تحميل رواية «اسرار الماضي لبنت ناس» PDF
بقلم رينا الهادي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قالتها نهر لعلي وهم في طريقهم بعربة علي لبيت ابيها. علي: مصائب إيه بس يا نهر؟ افتكري حاجة حلوة ولا فيه جديد في موضوع خالتي رقية؟ نهر: ما فيش جديد يا أبية بس بيت شعر جه على بالي أصلي حاسة إن فيه مصايب جاية وخصوصًا من عمك. علي: لا مصايب ولا حاجة، وبعدين إحنا أهلك هنحميك. نهر: هههههههه بجد أهلي! أبية عمو مصطفى كان بيستغل أنا وأنا طول الوقت وهو عارف إننا هنستحمل عشان عمر وعارف إنكم في ظهرة لأنكم أهله. والدك صح مش بيشارك معاه في شره لكن مش بيصده عن ظلمه، بيكتفي إنه ينصحه وبس. ييجي عن آية ويقول معلش ع...
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رينا الهادي
في صباح اليوم التالي، ذهبت رقية مع إدوارد إلى الكنيسة وقابلوا المسؤولين هناك. دخل إلى الحجرة كثير من الأشخاص ولم يكن بينهم إلياس، عم إدوارد.
رقية: غريبة، مش شايفة الأستاذ إلياس.
المسؤول: أنتم لجئتم إلينا ونحن كما وعدناكم بالأمس أن الموضوع سيُحل اليوم، مالوش لزوم وجود إلياس، ومتهيألي إدوارد فاهم كده كويس.
إدوارد: معلش، مش فاهم قداستك تقصد إيه؟
المسؤول: لأنك ما دخلتش الكنيسة من فترة كبيرة، وواضح إنك نسيت إحنا نقدر نعمل إيه. ولولا إنك عارف كويس اللي نقدر نعمله، ما كنتش لجأت هنا.
إدوارد: لجأت لكم لأن أبويا وصاني بكده. أنا يمكن انحرفت شوية، لكن جوايا مسيحي متمسك بمعتقداتي وعارف إن تحت أمر الكنيسة كل أولادها المخلصين، ومنهم كتير بيقدموا خدمتهم من غير مقابل.
المسؤول: واضح إنك لسه فاكر شوية ثوابت. اسمع يا ابني، الأنبا ذات نفسه عرف بمشكلتك وحزن على الإهمال غير المقصود من الكنيسة لأحد أبنائها. ورجال أعمال قرروا يساعدوا، ولو إن العمر والجروح صعب يتعوضوا بالمال. اتفضل، ده شيك باسمك تقدر تصرفه من اليوم بكل الفلوس المستحقة من شغل أبوك وأمك بالفوايد وزيادة كمان. هنا بعض مستشاري الكنيسة والمحامين وناس مستعدة تشتري منك نصف البيت بسعر أعلى من السوق لو تحب، لأني فاهم إنك مش هتحب تعيش مع عمك. فإيه رأيك؟
إدوارد: أنا فاكر لعمي إنه كان كويس معايا قبل ما أبويا يموت. جايز خاف على أولاده، أو جايز مراته شجعته على طردي. أنا هفضل على اتصال بيهم، لكن فعلاً مش عايز أسكن معاهم لأني متأكد إن شقتنا أكيد دمرت كل الذكريات فيها، فمستعد أبيع حقي هناك.
أحد الموجودين: وأنا يلزمني حقك في البيت وعايز أشتريه تحت نظر الناس دي. (أشار إلى أحد الموجودين) الأستاذ عمل عقد أصلاً. اقرأه، ولو وافقت نمضي دلوقتي العقود وتاخد شيك بمبلغ البيع حالا، وبكرة نكمل الإجراءات في الشهر العقاري.
أعطاه المحامي الأوراق ليعطيها إدوارد لرقية، وهو يقول: حضرتك بتفهمي أكتر مني في الحاجات دي، ممكن تشوفي الأوراق.
ابتسمت رقية بود: أمضي يا إدوارد، مش محتاج مراجعة. أنت في حمى أهلك ورجال الكنيسة مش هيقدموا شيء يضرك، كفاية تعبهم الفترة الأخيرة معاك والتزامهم بوعودهم.
إدوارد: ممكن قلم أمضي؟
المسؤول بضحكة صاخبة: سمعت كلامها من غير ما تبص في الورق.
إدوارد: لها فضل عليا كبير، وأمي عمرها ما تضرني. غير إني واثق فيكم يا أبونا. آسف إني كنت هراجع الورق للحظة، نسيت إني في الكنيسة. شكراً ليكم كلكم.
بعد التوقيع، أعطاه المحامي الشيك. فوضعه إدوارد في جيبه.
ليقول المسؤول: مش هتشوف مبلغ الشيكين.
إدوارد: مش مهم. عارف إنكم جبتوا حقي من غير ما أبص.
المسؤول: أحب تفتح الشيكات قدامنا وتقول رأيك.
امتثل إدوارد وفتحهما لينظر لهما بصدمة وهو يقول: ده كثير جداً يا أبونا.
المسؤول: تجي لنا على طول من غير وسائط، لو ليك حق هتاخده.
إدوارد بفرحة: حابب أتبرع بمبلغ للأيتام زي أبويا ما كان بيعمل. أول ما أصرف الشيكات هاجي أتبرع، مش معايا مبلغ محترم.
ضحك كل الموجودين بسعادة. ليقول المسؤول: هو ده ابننا، رحيم على إخواته. تقدر تيجي في أي وقت، وبلاش الشغل القديم إياه.
إدوارد: أنا اتغيرت يا أبونا وهقدم في معهد وأكمل تعليم.
المسؤول: أتمنى ما يكونش كلام وبس.
إدوارد: وعد، وعلى قد ما أقدر هاجي وهشتغل وهتكون فخور بيا.
بعد خروج رقية وإدوارد من الكنيسة.
قبل إدوارد رأس رقية وهو يقول: عشر أيام بس يا ماما، وقدرتي تخليني آخد حقي وزيادة. مش عارف أعمل لك إيه.
رقية: روحني البيت أستريح شوية، وروح أنت اصرف الشيكات. ما تجيبش فلوس البيت وأنت في البنك. افتح حساب وحط الفلوس فيه. خد بس مبلغ التبرع وروح اتبرع النهاردة، على ما تيجي أكون استريحت وعملت غدا، علشان مسافرة بيتي النهاردة.
إدوارد: خليكي هنا، إنتي أصلاً لازم كل شهر جلسة كيماوي وأنتي بتتتعبي.
رقية: مش بستريح غير في بيت نهر، وكمان عمر وحشني، والحمار ده مش بيذاكر غير وحدة فوق دماغه. وما زرتش قبر أحمد من فترة كبيرة.
إدوارد: أنا ونهر هنقلق عليكي.
رقية: هيبقي بينا تليفونات. ما تتعبنيش بقي، لازم تشوف حياتك، مش هتعيشي بالفلوس اللي أخذتها بس، لأن هيجي يوم وتخلص. غير إنك شاب وكبرت، يعني لازم تفكر تشتري شقة، لأن مسيرك هتتجوز.
إدوارد: حاسس إني بحلم. بقولك لو الأمور مشيت معايا كويس، ما تعمليش أكل، هعزمك إنتي ونهر. عاوزة تاكلي إيه؟
رقية: حيث كده، هات معاك فتة شاورما، مش سندوتشات. لا، فتة وهات من مكان نظيف.
إدوارد: شكلك داخلة على طمع يا رقية.
رقية بتمثيل الحزن: كنت عارفة إنك معفن. هقول لنهر تجيب لي وأنا وهي بس.
إدوارد: لأ، خلاص هجيب أنا. بطني نشفت من الأكل الورديحي، بس فكري بلاش سفر النهاردة.
رقية: نهر إجازة بكرة من الكلية، هتروح معايا البيت النهاردة وترجع بكرة آخر النهار. وطول ما أنا هنا مش بتركز في كليتها.
بعد العصر، رجع إدوارد بيته، وكانت رقية ونهر في انتظاره. وقد جهزت رقية ونهر شنطة للسفر، وتأكدت نهر من وجود الأدوية.
نهر: اتأخرت كده ليه يا جدع؟ أنا كنت عايزة نروح في النور.
إدوارد: يا بنتي، من بنك لبنك، ماهو كل شيك من بنك. وبعدين الكنيسة، وهناك قالوا لي لازم أقعد شوية، وموال. وقابلت عمي وأولاد عمي واتصالحنا وجيت.
نهر: فين الشاورما؟
إدوارد: لو حلفت لك إن طاقتي خلصت وما قدرتش أعدي أجيب، هتصدقيني؟
نهر: هروح أجيب عيش وتونة. على رأي المثل، عشمتني بالحلق، خرمت أنا وداني.
إدوارد: يا لهوووواي! أنا عشمتك بحاجة ولا كلمتك حتى النهاردة؟ أنا قلت لماما بس، وعارف إنها هتسامح. وبعدين ده أسلوب واحدة في هندسة وبتتكلم كذا لغة. اللي يسمعك يفتكرك من شبرا.
رقية: امشي يا نهر وتعالي بسرعة علشان نلحق ننظف البيت هناك.
إدوارد: آسف، سامحيني. افتكرت نهر ممكن تروح تجيب، بس طلعت متسرعة.
رقية: ادخل خد شور يلا، على ما تيجي وأنا هقطع طماطم وخيار وبصل، وأبقى أعلق على براد الشاي ووطي عليه.
إدوارد: لا، أنا هريح على الكنبة، مش قادر أروح حتة.
رقية ابتسمت: طيب.
ذهبت رقية للحمام وملأت جردل صغير بالماء ووضعت به قليل من الصابون السائل، ثم تسللت بهدوء وسكبته على إدوارد وهو مغلق العينين.
انتفض إدوارد بفزع وهو يصرخ: يا لاهوووواي!
رقية: مش أنت مش قادر تروح الحمام؟ ده إنت ريحتك شمتها من وأنت على أول الشارع. إيه كل الفرك ده ومش عايز تاخد شور!
إدوارد بحزن: والله إنت هتتحاسبي عليا. أنا اتبهدلت.
رقية: كلامي بقوله مرة واحدة. حتى لبسك اتبهدل وجاي به مش نضيف.
إدوارد: ما أنا طول النهار بجري يا ست إنت.
رقية: ادخل يلا كمل الشاور وغير، بدل ما تاخد برد، وإبقى نظف المكان بعد ما نمشي.
إدوارد وهو يجز على أسنانه: وليه قوية ومفترية وهي كلها شبرين!!
رقية: حسن ألفاظك يا حمار! إيه وليه دي؟
تنهد بيأس واتجه إلى الحمام.
بعد فترة، جاءت نهر، وخرج إدوارد، وكلوا مع بعض في جو أسري بسيط. لكن لاحظ إدوارد ورقية شرود نهر.
رقية: مالك يا نهر؟
نهر: النهاردة قراية فاتحة على رانيا يا آنسة.
إدوارد: وإنت زعلانة ليه؟
نهر: ما تخيلتش ما أكونش جنب صاحبة عمري في يوم زي ده. بس مش عايزة أظهر تاني في الصورة. كفاية خسرت أنهار.
إدوارد: لما توصلوا البلد، روحي باركي لها.
نهر: ده اللي هيحصل إن شاء الله.
إدوارد: لو كنتم قلتم لي، كنت قلت ما تستنونييش، وكنتي روحت بدري.
نهر: كده كده، حتى لو روحنا بدري ما كنتش هحضر. أخاف على يبص لي بصة توجع رانيا، وأخاف ست علي تقلب عليها زي أنهار، وأخاف تحصل مشاكل بسببي بين علي وعبد الله.
إدوارد: إيه الحب الملخبط ده؟ رانيا بتحب علي، ودكتور علي بيحبك، وإنت بتحبي واد علي النت، والواد بيحب واحدة وبياخد رأيك يعمل إيه معاها، والكل عارف إنه بيحب من طرف واحد.
رقية بذهول: أنا ما أعرفش إن نهر بتحب حد.
نهر وهي تغمض عينيها بغضب: ده واحد مش مركز، آنسة. أنا عندي أكتر من 400 شخص على الفيس من بلاد كتير، بس اللي بيقول عليه أدو كان في فيس سينام، وتلاقي الفيس اقترحه عليا. بعدها عرفت إنه مهندس مدني، وأحياناً بحتاجه يفهمني حاجة في مادة Structure.
رقية بشك: بس؟
نهر: لأ، اتكلمنا مع بعض كذا مرة ماسنجر، وعمل إعجاب على كذا منشور ليا، وأنا كمان عملت إعجاب على كذا منشور ليه. وفيه بينا تفاهم في الآراء، لكن مش حب. ممكن تقولي صداقة تبادل مصالح، وأحياناً بزنس صغير. ببعت له شوية أشغال يدوية من هنا وبأخد ثمنها وكده.
رقية: أنا موجودة في أي وقت لو قلبك اتحرك لحد. أنا هسمعك، واثقة فيك، بس أحب أكون عارفة.
نهر: أكيد، آنسة. أنا فيه حوالي متين ولد عندي، بس علاقتي بيهم من شغل الصيف صداقة بريئة، أو شغل. وقليل منهم مصري وبرضو شغل.
رقية: هقوم أصب الشاي وأنتم خلصوا ولموا الأطباق.
مسكت نهر رأسها ونظرت لإدوارد بتهديد.
إدوارد بلامبالاة: يا جبروتك! أنا متأكد إنك بتحبيه. إنت مش بتشوفي نفسك وأنت مستنية الرد لما تكلميه؟ بس اللي مخليني مش قافش إنه مجرد كلام، عمرك ما فتحتي كاميرا أو بعتي صورة، إلا صور الحاجات اللي بيشتريها.
نهر بابتسامة خبيثة: آراءك لنفسك يا عسل.
إدوارد: يا بت مش قولتيلي معجبة به؟
نهر: وقولت كمان ده سر.
إدوارد: سر على أمك ده! أنا أعرفها. ما كملتش سنة وبتقدر تعرف أنا بفكر في إيه قبل ما أتكلم.
نهر بتافف: آدو! ما تخلنيش أفقد الثقة فيك. قوم هات الشاي من آنة بدل ما إنت متنح كده.
إدوارد: طيب. ما إن قام وخطى خطوتين حتى وضعت نهر ساقها أمامه، فوقع. ونظر إليها بغضب لتقترب نهر من أذنه وهي تقول: ده علشان تعرف تحافظ على أي سر أقوله لك. المرة الجاية مش هتكون مجرد وقعه، هتكون كسر.
إدوارد بغيظ: يااااامة! تصدقي اتخضيت. خافي مني أنا، لو ساندت عليك هسفلتك بالأرض وأنت قلة أصلاً.
خرجت رقية لتقول: فيه إيه؟
إدوارد: البنت وأمها ملايكة. واحدة تكب جردل ميه، والتانية تشنكلني. شكل أيامي الجاية معاكم مرار. بس لأ وربنا لآخد حقي منكم. بس حد يقومني، شكل رجلي اتلوت.
بعد أن قام، شربوا الشاي.
نهر: هتعمل إيه بكرة؟
إدوارد: هريح في البيت، أصل أنا شكلي داخل على برد. (ونظر لرقية) وكمان رجلي وجعاني من الوقعة. (ووجه نظره لنهر) منه لله اللي كان السبب.
نهر وهي تلبس الشنطة على ظهرها: يلا آنة. خلي بالك من نفسك يا أدو. غالباً هاجي على بيت المغتربات، أبقى قابلك في المترو بعد بكرة نفطر مع بعض.
إدوارد: ما تيجي نفطر هنا.
نهر: عيب، آجي لشاب في بيته لوحدي.
إدوارد: ما إحنا زي الأخوات.
رقية: زي يا حبيبي، لكن مش أخوات. اتقوا مواضع الشبهات، حتى وإحنا معاك فاتحين الشباك والشقة أرضي، دي الأصول.
إدوارد: حاضر يا ماما. ماشي، آجي أوصلكم.
رقية: لأ، إنت تعبان من لف طول النهار، ريح. وما تنساش تمسح الأرض. سلام.
في بيت رانيا.
تم قراءة الفاتحة، ولبس علي رانيا خاتم، وقد تم الاتفاق على كتب الكتاب ثالث جمعة من اليوم، وكان اليوم الثلاثاء.
حضر الفاتحة أعمام وأخوال رانيا، ومن بيت العريس علي وعبد الله ومحمد وانتصار ومصطفى والحاجة.
رانيا لعلي: هي أنهار ما جاتش ليه؟
علي: قلت تريح، لأنهـا تعبانة من الكلية والحمل. إنت عارف الطريق كله مطبات، وإحنا مش هنبات في البلد، هنرجع النهاردة مصر، هيكون تعب عليها.
انتصار، فقد كانت قريبة: مستعجلة على إيه؟ ده أنتم هتكونوا سلايف. مش بعيد علي وعبد الله ياخدوا شقتين جنب بعض، ووشكم هيكون في وش بعض على طول.
رانيا: بطمن عليها بس، حضرتك عارفة أنا وأنهار ونهر أصحاب من زمان.
تدخل عبد الله: كنتم خلاص، أنهار قطعت علاقتها بنهر، ويا ريت إنت كمان ما تكلميش نهر تاني.
رانيا عقدت حاجبيها وهي تقول: بمناسبة إيه تحرمني من صاحبة عمري؟ معلش يا دكتور، إذا كان مجرد قراية فاتحة، هيسمح لك تتحكم في تصرفاتي اللي أهلي عارفينها. فعادي جداً، من دلوقتي ممكن تاخد خاتمك يا دكتور علي. أنا مش لعبة حضرتك وأخوك تامروني وأنفذ.
علي: نهر أختي يا آنسة رانيا، و أكيد مش هحكم عليكِ تسيبي صاحبتك. عبد الله بيحب يهزر. ووقف بسرعة وهو يشد عبد الله لركن ويتكلم معه بغضب لكن بصوت منخفض: عمري قلت لمراتي تعمل إيه وما تعملش إيه؟ أنا شايفك راجل، وإني ماليش تدخل وأقول لها أمر. بمناسبة إيه بتطلب من خاطبتي تقاطع صاحبة عمرها؟
عبد الله بذهول: بمناسبة إنها وأمها خربوا بيت أمك وأبوك، وعارف إن نهر هي اللي أشارت عليك بيها. تبلّينا بصاحبتها والعيلة كلها تكون تحت عنيها وتلعب بينا الكورة.
علي: وإنت سمعت من مين إن خالتي ونهر سبب طلاق أمك؟ سألت أمك؟ سألت أبوك؟ ولا سمعت كلام ستك وعمك من غير ما تسأل وتتحقق؟ لو مش شايفني راجل، ائمر خاطبتي يا عبد الله.
عبد الله: على أساس هي سكتت. دي مستعدة تبيعك وتفسخ قراية الفاتحة عشان البرنسيسة.
علي: مش عايزة تبيع عشر العمر يا غبي عشان واحد يا دوب لسه مكلماه من أسبوع في وسط أهلها، ما تعرفنيش ولا تعرف طبعي ولا عاشرتني. تاني مرة أشوفها فيها نقول لها كده. عبد الله، مالكش في خطيبتي، زي ما أنا شايف تصرفاتك الغلط مع أنهار ومش بتدخل. ممكن؟
عبد الله: ممكن. ومش جاي كمان كتب كتابك كده مرضى. أشبع بقليلة الذوق اللي جايبها استبن بدل حبيبة القلب.
نظر له علي بحزن: شكراً على وقفتك جنبي في يوم زي ده يا عبد الله.
اتجه علي إلى أمه: يلا يا أمي، الطريق طويل. اجهزي لو عايزة تروحي الحمام ولا حاجة.
نظر لوالد رانيا: هو ممكن آخد رقم آنسة رانيا علشان نحدد يوم مناسب ننزل نجيب الشبكة.
والد رانيا: أم رانيا أدت لوالدتك رقمها، يبقوا يتفقوا مع بعض. مش معقول هتروحوا مع بعض لوحدكم، أنتم مش كاتبين الكتاب.
علي بتفهم: تمام يا عمي.
اتجه إلى رانيا: آسف لسوء التفاهم يا آنسة. أكيد ما حدش هيجبرك على شيء إنت مش راضية عنه.
رانيا وقد امتلأت عيونها بالدموع: آسفة أنا كمان لتهوري في الكلام. سامحني، نهر بالنسبة ليا أخت، وخالتي رقية زيها زي ماما.
علي بابتسامة: عارف. وهما كده بالنسبة ليا كمان. يلا تصبحوا على خير.
الحاجة: ما لسه بدري يا علي.
علي: الطريق طويل يا ستي، وأنا تعبت من بدري، قايم.
الحاجة: طريق إيه؟ أنتم مش هتباتوا؟
علي: الكلام مش هنا يا ستي. عمي! أبويا وستي معاك، وعبد الله وأمي معايا. هاقف عند المحطة نتقابل هناك.
واستأذنوا ومشوا.
وقف علي قريب من المحطة، ولحقه مصطفى.
محمد: مش عاوز تبات ليه يا علي؟
علي: أمي معانا، وما ينفعش تبات عندكم. كان زمان يا والدي. وعبد الله آخر مرة جه فيها عندكم رجع حاله متشقلب وعصبي على الفاضي والمليان.
محمد: شفت وشوشتكم، وتقريباً كنتم بتتخانقوا. فيه إيه؟
عبد الله: لحظة يابا، يعني إيه "حاله متشقلب"؟ بمشي على الحيط ولا بشد في شعري؟
علي: ما عدتش بتصلي يا عبد الله. بتعمل حجج الدنيا وما بتصليش أصلاً، لا حاضر ولا قاضي، ومش طايق البيت، وطول الوقت مخنوق ومش طايق تسمع قرآن. تحب أقول كمان؟
محمد: يعني إيه يا علي؟
علي: يعني حد أذى عبد الله يا بـاه؟ (ونظر إلى ستة) ومش حابب أبات عندكم كده. وصلت.
الحاجة: تقصد إيه يا علي؟ إنتصار ملّت دماغك بأيه؟
علي: أنا ميت تعب. ممكن أمشي ونتكلم في التليفون.
نزلت في تلك اللحظة نهر ورقية من ميكروباص، لتلتقي نظراتهم بعضهم البعض.
خرجت انتصار من العربة بسرعة، فاسرع عبد الله بمسك يد أمه. فتجمعت الدموع في عين إنتصار وهي تنظر لرقية، لتنظر لها رقية بابتسامة مطمئنة أنها بخير ويجب أن تمشي مع ابنها. نظرت أيضاً نهر لها بابتسامة وحب، ومشيا بهدوء.
اسرع علي لهم، فبادرتة رقية بالقول: مبروك يا دكتور، ربنا يتمم لك بخير. سلام علشان مرهقة.
نهر: مبروك يا آبيه. روح لهم بلاش مشاكل النهاردة، إحنا بخير.
مشيا بين نظرات فيها الحب، ونظرات أخرى فيها الشماتة.
أعطى علي مفاتيح السيارة لعبد الله وقال: يلا يا عبده، سوق إنت مش قادر.
ثاني يوم صباحاً.
اتصل محمد بعبد الله وسأله عن رقم فون أمه، هل غيرته؟ فقال له عبد الله إنه أتى لها بخط جديد، فطلب محمد منه الرقم الجديد واتصل عليها.
انتصار: الو، السلام عليكم. الرقم ده اتصل كذا مرة، مين معايا؟
محمد: أنا يا أم علي.
انتصار: خير يا أبو علي؟
محمد: علي وعبد الله شكلهم إمبارح ما طمنيش. وطبعاً لو سألت حد فيهم مش هيريحني. عاوز أفهم فيه إيه؟
انتصار: أكيد عرفت اللي حصل عند رقية قبل ما أمشي وأجي مع عبد الله، صح؟
محمد: صح.
انتصار: ما استغربتش من تصرف عبد الله واتهامه لنهر. نهر اللي لما كانت الدنيا تضيق به، يروح يشتكي ليها وما يقولش لينا حاجة.
محمد: استغربت.
انتصار: ده نقطة في بحر. لما جه هنا قال لأنهار تقطع علاقتها بنهر. الحاجة ومصطفى قالوا له إن رقية سبب طلاقنا. والعادي إنه إما يسألك أو يسألني. لكن لأ، هو حكم وقرر وقطع كل الخيوط. مش كده وبس، طول الوقت شخط ونطر في أنهار. ومن خوفي عليها منه، بخليها تبات معايا مش معاه.
محمد: ما يمكن زعلان من بعد مراته عنه؟
انتصار: زعلان؟ ده مش طايق يشوفها أصلاً. كذا مرة يقول لها مش عايز أشوف وشك لما أدخل البيت. لولا كلامي معاها، كان زمانها سايبة البيت من زمان. اسمع يا أبو عيالي، ابنك اليوم اللي جه وبات فيه عنكم، حاله اتبدل. ورقية صممت أسيبها لما شافتة مع عمه، قالت روحي معاة يا إنتصار علشان تحمي أنهار منه وتقرئي له قرآن على قد ما تقدري، بس مجرد ما يدخل البيت مش عاوز نفس. ولو قرأت له حاجة عينه بتحمر ويتجنن ويتشنج. أخوه وداه لدكتور أعصاب، بس ما فيش حاجة. وكويس في شغله. ابنك معمول له عمل. أنا ابني بيضيع مني. كلم أمك وشوف فين العمل، واحرقوه.
محمد: إنت اتجننتي يا إنتصار؟ أمي مستحيل تأذي ابني كده، وأنت مالية دماغي عيالي بأوهامك.
انتصار: خليك دافع عنهم لغاية ما عبد الله يضيع مننا. هي عايزاه يطلق أنهار، وإنت عارف. أنا قلت اللي يرضي ضميري. سلام يا أبو عيالي.
بعد عدة أيام.
عند نهر وإدوارد في محطة المترو، يفطر الاثنان سندوتشات نهر جهزتها مع عصير.
نهر: إنت بتهبب إيه في حياتك يا بني؟
إدوارد: بهبب؟ الملافظ سعد. عموماً بدور على شقة كويسة في نفس المنطقة، وعاوز أشتري عربية صغيرة أو ميكروباص أشتغل عليه. وعملت رخصة قيادة زي ما أنت عارفة، يعني مش قاعد.
نهر: طيب يا نشيط، أنا عملت لك C.V محترم وبعتُه لكذا فندق. فيه فندق رد عليا وحددوا إنترفيو.
إدوارد: هشتغل إيه في الفندق؟
نهر: بص، أنا قلت كل اللي أعرفه عنك. بتعرف تسوق، خريج ثانوي عام، لك خبرة في منتجع صحي، وبتعرف وورد وإكسيل وباوربوينت، وقليل من اللغة الإنجليزية والألمانية، واللغة الأم عربي.
إدوارد: يعني هشتغل إيه؟
نهر: هتعرف لما تروح. بس بناءً على بياناتك، وبما إنه فندق على النيل ومش مشهور، أما هتكون في خدمة الغرف أو الجراج. تعرف الناس اللي بتاخد العربيات تركنها دي، أو الجيمز. عموماً، علشان تبقي على علم، شغل الفنادق مرهق جداً. أي شغل خاص مرهق. يلا سلام علشان ما أتأخرش، لأن فيه دكتور مخنوق مني لغيابي كذا مرة. حتى بعد ما رحت لرئيس القسم وقدمت شهادات، آنه المرضية، وإني لازم أكون معاها، ورئيس القسم كلمه شخصياً، إلا إنه بيغلس عليا جامد وبينقصني درجات كتير.
إدوارد: قولي لي على اسمه وأجي أضربه.
نهر بضحكة: تضربه؟ الدكتور؟ ده قد والدك يابني. لأ، سيبه. الدفعة كلها بتدعي عليه، هيفطس لوحده. سلاااام.
بعد أيام أخرى.
ذهب علي واشترى الشبكة مع رانيا وأمها. أما انتصار، فخافت أن تترك أنهار مع عبد الله واعتذرت. لكن حدث ما خافت منه انتصار.
انتصار اتصلت بعلي، لكن فونة كان صامت وكان مشغولاً بشراء الشبكة. بكت وتذكرت يوم أن أتى لها إدوارد.
flash back
إنتصار: مين على الباب؟
إدوارد: الزبال.
فتحت انتصار لتتفاجأ بمن يدخل من الباب دون استئذان، وقبل أن تصرخ، كان قد وضع يده على فمها وهو يقول: أنا يا خالتي. في حد معاك في البيت؟
إنتصار وهي تنظر إليه بذهول: يخرب بيتك! كنت هموت من الخضة. علي وعبد الله في الشغل، وأنهار في الكلية.
إدوارد: نهر أدتني العنوان، وهي كمان في الكلية. بصي، ماما قالت آجي أطمنك عليها الصبح علشان كلهم يكونوا مشيوا وما أسببش لك مشاكل مع ابنك المتخلف.
إنتصار: ابني أنا متخلف؟ ده دكتور قلب قد الدنيا.
إدوارد: واللهي، أومال واجع قلبك ليه؟ المهم تاخدي تكلمي ماما رقية.
إنتصار: آآآه.
اتصل إدوارد بفونه على رقية لتكلمها انتصار بلهفة: كنت هتجنن عليك يا رقية. إنت كويسة؟ (ثم نظرت لإدوارد) المطبخ من هنا، روح أعمل كوبايتين شاي وتأخر على قد ما تقدر.
إدوارد: ماشي، هروح أشوف إيه في المطبخ.
بعد مدة خرج.
إدوارد: كفاية كده، الرصيد هيخلص.
إنتصار: هديك تشحن تاني.
إدوارد: لأ، أنا أكلت الكبدة اللي كانت في الثلاجة، سخنتها وأكلت. وكمان أكلت مانجيتين وشربت شاي. كده الحساب خالص. هاتي بقى تليفونك أسجل عليه نمبرتي، وهكتب "كوافير". نهر قالت لي كده.
إنتصار: كوافير؟ هو أنا وشي كده؟
إدوارد: آآآه، ما أنا لو كتبت "خضري" ممكن حد من ولادك يتصل يطلب حاجة، أو لو كتبت "مكواة". لكن "كوافير" ما حدش هيتصل.
إنتصار: قول له يديني رقمك أو رقم نهر يا رقية.
رقية: مش دلوقتي يا إنتصار، الأمور تهدى عندك الأول. كده كده هطمنك كل فترة، يلا سلام.
أخذ إدوارد فيها وسجل رقمه وكتب كوافير.
إدوارد: سلام بقى يا خالتي، وتسلم إيدك على الكبدة، تحفة. وفتح الباب وخرج وأغلق خلفه.
back
إنتصار: الواد اللي ما بعرفش أقول اسمه، يا رب يرد. اتصلت ليرد سريعاً.
إدوارد: الو، مين؟
إنتصار: أنا إنتصار. الحقني، يا اسمك إيه، مرات ابني بتتوجع. الظاهر هتولد. والنبي اتصرف.
إدوارد بشك: خالتي إنتصار.
إنتصار: أيوة.
إدوارد: حاولي تتصرفي على ما أجي، أو اتصلي بجوزها.
إنتصار: قافلين تليفوناتهم. اتصرف أنا، معرفش أروح فين، والبت في آخر السابع.
إدوارد: جاي، وهاتصل بالإسعاف.
فتح علي جوجل ليعرف أقرب مستشفى منهم، ويبعت لهم عربة إسعاف. بالفعل، وصلت عربة من المستشفى، ووصل إدوارد لهناك ليقف مع إنتصار التي تبكي بحرقة.
جاء من يأخذ البيانات ومقدم للولادة.
إدوارد: معايا فيزا، ينفع تاخدوا منها؟ ولا لازم كاش.
الموظف: طبعاً ينفع. اتفضل معايا.
إدوارد: خالتي تعالي معايا، أنا معرفش البيانات، أقصد اسم الست كامل وجوزها وكده.
إنتصار: وهسبها لوحدها؟
إدوارد: ما هي جوه، نخلص الإجراءات ونيجي.
طلع دكتور: الحالة اللي جوه دي متعرضة للضرب. فيه حد حاول يسقطها، ولازم نبلغ.
فرك إدوارد وجهه بغضب: ولازم برضه تشوفوا شغلكم علشان تنقذوها، بعدين نشوف انضربت أو لأ.
الدكتور: دي عندها أنيميا يا أستاذ، وجسمها ضعيف. عاوزين دم.
إدوارد: مش فيه هنا أكياس دم نشتري؟ المفروض دي مستشفى خاص ولادة.
الموظف: حاضر يا دكتور. اكتب عاوز كام كيس وفصيلة الدم.
الدكتور: عموماً، فصيلة دمها مش نادرة، هتلاقوه هنا. بس بسرعة، وهعمل اللي عليا، بس برضه هبلغ.
إدوارد: ماشي، هنجيب الدم ونيجي. يلا يا خالتي.
إنتصار وهي ترتجف خوفاً: بيقول هيبلغ، ابني مستقبله هيضيع، هو والبت والعيل.
إدوارد بذهول: هي مضروبة بجد؟
إنتصار: أه. ما عرفتش أحوش دخل الأوضة وقفل الباب وضربها.
إدوارد: اتصلي بأبوه يتصرف، أو أخوه.
إنتصار: أبوه! آيوة أبوها. اتصلت بمحمد.
محمد: السلام عليكم.
انتصار: الحقني يا محمد. قصت له ما حدث سريعاً، ليشهق محمد برعب ويقول: هحاول أتصرف يا إنتصار.
اتصل محمد بأبو رانيا، ورد عليه. أبلغه أن يقول لابنته أو زوجته أن ينبهوا عليه ليرد على مكالمات أمه أو يتصل بها فوراً.
بعد قليل، اتصل علي بأمه وعلم ما حدث.
علي: آسف يا جماعة، أنهار بتولد، وتقريباً عبد الله في العمليات، ووالدتي مش عارفة تتصرف. مضر أمشي حالا، ومش هعرف أوصلكم.
رانيا: إحنا أصلاً خلصنا ودفعت الفلوس. اتفضل، هنعرف نروح. بس ابقي طمنا.
علي: تمام. أخذ العربة واتجه فوراً على القاهرة. وصل وما زالت أنهار داخل غرفة العمليات. أصر علي الدخول ودخل. بعد ساعتين خرج. نظر لأمه: ربنا نجاها، لكن ولدت قيصري رغم الأنيميا. إحنا أهملنا فيها جامد. ربنا يسامحك يا عبد الله. دي متبهدلة ياما! ليه كده؟
دخل مصطفى ومحمد في تلك اللحظة، لتلتفت إنتصار إليهم.
إنتصار: قلت لك يا محمد، مش هتفوء إلا لما عبد الله يضيع. يلا، المهم أمك وأخوك. حسبي الله ونعم الوكيل.
محمد: إيه حصل؟
إنتصار: الدكتور صمم يبلغ إنها انضربت.
مصطفى: هي قالت إن عبد الله ضربها؟
علي بذهول: هي واخدة مخدر مش دريانة بحاجة، والضرب واضح للأعمى.
محمد: ليه يا عبد الله؟ ليه؟
إنتصار: مش عارف ليه؟ مش ده تخطيطك برضه يا أستاذ مصطفى، إنت وأمك؟ روح ربنا يوجع قلبكوا زي ما وجعتوا قلبي.
مصطفى: بس بقي يا إنتصار، أمي كان قصدها يطلقها، مش ياذي نفسه. ما تدعوش علينا.
محمد بصدمة: إنت كنت عارف؟
مصطفى: عرفت بعد ما أمك اتصرفت، بس والله كانت رايدة الخير لعبد الله.
محمد: خراب البيوت خير؟ حصل يوم ما عبد الله جه بات يوم بعد طلاق أمه، صح يا مصطفى؟
مصطفى ووجهه للأرض: صح.
محمد بابتسامة عجز وأسى: حقك عليا يا إنتصار، ما صدقتكيش. لأ، وزعلت إن العيال ما باتوش عندنا يوم قراية الفاتحة. (نظر لعلي) كان عندك حق.
بعد فترة، دخلوا لأنهـار الغرفة. كانت وجهها أزرق من علامات الضرب. لم يستطع محمد الصمود أكثر من ذلك ليقول لمصطفى: روحني حالا. وأنت يا علي، خلي بالك من أخوك، واقف جنبه.
نظر لإنتصار: هروح لها حالا، وهعمل اللي طلبتيه مني. كفاية كده.
بعد أن خرجوا، ذهب إليهم إدوارد.
إدوارد: أنا لما شوفتهم جايين بعدت، فعاوزة حاجة مني يا خالتي قبل ما أمشي؟
إنتصار: كتر خيرك. علي، اديله فلوسه اللي دفعها هنا، هو مالوش ذنب يدفع حاجة.
علي: شكراً يا إدوارد، هسحب المبلغ بكرة أو بعده وأجيبه لك.
إدوارد: ما فيش مشكلة، الجيب واحد. عن إذنكم، ابقي ادعي لي يا خالتي، بكرة أول يوم شغل ليا، شغل جديد يعني.
إنتصار: وأنت ادعي لأنهار تقوم بالسلامة، أصل ربنا رب قلوب، وإنت قلبك أبيض.
إدوارد: حاضر يا خالتي، سلام.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رينا الهادي
ترك محمد المشفي وهو مخنوق، وكان كالمغيب، يتذكر بين الحين والآخر وجه أنهار وهي منتفخة للغاية، حتى وليدها لم يره، فقد أخذوه للحضانة مع إعلام الطبيب لهم أنه ضعيف للغاية. ترجى أخاه أن يرجعه إلى البيت الكبير، ولم يفعل أي رد فعل، إلا أنه مشى وراء مصطفى مطاطي الرأس، من يراه يعرف أنه مليء بالهموم. إلى أن وصلوا البيت، ومصطفى يجر محمد ليدخل، ما أن دخل حتى استقبلتهم الحاجة.
الحاجة: إيه الأخبار يا مصطفى؟
مصطفى: محمد صمم نمشي قبل ما نعرف إيه هيحصل. الدكتور قدم بلاغ أن أنهار اتعرضت للضرب وكان هيسقطها وممكن يموتها كمان.
الحاجة: مين قال للدكتور يقدم بلاغ؟ ولا بنت الشحاتين عايزة عبد الله يتسجن ويضيع مستقبله؟
مصطفى: أنهار في دنيا تانية، هي من كتر الضرب والنزيف وصلت المستشفى مغمي عليها ولسة ما فقتش.
الحاجة: أومال الدكتور قدم بلاغ ليه؟
مصطفى: من شكلها يا يمة، الأعمى يعرف إنها واخدة علقة موت.
الحاجة: مش هتقدر تتكلم وتقول حاجة؟ يا أما ستات بتضرب وتسكت، هي عايزة تكمل تعليم، لو كل ست انضربت اتطلقت، ما كانش فيه حد متجوز.
محمد: بس أنا عمري ما مديت إيدي على انتصار. علي وعبد الله كانوا بيتخانقوا معايا لما أعلي صوتي على أمهم، يقوم يضرب مراته كده وهي بطنها قدامها شبرين. ليه يا ياما عملتي كده؟ ليه تحرقي قلبي على ابني؟ ليه تكوني السبب في ضياع مستقبله وموت ابنه؟
الحاجة بغضب: أنا يا محمد؟ أنتم نور عيني، أنا أأذيه ليه؟ عملت إيه أنا؟
محمد: تنكري إنك عملتي له سحر يكره مراته ويسمع كلامكم. اهو كرهها وودى نفسه في ستين داهية.
الحاجة: أنت هتكدب الكذبة وتصدقها! أنت مش قولت كنت ورانا أنا وأختك وخليت الشيخ يدينا حاجات أي كلام؟
محمد: كنت غبي، فكرت إنك خلاص مش هتعملي حاجة تانية. لكن إزاي اتصلتوا به أنت وابنك عشان يجي وتنفذي اللي في دماغك. لا همك أن ابنه يكون من غير أم أو أب، ماهو لو هيطلقوا هعيش يا مع أبوه يا أمه. ما همكش حاجة غير أن أنهار مش واخدة الرضا منكم وعايزين تجوزوه بالسحر والأعمال لبنت عزيزة، صح يا يمة؟
الحاجة: انتصار ملت دماغك، وأنا هنتظر إيه من عقربة فتحتلي بيتي وعايزة تلوشني.
محمد بعيون دامعة: مصطفى قالي كل حاجة يا يمة. يوم ما جه عبد الله عشان يعرف أمه اتطلقت ليه. (نظر لأخيه) مش أنت قلت عرفت بعد ما أمك عملت السحر يا درش ولا هتنكر؟ أبوس رجلك يا يمة احرقي السحر، ابني هيضيع.
الحاجة بحزن: أنا آه عملت سحر عشان يكرهها، فاكرة نفسها ضحكت علينا، وآه عايزاه يطلقها بس مش يضيع نفسه. ما تخافش يا ضنايا، حتى لو قالت إنه ضربها تجيب دليل، وإن مات العيل ده نصيبه. ونبدأ على نظافة، هي ما كانتش له من الأول، والله يا بني من حبي فيه عايزة له الأحسن. هنقف جنبه وهندعيله وهيبقى زي الفل.
محمد: احرقي السحر يا يمة، مش له وبس وسحر رقية. السحر كفر وإحنا مش حمل عذاب الدنيا فما بالك بالآخرة.
الحاجة: عشان خاطرك نحرق عمل عبد الله. ومين قالك إنه كفر؟ يا ما ناس بياخدوا حقوقهم بالأعمال، ما دام إيدي مش طايلة اللي آذاه، لكن رقية تستاهل أكتر من كده. كرهت أخوك وسودت أيامه، وهان عليها ابنها وضربت أخوك في وسط الدار وذلته ومش عايزة ترجع له.
محمد: هتستفادي إيه من الكره اللي في قلبك؟ هيحرقك أنت وهيجي يوم نقابل ربنا، هتعملي إيه وقتها؟
الحاجة: خلاص يا محمد، مش عشان كبيرة في السن تفتكر إن خرفت. ويكون في علمك مش هفك عمل عبد الله غير لما تكتب كتابك. البيت محتاج ست وأنا لقيت بنت بنوت وترضى تتجوزك، مش هتعيش عازب على ذكرى اللي ما تتسمى.
محمد بذهول وهو فاتح فمه على آخره ومصدوم: عايزة تجوزيني وأنا بقيت جد؟
الحاجة: أنت راجل وبصحتك، وأخوك مش هينفع يتجوز والبيت محتاج ست. والبت هنية صغيرة، لا بتعرف تعمل لقمة حلوة ولا حتى فنجان قهوة لأخوك.
محمد: هو أنا بنت هتجوز غصب؟ مش عاوز أتزوج.
الحاجة: ليه يا بني؟ البيت فضي علينا أنا وأنت وأخوك وابن أخوك صغير. أنا يا ابني بروح الحمام بالعكاز. هو أنا بطلب منك حاجة حرام؟ وعهد عليا أكتب كتابك أقولك فين عمل عبد الله تحرقه، بقي ترميه، اعمل ما بدك. قلت إيه؟
محمد: قلت إني مخنوق، رايح أشم هوا. لولا إنك أمي كان هيبقى ليا معاك تصرف تاني. نظر إليهم نظرة كلها خيبة أمل وانكسار وخرج. ذهب إلى أرضه، وضع رأسه بين رجليه وأخذ يبكي بقهر. آفاق بعد فترة على رن هاتفه، فرد وهو يرى اسم المتصل أم العيال.
محمد بلهفة: السلام عليكم، فيه أخبار جديدة؟
انتصار: عملت إيه مع أمك؟ قالت لك العمل فين؟
محمد: طمنيني الأول أنهار فاقت والبوليس جه ولا لسة؟
انتصار بتنهيدة: فاقت والبوليس جه وخد أقوالها، وقالت إن كنت في السوق وهي كانت لوحدها وحد كان جاي يسرق وكان حاطط حاجة على وشه وتفاجئ بها في البيت وضربها. من الآخر طلعت أصيلة وكذبت وحمت عبد الله رغم إنه مخلاش فيها حتى سليمة. وابنك كافئها وجه هنا وطلقها وقال لها مش عاوز أشوف خلقتك، أنا بكرهك. علي اتخانق معاه وقال له ولا إحنا عاوزين نشوف وشك وماتجيش البيت تاني، شوف لك أي مكان. (بكت بقهر) علي أول مرة يمد إيده على أخوه، قاله تروح تلم هدومك من البيت عشان أنهار لما تطلع هي اللي هتروح البيت هي وأمك. عرفت يا محمد كل حاجة كده واطمنت؟ أنا مش طالبة منك غير إنك ترحمني وترحم عيالك. أنهار بتموت قدامي والمولود تعبان وعيالي بتتفرق. أبوس إيدك يا محمد اتصرف. عبد الله مش في وعيه وعلي مش عارف يعمل إيه، مقهور على أخوه وزعلان على أنهار، ما هي كانت شايلهم وغلبانة والواد ضعيف ممنوع حد يدخله. كنت فاكرة كبروا بقوا رجالة، بقيت خايفة عليهم أكتر من الأول. اعمل أي حاجة لأمك بس تعتق ابني. الواد هيتجنن.
محمد بتنهيدة: بتساوومني؟ أول مرة أخد بالي إني رخيص عندهم وأنا اللي فنيت عمري عليهم.
انتصار: بتساومك إزاي يعني؟
محمد: قالت هتقولي السحر فين لما أكتب كتابي على بنت هي اختارتها. عندي 50 سنة وأمي هتجوزني واختارت، وأنا عليا بس أتجوز من غير ما أفتح بؤقي. أصل البيت محتاج خدامة جديدة، ما أنا ومراتي الحيطة المايلة بتوع أمي وإخواتي.
أحست انتصار بكسرة نفس محمد، فهي رفيقة طريقه منذ ثلاثين عامًا، تفهمه من نظرة.
انتصار بعد أن استغفرت ربها بخفوت: اعمل اللي تقولهولك عليه، زي ما طول عمرك بتعمل. من امتى وأنت بتزعل أو بتكسر كلمة لها؟ جت على الحاجة اللي هترجع ابنك لحياته؟ إحنا من زمان وإحنا بنعمل كل حاجة عشان خاطر ولادنا.
محمد بدموع وصوت مخنوق: من قلبك يا انتصار؟ أتجوز وأكون لحد غيرك؟
انتصار: أنت عارف إننا كسرنا بعض كتير. بينا أولاد وعشرة، بس خلاص ده النصيب. فاكر لما حلفت عليا بالطلاق عشان علي ما يروحش لنهر المستشفى؟ حسيت بوجع ابنك يومها وهو لسة ما طلهاش؟ أكتر من الوجع اللي أنت حاسه. على الأقل أنا كبرت وعشنا عمر مع بعض. زي ما عملت مع ابنك يومها أمك عملت فيك. أنا كمان ما عدش عندي لا خلق ولا صبر أعيش وسطكم. إنت مش بتتجوز، أنت بتاخد واحدة تتجوز عيلتك كلها قبل ما تتجوزك. بتتجوز أمك وأخوك وأختك. معلش لو كلامي زعلك، بس أنت يا ما بعت خاطري أنا وعيالك عشانهم. بيع خاطرك أنت النوبة دي.
