تحميل رواية «اسرار الماضي لبنت ناس» PDF
بقلم رينا الهادي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قالتها نهر لعلي وهم في طريقهم بعربة علي لبيت ابيها. علي: مصائب إيه بس يا نهر؟ افتكري حاجة حلوة ولا فيه جديد في موضوع خالتي رقية؟ نهر: ما فيش جديد يا أبية بس بيت شعر جه على بالي أصلي حاسة إن فيه مصايب جاية وخصوصًا من عمك. علي: لا مصايب ولا حاجة، وبعدين إحنا أهلك هنحميك. نهر: هههههههه بجد أهلي! أبية عمو مصطفى كان بيستغل أنا وأنا طول الوقت وهو عارف إننا هنستحمل عشان عمر وعارف إنكم في ظهرة لأنكم أهله. والدك صح مش بيشارك معاه في شره لكن مش بيصده عن ظلمه، بيكتفي إنه ينصحه وبس. ييجي عن آية ويقول معلش ع...
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الأول 1 - بقلم رينا الهادي
قالتها نهر لعلي وهم في طريقهم بعربة علي لبيت ابيها.
علي: مصائب إيه بس يا نهر؟ افتكري حاجة حلوة ولا فيه جديد في موضوع خالتي رقية؟
نهر: ما فيش جديد يا أبية بس بيت شعر جه على بالي أصلي حاسة إن فيه مصايب جاية وخصوصًا من عمك.
علي: لا مصايب ولا حاجة، وبعدين إحنا أهلك هنحميك.
نهر: هههههههه بجد أهلي! أبية عمو مصطفى كان بيستغل أنا وأنا طول الوقت وهو عارف إننا هنستحمل عشان عمر وعارف إنكم في ظهرة لأنكم أهله. والدك صح مش بيشارك معاه في شره لكن مش بيصده عن ظلمه، بيكتفي إنه ينصحه وبس. ييجي عن آية ويقول معلش عصبي استحملي يا ست رقية، لكن هو طيب وقلبه أبيض. تصور مع كل أفعاله وييجي عمو محمد يقول طيب وقلبه أبيض. تخيل إنع لو قلبه مش أبيض كان عمل إيه؟
علي: بتكرهيه يا نهر؟
نهر بتفكير: بكرهه ظلمه، غضبه، تسرعه، كرهه ليا، وإنه يكره عمر فينا. لكن هو بيصعب عليا أحيانًا لأن حقده وظلمة قلبه بتاكل فيه هو الأول. غير إنه معندوش إحساس.
علي بضحك: على فكرة عمي اللي إنت بتتكلمي عليه ده.
نهر بابتسامة: عارفة يا أبو علي، مجرد فضفضة من أخت لأخوها. مش بتعتبرني أختك برضه؟
علي: لا طالما أبو علي يبقى خلاص. بس حاولي تسامحي، إنت بتسامحي الكل.
نهر: أسامح! بجد! ودنك سامعة لسانك بيقول إيه؟ أنا لو سامحت في أذية أمي وأذيتي، أسامح إزاي في إنه السبب في إني أبعد عن أمي؟ أنا اتحرمت منها بسببه، وهي عايشة وأنا شبه عايشة. فاكرها سهلة عليا أتحرم من حضنها وضحكتها وريحتها.
علي: إنت اللي أخذتي قرار إنها تبعد. إنت قولتي شجعتها وساعديها تمشي وتسافر، مش هو!
نهر: بسببه أعمل إيه؟ أسلمها له يقتلها بالبطيء، يهينها، يلوي دراعها ودراعي بعمر. لو كان فيه في قلبه شوية، شوية بس رحمة ومودة لينا، كنت عملت كده؟ بص يا آبيه انت ما عيشتش حياتنا وما جربتش الخوف والذل، فبلاش تتكلم في موضوع عمك. والحمد لله وصلنا.
علي: زعلتي مني؟
نهر بابتسامة: لا يا آبيه. حضرتك وتيتة انتصار وعبد الله، وجودكم في حياتي نعمة. لكن أنا مش عاوزة تكونوا في النصف بينا. سلام وتصبح على خير.
في البيت الكبير.
دخلت انتصار البيت وسمعت مصطفى وهو يهدر بصوته كله: بنت الكلب التمردي ضيعت مني مراتي وربنا لأخلي أيامها سواد، مش أنا اللي تتاخد مني حاجة بتاعته.
محمد: اهدي يا مصطفى، سرعت ابنك زي ما إنت خسرت مراتك، هي خسرت أمها. هي بس خافت عليها. وبعدين مين عارف، مش ممكن ترجع لها الذاكرة زي ما الأولانية رجعت.
مصطفى بعصبية: أنا أستنى بقى ترجع أو ما ترجعش؟ أقعد بناري كده. منك لله يا نهر، منك لله.
دخلت انتصار المندرة وهي تقول: ليه منها لله؟ هي كدبت؟ ماهي قالت لها الحقيقة، قالت لها إنها متجوزة وشافتك وقالت لها إن عندها ولد وقالت عن معاملتك ليها. رقية هي اللي سابتك يا مصطفى، مش نهر. نهر بس قالت الحقيقة، وهي إنك مش مراعي ربنا فيها.
الحاجة: لمي نفسك يا انتصار، لمي مراتك يا محمد، ومن النهاردة محدش له دعوة بنهر دي أبدا. مش هخسر ابني عشان حد.
عبد الله: اللي عاوز يكون ملوش دعوة بنهر هو حر يا ستي، لكن أنا عن نفسي، فضل خالتي رقية عليا كبير من وأنا صغير، وفضلها عليك يا ورد هانم، ولا نسيتي لبسك وتعليمها معاك. أنا هفضل زي ما أنا بعتبر نهر أختي.
محمد: مش وقت كلام دلوقتي يا زفت. والحمد لله إن جوزك مشي يا ورد، مش عاوزة ييجي يلاقي صوتنا عالي. خد اختك وصلها يا عبد الله لبيت جوزها واتصل بيه وأقوله. وإنت يا مصطفى أهدي وبات النهاردة هنا.
مصطفى بصوت مخنوق ونظرة انكسار: إنت صح يا مرات أخويا، عندك حق. أنا اللي معاملتي مع رقية ضيعتها مني. أنا بس صعب عليا عمر يعيش من غير أمه. صح نهر ملهاش ذنب. أنا مخنوق وهروح، مش عاوز أقعد هنا. يلا يا عمر وتعالي أوصلك يا ورد للبيت وعبد الله يبقى يطلعك لجوزك.
انتصار وهي تشيح بوجهها عنه مع الإشاحة بيدها ثم نظرت لورد بلوم: عملتي الواجب وزيادة يا ورد، ومن أول زيارة. يلا على آخر الزمن بتتصنتي على أمك وتستغفليني. خسارة تربيتي فيك.
ورد: ما نوع...
انتصار: اخرسي خالص. وصلها يا عبد الله. شرفتي وولعتي الدنيا. كتر خير ربنا يكون في عون جوزك. وخرجت مسرعة.
الحاجة: ما تزعليش يا ورد، يومين وهتسامحك وهشيلك ودانها.
عبد الله بعيظ: يا صبر. يلا يا آخر صبري أوصلك.
خرج الجميع. أوصلهم مصطفى إلى أمام البيت بعربته وتوجه لقريته ينوي أن يفرغ غضبه بنهر ظناً منه أنها لا تعلم أن كلامها مع انتصار قد سمعه.
عندما وصلت نهر لبيتها بعد تردد كثير جداً، وأخيراً قررت أن تتصل ببيت أبو إبراهيم ليرد عليها إبراهيم: الو، مين معايا.
نهر: أنا نهر يا عمو.
إبراهيم: ازيك يا نهر. هروح أدي التليفون لأمي.
نهر: لأ يا عمو، أنا متصلة أكلم حضرتك.
إبراهيم: خير يا نهر، فيه حاجة؟
نهر: فيه إني خايفة عمو مصطفى ييجي يتهجم عليا هنا. كنت عندهم في بلدهم ولسة جاية. ممكن بس حضرتك تسهر شوية عشان لو جه حد يحميني منه.
إبراهيم: إيه الكلام ده يا نهر؟ إيه اللي حصل عشان يتهجم عليك؟ وليه والدتك مش باينة؟ هي لسة في المستشفى؟ البلد كلها عارفة بعد ما سمير قال إنه وصلكم المستشفى. كنت عاوز أجي ليك أطمن بس اتلخمت في الأرض.
نهر: لا يا عمو، أمي سافرت لأهلها. افتكرتهم ومش عاوزة تعيش مع عمو مصطفى. وهو عرف إني سفرتها لأهلها. ومتأكدة إنه هييجي. لو جه، اتكلم بس يبقى خلاص. بس لو صرخت أو علّيت صوتي، الحقوني. ولو عدى اليوم ده على خير يبقى هطمن حضرتك. ممكن تقف جنبي؟ ولا مش عاوز.
إبراهيم: يا نهر، أبويا الله يرحمه كان روحه فيك. متخافيش. هسهر ولو حكمت مش هنام الليلة. روحي نامي يا بنتي.
نهر: هسهر أذاكر شوية. مش هييجي لي نوم. وآسفة إني بتعبكم معايا.
إبراهيم: ما تقوليش كده. إنت وصية الغالي. يالا سلام.
بعد أن قفل الخط، إبراهيم: مين دي يا إبراهيم؟
إبراهيم: دي نهر يا أمه. خايفة أستاذ مصطفى ييجي يتهجم عليها. بني آدم مفيش حاجة فيها الروح بيحبه. يخربيت غلاسة أمه.
أم إبراهيم: يبقى عرف إن رقية راحت لأهلها.
إبراهيم: وإنت عرفتي منين؟
أم إبراهيم: من نهر يا بني. البت بقالها أسبوع هنا لوحدها من غير أمها. روحت وعرفت. يا رب أهل رقية يكونوا مسنودين ويطلعوا عليه القديم والجديد. الراجل السو ده. بقولك جمع اخواتك لأن ده ممكن يبهدلك ويحطك إنت ونهر فوق بعض. داهية تاخده.
ضحك إبراهيم على ما قالت أمه وقال: ليه يا أمه، وهو أنا هفاء كده؟
أم إبراهيم: قطع لسان اللي يقول كده. بس هو صحته مساعداه. بيدرب على العيال في المدرسة كل يوم.
إبراهيم: حاضر يا أمه عشان تطمنيني بس هقول لأخواتي. وأمه هتكون داعية عليه لو جه.
وصل مصطفى للبلد وهو يفكر كيف ينتقم من نهر لأنها أخفت أمها عنه وساعدتها على الرجوع لأهلها. فقد فقدها هذا المرة وللأبد، وفقد أم ابنه وخادمة في البيت بدون أجر. نظر لعمر وقال: بقولك إيه يا عمر؟ أنا هوديك لأختك تبات معاها. تخبط عليها وأنا عشان هي بتخاف مني هكون على جنب عشان عاوز أقعد لوحدي شوية في البيت. تخبط ولما تفتح لك، همشي أنا. بس ما تقوليش إني معاك عشان تفتح على طول وأمشي أنا بسرعة. تعبان قوي.
عمر: حاضر يا بابا. أنا عارف إنك زعلان عشان ماما كانت بتعمل لنا الأكل وتغسل وتكوي وتنظف البيت وتذاكر لي وتعمل قهوة وشاي. هنعمل إيه دلوقتي.
نظر مصطفى لعمر: كنت بعتبر نهر زي بنتي. بس هي عاوزة تاخد مننا أمك وخلاص. أنا ما كنتش أقصد أذي أمك. ما تخيلتش إنها وقعت على رأسها. كنت مضايق وخرجت بسرعة. وزي ما إنت شفت لفيت عليها المستشفيات وكنت قريب منها. وزي ما سمعت أختك خبتها عننا وسفرتها. قال يعني أمها وأبوها أهم من ابنها وجوزها. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا نهر. ده أنا وإنت مش بنعرف نسلق بيضة.
عمر: ما نقول لنهر تيجي تقعد معانا يا بابا؟ وبدل ما تشتغل بره تشتغل في البيت وتاخد بالها مني. حتى لو ماما رجعت لها الذاكرة تلاقيها عندنا وتعرف إننا بنحميها.
مصطفى: هفكر يا عمر، هفكر. يلا يا حبيبي عشان تروح لأختك.
خرج مصطفى مع عمر.
عمر: خليك يا بابا في العربية وأنا هخبط ولما تلاقيني دخلت روح استريح.
مصطفى: عيني مزغللة شوية. خليني أطمن عليك وهمشي على طول. بس زي ما قولت لك، خبط وأدخل.
عمر: عندي مدرسة بكرة. هتيجي الصبح تاخدني.
مصطفى: مش مهم مدرسة بكرة.
عمر بفرحة: ههههااااة. هنام براحتي وألعب. شكرا يا بابا. هقول لنهر تعمل لي فشار وكيكة وهسهر بقى.
مصطفى: طفس زي أبوك.
طرق عمر الباب ونادى على نهر بأعلى صوته. خرجت نهر بسرعة وهي تقول: إيه؟ فيه إيه؟
عمر: جاي أبَات معاك.
نهر: فين أبوك؟
شاور مصطفى إليه أن يقول في العربية.
عمر: في العربية. افتحي بقى عشان يمشي هو ويروح.
نهر: إيه ده؟ خايف عليك ومستني تدخل ويمشي! غريبة، ما إنت بتيجي لوحدك.
عمر: اخلصي ولا أروح معاه؟
نهر: طيب جاية أهو. هفتح البوابة وأدخل على طول.
ما أن فتحت نهر البوابة الخارجية حتى وقف أمامها مصطفى. جرت بسرعة للداخل لكن أمسكها بعنف من شعرها يكاد يقتلعها من جذورها. تأوهت نهر بألم: آههههاة. إيه ده؟ لم يعطها فرصة للتكلم وأخذ يكيل لها الصفعات على وجهها وهو يقول: يا حيوانة، يا بنت الكلب التمردي! تسافري مراتي؟ وحتى متعرفيش راحت أنهي داهية؟ ده أنا هطلع روحك النهاردة وأخليكي تلحقي أبوك تونسية في قبره.
صرخ عمر: ما اتفقناش على كده يا بابا! قولت هبات معاها.
جاء مسرعاً إبراهيم وإخوته، جرياً على نهر التي كانت تصرخ من الألم وتكوّمت على الأرض وهو يكيل لها الضربات برجله. وهم يسحبونه من عليها لكنه كان كالثور الهائج. بصعوبة أزاحوه وتجمع من تجمع من الناس.
هرولت إليها أم إبراهيم تأخذها في حضنها وتربت على ظهرها وتقول: الله يخرب بيتك يا بعيد! ربنا يهدك، هتموت البت قدامك دي؟
نهر حاولت أن تتحرك لكنها كما لو أن عربة دست على جسدها، فرجعت كما كانت من الألم. فقد تخدر وجهها من صفعاته ولم تقدر على أن تقوم.
أما هو، فقد جذبه أولاد أبو إبراهيم خارج البوابة، وجاء من جاء ليساعدهم في الابتعاد عن نهر وهو يصيح: هقتلك يا نهر وهخلي أيامك الجاية سودا. البت أمها فقدت الذاكرة وهربتها مني، أخدت مراتي مني وفكراني هسيبها.
أم إبراهيم: وهو انت راجل تتعاشر؟ يا راجل، كتر خيرها رقية إنها استحملتك. والنبي حتى لو ما فقدتش الذاكرة كانت هتتطلق. يا راجل ده إنت فاتح دمغها. ربنا ياخدك يا بعيد.
مصطفى: اخرسي يا ولية يا حيزبونة إنتي.
إبراهيم: احترم نفسك يا زفت إنت. ولا إنت واخد على إنك تيجي على النسوان. بدأ في ضربه هو وإخوته ليتراجع إلى عربته وهو يقول: ما خلصش حسابنا يا بنت التمردي.
إبراهيم: ابقي أقرب بس ناحيتها وهتشوف إزاي هنكسر لك رجلك. إيه الراجل ده؟
نهر بألم: اجري على أبوك يا عمر، ما فيش صحة أهتم بك. أمشي.
عمر: آسف يا نهر، بس هو...
نهر: قولت إلحقه يالاااااااة بسرعة قبل ما يمشي.
في البيت الكبير.
دخل علي البيت وجد عبد الله جالس بجانب الباب ورأسه بين يديه.
علي: إيه مالك يا عبد الله؟ قاعد كده ليه؟
عبد الله: وصلت نهر.
علي: أيوة، فيه حاجة؟
عبد الله: عمك شكله مش هيجيبها البر. مش مستريح له.
علي: ليه؟ كنت سايبكم عاديين. آه، كان بينكم همز ولمز، بس إيه الجديد؟
عبد الله: هحكي كل حاجة، بس الله يكرمك ما تعقدش الدنيا، خلينا نلاقي حل.
علي: ماشي، أحكي. بس عارف لو طلع حاجة هايفة هكدرك.
حكى عبد الله ما جرى من أول اقتراح ورد بالتسجيل لأمها ونهر إلى أن أوصلهم مصطفى إلى بيت زوج نهر. في حين كان يتعاقب على وجهه علامات الدهشة والاستغراب والغضب إلى أن انتهى.
علي: وأنتم هبل؟ ما دام عمك كان غضبان كده ومحمل نهر ذنب إن خالتي رقية سابته، ممكن يتغابي عليها.
عبد الله: نهر ذكية. هيعمل إيه يعني؟ هي في بيت وهو في بيت.
علي وهو يتصل على نهر: هنشوف يا عبد الله. اطمن بس على نهر وابقى أروح أتكلم معاه.
رن الهاتف والتفتت إليه أم إبراهيم ونهر. لتقول نهر لولد من أحفاد أم إبراهيم: معلش ممكن حد يجيب التليفون من غير ما يرد؟ عاوزة أعمل حاجة الأول.
أم إبراهيم: ليه؟ حطاه على الكرسي كده؟ يا ولد يا محمد هات التليفون من غير ما تلعب فيه.
أسرع الولد وأعطاه لنهر وهو يقول: أهوه يا أبلة.
نهر. ضغطت نهر على رفض المكالمة ثم على بعض الأزرار. لكن عاود الرن مرة أخرى لتقول أم إبراهيم: أمك دي ولا إيه؟
نهر: لا ده علي. أنا ما تعرفش رقمي ولا إني بنتها. نسيتي ما أنا حكيت لك.
لتخطف أم إبراهيم الهاتف من يدها عندما رن مرة أخرى وهي تقول بغضب: عاوزين إيه من البت يا عالم يا مفترية؟ خلاص البت مفيش فيها نفس حتى تقوم. حسبي الله ونعم الوكيل فيكم.
علي: خالتي أم إبراهيم، نهر مالها؟
أم إبراهيم: نهر مالها! ابدأ يا خويا، عمك جه عجنها أقلام على وشها وبرجليه الاثنين. على كل جسمها. أنبي ما أقدر أقومها. مش بناخد منكم غير وجع القلب ده. وجع قلوبكم.
نهر: يا تيتة، هو ماله؟ أنا كويسة يا أبية. خلاص اقفل. هاتي التليفون يا تيتة.
أخذت التليفون وأغلقت: ليه كده بس؟ أنا ما كنتش عاوزة حد من هناك يدخل. ممكن تقوميني؟ مش قادرة أقوم.
حاولت أم إبراهيم أن تقوم هي أولاً لتقول: يا قو... ثم تأوهت وهي تتوجع: آآآه يا ظهري. مش قادرة أقوم. ظهري قفش عليا. حد يشدني يقومني. ثم نظرت لنهر لتقول بجدية: لو حد قومني هقومك.
لتضحك نهر بوجع: يا دي الداهية! أجري يا محمد لأبوك ييجي يشوف ستك ونادي لمامتك تجي تقوميني. معلش يا حبيبي.
محمد: لا أنا أمي نائمة. لو صحتها تضربني. هروح لأبويا.
أم إبراهيم: كسحنا ابن الجزمة. وعيالي بره مش قادرين عليه. إلا ما فيه حرمة من اللي بره جت لينا. بيتفرجوا بره على الخناقة.
نهر: هو جه جنبك!
أم إبراهيم بستنكار: خضني عليك وسيب أعصابي وأنا ست كبرت على الحاجات دي. اديني مش قادرة أقوم أهو.
ذهب علي إلى حجرة والديه ليطرق الباب بعصبية وهو يقول: أمه قومي بسرعة.
ليقوم ويفتح أبوه ويقول: فيه إيه يا علي؟ جاي بزعابيبك ليه؟
علي: عمي راح اتهجم على نهر وضربها. خالتي أم إبراهيم بتقول مش قادرة تقوم.
انتصار: يا حبة عيني يا بنتي. (نظرت لزوجها لتقول) هو أخوك مش ناوي يجيبها البر؟ خدني ليها يا علي. قال وإنت عنك حق يا مرات أخويا.
محمد: هو لحق؟ ده لسه ماشي من شوية. أنا جاي معاكم.
انتصار: لا خليك. أنا هبقى مع نهر. هتروح تعمل إيه؟ هتقعد بيها.
محمد: هشوفه عمل كده ليه؟
علي: مش وقته ياباه. مش هيطلع نفسه غلطان. يلا يا ما.
أسرعا للخارج وأخذ علي معه شنطته ليطمئن على نهر.
وصلا سريعاً فقد كان الطريق خالياً وعلي كان يسرع قدر ما يستطيع. كانت مازالت أم إبراهيم مع نهر، لكنها قد قامت وجلست على كرسي بجانب نهر التي كلما حاول أحد أن يساعدها في النهوض تاوهت بوجع، فهي لم تقدر على النهوض حتى بمساعدة أحد. فوقف كل من أولاد أم إبراهيم يتشاورا فيما يفعلون.
دخل علي وانتصار إلى بهو البيت القابع به نهر تبكي على عدم مقدرتها على النهوض.
انتصار: نهر مالك يا حبيبتي؟
إبراهيم: كان قلبها حاسس إنه هييجي يتهجم عليها وقالت لي أفضل صاحي. بس يدوب جمعت إخواتي كان هجم عليها.
نهر: مش قادرة أقوم يا تيتة. حتى لما جم يساعدوني. جنبي مش قادرة منه ورجلي مش عارفة أحركها.
أم إبراهيم: ضربه في قلبه معدوم الرحمة. ده بيشطر على عيلة أبو طويلة.
نزل علي لمستوى نهر ليرفع وجهها له، ويا ليت لم يفعل فقد هوى قلبه لاخمض قدميه عندما وجد ما فعل عمه بوجه نهر. فقد أصبح وجهها به جميع الألوان من صفعاته وشفاهها المصبوغة بالدماء.
علي بذهول: هو عمل فيك كده؟ أنا هطلب الإسعاف. لازم نعمل أشعة.
انتصار بشهقة: يا لهووووي يالهووووي! أقول لرقية إيه؟ معرفتش آخد بالي من بنتك أسبوع واحد؟
علي: إيد عمي مرزبة ونهر ضعيفة جسمانياً. غالباً فيه كسور. ربنا يستر.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثاني 2 - بقلم رينا الهادي
ذهب كل من نهر وإنتصار وعلي إلى المشفى. كاد أن يذهب معهم إبراهيم، لكن نهر قالت له أن يظل، فقد أنهك هو وإخوته من الاشتباك بمصطفى ويجب أن يرتاح. كما أن وجوده لا يقدم أو يؤخر، وسوف يطمئنونه.
أظهرت الأشعة كسرًا في ضلع وشرخًا في عظمة الركبة. فقد كان يضرب بقوة وغل على جسمها الضعيف. احتجزت نهر هذه الليلة في المشفى مع عمل اللازم لها، وبكاء انتصار الذي لا ينقطع على نهر.
اتصل علي بوالده وإبراهيم يخبرهما بكل ما حدث. واتصل عبد الله يعرف الأخبار وعلم. فقد كانت ليلة ليلاء على الجميع. لم يعرف النوم طريقًا لجفونهم، إلا مصطفى الذي نام بملء عينيه، فقد ارتاح قلبه بإيذائه لنهر.
أما عمر، فقد كان يرتعد خوفًا من أبيه وعلى حال أخته. وترن في أذنيه كلام أخته: "ماما تفضل هنا وتموت ولا تكون بعيد وبخير". يأبى قلبه أن تبتعد عنه أمه، وعقله يقول لو أن ما فعلته نهر هو الصواب. هو ما زال طفل، لكنه يحتاج لحنان أمه. ونهر قادرة أن تمنح أخيها الحب والحنان، فهي حنونة بحق. لكن هل تستطيع في وجود أبيه؟ بل هل يمنح أبيه الفرصة له ولنهر في العيش الطبيعي؟
تأوهت نهر بألم عقب فتح عينيها، لتسرع إليها انتصار:
"فيه حاجة يا حبيبتي؟"
"عاوزة أتقلب بس مش قادرة."
"حاضر يا نهر، هساعدك."
وحاولت انتصار، وبعد جهد استطاعت نهر أن تغير القليل من وضعها. نظرت لإنتصار وقالت:
"حضرتك لسه قايمة من عيا وتعبانة، روحي الصبح بيتك."
"إزاي يا نهر؟ فيه أم تسبب بنتها؟ مش أنا زي رقيه لغاية ما تيجي برضه؟"
"بابتسامة: أنا بعتبرك أخت ماما وحتة منها، لكن اللي جاي مش هيكون سهل ووضعك هيكون صعب."
"مش فاهمة، ناوية على إيه وأنت مش قادرة حتى تتحركي؟"
"هاخد حقي. مش قوي يعني علشان عمر ما يتأذيش، بس لازم عمو مصطفى يتأدب. وأنت عايشة مع حماتك وعمو محمد أخوه برضه."
"ناوية على إيه يا نهر؟"
"بتعب: مع إن الكلام بيتعبني، بس هقولك يا تيزة. أخذت فكرة ورد. كنت عارفة إنه هيفقد أعصابه لأنه كان فاكر إن آية هترجع علشاني أنا وعمر، وفقد الأمل لما عرف إنها مش فكرانا أصلاً. فتحت الموبيل بس على كاميرا، وكنت عاملة حسابي أفتح الباب وأجري بسرعة لجوا. يقوم لو هو مع عمر يدخل ورايا. وقلت لعمو إبراهيم يلحقني. لو مصطفى جه، قلت هيبقى كلمتين أو حتى قلم أو اتنين أستحملهم وخلاص. بس كل حاجة خلصت في لمح البصر. دخل ورايا آه؛ بس عمو إبراهيم اتأخر شوية. يلا من نصيبي أخد علقة؛ إنما إيه... محتررررمة."
لتضحك انتصار بشدة وتقول:
"علقة معتبرة بصحيح."
"إضحكي إضحكي، ما أنتِ مش عارفة فيا إيه. المهم بالفيديو هشتكيه إنه عمل فيا زي ما أنتِ شايفة، ومعايا دليل. يتربى شوية في الحبس يومين تلاتة ويعرف إني مش سهل يتلعب معايا. قاعد هيبعت عمو محمد يستسمحني بعد يومين تلاتة أو حتى أسبوع علشان أتنازل ويمضي على عدم تعرض ليا. ماهو مفيش كلمة بيقولها وبيعملها، يبقى أقيده بكلمة حكومة."
"هو يستاهل يتأدب. لو حد عمل كده في حد من عيالي أكل مصارينه. بس اعملي ما بدالك، لما تفوقي شوية وتقدري تقومي علشان أفضل معاك."
"لأ طبعًا مش هخليه يتهني بأنه يفرح فيا ويفتكر نفسه خوفني. لو استنيت هياخد قلم في نفسه أكتر ما هو واخد. لازم يتحاسب ويفكر ألف مرة قبل ما يتعامل معايا ويبوس إيدي علشان أسامحه. هو بيخاف مش بيختشي. لو فاكر إن اللي بيحميني عمو أمجد، لأ أنا بإذن ربنا هاخد حقي بنفسي. ولو إن عقابه مش كفاية، لأن زي ما قلت مش ناوية أدخله السجن علشان عمر، بس قرصة ودن."
"يا بنتي إنتِ مش قادرة تتقلبي على السرير، ولو اشتكيتيه محمد وأمه مش هيخلوني أقعد معاكِ والدنيا هتولع وأنا قلبي هيوجعني عليكِ."
"كسرت نفسي أكبر من كسر جسمي يا تيزة، وهشتكيه وهيتربى وأنا ربنا مش هيسبني."
"إنتِ مالك اتبدلتِ؟ كنتِ بتسمعي الكلام."
"القسوة بتعلم كتير، وخصوصًا العند."
طرق الباب، وسمحت نهر بالدخول.
ما أن دخل لها الطبيب حتى طلبت منه إنها تريد الإبلاغ عن الذي فعل بها هذا، وطلبت تقريرًا طبيًا بحالتها. واتصلت بأحد رجال الشرطة مبكرًا، وهو الذي أخذت رقمه في وقت سابق من محمود الذراع اليمين لأمجد، فقد أعطاه لها في حالة لو احتاجت مساعدة فورية في عدم وجود أحد بجانبها. آتى لها بسرعة وعرضت عليه الفيديو وطلبت منه أن يسرعوا بالقبض عليه، وأوضحت أنها لا تريد سجنه، بل تريد أن يحبس بعض الوقت ليتربى وتأخذ منه تعهدًا بعدم التعرض.
"ممكن أفهم ليه؟ إنت معاك إثبات بالضرر وممكن يتسجن ويتربى؟"
"مش هبين إني هسامح. أنا بعمل كده عشان أخويا، مش عاوزة أخسره. ويقول أختي سجنت أبويا. عاوزاه يحس إن مصممة، وكل اللي عمله ممكن يضيع بلحظة لو اتسجن. يعني ممكن يفقد وظيفته وهيبته وشكله في البلد. وحضرتك هتقول له إني مصممة على دخوله السجن وتخوفه عندك يومين تلاتة."
ونظرت لإنتصار:
"وحضرتك مش هتقولي لحد أنا ناوية على إيه؟"
"ماشي يا نهر، بس مادام كده كده يومين ويطلع، ما تستني لما تخفي شوية."
"لا النهاردة ولو ينفع دلوقتي، وهو في المدرسة وبين زمايله والطلبة بتوعه. حضرتك مقدم وتقدر تتصرف."
"أكيد. أقوم أنا وهروّق في المدرسة والمركز لأني شخصيًا متغاظ منه. ابعتي لي الفيديو واتس على رقم..."
"وده مفتاح بيت بابا في أوضة في الآخر، أدخلها فيها دولاب صغير، دي أوضتي. في أول رف تقرير عن حالة أمي في آخر مرة اتعدى عليها. ضيفه للمحضر."
"تمام، سلام. الحق طابور المدرسة."
نهر لإنتصار:
"قومي حضرتك روحي بقى."
"لأ، أنا معاكِ. لما يبقوا يعرفوا أبقى أروح أو ما أروحش. أهو القاعدة معاكِ أحسن من القاعدة مع حماتي."
"صحيح، هي اسمها إيه أصلاً؟ أصل لما بدعي على مصطفى مش بعرف أقول يا بن مين."
"طول عمري أسمع بيقولوا يا أم محمد، بس مرة شفت اسمها كان عديلة باين. ألا ما فيها حاجة عدلة غير ابنها محمد بس وأولاده طبعًا. تعالي ندعي عليها هي ومصطفى، أنا وأنتِ جماعة."
نهر بضحك:
"مش قادرة أضحك والله يا تيزة."
"طب ما تحاولي تنامي شوية."
"طب اطلعي بره، قولي لهم عاوزة مسكن."
خبط على الباب.
"علي."
إنتصار:
"الظاهر حد من الدكاترة جه." (بصوت عالٍ) "ادخل."
علي:
"صباح الخير."
إنتصار:
"كنت فين يا علي؟"
علي:
"بعد ما اطمنت على نهر، أبويا قالي لازم أروح له. وستي عرفت، نمت شوية على أساس هنام ساعتين بس، من كتر التعب ما حستش بنفسي وكملت نوم. معلش."
نهر:
"محتاجة مسكن يا أبية."
علي:
"حاضر يا نهر. أنا عديت على التمريض وشوفت علاجك. هييجوا دلوقتي يدولك مسكن وشوية أدوية. قومي يا ماما ريحي وأنا هقعد مع نهر."
خبط على الباب وفتح الباب ودخل عبد الله.
عبد الله:
"أنا جيت، نورت البيت، وجايب معايا التمريض. قومي بسرعة يا نهر، ده أنا بذات نفسي هشرف عليك."
علي:
"إيه اللي جابك؟"
عبد الله:
"هي نهر أختك لوحدك ولا إيه؟ جاي أطمن بنفسي."
إنتصار بتسرع:
"أخته يا أهبل! كل ده وأخته؟"
نهر بتنهيدة:
"تيزة!!!!!! خدي قبيلتك واطلعي بره على ما آخد الدوا والحقن."
وصل المقدم مع قوة الشرطة وأخذ مصطفى من الطابور وهو في حالة صدمة، وأودعوه بالقسم. واتصل مصطفى بأخيه محمد ليلحقه هناك.
بعد أن وصل مصطفى للقسم.
مصطفى:
"هو أي حد يعمل شكوى كيدية تسحبوه كده من غير دليل؟"
وضع المقدم رجلًا على الأخرى وقال:
"افتح محضر يا بني، ولا تستنى المحامي بتاعك."
مصطفى:
"لأ يا سيدي، أنا ما عملتش حاجة تستاهل أخاف. أفتح أما أشوف آخرتها."
المقدم:
"نهر مقدمة فيك شكوى إنك اعتدت عليها، ومرفق طيه تقرير طبي بحالتها: كدمات بالوجه وجرح بالشفاة وكسر بالضلوع وشرخ في الركبة."
مصطفى:
"ما حصلش. وإن كنت عارف إن ممكن أولاد أبو إبراهيم يكونوا معاها عشان بيحبوها وجارتهم وأبوهم موصيهم عليها. وبعدين هضرب بنت مراتى ليه؟"
المقدم:
"يعني بتنفي ما قُدم بحقك؟"
مصطفى:
"آه، أنا ما عملتش حاجة. بس خناقة بسيطة بيني وبينها امبارح، علت صوتي عليها وبس."
المقدم:
"أمضي تحت المحضر على أقوالك، وشوف المكتوب وراجعه قبل ما تمضي."
مصطفى أخذ الورق وقرأه ومضى في آخر المحضر وقال:
"خلاص كده أمشي؟"
المقدم:
"هههاهاة بسرعة كده؟ طب إيه رأيه في الفيديو ده؟"
وشغل الفيديو لينصدم مصطفى بما فيه، فكل ما فعله بنهر أمام عينيه صوت وصورة.
المقدم:
"لأ لأ، ما تتنحش كده. وده تقرير بحالة أمها قبل منها في نفس الشهر ده. إنت فاتح دماغها، ده إنت سنتك سودة! مش فاكر فيها كام سنة الحاجات دي، وخصوصًا لو كل واحدة على حدة."
مصطفى:
"أنا عاوز المحامي بتاعي."
المقدم:
"يا راجل! مش من دقيقة ما عملتش حاجة."
مصطفى:
"مش هتكلم غير في وجود المحامي."
المقدم:
"وماله، خده يا ابني، روّقه كده على ما يجي المحامي. زي ما روّق بنت قد عياله، بس من غير كسر. خليك حنين."
مصطفى:
"إنت بتقول إيه؟ ده أنا أهد الدنيا عليكوا."
المقدم:
"هد ووريني شطارتك. ده أنا جاي لك مخصوص وصاية يعني. أي حد هنا ممكن يعمل المحضر، أنا بقى صممت آجي أخده أنا. يا عسكري خد معاك كذا عسكري وصاية، عاوزة متروق. واااااه! اثبت أن حد جه يمك ورمى له قبلة في الهواء. باي باي يا سكر."
نظر المقدم للضابط الموجود:
"أي حد يسأل عليه تقولوا لسه في التحقيق. سيبه شوية عشان يتعلم الأدب. الراجل عديم النخوة ده، البت مش قادرة تتحرك هناك."
ثم اتصل على محمود: ليخبره بحال نهر، فهو يعرفه من يوم ما قدم محضر لنهر وهي صغيرة عندما تعدى عليها مصطفى والداية، ويعرف حكاية نهر. لكن كان أول مرة يرى نهر وجهًا لوجه.
