تحميل رواية «اسرار الماضي لبنت ناس» PDF
بقلم رينا الهادي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قالتها نهر لعلي وهم في طريقهم بعربة علي لبيت ابيها. علي: مصائب إيه بس يا نهر؟ افتكري حاجة حلوة ولا فيه جديد في موضوع خالتي رقية؟ نهر: ما فيش جديد يا أبية بس بيت شعر جه على بالي أصلي حاسة إن فيه مصايب جاية وخصوصًا من عمك. علي: لا مصايب ولا حاجة، وبعدين إحنا أهلك هنحميك. نهر: هههههههه بجد أهلي! أبية عمو مصطفى كان بيستغل أنا وأنا طول الوقت وهو عارف إننا هنستحمل عشان عمر وعارف إنكم في ظهرة لأنكم أهله. والدك صح مش بيشارك معاه في شره لكن مش بيصده عن ظلمه، بيكتفي إنه ينصحه وبس. ييجي عن آية ويقول معلش ع...
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم رينا الهادي
كاد أن ينفجر محمد من الغضب عندما أخذ الضابط أخته أمامه ولم يقدر أن يمشي معها أو يترك رضا ورقية بالمستوصف، فقد أوصته عزيزة ألا يتركهم كي لا يهربوا.
محمد باستفهام: ممكن أفهم استفدت إيه لما دخلتي أختي الحبس؟
رقية: استفدت إنها تاخد جزء من جزاءها، وإن رضا لو عملت العملية أقلل من اللي شمتانين فيها واحد.
محمد: مين قال إنها شمتانة؟
رقية: كلامها، عينها، فرحتها بكسرة رضا. تعرف يا أبو علي أنا كلمت رضا كتير إنها تنزل اللي في بطنها عشان خايفة عليها، لكن احترمت قرارها. تعرف لو كنت شوفت في كلام أختك شوية تعاطف أو حتى منك كان هيبقى فيه في قلبي ليكم عذر إنكم خايفين عليها، لكن لأ. صدمتني فيك كبيرة، كنت فاكراك إنسان طلعت زيك زي إخواتك معندكش قلب، أنتم بس والباقي في داهية.
محمد: أنا بعمل كده عشان ولادي، افهمي.
رقية: وربنا مش عامل حسابة؟ أنت ورضا ما عملتوش غلط، هي مراتك ومن حقها تحس بالأمان. أنت عملت عملتك وروحت قلت لإخواتك: "أغرتني". اكتفيت بأنك جبت لها دوا ومطهرات، وأنت شايفها بتموت، وبعد كده هجرتها. حتى بالكلام حطيت الذنب عليها، وهي وأنت عارفين إنها حبتك لأنك أول حد يحن عليها، مقدرتش تقول لك لأ. استغليت ضعفها، ودلوقتي بتستغل برضه ضعفها وإن أهلها عاوزينها ترجع تخدم فيهم. وبكل جبروت أختك قالت قدامك: "اسقطي اللي في بطنك وارموه لأهلك". وأنت ببساطة سامع وساكت. لا اعترضت مثلاً ولا قلت لأ: "حرام، أسيبها على ما تقوم بالسلامة". بذمتك ترضي بنتك يتعمل فيها كده؟
محمد: بنتي يا مرات أخويا لها أهل يفدوها بأرواحهم، إنما رضا أهلها اعتبروها حاجة بتخدمهم، وهي دي عيشتها. وأنا ما ظالمتهاش، ده كان اتفاق: هنتجوز فترة ونطلق، وقصاد ده مش هقصر معاها لا تعليم أو أكل أو شرب، حتى خروجها كل شوية ليك أو لتربية الطيور اللي أنت بتتهمي أختي فيها ظلم.
رقية: وكان برضه اتفاقك إنك تسيبها زي ما هي لصاحب نصيبها. وأوعى تقول لي: "أغرتني"، رضا حكت لي كل حاجة زي ما أنت روحت حكيت لأهلك. مع إن الكلام ده معروف، إن ممكن ست تقولها لست زيها، لكن مفيش راجل يروح يحكي لأهله أبدًا إيه حصل مع مراته، ولا إيه يا بو علي؟
احمر وجه محمد غضبًا: حافظي على كلامك يا مرات أخويا.
رقية: والنبي بلاش "مرات أخويا" دي، ما تفكرنيش كل شوية بخبتي وغلطة عمري. وبعد إذنك، ما دام مصمم رضا تجهض النهاردة، آدي مفتاح شقتي، افتحها. وفي أوضة النوم فيه دولاب، أول ضلفة من فوق فيها كل تحاليل وأشعة رضا عشان تسلمها للمستشفى عشان ما يتصرفوش غلط معاها، وكمان عشان هما ذات نفسهم يخلوا مسئوليتهم من إنها تكون عملية غير أخلاقية، لأنهم مش هياخدوا بمجرد صور واتس، لازم يكون تحت إيدهم مستندات قوية عشان يعملوا عملية زي دي. أنت عارف المفروض مصر بلد إسلامي.
محمد: ما تروحي أنت، ده بيتك.
رقية: لأ، لازم أدخل دلوقتي لرضا عشان تهدي. اللي هيتعمل فيها صعب، على الأقل أهديها عشان تقدر تقوم. كمان أنا زي ما أنت عارف بتعب بسرعة، مش هقضيها جري في المواصلات، ولا أنت شايف إيه؟
محمد: يبقى أوصلكم البيت الأول وبعدين أروح.
رقية بضحكة تهكم: خايف أهربها زي ما أختك قالت. ماشي، ما فيش مشكلة، بس هتطلعنا على شقتكم اللي فوق. أنا ورضا عاوزين نستريح، وأظن هتكون مطمن لأن البيت له مدخل واحد من تحت بس. أنا مش عاوزة أحتك بحد، ممكن؟
محمد: مش هتتنازلي وتطلعي أختي وهي تبقى بجميلة؟
رقية: لو تضمن إن أختك ما تفتحش بوقها وتضايق رضا بكلمة، أطلعها. لكن عارفة كويس إنك مش بتقدر عليها. روحنا وروح هات التحاليل والأشعة، وأنت راجع ابقى عدّي على أختك في القسم لو وافقت ما تتعرضش لرضا، وكمان ما تروحش معاها المستشفى. أنا أتنازل عشان أنا بنت أصول مش أكتر. ما وافقتش، يبقى خليها تتربي.
دخلت رقية إلى رضا أولًا كي تلبسها حجابها وتساعدها.
رقية: بصي أبو علي هيدخل بعد شوية، مش عاوزاك تخافي. نهر هتتصرف وهتتصل، وإن شاء الله هنعمل اللي أنت عاوزاه، بس عاوزين على قد ما نقدر نعطل إنك تروحي المستشفى. هنروح بيتك دلوقتي. كل اللي محتاجاه منك ما تتعبيش نفسك عشان ما ينجحوش في إنهم يهزوكِ وتسقطي من التوتر. إنكِ تتوتري أو تتعصبي غلط عليكِ وعلى اللي في بطنك.
(كانت تقول ذلك وهي تساعدها في الوقوف واللبس)
دق محمد الباب ثم دخل حتى قبل أن يسمح له بالدخول.
رقية بصوت واضح: ما تخافيش، أنا معاك وجنبك ومش هسيبك.
أخذ محمد الاثنين وأوصلهم البيت. وفي طريق طلوعهم، أوقفتهم الحاجة ومصطفى.
الحاجة: ليك عين تيجي هنا وأنت حابسة بنتي؟
رقية: مش حمل كلام. طلعنا يا أبو علي وهدي والدتك لا يطق لها عرق وهي ست كبيرة. يلا يا رضا، دي ناس عاوزة تتخانق.
مصطفى بصوت عالٍ: قسماً بالله يا رو...
قبل أن يكمل، كانت رقية تقاطعه: قسماً بالله أنت لو ما احترمتش نفسك أنت وأهلك، ما هخليها تطلع سليمة من جوه الحجر. وأنت عارف كويس عملوا فيك إيه في الحجز لما ضربت نهر. فاحترموا نفسكم بقى بدل ما أسحب كلامي مع أبو علي. ولو موتوني في بيتكم دلوقتي ما يهمنيش.
(نظرت لمحمد وقالت) قولت مش عاوزة أحتك بحد.
محمد: خلاص يا مصطفى، هطلعهم وأجي أفهمك كل حاجة.
رقية: شيل رضا، السلم متعب عليها وهي تعبانة.
محمد: إيه؟
رقية: اللي سمعته. ولا بقيت عظمة كبيرة وما تقدرتش.
إتغاظ محمد وحمل رضا وطلع بها، ثم أنزلها وفتح الباب لتدخل رقية ورضا ويغلق الباب عليهم ويترك المفتاح بالخارج حتى لا يستطعن الخروج.
نزل محمد وحكى ما اتفق عليه مع رقية. لتقول الحاجة: أختك تطلع الأول، وبعدين هاتوا الزفت الورق والتحاليل. بنتي ما تقعدش في الحبس.
محمد: وهي بنتك ممكن تسبهم لو خرجت؟ أروح الأول أجيب التحاليل، وبعدين أروح لعزيزة وأتفق معاها عشان نخلص، وأجي آخد رضا على المستشفى.
الحاجة: لا، بنتي تخرج الأول. أسمع مصطفى ياخد رقية ويروح تتنازل وتجيب أخته، وأنت تروح تجيب التحليل عشان مصطفى هيقدر يتصرف مع الحكومة.
مصطفى: كلام أمك مضبوط.
محمد: طب، مفتاح الشقة سبته من بره عشان ما يخرجوش. أطلع كلم رقية براحة، هاااه، براحة عشان ترضى تروح معاك وخدها وروحوا القسم، وأنا هروح لبيت رقية أجيب الحاجة.
مصطفى: حاضر، ماشي. يلا أتوكل على الله، وأنا هطلع لهم.
صعد مصطفى وفتح الباب، وكانت رقية ورضا في الصالة. نظروا فوجدوا مصطفى.
رقية: مش فيه باب تخبط عليه، خصوصًا إن فيه ستات. ولا ما اتعلمتش كده؟
مصطفى بابتسامة لزجة: مراتي ومرات أخويا مش غرب يعني.
رقية: مع إني مش معترفة إنك لسه جوزي، بس ميصحش تدخل على مرات أخوك من غير ما تخبط. دي ABC في الدين الإسلامي حتى. المهم، خير. عاوز إيه؟
مصطفى: تيجي معايا تتنازلي عن المحضر زي ما قولتي لمحمد.
رقية: أبو علي قالك شروطي عشان أتنازل، ولا ما قالش؟
مصطفى: قال ما تقلقيش، هقنع عزيزة. بس يلا عشان ما نسبهاش أكتر من كده.
رقية بضحكة سخرية: وإنت بقى فاكر هسيب رضا وأكلف نفسي وأخطّي خطوة واحدة عشان المحروسة أختك؟
مصطفى وقد احمرت عينه من الغضب: قصدك إيه؟
رقية: هاشوف.
وقامت رقية بالاتصال بالضابط ليرد.
رقية: السلام عليكم يا حضرة الضابط، أنا رقية اللي كنت في المستوصف. من فضلك، كنت عاوز خدمة. أنا اتفقت إني أتنازل عن المحضر في مقابل إن عزيزة ما تضايقش رضا أو تروح معاها المستشفى. وإخواتها عاوزين يخرجوها. وفي نفس الوقت ما أقدرش أسيب رضا بالحالة اللي هي فيها. فمن فضلك اسمع بودّنك إنها موافقة على كده ومش هنتكلم أو تتعرض لرضا، وتفرج عنها. التزمت بكلامها، بكرة الصبح آجي أمضي على التنازل. ما التزمتش، هتصل بحضرتك. وحتى لو ما اتصلتش بك، تعال البيت، لأني والله ما أضمن حد فيهم هنا ممكن يعملوا فينا أي حاجة. دول ناس ما يخافوش ربنا. وساعتها يكون المحضر شغال. إيه رأي حضرتك؟ تسلم يا رب، وشكراً لتعبك.
مصطفى: هي الشرطة بقت الأيام دي دليفري ولا إيه؟
رقية: طبعًا مش قانوني اللي بيحصل، بس يا أخي فيه ناس غيركم في الدنيا، ولاد حلال وبيوافقوا مع المظلوم. ودي بقى روح القانون أو رحمة في التعامل. واهو سمعت بنفسك، لو أختك ما احترمتش كلمتها، أنا مش هتنازل.
مصطفى: أضمن منين إنك تتنازلي؟
رقية: أنت عارف إن كلمتي واحدة، مش زي ناس. ولو مش عاوز تروح تجيب أختك، إنت حر. أنا كده كده مش خارجة.
مشي مصطفى وهو في شدة غضبه، فهو يعرفها جيدًا، لن تخضع له وسوف يضيع وقتًا معها وهو يريد سرعة رجوع أخته للبيت.
نزل سريعا لتوقفه أمه.
الحاجة: فين المحروسة؟ ما رضيتش تطلع أختك ولا إيه؟
مصطفى بتنهيدة: لا يا أمي، كلمت الضابط ورايح أعمل الإجراءات وأخرجها، وهاجي أحكي لك كل حاجة. سلام عشان أجيب عزيزة.
بعد فترة، حكى لعزيزة كل شيء، ووافقت. وبعدها اتخذ الضابط الإجراءات لخروجها، ومضت عزيزة لثاني مرة عدم التعرض، ومضى مصطفى ضامناً لها دون إمضاء رقية. بعد خروجهم، خرجا معا من القسم، لتقول عزيزة: بقولك تعالي نروح المحلة ناكل لقمة حلوة هناك.
مصطفى بابتسامة سخرية: ناوية على إيه يا عزيزة؟ إذا كنتي ناوية نستنى هناك على ما أخوك يجيب رضا لمستشفى هناك وتروحي تحرقي دمها هناك، أحب أقول لك بلاش، لأن ساعتها رقية مش هتسكت والضابط بتاع القسم هيجي ياخدك من قفاك وتباتي ليلة حلوة جوه. كفاية الخريطة اللي في وشك. كده كده رضا هترجع البلد، اعملي ما بدالك فيها عند أهلها. إنت أصلًا بقيتي حبيبة مرات أبوها. بس نضمن الأول رقية تروح تمضي على المحضر، أومال يعني هي ما جتش ليه؟ عشان تقدر تضمن كلامها يتنفذ.
عزيزة: آه يا ناري يا مصطفى، وأنا هاكل في نفسي كده لغاية ما تروح تمضي. طلعت مش سهلة، وهي بقت عاملة زي فردة الكوتشي، بس دماغها شغالة.
مصطفى: وحياتك عندي هنعمل زفة لرضا بكرة في البلد وتطفي نارك، بس بلاش النهاردة. وبعدين لولا عمر كان زمان رقية مشرداني في البلد. هي عاملة حساب له.
عزيزة: ماشي، هروح أنا. بس إنت روح هات لقمة نأكلها، زي ما أنت شايف رضا هانم مش هتعمل أكل النهاردة.
في البيت الكبير.
رقية: إيه يا رضا، مفيش حاجة تتعمل في المطبخ؟ ما فيش غير لمون وشوية فول في الثلاجة، حتى مفيش عيش.
رضا بضحكة وجع: ماهما بيجيبوا لي الأكل اليوم بيومه. أعمل وينزل لهم. وطبعًا النهاردة أكيد عزيزة ما جابتش حاجة. ممكن لو جعانة تنزلي السبت لأي حد في الشارع يجيب عيش، بس هيتأخر. الطابونة ديما زحمة، وفيه زلعت جبنة حادقة تحت الحوض.
كادت رقية أن ترد، لكن قاطع ذلك صوت فونها من نهر لترد رقية باللغة التركية حتى تضمن أن لا أحد يستمع إلى حديثهم، فهي لا تضمن أحد هنا.
الحوار مترجم:
رقية: وصلتي لحل.
نهر: اسمعي كويس اللي هقوله، أنا عشان لازم الدقة.
بعد فترة، وبعد أن فهمت رقية كل ما قالته نهر.
رضا: فيه إيه؟ ومش بتتكلمي عربي ليه؟
رقية: خايفة يكون حد بيتصنت علينا. تعالي نقعد في الأوضة اللي على الشارع وهفهمك.
آتى محمد، وبعدها بقليل أتت عزيزة وجلسوا عند الحاجة.
محمد: كويس أن رقية وفّت بوعدها وخرجتك.
نظرت له عزيزة بغيظ: آه، كثر خيرها. رمتني كذا ساعة في الحبس، إتروقت فيهم من ستات عندهم صحة بندوزر. مش شايف وشي، بس معلش، الصبر جميل، وهاخد حقي ثالث ومتلت.
محمد: حظك بقى. يدخل الضابط وأنت بتتهجمي عليها. وبصراحة، أنت لازم تهدي شوية. رقية كانت ممكن تموت منك الست. المرض هدها، وأنت عقلك طائش. المهم، فيه حاجة عاوز أشاوركم فيها.
الحاجة: قول يا بني بسرعة، إيه جراي؟
عزيزة: بلا إيه جراي أو مجراش. قوم يلا، مش جبت التحاليل؟ قوم خد المحروسة، خلينا نخلص.
محمد: إهدي، أنا هتكلم في الموضوع ده باختصار. وأنا جاي، واحد من أصحاب علي اتكلم معايا، كان عاوز علي يتوسط له عشان يشتغل في مصر في المستشفى اللي كان علي شغال فيها. المهم، إني فهمت منه إنه شغال في مستشفى حكومي بالمحلة، وسألته وعرفت إنه تخصص نساء وولادة زي علي. فقولت له على قد ما فهمت عن حالة رضا. فقال إن أحسن أوديها له في الوردية بتاعته، ويبقى معايا كل التحاليل والأشعة، وهو هيخلص لنا الموضوع قانوني في مستشفى حكومي وهيكون كل شيء قانوني. وقالي ما أخافش، المستشفى صحيح حكومي، بس فيه كل الأدوات والتجهيزات لعملية زي دي. وقصاد ده، أقول كلمتين حلوين لعلي عنه وأشجعه يشغل في مستشفى مصر. وأنا مش هدفع غير بس شوية أدويه والعملية وإقامة رضا. حاجة قليلة عن لو راحت مستشفى خاص أو حتى عيادة. إيه رأيكم؟
عزيزة: ودي عاوزة كلام؟ اتصل بيه ووافق. طبعًا كده أفيد لك، حرام تدفع زيادة في الست زفتة، خصوصًا إنها قرطستنا كلنا ومعرفتش بالحمل. وكمان الموضوع كده هيكون عند الحكومة. المهم، وديتها المستشفى وخلاص.
محمد: بس خايف يا عزيزة. أنت عارفة مستشفيات الحكومة مش ولا بد. خايف يجري لها حاجة، ويبقى ذنبها في رقبتي. غير رقية، أكيد مش هترضي بحكومي أبدًا.
عزيزة: رضا مش هيجري لها حاجة، خصوصًا إن الدكتور هيعمل كل اللي يقدر عليه لتقوم بالسلامة عشان تتوسط له عند علي. أما رقية، فهتقول لها إن زميل علي، وأنت واثق فيه، وإنك هتحطها في القسم الاقتصادي وكده، وحاول تطمنها. بس استني شوية، برضه ناخد رأي مصطفى، هو زمانه جاي.
آتى مصطفى ووافق على رأي عزيزة. فاتصل محمد بزميله ابنه واتفق معه على وصوله المستشفى قبل صلاة العشاء.
مصطفى: يلا ناكل بقى.
وفتح الأكل ليقول محمد: عملت حساب رقية ورضا في الأكل.
مصطفى: لا، أكيد فيه فوق أي حاجة ياكلوها.
محمد: أنا رايح أجيب لهم لقمة هما كمان. من صباحية ربنا على لحم بطنهم، كفاية أقوى اللي هيجرى لهم. وبعدين رضا لازم تاكل كويس عشان تتحمل العملية.
أومأ له مصطفى بلا اهتمام: اللي تشوفه، بس اقعد كل لقمة الأول.
محمد: لا، هروح أشتري وأطلع أتفاهم مع رقية على موضوع المستشفى.
خرج وجاء بعد قليل، وعندما هم بالصعود، أوقفاته عزيزة وهي تقول: جبت إيه؟
محمد بغيظ: مالكيش فيه، وأدعي ربنا يقنع رقية وأمشي عشان أنا على أخري.
لتتكلم عزيزة بحزن: ماشي يا خويا، أنا بس بطمن تكون جبت حاجة نظيفة عشان نكون عملنا بأصلنا.
نظر لها محمد وهز رأيه بيأس من أخته وصعد دون كلام.
دق الباب وفتح بالمفتاح الموجود بالباب، لترد رقية: ادخل.
يدخل محمد وهو يقول: السلام عليكم. أومال فين رضا؟
رقية: قولت لها تريح وتنام شوية. ادخل أجهزها.
محمد: لا، هنمشي بعد صلاة المغرب. نصلي ونخرج على طول. وده نصف فرخة مشوية ونصف كفتة ليكم، أكيد جوعتوا.
رقية: وإستأذنت الجماعة تحت وإنت بتجيبهم؟
محمد: إيه؟
رقية: ما تاخدش في بالك. أنا نزلت السبت تحت وعيل من الجيران اشتري لنا سندوتشات بطاطس وبيض وطعمية وشربنا عصير كمان. فخد الأكل معاك، إحنا تمام.
محمد: طب، ممكن أشوف رضا لو صاحية؟ عاوز أتكلم معاها شوية.
رقية: لأ، هي مش في حالة تشوف حد، وخصوصًا إنت، لأنهما مجروحة منك قوي وأنا ما صدقت تهدى شوية. وبعدين واضح في عينك كلام عاوز تقوله، فقول عشان أنا كمان عاوزة أريح لو ساعة، لأن أكيد هتعب اليومين الجايين.
محمد: فيه دكتور زميل علي، بس شاطر قوي ما شاء الله، كان من الأوائل زي علي. كلمته وقال هيعمل عملية رضا وهتكون كويسة وبخير، وهنروح عنده. مش عيادة طبعًا، لأن زي ما فهمت العيادات ما فيهاش أجهزة زي المستشفيات.
رقية: اتكلم على طول، أكيد فيه حاجة مش مضبوطة.
محمد: هي المستشفى حكومي، بيشتغل فيها في المحلة. بس هحجز لها في الاقتصادي.
رقية بابتسامة حزينة: ما هنّ عليك مستشفى خاص. على العموم، مش هتفرق. ذنبها في رقبتك لو قصرت معاها. أنا عندي رجاء منك.
محمد: اؤمري يا ست أم نهر.
رقية: أنا مش هقدر أكون معاها وقت العملية. إلي فهمته من الدكتور اللي كنت متابعة معاه إن العملية هتكون كبيرة، مش هتفوق غير بعد كذا ساعة، غير العملية نفسها هتاخد وقت. وطبعًا ما دام مستشفى حكومي، يبقى الإجراءات فيها كذا ساعة. وأنا أعصابي مش هتستحمل، فأنا هبعت لنهر تيجي تقف جنب أختها رضا. فسيب خبر في المستشفى. رغم إن نهر هتبدأ امتحانات كمان ثلاث أيام وعندها تسليم مشروع النهاردة، فهتتأخر في الكلية، يعني ممكن توصل على عشرة بالليل. وبحذر، لو أختك راحت معاكم المستشفى، مش هيحصل خير أبدًا. أنا هقعد مع رضا لغاية ما تمشوا. بس لو ينفع توصلوني في الطريق للبلد.
محمد: حاضر، تمام. وكده كثر خيرك، لأن رضا كده مش هيكون معاها حد. كويس إن نهر تيجي، خصوصًا إن مرات أبوه ست كبيرة، وإخواتها البنات متحوزين وعندهم عيال صغيرة.
رقية: تمام، اتفضل بقى. انزل عشان أريح شوية وأدخل لرضا لو عاوزة حاجة، وخد الأكل معاك. وآه، هقفل الباب من جوه بالترباس عشان هناخد راحتنا.
محمد: تمام. متأكدة أخد الأكل.
نظرت له رقية بسخرية: متأكدة. اديه لأختك بدل ما بطننا توجعنا، أو لأخوك. وادي نايبي لعمر.
محمد: السلام عليكم.
وأخذ معه الطعام ونزل لإخوته وحكى لهم ما حدث.
عزيزة: أنا مش مطمنة لكلامك. منين مش قادرة تسيبها، ومنين هتسيبها وقت العملية؟ مش هي بتقول توصلها في الطريق للبلد اللي عايشة فيها؟ يبقى تسيب معاها عمر يا مصطفى عشان لو عاوزة تعمل حاجة من ورانا، عمر يقول لك في التليفون على طول. بس خلي تليفونك مفتوح. إنت هتروح مع أخوك، وأنا بصراحة جسمي شد عليا، بس تطمنوني لما كل حاجة تخلص.
إتفقوا جميعًا على أن يذهب عمر مع أمه ويبات معها اليوم، ويخبرهم بأي جديد. وبالفعل، بعد صلاة المغرب، صعد محمد لرقية ورضا، فوجدهما مستعدين في الصالة. رفعت رضا رأسها لمحمد وهي تقول ببكاء: بلاش يا أبو الدكتور، بلاش عشان خاطر ربنا اللي رزقني ابني أو بنتي ده. أنت عارف عمر ما مرات أبويا أو أبويا ما هيجوزوني تاني. سبهولي، والله العظيم ما هطلب منك مليم، ولا هتشوف طيفي حتى.
محمد بجمود: لا يا رضا، لا. أنا عاوز عيال، ولا هرضى ابني يعيش عندكم. أنت من الأول يا بنت الحلال عارفة إننا هنطلق، وورقتك هنوصلك في بيت أهلك. كل اللي أقدر أعمله إني أطمن عليكِ لغاية ما تنزلي اللي بطنك، وكل واحد يروح لحاله. وسامحني لو زعلتك أو ضايقتك.
رضا بدموع تغرق وجهها: مش مسامحاك طول ما أنت عاوز تاخد ابني مني وتقهرني، مش مسامحاك.
رقية: أهلها عرفوا، ولا هتروحوا تجهضوها من غير ما يكون عندهم خبر؟
محمد: روحت عندهم وقولت لهم، وكمان عرفتهم إنها أول ما المستشفى تسمح برجوعها هرجعها لهم.
رضا: أبويا وإخواتي وافقوا بعد لما عرفوا إنها آخر فرصة ليا، ولا خبيت عليهم.
محمد وهو ينظر بأسف لأسفل: عرفوا يا رضا، وأبوك قال إنه مش حمل عيل جديد، كفاية عليه إخواتك. كل اللي اتكلم فيه: اديك حقوقك كاملة مؤخر ونفقة، وأنا بخاف ربنا وهدّيكِ. صدقني، كده أحسن ليا وليك، خصوصًا إن الحمل خطر عليكِ. يلا يا بنت الناس، العربية تحت مستنية، وأنا مدي ميعاد للدكتور.
رضا بارتعاشة: برضه مش هتيجي معايا يا أبلة؟
رقية: ما تخافيش يا رضا، ربك رحيم. ومعلش، مش هقدر أروح مستشفى تاني، مش بإيدي. واحتضنتها.
رضا: لله الأمر من قبل ومن بعد.
نزلت رقية في الطريق قريبًا من بيتها، ومعها عمر الذي أوصاه والده بأن يتصل به فورًا إذا أحس بأي تصرف غريب، وأن يسهر قدر المستطاع ولا يترك أمه تنزل وحدها. بينما انطلقت السيارة إلى المستشفى.
دخل محمد ومصطفى ورضا غرفة الطبيب بعد أن سأل محمد عن مكانه، واستقبلهم الطبيب بالكثير من الترحاب والود. أعطى محمد التحاليل والأشعة له. نظر لها بنظرة سريعة، ثم نادى على الممرضة وأتت إليه مهرولة.
الطبيب: جهزي اللي قولتك عليه، ولبسي الست رضا لبس العمليات، وخذيها لهناك. هخلص شوية إجراءات وجاي. اتفضلوا معايا، أنا جاي معاكم عشان نخلص الإجراءات بسرعة. محتاج حضرتك تمضي لأنك الزوج، وحضرتك هتمضي برضه زيادة تأكيد إنك شاهد، لأن العمليات دي محرمة، لكن في وضعكم قانوني. اتفضلوا معايا.
كانت رضا تبكي بصمت.
(نظر لها الطبيب وقال: ما تخافيش يا ست رضا، بس معلش، قبل ما أمشي، ممكن بس أقيس الضغط وأشوف الحالة العامة. نظر لمحمد وقال: دقائق بس.)
دخلت رضا بخطوات مرتعشة وراء الستارة، ثم الطبيب ومعه بعض الأجهزة، وخرج بعدها بدقائق وهو يقول: اتفضلوا معايا. وخرجوا مع بعضهم.
في بيت رقية.
عمر: ماما، أنا عارف إنك مضايقة عشان خالتي رضا، بس إن شاء الله هتقوم بالسلامة. أنا مش فاهم إنتم بتحبوها كده ليه، مع إن في بيت ستي محدش بيطقها.
رقية: رضا قلبها أبيض. وللأسف، حتى أهلها ظالمينها. أنا بجد تعبانة يا عمر ومش قادرة. هدخل أريح، ولو حبيت تنام، أبقى تعالي. ممكن تفتح التليفزيون، بس وطي الصوت.
عمر: ما تجيبي التليفون ألعب عليه شوية. التليفون بتاعي الشاشة صغيرة وألوانه مش حلوة.
رقية: مليون مرة أقول بشتغل عليه هو واللاب، ولو باظ بيبقى تصليحه غالي. عندك التليفزيون والموبيل بتاعك.
عمر: طب، هقولك على سر ما حدش يعرفه وتدهولي.
رقية بعند: لأ.
عمر: حتى لو السر لرضا، وهي نفسها ما تعرفوش.
رقية بتفكير وقد تخيلت أنه سيعطي لها دليل أن عزيزة هي المدبرة لموت طيور رضا، فقالت: قول، وهاحكم إذا كان الموضوع يستاهل أو لأ.
عمر: من فترة كده بابا كان ماشي بيا في الشارع، وهو تقريبًا كده بيجري عاوز يروح بسرعة، لدرجة إني وقعت في الطريق من الجري وسابني ومشي. بس ساب باب الدار مفتوح. بصراحة، أنا اتوغوشت، وقلت أعرف فيه إيه. كانت عمتي وبابا بيتكلموا، وفهمت من كلامهم إن عمتي خلت بابا يجيب عمي البيت الصبح على ملا وشها، وهي أدت لعمي عصير فيه منشطات، يعني عشان عاوزاه يعتدي على رضا، لأنها مقهورة منها لأنها اتخبست يوم بسببها، وكمان عشان مش بتريحهم زي خالتي انتصار ومش بتخدمهم.
رقية بنظرة شك: إنت متأكد من الكلام ده ولا بتألف؟
عمر: لأ، وربنا. حتى كمان قالت: "هبوظ مشروع رضا"، لأنها بقت صاحبة خالتي سعدية، أم رضا، أو مرات أبوها، وخالتي سعدية مش بتحب رضا. وقالت: "مش هعمل حاجة بنفسي، بس لما رضا تتطلق وتخسر المشروع، هلمح لها إنها السبب عشان تغيظها".
رقية وهي تمسك رأسها بتعب: منك لله يا عزيزة. ربنا يهدك. إنتصار قالت إنها عقربة، وأنا كنت مستهونة بها. منشطات لأخوها؟ إيه الفجر ده؟
عمر: هتديني التليفون بقى؟
أغمضت رقية عينها بتعب وقالت: هديك اللاب كمان، مش التليفون.
عمر بعدم تصديق: بجد؟ إنت عمرك ما اديتهولي. بتديني التليفون بطلوع الروح.
رقية: ده أنا كمان هنزلك عليها اللعبة اللي تحبها، وهسيبك تلعب عليها ثلاث ساعات. بس قولي لي، ليه ما قلتليش الكلام ده قبل كده؟
هز عمر كتفه بلا مبالاة وهو يقول: وأنا مالي، ده كلام كبار. بس أنا فاهم، ابنك بقى راجل سنة واحدة، وأدخل أولى ثانوي. بس أوعى حد يعرف إني قلت لك حاجة، والله أبويا يعلقني على باب البيت ولا يهمه. يلا، هاتي اللاب فيه لعبة بجد عاوز ألعبها، والكمبيوتر عندي صحته بعافية وعاوز رامات كتير وكارت شاشة قوي.
رقية: حاضر يا عمر، بس هدخل أعمل كوباية شاي وآخد حباية ريفو وآجي.
عمر: اعملي لي أكل معاك.
رقية: قوم يا روح أمك، اعمل لنفسك. طريق المطبخ ما يتوهش.
عمر بصوت منخفض: إيه الأم دي؟ بتقلب في ثانية، مفيش تقدير خالص.
في المستشفى، بعد حوالي نصف ساعة، في أحد المكاتب الإدارية للمستشفى، مع مصطفى ومحمد، جاء اتصال للطبيب فأجاب، وبعد عددة ثوانٍ صرخ بفزع وهو يقول: انت بتقول إيه؟ يعني إيه مش لاقيينها؟ الأرض اتشقت وبلعتها؟ استنى عندك، جايين لك حالا.
محمد: فيه إيه؟
الطبيب: مش فاهم غير إن مدام رضا الممرضة مش لاقياها.
هرع الاثنين وراء الطبيب ليصلوا إلى غرفته التي تركوا بها رضا. وكانت الممرضة تقف بحيرة.
الطبيب: إيه اللي حصل بالضبط؟
الممرضة: والله ماليش ذنب.
محمد: إحنا مش سايبينها معاك هنا، وأنا قبل ما أخرج موصيك متسبهاش.
الممرضة: والله كنت معاها، وجهزت معظم الحاجات اللي الدكتور قال عليها، وهي معايا، بس قالت عاوزة تروح الحمام لأنها بتتعب من ريحة المستشفى. ورجعت في الباسكت، أخدها لحمامات الستات، ووقفت بره، أصل الريحة صعبة جوه. والمصحف فضلت واقفة بره لما اتأخرت جوه. دخلت وناديت عليها، ودورت في كل الكبائين ومالقيتهاش.
مصطفى بغضب: إنت بتهزري يا روح أمك؟ كنت واقفة بره الحمام إزاي ومشفتهاش وهي خارجة منه؟ ماهو مش معقول تكون اتشعلقت في المواسير ونزلت. إحنا مش في الأرضي، يعني لازم تكون خرجت من الباب.
الممرضة: فيه اتنين من اللي خرجوا لابسين نقاب، ممكن تكون غيرت جوه وخرجت من غير ما أشوفها.
محمد: منين هتجيب نقاب؟ منين؟
مصطفى: أكيد رقية ادتهولها.
محمد: إمتى؟ رقية جت الصبح على المستوصف ومش بتلبس لا هي ولا رضا نقاب. وإحنا قافلين عليهم من الصبح. إمتى خرجت واشترت؟ ما تجننيش أنت كمان. البت دي هي اللي هربتها، وأشار للممرضة.
الممرضة: هات مصحف أحلف عليه، والله ما حصل. بس ممكن حد من جوه الحمام يكون استناها وأداها لها.
مصطفى: صح، ممكن. عشان كده رقية ما جتش معانا عشان تبعد الشك عنها. عزيزة كان عندها حق في شكها.