محمد لم يستطع الرد عليها، فكل كلمة نزلت عليه كسكين في قلبه. يعلم جيدًا أنها مرآته التي يرى فيها نفسه. ألمه فراقها بعد كل هذا العمر، وألمه أكثر تشجيعها له كي يتزوج غيرها. يعلم حبها الشديد لأولاده، لكن هو من بدأ وفرض فيها، هو من اختار.
بصوت مخنوق: سلام يا انتصار، خلي بالك من نفسك والعيال.
في المترو صباحًا
إدوارد: الفطار معاك جامد آخر حاجة. بقعد لغاية قبل العصر مليان فيتامين. الأسبوع الجاي الشفت بالليل. هنعمل إيه في الفطار؟
نهر: لا هو مش مليان يا آدو، إنت اللي طفس وما شاء الله بتاكل كتير.
إدوارد: أنت بتعدي عليا الأكل؟ مش أنا بجيب العيش معايا؟
نهر بضحك: بالهنا والشفا. عارفة إنك بتتعب طول الوقت شنط طالعة وشنط نازلة.
إدوارد: يا بنتي الشنط ما قدر عليها. على الأقل بأخد تبس. لكن لو ما فيش زباين بيبعتوني أجيب طلبات أو أنزل وأطلع حاجات المطعم. وما أدراك ما حاجات المطعم؟ خضار وفاكهة ولحوم. يا لهوي ظهري اتقطم. بالحق فيه حفلة آخر الأسبوع في الفندق على حمام السباحة. كانوا محتاجين بنات تخدم. تحبي تيجي؟ بس غالبًا هتقعدي لغاية قبل الفجر.
نهر: قبل الفجر هروح فين يا آدو؟ بيت المغتربات هيكون قفل. أقعد على الرصيف.
إدوارد: قدامك حلين. لو رضوا تيجي، أنا قولت إنك بنت خالتي. أولًا تاخدي المفتاح بتاع البيت تروحي تنامي ساعتين قبل الكلية. كده كده هكمل اليوم في الفندق عشان هكون حاضر برضه بخدم على الحفلة. أو فيه أوض للعاملين بيريحوا فيها. أوضة للشباب وأوضة للبنات تريحي فيها لميعاد الكلية.
نهر بتفكير: موضوع آخد مفتاح بيتك لأ. أنا باجي لما آنة تكون موجودة بس عشان برضه سمعتنا إحنا الاتنين. وخصوصًا أن جيرانك أنت قولت لهم إن آنة خالتك. لو هريح في أوضة العاملين تمام. تعالي نكلم آنة يلا وبالمرة أقول لها.
إدوارد: ماشي، بس ابقي اعملي لي بكرة على الغدا محشي ورق عنب.
نهر: نعم؟
إدوارد: نفسي فيه. جايبالي إيه في البوكس أتغدى بيه؟
نهر بابتسامة: محشي ورق عنب وصدر فرخة يا طفس.
إدوارد: يا خراشي يا ناس على الحاسة بيا.
نهر بابتسامة: الأسبوع الجاي هيكون فطار بس عشان هبدأ امتحانات نصف الترم ومش هفضى.
إدوارد: ماشي. هرد لك الأسبوع الجاي الغدا كشري وسردين وتونة. يا ختااااااي. هنغنغك. يلا كلمي روووقة.
في البيت الكبير.
الحاجة: هنروح العصر نطلب البنت يا محمد.
محمد: بسرعة كده؟ ده أنا لسه قايل موافق. نروج نخطب النهاردة؟
الحاجة: كلمت مرات أبوها بالليل ومستنينا النهاردة. وعلشان علي كتب كتابه كمان عشر أيام. يبقى نتفق أنت كمان كتب كتاب ودخلة كمان عشر أيام.
محمد بسخرية: عايزة أكتب كتابي مع ابني؟ طب لو وافقت العروسة هتوافق تتخطب وتتجوز في عشر أيام؟ طب هتلحق تجيب حاجة؟
الحاجة: هي هتيجي بشنطة هدومها بس. اتفاقي مع مرات أبوها كده، وأنت وأخوك تروحوا تجيبوا أوضة نوم جديدة من دمياط وبس. إيه تاني هنجيبه؟
محمد: أوضة نوم؟ أوعي تكوني فاكرة هتجوز في الأوضة اللي كنت فيها مع انتصار.
الحاجة: مالها الأوضة؟ مقعد كبير وقريب من أوضتي والمطبخ. ولا عايزها أوضة الذكريات؟
محمد: ما فكرتيش في قهرت عيالي لما يعرفوا إني هتجوز وكمان في أوضة أمهم؟ أنت أهم حاجة عندك تقهري انتصار بس؟ طب وولادي أنا؟ أصلا مش عارف هقول لهم إزاي؟ بصي يا يمة الجوازة دي عشان قلبك يحن وتقوليلي فين العمل اللي خلي علي يطرد أخوه من البيت، وعشان أنهار تعرف تاخد بالها من ابنها مع انتصار لما ربنا يقومهم بالسلامة. فما تضغطييش عليا أكتر من كده.
الحاجة: طب هتتجوز فين؟ أخوك بيدي دروس في أوضة ومفيش أوض تحت. وشقة عبد الله وأخوك في الدور الأول. هتبني يعني في عشر أيام؟ ولا هتأجر بره وتسبني يا محمد؟
أغمض محمد عينيه بغضب: هنزل عفش عبد الله في أوضتي. وكده كده شقته صغيرة أوضتين وصالة. وأبقى أبني له شقة في الدور الثاني أوسع. على الأقل هو يقدر ينزل ويطلع. وهجيب عفش بسيط من دمياط ومطبخ بسيط برضه وكمبتين في الصالة. وما حدش من العيال هيعرف حاجة عشان ما أبظش فرحة ابني بكتب كتابه. وآه أهم من ده كله ما فيش حاجة اسمها كتب كتاب ودخلة يا يمة. هو كتب كتاب بس. وبعدين تديني العمل أطمن على ابني. بعديها الدخلة.
الحاجة بضحك: إيه يا وله؟ فاكرني دقة عصافير؟ تكتب كتاب وأديك العمل تقوم تطلق وكأنك يا بو زيد ما غزيت. صح؟ لما تحب تضحك اضحك على غيري. أنا أمك يا ضنايا. وبعدين جواز إيه ده اللي في السر؟ تتجوز من غير ما ولادك يعرفوا؟ هو مش برضو الجواز أساسه الإشهار؟
محمد بعتاب: هو أنا قلت هتجوز في السر؟ ما إحنا هنروح نشوفها ونقرأ فاتحة وأهلها وأنت وعمر ومصطفى هتكونوا معايا. وأكيد هيزغطوا ويهيصوا والجيران هتسمع وهتعرف. والبلد كلها هتعرف. سر إيه مش فاهم؟ بس مش عاوز أخسر ولادي، خصوصًا أن علي هيكتب الكتاب وهيسافر بعدها بأيام. على الأقل أودعه قبل ما يسافر من غير ما يكون زعلان مني عشان خاطر أمه. أما بقى أرجع في كلامي في الجوازة، فأنا آه أنتِ غصبتيني على الجواز عشان خاطر ابني. (ضحك بمرارة) بس لسه فيا شوية رجولة تخليني أما أقول كلمة للناس أبقى قدها. مش أنا اللي يدخل بيت حد ويخلي بيهم. إلا إذا أنتِ أخلّيتي بعهدك ليا. ساعتها وإللي رفع السبع سموات مش بس هسيب الجوازة، أنا هسيب البلد كلها وأحلف ما تشوفي طيفي ليوم الممات. على حسب ربنا كاتب لمين يومه الأول. أنا كده خلصت. عايزة نكمل ماشي، مش عايزة أنت حرة.
الحاجة بحزن ودموع التماسيح: جيه اليوم اللي تحلف فيه على أمك يا محمد. بتهددني تسبني بعد العمر ده كله.
محمد بجمود: اتعلمت منك. ما أنتِ الخير والبركة. مش هددتني بابني ومش هتفكي السحر غير بجوازي. فامسحي دموعك يا يمة خلاص عرفت قلبك أسود وما يهمكيش لا زعلي ولا قهرتي على ابني. لما كنت مغفل كنت بصدقك. ياااااا حاجة.
الحاجة: وأنا لما أبقى عاوزة أجوزك وما تبقاش وحيد وأضغط عليك أبقى غلطانة.
محمد بغضب: أمي بلاش ندخل في مواضيع هتوهنا إحنا الاتنين. قولي ناوية على إيه ومش هتنازل عن اللي قلته.
الحاجة: حاضر يا محمد. بعد كتب الكتاب ثاني يوم هتروح تجيب العمل. بس بعد ما تجيب وتحرقه الدخلة على طول. يعني كتب الكتاب في يوم والدخلة ثاني يوم. ما أنت هتكون أخذت العمل. قلت إيه؟
محمد: أنا هاخد العمل أروح لشيخ وهو يتصرف فيه. لا هحرق حاجة ولا أؤذي حد. خلي الدخلة بعدها بأسبوع. تكون أعصابي استريحت.
الحاجة: بعدها بيومين يا محمد، وده آخر كلام. وما تخلينيش أزعل منك. اسمع كلام أمك.
محمد: ماشي يا يمة.
الحاجة: يلا يا عريس اتأخرنا على الناس. صحيح أنت ما سألتش عن اسم العروسة. على العموم اسمها رضا. مصطفى قالي أكبر من علي بكام شهر بس.
محمد بضحكة على حاله: باين إنك ومصطفى مضبطين كل حاجة. أنا يا دوب هتجوز وبس.
عند بيت العروسة
كان متجمع عدد من أهلها من الإخوة والأعمام. بعد قراءة الفاتحة طلب محمد أن يجلس قليلًا مع العروس التي ظهر عليها الرغبة هي أيضًا بالحديث معه.
محمد لأبو العروسة: ممكن أكلم العروسة كلمتين لوحدنا؟ طبعًا قدامكم بس عاوز أتكلم معاها على جنب.
أبو رضا: خلاص اقعد معاها على جنب.
محمد: المكان معلش زحمة. ممكن حد من أخواتها يجي معانا نتكلم على السطح؟ هتكون قدام عيني. ممكن تبعت معانا أكتر من واحد، بس عاوز أتكلم معاها شوية.
الحاجة: يووووه يا محمد، كلها أيام وتكون في بيتك. مستعجل على إيه؟
محمد: يا يمة أنا هروح أجيب العفش لوحدي. محتاج أفهم هي عاوزة إيه من غير ضغط من حد.
مرات أبو العروسة: وهي ليها رأي في الحاجات دي؟ كفاية هتاخدها بشنطة هدومها.
زجر أبو العروسة زوجته: وما بيقلهاش ليها رأي ليه؟ دي بكر ولا مؤاخذة يا حاجة. محمد قدي في السن وعنده قدها.
لوت الحاجة فمها بسخرية: والله وهيتملكوا في ابني من دلوقتي! واللي خلق الخلق لقطع رجليكم من البيت أول ما يتجوزها.
أبو العروسة: قوم يا إبراهيم مع أختك فوق وما تنزلش غير معاهم. الأصول أصول.
بعد حوالي ساعة نزل محمد ورضا وأخوها ليقول محمد: على خيره الله، زي ما الحاجة اتفقت معاكم كتب الكتاب كمان عشر أيام. بس هيكون متأخر شوية عشان كتب كتاب ابني في نفس اليوم. ومعلش أنا مش هعرف أولادي دلوقتي عشان علي ابني الكبير مسافر بلاد بره ومش عاوز أزعله قبل ما يمشي. لكن هيعرفوا طبعًا بعدين. وهنعمل كتب الكتاب في الجامع عشان الكل يعرف.
مرات أبو العروسة: وماله ما دام على سنة الله ورسوله وأهل البلد كلهم هيكونوا عارفين، يبقى ألف مبروك. والدخلة ناوين إمتى؟
محمد: بعد كتب الكتاب بيومين.
أبو العروسة: الحاجة كانت متفقة كتب كتاب ودخلة.
محمد: جد ظروف. أصل أنا ربنا رزقني بحفيد وقالوا هيقعد أسبوعين في الحضانة. أطمن عليه ونعمل فرح في البيت. طبعًا الكراسي والنور عليا، بس مش هقعد في الكوشة. سني ما ينفعش. العروسة تقعد وتتبسط مع أهلها وأصحابها وأنا آجي آخدها. اتفقنا.
أبو العروسة: وحق بنتي والمؤخر يعني والقايمة وكده؟
الحاجة: هنكتب إيه في القايمة؟ شوية هدوم. إحنا مش قولنا هنجيب كل حاجة لازمتها إيه القايمة.
محمد: القايمة هنكتب فيها الذهب. من حقها ذهب شبكتها دي الأصول يا يمة وهكتب بزيادة كمان.
ابتسمت رضا بسعادة، فيبدو أن محمد سوف ينقذها من نيران زوجة أبيها وخدمتها لها وإخواتها. لقد اطمأنت لمحمد بعد أن تكالما على السطح.
بعد يومين
اتصلت انتصار بإدوارد وهي تبكي بانهيار، وطلبت منه أن يعطيها رقم رقية لتكلمها أو يعطي رقمها لرقية، فهي بحاجة إليها.
بعد فترة وجيزة اتصلت بها رقية وردت عليها انتصار.
انتصار: سلام عليكم، مين معايا؟
رقية: أنا رقية يا انتصار. مالك عاوزاني في آخر الليل ليه؟
انتصار ببكاء: محمد هيتجوز يا رقية. أمه القادرة حكمت عليه تديه العمل بتاع عبد الله. لو اتجوز وأنا قلت له، وافق عشان عبد الله هيخسر مراته وابنه. الولية راحت اتفقت على كتب كتابه يوم كتب كتاب علي. يعني خلاص هيتجوز كمان كام يوم. أنا قلبي محروق وموجوع يا رقية. مش لاقية حد أحكي له. حتى إخواتي بيخافوا يردوا لطلب منهم. أعيش معاهم.
تنهدت رقية بوجع: بصي يا انتصار، ربنا بيسبب الأسباب. يعني لو ما كنتيش مطلقة كان زمان أنهار وابنها ماتوا وما كانش حد لحقهم. وطبعًا لو ده كان حصل كان زمان عبد الله ضايع مستقبله. فقضي أخف من قضي. كمان أنت كنتي هتقعدي مع أنهار، هي برضه ضعيفة وصغيرة ومش هتلاحق على عيل وجامعة صعبة كده لوحدها. بوجودك ممكن أنهار وعبد الله يرجعوا لبعض. فإيه رأيك تتحملي جواز أبو علي ولا تتخلي عن ولادك؟ طبعًا أنا أكتر واحدة عارفة أسرارك وعارفة إنك اتوجعتي في الطلاق مش زي ما بينتي لأولادك وللناس. زي ما عارفة إنك غالية على أبو علي. بس أحيانًا ممكن نبيع روحنا عشان عيالنا. يكفي أننا ننام وإحنا عارفين إننا مظلمناش حد ولا جينا على حد. بصي إحنا عارفين إنها حددت اليوم ده عشان توجعك بعد ما بعدي عنها، لكن برضه وجعاها. إنتصار فكري بقلبك، إنت لو كلمتي أبو علي يرجعلك هيرجع وهو طاير من الفرح. لكن أنت هتقدري تعيشي وسطهم تاني؟
انتصار وهي تمسح دموعها: لا يا رقية مش هقدر. ولا قلبي هيطاوعني أسيب أنهار. جميلها على راسي من فوق، استحملت عيالي وما قالتش للضابط على عبد الله.
رقية: الحياة أحيانًا بتجبرنا نختار حاجات توجعنا. لو مخترنهاش هنتوجع أكتر. اصبري يا انتصار وادعي ربك بالخير لك ولعيالك.
انتصار: كنت عارفة مفيش حد هيريحني غيرك.
رقية: القلوب عن بعضها، وأنت ربنا عالم محبتك في قلبي. بس عاوزاك ما تروحيش كتب كتاب علي. خاليك مع أنهار.
انتصار: كده كده هقعد. البت لا قادرة تتحرك ولا تمشي. أترى فتح البطن حاجة صعبة وصعبان عليها ابنها. مش عارفة نشوفه. الممرضة بتيجي تاخد منها لبن مع قلتة وتروح للواد. صحيح إحنا هنخرج بكرة الصبح. الدكتور قال ممكن تروح من أول امبارح بس علي أصر تفضل عشان أبصر الأنيميا والجرح. بس الولد لسة هيفضل شوية كمان في الحضانة.
رقية: ربنا يتمم شفاها ويفرحكم بالولد. صحيح هتسموه إيه؟
انتصار: والله ما أنا عارفة. لما يطلع نبقى نفكر. صح علي قالي هياخدنا بدري عشان هيجي البلد ياخدك للكيماوي.
رقية: قولي له ما فيش داعي. نهر وإدوارد هياخدوني.
انتصار: خليه ياخدك يا رقية. مين عالم هتشوفوا بعض إمتى؟ إنت ناسية أسبوعين ومسافر بره.
رقية: يا بنتي مهو عشان كده كفاية عليه تجهيز أوراق من كذا مكان غير تجهيز كتب الكتاب وشغلة حرام.
انتصار: جت على مشوارك يا رقية؟ هو بيحبك يا ستي. وأوعي تجيبي سيرة عن جواز محمد قدامه. مش عاوزين حد يعرف دلوقتي. خليه يسافر وهو مش شايل من أبوه.
رقية: مش عاوزين. عيني يا عيني. ده فيه اتفاقات وكلام وحورات بقي؟
انتصار: رقية اقفلي يا رقية. أنا خلاص هديت.
بعد مضي عدة أيام في إحدى الشقق التي استأجرها عبد الله بجانب المشفي، دق الباب. فتح عبد الله.
علي: كل ده يا جاحد مش بتكلمني أو تكلم أمك؟
عبد الله: عاوز إيه يا علي؟ أنت مش طردني من شقتك عشان الهانم؟ ويكون في علمك اللي في دماغك مش هعمله.
علي: وإيه بقي في دماغي؟ ولا هفضل على الباب كده؟
عبد الله وهو يدخل ويجلس على أحد الكراسي: هكون أحسن منك وهقولك اتفضل. وعارف إنك جاي عاوزني أرجع أنهار، بس أنا خلاص مش طايق أبص في وشها. معرفش كرهتها ومش عاوز أكمل معاها.
علي: لا يا فصيح. جاي عشان كتب كتابي النهاردة وعاوزك جنبي. مش عاوز أسافر لوحدي. خليك معايا. وجاي بدري شوية عشان تجهز.
عبد الله: مع إني ما كنتش عاوز أروح، بس ماشي. مبروك. وأمك فين؟ وحشتني. هنعدي عليها.
علي: لا مش هتيجي. أنهار لسة تعبانة فهتقعد معاها.
عبد الله باستغراب: هنسيب كتب كتاب ابنها البكري ونقعد جنب أنهار؟ ما كل الناس بتولد وتقوم. إيه يعني؟ ولا عشان ما قالتش إني ضربتها هتبتزكم؟
علي: لا مش بتبتزنا يا عبدو. أنهار عندها كرامتها فوق أي حاجة وأنت عارف. الموضوع أننا أهملنا نفسيتها في الشهر الأخير مع تعبها في البيت والكلية والحمل وقلة الأكل أثر عليها جامد. غير ضعفها وصغر سنها. فأنا كدكتور مش أخو اللي كان جوزها بقولك إنها بجد تعبانة. ولعملك أهلها لسة ما يعرفوش لا بولادتها ولا بطلاقها. مستني لما تخف وتقدر تقوم ونقول لهم. أو على الأقل لما ابنك اللي ما شفتوش يطلع من الحضانة.
عبد الله بتنهيدة: مع إني مش عاوزاه، لكن هو ملوش ذنب. أنا مجهز مبلغ عشان فلوس الحضانة. أنت قدامك مصاريف كتير.
علي: فلوس؟ فلوس إيه؟ من أول قبض ليك مش كده؟ وده هيكفي إيجار الشقة ومصاريفك وكمان سايب جزء.
عبد الله: هردّهم يا علي، بس واحدة واحدة.
علي: مش عاوز يا سيدي. بس شهّل يالا عشان ما نتأخرش. وكفاية كده.
عبد الله: ماشي.
ذهبا سويا. وفي المحلة
عبد الله: مش هتنزل تجيب حاجة للعروسة؟
علي: جايب كل حاجة في شنطة العربية. إحنا يا دوب نوصل في الميعاد. كتب الكتاب قبل العصر.
عبد الله: مش كانوا بيعملوه بعد العصر؟ ولا عشان تقعد مع العروسة يا نمس.
علي: والله يا عبد الله كنت عاوز في التراويح. بس لقيت أبو رانيا بيقولي إن ستي كلمته يكون قبل العصر عشان عندها ظروف. معرفش ستي كل يوم بحال. مارضتش أوجع دماغي وأسأل إيه الظروف. كده كده هتنفذ اللي في دماغها. ربنا يستر بقي. مش بطمن لستك دي.
عبد الله: تلاقيها خايفة تسوق. ياليل. ما أنت الكبير يا كبير وستك روحها فيك.
علي: آه يا خويا روحها فيا. يا خوفي يا بدران يكون فيه كمين. ربنا يعدي اليوم على خير.
تم عقد القران وسط فرحة الجميع. وبدأ علي في الاطمئنان وأن كل شيء على ما يرام. وعبد الله يصور الأحداث فيديو ويبعث ببعض الصور لأمه كي يفرحها. إلى أن قالت الحاجة: يلا بقي نمشي اتأخرنا.
أبو رانيا: ما بدري يا حاجة. اقعدوا شوية. اهو الكل مبسوط.
الحاجة: معلش عندنا كتب كتاب تاني عاوزين نحضره.
تنحنح محمد بخوف: خلاص يا ولاد روحوا أنتم عشان ما نتأخرش. وإحنا هنمشي مع مصطفى زي ما جينا.
أبو رانيا: خلاص ما دام الدكتور علي وعبد الله مش هيكونوا معاكم. خليهم شوية. واهو خلاص بقي جوز بنتي. ممكن يقعدوا يتعشوا معانا وندردش شوية.
عزيزة: لأ ما هو إحنا عاوزينك معانا. أصله الفرحة في الأمة حلوة. وبعدين العريس مش غريب.
محمد بصدمة: عزيزة يلا نمشي. معلش عزيزة بتحب تهزر.
عبد الله: مين اللي هيتجوز في البلد؟
عزيزة وكأنها لا تعرف شيئًا عن اتفاق محمد وأمه، فهي والحاجة يريدون فقط حرق روح انتصار. لأنهم لا يعرفون أنها تعرف أن محمد سيتزوج. فقط يريدون وصول الخبر إليها. لذلك ردت بعفوية: جواز محمد أخويا. عاوز بدل الفرح اتنين. كتب كتابه كمان شوية. لو تشرفنا وتكون شاهد يبقى كتر خيرك. أما علي وعبد الله فباين مش عاوزين يزعلوا أمهم ويحضروا.
صدمة على الجميع لعدة لحظات. كان كل من محمد وعلي وعبد الله فاتح فمه وعينيه بقوة من الذهول. أما الحاجة فوضعت يدها على فمها كأنها انصدمت من رد ابنتها.
مصطفى: كان ينظر لهم بلا مبالاة، فقد فهم ملعوب أخته وأمه.
قطع الصمت علي: بتقولي إيه يا عمتي؟ كتب كتاب أبويا أنا النهاردة؟ (نظر لأبيه) ليه يا بابه بالسرعة دي؟ أنت طلقت أمي ما كملتش شهر؟
محمد نظر له بدموع ولم يتكلم وخرج مسرعًا.
عزيزة ببراءة: إيه ده؟ هو أنتم ما كنتوش تعرفوا؟ ظلمتكم. افتكرتكم مش عاوزين تحضروا.
جلس علي وعبد الله على أقرب كراسي بجانبهم. لينظر عبد الله إلى علي وهو يقول: إيه الـ move on السريع ده؟ أنا حاسس عشان أقدر أجمع قوايي وأخوض التجربة من تاني محتاج ثلاث أربع خمس سنين كده. الناس دي بتعقدنا كده ليه يا أخي؟
الحاجة: أربع خمس سنين إيه يا حبيبتي؟ عروستك عندي ونقاوة عيني.
عبد الله وهو يبتسم ببلاهة وبصوت حفيظ: ستي! هي ستي أكيد حطت مناخيرها في موضوع أبوك.
قام علي بغضب وقال لرانيا: ممكن أقف في البلكونة شوية. حاسس إني مش عارف أتنفس.
رانيا بحزن وشفقة عليه: اتفضل يا دكتور. مش هخلي حد يدخل عندك. أدخل براحتك.
عزيزة: مش جاي كتب الكتاب؟
أبو رانيا: واضح إنه متفاجئ. اديه وقت يستوعب.
أخرج علي هاتفه واتصل بأمه لترد.
انتصار: مبروك يا ضنايا. ألف مبروك. ربنا يوفقك ويسعدك يا رب.
علي بخنقة وهو يمسح دموعه وعلي مقربة منه محمد الذي يراه: وحشتيني يا يمة.
انتصار: مالك يا علي؟ صوتك مش مريحني.
علي: وحشتيني. قولت أطمن عليك؟
انتصار: أنا زي الفل. ورقية جتلي وقاعدة معايا كمان. مالك بقي؟
علي: ما فيش. مخنوق شوية وبحب أسمع صوتك.
انتصار: خطيبتك جنبك؟
علي: لا. أنا لوحدي في البلكونة.
انتصار: لوحدك في البلكونة في يوم زي ده؟ علي أنت عرفت حاجة ضايقتك؟
علي: هعرف إيه بس يا يمة. أنا بس بفكر ما أسافرش وأقعد. من ساعة ما موضوع السفر بدأ والمصايب مش لاحق عليها.
انتصار: هتسافر يا علي. وأنت أكيد عرفت إن كتب كتاب أبوك النهاردة، صح؟
علي بذهول: عرفتي منين؟
انتصار: من يوم ما ستك أجبرت أبوك يتجوز. وإلا مش هتعرفه مكان السحر اللي معمول لعبد الله. ما تلوموش. أنا شجعته. كله يهون وأنتم تكونوا بخير. أنا مش زعلانة غير على أحوالهم. راضي أبوك وبلاش تروح أنت أو أخوك ما دام بدأ في السحر والشعوذة. خلاص يا ابني أمانكم أهم. خد أخوك وتعالى يا حبيبي. وقبل ما تيجي روح بوس إيد أبوك ورأسه. هو موجوع زينا؟
إيه هيحصل نشوف الفصل الجاي.تشويق وكوميديا. نخلص من الحزن ده شوية. اربطوا أحزمة خيالكم للانطلاق. موعدنا قريبًا بإذن الله.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رينا الهادي
أغلق علي مع أمة الهاتف ونظر ثواني للسماء وهو ممسك رأسه بحيرة. عندما هم بالدخول مرة أخرى، لمح أباه ينظر إليه بقلق. تلاقت أعينهما لحظات، فارق قلبه على أبيه فدخل قائلاً:
"يالله يا عبد الله نمشي، ورانا شغل بكرة وعندي حاجات كتير عايز أخلصها."
نظر لأبي رانيا وقال:
"من فضلك يا عمي، ممكن آخد رقم رانيا؟"
الأب: "طبعاً يا ابني، خلاص بقي مكتوب كتابكم."
علي: "شكراً. وسامحيني لو ما عرفتش آجي قبل السفر، لأن فيه ورق وحاجات كتير اتكومت عليا."
(نظر لرانيا)
"سامحيني انتِ كمان، يعني ما كانش لينا نصيب في خطوبة وخروجات، لكن بإذن الله تتعوض. هبقى أطمن عليكِ دايماً. يلا يا عبد الله."
(التفت إلى حماه ثانية)
"لو حضرتك عايز تروح، شاهد اتفضل. أنا بس مستعجل أمشي."
هز رأسه بتفهم، فالكل يعرف مدى حب علي لأمه، وقد صدمه الخبر.
عزيزة: "يعني مستنيين كل دة؟ قولت هتيجي معانا في الآخر هتمشي وتسيب أبوك في يوم زي ده؟"
شد علي ذراع أخيه وخرج دون أن يرد على عمته. نزل وقابل أباه بالأسفل. نظر إليه ثم جرى عليه وقبّل رأسه ويده:
"آسف يا بابا، مش هقدر أقولك مبروك، بس سامحني مش هقدر آجي."
محمد وهو يمسح عينيه بطرف كم جلابيته: "حقك عليا يا علي. كسرت فرحتك في يوم زي ده. وأنا أصلاً مش عايزكم تيجوا البلد تاني، لما أشتاق لكم هاجي أنا. كفاية اللي حصل."
عبد الله: "هو أنا مش فاهم قوي، بس واضح إن فيه حاجة أنا معرفهاش. يلا، ما كنتش متخيل أقولك مبروك، يعني الأب هو اللي بيقول كده لولاده. سلام يا بابا وخلي بالك من نفسك. وإبقى انسَ تعزمنا لما تتجوز، مش هو برضو كتب كتاب؟ ولا إيه؟"
علي: "اسكت يا عبد الله، ويلا نمشي."
في الطريق:
علي: "عبد الله، أنا مش هقدر أروح لأمك. استضفني عندك الليلة، مش هقدر أروح لأمك وخصوصاً إنها عارفة بكتب كتاب أبوك."
عبد الله: "يا لهوي! هي عمتك العقربة قالت لها؟ المفروض نبقى معاها دلوقتي."
علي: "أبوك هو اللي قالها من فترة، وستك هي اللي خططت يكون في نفس يوم كتب كتابي. عرفت لما كلمتها وأنا في البلكونة. المهم خدني عندك."
عبد الله: "وأنا أقول إزاي تسيبك في يوم زي ده؟ إتاريها كانت عارفة، وأكيد استنتجت بالي عمتك عملته. أحسن إنها ما جتش."
تم كتب الكتاب ورجع الجميع لبيوتهم.
محمد بعد ما دخل البيت: "فين العمل ياما؟ اتفقنا بعد كتب الكتاب؟"
الحاجة: "وده وقته؟ اليوم كان طويل، سيبنا نرتاح شوية."
محمد: "آه، الإتفاق إتفاق."
الحاجة: "عزيزة هتروح تجيبه بكرة وتيجي علشان في إسكندرية."
محمد: "هروح معاها."
عزيزة: "أيوه، أنا مش هروح وأرجع في نفس اليوم، تعب عليا ياما."
الحاجة وهي تخفض صوتها: "وهتخليه يعرف مكان الحاجات التانية؟ يا بنت الهبلة."
عزيزة بهمس: "لأ، هيستريح في البيت عندي، وأنا أروح وأجيب اللي هو عايزه وأرجع. لكن سفر رايح جاي إسكندرية كتير ياما."
الحاجة: "ماشي يا محمد، ابقى سافر مع أختك، حتى تشيل معاها شوية حاجات. مش معقول تروح فاضية."
نظر لهم محمد بتتمعن: "ماشي، تصبحوا على خير." ومشى من أمامهم.
مصطفى: "أوووف، ما تخيلتش هيسيبك يا عزيزة لما قولتي على كتب كتابة، خصوصاً إنه عارف إن أمك بتقولك على كل حاجة. قولت هيعاتبك."
الحاجة: "تعب من المعافرة وقال يمشي المركب ويخلص."
مصطفى: "أو مرقد على حاجة."
عزيزة: "أخوك؟ لأ يا حبيبي، ده طيب وغلبان وطول عمره بيسامح. ما يغركش الوش الخشب اللي هو لابسه وزعله وكده، قلبه هيلين وهينسى بعد فترة، خصوصاً لما يلاقي دنيته ولقمته نضيفة. والبت صغيرة وهتنسيه، ويا سلام لو جابت عيل أو اتنين، ده هيبقي ضحك السنين على انتصار."
مصطفى: "أيوه أيوه، وعيال محمد يبقوا يروحوا المدرسة مع عيال عبد الله."
الحاجة بضحكة عالية: "دمك شربات يا ولاه. وماله، البيت يتملي عيال من أول وجديد ونكيد الأعادي."
كان محمد يسمع كلامهم وهو كله ألم وحسرة منهم.
محمد في نفسه: "نابكم هيطلع على شونة. أنا متفق مع رضا."
(Flash back)
رضا: "طلعنا أهو، اتفضل أقول."
محمد: "على طول كده؟ كنت عايز أتعرف عليك الأول، لأني ما حلقتش أعرف عنك حاجة. عندك كام سنة مثلاً؟"
رضا: "هو إنت مصدق نفسك؟ إنت فاكر إن الجوازة دي هتم؟"
محمد: "إيه جبرك توافقي؟ أنا مجبور، مع إني بحب أم عيالي، بس اتجبرت أطلقها واتجبرت برضو آجي اتجوزك."
رضا: "يا نوغة، مش مكسوف؟ راجل في طولك وسنك بيجبروك؟ ده حتى البنات ما عدتش تتجبر، ما عدا أنا عشان ماليش أم تدافع عني وأبويا عايز يخلص مني عشان بايرة. مع إن والله العرسان كانت بتيجي من وأنا ستاشر سنة. تعرف يا عم محمد؟"
محمد ضحك: "قولي ياستي لعمك محمد."
رضا: "إنت هتتريق من دلوقتي؟"
محمد: "لأ واللهي. أنا بس عايز أعرف، إنت ما شاء الله حلوة. باين لسانك فال وشكلك أكبر من سنك كمان، بس عايز أفهم. كملي."
رضا: "واللهي كان بيجي لي عرسان، بس مرات أبويا كانت بتطفشهم. ولما كبرت شوية وبناتها كبروا، بقت تكلمهم وتاخدهم لبناتها. ولما الاتنين اتجوزوا بتوديني لهم. أمسح وأكنس كل أسبوع لما يكون جوازهم مش في البيت. أنا هنا خدامة للكل بلقمتي. أساعد أبويا في الأرض لما يحتاجني، وأعمل شغل البيت. مرمطون البيت. وسمعت الحاجة أمك وهي بتقول لها إني هتجوزك وأقوم بشغل البيت عندكم، قال عشان أخوك طلباته كتير. كل ده ما كانش همني، قولت وماله، أخو جوزي هيكون زي أخويا برضه والشغل يقل. لكن كملوا كلامهم، ولاقيت مرات أبويا بتقول لها عشان تمشي الموضوع، آجي هنا يوم الجمعة أعمل شغل البيت لها ولأخواتي البنات والحاجة وافقت. واللي زاد وغطى سمعتها بتقول لأختها."
محمد: "مين بيقول لمين؟"
رضا: "ركز بقى! مرات أبويا بتقول لأختها إن إنت بتحب مراتك وإن عيالك مش هيرضوا بجوازك، وإن كلها سنة بالكتير وأرجع البيت هنا تاني، بس أكون مطلقة. ساعتها مفيش حد هيرضي يتجوزني، يعني تميت تمانية وعشرين سنة، أما أبقى أكون داخلة على الثلاثين، مفيش كلب هيتقدم. تعرف يا عم محمد؟"
محمد بحزن: "هاااه يا رضا."
رضا: "أنا أمي ماتت بعد ما اتولدت. وأبويا اتجوز على طول عشان ما كانش هيقدر يراعيني لوحده. ومع إني كنت شاطرة في المدرسة، طلعوني من خامسة عشان حتى ما يكونش معايا ابتدائية. هي حكمت بكده."
محمد: "ممكن تسمعيني أنا كمان."
رضا: "صدعني يا عم الحج، من حقك. مانا صدعتك معرفش ليه، بس كنت عايزة حد يسمعني."
محمد: "أنا لما طلقت أم عيالي، كان عشان حسيت إني خلاص مش قادر أحميها."
رضا: "تقصد عشان الأعمال اللي بتعملها أمك؟"
محمد: "عرفتي منين؟"
رضا: "أخوك مصطفى فضحكم في البلد. ودي من ضمن الحاجات اللي مخلياني مش عايزة أتجوزك برضو. أخاف أطلع من بيتكم عليا عفريت."
محمد: "طيب. المهم، عشان الأعمال دي طالت حبيب ليا، أنا هتجوز وهحرق العمل بعد كتب الكتاب."
رضا: "كده أنا أوافق وأتجوزك شفقة؟ وأنا أبقى مطلقة مش كده؟"
محمد: "ما تصبري يا بت شوية. أنا مش هرضى بالظلم. يخربيتك! فصلتيني، مش عارف وقفت فين. آه. هنتجوز عادي يا رضا، في شقة صغيرة في الدور الأول عندنا. مش مطلوب منك غير تهتمي بيا وبس. لا هتنزلي تشتغلي في البيت ولا عايزك تنزلي أصلاً. ولا هتيجي تخدمي هنا يوم في الأسبوع. أنا ما حدش اتفّق معايا على كده. مش هظلمك. أنا آه هتجوز غصب، لكن مش هأجي عليك. كفاية الزمن. بس ما تنتظريش حقوق شرعية. بس قدام الكل هتكون اثنين متجوزين. ويوم ما إنتِ تقرري تسيبيني مش هأمانع. بصي، أنا محتاج حد ياخد بحسي. وأنا أصلاً ما أعرفش أعمل حاجة غير الفلاحة. وأولادي اتجوزوا والبيت ما عادش زي الأول. أنا صعبان عليا منهم. بيتعاملوا معايا على إن أنا ومراتي خدامين البيت. فإحنا نكون ظهر بعض. رايدة كده يا بنت الناس."
رضا بتفكير: "تعرف يا عم محمد."
محمد: "ارغي."
رضا بضحكة: "أنا كنت ناوية أنزلك من هنا بفضيحة وأزعق وأقول: بيتحرش بيا! وكنت محضرة نفسي لعلقة معتبرة. أصل مرات أبويا كانت هتفهم إني بطفشك. بس الظاهر كده هحقق أحلامي وطموحاتي."
محمد برفع إحدى حاجبيه: "أحلامك وطموحاتك؟ اللي هي إيه؟"
رضا بثقة: "أوف كورس! أنا كنت بقعد أخدم على إخواتي وهما بيتفرجوا على البرامج التعليمية، وأقط حاجات. ما أنا كان نفسي أكمل علم، وده أهم حاجة. عايزة أكمل في محو الأمية."
محمد: "هتروحي المدرسة في السن ده؟ وهتبدأي من أولى ولا ستة على طول؟"
رضا: "شوف، أنا كنت استريحتلك. هتقفلني ليه؟ أنا هروح على الامتحانات، منازل يعني. البت منال قالت ينفع. إخواتي البنات واخدين دبلوم، أنا مش أقل منهم. أنا ممكن أطحن نفسي وأخد كلية، أنا مخي حلو."
محمد: "الظاهر حظي أنا وابني في بنات هاوية العلم. ماشي، ما دام حاجة مش عيب أو حرام، وماله، أهو تشغلي نفسك. خايف أعرفك على رقية مرات أخويا تطلعي مهندسة ولا دكتورة."
رضا: "بتتريق عليا؟"
محمد: "لأ يا رضا، أنا ارتحت لك خلاص. متفقين يا بنت الناس."
رضا بجدية: "إنت وعدت أتعلم ومش هخدم غيرك. ووقت ما أقول خلاص يبقى خلاص."
محمد: "أيوه."
رضا: "ووعد مني هعامل عيالك وخالتي انتصار بما يرضي الله ومش هزعلك أو أزعلهم، وأشيلهم فوق راسي. بس أمك وأخوك هعاملهم زي ما هيعملوني. آه، هما مستقلين بيا وأنا مش هخلي حد يجي عليا. أنا هنا مكسورة بين إخواتي، بس ما شفتنيش برة أو في الغيط. بأكل اللي يجي عليا."
محمد: "هو ده بالظبط اللي عايزة. كأنك متفصلة على طلباتي."
رضا: "ماشي يا عم محمد، نتكلم بقى في العفش."
محمد: "عفش إيه؟ أخوك بينام على السور. تعالي بدل ما يشكوا فينا. وهجيب اللي أقدر عليه، وابقي غيري بعد الجواز اللي يعجبك. وبلاش عم محمد دي، هننكشف كده."
رضا بدلع: "حاضر يا بيبي."
محمد: "بت! احترمي نفسك. مرة فولكوس ومرة بيبي."
رضا: "المسلسلات علمتنا حاجات كتير برضه. وإسمها أوف كورس يعني. ماشي. ومش هقول يا بيبي تاني. إنت مقامك عالي يا عم محمد."
محمد: "طيب، بالمناسبة، بلاش شغل تلميع الأوكر ده. عيب. بتصتي على الناس شوية على أمي ومرات أبوك، وشوية على مرات أبوك وأختها، والله أعلم على مين كمان. أنا مش بحب كده."
رضا: "تصدق إنت لماح. أنا بعمل كده هنا من كتر العوالق اللي باخدها. بسمع عشان أقدر أدافع عن نفسي. أنا فتحت لك قلبي. بلاش تفضحني عندهم أو تكسرني عندك."
محمد: "إنت قد ابني يا رضا. وأنا مبجيش آجي على الولايا." (ثم أبدا يعلي صوته) "يالله يا إبراهيم!"
آفاق إبراهيم وهو يقول: "يالله قدامي يا عم محمد." ثم مسك يد أخته وقال بصوت منخفض: "والله وبقي بيتاخد رأيك. حاولي تعمري بقى وبلاش تبوظي الجوازة."
رضا: "مستكتر عليا أنقي شكل عفشي يا إبراهيم."
إبراهيم: "واللهي أنا بحبك يا رضا. إنتي ربتيني مع أمي، بس مش هتلحقي توحشيني. مش هتيجي تساعدي أمي برضو."
رضا: "هبقى في ذمة راجل. لو قال آجي هاجي. قال لأ، هسمع الكلام عشان أعمر، يا إبراهيم. ولا إيه رأيك؟"
هز إبراهيم رأسه بموافقة.
(Back)
محمد: "فاكريني هعيش زي الأول مطاطي؟ خلاص محمد الأبلة مات. أحمي ابني بس. وأدي مصطفى وعزيزة حقهم في الأرض ورضا مش هتخدم حد غيري."
تاني يوم، قام محمد بعد أن أدى فرضه وذهب لحجرة والدته. دق على الباب.
الحاجة: "ادخل يا محمد."
محمد: "عزيزة لسة نايمة؟"
الحاجة: "مستعجل ليه؟ اصبر شوية."
محمد بهدوء: "ماشي ياما. فيه عمال هييجوا النهاردة ينزلوا حاجة عبد الله في أوضتي. أنا لاميت هدومي. هيطلعوها فوق ويفضوا الشقة. أنا هروح مع عزيزة، مش هاجي النهاردة لأني هروح لشيخ وهروح المسجد المرسي أبو العباس وكمان هروح دمياط. هاجي بكرة."
الحاجة: "مش يمكن عبد الله يزعل؟ شايفة إنك أحسن تفضل في أوضتك."
محمد بسخرية: "ليه ياما؟ ما أستحقش شقة؟"
الحاجة: "يابني، اتعودت تكون قصادي لما أنادي عليك وترد. لما تطلع فوق وتقفل عليك بابك مش هتسمعني."
محمد: "اتكلمنا في الموضوع ده وخلصنا. ومش معنى إنك خالفتي كلامنا وعرفتي ولادي وسكت، يبقى تدوسي أكتر. بالمناسبة، انتصار كانت عارفة بموضوع كتب كتابي. أنا قلت لها وهي قالت لي الصح إني أتجوز. والكلام ده من أول ما كلمتيني في الجواز. عموماً، أنا هبقى أقعد معاك كل يوم الصبح قبل ما أروح الأرض، وأقعد معاك شوية بالليل. وإنت هتشوفيني وأنا طالع وأنا نازل. السلم جنب أوضتك. هقعد في المضيفة لما عزيزة تصحى، خليها تجهز عشان نمشي." خرج وهو يغلق الباب بهدوء.
سافروا إسكندرية. كان محمد قد سمع حديث أمه مع أختها وضرورة أن لا يعلم أين هي الأعمال.
عزيزة: "إحنا هنروح بيتي، تريح شوية ونشوف العيال. وأنا هروح وأرجع على طول."
محمد: "لأ، رجلي على رجلك يا عزيزة. هنروح نجيب العمل الأول."
عزيزة: "جرى إيه يا محمد؟ إنت بتخوني؟"
محمد: "آه. ولعلمك، أنا نويت أقسم الورث خلاص. كل واحد أدري بماله. ولو يا عزيزة ما جتش معاك، هعمل زي ما أمك ما قالت. ورثك كان جهازك وتعليمك والمواسم اللي لغاية دلوقتي بتوصلك لغاية بيتك. ها، قولتي إيه؟"
عزيزة بطمع: "ورثي يطلع قد إيه؟"
محمد: "أبوك كان سايب فدان وربع. كل ولد ياخد نصف، وانتِ ربع."
عزيزة: "ما هو إنت كبرت الأرض يا محمد، مش معاك فدانين دلوقتي. عشان خاطري، خليهم نصف فدان."
محمد: "هفكر وأشوف، بس مش هتشمي ريحة أرض لو ما أخدتنيش."
وصل الميكروباص المحطة.
عزيزة: "وقف تاكسي يا محمد عشان ما نتبهدلش."
محمد أوقف تاكسي وعزيزة وجهته. ما أن وصلا حتى تجهم وجه محمد.
محمد: "مخبية العمل في المقابر يا عزيزة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. بصي، أنا هقعد أشرب شاي هنا على ما إنتِ تخلصي وتيجي."
عزيزة: "كنت عارفة إنك مش هتقدر تكمل معايا. ماشي، سلام."
محمد نادى على العامل.
محمد: "خد الخمسين جنيه دي، وخلي بالك من الحاجات دي. ولما تيجي الست اللي هناك دي تسأل عليا، قول لها: راح الحمام. ماشي يا خويا."
العامل: "ماشي."
محمد: "فيه حمامات هنا؟"
العامل: "آه هناك أهي، تبع القهوة، بس عملناها بعيدة شوية عشان سبوبة وكده. بناخد أجرة عليها لما الناس تكون جاية من مشوار بعيد للمقابر."
محمد: "طيب، خلي بالك من الحاجة." نظر لعزيزة فرأها تنظر إليه من بعيد لتتأكد أنه لا يمشي. ورآها ابتسمت له ودخلت من جانب قبر. أسرع محمد يجري وذهب بسرعة في اتجاه ما دخلت. ظل وراءها خفية يريد أن تطمئن أنه بعيد عنها لتذهب للمكان الصحيح. صور المقبرة التي وقفت أمامها، وحارس المقبرة فتح قبر ونزل وأتى لها بما تريد. صور كل هذا، وعندما همت بإعطاء الحارس نقوداً، أسرع بالعودة جرياً.
وصلت عزيزة للقهوة ولم تجد محمد. سألت العامل، قال لها: "الراجل اللي كان هنا، آه، راح الحمام اللي هناك ده." وجهت نظرها إليه واطمأنت عندما خرج وكان قد غسل وجهه وشعره جيداً.
عزيزة: "تسيب الحاجة كده يا محمد؟ روحت فين؟"
محمد: "بيت الراحة." نظر للعامل فوجده يبتسم له فقال: "أختي بتخاف عليا قوي. شكراً يا بني، دول عشانك."
العامل: "خيرك سابق يا عم الحاج."
محمد: "خد يابني، ما تتكسفش. إنت قد عيالي. ووقف لينا تاكسي."
في الطريق:
محمد: "ده مسجد إيه؟"
السائق: "المرسي أبو العباس."