وصل محمد بعد فترة ليسأل عن أخيه، لكن لم يستطع الوصول إليه، فاتصل بعلي ليأتي بمحامي ويحضره في القسم، فهو لا يعرف لماذا مصطفى هنا. لم يخطر بباله أن نهر قدمت محضرًا في أخيه وهي بهذه الحالة التي حكى عنها علي.
علي نظر لأمه بعد غلق المكالمة:
"أبويا بيقول في قوة من القسم راحت أخدت عمي ومش عارف ليه. ولما راح القسم بيقولوا له ما ينفعش يدخل لأنهم لسه بياخدوا أقواله. هروح أشوف إيه الحكاية، وخلي بالك من نهر، هي هتصحى كمان ساعتين كده."
إنتصار نظرت للأرض وقالت:
"أنا عارفة ليه. نهر اشتكت عمك وطلعت تقرير باللي حصل لها. ومش كده وبس، دي كمان طلعت مسجلة فيديو لعمك وهو بيضربها وقدمته. ومش ناوية تتنازل عن حقها."
علي بذهول:
"إمتى ده؟ أنا جاي من بدري وراحت إزاي؟"
إنتصار:
"هي ما راحتش. هي اتصلت بحد صاحب اللي اسمه محمود ده. هنا ضابط ولا هو مقدم؟ جه واشتكت وخلت الدكتور بالليل بعد ما مشيت يعمل تقرير."
عبد الله:
"أحسن، بتعجبني دماغ نهر دي. تبان ناعمة وهي قرصتها والقبر حقها. مش كل شوية يرميها هي أو أمها في مستشفى ومش بيتعظ."
علي:
"خلاص أمها راحت وهي هتنتقم من اللي فات كله. وبعدين ما هي كده هتخسر أخوها."
عبد الله:
"لو عنده مخ ما يخسرهاش. هي بتاخد حقها مش أكتر. المشكلة في بهدلة أبوك وستك، وكمان إنت عارف ستك هتحكم على أمك ما تجيش وتحكم دماغها. وأنا في طب وإنت مش فاضي. هنعمل إيه؟ هنسيبها في حالتها دي. عاملة زي اللي داس عليها قطر ومش قادرة تتحرك."
إنتصار:
"قولتها والله يا بني، قولت على الأقل استني تصلبي طولك. حكمت رأيها."
عبد الله:
"أنا ممكن آجي لها بالليل وإنت الصبح يا علي. أمك مش هتعرف تيجي من ستك وأبوك. وضحي باليومين دول من شغلك."
علي:
"ما دام هي صممت وهي موجوعة كده، يبقى إما إنها عاوزة تنتقم أو في دماغها حاجة. هنشوف. هاخد محامي وأروح لأبوك. سلام."
بعد ساعة ونصف.
قامت نهر وهي تحاول النهوض، لكنها تألمت. فتحت عينيها بإرهاق. نهر برهة استوعبت فيها أين هي، ولماذا. تنهدت وقالت:
"إيه ده؟ أنتم لسه هنا؟"
عبد الله:
"شوية وهروح الجامعة وأبقى آجي لما أخلص. أجيب لك حاجة وأنا جاي."
نهر:
"وانت هتيجي تاني؟"
عبد الله:
"طبعًا يا هبلة! حد يسيب أخته كده وما يجيش."
نهر:
"والدك أكيد عرف أنا عملت إيه. هتقف في وش أبوك وستك."
عبد الله:
"لأ، ما هما عارفين إني مش ببات في البيت كتير، بذاكر مع أصحابي. لو حبكت هقول بذاكر مع حد صاحبي."
نهر:
"هتكذب يعني."
عبد الله:
"اتعلمت أطاطي للريح. وما دام مش هعمل حاجة غلط، فخلاص. ده أنا قصدي آخد ثواب في مريض، مش زي ناس. ما فكرتش إن قلوبنا، أنا وأمي وعلي، هتوجعنا عليك لو سبناك لوحدك."
نهر:
"ما إنت مش هتسيبني أهو."
عبد الله:
"في السر يا نهر. ما كنتِ تصبري شوية."
نهر:
"العلاج هياخد وقت، مش هخف بسرعة. وقلبي هيوجعني لو ما أخدتش حقي وشوفت عمك بيستسمحني ويعتذر. لازم يعرف إني مش سهل. عن حقي ويبعد عني بقى."
عبد الله:
"عن حق طبعًا، بس إحنا هنكون قلقانين عليك."
نهر:
"ساعدني أقعد، مش مستريحة كده، وهقولك حل."
عبد الله:
"الواحد كان قال البت ورد غارت، وهستريح. بس إزاي؟ عمي لازم يعمل مشكلة تخلينا نلف حوالين نفسنا. أمي نامت من التعب وهتموت روحها عليك. أرفعك من أنهي حتة؟ إيه فيك سليم علشان ما تتوجعيش؟"
نهر:
"هنجرب مع بعض يا عبدو."
بعد فترة.
نهر:
"ما تروح تجيب مسكن."
عبد الله:
"قولي الحل وهخرج أجيب لك."
نهر:
"تيزة إنتصار ممكن تقول لستك أنا مش لازم أسيب نهر دلوقتي، هي عنيدة ولو سبناها لوحدها هتصمم تسجن مصطفى. أروح وأزن عليها وأحاول أقنعها تتنازل علشان مصطفى ما يتبهدلش في السن ده. الزن أقوى من السحر، وهي شوية شوية هتسمع الكلام، وخصوصًا لما تلاقيني معاها على طول. ساعتها ممكن ستك تقتنع وتقنع أبوك كمان، ومش بعيد تبعتوكم معاها علشان تقنعوني."
عبد الله بتفكير:
"واعنت هتقتنعي!"
نهر:
"على حسب بقى تيزة وشطارتها معايا."
عبد الله:
"أنا لو منك ما أتنازلش. ده مشلفط وشك وجسمك."
نهر:
"هو أنا بوظت قوي كده؟"
إنتصار:
"أنا موافقة على الحل ده قوي."
نظر كل من عبد الله ونهر لها.
عبد الله:
"عاملة نفسك نايمة؟"
إنتصار:
"ما كنتش قادرة أقوم يا ولاد، بس نومي خفيف. بنت يا نهر إنتِ دماغ حتى وإنتِ متكسرة."
نهر:
"روح يلا هات مسكن وروح كليتك."
عبد الله:
"حاضر يا معلمة، بس لسه شوية على المحاضرة الأولى. إزاي عرفتي إن عمي هيجي يشلفطك كده وسجلتيله فيديو كمان؟"
نهر:
"من فكرة أختك يا خفيف، لما لقيتها بتسجل لنا في أوضة تيزة. ولو كانت ذكية يا رب ما تكون اقترحت اقتراح التسجيل ده قدام جوزها."
عبد الله:
"إنت كنتِ عارفة إن فيه تسجيل؟ آه علشان كده توقعتي عمي يجيلك. وآه الغبية أختي اقترحت كده قدام جوزها. طبعًا وشه قلب. وبعد ما سلم عليكِ وأنتِ مروحة، قال هيروح البيت وورد تقعد براحتها ويبقى يجي ياخدها لما تخلص."
إنتصار:
"إنتم تقصدوا إيه؟ مش فاهمة؟"
نهر:
"يعني يا تيزة واحد بيشوف مراته بتتفأ إنها تسجل لأمها من وراها، والعيلة موافقة، هيقول عليها إيه؟ أكيد هتصغر في نظره ومحتاجة وقت عشان تاخد ثقته، خصوصًا إنها في شقة في بيت عيلته."
عبد الله:
"والله يا نهر وشه أصفر من الاقتراح، وما نطقش غير وهو قايم. وأنا بوديها له بالليل كان مش مبسوط. يلا ه. خليها تفكر بدل ما بتتسرع بأفكار غلط."
إنتصار:
"هتتصرف مع جوزها، بس طبعًا مش هينسى الموقف."
عند القسم.
وصل علي بالمحامي وقص على أبيه ما عرفه من أمه. خفق قلب محمد على أخيه.
محمد:
"ما دام موجوعة ورقيه مش هنا، مش هتسامح. أستر يا رب يا أستاذ، عاوزين نشوف أخويا. ربنا لا يسوئك."
المحامي:
"أشوف الأول المحضر وإيه حصل وأقولك. مع أن الدكتور قالي إنها مسجلة له فيديو وهو بيضربها وفيه شهود وتقرير طبي، يعني لبساة لبساة. هنلعب على تقليل المدة، لأنه كده كده هيتسجن. وموفقة زفت."
محمد:
"يتسجن إزاي وابنه ووظيفته؟ شوف حل طلعه."
المحامي:
"هو أنا ساحر؟ كل ده وتقول ما يتسجنش. ده قانون وكسور وبلاوي سودة يا راجل. ادعي بس تعرف تشوفه، ده أنا اتصلت وعرفت إن المقدم بذات نفسه راح المستشفى لنهر، وبعد الفجر زمانه اتوصى بيه إنه صحاه من عز النوم. ولو أخوك افتري جامد على البنت وصعبت عليه، يبقى هينفخه."
محمد بعصبية:
"فال الله ولا فالك! إيه ده يا أخي بدل ما تطمني بتكركب بطني."
المحامي:
"بوعيك يا حاج."
محمد لعلي:
"هي نهر تعبانة قوي يا علي."
علي:
"على رأي عبد الله، تحس إن داس عليها قطر. مفيش في وشها حتة متلونة، وكسر في الضلوع وشرخ في الركبة."
محمد بعيظ:
"وعبد الله بيعمل إيه هناك هو كمان؟"
علي:
"فات عليها قبل ما يروح كليته. اتفضل شوف شغلك يا أستاذ وحاول تخلينا نشوفه."
بعد فترة سمح المقدم برؤية المحامي للمحضر، ثم رؤية محمد وعلي لمصطفى. ما أن رأى محمد أخيه حتى هوى قلبه، فقد كان مصطفى شاحبًا شحوب الموتى، يكاد لا يستطيع المشي أو الوقوف من الإعياء. قضى فوق الساعتين في حجز انفرادي مع الضرب من العساكر. ضرب لا يكسرون فيه عظمًا، لكن يكسر فيه الغرور والكرامة.
محمد:
"مالك يا أخويا؟ أنا والله جيت بسرعة، بس مارضوش يدخلوني وخلّيت علي يجيب محامي. إنت مالك كده؟"
مصطفى:
"عدموني العافية يا أخويا. اتلموا عليا و..."
قاطعه المقدم الذي كان يلعب بقلمه على المكتب:
"كدااااب، زي ما كذبت وقلت ما عملتش حاجة في نهر. أنا رأفة بأخوك، خليته يشوفك. كذب بقي وشغل وسخ. هنشوف مني وش مش هيعجبك، وهرجعك الحبس يا درش."
محمد:
"يا بيه خليني أطمن عليه، الله لا يسوئك. هو غلطان وعرف غلطه خلاص."
المقدم بتفكير:
"أنهي غلط؟ ضرب بنت لا حول لها ولا قوة؟ ولا فتح دماغ مراته؟ أنا أعرفه قبل كده يا حاج، من حوالي أربع سنين وشوية كان معايا برضه محضر بتعدي البيه على نهر في غياب أمها مع داية. يعني عارف شوية من تاريخه المشرف. بس المرة دي ما أعتقدش نهر هتتنازل. وبصراحة أنا بتكيف قوي (وشدد على كلمة قوي مرة أخرى) قووى لما يقع تحت إيدي جبار بيستعرض عضلاته على ضعيف. خمس دقائق هخرج، والعسكري هيرجعك بعديها الحبس."
بكى مصطفى بقهر:
"أبوس رجلك يا أخويا اتصرف. أنا اتهنت جامد. روح لنهر خليها تتنازل وقولها خلاص مصطفى مش هييجي جنبك تاني."
علي:
"نهر في المستشفى، عندها ضلع مكسور ووشها وارم بكل الألوان وشرخ في الركبة. يعني حتى مش عارفة تتحرك. تفتكر هتسامح كده؟ لو قال سامحي، دي ما رضيتش في عز تعبها تستريح وبلغت."
محمد:
"وإنت مش كنت معاها؟ خليتها تعمل كده ليه؟"
علي:
"ما كنتش معاها. إنت قولت لي تعال البيت ورجعت لك. لما روحت الصبح كانت بلغت خلاص."
مصطفى:
"يا بنت الكلب يا نهر! عرفت تضيع حياتي كلها. قولت لكم قبل كده مش سهلة، لكن كانت بتصعب عليكم."
علي:
"لو حد مننا حصل فيه كده، مين فيكم هيسامح؟ ومتقولش عشان بحبها. أنا عاوزك بس تحكم عقلك. زي ما إنت موجوع على غياب خالتك، هي موجوعة. بس إنت مش بتشوف حد غير نفسك. لكن تعبنا وتعب ابنك حياتنا كلها قاعدين نجري وراك ووري مصايبك."
محمد:
"علي احترم نفسك وما تعليش صوتك على عمك." (ونظر لأخيه) "إنتصار معاها في المستشفى، هقولها تكلمها. هي بتحبها وربنا يقدم اللي فيه الخير. هتصرف، خالِ بالك من نفسك."
جاء العسكري ليأخذ مصطفى الذي قال:
"هو الخمس دقائق خلصت بسرعة كده؟"
العسكري:
"يلا يا عم بدل ما كلنا نتكدر. إنت ما تعرفش مقدم محسن، وأخذه اللي نفس الحبس السابق."
وأدخله ليجد المقدم محسن داخل الحبس، وقد خلع الجاكيت وينتظره بجسمه الممشوق وهو يقول:
"يلا يا درش علشان أدوقك شوية من اللي بدوقه للحريم والعيال."
ليجري مصطفى على الباب ويقول:
"يا عالم يا نااااس حد يلحقنااااااااي."
إيه هيحصل نشوف في الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثالث 3 - بقلم رينا الهادي
في تركيا، إسطنبول.
رقية أرادت كوبًا من الماء، لم تجد سنيام بجانبها. اعتقدت أنها في حجرة المذاكرة، ففتحت الباب بهدوء لتذهب إلى المطبخ. لكنها تصنمت مكانها وهي تسمع سنيام في حجرة المعيشة.
سنيام: يا نهر، قلت لك كل شيء تحت السيطرة. هي نائمة الآن، وأنا فعلت كل ما قلتِ عليه. عملت نفسي أودع صديقتي في المطار وجبتها إلى هنا. طبعًا هي استريحت أما لاقتني جالسة لوحدي. لم أعرف أكلمك البارحة ولا اليوم، كنا جالسين نرغي. خفت تسمعيني أو تريني وأنا أكلمك.
نهر عبر المكبر: طيب، ابقي كلميني عندما يسمح لك الوقت. وأوعي تغيبي عن عينك. عرفيها كل شيء عن الموبايل وكيف تعمل بحث في جوجل، سيسهل عليها وعلينا كثيرًا الوصول لأهلها ونحن نستريح.
سنيام: علمتها والله، بس طريقة كلامها وأسلوبها يقولان إنها بنت ناس من الطبقة المخملية، وممكن تعيشي في مستوى عالٍ قوي. ما أنتِ لازم تستفيدي أنتِ كمان.
نهر: سنيام، أنا لا أفكر بطريقتك. سأغلق، هناك من يخبط، تقريبًا خالتي أم إبراهيم. سلام الآن.
سنيام: إيه، يجبها في الوقت هذا؟ الدنيا ليل؟
نهر: تلاقيها تطمئن عليّ قبل أن تنام. نحن العشاء لم يؤذن له من قليل. باي سنيام.
رجعت رقية إلى الغرفة بسرعة، وفتحت الباب بصوت وأغلقتُه، ونادت على سنيام.
رقية: سينام.
سنيام: أيوة يا رووقة.
رقية: رووقة، أنا اسمي عائشة جول، أنتِ نسيتِ ولا إيه؟
سنيام: إيه، لا، لا. مش مركزة بس.
رقية بتضييق العينين لها: أنتِ تعرفين أحدًا من مصر؟
سنيام: مصر؟ لا، خالص. لِمَ تقولين هكذا؟
رقية: أبدًا، أصلي هناك سَمَّوني رقية، قلتُ يبقى تعرفين أحدًا هناك يعرفني.
سنيام بتوتر: بجد، أنتِ كنتِ في مصر واسمك هناك رقية؟
رقية: سأحكي لكِ بعدين. كنت أريد أن أشرب وأنام. أنتِ عندك كلية بكرة، لِمَ صاحية إلى الآن؟
سنيام: لا، كنت أذاكر وتعبت، قلتُ أطلع أغير جو في الصالة.
رقية: تغيري جو في الصالة؟ طيب، أنا سأشرب وأنام.
سنيام: تصبحين على خير يا...
رقية بسرعة: عائشة. أوعي تنسي، عائشة.
أخذت زجاجة من الماء وذهبت إلى الحجرة.
رقية بتفكير: سنيام تكذب عليّ. وكانت جايه المطار لي، مش بتودع حد. وتعرف نهر اللي قالت إنها صديقتي؟ كيف يعني صديقتي؟ أنا عيلة، أنا المفروض فوق الأربعين وهي يا دوب سبعة عشر سنة. وسينام تقول لها: "ستستفيدين لو أنا لقيت أهلي". واضح أنهم يستغلوني وأنا لا أتذكر شيئًا من الأربعة وعشرين سنة التي عشتها في مصر. أنا ما في حل أمامي إلا أني أجاري سينام، خصوصًا أنا بيتنا القديم هنا مش موجود أصلاً. سأصل إن شاء الله إليهم، بس بهدوء دون أن يعرف أحد عني شيئًا. الله أعلم، ممكن يكونون يريدون استغلال أهلي. الحمد لله ما قلت لأحد عن اسم عائلتي. ماشي يا نهر، أنتِ وسينام، سأرى أنا ولا أنتم. وأنا اللي حبيتهم ودخلوا قلبي، وخصوصًا اللي اسمها نهر دي. طيب، علاقة أمجد ومحمود إيه بهم؟ ولِمَ ساعدوني؟ ممكن يكونون شبكة نصابين دولية، وممكن يؤذوا بابا أو ماما. ما أنا لا أعرف، هما بقوا إيه ولا عايشين ولا لأ. لا، عائشة، عايشين إن شاء الله. أنا لازم أنام وأرتب أفكاري. نامي يا عائشة، وفوقي كدة، وأوعي تخلي أحد يستغلك.
صباحًا، استيقظت سنيام ونزلت إلى الأسفل لتجد...
صوت قوي يأتي من غرفة الألعاب. دخلت لتُرى رقية تُلكم كيسًا معلقًا بقوة، وينزل منها العرق غزيرًا من جميع جسدها.
سنيام: بتعملي إيه؟ ومين جاب الكيس ده هنا؟ مش فاكرة إنه كان موجود.
رقية: أنا جبته، وبأتدرب عليه. أصلي كنت واخدة حزام في الكاراتيه، وحسيت إني ما اتدربتش من زمان.
سنيام: بجد! لِمَ يعني؟ زمان كنتم هوانم، أعرف كنتم تتعلمون رقص، تلعبون تنس، خيل، لكن كاراتيه وملاكمة مش لايق عليك.
رقية: والدي كان يخاف علينا ويحبنا جدًا. جاب لنا في البيت ناس تعلمنا قرآن ولغات، ومن وإحنا أربع سنين كنا نتعلم رياضة من أول ركوب عجل وخيل وسباحة. كبرنا شوية، اتعلمنا الفنون القتالية وإزاي أدافع عن نفسي، ودخلت مسابقات كمان. تفكيره كان: البنت تقدر تحمي نفسها بدينها، ثم أخلاقها، وأخيرًا ذكائها وقوتها، وخصوصًا في الزمن ده. لما قررت أدرس في الخارج، اعترض في الأول، لكن قال: "أنا ربيت وعلمت كويس"، ووافق في الآخر.
سنيام: طب، بتدربي دلوقتي لِمَ بالعنف ده؟
رقية: علشان أحمي نفسي برضه وقت اللزوم، وأدب اللي عاوز يتأدب لو احتاج الأمر.
سنيام: مين اللي عاوز يتأدب؟ أنتِ بتخرجي قليل في النهار، والدنيا اتغيرت، فيه شرطة في كل مكان، وفي بلدك.
رقية: يعني حد عاكسني أو كذب عليّ أو حب يخدعني. أنا مش بثق في أحد بسهولة.
سنيام وهي تبلع ريقها: حد مين ده؟ ما فيش أحد بتتعاملي معاه غيري.
رقية: ما أنا هتعامل مع غيرك. ولو أنتِ بتخدعيني، صدقيني مش هرحمك، أصل أنا مش بسيب حقي.
سنيام: وأنا هخدعك لِمَ؟ أعرفك قبل كده. أنا بساعدك بس، وبعدين أهو أنتِ شايفة ما فيش حد غيري هنا. قلتُ نتسلى مع بعض. ده حتى أنتِ في سن أمي.
رقية باعتراض: أمي إيه! أنتِ عبيطة؟ ده أنتِ أطول مني.
سنيام باضراب: أنا رايحة الجامعة. عاوزة حاجة؟
رقية: غيري وافطري، وخذيني معك.
سنيام: آخدك فين؟ هتدخلي الجامعة إزاي؟
رقية: لا، أنا مش هدخل، هتفرج عليها من بره وأمشي في الشوارع شوية. أعرف إيه الجديد، ولما تخرجي هتلاقيني، نروح مع بعض. بس قولي هتخرجي إمتى.
سنيام: هتتمشي لوحدك؟
رقية بإعادة كلام سينام: آه. فيه شرطة في كل مكان، وأنا في بلدي. وطبعًا أقدر أدافع عن نفسي، ومعي شوية فلوس. ممكن أشرب شاي أو قهوة أو سندويتش كفتة. هتعرف على البلد، ما تخافيش. أنتِ عرفتيني أستخدم الموبايل. لو حصل حاجة، هتصل بك.
سنيام: تمام. هعمل سندويتش وأطلع ألبس. أعمل لك معايا.
رقية: أوك. هاخد شاور سريع، وهعمل شاي ليا ولك. وإنتِ اعملي السندوتشات.
توجهت سينام إلى المطبخ، ورقيه تقول لنفسها: أنا كده اتأكدت إنك تعرفيني من قبل كده. واحدة تانية كانت طردتني أو على الأقل عاتبتني على إني هددتها. لكن تدافع عن نفسها كده؟ يا ترى أنتِ ونهر عاوزين مني إيه؟ هقعد معاكِ هنا في أمان على معرفة مكان أهلي.
خرجت رقية معها إلى الجامعة، وتركتها وذهبت تمشي في طرقات المدينة لتعرف ما بها. فتحت الموبايل ولعبت به لتعرف آخر الأخبار. لفت نظرها صورة لوالدها، وتحت الصورة خبر أن شركات برهان للتنمية العقارية تطلب مهندسين حديثي التخرج لمشروعاتها الجديدة، وأيضًا بمناسبة قرب مرور خمسة وثلاثين عامًا على إنشاء الشركة، وأن الشركة ستحتفل بالسنوية في مقرها الرئيسي بعد أسبوع.
بحثت عن عنوان الشركة وعرفتُه. ذهبت إلى الشركة وسألت الاستقبال، وعرفت أن أباها وأمها في دبي لافتتاح أحد مشروعاتهم هناك. قررت أن تفاجئهم وتستعد أن تلقاهم في العيد السنوي للشركة. خرجت من الشركة بسرعة وهي سعيدة، فقد أصبحت تعرف أن شركة أبيها أصبحت من أكبر الشركات التركية، ولها مشاريع في أنحاء العالم، وذلك بفضل أبيها وأمها، وبتأكيد أختها عمران الأكبر منها. وفوق كل ذلك، عرفت أين هم، وسهل عليها الآن أن تعرف أين يسكنون. جرت لتوقف تاكسي ترجع به إلى جامعة سينام.
لمحها سيد نديم الذي تصنم لبعض الوقت وهو يدخل إلى الشركة، وهي توقف تاكسي من أمام المبنى. توقف لثوانٍ وهو يقول: مين دي؟ حاسس إني شوفتها قبل كده. سأل الحارس أمام الباب: مين دي؟
الحارس: يا فندم، ناس كثير جايين يعملوا مقابلة شغل، أكيد منهم.
نديم: منهم إزاي؟ هي مش شابة صغيرة حديثة التخرج؟ هي كانت فين؟
الحارس: يا فندم، هي وقفت بس عند الاستقبال شوية وخرجت.
اتجه سيد نديم إلى الاستقبال.
نديم: مساء الخير.
الموظفة: مساء الخير سيد نديم. الوفد لسه ما وصلش، ميعادهم بعد ساعة ونصف.
نديم: عارف، وبأكد يطلعوا على الدور الثالث فور وصولهم، ومش عايز أي صحفي يطلع معاهم. لكن مش ده اللي عايز أسأل عنه. فيه سيدة خرجت من هنا من دقائق، هي مين وعاوزة إيه؟
الموظفة: يا فندم، اليوم كان مزدحم جدًا، صحفيين وناس بتقدم على وظائف، وطاقم الأمن الجديد. فمش عارفة حضرتك تقصد مين؟
نديم: ست عاملة شعرها كعكة، ولابسة بنطلون واسع وبلوزة روز، ووشاح رمادي.
عمران: ياااه! مين دي اللي بتوصف لبسها بدقة كده؟
نديم وهو يلتفت: مش عارف، بس حاسس إني شوفتها قبل كده، فجيت أسأل.
عمران وهي تنظر للموظفة: مين دي وكانت جاية لِمَ؟
ارتبكت الموظفة وقالت: مش عارفة يا فندم. هي جت وقالت بثقة: "برهان أغا موجود حاليًا". رديت وأنا كنت مشغولة بترتيب الورق: "إنه هو وفيروزة هانم في دبي لافتتاح مشروع هناك". ردت وقالت: "شكرًا ومشيت".
عمران: وإنت أي حد يجي يسألك تجاوبيه من غير ما تسألي مين وبيسأل لِمَ؟
احمر وجه الموظفة بشدة، واخفضت وجهها أرضًا وهي تقول: "بعتذر يا فندم، آسفة جدًا. أنا كنت لسه هسألها، لكن هي اتجهت للباب وخرجت بسرعة. أكيد حضرتك هتيجي ثاني، هي ما راحتش أي مكان. دخلت وخرجت في دقائق."
عمران بغضب: وده شايفاه عذر؟ مخصوم منك يومين. ده إهمال في وظيفتك، والمرة الجاية رفد. ده مش محل بقالة.
نديم بابتسامة للموظفة: شوفي شغلك. ووضع يده في يد عمران وهو يقول بصوت هادئ: ليه العصبية دي كلها؟ البنت مشغولة بمليون حاجة، ودي ست بتسأل على برهان بيه، ممكن تكون من الناس اللي بيساعدهم. ومعظم تركيا عارفة أن برهان آغا بيفتتح أكبر مستشفى في دبي، مش سر يعني. هي ما قالتش سر.
دخلوا المصعد.
عمران وهي تنظر إليه بتعجب: فعلاً مش سر. السر إنك مهما لبست مش بتعرف أنا لبست إيه جديد، لكن أنت جاي تسأل عن ست شوفتها خارجة من هنا ووصفِت حتى تسريحة شعرها ولبسها. يا نديم بيه، فكنت عاوزة أعرف مين اللي لفتت انتباهك للدرجة دي؟
نديم: أنتِ بتشكين فيا يا عمران؟
عمران وقد اتضح لها أنها أخطأت بالكلام: لا، أبدًا حبيبي، لكن استغربت. أنت حياتك التصميم والإبداع والشغل، فغريبة تهتم بست.
نديم: سبب اهتمامي إني متأكد إني شوفتها قبل كده. حتى الألوان وطريقة اللبس مش غريبة عليا. الرمادي والروز والوشاح ورفعة الشعر لفوق كعكة.
عمران: الاستايل ده يخص عائشة جول. وعلى الرغم إنها ماتت من سنين، لكن لسه ساكنة قلبك يا نديم، ومصر تجرح فيا حتى بعد أكثر من عشرين سنة.
نديم بتنهيدة: قلتي بنفسك ماتت من سنين. وأنا لما اتجوزتك ما حدش جبرني. اتجوزتك بكامل إرادتي. فمن فضلك بلاش تفتحي في جروح ليا ولكِ، وتعذبينا بيها. عن إذنك، ورانا شغل كثير لازم نجهز له.
ذهب نديم إلى مكتبه وهو يفكر في كلام عمران: نعم، هو نفس طريقة لبس وتسريحة عائشة. ليس ذلك فقط، بل نفس الطول والمشية والشبه. لكن تلك اللي رأيتها مطفية الوجه، أكبر سنًا. ربما أحد أقاربه برهان آغا، لأنها تبدو أكبر سنًا من عمران. وعمران كانت أكبر من عائشة. أمسك رأسه بين كفيه وهو يقول: ركز يا نديم، عندك اجتماع مهم، وبرهان آغا معتمد عليك، وأنت تعبت جدًا في المشروع ده. أكثر من سنة بتحضر له. ركز في شغلك اللي بتعشقه، طلع مجهودك فيه.
عند جامعة سينام.
سنيام: كنتِ فين كل ده؟ قلقت عليك جدًا. أنتِ ناوية تجيب لي سكتة.
عائشة وهي تضحك: عفواً منك، أنا مش صغيرة علشان تقلقي عليّ.
نظرت إليها سينام بضيق وهي تقول: أنتِ شايفة كده؟ أنتِ ما تعرفيش حاجة هنا من أكثر من عشرين سنة، زي ما قلتي.
عائشة بنظرة متفحصة: أنا قلت لك كده.
سنيام: أيوة، هعرف منين يعني؟
عائشة: أنا مش ناوية أزعلك النهارده، لأني مبسوطة قوي. ومعلش يا حبيبتي، أنا بقيت أنسى كثير. السبب إني عرفت أهلي فين، لهم شركة هنا. والسنوية بتاع الشركة كمان عشر أيام، ونويت أفاجئهم.
سنيام: أنتِ كويسة يا عائشة؟ إيه يخليكِ تستني لما عرفتي مكانهم؟ ما رحتيش لهم على طول لِمَ؟ أنتِ مش مشتاقة لهم؟
عائشة باستغراب: كنتِ عاوزاني أروح لهم على طول من غير ما أقول لك وأتناقش معاك؟
سنيام: ما أنتِ ممكن تقولي لي بعد ما تطمنينهم وتطمئني عليهم. هو إحنا هنروح من بعض فين يعني؟
عائشة: عاوزة أظبط نفسي، عاوزاهم يشوفوني بأحسن شكل، مش مبهدلة كده.
سنيام: على العموم، مبروك إنك لقيتيهم، فرحت لك. ومن ناحية إنك تظبطي نفسك، أنا أعرف بيوتي سنتر كويس، وأماكن نجيب منها لبس كويس جدًا. وما تشيليش هم الفلوس. وممكن أبقى أروح معاك لو تحبي.
عائشة: هتسلفيني يعني؟
سنيام: زي ما أنتِ عاوزة. ولو إني أفضل تعتبريهم هدية صداقة بينا، زي ما شفتي مستوايا المادي كويس، ومعي مبلغ كويس في البنك. من بكرة بعد الجامعة، أنزل معاكِ ونظبط، ما دام فاضل عشر أيام.
عائشة في نفسها: إيه ده؟ غريبة. عاوزة تديني؟ وكمان كانت عاوزاني أروح لأهلي من غير ما أعرف. هي إيه بالضبط؟ عاوزة مصلحتي ولا متفقة مع نهر عليا؟ كله هيبان. وبرضه هحرص. أنا قلت هقابل أهلي كمان عشر أيام، والحقيقة كمان أسبوع، لأني أكيد هروح لوحدي.
مر ذلك الأسبوع في التسوق والعناية ببشرة وشعر رقية، والمرح واللعب والتمارين الرياضية، واستعداد رقية لليوم المنتظر. في يوم الحفلة، استعدت رقية، وسقت سينام منوم قوي قبل أن تجهز. أرادت أن تذهب بمفردها، فهي لا تريد أن تسبب أي مشاكل محتملة لأبيها. رغم إنها استراحت لسينام، لكن عقلها يأبى أن يصدق أن نية سينام جيدة. فلماذا تكذب عليها وتكلم نهر وتعطي لها تقريرًا يوميًا عنها، غير الفيديوهات التي تبعثها لنهر؟ فعائشة أو رقية لم تفهم طبيعة العلاقة بين بنت مصرية بمستوى متواضع مع بنت تركية بمستوى عالٍ.
بعد أن نامت سينام، لبست عائشة وأخذت مفتاح السيارة الخاصة بسينام، واستعدت للخروج. قبل أن تفتح باب البيت، تفاجأت بمن يدخل، وكان أبو سينام.
الرجل: مين أنتِ وبتعملي إيه هنا؟ وفين سينام؟
تفاجأت عائشة جول بهذا الرجل وهو يصرخ بها: قولتِ أنتِ مين وفين سينام؟
عائشة: اسمي عائشة جول، وسينام نائمة فوق في غرفتها.
الرجل: قدامي أشوف بعيني.
عائشة: يعني إيه؟ عاوز تدخل تشوف صاحبتي وهي نائمة؟ لِمَ؟ أنتِ أصلاً مين ومعاك مفتاح البيت لِمَ؟ اسمع، أنا بعرف كاراتيه وملاكمة كمان، وأقدر أدافع عن نفسي وعنها. فاهم؟ وممكن أبلغ عنك الشرطة.
الرجل وهو ينظر للسلم وليس لها: أنا أبقى أبوها. ولو صاحبتها، أكيد هتكوني عارفة أنا إيه وكنت بشتغل إيه وأنا إيه دلوقتي. بنتي كانت عايشة لوحدها ولم تستأذن أن أحد يكون معاها. وطبعًا مش هسيبك غير ما أطمئن على بنتي. اتفضلي اطلعي قدامي بدل ما أنا أطلب الشرطة. يا مدام، إيه رأيك؟
عائشة: ممكن بطاقة تعريف شخصية؟ مش معنى إنك معاك مفتاح البيت تكون باباها، وتسمح لي تروح لها.
الرجل بدهشة: أنا هروح لها أطمئن عليها لأني شاكك فيكِ، وعشان ما تهربيش. وأنا اللي أقول. وريني إثبات شخصية، فاهمة؟ قدامي، لأن صبري خلص.
تحركت من أمامه باتجاه حجرة سينام. فتحت الباب لتقول: اتفضل، نايمة أهي.
دخل الحجرة وحاول إيقاظها، لكنها لم تستيقظ. نظر لعائشة باستفهام وقال: مالها؟
عائشة بارتباك: واخدة منوم.
الرجل باستفهام: واخدة إيه؟ طبعًا مش هي اللي أخدته. بنتي ممنوع تاخد منوم أو مهدئ، ومش هتعمل كده من نفسها. أنتِ عطيتيه لها لِمَ؟ وأقسم بالله لو كذبتي لأكون حابسك. ما تعرفي تخرجي منها. أنا ما عنديش غيرها، وما عنديش استعداد أبدًا أخسرها. (أطلق صرخة قوية لعائشة وأمسك ذراعها بعنف يضغط عليهما) انطقي.
عائشة وقد تجمعت الدموع بعينها لتنفجر على وجنتيها: لا، أرجوك! كلّه إلا اليوم! تعالي معايا، لكن اتحبس اليوم ده؟ لا، أنا مستنية اليوم ده كتير قوي. أرجوك.
الرجل وهو يدفعها بعنف للخارج: أحكي لي الأول، وأشوف هتصرف معاكِ إزاي.
