تحميل رواية «قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن» PDF
بقلم Shaimaa Gonna
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سيد العائلة.. رمز القوة فيها..كيف لو عصرت قلبه فتاة أقرب لأن تكون طفلة! وماذا لو قررت الرحيل فجأة؟! وماذا لو عادت بعد سنوات لتقع بين يديه من جديد عن طريق الصدفة وهي تتوسل الرحمة؟ هل هذه المرة الحب من سيتحدث أم الأنتقام؟ هل خلف هذا القناع الناري جنون الحب أم شيء آخر؟ وماذا عن تلك الصغيرة العمياء؟ وإرث العصيان الذي يلوح من بعيد لتفريق العائلة؟ _____________ هنبدأ يوم الخميس بأذن الله الساعة 10م � مسائكم سعيد ��...
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثالث_والعشرون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... حبيب قديم أم ماضي؟ ...~
هل يمكن أن يحدث المستحيل ؟!
كان شيء أشبه بالمستحيل أن تطلب "جيهان" هذا الطلب وتحت رغبتها !! .... لا ...لا يعقل أن تكون رغبتها هذه ! .....ربما أرغمها وجيه على ذلك .....ازدردت ليلى ريقها بعينين تلتمع من الدهشة والذهول .....فقالت بتلعثم :
_ اظن كان بينا أتفاق ! ....كنتي عايزاني أبعد ! ....ليـه دلوقتي غيرتي رأيك ؟! ...عايزة أفهم سبب طلبك قبل أي رد مني ....
تركت جيهان ابتسامة المزيفة الساخرة على جانبي شفتيها ....كأنها آخر ما تبقى من كبريائها ....وأجابت :
_ من حقك طبعاً تفهمي ....وأنا مش هحاول ألف وادور عليكِ .... أنا لما طلبت منك تبعدي فكنت شايفة وهم ...وهم أنه هينساكِ .... كنت فاكرة أني هقدر احافظ على بيتي .... اللي متأكدة منه أو بالأصح عرفته مؤخرًا .....أن وجيه طالما قرر شيء مش هيتنازل عنه ....وهو قرر يتجوزك ....
شحب وجه ليلى لبعض الوقت ....هي تعرف هذا الشيء ليس غريب .... ولكن أن تكن جيهان على هذه الدرجة من كشف الحقائق التي حتى لم تُعلن ، فهذا لأمر محرج بالنسبة لها ...ويضع ليلى بمصاف سارقات الأزواج ....قالت ليلى بمحاولة دفاع عن نفسها وعنه وبقوة صوت صريح صادق :
_ وأنا هرجع وأقولك تاني ، وجيه كان يعرفني قبل ما يعرفك ، قراره بجوازه مني ده مش شيء جديد ، ده مر عليه ١٠ سنين ، يعني لا هو خانك ، ولا أنا سرقته منك ....
أخذت جيهان أنفاسها رويدًا وهي تتطلع بوجه ليلى المضطرب ، وعينيها الملتمعتان من العصبية والأنفعال وكثيرًا من التوتر ....قالت بمحاولة أن تبدو هادئة لتقنعها :
_ يمكن ده اللي خلاني أخد قراري وأنا مقتنعة أنه صح ، اللي غلط أن وجيه يفضل يجري وراكي ومش طايلك بالشكل ده .... أو يمكن أنتِ بتماطلي عشان تعلقيه بيكِ أكتر ! ....
قالت "جيهان" ذلك وظهر بصوتها فجأة الغضب والعصبية ، نظرت لها ليلى بغرابة للحظات ، وتركت لذهنها لحظات لتفكر ما خلف هذا الطلب ....يبدو أن جيهان تلعب لعبةً خطرة ، أو أنها تُكيد بمكر الأنثى متوارية خلف ستار المغلوبة على أمرها ..... قالت ليلى بنظرة مدققة بعين جيهان كأنها تتحداها :
_ أنا مش ببعد عشان أخليه يجري ورايا ، ولا ده قصدي لو كنتي فكرتي كده ، رفضي لطلب وجيه كان لسببين ، في سبب خاص بيا وبحياتي مش لازم أقوله ...والسبب التاني أني وعدتك أبعد ...
رفعت جيهان حاجبيها وكأنها تفاجأت بأمر رفضها ...وقالت بنبرة مائلة للسخرية :
_ لو هنفترض أن ده حقيقي ، فأنا بفض أي اتفاق بيني وبينك ، بحلك من أي وعد ، وجيتلك بنفسي اطلبك لجوزي ، عايزة إيه أكتر من كده ؟!
ردت ليلى بحدة وهي تردد جملتها الأولى :
_ لتفترضي أنه حقيقة !! .....أنتِ مش مصدقة أني رفضت ؟! ...تقدري تسألي وجيه وهيقولك الحقيقة .....
تمالكت جيهان أعصابها التي بالفعل خرجت عن نطاق الهدوء .....وقالت بابتسامة مزيفة :
_ أنتِ بتهربي ليه يا ليلى من موضوعنا الأساسي ؟! .... خلينا في المهم ....لو عايزة تعرفي بقولك كده ليه لأني مش شايفة أن بيتي بيستقر ، شايفة فيه توتر وجوزي دايمًا باله مشغول ومش مبسوط ، فلو كان ده هيسعده فأنا عايزة اسعده ، أعتبري أني عملت كده عشان احفظ كرامتي ...وبدل ما يكون غصب عني يكون برضايا وبطلبي كمان ....
صمتت ليلى وقد ظنت بالفعل أن هذا السبب الحقيقي ....أضافت جيهان وهي تنهض من مقعدها :
_ تقدري تقولي لوجيه عادي ، أنا ما اتكلمتش معاه ولا هو يعرف أني هعمل كده ، حبيت أثبتله أني يهمني سعادته قبل سعادتي .....لأني بحبه ....
شعرت ليلى بغصة من قول جيهان ، ولا حتى تستطع أن تترك لشعورها العنان كي تغتاظ منها .... فالحقيقة أن موقف جيهان لا يحتمل ....
توجهت جيهان اتجاه الباب فقالت ليلى بأدب الضيافة :
_ أنتِ ما شربتيش حاجة ، و لسه ما خلصناش كلامنا .....
فتحت جيهان الباب واستدارت لها مبتسما بنظرة قوية تخفي شيء :
_ مرة تانية ، وفكري كويس في الطلب اللي عرضته عليكِ ، وأتفاقنا الأول أنسيه ، في الأتفاق الأول كنت بحافظ على بيتي ، وفي اتفاقنا ده برضو بحاول احافظ على بيتي ....بس الطريقة مختلفة شوية .....
قالت جيهان جملتها الأخيرة وخرجت من الغرفة ، وقفت ليلى لثوانِ بمكانها ، تحاول إستيعاب ما سمعته ، اغلقت الباب ببطء وتوجهت لفراش أبنتها ....
تمددت على ظهرها تنظر للأعلى .....لا تنكر أن طلب جيهان نفض عنها كثيرًا من أحساسها القاسي بتأنيب الضمير ، ولكن تشعر أنها هناك شيء آخر أخفته جيهان وتدبره .....
ويبقى السبب الأول للرفض باقيًا .....
طليقها المجرم ؟....تشعر بقوة أنه ما زال على قيد الحياة ، وأن أختفائه لا يعني أنه أنتهى بهذه البساطة !!
أن عاد ووجدها تزوجت من رجل آخر ستثور ثائرته ولن تكون العواقب إلا وخيمة ومدمرة .....
ليست جيهان العائق الوحيد .... بل أقل العوائق خطورة...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
عادت جيهان لغرفتها ، أغلقت الباب جيدًا وكأن أحدًا سيقتحم عزلتها ، ذرعت الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تبكِ بحسرة .....تلوم نفسها مرة على ما فعلته ، وتضمر الشر مراتٍ كثيرة .....
وبلحظة تعود تلك المرأة التي لم تظن أنها ستكنّ كل هذا الكيد بداخلها !!
وضعت يدها على رأسها وهي تقف ، احكمت قبضتيها على رأسها الذي يكاد ينفجر من سلسال الشر، الذي وكأنه كان ينبوع وأنفجر من جوف نفسها المعذبة .....
قالت وشفتيها تتحركا وتحدث نفسها بعينين تنزف الدموع :
_ كل ما بعدت عنها بيتمسك بيها أكتر ، كل ما أختفت بيتعلق بيها بجنون ، راجل زي كل الرجالة مابيحبش غير صعبة المنال ، خلاص ....طالما كده يبقى بمزاجي مش غصب عني ، خليه يطولها ويتجوزها كمان ..... بس مش هرتاح غير لما اكرههم في بعض ....
تنفست جيهان بحدة وسقطت يديها بجانبها في موضعهما ، حتى لاحظت رؤية انعكاس مظهرها بمرآة الغرفة ، اقتربت للمرآة ونظرت لنفسها ، ولعينيها الباكيتين المتواعدتان بالشر الغريب على قلبها المنكسر، تألمت وقالت وكأن نفسها تقف أمامها عبر المرآة:
_ أنا مش وحشة ، أنا خايفة ..... مش عايزة أعمل كده ، وبلاقي نفسي ماشية في الطريق ده ، ماليش حد أفضفضله ، احكيله وينصحني ، يقولي أعمل إيه ، ياخد بإيدي ويبعدني ....يمكن محبتهوش بدرجة حبه ليها....بس محستش بالأمان غير معاه ..... أنا بدافع عن الأحساس ده ، أنا حاسة أني مش أنا اللي أعرفها ....أنا واحدة ضعيفة ...ضعيفة أوي ....أضعف من أني أقوى في يوم من الأيام ....
اغمضت عينيها وهربت بنظرتها اتجاه الشرفة ، لتخفي عن ناظريها وطن من الدموع والألم بعينيها ..... وقلبها قلب امرأة تريد الحب الصادق ، وخطواتها خطوات نفس تأمر بالسوء ....
لا ننخدع بأستقامتنا ، فالقلب متقلب بين الهدوء والصخب ، بين العبور والسكينة ، بين الألم والسعادة .... لا يجب أن نصدق أننا ملائكة لمجرد أن الظروف لم تضعنا بالطرق الشائكة ....
فعند الغرق لا تفرّق أيدينا بين قارب النجاة وبين أكتاف غريق آخر للإستناد حتى نلتقط أنفاسنا ونحيا .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بين ابتسامات متخفية وعودة إلى فكرها بتعقل ، وبين أضاد المشاعر ومتناقضات الخواطر .....كانت أسفل دثارها شاردة ..... وتردد بعقلها حديثه مع يوسف .....
كانت تلك الخاطرة تحرق أي آمال في ظنون مَيله إليها ، ابتسامته ربما كانت شفقة ، ربما كانت مجاملة بسبب حالتها ، ربما شعر بالإمتنان بسبب إقامته هنا وكرم الضيافة .....
كانت تسمع بعض كلمات من حديثه مع أمها ، يبدو أنه وجد بأمها ألفة وود لتسمع ضحكاته الخافته بهذا الشكل ....لم تتعجب كثيرًا ، فهذه المرأة الطيبة لم يرها أحدًا إلا وألف صحبتها ..... واستبشر بحديثها ، وتصاعد الود بلحظاتِ ....
فجأة انتفضت سما عندما هتفت أمها باسمها ، دق قلبها بدقات متسارعة ، وتساءلت بتوتر فيما تريد منها أمها وهو هنا ؟!
هتفت "وداد" باسمها ابنتها " سما" مراتٍ عدة ، حتى عبست سما وهي تضيق حنقا من هذا النداء ، كان رؤيته يرافقها شدة الإرتباك وشدة الخجل .... وشدة في شيء لا تحاول أن تفكر به وهو أبعد من أحلامها .....
احكمت حجابها الذي تهدل بعض الشيء وفتحت الباب قليلًا ، ظلت واقفة عن باب غرفتها وهي تنظر لأمها، وتتساءل بارتباك مع نظرته المسلطة عليها :
_ تعالي يا سمكة ، الدكتور هيقيس حرارتك ، هو بعت الواد نعناعة جاب البتاع اللي اسمه ايه ده ....
رد آسر بابتسامة متسلية بإرتباك سما وكأنه يروقه ذلك :
_ الترموتر يا طنط ....
قال نعناعة بضحكة وهو يأتي من المطبخ وبفمه قطع اللحم ويمضغها بقسوة :
_ عمتي بقت طنط ! ...... وأنتِ بنت طنط.... ! يا حلاوة يا ولاد
ضحك عاليًا فكتم آسر ضحكته على مزحة الصبي ، رمقت سما نعناعة بغيظ وقالت له :
_ أخفي من قدامي السعادي .....
هز الصبي كتفيه بالرفض ، فقالت وداد بابتسامة :
_ تعالي يا سمكة عشان منأخرش الدكتور .....
لو اعترضت سيثير رفضها الشكوك ، وهي ترتبك من مجرد خطوة تمضي إليه بها .....أشارت لها أمها فتوجهت إليها عمدًا دون أن تكترث لنظراته أو اتجاهه ..... وقف آسر ورفيف ابتسامة ماكرة تتراقص على شفتيه .....وجه الترمومتر إليها، فأخذته منه وتعمدت أن لا تنظر إليه وتجاهلته تمامًا .....
كانت نظرات أمها تنتقل منها إليه ،كانت تبتسم بسعادة وكأنها تتخيل شيء أو كأنما تتمناه بكل قلبها.....
وقفت سما حتى اللحظات المؤقته التي ظل الترمومتر بفمها .....سحبه آسر بابتسامته التي أربكتها وأغاظتها بذات الوقت ....ثم نفض الترمومتر بيده وقال بنظرة مطمئنة :
_ الحمد لله ، الحرارة نزلت وتقريبًا بقت طبيعية ...... استمري على الدواء اللي اديتهولك لحد ما نشوف الأشعة....
حمدت وداد ربها لثواني ثم شكرته بابتسامة وقالت :
_ ربنا يطمن قلبك يابني زي ما طمنتي على بنتي ، ويسعدك وينولك اللي في بالك .....
ابتسم لها ورد بكلمات شاكرة ثم تسللت نظرته إلى سما التي تخضب وجهها بإحمرار وارتباك شديد .....وأشتد عندما نظر لها هكذا .....ابتلعت ريقها ثم استدارت لتعود حتى وقفت فجأة ....
قد دخل العمدة بهذه اللحظة ومعه ضيفيه ، رجل كبير يرتدي ملابس عادية بعيدة عن اللبس التقليدي بالريف وهو الجلباب ومعه شاب متوسط القامة وملامحه عادية ليست وسيمة لدرجة الغرور الذي يملأ عينيه ! .....
تحول وجه سما من الأحمرار للشحوب وتسمرت في مكانها .....لاحظ الجميع نظرة سما للشاب ولكنهم لم يتعجبوا من الأمر .......فكان هذا الشاب خطيبها السابق ....
تبدل وجه آسر مع نظرتها الغامضة للشاب ، وصرّ على أسنانه بعصبية ، فقال الرجل الذي يبدو أنه والد هذا الشاب :
_ إيه يا عروستنا ، مش عايزة تشوفينا ولا إيه ؟!
التمعت عينيها بدمعة لتذكرها ما عانت منه لأشهر مع هذا الشاب أثناء الخطوبة ، التفتت ونظرت لأمها بنظرة فهمها الجميع أيضا بأستثناء آسر الذي لم يفهم ما يحدث وما يدور خلف النظرات الصامتة المبهمة......
ثم ركضت لغرفتها واتضح أنها غاضبة بدرجة عالية ......
ترددت كلمة "عروستنا" على سمع آسر بصدمة ...... عروسة من وهي ليست مخطوبة حتى ؟! ......
نظرت وداد بنظرة عصبية لشقيقها وقالت للصبي :
_ تعالى أسندني يا نعناعة اروح لأوضتي .....
تركها العمدة تدخل غرفتها وأسندها مع الصبي وتحمل نظرات الغضب منها حتى يشرح لها الأمر لاحقاً.....
انسحب آسر من المشهد بنظرات متجمدة، ولكن بداخلها عصبية لم يظهرها وحجبها عن الأنظار...ولم يعرف لما شعر بها ولماذا !!
هو للآن لا يعتقد أنه أحبها ...ولكن يعترف بصدق أن هناك شيء يجذبه إليها .....
رمقه الشاب بنظرات دقيقة وهو يتساءل ...من هذا الغريب وما يفعله هنا ؟!
كلاهما تبارزا بنظرات تحد اتجاه الآخر ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
جلست وداد على الفراش ثم نظرت لأخيها بعصبية وقالت :
_ دخلتهم هنا تاني ليه ؟! ...مش كفاية اللي عمله مع بنتي لحد ما عقدها في عشيتها ؟!
ولا لما مالقهاش حد راضي بيه لف لفته ورجع ليها !!
وضع العمدة كف يده على كتف شقيقته وقال ليطمئنها :
_ أنا مقدرتش أرفض لما لقيتهم في طريقي ومصممين يجوا معايا ويكلموني ..... خليتهم يجوا ويتكلموا براحتهم أنما مافيش حاجة من اللي جت في دماغك هتم .... إلا برضا صاحبة الشأن .....
قال الصبي نعناعة بغضب وأعتراض :
_ والله لو ما كنت معاهم يابا لكنت طلعته الحمار ده من الدار بالشبشب ، ده مايستاهلش ضفرها الغبي .... شحات وعايز عيش فينو !! بيتأمر على إيه الجربان ده هو كان يطول ! .....
أشار العمدة لأبنه بتحذير وقال بقوة :
_ ولا تنطق كلمة واحدة وأنا موجود ، طالما دخلوا بيتك يبقى تضايفهم وترحب بيهم ، غير كده أنا عارف هرد وأقول إيه وفي الآخر وفي الأول هتكلم معاها وهي اللي تختار ، عشان ما أشيلش ذنبها .....
غضب الصبي وقال لوالده بحدة لأول مرة تظهر عليه أمام أبيه :
_ أنا مش قاعد ولا هرحب بيهم ولو هي وافقت ترجعله بعد اللي كان بيعمله مش هدخلها بيت حتى لو عرفت أنه ضربها بالجزمة على دماغها .....
استفز العمدة نبرة التمرد بأنفعال ولده، الذي أعتقد أنه أحمق لا يفقه شيء ، غادر الصبي المنزل بكامله وعلى وجهه العبوس .....فعاد العمدة يقول لشقيقته بثقة :
_ أطمني ....والله ما هجبرها على شيء بس أنا بفكر بالعقل .....وبتصرف بالعقل .....
ردت وداد بحدة :
_ والله نعناعة قال اللي جوايا ، ولو وافقت تستاهل اللي يجرالها .....وبعدين أنا ليا معاك كلام تاني ، خلص قعدتك وتعالى عشان عايزاك .....
وافق شقيقها وخرج من الغرفة لأستقبال ضيفيه ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
تقدم الصبي بجلبابه الريفي بالطريق وهو عابس الوجه حانق وغاضب ، وجد آسر يستند على جسد نخلة عالية وسعفها الممتد ومتفرع...والتي كانت قريبة من المنزل ....
كان مكتفا يديه أمام صدره وقدمه تلتف على الأخرى وواقفا بثبات ....اما عينيه شاردتان بغضب صامت لا يبيح الاعتراف ..... كأنه يتعارك مع شبح بخياله ، أو فكرة بغيضة تعارض ظنونه وتعكر صفو خاطره ....
مر الصبي من أمامه حتى لمحه آسر وانتفض سريعا متوجهاً إليه ، وقال بعدما أوقف الصبي :
_ مالك زعلان كده ؟!
كان بسؤاله اجترار حديث ليصل لمبتغاه وهدفه ، قال الصبي بعصبية ولم ينتبه للعبة :
_ أنا مش طايق نفسي .....
ضيق آسر عينيه في لهفة لمعرفة السبب وقال :
_ طب قولي فيه إيه مالك ؟ يمكن أساعدك !
تردد الصبي في القول حتى قال آسر ببعض المكر :
_ أنا بصراحة لاحظت أن الضيوف اللي دخلوا من شوية سببوا مشكلة .....
قال الصبي بغيظ وأفصح عما بداخله :
_ قول مشاكل ، البهيم ده كان خطيب سما الأولاني وشكله عايز يرجعلها ....
تجمد آسر بمكانه واتسعت عينيه بذهول ...فتابع الصبي بغضب :
_ المصيبة واللي هيجنني أن أبويا مش معارض !! ....بعد اللي كان الغبي ده بيعمله ؟! ....
هتف آسر بغضب :
_ هو كان بيعمل معاها إيه ؟!!
دافع الصبي عن إبنة عمته وقال موضحا :
_ سما بنت عمتي جد ، على اد حنيتها معانا وقلبها اللي زي قلب العيال الصغيرة بس مع الغريب كانت بتبقى جد وخشنة ....هو بقى ماعجبهوش الحال وكان بيسمعها أوحش كلام وكأنه بيعايرها!! ..... كان بيفضل يتكلم على البنات اللي قال ايه بيموتوا فيه ! ....فكره يعني أنها هتتغاظ وهتبقى زيهم ! ..... البت اتعقدت وكانت بتفضل تعيط على طول، وهي اصلًا مكنتش متحملة بعد موت أبوها .....كانت خطوبة سودا ....
ضم آسر شفتيه بغصب استعر بداخله كالنيران ، لأول مرة يكون بداخله تلك الرغبة القوية في أن يضرب احدًا ..... أي أحدًا ويطلق وينفض الغبار عن هذا الغضب المتأجج بداخله ، فعاد قائلًا بسؤال هجم على لسانه دون تردد :
_ هي كانت بتحبه ؟!
قطب الصبي حاجبيه وشعر وكأن السؤال إهانة، فهذا الأمر بالريف الافصاح عنه يعتبر جراءة خصوصا لو كان الأمر يخص فتاة ، فأجاب بتردد :
_ مش عارف ، بس اكيد لأ يعني ...... مش معقول تحب البقف ده ....!!
وعاد قائلًا بعصبية صبيانية:
_ بس لو وافقت ترجعله هحلف ما أنا داخلها بيت ، دول أخواتي واللي يزعلهم يزعلني ..... هي غلبانة ودمعتها قريبة وهو مش هيرحم قلبها الطيب ده ......
صرّ آسر على أسنانه بقوة من الغضب وقال :
_ هي ممكن توافق ترجعله ؟! ...
احتارت نظرة الصبي وقال بغيظ :
_ طالما أبويا مش معارض يبقى على الأقل هتفكر ، والله خايف عليها أوي ، لو وافقت وزعلها تاني مش عارف هعمل فيه إيه !
هتف آسر بعصبية بوجه الصبي وقال بصوتٍ عالِ :
_ طب ما تكلمها أنت ساكت ليــــه ؟! ...... هتسيبها يعني ؟!
تفاجأ الصبي بحدة آسر وعصبيته لهذه الدرجة من الغليان ، نظر بتوتر حوله لبعض الجيران المارين بالطريق وقال لآسر بضيق :
_ وطي صوتك يا دكتور في ايه ؟ ...ده جزاتي يعني أني بفضفضلك ؟! ....أنا اعتبرتك أنت والدكاترة قرايبك أخواتي وصحابي وبتكلم معاكم براحتي ..... ده أنت متعصب أكتر مني !!
جاهد آسر ليتحكم بأعصابه بعدما لاحظ الصبي أنفعاله الغريب ، فقال بغيظ :
_ ما أنت كلامك ينرفز أي حد بصراحة !
هز الصبي رأسه وقال :
_ صح والله ..... عمومًا يعني أنا هستنى للآخر أما أشوف أخرتها إيه ؟!
صاح آسر بغضب :
_ يعني تستنى لما تتجوز يعني ! إيه الأستفزاز ده ؟!
كشر الصبي بوجهه وقال بعصبية :
_ الله ! ...... ما تهدى شوية يا دكتور أنت ناقص تاخد سكرة بالمرة !! ..... ده بدل ما تحاول تهديني وأنا بشتعل! ......
لوى آسر شفتيه وكتم كلمات تعنيف وغضب كادت أن تفلت من فمه، ونطق بسخرية :
_ بتشتعل !! .... واضح ....
رماه آسر بنظرة غاضبة أخيرة ثم توجه للمندرة عائدًا بشعور أنهزام ! ......لم يكن بينه وبينها شيء ليشعر بهذا الأمر .....شعور مرير يعود إليه من جديد ....بعد تجربة حب فاشلة .....الشيء ذاته يتكرر ؟!
ولكن يبدو أن هذه المرة الأمر أكثر قسوة ، الفة ودفء هذا الشعور لم يجده بالمرة الأولى ..... استثنائية هذه الفتاة لن يجدها مرتين ! ....
فتاة كما تمنى أن يجدها من قبل حتى أن يجدها ...حنونة، دافئة، مثيرة معه فقط ..... وقوية، باردة كالثلج مع جميع الرجال إلا هو ....
شيء يعشقه الرجال .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
تململت ليلى بفراشها بأرق وتوتر ظعر بحركاتها ، وانزعجت الصغيرة من الحركة بالفراش حتى استيقظت وربتت على رأس القطة التي تضمها بذراعيها القصيرتان.... وقالت برقة:
_ قطة أنتِ صاحية ؟ ....
نظرت ليلى لأبنتها وابتسمت بمحبة ، وراقبت القطة وهي تحرك أذنيها قليلًا، وكأنها تجيب على سؤال الصغيرة ....اقتربت ليلى من أبنتها وقالت بعتاب :
_ أنا زعلانة منك يا ريمو .....قولتيلي مش بتحبيني ، بقى حد يقول لمامته كده ؟! .....
استدارت الصغيرة بقطتها واقتربت لصدر أمها مبتسمة حتى همست :
_ أنا بحبك أوي يا ماما ، اللي بحبه بكلم ربنا عليه ، وكل يوم بكلم ربنا عليكِ أنتِ وبابا وجيه ..... بس أنتِ زعقتيلي وأنا بخاف .....
قبلّت ليلى رأس أبنتها وقالت بحنان :
_ أنا أسفة يا حبيبتي ، أنا كنت بعيط وزعلانة لما زعقتلك .... مش هتحصل تاني .....
هزت الصغيرة رأسها وهي تبتسم بأمان واطمئنان ، ضمتها ليلى بين ذراعيها بمحبة ثم قالت :
_ أنتِ بتحبي بابا وجيه ...صح ؟
قالت الصغيرة بصوتِ طفولي رقيق :
_ صح ....
ابتسمت ليلى وأحبت هذا الحديث الذي يجمعه معهما ولم لم يكن موجود ....فقالت :
_ عشان الحواديت بس ؟
صمتت الصغيرة للحظات، ثم قالت بخوف مر بتعابير وجهها لبعض الثوانِ :
_ عشان طيب ومش بيزعقلي ، بابا صالح كان بيضربني وموت القطة بتاعتي ، أنا مش بشوف أي حاجة ، بس لما كان بيضربني كنت بغمض عنيا من الخوف منه ..... أنا مش عايزة بابا يبقى بابا صالح ، عايزة بابا يبقى بابا وجيه .... مش بخاف منه ....
ابتلعت ليلى غصة بحلقها من حديث صغيرتها ، ضمتها بحنان ورقة قم قالت :
_ محدش هيقدر يضربك تاني ، وعلى فكرة بابا وجيه بيحبك أوي ....
ابتسمت الصغيرة وكأن الأمر الأهم بالنسبة لها فقالت :
_ وأنا كمان بحبه أوي أوي .... بابا صالح موت قطتي ، بس بابا وجيه رجعهالي تاني .....
كانت كلماتِ بسيطة مختبأة بقلب الصغيرة ، ولكنها بالصدفة لخصت كل شيء ، فأبيها الحقيقي دمر أمانها وثقتها به ، أم وجيه لم يكن أبيها بالنسب .....ولكنه أستطاع أن يعيد لها ابتسامتها الرقيقة ، وشيد لها جسرًا مضي بعتمة رؤيتها ....يسمى الأمان ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
اشتعل الغضب بقلب الفتيات وهم يعدون طعام الغداء للضيوف الغير مرغوب فيهما ، كانت كل واحدة منهنّ تتلفظ الشتائم بصوتٍ خافت وهي تحضر أطباق الطعام ......
وبعد تقديم وجبة الطعام ومغادرة الضيوف بعد ذلك ، أنتظر العمدة قليلًا قبل أن يدخل لغرفة شقيقته ونقاشه الطويل معها ، راقبته سما من ثقب الباب حتى تأكدت أنه ترك الصالة ودخل لغرفة أمها أخيرًا.....فتحت الباب وتسللت للخارج .....
لم تطيق أن تمكث بغرفتها أكثر من ذلك ، ولجأت لأكثر الأماكن التي كانت تهرب إليها عن الجميع ، بسطوح المنزل ....
صعدت الدرج الخرساني درجة درجة بخطوات متصاعدة حتى وقفت أخيرًا فوق السطوح .....
استنشقت الهواء ملء رئتيها ، وتوجهت للأريكة التي خصصتها لأوقات عزلتها......رغم أن الطقس يبدو باردًا ولكنها لا تطيق المكوث بغرفتها أكثر من ذلك .....
انتبهت لصوت أوقفها بنبرة حادة :
_ هتوافقي ؟!
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الرابع_والعشرون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... ورد ...~
_ هتوافقي...؟!!
كلمــة واحدة استطاعت أن تجعلها تتجمد ، ريثما أنها تعرف من هو صاحب الصوت .... كانت على بُعد خطوات من السور القصير الفاصل ، تواليه ظهرها .... وتخبط فكرها بموج من الحيرة .... كيف علم الأمر ؟! ....ربما أخبره الصبي بعدما ترك المنزل منذ وقت وهو غاضب ...ليس هناك تفسير آخر أكثر منطقية ....
هل تتجاهله و تمضي بسيرها ؟ .....أتذهب مبتعدة وتهبط للأسفل دون إجابة ؟ ....أم تستدير وترد عليه؟ .....كانت ستذهب مبتعدة حيث غرفتها بالطابق الأسفل ، حتى كرر سؤاله مرةً أخرى وبأكثر حدة :
_ بقولك هتوافقي ..؟! ....ما تردي عليـا !!
انعقد صوتها لبعض الوقت بدقات قلب تركض كالخيل ، حتى قررت أن تجيب باختصار ولكن إجابة گ سؤال تطرحه :
_ ليه ؟!
زمّ شفتيه بغيظ منها، تلعب معه لعبة القط والفأر ، الفتيات يتقنون هذه اللعبة كثيرًا ، هذا أكثر شيء يعرفه عنهنّ ....
قرر أن يتحدث بمظهر أكثر ثبات ، لكي لا تكتشف ما لا يبوح به حتى لنفسه .....تنفس جيدًا قبل أن يقول بشيء من الثبات الظاهري فقط :
_ لما عرفت الموضوع أضايقتلك ، بقى في واحدة ترجع لواحد كان بيهنها بالشكل ده ؟! ......
ضيقت سما عينيها بعصبية من تعابير وجهه المستفزة وهو يتحدث فقالت :
_ رغم أني معرفش عرفت أزاي بس مش هدخل مع واحد غريب في كلام خصوصا لو ميخصهوش ، أنما يعني السؤال المهم دلوقتي ....أنت مالـــك ؟ ....وبتسألني بصفتك إيه ؟!
صرّ آسر على أسنانه رغم أنه توقع تلك الإجابة ، أخفى عصبيته بأعجوبة وأجاب :
_ يمكن لأني جربت الموضوع ده بس بشكل مختلف ، أنسانة متختلفش كتير عن خطيبك السابق ..... وعارف كويس ده بيأثر أزاي على النفسية ..... تأثيره ممكن يقعد سنين ويعقد من تكرار التجربة .....
كان يحاول أن يتحدث بأي شيء ، يبرر سؤاله ولهفته عليها ، وربما غيرته أيضا رغم أنه كافح ليُخفيها ، ولكن زمام الأمر انفلت منه واوقعه بشرك المفاهيم الخاطئة والظنون ....
مؤلم أننا لا نستطيع صياغة ما نود قوله في كلمات، فنكبت فوهة الحديث بداخلنا... وأن تمت النجاة واستطعنا القول ... تسير الكلمات بعكس معانيها، ولا ننجو من العواقب... ونضع أنفسنا بأكثر المواقف صعوبة ..!
التهب شيء بقلبها ، كانت تريد أن تخرس صوته كي لا يزيد النار أجيج ! ..... وبعض الأحاديث گ الحطب ، يقذف بكومة من ثورتنا وتشتتنا، فتستعر النيران بداخلنا ....
وحديثه كأنه يحمل الحطب لنيران قلبها ! .....فهتفت كأنها تود أن تصرخ ولا تستطيع :
_ شيء يخصني بتدخل فيه ليه ؟ ....ومين اللي قالك أن اللي حصلي هو اللي حصلك ؟ ..... أما أمرك غريب يا غريب ! .....
قصدت بكلمتها الأخيرة "غريب" وتكرارها أن تضعه في حدوده الطبيعية گ غريب عنها فعليًا ، وإلى هنا لم يستطع أن يخفي غضبه فصدر صوته كصوت بالبداية گ زفير وهتف :
_ ما تقوليش أنك كنتِ بتحبيــه ؟! ....أو هو بعد اللي عرفته ده .....
قاطعته سما وبرقت عينيها من أنين الدموع وصاحت به ليصمت :
_ ده أنت أنسان قليل الذوق وحشري بصحيح !! ....لما أجي اتكلم معاك واسألك أبقى ادخل وقول رأيك اللي مالوش لازمة ده ، أنما من هنا ورايح لو اتعديت حدودك معايا ولو بالنظرة حتى مش هيعجبك رد فعلي ......
من تصاعد الغضب بداخله صوب سخريته الغير لائقة معها وقال :
_ نظرة!! ....ليه هو أنا ببصلك اصلًا ! ....أنتِ زي ما اتقال فعلًا... غلبانة .... وللأسف صعبتي عليا لبعض الوقت ..... أنما دلوقتي اتأكدت أنك تستاهلي واحد زي ده ....
