تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السبعون_الجزء٢
تجمدت فرحة مما قاله "زايد" وأعلنه كاذبا، ورأت بعينيه شيء يؤكد على هذا التصريح وكأنه حقيقة أصبحت قائمة بالفعل ! .... ولكنه لم يكن ينظر لها بتلك اللحظة، بل كان ينطق كل كلمة وهو ينظر ل"هيثم" بنظرات لو أعطت مرادف لها فستفسرها بالتهديد الصريح !!
بينما هيثم كان يقف أمامه بعينان ضيقتان كأنه يستعد لقتال عنيف لابد أن يخرج واحدًا فيهما فقط على قيد الحياة!
وقال رافعا حاجبيه كأنه غير مُصدق لما سمعه للتو:
_ خطيبتك ..؟!
كانت فرحة ستنطق وتنفي ما قاله زايد كليًا، ولكنه سبقها قائلا بصوتٍ حاد غطّى على ارتفاع صوتها:
_ آه خطيبتي، يعني ممنوع الاقتراب .. فاهم ؟
اضيقت عينان هيثم بغيظ شديد كظمه بالكاد، ثم رمى زايد بنظرات لا تنذر بالخير مطلقا ... فقد اعتقد أن الامر بينهما لن يصل للارتباط الرسمي بتلك السرعة !!
وبذلك الخبر قد يلزم هيثم التفكير في خطط أخرى بدلًا من الذي افشلها زايد بخبر صادم لم يكن بالحسبان .... واكتفى هيثم قائلا بنظرات ازدراء لزايد:
_ مبروك ...
وابتعد ولم يضيف كلمة أخرى، وتتبعت عينان زايد خطواته المبتعدة بنظرات ثاقبة وحادة كنظرات الصقر المترقب لشيء .... زمت فرحة شفتيها بغيظ وعصبية وصاحت به:
_ أنت أزاي تقول كده ؟! .. أنا اتخطبتلك أمتى أن شاء الله؟!
تنهد زايد قبل أن يعود وينظر لها، ثم تطلع بها بتفكير للحظات وقال بعصبية:
_ أنا بحميكي، أنتي مش عارفة حاجة !... أنا مش هسمحله يقربلك ولا هسمح لمخلوق ! ...
هزت فرحة رأسها بدهشة وقالت بانفعال لاعتقادها بأن زايد يفترض الظن السوء بأي رجل يفكر حتى يسير بجانبها ولو دون قصد:
_ أنت مش طبيعي ! ...يقربلي ايه ؟! .... ده كان بيسألني على فادي وبعدين هو مش المفروض ده أخوك ليه بتكرهه كده ؟!
ضيق زايد عينيه عليها بشك وهتف :
_ مين اللي قالك أنه أخويا ؟! ... هو ؟! ..... أنطقي ؟؟
هتف بها بعدما ظلت لحظات تنظر له بعصبية وانفعال حتى اجابت بحدة:
_ آه هو اللي قالي و ...
لم تتابع حتى رفع أصبعه بتهديد شرس أمام عينيها وقال بنظرات عنيفة لأول مرة تراها لهذه الدرجة بعينيه:
_ هعتبرها صدفة، لكن ما تتكررش تاني .... أنتي فاهمة ؟!
وبعدين هو مش أخويا لا من أب ولا من أم ... فادي هو اللي أخويا من الأب بس ... ومن النهاردة أنتي خطيبتي وبكرة الشركة كلها هتكون عارفة الخبر ...
اتسعت عينان فرحة بذهول ولم تصدق أنه يجبرها على هذا الأمر حقا ... فقالت بغضب ورفض تام:
_ مستحيل أوافق باللي بتقوله ده !! ... أنت اكيد اتجننت !
وكان وقع الكلمة الأخيرة عليه مؤلما، فقد تذكر السنوات الماضية وكلمات السخرية والاستهزاء والإهانة من زوجة أبيه وأبنها الحاقد والخبيث .... فأجاب بنظرة غاضبة:
_ في يوم من الأيام هتعرفي أن قراري ده مخدتوش عشان أجبرك، هتعرفي أني كنت خايف عليكي .. أنتي بالذات لازم تبقي بعيد عن عداوتي لأي حد ... مش هسمح لمخلوق يستخدمك ضدي .. وبالذات الغبي ده !
لم تفهم ما يحاول قوله تمامًا، ولكنها بقيت على غضبها منه وقالت بعصبية:
_ اعتبرني مستقيلة من دلوقتي ... وبكرة ورقة استقالتي هتكون على مكتبك، أنا مش لعبة في ايدك ولا في ايد غيرك عشان حد يستخدمني ضد حد ! ...
واستدارت والغضب قد تملّك منها .... وفي ظل العيون حولهما التي بدأت تراقب ما يدور تركها زايد تبتعد عنه مؤقتً، ولكنها لن تبتعد مهما حدث ... ولن يسمح بذلك أبدًا ...
********
وبقصر الخاص بوالد زايد ...
شاهدت نوران ولدها يدخل مكفهر الوجه ولا يبدو أنه نال مأربه من ذلك الحفل الذي خطط له! ....
وقبل أن يصعد درجات السلم للطابق الثاني حيث غرفته أوقفته قائلة:
_ عايزاك يا هيثم .... عايزة اتكلم معاك شوية ..
زفر هيثم بتأفف ورد بعصبية :
_ عايزة إيه أنا مش فايق ؟!
تصاعد القلق بداخل نوران حتى اقتربت منه ووقفت أمامه قائلة:
_ ديمة قالتلي أنها سلمتك ورق المشروع، بعد ما اديتها آخرة فرصة النهاردة .... عايزة أفهم ليه اصريت تجيبلك الورق النهاردة بالذات وايه علاقة ده بالحفلة اللي روحتها ؟!
لم يكن هيثم في مزاج جيد ليفسر لها الأمر .. خصوصا أن لن يروق لها خطته وهاصة بعدما دحضها ذلك الماكر زايد .... فقال منفعلا:
_ يعني ماينفعش أفهمك بكرة ؟! ... عايز أنام !
أصرت نوران وازداد انفعالها وقالت:
_ لازم أفهم اللي حصل بالكامل ... أنا عرفاك وعارفة أنك اكيد بوظتلي خطتي كلها ...!
لم يجد هيثم مفر من الافصاح بكل شيء فقال:
_ الورق في الأمان ... خدت بس صورة منه واستخدمتها النهاردة في الحفلة عشان اشكك زايد في فرحة واعمل بينهم مشاكل .. وده طبعا بعد ما لاحظت أنه معجب بيها اعجاب شخصي بعيد عن الشغل ... وده في نفس الوقت اللي هقربلها فيه واعلقها بيا ... لو خطتي نجحت وعلقتها بيا يبقى شغل زايد كله هيكون عندي قبل حتى ما يتنفذ ... ولو خطتي ما نجحتش ومعرفتش اضحك على عقلها بكلمتين حلوين على الاقل هخليه يشك فيها وابعدهم عن بعض ... ولا أنتي عايزاه يتجوز قبلي ويجيب عيال يضحكوا على عقل جوزك ويخلوه يكتبلهم كل حاجة !!
تفاجئت نوران بتفكير أبنها الشيطاني وقالت بدهشة:
_ انا كل اللي يهمني المشروع ما يتنفذش!!، يتجوز بقى ما يتجوزش مالناش دعوة !! .... وبعدين بنت أيه اللي عايز تقربلها ؟! ... البنت دي اقل حتى أنك تفكر تشغلها عندك !
ابتسم هيثم وقال بمكر:
_ مش اقل ولا حاجة، بصراحة البت دي جامدة ... مش مستغرب أنها دوخت زايد بالشكل ده !!
قالت نوران بسخرية؛
_ ليه هي حلوة للدرجة دي ؟!
رفع هيثم حاجبه بنظرة عين خبيثة وقال :
_ ما تستغربيش لو قولتلك أنها كشكل فهي بنت عادية جدًا ، بس فيها جاذبية غريبة ! ... بنت مش سهلة كده، مش من البنات اللي الوصول ليهم سهل ... زايد بكل غروره ده كان واقف قدامها مرتبك!!.
قالت نوران بعصبية:
_ دايمًا بشوفك بتجري ورا الحاجة اللي بيعوزها ! ... أنت معجبتكش البنت أنت عجبك انجذابه هو ليها !! ... أنا مش عايزاك تدخل معاه في حوار خايب زي ده وخلينا في طريقنا ...
غضب هيثم من تلميح أمه وصاح:
_ ليه هو أنتي مفكرة أني بغير منه ؟! ....
ما كانت تشك نوران بهذا الأمر مطلقا، فكل شيء يؤكد الحقد الدفين الذي يكنه ولدها لزايد ! ... ولكنها قالت كاذبة:
_ لا مش قصدي يا حبيبي ... تغير من مين هو يجي ايه جانبك ! .... بس أنت بتحب تتحداه دايمًا بس بصراحة موضوع البنت ده سخيف ومش قبلاه نهائي خصوصا أن ممكن يوصل العند معاك وتخطبها ! .... ده انا كان يجرالي حاجة !
عاد هيثم لنظراته الماكرة وابتسامة الاشد مكرًا ثم جلس على أريكة قريبة منه وقال :
_ وحتى لو ده حصل مش هكون خسران، اللي يلاقي واحدة زي دي في الزمن ده يبقى هو الكسبان ..
شهقت نوران من الفزع ثم صاحت بوجهه:
_ أنت مجنون ؟! .... اكيد جرى في عقلك حاجة ! ... بقى أنت تتجوز بنت زي دي وتسيب اللي بكلمك عنها من ساعة ما رجعت من السفر ؟!
قال هيثم بسخرية:
_ ده انا أبقى مجنون لو سمعت كلامك واتجوزت البت التافهة بنت صاحبتك دي !! .... ده مافيش بينها وبين فرحة مقارنة اصلا ؟!
غضبت نوران وبدأت تندم على محاولاتها المستميته لعودته من الخارج وقالت:
_ لا أنا كده اتأكدت أنك واخد الموضوع عند ... بالذات لما شوفت اسلوبه معاها !! .... يابني افهم أنت بتعند معاه هو مش معجب بيها !! .
قال هيثم وكأنه ينبأها خبرا سعيد:
_ طب لمعلوماتك زايد قالي النهاردة أن فرحة خطيبته ...
صدمت نوران مما قاله وصدمت أكثر أن هيثم يبدي سعادة للأمر فقالت :
_ ولما هي بقت خطيبته بتفكر فيها ليه ؟!
وضع هيثم ساقا على ساق وقال بابتسامة خبيثة:
_ أصل كده ضربتي هتوجع أكتر !! .... يمكن دمر خطة النهاردة بالكامل بسبب الخبر ده .... بس لما فكرت شوية لقيت في بدايل كتير ...
اقتربت نوران لأبنها وقالت برجاء:
_ ارجع كندا يا هيثم، ارجع ارجوك ... وليك عليا في اقرب وقت هتصل بيك وافرحك أني رجعت زايد لمستشفى المجانين تاني .... ابعد أنت عشان خاطري زايد مش سهل ومش هيسكت وأخاف عليك منه ومن تفكيره !
احتدت نظرة هيثم وقال بعصبية:
_ هو مش أذكى مني وبطلي بقا اسلوبك ده معايا وكأني عيل صغير قدامه ! ....
زفرت نوران بيأس وضيق شديد وقالت :
_ أنا هتصل بخالك يشوف حكايتك ايه ! ... مش هسيبك تواجهه، ده زي القطر بيفرم اللي يقف قدامه من غير لحظة تفكير !
***********
ظلت فرحة صامته طيلة طريق العودة وهي بسيارة زايد وتعود مثلما أتت .... وشعر شقيقها حسام أن هناك امر ربما قد اغضبها فكان ينظر لها بنظرات تساؤل صامتة لحين عودتهم للمنزل ....
وعند وصول السيارة بقرب المبنى القديم أوقف فادي السيارة بالتدريج ....
وخرجت فرحة من السيارة بحركة سريعة واتبعها حسام ملقيًا عليهما التحية قبل الانصراف .... نظر فادي الى شقيقه بشك وقال:
_ هو أنت زعلتها ولا إيه ؟!
تنهد زايد بعمق ثم أجاب بعينان لا يموج فيهما سوى الحذر والكثير من القلق عليها فقال:
_ مافيش حاجة ... كمل الطريق عايز اوصل البيت بأسرع وقت ....
تعجب فادي منه وتأكد بأن هناك امرًا ما قد حدث، ثم حرك السيارة لطريق المنزل مباشرةً....
وفي المقابل عندما دخلت فرحة منزلها أوقفها صوت شقيقها حسام وسأل بعصبية:
_ بسألك ومش بتردي عليا ؟! ... في ايه حصل ونرفزك كده ؟!
اطلقت فرحة تنهيدة عميقة قبل أن تجيبه :
_ مافيش حاجة يا حسام ، تصبح على خير ...
هتف حسام بعصبية شديدة:
_ لأ في ولازم أعرف ! ... لو فكراني مش هقدر ادافع عنك تبقي لسه ما تعرفيش أخوكي ؟!
شعرت فرحة بأنها اغضبته واقلقته دون داعي فاعترفت بما فعله هيثم وما قاله زايد .... فانكمش ما بين حاجبي حسام وبدا عليه التفكير والضيق ، ثم قال بعصبية:
_ أنا مابقتش مطمن لأي حاجة تخص زايد ! ... يعني ايه يعلن خطوبتكم بالكدب ؟! ... ومين اداله الحق يتعامل معاكي كده ؟! ... أن كنت وافقتك أنك تروحي تشتغلي فعشان حسيت أنك عايزة تعرفيه كويس ومياله ليه ... أنما التصرفات دي مش هقبلها !
اقتربت فرحة من شقيقها ورغم ضيقها مما حدث ولكنها وجدت نفسها تبرر عصبية زايد وتضع له الأعذار فقالت :
_ بصراحة هيثم فعلًا طريقته في الكلام تخوف وتقلق، وزايد ادرى مننا بيه ، هو أخوه ويعرفه عننا ...
رد حسام بما يعرفه عن صلة زايد بهيثم :
_ هيثم مش أخو زايد ! .... ابو زايد اتجوز مراته التانية وهيثم كان موجود من جوزها اللي مات ! ... وبعد ما ابو زايد اتجوزها بكام سنة خلفوا فادي ... فادي بس اللي اخو زايد ....
فهمت فرحة الأمر برمته فقالت :
_ أنا عارفة أن زايد غلط بس هو قالي حاجة غريبة ، قالي أنه بيحميني من هيثم بالذات ... وزي ما قولتلك هيثم انسان مش مريح وزايد اكيد فاهم اسلوبه ...
قال حسام بضيق وانزعاج:
_ أنا مابقتش مرتاح للموضوع ده يا فرحة!، بس مش عايز اجبرك على شيء وأقولك ابعدي عنهم كلهم، ... أنا واثق فيكي وهسيبلك القرار ... متأكد أنك مش هتخذليني.
ربتت فرحة على كتفه بحنان وقالت بابتسامة كي تطمئنه:
_ ثق فيا واطمن ... زايد مافيش دليل واحد أنه بيفكر يأذيني، ده مستني مني أي اشارة عشان أوافق على طلب الجواز ! ... واكيد طالما حذرني واتنرفز كده يبقى شايف شيء احنا مانعرفهوش ...
سأل حسام بجدية:
_ أنا متأكد أنك ميالة ليه، بس مش عارف ليه مترددة توافقي ؟!
ابتلعت فرحة ريقها بتوتر وقالت بصدق:
_ من تجربتي القليلة مع أمجد فهمت حاجة، أني مش لازم اتسرع في احساسي ... لازم افكر واتأكد من مشاعري واتأكد من الطرف التاني أكتر .... بداية معرفتي بزايد وموضوعك مكنش شيء يخليني حتى اتكلم معاه بهدوء!! .... فطبيعي ابقى خايفة وجوايا هواجس كتير محتاجة وقت أكتر عشان تنتهي ...
رد عليها حسام بعدما هدأ من حديثها:
_ الحقيقة رغم زعلي من تصرف زايد بس برضو مش هنسى وقفته معانا في المستشفى ... مكنش في شيء واحد يخليه يعمل كده غير أنه شاريكي فعلا ... يمكن الوقت ده اللي بيشفعله في كذا تصرف عمله ومعجبنيش ... ولحد دلوقتي انا ساكت عشانك أنتي لحد ما اشوف أخرتها ! ...
ابتسمت له فرحة وقالت بمرح:
_ ما تقلقش بقا وتكشر كده بتخوفني !! ...
ابتسم لها حسام بالتدريج واستأذنت فرحة لتبدل ملابسها وتخلد للنوم ....
********
دخل زايد من بوابة القصر وتجولت عينيه بجميع الزوايا حتى وجد هيثم يجلس بجانب والدته على بُعد مسافةً قليلة، ورغم اصابة قدم زايد وعكازه اللذي يستند عليه ولكنه اجتاز المسافة بنظرات شرسة مصوبة اتجاه هيثم .... ووقفت نوران وهي تبتلع ريقها وتجسدت مخاوفها وهي ترى زايد بهذا الغضب يقترب من ولدها..!
حتى وقف هيثم بوقفة تحدي أمام زايد وأشار له الآخر بتهديد عنيف :
_ اللي يقرب لشيء يخصني ويحط عينه عليه يبقى نوي على نهايته، تخيل بقا لو حد حط عينه القذرة دي على حبيبتي ؟!
ابتسم هيثم بسخرية وهو يضع يديه بجيوبه بقصد الاستهزاء من ما سمعه وقال:
_ الأول خطيبتي ... ودلوقتي حبيبتي ؟ ... بكرة هتكون مراتك ؟!
لم يتمالك زايد نفسه وجر هيثم من ياقة قميصه بغضب وصاح به :
_ أنا عارف أنك حقير وقذر وحقود ودايمًا مش شايف غير اللي في ايدي !! .... بس اقسم بالله لو عينك جت عليها تاني زي ما شوفت في الحفلة لأنسى أي صلة قرابة ما بينا وما هرحمك ! ....مش هقولك أنك ما تعرفنيش لأ أنت عارفني كويس أوي .... وعارف اللي أقدر اعمله لو حد قرب لحاجة ملكي ...
نظرت نوران للشرر الذي يتطاير من عينان هيثم وصرخت وهي تستغيث ....حتى أتى فادي وفرق بينهما بمجهود كبير ووقف أمام زايد قائلا بدهشة:
_ في ايه يا زايد ؟! ... هيثم عملك ايه ؟!
رد زايد ونظرات الغضب والعنف تزداد بعيناه :
_ قول لاخوك يخلي باله ويبعد عني ... عشان لو مبعدتش بالذوق هيبعد غصب عنه .. وأنا ما بحذرش حد مرتين ... المرة الجاية هيفتح على نفسه باب هو مش اده ...
صرخت نوران به في كره وحقد شديد :
_ أنت مفكر نفسك ايه ؟! واقف وعمال تزعق لأبني من غير ما يعملك حاجة!، لأ فوق وشوف أنت واقف في بيت مين ؟!...
نظر لها زايد بكراهية وقال باستهزاء:
_ واقف في بيتي وبيت أبويا ... ابنك هو اللي واقف في بيت جوز أمه ! ...
اشتعلت النيران بداخل نوران وهي تنظر له ولم تستطع التفوه بشيء خاصةً أمام فادي الذي امتلأت عينيه حزن وضيق ويأس ... ثم قال لهم :
_ احنا هنفضل نكره بعض كده لحد أمتى ! ... انا نفسيتي بتتعب كل ما بشوفكم كده ! .. نفسي في مرة نبقى عيلة ونتلم ونضحك ونهزر زي ما بشوف أهل صحابي وزمايلي ! ...
تنفس زايد بعصبية ورمى على هيثم نظرات محملة بالانذار والتهديد وصعد لغرفته بخطوات بطيئة.. ويبدو أن هيثم لا يتحلى أمام زايد بأي شجاعة للمواجهة .... فهو يعرف قدر ذكاء زايد في رد أي خديعة أو مكيدة .....
وعندما اختفى تمامًا ضربت نوران قبضتيها ببعضهما في غضب شديد وقالت:
_ ده اللي كنت متأكدة منه، لا ولسه لما يتجوز كمان هيتفرعن أكتر ! ... بس لأ مش هسيبه يعملها !
نظر لها فادي بضيق شديد وركض لغرفته .....
**********
وبالصباح ... عند الساعة الثامنة والنصف تحديدًا ....
وجد زايد فرحة تدخل مكتبه دون حتى أن تطرق الباب وتضع امامه ورقة الاستقالة ..!
وقالت بحدة:
_ امبارح اديت مبررات كتير لأخويا عشان ما ياخدش منك موقف ويكرهك بعد ما بقيتوا صحاب، بس ده مش هيغير من موقفي ... دي استقالتي ..
ظلّ زايد ينظر لها بثبات للحظات طوال .... ثم ابتسم ابتسامة واسعة وقال :
_ كنت اسمع أن البنات مش بيعجبهم غير الشخص الغيور جدًا ! ... بس أنتي دايمًا بتثبتيلي عكس كل شيء سمعته ! ... ممكن تفهميني سبب الاستقالة ؟!
اغتاظت من نفسها لأنها بالفعل ابتسمت سرًا إثر ابتسامته ذات الغمازتين وقالت:
_ يعني مش شايف أن اللي قولته ده تحكم فيا واجبار على شيء لسه بفكر فيه ؟! .... مش مبرر ابدًا أنك شوفت حد حتى يعني لو بيعاكس يكون ده رد فعلك!! ....
نهض زايد من مكانه ببطء ووقف أمامها بنظرات ثابتة، وقال بصدق:
_ الموضوع مش بس معاكسة يا فرحة، في حاجات كتير هتعرفيها بعدين ومنها أن الانسان ده عمره ما شافني بحب حاجة ومحاولش يخطفها مني !
الأول مكنش بيهمني ... بس عندك أنتي ولا ، مستحيل اسمحله يفكر حتى ! ... أنا بخاف عليكي أكتر من اكتر مرة خوفت فيها على نفسي.
ارتبكت من قوله ولكن قاات بحدة:
_ بس انا مش حاجة من حجاتك !!
قال وعينيه بها كل ما يذوب جبال الثلج بينهما ويزلزل قلبها:
_ أنتي مش حاجة يا فرحة ... أنتي احتياجي !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الواحد_والسبعون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... عهد الطفولة ...~
ويهمس القلب سرًا بكلمة أحبك .. بعدما كان لا يعرف سوى الآنين والألم ..!
متى تعرف الأنثى حبها الحقيقي ؟
ربما عندما تجد رجل يستطيع ازالة ذكريات كل ما كان قبله دون رجعة، أو عندما لا ترى سلامها وأمانها إلا بجواره !
فليس كل حبيب يستطع أن يضع روح الأطمئنان بقلب حبيبته ... فهناك من يقدم الخوف والشك!!
توالت دقات قلب فرحة، دقات عالية تسارعت من فقط جُملة !
جُملة قالها فسرقت خوفها .. !
اطمأنت حتى السكينة .. صُدمت لدرجة الدموع ...!
ونظرت له بعينان تلتمعان من الدموع الآبية الاعتراف وقالت بصوتٍ وكأنه الهمس:
_ احتياجك ..! .... أنا؟! ...
لاحظ بعينيها شيء رقق قلبه أكثر، قلبه الذي لم يرق ويدق إلا لها !
فأجاب بتأكيد وعينيه تسبقان صوته إجابة:
_ احتياج، واجتياح، وسند روحي المكسورة .. وأمل بكرة والجاي .. لما قولت أنك خطيبتي مكنتش لعبة ..!
دي الفرحة اللي مستنيها ومصدقت لقيت اللحظة اللي أقدر أخطف فرحتي فيها، وده طبعاً غير خوفي عليكي من كل حاجة ... حتى مني!
هربت عينيها من نظراته وتطلعت بورقة الاستقالة على مكتبه، ففهم أنها تريد التراجع عن تلك الخطوة، ولكنها تستحي أن تبادر بها ... فطافت على ثغره ابتسامة وهو يأخذ ورقة الاستقالة ومد يده بها قائلًا:
_ خدي ورقة الاستقالة دي قطعيها بنفسك ..
كانت أمامه ثابته، سوى عينيها المرتبكتان بحياءً شديد، بينما بداخلها هناك غزو يحدث بقلبها الآن !
أخذت ورقة الاستقالة منه بأصابع مرتعشة وعينيها تتهرب منه على الورقة، ولاحظ زايد بدموع الصامتة التي تنزلق من عينيها على وجنتيها وقبل أن يسأل اسرعت فرحة للخروج من مكتبه ووقف يتأمل خروجها بدهشة ... !
ولكنها اغلقت باب مكتبه حتى لا يرها وجلست على مقعد مكتبها وانطلقت من أنفاسها نفضة دموع ... رافقها ابتسامة !
أن تشعر أنها محبوبة لتلك الدرجة فهو بالشيء الذي لا تستطيع عنده إلا أن تبكِ ! ... ولأول مرة تختبر دموع السعادة!
أن لا يكفي قلبك الابتسامة تعبيرًا، فيغمرك بكافة المشاعر ! ..
أن لم تخبره اليوم أنها تحبه لأنه غريبًا عن حلالها ... فالغد القريب سيأتي به ويكون الحلال والنصيب والحبيب ... وستخبره أن يكرر ما قاله .. كل كلمة قالها سيكررها .. وبعدها سترمي رأسها على صدره حتى نهاية أنفاسها ...
مسحت عينيها الباكيتان وهي تبتسم بسعادة جعلت ابتسامتها تبدو مرتعشة، ففتح زايد باب مكتبه والتفتت له سريعا وهي تتأكد من ازالة الدموع بعينيها ... فأقترب ببطء وهربت من نظراته مجددًا، حتى قال بصوت به دفء حارب ثباتها:
_ قولي لحسام أني هجيلكم بكرة بعد الشغل عشان هتقدملك ... أنا مش عارف دموعك دي ليه يا فرحة!، بس مش هستني أكتر من كده عشان أثبتلك صدق كلامي ... يمكن خايفة مني، يمكن مش بتثقي فيا، بس لما تبقي شريكة حياتي هتعرفي مين هو زايد ...
واستدار وعاد لمكتبه وعلى وجهه شيء من الألم ... يظنها تبكِ لأنها لم تشعر به !! ... يظن نفسه ثقيل على قلبها وهو قد أصبح سؤال القلب الوحيد !!
وقفت فرحة حائرة .. تستحي أن توضح له، ولا يعقل أن تخبره بكل ما تكنّه له ! ... ولكن هناك غد لهما به اتاحة فرصة الاعتراف مع مباركة الحلال .... ابتسمت وهي تجلس بمكانها وتنهدت بسعادة شديدة وقالت :
_ خليك فاكرني مش بحبك، وحاول كتير عشاني، وحاول أكتر ... وهحبك أكتر ... وفي اليوم اللي هنبقى لبعض هقولهالك ... يومها هبدأ أقولهالك ... ومش هبطل أقولك بعدها أبدًا أني بحبك !
وأخذت الدموع حيزها وانسحبت من عينيها، وكانت اللمعة المشرقة المعانقة لنظراتها تشرح مرادف الأمان والخطوات الصادقة إليه..
********
ودخل وجيه بهذا الصباح لغرفة ليلى ... مبتسمًا وبعيناه يتلاعب المرح، ولكن ما تعجبت ليلى بعدما أشرق وجهها بابتسامة هي تلك الصغيرة التي تمسك أصابعه وتسير برفقته في اطمئنان !
نظرت ليلى للصغيرة التي تكبر صغيرتها بحوالي الثلاث سنوات أو ربما أكثر:
_ مين الأمورة دي ؟!
اتسعت ابتسامة وجيه ونظر للصغيرة المتمسكة بيده وقال لها:
_ دي طنط ليلى، عرفي عن نفسك بقا يا شقية ...
قالت الصغيرة وهي تنظر لليلى بابتسامة واسعة لا تخلو من براءة طفولتها، ورددت وكأنها تدندن بمقطوعة غنائية:
_ اسمي اسمي أيسل ايسو ... ايسو ده دلع اسمي ... كتكوته وعسولة وحبيبة الدكتور بابا .. وإيه بعدين ؟ ... وإيه بعدين ؟
اعتدلت الصغيرة "ريميه" بجانب أمها على الفراش وضحكت على ما سمعته، فضحكت ليلى بقوة وقالت لزوجها وجيه :
_ هي أيسل بنت الدكتور محمود ؟
هز وجيه رأسه بالايجاب وهو ينظر لها ويضحك ثم اردف قائلًا :
_ اوعي تحسسيها وتعامليها أنها طفلة ... هتعترض !
وضعت أيسل يديها بخاصرتها وقالت باعتراض وهي ترفع رأسها وتنظر له بثقة:
_ ممكن تقدرني أكتر من كده يا دكتور وجيه ؟!
ضحك وجيه ثم مرر يده بمشاكسة على رأسها وقال :
_ مقدرك يا لمضة هانم ... تعالي بقا لما أعرفك على أميرتي الصغنونة ..
وأخذها إلى حيث الصغيرة ريميه التي كانت ابتسامتها تتسع كلما سمعت الخطوات تقترب أكثر فأكثر، ثم أشار وجيه على ريميه وقال لأيسل:
_ دي ريمو بنتي اللي كلمتك عنها ..
ابتسمت أيسل وقالت :
_ عسولة ريمو ... عينيها جميلة أوي ... شبه العسل.
تأملت ليلى الطفلة أيسل بابتسامة ومحبة وضعت بقلبها تلقائيًا ... ثم أضاف وجيه قائلا لأيسل :
_ يعني هتبقوا صحاب ؟
هزت الصغيرة أيسل وقالت بتأكيد :
_ ايوة ... هاتلنا لعب أنت بس ...
ضحك وجيه على طريقة حديثها مجددًا وقال بموافقة :
_ هبعت أجيبلكم لعب كتير دلوقتي .. إيه رأيك يا ريمو ؟ ... تحبي تلعبي مع حضرت الضابط أيسل ؟
ابتسمت أيسل له وقالت باعتزاز :
_ ميرسي يا دكتور على اهتمامك ..
نظر وجيه لليلى التي انخرطت بالضحك ثم قالت له :
_ لمضة أكتر من ريمو !! ...
وسألت ليلى أيسل بابتسامة مرحة:
_ عندك كام سنة بقا يا أيسو ؟
رفعت أيسل يدها اليمني اولا وأشارت بالخمسة أصابع، ثم باليد الأخرى رفعت أصبعين فقط ... ففهمت لليلى أن عمرها السبع سنوات رغم أن الصغيرة تبدو أكبر من ذلك حقا حتى من طريقة حديثها! ..... فقالت الصغيرة ريميه :
_ ماما أنا عايزة العب مع ايسو ؟
قالت ليلى لوجيه بضحكة :
_ بقوا أصحاب في دقيقتين !!
شاركها وجيه بالضحك للحظات ثم نهضت ليلى واهتمت بخلع حذاء أيسل ورفعتها على الفراش حيث تجلس صغيرتها ... وانغمس الفتاتان بالهمسات والضحك والاحاديث الطفولية المضحكة ....
ونظرت لهن ليلى بابتسامة حنونة وبجوارها وجيه لم يكن أقل منها في رقة هذا الشعور، ثم همس لها قائلا :
_ شوفتي ريمو مبسوطة أزاي ؟
أجابت ليلى وعينيها على صغيرتها الضاحكة بمرح :
_ شكلهم هيبقوا صحاب أوي ... انسجموا مع بعض بسرعة ...