عائشة باختصار: أنا تركية، سافرت بالخارج، وحصلت حادثة لي في بداية التسعينات. مش فاكرة أي شيء بعد الحادثة. أنا قمت من أسبوعين تقريبًا. عرفت إننا في أكتوبر 2014، وإني متزوجة بآدمي أقل شيء يتقال عليه همجي. ضربني وفتح دماغي. مش فكراه أصلًا، وليا منه ابن. أنا كنت 19 سنة لما عملت الحادثة. فيه بنت ساعدتني عشان آجي هنا تركيا. لما وصلت المطار، بنتك قابلتني. قالت كانت بتوصل صديقة لها، وأصرت ترافقني وتكون معايا. أول حاجة عملتها، رحت بيتنا. لكن ما كانش موجود أصلًا، كان مبنى تاني خالص. قررت أحجز في فندق، لكن سينام قالت إنها عايشة لوحدها، ونسلّي بعض على ما ألاقي أهلي، وأن الوصول لهم سهل بعد تطور التكنولوجيا. وعلمتني إزاي أعمل بحث في جوجل وأعمل إيميل وفيس. كنت مرتاحة لها جدًا، بس اكتشفت صدفة إنها بتراسل وتتكلم مع البنت اللي ساعدتني، وعرفت إنها كانت مستنياني في المطار. بعدها عرفت مكان أهلي، فقولت لها. وكانت صدمة ليا لما بنتك أعطتني مال أتسوق وأروح بيوتي سنتر. اهتمت بيا جدًا، وبتتواصل مع البنت الثانية باستمرار، وتحكي لها كل نفس ليا، وتكذب عليا. فهمتها إني هقابل أهلي بعد يومين، وأنا رايحة أقابلهم اليوم. خفت من سينام والبنت لِمَ يكذبوا عليا؟ سايبة ورقة جنبها إني هرجع لها كل مالها، وإني روحت لأهلي. مش عاوزة حد يستغل أهلي في شيء، مش بعد أكثر من عشرين سنة أسبب لهم أي مشاكل. أنا رحت شركة والدي، لكن كان مسافر. والذكرى السنوية للشركة هيكون موجود، هفاجئه هو وأمي وأختي. أعطيت لسينام حبوب تنام، وأروح. مش قصدي أبدًا أؤذيها.
الرجل: اسم البنت اللي ساعدتك وبتكلمها سينام إيه؟
عائشة: اسمها نهر.
الرجل بابتسامة: فعلًا، دي صاحبة بنتي الوحيدة. يبقي أنتِ رقية، صح؟
عائشة: عائشة، مش رقية. رقية دي أول مرة أسمعه من أقل من شهر. أنت تعرفها، نهر دي؟
الرجل وهو يمد يده ليصافحها: إيمري، اسمي إيمري. وأيوة أعرف نهر، وكلمتها مرتين أو ثلاثة. بنت طيبة وذكية، وساعدت بنتي كثير جدًا وأنقذتها من الموت. بيكذبوا عليكِ لِمَ؟ معرفش. لكن هساعدك.
عائشة: تساعدني إزاي؟
إيمري: هتدخلي الحفلة إزاي؟
عائشة: هروح مقر الشركة وأدخل.
إيمري بضحكة: أنتِ فعلًا جاية من الماضي. حتى الماضي كان لازم تدخلي بدعوة.
عائشة: أدخل بدعوة شركة والدي؟
إيمري: حد يعرف إنك بنته؟ بتقولي من أكثر من عشرين سنة يا عائشة هانم. أكيد، حتى لو حد كان يعرفك، السنين بتغير الشكل.
عائشة: أنا نفسي ما عرفتش نفسي لما بصيت في المراية. عندك حق. هندخل إزاي؟
إيمري: أنا كنت شغال في الجيش، استقلت، لكن ليا علاقاتي ووزني في السوق. أنا رجل أعمال دلوقتي، عندي أكبر شركة لتوريد واستيراد الأجهزة الطبية. وأقدر أتصرف. أنتِ رايحة فين بالضبط؟
عائشة: شركة برهان للاستثمار العقاري.
إيمري: ما فيش داعي أصلًا أتصرف. أنا مدعو للحفل ده. أنا جاي أحضر الحفلة، وقولت أعدي على سينام. لكن الحارس بره قال إن معاها ست كبيرة. صراحة، افتكرتك والدته سينام، واتعصبت، لكن اتفاجأت لما شوفتك.
عائشة: بسرعة حضرتك كده، الحفلة بدأت من بدري، نلحق بقى إن شاء الله آخر الحفلة.
إيمري: لا، ما تقلقيش، الحفلة تبدأ بعدها بكثير. يدخل أصحاب المكان يلقوا كلمة ويكملوا الحفل. اتفضلي، بس هأنبه عليك، الشركة من أكبر وأشهر شركات تركيا، هيكون فيه صحافة ورجال أعمال. أفضل تتصرفي بهدوء، وهحاول معاكِ ما يحصلش مشكلة. مبروك مقدمًا رجوعك لأهلك.
عائشة: شكرًا ليك عمو.
إيمري وقد قهقه عالياً: عمو! عمو! اتفضلي يا بنتي، الفرق بينا ممكن يكون سنين قليلة، لو ما كنتيش أكبر مني.
عائشة بغيظ: سوري، لسه مش مقتنعة إني كبرت كده، وسينام أعطيت ليا إحساس إني صديقتها.
إيمري بتفهم: مش قصدي أضايقك، لكن استفزني لقب عمو، وأنت فوق الأربعين أعتقد.
عائشة بحنق وبالعربية: داهية في شكلك، غليظ.
إيمري: غالبًا بتشتمي لأنك بتتكلمي غير التركية، ومش عاوزاني أعرف.
عائشة: أنا أشتم؟ لأ، أبدًا، ده أنا مؤدبة.
إيمري بتريقة: اتفضلي على العربية يا مؤدبة، وما تتكلميش بغير التركي أو الإيطالي أو الإنجليزي عشان أفهم.
تقدمت عائشة إلى العربة لتقف عند الباب، ويأتي إيمري يفتح لها الباب لتدخل، ويغلق خلفها، ويذهب إلى مقعد السائق.
بعد دخوله السيارة...
عائشة: شكرًا، لكن لِمَ لا يوجد سائق لك؟
إيمري: بحب أسوق لوحدي. عندك مانع؟
عائشة: لا، آسفة.
إيمري: هندخل مع بعض كأنك معي، ومش هتغيبي عن عيني لغاية ما توصلي لأهلك. بلاش أي حركات طفولية هناك. هأطمئن عليكِ إنك رجعتي لأهلك، وهرجع لسينام.
عائشة: أنا مش طفلة. وإيه طمئنين عليكي دي؟ كنتِ تعرفيني قبل كده؟ ثم من يوم ما فتحت عيني في المستشفى، كل الناس طيبة وعاوزة تساعدني. مش غريبة؟ الدنيا بقى فيها خير كثير. الأول نهر، وبعدين سيد أمجد ومحمود، وسينام، وإنت هتوصلني لأهلي. مش غريبة.
إيمري: حظك حلو. جايز كنتِ طيبة، أو والديك عملوا أعمال صالحة. هنشوف، كله هيبان بعدين. اللي متأكد منه، إن سينام ونهر بنات كويسة وطيبة. بنتي مش بتعرف تأذي حتى نملة، فأكيد مش هتأذيك.
بعد مدة، وصلوا لمقر الشركة. كانت الحديقة المحيطة مزينة، ومرتب بها الكثير من المناضد. توجهوا لداخل المقر ليجد الحارس يقول: اسم حضرتك. ويعطيه إيمري الدعوة، ويدخل بصحبة رقية، التي سمعت صوت أبيها يتكلم على المنصة.
يا ترى هيحصل إيه؟ نشوف في الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الرابع 4 - بقلم رينا الهادي
وصلوا لمقر الشركة، كانت الحديقة المحيطة مزينة ومرتب بها الكثير من المناضد. توجهوا لداخل المقر ليجد الحارس يقول: "اسم حضرتك؟" ويعطيه إيمري الدعوة، ويدخل بصحبة رقية.
سمعت صوت أبيها يتكلم على المنصة وهو يقول:
برهان أغا: اليوم ليس فقط افتتاح الشركة، وأيضًا عيد ميلاد حفيدي الوحيد آدم، الذي تم اليوم اثنين وعشرين عامًا. آدم نديم، ابن بنتي ومهندس نديم، مدير قسم التصميم والتنفيذ في الشركة، وابني الذي لم أنجبه، لكني فخور به و بوجوده في العائلة والشركة. الأغلبية يعرفون أن آدم دخل هندسة قسم مدني كما والدته. عمران أصبح أنا ونديم معماري الشركة، وعمران وفيروزة وآدم قسم الإنشاء. آيزل، حفيدتي الجميلة، أخذت اتجاهًا مخالفًا لنا وهو المحاسبة وإدارة الأعمال، وإن شاء الله عندما تتخرج ستكون معنا. يوجد مكافأة لكل عاملي الشركة أكبر من كل عام وزيادة في الرواتب بمناسبة الأرباح السنوية الهائلة والعمل الدؤوب. وشكرًا لكم جميعًا.
كانت عائشة تنظر لهم، وكل كلمة تخرج من أبيها تراجعها في عقلها أكثر من مرة. نظرت بتوهان لإيمري لتقول:
عائشة: نديم اتجوز؟ عمران وابنه 22 سنة؟ يعني إيه؟ بعد أقل من سنة من الحادثة اتجوزوا وخلفوا؟ وأمي؟ أمي؟ إيمري! وافقت حبيبي يتجوز أختي وهي عارفة أنه حبيبي؟ إنت مصدق؟ أنا مش مصدقة!
لتدور بها الدنيا وتسقط. يلتقتطها ذراع إيمري، يتجه بها إلى باب الخروج وهو يقول:
إيمري: حبيبك اتجوز أختك؟ خبأ رأسها في عنقه وحملها بسرعة وهو يقول لمن يراه: مراتي ضغطها وطي فجأة. من فضلكم وسعوا، أوديها المستشفى.
انطلق إليه الحارس:
الحارس: محتاج مساعدة يا فندم.
إيمري: محتاج عربيتي لأذهب للمشفى بسرعة.
عند حدوث هرج في المنطقة التي كانت بها عائشة وإيمري، لاحظ نديم ذلك. ذهب إلى حيث كان الحضور وسأل: ماذا حدث؟
أحد الحاضرين: إيمري بيك زوجته أغمي عليها فجأة، وشالها وراح بها المستشفى.
نديم: إيمري مين؟
الرجل: صاحب شركة الأجهزة الطبية، لكن بصراحة عرف يختار ست جميلة جدًا.
نديم: إيمري متجوز؟ معرفتي به سطحية وعزمته، لكن قال لي أنه مش متجوز. وأنا مالي، بكرة أبقى أتصل به.
جاء برهان أغا:
برهان أغا: فيه إيه نديم؟
نديم: أحد المدعوين، زوجته أغمي عليها وخدها وراح يطمن عليها.
برهان أغا: كويس إننا منعنا دخول الصحفيين إلا الصحفي بتاعنا علشان ما يكونش فيه لغط. وما دام جه، يبقى لازم نطمن عليه.
نديم: أكيد يا آغا، أوامرك.
وصل إيمري المستشفى بعد أن قام الحارس بمساعدتهم وأحضر لهم السيارة وهو يقول:
الحارس: اتفضل يا بيك، أوصلك لأقرب مستشفى، وخليك مع الهانم ورا.
إيمري: شكرًا يا ابني.
أدخل رقية السيارة، ودخل هو بجانبها. وصل للمستشفى. فتح له الحارس السيارة ليدخل وعائشة بين يديه، واتجه إلى الاستقبال. عاينها الطبيب.
الطبيب: المدام محتاجة راحة تامة، لأن واضح أن عندها انهيار عصبي. في شيء أزعجها أو سبب لها حزن شديد؟
إيمري: اعمل اللازم، وأنا هكون مرافق لها. أما أشوف إيه الحكاية لما تفوق.
دخل الحارس المستشفى بعد ما ركن السيارة في الجراج الخاص، وبحث عن السيد إيمري. وصل له خارج حجرة الكشف.
الحارس: إيمري بيك، مفتاح عربيتك وسلامة السيدة. العربة في الدور الثاني للجراج.
إيمري: شكرًا. اتفضل كي ترجع للحفل، وآسف لإزعاجك يا بني.
الحارس: العفو يا فندم، تأمر بأي شيء؟
إيمري: لا، أبدًا.
مرت الليلة على كل من نهر وأمها، وكل منهم في مستشفى تفرق بينهم مئات الكيلومترات، ولا تعرف أي منهم أن الأخرى في مستشفى.
طلعت الشمس على تركيا أولاً، لتستيقظ سينام من نوم عميق وترى الورقة المكتوبة من عائشة وتقول بذعر:
سينام: يا نهار أسود! يعني إيه مشيت وهتجيب لي فلوسي بعدين؟ إزاي تسبني وتمشي؟ لأ لأ، سينام هي مش صغيرة وعارفة أهلها فين. ما تخافيش، هتروح لهم. ولما تجيب لي الفلوس هطمن عليها. وكمان نهر، نهر لو عرفت هتزعل مني قوي. لازم أكلمها، ما ينفعش أخبي عليها. بس الوقت بدري، أستنى شوية وأكلمها.
نزلت سينام لأسفل وفتحت اللاب توب لتقضي بعض الوقت بالدراسة، ولكن عقلها يفكر في نهر وأمها.
في المستشفى الموجود بها إيمري وعائشة.
فتحت عائشة عينيها بتعب وبدأت تتذكر ما حدث أمس، لتجهش بالبكاء.
ليصحو إيمري على صوتها:
إيمري: مالك يا عائشة؟ إيه حصل خلاك تنهاري كده؟ مش كنتي متحمسة لمقابلة أهلك؟
نظرت له:
عائشة: أنا فين وجيت هنا إزاي؟
إيمري: في المستشفى، أغمي عليكِ أمس. ولما جينا، الدكتور قال انهيار عصبي. ممكن أفهم فيه إيه؟
نظرت له بريبة:
عائشة: حد أخد باله مني؟ حد شافني أو عرفني؟
إيمري: لا، إحنا كنا في آخر الصالة عند باب الدخول والخروج، وروحنا في آخر الحفلة لما أغمي عليك. جبتك على طول. أحكي وما تخافيش، أنا معاكِ مش ضدك.
عائشة: حاسة إني ضايعة. مش عارفة مين معايا ومين ضدي. مش واثقة في حد. كلكم تبانوا كويسين، لكن الحقيقة بتكون غير اللي عيونا شيفاه. أنا حبيت نهر وسينام جدًا، لكن طلعوا بيكدبوا عليا. أضمن منين إنك مش زيهم؟ حتى أنا مصدومة في أختي وأمي، ومعرفش والدي معاهم أو لا. حتى اللي كان هيبقى خطيبي. أحكي لك إيه وليه؟
تنهد إيمري وأرجع ظهره للوراء:
إيمري: هنتفق. اتفاق. أنا هريحك وأقول لك مين نهر وسينام، وإنتِ تحكي اللي عندك من غير ألغاز، ونشوف هنحل ونساعد بعض إزاي. اتفقنا؟
عائشة: إنت محتاج مساعدة كمان؟
إيمري: أيوه جدًا. مين يحكي الأول؟
عائشة: إنت احكي، وبعدين وعد هحكي.
إيمري: ولو ما حكتيش؟
عائشة: هحكي. بس أوعى تكذب عليا.
إيمري: أنا اتولدت لاب مزارع عادي فقير، وأم ماتت وهي بتولدني. اتولدت ورباني والدي. ما فيش في حياتي اهتمام وحنان الأم. والدي كان صعب وجامد، رباني أكون زيه. كل اهتمامي بالدراسة والشغل. عمل كتير علشان ألتحق بالجيش والتحقت. وقبل تخرجي مات. حياتي كانت كلها والدي وأصحابي وبس. اهتميت بوظيفتي زي ما والدي وصاني. كبرت شوية وما كانش ليا علاقة بالجنس الآخر.
عائشة: ده إيه علاقته بنهر وسينام؟
إيمري: سيبيني أكمل وهتعرفي. المهم، اتقابلت بـ بينار أم سينام. كانت رائعة الجمال وبتحاول في سوق العمل تكون سيدة أعمال. كنت ضابط بالجيش ومعايا هندسة طبية، ودي خاصة بالأجهزة الطبية. بنجهز المستشفيات الخاصة بالجيش بالأجهزة وصيانتها واختبارها. المهم، اتقدمت لها ظنًا مني إني حبيتها، بس الحقيقة كنت معجب بجمالها وعاوز أكون زي زملائي متجوز ويكون ليا بيت وأولاد. بعد الزواج حملت بينار واكتشفت أنها عاوزة تنزل البيبي لأنه هيعطل مسيرتها العملية. وأجبرتها أنها تحتفظ به مقابل إني هساعدها في شغلها من علاقاتي. وقد كان، جابت سينام وأعطيتها للمربية واهتمت هي بشغلها، وأنا اهتميت بشغلي. أيام بغيب عن البيت لو فيه مهمة بعيدة، وأنا فاكر إن سينام في أمان مع أمها. أحيانًا بشوفها كل شهر مرة أو مرتين. بينار كانت مبينة إن سينام تمام ومفيش مشكلة معاها، لحد ما بقت ثلاث سنين واكتشفت إنها مش بتتكلم زي أي طفل في السن ده. قلت لأمها تتابع مع دكتور، وانشغلت تاني. ومرت السنين، وسينام بتعاني من إهمال الأم والأب. بالعكس، الأم كانت قاسية، مش بيهمها غير مصلحتها وشغلها، وأنا في دنيا تانية بعيد عن أهل بيتي. أنا كنت فاكر إني بعمل اللي عليا، بجيب لبنتي لعب وفساتين وبتاكل أحسن أكل وأجمل فساتين وعندها مربية. سينام كانت عاوزة بس حد يحسسها بالحب والاهتمام. بدأت تتأخر في مدرستها لأن حتى المربيات مش كانوا بيستمروا معاها، كل سنة مربية. عدم استقرار نفسي مع انشغال الأب والأم. فوقفت على أن بينار بقى لها وضع في المجتمع، وأخذت سينام وهربت علشان أطلقها. عاوزة تشوف حياتها اللي زي ما كانت بتقول ضاعت معايا أنا وبنتي. هربت لأكثر من بلد، وآخرها كان مصر. وهناك سينام قابلت نهر، كانت بتشتغل في الفندق اللي سينام وأمها نزلوا فيه. وكانت أول مرة تعمل علاقة صحوبية بحد. وهناك سينام جابت آخرها من أمها وتحكمتها وقسوتها، وحاولت تنتحر. أنقذها نهر. جالها انهيار، ونهر فضلت جنبها في المستشفى بعد ما رفضت وجود بينار. بعدين بينار خافت عليها، مش عشان بنتها لأ، عشان لو فقدتها كانت عارفة إنها مستحيل ترجع تركيا تاني وهتخسر كتير وشركتها هتنهار لسبب ده. بس سمحت لنهر تكون جنب بنتي، كان وقتها نهر عندها اتناشر سنة وسينام أربعتاشر، وكانت سينام ضعيفة جدًا دراسيًا وملهاش أصحاب وزمايلها بالمدرسة بيتنمروا عليها لأن نطقها ومستواها ضعيف. المهم نهر عرفت سينام بأمها عن طريق الواتس والماسنجر، وأصبحت سينام بتقول لأم نهر: "أنا زي نهر". أم نهر اهتمت ببنتي كأنها بنتها، وتعاطفت معاها جدًا. مش كده وبس، كانت بتذاكر معاها كمان فيما بعد على التليفون. وبعد مساومة بينار ليا، أخدت سينام لأنها مش محتاجة بنتها معاها، سينام بالنسبة لها عائق. أخذت بنتي وعرضتها على أحسن دكاترة الطب النفسي اللي نصحوني باستمرار علاقة سينام بنهر وأمها. كلمت نهر مرتين أو ثلاثة وأعجبت بها جدًا، مؤدبة، نشيطة، ذكية، وحنينة. بقت هي وسينام أكثر من الأخوات بفضل أم نهر وحبها لهم. سينام لقت الحب والعطف والخوف عليها، وأنا بدأت أهتم ببنتي وأحس بيها، بقيت كل حياتي. أنا إن كنت بنيت مع بيني علاقة كويسة، فده بسبب نهر وأمها، وبكون مرتاح وأنا عارف إنها بتكلم نهر أو أمها رغم المسافات. وفي الصيف سينام بتسافر مصر لنهر وأمها وبتيجي وهي في منتهى السعادة. شوفت ضحكة بنتي بعد سنين من ولادتها. تعرفي سينام دخلت الجامعة بفضل نهر وأمها. أنا كنت بفكر إزاي أكافئ نهر وأمها على كل الخير اللي عملوه معايا. في الأول عرضت فلوس، لكنهم رفضوا. نهر قالت: "سينام أختي". وأمها: "عمري ما شفتها، لكن كلمتها فون وقالت إنها بتعتبر سينام بنتها".
عائشة: حكاية مؤثرة فعلًا. إيه بقي علاقتي بالدراما دي كلها؟
إيمري: إنتِ أم نهر، وتعتبرِ أم سينام كمان، لأنك إنتِ اللي تعبتِ وربيتي بنتي وخليتيها ترجع للحياة تاني. عشان كده قلت لك إنتِ رقية. وإنتِ اتنرفزتي وقلتي: "لا، الاسم ده ما عرفوش غير من شهر". أنا هقف معاكِ ردًا لجميلك عليا وعلى بنتي.
عائشة بذهول: أنا أم نهر؟ أنا! إنت متأكد؟ ليه كذبت عليا؟ ليه هربتني من أبوها؟
إيمري: سؤال سؤال، مش بالجملة هوه. اسمعي، بما إنك في الباسورد اسمك رقية، يبقى أيوه إنتِ أم نهر، وكمان صوتك فاكرة كويس، إنتِ هي. كذبوا عليكِ ليه؟ البنات معرفش صدقيني. واللي أعرفه كمان، الشخص اللي متجوزاه مش أبو نهر، لأن نهر يتيمة الأب من وهي بيبي. قالت والدها مات وهي عندها ست شهور، ومالهاش أهل، لأن أبوها كان عايش في ملجأ قبل ما يقابلك ويتجوزك. وإنك اتجوزتي زوجك الحالي اللي معرفش اسمه إيه بعد أبو نهر بفترة، وإللي أعرفه إنه مش كويس معاكِ إنتِ ونهر، لدرجة إن نهر عايشة في بيت والدها وإنتِ بتروحي تنامي معاها بالليل. حتى نهر بتصرف على نفسها وبتشتغل في الدراسة والإجازة مع معاش والدها، ومش بتقبل مساعدة من حد، حتى سينام.
لحظات من الصمت.
إيمري: قولي بقي قصتك.
عائشة: قصة إيه؟ إنت عبيط؟ قصة إيه اللي عاوز تعرفه بعد الكوارث اللي قولتها دي؟ المهم دلوقتي بنتي (استغربت من الكلمة) بنتي. الكلمة أخدت قلبي مع إني مش مقتنعة أبقى أم لاثنين أكبر مني. أنا عاوزة أتكلم مع سينام.
إيمري: لأ، مش هجيب سينام غير لما أفهم الأول ليه أغمي عليكِ، واحفظي لسانك. إيه "عبيط" دي؟
عائشة: بغيظ. مش إنت قلت أمس إني ممكن أكون أكبر منك؟
إيمري: كنت بغيظك. أصل شكلك يهبل وإنتِ متعصبة. أنا عندي 51 سنة، إنتِ أصغر بكتير.
عائشة: يعني عمو كانت لايقة عليك أكتر.
إيمري: عائشة، احفظي لسانك. مش عشان حلوة وتهبلي يبقى تغلطي. وبعدين أنا راجل، مراتي الأولى تابتني عن الصنف كله.
عائشة بذهول: إنت بتعاكسني ولا بترهبني؟
إيمري: احكي وخلاصيني علشان أعرف هتصرف إزاي.
عند سينام.
اتصلت بنهر ماسنجر عددة مرات ولا يوجد شبكة. اتصلت فون لترد.
نهر: سينام، إزيك؟ آسفة مش في البيت، وفيه شبكة نت. فيه حاجة مهمة؟
سينام ببكاء: نهر، أنا هربت. سمعتني وأنا بكلمك وعرفت إننا كذبنا عليها، وقررت تروح لأهلها لوحدها. كتبت ورقة قالت فيها إنها أعطيتني منوم وهتبقى ترد فلوسي ليا لما يكون معاها، وإن هي مش بتثق فينا. أعمل إيه؟
نهر ببكاء هي الأخرى: ليه يحصل معانا كده؟ مش هسامح نفسي لو حاجة جرا لها. سينام، اطلبي من والدك يساعدنا نوصل ليها. هو ليه معارف؟ يحاول يعرف فين رقية... لأن ده اسمها في الباسورد. إحنا ما نعرفش عن اسمها الحقيقي غير عائشة جول. لا نعرف اسم أب أو عيلة حتى. طمنيني لو حصل أي جديد.
سينام: حاضر يا نهر. أنا آسفة.
نهر: مش ذنبك يا سينام. هنبص لنصف الكوباية المليان. هي معاها موبايل وفلوس ورايحة لأهلها. ممكن يومين ثلاثة وتكلمك أو تبعت لك الفلوس اللي صرفتيها عليها. بعدين المفروض إنها عرفت أهلها. هي فكرة. لكن وجودها في مكان أنا مش عارفاه موتراني شوية. لكن طمنيني لو عرفتي حاجة.
بعد مكالمة سينام لنهر، أخذت نهر تستغفر الله وطلبت من إنتصار، التي استغربت من مكالمة نهر، قرآن لتقرأ به. فتحت نهر على سورة يوسف وبدأت تقرأ بخشوع مع دموع لم تنقطع، لتأخذ إنتصار منها كتاب الله.
إنتصار: فيه إيه؟ عاوزة أفهم. من وقت ما كلمتي صاحبتك بلغاتها وإنتِ في حال غير الحال يا بنتي. إنتِ فيكِ اللي مكفيكِ، ما تخليش قلبي يوجعني عليكِ. أحكي القفة أم ودنين يشلوها اتنين، مش يمكن أقدر أحل معاكِ.
نهر: تيزة، مش عاوزة ولا قادرة أتكلم دلوقتي. عاوزة أفصل مع كتاب ربنا. خليني أكمل السورة. بحبها وبحس ربنا بيكلمنا على محنة سيدنا يوسف علشان يصبرنا إحنا على مصايبنا. رجعي القرآن، ولما أهدي هحكي لك.
إنتصار: ما إنتِ مش بتقري، إنتِ بتعيطي بقهر ومش بتكملي آية على بعضها من غير شهقة. إنتِ ما عيطيش كده على حالك.
نهر باستسلام: خديني في حضنك شوية، ولما أهدي هحكي.
قامت إنتصار بسرعة تدفن وجه نهر في صدرها وتضع يدها على رأسها، وتبدأ بقراءة ما تحفظ من آيات. بعد وقت طويل نامت نهر على صدرها. وحركت إنتصار رأسها ببطء للوراء وهي تدعو الله لها بأن يريح قلبها ويقومها بالسلامة. مسحت دموعها التي كانت تنزل رغم نومها بيدها. ورن الهاتف لترد بسرعة وتخرج من الحجرة.
إنتصار: الو؟ مين معايا؟
الحاجة: تعالي البيت دلوقتي حالا يا إنتصار.
إنتصار وهي تكلم نفسها: ياهبلة يا إنتصار بتردي ليه؟
الحاجة: إنتِ سمعاني يا إنتصار؟ تعالي البيت حالا.
إنتصار وهي تتصنع عدم السماع: الو؟ يا دي النيلة مين معايا؟ يووووه التليفون ماله باظ ولا إيه؟ مين بيكلمني؟ يووه ده تليفون محمد. بص يا محمد أنا مش سامعة حاجة، ونهر يا خويا تعبانة ولسه نايمة، هبات معاها. يلا سلام يا محمد، خلي بالك من العيال.
لترد الحاجة: إنتصار ما تستعبطيش. إنتِ سامعة؟ سيبيها زي ما سايبة ابني وحرقة قلبي عليه.
إنتصار: يوة الصوت بيقطع، الظاهر الشبكة وحشة. لو سامعني سلام يا محمد. وأغلقت الخط بسرعة.
إنتصار: قال أسيب نهر وأرجع البيت قال؟ أنا قلبي ما يطاوعنيش. يهدك إنت وأمك يا مصطفى، وأقعد بيكم برضه زي ما قاعدة مع نهر.
أسرعت تغلق الهاتف وتدخل لنهر التي كانت نائمة، ولكن دموعها تنزل.
إنتصار: نهر، بلاش تعذبي نفسك وتعملي نفسك نايمة. خلاص وقت ما تحبي تتكلمي اتكلمي. مش هضغط عليكِ. وعارفة العياط ده كله بخصوص رقية، بس هصبر على ما تعترفي لي بكل حاجة.
لم ترد نهر ولم تفتح عيونها. لتتنهد إنتصار وتقول:
إنتصار: يا بت ده أنا لسة عاملة الحبتين دول على حماتي. (وأخذت تقلد سعيد صالح) هو اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيه!
لتفتح نهر عيونها ببطء:
نهر: عاوزاكِ تروحي. أنا مش عاوزة أسبب لك مشاكل.
إنتصار: ما إحنا اتفقنا، هقول لها إيه بس إني أسيبك وأرجع تاني؟ قلبي هياكلني عليكِ.
نهر بابتسامة من بين دموعها: ربنا يخليكِ ليا يا تيزة.
إنتصار بحب: ويقومك بالسلامة يا روح تيزة.
عند عائشة.
إيمري: هتحكي ولا أتصل بنديم بيك أو برهان آغا يجوا هنا؟
عائشة: إنت بتهددني؟ دي مش أخلاق شهم تركي أبدًا.
إيمري: مين قال لك إني شهم؟ وبعدين إنتِ اللي قلتي (ونعم صوته ليقلدها) وعد أحكي، وأنا هحكي.
عائشة بصوت واطي: مفيش مصيبة تيجي تاخده يا رب؟
إيمري: اشتمي، اشتمي بالعربي. لما تحبي تعترضي ما تتكلميش عربي يا مؤدبة.
عائشة: نديم وأنا كنت متفقين على الجواز. كان هييجي يخطبني لما أرجع تركيا. في الإجازة نصف السنة كنا بندرس في أمريكا، لكن طلعت رحلة لمصر. وقلت لأمي وأنا قررت أعمل له مفاجأة وأتعرف على أهله. لكن حصلت الحادثة. امبارح شفته جنب والدتي ووالدي بيقول عليه جوز أختي وعندهم ولد 22 سنة وبنت كمان. يعني في أقل من سنة بعد الحادثة عرف عمران إمتى وخطبها واتجوزها كمان وخلف منها. بلاش ده، لو رجعت لأهلي هيكون وضعي إيه بينهم؟ حبيبي اللي كان هيكون خطيبي جوز أختي وأبو أولادها. نظرات أختي ليا ونظراتي ليها هتكون إزاي؟ هجرح أختي مع جوزها ولا هما دبحوني؟ هحكي إزاي عن مشاكلي وإني اتجوزت أكتر من مرة؟ أقل شيء هيتقال زي ما إنت اتجوزتي أنا اتجوزت. أنا كنت أعرف نديم بالصور. الفترة دي حبيت أقرب منها بتشجيع من بابا لأن علاقتي بيها مش كانت أحسن حاجة. وحبيت أشاركها أفكاري. أنا مخي مشوش ومش عارفة أفكر أو أرتب كلامي.
إيمري: أكيد هما افتكروا إنك متي، لأن مستحيل يسيبوكِ في بلد تاني. وبالتالي مش خيانة لو اتجوز أختك. ما إنتِ ميتة أصلاً. يعني الواحد مراته بتموت ويتجوز بعدها عادي. وال عكس، الزوجة بتموت وجوزها يتجوز بعده عادي. إنتِ كنتِ مجرد مشروع خطوبة. ما تكبريش المواضيع. ثم إنك حاليًا متجوزة إنتِ كمان.
عائشة: هتجيب سينام تحكي لي كل اللي تعرفه. هي أكيد قامت وشافت الورقة اللي كتبتها لها.
إيمري: هي أكيد راحت جامعتها. هكتب لها واتس تتصل بيا بعد ما تخلص. أعدي عليها وأجيبها هنا. أنا هخرج عندي كذا مهمة أعملها. إنتِ استريحي وفكري ناويه على إيه الفترة الجاية. هفوت على الدكتور وأبعت لكِ ممرضة لو محتاجة مساعدة. وما تخافيش، أنا وسينام جنبك، وده أقل شيء نقدمه لكِ إنتِ ونهر.
عائشة: قبل أي شيء، ممكن توعدني ما تتواصليش مع حد من أهلي؟ أنا مش مستعدة للمواجهة. أعصابي تعبانة. أرجوك، ده رجاء.
إيمري: مع إن ده غلط، لكن حاضر. لازم تفكري كويس وبراحتك. أنا هاجل سفري لأنقرة على ما تستريحي صحتك وأعصابك.
عائشة: شكرًا. ابعت لي ممرضة من فضلك.
في مصر، أبلغ محمود أمجد عن ما قاله له المقدم واعتداء مصطفى على نهر. كاد يجن من هذا المصطفى. أنسي أنه هددة بابنته. أن تعرض لنهر، ماذا يجب أن يفعل معه؟ هل يتغاضى عن إساءته لها؟ وماذا عن عبد العزيز أبيه؟ هل يخبره أم ماذا؟ إنه يحب نهر كثيرًا ولا يراه يضحك إلا وهو يكلمها قبل النوم. وسيعرف أكيد، الأحسن أن يعرف منه. أرهقه التفكير ولم يستطع أن يكمل عمله ليتركه ويذهب إلى البيت.
أمجد بعد الدخول للبيت ذهب إلى حجرة أبيه. كان يفكر أنه نائم، فهذا وقت قيلولته. تفاجأ به مضجعًا على سريره بعيون مفتوحة.
أمجد: ما نمتش ليه يا بابا؟
عبد العزيز: نهر ما اتصلتش بيا بالليل. قلبي مش مطمن عليها. النهاردة السبت، كانت بتكلمني الصبح بدري لأنه إجازة عندها. بس برضه ما اتصلتش. فيه حاجة؟ ولا أنا خرقت وبقيت مرتبط بيها زيادة؟
أمجد: بتحبها يا بابا. ده إنت مش بتكلم إخواتي البنات كده؟
عبد العزيز: إخواتي مشغولين بأولادهم ومشاكلهم. لما بكلمهم بيكونوا مستعجلين، عاوزين يطمنوا عليا ويقفلوا. وممكن يطمنوا منك أو سلمي. لكن نهر لأ. أي وقت تحس إنها فاضية فيه بتكلمني. بقيت مدمنها. بتاخد رأي في كل شيء. محسساني إني مهم في حياتها. ما أنكرش إنها مسليني. يوم الجمعة بفتح الماسنجر فيدو وتقعد تقرا لي أي كتاب أنا عاوزه من النت وتناقشني فيه. رغم شغلها ومذاكرتها. مين يا أمجد بيهتم بيا كده في السن ده؟ أنا عديت الثمانين. اتصل بيها يا أمجد، مش عارف أتصل أطمن بس.
أمجد: ممكن تكون في شغل، استنى بالليل.
عبد العزيز: مش هعطلها هي دقيقة، أطمن.
أمجد: يا بابا نام شوية علشان ما تتعبش، واتصل بيها العصر.
عبد العزيز: مش هسامحك يا أمجد لو كنت مخبي عليا حاجة. هي كانت معزومة امبارح عند أهل جوز أمها. قالت لي قبل ما تخرج وأكدت عليا هتتصل بعد ما تروح.
أمجد: هقولك يا بابا، بس أرجوك امسك أعصابك.
عبد العزيز بتنهيدة: احكي يا أمجد.
حكى أمجد كل شيء لأبيه، وفي النهاية قال:
أمجد: أعمل إيه يا بابا؟ أنا وصيت محمود يأكد على صاحبه يتوصى به في الحجز، بس ده بني آدم مش بيتعلم، وما عندوش قلب.
عبد العزيز: اتصل بنهر يا أمجد، أطمن عليها، وبعدين نفكر مع بعض.
اتصل أمجد وفتح المكبر لترد نهر بعد فترة.
نهر: السلام عليكم يا عمو أمجد، عامل إيه؟
عبد العزيز: إزيك يا نهر؟ عاملة إيه؟
نهر: كويسة يا جدو. معلش ما اتصلتش امبارح، جيت تعبانة شوية.
عبد العزيز: والصبح ما اتصلتش علشان ما فوقتيش من البنج وإنتِ في المستشفى؟ ولا نسيتي؟
نهر بشهقة: آسفة يا جدو، مش كنت عاوزة أقلقك.
عبد العزيز: بتكذبي عليا يا نهر؟ إحنا مش أصحاب؟
نهر: خايفة عليك بس، أنا كويسة.
عبد العزيز: ما تكدبيش، أنا عارف إنك مش كويسة وهعرف فيكِ إيه؟
نهر: أنا لسه صغيرة يا جدو، يا دوب شرح في الركبة مش كسر يعني، وكسر ضلع بس.