محمد: "وآف يا اسطي هنا." (نظر لعزيزة) "هو هيوصلك البيت وهحاسبه، ما تخافيش. أنا عايز أصلي هنا وأريح ساعة ولا اتنين. هاتي الأمانة يلا يا عزيزة عشان هروح لشيخ أشوف هعمل إيه."
عزيزة: "مش هتوصلني؟ هطلع إزاي بالحاجات دي؟ ده أنا في الثالث."
محمد: "ممكن يا اسطي تطلع الحاجات دي معاها وأنا هزودك في الحساب."
السائق: "من غير زيادة. دي زي أختي. حاضر."
محمد: "ابقى اتصلي بأي حد من عيالك يستناك ويساعدك. يلا، هاتي الأمانة."
أخرجت من شنطتها كيساً وأعطته له.
محمد: "متأكدة إنه هو ده؟"
عزيزة: "آه. هتلاقي فنلة عبد الله فيه."
محمد: "ماشي، هنشوف."
خرج من التاكسي بعد أن حاسب السائق واتجه للمسجد. لكنه بعد أن بعد التاكسي، أسرع إلى تاكسي آخر وذهب للمقابر مرة أخرى.
وصل إلى حارس المقبرة.
محمد: "اسمك إيه يا بلدينا."
الحارس: "وليد. عاوز حاجة؟"
محمد: "آه. محتاجك في خدمة وهتاخد تمنها."
الحارس: "لو أقدر هعملها."
محمد: "فيه ست جت هنا من شوية وأنت نزلت مقبرة وجبت عمل منها. أنا عارف إنها عاملة كذا واحد. أنا عايزهم كلهم. فاهم؟ كلهم."
الحارس بصوت عالٍ: "إنت جاي تتبلي عليا يا راجل إنت؟ أمش بدل ما أفرّج عليك العايشين والميتين."
محمد: "لأ مش بتبلي. وإهدى عشان أنا ممكن أدخلك السجن. فخليك حلو معايا، وإلا برحمة الأموات إللي إحنا حواليهم، هبلغ أهليهم والبوليس. وأنا معايا الدليل. صور معايا."
(وبعث نسخة منها لإبني)
"ويومك مش معدي لو ما سمعتش كلامي." أخرج هاتفه وفتح على الصور وهو يقول: "دي الصور أهي، أكتر من عشرين صورة. مش بس الناس هيصدقوني، والبوليس كمان. والي معاك دي أختي. يعني ما تجبرنيش آذيكم إنتوا الاتنين."
الحارس: "طب، اسمها إيه؟"
محمد: "عزيزة."
الحارس: "لأ، ماسمهاش كده."
محمد: "مش مشكلة. ضحكت عليك. وادي يا سيدي صورها معايا أنا وأمي وأخويا. اسمع، إنت من غير شوشرة كده هتجيب كل حاجة عملتها وهتاخد خمسميت جنيه وأنا هاخدهم وأمشي من سكات. مرضي يا سيدي."
الحارس: "ألف جنيه وأمسح الصور."
محمد: "سبعميت جنيه. وأنا قولت الصور مع ابني كمان، يعني مش مهم أمسح النسخة دي. بس أمسحها لو عايز بعد ما آخد طلبي."
الحارس: "ماشي. بس افرض جت وكانت عاوزة عمل منهم زي النهاردة، أعمل إيه؟"
محمد بتفكير: "صور الأعمال واعمل زيهم يا سيدي. وطبعاً هتكون حاجات كده وكده. وما تجبش سيرتي، ولا أنا أجيب سيرتك. ماشي."
الحارس: "ماشي."
ذهل محمد من كم الأعمال والسحر بعد أن أتى بهم الحارس.
الحارس: "بس ده آخر واحد. كده يبقى وصلك سبعة أهم."
محمد: "كل دول. ماشي. فلوسك أهي." وأعطى له المبلغ. وقد أخذ نسخة من الصور في ملف آخر ومسح أمامه صور النسخة الأصلية. فقد علمته نهر ذلك في وقت سابق كيف ينسخ الصور في ملف آخر. لا يعلم لما أخذ نسخة، لكن للزمن.
ذهب بعدها للمسجد وطلب مقابلة شيخ المسجد وحكى له كل شيء كي يأخذ مشورته فيما يعمل. وقد أخذه شيخ الجامع لآخر واستطاعوا أن يتخلصوا من كل الأسحار. بعدها رجع الجامع وصلى صلاة شكر واتصل بانتصار يخبرها بما حدث. أوصاها أن يأخذ على أخيه لشيخ يرقيه ويعرف الشيخ على ما حل بأخيه كي يشفي عبد الله ويهدأ. تمنت انتصار من كل قلبها أن يكون أحد الأعمال التي حرقت تخص رقية، وأن تشفى من مرضها. ولكن للأسف، السرطان قد تمكن من رقية ولابد من عمل العملية.
قرر محمد أن يذهب يستريح عند أخته، لكنه وجد ضيوفاً عندهم وهو عريس لابنتها أسماء. ضحك بمرارة ومشى بعد قراءة الفاتحة. وذهب راجعاً للمسجد ونام فيه. بعد الفجر اليوم التالي، ذهب لدمياط وتزوج بالليل في نفس ذلك اليوم كما أمرت الحاجة.
أكثر شخصية تليق تكون رضا خفيفة الظل زينات صدقي، لكن في عصرنا.
صباحاً عند الساعة العاشرة.
كانت رضا تخرج من غرفة نومها لتجد مصطفى يتثاءب بقوة وهو فاتح فاه على آخره.
لتقفز رضا برعب من منظره.
فينظر إليها ببلاهة ويقول: "إيه يا مرات أخويا يا قمر؟ كل ده نوم؟ أنا مستني من بدري. اعمليلي مج قهوة من إيدك الحلوين دول لأني مصدع قوي." ووقف يتثاءب مرة أخرى.
رضا بغناء (صوتها قوي): "إيه يا راجل إنت ده؟ إيه اللي إنت عامله ده؟ عيب عليك في السن ده، تفتح بوءك كل ده."
ثم تكلمت بصوت رصين: "طبعاً عيب في حق بوءك أقول إقفله لا تدخل دبانة. ده أكبر من بوء إسماعيل ياسين ذات نفسه، لأن ممكن تبلع حمامة أو حداية معدية."
مصطفى بذهول وغضب: "إيه اللي بتقوليه ده؟"
رضا: "احمد ربنا إني بقول بس. مين اداك الحق تدخل الشقة وإحنا نايمين؟ أنا سي محمد مسهراني صباحي وكنت رايحة الحمام وهرجع أنام تاني. وبعدين أعمل لك قهوة بمناسبة إيه؟ أبويا؟ أخويا؟ جوزي؟ إنت حايالله أخو جوزي وجوزي حبيبي قلي أخدمه بس. وبرضوا دخلت هنا إزاي؟"
نظر إليها مصطفى بغضب وقال: "أما أشوف الحاجة هتقول إيه على قلة أدبك."
رضا بضحكة: "هتقول إيه يا عديم الأتيكيت؟ واحدة يوم صباحيتها بدل ما تزورها، يا ليل معاك هدية تدخل عليها الصبح وعايز قهوة. عاجبي!"
مصطفى وهو مذهول: "عديم إيه يا أم أربعة وأربعين؟"
رضا: "الأتيكيت، إللي بتقدمه أمينة شلباينة. يعني الأصول للناس اللي عندها ذوق يا عديم الذوق. أمشي يلا روح اشتكي لأمك. طيرت النوم من عيني." (ثم غنت) "يا مصطفى يا مصطفى، أنا مش بحبك يا مصطفى."
عندما دخلت حجرتها رأت محمد جالس على السرير.
رضا: "سمعت؟"
محمد بجمود: "آه سمعت. إنت لسانك متبري منك، بس حلو اللي حصل؟"
رضا: "أنا ظلمتك. كنت فاكرك مصمم تنام هنا وتتحرش بيا، لكن كلامك طلع صح لما قولت هتقومي تلاقي أمي أو مصطفى قاعد في الصالة."
محمد: "مستكترين علينا حتى يوم الصباحية نقعد زي أي اتنين متجوزين. وطالع عايز قهوة على الصبح."
صوت قوي جاء من أسفل يقول: "محمد! اصحى يا محمد! أخوك اتبهدل في بيتك يا محمد!"
رضا بخضة: "لحق؟ أنا معاك."
محمد: "تعملي إيه؟"
رضا: "أحوش لو حصل خناقة. أبقى في ضهرك كده يا قرة عيني."
محمد: "لأ، خليكي كملي نوم أو اعملي أي حاجة."
رضا: "طب تعالي بسرعة عشان كنت عاملة إمبارح حلة محشي تستاهل بوقك. ناكل مع بعض."
محمد: "طبختي يوم فرحك؟"
رضا: "وماله؟ مفيش حد هيعملي وإنت مش غريب. تعالي كل معايا. ماشي."
محمد: "ماشي. بس أكيد صينية الاتفاق أخدوها تحت مش هنا. ما تنزليش إلا لما أنده عليك."
رضا: "حاضر. وهروح أشوف الأكل. هزعل لو ما أكلتش من المحشي بتاعي. وربنا اخليك تنزل تجيبلي خضرة وكرنب وبطة وأعمل تاني. أنا عايزة بطة."
محمد: "هم يضحك وهم يبكي. هتنزليني يوم صباحيتي أتسوق؟"
رضا بدموع: "طب لو الأكل تحت، أبقي هاتلي إن شاء الله زلاموكة البطة. أنا ما أكلتش بط، عايزة أعرف طعمه."
ضحك محمد بقوة مع إن أمه لم تتوقف عن النداء عليه ليقول: "إنت حكايتك حكاية. هشوف الحاجة وأجي. متخافيش، هدوقك البط. بابيها هتكون أيام ما يعلم بها إلا ربنا."
نزل لحجرة أمه وجدها جالسة بجانبها مصطفى يربت على ظهره كطفل صغير.
محمد: "صباح الخير. خير ياما؟"
الحاجة: "مش خير يا قلب أمك. مراتك عايزة تتأدب. كرشت أخوك من الشقة. فاكرة نفسها مين دي؟ بايرة واحنا لمينها."
محمد: "ما أحبش حد يهين مراتي. دي أول حاجة."
كادت أن تتكلم الحاجة، لكن محمد بغضب وإشارة منه قال: "أنا سمعت كل حاجة. بصي يا حاجة، أنا اتجوزت في شقة عشان نكون في حالنا، زي ما ابنك عمل وراح اتجوز وكان في بلد تانية. يعني مش يوم صباحيتي مراتي تطلع من أوضتها تلاقي ابنك قدامها. افرضي لابسة حاجة كده ولا كده. والبت صغيرة. وقال إيه مستنيها تصحى عشان تعمل له قهوة. مستخسر فيا نرتاح يوم الصباحية؟ ولا فاكرها انتصار."
الحاجة: "يعني إيه؟ هو أخوك هيبص على مراتك؟"
محمد: "عشان ما نقعدش نحكي كتير. فاكرين لما أخدت رضا واتكلم معاها على السطح؟"
الحاجة: "آه. إيه حصل يعني؟"
محمد: "يومها رضا كانت خايفة وقالت إنها عايزة تفركش الجوازة. عارفين ليه؟ هقولكم. الأستاذ مصطفى كان اتكلم مع حد إنك بتعملي أعمال وأسحار. وعلشان كده طلقت مراتي. وطبعاً زي ما رضا عرفت، أكيد البلد عرفت. وأنا كنت عايز أتمم الجوازة مش حباً في الجواز. أنا أصلاً لسه بحب انتصار، بس عشان سألت شيخ عن السحر وقالي: كل ما فكينا السحر أو العمل أسرع، كل ما كان أحسن. لأن لو اتمكن من بني آدم مدة طويلة، حتى لو اتفك بياثر عليه ومش بيروح على طول. وإنتي وكأن على قلبك مراوح. ومبسوطة بلوعتي على ابني. ولنفس السبب اللي اخترتي رضا عشانة، أنا فكرت وقولت: مين يا محمد في البلد اللي هترضي بيك بعد ما عرفوا إن أمك بتاعت أسحار؟ يعني عاوزة مدة على ما ألاقي حد. فيكون ابني اتدمر. اتفقت معاها ما دام هي خايفة كده، يبقى ملهاش دعوة بيكم. تكون في شقتها وبس وتراعيني وبس، عشان الحق ابني يا حاجة. فهي ما عملتش غير اللي اتفقنا عليه وأنا مش هغدر بيها. ساعدتني أرجع ابني. يمكن مش هيفوق دلوقتي، لكن هيفوق إن شاء الله. وبالمناسبة، أسماء بنت عزيزة أختي، اتقري فتحتها أول امبارح. روحت بالصدفة بالليل لأختي، لقيت العريس والبت هي اللي جايباه. البت اللي يا دوب طالعة من البيضة اختارت جوزها." (وبضحكة سخرية) "وأنا انجبرت أتجوز. البت اللي عايزة تجوزيها لعبد الله، غضب خلاص. بح! هتتحوز بعد سنة. اتفقوا على كده. وبالمناسبة، اتفاقك مع مرات أبو رضا إنها تروح تخدمها كل جمعة، أنا مليش دعوة به. مراتي مش هتخرج غير بمزاجي يا حاجة. وشغل البيت هنية تقوم به أو تجيبوا حد تاني، زي مثلاً اللي قبل هنية. أنا عارف إنك مشيتيها عشان كانت مريحة انتصار، مش عشان أجرتها غالية وخايفة على فلوس علي."
كانت الحاجة تنظر لمحمد بصدمة، ومصطفى ينظر للأرض بخزي، لأنه بالفعل كان يتكلم مع بعض أصدقائه وقال لهم عن أمه والأعمال ليخيفهم منه وأنه قادر على إيذائهم. (غباء، لكن أحياناً الإنسان من غير إدراك يفضح نفسه).
الحاجة: "بعد العمر ده بتتخلي عني."
محمد بدموع: "عمري ما اتخليت. بس الحق حق. ليه أغامر بواحدة اشترتني وآذيها؟ إذا كنت آذيت حفيدك، هتصعب عليك رضا؟ من حقها تحس بالأمان. أنا ذات نفسي قولت لعيالي ممنوع يجوا هنا. لما يوحشوني هروح لهم. لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين يا حاجة. وبرضوا هعدي عليك كل يوم مرة الصبح ومرة لما آجي بالليل."
هنا سمعوا صوت خبط عالٍ من أعلى. ليفتح محمد الباب ويقول باستغراب: "إيه الخيط ده يا رضا؟"
رضا: "نزلت السبت وناديت على عيل في الشارع يجيبلي قلب كالون وبركبة دلوقتي، أصل بتخض لما ألاقي حد غريب في البيت يا سيد الناس. وما تتأخرش عندك كتير، لحسن وحشتني."
محمد وهو يكتم ضحكته: "طيب يا رضا، خمسة وجاي."
رضا وكأنها تذكرت: "بلحق يا سي محمد! ملقتش المحشي ولا البطة. ما تنساش تجيب طبق من عندك. إنت محتاج تغذية يا خويا. اللهي يخليك ليا يا رب."
محمد حمحم ونظر لأمه وأخيه: "أبقي اعمل لنفسك قهوة بقى يا مصطفى. اعتمد على نفسك يا حبيبي. أنا هاخد طبق من عندك يا حاجة أحط فيه أكل. مش معقول أخليها تطبخ في يوم زي ده. أصلها طلعت بنت حلال قوي. يا زين ما اخترتي ياما."
دخل محمد المطبخ ولم يجد إلا ورك البطة مع بعض المحشي. ليقول بخفوت: "يا ولاد المفجوعة. أكيد مصطفى وابنه. يالله بالهنا والشفا. الحمد لله لحقنا ورك." أخذة. وكانت رضا ما زالت على سور السلم، والحاجة ومصطفى واقفين على باب حجرة الحاجة.
رضا: "ربنا ما يحرمني منك يا بيبي."
محمد بصوت عالٍ مرح: "إلللللعب!"
مصطفى بسخرية: "هو ده اللي بيحب انتصار؟ البت يوم واحد وعملت لعقله فك وتركيب وغيرت قلب الكالون. يامة يعني مش هعرف أدخل عندهم آكل."
الحاجة: "روح اعمل لنفسك قهوة واعملي معاك ماية بسكر. السكر على عليا."
إيه هيحصل نعرف الفصل الجاي.
أسرار الماضي البنت ناس ( بقلم / رينا الهادي )
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رينا الهادي
إنتصار وهي فاتحة الاسبيكر: أخباركم إية يا علي.
علي: الحمد لله ما تقلقيش المهم إنتم.
الواد اللي ببعتة ياخد اللبن في ميعاد كل يوم بيجي.
إنتصار: أيوة بيجي وأنا بساعد أنهار و نحطة في الترمس ولا معرف إية دة بس عاوزين نشوف العيل بقي يا علي الواد وحشتنا.
علي: هجيبة لكم النهاردة خلاص هيطلع من الحضانة بالليل هيكون عندكم.
أنهار بفرحة: بجد و النبي يا دكتور علي إبني هيبات في حضني النهاردة؟
علي بضحكة: آة والله يا أم.
هتسموة إية صحيح أنا هسجلة النهاردة أكتب إية يا بشر؟
أنهار بدموع: أكتب إللي تحبة.
فاكر قولت لك لو ولدتني هتسمية و إنت ولدتني و هتسجلة و هتجيبوة ليا.
علي: ربنا يباركلك فية.
قولي يامة إنت إسم أنهار مش هتتكلم إنت إللي لحقتيها و إنت اللي هتساعدي أنهار في تربيتة إن شاء الله.
إنتصار: هتزعلي لو أنا سميتة يا أنهار؟
أنهار بهز رأسها بالنفي: ابدأ يا ماما.
إنتصار: أحمد.
علي: يعني ماكنتش أعرف إنك بتحبي أخوك كدة ماشي أحمد عبد الله.
أنهار بحزن: مش هتاخد راي أبوة و لا هو مش عاوز كمان يعرف أسمة زي ماهو مش عاوزة ولا عاوزني؟
إنتصار: إحنا عاوزين نفرح بمجية أحمد النهاردة مش عاوزين حزن يا أنهار.
وقلت لك و الله عبد الله هيرجع يبوس إيدك علشان ترجعي لة.
عملت أية معاة إمبارح يا علي؟
علي بتنهيدة: أحسن من المرة الأولي بالكتير.
من أسبوع كان بيعرق و يرتعش و يصرخ إمبارح الموضوع قل كتير و كان هادي أصبري يا أنهار علي عبد الله هو مايعرفش إللي فية و إنت عشتي معاة فترة و عارفة طبعة.
و علشان خاطري و خاطر أمي عندك بلاش أهلك يعرفوا أنة طلقك دلوقتي.
أنهار: و هفضل عالة عليكم كتير؟
علي: مش هقول إنك أختي و الكلام دة لكن هقول إنت ليك نفقة و الشقة من حق الزوجة ما دام حاضنة.
وكمان قدمت لك شهادة مرضية في الجامعة و وصيت عليك و هجيب لك المحاضرات إللي خادوها.
يلا بقي واريا مليون حاجة النهاردة ماتتصلوش تاني النهاردة أحمد هيكون عندكم علي العشا كدة سلام بقي.
أغلق وتنهد بعمق و أمسك هاتفة ثم كتب رسالة وأتس لنهر أن تكلمة عندما تتفرغ ضروري.
بعد ربع ساعة تقريبا إتصلت نهر.
نهر: خير يا آبية في حاجة؟
علي: محتاج منك خدمة فاضية شوية؟
نهر: عندي بريك عشر دقائق قول.
علي: هروح أجيب النهاردة أحمد إبن عبد الله من الحضانة و عاوز أعمل مفاجئة حلوة لأنهار و أمي فآجرت عربية تجيب أهل أنهار بكرة بالليل علشان أعمل سبوع لأحمد.
عاوزك بقي تعملي كروت صغيرة و تنزلي تجيبي حاجات وشنط السبوع بسمع أن فية شنط جاهزة دلوقتي علشان ما تضيعيش وقت كتير و إبعتي بهم إدوارد بكرة معاك لغاية بكرة المغرب هتعرفي و لا أحاول أتصرف أنا.
نهر بفرح: ربنا يخليك يا أبية و يفرح قلبك أعتمد عليا و مش هجيب جاهز.
إنت عارف آنة الأسبوع دة عند آدو بعد الكلية هتفرح لما نعمل الشنط خصوصا آدو الشغل بتاعة بالليل.
يعني هبات معاها و نعمل الشنط.
تعرف هتفرح قوي باسم أحمد للمولود.
إبتسم علي و فهم أن أمة إختارت إسم أحمد لتفرح بة رقية و نهر.
نهر: روحت فين؟
علي: لا ابدأ معاك فلوس؟
نهر:هعدي علي البوسطة و أجيب بالكارت.
علي: طيب أنهار ما كنتش إشترت حاجة للبيبي عاوز غيارات كراكوت الحاجات دي هتعرفي.
نهر: طبعا أنا عرفت أماكن كتير شارع 23 والعتبة فية كل حاجة والكروت من الرويعي و هجيب غربال السبوع لا تقلق.
هظبط أحمد باشا بس ابقي صورة يا أبية علشان أبقي أحب فية براحتي.
علي: إنت مش هتحضري السبوع ممكن أنهار تزعل و عبد الله مش هيكون موجود.
نهر بحزن: لا يا أبية أنهار قطعت علاقتها بيا و قالت ماكلمهاش ثاني.
أنا عذراها هي الضغط النفسي عليها جامد و انا مش عاوزة مشاكل.
بس انا فرحانة لهم و يلا سلام العشر دقائق خلصو بااااااي.
علي بحزن بعد المكالمة: هو انا حبيتك من شوية يانهر.
إنت و خالتي رقية من أطيب الناس و أجدعهم.
علم محمد بأن حفيدة رجع لأمة و قد أخبرة علي بذلك بعد أن أوصلة لأنهار و إنتصار حيت ظلت إنتصار تزغرد ما يقرب من النصف ساعة فرحا بحفيدها و قد فرح محمد بسماع زغاريدها بفرحة و لهفة ثم أخبرة علي أنة ينوي عمل سبوع لة غدا إن أراد القدوم و أخبرة محمد أنة سوف يأتي.
عند محمد.
رضا: يا دي الرضا وشك باين علية الفرح فرحتي معاك.
محمد: حفيدي الحمد لله ربنا نجاة و راح لامة النهاردة كان محجوز في المستشفي و علي هيعملة سبوع بكرة إن شاء الله أروح املي عيني منة و هاجي بالليل في نفس اليوم.
رضا: مش هتبات هناك.
محمد: لأ ، أهل أنهار هيباتوا و البيت هيكون زحمة غير إنتصار هناك.
رضا: بالله عليك تاخدني معاك.
محمد:آخدك إزاي بس احنا تاني يوم جواز تخرجي ٱزاي بس غير أكيد علي و أمة ممكن يضايقوا و يتكسفوا قدام أهل أنهار.
رضا: لأ مش هروح السبوع إنت حطني في أي مكان تحضر و تيجي هتلاقيني علي حطت إيدك و النبي مش هقعد هنا لوحدي و حياة حبيبك النبي و حفيدك ربنا يخلية ما دام مسافر.
نفسي أسافر و مش هعرف ألاقي فرصة تانية و خائفة من أمك و أخوك.
محمد: يا بت دة إنت بتخاف منك مش عليك.
رضا: أنا قوية بك يا عم محمد بس أنا خائفة منهم و الله.
محمد: طب روحي نامي يا إنتصار و الصبح ربك يحلها.
رضا: أنا رضا مش إنتصار خدني معاك بقي و هقوم أعملك أحلي عشوة دة أنا يتيمة و هتكسب فيا ثواب.
محمد و هو ينظر إليها بتركيز: ماشي بس بعد كدة أقول لأ مافيهاش مناهدة و كلام كثير.
رضا بفرحة: ماشي يا عم محمد ربنا يخليك و يكتر ٱفراحك.
محمد: عم محمد إنت مش هتبطلي الكلمة دي غير لما يسمعوك و نتفضح.
ثاني يوم صباحا.
كان إدوارد يرن جرس شقة بكوعة لتفتح إنتصار وتري كم من الأشياء أمامها.
إنتصار: مين إنت؟
ليصيح إدوارد: خدي مني الحاجات الأول و إنت تشوفيني.
أحست إنتصار أنها تعرف هذا الصوت فاخذت منة بعض العلب الكرتونية الكبيرة فظهر وجهة.
إنتصار: فيك الخير إية جابك؟
إدوارد: ماما رقية قالت آجي قبل ما أنام أوصل ليكم دول دكتور علي طلب الحاجات دي عموما دي حاجات للبيبي و شنط سبوع وكدة خدي بقي مني لاني ميت تعب و عاوز أروح أنام و آة إبقي سبيلي علي جنب شوية شنط سبوع ماشي.
إنتصار: علي ماقليش حاجة طب أدخل ريح رجلك شوية.
إدوارد: هموت و أنام يا خالتي دخلي الحاجات دي علي ما أجيب الباقي من تحت.
إتصلت إنتصار بعلي لتفهم ما كل هذة الأشياء و علمت منة انه يريدها مفاچئة و أن أهل أنهار و والدة سوف يأتوا مساءا.
أخذت الاشياء بهدوء و أدخلتها غرفة علي ما عدا لبس أحمد حفيدها فوضعتهم في الصالة و عبائة متظرزة جميلة لانهار.
أنهار من داخل غرفتها: مين يا ماما إللي جة؟
إنتصار وهي تفتح باب غرفتها: دة واحد جايب حاجات علي باعتها هروح أجبهم تتفرجي.
و أخذت غيارات وكل مستلزمات أحمد لتريهم لانهار.
أنهار بفرحة: الله يا ماما الحاجات تحفة دي جايب غيرات خارجية و داخلية وشنطة بيبي وكراكوت وحتي الكوفتات وشامبو الاطفال وزيت شعر وكريم تسلخات.
(أدمعت عينيها وهي تقول) أنا لو كنت نزلت جبت ما كنتش هقدر أجيب دة كلة.
إنتصار: دة أول حفيد ليا يا أنهار و إن شاء الله مش هيكون محتاج حاجة و مش إبنك لوحدك دة إبن عبدالله وعلي كمان.
أنهار:ربنا يخليكم ليا يا رب.
إنتصار: علي بيقول محضر مفاجئة بالليل جهزي نفسة بالليل نسهر ونفرفش.
أنهار بفرحة: يبقي عبد الله فاق و بقي كويس صح ياماما هيكون معانا النهاردة و يشوف إبنة.
إنتصار: يسمع من بوءك ربنا.
بس لأ كان علي قالي معليش يا بنتي الحاجات دي بتاخد وقت زي ما علي فهمني.
بس امانة عليك أنا قولت لك و الله أن عبد الله كان مسحور و كل حاجة ما تجبيش سيرة لعبد الله علشان مايصعبش علية نفسة كفاية أبوة وأخوة وكفاية علية اللي حصل لة.
أنهار: هنعمل اية لما دكتور علي يسافر ممكن عبد الله يتهجم عليا تاني ولا إية؟
إنتصار: أنا معاك يا أنهار وإنت زي ما علي قال هتروحي كليتك لما تقدري و أنا هاخد بالي من أحمد بس برضوا و حياة احمد عندك بلاش أهلك يعرفوا بطلاقك دلوقتي هو عبد الله هيرجع و الله أنا عارفة و متاكدة أنة بيحبك علشان خاطري يا أنهار.
أنهار: أنا ماقدميش غير كدة أصلا يا ماما لأنهم لو عرفوا أبقي خسرت كل شئ كليتي و يمكن كمان إبني لاني عارفة أبويا ممكن يجوزني عادي لآنة هيحملني مسئولية إني وافقت علي تكملت دراسي و بعدي عنهم و إختياري لعبد الله.
وهيقول أجوزك أنا اللي يصونك.
ومين هياخد واحدة بعيل أديني كاتمة في قلبي و ساكتة.
عند المغرب دخلت إنتصار لأنهار و أعطتها العباءة.
إنتصار: البسي دي يا أنهار.
أنهار: الله يا ماما دي حلوة قوي وقيمة جبتيها أمتي؟تعبتي نفسك.
إنتصار: روحي غيرى وأنا هغير لأحمد.
عمة جايب لة طقم إنما إية اخر الآجة.
أنهار: كل الاطقم حلوة تقصدي أي واحد.
إنتصار: الطقم إللي اقصدة إنتي ما شوفتهوش أدخلي البسي بس.
أنهار: هبقي إقيسة بعدين مش قادرة دلوقتي.
إنتصار: وعلشان خالتك انتصار.
أنهار: حاضر.
دخلت ولبست العباءة وكانت مضبوطة فنهر تعرف مقاس أنهار جيدا وعندما خرجت كانت إنتصار قد غيرت ملابس الصغير فتحت فمها بدهشة.
انهار: الطقم الأبيض دة هياكل منة حتة.
ما شاء الله بس لية حرير؟
إنتصار: هتعرفي كمان شوية.
ما أن أنهت إنتصار كلمتها حتي رن جرس البيت لتعطي إنتصار أحمد لأمة و تجري تفتح الباب ذهبت وراءها أنهار لتعرف من الطارق و تفاجئت أنهار بأهلها أمها و أبيها و إخواتها الصغار و عمتها.
إنتصار: بادي النور يا دي النور نورتوا البيت.
عواطف ذهبت لابنتها بعتاب: كدة يا أنهار تولدي و مانعرفش عنك حاجة.
إنتصار: و الله يا حبيبتي كانت والدتها صعبة قوي ولدت قيصري و أحمد لسة جاي لها إمبارح كانت روحنا بتروح مننا من قلقنا عليها و علي أحمد كنتم هتعملوا إية؟ غير القلق المهم أنهم قاموا بالسلامة و الله علي لسة مسجلة إمبارح.
عمة أنهار: حمدالله علي سلامتك يا أنهار هو إنتم لوحدكم هنا ولا إية؟
إنتصار: آة.
علي و عبد الله عندهم عمليات بس إن شاء الله هيجوا علي السبوع إحنا عندنا كام أحمد وأم أحمد إرتاحوا شوية علي ما أنا أجهز الغدا.
عبد الرحمن: غدا إية يا ست أم الدكاطور الحمد لله واكلين بس لو ممكن كوباية شاي.
إنتصار: هعمل شاي بس تأكلوا أي حاجة الأول علشان العيال و واقفتي طول النهار بجهز الأكل.
شوف بنتك متنحة إزاي ماكنتش عارفة أننا هنعمل سبوع.
(نظرت إليها) ولا إنكم هتيجوا شوف الفرحة في عينها علشان جيتوا.
عواطف: هاتي يا أنهار أحمد أشيلة.
(اخذتة منها) يا ماشاء الله يا ماشاء الله.
بس قد الكف لية كدة صحيح إبن سبعة.
عمة أنهار بنظرة مطولة لإنهار: ويكون كبير إزاي إذا كان بنتك ضعيفة تلاقيها نسيت نفسها من الجري علي الكلية والعلام.
آخدي إية يا أنهار اهو هتقعدي تربي إبنك ما نابك غير تعب القلب و مصاريف علي الفاضي سنة و شوية.
إنتصار باستغراب: لا أنهار شاطرة و عيالي قدموا لها شهادة في الكلية أنها تعبانة و هتكمل إن شاء الله و هتبقي أحسن تاكتورة إللي عاوزاة أم أحمد تعملة.
عواطف: الله! هنسيب إبنها و تروح تتعلم دي قالتلي بتروح طول النهار و بترجع قبل المغرب و لا جوزها هيرضي.
هيكلوا طوب يعني.
إنتصار: لية و أنا روحت فين.
أنا هساعدها في البيت و أحمد هيكون معايا وقت ما هي في الجامعة.
و لو كنتوا ما تعرفوش أنا أطلقت و ربنا بيسبب الأسباب يمكن علشان آخد بالي من أحمد.
عمة أنهار: هي المفروض تخدمك مش إنت إللي تخدميها.
إنتصار: هي و عبد الله ولادي و إحنا واخدينها و عارفين إنها عاوزة تكمل تعليم و عبد الله مش ممانع و الحمد لله ربنا مديني الصحة مش هبخل بها علي ولادي وحفيدي و يلا يا أنهار خدي أمك و عمتك علي أوضتك علي ما أسخن الأكل.
وقف عبد الرحمن: هاتي أحمد يا عواطف عاوز أملي عيني منة قبل ما نرجع.
كانت إنتصار تتجهه للمطبخ وقفت و هي تقول: إنتم هتباتوا النهاردة عيالي عاملين حسابهم علي كدة.
عبد الرحمن: نبات إزاي يا ست أم علي لامواخذة البيت يعني ما يسعش.
إنتصار: البيت ثلاث أوض أنهار وامها وأحمد أوضة وانا والست اختك اوضة وإنت وأولادك اوضة وصالة عيالي هيباتوا برة و العربية اللي جابتكوا هترحعكوا بكرة المسافة كبيرة و أهو تشبعوا من أحمد.
عبد الرحمن: إللي فية الخير يقدمه ربنا.
ذهب إلي ٱبنتة (وقال لها بصوت خفيض) روحي ساعدي حماتك عيب كدة باين عليها طيبة و خايف أدخل أمك أو عمتك لها تتضايق برضو ممكن ما تحبش غريب حد يدخل المطبخ.
أنهار بابتسامة: طيبة قوي ياباة من يوم الولادة و هي شيلاني.
ما أن دخلت أنهار حتي إلتفتت لها إنتصار و هي تقول: روحي يريحي يا أنهار إنت لسة تعبانة و أنا عارفة أن الجرح شادد عليك.
علي مفهمني كل حاجة و خدي أمك و عمتك أوضتك أنا نقلت لبسك هناك علشان ميشكوش في حاجة.
أدي عمتك و أمك لبس بيتي يستريحوا فية أحسن.
أنهار: ربنا يخليك ليا يا ماما.
إبتسمت لها إنتصار: متخافيش علي إللي هيجي عبد الله لسة ما فآش لنفسة و ما يعرفش بسبوع أحمد علي هيتصرف و يقول عندة عمليات أو أي حاجة.
جاء علي قبل آذان العشاء و بعدها جاء محمد و معة عمر وقد ترك رضا بأحد محلات الطعام و أوصاها أن لا تترك المكان حتي يأتي.
خرجت إنتصار للجيران و دقت بابهم لتدعوهم إلي حفل سبوع حفيدها و تم السبوع في وسط ملئ بالفرحة والسعادة و نالت شنط السبوع و لبس الصغير والغربال المزين بشرائط من الستان إعجاب الجميع و ملئت الفرحة البيت.
عمة أنهار: هو الدكتور عبد الله فين أومال.
حد ما يحضرش سبوع إبنة؟
ولا مش عاوز يقابلنا؟
علي: لا إزاي بس هو فجاءة مريض هو متابعة تعب و إحتمال يدخل العمليات و لانة لسة جديد في المستشفي و عاوز يكون نفسة إستني هناك و بعدين إحنا مش مكفينك يا حاجة ولا إية أحمد و عمة وأمة وستة و سيدة كمان وعمر باشا.
بعد قليل مشي محمد و عمر و قد أخذا معهم الكثير من شنط السبوع لتوزيعة علي الأقارب و الاحباب في البلد.
وعندما هم علي بالخروج من الشقة كان جرس الباب يدق ليفتح علي و يتفاجأ بمجئ عبد الله.
علي بصوت خفيض: عبدة فية حاجة جاي لية؟
عبد الرحمن: إية جاي لية يا دكتور جاي لأبنة و مراتة.
فهم عبد الله أنهم لم يخبروة بطلاق انهار فدخل بهدوء.
عبد الله: أهو قالك أهو.
علي بهدوء وصوت منخفض: انت هتستعبط جاي لية؟
عبد الله: عاوز اشوف إبني ما تخافش مش هعمل مشاكل نفسي بس آشوفة و سمعتك و إنت بتقول أن النهاردة سبوعة.
دخل علي بتوتر مع عبد الله و جلس علي أحدي الكنب.
عمة أنهار: كويس إنك جيت أخوك كان بيقول عندك عملية.
عبد الله بابتسامة باهتة: أجلنا العملية شوية قولت آجي شوية و أبقي أرجع تاني.
معليش الشغل هنا مش بيرحم.
(نظر لانتصار) فين الواد يامة؟
دخلت إنتصار لانهار لانها ما أن رآت عبد الله حتي إنسحبت لحجرتها هي وابنها.
إنتصار: هاتي الواد يا أنهار أبوة عاوز يشوفة.
أنهار بخضة: أنا خائفة يأذية.
إنتصار: كلنا برة و علي جنبة ماتخافيش هاتي يا بنتي علشان أهلك ما يشكوش في حاجة.
أنهار و هي تحتضن إبنها: طب أقويلوة بيرضع.
إنتصار: هيقعد يستناة و الله أعلم إية ممكن يحصل ما تخافيش أنا و علي معاة.
أخذتة إنتصار منها ببطء و خرجت بة أما أنهار فٱنهارت بمفردها بغرفتها و أخذت تدعو الله: يا رب أنا لسة ملحقتش أفرح بة يا رب أنا تعبت.
رجعلي إبني يا رب أنا خائفة يارب و إنت أعلم بيا.
و ضعت إنتصار أحمد في يد عبد الله فأخذ ينظر لة بشوق و حب و دمعت عيناة و هو يقبلة: حلو قوي يامة و ريحتة حلوة.
علي بضحكة: يابني كل العيال الصغيرة ريحتها حلوة.
عبد الله: بس صغير يا علي.
هو ماشاء الله قمر بس صغير.
عواطف: هو إنت أول مرة تشوفوة؟
علي: بصراحة آة.
أصلة كان خايف عبد الله مالوش في العيال الصغيرة وكمان زي ما قولت أحمد لسة خارج إمبارح من الحضانة.
عبد الرحمن بضحك: مانا كمان بخاف أنا مرضتش أشيل اي عيل من ولادي غير لما يبقي عندة سنة بخاف يقع مني و لا نسيتي يا عواطف.
إلا أنهار كنت خايف عليها بزيادة يمكن ما شلتهاش غير لما بقي عندها يجي ثلث سنين.
عبد الله آخذة بحضة فتحت أنهار جزء صغير من الباب لتري ما يحدث و لم تصدق عينها و هي تري عبد الله ياخد صغيرها بحضنة و هو يقبلة بمحبة و يشتم رائحتة بعشق ظل لمدة عشر دقائق ثم أعطاة لأمة عندما بكي الصغير.
عبد الله: خدي يامة إدية لأمة بيانة جاع.
عواطف: ما تروح تدية إنت لامة.
علي: معليش هنتاخر و أحنا مستاذنين من شغلنا و لو دخل مش هيطلع النهاردة.
نورتوا البيت يالا يا عبد الله.
اخذت إنتصار الصغير لتعطية لامة فدخلت معها عواطف و عمة أنهار.
إنتصار: خدي يا بنتي رضعية.
عواطف بشك: ما طلعتيش لية لما جوزك جة؟
إنتصار: تلاقيتها تعبانة و عاوزة تستريح قولت لها تنام شوية.
سيبوها ترضع أحمد و تعالوا معايا نجهز العشاء و هعمل لك كوباية حلبة علشان اللبن يكتر.
عمة أنهار: إنت شكلك معيطة يا أنهار إنتم مخبين عننا إية؟
أنهار رفعت عينها إليهم و بكت بحرقة و هي تقول: الجرح شادد عليا قوي و المسكن من جايب فايدة.
إنتصار: ما أنا قولت لك يا أنهار بلاش حركة كتير و إنت بقالك ثلاث ساعات مش مبطلة.
أقولك أنا هتصل بعلي يكتب لك علي حاجة تريحك.
أنهار: و هي تمسك أسفل بطنها: حاسة بنار في بطني من تحت هنا.
عواطف: ما تتصلي بعبد الله أحسن.
إنتصار و هي تشوح بيدها: هو عبد الله دة بيفهم حاجة في الستات علي هو اللي تخصص ستات عبد الله بتاع قلب بس.
إتصلت بعلي و قالت لة أن أنهار تعبانة و أعطت لأنهار الفون لتشرح لة ما تحس بة.
بعدها آتي من صيدلية مجاورة عامل توصيل ببعض الكريمات والأدوية.
عواطف لابنتها: بصراحة يا بت يا أنهار أول مرة أشوف حمة قلبها علي مرات إبنها كدة.
لا و كمان الدكتور علي ربنا يحميه لشبابة جدع قوي.
أنا كان قلبي واكلني عليك هسيبك إزاي و إنت تعبانة و خصوصا إنك عارف إخواتك و أبوك مش بيعرفوا يعملوا حاجة.
بس خلاص مطمنة عليك ربنا يتمم نفاسك علي خير.
مضي اليوم ومشي أهل أنهار محملين بشنط السبوع و بعض الهدايا لاخواتها.
عند رقية.
رقية: إنت ما صدقتي آدو واخد شفت بالليل وتيجي تنامي هنا.
نهر: أعمل إية آنة بخاف عليك بالليل لوحدك و كمان مديرة الدار قالت تستضيفها في أضيق الحدود علشان بقية البنات ما تعملش زيي.
رقية: ما تقلقيش عليا و إنتبهي علي كليتك عاوزاك متميزة مع إني عارفة إني مش عطاياك وقت للكلية وعارفة قد إية هي كلية صعبة.
نهر: المهم صحتك كل واحد بيثبت نفسة بعد التخرج مش كل الناس بتكون كويسة في الكلية و الحياة العملية خصوصا أن عندنا التعليم الأكبر بعد الجامعة الدراسة بتحط فينا الأساس بس.
والممارسة عليها العامل الأكبر فية موضوع مهم عاوزة أكلمك فية.
بآجلة كتير بس لازم إفاتحك فية.
رقية: قولي واضح أنة حاجة تزعل؟
نهر: عمو إيمري بقالة أكثر من شهرين مش بيبعت شغل.
أنا عارف أن حضرتك قولتي أنة هياخد إجازة مش عارف مدتها لكن المدة كبرت آنة.
وغريبة شركة بحجم شركتة تاخد إجازة شهرين واللي أجل غير مسمى.
أنا حاولت أتواصل مع الشركة برقم غريب و ٱكتشفت أنهم فعلا واقفين العمل وأن دل عن شئ يدل علي أنة عاوز يقفل الشركة ويعيش حياتة.
وحضرتك رفضتي تاخدي الشهرية لأنك مش بتشتغلي طبعا إنت حرة.
وكمان ما كنتيش هتعرفي تشتغلي الفترة دى والغريبة أنك كنتي مفهماني إنكم اقرب للآخوات وكان بيتصل علي الأقل مرتين في الأسبوع دلوقتي مفيش اي إتصال تقريبا من يوم ما رجعنا من سيوة و سينام سافرت.
غير أن سينام ذات نفسها مش عارفة تتواصل معاة.
رقية: أنا صراحة فكرت أنة ممكن يكون إتجوز و ماحبتش أتصل بة علشان مزعجوش و خصوصا أنة بيبعت بس لسينام رسائل إنة كويس من غير ما يكلمها فون.
لكن هو طول فعلا إنت في دماغك إية؟
نهر: حضرتك عارفة الكلية عندي مكلفة و العلاج بتاع حضرتك برضو مكلف و تقريبا فلسنا و كمان الدكتور قال غالبا ناقص جلسة كيماوي واحدة و بعدها العملية.
فانا مش هغامر بك لازم تكون مستشفي علي مستوي خصوصا أنها عملية كبير فمحتاحة مبلغ كبير.
سكتت لحظات و أكملت مش هينفع أطلب من عمو أمجد الورث اللي جدو كتبة ليا علي جثتي.
هيحسر إخواتة و مش هرضي بكدة.
و لا هرضي أخد سلف من آدو أنا عارفة أنة معاة مبلغ محترم بس هو بيدور علي شقة لنفسة.
أنا مش قدامي غير حل واحد.
رقية بترقب: إية هو الحل؟
نهر بترجي: لازم نبيع بيت بابا آنة.
رقية: الحاجة الوحيدة اللي بابا سبهالك عاوزة تبعيها؟
نهر: أبيع أي شئ لو هيضمن ليا إنك تكوني معايا و لو دقائق زيادة آنة إحنا اللي بنعمل الفلوس والبيت أدي مهمتة سنين طويلة.
و كلها كام سنة و أتخرج و هنعمل بيت أكبر.
بابا ساب ليا أحلي و أحن أم و ذكريات بشوفها في كل حد بتعامل معاة في البلد.
ومش عاوزة أبيعة بالبخس عاوزة أعرضة للبيع من دلوقتي مش بعدين لأن الناس لما تعرف إني مستعجلة هتنزل في تمنة قدمنا تقريبا شهرين.
رقية بتنهيدة حزينة: سيبيني أفكر و مش هتاخر عليك في الرد.
نهر: أنا عارفة أن كل ذكرياتك الجميلة فية و يصعب عليك تسيبي البيت لكن الدنيا ضاقت و أنا مش هستني تضيعي مني.
لو العكس حصل كنتي هتبخلي بالبيت ولا هضحي بيا؟
رقية: بعد الشر عليك أوعي تقولي كدة أنت أغلي من روحي و أي شئ في الدنيا فداك.
نهر و هي تخفف دموعها: فكري بقلبي أنا آنة مش هنلجأ لحد الموضوع خطير لو بعنا البيت و آجرنا أي شقة في البلد علشان تبقي جنب عمر و قبر بابا الدنيا مش هتتهد و الايجار هيكون صغير البلد مش غالية زي القاهرة.
رقية: تمام بعد بكرة بالكتير هيكون قراري.
ثاني يوم بعد أن ذهبت نهر كليتها.
إتصلت رقية بإيمري أملا في الحصول منة علي سلفة فصعب علي قلبها بيع بيت إبنتها لكنة لم يرد بعدها باكثر من ساعة أتصل بها.
الحوار بالتركي والترجمة هي:
إيمري: خير عائش ما سبب تفكيرك بي؟
رقية: الوحيد اللي دائما يفكرني إني عائشة مش رقية صراحة ماتوقعتش ترد عليا خصوصا إن سينام قالت إنك مش بتكلمها و بتبعت رسائل.
إيمري: عاوزة تفهميني أن عدم إتصالك هو سينام مش إنت اللي مش عاوزة تسمعي صوتي.
رقية: لية الهجوم دة إيمري؟ إنت قولت محتاج إجازة و مش عارف تحدد مدتها أنا خفت أضايقك.
إيمري: عائش بلاش اللعب بالكلمات من أمتي أنت بتضايقيني أنا ديما جنبك.
و زي ما إنت تحبي.
قولتي هتكون أصدقاء و نحكي لبعض كل شيء وكنا.
بعدين ٱترقيت و بقيت أخ و سند مش مجرد صديق و رضيت و كان كل شئ في حياتنا كتاب مفتوح لبعض مجرد ما قولت عاوز إجازة تركتيني شهرين وثلاث أيام للدرجة دي أنا مش مهم عندك يا أختي العزيزة.
رقية: إنت شايفني وحشة قوي كدة؟
ايمري: لأ شايف إني كنت واخد نفسي لمكانة عالية عندك و للأسف طلعت غلطان.