محمد: شك إيه؟ أنت كمان. رقية من الصبح مع رضا في المستوصف والبيت. حتى لو كلمت حد يهربها، هيوديها فين؟ أنت ما شوفتش شكلها ورضا كان عامل إزاي؟ إحنا نطلع ندور عليها. أكيد ما بعدتش عن هنا.
مصطفى: ولو فعلًا كانت لابسة نقاب، هنعرفها إزاي؟
محمد: لو لقيت واحدة شبهها في الجسم، بص على رجليها. إنت عارف أكيد شبه رضا.
وأخذ أخاه وخرجا سريعًا.
الطبيب بانزعاج للممرضة: أعمل فيك إيه؟ امشي من قدامي، وما تخليش حد يدخل عليا دلوقتي على ما ألم على أعصابي.
خرجت بسرعة وهي حزينة، ليقف الطبيب أمام الشباك ويرى بالأسفل محمد ومصطفى يخرجون من المستشفى، وكل واحد في اتجاه. ليتصل بأحد الأرقام ماسنجر لمكالمة فيديو، ويظهر على الموبيل.
الطبيب: كله تمام يا دكتور.
علي: تسلم يا طارق، مش عارف أشكرك إزاي.
الطبيب: بصراحة، الست صعبت عليا جامد، وكنت خايف ما تعرفش تنفذ، مع إنك قولت إنها عارفة إني هساعدها، بس كانت منهارة. ربنا يقومها بالسلامة.
علي: المهم، أبويا وعمي ما شكوش فيك؟
الطبيب: لأ، أنا أصلًا كنت مجهز النقاب تحت ملاية الشزلونج. قولت لهم هكشف كشف سريع وأديتهولها، وهي خبّته في لبسها، وعملت اللي إتفقنا عليه. لما أنا أخدت عمك وأبوك، كمل الإجراءات. بس بيشكوا في واحدة اسمها رقية.
علي: ما تقلقش، على خالتي رقية هتتصرف هي ونهر.
الطبيب: علي، إنت متأكد إن الحالة دي ممكن تولد بالسلامة؟ الأشعة والتحاليل بيقولوا صعب.
علي: هنا يا طارق، نسبة الحالات دي نجاحها هنا عدى الخمسة وخمسين في المية. وأنا هبعتلها دوا وهنزل بنفسي قبل ما تدخل في السابع، وهولدها قيصري. بص، أنا بعمل كده رغم إني عارف أبويا ممكن يغضب قد إيه لو عرف، بس هي خدمتنا في موضوع كبير، وكمان دي فرصتها الوحيدة في الخلفة. غير إنها مش مسئولة لوحدها عن الحمل، وربنا كريم، يعني فيه مليون أمل إن ربنا رايد لها الخلفة. عمومًا، أنا مش عارف أشكرك إزاي.
الطبيب: مافيش شكر بينا، إحنا إخوات. ابقى لما تنزل مصر، خدني معاك أحضر العملية دي، ده رجاء مني.
علي: موافق. وتشكر مرة ثانية.
في الشارع حيث مصطفى يمشي من جهة ومحمد من جهة. جلس مصطفى على أحد الأرصفة وهو في شدة غضبه. اتصل على عزيزة وحكى لها ما حدث، لتستشيط غضبًا وتقول: عندك حق يا مصطفى، الموضوع ده ما خرجش عن إيد رقية بس، وربي ما هسكت له. أنا هقوم أروح لأهل رضا وأخدهم ونروح لرقية، ومش هنسيبها غير لما تقول ودت رضا فين.
مصطفى: لسه مكلم عمر من شوية، وقال إنها معاه من ساعة ما نزلناها، وحملت له لعبة ودخلت ترتاح. مش عارف ممكن ما تكونش هي.
عزيزة: إنت هتخيب، هي رضا تعرف حد غيرها؟ وحتى لو رضا هربت لوحدها، أكيد هتروح لها، هي ما تعرفش حد. هات أخوك وتعالي عندها، وأنا هجيب أهل رضا ونروح. لازم نلقيها، مش هنسمح بعيال منها. يلا، روح هات أخوك وتعالي.
إيه هيحصل؟ هنشوف الفصل الجاي.
أسرار الماضي لبنت ناس.
لو عجبك الفصل كومنت أو شير أو نجمة. شكراً.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم رينا الهادي
اتصل مصطفى بمحمد وذهب إليه بعد أن يئس من العثور على رضا. ركبا عربة مصطفى كي يذهبا إلى بيت رقية، علّ رضا ذهبت إليها أو ستقصدها أو حتى تتصل بها.
في نفس الوقت، ذهبت عزيزة مسرعة لبيت أهل رضا. ركبوا واتجهوا لبيت رقية.
***
**فلاش باك**
عندما اتصلت نهر برقية وشرحت لها الخطة.
نهر: اسمعي أنا كويس. أنا عرفت أبويا على كل اللي حصل، وحطينا خطة وأبويا بدأ بتنفيذها. بلغ حد من زمايله الدكاترة، وهيقنع والده إنه يودي رضا عنده في مستشفى حكومي بالمحلة. وطبعًا هيقنعه يوديها بالليل علشان مستشفيات الحكومة في العادة زحمة، والليل ستر، وست رضا تكون هدت شوية. حضرتك مش هتروحي معاها منعاً لوجع الدماغ منهم، وكمان علشان ما ياخدوش أي احتياطات. وحاولي تمنعي عزيزة تروح معاهم. في المستشفى الدكتور هيدي نقاب لرضا وجيب طويلة. لما يروحوا للدكتور هياخدوا يعملوا الأوراق الأول قبل العملية، وهيسب الممرضة مع رضا علشان يطمنوهم. وهياكد عليها متشبهاش قدامهم علشان يطمنوا. بعد ما يمشوا بحاجة بسيطة، رضا تعمل نفسها تعبانة وعايزة تدخل الحمام. لو الممرضة قالت تدخل حمام الدكتور، رضا تقولها إنها بترجع وممكن تبوظ الحمام، وتقولها توديها الحمامات العامة في الدور علشان تقدر تلبس النقاب والجيب جوه بسرعة. وتخرج من الحمام تنزل تحت وتسأل عن قسم الطوارئ وتخرج من باب الطوارئ. هتلاقي عربية هبعت مواصفاتها. لما أتفق من حد من اللي أعرفهم مضمون ومش هيكون في العربية بس، سايب العربية مفتوحة. هتدخل ورا وتنزل تحت كأنها صدفة، علشان فيه كاميرات للمستشفيات ممكن تاخد رقم العربية فتبان كأنها مش مقصودة. لأن صاحب العربية هيعمل نفسه بيتشتري سجائر أو أي حاجة. ولما يلمح رضا دخلت، هيروح ويشغل العربية ويمشي. ويدني ليا رضا على الطريق الزراعي في مكان يكون ما فيهوش كاميرات.
رقية: افرضي ما عرفتيش تتفقي مع عربية، أو اتفقتي وحصل أي ظرف للعربية، أو حتى رضا ما ركزتش من التوتر وما عرفتش العربية، هنعمل إيه؟
نهر: حضرتك هبعت لك برنامج على الواتس. تحمليه على موبايلك، هيحدد ليا مكان الموبايل فين بالظبط وعلى بعد قد إيه. وهتدي رضا موبايلك وتخبيه في لبسها، وإديها فلوس لو حصل أي مشكلة ومالقيتش عربية تاخد أي تاكسي لأي مكان في المحلة بعيد عن المستشفى. تقول عايزة أروح عمر أفندي صيدناوي أو العباسي في الشارع الجانبي اللي عند البغل، هي بتحب سندوتشاته. المهم مكان يكون زحمة يعني. وأنا هطلع على المكان من تحديد الأبلكيشن لمكانها وأجيبها. وطبعًا مش محتاجة أقولك اشحني الموبايل كويس كهربا وهبعت لحضرتك رصيد علشان يشتغل نت كويس يحمل البرنامج ويفضل مع رضا. وقولي لها على أيقونة الداتا علشان ما تقفلش النت وأعرف أوصل لها بسهولة. وإنت ماشية لو ما بعتوش عمر معاك، اطلبي يبان معاك يوم على ما أعصابك تهدى علشان يكون شاهد إن ما كانش فيه تواصل بينك وبين ستنا رضا. ولو إنّي على يقين إن أكيد عزيزة ومصطفى هيبعتوه معاك.
رقية: ماشي يا حبيبتي. بس أنا خايفة اللي بنعمله ده صح. خايفة في الآخر رضا تتضيع مننا وما تقدرش تكمل حمل وتروح فيها.
نهر: صح أنا. أبويا أكد إن حالات نجحت إنها تعيش هي والبيبي، وهو بنفسه هيتابعها من بعيد وهيجي يولدها كمان لما الأمور تمشي. ربنا ما بيقدر حاجة عبث، وربنا أراد يسعد قلبها بعد صبر كتير. اهدي إنت وحاولي تهديها وتفهميها المطلوب منها بكل دقة. سلام أنا بقى لأني لازم أدخل أناقش المشروع. وهاجي جري إن شاء الله.
رقية: لا إله إلا الله. حبيبتي ربنا يوفقك يا رب وما تزعليش على الطير اللي مات.
نهر: أنا ربنا كرمني اليومين اللي فاتوا من وفد تركي كويس قوي وآخر حاجة بفكر فيها الفلوس. بس صعبان عليا الطير يموت كده. سلام أنا.
***
على طريق زراعي بين طنطا والمحلة.
تقابلت نهر مع عربة بها رضا الخائفة من أن تجلس على كرسي باستقامة. فجلست وهي منخفضة الرأس حتى لا يراها أحد، رغم إنها تلبس النقاب. وقف صاحب العربة مسعد عندما رأى نهر أمام إحدى العربات الميكروباص.
مسعد: الأمانة بتاعتك في العربية يا بنتي، بس من وقت ما طلعت بها على الطريق وهي ما بطلتش عياط. إنت وخدها غصب عنها ولا إيه؟
جرت نهر وفتحت باب العربة لتقول: ستنا رضا قومي خلاص، وبلاش تتعبي نفسك.
رضا ببكاء: معلش يا نهر على فلوسك اللي ضيعتها. والله كانوا إمبارح بخير.
نهر وهي تمسح عيون رضا: ولا يهمك يا ستنا. أنا الحمد لله ربنا رازقني كويس اليومين دول. أنا صعب عليا بس تعبك ومجهودك، لأني متأكدة إن حد عمل في الطيور حاجة. هو منه لله، لكن أنا عارفة إنك ما قصرتيش. والأهم من ده كله إنك بخير. بطلي بكا واهدي علشان عتريس ما يضرش. إنت تعبانة من الصبح.
رضا: اللي قاهرني إن ما فيش حد معاه مفتاح الطيور غيري أنا وأخويا. يعني أخويا اللي مربياه وباقف دايماً في ظهره هو اللي يعمل فيا كده. وفي نفس اليوم جوزي عاوز يسقطني بعد حتى ما عرف إني ما ينفعش أحمل تاني. هو ليه الناس اللي مني قاسية عليا قوي كده؟ والله أنا خدمتهم بعيوني وبنفس راضية. أنا هموت من القهر. حتى اللي ساعدوني ضرتهم. إنت خسرتي فلوسك، وستنا رقية الله أعلم هيعملوا فيها إيه؟
نهر: مش أخوك ده اللي عرفتيني عليه مرة لما روحت معاك أشوف المكان وقابلناه؟ كان بان عليه طيب. ممكن يكون اتضحك عليه.
مسعد: لا حول ولا قوة إلا بالله. اهدي يا بنتي.
نهر: اتفضل يا عم مسعد فلوسك اللي اتفقنا عليها.
مسعد: لأ مش هاخد حاجة. إنت مش أجدع مني يا نهر، وربنا يستر على ولادنا. أنا كنت هاخد علشان شغل بعمله، بس كده إنت بتنقذي ولية ولسه قدامك مصاريف. أنا كمان عاوز ثواب من ربنا. (نظر لرضا) متخافيش ربنا هيوقف لك ولاد الحلال ما دام إنت ما بتعمليش غلط أو حرام.
نهر: طب بقول إيه يا عم مسعد؟ رضا شكل وشها أصفر. ما تيجي معانا ناكل لقمة مع بعض علشان يكون عيش وملح يا راجل يا طيب، وبرضو هتاخد فلوسك.
مسعد: والله أزعل منك! هو انت شايفة نفسك أرجل مني ولا إيه؟ تصدقي بأيه؟ اليوم اللي بتركبي معايا فيه بيبقى وشك حلو عليا وربنا بيرزقني من فضله. وأنا أقول مال البت دي وشها سمح. أثاري علشان جدعة وبميت راجل. عموما إنت عارفة رقمي لو عاوزتي أي حاجة اتصلي بيا.
نهر: عمو أنا مش عاوزاك تضر. فلو حصل وعرفوا إنك إنت اللي أخذت رضا من أي كاميرا، فأنت هتقول إنك مشيت بالعربية من غير ما تبص جواها وما تعرفش حاجة.
مسعد: ماشي. بس هي لابسة نقاب. هيعرفوا منين إنها هي اللي ركبت؟ ما تشيليش هم.
نهر بابتسامة: تشكر يا عمو. بس مش هتتنازل ناكل مع بعض لقمة، وطمعانة في خدمة تانية منك.
مسعد: اؤمري.
نهر: عاوزة أطمئن على أمي وفي نفس الوقت ما ينفعش آخد ستنا رضا معايا. ينفع تكون معاها على ما أروح أطمئن عليها وأرجع تاني؟
مسعد: عندي فكرة أحسن. أختي جوزها مسافر وقاعدة في البيت مع عيالها. تعالي ورايا تقعد عند أختي تطمني على الست الوالدة وترجعي تاخديها من عندها.
نهر: تمام. نروح بقى ناكل لقمة مع بعض الأول، وعلشان خاطري وافق علشان يبقى عيش وملح.
مسعد: ماشي.
أكلوا وذهبوا لأخت مسعد، وأوصت نهر رضا أن تنام قليلاً إلى أن تأتي. وأخذت منها تلفون رقية لتغطيه لها. وفي الطريق اتصلت بموبيل عمر.
نهر: أيوه يا عمر. أنا فين؟
عمر: كويس إنك اتصلتي. بابا اتصل سألني عنها برضه، وكان عصبي قوي وقال جاي في الطريق. وأنا ببص من البلكونة لقيت عمتي مع ناس تحت، تقريباً مستنية بابا. ويطلعوا. أعمل إيه؟ ماما قالت هتدخل تريح. أصحّيها ولا أعمل إيه؟
نهر: ما تخافش يا حبيبي. أنا شوية وجاية. أنا قربت أصلاً. لكن بابا ما قالش هو جاي ليه؟ مش هو في المستشفى مع عم محمد وستنا رضا، ولا إيه؟
عمر: المفروض. بس هو قال جاي مع عم محمد. إنت عارفة هو مش بيقولي حاجة، بس أنا خايف المشاكل ترجع تاني مع ماما. حاولي تيجي الله يخليك بسرعة.
نهر: طيب. صحّي أنا لو نايمة علشان ما تتخضش لما تلاقيها فوق راسها. وسلام. وخلي باب الشقة مفتوح علشان الجيران يلحقوا أمي لو حصل حاجة.
أسرعت نهر لتلحقهم. كانت تتوقع أن يذهب إليها مصطفى ومحمد وعزيزة. ما يقلقها الآن من هم الناس الموجودين مع عزيزة أسفل البناية.
بعد قليل، كانت عزيزة تصعد مع إخواتها وأهل رضا لتدق الباب. ويفتح عمر بعد أن خاف أن يوقظ والدته خوفاً من أبيه.
مصطفى: أمك نايمة لسه زي ما قلتلي ولا صحيت؟
عمر: لا نايمة. هدخل أصحيها.
رقية: وقد فتحت باب غرفتها. ملاهاش داعي يا عمر. اللي دق الباب عمل دوشة وصحّاني. خير. نظرت لهم باستفهام: مين الناس دي؟ وإنتوا هنا ليه؟ مش المفروض تكونوا في المستشفى؟ (ثم ابتسمت بفرحة) ولا غيرت رأيك يا أبو علي وهتسيب رضا تحتفظ بالجنين؟
عزيزة: من غير لَت وعجن كتير. إنت هتحلفي على المصحف إنك ما تعرفيش مكانها ولا ساعديها في الهرب. لأني متأكدة إنك ورا كل البلاوي دي.
رقية بهدوء: مش أفهم الأول مين اللي بتتكلمي عليها ده؟ أنا حتى لسه قايمة من النوم. ولو إني ما كملتش نصف ساعة ورأسي واجعني.
مصطفى: رضا يا رقية. بنتكلم عن رضا.
رقية: هي هربت منكم؟ والله برافو عليها. لأ قوية وقدرت تتصرف وتحافظ على ابنها. بس يا رب ما يجراش لها حاجة وتقوم بالسلامة. ويوقف لها ولاد الحلال يكون عندهم ضمير ودين ويحافظوا عليها. قولوا آمين.
عزيزة بغل: تهرب من جوزها وتقولي يوقف لها ولاد الحلال؟ أما إنك بجحة! أنا معايا قرآن. هتحلفي وإلا هنبلغ عنك ونقدم التحاليل والأشعة ونتهمك إنك قصدة تموتيها.
رقية بسخرية: لا خوفت أنا قوي يا اسمك إيه. جايين بيتي وعاوزيني أحلف على المصحف؟ وأحلف كده على طول؟ ولا أتوضى الأول يعني علشان المس القرآن وأنا طاهرة؟ ولو حلفت زور ربنا ينتقم مني؟
مصطفى: إنتِ هتهزري؟ مش باين عليكِ خايفة على صاحبتك. وده بيأكد إنك ضبطيها صح.
رقية: أيوة مش خايفة على صاحبتي. لأن مهما كان مش هتقع في ناس أسوأ منكم. إنتوا أهل رضا صح؟ (شاورت على رجل وامرأة وشاب صغير) أبو عمر عمره ما ضم بنته ولا حمى عنها. وزوجة أب شغلت بنت ضعيفة غلبانة ليها ولولادها. وأكيد إنت اللي حطيت للطيور بتاع رضا اللي موتهم. مع إنها وثقت فيك وتعبت وربتك أكتر من أمك. وإنت يا أبو علي أخدت غرضك من الجوازة وحميت ابنك واعتديت عليها وعاوز تخلص وتقول كان اتفاقنا كده. يا ترى ممكن تروح لأوحش من كده ناس؟ طبعًا لأ. ربنا مش هيسيبها. وأنا وبنتي هنلاقيها وهنحميها بإذن الله.
دخلت نهر وهي تنهج من الجري على السلم.
نهر: أنا أنتِ كويسة؟
مصطفى: أهلاً أهلاً! كده بان الرؤية. حبيبة أمها. يبقى إنتِ اللي رحتي المستشفى وقابلتي رضا في الحمامات، صح يا بنت التمرجي؟
لتهز نهر رأسها باستفهام لأمها.
رقية: رضا هربت منهم قبل ما يعملوا لها العملية وجايين علشان يحلفوني على المصحف إني ما ساعدتهاش أو أعرف مكانها.
نهر: بجد؟ إيه البجاحة دي؟ لا ومن مين؟ من واحدة بتعمل أعمال حتي لأقرب الناس ليها. بتعرفي ربنا في أوقات غريبة صراحة.
عزيزة: غنوا وردوا على بعض. وإحنا مش هنتحرك خطوة إلا لما أمك تحلف. ولما تحلف إحنا هنفضل. لأن رضا ما تعرفش حد غيرها، فأكيد هتيجي هنا.
رقية: وهي بقى غبية زيك علشان تيجي على هنا وهي متأكدة إن ده أول مكان هتدوروا عليها فيه؟ آآآه علشان كده أخدت الفلوس اللي باعت بيها طير إمبارح معاها وهي خارجة. أصلها يا عيني أخدت الفلوس اللي المورد إدالها إمبارح معاها الصبح وكانت ناوية تشتري النهاردة كتاكيت جديدة وعلف. بس صدمتها لما لقيت الطيور ميتة ما خلاهاش تصرف حاجة، فأخذت فلوسها معاها. غير تقريباً لابسة حلق وخاتم. يا ترى يا نهر دول يخلّوها تأجر أي شقة في أي مكان؟ قد إيه؟
نظر بعضهم لبعض وقال مصطفى: وإنتِ ما سألتهاش ليه واخدة فلوس معاها وهي رايحة عملية؟
رقية: أسألها ليه؟ أختك قالت تقوم من العملية تروح لأهلها. هترجع تاني عندكم إزاي؟ تاخد فلوسها؟ إنتوا مش أمناء عليها. هتكونوا أمناء على فلوسها؟
عزيزة وقد فاض بها وهمت بمسك يد رقية فعاجلتها نهر بقوة ووقفت أمامها: إيدك يا حلوة بدل وعزة جلال الله أقطعها لك وما ليك عندي دية. بتتهجمي علينا في بيتنا؟
رقية وهي تزيح نهر برفق: عاوزة إيه يا عزيزة؟
عزيزة: تيجي تتوضي قدامي علشان تحلفي على المصحف؟
رقية: موافقة. بس بشرط صغير. حاجة بسيطة تعمليها ليا إنت وأخوك مصطفى. ومش صعبة ولا هتتعبكم. هناخد منكم دقايق بس.
عزيزة بغيظ: قولي عاوزة إيه. ولو نقدر نعملها هنعملها.
رقية: بالظبط زي اللي طلبتوه مني إنت وأخوك مصطفى. هتتوضوا وتحلفوا برضه على القرآن. (نظرت لمحمد) مش كده يبقى عدل برضه يا أبو علي؟
محمد: عدل. بس هما هيهربوا رضا ليه؟
رقية: مين قال إنهم هيحلفوا إنهم ساعدوا رضا؟ مع إن ده مش بعيد عليهم. علشان عارفين الحمل خطر عليها والتوتر. فممكن يقتلوها بالبطء. أصل إخواتك دول بدماغ أبالسة.
مصطفى بابتسامة مستفزة: عاوزة تحلفينا على إيه يا رقية؟ وإحنا مستعدين.
رقية: مستعدة يا عزيزة. ولعلمك هتحلفوا قبل مني. إنتِ عارفة يا أبو علي كلمتي واحدة. لكن هما ما أضمنش.
عزيزة بتفكير: ماشي. عاوزانا نتوضى ونحلف على إيه؟
رقية: تحلفي على إنك ومصطفى ما عملتوش على أبو علي لعبة علشان يجي البيت يوم السوق الكبير بدري وحاطتي له منشطات علشان يغتصب رضا. كنتي عارفة إن رضا يوم السوق بتتعب مع الطيور. فهتيجي تاخد حمام وتاخد راحتها. خليتي مصطفى يجيب أبو علي وعطيتيه منشط في العصير. وخليتيه يطلع لرضا علشان رضا تطلع خسرانة. مش بس كده. إنتِ اتفقتي مع أهل رضا علشان تموتوا طيور رضا وتحسريها. زي ما هتحلفوا هحلف. بس إنتوا الأول.
بهت كل الموجودين. حتى نهر التي فتحت فمها بقوة حتى كاد يصل للأرض وهي لا تصدق ما يحدث أمامها. لحظات من الصمت يقطعها محمد: إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ واعية لكلامك؟
رقية بقوة: واعية قوي قوي. ومش رضا اللي أغرتك يا أبو علي. وإنت عارف إنت عملت إيه يومها وإمتى؟
عزيزة: عمل اللي أي زوج بيعمله مراتُه وحلالُه.
رقية: هههااااة. بجد؟ مش مهم هتحلفوا ولا لأ؟ أصل أنا بصراحة يا زوز ناوية إنك تتوضي وتحلفي على القرآن علشان أما تتشلي إن شاء الله بسبب حلفان زور. غير إنك سحرتي لناس. قوم الناس ترتاح من شرك إنت وأخوك. يلا يا حلوة ندخل نتوضى.
مصطفى: مش هنتوضى ولا هنحلف. وأعلى ما في خيلك أكبيه. ومش عاوزين زفتة. أهي غارت في داهية وهتبقى زي أمها تموت وهي بتولد.
صفقت رقية بمرح: أنا كده اتفاجئت. طلعت بتخاف ربنا. وبالنسبة لحمامة السلام هتقوي قلبك وتحلفي ولا هتنسحبي؟
نهر: فيه حاجة كمان علشان الكل يبقى على نور. أنا حاطة كاميرا صغيرة كده عند الطيور. حاجة ديجيتال بتسجل اللي بيحصل. وممكن من على تليفوني أشوف اللي عاوزاه. والكاميرا سجلت. (وأشارت إلى الشاب) إنت اللي حطيت للطيور حاجة. هودي التسجيل للقسم وهيجوا يرفعوا البصمات ويعملوا تحليل. وهتروح في داهية. تاخدك علشان تبقي تخون أختك يا دكر. وبدل ما تكون خريج كلية تبقى خريج سجون.
سعدية بسرعة: أنا ابني مالوش دعوة بحاجة. عزيزة اللي أدتني إزازة وقالت دي مقويات علشان الطير يكبر بسرعة. حتى اسألي دكتور الصيدلية بتاع البهايم. هي اللي راحت له وجابت القزازة من هناك وقالت له علشان العرس والفيران.
أغمضت عزيزة عينها بصدمة وهي تقول: يخربيتك يا شيخة.
نهر: طالما عارفة جابتها منين وقالت إيه؟ يبقى عارفة إنه مش مقويات. وكنتِ قصدك تأذي رضا؟ إحنا نسيب الحكومة تحقق براحتها بقى. ولا إيه رأيك أنا؟
رقية: اللي تشوفيه يا حبيبتي. ده مالك إنتِ وتعب رضا.
أبو رضا: يا أم نهر ما يرضيكيش ابني يروح في الرجلين. هو فعلاً كان فاكرها مقويات.
وقفت نهر أمام الشاب وهي تنظر لعينيه بقوة: اللي عارف كويس أمه وعزيزة بيكرهوا رضا قد إيه. ويسمح إنه يتضحك عليه. يستاهل أكتر من كده ولا إيه؟
الشاب: صح. أنا حتى ما هنّ عليّ أفكر. رغم إني عارف إن أبويا وأمي هيموتوا ويرجعوا رضا البيت.
نهر: ممكن ما أبلغش. وخصوصاً إنه مش هيرجع اللي راح.
أبو رضا: والله ما معنا حق الطيور.
نهر: لأ عاوزة أفهم. ليه عاوز تخرب بيت رضا وترجعها مكسورة؟ هو إنت مش أبوها؟ ليه راضي بمرمطةها؟ ليه حتى مستكتر عليها تخلف؟ ليه مش واقف معاها؟
أبو رضا: ده قدرها. هي كبرت خلاص. وقالوا الحمل هيكون تعب عليها وممكن تموت زي أمها وتسيب لي عيل أصرف عليه منين؟ وأنا يا دوب مكفي عيالي. بلاش دي. من ساعة ما مشيت من البيت لا عارف آكل لقمة حلوة لا أنا ولا إخواتها. مرات أخوها حامل ما ينفعش تتعب. وسعدية كبرت مش حمل شغل. وأخواتها البنات عندهم عيال وهيطلقوا لأنهم مش قادرين على شغل البيت. لو رجعت لنا هتشيل إخواتها زي زمان والبيت يتملي خير زي الأول. أضحي بواحدة بدل ما أضحي بكلهم.
نهر: تفكير غريب. طب ليه ما فكرتش تخلي بناتك يتحملوا مسؤولية بيوتهم؟ هي مش خدامة عند إخواتها الأصغر منها؟ ومراتك ما كبرتش ولا حاجة. هي طول عمرها مشغلاها بلقمتها في البيت وبرة عند إخواتها. وإنت برضه مشغلها في الغيط. ما فكرتش إنها بني آدمة من حقها تعيش زي إخواتها؟ مراتك بتقسي عليها علشان مش بنتها. إنت إيه؟ ما بتصعبش عليك دي يتيمة؟ وربنا قال "فأمّا اليتيم فلا تقهر". والنبي قال "أنا وكافل اليتيم كهاتين" وضمت السبابة والوسطى. لو عاوزها تخدم يبقى بالتراضي مش بالإجبار. إنت شجعت جوزها وأهله يبيعوا فيها ويشتروا علشان مش شايفين لها سند. (نظرت لأخو رضا) ما تسمحش لحد يستغلك تاني. وإن كنت مش هقدم بلاغ فده علشان ستنا رضا. إنت مش هتهون عليها تروح تفتح المكان عند الطيور وتتصرف فيهم للزبالة علشان بيوت الناس ما تبقاش ريحتها طالعة. وأنا هتصل بيهم وأفسخ عقد الإيجار. تروح وتنظف المكان ده أقل حاجة تعملها على عملتك السودة في حق أختك.
الشاب: أصحاب البيت بعد ما رضا تعبت جم البيت عندنا وقالوا ما نعرفش حد بيطلع ويدخل غيرك إنت وأختك. وأختك تعبانة وإحنا عاوزين الشقة نضيفة ومش عاوزين نقرف فيها. وقالوا لي لازم تنظف المكان. قالوا كده وهم بيبصوا لي بقرف، كأنهم متأكدين إني أنا اللي موتت طيور أختي. وأنا روحت ونظفت المكان علشان أستاهل. وما أثقش بعد كده في حد تاني. حتى لو أمي. اللي بتضحك عليا عادي وخلت منظري قدام البلد كلها الواد الجبان اللي غدر بأخته. أنا كنت جاي معاهم علشان بس أطلب من رضا تسامحني. أنا ما عرفتش قيمتها غير لما سابت لنا البيت. (إمتلأت عيناه بدموع) أكيد هتوصلي لها. قولي لها إني ما كنتش أعرف وإني غبي إني حطيت حاجة من غير ما أشاورها.
رقية نظرت للجميع: أنا تعبانة. اليوم كان طويل ومتعب. اتفضلوا كلكم من غير مطرود. ومش عاوزة أشوف وش حد فيكم. كفاية كده. وجلست على أقرب كرسي بإنهاك.
كادت أن تتكلم عزيزة ولكن محمد قال بصوت عالي: ولا كلمة يا عزيزة. ولا نفس. قدامي كلكم.
كاد يخرج الجميع لتهتف نهر: عمر خليك مع أمك. لأني هخرج كمان شوية أدور على رضا. ومش عارفة ممكن أرجع إمتى. وأمي تعبانة وما تفتحش لحد. وأنا كده كده هبلغ النقطة وهخلي حد يقفل بوابة العمارة من تحت.
محمد: حقك تخافي على أمك. أنا أخوهم الكبير اللي ربيتهم. وعملوا فيا وفي عيالي كده. حق الطيور في رقبتي. لأ في رقبة عزيزة. وهجيب ثمنهم من حبايب عينيها.
لتشهق عزيزة برعب وكادت تعترض.
نهر: مش عاوزة من وشها حاجة. دي لعنة. وأكيد فلوسها حرام. نار ونار فيها تتعذب بيهم في نار جهنم إن شاء الله.
مشي الجميع وبقي عمر.
جلست نهر مقابل رقية.
نهر: ممكن يا عمر تعمل شاي وتجيب ميه؟ أمي تعبانة وأنا طول اليوم واقفة وطاقتي خلصت.
عمر: ماشي. بس ما تاخدوش على كده.
نظرت نهر لأمها بتعمق ولم تتكلم. لتقول رقية: عمر اللي قالي لما جينا هنا على عزيزة ومصطفى. وإتفاجئت زيك. لكن عقلتها. محمد ما قربش من رضا غير مرة واحدة بس وبيعرف يتحكم في نفسه. فصدقت. لأن عزيزة ومصطفى شياطين. كان عاوز ياخد الموبايل. فقال لي هقولك على السر. وأخذ الموبايل. طبعاً اديته اللاب بعد ما قالي على السر. المهم كانت مفاجأة بصراحة. بس أوكي جت في المصلحة. وبعدين إنتِ ليه ما قلتيش إنك مركبة كاميرا؟
نهر: وهو أنا أقدر على تمن كاميرا من النوع ده؟ طبعاً اشتغالة علشان يخافوا ويعترف أخوها. عموماً أنا اتكلمت مع عمو أمجد وأنا جايه في الطريق. لأننا داخلين على وقت هيبقى محتاجين فيه فلوس كتير للمتابعة واحنا معندناش المقدرة دي. إحنا يا دوب الفلوس اللي معانا تقضي شوية حاجات. قلت إنه دايمًا بيساعد ناس في العلاج. وحكيت له كل حاجة. وساب خبر في المستشفى إن أما أروح في أي وقت أدخل. فهي هتقعد لفترة على ما تستقر حالتها بعد اللي حصل. وأنا بعد كده هطمنك عليها على إنها إدوارد. لما أقول إدوارد يبقى قصدي هي. أما لو قلت أدو يبقى أدور.
رقية: مستر أمجد يستاهل كل خير. ربنا يبارك له.
نهر: بالمناسبة قرب على إنه يخلص مستشفى جديد في التجمع بيجهز بقى. لإن إن شاء الله فهد لما يرجع من بره ويكون واخد الدكتوراه. يبقى بعد كده يمسك المستشفى الجديد دي هو وناس متخصصين. وباقي بس يسافر يجيب الأجهزة من بره علشان الافتتاح. على ما يكونوا خلصوا باقي التشطيبات الباقية وتشتغل المستشفى سنتين تلاتة على ما يجي فهد.
خرج عمر من المطبخ معه ثلاث أكواب شاي وكوب ماء.
نهر: الأفضل لك عمر إنك تقعد مع ماما فترة. لأن أكيد دماغ أبوك هتشتغل ويشك فيك إنك سمعت حاجة وقولت لماما. فانت قول بقى ماما تعبانة أو نفكر في حجة تقعد معاها. علشان ما يستفردش بيك هناك.
عمر: يا ليلة سودة! يعني الكل يعمل مصايب وتيجي في الآخر على دماغ قرمط.
نهر: أنا أنتِ إدوارد صحته مش مطمئناني. فانا همشي وأروح بيه المستشفى وأبقى أطمئنك. وادعي لي بقى. امتحانات آخر السنة خلاص. باقي ثلاث أيام. مش عاوزة حاجة قبل ما أمشي.
رقية: إشربي الشاي يا حبيبتي. وبعدين امشي.
نهر: هاخدها وأشربها في الطريق. ورايا حاجات كتير. سلام. (قبلت رأس أمها) خد بالك من أمي.
***
رجعت نهر واخذت رضا واتجهوا إلى مستشفى. ليقابلهم محمود ويدخل نهر ورضا بنفسه لحجرة. ويتم الكشف المبدئي لرضا. وتستعد نهر للبيات معها.
نهر: أنا الصبح هصحى بدري علشان أرجع الميكروباص لأدو. وبعدين هروح بيت المغتربات أجيب شوية كتب وأشتري شوية غيارات. وأجي. هقضي الثلاث أيام معاك هنا. هما هيجيبوا لك الفطار الصبح والغدا طبعاً. وأنا هاجي على العصر كده.
رضا: هتخرجي الصبح وتيجي العصر يا نهر؟ كل ده؟ أنا مش قصدي أحاسبك بس هخاف أقعد كل ده لوحدي.
نهر: أصلي لازم أودع الوفد التركي اللي اشتغلت معاهم. هيرجعوا بلدهم. وعاوزة أعرف حاجة منهم. عموماً ما تخافيش. عمو محمود اللي جابنا هنا هيبص عليكِ. ده طيب قوي. وإنتِ في مستشفى يعني مفيش خوف. وعلى فكرة الأوضة محجوزة باسمي أنا مش إنتِ. صحيح جبتي البطاقة بتاعتك؟
رضا: جبت البطاقة وفلوسي وقسيمة الجواز علشان لما أولد أسجل العيل. ونسيت التليفون بتاعي. بس علشان كنت واخدة بتاع ستنا رقية.