صوبها بنظرة نارية بعد ذلك ، وضعت الغموض والحيرة بها ،بجانب المرارة التي تحصدها عند كل سخرية منها .... وبالأخص منه .. وبهذا الوقت ....
تركها واقفة وذهب من أمامها ، ترقرقت الدموع من عينيها واستدارت ببطء إلى الأريكة القديمة .....جلست بجسد ثقيل كأن الحزن يزيد العمر سنوات شيب .... نظرت للسماء بدموع متألمة،
وقالت بمناجاة وكم ودت لو تصرخ عاليًا :
_ يــارب ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
ذرع المندرة ذهابًا وإيابًا ببعض التيهة والغضب الذي يحتد مع كل لحظة ، كيف قال ذلك ؟! كيف أعماه غضبه وجره لهذه الكلمات العنيفة على نفسيتها المتألمة الضعيفة؟!
يكفيها ما تمر به ، ويكفيها مرضها أيضاً ....
كانت إجابتها طبيعية ومتوقعة ، لم يكن بها بالشيء الصادم ليجعله يرد هكذا !! ..... كيف يصحح الخطأ بعدما قيل ؟!
دون أن ينهزم كبريائه ؟ ......قلبه گ الذي غرز فيه الأشواك بعد هذا اللقاء الحاد .....
تنفس بقوة... ليته يطرد هذا الضيق من أنفاسه ، طرحت أفكاره شيء ....فأمسك هاتفه وأجرى أتصال على شقيقه "رعد" ....أجاب رعد بعد قليل وصوته به كثير من القلق :
_ معاك يا آسر ...طمني عليك ؟
ابتلع آسر ريقه وقال بضيق شديد :
_ عايز اتكلم معاك شوية ، لو تقدر تيجي دلوقتي تعالى ، بس ما تقولش لحد أنك جاي.....
تعجب رعد من الأمر ، ريثما أن صوت آسر لا ينذر أنه مريض ، بل به شيء يعكر صفو ذهنه وهدوئه .....قال :
_ خلاص أنا جاي ، أنا اصلًا ماليش لازمة في القافلة دي ، دقايق وهتلاقيني عندك .....
أنتهى الاتصال سريعا ، والقى آسر الهاتف على الأريكة بالقرب ، وعاد إلى تيهته وبنظرات عينيه الشاردة الضائعة ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
ظلت وداد تنظر لشقيقها في عتاب صامت ، نظر أخيها للطعام المرتب أمامها في أطباق لامعة من الأستانلس ، وقال لها :
_ بقالي ربع ساعة بتحايل عليكِ تاكلي ، هنفضل كده للصبح ولا إيه ؟!
قالت وداد بعصبية :
_ نفسي اتسدت لما شوفتهم ، واتسدت أكتر بترحيبك بيهم !!
ما هي مش بنتك عشان تزعل عشانها !!
ضاق وجه أخيها وقال بعتاب شديد :
_ بقا كده يا وداد ؟! ...أخص عليكِ ياختي، ده الأربعة غلاوتهم من غلاوتك ..... أنا قولتلك هفهمك ...هتسمعيني من غير مقاطعة ولا بلاها كلام ووجع قلب على الفاضي ؟!
قالت وداد وشعرت أنها جرحت شقيقها بقولها المنفعل :
_ هسمعك .....قول اللي أنت عايزه ....
رضى الرجل بأول خطوات التفاهم بينهما ثم بدأ التوضيح بهدوء :
_ دي بنت يا وداد ، وأنا مسؤول عنها ، أنا عارف أن الناس دي ما يستاهلوش ، وكنا هنلبس في الحيط لو كانت الجوازة دي تمت ، بالك أنتِ أنا لو زعقت فيهم هيروحوا يقولوا إيه ؟!
ده بيوقف حال البنات ، والكلام هيكتر عن بناتك ومش هقدر امسك لسنتهم ، واللي هيتقال كتير وأنتِ عارفة الناس مالهاش غير الظاهر ..... لما نهيت الخطوبة دي زمان عرفتهم مقامهم في ساعتها ، أنما دلوقتي بعد ما فات أكتر من سنة ماينفعش يكون ده نفس رد فعلي حتى لو قراري ثابت ! ....
بدأت تقتنع وداد بحديث أخيها حتى تابع بتوضيح آخر :
_ ماتنسيش كمان موضوع جميلة واللي كل يوم بيزن عليا عشان يجي ويقرأ فاتحة ، المشكلة أن نبيل اللي عايز يتقدم لجميلة وخطيب سما الأولاني أوحش من بعض ولازم أحذر منهم لحد ما أبعدهم من غير قال وقولنا .....
وأضاف بلمحة حزن بعينيه :
_ أنتِ شايفة حالي ، أنا وحداني وماليش غير ولد واحد جبته بعد عذاب مع الدكاترة وصرفنا تقله فلوس ، آخر السنة دي هتخلص مدتي في العمدية ، يعني اكتر شيء كان بيخلي اللي زي نبيل ده يعملي حساب خلاص بينتهي ..... أنا ليا حسابات كتير محدش يعلم عنها حاجة .....
فاجأته وداد بقولها :
_ تقصد شباب عيلة الزيان ....الدكاترة اللي مقعدهم في المندرة !
صدم الرجل وحدج عينيه بها في ذهول .....فقالت وداد بابتسامة ونظرة عين شاردة :
_ الدكتور آسر فيه حاجة من المرحوم ، يمكن ده اللي خلى قلبي يتفتحله من لما شوفته ، لما اتكلمت معاه عرفت أنه من عيلة الزيان ، مرضيتش ابينله شيء ولا قولتله حاجة ، لأن واضح أنه هو نفسه مايعرفش أني مرات عمه مصطفى الله يرحمه ......بس ليه خبيت عليا ؟ ....وما تقولش أنك مكنتش تعرف !
على رغم دهشته وصدمته في كشفها للحقيقة بهذه البساطة ، ولكنه ارتاح إنها لم تغضب ..... فقال بصدق :
_ كنت عارف أن اليوم ده هيجي ، بس كنت فاكر أني أنا اللي هقولك !! ، أنا حذرت جاسر مايقولش اسم عيلته بس أظاهر مقالش لبقية الشباب ! .....
أخذ نفسا عميق واستطر قائلًا :
_ بصراحة بقا ، جد البنات كلمني من فترة ، واتفق معايا على موضوع القافلة ده ، وأنا اللي رتبت الصدفة بتاعت السكن عشان أجيبهم هنا ويشوفوا البنات ...ده كله هو اللي خطط ليه مش أنا ....
تساءلت وداد وتمنت لو ما جال بخاطرها يكن صحيحا :
_ ليه ؟!
رد عليها شقيقها موضحا :
_ عايز يجوزهم لبعض ويلم شمل العيلة ، ما تنسيش أن هو ليه فيهم أكتر ما ليا أنا فيهم ، وأكتر واحد هيخاف على مصلحتهم ....
صمتت وداد للحظات ثم ابتسمت بسعادة ، دهش أخيها من فرحتها الواضحة هذه ثم قال باستغراب :
_ فكرتك هتزعلي مني وتتعصبي ! ...عشان كده خبيت عليكِ ....
قالت وداد بتفس ابتسامتها :
_ يمكن كان زمان بزعل منه بسبب قسوته على مصطفى ، بس مصطفى الله يرحمه قبل ما يموت بأيام بسيطة لقيته بيقولي أنه مسامح أبوه ونفسه يرضى عنه ، زي ما يكون قلبه كان حاسس أنه هيموت .....قولت للبنات كده بس صدمة موت أبوهم خليتهم يكرهوا جدهم أكتر .....
ثم تابعت براحة ظهرت بعينيها الصافية :
_ أنا راضية بقراره ده ، أنا مش هعيشلهم ونفسي أطمن عليهم قبل ما أموت، الزعل على اللي فات نقصان من العقل، وهما لحمه ومن حقه يدور على مصلحتهم ، أنا شوفت واحد فيهم وأتمنيت ده في سري أنه يكون جوز بنتي ....وأهو ربنا حققلي منايا ..... أهو دول العرسان اللي يملوا العين بصحيح ....
ابتسم العمدة لشقيقته وقال براحة من سعادتها هذه :
_ الحمد لله بالي راق من ناحيتك ، فاضل سما وجميلة ، وبرضو هخيرهم ويختاروا ، عشان أكون عملت اللي عليا للآخر ....
قالت وداد بأسف واعتذار نابعاً بصدق من قلبها:
_ حقك عليا يا خويا ، أنا غلطانة أني ظنيت فيك ...أنا محقوقالك ....
نهض الرجل وقبّل رأس شقيقته وقال برفق :
_ ده أنا ماليش غيرك يا وداد ، بقى تتحقيلي !! .... أنتِ تقولي اللي عايزاه وأنا هسمعك ......
ابتسمت له وهي تدعو ربها سرًا وعلانية ، ثم صمم أن تأكل وأطاعت أمره بترحاب ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بحثت جميلة عن سما بغرفتهم ولم تجدها ، فعلمت أنها كانت من الغضب الذي جعلها تصعد للسطوح مثل عادتها ....صعدت هي الأخرى وتركت رضوى وحميدة بالمطبخ ......
وبالمطبـخ ....
أنهى الفتاتان صينية من الطعام مرةً أخرى وقالت حميدة بإرهاق :
_ بقولك إيه بقى أنا تعبت ، حضرنا الغدا أهو للدكاترة ، شوفي نعناعة فين يوديه المندرة أنا رايحة استحمى وأنام شوية ، محدش يصحيني ....حذرت أهو ....
ذهبت حميدة متوجهة خارج المطبخ ، حتى خرجت خلفها رضوى تبحث عن الصبي فلم تجده بالمنزل ......قررت أن تبحث عنه بالحظيرة في الخارج .....
خرجت وهي تحكم حجابها خشية أن يكون ظاهرًا ولو شيء بسيط من شعرها الأسود الكثيف ، جالت نظرتها حتى الطريق ولم تجده ..... نفخت بضيق واحتارت فيما تفعل ، قررت أن تخبر خالها العمدة بالأمر ويذهب به .....
كادت أن تمضي عائدة للمنزل حتى انتبهت لصوت يُلقي السلام :
_ مساء الخير يا آنسة رضوى .....
ابتسمت ابتسامة بسيطة وهي تواليه ظهرها ، يوم ونصف تقريبًا لم تره ، ولكنها شعرت أن هذا الوقت البسيط كان أطول من المعتاد !!
افتقدته حقا رغم أنها لا يلتقيا إلا بلحظاتٍ بسيطة ....أجابت وهي تستدير ببطء :
_ مساء النور يا دكتور ......
ابتسم رعد ابتسامة دافئة ، تعجبه بشدة هذه الفتاة بلمعتا عينيها الخجولة هذه ، واحمرار وجنتيها خصيصا عندما تراه ، يروقه أنه يؤثر عليها لهذا الحد ! .....قال :
_ واقفة برا ليـه ؟!
تعجبت من سؤاله ، ولكنها أحبت رنة المسؤولية بنبرته وعينيه ، أخفت ابتسامتها وهي تنظر باتجاه آخر بعيدًا عن عينيه الثاقبة النظرات :
_ كنت بدور على نعناعة ، عشان يوصلكم الغدا ، مايصحش يعني أدق على باب عزاب كده ....
هز رأسه بتفهم حتى قالت بحياء :
_ طالما أنت جيت يبقى تتغدا ،استناني اجيب الصينية ، الأكل محضراه وجاهز ....
قال بابتسامة شاكرة :
_ مش هكسفك ، وطالما أنتِ اللي محضراه يبقى هاكل منه لحد ما أشبع كمان .....
استدارت وابتعدت عنه بخطوات راكضة، ولم تمهله أن يتابع ، ولكنها كانت تبتسم بفرحة ، كل مرة تصدق هذا الشعور بداخلها أكثر .... أنهما ألتقيا گ غريبان حتى يصبحا واحدًا .....
دخلت المنزل وخرجت بعد لحظات وبيديها صينية الطعام ، وضعتها بين يديه في لحظة خاطفة ، وظل هو واقفا يحمل الصينية دون مبرر لوقوفه هذا ....تخضب وجهها بحياء وقالت :
_ بعد أذنك .....
وهذه المرة أيضا لم تمهله أن يعترض حتى أو يضيف كلمة واحدة ....ابتسم بغرابة من أمره وتسمره أمامها هكذا ، ثم دخل المندرة وبين يديه الطعام ......
كان آسر يُعد كوب من القهوة على موقد تقليدي صغير بالمندرة ، يقف أمام القهوة شاردًا ، بعيدًا عن مراقبة فورانها .....وضع رعد الطعام على منضدة خشبية بالقرب، ونظر لآسر وللقهوة التي تفور على الموقد !!
أقترب منه وأغلق النار سريعا ، التفت له آسر بتفاجئ وقال :
_ أنت جيت أمتى ؟!
قال رعد بسخرية:
_ بعد القهوة ما فارت ..... شكلك بيقول حصل حاجة جامدة ، بس تعالى نتغدا الأول أنا جوعت فجأة ، شوف باعتيلنا أكل ايه ؟ ....دي وليمة مش غدا !
رفض آسر قائلًا وهو ينظر للقهوة المتسربة من آنيتها :
_ مش جعان ، كان نفسي في فنجان قهوة وباظ ، وماليش مزاج أعمل غيره !
ترك رعد أمر الطعام ولاحظ عبوس آسر بهذا الضيق الواضح بعينيه ، قال باهتمام وجدية :
_ طب بلاش أكل دلوقتي ، تعالى احكيلي حصل إيه خلاك كده !!
جلس آسر على الأريكة بجانب منضدة الطعام، وقال بضيق وزفرات حانقة من أنفاسه :
_ مش عارف عملت كده ليه !!
قلق رعد وقال بشك :
_ أنت عملت إيه ؟!!
روى له آسر ما حدث منذ البداية ، أغتاظ رعد منه وهتف به :
_ ده أنا قولت عملت مصيبة !! .....
قال له آسر بعصبية من نبرة السخرية بحديث رعد :
_ تصدق أنا غلطان أني اخترتك انت بالذات احكيلك وأفضفضلك ! ......أنا كنت مع نفسي بفكر وبقرر ومش بتكلم مع حد ، مش عارف إيه اللي خلاني أتجنن واتكلم معاك !
ضحك رعد وقال باعتذار به بعض المرح :
_ طب خلاص ما تزعلش ..... ما هو برضو اي حد مكاني كان هيقلق ......بس خلينا في المهم ، والمهم أنك عكيت عك معتبر .....وأنا لو منها مش هبص في وشك تاني ....
عبس وجه آسر بضيق فتابع رعد :
_ بقا في واحد المفروض معجب بواحدة ولما الظروف تساعده ويكلمها يبقى غشيم كده ويتكلم عن حبيبته الاولانية !! ..... طب كنت لمحلها من بعيد حتى أنك معجب بيها بلاش تتقدم !
صدم آسر منه ونهض قائلا برفض :
_ أنت مجنون !! أتقدم ؟!! ..... ده أنا لحد دلوقتي محتار أن كنت معجب بيها ولا لأ وأنت تقولي أتقدم !!
نهض رعد هو الآخر وقال بنظرة جدية حاسمة للأمر :
_ بص يا آسر ، عايز بس أعرفك حاجة مهمة أنت مش واخد بالك منها ، البنات دول مش بتوع تعارف وكتر كلام ، دي تخطبها وتتعرف عليها وبحدود كمان ، يعني من الآخر كده لو حاسس بشيء من ناحيتها ومحتار يبقى الأفضل تخطبها .....
لأنها عمرها ما هترحب بأي ارتباط غير كده ..... اسمع كلامي قبل ما مدة القافلة تنتهي ونرجع ، وأنت لسه في حيرتك ومش عارف تاخد قرار.....
هز آسر رأسه بعدم تصديق وبرفض تام للفكرة رغم ميل قلبه إليها:
_ مش معقول أكررالتجربة دي تانية ، مش معقول أدخل في ارتباط تاني ويكون فيه طرف تالت لأنسان كان في حياتها ولسه فكراه ...مستحيل !
رد عليه رعد بتنهيدة :
_ أنا جيبتلك الخلاصة ، فكر كويس ، أنا نفسي رغم انجذابي لرضوى بس مدي لنفسي وقت كفاية للتفكير ، وأقرر أن كان فعلًا أعجاب مؤقت أو فعلا ده اللي بدور عليه .....
بس بصراحة لما بشوفها ببقا على يقين أني معجب بيها ، ولما بقعد مع نفسي برجع أفكر من تاني ..... مش فيها هي شخصيا لأنها بصراحة عجباني ، بس في حاجات ممكن تأثر على علاقتنا بعدين .... أنا مش ناسي كلامك ....
نظر له آسر وقال بتعجب :
_ أنت كمان محتار ، يمكن أكتر مني .....
رد رعد بابتسامة ساخرة :
_ هو أنا عشان دكتور نفسي أبقى مش بتردد أو بخاف أو بحتار !! ....... مش بسهر من الخنقة وبتوه وبتألم وأقول يارب في ضيقتي !
أنا أكتر واحد بيعرف يحل مشاكل غيره أكتر ما يعرف يحل مشاكله ...... اللي بعيد عن الصورة شايف كل تفاصيلها أكتر من أصحاب الصورة نفسهم .....
اقتنع آسر بما قاله شقيقه حتى قال بطلب :
_ اللي اتكلمنا فيه ياريت محدش يعرفه نهائي ....خليه سر ما بينا .....
أكدّ رعد على ذلك ثم جذبه ليتناولا الطعام .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في المشفى .......
دخلت الممرضة منى لمكتب وجيه وقالت :
_ في واحدة برا عايزة تدخل لحضرتك يا دكتور ، بتقول موضوع مهم .....
ترك وجيه بعض التقارير التي كانت بيده ويقرأها بتمعن ثم قال:
_ دخليها ....
خرجت الممرضة وبعد قليل دلفت فتاة أنيقة المظهر ، كانت نظرات عينيها بها عدة تسؤولات غامضة ....أشار لها وجيه أم تجلس ......جلست الطبيبة النفسية مروة ثم بدأت الحديث وقالت مباشرةً:
_ أنا جاية لحضرتك بخصوص" ورد " ....مريضة نفسية كانت عندي واختفت .....
تعجب وجيه من الأمر وقال بصدق :
_ أنا مش فاهم بتتكلمي عن إيه ؟! ....مين ورد ؟!
اوضحت مروة أكثر :
_ أنا بقالي أكتر من شهر بدور عليها ، كانت تقريبًا في مرحلة الشفاء بعد وقت كبير جدًا قضيته معاها في المركز ، فجأة اختفت ، لحد ما عرفت أن والدها هنا بسبب حادثة وفي غيبوبة ..... اسمه عبد العزيز صادق ....
اتسعت عين وجيه بصدمة !
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
_______________________
هنتوقف في شهر رمضان بأذن الله ، ومن هنا لحد رمضان هستمر في النزول ، بس أوعدكم أن التكملة هتكون حلقات نارية بإنتهاء مرحلة التأسيس للأحداث للرواية .....قراءة ممتعة وأوعوا ما تتفاعلوش 🥰😘❤❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الرابع_والعشرون_ج٢
اضيقت عينيه بدهشة ، كيف أن تكون ليلى المقصودة ؟! ...وما علاقتها بهذا الاسم ؟! .......
راقبت "مروة" أنفعالات وجهه بدراسة ، فقالـت لتنتشله من موجات التشتت هذا :
_ هي موجودة هنا أقدر أشوفها ؟
نظر لها وجيه بحيرة شديدة، وبدأ يشعر أن هناك الكثير لم يعرفه ، ليس بعض الأشياء مثلما كان يظن ! ..... فقال وقد أشتدت عروق رقبته من انفعال أعصابه الغير مدرج بصوته :
_ لو سمحتي فهميني الأول ....مين ورد ؟ ....اسم الأب اللي ذكرتيه موجود بالفعل عندي في المستشفى ، وفي حالة غيبوبة صعبة جدًا ، أنما اللي أعرفه أن معندوش بنات بالاسم ده !! ......
كانت تعرف مروة هذا الأمر ، وأنما عرفت تلك الفتاة بالماضي بهذا الاسم المستعار ، وكان من السرية معرفة تفاصيل هذه الفتاة مما أثار الشكوك حولها .....قالت مروة بصدق :
_ أنا عارفة يا دكتور ...... اسم ورد كانت المريضة اللي أختفت بتردده دايمًا ، لأول مرة في المركز تدخل مريضة ومحدش يبقى عارف عنها أي شيء ، أنا حاولت أعرف اسمها الحقيقي مقدرتش ، والملف بتاعها مش موجود أصلًا ومالوش أثر ....
صمتت لبرهة.... وظهر بعينيه الدهشة لهذا الأمر ثم تابعت مروة :
_ الغموض اللي حواليها وحالتها الصعبة اللي اغلب الدكاترة اجزموا أن شفائها صعب خلاني اتمسك بيها أكتر ....ارجوك وصلني بيها ، لسه في مراحل علاج لازم تمر بيها وأعرف إيه اللي وصلها لكده ....
وقفت أمام عينيه شكوك كثيرة ثم قال باستفسار ليحاول فهم الأمر أكثر:
_ المريضة دي كانت بتشتكي من إيه ....ممكن أعرف ؟
وقبل أي شيء ....أتأكد أزاي انك فعلًا دكتورة وأنك ......
قاطعته مروة وهي تبتسم ، وقالت :
_ كنت عارفة أنك هتسأل السؤال ده ......
أخرجت من حقيبتها بطاقتها الشخصية وكارنيه يخص عملها بالمركز الطبي النفسي ، ثم وضعت أوراق الاثبات أمامه ، فحصهم وجيه بدقة ثم وضعهم امامها بهدوء .....وضعت مروة بحقيبتها مجددًا وقالت بثبات :
_ المريضة اللي بكلمك عنها كانت بتشتكي من PTSD ....أضطراب الكرب التالي للصدمة ...... مع بوادر ظهور أمراض الصرع ، بس كنت قدرت في ٤أشهور اعالجها من أول ظهور مرض الصرع ..... كان بيسببلها إغماء ورعشة شديدة بمجرد أنها تفتكر شيء يزعلها أو يضايقها ..... وكنت في طريقي أني اعالجها من إضطراب الكرب ولكن للأسف الأمر كان صعب جدًا ......خصوصا أن ......
توقفت مروة عن المتابعة ، قال وجيه برغبة شديدة معرفة الأمر :
_ أن إيه ؟
قالت مروة بصدق وبعينيها بعض الضيق :
_ في تفاصيل شخصية للمريضة مش هينفع احكيها لحضرتك ، ولكن اللي أقدر أقوله أن برنامج العلاج من المرض ده أهم خطوة فيه أنها تحس فعلًا بالأمان وسط ناس بتحبهم وبتثق فيهم ..... المركز مكنش كافي لبرنامج العلاج بتاعي ، ولا أنا كطبيبة وجودي كافي لكل مراحل العلاج ..... أنا اللي عليا بعمل المستحيل عشان أنفذه ، ولكن في حالة مرضية زي ورد ...كان صعب استقبال أشخاص جديدة في حياتها تقدر تثق فيهم ...لازم أشخاص يكونوا بالفعل بتثق فيهم وبتطمن بوجودهم وده هيسرع مدة العلاج....
شردت عينيه للبعيد ، حيث يتذكر كل تفصيلة تخصها منذ أن رآها مجددًا ، وتذكر الأوراق التي وضعهم طليقها المجرم أمام عينيه ذات يوم ، وأخبره أنها كانت مدمنة عقاقير مخدرة! .......كل الشكوك تؤول إليها ! ...... ولكنه للأسف لا يتذكر اسم المركز بالأوراق .....فقال للطبيبة الشابة بشك:
_ أنت مش شايفة أن من الغريب انك متقدريش تعرفي حتى اسم مريضة عندك !! .....
أجابت مروة بثقة :
_ دكتور وجيه ...حضرتك دكتور وعارف نظام أي مستشفى أو مركز ، أنا اللي يهمني حالة المريض في المقام الأول .....وعارفة أن الأمر غريب فعلًا ولكن هو ده اللي حصل ....كل تفصيلة عن البنت دي كانت سرية وده عرفت أنه بطلب عليتها ..... لما كانت بتردد اسم ورد لما احاول اتكلم معاها فاعتقدت أنه اسمها ..... ولكن لما أختفت قدرت أعرف اسم والدها بأعجوبة وعنوانه ، وعرفت أنه مكنش عنده بنت اسمها ورد اصلا ، كان عنده بنتين واحدة اسمها صافية والتانية ليلى ....ولكن برضو للأسف هو كان عزل في مكان تاني وباع شقته ومعرفش راح فين ......لحد ما واحد قريبي قدر يوصل إنه عمل حادثة واتنقل لهنا ......
لم تخبره مروة أنها علمت بكل هذه الأمور بمساعدة أبن خالتها الضابط ، والذي لولاه بعد توفيق من رب العالمين لم تكن تعرف ولو معلومة واحدة مما عرفته مؤخرًا ......
بدأ يتضح الأمر أمامه شيئا فشيء .....فقال بجدية رغم التيهة بعينيه :
_ اقدر اديلك ميعاد بكرة أن شاء الله نتقابل ، وتكون موجودة ، لو هي هيكون ليا مقابلة تانية معاكِ على أنفراد .....عشان لازم أعرف منك حالتها بالضبط .....
احتارت مروة في طرح السؤال ، ولكنها عقدت النية أن تقوله باللحظة الأخيرة رغم معرفتها حقيقة الأمر :
_ هو حضرتك دكتور وجيه رشدي اللي اديتلها الكتاب ؟ .....
نظر لها بغرابة من معرفتها بهذا الأمر ثم أجاب :
_ مش فاهم.....بتسألي ليه ؟
قالت مروة وقد شعرت بالحرج :
_ بصراحة أنا مرة اديتلها ورقة قولتلها فيها اكتر شيء شايفة نفسك محتاجاه دلوقتي وهيريحك وهينقذك من اللي أنتِ فيه ...." كتبت دكتور وجيه ..... لن ابيع العمر "...... وبعد حيرة وأيام كتير حاولت فيهم أعرف معنى اللي قالته .....عرفت أن لن أبيع العمر ده ديوان شِعر .... جبتلها نسخة ورقية عشان أشوف رد فعلها ..... وكان رد الفعل غريب بصراحة .....
قال وبعينيه اشتياق لمعرفة مدى حنينها إليه بعدما تأكد أنها هي ليلته :
_ عملت إيه ؟
بخبرة مروة في الطب النفسي علمت منذ أن رآته وعلمت اسمه أنه هو الطبيب الذي تفوهت باسمه تلك الفتاة الغامضة وهي في أوج حالتها النفسية البائسة ....قالت وهي تشرح له ما رأته :
_ كان بقالها ٥شهور تقريبًا في المركز ..... ما اتكلمتش في الوقت ده أكتر من ساعة !! .....بتبكِ على طول ، نايمة اغلب الوقت ، ولما بتفوق يأما بتصرخ ويغمى عليها ، يأما تعيط وترفض أي كلام ، نادر جدًا لما كانت بترد عليا وبكلام لا يتعدى الخمس كلمات ......بس لما شافت النسخة اللي جبتهالها لقيتها انتفضت من مكانها ! .....خدتها وحضنتها وابتسمت ....ودي كانت أول مرة أشوفها بتبتسم المدة دي كلها ......
ابتسمت مروة عند تذكرها ذلك المشهد وقالت :
_ عرفت وقتها أن سبب ابتسامتها مش الكتاب بحد ذاته ، هي شافت حد فيه ، صاحب الكتاب نفسه ، ومن اللحظة دي بدأت تستجيب للعلاج ..... وشجعتها بحيلة أخترعتها بصراحة ....بس للعجب كانت حيلة سحرية .....شجعتها أنها تحكي قصص بطلها اسمه وجيه لبنتها لما كانت بتزورها ..... وبالفعل التحسن بدأ يبقى ملحوظ من بعد الأمر ده ....وبدأت تتكلم وتحكي ...لكن للأسف أختفت فجأة ومعرفتش أوصلها غير دلوقتي .....
وهنا لم يكن هناك أدنى شك أنها ليست ليلى ، هل يعقل أنها كانت تعاني من هذا الإضطراب الخطير ؟!! .....فقال وجيه بتساؤل غامض :
_ يمكن أنا مش دكتور نفسي ، بس عندي خلفية عن الإضطراب ده ، أظن أنه مش بيظهر غير بعد فترة من الصدمة مش كده ؟ .....
وافقته مروة وقالت :
_ صحيح ....بس حسب حالة كل حالة ، في حالة المرض عندها بيظهر بسرعة وده غالبًا مشبتبقى الصدمة عندها مدمرة ولكنها هزته بالفعل .....ولكن الصدمة لما تكون كارثية بالنسبة لحد ويشوف شيء بعنيه مايقدرش حتى يشوفه فالأمر بيبقى معقد جدًا وخطير وبياخد وقت كبير جدًا مع أزمة نفسية شديدة خلال فترة ما قبل الأكتشاف .......يعني مثلًا هتلاقي في أعراض إغماء وتشوش كتير في الذاكرة مع النسيان لبعض المواقف .....
تنهدت مروة وقالت :
_ بس في حالة ورد بالذات الموضوع كان خطير جدًا خصوصا أن دخل معاه أعراض مرض الصرع ......يعني لو المريض أغمى عليه وفاق احتمال كبير ينسى اللي حصله كله قبل حالة الإغماء .... ده بالنسبة للصرع
دهش وجيه وقال :
_ ينسى كل حاجة في حياته ؟!!!
نفت مروة الأمر وقالت :
_ لأ مش أقصد كده ، ينسى اللي حصله مباشرةً قبل الإغماء ، وحالة فقدان الذاكرة لحدث معين وارد جدًا أنها تحصل بالنسبة لإضطراب الكرب التالي للصدمة المعقد ..... يعني هتلاقي في حاجات هي مش عارفة تفتكرها أصلًا ......بس ده كله ممكن يتعالج لو المريض اتحط في بيئة مؤهلة للعلاج ...... الأمر مش صعب على أد ما صعب أن المريض يلاقي اللي بيحبوه ويقدموله الحب والدعم الحقيقي في الوقت ده لحد ما يتخطى الأمر ...... الأمان أهم خطوة في علاج أي مرض نفسي .....
نهضت بعد ذلك وقالت بنفس ابتسامتها الهادئة :
_ هكون هنا بكرة بأذن الله في نفس الميعاد ده ، وبشكر حضرتك جدًا ، لمساعدتك ليا وليها قبل أي شيء.......
تعجب وجيها منها وقال باستغراب :
_ أنتِ متعودة تحكي التفاصيل دي كلها عن المرضى بتوعك ؟! ....بصفتي طبيب فأحب أقولك أن ده غلط ..... التفاصيل دي ما تتقالش غير لأهل المريض فقط .....
اتسعت ابتسامة مروة ثم أخرجت من حقيبتها شيء ......كان هذا الشيء ورقة بها خط متعرج وحروف اسمه مدونه عليها بخط يبدو أن كاتبه يتعثر في الكتابة .....نظر وجيه للورقة التي وضعت مروة أمامه ثم رفعها أمام عينيه بثبات.... فقالت مروة بإشارة من يدها إليه :
_ بص في ضهر الورقة يا دكتور ....هتعرف إجابة سؤالك .....
ضيق عينيه بتعجب حتى نظر للجهة الأخرى من الورقة ووجد خطوط مرسومة بإحترافية .....كانت الخطوط الرفيعة تجمع ملامحه بالقلم الرصاص .... تحدثت مروة بابتسامة :
_ طبعا لما عرفت اسمك شكيت ، بالذات لما قالولي أن المريض ده بالذات تبع دكتور وجيه ، لكن لما شوفتك اتأكدت أن أنت دكتور وجيه اللي ورد وصفته بالضبط ..... كانت مع كل كلمة بتعيط أكتر ..... وصورتك مكنتش بتفارقها ، ده برضو كان حيلة مني عشان اوجد أي ظل لأنسان هي محتجاله وأنا مكنتش عارفة أوصلك ولا حتى أعرفك.......اكيد مش هقولك كل المعلومات دي من غير سبب !
تطلع بها بإعجاب لذكائها وقال :
_ ذكية فعلًا ..... بخلاف أي شيء ، أنتِ دكتورة شاطرة جدًا في شغلك ...برافوا ...
قالت مروة بثقة عالية وابتسامة :
_ شكرًا يا دكتور .....ميعادنا بكرة بأذن الله ......
تركت الورقة معه وخرجت مروة من المكتب وتركته تائه الفكر ، كان يظن أنها اجبرت على الزواج من هذا الأحمق الكريه ، لكن أن يصل بها الأمر لهذا الأضطراب فهناك حلقة مفقودة لا يعرفها .....شيء خطير تخفيه عنه ، شيء لا تستطع قوله له أو ثقيل على نفسها لهذا الحد من المواربة والإخفاء.......
كثرت الأفكار بعقله وجميعها جعله يحترق غضب وانتقام من هذا المجرم طليقها ، الذي كان السبب الرئيسي في حالتها .....
ماذا فعل بها ؟! كلما توقع شيء كان يتنفس بصعوبة .....منع نفسه عن التفكير في صندوق الماضي الأسود الذي تغلقه بإحكام ، وتمنع أي مخلوق من الأقتراب .....
رفع سماعة الهاتف وأجرى اتصال على رقم غرفة الفندق الخاصة بها .....
ارتفع رنين الهاتف بغرفتها وأيقظها من غفوتها ......فتحت ليلى عينيها على صوت الهاتف وتوقعت أحد الطرفين ...وجيه أو جدها ......نهضت من الفراش حتى اتجاه الهاتف وأجابت بعد لحظات :
_ الو ..؟
كان صوتها الكسول بنبرته هذه يتسلل اليه ويؤثر به ك رجل .....قال بجدية عندما رتب أفكاره بلحظة مشتته :
_ أنا وجيه يا ليلى ..... الدكتورة مروة عايزة تشوفك .......