تسحبت يده إلى أناملها بلمسة رقيقة ثم همس لها مجددًا :
_ هبعت ممرضة تيجي تقعد معاهم على ما نرجع، عايز اتكلم معاكي شوية قبل ما انشغل في الشغل ومش هعرف اشوفك غير آخر اليوم ! ...
التفتت له ليلى وقالت بقلق :
_ في حاجة ولا إيه ؟!
أخفى المكر من عينيه ورد بتأكيد :
_ آه في شيء ضروري ...
خرجت معه ليلى حيث مكتبه وبعدما دلف للمكتب وتبعته أغلق الباب وجذبها إليه قائلًا بابتسامة :
_ الشيء الضروري أنك وحشتيني ..
ابتسمت ليلى ابتسامة واسعة ولكي تستفزه ابتعدت عنه وازاحت قبضتيه عنها، فجذبها اليه بقوة ولكن نظرت له ليلى بجمود للحظات ثم رفعت أحدى يديها لرأسها وقالت وقد شحب وجهها قليلًا :
_ حاسة أني دايخة أوي !
ظن وجيها أنها تتلاعب به وقال بضحكة :
_ لا أنسي أنك تضحكي عليا !
ازداد شحوب وجهها وعندما كادت ان تسقط فعليًا تمسك بها بكل قوته بعينان متسعتان من الصدمة وقال:
_ في إيه يا ليلى مالك ؟!
ابتلعت ريقها وقالت وقد أصبحت الرؤية أمامها مشوشة :
_ مش قادرة أقف ...
حملها على ذراعيه ثم توجه للفراش الطبي المرفق بغرفة مكتبه ومرر يده على وجهها بقلق شديد وهو يسأل:
_ حاسة بإيه ؟!
ولكي تطمأنه ابتسمت وقالت :
_ أنا كويسة ما تقلقش، بس الدوخة دي بقالها معايا كام يوم ... يمكن نقص فيتامينات ... صدقني أنا كويسة ..
اعترض وقال بقلق يلتمع بعينيه :
_ لأ ، مش هطمن غير لما أعرف اسباب الدوخة دي إيه ؟! .... هنخسر إيه ...معمل التحاليل موجود ودكاترة من جميع التخصصات موجودين ! ... مش هتتحركي خطوة من مكانك حتى ! ..
تذكرت ليلى شيء وظلت ناظرة له بمحبة شديدة وهي تدعو أن يصح ظنها به ... وكأن هذا الأمل حرك بجسدها طاقة مجهولة، فاعتدلت وهي تضع ذراعيها على صدره وتبتسم برقة:
_ طب مش كنت بتقول أني وحشتك وكلام حلو كنت لسه هتقوله ؟! ....
نظر لعينيها للحظات بتمعن ثم ضمها بكل قوته قائلًا بتنهيدة:
_ لازم اطمن عليكي الأول وأشوف فيكي إيه ... أنا قلقان ..!
اغمضت عينيها وابتسمت ثم اجابت بهمس:
_ أنا بخير والله ...
ومضت دقائق ... وأتى موعد بدء عمله فعليًا، فنظر لعينيها القريبة منه وقال:
_ خليكي هنا وهبعتلك ريميه، مش هغيب، كل ساعة هتلاقيني هنا ..
وافقت وهي تنظر له بابتسامة ظلت طويلًا على وجهها .... ونهض متوجها ببطء للخارج، حتى قبل أن يخرج نظر لها وعينيه ينهشها القلق عليها ... ولكنه خرج مرغمًا من المكتب ...
تنهدت ليلى بعمق وتمتمت بشيء .... وبعد لحظات فتحت أحدى الممرضات باب المكتب بعدما سمحت لها ليلى بالدخول وقالت مبتسمة وبيدها تقرير طبي لتحليل ( HCG) بنتيجة ايجابية:
_ مبروك يا مدام يا ليلى، أنا سألتلك الدكتورة نورا عن النتيجة واكدتلي الخبر ..
خطفت منها ليلى ورقة التحليل، ورغم أنها لا تفهم منها الكثير ولكنها بكت وهي تبتسم لها بسعادة سارت بجسدها برعشة شديدة وقالت لتتأكد :
_ يعني أنا حامل بجد ؟!
ابتسمت لها الممرضة وقالت بتأكيد :
_ والله حامل والنتيجة في ايدك أهي !!
ولأن فترة زواجها بالكاد تخطت الشهر لم تكن متأكدة من ظنها، بل وضعت هذا الاحتمال بآخر التوقعات عندما بدأت تظهر عليها بعض الأعراض .... وكل ما قالته الآن وهي تبك:
_ وجيه فين ؟
ردت الممرضة قائلة :
_ هروح أشوفه في العناية وابلغه ...
اعترضت ليلى وقالت:
_ لأ ما تقوليش ليه أي حاجة، قوليله بس أني عايزة أشوفه ضروري ...
وافقت الممرضة وذهبت .... بينما نظرت ليلى للتقرير مجددًا بعينان ممتلئة بالدموع، فبعد ولادة طفلتها الوحيدة قد أخبرها الطبيب بصعوبة حملها مجددًا وقد حذرها أيضاً من الإقدام على تلك الخطوة مما واجهته من فترة حمل رأت فيها جميع الألام والصعاب بصغيرتها ! ....
ووقتها كانت تتألم حتى من قبل فترة الحمل، كانت تبيت لياليها وهي باكية وجسدها به الكدمات الزرقاء والحمراء من أثار الضرب والوحشية التي طالتها على يد زوجها السابق.
وفجأة وجدته وجيه يأتي إليها لاهثاً من الركض والاسراع اليها ووجهه أصبح شاحبًا بشكل ملحوظ ... بينما عينيه تلتمعان الآن بالخوف ... واسرع اليها قائلًا بلهفة :
_ بتعيطي ليه يا ليلى ! ... قوليلي حاسة بإيه ؟! ... لا أنا ....
قاطعته ليلى وقالت بدموع تركض على ابتسامتها :
_ وجيه أنا حامل ....
تسمر في مكانه للحظات، فما كان يتوقع ولو بنسبة بسيطة أن تخبره بهذا !..... فأضافت ليلى بسعادة تملأ عينيها الباكية:
_أسفة أني عملت تحليل من وراك، بس مكنتش عايزة أقولك غير لما اتأكد ... أنا حامل ...
ردد وجيه الكلمة للحظات وكأنه يشك أنه بالفعل يسمعها ... هنا بمحطة العمر الأربعين سيكون أبًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى ! ... لم يكن متوقعا أن تُسكب السعادة تلك الجرعات دفعةً واحدة بعدما هجرت عنه لسنوات !....
وأشرقت عينيه بالفرحة الحقيقة وهو ينظر لها وقال :
_ مع أني كنت المفروض ابقى متوقع الخبر ده في أي وقت بس مش عارف ليه مصدوم ! .... صدمة حلوة، زي طعم السكر بعد المُر ! .... ريميه هيجيلها أخت أو أخ ... بنتنا مش هتكون لوحدها أبدًا ...
وارتمت ليلى على صدره ورفعها قليلًا عن الأرض بابتسامة واسعة مليئة بالسعادة ....
وشاهدت جيهان ذلك المشهد من بدايته دون أن يلاحظها أحد .... وابتعدت عن الغرفة بخطوات تائهة .... فقد كانت تريد التحدث مع ليلى عندما علمت انها بمكتبه... ولكن ذاك الموقف أظهر لها بعض الأشياء ..... وأهمها أنها سعدت لأجلهما وهكذا كان أول شعور دق بقلبها !! ...
********
وبغرفة ليلى بالمشفى..... ارتفع أصوات الصغيرتان..
ريميه:اسمي ريميه ريمو...
أيسل:اسمي ايسل ايسو ...
ريميه:أحنا صحاب ؟
صافحتها ايسل بتأكيد وقالت :
_ طول العمر ...
ريميه:تيجي نلعب ؟
أيسل بضحكة: نلعب إيه ؟
فكرت ريميه بعض الوقت وقالت:
_ وردة حمرا وخضرا وصفرا ، يبقى معانا كام وردة ؟
أجابت أيسل :
_ أربعة ...!
عبست ريميه وقالت:
_ غلط !
اكدت أيسل:
_ لأ صح، وردة حمرا وخضرا وصفرا وعسلي في عنيكي يبقوا أربعة ... صح يا ريمو ؟؟
ضحكت ريميه عاليًا :
_ صح الصح ..
قالت أيسل باقتراح :
_ عندي فكرة ..
ريميه بحماس:
_ فكرة إيه ..؟!
شرحت أيسل :
_ نمشي خطوة، خطوة بخطوة، وكل خطوة نعد واحد ، ولما نوصل لعشرين هنسقف عشر مرات .... ها موافقة؟
وافقت ريميه ولكن قالت عابسة :
_ هنفضل نلعب وفي الآخر هتسبيني وتمشي !
ربتت على ذراعها أيسل :
_ هجيلك بكرة ونلعب تاني ...
ريميه :
_ طب وبعد بكرة ؟
أيسل :
_هجيلك تاني ونلعب تاني ...
ريميه :
_ هتجيلي على طول ؟
أيسل بابتسامة حنونة:
_ لحد ما نكبر ...
ريميه:
_ وبعد ما نكبر ؟
أيسل بضحكات عالية :
_ بيقولوا لما نكبر هنتجوز ...
كشرت ريميه وقالت :
_ هتتجوزي ومش هتلعبي معايا صح ؟
قالت أيسل باقتراح :
_ لأ ... خليهم يجوزوكي انتي كمان في نفس البيت ... إيه رأيك ؟
فكرت ريميه قليلًا ثم قالت :
_ ماشي موافقة .... بس ابقي فكريني لما نكبر ...
واففت أيسل :
_ مش هنسى ... وابقي فكريني انتي كمان أخد الأرنوب بتاعي ...
هزت ريميه رأسها بموافقة وتأكيد ... ويبدو أن الطفلتان أخذن الأمر بجدية على قدر طفوليتهما !! ...
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الواحد_والسبعون_ج٢
دقت الساعة الحادية عشر لهذا اليوم ..
وكان من المفترض أن تذهب "نوران" للتسوق مع احدى أصدقائها ولكن انشغال فكرها بموقف أبنها المريب جعلها تعتذر لوقتٍ آخر ... حيث تستطع ابعاد ولدها عن كل شيء ..
وظلت تفكر حتى تفاجأت بدخول شقيقها ماجد من المدخل الرئيسي للفيلا، فنهضت في استقباله وبعدما رحبت به بجفاء نظر لها متفحصا بشك وقال:
_ جيباني على ملا وشي كده ليه ؟! ... إيه اللي ماينفعش نتكلم فيه بالتليفون وكان لازم أجي بنفسي ؟!
تنهدت نوران بهم ثقيل واضح بتعابير وجهها ونظراتها وأخذت شقيقها حيث المقاعد ... وبعدما جلسا واستراحا على المقاعد قالت له بمقت:
_ عايزة هيثم يرجع كندا تاني بأي شكل، حاول تقنعه يسافر تاني.
فغر ماجد فاه من الدهشة، ثم قال بعدما تأكد أن ما سمعه صحيحا:
_ أنتي اللي بتقولي كده ؟! ده أنتي كنتي هتموتي ويرجع ويبقى جانبك !!
زفرت نوران بعصبية تأكد منها ماجد أن هيثم كعادته تصرف بغباء وتهور مما جعل نوران بذلك الضيق، فأجابت نوران موضحة:
_ هيثم بيتحدى زايد عيني عينك ! ... أنا مكنتش فاكرة أنه هيرجع عشان يوقف قصاده مباشرةً بالشكل ده وبالعند ده ! ...
وتابعت بإستياء شديد وقلق :
_ زايد ده حوت وخطير!! .. مستحيل يسمح لهيثم يغلبه في أي شيء! ... وهيثم مابقاش فارق معاه أي حاجة ومابقاش يسمع كلامي خالص!....
ورغم أن تلك المعركة راقت ماجد وستصب في صالحه، ولكنه لم يظهر ذلك لشقيقته بل افتعل القلق والخوف على هيثم وقال:
_ ماينفعش نحط النار جنب البنزين طبعا، بس أنا مش فاهم تقصدي إيه بأنه بيتحدى زايد مباشرةً ؟!
سردت نوران ما آلت إليه الأمور بعدما استولى هيثم على أوراق المشروع الكبير الذي ينظمه زايد منذ سنوات وما حدث بذلك الحفل!، فدهش ماجد بالفعل وقال:
_ أنا شوفت فعلا السكرتيرة اللي بتتكلمي عنها دي، بنت عادية ماتلفتش النظر يعني عشان ده كله !! ... بس أبنك عنيد ومش شايف فيها غير حب زايد ليها .. وده في حد ذاته هيخليه يشوفها أجمل واحدة في الدنيا !! ... لأنه من الآخر بيغير من زايد ومش عارف يبقى زيه !
غضبت نوران وهتفت بشقيقها في غيظ شديد:
_ ايه يا ماجد مالك كده ؟! ... هو أنا جيباك عشان تحل معايا المشكلة دي ولا تنرفزني بكلامك ؟! وبعدين أبني هيغير منه ليه يعني ؟!
رد عليها ماجد بسخرية:
_ هو أبنك بس اللي بيغير منه ؟! ... تعالي شوفي زايد عامل ايه في السوق واغلب رجال الأعمال اللي بقوا أعدائه وبيستنوا له غلطة ! ... وبعدين هيثم فعلا بيغير منه وده مش محتاج بينة !
غضبت نوران أكثر وصاحت به :
_ أنا غلطانة أني كلمتك ! ...
قال ماجد بحدة:
_ استني بقا هو أنتي هتتقمصي زي العيال الصغيرة ؟! ماهو عشان تحلي المشكلة لازم تعترفي الأول بالغلط !
هيثم فشل وخسر كل الفلوس اللي كنتي بعتيهاله، خسر كل حاجة رغم أني ساعدته وبعتله كل شيء محتاجه .. ومع ذلك خسر وفشل ! .... زايد بقا في كام سنة خلى الشركة بتاعتنا تكون في حته تانية ! .... ارباحها بقت اضعاف مضاعفة واللي كنا بنكسبه في خمس سنين كسبه هو في أقل من سنة واحدة !! ... وهيثم واصله كل ده طبعا، يبقى أزاي مش عايزاه يغير منه ؟!
نظرت نوران لشقيقها بنظرة غاضبة ولكن في قرارة نفسها كانت على يقين أن أبنها يحمل حقدًا دفين لزايد وما حققه من سلسلة نجاحات متتالية في سنوات قليلة ... فتابع ماجد بمكر وكأنه ينوي عكس ما سيقوله :
_ أنا هخلي بالي من هيثم لو ظهر في الشركة، هبعدهم عن بعض ..
فقالت نوران بحسم:
_ والسكرتيرة دي اللي اسمها فرحة !
سأل ماجد بشك:
_ مالها ....؟!
اجابت نوران بكراهية لمن تشير إليها بالحديث:
_ عايزاها تمشي من الشركة، ابعدها بأي طريقها وبأي تمن .. وجودها أكتر من كده هيدمرلي كل خططي !
وقبل أن يرد ماجد قد وجدت نوران أبنها يهبط درجات السلم بأناقة واضحة وعطره الباهظ الثمن تتخلل رائحته النفاذة عبر الأنفاس ... شكت نوران بالأمر فهتفت متسائلة بعصبية:
_ على فين أن شاء الله بالشياكة دي ؟!
أجاب هيثم بابتسامة واثقة وهو يتفحص ساعة معصمه :
_ رايح الشركة ...
اتسعت عين نوران بذهول ثم هتفت به بغضب شديد:
_ احنا مش اتفقنا تصبر لحد ما نخلص موضوع الورق !!
رد هيثم بسخرية:
_ طب ماهو خلص !!
وهنا تدخل ماجد خاله واقترب منه ثم قال:
_ أمك تقصد تروح بعد ما الموضوع يتكشف ويبقى في متهم بعيد عنك، لأن زايد في وجودك هتكون انت أول واحد مشكوك فيه ! ...
وهنا كانت ابتسامة هيثم الغير مكترثة منتهى الاستفزاز لأمه نوران فصاحت به بغضب :
_ يابني أفهم بقا هو احنا اعدائك !!
رد هيثم ببساطة:
_ ومين اللي قالكم أني مش عايزه يشك فيا !! .... كون أني مش عايز يبقى في دليل أني انا اللي خدت الورق ده مش معناه أني مش عايزه يشك فيا بالعكس !! ....أنا عايزه يبقى متأكد أن الورق معايا بس مش لاقي دليل يثبت !! ....
اتسعت عينان نوران بذهول ورعب، ثم قالت لشقيقها بعصبية اقرب للبكاء:
_ شوفت يا ماجد ؟! ... اهو ده اللي كنت عاملة حسابه !!
نظر ماجد لأبن شقيقته وقال له محاولًا فهم ما يدور بخلده:
_ مش فاهم ... فهمني أنت عايز توصل لأيه ؟!
بدأت يشعر هيثم بالملل فقال:
_ مش وقته ... هفهمكم كل حاجة بس مش وقته دلوقتي ...
وتحرك هيثم خارجاً من الفيلا فتحدثت نوران بعصبية وخوف شديد يلتمع بعينيها:
_ الحقه يا ماجد وخلي بالك منه ارجوك ... هيثم مش هيجيبها لبر ! ...
وكان ماجد سعيدا جدًا بالمعركة الأكيدة بين هيثم وزايد ... فذلك سيخدم خطته بالقضاء على الجميع والاستيلاء على الثروة بالكامل ... وحاول أن يطمئن شقيقته ثم توجه للخارج ...
*********
بمكتب وجيه ...
ضحكت ليلى بمرح وهي تحايله كي يذهب للعمل، وهو يقف ويحتويها بذراعيه مبتسما وناظرا لها بتمعن فقط ... فقالت :
_ حاسة أنك من وقت جوازنا وأنت بقيت بتهمل شغل شوية !
أجابها بمزاح بعد لحظات قليلة وبنفس ابتسامته:
_ مش شوية هو شويات الحقيقة، بس أنا قضيت عمري اللي فات كله شغل في شغل ... مافيهاش حاجة لما اخد وقت لنفسي شوية، خصوصا بعد ما اتحرمت منك السنين دي كلها يا ليلى .!
ابتسمت بسعادة ثم قالت وكأنها تعاتبه، ولكن لم يكن عتاب لو يعرف:
_ كل مرة بتخلص فيها كلام بفتكر هتقولي يا حبيبتي !، بس مش بسمعها كتير ! ... بتنهي الكلام ما بينا باسمي !..
اتسعت ابتسامته بنظرات دافئة مليئة بالعاطفة وأجاب:
_ أنتي بعد ده كله لسه محتاجة تسمعي كلمة حبيبتي ؟! ... وبصراحة أنا بحب انطق اسمك أوي ... يمكن بكون عايز أصدق أنك فعلًا معايا ! ... لما بقولك حبيبتي بقولهالك مرة ... بس لما بنهدهلك باسمك بقولهالك الف مرة في كلمة واحدة !
ضحكت وهي تقرصه من خده بمزاح :
_ اضحك عليا بكلمتين يا فيلسوف عصرك ! .... بس بصراحة واعترف .. أني بحب اسمع اسمي منك أوي .. بس ما قولتليش بقا، لو جت بنت او ولد هتسميهم إيه ؟
التمعت عيناه بسعادة وكأنها جددت تلك الفرحة للتو فأجاب بمحبة شديدة:
_ هسيب ريمو هي اللي تختار الاسم، لا أنا ولا أنتي، هتختار الاسم وهتختارله كل حاجة.
لامس رأس ليلى عنقه الطويل وقالت ويديها على صدره :
_ رغم أني بتعب جدًا في الحمل بس أنا فرحانة جدًا، مبسوطة ونفسي اجيبلك دستة يجننوك كده ..
ضحك وجيه بخفوت وقال هامسا ويديه تضمها بقوة:
_ أنا موافق .. ومش عايزك تقلقي من حاجة، هخلي دكتورة متابعة معاكي طول شهور الحمل.
عبست ليلى فجأة وابتعدت حتى تنظر لعينيه، فتعجب من تحولها المفاجئ وقال باستغراب:
_ في إيه ؟!
اجابت ليلى بتكشيرة :
_ بتخن في الحمل أوي ..!
نظر لها وجيه لاحظات ثم انفجر ضاحكا على طريقة حديثها عن نفسها فاغتاظت منه أكثر ... فقال بمرح :
_ فين المشكلة ؟! ... فهميني المشكلة فين بالضبط عشان ازعل صح !
اخفت ابتسامتها وأجابت بعبوس :
_ هتخن جامد ... اصل اسمع يعني أنكم ما بتحبوش الست التخينة !
فسأل بابتسامة مرحة:
_ أيوة أنكم مين ؟!
قالت بغيظ :
_ الرجالة !
كتم وجيه نوبة شديدة من الضحك ثم قال بابتسامة:
_ لا مش كلهم، فيه بيحب الرفيعة، وفيه بيحب التخينة !
فسألته باهتمام:
_ طب وأنت بتحب إيه ؟
أجابت بابتسامة ماكرة :
_ الأتنين ..!
اتسعت عينيها بصدمة ففهم أنها أساءت فهمه فصحح ضاحكا :
_ لا اقصد بحبك على أي حال ... رفيعة فأنتي قمر، تخينة فأنتي القمر والشمس والنجوم مع بعض ...
تطلعت به بغيظ فجذبه اليه وهو ينخرط بضحكات عالية ثم قال بصدق:
_ أبقي زي ما تبقي ... المهم انك أنتي هتفضلي أنتي ... ليلى حبيبتي ..
ابتسمت وهي ترمي رأسها على صدره مجددًا و ما اصبحت الاحلام بعيدة المنال مثل ما كانت ترها من قبل ! ...
بل أن القدر خبأ لها الاجمل بعد ليل طويل من العذاب والصبر...
***********
تلقت جميلة اتصال هاتفي وهي في صالة الرياضة بالمنزل .... تركت الآلة الرياضية وجففت وجهها بالمنشفة قبل أن تجيب ... ثم التقطت هاتفها لتجده جاسر، فأجابت بأنفاس لاهثة من جهد التمارين :
_ الو ..؟
استرخى جاسر في مقعده بوقت الاستراحة بالمشفى وقال بهمس:
_ مالك يا بيوتيفول صوتك مفرهد كده ليه ؟!
ابتسمت جميلة وأجابت :
_ عشان في الجيم يمكن ! ....
اغتاظ جاسر منها وقال:
_ ليه مصممة تخسي ؟! ... ليه مصممة تضايقيني !
قالت :
_ بحب أبقى رشيقة ... وعشان كمان فستان الفرح محتاج اخسله خمسة كيلو كده ...
قال جاسر بتصميم :
_ وأنا عايزك زي ما أنتي .... ماتعصبنيش !
كتمت ضحكتها وقالت باستفزاز:
_ هفكر ...
رد عليها بمزيج من الغيظ والسخرية:
_ وأنا اللي متصل بيكي عشان وحشتيني ! ... بت انتي عدوة نفسك !
أشارت له بالحديث بتهديد:
_ ما تقوليش بت دي تاني ! .... وبعدين ما قولنا هفكر مش عايزة صداع بقا!!
احدت نبرته وقال بانفعال :
_ يعني انا بصدعك ؟!
ابتلعت جميلة ريقها بتوتر ونعتت نفسها سرا بالغباء وصمتت ، فاستغل جاسر الموقف وقال بمكر:
_ بما أنك بتعلي صوتك عليا وبما أني جوزك فلازم اعاقبك ... استنيني على العشا .... اقصد استنيني لما ارجع ...
تلعثمت بالبداية ثم صاحت بتوتر:
_ خلاص بقا أسفة !
ابتسم جاسر ولكنه تمسك بموقفه وقال:
_ أسف .. مش قابل أسفك !.... وبعتذر مش هقبل أي أعذار!
وبعدها همس بشرود وابتسامة بلهاء:
_ العشا في الجنينة مع عصير عناب بالموز والفراولة .. ماشي يا بيوتيفولي؟
تعجبت جميلة وسألت :
_ ايه ده ؟!
عدل جاسر من قوله وخشّن صوته قائلًا:
_ كنت عارف أنك مش قد قسوتي ! ... هحاول اسامحك على ما ارجع .. يلا سلام ورايا شغل !
وانتهى الاتصال ..... وابتسم جاسر لنفسه ابتسامة اعتزاز بذكائه وقال :
_ خلي مراتك بعد الخناق تفتكر أنها صح وفايزة ... وفي الاخر اللي هيمشي هو اللي أنت عايزه ! . . يا خبثي ويا دهائي الدفين !
حان وقت الاحتفال ..
**********
دخل رعد مكتبه وهو وجهه أمارات الضيق والعصبية ... وبعدما جلس على مكتبه ظل صامت لبعض الوقت ثم بدأ يحدث نفسه :
_ طب هي ومتجنباني ومش بتعبرني من ساعة آخر مرة اتكلمنا ... ومش هتعبرني اصلا ، طب هنفضل على الحال ده ولا أيه ده الفرح فاضله أقل من اسبوعين !
فكر رعد لبعض الوقت وقد وجد فكرةً ما تكون سبب مقنع للأتصال، فرفع هاتفه واجرى اتصال على رقم رضوى وأجابت بعد دقيقة ولم يبدو على صوتها ادنى تأثر:
_ الو ... ايوة يا رعد ؟
ابتسم رعد للحظات ثم اوضح بقصد الجدية بصوته وقال:
_ لقيتي فستان عجبك ولا اخدك وندور براحتنا بعد ما ارجع من المستشفى ؟
قالت بصدق:
_ الصراحة مافيش فستان عجبني ... وكنت محتارة أوي وأنا مع أخواتي خصوصا أن كلهم اختاروا خلاص ..
قال رعد بغيظ :
_ ما طبعا لازم يختاروا بسرعة ! .... ما كل واحدة فيهم بتاخد رأي جوزها وعلى الفون طول النهار لحد ما خلصوا... مافيش غير غيري اللي حضرتك مغلباه معاكي ! ...
تنهدت رضوى بضيق شديد ولم تجيب، أو بالأحرى لم تجد إجابة ترد بها، وستكون النتيجة بجميع الاحتمالات جدال طويل لا مفر منه ولا راحة بآخره !
فقال بحسم:
_ حضري نفسك النهاردة على ما ارجع تكوني جاهزة نخرج نشوف وندور براحتنا،حتى لو مالقيناش هغيبلك بكرة مخصوص وننهي الموضوع ده ... مش معقول يبقى فاضل كام يوم ولسه مالقتيش فستان للفرح !
ولصدمته وافقت !... فاتسعت عينيه وقال:
_ موافقة بجد ولا بتشتغليني ؟!
قالت بجدية :
_ لا موافقة بجد ... خلينا نخلص !
محت الكلمة الأخيرة سعادته في قبولها ... فقال بزفرة غاضبة :
_ تمام ... حضري نفسك بقا على ما ارجع .
وبعدما انتهى الاتصال دفع رعد الهاتف بغضب اكبر حتى من غضبه قبل محادثتها وشرد بنظرات يأس في مصالحتها ... وقال:
_ مابقتش عارف أنا فعلًا غلطتي كسرتها ولا هي اللي زودتها !
************
وبوقت الاستراحة بشركة والد زايد...
استغلت فرحة الوقت للذهاب للكافيتريا وأخذ وجبتها هناك ... حيث أن زايد يحرجها بإتيان الطعام إليها خصيصًا وهذا حدث بالأيام الفاتئة !
دخلت الكافيتريا بعدما ارسلت له رسالة صوتية عبر جهاز الاتصال السريع ولم تتلقى منه رد، فاسرعت للخروج بعدها ..
جلست وطلبت بعض الاطعمة السريعة والخفيفة ومشروب عصير طازج وانتظرت وجبتها بصبر ...
وشردت في كل مستجدات الأمور، ولم تفارقها ابتسامة الصباح بل كانت تزداد أكثر وتتسع ... وبغمر شرودها وجدت من يجلس قبالتها دون حتى أبسط استئذان وقال هيثم بابتسامة سمجة:
_ لسه داخل الشركة شوفتك وانتي داخلة الكافيتريا .... ممكن اشاركك الغدا ؟
تخضب وجهها بالحمرة وكم ودت لو تعلن رفضها صراحةً، ولكنه قطع سرب أفكارها وقال بنظرة تقتحمها:
_ عايز اعترفلك باعتراف
قالت قبل أن تنهض :
_ اعتراف ايه ؟!
ابتسم هيثم ابتسامة ظن أنها ستسحرها وتفتنها:
_ أنا مكنتش ناوي اشتغل هنا في الشركة، بس جيت عشانك !
ابعدت فرحة عينيها عنه بضيق وعدم راحة لهذا الشخص المريب ... وتابع:
_ أنا عارف أنك هتستغربي، خضوصا بعد ما زايد قال أنك خطيبته، بس أنا بقولك كده لأني مش مصدقه !
وهنا كانت فرحة ستقوم ولكنها تجمدت عندما سمعت الجملة الأخيرة، فنظرت له بدهشة وقالت:
_ مش مصدقه ليه ؟!
راق هيثم رنة القلق بصوتها وقال:
_ أنا عرفت من فادي اللي حصل مع أخوكي، مش هقولك شيء بس اسألي فادي عن بنت اسمها سالي واعرفي زايد عمل معاها إيه، وبرضو بسبب المشاكل اللي بيعملها فادي أخويا ! ... يمكن لو أنا قولتلك تكدبيني ..! ... وفي حاجات أكتر من كده بكتير بس مالوش لزوم أقولها لأنها ماتخصكيش ...
وضع النادل بتلك اللحظة الوجبة التي طلبتها فرحة، ولكن الأخرى تجمدت من الصدمة، وشعرت من تأكيد هيثم أن الأمر أقرب للحقيقة منه للكذب ! ..
وراقبها هيثم بنظرة انتصار وطلب فنجان قهوة من النادل ... ثم كاد أن يتحدث حتى انتبها الاثنان إلى صوت خشن حاد به تهديد أكثر منه انتباه .... وكان زايد الذي تطاير الشرر من عينيه بغضب شديد :
_ أنت قاعدة معاه ليه ؟!
تطلعت فرحة لزايد بتيهة وحيرة، ربما يجن جنونه كلما رآها تقف مع هيثم كي لا ينكشف أمره ! .... فتركها زايد وذهب بنظراته الشرسة لهيثم وهتف به:
_ أنا مش حذرتك مرة ؟! ...
ابتسم له هيثم وقال :
_ أنا جيت لقيتها قاعدة لوحدها فقولت اسلم عليها، بما أنها بقت خطيبتك وكده ... وبعدين مالك كده يا زايد مش على بعضك ! ... خايف من ايه ؟!
كظم زايد غضب عنيف كي لا يتسبب بكارثة الآن، خاصةً بوجودها فقال بتهديد واضح :
_المرادي ده مش تحذير، لأنك لو ما مشيتش من قدامي هتحصل مصيبة فعلا.
ولولا ما وضعه هيثم من شك بقلب فرحة وانتصار القادم، ما كان سيتقبل تلك النبرة المنفعلة من زايد مطلقا ... وذهب وعلى وجهه ابتسامة مستفزة !
فعاد زايد بعصبية شديدة لفرحة وقال:
_ تنزلي من المكتب من غير ما تعرفي ردي، وتقعدي مع اللي حذرتك منه ... أفهم من تصرفاتك دي إيه ؟!