رقية بدموع: أنا تصورت إنك إتجوزت و مش عاوز إزعاج يعني لية ما حددتش وقت الإجازة و تقريبا أغلقت الشركة قولت لو كلمتك ممكن زوجتك تزعل و ما تقدرش علاقتنا.
إيمري: إنت مجنونة؟ إنت متخيلة إني ممكن أتجوز أنا علاقتي بالستات شغل و بس ما عدا إنت.
كنت متخيل إنك فاهمة.
رقية: طب لية إيمري؟ لية كل البعد دة و لية ما إتصلتش بيا و لا مرة أنا كنت محتاجة لك كاخ الفترة اللي فاتت.
إيمري و هو يكتم غيظة منها فهو أحبها لكن لا يريد البوح لأنها ما زالت علي ذمة رجل غيرة: لية إحتاجتيني؟ طبعا فهمت كدة لية إتصلتي إتفضلي إحكي.
رقية: إتعودت أحكي معاك مشاكلي و أخد رائيك بس النهاردة لأ إيمري إنت وضحت لي أنا قد إية أنانية بتصل بك بس لما أحتاجك المرة دي مش هحكي غير لما أفهم إنت فين و أفقلت الشركة لية؟
تنهد إيمري بعمق: عارف إنك عنيدة.
و آسف إني ضايقتك بس كان لازم أفرغ غضبي أنا مستني تكلميني من زمان عائش بجد.
علشان ما أطولش عليك أنا الرجل الرياضي صاحب شركة الأجهزة الطبية و اللي مهتم قوي بالاكل الصحي و الرياضة.
قلبي تعب حصل تضخم في القلب و إنسداد في الشرايين و مشاكل كبيرة طبعا كنت عارف قبل ما أغلق الشركة و مشيت علي الأدوية لكن كان لازم جراحة المهم حاولت أنهي كل التعاقدات لأني حسيت إنها النهاية و سافرت و حصل استعدادات و عملت عمليتين في القلب ولسة الثالثة بس دة سر بينا ممنوع يوصل خبر لسينام.
ضحكت رقية بقوة: أنا مش مصدقة بتخبي عليا إيمري؟
إيمري بغضب: إنت مجنونة عائش دة بدل ما تحزني عليا بتضحكي؟
رقية: و أنا اللي فاكراك في العسل طلعت عايش في الوجع.
معليش ضايقتك بس أقولك علي حاجة جايز تغفر لي عندك؟
ايمري: قولي يا مجنناني.
رقية: أنا كمان كنت ومازلت مريضة.
الكانسر رجع لكن بطريقة تانية و رجعت لوجع الكيماوي و الف علي الدكاترة و المستشفيات و برضو مخبيين عن سينام.
ايمري بخضة: بتقولي إية عائش؟
رقية: فاضل جلسة كيماوي و بعدها هعمل عملية أنا كمان.
بقولك إية تيجي نشجع بعض علي الصمود و اللي يعيش مننا ياخد بالة من بنت الثاني.
(إنهارت قوتها علي الصمود لتقول بصوت باكي) أنا خائفة إيمري مش علي نفسي علي أولادي نهر ما شفتش يوم حلو أنا ممرمطاها مش عارفة تشوف حياتها ولا كليتها و لا مستقبلها لو جرا لي حاجة عرفها بأهلي وخاليك جنبها أرجوك و إحميها.
إيمري: أهدي ممكن تبعتي التحاليل و الاشعة أعرضها هنا علي الدكاترة.
الطب هنا متقدم غير الدول النامية.
رقية: لأ هنا مش متخلفين.
هنا الطب في المستشفيات الخاصة معقول و أنا مش عاوزة أبعد عن ولادي لو حصللي حاجة عاوزة أدفن جنب أحمد.
إيمري: إسمعي الكلام عائش العناد هنا مش في محلة.
رقية: لو بعت الأشعة والنحاليل وقالوا لازم عملية مش هسافر إيمري هكون هنا و دة كلام نهائي من غير نقاش.
إيمري: يا صبر.
أنا لية رديت عليك ما كنت سيتك تتفلقي.
إخلصي بدل و ربي آجي آخدهم بنفسي و آخدك معاهم.
رقية: هدي نفسك إنت تعبان.
حاضر هبعت كل شيء لكن ما تجهدش نفسك.
(بصوت دلع) إيمري خالي بالك من نفسك أنا عاوزاك كويس.
إيمري: عائش فية صوت واحدة ست.
مين جانبك؟
رقية: غليظ.
ايمري: حمدالله بالسلامة عائش رجعت.
هكلمك بالليل أطمن عليك.
رقية: هتعمل العملية الأخيرة إمتي؟
إيمري: بالليل عائش بالليل هكلمك سلام و هحكي كل شئ.
بعد أن أغلق إيمري لنفسة: ماتتصوريش وحشاني قد إية يا عائش.
إية هيحصل ويا تري هيبيعوا البيت هنشوف الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رينا الهادي
صباح الفل يا كبير.
خير يا عبدة عاوز إية علي الصبح مش كنت بايت معاك إمبارح جايلي لية؟
كنت عاوز أقولك لو محتاج مساعدة ولا حاجة قبل ما تسافر أعملها لك.
لسة قايم تفتكر أكتر من شهر و نصف عارف إني هسافر خلاص كلها ثلاث أيام و لا ليك غرض ثاني؟
أنا عارف إني كنت مقصر معاك جامد ؛ مش بس مقصر لا و كمان سببت مشاكل كثير , بس يا علي أنا مش فاهم إية جرالي كأني مش أنا , أنا بفتكر حاجات بقول إزاي قدرت أعملها إزاي جالي قلب , كل ما أفتكر كلامي و ضربي لأنهار أزعل من نفسي مع إني من يومين بس كنت لما أفتكر أفرح و أقول هدمرها , علي أنا مش فاهم أنا كنت كارة أنهار و إبني , لكن إمبارح لما شوفتة فرحت قوي كنت عاوزة في حضني و مبسوط بة , تفتكر أنا محتاج أروح لدكتور نفساني.
عبد الله إنت محتاج تلتزم بالصلاة و القران , النفس أمارة بالسوء وإنت كنت الفترة الأخيرة بعيد عن ربنا أسمع و أقرأ قرآن و ربنا يهديك.
أنهار وحشتك؟
صراحة لأ ، لسة حاسس ناحيتها ببرود , أنا بس إتاثرت بأحمد وكويس إنها ماخرجتش إمبارح بحس أحيانا بتانيب ضمير لضربي لها, لكن لا ما وحشنتيش الظاهر كان لازم أءجل موضوع الجواز , مش عارف يا علي حاسس نفسي متلغبط.
طيب فكرت هتعمل إية بعد كدة ؟ إسمعني كويس يا عبد الله , أنا وأمك قولنا لانهار ما تبلغش أهلها بطلاقها ودة حصل لأن امك خافت أبو أنهار يجوزها و أحمد يتحرم يا إما من أبوة او أمة , الواد صغير و ضعيف و محتاج أنهار أكثر منك غير إنك مش هتقدر تهتم بة , فالحل الأمثل يفضل مع أنهار كدة كدة أنهار مش عاوزة تتجوز و عاوزة تربي إبنها و عندها طموح تكمل تعليمها , فالحل المناسب هتعيش مع أمك علي الاقل لغاية لما أحمد يتفطم , طبعا لها حقوقها ما تظلمهاش في الطلاق زي ما ظلمتها في الجواز كفاية هتتحمل تربية إبنك لما أسافر أوعي تنسي أن لابنك برضوا حقوق وقت ما تحتاجة أمك تنزل بة و تشوفة براحتك و خالي بالك لو حبيت ترجع لأنهار هيكون طريقك طويل لأن اللي حصل لها مش شوية.
مش هقصر معاهم لكن لية أمك تعيش معاها مش معايا علشان أحمد يعني؟
علشان أحمد و علشان أنهار بتروح الجامعة وهتسب أحمد فترة طويلة و علشان هي لسة تعبانة و ضعيفة و صغيرة و محتاجة حد جنبها.
عندك حق.
مرت الأيام.
علي سافر و رقية وافقت ببيع البيت فقد إستحت أن تطلب سلفة من إيمري في هذة الظروف و بعثت لإيمري كل الاشعة والتحاليل وحزن إيمري عندما علم بضرورة إجراء جراحة.
رجع إيمري و رقية يتكلموا كل يوم علي الأقل عشر دقايق في مواضيع عامة حتي ينسي كلا منهم همة مع مواظبة عمر الذهاب إلي أمة لتتابعة و تشرح لة ما صعب علية فهمة و أيضا لياكل من عندها ما يريدة فقد أصبح لا يحب اكل بيت جدتة التي لا تقدر علي الطبخ كل يوم.
كانت رقية تتكلم يوميا مع نهر و إدوارد صباحاً عندما يلتقون في المترو للافطار و كانت دائمة القول ( إنتم سند بعض اوعوا تتخلوا عن بعض ربنا أدي لكم فرضة إنكم تختاروا بعض أخوات لانكم مينفعش تكونوا غير كدة وأنا امكم ).
كانت أيضا نهر و رقية علي تواصل بسينام كل أسبوع مرة أو مرتين لكن نهر و سينام كانت مكالماتهم تطول لأكثر من ساعة.
ذهبت رقية لأم إبراهيم في مرضها الأخير ذات يوم.
أخبارك إية يا ست الناس؟
أهلا بريحة الحبايب كدة يا رقية كل دة غايبة عني.
معليش غصب عني يا خالتي إنت عارفة بقضي اسبوع كل شهر في مصر و باجي تعبانة حقك عليا.
نهر بتتكلم كل مدة لية مش بتيجي؟
كليتها صعبة و بتشتغل فقولت كفاية عليها تعبها و أنا بروح كل شهر.
فاكرة لما أحمد قالي بنتي هتبقي بميت راجل , كان قلبة حاسس و الله بدعي لها علي طول حبيبة الغالي , و وصي بها قبل ما يموت حاسة إني هروح لة قريب يا رقية.
ربنا يعطيك الصحة والعافية يا خالتي ما تقوليش كدة إنت زي الفل.
تعبت يا رقية و زهقت من الدنيا ، خلاص كنتم بتسلوني و لتهونوا عليا بس خلاص إنت المرض والزمن هدك و نهر إنشغلت بكليتها و شغلها, صحيح إبراهيم قال عارضة البيت للبيع لية كدة يا رقية ؟ البيت لاممكم يا بنتي.
لازم أعمل عملية و محتاجين فلوس و علاجي أصلا مكلف فمحتاجة الفلوس للعملية و نهر قالت نأجر بيت.
بيتكم صغير مش كبير بس في مكان حلو في البلد كان زمان ما حدش يحب يشترية لأن مفيش فية زيبة بهايم بس دلوقتي خلاص مش كل الناس فلاحين ممكن يتباع سمعت إن جاركم من ورا عاوز يوسع بيتة ويهدة ويطلع بكذا دور لعيالة ممكن يشتري بيتكم ويبقي لة واجهة علي الشارع الكبير إبراهيم قاللي كدة.
اناماليش كلام مع حد في البلد غيركم لو ينفع يكلمة ويحدد سعر كويس ماشي بس هنمشي من البيت قبل ما أعمل العملية يعني كمان شهر تقريبا.
وماله يا بنتي يعني هو هيبني بكرة محتاج وقت هو كمان هقول لإبراهيم يكلمة.
مضتت الأيام سريعا لتاتي نهر و تحضر البيع مع أمها التي كانت وصية عليها فهي لم تتم السن القانوني بعد وكان ذلك بغير علم إدوارد فقد آثروا كتمان الأمر عنة و عن الجميع فلم تعلم أيضا إنتصار بالامر بعد البيع و بعد التسجيل في الشهر العقاري كانت نهر إشترت الكثير من الكارتين و ملأتهم بالكثير من المحتويات إستأذنت إبراهيم أن تترك عندة بعض هذة الاشياء و تاخذها عندما يحصلون علي بيت جديد و تركت الكثير منها في البيت.
كان الإتفاق ان تنهي نهر إمتحاناتها و تاتي تاخذ أمها لتجهيزها للعملية و يرتاحوا يومين أو ثلاثة ببيت إدوارد الجديد فقد أشتري بيت تمليك رأة مناسب في السعر قريب من بيت المغتربات المقيمة بة نهر, بعدها تنزل نهر للبلد و يكون إبراهيم بحث لهم عن بيت للإيجار يسكوا بة طبعا أعلمت رقية عمر بالامر و أوصتة أن يكون سر لا يقولة لاحد , لكنة قال لأبية الذي فرح فرحا شديدا ببيع رقية للبيت و أوصي إبنة أن يخفي علي رقية أنة علم.
وكالعادة كان إدوارد معرف من بالعمارة ان رقية خالتة ونهر بنتها.
أنهت نهر إمتحاناتها و ذهبت لاحضار أمها وقد حجزت لها بمشفي راق و تمت عملية رقية بإستصال ثديها وسط توتر نهر و إدوارد ودعاء إنتصار لها و قراءة القران لم تكن إنتصار بجانبها فهي لم تعلم أنهار أو عبد الله بأنها علي إتصال بها و خصوصاً أنها راءت كراهية عبد الله بان تتواصل مع رقية و نهر, رغم ان عبد الله عاد لطبيعتة أخيراً بل و أخبر امة انة يريد الرجوع لأنهار.
عبد الله قد شك بكلام جدتة و أن يكون لرقية يد بطلاق أمه واخد يفكر بالامر لم يكن عندة الشجاعة لسؤال أمه عن السبب و خاف أن يجرحها بالسؤال فقرر الذهاب بيوم عطلة لرقية و قد نوي أن يسألها لأن أمه كانت عندها بعد الطلاق و من لمؤكد أنها تعرف السبب لم يكن يعلم بذهاب رقية لعمل عملية هو كان يعلم فقط بخضوعها لعلاج كيماوي.
ذهب عبد الله للبلد و ذهل عندما وجد بيت رقية تحول لقطعة أرض فضاء , دق باب بيت إبراهيم ففتحت لة سيدة تلبس السواد نظرت لة السيدة لتقول : إنت مين جاي تعزي مين.
هو في حد مات هنا؟
أم إبراهيم ماتت من يومين.
عم إبراهيم هنا؟
أدخل اندة علية.
نزل إبراهيم وعندما راة عرفة.
خير يا دكتور عبد الله؟
البقاء لله البقية في حياتك.
حياتك الباقية ماتهيالي ما تعرفش أمي قوي علشان تيجي تعزي إللي يعرفها كويس أمك و أخوك علي.
بصراحة انا كنت جاي لخالتي رقية في موضوع بس مالقتش البيت هي فين تعرف؟
مالقتش البيت علشان البركة في عمك منة لله حتي ست رقية و نهر لما يجوا هيتفاجوا بس أقول إية , بني آدم شراني ست رقية راحت مصر مع نهر هتعمل عملية و بنفس اليوم اللي مشت فية أمي ماتت حتي معرفتش أطمن عليها.
راحة كدة يا عم إبراهيم و فهمني عمي مصطفي مالة ومال البيت.
ست رقية باعت البيت و كانت متفقة لما ترجع تاخد حاجتها من البيت للبيت اللي هتأجرة و وصتني أدور علي بيت صغير في البلد تنفل فية حتي إدتيني المفتاح وقالت لو قدرت أنقل الحاجة علي ما ترجع أعمل كدة و سابت معايا فلوس النقل قالت هتبقي تجي تودع البيت و بس ,المهم في نفس اليوم هي سافرت العصر و المغرب كانت أمي ميتة عمالنا دفنة بعدها أخويا جة يقوللي أنة سمع أبو وليد بيتفق علي لودر هيجي يهد بيت ست رقية ، روحت لية جري أفهم , ما أنا كنت في الإتفاق و هو كان موافق يستني الكذا يوم دول , في الأول أنكر و بعدين وصاني ما قولش لحد , عمك المحترم راح لعندة و إتفق يعطية خمسين ألف جنية بس يهد البيت بما فية علي طول و لما قالة والحاجة اللي في البيت يطلعها و يخزنها قالة لا وكمان قال هيعطية عشرين ألف تانين يديهم لنهر و أمها ثمن الحاجة اللي جوا البيت يعني علي كلامة أوضة أطفال و اوضة نوم من عشرين سنة و كنبتين , وعلشان يطفي نارة قالة جاي مع اللودر يشوف البيت و هو بيقع و حساب اللودر علية.
علشان معايا المفتاح جريت علي البيت و ناديت إخواتي وحولت من البيت علي قد ما أقدر كراتين كانت مجهزاها نهر وخدت شوية حاجات زي صور ورفايع يا دوب ساعة ولاقيت اللودر جة ولما قولت لعمك فية حاجات لجاهز بنتي هنا ضحك و عرف إني بكدب وقال أطلع بدل ما هد الدار عليك, هو بيكرهم كدة لية ؟ هيستفيد إية لما يهد الدار بكل اللي فيها دة حتي الطوب والركام جاب عربيات شالت كل شئ ورجعت حتة أرض فاضية.
تعجب عبد الله و إتصل بابية يحكي لة ما قالة إبراهيم الذي تعجب هو الاخر ,اخية من يتحاكي الناس ببخلة يدفع سبعون ألف جنية لن يدروا لة نفعا إلا قهر رقية ونهر.
محمد ذهب مسرعا للبيت و أوصي عبد الله بالرجوع للقاهرة وعدم الذهاب للبيت الكبير.
واجة محمد مصطفي بما علم و إعترف مصطفي بفعلتة.
لية أفهم بس عاوز تقهر رقية ونهر ؟ طب ماهم باعوا البيت خلاص وكانوا هيسبوة فهمني راسي هتشت؟
مش دة البيت إللي كانت بتتحامي فية ؟ إنت عارف كويس انا بكرهة البيت دة قد إية , أنا كنت عاوز أحرقة مش أهدة بس , كانت عارفة إن ليها بيت بتبات فية ولما تزعل تجري علية حبتة هو كانت لما بتروح بحس إنها سيباني و رايحة لحضنة هو ، بتنام من سنين عندة هو ، لازم تفهم انة أنتهي و أنا الموجود بس أنا بكرهة البيت واللي فية اللودر قعد نصف ساعة كانت أجمل نصف ساعة في حياتي , ايوة عاوز أقهر و إذل رقية كل الحب اللي حبيتة لها زمان بقي كره وحقد وغل وهستمتع قوي لما تجي وتشوف المكان بقي مجرد حتة أرض فاضية كدة فهمت ؟ ولسة لما أجيبها راكعة وهتعيش معايا غصب عنها.
وتعيش معاك لية وإنت بتكرهها؟
تدفع تمن ضربها ليا و وجعي قدام عنيكم هي خلاص مش هتكون محصلة ست أو حتي بني آدمة.
إنت لو تطلعها من دماغك بس ربنا هيصلح حالك , أسمع يا مصطفي اللي بتفكر فية مش هيحصل عارف لية ؟ لأنها ببساطة عندها اهل ممكن تروح ليهم.
كانت راحت من زمان في حاجة مخلياها لسة عاوزة هنا.
ما هي لو هتحط رجوعها ليك في كفة و رجوعها لاهلها في كفة هتختار أهلها لأن إنت عارف هي شيفاك إية وبتكرهك قد إية ؟ و لو عرفت اللي عملتة هتكرهك أكتر مش بتيجي بالعند هيمصطفي : رقية ما تملكش غير البيت والذكريات اللي فية البيت باعتة كانت تقدر تعيش بالذكريات بتاع التمرجي بس هتيجي من عملية كبيرة تلاقي حتي الذكريات راحت ممكن تتنكس و تموت أكيد ساعتها نهر هتعرف أهل أمها ومش بعيد عمر يورث مش قالت إنها من عيلة غنية ساعتها ممكن أسيب المدرسة و أبني مدرسة خاصة ماهو برضو الزوج بيورث دة لو ماتت ، أما لو مامتتش هتشفي فيها وأنا شايفها بتتوجع علي ذكريتها أوعي تفكر إن الذاكرة ما رجعتش لأ رجعت وأنا متاكد بشوف في عينها نفس نظرت زمان صحيح لما الذاكرة القديمة رجعت أثرت في شحصيتها و خالتها أقوي و بتعتمد علي نفسها و تشتغل بس في الآخر كلة راح في العلاج و العمليات.
إنت إزاي كدة ؟ هو ما فيش ذكري حلوة تفتكرهلها ؟ إنت أذيتها كتير قوي و إستقويت وكمان شمتان وفرحان في تعبها كل كدة علشان مرة واحدة أخدت حقها ! وبعدت عنك يا تستقوي عليها يا تكرهها ! إنت عمرك ما حببتها, إنت حبيت نفسك عاوز أحلي ست شوفتها أخلاقها كويسة تجيب لك عيال و تخدمك و ملهاش حد مقطوعة من شجرة تخدم فيك ليل نهار و إلا تبقي كوخة , إللي إنت فرحان فيها دي أم إبنك يا بني ادم بس هقول إية ، ربناك علي الأنانية إللي عاوزة إعملة إنت حتي مش حاسس بإبنك مع أنة وحيدك ربنا يقويك علي نفسك.
انهي كلامة و قام و دخل لبيتة للتتلقاة رضا بابتسامة وقد لاحظت ملامحة الحزينة و لم تتركة إلا بعد ان حكي لها.
كما ان عبد الله ذهب لأمة وحكي لها ما حدث عند وجود أنهار في كليتها بعد نزول عبد الله من الشقة إتصلت إنتصار بادوارد لتعرف حالة رقية و تكلم نهر.
السلام عليكم انا إنتصار.
ايوة يا خالتي عاوزة حاجة؟
عوزاك طيب و عاوزة أطمن علي رقية.
بقالها كتير قوي جوة و نهر تعبت من الواقفة وقراءة القران واديتها الأوضة بتاع خالتي رقية وسبتها مع نفسها أنا خايف عليهم قوي نهر كانت عاملة نفسها كويسة قدام ماما بس إنهارت قوي.
هتقوم ان شاء الله رقية طوب الأرض بيحبها ربنا هيحميها إديني نهر مش عارفة مصممين ما يدونيش رقمهم لية.
حاضر هروح أديها التلفون وهوني عليها.
ذهب و أعطي التلفون لنهر و رجع امام غرقة العمليات إلي أن خرجت رقية قابل الطبيب الذي قال : العملية كبيرة ولازم تروح العناية المركزة ممنوع دخول أي شخص لها دلوقتي أهم حاجة لما تتحسن و تتنقل إن شاء الله الحالة النفسية اومال فين بنتها؟
في أوضة ماما إلي كانت فيها قبل العملية.
ماما هو إنت أبنها أومال لية كل الاجراءات اللي عملتها أختك ؟ عموما مش مهم المهم تكونوا جنبها لما تفوء ومش هتفوء دلوقتي غالبا هتكون في العناية لبكرة الصبح.
ذهب إدوارد لنهر دق الباب ثلاث مرات بعدها فتح وجدها علي كرسي و دموعها تغرق وجهها و يدها مرفوع للدعاء مع صوت ضعيف باكي إنتظر قليلا قفد أحست بة نهر فسلمت و نظرت الية باستفهام.
بتصلي علي كرسي ؟ لسة بدري علي إنك تصلي علي كرسي.
مش قادرة أتحكم في أعصابي ولا قادرة أقف أنة خرجت من العمليات؟
و راحت العناية المركزة والدكتور قال ممنوع حد يدخل لها وهتقعد للصبح هناك.
إسندني آدو أروح أطمن من الدكتور.
هو هيدخل عملية ثانية كمان شوية بيرتاج شوية رب إنت كمان خدي نفسك إحنا مش هنعرف ندخل لها غير الصبح انا قولت خالتي إنتصار هتهديك شكلك اصعب من الاول.
نظرت لة نهر مطولا وقالت ببكاء : أدو انا مش هعرف اعيش من غير أنة انا مش عاوزة حاجة من الدنيا غيرها مرضها بيموتني , قلبي واجعني قوي عليها ومش عارفة هتصرف ازاي لما تخرج.
مش فاهم لما تخرج إية الجديد علشان تتصرفي فية أنا فاهم إن فية حاجة حصلت كبيرة و سايبكم براحتكم أحكي لي بلاش تحطوني علي الرف أنا خلاص إعتبرتكم عيلتي.
هحكي يا أدو ، أنا وأنة بعنا بيتنا علشان كنت عاوزة مستشفي محترمة يتعمل فيها العملية بعيد عن مستشفي عمو أمجد هو ساعدنا كتير ومش عاوزين نستعلة و.......
بعتم البيت ؟ بعتم المكان الوحيد اللي ملككم طب لية ؟ ما كنتم تقولولي معايا فلوس لسة في البنك للدرجة دي أنا غريب عنكم.
أسمع للآخر وماتخلنيش أندم علي كلامي زي ما انت معتبرني أختك أنا معتبراك أخويا وآنة معتبراك إبنها.
ما هو واضح أهو بعتم البيت من غير ما عرف , طبعا ما أنا مش راجلكم زي ما ماما بتقول ولا ماما إية بقي ......
أخرس يا آدو خلاص أنا بحكي لك علشان تفكر معايا مش تندمني ما هي سينام برضو معتبراها أختي من قبل ما أعرفك بسنين وماطلبتش منها وأبوها و أنة أكتر من الأخوات و معاهم ملايين و برضو أنة ما طلبتش منة, رغم أنة بيكلمها كل يوم و عمو أمجد أو عمو محمود أو حتي عمو عاصم ما كنوش هيتاخروا عننا, هو إحنا كدة إنت أولي تبني مستقبلك علشان كبرت و محتاج تتجوز , وأنة شايفة ان الام تساعد أبنها مش تاخد منة.
طب إية ؟ زعلان منكم بس ماشي كنتم مرتبين إية بعد ما ماما تخرج هتعيشوا هنا ولا في البلد.
كونا ناويين نرجع البلد بعد ما عمو إبراهيم يشوف شقة إيجار لينا , إنت عارف عمر لسة صغير وأنة بتراعية غير إيجار البلد رخيص و متطلبات الحياة برضو بس كنت وضبت شوية كراتين و قلت لعمو إبراهيم لو قدر ينقل العفش للشقة الجديدة و أعطيتة المفتاح و إتفقنا مع المشتري يصبر شوية , لكن عرفت ان المشتري خلاص هد البيت بالي فية والمكان أصبح أرض فاضية حتي ركام البيت إتشال خلاص والمفاجئة بقي أن عمو مصطفي جوز ماما عطي لة فلوس علشان يعمل كدة عاوز يحسر ماما إن لا البيت موجود ولا حتي الذكريات عمو إبراهيم قدر ينقل شوية حاجات لبيتة قبل ما يهد البيت ولما قالة إن فية شوية حاجات يخصوة جوة البيت قالة لو دخل هيهد البيت علية و ماسمحش لة يجيب حاجة تانية الكلام دة حصل يوم ما جينا هنا و برضو تيتة أم عمو إبراهيم ماتت في نفس اليوم فما قدرش يتصرف.
انا بكرهة مصطفي دة قوي ، لكن برضوا المشتري كان مربوط بكلمتة ما كنش المفروص يعمل كدة في إثنين ستات العتاب علي المشتري.
عطي لة خمسين ألف جنية وقال لة مستعد لو طلبنا تعويض عن الحاجة يدفع عشرين ألف علشان العفش قديم.
يدفع سبعين ألف علشان يقهركم مش هو بخيل؟
أبوه بس مش بخيل في أذيتنا.
و حياة أمي لهو اللي يتقهر الحمد لله لاب ماما و اللاب بتاعك معاكم هنا و شوية الحاجات اللي حولها جاركم إحنا هنقول إن اللاب بتاع ماما كان هناك ولوحدة فوق العشرين الف هخلية يدفع اللي معاة المعفن حتي لو هتتبرعوا بالفلوس دي , صحيح البيت كان صغير ودور واحد بس لة معزة عندي و أكيد عندكم لكن يا نهر صحة ماما أهم من أي بيت معاك رقم تلفون المشتري؟
هتعمل إية؟
هكلمة و لو هيدفع تعويض عن اللي كان في البيت هتفق علي سعر عالي إنتم مضرين تيجبوا عفش تاني علشان تقدروا تعيشوا في الشقة لو وصل الموضوع اني اسافر هسافر إنت بس هاتي الرقم وكلمي الراجل إني انا المسئول وانا اللي هتكلم إنت هتقعدي مع ماما وأنا هتصرف ومش هروح لوحدي دا أنا هروح ومعايا شباب يجيبوا من نن عينة حقكم مش مصطفي هو إللي هيحاسب علي المشاريب وحياتكم عندي لاخلية عبرة.
أدو إحنا بنبعد عنة ومش عاوزين أذي علشان خاطر عمر.
عمر ياما شاف لكن جبان مقرر من الاول يكون مع مصلحتة هو مش صغير هو في اعدادي.
استطاع إدوارد أن يصل لمبلغ أربعون ألف جنية مع المشتري أخذ بعض أصدقاؤه وذهب متجها للبلد و إستعان بمن حضر إتفاق البيع وأخذ المبلغ بعد أن أعترض مصطفي فقد حضر المجلس وحاول أن يقلل المبلغ كان مصدوم فقد كان علي يقين أن رقية لن تقبل العوض وآنة لن يدفع أي مبلغ لها لكنة فوجئ بالمشتري يتصل بة ويقول إن نهر بعثت بمن يمثلها ولن تتنازل عن ثمن ما كان في بيت أبيها عندما اعترض أن رقية لن ترضي بذلكرد إدوارد : الست رقية مالهاش أي علاقة بالبيع البيت بإسم نهر و أمها لم تفق من العملية ونهر مصرة علي حقها وهو يمثلها و إتصل علي نهر التي أقرت بما قالة إدوارد وأن مصطفي لايمثل لها اي شئ وغير مسئولة عن كلامة.
كان من ضمن أصدقاء إدوارد الذين آتي بهم مسلمين تكلموا أيضا ورغم أن المشتري قال أن إبنة لم يعلمة بمجئ لودر للهدم وفاجاءة إلي أن إدوارد قال إن الاتفاق إتفاق ولا دخل لة بخطأ ابنة المهم عندة حق اليتيمة وأمها.
رغم حقد مصطفي عليهم إلي أنة كان يصبر نفسة أن رقية لم تعلم بعد وسوف تموت قهرا عندما تعلم ( هل يقدر الإنسان أن يدخل في علم الله لما لا ندخل في حسابنا قول الله تعالي لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا" مشي إدوارد مع أصحابة بعد أن آخذ ما حددوة في المجلس ورجع القاهرة نام في بيتة بضع ساعات بعدها ذهب المشفي كانت رقية قد نقلت إلي غرفتها ومعها نهر.
دق الباب و دخل وكان ظاهر علية التعب والارهاق.
كنت فين لما فوقت مالقيتكاش دي وصيتي لك تفضلوا في ظهر بعض.
قلت لك آنة كان فية مشوار مهم جدا وأنا قولت لة يمشي.
في إية بيحصل من ورايا ولية شكلك تعبان قوي كدة؟
ركع إدوارد علي الارض بجانب سرير رقية وأخذ يدها بين يدية وقبلها وقال : هو ينفع الواحد يرتاح وهو عارف ان أمة تعبانة لازم مرافق من أهلك و بطاقتي بتقول غير كده هيرضوا يبيتوني هنا ازاي مع نهر دي تبقي حاجة تانية غير المستشفي وبعدين يا روووقة لو كنتي فوقتي بالليل كنتي هتلاقيني أنا مشيت لما قالوا خلاص كدة أطلع برة و أبقي تعالي بكرة.
صح إجراءات المستشفي لازم تمشي وتيجي وقت الزيارة لكن وشك بيقول كنت بتعمل حاجة ونهر قالت وراك مشوار مهم مش حوار مستشفي هعرف بس افوق.
الدكتور قال يستحسن تخرج بكرة بالليل آدو لكن هي عاوز تخرج النهاردة اخر النهار.
لية عاوزة تخرجي النهاردة العملية كبيرة والسرير هنا مجهز بحاجات كتير لية السربعة؟
مش بحب المستشفيات أقضيت فيها وقت كبير خلاص إستكفيت.
دق الباب ليسمح بالدخول و تدخل مدام عزات مع ابنتها مديرة دار المغتربات.
أهلا يا طنط لية تعبني نفسك؟
حمدا الله بالسلامة يا أم نهر أول ما نهر قالت لي علي وضعك قولت آجي أعمل الواجب.
نظرت لها رقية بتعب : شكرا لزيارتك وتعبك يا مدام أنا فعلا مطمنة ان نهر لها أم ثانية تراعيها في غيابي.
غياب إية يا مدام دة كل شوية حضرتك منورانا كل شهر بتقول لي هبات مع ماما ولا اية يا نهر؟
اطلعوا يا ولاد هتكلم مع مدام عزات شوية وخدوا الأمورة هاتوا لها حاجة حلوة.
أمورة إية يا طنط أنا في أولي ثانوي.
هما أكبر منك وبعد إذنك ممكن اتكلم معاكي علي انفراد.
أشارت عزات برأسها لابنتها وخرجوا وبقيت عزات فقط مع رقية.
أنا عارفة سبب الزيارة مش الاطمئنان عليا حضرتك مش مستريحة لنهر لأنها بتبات كتير برة البيت إسمعني يا مدام لأن زي ما حضرتك شايفة أنا تعبانة وخارجة لسة امبارح من العمليات ؛ نهر ما كدبتش علي حضرتك أنا باجي كل شهر باخد كيماوي وسبق وحضرتك قولتي إني ما ينفعش آجي البيت كل شوية ماعنديش مقدرة أفضل في المستشفي لمدة طويلة فباجي كل فترة وبيستضفني الشاب اللي كان موجود مع نهر بتبات معايا ما تخافيش علي سمعة الدار وهو الايام الي فيها هنا بيكون عندة وردية بالليل بيجي ينام بالنهار في البيت وانا بكون في الصالة إلي طالة علي الشارع عرفت أنة نقل لمكان تاني لكن نهر بتبات معايا لما أكون موجودة.
لكن أوقات بتبات برة مش معاك والكلام دة إتاكدت منة.
صحيح وأنا عارفة دة ، نهر بتشتغل بجانب دراستها لو في حفلة أو مؤتمر بتكون من ضمن طاقم البنات إللي بيخدموا علي الحفلة هي أصلا بتشتغل من وهي ست سنين أبوها توفي والمعاش مش بيكفي وأنا مش أول مرة أتعالج ورغم أني اتجوزت بعد أبو نهر لكن مراعش ربنا فيها ، فنهر بتصرف علي نفسها من فترة كبيرة وبتقولي في كل مرة بتخرج فيها ودي الشعلانة الي تنفع مع دراستها زي ما إنت عارفة في كلية هندسة ومعظم اليوم في الكلية فشغلها لو جالها شغل بيكون بالليل ودة بيكون يومين أو ثلاثة في الشهر بجانب الايام اللي بكون أنا فيها للعلاج.
أنا كمان أم لثلاث بنات وما تزعليش مني لكن وصل لي كلام إنها ديما مع الشاب اللي كان هنا وكمان إنة مش مسلم.
إسمة إدوارد و ايوة مش مسلم وبيقوللي يا ماما وهو بالنسبة ليا إبني اسمعيني يا مدام نهر عمرها ما كانت مع إدوارد لوحدهم بدليل أنهم بيفطروا مع بعض في المترو سهل انها تروح تفطر معاه في بيتة خصوصا أنة قريب من بيت المغتربات بس صدقيني أنا مربية بنتي كويس وكمان إدوارد كويس هو بيشتغل في فندق ووقت أي شغل مناسب لها بتروح وبكون مطمنة أنة معاها هما بيحموا بعض وبنتي عارفة دينها كويس ورغم أنهم زي الاخوات لكن ديما بعمل حدود لتعاملهم كل يوم بيكلموني لما يفطروا مع بعض نهر مش محجبة لكن حافظة أجزاء من القرآن وأحاديث وأكيد حضرتك عارفة إنها مش بتفوت فرض جايز مش بتدخل حد في حياتها ومش لها أصدقاء كتير لكن مش مؤذية ظروفها بتخليها حريصة في إنها تقرب من حد.
إزاي تامني علي بنتك مع واحد مش من ملتها؟
هقولك علي سر الواحد دة حماها لما شوية شباب للاسف مسلم كانوا ناوين يغدروا بها ومفيش داعي أفسر إدوارد يتيم الاب والام وأنا وأبو نهر ملناش أهل يحموا نهر فهي تعتبر وحيدة أيوة لها اخ مني ومن زوجي الثاني لكنة لسة صغير نهر بنت شاطرة لكن مالهاش حظ لو هي كانت لعابية ما كنتش هتروح كلية زي هندسة صعبة ومجهدة ومع أنها بتشتغل لكن بتنجح نهر من صغرها بتطلع الأولي علي المدرسة ما عدا في ثانوي ودة برضوا بسبب مرضي وأنها بتقضي وقت طويل في مراعتي لو ما كنتش في حياتها ممكن كانت تبقي معيدة في هندسة لكن أنا واثقة أن ربنا هيكتب لها الخير لأنها عمرها ما زعلتني وديما بتتحمل اكتر ما ناس كتير تقدر تتحمل لو حصل لي حاجة اكتر حد هستامنة علي نهر هو إدوارد ومستر امجد ودة يعتبر في مقام والدها.
تمام يبقي لازم نهر قبل ما تبات برة تقولي أنا كمان وياريت رقم تليفونك.
أنا بنفسي هبلغك وقت ما نهر تكون هتبات علشان تطمني أكثر.
الدراسة للترم الثاني كمان اربع ايام هتكون في البيت ولا مع حضرتك.
غالبا معايا لاني محتاجة متابعة كمان اسبوع غير إننا هنسافر البلد نجهز شقة لاننا بعنا بيتنا علشان نوفر فلوس العملية.
الف سلامة عليك واعزريني أنا مؤتمنة علي بنات كتير وسمعة المكان في رقبتي والدنيا للاسف غدارة والبنات بيبوظوا بعض أنا عندي الطالبات في كليات ومعاهد والموظفات كمان طبعا آنسات.
بالعكس مبسوطة إنك بتتحري ورا البنات ومقدرة المسئولية الكبيرة الي عليك.
سمعت إن نهر اشتغلت في صيدلية وبتعرف تدي حقن ممكن اساعدها توقف في الصيدلية تبع المبني.
هتاقف فترة طويلة ومش هتقدر تكمل مصاريفها هي بتشتغل في الصيف لكن مش في القاهرة وبعدين مش هتلاقي وقت تذاكر لكن حاليا زي ما قولت لك يومين او ثلاث ايام في الشهر كفاية إني مضيعة وقتها عليا وفي الاخر دة قرارها.
واتقة في بنتك ومدية لها الامان اكتر من اللازم البنات محتاجين الشدة يا مدام.
أنا صاحبة بنتي مش أم وبنتها وبس ،مش هقول ربتها كويس لكن هقولك أن ربنا حنن قلبها عليا و زعلي منها معناة عندها كبير زي زعلها مني,يكفي أقول اخر موقف لها باعت البيت بتاعها ميراثها من ابوها علشان صحتي و أنا بعت الدنيا علشان أضمن سلامتها مش مهم أوضح بس اطمني نهر مش بتعمل حاجة غلط او عيب.
تمام لو تحبي تجي البيت ومن غير ايجار المرة دي موافقة لان البيت مش هيتملي أول الترم.
تسلمي لكن لا إدوارد هيزعل لانة هيكون عاوز يطمن ومش هيعرف يزورني عندكم هكون بين ولادي أفضل ونهر ممكن تيجي البيت من ثاني اسبوع إدوارد هيشتغل باليل وينام الصبح والعكس نهر بتروح الكلية الصبح وتنام بالليل.
اتشرفت بك مدام السلام عليكم.
شكرا ليك علي اهتمامك بالبنات مش كل الناس عندها ضمير زيك.
جاء إدوارد ونهر ومعهم إبنة المديرة وليلا تركوا المشفي لشقة إدوارد.
كانت شقة بالدور الثاني ثلاث غرف تم فرش غرفتين وتم تجهيز المطبخ بالاساسيات رغم قلة أدوات المطبخ لكن كافية خرجت نهر للتسوق صباحا ورجع إدوارد لعملة بعد مضي خمس أيام من الاهتمام برقية والدواء وحرصت نهر وإدوارد علي جعل رقية سعيدة واطمئنت رقية علي إيمري ونجاح عمليتة أيضابدأ كلا من رقية وايمري إعداد خطة مبدئية لرجوع شركة إيمريليلا قبل نزول إدوارد للعمل.
كانت رقية بالصالة و أتت نهر بالغداء حتي يأكل إدوارد قبل عملة , بعد الاكل.
عاوز اتكلم معاك في موضوع مهم يا ماما لكن مش عاوزك تزعلي صحتك النفسية مهمة واحنا ما صدقنا ترجعي لينا شوية فممكن أتكلم بس تهدي وتفكري فيا أنا ونهر قبل ما تاخدي أي رد فعل.
كلامك ذات نفسة موترني قول.
عرفت انكم بعتم البيت.
وبعدين.
لية ماطلبتيش مني كان ممكن اساعد ما أنا لولاك ما كنتش هملك حاجة.
متأكدة لو طلبت هتديني روحك مش فلوس وبس لكن ورثك من أهلك حقك لوحدك وإنت في أول طريقك محتاج تكون نفسك وعادي لو آجرت شقة وبكرة إنت ونهر تكونوا نفسكم وأجيب بيت تاني لكن المقدمة دي فية إية وراها.
المشتري بيقول أن إبنة هد البيت من غير علمة كمفاجئة لة أنة يساعد أبوة وماكنش يعرف أنة متفق معاكم علي شوية وقت تنقلوا الحاجات بتاعتكم.
وماكنش قادر يدخل البيت يشوف فية حاجة أو لا افرض كنت جوة أو نهر.
طبعا دي كانت حجة هو كان متفق مع استاذ مصطفي بهدم البيت مجرد ما تسافروا إنتم سافرتوا بالليل البيت اتهد ولأن عمي إبراهيم انشغل بموت أمة ماقدرش يتصرف بسرعة قدر ينقل شوية حاجات صغيرة لكن مش كل حاجة وعرض تعويض عن الخسائر كان في نيتة انك مش هتقبلي عوض.
عملتوا إية؟
اخذت شوية من أصحابي وروحنا عملنا مجلس عرفي كان فية عمي إبراهيم لانة كان موجود وقت اتفاقكم وجة أستاذ مصطفي في الآخر اتحكم بأربعين الف واخدهم بنفس القاعدة كان لازم اضرب علي الحديد وهو سخن وإلا كانوا ممكن يقللوا الفلوس آسف إني إتصرفت بدون علمك بس إنت كنت في العناية.
إزاي رضيوا بكلامك.
نهر كلمت المشتري إني المسئول وكلمت عمي إبراهيم يحضر وأنا اتصرفت وخافوا من الشباب أصحابي اصلهم جتت بودي جاردات في الفندق.
مفيش مشكلة لو اتصرفت إنت ونهر ما دام كنت غائبة عن الوعي و أحسنتم التصرف ، ولادي بصحيح ومادام مصطفي كان في القاعدة يبقي هو إلي سلط علي هدم البيت بس أتوجع اكيد لانة بخيل ومفيش حاجة بتوجعة قد الفلوس أيوة زعلانة علي ذكرياتي إلي اتدمرت بس هنعمل ذكريات تانية.
بجد يا آنة ما كوناش عاوزين نفاتحك دلوقتي لكن حضرتك مصممة نرجع البلد بالمناسبة عمي إبراهيم لاقي شقتين وقالي أروح اختار.
تمام روحي شوفيهم واختاري ونجيب عفش بسيط للبيت ومطبخ بسيط.
العفش والأدوات مقدور عليهم هروح أجبهم نهر مشغولة بالكلية هي تروح تختار الشقة.
إن شاء الله أسافر بكرة واتفق علي وش نظافة للشقة ولو فية حاجة تتصلح واخر الاسبوع نفرشها لبسي ولبسك معظمة معانا.
بعد أسبوع كانت نهر و إدوارد ينظموا الشقة ورقية في القاهرة تتكلم معهم علي فيدو ماسنجر تبدي رائيها في التنظيم وترتيب المكان الشقة في عمارة أربع طوابق و أرضي الشقة بالدور الثاني الدور شقتين عدد الغرف ثلاثة بمساحات صغيرة وصالة فرشوا غرفة نوم واحدة وانترية وترابيزة طعام صغيرة بأربع كراسي كلهم بلاستيك المطبخ كان بسيط اشترت نهر ادواتة و ثلاجة صغيرةوتكمل بعدين كفاية كدةظهور ثاني لرضا لأني عارفة إنها وحشتكم.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رينا الهادي
انتقلت رقية للعيش بعد فترة قصيرة للبيت. اتصلت بعمر كي يعرف مكان إقامتها الجديد. لم تكن مرتاحة في البيت الجديد، حيث دق على سطح الشقة من وجود جري أطفال طوال الوقت، وشجارات متعددة بين الساكنين، وتنقيط الغسيل، أو كنس السلم، أو حتى ارتفاع صوت التلفاز أو الراديو. هي لم تشف بعد، لكنها استقبلت عمر الذي أتى لأول مرة مع والدته.
جاء مصطفى مع عمر، ليس بغرض توصيله، بل بغرض التشفي فيها.
فتحت الباب بوهن ورأت مصطفى مع عمر.
رقية: شكراً يا أستاذ مصطفى على توصيل عمر. ادخل يا حبيبي.
مصطفى بمكر: مرتاحة في الشقة الجديدة؟
رقية: الحمد لله. مش زي بيت نهر، لكن هتعود. عن إذنك علشان مش قادرة أقف.
كادت أن تغلق الباب، لكن مصطفى أمسكه وهو يقول: مفيش. تعالي اشربي حتى بوق مياه.
رقية: زي ما أنت شايف، تعبانة. ثم إيه الجديد؟ كلامي معاك من فترة من على الباب، وكان اتفقنا كده.
مصطفى وهو ينظر لها بغل: زمان كنتي ست وخايفة. دلوقتي خايفة ليه؟ مين هيبص لك؟ ده حتى الهيكل العظمي أحلى منك. مفيش معالم ست أصلاً. ولا يكون من الحزن على بيت الترمجي؟
رقية وهي تبتسم بسخرية: حتى وأنا مش محصلة ست، جاي هنا علشان تشمت فيا؟ بس أقول لك على حاجة، أنا بحمد ربنا على كل حال، وراضية. والبيت أنا ما انجبَرتش على إني أسيبه. أنا ونهر بعناه. صح له ذكرى حلوة، بس في قلوبنا مش في وجوده. زي ما ذكراك المقرفة برضه في قلوبنا. فريح نفسك بقى، لأنك لو تعرف معنى الرضا هترتاح وتريح. وآه، ربنا يعوض عليك ومن قلبي، على المبلغ اللي دفعته لأبو وليد علشان يهد البيت، ومبلغ التعويض عن الحاجات اللي كانت في البيت. مع السلامة بقى، لأني مش قادرة أقف.
مصطفى بضحكة عالية: آه، قولي بقى إنك عرفتي، وعشان كده عاملة قوية. عارف إنك بتتكوي وقلبك محروق، بس يا حرام مش عارفة حتى تحزني، عشان أنا ما أفرحش فيك.
رقية: طول عمرك مدي نفسك أكبر من حجمك في حياتي.