انتفض جسد ليلى واتسعت عينيها بخوف ، صوته يوحي أنه علم شيء ما عن ماضيها ......قالت بتلعثم شديد :
_ هي ....قالتك حاجة ..؟
فكر لبرهة فيما خلف خوفها هذا الواضح بنبرتها ....فقال ليطمئنها ويبعد هذا الخوف منها :
_ ما تقلقيش يا ليلى ....أي كان اللي هعرفه ، أنا مش هبعد ..... مش هضيع اللي جاي عشان اللي فات !
التمعت عينيها بدموع خوف ، رغم كلامه الذي يبث فيها الأمان ...... وسمع أنين صوتها بالدموع فقال بلطف :
_ أنا معرفتش حاجة غير مرضك بس ، معرفتش إيه اللي وصلك ليه ، لو كنت بالنسبالك الشخص الوحيد اللي افتكرتيه في أزمتك فأنا مش هخذلك أبدًا .......أوعدك ....
ابتلعت ليلى بصعوبة غصة متكورة بحلقها وقالت ببكاء :
_ أنا لسه مريضة يا وجيه ، يمكن أعراض النسيان قلت الفترة اللي فاتت بس ده مايمنعش أنها في لحظة ممكن ترجعلي ...... ومش عارفة هترجعلي ووقتها هكون فكراك ولا لأ .....أو لو وافقت على طلب جيهان ....واتجوزنا .....هل في يوم ممكن أنسى أني مراتك أو شيء يخصك ؟ .....صعب عليا أوي أوي مجرد التخيل حتى ! .....
صدم وجيه وقال فجأة :
_ جيهان طلبت منك ايه مش فاهم ؟
ردت ليلى وهي تمسح عينيها من الدموع :
_ طلبت إيدي ليك .....جاتلي وعرضت عليا أني أوافق اتجوزك ....... وحاولت تقنعني كمان ......
اتسعت عين وجيه بدهشة !! ......لم يطرأ هذا الأمر بظنونه فيها مطلقا ! ....... لا يشعر أن طلبها هذا بريء من المكايد ! .....تنهد بقوة وقال :
_ يمكن سلّمت للأمر الواقع ، عمومًا أنا هتكلم معاها ، وبصراحة هي قصرت عليا مشوار طويل في الموضوع ده ....... أنتِ عارفة ومتأكدة أنا قلبي مع مين .....بس مقدرش أظلمها يا ليلى ...... حياتنا احنا الأتنين صعبة وكلها تعقيدات .....بس المرادي احنا الاتنين لازم نتمسك وننسى اللي فات ..... ارجوكٍ ما تتخليش عني المرادي بسبب خوفك .....
صمتت وهي ترتجف من كل شيء ، فتابع بهدوء ورفق على حالتها :
_ زي دلوقتي بكرة أن شاء الله تكوني عندي في المستشفى ، هي جاية بكرة ..... هسيبكم تتكلموا براحتكم ....وماتنسيش تجيبي ريميه معاكِ ..... عشان اتكلمت مع دكتور بخصوصها .....استنيته مخصوص لما رجع من السفر .....
قالت ليلى بألم :
_ كل الدكاترة قالوا مستحيل تشوف تاني ..... مش عايزة احط أمل وارجع ايأس ! .....
اعترض قائلا بهدوء :
_ لازم نحاول حتى لو الأمل ضعيف ، مش هنخسر حاجة .....
وافقت ليلى رغم علمها بصعوبة الأمر ثم أنتهى الإتصال .....
جلست على المقعد القريب من الشرفة ونظرت أمامها بشرود وعينيها مليئة بالألم .......لما تستطيع أن تتذكره فيما حدث في العشر سنوات الماضية .......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
أنتهى دوام العمل لأطباء القافلة ذو الفترة الصباحية .....وعاد يوسف وجاسر إلى المندرة وهما يتجاذبون أطراف الحديث، ويضحكون أثناء سيرهم بطريق الحقول والمراعي ......
ترامى على بصر جاسر من على بُعد أمتار ....فتاة ترتدي عباءة سوداء أنيقة للغاية وعليها حجاب كشمير ملفوف حول رأسها بعناية .....وبجانبها شاب أقصر منها بقليل ......
وعندما اقتربا الغريبان، ضيق جاسر عينيه عندما وجد تلك الفتاة والتي تسير بالطريق ببهاء ماهي إلا تلك المشاكسة "جميلة "ومعها الصبي نعناعة !! ......نظر لها بمكر وابتسامة معجبة من طلتها المحببة لأغوار اغلب رجال الشرق وقال بتمتمة :
_ حلوة أوي العباية السودا دي ..... مشاعري في أزمة عنيفة!
ضحك يوسف بخفوت عندما لمح نظرة جميلة المتهربة والصارمة بحد ذاتها لجاسر ، حتى أوقف جاسر الصبي نعناعة وعينيه تتسحب الى جميلة بابتسامته الخبيثة :
_ وحشتني يا نعناعة ....وحشتني أوي اوي يعني ..... من امبارح يا قاسي ما أشوفكش ...ما وحشتكش ؟!
ضحك يوسف عاليًا فجأة ولم يستطع لجم ضحكته ، وفهم ما خلف مكر جاسر وما يقصده ......ونظرت جميلة لجهة جانبية وتكافه حتى لا تضحك على طريقته وهو يتحدث ......قال الصبي بابتسامة :
_ وأنت واحشني والله ....بس أنا لسه شايفك الصبح ؟؟ .... انت وغوشتني عليك ....زمايهر ده ؟!
وضعت جميلة يدها على فمها تكتم ضحكتها، وقالت بالكاد وهي تبتعد :
_ هقف بعيد يا نعناعة على ما تخلص كلامك .....
اغتاظ جاسر منها وقال للصبي بغيظ :
_ زمايهر !!! ....آه هو زمايهر .....بس معلش في السؤال يعني .....أنت رايح فين بالشياكة دي؟!
ابتسم الصبي بزهو وهو يدور بجلبابه الجديد الأزرق اللون ،ولم يظن أن هذا المدح موجه لجميلة فقال :
_ ايوة صح ....عندك حق .....أنا رايح حنة صاحبة جميلة بنت عمتي ....اومال أسيبها تروح لوحدها ؟!
زم جاسر شفتيها بعصبية للحظات ثم أشار للصبي وقال :
_ حنة بقى وأكيد فيه شباب وكده ..... وأنت قمور ويتخاف عليك ، ساعتين وترجع يا نعناعة ها ...... يعني العشا كده ..... عشان عندي ليك مفاجأة ....
قال الصبي بحماس :
_ مفاجأة إيه يا دكتور فرحني ؟
قال جاسر بنظرة خبيثة :
_ لأ مش دلوقتي .....لو اتأخرت لبعد العشا انسى المفاجأة ....
هز الصبي رأسه بموافقة وقال :
_ ما تقلقش أنا اصلًا مكنتش هتأخر اكتر من كده ، بالإذن بقى ، رايح وهرجع فوريرة ......
ترك الصبي جاسر ويوسف يقفون ومضى اتجاه جميلة التي تقف بلا ادنى اهتمام لوجود جاسر ....لم تنظر حتى إليه وتواليه ظهرها ولكنه تبتسم دون صوت .....ولكن بشيء عذب يتسلل لقلبها .....ابتسامة من القلب .....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
__________________
قي بكرة بأذن الله 🥰❤❤❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس_والعشرون_ج1
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~...يوم الحنة ...~
الإعتياد في كبح الألم، والكلمات التي تنفض عن كاهلنا ثقل الهموم ...يكون بمثابة الإعتياد على مرارة جرح ينزف ولن يندمل أبدًا .....
تلك قوة اكتسبتها مؤخرًا ...قوة لا تعني أنها بالفعل قوة ...ولكنها تحجب شق كبريائها على الأقل .... خشيت أن تصاب بارتفاع في درجة حرارتها مرةً أخرى .....فلن يكون أمام عائلتها إلا أن يرسلون في طلبه مجددًا .....
لم تستجيب لطلب جسدها بالراحة وتغفو لبعض الوقت ، فظلت تجيء المنزل إيابًا وذهابًا في إصراف ذهنها عن أي تفكير يميل إليه ...... نظرت لها رضوى بتعجب وقالت وهي تجلس على الأريكة بصالة المنزل :
_ اقعدي ارتاحي شوية ....مافيش حاجة اصلًا تتعمل تاني في الدار !!
ردت سما بمحاولة منها لكي لا تثير شكوك احدًا في حالتها القلقة الحزينة هذه :
_ بخلص كل حاجة عشان لما اروح حنة صباح بعد شوية مكونش قلقانة وسايبة كل حاجة نضيفة ....
أشتدت دهشة رضوى، وقالت وهي تضع كوب الشاي من يدها على صينية فضية بجانبها :
_ يابنتي هي مش جميلة اتحايلت عليكِ تروحي معاها وأنتِ عصيتي ؟!! ..... ما كنا روحنا معاها وخلاص بدل ما أنا قعدت عشانك كده ..!!
خرجت حميدة من الغرفة الخاصة بهم وهي تتثاءب ، وقفت عن باب الغرفة وقالت بضيق :
_ استحميت وفوقت ....معرفتش أنام وعمالة أتاوب !! ..... بتقولوا ايه سمعوني ....
أجابت سما على رضوى وهي تنفض مفرش التلفاز المغزول بخيوط التريكو :
_ غيرت رأيي ....ايه ما بيحصلش !! ..... اللي هتيجي معايا الحنة تقوم تهم وتجهز عشان منتأخرش .....
فهمت حميدة مدار الحديث فقالت بغيظ :
_ البت صباح صاحبة جميلة دي مش بقبلها اصلًا ....بس مش هقعد لوحدي ... هاجي معاكم وبالمرة نفرفش شوية .... وأهو واجب واتقضى ....
وقفا الفتاتان ونظرا لبعضهن للحظات ...ثم ضحكت رضوى وحميدة وهما يركضان و يتسابقون على من تدخل الحمام أولًا .... لم تبتسم سما كعادتها على مشاغبتهما ....بل كانت تستنجد أن تجد أي شيء تهرب إليه من أفكارها المؤلمة...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وفي منزل العروس ........
كان المنزل مزدحم بالنساء .....وبغرفة العروس تحديدًا، تجمع حشد كبير من الفتيات ...يضحكون وتتعالى أصواتهنّ بالزراغيد بين الحين والآخر .....
وقفت جميلة تنظر لهن بابتسامة شاردة ..... ظن البعض أنها تشاطرهم الفرحة ولكن صديقتها العروس نظرت لها بنظرة خبيثة .....وأقتربت منها وهمست بمكر :
_ اللي واخد عقلك يا عسل....؟ ....شكلك يابت هتحصليني في جمعتي ....
اتسعت ابتسامتها لتصبح ضحكة على الارتباك الذي غزا وجه جميلة فجاة ..... دخلت والدة العروس التي كانت تشمر عن ساعديها بعباءة منزلية، وأشارت للفتيات قائلة بحماس وغبطة:
_ تعالوا يابنات كلوا لقمة بقى قبل الليلة ما تبدأ ...عشان يبقى فيكوا روح تزغرطوا ....
ضحك الفتيات بمرح وذهبن خلفها، حتى جذبت العروس يد جميلة وقالت :
_ تعالي بقى ولينا كلام بعدين ..... بعد الفرح يعني مش فضيالك دلوقتي ....
ابتسمت جميلة إثر مشاكسة صديقتها، حتى وضعن النسوة أطباق شهية من اللحوم والخضروات المطبوخة ذات الرائحة النفاذة .....
قالت والدة العروس للفتيات بمحبة وسعادة حقيقية :
_ عقبالكم يابنات واجيلكم واحدة واحدة ..... عايزاكم بقا النهاردة تخليكم مع صباح لآخر الحنة ما تسيبوهاش ... مالهاش أخوات وانتوا الليلة أخواتها ....
وافق البعض وأعتذر البعض الآخر لظروف خاصة لديهنّ .... همست صباح لجميلة من جديد :
_ أنتِ بالذات مش عايزاكي تمشي بدري ، ده أنتِ صاحبتي الوحيدة يا جميلة !
لم تستطع جميلة أن تعترض وقالت :
_ مش هسيبك غير آخر الليل خالص .... لولا مرض أمي كنت بيّت معاكِ .... وأختي سما كمان بعافية شوية ... أنتِ عارفة الظروف .... بس هكون عندك من بعد الفجر والله ....
هزت صباح رأسها بتفهم وقالت:
_ مقدرة ومش زعلانة .....كلي بقى وإلا والله اتجوز وأنا مخصماكِ ...
ضحكا الفتاتان على تلك المزحة ، وانضمت جميلة لمشاركة الطعام مع الجميع ، مع ارتفاع أصوات المزمار البلدي خارج المنزل ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
احتشد الرجال أمام المنزل الريفي ..... مع زحام من المقاعد الخشبية وأفرع المصابيح المختلفة الألوان ، والمرفوعة على المنزل بتناوب مع المنزل الأخرى .....
قال أحد الأشخاص لنعناعة وقال :
_ بتعرف ترقص عصا يا نعناعة ولا ايه ؟ .....
قال نعناعة وكاد أن يرفع ياقته ، ولكن الجلباب ياقته على شكل نصف دائرة ... أنزل يده متدارما الأمر بغيظ ثم قال بفخر بعد ذلك :
_ هاتلي عصا وابعد الكراسي ...... وأبعد أنت كمان ....
وافق الشاب على أقتراحه وذهب ليأتي بالعصا......
بحث الصبي عن شيء بجيبه حتى أخرج هاتف محمول ليس حديثا ولكنه متدول ونوعه جيد ...اجرى اتصال على هاتف منزل العمدة وقال :
_ مين اللي بيتكلم ....
ردت رضوى عليه وهي ترتدي حذائها بعدما استعدت للخروج ...وقالت بقلق:
_ ايوة يا نعناعة ....في إيه ...حصل حاجة ؟!
قال نعناعة وتحرك ذهابًا وايابًا أمام بعض الرجال الكبار في السن ....وقال بصوتٍ عالي :
_ لا محصلش طبعا ..... بطمن عليكم بس .....في حاجة حصلت وأنا مش موجود ؟
مطت رضوى شفتيها بسخرية ثم قالت :
_ ارتاحنا من شكلك ....
اغتاظ منها سرًا ولكنه تظاهر أمام الرجال بأن هناك امرًا هام ...وقال بجدية :
_ كنت عارف ..... هحاول متأخرش .....
قال ذلك بنظرة ضيقة كأنه ينتظر أنقاذ مهمة تهدد أمن البلاد ولا يستطيع أحد النقاذ سواه فقط .....أغلق هاتفه وعاد لمكانه الأولى بحيرة شديدة وارتباك ......هو لا يعرف كيف يرقص بالعصا من الأساس !
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقفت سما أمام المرآة تلف حجابها جيدًا ....رمقتها رضوى بابتسامة مشاكسة وقالت بمرح :
_ خدودك شبه الطماطم كده ليه ولا أنتِ لسه تعبانة ؟!
لم تكن تعابير سما فيها أي شيء من المرح عكس طبيعتها الاساسية ..... ربما كانت قبل مجيئه تضحك وتحاول نسيان غصة قلبها ، ولكن بمجيئه كأنها تختبر امتحان صعب كل يوم .... قالت بلا تعابير بوجهها :
_ عادي .... لو خلصتوا يلا بينا .....
تأكدت حميدة من مظهرها أمام المرآة مجددًا ، ابتسمت لنفسها بإعجاب، ونظرت لفستانها الفضفاض الممزوج بين اللون الأسود والأبيض ....وقالت بزهو :
_ الفستان حلوة أوي ...تسلم إيدها مرات خالي .....
ثم نظرت لسما ولما ترتديه .... ودققت النظر في العباءة السوداء التي ترتديها دائمًا رغم أن دولابها يضج بالملابس ...قالت بتعجب :
_ أنتِ وجميلة بتعشقوا العبايات ، ماسكين فيها حتى في الأفراح ! ....بس بصراحة العباية فخمة عليكِ يا سمكة ....
وافقتها رضوى قائلة وهي تهز رأسها بتأكيد :
_ بالذات العباية دي .... سمكة وزة أصلًا بس هي اللي مش حاسة بنفسها .....
اعتبرت سما أن هذه مجاملة ...ليضيفوا من ثقتها رصيد زائف ومؤقت ..... تنفست بحدة ثم تحركت من أمام المرآة وتوجهت لترتدي حذائها .....
استأذنوا من خالهم مرةً أخرى ...ووافق أن يذهبن لحفل الحنة ويعودن مع أبنه نعناعة ..... بما أن منزل العروس بالقرب فلا داعي للقلق .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وبالمنــدرة .....
تمدد آسر على فراشه مشغول البال ، شارد الذهن لفتاة قريبة وبعيدة !! ..... قريبة من احساسه وذوقه بالإناث ، وبعيدة بكلماتها الرنانة التي لا تزال تطنّ بأذنه ......
بينما رعد يجلس على الأريكة ينظر للتلفاز بابتسامة شاردة ....تلك السمراء تؤرق حتى أحلامه ، تقتحم ثباته ما أن تقع عينيه على عينيها .... بها شيء لا يرأف بهدوء نبضه .... ولا يرحم ثباته ...!
كلما فكر ...كلما أصبح أقرب للقرار النهائي بشأنها ...وغالبًا ستكون معه بالقريب .....غمر صدره بهجة غريبة لهذه الخاطرة .....
ويعترف أمام نفسه بصدق ...أن الرجل يحتاج للأنثى أكثر من احتياجه لأي شيء .... وخاصةً الأنثى الطبيعية دون زيف ... أنثى تملأ مكانها بعينيه وقلبه...
وقف جاسر فجأة وحدق عينيه فيهم الثلاثة ....ثم قال بدهشة :
_ ده في ماتش بكرة !! ......في ماتــــــش بكرة وأنا نااااسي !!
أول مرة تحصل !
قال يوسف بمكر وهو يجلس على الأرض وأمامه صينية الطعام ويأكل منها بنهم :
_ العبايات السودا نسيتك اسمك ...مش هتنسيك الماتش !!
اغتاظ منه جاسر وذرع المكان مجيئ وذهاب في عصبية ثم هتف :
_ اسكت انت خالص .....هسمعه أزاي دلوقتي ؟! ....مافيش هنا دش ولا هينفع اسمعه على النت ..... الشبكة هنا ضعيفة .....
قال رعد بنظرات خبيثة بها شيء غامض :
_ اعتقد ينفع نسمعه عند العمدة .... مش هيقول حاجة .....
وقف جاسر ونظر إليه للحظات ثم ابتسم وقال :
_ رعد ...أنت حد جميل ....
التفت يوسف ونظر لرعدو ولما يرتديه فقال بضحكة :
_ ما تلبسش اسود تاني يا رعد ....أي حد بيلبس أسود بيشوفه جميل وقمور ..... بلس أنك هتوحشه .....
ضحك رعد عاليًا وظن أن هذه مزحة من يوسف ....بينما صرّ جاسر على أسنانه وهو ينظر ليوسف ثم قال بتحذير :
_ ابعد عني بغلاستك يابارد يا مفجوع .....وبعدين أنت مش لسه واكل من شوية ......جبت الأكل وبتاكل تاني ليه ؟! ....
ابتلع يوسف الطعام بفمه، ثم قال وهو يضع قطعة أخرى من اللحم بفمه :
_ خوفت ليحمض ..... يحمض في بطني احسن ....
اكتفى بنظرات سخرية ثم عاد مكانه من جديد .....
مرّ بعض الوقت وهما على حالهم ..... بينما يوسف الوحيد الذي اكتفى بما اكله وذهب في ثباتٍ عميق .....
نهض جاسر مرةً أخرى ورمق ساعته بقلق وعصبية ....ثم هتف فيهم ولم يستثني يوسف رغم أنه نائم..... وصاح :
_ عدى أكتر من ساعتين !! .......
فتح يوسف عينيه بعدما استيقظ على صوت جاسر وقال بكسل :
_ ايوة يعني فين المشكلة ؟! ....أنت مستني القبض ! ......
اشتد غيظه من يوسف وتوجه له ، ثم جذبه من أسفل الغطاء ليقف أمامه ...وقف يوسف أمام فاغر فاه ....وقال بغيظ :
_ أنت خطفتني من أحلاها نومة ..... ينفع الغشومية بتاعتك دي ؟!
أشار له جاسر ليتذكر وقال بنظرة ذات مغزى :
_ الساعتين....العباية السوداء ....أفهم بقا أنت بقيت غبي كده ليه!
تذكر يوسف الأمر وقال :
_ وأنت مالك ؟! .... أن شالله تبات برا أنت مالك ؟!
لم يكترث آسر للأمر ، بينما رمقه رعد بمكر وقال بتصميم :
_ هتحكولي ولا هتخبوا عليا وهعرف برضو ؟!
قال يوسف بتصريح :
_ لأ هحكيلك أنا ......
شرع يوسف في إخبار رعد بالأمر واللقاء الأخير ....... ابتسم رعد وقال ببساطة :
_ سهلة خالص .....روح اسأل على نعناعة وشوفه جه ولا لأ .....لو مجاش اسأل هو فين وروحله ....
ابتسم جاسر وقال :
_ وربنا صح ..... بس هسأل عليه بأي مناسبة ؟ .....
فكر رعد قليلًا وتذكر أمرًا ما ثم قال :
_ قول مثلًا أننا محتاجين تموين هنا ومش عارفين نجيب منين وهو هيجي معاك ..... أو أنك عايزه يجي معاك لترزي هنا .... أي كلام المهم يكون في سبب .....
اقتنع جاسر بالأنر ثم ترك المكان وذهب للمنزل المجاور لتنفيذ الخطة ..... استقبلته زوجة العمدة واخبرته أن جميع الفتيات ذهبوا عند العروس وقد تأخرن ولكن ما يطمأنها أن ولدها معهن ...... فسأل المرأة عن مكانه بالتحديد، وأخبرته ببعض التعجب من تصميمه هذا ..!
عاد جاسر للمندرة وهو يستشيط غضبا .......وقال للشباب مجددًا :
_ عرفت مكانه ..... جنب الوحدة البيطرية بشارع ..... البنات كلهم معاه ولسه حضرته مجاش !!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
انتبه آسر للكلمة الأخيرة واعتدل بفراش فجأة ، تبدّل وجه رعد للعصبية ، نظر لساعة معصمه وقال :
_ الساعة عدت ١١ ....أزاي يعني برا لحد دلوقتي ؟!
قال يوسف بوجه عابس :
_ قلقت ..... لو هتروح ليه هاجي معاك
نهض آسر من مكانه ووقف سريعا، وظهر عليه مزيج من الغضب والارتباك في محاولة فاشلة لإخفاء عصبيته ...وهتف:
_ اكيد يعني مش هسيبكم لوحدكم ....
أشار رعد للباب لباب الخروج وقال بحسم :
_ يلا بينا ....
نظر يوسف للبنطال القصير الذي يرتديه ، بنطال حتى الركبة وقال بضيق :
_ اكيد مش هروح كده ....استنى أغير ....
هتف جاسر بعصبية وأشار له :
_ مش هستنى حد ، أنا ماشي ......
خرج الثلاث شباب ومط يوسف شفتيه بتذمر وأسرع خلفهم ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دلفت زوجة العمدة لـغرفة وداد لتطمئن عليها ، ثم جلست قبالتها وقالت عن زيارة جاسر السريعة ....ضحكت وداد وقالت :
_ نعناعة اتصل بأخويا وقاله هيتأخر شوية ما تقلقيش..... البت صباح وحدانية واتشعبطت في البنات ..... ساعة ولا ساعتين بالكتير وهتلاقيهم هنا .... وبعدين ده البيت مش بعيد ،خمس دقايق وتكوني هناك ....
وقالت بمكر :
_ هو الدكتور جاسر ده شكله إيه ما شوفتهوش ؟
وصفته زوجة العمدة بابتسامة واعجاب شديد وقالت :
_ شاب طول بعرض وزي البدر ...عقبال ما تشوفي عريس بناتك زيه ، بس تحسيه مكار شويتين كده..... اللي تضحكي من قلبك معاه هو الدكتور يوسف ...دمه شربات ....
ابتسمت وداد وقالت بخفوت :
_ أهو جاسر ده مش هينفع معاه غير جميلة ، هتمشيه على عجين ما يلغبطهوش ....
قالت زوجة العمدة بتساؤل :
_ بتقولي إيه ؟!
اتسعت ابتسامة وداد وقالت :
_ مافيش .... افتكرت حاجة كده ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بغرفة الفندق .....
فتحت جيهان باب غرفتها وتفاجئت بوجيه يقف أمامها ....متفحصا عينيها بدقة متناهية ....گعادته موخرًا .....يبدو أنها لم تعد مفهومة لديه ..... ولكن كيف يفهمها وهي حتى لم تعد تفهم نفسها ؟! ....
دخل وجيه الغرفة بهدوء واغلقت جيهان الباب وهي تعلم بأي مناقشة ستدخل ...... انتظر قليلًا حتى جلست على أحد المقاعد المقابلة لشاشة التلفاز ، وتظاهرت أنها تشاهد أحد الأفلام المعروضة ......فقال :
_ كلامك ل ليلى وراه إيه يا جيهان ؟!
تنفست جيهان بحدة ، حتى انتقلت نظرتها له بحدة وقالت وأخفت دموعها بالكاد :
_ وراه أني مش عايزة أبان قدام نفسي المغلوبة على أمرها .....المسكينة الضعيفة .... كفاية عليا أني هضحي بجزء من حياتك اللي المفروض تعيشها معايا .... وسيبتها لواحدة تانية ..... عشان أرضيك وأفرحك يا وجيه ...رغم أنك مفكرتش فيا لما كسرتني !!
توقع هذا الجدال منها ، تحلّى بالهدوء وهو يجذبها لتقف أمامه بلطف ، وضع ذراعيه أعلى ذراعيها وقالت برفق :
_ كلامك لليلى زود احساسك مقللوش !!، وهعيد تاني وواضح أني هعيد كلامي كتير الفترة الجاية ..... أنا كنت واضح من البداية يا جيهان .... عايزك بس تفكري وتحطي نفسك مكاني .... أو تخيلي كده لو مكنش ينفع اتجوز تاني ....أي نار كانت هتقيد جوايا في كل لحظة أشوفها .... وأنا محروم من شيء أتمنيته سنين .... وفي نفس الوقت مش قادر أسعدك حتى وأنا ليكِ لوحدك .... أنا وعدتك أني زي ما هسعدها هسعدك ، اللي ليها هيبقى زيه بالضبط ليكِ .....
قالت جيهان بدموع :
_ وقلبك ؟ ..... هتقسمه لنصين أزاي ؟
رد عليها بصدق :
_ قلبي ليها من سنين ....من قبل ما أشوفك ، بس أنتِ برضو ليكِ مكانتك ، أنا مش حابب أبدًا أشوفك كده .....
هزت جيهان رأسها بالنفي وقالت :
_ يمكن كنت أصدقك لو لسه حبك ليها جديد ، يمكن كنت وهمت نفسي أنه نزوة ومسيرها تنتهي وتفوق ... بس في وضعك الأمر يختلف .... حبك القديم ليها مخوفني .....لو منعتك يبقى فعلًا بظلمك ..... بس لو بقيت احساسي ده ممكن يدمرني ..... يمكن لو قدرت بالفعل تعدل ما بينا ساعتها هنسى الوجع ده واقدر اتقبل الحياة دي.....
قال وجيه بتأكيد ونظرة رحيمة لعينيها :
_ وأنا لو مش عارف نفسي وعارف أني قادر اعدل ما بينكم مكنتش فكرت حتى ....أوعدك .... والزوجة يا جيهان مش بس حبيبة ...الزوجة أم تانية ،وصديقة ..... لو مقدرتيش تاخدي أول خطوة..... في خطوات تانية مش أقل أهمية تقدري تخطيها لو فعلًا عايزاها ....
فهمت جيهان ما يحاول قوله لها وأطمئنانها ......
وضعت رأسها على صدره بنظرة شاردة ، ضمها كأنه يحاول تهدأت طفلة ثائرة .....ورغم ذلك تعرف أنه يفعل ذلك كواجب ليس أكثر ...... أخبرت نفسها بذلك .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وضع يوسف يديه في جيوب بنطاله القصير وهو يسير مع الشباب الثلاثة كأنهم يذهبون لعراك مع عصابة مجرمين ..... فقال وهو يرتجف من البرد :
_ ينفع السقعة اللي أنا فيها دي ؟! ..... لأ ولابس شبشب كمان ...منكوا لله .....
ظهر معالم الأحتفال من على بُعد خطوات ....
____________
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
ونكمل بكرة 😂😂😹
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الخامس_والعشرون_ج ٢
وقف الشباب الأربعة ينظرون من بعيد للمنزل المتألق بسبب الاضواء ، والضجيج من الأصوات المتداخلة للنسوة والرجال .....
قال يوسف وهو لا زال يضع يديه في جيبي بنطاله القصير :
_ هندور عليهم أزاي ؟!
رد جاسر وهو ينظر بدقة اتجاه الرجال :
_ مش نعناعة اللي بيرقص هناك ده ؟ .....
أجاب يوسف وهو يدقق النظر أمامه :
_ مش باين من هنا ، تعالى نروح ونشوفه ، يمكن هو .....
استأنف الشباب سيرهم إلى العرس تحت جناح الليل الذي عكره الأضواء الصادرة من المصابيح ....
قد خرجت العروس عندما شاهدت زوجها والذي عُقد قرانهما بالأمس يرقص مع بعض الرجال ..... وتبعها الفتيات والسيدات في زاوية بعيدة عن الرجال خارج المنزل..... تعالت أصوات الزغاريد من أفواه بعضهن مع دوي الأكف بالتصفيق الحار ....
همس أحدهم للصبي نعناعة الذي وقف عندما شاهد الرجال يرقصون ببهجة وقال :
_ أنت عمال تتكلم وتتفشخر بنفسك وأنت بقالك خمس ساعات بتأجل .... أنت مكسوف ترقص بالعصا ولا مابتعرفش ولا إيه حكايتك ؟!
استند الصبي بيديه الأثنان على العصا بنظرة واثقة، وقال وهو يشير للرجال :
_ سيبتهم يفرحوا ..... كل ما أجي أبدأ الاقي ناس جاية فأبعد ، أنا لو رقصت هبهركم .... وكمان بدي للشباب فرصة يظهروا نفسهم ...ماتبقاش أناني وغور بقا ....
مط الشاب الآخر شفتيه بسخرية ، حتى أنتهى مجموعة الرجال من الرقص بإنتهاء المقطوعة الغنائية ...... قال الشاب للصبي مرةً أخرى بإستهزاء :
_ أهو كله خلص ، شكلك بوء وبس .....
ضيق الصبي عينيه بغيظ منه، حتى تقدم للساحة وهو يشعر أنه سيفشل ...... نظر لمن حوله وشعر أن جميع العيون مسلطة عليه ....ابتلع ريقه بحرج و كاد أن يبدأ ، حتى وقعت عينيه على أربع أجواز من العيون على مسافة قريبة منه ، ومسلطة عليه بنظرات عصبية .....ابتهج الصبي فجأة وركض إليهم قائلًا :
_ أنا مش مصدق والله أنكم هنا ....تعالوا معايا ....
قال جاسر بغيظ شديد :
_ أنا مش قولتلك أني مستنيك العشا ؟! ..... الفجر قرب وأنت هنا !! ...... منبه مخك مخرف ليه ؟!
قال نعناعة وضحك عاليًا :
_ هو أنا سندريلا يا دكتور !! ...تعالوا بس عايزكم في طلعة .....
جذب جاسر من يده ثم رعد الذي كان يرميه بنظرات غاضبة ولكنه تحكم بأعصابه ، أما آسر ود لو يصفعه ثم يسأله عنها .....سأله يوسف بتعجب :
_ طلعت إيه ؟!
نظر الصبي ليوسف جيدًا من رأسه لأخمص قدميه، ثم ضحك .....اغتاظ يوسف منه وبدأ يشعر بالحرج مع بعض النظرات المصوبة عليه بسخرية .....فقال بعبوس :
_ مالحقتش أغير ....حتى اسألهم .... هو البرمودا قصير أوي يعني ؟
ضحك الصبي عاليًا وقال وهو يحاول التقاط أنفاسه من الضحك :
_ مش أوي يعني ..... بس شكلك حلو والله ....
ابتسم يوسف بثقة للحظة، ثم اجتاحه نوبة من البرد وارتجف جسده قليلًا.... فعبس وجهه..وقال :
_ أنا سقعان ....
رد عليه نعناعة وهو يكتم ضحكته :
_ اكيد من الشبشب .... شبشب الحمام ده ؟
نظر يوسف للشبشب الأخر وضحك فجأة على نفسه ثم قال :
_ هو بعينه ....
جذبه الصبي أيضا وقال له بحماس :
_ دلوقتي هتدفى .....تعالوا معايا ....
تمتم يوسف وقال بابتسامة :
_ يارب يكون قصده أكل ...يارب ...
أخذ الصبي الشباب الأربعة للمكان الذي كان يستعد للقرص فيه وقال لهم :
_ ارقصوا معايا وشرفوني ..... أنا اتبسط انكم جيتوا أوي ، أهو دلوقتي حاسس أني مش محروج من حد ......
وفي الزاوية المخصصة للنساء ...حملق الفتيات الأربعة أعينهن بصدمة وجود الأطباء هنا !! ...... ورويدًا تظللت على شفتي حميدة ابتسامة عندما رأت يوسف وكتمت ضحكتها على مظهره ، وخصوصا أنه يبدو عليه الحرج أيضا .....
واتسعت ابتسامة جميلة مع كل لحظة ، بفرحة لم تنكرها ، لوجودها التي تمنت ان يصبح حقيقة ، وتخيلته طيلة الساعات الماضية ، فأصبح حقيقة بين طرفة عين .....
أطرفت رضوى عينيها عدة مرات حتى تصدق أنه بالفعل عنها ، وأحمرت وجنتيها كالعادة بابتسامة خجولة وهي تحاول أن لا تنظر له ....ولكن قلبها يقفز سعادة ....