اجابت بعصبية دون ادراك لأي شيء :
_ تفهم أنك لحد الآن مالكش سلطة عليا ! .... وأن وقت الاستراجة في الشغل ده وقتي وملكي اقعد في المكان اللي أحبه واكلم اللي أحب اكلمه !
اسودت عينيه من الغضب وهو ينظر لها فتركت الطاولة وذهبت من أمامه ... فتتبع خطواتها وادرك أنها تصعد للمكتب فتنهد بعصبية شديدة حتى سقطت نظرته على وجبة طعامها التي لم تأكل منها شيء ولم تفتحها من الاساس !... فلانت نظرته تدريجيًا وأمر النادل بأرسال وجبتين لمكتبه ...
*********
ارتمت فرحة جالسة على مقعد مكتبها باكية... ليس بعد سعادتها هذه تصدم هكذا ! ... وربما يكون الأمر كذبة ؟!
ولكن أن كان هيثم كاذبًا لما قال لها أن تسأل فادي ... وهو الشقيق الأحب لزايد فلما سيكذب عليها ؟!
شعرت بألم بمعدتها من فرط التوتر فوضعت رأسها بين يديها .... حتى آتاها نفس الصوت ولكن بطريقة الطف بكثير ....وجلس قبالتها قائلًا بشيء من الاعتذار:
_ أنا اتعصبت عارف .. بس حاولي تحطي نفسك مكاني ..
رفعت فرحة رأسها بعدما مسحت عينيها من الدموع ولاحظ زايد ذلك فأشتد ضيقه من نفسه ومن كل شيء .... وردت عليه وهي تتجنب النظر له:
_ خلاص ..
ضيق عينيه بشك والم وسأل:
_ خلاص إيه يا فرحة ؟!
نهضت فرحة وقد شحب وجهها وقالت:
_ ممكن استأذن وأمشي ؟
لم يكن فارق معها أي شيء سوى أن تهرب منهما ومن كل شيء .... فنظر لها زايد بارتباك وعينيه تصرخ بالأعتذار الذي لم يستطع التفوه به فقال:
_ تقدري تمشي، على ما أشوفك أنتي وحسام بكرة ..
لم ترد بكلمة، بل أخذت حقيبتها وخرجت من المكتب بأسرع ما في قوتها ... وازداد الخوف بقلب زايد من تأثير ذلك المقف على مافقتها الزواج به ... فهو يعرف نفسه ويعرف كيف يبدو عندما يكون غاضبًا ...
***********
وقفت ليلى تودع وجيه موقتً عند باب مكتبه بابتسامة حتى أتت الممرضة منى مسرعة ومهللة :
_ الحق يا دكتور ، يا دكتور وجيــــــــــــه ...!
استدار وجيه سريعا وظن أن كارثة قد وقعت ، حتى صاحت منى وقالت بابتسامة واسعة :
_ ابو ليلى فاااق يا دكتور .... لا أقصد ابو مدام ليلى ...
ادركت خطأها سريعا ، بينما حملقت ليلى بذهول للحظة ونظر وجيه لها بنفس اللحظة الذي التفتت له ثم ركضا بالممر حتى غرفة والدها ...
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني_والسبعون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... أتى إليها...~
كلمة "أبي" من مسببات الأمان للقلب، فماذا عن وجوده ؟!
انتفضت دموع ليلى وهي تركض غير عابئة بخبر حملها التي اكتشفته اليوم، كل ما كانت تشتاق إليه بهذه اللحظة سماع صوت أبيها مجددًا.
وجد وجيه باب الغرفة مفتوح على مصراعيه فأسرع للداخل، حتى وجد ثلاثة من الأطباء حول السرير الطبي يتأكدون من إفاقته ويراقبون أعراض ما بعد الإفاقة ..
وركضت ليلى لأبيها وابتسمت بدموع وهي تره يفتح عينيه قليلًا بنظرات تائهة مُشتتة وكأنه لا يتذكر كل ما حدث ..!
قالت ببكاء وهي تُقبل رأسها :
_ حمد الله على سلامتك يا بابا .. الف حمد وشكر ليك يارب .
وظهر عليها الرجفة الشديدة من ارتعاش يديها على وجه أبيها ... وحاول أبيها "عبد العزيز" أن يتحدث ولكنه لم يستطع .. فنظرت له ليلى بصدمة، ثم نظرت لوجيه الذي كان يراقبها بابتسامة حنونة وقالت بخوف:
_ مش قادر يتكلم !
هز وجيه رأسه متفهما ليطمئنها وقال :
_ ما تقلقيش ده من فترة الغيبوبة بس هيتحسن مع الوقت وهيرجع لطبيعته بأذن الله ..
نظر أكبر الأطباء الثلاثة لليلى وقال لها راضٍ :
_ بالضبط يا مدام ليلى، واكيد كمان حركة جسمه اتأثرت ولكن زي ما قال دكتور وجيه مع الوقت هيتحسن ... الحمد لله أنه قام بالسلامة وكل شيء بعد كده هيبقى تمام .
واطمئنت ليلى كثيرًا وعادت بابتسامتها لأبيها الذي حدق بوجيه في نظرات عميقة مرتجفة .. فصوب وجيه اليه ابتسامة محبة وكأنه يرحب بعودته بعد غياب طويل، ثم أخذ وجيه الأطباء الثلاث للخارج حتى يتيح لهم الفرصة لقول ما لم يتفوهوا به أمام ليلى ...
فقال أحد الأطباء بخارج الغرفة:
_ لو حصل فقدان للذاكرة أو قلة حركة لبعض الوقت فده شيء طبيعي ... انما لو الاعراض زادت عن كده أو طولت يبقى هيكون في مشكلة صعبة ... بس بأذن الله يكون كله تمام ..
تنهد وجيه وقال بصدق:
_ كون أنه يفوق ويبقى جنبها حتى لو فقد الذاكرة ومش قادر يتحرك ده يخلينا نشكر ربنا لآخر نفس، الحقيقة أنا كنت قلقان جدًا لأن الحالة كانت صعبة ومعرضة للانتكاسة في أي وقت ومافيش تحسن ثابت .. لكن الحمد لله قدّر ولطف ..
رد عليه طبيب آخر وقال:
_ متابعتنا ليه زي ما هي يا دكتور وجيه لحد ما يقوم بالسلامة بأذن الله ...
نظر وجيه لهم بنظرة امتنان وقال:
_ اكيد وأنا واثق فيكم .. شكرًا جدًا ليكم ولمجهودكم الفترة اللي فاتت ..
رد احد الأطباء:
_ الشكر لله يا دكتور ... بعد أذنك.
وتفرق الأربعة كلًا في وجهته، ثم دخل وجيه الغرفة ليجد ليلى تهمس لأبيها الذي ينظر لها بنفس نظراته المشتتة ... فاقترب إليه من الجهة المقابلة لليلى، وانحنى بجسده بعض الشيء ليهمس له أيضا بلطف وكلمات متقطعة ينطقها ببطء:
_ حمد الله .. على سلامتك .. ياعمي..
التفت الرجل اليه ببطء شديد وظهر على وجهه علامات الألم من حركة بسيطة للعنق، ثم وكأنه يحاول رؤية وجيه جيدًا ويتفحصه ، ففهم وجيه نظرته وقال بتأكيد وببطء :
_ ليلى بقت .. مراتي ..
وكادت ليلى أن تفسر له ما حدث كله فأشار لها وجيه وقال:
_ مش دلوقتي يا ليلى ... لسه شوية ..
تعجبت ليلى منه ولم تفهم ما يقصده، حتى دخلت الممرضة وقالت لوجيه بتردد:
_ دكتور أنا أسفة بس حضرتك عارف أن ماينفعش في الوقت ده نضغط على المريض بالكلام ... لازم يرتاح ويهدا الأول قبل الزيارة .
قاطعها وجيه وقال بتفهم:
_ أكيد عارف.
وانتقلت نظرته الى ليلى الاي لم تصدق أنه سيخبرها أن تذهب معه !! ... وهزت رأسها بالرفض قبل أن ينطق وقالت:
_ مستحيل أسيبه !
مضى إليها وتعمد هدوء خطواته حتى لا يزعج أبيها ثم همس لها بشيء:
_ في حاجة مهمة لازم أقولهالك ...
أطرفت عيناها بخوف وهي تبتلع ريقها واستطاع بالكاد أن يخرجها من الغرفة ... وبعدما خرجت وقفت بالممر أمامه في عصبية ودموع هاتفة:
_ حاجة ايه اللي تخليك تخرجني من جانبه بعد ما فاق !!
أنا مكملتش خمس دقايق !
أخذ وجيه يديها بربته حنون وقال بهدوء:
_ ماينفعش أي كلام كتير دلوقتي بالذات ... الغيبوبة اكيد سببتله فقد لبعض الذكريات والفترة اللي فاتت محذوفه من عقله ! ... ماينفعش ولسه دماغه بتبدأ تستوعب النور من جديد تهاجمي انتي بكلام واخبار ومشاعر كتير وده كله في وقت واحد !!
أنتي ما لاحظتيش أني كنت بنطق كلمة كلمة ببطء وبصوت واطي !
ابتلعت ليلى ريقها وبدأت تفهم ما يقصده وبالفعل قد لاحظت اسلوبه في النطق منذ قليل ... فأضاف وجيه :
_ لما بصلي واستغرب عرفت أنه بيحاول يفتكرني .. أو بيحاول يعرف سبب وجودي .. فكان لازم أجاوبه بابسط الكلمات.
صدمت ليلى من شيء وقالت بتلعثم :
_ بيحاول يفتكرك ؟!!.... تقصد أنه ممكن يكون فقد الذاكرة كلها !!
رد عليها وقال:
_ ليلى .. عايزك تفتكري أن وجوده جانبك بالدنيا بحالها، وأن ده الطبيعي من فترة غيبوبة كبيرة، وأن الطبيعي برضو أنه يتحسن مع الوقت .. بس أنا حاسس أنه فاكرنا ... يمكن يكون نسي بعض الذكريات والأيام، لكن فاكرنا والاهم دلوقتي أن ربنا قومه بالسلامة ... نحمد ربنا بقا ونفرح ولا إيه..؟!
نظرت له ليلى وعيناها تدمعان وقالت بصدق :
_ عندك حق يا وجيه، كفاية يبقى قدامي وجانبي واسمع صوته من تاني.... كله يهون بعد كده ..
فأخذ وجيه رأسها إلى صدره بضمة خاطفة وهمس :
_ بنتنا وشها حلو ... لما عرفنا خبر قرب وصولها للدنيا جدها فاق.
قالت ليلى بتعجب :
_ بنتنا ؟! ... عرفت منين أنها بنت ؟!
ابتسم وجيه بمحبة وقال:
_ مش عارف، بس حاسس أنها بنت ... أصل بصراحة بتمنى أنها تكون بنت، بحب البنات أوي ..
ابتعدت عنه فجأة وهي عابسة الوجه بغيظ ... فشاكسها بضحكة مرحة :
_ أقصد خلفة البنات مش حاجة تانية !
ابتسمت وقالت :
_ اعترف بقا أنك عايز بنت ... !
شرد وجيه قليلا بابتسامة مليئة بالحنان على وجهه وقال:
_ هاتيلي بنات كتير، عايز أبقى ابو البنات، البنت بتفضل حبيبة أبوها لآخر نفس في حياته، ممكن تجيبي ولاد عادي، بس هاتيلي بنات الأول ..
ضحكت ليلى وقالت بتعجب :
_ وهو بمزاجي ! ... ده رزق من عند ربنا ...
تطلع فيها بمحبة وابتسامة ثم قال:
_ ونعم بالله.
*************
كانت عينان تراقبان بحدة مشهد وجيه مع زوجته ليلى في الممر الطويل أمام غرف العناية المركزة ... نظرات تلك العينان تقدح شررا غاضبًا بكراهية وحقد وانتقام ... وفجأة أتت مشرفة العاملات وهتفت بالتي تتخفي وتراقب المشهد:
_ واقفة وسايبة شغلك ليه يا سكينة ؟!
انتفضت سكينة واستدارت وهي تتلعثم خوفا ثم قالت ببطء :
_ لا أصل ... أصل ...
قاطعتها المشرفة عنايات بغيظ وعصبية شديدة :
_ لا أصل ولا فصل لو شوفتك متنحة كده تاني يبقى بالسلامة ياختي !، أنتي جاية تشتغلي ولا تقعدي للي رايح وجاي !!
ابتلعت سكينة ريقها بخوف وقد شحب وجهها حتى أضافت عنايات بنظرة ازدراء:
_ انتي لسه جديدة مكملتيش أسبوع وبتعملي كده ؟! ... اومال لو بقالك سنين كنتي عملتي ايه ؟! قصر الكلام لو لمحتك واقفة وسايبة شغلك تاني اعملي حسابك تدوري على شغل تاني ..!
ورغم شدة التوتر الذي المت بسكينة إلا أنها لم ترى امرأة سليطة اللسان وكريهة مثل تلك المرأة المسماة ب"عنايات" .... فأخذت المكنسة بيدها وابتعدت دون تعليق !
نظرت لها عنايات بنظرة احتقار وتتبعت خطوات سكينة حتى اختفت عن عينيها ....
ركضت سكينة لغرفة تخزين المنظفات وتظاهرت بأخذ شيء ، بينما هي في أشد الحاجة لتمسح دموع عينيها المليئة بالانتقام وقالت بلهجة ريفية :
_ عايشة ومتهنية وأختي اادبحت بسببك ! ... لا ياست يا ليلى ، بحق كل دموعها وقهرتها وحياتها اللي راحت عشانك ما هخليكي تتهني لحظة بعد النهاردة .. !
كان نفسي أشوف الكلب طليقك بس مات قبل ما أطوله وأخد طاري بيدي !
***********
دخلت الطبيبة مروة لمكتبها، فوجدت جيهان في انتظارها وقالت الأخرى:
_ عارفة أني ازعجتك والنهاردة المفروض اجازتك ... بس حبيت نتكلم شوية ...
ابتسمت مروة وقالت بصدق:
_ مافيش ازعاج ولا حاجة، بالعكس كنت حاسة في البيت بملل !
بس قوليلي ... ليه اخترتي نتقابل هنا مش في أي مكان تاني بعيد !!
أجابت جيهان بتنهيدة:
_ بصراحة مش عايزة احس أني بعمل شيء ومش عايزة حد يعرفه ! ... تعبت من الاحساس ده ، عايزة كل تصرفاتي تبقى طبيعية ومش قلقانة من حاجة، أظن مافيهاش حاجة حتى لو وجيه عرف أني باخد جلسات معاكي ؟!
ردت مروة بتأكيد:
_ هو اكيد هيستغرب، بس أنا هفهمه الأمر وأن نفسيتك كانت محتاجة تتكلمي مع حد الفترة دي، وطبعا بما أني بشرف على حالة ليلى فكنت أنا اقرب اقتراح ليكي .... عشان نبقى متفقين على اجابة واحدة ..
ابتسمت جيهان بنظرة شكر صادقة وقالت:
_ مش عارفة أقولك ايه، بس الحقيقة من وقت ما اتكلمت معاكي وأنا بدأت افهم نفسي ... بدأت أقوى وأعرف قيمتي ... بدأت أقف قدام احساس جلد الذات و اعاتب احساسي على كل الوجع اللي فات ... مكنتش متخيلة أن الفضفضة تعمل ده كله ؟!
سألت مروة :
_ أنتي عندك صحاب ؟ اقصد صحاب بجد !
أجابت جيهان بصدق :
_ عندي صحاب كتير ، بس مش الصحاب اللي لما أقع اروحلهم ! .... ولا الصحاب اللي أقدر أقولهم أسراري وأنا واثقة فيهم ! ..... صحاب رحلات وقاعدة حلوة بالصدفة، صحاب برتبة أغراب !
عادت مروة لأسئلتها :
_ طب قرايبك ؟ ... مافيش حد قريب منك أوي فيهم ؟
أجابت جيهان مرة أخرى :
_ قرايب من بعيد ... يعني مابشهمفهش غير في المناسبات السعيدة او الحزينة بس ... يمكن فيهم حد كويس وكان يستحق ثقتي وصداقتي. .. انما ده محصلش للأسف .
قالت مروة :
_ هسمعك .. قولي اللي محتاجة تقوليه وتتكلمي عنه.
تحدثت جيهان لدقائق حتى كادت أن تقفز مروة فرحا من خبر حمل ليلى ولكن تحكمت بفرحتها ولم تريد مقاطعة جيهان .. فقالت :
_ يعني أنتي حقيقي مبسوطة لليلى ؟!
اكدت جيهان على ذلك وقالت:
_ ايوة حقيقي!، يمكن عشان احساسي بالذنب ناحيتها غطى على أي شيء تاني !
قالت مروة :
_ يمكن ده يحصل للحظة انما مايبقاش ده احساسك الاساسي!، أنتي بدأتي تحطي النقط على الحروف .
**********
وبالمساء ....
بعدما ظلت فرحة لوقتٍ طويل شاردة ساهمة ولم يستطع حسام شقيقها أن يخرجها من هذه الحالة بعدما أخبرته بما قاله هيثم، بل تركها واستأذن للخروج في أمر طارئ ....
لكنه عاد ودخل لغرفتها مباشرةً واقترب إليها مبتسماً :
_ فرحة ..
اعتدلت فرحة بالفراش وتظاهرت بابتسامة خفيفة وهي تجيب:
_ كنت فين كده ؟!
فأجاب حسام :
_ قومي غيري هدومك عشان عندنا ضيوف برا ....
تعجبت فرحة وشعرت بالقلق وهي تسأل:
_ مين الضيوف ؟!
رد حسام وهو يبتسم بحنان :
_ زايد وفادي ... بصراحة زايد اتصل بيا عشان يتكلم معايا من غير ما تعرفي، وكان معاه فادي .. ومكنش قدامي فرصة غير أني أواجهه باللي عرفتيه من غير ما اجيب سيرة هيثم عشان المشاكل ...
شهقت فرحة من الخبر وقالت :
_ طب .. طب وقالك ايه ؟
رد حسام بصدق:
_ ساب فادي اللي يقولي الحقيقة ... البنت اللي اسمها سالي دي كانت مزقوقة على فادي عشان تخليه يتعاطى مخدرات ويفضحوا زايد في السوق ... استخدمت اسلوب قذر مع فادي بصراحة وهو اعترفلي أنه اتأثر بيها .... لحد ما زايد وصله الخبر ولحقه وخده من بيتها قبل المباحث ما توصل ... البنت مكنتش عارفة أن البوليس هيطب عليهم فخدوها هي ولبست قضية مخدرات ... طلعوا اشاعة أن زايد اللي عمل فيها كده عشان ينتقم منها، بس هو اصلًا مكنش يعرف دي مين ولا مين وراها ولا كان عارف أن في كمين لفادي في اليوم ده !
اجفلت فرحة من الدهشة وقالت بحيرة:
_ طب ليه هيثم يقول كده والمفروض أن فادي اقربله من زايد؟!
رد حسام وقال ما اعترف به فادي:
_ فادي بنفسه قالي أن هيثم بيغير من زايد من زمان ... ودايمًا بيعمل فيه مقالب ومكايد ! ... أظن من اسلوب هيثم ده باين أوي أنه بيغير منه ... وعايز يستخدمك ضد زايد، ده اللي فهمته من كلامك ..
قالت فرحة وكأنه تحدث نفسها:
_ يمكن عشان كده زايد عرفه عليا على أني خطيبته على طول ؟! ... عشان يبعده عني !
قال حسام :
_ وده تقريبًا خلى هيثم يركز معاكي أكتر ... أحساسي بيقولي أن زايد بيحبك وشاريكي وبيعمل أي حاجة عشان ما تبعديش عنه ! .... هو قالك هيجيلنا بكرة بس ما استناش !
هو اتقدم رسمي وكلمني في كل حاجة ... وأنا شايف ان خير البر عاجله ...
اتسعت عينان فرحة وقالت :
_ تقصد ايه ؟!
رد حسام وقال :
_ هيثم طالما عرف أن زايد بيحبك مش هيسيبك في حالك ... واللي زي ده اتوقع منه أي شيء ، وهيركز معاكي سواء بعدتي أو كملتي مع زايد ... يبقى ليه تسيبي حد شاريكي وبيحبك بالشكل ده عشان واحد قلبه مليان حقد وكره وغيرة ؟!
مع زايد هتبقي في أمان وهبقى مطمن عليكي ... وهو عايز يتجوز على طول ..
انتفضت فرحة من فراشها بذهول وقالت له برفض :
_ لا طبعا مستحيل أوافق ! ... أن كنت موافقة على الخطوبة فخطوة الجواز دي محتاجة وقت عشان استعدلها ..
ربت حسام على يد شقيقته بابتسامة وقال :
_ الكام جمعية اللي عملناهم وحطينا فلوسهم في البريد جه وقتهم ... والباقي هيتدبر بأذن الله، اكيد أنا مش هسمع كلام زايد واوافق ما اجيبش حاجة زي ما بيقول ! ...
هزت فرحة رأسها برفض وعينيها تدمع :
_ الفلوس دي مش بتاعتي لوحدي ! ... أنت اشتغلت برضو وليك فيها اكتر ما ليا !
رد عليها بابتسامة وقال بمحبة:
_ وادفع عمري كمان واشوفك عروسة الفرحة مش سيعاها جنب عريسها، بصراحة زايد ليه معزة جوايا وهبقى مطمن عليكي معاه .... أنا متأكد أنه مش هيستحمل الهواء حتى يقربلك ..
اشرقت دنيتها بشمس الأمل بعدما اعتمها ذلك الهيثم بظلام الشك والحيرة ... فضمت أخاها مبتسمة بسعادة ثم قالت :
_ ثواني واكون جاهزة ...
وبعد قليل ... تمازحا فادي وحسام بالخارج وضحكا عاليًا، ثم تسابقا من يُعد فنجان قهوة أفضل من الآخر ... ودخلا المطبخ في تحضيرات مهولة لفنجانين قهوة فقط !
وخرجت فرحة وهي ترتدي فستان طويل وفضفاض من مزيج لوني الأبيض والأسود .... وابتسم زايد بنظرات يملأها العشق عندما رآها ... وعندما اقتربت وتخضب وجهها احمرارًا وقف مستندا على عكازه ثم قال بابتسامة :
_ مهانش عليا تنامي زعلانة مني ... معرفتش اصبر لبكرة .. سيبت كل حاجة وجيتلك.
ارتبكت فرحة بشدة ثم ركضت نحو المطبخ عندما سمعت ضحكات شقيقها، بينما كان حسام يخرج وقتها من المطبخ وبجواره فادي وهما حاملين فنجانين القهوة ... فقال فادي لفرحة بعدما نظر لزايد بمكر:
_ زايد جابني من قفايا من التمرين عشان نجيلكم ... وبصراحة أنا ماصدقت وجيت معاه على طول، بما أنا بابا مسافر فأنا النهاردة والده.
استغلت فرحة مزاحه وفرجت عن ابتسامتها، فقال فادي بابتسامة خبيثة :
_ احنا مش عايزين قهوة، احنا عايزين شربات !.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
دخلنا في الجد وست فرحة وافقت.... نستعد بقا لجواز الشباب وشيخ الشباب عمو زايد 🤧
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثاني_والسبعون_ج٢
كأنما تشاركا في قلب واحد، كان كل ما يشعران به يسير بنفس الطريق ... وبطريقة ما كلمة الحب التي تنطق بها العيون أروع وأصدق من سماعها..!
بها شيء من الطمأنينة والصدق وأروع ما في الحب.
كانت عيناه كأنه وجد الطريق ووجهته، كأنه وجد ضالته!
كأنها أمنيته الوحيدة التي أتت بعد الحرمان واليأس .. أو بقعة الضوء الوحيدة في قبو مظلم مُحكم الغلق.
جلسوا في صالة المنزل بسيطة الأثاث وبدأ زايد يُعيد ما قاله لحسام حتى يتفقا على كل شيء ... فقال حسام بجدية:
_ هعتبر المقابلة دي تعارف يا زايد، المرة الجاية بأذن الله والدك هيكون معاك مش كده؟
عبس وجه فادي قليلًا وهو ينظر لزايد الذي رغم ضيقه من ذكر والده، ولكنه قال لكي لا يخذل ثقة فرحة وشقيقها فيه:
_ هو مسافر حاليًا، واكيد يوم قراية الفاتحة هيكون حاضر، الاسبوع الجاي بأذن الله زي النهاردة كده.
وافق حسام على الموعد ثم قال :
_ بأذن الله ..
تنفس فادي بارتياح من عدم رفض زايد لحضور والدهما بالاتفاق على العرس المنتظر ... حتى قال حسام بجدية:
_ وزي ما اتفقنا يا زايد، الخطوبة مافيهاش خروجات ولا الكلام ده .. يوم ما تخرج معاها هتكون على ذمتك وفي بيتك ، بقولك كده من دلوقتي عشان نكون على نور .. ورأيي كمان أن فرحة تقدم استقالتها.
قال زايد سريعا وأجابه :
_ معنديش مشكلة في الخروجات لأني زي ما اتفقت معاك هيكون الفرح بعد شهرين بالكتير، أنما الشغل مقدرش استغنى عنها دلوقتي غير لما الاقي سكرتيرة تانية.
قالت فرحة فجأة وبغيظ شديد ظهر على تعابير وجهها:
_ سكرتيرة تانية ..؟!
كتم فادي ضحكته من الغيرة الواضحة على فرحة، بينما ابتسم زايد ابتسامة اخفاها سريعا وقال بنظرة عميقة لها :
_ هرجع السكرتير بتاعي للمكتب تاني .. تمام كده ؟
تخضب وجهها بالاحمرار من تطلع جميع العيون بها، ثم وقفت بتوتر وارتباك واضح وقالت بتلعثم:
_ بعد أذنكم ..
وركضت إلى غرفتها وهي تعطِ صك الحرية لابتسامتها ... راقبها زايد بابتسامة حنونة وسارحة حتى وكزه فادي ليستفيق من شروده هذا !
********
اغلقت فرحة باب غرفتها واستندت عليه لبعض الوقت لتسمع ما يُقال، بينما الابتسامة يبدو أنها عقدت موثقا للبقاء على شفتيها .. وللحظة تذكرت أمجد ! .. اليوم فقط ادركت أنها لم تحب من قبل ... ووجدت نفسها تحمد الله وتشكره على نعمته وفضله، فقد ابعد عنها وهماً كانت ستستفيق منه بعد فوات الآوان لو كانت تزوجته !
لم يصل إليها الاصوات كما يجب فتركت الباب وذهبت لفراشها وجلست عليه،ثم نظرت لغرفتها التي لطالما بكت فيها وتألمت من أشياءً كثيرة وضيق الحال ... وتأكدت أن لكل ليل آخر ... ولكل عذاب نهاية، ولكل عسر يُسر يتبعه ويضمه حتى عودة السكينة والأمان.
وبعد دقائق كثيرة مرت دلف شقيقها حسام للغرفة، وكان يبدو عليه الهدوء والأطمئنان ... واعتدلت فرحة جالسة على فراشها عندما دخل غرفتها .. حتى جلس قربها حسام وقال بابتسامة هادئة:
_ مشيوا .... زايد شكله واقع وقعة تمام، ومش عايز أشد معاه عشان ما اسببش زعل، بس كمان بفرح عشان بحس أنك فرحانة يا حبيبتي ... من زمان أوي يا فرحة ماشوفتش الفرحة دي في عنيكي ..
وكانت فرحة تدرك أن أخاها لا يروق له كثيرًا نظرات زايد العاشقة لها والمفصحة بأعلان صريح، ريثما أن لا رابط بينهما حتى الآن ... ولكنه لطالما فكر بها أولًا وبسعادتها قبل أي شيء مع ثقته الكاملة في أخلاقها ... فقالت وهي تربت على يده برفق:
_ أنا عارفة يا حسام وفهماك، بس خليك واثق فيا ..
اتسعت ابتسامته بمحبة صادقة وقال:
_ أنا مش بثق في نفسي زي ما بثق فيكي، وبعدين هو كان هيبقى ملهوف بالشكل ده إلا لما لاقاكي حاطة حدود للتعامل معاكي !! .... أنا شاب برضو وقادر أفهم الموضوع ده ... مافيش راجل بيدوخ ورا واحدة كده غير لما يكون مش عارف يطولها..
قلقت فرحة وقالت بحيرة :
_ طب وبعد ما يطولها ؟
ربت حسام على يدها بأطمئنان وقال:
_ عشان أجاوبك لازم اوضحلك حاجة الأول ... في فرق أنه يطولها بالطريق الغلط .. وأنه يطولها بحلال ربنا وشرعه ... الطريق الأول ده مش حب .. ده واحد عجبته واحدة وخلاص وهيزهد فيها مجرد ما يوصلها ... أنما الطريق التاني عايز يطولها بس وهي شرفه وعرضه .. مافيش واحد بياخد الخطوة دي باقتناع كده غير لما يكون متأكد أنه شاري بجد وبيحب بجد ...
قرصته فرحة بخده وقالت بضحكة:
_ كبرنا أهو وبقينا فلاسفة وبنقول كلام كبير ... هفضل شيفاك أبني اللي ربيته واكلته بإيدي لحد ما كبر وبقا بينصحني كمان ..!
الدنيا اتشقلب حالها !!
رد عليها بابتسامة واسعة:
_ هو عشان انتي أكبر مني ب ٧ أو ٨ سنين مش حاسب، هتفضلي تذليني على طول كده !!
مررت فرحة يدها على شعر رأسه الاسود الناعم بمشاكسة وقالت بضحكة ومزاح:
_ لحد ما تتجوز ويبقى عندك عيال كتير وتجوزهم كمان هفضل أقولك يا سوسة يا صغنن ..
وتشاركا المزاح والضحكات العالية بعد ذلك ... ثم قالت فرحة:
_ هقوم أعملك اكلة كده سريعة ..
تركها حسام ونظر لها مبتسما بسعادة لسعادتها التي تستحي أن تعلن عنها ... ولكنه يعرفها أكثر من أي مخلوق، هي سعيدة لأول مرة بعمرها ... سعادة لم تستطع أخفائها مهما تظاهرت وقاومت ... وكان يبعد عنه الخوف من وحدته عندما تتزوج بعد أشهر قليلة وتتركه... التمعت عيناه بالدموع ولكنه قاومها بأشد قوته ... فهي ليست كأي أخت ... هي أمه قبل أن تكون شقيقته وكل عائلته وأصدقائه.
ولكن سعادتها أهم من أي شيء .. ويكفي أنها وجدت من يحبها بتلك الدرجة وأختارها من بين الكثيرات حوله، أختارها لذاتها وشخصها ... أحبها ولم يتلاعب بها ...
************
جلس رعد منتظرًا بسيارته خارج بوابة المنزل الكبير .. وذلك بالاتفاق مع رضوى بأن ينتظرها خارجاً، ثم التفت وهو يزفر بغيظ وضيق شديد، ولكنه تسمر للحظة عندما وجدها تقترب بفستان مخملي من اللون الأزرق ..
يا الله كم يعشق هذا اللون على سمرة بشرتها وعينيها البندقية بلذة للناظرين ..
سرح بها وهو يتأملها من مقعد القيادة ... وتفاجئت رضوى به بعدما اقتربت وهو يخرج من السيارة ويقف أمامها بنظراته المبتسمة .. فقد كان كل شيء بوجهه جامدًا إلا عينيه مبتسمتان بمحبة ودفء العاطفة ..