عبد العزيز: أنا هاجي لك يا نهر.
نهر: علشان خاطري، صحتك ما تستحملش. هتزود قلقي عليك. أرجوك، أنا هاكون كويسة وهاخد العلاج وهكون عندك في إجازة نصف السنة، والله هقعد معاك في أوضتك. بليز، بلاش تزعل نفسك.
عبد العزيز: هكلمك تاني يا نهر. وهقفل دلوقتي.
أشار لأمجد أن يغلق.
نهر: جدو، إنت تعبت. جدو خد الدواء، بلاش تقلقني عليك.
مسك عبد العزيز كتفه بألم ليجري أمجد عليه:
أمجد: بابا، ما تخلينيش أندم إني قلت لك.
عبد العزيز: الحباية اللي تحت اللسان يا أمجد.
جرى أمجد وأعطاه ما يريد، وبعد فترة.
أمجد: أحسن دلوقتي؟
عبد العزيز: شرخ وكسر يا أمجد. إيه الشر ده؟ كان بيضرب بغل. نهر تتضرب؟ دي زي النسمة.
أمجد: نهر ما شاء الله آنسة مش طفلة وهتقوم منها. دي ثانية ثانوي، وكلها كام سنة ويجي لها خطاب كمان.
عبد العزيز: بص يا أمجد، تخلي محمود ينقلها مستشفى القاهرة، وتاخد عمر أخوها يروح يعيش مع محمود فترة في القاهرة من غير ما مصطفى يعرف. خلي قلبه يوجعه على ابنه، ويتخيل إنه طفش أو حتى اتخطف. ويعرف قيمة الضنا لما يستوي. نرجع الولد بس الولد يتعامل كويس، مالوش ذنب.
أمجد: إنت مع نهر إنه ما يتحبسش ويتربى كام يوم بس؟
عبد العزيز: لو تحبي، هتكبر المسافة بين عمر ونهر. وإحنا مهما كان مش أهلها، ومش هنفضل لها العمر كله. إن كان عليا، عاوزاه يغور في ستين داهية كمان. لو اتحبس مش هيتحبس شهرين ثلاثة، لا ده ممكن سنين. غير سمعته وشغله. طبعًا يستاهل، لكن نهر ما تستاهلش تخسر أخوها الوحيد، فاهمني؟
أمجد: تفتكر ابن مصطفى هيكون حنين على نهر في يوم من الأيام؟ ده شارب من أبوه، وأهم حاجة عنده نفسه.
عبد العزيز: ربنا كريم يا أمجد. الولد صغير وسهل يضحك عليه. بلاش يكبر على إن أخته حرمته من أبوه وكمان أمه، خصوصًا إن نهر كان ليها دور فيبعاد رقية.
إيه اللي هيحصل نشوف الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الخامس 5 - بقلم رينا الهادي
الحاجة أصرت أن تبعث محمد لنهر ليأخذ انتصار من المشفي، فهي أيضاً محروق قلبها على ابنها وتريد الانتقام منها.
ذهب محمد للمشفى ودخل غرفة نهر، كانت تحاول أن تنام وعندما دخل تظاهرت بالنوم.
محمد: يلا يا انتصار على البيت، إحنا عملنا اللي علينا وابنك دفع حق المستشفى.
انتصار وهي تعرف أن نهر لم تنم بصوت منخفض: مش هقدر أسيبها يا محمد، هي ما غلطتش إنها عايزة تاخد حقها لو حد من ولاد...
قاطعها محمد: نهر خلاص مابقاش ليها كبير ترجع له، ودت أخويا السجن وقضت على مستقبله، خلت عمر أخوها يتيم زيها من غير ما يرف لها جفن.
انتصار: انت مصدق نفسك وأنت بتتكلم يا أبو علي، نهر ياما استحملت، وبدل ما نكون معاها عايزين نكون عليها.
محمد: كفاية، ولادك حواليها، أنا مش هخسر أمي وأخويا عشان حد، وبلاش عناد يا انتصار.
فتحت نهر عينها ببطء: روحي معاهم يا تيزة.
محمد وهو ينظر لها بلوم: شكراً يا نهر، بس كان ممكن تاخدي رأيي أو حتى رأي علي قبل ما تتصرفي كده.
نهر بابتسامة: كنت هتعمل إيه؟ هتشد له ودانه وتقوله ما تعملش كده تاني يا أخويا يا حبيبي؟ ولا كنت هتقوله هدي أعصابك شوية يا حبيبي وبلاش تتهور عشان خاطر ابنك، مش برضه ده آخرك يا عمو؟ خد تيزة يا عمو، وشكراً على دفع فاتورة المستشفى، هعتبرها دين وهردها، ما تقلقش، بس مش هتتنازل عن حقي ورقدتي في المستشفى.
انتصار: عمك ما يقصدش، هو بس متأثر إن أخوه في ضيقة.
نهر: مع السلامة يا تيزة، اقفلي الباب وراكم.
محمد شد يد زوجته وأغلق الباب بعصبية. نظرت له انتصار بلوم وقالت: تفتكر كده ربنا ممكن ينجي أخوك؟ أقول إيه، ربنا معاك يا بنتي وينجيك.
محمد: اخرسي يا انتصار، إنت ما شفتيش شكل أخويا عامل إزاي، نهر جرجسته في البلد والقسم، على الأقل هي عيلة وبنت.
انتصار: عندك حق، ما هو أصل البنات مش مهمين ولا ليهم لازمة، افتكر بس إنت وأمك وأخويا هتقولوا إيه لرقية لو جت؟ ما جتش عشان ابنها هتيجي عشان بنتها، هتفتكرها، صدقني، عايزة أشوف هتحط عينك في عينها إزاي.
محمد: قولت اخرسي.
عند نهر، بكت بشدة بعد خروج محمد وانتصار. كانت متوقعة ما سيحدث، لكن لم تتوقع كسرة قلبها بهذا الشكل، وخصوصاً بعد ما حاولت أن تتقلب على سريرها ولم تستطع. لكن أتت رحمة الله سريعاً لتدخل عليها كل من أنهار ورانيا، أصدقاء الطفولة والصبا.
أنهار: يا ألف سلامة على القمر بتاعنا اللي باعني وراح علم رياضة.
لتهتف رانيا: أنا خدتها من قصرها وروحت أدبي، أبقى مدرسة قد الدنيا وأضرب العيال زي أستاذ مصطفى، حتى يبقى ليا هيبة في البلد.
أنهار وهي تتجه إلى نهر وتعدل لها المخدة: يخربيت لسانك، طوب، افتكري حاجة عدلة.
رانيا: آسفة يا نهر، أنا كنت بهزر، هو مفيش حد معاك خلاص؟
نهر: عدلوني الأول، جانبي واجعني.
أنهار: بقي نهر اللي مش بتبطل حركة يبقى ده وضعها صحيح يا نهر؟ ابتدائي مش بياخد السبت إجازة، وقالوا البوليس أخد أستاذ مصطفى الصبح، هو إنت بلغتني ولا إيه؟
نهر وهي تغير الحديث: إنتوا عرفتم إزاي أنا فين وجيتوا إزاي؟
أنهار: أنا قمت الصبح لقيت أبويا بيحكي لأمي إن كان فيه لمة بالليل عند بيتك والإسعاف جت أخدتك، أنا قعدت أعيط شوية، لكن لقيت رسالة فيها إنت في مستشفى إيه ورقم الغرفة كمان، قعدت أحلل على أبويا، أجي في الآخر بعد محايلة من أمي قال ما تروحيش لوحدك، روحت لرانيا لقيتها لابسة هي وأبوها وجالها نفس الرسالة، جينا مع عمي وصلنا وراح يعمل مشاوير وهيرجع ياخدنا، وطبعاً فهمت مين بعت الرسالة، بس ما فهمتش جاب رقمنا منين.
رانيا: مين يا أنهار؟
أنهار: أكيد اللي جابها يا أذكى إخواتك، دكتور علي طبعاً.
نهر: أكيد جاب رقمكم من تلفوني لما كنت في العمليات.
أنهار: يالهوي، وصلت للعمليات يا نهر.
نهر: الحمد لله يا بنات، قدر الله وما شاء فعل، لكن حركة جريئة من أبيه علي.
أنهار: خايف عليك يا نهر، وأكيد هيجري مع أبوه على جوز أمك.
رانيا: حسني ألفاظك يا نيلة؛ نهر إنت مفيش حد معاك ولا إيه؟
نهر: دلوقتي لأ، لكن تيزة انتصار كانت معايا وعمو محمد جه أخدها.
أنهار: هتصل بأمي أقول أبأت معاك النهاردة.
رانيا: وأنا كمان هتصل بأبويا وأقول له.
أنهار: لأ يا هبلة، إنت يوم وأنا يوم، مش إحنا أصحاب وأخوات من زمان.
نهر: بلاش التفاؤل ده كله، مفيش حد من أهلكم هيوافق تباتوا في مستشفى دماغ البلد كده.
رانيا: هنجرب يا نهر، هو إحنا يعني هنبات في كباريه؟ وبعدين أهالينا عارفينك كويس.
في النهاية، لم يوافق أهل رانيا وأنهار بالمبيت خارج البيت، حتى مع رجاء وبكاء بناتهم.
خبط عبد الله على الحجرة ودخل بعد أن سمع "ادخل".
عبد الله: السلام عليكم، خير يا نهر دول صحباتك مالهم؟
نهر: كانوا عايزين يباتوا معايا وأهلهم ما رضوش.
عبد الله بتفهم: معلش يا بنات، الطبيعي حد كبير هو اللي يبات، ابقوا باتوا معاها لما تروح بيتها إن شاء الله، لأن غالباً كده يا نهر هتروحي بكرة أو بعده بالكتير.
أنهار: تروح إزاي وهي مش عارفة تتحرك أصلاً؟ طب هنا على الأقل فيه ممرضات ودكاترة.
عبد الله: صح، بس خلاص عملت عملية وركبت دعامة واطمئنوا مبدئياً عليها، طبعاً محتاجة متابعة، هي أمي فين؟
نهر: عمي محمد جه أخدها.
عبد الله: بصوا يا بنات، هنا مستشفى وأهلكم عندهم حق، لكن لما تروح بيتها ممكن تباتوا معاها وأهلكم هيوافقوا لأنها لوحدها وفي نفس البلد ومحدش معاها، وتبقوا تسهروا مع بعض.
رن هاتف رانيا.
رانيا: ده أبويا.
نهر: انزلوا له يا بنات وبلاش تزعلوا أهلكم منكم، هبقى كويسة وتبقوا تدعولي.
أنهار: طب عايزة حاجة نعملها قبل ما نمشي.
نهر: لا يا حبيبتي، أنا هنام أصلاً.
حضنتها كلا من أنهار ورانيا ونزلوا لوالد رانيا.
عبد الله: بقولك يا نهر، فيه صحبات تانية جايين.
نهر: لا يا عبدو، دول صحباتي من ابتدائي بس.
عبد الله بهزار: ليه بس كده؟ اتنين بس؟ أنا أعرف البنات رغاويين وبيحبوا يكونوا شلة، دي البت ورد كان عندها يجي عشرين بس كلهم خانقين زيها، بس دول رقة وحلاوة و...
قاطعته نهر: بس يا عم الحاج، جاي تزورني ولا تعاكس؟
عبد الله: لا يا بنتي، أنا غرضي شريف، ده أنا عايز أتجوز يا بوااااي، عايز أتزوج، ومادام صحابك يبقوا كويسين، المرء على دين خليله.
نهر: كويسين؟ إنت مختارتش يعني؟ مفيش واحدة دخلت قلبك يا دكتور وهتتجوز إزاي وأنت لسه ما اتخرجتش؟
عبد الله: بصي، أنا هبات معاك النهاردة وإنت تحكي عنهم، بعدين أقرر أنا هخطب مين.
نهر: قوم يا عبد الله روح، أنا عايزة أنام.
عبد الله: هو أنا ماسك فيك؟ أنا جايب معايا كتب ومراجع، هذاكر، نامي ونبقى نكمل كلامنا بالليل.
نهر: يا ابني ما يصحش تبات معايا، إنت ولد وأنا بنت، وأبوك مش هيرضى تبات وأنت هتتعب.
عبد الله: لا هينفع، إنت بالنسبة لي أختي وعارف إنك بالنسبة لي أخوك، وأبويا قلت له هبات عند صاحبي ومش هتعب، ده حتى ممكن أتمرن عليك زي فئران التجارب كده.
نهر: بتكدب على أبوك؟ الكذب حرام، وأوعى تقول كذب أبيض وأسود، ده غير لو علي جه ممكن يزعلك.
عبد الله: أبويا وستي مش هيدوا فرصة لعلي أو أمي يجوا النهاردة، ده أولاً، والكذب هبقى أصوم كفارة يا ستي، نهر أنا مش هسيبك، أبويا فاهم إني واخد الحياة هزار وإني معرفش أتحمل مسؤولية، علشان كده مش هيشك إني معاك، بس أنا مش هقدر أسيبك، لأن لو ورد مكانك والله والله كنت سبتها عشان أرفت أمي.
لتضحك نهر وتتألم من الضحك: إنت مسخرة.
عبد الله بمسكنة: هتظبطي أخوك بقي مع مزة من اللي طلعوا دول.
نهر: لسه كتير على ما يتخرجوا، إحنا يا دوب ثانية ثانوي، أنهار نفسها في طب ورانيا عايزة تربية، يعني أقل حاجة ست سنين.
عبد الله بهيام: انهااااار ورانيااااا، طب وتربية، خلينا في بتاع الطب، أتجوزها وأذاكر لها في البيت.
في البيت الكبير، تذهب الحاجة ذهاباً وإياباً بعد أن بعثت بابنها ليأتي بزوجته، وقد وصل علي أيضاً البيت بعد أن اتصلت به إحدى المريضات في حالة ولادة حرجة. دخل البيت وهو في قمة إرهاقه، دخل حجرتة وأخذ ثياب نظيفة ودخل الحمام، أخذ دوش وهم بالخروج ليوقفه صوت جدته.
الحاجة: علي قلبي واجعني على عمك، عايزة أشوفه.
علي وهو يغمض عينيه بألم: هو في الملاهي يا ستي؟ ده محبوس على ذمة قضية اعتداء، ولازم نعمل إذن للزيارة، وإحنا أهو بعد العصر هتشوفيه إزاي دلوقتي.
الحاجة: اتصرف يا دكتور، ماليش دعوة، أنا قلبي هيقف من الصبح ومش هيجي لي نوم وابني نايم في الحبس، منهم لله، هيضيعوا ابني مني.
نظر لها علي باستغراب: بتدعي على مين يا ستي بس؟ هقول إيه؟ دعوة المظلوم حاجة، ودعوة الظالم حاجة تانية، لأ، وبتزعلي كمان لما يحاولوا ياخدوا جزء من حقهم.
الحاجة بغضب: معلش، مراية الحب عمياء، ما كل البنات بتضرب حد بيبلغ عن اللي ربّاه.
علي بذهول: هو ربّاها؟ اتقي الله يا ستي، ثم ضرب إيه ده اللي البنات بتسكت عليه؟ ده كاسر لها ضلع ووشها ملون كل الألوان وبوقها ومناخيرها بينزفوا، غير شرخ ركبتها، يعني بتقرير من المستشفى مش أقل من سنتين تلاتة.
الحاجة وهي تلطم على صدرها: إنت عايز تموت يا علي؟ سنتين تلاتة إيه؟ ليه هو قتلها؟
علي باستهزاء: لا الحمد لله الناس لحقوها قبل ما يقتلها، وكان خد إعدام ساعتها.
ليفتح الباب وتدخل انتصار مع محمد وهي متورمة العينين من البكاء، فلم تهن عليها نهر.
ليسارع علي إليها وقد آلمه شكلها: مالك يا أمي؟ نهر جري لها حاجة؟ ليه سبتيها لوحدها؟
لترفع انتصار عينيها إلى ابنها: اسأل أبوك اللي صمم ياخدني وهو شايف بنفسه إنها مش قادرة تتحرك.
لترد الحاجة باستهزاء: أيوه صح، مش قادرة تتحرك، بس قادرة تحبس ابني، ما عملتش حساب أبو أخوها ولا حساب إننا بنستقبلها زي بنتنا ونعاملها أحسن معاملة.
انتصار بشهقات ودموع: لا، انبى حوش الحنية والحب اللي مغرقين الدار دي، عايشة في مرار هي ورقية، بس إزاي لازم يكسرها أكتر ما هي مكسورة، حسبنا الله ونعم الوكيل.
لتنزل صفعة قوية على خد انتصار من الحاجة.
وياخذها علي بسرعة لحضنه.
علي بصوت عالي: لولا إنك ستي كان هيبقى لي معاك تصرف تاني.
محمد: إنت بتعلي صوتك على أمي قدامي يا علي.
علي: شايفني عيل؟ أمي تضرب قدامي؟ تعالي يا أمي معايا، وقسماً عظماً لو ماديتي إيدك عليها تاني لأكون واخدها ومأجر أي بيت أسكن معاها فيه، مش بعد خدمتها فينا كلنا تتضرب في السن ده.
محمد: إنت بتحلف على مين يا علي؟
علي وقد فاض به: على أي حد يهين أمي، إيه فاكرينها خالتي رقية ولا نهر تنهشوا فيها ونسكت؟ لأ يا ستي فوقي كده، دي أمي اللي شايلاكم خدمة كلكم، وده جزاؤها.
لتقع الحاجة على الأرض ويسرع إليها محمد.
محمد: لو أمي جري لها حاجة مش هسامحك يا علي.
أدخل علي ومحمد الحاجة حجرتها ليقيس لها علي الضغط ويخرج سريعاً ليأتي بعد قليل وهو يعطي لها حقنة وبعض المحاليل.
محمد: عجبك اللي عملته في سِتّك.
علي:.........
محمد: ما ترد؟ ولا كلامي مش عاجبك.
علي: أباه بلاش دلوقتي، أنا أعصابي خلاص ما عدتش متحمل أي ضغط تاني، أنا رايح أجيب دكتور متخصص علشان نطمن عليها أكتر، خليك جنبها.
مشي علي وقبل أن يمشي، دخلت أمه أخذها في حضنه وقال: معلش يا ست الكل، عارف إنك خايفة على نهر، أنا بعت لصاحبتها واكيد هيروحوا لها، وأنا هطمن على ستي وهروح أبّات معاها.
كان محمد يريد أن يشرب القليل من الشاي، ورأى علي وهو يدخل حجرتة، ذهب وراءه والتمعت عيناه بالغضب وهو يسمع آخر كلام علي، ليدخل ويقول: عليا الطلاق من أمك يا علي لو روحت لها المستشفى تكون أمك طالق.
طبطبت انتصار على ظهر ابنها وهي تقول: عشان خاطري يا علي، كفاية خناق وروح شوف دكتور لستك، وما تخافش يا ابني، ربك كريم ومش هينساها، هي في مستشفى يا حبيبي مش في الشارع.
مشي علي بسرعة وأغلق الباب بقوة.
لتنظر انتصار لمحمد: ربنا يقدركم يا محمد وتكسروا قلوب كل اللي حواليكم، وبالمناسبة أنا مش خايفة من الطلاق، لأ، أنا عايزة أطلق، أصلي ما عدتش قادرة أتنفس بينكم، بس بنتك تكمل سنة جواز وأنا أسيب لكم البيت، أنا رايحة أنام في أوضة العيال.
لينظر لها محمد بذهول: إنت بتقولي إيه؟ مش هتباتي مع أمي وهتنامي عند العيال؟ للدرجة دي قلبك أسود.
انتصار: البركة فيكم، أصلي فكرت ولقيت إنك تهتم إنت بأمك، أصل صراحة مش فاكرة لها حاجة حلوة معايا، وإنت وابنك كفاية عليها الدور، والباقي على اليتيمة اللي استكترتوا عليها بعد ما كسرتوها حد يبات معاها.
خرجت انتصار بهدوء عكس ما بها من ألم. كيف به أن يكون بتلك القسوة مع ابنه وكيف أن يهدد بالطلاق، وهي التي لم تكسر له كلمة بل كانت تسهر على راحته وتهتم لكل شيء به وله، هان عليه كل تلك السنين، حتى لو هو حزين على أخيه، هل أعمى حبه لأخيه عن ابنه ورفيقة دربه؟ ثم إن انتصار كان تشك أن الحاجة وقعت عمداً كي تؤثر على محمد.
محمد في نفسه: عارف إني غلطان لما حلفت بالطلاق، بس إزاي يا انتصار تقولي في وشي إنك عايزة تتطلقي؟ وإزاي تهون عليك رميت أمي تعبانة من غير ما تخدميها؟ قلبك على نهر، لكن أمي وأنا ملناش خاطر عندك، قلبك بقى أسود كده، أخدم أمي بعيوني وأخويا هيخرج إن شاء الله.
عند رقية.
آتى إيمري وسينام إليها لتدخل سينام وتعانقها بشدة وتقول: هي دي المفاجأة يا بابا؟ دي أحلى مفاجأة.
لتمتلئ عيونها بالدموع وهي تقول: أوعي تعملي فيا كده تاني، أنا من الصبح وأنا هموت عليك من القلق.
آنا: إيه يا جحشة إنت؟ ده إنت أكبر مني.
إيمري بضحك: أطول منك آه، لكن مش أكبر منك، وبعدين إنت الكرة الأرضية كلها أطول منك إلا الأطفال طبعاً.
لتنظر له عائشة بغضب وتقول بالعربي: رخيم وسقيل.
إيمري: سمعتك بس مش فاهم، هو صحيح إنت طولك قد إيه؟ استنى هاقول، إنت ممكن ما بين 147 إلى 149.
لترد سينام: لأ بابا، هي 153 وأنا 191، إحنا قسنا أطوالنا الصيف اللي فات.
إيمري: أكيد لأ، ما تجيش فوق المتر ونصف أبداً.
لتنظر لها عائشة: الصيف اللي فات يعني مش لسه عرفاني من كذا يوم؟
سينام: ما إنت عرفتني إني بكلم نهر، يا خبر نهر دي موتة نفسها من العياط الصبح، هتصل بيها أطمنها.
عائشة: لأ وإلا والله ما تعرفي لي مكان، اهدي كده واحكي لي كل اللي تعرفيه عني أنا وست نهر.
إيمري: أنا هموت من الجوع، هنزل أجيب أكل لينا كلنا وأجي.
سينام: ما تطلب دليفري.
عائشة: هو عشان نحكي مع بعض من غير ما يحرجني؟ اتفضل يا إيمري، بيك واتاخر على قد ما تقدر.
إيمري: براحة على بنتي هاااه، دي بسكوتي، ماشي يا أوزعة.
لتلتقط عائشة كوب وترميه عليه وهو يتفاداه بحركة سريعة ويقول: دي طلعت مجنونة، خلي بالك من نفسك يا سينام.
لتنصدم سينام من حركة عائشة.
عائشة: أحكي قبل ما أتعصب عليك إنت كمان.
سينام: حاضر، نبدأ منين طيب.
عائشة: من الأول خالص.
عند نهر، كان عبد الله يذاكر قليلاً ثم ينظر إلى نهر، يساعدها على التقلب ويحاول أن يخفف عنها قليلاً، ويتجاذبوا أطراف الحديث. عند العشاء، أتى محمود لينقل نهر لمشفى القاهرة، لكنها رفضت بلطف.
نهر: عمو مش هينفع، أنا دراستي هنا وعمر هنا وصحباتي هنا، وكمان هتنازل عن المحضر كمان يومين قبل ما يتحول للنيابة، عمو المقدم قال مش هينفع يحتجز عمو مصطفى أكتر من ثلاث أيام.
عبد الله: إنت هتتنازلي يا نهر.
نهر: مش هينفع أحبس أبو أخويا يا عبد الله، مش عشانه عشان عمر ما يكبرش وهو كارهني في الآخر أخويا، وما أحبش يعيش من غير أب، كفاية أنا، وما تنساش هو حالياً من غير أم.
محمود: ممكن تتنازلي وأنت في القاهرة، وبعدين لما تخفي هجيبك مدرستك بنفسي، أما أخوك ففي موضوع عايز أكلمك فيه لوحدنا.
لينظر لعبد الله.
عبد الله: أنا هروح أجيب قهوة، حد عايز حاجة.
نهر: عبدو، اقعد بس، وعد مش هتقول أي كلمة من اللي هتحصل هنا.
عبد الله: ما فيش داعي، أنا برضه من الأعداء.
نهر: عبدو، إتنيل اقعد.
محمود: الكلام اللي هقوله ما ينفعش يسمعه.
نهر: أنا بثق فيه زي حضرتك، هو زي عمر بالنسبة لي.
محمود: أنا هاخد عمر الصبح أو بعد ما يخرج من المدرسة بحيث يبان إن اتخطف، هياقعد مع عيالي وهوديه مدرسة وأجيب له مدرسين البيت، هنعذب قلب أبوه عليه شوية، جائز يفهم معزة الضنى، وطبعاً هجيبه قبل نصف السنة عشان السنة ما تضعش عليه، قرصة ودن يعني.
نهر: مش هيرضي يجي أكيد.
عبد الله: لا أخوك عيل صحيح، بس بيحب مصلحته، مدام هيروح مصر ويتفسح وياكل كويس ويشرب كويس هيبيع، أيوه آه والله يا أستاذ، هيلاقي حد يلعب معاه هناك.
محمود: أنا عايش في كمبوند فيه أماكن خضرا كتير وهيتربى فيه أطفال كتير، وبتخرج الأولاد كل جمعة، يعني هيغير جو وينبسط، ما تخافيش عليه.
نهر: طاقاته كتير يا عمو.
محمود: هيتعود مع الأولاد وهيستريح لنفسه زيهم، هتعامل معاه.
نهر: افرض عمو مصطفى عرف وبلغ عنك.
عبد الله: هو هيعرف منين حضرتك؟ لا جيت ولا تعرف حاجة، بس بقول بلاش تاخده بكرة لو اتأخد وهو محبوس هيجيبها في نهر ويقول لولا كنت محبوس ما كنتش ابني اتخطف، خالي الموضوع ده بعد ما يخرج، بدل ما يخرج ويحس إن نهر السبب، والله أعلم ممكن يعمل إيه، إنما لما يخرج وكده كده نهر هتكون لسه مش قادرة تخرج من البيت، هيعرف إن ملهاش يد، لكن لو حضرتك أخدتها مصر هيعرف إنكم عرفتم وجيتوا أخدتوها، وممكن يربط الدنيا ببعض.
محمود: إنت بتحب عمك قوي.
عبد الله: يا لاهووووووي، ده أنا بموت فيه، ونفسي يعقل عشان كلنا نرتاح ونعيش من غير مشاكل ووجع قلب.
محمود: هو إنت أخو علي.
عبد الله: آه، بس علي مؤدب وتقيل، أنا متهور وما أحبش النكد، بس ما تخافش، هعمل إني متأثر من غياب عمر.
محمود: طب روح إنت، أنا هبات مع نهر.
نهر: لا يا عمو روح لعيالك، وبلاش إنت اللي تاخد عمر، وفعلاً زي ما عبد الله قال، يخرج عمو مصطفى الأول.
محمود: هتصل بأمجد باشا الأول والباشا الكبير عشان قلقان عليك وأشوفهم هيقولوا إيه.
اتصل محمود بهم، وبعد جهد كبير من نهر اقتنعوا بكلامها، ورجع محمود إلى بيته.
في المساء، الساعة الواحدة تقريباً.
كانت نهر نامت قليلاً وفتحت عينيها لتجد عبد الله يذاكر على السرير المقابل. نظر إليها عندما أحس إن صحت.
عبد الله: تصدقي أنا مذاكرتش كده من زمان، كفاية كده النهاردة.
نهر: هتنام؟
عبد الله: أنام إيه؟ إحنا نقعد نحكي مع بعض راجل لراجل.
لتضحك نهر: يا راااااجل، بص شوف لي أي مسكن، إلهي يسترك، أصل جنبي شادد عليا، وبعدين نشوف موضوع الحكي ده.
عبد الله: هما جابوا لك دواء ومسكن، بس قلت لما تقومي أديك، بس عدي الجمايل عشان تقفي جنبي وإنت بتقولي لصاحبتك عن قد إيه أنا واد ما يتفوتش، حنين وأمور ودكتور وحبة تحابيش من عندك، افتحي بوقك يالا هديك الدواء.
لتفتح نهر فمها ويسقيها الماء ويقول: بشفا إن شاء الله.
عبد الله: يلاة يا نهر، الحقنة بقى.
لتعطيه نهر يدها.
ليقول عبد الله: لأ، دي حقنة ورا.
أحمر وجهها وهي تقول: إنت هتستهبل يا عبدو.
عبد الله: ده أنا خليتهم يغيروها مخصوص لأن مفعولها ورا أقوى.
نهر: روح خليهم يغيروها تاني، مش هاخد أنا حقن غير في إيدي.
ليضحك عبد الله بشدة: هي نهر بتتكسف؟ بقي أنا ولا الممرضة.
نهر بغيظ: الممرضة يا خفيف.
عبد الله: طب خلاص، كنت بضحك معاك يا حج كامل، هتاخديها في الكانيولا اللي في إيدك.
نهر: تعرف هطلع لك بس أخف.
عبد الله: خفي بس واعملي ما بدا لك.
بعد قليل.
عبد الله: بقولك، هتنامي ولا سهرانة شوية.
نهر: لا، مش جايلي نوم.
عبد الله: تيجي نتصل بعلي.
نهر: يا ابني اتهد، زمانه نام.
عبد الله: مستحيل يكون نام وإنت بعيد عنه وفي الظروف دي.
نهر: عبدو، بلاش تلميحات واعقل كده.
عبد الله بلؤم: تلميحات إيه بس؟ مش هو أبيه وأنا أخوك؟ طبيعي نقلق عليك، بصي أنا هرن عليه رنة، صاحي هيرد، مش صاحي مش هيرد.
نهر: ماشي يا عبدو.
عبد الله: إلهي يريح قلبك.
وقام بالاتصال وأغلق بعدها بثواني: شوفتي ما طولتش أهو عشان معييش صراحة رصيد، هو معاه هيتصل.
ليتصل بعد قليل علي.
عبد الله: هفتح الإسبيكر وانت ما تطلعيش نفس، ماشي؟ هنتسلى عليه شوية.
نهر باستغراب: ربنا يهديك، ولا يبان عليك، طب اقسم بالله.
فتح عبد الله التلفون: ليسمع علي يقول: عايز إيه يا زفت.
عبد الله: إيه يا عم مالك؟ كنت عايز أطمن على نهر، أكيد إنت معاها دلوقتي صح.
علي: للأسف لأ، وهموت من القلق، أبوك راح أخد أمك من عندها، وحلف عليا بطلاق أمك لو روحت لها، وستك ضغطها ارتفع هو والسكر، وقاعدين بيها أنا وأبوك.
لتشهق نهر فهي لم تتوقع ذلك.
ليقعد عبد الله على طرف السرير ويقول: إنت وأبويا: أومال أمي فين؟
علي: في أوضتك.
عبد الله: اديها التلفون وافتح الإسبيكر يا علي.
علي: إنت عبيط؟ زمانها نايمة.
عبد الله: بذمتك أمك هتنام وهي زعلانة كده؟ بدليل مش قاعدة مع سِتّك وكمان زعلانة على نهر، اديها التلفون وأنا هطمنها.
علي: إزاي يعني.
عبد الله: روح اديها التلفون وما تخليش أبوك يفشّك بدل ما يغضب علينا كلنا، بسرعة.
علي وهو يتوجه للغرفة: ما أن فتح الباب حتى قالت انتصار: سِتّك كويسة يا علي، جاي ليه؟
ليغلق علي الباب ويقول: عبد الله بيقول عايز يكلمك.
انتصار: عايز إيه في أنصاص الليالي يا عبدو.
عبد الله: عايز أطمنك على حبيبة قلبك يا أمي، أنا مع نهر.
انتصار: بفرحة بجد يا عبدو.
عبد الله: اتكلمي يا نهر عشان يطمنوا.
نهر: أنا آسفة يا تيزة، سببت لك المشاكل إنت وأبيه.
انتصار: لأ يا حبيبتي، ما أنتِ سبب أي حاجة، خد بالك منها يا عبدو.
علي بغيرة: إيه ودّاك هناك بالليل كده؟
عبد الله: أنا هنا من بعد الكلية يا علي، خوفت أبوك ياخد أمك وخوفت يمنعك، قولت مش هيجي على باله أروح أنا، نهر أختي وإنت عارف، ومش هنسيبها عشان أمها مش موجودة، سواء خالتي رقية هنا أو لأ، هي أختنا.
ليتنهد علي: أول مرة تعمل حاجة صح، خالي بالك منها.
عبد الله: نام لك شوية وإنت يا أمي، اعملي الصبح اللي اتفقنا عليه، سلام قبل ما أبوك يصحى.
أغلق الهاتف.
لتهتف انتصار: الحمد لله يا رب، الحمد لله، روح نام إنت وأنا هروح لستك.
علي: لأ يا أمي نامي إنت وأنا هروح عندها مع أبويا. (قبل مقدمة رأسها) أغنت تعبتني النهاردة كتير، ريحي شوية.
انتصار: ربنا يريح قلوبكم يا رب يا أولادي.
إيه هيحصل نشوف الفصل الجاي.
أسرار الماضي لبنت ناس ( بقلم / رينا الهادي )
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السادس 6 - بقلم رينا الهادي
بعد أن أبلغت سينام عائشة كل ما تعرفه، واستجوبتها عائشة بكل الأسئلة، نبهت عليها أن لا تتصل بنهر، فقد غضبت منها، كيف لابنة أن تكذب على أمها.
جاء إيمري وأكلوا جميعًا، بعدها أوصل إيمري ابنته إلى البيت ورجع إلى عائشة، وبدأ بالعمل على اللاب توب الخاص به.
"أنا شفت زي ده عند سينام واسمه لاب توب، قالت بيعمل زي الكمبيوتر."
"آه، وممكن أتابع عليه سير العمل كمان في الشركة، وبقى أحيانًا بيغني عن اجتماعات، وممكن تتعمل أون لاين."
"ممكن توضح كلامك؟"
جلس إيمري على جانب السرير وبدأ يعمل عليه ويتصل ببعض الزبائن عنده ويعقد بعض الاتفاقات أمام أنظار عائشة المبهورة بما تراه.
"أنا كده كنت في غيبوبة."
"إنت شاكة في كده إنك كنتي في غيبوبة؟"
"لا، أنا متأكدة إني فقدت الذاكرة الفترة اللي عشتها في مصر."
"ليه؟"
"إنت السبب."
"أنا ليه مش فاهم؟"
"كل ما تنرفزني ألاقي نفسي بقول كلام اللي هو مش عربي فصيح، يعني كلام غريب كده أول مرة أسمعه، بس عارفة معناه، وأكيد دي اللغة العامية في مصر، وكوني بتكلم بالطريقة السلسة دي، فأكيد أنا عشت الفترة دي واتقنت المصري العامي، ما كنتش في غيبوبة."
"كويس، بدأتي تشغلي عقلك بدل لسانك أهو."
لتنظر له عائشة وتفهم أنه يريد إغاظتها: "بقولك إيه، إنت زي الشاطر كده تروح تنام عند بنتك عشان أنا عاوزة أرتاح، يلا يا عمو، قوم امشي."
"حد يسيب الميلك شيك فراولة ده ويروح؟ بصراحة بستمتع جدًا بغضبك، لما تتحولي لفراولة ودمك كله يطلع لوشك."
"أنا ست متجوزة."
"لأ، أنا مش بعاكس، بصي أنا راجل عسكري وعملي، وحافظ أجزاء قرآن على فكرة، بس مش عارف ليه بستمتع بغضبك، وفي نفس الوقت عاوز أساعدك، مش مضايق أبدًا منك، أنا عاوز أرد جميلك بس."
"ينفع آخد كورس سريع في البرامج دي؟ أنا هفهم بسرعة، عاوزة أستغل، ممكن تساعدني إني ألاقي شغل؟"
"بسيطة، أقدم لك، وممكن أعلمك شوية حاجات، وأنا بحتاج أحيانًا لترجمة كتير، بجيب شغل من بره، ممكن مؤقتًا تشتغلي معايا، وأنا هبدأ من دلوقتي، إيه رأيك؟"
"موافقة."