ضحك بمكر وصوت عالٍ ليستفزها.
رقية: لكن لأ. أنا ما دام أولادي بخير، مش بيهمني حاجة أو حد. بالعكس، شاكرة وحامدة فضله عليا. وزي ما أنت شايف، بذمتك في حد يبقى في وضع مرضي ده ويبص للدنيا؟ إنت علشان معمى على قلبك، فاكر إني مهتمة بالماديات زيك. تعرف، أنا متأكدة إن قهرتك على الفلوس اللي دفعتها أكبر مليون مرة من حزني على بيع بيت نهر. مع إن بيع البيت نفسه حاسسني بالفخر، لأن الحاجة الوحيدة اللي بتملكها بنتي في الدنيا فضلت تتخلى عنها بسهولة علشاني. شفت بنتي بتحبني قد إيه؟ إنت مين بيحبك؟ أو مين شايفك مش عبء عليك؟ يا راجل، حتى أمك زهقت منك. روح ربنا يهديك. وكفاية كده، واقفة على السلم. خالي عندك إحساس يا أخي بالمريض.
وأغلقت الباب بقوة.
مصطفى بصوت عالٍ: مقهورة يا رقية، وهتموتي من الغيظ. ولسه اللي جاي يا مراتي يا أم ابني.
خرجت من الباب جارة رقية وهي تقول: يا راجل يا هوزأ، فرحان في مراتك؟ صوتك مسمع العمارة كلها. امشي بدل ما أمشيك بزفة. إنت فاكر إنها لوحدها؟ لا، هنا لها جيران.
نظر لها مصطفى بغضب ومشى، لأنه خاف أن يكون لها أولاد أو زوج يتشاجر معه.
مرت الأيام ومصطفى في استفزاز مستمر لرقية، وهي لا تعطي له انتباه. وجيرانها في شجار دائم معه، إلى أنهم في النهاية استطاعوا أن يكفوه عنها، لأن رقية لم تزعج أحداً منهم أبداً.
استأذنت رضا محمد في الذهاب إلى رقية، لما سمعت عنها منه، وأرادت التواصل معها وزيارتها. ذهبت إليها وأوصلها إلى البيت محمد.
رن جرس الباب لتفتح رقية وتصدم من مجيء محمد وبجانبه فتاة لم تعرفها.
محمد بإحراج: السلام عليكم يا أم نهر.
رقية: عليكم السلام. خير يا أبو علي.
محمد: رضا كانت عايزة تتعرف عليكِ، وقالت تيجي زيارة. تدخليها ولا آخدها وأمشي؟
رقية باستغراب: مين رضا؟ فهمت إنها دي، لكن تبقي مين علشان عايزة تزورني؟
رضا بابتسامة: أنا سلفتك، يعني مرات محمد أخو جوزك.
رقية: أنا مش متجوزة. حتى اسألي أبو علي. ومتعودتش أكسف حد جه لبيتي. اتفضلوا.
محمد: لأ، أنا ورايا شغل في الغيط. هاسيبكم ستات مع بعض.
رقية: من على الباب كده. ادخل اشرب شاي.
محمد: شربت قبل ما آجي. لو حبيتي ترجعي، ابقي رني عليا من تليفون أم نهر. معلش، أصلها ما تعرفش البلد هنا، وما كانتش بتخرج من البلد. سلام أنا.
أغلقت رقية الباب وهي تنظر لرضا باستغراب.
رقية: اتفضلي. تحبي تشربي إيه؟
رضا: لا، ما تتعبيش نفسك. عم محمد حكى لي عن تعبك، وأنا كمان لسه قايمة من عيا. ولولا كده، ما كانش رضي إن أجلك.
رقية وهي تجلس أمامها: خير، كنتي تعبانة من إيه؟ ولا تكوني حامل؟
رضا: لأ، مش حامل. بس كنت واخدة علقة موت من البومة عزيزة. منها لله. ما صدقت أترحم من علقة مرات أبويا، طلعت لي زي العفريت في البخت.
رقية: علقة؟ بتتكلمي بجد؟ هي مش عايشة في إسكندرية؟ جت ضربتك ومشيت ولا إيه؟
رضا: لأ يا أختي، قليل الحظ يلاقي العظم في الكرشة. وأنا فقر من يومي. البومة اتطلقت، جت تعيش في بيت أبوها. قعدت تتآمر عليا. قال إيه؟ بتقولي: قومي يا بت، اعملي لنا فطار ودور شاي. أنا كنت نازلة عادي أطمئن على الحاجة، علشان ما أشيلش ذنبها، لما عرفت إنها تعبانة. حسيت إنها بتتكبر عليا، وإني لو ما وقفتش لها هتسوق فيها وتقل مني. قمت رديت وقولتلها: ليه هو إنت مشلولة؟ ما تقومي تعملي لنفسك. أنا جاية أطمئن على الحاجة وأمشي.
ثم صمتت وظهرت دموع في عينيها.
رقية: وبعدين؟
رضا: المفترية نزلت فيا ضرب. (شهقة) والله يا أبلة، ما رفعت صباع عليها، علشان أنا مؤدبة وهي أكبر مني. ولماخدة، كان أول يوم العادة عندي وجسمي مكسر. كل اللي عملته، كنت بحط دراعي قدام وشي علشان أحميه. ودي طلعت غل الدنيا فيا، وضرب في ظهري وبطني، وأنا صويت والناس اتلمت وندهوا لعم محمد. جه خدني من تحت إيدها، قاطعة النفس. بس من كتر الضرب، جالي نزيف.
رقية: يا خبر! وأنت كويسة دلوقتي؟
رضا بابتسامة: الحمد لله. صعبان عليا نفسي، لكن أخدت حقي، وباتت يوم في النقطة.
رقية: ده بجد؟ أبو علي أخته تدخل الحبس؟
رضا: أبو علي كان على آخره وصعبت عليه. ماهو واخد جنب منهم، حتى وزع الورث من بعد جوازنا على طول. استلف من طوب الأرض علشان ياخد جنب منهم. المهم، شالني وداني المستوصف. وأنا قعدت أعيط وهدومي من النزيف اتبهدلت. قالي إيه حصل؟ حكيت له. وبعدين قالي: إيه يرضيك؟ قولته: أقدم بلاغ فيها، وتمضي عدم تعرض ليا تاني. وافق، وراح عمل بلاغ بالضرب، وقالي: تبات يوم، وهاخدك وتتنازلي عن المحضر قصاد إنها تمضي على عدم التعرض، وحصل.
رقية: بسهولة كده اتحبست؟
رضا: مش بسهولة ولا حاجة. هي قالت إني أنا اللي ضربتها في الأول، وجابت شهود. عارفة مين؟
رقية: أكيد مصطفى والحاجة.
رضا: يا ريت. دي مرات أبويا. قالت إنها كانت جاية تزورني وشافت إني ابتديت. تعرفي، كنت دايماً بسمع كلامها وبعاملها زي أمي، بس هي كرهاني وزاد كرهها ليا لما ما روحتش أخدمها بعد جوازي، ولا أساعد أخواتي البنات في بيوتهم. وكانت هتشهد زور.
رقية: يا خبر! تشهد زور؟
رضا: آه. يا ما افترت عليا قدام أبويا، لغاية ما كرهني هو كمان. الحمد لله إن أبو علي ما سكتش ساعتها. قال إن لما جه من الغيط، كانت مرات أبويا وأخته بيضربوني. وزي ما قالي، جت في دماغه فكرة إنهم سقطوني، لأنه كان قدم البلاغ في الأول بالضرب بس، وقال للضابط يجي يشوفني في المستوصف، وإني مغمى عليا. هو بجد كان متعلق ليا محلول، وفي دنيا تانية. ساعتها، زي ما حكى لي، مرات أبويا لطمت وخافت ورجعت في كلامها، وقالت إنها ما كانتش موجودة. واترجته يسحب كلامه، فقال لها: ملهاش دعوة بيا تاني أبداً، وأنها ست سو. وهي وافقت. وبعدين، قال لأخته: إني حكيت له كل حاجة، وإنه مش مسامح. وما عرفش إزاي اتحبست. بس أنا صحيت بالليل وحكى لي كل حاجة، وقال إن عاوز يربي أخواته من أول وجديد، وإني لازم اتنازل، وهينفذ ليا طلب لما أخف. وأنا طلبت آجي لك. ماهو كده كده لو ما اتنازلتش، هيعرفوا إني ما سقطتش. هجيب منين يعني تقرير بكده؟ وأنا، لمؤاخذة، لسه بنت بنوت.
رقية بصدمة: بنت؟
رضا: آه، وربنا. أنا فتحت لك قلبي من كلام أبو علي عنك، وكمان علشان ما عادش ليا حد. حتى أخواتي وأبويا قطعوني، علشان ما عادش بخدمهم. (أمالت فمها بحزن) أوامر مرات أبويا. طلبت إني أجي لك علشان الوحدة وحشة يا أبلة رقية. أنا مكروهة في بيت أبويا وبيت جوزي. لما اتفقنا على الجواز، كان فيه غرض لأبو الدكتور، وحصل، وربنا ريح باله على ابنه. أنا كان غرضي أرتاح. كنت من الفجر لآخر الليل خدامة الصغير والكبير، وما فيش راحة. غير كلام الستات إني بايرة. إيدي ورجلي شققوا من الشقا، وقولت أرتاح شوية. مع إني كنت متأكدة إني هرجع تاني لبيت أبويا، لأن عم محمد بيحب خالتي انتصار وبيكلمها كل يومين، وبسمعه كتير بيضحك معاها. بصي، أنا دلوقتي باخد محو الأمية، مع إني بعرف أكتب وأقرأ. ما أنا خرجت بعد خامسة. بس عايزة حد يدلني أعمل إيه. مش عايزة أتهان تاني. وعم محمد قال إن عقلك كبير. وحياة ولادك، اعتبريني أختك الصغيرة، وقوليلي أعمل إيه. أنا خايفة من الدنيا والناس.
رقية: ياااه يا رضا، إنت قلبك معبي. وأنا ما اتصورتش أبداً إني ممكن أقعد معاك كده. أصلي بعتبر انتصار أختي، واللي يزعلها يزعلني. عشرة عمر بقى.
رضا: والله وأنا بحب خالتي انتصار. طب تعرفي أختي الصغيرة لما جت تتجوز، أنا شلت لها شنط فيها قماش، وروحت معاها لخالتي انتصار تفصل لها كذا حاجة. بس اتفاجئت إنها عملت لي جلابية هدية، مع إن محدش افتكر من أهلي فيا. ولما قولت لأبويا: عايزة حاجة ألبسها لفرح أختي. ردت عليا مرات أبويا وقالت: كفاية تكاليف العروسة، إنت مش حاسة بزنقتنا وبتدلعي. وكنت هحضر بواحدة قديمة. لكن خالتي انتصار قالت إنها عايزة تهاديني، وإني في سن ابنها. عمري ما فكرت إني هتجوز جوزها، بس النصيب.
رقية: الموضوع كده محتاج كوبايتين شاي، ونقعد نحكي مع بعض قبل ما عمر يجي. أذاكر له. بالمناسبة، عمر بيروح البيت الكبير آخر النهار. إيه رأيك لو تحبي تفضلي النهار كله، وتروحي مع عمر بالمرة؟ تعرفي الطريق منه.
رضا: هتستحمليني طول النهار؟ وبعدين، إنتِ عارفة عمي محمد بيجي من الغيط تعبان وجعان وحران كمان. مين هيساعده؟
رقية بابتسامة: الظاهر الموضوع كبير. نعمل شاي، وعندي كيك عملاه امبارح.
تكلموا مع بعض فترة، بعدها رقية فتحت الباب وهي تقول: الظاهر وشك حلو عليا. ده أول شغل يتبعت لي من فترة.
رضا: إنتِ بتشتغلي على البتاع ده؟ يعني شغل بجد ولا بتلعبي؟
رقية: لأ يا رضا، مش لعب. بشتغل، واسمه لاب توب.
رضا: أيوة، ما أنا عارفة. ليا أخ عنده واحد، وبشوفه في التليفزيون. إن شاء الله آخد شهادة محو الأمية وأكمل، وهيبقى عندي واحد زيه بعد عمر طويل.
رقية بضحك: ليه بعد عمر طويل؟
رضا: علشان أشتغل وأكسب فلوس وأجيبه. ولا مين هيجي لي يعني؟
رقية: عندك حق، لازم تعتمدي على نفسك، خصوصاً في حالتك. ما دام مش حاسة بالأمان من اللي حواليك، مش عارفة أقول لك إيه. بس فعلاً، ما دام عايزة حاجة، اسعي لها. لكن هسألك سؤال، وجاوبي بصراحة. إنتِ ما عندكش حد تثقي فيه ويهمك؟
رضا: لا. مفيش حد أنا أهمه. إلا ستي الله يرحمها، كانت حنينة عليا. سيدي بقى، كان شايف إني فقر ونحس، لأن أمي ماتت بعد ما ولدتني، فكان ما بيحبش يشوف خلقتي. الوحيد اللي بيديني ريق حلو دلوقتي، عم محمد أبو الدكتور. جايز صعبت عليه. جايز لأنه مش بيحبني أنا بس، ونس في البيت بدل ما يكلم الحيطان.
رقية: بتحبيه؟
رضا بعد أن احمر وجهها وامتلأت عينيها بالدموع: مش عارفة. بس إحساس الأمان حلو. إن يكون ليا سند أسند عليه وقت ضعفي. إحنا اتفقنا، لما أقول له يطلقني، هيطلقني. هو مش محسسني إني عالة عليه، وموافق أكمل محو أمية، وبيحميني من أهلي وأهله. بس هيجي يوم ويقول: مع السلامة. ماهو بيحب خالتي انتصار. فأنا دلوقتي بحاول أقف على رجلي وأسند نفسي، علشان لما أرجع بيت أبويا، مبقاش زي الأول خدامة من غير أجرة أو حق. في بالي أكمل سنة، علشان كلام الناس، وأكون أخدت شهادة محو الأمية، وأكمل كمان.
رقية: لو في بالك إنه هيرجع لإنتصار، فاحب أقول لك، انتصار مش هترضى ترجع بيت العيلة ده، وخصوصاً في وجود عزيزة. وأبو علي مش هيسيب بيت العيلة. مفيش أمل يرجعوا لبعض.
رضا: بس هم بيحبوا بعض. مافيش اتنين مطلقين بيكلموا بعض بالساعات ويشتكوا لبعض. ومتقوليش عشان هو بيطمن على ولاده وأحوالهم منها، وهي بتطمن على بنتها منه.
رقية: ده إنتِ كمان بتغيري.
رضا: لا يا أبلة، ما تفهمينيش غلط. أنا مش من حقي أغير أصلاً. عشان من أول لحظة،فهمني إني مش مراته. وكمان، أنا حاسة وعارفة بحبه لأم عياله. ده غير العشرة. بس بيصعب عليا نفسي. دول كلاب السكك بلاقوا رفيقهم. ليه أنا دون عن الناس كلها، مكتوب عليا أكون وحيدة؟
رقية وقد رق قلبها لها: كل واحد ربنا بيختبره، بس المهم ننجح. وليه بتقولي لي أبلة؟
رضا: سلو بلدنا. الأكبر مني بكتير أقول لها يا خالتي، والأكبر مني بشوية أقول لها يا أبلة.
رقية: أكبر منك بشوية؟ أنا تقريباً من سن انتصار. اتجوزت كبيرة شوية عن انتصار. وبعدين، ده المرض بهدلني.
رضا: عارفة تعبك ومرضك. والله يكون في عونك. كفاية عليكِ تبقي مرات أستاذ مصطفى. ما تزعليش مني، مش بقبله تقيل على قلبي، وكل ما أشوفه أتشاكل معاه. المهم، إن لما اتكلمت معاكِ، حسيت روحك صغيرة، فهقول أبلة.
رقية: أبلة في التركي يعني أختي. وأنا قبلت أكون أختك.
رضا بحماس: بجد!! مش خايفة خالتي انتصار تزعل منك؟
رقية: انتصار ما فيش أطيب منها. ومش هكذب عليك، هي رغم إنها مش هترجع لابو علي، لكن هو له معزة خاصة في قلبها. لكن كل اللي يهمها دلوقتي عيالها.
رضا: صحيح، هو دكتور عبد الله رجع لمراته ولا لسه؟ أصل أنا مش عاوزة أعكنن على عمي محمد وأسأله.
رقية: ليه السؤال ده؟
رضا: هو السبب في جوازي. عايزة أعرف جه بفائدة ولا الحاجة وابنها وابنتها هم اللي كسبونا.
رقية: كسبونا!!! إنتِ ضميتي نفسك لينا؟
رضا: أيوة، أنا تبعكم. إنتِ وخالتي انتصار وعم محمد.
رقية: نصيحة مني، بلاش تقولي عم محمد دي قدام أبو علي. على الأقل قولي زيي: أبو علي. ويا ستي، إحنا اتحركنا في موضوع عبد الله وأنهار، لكن لسه ما أخدناش خطوة.
رضا: ودي حوزيرة يعني إيه الكلام ده؟ مش فاهمة؟
رقية: بصي، علشان أنا تعبت من الكلام. انتصار راحت لشيخ محترم، وقال السحر لازم له فترة على ما أثره يروح. وأنا سألت دكتور نفسي وحكيت له على وضع عبد الله، وبدأنا نرتب شوية أمور. مش مهم تعرفيها، وهننفذ شوية حاجات، لكن هناخد خطوة قريب علشان نعرف عبد الله وأنهار قيمتهم عند بعض. وبس كده. روحي بقى زي الشاطر، اعملي كوبايتين شاي، لأن دماغي هتنفجر. ومعلش، مش قادرة أقوم. هاتي معاكِ ميه وشنطة الدوا من أوضة النوم، ممكن؟
رضا: سامحيني، قلبت دماغك. وعارفة إنك لسه تعبانة. مش قصدي والله.
رقية بتعب: حصل خير. أنا كده كده تعبانة، بس بجد مش قادرة أقوم.
رضا بابتسامة: إنتِ قولتي اعتبرتيني أختك خلاص، يبقى مفهاش حاجة. ثواني وكل حاجة هتكون عندك.
بعد أن أخذت رقية الدواء وشربت الشاي، وضعت رأسها بإرهاق على المنضدة أمامها، ثم نظرت لرضا لتقول: بقولك إيه، لسه حوالي ساعتين ونصف على ما عمر يجي. تحبي تريحي شوية؟
رضا: إنتِ كنتِ كويسة. ليه كده تعبيني فجأة؟ على العموم، أنا زهقانة من النوم. ادخلي إنتِ، افردي جسمك، وأنا هقعد لغاية ما عمر يجي وأصحيكِ وأروح.
رقية: أنا آسفة، بس حاسة نفسي مش تمام. يمكن داخلة على برد.
رضا: تعالي أساعدك تقومي.
وقامت وأمسكت يد رقية بحرص، أدخلتها الحجرة وأغلقت عليها الباب. ونظرت للشقة بتركيز، ثم قامت بخلع عباءتها وبدأت في تنظيف المكان بكثير من الحرص والهدوء، حتى لا تزعج رقية. رغم أنها لم تسترد صحتها بعد، إلا أنها كانت كالنحلة في البيت. دخلت المطبخ وفتحت الثلاجة لتري في أسفلها دجاجة وعيدان ملوخية. بدون تفكير، أخرجت الدقيق والليمون والملح لتغسلها جيداً، ثم بدأت بطهوها مع تقطيف عيدان الملوخية وتقشير الثوم وعمل ما يلزم بالمطبخ. إلى أن دق الباب، فأسرعت وارتدت عباءتها وفتحت لتصدم بمصطفى وعمر.
رضا: لا إله إلا الله. هو إنت صغير يا عمر علشان تتعب أبوك وتجيبه؟ ما بتعرفش تيجي لوحدك؟
مصطفى: إيه جابك هنا؟
رضا: ادخل يا عمر. أبلة رقية نايمة وتعبانة. عقبالك كده يا رب، أما تتهد وتبطل ترازي في خلق الله.
وكادت أن تغلق الباب، لكن مصطفى أمسكه بعنف.
مصطفى: بتدعي عليا في وشي يا متخلفة يا جاهلة؟ ده بيتي، واللي جوه مراتي، وأنا أدخل وإنتِ تخرجي. والظاهر العلقة اللي أخدتيها معلمتكيش.
رضا بشهقة وصوت عالٍ: بيتك إيه يا أبو بيت؟ بتدفع إيجاره؟ ومراتك إيه؟ بتصرف عليها؟ ولا دفعت تمن دوا واحد من المرصوصين جوه دول؟ والعلقة أخدت حقها. حبس السنيورة وامشي بقى من هنا، بدل وربي، ألم عليك الجيران.
فتح الجيران الأبواب لتقول إحدى السيدات: هو فيه إيه؟ ومين إنت؟ أول مرة أشوفك.
رضا وهي ترد الباب وتمسكه بيدها حتى لا يغلق: أنا سلفت أبلة رقية. والاستاذ بقول له إنها تعبانة ونايمة، ونبي ما قادرة تصلب طولها، ولا دريانة بالدنيا. عايزني أصحّيها بالقوة؟ جاي ينكد عليها ومش عايز يمشي.
أحد الجيران الرجال: ما تمشي يا عم دلوقتي. عارفين إنك جوزها. الست بتقول ميتة تعب. لو كانت صاحية أو قادرة، كانت طلعت بدل الدوشة دي.
إحدى السيدات: إنت كل ما تيجي تحرق دمها وتتعب أكتر؟ ما تمشي، وابقى كلمها تليفون.
ونظرت لرضا: ادخلي يا ست، وهو يبقى يجي لما تتحسن.
كاد أن ينفجر مصطفى من الغضب، وأتى صوت رقية من الخلف وهي تقول: فيه إيه؟ ليه الدوشة دي كلها؟
لتلتفت رضا وتفتح الباب وهي تقول: حقك عليا يا أبلة. عليت صوتي وصحيتك وإنتِ تعبانة. أستاذ مصطفى كان عايزك، وقولت له تعبانة.
طلت رقية من باب الشقة وهي ترى الجيران ومصطفى على السلم، لتقول: معلش يا جماعة، آسفين على الإزعاج.
ونظرت لمصطفى لتقول: أنا فعلاً تعبانة. ممكن نبقى نتكلم في التليفون بعدين. (نظرت لرضا) ادخلي يلا جوه، وأنا هقفل الباب وأجي.
رضا: لا خلاص. أنا اعتذرت كتير، وإنتِ تعبانة. هروح مع أستاذ مصطفى. خدني معاك علشان ما أتعبش أخوكِ، وأنا معرفش السكة. مش إنتِ مروحة برضه؟
ليقف الجميع بذهول مما تقول. هي من كانت تتشاجر معه منذ لحظات، تريد منه أن يوصلها لبيتها.
نظرت لهم باستغراب: إيه؟ مش أنا قولت أخو جوزي؟ أنا عايشة في بيت عيلة، وجوزي في الغيط. بدل ما يجي ويروح ويتعبه، أخوه موجود يروحني.
واتجهت لرقية وقبلتها وقالت: مع السلامة يا أبلة. (ثم نظرت لمصطفى) وقالت: يلا يا أبو عمر، الحق أعمل لأخوك لقمة، بلاش تتنح كده إنت كمان. وراك دروس تديها للعيال. معلش، ابقى تعالي نكد على العيلة في وقت تاني تكون قادرة تقف فيه. الرحمة حلوة. (واقتربت من أذنه) يا مفتري إنت وأختك.
أمسكت طرف كم قميصه لتشده لينزل معها، وهو مزهول من تصرفها وكلامها.
كانت سيارة مصطفى تحت العمارة عندما نزل مصطفى ورضا لتقول له: كويس إنك جايب العربية، بلا مواصلات بلا هم. أهو نوصل بسرعة، والحق أعمل لأخوك لقمة. وجدعنة مني على توصيلك ليا، ممكن تيجي تاكل معاه.
لينظر لها مصطفى بغضب: إنت جنس ملتك إيه؟ بعد ما فرجتي الجيران عليا، عايزاني أوصلك؟ تعالي أرميك في نص الطريق، جايز أخلص منك وتتوهي، أو مصيبة تاخدك.
رضا بعقد الحاجبين: ويهون عليك أخوك يجي وما يرتاحش، ويخرج يدور عليا؟ ده حتى أخوك اللي مربيك، ولا لما يلاقيني وأقول له: أخوك رماني في نص الطريق، وهو أصلاً لسه شايل منك ومن أختك. هو إنت مش ناوي تعمل خير واحد في دنيتك يا أبو عمر؟ تروح كده قدام ربنا مفلس من غير حسنة واحدة في حياتك.
مصطفى: تعرفي تتكتمي؟ كل ما تفتحي بؤقك. بكره اليوم اللي ابتلينا بيكي فيه.
رضا: هسكت. يلا افتح العربية، خلينا نغور من هنا.
مصطفى: يا باردة! مش عاوز آخدك معايا.
رضا: هو إنت شايفني هموت وأقعد معاك؟ أنا بس اتحوجت لك. أخلص، خليني أقول لقرة عيني أخوك طلع جدع وخاف على تعبك وأخدني معاه. (ابتسمت لتقول بحزن) والله أنا نفسي يرتاح. أصله طيب. يلا بقى، ووعد مش هفتح بؤقي طول الطريق.
فتح لها مصطفى السيارة بضيق وقال: اترزعي، داهية تاخدك.
في بيت رقية، بعد أن دخلت، ذهبت للمطبخ لتفاجأ بترتيب المطبخ وغسل الأواني وتحضير طعام على الموقد. لتبتسم برضا وتنادي على عمر ليأكل هو وهي. ثم تسمح لعمر بأخذ قليل من الوقت للراحة قبل عمل الواجب والمذاكرة له. في فترة راحة عمر، اتصلت بانتصار.
انتصار: الوووه. السلام عليكم.
رقية: عليكي السلام ورحمة الله وبركاته. حد معاكِ في الشقة غير أحمد؟
انتصار: عاش من سمع صوتك يا رقية. لا، أنهار بتيجي متأخر من الكلية. أنا وأحمد بس. الواد ما بيبطلش رضاعة. مفجوع زي عمته.
رقية: كويس قوي. اسمعي يا انتصار، بقي إحنا هنفضل كده مش بنعمل حاجة علشان نرجع عبد الله وأنهار.
انتصار: أيدي على كتفك يا أختي. أنا نفسي أطمئن على ابني، وأنهار صعبانة عليا. أحمد كمان. شوفي عايزة تعملي إيه، وأنا معاكِ.
رقية: اسمعي يا ستي، الخطة: بعد أسبوع تقريباً، فيه موسم، وأكيد أبو أنهار هيجي، لأنه ما يعرفش بطلاق بنته. وأكيد ممكن يجي بعد العصر علشان يعرف يرجع في نفس اليوم البلد. فانتِ هتطلبي من عبد الله يستقبله، علشان خاطر أحمد. وزي ما عرفت، بقي بيحب يشوف ابنه كل فترة. المهم، كمان أنهار أكيد لازم تكون موجودة. أنا كنت عملت أربع أطقم خروج لأنهار، شكلهم حلو وقيم. وكمان عملت أنا ونهر شوية كريمات طبيعية من زهور. برضو مع نهر، قبل ما أعمل العملية، نهر هتقول لك بيستخدمهم إزاي. الحمد لله، كنا أخدناهم معانا قبل العملية. هتصل بنهر بعدك، وأقول لها تيجي تجيب شوية أطقم شيك ومحترمة للبيت. عايزة عبد الله لما يشوف أنهار ينبهر بيها، وإستايلها الجديد. وأكيد هيقعدوا قريب من بعض، يشم ريحة تحفة منها. بعدها بشوية، نخترع أي حجج علشان يشوفوا بعض تاني. الولد سخن، تعالي وديه لدكتور. فيه مشكلة في الجامعة عند أنهار. أي حاجة، المهم يتقابلوا كذا مرة. لما نحس إن خلاص عبد الله ابتدى يلين ويحن. لأنهار تقولي له: فيه ناس جيران عاوزين يتقدموا لأنهار. لازم نجننه، ونخليه يطلب يرجع لبيته. يا انتصار، زي ما أنتِ شايفة، أنهار غلبانة، وكل اللي يهمها مستقبلها وابنها. والبنت لسه صغيرة، وممكن تحن لكلمة حلوة. متهيالي عبد الله وإنتِ هتندموا لو راحت منكم.
انتصار: أنا أموت فيها يا رقية. أنا خلاص معدش ليا بيت، وأحمد بقي كل حياتي. صدق المثل: أعز من الولد ولد الولد. لو عبد الله اتجوز غير أنهار، كمان أنهار هتتجوز غيره. وزي ما فهمت أحمد يروح لأم أنهار. لا يا رقية، هنرجعهم لبعض. بس لازم أعرف إنتِ اتكلفتي كام للبس وكريمات أنهار، وكمان نهر هتتكلف كام للحاجات اللي هتجيبها. إنتم مش ملزمين بكده.
رقية: بطلي عبط. لبس الخروج أنا عملاه بطيب خاطر. أنهار زي نهر. والكريمات معظمها من زهور مجففة، كانت جايباها سينام ليا من تركيا. عملنا كتير ليا أنا ونهر. وسينام كانت هواية قديمة ليا، وعلمتها للبنات. غير نهر، اتعلمت شوية تركيبات في سيوة. المهم، بكرة نهر تتصل بك علشان تعرف هتيجي امتى.
انتصار: لأ يا رقية. إن كنتم أخوات، اتحاسبوا. كفاية مصاريف علاجك. وعلي بيبعت لي مصاريف بزيادة، وكمان عبد الله بيعطي لي مصروف. ريحيني الله يريح قلبك.
رقية: خلاص يا انتصار، ابقي اتكلمي مع نهر. لو أقنعتيها، ابقي ادفعي لها. صحيح، تعرفي إن عزيزة اتطلقت؟ أنا اتفاجأت بالكلام ده النهارده.
انتصار: اللهم لا شماتة. ربنا رد لها اللي بتعمله من شر. يالله. الله يعينها على حالها. ما كنتش أعرف. ما حدش قالي. إنتِ عرفتي منين؟
رقية: هحكي لك.
وحكت لها عن زيارة رضا وما حدث.
انتصار: برضو ما اتهدتش وطلعت غلها على رضا. بصي، هو أنا أخذت على خاطري من رضا، بس ما تستاهلش تعيش مع عزيزة، لأني عارفة كويس يعني إيه عزيزة. بس محمد عمل لها اللي مقدرش يعمله لي. زعل أخته، وأول مرة يجي على حد من إخواته علشان مراته.
رقية بمكر: بس رضا لسه بنت يا انتصار. أبو علي ما لمسهاش، وما عملش كده عشانها. عمل كده لإنه خلاص فاض به، وأكيد زعلان على عبد الله وخراب بيته، وإنه لسه ما رجعش لابنه ومراته.
انتصار: بتقولي إيه يا رقية؟ لسه بنت؟ إزاي؟ مش بتقولي دخل أخته الحبس وقال سقطت رضا؟
رقية: رضا قالت إنه اتفق معاها من الأول، هيطلقوا بعد فترة، علشان بس يحمي عبد الله، وكمان علشان سمعة رضا. وهي وافقت علشان تترحم من مرات أبوها. كمان البنت حاسة بحبه لك، وبتقول بتتكلموا كتير، فحاسة برضه بحبك له، ومش حابة تخرب عليك. اسمعي يا انتصار، البنت مستعدة تطلق، بس بعد ما تعرف تقف على رجليها. فلو في نيتك ترجعي، هترجعي عادي، وهو هيطلقها. لكن من الظلم نسيب البنت لوحدها قدام مرات أبوها، فلازم نساعدها تقف على رجليها.
انتصار: اسمعي إنتِ بقى يا رقية. اللي انكسر بيني وبين محمد كبير. أنا انكسرت لما طلقني وقلبي وجعني قوي. صحيح أنا اللي طلبت الطلاق، بس كان فكري إنه ممكن يبقي عليا وننعزل عن أهله، ونتقي شرهم. بس اختار أهله كالعادة. صح بعد كده، صحي علشان يحمي ابنه. بس أنا أدري بمحمد، مش هيسيب أهله. وأنا مش هقدر أرجع العيلة دي، حتى لو كانت روحي في إيده، مع وجود عزيزة كمان. لا أنا، لا حمل بهدلة، ولا قد شرهم. وهنا عبد الله وأنهار محتاجين لي، علشان أحمد. مش هستفيد حاجة لو طلق رضا. ربنا يهنيهم ببعض، وهنساعد رضا ومحمد. هي عندها شباب وتقدر تستحمل أهله شوية. وهحاول معاكِ يبقوا مع بعض. أنا اتعلمت إن الشر مش هيجيب غير الخراب.
رقية: أنا رأيي كده برضه. طب سلام، وهبقى أكلمك تاني.
إيه هيحصل بعد كده؟ ويا ترى عبد الله هيرجع لأنهار؟ وإيه هيحصل مع رضا ومحمد؟ هنشوف بعدين.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم رينا الهادي
مرت الأيام وذهب عبد الرحمن ومعه زوجته لابنته، فالمواسم أساسية في التراث الريفي. كانت انتصار على تواصل معهم، وقد أبلغت عبد الله أن ينتظرهم في محطة القطار ليأتي بهم إلى البيت. وقد نبهت عليه مراراً وتكراراً ألا يبين لهم أنه طلق ابنته الآن، لينتظر إلى أن تنتهي السنة الدراسية.
رغم عدم اقتناع عبد الله، إلا أنه نفذ كلام أمه، لأنه عندما حسبها بعقله اقتنع، حتى يرى ابنه أحمد كما يريد، وأيضاً يكون مطمئناً لوجود أمه بجانبه. بالإضافة إلى أنه في الوقت الحالي يريد الحرية والتنقل بين العمليات ليكسب مهارة وخبرة. نعم، لم يكن مسؤولاً عن عملية واحدة إلى الآن، لكنه يدخل مع كبار الأطباء. كما أنه يريد عدم التقيد بأحد، فيكفي أيام التكليف والضغط النفسي والمادي الذي عانى منه. نسي أو تناسى أن أنهار عانت معه وتحملت الكثير.
فتحت انتصار الباب بعدما راتهم من بلكونة الشقة عند نزولهم.
انتصار: البيت نور، يا أهلاً يا أهلاً بالحبايب.
عبد الرحمن: البيت منور بأهله، ما كانش فيه داعي نعطل الدكتور، كنا هنعرف نيجي، ما معايا العنوان.
انتصار: يعني أنتم كل يوم عندنا، دي أنهار هتفرح لما تشوفكم قوي، ساعة كده وتكون هنا إن شاء الله.
عواطف: هي نزلت؟
انتصار: أيوه، ما هي في امتحانات وبعد الامتحان قالت هتحضر سنتر، حاجة كده زي مراجعة، هانت مادتين وتخلص الترم، تعبت قوي والله الترم ده.
عواطف: هي اللي تاعبة روحها، حد يروح يتعلم وهو معاه عيل، ده بطر.
عبد الرحمن: سيبكم من الكلام ده، أنا الصراحة جاي مخصوص عشان أسأل وأنظر لعبد الله، هو فيه إيه بينك وبين أنهار، متخانقين، مطلقين؟ أنا دماغي هتشت وعاوز أفهم.
انتصار: فيه إيه يا سيد الغالي؟ جايب الكلام ده منين؟ اقعد كده وفهمنا الله يرضي عليك.
عبد الرحمن: من مدة صغيرة كنت بتصل بأبو الدكتور، وردت عليا أخته، لأني كنت بكلم تليفون البيت، وقالت كلام كتير، منه (أنتم معندكوش كرامة، إزاي سايبين بنتكم كده؟ هي تلاقيها وماتتصلش هنا تاني). وكلام كنت خلاص لبست فيه. بس أبو الدكتور اتصل بيا وقعد يقولي إن أخته تعبانة شوية وما يزعلش وطيب خاطري. ولما اتكلمت عواطف هنا، وانتي رديتي عليها، اطمنت شويه. فيه إيه؟ عاوز أفهم.
انتصار: كل بيت مش دايماً مية مية، وآه عبد الله وأنهار اتخانقوا مع بعض ياما، لكن دلوقتي ما فيش حد بيضايق الثاني، لأن أنهار وعبد الله أصلاً ما عندهمش وقت، كل واحد مشغول بحاله. من الأول كان لازم أقول لكم إن عزيزة وأمها مش عاوزين أنهار، وياما عملوا عشان يبوظوا الجواز، سواء قبل أو بعد الجواز. مش عيب في بنتكم، لأ، عشان بس صاحبة نهر، وهما لا بيحبوا نهر ولا أمها ولا أنا، وكانت عاوزة عبد الله لبنتها، غير مش عارفة عندك خبر أو لأ. هي اتطلقت ومشاكل كتير في البيت. فمعلش، لو عاوز تتصل بأبو علي، اتصل به على المحمول، وبنتك في عنيا زيها زي ورد، واسألها لما تيجي. وكفاية كده الله يبارك لك، يا دوب أجهز الأكل. (نظرت لعواطف) وخدي يا أختي الواد شوية، دراعي اتخدل، أنا برضو عظمة كبيرة.
لم تكمل كلامها، وإذا بباب الشقة يفتح وتدخل أنهار لتتفاجأ بأبيها وأمها، فتركت ما بيدها على أقرب كرسي وهي تجري نحوهم.
أنهار: إيه المفاجأة الحلوة دي؟ (نظرت لانتصار) عشان كده بتحضري في أكل من أول إمبارح.
أخذت أمها بالحضن، ثم أباها الذي لم يبادلها الحضن ووقف ثابتاً.
أنهار: فيه حاجة يا بابا؟ هو أنا موحشاكش؟
عبد الرحمن: مزعلة جوزك منك ليه يا أنهار؟ بتتعوجي على إيه يا بت أبوك.
انتصار بسرعة: فشر، مين قال كده؟ ده ست الستات وعقلها يوزن بلد. أنا اللي ابني من ضغط الشغل بيتهطل، آه والله، بس بيرجع لعقله تاني. وبنتك لسه داخلة من يوم طويل، سيبها تستريح وبلاش عتاب. والله أنهار أنا راضية عنها وبدعي لها، خد بنتك في حضنك.
كان عبد الله واقفاً في ذهول مما يحدث، لم ينطق بكلمة، لكنه، ومنذ دخول أنهار أمامه، وهو ينظر لها بشغف وإبهار. فمن تلك التي أمامه؟ شرد فيها، كانت قريبة منه، فقد كان واقفاً بجانبها، اشتم رائحتها التي أسكرته، فأخذ نفساً دون وعي عميق، ود أن يدخل كل ذرة هواء من تلك الرائحة لرئتيه.
لكنه أفاق على صوت عبد الرحمن وهو يقول له: إيه رأيك يا جوز بنتي؟ هي اللي بتزعلك ولا أنت؟
نظر إليه ليجدة فاتح فاه وينظر لأنهار باستغراب.
ليردد عبد الرحمن: يا دكتور يا أبو نسب، إنت رحت فين؟
لينتبه له عبد الله وهو يقول بغضب: إنت إزاي تروحي الكلية كده؟ المفروض إنك محجبة، رايحة بمكياج ليه؟
أنهار بغضب مماثل: أنا مش حاطة حاجة غير كريم بس.
عبد الله: أومال خدودك دي حمرا كده ليه زي عروسة المولد؟
انتصار: يا ولاة! البنت شكلها جاية جري متشعتفة على ابنها من التعب والحر. يخرب عقلك! واتجهت لأنهار ومسحت بيدها على وجنتيها لتقول: أهو يا هبل كسفتنا، مفيش حاجة. هي البنت حمار وحلاوة. (نظرت لأنهار) ادخلي يا بنتي غيري، هااااه، غيري، وغمزة بعينها، والبسي حاجة مريحة ورضعي المفجوع ده، يكون الأكل جهز. ادخلي معاها يا عواطف. (نظرت لعبد الرحمن) وهي تقول: مش قلت لك بيجي له ساعات يتهطل زي ما أنت شايف كده.
نظر عبد الله لأمه: أمه، أنا بريستيحي اتنسف خالص. شوية تقولي بيتهتطل ويا ولاة وكسفتنا. أهدي شوية، أنا زي ابنك برضه. ومعلش، اعملي الأول دور شاي، دماغي مصدع.
انتصار: خمس دقائق وأدخل، خد مني الصينية عشان ألحق أجهز وأسخن. ودخلت مسرعة قبل أن يرد.
فالتفت عبد الله إلى عبد الرحمن وهو يقول بمرح: إنبي أن حالتي صعبة بين اتنين ستات، لا عارف أخد لا حق ولا باطل. بس خلاص، أحمد يكبر شوية ونبقى اتنين اتنين ونوريهم الاتنين دول، والله إنت منور يا حج.
عبد الرحمن: إنتم بجد مش متخانقين مع بعض؟
عبد الله: لأ والله، ولا بنكلم بعض أصلاً.
عبد الرحمن: إيه؟
أفاق عبد الله ليقول: قصدي يعني عشان ما أعطلهاش زي ما أنت شايف، فيه امتحانات. وأنا كمان أحياناً بات في المستشفى بالأيام. فيه كنب هناك بنفرده سرير، صحيح أنا واخد شفت بالليل، لكن أحياناً بيكون فيه حالات الصبح ولازم متابعة. وحاجة آخر تعب، غير إني هكمل دراسة ماجستير ودكتوراه إن شاء الله.
عبد الرحمن بتعجب: ربنا يقويك. بس مش أنت خلصت كلية؟ هتدرس إيه تاني؟
عبد الله: كلية آه، خلصت دراسة. لكن لغاية ما أموت هفضل أتعلم الطب. كده هدخل أجيب الشاي بدل ما أمي تيجي تكدرني.
دخل وأتى بالشاي بسرعة، بعدها خرجت عواطف وهي تقول: يا دوب غيرت والواد مسك فيها عشان ترضعه. الظاهر جعان وهي كمان تعبانة وعاوزة ترضعه.
عبد الله: كنت هنادي عليك تشربي الشاي معانا.
بعد فترة على السفرة، بعد أن خرجت أنهار وهي تحمل ابنها النائم لناكل وهي تحمله.
عواطف: ما تروحي تنيميه يا بنتي.
أنهار: لأ، هو ما راحش في النوم، مجرد ما أحطه هيعيط ويصحي. خليه كده أحسن ما يعيط.
عواطف: بتستحملي إزاي طول النهار بره صدرك ممكن يحجر يا بنتي كده.
أنهار بكسوف: لأ يا ماما، بدخل الحمام وأملى بالي فيه في ترمس وأرجع بيه أحطه في الثلاجة. وماما انتصار بترضعه طول النهار منه.
انتصار: بس طبعاً مش بيكفي، فبعمل كراوية أو ينسون يساعد، أو لبن صناعي. وهو بنسلي بعض. وأنهار الصراحة كتير بتتسوّق وهي جاية. أنا بنزل الجمعة أصلي وأتسوق اليوم ده بس.
أنهار بضحكة رقيقة: اللي بتتسوقه طول الأسبوع ماما انتصار، بتتسوق قدّه مرتين يوم الجمعة.
عواطف: ما أنت شايلة على قلبك كتب وشنطة، هتجيبي إيد منين تشيلي للسوق.
عبد الله: كويس إنها بتشتري أصلاً. قبل ما أمي تيجي على كان بياخدني نروح السوق نملي العربية كل أسبوع ونجيب حتى الخضرة كان يشتريها. أنهار كانت تكتب لي ورقة بطلبات كلها.
انتصار: أصيلة، كانت شايلة البيت كله كمان عايزها تتسوق.
أنهار بحزن: هو فيه زي دكتور علي ذوق وأخلاق. والله فرحت إنه خطب رانيا، طيبة وتستاهل الخير، وهو قاطع بينا.
انتصار وهي تنظر لعبد الله بحزن: هي نهر تختار حد وحش؟ لما حب يخطب، راح لها وقال: أنا واثق فيك، اختاري واحدة بنت حلال. ما جاش ليا أو حتى أخته.
عبد الله ليغير الكلام عن نهر: الأكل حلو قوي يا أمه، تسلم إيدك.
عواطف بشغف: شوفت ست رقية مرة واحدة على قبر أبو نهر، وعلى ما زرت أمواتنا وقريت الفاتحة، رجعت كانت مشيت. من يوم ما بيتهم اتباع وبقي حتة أرض. ما شفتش نهر ولا أعرف بيتهم الجديد. ناس بتقول البيت الجديد على المحطة في عمارة في البلد اللي جنبنا. هما أخبارهم إيه يا أنهار؟ عاوزة أزورهم، ده عيش وملح برضه.
أنهار بتوتر: معرفش يا ماما، أنا مشغولة بالدراسة وكمان نهر، فمفيش كلام بينا. حتى رانيا كلمتها مرة واحدة أبارك لها على كتب كتابها، وهي باركت لي على ولادة أحمد وبس كده. سيبنا من الكلام ده، إنتم وحشتوني قوي، ما جبتوش إخواتي الصغيرين ليه؟
استغرب عبد الرحمن وعواطف من رد ابنتهم.
عبد الرحمن: نهر وأمها طول عمرهم ناس أصيلة ومش ممكن تكون بعدت عنك بمزاجها. أكيد عشان مرض أمها ودراستها. ربنا يقويهم. وواجب عليك تطمني عليها من وقت للتاني. تسلم إيديك يا ست أم الدكاترة. (نظر لابنته) لما تاكلي إيدي أحمد لامك ولمي الأطباق وروحي اغسليهم. كفاية كده على الست حماتك واعملي دور شاي.
نظرت له أنهار بتفهم: حاضر يا باه.
انتصار: هنساعد بعض يا أنهار. انت كمان تعبانة طول النهار وبترضعي وتذاكري.
قطع الحديث صوت هاتف عبد الله الذي أجاب سريعاً.
عبد الله: السلام عليكم... حصل إمتى ده... طيب أنا جاي في الطريق... لأ، أديله حقنة... طيب سلام.
أغلق الهاتف.
عبد الله: معلش يا جماعة، مضطر أمشي دلوقتي. فيه حالة لازم أتابعها.
عبد الرحمن: إذنك معاك. روح يا ابني ربنا معاك.
اتجه للحمام ليغسل يديه، ثم أخذ مفاتيحه وتليفونه. (نظر لأمه) عاوزك ثواني يا ماما.
ذهبت انتصار وراءه.
انتصار: خير، فيه إيه؟
عبد الله بصوت منخفض: مين دي يا ماما؟ وأشار إلى أنهار.
انتصار: مين دي يعني إيه؟ مالها أنهار؟
عبد الله: بقت صاروخ أرض جو، مش دي اللي اتجوزتها أبداً. الثانية دبلانة وتعبانة على طول. دي حتى ريحتها وهم.
ابتسمت انتصار: الثانية كانت طالع عينها من تعب ثانوية لقلق جواز ومسؤولية بيت واتنين طول بعرض بتخدم فيهم وقلق وحمل وتعب. لكن اللي قدامك أنا بهتم بأكلها وشربها ومعتبراني أمها وآخدة بالي من راحتها. الست يا دكتور القلوب زي الزرعة، اهتميت بيها اخضرت وزهزهت وشرحت قلبك. إنت ما اديتهاش غير قلق والتعب والحمل، فكانت معاك مطفية. غير إن الست بتملى شوية بعد الولادة. روح شوف شغلك وبلاش تفكر فيها غير لما تعرف قيمتها وتقدرها.