ارتبكت وظهر عليها ذلك، وأحب ارتباكها هذا المفصح عن الكثير ..فقال بنظرة وكأنها تعانقها:
_ لو ينفع فستان الفرح يكون نفس اللون كنت هبقى مبسوط أوي، أنما ماينفعش غير الأبيض ... مش مشكلة نعوضها في باقي اللبس ..
ابتلعت ريقها برجفة شديدة من الخجل وتأكدت من ظنها عندما وجدته يبتسم بمكر ... فـ همّت أن تفتح باب السيارة وتظاهرت بالانفعال، حتى لمس يدها على مقبض الباب وقال لها هامسا عن قرب:
_ لأ .. هتقعدي جانبي، ده مش مكانك....
ابتعدت عنه بتوتر وارتباك أشد وقالت بتلعثم :
_ يلا نمشي عشان منتأخرش، أنت اساسا راجع متأخر من الشغل .!
فتح لها باب المقعد المجاور لمقعده وقال مبتسماً بخبث:
_ أنا بحب الخروج في الوقت ده، وبعدين أنتي مراتي يعني براحتنا ..
جلست رضوى داخل السيارة وهي تقول وبداخلها بسمة:
_ مش براحتنا أوي يعني !! ... لسه شوية ..
جلس رعد بجانبها أمام عجلة القيادة وبلمحة جذب أصابع يدها لشفتيه .. فنظرت له رضوى برجفة شديدة وحاولت أن تسحب يدها منه ولكنه ضم يدها بيده للحظات وهو مستمتع بمقاومتها ومبتسما .... ثم استطاعت بالكاد أن تخلص أصابعها المرتجفة من قبضته وتوجهت ناظرة لزجاج النافذة وتحاشت النظر له وهو يتحرك بالسيارة مبتسما ...
*********
أعدت جميلة بالحديقة طاولة عشاء خفيف لكلايهما .... حتى تسحب جاسر اليها دون أن تدرك أنه اتى بالاساس، ثم نفخ بقوة بجانب أذنها وهو يقف خلفها، ففزعت جميلة واستدارت صارخة فضحك جاسر ضحكة عالية على ردة فعلها ...
فلكمته بغيظ على صدره وقالت:
_ صرعتنـــــي !! ..ده أنت غلس وبايخ ومش عايزة اتنيل اكل معاك !
جذبها اليه وهو يضحك ثم همس لها وبعينيه المرح :
_ شوفتي عقابي قاسي أزاي ! .... كل يوم من ده !
حاولت أن تبعده عنها بعصبية ولكنه تمسك بها وهو يبتسم باستفزاز ويدللها :
_ خلاص بقا كفاية أكشن، تعالي نتعشا عشان محضرلك مفاجأة ..
قالت بغيظ:
_ مفاجأة إيه ؟!
همس لها بابتسامة ماكرة:
_ بعد العشا هقولك ... نتعشى الأول.
اجلسها جاسر على أحد المقعدين ثم جلس على الآخر قبالتها وتسأل بغرابة:
_ إيه ده فين الشموع ؟!
مطت جميلة شفتيها بسخرية وأجابت:
_ ليه هو عيد ميلادك النهاردة ؟!
أجابها بنظرة خبيثة:
_ بحتفل بالهدنة اللي ما بينا، هدنة لمدة تلاتين سنة كده ... نكد في الحياة الزوجية مش عايز !
ظهر يوسف فجأة من بين الأشجار وشهق عندما رآهما ثم قال بتعجب:
_ إيه ده ؟!... خمر ونساء في المساء!!
رد جاسر بعصبية:
_ هو لو غورت من وشي دلوقتي هيحصل حاجة ... ؟!
رد يوسف بعبوس:
_ طب ما تزعقش !! ... أنا جيت لما سمعت صوت صرخة!، بقولك إيه يا جميلة، كيكة اللي قدامك دي ؟! ... يا ترى حلوة ولا شبه جاسر أخويا ..؟!
وضعت جميلة يدها على فمها من الضحك، ثم أجابته وهي تأخذ نصف الحلوى وتضعها بطبق آخر ومدت ذراعها بها قائلة:
_ لا شبه حميدة ...
ابتسم يوسف ابتسامة واسعة وهو يأخذ الطبق منها بلهفة وقال:
_ لا دي تبقي قمر ومافيش زيها بقا ... تاخد حته يا جاسر ؟!
نفخ جاسر بغيظ ثم رد بعصبية:
_ نفسي اتسدت ساعة ما شوفتك !
ضحك يوسف ضحكة مستفزة وهو يبتلع قطعة من الحلوى وبعدها ابتعد .... فعاد جاسر لجميلة وتبدل عبوسه لابتسامة وقال:
_ نرجع بقا لكلامنا يا بيوتيفول ...
أتى يوسف مجددًا وبكل جدية أخذ المتبقي من الحلوى وقال لجاسر الذي تسمر مكانه:
_ الحلويات غلط عليك يا مسكر أنت ... هاخد الطبق ده.
وقبل أن ينهض جاسر من مكانه ركض يوسف ضاحكاً وبيده طبق حلوى آخر ...!
تمتم جاسر بغيظ وهو يجلس مجددًا:
_ بني آدم بارد وغتت !!
سيطرت جميلة على نوبة الضحك التي المت بها وقالت:
_ يوسف ده دمه عسل، أنا لما بشوفه بس بضحك.
قال جاسر بغمزة :
_ طب ولما بتشوفيني ؟
ردت جميلة بابتسامة ساخرة:
_ بتنرفز ..
قال جاسر بنظرات ماكرة تجتث الحقيقة خلف حديثها المرح :
_ مش مصدقك، بس عمومًا أنا عارف انك بتموتي موت فيا، قاريكي وفاهمك !
أشارت جميلة لكوب العصير والطعام الشهي امامه وقالت:
_ يلا اتعشى شكلك جعان !
اغتاظ جاسر منها وقال:
_ عايز أقولك حاجة نفسي أقولهالك من ساعة ما زقتيني في الترعة... أنتي عندك انيميا في مشاعرك، حموضة في التعبير عن اللي جواكي، تليف في أنوثتك ! ...
كتمت جميلة ضحكتها وقالت بابتسامة:
_ وادراك عالي في فهم حدودي .. ولا فاكر أن الجو الرومانتيكي ده هيضعفني وهتسيطر عليا يا انسان الغاب أنت؟!
قلدها بغيظ وقال:
_ رومانتيكي ؟! .... اتعشي يا جميلة، أنتي اللي زيك ياكل وينام !... كلي احسن ما ابلعك انتي والاكل بالأطباق بيوسف أخويا !
بادرت جميلة وبدأت بتناول الطعام وهي تكتم موجة من الضحك كلما نظرت له ورأت غيظه منها...
***********
صعد زايد لغرفته البعيدة عن جميع الغرف بينما تفاجأ فادي بوجوده أمه نوران تنتظره بداخل غرفته ..!
وضع حقيبته السوداء الخاصة بالتمارين الرياضية وقال بتوجس:
_ طالما مستنياني كده يبقى في حاجة !!
نهضت نوران من مقعدها ومضت إليه بنظرات ثابته ثم قالت بحدة :
_ كنت فين ؟!
تلعثم فادي واحتار أن يخبرها بالحقيقة أم يكتم الخبر حتى يعلنه زايد بنفسه، فهتفت نوران بعصبية :
_ زايد راحلك النادي وخدك مش كده ؟! ... روحتوا فين ؟!
فهم فادي أن السائق الغبي قد أخبرها بتحركاتهما فقال فادي بضيق :
_ آه كده، وفيها إيه يعني لما أخرج مع أخويا ؟! أنا مش عارف أنتي أزاي بتخافي عليا منه بعد كل اللي عمله عشاني ؟!
رفعت نوران حاجبيها بدهشة ثم قالت بسخرية ممزوجة بغضب شديد:
_ عمله عشانك ..؟! ... أنت اللي غبي ومش فاهم آلاعيبه !، بقا هو لو لقاك في ورطة عايز تقنعني أنه ممكن يخرجك منها كده بدون سبب ده لو مكنش هو اللي وقعك فيها اصلًا !!
ده لو يطول يدفنا بالحيا مش هيتأخر !!
هز فادي رأسه بيأس ونفاد صبر ثم قال:
_ زرعتي الكره في قلب هيثم أخويا وخليتي بينهم عداوة من غير أي سبب!، بس أنا مش زي هيثم ومش هسمع كلامك !
أنا بحب اخويا زايد وعمري ما هكرهه وهفضل جانبه مهما حصل ، كفاية أن بغبائي كنت هضيع نفسي كتير وهو اللي أنقذني ... مالقيتش حد جانبي غيره ! ... أنما هيثم كان فين من كل مشاكلي ؟! ... طول عمره بيتريق عليا وبيقلل مني قدام كل الناس لحد ما بقيت تقريبًا بكرهه.
وقبل أن يتابع صفعته نوران بعنف ونظرة شرسة وهي تشير له بتحذير مفاده تهديد :
_ إياك اسمعك بتتكلم عن أخوك هيثم كده تاني!! ... ولو ماقولتليش كنت فين هتصل بأبوك واقلب عليك الدنيا !
التمعت عينان فادي بالدموع وقال :
_ زايد كان بيتفق على خطوبته وقالي اروح معاه لأن بابا مسافر، رغم أني اصغر منه بكتير أوي وأخوه الصغير بس في الوقت ده مقاليش أنت عيل ولا صغير زي ما بتعملي معايا أنتي وأبنك .. خدني معاه وقفت جنبه وحسسني أن ليا قيمة وشخصية .. اللي بيحب حد بيتغير للأحسن .. وأنا لما ببقا معاكي أنتي وهيثم ببقى انسان مليان بالكره والشك في كل اللي حواليه ... أنما مع زايد ببقا العكس !
سخرت نوران وقالت:
_ لا ما هو واضح أنك بتبقى معاه احسن!!، بقيت بترد عليا بقلة أدب وبتطاول على أخوك الكبير وبتاخد صف عدوه ! ... ساعدك حظك أني مش فيقالك دلوقتي ...بس هجيبلك خالك يشوف حكايتك إيه !
وخرجت بعدها من الغرفة وصفقت الباب خلفها بقوة مفزعة، ونظر فادي للباب لبعض الوقت، ثم تسربت دموع عينيه على خده بوفرة ....
**********
وصل جد ليلى " صادق" بعدما عاد لشقته بالقاهرة ليرتاح قليلاّ ثم يعود ويأخذ رفقة أبنه ... ولكنه تفاجأ بخبر الافاقة وركض تقريبًا لغرفة ولده ....
وراقبت ليلى جدها وهو يبك من الفرحة ويضم رأس أبنه الذي ينظر له بصمت وعينيه مغروقتان بالدموع وكأنه يبث له أمرًا يؤلمه.
قالت ليلى وهي تربت على كتف جدها :
_ كام يوم كده وهاخده عندي يا جدي لحد ما بأذن الله يرجع زي الأول واحسن ...
اعترض الجد صادق وقال:
_ لا يابنتي ، بيت أبوه أولى بيه، هاخد للشقة هنا وهراعيه وهفضل جانبه مش هفارقه دقيقة واحدة ..
تدخل وجيه وقال بلطف:
_ هيكون عندنا أفضل يا حاج صادق، ماتنساش أن البيت عندنا اغلبه دكاتره وهناخد بالنا منه طول الوقت، ده غير أن ليلى محتجاله أوي الفترة دي وهو محتاجها أكتر ... وياريت حضرتك كمان تيجي تنورنا ...
اشتد اعتراض الجد حتى بعدما قاله وجيه وقال:
_ الله يحفظك يابني أنا عارف أنك أبن أصول وأصيل، بس أبني هيروح على بيتي .. أنا احق برعايته في الظروف دي، خليني اعوض اللي فات.
توسلت ليلى لجدها وقالت :
_ طب كام يوم بس يا جدي ... ارجوك وافق عشان خاطري ...
صمت الجد ولم يجيب، وفي صمته كان رفض أيضا، فنظر وجيه لليلى بنظرة ذات معنى، بأن تصمت ولا تجادل وهو المسؤول عن موافقة جدها ..
*************
مرّت رضوى على عدد ليس بقليل من " محلات " بيع فساتين الزفاف، ولم تجد منهم شيئاً مناسب ...
وقف رعد بسيارته أمام مطعم شهير بأحياء القاهرة ثم التفت لها وقال:
_ نتعشا .. إيه رأيك ؟
وللحقيقة كانت رضوى تتضور جوعاً، فمنذ أن حدثها بوقت الظهيرة لم تأكل شيء ولم تشعر بأقل شهية للطعام، لمَ الآن هاجمها الجوع بهذه الشراسة ؟!!
فهزت رأسها بموافقة وخرجا من السيارة متوجهان لداخل المطعم ...
وبالداخل ..
جلسا متقابلان وأمامها قائمة اختيار الطعام ... رفعت رضوى القائمة المكتوبة بالانجليزية إلا مأكولات بسيطة مدونة بالعربية ... فاختارت " محشي ورق العنب مع شربة خضار ومعهما لحم مشوي بتتبيلة لم تفهم معناها ولكن اختارتها ..."
واختار رعد اكلته المفضلة... وكانت.
( طبق متنوع من الأسماك وشربة سي فود)
أخذ النادل الطلب وذهب لأحضاره، فنظرت رضوى حولها وللأشخاص الزائرين بالمطعم فرمقها رعد وقال بابتسامة:
_ أنا عارف انك مش متعودة على المطاعم وكده ..
قالت رضوى بصدق:
_ مش مسألة مش متعودة، الحكاية بس أن بحس أني متكتفة كده ومش واخدة راحتي ... البيت برضو حاجة تانية!، المطاعم دي أحب اروحها كل فترة لما ازهق ..
وافقها رعد وقال:
_ معاكي في رأيك، مع أني أغلب أكلي من المطاعم بسبب شغلي ...
قالت رضوى بعفوية:
_ هبقى اعملك اكل تاخده معاك الشغل ..
يبدو أنها ادركت ما قالته بعدما قالته! ... تظاهرت بالقراءة في قائمة الطعام بينما هو كان يسلط عينيه عليها بنظرات عاشقة والابتسامة لم تُفارق شفتيه ...
أتى الطعام ووضع النادل الأطباق على الطاولة أمامهما، فنظرت رضوى لطبق الأسماك المختلفة وسحبته لعندها ... فاتسعت ابتسامة رعد وقال:
_ غيرتي رأيك وهتاكلي سمك زيي ؟
هزت رضوى رأسها نفيًا وقالت:
_ لأ ،اصبر بس ... هفصصلك السمك ، كنت بعمل كده مع خالي العمدة ... بحب افصص السمك أوي، اللي افصصه تاكله طوالي!
كتم رعد ضحكته وهو ينظر حوله ليتأكد من أن النظرات ليست عليهما، ثم نظر لها بضحكة مكتومة وقال:
_ ابعتي اللي تفصصيه ..
ابتسمت رضوى على إجابته بعفوية وانغمست فيما تفعله، بينما راقبها رعد بابتسامة لم تترك ثغره منذ خرجا معاً...
ومرت دقائق وبدأت رضوى في تناول طعامها ولكن توقفت وبدت عينيها حمراء وبها بريق الدموع، فنظر لها بتعجب وقال:
_ مالك ؟!
أجابت وهي تبتلع ما فمها بصعوبة :
_ هما حاطين على اللحمة دي إيه ؟! .... كأني باكل شطة مش لحمة !!
قال رعد بغرابة:
_ مش أنتي اللي طلبتيها ؟! ...
قالت بضيق وهي تمسح عينيها :
_ مكنتش عارفة أنها كده !
قال بلطف كاتمًا ضحكته:
_ تحبي اطلبلك حاجة تانية ولا تاكلي معايا ؟
ردت بغيظ من ضحكته الذي يحاول أن يخفيها :
_ لا شكرًا مش عايزة ... هاكل محشي..
اتسعت ابتسامته وتابع تناول طعامه بهدوء، ثم قال بعد لحظات :
_ مستني الوقت اللي هترجعيلي فيه رضوى اللي عرفتها ... دور الجمدان والخشونة ده مش لايق عليكي ! .. أنتي أرق من كده بكتير !
ابتسمت بشيء من السخرية وقالت:
_ لا أنا بس بدأت اعاملك بالمثل ! ... ولا كنت فاكرني بكلمتين هضعف واسامحك !! ...
نظر لها بتكشيرة وقال:
_ ليه شايفة المسامحة ضعف !!
ابتسمت بمرارة وأجابت:
_ عشان العفو عند المقدرة، بس أنا لسه مش قادرة انسى اللي عملته واللي قولته عليا!، يوم ما ارجع هكون نسيت ... وحقيقي مش عارفة ممكن اقدر انسى امتى ! .. وياريت ما نتكلمش في الموضوع ده تاني لأنه بينكد عليا أكتر ..
تفهم رعد موقفها وقال :
_ عندك حق، مالوش داعي نتكلم في حاجة عدت وفاتت، بس عايز اطلب منك طلب ...هو المفروض مايبقاش طلب ده الواجب ، بس برضو هطلبه منك ..
أطرفت رضوى عيناها وقالت ببعض التوتر:
_ طلب إيه ؟
ابتسم بتسلية لتوترها الواضح وما من الممكن أن تظنه وقال :
_ أنتي مراتي وهتفضلي مراتي مهما عملتي ومهما نويتي، بس بلاش تحرجيني قدام حد أو تتعاملي بشكل يحطني في موقف وحش قدام الناس ...
قالت بحدة وعصبية:
_ ما أنت لو كنت عارف يعني إيه هتتجوز بنت فلاحين مكنتش طلبت طلب زي ده!! ... احترامك قدام الناس محفوظ، أنا مش قليلة الرباية ولا قليلة القيمة عشان أحرج جوزي قدام مخلوق !
ولا أنا زيك !، بحكم على الخلق من مظهرهم ! ... أنا متأكدة أنك لو مكتشفتش أني بنت عمك مكنتش فكرت حتى تشوفني تاني !
وضع رعد الشوكة المعدن من يده ونظر لها بعمق للحظات، ثم أجاب بحدة :
_ أنا لو مكنتش اكتشفت انك بنت عمي كان زمانك مراتي من زمان ! ... كان زمانا عايشين أجمل أيام ، مكنش ده كله هيحصل أصلًا ! ... ومافيش داعي اعيد وأزيد في حقيقة المفروض أنك عرفاها !!
ترك طعامه وتبدل مزاجه للسوء في لحظة!، فقالت رضوى بصوت جاهدت أن يكون رقيقا لطيفا:
_ طب كمل أكلك ..
نظر لها بنفس تكشيرته وعبوس وجهه فأضافت :
_ هنروح ننقي فستان الفرح واحنا متخانقين كده؟! ...
ضيق عينيه عليها بحيرة وتعجب !، لا يعرف هل سامحته وتريد ممارسة الك اللعبة الغامضة معه، أم أنها لم تستطع تجاوز الأمر بالفعل ! ... ولكن كي يلطف الأجواء عاد يتناول طعامه في هدوء.
وبعد ساعة تقريبًا كانت رضوى تستعد لارتداء أحد الفساتين التي اختارتها معه، ودخلت غرفة صغيرة لارتدائه ...
بينما رعد كان ينتظرها خارج الغرفة وحوله مكان مُغلق بها عدد من الغرف المشابه لقياس الفساتين، وساعدته الصدف لأن يدخل معها ذلك المكان الخالِ إلا منهما ..!
قالت رضوى بغيظ وهي تحاول لمس السحابة الخلفية للفستان الضخم :
_ ياريتني خليت حميدة تيجي معايا !.
فقالت له بصوت عالِ وهي بالداخل :
_ اندهلي البنت اللي واقفة برا يا رعد تساعدني اقفل الفستان ..
سمعت صوته بالاستجابة ولكن فجأة بعد دقيقتان وجدته يدخل الغرفة بمفرده فشهقت بدهشة !، ووقف رعد متسمرًا للحظة وهو يرها بالرداء الأببض !
كان الرداء محتشمًا غير كاشف ولو جزء صغير من جسدها اللهم إلا عنقها الغضّ ذو البشرة السمراء اللامعة وشعرها المسترسل على كتفيها ... لم تستطع رضوى أن تستدير أو تتحرك خطوة واحدة وسحابة الفستان مفتوحة ويظهر ظهرها عاريًا ... فهتفت به بعصبية شديدة :
_ إيه اللي دخلك !! ... لو سمحت اطلع !
لم ينطق ولم يتحدث بل ظل ناظرا لها بنظرة مبتسمة ماكرة عاشقة ، ولم يجد أكثر من الصمت احترامًا تعبيرًا عن اعجابه ! ... تقدمت له وهي تدفعه للخارج حتى قال وهو ينظر للفستان عليها باعجاب شديد:
_ الفستان ده فستانك ... اكنه اتعمل مخصوص عشانك ! ...
استطاعت أن تدفعه وتغلق باب الغرفة عليها جيدًا وهي تتنفس بصعوبة، ثم ركضت للمرآة وابتسمت بسعادة وهي تتفحصه عليها .... وقبل أن تأتي فتاة المحل كانت رضوى استطاعت بصعوبة أن تُغلق سحابة الفستان ووجدت به بعض الأشياء التي تلزم اعادة الضبط ... ولكن وقع اختيارها عليه أخيرًا بكل رضا وسعادة ...
دخلت الفتاة وذهلت عندما وجدت رضوى بدلّت ملابسها وقالت:
_ معلش اتأخرت عليكي بس كان في عروسة معايا على الفون أنا أسفة ...
ابتسمت لها رضوى وقالت :
_ حصل خير، انا خلاص اخترت الستان ده بس محتاج شوية تعديلات في المقاس بس ...
هنأتها الفتاة ثم أضافت بابتسامة لطيفة:
_ طب لو عايزة تسبيه وتجيلي بكرة بالنهار نضبطه معنديش مشكلة، مش هياخد في ايدي ساعة زمن .. ولو عايزة تاخديه وتوديه لخياطة تانية برضو مافيش مشكلة براحتك خالص يا عروسة.
ابتسمت رضوى بامتنان وقالت :
_ لا هجيلك بكرة أنا معرفش خياطين هنا، وهجيبلك أخواتي كمان ..
اتفقا الفتاتان وخرجت رضوى مبتسمة بفرحة ظاهرة عليها، استقبلها رعد عند المدخل وبيده ورقة الحساب ، فخطفتها منه بابتسامة لترى سعر الفستان ولكنها شهقت بصدمة !
ثم قالت وعينيها اتسعت على آخرهما :
_ هو ده سعره بجد ؟! ... ليه معمول بالدهب !
سألها عن الرداء فجاوبته عن اتفاقها مع صاحبة المحل، ثم جذبها من نعصمها للخارج وهو يضحك فقالت رضوى بعبوس:
_ ده اغلى من كل فساتين أخواتي !، مكنتش أعرف أنه غالي أوي أوي كده !
وقفا عند سيارته وقال لها وعينيه تلتمع سعادة:
_ الغالي للغالي يا رضوى، كفاية فرحتك بيه، وكفاية شكله عليكي ، هتبقي أميرة من الأميرات يوم فرحنا يارضوى ...
احمر وجهها بحياء والتمعت عيناها ببريق سعادة .... ثم قال بحماس وابتسامة واسعة:
_ تعالي بقا معايا نجيبلنا شوية لبس، هتختاري معايا لبسي ..
قالت متفاجئة:
_ بس أنا جيبت كل حاجة خلاص ومش محتاجة هدوم تاني ...
اعترض وقال بنظرة عميقة لها:
_ دي هدية مني ، أنا مبسوط النهاردة أوي .. وكمان عايزك تنقي معايا على ذوقك ...
قالت له وهي تخفي ابتسامة :
_ ماشي...
*************
وفي الصباح ... بغرفة زايد بالقصر...
استقبل زايد مكالمة من والده فأجاب:
_ معاك ..
قال والده ببعض القلق :
_ اتصلت بيا بليل كتير بس انا كنت نايم ، في حاجة عندك ؟!
صمت زايد لبعض الوقت ثم ردّ بهدوء:
_ مافيش حاجة تقلق، بس في أني هخطب وضروري تكون معايا اليوم ده ...
دهش ممدوح للحظات من قرار أبنه الصادم بعدما كان يظن الجميع أنه سيظل عازباً للأبد!!... فسأل وكأن الخبر لا يعنيه كأب :
_ أنت حددت يوم ؟؟
رد زايد مختصرا:
_ يوم الجمعة الجاية بأذن الله ..
تنهد ممدوح بضيق وقال معتذرًا:
_ مش هينفع الجمعة الجاية للأسف، الشغل هنا لسه مخلصش وهياخد وقت ..
اغمض زايد عيناه بعصبية حتى أضاف أباه:
_ خليها الجمعة اللي بعدها احسن ... هكون وصلت واتكلمنا مع بعض الأول ، بس مين العروسة ؟
رد زايد مرغمًا :
_ فرحة أخت حسام ..
صدم ممدوح صدمة عمره وقال:
_ اللي فادي ضرب أخوها ؟! ... هي دي اللي عايز تتجوزها ؟! ....
رد زايد بحدة وتصميم :
_ ولو مش هي مش هيبقى غيرها ...
صُدم أباه اكثر من تصميمه، فقال بموافقة وهو يعرف أن زايد سيفعل ما يشاء في جميع الأحوال:
_ دي حياتك وانت حر فيها يا زايد، أنا مش متعود ادخل في قراراتك بس يمكن بقولك كده عشان شايفها مش مناسبة ليك ! ... ده دوري انصحك !
ابتسم زايد بمرارة، فأبيه آخر من ينصح مخلوق وهو من قهر والدته وأوصلها لنهاية حياتها بيدها .. فأجاب :
_ هختصر كلامي وأقولك أنها الانسانة الوحيدة اللي قدرت تصالحني على الدنيا من تاني ... لو مكنش ده بالنسبالك كفاية فـ بنسبالي أكتر من كفاية ... اخترت انسانة مش عايز منها شيء غير أنها تبقى جانبي .. مش طمعان غير في وجودها.
وكانت هذه الكلمات تُعبر عن غضب مكتوم وعتاب وقهر عظيم بداخله، وفهم والده الرسالة الخفية وقال :
_ لو هي فعلًا هتسعدك بالشكل ده فمش هتكون بالنسبالي مرات أبني، هتكون بنتي ... الف مبروك يابني ..
ابتلع زايد مرارة شديدة بحلقه وهو يحاول كبت هذا الألم بداخله، فتابع ممدوح:
_ مش هقدر اسيب الشغل وهو لسه مخلصش ، بس على اتفاقنا بعد اسبوعين، بس هو أنت ناوي تسيب البيت وتسكن بعيد ؟!
رد زايد بتوضيح :
_ اكيد .. لازم يكون ليا بيتي وحياتي ...
انتبه زايد لرنة الحزن والضعف بنبرة والده وهو يقول :
_ وهتسيبني لوحدي يا زايد ؟! ... هتسيب أبوك ! ... القصر كبير جدًا ويساعنا كلنا ...
تكورت بحلق زايدة غصة شديدة المرارة مجددًا وقال :
_ لوحدك ليه ؟! ... مراتك موجودة وأبنها وفادي أخويا كمان ..
تنهد ممدوح تنهيدة عميقة قبل أن يقول :
_ أنت عارف ومتأكد أنك لو بعدت هبقى لوحدي .... يمكن أول مرة أقولك كده، بس ببقى مطمن وأنت جانبي ، عشان خاطري ما تبعدش ... مراتك هتكون واحدة مننا وهتشوف هعاملها أزاي ... بس خليك جانبي وجنب فادي أخوك ... يمكن كنت بشوفك متهور ومتسرع في بعض الأمور ، لكن بعد كده كنت بكتشف خوفك علينا ....
صمت زايد بحزن شديد كاد أن يشق قلبه وهو يريد بكل قوته أن يبتعد عن ذلك القصر اللعين الذي لم يرى فيه سوى الاذلال والنبذ والكراهية .... ولم يجد إجابة يقولها فقال والده متفهمًا حيرته :
_ خليك ولو لقيت أني منفذتش كلامي ابعد، بس عمومًا هنكمل كلامنا لما ارجع من السفر ونتقابل.
وانتهى الاتصال ووضع زايد الهاتف في بطء وعينان زائغتان مليئة بالألم ، ثم وضع رأسه بين يديه وهو يحاول تلك الدموع وبصعوبة استطاع ذلك ....
********
وقبل انتهاء الاسبوعين ما قبل زفاف الشباب الأربعة ، صمم العمدة إقامة حفل حناء في منزله بالريف ووافق الجد رشدي بترحاب .....
وبالمساء في بيت العمدة تجمع الشباب الاربعة في حجرة علوية بالمنزل، ووقف جاسر امام النافذة يستمع بابتسامة واسعة مليئة بالخبث لبعض ألاغاني المتداولة للأفراح من صوت أنثوي وهو يرتشف من كوب عصير البرتقال الطازج..
انضم اليه رعد وهمس له قائلا :
_ بتضحك على إيه ضحكني معاك !
رد يوسف وهو يأكل قطعة كبيرة من الفطير وهو جالسا:
_ شكله مش مصدق أنه هيتجوز ! ... اتجنن باين !
همس جاسر لرعد بشيء جعله ينفجر من الضحك وينصت لكلمات الأغاني .... وبعدما عاد استمع جاسر لتلك الكلمات وهو يشرب مبتسما من كوب العصير ..
وعند جمع النساء الناظرين للمرأة التي تدندن وتغني ويتهامسن بحرج مما تقوله من كلمات جريئة !!
وكزت حميدة شقيقتها جميلة وقالت بعصبية:
_ ما تسكتي الولية دي الناس عمالة تبصلها من اللي بتقوله ! ... هي دي اغاني تتقال ! ....مين الست دي اساساً؟!
أجابت جميلة بتعجب:
_ والله ما أعرف!، شكلها مش من البلد اصلًا، أول مرة أشوفها!
ونظرت للنساء الريفيات اللواتي يملأهن الحياء من أبسط الكلمات ونظراتهم المتعجبة مما تقوله المرأة تلك، وذهبت جميلة للمرأة وهمست لها قائلة :
_ معلش ياختي وسعي شوية كده خلينا نفرفش ..!
جذبت جميلة شقيقتها سما وقالت لها بدعم :
_ جه الوقت اللي نحتاجك فيه ! .... أفرضي موهبتك على الجمهور يابت وارجعي لنفسك الفرفوشة.
ضحكت امهن وداد ضحكة عالية وهي ترى رفع الأكف بالتصفيق الحار الحار الذي لم يكن يحتاح لأي موسيقى لأشعاله ، وبدأت زوجة العمدة بترداد كلمات اغاني مبهجة جميلة ملأت الاجواء سعادة وفرحة ...
********
نهض آسر من نومه فنظر لجاسر ورعد وقال لهما :
_ احنا أمتى ؟!
شرق جاسر من الضحك ومعه رعد ثم قال :
_ احنا من يومين !، فاتك أنت العظمة اللي سمعناها من شوية .... خليك نايم يا آسر أنت خجول وكيوت !
رد يوسف وهو يبتلع آخر قطعة من الفطيرة :
_ مش احسن منك يا قليل الأدب ... روش أنت كده يعني !
