبط الصبي للأسفل سريعا هو الآخر .....قال يوسف بتكرار كلمة حميدة الأخيرة بعدما أختفى الصبي وغادر :
_ متأخذوناش ؟ ...... يا أخواتي على الرقة ..... الكلمة طالعة من بوقها بنكهة الفطير الخطير .....
نظر آسر لهم بعصبية وقال وهو ينظر لهم الثلاثة ويشير اتجاه السلم :
_ شايفين كلامهم عامل أزاي ؟! عاجبكم يعني نتهان بالشكل ده ؟! ......أنا مش هقعد هنا لحظة واحدة !
قال جاسر بابتسامة يملؤها المكر وكأنه يخطط لشيء :
_ أنا قاعد هنا طول ما القافلة هنا ......ماليش علاقة بيهم ....كفاية ترحيب العمدة بينا ..... وبعدين بصراحة أنا المرادي اللي غلطان وجيت هنا بنفسي ......كويس أنها مقالتش كده قدام الواد اللي اسمه نعناعه ده وإلا موقفي كان هيبقى زي الزفت ....
قال رعد وهو يمرر يده على رأسه بابتسامة واسعة وكأنه وجد شيء يروقه بشدة :
_ وأنا مع جاسر .....مش ماشي من هنا .....
همس له جاسر بنظرة خبية مبتسمة بعدما لاحظ نظراته لأحدى الفتيات :
_ لقيت راحتك ها ؟! ......اقطع دراعي لو اللي بفكر فيه مكنش صح ....كلامنا بعدين يا رعديد.....
قال يوسف بتصميم والابتسامة عريضة على محياه :
_ اللي يقدر يخرجني يفرجني !! .....أنا راشق هنا .....
صدم آسر من قرارهم وتصميمهم بالبقاء وتحدث بصوت به رنة غيظ وضيق :
_ تمام ......أنا همشي لوحدي .....
قال يوسف له بتحذير وبجدية :
_ على فكرة دي تبقى قلة ذوق .....أنت وافقت تقعد هنا قدام العمدة ...لو مشيت دلوقتي يبقى أنت كده بتحسسه أن المكان مش كويس أو معجبكش ومش لايق بحضرت الدكتور !! .....وبعدين أنت كنت بتتكلم كده ليه مع البنت اللي كانت بتزعق من شوية ؟! ....كأن بينكم حرب أو طار؟!
أجاب آسر بضيق وهتاف وحاول أن يخفي أي بوادر ارتباك ربما ظهرت بعينيه:
_ عشان لسانها طويل واتخانقنا امبارح بسبب نعناعه قريبها ده ...... أنا مش حابب اقعد في مكان هي فيه ! ....
قال جاسر بتوضيح وحديث تظاهر به بالعقلانية عله يقنع أبن عمه :
_ كلام يوسف صح يا آسر ......سيبك من أي حاجة حصلت معاها..... أنت بقرارك ده هتحرج راجل محترم استضفنا في بيته واكرمنا..... مكنش مجبر خالص يقعدنا هنا ..!
وافقة رعد وقال بمسايرة آراء الشباب :
_ ما أنت مش هتقدر تقوله ولا توضحله سبب رفضك لوجودك هنا..... يبقى التفسير الوحيد اللي قدامه أن مش عاجبك المكان بعد ما كنت موافق .....وغير كده احنا متوعدين نبقى مع بعض في أي حاجة.......هتعرف تقعد مع الفريق وتسيبنا ؟
زفر آسر بعصبية وهو يتهرب بنظراته منهم ......مضى اتجاه سطوح المندرة وسأله يوسف بضيق :
_ رايح فين ؟ هتمشي برضو ؟!
رد آسر بعصبية عليه:
_ هستناكم تحت ...أو هنام أفضل .....
تابع آسر طريقه وابتعد ......قال يوسف بحماس للواقفين بجانبه :
_ أنا مبسوط ومتفائل ....
قال رعد بابتسامة ماكرة وبدا عليه بعض الشرود :
_ الحكاية شكلها مش بسيطة خالص ..... بس تستاهل أوي .....وأنا كمان متفائل يا شباب .....
تنفس جاسر بنظرة ماكرة وقال :
_ أنا مش متفائل على اد ما أنا واثق من نفسي .... خلينا نشوف الحجر ده هيفضل حجر ولكنه هيدوب على إيدي ؟!
تساءل يوسف بحيرة من جملة جاسر الأخيرة ودق بعقله ناقوس الخطر :
_ تقصد ايه بكلامك ؟!
قال جاسر وهو يتنهد بابتسامة وينظر لرعد المحدق فيه بصمت وشيء من العتاب كأنه فك رمز خطة مختبأة بسرية بعقل جاسر :
_ هفهمك قصدي بعدين ......
قال رعد بحدة :
_ مش هتستفيد حاجة .... مش ذنبها أنها مش زي اللي عرفتهم ..... حاسس أن دي البنت اللي وقعتك في الترعة مش كده ؟!
ابعد جاسر عينيه عن رعد وقال بثبات :
_ آه هي ...... وسيب بكرة لبكرة .....محدش عارف فيه إيه ....
قاا يوسف بقلق :
_ ربنا يستر منك وعليك ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بغرفة الفتيات .....
تجمع الثلاث فتيات بالغرفة بإستثناء جميلة التي أعادت غسيل الملابس المتربة بعدما نالت من ثرى سطح المنزل .....
تمددت حميدة على فراشها التي تشاركه مع شقيقتها رضوى .....وشردا الفتاتان للبعيد ......كلاهما على وجهها نصف ابتسامة...والنصف الآخر مختبأ بالأحلام البعيدة .....
تنفست حميدة وهي تتذكر ذلك الشاب الذي يبدو تلقائي وعفوي لدرجة كبيرة ......يبدو گ الطفل في مزاحه ومرحه ....
حتى ابتسامته كانت صافية وصادقة .....
كانت تنوي أن تنسى ذلك اللقاء .....وعند الخطوة
الأخيرة بالنسيان وصل عقد اللقاء بلقاء آسر مد التفكير .....شيء يجذبها إليه ....وشيء يخبرها أنه لم تكن المرة الأولى الذي تراه فيها .....
اضجعت رضوى على جانبها الأيمن اتجاه الحائط .....لتخفي ابتسامتها عن أي تلصص ....وبذات الوقت لتعطيها حرية الظهور !!
اي شيء يجذب عقلها للتفكير به ....وقلبها للهفة الرؤيا ..... أي شيء جعلها ما تمنته طويلا كأنها تخطو بأول خطوة به .....
ابتسامته لها وحديثه الماكر كأنه يحاول أن يخبرها شيء ....!!
كأنه يحاول أن يذكرها بأول لقاء ....
كأنه يطمئنها أنه فكر مثلما فكرت ....وتمنت مثل ما تمنّاه .....وأحب لقاء تلقيه الصدف مرةً أخرى ...
ارتجفت للحظة .....عندما تذكرت أن حلم اللقاء أصبح حقيقة ....وأعطتها الصدف ببذخ شيء ما كانت حتى تجرأ أن تتمناه ..... أن يكن بذلك القرب أيضا ....وتقريبًا يسكن بنفس المنزل !!..... يا الله .....
نظرت سما للسقف على الفراش الآخر الذي تشاركه مع جميلة .....في ثبات وصمت .....
وعلى رغم ضيقا وعصبيتها وصدق كرهيتها لوجوده هنا .....ولكن الآن ؟
الآن شعرت بشعور غامض ......صافي تمامًا من الغضب !!
شعور لم يكره وجوده حقا ..... وأيضا لم يرحب ترحيب حقيقي به !!
كأنها تريد أن تجعله يرها جيدًا ....يرى تلك الفتاة الطيبة بداخلها ..... يرى حقيقتها !! شعور يحب أن يراها جميلة !!
نفرت من ذلك الشعور وأغمضت عينيها تحاول النوم رغما عن كل الافكار المتزاحمة بعقلها وخاصةً بتلك الدقائق الأخيرة !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كتمت جميلة وهي تلوي الملابس الغارقة بالماء بين يديها ......ليس فقط من غيظه ......هي تعترف لنفسها أنها كلما رآته تكن أكثر عصبية ....لم تعامل احدًا هكذا...!!
ولكن عينيه تؤكد أنه خبير ومحترف وجريء ......
شيء يستفز وللعجب يجذب الإناث أيضا !!
كلما تذكرت غيظه وعصبيته وايضا نظراته الماكرة كلما كتمت ضحكاتها ......
ثم تبدل ضحكها لشرود وحيرة .....لما تفكر هكذا ؟!
لما تفعل معه هكذا ؟!
لما تشعر بهذا الشيء الغريب على وطن القلب ؟!
اطرفت عينيها بتقطيبة علت ملامحها فجأة كأنها تعنف نفسها وتابعت تطهير الملابس من الثرى .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وبالمنــــدرة .....
كانت هناك غرفة واحدة بسريرين وحمام وصالة واسعة فقط .....