لم تكن سما تشبههم في الابتسامة ، بينما شعرت بمزيج غريب من المشاعر .... بالغبطة والنفور ، بالراحة والأرتباك ..... بأنها تريد أن تهرب منها للبعيد عنه، وتريد أن تهرب إليه ......
لم تبتسم ، ولم تحاول أن تترك خاطرها ينشغل كليًا به ، يكفي دقات قلبها العنيفة ....
ومعنى أن تحمد الله على أن مشاعرنا ليست بالشفافية التي تظهر للجميع ..... خصوصيتها نعمة ....خاصة بنا وبإختيارنا أن نعبر عنها أو نخفيها ....
ومن البعيد ...ليس بُعد كافي لكي لا يرى أحد من الشباب الفتيات .....ابتسم رعد من البعيد وقد وجه ابتسامته لسمراء قلبه ..... نظرت رضوى للارض وابتسمت أكثر ، وخلصت عينيها من نظرته الماكرة .....
همس رعد لجاسر الذي يتحدث ويتجادل مع الصبي ويعترض على الرقص :
_ دول هناك اهم ، شايفينا كمان ....
اتجهت نظرة جاسر لذات العباءة السوداء التي كانت عينيها أكثر تمرد وأنوثة من طلتها الجذابة .....وابتسم بمكر وهو يضيق عينيه، حتى قال الصبي بضيق :
_ يعني هتسيبوني لوحدي ....عادي... ما أنا على طول لوحدي ....
خطف جاسر منه "النبّوت" وقال وعينيه تتسحب لعينيها بتحدي :
_ لا مش هسيبك لوحدك ....
قال يوسف بغرابة :
_ هترقص بالترنج الأبيض ده؟!
رد رعد بضحكة :
_ مش احسن ما يرقص بالبرمودا الأسود ده !! ....
نظر له يوسف بغيظ ....اعترض آسر قائلًا بحرج :
_ لا طبعا مش هرقص .... أنا مش بعرف أرقص .....
تحدث الصبي بمقت وقال بيأس :
_ طب نعملك إيه ؟!
نطق رعد بسخرية وهو يضحك :
_ شكلك مكسوف ... اومال لو فيه رقاصة كنت عملت إيه ؟!
تنهد جاسر وقال بابتسامة خبيثة :
_ ياريت كان فيه ...
تأفف الصبي وقال بإستياء :
_ هو أحنا هنفضل كده طول الليل ؟ ..... هو انتوا بتتفوا على رحلة ! .... ما يلا بقا أنا سقعت من الواقفة في طس الهوا كده !
رفع جاسر النبّوت بيده اليمنى وقال بنبرة قيادية:
_ اعملوا زيي وانتوا ساكتين .... ورايا يا رجالة .....
وافق يوسف وقال بضحكة :
_ ماشي ...بس يارب تعرف ترقص صح ما تخليناش نقلدك وتطلع رقصة زومبا في الآخر ......
ابتعد آسر عنهم وقال بشكل نهائي :
_ لا معلش أنا هصقف بس ..... خليني بكرامتي احسن ....
أتى نعناعة بثلاث عصيان أخرى، حتى مد جاسر يده للأمام "بالنبوت" في شكل أفقي....سأله يوسف وهو ينظر لذراعه الممدودة بعينين متسعة وهو لا يفهم شيء :
_ إيه ده ؟ ...... أنت هتتحول ولا إيه ؟
رد جاسر وهو ينظر أمامه في ثبات :
_ اتجاه الشمال ..... شمال شرق ، وشمال غرب ..... والعكس صحيح ......دي دراسة جدوى طارئة .... اتعلموا النظام بقا .....
فرد رعد ذراعه أمامه مثل جاسر وهو يكتم ضحكته وتمتم :
_ أهي دي الليلة اللي ضحك فيها القمر .... مش مهم شكلي المنيل ده ...كفاية أنها ضحكت .....
كانت بالفعل رضوى في نوبة ضحك شديدة ، وهي تضع يدها على فمها لتكتم صوتها الضاحك.....وشاركها الفتيات كلهن في ذلك ...فكان تعامد أذرع الشباب أمامهم مثير للضحك حقاً....
رفع جاسر يديه بالعصا ووضعها على رأسه بثبات ، وهذا كلها وقد مضى من المقطوعة ربع مدتها .....قلّده الشباب ولكن يوسف خبط رأسه بالخطأ فتأوه ......وقال بعصبية :
_ أخلص بقا أنا دوخت ... وجوعت!
تعالى صوت الموسيقى وأصبح أكثر صخب، فبدأ جاسر يستدير بالعصا حوله وابتعد قليلًا عن البقية ..... وتمايل بخطوات راقصة وشفتيه منفرجتان بضحكة ....وتتسلل عينيه كل لحظات لذات الرداء الاسود بنظرة تحدِ واضحة....
ضحكت جميلة عليه وقالت لأشقائها :
_ عمود نور بيطّوح ! ده لو رفع النبوت هيخبط في فرع النور ربنا يستر ..... هو بيبصلي كده ليه ؟ .... كأنه بيغيظني يعني !.....
ردت حميدة بضحكات متتالية :
_ ولا يوسف ..... تحسي أنه في المولد ! ..... هو لابس كده ليه ؟ ..... بيفكرني بنفسي وأنا بغسل ....
انخرطا أشقائها بالضحك .....قالت رضوى بابتسامة مرحة لهنّ :
_ لا بس رعد واخد وضعه ، تقيل حتى وهو بيرقص ..... لا مش هبص ...اتكسفت اتكسفت ....
ضحك الفتيات مرةً أخرى ....بينما كانت سما كأنها بعالم أخر بعيد عنهن ...... وتختلس النظرات السريعة للذي يقف وابتسامته اندفعت لضحكات ، عندما بدأ الشباب بالرقص ودب التصفيق من الجميع بحماس ....
لأول مرة تره يضحك !! ....ظهرت أسنانه البيضاء الناصعة وبهجة تعابير وجهه الوسيمة وهو ينظر للشباب ويشجعهم بضحكاته، وبتصفيق حار من يديه...... تسللت لشفتيها ابتسامة رغمًا ..... لأجل ابتسامته ابتسمت.....حتى أنها لم تشعر بها إلا عندما وجدته ينظر لها فجأة .....!
تبدلت ابتسامتها للجمود في لحظة ، ويبدو أنه لاحظ ذلك !! .....فأصبحت عينيه أيضا تضحك .... لم تكن ضحكته ساخرة منها كما اعتقدت ....ولكنه ابتسم سرًا لنفسه بسعادة من شرودها به ..... كما كان هو منذ لحظات ....ولكنها لم تلاحظ !
أما عن الصبي فكاد أن يقفز من الحماس والضحك وهو يرقص .... وخالف اعتقاد الجميع أنه يفتخر بأحاديثه الصبيانية الكاذبة ... وأنه صبي وسيظل كذلك ......
استندت العصيان الأربعة عاليًا على بعضهن بأيدي الشباب .... وكانت هذه ختام الرقصة ....
واختتم الشباب الأربعة الرقصة بضحكاتهم على ما يحدث ..... وخاصةً يوسف الذي شعر للحظات أنه عاد طفلًا يمرح دون توقف .....
تسلل شاب آخر اتجاه وقوف النسوة ، كان جريء حتى الوقحة في تصرفه هذا ..... ووقف قربهن في نظرات جانبية وجريئة لجميلة ..... رحلت الضحكات من وجه جميلة وتبدلت للغيظ والعصبية ....همست لها رضوى قائلة :
_ ده نبيل هنا يا جميلة ، يخربيت بجاحته وهو جاي يقف هنا كده ومش مكسوف من نفسه !
زفرت جميلة بعصبية وقالت :
_ لو زود هقل منه جامد والرجالة هنا هيعلقوه من الضرب لو لاحظوا حاجة ، بس في نفس الوقت مش عايزة اجيب لخالي مشاكل ....الواد ده صايع وبتاع لت وعجن وفضايح .....
قد سمعت حميدة حديثهم وقالت بحسم :
_ تعالوا نمشي قبل ما يقرب أكتر من كده .....
وافقتها سما وقالت وهي تتحرك مبتعدة:
_ بلاش مشاكل ، تعالوا نرجع البيت احسن ، أنا صدعت كمان .....
ودعت جميلة صديقتها بعناق دام للحظات، وتبعها الفتيات سريعًا ثم تسللوا للطريق ....أشارت حميدة للصبي حتى يأتي فاسرع الصبي لهنّ.....وكان نبيل يمضي أتجاه الطريق أيضًا بنظرات تتفحص جسد جميلة ووجهها بشهوة واضحة، وببطء متعمد أشعل غضب الفتيات .....
ضيق جاسر عينيه من بعيد، وقد لاحظ تصرفات ذلك الشخص الغريب ! ...... اندلعت بعينيه نيران غاضبة عندما رأى أن جميلة تنظر للشاب بكراهية، ويبدو أنها على شفا حفرةً من العراك معه ..... فقد كانت نظراته تتحرش بطريقة قذرة بجسدها بشكل فاضح....
فقال بعصبية شديدة :
_ مين اللي ماشي وراهم ده ؟!
مط يوسف شفتيه بعدم معرفة وقال :
_ مش عارف .... بس حاسس أنه فاضله خطوة ويتحرش بيهم !!
تقدم جاسر ولا زال النبوت بيديه لم يتركه ......ركض خلفه الشباب ليمنعوه من تهوره ...وخاصةً أن فهم الأمر خطأ ....
اقترب نبيل من الفتيات قبل الصبي وقال لجميلة متعمدًا، وتعمد أكثر أن يخطو مقتربًا إليها ، واستغل بُعد الفتيات عن أنظار الرجال في العرس وإلا ما كان يجرأ أن يتحدث معها :
_ جيت مخصوص عشان عارف أنك هتيجي .....
وجال بنظرة بتمعن على جسدها بنفس نظراته الوقحة المثيرة للأشمئزاز ...وقال بخبث :
_ عقبال ما تبقي في بيتي وساعتها بقا...
لم يتابع حديثه حتى أتى الصبي نعناعة الذي تشاجر معه من قبل بسبب جميلة ويعرف أخلاقه الفاسدة :
_ ما تلم روحك يا صايع أنت وإلا المّك أنا ؟!
ابتسم نبيل له وحاول أن يكسب الصبي في صفه :
_ يابني أنا ما زعلتهاش في حاجة ..... بس أنت النهاردة كنت نمرة ..... لا بجد عجبتني ....
زمّ الصبي شفتيه بغيظ منه.... ثم صاح بوجهه في انفعال :
_ المرة اللي فاتت جميلة اتحايلت عليا ماجبش سيرة لبويا لما مشيت وراها طول الطريق لحد السوق وفضلت تعاكسها .... وهزقتك ومسحت بكرامتك الأرض ومافيش فايدة فيك .... بس اظاهر إنك محتاج تربية لأنك ما اتربتش .....
كبتَ نبيل موجة غضبه وتظاهر بالثبات ....حتى وقف أمامه ذلك الحائط البشري جاسر ....وقال لنعناعة وهو ينظر لنبيل بغضب:
_ بتزعق ليه يا نعناعة ؟ ....في حد مزعلك ؟
هتفت جميلة بعصبية في الصبي ونظرت له بتحذير :
_ يلا يابني بلاش فضايح !
نظر نبيل لجاسر بدقة وقال له :
_ وأنت مين بقا ؟!!
قال الصبي بغلظة له :
_ ده الدكتور جاسر ... احترم نفسك وأنت بتكلمه ده صاحبي ....
مط نبيل شفتيه بسخرية، وقال بشيء من الاستهزاء بمن يقف أمامه :
_ آه قول كده ..... عمومًا أنا مكلم أبوك ومستني الرد ....مكنتش بعاكس ....بس حسبت أنهم هيرجعوا لوحدهم فكنت بسأل .....
أتى الشباب الثلاثة ووقفوا خلف جاسر ناظرين لنبيل بحدة .....تجولت نظرة نبيل عليهم بدقة وتفكير دام لحظات ، ثم قال بمواربة وشيء من التهديد :
_ ياريت ما يطلعش اللي في دماغي صح ....
هتف الصبي به بعصبية وأشار له بسبابته بتحذير :
_ صح ولا غلط أنت مالكش صالح ، عارف لو كلمت جميلة تاني ولا قربت منها ....هربطك في شجرة وأنزل فيك ضرب لحد ما يبانلك صاحب .....
وهنا غضب نبيل ووجد مبرر لإظهار غضبه حتى لا يلومه أحد لاحقًا ....فقال بعصبية :
_ لما تكلمني توطي صوتك أنا أكبر منك يا عيل !! هراجع العمدة في اللي بتقوله وفي اللي أنا شوفته ده .....
أشار برأسه للشباب الأربعة ، ففهم جاسر مقصده، ولم يستطع لجم غضبه أكثر من ذلك ..... لكمة واحدة في وجه نبيل جعلته يترنح متأوهاً من الألم ...... التف الشباب الثلاثة حول جاسر وقال رعد له وهو يجذب ذراعه ليبتعد :
_ يلا يا جاسر بلاش تهور .... وكمان عشان شكله كده حواراته كتيرة .....
فهم رعد ما يهدد به نبيل وفي وجود الشباب الأربعة حول الصبي .....
استطاع نبيل أن يتمالك نفسه ويقف ناظرًا بنظرة عنيفة ، وقال بصياح :
_ أنا هخلي سيرتكم على لسان البلد بحالها .....
لم يستطع الصبي أن يمنع نفسه من قول الحقيقة الذي اكتشفها اليوم وهو ينظف المندرة ولم يفصح عنها ......فقد وجد البطاقة الشخصية لآسر وقرأ اسمه كاملًا ....صدم للحظات ولكنه ما استطاع أن يفصح لأبيه بعد موقفه اتجاه زواج سما ...... ولم يفصح لآسر أيضا ، فقد قلق من الأمر خاصةً بمعرفته بخصام الفتيات للعائلة ...... فقرر فهم الأمر من أبيه أولًا ....
هتف بوجه نبيل بتحدي :
_ الشباب دول يكونوا ولاد أخوات جوز عمتي وداد ....يعني هما وبنات عمتي ولاد عم ...... يعني لو واحد فيهم مسكك وفلقك نصين محدش هيلومه ..... الدكتور جاسر بيدافع عن بنت عمه ...ماتنساش تقول كده .... واساسا جميلة رفضاك من زمان ومش بطيقك .....
صدم الجميع وحدج الفتيات أعينهن بصدمة بوجه الصبي .....ظن الشباب أن الصبي لجأ لتلك الحيلة حتى يتفادى رجف أقوال ذلك المعتوه نبيل ....
بإستثناء يوسف الذي ابتسم بسعادة ، ونظر لحميدة وقال بفرحة واضحة :
_ الله ....بنت عمي ... إيه ده أزاي ؟! ...مش مهم ..أنا مبسوط ...
انعقد صوت سما في حلقها من المفاجأة الصادمة ..... بينما ظلت جميلة تتسع عينيها كل لحظة من الصدمة ..... حلّق قلب رضوى وتوثقت عرى الأمل بقلبها أكثر .... قريب من القلب ...ومن الدم أيضاً....يا لحظها !
اختلس رعد نظرة سريعة لرضوى ....وضاق للحظة من الأمر ، لم يروقه ولم يعرف لماذا ...... ربما لأنه متأكدًا من ظنه بكذبة نعناعة .....
وعلى عكس المتوقع من آسر .....ظهر طيف ابتسامة على شفتيه ، وشعور بداخله يتمنى لو كان ذلك حقيقة ...ولكنه أيضا اعتبر الأمر كذبة لأنقاذ الموقف .....
هتف جاسر مجددًا بنبيل الذي وكأنه أصابه الخرس :
_ عرفت بقا سبب وجدنا معاهم ولا تحب أعرفك بطريقتي ؟! ...طريقتي عنيفة شوية ...هتعملك عاهة مستديمة .....
وكأنه صدق الأمر وصاح مجددًا وبتوعد:
_ قسما بالله لو عرفت أنك بس بصيتلها هعمل زي ما نعناعة قالك كده ....هفلقك نصين ....واعتبر طلبك مرفوض ....أحنا مش بنجوز بناتنا لصيع زيك ......
صرّ نبيل على أسنانه بشراسة ، وان كان ما قاله الصبي صحيحا فقد أوقع نفسه في ورطة بالفعل .....قال بنظرة انتقامية :
_ أنا مستني الرد من العمدة مش منك ، لما أبقا اكلمك أبقا أرفض ....هستنى الرد من الكبير ....
ابتعد نبيل وجسده يترنح قليلًا من دوار رأسه إثر اللكمة ...... اقتربت جميلة بغضب شرس من الصبي وقالت له وكأنها ستضربه :
_ حسابنا معاك بعدين يا غبي ..... وقعتني في مصيبة منك لله ..... عارف دلوقتي لما يتعرف أنك كداب هيحصل إيه ؟!
قال الصبي بضيق من تعنيفها وأكد :
_ أنا مش كداب ....هما ولاد عمامكم بجد ..... الدكتور آسر اسمه الرباعي آسر صلاح رشدي الزيان ....ونفس العنوان اللي أعرفه شوفته في بطاقته ...هو مش أنتِ اسمك جميلة مصطفى رشدي الزيان ؟! ...... واللي أعرفه برضوا أن عليتكم كلها دكاترة ....بس ما اكتشفتش القرابة غير النهاردة ، وبسبب اللي حصل مع أبويا النهاردة كنت هقوله .....
صدم الشباب فعليًا هذه المرة دون أي نقطة حيرة في الأمر ....ولم تأخذ الصدمة حيز كبير مع يوسف فقد أبتهج بأطمئنان هذه المرة ...بينما الثلاث شباب حملقوا في الصبي بذهول .....
جف ريق جميلة للحظات وهي تلتفت وتنظر لجاسر ، وقد التفت هو أيضا بنفس الدقيقة ، وبعد ذلك تنهد بابتسامة ماكرة ...ارتبكت وابتعدت عنه وأمرت الفتيات بالذهاب وساروا مبتعدين .....
خيم الصمت للحظات ، وتبدلت تعابير الشباب بين البهجة والصمت الغامض ..... كان رعد صاحب أكبر تعبير غامض للأمر ..... ابتسم جاسر وهو ينظر لجميلة التي تسير وكأنها تريد الركض :
_ تعالوا نرجع احنا كمان ...ماينفعش نسيب بنات عمنا لوحدنا كده .....الدنيا برد ....
سارا الشباب خلف الفتيات ... وقال الصبي ببهجة حقيقية :
_ انا مبسوط أوي من وقت ما عرفت ، مش هبقى لوحدي تاني .... هتبقوا صحابي وأخواتي .....
قال جاسر مبتسما بمكر وهو يسير ونظره للأمام :
_ طبعا يا نعناعة ، هنبقى صحاب وحبايب كمان ..... لو سقعان خد السويت شيرت بتاعي يدفيك ..... بس طالما بقينا قرايب بقا ، يبقى قبل ما تطلع للشارع تاخد أذني .... هتأمر براحتي ...
ضحك بخبث ... فرفعت جميلة حاجبيها بسخرية ثم ابتسمت !
قال يوسف بابتسامة واسعة :
_ عارفين احساس اللي واكل خروف مشوي مليان محشي ..... اهو نفس الاحساس كده ....
قال آسر وقد امتلأ صوته بالتحدي وشيء من البهجة يخفيها :
_ واضح أن مش هيتقالي مالكش دعوة تاني ... أنا بقيت صاحب سُلطة ..... القراري قراري ...ها
حاولت سما أن تضع العصبية بموضع البهجة ...ولكنها لم تستطع فأبتسمت رغما عنها ....تمنّت حقا أن يكون صاحب قرار الرفض من الغريب.... وصاحب قرار القرب أيضا !
تعجبت رضوى من عدم رد فعل رعد وصمته !!، توقعت أن يسعده الأمر مثلما أسعدها ...رغم كرهها لجدها ، ولكنّ الشباب ليس لهم ذنب بما حدث بالماضي ....أو ربما أستثنته من الخصام !
لم تبتسم ...بل بدأت تقلق وهجم على قلبها العبوس ...عبوس النبض! ...... قلق مبهم .... وشعور غامر بالحيرة ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
جلس وجيه بسيارته وبجانبه جلست جيهان بعدما انهت حجز الفندق وقررت العودة للمنزل مع زوجها ....قالـت بغموض :
_ عايزة أرجع بيتي ....
لم يشعر وجيه في قولها بشيء غامض ، قاد سيارته في هدوء حتى نهبت سيارته الطريق بعد ذلك .....
قالت بعد لحظات صمت :
_ أنا بفكر أقعد من الشغل ، عايزة أتفرغ شوية لحياتي .....
بدأ يشك بالأمر عند قولها هذا ، ولكنه لم يجادل فهذه إرادتها بالأخير فتحدث بهدوء :
_ براحتك يا جيهان ، اللي شايفة فيه راحتك اعمليه ، أنا مش عايز أشوفك غير مرتاحة .....
قالت بمرارة بها بعض السخرية وهي تنظر إليه بحسرة :
_ ملاحظة أنك بقيت أحن من بعد قرارك بالجواز !! .... للدرجة دي صعبانة عليك ؟! .....
تنهد وجيه بضيق منها ومن محاولتها الدائمة لتجعله صاحب الذنب الوحيد لهذا الوضع !!....فقال بهدوء رغم عصبيته الغير معلنة بصوته:
_ صعبانة عليا معناها أني بعطف عليكِ .... ودي مش معاملة واحد لمراته ....كل الأمر أني مش عايز أحسسك أني هظلمك ..... ما تفتكريش الجواز التاني شيء سهل يا جيهان .... أنا لو معدلتش ما بينكم ربنا هيعاقبني ....زي ما الشرع حللي الجواز أكتر من واحدة ...أمرني بالعدل برضو ..... زي ما ليا حقوق ...ليكِ أنتِ كمان حقوق .... وهي أني ما اميزش ما بينكم وأظلم واحدة فيكم ....
نظرت له جيهان جانبًا بصمتٍ مطبق ، هي تعرف أنه يحاول بالفعل ، ولكن القلب ليس عليه سلطان ..... !!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وصل الفتيات للمنزل فدخلت جميلة سريعا للداخل ، وتبعها حميدة وسما ...بينما رضوى اختلست نظرة سريعة لتجد رعد يدخل المندرة دون أدنى اهتمام لها...... قطبت حاجبيها بضيق هجم على قلبها ....ليس كعادته معها !! ....يبدو أنها توهمت أكثر من اللازم !! ...جرت مرارة بريقها ودخلت المنزل خلف الفتيات ......
وقف الصبي مع الشباب الثلاثة وقال لهم :
_ أنا هقول لبويا على الصدفة دي واكيد هيفرح أوي ..... وكلنا هنفرح بيكم .... تصبحوا على خير ....
تركهم الصبي ودخل للمنزل بابتسامة واسعة ، وكأنه وجد أخيرًا ونيسا له ...... ضيق جاسر عينيه وقال بتعجب :
_ العمدة حظرني اقول اسمي كامل !! ....هو عرفه من أول يوم وصلت لهنا !! ....طب ليه مقاليش !!
رد عليه يوسف ببساطة :
_ اكيد عشان عارف موقف البنات من العيلة كلها ، خاف ليحصل صدام ما بينا .... سيبك أنت ...أنا بجد فرحان انهم طلعوا بنات عمنا مصطفى الله يرحمه ..... عشان كده أول لما شوفت حميدة دخلت قلبي في لمحة .....احنا شوفنا البنات من سنين بس معرفناهمش لما شوفناهم تاني ....
قال جاسر بابتسامة ماكرة:
_ أصلها احلوت أوي بصراحة ....زمان كانت شبه رجل الكنبة !
ضحك آسر عليه ولم يعلق على الموضوع بحد ذاته .....لكي لا يكشف سعادته بالخبر ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دخل الفتيات غرفتهن مباشرةً...... شردت جميلة بابتسامة لم تخفيها ...كأن القرابة كانت أسرع طريق لأعلان مشاعرها واضحة ....قالت لها حميدة بابتسامة خبيثة:
_ الدكتور واقع لشوشته ..... ده كل نبيل حتت قلم ... خلى عنيه تتحول !!
ضحكت جميلة على المزحة وقالت بصدق :
_ مكار ومش سهل ....بس بصراحة مياله ليه ..... مبسوطة بالخبر .... واتصدمت من نفسي أني اتبسطت !!
قالت حميدة بابتسامة واسعة :
_ وأنا كمان ، يوسف شبه أبويا الله يرحمه بطيبته وبضحكته ، قلبي اتفتحله من أول ما شوفته ...بس كنت مكسوفة أقول ..... وهو كمان عمال يضحك والفرحة باينة عليه ....أنا مبسوطة لأنه طلع من دمي ..... فيه من أبويا كتير ....
صمتت رضوى عن الحديث ، وشردت وبعينيها حزن واضح ....فسألتها حميدة بتعجب وقالت :
_ أنتِ زعلانة ولا إيه يا رضوى ؟!
نفت رضوى الأمر وقالت وهي تخفي حزنها :
_ ولا زعلانة ولا فرحانة ، انا مش ناسية اللي عملوه مع أبويا ...افتكرته وزعلت .....
أخفت حزنها بتلك الكلمات .... وادمعت عينيها بعد ذلك ......ربتت سما على كتفها برفق وقالت بعقلانية :
_ هما مالهمش ذنب يا رضوى ، مش هما اللي رفضوا جواز أبويا من أمي !! ، لو جينا للحق.....هما مالهمش ذنب في حاجة .....
انفعلت رضوى وقالت لهنّ في بكاء :
_ ماشي ....أنا برضو زعلانة ومش عايزة اتكلم مع حد...
خرجت من الغرفة وصعدت كعادتهن جميعا للسطوح .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
خيم الصمت بين الشباب الأربعة منذ دخولهم للمندرة .....نظر جاسر بتعجب لرعد وقال له باستغراب :
_ أنا مش فاهمك !! ..... توقعت رد فعل تاني غير سكوتك ده !! ...ده آسر منبع الكآبة اتبسط !
صدح صوت آسر وهو يأخذ حماما سريعا قبل أن يخلد للنوم :
_ سامعك وجايلك .....
أشار جاسر له بضحكة وقال لرعد :
_ شوفت ؟! ....الواد اتبدل !! ......قولي بقى مالك !!
زفر رعد بغيظ وقال بعصبية :
_ بقولك إيه .... مجينا هنا مش صدفة ! ...وده واضح جدًا ..... لو اتأكدت من ظني هاخد شنطتي وهرجع القاهرة فورًا ....أنا مش لعبة في إيد جدك !!
عقد جاسر حاجبيه وقال بدهشة :
_ تقصد أنه متخطط ليه يعني ؟! ....لا ما اعتقدتش ....ما تنساش يا ذكي أن جدك أساسا واخد موقف شديد من مرات عمك مصطفى ....فمش معقول يعني يكون اللي جه في دماغك !! ...... محدش كان باين عليه أنه يعرف اصلا ....حتى العمدة لما قولتله اسمي اتفاجئ شوية ! ..... وبرضو تصرفه طبيعي حتى لو وجودنا في المندرة مقصود ....فعشان عارف درجة القرابة ....
وافق يوسف على تفسير جاسر للأمر وقال :
_ أيوة فعلًا .... وبعدين هو جدك أصلًا يعرف منين أن مرات عمك وبناتها هنا عند العمدة !! ....أنا نفسي كنت فاكر أنهم في بيتهم لسه !
وقف رعد امامهما وقال بتحدي :
_ طب لو طلع كلامي هو الصح ، مش هرجع لوحدي .... واللي هيرجع في كلامه يبقى عيل......
وافق جاسر واقتنع أن الامر مجرد صدفة لا غير وقال :
_ موافق ..... وبأكدلك انها صدفة .... لكن لو اكتشفت أنها خطة من جدك هكون أول واحد يرجع معاك ......
عبس وجه يوسف ولم يريد أن يتفق على هذا اتفاق ....فهتف به رعد وقال :
_ لو حد تراجع مننا ده هيخلي جدي يفرض رأيه على الباقي وبالقوة ، ده بإفتراض يعني أن اللي بفكر فيه صح .....
قال يوسف على مضض وبضيق شديد :
_ خلاص موافق ...وأن شالله صدفة ....أن شاء الله ...
خرج آسر وقد استمع لأتفاقهم وقال :
_ أنا مش موافق ...
صدم الشباب منه ...حتى أوضح :
_ أوافق على إيه أصلًا !! ..... هتفرق إيه لو وجودنا هنا صدفة أو بخطة ؟! ....في كل الأحوال كان مسيرنا هنعرف بعض !
قال رعد بعصبية له :
_ بص يا آسر ...أنا يمكن دكتور نفسي ....بس لحد دلوقتي مش قادر اتخلص من عقدة وحيدة في حياتي ....وهي سيطرة جدك على حياتنا كلها .....أنا راجل وأقدر أخد قراري بنفسي ...ولما أقرر شيء يبقى بإرادتي ..... أنا لو اللي بفكر فيه صح وطاوعنا جدك هيفضل في حاجز بيني وبينها ..... مش هعرف أحس اني أخترتها ...لأني مش متعود اخد قراري بسرعة ...كنت مقرر أخد وقتي واتأكد من مشاعري ....أنما جدك هيحطنا قدام الأمر الواقع كالعادة .....ويا نوافق يامأ هيغضب علينا ....وده كفيل انه يكرهني فيها .....
قال له جاسر بغيظ :
_ ده أنت طلعت معقد أكتر من بوز الكآبة آسر !! .....بس بصراحة أنت صح .....أنا أقرر بنفسي ... محدش يختارلي كمان العروسة !!
أراد آسر أن يهرب من الأتفاق فقال :
_ ننام دلوقتي والصباح رباح ...... لما نبقا نتأكد نبقا نتكلم....
زفر رعد بضيق وقال :
_ أنا مخنوق ، هطلع اشم هوا .....
ترك الشباب بالمندرة ونظرًا للساعة الليلة لم يستطع التجول بالقرية ...... صعد للسطوح فوجدها تجلس على الأريكة وتبكِ .....ارتبك بعض الشيء عندما رفعت رأسها ونظرت له سريعا بعتاب واخفضت رأسها للأسفل مرةً أخرى ....... كان يشعر أنها هنا ...ولم يعرف لما صعد مع هذا الحس! ......
أراد لو يذهب إليها ويعتذر ولكنه هبط سريعًا للأسفل مرةً أخرى ......
صدمت رضوى للحظة من جفاءه هذا !!.....وندمت على ظهور ابتسامتها أمامه ولو لمرةً واحدة .....مسحت عينيها بعصبية وقالت :
_ وأنا اعيط عليك ليه ؟! ، تلاقيك كنت بتتسلى ولما عرفت أني بنت عمك ضميرك صحي ....أنا اللي غلطانة ....بس ملحوقة يا دكتور ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
طال الليل على الجميع ......وعند خيوط الصبح ذهب الصبي للحقل مبكرًا مثل العادة ....... وخجل الفتيات أن يتحدثن مع خالهم بالأمر ......وخشيا من غضب أمهم لو علمت ... فتركوا تلك المهمة حتى عودت الصبي نعناعة .....
ذهب الشباب أيضا للعمل بهذا اليوم ...على أتفاق العودة مبكرًا لأجل مشاهدة مباراة كرة القدم بأي طريقة ......
وحول مائدة الطعام ، لاحظ العمدة نظرات الفتيات الشاردة ، فسألهم في قلق :
_ مالكم يا بنات شاردين كده ؟! .....
ابتلعت زوجته الطعام بفمها وقالت :
_ عمالة اسألهم من الصبح محدش بيرد عليا !!
قالت جميلة لتنهي النقاش :
_ لا مافيش حاجة ، امبارح بس رجعنا مصدعين من الحنة ومعرفناش ننام كويس......
اقتنع خالهم بهذا المبرر واكمل طعامه ، ثم نهض وتوجه للحمام :
_أنا يمكن اتأخر النهاردة شوية .....
قالت حميدة بلهفة :
_ طب ما ترجع بدري يا خالي ....معلش ....
تعجب منها الرجل وشعر بأن هناك شيء خلف الأمر ....لم يسألهم طالما لم يتحدثوا فقال :
_ خلاص ...هحاول ارجع بدري ...أما أشوف حكايتكم إيه !
نظر الفتيات لبعضهن في نظرات ذات مغزى ، انتبهت زوجة العمدة لنظراتهمن وتأكدت بوجود شيء يخفوه .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
استعدت ليلى للخروج ..... وجهزت أبنتها أيضا التي كانت تضحك من السعادة مع قطتها الصغيرة ......
ثم عبست الطفلة فجأة ودون سبب لذلك ....رمقتها ليلى وهي تنظر للمرآة وتتأكد من مظهرها .....التفتت لها واقتربت منها ......ثم سألتها بقلق :
_ مالك يا حبيبتي ....كنتي بتضحكي من شوية ؟!
بحثت يد الصغيرة عن القطة ثم ضمتها بقوة وقالت بغموض :
_ هسيب القطة هنا ....
تعجبت ليلى من خوف الصغيرة وقالت :
_ ماينفعش نسيبها لوحدها هنا ويمكن نتأخر ...... ناخدها معانا احسن .....
دفنت الصغيرة رأسعا بجسد القطة ، وراقبتها ليلى بتعجب ....ما تفعل صغيرتها ذلك إلا عندما تخاف من شيء ....أو تشعر بشيء ....!!
حملت ليلى أبنتها وحاولت أن تبث بها المرح وقالت :
_ شوفي القطة كشرت لما كشرتي أزاي ؟! ....أضحكي بقى ده أحنا رايحين عند جدو وبابا وجيه !!
ابتسمت الصغيرة ببطء ، واستسلمت لشعور الأمان هذا الذي تسلل من حديث أمها .....
تركت ليلى الفندق واوقفت عربة أجرة ......جلست بالعربة واجلست ابنتها بجانبها .....