قال جاسر بضحكة مستفزة :
_ ما أنت زيه !! ... اومال لو مكنتش أخويا ! ... مش شبهي خالص ! ... الواد رعد ده اللي نسختي ..
نظر آسر لهما ببعض التيهة وقال :
_ لا ثواني ... هو كان في أغاني شغالة بجد ولا أنا اللي كنت بحلم ؟
ضحك جاسر وقال بخبث :
_ هي ... بس قولي كانت بتقول ايه عشان اتأكد كده ؟!
نظر آسر له للحظة ثم دفع الوسادة بوجه جاسر وهو يضحك وينهض ليدفعه ببقية الوسائد ، ونهض يوسف ورمى نفسه عليهم في معركة من الضحكات والمزاح.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
_______________________
ضحكنا وعيطنا صح؟ 😂
هو نص فضل بس اكبر من كل الفصول الكاملة😁
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثالث_والسبعون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... السر ورد ..~
مرت دقائق على مشاكسة الشباب الأربعة ومزاحهم، ثم تحرر يوسف منهم وقال بحماس:
_ ارتحنا بقا شوية من استقبال المعازيم في النهار، نبدأ بقا نستعد عشان نهيص شوية دلوقتي ..
قال رعد وقد بدأ يشعر بصداع الرأس:
_ والمفروض هنسافر بكرة بدري عشان نكمل يوم الحنة في بيت جدي وبعد بكرة الفرح!! .. ده أنا من دلوقتي وصدعت !
سخر جاسر وقال بضحكة:
_ من أولها كده صدعت ! ... اللي يشوفك يوم كتب الكتاب وأنت عينك يمين وشمال بدور على رضوى ما يشوفكش دلوقتي !
رد رعد عليه بابتسامة بها طيف غيظ:
_ وايه علاقة رضوى بالصداع يا انسان يا غتت !
حثهم يوسف على بدء الاستعداد وقال:
_ يلا بقا زمانهم مستنينا!!
وبالفعل بدأ الشباب يستعدوا لبدء ليلة الحناء على طريقة أهل الريف في استقبال الأهل والجيران مع مظاهر البهجة والافراح ورقص الخيل على صدى الدفوف.
************
سحب وجيه نفسه من وسط الجمع والزحام للرجال ووقف في مقدمة منزل العمدة، ثم هاتف ليلى في مكالمة سريعة وقد أزعجه صوت الدُفوف العالية بعض الشيء، فأجابت ليلى بصوتٍ ظهر عليه اللهفة:
_ استنيت مكالمتك بفارغ الصبر، اتصلت بيك العصر كذا مرة بس مارديتش !
نمّت بصوته رمة اعتذار وقال:
_ معلش يا ليلى ماسمعتش الفون خالص، أنا من الصبح مع العمدة وأهل البلد وفي دوشة حواليا مخلتنيش انتبه لأي اتصال، بس بصراحة الليلة دي كانت نقصاكي أنتي وريمو ..
ابتسمت ليلى وقالت ببهجة:
_ حصل خير ومتعوضة، ما انتوا هترجعوا بكرة بأذن الله وهنحتفل تاني بالحنة هنا ... بلّغ البنات وامهم باعتذاري تاني بس أنت عارف ظروف بابا مقدرش اسيبه في الوقت ده.
تفهّم وجيه عذرها وقال:
_ البنات وأمهم متفهمين جدًا موقفك متقلقيش، المهم والدك عامل ايه النهاردة ؟
نظرت ليلى لوالدها النائم في هدوء وقالت مبتسمة:
_ هو نام اغلب اليوم النهاردة، كأنه ما نمش من فترة طويلة رغم أنه كان في غيبوبة !، بس أنا مبسوطة عشان حسيته اهدى من امبارح وبيرجع لطبيعته يوم عن يوم .
أجابها بارتياح:
_ طب الحمد لله، هيتحسن لحد ما يقوم بالسلامة بأذن الله قريب، بس زي ما اتفقنا ما تتكلميش معاه كتير ولا تفتحي أي مواضيع دلوقتي خالص ..
قالت ليلى وهي تربت على رأس ابنتها النائمة على صدرها بسكينة واطمئنان:
_ عملت زي ما قولتلي بالضبط، وفعلًا حسيت أن كده أفضل، هو مش حمل أي ضغط تفكير دلوقتي ...
نظر وجيه حوله ليتأكد أن لا أحد يستطيع سماعه وهمس بابتسامة ماكرة:
_ تعرفي أني للحظة اتمنيت لو كان ده يوم حنتنا أنا وأنتي ! ... بجد ياريتك كنتي معايا النهاردة بالذات...
ابتسمت ليلى بمحبة شديدة وقالت بصدق:
_ يمكن مظاهر الافراح بتبقى مبهجة وجميلة وبتفرح كده، بس مش كفاية عشان الفرحة توصل لقلوبنا!، يوم فرحنا على قد بساطته بس بالنسبالي بعمري اللي فات كله ... !
مش كل اللي بتلبس أبيض بتكون مبسوطة يا وجيه ! ...
رد عليها بابتسامة واقتناع تام لما تقوله:
_ عندك حق يا ليلى، عندك كل الحق، أنا لما اتجوزت جيهان عملت فرح كبير ومعازيم وضجة، ورغم كل شيء مكنتش فرحان نص فرحتي يوم فرحنا أنا وأنتي ! ... مكنتش فرحان أصلًا !
اغمضت ليلى عيناها وهي مبتسمة وسارحة فيما يقوله، وفجأة وجدت صغيرتها تعتدل من نومها وتتحسس يدها حتى استطاعت سحب سماعة الهاتف منها وقالت بعبوس :
_ بابا وجيه وحشتني أنت وكنافتي وكلكم كلكم .. كده تسيبو ريمو لوحدها؟!
تفاجأ وجيه من صوت الصغيرة واتسعت ابتسامته قائلا:
_ على ما تصحي بكرة الصبح هنكون عندك يا حبيبتي، بس هخلي يوسف يكلمك دلوقتي ..
اتسعت عينان ليلى وهي تحملق في صغيرتها ودهشت من استيقاظها فجأة ! ... وحمدت أنها لم تنغمس في الحديث مع زوجها والصغيرة منذ البداية تبدو نصف نائمة !
ابتسمت ريميه ببهجة وقالت:
_ ماشي هستناه، قولك وقولهم أني بحبكم.
ضحك وجيه على كلماتها البريئة ثم قالت الصغيرة لأمها:
_ خدي كلمي جوزك تاني وصحيني لما كنافتي يتصل...!
تسمرت ليلى لها فاغرة فاها ولكن الصغيرة قد خلدت للنوم بالفعل، وهنا سمعت ليلى صوت وجيه وهو يضحك عاليًا فقالت له بالهاتف وهي تبتسم بالتدريج:
_ معرفش جابت اللماضة دي كلها منين !
تمالك وجيه نفسه من الضحك واجاب :
_ يوسف طبعا! .... طب ده أقل واجب !
همس وجيه لها بكلمات رقيقة شاعرية جعلتها تسرح من جديد وتغمض عيناها، فهمست الصغيرة وهي شبه نائمة:
_ كنافتي اتصل ؟!
فتحت ليلى عيناها فجأة وللحظة شعرت بالغيظ من صغيرتها، ولكن عادت مبتسمة بمرح ومررت يدها على رأسها بحنان قائلة:
_ لما يتصل هخليكي تكلميه ...
استمع وجيه للحوار الدائر بين ليلى وابنتها فقال لها بعد ذلك :
_ دقايق وهخلي يوسف يكلمها يا ليلى ...
واغلقت ليلى الهاتف في انتظار مكالمة يوسف ... حتى اعتدلت الصغيرة وقالت وهي تفرك جفنها بكسل:
_ عطشانة !
نهضت ليلى ونظرت لزجاجة الماء المعدنية فوجدتها فارغة تقريبًا، فقالت :
_ هروح اجيب ماية عشان لو حد عطش بليل .. خليكي هنا على ما ارجع ..
رفضت الصغيرة وقالت:
_ لأ استني لما يوسفي يتصل عشان تفتحيلي التليفون.
اضطرت ليلى للانتظار حتى ارتفع رنين هاتفها وأجابت عليه، فقال يوسف ويبدو أنه يقف وسط زحام شديد:
_ ريمــــــوو .... وحشتيني بكل اللغات.
وضعت ليلى الهاتف بيد صغيرتها التي رفعته مباشرةً الى اذنها وقالت بضحكة طفولية :
_ يوسفي كنافتي ..
ابتسمت ليلى لضحكات صغيرتها ثم قالت بصوتٍ خافت:
_ هروح أجيب ماية خليكي هنا ما تتحركيش ...
وهزت الصغيرة رأسها ايجابًا، ثم عادت تتحدث مع يوسف عبر الاتصال ...
قال يوسف وهو يقف مع الشباب ينظرون لرقص الخيل على المزمار البلدي، وبجهة أخرى يوجد رجل يتحدث في ميكرفون تقليدي ويعلو صوته باسماء المدعويين مكررا الاسم عدة مرات وبترحيب حار:
_ خليكي معايا على الفون كده لحظة ...
قالت الصغيرة باستفسار وتعجب:
_ رايح فين ؟!
قال يوسف بمرح :
_ هسمعك اسمك في الميكرفون ...أي نعم محدش عارف مين ريمو بس هنعرفهم ... استني ..
همس يوسف للرجل واخبره بالأمر، ونظر له الرجل باستغراب ولكنه لبّى الأمر وكرر اسم الصغيرة ريميه عدة مرات، فضحكت الصغيرة بسعادة وكادت أن تقفز من الفرحة وهي تسمع اسمها يتردد بهذا الشكل ...
نظر الشباب لبعضهم ثم انتشرت بينهم الضحكات والبهجة لما فعله يوسف ويبدو شيء صغير، ولكنهم يعرفون أنه بالنسبة للصغيرة ريميه أكبر الأشياء ...
ركضن الفتيات الاربعة عبر النافذة عندما سمعوا اسم ريميه يتكرر ويتردد، ومع تعجب النسوة بالأمر إلا أن الفتيات ابتسمن بمحبة واشتياق للصغيرة ...
ضحك يوسف بثقة وهو يعود يحدث الصغيرة بالهاتف وقال:
_ شوفتي بقى عملت ايه ؟! ...
صاحت الصغيرة بضحكة عالية وقالت وهي تشير بيدها :
_حبك يا كنافتي قـــــــــد كده ...
ارتجفت جفون الجد "عبد العزيز" من صوت صياح الصغيرة المزعج لغفوة نائم، ثم نظر لها بنظرة غاضبة لم ترها هي ، ولكنه بالتدريج بدأ يبتسم وهو يرها بتلك السعادة والكلمات العفوية المضحكة التي تقولها للمتصل .... ولكن من هي تلك الصغيرة؟! ... ولمَ هي هنا ؟!
تلك كانت اسئلته لنفسه بصمت تام !!
كل ما كان يتذكره هو والده فقط ... كأن جزءً كبير من ذاكرته قد محت وتم إزالتها اجباريًا !! ....
*************
أتت ليلى بزجاجتين من المياه المعدنية واطعمة خفيفة وحلوى لصغيرتها، ثم استدارت من أمام المقصف بالمشفى وتوجهت عبر الممر الطويل الفارغ.... وفي سيرها تشممت رائحة نفذت لأنفاسها باقتحام ... تلك الرائحة كانت عبارة عن رائحة مشروب مغلي اعشاب محددة تفتعل تلك الرائحة النفاذة!!
ابتلعت ليلى ريقها بدقات قلب تتسارع فجأة ...
وللحظة شعرت وكأنها تريد الهرب من شيء مجهول ! ..
هل يُعقل أن رائحة تسبب لها كل هذا الخوف ؟!
تسارعت خطواتها عبر الممر بجسد يرتعش بقوة حتى كاد ما بيدها من مياه وطعام أن يسقط ! ...
ولكن فجأة ارتعدت بجسد تجمد مكانه لا يقو على الحركة عندما سمعت صوت به بحة مميزة ولهجة ريفية يقول:
_ ست ليلة ...
سقط ما بيد ليلى وانتابتها رجفة شديد ، حتى هتفت المجهولة من جديد:
_ فكراني مُت ودفنت سرك وسر أختك معاي! ...
استدارت ليلى ووجهها أصبح شاحبا كالأموات، ثم انتفضت بهلع وبدأ التشنجع يقتحم جسدها وهي تنطق بذعر وحروف لا تجمع كلمة كاملة وهي تنظر للمرأة التي لا يظهر منها سوى عينيها المكحلتين بالاسود:
_ و ... و..رد!
أخرجت ورد من بين ثيابها سكينة ملتمعة الحد، فزعت ليلى عندما رأت اشباح ضبابية تطوف أمامها وكأن رجل يقطع جسد امرأة بسكينة مشابهة ... هزت ليلى رأسها بهلع وبدأت في الصراخ بهستيريا حتى سقطت مغشيًا عليها ..
*********
أعطى الصبي نعناعة عصيان خشبية تستخدم لرقص التحطيب
إلى الشباب وأشار لجاسر :
_ مين يتحداني في التحطيب ...
مسك جاسر عصاه الخشبية باحكام ثم قال بابتسامة ثقة:
_ ده انت ما تعرفنيش بقا ! ...
قال يوسف بضحكة:
_ خاف منه ده حافظها من على النت وهيبهدلك ضحك!
نظر له جاسر بسخرية ثم ذهب مع الصبي وبدأ باستعراض الرقصة ، والغريب في الأمر أنه بدا محترفاً!!
مرر يوسف يده على ذقنه بتفكير وقال:
_ هتبقى جامدة أوي العصاية دي وهي نازلة عليا ! ...
ضحكا عليه الشابان الآخران ومرت عدة دقائق ابرز فيهما جاسر والصبي مهارة ملحوظة في رقصة العصا والتحطيب، ثم قال جاسر وهو يقترب ليوسف بابتسامة واثقة عريضة بعدما انتهى :
_ ما اسمعش صوتك لشهر جاي !
وكاد أن يرد يوسف بمرح حتى لمح جاسر عدوه اللدود " نبيل" الذي بموقف قديم مشابه كاد أن يحطم فك اسنانه ... واقترب منهم نبيل بنظرة حقد شديدة وبيده عصا قوية ثم قال بثقة:
_ بتحطب كويس، بس مش احسن مني ! ...
وانتظر جاسر تحديدًا بالمساحة الخاصة للرقص ... فهمس الصبي للشباب وقال بتحذير:
_ بلاش ! ... غير أنه فعلًا شاطر فيها بس هو غشيم وناوي على نية سودا شكله ! ... بلاااش !
ورد جاسر وهو ينظر لنبيل باستهزاء وازدراء:
_ مش معايا، بس حلوة الفرصة دي كنت مستنيها من زمان.
حاولوا الشباب ردع جاسر عن الدخول بشجار حقيقي ظاهره مشاركة المرح، ولكن جاسر لن يكن ليهدأ الا بعدما يلقن هذا الغبي درسا يجعله لا يفكر بعائلة العمدة مرةً أخرى ...
وعندما اقترب شهقت جميلة من نافذة الغرفة وودت لو تصرخ وتمنع جاسر قبل البدء، ولكن تدخلها بوسط الرجال سيسبب له ولها حرجا كبير ....
وتوجهت جميع الأعين على الثنائي الذي ينظران لبعضهما بنظرات شديدة العدائية ويلتفان بدائرة للبدء ...
وود نبيل لو سقطة عصاه العنيفة لتشق رأس جاسر، ولكن جاسر رفع يداه بعصاه وتفادى الضربة بمهارة وثبات ...
ثم صوب له عدة ضربات عنيفة أيضا ونبيل تفادئ أيضا رغم أن هناك ضربة كادت أن تصيب كتفه !
وبدأ الناس يلاحظون أن الأمر أخذ أكثر من مجرد رقصة ! ...بل أنه أقرب لشجار غير مُعلن ! ... وانتبه جاسر لشرخ حدث بعصاه!، وصرّ على اسنانه بغضب وغيظ من ذلك الأمر ... فإن لم تخونه قوته فستخونه تلك العصاه الضعيفة ...!
اقترب وجيه لهما وهتف فيهما بعنف شديد حتى توقفا الاثنان ناظران له، وصوب وجيه نظرة غاضبة طويلة لجاسر قبل يقول بحدة:
_ مش وقت لعب يا جاسر ، عايزك في حاجة مهمة ..
تنفس الشباب الصعداء ويبدو أن الجد راقب المشهد من غرفته العلوية حيث استأذن ليستريح من عناء اليوم وهاتف وجيه لينقذ الموقف قبل أن تحدث كارثة محتملة !
وتمتم نبيل باستهزاء فرمقه جاسر بغضب وانقض عليه بلكمات عنيفة جعلت انف نبيل يسيل منه بالدماء ... وجذبه الشباب بصعوبة وهو يفر منهم ليعود لذلك الحاقد ...
جذب وجيه جاسر من ياقته للداخل بهتاف وبتوبيخ شديد وبمنزل العمدة وقف أمامه غاضبا :
_ أنت غبي ومش بتفكر لحظة قبل ما تتهور !
رد جاسر بغيظ شديد:
_ لو أنت مكاني كنت عملت اكتر من كده يا عمي ! .. انت ما شوفتش قال ايه ؟! ... ليه شتمتني قدامهم ليه ؟!
رد يوسف بعصبية على جاسر :
_ عمي كان لازم يعمل كده عشان يشيل الحق من عليك يا فالح ! .... المفروض أن ده ضيفك !
قال وجيه محاولًا التحكم بعصبيته:
_ اهو يوسف رد عليك ! ... لو كنت سيبته ومعبرتوش ولا كأنه موجود كان هيبقى أقوى رد، لكنك عملتله قيمة ! ... أنت كان ممكن تضر في في الموقف أو هتضره وفي الحالتين كان هيبقى في مشكلة كبيرة ! ...
صمت جاسر وهو يتنفس بعصبية ظاهرة ، حتى دلفت جميلة راكضة لجاسر ومعها خالها العمدة قائلا بضيق :
_ لولا اللي عمله عمك معاك يا جاسر كان هيبقى في رد تاني من عيلته، خلتني وانا راجل كبير كده اقف زي العيل الصغير اتحق لكل واحد في عيلته ! ...
أخذت جميلة يديّ جاسر تتفحصهما وقالت ببكاء وغضب :
_ يتشل في ايده أبن فاضلة قبل ما يلمسك، وريني ايدك يا جاسر اشوف حصلها ايه !
ابتسم جاسر ببطء لها وتحولت عصبيته للهدوء فجأة .... ثم قال بنظرة ماكرة:
_ أعصابي مش حمل خضتك دي !
كتم الشباب ضحكاتهم، وحاول وجيه أن يخفي ابتسامته ونجح في ذلك ، ثم أخذ العمدة للخارج ليتحدثا على أنفراد ....
وفجأة دلف الجد رشدي وهو يستند على عصاه ويقترب لجاسر ، فقالت جميلة مدافعة عن جاسر لجدها :
_ يا جدي هو ما معملش حاجة ، التاني اللي كان بيعاكسني وحاطتني في دماغه، لو مكنش جوزي يدافع عني ويغير عليا مين اللي هيعمل كده يعني ؟!
أشار جدها لها لتهدأ وقال :
_ يابنتي هو أنا نطقت لسه ! .... ما تسكت مراتك يا جاسر خليها تبطل سرسعة !
نظراسر لجميلة بغمزة وقال بابتسامة واسعة :
_ مراتي تسرسع زي ما هي عايزة .. دي كائن البيوتيفول !
تركت جميلة دموعها وضحكت ! .... ثم قال الجد لجاسر :
_ هو آه أنا مبسوط أنك ضربته وكل حاجة، بس ما تكررهاش تاني وتدخل نفسك في مشاكل انت في غنى عنها !
رد جاسر وقال بجدية :
_ هحاول اهدى مع أني مقابلتش حد زي الغبي ده وخلاني افقد أعصابي بالشكل ده ! ... بس هاخد بنصيحتكم ..
انسحب الشباب من الغرفة وقبل أن تذهب جميلة قال جاسر بابتسامة :
_ تصبحي على خير يا مصدر مشاكلي !
كتمت جميلة ضحكتها وهي تغادر الغرفة .... وخرج الجد اخيرًا بعدما تحدث مع جاسر لبعض الوقت ...
*********
وعند ساعات الفجر ....
فتحت ليلى عيناها ببطء وتفاجآت بوجود مروة بجانبها ! .... ربتت مروة على رأسها بقلق وقالت :
_ حمد الله على سلامتك يا ليلى ...
نظرت لها ليلى بصمت، ثم وكأن ذاكرتها بدأت أن تتمرد عليها وتبصق أقسى الذكريات على شكل أطياف ضبابية مخيفة .... انتفضت ليلى واعتدلت على الفراش الطبي بأحدى الغرف ... وقالت بتيه:
_ حصلي ايه ؟! .
ترددت مروة في إخبارها، ولكن لا بد أن تعرف فقالت :
_ أغمى عليكي ... بس ما تقلقيش يمكن من الحمل وكده ...
نظرت ليلى لها بتيهة ثم قالت بنفي :
_ لا مش من الحمل ، في حاجة حصلتلي ...
اقتربت مروة منها وبدأت تستجوبها بلهفة :
_ ها كملي ، حاولي تفتكري يا ليلى ..!
امتلأت عينان ليلى بالألم والحيرة والتشتت، لا تستطيع أن تتذكر ... ولا تستطيع أن تنفي أنها رات شيء ... والعجيب أنها لا تتذكر تفاصيل الساعات الماضية ... كل ما يدور برأسها الآن هو شعور مخيف من شيء غامض يطوف بذاكرتها كالشبح ! ...
تنفست مروة بيأس وقالت :
_ للأسف الممر ده الوحيد اللي كاميرته كانت فيها عطل وماسجلتش حاجة ... بس طالما انتي حاسة بشيء يبقى قربنا ......
انتفضت ليلى وهي تبدأ بنوبة بكاء وذعر منكمشة على نفسها:
_ أنا مش فاكرة حاجة، بس خايفة ومرعوبة من حاجة! .... المرة اللي فاتت مكنتش مرعوبة كده !! .. حاسة كان شيء عايز يخنقني ! ...
ربتت مروة على كتفها بلطف وفضلت الصمت ...
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
الجزء التاني من الحلقة هيكون كبير بأذن الله زي ما اتعودنا ❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع والتسعون 97 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثالث_والسبعون_الجزء٢
وبغرفة في بيت العمدة وتحديدًا في ساعة قبل الفجر ....
نهض وجيه منزعجاً من عدم استطاعته النوم وها قد وصل الوقت قرابة الفجر!
ستكون الأيام المقبلة كثيرة المهام والترتيبات للزفاف ولابد أن يريح جسده لبعض الوقت حتى يستطيع التركيز بكافة الأمور .. تنهد بعمق وادرك أن ما يؤرق مضجعه هو اشتياقه لحبيبة القلب ليلى ..
انتبهت جيهان لحركة بالفراش وعندما فتحت عيناها وجدته جالسا ويسند ظهره على وسادة ويبدو شارد الفكر ...
اعتدلت بكسل وانسدل شعرها الأشقر على كتفيها ثم نظرت له بنصف عين وقالت:
_ ارتاح شوية يا وجيه احنا كلها ساعتين ونحضر نفسنا للسفر !
لم يلتفت لها، ولكنه أجاب بتمهل:
_ مش جايلي نوم يا جيهان، نامي أنتي وهبقى أصحيكي.
زمت شفتيها بتنهيدة ثم قالت بشبه اعتذار:
_ أنت زعلان مني عشان محضرتش الحنة ونمت طول النهار صح ؟! .. والله كان عندي صداع فظيع خدتله مسكن ومعرفش نمت أزاي كل الوقت ده ! ..
لم يكن هذا على الأطلاق سبب أرقه!، بل أنه تقريبًا لم ينتبه لوجودها في ساعات النهار بسبب أنشغاله مع العمدة وضيوفه، ولكنه لم يشأ أن يجرح مشاعرها بالحقيقة فقال:
_ اكيد مش هزعل منك بسبب كده !! ... أنا مش عارف ليه حاسس بخنقة ومش مرتاح !
ارجعت جيهان ذلك لوجوده بمكان يعتبر غريب عنه فقالت بتفهم:
_ عشان مش بترتاح غير في بيتك .. احساس طبيعي ، بس حاول تنام حتى لو نص ساعة بس !
رفع وجيه الوسادة من خلف ظهره وتمدد مرة أخرى محاولًا الخلود للنوم، فابتسمت جيهان وهي تغمض عينيها عندما أخذ حديثها على مجمل الجد، وبالصدفة سحب وجيه هاتفه من على منضدة ملاصقة للفراش ليتأكد من الوقت ولكنه اعتدل جالسا فجأة وهو يرى عدد المكالمات الفائتة من رقم مكتبه بالمشفى !! ... لم يطرأ على خاطره شيء سوى ليلى !
فأتصل سريعا على رقمها مباشرة ليطمئن عليها قبل أي شيء، وبتلك الدقيقة كانت ليلى قد خلدت للنوم وتركتها الطبيبة مروة تستريح حتى الصباح دون ازعاج بعدما حدث ... وصدفة دخول أحدى الممرضات انتبهت لاهتزاز الهاتف دون صوت !
وترددت الممرضة في الرد خاصةً وهي ترى رقم وجيه واسمه بخلفية الهاتف ! ... وترددت أكثر في ايقاظ ليلى والطبيبة قد اكدت والزمت بعدم ازعاجها لأي سببًا كان !
فجأبت الممرضة بتوتر وتصاعد قلق وجيه عندما سمع صوتا آخر وهتف :
_ مين معايا ؟!
أجابت الممرضة بعدما عضت على شفتيها قلقا وتوتر :
_ أنا اسفة يا دكتور وجيه اضطريت ارد عليك عشان ممنوع أصحي مدام ليلى، الدكتورة مروة حذرتنا نصحيها بعد اللي حصل.
اتسعت عيناه على آخرهما برجفة مخيفة وقال بصوت جامدا حاد:
_ حصل ايه لليلى ؟!
روت له الممرضة ما أشيع بالمشفى بالساعات الفائتة وأودى بليلى لأن تدخل بنوبة صراخ مجهولة الأسباب ! .. قفز قلب وجيه تقريبًا من الخوف وهو ينهض من الفراش كأنه لمسه صاعق كهربائي .. وصاح:
_ ايه اللي وصلها لكده ؟! اكيد في حاجة حصلت لليلى خلاها تدخل في الحالة دي !
ردت الممرضة بخوف :
_ محدش قدر يعرف اللي حصل خالص، ولا حتى مدام ليلى قالت حاجة !
كاد وجيه أن يهتف ويتحدث ويصيح، ولكنه تذكر مرضها وأنها محتمل أن تكون قد نسيت تمامًا ما حدث، فزفر بيأس وانهى الاتصال وهو يتنفس بعصبية شديدة وغضب يجعله يود لو يهشم كل ما بالغرفة !
راقبته جيهان بعينان ثابتتان تراقبان أنفعاله و هلعه الذي لا تراه إلا فيما يخص ليلى ! ... وقبل أن تتحدث معه وجدته يبدل ملابسه بأقصى سرعة فسألته بغرابة:
_ بتعمل ايه ؟!
أجاب وهو منشغل بارتدائه الملابس الذي جهزتها له جيهان قبيل النوم للأستعداد للسفر مبكرًا :
_ راجع القاهرة دلوقتي .
لم تتعجب جيهان ولم يهتز بعقلها رفة تعجب واحدة ! ... يكفي أن يذكر اسم ليلى بأقل خطر حتى تجده بهذه الحالة من الهلع والخوف ! .. فصمتت ولم تجادله، ربما اعتادت على الأمر، وربما رضخت بحقيقة أن كثرة الجدال لا فائدة منه ولا طائل!
ورغم سرعته القياسية في استعداده للسفر ولكنه بدا مهندماً ومرتبا ونظيفا كعادته دائمًا، فسألها وهو يأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته من على المنضدة:
_ مش هتيجي معايا ؟
تنهدت بثبات ثم قالت :
_ لأ هرجع مع العيلة، عشان حتى اسلم على العمدة ومراته واتأسفلهم على غيابي امبارح ... توصل بالسلامة.
قال بإيجاز قبل أن يخرج :
_ ما تقلقيش حد عليا، قوليلهم طلبوه في المستشفى ضروري واضطر يسافر.
أومأت جيهان بالموافقة، وحالما خرج من الغرفة عادت ممددة ومدثرة بالفراش الدافئ غير مكترثة لأي شيء ... فأن كانت تحمل لليلى الاعتذار لما فعلته، فأنها لا تكترث لأكثر من ذلك ... وشعرت بموجة من الفتور لكل شيء حولها ... شيء كالصقيع أصاب مشاعرها كليًا ...
*******
وبالصباح الباكر ... تحديدًا عند الساعة الثامنة والنصف صباحا.
دق الهاتف الخلوى لمكتب فرحة فأجابت برسمية :
_ مع حضرتك ...
قال زايد بصوت يبدو به رنة حادة ومنفعلة :
_ تعاليلي المكتب حالًا يا فرحة
سألت وهي منهمكة في انتهاء بعض الملفات :
_ طب ثواني هجيب دفتر المواعيد والملف اللي ..
قاطعها زايد بصوت حانق:
_ مش عايز دفاتر ولا ملفات وقولتلك تعاليلي دلوقتي !
تركت فرحة ما بيدها وقد سمرتها لهجته الحادة التي تعلن عن خطأ فادح لربما فعلته ! ... فقالت بتوتر:
_ طب ثواني ..
ونهضت وبعقلها عدة اسئلة ومخاوف وترقب من اوصله لأن يتحدث هكذا !
ودخلت المكتب وكان ينتظرها عند مقدمة مكتبه مباشرةً وبعينيه نظرات انقضاض ! ... يكن عدواني أكثر من اللازم عندما يغضب هذا الرجل الغامض !
وتركت الباب مفتوحا على مصراعيه قصدا وكعادتها ، ثم وقفت امامه على بعد خطوات وقالت:
_ ايه اللي حصل وخلاك تكلمني كده ؟!
تنفس زايد بعصبية شديدة ظهرت بانتفاخ عروق رقبته الطويلة جدًا، ثم رماها بنظرات مختلطة بين العتاب والغضب والتساؤل وقال:
_ قولتلك ما توقفيش مع هيثم صح ولا لأ ؟!
أجابت بثبات وثقة:
_ حصل بس انا ما واقفتش معاه تاني من آخر مرة!
أطرق زايد بقبضته على المكتب بعصبية وقال:
_ كان واقف معاكي النهاردة الصبح بيكلمك ... ما تكذبيش !
زمت فرحة شفتيها بعصبية من ارتفاع صوته وصب عصبيته عليها دون توضيح الأمر فردت بعصبية :
_ انا مش كذابة لو سمحت! ... المرتين اللي لقتني واقفة معاه مكنوش بقصد اني اكلمه! ، يعني أول مرة هو اللي جالي في الحفلة وسألني على فادي، تاني مرة هو برضو اللي جالي وقالي على حكاية سالي ، وعشان المفروض ان الموضوع ده يهمني كان لازم أعرف مين هي سالي دي ! ... والنهاردة ما وقفتش معاه هو اللي قرب مني وحاول يكلمني بس مشيت وما سبتلوش أي فرصة ... وبعدين هو أنا متراقبة ولا إيه ؟!
ضيق زايد عينيه بلمعة حادة ظهرت فيهما وقال:
_ هيثم اللي قالك على موضوع سالي !! ... حسام خبى عني الحكاية دي مع أني كنت شاكك !