نهر: كويس. فكرتيني. أجيب تليفون حديث شوية وأعلمك عليه. لما أحب أفصل من المذاكرة.
رضا: طب خدي الفلوس كلها. اهي. هاتي. وادفعي المستشفى هنا باين عليها غالية. الفلوس دي هتكفي. أنا بقول بلاش تليفون أحسن.
نهر: هاخد نصهم علشان ما تزعليش. والمستشفى هنا بيتعاملوا معايا بتخفيض علشان عمو أمجد شريك فيها. يعني ممكن ما أدفعش حاجة. يلا بقى ننام علشان أنا هيغمى عليا من التعب.
أمسكت نهر فونها وبعثت رسالة لأمها تطمئنها إنهم وصلوا المستشفى وبخير.
***
صباحاً في الفندق. وبرهان ورفاقه في بهو الفندق.
طاهر: أول يوم كان أمس. لم أستمتع بشيء. رغم جمال حمام السباحة والمركز الصحي هنا. لكن افتقد رينا حقاً.
ديمير: نحن أتينا للعمل. وأمس كان مليئ بالتعاقدات لنا. ما عدا أنت لا أفهم لماذا أتيت معنا.
طاهر: أصدقائي الثلاثة في مهمة عمل. لماذا أمكث وحدي؟ ثم إني استمتعت جداً هنا. بل انبهرت. وسوف أكون على اتصال دائم برينا.
برهان: طاهر. رينا في سن أحفاده.
طاهر: نعم برهان. لكن بها شيئاً ما يجذبني إليها. مكافحة ذكية نشيطة متطلعة. كما كنا نحن من قبل. وتذكرني بأحد ما عزيز على قلبي.
برهان بتافف: لا أحب تلميحاتك طاهر. بل أتضايق منها. قلت لك أنها فتاة استغلالية. كانت تحسبني مغفل أو ماذا؟ أخذتني إلى أحد المستشفيات لأتبرع وهي تأخذ نسبة من التبرع أكيد أو تأخذه كله. لم تري وجهها حينما خرجت ولم أتبرع. كانت حزينة وكئيبة للغاية. عندما أتبرع أتبرع في مكان موثوق لناس ثقة. وكانت توهمني أنها أتت بي لأقابل شخصاً ما.
طاهر: لا أظن ذلك برهان. لو كانت هذه نيتها. لماذا لم تأخذني أنا؟ وهي تعرف أني تاجر مجوهرات. بل و أتعامل معها برفق. أو تأخذنا جميعاً وتكسب أكثر. أنت تسئ الظن بها.
برهان: هي طالبة بهندسة. تريد توثيق العلاقة بي أولاً لأستفيد. وستصل إليكم بسهولة عن طريقي. فلما العجلة؟ كما أنها لا تريد أن تزيد شكي بها. أتفق معك أنها ذكية. لكنها ليست خبيرة بما يكفي لتخدعني.
دخلت نهر لبهو الفندق في تلك اللحظة. واتجهت إليهم مباشرة.
نهر: حمداً لله. وصلت قبل أن تغادروا.
طاهر: ماذا تريدين أيتها الجميلة؟
نهر: أردت توديعكم. ومعي لكل منكم هدية. أتمنى أن تقبلوها. بسيطة كي تذكركم بمصر. (كان بيدها شنطة كبيرة ورقية. أخرجت منها أربع شنط أخرى ورقية. أعطت كل واحد منهم شنطة مكتوب عليها اسمه) أتمنى أن تعجبكم هذه الهدايا. عموماً كلها handmade.
طاهر: لما هديتي صغيرة؟
لتضحك نهر بقوة: مش بالحجم. هو ده خاتم فضة. ما أقدرش على الدهب أنا. لكن معمول بحرفية. وأكيد هتفهم لما تشوفه.
أخرج طاهر الخاتم وأعجب به. وتوجه إلى شنطة له وأخرج منها علبة صغيرة.
طاهر: اشتريت هذا الخاتم لحفيدتي بلاتين مرصع بأحجار كريمة. لكن خذه أنت. وسأشتري لها آخر.
نهر بابتسامة: لا. أنا هاخد العلبة. أصلها عجبتني قوي. الخاتم لا. وأنتم أساساً أكرمتوني بأكثر من تعبي.
طاهر باستغراب: لما رينا. لقد قبلت هديتك. فلتقبلي هديتي.
نهر: علمتني أمي أن آخذ الهدية التي أستطيع أن أهدي بمثلها. أغى. هذه فوق مقدرتي لارد بمثلها. غير أني أخاف أن ألبس مثل هذه الأشياء. عفواً منك. سأتصل بك ليلاً لأطمئن على سلامة وصولكم.
طاهر أخرج محفظته وقال: إذاً هذه إكرامية مني لك. هي نقود مصرية لا أحتاج إليها. ولن أضيع وقتي في تغييرها. أعطيها لمن اعتبرتها بمثابة حفيدتي. هل تقبلي أم ترفضي ويشمت بي برهان أغا؟
نهر بابتسامة رقيقة أخذت منه النقود وشكرته.
التفتت لبرهان أغا: ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
برهان: بسرعة. لأننا سنذهب المطار.
نهر: حضرتك عندك كام بنت؟ أو كان عندك كام بنت؟
برهان بتضييق عينيه: لما هذا السؤال؟ عموماً عندي بنت واحد وحفيدان.
نهر: الآن؟ أم كان عندك أخرى؟
برهان بصوت أفزع كل من بالبهو: ما هذه السخافة؟ ما شأنك أنت؟ أجننت؟ لا أحب أسلوبك ولا أهتم بفضولك. وعموماً عندي ابنة واحدة. واغرب عن وجهي فقد أزعجتني.
كادت أن تمشي لكنها اتجهت لطاهر واحتضنته بقوة وهي على وشك البكاء لتقول: سأفتقدك عمو طاهر. آسفة أن أزعجت صديقك. احتضنها طاهر بحب وهو يقول: سأتذكرك دوماً صغيرتي.
خرجت من حضنه وجرت بسرعة للباب وسط ذهول الجميع. لحق بها إدوارد ومشى بها قليلاً على ضفة النيل إلى أن انتهت من البكاء. شرحت له ما حدث.
إدوارد: استريحي كده. ما هو كان واضح من الأول إنه مش جدك. مش معني إن عينيه تشبه عيني ماما إنه أبوها. فيه آلاف أو ملايين بنفس لون العين.
نهر: فهمت. بس أنا بقالي أربع سنين من يوم ما شفت المجلات مصدقة إنه جدي. مش قادرة أوصف لك خيبة أملي. كده هبدأ من الصفر. آه قبل ما أنسى. خد دول. ثلاث آلاف جنيه ونص. اشتري بيهم تليفون وخط. وآجي آخدهم منك بعد ساعتين. لأني رايحة العتبة. هشتري لرضا غيارات. وأشتري من الرويعي شفاف وورق كلك. عاوز حاجة من هناك أجيبها لك؟
إدوارد: اشتري خط تاني باسمي. ليه الخط اللي معاك باسمي برضه؟ أنا كده هيبقى لي أربع خطوط باسمي. وتليفونك ماله؟
نهر: التليفون والخط الجديد لرضا. وهعلمها عليه إزاي تفتح النت وتدور على حاجة. هتحتاجه علشان قربت على امتحان محو الأمية. وطبعاً مش هينفع تجيب خط باسمها. لأن أخاف حد من البلد يفكر ويوصل لها قبل ما تولد. ومش عاوزة يكون باسمي برضه. عاوزة حد بعيد عنها. فهمت؟ أما الخط اللي معايا باسمك فده علشان أنا محتاجة خط رضا مش باسمي. وهبقى أشرح بعدين. سلام. هعدي عليك كمان ساعتين تكون اتصرفت. إن شاء الله تخليه حد صاحبك يشتريه.
***
على الجانب الآخر في عربة فيها طاهر وبرهان.
طاهر: ليه كذبت برهان؟ إنت للدرجة دي نسيت عائشة جول؟
برهان: عمري ما أنسى. إنت عارف كانت روحي مرتبطة بيها قد إيه؟ بس مش عاوز أفتح جرح لسه بينزف لغاية دلوقتي. البنت غريبة قوي وكأنها عاوزة ترجعني لعذاب قديم. لما نديم مات قال الحق بنتي جوزها معذبها. صحي أمل مات جوايا واتعذبت فترة كفاية. أنا دفنت بنتي بإيدي ومش مستحمل حاجة تاني. رغم إني بعامل رينا وحش. بس مش عارف ليه عندي شعور غريب وعاوز أحضنها بين إيديا. أنا شايف الشبه الكبير بينها وبين عائشة. وده معذبني. حتى حساسية الفراولة والمكسرات. شكل جسمها. بعض الحركات هي نفس حركات عائش. نفس الضحكة والتنطيط لما تفرح. وجودها عذبني ورجع لي وجع كنت بتناساه. كفاية كده طاهر أرجوك.
***
اتصل أمجد بنهر ليلاً وهي مع رضا ليطمئن عليها. بعد فترة من المكالمة.
نهر: يعني حضرتك عاوز لما تسافر تاخد عمو محمود معاك. لكن هو مش عاوز. علشان ممكن تتأخروا شوية وهو مش عاوز يسيب أولاده لوحدهم. صح كده؟
أمجد: أيوه صح. اللي فهمتيه. وعشان كده فكرت إن ممكن رضا دي تقعد مع الأولاد على ما هو يرجع. وما تخافيش. فيه واحدة بتيجي كل أسبوع تنظف البيت وتجيب الخضار والفاكهة. والباقي بيجيبوه تليفري. يعني لو عملت حاجة هتكون مجرد أكل بسيط تعمله وهي على ترابيزة المطبخ. المهم تاخد بالها من الأولاد. وطبعاً ترد وقت ما يتصل بها.
نهر: هي عادي هتوافق. خصوصاً إن الأولاد صغيرين. أولى إعدادي وأولى ثانوي. المهم عمو محمود هيرضي. دول من أول ما شافوا بعض وحاسة إنهم مش طايقين بعض. رغم إن عمو محمود طيب. بس بيتعامل معاها بجفاء.
أمجد: أنا من جهة وأنتِ من جهة. هيقتنع. خصوصاً لو إنتِ قلتي هتعدي عليهم كل كام يوم.
نهر: أنا مش بس أعمل كده. أنا كمان ممكن أخلي أمي تيجي تقعد معاهم شوية. منها تطمن على رضا. وعمو محمود يطمن على أولاده. طبعاً مش دلوقتي. لما الدنيا تهدى شوية في البلد. خصوصاً إن عمر خلص امتحانات. وعندي أمي اليومين دول.
أمجد: حلو. وأهو ممكن كمان أزور فهد أنا ومحمود ونتفسح شوية. ورضا دي تكون في مكان آمن ما يخطرش على بال حد.
نهر: تمام عمو. على فكرة أبويا علي بعت لي أدوية لها. هتوصل لي بعد يومين تلاتة. وهيتابع معايا حالتها. وبعت له الأشعة والتحاليل الجديدة. تصدق يا عمو؟ طلعت حامل في توأم. صحيح مش عارفين نوعهم. بس من ساعة ما عرفت وهي قاعدة تشكر ربنا وبتصلي وهي قاعدة خايفة عليهم. وأنا كمان مبسوطة قوي.
أمجد: ربنا يعدي أيامها على خير إن شاء الله.
هيحصل إيه؟ نعرف الفصل الجاي هيكون بمثابة استراحة محارب. الكل تعب من شدة الأعصاب. وأسفة ليكم من كمية الكآبة. حاسة حتى إخواتي زهقوا مني.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم رينا الهادي
مرت ثلاث أيام لتنشغل نهر بالامتحانات وترافق رضا إلى بيت محمود لتكون مع أولاده الفترة القادمة بعد أن أقنع أمجد ونهر محمود في مرافقة أمجد للسفر خصوصًا أن أولاد محمود قد انتهوا من امتحانات آخر العام وبدأوا الإجازة الصيفية.
رغم عدم اقتناع محمود برضا لأنها من وجهة نظره شبه جاهلة، إلا أن الحال استقر على وجود رضا مع أولاد محمود وامرأة تأتي لتنظيف البيت وتجلب جميع الخضروات والفاكهة.
بذلت رضا مجهودًا كبيرًا مع أولاد محمود ليأكلوا أكل بيت، لكنهم كانوا يكتفون بالفطار والعشاء فقط، ولم يرضوا أبدًا بالغداء منها، فالوجبة الأساسية لهم كانت دائمًا من الوجبات السريعة. وهذا ما أثار جنون رضا عليهم، فبالرغم من أنها لم تتم تعليمها، إلا أنها تعرف خطورة مثل تلك الوجبات عليهم، خصوصًا وهي تراهم زائدين الوزن، وخاصة شفق.
رضا: مش كل يوم غدا من بره كدة، حرام عليكم منها أكل مش مضمون وكمان غالي، بتضيعوا فلوس أبوكم عليه.
آسر: هو حد طلب رأيك، إحنا متعودين على كده، بنفطر ونتعشى مع بابا، والغدا بنجيب من بره، إنت هتقعدي معانا شهر أو حتى اتنين، وحياتنا هترجع تاني زي ما هي، فبلاش زن كل يوم، لإننا زهقنا.
رضا: هو أنا بقول لكم خدوا مخدرات؟ مال الأكل اللي بأعمله، ما أنا بأقوم الصبح بلاقيه متتاكل نصه بالليل، أنا بأقول يخلص كله غدا وأعمل تاني لو تحبوا بالليل، يا إخونا، إنتوا مش حاسين بقيمة القرش، أكبروا بقى.
شفق: إنت مش حاسة إنك بتاخدي وضع أكبر منك بكتير؟ إنت بس مرافقة لينا عشان بابا يطمن علينا، مش أكتر، مش كل شوية نصايح، ومش من حقك أصلًا إنك كل شوية تقولي لي ما تخرجيش بده، واخرجي بده، أنا بابا هو اللي جايب لبسي، فعارف أنا بلبس إيه.
رضا: لو قصدك إنك تخرجي بحتة القماشة اللي بتبين جسمك دي، إنسي، لو انطبقت السما على الأرض مش هتخرجي بها. مش بس، إنت ما شاء الله صحتك كويسة جدًا من الأكل بره، وشكلك أكبر من سنك، فأنا مش بأبقى مطمنة وإنتِ خارجة كده، وبأشوف في التليفزيون النادي اللي بتروحوه مليان عيال بايضة.
آسر: كده كتير، إحنا عشان ظروفك وعشان خاطر نهر بنعدي لك كتير، لكن لأ، كفاية بقى، بلاش تتحكمي في حياتنا، تقعدي هنا وإنتِ ساكتة وبس، إيه ده؟
رضا: أيوه أغضبوا، وعلى صوتكم، وأنا أخاف، برضه يا آسر، ما فيش سهر بره، آخرك ثمانية بالليل.
آسر بغضب: إنت بتنيمي كتاكيت؟ ده المغرب بيأذن في الصيف، ثمانية وأنا شاب، وبأسهر مع أصحابي.
رضا: بلا أصحاب بلا زفت، لو هتسهر آجي أشوفك في أي داهية، تبقي قدام عيني لوحدك بعد ثمانية لأ. هو أنا مش هأقدر عليكم ولا إيه؟ وإنت يا شفق، لو عاوزة تخرجي مع أخوك، غيري الزفت ده، كل دراعاتك باينة منه، والبنطلون ملزق عليكي، البسي محترم، الناس تحترمك.
شفق وهي تصرخ: هاااااه، أنا زهقت والله.
أخذ آسر أخته من يدها وهو يقول: هنخرج، وورينا هتعملي إيه؟ وخرج بسرعة قبل أن تستطيع رضا الوقوف وإلحاق بهم.
بعد نصف ساعة تقريبًا، كان محمود يتصل برضا لترد هي بسرعة.
رضا: أيوه يا أستاذ، الولاد راحوا النادي من شوية وكويسين.
محمود: عارف، أنا لسه قافل معاهم، ممكن أفهم إنت ليه مضايقاهم ليه؟ دخلك إيه بلبس البنت وجسمها كبير ولا صغير؟ وكمان آسر، هو متعود يتغدى مع أصحابه ويلعب معاهم بالليل، إحنا في إجازة، من فضلك ما تضايقيش على الولاد.
رضا: يا أستاذ، أنا خايفة عليهم، أنا لو اتجوزت زي البنات اللي في البلد، كان زمان معايا قدّهم. بنتك جسمها فاير، والزمن بقى مش مضمون، وبصراحة كده، أنا ملاحظة ناس بيمشوا وراها، مش هي وبس، وكمان آسر، أنا بأراقبهم من الشباك، والله ما بأكذب عليك، والبنت لازم تلبس مستور.
محمود وهو ينفخ بغضب: جسم إيه يا متخلفة إنتِ؟ إحنا في كومباوند محترم، الناس فيه متربية، وهي مجرد طفلة، دي مخلصة أولى إعدادي، هتلفت نظر مين عندك؟ الوش اللي في راسك ده، بلاش تقوليه للبنت، وأنا اللي اشتريت اللبس ده مع بنتي. إنت دورك تطمني إنهم أكلوا كويس، ناموا كويس، لبسهم نضيف، لو حصل أي حاجة مش مضبوطة تبلغيني، وأطمن عليهم منك لو اتصلت بس.
رضا: إنت متأكد إنك صعيدي يا عم إنت؟ العيال عاوزة شدة ودلع، امسك العصاية من النص، بلاش كله دلع، بنتك وربنا كبرت.
محمود بصراخ: رضا، اللي أقوله يتسمع.
رضا: خلاص، اللي تحبه، طب ممكن أروح معاهم النادي طيب؟ بيقولوا قريب.
محمود: لأ.
رضا: ليه؟
أغلق محمود الخط في وجه رضا وهو يقول ببرود: العيال طفشانة من البيت منها، وهي عاوزة تروح معاهم. هكلم نهر تتكلم مع المتخلفة دي وتفهمها.
رضا بعد أن أغلق الخط: هو أفل السكة في وشي ولا إيه؟ هو الراجل ده بجد صعيدي؟ ده مركب إريال، مش خايف على بنته، وبيقول طفلة؟ دي قدي مرتين، و بيضة وقشطة، والمصحف لو عندنا كانت اتخطبت. هوا، لأ، لأ، الراجل ده مش شبه رفيع بيه ولا حتى وهبي السوالمي.
محمود بعدها كلم رقية لأن نهر بامتحاناتها. ورقية كلمت رضا بهدوء أن تكسب الأولاد لصالحها وتتودد إليهم، فهم في سن خطرة. واتفقت معها أن تزورهم قريبًا وتصلح بينهم، خصوصًا أن عمر مل من وجوده معها ويريد الرجوع لأبيه. في هذا الوقت، كان عمر يلعب كرة مع الصبية تحت البيت، ورقية تراقبه من بعيد.
مرت عدة أيام، وعند نزول آسر وشفق للنادي، نادت عليهم رضا وخرجت وهي تحمل بيدها شنطة منتفخة.
رضا: أنا عاملة لكم مفاجأة النهاردة، أنا هاجي معاكم وأتفرج عليكم وأنتم بتتدربوا وهشجع جامد والله. بصوا، أنا كمان مالية الشنطة سندوتشات وفاكهة، يلا نخرج كلنا.
آسر: بابا قال قبل كده لأ، هتيجي ليه؟ ممكن تتعبي، إنت لازمك راحة.
رضا وهي تمثل الحزن: زهقت يا آسر، أنا روح برضه ونفسي أشوف النادي، مش أنا بقالي كذا يوم مش بزعل حد فيكم، أنا عاوزاكم أصحابي، والنبي يا آسر، إنت راجل البيت في غياب أبوك، والله ما هكسفكم أو أزعلكم، خدوني معاكم، ومطرح ما تحطوني هقعد والله.
شفق: أصلًا أنا وآسر بتكون في أماكن مختلفة، يعني هو هيروح سباحة وأنا بتيناج، وبعدين هنتقابل ونتغدى، وهو يروح للخيل، وأنا هقعد مع البنات صاحباتي، نلف التراك بقى أو نرغي، إحنا إجازة.
رضا: ماشي، أنا هكون معاك في الأول هشجع بس، وبعدين نتقابل، تدوقوا السندوتشات لو عجبتكم كلوها، مش عجبتكم اشتروا الغدا اللي تحبوه، بعدين أروح مع آسر وأسيبك مع البنات صحباتك. على فكرة يا آسر، أنا كنت بركب الحمار وبأسوقه وهو محمل أي حاجة، وكان نفسي والله أركب حصان في يوم من الأيام، بس يلا، والنعمة أنا حريفة ركوب وبعرف أسوق وأمسك نفسي وما أقعش مهما كان الحمار محمل. خدوني معاكم، وإن ضايقتكم، ما تاخدونيش تاني، والله قلبي مقبوض، وحلمت حلم وحش، تعرف والله شوفتك واقع من على ظهر الحصان، خد بالك بالله عليك، واركب بشويش، وبرضه شفق، والنبي يا عيال، أقصد يا شباب.
آسر وهو ينفخ بغيظ: أنا هتأخر كده، معدش غير نصف ساعة على تدريبي، لازم أمشي. إبقوا حصلوني يا شفق، تدريبك لسه عليه ساعة، ولو عاوزة تاخديها معاك خديها، مش عاوزة خلاص، خليها، النادي قريب أصلًا مش بعيد، سلام أنا.
وخفذ بسرعة وفتح الباب وخرج.
وقفت شفق بحزن، فقد هرب شقيقها وتركها لرضا.
رضا: يلا يا حبيبتي، والله ربنا هيكتب لك ثواب، قاااااد كده. وفتحت ذراعيها: إنت حبيبتي.
شفق: ماشي يا رضا، بس ما تفتحيش بوقك ده خالص وإنتِ معايا، هو آسر اللي محتاج تشجيع في الفروسية، البتيناج بنتعلم بس، تقعدي مكان ما أوديكِ، وما تتكلميش مع حد، ماشي.
رضا: ماشي، ماشي، على حطة إيدك، هكون، يلا عشان مانتأخرش.
شفق: هو ما ينفعش تقعدي النهاردة.
رضا: لأ، وأودي السندوتشات دي كلها فين؟
نزلت شفق بعصبية مع رضا، وكلاهما يحمل شنطة، شفق شنطة النادي ورضا شنطة السندوتشات.
لمحت رضا الرجل الذي تراه يراقب شفق وآسر، ومعه رجل آخر يقف في مكان ما، فقالت لشفق: امشي قدامي إنتِ، وأنا وراكِ عشان بمشي براحتي. فمشت شفق بخطوات سريعة حتى لا تلحقها رضا. أما رضا، فكان في نيتها أن تتأكد من مراقبة هذا الرجل لشفق دون أن تثير خوف شفق.
سرعان ما ابتعدت شفق، وبالفعل رأت الرجل يتبعها، فأسرعت رضا، كادت أن تصرخ، لكن فوجئت بعربة تمشي بجانب شفق، والرجل أمسكها ووضع منديلًا على وجهها، فوقعت وحملها الرجل وأدخلها العربة. فصرخت رضا بهم: سيبوا البنت بدل ما أبلغ عنكم وأصوت، أنا عرفت رقم العربية.
نظر الرجلان لرضا، فارتعبت من نظراتهم.
رضا وهي تجري ناحيتهم: أنا الدادة بتاعتها، قولوا عاوزين إيه، وأنا هخلي أبوها يديكم اللي عاوزينه.
أصبحت بجانب العربة ليقول السائق: خدرها وارميها جوه مع البنت عشان ما تبلغش بسرعة يا غبي.
وضع الرجل المنديل على وجه رضا، فكتمت نفسها كي لا تستنشق المنديل، ومثلت أنها فاقدة للوعي، وأدخلها الرجل العربة.
السائق لأحد الرجلين: روح إنت النادي، خلص مع الواد، وابقى اتصل وادينا التمام لما تشوفه بعينك وقع من على الحصان، يلا بسرعة على ما أودي الأمانة لأصحابها، بينما ركب الرجل الثاني بجانب السائق.
السائق: أخذت موبايل البنت، رميته.
الرجل الثاني: أيوه، قفلته ورميته، بس ما عرفش الست اللي ركبت معاها تليفون ولا لأ.
السائق: ومستني إيه؟ شوف في الشنطة اللي معاها.
استدار الرجل وأخذ شنطة رضا وفتحها وأخرج ما فيها. ضحك هو والسائق وهما يريان كمية السندوتشات والفاكهة وترمس شاي وعدد من الأكواب.
الرجل: تصدق، أنا حبيت الست دي، جايبة كل المطلوب. وضع في يد صاحبه سندوتش وأخذا يأكلان بإستمتاع، إلى أن سمعا صوت رضا وهي تقول: آه يا لااااااهواي، إيه الصداع ده.
نظر لها الرجل بإجرام، نظرة أخافت رضا، لتقول بسرعة: أنا عارفة إننا مخطوفين، بس إنت لازم تعرف إني بثلاثة عشان حامل بتوأم، وإنتوا شكلكم ناس محترمين ومعاكم عربية ما شاء الله كبيرة وحلوة، وأنا والله ما هصرخ ولا هعمل حاجة، أصلي حملي صعب يا أستاذ. بص، ودينا قرب ما أخدتنا، واطلع معنا الشقة، وأنا هخليكم تقشطوا البيت من كله، وسيبونا في حالنا، الله يخليكم.
الرجل: إنت دماغك إيه؟ يخرب بيتك، المفروض تصحي كمان ساعتين على الأقل، ده إنت ما كملتش ربع ساعة.
رضا بابتسامة: ما أنا أصلي باشرب شاي وقهوة كتير، ما تجيب كوباية شاي من عندك، أنا والله مسامحة في الأكل، بس هات سندوتش وكوباية شاي، واسمع كلامي، هتكسب. تعرف البيت عندهم مليان حاجات كتير وفيه ذهب، البنت دي كتير. اسمع كلامي، هتكسب.
السائق: اديها يا عطية سندوتش وكوباية شاي. بصي يا حلوة، إحنا مهمتنا نوصل الأمورة دي للباشا اللي طالبها، تقريبًا عنده تار مع أبوها، حتى وعدنا نتسلى على الحلوة بعد ما هو ياخد اللي عاوزه منها، بعدها حد منا هيروح معاك الشقة وناخد اللي فيه النصيب، أصل البحر يحب الزيادة.
رضا بعدما بهت وجهها، نظرت لشفق ثم إلى السائق برعب: يعني إيه تتسلوا بيها؟ دي طفلة، شكلها كبير بس طفلة، ممكن تموت، والله ما تستحمل، دي بتقع خمس ست مرات على ما توصل آخر الشارع، حرام. يا اسمك إيه؟
ضحك الرجل: وهو السرقة حلال ولا الخطف حلال ولا القتل حلال.
رضا: قتل؟
الرجل: آه، لو فتحتي بؤقك الحلو ده، ولا حد هيعرف لك طريق. خدي سندوتش، خدي، تسلم إيدك، سندوتشاتك تحفة.
رضا: معلش، هو لسه كتير على ما نوصل للباشا بتاعكم، وكمان خلي بالك آسر أخوها، أكيد هيلاحظ إنها مش موجودة وممكن يبلغ عنها.
الرجل: آسر عنده سباحة، وبعتنا اللي هياخروه شوحة، بعدها هيروح للخيل، ويا عالم بعد ما يركب الخيل، هيعيش ولا يتكل.
رضا: ليه كل ده؟ يعني آسر وشفق ممكن يضيعوا في نفس اليوم؟ إيه الانتقام القاسي ده؟ كده أستاذ محمود ممكن يجري له حاجة، هو أنتم عندكم قلب ولا دين؟
الرجل: كلي وإنتِ ساكتة، بدل ما أسكتك أنا للأبد.
سكتت رضا وهي شاخصة العين ودموعها تنزل بصمت. ليرن هاتف الرجل ويرد.
الرجل: أيوه يا باشا، البت معانا، وخليل راح النادي ورا الواد وهينفذ المطلوب، بس فيه حاجة حصلت...
الرجل: يا باشا، إحنا كنا عاملين حسابنا إن دايما الولد بيسبق البنت للنادي، كنا هنخطف البنت من الشارع لوحدها، بس أول مرة تنزل معاها ست، عرفنا إنها الدادة، ولما شافتنا أخدناها معانا لأنها عرفت نمرة العربية... حاضر يا باشا. وفتح الأسبيكر.
الباشا: حلو قوي إنك موجودة، ما كنتش عامل حسابك، بس هتفيدينا جامد لما تنقلي لمحمود باشا كل اللي هيحصل لبنته، وساعتين بالكتير وهيوصله اللي هيحصل لابنه، يا عاش عاجز يا مات.
رضا: يا بيه، أو يا باشا، شفق صغيرة دي، ما تعرفش حاجة في الدنيا. ولو عندك تار زي ما فهمت، خده من محمود، ما تخسرش...
قاطعها صوته: اخرسي، واعملي اللي هقول عليه، فاهمة؟ بدل ما أندمك على حياتك، ونتسلى عليكم مش عليها لوحدها.
رضا: ماشي يا باشا، حاضر، هعمل زي ما تحب، اؤمر وأنا هنفذ، بس حابة أقولك إني حامل في توأم، هو إحنا هنوصل لحضرتك كمان قد إيه؟ ومعلش أقول باشا مين، اسم حضرتك إيه؟
الرجل: عاوزة اسمي، حاضر، أنا أصلًا عاوزك تحفظيه، وأوعي تنسيه عشان تقولي لمحمود عليه. اسمي حمد يونس، هو عارفني كويس، وقدامكم أقل من نصف ساعة وتيجوا يا حلوة، وهتيحوا الفيوم.
رضا: الله، الفيوم؟ هتودينا الشلالات؟ والله كان نفسي أشوفها يا باشا.
الباشا: إنتِ طالعة رحلة! عمومًا، شكلك بنت حلال، وممكن أشغلك معايا بعدين، بس أنفذ اللي في دماغي الأول. سلام.
بعد مرور بعض الوقت، وصلت السيارة ودخلت من بوابة كبيرة. وقفت أمام باب الفيلا الداخلي ليخرج الرجال ومعهم رضا، التي فزعت من عدد الرجال المسلحين الموجودين في جنينة الفيلا. وحمل أحد الرجال شفق للداخل لتتبعهم رضا باستسلام. ليلقي الرجل بشفق على إحدى الكنب وهو يقول: اتفضل يا باشا. لتنظر رضا وتجد رجلًا يبدو عليه أنه في منتصف الأربعين، لما له من شعر أبيض بجانب أذنيه، لكنه ضخم الجسم، عظيم العضلات.
لتشهق رضا بصدمة: حضرتك الباشا يا بيه؟
الرجل: فاكرة قولت لك اسمي إيه؟
رضا بهز رأسها بالإيجاب: أستاذ حمد يونس باشا.
حمد: شاطرة، عارفة لو كنتي نسيتي كنت هعمل فيكِ إيه؟
رضا: قلبك أبيض يا باشا، بس لامؤاخذة، إيه الجيش اللي بره ده كله؟ يعني حضرتك بكل العضلات دي مش محتاج لكل الهالومة دي.
حمد: قول أعوذ برب الفلق.
رضا بصوت منخفض: خايف من الحسد، وهو عيني هتحسد إيه ولا إيه؟ باينة بيلعب مصارعة.
حمد: فوقوا البنت دي وطلعوها على أوضة نومي بسرعة.
رضا بسرعة: يا باشا، البنت محتاجة حد يوضبها لحضرتك الأول، يعني ساعتين بالكتير وتلاقيني مجهزها لحضرتك.
حمد: ساعتين ليه يا روح أمك.
رضا: عشان هي أول متعرفش حاجة، فأنا هاخد الوقت ده وادخل المطبخ وأعمل الحاجات وأطلع أنظفها وألبسها وأحط لها أحمر وأخضر، وإنت فاهم. سيبها نايمة فوق، ما حدش يصحيها، على ما أجهز الحاجة في المطبخ وأعمل لك أحلى قهوة وأطلع لها.
حمد: هي ساعة واحدة، ولو القهوة طلعت وحشة هرميها في وشك.
رضا: القهوة هتطلع حلوة، وساعة قليل والله.
حمد: بلاش، مش هستنى لا ساعة ولا اتنين. (ولكز أحد الرجلين) جهز نفسك عشان تصور ونبعت الفيديو مع الست دي لأبوها. هو إنت ما تعرفش رقمه؟
رضا: يا بيه، هو بيتصل بيا على تليفون البيت، وبيتصل بعياله على الموبيل، يعني رقمه أكيد مع آسر، بعد ما إنتم رميتوا تليفون شفق. وحاضر، هوضبها، بعد ساعة هعمل القهوة والحاجة وأطلع لها على طول، فين المطبخ؟
رضا دخلت المطبخ و دخل معها أحد الرجال، بينما الرجل الآخر حمل شفق وطلع بها السلم، وضعها في عرين سيدة.
رضا بالمطبخ تعمل بجهد وهي ترتعش وتعمل القهوة وتعطيها لحمد، الذي قال: الستات برضه يا أخي، لهم نفس، حتى في القهوة. يلا على فوق، هخلص شوية ورق وأشرب القهوة وطالع.
رضا بتهتة: يا بيه، أنا هجهزها بس عشان أبري ذمتي، البنت ممكن تموت. حضرتك شوفت نفسك في المراية، غير لامؤاخذة، دي قد العصفور بالنسبالك.
حمد: هخليك تجهزيها عشان بأقرف وبحب الحاجة نظيفة، لكن أنا عاوزها لمزاجي. أنا عاوزها أقهر بيها محمود اللي حسرني على مراتي وابني وأخويا، وأنا بس قتلت مراته، يبقي لسه اتنين عشان يبقي تلاتة تلاتة. لو ماتت يبقي نصبها، ما ماتش، رجالتي هيتسلوا بها شوية، لو كان لها عمر هنرميها في أي شارع، لو حد لحقها يبقي محمود يوريني هيرفع راسه إزاي وسط الناس. امشي يلا، مش هضيع وقت معاك أكتر من كده، وخذ ده فوقيها بية، عاوزها واعية لكل حاجة، فاهمة؟ الأوضة آخر واحدة بعد ما تطلعي السلم.
رضا: حاضر، حاضر. وجرت من أمامه، أخذت ما تريد من المطبخ وصعدت لشفق.
فتحت الغرفة ودلفت فيها، ثم أخرجت من صدرها موبايل لتنظر إليه بصدمة وهي تقول: يا دي اليوم اللي مش فايت، حتى الزفت فصل شحن، أعمل إيه يا رب؟ الناس اللي تحت ما يعرفوش ربنا، يعني يا رب أنجي من إني أسقط، أقع في عصابة. نظرت لشفق بإشفاق، ثم تفحصت الحجرة، طلعت البلكونة وجدتها عالية.
رضا: حتى لو نزلتها بملاية زي الأفلام، ممكن حد من الرجالة اللي تحت يشوفها ويمسكها ويرجعها، ساعتها هيتسلوا علينا إحنا الاتنين. أنا مفيش قدامي غير إني أصحيها ونتوضى ونصلي لربنا، لا هنعرف ننزل ولا نفلت. خلاص يا رب، ملناش ملجأ إلا لك.