كان إيمري يشرح لها كيفية فتح بعض البرامج وكيفية العمل عليها، وتفاجأ بكم هي ذكية، وأيضًا أعطاها بعض الإيميلات لتترجمها له فورًا وتبدي رأيها فيها.
استطاعت انتصار أن تقنع الحاجة بضرورة وجودها بجانب نهر لتؤثر عليها وتتنازل عن المحضر، وقد اقتنعت الحاجة بعد ما رأت بعينها مدى إعياء ابنها مصطفى، الذي لأول مرة في حياتها تراه يبكي هكذا، فقهر الرجال عظيم، خصوصًا لكل متجبر مختال بنفسه.
ترجاها مصطفى أن يذهبوا لنهر للإقناعها أن تتنازل، فجرت الحاجة لتقبل يد انتصار أن تذهب لنهر وتحاول إقناعها.
"ما تخافيش يا حاجة، الزن أقوى من السحر، وهزن عليها بالكتير يومين تلاتة وهتلاقيها اتنـازلت."
"همتك يا انتصار، كل ما تتنازل أسرع هتبقى لك هدية أحسن، مش كده يا محمد؟"
"مش عاوزة حاجة، نهر طول عمرها طيبة وقلبها أبيض وهتقتنع، بس خلو مصطفى ملوش دعوة بيها."
"آه آه، أومال إيه! بقولك ما تجيش هنا غير وهي متنازلة، إحنا هنتصرف في كل حاجة إن شاء الله نجيب أكل جاهز."
"أنا هقعد معاها لغاية ما تقدر تمشي، مش معقول أول ما تتنازل آجي، هتقول إيه؟ على الأقل تسمع كلامي وتبقى تحت طوعي؟"
نظر لها محمد بتفكير: "اقعدي معاها زي ما تحبي يا انتصار، إحنا هنا بنحاول المحضر ما يروحش النيابة وبنقنع في المأمور عشان ما تبقاش قضية وحكم، المهم ما تتأخريش علينا عشان ما تبقاش قضية."
"طيب، أروح لها بقى."
ذهبت انتصار لها، وكتب لنهر خروج آخر اليوم، وذهبت معها إلى بيت أبيها، وما إن عرف أهل البلد حتى زارها أنهار ورانيا، بل أتوا ليباتوا معها، وأيضًا أم إبراهيم التي وجدت الأنس مع انتصار ونهر.
كمان أن رقية خرجت في نفس يوم خروج نهر، ليذهب بها إيمري إلى البيت مع سينام، وأصرت على عدم إبلاغ نهر، فقد قررت معاقبتها، ما دام أبعدتها بل وكذبت. حرص إيمري على تعليم عائشة وتعريفها على العديد من البرامج، وأحضر لها العديد من الفلاشات التعليمية لبرامج عديدة.
تنازلت نهر عن المحضر، وتم إمضاء مصطفى على محضر عدم تعرض لنهر، وقد مضى وأقسم أنه لن يتعرض لها.
ذهبوا جميعًا إلى البيت الكبير وسط فرحة محمد برجوع أخيه وارتياح علي من هذه الأزمة، وزغاريد جيران ومحبي الحاجة ومحمد في البلد برجوع مصطفى.
حضن مصطفى أمه وبكى على صدرها، وقام لينام، فهو منهك القوى من يوم دخوله الحجز، فلم يغمض له جفن إلا قليل من الساعات كل ليلة بعد ما يزهق منه العساكر الذين كانوا يكدرونه طوال اليوم غير الضابط.
"قول لإنتصار تبقي تيجي بقى تشوف البيت على آخر الأسبوع، أنا هدبر نفسي اليومين دول، لكن إنت عارف أخوك طلباته كتير ومش هقدر عليها لوحدي."
"أظن أقل حاجة أمي تعملها لنهر إنها تفضل جنبها على ما تقوم بالسلامة، زي ما عمي رقدها في السرير، المفروض حد منا يفضل جنبها على ما تقوم، ولا عشان أخدتوا غرضكم منها يبقى خلاص كلبة وراحت."
"أنا مع كلام علي، إذا كان على الأكل والشرب إن شاء الله نأكل، مش أو حتى نجيب أكل جاهز."
"والشاي والقهوة بتاع عمك."
"كل واحد يعمل لنفسه، إحنا اتبهدلنا كلنا الفترة اللي فاتت وأمي صحتها على قدها، ثم..." نظر إلى أبيه: "هي مش ملزمة يعني تقعد تخدم فيه، كفاية أوي عليها، إحنا هي خدمت فيه لغاية ما اتجوز مش هو بس، وعمتي كمان، وهو ما شاء الله مش مخلي على جهده جهد في إنه يدخلنا في مشاكل طول الوقت."
نظر محمد لأبنائه: "وإيه كمان يا رجالة؟"
"أمي مقهورة منك من يوم ما حلفت عليها بالطلاق لو هي تقيلة عليك تريحها بعد تعب السنين، أنا أشيلها جوه عيوني، لكن خدمة لحد غير جوزها وعيالها وستي اللي شايلاها من كله، وما نالهاش في الآخر غير إهانة وضرب، لأ يابا، أنا ممكن أجيب حد يساعد في البيت، لكن أمي لأ، خلاص كفاية عليها كده."
"والله وبقيتوا تافهوا قصاد أبوكم وتحاكموه."
"لأ يابا، إحنا تحت جزمتك، أعمل فينا ما بدالك، وكلامك أوامر، لكن أمي كرامتها اتهانت، وحتى إنها تقوم بالواجب، أنتم استكترتوه عليها، قولي يا ابا لو ستي انضربت قدامك وإنت عارف إن دي مش أول مرة هتعمل إيه، حكم ضميرك، وبعدين قولي عن إذنك عندي عيادة."
"أنا مع علي في كل كلمة قالها، وعن إذنكم أنا كمان هروح أشوف ورايا إيه."
"العيال كبروا وأنا ما أخدتش بالي، وشالوا مني جامد، حادي على عيالك يا محمد، وفعلاً أحسن نتصرف في حد يخدم في البيت بدل انتصار."
نظر محمد لأمه مطولًا ثم قال: "ربنا ييسر الحال يا أمه، أنا هروح أريح."
استيقظ مصطفى ليلاً ليجد محمد في المندرة مطاطي الرأس حزينًا.
"مساء الخير، إيه مقومك الساعة دي يا محمد؟"
"ابتسامة لأخيه، الفكر يا مصطفى."
"فكر ليه؟ فيه إيه شاغل بالك؟ وصحيح ما شفتش انتصار ليه لما جيت؟"
"انتصار عند نهر، وهي اللي خلت نهر تتنازل، طبعًا إنت عارف إنك كسرت لها ضلع وفيه شرخ في الركبة، والبنت مش بتقدر تمشي."
"يعني هتيجي بكرة الصبح؟"
"لأ، عاوزة تقعد معاها كام يوم على ما البنت تقدر تقوم."
"والبيت هنا وشغل البيت؟ هي أمك تقدر تقوم بينا كلنا كده؟ أمك هتتبهدل."
نظر محمد لأخيه مليًا ليقول: "معلش، كلنا لازم نستحمل عشان حواراتك مش بتخلص، أقل واجب بعد ما كسرت البنت، انتصار لازم تهتم بيها على ما تقوم، ولا نكسرها ونرميها بعد ما اتنازلت عن حقها."
"عارف إني بهدلتكم معايا، معلش، مليش دعوة بنهر تاني، لكن نهر ممكن جيرانها يهتموا بيها هناك، في كتير يا محمد، ممكن انتصار تزورها يوم ويوم مثلا."
"انتصار قالت لي بالحرف ورد تكمل سنة جواز وهي هتطلق، وده عشان قلت ما حدش يروح لنهر، وحلفت بالطلاق على علي ما هو رايح، غير أمك ضربتها بالقلم عشان كانت بتحامي لنهر قدام علي. نهر بالنسبة لانتصار زي ورد تمام، وخلاص قلب انتصار بقى أسود من ناحيتنا. علي دلوقتي عاوز يجيب حد يخدم في البيت لأنه حاسس إن أمه اتهانت ومش عاوزها تتعب."
"هو ده اللي مزعلك إنها قالت هتطلق وكمان سنة؟ طب إيه رأيك؟ رقية من زمان وهي بتقول هتتطلق وما بتطلقش، كبر دماغك يا محمد، مفيش ست هترضي تسيب عيالها وتطلق، بتهدد بس عشان زعلانة."
"مش عارف يا مصطفى، بس حتى لو تهديد زي ما بتقول، أنا جالي من قلبي أهدد ابني بالطلاق وهي قالت مش خايفة من الطلاق وعاوزاه، بس مستنية على ما ورد تكمل سنة جواز." تنهد بحزن: "إحنا الاثنين هونا على بعض."
صباحًا لم يذهب عمر للمدرسة لأن مصطفى غير مستعد للرجوع للمدرسة ويريد أن يستريح جسمه. عمر بعد أن خرج عبد الله للجامعة وعلي أيضًا ومحمد إلى أرضه، استأذن أباه ليخرج لأنه يشعر بالملل. أذن له مصطفى وخرج ليلعب أمام المنزل، ثم تمشى بعيدًا بعد فترة ليختفي تمامًا من البلد بعد أن رصده أحدهم وأخذه ليعطيه لمحمود في القاهرة، فمحمود أعطاه صورته.
لم يكن عمر منزعجًا، على العكس تمامًا، فقد أخذ يلعب على موبايل الرجل، ثم انبهر بمكان بيت محمود وأخذ يلعب مع أولاد تذكرهم سريعًا واندَمَج معهم.
في البيت الكبير لم ينتبه أحد لغياب عمر إلا بعد أن رجع محمد من الأرض وسأل عليه.
كاد مصطفى أن يجن، فقد قلبوا القرية رأسًا على عقب ولم يجدوه، حتى إنه اتصل على انتصار ليسأله عليها إن كان ذهب إلى أخته، لكن انتصار قالت له: "وهو عمر عمره ركب مواصلات لوحده وراح أي مكان؟ هتلاقيه بيلعب من حد هنا ولا هنا."
ذهب مصطفى لقسم الشرطة ليبلغ عن غياب ابنه، لكن الشرطي أخبره أنه يجب أن يمضي 24 ساعة على الأقل على غيابه. كل ذلك بينما عمر يلهو في وسط حديقة بجانب بيت محمود مع أسر ابن محمود وأصدقائه.
لم يستطع النوم كل من مصطفى ومحمد وعلي، أما عبد الله فقد تظاهر بأنه قلق في أول الأمر ثم ذهب لينام.
صباحًا اتصلت انتصار على زوجها لتطمئن.
"السلام عليكم يا أبو علي، لاقيتم عمر؟"
"لأ يا انتصار، كأن الأرض اتشقت وبلعته، خايف يكون اتخطف."
"فال الله ولا فالك، إن شاء الله تلاقوه، حتى لو اتخطف، اللي خطفوه ممكن يتصلوا ياخدوا فلوس، والفلوس مش مهم، المهم الواد."
"ادعي له يا انتصار، ده مصطفى هيتجنن، ولسه ما ارتاحش من الحبس، وجت له المصيبة دي. لو جه عندكم قولولي على طول، صحيح نهر قالت إيه أما عرفت؟"
"وده خبر ينفع أقوله لها؟ يا أبو علي طبعًا ما عرفتهاش حاجة، هي مش قادرة تقوم تروح الحمام حتى، لو قولتلها هتقلق ومش هتقدر تعمل حاجة، مهما كان عيلتها تفوق من اللي فيها الأول يكون ربنا حلها من عنده ولقيتوه."
"عندك حق، ما عرفتهاش لا هتقدم ولا هتأخر، بس مش خايفة تزعل منك لو عرفت؟"
"ومين بقى هيعرفها؟ علي وعبد الله، قالت لهم بلاش يجوا عشان بيصعب عليها نفسها وهي راقدة، وكمان عشان صاحبتها البنات بيجوا يذاكروا معاها ويدردشوا شوية، خليها بالي فيها وربنا هيلطف بعمر عشان خاطر رقية ونهر."
محمد وقد فهم أن حال مصطفى لم ترق له انتصار: "ماشي يا انتصار، سلام، وهبقى أبلغك لو فيه جديد."
سمعت المكالمة نهر فقد كانت مستيقظة، ولم تستطع أن تقول لانتصار أن عمر بخير خوفًا من أن تقول انتصار لزوجها فيقول لمصطفى وقد يتأذى فيها محمود. عذبها ضميرها بقوة، فأخذت تستغفر ربها.
في تركيا، رقية وقد استيقظت مبكرًا وذهبت إلى صالة الألعاب، وبعد الكثير من الجهد فقد تدربت كثيرًا على كيس الرمل المعلق بكلتا يديها وقدميها.
استيقظ أيضًا إيمري، ولأنه رجل عسكري اتجه إلى صالة الألعاب أيضًا، فهو يحب التمارين الصباحية. تصنم عند الباب عندما رآها بكل هذا العنف، وبعدها أفاق عندما انتبهت له.
"خيرًا، هتفضل واقف عندك كده كتير؟"
"كنت نازل أتدرب شوية بس اتفاجئت صراحة، كنت متخيل هقوم الصبح ألاقيك في المطبخ تبدعي في الفطار، لكن أقوم ألاقي جون سينا عندنا في البيت، ما توقعتش نهائي."
"مسكين! هو إنت فاكر هاقف أطبخ لك؟ لأ طبعًا، كل واحد يجهز لنفسه. وبعدين أخدت الانطباع ده عني منين؟"
"أصل كنتي ست رقيقة قوي قبل كده وعطوفة، وسينام ياما كانت بتحكي عن أكلك، وكمان كانت بتجيب معاها، مع إنها كانت بتشوفك بس في اليوم الأخير قبل ما ترجع هنا كل صيف."
"طبعًا لأنها بتكون مع نهر في الصيف في أي فندق لامجد أو منتجع. بس انسي رقية، أنا مش الشخصية دي."
"يبقى انتِ عائشة."
"ولا حتى عائشة، رقية عاشت حاجة وعشرين سنة وعائشة 19. غير إن عائشة رغم شخصيتها القوية إلا إنها كانت مغفلة وبيضحك عليها بسرعة. بص أنا هحاول أكون مزيج منهم، عشان كده رجعت أرب تاني على الفنون القتالية وهكون صبورة زي رقية بس مش مستضعفة. قولي صحيح بما إنك شغلتني عندك، مرتبي هيكون كام؟"
"الفلوس اللي عاوزاها اطلبيها." وأضاف ليغيظها: "مع إنك لسه مبدأتيه وبتتعلمي."
"لأ، أنا مش هاخد مرتب وأنا بتعلم، معقول برضه، بس حبيت أعرف عشان أجدول ديوني لك ولامجد، لأني مش هسمح لحد يصرف عليا، وكمان عشان فيه شوية حاجات عاوزة أشتريها ضروري قبل ما أنزل مصر."
"تنـزلي مصر؟ انتي قررتي؟ مش هتواجهي أهلك ولا إيه؟ ده غلط جدًا على فكرة، انتي بتأذي نفسك."
"فكرت كتير جدًا يا إيمري، لازم أحل مشاكلي الأول في مصر بعدين أواجه. ثم إن أهلي هنا مستقرين، بالعكس، العين عليهم لما تظهر بنت ليهم بمشاكلي مع جوزي والصحافة تدور ورايا ويكتشفوا حاجات أنا ممكن ما أكونش فاكراها أصلًا، غير وضعي مع أختي وأمي ونديم، لازم أقف على أرض صلبة الأول عشان أواجهه، وقبل كل ده أحمي بنتي. الولد زي ما فهمت مع أهله وتمام، مفيش عليه خوف، لكن حتى لو مش فاكرة بنتي، مش أنا الشخصية اللي تتخلى عن مسؤوليتها، وما دام أم يبقى أحمي وأصرف على بنتي، لأني بصراحة شديدة لو حبيت أرجع هرجع على الأقل مع نهر."
"طب ما دام حنيتي لها، ليه مانعة سينام تقول لها إنها عارفة مكانك؟"
"لأنها لازم تتعاقب وتتأدب على كذبها عليا، يعني المفروض إني الأقرب ليها، الكذب مش مبرر أبدًا إنها تكذب عليا أنا بالذات. أنا عشت مع أم مش هقول قاسية لكن صارمة جدًا، وأي غلطة ولو بسيطة بحساب، مستوانا كان كويس، لكن تربيتنا كانت شبه التربية العسكرية. أنا كنت عاطفية شوية ووالدي كمان، مع إنه كان صارم في عمله، ومع ذلك ما كنتش بكذب عليها أبدًا حتى لو غلطت، مع إني كنت باخد عقوبات شديدة توصل إنها تحرمني من الأكل وأشرب والنوم على السرير، فاهم يا إيمري؟"
"والله أحلى إيمري في الدنيا، قوليها تاني كده."
"هو إنت عندك مراهقة متأخرة ولا حاجة؟"
"لأ وربنا، طول عمري راجل محترم والناس تعملي ألف حساب، بس مش عارف مع واحدة زيك متر ونصف بتكلم بارتياحية."
"بالعربي وببرود وصوت متزن: يا حرام، باين عليك اتـهطل على كبر."
"مش قولنا بلاش عربي يا مؤدبة، خلي بالك أنا مديرك في الشغل وكلامي لازم يتسمع."
"هو إنت جاي تدرب ولا ترغي؟ أنا خلصت، هطلع آخد شور وأنزل أعمل فطار، وأتمنى بعد التدريب يكون الفصل الدماغي رجع، عن إذنك يا عموووووووو." وجرت من أمامه بسرعة.
لم يبذل الكثير من الجهد ليمسك بها من ياقة الترنج الخلفية، فكان بجسمه الفاره وجسمها القصير كمن يمسك جروًا صغيرًا من قفاه.
"قولتي إيه يا حبيبة عمو؟"
"أنا بقول هاخد شور وأنزل أعمل فطار، أعملك معايا سندوتش؟"
"متهيقلي سمعت حاجة تانية كده."
"إنت بس لسه صاحي من النوم مش مركز، هو إنت الوضع ده مريحك؟ أصلًا مش مريحني خالص، ممكن تسيبني لأن برستيجي اتبهدل قوي."
ليترك إيمري ياقة الترنج بمرح: "ابقي اعملي عصير مع السندوتش، وبحب البيض عليه جبنة."
وهي تهندم ملابسها وتمشي بسرعة، وما إن وصلت للسلم: "ابقى اعمل لنفسك إنت." وقفزت على السلم تأخذ كل سلمة مع بعض.
"عنيدة وقوية ولذيذة."
بعد فترة كان انتهى من التمرين وجفف عرقه، وهي نزلت لأسفل ومعها الموبايل وتتطلع به باهتمام.
بحب استطلاع من شكلها: "بتتفرجي على إيه؟"
وهي على وضعها: "حاجة عجبتني قوي."
وهو خلفها ليرى ما أعجبها: "إيه ده، صاعق كهربائي؟ عاوزاه ليه؟ مش إنت واخدة جوايز ملاكمة وكاراتيه وواثقة في نفسك، ليه بقى ده؟"
"واثقة طبعًا، بس بعد ما برستيجي وقع في الأرض من شوية، لازم أستخدم أدوات مساعدة برضه، خصوصًا إني ما اتدربتش من زمان قوي وصحتي بقت على قدي، ده أنا ما كملت نصف ساعة تدريب وتعبت."
"إنت عاوزة تصعقيني عائشة؟"
وهي كما هي لم تلتفت إليه: "لأ طبعًا مش إنت، مع إنك تستاهل ده، لكن له هو، حتى لو صعقته كذا مرة ربما يفيده والكرش اللي عنده يخس، بس أكيد مش هيقصر وهبقى برضه أقصر منه."
"مين ده عائشة اللي إنت بتعزيه قوي لدرجة تجيبي له صاعق؟"
"مصطفى أبو ابني، مش هو فتح دماغي وبيعتدي عليا."
"آآآه! يعني إنت لو اتعرضتِ له تكهربيه؟ يعني هو هيستني لما تروحي تجيبي الصاعق وترجعي."
"لأ طبعًا، إنت مش فاهم، هو لازم يتعاقب على اللي عمله فيا، أنا هعاقبه ومش هعيش معاه، أروح أطلع في ضيقي وأطفئ ناري منه الأول، وبعدين أروح أعيش مع نهر، مش سينام، قالت إنها عايشة في بيت تاني غيره."
وهو يضحك بقوة: "قولي والله، أنا ممكن آجي معاك مصر وأسيب شغلي هنا عشان أتفرج، دي هتبقى أحسن من أي خروجة أو فسحة، وممكن تبقى تريند المرأة التي كهربت زوجها، ههههههه."
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السابع 7 - بقلم رينا الهادي
مضت عشرة أيام، نهر تحسنت ببطء، على الأقل كانت تستطيع أن تذهب للحمام متعكزة على عصا طبية.
الحاجة ومصطفى طلبوا من انتصار الحضور للبيت، حتى مع وجود سيدة كانت تساعدهم في البيت، وذلك لأن البيت يحتاجها. فعملت الكثير من الطعام ووضعته في الثلاجة كي لا تتعب نهر نفسها في تحضير شيء، ويكون على التسخين، ورجعت لبيتها مع قرار أن تزور نهر على الأقل كل يومين ساعة أو ساعتين.
في تركيا.
رقية رغم غضبها من نهر، إلا أنها اشترت لها سلسلة رقيقة بحبة لؤلؤ، كما اشترت لسينام نفس نوع السلسلة.
تحرى إيمري عن الصاعق الكهربي وعرف أنه من الممكن أن لا توافق الحكومة المصرية لدخول مثل هذه الأشياء، وقرر التصرف بأن يدخله شخص أجنبي سائح ليقابل عائشة ويعطيه لها، وأخبر عائشة.
دخلت عائشة البيت بعد التسوق لترى إيمري منشغل على اللاب توب وسينام كذلك، لكن لدراستها، وهم بغرفة المعيشة.
عائشة: مساء الخير.
إيمري: كنت فين كل ده يا عائشة، قلقنا عليكِ.
عائشة: تعرف يا إيمري، طائرتي الصبح وكنت عاوزة أشتري شوية حاجات.
ونظرت لكليهما.
أولًا شكرًا جدًا لمساعدتكم لي، وكل اللي أخذته هرجعه لكم لأنه دين علي، لكن سوف هأشتاق لكم. إيمري بيك أعتذر عن أي شيء أزعجك مني، وأتمنى لك الخير والنجاح والسعادة، وشكرًا إنك احترمت قراري ولم تتدخل بشيء بخصوص عائلتي.
إيمري: زي ما قلت لك أنا معاك ومحتاج أرد بعض من جمايلك عليّ وعلى بنتي، فلولاكم كنت سأفقدها.
سينام: هأشتاق لك كثيرًا، ملأتِ حياتي. لا تتوقفي بالاتصال بي، وأرجوكِ اشرحي موقفي لنهر حتى لا تغضب عليّ، فأنا واثقة من أنها قلقة عليكِ، كما أن صوتها في آخر مرة كان يقول إنها مريضة، ولم أستطع الاتصال بها لأنني لا أحب أن أكذب عليها مرة أخرى.
عائشة: أكيد يا سينام، وأنا أيضًا سأشتاق لكِ.
وحضنتها، وكل منهم ملأ عينيه دموع.
نظر إليهم إيمري بتأثر: أنا مش متعود على اللحظات دي، إيه رأيكم عازمكم بره على العشاء؟
عائشة: لا، أنا عازماكم على الغداء، أم أنكم أكلتم؟
إيمري: مع إنك اتأخرتي، الساعة الخامسة الآن، إلا أننا لم نأكل.
عائشة: نصف ساعة ويكون الأكل جاهز، أنا محضراه قبل ما أنزل في الفرن على التسخين، وسأصنع السلطة ونأكل جميعًا.
سينام: رأيت ما في الفرن، رائع! سآتي للمساعدة.
عائشة: سأغير ملابسي وأرجع سريعًا، وقبل هذا تفضلي يا سينام.
وأعطت لها علبة.
لتفتحها سينام وتقول: أهذه لي؟
عائشة: نعم حبيبتي، ولنهر مثلها بالضبط، أمل أن تعجبك مع إنها بسيطة جدًا.
سينام: هي جميلة وأعجبتني، وزادها جمالًا أنها منكِ أنتِ.
عائشة: إذن أعطيها لي كي ألبسها لكِ.
(بمرح) الحمد لله إنك جالسة، لأني سأعاني لو وقفتِ، لا أعرف كيف لكِ بكل هذا الطول!
ليضحك كل من سينام وإيمري.
سينام: رغم حزني إنك ستتركينا، إلا إني سعيدة لنهر، فهي تستحق أن تكوني بجانبها، رغم إني إلى الآن لم أعرف لماذا لم تذهبي لأهلك ما دام عرفتِ مكانهم؟
إيمري: لا تدخلي في شؤون الآخرين حبيبتي.
سينام: أنا فقط مستغربة.
عائشة: لكل شيء وقت يا سينام، بالتأكيد سأرجع لهم في يوم ما، حاليًا غير مناسب.
سينام: طب ما هو اسم عائلتك؟
عائشة بابتسامة وهدوء: قلت لكل شيء وقت مناسب، لم يحن وقت أن أخبرك بعد.
غيرت عائشة ملابسها، وأكلوا جميعًا في تراس الفيلا المطل على الحديقة، وقد أعجبهم جدًا طعام رقية.
إيمري: واضح إنك طباخة ماهرة.
عائشة: لا تنخدع بي، فإن فتحت اليوتيوب على الأكلات المحبوبة لدي وحاولت.
سينام: أنتِ ماهرة أيضًا بالأكلات المصرية، كنا في آخر الإجازة نمكث يوم أو يومين بمنزل نهر، وأنتِ تطعمينا ما لذ وطاب.
عائشة: أنا أتذكر أن علاقتي بالمطبخ ليست على ما يرام، وذهلت عندما انتهيت من هذا الطعام، فهمت الآن أنها مهارات رقية.
بعد الطعام شربوا الشاي واستمروا قليلًا، ثم قالت عائشة: قومي يا سينام لتذاكري قليلًا.
سينام: إنه آخر يوم لكِ معنا، دعيني قليلًا.
عائشة: أنا سأرتاح قليلًا فقد بذلت مجهود كبير منذ الصباح، سأنزل بعد ساعتين ونسهر قليلًا فعندي ميعاد طائرة.
سينام: حاضر يا آنة.
عائشة: سينام!!
لتتذكر سينام وتقاطعها: آسفة آسفة يا عائشة، أنا أكبر منكِ.
لتضحك عائشة بمرح: لا لا، لقد تقبلت إني في سن أمكِ، لكن فقط أردت القول إنكِ جميلة وذكية، لا تدعي أحدًا مهما كان يحطم ثقتك بنفسك، فأنتِ كما تعتقدين، فلو إنكِ ضعيفة من الداخل ستكونين ضعيفة ويستغلك الناس. كوني قوية كما أن إيمري بيك لن يترك يدكِ. ابني نفسك بقوة وإرادة وحاولي أن تنسي كل ألم بالماضي، أنتِ مهمة للكثيرين عزيزتي، لا تنسي هذا.
قامت عائشة واحتضنت سينام ثم قالت: لا أحد يزعجني، سأنام.
ومشت بهدوء لتستريح.
إيمري: سينام، روحي ريحي أو ذاكري حبيبتي.
مشت سينام على غرفة المكتب.
بعد قليل جاء إلى إيمري اتصال.
إيمري: لو قلت لك إني كنت بفكر أتصل بك هتصدقني؟
الطرف الآخر: طبعًا، خير، في حاجة معينة كنت هتتصل بي لأجلها؟
إيمري: أيوة أكيد، لكن أحب أعرف الأول سبب اتصالك.
الطرف الآخر: أولًا آسف إني اتأخرت، لكن عرفت أن زوجتك تعبت بحفلنا، وصراحة انشغلت بالعمل والاجتماعات وتسليمات، وذهبت للمشفى بعد أن دلني عليها أحد العاملين الذي أوصلك لها، لكن للأسف كنتم مشيتوا من نصف ساعة فسامحني.
إيمري: أولًا شكرًا لتعبك واتصالك بي خصوصًا إننا لسنا أصدقاء، مجرد مرتين فقط تقابلنا بعمل، ثم إنها ليست زوجتي، تقدر تقول هي من لها الفضل في تربية ابنتي، وابنتها صديقة لابنتي بالمناسبة يا سيد نديم، قلت لك أنني منفصل من قبل، وهذه السيدة جاءت من مصر تبحث عن عائلتها بعد أن فقدت الذاكرة لفترة طويلة. عمومًا ما رأيك أن أبعث لك عنواني وتأتي إلينا اليوم؟ فأنا على ما أتذكر إنك مصري الأصل، لأنها ستغادر صباحًا فمن الممكن أن تساعدها.
نديم: رغم إني مشغول جدًا لكن سأحاول أن آتي إليك خصوصًا أن الأجهزة التي وردتها لمشفى دبي نالت استحسان الجميع هناك.
إيمري: مبارك عليكم هذا المشروع الرائع، سأنتظرك وصدقني لن تندم على وجودك، لكن لي رجاء.
نديم: تفضل.
إيمري: لا تقول إني دعوتك، فهي حساسة للغاية، قل إنك عرفت أننا هنا باسطنبول وأردت الاطمئنان خصوصًا بعد ما حدث بالحفلة، إن عرفت ستتضايق مني خصوصًا أنني لم أنجح بأن أساعدها كما أريد.
نديم: غريب يا إيمري، تهتم لأمرها وتقول إنها ربت ابنتك وهي مصرية وجاءت زيارة لتركيا، هل ربت ابنتك عن بعد؟ ولماذا تريد مني أن أزورك قبل سفرها؟
إيمري: ستعرف كل شيء عندما تأتي، عمومًا انهِ ما وراءك وتعالى لا تتأخر أكثر من أربع ساعات، سلام.
وأغلق دون انتظار الرد.
استغرب نديم من إنهاء المكالمة، هل لأنه مصري الأصل فيريده أن يقابل هذه السيدة، أو أن هناك شيئًا آخر؟ أتت له رسالة بها موقع بيت إيمري. عزم على أن يذهب لبيته يأخذ شاور ويغير ملابسه ويذهب إليه، فقد أثار غريزة حب الاستطلاع عنده.
ذهب لبيته وتناول الغداء مع العائلة وأخذ شاور وهم بالخروج، لكن ناداه برهان آغا للمكتب لمناقشة أمر ما معه، إلى أن انتبه أنه أخذ الكثير من الوقت، فاستأذن أن عنده موعد مع إيمري ويجب الذهاب، فابتسم له برهان آغا وقال: أنا متعود بتكون في البيت ما بتخرجش بالليل، فآسف لو أخرتك.
نديم: حضرتك ما تتأسفش، الموضوع أن إيمري عاوزني أقابل عنده سيدة مصرية غالبًا فاكرني ليا علاقات بمصر خصوصًا أن السيدة تهمه، هأروح قبل ما أتأخر عليهم، سلام آغا.
برهان آغا: سلام بني.
ذهب نديم بدون سائق، وفي طريقه أحضر علبة شيكولاتة وورد وطرق الباب.
كانت رقية تنزل السلم وإيمري تعمد وجوده بالحديقة الخلفية ينقص الزرع، وتجاهل الجرس عندما شاهد عائشة من الشباك الخلفي وهي تنزل السلم، أنزل المقص واتجه مسرعًا للحمام يغسل يديه ووجهه.
فتحت عائشة الباب لترى نديم أمامها مباشرة، فارتسم على وجهها الغضب ثم البرود.
تابع هو وجهها باستغراب ثم تنحنح وقال: عفوًا، بيت سيد إيمري؟
عائشة: أيوة، خيرًا؟
نديم: ممكن أقابله من فضلك؟
(وبعدها فرك جبهته) هو أنا شوفتك قبل كده؟ أنتِ مش غريبة أبدًا عليّ.
لتبعد عائشة عن الباب وتقول: اتفضل.
فيدخل نديم وراءها ويضع ما بيده على كونسول بجانب الباب ويدخل وراءها وهو يقول: من فضلك أنا أعرفك، شوفنا بعض قبل كده؟
ليخرج إيمري من الحمام وهو يقول بصوت عالي: نسبيًا مين جه يا عائشة جول، سامع جرس الباب.
لتغمض عائشة عينيها بوجع وتقول بالعربية: نشنت يا فالح، ده أنا هنفخك إن شاء الله.
لم تدرِ أن نديم سمع كلامها، كاد أن يضحك لكن علق في ذهنه بعض كلمات إيمري (عائشة جول، سيدة من مصر فقدت الذاكرة تريد أن ترجع لعائلتها، تعال يا نديم مش هتندم هتسافر الصبح، ثم نظراتها له عندما فتحت الباب، بل تذكر عندما رآها في الشركة وسأل موظفة الاستقبال).
نديم أمسك عائشة جول من كتفها: عائشة جول؟ أنتِ عائشة؟ مش بتخيلك صح؟
بس ازاي أنا دفنك بإيدي أنا وبرهان أغا كل السنين دي، وجاية دلوقتي.
عائشة أبعدت يديه عن كتفها: تأكدت إن اللي دفنتها أنا يا جوز أختي؟ ولا ما صدقت عائشة المغفلة ماتت وجريت اتجوزت أختها الشاطرة اللي ماسكة الشركة مع أبوها وأمها ده؟ أنتم ما شاء الله ما ضيعتوش وقت وجبتم ابنكم بعد تسع شهور وشوية أيام من حادثة القطر، برافو نديم، طلعت ممثل شاطر زي ما كنت طالب موهوب ديما امتياز، مش هعاتب عليك أنا. أختي وأمي رضيوا وهما عارفين إنك كنت حبيبي، لكن يا ترى برهان أغا اشترك معاكم.
نديم: أنت بتقولي إيه؟ أنتِ مش فاهمة حاجة.
عائشة بنظرة تحدي: عارف يا نديم لو اتجوزت أختي بعد سنة أو اثنين كنت هاقول وماله، حبوا بعض واتجوزوا، أو حتى حب حد من ريحتي أو أختي حبته، لكن إزاي نديم بالسرعة دي؟ كنت بتقول أنا حب عمرك وهاتحدى أهلي وأتجوز تركية، اتجوزت بعد أيام من موتي، قدرت؟
نديم: عمري ما نسيتك واتجوزتها علشانك أنتِ...
قاطعته عائشة: جاوب على سؤالي، والدي عارف إن أنت كنت حبيبي؟
نديم: لا عائشة ما يعرفش شيء، كل اللي عارفه إني ساعدته في الإجراءات اللازمة وسهلت عليه أنا وعائلتي الوصول للي افتكرها جثتك، وبعدها اتعرف عليا كمعماري وعجبه تفكيري كمصمم معماري، وما يعرفش أبدًا إن كان فيه علاقة بيني وبينك.
عائشة: شكرًا نديم، أزاحت حمل كبير من على قلبي. مش مستغربة إن أمي رضيت بك جوز بنتها، ديما بتحسبها بالعقل فأكيد قالت عريس معماري هينفعنا في الشركة والبيت.
نديم: ما تظلميش الكل من غير ما تعرفي الحقيقة، وبعدين أنتِ جاية بعد أكثر من عشرين سنة وتحاكمي فينا.
عائشة: لأ يا نديم بيك أنا مش راجعة ليكم، أنا راجعة لبنتي، أصل أنا كمان عندي بنت وولد ومتزوجة، أطمن وعيش مرتاح، مش ناوية أهز عشكم الجميل، أصلًا لولا إنك جيت دلوقتي ما كنتش هتعرف بوجودي، ونظرت لإيمري الذي كان واقفًا يتابع ما يحدث بصمت لتقول: شوف ضيفك سيد إيمري، أنا طالعة أوضتي.
إيمري: عائشة، أفضل إنكم تتكلموا على انفراد وأنا اللي أمشي، عن إذنكم.
عائشة: مين قال إن بينه وبيني كلام؟ هو جاي لك أنت مش ليا.
نديم: عنيدة زي ما أنتِ.