لم تدرك فرحة أنها تفوهت بأمر كانت تريد تجنبه لكي لا يزداد الخلاف بين زايد وهيثم، ولكن بالآخير هي مطالبة بتوضيح موقفها الحقيقي ولابد أن تفعل ذلك ... فقالت :
_ حسام محبش يوقع بينكم، وأظن ده مش بقصد أنه يخبي ! ... وأظن برضو أني لفت نظرك أني مابحبش عصبيتك دي من غير ما تفهم وتسمع ردي ! ... أنت مش بتشوف نفسك لما بتكون عصبي بتبقى عامل أزاي ؟!
وخرجت من المكتب وتركته يقف متوترا بضيق، ها هو فعلها مجددًا واغضبها دون أن يترك لها مساحة التحدث !
*********
جلست فرحة على مقعدها بغيظ، ولكن بعد لحظة نمت ابتسامة على شفتيها، رغم كامل عصبيته وغضبه ولكنه لا يقاطعها ويتركها تقول ما تقول، واعترفت سرا أنها تحب تلك النظرة القلقة والمتربكة عندما يشعر بأنه تسرع في الحكم عليها ويختاله الشعور بالندم ..
ثم عادت لرشدها واستأنفت عملها حتى لم تمر دقيقة وكان يخرج من مكتبه والارتباك والأسف مرسوما على صفحة وجهه.
أخفت ابتسامتها بصعوبة شديدة خاصةً وهي تراه يحمحم منقيًا صوته قبل بدء الاعتذار ... هذا الرجل بهيبته ومكانته ورعب الموظفين منه يقف امامها مرتبكاً لا يجد مدخل مناسب لبدء الحديث ! ... على قدر التسلية في الأمر .. على قدر محبتها حتى للمشاكل بينهما وطريقته في الاعتذار !
قال فجأة وكأنه يرمي الكلمات :
_ أنا أسف يا فرحة ...
أطرف عيناه بارتباك عندما نظرت له، وهنا تقسم أنها ودت لو تضحك على نظراته التي بدت كالطفل الخائف من ردة فعل والديه ، فقالت وقد اشاحت عيناها عنه بثبات:
_ مش المفروض أني كدابة ! ... حضرتك بتتأسف ليه ؟!
وكان مضمون ردها عتاب ومع كثيرا من الغضب والضيق ، فقال بأسف حقيقي :
_ لا أنتي مش كدابة، ومش بحب اسمع منك كلمة حضرتك دي ! ... مافيش واحدة بتقول لخطيبها حضرتك !
تنفست بعمق وكم رغبت في أن توضح له كل شيء يفعله ويغضبها، ولكن استحت أن تفعل ذلك فكان أجابتها الصمت ! ... وهذا أكثر رد فعل لها يقلقه ويخيفه فقال بتوتر:
_ ساكته ليه ؟!
أجابت بجفاء وهي تتظاهر بقراءة أحدى الملفات :
_ ساكتة عشان بشتغل !
سحب الملف من يدها ووضعه على المكتب بحدة ثم قال :
_ سيبي الشغل دلوقتي المهم أنتي ! ... أنا عارف أني عصبي ، وعارف أني ساعات بغلط وبقول كلام يضايقك ، بس أنتي مخدتيش بالك سبب ده كله ايه ؟
نهضت بعصبية حقيقية ووقفت امامه وقالت :
_ عشان مش واثق فيا !
اومأ رأسع رافضا وأوضح حقيقة الأمر وهو يصوب لها أجمل نظراته:
_ عشان بغير عليكي ! ... مش عايز مخلوق غيري يكلمك ويتعامل معاكي ! ... مشاعر خوف وغيرة مش عارف اسيطر عليهم ... أنا كنت بقدر أسيطر على أعنف درجة وصلت فيها للعصبية ... بس معاكي مابقدرش ! ... بفقد السيطرة تمامًا !
خفق قلبها بسرعة مرعبة، وحاولت أن لا تنظر له بتلك اللحظة تحديدًا، فرفعت سماعة الهاتف الخلوي وضغطت على عدة أرقام فسألها زايد بتعجب وحيرة :
_ بتتصلي بمين ؟!
اجابت بابتسامة وهي تنظر بعيدة عنه:
_ بالبوفيه، هخليهم يبعتولك كوكتيل العصير اللي بتحبه ... عايز ساندوتشات ؟ .. هطلبلك ساندوتشات.
قالت ذلك دون أن تنتظر رأيه حتى وراقبها بابتسامة محبة وهي تتحدث مع عامل البوفيه، وادرك أنها تنهي الخلاف عند هذه النقطة ولا تريد النقاش فيه مرةً اخرى .... فقال بابتسامة واسعة بعدما اغلقت الاتصال:
_ طب مش تستني لما ارد ؟!
قالت مبتسمة لنفسها :
_ مش مهم ترد ... المهم تاكل.
فضحك على ردها ملء فمه، واخفت تأثرها بصوته وظهور غمازتيه مجددًا ! ... وعاد أدراجه للمكتب بعد دقائق قليلة وهو يحتفظ بابتسامته ...
وبعد دقائق دخلت فرحة وبيدها كوكتيل العصير الطازج والاطعمة الخفيفة .... فوجدته يفتح خزانته ثم التفت لها وهو يضع شيء بداخل الخزانة دون أن ينظر له ... فكانت عينيه توجهتا اليها مرحبة .... ثم اغلق زايد خزانته وكتب الرقم السري أمام فرحة بمنتهى الثقة .... فقالت:
_ أنت متعود تقفل الخزنة بالرقم السري قدام أي حد كده ؟!
ابتسم بمزاح وأجاب :
_ لا طبعا، بس أنتي مش أي حد !! ... وبعدين هو أنتي ناسية هتكوني مين ؟! ...
ابتسمت بخفة وأشارت للعصير والطعام قائلة بحزم :
_ أفطر وبعدين أشتغل ...
وابتسم ابتسامه واسعة ولم ينكر أنه يحب تلك اللافته منها، الاهتمام والمحبة الصادقة هو ما يحتاجة بالحياة لكي يتجاوز مجنته القديمة، وبعدها يستطيع أن يكون أسرة ويكن أبا لا تثقل كاهله العقد والأمراض النفسية ..
وخرجت فرحة من مكتبه سريعا، وضم قلبها شعور هادئ لطيف ومتفائل بالآت وحياتها معه.
فأن كان يبدو للجميع ذلك الرجل الغامض الذي اعترف بذكائه الكثيرون في ادارة الأعمال والمكاسب التجارية الضخمة في سنواتٍ قليلة ... فأنه بالنسبة لها الحبيب ورفيق العمر الذي فتح لها وحدها صفحة شخصيته الحقيقية وصفاء قلبه ..
*********
تجاوزت الساعة العاشرة صباحاً ....
وفتحت ليلى عيناها على قبلة وجيه على جبينها، فنظرت له ودمعت عيناها بنظرة وكأنها تسرد له ما حدث ... فسحبها قليلا من مكانها الى صدره وحاوطها بذراعيه بحماية وأمان هامسا:
_ مافيش حاجة ما تقلقيش يا حبيبتي ...
تمسكت ليلى بيديها الاثنان الملفوفة حول خصره بقوة كي تتأكد أنه هنا أخيرًا ... فقالت بصوتٍ خائف :
_ مكنتش قلقانة، كنت مرعوبة ... مش عارفة ليه جوايا كل الخوف ده فجأة كده !
تحدث من بين أسنانه المصرورة من ضغط قلقه عليها:
_ صدقيني مافيش أي حاجة، أنتي اغمى عليكي وغالبًا بسبب الحمل، ففكرتي أن حصل حاجة من اللي كانت بتحصلك قبل كده !
ابتلعت ليلى ريقها باضطراب وتوتر شديد، ثم فجأة رفعت رأسها ونظرت لعيناه قائلة:
_ أنت رجعت من السفر عشاني ! ... الممرضة قالتلي أنها ردت عليك بليل ! ...
قبّل رأسها قببلة حنونة هادئة وهمس مجيبًا:
_ سيبتهم في البلد وسافرت الفجر والله، مابقتش عارف سايق أزاي العربية ! ... بس مستحيل كنت أعرف باللي حصلك وأبقى هادي ! ... أنا لو بيني وبينك بلاد العالم كلها هوصلك يعني هوصلك ..
ابتسمت ليلى بأمان تام وهي تغمض عينيها على صدره وهمست قائلة :
_ أنا كده كويسة ...
وشاركها ابتسامتها رغم اضطراب قلبه من ما آل وما وصلت إليه ! ... يبدو أن الأيام لا زالت تخبئ بعض الأمور !
فسأل بهدوء:
_ ريمو فين ؟!
أجابت ليلى بصوت كسول وكأنها بدأت تتيه بغفوة على صدره:
_ أيسل جتلها من ساعة وبيلعبوا في الجنينة ومروة معاهم ..
تنهد بارتياح وظل على وضعيته لوقتٍ طويل حتى نامت ليلى بالفعل ،فوضع رأسها بهدوء على الوسادة وجلس بجانبها بارياحية وظل ينظر لها بمحبة تخطت حدود العقل ...
*********
وقبل آذان العصر بقليل عائدة عائلة الزيان للمنزل في القاهرة ....
وتفاجئت جيهان برغبة المربية العجوز بالمنزل وهي تريد التحدث معها على انفراد !
فقالت جيهان بتعجب بعدما ابتعدت عن الفتيات :
_ قوليلي بقا في ايه ؟!
اجابت المربية العجوز :
_ في بنت جت هنا مرتين وبتسأل على الدكتور آسر ومصممة تشوفه ! ... المرة التانية لما جت ومالقيتهوش موجود فضلت تزعق وتشتم وتهدد وتقول انهم مرتبطين ببعض! ... شكلها تعرفه معرفة شخصية يا ست جيهان ! ... اسمها ريهام الدهبي.
دهشت جيهان من الأمر وخاصة لمعرفتها بأن آسر تحديدًا من بين شباب العائلة جميعهم أكثر تعقلاً وأخلاقاً وتحفظاً أيضا ..... فقالت بحيرة :
_ طب ما تقوليش لحد الموضوع ده نهائي ، ولو البنت دي جت تاني هنا قوليلي فورًا ... خلي بالك !
فهمت المربية أن جيهان تخاف على موقف سما أن علمت بالأمر .... وذهبت عائدة لعملها، وترددت جيهان بالذهاب والتحدث مع آسر خاصة أن علاقتها بالجميع سطحية جدًا لا تتعدى تحية المساء والصباح !
ولكن أن حدثت مشكلة بسبب الفتاة المجهولة هذه فستندم أنها لم تتدخل بالأمر ...فعزمت على التحدث معه ...
فخرجت للرواق الواسع وشاهدت آسر يذهب للحديقة كعادته، ويبدو أن هذا كلمة السر لكي تتبعه سما أيضاً..... ولكنها لن تجد فرصة أنسب من هذه للحديث خاصة أن سما مشغولة مع الفتيات بغرفة أمهن ....
وبالحديقة ...
وبينما هو جالساً يقرأ كتاب رفع رأسه بابتسامة ظنا منه أن صاحبة الخطوات ما هي إلا زوجته المستقبلية سما !
ولكنه تفاجأ بزوجة عمه التي تقترب وبعينيها قصد التوجه له خصيصاً !!
وقف عندما اقتربت من مجلسه ووقفت أمامه، ثم دخلت بالموضوع مباشرة وقالت :
_ في بنت جت سألت عنك أكتر من مرة وبتقول أنها تعرفك وعلى علاقة بيك !
صدم آسر وبعدها شحب وجهه من التوتر ، ففهمت جيهان أن تلك الفتاة ليست كاذبة في ادعائها أذن ! ... ورد آسر ببطء :
_ ريهام !
شعرت جيهان بسخط وضيق شديد منه ولكنها قالت بهدوء :
_ آه هي ريهام دي، بص يا آسر يمكن أنا ماليش ادخل في حياتك .. بس بما أني ست فهقدر أشرحلك احساس سما لو وصلها حاجة زي دي .... لو محلتش الموضوع ده وناهيته هتكسر ثقة سما فيك بشكل صعب يتصلح بعدين ... أي حاجة هتحاول تتجاهلها دلوقتي هتدفع تمنها بعدين ... ياريت تفكر في كلامي .
تركته جيهان متخبطا بأفكاره وذهبت لحرس البوابة الكبيرة الخارجية وقالت لهم :
_ مافيش مخلوق غريب يدخل بدون أذن مني أو من دكتور وجيه شخصيًا.... مفهوم ؟
ونفذوا حراسة البوابة أمرها على الفور وبدأووا يحاوطون البوابة من جميع الجهات بأحكام
وهكذا وضعت جيهان بعض الاحتياطات لكي لا تتسلل تلك الفتاة وتسبب كارثة من المحتمل أنها تضرب بالزفاف المنتظر بعد ساعات معدودة عرض الحائط !
************
ومرت الساعات المتبقية حتى يوم الزفاف ....
وحجز وجيه لزوجتيه غرفتين منفصلتين بنفس الفندق الفخم الذي ستقام فيه حفلة العرس ... وهذا للاستعداد دون الخوف من إحداث عطلة أو تأخير مفاجئ....
وكانت وداد أم البنات ترافق بناتها بصالون التجميل مع زوجة أخيها العمدة ... وكأن الصحة دبت بجسدها اليوم واصبحت كالطائر المحلق بحرية بين الاغصان ...
أما ليلى فقد تفهم الجميع حالتها بالآونة الاخيرة خاصةً بعد معرفتهم بظروف حملها وافاقة والدها من الغيبوبة ... وجيهان لم تريد أن تفرض على الفتيات وجودها معهن وعلاقتها بهن سطحية لأبعد حد ...
وبغرفة ليلى ....
دلف وجيه بحلته السوداء الانيقة، وطلّته التي خطفت نظر ليلى، فكأن الحفلة المقامة حاليًا وتنتظر وصول العرائس هي حفلة عرسه هو !
وقف أمامها بابتسامة واثقة وهو مدرك مدى اعجابها بمظهره وقال وهو يقترب منها مأخوذا بردائها الوردي الطويل :
_ مكنش لازم تبقي حلوة أوي كده النهاردة ! ...
ابتسمت بدلال وقالت :
_ أنا حلوة طول الوقت !
وضحكت بمرح حتى فوجئت أنه يأخذها بضمة قوية فجأة ... فأشارت له لينتبه ان الصغيرة جالسة على أطراف الفراش وتحاول جاهدة ارتداء حذائها قائلة بتأفف:
_ لبسيني الجزمة ياماما بقا كنافتي زمانه وصل ..
ضحك وجيه عاليًا وشاركته ليلى ثم ذهب اليها وساعدها في ارتداء الحذاء ورفعها قائلا باعجاب شديد من ردائها الذي هو نفس رداء أمها ولكن بنسخة أصغر حجماً :
_ قمر زي مامتك بالضبط ....
ارتفعت ضحكات الصغيرة وهمست لوجيه قائلة:
_ جاسر قالي أن هو ويوسف ورعد وآسر هيشيلوني النهاردة في الفرح وهقطع التورته.
أكد وجيه قائلا :
_ ايوة هما قالولي كده ..
سألت الصغيرة باهتمام بليغ:
_ عزمت أيسل صاحبتي ...
ضحكت ليلى على حديث أبنتها فرد وجيه مبديًا اهتمام ليس أقل من اهتمامها :
_ وأنا كمان عزمتها، أزاي ما أعزمش أيسل صديقة أميرتي ريمو ؟!
فرحت الصغيرة فرحة عارمة ولفت يدها حول عنقه بضحكة واسعة ... فرفعها وجيه على ذراعه وترك الذراع الآخر لليلى حتى تتأبطه وخرجوا من الغرفة بموجة شديدة من الضحك المت بهم ..
**********
وبعد نصف ساعة اعلنت قاعة العرس الضخمة وصول الثنائيات الأربع بزفة فخمة ...
ونظرت جيهان لوجيه بشرود، فقد أتى إليها ممازحا وضاحكا أيضا ... ولكنها تدرك في قرارة نفسها أن النسخة الاصلية من الابتسامة وكل شيء ملك ليلى فقط !
وان كان يحاول أن لا يظلمها وتقدر له ذلك ... ولكنها أصبحت ترى الحقيقة الآن ... والحقيقة أنها لم تكن تشعر حياله إلا بأنه منقذها من الوحدة والخوف ! ...
نظر الجد رشدي للحوريات الاربعة بالرداء الأبيض وترقرقت الدموع من عينيه فرحة وسعادة ... كان الفتيات أشد جمالاً مما يظن !
فقد تمسك كل شاب من الشباب الأربع بزوجته بقوة وكأنه خائف أن يأخذها أحد منه !
بدأ أن الجميع سعيد وبقمة السعادة أيضاً .... اللهم إلا سما الذي يبدو أن خجلها وعزلتها لم يتركاها اليوم أيضاً....!
************
ظل جاسر ينظر لجميلة بنظرات عنيفة من العشق ثم همس لها بشيء جعلها تنظر له بمزيج من الارتباك والتحذير بأن لا ينفذ ما يدور بخاطره ..... فغمز لها بمكر وابتسامة واسعة وهمس لها مجددًا بشيء جعلها تنظر الجهة الأخرى وتغرق بموجة من الضحك!
وقال بابتسامة واسعة رسمت على وجهه منذ دخوله لقاعة العرس:
_ ياسلام على كمية البنات اللي هتنتحر النهاردة !
مطت جميلة شفتيها بسخرية وقالت :
_ الحقهم قبل ما يعملوا في نفسهم حاجة ! ...
رد ضاحكا :
_ اللي يموت يموت واللي يعيش يعيش والبقاء للبيوتيفول !
أنتي اللي انا شايف عيالي شبهي وشبهك !
كتمت جميلة ضحكتها بالكاد وهي تبادل الضيوف نظرات المهنئة ....
**********
_ شيكولاته حياتي ... يا قلب الفطير ..
ظلت حميدة ساهمة للحظات بمحاولة فهم كلماته التي وكأنها مغمورة بصينية مليئة بالطعام والحلوى ... ثم قالت بعبوس :
_ ده كلام بذمتك ! .... ايه قلب الفطير دي؟!
قال مؤكدا:
_ أحلى حته في الفطيرة قلبها ! ... سيبك من ده كله ، يخربيت طعامتك يا حميدة !
ضحكت حميدة رغما عنها وقالت :
_ ريحة الطبيخ وصلالي من كلامك مهما حاولت ! ... خليك رومانسي اكتر من كده يا يوسف ده النهاردة ليلة العمر ، ليه مصمم تخليها ليلة طبيخ العمر؟!
قال بنظرة ماكرة :
_ اوك جدًا، نقلب بقا على يوسف الخبيث اللي أنتي مش قد خبثه ...
ضحكت حميدة بقوة عندما غمز لها بتلك الطريقة المضحكة ..
**********
لم يحيد رعد عينيه عن وجه رضوى المتألق بجمال آخاذ ... فهمست له بتحذير:
_ الناس بتبصلنا ، سلم على الناس .. !
رد رعد غير مكترث بالجميع سواها :
_ ما طبيعي يبوصلنا ! ... مش أنا عريس وانتي عروسة ؟!
ازداد وجه رضوى احمرارا وحياء ، واستغلت فرصة أن أحدى المدعوات تلوح لهما فابتسمت لها..... ولكنها في الحقيقة تبتسم لما همس به لها بعد ذلك ....
وفجأة وجدت نفسها بين ذراعيه برقصة بطيئة جدًا لم يسمح فيها رعد أو أيا من الشباب الثلاث بأن يجعل زوجته ترقص أمام الضيوف ....
********
تعجب آسر من الجمود الذي نزل على رأس سما فجأة ! ... اصطحبها باكرًا لصالون التجميل وكانت بقمة رقتها وقتذاك !
حتى أنه اعتقد أن اليوم سينتهي أي خلاف بينهما !
ولكن على نقيض اعتقاده وظنونه اصبحت جامدة وبالكاد تحرك رأسها بالتحية للضيوف ....
حتى أنه حاول التحدث معها ولكنها لم تجيب علي أي كلمة وكأنها ليست هنا !!!
وفجأة ظهر وجه ريهام الذهبي من بين الضيوف ضاحكا .. وغمزت له بنظرة انتصار وشماته ، ولم يكن سوى احتمال وحيد يفسر موقف سما منه اليوم .... فهم ما حدث ... وادرك ما سيحدث ، وتنفس بزفرة حارة ثقيلة، ثم نهض وأخذها بقوة الى تلك الرقصة البطيئة جدًا، وابدت سما بعض الاعتراض والاستياء الواضح ... ولكنه حاوطها بذراعيه مقتربا اليها ... وقالت بصوت يتضح به البكاء:
_ كداب وكدبت عليا وغشتني ! ... عمري ما هسامحك ابدًا !
لم يقاطعها بل ظل يسمعها ويده تشتد على خصرها بتملك ، وعندما صمتت همس لها بنظرة بها رجاء :
_ لما نبقى لوحدنا هنتكلم وأفهمك كل حاجة ... مش قدام الناس !
رفعت رأسها له ولولا تسليط الانظار عليهما لكانت ركضت من هنا فورًا ....
وبعد دقائق من انتهاء الرقصة البطيئة تجمع الشباب الأربعة وأخذوا الصغيرة ريميه التي ضحكت عاليًا عندما حملوها إلى تورته العرس المرتفعة ... وبمساعدتهم استطاعت الصغيرة قطع الحلوى لأول قطعة ودوت الأكف بالتصفيق الحار بعدها ... وبدت الصغيرة سعيدة جدًا فركضت اليها أيسل صارخة بضحكات مشجعة ... ثم اخذت ريميه بضمة شديدة بعدما انتهت مهمة تقطيع الحلوى ....
ثم ركض يوسف إلى جده وعمه وجيه وزوجتيه ووداد أم الفتيات وبقية عائلة العمدة إلى حلوى العرس، وبدأ يطعمهم قطعا منها.. فضمه جده بابتسامة سعيدة وأخذهم جميعهم بين ذراعيه وبدأت الدموع تتساقط مجدددًا ....
قال الصبي نعناعة بضحكة :
_ مش هتوحشوني لأني هبقى معاكم اصلا ! ...
فانتشرت موجة من الضحك بين الجميع وبدأت الليلة تنتهي والضيوف يرحلون بالتدريج .... حتى انتهت حفلة العرس واستعد كل عريس يأخذ عروسه بسيارته حتى المنزل الذي سيقيمون فيه جميعهم ليومين فقط، ثم يذهب كل ثنائي لشهر العسل بعد ذلك ........
**********
وبمرور الوقت وصل الجميع إلى المنزل المزين بالاضواء والسعادة وأخذ جاسر زوجته جميلة أولًا إلى الجناح الذي أعد لهما خصيصاً ....
وتعثرت جميلة بعض الشيء بالفستان الثقيل وهي تصعد الدرجات ... فحملها جاسر على ذراعيه ولاحظ مدى الثقل فقال :
_ ايه الوزن ده ؟! ... أنتي تقلتي في العشا امبارح ولا ايه ؟!
هزت قدميها بمرح وهي على ذراعيه ضاحكة وقالت بسخرية:
_ اومال استاذ جيم وبتشيل حديد وعامل نفسك كابتن الكباتن !! ....
قال بعدما رفع حاجباه بغيظ:
_ أنا اشيلك وأشيل اتنين معاكي كمان ... مستغرب بس !
ضحكت جميلة باستفزاز لتغيظه فنظر لها بنظرة ضيقة ، وعندما وقف أمام باب الجناح أنزلها بابتسامة واسعة عندما لاحظ توترها وقال :
_ من اللحظة دي مافيش طولة لسان تاني خلاص ، من اللحظة دي اللي أقوله يتنفذ ...
ابتلعت جميلة ريقها وبدا ريقها يجف تدريجيًا من الخوف .... فحملها جاسر مرة أخرى للداخل بعدما فتح الباب واضاء مصباح الغرفة الواسعة المؤثثة بأفخم الأثاث الحديث ....
انزلها وذهب ليغلق الباب المفتوح على مصراعيه فوجدها تركض لباب غرفة أخرى على بعدُ خطوات ... وسرعان ما اغلقت جميلة الباب خلفها فأطرق جاسر على الباب بعصبية :
_ ده اللي هو إيه يعني مش فاهم ؟!
اجابت جميلة من الداخل :
_هغير وهتوضا عشان اصلي العشا ...
صمت للحظة ثم قال بموافقة :
_ نصلي العشا ... ماشي ...
خرجت جميلة بعدما بدلت فستان زفافها إلى اسدال للصلاة وقد توضأت .... نظر لها جاسر بعدما توضأ أيضا وبدأ في الصلأة ....
وانتهيا بعد دقائق شعرت جميلة أنهم أسرع عشر دقائق قد مروا عليها بحياتها !
انتفضت واقفة قبل أن ينهض لها واسرعت نحو الطعام المرتب على طاولة فاخرة، فسأل جاسر بعصبية مجددًا :
_ معلش أنا غبي .... ايه في ايه ؟!
رفعت رأسها نحوه وقالت ببساطة :
_ هتعشا ... ايه ما اتعشاش ؟!
نظر لها صامتا ثم رد بموافقة :
_ نتعشا ...ماشي ...
وبدا الجو مملوء بالتوتر، ورغم عدم شهيتها للطعام ولكنها أرادت اضاعة الوقت عل خوفها يقل بعض الشيء ....
وكان عكسها تماما قد تناول طعامه بنهم .... وكتم ضحكته كلما راقبها توترها وقلقها الزائد والغير مبرر !
وقفت جميلة فجأة واستعدت للركض ولكن هذه المرة كان جاسر مستعدا لها ومنعها قبل أن تغلق باب الغرفة الأخرى عليها فصاحت :
_ عايز ايه بقا ؟! ... أمشي .
هز جاسر رأسه ضاحكا وقال بمنتهى الاستفزاز :
_ المرادي لأ ... مش ماشي ..
*********
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
نزلته وحذفته ودي أول مرة تحصل ياريت زي ما تعبت في كتابته تقدروني بالتفاعل
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن والتسعون 98 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الرابع_والسبعون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... الوجه الآخر للحب ..~
هز جاسر رأسه ضاحكاً وقال بمنتهى الاستفزاز :
_ المرادي لأ .. مش ماشي ...
ابتلعت جميلة ريقها بتوتر حاد وخاصةً مع نظرات عينيه العميقة والراغبة! .. وأن كانت في قرارة نفسها تعترف بعشقها له، ولكن لن تستطع أن تتجنب ذلك الخوف والتوتر الشديد الذي يكتسح ثباتها ....
واقترب بكل جرأته وابتسامته المتلاعبة التي اثقلت من خوفها منه اليوم تحديدًا! ... ابتعدت خطوات للخلف ..
ولكنه تحدى ابتعادها بالقرب وفاز! ... فانتفضت جميلة بتوتر شديد وما وجدت سوى الفراش لتجلس عليه وأخذت في البكاء فجأة !
تطلع بها جاسر بمزيج من التعجب والمرح !
لديه خلفيه أن الفتيات يخافن بهذا اليوم جدًا، ولكن أن يصل الأمر للرعب والبكاء هكذا فهذا بالشيء العجيب !
جلس بجانبها وهو يكتم ضحكته وترك فقط ابتسامة على ثغره وأن كانت ماكرة ! ... وهمس لها برقة:
_ بتعيطي ليه يا جميلة ؟! ... مش معقول تكوني خايفة مني للدرجة دي ؟!
ماذا تقول له ؟!
لو اوضحت مخاوفها الطبيعية التي تشعر بها أي فتاة بهذا اليوم لسخر منها ! .... الرجال لن يقدروا شعور وخوف الأنثى بهذا اليوم !
اقتحام لخصوصيتها، ولبرائتها، ولحيائها ... هكذا يدور بعقل أي فتاة حتى لو كانت تُزف لحبيب العمر !
ستظل خائفة، وبداخلها توتر يكفي لأن يجعلها تسقط مغشيًا عليها !
والأطمئنان بالحديث والكلمات الجميلة الآمنة هو السبيل الصحيح ...
ما كانت جميلة تحتاج أكثر من أن يطمئنها ... ولكنها لم تعرف كيف تخبره بذلك ؟!
قالت بتلعثم وهي تحاول التوقف عن البكاء :
_ خايفة .. طبيعي يعني اكون خايفة !
هز رأسه متفهماً، وتمنت لو حقاً يكون ادرك مدى خوفها .. فقال :
_ آه طبعا طبيعي تكوني خايفة، بس مش لدرجة تعيطي بالشكل ده !! ... أنا...
وقرب يده ليربت على كتفها بقصد أن يبث فيها الأمان، ولكنها انتفضت مبتعدة إثر لمسته بتشنج !! .... وكأن لمس جسدها الكهرباء !!
نظر لها نظرة طويلة صامتا ثم وقف أمامها وبالفعل بدأ يتعجب منها ورحل من داخله أي نوع من المرح ... فقال باقتضاب:
_ لو مكنتش عارف أنك بتحبيني كنت افتكرت أنك مغصوبة على الجوازة دي ! ...
قلقت من منحنى تفكيره وقالت بعصببة:
_ مش مغصوبة بس خايفة ! ... أنا نفسي مكنتش فاكرة أني هحس بالخوف بالشكل ده !!
لاحظ ارتعاش جسدها الواضح أمامه، فحاول أن يبدو هادئا وهو يتحدث بابتسامة :
_ اكيد ضغط الأيام اللي فاتت وتجهيزات الفرح أرهقتك وأثرت على نفسيتك ...
هزت رأسها سريعا بموافقة وكأنها وجدت مبررا مفهوما لما تشعر به من خوف شديد !! ... وقالت بارتباك :
_ ايوة صح ممكن ..
اتسعت ابتسامته وقال لها بمشاكسة:
_ طب نامي دلوقتي وارتاحي عشان على ما نسافر لشهر العسل تكوني روقتي ورجعتي البيوتيفول اللي أعرفها ..
وكأن جميلة حكم عليها بالبراءة وركضت للفراش بارتياح شديد وتمددت استعدادا للنوم، حتى دون أن تبدل إسدال الصلاة لملابس نوم مناسبة!
راقبها جاسر بغيظ مكتوم وقال :
_ هتنامي كده ؟!
اغمضت عيناها وقالت بصوتٍ هامس وكأنها بدأت تتيهة بغفوة فعليًا:
_ عادي مافيش مشكلة ..
استفزه ردها وهتف:
_ قومي البسي حاجة تعرفي تنامي بيها ! ... ولا أقولك هجيبلك أنا ..
توجه جاسر لخزانة الملابس وقد ظهرت ابتسامة خبيثة على محياه، وفتح الخزانة ليجد صفوف من الملابس المتنوعة ... ابتهج وهو يرى ما يحتويه ذلك الصندوق الخشبي الكبير لحفظ الملابس ... وراقبته جميلة بعينان تتسعان كلما توجه ناحية جهة محددة من الخزانة ... وكادت أن تهتف ليبتعد ولكنه سبقها وسحب أحد أردية النوم التي تخجل حتى أن تنظر له وليس ترتديه !
وبابتسامة واسعة ماكرة وبمنتهى البساطة قال:
_ الحمد لله لقيت لونك المفضل ...
ضيقت عينيها عليه بغيظ وقد فهمته فقالت بعصبية:
_ بحتقر اللون ده !