تحركت السيارة حتى قالت الصغيرة ريميه :
_ ماما ...أنا حلمت ببابا صالح امبارح .... كان بيضربنا ....
شحب وجه ليلى فجأة ...حتى ربتت على أبنتها وقالت :
_ قولي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لما تشوفي حلم وحش .... وكرريها ٣مرات....
كانت ليلى مشغولة مع ابنتها بالحديث ، ولم تنتبه أن السائق يأخذها لاتجاه آخر بعيدًا عن العنوان الذي أخبرته به !!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دقت الساعة الواحدة ظهرًا ، ومن المفترض أن ليلى كانت بالمشفى منذ ساعة على الأقل .....
قالت الدكتورة مروة وهي جالسة أمام وجيه بالمكتب وظهر عليها نفاد الصبر :
_ إيه يا دكتور ؟! ...... هي مش جاية ولا إيه ؟!
زفر وجيه بقلق ورفع سماعة الهاتف للمرة الخامسة لكي يتصل بها ، ولكنها لم تجيب كالعادة ...... وضع السماعة بحدة وقال بقلق :
_ بتصل بأوضتها مش بترد ، واتصلت بالأستقبال قالولي خرجت من ساعة ونص ! ....يعني المفروض كان بقالها ساعة هنا !
قطع حديثه صوت هاتفه الخاص بإتصال من رقم جد ليلى ، ففتح الأتصال بلهفة والقلق ينهش عينيه :
_ الو ؟!
رد الجد بصوت مبحوح من الصدمة والرعب :
_ صالح خطف ليلى وبنتها !! .....فلت من السوالم ولسه عايش ! ...... أنا مش مصدق أنه قدر يهرب منهم !!
نهض وجيه من مكانه بنفضة ، واتسعت عينيه على آخرهما وقلبه كأنه اقتلع من صدره...... اقتحمت أحدى الممرضات مكتبه بذات الوقت بشسكل مفاجئ.... وقالت له بتلعثم :
_ المريض اللي وصيت عليه في العناية يا دكتور .......مات ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس_والعشرون_ج١
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... سامحيني يا أبنتي ...~
للحظات لم يستطع " وجيه " جمع شتات أفكاره ، كل شيء وكأنه انصهر وأنصبّ متوهجاً على رأسه بطرفة عين ! .....
نظر للممرضة في نظرة مشتته تائهة ، حتى ردد بصدمة :
_ مات !......
وأعقب قوله بترداد اسمها ...وقال :
_ ليلى ....لازم الحق ليلى .....
تمنى أن يكون الجد عبر الهاتف لم يستمع لشيء....فقال له بقوة:
_ عرفت منين ؟! ....أنا عايز أعرف هو فين وهروحله بنفسي ....
رد عليه الجد وهو يبك بقهر، ويبدو أنه سمع ما قالته الممرضة :
_ أبني مات .....عبد العزيز مات ! ....
هتف وجيه بعصبية :
_ قولي اقدر الاقي ليلى فين مافيش وقت !
أجاب الرجل بحالة لا يرثى لها من الحزن :
_ أنا خلاص قربت للمستشفى ..... دقايق واكون عندك ....
وقفت الـ د.مروة في لحظة وقوع الأخبار المتتالية، وشعرت أن هناك كارثة حدثت بالفعل ..... ظهر عليها بعض القلق والتوتر ، ولكنها استجمعت لجام قوتها ...وطرحت الأمر بنية الأنقاذ :
_ دكتور وجيه ....لو هتروح للي خطف ليلى يبقى الأفضل نبلغ البوليس ..... أنا هقدر اساعدك في كده وهكون معاك ..... والشرطة في دقايق هتكون ورانا .....
لم يركز معها وجيه حيث أنه كان يبحث عن مفاتيح سيارته بعجالة ....وجدها أسفل أحد الملفات فأخذها وتحرك سريعا للخارج دون أن يجيب على الطبيبة .....ويبدو أنه لم ينتبه لكلمة مما قالته من فرط تشتت أنتباهه...
اسرعت خلفه الطبيبة ، وخرجت بعدهما الممرضة .....
وأمام المشفى .....
وقفت سيارة الجد "صادق" وخرج منها متورم العينين من البكاء ، حتى التقى وجيه الذي كان ينتظره على جمر من نيران تكاد تفتك به وتدمر أعصابه .....
قال له وجيه بحدة :
_ قولي الاقيها فين ؟ .... قولي قبل ما يعمل فيها هي والبنت حاجة !
ابتلع الجد صادق ريقه بالكاد وقال وهو يكاد لا يرى أمامه من الدموع :
_ هو اتصل بيا وقالي أنه خد مراته وبنته ، وهيرجع ليلى لعصمته معرفش أزاي ! ..... اتفاقنا نتقابل عشان نتكلم بس انا عارف أنه كشفني .....
تساءل وجيه بعينان تلتهب فيهما النيران :
_ اتفقتوا تتقابلوا فين ؟
اتصلت د.مروة بهذا الأثناء على أبن خالتها الضابط "أحمد" ....روت له الأمر فنهرها قائلًا بغضب :
_ هتروحي فين أنتِ اتجننتي ؟! ..... ارجعي البيت يا مروة بلاش غباء وأنا هتصرف واروح وراه في ظرف دقايق ....بس ابعدي أنتِ خالص....
عاندت مروة وقالت بعصبية :
_ لأ طبعا هروح واتابع معاك ، هو مش هيكون فاضي يرد عليك عشان تعرف هو فين .....
تلقت كلماته الغاضبة عبر الهاتف بعصبية شديدة حتى قاطعته وقالت :
_ أنا رايحة ومحدش هيقدر يمنعني ...ولا حتى أنت !!
اغلقت الأتصال وهي تعترف لنفسها أنها تذهب بقصد أن تتحداه ...وتقف بوجه غروروه ، ولم تحسب أنها تضع نفسها بحقائب الخطر فعليًا ....
ترك وجيه الجد ودخل سيارته سريعا ، لم تلحقه مروة، ونظرت للسيارة التي ركضت بالطريق في لحظاتٍ خاطفة .....
حركت سيارتها سريعاً وذهبت خلف سيارة وجيه بسرعة قيادة عالية ....
دق هاتفها بإتصال آخر.....لم تحب التحدث بالهاتف وهي تقود ولكنها مجبرة على ذلك .....فتحت الاتصال ورفعت صوت الهاتف وعينيها على الطريق ...ثم قالت بحزم :
_ يا أحمد مافيش وقت ..... للأسف د.وجيه مشي قبل ما أعرف رايح فين بالضبط ..... أنا معايا رقم تليفونه ، اتصل بيه أنت أسرع وأعرف رايح فين .....
صاح صوته بعنف وقال :
_ لما أشوفك ...حسابنا بعدين يا أعند انسانة شوفتها في حياتي ...... قوليلي رقم تليفونه بسرعة .....
رفعت مروة الهاتف بتوتر ، وعينيها كل لحظة على الطريق المزدحم بالسيارات ..... تركت الأتصال مفتوح ثم بحثت عن آخر رقم تم حفظه بالهاتف ..... وجدته بعد خمس دقائق مع نظراتها كل لحظة للطريق ، وكادت أن تتسبب في حادث سير، ولكن أنعطفت بآخر لحظة .....
أملته الرقم سريعاً حتي أمرها مرةً أخرى وبشكل اعنف لتعود ....فرفضت بتصميم وعصبية ، أغلق الأتصال وهو يتلفظ الشتائم وقلبه ينتفض خوف عليها بآنٍ واحد .....
أجرى اتصال على رقم وجيه وهو تحرك من مكتبه في ثوانٍ قليلة ليتم الأستعداد للأمر، ويعرف من وجيه وجهة المجرم ومكانه .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
وقف الجد صادق أمام غرفة العناية وجسده بدأ ينتفض ..... أتت إليه الممرضة منى التي أخبرت وجيه بخبر الوفاة ، وما كادت أن تتحدث حتى خرج عدد من الأطباء بغرفة العناية وهم يتحدثوا مع بعضهم البعض ...وكان منهم طبيب العناية المشرف على حالة ابنه ......
نظر الطبيب للرجل الباكي وسأله بتعجب قائلًا :
_ بتبكِ ليه يا حج ؟! .....
رفع الرجل رأسه بضوء أمل وسأل الطبيب وكأن الإجابة هي الحياة أن صح ظنه :
_ قالولي أبني مات ....
نظر الطبيب لمنى بغيظ ، ثم ارجع رأسه للرجل بإعتذار وقال :
_ أبنك بخير يا حج وحالته للحقيقة اتحسنت شوية ، وبنديله مسكنات عشان مش هيتحمل الألم لو فاق لأن في تجمع دموي على المخ...أما الرئة أصابتها مش خطيرة الحمد لله.... بس أنا آسف على اللغبطة اللي حصلت .....
هو اتنقل الفجر لأوضة تانية بأمر مدام جيهان ، والمريض اللي خد مكانه كان على وشك الموت بس قدرنا بفضل الله نسعفه والقلب اشتغل تاني.... ليه عمر لسه ....
تنفس صادق بحدة واستنشق الهواء كالحياة بملء قلبه ، ابتسم وعينيه لا زالت تظرف الدموع ، اقتربت منه الممرضة منى وقالت بأسف شديد :
_ والله العظيم أسفة ، بس أنا لسه جاية دلوقتي ومستلمة النباطشية ومكنتش أعرف ، ومع زحمة الدكاترة حواليه وقالوا أنه مات والقلب وقف .... مركزتش في الشكل وكمان أنا معرفش ملامحه كويس فحصل لغبطة ....سامحني أرجوك...
كانت الفتاة على وشك البكاء بندم حقيقي ، رغم أنها بالفعل لم تقصد ما حدث .....لم يكن في وسع سعادة قلب الأب بعد نجاة فلذة كبده أن يحمل ضغينة سوى لحظات قليلة لتلك الفتاة ....قال بصدق :
_ مسامحك يابنتي ....كفاية أن ربنا جبر بخاطري ..... بس عايز أشوف أبني ....
أخبر الطبيب الممرضة على غرفة العناية الأخرى بالطابق الرابع ، أخذت الممرضة "منى" الرجل حتى المصعد نظرًا لسنه الكبير وحالة الإرهاق الواضحة عليه ....
وبالطابق الرابع ....
دخل صادق بخطوات سريعة للغرفة التي أشارت لها الممرضة ......ليجد طبيب وممرضة أخرى تقف بجانب السرير الطبي ...... نظر الطبيب للرجل وقال :
_ أطمن ياحج هيبقى كويس أن شاء الله ، بس المفروض مواعيد الزيارة مش دلوقتي خالص !!
كاد أن يتحدث الرجل ويتوسل الطبيب أن يتركه، حتى قالت الممرضة منى وهي تقف عند الباب المفتوح للغرفة:
_ لو سمحت يا دكتور ..... الدكتور وجيه سمح بالزيارة ....
هز الطبيب رأسه بموافقة ثم خرج .... ابتسمت منى للرجل ثم ذهبت لعملها ......
توجه صادق بقرب ابنه مشتاقاً..... انحني على رأسه ببكاء حار وحاد ..... منذ لحظات كان أين؟..والآن هو أمامه ولا زال على قيد الحياة ! ....قال وهو ينظر لوجه ابنه عن قرب :
_ قلبي انفطر عليك ....يمكن لصدق نيتي ربنا رحمني وخلاك عايش ....لحد ما اسمع "أنا مسامحك " منك ...... حمد الله على سلامتك يا طيب .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
على طريق قليل ما تسير فيه السيارات ...... ولا يوجد به مبانِ إلا على مسافاتٍ طويلة .....
يوجد بهذه البقعة تحديدًا من الطريق مبنى كبير عبارة عن مخزن للأخشاب ..... لم تكن عائلة ليلى تملكه نظرًا لأعمالهم بالأخشاب ، فالمخازن المملوكة لهم لم تكن بذلك الطريق المهجور بالأساس .....ولكن يبدو أن لا أحد يعرف عن المكان أي شيء ...سوى "صالح"
خصصه لأعماله الخارجة عن القانون .... ولا أحد يعلم عنه أي شيء سواه هو .....
كان يجلس على مقعد يضمد جراح ذراعيه وجسده من الجروح المتقيحة منذ أن كان بين أيادي عدوه اللدود .....
ابتسم بسخرية رغم آلام جروحه ، وشعر بعجرفة أن لا أحد بمستوى ذكائه .....قال له أحد رجاله الأوفياء :
_ هنعمل في السوالم إيه ياباشا ؟! .....مش معقول الحكاية تخلص نسلم واحد ونستلم واحد !! ..... اللي عملوه فيك مايتسكتش عليه !
رفع صالح رأسه بغضب من جملة الرجل الأخيرة ، فأخذ المطهر الذي يطهر به الجروح ودفعه بوجه الرجل بغلظة ، وشراسة تطل من مقلتيه ..... ثم هتف :
_ لو كررتها تاني هتبقى نهايتك ، أنا محدش يقدر عليا ولا يقدر يوقف قصادي ، وأنا هعرف اخلص عليهم أزاي ... والمرادي مش هبقى على حد فيهم ..... النهاية قريبة للسوالم ...مشاكلهم زادت .....
تألم الرجل من حرقة عينيه من مادة المطهر الطبية وركض ليغسل وجهه سريعا ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
في غرفة شبه مظلمة ....مثلما اعتادت سابقًا أن يتركها تصرخ، ولكن على الأقل أبنتها لم تكن معها .....تريد أن تصرخ بأعلى صوتها .....أن تنتحب وتستغيث ...ولكن الصغيرة ترتعب من الصوت والصراخ .....
كانت ترتجف گ المحمومة وبين يديها طفلتها التي تبك بعنف .. ترتجف مثل أمها ...... ولأول مرة حمدت ليلى أن صغيرتها لا ترى ....لكي لا ترها على هذا الحال ، والظلمة المخيفة حولهما....
قالت الصغيرة كلمات متقطعة وهي تبكي وترتجف وقطتها تضمها بقوة أيضا :
_ ما..ما .... أنا خايفة ....خايفة ..أوي .... هو احنا في الضلمة ؟
كان مفهوم الصغيرة للظلام قبيح ومخيف ، أكثر من الظلمة التي تعيش بها ، فكرتها عن الظلام الآخر هو أن يرافقه وحوش مفترسة وأشباح مخيفة ..
ابتلعت ليلى ريقها بالكاد وهي ترتجف بقوة ، ويصطك أسنانها من الرعب ....وقالت كاذبة وهي تبك :
_ لا .... احنا ...في النور ، والمكان اللي احنا فيه زي .....
فتح الباب بقوة واحدث صوت مزعج عالِ ....صرخت الصغيرة بين ذراعي أمها والتصقت بصدر ليلى برعب وهي تهتف :
_ بابا وجيه ....
وقف صالح بوجهه المخيف ونظراته الأنتقامية وقال بتوعد :
_ أوعي تكوني فاكرة أني كنت بعيد ومش عارف خطواتك ؟! ..... أنتِ كل خطوة خطتيها كانت بتوصلني ..... أما بقى جدك ليه ترتيب تاني معايا ..... ده ليه حساب كبير معايا .... مش هيكون اصعب من "صافية "و "ورد ".....
قال صالح تلك الجملة الأخيرة ، فاتسعت عين ليلى على آخرهما ، وبدأ يتردد أمامها أشباح من الذاكرة ...... وهي ترى مقطع فيديو ، ومشهد آخر رآته أمامها مباشرةً ....
تسارعت أنفاسها بحدة بعينين تنظران يمينا وشمالًا بسرعة عالية وفي صدمة عنيفة قاتلة ......
ارتخت قبضتها على الصغيرة في صراع شرس مع نفسها ...باتت لا تشعر بأي مكان هي ، أو من يقف أمامها ، بأتت لا تشعر أنها حتى في الحقيقة وتمر حقا بما تراه .....
تركت ابنتها وابتعدت زاحفة لمكان بعيد عنها ....وبدأت ليلى تدخل بنوبة ارتعاش غريبة شبيه لنوبات الصرع بعد لحظات ..... ويرتجف جسدها بقوة وهي تصرخ ....
لم تستطع أن تنطق أي كلمة ....تصرخ وترتجف بأعلى قوتها .....والصغيرة ريميه تتنفس بصعوبة وكاد قلبها يقف من الرعب .....
نظر صالح إلى ليلى بسخرية وقال :
_ موتي .....بس مافيش راجل هيقربلك غيري ....
ارتفع رنين هاتف صالح بهذه اللحظة برقم الجد وأجاب :
_ أنت وصلت ؟!
رد وجيه عليه بشراسة وقد أخذ هاتف الجد شخصيا معه وقال :
_ لو قربت لليلى ولا بنتي مش هرحمك .... ومافيش مخلوق هيقدر ينقذك مني لا رجالتك ولا الف واحد عليهم .... واجهني راجل لراجل لو كنت راجل .....
قال صالح بسخرية وقد توقع أن وجيه سيعرف الأمر سريعا:
_ كنت متأكد أنك هتعرف بسرعة يا دكتور وجيه..... بس ما توقعتش أن جدي يبقى بالغباء اللي يخليه يبعتك ليا !! ..... مش خايف لموتك !
وبعدين بنتك منين ؟! ..... امال أنا أبقى إيه ؟!
قال ذلك بغضب وبصوتٍ حاد ..... جعل الصغيرة تسترد صوتها بعدما استمعت لاسم وجيه وصرخت بقوة وبكاء :
_ بابا وجيـــــه تعالى خدني أنا وماما من هنا ، بيضرب ماما وهيضربني .......
تلفظ وجيه الشتائم الذي لأول مرة ينطقها وصاح بعنف وقلبه ينهشه الخوف عليهما :
_ بنتي ومش هسمحلك تأذيها .... أنت اقذر واحقر أنك تكون أب لأي طفل .... بنتي حتى لو أنا مكنتش أبوها بالدم .... بس هكونلها أب بجد ...... لو قربتلها أو قربت لليلى يبقى نويت على نهايتك .... لأن معايا فيديو متسجل بموت صافية ......
تذكر وجيه ما قاله الجد صادق منذ أن تركه بالمشفى حينما قال له :
_ لما تقابله قوله أن معاك فيديو لموت صافية ، هو ميعرفش أن الفيديو معايا ، خبيته عنه السنين اللي فاتت ومعرفتوش حاجة وخوفت ليعرف يأذيني ، بس آن الآوان يطلع ويظهر مش هستنى تاني ......
صدم صالح مما سمعه من وجيه ، وببعض التفكير علم أن الجد أو ليلى خلف الأمر فقال بمراوغة :
_ مراتي هرجعها ليا مش هأذيها وبنتي ومعايا ..اكيد مش هموتها يعني !! ...... أنما بقا أنت اللي بتعمله فيه ضررك .....بس مافيش مانع نتقابل ..... أهو منها أعرف حكاية الفيديو اللي أنت بتقول عليه ده !!
ادرك وجيه أن هذا المجرم يضمر الشر بنبرته ، فقال وهو ينظر للطريق جيدًا ويقف على بُعد امتارًا من محطة بنزين :
_ أنا موجود في المكان اللي اتفقت عليه أنت وجد ليلى .... هاتها ومعاها البنت وإلا أنت عارف ......
تحدث صالح وبدا وكأنه ارتجف خوفا من التهديد، وقال وبعينيه يطل الشر:
_ ماشي .... هسلمك ليلى والبنت وتسلمني الفيديو ، ولو نسخت منه يبقى اتحمل اللي هتشوفه مني ..... الحكاية تخلص وكل واحد ياخد اللي عايزه .....
ساير وجيه الحديث حتى أنتهى الأتصال ......
دق هاتف وجيه بأتصال للمرة الرابعة فأجاب وجيه :
_ وقفت عند محطة البنزين زي ما اتفاقنا ، وكلمته وهو جاي ومعاه ليلى وريميه ....بس طبعا أنا عارف أنه هيجي من غيرهم ...... ده إذا جه بنفسه ! .....
قال الضابط أحمد وهو يقود سيارته وخلفه عربة شرطة كبيرة للقبض على الخاطف :
_ أنا دقايق وهكون عندك ، وفي كمين قريب منك وأنا كلمتهم على ما أجيلك .... كويس أنك اجلت المكالمة على ما قربت اوصل ليك .... كله هيبقى تمام ما تقلقش ...
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
انتهى صالح من وضع ليلى الفاقدة الوعي بسيارة أخرى غير سيارته ، والصغيرة ريميه تصرخ وتستغيث بأمها تارة ، وتريد قطتها الذي تركها صالح بالمخزن تارة أخرى....
صرخت بقوة وهي تضع يديها على وجهها وتبكِ بعنف ......
القى صالح مفاتيح سيارته الاساسية لأحد الرجال وقال له :
_ خلص أنت عليه وهات اللي معاه ، وبعد كده ولع في العربية وهو فيها ..... عشان أبقى خلصت منه للأبد ....
أخذ الرجل مفاتيح السيارة وتحرك إليها ، ثم قاد صالح السيارة التي بها ليلى وابنتها وقادها لطريق آخر غير الذي ينتظره فيه وجيه ......
أنتظر أحد الرجال عندما ابتعد صالح بعربته والرجل الآخر ،ثم أخرج هاتفه وابتعد قليلًا عن المخزن ......وقال عبر اتصال أجراه سريعا :
_ عكس السير ، رجالتك على الجانبين ، اللي يلاقيه يتصرف ..... بس ماتنساش حلاوتي .....دي الخبطة الكبيرة ....
رد اسماعيل وهو بسيارته على ذات الطريق وقال بابتسامة متشفية :
_ لو حصل اللي عايزه ، هتقالك بالفلوس ..... وعد لعمل لجنازته زفة في البلد بحالها .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كان يقود صالح السيارة وهو يهتف بالصغيرة لتصمت ، حتى ضربها على وجهها بقبضة يديه بعنف.....احتبست أنفاس الصغيرة برعب منه وهي تضع يديها على فمها لكي لا تخرج أي صوت ويضربها مجددًا .....
حتى انطلق صوت عيار ناري وبعدها انحرفت السيارة بالطريق ووقفت بعد دقائق .......
اصطدم وجه صالح من الأمام إلى الخلف بقوة .....وصمتت الصغيرة بأكثر لحظاتها رعب مما يحدث ..... وقلبها الصغير لا يحتمل هذا الخوف الشديد.....
تحسس صالح رأسه الذي نزف بجرح بسيط حتى وجد مسدس بجانب رأسه ....يد تسللت من النافذة بجانبه واطالت رأسه ....ولكن لم يطلق الأعيرة النارية بعد ......
ابتسم اسماعيل بإنتصار وقال :
_ قولتلك هتجيلي تاني ، اهو أنت ورجالتك كلكم في ايدي ....وريني بقا مين هينجدك مني .....
ضيق صالح عينيه بذهول وخاصةً عندما وجد حشد من الرجال المسلحين حول السيارة ......والصدمة أن من بين هؤلاء الرجال بعض من رجاله !!
صرّ على أسنانه بغضب ولأول مرة يشعر بالخوف ...... خرج من السيارة لعلمه أن أي خطوة للدفاع ستكتب نهايتة بلحظة .....أراد مزيدًا من الوقت ......
أطلق اسماعيل أعيرة نارية على ساقيه الأثنان حتى لا يستطع الحركة ...... صرخ صالح بألم شديد وهو يهوى على الأرض ......قال أسماعيل وهو يشير لأحد رجاله :
_ دخل اللي معاه في العربية دلوقتي ، أما الكلب ده سيبوهولي لوحدي .......
توجه الرجل للسيارة ونظر فيها جيدًا فقال :
_ دي مراته وبنته ؟
رد اسماعيل وهو ينظر بكراهية واحتقار للملقى على الأرض وينزف بشدة :
_ دورهم جاي ..... دخلوهم دلوقتي المخزن ..... على ما أفضى .....
حمل أحدهم ليلى الفاقدة الوعي تمامًا والآخر كان يجر الصغيرة التي تبكِ وتشهق بقوة من البكاء ......
ولأول مرة عندما دق القلب بالخوف صرخ صالح بصوتٍ عالي :
_ سيبوا بنتي .....
ولكي يعذب اسماعيل هذا المجرم مثلما قتل أشقائها ....أخذ الصغيرة من يد الرجل وجرها بعنف بالقرب من أبيها وهي تتلوى وتصرخ بيديه .....وقال اسماعيل بنظرة وعيد وعنف لصالح :
_ مش دي بنتك ؟ ...... هعذبها قدامك قبل ما أخلص عليك .....هدوقك المر اللي شربتني منه سنين ......
نظر صالح لأبنته بدموع لأول مرة بعمره ينزفها من عينيه ، ورأى الآن بشاعة ما كان يفعله بالغير ...... ما ذنبها أن كان هو قاتل مجرم؟! ....ما ذنبها أن تشعر بوجود فعليًا أبيها بآخر لحظات حياته !!
وما ذنبها أن تنل من الحكم عليه وعقابه ؟! .....
ولكن أفعال الشر مثل الشوك ...لا تؤذي الساق فقط ...بل تؤذي جميع ساكني جسد النبته .....
كانت الصغيرة على وشك أن تفقد الوعي وهي تنظر للأسفل بإنكسار وضعف براءتها ....
قال صالح لها والدموع تهطل من عينيه بندم وذل:
_ سامحيني يابنتي .....أفتكري أني طلبت منك تسامحيني قبل ما أموت ...... أوعي تنسي .... يمكن ما تشوفنيش تاني.....
قالت الصغيرة وهي لا تدرك ما يحدث وتتحدث وعادت للبكاء بضعف :
_ مش عايزة أشوفك تاني ....أنت بتضربني .... أنا بكرهك ....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
ونكمل بكرة بأذن الله 🥰❤
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السادس_والعشرون_ج٢
قالتها ببرءاة عمرها الصغير ..... فقسمت ظهره وهو ينظر إليها بأكثر من شعور القهر ، صوته مُقيد داخل فمه كأنه بصحوة الموت يتأرجح ...ولكن ما الفائدة الآن ؟! ....هي لا تعي أنها تفارقه بالفعل ...وهو لا يملك الوقت الكافي للأعتذار ! .... والنتيجة فراق لا راجعة فيه ...!
صغرت الدنيا بعينيه حتى ثقب الأبرة بل أصغر ...ما هذا الشيء الذي كان يركض خلفه طوال سنوات، وجعله يفعل هذه الجرائم دون تقلّب أدنى شعور للضمير ؟!
المال ..؟!
أين هو الآن ؟!
لو وضع أسفل قدمي عدوه ضعف أمواله ما رحمه رغم ذلك!
رأسه يحاوطه الاسلحة النارية أن تحرك سينتهي الأمر بلحظة !
وانتظار الموت لأمر مريع ....
لمَ الحياة تظهر على حقيقتها بآخر اللحظات ؟!
ولمَ تسحرنا هكذا ؟!
قامت أمام عينيه الضائعة من البكاء إجابة كالشمس ظاهرة وغامضة ك قمر الليل ....
الحياة اختبار .... أن جاهد نفسه سيسهل الأمر على نفسه ويملأ صحفه بالصواب ....ولكنه عاند الجهاد ، وعاند أن يقترب ، عاند أن يكن انسان صالح .... وما اخد من اسمه إلا بعض من الحروف !
كل شيء كان بعينيه مبهر أصبح الآن لا يسوى حبة واحدة من الرمل أمام عينان أبنته الباكية وذعرها ....وهو يعجز حتى أن يأخذ منها وداعاً آخير ....لربما كان الشيء الوحيد الذي يأخذه معه عملًا صالحاً..... ولكنه لا يتذكر حتى أنه فعل شيء جيد يستطع تذكره .....
الحياة ساحرة ، والعمر قصير ....لم يكن عليه أن يتقن الفساد هكذا ! ..... وكيف عليه أن يرحل ويترك هذا الكم من الكراهية بالقلوب له؟!
....وحتى أن الرحيل ليس بيديه !
ما أقساه شعور ! ....
أصبح الموت يلوح له عن قرب .... يشعر به يجري بالأنفاس .... رغم أنه لا زال على قيد الحياة !
رآه أسماعيل بهذا المظهر الذليل الخاضع ، لم يكن على وجهه أي سيماء للجبروت الذي كان قائمًا مُقيم بعينيه !!
مد "صالح "يده اليمنى الذي أصابتها الرجفة العنيفة ، أشارة أنه يريد صغيرته التي حتى لا تراه !
دفع أسماعيل الصغيرة بعيدًا لأحدًا من الرجال وقال هاتفاً :
_ دخلها وأرميها جنب أمها دلوقتي ...
صرخ باكيًا ، رافضاً أن تبتعد عن عينيه ، ولكن أفعاله السيئة من حتفت به بهذه النهاية !
تطلع به اسماعيل بسخرية، وقال بغليل يتوهج بصوته :
_ كفاية عليا شوفتك كده ، مذلول ! ...... هتبرد ناري العمر كله ، لولا أن بنتك دي بنت مش ولد كنت موتها قدامك ....بس لأ ، مش هسيب حد يقول اسماعيل السوالمي موت حرمه وبنتها .... اللي يرضيني موتك أنت .... يبرد نار أخواتي وولادي اللي دمهم لسه ما نشفش .....
رفع أسماعيل سلاحه واستعد لإطلاق النار ، ثم أخفض يديه وأطلق عدة أعيرة نارية بجسد صالح المطأطأ رأسه ويبك بذعر ...... وأنتهى أمره بعد لحظات .....إلى الأبد ...
بعدما غرق جسده بالدماء وعينيه مفتوحتان على وسعهما إثر لحظات الذعر الأخيرة قبل أن يلتقط أنفاسه ....
تنفس أسماعيل الصعداء كأنه القى جبلًا من الرمال من على كاهله للأبد ...... كان هذا الرجل للجميع مثل الطاعون الذي لم يرحم حتى عائلته !
ظل ناظرًا لجثة صالح لبعض الدقائق بشرود ، حتى قال أحد الرجال له :
_ هنعمل إيه في مراته وبنته يا باشا ؟ ....
قال اسماعيل بنفس نظرته على صالح وقد استعاد بعض رشده :
_ دي طليقته مش مراته .... خدوها هي والبنت وارموهم في أي حته بعيدة عن هنا ، لأبعد مكان ...وهددها لو فتحت بوقها هتخلص عليها هي وبنتها ...طاري وخدته خلاص....
نظر الرجل للجثة الملقاة بلا حياة على الأرض وقال :
_ طب والجثة دي هنعمل فيها إيه ؟
صمت أسماعيل للحظات ....ثم قال :
_ أرميه على أول البلد والناس هتتصرف ....... وخد المسدس ده أخفيه في أي مكان....مش عايز مخلوق يلاقيه ...
القى المسدس للرجل وأخذه الآخر وتحرك لينفذ الأمر .....
حمل الرجال جثة صالح إلى الصندوق الخلفي لأحدى السيارات المصطفة بالطريق.....ثم قاد الرجل الموكل بالمهمة بقيادة السيارة، ثم دخل المخزن يأتي بشيء يخصه ......
ودخل الرجل الثاني للداخل ثم خرج بعد قليل وهو يجر ليلى التي استعادت قليل من وعيها ، ولكنها لا تتذكر ما حدث منذ أن استيقظت صباحا!!
القاها الرجل بالسيارة ثم أبتعد وأتى من جديد ومعه الطفلة المذعورة ودفعها بجانب أمها ....ثم صاح بهما وحذرهما من الصراخ ......ضمت ليلى أبنتها في ذهول ورعب مما يحدث، وهي لا تعرف كيف أتت لهنا .....لا تتذكر شيء !
قد عادت لتلك النوبات المرعبة مرة أخرى !! .... كانت قد اعتقدت أنها شفيت ولكن لا يبدو أنها عادت إليها من جديد .
تحركت العربة التي بها ليلى وصغيرتها للبعيد .....وظل اسماعيل واقفا بإنتظار الرجل الآخر ليخرج من المخزن ويرحل .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
انتظر وجيه بسيارته وصول صالح ....وبينما ظهرت سيارة وحيدة بالطريق تأتي قبالته ....وقفت السيارة بعد لحظات وخرج منها رجل غريب !! .....
كانت تأتي سيارة مروة على بُعد ليس كبير ولم تعرف خطوط الحقيقة .... حتى تفاجئت بوجيه وهو يقترب منه أحد الرجال .....وقفت بسيارتها التي احدثت صوتً مسموع بهذا السكون ....!
نظر الرجل لما خلف وجيه وقال له بنظرة تحذير:
_ هي البت دي معاك ؟
تأكد وجيه مما كان يظنه ، فقد أرسل صالح أحدًا آخر مكانه .....وكره وصول تلك الطبيبة الآن ومجيئها بالأساس ! .....ما كان عليها أن تتهور وتتصرف هكذا !!
رد بثبات دون أن يلتفت خلفه:
_ معرفهاش .... بس المفروض أنا اللي اسألك ....هو مجاش ليه بنفسه ؟!
اختلس الرجل النظرات للفتاة التي تتطلع به باهتمام بالغ من نافذة سيارتها ...ثم أجاب على وجيه قائلًا :
_ ما أنا جاي اسلمهالك بداله .... مش ده المهم ؟! ....دقيقة واحدة ... اجيبهالك ...حبيت بس اتأكد أنه أنت
نظر وجيه للرجل بنظرة متفحصة وادرك أنه يضمر الشر ...... عاد لسيارته على بُعد خطوات فاصلة للسيارتان .....ثم وقف أمام باب سيارته للحظات ....وأخرج فجأة سلاحه من جيب معطفه، وكاد أن يصوب اتجاه وجيه ...حتى وجد سيارة الفتاة تندفع إليه بأعلى سرعة للسيارات .......
كانت مروة بهذه الدقيقة استقرت أن تتحرك بسيارتها حتى لا تلفت الانتباه أكثر من ذلك ...وبينما هي تتحرك وجدت الرجل يشهر سلاحه صوب وجيه ....فأندفعت إليه بسرعة عالية حتى تشتت انتباهه، ولا يطلق الأعيرة النارية على وجيه ويحسم الأمر بنهاية مروعة لليلى ......