تفرق الشباب الأربعة بالغرفة .....
وقف رعد شاردًا أمام نافذة صغيرة من الخشب القديم وقال :
_ عمي مصطفى الله يرحمه كان ليه حق يتعلق بالريف وبناسه.....هدوء وراحة ..... بتتنفس دفا من كل شيء حواليك ....
قال جاسر بسخرية والذي يتمدد على الفراش ويضع يديه خلف رأسه :
_ التفسير وعلم النفس بتحشره في أي حاجة ......حتى هنا !!
اعترض يوسف على حديث جاسر الساخر وقال وهو يقف أمام فراشه :
_ رعد عنده حق ..... أنا نفسيتي اتحسنت أكتر لما جيت هنا .....ده شيء طبيعي يمكن عشان كل البيوت محاطة بالزرع والخضرة ...... يا أبني ده كفاية تصحى الصبح على ريحة الخبيز التحفة دي .......
رد جاسر عليه بحديث أكثر سخرية :
_ أهو أنت كمان دخلت رغباتك المطبوخة دي في رأيك !! ...... طب تقدروا تعيشوا هنا على طول ؟!
لوى آسر شفتيه بإستهزاء :
_ لأ طبعا ....أنا عن نفسي مستني ارجع القاهرة النهاردة قبل بكرة .....حياتنا وشغلنا كله هناك.....
استدار رعد لهم وقال بثبات :
_ اعترف أني مقدرش بس مش عشان مقدرش أعيش هنا .....مقدرش عشان شغلي مش هنا .....عيلتي مش هنا ..... لكن لو عليا كنت هفضل هنا ولكن للأسف ماينفعش ..... في فرق بين أنك تتمنى شيء وبين أن وراك مسؤولية وضروريات لازم تتحملها حتى لو ضد رغبتك ....
وأضاف بمرح وهو يرجع ناظرا من خلال النافذة :
_ وعمومًا خلينا نقضي الفترة دي بشكل لطيف ....حاسس أن فترة وجودنا هنا مش هتتنسي وهتبقى جميلة ..... شيء يبعث عن الراحة والأمان .....
رد يوسف وهو يشير له بتأكيد :
_ وأنا كمان حاسس بكده
ابتسم رعد وقال مضيفا وهو يتذكر ذلك الوجه الذي يشوبه بعض السمرة من أشعة شمس الريف الدافئة :
_ بصراحة مكنتش متخيل الريف بالجمال والدفا والحنية دي .....!
نظر له يوسف بابتسامة شاردة :
_ فعلًا .....وأنا كمان
تابع رعد قائلًا :
_ حاسس أني عندي طاقة وحماس ونفسي مفتوحة لكل شيء ..... مبسوط معرفش ليه !!
رمقه جاسر بنظرة ماكرة مبتسمة بينما حدق فيه يوسف وقال بدهشة وتأكيد :
_ اقسم بالله وأنا كمان !!
التفت له رعد بغيظ وقال :
_أنت كوبي بيست في مشاعرك يا يوسف !! ...... يا كربون الأحاسيس !!
ضحك يوسف بصدق وقال :
_ ما أنت بتتكلم زي ما بحس ....مش مهم ....أنا أحس وأنت تفسر ...هو مش أنت دكتور نفساني !
نهض آسر من مكانه وقال لهم وهو يتنقل بنظراته عليهم بحدة :
_ أنا وافقت أفضل عشانكم ......لكن لو الأمر هيفضل كده وهسمع كلام زي ما سمعت من شوية يبقى أسف ...همشي .....
ضيق جاسر عينيه بتعجب وقال :
_ بقولك إيه .....أنت مش عايز حاجة يبقى تجنبها .....البنت اللي كانت بتزعقلك دي ردت على كلامك المستفز ..... مكلمتكش من نفسها .....ريح هتستريح ....من الأخر يعني كبر دماغك ومالكش دعوة بحد هنا ....!
رفع يوسف حاجبيه بدهشة :
_ أول مرة أحس أنك عاقل يا جاسر !! ....والله صح ....طالما انت يا آسر مش عايز مشاكل يبقى من الوحدة للمندرة ومن المندرة للوحدة ......
صمت آسر وهو يرمقه بعصبية .....لم يكن الحل الأمثل بالنسبة له ويعرف ذلك ...... خصوصا بوجود تلك الفتاة !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بغرفة الصغيرة بالمشفى ......
قبّل وجيه رأس الصغيرة الذي تألم حقا لوداعها ....لا سبيل للقائها به مرةً أخرى وأمها ستأخذها من هنا وتبتعد ....
لا سبيل حتى أن يبقيها هنا !
ولا أحقية في أن يطلب رؤيتها !
همس للصغيرة بحنان ونظرة معذبة ثم أخرج كارت صغير من محفظته ووضعه بيد الصغيرة :
_ ده كارت فيه رقم تليفوني ......أي وقت حبيتي تكلميني هتلاقيني برد عليكِ على طول ..... هتوحشيني أوي .....
ضمت الصغيرة الكارت بقبضتها حتى أخفته بأناملها وقالت بحزن :
_ هتمشي ؟!
لم يعرف وجيه بماذا يجيبها!
لم تطن هناك إجابة واضحة ترحم ضعفها وصغر عمرها .....ولا يريد أن يعطيها وعد كاذب أيضا ......فقال مغيرا الحديث :
_ أوعي تنسي ..... رقم تليفوني معاكِ أوعي تضيعه ..... هستنى مكالمة منك في أي لحظة ...... مش عايزك تعيطي لما أمشي .....
التمعت عين الصغيرة بدموع وهزت رأسها بالإيجاب وهي لا تفهم كثيرا الأمر .....ولا حتى تدرك أن الهاتف سيعوضها عن فقدان بطل حكايات قبل النوم الذي أتى من الخيال للحقيقة وتعلقت به بشكل كبير في ظلمتها الدائمة.......
كأنه اليد الداعمة التي تجذبها من الظلام لعالم من المرح والنور......لبطل خارق اعتقدت ببراءة أنه أكثر شخص يستطع ان يحميها من جميع القسوة التي نالتها من أبيها وعائلته.....
مرر وجيه يده برفق على رأسها ثم استقام متنهدًا بألم وتحرىك للخروج من الغرفة .....
وعندما فتح الباب وجد ليلى أمامه ..!
لم تتفاجئ كثيرًا فهي كانت تتوقع ذلك .....كانت تعرف تعلق صغيرتها به والذي من رحمته لم يعاقبها بأفعال امها .....
ابتلعت غصة بحلقها ونظرت للأسفل حتى رماها بنظرة قاتلة من القسوة ومر جانبها سريعا......اغمضت ليلى عينيها بحزن ومضت لصغيرتها .......
تعجبت بعض الشيء لذلك الهدوء على الصغيرة ....رغم بعض الدموع الواقفة بعينيها ولكن هدوئها بذهابه لأمرًا غريب بعد نوبات بكائها لرؤيته ....!
ودت لو تسألها ماذا قال ولكن حافت أن تثير بكائها فألتزمت الصمت ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عادت ليلى للفندق .....أخذت مفتاح الغرفة وهي تحمل أبنتها التي صمتت طيلة الطريق وتضم يدها لصدرها بقبضة مغلقة كأنها تخفي شيء بتلك الأصابع الصغيرة !
انتبهت ليلى فجأة وهي تمضي اتجاه المصعد للصعود لغرفتها المستأجرة بالفندق إلى صوت مألوف ....التفتت ببطء حتى تفاجئت بصديقتها القديمة " إيمان " ......صديقة وزميلة عملها القديمة * محل الزهور" ....
ابتسمت ليلى بصدق ورددت اسمها حتى اسرعت إيمان إليها بخطوات سريعة والابتسامة واسعة على ثغرها ....وقالت :
_ ليلى !!! ....مش معقول !! .....وحشتيني جدًا جدًا ....
صافحتها ليلى بحرارة وأجابت عليها :
_ وأنتِ كمان ...وحشتيني أوي
نظرت إيمان للصغيرة بحنان وقالت وهي تشاكسه بيدها على وجنتها :
_ بنتك دي ؟! .....قمورة أوي مشاء الله ......
لم تلاحظ إيمان حالة الصغيرة فقالت ليلى بابتسامة :
_ آه بنتي ....ريميه
اعجب إيمان الاسم وحاولت التذكر متى سمعته من قبل؟ ...ولكنها لم تعطي للأمر أهمية حتى تابعت بابتسامة عريضة :
_ تصدقي أنا مكنتش موافقة أجي النهاردة ....أصل جوزي يبقى سكرتير رجل أعمال كبير .....معرفش اسمه عاصم ايه كده ....الفندق ده يبقى بتاعه كمان .....والنهاردة في حفلة كده عشان نجاح الصفقة الأخيرة للشركة .... كل موظف جاي معاه مراته وكده ......اضطريت أجي معاه .....