ضغط جاسر على أسنانه ليكتم غيظه ثم قال :
_ اومال اشترتيه ليه ؟!
اجابت وهي تحرك عيناها لجهة أخرى :
_ مش أنا اللي اشتريته، مش ذوقي اصلا !
وضع جاسر الرداء مكانه وهو يتمتم بشيء لم تسمعه، ولكنها أكيدة أنه يشتمها في سره ! ... وسحب رداء آخر أقل عري وتوجه لها قائلا بتأكيد وبابتسامة :
_ اهو بقا، حاجة شيك ومحترمة ..
اشارت جميلة له قائلة بغيظ:
_ ممكن تسيبني أنام ! .... مغمضتش عيني بقالي أسبوع !
دفع جاسر الرداء بوجهها في عصبية وقال:
_ خلاص نامي واتخمدي ..
لم تكترث جميلة لردة فعله واغمضت عيناها مجددًا حتى سمعته يخرج من الغرفة للجهة الأخرى من الجناح الخاص بهما..
تنهدت بضيق شديد ونظرت لخزانة الملابس للحظات، ثم نهضت وأخذت منها منامة قطنية بأكمام طويلة وارتدتها سريعاً ثم خلدت للنوم قبل أن يعود للغرفة.
بينما جلس جاسر على أريكة أمام شاشة تلفاز كبيرة، وظل ينظر لها دون أن يرى ما أمامه، لم يظن للحظة أن ترفضه بأول أيامهما معاً وبتلك الطريقة ! ....
هل ترفضه خوفاً ... أم شيء آخر ؟!
أن كان خوف فسرعان ما سيزول مع الوقت ... ولكن هز رأسه رافضا وقال بتأكيد:
_ اكيد خايفة، ما أنا برضو مكنش لازم أخوفها مني ! ...
وشعر أنه المُلام في موقفها هذا ... لذلك نهض وتوجه للغرفة وتوقف فجأة عندما كاد أن ينطق بشيء !
ابتسم بنظرة دافئة عندما وجدها ترتدي شيئا آخر أكثر رقة وأكثر ملائمة للنوم .. يظهرها بأصغر من عمرها باستثناء تلك الخصلات السوداء المتعرجة بتمرد ... اقترب لها جاسر كي لا يزعج نومها الهادئ وطبع قبلة على رأسها برقة شديدة وهو يبتسم .... ولكنها فتحت عيناها بكسل وتفاجأت بقربه فقال مرسلا لها نظرة آمنة ومبتسمة :
_ ما تخافيش ..
فأغمضت جميلة عيناها ثانيةً ولاحظ بوادر ابتسامة على وجهها سرعان ما اختفت بعمق نومها ...
بدل جاسر ملابسه بهدوء ثم تمدد بجانبها ومتوجها لها بنظرة ثابته عليها ومبتسمة .... وملأ قلبه بتأكيد أن يكسب ثقتها وقربها بالغد القريب.
************
وعلى عكس المتوقع ..
بعد الخطوة الأولى من دخول حميدة لحياتهما الجديدة معاً شعرت بالأطمئنان يتسلل إليها !
من المفترض أن يزداد الخوف بداخلها ولكن حدث العكس !
ربما كانت ترتجف خوفا منذ ساعات ... لكن الآن وبعدما سمعت دعائه أثناء الصلاة لهما بالألفة والمحبة وأن يظلا معاً حتى نهاية العمر ... أطمئنت !
وها هي تجلس أمامه ليتناولا طعام العشاء والتحدث قبل أي شيء ... وكان يوسف يرسل لها ابتسامات متفرقة بين المكر والمحبة، والعفوية والقصد !
ويبدو أنه أذكى مما تخيل، فقد بدأ بالحديث التلقائي المرح معها عقب دخولهما غرفتهما !
وبعد أن بدلا ملابسهما وبدأو بأداء الصلاة وصولا إلى تناول العشاء معاً وهو يأخذها إليه بكل خطوة دون أن تشعر هي حتى !
وأن كان قصد ذلك فقد نجح !
قال بعدما ارتشف العصير الطازج:
_ فرحنا كان جميل أوي يا حميدة، ما تخيلتهوش أجمل من كده ! ... والأجمل كمان أن أنا وأخواتي في نفس اليوم ....
اجابت حميدة بصدق وسعادة:
_ فعلاّ، كل حاجة كان ترتيبها سهل رغم برضو أننا تعبنا أنا وأخواتي في التحضيرات الايام اللي فاتت ...
فقال يوسف وهو يتطلع بها:
_ كان نفسي عمي مصطفى وأبويا وأمي الله يرحمهم يكونوا موجودين ...
صمتت حميدة وابتلعت غصة بحلقها، لم تكن تنسى ذلك ليذكرها به! ... فهي تجنبت ذلك الألم كلما تذكرته طوال اليوم ! ... وشعرت فجأة بدموع الهبت بشرتها ، فوقف يوسف وأوقفها أمامه ثم أزال دموعها بأنامله وهمس لها بعد ضمة قوية :
_ أنا عارف أن مافيش حد بيقدر ياخد مكان الأب، بس على الاقل هعوضك كتير من حنانه ... أوعدك ...
ربت يوسف على رأسها عندما تمسكت به وهي تبك، وبعد لحظات بدأت تهدأ ولا زال رأسها على صدره ... فقال بصوتٍ هامس :
_ حميدة ...
أجابت بهمهمة ، فقال مجددًا :
_ أنتي ناسية وعدك ليا ؟! ... أظن النهاردة هتقوليلي ..
ابتعدت عنه نصف خطوة وقالت بابتسامة وهي تقاطعه:
_ بحبك يا يوسف .. محبتش غيرك ولا قبلك .. واحلف بالله أني بقول الصدق.
تعمق بعينيها وهو يبتسم ابتسامة غامضة الخبث وهمس:
_ وأنا بموت فيكي يابتاعت الفطير .. أظن النهاردة هتقوليلي كل اللي في بالك .. واللي كنتي مكسوفة تقوليه، واللي خبتيه ! ...
اتسعت ابتسامة حميدة عندما ضمها بضحكة ... وبعدها نظرة لها نظرة يملؤها المحبة والشوق ... فأخفضت رأسها بحياءً شديد وابتسامة أشد حياء.
واسدل الليل ستاره على لقائهما المُبارك بالحلال ... حتى كانت لتلك الكلمات الشاعرية لذة الاستماع عندما سمعتها لأول مرة ...
*********
دلف آسر بعدما انتظر كثيرًا بالخارج لتهدأ وهو يسمع صوت بكائها ! .... عقب دخوله لجناحهما ركضت للغرفة الداخلية ومنعته من دخولها بعد ذلك ! ...
ورغم أنه يستطيع أن يقتحم الغرفة ولكنه ترك لها الفرصة لتهدأ قبل أي حديث ...
لم ترفع نظرها له وهي جالسة على الفراش وترمي رأسها على أحدى الوسائد وتبك ! ... فقال بسأم :
_ هتفضلي تعيطي كده كتير !!
وهنا رفعت رأسها ونظرت له بشراسة وقالت بعصبية ودموعها تغرق وجهها :
_ لما أنت كنت تقريبًا خاطب ومرتبط بواحدة تانية ليه وافقت نتجوز ؟! ... ليه خليتني اصدق أنك فعلًا عايز تتجوزني !
كانت تود لو تصارحه بالحقيقة، وأنها ظنت أنه يحبها ! ... ولكنها لم تستطع خوفا من صدمتها في رده ! .... فقال عاقدا ذراعيه امام صدره بعصبية :
_ أنا مكنتش خاطب قبلك، وعايز أفهم ريهام قالتلك إيه بالضبط ؟!
سخرت بمرارة وهي تنهض وتقف أمامه بنظرات شرسة :
_ عرفتها ببساطة ! ...ده أنا كنت متوقعة أنك تنكر حتى معرفتك بيها !! ....
حاول أن يكسبها فوضع يديه على كتفيها بلطف وبدأ يقول :
_ يا سما اسمعيني ..
نفضت عنها يديه بعصبية وهتفت بوجهه :
_ أنا سمعتك بما فيه الكفاية ! ... أنت انسان مش عارف عايز إيه ولا عايز مين ؟! ... عايز اللي كانت زميلتك وغدرت بيك وجبتها بنفسك تشتغل تاني في المستشفى جانبك! .. ولا عايز اللي وعدتها بالجواز وخليت بيها؟، ولا عايزني أنا وكنت كل ساعة بحال معايا !! ...
رد منفعلا :
_ خطوبتي أنا وريهام كانت لعبة واتفاق لفترة ! ... هي كمان اللي عرضت عليا الفكرة دي عشان تغيظ خطيبها السابق ، وأنا وافقت لأني كنت بتحدى جدي ... كان تصرف غبي آه بس ما استمريتش فيه ...
نظرت له سما نظرة طويلة ولم تظن أنه يتقن الاعيب لهذه الدرجة !! فصاحت بوجهه:
_ يعني الصور اللي كنتوا متصورينها في النادي وشكلكم فيها آخر انسجام والرسايل اللي شوفتها بتتفقوا على ميعاد الخطوبة وأنت بتقولها لازم جدي يوافق بأي شكل ... ده كله كدب ! ... انا شوفت الحاجات دي بعيني ! ... ريهام جاتلي النهاردة وورتني كل حاجة ... كلامها كله بأدلة ، أنت بقا دليل كلامك إيه ؟!
صدم آسر ثم قال :
_ يعني هي ما قالتلكيش أن ده كله كنت بعمله عند في جدي ؟! ... ومقالتش أن الخطوبة دي مش اكتر من اتفاق كام شهر وتتفسخ ؟! ... لو مقالتش كده يبقى كل اللي قالتهولك كدب ومحصلش.. !!
هتفت به بعنف وهي تبك :
_ دليل كلامك إيه ؟! ... هي اثبتتلي، أنت بقا فين أثباتك ؟!
ضيق آسر عيناه بسخط ثم قال :
_ مركبتش كاميرات وقت ما كنا بنتفق ! ... ما سجلتش صوت كلامي معاها لما حددت وقت نسيب بعض فيه ! ... مافيش دليل بس هي دي الحقيقة ! ..
قالت ساخرة:
_ والمطلوب مني أصدقك ؟! ...
هز رأسه نفيًا وقال:
_ المطلوب منك توزني الأمور بعقلك وتشوفي الواقع اللي حواليكي ... أنا لا حبيت ريهام ولا حتى حبيبة زميلتي ... ولو حبيت واحدة فيهم كان زمانها مكانك دلوقتي !
قال لها أحبك ولكن بطريقته الخائفة من الرفض ... للتو اعترف لنفسه أنه مُعقد بعقدة الخوف من الرفض ! ... لذلك كان دائما يخبرها بمحبته خفيا !
ابتلعت سما مرارة وهي تنظر له بدموع :
_ مكاني مجاش بإرادتك من البداية، كانت رغبة جدي وأنت اقتنعت بيها ... كان لازم تقولي الحقيقة وماتوهمنيش أنك ...
لم تستطع قولها ولكنه نظر لها وحاول بكل قوته أنه يعترف بها ... ولم يستطع ، لأنها بالأكيد لن تصدقه !
وما جعله يضيق عينيه بصدمة هي عندما قالت :
_ لو طلبت الطلاق دلوقتي هعمل فضيحة لأمي ولعيلتي بحالها .... بس هستنى على نار اليوم اللي هتطلقني فيه ..
هز رأسه غير مصدقا ما تقوله وقال باستخفاف وشيء من السخرية :
_ اطلقك ....؟!
نظرت له نظرة قاسية خالية من أي لطف، حتى انتفخت عروق عنقه بغضب ظاهر بعينيه وهو يهزها بعنف قائلا :
_ ده مستحيل يحصل انتي فاهمة !! ... مستحيـــل ! ..
وكادت أن تتحدث باعتراض ... ولكنه لم يسمح لها بأي أحاديث أخرى ... وكأنه من حدة الغضب لما قالته تحول إلى شخصا آخر لم تعرفه من قبل !....
وكأنها عندما نطقت بالفراق... كان يتوعد بالبقاء!
*********
وقفت رضوى تمشط شعرها أمام المرآة بعدما بدلت ملابسها ... ونظرت لنفسها بثقة عالية وابتسامة فوقية ...
أن كان نبذها قبلا فهي لم تنس له ذلك .... هو بالخارج الآن ينتظرها مثلما وعدته !
ابتسمت رضوى بسخرية وتوجهت بردائها الفاتن إلى الفراش لتنام .... وبعد دقائق شعرت به يتسلل للغرفة!
فاغمضت عيناها بثباتٍ تام ... وودت لو تفتح عيناها وترى نظرته لها ...
نظر رعد لها بنظرة عميقة، قطتة البرية تلعب لُعبة خطرة ولن تدرك بعد مدى مكره ! .... ابتسم رعد بخبث وتوجه ببساطة ليتمدد بمكانه على الفراش ...
دون حتى أن يتفوه بكلمة ! ... وعلى يقين أنها تنتظر منه رد فعل غاضب لتنهض وتصيح وتغضب ، وتنتهز الفرصة ليبتعد عنها حتى تهدأ مثلما تخطط !! .... وحتى أنها تنتظر ولو كلمة يعبر بها عن مدى اعجابه بها ! .. ولكنه لم يفعل وغفى بهدوء تام !!
حركت رضوى جفونها باستياء وغيظ شديد ... ومثلما فهمها فهمته أيضاً ... وحتما ستلقنه الضربة التي اوجعتها عندما نبذها ورحل ذات يوم ... وللآن ذلك الجرح لم يندمل بقلبها ! ...
أما هو على قدر تسليته بإغاظتها ، القدر الأكبر كان الم وضيق من أضاعة الأيام في التحدي والعناد لأثبات شيء في الاصل ثابت !
كان من المفترض الآن أن يبدأ أسعد أيامه ولياليه معها.. يسيران سويًا بدربٍ واحد ويتشاركان كل شيء بمحبة حتى الألم ! ...
لابد أن يصل معها لتلك التسوية وذلك الهدوء والسكينة ... ولكن أن كانت تريد اثبات شيء فلتفعل.
حتى يطمئن قلبها.
***********
بآخر طابق بالمنزل الكبير... وببداية يوم جديد كان تخطى الثانية صباحاً بعد انتهاء حفل العرس.
أخذها وجيه إليه، مكانهما الخاص بهما وحدهما...
تمايلت الزهور قليلًا تحت عصف الهواء الشديد كأنها ترحب بهما..
سارت ليلى بجانبه مبتسمة بسعادة شديدة ويدها متشابكة بيده...
أوقفها ناظراً لها بابتسامة عاشقة فقالت بمرح:
_ عاملي مفاجأة؟
لم يجيب وجيه، فقط يبتسم وينظر لها بدرجة جعلتها ترتبك بحياءً شديد وتخضب وجهها بحمرة وردية جميلة، فأشار لها لشيء قاطن على بُعد خطوات، فالتفتت ليلى صوب هذا الشيء ووجدت طاولة يعلوها عُلبة صغيرة من القطيفة الحمراء..
استدارت له مبتسمة وقالت ببهجة:
_ هدية؟
رد عليها وهو يجذبها للطاولة بلمسة رقيقة:
_ تعالي معايا.
وعندما وقفا كانت ليلى تتلهف لرؤية ما بداخل تلك العلبة الحمراء... رفع وجيه العلبة وفتح قفلها الرقيق وظهر قلادة متلألأة ويبدو من حجرها الثمين أنها كلفته مبلغ مالي ضخم...
ولكن المفاجأة كانت أن ذاك الحجر يتم فتحه لتتبين الأسمين المكتوبان بداخله... اتسعت ابتسامة ليلى باعجاب شديد عندما قرأت اسم صغيرتها "ريميه" والاسم الآخر كان اسم لفتاة!
قالت بتعجب مُعلقة على الاسم المجهول التي قرأته بأعجاب:
_ اسم مين دي؟!
جذبها إليه وأجابها بهمس:
_ زي ما أخترت اسم ريميه، اخترت اسم بنتنا التانية برضو
ابتسم ونطق قلبها بالسعادة، ولكنها قالت ببعض العتاب:
_ فكرتك هتسميها ليلى؟! ... أصل اسمع لما الواحد بيحب مراته أوي بيسمي بنته على اسمها!
اقترب اليها وقال بابتسامة واسعة:
_ لأ أسف، مافيش غير ليلى واحدة ومش هيكون في غيرها.
ضحكت ليلى وفجأة لاحظت سقوط مطرة خفيفة، ففردت ذراعيها وهي تغمض عينيها بسعادة وكأنها تريد احتضانها:
_ خلاص ده تقريبًا آواخر الشتاء.
ونظرت له بابتسامة قد ذكرته بأيام الماضي كلها:
_ فاكر اليوم ده؟!
ودون أن تفسر له ما فكرت فيه وما تقصده، فهم كل شيء وأجاب بنبرة تضمها عاطفة شديدة:
_ فاكره بكل تفاصيله، كأنه لسه من ساعات!
اقتربت له مجددًا وتبلل وجهها بحبات المطر:
_ اليوم اللي رجعتلي فيه... واتقدمتلي!، بعد ما شوفنا بعض كام مرة بس!
جذبها مرة اخرى إليه وقال بهمس:
_ الكام مرة دول خلوني معرفش انساكي لحظة السنين اللي بعدنا فيها!، مش أنتي اللي بتتكرري مرتين!
______________________
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع والتسعون 99 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس_والسبعون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~.. صفحة حب أخرى ..~
وللحنين عودة!
عودة مكررة، مثل دقات القلب تأتِ لتحينا وتبث الحياة فينا!
وآه من الحنين عند ارتفاع دقات القلب أشتياق ..!
جلست الأم وداد بغرفتها، على فراشها تحديدًا، اليوم تحديدًا كان الأرهاق على اشده، ولكن أي شيء أمام طلة بناتها بالفساتين البيضاء لا يساوي أكثر من طرفة عين ثقيلة !
نظرت لصورة زوجها الراحل المُعلقة بغرفتها، وخدش قلبها الحنين واحساس دفين من الوحدة، ولكنها رغم كل شيء مشاعرها تدفق سعادة لفتياتها ... وقالت وكأن زوجها الراحل أمامها الآن:
_ حلمك اللي كنت دايمًا تحلم بيه وأنت عايش يا مصطفى! ... النهاردة شوفت بناتي الأربعة عرايس زي القمر، قلبي أطمن عليهم وهنام وأنا مطمنة من النهاردة ..
قالت جملتها الأخيرة ببعض التردد، وبعض الدموع !
منذ رحيله وهي لم تنم ليلة واحدة آمنة مطمئنة !
حتى أن كل سعادة تبدو عابرة مؤقته مهما أشتدت طرقاتها على القلب !
تدور السعادة حول قلبها ولكن سكن القلب يشتاق لساكنه الراحل !
مسحت وداد عينيها من الدموع عندما انتبهت لطرقات على الباب، ودخل الصبي نعناعة بابتسامة واسعة مُبهجة.
ويبدو أنه رفض التخلي عن حلّته الأنيقة الذي ابتاعها بالأيام السابقة .. مضى وجهة عمته وداد وجلس قربها قائلًا:
_ ها يا عمتي قوليلي لو كان فات عليا حاجة النهاردة؟
ربتت وداد على كتفه بمحبة صادقة وقالت:
_ كتر خيرك يا بني، كنت واقف جنب أخواتك لحد ما كل واحدة مشيت مع عريسها وماسيبتهمش لحظة.
ابتسم الصبي بسعادة شديدة وقال:
_ البنات كانوا عسل صافي النهاردة والله، ربنا يسعدهم ويحميهم يارب.
قالت وداد وعي ترفع يدها بالدعاء:
_ يارب العالمين ...
يبدو أن الصبي تردد في قول شيء مع نظرات المترددة هذه، ويبدو أنه أتى لهذا الشيء أيضاً ... فقال :
_ بقولك إيه يا عمتي، هي سما حد زعلها ؟ ... أصلها لما راحت عند الكوافيرة كانت مبسوطة أوي وطايرة من الفرحة، بس في الفرح نفسه حسيت أن في حاجة !
ولم تحب وداد أن تُقلق نفسها بذلك الأمر بعدما لاحظته أيضا فقالت مبتسمة:
_ أي بنت بتبقى خايفة من المسؤولية اللي داخلة عليها، ده أنا يوم فرحي كان ناقص شوية وأعيط !
وختمت جملتها بضحكة فأطمئن الصبي وشاركها المرح .. ولكن بعدها شرد الصبي مرة أخرى ... وقال بعدها:
_ تعرفي يا عمتي أنا مش عارف أزاي هبعد عنكوا تاني؟!، اكيد هيجي يوم واخلص دراستي وارجع البلد، بس أنا متعلق بأخواتي البنات أوي وهيبقى صعب عليا أسيبهم !
ابتسمت وداد وقالت بنظرة ماكرة:
_ طب إيه رأيك بقا أني كلمت أبوك في الموضوع ده وخليته يفكر !
التفت لها الصبي بلهفة وقال:
_ خلتيه يفكر في إيه؟!
شرحت وداد :
_ بعتله امبارح يجيلي هنا واتكلمنا براحتنا، أنا هنا بفضل في أوضتي اغلب اليوم وبصراحة ساعات كتير بحس بملل، لما كنا في البلد اهو امك كانت بتونسني ونتكلم ونتشاور واليوم بيعدي، أنما هنا بفضل قاعدة مابعملش حاجة!
كلمت اخويا العمدة أنه يسيب البلد ويجي هنا، يفتحله مشروع صغير كده على الأد ويبقى جانبي اروحله ويجيلي وما نتحرمش من بعض .. وعشانك أنت كمان.
كاد أن يقفز الصبي بسعادة وهو ينهض واقفا وقال:
_ ده يبقى يوم الفرح والهنا لو أبويا وافق يا عمتي، أنا ما تخيلتش أن ممكن حتى أبويا يفكر في كده مش يوافق !
قالت له وداد مبتسمة بثقة:
_ ادعي لعمتك بقا، وبصراحة أنا عارفة أني غالية عنده واستغليت ده عشان يوافق، يجي هنا ويبقى جانبي وقت ما اعوز اشوفه الاقيه جانبي، مش لسه هسافرله!
قبّل الصبي رأس عمته بسعادة شديدة وقال:
_ ربنا ما يحرمنا منك أبدًا يا ست الغاليين ..
وفر الصبي راكضا بقفزات مرحة للخارج واتسعت ابتسامة وداد وهي تتبعه بنظراتها ...
*********
وبأشد ساعات سواد الليل ..
تملمت رضوى بعدما سبحت غفوة عميقة وتاهت في أحلامها، ولكن عادتها المزعجة في التقلب كثيرًا غلبتها دون أن تستيقظ حتى ! ...
وكان رعد يضطجع على جانبه الأيمن وينظر لها مبتسماً ومراقبًا ... حتى تململت مرة أخرى نحو رعد، ودون أن تدرك دفعت يدها على وجه رعد بصفعة قاسية جعلت أذن رعد تصفر من قوتها واتسعت عينيه على آخرهما!
فأنتفض غاضبا وهتف بها بعصبية حتى فتحت عيناها بذعر !
وانتفضت من موضعها هي الأخرى وسرعان ما تحكمت بخوفها وهي تجيبه بانفعال:
_ بتصرخ كده ليه وفي نص الليل أنت اتجننت؟!
كان يستند بركبتيه على الفراش ويشير اليها غاضبا :
_ أنتي فاكرة أنك هتفلتي مني باللي عملتيه ده ؟! ... أنا متاكد أنك قصداها!
سألته بغيظ وعصبية وهي حقا لا تدري ماذا فعلت:
_ وأنا عملت إيه أن شاء الله ؟!
وضع رعد يده على جاتب وجهه وأذنه ببعض الألم ثم نظر نحوها وقال:
_ يعني ايدك اللي تتقطع دي ما نزلتش على وشي ؟!
ذهلت رضوى للحظات، ولكن تذكرت مواقف مشابهة مع شقيقاتها وعندما نظرت اليه ضحكت عاليًا فجأة !
ثم قالت وهي تحاول كبت ضحكاتها :
_ لا فعلا مش قصدي، أنا بتقلب كتير وأنا نايمة .. مكنش قصدي الطشك بالقلم!
وانخرطت بموجة ضحك أخرى حتى تصاعد غضب رعد تمسك بياقة ردائها وكأنه يتشاجر مع رجلًا، فنظرت له رضوى بتحذير وانقطع الضحك فجأة وقالت:
_ سيب بقولك !
اومأ رعد بالرفض وهو يحاول يكظم غيظه كي لا يدفعها خارجا، رغم أن رؤيتهما هكذا تثير الضحك فعليًا وقال:
_ احمدي ربنا أني ما سلمتش على وشك بكام قلم يفوقك وانتي نايمة ! ... حمارة نايمة جانبي؟!
شهقت رضوى من ما قاله وضيقت عيناها بخطر، وفجأة دفعته للخلف فسقط رعد على ظهر للأرض وعندما نهض كانت نظرته شرسة وخطرة كأنه أصبح مجرم !
أشارت رضوى بتحذير وهي تكتم ضحكاتها بالكاد:
_ ما تعصبنيش تاني عشان أنا...
لم تتابع حتى كان ينقض عليها راكضا خلفها، فضحكت بصدق وهي تركض منه، ولكن تشابك طرف ردائها الحريري مع أطراف أحدى قطع الاثاث ومزقته!
فغرت رضوى فاها بذهول وهي تنظر للرداء الحريري الذي وصل التلف به لأن يجعله غير صالح للأستخدام ثانيةً..!
وقف رعد مبتسما لها بمكر وشماته، نظرت له رضوى بغيظ وعصبية وهي تهتف وكأنها ستبك:
_ أمي هتزعقلي !.
كتم ضحكة وقال وقد تبدد غضبه تمامًا من رؤيتها هكذا:
_ شمتان فيكي .. تستاهلي بصراحة، وبعدين هو انتي ناسية انك اتجوزتي ومسؤولة مني أنا مش من امك؟!
كانت نظراته تتفحصها ببطء جعلها تبتلع ريقها بتوتر وارتباك، فأشارت له قائلة بعصبية تواري خلفها خجل شديد:
_ ارجع نام يا رعد وأوعدك مش هقلقك ..
هز رأسه بموافقة، ولكن عينيه كانتا تضمران شيئا آخر، وعندما مرت من جانبه وهي ترتجف توجس وخشية كاد أن يمسك معصم يدها ولكنها ركضت لخزانة الملابس واختبأت بداخلها وهي تقبض على الباب الجرار كي لا يُفتح! .... فضرب رعد يده بعصبية على الباب وقال بتحذير:
_ أطلعي يا رضوى بلاش لعب عيال !!
قال رضوى وهي بداخل الدولاب:
_ مش هطلع من الدولاب غير لما تطلع أنت من هنا ! ...
قال بعصبية أشد:
_ أنتي فاكرة أني هعرف افتحه غصب عنك يعني ؟!
وهي دفعة من يده وكان استطاع فتح الباب الفاصل بينهما ونظر لها بشررا قائلا وهو يجذبها لتقف أمامه:
_ صبر وممكن اصبر عليكي، أنما تصرفاتك التافهة دي بتقللك في عيني !..
نظرت له والدموع بدأت تظهر بعينيها وصاحت به:
_ ما أنا اصلا قليلة في نظرك ! ... من أمتى وأنت شايفني كبيرة ؟! .. من أمتى وأنت عاملي قيمة ؟! ... وقت ما حبيت تمشي مشيت!، ووقت ما حبيت ترجع رجعت لا واتجوزتني كمان ! ... بس أن كانت الظروف ساعدتك لحد دلوقتي فمتفتكرش أني سعيدة وفرحانة باللي بيحصل !
هز رأسه بحيرة وقال:
_ أزاي بتحبيني وتكوني مش مبسوطة أنك معايا ؟! ... ليه مش قابلة تديني فرصة تانية ؟!
صاحت به بغضب من ثقته بضعف قلبها أمامه وقالت كاذبة:
_ ومين قالك أني بحبك ؟!
سلط عينيه عليها بنظرة ضيقة وبتحد:
_ قولي أنك مش بتحبيني ؟
رددتها بعصبية :
_ مش بحبك !
اقترب لها وأمرها بالتكرار فكررتها مرة أخرى وهي تنطقها بارتباك :
_ قولت .. أني، مش بحبك !
رفع وجهها اليه ونظر لها مليًا بنظرة عاشقة وهمس:
_ بس أنا بحبك ... بحبك ومافيش واحدة دخلت قلبي غيرك ..
بحبك وماقولتهاش لحد غيرك أنتي ...
نظرا لبعضهما للحظات ... وكانت نظراته العاشقة تقابل نظراته الممتلئة بالدموع والعتاب .. ولكنه غير كل الخطط في لحظات ... واستطاع التأثير على عقلها حتى لو مؤقتاً ... حتى لو يعرف أنها بالغد ستعود تلك المتمردة ويمكن أشرس ... ولكنه سيروضها بطريقته ...
*********
وقد اعلنت خيوط الصبح عن المجيء ..
خرج آسر من مرحاض الغرفة وهو يجفف رأسه ويصفر بلحن مقطوعة غنائية، رمق سما بنظرة خبيثة وابتسامة، وتغاضى عن جلستها الحزينة على الفراش وعينيها الباكية المتهربة من نظراته .... لفت حولها الروب الثقيل الذي ارتدته منذ دقائق عندما اقترب منها آسر وبعينيه تسلية وقال :
_ مافيش صباح الخير يا حبيبي؟!
التفتت له بنظرة غاضبة ووجهها غارق بالدموع وقالت:
_ حبيبي ؟! ... تعرف أني حتى لو كنت حبيت فكرهتك ؟! متخيلتش أنك ...
وصمتت وهي تعود لنوبة بكائها، رغم أنها تعترف لنفسها سرا أنه لم يرغمها لأكثر من لحظات قليلة وبعدها عاد لذلك الرجل الذي ولولا ما عرفته عنه من تلك المسماه بريهام لكانت صدقت جميع ما قاله بالأمس والكلمات الرومانسية وقصائد في العشق والهوى! ... فأخرجها من همسها لنفسها وقال وهو ينظر لها بدقة:
_ مش مستعد أتنازل عنك مهما قولتي، ولو سمحتي بطلي عياط وقومي اغسلي وشك ..
هتفت به لعصبية وهي تبك:
_ انا مش عايزة حتى اسمع صوتك !
فقال بتعجب :
_ أنا مش عارف أنتي بتعيطي ليه؟! ... بتعيطي عشان حطيتك قدام حقيقة انك بتحبيني ... ولا عشان مخلتكيش تنفذي اللي في دماغك ؟! ...
وهذا أكثر ما اوجعها، انه اكتشف أنها تحبه ومقاومتها أمامه غير قوية مثلما كان يظن ! ... فقالت :
_ صدقني أنا لو حتى حبيتك فدلوقتي كرهتك ! .. مفكرتش فيا وفي اللي عرفته من ريهام دي ووجعني ! .. مفكرتش غير في نفسك!!
نظر لها آسر وحاول أن يتحكم في طيف العصبية العابر هذا بداخله، واعتدل بجلسته وجذبها اليه، فحاولت أن تدفعه ليبتعد، ولكنه مسح عينيها من الدموع وقال بجدية ورقة:
_ إيه رأيك يا سما نتفق اتفاق؟! ... سيبك من كل اللي فات، فيها إيه لو قلبنا الصفحة دي وتجاهلنا اللي فات كله وبدأنا من جديد ؟! ... أنا مرتاح ومبسوط معاكي ومش عايز أسيبك ... أظن ده سبب كافي يخليكي تديني فرصة تانية ؟
قالت بمرارة:
_ عايز تقلب الصفحة عشان مليانة بغلطك !