عائشة مشت وعند السلم مع أول سلمة التفتت إليهم وقالت: أنت ليه جيت دلوقتي؟
نديم: الموظف اللي وصلكم المستشفى قالي إن زوجة إيمري بيك حضرت الحفلة وأغمي عليها، وإيمري بيك قال ضغطها وطي ووصلكم المشفى وقالي رقم الغرفة، لما روحت موظف الاستقبال قال مشيتوا من نصف ساعة. النهاردة عرفت إن إيمري بيك لسه موجود هنا، أخذت عنوان وقولت أمر عليكم أعمل الواجب.
عائشة: بتكذب نديم، لما بتكذب بتفرك في إيدك، جزء من كلامك مضبوط لكن مش كله، عرفاك كويس.
نديم بابتسامة: عارفاني إزاي وأنتِ بتقولي خدعتك عائشة، ومادام قدرت أخدعك يبقى ما تعرفنيش صح.
عائشة: هتروح ولا قاعد؟
إيمري: إيه عائشة؟ لو لاحظتي نديم بيك لسه ما قعدش لغاية دلوقتي وكان جاي يعمل واجب معايا، معقول هامشيه كده على طول؟ ده حتى بينا شغل، اتفضلي اطلعي استريحي لو عاوزة.
نديم باستفهام وغيرة: تبقى لك إيه علشان تطلع تستريح عندك؟
لتنزل سينام: آنة تبقى ليا أنا وأنا بعتبرها صديقتي وأمي فهي ضيفتي من قبل حتى ما بابا يجي إسطنبول.
إيمري: سينام بنتي.
لتنزل سينام من الدرج وتمسك يدي عائشة وتقول: صحيتي إمتى آنة؟
إيمري: سينام، وشاور على نديم وقال: نديم بيك، تعالي سلمي.
سينام: مين حضرته وليه بيحاسب آنة؟
عائشة: اسمعي كلام والدك وبعدين ناقشيه لما تكونوا لوحدكم، وعمومًا نديم بيك صديق مشترك.
إيمري بعد أن سلمت عليه سينام: اتفضل نديم بيك، تحب تشرب إيه؟
نديم: ولا حاجة شكرًا، بس كوباية ماية.
عائشة: خليك مع صاحبك إيمري، وأنت كمان سينام اتعرفي على عمو، أنا هاجيب كل حاجة من المطبخ.
إيمري: مش قولتي هتستريحي؟ أنا هاروح المطبخ.
عائشة: لا، غيرت رأيي.
ودخلت المطبخ وتأخرت قليلًا لتخرج ومعها 3 قهوة وواحد نسكافيه لسينام، أعطت كل واحد منهم فنجان قهوة ونظرت لسينام.
عائشة: حبيبتي روحي ذاكري شوية لأن القعدة قعدة كبار.
أخذت سينام النسكافيه وقالت: لما تخلصوا ناديني، وعدتني هتسهري معايا.
عائشة هزت رأسها كموافقة منها. بعد أن صعدت سينام السلم.
عائشة: أتمنى أن ما يكونش لك علاقة إيمري في مجيء نديم هنا، ولو إني هزعل شوية لكن هاسامحك لأني متأكدة أن نيتك كويسة، ومن فضلك نديم بيك انسى إنك شوفتني النهاردة، لما أحب أرجع هرجع.
نديم: امممم، أنتِ اعتبرتيني خاين فعلًا؟ مستحيل أخبي حاجة زي دي عن برهان أغا، مش بس لإنه جد أولادي، أنا بعتبره في مقام والدي، وإذا كان عليا أخذ ولادي وزوجتي وأعيش في مكان تاني لو هيزعجك وجودنا في مكان واحد.
عائشة: وجودي دلوقتي مش هينفع بالعكس هيضر، اسمع نديم، الدكتور النفسي قال أنا مش فاقدة الذاكرة فترة معيشيتي في مصر، لأ أنا خايفة أو فاقدة الثقة في الناس اللي كنت عايشة بينهم، قال محتاجة أكون هناك علشان أفتكر كل اللي حصل الفترة الكبيرة اللي عشتها في مصر، أنا فعلًا مش فاكرة غير الفترة اللي قبل الحادث، أنا بنتي كذبت عليا وقالت إنها صاحبتي وساعدتني أجي هنا، عاوزة أفهم وأعرف إيه اللي حصل لي علشان ما أتفاجئش بأسرار أنا ما أعرفهاش لو عشت هنا، غير إني عرفت أن بنتي أصلًا يتيمة من غير أب فمش هاسيبها لوحدها من كمان غير أم.
نديم: مش فاهم، مش قولتي عندك ولد وبنت ومتجوزة.
عائشة: عرفت من سينام صاحبة بنتي أني اتجوزت بعد وفاة زوجي الأول وأنا متزوجة حاليًا وليا ابن من الزوج الثاني، كمان زوجي ما كانش كويس معايا أنا أو بنتي.
نديم: خليكِ هنا عائشة وأجيب لك بنتك وابنك لو حبيتي.
عائشة وهي تفرك عينيها بتعب: نديم بيك من فضلك ما تتدخلش في حياتي، أنا مش بهرب، أنا عاوزة لو رجعت ما كونش نقطة ضعف، عاوزة لما أرجع أرجع قوية مش ضعيفة وكلها مشاكل، عاوزة أفهم اللي حواليا مش كل واحد بيقول اللي عاوزه ويخلي برضه اللي عاوزه، من فضلك ده طلب بسيط، انسى إنك شوفتني النهاردة بس بسيطة.
إيمري: نديم بيك قابلت عائشة هانم من أقل من شهر، سيبها براحتها مش هتزيد غير عناد، لو كنت قابلت رقية كان ممكن تقنعها.
نظرت له عائشة بغيظ: ما تقول له اسمي كامل أحسن يا إيمري.
إيمري بسماحة: ما أعرفوش عائشة، ما أعرفش غير رقية، صح شوفته مرة في الباسبور لكن نسيته لإنه عربي.
نديم: قدامك شهرين عائشة، بعدها هاقول لبرهان أغا أو ترجعي معايا دلوقتي.
عائشة: طيب.
نديم: ممكن أعرف اسمك كامل في مصر وعنوانك.
عائشة: لأ أنا ما أعرفش عنواني أصلًا، لكن أعرف اللي هيوصلني ليه، واسمي في الباسبور وبرضه لأ سيبني براحتي من فضلك، أرجوك ما تضغطش عليا أكثر من كده، سيبني أروح لبنتي وكفاية كده.
وضع نديم فنجان القهوة وقال: تسلم إيدك عائشة، إيمري بيك هاتصل بحضرتك.
إيمري: تمام نديم بيك.
رجع نديم لعربته وهو لا يصدق أن عائشة ما زالت على قيد الحياة، أسند رأسه على كرسيه وأخذ يفكر فيما عرفه، قرر أن يترك عائشة ترجع كما تريد ويعرف كل شيء عنها من إيمري وسينام ويقرر ما يفعل فيما بعد، كما أنه يستطيع أن يعرف اسمها أو اسم ابنتها من سينام خصوصًا أن صحة برهان أغا ليست على ما يرام فلم يغامر الآن.
قامت نهر فزعة في منتصف الليل على أثر حلم وهي تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، بفزع رانيا وقد كانت نائمة بجانبها قامت هي الأخرى.
رانيا: فيه إيه نهر؟
نهر: حلم رانيا حلم أو أمنيات مش عارفة.
وشربت من زجاجة بجانبها القليل من الماء.
رانيا وهي تدعك عينيها: أمنيات يبقى حلم حلو، احكي احكي، النوم طار من عيني خلاص.
نهر: كنت قاعدة وحد جه من ظهري حضني وريحته كانت حلوة قوي، قالي ما تخافيش نهر، آنة راجعة هي ما تقدرش تستغني عنك، حاولت أبص له لكن هو كان حاضني قوي، قالي إنه بيحبني قوي ودايمًا حواليا أنا وآنة، حاولت ألتفت بس رجلي وجعتني فقال اهدي أنا بابا حبيبتي وصدقيني آنة جاية بس اتحمليها لأنها زعلانة منك، جسمي هدي ورجعت براسي على صدره وقولت له خدني معاك أنا تعبانة، قالي لأ حبيبتي هامشي وأمك هتيجي اطمني، بعدها باس راسي واختفى، ناديت عليه بس ما لقتهوش.
رانيا: طب ده بشرة خير، يبقى مامتك افتكرتك.
نهر: معقول ترجع بعد ما راحت لأهلها؟ لأ طبعًا، لو افتكرت كانت على الأقل اتصلت بسينام وأكيد سينام كانت بتقول لي، بس تعرفي كون بابا جنبي وجالي ده بحد ذاته ريحني، أو يمكن لأني محتاجاه فحلمت بيه بيطمني، آه رانيا حاسة إني لسه شامة ريحته وحاسة بحضنه، ولمست أعلى رأسها في مكان قبلته على رأسها.
رانيا: اللي يشوفك يقول بتتكلمي عن حبيبك.
نهر: حبيبي هههههههه، هي اللي في ظروفي ممكن يكون لها حبيب، مصطفى كرهني في كل الرجالة، مع أن فيه ناس كويسة زي جدو وعمو أمجد وعلي وعبد الله، بس خايفة حظي يبقى زي آنة، بصي يا رانيا الأب نعمة كبيرة قوي ما يعرف قيمتها غير اللي محروم منها، ورغم أن بابا مات من وأنا لسه في اللفة لكن سيرته حلوة وفيه ناس بتخدمني علشانة، غير بيته اللي عايشة فيه ومعاشه واختياره لأمي اللي تعبت قوي في تعليمي وحنانها وحبها ليا ملأ حياتي.
رانيا: سبحان الله، بصي أنا بحب أبويا وأمي بس أحيانًا بضايق منهم في بعض التصرفات، لكن لما بقعد معاك يا نهر بحس قد إيه أنا فعلًا في نعمة لازم أشكر ربنا عليها لإنهم سندنا في الدنيا وبلاويها وطريقنا للجنة بإذن الله، عاوزة تروحي الحمام أساعدك ولا هتنامي؟
لتضحك نهر بمرح: ما تقولي عاوزة أنام وخلاص، خلي بالك أنتِ اللي قولتي احكي النوم طار من عيني.
رانيا: كنت بجاملك لكن أنتِ ما شاء الله ما صدقتي ووقعتي ترغي.
نهر: نامي رانيا وأنا كمان هنام، ويا رب يجي تاني أصله وحشني قوي.
رانيا وهي تضع مخدة صغيرة على رأسها: احلمي بيه بكرة وانهار معاك علشان عندي مدرسة بكرة وسهرنا النهاردة وتعبانة.
نهر: رخمة.
كانت عائشة في المطار قبل إقلاع الطائرة بأربع ساعات على الأقل لإنها خافت من رجوع نديم إليهم، اتصلت على رقم محمود الذي أعطاه لها قبل السفر ورد عليها.
عائشة: السلام عليكم سيد محمود، أنا عائشة وآسفة إني أتصل بك في هذا الوقت.
محمود: حضرتك تتصلي بأي وقت، خيرًا.
عائشة: أنا جاية على مصر في طيارة المفروض هتوصل الساعة التاسعة والنصف، ممكن حد يستناني لأني ما أعرفش حتى القرية اللي فيها بنتي.
محمود: أفهم من كده إن لسه فاقدة الذاكرة، لكن إزاي عرفتي إن نهر بنتك؟
عائشة: من سينام.
محمود: أيوه صح أنا قولت لنهر مش هتستر معانا.
عائشة: يعني إيه؟
محمود: لا أبدًا، هاستنى حضرتك ومعايا هدية ليكِ كمان.
عائشة: مش عاوزة هدية شكرًا، عاوزة بس حد يوصلني.
محمود: هاكون في انتظارك.
بعد كثير من الوقت حان ميعاد الطائرة وقامت لتستعد.
إيمري: كان فيها إيه لو استريحنا في البيت؟ لازم تيجي قبلها كل الوقت ده.
عائشة: قولت لكم روحوا أنتم، أصريتوا تستنوا معايا، وبعدين أنا كنت ناوية أنتقم منك علشان لسانك اللي ما سكتش قدام نديم، كان مش فاكرني لازم يعني من جهة عائشة جول وكمان تقول اسمي رقية.
إيمري: خلاص بقى أجري الحقي الطيارة وخلي بالك من نفسك وهايقابلك الشخص اللي وريتك صورته يديك حاجات مهمة.
عائشة: إيه الحاجات دي؟
إيمري: هتعرفيها لما تشوفيها، سلام يا أوزعة.
لتحصن عائشة سينام وتمشي دون أن تودع إيمري وهي تقول: أنت من غير سلام علشان رخم.
ليضحك إيمري ويقول: سمعتك على فكرة.
لتلتف عائشة: قاصدة تسمعني علشان كده اتكلمت تركي.
ليشاور لها إيمري بيده بحركة باي باي لتبادله الحركة وهي تضحك.
وصلت الطائرة وقابلت عائشة أولًا محمود ثم بعد خروجها من المطار انتظرت قليلًا في مكان انتظار السيارات ليأتيها مكالمة ثم يأتي الشخص الذي بعثه إيمري ويعطيها شنطة وتفتحها لتجد لابتوب جديد والصاعق الذي أرادت شراءه سابقًا وكارت من إيمري مكتوب فيه: لاب للشغل خلي بالك منه ده عهدة عليك، أما الصاعق هدية لحبيب قلبي جوزك اتوصي بيه، وما تخافيش الصاعق هيتحمل ومشحون كمان.
لتبتسم عائشة وتبعث رسالة لإيمري: شكرًا كتير إيمري بيك أسعدني جدًا ما بعثت، دخلت السيارة بعد أن وضع محمود حقائبها داخل شنطة العربة.
عائشة: مين ده اللي نايم ورا سيد محمود؟
محمود: ابن حضرتك عمر، سهر فنام، وقبل ما تقولي ليه، جوز حضرتك لما عرف إنك سافرتي راح اعتدى على نهر وضربها، هي عملت له محضر لكن اتنازلت عنه علشان عمر ما يكرهاش، فإحنا أخدنا عمر تأديب له جايز يفهم غلاوة الابن ويبطل يضايق نهر ويحس نفس إحساسك لما بيوجع قلبك عليها.
عائشة: هو مش بيعتدي عليا لوحدي وكمان عليها زي ما فهمت، هي في بيت لوحدها.
عمر: كفاية دوشة بقى عاوز أنام.
عائشة: إزيك عمر.
عمر رفع رأسه: إيه ده ماما أنتِ رجعتي؟ ويا ترى راجعة علشان نهر ولا علشان تزعلي بابا وتشتكيه أنتِ كمان؟
عائشة: غريبة كنت مفكرة إني وحشاك، هي دي مقابلتك لأمك.
عمر بلا مبالاة: إحنا رايحين فين؟
محمود: زي ما تقول ماما، إما بيت نهر أو عند باباك في بيت جدتك.
عمر: لا أنا زهقت منهم، خليني هنا مع أسر وشفق.
رقية: أنت متأكد الواد الرخم ده ابني؟ ده ناقص رباية.
محمود بضحك: أيوه ابن حضرتك، هنروح فين؟
عائشة: البيت اللي فيه أبوه، اديله ابنه وها أتفاهم معاه في كلمتين.
إيه هيحصل هنعرف الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثامن 8 - بقلم رينا الهادي
عائشة: عمر أختك آخر مرة شوفتها إمتى؟
عمر: لما بابا كان بيضربها والناس طالعة، هي كانت على الأرض وقالت لي اجري روح لأبوك، أنا مش هقدر أهتم بيك.
عائشة: طب ما حاولتتش تشوفها بعديها؟
عمر: هو تحقيق ولا إيه؟ لا ما حاولتتش، لأن هي راحت المستشفى وبلغت عن بابا وراح السجن، ولما رجع تاني يوم الصبح كنت عند عمو محمود، وبصراحة انبسطت عند عمو وريحت دماغي من مشاكل نهر وبابا.
عائشة: ريحت دماغك من مشاكل نهر وبابا، أممممم، هو انت عندك كام سنة؟
عمر: حداشر، هو إنت مش فاكرة حاجة بجد؟ طب رجعتي ليه مادام لقيتي أهلك، نهر من غير ما تسأل حد بعدتك عننا وقالت لي إن ده أحسن ليك، وقالت أي مكان غير معانا هيكون أمان ليك؟
عائشة: حداشر سنة يعني ما شاء الله، قد الجحش ومش بيبي ولا طفل، أومال شخصيتك ليه مديّة على طفولي كدة؟ أختك انضربت وانت وقفت تتفرج، لأ وكمان عاوز اللي يهتم بيك بدل ما تروح تهتم بيها، سبتها وروحت لابوك.
عمر: عاوزاني أعمل إيه، أنضرب بدالها شوية؟ ثم هعمل لها إيه يعني، إنتي كنتي بتعملي كل حاجة، تعرفي الشقة بقت زفت مزبلة، أنا وبابا مش بنعرف نعمل حاجة خالص، وبعدين كل الأمهات ياما بتستحمل، لكن انت مش بتحبي إلا نهر وبتسيبينا أنا وبابا وتروحي تنامي معاها.
عائشة: اسمع يا بتاع إنت، أنا فاقدة الذاكرة آه، لكن عارفة إن أبوك عمل مصيبة علشان نهر تعيش في بيت تاني، وبالعقل كده إيه يخليه يوافق إني أبات معاها، إلا إذا كان هو غلط في حاجة، زي ما فهمت عائشة في أرياف مصر، والقوانين في كل مكان واحدة، الزوجة في بيت زوجها صح، ولا أنا غلطانة؟
عمر بعصبية: إنت بتسيبينا بقالك خمس سنين، ما عدا الإجازة بتنامي معايا لأن ست نهر بتكون مش في البلد، بتروح تتفسح في الأقصر وشرم وسيوة ومصر، كل إجازة في مكان، يعني بابا مستحمل كتير.
عائشة: ولااااة! إنت متخلف ولا براس حمار؟ يعني حتى الإجازة بنام معاك، هو أنا ما فهمتش من سينام، هو عمل إيه بس كده؟ يبقى عمل عملة سودة، بس السؤال ليه على ذمته لغاية دلوقتي؟
محمود: أنا عارف تحبي تعرفي؟
عائشة: هتقول كل اللي تعرفه ولا هتقول جزء وتحتفظ بالباقي؟
محمود: اللي أعرفه يا ست رقية.
عائشة: عائشة، واضح إن حياتي كانت مش سهلة لدرجة إن حضرتك مش في البلد بس عارف، أقول يا سيد محمود.
محمود: كان أول مرة أعرف نهر وحضرتك وجوزك، كنا في القاهرة بنفتتح مستشفى أمجد باشا شريك فيها، وحضرتك اتصلتي بيه يلحق نهر لأنها بتموت، كنت معاه لأني كنت إيده اليمين، أخد العربية وجري عليكم، وقال أجيب حامد وده بيشتغل مع أمجد باشا برضو، وقال هيسافر هو، لو فيه حاجة هنسافر له، وهو في الطريق اتصل بيا قال أسافر طنطا مع دكتور جراحة كبير وأوصله لمستشفى خاص، قالي اسمها مش فاكر اسمها، المهم سألته هو كويس قال أيوة، عرفت بعد كده إن أستاذ مصطفى جاب داية وتعدي على نهر وخدمها من غير وجودك أو معرفتك حتى، والداية استغلت لأن طلب مصطفى تعدي على نهر جامد، طبعًا جالها نزيف وكانت بتموت حرفيًا، غير إنها كانت ضعيفة وصغيرة على حاجة زي دي، وكل شوية نقل دم، رحنا المستشفى، صراحة اتصدمت لما شوفت نهر، حاجة كده قد الكف، ما يدلش جسمها إنها عندها اتناشر سنة، عملوا كتير عشان ينقذوها وربنا ردها لك.
عائشة كانت مذهولة مما تسمع ودموعها لم تتوقف لتأخذ منديل ورقي تخفف دموعها وتقول: وهي رقية دي متخلفة؟ أنا دلوقتي مش مستغربة تخلف الحمار ده (وشاورت على عمر) إزاي بعد كل ده ترجع عادي كده؟ المفروض يتسجن.
محمود ابتسم: حضرتك فعلاً قلتي لازم تعملي محضر وياخد جزاءه، بس الحقيقة إن ربنا أخذ حق نهر ثاني يوم، وصراحة كمان حضرتك لما شوفتي بنتك غرقانة بدمها جريتي وأخذتي سكينة غرستيها في كتفه، بس هو زقك وهرب، وحضرتك اتلهيتي في نهر لأنها من الصدمة والنزيف أغمي عليها، هو ثاني يوم اتعرض لحادثة كبيرة وأصبح بيعرج إلى الآن، بس الكارثة الحقيقية إنه (ووُطي صوته ومال على رقية) فقد رجولته، وطبعًا ما عدتش ينفع زوج لحد، حضرتك رجعتي له على شرط تكوني معاه على ما يكبر عمر شوية ويشد حيله، لأنه كده كده مش هيقرب لك، فهماني؟ ونهر تعيش في بيت أبوها وتبقى تباتي معاها، الحقيقة إن نهر بتحاول تكون مش موجودة في الإجازة وبتروح عند أمجد باشا عشان تعب حضرتك طول السنة، وكمان تكوني مع عمر خصوصًا إن أستاذ مصطفى احتاج رعاية كذا سنة وعلاج طبيعي.
عائشة: مش فاهمة، أنا اتنازلت عشان صعب عليا وعشان ابني، بس اللي عرفته إنه كان بيعاملنا وحش، برضو ليه أستحمل كل ده عشان عمر، ما هو فاقع مرارتي أهو وبقى أطول مني ومش مميز حاجة، بالعكس مش فارق معاه أخته (بصت لعمر) إنت فارق معاك أختك يعني فكرت مثلا تطمن عليها أو تحامي عنها؟
عمر بضيق: قلت لبابا ناخدها تعيش معانا وتسيب الشغل وتعمل شغل البيت، أهو ما تبقاش لوحدها واحنا نلاقي لقمة حلوة والبيت يكون نضيف.
عائشة: ولاااة! إنت مستفز زي أبوك، عاوز أختك تخدمك إنت وأبوه.
عمر: وإيه يعني؟ ما كل الستات والبنات بيخدموا في بيوتهم، إيه يعني مش بدل ما تقعد لوحدها وتتعب واحنا لوحدنا وبرضو نتعب، وهي السبب إنك تمشي، مين يعني هيعمل شغل البيت؟
عائشة: تصدق بالله أنا كنت ناوية آخدك تعيش معانا أنا ونهر، بس بصراحة إنت تستاهل تبقى مع الكلب أبوك لأنك زيه، ومش عاوزة أشوف وشك عندي غير لما تبقى محترم وبتقدر قيمة اللي منك، الولد كل أهمية أمه وأخته في حياته إنهم يخدموه، هو صحيح الأم بتخدم أولادها، بس كمان الولد يحترم ويحمي أمه، وإلا يبقى عيل ملوش لازمة زيك كده بالظبط، أنا هنام قبل ما نوصل بربع ساعة، صحيتي سيد محمود، الواد ده جاب لي صداع.
تظاهرت بالنوم، والنوم أبعد ما يكون عنها، هي فقط تريد القليل من الهدوء لتفكر، هل هي بهذا الضعف كي لا تستطيع أن تربي ابنها بطريقة صحيحة لدرجة أن يكون بكل تلك الأنانية، وأيضًا لا تستطيع أن تحمي ابنتها.
عمر: ممكن يا عمو تشغل الراديو شوية أو تديني موبايلك ألعب عليه؟
محمود: ماما عاوزة تنام شوية فبلاش الراديو، وموبايلي للأسف مش هقدر أديه لك، النهاردة يوم عمل عادي، ممكن حد يتصل بيا من الشغل عشان كده حاطت السماعات، حاول تكون هادي واتفرج على الطريق.
عمر: هو أنا هرجع معاك ولا هروح فين؟
محمود: مش ماما قالت هتكون مع باباك، مش إنت ديما في صفه ومعاه وبتحبه؟ خلاص يا عم أهو هتكون معاه.
عمر بغيظ: أنا عاوز أكون معاك، لا معاها ولا معاه.
محمود: ليه؟
عمر: عندك حاجات بشوفها لأول مرة، ملاهي كبيرة، مدرسة حلوة، جنينة بلعب فيها وبذاكر وبألعب مع أسر وشفق، باكل كويس وبروح نادي وتعلمت ألعاب جديدة.
محمود: ودي أسباب تخليك مش عاوز بابا وماما؟
عمر: حواراتهم كتير وكل يومين مشكلة.
محمود: عمر إنت بتحب نفسك أكتر من أي حد زي باباك، وده غلط، عشان تاخد لازم تدي، الحياة كده، حتى ربنا من فوق سبع سموات عمل ثواب وعقاب، لو عملت الصح، صليت وصمت وتحريت الحلال وبعدت عن الحرام ليك الجنة، والعكس، الحياة خد وهات، والكلام ده قلته كذا مرة، عشان تتحب من اللي حواليك لازم زي ما بتاخد تدي، يكون لك موقف، إنت ديما بتلعب في حتة استغل اللي حواليا وأخد على قد ما أقدر، النهاردة ماما اتضايقت من طريقة كلامك لأنك وضحت قد إيه إنت أناني، بلاش تكبر وتحط نفسك في الحتة دي، فكر وقرر إنت عاوز تكون أي شخصية.
بعد فترة.
محمود: ست رقية ست رقية لم ترد.
محمود: مدام عائشة ردت بسرعة: أيوة فيه حاجة؟
محمود: أبدا، إحنا قربنا من بلد أستاذ مصطفى، أعتقد هو هنا، لأن الشهر ده هو بيروح الفترة المسائية المدرسة.
عائشة: أؤوف، من فضلك هجيب حاجة من شنطة العربية.
ركن على جنب وفتح شنطة العربية ولم ينزل معها كي لا يسبب لها إحراج، وهي أخذت حقيبة اليد وأخذت الصاعق ووضعته في حقيبتها بعد أن جربته وتأكدت من أنه مشحون ويعمل، وأغلقت شنطة العربة ورجعت مكانها.
عائشة: أنا عارفة إني بعطلك، لكن من فضلك ممكن بعد ما أروح أودي الولد لأبوه وأتكلم معاه شوية، تستناني عشان توديني لنهر؟ أنا مش هعرف الطريق لوحدي ومش عاوزة أسأل حد هناك، ممكن.
عمر: ليه جبتيني معاك مادام مش هتاخديني؟ ما كنت فضلت لغاية الامتحانات طيب.
عائشة: عشان لازم يكون عندنا إحساس، ليه يتحمل هو مسؤوليتك؟ ها! يبقى لك إيه؟ إنت بني آدم أناني وما فيش منك فايدة، أبوك أولى بيك.
عمر: وطبعًا إنت أولى بنهر، ما إنت ما خلفتيش غيرها، حتى وإنت فاقدة الذاكرة برضه، الأهم نهر.
عائشة: نهر ملهاش حد غيري على حد علمي، ثم إني كنت ناوية آخدك، بس أسلوبك بيقول إني معرفتش أربيك كويس لدرجة إنك بترمي كلام بينزل على قلبي سكاكين، فاتلهي واسكت، بدل ورحمة أمواتي لأطلع غضبي فيك وأعلمك الأدب من أول وجديد.
محمود: تحبي أدخل معاكي ولا أستناك في العربية؟
عائشة: زي ما تحب، المهم تكون موجود وتوصلني عند نهر.
وصلوا إلى البيت الكبير ليقول محمود: حضرتك هو ده البيت؟ وصلتني معلومة بس أحب تعرفيها إن أخت مصطفى واسمها عزيزة هنا، هي متجوزة وقاعدة في اسكندرية، بس شرانية شوية ومفترية أكتر من مصطفى، زوجك، بلاش تحتكي بيها، والكل فاهم إن عمر ضايع أو مخطوف، فهتاخديه معاك ولا يدخل لوحده؟ من رأيي أكون معاك.
عائشة: لا مش عاوزة حد يحميني، وهاخد عمر وأدخل بيه.
أخذت حقيبتها وعمر ومشت باتجاه البيت، دقت الباب لتفتح عزيزة، فقد كانت على وشك المغادرة مع زوجها بعد قضاء عدة أيام دون فائدة بجانب مصطفى وأمها للبحث عن عمر، ما إن فتحت الباب حتى انصدمت بعائشة التي أمسكت بياقة عمر الخلفية.
عائشة: أعتقد ده ضايع منكم، مش كده برضه؟
عزيزة: يا أهلا يا مرات أخويا، وجايبة عمر معاك كمان؟ وإيه أخبار الذاكرة معاك؟ جت ولا راحت ولا إيه الدنيا؟
عائشة: لا الذاكرة تمام، كل الحلو فاكراه، الوحش بس اللي نسيته، وبمناسبة الوحش، إنت مين بقى؟
عزيزة بضحكة صفرا: أنا أخت جوزك، عزيزة.
عائشة بصت لها من فوق لتحت بتقيم، وشاورت على اللي وراها: وإنت مين؟
ليبتسم من وراء عزيزة ويقول: أنا مهندس عزت جوزها.
عائشة: وده اسمه كلام يا حضرت المهندس؟ يعني أنا والله أول ما فتحت افتكرت جايبين مهرج، مش تقولها إن اللي حاطاه في وشها ده كتير، إيه كل الألوان دي؟ ولا إنت ذوقك أصلاً كده؟
عزت بنفي: لا والله، بس هي بتحب الألوان الكتير، أزعلها يعني؟
عائشة بضحكة خبيثة: يا عيني صعبت عليا، ومستحمل كل ده لوحدك؟
عزيزة بصوت عالي: يا مصطفى تعال شوف مراتك جت وابنك كمان.
ليأتي مصطفى وانتصار ومحمد جريا، وورائهم الحاجة وعبد الله الذي لم يذهب للجامعة بعد.
مصطفى: رقية إنت رجعتي؟ أنا مش مصدق! افتكرتي وجبتي عمر منين؟
عزيزة: تلاقيها هي اللي كانت واخداه عشان تحرق قلبك وقلبنا.
عائشة بابتسامة لمصطفى وقد فتحت ذراعيها له: مصطفى!!!!!
ليجري مصطفى إليها فرحًا ويفتح ذراعيه لها، فتفتح بسرعة الصاعق وتضعه تحت إبطه وتقول: بقي يا حيوان بتتهجم على بنتي وتضربها؟ فتحت راسي وتضرب بنتي.
ليصرخ مصطفى بألم: إيه ده يا رقية؟
عائشة: اسمعوا كلكم، أنا مش فاكرة حاجة خالص، بس هكون عملكم الأسود، واللي يقرب مني أو بنتي أنا مش هسيبه، أنا أصلاً مش فاكرة رقية دي، أنا عائشة، فاهمين؟ عائشة، ومش مراتك ولا أم الحيوان ده، وأخذت عمر من ياخته الخلفية، روح لأبوك يلاااااه، أنا مش غاوية أروض تيران.
نظرت لمصطفى الواقع على الأرض: المرة دي تحت دراعك أصلي قصدة ما تعرفش تحرك إيدك اللي ضربت بيها بنتي، بس المرة الجاية لو اتعرضت ليها أو ليا، وربي وسولي وديني، لأخليك عبرة ومثل للجميع، أنا آه ست، لكن أبويا رباني مسبش حقي.
مصطفى وهو ينهج: برضو جاية عشانها، حتى وإنت مش فاكرة برضه هي أهم.
عائشة: لا هي كمان هتاخد عقابها مني عشان بعد كده ما تتنازلش عن حقها، كان لازم ما تتنازلش عن المحضر لأن اللي زيك مكانهم الطبيعي السجن.
انتصار بسرعة ولهفة: يا لهوي! لا والنبي يا رقية، البنت لسه ما بتقدرش تمشي دي، يا حبة عيني، لسه يا دوب قائمة تتعكز على عصاية حديد، دي بتحتاج مساعدة عشان تتحرك بس.
عائشة: ليه؟ هو عمل إيه فيها بالضبط؟ (لتنظر له بصدمة وتخرج الصاعق) لتتعالى صيحات الحاجة وعزيزة وتجري عزيزة إليها لتخطف منها الصاعق، فتصعقها رقية بخفة فتقول: بلاش تلمسني عشان صدقيني مش هيبقى على حد. (نظرت له بغضب) عملت إيه؟
عبد الله: بصي يا خالتي رقية، هو كسر لها ضلع وعمل شرخ في الركبة، وخلى وشها زي شكل الكرة الأرضية كده، معظمه أزرق والباقي ألوان أحمر وبني، بس ما تخافيش وشها دلوقتي يجي منه، هتعرفيها، بدأ يخف.
محمد بيأس: يخربيتك! إنت كده شعللتها.
نظرت لعمر: يعني مش مجرد اعتدى عليها ومشي؟ ده افتري! نظرت لمصطفى وهو: إنت لو راجل بجد تتعدى على بنت قد بنتك.
الحاجة: قولتيها أهو قد بنته، وفي مقام بنته، واكسر للبنت ضلع يطلع لها أربعة وعشرين، وكل البنات بتتربي.
نظرت لها عائشة بإستغراب وقالت: وإنت أو أنتم ربيتوا البلياتشوا دي كم مرة بقى؟ (كانت تشاور على عزيزة) بالطريقة دي؟ ولا عشان مش بنتكم بتفتروا؟
الحاجة: أنا بنتي متربية أحسن تربية و...
لتقاطعها عائشة: بس واضح إنه مش لوحده اللي عندوش ضمير، وليه لأ؟ ما دام عنده أم بتحلل الحرام وبتستقوي على الضعيف، الظاهر إني وقعت في عيلة ما بتخافش ربنا، لتتجه للباب وتفتح فتجد محمود على الباب فتعطيه حقيبتها بالصاعق وتقول: كويس إنك هنا، ما تدخلش حد هنا من فضلك.
وأغلقت الباب وبسرعة جرت باتجاه مصطفى الملقي على الأرض، وبقوة تنزل بكوعها على صدره، ثم بسرعة خاطفة برجلها تركل مصطفى على ركبته ليصرخ مصطفى بقوة عددة مرات، وتجري عليه أخته وأمه، وما إن جاءت عزيزة باتجاه عائشة لتضربها، لكن عائشة عرفت ما تنويه عزيزة فانقضت عليها عائشة تجذبها إليها من طرحتها وهي تقول: ده ملوش لازمة بكل الألوان دي، وإبعدي بدل ما أكسرك أنا، واخدة أكتر من حزام في الكاراتيه، لتتراجع عزيزة بخوف.
عائشة: شاطرة، خافي مني بقى عشان ما أخليها ألوان طبيعية زي ما أخوك عمل في بنتي، أتمنى أكون كسرت لك ضلع، جايز يبقى عندك دم وتحس باللي بتعمله في بنت يتيمة، ويا رب يكون فيه شرخ في ركبتك، مع إن فيه فرق كبير بين وزني على جسمك ووزنك وقوتك على جسم بنتي.
كان محمد قد جري على أخيه ليساعده على النهوض، لكن مصطفى كان يضع وجهه بالأرض ويبكي بصمت، فقد أوجعته رقية بذلك الجسم الضعيف، ولم يقو على رفع عينه بها.
عائشة لعمر: إنت ما تجيش عندي غير لما تحس إنك مش عيل وهتكون مسؤول، غير كده مش عاوزة أشوف وشك وتفور لي دمي.
مشت عائشة وفتحت الباب لتجد محمود وتتجه إلى السيارة.
في البيت الكبير.
كانت انتصار والحاجة وعزيزة وكأن على رؤوسهم الطير ينظرون لمصطفى بحيرة ولا يتحركون، بينما محمد يحاول مع أخيه ليساعده على النهوض، ومصطفى بجسمه الضخم لا يتحرك بل يبكي.
محمد: إنت يا زفت تعالي ساعدني نقوم عمك، ولا شوف نعمل إيه عشان يقوم، إنت مش في طب؟
لينتبه عبد الله ويقول: شوفت خالتي رقية دي ما مش عائشة خلاص، دي قلبت على محمد على كلاي، يا لهوووواااااي! دي طارت في الهوا، يحي متر ونصف ونزلت بكوعها على صدر عمي، الوجع جامد، ولا وزنها خفيف ومجراش ليك حاجة يا عمي؟
الحاجة: إنت لازم تطلقها يا مصطفى، يعني إيه ست تضرب راجل؟ نهار أسود! الحمد لله الباب كان مقفول.
عبد الله: كان مقفول صح، بس عمي صرخ كذا مرة، كل صرخة وصرخة زمان البلد كلها سمعته.