تذكرت ليلى اسم عاصم .....فقالت متسائلة :
_ عاصم شكري تقصدي ؟
هزت ايمان رأسها وقالت بتأكيد :
_ هو ده ....بس أنتِ تعرفيه منين ؟!
ربطت ليلى الأمور ببعضها ثم أجابت :
_ ما أنا قدمت في شركته عشان أشتغل ....المهم ...تعالي معايا أنا حاجزة هنا لفترة على ما الاقي مكان مناسب .....
لم تفسر ليلى امر العمل واكتفت بما قالته ......وافقت ايمان بترحاب وقالت :
_ ماشي ...وهتصل على حازم أقوله أني معاكِ هنا .....هو عارفك....ياما حكيتله عنك ......
صعدت ايمان مع ليلى لغرفتها وأجرت اتصال على زوجها بهذه الدقائق ......
في غرفة ليلى ......
وضعت ليلى ابنتها على الفراش وطلبت وجبة سريعة تكفي ثلاث أفراد عبر الهاتف .....لترفض ايمان قائلة :
_ لأ مش هقدر ...... أنا كفاية عليا أني شوفتك والله يا ليلى .... رجعتيني لعشر سنين فاتوا في لحظة ! ...
اكملت حديثها وهي تبتسم بحنين ثم قالت متسائلة :
_ هو جوزك فين ؟
قالت ليلى وقد توقعت هذا السؤال :
_ أنا اتطلقت يا إيمان ....من سنة .....ومش حابة اتكلم عن الموضوع ده....
لم يكن الأمر صادم بالنسبة لإيمان فقد علمت بأمر زواجها من أبن عمها وآلت الأمر لإرغام عائلة ليلى بذلك .....قالت متفهمة الأمر :
_ لأ مش هتكلم فيه ....طالما أنتِ مرتاحة يبقى ارمي ورا ضهرك .وأنسي ....
قالت ليلى بتأكيد :
_ طلاقي الحاجة الوحيدة اللي خلاني أقدر اقف على رجلي من تاني .....بحاول اتخطى اللي حصل......
وبعد ذلك روت لها إيمان ما حدث خلال العشر سنوات الماضية لها والحياة الذي تخللها مصاعب وصبر كي يعثر زوجها حازم على عمل أمّن لهم مستوى معيشة جيد أخيرًا ..... وبهذا الأثناء أخبرت ليلى صديقتها بحالة أبنتها المرضية والذي تألمت لها ايمان بشكل واضح .....
تاهت الصغيرة ريميه في غفوة سريعا حتى قبل أن يأتي الطعام ....ثم قالت ليلى لصديقتها ايمان :
_ ايمان ....عندي طلب وياؤيت ما اكونش بتقل عليكِ ....
قالت إيمان بصدق :
_ قولي ولو أقدر مش هتأخر عليكِ.....
رتبت ليلى حديثها سريعا ثم قالت وهي تنظر لإبنتها النائمة :
_ أنا المفروض هروح مقابلة شخصية للشغل بكرة ..... ومش عارفة أسيب بنتي مع مين ..... لو مش هضايقك ....اقعدي معاها بس هنا لحد ما اخلص المقابلة وأشرحلهم ظروفي وظروف بنتي ....ويارب يرضوا يخلوني أخدها معايا الشغل ......
قالت ايمان بموافقة :
_ حبيبتي مافيش مشكلة ..... كنت هروح لماما بكرة بس هغير الميعاد وهجيلك ولا يهمك .....بس تفتكري ممكن يرضوا تاخدي بنتك معاكي الشغل ؟! ...... الاحسن ما تتكلميش في الموضوع ده دلوقتي واستني عشان ما يرفضوش ....
تذكرت ليلى أن العمل بالأساس أتى على طبق من ذهب مع الموافقة بكامل ظروفها ....لذلك كانت مطمئنة.....لم تحب أن تخبر ايمان بالأمر ...ليس فقط لغرض الخصوصية ....بل أن الحكاية ستجر الحقيقة كاملةً....التي فقدت ذاكرتها منها بعض الأشياء ....والبعض الأخر تتألم وتتعذب حين تذكره ......فقالت بإختصار :
_ اللي عايزه ربنا هيكون .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بعد ساعاتٍ مرت .....وبعد منتصف الليل ......
اعتدلت جيهان من فراشها وسحبت الغطاء على ردائها الخفيف .....كانت تفتح عينيها بالكاد وهي تجول بنظرها الغرفة باحثة عن زوجها .....بعدما شعرت بعدم وجوده بجانبها .....
تنهدت بثقل وهي تنهض بكسل حتى أخذت روبها الثقيل وارتدته سريعا برجفة جسدها من لفحة الهواء الرطب ......
كان باب الشرفة مغلق ويتلصص الهواء منه رغم ذلك !!
لم يبدو أنه بالغرفة من كلها فإذن أين ذهب بهذا الوقت المتأخر !! ..
وقفت بمنتصف الغرفة حائرة ثم قررت النزول للطابق الأرضي ....
كان وجيه يقف بنافذة مكتبه الآخر بالطابق الأرضي ....يسلم أنفاسه للهواء الطلق .....ورغم برودة الهواء يشعر أن هناك سقيع بدقات قلبه وأنفاسه .....اجتاحه الجليد الذي يخبئ بثناياها النيران المتقدة ......
گجوف الأرض تماما ......تبدو ثابته من الخارج ....صامدة وصخرية ......باردة وجليدية أيضا ....ولكن بداخلها نيران گ الجحيم ......
شعر وجيه أن خلفه أنفاس فأستدار ليجد جيهان تنظر له بغموض ...... قال وهو يعود جالسا على مقعد مكتبه :
_ صاحيه ليه دلوقتي ؟ ....ارجعي نامي الوقت متأخر !!
كتمت جيهان شيء من العصبية بصوتها وقالت بثبات مزيف :
_ مالقيتكش جانبي ....قلقت ! ...
وتابعت وهي تقترب اه بنظرة ناعمة أنثوية :
_ بتوحشني ......بلاش توحشني ؟!
كلماتها كانت جليدية على قلبه وثباته .....فقال بهدوء :
_ طب روحي كملي نومك وأنا هلحقك بعد شوية .....
وهنا ظهر الضيق عليها ولم تستطع أخفائه فقالت بعصبية :
_ هو ده اللي بتحاول تنساها يا وجيه؟! أنا عرفت أنها هربت من المستشفى ! ...... أظن لو فعلًا بتحاول تنساها هيكون ده سبب كفاية أنك ما تفكرش فيها تاني .....أنت بتكدب عليا ولا على نفسك ؟!
نظر لها وجيه بغضب ونهض واقفا وقال :
_ أنتِ رضيتي ووافقتي من البداية ....كان ممكن ترفضي .... الموضوع ده بالذات مش بحب اتكلم فيه مع حد ...... وطالما ده كان اتفاقنا من الأول يبقى تلتزمي بالأتفاق لأني ما أجبرتكيش على حاجة !!
ادمعت عين جيهان بألم وقالت :
_ ما تنساش أني مراتك وليا عليك حقوق ......وأول حقوقي أنك ما تحسسنيش أني على هامش حياتك ...... أن كنت رضيت أني أقف جانبك ...فعشان كنت معتقدة وفاكرة أنك عايز تنساها بجد ....أنت مش عايز تنساها يا وجيه ...!!
أنت بتحارب عشان تفضل جانبك بأي طريقة ....... محاولة نسيانك ليها فكرة كدابة ..... شيء مزيف بتحاول تتظاهر بيه عشان ما تبانش ضعيف قدامها ولا قدام حد ...!
ارتبكت عين وجيه وهو يتهرب من نظراته زوجته المتهمة الغاضبة ......فقال بصدق لأول مرة يعلنه وخاصةً أمام جيهان :
_ ليلى خرجت من حياتي يا جيهان .....خرجت غصب عني مش بمزاجي .... خرجت لأنها اختارت تبعد ....رغم تمسكي اللي تعدى مرحلة العقل والتفكير بيها .....
تعذبت عينيه أكثر وهو يتابع :
_ بعدت وسابتني تاني .....مش هنكر أني انهزمت وانكسرت للمرة التانية ....وبشكل أعنف..... أنا مش بعرف أحب مرتين ..... أو هي اللي خلتني محبش حد أدها ..... أنا بقولك كده عشان أبقى صارحتك بالحقيقة .....لو حابة تفضلي معايا مش هرفض ....ولو حابة تبعدي مش همنعك .....أنا مش عايز اجبرك على شيء واحس أني ظالمك .... الاختيار ليكِ ....
سقطت دموع من عين جيهان بكسرة وقالت :
_ عمرك ما كنت هتديني قرار البعاد وأنت بتحبني ..!
ولو ليلى اللي قدامك عمرك ما كنتي هتديها القرار ده ...!
بس لو هختار بجد .....هختار أصبر عليك حتى لو وجعي طال شوية ..... بس صدقني يا وجيه ....أنا استاهل اتحب ....