اتسعت عين الرجل وركض للجهة الأخرى قبل أن تسحقه السيارة المجهولة أسفل إيطارها ....... حتى اندفع وجيه إليه من الخلف في لحظات تشتته بسرعة السيارة التي تلحقه بشكل غريب، وضرب رأسه بجسد السيارة الجانبية ....حتى أختلّ توازنه بعض الشيء.....
صرخ الرجل وسقط سلاحه من يده وهو يتأوه من رأسه بألم شديد ......احكم وجيه يديه حول عنقه في غضب وتهديد بصوته الصارخ :
_ ليلى والبنت فين ؟ فيـــــن ؟!
أتت سيارة الشرطة بهذه اللحظة ، واطمئنت مروة لوصول الشرطة فخرجت من سيارتها وتوجهت نحو الرجلان الذي يتشاجران.....
حاول الرجل الفكاك من براثن وجيه ...لينفد بنفسه من قبضة الشرطة ، فأخبر وجيه مكان صالح سريعا ليترك عنقه ويفلت منه ....وبالفعل تركه وجيه حتى ركض الرجل باتجاه مروة ....فظنت إنه يهرب!!
قبضت ملابسه وتشبثت وهي تصيح على رجال الشرطة بصوتٍ عالي واستغاثة وهو يدفعها ويضربها بعنف...
حتى دفعها بغضب فاصطدم رأسها بالسيارة بقوة عنيفة ....سقطت في إثرها فاقدة الوعي ....
بينما رجال الشرطة استطاعوا أن يقبضوا عليه دون مجهود ....وأن يعرفوا أيضا منه مكان صالح وأسماعيل أيضا .....فقد أعترف بمكانهما الأثنان ......فكان خائنًا لمن يدفع له أكثر ....وكلاهما كان يدفع .... فكان جاسوس مزودج بينهما .....
أتت سيارة الضابط أحمد وصدم عندما وجد مروة مُلقاه على الارضة فاقدة الوعي ....لم ينظر لشيء سواها هي ..... أي جنون جعلها تفعل بنفسها هذا ؟! كاد يتوقف قلبه عندما ظن أن أصابها طلقة نارية وسقط على إثرها !!
ركض اليها وقد جف ريقه من الخوف ، حتى انحني على جسدها ورفع رأسه بمحاولة أن تستفيق وتنهض ...ولكنها لم تستجيب لمحاولته ..وظلت جامدة ! ....
ردد اسمها بذعر :
_ مروة ...مــــروة .... حصلك ايه !!
اقترب منه وجيه سريعا وقال له :
_ خدها للمستشفى بسرعة راسها بتنزف .... لازم أسعاف قبل ما تخسر دم أكتر من كده ....
شحب وجه أحمد برعب عليها ، ثم حملها لسيارته ولأول مرة ينسى أنه بمهمة وواجب .... ولكن يبدو أن قوة الشرطة بقيادة بعض زملائه الضباط قد اتموا الأمر بشكل كافي ..... ومهمته الآن ان ينقذها حياتها أو بالأصح ...حياته !
تحرك الضابط أحمد بسيارته لأقرب مشفى بهذا الطريق بينما توجهت سيارة الشرطة في اتمام الخطوة الأهم... وهي القبض على صالح الخاطف والمجرم ...وتسليم ليلى وابنتها سالمين ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
خرج الرجل من المخزن بعد مدة ليست بقليلة وكأنه بحث بجهد عن شيء مهم لا يستطع تركه .....ومعه حقيبة بالية !!
ظن أن من استعجال اسماعيل بإختفاء الجثة... فأنه لن يسأل عن شيء ولكنه سأله !!....فقال له أسماعيل بتعجب وأوقفه :
_ كنت بتدور على إيه والشنطة دي فيها إيه ؟!
تعثر الرجل في الإجابة ثم قال بمراوغة :
_ دي فيها هدومي يا باشا ...... عشان ما أسيبش أثر ليا هنا ، أنت علمتنا كده .....
شك أسماعيل بالرجل وخطف من يده الحقيبة ، وفتحها وعينيه بتهديد على عين الرجل .....ليجد فيها الأموال الذي أخذها من خزنته الخاصة ليعطيها لأحد رجال صالح الخائنين ....والذي ينتظر مجيئه !! .....
زم أسماعيل شفتيه بغضب ، وهتف به :
_ بتسرقني يا أبن الـ.... ماشي ..... هحاسبك بس مش وقته ، روح خلص اللي قولت عليه وكلامنا في البلد مش هنا ......
نظر له الرجل بمكر وهز رأسه وكأنه خضع للأمر ، حتى تحرك خطوة صغيرة وارجع قدميه بلحظة خاطفة، وأشهر سلاحه بوجه أسماعيل قائلًا بتهديد:
_ أنت ما تختلفش عن صالح كتير ، خاين ومالكش عزيز ....... هات الفلوس وهخلصك من الجثة ومش هتشوف وشي تاني ....
نعت أسماعيل نفسه فقد ترك سلاحه الشخصي في مكانه بمكتبه واستخدم سلاح آخر ...وقد اعطاه للواقف أمامه ! .....
قال وكأنه رضخ للتهديد ....ودفع الأموال بوجه الرجال وقال بغضب :
_ أخلص ...ومش عايز أشوف وشك تاني .....
أنحنى الرجل ليتلقط حقيبة النقود من على الأرض بعدما سقطت ....بينما يديه وعينيه مصوبة على أسماعيل ...... أنحنى سريعا ليأخذ الحقيبة ولكن أسماعيل دفع يديه عاليًا فترنحت يديه وسقط المسدس عنوة من قوة الدفعة .......
ركض أسماعيل للمسدس وأخذه بنظرة انتصار ثم قال :
_ مش حتت عيل اللي ياخد مني حاجة غصب عني ....ده أنا خلصت على اللي كل البلد كانت بتترعب منه ....هيوقف قدامي عيل زيك ويهددني !
كان أسماعيل يدافع عن هيبته، وخصوصا بعدما أنتهى أمر صالح على يديه .... وهذا ما كان سيجعله يرفع رأسه أمام أعدائه الآخرين ......
أشار اسماعيل للرجل باتجاه السيارة وقال :
_ نفذ اللي قولتلك عليه وإلا هخلص عليك .... وبعديها تاخد حسابك وتغور من وشي .....
حسب أسماعيل غدر هؤلاء الرجال ، فآغراه بالمال ليعود وينفذ المهمة التي وكله بها .....لكنه سينال منه بالآخير ....هكذا وعود الفاسدين ....
كبت الرجل غيظ شديد من اسماعيل وتوعد له ، توجه للسيارة وما كاد أن يفتح بابها الأمامي حتى اندفعت الأعيرة النارية حوله ليسلم نفسه ولا يستطع يهرب ......
أتت سيارة الشرطة كالبرق وأصبحت أمام المخزن القديم بلمح البصر ...... ركض أسماعيل ليختبأ بالمخزن ....ولكنه تفاجأ بعيار ناري كاد أن يصيب قدمه .. وقف ورفع يديه حتى يتم وقف إطلاق النيران .....لم يهنأ بإنتصاره ......!
قال الرجل بدفاع عن نفسه للضابط الذي يتوجه إليه:
_ أنا معملتش حاجة يا باشا ، اسماعيل بيه هو اللي قتل صالح والمسدس ببصماته معايا ....... والجثة في العربية ...
نظر اسماعيل بأنتقام وغضب للرجل الذي يبدو أنه يشفي غليله منه بهذا الأعتراف الذي أتى على طبق من ذهب للقضية دون مجهود ......قال الضابط له وهو يأمر رجال الشرطة أن يأخذهما :
_ شاطر ..... ماتعبتش نفسك معايا ..... خدوهم على البوكس ....
أشار الضابط للرجال حتى تم القبض على أسماعيل ورجله وجثة صالح!! .....ويبدو أن النهاية لم تكن لصالح فقط .....
نفض بعض رجال الشرطة المخزن بحثا عن ليلى وأبنتها....حتى أن وجيه بحث معهم بجنون ولكن لا يوجد أثر لأي منهن !!
خرج وجيه بوجه هربت منه الدماء ويخبر ضباط الشرطة أن ليلى والصغيرة ليس بالداخل ......فأخذ أحد الضباط طريقه إلى اسماعيل حتى عنّفه ليعترف بمكان السيدة وابنتها .....
لم يجد أسماعيل سبب لأن ينكر ....فقد قبض عليه بمكان الجريمة وبحضور الجثة والسلاح ....فما تبقى أن يخفيه ....فقال :
_ راجل من رجالتي خدهم وهيسيبهم في اي مكان بالطريق .....محددتلوش مكان فمعرفش هيسبهم فين !
اسودت عين وجيه وهو ينظر له وكاد أن يصعد سيارة الشرطة وينشب أظافره بعنقه حتى يختنق ....ولكن سرعة الإنقاذ واجبة الآن .....
اعترض طريقه الضابط حتى لا يصل لأسماعيل وقال له :
_ مش هو المهم دلوقتي ....المهم نلاقيهم .....
أمر الضابط أن يتصل اسماعيل بالرجل ويأمر بالعودة لهنا دون أن يخبره بشيء .... أعطى أحد العساكر الهاتف الذي وجدوه بجيبه بعد التفتيش له لكي يجري الأتصال ....ورفع أسماعيل الصوت ليصبح مسموع
حتى أجاب الطرف الآخر ...فقال اسماعيل ونظرته على ضباط الشرطة :
_ أنت فين ؟ ووديت اللي معاك فين ؟
أجاب الطرف الآخر وقال :
_ رميتها على الطريق هي وبنتها زي ما قولتلي وخلاص راجع لعندك ....... مالقتش لزوم ابعد أكتر من كده ، هي في كل الأحوال شكلها هتموت ! .....
دق قلب وجيه بعنف عندما سمع كلام هذا المجرم ..... فقال اسماعيل له :
_ رميتها فين بالضبط ؟
رد الطرف الآخر :
_ عند الكيلو ......
سمع وجيه الاجابة وركض لسيارته .....وذهبت سيارة من سيارات الشرطة معه بينما الأخرى حملت المجرمين وتوجهت لطريق قسم الشرطة ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كانت ليلى مُلقاه على جانب الطريق .....وفي حالة إعياء لم تستطع معها فتح عينيها بسهولة ...... فقد كانت الصدمة منذ الصباح وهذا الرعب والنوبات التشنجية التي مرت بها ....أكثر من أن تتحملها ...... وأكثر من قوة أعصابها وقدرتها على التحمل ..
حركت رأسها وهي تكاد تتيه بفقدان وعي مرةً أخرى .....وتضع الصغيرة رأسها على صدر أمها بعينان مفتوحتان وصوتها لا تستطع أخراجه ....كانت بالكاد تمتم هي الأخرى .....
_ ما.....ما .....ما ...ما ....
انتبه شعور الأم لصوت صغيرتها الضعيف ، فابتلعت ريقها وهي تجاهد لتنهض ولكنها كالمقيدة تماماً ......
صرخ قلب الأم بجسد عاجز عن الحركة ...فأدمعت عينيها بألم شديد وخوف يصل لحد الرعب ....لا تعرف بأي حالة تكون على صغيرتها الآن .....ربما كانت بحاجة للأسعاف !
رجف قلبها صوت وقوف سيارة بشكل مفاجئ، حتى تنهدت بأمان عندما سمعت صوته يناشدها ويركض بإتجاهها ....
با...با ...وجيـ....ـه
كانت الصغيرة تتحدث بصوت ضعيف جدًا وبالكاد مسموع ....ففقدت ليلى وعيها تمامًا بعد ذلك .....
هرع اليهما وجيه وخلفه الشرطة .....انتفض قلبه وهو يراهما هكذا .....وهتف برعب وهو يحمل الصغيرة من على جسد أمها:
_ ليلى ..... ريميـــــه ..!!
ضم الصغيرة لصدره بقوة ، وباليد الأخرى رفع رأس ليلى وهو يناشدها برجاء لتفتح عينيها :
_ افتحي عينيكي طمنيني عنك ...أنا جانبك والبنت في حضني ما تقلقيش عليها .....
أسرع الى سيارته ووضع الصغيرة أولا ....ثم عاد ورفض أن أحد من رجال الشرطة يلمس جسد ليلى ..... فحملها لسيارته ....ثم أمر الضابط احد العساكر وقال له :
_ أنت عارف اقرب مستشفى لهنا ....وصله وخليك معاهم ..... وأنا هحصلك ....
استلم الرجل مهمة قيادة السيارة من وجيه واسرع بالسيارة ......
كانت ليلى ترمي رأسها على كتفه ...بينما الصغيرة بين يديه ويحاول أن يتحدث معها .....عينيها مفتوحتان ولا تستطع التحدث ......
ربت على وجهها برفق وقال بقلق شديد :
_ حبيبتي ردي عليا ...أنا بابا وجيه ....أنا هنا محدش هيأذيكي متخافيش .....
كانت الصغيرة تتنفس بالكاد ثم رمت رأسها على صدره وتشبثت به بكل قوتها وهي ترتجف بحالة فزع ...... ضمها وجيه بقوة وقبّل رأسها وهو يعتذر :
_ أنا أسف....مش هسيبكم لحظة بعد كده .....
تشبثت الصغيرة بملابسه أكثر برعب وعينيها مفتوحتان على وسعهما كأنها ترى شبح ...!
ولا تتحدث !
تنهد بألم ....وقال بنبرة ملؤها الحنان لتطمئن :
_ مش هبعد متخافيش .... أطمني أنا معاكِ ....
بدأ يلاحظ ارتجاف الصغيرة بشدة ......فخلع جاكته سريعا ولف جسدها الصغير به ....ولكنها سريعا تشبثت بملابسها ورمت رأسها على صدره وهي على حالتها .....
ربت عليها بحنان ثم اختلس نظرة لوجه ليلى ..... تنهد بعمق وادرك أن عليه تحمل بعض الوقت .....ولكن هناك أشارة ضوء تأتي بكثير من الأمل .....أن المجرم الذي أرعبها لسنوات ......أنتهى أمره للأبد ......لم يعد بينهما عائق ليتجمع حبهما تحت سقف واحد ....
قال لهما بتأكيد وهنا بطريقهما للمشفى :
_ مافيش حاجة هتبعدكم عني تاني أبدًا...... كل حاجة كانت واقفة بينا خلاص .... أنتهت ...
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
يعني خلاص كده مافيش اكشن تاني والحياة هتبقى كيكة طرية 💔🤨😒
الحلقة الجاية الماتش بتاع الزمالك 😹😁
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_السابع_والعشرون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~...عودة حب...ورحيل آخر ...~
بعد وقتٍ طويل في المحاولة للوصول لقلب أحدهم ... أن لم نستطع لابد أن نتوقف ....الركض بالطريق الخطأ لن يفقدنا فقط ربح النهاية ... يفقدنا قوتنا ولا نستطع حتى السير بالطريق الصحيح بعد ذلك...
شغف الحياة بعينيه أصبح مثل الزهرة الذابلة ...جفنيه مسترخيان في فتور ووهن .... نثر خريف زهرة الأمل اليأس من كل شيء وهو ما زال بعنفوان شبابه....!!
بعد مرور الوقت بدوامه اليومي بالمشفى ....دخل د.أمجد مكتبه الذي يتشاركه مع بعض زمائله بهذا المشفى ...
لم يكن هناك غيره بالمكتب وحمد انشغال البقية .... لنيل بعض العزلة ...لإتاحة الفرصة لحزنه أن يظهر قليلًا ويتنفس ليهدأ ....
ذهن مشتت ، خواطر مبعثرة ، آمال محطمة ، نظرة يائسة لكل شيء .... اختصار بسيط نمر به بعد الفراق مباشرةً.
لأول مرة يعترف أنه فارقها !! ..... وكيف لا وهي ستتزوج بعد أيام قليلة ؟! .... بكل ما استطاع أن يفعله ..فعله !
ولكنها اختارت رجل آخر ...حبيب آخر ، حياة بعيدة عنه تمامًا ... وليت هذا الآخر يحافظ عليها ....مثلما كان سيفعل !
كان مكتبه قريب من الممر المؤدي لغرف العناية بهذا الطابق ..... أخرجه من شروده وتيهته هذه صوت يبكِ .... أضيق ما بين حاجبي أمجد بفضول ليعرف صاحب هذا الصوت ..... تحرك من مكتبه وهو يضبط إيطار نظارته على أنفه قليلًا .....
حتى فتح الباب ببطء واختلس نظرة للممر ....ليتفاجأ بفتاة تسند ظهرها على الحائط وتكتم فمها بيدها من شدة البكاء .....
آل السبب سريعاً لبكائها...بالتأكيد لها مريض بغرفة العناية ...وربما بخطر أيضاً.... مشهد متكرر ...ولكنه سيظل مؤلم لديه مهما رآه ....
كان سيعود ولكنه توقف عندما أشتد بكاء الفتاة .... ساقته قدميه لها دون إرادة منه فعليًا ..... ولكنه عطف عليها وخاصةً أنها بمفردها ......وقف جانبًا وعلى مسافة قصيرة منها وقال :
_ أنتِ ليكي حد في العناية ؟
كان السؤال ساذج بعض الشيء ولكنه مناسب للأستفسار عن حالتها هذه ..... نظرت له الفتاة وهي تبكِ بشدة ....هزت رأسها ثم أنزلت يدها من على فمها وقالت بصوتِ ضعيف من البكاء :
_ أخويا الصغير .... حالته ما تطمنش يا دكتور أمجد ...
تفاجأ أمجد أنها تعرفه وتعرف اسمه !!! ...... ونظر بعينيه عليها فشعر أنه رآها من قبل ......لاحظت الفتاة وقالت بنظرة غامضة له:
_ أنا بقالي ٣شهور بشتغل هنا في قسم الأشعة .... عشان كده أعرف حضرتك ....
هز أمجد رأسه واتضح أمامه الأمر ....رغم أنه بصعوبة حتى تذكر أنه لمحها من قبل .....فتساءل :
_ هو حصله إيه ؟!
بكت الفتاة بقوة مرة أخرى وقالت بألم :
_ نزل مع صحابه عشان يروحوا الكورسات ، اتلموا عليهم شوية شباب ما أتربوش واتخانقوا ....ولما أخويا وقف قصادهم ومحدش عرف يضربه ...واحد فيهم معاه عربية خبطه وبعدين هرب .... وبقاله يومين حالته خطيرة .... دخل عمليات عشان عنده كسر في رجله ..... الزيارة ممنوعة ومش عارفة أطمن عليه ...
قال أمجد برفق ليطمئنها :
_ أن شاء الله يقوم بالسلامة... الزيارة أكيد ممنوعة عشان ما ترهقوش بالكلام أو حالتك دي تأثر على نفسيته وهو دلوقتي محتاج يهدا... ممكن أعرف اسمك إيه وفي أي قسم للأشعة ؟
ازدردة الفتاة ريقها وهي تمسح عينيها وتنظر له بنظرات بها الغموض والتساؤل ...فأوضح أمجد بصدق :
_ عشان هسأل عن حالته واجيلك أطمنك .....مش أكتر والله.
أجابت الفتاة وهي تطرف عينيها وتنظر لجهة أخرى بعيدًا عن نظراته المتوارية خلف زجاج عدسته الطبية ...وقالت :
_ اسمي فرحة عبد الله ..... قسم الأشعة المقطعية ....
قال بهدوء :
_ تمام .... وطالما الزيارة ممنوعة حاليًا يبقى الأفضل تروحي بيتك أو ترجعي شغلك ، الواقفة هنا مافيهاش فايدة صدقيني ....
رفضت "فرحة" بتصميم وأنعقد حاجبيها بإنفعال وهي تجيب :
_ لأ ...مش هتنقل من هنا غير لما يفوق ويكلمني ....ده أنا ماليش غيره ....اسيبه أزاي بس ؟!
لم يجادلها فالأمر بالآخير لا يخصه ....فقال :
_ براحتك .... بعد إذنك ...
تحرك عائدًا لمكتبه ، بينما انتبه أنها عادت تبك من جديد ، والغريب بالأمر أنه لاحظ بنظراتها شيء غامض !! ..... أو ربما كان يتوهم .....دخل مكتبه مرةً أخرى وتركها بالخارج .....
توقفت فرحة عن البكاء بصوتٍ مسموع إلى بكاء صامت .....ليته ما أتى ولا تحدث معها ..... لأول وهلة صدمت من وقوفه أمامها وهي من كانت تحلم بذلك منذ أن أتت لهنا .....
منذ أن رآته وقد لفت أنتباهها ...لتمر الأيام ويوما بعد يوم كانت تلمحه من بعيد ...وتتعلق به أكثر ....في صمتها الأخرس ..... وحزنها من معرفة الحقيقة ...أنه متيم بأخرى !
منذ أيام قليلة كانت تعاهدت مع نفسها بأن لا تفكر فيه لحظة أخرى .... وأنها لابد أن تخرجه من أفكارها .... أنه حتى لم يعرف أنها تعمل هنا !! ....فأي أمل بقلبه بعد ؟!
أصبح الم قلبها الضعف بعد هذه المحادثة السريعة معه ، ثم تنهدت فرحة بعمق ...علها تطرد هذا الثقل والأختناق من أنفاسها ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
انشغل الفتيات بالعمل بالمنزل وتحضير الطعام .....وكل واحدة خاطرها شاردًا في حبيبًا مختلف.....
همست حميدة لجميلة وهما ينظفا المطبخ بعد الإنتهاء :
_ هو الواد نعناعة اتأخر كده ليه النهاردة ؟!
أجابت جميلة بسخرية ؛
_ عشان عايزينه .....بالك أنتِ لو مش محتاجينه في حاجة كان زمانه مرازينا من الصبحية ....
وضعت حميدة الأطباق النظيفة على حامل الأطباق المعدني وقالت بصوتٍ هامس خفيض :
_ أنا خايفة لما أمي تعرف .... خايفة تصمم تمشيهم أو نمشي احنا ونرجع لبيتنا تاني .... مش عايزة ارجع البيت يا جميلة ..... هشوف أبويا في كل ناحية فيه وقلبي هيوجعني ومش هبطل عياط .....
قالت جميلة بقلق وهي تمسح أرضية المطبخ بقطعة قماش جافة :
_ عندك حق والله ..... وأنا كمان مش عايزة ارجع رغم أن البيت وحشني ..... بس أن شاء الله تعدي على خير ...خصوصاً يعني أنهم مالهمش ذنب في حاجة .... وأمك بنفسها قالت أن أبويا كان مسامح جدي قبل ما يموت ونفسه يرجع البيت الكبير من تاني واحنا معاه ....
ابتسمت حميدة بمكر وقالت لها بغمزة من عينيها :
_ أنا حاسة أننا سامحناهم عشان يعني ...حبيناهم وكده ....
كتمت حميدة ضحكتها بعدما قالت ذلك ، فأقتربت منها جميلة هامسة بحذر لكي تصمت :
_ وطي صوتك يا غبية ! ..... قال حبيناهم قال !
ثم وضعت يديها حول خصرها وقالت بثقة :
_ هو يمكن آه عجبني بس مش للدرجادي يعني ! ....... وبعدين أنا بقلق منه بصراحة ....ده مية من تحت تبن ، خبيث ومكار وعنيه شكلها زايغة أوي.... وأنا عصبية ومش هستحمله ....
قالت حميدة بابتسامة واسعة:
_ ما هو محدش كامل من مجاميعه ، خديه مجنون وعقليه ....
مطت جميلة شفتيها بسخرية وقالت :
_ أخده ؟! ....قال يعني اتكلم عليا واتقدم عشان أبقى اعقله !!
اقسمت حميدة بتلك الابتسامة المتسعة على شفتيها وقالت :
_ والله ليتقدم قريب وبكرة تشوفي ..... ده كفاية غيرته عليكِ وده ومكنش لسه عرف كمان القرابة ما بينا ....أومال دلوقتي بقا ؟!
ابتسمت جميلة بخجل حتى هربت بنظراتها من حميدة وقالت بعجالة:
_ خلصي خلصي ....مش هنقعد طول النهار ننضف !
في ذلك الوقت قد أنتبها الفتيات لصوت الصبي بالخارج ..... وهذا يعني أن ساعة كشف الحقيقة اقتربت ......
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
دلف الصبي للننزل بعد وضع حمولة الزرع بالحظيرة .....وتفاجئ الفتيات أن خالهم "العمدة" قد دلف خلفه وكأنهما كان سويًا بالحقول .....
نظر الصبي للفتيات الواقفن عند مدخل المطبخ وقال لهما:
_ قابلت أبويا في الغيط وقولتله ، كان مع الحاج عيسوي بعد ما خلصوا قعدت الصلح وراحوا الغيط بعديها ......
تنفست حميدة الصعداء، بينما نظرت جميلة لخالها بنظرة شك ..... ولكن على ما يبدو أن ظنها سيكن صحيح .... لأن ما كاد العمدة أن يدخل المنزل حتى توجه مباشرةً إلى غرفة شقيقته "وداد" ..... بينما دخل الصبي الحمام ليغتسل سريعا قبل تناول الغداء المتأخر ميعاده ......
قالت حميدة بإرتياح :
_ الحمد لله خالك عرف وهو هيتولى بقا المهمة دي بدالنا ....وهيقول لأمي وهيفهمها براحة من غير ما تتعصب ....
أطرفت جميلة عينيها بتفكير وشك ....ثم قالت بنظرة شاردة بعض الشيء :
_ مش عارفة ...بس حاسة أنه عارف من الأول .... شكله مش متفاجئ خالص وعينيه بتهرب مننا !! ..... تفتكري أنه كان عارف أنهم ولاد عمامنا من يوم ما وصولوا ؟!
هزت حميدة كتفيها دلالة عدم المعرفة بالأمر ...فقالت :
_ وحتى لو يعرف .... اللي يهمنا أن ما تحصلش مشكلة بينا وخلاص ، كفاية هم بقا ونبقى كويسين مع بعض!! ...أظن كده أريح ...
التفتت جميلة بنظرة ماكرة لحميدة، وقالت بابتسامة خبيثة :
_ عارفة ..... بأمارة يوسف !
ابتسمت حميدة بحياء ثم قالت :
_ وفيها إيه يعني ؟ ..... طالما ناويين على الحلال من غير لف ودوران .... هو صراحة ما كلمنيش لأني مش بديله فرصة أصلًا .... بس قلبي حاسس أننا على نفس الطريق .....
ربتت جميلة على كتف شقيقتها وقالت بمحبة :
_ ربنا يسعدك يا حبيبتي وأشوفك مبسوطة معاه قريب ..... شكله طيب زي أبويا الله يرحمه ....راجل بس جواه طفل طيب متمسك بوجوده حتى لو الشعر شاب ... اللي زي ده بيعتبر مراته أمه وبنته كمان .....
وبغرفة " وداد " .......
حدقت عينيها بدهشة في وجه أخيها عندما أخبرها ما حدث ....فقالت بتوتر :
_ مقالوش ليا أي حاجة طول النهار وده شيء يقلق !! ...... أنا خايفة يصمموا يمشوا من هنا ..... أنا فاكرة كويس لما سافرنا تاني يوم وفاة مصطفى الله يرحمه ومارضيوش يروحوا بيت العيلة ورفضوا ......
طمئنها شقيقها وقال بابتسامة :
_ بالعكس .....أنا كنت قلقان زيك كده ، بس اللي عرفته من الواد نعناعة أبني أنهم ما زعلوش خالص !! .... والشباب نفس الشيء كانوا بيهزروا ويضحكوا بعد ما عرفوا ...... وكمان أنا مبسوط أن جاسر دافع عن جميلة ووقف في وش نبيل ووقفه عند حده .....
ابتسمت وداد على مهل ثم قالت :
_ يظهر أن جدهم كان عارفهم أكتر من أي حد ....ومجيتهم هنا كان لازم تحصل ..... عشان كمان البنات مايتحججوش ويرفضوا يقابلوهم أصلًا .....أهو كده كلهم عرفوا بعض من غير ضغط مني أو من جدهم .....
قال أخيها بتحذير:
_ اتعاملي مع البنات والشباب كأنك متفاجأة ، أوعي تبيني أنك كنتِ تعرفي حاجة ..... هبعت نعناعة دلوقتي يندهلهم عشان يتغدوا معانا بمناسبة الاكتشاف ده يعني .....
وافقت وداد دون تفكير ...... ثم خرج العمدة من غرفة شقيقته وقابل بالصالة الفتيات يجلسن امام التلفاز ....كأنهن بأنتظاره ....
حاول أن يخفي ابتسامته وهن ينظرن إليه گ القطط الجائعة التي تنتظر أن يضع لهم احدًا الطعام .....
فقال لهنّ بمحبة وهو يجلس بقربهنّ :
_ أنا قولت لأمكم يا بنات .... ومتخافوش هي قبلت وجودهم ....لأنهم مالهمش ذنب في حاجة ..... بس اوعوا تكونوا أنتوا زعلانين ؟
قالت حميدة بابتسامة عريضة :
_ لا خالص يا خالي ..... نزعل ليه وهما عملوا فينا إيه ؟! ..... وبصراحة كفاية دفاعهم عننا امبارح ...حتى اسأل نعناعة ....
أتى الصبي من غرفته بعدما بدل ملابسه بملابس نظيفة وقال وهو يرتدي حذائه الجلدي :
_ جاسر كان هيبلع نبيل .... ده لو اتساب عليه هيفرمه بس أنا حوشته .... ما انتوا عارفيني لما بتنرفز بعمل إيه !!
قالت رضوى وهي تكتم ضحكتها :
_ آه عارفين ..... رابح فين يا فرط البلح ؟
نظر لها بغيظ ثم قال :
_ رايح أشوف صحابي .....خليكي في حالك يام نص لسان ....
ضحك الفتيات عليها وشاركهم العمدة ....ثم تمتم قائلًا :
_ والله لمتكم هتوحشني يا بنات .... طلعتكم هتبقى صعب عليا .....
نظرت جميلة له بنظرة ضيقة واستفسرت قائلة :
_ بتقول إيه يا خالي ؟!
هز الرجل رأسه بنفي وادرك موقفه ...فقال :
_ لا مابقولش ..... قوموا حضروا الأكل الشباب زمانهم جايين على هنا .....
نهض الفتيات سريعا إلى المطبخ وهم يتهامسون .....باستثناء رضوى التي اشتاقت أن تراه ..... ربما كان بالأمس في صدمة وسيعود لطبيعته الودودة .....ابتسمت لهذه الخاطرة ورسمت بعض الأمل .... فليس منطقي أن يضيق بهذه القرابة أن كان يميل إليها !!
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
كان قد أتى الشباب الأربعة منذ نصف ساعة ......وتساءل جاسر وهو يرتدي ذاك الرداء الرياضي الذي كان يرتديه بالأمس في العرس .....فقال بابتسامة خبيثة :
_ حد يروح يستأذن من العمدة نسمع الماتش عنده .... يلا بقا الزمالك وحشني
نظر له يوسف بابتسامة سرعان ما تحولت لضحكة :
_ اشمعنى العمدة يعني ؟ ....ما أحنا عرفنا أن الفريق الطبي عندهم دش وتليفزيون عادي وممكن نتفرج معاهم...؟!
رد جاسر وهو يمرر يده على شعره بابتسامته الماكرة :
_ بتفائل بالعمدة ..... حاسس أني هركز أكتر لو شوفت الماتش عنده ...... الراجل وشه بشوش بشبشة قمر .....
ضحك يوسف عاليًا .... وأوضح قائلًا :
_دي بنتك عمك خليك فاكر .....يعني مش للتسلية وتفكيرك الشمال ....أنسى جاسر القديم شوية .....
نظر له جاسر بضحكة ماكرة وقال :
_ فكرتني ..... ده زمان البنات اللي أعرفهم بيعدوا الأيام لحد ما ارجع ..... الشقاوة وحشتني ..... الواحد حاسس أنه في منفى ....
قال رعد بتعابير وجه لا زالت جامدة:
_ مش رايح معاكم ....
زمّ جاسر شفتيه بغيظ ثم أشار له بتهديد :
_ بقولك إيه أنا مش طالبة معايا كآبة !! ...... ياشيخ بذمتك أنت مش نفسك تشوفها ؟! ...... أنت عنيد ليه ؟ ....وليه مش طايق نفسك كده ؟!
نهض رعد وقال بغضب :
_ لأن دي الحاجة الوحيدة اللي كنت فاكر أني هختارها بنفسي وبإرادتي .....أنما في الآخر اكتشف أن جدك ليه صلة بالموضوع وده كله كان خطة يبقى آسف ...... مش هسمحله المرادي ..... كفاية إجبار بقا .... تدخل جدك المرادي قادر يكرهني فيها بجد !
تنفس جاسر بغيظ وعصبية منه فقال :
_ لما نبقا نتأكد نبقى ناخد موقف ..... أنما تصرفاتك دي مالهاش معنى بصراحة في الوقت الحالي ......
هتف رعد فيهم بعصبية وقال :
_ انتوا مش فاهمين حاجة .....أنا متأكد من اللي بقوله لأني ربطت الخيوط ببعضها ....احتمال البنات كمان كانوا عارفين أننا ولاد عمهم وبيستعبطوا ! .....
لو ظني صح ووافقت وفرحت دلوقتي عمري ما هقدر تاني أقول لجدي لأ في أي شيء .....حياتي وحياتكم انتوا كمان هتبقى في إيديه بيحركها زي ما هو عايز من غير ما نقدر نعترض ولا ننطق حرف .....أنا من قبل ما أجي هنا وكنت مقرر قرار نهائي استقل بحياتي عنه ...... والقافلة دي بالنسبالي آخر قرار هياخده بدالي ......
تنهد بضيق شديد ثم قال بعصبية :
_ أول مرة اكره تدخله بالشكل ده .... هو اللي وصلني أن أكره أي شيء بيختارهولي حتى لو بحبه .....وللأسف موافقة أي حد فينا هتضعف الموقف كله للباقي ...... أنا ما نمتش من امبارح وراسي هتنفجر من التفكير .....