محمد: اقفل بؤك ده، إنت عاوز تشلنا كلنا؟ إكتم خالص وشوف هنعمل إيه؟
عبد الله: أنا كمشروع دكتور لسه هتخرج إن شاء الله، بقول نطلب الإسعاف، جايز يكون فيه كسور، خصوصًا إن عمي لسه بيعيط ومش عارف يقوم، لينظر إليه محمد بغضب فيجري عبد الله بسرعة من أمامه ويطلب الإسعاف لعمه.
في السيارة.
بكت عائشة بقهر.
محمود: خلاص يا ست عائشة، أخذتي حقك وزيادة، أنا ما تخيلتش إنك تعملي كده، ده مش هيكون له وش يبص في وش أهله.
عائشة: هو أنا ببكي عشان هو؟
محمود: طب بتبكي ليه؟
عائشة: الحيطة اللي متجوزاه ده ناشف وصلب قوي، حاسة كوعي انكسر، بس ما أقدرتش أتوجع قدامهم يفرحوا فيا، أنا إيدي وجعاني قوي، اهههه اههههة، أنا عاوزة دكتور يشوف إيدي.
لينظر لها محمود ويضحك بقوة ثم يقول: لا لا قولي كلام غير ده، كسرتي إيدك؟ طب كده عاوزين حد يساعدكم إنت ونهر.
عائشة: سيد محمود من فضلك شوف لي أي دكتور، إيدي مش قادرة بيها، أنا حسيت إني دخلت في حيطة.
محمود: طبعًا راجل ريفي مش بيفطر إلا بيض ولبن، وزي ما عرفت بيهتم بالأكل جدًا، لازم صحته تكون مساعدة، غير إن حضرتك بتهتمي تعملي ديما عصائر فرش بيتي.
عائشة: اومال لما بهتم بالعصائر الفرش مال صحتي في النازل ليه؟ من يوم ما صحيت في المستشفى وحاسة جسمي ضعيف وخاملة، ده لولا شوية الأيام اللي في تركيا كنت باكل كويس وبتمرن كويس، كان زماني بمشي زحف.
محمود: طيب هنروح مستشفى حالا نشوف إيدك جرا لها إيه، ممكن أكلم نهر أفرحها إنك راجعة ليها؟
عائشة: لا عاوزة أشوف رد فعلها، مش عاوزاها مستعدة، عاوزة أشوف عائشة إزاي، فين البيت اللي هي فيه بس، وديني بسرعة المستشفى.
ليرن تلفون عائشة وتمسكه بيدها غير المصابة وتتكلم بتعب بالتركي.
عائشة: أيوة إيمري خير، لسه ما نمتش ليه؟
إيمري: عاوز أطمن، حسيت إني غلطت، كان لازم أنزل معاك.
عائشة: ليه يعني؟ إنت ليك شغلك وبنتك، وما تنساش أنا ولا شيء بالنسبة لك أو حالة إنت بتساعدها.
إيمري: مش هجادل معاك، عائشة، مال صوتك تعبان ليه؟ وقابلتي جوزك؟
عائشة: قابلت القبيلة كلها ما عدا نهر لسه.
إيمري: القبيلة اللي هما مين؟
عائشة: عمر وجوزي وأهله، أصله في بيت أهله.
إيمري: المقابلة انتهت على إيه؟
عائشة: اتخانقت معاه هو واخته وأمه، وضربته، بس مش عارفة الضرب أثرت فيه ولا لأ، كان بيبكي ووشه في الأرض، لكن أنا كمان إيدي وجعاني قوي، غالبًا كسرت إيدي، مش عارفة سيد محمود هيوصلني للمستشفى أشوف.
إيمري: إنت مجنونة عائشة! تغامري بنفسك ليه؟ مش معاكي صاعق؟
عائشة بإنفعال: استخدمته بس لما عرفت إنه اعتدى على نهر وكسر لها ضلع وشرخ في رجليها، وأنها مش قادرة تتحرك، ما قدرتش غير إني أذوقه من نفس الكاس، بس هو جسمه ضخم وقوي، كوعي اتأثر، بص أنا مش عارفة بحكي لك ليه، بس أنا جوايا نار وعاوزة أطلعها، إيمري أنا اتخذتك أخ وصديق، أرجوك ما فيش حاجة من دي توصل لنديم أو أي حد من أهلي، عاوزة هدنة لعقلي أفكر وأعرف هعمل إيه.
إيمري وهو يحاول أن يغير مجرى الحديث: بقولك عائشة، ما فيش فيديو أتفرج عليه؟ عملتي إيه في جوزك؟ عاوز أتفرج.
عائشة: تعرف إنك رايق، اقفل إيمري، أنا غلطانة، أنا عارفة إنك هتشلني وبرضه بتكلم معاك.
إيمري: خلي بالك من نفسك ونهر، وأهدي على البنت دي بسكوتة زي سينام، باي يا أوزعة.
عائشة بغضب: يخربيت غلاستك! بس جدع وواقف جنبي أنا وبنتي.
وصلت عائشة ومحمود المستشفى وعملت أشعة والحمد لله طلع مجرد شرخ في عظمة الساعد مع تمزق خفيف في مفاصل الكوع، أخذت حقنة مسكن مع بعض الأدوية وركبت دعامة بلاستيكية يمكن فكها عندما تريد، عند خروجها من المستشفى رأت عربة إسعاف يخرج منها مصطفى ومحمد أخوه وعبد الله، فاختبأت وراء محمود وهي تقول: إيه جابهم هنا دول؟ ولا ما فيش غير مستشفى واحد هنا؟ لينظر محمود ويرآهم.
محمود: بتستخبي ورايا ليه ست رقية؟
عائشة: عشان ما يشوفنيش كده ويفرحوا فيا، هما يعرفوك؟
محمود: أيوة، عارفيني.
عائشة بعيظ: يا رب ما يجوا يسلموا، ما فيش باب تاني نخرج منه؟
محمود أعطى ظهره لهم وغطى على عائشة إلى أن جاوزهم فلم يراهم محمد ومصطفى، أما عبد الله فكان غير مهتم بعمه ورائهم ودخل مع أبوه وعمه المستشفى.
عبد الله: أباه دقيقة وجاي، هشوف حاجة بسرعة وجاي. لم يمهل أبيه الرد وجرى من أمامه.
ليصل إليهم بسرعة يفاجئهم.
عبد الله: سلامتك يا خالتي (وغمز بعينه) وتسلم إيدك.
عائشة: روح لعمك يا ..... اسمك إيه؟
عبد الله: اسمي عبد الله، وما تخافيش مش هقول لحد إنك أذيتي نفسك.
عائشة: والمقابل إيه؟ أصلي ما بثقش في العيلة دي؟
عبد الله: هبقى أطمن عليك بعدين، وحقك والله ما تثقيش بحد، سلام ومشي.
عائشة: كويس، الولد ده سيد محمود ولا زي أهله؟
محمود: حد علمي هو وعلى أخوه وأمه لهم معزة عندك، وهو وأمه اللي خدموا نهر في تعبها، هتعرفي كل شيء شوية شوية.
عائشة: طب يلا على نهر، وأسفة بتعبك معايا.
في الطريق.
ممكن تحكي لي عن أمجد بيه وأنا أعرفه منين لو تعرف طبعًا.
محمود: كان مديرك في الأقصر وأبوه كان أحد المساهمين في الفندق، واتقدم لك وحضرتك رفضتي لأنك كنتي بتحبي أبو نهر.
عائشة: بتتكلم جد؟ هي إيه حكاية رقية دي؟ اللي فهمته أمجد بيك محترم جدًا وله أهل كتير، هي ليه حبت أبو نهر؟ كان المفروض تتحامى في الأهل عشان ما تكونش لوحدها، حد علمي زوجي الأول ملوش حد.
محمود: القلب وما يريد.
عائشة: هو فعلاً التفسير الوحيد إني حبيته، لكن ليه أمجد بيك لسه له علاقة بيا أنا وبنتي؟
محمود: حوار طويل، اسألي نهر، عندها إجابات لكل شيء، اللي عندي قلته.
عائشة: شكرًا ليك ولتعبك سيد محمود.
يا ترى إيه هيحصل بين عائشة ونهر، وهل هتقدر عائشة تعاقب نهر على كذبها عليه، ولا هتغير رأيها؟
هنشوف.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل التاسع 9 - بقلم رينا الهادي
أوصل محمود عائشة إلى بيت نهر.
محمود: هو دا بيت نهر، اتفضلي ندخل وهدخل لك الشنط.
عائشة: دا البيت دور واحد، باين عليه صغير، هي عايشة لوحدها دلوقتي ولا معاها حد؟
محمود: فيه لها صاحبتين بيجوا كل يوم، واحدة بتبات معاها بعد ما أم علي سابتها وروحت بيتها. وأم علي بتكون زوجة أخو جوزك، أكيد شوفتيها في البيت هناك.
عائشة: هي غالبًا اللي قالت لي إن نهر مش بتعرف تتحرك، طب يلا نشوف الوضع إيه، واشرب شاي معانا.
محمود: لا شكرًا، عندي شغل والأولاد قربوا يخرجوا من المدرسة، فاعذريني.
عائشة: آسفة إني تعبتك معايا وشكرًا جدًا، والفلوس دي عندي.
محمود: ما تقوليش كده يا ست رقية، أنا بعتبرك أخت.
خبط على البوابة ليجدها مفتوحة فيدخل بحذر.
محمود: غريبة، ليه البوابة مفتوحة؟
لتخرج أم إبراهيم وهي تتعكز على الحائط وتقول: مين جاي الساعة دي؟ دا يا دوب الظهر أذن؟
محمود: أهلاً ست أم إبراهيم، استغربت البوابة مفتوحة.
أم إبراهيم: جيت أقعد مع نهر شوية ناخد بحس بعض، افتكرتك حد من صحباتها، مين القمر دي مراتك؟ ريحتك حلوة قوي، حاطة إيه؟
محمود بضحك: ما عرفتهاش يا ست الكل، دي رقية بس لسة مش فاكرة حاجة.
أم إبراهيم: العتب على النظر يا ابني، نظري بقى شيش بيش، بس إيه ده؟ إنت قلعتي الطرحة يارقية؟ لا يا بنتي عيب، ما يصحش، وكمان لونتي شعرك.
عائشة: مين الخالة؟ صفتها إيه يا سيد محمود؟
أم إبراهيم: أنا جارتكم وكنت معاك في كل ضيقة ليكي من أول ولادة نهر لغاية دلوقتي، بس إيه جابك؟ نهر قالت لقيتي أهلك؟ إيه جابك للهم ده؟ لو أبو طويلة عرف هيجي يجرك من شعرك الملون الحلو ده.
محمود: قصدها على مصطفى جوزك، معلش أنا هحط الشنط في المضيفة ولازم أمشي، إنتِ تتعاملي ولو حصل أي مشكلة معاكِ رقمي.
عائشة: تمام سيد محمود، شكراً. والتفتت لأم إبراهيم: تعالي يا خالتي لو تحبي إشربي معايا شاي.
أم إبراهيم: لأ، ما دام جيتي أنا هروح أقيل شوية وأبقى آجي بالليل إن قدرت. بقولك، نهر في أوضتها على اليمين الباب الثاني، روحي فرحيها وما تخلصيش الريحة دي، أنا حبيتها، ألقي آخد منها شوية وأنا رايحة الفرح كمان أسبوعين.
عائشة باستغراب: ريحة إيه؟
أم إبراهيم: العطر اللي حطاه ده، ريحته حلوة.
عائشة: هو أنا مش كنت بحط برفيم؟
أم إبراهيم: الحق لله، ديما نظيفة يا بنتي زي نهر، بس كبيركم صابونة بريحة. بصي أنا همشي وإنتِ اقفلي البوابة من جوه، ساعة ولا اتنين وهتلاقي أنهار أو رانيا جايين، سلام بقى.
عائشة: إيه صابون بريحة دي كمان؟
خرج محمود من الداخل مع خروج أم إبراهيم.
محمود: خلاص الشنط كلها في المضيفة، سلام أنا.
عائشة: معلش يعني، إيه صابون بريحة؟
محمود بابتسامة: صابون استحمام، بيفرق عن صابون غسيل الأطباق بأن له ريحة، بيسموه كده هنا. هتحتاجي حاجة قبل ما أمشي؟
عائشة: لا شكرًا.
ذهبت عائشة للمضيفة، فتحت شنطة لها بصعوبة وأخرجت كروكس بدلًا من حذائها الرياضي، ومشيت في الطرقة للباب الغرفة الثانية مفتوح الباب.
لتقول نهر: كل ده يا تيتة؟ مين جة؟ بترغي معاه كل ده؟
لتقف عائشة على الباب وتقول: مش وحشة الأوضة؟ هتتحبسي فيها الأسبوعين الجايين.
لتلتفت إليها نهر وتقول: آنة! إنتِ حقيقة ولا تهيؤات؟
(وتحاول أن تقوم فتقع العصا، فتحاول أن تلتقطها لكنها تفلت ولا تستطيع أن تأخذها).
اتنظرت إليها عائشة نظرة عتاب وتقول: مش هوطي وأساعد واحدة بتكذب على أمها، مش كده يا صاحبتي؟
نهر: حضرتك رجعت لك الذاكرة ولا إيه؟
عائشة: خمّني؟
نهر بعد أن جلست كما قبل على كرسي مكتبها: ما رجعتش طبعًا، روووقة مش بتزعل مني، رووقة بتاخدني في حضنها من غير تفكير. وآه بالنسبة للعقاب، أنا كده كده محبوسة في الأوضة زي ما إنتِ شايفة كده، ومش أسبوعين غالبًا أكثر. المهم، مال دراعك؟ سلامتك ليه عليا الداعمة دي؟
عائشة: شرخ في الساعد وتمزق في الكوع.
نهر بابتسامة: سلامتك آنة، بس ليه؟
عائشة: عدم حسن تقدير مني، دخلت في حيطة ومعرفتش أوقعها.
نهر: ليه تدخلي في حيطة؟ قصدك ما شفتهاش؟ كنتِ مستعجلة وبتجري؟ فدخلتي فيها؟
عائشة: مش دورك تسألي، وفكريني بعد ما تخفي أحبسك في الأوضة علشان تفكري ألف مرة قبل ما تكذبي عليا.
نهر: طب ليه رجعتي لما لقيتي أهلك؟ ومين قالك إني بنتك؟ ومين وصلك هنا؟
عائشة: مش هريحك ومش هجاوبك على حاجة، عارفة ليه؟ علشان إنتِ مش صحبتي وكذابة.
نهر: بصي، رغم إنك هادية، بس أنا عارفة إن نفسك تاخديني في حضنك، فتعالي ما تتكسفيش، أصلي مش قادرة آجي ليكِ.
عائشة: عاوزة أنام شوية، لأن ساعة أو اتنين ودراعي هيخلص من المسكن، أنام فين؟
نهر: هنا أو في أوضتك اللي جنب دي، زي ما تحبي، بس أوضتك ما دخلتهاش من أكتر من أسبوعين، فمش عارفة كويسة ولا لأ.
عائشة: أكتر من أسبوعين؟ أكيد مش نضيفة، هنا فيه تراب كتير، أوك، كملي مذاكرتك وهاتي التليفون ده.
نهر: التليفون ليه طيب؟
عائشة: علشان تركزي في دراستك، ومش هنام هنا، هاخد غطا بس.
نهر: اتفضلي التليفون، وفيه في أوضتك غطيان على فكرة.
ومدت يدها بالتليفون، عندما مدت عائشة يدها أمسكت نهر يدها وقالت: وحشتني أوي آنة، الحمد لله إنك بخير، بغض النظر عن إيدك، لكن فرحت إني شفتك.
خطفت عائشة الموبيل منها وقالت: برضو مش مسامحاكِ على لعبك بيا وإنك تتفقي مع سينام عليا.
نهر بتعجب: سيناااام! قولتيلي، أنا عارفة إنها هتعترف من أول بصة منك ليها.
عائشة: لا، أنا سمعتها وهي بتكلمك، بس بعد كده واجهتها وحذرتها إنها تتصل بيكِ.
نهر: فهمت، وأنا كما ما رضيتش أتصل بها لتعرف إني تعبانة وتقلق، كان لازم ألاحظ إنه وضع مش طبيعي، كل ده ما اتصلتش بيا؟ مش زعلانة منها لأني عارفة هي قد إيه متعلقة بيكِ وما تقدرش تزعلك.
عائشة: رايحة أنام، مش عاوزة إزعاج.
نهر: حاضر آنة.
اتجهت عائشة إلى نهر وانحنت ورفعت العكاز من الأرض ووضعته بجانب نهر مع ابتسامة نهر الشاكرة لأمها. نظرت لها عائشة بغضب: ده بس مساعدة مريض، أوك.
مشت عائشة باتجاه المضيفة لأنها قررت أن تنام بها وهي تقول: إيه ده بقي؟ ليه مشتاقة كده عليها؟ باين عليا هعاقب نفسي، مش هعاقبها الحمارة دي، ريحتها جننتني خليتني عاوزة أحضنها بجد، يا ترى ممكن يكون ده الصابون بريحة ولا ده قلب الأم؟
دخلت ونامت على كنبة في المضيفة فقد كانت متعبة. بعد حوالي ساعة ونصف كان هناك من يدق بشدة على البوابة الخارجية. انتبهت عائشة لتقف وتقول: إيه الإزعاج ده؟ هو أنا مش هعرف أنام ولا إيه؟
ذهبت ووقفت أمام البوابة ولم تفتحها. ليظهر من يقف من الجهتين لتجد أمامها فتاتين.
عائشة: نعم، مين أنتم كمان؟
أنهار: إنتي اللي مين؟ إحنا زملاء نهر.
رانيا: هي نهر تعرف حد نضيف قوي كده؟ ده إنتي مزة.
أنهار: كل اللي تعرفهم نهر ناس نظيفة بس مش بالجمال ده، صراحة ما عدا خالتي رقية قمر.
رانيا بانتباه: خالتي رقية؟ إنتِ خالتي رقية صح؟ بس شيلتي الطرح و صبغتي شعرك، والله ما صدقتش البت نهر لما قالت إنك هتيجي، دي ما نيمتنيش إمبارح، قلت أضغاث أحلام.
عائشة: نهر كانت عارفة إني جاية؟ مين قالها؟
رانيا: عمي أحمد قالها، حتى قالها تستحملك عشان إنتِ زعلانة منها.
عائشة: مين أحمد ده كمان وعرف منين؟
رانيا: أوبا... كده يا خالتي عمو آآآااحمد! أبو نهر جالها في الحلم بالليل.
عائشة: آآآه، المرحوم معرفوش، بس يالاه الله يرحمه بقي. وإنتم مع السلامة، عاوزة أكمل نومي و... ما تجوش النهاردة تاني.
ومشيت.
أنهار ورانيا بصوا لبعض.
أنهار: إحنا اتطردنا، ومن على البوابة دي حتى ما فتحتش البوابة.
رانيا: طلعت علينا العرق التركي، الله يكون في عونها نهر، شكلها مش طايقة نفسها حتى، يلا نروح ونبقى نيجي بكرة أو بالليل نعمل إننا هنذاكر معاها.
أنهار: بتقولك هتنام و قافلة البوابة، نهر لو عازت حاجة هتعمل إيه؟ دي بتروح الحمام بالعافية.
رانيا: وإحنا هنعمل إيه؟ ما زي ما إنتِ شايفة، ما تخافيش، هي في الآخر أم وربنا يستر بقى.
مشيت كل واحدة على بيتها.
اتصل عبد الله بعلي أخوه ليحكي له ما حدث، وقرر علي أن يزور نهر وأمها ليلاً، لكن اتصل كي يخبرهم.
علي اتصل برقم نهر لأنه لا يعرف رقم أمها الحالي.
لتأتفف وتقوم من نومها وترد على التليفون ولم تنتبه أنه موبايل نهر.
عائشة: أيوة مين؟
علي: إزيك يا خالتي؟ أنا علي.
نظرت للموبيل وانتبهت أنه لنهر.
عائشة: أيوة، عاوز إيه يا علي؟
علي: كنت عاوز آجي لكم النهاردة وأطمئن عليكم، ممكن؟
عائشة: لأ مش ممكن، أنا عاوزة أنام واليوم أوف يعني راحة، أوك.
علي: مش هعطلكم، هي خمس دقائق بس أطمن عليكم.
عائشة: قلت لأ ومش عاوزة كلام كتير.
علي: طيب، حمدًا لله على سلامة حضرتك، هاجي بكرة إن شاء الله المغرب، سلام يا خالتي.
أغلق الخط قبل أن تجيبه لأنه خاف أن ترفض مجيئه غدًا.
عائشة: إيه الرخم ده؛ طب آدي التليفون.
وأغلقت وعادت تنام. ما هي إلا نصف ساعة حتى قامت من النوم بتعب في يدها.
ذهبت إلى غرفة نهر.
نهر: مساء الخير آنة، حضرتك عاوزة حاجة؟
عائشة: عاوزة آخد الدوا ومش عارفة من إيدي أفتحه، وليا حقنة مش عارفة مين ممكن يعطيها لي، وجعانة جدًا. هنعمل إيه؟
نهر بابتسامة: بصي، أنا إيدي سليمة، هديكِ الحقنة والدواء، أما الأكل فأنا كمان جعانة جدًا، تيزة انتصار عاملة أكل كتير في الثلاجة، هنسخن منه.
عائشة: إنتِ بتعرفي تدي حقن؟
نهر: طبعًا بعرف، ده أنا لغاية دلوقتي ناس بتطلبني أديلها حقن، بيقولوا إيدي خفيفة، وكنت بأديكِ كمان لما تتعبي.
عائشة وهي تعطيها كيس الأدوية: مين علمك؟
نهر: اشتغلت فترة في صيدلية وتعلمت هناك.
عائشة: بمناسبة الشغل، إنتِ مش هتشتغلي تاني، إنتِ ملزمة مني على الأقل في الدراسة، شغلتك مذاكرتك وتفوقك علشان هتتحاسبي عليهم آخر السنة.
التقطت منها الكيس وأخرجت الأدوية والحقن.
نهر: تاخدي الحقنة الأول وبعدين تأكلي، والأدوية بعد الأكل، ده بس قبل الأكل، ماشي.
عائشة: ماشي يا دكتورة، أعتقد إنك عاوزة تكوني طبيبة صح؟
نهر: كنت من وأنا صغيرة، كان حلمي أكون وأساعد الأطفال بالذات، بس غيرت حلمي من شهور وبقيت عاوزة أكون مهندسة.
عائشة باستغراب: ليه مهندسة؟ ما دام طول عمرك نفسك بطبيبة؟
نهر وقد ملأت الحقنة: انبهرت صراحة بحاجات معمارية، جدو عبد العزيز، بابا، عمو أمجد حببوني في الآثار الفرعونية والرومانية، وحتى الإغريقية والإسلامية، وقرأت كتير فيهم وحبيت المجال ده، ده غير المباني الحديثة اللي شفتها في شرم والقاهرة ومباني سيوة، وأنا أصلاً عاشقة للأشكال الهندسية والهندسة، وكمان الكمبيوتر، فلسة ما قررتش عمارة ولا أنافسك وأدخل كمبيوتر ساينس.
عائشة: لا منافسة إيه؟ أنا كنت طالبة صحيح، كنت مجتهدة، لكن ما اشتغلتش والدنيا اتغيرت، دي سينام فتحت لي دنيا جديدة على الموبيل وعرفتني حاجات كتير، وإيمري كمان عرفني شوية برامج، مش عارفة لسة هتدرب عليهم.
نهر: زي إيه البرامج دي؟
عائشة: زي أوفيس وبور بوينت وورد، وإزاي أفتح النت وأدور على معلومة أو أبعت ميل أو حتى أكلم حد أون لاين.
نهر: دي كلها حاجات بسيطة، لو قابلتك حاجة مش عرفاها اسأليني وهجاوبك بإذن الله.
عائشة: بتتكلمي جد؟
نهر: جد الجد كمان، أنا اشتغلت في سايبر في البلد اللي جنبنا، وكمان محل لتصليح الموبيلات والكمبيوتر واللاب، أعرف مبادئ كتير في الهارد والسوفت وير.
عائشة: تمام، لما ناكل وتخلصي مذاكرة ابقي أستفيد من خبراتك.
نهر: أوك، أنا كلي تحت أمرك.
أعطتها الحقنة واستغربت رقية من خفة يدها وساعدتها في النهوض والوصول للمطبخ. أخرجت نهر بعض الأشياء من الثلاجة وبدأت بتسخينهم.
نهر: بصي، مش هنقدر ناخد الأكل ونروح بيه الترابيزة، هناكل هنا، إيه رأيك؟
عائشة: المهم ناكل هنا، لكن المطبخ ده ضيق قوي، هنقعد فين؟
نهر: فيه كرسي أهو نقعد عليه ونأكل على رخامة المطبخ، ما تخافيش، إحنا الاتنين رفعين هنعرف نقعد.
ساعدت نهر أمها في الأكل لأن يدها اليمنى لم تمكنها من الأكل، وأعجب رقية من حنية نهر عليها ومساعدتها.
أكلوا، ونهر عملت الشاي وشربوا الشاي وخرجوا من المطبخ.
عائشة: مش هنغسل الأطباق؟
نهر: لا، رانيا أو أنهار هيغسلوهم، مش هنعرف نقف على الحوض، أكيد هييجوا بالليل.
عائشة: أنا تقريبًا طردتهم، كنت عاوزة أنام.
نهر: هييجوا أكيد بالليل، نذاكر مع بعض عربي ودين، كده كده المنهج عندنا واحد، فيهم؟
عائشة: هنشوف. روحي إنتِ أوضتك وأنا هحاول أريح شوية.
عندما أتت أنهار ورانيا ليلاً أدخلتهم عائشة مع التنبيه عليهم أن لا يضيعوا وقتهم بالكلام ويذاكروا جيدًا. كما أن أنهار أتت ومعها بعض الفطير والجبن الطازج وطلبت منها عائشة وضعه بالمطبخ.
وجاءت أيضًا أم إبراهيم وجلست مع عائشة ساعتين لم تتوقف خلالهما عن الحديث، وكانت تستمع إليها باستغراب من هذه السيدة التي لم تدع لها أي فرصة للكلام.
بعد فترة طلبت نهر من رانيا الخروج وشراء بعض الزبادي والعيش، فأمها لا تحب العشاء الثقيل والعيش أيضًا نفذ من البيت ويجب وجود العيش صباحًا. وخرجت، وعندما أتت رأت عائشة ما أحضرت، فاخبرتها رانيا أن نهر طلبت منها ذلك لحب عائشة للزبادي ليلاً، وابتسمت عائشة لها بحب وشكرتها، وأعجبها اهتمام نهر بما تحب، فهي ترى الاهتمام من ابنتها وترى في عينيها حبها الشديد لها وعدم اعتراضها على أي شيء تقوله لها عائشة، بل إنها دائمة الابتسامة في وجه أمها رغم تهديد عائشة المستمر لها بالعقاب. تذكرت سينام أيضًا وحبها لها وتبسمت وقالت: الظاهر إن رقية عرفت تربي نهر وسينام، بس فشلت في تربية عمر أكيد لأن مصطفى دخل في تربيته.
انتهت كل من أنهار ورانيا من المذاكرة مع نهر وخرجوا.
دخلت عائشة إلى نهر حجرتها ومعها كيس به زبادي وموزتين وبرتقالتين.
عائشة: بصي، مش عرفت أجيب صينية الأكل، فجبت دول، لو جوعتي ممكن تروحي المطبخ تعملي حاجة تاكليها، وأنا هاكل معاك.
نهر وهي تنظر إلى ما تضع رقية على مكتبها: عمرك ما سمحتي نأكل في أوضة النوم.
عائشة: كل شيء له مرة أولى يتعمل فيها، وإحنا الاتنين مرضى، يبقي ليه لأ؛ إحنا حتى مش عارفين نودي الأكل على الترابيزة، وأكلنا في المطبخ، وبعدين زبادي وفاكهة مش أطباق، كلي كلي.
نهر بابتسامة: أوك آنة، كويس إنك جبتي معلقتين معاك، وكده كده إحنا دائمًا بنتعشى خفيف.
عائشة: بقولك إيه، إنتِ فاضية تقعدي تتكلمي معايا شوية ولا عندك مذاكرة؟
نهر: لا، خلصت مذاكرة ومش عاوزة أنام، فتفضلي.
عائشة: إنتِ مش بتروحي المدرسة زي زميلاتك ليه؟
نهر: هنا المدرسة الثانوي في بلد جنبنا بيفصلها عننا ترعة صغيرة، من هنا للمدرسة من ربع لتلت ساعة مشي، وفي حالتي مش قادرة أمشي، صدري ورجلي ما يسمحوش أمشي المسافة دي.
أخذت نهر الزبادي وفتحت وأعطت واحدة لأمها ثم أخذت واحدة لها وهي تتكلم.
عائشة: فهمت، طيب إنتِ بتحبي قعدة البيت ولا عاوزة تروحي المدرسة؟ خلي بالك لو روحتي أكيد هتتعبي شوية.
نهر: مش بحب قعدة البيت، لكن لو هتكوني معايا في البيت يبقى أكيد هحب البيت.
عائشة: أنا أكيد مش هقعد معاكِ وقت طويل لأني هتعلم وأشتغل شوية كتير.
نهر: أنا متعودة على وجودي برة البيت فترات طويلة لأني كنت بشتغل من وأنا ست سنين، لكن حضرتك وحشاني جدًا، فأحب أقعد معاكِ، وبعدين أنا مش بدلع، أنا فعلًا مش قادرة أمشي.
عائشة: ممكن تحكي لي عن كل حاجة حصلت من ساعة ما ودعتيني في المطار، وليه مصطفى اتجنن وضربك على حد علمي؟ كنتِ استقريتي هنا أكتر من أسبوع.
حكت لها نهر كل ما حدث.
أفهم من كلامك إن انتصار وعبد الله وعلي أكتر ناس هنا بتثقي فيهم، غير طبعًا جدك عبد العزيز وأمجد بيك والسيد محمود.
نهر: أيوه، وحضرتك بتعتبري تيزة انتصار زي أختك، وبتعزي علي وعبد الله قوي.
عائشة: خلاص اتكلمنا وحكينا، حاولي تنامي، يلا أنا هعمل كام مكالمة وأنام.
نهر: لسة بدري، الساعة يا دوب تمانية.
عائشة: هعمل المكالمات وأشوف هنعمل إيه.
نهر بفرحة: هتنامي معايا زي زمان؟
عائشة: سريرك ضيق، مش هنرتاح مع بعض، وبعدين مش بحب أنام جنب حد.
نهر: ما كنتِ بتيجي لك نوم من غيري.
عائشة: دي رقية مش أنا، حاولي تفهمي، أنا غير.
خرجت من الغرفة واتجهت للمضيفة وأخذت تليفون نهر واتصلت برقم علي.
علي: الوة، نهر عاملة إيه؟ كنت عاوز أطمن عليك بس خالتي رقية قالت لأ. إنتِ كويسة؟
عائشة: إنت مش ملاحظ إنك لما اتصلت أنا اللي رديت عليك مش نهر؟ التليفون مسحوب من نهر. المهم عاوزاك تعملي خدمة.
علي: اؤمري يا خالتي.
عائشة: أولًا تقول لي مدام عائشة، أنا لسة بتعرف عليك وبلاش خالتي رقية؛ ثانيًا عرفت من نهر إنك دكتور وعندك عربية، فأنا هحتاج منك حاجة، لكن لازم قبل ما أقول إيه هي تعرف إني هدفع تمنها، أوك.
علي: بعد اللي عرفته من عبد الله عن زيارتك واللي عملتيه مع عمي، هقول حاضر، اتفضلي قولي.
عائشة: محتاجة كرسي متحرك يكون سهل الحركة وخفيف وعجل قوي، مش إلكتروني ولا بيمشي بالريموت زي ما شوفت في النت، لأن ده غالي ومش هنستفاد منه. أهم شيء خفيف وسهل الحركة، وقبل ما تسأل ليه هقولك عشان مش حمل رغي كتير، لأني قررت نهر تقعد عليه وأوديها المدرسة، منها تستفيد من شرح المدرسين وتسأل لو مش فاهمة حاجة، وكمان تغير جو وتشوف أصحابها.
علي: تمام حاضر، بس أنا دلوقتي في العيادة في البلد وفي مرضي، وعلى ما أخلصهم وأروح طنطا مش عارف هلاقي حد فاتح أو لأ.
عائشة: تمام، تجيبه بكرة، ولما تيجي هاتوه معاك، وزي ما اتفقت معاك هاخد تمنه. وبالمناسبة هات معاك أخوك وأمك لو عاوزين يجوا، عشان مش هسمح بزيارات كل شوية، هيكون يوم الجمعة بس، وبكرة عرض خاص للزيارة، وبلاش تجيب حد تاني، فاهم؟ مش هستقبل حد تاني عشان ما يحصلش إحراج لحد فينا، فاهم ولا ما أعتمدش عليك؟
علي: فاهم يا خالتي، آسف يا مدام عائشة، حاضر.
عائشة: تمام، شكراً يا دكتور، سلام.
علي: سلام، ولو سمحتي بلغي سلامي لنهر بعد إذنك يعني.
عائشة: أوك.
وأغلقت الهاتف وهي تقول: إيه حكايته ده كمان؟ داهية ليكون معجب بيها؟ لا عائشة معجب إيه ده كبير عليها، أعتقد ممكن يكون متجوز كمان أو خاطب، أكيد بيعتبرها زي أخته.
التقطت موبايلها واتصلت بايمري. وفتح الخط.
ايمري: مساء الخير يا أوزعة.
عائشة: تصدق أنا ممكن أقفل السكة في وشك دلوقتي.
ايمري: لأ خلاص، ده أنا عاوز أطمن عليكم إنتِ ونهر، شفتيها؟
عائشة: أيوة، المسكينة وشها باين عليه الضرب لسة، مع أن عدى أكتر من أسبوع، ولسة واجعها رجلها وصدرها.
ايمري: أفهم من كده إنك عفوت عنها ومش هتعاقبيها؟
عائشة: لأ طبعًا، اللي يغلط يتعاقب، بس أجلت العقاب على ما تسترد صحتها. حقيقي إيمري، بقاوم ما آخدهاش في حضني، بس عاملة فيها فيروزة هانم أمي وماسكة أعصابي بالعافية.
ايمري: ده غلط عائشة، البنت محتاجة لك دلوقتي، بما إنك قلتي متبهدلة والحيوان جوزك افتري عليها، صدقيني هتندمي.
عائشة: لأ إيمري، لازم تفهمي إن ما ينفعش تكذب على أمها مهما حصل، أنا غير، أنا ما ليش غيرها وهي مالهاش غيري، لازم يكون في ثقة بينا.
ايمري: كانت بتحاول تحميكي على حساب نفسها، وبعدين إنتِ ليكِ ابن ولا نسيتي وتركْتيه وجيتي هنا وإنتِ عارفة إن ليكِ ابن.
عائشة: لو جرالها حاجة وأنا عرفت بعدين إنها بنتي تعرف تقولي ساعتها، شعوري كان هيبقى إيه؟ وبعدين ابني ليه أهل يعني كان في حماية. إيمري أرجوك، مجرد الكلام في الموضوع بيتعبني. المهم إنت سافرت أنقرة ولا لسة في اسطنبول؟
ايمري: لا، نديم طلب مني لقاء معاه وأنا حددت بكرة فهقابله بكرة، وما قلتش عاوزني في إيه.
عائشة: مش محتاجة تفكير، هيسألك عني، عرفتني إزاي وهيحاول يعرف معلومات عني. إيمري، أنا وثقت فيكِ وهو أعطاني مهلة شهر، أرجوك بلاش تخليني أندم. وآه، نهر طلع عندها فكرة عن البرامج والنت وهتعلمني شوية حاجات فيها، يعني قريبًا هبدأ أشتغل وتبعث لي شغل ولا غيرت رأيك؟
ايمري: لأ ما غيرتش رأيي، وعلى فكرة أنا ما حاولت أتصل، قلت ترتاحي وتقعدي براحتك مع بنتك.