اجهشت بالبكاء ...اقترب وجيه منها ورد على بكائها بضمة حنونة وقال بصدق وصوته مغمور بألم :
_ أنا عارف ومتأكد ...... واللي أنتِ حساه دلوقتي أنا حاسس اضعاف أضعافه ..... وعلى كل حال محدش عارف بكرة فيه إيه ..... يمكن النسيان ينعم عليا واصعب عليه ويزورني .....
تمسكت جيهان به وهي تبكِ .....وتعلم أنه يقول ذلك فقط بدافع الشفقة على دموعها ..هي تعرفه جيدًا وتعرف لين قلبه .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بالصباح ......
تسلات أشعة الشمس الخفيفة من النافذة الخشبية بغرفة المندرة ....
انتفض آسر من الفراش بعدما مر بحلم طويل خلال ساعات الليل ....مرر يده على وجهه بارتباك وهو يتذكر أطراف وظلال من الحلم الغريب هذا .....
كأنه عالم موازي لما يراه مع تلك الفتاة الجدية المظهر ...والذي أشبه بتصرفاتها لتصرفات الرجال .....
حلم شاعري ....به كثير من الرومانسية .....به جرآة أيضا جعلته يشرد للحظات ......
نظر له جاسر وهو يتثاءب بكسل ويمط ذراعيه بقوة :
_ شوفت كابوس ولا إيه ؟
رد آسر بإرتباك وقال مبتلعا ريقه بتوتر :
_ آه ....كابوس ....
اعتدل جاسر في الفراش ببعض الكسل وقال :
_ خير اللهم اجعله خير ...... أنا كنت في الحلم ؟
تلعثم آسر بتوتر ظاهر ونهض من الفراش هاتفا بعصبية غريبة :
_ مش هقوله ....وقوم يلا عشان نجهز ......
الارتباك والقلق الظاهر على آسر وهروبه بهذا الشكل جعل جاسر يضيق عينيه بخبث ....قال بغيظ وقد شك بالأمر :
_ هي الكوابيس دي مش بتجيلي ليه ؟! ....بتختار الشخص الغلط الكئيب ليه ؟! ...... وأنا اللي طول الليل عمال أحلم بحبال غسيل بتتلف حوالين رقبتي !! مني لله بجد يعني .....
قال يوسف بكسل وبتعجب :
_ أنت عبيط يا جاسر ؟! ....عايز تحلم بكوابيس ؟!
قال جاسر بسخرية :
_ اسكت أنت يا سبونج بوب ...... قال كوابيس قال ..... ده أنا افهمها وهي طايرة .... آسر كان على موعد غرامي في الحلم .... آسر بيتكسف يقول صباح الخير لبنت ....أنما في التهزيق والشخط والنطر افتحله الباب .....
كتم رعد ضحكته وهو يمط ذراعيه :
_ أنا كنت مع فتاة أحلامي في الترابيزة اللي ورا آسر في الجنينة ..... جنينة الأحلام .....قالتلي وقولتلها ..... اتكلمنا كتير وأزأزنا لب ....شربنا عصير ليمون ....هو اللمون في الحلم إيه ؟
قال يوسف بضحكة :
_ حموضة .....
لكمه رعد بمرح وتشاركا الضحك بعد ذلك ......فقال جاسر له بغيظ :
_ أناحاسس أني منبوذ ..... رغم أني استحق اتعامل بحنية .... مش كده ؟!
هز يوسف رأسه بموافقة وقال :
_ كده ونص ....أنت تستحق تتعامل بحنية ..... زي اللي اتعاملت بيها امبارح دي ....فاكرها ؟
ارتفعت ضحكته عاليًا وانخرطا رعد بضحكة أخرى وهو يرى جاسر يدفع بوجهه الوسادة بغيظ .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دقت الساعة التاسعة صباحا .....
انتظرت ليلى مجيء صديقتها إيمان ....حتى أتت إيمان في تمام الساعة التاسعة والنصف ......واستقبلتها ليلى بابتسامة شاكرة لصنيعها وقالت :
_ ساعتين بالكتير وهكون هنا .....أنا فطرت ريميه وكله تمام .....خليكي هنا لحد ما ارجع .....
وافقت إيمان بترحاب وهي تشاكس الصغيرة التي تجلس صامته بغرابة ......
حتى غادرت ليلى بعدما استعدت للمقابلة بملابس مناسبة ......
جلست إيمان بجانب الطفلة على الفراش وقالت لتبدأ حديثها بشيء من المزاح :
_ نسيت اجيبلك لعب....بس المرة الجاية هجيللك لعب كتير أوي ...اوعدك ....
وأضافت برقة :
_ بتحبي إيه غير العرايس ؟ ....أطلب واتمنى يا عسل ......
مدت الصغيرة يدها أسفل الوسادة التي خبأت أسفلها الكارت من أمها خوفا أن تأخذه منها وقالت لإيمان برجاء :
_ بابا وجيه اداني الرقم ده وقالي كلميني في أي وقت ..... ممكن ؟
لم تعرف الصغيرة أن تصيغ طلبها جيدًا ......واندهشت ايمان لذكر اسم وجيه على لسان الصغيرة ؟! ....
ايعقل أنه ذلك الحبيب القديم ل ليلى ؟!
أم مجرد تشابه اسماء وربما كان الاسم لاحدًا من عائلة ليلى ؟!
وبما أن الطفلة سبقت اسمه ب "بابا "
قالت ايمان بحيرة :
_ طب لما ماما تيجي ....هتصلك بيه على طول .....
خافت الصغيرة وقالت بتوتر :
_ لأ متقوليش لماما ....خلاص مش تكلميه ...
ارتخت نظرة الصغيرة للأسفل بحزن ظاهر ....أشفقت ايمان عليها ولكن حيرتها في الأتصال لا زالت قائمة ......
مر الساعتين ولم تأتي ليلى ....!
بدأت تقلق إيمان وبدأت الصغيرة تضيق من تأخر امها ......وقالت لإيمان مجددًا برجاء :
_ مش هتتصلي برضو ببابا وجيه .....؟
قالت إيمان وهي تقرب مشروب عصير طازج لفم الصغيرة بعدما طلبت في مجيئه لغرفة ليلى :
_ طب اشربي العصير ده وهتصلك بيه ....
ارتشفت الصغيرة العصير دفعة واحدة وابتلعت ما بفمها سريعا ثم قالت بلهفة :
_ شربت اهوه .....
قالت إيمان بمراوغة وهي تضع الكوب الفارغ على المنضدة :
_ ماما زمانها جاية .....لما تيجي هخليها تتصل بيه على طول ....
قطبت ملامح الصغيرة وبدأت في البكاء .....فقالت إيمان برأفة على حالتها :
_ طب مين بابا وجيه ده بس ؟!
صمتت الطفلة ولم تعرف سوى إجابة واحدة :
_ الشاطر وجيه ....بس بقى بابا وجيه .......
أزدادت حيرة ايمان ولم تفهم شيء أيضا .....ولكنها استسلمت بنهاية الأمر وقالت مرغمة :
_ خلاص هتصلك بيه .....هاتي الكارت .....
تبدل عبوس الصغيرة ريميه للفرحة وفتحت قبضتها بورقة الكارت التي ابتلت من تعرق يدها ...... رفعت ايمان سماعة الهاتف الخلوي بالغرفة وضغطت على الأرقام بالهاتف بمطابق الأرقام المرفقة والمكتوبة بخط اليد على الكارت ......
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
_________________
🥰❤❤❤❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Shaimaa Gonna
#الحلقة_السادسة_عشر
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... طريق العودة إليها...~
حول مائدة من خشب الزان المطلي باللون الذهبي .... جلس الجد " رشدي" يتناول طعام إفطاره وعينيه تتنقل بقلق من وجه إبنه "وجيه" الشاردة عينيه للبعيد وتناوله لكوب قهوته في بطء .....وبين وجه زوجته جيهان التي تنظر للأطباق بشرود هي أيضا وتلوك الطعام بفمها في بطء شديد كأنها مرغمة غلى ذلك !!
قال الجد رشدي في قلق :
_ مالك يا وجيه ؟! ...... سرحان وشكلك مش رايق كده ليه ؟!....
خرج وجيه من شروده بتنهيدة ثقيلة وعينيه تطرف ليبدو متظاهرا أن حالته طبيعية ليس أكثر ....وقال:
_ لا أبدًا ...... أنت عارف الشغل واخد كل وقتي وتفكيري .....
رمقته جيهان بنظرة عاتبة وعادت نظرتها للأسفل مرةً أخرى وكأنها تكذبه فيما قاله ......لاحظ إبيه ذلك فبدا القلق يترسم بعينيه واضحا ......ولكنه يعرف أن وجيه لن يقول أكثر مما يريد قوله .....لافائدة ولا طائل من المناقشة إذن ....