مشى عبد الله وهو يفكر في كلام أمه. هو لم ير أنهار منذ أن طلقها وكانت بالمشفى. نعم، التقوا في سبوع ابنه، لكن لم تمهله للنظر إليها. لكنها اليوم فاتنة. امتلأ جسدها قليلاً، لكن وجهها وكأنه القمر منيراً. متوجهاً وصافياً. شرد قليلاً ليسترجع هيئتها عندما دخلت بذلك التير الرائع الأنيق مع الحجاب الأنيق، ثم تلك البيجاما المحتشمة وبونية يخفي شعرها. يسأل نفسه هل خبأت شعرها قاصدة أن لا يراه أم أنها عادة؟ فقد كانت تخفيه عندما تخرج من غرفتها لوجود علي معهم سابقاً. وما تلك الرائحة التي تنبعث منها؟ لقد جلس بجانبها عند الطعام حتى يشبع رئتيه منها، وليس كما تعتقد أمه أنه جلس بجانبها كي يقتنع أبوها أنهم على ما يرام.
اطمأنت انتصار من نظرات ابنها على أن خطة رقية قد نجحت بامتياز. فأنهار في خلال أسبوع واحد فقط من الكريمات المرطبة وكريمات التقشير للبشرة وأنواع الصابون المصنوع بعناية من مواد طبيعية، غير اللبس المختار بعناية للبيت وللخارج، قد أكسبها الكثير من الثقة في نفسها، وبالتالي تحسنت نفسيتها ورجعت الحيوية لها. وذلك بالإضافة إلى أن انتصار تمدها دائماً بالعطف والحنان، غير اهتمامها بها وتغذيتها.
بعد يوم عند رقية، دخلت نهر البيت بعد المغرب على أطراف أصابعها وتوجهت إلى غرفة أمها. فوجدها مفتوحة ورقيه تضع سماعات على أذنها وتشتغل بتركيز على أحد الملفات.
نهر بحنان وهي تضع يدها على ظهر رقية: كل ده تركيز؟ يا بخت إيمري بيك بموظفة مجتهدة زيك.
رقية: خضتيني يا نهر! مش مكلماني من ساعة ما قولتيلي ليه إنك جاية؟
نهر: شوف ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، إشتقات ليك، قولت آجي أطفئ نار شوقي برؤياك يا روووقة.
رقية: يا حبيبتي، أنا قولت هتريحي شوية بعد مدعكة الامتحانات، خصوصاً إنك قولتي في حفلة هتخدمي عليها بعد بكرة.
نهر: ما أنا بقالي فترة مزنوقة في تسليمات وأبحاث وامتحانات، وعارفة إنك لسة تعبانة. قلبي وجعني عليك. أنا قولت آجي أشوفك وأساعدك في أي حاجة، بس البيت متوضب. إنت ليه عملتي مجهود جامد كده.
رقية: رضا كانت هنا إمبارح، من يوم ما عرفت طريق البيت وهي كل يومين هنا. وبصراحة طيبة قوي بتروق البيت وتعمل أكل. حتى فيه في الثلاجة محشي وملوخية. وأخوك النهاردة أكل الفرخة وساب ورك. الظاهر قلبه حاسس إنك جاية. صراحة رضا بنت قلبها أبيض رغم ظروفها القاسية.
نهر: هقوم أسخن الأكل وناكل مع بعض، إيه رأيك؟
رقية: تمام. ما أصلاً أنا جعانة ولسة ما اتغدتش.
نهر: ليه يا روووقة؟ إتأخرتي كده؟ مش قولنا نحافظ على أكلنا.
بعد الأكل وشرب الشاي، نظرت رقية لنهرتمعن وهي تقول: قولي يا نهر على طول عاوزة إيه؟
نهر بابتسامة: آدو معاه شوية فلوس وعاوز يجيب ميكروباص ويشتغل عليه شوية أو يشغل عليه حد. لكن المبلغ اللي معاه ناقص حوالي تلاتين ألف جنيه. طبعاً ده مبلغ قليل بالنسبة لثمن الميكروباص. كان عاوز يجيبه بالتقسيط، لكن أنا قولت له لأ، بركة الحاجة بتضيع في التقسيط. أحسن فوراً فكرت ندخل بنسبة بسيطة معاه. وأنا هقدر إن شاء الله أقنع بعض النزلاء في الفندق وأعمل معاهم ديل وأفسحهم. حضرتك عارفة أنا بحب أقرأ عن الآثار والتاريخ، وياما أخذت سياح في الأقصر. فيمكن يكون أداة مساعدة ومكسب ليا وليه أكتر. إيه رأيك؟
رقية: إنت وآدو، أنا بثق فيكم، ومفيش مشكلة لو اتشاركوا في حاجة. كده كده إنتم كتير بتشتغلوا مع بعض. بس أوعوا تنسوا إن هيكون فيه مصاريف رخصة وأرقام عربية ومخالصة.
نهر: تمام، هتدبر، خصوصاً إن لينا مكافأة أنا وآدو. وهبقى أحكيلك ليه. بس مبدئياً حضرتك موافقة.
رقية: أيوة طبعاً. فيه موضوع تاني عاوزة آخد رأيك فيه.
نهر: رأيي أنا؟ أنا أي حاجة عاوزة تعمليها أعمليها من غير رأيي. أنا موافقة على أي شيء إنت عاوزاه.
رقية: الفلوس يا نهر، فلوس بيت أبوك. فلازم آخد موافقتك طبعاً.
نهر: من امتى فيه فلوسي وفلوسك؟ أنا ما إنت اشتغلتي فترة وصرفتيهم علينا. والرسول قال: أنت ومالك لأبيك. وأنت ليا أب وأم.
رقية: الشورى مش حكر على حد. بالعكس، الرسول كان بيشاور الصحابة وهو معصوم وبينزل وحي عليه. وإحنا فين وعلييه الصلاة والسلام فين؟ فهو قدوة.
نهر: تمام، قولي يا ستي.
رقية: عاوزة أساعد رضا. هي ما طلبتش مساعدة شخصية مني، مش عشان بتيجي كل يومين تلاتة تروق البيت وتطبخ. لأ، عشان تستاهل فعلاً. هتدخلي إنت شريكة معاها تربي مثلاً فراخ أو بط، لما يكبروا تبيعوهم. إنت بالفلوس وهي بالمجهود. المشكلة إنها ما ينفعش تربي في البيت. لازم تاجر مكان، لأن عزيزة ممكن تبوظ لها الموضوع كله. قلبها أسود وتعمل أي حاجة وتقهر رضا زي ما قهرت انتصار.
نهر: تأجير مكان بمبلغ شهري؟ تفتكري ده هيساعدها؟ يعني لسه تدفئة وتغذية للطيور. ما دام كده يبقى عشان تغطي التكلفة لازم كمية. هل هي هتقدر؟ ثم ليه أنا اللي أطلب منها؟ مش حضرتك اللي تعرفيها وكلمتيها؟
رقية: عشان هي عندها عزة نفس وممكن تنجرح وتحس إني هغامر بفلوسي. وأنا فعلاً لو خسرنا مش هزعل. أنا عاوزاها تكسب وتشغل وقتها وتقدر تعتمد على نفسها.
نهر: رغبات رقية هانم أوامر. ممكن تبدأ تجيب كتاكيت دلوقتي. ولو الموضوع مشي، نجيب بطارية بيض. وأنا هحاول من عندي في مطاعم الفندق لو يشتروا منها بدل ما تقف هي تبيع في السوق. وأجيب بإذن الله سعر كويس. خلينا نمشي خطوة خطوة ونشوف هنوصل لأيه.
رقية: يا ريت يا نهر، بجد هفرح قوي لو الموضوع ده مشي.
نهر: لأ، ما دام هيفرحك يبقى هحاسب معاها ونشوف الإمكانيات إيه. ولو ربنا وفقني أنا وآدو، هكبر لها مشروعها. أنا يكفيني مكسب من المشروع ده فرحتك. أنا مش عاوزة حاجة تاني.
رقية: ربنا يبارك لي فيك ويسعد قلبك يا روح قلب أنا.
قامت رقية لتدخل الحمام، بعدها رن هاتفها لتمسكه نهر وهي تقول: ده رقم بيتصل بك؟
رقية: ردي عليا.
نهر: الوة.
الطرف الآخر: السلام عليكم يا أبلة رقية.
نهر: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. مين حضرتك؟
الطرف الآخر: أنا رضا، كنت عاوزة آجي بكرة شوية بعد الصلاة الظهر. وقولت أشوفك فاضية أو لأ.
نهر: آآآه، أنا نهر مش رقية. وطبعاً تعالي. أنا عاوزة أشوفك وأشكرك على تعبك مع أمي. معلش هي بتاخد شاور، فأنا رديت.
رضا: لا شكر على واجب. وأبلة أختي الكبيرة، وأنا عاوزة أشوفك كمان من كتر ما سمعت عنك. أول ما أبو الدكتور يجي من الغيط الظهر وأغذيه إن شاء الله، هاجي. سلام.
نهر: تنوري، مع السلامة.
بعد أن أغلقت رضا الهاتف، نظرت لمحمد وهي تقول: نهر عند أمها. شكراً على التليفون. حاولت أخلص بسرعة عشان الرصيد.
محمد بحزن: عاوز أسألك على حاجة يا رضا. وما تكدبيش عليا.
رضا: خير، اسأل وأنا مش هكذب.
محمد: ليه قولتي لرقية إننا ما تممناش جوازنا؟ كان عرضك إيه؟ وأوعي تقولي ما قولتش، أنا متأكد.
رضا: عشان الكلام ده كنت عاوزاه يوصل لخالتي انتصار.
محمد بمقاطعة: تقومي تصعبي على انتصار ورقيه ويبقي لك ضهر بعد ما نطلق. أو ممكن رقية تاخدك تسكني معاها، صح؟
رضا بحزن: لأ، مش ده غرضي. أنا كنت عاوزة خالتي انتصار تعرف إن حتى بعد ما اتجوزتك وبقيت حلالك، ما قربتش مني. مع إنه مش حرام. يقوم يبقى سهل عليك ترجعها. ما إنت رايدها وكل يوم تليفون معاها. فتعرف إنك لسه بتحبها وباقي على العيش والملح. قولت كمان أكمل سنة عشان كلام الناس. وكل واحد هيروح لحاله. مانكرش إني انبسطت من معرفتي بـ أبلة رقية، ست قلبها أبيض ونظيف. وبدأت تعلمني الحروف الإنجليزي. بس أنا مش برمي نفسي على حد. زي ما هي بتعلمني، أنا بخدمها بمحبة زي أختي الكبيرة.
محمد: ملاك إنتي يا رضا. وعاوزة تجوزي جوزك لطلقته؟ ده إنت طوب الأرض بيشتكي منك.
رضا: مش محتاجة أقولك إن لساني وظوافري وسناني بتغرس في اللي بيجي عليا. بس يا أبو الدكتور. وأنا عندك بقالي أكتر من تلات شهور تحت أمرك لأنك بتعاملني بالمعروف. لكن إخواتك وأخواتي هما اللي بيجروا شكلي. وآخرهم معاهم كلام وبس. ويشهد ربنا إني ما باجيش على حد. ولا يكون مستخسر فيا يكون ليا حتى صاحبة. صح المثل اللي بيقول: الكحكة في إيد اليتيم عجبة.
محمد: كله هيبان يا رضا. ومش هنكمل سنة. هما كذا شهر كده وكل واحد يروح لحاله. أنا مش عاوز وجع دماغ. وده كان اتفاقنا من الأول.
رضا، وقد كتمت أنفاسها لكي لا تنهار، فأسوأ كوابيسها سيتحقق وترجع بيت أبيها مطلقة في أقل من سنة. ترجع ولم تعتمد على نفسها بعد. هزت رأسها بإيجاب وأ قالت: تمام. ثم همت بدخول لغرفته ليوقفها صوت محمد وهو يقول: لو عاوزة تروحي من الصبح روحي. أنا هفطر أي حاجة معاهم تحت، ما تشيليش همي. بعرف أدبر نفسي. بس سؤال، بتجيبي تمن المواصلات منين؟ وأنت مش بتطلبي مني فلوس أصلاً.
أخذت نفس عميق كي لا تنهار أمامه واستغفرت في نفسها، ثم قالت: كنت محوشة منك اتنين وثلاثين جنيه. إنت كل ما أروح السوق وأقول لك باقي معايا اتنين أو ثلاثة جنيه، بتقول لي: خوديهم هاتي بيهم أروح لك. الأجرة اتنين جنيه رايح واتنين جاي. باخد منهم في حاجة تانية، ولا أدخل أنام.
نظر لها محمد بعمق: بتحبي تروحي لرقية تخدمي فيها وتبديها على نفسك؟
رضا: لأ، أنا بشتري بمرواحي وخدمتي صحبة وأخت. وزي ما إنت قولت سند ليا لو الأيام عملت فيا زي عوايدها والكل انخلى عني، ألاقي اللي يطبطب عليا. أصل ولاد الأصول المتربيين مش بينسوا المعروف ولا العيش والملح. تصبح على خير يا عم محمد.
محمد: هتنامي قبل العشا.
رضا: أنا كده. أما حد يسمم بدني، بهرب بالنوم.
محمد: أنا سممت بدنك؟ أنا بفهم منك بس؟ كام سؤال وصراحة لما دربتها في دماغي، استغربت. كل يومين تلاتة تروحي تسافري وتخدمي رقية وتيجي مبسوطة وبتغني. وأخويا وأختي وأمي تحت، ولا مرة حاولت تخدميهم.
رضا باستغراب: أخدمهم ليه؟ الأول إنت قولتلي إنت عيشتك لوحدك. وردي على أي حد يجي عليك وإني ملزمة بك وبس. ومضايق من إخواتك وعاوز تربيهم. وبعدين جت أختك وعدمتني العافية ولسانها أصلاً منقوع في مية مجاري، غير نظرتها وتلقيحها عليا بالكلام. وأخوك وكل نظرة ونظرة كأنه بيأرف مني، غير دعواته عليا. وباطنش كتير، وأرد مرة وخدمة حد كارهني ثاني مش هيحصل. حتى لو هتطلقني حالا مش هاجي على نفسي لناس شايفني مداس ليهم. وزي ما كان اتفقنا قبل الجواز مش مجبرة أخدم حد. إنت بقى حنيت ليهم؟ مش مشكلتي. في الآخر والأول أخوهم. ويا سيدي مبروك رجوعك لحضن أهلك. بس أنا ماليش فيهم. عن إذنك.
وأغلقت الباب بعنف وأخذت تكتم وجهها بالوسادة وتبكي بقهر.
خرج محمد بعد الفجر للغيط، بعدها بساعة هرولت رضا ولبست وذهبت لبيت رقية. كانت الساعة السابعة، دقت الباب وفتحت نهر وهي تتثاءب لتري رضا وقد تورمت عيناها.
نهر: نعم، مين حضرتك؟
رضا: معلش، عارفة إني قولت هاجي بعد الظهر، بس والله مخنوقة وخفت حد من اللي ما يتسموا يشوفوني كده يفرحوا فيا.
نهر: أبلة رضا، مش كده؟ ادخلي، ادخلي وروقي كده. إيه كل الورم اللي في عينيك ده؟ اجمدي كده، بلاش يبقى عظمك طري. ده إنت ما عشرتهمش غير شهور. مين كدرك كده؟
رضا وهي تحاول الابتسامة: أبلة؟ الله يكرم أصلك. بقي باشمهندسة تقولي أنا آبلة؟
نهر: مش أكبر مني ولازم أحترمك. ملهاش دعوة هي بالتعليم. هنا الأكبر مني شوية بقوله يا أبلة، بكتير نقول له يا خالتي. صح كده؟
ابتسمت رضا وهي تقول: دي أبلة رقية مش بتخبي عنك حاجة. بقي بس تعرفي إنت تدخلي القلب زي أمك على طول.
نهر بضحكة: بس إيه اللي مخليك تهربي الصبح بدري كده؟ (أخفضت صوتها وهي تقول) صحيح بيت فيه مصطفى وعزيزة والحاجة، المفروض تهربي منه من الفجر. لكن إنت ليك شقتك لوحدك، مش كده برضو؟
رضا: الظاهر اتصالحوا مع أبو الدكتور وقوموه عليا، فشدينا مع بعض بالليل. ودي أول مرة نشد مع بعض.
رقية وهي تخرج من الغرفة: صباح الخير يا رضا. كويس إنك جيتي. قومي يا نهر جهزي فطار. الظاهر حماتها بتحبها بس مخبية.
رضا: بالهنا والشفا، أنا فطرت.
رقية بتمثيل الحزن: وبتكدبي علي الصبح كمان؟ ده شكل واحدة فطرت برضو؟ وبعدين نفتح نفس بعض.
رضا: طب ماليش نفس حلو كده؟ أنا مش عارفة ليه جيت الصبح بدري كده. معلش سامحوني.
نهر: إحنا أصلاً بنحب نصحى نصلي الفجر وننام شوية ونصحى تاني. صحيح أنا لسه مخلصة امتحانات إمبارح وكنت ناوية أأتخ النهاردة بس فداك. أنا عاوزة أتعرف عليك على فكرة، نفسك في الأكل خطير. أكلت محشي إمبارح.
رضا: بالهنا والشفا. بس إنت رفيعة قوي، شكلك مش أكيلة.
نهر: لأ، باكل كويس. لكن بعمل مجهود كبير. تجي معايا نجهز الفطار ولا تتكلمي مع آنه.
رضا باستغراب: أمك اسمها آنه؟
نهر بضحك: كلمة آنه يعني ماما بس بالتركي.
رقية: روحي إنت يا نهر، هي شكلها مجهد وتعبان.
رضا: لأ، عادي، نجهز مع بعض.
رقية: اقعدي يا رضا، ومتجيش على نفسك تاني. إنت شكلك ميتة تعب. أنا ونهر نمنا كويس إمبارح لأننا مطمئنين على بعض. فاهدي، وعادي، مفيش زوجين مش بيتخانقوا. افطري وأدخلي ريحي ساعة أو اتنين.
بعد الفطار والشاي الذي مر في هدوء، فرضا كانت تأكل بصمت تام رغم حديث نهر ورقيه.
نهر: أدخلي ريحي شوية. آنه وأبلة رضا معاك. أنا هضبط البيت وأصحيكوا كمان ساعتين تلاتة.
رضا: مش عاوزة أنام. أنا بس مخنوقة، فقولت أجي أقعد معاكم شوية.
نهر: ادخلي إنت يا آنه. وأنا هقعد معاها. ووعد هروقها لك.
ابتسمت رضا بسخرية، فهي في حالة يرثى لها، للمرة المليون تشعر بالدونية. من ظنته سندها أوشك على تركها لمصيرها المحتوم من الذل والانكسار أمام أقرب الناس إليها. للمرة التي لا تعرف عددها، لم تشعر رضا إلا ونهر تهز كتفها وهي تقول: تعالي معايا البلكونة، هوا الصبح جميل.
خرجتا معاً، كانت هناك منضدة بلاستيكية مع كرسيين من البلاستيك.
نهر: ركزي معايا كده يا أبلة في الكلام اللي هقوله.
رضا: قولي.
نهر: آنه مش حابة المكان هنا، لكن مش عاوزة تقول لي ولا أي مكان تاني. برضه هي اتعودت على بيت لوحدها. إن شالوا أوضة واحدة بتتخنق من الدوشة والمشاكل. إن قررت أشتغل بكل جهدي عشان أصرف على نفسي وأحاول أوفر فلوس أقدر أجيب نصف قيراط أبني لها. هي مش عاوزة تسيب هنا عشان عمر وقبر بابا. وعشان كده نويت مع الشغل أدخل نفسي في كذا مشروع بفلوس على قدي. في مثل بيقول: لا تضع البيض كله في سلة واحدة. وأنا قررت أطبقه.
رضا: إيه الكلام ده؟ كبير على مخي، مش فاهمة أي حاجة.
نهر: يعني مش هعتمد على فلوس تيجي ليا من حاجة واحدة. الشغل بشتغل اللي يجي قصادي، مرة أخدم على حفلة أو مؤتمر أو حتى فرح، أو أفسح سياح. أي شغل بيجي بعمله. ودلوقتي داخلة على مشروع صغير في مصر وعاوزة أعمل مشروع برضو هنا. أنا بالفلوس وإنت تساعديني ونتفق على كل حاجة فيه. موافقة تشاركيني؟
رضا: وأنا هقدر أشاركك في إيه؟ قولي كل اللي في قلبك مرة واحدة.
نهر: آنه قالت إنك بتعرفي تربي مواشي. وده مشروع محتاج رأس مال كبير. وبتعرفي تربي بط وفراخ. وده بالنسبة ليا معقول. يعني نشتري شوية كتاكيت أو بط صغير وعلف ونجار مكان مانعاً للمشاكل، لأنه ما ينفعش في البيت الكبير. أنا عليا الفلوس وإنت التربية. ولو المشروع كبر نجيب بطارية. طبعاً مش هنبيع بين يوم وليلة. المشروع لازم يكون فيه عدد كبير عشان يغطي مصاريفه. بس مؤقتاً هنبدأ بعدد إنت تحدديه على قد فلوسي. أهم حاجة الأكل يكون مافيهوش هرمونات أو حقن. يبقى أورجانيك عشان أنا أعرف أسوقه ويكون لينا سمعة بعد كده.
رضا: أيووووه، الله يرضي عليك. إيه بقي أورجانيك دي؟ بسمعها كتير، فاهمليها لي.
نهر: يعني أكل زي الحبوب، ذرة، مدشوش، سرس الأرز، ردة. بشوف بيجيبوا من السوق خضار ويقطعوه للطيور. أكل من غير كيماويات ولا حقن تربي دهون للطير وتضر الناس.
رضا: طب والريم ده كويس ولا لأ؟
نهر: إيه الريم ده؟
رضا: كنت كل ما أكون مع أبويا في الغيط، مرات أبويا تقولي: هاتي معاك ريم للطيور. ده بيبقى حاجة زي الزرع كده على وش مية الترع، ورق مدور وصغير وسهل الأكل. الطيور بتفرح بيه قوي، بيتنططوا لما يشوفوه. أكله للطيور ببلاش يعني. بتغرق هدومي بس. لكن حلو ليهم.
نهر: لأ، بلاش الريم ده. مش عشان ناكل الطيور نغرقك إنت. وبعدين مية الترع مليانة بكتيريا وطحالب وأمراض. لو ما غرقيتيش هتمرضي. لأ يا ستي، ماتجيش على نفسك عشان حد أو حاجة.
رضا: أنا متعودة، ما تخافيش. وأي حاجة تخفف المصاريف.
نهر: لأ يا أبلة، مش عاوزاك آسفة يعني في السن ده تنزلي الترعة. بصي، إحنا هنراعي ربنا وربنا هيكرمنا من غير ما تستهوني بصحتك. وإن شاء الله هحاول أشوف حد ياخد مننا الإنتاج. أعرف مطاعم وكمان مستشفى ممكن تاخد منا الأكل للمرضى.
رضا: مش أول مرة أقابلك، بس أحسن حاجة عاملها معايا أبو الدكتور إنه عرفني عليكم. خايفة عليا ومش هامك تدفعي فلوس زيادة. الله يكرمك.
نهر: ويكرمك إنت كمان. أفهم من كده إنك موافقة ولا عاوزة وقت تفكري وتشاوري.
رضا: لو الكلام ده كان إمبارح كنت قولت لك أشاور أبو الدكتور. بس لأ، أنا فهمت إني ما همش حد ولازم أعمل لقدام. موافقة. بصي، أسعار الحديد كل يوم بتغلي. وناس كتير بيصبوا دور واتنين لأولادهم لما يكبروا. يعني فيه شقق فاضية كتير. أينعم على طوب أحمر، بس الطير مش هيقول لأ. فيه بيوت متسقفة وطوب من غير تركيب أرضية أو شبابيك وأبواب. لو جبنا كذا باب صاج وقفلنا الشبابيك بشبك عشان النفس والعرس ما تاكلش الطير، يبقى تمام. وفي الشتا نبقى نحط مشمع ورا الشبك. وبكده نأجر مكان بسعر رخيص، بس هنجهزه بشوية حاجات بسيطة. الأكل هقدر أجيبه بأسعار كويسة.
نهر: الحظ أن النهاردة الخميس ننزل لما البوسطة تفتح. أفتح لك حساب، أبقى أحول عليه كل شهر مبلغ. بصي، إحنا هنبدأ بخمسة آلاف جنيه. إيه رأيك؟ ولأنت اللي هتدفعي الإيجار، المكان هيكون باسمك وعقد الإيجار.
رضا: حلوين. لكن هنقسم إزاي لو فيه خسارة لا قدر الله أو كسبنا؟
نهر: دي أمرها سهل. شوفي إنت عاوزة إيه. بس لو خسرنا إنت مش هتدفعي حاجة لأنك هتكوني بذلتي مجهود. ويبقى ربنا مش راضي نكمل، ما تخافيش. لو كسبنا، لكل واحد فينا يكون نسبة نتفق عليها.
رضا: يعني أنا هربي وأجيب مكان وأكل، وإنت هتكلفي وتبيعي وتنقل؟ صح كده؟
نهر: صح. ممكن المكسب إنت ستين في المية وأنا أربعين. إيه رأيك؟
ماذا سيحدث؟ نرى في.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رينا الهادي
عندما رجعت رضا البيت الكبير وجدت محمد ينتظرها في صالة البيت بعيون كلها غضب، هالها منظره وعلمت أنه سيبدأ معها ما بدأه أمس.
رضا: السلام عليكم، خير مالك؟
محمد: ابدأ يا ستي، مراتي ما عدش هاممها حد، ومن صبحيت ربنا برا ولا كأن في راجل في البيت، عاوزة تطبخ مثلاً.
رضا بهدوء عكس ما بداخلها: إنت قلت لو عاوزة تروحي بدري روحي، وكمان قلت ماتشليش همي، هفطر مع أمي، وكمان جيت بدري من الغيط، مش ميعادك ده.
محمد: قالوا لي إنك خارجة من بدري، إيه جريتي على رقية تشتكي من الفجرية وجاية على الظهر، قلت هفطر مش هتغدى، الهانم هتلحق تعمل الغدا.
أخذت نفس طويل لتقول بصوت منخفض: اللهم إخزيك يا شيطان، ثم علت صوتها: أنا جايبة معايا حاجات من السوق، وفيه أكل بايت، ربع ساعة والأكل يكون جاهز، كنت فاكراك هتيجي بعد الظهر، بعدين هدي نفسك شوية، إنت عارف أنا كنت فين.
محمد بصوت عالي: عارف، بس مش معنى كده تسيبي البيت من قبل الشمس ما تطلع وجاية الظهر، إيه حلوة القعدة هناك قوي، ما كنتي تكملي اليوم.
رضا: طلعت بدري عشان كنت مخنوقة، وإنت عارف ليه، وجيت دلوقتي عشان أعمل لك لقمة تاكلها، عن نفسي القعدة هناك حلوة والناس بيقدروا وبيتعاملوا معايا كأني منهم، صعبان عليك حد يعاملني كويس، وإنت عارف إني أول مرة أشوف نهر، إيه يعني كفرت؟ إنت امبارح كنت مش فارقة معاك وعاوز تفارق، ما إنت أخدت غرضك، ولا عشان أختك شحنتك عليا جاي تفضي فيا، من امتى أنا بههمك أنا في أي مصيبة؟ ما إنت طول اليوم بره، آه بتشتغل في الأرض، أقعد أنا أكلم الحيطان وأحط إيدي على خدي لما تيجي أغديك وأعشيك، ولعلمك أنا اتفقت مع نهر هدخل معاها في شغل وهغيب كل يوم شوية، طبعًا وإنت مش موجود، لو هفضل على ذمتك، أما لو هتطلق فخلاص، كل واحد هيروح لحال سبيله يا عم محمد.
محمد بضحكة استهزاء: كنتي في جرة وطلعتي لبرة، بقي هتشتغلي ومع نهر وهتطلعي كل يوم شوية، مجوزة رجل كنبة؟ دي إنتصار ما عملتهاش، تتفقي من غير إذن إنك هتشتغلي، ويا ترى إيه الشغل ده؟ أصلي عقلي مش ساعفني، واحدة زيك جاهلة هتشتغل إيه؟ حد علمي يا دوب بتنقي الدودة من القطن والعفش من الزرعة، ولا هتشتغلي مرمطون لها ولأمها؟
رضا: كتر خيرك، جرح كمان ودوس، عشان أبقى عارفة إني اخترت صح، هو يوم واحد بس عرفت إن مش شرط آخد إذنك، تعرف لو نهر قالت لي عن المشروع ده امبارح كنت جيت أخذت إذنك، ولو رفضت كنت هرفض، بس ربك رايد أعرف إني ولا حاجة عندك، لا قبل كده ولا بعد كده.
محمد: هتشتغلي إيه يا ست الباشمهندسة.
رضا: هريحك وأقولك، مش عشانك لأ، عشان ربنا قال لازم جوزي يعرف أنا رايحة فين وجاية منين، ده لو مطلقتنيش يعني، هجيب فراخ وأربيها، هي هتتكلف بشري الكتاكيت والأكل وإيجار المكان، وأنا هربي وأشتري وأبقى مسؤولة عن المكان.
محمد: وتأجري مكان ليه؟ ما تربي على السطح.
رضا: عشان لما تكرشني من هنا أبقى خفيفة، أخرج بنفسي، لسة هلم حاجة، أنا جيت من غير شنطة هدوم حتى، فهخرج باللي عليا، الله الغني.
محمد: للدرجة دي خناقة امبارح أثرت فيك، كل ده عشان بقولك أخدمي أمي؟
رضا: لا، عشان عاوز تلغي كلامنا وتجبرني على خدمة واحدة كرهاني وبتسمعني كلام زفت وبنتها معاها، أنا مش ملزمة بيها عشان عارفة ظروفي، قوم تشتري وتبيع فيا، كان كلامك واضح، لاعمل اللي في راسي، لتطلقني عشان كلامك الناشف والسم ليا.
محمد: حقي عليك، إنت واكلة شاربة في خيري ومرتاحة من الغيط اللي كنتي طول النهار فيه.
رضا: لأ، متغالطش نفسك، أنا هنا عشان مصلحة ابنك وحمايته، وبعدين بعمل بلقمتي، أنا مش مراتك، ده اتفاق، ثمن أكلي وشربي بدفعه خدمة في بيتك، تنظيف وغسيل وعمل أكلك، ولما تحب تفضفض بتيجي ليا، أحس لك في البيت، لما بروح أتتسوق بلف السوق عشان أوفر، أكلي معاك نصفه، أنا عملاه جبنة حادقة ومربية طيور، أمك بتاخد منها، وأختك مش مهنيني على بيضة، وبقول وماله، مال أخوها، فبلاش تفضي فيا اللي هما مالوكوا بيه، من ناحيتي، عموما هدور على مكان أأجره وأجهزه لمشروع الطيور، وأجهز أوضة ليا إن شاء الله بمرتبة بس، ولا إني أتهان تاني لا عندك ولا عند أهلي، سيبني في حالي بقى وشوف عاوز أعملك غدا ولا إيه؟
نظر لها محمد بذهول ولم يستطع الكلام ونزل وكأن شياطين الأرض تلاحقه.
لاحقته عزيزة قبل أن يخرج وهي تقول: مالك يا أخويا، فيك إيه، نكدت عليك الجربوعة؟
محمد: سيبني دلوقتي.
عزيزة: أسيبك إزاي؟ إنت مش شايف نفسك، شكلك عامل إزاي؟ لولا إنك طيب وغلبان ما كنتش الشحاتة دي اتجرت وزعلتك، بس أنا قلت لك من امبارح، لمح لها بس بالطلاق وهي هتتعدل وتبوس جزمتك، ماهي خدت على الراحة هنا في بيت أبوها بيسحلوها خدمة.
محمد: ما أنا أخذت بشورتك المهببة، كنت مرتاح أكل شارب وبتضحك في وشي، نكدي عليا وعليها بشورتك الهباب، وطلعت من الفجر من قهرتها منا، ماهو لو لسانك اللي عاوز قطعة كان بيعرف يراضي، كانت نزلت تساعد وتشيل أمك وأخوك بنفس راضية زي ما بتعمل معايا، لكن لسانك وقلب وشك إنت وأخوك خلوها كارهة تشوف خلقتكم وعندها حق.
عزيزة: يعني هددتها بالطلاق وعاندت بنت الصارمة؟
محمد: أومال كانت واخدة نفسها من الفجر وخارجة ليه؟ واسمعي بقى، الأنقة اتفقت تعمل مشروع تربية طيور وهتأجر مكان ومش هاممها أطلقها، لأنها ناوية ما ترجعش بيت أهلها، كمان هي دماغها انشقت من الحجر ومش بتيجي بالعند، وأهو أنا كمان قريب هبقى معاكم ليل نهار، ما خلاص كده أيام أو حتى ساعات وكل واحد يروح لحاله.
عزيزة: مين هيدخل معاها المشروع ده ويأمن على فلوسه مع واحدة جاهلة؟
محمد: وما يأمنش ليه؟ هو تربية الطيور غريبة على الفلاحين؟ ماهي مربية على السطح وإنت وأخوك كل يومين دابحين من طيورها وواخدة كل البيض.
عزيزة بحزن: إنت كمان هتعد علينا اللقمة، أنا مابخدش حاجة غير لما أمك تقول اطلعي هاتي لأخوك وابنه، وباخد نايبتي لأني فاكرة إني عايشة في خير أخويا، راجل البيت.
محمد: هتسبيني أغور ولا عاوزة حاجة؟
عزيزة: طيب ممكن بس نتكلم في القاعة جوه، ما يهونش عليا خروجك وإنت متكدر كده، تعالي بس نشرب كوبايتين لمون بالنعناع، أنا ما يرضينيش خراب بيتك يا خويا، تعالي والله ما هزعلك. (بصوت عالي) بت يا هنية، اعملي كوبايتين لمون بالنعناع وتعالي على القاعة. وجذبت أخاها باستعطاف.
بعد أن شربوا.
عزيزة: يعلم ربنا إني ما طلبتش إنك تنزل رضا غير لما لاقيت نفسي جسمي مكسر، والله يا أخويا أنا بقيت عظمة كبيرة ومن الحمل والولادة والسن، عظمي واجعني، وكمان البت هنية صغيرة قوي ومش بتعرف تنظف كويس، أسهى بس دقيقتين ألقاها فاتحة كتاب، قال هتجيب الديب من ديله.
محمد: ما هي صغيرة ومشغلاها كل دقيقة من أول ما تيجي لغاية المغرب، الرحمة حلوة.
عزيزة: صاحب بالين كداب، يا الدراسة يا الخدمة، أهلها مش جايبينها تساعدنا، بتاخد أجرة يبقى تخدم بضمير، سيبك إنت من كل الكلام ده، إنت هدي مع مراتك الدنيا، بس إنت عارف أمك مش بيعجبها الأكل بتاع هنية، وأنا مش بقدر أطبخ، حتى لما كنت متجوزة في إسكندرية كان عندي واحدة بتيجي تنظف البيت وتعمل أكل أسبوع على التسوية بس، فأنا نفسي في الأكل مش قد كده، فانت قول لرضا تعمل أكل بزيادة وإنت كل معاها عشان ما تزعلش، وانزل الزيادة اللي تكفينا أنا وأخوك وابنك وأمك، وكده هي تكون فوق في حالها، وفي نفس الوقت حلينا مشكلة الأكل، أنا عارفة إن نفسها حلو.
محمد: ما كان من الأول يا عزيزة، مش أنا قلت لكم كده وأنتم قلتوا لأ، أي ست في بيت عيلة لازم تخدم وتقعد طول النهار مع حماتها، وأمك تعبانة وأنا مش قادرة.
عزيزة بمكر: آه، ده قبل ما تتفق على شغل، يعني عشان هي طول النهار ما ورهاش حاجة، لكن مادام هيكون عندها شغل خلاص نقسم البلد نصين، تعمل الأكل فوق براحتها وتنزلوه، بس اسمع، أنا مش هغسل مواعين، آه، ظهري وأيدي واجعيني، وهي كده كده ما كانتش مجهزة نفسها بأي شيء، فلو المواعين اتهلكت إنت كده كده اللي جايبهم، ماشي يا خويا.
محمد: هشوف الحوار هيخلص على إيه وأقولك، أقوم أنا هروح الجامع بقي.
عزيزة: مع السلامة يا أخويا.
محمد وهو خارج كان مصطفى داخل، نظر له وهو يقول: عملت إيه مع البرنسيسة يا أخويا؟
عزيزة: سيبه دلوقتي يا مصطفى، وأنا هحكي لك. أمسكت عزيزة يد أخاها ودخلت معه القاعة وحكت له كل ما تكلمت به مع محمد.
مصطفى: طب ليه إنت مش كنتي عاوزاها تغور من هنا؟ وأنا كمان مش طايقها ولا أمك، بعد ما صغرتها في اتفاقها مع مرات أبوها، ليه بقي تقولي أكل وما آكلش؟ ما إحنا نجيب ست كبيرة تخدم هنا وتعمل أكل وتغور في داهية، وش الفقر دي.
عزيزة: أنا مش ناسية الليلة اللي قضتها في الحبس بسببها يا مصطفى، وكنت فاكرة إني هقهرها لما تتطلق وتروح لمرات أبوها، لكن دي مش هاممها، وقالت لأخوك طلق، والجربوعة دي مش بهدلتني لوحدي، وإنت كمان من تاني يوم لها هنا هزأتك، إحنا حاولنا كتير عشان نكسب أخوك تاني أنا وإنت وأمك.
مصطفى: طب إيه؟ عاوزاها هنا ليه؟ أنا ما بطقش أشوف وشها.
عزيزة: افهم، هتطلع من هنا، انتصار أقوى منها وأم عيال أخوك وبيحبها، وطلقناها منه لما بدأت تشد حيلها علينا، واللي مقوي قلبها المشروع، تفتح المشروع وتتهنى به شهر اتنين تلاتة لغاية ما الطيور تكبر وتفرح، وبعدها هنشوف لما تلاقي المشروع خسر واللي مشاركها خسر فلوسه، وأطعم دراعي من هنا، إن ما كان رقية أو نهر هما اللي هيشاركوها، ساعتها إنت كمان تتشفي في رقية وبنتها، وفي نفس الوقت هناكل أكل نضيف بيتي، إنت طبعًا هتشارك أخوك في المصاريف، ما هو مش هياكلنا كلنا، إنت بتشتغل، شيل معاه عشان ما يزهقش والحمل يبقى عليه، خصوصًا إنت وابنك مفجوعين.
مصطفى: أنا كده كده بدفع شئ وشويات أكل من برة، لو الأكل نضيف يبقى وماله أشارك، بس إنت هتعرفي تبوظي مشروعها إزاي؟
عزيزة: فيه مليون طريقة في دماغي، نعرف الأول هتأجر فين، هتجيب أكل الطيور منين، نعرف كل حاجة بسهولة من أخوك، وساعتها هنشوف، هخليها طايرة من الفرح وفاكرة نفسها ياما هنا ياما هناك، وبعدين أنزلها على جدور رقبتها وأشاور لها من بعيد إننا السبب، هتجنن وتهيج علينا وإحنا هنعمل نفسنا ما نعرفش حاجة ونسيبها تغلط فينا قدام أخوك، وده بعد ما نحسن علاقتنا به أكتر، يقوم أخوك يجي في صفنا ويطلقها، نكون كده قسمنا ظهرها، لا حد يشاركها وترجع بيت أبوها، فهمت؟
مصطفى: يا لهوي على دماغك، فعلاً ضربتين في الرأس هتوجع وما تقدرش تقوم منها الحيوانية دي، ونبقى نركز أما نحتار واحدة تانية لأخوك، أنا هقولك على سر، ما دام دماغك كبيرة كده.
عزيزة: سر إيه؟
مصطفى: فاكرة لما ضربتيها ونزفت ودخلتي الحجز.
عزيزة: فاكرة، ودي حاجة تتنسي؟ أومال أنا هنجلط منها ليه؟ بس مبسوطة إني سقطها وأقهرتها على اللي في بطنها.
مصطفى بضحكة: مغفلة، هي ما كانتش حبلى أصلاً.
عزيزة بخضة: بتقول إيه؟ ده أخوك هو اللي مقدم البلاغ، هي كانت في المستوصف مغمى عليها.
مصطفى: أنا روحت المستوصف للدكتور عشان يغير التقرير وما تروحيش في داهية، وعرفت إنها بنت بنوت، يعني مستحيل تكون حبلى، أخوك عمل كده لأنه كان واخد على خاطره منك وهي صعبت عليه، وكان ساعتها واخد منا جنب وواجهته وما أنكرش، وقالي هقول لك سر، وحكى ليا إنهم اتفقوا يبقوا زي الأخوات، لأنه لسه يريد انتصار، ورضا قريبة من سن علي، وإنه قصاد ما يفك السحر عن عبد الله هيكرمها شوية في بيته وهتاخد محو الأمية ويطلقوا، تكون هي ارتاحت من مرمطة مرات أبوها وإخواتها.
عزيزة بذهول: آآآآآه، قول كده، بروح أمها، عاوزة تستغله وتعيش على قفاه وتقل مننا، وبعدين تطلع بالذهب اللي جايبه لها والمؤخر، ماشي يا رضا، هتشوفي.
مصطفى: هتعملي إيه تاني؟
عزيزة بمكر: هبهرك، كل قلة أدبها هتدفعها، بس الصبر.
مرت الأيام، محمد أقنع رضا أن تبقى على ذمته إلى أن تستطيع الوقوف على قدمها ومواجهة الحياة، ورضا استطاعت تأجير شقة دور ثاني للمشروع على الطوب الأحمر وجهزتها بأقل الإمكانيات، واشترت أنواع كتاكيت وبط صغير وأعلاف وذرة، وكانت تذهب للسوق وتأتي بخضروات وتقطعها في يومي السوق الأسبوعي.
عبد الله أصبح يتردد على البيت كثيرًا يلعب مع ابنه ويرى أنهار دقائق قليلة، لذلك اخترع عدة محاولات ليذهب للجامعة ويرها ويتلمس الفرص للتقرب منها وسؤالها مرة عن أحد الأساتذة، ومرة عن معيدين لها، ومرة عن المنهج وإن كانت تريد مساعدة، ومرات ومرات عن أمه، وأحمد، إلى أن أرهقته الوحدة والحنين إليها، فطلب منها العودة إليه في وسط المدرج، وببوكيه رائع من الورود، كاد أن يتوقف قلبها من الخجل وكسى وجهها الكثير من الفرحة والدموع، ولكن خرجت من بين شفتيها كلمات صعقته حين قالت: أضمن منين إنك مترجعش تأذيني؟ أعرف منين إنك مش هتتهجم عليا تاني بالضرب والكلام الجارح؟ آمن لك إزاي ما تحملش ذنب غلط كنا إحنا الاثنين مشتركين فيه؟ هتقدر تمحي وجع قلبي منك؟ هتقدر تشيل معايا مسؤولية بيت وولد من غير ما تهرب وتكون في حياتنا مجرد صيف شرف؟ فكر كويس، أنا مش مراهقة خلاص، أنا بقيت ست وأم ومطلقة ومجوعة منك، ومش بوكيه ورد هيرجعني لنار جحيمك يا دكتور.
صدم عبد الله ومرت بمخيلته ما مر بهم وما فعل بها، قال بجمود: مش عارف هتصدقيني أو لأ، لكن أنا معرفش إيه حصل لي آخر فترة كنا مع بعض، حاسس إني ما كنتش أنا وكان حد بيجبرني على حاجات أنا مش عاوزها، أنا روحت لدكتور نفساني، مش هقولك نرجع عشان أحمد لأ، أنا فعلاً محتاجك في حياتي وخايف تروحي مني.
انهار بعيون دامعة: مش بس الفترة الأخيرة من جوازنا يا دكتور القلوب، إنت كسرت قلبي أكتر من مرة، فاكر لما حملتني ذنب إني حملت وإني لازم أجهض، وبعدها روحت لنهر وجيت رايق وقلت خلاص نسيبه وهو ورزقه، كسرت فرحتي مرتين، مرة وإنت بتتهمني بالتقصير وإني خططت لتوريطك في عيل، ومرة لما هربت مني وروحت لصاحبتي تشتكي مني وتهديك هي، أنا اتحملت منك ضيق الحال والإهمال والضغط النفسي والبدني، وكنت بقوم بالبيت وأنا حامل ومسمعتش منك كلمة حلوة، بالعكس كنت بتهرب من البيت بالأيام وتيجي عاوز ترتاح، والآخر تتضربي لدرجة كنت هروح فيها، لولا ماما انتصار، مش سهل عليا أرجع لتجربة سيئة ما خرجتش منها غير مهزوزة ضعيفة، ويا ريتك رحمت ضعفي، إنت طلقتني في المستشفى وأنا لسه مش قادرة أقف على رجلي ومحرومة حتى من رؤية ابني، مش معنى إني محتاجة أكمل تعليمي وإني مخبية على أهلي طلاقي إني هجري عليك، لأ، هكافح وأنجح وأكمل وأشتغل في الصيف وهاقف على رجلي من غير ما أحتاج لحد.
عبد الله: بعض النظر إنك مش محتاجة تشتغلي، لأن ليك ولابنك نفقة، لكن أنا آسف على كل إحساس وحش كنت السبب فيه، لكن وحياة أحمد ما كان بقصد مني، أنا بس بشر وليا حدود في قدراتي وكنت مضغوط في التكليف، وأيوة كنت بغيب أيام مش بمزاجي وإنت عارفة، وإني روحت لنهر دي كانت مرة واحدة وجيت حكيت لك، وإنت عارفة نهر كانت بالنسبة ليا أخت وصديقة وتقريبًا متربيين سوا، غير إنها صاحبتك وإنت عارفة أخلاقها وأخلاقي، وزي ما بيأثر فيا كلامها بيأثر فيك، وإنت شفتي أنا من فترة لا بكلمها لا هي ولا خالتي رقية وعارفة السبب، ما تزوديش عليا همومي، وفكري براحتك، وأي ضمان عاوزة نتناقش فيه، ولو في مقدرتي هنفذ، بس اعرفي إني بجد محتاجك في حياتي، إنت مش أي حد تاني، اتفضلي دي.
انهار: إيه دي؟
عبد الله: ابقي افتحيها وإنت لوحدك وهتعرفي. (كان بوكس بشريط ستان أحمر).
إحدى الطالبات: يا دكتور، حلو البوكيه، نقول مبروك، بقالكم فترة بتتكلموا بشويش وبصراحة هنموت ونعرف اتفقتوا ولا لسه.
ابتسم عبد الله لها وقال: مستني ردك. ومشي.
مرت الأيام وحاول عبد الله مع انهار إلى أن وافقت ورجعوا، مع فرحة انتصار التي أصرت أن يتركوا البيت ويقضوا يومين في الخارج وهي تهتم بأحمد، وقضوا يومًا واحدًا ورجعوا.