بعد قليل، كانت شفق تفيق لتشهق عندما ترى رضا أمامها تبكي، وترى نفسها في مكان لا تعرفه.
رضا: أنا معاكِ يا حبيبتي.
شفق: إحنا فين؟
رضا: مخطوفين. بصي يا شفق، وقت الأزمات لازم نلجأ لربنا، والناس اللي خطفونا ما يعرفوش ربنا، فإحنا هنتوضى ونصلي وندعي ونشوف أي حاجة هنا نبوظ بها خلقتنا، يمكن يخافوا مننا أو نفسهم تتصدق. هنتوضى ونصلي وأفهمك بعدين، هدور الأول على لبس تلبسيه يغطي جسمك.
سمعت شفق كلام رضا، وبعد الصلاة والدعاء، خلعت رضا لشفق ما على رأسها وقالت: أنا هبوظ وشك بالكحل وهقص شعرك بالمقص ده. (لكن قبل أن تفعل شيئًا، دخل حمد) ليقول: وااااو، شكلك تحفة بقميصي يا بنت محمود.
رضا: الساعة ما خلصتش يا بيه، وشفق معذورة ومش هينفع.
حمد: أنا أحكم بنفسي.
رضا: حرام عليك، والله لو قربت لأدب المقص ده في كرشك وأطلع مصارينك. إيه يا أخي، ما بتخافش ربنا؟
حمد: كنت حاسس إنك بتضيعي وقت، ما هو محمود مش هيأمن على عياله ويسافر إلا لحد واثق فيه.
رضا: أبوس إيدك، كفاية اللي هتعملوه في ابنك، هيعيشه مكسور طول عمره. يا باشا، ده شرف وكبيرة من الكبائر.
حمد: ده أهم من ابنه عشان يعرف إزاي يقف قدامي. ونظر لشفق وهو يقول بفخر: أنا اللي قتلت أمك يا صغنن.
لتهجم عليه رضا بالمقص، فيتفاداها بسهولة، ويمسكها من حجابها ويخلعه عنها، ويجرها من شعرها، وهي تتأوه وتصرخ: حرام عليك، خاف ربنا.
أوقفها أخيرًا على قدميها، وهي تحس بأن شعرها قد خلع من جذوره، واقترب منها وهو يقول: دة إنتِ ليلة أهلك سودة. وبلا وعي، غرست أسنانها بأذنه، لأنه كان يقرب وجهه منها، فانتهزت الفرصة وانقضت عليه. أعطت له ضربة بكوعه في صدرها، لتبتعد بتعب وهي تمسك صدرها، ووقع الفون منها، ليحلق بها وهو يقول: يا بنت الكلب.
فتقول هي بحسرة: كان نفسي أتصل بحد ينجدنا، بس فقرية وفصل شحن، فلجأنا أنا والغلابة دي لربنا. ووقعت على الأرض مغمي عليها، ليركل وجهها بقوة وتنزل الدماء من أنفها وفمها.
بعد يومين، كانت رضا تفيق من غيبوبة بسبب صدمتها وضربها، لتجد معها في الغرفة نهر ورقية.
رضا وهي تتكلم ببطء: أنا دخلت الجنة ولا إيه؟ حمد الكلب وصل لكم أنتم كمان. وأغمي عليها للمرة الثانية. جرت نهر لتنادي الطبيب.
فلاش باك (flash back)
بعد أن تظاهرت رضا بأنها استنشقت ما بالمنديل ووضعها الرجل بالسيارة بجانب شفق، وبعد أن انطلقت السيارة وأخذ الرجل حقيبتها ليفرغ ما بها ويبحث بداخلها إن كان معها هاتف، استغلت رضا انشغالهم ووضعها الخاطئ بنومها على وجهها، وأخرجت الهاتف من صدرها. فعلته بوضع صامت، ثم فعلت الداتا وفعلت برنامج تحديد الموقع مع موبايل نهر، فقد طلبت من نهر سابقًا أن تضعه حتى إن خرجت. وظلت الطريق تتصل بنهر، ثم اتصلت واتس على محمود، وقبل أن يرد، وضعت الموبايل مكانه في صدرها بسرعة وتظاهرت بأنها فاقت وهي تصيح بصوت عالٍ: آه يا لااااااهواي، إيه الصداع ده؟
وبعدها انتبه محمود لأنه فتح المكالمة بسرعة ليسمع جزءًا من الحوار الذي دار بين رضا والرجلين، ففتح الأسبيكر ليسمع أمجد الحوار أيضًا، ثم قال: أمجد باشا، اتصل بنهر بسرعة، هي حاطة برنامج تتبع لرضا، نعرف منها هي رايحة فين؟ حاول أمجد لكن لم ترد فورًا. بعدها سمع الحوار بين رضا وحمد عندما اتصل وكلمها في الطريق، فاتصل محمود فورًا من فون أمجد بابنه وطلب منه سرعة التوجه لرئيس أمن النادي وإعطاؤه الفون، وفعل أسر ما طلبه والده، فكلمه محمود بسرعة أن يعمل فحصًا كاملاً على حصان ابنه، وحجز ابنه في غرفته أو أي مكان آمن لأن حياة ابنه بخطر. ثم حاول مرة أخرى لرقم نهر لترد هذه المرة.
نهر: نعم عمو أمجد، لسه طالعة من الامتحان، فيه حاجة؟
محمود: اسمعيني كويس، شفق ورضا مخطوفين، هي رضا معانا على خط محمود بس مش عارف فونها ممكن يفصل في أي وقت، إنتِ عارفة النت في مصر. أرجوكِ شغلي برنامج التتبع واعملي شير مع فون مستر أمجد، لازم نعرف على فين اللي خاطفهم مجرم هربان من سنين، بسرعة نهر.
نهر: أنا فتحت وأنا بكلمك، ورضا فعلت التتبع فعلاً، هعمل شير حالا، ولو فيه أي حاجة أعملها قولي.
محمود: حطي فونك على الشاحن عشان ما يفصلش، بس وادعي موبايل رضا ما يفصلش أو يعرفوا إن معاها فون.
اتصل محمود بقيادات في الشرطة المصرية للتواصل مع نهر أيضًا لتحديد الموقع، وظل على تواصل مع رضا إلى أن وصلت رضا لفيلا حمد. بعدها بقليل انقطع الاتصال، فقد فصل شحن هاتف رضا، ليغلق الخط، مع عدم معرفة رضا إن كان محمود سمع شيئًا أو لا، وهل نهر استطاعت أن تحدد موضعها أم لا. كانت رضا تفكر لما نهر لم تتصل بها، أيمكن أن يكون الفون فصل قبل خروج نهر من امتحانها؟ كانت تحاول تعطيل حمد قدر الإمكان إلى أن نفذت كل خططها مع رعبها من القادم.
عودة (back)
جرت نهر تستدعي الطبيب لتخبره باستيقاظ رضا، لكنها رجعت وفقدت الوعي، ليأتي معها الطبيب ومعه محمود ويفحص رضا.
الطبيب: ده مؤشر كويس، هتفوق كمان شوية، بس طبعًا هتحس بوجع في وشها نتيجة إننا غلط نستخدم مخدر كتير وهي حامل، لازم تحاول تستحمل. هي شوية كريمات موضعية وكويس إنها يومين غايبة عن الوعي.
محمود: هتتوجع جامد؟
الطبيب: للأسف أيوه.
رقية: حتى لو هتتوجع، وجعها مقدور عليه، من لو كانت فقدت حملها، الحمد لله الموضوع في الوش والصدر. شفق أخبارها إيه دلوقتي؟
محمود بألم: كل ما تفوق تصرخ وعاوزة رضا، وأنا مش هقدر أشوف رد فعلها لو شافت شكل رضا، بنتي هتحمل نفسها المسئولية، خصوصًا إنها شافت رضا وهي بتتضرب، والحيوان حمد وهو بيموت.
رقية: أنا هروح لها، يا نهر لو رضا صحيت اتصلي بيا على طول.
ذهبت رقية لغرفة شفق وكان معها آسر، فاحتضنت آسر ثم شفق وبدأت معهم الكلام.
أفاقت رضا بعد خروج رقية بقليل لتجد محمود ونهر.
رضا: إنت يا عم جيت غلط، ده قسم السيدات.
محمود: حمد لله على السلامة يا رضا.
رضا بانتباه: هو أنا لسه عايشة؟ (وووضعت يدها على بطنها) ولادي يا نهر كويسين ولا راحوا؟
نهر: ما تخافيش يا أبلة، بخير. معلش ضلعك ومناخيرك اتكسروا ووشك باض شوية، بس هيرجع أحسن مما كان إن شاء الله.
رضا: بجد عيالي بخير يا نهر، إحلفي.
نهر: والله بخير.
وضعت رضا يدها بارتخاف على وجهها لتتحسسه وتقول: كل حاجة في وشي بتوجعني، عمل فيا إيه اللي يتشك في قلبه حمد؟
محمود: اداك بوكس جامد في وشك.
رضا: بوكس؟ متأكد إنه بوكس؟ ده أكيد اداني شلوطين تلاتة فيه، بس الحمد لله، ربنا عماة عن عيالي. الله، إنت جيت إمتى؟ مش كنت بره مصر؟
محمود: إنتِ بقالك يومين هنا، وجيت امبارح الصبح على ما لقيت طيارة، وكنت هجنن عليكم، شكراً يا رضا، أنا مديون لك بحياتي وحياة عيالي، ومستعد أعملك أي شيء تطلبيه.
رضا: عاوزة حد يديني مسكن أو أي حاجة تهدي الوجع شوية، وشفق شفق كويسة، جرا لها حاجة؟ وآسر كويس، عامل إيه؟
نهر: اهدي، آسر وشفق كويسين، بس شفق جالها انهيار عصبي ومقدرتش تستحمل منظر الحيوان وهو بيضربك، والشرطة وصلت قبل ما حمد يعمل أي حاجة. الحراس اللي في الفيلا استسلموا أول ما شافوا قوات الشرطة مالية المكان وسلموا المكان على طول من غير ما حمد يحس، وطلعوا بعد ما إنتِ أغمي عليكِ على طول، بس حمد كان معاه مسدس، أول ما دخلوا عليه من البلكونة والباب، قتل نفسه.
رضا: أحسن، على رأي ممثل مش عارفة مين، عاش فاجر ومات كافر.
نهر: هرن على رقية تيجي من عند شفق، لأنها قلقانة عليك.
رضا: خليها تجيب معاها مسكن. (ثم نظرت لمحمود) هو إنت بجد قتلت مراته وأخوه وابنه؟
محمود: عشان أطمنك بس، هقولك. أنا كنت ضابط في وحدة مكافحة المخدرات، وجت لنا أخبارية عن تسليم شحنة كبيرة، وأنا كنت المسؤول عن ضبط وإحضار المجرمين والكمية، وهو عشان غبي أخذ ابنه ومراته وأخوه كمان. بالمناسبة، اللي بلّغ عنه كان أخوه، ما كانش متوقع إنه ممكن ياخدهم معاه، و عشان حمد ما يشكش فيه راح معاه، بس حمد ما استسلمش بسهولة وفتح علينا النار، وحفاظًا على العساكر والضباط، إحنا كمان فتحنا عليهم النار. اتصاب اللي اتصاب منا، بس مات فوارًا أخوه ومراته وابنه. وحملني المسؤولية من يومها. قبضنا عليه واتحاكم، بس هرب وقدر يقتل مراتي في مستشفى الولادة، ولأن شفق كانت في الحضانة، ما عرفش يوصل لها. وأنا بعد مراتي، وهبت نفسي لأولادي، وقدمت استقالتي من الداخلية.
رضا: الحمد لله، ما طلعتش مجرم.
دخلت رقية ومعها شفق وآسر، وما إن راتها شفق حتى شهقت بحزن وصدمة من منظر رضا، إلا أن رضا فتحت لها إحدى ذراعيها، فلم تقدر أن تفتح كلتا ذراعيها.
رضا: تعالي يا حبيبتي، الحمد لله كل عيالي بخير.
شفق: آسفة يا رضا على...
لتقاطعها رضا: مفيش أسف بين الأم وبنتها. معلش أقصد بين الأصحاب، وإنتِ ملكيش ذنب يا حبيبتي، ده واحد مجرم، حظنا الهباب وقعنا في طريقه، أو عشان أنا منحوسة والمنحوس دايما منحوس، ولو حطوه على راسه فانوس.
آسر: طلعتي حلوة قوي من جوه يا رضا.
رضا: وحلوة من بره، بس البعيد نظره ضعيف. بكرة وشي يخف وأبقى أجمل منك.
ضحك الجميع إلا رضا، التي كانت لا تستطيع الضحك. وبقي معها رقية وشفق، وأخذ محمود آسر للبيت، أما نهر فانشغلت بامتحاناتها.
بعدها بشهر، اكتمل مستشفى أمجد وزوج أخته الجديدة بجميع التجهيزات، وتم الافتتاح.
بعد شهر آخر، اتصل بنهر طاهر ليبلغها برغبة برهان أغا بالتواصل معها، فاعطت له نهر رقم هاتفها المسجل باسم إدوارد، ليتصل بها برهان بعد يومين. ويطلب منها أن تعمل له بعض التحريات والأعمال في القاهرة. وكان القدر يقرب بينهما من جديد، فقبلت نهر العمل، خصوصًا أنها تلك السنة لم تسافر إلى الصعيد أو شرم أو سيوة، فقد أثرت المكوث في القاهرة حتى تكون قريبة من رضا وإدوارد، وتعمل كمرشد سياحي لنزلاء الفندق. لكن ترى ما العمل التي أوكله لها برهان أغا، وهل ستقدر عليه بجانب عملها؟ سنرى في.
أسرار الماضي لبنت ناس ( بقلم / رينا الهادي )
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم رينا الهادي
طلب برهان أغا من نهر أن تجمع كل المعلومات الممكنة عن المستشفى التابع له، والتي يتم حاليًا العمل بها. فقد أوكل بناؤها لشركة رفيق، الذي قام بإحياء شركة مقاولات العائلة من جديد.
كانت الشركة أصغر من حجمها سابقًا قبل تعرضها للإفلاس، بعد أن أصبح والده هو رئيس مجلس الإدارة في غياب عمه نديم. وعمل الأخير بشركة برهان وعيشة بتركيا إلى أن توفي.
المهم أن برهان كان لا يثق بزوج حفيدته أو أخيه، لكن وقوف كلا من فيروزة زوجته وعمران ابنته بجانبهما وتشجيعهم لكلاهما. خصوصًا أن إقامة تلك المستشفى ستفتح من جديد بابًا لتطور شركة رفيق. وأيضًا تكون المستشفى تحت إدارة معاذ، الذي يسافر كثيرًا إلى مصر للاطمئنان على أمه وإخوته.
وبما أن معاذ زوج إيزيل حفيدة برهان أغا وفيروزة، لما لا يكون سفره إلى مصر بفائدة تعود على الجميع؟ حيث يكبر كلا من معاذ و رفيق و يكونا على قدر معقول لنسب عائلة برهان. هذا ما اقتنعت به إيزيل جدتها وأمها، اللتين بدورهما حاولا بكل الطرق إقناع برهان أغا بإقامة هذا الصرح. بل إن تصميم المستشفى بكل أقسامها معماري وإنشائي وكهرباء وإلكتروميكانيكال وحتى الديكور تم في شركة برهان أغا.
اتفق برهان مع نهر أن يكون إنفاقها معه سرًا، وأن تأتي له بالمعلومات الأكيدة موثقة إن أمكن بصور أو فيديوهات كل ما يمكن أن تحصل عليه ويكون فيه شك. فبرهان اتفق مع صديقيه على توريد التشطيبات الداخلية والخارجية والأبواب وحديد التسليح أيضًا، ومضوا العقد بمصر. أما رفيق، ملزم بتوفير العمالة ومهندسي الموقع وتوفير المواد اللازمة للبناء كما هو بالمخططات المرسلة من تركيا. كمان أنه هو من أخذ كل الرخص والأذون الحكومية لإقامة المبنى.
اتصلت نهر وأخبرت أمه عن تكليف برهان دون ذكر اسمه، فخافت رقية في البداية وقالت بشك:
"واحد صاحب مشروع مش واثق في اللي دالة مشروع كبير زي دة. أنا مش مستريحة للموضوع دة بلاش أحسن."
نهر:
"إيه ممكن يحصل؟ أنا بالعكس، أنا لو راقبت المشروع ده وقدمت في الشركة المنفذة إني أروح متدربة هاخد خبرة عملي. ولو لقيت خطورة أكيد هسيب الموضوع."
ذهبت نهر لشركة رفيق، والذي رأت أنه صاحب الشركة الحالي. فذهبت إليه مسرعة وهي تقول:
"من فضلك، أنا طالبة في قسم معماري وكنت عاوزة أتدرب عندكم. سمعت إن فيه مستشفى كبير بتتعمل في مصر وأكيد شغلها كتير وهتعلم منها. بليز."
نظر لها رفيق باستهانة:
"أولًا، مش بناخد متدربين بنات. ثانيًا، لو ماحدش علمك الذوق الحاجات دي تكون مع السكرتارية الأول وبعدين آخد رأي مهندسي الموقع. وفي حالتك (نظر لها باحتقار) لأ، لأن مش من الذوق برضه تتفقي في طريقي بالأسلوب ده. إحنا مش في سوق توافي صاحب الشركة كده."
نهر:
"خلينا في أولًا، ليه مش بتعين بنات؟"
رفيق:
"أخذتني من وقتي كتير وأنتِ أقل من إني أضيع وقت معاكِ."
ونظر لمكان الاستقبال وهو يقول:
"الأشكال دي ما تدخلش الشركة."
نهر:
"هو ماله ده ناقش ريشة كده ليه؟"
ليأتي لها الأمن وقبل أن يسحبها من يدها.
نهر:
"من فضلك، هخرج لوحدي. ما تخدش يلمسني."
أحد أفراد الأمن وهو يمشي بجانبها:
"فيه شركات تانية وكبيرة كمان بتقبل تدرب عندها. روحي قدمي وإن شاء الله ربنا هيوفقك. قصي إنتِ ربنا بيحبك إنه رفض تشتغلي هنا. ده بني آدم متكبر ومغرور وكان هيزهقك في عيشتك."
نهر:
"شكرًا."
اتصلت نهر ثانية بأمها وحكت لها ما حدث.
رقية:
"خلاص يا نهر، ده معناه إنه راجل مش سهل. بيبص للناس بطبقية وهتتعبي معاه. إنتِ أصلًا مستريحة وبتحبي شغلانة المرشدة السياحية. فخليكِ فيها منها تستفيدي إنتِ وأدو وأبقى مطمئنة عليكم مع بعض."
نهر:
"بس أنا مش هشتغل مرشدة على طول. أنا ده لفترة. أنا مستقبلي في هندسة. ثم إن رفيق ده بني آدم مستفز جدًا. حضرتك ما شفتيش بيبص عليا إزاي كأني حشرة، نفس بصة عمو مصطفى ليا. لأ، أنا متأكدة إن الشخص ده هيغرق برهان أغا وهيُسرق في أي حاجة."
شد انتباه رقية كلمة برهان أغا فقالت:
"مين برهان أغا يا نهر؟"
نهر:
"التركي اللي كلمتك عنه. هو صاحب مشروع المستشفى. ورفيق يبقى أخو زوج حفيدته. اللي بعد الإنشاء هيكون مدير المستشفى هنا. هو أنا علاقتي ببرهان أغا مش قد كده وبيتعامل معايا بجفاء. لكن مش بيتعامل بأسلوب رفيق الحقير ده."
رقية وهي تشعر بدوار من صدمة معرفة نهر لبرهان ومن فترة، بل ويعامل ابنتها بجفاء:
"نهر، سيبني أفكر شوية. أنا هجمع معلومات عن رفيق ده بس ما تورطيش نفسك بشيء أكبر منك. سلام."
أخذت رقية نفسها وشربت الكثير من الماء للتأكد أنها ليست بحلم. ثم أسرعت واتصلت بإيمري لتحكي له، فهو ليس رب عملها بل تعتبره أخاها وسندها.
أوصاها إيمري بأن تنصح نهر بإيجاد وسيلة تساعد بها برهان أغا، وقال لها كم أن رفيق ومعاذ يحبون أنفسهم. وحكى لها مضر على سبب موافقة برهان بزواج حفيدته من هذا الوغد، وأنه أيضًا لا يثق به. وأن هذا فرصة جيدة لتقرب نهر من جدها ويعرفها عن قرب، حتى إن آن الأوان وعرف برهان عليها تكون نهر على علم بما يحدث حولها. فهي إن طال الزمن أو قصر لابد من معرفة الحقيقة. وأن رقية وعدته أن تعرف نهر بأهلها بعد تخرجها.
فاقنعت رقية وكلمت نهر لتساعد برهان مع أخذ الحيطة والحذر لنفسها.
فكرت نهر أولًا أن تذهب لموقع البناء وترى ما الأعمال التي تمت. لكن فوجئت بأن الموقع محاط بأسوار عالية من الصاج وممنوع الدخول إلا بإذن أو كارت مسجل عليه سبب الدخول من مكتب رفيق. فاستغربت لأن هذا النظام غير متبع بمصر إلا في الأماكن الأثرية أو ذات الأهمية السياسية. حاولت كثيرًا لكنها فشلت. انتظرت إلى قبل أذان المغرب لترى العمال يخرجون من الموقع. حاولت مجاراة بعض العمال والتعرف عليهم والتحدث إليهم. وعرفت أنه تم الانتهاء من أعمال الحفر ورمي الأساسات وعمل حوائط ساندة لجوانب المشروع، وقريبًا سيبدأون بصب أول سقف.
رجعت لدار المغتربات وهي تكاد تجزم أنه من المؤكد وجود خطب لا تعلمه في ذلك المشروع. وأخذت من إدوارد الميكروباص وذهبت به بعد الفجر مباشرة إلى الموقع. ركنت الميكروباص في عدة أماكن ملاصقة لسور الموقع قبل أن يأتي العمال. ووقفت فوق الميكروباص وصورت الموقع من جهات كثيرة، فحراس الموقع موجودون فقط عند بوابات الدخول والخروج.
اتصلت بعدها ببرهان أغا وطلبت منه نسخة من الرسومات المعمارية كي تطابقها بما يحدث بالموقع، وبعث لها نسخة pdf على رقمها. ترددت على الموقع لمرات ومرات. وكل أسبوع تذهب وتأخذ صور بنفس الطريقة عند بزوغ الشمس لتكون الصور واضحة وقبل وفود العمال. راقبت أيضًا العمال جيدًا وأصبحت تذهب قبل أن يتركوا العمل وتوصل بعضهم إلى أماكن سكن قريبة من الموقع متنكرة كشاب وليست فتاة. وتستمع إلى أحاديثهم عن العمل والأعمال التي ينفذونها. لفت انتباهها عامل ضعيف البنية يتنمر عليه أصدقاؤه ويأخذ نصف أجرهم لضعف إنتاجه وكونه دائمًا حزين.
في إحدى المرات شاورت له أن يتبعها. ولم يكن معها الميكروباص فهي كانت تتنكر بلبس الشباب، ولكنها بجسمها الضعيف كانت تقاربه بجسمه. اتبعها وأصرت أن تعزمه على مشروب غازي وبعض الأشياء من كشك مجاور للموقع.
العامل:
"ممكن أعرف إنت عايز مني إيه يا أخينا."
نهر وقد غلظت من نبرة صوتها لتبدو شابًا:
"بص، أنا هاجي معاك سكة. أنا طالب في كلية هندسة وأدي كارنية الكلية."
وأظهرت له كارنيه مزور.
"مطلوب منا في الإجازة إننا نشارك في مشروع وناخد منه صور ونعرف تفاصيل البناء وكده. وبالصدفة أنا شفت المشروع اللي إنت خرجت منه دلوقتي. حاولت أروح الشركة علشان يقبلوني أكون تحت التمرين عندهم بس رفضوا. عايزين واسطة وأنا معنديش. فبصراحة أنا راقبت العمال وعرفتو كمان منهم إنك بتاخد نصف يومية مع إنك طول النهار معاهم."
الرجل:
"ده رزق وأنا راضي بيه الحمد لله. لله على كل حال. وهو إنت شايف أصلي جديد في الشغلانة ومش بقدر أشتغل زي زمايلي."
نهر:
"إحنا ما اتعرفناش، اسم الكريم إيه؟"
الرجل:
"صلاح. وإنت اسمك رامي الكارنية فيه كده."
نهر:
"مظبوط. بس يا صلاح إنت شاب وممكن تكون في سني. اللي عرفته إن دي مستشفى وأنا محتاج أتعلم حاجات كتير في الموقع وأخد صور. وزي ما قلت اترفضت. فأنا فكرت لو تكلم رئيس العمال اشتغل بدالك يوم في الأسبوع وتقول إني..."
وقبل أن تكمل كلامها قال صلاح:
"يا عم أنا محتاج الشغل. يوم إيه اللي تشتغل بدالي؟ ده أنا ممرمط نفسي علشان أكفي أهلي."
نهر:
"اليوم اللي هشتغلُه بدالك هديلك يوميتك كاملة مش نص. يعني إنت تستفيد يومية كاملة مني وهتستريح اليوم ده وأنا أتعلم وأثبت إني كنت في موقع محترم للكلية عندي."
صلاح بتفكير:
"طب ما تروح مكان تاني وتكون فيه بصفتك مهندس زي ما بتقول تحت التدريب ومش هتدفع فلوس لحد. ليه تمرمط نفسك؟ أنا حاسس إن فيه حاجة. وبصراحة خايف على أكل عيشي."
نهر:
"عندك حق طبعًا تشك. بس المشروع ده مهم عندي لأن المستشفيات زي الفنادق بيبقى فيها تجهيزات كتير ولخبطة من أول الحفر لغاية تسليم المشروع. وأنا مش عاوز أكون مهندس عادي. عاوز أتعلم كل حاجة وأحسن حاجة أكون مع العمال. حتى لو ما عرفتش أشتغل كويس أكون عرفت بتتعمل صح إزاي. وبعدين هو يوم في الأسبوع. وهم معلش عارفين إنك بتقوم بمجهود أقل. احسبها براحتك. لو ما وافقتش هروح أدور على مكان تاني. بس ده بصراحة عاجبني. وخلي بالك إنت كده هتستفاد إنك تاخد يومية كاملة مني ونصف يومية من الشغل. مش هما بيقبضوكوا كل خميس يعني كأنك ما غبتش يوم. وعلشان ما تتأذيش من صاحب الشغل قول لرئيس العمال إني معرفه. ومين عالم ممكن لو الوضع عجبني ولاقيت إني بتعلم أفضل أحافظ على اليوم ده في الدراسة. أصلنا في الكلية بنشتغل خمس أيام في الأسبوع يعني عندنا جمعة ويوم تاني إجازة."
صلاح بتفكير:
"موافق. بس لو رئيس العمال وافق مش هتقول لحد على اتفاقنا علشان أصحاب الشغل ما يطردونيش. أنا كده كده هخلص المشروع ده وأرجع بلدنا أشتغل في الأرض. الموضوع هنا متعب وأنا محتاج فلوس زيادة اليومين دول."
نهر:
"اتفقنا."
أخرجت ورقة وقالت:
"ده رقم تليفوني لو الموضوع مشي اتصل بيا."
وافق رئيس العمال بالموقع وأصبحت نهر تحاول أن تعمل بجد وتأخذ من صلاح كارت الدخول للموقع في يومها. وكانت تأخذ معها كاميرا صغيرة تصور ما يحدث في غير انتباه العمال. فقد أوكلها رئيس العمال لمهام أن تصعد وتنزل بعض الأشياء لسهولة حركتها وصغر حجمها. فكانت تمشي وتصعد الكثير من المرات بين المهندسين والعمال وهي تناوله هذا بعض الأدوات وهذا بعض اللوحات وذلك تأتي له بشنطته من الكرافانات الموضوعة بالأسفل. حتى أنها أصبحت تشغل بعض الآلات الضخمة للبناء ومركبات نقل الحديد داخل الموقع أو مركبات نقل أدوات البناء. بل ساعدت في مركبات صب الخرسانة التي تأتي للموقع جاهزة. أحبها الجميع من مهندسين لعمال لأنها كانت مريحة في التعامل ولا تطلب زيادة في الأجر وسريعة الفهم والبديهية مع عدم كلامها كثيرا كالعمال والاهتمام الدائم بعملها. أما هي، فذلك اليوم كان بالنسبة لها عذاب جسدي حقيقي لكنها تعلمت الكثير بشكل عملي.
على الجانب الآخر، بقي شهر على دخول رضا بشهرها السابع وما زالت ببيت محمود. فقد رفضت شفق وآسر أن تغادر إلا بعد أن تضع طفليها بعد أن أظهرت الأشعة أنها حامل ببنت وولد. كانت سعيدة للغاية بمعرفة ذلك فقد أعطاها الله النوعين. كما تطورت علاقتها بشفق وآسر الذين أصبحوا يأكلون معظم الأيام من أكلها البيتي. ويأتي محمود كل يوم اثنين وخميس للغداء معهم. فأصبح لا يبيت بالبيت نظرًا لوجود رضا. ويوم الجمعة يذهب الجميع للنادي من الصباح إلى بعد الغداء ويأكلوا جميعًا من النادي.
وقد أقنعت رضا بعفويتها محمود أن يرجع لعمله الذي يحب وهو ضابط بقسم مكافحة المخدرات. فقد كبر أولاده ولا داعي للخوف عليهم. ووافقوا لقدرة محمود الجسدية الرائعة فهو مهتم دائمًا بممارسة الرياضة. كما أنه ساهم في السنوات السابقة رغم خروجه من الخدمة بالقبض على كثير من المهربين وآخرهم حمد يونس. وبعلاقته التي لم تنقطع مع رؤسائه وعلاقات أمجد استطاع الرجوع من جديد بمنصب أقل ممن كانوا زملاءه لتوقفه فترة طويلة لكن كان سعيدًا بذلك.
تطورت علاقتها أيضًا بعلي، الذي كان كل فترة يتكلم معها عن ما يجب اتباعه وما يجب البعد عنه مع متابعة كافة التطورات بحالتها. وطمأنتها باستمرار. مع مرور نهر وإدوارد عليها كل فترة للاطمئنان وأخذها للمتابعة. واتصال رقية كل يومين بها في عدم وجود عمر.
ترددت رقية كثيرًا في إبلاغ رضا بطلاق محمد لها وإرسال قسيمة الطلاق لبيت رقية. وذلك بعد فترة قليلة من هروب رضا من المستشفى. فابلغت نهر ومحمود أن يبلغاها بطريقتهم. واجتمع محمود ونهر التي أتت لهم للنادي يوم جمعة. وبعد أن ذهب أسر وشفق للتمرين.
نهر:
"أبلة رضا، أنا جاية النهاردة مخصوص علشان موضوع مهم لازم تعرفيه."
نظرت رضا إليها وإلى محمود وهي تقول:
"موضوع إيه اللي إنت ومحمود بيه عاوزيني فيه؟"
محمود:
"قبل أي حاجة يا مدام رضا، عاوزك تفتكري كويس إن التوتر والزعل ممكن يأثر على عيالك وعليكِ. وإن كل شيء نصيب."
رضا:
"بص يا بيه، أنا ما عادش حاجة تأثر فيا ما دام عيالي في بطني بخير وشفق وآسر كويسين. وابلة رقية ونهر زي الفل. ولا حاجة تفرق معايا."
محمود:
"وأنا مش مهم في اللمة الحلوة دي."
رضا:
"لأ، إزاي حضرتك. عيالك بخير بحفظ ربنا ونفسك في الدنيا."
نهر:
"أنا آسفة إني أقول لك إن عمو محمد طلقك من فترة. وورقة طلاقك وصلت لبيت أهله. طبعًا بعتها على هناك علشان متأكد إنك أكيد هتتصلي بيها."
رضا بابتسامة:
"الحمد لله والشكر لله. الراجل اللي يبيع العشرة والعيش والملح وما يهتمش إن مراته تعيش أو تموت أو تنكسر نفسها. وهو عارف كويس إنها وحيدة في الدنيا زيه زي قلته."
(نزلت دمعة من غير إرادتها واحمر وجهها بشدة)
"أنا حبيت عمي محمد يمكن ما قولتلُوش كده، بس مجرد إنه عاملني شوية بعطف وكنت مستعدة أفديه بروحي. بس فوقت على معاملته ليا بعد اليوم ده. بقي زيي زي مرات أبويا بيبص ليا بأرف. حتى ما صعبش عليا حالي. بعدها فهمت بعدها إني مش بحبه. أنا كنت بحب معاملته وكنت مجرد حاجة يرجع بها ابنه وبعدين يرميني عادي."
محمود:
"ما تزعليش، كل واحد بياخد نصيبه وهو اللي خسران واحدة زيك."
رضا:
"بالعكس، أنا فرحانة. تعرفوا كان بيجي عليا أيام وأنا في بيت أبويا أنام وأنا معيطة وأقعد أشتكي لربنا حالي. وغصب عني كنت أقول إني مش مسامحة أمي إنها تجيبني للدنيا وتسيبني أتمرمط فيها. لكن بعد ما بقيت في نفس مكانها قدرت وفهمت إن صعب الواحدة تتخلى عن ضناها. أنا صممت أكمل الحمل رغم إني عارفة إنه الأمل مش كبير إني أعيش. هي لأ. ما كانتش تعرف ماتت بعد ما ولدتني. وعرفتها من شيخ الجامع اللي بتموت في الولادة أو بعد الولادة بتكون شهيد. دلوقتي كل ما تيجي على بالي أقرأ لها الفاتحة وأدعي لها. كمان لولا عملت عزيزة السوسة كان عمري ما هحمل وكان زماني مطلقة. ولو مرات أبويا ما كانتش هترضي تجوزني تاني. ولو كنت اتجوزت من بدري عمر ما اللي كنت هتجوزه ما كان هيصرف كل الصرف والعلاج اللي بيجيه دكتور علي. ولا كنت هعمل أشعة وتحاليل وأعرف حالتي إيه. إحنا في البلد بنحمل ومش بنتابع قليل. لو كانت متعلمة هما اللي بيتابعوا. وبرضو ما كنتش هعرف أصلًا أمك يا نهر. ولا كنت هقابل شفق وآسر. فربنا كريم معايا قوي وعوضني قوي يا محمود بيه. شفق كل يوم بتنام في حضني وآسر بقى بيسمع كلامي مش إجبار لأ محبة. وهما الاثنين اتفقوا معايا بعد الولادة ولما أرجع البلد لو ليا عمر هيكلموني. يعني بقى عندي عيلين دلوقتي وعيلين تانيين جايين. شفت كرم ربنا. أخزن ليه بقى على حد أنا مش في دماغه وبالنسبة له زيي زي أي كرسي في بيته. الحمد لله."
محمود:
"خلي بالك برضه يا رضا إن عدة الحامل إلى أن تضع يعني مش ثلاث شهور. يعني ممكن يرجعك في أي وقت مادام لسه ما ولدتيش."
رضا:
"ربنا يعمي بصره. لإن ربنا مش هقدر لا أعاشره لا هو ولا أهله ولا هقدر أرجع لأهلي."
محمود:
"لو تحبي تقعدي مع أسر وشفق..."