أضاءت شاشة هاتفه بجانب فنجان قهوته فنظر إليه وجيه ببطء .....لم يكن يريد أن يجيب حتى تذكر شيء ....رفع الهاتف لإذنه ليتأكد من ظنه وأجاب بنبرة تنم عن انتظاره لشيء هام :
_ الو ....مين معايا ؟
رد صوت أنثوي يشوبه بعض التردد والحرج ....حتى قالت إيمان :
_ السلام عليكم ....
رد عليها وجيه التحية بحيرة فأضافت إيمان وهي تختار ما ستقوله سريعا :
_ هو حضرتك أستاذ وجيه ؟
أجابها سريعا لمعرفة ما بعد ذلك الاستفسار :
_ ايوة .....مين حضرتك ؟!
اطمئنت إيمان من قول الصغيرة وقالت بإيضاح :
_ ريميه طالبة تكلمك ..... أنا .....
لم تضيف إيمان حرف زائد حتى قاطعها وجيه بلهفة شديدة وهو ينهض من مقعده ويبتعد عن المائدة بخطواتٍ سريعة ونظرات زوجته تتابعه بترقب شزرا .....
توجه إلى زاوية بعيدة اتجاه الصالون الخاص بالضيوف ووقف قائلًا بلهفة قوية :
_ هي فين ؟....خليها تكلمني دلوقتي لو سمحتي .....
قارنت لهفته مع لهفة الصغيرة ورأت أن هناك صلة قرابة ورباط قوي بينهما ليصبح كلاهما مشتاقا للآخر هكذا !!
وضعت إيمان سماعة الهاتف على أذن الصغيرة ريميه لتقول الأخرى بابتسامة واسعة :
_ بابا وجيه .....أنا ريميه ....
ابتسم وجيه رغم عن كل شيء يصرخ بقلبه تلك الملاك وقال بمحبة صادقة :
_ أميرتي الصغيرة ......وفيتي بالوعد ومانسيتيش بابا وجيه..... وبابا وجيه عمره ما هينساكِ ......
اتسعت ابتسامة الصغيرة ببراءة وبدا عليها أنها تحتار في إجابتها بقاموس كلماتها الصغير ...قالت ببراءة :
_ هتيجي هنا ؟
فكر أن لابد ليلى تكن بجانبها .... تستمع لكلماته ....ولهفة صوته ....سترنو تلك اللهفة والشوق إلى رؤيتها .... لن تصدق أنه يحب أبنتها حقا ...!
قال وهو يوجه الحديث إلى ليلى بالأساس ولم يكن على علم بأنها ليست بالقرب حتى :
_ مش هينفع أجيلك للأسف .....بس أنا موجود في المستشفى وفي العيادة بتاعتي اغلب الوقت....
صمتت الصغيرة بعبوس ثم قالت بشيء من اللوم :
_ يعني مش عايز تشوفني ؟! .....الشاطر وجيه في القصص بتاعت ماما كان بيحب بنته أوي أوي ومش بيزعلها خالص ....
ابتسم بحنان لتلك الصغيرة التي تلمس بنجاح بقعة الابوة بقلبه وأجاب :
_ لما أشوفك هصالحك .....هحضرلك لعب كتير اكيد هتحبيها ....
التمعت عين الصغيرة بصخب الطفولة وقالت بحماس :
_ هقول لماما ترجعني المستشفى تاني ...هقولها كتير ...كتير ....
ضيقت إيمان عينيها وبدأت تشك بالأمر على ذكر المشفى .....
رافقت الصغيرة حديثها بابتسامة واسعة حتى أخذت إيمان سماعة الهاتف منها برفق وقالت له :
_ هو حضرتك قريبها ؟
تعجب وجيه من السائلة الذي لا يعرف من هي بالتحديد ولماذا اخافت ليلى بالمشهد !
رد على سؤالها بسؤال آخر :
_ وأنتِ مين ؟! .....فين ليلى ؟!
أجابت إيمان لتطمئنه :
_ أنا إيمان صاحبة ليلى ....هي خرجت وسابت البنت معايا لحد ما ترجع .....ريميه صممت تكلمك .....ومافهمتش منها أنت مين !
أطرف وجيه عينيه وتذكر تلك الفتاة التي كانت تدعى إيمان بمحل الزهور فقال متسائلًا :
_ هو أنتِ صاحبتها اللي كنتِ بتشتغلي معاها في ......
ردت إيمان عنه مقاطعه :
_ في محل الزهور ....حضرتك دكتور وجيه ؟ ...... دكتور وجيه اللي كان بيجي زمان المحل ...صح ؟
اكد جيه قولها ولم يتعجب كثيرًا من دهشتها فقال :
_ هو أنا .....
كانت مئات الاسئلة على أطراف لسانها ولكنه قال بجدية :
_ لو سمحتي هطلب منك طلب ....لو تقدري تجيبي ريميه للمستشفى هكون مشكور جدًا ليكِ .....
أنا عايز أشوف ريميه وبس .....مش عايز حد غيرها .....
شعرت إيمان أنه يقصد ليلى بهذا الأمر ....كان تأكيده غريب ....وسؤاله ومعرفته بالصغيرة أغرب !!
وتعجبت أنه وبعد تلك السنوات العشر لا زال على صلة بـ "ليلى" ...!!
وارتباطه بأبنتها لهذا الحد لأمر صادم !!
قالت بحيرة في الإجابة :
_ أنا معنديش مانع أجيبهالك المستشفى تشوفها طالما البنت متعلقة بيك بالشكل ده.....بس الأمر مش في إيدي ...وبعدين ممكن ليلى تـ.....
هتفت وجيه بإعتراض يثير الشكوك :
_ لأ ....... والدتها لأ ....أنا عايز أشوف ريميه وبس ......
فتحت ليلى الغرفة بهذا الوقت ....كان إرهاق الطريق ظاهرا عليها وهي تتنفس بالكاد .....حتى توقفت نظرتها على ايمان التي تنظر لها وبيديها سماعة الهاتف .....قالت إيمان مجيبة عليه وعينيها على ليلى :
_ ما هو عشان أجيبلك ريميه تشوفها لازم ليلى توافق .....!
صدمت ليلى من سماع ما قالته إيمان واعتقدت أن صالح هو من استطاع الوصول لهما مثلما يستطيع كل مرة ....امتقع وجهها بغضب وسحبت السماعة من يد صديقتها بحدة وهتفت :
_ عايز إيه ؟! ....ما تسيبني في حالي بقى حرام عليك ...كفاية اللي عملته فيا ..... أنت أحقر انسان أنا شوفته في حياتي ومكرهتش حد أدك .....
صاحت ريميه ببكاء وظنت أن أمها تعنف وجيه حقا :
_ حرام عليكِ أنا عايزة أشوف بابا وجيه .....
قالت إيمان بدهشة :
_ ده وجيه يا ليلى !!
شحب وجه ليلى من الصدمة وارتجف جسدها ....حتى وجدته يتحدث ويبدو على صوته الألم والغضب معا :
_ أحمدي ربنا أنك مش قدامي دلوقتي ...وإلا كنت ......
نطقت ليلى بدموع سقطت من عينيها وقالت بصوت متهدج ونبرة أسف صادقة:
_ والله العظيم ما كنت أقصدك أنت ....أنا بحسبك طليقي .....هو اللي بيقدر يعرف مكاني ومراقبني في كل حته ....أنا أسفة يا وجيه ...حقيقي أسفة ومش أقصد والله .....
شعرت بموجة شديدة من البكاء فوضعت على الفراش الجالسة عليه صغيرتها وركضت اتجاه شرفة الغرفة تبك ......
أخذت ايمان الهاتف وقالت له :
_ معلش بس حصل سوء تفاهم ....
أخذت لحظات صمت ...كان فيها مأخوذا بأسفها ...بأسفها الحقيقي ....برنة الخوف من ذلك الرجل الذي سرقها منه قديما .....شعر أنها تخاف منه لدرجة الرعب ....!!
وبدأ ينبت الشك بزاوية مختلفة .....بزاوية تقوده لطريق الحقيقة .....
قالت بصوت ثابت وأخفى ارتباكه بقوة :
_ ليلى عارفة مكان المستشفى .....في أي وقت البنت حبت تشوفني هتلاقيني ...وفي أي وقت ممكن تتصل بيا .....
هرد عليها.....
أنهى الأتصال بثورة من الشوق بقلبه ..... كأن هذا الحب يموت ليولد من جديد في كل مرة ..!
ظلت الصغيرة تبكِ وليلى أيضا كذلك .....نظرت لهما إيمان بعطف وقالت وهي تتجه إلى ليلى :
_ طب هسكتك ولا هسكت ريميه ؟! ......أنتِ اندفعتي يا ليلى ....
جلست ليلى على مقعد بقرب باب الشرفة ووضعت رأسها بين يديها في وجع احتد بصوتها الباكي :
_ متخيلتش أنه يكون وجيه ....عرف رقم الفندق منين ؟!
مكنش حد قدامي غير أنه يكون صالح ... اللي معيشني في رعب مع كل نفس بتنفسه ......