في البيت الكبير.
عزيزة اتصلت بمصطفى.
مصطفى: أيوه يا عزيزة، عاوزة إيه؟ أنا في حصة، انجزي!
عزيزة: اتصل بأخوك وقل له إنك عاوز ضروري في البيت وبس.
مصطفى: بقولك عندي حصة، هعطل نفسي وآجي أقابله في البيت، ليه؟
عزيزة: مش هتيجي يا مصطفى، هو اللي هييجي، ولما ييجي هقول له طلبوك في المدرسة وروحت.
مصطفى: أفهم الأول وإنجزي.
عزيزة: هفهمك لما تيجي بالليل، بس بالله عليك اتصل به دلوقتي بسرعة، يلا سلام.
آتى محمد ودخل البيت وسأل عن مصطفى، وأخبرته عزيزة بأنه خرج سريعًا بعد أن اتصلوا به من المدرسة، ثم أعطت أخيها عصير وهي تقول: العصير ده أنا اللي عملاه، خد الدنيا، حر ريقك واطلع ريح شوية على ما يجي مصطفى وتشوفه عاوزك في إيه؟
شرب محمد العصير رغم غرابة طعمه وقال لها أن تنادي عليه عندما يعود مصطفى.
صعد محمد لشقتة وفتح الباب وقعد في الصالة وهو يحس بحرارة في جسمه، فقام وخلع عنه الجلبية. في تلك اللحظة خرجت رضا من الحمام وهي تلبس قميصًا قطنيًا خفيفًا وفوطة صغيرة على شعرها، ما إن رأت محمد حتى شعرت بالخجل، فهو لا يأتي في ذلك الوقت أبدًا، فالساعة لم تتجاوز العاشرة. ارتجف جسدها عندما رآها محمد الذي اتسعت عينه برغبة من منظرها والماء يتساقط على وجهها من شعرها، اقترب منها.
محمد: إيه ده؟ يخرب بيتك! إيه الحلاوة دي؟ أول مرة أشوفك كده، بس إيه جامدة يا بنت، إيه.
رضا: مالك يا عم محمد وجاي بدري ليه؟ فيه حاجة؟
محمد: دي الحاجة الظاهر، دعيت ليا في ليلة القدر، إيه يا بت الحلاوة دي؟ (قربها منه وأمسك خصرها) ليه مش بتلبسي كده من زمان؟ ده أنا حتى جوزك.
رضا بتوتر: جري إيه يا عم محمد؟ مش فيه بينا اتفاق؟ وأنا أتكسف البس كده قدامك. وخفضت رأسها خجلًا ليضمها محمد إليه برغبة وينظر إلى شفتيها من الموقف ثم يقبلها بحنان، ولقلة خبرتها والصدمة لم تستطع أن تبعد، بل تسمرت مكانها، فحملها محمد وذهب بها إلى الفراش وأخذ حقه الشرعي منها، فهو ليس قديسًا ليحرم نفسه من حلاله، وهو منذ زمن بعيد عن انتصار، أما هي شلت المفاجأة عقلها مع حبها له، لم تستطع الاعتراض من شدة المشاعر التي تجتاحها لأول مرة، فكانت كالمغيبة، نعم لم تبادله العشق. ابتعد عنها ببطء بعد أن سمع منها شهقة ليعلم أنها أصبحت زوجته قولًا وفعلًا.
نظر لها بحب وقال: معلش لو تعبتك. أخذها في حضنه لدقائق ومسد على شعرها بحنان وأكمل ما بدأه إلى أن أغمي عليها من التعب والإرهاق، وهو أيضًا تسطح بجانبها، لم يدري بنفسه ونام بتعب.
جاء مصطفى من المدرسة ونادى على عزيزة وأتت له ودخلا القاعة وهو يقول: عاوز أفهم إيه حصل وليه خليتيني أتصل بأخوك؟
عزيزة بابتسامة شيطانية: هفهمك، النهاردة السوق الكبير، رضا بتقوم بدري تشتري شوية كتاكيت جديدة وشوية خضرة للطيور وتتتسوق للبيت وتروح الشقة اللي مأجراها تنظف للطيور وتقطع لهم خضرة وتيجي هنا، وطبعًا بتطلع وهي تعبانة ومتربة، بتاخد دش وتشوف اللي وراها، بتيجي هنا قبل تسعة، وبسمع كل أسبوع أول ما تيجي من السوق صوت الماية، أنا خليتك ناديت أخوك عشان عارفة إنها بتاخد راحتها في الوقت ده وهي عارفة إن أخوك في الغيط ومش بيجي غير بعد الظهر، لما أخوك جه شربته عصير فيه حبيتين منشط، إنما إيه وصاية، يقوم لما يطلع لها يشوفها وهي واخدة راحتها في اللبس، ويا سلام لو كانت طالعة من الحمام، ساعتها شوف إنت بقى إيه ممكن يحصل؟
مصطفى بتوهان: مش هتفلت من تحت إيده، تقوم لما تطلق تبقى خسرت، صح كده؟
عزيزة: مش كده وبس، وممكن أخوك يكرهها كمان، لأنها كده هتحرمه من انتصار، لأن أكيد انتصار عارفة إنه جواز على ورق، وهيَزعل من نفسه لأنه ضعف، هيتحمل الذنب شوية، بس في الآخر هيحاول يتخلص منها، عشان كل ما هيشوف وشها هيفتكر إنه خان انتصار.
مصطفى: إنتي درستي علم نفس؟ يخرب عقلك! افرضي يا فالحة، حبلت؟
عزيزة: أخوك مش هيسمح بكده، لو حبلت هيخاف على صورته قدام ولاده، وأكيد هيقولها تنزله، أخوك بيحب عياله أكتر من نفسه، وشوفت عمل إيه عشان عبد الله، يعني مش معقول يرضى إن ابن عبد الله يكون أكبر، وإنت فاهم، يعني البت اللي فوق دي هتطلع من هنا خسرانة المشروع وست مش بنت، وإنت قول أي كدبة كنت عاوز فيها، بص أنا من ساعة ما طلع لا سمعت صوت تلفزيون ولا راديو ولا أي شيء، وطبعًا مش هعمل كده تاني، وكلها شهر أو اتنين على ما رضا تطلع أول دفعة من الطيور، وقبل ما تطلعها بيوم أو اتنين هضربها الضربة القاضية، أم لسان طويل.
مصطفى: والله بدأت أتعود على أكلها، نفسها حلو قوي، وبقيت باجي ميت من الجوع، إلا إحنا ناكل إيه النهاردة؟
عزيزة بضحكة خليعة: تاكل إيه بقى؟ العروسة أكيد تعبانة النهاردة، دول حبيتين، يعني أخوك لو ما جاش معاها براحة هتيجي بالقوة، حلاله بقى، مشي حالك النهاردة وهاتلي أنا وأمك معاك.
أفاق محمد على أذان الظهر لينظر بجانبه بإرهاق ويرى رضا شاحبة شحوب الموتى، انتبه على نفسه ليقول: إيه اللي أنا عملته ده؟ إزاي كنت كده؟ تلقائيًا أزاح الغطاء ليرى كمية من الدماء، أدرك على الفور أنه نزيف، حاول إفاقتها بهدوء وضرب وجنتيها بخفة ولم تفق، استدار ولبس ملابسه ونزل سريعًا للصيدلية وسأل باستحياء من موبايله أحد أصدقاء ابنه عن ما يجب أن يأتي به من الصيدلية، فطلب منه أن يعطي الهاتف للصيدلي ليملي له ما يجب أن يصرفه له من علاج، أخذ منه وعرف كيف يستخدم ما صرف له.
وصل إلى شقته والغريب أنه لم يرى أحدًا في أسفل البيت، فرجح أن عزيزة وأمها بقيلولة ومصطفى في الخارج، وحمد الله على ذلك، اتجه إلى الحمام وأحكم سدادة حوض القدم، فلم يكن حمام ببانيو كمعظم بيوت القرية، وضع بعض المطهرات به كما قال الصيدلي وفتح المياه الفاترة لتملأ الحوض، ذهب إلى الفراش وألبس زوجته قميصها وحملها ووضعها بوضع الجلوس في المياه الدافئة، وبالدش بدأ برش المياه على رأسها لترتجف وتفتح عينيها بتعب وتطلق أنينًا ضعيفًا.
محمد: استحملي شوية يا رضا وبراحة، ما تتحركيش.
فتحت عينيها بدهشة من الموقف، نظرت لنفسها وجدت أنها تلبس قميصها.
أخذت منه الدش وأبعدت يده وهي تقول: هكمل أنا.
خرج بدون كلمة واتجه للخزانة وأخرج لها غيارًا، ثم فتح باب الحمام ووضع الغيار على الغسالة وقال: لو حبيتي مساعدة، ناديني أنا في الأوضة.
رضا: تشكر، كتر خيرك.
بعد كثير من المحاولات أن تكمل حمامها، وبيد مرتعشة وأنفاس لاهثة، لبست ملابسها ووقفت تسند على الحائط متجهة للغرفة، سمع محمد صوت الباب، اتجه لها ووجدها تمشي بإعياء، اتجه لها فورًا وحملها، لم تعترض فهي فعلاً متعبة، ووضعها بالفراش.
محمد: خدي الدواء ده هيقويك، ومهما ليش عارف إني اتعافيت عليكي، نامي شوية وارتاحي، أنا هاخد دش وأنزل شوية وأرجع تاني.
انتظر ردها، لم تجب، فقط تطي رأسها لأسفل، رفع رأسها ووضع الدواء بفمها وأعطاها الماء، رأى شفتيها المرتعشتين ونهر نفسه وخرج سريعًا من الغرفة.
بعد فترة دخل الغرفة وفي يده لفة بها طعام أتى بها من الخارج، وجدها غافية، هزها بلطف.
محمد: قومي يا رضا، إنت محتاجة تتقوي عشان الدواء اللي هتاخديه قوي شوية، قومي.
فتحت عينيها بتعب، وضع الطعام أمامها وقال: كلي دول وخدي الدواء ده، الدكتور قالي لازم تاكلي كويس وبعدين تاخديه عشان تقدري توقفي على حيلك.
رضا: هو ليه أنا تعبانة كده؟
محمد وهو ينفخ بصوت عالي: معرفش أنا عملت كده إزاي، كلي ونبقى نتكلم.
رضا: مش هتاكل؟
محمد: لأ، ده ليك إنت، أنا أكلي بره، هاكل جنب التلفزيون، المهم تاكلي كويس. خرج وجاء بعد قليل وأعطاها دواء وقال: نامي و دفي نفسك، أنا اطمنت عليكي ورايح الأرض.
رضا: أنا مش هعرف أقوم أعمل أكل.
محمد: ماشي يا رضا، هقول لهم تحت إنك تعبانة وماتقوميش إلا لو حسيتي نفسك كويسة. وخرج قبل أن تجيبه.
جاء بعد العشاء، أدخل لها كوبًا من اللبن وبعض سندوتشات الذي أتى بها من الخارج، وشاور لها على الدواء وخرج ليفتح التلفزيون ويأكل وهو شارد، بعد الأكل دخل لها.
محمد: أحسن دلوقتي.
رضا: الحمد لله.......... زعلان؟
محمد: إنت عارفة إن فيه راجل في البيت وطول الوقت بتكوني لابسة بكم، ليه جاي ألاقيك لابسة قصير كده؟
رضا وقد تجمعت الدموع بعينها: من أول جوازنا وإنت بتيجي بعد الظهر على طول والدنيا حر، وباخد راحتي وإنت مش موجود، التراب كان بياكل في جسمي، وقولت أفوق عشان أبدأ أعمل أكل الغدا.
محمد: إحنا الاتنين غلطنا، لكن ده بيتي، آجي في أي وقت، أنا مقدرتش أمسك نفسي وإنت عارفة، كنت متجوز وبقالي شهور بعيد عن مراتي، وأي راجل مطرحي مش هيصبر، الراجل له احتياجات يا رضا، بعد كده موجود مش موجود تطلعي من الحمام لابسة هدومك كلها، اعتبريها غلطة ومش هتتكرر تاني، إلا لو إنت رجعتي أغرتيني تاني، أنا مش ملاك، أنا راجل ولاقيت حلالي مهيأة نفسها ليا.
رضا بدموع وخنقة: أنا أغريتك؟ أنا؟ ما كنتش أعرف إنك موجود أصلًا.
محمد بصوت عالي: خلص الكلام واللي أقوله يتنفذ، وكلها شهرين زي ما إنت قلتي تسلمي أول دفعة من شغلك وكل واحد يروح لحاله. اتجه للباب وأغلقه بعنف واتجه للأريكة ينام عليها.
مرت الأيام ومحمد متجاهل وجود رضا تمامًا، فقط يترك لها نقودًا على التلفزيون ويقول لها ما يريد أن يأكلوا اليوم، لا حديث معها حتى لا وجود له، يذهب صباحًا للأرض، يأتي بعد الظهر يأخذ الطعام وينزل لأهله، ينام القيلولة بالأسفل ثم يرجع الأرض، يتعشى مع أهله، ثم يصعد لها بالأواني المتسخة وينام فورًا، مضى شهر ونصف على ذلك، مع اختلاف فقط أن عزيزة أصبحت من تتسوق وهنية تصعد بما أتت به عزيزة أمام باب شقة محمد لتصنع رضا الطعام.
في أحد الأيام ببيت رقية.
رقية: مالك يا رضا؟ مش عاجباني من فترة وديما سرحانة ووشك أصفر وكثير بشوف دموع بعينك، لكن حبساها فيك؟ إستنيت كتير تتكلمي، احكي وطلعي اللي في قلبك.
رضا بدموع وحزن: ما فيش يا أبلة، إنت متهيالك، أنا بس بقيت باجي لك كل أسبوع مرة مش زي الأول، فإنت في فكرك إني زعلانة.
رقية: والدموع اللي في عينيك وباينة في صوتك؟ وإنت منزلة راسك عشان ما أشوفهاش؟ لو كل واحد هيكتم في نفسه هنموت بحسرتنا، طلعي اللي في قلبك ووعد، حتى نهر ما هقولها، احكي، لكل مشكلة حل، وزي المثل اللي هنا، القفة أم ودنين يشلوها اتنين.
رضا: خايفة أعصي أمر عمي محمد، ربنا يجازيني إني قلت حاجة هو مش عاوزها.
رقية: هو له أهله بيفكوا معهم، لو الموضوع يخصه لوحده ما تحكيش، لكن لو يخصك معاه احكي، جايز أخفف عنك، وسرك في بير.
رضا: أنا مخنوقة أصلاً وهموت من القهر، وحكت لها كل ما كان إلى أن اتهمها بمحاولة إغوائه وابتعد عنها حتى بالكلام لتحس أنها كالمرض المعدي، وكونها غير مرغوب بها، لتهوي على الكرسي باكية بانهيار، فتأخذها رقية بحضنها تربت على ظهرها بحنان.
رقية: كنت فاكرة إنه مختلف عن أهله، لكن لأ، طلع من نفس طينتهم، بيحملك إنت المسئولية وهو بريء، رضي ضميره لما جابلك علاج داوي الجسم وحرق روحك.
رضا: المصيبة الحقيقة يا أبلة إن حاسة إني حامل، ولو طلعت كده عم محمد هيصمم أنزله عشان شكله قدام ولاده وخالتي انتصار، وخصوصًا إننا متفقين على الطلاق، أنا هتجنن، عارفة إن أهلي كمان مش هيرضوا أكمل حمل وأنا مطلقة.
رقية: اهدي، هتتحل إن شاء الله، بس الأول نتأكد، أنا هنزل أجيب اختبار حمل وآجي، همشي معاك خطوة خطوة، مش هسيبك.
بعد قليل خرجت رضا وفي يدها الاختبار وأعطته لرقية.
عملت اللي قولتي عليه، شوفي كده، أنا ما أعرفش في الحاجات دي.
رقية: استني شوية على ما يطلع النتيجة. نظرت للشريط إلى أن ظهر شريطين حمر لتقول: إنت حامل يا رضا.
رضا بدموع: مش عاوزة أنزله، هيجبروني أنزله، أنا هخبي ومش هقول لحد.
رقية: هتخبي شهر اتنين؟ وبعدين دي حاجة مش بتتخبي، جسمك غصب عنك هيبان.
رضا: على الأقل مش دلوقتي.
رقية: طب اسمعيني كويس يا رضا، أول ثلاث شهور لازم راحة، معلش ما تزعليش مني، إنت كبيرة، واللي عرفته منك إن والدتك ماتت في ولاتك، يعني ممكن يكون عندك لا قدر الله مشكلة وراثية، فالأَسلم إنك ترتاحي على قد ما تقدري على ظهرك، يبقى الأَسلم ما تروحيش تاني السوق تشتري كتاكيت جديدة، كفاية الموجودين والأعلاف، تقولي لصاحب المحل اللي بشتري منه يطلعها للطيور فوق، ممنوع تشيلي حاجة تقيلة أو تقفي مدة طويلة على رجلك، خلي أبو علي يجيب لك اللي عاوزين يطبخوه تحت، ما تتسوقيش وتشيلي على قلبك وتطلعي سلالم لغاية ما يثبت الحمل، فاهمة؟
رضا: من فترة هنية بتطلع ليا باللي عاوزين يطبخوه، ما عدش بيسيب فلوس أتسوق، بلاقي حاجات كتير على الساعة عشرة جاية أطبخها، لكن موضوع إني مشتريش كل أسبوع كتاكيت جديدة ده ممكن يخسرنا ومعرفش أبعت لنهر الكمية اللي هتحتاجها.
رقية: صحتك أهم من الطيور، لو أهملتي فيها يبقى إنتي اللي مش عاوزة تحتفظي باللي في بطنك، ونهر هتفهم بعدين، أما موضوع إن الأكل بيطلع لك، فرغم إنها حركة متأكدة من مصطفى عشان خايف تاخدي فلوس زيادة لك.
رضا: لا يا أبلة، عرفت إن عزيزة هي اللي بتروح تتسوق وتيجي في توكتوك، هي مفروسة مني عشان بعد ما خلصوا الطيور اللي على السطح اللي كنت مربياها ما جبتش تاني وبقت تشتري البيض من برة، ما هم كل يوم عاوزين ظفر، والله باخد نايب كل أسبوع دبوس عشان ما حدش يتكلم، مع إنهم بيجيبوا أربع أيام ظفر ويوم لحمة.
رقية: ما علينا، جت بفائدة، تجيبي حد يكنس تحت الطيور وتدي له اللي فيه النصيب.
رضا: مش للدرجة دي، فيه مقشة طويلة هكنش من غير ما أوطي.
رقية: اسمعي الكلام، هتكلف أنا باللي هتنظف، ما إنت لازم هتوطي عشان تلمي الزبالة، الأهم من كل ده عشان ما حدش يشك، هتيجي الأسبوع الجاي في نفس الميعاد هنطلع على المحلة نتابع مع أي دكتور ونعمل تحاليل، واللي يقول عليه الدكتور عشان نطمن.
رضا: كل الستات بيحملوا، أتابع إيه بس؟ هتعدي بامر الله.
رقية: يا حبيبتي، لازم نحاذر، وإنت قولتي بنفسك إنه بيتجاهلك، ويمكن دي فرصتك الوحيدة إنك تكوني أم، لأن مش مضمون تتجوزي تاني، يبقى لازم تحمي نفسك وابنك، ويا ستي ابقي اعتبري حق الدكتور والتحاليل دين عليكي تسدديه وقت ما المشروع يجيب أرباح، يعني سلف.
رضا وهي تحضن رقية: ربنا ما يحرمني منك ولا من حنية قلبك عليا، ويسترها معاك ومع نهر دنيا وآخرة، ريحت قلبي وزحتي كتير قوي.
رقية: طب خودي التليفون ده، نهر بعتته لك، هو يا دوب للاتصالات، عليه رقمي ورقم نهر وإدوارد، وده هتعرفه بعدين لما ييجي ياخد منك أول دفعة، خدي ده تبع الشغل مش مني.
بعد أسبوع.
ذهبا للطبيب وعملوا ما أمر به بعد أن شك الطبيب بأمر ما، طلب بعض الأشعة لتستلمهم رقية ثاني يوم وتذهب للطبيب وحدها وتعلم منه وجود عيب خلقي برحم رضا، وأن رحمها من الصعب احتفاظه بالجنين بنسبة كبيرة، غير أنه يعتبر فرصتها الوحيدة لتكون أم، إن داومت على العلاج، ونسبة احتفاظها بالجنين للولادة لا تتعدى أربعين في المئة، وربما تستأصل الرحم بعدها.
أخذت رقية الأشعة والتقارير وصورتهم وصورت الأشعة بعد أن وضعتها على منضدة صغيرة زجاج تحتها لمبة مضاءة كي تكون الصورة واضحة، واتصلت بنهر لتطلب منها رقم علي، وكلمت علي واتس، حكت له من البداية اتفاق رضا وأبوه في الزواج إلى اتهامها بإغوائه وحملها، وبعثت له بصور الأشعة والتحاليل، أنهت كلامها: مش محتاجة أقول لك إن ده سر يا علي، أنا عارفة إن عندك ضمير زي أمك، زي ما عارفة إنك دكتور ممتاز وإنسان حقيقي، رضا مالهاش ذنب بكل اللي حصل، ومع ذلك قاعدة لوحدها في عش الدبابير، مش عاوزة أبوك يعرف حاجة، وعاوزة أساعدها لأنها إنسانة من حقها تعيش وتخلف، وما تقوليش لنهر حاجة.
إيه هيحصل هنعرف بعدين.
أسرار الماضي لبنت ناس
بقلم / رينا الهادي
لو عجبكم الفصل كومنت او لايك وشكرا
•
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم رينا الهادي
في القاهرة
أتت نهر للفندق الموجود به إدوارد لمقابلة أحد مديري الفندق المسئول عن الصالات متعددة الأغراض الموجودة في الفندق بناءً على طلبه لها. فهي لا تعطي رقم هاتفها لأحد، فقد إدوارد من يخبرها أن كانوا يحتاجون موظفي خدمات عندما يتطلب الأمر، ويأخذ هو راتبها ويعطي لها. حتى أنهم يعرفونها باسم رينا وليس نهر، ومعروف أنها أحد أقارب إدوارد.
دخلت نهر المكتب بعد أن دقت الباب، وكان مشغولاً ببعض الأوراق أمامه.
نهر: مساء الخير مستر حازم.
رفع رأسه إليها: مساء النور، أخيراً جئتِ آنسة رينا. أنا انتظرتك الصبح، نحن داخلون على المغرب.
نهر: عفواً منك يا آدو، قال إن حضرتك موجود اليوم لغاية عشرة بالليل، وأنا عندي كلية الصبح، حتى جئت من الكلية على حضرتك، ما روحتش.
حازم: أوه، معلومة جديدة هذه. لم أعرف أنك تدرسين. طيب، كدة فيه مشكلة؟
نهر: مشكلة إيه؟
حازم: آخر فرح كنتِ فيه، لفتِ الأنظار لكِ بشكل كبير، خصوصاً بعد ما رقصتِ مع آدو وغنيتِ كمان. وبصراحة كنت أريد أن تعملي معنا بشكل دائم، مش مجرد مرة أو مرتين في الشهر، خصوصاً أنكِ تعرفين لغات، إيطالي وفرنسي، مش كدة؟
نهر: فهمت. طبعاً لن ينفع أن أعمل بشكل دائم، لأن دراستي أهم. أصلاً أعمل لأصرف على دراستي، هذا أولاً. ثانياً، وهذا هو الأهم، حضرتك غالباً استدعيتني علشان كما تقول رقصي وإني غنيت أغنية فرنسي. مع إني معكم قربت من السنة، لكن أريد أن أوضح نقطة، أنا لا أمارس الرقص والغناء. الموضوع كله إني سمعت من المدعوين أن العروسة يتيمة الأم منذ صغرها، وأبوها محاوط عليها بزيادة، حتى إنها لا تعرف العريس. ولما رحت أقدم لها تشرب، كانت شبه ستعيط. طول الفرح خائفة ترقص مع عريسها، مع أن الرقص كان سلو. فأنا في آخر الفرح حبيت أفرحها، فراقصت مع آدو علشان تتشجع، وبعدين راقصت معها هي وغنيت، علشان يعني الموضوع تعاطف بحت، مش مهنة أريد أن أشتغلها. ولا تتصور الفرح هذا سبب لي مشاكل قد إيه في الكلية، لأن للأسف حضر معييد عندي وأخذ كذا صورة ونشرهم في الكلية. أنا أعرف لغات وأتعامل من زمان مع سياح، فلو فيه حاجة هنا تبع الترجمة، أوكي.
حازم: أنا مدير الجزء الترفيهي في الفندق، أو بمعنى أصح الصالات متعددة الأغراض، بتاع الحفلات أو المؤتمرات والاجتماعات. كنت أريد فقرة الرقص والغناء، لأنها صحت المعازيم بعد ما كانوا سينامون. مع أن الفرح كان مليان فقرات، لكن الكل انجذب إليكم أنتم. ولما سألت، قالوا قريبة آدو. وبتيجي تخاطيف، حتى أن فلوس شغلك تضاف لبونص آدو، وما فيش تسجيل بيانات لكِ، وهذا غريب، خصوصاً في فندق كبير. فكري كويس، العائد المادي سيكون كبير، خصوصاً إن فيه هنا صالة تعليم رقص، يعني ممكن تطوري نفسك من غير ما تدفعي مليم، والعائد هيكون أكثر مما تتخيلي، بدل ما تستني التعيين أو تشتغلي في شركة. أنتِ غالباً يا طالبة في السن، يا آثار.
نهر بضحكة: لأ، هندسة وقسم عمارة.
رفع حازم حاجبيه باستغراب: بجد؟ بارك الله فيكِ. هذه تحتاج شغل جامد ومجهود، لكن برضو هنا سيعود عليكِ بالنفع أكثر من أن تتعبيني في أي شركة. وبعدين يا ستي، ممكن تكملي هندسة على جنب، حتى لو هتعيدي السنة. ما تقنعينيش إنك بتنجحي بتقدير امتياز، يعني، ومستنية تتعبيني معيدة.
نهر: يهمني أحقق حلمي وحلم أمي، والفلوس مهمة طبعاً، لكن مش على حساب دراستي. أنا استغلت في فنادق من وأنا اثنا عشر سنة، وعندي خبرة في قسم الأطفال والنادي الرياضي والصحي كمان. وحتى شغل ريسبشن، بشتغل في الصيف في الأقصر وشرم والسفاري، يعني توتال ربح السنة مش بطال.
حازم: واو! في سنك هذا وبتعملي كل هذا؟ أبهرتيني. أنا هديكِ رقم تليفوني، لو غيرتي رأيك في أي وقت. الموضوع مجزي مادياً ومش هياخد منك وقت كبير، هو ساعة كل حفلة، وإحنا الحفلات دي بتبقى أكثر في الصيف، وإنتِ فاهمة.
خرج حازم مع نهر إلى بهو الفندق ليودعها، فلتفت نظر نهر أربعة من الرجال كبار السن، فنظرت لهم بصدمة والتفتت إلى حازم.
نهر: الراجل اللي هناك ده أنا أعرفه. مستر حازم، ده برهان أغا، من أشهر معماري تركيا، وله شركة منفذة مشاريع في كثير من بلدان العالم. كمان معرفته بي مهمة جداً بالنسبة لي. حضرتك ممكن تساعدي في ده.
حازم: أنهي واحد فيهم، وأساعدك إزاي؟
نهر: أجمل وأشيك واحد فيهم. وتساعدني إني آخذ فرصة أكلمه. أول مرة أعرف إنه بيجي مصر. أنا أعرفه من المجالات والسوشيال ميديا. إن شاء الله أكون الروم سيرفس بتاعه. لو تعرف بيعمل إيه هنا، وأنا انطلقت في أي مكان. ممكن تستعلم عنه من الريسبشن، تشوف هيقعد قد إيه؟ ولو لهم مترجم أو لا. والله هشرفكم لو كنت جايد لهم هنا.
حازم: آسف، أنا ما أقدر أساعد وراء معلومات لضيف هنا، ممكن يضايقه، خصوصاً زي ما بتقولي له وضعه. وما دام مهم، يبقى أكيد معاه مش بس مرشد، مش بعيد يكون لكل واحد من دول عشرة بودي جارد. سلام يا رينا، أنا ضيعت وقت كتير اليوم.
بدون تفكير، اتجهت نهر بخطوات واسعة إلى برهان أغا ورفاقه لتقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليردوا: وعليكم السلام.
برهان أغا بالعربية: من أنتِ ولماذا اقتحمتِ مجلسنا؟
نهر بابتسامة: واو! حضرتك بتعرف عربي كويس جداً. اسمي رينا، واحدة من المعجبين بحضرتك.
تكلم أحد الرجال بالتركية: ماذا تقول تلك الفتاة يا برهان؟
تكلم برهان بسخرية: تقول إنها إحدى معجبي. لم أرَ وقاحة أكثر من هذه. فتاة بتلك السن ترمي بشباكها رجل عجوز بمثل سن جدها.
أحد رفاق برهان: حظك في النساء لا يضاهي أحد، حتى في ذلك العمر. عموماً، إن لم تريده، أعطيه لي. وضحك وضحك البقية.
نهر بالتركية: اسمي رينا، وأعرفك برهان أغا، أنه من أهم المعماريين حالياً بتركيا، ولك شركة مقاولات معروفة ومشهورة. يبدأ من عندكم التصميم وينتهي بتسليم المبنى كاملاً من كل شيء. فيه أقسام متعددة عندكم، وأهمهم التصميم المعماري والمدني، الذي فيروزة هانم ترأسه. ومش جاية أبداً أتطفل عليكم. كل الحكاية إني طالبة في قسم الهندسة المعمارية، وشاهدت شخصية أحب أعمالها. هاااااه! (نظرت لمن تكلم سابقاً) بأكد، شخص أحب أعماله. لا أعرفه على المستوى الشخصي، لكن قرأت عنك كثير من المجلات. عموماً، أنا أعمل أيضاً في مجال السياحة. لو أحببتم أن تتنزهوا في أماكن أثرية أو مزارات، أو حتى أماكن تعرفكم طبيعة البلد.
الرجل: اسمي طاهر، تاجر مجوهرات وصديق عمر برهان. فاجأتينا بمعرفتك التركية. أنا عن نفسي مستعد أخرج معكِ الآن لأي منطقة، تعويضاً لكِ عن كلامي.
نهر: شكراً للعرض، لكن أنا عندي اليوم عمل كثير للكلية، ولم يكن بحسابي الخروج، كما قلت، أدرس.
طاهر: أفهم من ذلك إنه عرض حصري لبرهان.
نهر: لا، أنا تفاجأت بكم اليوم، ولم آتِ اليوم للعمل، بل لمقابلة شخص هنا وأرجع، لأني خرجت من الكلية إلى هنا مباشرة. وفعلاً عندي لوحات تحتاج أن تتسلم. عموماً، ممكن أكون متفرغة من غد آخر النهار، من خمسة لعشرة ليلاً. فكروا، أنا معي وسيلة مواصلات، لكن أنتم حددوا إلى أين تريدون الذهاب. ومن حسن الحظ اليوم الأربعاء، وأنا جمعة وسبت إجازة، بمعنى لو تحبون هذين اليومين، آتي مبكراً لكم.
برهان: من أين تعرفين اللغة التركية؟
نهر: أمي تركية، تعلمت التركي قبل العربي، وأعرف أكثر من لغة أخرى. تستطيع القول إن اللغات هواية عندي، مثل أمي بالضبط.
برهان: تركية؟ تزوجت هنا، وأبوكِ تركي؟
نهر: لا، مصري. ولذلك أعيش بمصر، لكن بمفردي بالقاهرة، لأن كليتي هنا. بقية عائلتي في الأرياف.
برهان: غريبة جداً.
نهر وهي تنظر لعينيه: ما هو الغريب؟ أظن أن حضرتك زوجت ابنتك لنديم بك، وهو مصري.
برهان: هاااااه! اهتمامك ليس مجرد إعجاب لمعماري، لدرجة أنكِ تتابعين أشياء شخصية عني. عموماً، استغربت إن أرياف يتركون ابنتهم تعيش لوحدها في المدينة. (ونظر لها بتتمعن، يريد أن يستشف الحقيقة من عينيها، فهي منذ رأها ويشعر بمشاعر غريبة عليه).
نهر: يوجد بيوت مغتربات هنا كثيرة للدارسين أو حتى من يعملن، تفتح وتغلق في مواعيد محددة، تحت إشراف وزارة الخدمة الاجتماعية، وفيها مشرفون علينا، ونأخذ الإذن منهم لو تأخرنا أو غبنا، وعلينا الاتصال بأهالينا. (رن هاتفها) لتري رقم آدو. نظرت له وقالت: ممكن أجلس دقائق لكي أرد على المكالمة.
أحد أصدقاء برهان: اجلسي يا ابنتي واستريحي.
تأفف برهان بغضب، ل تجلس نهر.
نهر: أيوه آدو، اسمع، علشان معايا ناس. أنا سبت لك أكل الغداء عند زمايلك تحت، لأن مستر حازم كان عاوزني هنا. لو قريب، تعال الريسبشن بسرعة، عشر دقائق وبس...
صمتت فترة لتجيب: لما تيجي، هتعرف. سلام.
برهان: هذا أخوك؟
نهر: تستغل معرفتك بالعربي وتسمعني؟
برهان: أنتِ تعرفين أنني أعلم العربية، لماذا جلستي وتكلمتِ بصوت واضح؟
نهر: لم أحب أن أترككم قبل أن تتعرفوا عليه. هو شاب مجتهد وأمين ويعمل هنا، وسيبدأ العمل بعد نصف ساعة. عموماً، لو أرادوا أن تتنزهوا بالقاهرة من خلالنا أنا وآدو، سيعطيكم رقمه، ويكلمني لأتي لكم معه. يترك العمل فجراً ليستريح قليلاً. قرروا وبلغوه.
أتى إدوارد.
إدوارد: مساء الخير. واقترب من نهر ليقول بجانب أذنها: مين طقم العواجيز دول؟ إحنا هنشتغل في الآثار ولا إيه؟
نهر: اتلم. فيهم برهان أغا، بيفهم عربي.
إدوارد: مين برهان أغا؟ ثم فتح فاه بصدمة: قصدك جد آدم اللي أنتِ شاكة إنه جدك.
نهر بهدوء: الله يخرب بيتك! إنت هتفضحي؟ ورووقة هتروقنا إن شاء الله. اثبت يا آخرة صبري.
تكلم برهان بقسوة: أتيت إلى هنا كي تتسامر معها بصوت خفيض. سنذهب إلى غرفنا. وشاور لأحد الرجال.
نهر: حد يحب ياخذ رقم آدو لو احتجتم لحاجة في الفندق أو خارجة؟
طاهر بضحكة قوية: أنا أريد. وقد حزمت أمري وأريد جولة سياحية، وسنبدأ من غد، وسأترك اختيار الأماكن لكِ يا صغيرتي.
أحد الرجال: وأنا أيضاً، أعجبتني ثقتك بنفسك، وأريد أن أرى ما لم يره السائح العادي. أريد التجول في الشوارع وتذوق الأكل الشعبي هنا.
برهان: ماذا حدث لكم؟ نحن متفقون مع مرشد وسيأتي لنا غداً. أم أنكم نسيتم؟
طاهر: أنا أريد تلك الفتاة، أقصد أرى أنها ذكية ونشيطة. وسأكون معها ذلك الفتى ليساعدها (نظر لنهر). أليس كذلك؟
نهر بضحكة: أعدكم لن تندموا، وسترون. نلتقي غداً هنا، الخامسة مساءً. سأجعلها أمسية لا تنسى.
برهان: أنا لن آتي معكم.
الرجل الرابع: أنا مع برهان أغا.
نهر: أوك، النتيجة اثنان اثنان. سأذهب فقد تأخرت. إلى اللقاء.
طاهر: ألن تعطينا رقم الهاتف؟
نهر: سأعطيك رقم آدو، لكنه لا يعرف التركية، رغم أني حاولت معه. لا أستطيع أن أترك رقمي، لأني مقيمة في دار المغتربات، ثم صباحاً في الكلية، ولا يسمح بفتح الهاتف في الكلية. أراكم غداً، وشكراً لثقتكم. (نظرت للرجل الآخر الذي سيأتي معها) هلا تشرفت باسمك سيدي؟
الرجل: ديمير، صاحب شركات لعمل الأبواب المصفحة والخشبية.
نهر: تشرفت بكم. ممكن هاتف أي منكم أسجل عليه رقم آدو.
أعطاها طاهر هاتفه، فسجلت الرقم وأخذت رقم غرفتهم، وودعتهم ومشيت مع إدوارد.
إدوارد: أنا لازم أروح أستلم الشفت علشان أرجع بدري أريح، وأتفق مع حد ياخذ مني ساعتين لبكرة وأعوضه بيهم بعده. بس هو برهان ده هو هو برهان اللي أنتِ شاكة إنه جدك؟
نهر بتعب: أيوه آدو. مش محتاجة أقولك، إياك ثم إياك تقول كلمة، لأنه...
إدوارد: هقول إيه؟ هو أساساً زي ما فهمت من حركاته، مش جاي معانا. وشه كان غضبان قوي. بس بقولك، عيونه الرماضي دي كلها عيون ماما. ولما قرب منك، كأنكِ بنته. عندك حق تشكي. هو جد آدم برضو، صح؟
نهر: روح شغلك، وأنا لازم أروح. عندي لوحات لازم أخلصها. غير بكرة هيكون طويل. هفهمك أنا كل حاجة بكرة. يلا علشان ما تأخذش جزاء.
إدوارد: طب مستر حازم كان عاوزك ليه؟
نهر: ما فيش فايدة، مش هتبطل فضول. عاوزني راقصة ومغنية في حفلات الفندق. طمع فينا لما رقصنا وغنينا في آخر فرح.
إدوارد: ابن الدزمة.
نهر: سلام، لأني بجد تعبانة بجد. نتقابل الصبح في المترو. سلام.
صباحاً في المترو، بعد أن فطروا سوياً.
يعني أنت هتبدر الكشف على ماما؟ أروح أجيبها السبت وأوديها مستشفى، وأنت هتجيب برهان أغا وكأنه جاي بالصدفة، يقوم هما الاثنين يتفاجئوا ببعض هناك، وماما تقطع علاقتها بنا إحنا الاثنين، صح كده؟
نهر: ما تتعبنيش يا آدو، وافهم. لما هتوديها المستشفى، هتقول إني هقابلكم لما ترجعوا في شقتك، لأني مشغولة. وهتروح تعمل كأنك بتاخد دور وتسبها في الانتظار. وأنا هدخل برهان أغا برضه في الانتظار، ونراقبهم من بعيد. لما يجي الدور عليها، هتنادي عليها الممرضة، لأني قبلها هكون حجزت لها. هتقوم، وإنت تحصلها على أوضة الكشف، يبقى لقاؤهم صدفة.
إدوارد: صدفة إزاي؟ ما هو لما يشوف بنته، هيدخل معاها ويقول لها: أنا أعرف الواد ده، ويحكي. وهي أكيد هتفهم.
نهر: لو دخل معاها، أنا اللي هدخل معاها وأسبق وأقول إنها عميلة في الفندق. إنه ما يعرفش إني أخذت صور من المجلات الموجودة بشنطتها، وما يعرفش إني بربط المواضيع ببعض. فهمت؟
إدوارد: لو هختار بينك وبين ماما، هختار ماما يا نهر. صحيح أنتِ بتغديني كل يوم، بس دي ماما.
نهر: وده يسعدني يا آدو. أنا بعمل كده لأنها اتعذبت كتير. أنت شفت جزء، لكن أنا معاها. ليه تتحرم من خير أهلها وتعيش هنا في فقر وقهر؟ عمر كبر، وأنا كمان حرام نجني عليها بقية حياتها. أنا قلبي بيوجعني وأنا سايباها لوحدها في البلد. مش عارفة إمتى يروح لها مصطفى يعكنن عليها أو يعايرها بمرضها، ويفرج الجيران عليها. عاملة نفسها قوية وهي بتشيل في قلبها علشان ما أزعلش. أنا أدري بها.
إدوارد: وده يديك الحق إنك تقرر عنها؟ هي أمك، مش أنتِ. وبعدين يا نهر، هي أدري وأعرف بأهلها مننا. قرارها تكون وسطنا، مش وسطهم. السعادة مش بالفلوس وكثرتها، السعادة بناس حواليك. أنا فرحتي بوجودك أنتِ وماما، حتى لو بتجي عندي أيام قليلة في الشهر، أكبر من فرحتي بأني معايا فلوس وقاعدتي معاك على الفطار في المترو كل يوم، وأكل بيتي بأكله محسسني إني مهم عند حد، مش وحيد في الدنيا. بعدين، لو اتعرف عليها وأخذها، هنروح معاها أكيد. وأنا ما فكرتش فيا؟ هرجع لوحدي؟
نهر: تفضل لوحدك ليه؟ لو إنه سافر، يبقى أنت هتسافر معاها. وتعال هنا، هو إنت مش عارف إن عمر هنا؟ يعني علاقتنا بمصر عمرها ما هتنتهي. وعم أمجد وعمو محمود وتيزة انتصار وعبد الله، كل دول جذور لينا تخلينا مش ممكن نسيب مصر. ودراستي اللي لسة مكملتهاش. أهدى يا آدور، وادعي نعرف نضبط الدنيا. يلا، لأني هتأخر، وإنت روح ريح شوية. عدي عليا أربعة ونص قدام الدار، نروح مع بعض الفندق، مش حمل شعلقة في المواصلات.
عدى عليها آدو، وكانت في انتظاره أمام الدار. ركبت بجانبه.
آدو: مش شايف معاك عمود الأكل ليه؟
نهر وهي تنظر له بجانب عينها: يمكن لأني سهرت أعمل اللوحات، وما كانش فيه وقت أعمل حاجة. أنا طالعة الساعة أربعة، رميت نفسي في تاكسي وجريت أغير. يا ابني، أنا بنهج لسة.
آدو: يعني هنقعد على لحم بطننا النهاردة يا هانم؟
نهر: أنا لو كنت مراتك، ما كنتش هتعاملني كده. في إيه يا آدو؟ الراجل امبارح قال عاوز يدوق الأكل المصري. يعني هناكل لما نخرج.
آدو: ودول هيقدروا على الأكل المصري؟ إنت مش شايف إنهم رجالة في سن الضياع دول؟ آخرهم شوية بليلة أو ذرة مشوي، وكمان نفرطه لهم.
نهر: وممكن لما نروح خان الخليلي، نروح مصمت، وأخليهم ياكلوا عكاوي وملوخية، حاجة كده ترم عظمهم وترجعهم شباب.
إدوارد: نهر، إنتِ ناوية على إيه بالضبط؟ الناس دي أمانة في رقبتنا. وليه خان الخليلي؟
نهر: واحد فيهم تاجر مجوهرات، وفي خان الخليلي شغل الفضة والذهب على أصوله، والمشغولات النحاسية والانتيكات، وأكيد ذوقه عالي يتفرج. كمان هناك فيه كذا ورشة أرابيسك وشغل خشب معشق في وكالة الغوري، وشغل صدف. وده هيعجب الراجل الثاني إن شاء الله، لإن عنده مصنع أبواب. ده غير كذا جامع أثري بأبوابهم تحفة. متأكدة هياخدوا صور للذكرى، خصوصاً زي ما فهمت زيارتهم الأولى لمصر.
آدو: حلو. اللي يهمني بقي الأكل إمتى؟
نهر أخرجت من حقيبتها موزتين وعيش فينو: اتسلى بدول وأسند بيهم نفسك على ما ربنا يفرجها.
آدو: ليه بتعاملني على إني قرد؟ إيه هتغدي سندوتشات موز؟
نهر: اركن على جنب يا آدو. هدخل أجيب الناس من جوة. على ما تاكل، قلت لك سد جوعك شوية. وقلت هتصرف وندخل مصمت. إيه يا عم، هدي معدتك علينا شوية. بني آدم غريب، مخه في كرشه.
دخلت نهر ورجعت بأربعة رجال.
آدو: مش هما اتنين؟
نهر: واثنين بودي جارد. اطلع على الخان يلا.
قضوا جميعاً يوماً رائعاً، وسعد كل من ديمير وطاهر بكل شيء. لم يتخيلا أن يسعدا بتلك الطريقة، خصوصاً بكمية الشرح الرائع لنهر بكل ما يمرون به، والطعام التي أحسنت اختياره لهم، ولم يذوقا مثله قط (كوارع وملوخية وكبدة مشوية). أوصلتهم لداخل الفندق، وأوصلهم البودي جارد لغرفهم.
اتصل طاهر ببرهان أغا ليحكي له عن يومه وكم كان رائعاً في كل شيء، ودعاه إلى غرفته ليريه ما اشتراه من أشياء ومن صور التقطها، ونصحه أن ينضم إليهم.
طلب برهان من صديقه أن يعطيه رقم رينا، فقال إنها لم تعطِ أحد رقمها، بل اتفقوا أن يتقابلوا بصالة الاستقبال الواحدة ظهراً، أي بعد صلاة الجمعة.
برهان: وإذا حصل أي شيء وأحببت تأجيل الميعاد.
طاهر: ابعت رسالة على ماسنجر أو على تليفون آدو بالإنجليزية.
برهان: إذاً، ابعث لها إن كانت متفرغة صباحاً لترافقني لمنطقة ما هنا بالقاهرة.
طاهر: أي منطقة برهان؟ ولماذا؟ ماذا حدث معك اليوم صباحاً منذ أن جئت من الخارج، وأنا أرى توترك.
برهان: صباحاً مضيت على أوراق ملكية الأرض التي ستبنى بها المستشفى، لكنني لا أثق في رفيق أو معتز، هما جشعان للغاية. طاهر، لا أفهم حقاً كيف برمجوا رأس فيروزة وعمران، وقبلهم إيزل.
طاهر: أنت لم تنسَ بعد أن معتز تزوج حفيدة رغماً عنك، لكني أظنهم سعداء. آغا إيزل لم تعد تلك البنت الصغيرة.
برهان: لم أرغم بذلك فقط يا طاهر، بل أرغمت أيضاً أن أشتري تلك الأرض لأبني مستشفى يكون مديرها ذلك التافه الحقير. أعلم أنها خطوة ليبعد بها حفيدتي عني، وبعدها يستولي على أموالها. لكن المصيبة الكبرى أن حفيدتي وابنتي وزوجتي مقتنعين أنه إنسان نظيف، وإني أتجنّى عليه، بل ويشجعونه. هو أصبح على يقين أن بوجوده بتركيا وعيشه معنا لن يحصل إلا على ما أريده أنا. لذلك، أدخل في رأس إيزل أنه تعب من السفر لهنا للاطمئنان على أخوته، خصوصاً بعدما استقر رفيق هنا وفتح شركة مقاولات.