عائشة: تصدق عاوزة تطلع مهندسة، البت مصممة تحط الماضي قدام عيني. لأ وإيه؟ بتفكر في هندسة معمارية زي بابا ونديم، تصدق؟
ليضحك ايمري وهو يقول: تخيلي كده نهر بتدرب أو تشتغل تحت إيد برهان أغا وفيروزة هانم.
عائشة: فيروزة هانم قسم إنشائي مش معماري؛ ووالدي ممكن يدربها ويعلمها بهدوء ولطف، لكن أمي عصبية، مش عارفة. إيمري، مش حابة أظهر في حياتهم دلوقتي خالص، عاوزة أفهم الأول الدنيا هنا ماشية إزاي وبعدين أقرر أعمل إيه.
ايمري: العمر قصير يا عائشة وبيمر بسرعة، أحسن تدفي بحضن عيلتك وتتحامي فيهم مش تبعدي.
عائشة: لو مش واخد بالك هما خلاص نسوا حد اسمه عائشة وبقى عندهم أحفاد بيجهزوا لهم مكانهم في الشركة، لكن مجرد ظهوري هيعمل مشاكل لهم في كل شيء، ثم أفضل أعيش حاليًا مع بنتي وابني اللي بإذن الله هيرجع لي، بدل ما أعيش والكل يحاسب عليا أنفاسي، ولا مش واخد بالك إن العلاقة هتبقى مش طبيعية مع عمران ونديم وكمان ولادهم اللي أكيد هيحسوا إن لهم شركاء في عرش برهان أغا. إيمري اقفل من فضلك، أنا تعبت كلام وسلم لي على سينام، وحشتني قوي على فكرة.
ايمري: ما فيش حد تاني وحشك؟
عائشة: لأ إيمري، ما فيش خالص.
ايمري: عائشة، أنا حطيت لك في شنطتك شوية مجلات فيها شوية أخبار وصور عن عيلتك هنا.
عائشة ابتسمت بألم: ما أنا ممكن أعرف اللي عاوزاه من النت، إيمري ماتشغلش نفسك بيا، خلينا أصدقاء وأخوات.
ايمري: لو فاكرة أنا قولت لك زوجتي السابقة كرهتني في الصنف كله، فأنا بعمل اللي أي أخ وصديق بيعمله، بنصحك باللي شايفه صح، يعني واضح معاك من الأول. لعلمك لولا إن سينام من نفس الصنف يمكن عمري ما كنت اهتميت بست.
عائشة: تقريبًا إيمري زي ما بيقولوا الطيور على أشكالها تقع، أنا كمان بعد ما شفت مصطفى كرهت الصنف كله، مع أن فيه ناس كويسة برضو زيك وأمجد بيك والسيد محمود، بس يا أخي كرهت برضه الرجالة. المهم تصبح على خير لأني اتأخرت على نهر.
ايمري: أوك عائشة، ابقي طمنيني عليكم كل ما يبقى فيه فرصة وتصبح على خير.
أغلقا الهاتف وكل منهم يفكر فيما سيفعله غدًا.
ذهبت عائشة لنهر وأعطتها الهاتف وهي تقول: اتصلي بأي حد من صحباتك يعدي علينا الصبح قبل المدرسة.
نهر: ليه؟ هروح إزاي؟
عائشة: مش إنتِ، أنا اللي هروح أقابل المدير والمدرسين، ولأني ما أعرفش الطريق هروح معاهم الصبح.
نهر بتفهم: مش بيقابلوا أولياء الأمور إلا بعد الساعة عشرة ونصف الصبح بدري، صعب ومش مسموح، وبعدين مش محتاجة تعرفي الطريق، حضرتك بس تواقفي أي توكتوك وتقولي له المدرسة الثانوي هيوديك، هي واحدة بس في البلد اللي جنبنا.
عائشة: إيه توكتوك ده؟
نهر: حاجة كده بين الموتوسيكل والعربية الصغيرة.
عائشة: البتاع الأسود أبو ثلاث عجلات ده؟
نهر: هو فعلاً، ليه هتروحي المدرسة طيب؟
عائشة: بعدين هتعرفي، يلا علِّميني أي حاجة قبل ما تنامي؟
نهر: على اللاب ولا الموبيل؟
عائشة: عندك لاب ولا أجيب اللي معايا.
نهر: معايا لاب، وحضرتك كنتِ أحيانًا بتفتحيه ونعملي عليه حاجات كتير.
وأخرجت من جانب المكتب شنطة وأخرجت منها اللاب.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل العاشر 10 - بقلم رينا الهادي
صممت عائشة تنام في المضيفة بعد أن جلست مع نهر. خافت أن تؤذي نهر في صدرها أو أن يقع أي منهما لأن السرير ضيق فعلًا. ليس كما قالت، لا تحب أحدًا ينام بجانبها، لكنها قضت مع نهر سهرة طويلة تتعلم بعض البرامج على اللاب. لم تنتبه إلا على الساعة الواحدة لتساعد عائشة نهر في الدخول للحمام وتساعد نهر أمها في تغيير ملابسها وغسل أسنانها قبل النوم.
استيقظت نهر السابعة صباحًا لتلتقط عكازها وتذهب للحمام، ثم تصلي وهي جالسة على كرسيها. دخلت المطبخ تجهز بعض الأشياء للفطور. استيقظت عائشة وجدتها في المطبخ.
عائشة: صاحية بدري لية كدة؟
نهر: الساعة دلوقتي تمانية وربع، بدري فين.
عائشة: أفهم من كدة إنك نشيطة.
نهر: يعني عوديني أصلي الفجر، لكن النهاردة صليت قضاءً لأن الشمس كانت طلعت. وقولت أجهز فطار، تحبي آجي أساعدك الأول؟
عائشة: والله مش عارفة مين يساعد مين، خليك. هتوضى وأصلي وأغدي أفطر معاك.
جلست نهر على الكرسي تنتظر أمها بعد أن غلت اللبن وصبتّه وجهزت سندوتش فول وقشرت بيضة لكل واحدة منهن. شغلت نهر الراديو على إذاعة القرآن الكريم.
فطروا مع بعض في صمت، كل منهم يفكر في اتجاه. انتهوا.
عائشة: تسلم إيدك حبيبتي، مع أن المفروض أنا اللي أجهز لك الفطار.
نهر: بجد يا آنة؟
عائشة: بجد إيه؟ طبيعي الأم هي اللي تجهز؟
نهر: لأ أقصد بجد حبيبتك، مع إنك عائشة مش رقية.
عائشة: سواء عائشة أو رقية، فأنا أمك. أنا رجعت مصر لأني أم، مش هسيب عيالي وأمشي. أما حبيبتي، فهي الجملة بتتقال كده على بعضها.
نهر وهي تدمع: بس إنت حبيبتي وأمي وصاحبتي كمان، فلو سمحتي شيلي الحواجز اللي بينا.
عائشة: ربنا يسهل يا نهر. أعرف أنا كل الظروف اللي حواليا وأفهم علاقتنا ماشية إزاي، وكل حاجة هتظبط. تساعديني ألبس وأروح المدرسة؟ وقولي لي أقول إيه للتوك توك وأنا رايحة وأنا راجعة. وآه، في زيارة النهاردة عندنا، دكتور علي وغالبًا هيجيب أمه وأخوه معاه المغرب.
نهر: أبيه علي، أنا استغربت إنه مجاش امبارح.
استراحت عائشة عندما سمعت نهر تقول "أبيه علي" لتقول: كان عايز يجي، لكن أنا كنت عايزة أريح، فقلت له لأ. نهر، هو فيه فلوس ادخرناها ولا عايشين إزاي؟ أنا معايا شوية فلوس، لكن محتاجة أعتقد كمان.
نهر: حضرتك معظم معاش بابا بنحطه في البوسطة، يعني البريد، ولو حصل حاجة طارئة بناخد منه. أنا بصرف في العادة من شغلي، فأنا بعد إذنك كنت قلت لعمو محمد إني هرد لأبيه علي اللي صرفه عليا وقت كنت في المستشفى. بس ما ينفعش أنا أسحب لأني زي ما بيقولوا قاصر تحت 18 سنة. فلو حضرتك تقدري، ممكن تسحبي المبلغ من البريد بالبطاقة، وهيتبقى مبلغ كويس برضو. إحنا تقريبًا مش بناخد حاجة منه من سنين كتير، بالعكس بنزود في الإجازة من شغل الفنادق والتبس.
عائشة: هو أنا ما كنتش ليا أي دور في الحياة كده، يعني كنت زوجة الأستاذ وأمكم وبس؟
نهر: لأ طبعًا. حضرتك كنتي بتذاكري لي أنا وعمر، وكمان بتذاكري لأي حد محتاج تقوية في اللغة. تعرفي عبد الله وعلي كانوا بيجوا تذاكري معاهم زمان، وأنتِ اللي رفعتي مستواهم في اللغات والرياضة. آه والله زي ما بقولك كده. كمان بتفصلي لبسي كله ولبسك، وأحيانًا بتعملي لعمر قمصان وبناطيل. غير بقى عمو مصطفى، يا لاههههههه. أي طلبات مش بتخلص، بيضرب يجي خمسين كوباية شاي وقهوة، غير ما شاء الله بياكل كتير جدًا. وبتهمي بالبيت هناك وهنا، فحضرتك بتعملي مجهود جبار، وأحيانًا بتشتغلي أون لاين بالقطعة كمان.
ابتسمت عائشة بحب لنهر: لا والله، كنت بعمل كووووول ده؟
نهر: آه والله، اسألي تيزه انتصار كده. حتى إنتي علمتيها الخياطة واشتغلت في البلد عندها خياطة بفضلك. آه، حضرتك أي مكان إنتِ فيه الناس بتتعلم منك.
عائشة: هقول للتوك توك برضو يوديني البريد أجيب الفلوس كلها. أما أشوف الدنيا هتبقى ماشية إزاي. فين تعريف الهوية؟
نهر: اسمها البطاقة. أنا اخذتها معايا قبل ما تسافري، كانت في شنطتك. هجيبها لحضرتك.
تجهزت عائشة وذهبت للمدرسة وتكلمت مع الناظر والمدير عن حالة نهر الصحية، وأن تحضر على كرسي متحرك إلى أن تسترد صحتها، وألا تحضر طابور الصباح حتى لا تسبب مشكلة في دخول الطلاب لفصولهم صباحًا. وافقوا. بعدها ذهبت لمكتب البريد، وبالبطاقة سحبت المبلغ الموجود به. وكان بجانب البريد سوق، اشترت منه بعض الخضروات والفاكهة، مع نظرات سيدات القرية لها باستغراب وإعجاب. ورجعت بتوكتوك. ساعدها صاحب التوكتوك في إدخال ما اشترت داخل الفناء الخارجي للبيت. أغلقت البوابة خلفها، وكانت نهر تنتظرها في المضيفة مع فتح المضيفة على الفناء الخارجي.
ذهبت إليها عائشة: إيه ميعادك هنا نهر؟
نهر: قلقِت عليك، فقولت أستناك هنا.
عائشة: أنا مش صغيرة. روحت المدرسة، وعلى فكرة اتكلمت مع مدرسينك عشان أعرف مستواك. بس قالوا إن الدراسة بدأت من شهر ونصف، وإنتِ غايبة من تقريبًا نصف المدة دي، فما يعرفوش مستواك الحقيقي إيه. لكن مدرسين السنة اللي فاتت قالوا عليك ممتازة، أتمنى تكوني عند حسن ظنهم فيك. والبريد كان زحمة شوية. المهم هدخل آخد شور سريع من الحر، وساعديني آخد الدوا ونتغدى وأنام شوية قبل ما الناس يجوا.
نهر: حاضر آنة.
مر الوقت وجاء علي مع أمه وعبد الله، وفتحت لهم عائشة البوابة ليدخلوا على المضيفة. وكانت هناك نهر التي ذهلت من دخول علي بالكرسي المتحرك.
نظر إليها علي وقال: دي أوامر خالتي عشان تقدري تروحي المدرسة. الأول عاملة إيه؟
نهر: الحمد لله أبيه، واحشتيني تيزة.
انتصار: إنتِ أكتر يا حبيبتي. أنا من الصبح بحاول أعمل لك حاجة، فعملت لكم شوية قراقيش يا رب تعجبكم. وحمرت بطة ومحشي ورق عنب بالهنا والشفا يا رب.
نهر: ديمًا تعبانة نفسك، بس إيه الرضا ده؟ جيتوا كلكم من غير ما يعترض حد.
انتصار: البركة في خبر إن رقية معاك.
نهر: هما هناك عرفوا إن آنة رجعت؟
عبد الله: خالتي شرفتنا بالزيارة قبل ما تيجي عندك يا نهر.
نهر: نعم؟ ونظرت لأمها، ده بجد؟ روحتِ هناك ليه طيب؟
عبد الله: كانت بتصفي حساب مع عمي وعمتي كمان، بس إيه ما أقولكيش، كنت عايز أروح أبوسها؟ (نظر إلى عائشة) بصي، حصل شرخ في ضلعه وكدمة في رجله، بس كرامته نآحة عليه شوية، قال يريح عندنا يومين. لما عرف إن علي جاي وعايزنا معاه، قال لستي تخلينا نيجي عشان يطمن هو عليكوا ونبقى حمامة سلام بينكم؟
نهر: آنة، أنا مش فاهمة حاجة، شرخ إيه وكدمة إيه؟
عبد الله: أنبي يا خالتي احكي لها، أنا. أصل علي كان خرج وأمي مش هتعرف تحكي.
عائشة: أنا شايفة إنك رغاي وهتصدعنا. وأبقى قول لعمك ولا حمام الدنيا هيصلحوا حاجة بينا. ولو راجل، يبقى يقرب من حد فينا. وبعدين أنا راضية ذمتك، إنت حمامة سلام؟ ده أنا حاسة إنك فرحان في عمك.
عبد الله: حاسة مش متأكدة؟
عائشة لعلي: هو إنت سايلنت كده على طول يا دكتور؟ من ساعة ما جيت بتبص لنهر بس، مالك فيه إيه؟
علي: أبدأ من ساعة ما خرجت وما عرفتش أشوفها، فبطمن عليها مش أكتر. حاسة إنك بتتحسني يا نهر ولا لأ؟
نهر: الحمد لله أبيه.
عائشة: نهر كانت مصورة فاتورة المستشفى بالموبايل وعايزة فاتورة الكرسي عشان تاخد حقك يا دكتور.
علي: عمي اللي غلط، والمفروض حساب الحاجات دي عليه.
نهر: لا يا أبيه، إنت وكلنا عارفين إنه مش هيدفع مليم ليا. فانت ذنبك إيه؟
عائشة: هو معاه حق، هو المتسبب في كده. أقل واجب يتكفل بعلاجك، لكن إحنا مش بنقبل فلوس من حد، وخصوصًا من معدوم الضمير زيه. ولأن بنتي قالت لوالدك هتدفع ثمن المستشفى، وأنا كلمت بنتي عندي غالية، يبقى هندفع. وقولت لك يا دكتور إن الكرسي على حسابي، فكتر خيرك إنك تعبت وروحت جبته. وكده كفاية عليك، مش هنقبل حد يصرف علينا.
انتصار: إحنا حد يا رقية؟ إخص عليك. دي نهر زي ورد عندي، وغلاوتها عند علي وعبد الله ما تتقدرش.
عائشة: الحق حق، حتى بين الإخوات يا مدام انتصار، وده آخر كلام عندي.
علي: حاضر يا خالتي.
انتصار: إنت بتقول إيه يا علي؟
علي: بقول حاضر يا أمه، عشان لو قلت غير كده لمدام عائشة هتغضب علينا ومش هتسمح لنا نطمن عليهم، وهتبعد وتعاند. فحاضر زي ما تحبي، المهم يكون فيه ود ونعرف نطمن على بعض.
عبد الله: إنت خايف من خالتي تغضب علينا؟ يا عم دي بنت نزل عليها ما فيش. عملت فيها المرأة الحديدية، وفي الآخر كسرت دراعها وعملت لعمك (وشاور باستهانة بيده) شرخ، مجرد شرخ وكدمة.
عائشة بغضب: لأ لأ كده لسانك بدل ما أطلع عليك غضبي، واهدي كده عشان ما تزعلش مني، أوك؟ ولا تحب تجرب؟ (ونظرت على شيء) فنظر عبد الله إليه ووجده الصاعق.
عبد الله: يالهوووواي! أنا أبويا قالي مليون مرة لساني هيجيب آخرتي. عاوزة تكهربيني يا خالتي!! ده أنا طيب ولساني على الفاضي. وبحبك والله بحبك. خد منها يا عم الفلوس خلينا نروح بجميع أعضائنا إلا خالتك تتعصب ولا حاجة. حلو كده يا ست الناس؟
عائشة: حلو يا حبيبي شاطر. نظرت لعلي: ممكن توصل الكرسي من فضلك.
علي: أعطاها الوصل وحصلت المبلغ ودخلت غرفة نهر وأحضرت له المبلغ وشكرته.
انتصار: ممكن ندخل أنا وإنت جوه نتكلم مع بعض زي زمان، ولا مش عاوزة؟
ابتسمت لها عائشة: لأ طبعًا تعالي. (ونظرت على نهر) ما تقفليش البابين بتوع المضيفة دي الأصول، ماشي؟
نهر: حاضر آنة.
عبد الله: ما تخافيش مش هناكلها، دي غالية علينا. يا رب ترجع لك الذاكرة بدل الذل ده.
نظرت له عائشة بحدة.
عبد الله: إيه ناوية تأكليني ولا إيه؟ أقوم أروح وأريحك مني؟
عائشة: اقعد من غير ما تتكلم. الكلام وحش عشانك، جرب هتستفيد. يلا يا مدام انتصار.
انتصار وهي تضحك: والله وجه اليوم اللي تخاف تتكلم فيه يا عبد الله.
بمجرد دخول انتصار وعائشة للداخل.
نهر: احكي يا عبدو إيه اللي حصل؟ هموت من الفضول.
حكى عبد الله ما حدث بطريقته التي جعلت عيني نهر تتسع شيئًا فشيئًا وهي لا تصدق ما حدث، إلى أن انتهى عندما رجعوا هو وأبيه وعمه للبيت بعد الكشف عليه.
نهر: يعني آنة كسرت إيدها على عمو مصطفى وعمر رجع مع أنه، وكمان آنة قالت له خليك مع أبوك. طب هو عامل إيه كويس؟
علي: ما تقلقيش، كويس ولا في دماغه حاجة غير اللعب. أخوك مش زيك، اللعب بس اللي شاغله.
عبد الله: بقولك يا نهر، ما تودينا المطبخ نعمل دور شاي.
نهر: ما إنت عارف المكان، روح اعمل. أنا مش هعرف أشيل صنية وأجيبها، ومش هينفع أوديك آنة تيجي تلاقيني معاك في المطبخ (ضحكت) تكهربنا إحنا الاتنين، دي عائشة مش رقية، خلي بالك.
علي بضحك: أو تلاقيك لوحدك دخلت من غير ما تستأذن، تكهربك برضو، بس لوحدك.
عبد الله: يعني كده متكهرب وكده متكهرب. أنا مصدع آه، بس مش لدرجة إني عشان أشرب كوباية شاي أتكهرب. طب أطلع أجيب كوبايتين مع علي، أي قهوة وانت تدفع تمنهم يا دكتور، إنت لسه واخد فلوس كتير من خالتي وأنا مفلس.
نهر: أنا هتصرف. وقامت بصعوبة، ساعدها علي في النهوض.
ذهبت إلى حجرتها ووقفت أمامها.
نهر: تيزة انتصار، تيزة.
انتصار خرجت: نعم يا نهر؟ جيتي ليه؟
نهر: عبد الله مصدع وعايز شاي، وأنا مش هعرف أودي شاي المضيفة. ممكن تعملي؟ لأن آنة مش هتعرف.
انتصار: ممكن أدخل المطبخ أعمل دور شاي يا رقية.
عائشة: بقالي ساعة بقولك عائشة. طبعًا ادخلي، وهاجي معاك نعمل لينا كلنا ونشرب مع بعض، وبعدين ندخل تاني هنا.
نهر: تيزة في طلب رخِم شوية، عارفة إني هتعبك، بس مش بإيدي.
انتصار: قولي يا حبيبتي، ولا يهمك.
نهر: آنة مش عارفة تنام في الأوضة الكبيرة لأنها أكيد مش نظيفة، وبتنام في المضيفة، وأنا وهي زي ما إنتِ شايفة. ينفع تنضيفها بسرعة عشان تعرف تنام على سريرها؟ لو مش عاوزة مفيش مشكلة.
عائشة: ده اسمه قلة ذوق وأدب يا نهر. ضيفة جايه عندك، شاي ماشي، لكن تنظفي الأوضة؟ إنتِ محتاجة تفكري قبل ما تتكلمي، عيب كده.
انتصار: نهر ما غلطتش، هي بتعتبرني خالتها، أخت أمها. وعادي، دي أوضة مش شقة، الموضوع كله عشر دقائق، ما تعملهاش حكاية. وهي قصدها راحتك. وبعدين، ما بتناميش جنب بنتك ليه؟ كنت بنام جنبها لما كنت معاها، وهي أصلًا بتخاف تنام لوحدها؟
عائشة: بتخاف تنام لوحدها ليه؟ دي طولي.
انتصار: أنا رايحة أعمل شاي وهحط قراقيش كمان زي زمان. تيجي معايا نهر ولا هتروحي المضيفة؟
نهر: آجي يا تيزة.
عائشة تقبلت تغير الموضوع وقالت: يبقى أنا هروح للشباب.
دخلت انتصار ونهر المطبخ لتبدأ انتصار في عمل الشاي وتفتح ما جاءت به وتخرج قراقيش للشاي وتضع البطة في الثلاجة، ومعها حلة صغيرة محشي.
انتصار: أمك زي ما هي، مش بتحب حد يدخل أوضتها غيرها وإنتِ.
نهر: لأ تيزة، مش ده السبب.
انتصار: اومال حسيت مش عاوزة أدخل أنظف الأوضة ليه؟
نهر: هي خايفة تدخل الأوضة. الدكتور قال إنها مش فاقدة الذاكرة، هو بس علقها الباطن عايز يهرب من الصدمات اللي عاشتها، وإن هي لو واجهت الماضي هتفتكر بسهولة كل حاجة. هي خايفة تدخل، عقلها مصور لها لو دخلت الأوضة هتشوف ذكرياتها وهتفتكر كل حاجة، وهي مش حابة شخصية رقية اللي ما قدرتش تحمي نفسها وبنتها من عمو مصطفى. فبتبعد عن شيء حاسة إنه هيضعفها، فاهمة حاجة؟
انتصار: فاهمة مش كله، بس فهمت إنها خايفة تدخل الأوضة تفتكر، لكن ليه مش بتنام معاك؟
نهر: بتعاقبني، عايزة تقول لي ما أكذبش عليها تاني. غالبًا فهمت إن بعدها عني ده أكبر عقاب ليا.
دخلت عائشة إلى المضيفة.
عائشة: الشاي والدتك بتعمله يا حمامة السلام.
عبد الله: معلش، مصدع فعلاً. قائم من بدري ومن الكلية على هنا.
عائشة: لا الطبيعي إننا نضيافكم، لكن ملحوقة. أخف بس وأعمل لك أحلى ضيافة.
عبد الله: من غير ما تقولي. ده إنتِ بتعملي كيكة وحلويات تحفة.
عائشة: عايزة منك خدمة، ممكن ولا لآ؟
عبد الله: اؤمريني يا خالتي.
عائشة: نهر حكت لي عن فكرة أختك لما كانت عايزة تعرف نهر ومامتك بيتكلموا في إيه. عايزة أستغل الفكرة. شوف يا دكتور، تحت التنفيذ إنت. ببساطة، هتسألني كحمامة سلام، طبعًا زي عمك ما قالك، ليك ما أرجعش لعمك. وتتحاور معايا عشان تقنعني، وأنا هجاوبك. وكل ده وإنت بتسجل لينا عشان تسمعه لعمك. احتمال يطلع عنده دم ويبعد عن طريقنا، لأني مش متقبلة أعيش معاه ولا دقيقة واحدة. موافق؟
عبد الله: إشمعنى أنا؟ بتثقي فيا ليه؟ ما قولتيش لعلي.
عائشة (ونظرت لعلي المرتقب إجابتها): لأ طبعًا، علي رزِين وبيفكر، ما يعملهاش. إنت متسرع وتعملها عادي.
دخلت نهر وانتصار، ومع انتصار صينية بها الشاي والقراقيش.
عبد الله: حاضر، هعمل اللي عاوزة، بس نشرب الشاي ونبدأ.
عائشة: شكراً.
عبد الله بغيظ: عفواً. أنا مش عارف واخدة الفكرة دي عني ليه، بس حاضر.
شربوا الشاي وأكلوا من القراقيش في جو من المرح والضحك. وبعدها أخرج عبد الله موبيله على وضع التسجيل ليقول عبد الله: يا خالتي، ليه ما تفكريش ترجعي لعمك؟ ده بيحبك وإنتِ أخدتي حقك وزيادة، حتى عمر يبقى بينكم.
عائشة: لأ طبعًا. هو راجل لا يؤتمن. المفروض إنه مش جاهل، ده معلم أجيال، يعني عنده أكتر من الحد الأدنى من المعرفة. أكيد قبل ما يتجوزني كان عارف إن ليا بنت، ومع ذلك اتعامل معانا بقلة ضمير. بص يا عبده.
عبد الله: عيون عبدو.
ابتسمت عائشة وأكملت: زمان كنت مع والدي في قريته. أصل والدي على فكرة من أصل مصري. جده الكبير كان من الحرفيين اللي وصلوا تركيا من مصر، عشان كده كان حريص يحفظنا قرآن من صغرنا. فيه والدي أختين وهو الولد الوحيد ومن قرية. كل فترة يزور إخواته هناك. المهم أخدني قريته، كنت تمن أو تسع سنين. وهناك، ومن غير مقدمات، دخل رجل كله غضب وقطع لشاب وقتها إيده. أنا اترعبت وصرخت. ووالدي غطى عنيا، لكن بعد ما شفت كطفلة الحادثة دي أثرت فيا جدًا. ليه حد يعمل كده؟ وسألت والدي بعدين، ليه حد يقطع إيد حد بالطريقة البشعة دي؟ كان جوابه إن الشاب متزوج جديد من بنت الراجل واختلفوا، فالشاب رفع إيده على زوجته وضربها على وجهها، وده رد فعل الراجل على اللي حصل لبنته. والدي قال: بناتنا وكرامتهم خط أحمر. كان ممكن يحل خلافه من غير ما يهين مراته. الضرب حل الراجل اللئيم ضعيف الشخصية. أنا ما اقتنعتش صراحة، لأن حتى الإسلام قال قطع اليد السارق. لكن دلوقتي عزرت الراجل. الوجع مش في الضرب، الوجع النفسي أقوى بكتير. فقال سبحانه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل بالإحسان إلى زوجته، فقال صلى الله عليه وسلم: "استوصُوا بالنساء خيرًا".
انتصار: بس يا رقية، هنا أقصد الأرياف يعني، عادي إن الراجل يضرب مراته. ده إحنا ياما بنصحى أو بنام على صوت ست في الشارع بتصوت من ضرب جوزها لها.
عائشة: نسبة الجهل في الريف كبيرة يا مدام انتصار، ولكن مين قال إن الضرب مش بيعمل شرخ كبير جوة الست؟ وبعدين ده للجهلة، ولكن مربي أجيال عقله كده! قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا). والرسول الله صلى الله عليه وسلم وضح الآية وقال: "حق المرأة على الزوج أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت". والضرب كمان له قواعد، زي ما يضربش الوجه والضرب ما يأذيش. يعني أيام الرسول كانوا بيضربوا بالسواك، حاجة كده زي القلم الرصاص. غير إن الضرب مرحلة أخيرة، يعني الأول الزوجين يحلوا المشكلة بالكلام مع بعض. ما نفعش يبقى الهجر في الفراش. ما نفعش حكم من أهله وحكم من أهلها. في الآخر الضرب غير المبرح، حتى الضرب يكون زي ضرب الأطفال كده في أماكن لا يكون فيها عظم، يعني مكان يكون فيه لحم ولا يكون فيه عظم عشان لا قدر الله لو الواحد خرج عن شعوره ما يكسرش عظمه.
انتصار: هو الضرب كمان يقعد ينقي يضرب أنهي حتة ودي أنهي حتة فيها لحم وما فيهاش عظم يا رقية؟
عائشة بابتسامة: زي المعقدة مثلا.
انتصار: الإيه؟ مش فاهمة.
ليقف عبد الله ويضع يده على خلفيته ويقول: دي يا أمه مش زي ما أبويا ما بيعمل رايح جاي يضربني على آفايا (ووضع يده عليه) وده كله عظم صح يا خالتي؟
عائشة بضحكة: لأ دي منطقة خطر وممكن يجيلك تخلف، وده واضح بوادره عليك. دي أول التقاء الحبل الشوكي العصبي بالمخ، وفيه أجزاء مهمة ما ينفعش الضرب فيها.
انتصار: كده عبد الله ما ينفعش يضرب أصلاً. المعظم ده معندوش لحم أصلاً.
ليضحك الجميع ويقول عبد الله: أبقى قولي لابويا بقي.
عائشة بحزن: عمك اللئيم بقي ضربني أنا وبنتي لدرجة إن راسي انفتحت وبتوجعني لغاية دلوقتي. مش بس كده، الدكتور النفسي قال إن ذاكرتي موجودة، أنا بس بهرب من واقع أنا رافضاه، يعني وصلني إن عقلي الباطن يجبرني أنسي فترة كبيرة من حياتي خوفًا منه. أنا عرفت إن نهر بنتي ومالهاش حد غيري قبل ما أقابل أهلي، وقررت تأجيل معرفتهم بجودي. متخيل إنت لو والدي عرف إن بنته بتتضرب وحفيدته؟ على فكرة والدي أصبح له شركة من أكبر وأهم شركات تركيا، يعني وهو قاعد على كرسيه وبإشارة منه. متخيل ممكن يعمل في عمك إيه؟
عبد الله: ممكن يقتله؟
عائشة: القتل هيريحها. لكن ممكن يبعت حد يجيبه تحت رجليه ويعذب فيه ليل ونهار. في أبو سينام عرف حكايتي كلها، ولو جرى لي حاجة أكيد هيروح لوالدي ويعرفه. ولو بقول لو رجعت لعمك، صدقني مع أول يوم هقطع له دراعه مش إيده. أنا نار في قلبي منه، وخصوصًا لما بشوف وصلني لأيه.
علي: قلبك أبيض يا خالتي، هتودي نفسك في داهية ليه؟
عائشة: لا أنا أتعدم أو أتسجن ولا يهني حد. مهما كان الحد ده. أتربيت على كده. ويلا قوموا روحوا بقي. الدنيا ليلت واتأخرتوا.
عبد الله: إنت قلبتي ليه كده؟ على العموم ورايا مذاكرة وعلي عنده عيادة. يلا يا عم نمشي. وقفل تسجيل موبيله.
ابتسمت عائشة وقالت: كده ممكن نقعد مع بعض براحتنا. أنا بس كنت عايزة أعمل إني بطردكم عشان يفهم من التسجيل إن ما حدش عزيز أو هياثر عليا. آسفة بس كنت عايزة رد فعل طبيعي. (نظرت لانتصار) مدام ممكن معلش تسخني الأكل اللي جبتيه النهاردة نأكل مع بعض.
علي: فعلاً يا خالتي، عندي عيادة، والواد ده عنده مذاكرة.
عائشة: نأكل مع بعض الأول من فضلك. مش كفاية مش عارفة أضايفكم. ممكن يا مدام تسخني الأكل.
عبد الله: على حسب الأكل إيه، لو عادي نروح، لو حلو نقعد.
انتصار: يعني هناكل الأكل اللي جايبينه يا رقية؟ ما يصحش. أفرش وأجيب جبنة وأقلي بطاطس.
عبد الله: يلا نروح.
عائشة: من فضلك من اللي جبتيه لو سمحتي.
انتصار: ماشي، هسخن المحشي والبطة.
عبد الله: أنا قاعد يا علي، لو عاوز روح الحق العيادة، وأنا هاخد نايبك عادي.
عائشة: ولا يبان عليك إنك آكيل.
عبد الله: ببذل مجهود جباااار والله من الفجر لآخر الليل ومحدش مقدر.
سخنت انتصار الأكل وأكلوا جميعًا في جو أسري جميل. ونظفت انتصار المطبخ وعملت دور شاي، واستأذنوا للخروج.
قبل الخروج، نهر لعلي: أبيه، من فضلك اتصل بجدو عبد العزيز طمنه عليا، وقول له مش عارفة أكلمه لأن الموبايل مسحوب مني.
عائشة: بلاش يا علي، الموبايل مسحوب عشان المكالمات اللي ملهاش لازمة وعشان تركزي في المذاكرة. لكن جدك غير، هخليكي تكلميه وهكلمه معاك، أوك.
نهر بفرحة: أوك. شكراً.
مشي علي وأخوه وأمه سعداء من تقبل رقية لهم، واطمئنوا على نهر ورقية. وكلمت نهر ورقية عبد العزيز، الذي فرح بالمكالمة كثيرًا واطمأن هو الآخر.
صباحًا جاءت باكرًا كلًا من أنهار ورانيا لنهر.
نهر: لسه فاكرين؟ ما جيتوش امبارح ليه؟
أنهار: خالتي قالت لنا امبارح جاي لكم ضيوف، وقالت نِجي بدري عشان نساعدكم لأنك هتيجي معانا النهاردة المدرسة.
رانيا: هتيجي إزاي يا نهر؟ إنتِ مش قادرة تمشي.
عائشة: أنا جهزت لك شوية حاجات بسيطة تاكليها في المدرسة. بنات ساعدوا نهر تغير لبسها. يلا، أنا جبت كرسي متحرك، هنروح ونيجي بيه.
رانيا: هنمشي للمدرسة ونيجي بيه، لكن نهر هتطلع إزاي الدور الثاني في المدرسة؟
عائشة: اتصرفت واتكلمت مع مدير المدرسة. يلا عشان لسه هتدخل الحمام قبل ما تمشي، وهنسرح لها شعرها.
نهر: لا أنا هعرف أسرح لنفسي.
بعد ساعة إلا ربع كانت نهر جاهزة للخروج. قعدت نهر على الكرسي، وأخذت أنهار تدفع الكرسي للأمام ورانيا حملت حقيبة نهر. مشت معهم عائشة إلى المدرسة.
رانيا: خالتي، ما تجيش آخر النهار. أنا وأنهار هنجيبها البيت، بس أنا هزوق الكرسي وأنهار تشيل الشنطة.
عائشة: لا حبيبتي، هاجي قبل ما تخرجوا عشان أكون معاكم. مع أني مش بعمل حاجة، لكن لازم يكون معاكم حد كبير.
وصلوا المدرسة وأدخلوها معهم، واستقبلها أحد الأساتذة وعاملين نظافة. ساعد العاملين نهر بالصعود بالكرسي للدور الثاني، وجلست معها عائشة في فصلها وانصرفت عندما انتهى طابور الصباح ودخل الطلاب فصولهم.
رجعت عائشة للبيت مشيًا، ما إن وصلت حتى اتصلت بعبد الله الذي أخذت رقمه قبل مغادرة أمس.
عائشة: صباح الخير يا عبد الله. الوقت مناسب أكلمك.
عبد الله: أيوه يا خالتي، أنا في الميكروباص رايح الجامعة. أيوه الوقت مناسب، خير.
عائشة: سمع عمك التسجيل؟
عبد الله: أيوه يا خالتي، وكان نصيبي تهزيق من أبويا، أنما إيه عنب.
عائشة: معلش يا حبيبي، المهم مصطفى قال إيه أو عمل إيه؟ عايزة أفهم هعمل إيه الفترة الجاية.
عبد الله: كسر الأوضة بتاعته مليون حتة، جاب عاليها واطيها، وقعد يصرخ ويكسر في كل حاجة قدامه. وجعه كلامك باين. هي ستي قعدت تهدي فيه وتقول له يطلقك، بس هو كان بيتجنن أكتر.
عائشة: يعني مش بيتعلم، ولسه بيغضب ويثور، وطبعًا مالقاش حد يطلع عليه فيا. أم كسر البيت، همجي زي ما هو. شكراً عبده.
إيه هيحصل؟ هنشوف بعدين.