جلست إيمان على مقعد قربها وقالت :
_ ريميه كان معاها كارت بالرقم .....معرفش جابته منين ....؟!
يمكن هو اللي ادهولها !....أنا اللي اتصلت بيه لما ريميه
صممت تكلمه ....
رفعت ليلى رأسها لإبنتها التي دفن رأسها الصغير بالوسادة گعادتها وتبك بقوة .....نهضت سريعا ومضت اليها في لهفة لضمها .....
لم تستطع أن ترى أبنتها بهذه الحالة بسببها هي......
رفعت ليلى أبنتها وضمتها بقوة معتذرة وقالت باكية :
_ حقك عليا يا عمري ......أنا مش بحب أشوفك كده عشان خاطري ما تعيطيش .....
ظنت الصغيرة أن امها ربما تقول لها ذلك لتهدأ فقط ثم تحرمها من رؤية بطل الحكايات ...فقالت بتصميم وهي تبكي بقوة :
_ أنا عايزة اشوف بابا وجيه ماليش دعوة .....
قالت ليلى بموافقة وهي تمسح دموع صغيرتها :
_ حاضر هخليكِ تشوفيه ......بطلي عياط بقى ...
ابتلعت ريميه ريقها المبلل بالدموع وقالت وقد بدأت تأخذ أنفاسها من البكاء :
_ خليني اكلمه تاني .....
اغمضت ليلى عينيها بآسى ...وضعتها أبنتها في مأزق لن تستطع الأفلات منه ولا الرفض خاصةً بحالتها هذه......
أشارت لإيمان لتأتي بالهاتف فأخذته ايمان إليها وأجرت الأتصال مرةً أخرى .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دخل وجيه مكتبه مباشرةً عقب إنتهاء الأتصال ....كي ينفرد بنفسه لبعض الوقت .....وضع هاتفه على المكتب ووقف أمام نافذة المكتب في شرود تام حتى ارتفع رنين هاتفه مرةً أخرى ..!
اسرعت عينيه على الهاتف ليجده أنه نفس الرقم !
تنهد بعمق وانتظر للحظات ثم أجاب بصوت أخذه قوة كبيرة ليخرج بكل هذا الثبات :
_ الو ..؟
تحدثت ليلى وقد جاهدت لتجيبه .....وشعور قوي يجعلها ما تفعل سوى أنه تبكِ فقط ولا تتحدث .....قالت بعد لحظات صمت :
_ بتأسفلك مرة تانية .....ياريت تقبل أسفي .....
لم يجيبها مباشرةً......بل احتار فيما يجيب .....لو اظهر قبوله لشعرت بحنينه إليها .....ولا أجاب بالرفض لظهر فظا غليظ القلب !!
تابعت ليلى وهي تكتم دموعها وتعرف أنه بنفس حيرتها :
_ بنتي عمالة تعيط يا وجيه ..... أنا مش بقدر أشوف دموعها ....ارجوك كلمها وطمنها وخليها تبطل عياط .....هي بتصدقك بشكل غريب ... يمكن أكتر ما بتصدقني
قال وجيه وقد ملأه الحنين بالفعل ورن بصوته عتاب غميق :
_ أنتِ اللي علقتيها بيا .....من كتر ما حكيتي عني .....أو يمكن لأني مكدبتش عليها أبدًا ......كنت دايمًا صادق ......
شعرت بلومه...عتابه لها ....طريقته الخاصة بهما...ابعدت سماعة الهاتف عنها ومسحت دموعها ...ثم اجابت عليه وكأنها تخبره براءتها ولكن بشكل متواري :
_ وأنا كمان كنت دايمًا صادقة ....
وصمتت ..!
كأنها بخلت عليه بالمزيد ...!!
بإن تؤكد ظنه وشكوكه...!
قال ليستفزها :
_ علاقتي بيكِ انتهت ....بس علاقتي بريميه محدش يقدر ينهيها ....هي اعتبرتني أبوها ....وأنا راضي بالاعتبار ده ومرحب بيه جدًا .....
تنهدت بعمق وقال شيء جعله يحتار بتلك المرأة بداخلها :
_ وأنا بحمد ربنا أنك ما أخدتهاش بذنبي ....واعتبرتها بنتك وحبيتها ......أنا عارفة أنك حبيتها.....
أجاب بعد لحظات صمت...أجاب بشكل غامض:
_ آه حبيتها ...... بنتي....زي بالضبط ما أتمنيتها .....
وأضاف جديا :
_ كلمة بابا اللي بتقولها بتحفر جوايا مكانتها ...... أو بالأصح ...مكان بعيد حفرته من عشر سنين لحلم كان بينا ... بينا أنا وأنتِ....حتى اسمها أنا اللي اخترته ....!!
شبهك في كل حاجة يا ليلى ....زي ما اتمنيت بالضبط ....إلا قلبها !! ......قلبها شبهي أنا .....
ابتسمت ليلى بحب قوي ودفين لهذا الرجل والدموع لا زالت على وجهها ...فهتفت الصغيرة بقوة وقالت :
_ خليني اكلمه بقى !
خرجت ليلى من شرودها وانتبهت لطلب الصغيرة ومن دون تردد وضعت الهاتف على أذن ريميه ....تمسكت الطفلة بسماعة الهاتف وقالت مبتسمة وعينيها تلتمع من بقايا الدموع :
_ شوفت بقا ......خليت ماما تكلمك تاني .....رورو شاطرة ....
تبدل وجه وجيه من الشرود والحنين إلى الابتسامة والدفء .....فقال :
_ قولي لماما تجيبك المستشفى في أي وقت...... أو اديني العنوان واجيلك ...
يبدو أنه تراجع عن رفضه لرؤية ليلى بعدما شعر أن هناك بالفعل شيء تخفيه ......موقف بسيط ولكنه أوضح له شيء مبهم خطير ......وأصرّ أن يعرفه ....
لم تعرف الصغيرة عنوان الفندق فقالت لأمها الشاردة :
_ ماما ....بابا وجيه عايز العنوان ؟
شعرت ليلى بالخطر في مجيئه للفندق ...وهي لا تعرف إذا كان صالح قد وصل لهنا أم لا.....أخذت السماعة من يد صغيرتها وقالت :
_ أنا مش هقدر اديلك العنوان .....بس اقدر اجيبهالك المستشفى ....ينفع بكرة ؟
رد عليها بحدة وشيء من القسوة :
_ ينفع .... وطلبي كان مجاملة ....أنا ما كنتش عايز أعرف عنوانكم !.......مايهمنيش في شيء طالما هتجبيلي البنت المستشفى ....
هي تعرف أنه يتخفي بتلك الكلمات الغاصبة فلم تضيق ...قالت :
_ يبقى هاجي بكرة بأذن الله ....عشان أشوف بابا كمان ....معلش استحمل شوية لحد ما أقدر الاقي مستشفى تانية انقله فيها ......
قال مختصرا :
_ براحتك
استفزتها كلمته ......فتركت الهاتف للصغيرة تتحدث فيه معه ونهضت اتجاه الشرفة من جديد ....
راقبت إيمان ما حدث في صمت تام حتى تحركت اتجاه الشرفة واقتربت إلى ليلى قائلة :
_ تاني يا ليلى ؟! .......زمان قولتلك ما تتعلقيش بيه عشان لو مافيش نصيب ......دلوقتي الحكاية بتتعاد وأنتِ ما اتعلمتيش من اللي فات .....
قالت ليلى بألم :
_ ما تخافيش يا إيمان.... أنا دلوقتي شبه متأكدة أن مافيش نصيب بينا .....الموضوع مش تعلق .....أنا ماينفعش أقرب منه نهائي .....المشكلة كلها في بنتي !
مقدرش أحرمها من احساسها بالأمان معاه......بس أنا اللي غلطانة ....بعد ما اتطلقت سمحت لنفسي ارجع افكر فيه ....احكي عنه في هيئة قصة وبطل خيالي لبنتي....... لما بنتي ببرائتها اتعلقت بيه ولما لقيته في الواقع اتمسكت بيه بشكل جنوني....زي ما يكون أبوها .!!...ابوها اللي كان مش بيشوفها غير لما يزعقلها أو يضربها !!
عرفتي هي متعلقة بيه ليه ؟!
تطلعت بها ٱيمان بصمت .....لم تعرف بماذا تجيب وهي ترى الصغيرة تبتسم بمرح وهي تتحدث معه عبر الهاتف .....وتأكدت أن ليلى ظلمت بالأمر .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
استعد الشباب لبدء العمل بهذا الصباح وبينما كان في طريقهم للخروج من المنـدرة ....تفاجؤوا بدخول الصبي نعناعه وهو يحمل صينية فضية عليها أطباق حافلة بطعام الإفطار ......
وضع الصبي الصينية على الأرض وقال وهو يشير لهم عليها :
_ يلا يا دكاترة بسم الله ....والله ما رضيت أفطر مع سكرة وقولت أنتوا أولى ..... انتوا ضيوفنا ...اومــال .....