قاطعته رضا:
"آسر وشفق أولادك ولازم تعيش وسطهم. وبعد إذنك ولادي برضه. بس أنا لازم أرجع البلد. اتفقت مع أبلة رقية هعيش معاها نونس بعض. ونهر اتفقت معايا هنكمل مشروع تربية الطيور وهأجر مكان جديد. وزي ما حضرتك عارف الحمد لله أخدت محو الأمية وهكمل باذن الله حلمي وأدخل كلية الزراعة كمان. دكتور علي كتر خيره صمم إنه هيبعت ليا بعد الولادة إن شاء الله نفقة لعيالي. صحيح أنا ما كنتش موافقة بس هو قال إن ده حق الولاد من أبوهم وهو مش هيقصر فيه. وباذن واحد أحد هبقى رضا جديد ما تسمحش لحد يكسرها. أنا دلوقتي حواليا كتير مش من أهلي. لكن ربنا قدر إن يبقى ليا أكتر من سند."
محمود:
"ونعم بالله. وأنا موجود لو احتاجتي أي شيء. اعتبريني أخوك. إنت خيرك سابق عليا وعلى أولادي."
رضا:
"استغفر الله يا بيه. إنت ما تعرفش أنا مبسوطة قد إيه بعيالك. حسسوني إن الدنيا بخير وبيعاملوني أحسن من إخواتي اللي ربيتهم واحد واحد على إيدي وماخدتش منهم غير الشخط والنطر ولا كاني عبدة عندهم. يالله الحمد لله."
اطمأنت نهر على رضا وقضوا يومًا رائعًا. بعدها أتى إدوارد لاصطحاب نهر بعد أن اشترت نهر له وجبة غذاء له، فهي تعرف جيدًا حينما تجوع معدته إدوارد ماذا يفعل.
في الطريق.
كانت نهر هي من تقود وإدوارد يأكل الوجبة.
نهر:
"مش عارفة إنت ليه صممت تيجي تاخدني. هو أنا صغيرة؟"
إدوارد:
"يا بنتي، أنا ما عدتش بشوفك زي الأول وخلاص الإجازة خلصت. يومين وتبدأي دراسة وأحسن حاجة هتسيبي أم شغل الموقع اللي بتروحيه ده. إنت بتروحي يوم وثاني يوم مش بتخرجي من البيت من التعب. ثالث يوم بشوفك بالعافية. لا الدراسة أحسن على الأقل كل يوم بنفطر مع بعض."
نهر:
"تعرف يا أدو، رغم تعبي في اليوم اللي بروحُه، لكن اتعلمت وشوفت كتير. أنا بقيت بعرف أشغل اللودر وأصب الخرسانة من الكونتر. والأهم الاكتشاف اللي عرفته."
إدوارد:
"اكتشفتي الذرة تاني."
نهر:
"تصدق إنت فصلتني. مش هقولك."
إدوارد:
"لأ، علشاني خاطري. قولي لحسن أزعل. قولي خلاص مش هتريق."
نهر:
"في الأول قبل ما أدخل المشروع لاحظت إن عمق الحفر كبير قوي أكبر من اللي المفروض يتعمل. لما بلغت برهان أغا بكده قال عادي. أحيانًا الجسات اللي بتتاخد من الموقع لتحليل التربة مش بتكون مظبوطة مية مية. والجسات دي فايدتها نعرف مكونات التربة وتقدر تتحمل حمل قد إيه مثلاً علشان المبنى يكون بأمان وما ينهار. وقال إنهم بلغوه إنهم حفروا زيادة للأمان الإنشائي بعد ما حفروا ولقوا طبقات ضعيفة من تحت. هو أنا مش بفهم قوي في القسم المدني. بس قولت أشوف ومش هبعت له أي جديد غير وأنا متأكدة من معلوماتي وإنها تستاهل."
إدوارد:
"ما إنت طالع عينك بقالك فترة وما أخدتش حاجة. ثم إن حتى اليوميات اللي بتدفعيها لصلاح مش فاهم أنا إنت هتصرفي على اللي اسمه برهان ده كمان ولا إيه؟"
نهر:
"يا بني، أنا اكتشفت بلاوي. والنهاردة هتصل ببرهان أغا. واخدة معاه معاد بعد ساعتين."
إدوارد:
"معاد علشان تكلميه مكالمة عادية؟"
نهر:
"أيوة. لأنه مش عاوز حد يعرف من أهل بيته إنه بيدور ورا رفيق ومعاذ. فلازم يكون في مكان بعيد عنهم."
إدوارد:
"المهم، إيه اللي اكتشفتيه؟"
نهر:
"عاملين دور زيادة تحت الأرض مش واخدين به رخصة ولا حتى في الرسومات المبعوتة من تركيا. وصعب بعد ما المبنى يخلص حد يقدر يكتشفه. كمان لما كانت الأدوار دي بتتعمل قلت ممكن يكون دور زيادة جراجات أو حتى دور مخازن ممكن يخزنوا فيه أدوية أو أدوات طبية. خصوصًا إن الدوا هنا بقى كل يوم بسعر. بس الاقتراحين دول خلاص ما عادوش ينفعوا."
إدوارد:
"ليه؟ مش بتقولي الدور آخر دور من تحت في البدروم هيكون إيه يعني؟"
نهر:
"الدور ده ملوش ramp مثلاً تنزل العربيات ليه أو تطلع منه. يعني ملوش مدخل أو مخرج عربيات. يبقى مش جراج صح."
إدوارد:
"صح."
نهر:
"ومع إنه بدروم بس سقفُه عالي شوية ومعمول حساب يكون فيه تهوية جيدة زي بتاع محطات المترو كده. تكييف مركزي وله مخارج ومداخل هوا. وكمان معمول له عزل صوتي. وخد بقى الكبيرة. ما فيش أي سلم داخل المبنى. وهما أربعة على فكرة بيوصلوا للدور ده. ولا أسانسير من بتوع الجمهور أو الأطباء أو العاملين بيوصل للدور ده."
إدوارد:
"يعني إيه؟ هيعملوا دور متكييف ومعزول ومش هيوصلوا له. معمول ليه؟"
نهر:
"الأسانسير كله داخل المستشفى من دور البدروم العادي بتاع العربيات لآخر دور. لكن فيه أسانسير خاص. لما بنوصل لدور بدروم السفلي الموجود في الرخصة بيوصلنا لصالة تحت فيها بابين. باب على الجراج وباب على غرفة صغيرة بتاع حارس. الغرفة دي فيها جدار له فتحة باب متحرك. لما بينفتح تلاقي نفسك في أسانسير تاني ينزلك للدور الزيادة ده."
إدوارد:
"والسلم نفس الكلام صح."
نهر:
"لأ، السلم حكاية تانية. المستشفى مبنية على تقريبًا أقل من أربعين في المية من الأرض. الباقي طرق خارجية وزرع. المستشفى بتطل على شارع رئيسي وده بندخل منه للأرضي وموقف عربيات للمستشفى. والشارع التاني الجانبي منخفض عن الشارع الرئيسي دور ونص. وفيه مدخل خلفي للمستشفى بيدخل على دورين جراجات. التصميم فيه شارع داخلي للمستشفى بس بيربط الشارعين ببعض. وده علشان لو أي عربية إسعاف خرجت وكان أحد الشارعين واقف يقدروا يخرجوا من الشارع الثاني عن طريق الشارع الداخلي. والشارع ده عليه مبنى الخدمات مكون من غرفة محولات وغرفة عدادات وكذا غرفة للحراس والسائقين. ومنهم غرفة برضو جدارها متحرك ولما بينفتح بنلاقي سلم ننزل منه على الدور المخفي. يعني سلم الدور المخفي ده بره المبنى أصلًا وعلى ممر سيارات داخلي. ممكن ندخل من أي شارع عليه من غير ما ندخل المبنى الرئيسي للمستشفى."
إدوارد:
"بس فيه مهندسين وعمال وصنايعية هيشتغلوا في الدور ده. يعني مش سر لأنهم بالمئات."
نهر:
"كله هيمشي لما يخلص شغله وهيكون واحد من مئات المباني اللي كل واحد داخلها. والعمال والصنايعية مش هيدخلوا مستشفى استثماري يتعالجوا فيها وهينسوا. تعرف واحد من مهندسي الموقع سأل رفيق لأنه بيجي كل أسبوع يوم الموقع عن الدور ده وليه له أسانسير لوحده وكان أي أسانسير ينزل دور زيادة وخلاص. تعرف قال إيه؟"
إدوارد:
"الموضوع بقى مثير بالنسبة ليا. قال إيه؟"
نهر:
"قال إن التصميم جاي من تركيا على حسب آخر صيحة لتصميم المستشفيات. وإن الدور ده هيكون مش متفعل إلا إذا كان فيه خطر صحي. وإن رغم التقدم الطبي، لكن الأمراض والفيروسات بتقوى. وعلى سبيل المثال السنين الأخيرة كان فيه جنون البقر وإنفلونزا الطيور. ومين عارف بكرة فيه إيه. فده دور هيكون مفصول وكل حاجة فيه تتفتح عند الضرورة فقط. حجر صحي يعني."
إدوارد:
"كلام منطقي. أنا اقتنعت بيه. أنا قرأت إن فيه إبادات عتيقة مثلاً في الصين عن مسلمي بورما وبتسبب أمراض معدية كثيرة. فالحل إن يكون فيه دور لو حصل مرض وحصل حظر. كمان فيه حاجة زمان حصلت كان اسمها الطاعون الأسود. غير كل شوية يعملوا فيلم عالمي عن مرض ممكن ينتشر عن طريق الجو مثلاً. اتفرجتي على فيلم كريشنا الهندي."
نهر:
"يا أدو الله يهديك. صحصح معايا. هو ممكن يكون سبب مقنع ليه عملوا دور تحت. لكن أولًا الرسومات اللي بعتها ليا برهان أغا ما فيهاش الدور ده وما يعرفش عنه حاجة. أنا متأكدة. صاحب المستشفى ما يعرفش حاجة عن دور كامل في مشروعه. غير ما فيش تراخيص للدور. ورفيق مرضاش أي أسانسير من المبنى ينزل للدور ده علشان ما حدش يكتشف الدور لما المستشفى تشتغل. حتى السلم اللي هينزل من بره المستشفى أصلًا. حط فوق ده كله شخصية رفيق اللي حاكيت لك عليها. وكمان اللي سمعته معاذ أخوه أوحش منه بمراحل."
إدوارد:
"عاوزة توصلي لإيه يا نهر؟"
نهر:
"ببساطة، المستشفى ممكن تشتغل شغل مش قانوني ومحدش يعرف حاجة. الدور ده هيكون عبارة عن مستشفى مصغرة لأعمال غير قانونية زي الإجهاض أو الترقيق مثلاً أو حتى تجارة الأعضاء. أو حد مثلاً عاوز يتعالج من غير أوراق بس يدفع. أكتر المستشفيات لها قوانين كتير علشان تشتغل. لكن ممكن تكسب أكتر لو مفيش ضمير. والدور ده لو حد دخله مش هينفع يخرج منه غير بإذن مدير المكان. لأن حتى الحكومة ما عندهاش علم بيه. فهمت؟"
إدوارد:
"نهااار أسود ومهبب بهباب. كده وجودك خطر عليكي. سيبي أم المكان ده. لأن إنتِ سهل تتفرمي فيه. اسمعيني كويس. كل الشر اللي حصل لكم على إيد مصطفى وعيلته دي أسافين محلية الصنع. لكن رفيق وأخوه واحد متعلم في أمريكا والتاني الجامعة الألمانية وعايشين بره. يعني الجاي خوازيق بمواصفات عالمية إنترناشونال يعني. انفدي بجلدك من الحوسة دي."
نهر:
"لو كل واحد خاف واستخبى أنسي إن الدنيا تبقى بخير. ما تخافش. أنا مجرد واحد من مئات العاملين مش المهندسين. والمفروض إني تعلمي على قدي ومش فاهمة حاجة. دكتور معاذ المفروض هيوصل مصر الأسبوع الجاي وهيجي الموقع. عاوزة أعرفه وعن قرب وأفهم دماغه زي أخوه ولا إيه حكايته. كمان يلا يا عم نزلني يا دوب أطلع آخد دوش وأفتح اللاب وأكلم برهان أغا."
إدوارد:
"مش غلط تتكلمي قدام البنات اللي في الأوضة."
نهر:
"أنا بتكلم تركي معاه وهم مش بيفهموا تركي. غير وشي لهم وظهر اللاب لهم. دول عالم أكبر مشكلة عندهم إزاي يشووا بطاطا في الفرن من غير ما المشرفة تعرف. يلا سلامووووز."
إدوارد:
"هبقى أروح أولع لك شمعة في الكنيسة. الرب يحميك."
ابتسمت نهر ونزلت. وبعدها صعدت نهر. وبعد فترة اتصلت نهر ببرهان وحكت له كل شيء وقالت له شكوكها. وبعثت له بفيديوهات وصور للدور المخفي. تفاجأ برهان بكل ما قالت نهر لكنه حاول قدر الإمكان أن لا يبين لها صدمته.
برهان:
"أنا شايف إن شغلك ممتاز. لكن مش عاوز توقعات، أنا عاوز حقائق. إنت هتشتغلي عادي لغاية ما ينتهوا من تشطيب الدور كامل بكل ما فيه. ولو طلبوا أثاث ليه واكيد هيطلبوا هنعرف الغرض الحقيقي من الدور إيه. أنا بلغتك معاد وصول معاذ. عاوز لو تقدري تعرفي هو يعرف إيه عن الدور ده أو هو أصلًا عنده علم به. أنا تخيلت لأنك من فترة ما اتكلمتيش إنك واخدة الموضوع باستهانة. لكن واضح إني غلطان. هتوصلك دفعة من الأتعاب على حسابك. ابعتي لي الحساب والاسم كامل."
نهر:
"حضرتك هتبعت على حساب أدو مش أنا. هستأذنه وتبعته له على حسابه البنكي أو وسترن يونيون. هرتب معاه وأقولك."
برهان أغا:
"ليه مش ليكي؟"
نهر:
"ماليش حساب بنكي أولًا ومش فاضية أروح ساعة أو اتنين أستنى دور ولسه هكمل واحد وعشرين يعني تحت السن القانوني إني آخد مبلغ. أسباب كتير غير إن إدوارد أنا واثقة فيه وبيساعدني في حاجات كتير. وآه محتاجة كاميرا أو اتنين حديثة أزرعها في الموقع. واحدة في الدور المطلوب والثانية في الكرفان اللي فيه مكتب رفيق في الموقع. ويا ريت تقول لحد خبير يعلمني إزاي أركبهم وأخفيهم وكمان إزاي أفكهم وأغير مكانهم."
بعد أيام كان مبلغ محترم وصل لنهر لم تحمل بمثله. وبعدها وصل طرد باسم إدوارد فيه ثلاث كاميرات مراقبة صغيرة. وزرعتها في سقف الدور بمهارة بعد أن درست جيدًا كيفية تركيبها وتشغيلها. كما استطاعت زرع كاميرا بمكتب رفيق. فقد أصبحت هي من تقوم بالتنظيف والترتيب وعمل الشاي والقهوة للمهندسين والعمال والصعود والهبوط بالطلبات. غير مناولة العمال بعض الأدوات. وذلك لصغر حجمها وعدم تحملها الأعمال الشاقة من حمل الطوب أو الخرسانات.
بالنسبة للدراسة بدأت وبدأ معها فصل جديد من فصول الكفاح للجميع. ودخلت رضا من الشهر السابع لها. ونزل علي وتابعها بنفسه مع علم انتصار. قفط بنزوله من أهله. وبالطبع نهر ورقية اتجهتا للمستشفى الجديد الموجود بالتجمع. بينما عبد الله كان عمله بالمستشفى الموجود بالشيخ زايد.
حدد علي اليوم التي سيولد فيه رضا وابلغ رقية ونهر. وكان يوم جمعة حتى يسهل لنهر الحضور. وقد كان حضور رضا للمستشفى يوم الخميس لتجهيزها وضبط جميع المعدلات من سكر وضغط ومستوى الجيموبلوبين. طلبت رضا من علي أن يتصل بوالدته لتكلمها. وطلبها علي وكان الوقت بعد الظهر في عدم وجود كلا من أخيه وزوجته. بعد أن اطمأن على أمه قال لها أن رضا تريد مكالمتها. فكلمتها.
رضا:
"إزيك يا أم الدكتور. مش هطول عليك أكيد الدكتور قالك إني خلاص هولد بكرة. والله أعلم هقوم أو لأ. عاوزة أقولك يا زين ما ربيتي وربنا يعوضك خير في أولادك. أنا بعت لك مارسيل ياما مع أبلة رقية ونهر. كل اللي طلباه منك تسامحيني. أنا عارفة إنك واخدة على خاطرك مني إكمني اتجوزت جوزك. بس والله كل حاجة حصلت بسرعة وغصب عني. قولي حسبتها غلط. قولي نصيب. المهم ما تشيليش في قلبك مني وادعيلي. نفسي أربي ولادي."
انتصار:
"مش أنا اللي أسامحك يا رضا. أنا عارفة ظروفك ورقية مفهماني كل حاجة. ماهي بتتصل بيا ديما. وعلي عندك وأنا موصياه عليك واسأليه. إنتِ زيك زيي يا رضا. وأنا أعلم واحدة بيك علشان عاشرت أهل محمد. بالعكس اللي حصل لك كتير. أنا عرفت عزيزة عملت إيه وعارفة إنتِ تعبتي إزاي. وإن شاء الله هطمن عليكِ من علي. لولا عبد الله دماغه ناشفة كنت جيت ليك. بس هو معذور. مش قادرة أقوله على حاجة علشان ما أنزلش أهله من نظرة وأوجع قلبه. بس أنا داعيالك وربنا معاك."
رضا:
"ربنا يخليك. طمنتِ قلبي. طلب كمان."
انتصار:
"اُؤمري."
رضا:
"لو ربنا واسترد أمانته مني. وصي الدكتور لو اضطر يختار بيني وبين ولادي يختار ولادي اللي يعيشوا. خالوا بالكم منهم. وابلة رقية تسميهم. وعارفة إنها مش هتتخلى عنهم. أمانة في رقبتكم ليوم الدين. تسألوا عليهم وتبعدوا عنهم مصطفى وعزيزة ومرات أبويا. أبويا."
بكت انتصار وهي تقول:
"جراي إيه يا بت. إنت أول واحدة هتولد هتقومي بإذن الله. وبعدين علي شاطر دارس بره وجوه. ما تخافيش. علي مش هيسيب إخواته. وإن شاء الله مجبور الخاطر. وأنا أكيد هاجي أزورك. يالا بقى أنا قلبي ضعيف. خالي بالك من نفسك."
جاءت نهر وشفق ليباتا مع رضا. وفد ملأوا الغرفة ضحك وشجار. وكانت رضا سعيدة بهم. ثم أتى علي ليلاً لهم.
دق الباب فسمح له بالدخول.
علي:
"إيه ده؟ ليه لسه صاحيين لدلوقتي؟ الساعة عدت عشرة."
نهر:
"يا آبيه، ساعة الحظ ما تتعوضش. والبت دي مش عاوزة تنيمنا. قال إيه مش بتعرف تنام دلوقتي غير في حضن أبلة رضا."
علي:
"لو خالتي رقية هنا كانت زمانكم نايمين من بدري."
رضا:
"لسه قافلة معانا من شوية."
علي:
"هتيجي؟"
نهر:
"أدو هيعدي عليها ويجيبها هنا إن شاء الله قبل تمانية هتكون هنا."
رضا:
"عاوزة أقول حاجة وكويس إنك هنا. ولادي أنا وأبوك سبب إننا نجيبهم الدنيا. بس لولا إنت ونهر عرفتم تتصرفوا في اليوم ده كان زمانهم راحوا. علشان كده سوا عشت أو مت. أوعوا انتوا الاثنين تفرضوا فيهم. إنتم أب وأم تانيين لولادي. هما هيبقوا ولادكم انتوا الاثنين. كمان لو عشت هربيهم. يقولوا ليا ولنهر ماما. ويقولوا لك يابا. يا رب تقبلوا رجائي ده ويكون ولادي محظوظين بيكم."
نهر بفرحة:
"أنا قابلة إنه يتقال لي ماما منهم. أنا أصلاً مشتاقة لهم من يوم ما عرفت بحملك. وإنت يا آبيه؟"
علي:
"يعني أنا متابع الحمل من بدري. من أول ما عرفت بيه. وإن شاء الله هيتولدوا على إيدي. ومش غرب عني. وموافق يتقال لي أبويا بدل أخويا. الفرق بينا كبير."
(نظر لنهر وأكمل)
"رغم إننا ديمًا إخوات وما فيش نصيب بينا. بس شوفتي هنبقى أب وأم لاثنين."
(غير الموضوع كي لا يضعف أمامهم)
"بالمناسبة الولادة هتكون فيصيري. وبنسبة كبيرة الرحم هيتشال. عاوزك قوية. غالبًا الأولاد نتيجة لضعف الرحم عندك هيروحوا الحضانة فترة. يعني لازم تنامي كويس وتاخدي علاجك. وباذن الله كلنا حواليك."
شفق:
"خلاصتم. وهو مفيش حد واخد باله مني ليه؟ أنا أبقى إيه للعيال دي؟"
رضا:
"تبقي أختهم الكبيرة العاقلة القمر. مش إنتي بتنامي في حضني يعني بنتي وهما إخواتك."
شفق:
"ماشي. يعني أشخط وأنطر فيهم براحتي."
نهر:
"لما يكبروا علميهم الصح والغلط. وهما صغيرين غيري لهم وتشتاليهم وتسكتيهم علشان ما أتخانقش معاك. آه دول ولادي برضه. فاهمة؟"
شفق:
"هو ينفع أبقى أختهم أما يكبروا بس."
علي:
"لأ. إنتم ناويين تسهروا. هاتي إيدك يا رضا. أديك الحقنة وكده كده هتنامي بعدها."
ماذا سيحدث سنرى في.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم رينا الهادي
أتت رقية للمشفى بعد توصيل آدو لها، ثم تركها. دخلت وقابلتها نهر لتوصيلها للغرفة، وتركهم آدو ليرجع يستريح.
دخلت رقية ونهر لرضا التي كانت شفق تمسك يدها بخوف.
رقية: إيه يا شفق؟ هي اللي هتولد وهتقوم بالسلامة إن شاء الله، بتعيطي ليه؟
شفق جرت على رقية لتحضنها: يا رب يا طنط، أنا اتعودت عليها خلاص، رغم لسانها الفظيع بس قلبها أبيض وعوضتني شوية عن ماما.
آتي علي وهو يقول: السلام عليكم، ها؟ مستعدة؟
نهر: شفتي غلاوتك، الدكتور علي بذاته جاي ياخدك.
علي: طبعاً دي معاها عيالنا، ولا إنتِ ناسيه؟
رقية: عيالكم؟
نهر: هفهمك بعدين. آنة (نظرت لعلي) يا خالي بالك منها ومن العيال، ترجعهالي ضاغ سليم.
رضا بدموع: ربنا ما يحرمني منكم، ربنا يسعدكم. (نظرت لشفق) إنتِ نور عيوني، خلي بالك من نفسك ومن إخواتك.
علي: إنتوا هتعيطوا ليه؟ يلا علشان الكل جهز.
بدأ يدخل الممرضون ليساعدوا رضا.
مضت ساعات كثيرة، وما زال علي ورضا داخل العمليات، لدرجة انهيار شفق واتصالها بوالدها الذي أتى هو وآسر بالكثير من القلق عليهما. ما أن رأت شفق والدها حتى جرت إليه مسرعة لترتمي بأحضانها وهي منهارة.
شفق: إعمل حاجة يا بابا، طمنا عليها من زمان قوي جوه.
محمود: حبيبتي، هي مش مجرد ولادة، وإحنا عارفين، إن شاء الله تطلع وتكون بخير.
شفق: طب ليه تظهر في حياتنا يا بابا ونرتبط بيها؟ شكلها هتسبنا، هو أنا وحشة قوي كده؟ ربنا ياخد مني أمي وأنا لسه مولودة، ولما يعوضني عنها برضا ياخدها مني تاني، أنا حبتها قوي وعارفة إنها بتحبني، هنام جنب مين دلوقتي؟
محمود: ما كده كده كانت هترجع بلدها يا شفق، وهترجع مع عيالها وتنام جنبهم، دول توأم، يعني هتسيبهم وتيجي تنام جنبك؟ دول مسؤولية، وهي للأسف لوحدها من غير زوج.
شفق وهي تجفف دموعها: ما أنا كنت هستنى معاها شوية على ما تقوم وتمشي، كنت هتعود واحدة واحدة، مش قلت هتقعد هنا شوية؟ ها؟ ولا بتضحك عليا؟
محمود: لأ، علي قال هتقعد شوية على ما حالتها تستقر، على الأقل أسبوع، ومتوقع يقعد جوه كتير، إنتِ عارفة أمك قعدت تولد في أخوكي يجي تسع ساعات. بس بقي، روحي اتوضي وصلي وادعي لها.
رقية: صح يا شفق، شايفة نهر ماسكة المصحف وبتدعي، وأنا كمان صليت ودعيت وهقرأ قرآن، بصي ادخلي اتوضي وتعالي جنبي نقرأ. اتفضل إنت يا أستاذ محمود، هي كانت عايزة تفضي قلقها، وإن شاء الله خير.
محمود: أنا تحت لو احتاجتوني، وريحوا شوية على ما تطلع، لأن أكيد هتسهروا كتير، يلا يا حبيبتي اهدي وادخلي اتوضي.
شفق: روح الأول شوف الأخبار وتعالى طمنا، وحياتي يا بابا روح وشوف اتأخروا ليه.
محمود: يعني هروح أدخل أوضة العمليات وأقول: معلش سيبوا اللي في إيديكم وطمنوني. حبيبتي، هي مش أوضة ولادة عادية، دي عمليات، والناس مش بتخرج غير لما يخلصوا، حتى علي واخد معاه أكياس دم جوه لو حصل نزيف، يعني ما ينفعش حد يخرج أو يدخل غير لما يخلصوا. أنا كمان هروح اتوضى وأصلي، ولو عرفت أي شيء هاجي وأقولك، وهسيب خبر يطمنا على طول.
بعدها بساعتين خرجت رضا من غرفة العمليات، بينما أولادها اتجهوا بهم فوراً إلى صالة الحضانات.
جرت نهر على علي بلهفة: إيه الأخبار؟ أبلة رضا كويسة؟ اتأخرتوا أوي يا أبية؟
علي: الموضوع كان صعب جداً، كنت متوقع، لكن مش كده. عموماً هي بين إيدين ربنا، صدقيني، عملنا كل اللي قدرنا عليه، إحنا كنا تلات دكاترة جوه غير التخدير والممرضات.
نهر بدموع: طب والعيال؟
علي: ضعفا قوي، هيفضلوا في الحضانة فترة مش أقل من أسبوعين. عموماً رضا قدامها تلات أربع ساعات على ما تصحى، لأن العملية كانت كبيرة.
نهر: عملية إيه يا أبية؟ مش ولادة عادية قيصري؟
علي: قيصري في السابع وشيلنا الرحم، إنتِ مش متخيلة كانت حالته إزاي.
أحد الأطباء: حتى لو ماكنتش حامل كان لازم تشيل الرحم ده، دي أصلاً معجزة إنها تتحمل حمل بالرحم ده وكمان تؤام، صراحة هي وأولادها ربنا معاهم.
رقية: بس يا دكتور علي، إنت اديت ليا أمل كبير إنها هتقوم، يعني إيه هي وأولادها في خطر؟
الطبيب: هو عمل اللي عليه وزيادة. لو كنت عملت عملية الإجهاض من كذا شهر أكيد كانت ماتت، لأن إمكانيات المستشفى الحكومي أقل بكتير، وكمان صراحة كان فيه تليف في الرحم كان مغطي عليه الأولاد، وواضح أن التليف ده حصل أثناء الحمل مع كل المشاكل المسبقة اللي عندها.
نهر: حضرتك دكتور طارق؟
الطبيب: أيوه، ويا ريت ما تلوموش عليا، لأن فعلاً الحالة معقدة. ادعوا لها، وإن شاء الله يستجيب.
رقية: إحنا هنروح الأوضة.
علي: رضا مش هتكون هناك، هتكون في العناية المركزة. عن إذنكم.
ومشي بإعياء.
شفق بكت، لتربت على ظهرها رقية برفق: متخافيش يا حبيبتي، وخلي أملك في ربنا كبير، تعالي نروح الأوضة، يلا يا نهر.
نهر: روحوا إنتوا، أنا هاجي بعدين.
واتجهت حيث مشي علي.
علي دخل باعياء غرفة الأطباء وجلس على أقرب كرسي، وكان بها طارق الذي غير ملابسه.
دخلت بعده بثوان نهر.
رفع علي رأسه: إيه يا نهر، جاية ورايا ليه؟
نهر: جاية أطمن عليك، شكلك مش مطمني يا أبية. (جلست أمامه على ركبتها وهو جالس على الكرسي) أنا متأكدة إنك عملت اللي عليك، وإلا ما كنتش أخدت الوقت ده كله جوه، كلنا بما فينا رضا حاولنا، ومتأكدة إنك ما قصرتش.
علي وقد بدأت الدموع تتكون بعينه: كان ممكن آجي أول ما عرفت بحالتها ونزلت العيال يا نهر، على الأقل كانت حالتها هتكون أحسن من كده، والعيال رغم إني عارف إنهم هيتولدوا ناقصين، لكن بجد صغيرين قوي. وصيت عليهم دكتور أطفال متميز، بس خايف نخسر الكل، وهكون أنا السبب.
طارق: إنت عملت كل اللي عليك يا علي، بطل تلوم نفسك. هي كانت مصممة على تكملة الحمل حتى وهي عارفة إنها خطر على حياتها، ووصتك تنفذ أولادها، وإنت عملت كتير، دي أعمار، لو لها عمر ربنا هيلطف بها.
علي: أول تحليل بعتته ليا خالتي رقية كان واضح أن عندها ضعف عام، ولما سألت أمي عليها قالت إن لها مرات أب بتعاملها وحش، واحتمال مش بتأكلها كويس، ففهمت ليه عندها نقص في معدلات كتير زي الحديد والكالسيوم، وكنت فاهم أن الحمل هياخد منها كتير، عشان كده بعت أدوية كتير تعوض وحقن كمان، بس المعدلات ما كانتش بترتفع قوي نتيجة أنه كان بيروح للأجنة معظمه. بس أنا خاطرت، فاهمة؟ يعني إيه خاطرت؟ لو عاشوا الأولاد هقول لهم إيه لو أمهم راحت؟ معلش، كنت فاهم إنكم ممكن تكونوا أيتام، بس خاطرت بأمكم.
نهر: وإنت فاكر إنك لو كنت جيت وأبلة ما كملتش حمل وأنقذت حياتها هي كانت هتعيش؟ خد عندك، كانت هتبقى مكسورة وحزينة ومن غير هدف. والدك خلاص طلقها، كانت هترجع لأهلها يعملوها زي العبيد، تخدم الكل، وفي الآخر لا معاملة ولا زي ما قلت لقمة حلوة غير القهرة. عارف يعني إيه مالهاش سند أو أمل؟ طبعاً أهلها عمرهم ما هيرضوا نتواصل معاها، لكن لو قامت بالسلامة مع عيالها احتمال يرموها عشان مش هيتكفلوا بتربية عيالها، وهتعيش مع آية وتعمل مشروعها وممكن تكمل دراستها وهتقوم. ويلا، غير لبسك ونروح نؤذن في ودن العيال، وجايبة تمر معايا، يلا يا دك، عيالنا مستنيين.
طارق: عيالكم؟
نهر: الدك يبقى يحكيلك، يلا بقي.
بعد فترة في الحضانات، بعد ما دخل علي ونهر وأذن في أذن الأطفال، وبلّ التمر بفم الولد ثم بفم البنت. ضمت نهر البنت بحب وحنان وهي تربت على ظهرها وتقرأ لها بعض آيات القرآن للتحصين، ثم أعطت البنت لعلي وبدأت بعمل ذلك للولد، بعدها خرجوا بهدوء.
علي: كنت فاكرك هتنهاري، طلعتي أقوى مما تخيلت.
نهر: لو فكرت شوية هتلاقيني مريت بنفس الموقف وأنا عمري ست سنين، بس كنت لوحدي يا آبيه، وأمي كانت مكان رضا، وأخويا كان مكان الأولاد. جايز تكون نسيت لأن مر سنين كتير، أنا نفسي فاكرة لمحات.
علي: فاكر يا نهر، أنا كنت كبير مش صغير، وأنتم جيتوا على البيت الكبير، وكان باين عليك الإرهاق لأنك كنتي بتسهري لوحدك مع والدتك، فاكر كويس.
نهر بانتباه: أبية، لازم نجيب شفق للعيال، يشموا ريحتها. عمر كان بيسكت معايا وهو صغير عشان كان عارف ريحتي، وشفق كمان بتنام مع أبلة من فترة، فأكيد عارفين ريحتها.
علي: تصدقي صح، الأولاد بيعرفوا ريحة أبوهم لأنهم بيشموها من أمهم، طبعاً لو الأم والأب مع بعض، يلا بينا.
أتوا بشفق لتجلس معهم بعض الوقت، وكرروا المحاولة الكثير من المرات مع المتابعة المستمرة لرضا وأبناؤها. كما كانت رقية تجعل نهر وراء ظهر رضا لتقوم هي بإفراغ صدر رضا لإرضاع صغارها، ثم بعد أن خرجت رضا من العناية وبعد عدة أيام وتحسن حالاتها مع ترقب الجميع لها، كانت تذهب وتأتي لها بصغارها الواحد تلو الآخر للرضاعة وترجعهم، بعد أن داومت نهر لدراستها هي وشفق، وكانوا يأتون ليلاً فقط.
بعد أسبوع، تحسنت حالة رضا واستطاعت أن تمشي، بينما أطفالها ما زالوا في الحضانة. كانت تذهب إليهم بمساعدة رقية أو إحدى الممرضات لترضعهم ثم ترجع، بينما كانت نهر وشفق والبقية يجهزون لمفاجأة لرضا.
في ذلك اليوم، قالت إنتصار لابنها عبد الله وزوجته أنها سوف تذهب لزيارة السيدة زينب والسيدة نفيسة بمفردها وأن يهتموا بطفلهم. رغم أن عبد الله كان قلقاً عليها، إلا أنه أراد أن يريحها خصوصاً أنها قالت أنها تعرف المكان وتعرف المواصلات. ذهبت، لكن كان ينتظرها علي الذي أخذها إلى ما تريد، ثم أخذها إلى المشفى للمفاجأة التي يعملون عليها لرضا.
مساءً اجتمع الجميع في غرفة رضا، وكانت سعيدة بهم، لكنها مستغربة لما كل هذا الكم من الناس في الغرفة. أخيراً ظهرت نهر ومعها بعض الأشياء وهي تقول: النهاردة قررنا يكون سبوع العيال، يلا بقى يا جماعة عشان نعرف هنسميهم إيه؟
رضا بحزن: وهنعمل السبوع من غير العيال؟ العيال في الحضانة.
رقية: هنجيبهم شوية صغيرين ونرجعهم تاني.
نهر: أنا لبستهم، وبالرغم إني جبت مقاس صفر، بس برضه عيالك غرقانين في اللبس، بس الحمد لله في تحسن في حالتهم. تعرفي أبية علي بيدخل ينام عندهم.