هز رأسها نفيًا وابتسم قائلا:
_ لأ ... عشان احنا الاتنين نستاهل نكون مع بعض ...
تنقلت نظراتها على عينيه علها تتأكد من جدية قوله، فأومأ مؤكدًا بابتسامة واسعة لم يخلو المكر منها ! ... فتحركت من الفراش وسألها :
_ رايحة فين ؟
أجابته ببساطة، ولكن الإجابة كانت قرار في طياته:
_ هغسل وشي عشان محدش ياخد باله اني كنت معيطة.
وتوجهت لحمام الغرفة، وراقبها آسر بابتسامة عاشقة، ولولا أنه يعرف أنها لا زالت مترددة في الأفصاح عن حبها أمامه وستكذب اعترافه.... لكان أعلن لها مئات المرات أنه يحبها حتى الجنون !
********
فتح جاسر عيناه فجاة وكأن أحد جره جرا من حلمه الجميل وعاد به للواقع! ... وذلك عندما ارتفعت ضحكة عالية ترحع لصوت أنثوى !.... ونسى للحظات أنه تزوج!
نظر بجانبه فوقعت عيناه على جميلة التي تغط في سباتٍ عميق ولكنها يبدو تحلق بحلم مبهج لتضحك هكذا !!
رفع رأسه ليتأكد ووجدها كذلك بالفعل بل وتتمتم بكلمات غير مفهومة ! ... اقترب منها بأذنه حتى يستطيع سماع ما تقوله ولكن اقتحمت أذنيه ضحكة رنانة !
اعتدل مفزوعا ومنزعجا وهو ينظر لها بغيظ، ثم انتبه لتمتمتها مجددًا فهز يدها لتستفيق وقال:
_ جميلــــة ؟! ... فوقي من الغيبوبة اللي أنتي فيها دي !!
فتحت جميلة عينيها ببطء وابتسامة واسعة مرسومة على محياها وهي تمط ذراعيها بكسل ... فنظرت له قائلة بتلك الابتسامة:
_ صحيتني من الحلم ليه بس؟!
نظر لها بعصبية وقال:
_ ازعجناكي معلش ! ... أنتي بتتكلمي وأنتي نايمة ؟!
ضحكت جميلة بمرح وقالت :
_ لا مش دايمًا، بس ساعات بتحصل ..
وتململت للجانب الآخر ونامت في لحظات قليلة، فنظر لها جاسر مدهوشا من سرعة عودتها للنوم !
ثم صرّ على أسنان بغيظ شديد وهو ينظر لها ...
********
فتحت حميدة عينيها بكسل على وجه يوسف المتطلع بها بابتسامة لم ترى برقتها من قبل، بينما قد بدل ملابسه بطقم أسود رياضي شديد الأناقة وهو يقف قرب النافذة الزجاجية ويستند بجانبه على الحائط ... وانعكاس الضوء الخفيف للغرفة يسقط على جانب وجهه برؤية حالمة شاعرية.
ابتسمت له وقالت بتعجب من وقفته هكذا بتيار الهواء المنبعث من النافذة:
_ واقف كده ليه ؟!
نظر لها نظرة مليئة بالعاطفة جعلتها تحمر خجلًا فقال بمرح والسعادة تتبختر بعينيه:
_ فاضل نص ساعة على الفجر، صحيت استنى عشان ما يفوتنيش ... بس بصراحة معرفتش ابعد عنيا عنك !
تسللت رجفة بعمودها الفقري وهي تنسل من الفراش وتحكم روبها المخملي الثقيل حولها للتوجه له، فاستقبلتها يديه بترحاب شديد وضمها بسعادة هامسا عندما القت عليه تحية الصباح :
_ دي أجمل صباح الخير سمعتها في حياتي تقريبًا ..
نظرت له حميدة وقالت بمرح لكي لا يربكها هذا الخجل أكثر من ذلك :
_ لو جعان هنزل اجيبلك فطار حالًا..
اتسعت ابتسامة يوسف وقال بمحبة وهو يرجع خصلة تمردت من شعرها ولفحت بشرتها:
_ هو أنا جعان بصراحة، بس مستني الفطير ... شامم ريحته !
تشممت حميدة الرائحة وقالت بابتسامة واسعة :
_ دي تلاقيها أمي ومرات خالي بيعملوه عشان الصباحية ... والله أنزل أجيبلك دلوقتي.
قال بغمزة وابتسامة واسعة :
_ لا طبعا انا اللي هنزل واجيبلك الفطار لحد عندك ... كنت مستني فطير صباحيتي بالذات ...
ابتسمت حميدة بحياء وقالت متساءلة:
_ ليه ؟
ضحك يوسف وقال :
_ عشان أكله كله ..!
اغتاظت منه حميدة وظهر عبوس شديد غلى وجهها وتقطيبة، فانخرط يوسف بموجة شديدة من الضحك.
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل 100 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس_والسبعون_ج٢
وبعد طلوع الشمس بقليل ..
كانت الأم " وداد" وزوجة أخيها العمدة بالمطبخ الواسع بمنزل العائلة يعدون طعام افطار الصباح التقليدي للعرائس " الفطير" ... وشاركهما الصبي نعناعة وجلس يتأمل ايديهن الماهرة في اعداد الطعام .. فقالت وداد بضحكة وهي تسحب أحدى الفطائر من الفرن الساخن :
_ هتطلع معايا يا واد يا نعناعة لكل واحدة، هتشيل بس الفطار عشان مش هقدر اطلع وأنا شايلة حاجة، وأمك تعبت خالص الايام اللي فاتت.
قالت زوجة أخيها المنغمسة في تكبير أحدى الطبقات الرقيقة لآخر الفطائر :
_ ما اطلع وخليكي أنتي مرتاحة، أنتي تعبتي امبارح والحركة الكتير غلط على رجلك.
ردت عليها وداد بابتسامة ونظرة عين يغمرها السعادة:
_ ده اليوم اللي كنت بتمناه، بقا يوم ما يجي احرم نفسي من فرحته؟! ... وكمان عايزة أصبح على بناتي وعرسانهم.
لم تعرض زوجة العمدة وتركت لها السبيل لتقوم بكل ما يستطيع أن يسعدها، وقالت للصبي بأشارة فهمها :
_ حط الفطار وانزل طوالي وسيب عمتك يا نعناعة .. بس الأول ساعد عمتك تقوم ووديها الأوضة اللي على يمينك دي تغير هدومها، أنا محضرالها كل حاجة.
اومأ الصبي بموافقة ثم انتهيا السيدتان من إعداد الفطائر، وساعد الصبي عمته لتنهض وتذهب للغرفة المقصودة لتبدل ملابسها لأخرى ...
ودقائق وكانت وداد تفتح الباب بقدميها الثقيلتان، بينما أشرق وجه الصبي عندما وجدها قد بدلت اللون الأسود أخيرًا بملابس مبهجة أكثر .. فقال ببهجة:
_ إيه الحلاوة دي يا عمتي ؟! ... آه كده رجعتي الوزة اللي أعرفها.
ضحكت وداد على مزحته وقالت :
_ كسفتني يا واد يا نعناعة! ... بس يعني مش حلو اطلعلهم بالهدوم السودا بتاعتي دي !، قولت أغير شوية.
قالت زوجة العمدة بضحكة وهي تنهض:
_ وماله يام البنات تغيري وتفرحي ببناتك وبخلفتهم أن شاء الله، هغير هدومي أنا كمان وهحصلك.
كادت أن تنهض حتى لاحظوا هبوط يوسف بوجهه الوسيم جدًا المبتسم بإشراق ... تعجبوا الثلاثة للحظة حتى اتسعت ابتسامة يوسف وقال:
_صباح الخير عليكم، أنا جاي أخد الفطار لحميدة.
كتم الصبي ضحكته ثم همس قائلًا:
_ حميدة سيطرت من أول يوم! .. البت دي بت عمتي بصحيح!
ثم ذهب ليوسف بعناق وابتسامة قائلا:
_ صباحية مباركة يا عريس ...
ابتسم له يوسف وقال:
_ الله يبارك فيك يا نعناعة، عقبالك ..
رفع الصبي يديه بالدعاء والرجاء وقال:
_ يارب السنة الجاية يـــــارب، طولت أوي في العزوبية يا دكتور!
ضحك الجميع على مزحة الصبي، ثم اقترب يوسف لوداد وقبّلها من رأسها قائلًا بمحبة ودفء:
_ صباح الخير يا أمي ..
ولأول مرة تسمع وداد هذه الكلمة من فاتسعت ابتسامته بسعادة وقالت وامتلأ قلبها بالأطمئنان والفرح:
_ صباح الخير والهنا ياحبيبي ... كنت لسه طالعة بالفطار ليكم.
أسندها يوسف من يدها ليصعدا الي الطابق حيث جناحه الخاص ... فقالت زوجة العمدة لهما:
_ هرتب الفطار واحصلكم بيه..
قررت زوجة العمدة الصعود بالطعام بدلا من ابنها، وذهبت مباشرة لأحدى الغرف لتبدل ملابسها قبل أن تصعد.
وبالجناح الخاص بيوسف وحميدة ...
فتح يوسف الباب وهو يسند وداد فوجدا حميدة ترتدي عباءة استقبال باهرة الجمال وعلى رأسها شال شال وردي أبرز نعومة ملامحها المشرقة بالسعادة .... فاقتربت حميدة إلى أمها وضمتها وداد بمحبة شديدة وهي مبتسمة ابتسامة واسعة.
وراقبها يوسف بنفس الابتسامة وتأملها عند كل لافته بنظرات حب واضحة.
حتى قال يوسف بمرح وهو يغلق الباب عليهم:
_ هنفضل واقفين كده ؟!
اخذت حميدة أمها إلى الغرفة الداخلية وتركهما يوسف لبعض الوقت بعدما تشاركا الكلمات المرحة للحظات، ولمعرفته أنها تريد أن تتحدث مع أبنتها قليلًا ...
ودقائق قليلة وكانت زوجة العمدة تدق على الباب، ففتح يوسف الباب وحمل عنها الصينية بالطعام الشهي ذو الرائحة اللذيذة، ثم رفعت صوتها بزغرودة عالية ..
ودخلت زوجة العمدة لغرفة حميدة حيث وجدتها تضحك مع أمها فنهضت حميدة لها احتراماً وعانقتها بمحبة صادقة، فانهمرت زوجة العمدة عليهم وزغردت مع التهنئة والضحكات العالية، ثم قالت بمشاكسة لحميدة:
_ مش زي الفطير بتاعك انتي والبنات بس أهو حاولنا على قدنا يعني ...
ضمتها حميدة بسعادة وقالت:
_ تسلم ايديكم يا مرات خالي أنتي وأمي، هو احنا نيجي إيه جمبكم بس!
قالت المرأة بضحكة :
_ طب الحقي أفطري، يوسف خد الفطار مني وشكله مش هيسيبلك حاجة !
قالت وداد بتأكيد وهي تبتسم بزهو:
_ وماله ياكل لما يشبع جوز بنتي حبيبي .. هجيبله تاني.
تظاهرت حميدة بالعبوس والغيظ وقالت:
_ طب وأنا ؟!
ضحكت وداد على ابنتها وقالت لتغيظها:
_ مش مهم أنتي ..
وبعد قليل كانت وداد تركت أبنتها مع زوجها بعدما اطمئنت عليها، فوقفت حميدة أمام يوسف بعينان ضيقتان من الغيظ، ونظرت له وهو يلتهم الطعام بشهية عالية وقالت:
_ ده بدل ما تستناني وتأكلني بإيدك ؟!
ابتلع يوسف ما بفمه وهو يود لو يضحك، ثم جذبها من يدها لتجلس بجانبه ورفع قطعة من "الفطير" واطعم حميدة بدلال ويعاملها وكأنها طفلة !
شاركته حميدة الطعام وظلا يتمازحان ويضحكان طيلة وجبة الافطار ..
********
راقب جاسر بنظرات غيظ شديد زوجته جميلة وهي تقف أمام المرآة وتمشط شعرها غير مكترثة بوجوده تمامًا !!
زفر بضيق وساوره شك أنها ابتعدت قصد وليس خوفا مثلما ادعت بالأمس !
نهض من مكانه واقترب لها وقال بنبرة يعكرها شيء من العصبية عندما وقف بقربها:
_ سامع زراغيد ... مش سامعة ؟
تجاهلته جميلة ظاهريًا فقط، بينما كانت ترتجف سرا وقالت وكأنها ام تفهم ما يعنيه:
_ آه سمعت، عادي يعني ما هو امبارح كان فرحنا !!
قال ليستفزها :
_ الكل مبسوط إلا أنا !، دي صباحية دي ؟! ... دي مسائية، عصرية ماشي ، انما مش صباحية ابدًا !
سمرتها جملته وفهمت ما خلفها، ثم دفعت المشط من يدها نحو المرآة واستدارت له بنظرة جامدة قوية وقالت:
_ وأنت مش مبسوط ليه بقا أن شاء الله !! ... ولا ناسي اللي قولته امبارح بعد ما شوفتني خايفة كده !
حاول كظم غيظه منها وابتسم مرغما وقال:
_ لا مش ناسي، واكيد مش حابب أشوفك خايفة زي امبارح كده أنا مش عفريت يعني !!
وأتت وداد لجميلة مثلما فعلت منذ قليل مع حميدة وعندما قالت جميلة لأمها وزوجة خالها عن مدى خوفها بالأمس صدمت وداد ثم جذبتها بغضب لتجلس بجانبها وقالت:
_ أنتي عندتي ومانسيتش الموضوع اللي حصل في البلد ونفذتي اللي في دماغك صح ولا لأ ؟!
بينما اكتفت زوجة العمدة بنظرات لوم لجميلة، فقالت جميلة بعيون دامعة ودفاع:
_ لا والله العظيم، بس معرفش ليه حسيت فجأة أني برتعش ومرعوبة منه ومن كل حاجة حواليا .. من كتر الخوف كنت حاسة أن قلبي هيوقف !، وهو بصراحة قدر حالتي وسابني ارتاح ..
قالت زوجة العمدة ملطف الاجواء:
_ معلش يا وداد البنات بيبقوا كده ماتلوميهاش .. بكرا يبقوا سمنة على عسل.
تنهدت وداد بنظرات منفعلة لأبنتها وقالت وقد هدأت قليلا :
_ ماتخربيش على نفسك يا جميلة ..
يبدو أن امها لا زالت مقتنعة أنها تعاند للخلاف القديم، فقالت جميلة بضيق ويأس :
_ والله كنت خايفة أوي وما فكرت حتى في اللي حصل في البلد ..
قالت وداد ببعض الهدوء :
_ طالما حلفتي هصدقك، ولو على الخوف هيروح ماتقلقيش هيروح ..
هزت جميلة رأسها بتأكيد وكأنها تريد أن تصدق ذلك ... ودخل جاسر للغرفة راسما ابتسامة لطيفة ووضع يده على كتف جميلة بارياحية وقال :
_ مستنيكم عشان نفطر سوا ..
نظرت له وداد بابتسامة محبة ثم نظرت لأبنتها بنظرة ذات معنى فهمتها جميلة على الفور، وقالت :
_ لا يا حبيبي هسيبكم تفطروا براحتكم.
ولاحظ جاسر نظرات جميلة لأمها وفهم أنهما تحدثا ... وساوره شعور متضارب بين الضيق والتفهم ..
حتى غادرت وداد ومعها زوجة أخيها العمدة، وكي تبدد جميلة هذا التوتر المنتشر حولها قالت بابتسامة وهي تجلس أمام صينية الطعام على مائدة صغيرة:
_ الفطار شكله يفتح النفس .. يلا نفطر ..
نظر جاسر لها نظرة طويلة مليئة بالعصبية والعتاب وقال:
_ ماليش نفس، هبعت حد يعملي قهوة ..
اعترضت جميلة وقالت:
_ قهوة على الريق كده ؟! ... لا طبعا مش هسمحلك ..
ونهضت لتجذبه من يده نحو الطعام ولكنه أوقفها بعصبية قائلا بنظرات قاسية :
_ وتسمحيلي ليه اصلاً ولا ما تسمحيليش أنتي مالك ؟! ... بتحاسبيني بس مش عايزة حد يحاسبك ؟!
رميت الكلمات بوجهها كالرصاص ونظرت للأسفل وتساقطت الدموع من عينيها وقالت بأسف وضيق غريب :
_ محدش فاهمني ، ولا حد عايز يفهمني، أنا خايفة ... خايفــــــــة ومحدش مقدر ده!
أثرت فيه دموعها فأحتواها بين ذراعيه رغم ضيقه الداخلي وقال محاولا دحض حزنها هذا :
_ طب تعالي نفطر يمكن الفطير يضيع خوفك مني ...
وضحكت رغما وهي تمسح دموعها عندما مازحها، ليس سبب ضحكاتها كلماته، وأنما عودته للطف والرقة التي كانت في أمس الحاجة اليهما الآن ...
*********
الحيرة ...؟!
هي شتان يرفض الشيء ويريده بنفس الوقت !
مزيج من الأبيض والأسود والنتيجة شيء لا ينتمي لأي منهما !
وقفت رضوى شاردة قليلًا أمام المرآة وتركت شعرها المبتل يجف قليلًا، ثم استدارت نحو رعد النائم في سباتٍ عميق والذي أصبح زوجها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ..
وابتسمت بمحبة شديدة، رغم أنها منذ لحظات قليلة كانت شاردة بعتاب لنفسها ... هذه هي الحيرة التي تعيشها الآن ... منتهى السعادة ومنتهى التردد !
التفتت للمرآة مرة أخرى ومشطت شعرها بعناية، ثم القت نظرة متفحصة على مظهرها بالعباءة الذهبية اللون المطرزة برقة وشعرها الأسود المنسدل على كتفيها أعطى بروز لطول عنقها ...
واستوقفها صوت نقرات خفيفة على باب الغرفة، فعلمت أن الطارق أمها دون شك، فخرجت من الغرفة واغلقت باب الغرفة الداخلية على رعد الذي لا زال نائمًا ...
ولكنه فتح عينيه بكسل إثر صوت إغلاق الباب ونظر نحوه للحظات ... ثم اعتدل بالفراش وهو يمسح بيده على راسه ووجه ... وابتسم بمكر عندما تذكر الساعات الفائتة ...
حتى باغته أصوات الزراغيد المرتفعة بالخارج بعد دقائق، فنهض ليغسل وجهه قبل أن يخرج لهم ...
وبعد قليل كان خرج من الغرفة ولاحظت رضوى شعره الاسود الناعم وقطرات الماء البسيطة لا زالت معلقة به، ورحب رعد بابتسامة واسعة الزراغيد التي تكررت فور خروجه، وقالت له وداد بسعادة واطمئنان لرضوى تحديدا بسبب توعدها لرعد سابقا :
_ خلي بالك من رضوى والله دي شبه العيال الصغيرة أقل كلمة ترضيها ...
نظر رعد لرضوى بضحكة وقال وكأنه لا يصدق ما يقال:
_ آه طبعا عارف، دي زي النسمة !!
مطت رضوى شفتيها بثقة وضحك الثلاثة علي ردة فعلها ....
وبعدما خرجت راضية ويعسدة لأبنتها ... جلست رضوى أمام الطعام ولكنها ابدت عدم شهية واضح رغم شعورها بالجوع، ولكن لكي لا تشعره أنها راضية عن ما حدث ..
جلس بجانبها وبدأ يأكل ويكتم ضحكته على عبوسها، ثم التفت لها قائلا بابتسامة مستفزة:
_ ايه يا روحي مش هتفطري معايا ؟!
أجابت بعبوس ونظرة مغتاظة منه:
_ لأ ..
قال بابتسامة أشد استفزاز :
_ لأ هتفطري ....
قالت بانفعال :
_ هفطر غصب عني يعني ؟! ... هتجبرني ؟!
هز رأسه نفيا وقال بنظرة ماكرة :
_ لا طبعاً مش هجبرك على حاجة .... أنتي مش من النوع اللي بيعمل حاجة مجبر عليها ... هسيبك براحتك وأكل لوحدي ...
واستفزها بحديثه، وكانت تعرف أنه سيفكر هكذا ... فبدأت تأكل بنهم وقالت بغيظ :
_ جوعت فجأة ، اصلا الاكل ده أمي اللي عملاه ...
وكتم ضحكاته طيلة وقت الطعام فهتفت به بعصبية :
_ ايه اللي بيضحك ؟!
تماسك قليلا سوى عن ابتسامة وقال:
_ مش بضحك عليكي لأ، ما تقوليش كده أحنا أهل !!
اكرقت رضوى بعصبية على المائدة ونهضت واقفةةوهي تصيح بكلمات لا معنى لها :
_ لو فاكر أن كده وخلاص بقا، لا هو مش كده وخلاص بقا أنت فاهم ؟!
انخرط رعد بنوبة ضحك شديد ثم قال :
_ المهم انتي فاهمة اللي بتقوليه ؟!
وضربت قدميها بالأرض كالطفال فوقف أمامها وسيطر على موجة الضحك هذه ، فهتفت رضوى بانفعال شديد :
_ أيوة أنا فاهمة !!
جذبها إليه وقال بنظرة عاشقة تتفحص جميع ملامحها ببطء:
_ أنتي جميلة أوي يا رضوى ... بالذات النهاردة ..
ابتلعت ريقها ارتباكا وللحظة شعرت أنها لن تنتصر عليه مهما فعلت، فابتسم بتسلية وهو يرى موجة الارتباك تتمايل على ملامحها بوضوح ... وقال بغمزة وابتسامة واثقة :
_ مش قولتلك أني في اسرع وقت هرجعك ليا ...؟!
قالت متحدية ثقته :
_ مين اللي قالك أني برجعلك ؟! ... يمكن بتوه أكتر !
هز رأسه رافضا ما تقوله وصحح لها قائلا :
_ وحتى لو توهتي يا رضوى ، أنا موجود وقادر ارجعك
هربت من نظراته المتطلعة بها والتي تتوعد بالكثير من الحب !!
*******
انضمت فتاة الى طاقم النظافة بمنزل عائلة الزيان...
كانت نظراتها من ساعات قليلة تبعث الشفقة عليها وكأنها شريدة لا مأوى لها...
ولكن ما أن تبتعد عن الجميع تحتد نظراتها باحثة عن هدف محدد وهو " ليلى "
دخلت المربية العجوز للمطبخ فوجدتها تقف عند المدخل المؤدي للحديقة وتنظر حولها كأنها تبحث عن شيء فقالت:
_ بت يا هنا؟! هو اننيجاية تشتغلي وتاكلي عيش ولاجاية تتفرجي على الجنينة؟!
ارتجفت الفتاة وعادت راكضة للمطبخ، ثم عادت لذلك الاسلوب الذي جعل المربية توافق على عملها هنا وقالت الفتاة وهي على شفير البكاء:
_ معلش حقك على راسي يا خالة ما تزعليش مني، أنا سمعت صوت في الجنينة طلعت اشوف مين بينادي بس...
قالت المربية بتحذير:
_ لا تشوفي ولا تطلعي ولا ليكي دعوة بحد، اللي عايز حاجة بيطلبها مني وهاجي اقولك، شغلك مش ابعد عن الكام متر بتوع المطبخ.
هزت الفتاة رأسها سريعا بالموافقة لكي تتخلص من هذه التعليمات التي تعرفها عن ظهر قلب!
فذلك العمل وكأنها توارثته من عائلتها... وصولا بشقيقتها التي قتلت غدرا...!
فقالت المربية:
_ هاخد الفطار بتاع ريميه وانتي حضري الفطار للباقي على ما ارجعلك...
غادرت المربية العجوز بعدما خدت الافطار المعد للطفلة!
فرددت هنا اسم الطفلة وهي تفكر بأبشع طريقة للانتقام من ليلى!!
*******
نظرت جيهان لساعة الحائط فوجدت الوقت لم يتعدى التاسعة... تثاءبت بكسل ثم اعتدلت وفتحت شاشة التلفاز بالغرفة، لفقط لتشعر ببعض الونس يقطع هذا الصمت عنها!
ولكنها وجدت ذلك الخبر المتكرر الذي كان حديث المدينة مؤخرا... وهو اختفاء ذلك الرجل الذي يدعى أكرم حجازي!!
تثاءبت مرة أخرى بتعجب وقالت:
_ هو مابقاش فيه غير الخبر ده ولا إيه؟!
مين ده يعني عشان اكتر الاخبار تبقى عليه بالشكل ده؟!
وسخرت في نفسها من الأمر، ثم اغلقت التلفاز بالغرفة ونهضت لتغسل وجهها...
وبعد قليل خرجت وهي تجفف وجهها بالمنشفة وتوجهت نحو باب الشرفة لتفتحه...
ووقفت بالشرفة تستنشق الهواء ملء رئتيها حتى وجدت الصغيرة ريميه بالحديقة تلعب على النجيل الأخضر والمربية العجوز معها...
فابتسمت جيهان لها برقة وظلت تراقبها بنظرات حنونة.... حتى انتبهت أن المربية اختفت!
قالت جيهان بعصبية:
_ ازاي تسيب البنت لوحدها كده؟!
ولكن ما جعلها تحدق بغرابة، هي تلك الفتاة المجهولة القريبة لسنوات المراهقة والتي تتسلل لتقترب إلى الصغيرة وعندما اقتربت منها وكادت أن تأخذها، هتفت جيهان بأعلى صوتها على الحراس وقلبها كاد ان يخرج من مكانه خوفا، ثم ركضت خارجة من الغرفة بروبها الثقيل...
ووقفت هنا حاملة الصغيرة وتظاهرت إنها كانت ستحملها لتبعدها عن المسبح وحضرت دفاعها جيدًا، بينما كانت ترتجف من الذعر لأن ينكشف امرها قبل أن تنتقم!
ولم تعرف كيف أتت جيهان من غرفتها بالأعلى إلى الحديقة بهذه السرعة وخطفت منها الصغيرة التي بدأت ترتجف خوفا هي الأخرى من الاصوات العالية، وصرخت جيهان بالفتاة وهي تضم الصغيرة بحماية:
_ أنتي مين وبتعملي ايه هنا وكنتي هتعملي في البنت ايه؟!
أتت المربية مسرعة من المطبخ وبيدها طبق مليء بالحلوى للصغيرة ودافعت:
_ معلش يا ست جيهان أنا...
قاطعتها جيهان بعصبية شديدة:
_ معلش ايه اللي بتقوليهالي دي والبنت سيباها كده لوحدها!! وبعدين مين دي؟!
وأشارت لهنا بعصبية، فأوضحت المربية بارتباك:
_ دي بت غلبانة لسه أول يوم ليها هنا في الشغل...
هتفت بها جيهان بغضب:
_وأنتي بتشغلي اللي على مزاجك من غير ما نعرف؟!
شعرت المربية بالغيظ منها وقالت:
_ البيه الكبير مديني الموافقة أشغل في البيت اللي احتاجها معايا، من قبل حتى ما تيجي انتي يا ست جيهان!!
رفعت جيهان حاجبيها بغضب من رد المربية التي وكأنها تتحداها فقالت:
_ طب ماشي، أنا هروح أقول لوجيه على اللي شوغته دلوقتي واهمالك للبنت وردك عليا ده وهنشوف الموافقة دي هتبقى معاكي تاني ولا لأ..!
وهنا خافت المرأة على عملها حقا وقالت بأسف:
_ خلاص يا ست جيهان حقك عليا مش هتتكرر تاني...
قالت هنا ببكاء وقد تظاهرت بفصل مسرحيتها التي كررتها لكي تعمل هنا:
_ والله ما اقصد ولا عملت حاجة، ابوس ايدك يا ست هانم ما تقطعيش عيشي ده أنا ماليش حد وهترمي في الشارع...
وبالفعل أثرت الفتاة بجيهان ونالت بعض الشفقة، فقالت جيهان لهن بتحذير:
_ خلاص حصل خير ... خلوا بالكم من البنت وما تسيبوهاش لحظة.
ثم نظرت جيهان برقة للصغيرة التي هدأت قليلًا وهمست لها:
_ لو حد زعلك نادي عليا على طول.. ماشي؟
اومأت الصغيرة برأسها بموافقة ببطء، فابتسمت جيهان وخفق قلبها لذلك الأمر...
فما عادت الصغيرة تنفر منها وتهرب عندما تقترب منها، فقبلتها بحنان وتركتها مع المربية ثم عادت لغرفتها والابتسامة وكأنها حفرت على وجهها.
*********
انغمست فرحة بعملها تمامًا حتى لاحظت رائحة عطر أنثوى نفاذة انتشرت فجأة وعبأت المكان !
فرفعت رأسها من على الاوراق لتجد امرأة شقراء فاتنة تدخل المكتب متوجهة إليها !
نظرت لها فرحة بعبوس وتمنت ألا تكون قادمة لمقابلة" زايد " !!... يكفي فاتنات وشقراوات !!
قالت ذلك وهي تنفخ بعصبية حتى وقفت الشقراء أمام مكتبها وقالت بنبرة متعالية :
_ بسرعة لو سمحتي بلغي زايد أني منتظراه ..
صرت فرحة على أسنانها بغيظ ثم نظرت لها وأجابت :
_ حضرتك عايزاه ليه وانا ابلغه لأنه معاه اتصال مهم ومش فاضي !
ضيقت الشقراء عينيها بعصبية من رد فرحة، ثم هتفت بها وكأنها خادمة لديها:
_ وأنتي مالك ! ... ما تتصلي بيه وانتي ساكته !!
تفاجئت فرحة من عجرفتها ونهضت بحركة عصبية من مقعدها لتجابها تحد قالت:
_ أنا مش خدامة عندك وأنا هنا السكرتيرة وقبل حتى ما أفكر احجزلك ميعاد لازم أعرف أنتي مين وعايزاه ليه واظن ده شغلي .... محدش بيدخله من غير ميعاد محجوز قبلها ...
رفعت الشقراء حاجبها بدهشة من ثقة فرحة في الرد، ثم اخرجت هاتفها من حقيبتها وأجرت اتصال وهي ترمق فرحة بنظرات احتقار واضحة !
فابتسمت فرحة بسخرية حتى وجدت الشقراء تصيح بانفعال بمن يهاتفها وقالت :
_ هو أنا بقيت محتاجة ميعاد عشان ادخلك المكتب ؟!
لو مطلعتش حالا أنا همشي ومش داخلة المكتب ده تاني ! ...
تسمرت فرحة للحظة عندما وجدت أن الطرف الآخر ليس سوى " زايد" !!! ... وبدأت تشك بالأمر فمن الممكن أن تدعي الشقراء الكذب بمنتهى السهولة!.... ولكن ما صدمها كليًا هو خروج زايد من مكتبه وأشار للشقراء لتأت اليه بنظرات ترحيب واضحة بعينيه ..
تجمدت فرحة وهي تنظر له بصدمة وقالت الشقراء بسخرية :
_ أبقى فهم الانسة دي أنا مين عشان المرة الجاية مش هعديهالها !
ضيقت فرحة عيناها بذهول عليها ، ثم نظرت له بانفعال شديد لتستفهم عن تلك التي تتصرف هكذا وكأنها تملك هنا كل شيء حتى هو ....!
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_ابراهيم_حسن