نظر له آسر وقال متفهما احساسه وقال بتأكيد :
_ عندك حق يا رعد ....أنا كمان كنت زيك مقرر كده ..... بس على الأقل احنا لحد دلوقتي معرفناش الحقيقة فين ..... ياريت نأجل أي قرار لحد ما نتأكد وبعديها نقرر ......
قال رعد بتصميم والعبوس يملأ وجهه :
_ ماليش مزاج للماتش ...روحوا انتوا .....
زفر جاسر بلعصبية وهو يتمتم بغيظ .....ثم قال للشباب :
_ خلاص سيبوه هنا .... بائس وهيفضل طول عمره بائس ..... وأنا اللي كنت فاكره التونز بتاعي في الدماغ وفاهمني ..... أنا محاط بأخواتي المتخلفين !!
نظرا له يوسف وآسر بغيظ .....حتى انتبهوا لدق على باب المندرة .....توجه يوسف ليفتح الباب، فوجد الصبي ينظر له بصمتٍ لبرهة ....ثم قال ونظرة عينيه بها شيء غامض :
_ أنتوا معزومين على الغدا عندنا يا دكاترة .... تنورونا ....
ابتسم يوسف له ولم يلاحظ عبوس الصبي وتجهمه فقال :
_ أبن حلال يا نعناعة ...كنا جاينلكم ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بأحد المستشفيات القريبة من مكان الأختطاف ...تم نقل الطبيبة مروة ونقلت أيضا ليلى وأبنتها .....
تاهت ليلى في غفوتها ويدها معلقة بكانيولا لتوصيل محلول طبي لجسدها .....
كانت تتمتم ببعض الكلمات المتقطعة، وهي ممددة على فراش طبي بغرفة منفردة ....قد حجزها وجيه لها خصيصا حتى يتم نقلها بالمشفى الذي يملكه .....
لا زالت الصغيرة بين ذراعيه ...رفضت رفض تام أن تبتعد عنه ولو لدقيقة واحدة ....ترفض حتى الغفوة !!
كأنها إذا اغمضت عينيها سترى ما حدث بأحلامها ....وهذا السبيل الوحيد التي ترى من خلاله ....بالأحلام .....
نطقت بصوتها الضعيف للمرة العاشرة منذ أن أتى لهنا :
_ بابا وجيه ؟
نظر وجيه للجسد الصغير المتشبث به بكل قوته ...ورد بصوت يملأه الحنان :
_ ايوة يا حبيبتي ...
ابتلعت الصغيرة ريقها وهدأت رجفتها قليلًا وصمتت ...كأنها لم تكتفي بتمسكها به ...بل تتأكد أنه هنا من صوته .....فهم وجيه حالة الذعر المُلمة بها فقال وهو يربط على رأسها برفق :
_ مش همشي ....ولو مشيت ....
اهتز جسد الصغيرة بشدة من كلمته الأخيرة وبدأت تبكِ ....فتابع سريعا ليوضح لها مراده :
_ هاخدك أنتِ وماما معايا ..... مش هسيبكم تاني أبدًا ....
هدأ بكاء الصغيرة ورويدًا عادة لسكونها الغامض .... بدأ يقلق بالفعل على نفسيتها وصمتها هذا ...فقال ليحسها على الحديث :
_ اتكلمي .... قولي اللي أنتِ عايزاه وأنا اعملهولك .... هجيبلك اللي أنتِ عايزاه ..... اجيبلك إيه ؟
ادمعت عين الصغيرة بحزن بريء.... وقالت بوهن :
_ القطة
قال وجيه باقتراح :
_ هبعت اجيبهالك من الفندق ....
بكت الصغيرة وهي تلتقط أنفاسها بالكاد وقالت :
_ ماتت تاني ....
إلى الآن لم تدرك الصغيرة أنها اصبحت يتيمة ، ولا تدرك أن ابيها الذي ترجاها منذ ساعات أنتهى للأبد ، ضمها وجيه بتنهيدة وهو يتفهم كم الأمر مؤلم بالنسبة لطفلة بعمرها ...فقال بحنان :
_ هجيبهالك تاني ....أوعدك .... لو مجبتش القطة ليكِ خاصميني ..... أنتِ عارفة أن بابا وجيه بيحبك صح ؟
هزت الصغيرة رأسها بالإيجاب وببطء ....فتابع وجيه بنظرة عطوفة :
_ يبقى صدقيني ....هجيبلك قطة شبهك بالضبط .... وجميلة أوي زيك كده .... أحلى قطة بالعالم لبنتي حبيبتي ....
مسحت الصغيرة عينيها بقبضة يدها، ثم اغمضت عينيها ورأسها على صدره ..ربت وجيه على رأسها بابتسامة حنونة .... وقلبه يقسم أنها ليست غريبة ....هذه أبنته وليست غريبة عن حنانه الأبوي ...... وليست غريبة عن قلبه ...
رددت ليلى اسم ابنتها ...ثم ناشدت باسم وجيه ونزفت عينيها المغمضة دموع .....رغم تيهتها، فقال وجيه بهمس لها :
_ أنا معاكِ يا ليلى وبنتنا بأمان ..... أطمني وهفضل جانبك لحد ما تفوقي ..... مش هستنى تاني يا ليلى ..... أنا محتاجلك جانبي ....وأنتِ محتجالي وريميه محتجالنا أحنا الاتنين ...... مجرد ما تقدري توقفي على رجليكي هنكتب كتابنا ....
هكون معاكِ خطوة بخطوة في العلاج بس وأنتِ معايا ..... كفاية عشر سنين فراق ووجع ووحدة ...... أنا عارف إنك سمعاني ...وعارف أن الكلام ده بيوصلك وبيطمنك ....هفضل اكلمك لحد ما تفوقي ....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
رفع رعد هاتفه الخاص واجرى اتصال على رقم هاتف جده
"رشدي " ......
أجاب رشدي على الهاتف سريعًا من فرط قلقه من تأخر وجيه واختفائه المفاجئ من المشفى .....وقال :
_ الو ؟!
رد رعد عليه بإجترار الحديث بهدوء تام لكي لا ينكشف أمره ...فقال :
_ وحشتني جدًا يا جدي ...... فاضل تقريبًا شهر وكام يوم لحد ما نرجع .......
تعجب رشدي من اتصال رعد المفاجئ ....فكان يتصل به يوسف وجاسر باستمرار ...بينما رعد دائمًا كانت أحاديثه قليلة .....ولا يحب كثرة التحدث بالهاتف .....فقال بشوق حقيقي لحفيده :
_ وأنت كمان يا رعد وحشتني أوي .....
ظهر القلق بصوت الجد فسأله رعد :
_ صوتك ماله يا جدي أنت فيك حاجة ولا إيه ؟.... كام ساعة وتلاقيني عندك والله ...
نفى الجد وقال بتأكيد :
_ لأ أنا كويس أوي والله ....بس وجيه مش في المستشفى واتأخر في ميعاده ....المفروض النهاردة هيجي بدري عن كده أنا عارف مواعيده ! ....وكمان تليفونه غير متاح .....
قال رعد بصدق ليطمئنه :
_ لا متقلقش .....ده كان بيحصل كتير قبل كده ، عمي بيروح مستشفيات تانية وعنده مرضى كتير مش في المستشفى عندنا ..... وأنت عارف أنه لما بيبقى مشغول بيقفل تليفونه .....
ارتاح الجد بعض الشيء وقال :
_ طمنتني شوية ..... ها بقا قولي ....الحو عندك عامل إيه ؟
وصل رعد لمبتغاه دون مجهود ....فقال بمراوغة :
_ هايل يا جدي ....بجد مرتاح جدًا هنا ، والعمدة هنا استقبلنا هو وأهله استقبال عظيم ..... محسسناش أننا أغراب هنا بالعكس ...لدرجة أني اعتبرتهم أهلي خلاص وقررنا أنا والشباب نعمل مركز طبي هنا صغير كده لأهل البلد ......لو تشوف حبيناهم أزاي مش هتصدق ....
ابتسم الجد بإرتياح شديد وهبث مر بعينيه فقال :
_ طب الحمد لله ....دي أخبار جميلة جدًا ومبشرة .....
ابتسم رعد وبعينيه غيظ وغضب ...فقال متظاهرًا بالمرح :
_ اللي فرحني بقا وصدمني كمان مش هتصدق .... أنا نفسي مصدوم لحد دلوقتي .....تخيل أن العمدة يبقى أخوا مرات عمي مصطفى !! ..... وهي هنا وبناتها هنا كمان .... بصراحة اتبسطت يعني مش هكدب عليك ..... وياريت ما تزعلش ....أنت من زمان نفسك تشوفهم ....
تفاجأ الجد رشدي من حديث رعد المرح وقال بدهشة :
_ يعني أنت شوفت البنات وهما عرفوا أنكم قرايب ؟
ضحك رعد متظاهرًا وقال :
_ آه عرفنا ...وهما عرفوا كمان وكلنا اتبسطنا عادي ..... دول من دمنا برضو ولا إيه ؟!
قال الجد بقوة ولم يدرك أن حفيده يستدرجه :
_ طبعا من دمكم ومن لحمكم كمان ...... اهو كده ارتحت الحمد لله ....
قال رعد وهو ينهض بحركة عصبية :
_ شكل هيبقى في نسب يا جدي لينا احنا الأربعة...وقعنا على ملا وشنا من غير ما نحس .... واهو نبقى لمينا الشمل ...ولا إيه رأيك ؟
رد الجد كان تلقائي بفرحة شديدة وقال بتمني :
_ ده يبقى يوم المنى ....ده اللي اتمنيته من زمان يابني ...... أنا قلبي بيتنطط من الفرحة ...
قال رعد بثبات بعدما كتم غضبه :
_ أنت خططت صح بس بصراحة الخطة عجبتنا ودخلت دماغنا احنا الأربعة ....مبروك يا جدي يا لئيم ...أنت كسبت زي كل مرة ....
ضحك الجد وظن أن رعد بالفعل يمزح معه، ولم يجد عائق أو ضرر في كشف الخطة....فالأمر قد تم دون تدخله كاملًا :
_ كانت نيتي خير والله .....مكنتوش هترضوا تسافروا لو كنت اقترحتوا عليكم عادي ....بس أهو ربنا سهل الحال وأنتوا اللي اختارتوا بنفسكم ...عشان ما حدش يقول أني اجبرتكم .....
صرّ رعد على أسنانه بغضب وقال :
_ طب لو كنا رجعنا ومحدش قرر فينا يتجوز بنت عمه ...كنت هتعمل إيه ؟
هرب الجد من الإجابة، وبدأ يشعر بتغيير في نبرة صوت حفيده متجهة للعصبية ...فقال بمراوغة :
_ وليه أفكر في كده طالما ربنا سهل الحمد لله من غير إجبار مني !! ..... بس قولي ...أنت اخترت أنهي واحدة فيهم ؟
قال رعد بحدة وقد اجتاحه الغضب :
_ لما اوصل القاهرة هقولك يا جدي .....
ضيق الجد رشدي عينيه بقلق ، قد اوضحت رنة صوت حفيده شعوره الحقيقي ....فقال له :
_ أنا هكون عندكم في خلال أيام .....نفسي أشوف البنات أوي ...بقالي سنين ما شوفتهمش ....
قال رعد بهدوء ما قبل العاصفة :
_ توصل بالسلامة يا جدي ..... بعد أذنك .....
انتهى الأتصال بهدوء .....دفع رعد الهاتف وعينيه يتأجج منها الغضب ......نظر لخزانة ملابسه وقرر العودة للقاهرة على الفور ....
توجه بغضب إلى الخزانة وأنزل حقيبته الكبيرة ، ثم بدأ يلقي فيها الملابس بدفعات غاضبة من يديه .....
➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖➖
قدم الفتيات الطعام أمام الشباب .... مع نظرات جاسر المغازلة بصمتٍ ماكر ...كانت تتهرب منه جميلة بابتسامة تخفيها بداخلها ....
بينما كان يأمل يوسف الطعام بنهم ويقول بقصد :
_ تسلم إيد اللي عملته والله .....
كان يشعر أنها على الأقل شاركت فيه ، وقصد أن يصلها صوته ...فابتسمت حميدة وهي بالمطبخ .....
التزم آسر الصمت وهو يأكل بهدوء ، بينما عينيه كانت تنتفض بحثا عن سما ....التي منذ أن ظهرت أختفت بعدها .....ولكنهما تشاركا نظرة سريعة مبتسمة .... كانت كافية لأن تحيي فيهما الأمل من جديد ....وتمد صلة القرب...
هربت رضوى لغرفتها وظلت تبكِ ..... هي على يقين أنه قصد عدم المجيء ......الأمر ليس مصادفة هذه المرة ! .....
أنتهت فترة الطعام وتقدم جاسر ليغسل يديه بالحمام......
كان الحمام بجانب المطبخ ....وقف يغسل يديه وهو يقول مبتسما :
_ إيه الصابونة القمر دي .... هاخدها معايا وأنا مسافر .... جميلة جمال مالوش مثال ....
نظرت حميدة لجميلة التي تكتم ضحكتها في المطبخ ...اقتربت لها وهمس بضحكة خافته وقالت :
_ بقيتي صابونة ...
بعد دقائق مرت ....جلس الرجال أمام التلفاز بإنتظار المباراة ......
خرجت سما من أحدى الغرف وهي ترتدي عباءة سوداء للخروج ...وقالت وهي تنظر بعيدًا عن الانظار الموجهة لها من الشباب :
_ هسأل جارتنا على حاجة يا خالي وجاية بسرعة .....
نظر آسر لساعته وقال للعمدة :
_ هي هتخرج بليل كده يا عمدة ؟! .....
أشار العمدة لسما وقال بأمر :
_ ادخلي دلوقتي يا سما وابقي اسأليها بكرة .....
ضغطت سما على أسنانها بغيظ وهي تنظر لابتسامته المنتصرة .... ولغمزة جاسر لآسر بمكر وابتسامة خبيثة وهذا ما استفزها أكثر ...... بينما يوسف ك عادته ضحك عاليًا دون أن يعرف أحد سبب ضحكته تحديدًا ....
لمحته حميدة من المطبخ وكتمت ضحكتها وقالت لجميلة بهمس :
_ ضحكته بتخليني عايزة ارقع بالصوت من الضحك .... دمه خفيف حتى لو ما نطقش كلمة !!
دخلت سما لغرفة أمها عائدة بنظرات غيظ ...... فاتسعت ابتسامة آسر وشعور المرح يغزو كيانه .....
بدأت المباراة وللعجب لم يكن الصبي متحمسا لها مثل السابق ...بل وكأنه يفكر بشيء وشاردًا به كليًا ......
سرقت المباراة ذهن جاسر وبدأ يتحمس ويصيح كلما اقتربت الكرة للمرمى .... ولسوء الحظ دخل بمرمى ضد فريقه هدف صحيح ......فوجد يوسف لكمة على كتفه فجأة.... فتأوه بعصبية :
_ أنت غبي !!
عنفه جاسر بغيظ ..وصاح:
_ قوم من جانبي يا أهلاوي مش طايقك......أنت لابس شراب أحمر ليه ؟!
قال يوسف ليغيظه :
_ ولابس الساعة الحمرا كمان ..... مش عشان ده ماتش الزمالك يبقا أنسى أني أهلاوي ؟!
نظرت حميدة لجاسر بغيظ من بعيد ....وهمست :
_ تتضرب في ايدك يا جاسر !! .... ده أنت فعلًا غبي !
وضعت جميلة يدها حول خصرها ، وهي ترفع حاجبها وتقف بمنتصف المطبخ :
_ مين ده اللي ينضرب في ايده ياختي ؟!
استدارت حميدة وقالت بتضيقه من عينيها :
_ ابو طويلة اللي أطول من الباب .....يمد ايده على يوسف ليه ؟!
نظر الفتيات لبعضهن للحظات ثم انخرطا في الضحك على ما يفعلونه !
أتى هدف آخر بعد فترة ضد فريق جاسر ...فلاحظ أن العمدة يبتسم ....فسأله جاسر بنظرة خادة :
_ أنا حاسس أنك أهلاوي يا عمدة ؟!
اتسعت ابتسامة العمدة وقال :
_ أومال بضحك ليه يابني !
انخرطا آسر ويوسف في نوبة من الضحك على نظرات جاسر النارية ......
حتى وجدوا باب المنزل يقرع بشدة .....
نهض الصبي ليفتح الباب فوجد رعد يقف وبيديه حقائبه ....نهض الشباب الثلاثة عندما رأوه هكذا ....ونظروا له مصدومين ....حتى قال رعد بصوتِ لا يقبل الجدال أو المناقشة :
_ أنا راجع القاهرة .......مسافر دلوقتي .....
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
_____________________
كل سنة وأنتم طيبين وبخير ....نتقابل أول يوم العيد بأذن الله 😘💟😍😍😍😍😍
فرحوني بالتفاعل بقا لأن كمالة الرواية هتبقى دمار بجد.....تخيلوا الاحقاد دي كلها تتجمع في بيت العيلة في القاهرة 😹😁😹😁💔😂😂😂
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_الثامن_والعشرون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... مرحلة أخرى بينهما ...~
قبل أن نترك قلوبنا تحب ...لابد أن نستشير العقل ولو قليلًا.
اسمر خجول ، ذو نظارت طبية على يقين أنها تخفي خلفها عواصف من المشاعر التي تنتظر دقة قلب صادقة!
" فرحـــة "
قالتها الممرضة التي خرجت للتو من قسم العناية بالمشفى ، وأشارت للغرفة قائلة لها :
_ الزيارة ممنوعة دلوقتي خالص للأسف ، ممكن بكرة أو بعده الدكتور يسمح بالزيارة لسه مش متأكدة ... بأذن الله هيكون بخير.
اشتدت دموع عينيها بقوة وقالت بصوتٍ غمره الألم:
_ يارب سلم ...أنا ماليش غيره.
قطع حديثها مع الممرضة مجيء رجلين يبدو عليهم الثراء الفاحش من مظهرهما الأنيق بحلى باهظة الثمن وعطر فواح ... كان منهما رجلًا تخطى الخمسين من العمر .. والآخر كان شابًا في الثلاثين من العمر يشبه الاول في ملامحه ولكن بعمر أصغر بكثير.
وقفا الاثنان أمام " فرحة " بنظرات دقيقة واثقة ...وقال الشاب الذي يدعى " زايد" :
_ أنتِ الأنسة فرحة عبد الله ؟
انسحبت الممرضة من هذا اللقاء ، بينما نظرت فرحة لهما بتعجب وغرابة ثم قالت ببعض القلق :
_ ايوة أنا فرحة عبد الله ... أنتوا مين ؟!
قبل أن يتحدث زايد أخذ نفسًا عميقًا بنظرة تفحصية بفرحة ، وتعجبت منه وغضبت ، لأن نظرته تبدو كتقييم لها كأنثى ! ... فقال زايد ببعض العجرفة:
_ أنا أخوا فادي ، اللي ضرب أخوكي بالعربية وحضرتك عملتي محضر باللي حصل... احب بس أعرفك أن كل ده مالوش لازمة .. وده معناه أننا نتراضى بهدوء أحسن لأن المشاكل هتأذيكي أنتِ لوحدك ...أو عشان اكون صريح ..هتأذيكي أنتِ وأخوكي.
صرّت فرحة على أسنانها بغضب شديد وودت لو تدث أظافرها بعنق ذلك الأحمق ...وقالت بعصبية مجيبة على تهديده الصريح:
_ ولما هيا هتأذيني أنا لوحدي جاي لحد هنا ليه ؟! اللي يتكلم بالأسلوب ده ما استغربش ابدًا أنه يبقى عنده أخ مراهق زي المجرمين ! ... ولعلمك ...مش هسيب حق أخويا وهوديكم في داهية ، أنا جبت فيديو باللي حصل كله من أول الخناقة ...يعني ده معناه ...
قاطعها زايد بعصبية :
_ معناه أنك لو بس فكرتي تقدميه أنتِ وأخوكي وعيلتك بحالها هتختفوا للأبد ..وأظن كلامي مفهموم ، أنا جاي أحلها ودي وده مش معناه أني خايف ولا أنا اللي ممكن أخاف من تافهة زيك ..... لكن بقدم الأول الحل الودي ..ولو ماجبش نتيجة يبقى أنتِ اللي أختارتي... مفهوم ؟!
قبل أن تصب فرحة غضبها عليه قال الرجل الثاني وهو والد زايد " ممدوح سراج" :
_ استنى يا زايد ... كلميني أنا يابنتي.
نظرت فرحة بغضب للرجل ، فتابع ممدوح بثبات :
_ بصرف النظر عن اللي قاله زايد أبني واللي عمله فادي ..أنا بعتذرلك ... أنا عارف أن الاعتذار ده مش كفاية ، بس مجيتي هنا مش تهديد أبدًا ... أنا جيتلك بنفسي عشان اتحمل نتيجة غلط أبني ... وأخوكي هيتعالج على حسابي لحد ما يقوم ويبقى احسن من الأول ... أحنا مش بتوع مشاكل ولا بنحب نيجي على حد.
هدا غضب فرحة بعض الشيء من لباقة الرجل الكبير في حديثه ، ول يخفى عنها نظرات ابنه زايد المصدومة الغاضبة منه ومنها ...فقالت :
_ لو أخويا قام بالسلامة وقبل أعتذاركم ... أنا معنديش مشكلة ، أنما لو اللي حصله سببله أي أذى يبقى ابنكم يتحمل نتيجة غلطه ... وده آخر كلام عندي.
زفر زايد بعصبية مفرطة وقال لوالده بأنفعال:
_ الذوق مش بيجي مع الأشكال دي ... وكل واحد يحاول يحل المشكلة بطريقته... وأنا ليا طريقتي اللي بتجيب من الآخر.
ترك زايد والده وتحرك مبتعدًا حتى أختفى تمامًا ، تنهد أبيه بقوة ثم قال لفرحة :
_ اكنك ماسمعتيش حاجة ، أنا دلوقتي هروح للدكتور المشرف على الحالة وهتكلم معاه ، ولو لزم حتى السفر برا هسفره في ٢٤ ساعة .. ما تقلقيش خالص.
أسلوب الرجل الذي بعمر والدها أجبرها أن تتعامل معه بأقل حدة ، خاصةً أن بالحقيقة أبنه المنحرف هو من زجه بهذه الورطة ... ويبدو أن إبنه الآخر أكثر فسادًا من الصغير !
استندت فرحة على الحائط بحيرة شديدة بعدما غادر الرجل ، هل توافق أن تنسحب وتضيع حق أخيها قانونيًا ، أو تصمم وتدخل بحرب تعترف لنفسها أنها ليست متكافئة وغالبًا ستكن خاسرة بالنهاية.
الخيار الأول سيقدم لأخيها عناية طبية فائقة حتى يستطيع النهوض ... رعاية طبية أكثر من استطاعتها على تحمل تكلفتها ! ، والأختيار الثاني مشقة من جميع الاتجاهات ...
خرجت من شرودها بدهشة من ذلك المحدق بها بصمت وتفحص غامض ، كان هو ذلك الشاب الثلاثيني عاد مجددًا لا تعرف من أين ! .... تحدث بنظرة ثعلبية ماكرة :
_ طب لما أنتِ موافقة نتفاهم ودي ليه العصبية دي ؟!
أكثر شخص قابلته بحياتها استطاع ان يشعل الغضب فيها بلحظة وبرمقة عين .... اجابت بضيق :
_ ومين اللي قالك أني وافقت ؟! أنا بس احترمت والدك لأنه في سن والدي ...وكمان اتكلم باحترام مش زيك ! ... لكن ده مش معناه أني موافقة ! ...وأظن ردي كان واضح !
رفع زايد حاجبيه بسخرية واستهزاء ثم قال بثقة:
_ كل حاجة تخص عيلتي بتلف تلف وترجعلي عشان أحلها ، يعني ما تثقيش أوي في الكلام ...لأن الأمر كله في إيدي أنا ... أنا ماليش علاقة أخوكي هيقوم ولا لأ ... بس اللي ليكي عندي أني هدفع مصاريف علاجه مهما كانت ...انما يخف أو ما يخفش دي مش مسؤوليتي أنا مش دكتور ! ... وأنتِ بقى تلغي المحضر وتسمعي كلامي .... هو ده اللي عندي !
" هي مش تحت أمرك عشان تسمع كلامك ! "
قالها " أمجد" عندما كاد أن يخرج من المكتب وسمع بالصدفة تلك المحادثة كاملة منذ البداية ، التفت له فرحة وزايد بتعجب ... اقترب أمجد من فرحة داعمًا ثم نظر لزايد بتحد واضح واضاف:
_ لما يكون اخوك غلطان يبقى لازم تعتذر وبعدين تحاول تحل المشكلة ! ، نبرتك وعجرفتك معاها غير مقبولة !
قال زايد باستخفاف:
_ وأنت مين بقى عشان تتكلم معايا كده ؟!
نظرت فرحة لأمجد بنظرة اطمئنان وابتسامة أخفتها سريعاً .... رفع أمجد نظارته الطبية على مرتفع أنفه وقال بجدية :
_ أنا قريبها ، ماتفتكرش أنها لوحدها .
ضيق زايد عينيه وتأرجحت نظراته بينهما في شك ، ثم قال بابتسامة ساخرة:
_ اوك ... أنا قولت اللي عندي ....سلام
رماهما بنظراته المستهزءة ورحل .... نفخت فرحة بكره لهذا المتعجرف ، ثم تبدل تعابير وجهها وقالت بأمتنان لأمجد:
_ أنا متشكرة أوي يا دكتور ، أنا اطمنت لما شوفتك ... بس كده ممكن تجيب لنفسك مشاكل؟!.
قال أمجد بهدوء :
_ أنا أسف لو تدخلت ... بس بصراحة أسلوبه مستفز أجبرني على الرد ... ولو على المشاكل فمعتقدش أنه في موضع قوة عشان يسببلك أي ضرر! ... هما دلوقتي عايزين يكسبوكي بأي شكل .. ده واضح جدًا.
ردت فرحة بريبة وقلق:
_ طريقة والده حسستني بكده ، أنما ده هددني بشكل مباشر ، الناس دي مش محتاجين يكسبوني لأنهم ببساطة ممكن يطلعوا ابنهم براءة من الحكاية كلها غصب عني..!
قال أمجد بتوضيح :
_ في صحافة وسوشيال ميديا مابترحمش دلوقتي ، يعني خبر زي ده ممكن يقلب الدنيا عليهم ويخسرهم كتير ... عرفتي هما خايفين ليه ؟!
هما أذكى من انهم يضروكي ... بس هيحاولوا يكسبوكي بكل الطرق ...خلي بالك من نفسك.
ابتلعت فرحة ريقها بخوف وقالت :
_ أنا كده خوفت أكتر ... أنا لوحدي أنا وأخويا ومالناش حد ، يعني ....
قاطعها أمجد بحسم وتأكيد:
_ انا مش بقولك كده عشان أخوفك !، بس بنبهك مش أكتر ، وعمومًا أنا معاكِ ما تقلقيش .... وبأذن الله أخوكِ هيبقى تمام.
تنفست فرحة الصعداء بعض الشيء وقالت بابتسامة طفيفة :
_ بأذن الله.
******
وقف الثلاث شباب ينظرون لرعد بصدمة ... ثم هتف يوسف بغيظ:
_ هتسافر دلوقتي ؟! ...أنت اتجننت ؟!
وقفت رضوى من بعيد تنظر لرعد بحدة وبعذاب يملأ عينيها ودموع مختبأة ، بينما هو قد مرت نظرته عليها سريعة ... كأنه لا يبالي بها وهو جدًا مشتاق ! .
تطلع به جاسر بغموض لبعض الوقت وكاد آسر أن يسأل رعد فقاطعه جاسر قائلًا بحدة:
_ أستنى يا آسر ، اكيد في حاجة في المستشفى في مصر ورعد مضطر للسفر ... تعالوا معايا .
نظر له رعد وفهم ما خلف حديث جاسر ...قال العمدة وهم يغادرون :
_ طب ابقوا طمنوني ..
فتحت وداد باب غرفتها وكانت تنتظر على نار لحظة المواجهة ، بينما لم ييسر الأمر .... تأففت بضيق شديد واغلقت بابها قائلة :
_ في حاجة غلط ... كان نفسي نتكلم والبنات يتعرفوا عليهم أكتر ...
رفعت يديها لربها وقالت :
_ يارب أنت الأعلم.... لو خير لبناتي يسرلهم الحال ، يارب طمني عليهم قبل ما أموت ..
انتبهت وداد لصوت قرع على الباب وسمحت بالدخول ...دخلت رضوى بعد لحظات بوجه شاحب وعينين دامعتان ...راقبتها وداد بقلق وتساءلت :
_ مالك ياعين أمك ؟!... شكلك باكية ليه ؟!
ارتمت رضوى على صدر أمها ببكاء ، وربتت وداد على رأسها بحنان قائلة بخوف :
_ طب فضفضيلي ... قوليلي اللي مزعلك كده !
ابتعدت رضوى وهي لا زالت تنتفض من البكاء، ثم قالت بحزن شديد:
_ مش متعودة أخبي عنك حاجة ... بس أنا قلبي مقبوض يمّه ، روحي كأنها متاخدة مني !
قالت وداد وهي تربت على يديها :
_ طب احكيلي وخرجي كل اللي مزعلك ...
أخبرتها رضوى بكل شيء وهي تبكِ ، فنظرت لها وداد بوجه لا تعابير له ... ثم قالت وتغاظت عن تظاهرها بعدم معرفة الخبر العائلي :
_ يعني لما عرف أنك بنت عمه اتغير ؟! أنتِ عارفة ده معناه إيه ؟!
قالت رضوى بأسى ودموع :
_ مالهوش تفسير غير أنه كان بيتسلى بيا ، ولما حس أنه ممكن يدخل في الجد بعد ! ، المشكلة أني ماحسيتش ولو لمرة أنه كداب ولا بيتسلى ! ...
قالت وداد بقوة :
_ أوعي تكوني قابلتيه في حته ولا سمحتيله يقربلك ؟!
نظرت لها رضوى بصدمة ونفت الأمر قائلة:
_ ولا لمس شعرة فيا حتى وعمري ما قابلته في مكان ، كل اللي كان بينا سلام من بعيد وخلاص ، بس أنا حبيته وده اللي واجعني .... حسسني أني اقل من أني حتى أفكر فيه ! ... ما هو أنا برضو ...
أشارت وداد لأبنتها بعصبية كي تصمت ، وقالت بحدة:
_ أنت تستاهلي احسن منه يا خايبة ! ، قومي فرفشي وارمي من دماغك ولا يهمك ... بكرة يجيلك ويترجاكي ... وبما أن طلعتوا ولاد عم يبقى هتتقابلوا كتير الايام الجاية.
نظرت رضوى لأمها باستغراب وقالت :
_ يعني أنتِ مش هتزعلني لو اتصالحنا على جدنا ؟!
قالت وداد لأبنتها بتأكيد وبصدق:
_ وازعل ليه أذا كان أبوكي نَفسه كان نِفسه في كده ؟!... ياما بيحصل بين الأهل بس في النهاية مالناش غير بعض ، قومي اشطفي وشك وروقي ... واللي فيه الخير ربنا هيقدمهولك يا ضنايا.
هدأت رضوى من حديث أمها وخرجت من غرفتها ... فوجدت حميدة وجميلة يتهامسون في المطبخ ...
حميدة بنظرة قلقة :
_ قلبي مش مطمن !
ردت جميلة بحيرة وهي تقف قبالتها :
_ ولا أنا ... في شيء بيحصل احنا مش عارفينه ، والمنفوخ اللي اسمه رعد ده كمان مكنش كده ؟! ، هموت وأعرف في إيه ! ، مش مسألة المستشفى بتاعت مصر لأ ! ، يعني مستشفى فيها ١٠٠ دكتور غيره هيتصلوا بيه مخصوص عشان يحضر حالًا؟! ...
ليه مجدي يعقوب !
تنهدت حميدة بقوة ثم قالت :
_ بقولك إيه احنا هنشغل بالنا ليه ! ، يا خبر النهاردة بفلوس بكرة يبقى ببلاش ...
مرت رضوى دون تدخل في الحديث وتوجهت للمرحاض لتغسل وجهها ... بينما كانت سما مقيمة بغرفتها وعزلتها المعتادة ...
تفكر شاردة بابتسامة ... مكره وحديثه المراوغ جعل قلبها يرق مرة أخرى ... حتى أنها تجاهلت ما حدث ... وتذكرت فقط نظراته وكلماته التي تحمل اكثر من معنى !
*****
وقف رعد بالمندرة امام الثلاث شباب الفاغرين أفواههم بصدمة ... بعدما أخبرهم كشف الحقيقة.... وخرج جاسر سريعا من صدمته وقال بضيق :
_ جدي عمره ما هيسيبلنا الإختيار في أي حاجة ، أنا لأول مرة مابقاش عارف افكر ولا أقرر !
رد رعد بعصبية على ما قاله جاسر :
_ يعني إيه ؟! .... احنا مش اتفقنا لو اتأكدنا نرجع مصر ؟! اظاهر أن اللي اتفق معايا عيال مش رجالة !
اشار آسر لرعد بتحذير وقال بانفعال:
_ هعديهالك عشان عارف أنك مضايق ، بس اللي أنت مقرر تعمله ده اسمه هروب مش حل ! ، أنا مش شايف أن القرار الصح أننا نرجع ! ، بالعكس ...كده جدك هيعاند وهيصمم وهيهد الدنيا على دماغنا كلنا لحد ما يجبرنا في النهاية ....
قال يوسف بموافقة على حديث آسر:
_ بالضبط ... وبعدين البنات ذنبهم إيه في اللي بيحصل ؟! اكيد موقفهم زي موقفنا بالضبط ... سفرنا هيحطهم في موقف زي الزفت بالذات لما يعرفوا أحنا سافرنا ليه ... فكروا في غيركم شوية ماتبقوش بالأنانية دي !