رضا: مش عارفة أقول إيه، أنا ربنا كرمني بيكم أكتر من أهلي. (نظرت لعلي) أنا عارفة إنك دفعت كتير قوي هنا، هحاول أرد جزء.
علي نظر لمحمود: صراحة مش كتير زي ما إنتِ متخيلة، أستاذ محمود بعلاقته عملنا تخفيض أكتر من النصف، وكمان مفيش حد من الدكاترة في العمليات رضي ياخد أتعاب.
رضا نظرت لمحمود: تشكر يا بيه، ربنا يستركم ويسعد قلوبكم يا رب.
محمود: فيه مفاجأة لسة، ومتأكد إنك هتفرحي بيها. ادخلي يا شفق.
دخلت شفق، لتشهق رضا: ده بجد؟ الموضوع ده مالهوش هزار يا ست البنات.
شفق وهي تتجه لرضا: عارفة ومقتنعة بيه، وحبيت يكون يوم السبوع، إيه رأيك؟
رضا وهي تحتضنها: رأيي إيه بس؟ دي فرحتي بيكِ النهاردة مالهاش زي، مبروك حجابك يا أحلى البنات كلهم.
نهر: نحن هنا.
رضا بغمزة: برضه شفق أحلى البنات كلهم، أم خدود، عاوزين الأكل دي.
محمود: دي بقالها كذا يوم سحلاني معاها عشان نشتري لبس وطرح، وأنا لا بعرف أختار طرح ولا نيلة، بس صراحة قرار مفاجئ ليا، قلت أكيد إنتِ أقنعتيها. عموماً عندنا في الصعيد بيتحجبوا في السن ده.
علي بصوت منخفض: عقبالك يا نهر.
نهر: إن شاء الله يا أبية. مش يلا نروح نجيب العيال؟ (علت صوتها) يلا يا إخونا، إحنا هنروح نجيب العيال.
مضى اليوم بكل ما فيه بفرحة على كل من حضر بالمشفى، واتصل عبد الله بأمه لأنها تأخرت كثيراً، فرد عليه علي.
عبد الله: يا أمه قلقتنا عليك، والواد أحمد مش مبطل عياط.
علي: أولاً أمي معايا يا عبده، ومش هتيجي النهاردة. اتعاملوا يا حبيبي مع ابنك، يلا غدا ألاقي.
عبد الله وهو ينظر للهاتف: مين معايا؟ معلش.
علي: إخص عليك، نسيت صوت أخوك.
عبد الله وهو يعتدل: بجد!!! إنت في مصر؟
علي: جيت من فترة صغيرة عشان حالة صعبة، وراجع كمان كام يوم.
عبد الله: أومال ما شفتكش في المشفى ليه؟ ولا رحت مستشفى تانية؟ أنا كل يوم هناك.
علي: أنا في فرع التجمع يا عبده، المهم إني هجيب أمك وأجي بكرة، عايز أشبع منها شوية، هي مش على طول معاكم؟
عبد الله: وأعمل إيه في أحمد ده؟ موقفني أنا وأمه ومش راضي يسكت، أمك بتعرف تتصرف معاه، تعال وبات معانا يا عم عشان كلنا ننام.
علي: لأ، اتصرفوا مع ابنكم، وأنا هسهر صباحي مع أمي، باي، ما تتصلش تاني هنا، ها؟ هاجي بكرة على العصر.
أغلق علي الهاتف وهو يضحك: ابنك مش عارف يتصرف مع أحمد.
نهر: يلا يا شفق وآسر، نخرج شوية، عاوزين حاجة من تحت أو الكافيتريا.
الكل هز رأسه بلا.
بعد خروجهم.
إنتصار: مالك يا رضا؟ النهاردة المفروض تكوني فرحانة، سبوع ولادك وكل أحبابك حواليك، مالك بقى؟
رضا: خايفة قوي.
كلهم نظروا لها بإستفهام.
رضا: لما أروح مع أبلة رقية، تفتكروا أهلي لو عرفوا، وأكيد هيعرفوا، هيسبوني في حالي؟
رقية: معتقدش، هياخدوك ومعاك عيلين، معلش يعني هيستخسروا يصرفوا عليهم.
رضا: إنتِ ما تعرفيهمش يا أبلة، مرات أبويا أهم حاجة عندها عيالها، وأنها ما تهينش نفسها في حاجة. هتصمم أرجع عشان أخدمهم، والعيال هيصرفوا عليهم ليه؟ ما هما هيرضعوا وأي هدوم هيلبسوها إخواتي البنات مخلفين، هيجيبوا لبسهم لعيالي وهيشتغلوني غصب عني. ويا سلام لو عرفوا أن دكتور علي هيبعت لي فلوس، مش هطول جنيه. أنا أخدت على المرمطة، لكن عيالي لسه صغار، أنا خايفة، هيسبوني في حالي، ومرات أبويا قلبها جامد عليا، وأكيد هيكون كده على عيالي.
علي: ممكن أبويا يردك يا رضا، بعد ما يعرف أن له عيال، أبويا مش هيسيب عياله.
رضا: هيرجعني عشان العيال، وهيكرهني أكتر. أنا مش فارقة معاه حتى بعد ما عرف إني مليش ذنب في اللي حصل، بعد ما عرف أخته عملت إيه، لكن برضه هيقف في صف أخته. غير عزيزة، مش ضامنة ممكن تعمل إيه في عيالي، وهتكون معبية مني، واللي تموت طيور عشان بس تفرح فيا، وتعمل في أخوها كده عشان بس أطلع ست من البيت، وقبل كده تعمل لمؤاخذة في ابن أخوها، عمل غير أعمالها لأبلة رقية بالمرض، تفتكر آمن لها؟ مش بعيد يطلقني تاني ويموت عيالي. لأ يا دكتور، بيتكم زي بيت أبويا، ويمكن أسخم. أنا عارفة إني بحملكم همي، بس أنا طمعانة إنكم تشوفولي حل. نهر قالت هنعمل المشروع تاني، يعني إن شاء الله هعرف أصرف على عيالي، مش على طول بعد فترة، بس إن شاء الله هعرف. بس ده لو أهلي سابوني في حالي، وأنا متأكدة مستحيل. مرات أبويا هتقوم على أبويا، وهيرجعني لهم. بيخاف منها عشان أم الولاد، وهيقفوا جنب أمهم.
محمود بتفكير: أنا عندي حل يخليكي قاعدة مع ست رقية من غير ما حد يقدر يقرب منك، وتعملي مشروعك وتكملي دراستك وتربي عيالك بأمان من غير ما حد يتحكم فيكِ، والأهم لو أبو العيال حب يرجع، تملي شروطك إنك تعيشي لوحدك في بيت مستقل بعيد عن عيلته، ده لو حبيتي ترجعي.
الكل نظر إليه.
رضا: كان غيري أشطر، حب عمره وأم عياله مرضتش تعمل معاها كده، ومش هتجوز وأعيش كأني مرض، خايف يقرب له عشان العيال. العيال أحسن تتربي من غير ما أقلل من نفسي قدامهم، لازم وهما بيتربوا يفهموا يعني إيه كرامة. أنا المهم عندي أربي عيالي بعيد عنهم وأعتمد على نفسي وبس.
رقية: إيه الحل يا سيد محمود؟
محمود: هكتب على رضا شرعي طبعاً، وتبقى كده متزوجة، وما يقدرش حد ياخدها من عندك غير بإذني.
إنتصار: وأهل مراتك الله يرحمها مش هيقولوا حاجة؟
محمود: مين هيعرفهم؟ أنا زي ما أنا مع عيالي وفي شغلي، ورضا في البلد. بس ممكن الأولاد لو حبوا يقعدوا معاها في الإجازة شوية يغيروا جو، يروحوا.
رضا: ربنا يخليك يا بيه، جميلك ده في رقبتي ليوم الدين.
محمود: إنتِ بدأتِ يا رضا وحميتي بنتي، وكان ممكن تروحي فيها، فما فيش جمايل. لو إنتِ موافقة، أطلع دلوقتي وأجهز الإجراءات.
رضا: موافقة يا بيه، المهم حضرتك ما تندمش.
رقية: ما هو لازم ولي لها في الجواز، وأبوها وإخواتها مش هيرضوا؟
محمود: إحنا على مذهب الحنفية، ويمكن تزوج نفسها، هي مش بكر وأكبر من واحد وعشرين سنة.
رقية: لكن رأي جمهور الفقهاء والمذهب المالكي والحنبلي والشافعي هو أن نكاح المرأة بدون إذن وليها هو باطل، وقد استدلوا على ذلك بقوله جل علاه: "فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ".
إنتصار: بس لها سيدها من أبوها وأمها، ممكن ينفعوا دول؟ أنا عن نفسي اللي جوزني سيدي مش أبويا.
رضا: هو بيقول هيعيش مع عياله وأنا مع أبلة رقية، يعني مش جواز حقيقي، بس عشان أحافظ على عيالي من غير ما حد يضرهم، لو ينفع خلاص، مش مهم ولي.
رقية: اسكتي إنتِ يا رضا، لأن مدام قال جواز شرعي على إيد مأذون، يبقى نمشي بما يرضي الله، عشان يا حبيبتي ربنا يبارك لك.
رضا: أبو أمي مش بيحبني، مش هيرضى. أبو أبويا هيرضى عشان زعلان من أبويا، لأنه كان عاوز يعيش معانا وسعدية ما رضيتش، وأنا كنت من وقت للتاني أروح أشقر عليه وأخدمه، بس هيجي إزاي ده؟ راجل كبير وكبير يطلع يقعد على مصطبة الدار.
رقية: ما دام لقينا حل هنتصرف.
دخلت نهر لتقول: شفق وآسر عاوزين يقعدوا شوية تحت، سبتهم. جيتوا وصلتوا لإيه؟
حكت لها رقية ما حدث.
نهر: بصي يا أبلة رضا، سامح أخوكِ تقريباً كل ما أنزل البلد يجي ويقولي: أوصل لك؟ تسامحيه على موضوع موت الطيور ومستعد يعمل أي حاجة وتسامحيه. هو أكبر مني تقريباً واحد وعشرين سنة، أعتقد ممكن يكون ولي لك.
رضا: لا يا نهر، ده عايش في وسطهم. لو قلبوا عليه هيكرهوه في نفسه، لكن سيدي كده كده عايش في بيته مع عمتي، وفين وفين لما أبويا يروح له.
نهر: طب أنا هتصل بيه عشان يكون مع جدتك، أقصد سيدك، ويجيبه هنا بكرة إن شاء الله من غير ما حد يعرف، وهبعت عمي مسعد اللي جابك من مستشفى المحلة يروح لهم البلد ياخدهم من قدام البيت، ويبقى يرجعهم تاني بعد كتب الكتاب. بصي، هشوف الميعاد المناسب لهم ويجوا فيه.
وافق الجميع، وكلمت نهر سامح واتفقت معه، وكلمت مسعد الذي فرح بشدة لولادة رضا.
اتصل محمود بأمجد وأخبره، وأصر أمجد أن يحضر كتب الكتاب ويكون شاهداً لذلك. رجع محمود وقال لهم أن كتب الكتاب سيكون غداً ظهراً.
رضا: هو ممكن تكون شاهد على الجواز يا دكتور علي؟
علي: لأ طبعاً، أنا آسف، أبويا لو عرف هيزعل مني. ساعدتك عشان ضميري، لكن أكون شاهد ماقدرش.
إنتصار: عنده حق يا رضا، ده أبوه برضه.
محمود: مفيش مشكلة، أصلاً مستر أمجد وواحد صاحبي في الداخلية هيكونوا شهود، والموضوع مش هياخد وقت، بس مش عاوز أولادي يعرفوا دلوقتي، أنا هقول لهم في الوقت المناسب.
رضا: لو حبيت ما تقولش، ما تقولش أصلاً، كل واحد منا هيكون في بلد.
محمود: لكن ممكن العيال يجوا يزوروكِ في الإجازة، إنتِ عارفة شفق اتعلقت بيكِ قد إيه.
رقية: ينوروا في أي وقت يا سيد محمود.
ثاني يوم، أتى أمجد وجد رضا وسامح، وتم كتب الكتاب بالمشفى، وكان ذلك بوجود نهر ورقية وعلي وإنتصار. بعد أن تم الأمر.
أمجد: ممكن شوية برة يا رقية؟
رقية: أكيد، حاضر.
خرج بعد ذلك إنتصار وعلي كي يذهبوا لمنزل عبد الله.
في حديقة المشفى.
أمجد: اسمعيني يا رقية كويس، محمود مش مجرد حد كان شغال معايا، ده أخ. لما قالي على رضا أول مرة كان بيتكلم وهو غضبان جداً من طريقتها وأسلوبها، شوية شوية بقى يتكلم بشيء من الإعجاب. أوعي تفتكري إنه اتجوز رضا عشان يساعدها، لأ، أنا أكتر واحد عارف محمود، هو لاقاها فرصة لأنه معجب بشخصيتها، ضعفها وقوتها، حنيتها وعنادها. لكن في نفس الوقت مش حابب يدخل حياتها وهي لسة خارجة من تجربة صعبة، ومش عاوز يحط عليها مسؤولية زوج وأولاد فجأة، غير كده هو مش حر نفسه.
رقية: تقصد إيه إنه مش حر نفسه؟
أمجد: من فضلك ما تقاطعنيش، هخلص وأقولي اللي عايزاه. مش حر نفسه لأنه مربوط بعياله، أولاً شفق آه قبلت رضا، لكن آسر لأ. ثم إنه تعب جداً على ما رجع وظيفته، صحيح هو رجع في القاهرة وهو زمان كان في الصعيد، لكن اللي في سنه بقوا في مراكز كبيرة، وهو محتاج يركز الفترة دي في شغله عشان يلحق يكون حاجة قبل ما يطلع من الخدمة. فهو وهي محتاجين وقت عشان يكونوا أسرة، غير إنها عايزة تقف على رجلها لوحدها يا رقية، مش بس شغل، لأ لازم تكمل تعليمها، واللي فهمته إنها بدأت فعلاً.
رقية: تقصد تبقى قد المقام.
أمجد: وهو غلط لو طورت من نفسها؟ على الأقل تقدر تتفاهم مع آسر ومحمود وصحبات شفق، تقدر تجاريهم في أفكارهم. إنتِ مش كنتِ مبسوطة وأحمد الله يرحمه كان بيحاول يطور نفسه عشانك؟
رقية: عندك حق، وأنا كست حسيت برغبة سيد محمود في رضا بجد، عشان كده أصرت يكون الجواز مستوفي شروطه كاملة.
أمجد: هنا هعتمد عليكِ يا رقية، علميها، حاولي تخلي لغتها أرقى وتعرف تتعامل مع الناس. آسر مش متقبل ألفاظها، ولا محمود يقدر مثلاً يعرفها على أصحابه لأن ليها، عفواً يعني، مفردات بيئة. علميها إزاي تستخدم موبايل ولابتوب، ساعديها في تعليمها، ممكن تاخد تعليمها بسرعة مع شغلها، والأولاد صعب بس مش مستحيل، وأهي تسليك في انشغال نهر وعمر عنك.
رقية: أنا عندي شغلي أنا كمان يا مستر، لكن أنا حبيت رضا وهساعدها حبًا فيها واحترامًا لمحمود، لأنه مش بس ساعدني كتير، لكن بعتبره أخ وصديق.
أمجد: تمام يا رقية، كنت واثق إنك هتساعديها.
رقية: طب هما وضعهم إيه دلوقتي؟
أمجد: لما اتكلمت مع محمود قال إن هو هيتعامل معاها كأنهم مخطوبين لغاية ما ولادها يكبروا شوية وهي مشروعها ينجح وتقدر تشغل معاها ناس. بعدها لو هما الاتنين حبوا يكملوا هيعيش معاها قدام الكل، بس الفترة دي زي ما قلت كل واحد منهم محتاج يكون لوحده مع مسؤولياته الكبيرة، سواء هو أو هي، فاهمة.
رقية: فاهمة. على فكرة طلب مني أشوف شقة في نفس العمارة اللي أنا فيها ليها، قال هيوضبها وتقعد فيها عشان لو حد حب يزورها أو حد حب يزورني، وكلمت صاحب العمارة وقال فيه شقة فوقي فاضية.
أمجد: عارف، لأنه قال ممكن في الإجازة شفق وآسر يروحوا عندها كنوع من إنهم يتعودوا عليها أكثر، وطبعاً لو كمان نهر وعمر كانوا موجودين مش هيكون فيه مكان تتنفسوا.
رقية: عندك حق، الشقة غرفتين بس.
أمجد: هيكون أحسن لو تلات غرف، يعني لو فيه. وتكون هدية جوازي لهم، أجهزها لهم.
رقية: فيه في العمارة تلات أوض. طب هكلم صاحب العمارة وأرتبها مع حضرتك، لكن هي كده كده لازم تقعد معايا الفترة الجاية، مش هتقدر لوحدها على الأولاد.
أمجد: ماشي، لكن برضو مهم يكون لها شقة مستقلة. أنا عارف إن شغلك محتاج هدوء وتركيز. كمان ممكن تستعيني بحد يساعدها حتى لو بفلوس. إنتِ آخر عملية سوري خليت إيديكِ ضعيفة وورمة ديما، ولا فاكراني مش واخد بالي. (لكي يغير الموضوع) صحيح، سميتي أولاد رضا إيه؟
رقية: الولد سميته يحي ليحيا، والبنت عهد، لأننا عاهدنا نفسنا نفضل سند لبعض.
أمضى علي ثلاث أيام بعد كتب كتاب رضا، بين وجوده صباحًا بالمشفى ومساءً مع أخيه. زار رانيا هو وأمه، وكان محملًا بالهدايا. وقابل والده خارج بيت العائلة لأنه كان لا يريد أن يرى أي من عمته وعمه بعد فعلتهم الأخيرة بأبيه. بعدها سافر بالكثير من الأحضان والقبولات من أمه وأبيه وأخيه. وأوصى نهر بإخوته الصغار وأن تصورهم له كل أسبوع.
بعد أن أتم الأولاد الأسبوع الثاني لهم بالحضانات، خرجوا جميعًا. وأصر محمود أن تبقى رضا أسبوعًا على الأقل في بيته. فسافرت رقية للبلد، وكانت نهر تهتم بها ليلاً بعد كليتها وصباحًا كانت تأتي امرأة تلبي طلبات البيت وتساعد رضا وتنظف البيت مع خروج كل من شفق وآسر للمدرسة ومحمود للعمل.
بعد أسبوع كامل ببيت محمود، أخذت نهر وإدوارد رضا، وأوصلوها إلى بيت رقية التي أعدت غرفة لرضا وأبناؤها. وكان ذلك مساء يوم الجمعة. أضطرت نهر وإدوارد للرجوع للقاهرة لضرورة العودة لدراسة نهر وعملها بالموقع، فقد غابت عنه فترة، وكان عمر موجودًا بذلك اليوم ببيت أمه.
عمر اتصل بأبيه سرًا وأخبره بوجود رضا وابناؤها عند رقية.
مصطفي مع أمه وعزيزة في البيت الكبير.
مصطفي: عمر بيقول نهر جابت رضا وعيلين عند رقية ومشيت، ولما سأل عرف إنهم ولاد رضا.
عزيزة: رضا ولدت وعيلين كمان؟ بس دي ما كملتش تسع شهور على العملة إياها.
مصطفي: ممكن تكون ولدت في السابع، خصوصًا زي ما فهمت من الدكتور محتاجة رعاية خاصة هي وعيالها بعد الولادة والرحم بتاعها ضعيف. كمان أخوكي قال إنها كانت بنت لما لمسها.
عزيزة: صح، أنا هقوم أروح لأهلها عشان يروحوا يجبوها عندهم بعد ما قصرت رقبتهم وهربت.
الحاجة: استني عندك، وهما أهلها هيرضوا ياخدوها بعيلين؟ إنتِ كمان.
عزيزة: ومين قال هنسيب لهم العيال؟
مصطفي: أومال إيه يا شملولة؟ هترضعيهم وتغيريلهم إنتِ ولا أمك ولا أخوكي اللي من اليوم ده مش راضي يبص في وشنا؟ الظاهر قهرتك من رضا لحست عقلك.
عزيزة بطمع: لا يا ناصح، هما هيروحوا يجبوها بعيالها، يدونا العيال وإحنا نحرق قلب رضا عليهم ونخلي رقية تفديهم. ما دام كانت محتاجة شيء وشويات عشان تولد هي وعيالها، يبقى رقية معاها أو تقدر تتصرف. مش مراتك من عيلة كبيرة ومش عاوزة تقول عليهم؟ إحنا نطلب من رقية بعد ما تعرف إنهم معانا، على العيل مليون جنيه.
الحاجة: هتبعي ولاد أخوك؟
عزيزة: لا أبيع إيه؟ هي كده كده رقية هي اللي هتربيهم، سواء رضا معاهم أو لأ، مش في بيتها. الفرق إنها تربيهم وإحنا نستفاد. ياما رقية جالها سرطان مرتين وبتعلم بنتها وصرفت على رضا، إشمعنى إحنا ما نستفادش؟
الحاجة: وأخوك هيرضى بكده؟ إنتِ كده هتخلي أخوكِ يقاطعك طول العمر.
عزيزة: يعني هو هيعرف يربي عيال صغيرة؟ ياما مصطفي مش عاوز يطلق مراته مع إنها ما عدتش لازماه عشان يورثها، إيه المشكلة لما نعيش يومين مرتاحين؟ الله أعلم مين يومه قبل مين، خصوصًا وهي عاملة زي القطط بسبع أرواح. وإن كان على محمد، هو كده كده واخد جنب مننا، وكمان الفلوس هتقرب بيني وبين عيالي، هقدر أشارك في جوازهم ويبقي ليا عين أزورهم وأعمل عملية ولا اتنين أحلي نفسي لعزت، جايز نرجع لبعض ومصطفي يقبل شوية على وش الدنيا.
الحاجة بتفكير: اللي عاوزين تعملوه اعملوه، بس رقية هتفرج عليكم الدنيا وتبلغ الضابط لو روحتوا واخدوا رضا من عندها.
جلست عزيزة لتقول: النهاردة أكيد خلص وهيناموا. تقول لابنك يا مصطفي لما أمه تنوي تنزل يتصل بك، نكون مجهزين عربية لإخوات رضا يهجموا على البيت ياخدوها، على ما ترجع مش هتلاقيها. وأقول لأهل رضا يودوها أي داهية غير بيتهم عشان لو بلغت ما تلاقيهاش. فهمت؟ أنا هروح أقول لمرات أبوها، هي هتموت من الغيظ منها.
ثاني يوم، كان أبو رضا واثنين من أبناؤه تحت بيت رقية بعربة خاصة. لم ينتظرا حتى يتصل بهم أحد، بل انتظروا في الخفاء حتى خرجت رقية لشراء بعض الأغراض اليومية. جروا إلى الأعلى ليفتح لهم عمر ويدخلوا ويأخذوا رضا وأبناؤها، بينما رضا تصرخ هستيرياً: حرام عليكم عيالي، ده أنا شفت الموت عشانهم، أبوس رجلك يا أبويا سيبني وأولادي.
أبو رضا: جبتلنا العار يا فاجرة، بتهربي من جوزك؟ ده أنا هقطع جسمك. نسايل بس اصبري نروح.
رضا: بحمي عيالي، طول عمرك بتسمع كلام مراتك بس، وأنا ولا كأني بنتك، سيبوا عيالي.
ضربها أبوها عدة صفعات وهو يقول: فاجرة وحسك بتعلي على أبوك، أنا هوريك.
كانت رضا تغيب عن الوعي وهي تقول: أنا متزوجة وجوزي مش هيسبني. ووقعت أرضاً لينظر أبوها بخوف إلى ابنه ويقول: بتكذب؟ هتتجوز إمتي يعني؟ دي لسة والده. بسرعة قبل ما تيجي رقية.
بعد فترة قصيرة، أتت رقية من الخارج لتجد الباب مفتوحاً وعمر يبكي.
رقية: فيه إيه؟
عمر: أبو رضا وإخواتها جم أخدوها، خبطوا وفتحت، وضربوها وأخدوا العيال.
رقية بخضة: وهما عرفوا منين إنها هنا؟ دي لسة جاية بالليل.
ليخفض عمر رأسه ويقول: أنا قلت لبابا امبارح، وسمعتهم بيقولوا هيودوا العيال لعمتي.
رقية بصوت عالٍ: أعمل فيك إيه؟ حرام عليك، حرام عليك، إنت إيه؟ معندكش إحساس زي أبوك؟
واتصلت فوراً بمحمود.
إيه هيحصل نشوف الفصل الجاي.
اسرار الماضي لبنت ناس ( بقلم / رينا الهادي )
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم رينا الهادي
ابلغت رقية محمود بما حدث وأنها خائفة على الأولاد من عزيزة ولا تدري ما تفعل.
طمأنها محمود أنه في الطريق ولا داعي للقلق، ولكن عليها أن تجعل هاتفها في وضع التسجيل لأي مكالمة حتى تسهل إثبات أي شيء قد يفاجئهم.
أغلقت معه ونظرت لعمر الذي كان يريد أن يذهب من أمامها.
رقية: ممكن أفهم بتفرك ليه وعاوز تمشي؟ أنا كنت في مكالمة، ما تبقاش زي العيل الصغير، عاوز تروح فين؟
عمر بتوتر: يا ماما، عمتي قالت لي أول لما تيجي أبلغها ولازم أبلغها.
رقية وهي تحك رأسها بتوتر: ليه يا عمر؟ ليه راضي إنك تكون عديم الضمير كده؟ عاوزهم يعملوا فيا إيه أكتر من كده؟
عمر وقد بدأ يبكي: هي قالت لي أسمع كلامها وإلا هتقول لبابا إني أنا اللي قلت لك موضوعهم مع رضا، لأن هي وبابا مستحيل يفضحوا نفسهم، وإنت عارفة كويس بابا ممكن يعمل فيا إيه؟
رقية: هي واحدة حقيرة، حتى إنت بتبتزك. بص يا حبيبي، هي هددتك عشان تستفيد منك لأنها مش هتقدر تأذيك. وطبعًا أكيد بابا عارف، بس للأسف عاوز يجبرك ديما تكون عيني عليا ونقطة ضعفي. عمومًا هسامحك لأنها حقيرة واستغلتك، لكن ديما استشرني يا عمر، أنا أكتر واحدة في الكون قلبها عليك. اتصل بها دلوقتي وقول لها ماما لسه داخلة وبتدور على رضا وأنا مش عارف أقول إيه. بسرعة يلا.
عمر: طب ما كده أنا هكذب وإنت كمان بتستغليني؟
رقية: هو إنت بتفكر بس معايا؟ مضرة عشان أنقذ المسكينة رضا وأولادها ولا حياتهم عنده ما تسواش كذبة صغيرة؟ أنا مش ببرر الكذب، هو حرام، بس أتحاسب على كذبة ولا أتحاسب على عذاب عيال صغيرة وأمهم الله أعلم بيهم دلوقتي. يلا يا حبيبي، الله يكرمك ويهديك.
اتصل عمر بعمته وأخبرها ما قالته رقية لتقول له عمته أن يعطي التليفون لأمه، فغلقت الخط رقية وكأنها خطأ غير مقصود، ثم جعلته يتصل بها مرة أخرى وقد قامت بالتسجيل.
رقية: عمر قال إنك عاوزة تكلميني، فاختصري عشان مش فاضية، وهو مصر أكلمك.
عزيزة: كنت عاوزة أقول لك ما تدواريش كتير على رضا وعيالها، أصل أهلها أخدوها وأدوا لنا عيالنا.
رقية: آآآه، ده اتفاق بقى، ويا ترى مين هيربي العيال؟ إنت ولا الحاجة ولا أخوك؟ حد علمي إنت ما بتعمليش حاجة لله، والحاجة مش هتقدر. إيه المرة دي عاوزة تمرمطي أخوك؟
عزيزة: لو تصبري هرسيك على الدور. أخويا ما كانش عاوزهم أصلًا، ولا أنا ليا طقطان على تربية العيال. يلزموك العيال يا رقية؟
رقية بسرعة: يلزموني، هاجي أخدهم منك. مسافة السكة.
عزيزة: طب قبل ما تيجي مش نتفق على السعر؟
رقية: سعر إيه؟ (فهمت ما تقصده لتقول باستنكار) تقصدي العيال؟ إنت ناوية تديهم ليا بفلوس؟
عزيزة: بصي يا روووقة، أنا عارفة إنك على قلبك فلوس ياما، بدليل إن علشان رضا تولد كانت محتاجة علاج ومتابعة، والولادة نفسها مش عادية، فإنت معاك ياما، وأهل رضا مش عاوزين عيالها بعد ما أخويا طلقها، فهاتي اتنين مليون وأديهملك.
رقية: أبو علي عارف الكلام ده؟
عزيزة: لا ومش هيعرف، ولو قولتي له هنكر.
رقية: مش شايفة إنه مبلغ كبير شوية؟
عزيزة: وإنت كبيرة يا رقية، بتشتغلي على النت وبتروحي كل شوية مصر وصرفتي شئ وشويات على رضا وأهلك، زي ما سمعت حاجة كبيرة قوي.
رقية: ااااها. طب مش تقولي حطة عينك على أهلي؟ لأ، حيث إنك هتدخلي أهلي بالموضوع يبقى الفلوس معقولة، بس هم ما يعرفوش إني عايشة أصلًا، وأكيد الفلوس هتاخد وقت على ما أروح وأقنعهم.
عزيزة: لا شهيلي يا حبيبتي، أصل أنا ما بعرفش أهتم بحد، وذنبهم هيكون في رقبتك. أنا لا بعرف أغير ولا أرضع ولا حاجة.
رقية: أومال إزاي عملتي إيه مع أولادك؟
عزيزة: قولتي أولادي، ما حدش بيقرف من عياله، لكن عيال رضا..... أنا مالي بيهم.
رقية: طب أخدهم وبعدين أدبر الفلوس.
عزيزة: دقة عصافير أنا لأ طبعًا، سلمي تستلمي.
رقية: طب إهتمي بيهم على ما الفلوس تيجي وأزود الفلوس شوية.
عزيزة: كم يعني؟
رقية: يومين مثلًا.
عزيزة بطمع: لا أنا أقصد الفلوس. على العموم يومين يبقي المبلغ هيكون ستة مليون.
رقية: إيه؟ أربعة مليون عشان يومين؟ إنت عبيطة؟
عزيزة: إحفظي أدبك. أنا هعديهالك عشان طيبة وأخليهم خمسة مليون. إنت عارفة العيشة بقت ناااار وكل يوم زيادة باتنين مليون. أنا خلقي ضيق ومش بستحمل الزن. قولتي إيه؟
رقية: ماشي يا عزيزة، بس يا ترى الفلوس لك لوحدك ولا مصطفى مشترك معاك؟
عزيزة: وقتك خلص يا رقية، وأي معلومة تمنها. أما فلوس أو معلومة، فعوزة إيه؟
رقية: إنت عاوزة تعرفي مني إيه؟
عزيزة: رضا اتجوزت؟
رقية: دي مش معلومة تخصني، فمش هعلق عليها أصلًا.
عزيزة: لو عاوزة تعرفي مصطفى معايا ولا لأ، تدفعي كام.
رقية: ولا مليم.
عزيزة: يبقى كلامنا بعد يومين أرتب أخد الفلوس إزاي. سلام يا روووقة.
رقية: عاوزة أتأكد إن العيال معاك، مش جايز بتضحكي عليا؟
عزيزة: اسألي أهل رضا وهما يقولوا لك إنهم عطوني العيال. ولا على إيه؟ إنت مش سامعة عياطهم؟ يلا سلام، ما تتاخريش عليهم لحسن يا حرام جعانين وأنا مش بعرف أتصرف.
وأغلقت الخط.
أغلقت رقية الهاتف وبعثت بالفويس لموبيلها، ثم أرسلت الفويس لمحمود، وبعدها اتصلت به وقال لها ساعة وسيصل.
اتصل محمود بالشرطي الموجود بطنطا وأبلغ عن خطف زوجته بالغصب عن طريق أهلها، وخطف عزيزة لأولاد زوجته، كما أبلغ عن زوجة أبيها وأبيها، وإن تم الاعتداء عليها يحملهم المسؤولية.
وصل محمود أولًا للبلد وأخذ رقية معه، وكانت تنتظره في بلد رضا قوة من الشرطة.
في عربة محمود:
رقية: رضا قالت لهم إنها متجوزة ومحمد ما يعرفش إن ولاده مع عزيزة. معنى كده إن أكيد عزيزة مش حاطة العيال في البيت الكبير، وإحنا قبل ما نروح لرضا لازم نجيب العيال الأول. قلب رضا أكيد مش هتعرف على عيالها.
محمود: معاك رقمها.
رقية: أيوه، أخدته من موبيل عمر.
محمود: ادهولي، أعمل تتبع للرقم وأعرف هي فين. أنا زمايلي هيقوموا بالمهمة دي.
وصل محمود ورقية للبيت الكبير أولًا بعد أن أخذ قوة الشرطة معه وهجموا عليه، ولم يكن هناك إلا الحاجة، لأن محمد كان في الأرض ومصطفى بالمدرسة.
الحاجة: جاية بالبوليس ليه يا رقية يا وش الخراب؟
رقية: بنتك فين يا حاجة؟ لأنها واخدة أولاد رضا. بلاش تاذي نفسها وخليها تجيب العيال.
الحاجة: حتى لو بنتي معاها العيال، العيال عيال أخوها، إيه دخلك.
أتى في ذلك الوقت موقع على موبيل محمود ليقول:
حد يقعد هنا مع الحاجة عشان ما تتصلش تنبه بنتها. يلا يا ست رقية.
رقية بصوت منخفض: عرفت مكانها.
محمود: الحيوانة مش بتبطل رغي في الفون، وأيوة عرفت. (نظر محمود للضابط) يلا حضرتك.
وذهبوا جميعًا إلى حيث الموقع سريعًا. ولحسن الحظ كان بالبلدة، أو بمعني أصح مكان كان مصطفى أجره لعمل الدروس الخصوصية.
ذهبوا جميعًا للمكان وأحاط المكان الشرطة، ودخل محمود والضابط أولًا ليدقوا الباب وتفتح عزيزة وهي تظن أن الطارق مصطفى، ليدخل محمود بسرعة وهو يزيح عزيزة عن طريقه ويسمع بكاء الأطفال وتدخل بعده مسرعة رقية ويتجهوا فورًا لمكان الأطفال. وتحضن رقية أحد الأطفال وهي تقول: العيال عاوزين يتغيروا، محتاجة بامبرز، وطبعًا بيعيطوا من الجوع. (نظرت رقية لعزيزة) فيه حاجة هنا أغير لهم أو أرضعه؟
عزيزة: أنتم إزاي تتهجموا عليا كده؟ وسيبوا العيال دول ولاد أخويا، ويلا من غير مطرود.
كاد أن يتكلم محمود، لكن رقية قاطعته: مش وقته، العيال مقطوع نفسها من البكاء، مبلولين وجعانين. إنت فين الغيار أو الرضعة؟ وبعدين إنت هادية كده إزاي والعيال مفطورين من العياط؟ مش كنتي أم؟
عزيزة ببرود: بعت عيل يجيب لي بامبرز ولبن وبزازة عشان أرضعهم، بس لسه مجاش. وسيبوا العيال ما يخصوكيش، ويلا. (أشارت لمحمود) مع إني بشبهة عليك، أنا شوفتك قبل كده؟
دخل الضابط: مش عارف شوفتيه أو لأ، بس إنت شوفتيني قبل كده، وأكيد مش نسياني.