كتم يوسف ضحكته ونظر للطعام بشهية عالية قائلًا :
_ جيت في وقتك يا نعناعه ..... كنت مشتاق للفطير أوي ....
قال نعناعه وهو ينظر له بابتسامة عريضة :
_ هو فطير وبس ؟! ....ده فطير وقشطة وعسل أبيض بشمعه ......
والله ما حد واكل الشمع ده بلقمة واحدة غير الدكتور جاسر .....
جلس جاسر وقال بنصف ابتسامة :
_ شكرٌا يا نعناعة .....كلك ذوق ....
قال نعناعة ببهجة:
_ والله يا دكتور كل ما أشوفك بفتكر سكرة وأبنها ..... يا وش الخير والهنا ...... عهد عليا لخلي سكرة ترقص في فرحك...معملتهاش لحد .....بس أنت الغالي علينا .....
رمقه جاسر بغيظ بينما أتى رعد بضحكة ظاهرة وقال :
_ كلك جدعنة وشهامة يا نعناعة ..... كتير على جاسر كده والله ....
انخرطا رعد ويوسف بالضحك كعادتهما .....حتى كان يجلس آسر على الفراش يمسك أحدى الجوارب ويبدو شاردًا عن ارتدائها .....رمقه جاسر وقال له بنظرة ماكرة لشروده الواضح:
_ تعالى افطر يا آسر ..... تعالى افطر يا حبيبي ....
كتم يوسف ضحكته لسخرية جاسر حتى انتبه آسر لهم وارتدى الجورب سريعا ثم توجه لهم بنظرات حادة يخفيه بها لحظات شروده .....جلس بجوار جاسر فهمس له الأخير :
_ حتت حلم يبهدلك كده ؟! اومال لو عرفت بنت من اللي كنت أعرفهم وقالتلك يا أسورتي هتعمل ايه ؟!
زفر آسر بعصبية ورد عليه ساخرا :
_ أكيد اللي بتفكر فيه غلط ....قولتلك كابوس ......!!
قال جاسر بغيظ:
_ صادق يا كداب .... !
قال نعناعه باقتراح :
_ أنا عايز أعرف بقا....مين فيكم دكتور في البطن ...؟
أشار الثلاث شباب على يوسف فقال يوسف معترضا :
_ أنا اسنان يابني انت وهو ....ييقولكم في البطن....يعني باطني....
حدجه الصبي بنظرة متفحصة وقال :
_ حلو .....أمي سنتها وجعانة ....ابقى تعالى شوفها يا دكتور ....
سأله جاسر :
_ وبتسأل على دكتور باطني ليه يابني أنت ؟!
قال نعناعه :
_ البت سما بت عمتي ...... قولونها واخد على خاطره شويتين ....كل ما تزعل تتعب وترقد باليومين .....اديها دوا شالله يخليك ....
قضم آسر ما بفمه في شدة وحدة .....فتمتم بخفوت :
_ هديها سم هاري واخلص من خلقتها ....
قال نعناعه وظن أنه يرحب :
_ تسلم يا دكتور ..... نردهالك يارب ....
وضع يوسف يده على فمه يكتم ضحكته فسأل الصبي نعناعه رعد في اهتمام :
_ وأنت بقى يا هادي يا راسي أنت دكتور في ايه ؟
رد جاسر بضحكة :
_ ده جزمة ولا ليه لازمة معانا ...... جاي كده يعملنا شاي .....
لكمه رعد بغيظ ثم قال رعد موضحا بانفعال:
_ دكتور نفسي ...هتفهم ولا أشرح ؟
قال الصبي بقوة وهو لم يصدق اذنيه :
_ احلف ؟ ...قول والله ؟..... ده أنا متأزم ونفسيتي مهبوشة يا دكتور....عارف أنت لما تبقى حاسس أنك مالكش لازمة كده ؟
زي ما أنت حاسس كده بالضبط !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
النص التاني بكرة بأذن الله عشان اكتبه بمزاج وبصراحة أنتوامش بتشجعوني بالتفاعل خالص 🙂❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل العشرون 20 - بقلم Shaimaa Gonna
#الجزء_الثاني_من_الفصل_السادس_عشر
رمق رعد الصبي نعناعه في غيظ وكبت موجة من السباب بفمه ....فتابع الصبي وهو يمضغ لقيمات الفطير بفمه وعلى وجهه التأثر والأسى :
_ ابويا العمدة عايزني اكمل تعليم بس أنا عاصي اكمل .....
أغرق يوسق قطعة من الفطير بالعسل ووضعها في فمه بتلذذ وقال وهو يمضغها وخرج صوته متحشرج :
_ ليه يا نعناعه مش عايز تكمل تعليم ؟!....... ده العلم نور !!
ابتلع الصبي ما بفمه وقال بضيق شديد :
_ الاساتذة كلهم بيكرهوني ..... بيحرجوني قدام العيال وبيخلوهم يضحكوا عليا..... أنا عارف أن مخي تخين ومش بفهم بسرعة .....بس يعني التهزيق والاهانة قدام زملاتي مش هيخلوني أذاكر وافلح !!
قال جاسر بتفهم :
_ بيتنمروا عليك يعني ؟!......
حملق فيه الصبي ولم يفهم معنى الكلمة فهمس يوسف لجاسر :
_ قالك مخه تخين !! ......هيفهم كلمتك أزاي ؟!
فسر رعد الكلمة وأوضح :
_ التنمر يعني السخرية والتريقة ....
قال الصبي بابتسامة واثقة :
_ بيتمألتوا ويألسوا يعني ! ......إيوه .....هو التمـ....التنـ..... اللي قاله الدكتور ده ايوه ....كمل أنا مفتح مخي معاكم ....
تعثر الصبي في قول الكلمة بنطقها الصحيح فابتسم الشباب لبعضهم ثم قال يوسف له وهو يمتص بلسانه بقايا العسل الملتصق بأصابعه :
_ سيبك من الموضوع ده هنتكلم فيه بعدين .....لما نخلص أكل هروح لوالدتك أشوف سنانها وآسر هيشوف قريبتك يشوف بطنها ....
اتسعت عين آسر بجمود فصحح يوسف :
_ يشوف اللي في بطنها .....
كتم جاسر ضحكته هو ورعد بينما حدجه آسر بغيظ شديد فتابع يوسف تفسيره بتوتر :
_ يشوف إيه اللي مزعلها ....حلو كده ؟
زم آسر شفتيه وتمتم كلمات غير مسموعة ولكنها تبدو شتائم ....قال جاسر بشيء من السخرية :
_ في أي حد هنا هيولد ؟ .....
رد الصبي سريعا :
_كانت سكرة وولدت ....على ايدك يا سيد الدكاترة ..... بس استنى هروح اسأل أمي لتكون في واحدة معرفة هتولد ولا حاجة ....أهو تنشغل بحاجة بدل الفراغ ده !
وضع رعد يده على فم جاسر الذي بدا أنه خرج عن طور التحكم ......رمق يوسف جاسر بثبات وقال بإصرار :
_ هنمشي مع بعض .....
ثم تسأل رعد في حيرة وهبطت يده عن فم جاسر :
_ طب وانا لزمتي إيه في الزيارة دي ؟!
رد جاسر بسخرية :
_ كوبيتين نسكافية سكر مضبوط .....عارف لو النسكافيه طلع مسكر ؟! .....هرجعك القاهرة على عجلة ...
لوى رعد شفتيه بضيق حتى انتهوا جميعاً من الإفطار .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
لمست حميدة براحة يدها جبين سما الممددة على فراشها في اعياء شديد .....قالت بقلق :
_ حرارتك بتزيد !! .... أنتِ لما بتزعلي بيحصلك كده ....إيه اللي زعلك يا سمكة ؟!
أطرفت سما عينيها الثقيلة الحركة وقالت بصوتٍ خرج ضعيف من شفتيها :
_ أنا بخير ....لطشة برد بس ويوم وهبقى زي الحصان....
دلفت جميلة للغرفة وبيدها كوب كبير من مشروب الليمون الساخن وتهم لتقترب من شقيقتها سما ....وضعت جميلة الكوب على كومود قديم خشبي بجانب الفراش وتطلعت بوجهها في خوف :
_ أنا خايفة للسخونية دي تزيد ....قومي اقعدي واشربي اللمون الدافي ده على ما الدكتور يوصل .....
حدقت سما بوجه جميلة في دهشة وقالت :
_ دكتور يوصل ؟ ....هيجي هنا ؟! .....هو أنا هموت ولا إيه ؟!
كادت جميلة أن تجيب حتى استأذن الصبي للدخول وكانت سما تلف رأسها بالحجاب من شدة رجفة جسدها ......قال نعناعه وهو يقف ناظرا لها :
_ جيبتلك الدكتور لحد هنا يابت يا سمكة ......عشان تعرفي إنك غالية عندي .....تعالى يا دكتور ....