أخذ جاسر تنهيدة حارة من رئتيه وقال بغيظ :
_ أنا قربت اكره حياتي بسبب تدخلات جدي وتدخله في كل شيء ! ، مكنش لازم يعمل كده المرادي بالذات ... ولنفترض أنهم مكنوش عاجبنا !
هتف رعد برفض:
_ مين اللي عاجبنا ؟! ... أنا ما عجبنيش حد اتكلم عن نفسك !
ضيق جاسر عينيه عليه بنظرة ماكرة وقال :
_ عيني في عينك كده ؟! ده أنت تلاقيك من جواك هتموت وتتجبر على الجوازة دي بس كبريائك الحمضان ده مانعك !
هز رعد رأسه بضيق شديد وقال :
_ محدش فاهمني فيكوا ولا حد هيفهمني ... أنا ما اخترتش أي حاجة في حياتي ، لما حسيت بأعجاب من ناحيتها كنت مبسوط ومش متردد لحظة في ارتباطي بيها ... حسيت فيها بحريتي واختياري ... جدك بوظ كل حاجة باللي عمله ، نظرتي ليها اختلفت بعد اللي عرفته ... وبدل ما كانت اختيار بقت اجبار ؟! ... أنا مكنتش عايز كده !
قال آسر لهم بجدية:
_ ماينفعش نسافر في عز شغل القافلة ؟! ... طب على الأقل نستنى لحد ما نتمم واجبنا الأول ! ، الشغل مالوش علاقة بحياتنا الخاصة والناس الغلابة دي محتاجة متابعة طبية وعلاج !.
قال رعد بضيق وعصبية:
_ يعني إيه ؟!
اوضح يوسف الأمر :
_ يعني من الآخر اكنهم مش موجودين ، تروح شغلك وترجع من سكات ، كام يوم كده وهنسافر ...والله والله.
رفض رعد ببادئ الأمر واقنعه جاسر بصعوبة تامة ... قال يوسف وهو يحسس على بطنه بألم :
_ مش عارف عندي وجع في معدتي ليه ؟! ، هروح اغسل وشي يمكن أفوق ...
ابتعد يوسف عنهم ودلف للحمام ، ثم فتح صنبور المياه وتركه ....وأخرج هاتفه من جيب بنطاله وبعث لجده رسالة نصية ...
" يا جدي ...العيال هيبوظولك خططتك تعالى بسرعة ، لو مجيتش للأسف هتلاقينا عندك في ظرف يومين بالكتير ... بحبك يا جدي يا لئيم ... وطبعا مش محتاج أقولك تمسح الرسالة وإلا انت عارف اللي هيجرالي ... بحبك تاني "
ارسل يوسف ال سالة وهو يقول بضحكة ماكرة:
_ قال اسافر قال وأسيب حميدة ؟! ...ده أنا اسيب جدي نفسه وما أسيبش حميدة !
******
بدأت مروة تستفيق من غشاوتها حتى فتحت عينيها ببطء شديد ... لتجد نفسها مطروحة على سرير طبي بغرفة بأحد المستشفيات ... نظرت حولها بدهشة وبدأت تستعيد ذكرى ما حدث أثناء القبض على طليق ليلى الذي لقى مصرعه ....
" أخيرًا فوقتي "
التفتت مروة لصاحب الصوت لتجده أبن خالتها الضابط " أحمد" ، الذي التفت يده بشاش أبيض إثر تعرضه لإصطدام حاد ليده بجسد السيارة التي حملت مروة للمشفى .... قالت مروة له بدهسة :
_ أنا بقالي هنا اد ايه ؟! ... ليلى حصلها ايه ؟ ..
تأفف أحمد بعصبية منها وقال وهو يقترب لها :
_ ليلى في الاوضة اللي جانبك وبخير هي وبنتها ، اللي يهمني دلوقتي العنادية اللي قدامي .... حمد الله على سلامتك يا مروة ، أنا تفكيري اتشل لما شوفتك بتوقعي وأغمى عليكِ... بس الحمد لله جت سليمة.
حسست مروة على جرح برأسها سبب لها ثقل وبعض الألم ، وقالت :
_ الله يسلمك ، ممكن أشوفك ليلى ... أنا خايفة حالتها تنتكس بسبب اللي حصل ! ...
نهض أحمد بحركة عصبية غاضبة وهتف بها :
_ فكري في نفسك شوية بقى ! ، لحد أمتى شغلك هيكون رقم واحد في حياتك ؟!
نظرت له مروة بعصبية واجابت عليه :
_ لحد ما الاقي اللي يستاهل يكون رقم واحد في حياتي ! ... مش الخاين اللي يجري على أول واحدة حلوة تقابله لمجرد أنه عايز يستفزني ! ...وياريتك اخترت حد غريب ! ...دي كانت صاحبتي!
أجابها بهتاف وضيق منها :
_ غلطت واعترفت واعتذرت وندمت ! ... وعنادك ضيع مننا ٣سنين كان ممكن نعيش فيهم أحلى أيام !
قالت مروة بنظرات بعيدة عن اتجاهه:
_ أنساني يا أحمد .... أنا مش هعرف أنسى اللي عملته ولا قادرة اسامحك.
لانت نبرته وقال بيأس:
_ للأسف مش هعرف أنساكي ... أنتِ كبرتي قدام عيني لحظة بلحظة ، كنت مستني اللحظة اللي هتقدملك فيها ... بس للأسف الشيطان اتغلب عليا وزعلتك مني وكسرت صورتي في عنيكِ.... بس والله العظيم مافي غيرك وصلت لقلبي...
ابتلعت مروة مرارة متكورة بحلقها ونظرت بدموع للأسفل دون أن تجيبه ..
*****
و...وجيه !
رددتها ليلى مرارًا أثناء غفوتها ، كان وجيه يراقب كل رجفة جفن بعينيها ، والصغيرة ريميه تتمسك بملابسه ورأسها على صدره ... وقلق عليها عندما شعر برجفة عنيفة تجتاح جسدها كل عدة دقائق .... ربت على رأسها بحنان وقال :
_ حبيبتي أنا معاكِ...
ف
انتفضت ليلى من فراشها كالمذعورة ونهصت صارخة :
_ بنتـــي ...
انتفضات الصغيرة برعدة من صوت امها العالي بالصراخ ، وارتجفت على صدر وجيه وهي تبك بهلع .... نظرت ليلى امامها ووجهها تغرقه الدموع .... نهض وجيه من مقعده وشعر بانزعاج الصغيرة من ذلك ... ولكنه احب أن يطمئن على ليلى ...وقال بلهفة:
_ حمد الله على سلامتك يا ليلى ، أنتِ بخير أطمني ...
نظرت له ليلى بغرابة وبعينيها صدمة شديدة ، عينيها تتجول حولها بالمكان كأنها تستكشف ما هو ...وقالت :
_ أنا فين ؟! ...وجيت هنا أزاي؟!
أجابها وجيه ولم يكتشف بعد حالتها :
_ لقيتك في المكان اللي بعتك ليه صالح ... الحمد لله أنه مات وريح الكل منه ...
اتسعت عين ليلى بذهول وقالت :
_ صالح مات ؟! ...أمتى وأزاي ؟!
تطلع بها وجيه بشك للحظات .... ثم قال :
_ في ايه يا ليلى ؟! ... صالح كان خاطفك !
سحب وجه ليلى وتساقطت الدموع من عينيها قائلة :
_ أنا مش فاكرة حاجة ... مش فاكرة أي حاجة ... أنا ...
قاطعها وجيه بنظرة متألمة وقال ليطمئنها :
_ هتبقي بخير ما تقلقيش .... نامي وارتاحي والصبح نتكلم ... ريميه معايا اطمني عليها ...
نظرت ليلى لأبنتها ولملابسها المتسخة وقالت بلهفة :
_ عايزة بنتي ...
هزت الصغيرة رأسها برفض حاد وقالت ببكاء :
_ لأ ... لأ
صدمت ليلى من رفض أبنتها للقرب ... وتجمد الحديث بحلقها ...فقط عينيها تبكِ !
****
دلف الجد لغرفته بعدما يأس من عودة وجيه للمنزل .... وتوجه لفراشه ليغفو .... وبحركة اعتيادية تفحص الهاتف قبل النوم فوجد رسالة من حفيده يوسف ....
قرأ محتواها فأتسعت عينيه بدهشة ...وقال :
_ يا ولاد ال ؟! ..بقى كنتوا بتستدرجوني ! .... طب أنا هطب على راسكم ويا انا يانتوا .... إلا أنت يا يوسف يا حبيبي .... حبيب جدوا أنت.
******
في غرفة الصبي "نعناعة" ... وقف والده مدهوشاً بما سمعه من الصبي وقال:
_ يا واد أنت متأكد من اللي بتقوله وسمعته ده ؟! ...يعني هما قرروا يسافروا لما عرفو نية جدهم ؟!
قال الصبي بعصبية وتأكيد :
_ اقسم بالله سمعت كلامهم كله وهو اللي قولتهولك ده ، لا ناقص كلمة ولا زايد ! ، أنت هترضى تجوزهم البنات وجدهم يغصب عليهم !
نفى العمدة مجرد الفكرة وقال :
_ لا طبعاً ، بنات أختي مش رمية ولا قليلين ، بس مقدرش أعمل حاجة دلوقتي غير أن البنات تتمنع حتى تكلمهم ... وهنشوف لو فعلًا كلامك صحيح ولا لأ .... لو صح يبقوا هيسافروا دلوقتي زي ما اتفقوا ...أو بكرة بالكتير..
قال الصبي بغيظ وتصميم :
_ أنا متأكد من كل كلمة ... وهتشوف بنفسك!
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن
رواية قلبي وعيناك والايام ..للكاتبة رحاب إبراهيم حسن الفصل الأربعون 40 - بقلم Shaimaa Gonna
#الفصل_التاسع_والعشرون
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
~... قرار بالرحيل ...~
خرج العمدة من غرفة إبنه نعناعه وتوجّه إلى غرفة الفتيات مباشرةً ..... دق على باب الغرفة أولًا واستأذن للدخول ، حتى سمع صوت حميدة لكي يدخل... اعتدلت سما ورضوى التي كانتا ممدتان على الفراش ، واستدارت حميدة بنظرات دهشة وتركت ترتيب خزانة الملابس .... أما جميلة كانت تهم بأغلاق النافذة ولكن تركتها ووقفت تنظر لخالها ببعض القلق ...
كان مجيء العمدة لغرفتهن خصيصاً أمر لا يحدث إلا نادرًا ، ويبدو أنه يريد قول شيء لا يريد أحد معرفته سواهن ! ....
قالت حميدة بقلق :
_ خير يا خالي ... في إيه ؟!
جلس العمدة على مقعد خشبي قديم بالغرفة بعدما أغلق الباب بهدوء ، ثم اتكأ على عصاه الخشبية وقال :
_ أسمعوني كويس في الكلمتين اللي هقولهم يا بنات.
نظر الفتيات لبعضهن في شك وقلق ، فأضاف العمدة بنبرة فيها بعض التحذير:
_ بما أن الدكاترة طلعوا ولاد عمامكم ، مش عايزكم تغيروا معاملتكم معاهم ولا ياخدكم العشم ، يعني هيفضل الحال على ما هو عليه ، كأنهم أغراب برضو.
انكمش ما بين حاجبي حميدة بشك ونظرت لجميلة في تساؤل ، فطرحت جميلة سؤال مُلح بعقلها للعمدة:
_ غريب كلامك يا خالي ووراه حاجة ! ، كأنك مش رايد تقولها ! ... أنت شوفت منهم حاجة ؟
رفع العمدة كف يده بنفي وقال :
_لا والله ...حرام الظلم ، بس الوضع دلوقتي اتغير ، يعني انتوا ولاد عم واكيد هيحصل بينكم كلام ، فحبيت أنبهكم ... محدش عارف في إيه بكرة !.
تلك الجملة الأخيرة زرعت بقلب الفتيات الحيرة والشك ، فنهض الرجل وأتمّ حديثه بنظرات حادة تحذيرية:
_ ما أشوفش واحدة فيكم بتتكلم مع حد فيهم ، ولو حصل مش هتعدي على خير ...وأنا عارف ومتأكد من أخلاقكم ...بس برضو كان لازم أقول الكلمتين دول.... يلا... تصبحوا على خير .
خرج العمدة من الغرفة وخيم الصمت بين الفتيات لعدة دقائق .... قالت حميدة بضيق :
_ لأ كده أنا شكي زاد أكتر !، في إيه بيحصل واحنا مش عارفينه ؟!
جلست جميلة على فراشها بنظرات بها كثير من الحيرة وقالت :
_ هو في حاجة اكيد .... خالي كان عارف انهم ولاد عمامنا وعزمهم وعادي وكلنا اتلمينا ! ، أشمعنى دلوقتي بيحذرنا !.
ردت رضوى بعينين ملتمعتان من الدموع وكأنها بقولها تأمل أن تكون هذه الحقيقة:
_ يمكن حس أنهم معجبين بينا ، أو حد فيهم يعني ناوي يخطب واحدة فينا ... فعشان كده حط حدود من الأول!.
شردت سما بطيف لامع بعينيها واخمدت تلك الموجة الجارفة من المشاعر بداخلها ، فأجابت جميلة على رضوى:
_ ممكن ... عمومًا كل شيء هيتعرف ... بس المهم أمي تعرف الموضوع ده ..
قالت رضوى بارتباك :
_ أنا قولتلها عليهم ، ما زعلتش ولا حاجة ... ولا حتى اتفاجئت !
تنفس الفتيات الصعداء من هذا الخبر ، ثم همّت كل واحدة منهن بالنوم في فراشها ...
*******
ظلت ليلى تنظر بصمتٍ مؤلم وباكِ لإبنتها التي رفضت ااذهاب لها ، تطلع وجيه بألم لها وقال :
_ يوم أو يومين وهتبقى تمام ... هي دلوقتي نفسيتها تعبانة واللي حصل مش قليل على طفلة زيها !
هزت ليلى رأسها بيأس وبكاء وقالت :
_ اللي حصل ! ... أنا مش فاكرة حاجة ! ... كل اللي قادرة أفتكره لما اتصلت بيا امبارح ! .. أنا كمان حاسة أني في حاجات كتير نسيتها ! ...
كاد وجيه أن يتحدث مجيبًا حتى دخلت الطبيبة مروة للغرفة بعجالة ، نظرت لليلى بدقة وضيق بعينيها ، ثم نظرت لوجيه قائلة :
_ بعد أذنك يا دكتور وجيه عايزة حضرتك لحظة ...
نظرت ليلى لمروة بغموض ... وتشاركا نظراتهما لبعض الوقت ... وكا أن خرجت مروة من الغرفة وتبعها وجيه ...وقفت أمامه قائلة بضيق وحزن :
_ ده اللي كنت عاملة حسابه ، أنا سمعت اللي قالته قبل ما ادخل ، أنا حزينة أوي عشانها.
تنهد وجيه وهو يضم الطفلة النائمة على كتفه بحنان وقال بحزن:
_ لأول مرة أحس أني عاجز عن أي حل أو تصرف مناسب !.
زفرت مروة بعصبية ثم قالت :
_ يا دكتور المهم دلوقتي انها تخرج من المستشفى ، وجودها هنا مش هيساعدها في العلاج ، هي محتاجة علاج نفسي ... والأهم تفضل جانبها .. ما تحسسهاش أنها مريضة ، اتعامل معاها عادي.. بس بحذر برضو.
هز وجيه رأسه بموافقة وقال :
_ صح ... بس المصيبة الأكبر أن والدها توفى ! ... مش عارف هوصلها الخبر ده أزاي ؟! ولازم تعرف !
اغمضت مروة عينيها بزفرة حادة وقالت بضيق :
_ الخبر هيبقى كارثة على حالتها ... وللأسف لازم تعرف فعلًا ، هتبقى مشكلة لو عرفت بعد فترة ! ... أستر يارب.
تنهد وجيه بحيرة وعذاب من مواجهتها ثم قال :
_ ريميه رافضة تروح لأمها ! ، متمسكة بيا وبتتنفض حتى وهي نايمة ! ...
نظرت مروة للصغيرة بعطف ثم قالت :
_ البنت زي أمها محتاجة هدوء وأمان ، مش هقدر احكم على حالتها دلوقتي .. لازم أشوفها بعد كام يوم على ما تستريح أعصابها ... هل بس خوف من اللي مرت بيه وهتنساه لما تهدى وتطمن .... ولا الموضوع اكبر من كده، وهنا هندخل في مشكلة أكبر من ليلى نفسها ! .... دي طفلة ، يعني أصعب وفيه مليون احتمال... بس أن شاء الله تعدي على خير.
قبّل وجيه رأس الصغيرة برقة شديدة ، ثم قرر شيء وتمنى أن يسير ما خطته دون عقبات.
*****
وعند الشروق بصباح اليوم التالي ...
نظر الجد " رشدي" لحقيبة سفر كبيرة قد أمر أحد الخدم في ترتيب بعض من ملابسه بداخلها .... وقال بقلق :
_ وجيه اتأخر أوي وحتى ما اتصلش بيا خالص ! ، ولازم اسافر ضروري البلد عشان احسم الأمر قبل ما يعملوها ويرجعوا ! ....
دقت جيهان على باب غرفته وسمح لها الجد بالدخول.... دلفت وعلى وجهها مظاهر القلق وقالت :
_ وجيه مش في المستشفى ومحدش عارف راح فين ! ، اتصلت بيه كتير تليفونه مقفول .
أزداد قلق رشدي وقال بخوف :
_ اومال راح فين ؟! ... أبني فين ؟!
كادت جيهان أن تجيب حتى ارتفع صوت رنين هاتفها الذي لا يزال بيدها ...وأجابت سريعا بلهفة :
_ الو ؟
الطرف الآخر :
_ مدام ليلى وبنتها مش موجودين من امبارح يا فندم ، أنا اتأكدت ورجعت أقول لحضرتك ..
ضيقت جيهان عينيها بنظرات غاضبة شرسة واغلقت الاتصال بعصبية واضحة .... ثم هتفت قائلة ببكاء :
_ رغم أني ما رفضتش جوازه منها بس هو راجل زي كل الرجالة والخيانة طبع فيه ! ... تقدر حضرتك تفسرلي عدم ظهوره لحد دلوقتي؟!، وفي نفس الوقت ليلى وبنتها ما رجعوش الفندق من امبارح؟! ... ليه بيعمل فيا كده ؟! هو ده جزائي أني ما وقفتش قصاده ولا منعته يتجوز ؟!
هو ده العدل اللي وعدني بيه ؟! ...
تشتت عقل الجد رشدي لبعض الوقت ، فأبنه ليس بهذا الاستهتار أو المراهقة ليفعل ذلك دون إخبار أحد ؟! ...فقال بحيرة :
_ أستني بس يابنتي ... يجي الأول وتعرفي منه ... مش يمكن محصلش اللي في دماغك ! ..
صاحت جيهان بصراخ وبكاء قائلة:
_ مش عايزة أعرف حاجة ولا عايزة اكلمه ... بس أبقى قوله أني مش مسمحاه ، وقوله أنه جرحني بجوازه من ورايا ومن غير ما أعرف ! ... أنا كنت موافقة!.... حتى لو غصب عني بس وافقت !، يبقى ليه التصرفات دي ؟!
تصرفه ده دليل على أن كل وعوده مالهاش أي لازمة ...ويا ويلي من اللي جاي.
لم يجد الجد رشدي أي شيء يدافع به عن وجيه ،ريثما أنه لا يعرف سبب تأخره ، وأن كان سرًا يتمنى أن يكون هذا ما حدث غوضٍ عن أي سبب آخر يسبب الأذى.
رمقته جيهان بغضب وخرجت من غرفته راكضة وهي تكتم فمها من البكاء ....
أتى احد الخدم له بعد ذلك فقال له الجد :
_ خلي السواق يجهز العربية عشان هسافر ...
أخذ الخادم الأمر وغادر الغرفة ، فقال الجد بقلق :
_ لازم اسافر النهاردة بأي شكل ، ماينفعش استنى والاقي أحفادي فجأة راجعين بعد ما كشفوني ! ، ومش عارف وجيه فين ! ... ومش من عادته يعمل حاجة من ورايا ! ...
أضاء هاتف الجد باتصال وأخذه مجيبًا عليه بلهفة :
_ أنت فين يا وجيه ؟! ...
رد وجيه على ابيه وقد أجرى اتصال من هاتف د.مروة بعدما اكتشف اختفاء هاتفه ..وقال :
_ أنا بخير يا بابا أطمن ... حصلت حاجة امبارح كده أخرتني ...بس بليل هتلاقيني عندك بأذن الله ..
قال رشدي بصرامة :
_ هي ليلى معاك ؟!
تعجب وجيه من معرفة أبيه بالأمر فأجاب :
_ آه معايا ! ...ليه ؟!
قال رشدي بعصبية :
_ يبقى عندها حق جيهان تتجنن ! ، بقى كده يا وجيه ؟! ليلى معاك بتعمل ايه ؟! ما تقولش إنك أتجوزتها من غير ما تعرفنا ؟!
زفر وجيه بحدة وقال :
_ لأ ما اتجوزتهاش ... ليلى كانت مخطوفة هي وبنتها ! ، موضوع يطول شرحه لما ارجع هحكيهولك ... بس أنا مش بالتفاهة ولا الجُبن اللي يخليني اخبي شيء في كل الأحوال هيحصل قدام الكل!.
تنفس رشدي الصعداء وقال بارتياح :
_ كنت عارف أنك اعقل من كده ... أنت بخير يابني ؟ وهي وبنتها بخير ؟
اجاب وجيه :
_ الحمد لله كلنا تمام ... خلصنا من مصدر القلق اللي كان مسببلها رعب ، رغم أن اللي جاي مش سهل .... بس مسيرها هترجع ليلى اللي عرفتها زمان.
لم يفهم رشدي ما يحاول قوله وجيه ، فأجل التوضيح لوقتٍ آخر ثم قال :
_ أنا مسافر للبنات ، رعد جرجرني في الكلام لحد ما عرف الخطة ويوسف بعتلي رسالة بعدها أنهم بيتفقوا يرجعوا قبل ما ادبسهم ... مضطر اسافر بأسرع وقت.
قال وجيه بجدية :
_ من رأيي تسيبهم ... الجواز بالذات ماينفعش فيه إجبار !، أنا محدش أجبرني على جوازي من جيهان ومع ذلك تعيس معاها ، مابالك أنت بتجبرهم كمان ! .... ارجوك سيبهم يختاروا بنفسهم.
رفض رشدي بقوة وقال :
_ اللي فهمته من كلام رعد أن اصلًا كان في مشروع خطوبة ! ، يعني مافيش إجبار أهو ! ، وبعدين أنا مش هتنازل عن اللي بفكر فيه يا وجيه ، عشان احس أن أبني مرتاح في تربته وبناته في البيت اللي اتولد وكبر فيه ... وبين أهله في أمان.
شعر وجيه بحزن شديد بنبرة أبيه ، فلم يشد عليه في النصيحة وقال :
_ أنا قولتلك رأيي ، ومش هقدر أقف قدامك للأسف ... أتمنى ما تحصلش مشاكل .
طمأنه رشدي قائلا بابتسامة ماكرة :
_ هتعدي زي اللي قبلها بأذن الله ، أنا أعرف مصلحتهم أكتر منهم.
لم يروق وجيه حديث أبيه كثيرًا ولم يعلق عليه ... وأنتهى الأتصال في سلام ... حتى أتت السيدة العجوز مدبرة المنزل ودلفت راكضة لغرفة الجد وقالت :
_ ست جيهان بتحضر هدومها وبتقول هتمشي يا بيه ! ..
وضع الجد رشدي هاتفه على الفراش وتوكأ على عصاه العاجيه وقال وهو يهم بالخروج :
_ طب أنا هروحلها ..
******
دخل الجد رشدي ببطء للغرفة المفتوح بالها على مصراعيه ، ونظر لجيهان التي تبكي وتلقي ملابسها بعنف داخل الحقائب ...وقال :
_ وجيه اتصل بيا .
استدارت جيهان بعينان باكية ونظرات حادة له ...وقالت بعنف :
_ إيه قرر يطلقني ؟! ... مش هستغرب ! ...
اقترب منها الجد ببطء ثم وقف على بَعد خطوات منها وقال :
_ وجيه ما اتجوزش ليلى ، ليلى وبنتها اتخطفوا امبارح وده سبب انه اختفى ... وجيه مش جبان عشان يروح يتجوزها من ورانا وأنا قولتلك كده..!
لم تهدأ جيهان كثيرًا ، فقد كان لهفته علبها ومحبته لتلك اليلى تنهش قلبها وتدميه ، فقالت وهي تصر على أسنانها بغيظ وغضب :
_ طبعا لازم يختفي ، يهد الدنيا لو غابت عن عينه لحظة ! ، أنما أنا أختفي ولا أمشي حتى عادي ! ... مش فارقة كتير !.
أخذ الجد رشدي نفسا عميق قبل أن يضيف أي كلمة ... ثم قال :
_ وجيه ما خانكيش ! ، هو بيحبها من قبل ما يعرفك ! ، هو سابلك الاختيار والقرار ..وطالما قررتي تبقي يبقى مالوش داعي خلق المشاكل من أقل موقف ... أنتِ كده هتحولي حياتك وحياته وحياة المسكينة ليلى لجحيم ! .
ضحكت جيهان بمرارة ثم قالت بعذاب واضح :
_ ليلى مسكينة ! .... لما هي مسكينة أنا أبقى إيه ؟!
قال رشدي بجدية :
_ أنتِ بتختاري اللي مش مناسب ليكِ يا جيهان ، وبتحاربي نفسك قبل ما تحاربي اللي حواليكي ! ... ليلى عانت كتير في حياتها اكتر منك بكتير ... كفاية أنها اتجوزت واحد زي المجرمين عذبها سنين على ما عرفت تطلق منه.
صمت جيهان وأدارت عينيها المليئة بالمرارة والاستهزاء بما يصفه رشدي من معاناة ليلى ... فختم الجد حديثه وقال :
_ أظن مش تصرف عاقل أنك تمشي بعد ما عرفتي سبب تأخيره ! ، هو جاي بعد كام ساعة ... أبقي افهمي منه اللي محتاجة تعرفيه وأتصرفي بعقل .
*******
وفي المندرة .... عند الساعة الثامنة صباحاً.
تأمل يوسف ما يفعله رعد وهو يجمع أغراضه جميعها مرةً أخرى ، وقال بغيظ :
_ هو مش احنا اتفقنا وخلاص ! ، ليه بتلم حاجتك تاني ؟!.
اغلق رعد الحقيبة وقال :
_ المرادي مش مسافر ، بس مش هقعد في المندرة ، هروح اقعد مع الفريق .. حتى لو هنام على الأرض ، أنا هنا مش مرتاح !
قال جاسر بمكر :
_ قصدك خايف !، قول أنك خايف تفضل هنا ترجع في كلامك ! ، وبتبعد وكده ..
لم يرد عليه رعد وحمل حقيبته وقال بعصبية :
_ أنا فكرت كتير ولقيت ده انسب حل ليا على ما نمشي، كل واحد حر !..
خرج آسر من الحمام وهو يجفف رأسه ، ثم نظر لرعد وضحك قائلا :
_ كنت عارف أن ده اللي هيحصل ، شكلك واقع يا دوك وخايف تضعف !.
لم يكترث رعد لقولهم وأخذ حقائبه وخرج من المندرة متوجهًا لمكان القافلة... راقبه الصبي نعناعة من بعيد وهو يطعم الماشية بالحظيرة ... وقال بغضب :
_ عشان يبقى أبويا يصدقني !.
ومرت ساعات النهار واقترب قرص الشمس عن المغيب ....
ضغط جاسر على رعد ليعود معهم ولكن الاخير رفض وصمم ، فأقترح جاسر عليه أن يأتي معهم ويشاركهم طعام العشاء، ثم يعود ... واستطاع اقناع رعد بصعوبة شديدة.
دخلوا المندرة وبينهم ضحكات بإستثناء رعد .. حتى صدموا الشباب للوهلة الأولى بوجود الجد رشدي ومعه العمدة والصبي نعناعه بالمندرة !! ...
زم رعد شفتيه بغضب شديد وقال للشباب :
_ مش قولتلكم ؟! ...
وقف الجد وبيده عصاه ، ثم اقترب منهم قائلا بمزاح :
_ بقى دي مقابلة يا أوباش بعد الغيبة دي ! ... وحشتوني يا كلاب .
ابتسم يوسف ابتسامة ماكرة وركض إلى جده وعانقه بقوة قائلًا :
_ وأنا أقول نفسي اتفتحت ليه للأكل ! ... حسيت أنك هنا ! .
لكمه جده بخفة وضحكة .... ثم قال رعد بضيق بعدما عانقه سريعا بجفاء:
_ كنت هجيلك .... بس أنت سبقتني ! ...
فهم جده مغزى الحديث وقال بقوة :
_ جيتلكم أنا بنفسي ... عشان تعرف أن لو عايز حاجة بعملها ...
لاحظ جاسر وآسر الحدة المتصاعدة بين جدهم ورعد ...فتدخلا الاثنان واضفوا على المقابلة بعض المرح والترحيب بالجد .... فقال العمدة :
_ طب أستاذن أنا بقى ... يلا يا نعناعه ...
قال الجد :
_ أنا جاي معاك يا عمدة ... أشوف بنات أبني ... وحشوني أوي أوي ، أنا جاي ومقرر أني مش هبعدهم عني تاني .
ونظر للشباب جميعهم ... فضاق جاسر من تحدي جده الصريح لهم ! ، ريثما بأمر خاص بكل شاب فيهم ولا يحق لأحد التدخل في اختياره ! ....
ذهب العمدة ومعه الجد رشدي ونعناعه ووقف الشباب الثلاثة ناظرين لرعد التي تبدلت ملامحه لكتله من جحيم الغضب ! ....
وقال بما لا يقبل النقاش :
_ لو جبتولي الدنيا بحالها توقفني دلوقتي محدش هيقدر ...أنا مسافر دلوقتي يعني مسافر .. أظن واضح من كلام جدكم النية والقرار ! .
صمت جاسر للحظة ثم قال برفض:
_ مش صح يا رعد اننا نمشي ، كده هنحطهم كلهم وأولهم جدك في موقف مش تمام ، خصوصا انه على اقل تقدير هيلمح بموضوع الجواز ...
ووافق يوسف وآسر رأي جاسر ، فتطلع بهم رعد بغضب وقال قنبلته المفاجأة :
_ ماشي ...طالما ما وفتوش بوعدكم ليا وكلكم هتبقوا عليا فأنا هسافر بس مش راجع البيت ... وهقدم استقالتي من المستشفى كمان ، هسيبلكم كل حاجة وماشي ومحدش هيعرفلي طريق.
صدم الشباب من حديثه ، جذبه جاسر من معصمه قبل أن يبتعد وقال بعصبية :
_ أنت بتقول إيه انت اتجننت ! ، يعني إيه كلامك ده ؟! .
صرخ به رعد بعنف وقال :
_ يعني اللي سمعته يا جاسر ، لو كلنا كنا ايد واحدة جدك مكنش هيقدر يوقف قصادنا بالذات المرادي ، لكن تراجعكم ضعف موقفي وقراري ... وهيتعمل معايا زي ما اتعمل مع عمك مصطفى وهيطردني ! .... يبقى أمشي بكرامتي احسن... !
قلق يوسف من حديث رعد وأصراره ، فهو يعرفه حق المعرفة ، أن صمم على شيء بهذه الطريقة سينفذه مهما كانت العواقب .... فقال له برجاء :
_ عشان خاطري يا رعد أهدى ... أول مرة أشوفك كده ! ، محدش هيجبرك على حاجة .
قال رعد بسخرية :
_ بأمارة إيه يا يوسف ؟! ... تقدر تقولي احنا أختارنا إيه في حياتنا كلها ؟! ..فكرني يمكن ناسي ! ... لا معلش مش هسمحله المرادي يجبرني على الجوازة دي ... أن كنت اعترفت أني فكرت فيها وعجبتني شوية فده مش معناه أننا ينفع نتجوز ... لا هي شبهي ولا هتفهمني ! ... دي واحدة أقصى طموحاتها تعمل الأكل وتنضف البيت ! ...
فتح باب المندرة بقوة وظهر الصبي نعناعه وعلى وجهه الغضب ... وهتف برعد قائلًا :
_ اللي اقصى طموحاتها تعمل الأكل دي أنضف واحسن منك ، أنت ما تستاهلش حتى ضفرها عشان حتى تفكر تتجوزها ... انا هقول لأبويا على اللي سمعته ده ... ولو واحد فيكوا خطب بنت من بنات عمتي مش هقعدله في البلد بحالها ... احنا مش هناسب عيال !.
وغادر الصبي بعدما قاله ما قاله ... وضع يوسف يده على وجهه بصدمة ثم قال لرعد :
_ أنت هديت كل حاجة على دماغنا كلنا ... الله يسامحك.
قال جاسر قراره:
_ حضروا شناطكم ... ماينفعش نفضل هنا ، وإلا هتحصل مشكلة كبيرة ....
يوسف بصدمة أعنف :
_ أنت بتقول إيه ؟!
هتف جاسر به :
_ زي ما سمعت ... يلا يا يوسف ، وإلا اصرارك على وجودك هنا هعتبره انك غدر بينا ... بعد الكلمتين االي سمعناهم دول مالناش مكان هنا ... هتيجي معانا ولا ؟
تنفس يوسف بألم وضيق شديد ... وأن قرر البقاء واصراره على خطوبة حميدة سيضعهم بموقف سخيف خصوصا بعد قرار الجد الواضح معالمه ...
قال بضيق ويأس :
_للأسف.... جاي معاكم..
#قلبي_وعيناكِ_والأيام
#رحاب_إبراهيم_حسن