عزيزة: لا يا بيه، وأثبت عندك الاثنين دول اتهجموا عليا وعاوزين ياخدوا ولاد أخويا مني.
الضابط: لا جايين ياخدوا ولاد ست رضا، مش أخوك برضوا مش عاوز عيال؟ وفيه إثباتات إنه أخدها هو وأخوه يسقطوها من كام شهر، وكمان طلقها وهي لسه والدة ماربعتش يعني حاضنة.
عزيزة: كان خايف عليها أصل الدكاترة قالوا الحمل خطر عليها، وعلشان يخلي مسئوليته لما هربت طلقها. ولعلمك رضا عند أهلها، وهما اللي أدوني العيال عشان مش عاوزينهم وعاوزين بنتهم بس، واحنا مش بنرمي لحمنا. ولو سمحت، عاوزة العيال.
كانت رقية قبل دخول الضابط اتجهت إلى الحمام وفتحت الماء الدافئ وأزالت بامبر يحيى وبدأت تشطفه بالماء الدافئ، بعدها جففته ولفتته في وشاح كان على كتفها وخرجت وهي تقول: لحمكم. إنت مصدقة نفسك؟ الولد متسلخ يا مفترية وجعان وإنت قاعدة ولا على بالك. وأكيد البنت كمان ومش عارفة ألف البنت بايه؟ لما أشطفها والجو برد، ما ينفعش أخرجها بالبس المبلول. حد يجيب لي بامبرز وحاجة ألفها بيها.
عزيزة بغل: تاخدي مين؟ تبقي إيه عشان تاخديهم؟ إنت أما بلاوي والله.
الضابط: متقدم فيك بلاغ إنك عاوزة تاخدي فلوس من ست رقية وتديها العيال اللي هما أصلًا لهم أم متكفلة بيهم.
رقية: أنا سجلت المكالمة بينا يا حلوة، وما تخافيش. متاخد إذن النيابة على التسجيل وهنرجع العيال لأمهم.
عزيزة: كدابة! آخذتي إذن إمتى؟ العيال يا دوب متاخدين من ثلاث ساعات وشوية، وأنا واخداهم من ثلاث ساعات بس.
محمود: نسيت أعرفك بنفسي، أنا جوز رضا وبشتغل في الداخلية، وليلتك سودة إن شاء الله يا عزيزة. ويا ريت تكوني افتكرتيني. جيت قبل كده مع أمجد باشا عندكم، افتكرتي.
ليشير الضابط لعزيزة أن تخرج وهو يقول: هتخرجي لوحدك ولا أجيب اللي يخرجك؟
لتخرج عزيزة وتركب البوكس وسط زهول الناس بالقرية.
محمود: أنا هروح أجيب بامبرز ولبن من الصيدلية على ما تودوا عزيزة القسم.
إحدى النساء في الخارج: أنا سامعة صوت العيال من بدري. تعالي عندي يا ست على ما يجيب الحاجة. بنتي عندها عيل تديهم قطة على ما يجي أهو تصبرهم شوية. قطعوا قلبي.
رقية: بيتك ده.
السيدة: أيوه، ماجرين الشقة لأستاذ مصطفى بيدي فيها الدرس. إحنا الدور اللي فوق ده على طول. تعالي وأنا هسخن شوية كراوية أو ينسون للعيال، وعند بنتي هدوم ابنه.
هزت رقية رأسها لمحمود: هات لي بامبرز وببرونتين، ولما تجيبوا رضا تعالوا خدوني أنا والعيال من هنا.
أتى محمود بالمطلوب، بينما حجز الضابط عزيزة بالقسم، ثم اتجهوا لدار أبو رضا ودقوا الباب لتخرج إحدى النساء فتفتح الباب ليسأل الضابط: فين رضا؟
السيدة وهي في حوالي الثالثة والعشرين: مافيش حد هنا يا بيه، هو فيه إيه؟
الضابط: مين هنا؟
السيدة: أنا وعيال الدار، أنا أبقى مرات أخو رضا.
محمود: فين أبو رضا أو مراته أو جوزك؟
السيدة: أنا معرفش حاجة. أنا سمعت رضا كانوا جايبينها هنا وبعدين أخدوها وخرجوا، معرفش راحوا فين. بس هم قالوا أعمل غدا عشان هيجوا يتغدوا.
ليأتي صوت رجل كبير: فيه إيه وعاوزين مين؟
ليلتفتوا فيجدوا رجل كبير وثلاثة من الشباب وامرأة كبيرة.
الضابط: إنت مين؟
الرجل: أنا صاحب البيت، عاوزين إيه يا بيه.
الضابط: حلو قوي، فين رضا؟
الرجل: ليه يا بيه؟ أنا أبوها. هي عملت حاجة؟
الضابط: إنتم أخدتوها غصب عندها هي وعيالها، وكمان اديتوا عيالها لـ عمتهم؟ بأي حق؟
سعدية (زوجة أبو رضا): بحق إنها بنتنا، وكانت هربانة مننا ومن جوزها. روحنا أخدناها، ما هي لازم تعيش وسط عيلتها بعد ما اتطلقت. إنت عاوز الناس تاكل وشنا ولا إيه يا بيه؟
محمود: وهي فين بقي مش شايفها وسطكم يعني.
سعدية: معلش يا حكومة، بنت ورجعت بيت أهلها. عاوزين إيه أنتم؟ لمؤاخذة، آدي أبوها و آدي إخواتها، وهي بتهدي أعصابها عند أختها. فيه حاجة تانية يا بيه؟
محمود: فيه إني عاوز مراتي. تعالي ورينا بيت أختها. أخذ مراتي من هناك.
نظر بعضهم لبعض بشحوب ليقول الأب: جوزها مين يا جدع إنت؟ أنا بنتي اتطلقت ولسه والدة من كام يوم. جواز إيه وكلام فارغ إيه؟
محمود: آدي عقد الجواز يا حج، عقد جواز شرعي على سنة الله ورسوله. عاوز مراتي فين، وما تخلونيش أفقد صبري.
سعدية: وهو ينفع تجوزها من غير ولي أو من غير أهلها ما يعرفوا؟
محمود: إنت بالذات حسابك تقل معايا. ابقي أطعني في العقد. دلوقتي هتودوني لها بدل ما أوديك وأولادك في داهية.
سعدية: بصراحة هي هربت مننا تاني، وما نعرفش هي راحت فين.
نظر محمود لسامح وهو أصغر الأبناء الذكور، وقد رآه عندما عقد على رضا، ليتوتر سامح ويبدو عليه الإرهاق والتعب، ويقول: لا يا بية، رضا محبوسة في الخزانة اللي في الغيط، مربوطة بعد ما انعدمت العافية وأغمي عليها.
محمود للضابط: الناس دي تفضل مكانها على ما نشوف رضا جراي فيها إيه. ورحمة أبويا لو حصل معاها حاجة لدفعكم الثمن وأخليكم تعفنوا في الحبس.
سعدية: إحنا كنا بنربي بنتنا اللي هربت وخلت سيرتنا على كل لسان.
محمود بغضب وهو يمشي بالسرعة: تعالي معايا وريني الخزانة.
الضابط: أنا جاي معاكم. ونظر لضابط آخر والعساكر: محدش يغيب عن عينكم. يدخلوا جوة كلهم.
في الطريق:
محمود: ما تخافش، إنت طلعت راجل مع إن واضح إنك أصغرهم. إيه اللي حصل باختصار.
سامح: أنا قمت على ضريح رضا، نزلت لقيتها بتبوس على رجل أبويا يخلي عيالها معاها، بس أمي عطت العيال لخالة عزيزة وأستاذ مصطفى، ورضا قعدت على الأرض وهي بتلطم وتقول: حرام عليكم عيالي ضعاف ولسه خارجين من الحضانة. وبعدين قامت وكانت عاوزة تخنق أمي وكانت بتقول: منك لله، مكرهة أبويا وإخواتي فيا وكلام كتير. أمي قالت: كتفوها وودوها الخزانة، ليكون بجد إنها اتجوزت من ورانا. وقعدت تقول لابويا: بنتك الفاجرة هربت واتجوزت، الناس هتقول عليك وعلى إخواتها الرجالة إيه؟ أنا عارف إني لو اتكلمت هيمنعوني أعرف عنها حاجة، فمشيت معاهم للخزانة، بس كمموا بؤها، وكنت سامع صوتها بتتاوه وصوت الخرزانة وهو نازل عليها جوة. حاولت أدخل بس أبويا وإخواتي منعوني. بعدها بكتير قالوا إنها أغمي عليها، وأبويا قال: نروح ناكل لقمة، ويـبقي كل واحد فينا ييجي يقعد معاها شوية عشان ما تهربش تاني. كنت ناوي أرجع وأفكها، بس بعد لما أدخل معاهم الدار.
الضابط: إخواتك وأبوك منعوك تدخل، معني كده اللي كان بيضرب اختك أمك صح، ولا فاهم غلط؟
أحنى رأسه للأرض وقال: صح. أبويا قال أحسن حد يريبها هي أمي، ستات في بعض عشان أختي ما تتكشفش على أخواتي كمان، وأمي اللي مربياها.
محمود: يا رب يكون خير. مهما كان ضرب الست غير ضرب الراجل، وأمك ست كبيرة برضه، واللي سمعته صحتها مش مساعدها تخدمكم في البيت. هو صحيح غلط حد يضربها وهي لسه ما ربعتش، وكمان عاملة عملية كبيرة. أنا قولتلها تقعد لغاية ما تكمل الأربعين، صممت وقالت لازم تنزل. خير إن شاء الله.
سامح: وقف هنا العربية كده قدام الخزانة ونزلوا.
ليرى محمود قفل على الخزانة، فيخرج الضابط مسدسه ويضرب القفل، ويدخل محمود فيفاجئ بشكل رضا، وجهها كله كدمات، الدماء تملأ ملابسها، معظم ملابسها مقطعة من شدة الضرب، حتى الخيزران ملئ بالدم. هوى قلبه وهو يقترب منها ليضع أذنه على صدرها، ثم بيد مرتعشة يضع يديه على رقبتها. انتفض وصرخ بأعلى صوته على الضابط، وفي نفس الوقت خلع عنه الجاكت يلبسه لرضا ليداري جسمها وأيضًا حتى تشعر بالدفء.
الضابط وهو يجري عليه: فيه إيه يا محمود باشا؟
محمود: النبض ضعيف جدًا. اتصل بالإسعاف، هدخلها العربية بس يكونوا مستعدين.
الضابط وهو ينظر لرضا: إيه ده؟ هو كده ضرب؟ أومال لو عاوزين يقتلوها.
محمود: روح افتح باب العربية، هكون جنبها ورا، وإنت سوق لأقرب مكان بسرعة.
وفعلًا ساق الضابط وبجانبه أخو رضا، ومحمود، ولأول مرة بعد وفاة ولادته تنزل دموعه. يسند رضا بذراعه ويزيل شعرها المتجمد بدمائها عن وجهها بحب وشفقة.
اتصل الضابط بزميله أن ياخذ أبو رضا وزوجته وأبناءه الذكور للقسم إلى أن يأتي.
محمود: شوفت كتير، عمري ما تخيلت حد يضرب ست لسه قايمة من ولادة وعملية بالوحشية دي. أمك لو مرات أبو لهب مش هتعمل كده، بس لو جراي لها حاجة هدفعهم الثمن غالي. هي أمك قعدت تضرب فيها قد إيه؟
سامح: معرفش. اللحظة كانت بتمر عليا ساعات لأني مكتف ومش عارف أعمل حاجة. زعقت وصرخت فيهم، بس ولا اتحرك منهم رمش. أنا بحب رضا ومعرفتش قد إيه غير لما اتجوزت ومشيت، بس برضه بحب أهلي. لو قامت بالسلامة الله يخليك بلاش أذية أمي، والله ست كبيرة. أنا دليتك عليها لأني كنت خايف عليها يجري لها حاجة، خصوصًا إنهم ما يرضوش أدخل وأشوفها.
بعد فترة، أدخل محمود رضا المشفي وطلب تقرير عن حالتها. لا يعلم لما أصر على الدخول عند توقيع الكشف عليها. هاله منظر جسدها وهو ممزق، لم تترك هذه المرأة مكان إلا وضربتها به. أصر الطبيب على عمل أشعة، وتم اكتشاف كسر إصبعين تم تجبيسهما وتعويض رضا بدم كثير، بينما محمود يتنقل من مكان لآخر مع رضا، وأخيرًا رن الهاتف ليرى اسم ست رقية.
رقية: اتاخرتوا ليه؟ رضا جراي لها حاجة؟
محمود: في المستشفى، جسمها ما فيهوش حتة سليمة. ضربوها بافتراء وحبسوها وكتفوها وكمموها وسابوها غرقانة في دمها، وراحوا يتغدوا.
رقية: ببكاء. يا حبيبتي يا رضا. إزاي أهل بالقساوة دي؟ طب أنا هعمل إيه؟ العيال الحمد لله ناموا، بس برضه مش هقدر أروح بيهم لوحدي، غير إني عاوزة أكون جنب رضا.
محمود: أنا هكون جنبها النهاردة. الدكاترة قالوا يدوها مهدئات ومش هتقوم النهاردة ولا بكرة.
الضابط: أنا ممكن أروح بعربيتك آخدها أوصلها لبيتها وأرجع لهنا.
محمود: ماشي. وأنا هكلم بنتها لو تحب تيجي أو تعرف حد ممكن يساعد أمها والعيال.
واتصل بالفعل بنهر ولم ترد لأنها كانت بمحاضرة، فأرسل لها رسالة صوتية بمختصر ما حدث. بعد الكلية فتحت نهر فونها لتري رسالة محمود وتسمعها، لكنها اتصلت فورًا ببيت أنهار وطلبت من عواطف أمها أن تذهب لأمها وتبات معها الليلة إلى أن تأتي نهر لهم صباحًا، وقد رحبت عواطف بذلك.
ذهب محمد قبل أن تغادر رقية البيت الموجودة به في البلد لتفسر له لما أخته دخلت الحبس، ولم تقصر رقية به أو بأخيه مصطفى، وأسمعتهم المكالمة واتهمتهم بالاشتراك مع أهل رضا بإيذاء رضا وأبناؤها، وكل ذلك أمام سمع ونظر من بالبيت، وجاء الضابط وأخذ رقية والأولاد، وقد رفضت رفضًا قاطعًا أن يرى كلا من مصطفى ومحمد يحيى أو عهد، متهمة إياهم بالسفاحين هم وأختهم.
تاني يوم صباحًا، كانت نهر عند أمها وقد غابت من كليتها، تركت رقية نهر مع عواطف وذهبت لرضا المشفي، بينما محمود وصى رقية أن تتصل به إن فاقت رضا. فأوقفته رقية لتعرف إلى أين.
محمود: رايح البلد بتاع رضا يا ست رقية.
رقية: لية؟
محمود: البلد زي ما فهمت عزيزة ومرات أبو رضا مسوّين سمعة رضا ومش قايلين الحقيقة، وأنا ما أحبش رضا لو راحت البلد في أي وقت حد يبص لها بنظرة مش هي. زي ما فهمت تلات جوامع والظهر قرب، هروح وأفضحهم في البلد. هقول حقيقة ليه رضا مشيت من البلد، كفاية ظلم كده عليها، وهعلن إننا متجوزين وإني يشرفني واحدة زيها.
وبالفعل بعد صلاة الظهر، مسك محمود ميكروفون الجامع بعد أن استأذن من شيخ الجامع ليرفع الظلم عن زوجته. بدأ بالسلام والصلاة على النبي، ثم بالتوضيح أنه زوج رضا حاليًا، وأن رضا اختفت الفترة السابقة لحماية حملها لأنها فرصتها الوحيدة لتكون أم، وأن زوجها وأبوها كانوا يرغموها على الإجهاض، وما حدث لها سواء قبل أن تمشي وخسارتها مشروعها بتخطيط عزيزة وزوجة أبيها وغدرهم بها وتفريق أطفالها عنها بعد الرجوع وحالتها الصحية وعدم وعيها حتى الآن. كما أنه قطع علاقتها بأهلها لأنهم ليسوا أمناء عليها، وقد هانت عليهم كسرتها وظلمهم لها طوال الفترة الماضية، وأنها بحمايته ولن يتغاضى عن أي غلط في حق زوجته.
كان ممن سمع محمد ومصطفى وهرعا إلى الجامع، لم يقدرا أن يجعلا محمود يسكت أو أن يأخذا منه الميكروفون، وانتظرا حين يخرج.
سأل محمد بحزن عن مكان تواجد رضا؟
محمود: ليه عاوز تعرف مكانها؟ إنت مش طلقتها عشان مش عاوز عيال خلاص؟ عاوز إيه؟
محمد بدموع وحزن: أنا عارف إن أختي عزيزة غلطانة، بس في الآخر أختي وما أحبش تكمل في السجن. هكلمها بس عشان تخرج عزيزة.
محمود: طبعًا، وأنا هستنى إيه منكم غير كده؟ ولا همك عيالك اللي كانت عاوزة تبعتهم للست رقية هي والأساتذ اللي حنبك؟ ولا عيال إيه؟ إنت مش عاوزهم أصلًا. ما هم نتيجة تخطيطها برضه هي والأستاذ. عمومًا حتى لو روحت مش هترد عليك، أصلها لسه ما فاقتش لأنها مش هتستحمل وجع جسمها، يعني غايبة عن الوعي. فخلي المحروسة أختك وأهلها اللي جريت عليهم يشرفوا شوية على ما تفوق، وبعدين إن شاء الله يشرفوا في أبو زعبل. (على صوته) أقسم بالله لو رضا جراي لها حاجة ليعفنوا كلهم في السجن ومش هسيبك واحد فيهم يغمض له عين.
بعد مقابلة محمود لهم وعدم إعطائهم اسم المشفي، حاول مصطفى معرفتها عن طريق عمر، لكنه عرف أن رضا لم تفق بعد. أما محمد فقد اتخذ قرارًا ألا يذهب لأخته أو أخيه بشيء، فيكفي ما حدث منهم بحقه ولن يسامح باستغلاله مرة أخرى.
تكلم كل من بالقرية عن ما حدث لرضا وأهلها وعزيزة، واتفق معظم الناس على عدم معاملتهم أو التحدث إليهم.
بعد يومين، أفاقت رضا ووجدت بجانبها رقية ونهر وأبناؤها، أحدهم يرضع منها ونهر تثبته على صدرها. نعم تعرضت لتجربة نفسية سيئة، لكنها فرحت بوجود أولادها واحتضانهم. استطاعت نهر ورقية السيطرة عليها وعلى خوفها واستدعوا محمود الذي أتى مسرعًا. وعرف كل ما حدث وترجت محمود أن يفرج عن الجميع، ولن يكون لها أي تعامل معهم، فهي لا تحب أن يسجن أبوها وأخواتها وأيضًا عمت أولادها، لأنها في قرية والناس ستنسي ما حدث لها، ولن تنسى أنها سكنت أهلها، ولا تحب أن يتأثر أولادها مستقبلًا بما يحدث. وبعد الحاح اقتنع محمود وذهب القسم. دخل غرفة مأمور النقطة الريفية واستدعى المأمور إخوات رضا وأبوها وسعدية زوجته وعزيزة. كان محمود يجلس واضعًا رجلاً فوق الأخرى بعنجهية تليق به، ليخرج الضابط والمأمور بعد دخولهم.
لينظر محمود لهم بعيون غاضبة وهو يقول: رضا طلبت أتنازل عشان عندها أخلاق تمنعها إنها تحبس أبوها وأخواتها. باقية على العيش والملح مع ناس لا تعرف العيب ولا الحرام والحلال. ناس بدل ما يكونوا سندها، طول عمرها ما حد منهم سندها، بالعكس بسببكم كانت هتموت وأنتم ببرود الدنيا رايحين تتغدوا.
سعدية: إنت.....
محمود بصوت يهز المكان: إنت بالذات اسكتي خلاص، وأقسم بالله لولا سامح قال مكانها ولحقتها، وربي ما كنت سبت حقها وكنت جبت لك ولجوزك إعدام، وأولادك كلهم كانوا هيتعفنوا في السجن. بس رحمة ربنا بها هي وعيالها نجت عشان تسامحكم، لكن أنا لأ.
أبو رضا: يعني إيه يا بية؟
محمود: أنا روحت البلد واتكلمت في الميكروفون، عرفت الناس وسختكم في حق رضا ومحاولة عزيزة بيع أولاد رضا، وما فيش بني آدم في البلد غير ومش طايق يبص في خلقتكم دلوقتي. أنا هعمل إجراءات التنازل، هاخد ساعة اتنين مش عارف لسه، بس في الوقت ده هتتروقوا كلكم في الحبس. لازم تشربوا من نفس الكاس اللي شربتوة لرضا، مع الفرق إنها ست لسه والدة وضعيفة. كل ساقي يسقي بما سقي، ولا يظلم ربك أحدًا. كده يبقى فيه شوية عدل.
أحد إخوة رضا: ليه هي البلد ما فيهاش قانون؟ وكمان في القسم.
محمود: فيها يا روح أمك، تحب تشوف؟ أنا مش عاوز أتنازل أصلًا، ونمشي بالقانون ونشوف بالتقرير الطبي وشهادة الأطباء توصل معاكم لكام سنة سجن. قولت إيه؟ تتضرب بما يرضي الله ولا تتسجن. وحياة آمواتي تشوف الموت كل يوم بعينيك بما لا يرضي الله.
سعدية: لأ يا بية، خلاص ناخد جزاتنا ونمشي، الله لا يسيئك. خلاص توبة، مالناش دعوة خالص برضا.
محمود: مش عاوز أعرف إن حد منكم حاول يقرب لها، وإلا ما يلومش غير نفسه. (نادى بصوت عالٍ وهو يقول شاويش محمد)
ليأتي شاويش ضخم الجثة.
محمود: الستات وصلوا.
محمد: أيوه يا بية.
ليشير محمود على سعدية: الست دي تتروق وتتكسر إيديها الاثنين اللي كسرت بيهم صوابع مراتي وشرطت جسمها، وتتروق. أما دي (وأشار لعزيزة التي لم تنطق بكلمة منذ قدومها خوفًا منه) تتروق برضه من غير كسر. عاوز أمها لما تشوفها ما تعرفهاش. الستات يدقوا فيهم لغاية ما يتعبوا، مفهوم؟ أما الرجالة بقي، إنت اتصرف معاهم، إنت عارف هتعمل إيه، ما إنت من البلد وعارف.
تجمدت الدماء في العروق مما سمعوا، وتم أخذ إقرار على أبو رضا وإخواتها بعدم التعرض وتهديدهم إن اقترب منها أحد لن يرحمه، ولن يؤثر كلام رضا به.
ليتنهي عهد استعباد رضا، كما ابتعد أهل القرية من التعامل أو التكلم معهم ونظراتهم لهم بالكثير من عدم الاحترام والقرف منهم، وبدأ معاناة سعدية من أوجاع جسدها كما كانت تفعل برضا طوال الوقت.
في الوقت التي رجعت فيه نهر لكليتها ورضا لشقة مجهزة في نفس عمارة رقية، واستعادة صحتها.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم رينا الهادي
لم تكن تشفي رضا تماما حتى بدأت بإعادة مشروعها مع نهر واستطاعت متابعة تعليمها تحت رقابة وإشراف رقية، التي كانت تشجعها أن تبذل كل طاقتها في التعلم والاعتناء بأطفالها والعمل الدؤوب. كما علمتها فن الخياطة والتطريز.
وبالنسبة لأخيها سامح، فقد كان يزورها بين الحين والآخر من وراء أهله ويمضي معها بعض الوقت.
اتصلت نهر ببرهان أغا قبل انتهاء الفصل الدراسي الأول وبعد أخذ الإذن منه بالاتصال.
نهر: مساء الخير أغا.
برهان: مساء الخير رينا، هل من جديد؟
نهر: لا يوجد جديد بالموقع، العمل يسير بجدية وكما تعلم، المستشفى كبير، لكن يوجد جديد سمعته وتحققت منه خارج المستشفى.
برهان: قولي وأسمع.
نهر: قبل سنوات اشترت فيروز هانم أرض المستشفى من الجهات الحكومية بسعر جيد، لكن كان محملًا على سعر الأرض سعر أرض مجاورة صغيرة حوالي سبعمائة متر، وكتبت تلك الأرض باسم رفيق. كنت أظن تلك الأرض تبع المستشفى لأنها مجاورة لها، وكان ينزل بها بعض مواد البناء من حديد ورمل وأسمنت أولًا ثم طوب وما إلى ذلك. تم البدء حاليًا في أعمال الحفر لتلك القطعة بعد الانتهاء من الهيكل الخرساني للمستشفى وبناء حوائط الدور الخفي الذي تكلمت عنه سابقًا. تكلفة بناء هذا المبنى صغيرة طبعًا بالنسبة للمستشفى، خصوصًا أن هناك نسبة بناء لقطع الأرض، فلن يكون بكامل الأرض، وتكلفة البناء محملة أيضًا على المستشفى، وستكون بينها وبين المستشفى سور مشترك له باب لسهولة الحركة بين الاثنين. ما اكتشفته أنها ستكون مخزنًا للأدوية والمعدات الطبية، لأن للأسف الأسعار هنا تتغير كل فترة بسيطة. استطعت الحصول على صورة من عقد ملكية الأرض وعرفت بداية الخيط عندما سمعت رفيق ومعاذ يتكلمان عن ضرورة البدء في البناء. وقد كانا يتكلمان باللغة الإنجليزية أو الألمانية أحيانًا حتى لا يستطيع العمال فهم ما يتكلمون به. كان ذلك في أحد أدوار المبنى وليس مكتب رفيق، لذلك لا وجود لتسجيل صوتي لهم.
سكت برهان لحظات ثم قال: منذ بدأ عملك هذا ولم أسألك عن كيفية حصولك على المعلومات، لكن أن يتكلما في أحد الأدوار وتسمعي الحوار، فأحب أن أعرف كيف سمعتي؟
نهر: أتنكر كشاب وأعمل في الموقع عامل مشروبات، وقد طلبا مني قهوة، وطبعًا حصلوا عليها. وبقيت على مقربة منهم بأمر من رئيس العمال حتى أحضر لهم أي شيء يطلبونه. كل من كان حولهم عمال، وطبعًا هم متأكدون من عدم فهمهم لما يقولون. عمومًا، أنا اكتفيت من هذا العمل، بل وتركته، وقلت لهم إني سأرجع لقريتي بالأرياف.
برهان: هكذا قررتِ قبل أن تخبريني.
نهر: أولًا، اكتمل المبنى كخرسانة وتم عمله كما هو مخطط له بالرسومات، وبدأوا ببناء الحوائط، حتى المبنى الصغير المجاور سينتهي كخرسانة في أقرب وقت لصغر حجمه. وسأبعث لك ببعض الصور له. لماذا أبقى ولن آتي بجديد؟ ثانيًا، هذا العمل مرهق جدًا ولا يتناسب مع كليتي حاليًا، فيوم الإجازة أقضيه هناك ولا أستطيع القيام باليوم التالي. وأساسًا الفترة الماضية كانت عندي مشاكل أسرية أدت لغيابي فترة. وأخيرًا، أمي أمرتني أن أترك ذلك العمل وأنا أطيعها بلا تردد، هي أهم ما لدي.
برهان: أسباب مقنعة، لكن كان يجب مناقشة الأسباب معي أولًا. فيجب أن تخبريني قبل أن تتركي العمل بفترة لأبحث عن بديل. هذا غالبًا شرط في كل بنود العمل، إن أنا طلبت منك أن تتركي العمل فجأة لابد من تعويضك، وإن أنتِ تركتيه فجأة، يجب تعويضي.
نهر: حسنًا، لم يكن بيننا عقد عمل ولا نص عمل حتى. ولن أستطيع مواصلة هذا العمل لأني وصلت لآخر احتمالي، فقد تسبب ثناء المهندسين على حقد العمال ورئيسهم أيضًا، الذي أصبح ينظر إلي بكثير من القلق على منصبه بعد أن قمت بعدة أشياء لم أنتبه أنها ستعزز موقفي مع المهندسين. عمومًا، شعرت بارتياح الجميع من تركي العمل، وأعتقد أنه سيكون مرحبًا بي، فقد أن أزورهم كل فترة مجرد زيارة لا تتعدى ساعات قليلة.
برهان: لا تقنعيني، بعد أن اتخذتِ قرارًا وقمتم بعملِه، كان يجب أولًا إبلاغي. هذا أبسط ما في قانون العمل، أم أنك تختبرين صبري لأنني لم أبعث لك منذ فترة بأموال مقابل عملك؟ تخيلت أن تطلبي مبلغًا وفق تقديرك له، ليس أن تتركي العمل فجأة وفي سياق الكلام كما فعلتِ الآن.
نهر: لا أرى أي سبب لغضبك مني أغا. لقد قلت لي سابقًا أنك لا تعتمد على مصدر واحد لمعلوماتك، وألا أغتر بما أستطيع أن أعمل، لذا لا داعي للعتاب أو الغضب مني. أصبح الوضع خطرًا بالنسبة لي كبنت، ممكن أن أنكشف في أي لحظة، وأيضًا لست مستريحة بالتعامل وجهًا لوجه مع معاذ ورفيق، ولا أحب أن أفعل شيئًا مرغمة. أما بخصوص أتعابي، فإني من أول الأمر تركت الأمر لتقديرك، كما أني تعلمت جيدًا من هذا الموقع عمليًا بعض الأشياء.
برهان: إذًا فلتأتيني بالأوراق الدالة على تحميل كلفة المبنى الجار للمستشفى على تكلفة المستشفى.
نهر: ليس في استطاعتي ذلك، أنا أعمل بمفردي فقط، وهذه الأوراق أعتقد أنها في مكتب رفيق وليست بالموقع، ثم أن الذي باستطاعته اكتشاف ذلك لست أنا، لقد قلت لك ما سمعت.
برهان: إذًا كيف استطعتِ أن تأتي بعقد أرض رفيق؟
نهر: من المصادر الحكومية هنا، مجرد تصوير العقد وليس الأصل. كما يجب أخذ إذن البناء أو رخصة البناء قبل البدء فيه. وأنا لا أقوم فقط بعمل المشروبات، بل أيضًا بنقل الأوراق وعمل بعض المشاوير لبعض الأعمال التي تخص الموقع وبعض المشاوير من الموقع لمكتب رفيق.
برهان: إذًا استمري فترة بسيطة إلى أن أحصل على بديل، أو أدخلي ذلك الآدو بدلًا منك.
نهر: لن أدخل آدو، بذلك الأمر هو بالفعل لديه عمل ولن أخاطر به، فسوف ينكشف سريعًا. غير أن على يديه مرسوم صليب، فسيتعامل معه العمال بشيء من الحذر، لأن طبقة العمال لها ثقافة معينة هنا. نعم نتعايش مع بعضنا، لكن سيكون تقريبًا المسيحي الوحيد هناك.
برهان: هو مسيحي؟ تخيلت أنكم أقرباء، لما ترتبط فتاة مسلمة مثلك بمسيحي.
نهر: يا الله! حتى أنت أغا؟ ليس ارتباطًا، بل هو رابط أخوة. أنا متمسكة بديني وهو كذلك، ولن تتطور علاقتنا لأكثر من الأخوة. أتمنى له الخير وهو كذلك. عمومًا، ليس مجال النقاش بيننا علاقتي بأدو. لك عندي كاميرا سأبعثها لك، لأن الكمرتين الأخريين في مكتب رفيق والدور الخفي، ولن يلتفت إليهم أحد، لأن الدور الخفي انتهوا من الحوائط وأيضًا البياض، وسمعت أنهم يستعجلون وصول تشطيبات الأرضيات والأسقف التي ستورد لهم من عندكم. وفقط ذلك كل ما أردت قوله.
برهان: سأعاقبك رينا على ترك العمل في تلك المرحلة دون إخباري مسبقًا، ولا أريد الكاميرا الأخيرة حتى لا تقع بأيدي فيروزة أو عمران، فهم من يستلمان أي طرد يأتي إلي.
نهر: افعل ما تريد أغا. أنا أيضًا لا أعمل تحت تهديد. أضف ذلك إلى قائمة أسباب تركي العمل. سأبعث لك برابط الكاميرات لو أحببت أن ترى البث منها مباشر. هي موصلة طبعًا دائمًا، ويمكنك من الآن أن ترى ما يحدث هنا. طبعًا كنت أقوم أنا بتسجيل بعض اللقطات التي أراها مهمة وأبعث إليك بها. انتهت مهمتي الآن، سيصلك آخر مستجدات في الفترة السابقة على فونك بعد المكالمة مباشرة، وتعرف رقمي إن أردت الاستفسار. إلى اللقاء أغا، فأنا أيضًا مشغولة جدًا.
وأغلقت الخط دون سماع الرد، مما أغاظ برهان، ولم يدري لماذا، هو عنده إحساس مصاحب للغضب وهو الإعجاب بشخصية نهر.
لم تستطع نهر أن تبقى كثيرًا في مكانها بعد إنهاء المكالمة، كأن حملًا كبيرًا على صدرها، فقد أغضبها انتهاء المكالمة بهذه الطريقة. هي لم تكن يومًا كذلك لتغلق مكالمة مع أكبر منها بهذه الطريقة. حاولت أن تهدي من نفسها ودخلت أخذت شور، لكن كان هناك من يزعجها حتى في ذلك الوقت، حيث دق عليها الباب، أكثر من بنت من الدار تريد الحمام، فيوجد ثلاثة حمامات فقط في الدار لأكثر من أربعين بنت، منهم واحد فقط بدش قدم، والباقي بقاعدة وحوض فقط.
رجعت من الحمام مسرعة وتوجهت لغرفتها، وبعثت برسالة لبرهان أغا: آسفة لأني أغلقت الخط، أرجو أن تسامحني، أنا مضغوطة جدًا دراسيًا وعائليًا، فأرجو منك المعذرة. بعثت لك ببعض الفيديوهات لسير العمل بالموقع وعقد تمليك الأرض، وأيضًا فيديو توضيحي لمكان مبنى رفيق بالنسبة للمستشفى من سطح أحد العمارات المقابلة للموقع.
مضت الأيام مسرعة، وأخذت شفق وآسر الإجازة ليسافر محمود بأولاده ويتركهم لرضا، وهو محمل بأنواع من تموين البيت والكثير من الشوكولاتة والمكسرات ليمضوا بعض الوقت على وعد أن ملوا من البلد يتصلوا به فيأتي ويأخذهم معه القاهرة. وبعد أن أنهت نهر هي الأخرى امتحانات الترم الأول، ذهبت إليهم. كانوا يقضون معظم الوقت في شقة رقية، أما عمر وآسر فكانا معظم الوقت بشقة رضا يلعبون على اللاب توب ألعاب عديدة، وبعد العصر ينزلون يلعبوا كرة قدم في جرن القرية (الجرن: مكان واسع يحصد فيه الفلاحون المحاصيل وخصوصًا الأرز ويقام فيه بعض المناسبات الدينية للقرية كما تثبت فيه بعض الألعاب في الأعياد كالمراجيح).