غاب عن بالها الفريق الطبي تمامًا ولم تظن للحظة أنه يقصد أحد هؤلاء الأطباء الأربعة المقيمون هنا .....
دخل آسر وبيده حقيبته التي تحوي أغراضه الطبية اللازمة للكشف .....دلفت معه زوجة خالهم العمدة وهي تخبره حالة سما بينما وجه آسر كان يرتسم عليه الوجوم والضيق وكأنه يكره هذا الواجب ....
اتسعت عينيه على آخرهم من الصدمة واعتدلت بفراشها بجسدها الثقيل بحركة سريعة وهتفت بعصبية :
_ مين اللي جابوا هنا ؟! ..... انتوا ....هو انتوا .....
ارتجف جسدها بشدة واصطكت أسنانها فجأة من لفح الهواء الرطب ......تلعثمت وكأن الكلمات هجرت من عقلها فجأة !!
قالت زوجة خالها بعتاب :
_ عيب يابنتي ده جاي يكشف عليكِ ....المفروض نشكره ...هو احنا هنلاقي دكتور في البدرية كده !!
احمر وجهها الشاحب وسرت الدماء بعروقها من رجفة شديدة بعيدة عن المرض .....تمددت بوهن شديد مرة أخرى ولم تستطع حتى الجلوس بفراشها لفترة أكثر من الدقيقة ......قالت برفض :
_ مش عايزة حد يكشف عليا .....كتر خيروا .....
تنفست آسر بعصبية وهو يرمقها....تبدو مريضة جدًا وهذا واضح ....ولكنها مع ذلك تبتر أي شفقة ممكن أن يشعر بها وهي بحالتها هذه !!
ولكن لاحظ دموع عينيها وهي ترتجف اسفل الغطاء الثقيل ..... اقنع نفسه أن يؤدي واجبه ليس أكثر واقترب خطوة لها ....قال بصوت حاد:
_ لو سمحتي سيبيني اكشف عليكِ عشان ما اتأخرش على شغلي ...!
هزت سما رأسها ببكاء وقالت برفض وهي تبعد عينيها عنه لجهة أخرى :
_ لأ ....مش هتكشف عليا .....روح شغلك ....
قال بغيظ :
_ أنتِ عنيدة ليه ؟! ....أنتِ مش شايفة نفسك عاملة أزاي ؟!
صوبت الجملة في بقعة سوداء داخلها ....بخضم المرض وحالتها المزرية لم تستطع فهم ما يقصده تمامًا.....ابسط الأشياء تؤلمها اتجاه مظهرها ....
لم تجيب عليه وازداد بكائها .....زفر آسر بنظرة غاضبة لها فقال متسائلًا :
_ هي بتشتكي من إيه طيب ؟!
طرح السؤال على الفتيات ومن حوله فأجابت رضوى :
_ لما بتزعل بيحصلها كده .....الدكتور قالنا قبل كده أن معدتها بتتعصب .....
سأل نفسه أن كان سبب حالتها هذه ما حدث بينهما بأول وثاني لقاء !! .......الأمر كان سخيفا بالفعل لم يلومها على هذا الشعور ..... وضع حقيبته على طرف الفراش وفتحها ....أخرج منه جهاز صغير لقياس الحرارة .....
ونفضه بيده حتى ثبت مؤشر الترمومتر وقربه لفمها قائلًا :
_ على الأقل أعرف حرارتك كام !!
اومأت رأفضه فوضع الجهاز بفمها رغما فضيقت عينيها بغيظ منه .....قال لها مشيرا بتحذير :
_ ما تشليهوش من بؤقك ....
تركته غاضبة حتى مرت لحظات وسحب الجهاز الصغير امام عينيه ليرى المؤشر ....ضم شفتيه بضيق حقيقي وقال :
_ ٣٩ ...... لازم تنزل قبل ما تزيد عن كده .....
نفض الترمومتر مرةً أخرى ثم وضعه بعلبه صغيرة معقمة فتسأل نعناعة:
_ ايه ده ؟!
رد آسر وهو يكتب شيء في دفتره الخاص :
_ ده معقم ...
تعجب الصبي وقال :
_ ليه هي جربانة ؟!....كنت شاكك .....
ابتسم آسر رغما عنه وتسحبت عينيه عليها فاتسعت ابتسامته عندما رآها تشير للصبي بتوعد ....أخفى ابتسامته وقال بجدية :
_ هكتبلك حقن و....
صرخت سما كالطفلة الصغيرة وقاطعته :
_ لااااا....أموت وماخودش إبر ......
جاهد ليخفي ابتسامته من مظهرها الذي تحول لمظهر طفلة بائسة .....قال ورسم الجدية مرةً أخرى :
_ معلش ...تعالي على نفسك عشان تفوقي بسرعة ....الحقن هتجيب نتيجة أسرع .....وهتريح معدتك ....
سأل الصبي بتفكير وحيرة :
_ مين اللي هيديها الإبر ؟......
قطع آسر الورقة من دفتره ونظر للصبي وهو يكتم ضحكة عالية من غبائه ....وقال :
_ اكيد مش أنا ...
تمتمت سما بغيظ وهي تنظر لنعناعه ثم هتفت بعصبية :
_ غور من وشي يلا ....
رمقها نعناعه بغيظ وقال :
_ وانا اللي كنت متوغوش عليكِ وجايبلك الدكتور لحد هناِ ؟! ..... ده بيطمر في البهايم وأنت لأ !!
قالت بعصبية وغيظ شديد منه :
_ اطلع برا يا فرط البلح ياغبي .....لما أقوملك بس .....
كتم الفتيات ضحكاتهن من غباء نعناعه بالاسئلة حتى غادر آسر الغرفة وبيده حقيبته ....كانت الزيارة مضحكة أكثر بكثير مما يظن ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
خرج آسر من الغرفة وتلقاه الشباب بالخارج ......قدمت زوجة العمدة الشاي الساخن لهم حتى انتهى آسر من كشفه .....قال يوسف لها :
_ نعناعة قالي أن سنانك بتوجعك يا ام نعناعة ؟ ....
قالت السيدة بابتسامة بشوشة :
_ أهو كل كام يوم الاقيها بتوجعني كده ..... الحمد لله على كل حال.....معكرش بالنا بس غير تعب سمكة ....والعمدة راح مشوار مهم من صباحية ربنا قبل ما نعرف أنها تعبانة ......
رد يوسف بابتسامة :
_ احنا موجودين وزي ولادك برضو .....هنقوم باللازم ما تقلقيش ....
جلس آسر وعلى وجهه بوادر ابتسامة فرمقه جاسر بنظرة ماكرة وهمس له :
_ ما انت كنت مش طايق نفسك من شوية !
عبس وجه آسر ونظر لاه نظرة تحذيرية نظرا لوجود زوجة العمدة ......فقالت السيدة بطيبة :
_ البيت ساكت من صوت سمكة ....لما بتبقى بعافيتها بتبقى مشقلبة البيت بصوتها وضحكتها .....
رد آسر ليطمئنها :
_ لو خدت الدةا اللي كتبتهولها هتقوم بسرعة أن شاء الله ....عملت اللي اقدر عليه مع رفضها أني اكشف عليها !!
قالت السيدة وهي تجلس بجسد ثقيل من بعض الأمراض :
_ هي عصبية شوية ...ما تاخدش على خاطرك منها يا دكتور .....دي اغلب من الغلب والله ..... هي تلاقيها اتكسفت منك....
شرد آسر للحظات ....كانت في حلمه خجولة .... تبتسم بحياء شديد ...أقتربت منه ببطء شديد دحض مقاومته وفتتها .....
لم يعرف لما كان في الحلم الغريب هذا... متيم بها !
حتى قالت له بوجه مبتسم مشرق ....تتسابق النسمات لتلامس وجنتيها .... فقالت بمنتهى العذوبة أنها ...تحبه !!
فضمها بقوة بين ذراعيه وهو يهمس لها بجنون عشقه لها ....
حلما سريع يتكرر امام عينيه منذ أن استيقظ صباحا !!
لا زال يشعر بتلك الضمة حتى في صحوته!!
خرج من شروده ولم يدرك أنه كان يبتسم شاردًا على صوت جاسر ونظرته المبتسمة الخبيثة:
_ أنتِ بتحلم حتى وأنت صاحي ؟! ...... هتحتاج نصايحي قريب أوي ......اسأل الموسوعة ..... جاسر ويكبيديا
وكزه يوسف من الجهة الأخرى وقال بغيظ :
_ الست عمالة تقولك أشرب الشاي يابني اشرب الشاي يابني وأنت تايه ومعرفش حصلك ايه .....!!
أنا حذرتكم من الفطير محدش سمع كلامي !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بأذن الله هحاول انزلكم ولو نص فصل بكرة ....أنا مش بقدر اكتب فصل كامل لأن ده بياخد مني اكتر من ٥ ساعات والوقت ده كله كتابة غلط على عيني والله وبيتعبني جدًا....أتمنى تعذروني🥰 💟