طاهر: طالما أنك متأكد من أنه سيحاول الاستيلاء على ممتلكات إيزل، لماذا تنفذ له تلك المستشفى؟
برهان: حتى يعمل. طاهر، هو إلى الآن مجرد طبيب في المستشفيات. صهري أنا يعمل ليقبض مرتب آخر الشهر لا يكفي حتى مصروفه الشهري. أقنع إيزل أنه يريد أن يكبر، وسيشارك أخيه بعمل عيادة في حي مصري هنا، وسيضطر للإقامة هنا لفترة من الوقت. فما كان منها إلا أن ناقشت الفكرة مع فيروزة وعمران، الآتي أشارا عليها ببناء صرح يكون هو مديره ويعمل به ليكبر ويكون ذاته سريعاً.
طاهر: لم يكن عليه أن ترضخ له من البداية وتزوجه إيزل.
برهان: لا تذكرني. فقط كسر ظهري عندما علمت أنه احتال عليها وأصبحت حامل منه. كانت أيام عصيبة. ماذا كان بيدي لأفعل؟ قلت أزوجها له قبل الفضيحة.
طاهر: كنت ببساطة تنزل الطفل وتسجنه للاعتداء عليها.
برهان: هي تحية حد الجنون، وكانت لن تخضع لما أقول. لقد وقفت في وجهي وقالت: نريد أن نتزوج ونحب بعضنا البعض، لا تحرمنا من السعادة. المهم، أريد أن ترافقني تلك الفتاة إلى موقع الأرض. أراها بعيني، وأعرف المباني المحيطة بها وطبيعة المنطقة. سيبدأ العمل بالحفر في خلال هذا الشهر.
طاهر: على بركة الله. برهان، لا تقلق، فأنت بيدك كل ممتلكات عائلة برهان، وستكشفه لها عاجلاً أو آجلاً.
برهان: اتصل بتلك البنت لأرى الأرض غداً وأعرف بالتفصيل في أي منطقة سنبني ذلك الصرح.
اتصل بها طاهر ماسنجر، وأعلمها أن برهان أغا يريدها غداً باكراً. ردت نهر مباشرة لتسأل في أي وقت يريد، فسأل برهان ليقول السابعة صباحاً، فوافقت نهر.
عندما نزل برهان للاستقبال، وجدها تجلس هناك.
برهان: صباح الخير.
نهر: صباح الخير.
برهان: هيا، أنت معك سيارة، أليس كذلك؟
نهر: لم يقل لي طاهر بك أن يكون معي سيارة، لكن من الممكن أن آتي بفان التي نعمل عليها أنا وآدو. أعطني عشر دقائق أذهب إليه لأخذ المفتاح، فهو على وشك الانصراف.
أشار بيده أن تذهب، فذهبت وكانت أمامه في خلال عشر دقائق وهي تنهج وتقول: جاهزة، تفضل من هنا.
ليمشِ بجانبه متجهاً لباب الخروج.
برهان: لماذا لا يوجد لكِ سيارة خاصة؟
نهر: سعر السيارات هنا عالي، وأفضل استعمال الدراجة عندما أذهب للكلية.
وصلا الميكروباص.
نهر: تحب تركب في الأمام أم الخلف؟
برهان: أليست هذه وسيلة مواصلات جماعية هنا؟
نهر: نعم، هي كذلك، واشتراها آدو لتنزه بها السائحين، وبالطبع في العادة نختار عائلة أو مجموعة.
برهان فهمت. سأركب في الأمام. وصعد وركب بجانبها، وأخرج من جيبه ورقة ليقول لها: أريد أن أصل إلى هذا العنوان.
أخذت نهر ثم قالت: القاهرة الجديدة، التجمع؟
برهان: ما به العنوان؟
نهر: أول مرة أذهب هناك. سأفتح GPS لأني لا أعرف الطريق.
برهان: افعلي ما تريدين، لكن بسرعة. أود الرجوع سريعاً.
بعد حوالي ساعة إلا الربع، وصلوا لخلو الشوارع، فاليوم الجمعة.
نهر: دي أرض فاضية.
برهان: هل أخبرتك أنها مبنية؟ هل تعرفين شيئاً عن تلك المنطقة؟ نسيت، أنتِ أول مرة تأتين إلى هنا.
نهر: منطقة التجمع من المناطق الجديدة، طبعاً. حضرتك شفت الزحمة الموجودة في وسط القاهرة. المنطقة هنا المفروض إنها راقية، اللي يسكن هنا لازم يكون عنده عربية، لأن عدد الأدوار محدد، ويغلب على المنطقة أنها إما فيلات أو كمبوند، أو بيعت أراضٍ لأهالي لعمل سكن خاص. المفروض إن فيه مشروع مونوريل هيتعمل هنا، وبدأوا فيه بالفعل. فيه مواصلات عامة، لكن قليلة ومش بتوصل لأماكن كثيرة. هنا أشهر منطقة في التجمع مدينة الرحاب، ودي مدينة بمعنى الكلمة، لأن كل الخدمات موجودة بها، حتى الباصات الداخلية. وأيضاً عدد باصات للمناطق المختلفة في القاهرة، وكمية مولات كثيرة داخلها وخارجها. المستوى المعيشي هنا مرتفع، وزي ما حضرتك شفت، مش منطقة مستوية. معظم المباني هنا مبنية على مستويات مختلفة نتيجة ميل شديد في التربة.
برهان: بارك الله فيكِ. هذه الأرض، وصممنا مستشفى لها مدخل من الشارع الرئيسي، مرتفع عن الشارع الخلفي حوالي خمسة أمتار، لذلك صممت أن يكون المدخل الرئيسي على الأرضي، وما به من استقبال وعيادات خارجية وطوارئ، والخلفي على الجراجات. أمس أنهيت كل إجراءات الأرض، وسنبدأ قريباً في الحفر.
نهر: هل ستنشأ مقر جديد للشركة في مصر؟ قصدك تنفذ المشروع؟
برهان: لا، لكن أفكر جدياً أن أشتري قطعتي أرض بالقرب من هنا لأنشأ عليهما قصرين، يصبحا بعد أن يأخذ الله أمانته لحفيدي. لذا، بما أني أرى أنك مجتهدة، أريد منك تقريراً كاملاً عن هذه المنطقة، طبيعة السكن بها وكثافته، متوسط عمر البنايات، وأقرب مستشفيات والخدمات، سعر الأرض من ثلاث سنوات إلى الآن، وحصر للأراضي القابلة للبيع ومتوسط الأسعار. باختصار، كل معلومة عن هنا. طبعاً لن تكوني مصدري الأوحد، سأقارن بين ما يأتيني.
نهر: لا أعتقد أني أستطيع فعل ذلك. لقد أخبرت عمي طاهر.
برهان: عمك طاهر؟
نهر: نعم، سمح لي بأن أناديه عمي. المهم أني سأكون معه اليوم وغداً، واحتمال يوم الأحد. وقال إنكم ستنتهون من العمل والتنزه، وترجعون دياركم الاثنين ظهراً. وطبعاً سأكون في كليتي، فمستحيل أن أراكم. بعد ذلك، عندي أسبوع حافل من التسليمات لمشاريع وأبحاث، وبعدها امتحانات آخر العام. فمن أين لي الوقت للبحث والتحري عما تريد؟ لذلك أعتذر عن قبول هذه المهمة. أما موضوع أن أهتم بعملي لأجل المقارنة، فأنا لا أقبل بعمل إلا أن أنهيه بأحسن وجه. فلا داعي لترهيبني كي أدقق في عملي. والآن، هل تحب أن تأخذ جولة حول المكان لتتعرف أكثر عليه وما حوله؟
برهان: فكري في الأمر. أنا يدي سخية على من يتقن عمله.
نهر: فكرت. مهمتي الأساسية الدراسة، وعملي لا يجب أن يؤثر فيها بشكل كبير. لأنه يؤثر، لكن لن أسمح بأن يأخذ ولو ساعات في الأيام الأخيرة من العام، فهي مخصصة للتركيز في الدراسة.
برهان: إذاً، فلنتجول حول المكان.
بعد قليل.
برهان: أين ستأخذين طاهر وديمير اليوم؟ رغم أن طاهر أخبرني بمدى تعبه من كثرة المشي، لكنه كان سعيداً للغاية.
نهر: إنهم شخصيات لطيفة، وأنا أحب التعامل مع رجال ناضجين عن التعامل مع الشباب. لكنهم ما شاء الله يتمتعون بحركة خفيفة وروح جميلة. فكرت أن نذهب لجامع السلطان حسن، وهو جامع أجمع كثير من الرحالة على جمال بنيانه وتناسقه. بالمناسبة، يرجح أنه من إبداع معماري سلجوقي، ولو إنه لم يكشف أو يعرف بعد عنه، لكن مرجح أنه كذلك. وهو من المساجد المحببة لنفسي، ودائماً صيفاً أو شتاءً الجو بداخله ممتاز. وبجانبه مسجد الرفاعي، ومدفون به كثير من الأسر الحاكمة العلوية وشاه إيران بعد نفيه، ويتميز بروعة التشطيبات وزخامتها. والإثنان قريبان من القلعة، وما أدراك ما القلعة؟ عدد مبانٍ أثرية ومتاحف غاية في الجمال والروعة. لا تنسَ أن تقول لمرشدك أن يرافقك لهناك. وأنصحك أن تصلي بمسجد سارية الجبل، وهو مسجد صغير نسبياً ملحق بمباني القلعة، به الكثير من السكينة، وبعيد عن مرمى نظر السائحين الزائرين للقلعة.
برهان: أتعلمين أنكِ كثيرة الكلام؟ قلت جملة، لكنك شرحتِ لي كثيراً. أرجو منكِ الإجابة باختصار، لا استفاضة.
إيه هيحصل بعد كده؟ ويا ترى طريقة كلام برهان أغا لنهر هتتغير ولا لأ؟ هنشوف في اللي جاي.
أسرار الماضي لبنت ناس ( بقلم / رينا الهادي )
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الأربعون 40 - بقلم رينا الهادي
أستغرب برهان أغا بما قالت نهر. حدث نفسه بأنها مجرد فتاة صغيرة لا تستطيع أن تفعل ما أوكله لها، لذلك رضى بما قالت. بعد أن تحولوا حول المكان وسألوا المارين عن المكان، رجعوا للفندق. تكلم مع طاهر وأعلمه عن استغرابه لأنه كان يعتقد أن نهر ستقوم بما قاله، لكنها اعتذرت. فقال له طاهر إنها لا تتهرب منه، بل إنها تعرف حدود طاقتها، فهي ما زالت طالبة. لذلك قرر برهان أغا أن يتعرف عليها أكثر ووافق أن يذهب مع طاهر وديمير في التنزه.
وكانت فكرته صائبة، فقد استمتع كثيراً عندما كانت مرشدتهم في التجول في الأماكن الأثرية. وكم كان رائعاً الأماكن التي اختارت زيارتها، خصوصاً أن من بينهم رجل أعمال مهتم بالتشطيبات الداخلية للأماكن، وهو أيضاً الموكل الوحيد الذي يعتمد عليه برهان أغا في كل التشطيبات الداخلية لمشاريع وللمستشفى الجديد بالقاهرة.
ذهبوا جميعاً أولاً إلى جامع السلطان حسن وانبهروا بهذا البناء الشاهق الجميل، وأيضاً بمسجد الرفاعي. وارتاحوا كثيراً في مسجد سارية الجبل، مسجد صغير لكنه مليء بالتفاصيل الجميلة والروحانيات الرائعة والهواء العليل. كانت نهر في كل مسجد تأتي بمعلومات قيمة وجميلة لهم، هذا بالإضافة إلى ما يرونه من آثار جميلة أثارت دهشتهم.
ديمير بدهشة: بالامس كانت رحلة رائعة. مشينا كثيراً وعندما تعبنا أتت لنا بكراسي متحركة. تخيل، لقد جلسنا على الكراسي ومشينا في الشوارع. لكن لا أرى أنها تقدر أن تأتي لنا بمثل تلك الكراسي هنا.
دخلوا متحف المركبات الملكية، انبهروا بكل ما رأوا. مساجد كثيرة حول القلعة وجميلة. القلعة لا تختلف كثيراً عما هو في تركيا. مآذنها مدببة على الطراز التركي أيضاً، لكن ما هذا المنبر؟ ما هذه التعشيقات؟ ما هذا الجمال في الفن المصري؟ نعم، إنه الحرفي المصري عندما يبدع.
كما هو الحال في مرات سابقة، استطاعت نهر أن تأتي لهم بطعام أعجبهم كثيراً، لكنها أيضاً كانت خائفة عليهم، فهم في سن كبيرة لا يستطيعون أن يأكلوا من الأكل المصري المسبك. لذلك اختارت أكلات إلى حد ما خفيفة. وطلب ديمير وطاهر ملوخية كما بالأمس، وأعجب بها أيضاً برهان. ورغم أن الملوخية بها الكثير من الثوم، إلا أن نهر شددت على الطاهي ألا يضع بها الكثير حتى لا تتعبهم ليلاً. استمتعوا بالطعام كثيراً ومضى اليوم. واستمتع أيضاً من كانوا معهم من الحراس وإدوارد بالطبع، الذي أكل فوق استيعاب معدته، فهو أكل مجاني من هؤلاء الرجال. كان يوماً رائعاً كالعادة، وهو عطلة بالنسبة له من العمل.
طاهر: تفضلي هذه الشوكولاتة. أعرف أن الفتيات يحببن الشيكولاتة كثيراً.
أخذت منه الشوكولاتة ثم نظرت إليها وأرجعتها له.
نهر: آسفة، عندي حساسية. لا أحب الشوكولاتة بالمكسرات. شكراً لك، لكن تستطيع شراء شوكولاتة سادة في المرة المقبلة.
نظر طاهر لبرهان نظرة فهمها برهان ولم يتكلم.
طاهر: كان برهان كذلك في الماضي، لا يأكل المكسرات. لكن الآن السن قد حكم علينا بعدم أكلها.
في طريق العودة ليلاً، نهر وإدوارد في العربة من الأمام. كان إدوارد السائق ونهر بجانبه.
إدوارد: أنتِ عارفة إني مش هكون معاكم بكرة، لأني الصبح هاخد وردية الصبح في الفندق. فأنا هنام في غرفة العمال تحت، وإنتِ خدي المفتاح وروحي ريحي في الشقة.
نهر: لا يا آدو، أنا مش بنام في شقتك غير لما إنت تكون معايا.
إدوارد: يا بنتي، أكيد بين المغتربات قفل مش آخره تسعة. في الصيف إحنا داخلين على عشرة ونص. على ما تروحي هتكون أكتر من حداشر. هتنامي فين؟ والناس دي بتقول هيجهزوا بكرة تأمينية الصبح.
نهر: علشان أنا قولت هرجعهم على خمسة يا آدو، فهيبدروا بكرة الخروج. عموماً ما تقلقش، عاملة حسابي. هنام هنا. أنا هموت من التعب. هدخلهم الفندق وأدخل الحمام وأصلي وأجي أنام في الميكروباص. وما تخافش، هغطيه مش هيبان إن حد نايم فيه. والصبح هدخل الفندق أغير وأخدهم ونبدأ رحلة جديدة.
إدوارد: طب أنا ممكن أتوسط تنامي في أوضة العاملات البنات، إيه رأيك؟
نهر: لأ يا آدو، دول بياخدوا وقت وكل شوية حد بيدخل الأوضة وبيزعجوا اللي نايم. أنا هقفل كويس عليا، ما تخافش.
إدوارد: مش جايلي قلب أسيبك تنامي فيه، يعني في الشارع. بصي، أنا هدخله جراج الفندق هستأذن وأدخله. على الأقل أكون مطمئن شوية عليكِ يا آخرة صبري. ومش همشي غير لما أغطيه بنفسي وإنتِ جوه، ماشي.
نهر: ماشي، مش هجادل. أنا أصلاً هموت وأنام.
كل الحوار كان يسمعه برهان لأنه كان يجلس ورائهم مباشرة. كان يحاول أن ينام كأصدقائه، لكن لم يستطع. استغرب من علاقتهم ولم يفهمها. هل هم إخوة أم أصدقاء أم أقارب؟ ثم لام نفسه وهو يقول: "لما أشعر بالغيرة على تلك الفتاة؟ هي ليست من أهلي، فلتفعل ما تشاء."
وصلوا الفندق، وجاء اليوم التالي ليستغرب الرجال من وجود نهر بدون آدو. كما استغربت نهر من وجود الأربعة رجال.
ديمير: أين أخاك يا بنت؟
نهر: أنا فقط اليوم معكم. هو لديه أعمال. ألا يكفي؟ ثم إنكم تأتون بحارسين أو ثلاثة. أرى أن عددكم يزيد كل يوم. (وجهت كلامها لبرهان) اعتقدت أنك حضرت معنا بالأمس مجاملة لي على وجودي معك صباحاً. لماذا أتيت اليوم؟
برهان بابتسامة: لا توجد مجاملات عندي. طاهر قال لي أنه استمتع، فأردت التواجد. وأعجبت باختيارك للأماكن وشرحك لها. نزلت اليوم معهم. وبعد أن رأى فيدات صور أمس، قرر أن يأتي معنا. عندك اعتراض؟
نهر: إطلاقاً، بل سعدت بوجودكم. هيا بنا.
اتجهوا إلى الأماكن التي ساق إليها نهر. فقد حددت اليوم جامع أحمد بن طولون وبيت الكرتلية وبيت جاير أندرسون. وفي الطريق كان طبعاً عدد من الأسبلة والمساجد التي مروا بها. انبهروا بسبيل أم عباس. أرادت أن تذهب بهم إلى أماكن دينية أكثر، فذهبوا جميعاً إلى مسجد الإمام الحسين، وأيضاً مسجد السيدة زينب والسيدة نفيسة. وانتهت الرحلة بذلك ورجعوا جميعاً على الساعة 5:00 مساءً.
وهم ينزلون من الميكروباص، قالت نهر: لن أنزل لتوصيلكم اليوم. فقط أريد برهان في موضوع ما. هل تسمح لي سيدي؟
هز برهان رأسه بعد ما نزلوا جميعاً ما عدا برهان.
نهر: يوجد مستشفى قريب من هنا وأريد أن تاتي معي إليها.
برهان: لماذا؟
نهر: فقط خدمة لي سيدي، ولن تتأخر. عفواً منك، لكنه أمر هام بالنسبة لي.
أومأ لها بهز رأسه وقال: لا تتأخري أرجوك، فإني متعب للغاية. فقط هلكت من كثرة المشي ومن كثرة أحداث اليوم.
نهر: وهو كذلك.
برهان: ألن تأتي غداً؟
نهر: لا أظن. أعتقد أنني لا أستطيع أن آتي إليكم غداً، فأنا قاربت على الامتحانات. وسوف أرى إن كان ينفع أن آتي أو لا.
ذهبت سريعاً إلى المستشفى. كان إدوارد قد سبقها. كانت رقية في الانتظار. لمحت إدوارد من بعيد، وهو أيضاً لمحها فاختفى من أمامهم.
نهر: من فضلك، هذه صالة الانتظار. هل تنتظر إلى أن آتي؟ أرجوك. (نظرت بجانب عينها على المنطقة، وجدت أمها تجلس وهي تضع رأسها على حافة الكرسي مغمضة العين بتعب وإرهاق) اجلس من فضلك إلى جانب هذه السيدة.
استغرب طلبها، لكنه جلس بجانب رقية في صمت.
بعد وقت قليل، تكلم برهان أغا باللغة العربية وقال: مريضة بماذا يا ابنتي؟
فتحت رقية عينيها باندهاش ونظرت إليه. كاد قلبها أن يتوقف عندما رأته بجانبها. وحملقت به بصدمة.
برهان: أتكلم العربية الفصحى وأعرف قليلاً من العامية. أي مستشفى هذه؟ وما مرضك؟ أووه، أعرفك بنفسي. برهان أغا، تركي. هل تفهمينني؟
أتت عاملة الاستقبال لتقول: مدام رقية أحمد، اتفضلي معايا.
رقية بصوت مهزوز: كان فيه شاب معايا. هو فين؟
العاملة: متهيأ لي عند أوضة الفحص.
برهان: تخيلت إنك خرساء؟ هل أخفتك؟
رقية وقد ملأت الدموع عينيها: لا يا والدي، لم أخف. (رفعت رأسها إليه) فقط لا أكلم الغرباء. ألست غريباً؟
برهان: نعم. شفاك الله.
رقية: شكراً.
(إلى هذه الدرجة يغير الزمن من ملامحنا؟ فابنة التسع عشر ربيعاً لا تمت بصلة لتلك السيدة التي تعدت ما فوق الأربعين. بل لم يترك لها المرض، وآه من قسوة المرض، تلك الملامح الرقيقة السابقة. إلى درجة أن لا يعرف الأب ابنته.)
مشت رقية بلا روح حيث حجرة الفحص، وكان إدوارد أمامها.
إدوارد: مالك يا ماما؟
رقية وهي تنظر له بتوهان: تفتكر هيرجع تاني يا آدو؟
فهم إدوارد سؤالها على أنه مرض السرطان، هل يرجع لها مرة أخرى.
إدوارد: المرة دي لأ. والفحص يبين أن جسمك خالي منه. ما تخافيش يا ماما.
رقية ابتسمت بضعف: عندك حق، مش هيرجع. وأضافت بصوت خفيض: (هو ما عرفنيش حتى ولا حس بيا بعد ما كان بيحس بيا قبل ما أدخل عليه. خلاص نسيني ومحي وجودي).
نهر بعد قليل لبرهان أغا: عفواً، لقد تركتك وحيداً.
برهان: لماذا جئت بي إلى هنا؟ الناس هنا غرباء للغاية.
نهر: ماذا حدث؟
برهان: لا شيء. فقط كانت تجلس بجانبي امرأة غريبة الأطوار. أكلمها ولا تنطق إطلاقاً. ثم جاءت العاملة وقالت اسمها فذهبت معها. عندما أردت أن أعرف لماذا لم تتكلم، قالت: لا أتكلم مع غرباء. نحن في مستشفى وليس ملهى ليلي. ما الذي يخاف امرأة كبيرة من التكلم؟
نهر: ألم تذكرك تلك المرأة بأي شخص تعرفه؟
برهان: لما تذكرني بأي شخص؟ هي مصرية وأنا تركي. حقيقي، أنتم غرباء للغاية. هيا قولي ما الغاية لوجودي هنا؟
أغمضت نهر عينيها بتعب لحظات ثم فتحتهم على صوت ممرضة تقول: إزيك يا عسلية. جاية تطمني على أمك صح؟ إن شاء الله التحاليل والأشعة تثبت أنها خلاص خفت خالص وما فيش حاجة فيها. بس أوعي تنسي الحلاوة بتاعتي.
نظرت لها نهر بتعب: إن شاء الله. ادعي لها. عموماً لو اطمنت هاجي الأسبوع الجاي وحلاوتك معايا. ثم التفت لبرهان أغا: اتفضل علشان ترجع الفندق.
برهان وهو يرفع إحدى حاجبيه: أفهم أولاً. لما أتيت إلى هنا؟ وما هو غرضك؟ لست بغرض تأخذه معك. ما هي مشكلتك؟
نهر: حسناً سيدي. لقد أتيت بك إلى هنا لسببين. أول سبب هو أن ترى المستشفيات، بما أنك سوف تقيم مستشفى هنا في القاهرة، فأردت أن ترى على الطبيعة المرضى والمستشفيات. السبب الثاني أن هذه المستشفى للأورام السرطانية. وهنا في مصر معظم هذه المستشفيات تحب أن تتبرع لها لشراء الأجهزة الباهظة التي تستخدم. فإن أحببت أن تتبرع. لقد عرفت لماذا جئت بك إلى هنا. هيا لنرجع إلى الفندق.
برهان: إنك تكذبين. هناك سبب آخر، ولذلك حزنت عندما لم أتعرف على من كانوا هنا. من هذا المرأة التي أراد أن أتعرف عليها.
تنهدت نهر بحزن: لا عليك. لقد قلت لك ما أريد. فلتتفضل معي، فإني متعبة وأنت أيضاً. أرجوك.
ذهب معها. ومشيها في الطريق، اتصل بها إدوارد ليقول لها أن الأشعة المبدئية تقول أن أمها قد شفيت تماماً. ففرحت، لكنها حزنت سريعاً عندما قال لها أنها تريد أن ترجع اليوم إلى البلد. قالت له: أريد أن أكلم أمي.
نهر: ليه عايزة تروحي النهاردة؟ إنتِ وحشاني جداً وأنا ماشفتكيش من فترة يا أمي.
رقية: حبيبتي، فيه مشاكل كتير. إنتِ لما بلغتي رضا إنها تسلم أول دفعة، فاجأت. بذلت مجهود كبير وخايفة عليها يحصل لها حاجة، خصوصاً ما حدش يعرف بحملها. ولولا إنها ماكنش عندها اعتراض إني أقولك ما كنتش قلت لك. أنا الحمد لله كويسة والتحاليل هتظهر بكرة، لكن الأشعة طمنتنا.
نهر: طب هوصل عميل وآجي أوصلك. مش هسيبك ترجعي بالليل كده. أرجوك ما تمشيش. أنا هموت من القلق عليكِ. يا أمي، ما تتحركيش غير لما آجي ونتعشى مع بعض.
رقية: تمام. إنتِ كمان وحشاني. وبجد قلبي مقبوض أوي. تعالي، لأني هرجع النهارده. (كانت رقية تريد الهروب من القاهرة بعد أن رأت أباها ولم يعرفها، فصدمتها كبيرة، لكن تريد التماسك قدر الإمكان).
نهر: تمام يا أمي. بس هوصل عميل وآجي طيارة لعندك وهوصلك. مستحيل ما أشوفكيش.
في القرية، البيت الكبير. كانت عزيزة تمشي في صحن البيت بعصبية ويظهر عليها الغم الشديد. دخل مصطفى بعد يوم عمل شاق وهو مجهد، ليرى أمامه عزيزة.
مصطفى: مالك كده؟ حاسس إنك هتولعي في الدنيا.
عزيزة: رضا غفلتنا كلنا.
مصطفى بذهول: إزاي يعني؟
عزيزة: امبارح بالليل ندهت أخوها وحولوا فراخ وبط لعبدوا بتاع الفراخ، وخدت كمان علف وملوا المحل عنده. وطول اليوم النهاردة بيدبح فيهم. على أذان العصر جت عربية، واحد الفراخ والبط المدبوح منتصف ومية مية. غفلتنا كلنا وباعت أول دفعة، وأكيد كسبت شيء وشويات.
مصطفى: مش أخوك قال تسليم أول دفعة آخر الأسبوع؟
عزيزة: وأنا بقول إيه من الصبح.
مصطفى: أكيد حصل حاجة خلتها تبدر في التسليم. بس مهما كسبت في الدفعة الأولى مش هيبقي قد خسارتها في الباقي. أخوك قال هتسلم دفعة كل أسبوعين. يعني عندها كمية كبيرة لسه. صرفت عليها أعلاف وأكل وإيجار وتعب. فقبل الدفعة الجاية، أعملي ما بدالك، وما تخافيش، هتتحسر وتخسر المشروع.
عزيزة: وأنا لسه هستنى الدفعة الجاية؟ أنا هخلي أخوها يحط في الماية بتاع الطيور من إزازة أدتهاها لأمها علشان الهانم تعبت من الوقفة النهاردة وتحويل الطيور امبارح، فقالت لأخوها الصغير يروح يملي ماية للطيور ويحط أكل. ومستنية تيجي مرات أبوها وتديني التمام.
مصطفى: وأخوها رضي بسهولة كده؟
عزيزة: لأ يا خويا. أنا كلمت مرات أبوها الأول. لإن لإن عارفة هي عاوزاها ترجعها البيت عندها قد إيه. الولية فرهدت من شغل البيت وبناتها كمان. الشحاتة اللي فوق كانت خدامة للكل. فهي حايلت الأول ابنها يتحايل عليها تشغله معاها. وشغلته وبتديه عرقه. وده شغل قلب مرات أبوها أكتر. بعد ما كانت مداس في رجلهم، بقت بتشغيل أخوها. والصراحة الواد فاكر إن الإزازة فيها دوا للطيور تخليهم يسمنوا بسرعة. لأن أمه هي اللي ادته الإزازة مش أنا. يعني من الآخر أنا برة الموضوع.
مصطفى: صح كده. مالناش في الحوار. المهم هي طبخت النهاردة إيه؟
عزيزة: النهاردة أورديحي يا حبيبي. كشري أصفر وبيض مدحرج وبطاطس مقلية وسلطة خضراء.
مصطفى: كنتي أجلتي يومين علشان ناكل يومين حلو. أكيد كانت هتعزمنا بكرة على حاجة حلوة.
عزيزة: لأ، لازم أقهرها على طول. ما تلحقش تفرح. مش كفاية دمي محروق من الصبح.
مصطفى: طب هاتيلي أكل واعملي كوبايتين شاي نشربهم مع بعض.
عزيزة: وإنت مالكش إيد؟ ادخل اغرف لنفسك يا أخويا. وابقى اعملي معاك شاي يا صغنن.
مصطفى بعيظ: هي رضا بهتت عليك ولا إيه؟
عزيزة: الأكل عندك جوه سخن. اغرف واخلص.
أوصلت نهر برهان أغا وسابقت الزمن لترجع للمستشفى. ورقية أصرت أن ترجع البلد من دونهم، فواضح على وجوههم شدة الإجهاد والتعب. أوصلوها إلى المحطة حتى ركبت وانطلقت بها السيارة البيجو إلى البلد، وهي تحمد ربها إنها استطاعت إقناعهم بتركها، فهي تريد الانفراد بنفسها والتكلم مع إيمري بعد ذلك. أوصل إدوارد نهر لبيت المغتربات واتجه إلى بيته بالميكروباص الخاص بهم دون الكلام مع نهر، لأنه يعرف كم هي حزينة على فشل خططتها وصدمتها من رد فعل برهان أغا ورقيه.
في الصباح التالي، التقيا كلا من نهر وإدوارد في المترو ليفطروا سوياً. وتكلما مع رقية ماسنجر. بعدها قامت رقية وشربت كوب من الشاي واتصلت برضا لتطمن عليها.
رقية: السلام عليكم. رضا أخبارك إيه بعد مجهود امبارح؟
رضا: الحمد لله يا أبلة. أنا حتى بعد ما سلمنا الدفعة رجعت البيت وخليت أخويا يروح للطير يحط أكل وماية. بس مش عارفة يا أبلة، على طول دايخة وبرجع والدواء مش جايب نتيجة. برضو تعبانة.
رقية: الدواء مش هيمنع الأعراض الطبيعية للحمل، لكن هيقلل منها. وإنتِ خلاص تقريباً كده في الشهر الثالث. ولازم تعرفي جوزك يا رضا.
رضا: هو اتفق معايا، هيطلقني على آخر الشهر خلاص. وأنا كسبت شوية فلوس ممكن أجيب سرير وأوضب أوضة عند الفراخ. لأني مش هينفع أروح لأهلي، هيفحتوني شغل. وأنا عايزة أحافظ على اللي في بطني.
رقية: يا رضا، الحمل ذات نفسه خطر عليكِ. مش خايفة تسيبيه لوحده؟ أنا فهمتك الوضع.
رضا: اللي كرمني بيه وطبطب على قلبي مش هيسيبه. وكرم ربنا كبير. بس وحياة ولادك يا أبلة، لو جرالي حاجة ما تسيبيهوش لأهلي يزلوه ويكرهوه في حياته. وخصوصاً لو بنت، تاخديها إنتِ تربيها. والله ربنا يكرمك ويجبر خاطرك في أولادك.
مسحت رقية دمعة نزلت منها وهي تقول: إيه العبط ده؟ ربنا هيقومك بإذن الله. المهم إيه الدوشة اللي حواليكِ دي؟
رضا: أصل أنا بكلمك وأنا ماشية في الشارع. حتى وصلت للبيت اللي فيه الطير. جاية أحط أكل وماية. دي أرواح برضه، حرام تجوع.
رقية: ماشي يا ستي. نهر بالمناسبة بتسلم عليكِ وما تتعبيش نفسك مع الطيور.
رضا وهي تفتح باب الشقة على الطيور: تعب إيه بس. ثم قطعت كلامها لتصرخ بذهول وهي تقول: يا لااااهوي! يا خرااااابي! الحقووووني يا ناس!
رقية برعب: فيه إيه؟
رضا: الطيور! الطيور يا أبلة! ميتة كلها وريحتها طالعة كمان. (أخذت بطة بين يديها وهي تقول: إزاي؟ إزاي بس؟ كانوا زي الفل امبارح. والله ما قصرت). أغلقت الهاتف وهي تصرخ بذهول: ليه؟ ليه تعمل كده فيا يا أخويا؟ دا أنا ما أمنت لحد غيرك! يا رب يا رب!
سمعت صوت هاتفها يرن باسم رقية مرة ثانية، لتقول بصراخ: أقول لها إيه يا رب؟ أقول إيه؟ خسرت بنتها فلوسها. الرحمة من عندك يا رب. بكت بحرقة لتلف بها الدنيا وتقع على الأرض عاجزة عن الوعي.
ركضت سيدة البيت لأعلى عندما سمعت صراخ رضا. وعندما وصلت هالها ما رأت. كل الطيور ميتة ورضا مغمى عليها. وعلى لبسها يظهر بعض قطرات الدماء. فصرخت هي الأخرى. ليجري عليها زوجها وأولادها ويرن هاتف رضا مرة أخرى وهو مرمي بجانبها.
وصل زوج السيدة إليها وهاله ما رأى. لكنه فتح الهاتف لتصرخ رقية: وقعتي قلبي يا رضا. فيه إيه عندك؟
ليجيبها الرجل: رضا مغمى عليها والطيور ميتة والريحة وحشة قوي.
رقية: أرجوك أي توك توك وخدها وديها لأي دكتور أو مستشفى.
الرجل: ما فيش دكتور بيفتح عندنا الصبح. ومعندناش غير المستوصف.
رقية: أنا جاية مسافة الطريق. وديها المستوصف بسرعة. واتصل بيا أول ما تروح. أكلم الدكتور اللي هيكشف عليها بسرعة قبل ما يحصل لها حاجة وحشة. أرجوك، أنا هدفع كل التكاليف.
الرجل: نبعت بس لجوزها عم محمد.
رقية: وديها الأول وبعدين بلغه. هي تعبانة. أرجوك.
وافق الرجل وأسرع وحمل رضا وجعل زوجته تنزل سريعاً لتوقف توك توك. وقال لابنه يذهب لبيت محمد ليخبرهم بما حدث. لبست رقية وأخذت معها كل النقود الموجودة بالبيت. وفي الطريق بعثت لنهر برسالة صوتية بكل ما حدث. فهي تعرف أنها اليوم في الكلية. وأيضاً كلمت الطبيب في المستوصف. وبعث له صور التحاليل والأشعة الموجودة على هاتفها حتى لا يخطئ في علاج رضا.
وصلت رقية ومحمد وعزيزة وتقابلوا على باب المستوصف. ليسأل محمد عن رضا ويتوجهوا جميعاً إلى المكان المخصص. عندما اقتربوا من إحدى الغرف، خرج الطبيب منها.
لتسأل رقية بلهفة: رضا كويسة يا دكتور؟
الطبيب: إنت الست اللي كلمتني.
رقية: أيوة أنا. هي عاملة إيه دلوقتي؟
الطبيب: إنهيار عصبي أثر عليها شوية. ما تخافيش. لولا إنك قولتيلي حالتها كان ممكن تكون في خطر. أنا اديتها حقنة مهدئة والنزيف وقف لأنه من الخوف. ومش نزيف قوي الحمد لله. والبيبي كويس. ولو إن لسة في خطر عليها. واكيد إنتِ فاهمة.
محمد بذهول: هي رضا حامل وما قالتش؟ (نظر بغضب لرقية) قالت لك إنتِ وأنا ما عرفش؟ ونظر للطبيب وقال: أنا مش عاوز العيل ده. ولادي يقولوا عليا إيه؟ أدخل نزله يا دكتور. أنا جوزها ومش عاوز عيال. وهي كده كده مش صاحية.
الطبيب: جرا إيه يا حضرت؟ ده مستوصف حكومي مش عيادة تحت السلم. الحاجات دي تعملوها بعيد عننا.
رقية: إنت إزاي كده؟ مش هامك مراتك التعبانة جوة وعايز تقضي عليها؟
عزيزة بجبروت وصوت عالي: وإنت مال أهلك؟ واحد ومراته. ولا عايز الناس تاكل وشه؟ عياله. يالا يا أخويا خد مراتك وأنا هتصرف.
رقية: تتصرفي إيه يا حيوانة؟ رضا عندها مشاكل في الرحم وممكن تموت فيها.
الطبيب: ده صحيح. الست دي بعتت لي تحاليل وأشعة ولازم دكتور متخصص. لأنها سواء سقطت أو ولدت، احتمال كبير تشيل الرحم.
عزيزة: إنت عملت اللي عليك يا دكتور. تشكر على كده. عايزين نستلمها بقى.
رقية: إيه اللي تستلمها؟ أنا مستحيل أأمن عليها معاك إنت بذات. مسكت تليفونها واتصلت برقم لتقول... أيوه يا حضرة الضابط. عايزة أقدم بلاغ فيه واحدة أنا معاها في المستوصف وخايفة عليها. لأنهم عايزين يسقطوها وهي غايبة عن الوعي. البنت عندها مشاكل في الرحم. وفيه عندكم في القسم محضر عدم تعرض لأخت جوزها. وأنا بجد خايفة عليها. حد يجي هنا الله يخاليكوا... طيب أنا مستنية. ممكن تقول للدكتور ما يخرجناش غير لما تيجي... والله البنت غلبانة قوي وممكن تموت في إيديهم.
الطبيب: خلاص يا مدام، مش هتخرج غير لما الشرطة تيجي.
رقية: طب منتظرين حضرتك. وأغلقت الخط بقلق.
الطبيب: على فكرة يا مدام، كده كده المريضة الخطر على حياتها بيكبر كل ما الحمل بيكبر.
محمد: يعني إيه يا دكتور؟
رقية: يهمك أوي؟ إنت عايز تسقطها من غير رغبتها وهي لسة ما فاتش؟ هي عايزة البيبي. ولو عايز تطلقها طلقها ومش هتطلب منك حاجة.
الطبيب: لا يا مدام، لازم يعرف. من الأفضل الست اللي جوه. البيبي ينزل دلوقتي قبل ما يكمل الحمل. لأن الخطر على حياتها بيزيد. وزي ما فهمت، هو جوزها وما يعرفش بحملها. أنا كده ريحت ضميري.
محمد بنظرة وابتسامة خبيثية: تقدر تقول الكلام ده لما يجي الظابط. وعلى قد فهمي كده، لو نزلت العيل مفيش مسؤولية على الدكتور. وقانوني، لأننا بنحاول ننقذ حياتها.
الطبيب: أيوه طبعاً. (نظر لرقية بأسف) لكن برضه لازم تحت إشراف طبيب. مش تاخد حاجة في البيت وخلاص. لتروح فيها. لأن بنسبة كبيرة الرحم هيتشال. وده معناه مش في عيادة دكتور. لا مستشفى مجهزة. ولا حتى في مستوصف، لأن ما فيش إمكانيات.
عزيزة بسخرية: يعني يا شاطرة، إعملي محضر أو ما تعمليش، هتسقط. واللي في مزاجنا هنعمله. اتصلي بقى بالظابط بتاعك. ما يجيش. ما هنوبه غير الروّاح والمجي.
رقية بدموع متجمدة وقد أدركت أنها من غير قصد أعطت لهم إشارة خضراء ليفعلوا بها ما يريدون: عبيطة أنا قدامك. لا طبعاً، هيجي علشان عارفك شيطانة وممكن تديها حاجة تسقط وتروح فيها. أوعي تفتكري إني مش فاهمة إن حركة الطيور مالكيش يد فيها. على الأقل أضمن تتعاملوا معاها بشوية إنسانية. إنت بذات مالكش فيها. (ثم نظرت لمحمد) نظرت الفرح والشماتة في إن مراتك تسقط. وإنت عارف كويس إنها مالهاش فرصة تانية. نزلتك من نظري قوي يا بو الدكتور. طلعت ما تفرقش عن إخواتك حاجة. انخدعت فيك سنين. وأوعي تقول علشان ولادي ولادك. أصلاً مش في البلد وكل واحد في مكان. ومش ذنبها إنها حملت. ده قدر ربنا ولا راد لقضائه.
عزيزة: وورد مش في البلد؟ هي كمان يجي لها أخ أصغر من عيالها؟ آه يا أختي. غلطتها هي. قعدت تغري أخويا وهو راجل يمسك نفسه إزاي؟ أخويا حكى كل حاجة. كانت قعدت بأدبها.
إنصدمت رقية من الكلام: تغري جوزها؟ (نظرت لمحمد وابتسمت بسخرية) لله الأمر من قبل ومن بعد. (نظرت للطبيب) ممكن أدخل الأوضة جوه لرضا من فضلك.
الطبيب: اتفضلي. بس لسة تقريباً ساعتين على ما تفوق.
عزيزة: الأوضة دي لها باب أو شباك تاني غير الموجودين دول.
الطبيب: لأ.
عزيزة: خوشي يا أختي، مش بعيد تكوني إنتِ اللي مصلطاها تلبسونا العمة. وما نعرفش إنها حامل. إحنا هنستنى هنا.
دخلت رقية الغرفة. وما إن دخلت حتى اتصلت بها نهر لتحكي لها. رقية ببكاء ما حدث وهي تكاد تقطع النفس من الحسرة والألم لما يحدث لرضا.
نهر: إهدي يا أمي. وحياة إنتِ لنعمل كل اللي نقدر عليه وربنا معانا وهتتحل بإذن الله. انتظري مني تليفون. لكن حاولي تعطليهم على قد ما تقدري إنهم ياخدوها مستشفى. على ما نشوف حل. مش قولتيلي إن أبويا عارف بحمل أبلة رضا؟
رقية: أيوه عارف.
نهر: تمام. هتواصل معاه ونحط خطة.
رقية: ربنا يستر.
بعد غلق الهاتف، اتصلت رقية بالضابط لتطلب منه أن يتصل بالمستوصف يعلمهم بمجيئه ويتأخر بعض الوقت. على الأقل إلى أن تستيقظ رضا ليأخذ أقوالها.
بعد فترة، فتحت عينيها بتعب وهي تستعيد ما حدث لها. مع دخول عزيزة ومحمد لتجد نفسها في غرفة غريبة ومعها رقية وعزيزة ومحمد. لتبدأ بالبكاء وهي تقول: والله ما قصرت يا أبلة. والطيور كان زي الفل امبارح. دا أنا بودي كل أسبوع حاجة للبيطري علشان يشوفها. أنا آسفة. ما تزعليش مني.
لتقترب منها رقية بابتسامة: ولا يهمك. كلّه فداك. ولا تحملي هم حاجة. تلاقي حد ابن حرام حرض أخوك وداله حاجة علشان يقهرك. بس ربنا كبير وقوي.
عزيزة: لمي لسانك يا قطة وبلاش تلقيح كلام وتتبلي على الناس علشان تداروا خيبتكم. وإنتِ يا تربية ناقصة بتخبي إنك حامل. أهو ربنا كشفك وهتسقطي النهاردة. والقطة اللي بتتحامي فيها قدمت للدكتور الدليل اللي ما يخليش علينا مسؤولية لما تسقطي. (وبتهكم) أصل أخويا قال صحة مراتي أهم من أي عيال. وبعدين هيعمل بأصله ويوديك مستشفى. وبعد كده في داهية. زي ما اتفقتوا في الأول من ورايا. روحي لأهلك، كل واحد يحطك تحت رجليه شوية.
رقية: أنا بعت للدكتور التحاليل علشان يلحقك على ما أجي. علشان ما يديكيش دوا غلط. مقصدش يأذيك.
رضا وهي تقوم بتعب واضح وتنظر لمحمد: كده كده هتطلقني. سيبهولي. والله ما هطلب منك ربع جنيه. حتى ده أملي وآخر فرصة ليا. وحياة غلاوة عيالك سيبهولي. عطية ربنا ليا. مش عايزة أفرض فيها.
عزيزة: وعيال أخويا على آخر الزمن يبقوا خدامين أهلك. اللي بتخدميهم ليل نهار بلقمتك. ده غير إن بيقولوا ممكن ما تستحمليش الولادة. غير ورد اللي هتزعل من أبوها وتتكسف من أهل جوزها.
رقية: يخربيت جبروتك. عندك قدرة تولعي الدنيا وإنتِ عاملة نفسك حمامة سلام. ده إنتِ قربتي تفرقعي من الحقد والغل. إيه ده؟ أرحمي نفسك.
عزيزة: أنا يا بواقي الستات. (وانتقت لتتمسك رقية من حجابها فينخلع منها بعض شعيراتها. ورقيه تصرخ بألم فتضحك عزيزه بقوه وتقول: دي حتى مافيش غير كام شعرة.) لينفتح الباب فجأة ويدخل الظابط ومعه عسكري والطبيب.
الضابط: اهدي يا ولية. وياخذ منها حجاب رقية ويعطيه لها وهو يعطي لها ظهرة لتلبسه. وينظر كلا من الطبيب والعسكري أرضاً.
بعد فترة قليلة.
الضابط: بعد اللي شوفته ده، تحبي يا مدام رقية نحبس الولية الصعرانة دي. وإحنا شهود على تعديها عليك.
رضا: آه والنبي يا أبلة خليها تدوق من عمايلها في الناس. مش بعيد لو سقطت تعمل فرح علشان تقهرني.
محمد بذهول: إنت بتقول إيه يا رضا؟
رضا ببعض الأمل: سيبني أكمل حمل. وأنا أخلي الأبلة تتنازل. أبوس على رجلك بلاش تسقطوني. ولو عايز تطلقني موافقة. أو تسيبني. وهخدم أمك موافقة. هعمل اللي تقول عليه. بلاش تكسر بخاطري. مش عايزة حاجة من الدنيا غير ده.
محمد بجمود: لا وألف لا. وأختي هعرف أطلعها. هي ما عملتش جناية. خناقة حريم. رقية لا نقصت إيد أو رجل. هما شعريتين.
عزيزة بابتسامة: يسلم فمك يا أخويا.
الضابط: من كتر مصايبكم بقيتم فاهمين في القانون يعني؟
رقية بقوة: أعمل المحضر يا حضرة الضابط وخد الإجراءات. وإثبت تعدي عزيزة عليا. وإن رضا لازم تروح مستشفى. أنا يهمني سلامتها.
رضا وهي تشهق بقوة: سلامة إيه؟ لو خدوا ابني أو بنتي أنا كده هموت من الحسرة.
رقية: مين قال؟ لعل الله يجعل بعد ذلك أمراً. إنتِ دخلتي في علم الغيب. ربنا قدر تتجوزي بعد ما أهلك كانوا رافضين تتجوزي أصلاً. وغصب عن أي حد حصل علاقة وحملتي. ربنا قادر ورحيم. ما تيأسيش من رحمة ربنا. واللي كاتبه هو اللي هيكون.
عزيزة: ههههاة.
الضابط أخذ عزيزة معه وفتح محضر لها. وأخذ إقرار من محمد أنه لو أراد إجهاض زوجته أن يذهب بها لمستشفى متخصص للحفاظ على حياتها.
إيه هيحصل بعد كده نعرف الفصل الجاي.