اتصل برهان على نهر ماسنجر، وكانت بالبيت تهدد عهد وتلعب معها، ففتحت الفون دون أن تنظر لتقول: السلام عليكم، مين الرخم اللي بيتصل علي الصبح في الإجازة ده (ظنًا منها أنه آدو).
ليأتي إليها صوت برهان وهو يقول: أنا برهان أغا، وأظن قلتي أتصل بأي وقت، وفهمت ما قلتي. أنا برضو بعرف عربي ومصري مش قوي بس بعرف.
نهر بالتركية: آسفة، لم أنظر من المتصل وتخيلت أنه آدو.
برهان: أتريدين أن أتصل بوقت آخر؟
نهر: لا تفضل، لا أعمل شيئًا، فقط ألعب مع عهد وهي بيبي لم تتخط الثلاثة أشهر.
برهان: سأختصر، أريد أن أحضر لمصر، فهل تستطيعين أن تدخليني القبو السفلي؟ أريد أن أراه على الطبيعة.
نهر: لما الاستعجال أغا؟ المبنى تحت الإنشاء، نعم انتهوا من أعمال الخرسانة ومعظم أعمال المباني، لكن لم ينتهي بعد.
برهان: أريد أن أراه بعيني رينا، أحب أن أعرف كيف تم تقسيمه.
آتى صوت رقية وهي تقول: يلا نهر، الفطار جاهز، هاتي عهد وتعالي.
نهر: عفوا أغا، سأرد فقط على أمي (علت صوتها): معي فون شغل، أنه أفطروا وسأفطر مع عمر وآسر لما يصحوا.
دخلت رقية: طب هاتي عهد وكملي تلفونك، وهتغسلي الصحون، ماشي.
ابتسمت نهر وقالت: أوامر رقية هانم تتنفذ، حاضر.
خرجت رقية وأغلقت الباب وراءها.
برهان: سمعت كلمة "أنه"، هي أمك؟
نهر: نعم، لكنها كل شيء بالنسبة لي. المهم، أفضل أن تؤجل الزيارة عددة أشهر أغا، إلى أن يتم الانتهاء من المبنى بكل التشطيبات والفرش أيضًا، كي تأتي وتعرف من الفرش طبيعة الغرف، هل هي فعلاً ستكون مشفى مصغر كما توقعت أم مجرد مخازن وحجر صحي كما قال رفيق.
برهان: الآن أستطيع الدخول، وخصوصًا إنك قريبة، عهد بترك المكان، ومن الجائز أن يدخلونا للمكان. لكن بعد فترة سيتغير العمال ليدخل كل من عمال الكهرباء والصحي والتكييف والتشطيبات، ولن نستطيع الدخول.
نهر: لم أقطع علاقتي بهم لهذة الدرجة، غير أن حراس المكان هم الأهم ولن يتغيروا، وعلاقتي معهم جيدة، وقلت لهم أني سأزورهم كلما نزلت للقاهرة. ومن يعمل مكان عملي أعرفه جيدًا، لا تقلق، أستطيع تدبر الأمر، خصوصًا أننا إن زورنا المكان لابد أن يكون ليلاً في غير وجود عمال.
برهان: اقتنعت. سأرى ما يمكن عمله. والدتك صوتها حنون وواضح أن علاقتكم قوية، حافظي على علاقتك بأهلك، لأن هذه علاقة دم ورحم. وتفضلي، إفطري. سلام.
نهر: حاضر، سلام أغا.
شفق تطورت علاقتها برضا، التي بدأت تنتقي ألفاظها بعدما أصبحت تتعلم من رقية الكثير. كما أن رقية صارحتها بما قاله أمجد لها وشجعتها أن تبدأ حياتها من جديد. شعرت بمشاعر جديدة عليها تجاه محمود، فهو أول رجل يدافع عنها ويحميها، وقررت حتى ولو انتهت علاقتها به، ستجعله هو ورقيه فخورين بها وستكون نعم الأم والأب لأبنائها.
على الجانب الآخر، في البيت الكبير. صعدت الحاجة لمحمد في شقته العلوية كي تحنن قلبه على إخوته بعد أن اعتزل مع نفسه، فلا يستطيع التكلم معهم ويعمل لنفسه كل شيء من غسيل وطعام وترتيب. كان باب الشقة به مفتاح من الخارج لأنه يتركه دومًا ويفتح فقط من الداخل عند الخروج، ففتحت الحاجة الباب واتجهت لغرفته لتجد ابنها على سريره يشهق بالبكاء.
الحاجة: محمد، مالك يا ابني؟ قاعد بتعيط ليه؟ وزاهد الدنيا، حتى الأرض ما عدتش بتروحها، وأنا عارفة الأرض عزيزة عندك قد إيه؟
محمد: عاوزة إيه يا أمه؟ جاية ليه؟ وأنتِ مش بتقدرين تمشي، تقومي تطلعي؟
الحاجة: جاية عشان حالكم مش عاجبني، أنت وإخواتك يا ضنايا. بس اللي شوفتُه دلوقتي أول مرة أشوفك بتعيط ليه كده؟
محمد بقهر: بعيط ليه؟ هقولك يا أمه، بعيط عشان اتقهرت. آه يا أمه، اتقهرت، مش من دلوقتي، من زمان. من ساعة ما حسيت إني لعبة في إيديكم، من ساعة يا أمه ما أجبرتني أتجوز رضا غصب عني. ومع إني ارتحت لها في الأول واتفقت معاها إني هطلقها بعد فترة وهحافظ عليها، في الأول ملت حياتي ضحك وونس، خصوصًا إن دمها خفيف. لغاية ما جت بنتك وقلبت حياتنا. طول عمري بعتبر عزيزة بنتي، في الأول كنت عاوز أربيها، بعدين حنيت ليها وسلمت لها وداني، وجيت على رضا الغلبانة. لغاية ما ابنك وبنتك من حقدهم عليها عملوا اللي عملوه، وفي الآخر بنتك تقولي إني بعمل لمصلحتك. يقولوا إيه الناس لما تتطلق وهي لسة بنت؟ جيت عليها أنا كمان وقلت أغرتني بعد ما كنت معاها حيوان وهجرتها حتى بالكلام معاها، مع إني كنت بشوفها بتطفي قدامي. وزي ما قالت رقية عني، رضيت ضميري بشوية أدوية لها وسبتها تداوي نفسها، وفي الآخر استكترت عليها يكون لها عيل. لكن ربك لما يحب ينصر مظلوم، غصب عني وعن بنتك، ربنا جبر خاطرها، تسكت بنتك، لأ، وحصل اللي حصل.
الحاجة: وأنت هتخسر إخواتك عشان رضا؟ إلا ما عملتها عشان انتصار اللي كان روحك فيها.
محمد: عارفة إني كان روحي فيها. عملتي إيه غير إنك قسيتي عليا؟ أنتِ كمان. تعرفي ما كنتش عامل حساب إني تكون روحي في انتصار وقلبي يبقى مع رضا. ما تبصيش ليا كده. آه حبيت رضا، بس عشان غبي عرفت بعد فوات الأوان، لما شوفت محمود خارج بيها من المستشفى وهو شايلها خايف عليها، تمشي تتوجع وهي مخبية راسها في رقبته من الكسوف. نزلها براحة وقعدها في العربية. أنا كنت واقف بعيد، روحي انسحبت مني وكأن حد دب سكينة في قلبي. جيت هنا حسيت بالقهر. كنت فاكر محمود مش هيبقي عليها، فلاحة وهو بيه، إزاي يعني يتجوزها؟ بعدين راقبت البيت عندها، جاب عياله ليها وأمنها عليهم، وأنا بقيت بشوف عيالي سرقة من بعيد. أنا واحد ملوش قيمة ولا تمن عند أمه وإخوته. انزلي يا أمه الله يبارك لك وحاولوا تنسوني شوية. حرام عليكم بقي.
الحاجة: لو عاوز ترجع لرضا أو انتصار، ارجع يا ضنايا وبلاش تقهر نفسك كده.
محمد: أرجع لمين؟ لرضا اللي اتجوزت واحد نصفها على أهلها ورجع لها عيالها، اللي أنا كنت عارف إنها آخر فرصة لها تبقى أم، بس برضه جرتها زي البهيمة عشان تنزلهم. وسمعت كلام ولادك وشيطاني. شافت مني إيه حلو عشان تسيب محمود وترجع لي؟ ولا انتصار ترجع لي إزاي بعد ما اتجوزت غيرها وخلفت، وأكيد عرفت اللي حصل ونزلت أكتر من نظرها. خليها مع عبد الله على الأقل بتراعيه. هتعمل إيه براجل خيال ماته، ابن أمه وودانه لأخواته؟ أصلاً مين بنت أو ست تآمن تدخل هنا الدار وإحنا من شهور سيرتنا على كل لسان في البلد؟ لأنك ما بتخرجيش، ما بتشوفييش نظرات أهل البلد ليا. بلاش ابنك الصغير، ننوس عين أمه، مش بقي قاعد جنبك معظم اليوم بعد ما أهل البلد سحبوا العيال من الدرس عنده. ليهم حق، اللي يبيع عيال أخوه يعمل إيه في عيال الناس.
الحاجة: لما كل الناس تبعد عنكم، لازم أنتم تشدوا ظهر بعض، مش تخاصموا بعض. حتى مصطفى مقاطع عزيزة وشايف إنها السبب في إن الناس ما بتبصش في وشه، لدرجة قدم طلب نقل لمدرسة برة البلد.
محمد: والله أحسن يبعدوا عن بعض عشان هيضيعوا بعض. بنتك من يوم ما حطت رجليها في البيت والدنيا قلبت وشها. لنا الله يكون في عون جوزها. استحمّل كتير، والواحد ما حسش بيه إلا متأخر.
الحاجة: مين ده اللي استحمّل كتير؟ ده كل يوم بيكلمها عاوز يرجع، لكن أختك مسوّياه. قالت عاوزة شقة جديدة وذهب وعفش جديد، وهو بيجهز كل ده عشان يرجعها، وهانت خلاص، كلها أيام بالكتير وترجع تنور بيتها.
محمد: بجد!!! بركة مع ألف سلامة. كده اتأكدت إن عزت أمه داعية عليه ليل ونهار، مش كافية اللي شافه منها. لا، الغبي عاوز يعيد من تاني أيامه السودا. كويس، هبقى وأبخ خروف وأوزعه للغلابة لو عزيزة بنتك غارت من هنا وندرت عليا ما أدخلها بيتي.
الحاجة: كده يا محمد، بدل ما تفرح لأختك برجوعها لبيتها وجوزها وعيالها، فرحان بس عشان هتفارقنا؟ طب دي كانت واخدة بحسي.
محمد: أمه، افرحي براحتك. أنا سيبيني في همي.
بعد فترة نزلت الحاجة ولم تنجح في أن تصلح بين أبنائها.
ليلاً في البيت الكبير، دق الباب الخارجي ليقوم مصطفى ويفتح الباب ليفاجأ بمحمود زوج رضا.
مصطفى: خير، فيه إيه؟ مع إني ما بشوفش وشك غير لما يبقى فيه مصيبة.
محمود بضحكة صفراء: المصايب دي تخصصك أنت وأختك. عمومًا، عاوز أختك في كلمتين.
مصطفى: ليه؟
محمود: هتعرف أكيد لما أكلمها. ما أكيد هتفضل معاها، مش أنتم برضو مع بعض في كل خطوة؟
مصطفى: خليك على الباب، هنادي عليها. (نادى عليها بصوت عالٍ) لتأتي وهي تقول: فيه إيه يا مصطفى؟
مصطفى: محمود بيه عاوزك.
عزيزة: محمود بيه مين؟ وخرجت لتري محمود.
عزيزة: عاوز إيه يا جدع أنت؟ ولا عشان بتشتغل في الحكومة هتتهجم علينا.
محمود بابتسامة: لا، أنا ما بهجمش على حد، أنا راجل متحضر. أنا بس جاي أخلص بقية حساب (وأشار بيده على فمها) وسيبني أكمل كلامي الأول. بصي يا زوزو، مش بتحبي برضه ينادوك زوزو؟ أنا العلقة اللي أخدتها في الحبس ما كيفتنيش صراحة، وقررت أسقيك من نفس الكاس اللي كنتي عاوزة تسقي رضا منه. مش برضه خططتي تطلقيها من أخوك وتحرميها من عيالها؟
عزيزة بخوف: تقصد إيه؟ مانا مطلقة أصلاً.
محمود بضحكة: بس كنتي بتتصلي بطليقك ومخططة ترجعي له ولعيالك، صح؟ ما تتكسفيش، أنا عارف كل حاجة، وأنا اللي قايل لجوزك في الكلام، مع إن يا عيني مش طايقك.
عزيزة: إزاي يعني ما تتكلم طول؟
محمود: بعد ما أخدت رضا وشوفتها بعيني وهي كانت بتموت، وشوفت عيالها الغلابة وهما بيعيطوا بحرقة من الجوع وأمهم لا حول لها ولا قوة، والست رقية رغم تعبها وهي بتحوط عليهم، أقسمت لأعلمكم الأدب. وزي ما مرات أبوها ما كانت بتضربها، بعت اللي ضربها وكسر لها إيديها، وكده كان كافي عليها. مهما كان، ست كبيرة. أنتِ بقي شرك كان أكبر، روحت لطليقك اللي كان أصلاً مش طايق سيرتك وحكيت له كل بلاويك، والمفاجأة إنه عرف من أهله والجيران بلاويك الثانية، وعرف مني إنك كل شوية بتحاولي تكلميه وهو رافض. قلت له يسايرك في الكلام ويديك أمل في الرجوع عشان يخلص من زنك. في نفس الوقت كان بيجهز لجوازه وجواز بنتك. آآآه.
أخرج من جيبه كروت فرح، حتى دي كروت فرحه هو وبنته. وأنا ساعدته يلاقي له شغل بره مصر. دلوقتي سافر هو وعروسته وعيالك بره مصر، وبنتك كمان اتجوزت وسافرت، وطبعًا كلهم مش عاوزينك تعرفي هما سافروا فين أصلاً. خلاص طلعتي بره حياتهم.
عزيزة وقد شحب وجهها: أنت كداب، كداب. حتى لو عزت اتجوز عيالي مستحيل يسيبوا أمهم أبداً.
محمود: ليه؟ ما أنتِ سبتيهم لأبوهم؟ قال عشان تعلميه الأدب ويتحمل مسئوليتهم، والراجل للحق هو والعيال ارتاحوا لما سبتيهم. أصل أنتِ حقدك مكره الناس فيك. عمومًا يا زوزو، دي صور طبعتها مخصوص عشان تشوفيها. أصلي صراحة عاوز أتأكد إذا كان عندك دم وبتحسي ولا لأ (ورمى ظرف فيه صور للفرح). وعشان أنا كريم، هبعت لك كذا فيديو من الفرحين، بتاع بنتك وطلاقك. كده زي ما كنتي عاوزة لرضا، إنتِ كمان بقيتي زيها، بس رضا ربنا نجاها هي وعيالها. وأآه، حسك عينك تقربي منهم. أنا مش زي أمجد باشا، أنا قرصتي والقبر. ويا ويل اللي يغلط في حد تبعي. سلام يا زوزو. وبالمناسبة، هتلاقي تليفونات ولادك كلها مقفلة، وحتى الشقة اللي كانوا عايشين فيها اتباع.
كل هذا وهو يكلمها من على باب البيت ولم يدخل خطوة.
أغلق مصطفى الباب وهو في حالة ذهول مما قال محمود.
أحست عزيزة بدوار وهي تلتقط الصور واتسعت عينيها ببكاء وهي تقلب فيهم. مسكت فونها بصدمة عندما أتى إليها صوته لتفتحه وتري تحميل للفيديوهات بعث بها محمود إليها، فتقع مغمي عليها.
مصطفى: الله ينكد عليك يا محمود الكلب. يعني زوزو هتفضل قاعدة في أربيزنا؟ وأنا اللي فرحت إنها هتغور من هنا. هز مصطفى عزيزة برجله ليقول: قومي يا بنتي، أنا ظهري واجعني ومش هقدر أرفعك، لكنها لم ترد. ليغضب هو ويقول: هو ده وقته؟ ثم نادى بأعلى صوته: يا محمد، يا محمد، تعالي شيل أختك، مش قادر على ما أجيب لها أي حاجة تفوق بيها.
أما عن محمود، ذهب وأخذ أولاده ونهر ليعودوا ويبدأوا الترم الجديد.
بعد عدة أشهر، انتهى بناء المستشفى وتشطيبه بالكامل، وبدأ في وصول الأجهزة الطبية لفرش المبنى. لم يتبق غير أعمال نهائية في اللاندسكيب الخارجي. ليصل برهان أغا قبل موعد افتتاح المستشفى بأسبوعين، ومعه إيمري لأنه خبير بالأجهزة الطبية ويعرف عمل كل جهاز، ولأن نهر لم تقطع علاقتها بعمال المكان، بل كانت تجدد علاقتها بالعمال بزيارتها كل شهر مرة للمكان وقد سمح لها بذلك. ولأنهم انتهوا من إخفاء دور القبو المراد إخفاؤه، فلم يعد دخول العمال بكروت كما في أول الأمر، لكن نهر بفضل زرع الكاميرا الثلاثة المتبقية معها، لتزرعها في الغرفة العلوية المنفصلة عن المستشفى لدخول القبو عن طريق السلم. عرفت الرقم السري الذي يدخلها من خلال فتح الجدار، ففتحتة في أحد الليالي، وكان معها آدو لتصور جميع كتالوجات والأجهزة الموجودة بالقبو وتصوير كامل القبو فيديو لبرهان أغا ليراه عندما يأتي. جمعت نهر كل ذلك قبل وصول برهان بيومين وأرسلت آدو لاستقبال برهان ورفيقه لأخذهما وتوصيلهما لشقة مفروشة ومجهزة لهم، بينما هي كانت تتلقى محاضرتها الأخيرة للترم الأول من السنة قبل الأخيرة لها في الكلية (ثالثة عمارة). بعدها ذهبت لبيت المغتربات، أخذت شور ولبست زي عملي قميص وجاكيت وبنطلون، وأخذت معها شنطة بها كل الأوراق واتجهت لمكان الشقة (برهان طلب إيجار شقة بدلًا من المكوث بفندق حتى لا يعثر عليه معاذ أو رفيق، كما كان الإيجار باسم آدو، أراد ذلك إمعانًا في صعوبة الوصول إليه مع تغير شريحة فونة على أن يضعها عندما يريد الاتصال بأهل بيته).
إيه هيحصل نشوف الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم رينا الهادي
أنهت نهر الكلية مبكرًا لخوفها من الخروج، فقد استحل وباء كورونا، ومعظم من بالمدارس والجامعات لا يذهبون إلا للضرورة، مع السماح لبعض الصفوف الأولى بأخذ إجازات جبرية لتخفيف العبء والكثافة المرورية.
كانت نهر في الفترة الماضية قد اشترت دراجة نارية صغيرة لها كي لا تركب مواصلات كثيرًا، حتى أنها تسافر بها لأمها. ذهبت لبيت المغتربات، الذي كان أقل من نصفه مشغولًا، وأخذت حمامًا وجمعت كل ما تريد من صور وكتالوجات، وأخذت اللاب توب الخاص بها، واتجهت إلى حيث الشقة المؤجرة لبرهان أغا، كانت تعرف أنه بصحبة خبير في الأجهزة الطبية.
عندما رن الجرس، فتح لها أدو.
أدو: حمد الله بالسلامة.
نهر: الله يسلمك، إيه الأخبار؟ جيتوا من زمان؟
خلعت حذائها واتجهت مباشرة إلى الحمام الخارجي تغسل وجهها ويدها، ثم خرجت ولبست حذاء بيت كانت قد اشترته عندما تم تأجير المكان. كل ذلك وإدوارد يحكي لها عن برهان أغا وصديقه بصوت منخفض، فقد كان كلا من برهان وإيمري بصالة الاستقبال يشاهدون بكل أسى تطورات الأحداث بالعالم نتيجة هذا الوباء.
نهر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
برهان وإيمري: وعليكم السلام.
برهان: تخيلت أنك ستستقبليننا وليس صديقك، لما كل هذا التأخير؟
نهر: تعرف أني أدرس، كان عندي تقديم لوحات، وهنا معظم الدرجات على أعمال السنة، وربما لن يكون هناك امتحانات آخر العام، لذلك كان لابد من الحضور. ثم أني دائمًا أستعين بأدو، وهو أيضًا يستعين بي في معظم أعمالنا.
مدت يدها لتقول لأيمري: اسمي رينا، أهلاً بكم في مصر.
قاطعها برهان: بدون سلام، رينا، بدون ملامسة، ألم تتعلمي بعد من كل تلك الكوارث؟ لقد أصبحت كل البلاد تقريبًا تكتب شريطًا على جميع القنوات بعدد المصابين والموتى.
نهر بعد أن سحبت يدها: عندك حق أغا. صراحة، كنت أشك في قدومكم لهنا في تلك الظروف، فمعظم البلاد منعت السفر، ولا أعرف تفسيرًا لافتتاح المستشفى وسط كل هذا القلق والتوتر.
إيمري: بالعكس، هو وقت صائب تمامًا. سمعت عن عدم قدرة المستشفيات هنا على استيعاب المصابين، لدرجة أصبح الحجر في بعض المدارس بعد إغلاقها من الطلبة.
نهر: اسمحوا لي أن أجلس أولًا.
أشار برهان برأسه لتجلس، وجلس إدوارد أيضًا على كرسي بعيد.
نهر: هذا هو الحال في معظم الدول، خصوصًا مع الانتشار الواسع والسريع. والأغرب أن دولًا متقدمة مثل إيطاليا يكون فيها كمية هذه الحالات لدرجة عمل مقابر جماعية.
برهان: ما دام لم يتم عمل مصل، فطبيعي أن الدول التي تعتمد على السياحة تكون هذا حالها. الصين للأسف التي ظهر فيها بداية الوباء لها علاقات بكل دول العالم، ولو ركزت ستجد المنتجات الصينية في كل بلاد العالم، وطبيعي ينتشر مع انتشار الوفود الصينية للتجارة في كل البلدان. وأعتقد مصر أيضًا من الدول التي تعتمد على السياحة.
نهر: بعد الثورة، السياحة لسة بعافية عندنا، مرجعتش أبدًا زي الأول رغم الجهود الكبيرة، لكن المنطقة كلها مش زي زمان، فنقول الحمد لله. المشكلة الحقيقية إن معظم الأرياف بدأ يرجع المغتربين اللي كانوا برة البلد لها. وللأسف هنا الأرياف أقل حيطة وحظر في موضوع الكحول والكمامات، غير الفقر للأسف، يعني رب الأسرة هيجيب أكل وشرب ولبس ولا كحول ومنظفات.
برهان: المهم، رتبتي دخولنا المستشفى بالليل؟
نهر: هتستريحوا النهاردة، وبكرة بالليل هنتحرك، وده لأن اليوم صعب لوجود بعض التركيبات وعمال كثر، مع إن الشغل كان في الشهور الأخيرة بطيء جدًا لوجود مشاكل في التكييف المركزي والكهرباء كتير، غير تأخر وصول الفرش والأدوات الطبية.
إيمري: كان فيه فعلاً تأخر بسيط في الوصول، لكن الجمارك هنا أخرت الموضوع أكتر، غير أصلًا معاذ اتأخر على الاستلام من ميناء الإسكندرية. فهمت من الأغا إن الدور المراد زيارته سري، مش ممكن تكون فيه كاميرات مراقبة أو حراسة مشددة؟
نهر: فيه طبعًا كاميرات مراقبة، وفيه أوضة مراقبة في المستشفى من الخارج، وطبعًا دي عملت حسابها وهتعطل بكرة لمدة ساعتين، وأنا اللي هعطلها وهثبت الصورة. واللي هيساعدني إن الدور مقفول من ثلاث أيام وممنوع حد يدخله أصلًا، لأنه كمان هيبدأ يشتغل بعد تشغيل المستشفى بكذا يوم، ولأنه سري والدنيا واقفة زي ما أنتم عارفين، لسة طاقم الحراسة الأجنبي ما جاش من الخارج. بكرة الواحدة ليلًا أدو هياخدكم وأنا هدخلكم.
برهان: بالبساطة دي، هما أكيد عاملين رمز سري لدخول الدور، رينا عرفتيه؟
نهر: الكاميرا الثلاثة ركبتها من أسبوعين في الغرفة اللي بتفتح جدرها وينزل سلم للدور، وكلمة السر حاليًا بتتغير كل أسبوع، فـ أيوه عرفتها من الكاميرا. دلوقتي آدي صور لكتالوجات الأجهزة، وآدي فلاشة عليها بعض الفيديوهات للاطلاع، وعشان نتفق هننزل ونطلع من المكان إزاي.
بعد كثير من الوقت في المشاهدة والمناقشة، قطع كلامهم إدوارد.
إدوارد: بقالكم أربع ساعات بتتكلموا وأنا مش فاهم معظم الكلام، بالقط بعض الكلمات اللي اتعلمتها بس، خلاص حرام عليكم، هموت من الجوع، متفقتيش معايا على كده. ثم هتروحي إزاي دلوقتي؟ فاضل نصف ساعة على ما بيت المغتربات يقفل، هتهببي إيه يا آخرت صبري؟
نهر: يا خبر! وأنت كمان اتأخرت عن شغلك.
إدوارد: شغل إيه؟ ميدينا إجازة إجبارية غير مدفوعة الأجر يا أختي، ما إنت الفترة اللي فاتت مش بشوفك يا إما بتجهزي حاجات هنا يا إما في البلد أو في شغل الكلية.
نهر: يعني إيه إجازة إجبارية؟
إدوارد: يعني قسمونا وقالوا هنشتغل نصف الشهر وناخد نصف المرتب، واللي مش عاجبه يستقيل، لأنه الإشغال ضعيف وما فيش لا حفلات ولا اجتماعات. المهم، دلوقتي معدتي جعاااان.
برهان: عذرًا، وأنا أيضًا جوعت، ولابد أن آخذ أدويتي، ولم نأكل من فترة كبيرة. (نظر لإيمري وتكلم بالتركية) الشاب جاع إيمري، ورينا منذ أن دخلت لم تأخذ حتى مشروبًا، وقد أوضحت أنها أتت من كليتها لهنا، فلناخذ استراحة لناكل.
نهر: لا، أنسحب أنا، يا دوب ألحق البيت قبل ما يغلق.
إيمري: إلى أين؟ يوجد هنا ثلاث غرف. بعد أن نأكل ونكمل مناقشة، أدخلي الغرفة الثلاثة وأغلقي الباب من الداخل إن أحببت، لن تخرجي اليوم، إنسي هل عندك كلية غدًا؟
نهر: اليوم كان آخر يوم، ولا أستطيع أن أنام هنا، فأمي لن ترضي بذلك.
برهان: ومن سيقول لأمك؟ أهو هذا الفتى؟ لا تقلقي، لن تعلم.
نهر: أنا اللي هقول، وأعرف جيدًا رأيها، لن تسمحي لي. أنتم أغراب عني، ولا يجب أن أنام بشقة فيها أغراب رجال، حتى لو كانوا كبيري السن.
إيمري بابتسامة: ابنتي، سنتناول الطعام أولًا جميعًا، وأوعدك سأحل مشكلة النوم ولن تغضب والدتك، وعد.
نهر: رقية مستحيل توافق.
إيمري: لن نعرف أن نتصل بأحد للقدوم بالطعام، ولن نستطيع الطلب أساسًا.
نهر: أدو معكم، والأغا يعرف العربية، يستطيع التفاهم مع أدو. غير إني مجهزة الثلاجة والديب فريزر بأكلات وفواكه وخضروات، حتى العيش موجود، وكل ما يحتاجه المطبخ.
كانت تتكلم وهي تجمع أشياءها.
ليقول إيمري بمقاطعة وصوت صارم: لن تتركي المكان. وإن لم توافق والدتك، سأنزل معك بنفسي وأحجز لك حجرة بفندق. انتهى. ماذا ستطلبون؟ لأنني أعتقد أننا سنسهر كثيرًا.
نظرت نهر لأدو: مش عاوزني أمشي غير لما آكل الأول ونخلص كلام. وبيقول لو إنه ما وافقش على بياتي هنا هيحجز لي غرفة بفندق. طبعًا هو فاهم إن معظم الفنادق الإشغال بتاعها ضعيف.
إدوارد: إحنا كده ماما هتنفخنا إحنا الاثنين. شورتك الهباب إننا ما نقولش لها إن الأغا جاي مصر وهنرافقه للمستشفى.
نهر: إنت عارف هي قد إيه خايفة علينا من الموضوع ده، وإزاي خلتني أسيب الشغل في الموقع. لكن الأغا يومين وماشي، وأكيد هقول لها بعد ما يمشي.
كان كلا من إيمري والأغا ينظران لهما وقد فهما كل ما قالا. فقد علمت رقية إيمري الكثير من الكلمات العامية المصرية، لكنه لم يكشف لأحد أنه يعرف اللغة. أما الأغا، فطبعًا يعرف اللغة من نديم وأولاده الذين ما زالوا يشاهدون فيلمًا مصريًا كل أسبوع. غير معاذ الذي يتكلم مع حفيدته بالمصري كثيرًا.
إيمري: هاااه، أغا، ماذا تريد من طعام؟
برهان: أحب أن آخذ شوربة وزبادي وحبة فاكهة.
إيمري: وأنا توست بالجبن وآخر بالمربى وفاكهة. واطلبوا أنتم ما يشاؤون، وسأحاسب أنا. اطلبي ما تريدين ولا تقيدي نفسك بنا. أعلم لم تتناولي الغذاء بعد، وكذلك ذلك الشاب.
ترجمت نهر ما قالوا.
ليشهق إدوارد: إيه أكل العيانين ده؟ طب أنا جعان بجد، كنت عاوز نجيب من الحاتي.
نهر: عاوز إيه يعني، خلصني؟
إدوارد: نصف فرخة مشوية ونصف كفتة وسلطات، وممكن لو ربع كبدة.
نهر: إنت عازم حد؟ إيه ده يا بابا، كرشك ده ولا بيبان حاجة عليه؟ هو حاجة واحدة، بكرة ابقى أعملك أكل. هتكسف أطلب كل ده وفي الآخر أديهم توست وشوربة.
إدوارد: أنا جعان، جعاااان. ولما بجوع ما بفكرش. وبعدين إيه شوربة دي؟ هتجيبي شوربة منين؟ و شوربة إيه أصلًا؟
نهر: أنا هدخل المطبخ، هعمل الشوربة والتوست، وأعمل شوية مكرونة وفيه فراخ متبلة أعملها، وأطلع أعمل كبدة، وامري لله، وهعمل لك سلطة طحينة، ماشي. أهدي بقى، شكلنا إحنا اللي هنخلص الأكل هنا. تعالي ساعدني يلا.
إدوارد: وأنا مالي يا لمبي.
نهر: تعالي يا بابا، أعمل بلوقمتك.
ابتسم إيمري بمرح بعلاقة نهر وإدوارد، واستأذن ليدخل حجرتَه. وما إن دخل حتى اتصل برقية التي يناديها عائشة.
إيمري: مساء الخير.
رقية: مساء الخير إيمري، وصلت القاهرة؟
إيمري: من حوالي ثماني ساعات، لكن انشغلت مع برهان أغا، وانتهزت فرصة انشغال الجميع لأتصل بك. لا أصدق أنني بمصر ولا أستطيع رؤيتك أو زيارتك، عائشة.
رقية: وقت وصولكم غريب إيمري. ثم إن نهر مشغولة بالكلية، وقالت إنه جاء لها عمل خاص ومعها إدوارد. وتعلم أن عمر معي حاليًا، غير رضا وأبناؤها، لكننا دائمًا على اتصال.
إيمري: عائشة، اتصلت لأخبرك بأمر هام، فأرجوك إلا تتعصبي واهدئي.
عائشة: ربنا يستر. أهم حاجة والدي بخير.
إيمري: بخير.
عائشة: هو ده المهم عندي. شكرًا لأنك وافقت تصاحبه في الظروف دي، ديما واقف معايا. قول، مفيش حاجة ممكن تضايقني دلوقتي.
إيمري: بصراحة، كنت متحمس أشوف الأغا هيدخل إزاي المستشفى، ومتحمس أكتر أشوف الدور. لكن الشك بدأ يتسرب لي لما استقبلنا شاب اسمه إدوارد. وبعدين عرفت من الأغا إننا هننتظر بنت اسمها رينا. طبعًا أنا عارف إن نهر بتشتغل تحت اسم رينا. والشك أصبح يقين لما شوفتها. طبعًا بشوف صورها مع سينام، لكن هي آخر مرة كلمتني من سنين. أنا عرفتها، لكن هي لأ، ما عرفتنيش. دلوقتي هي عاوزة تمشي بعد ما نتعشى مع بعض. للعلم، هي جت من الكلية على هنا، ما أعتقدش إنها اتغدت أصلًا. طلبت منها تنام هنا في الغرفة الفاضية، رفضت بحجة إن أمها مش ممكن توافق بأنها تبات في شقة مع اثنين رجال أغراب. أقنعيها، عائش.
لم ترد عائشة.
لينظر إيمري لهاتفه ليتأكد أن المكالمة لم تفصل، ثم بصوت مرتفع قليلًا: عائشة، أين أنت؟
عائشة: بسمع إيمري، مش مصدقة. نهر وأدو ما قالوش ليا غير إن عندهم شغل. ليه نهر ما لقتش إنها هتكمل مع الأغا؟ هل عرفت حاجة؟
إيمري: اتكلمت مع أدو، وعرفت إنك السبب لترك العمل مع الأغا لخوفك عليها من معاذ ورفيق. عندك حق طبعًا، خفتي تقلقي. وقالت إنه مجرد يومين فقط، وأعتقد سوف يعود عليها بعائد مادي جيد، خصوصًا أنها لم تأخذ باقي حقوقها المادية من الأغا على عملها السابق والحالي.
رقية: وهذا أيضًا يقلقني إيمري. أبي أعرفه جيدًا، كان يعمل دائمًا بالحديث الشريف "أعطِ للأجير حقه قبل أن يجف عرقه". فلماذا يتعامل بشكل مختلف معها؟ بل علمت أنه يعاملها بشكل جاف جدًا.
إيمري: أشهد أنا أيضًا أن الأغا ليس من طبعه أن يتأخر في دفع المستحقات لموظفيه، لكن لاحظت أن نهر أو رينا تتعامل معه بندية وتفرض رأيها عليه. كان يريد أن يرى الطابق في وقت سابق، لكنها منعته. ساري، لا تخافي عليها، بالعكس، تقاربهما من بعض جيد جدًا. أنا بجانبها كما كنتم بجانب ابنتي. وقبل أن تقولي شيئًا، العمل في هذا الوقت أون لاين عندي، أي لا أتعطل عن العمل. أرجو منك الاتصال بها والموافقة أن تبيت الليلة هنا وإلى أن نسافر.
عائشة: وماذا أقول إن سألتني من أين عرفتي؟ هل أقول منك؟
إيمري: بالطبع. أنتِ دائمًا تقولين الحقيقة لها، غير أنك تخفين بعض الأشياء. قولي لها، على الأقل تطمئن أن والد صديقتها وصديقك بجانبها.
عائشة: أنت لست صديقي إيمري، أنت أخي، وهي تعلم ذلك، لدرجة أنها أحيانًا كثيرة تغير منك وتقول أسرارك مع عمو إيمري وخالتي انتصار. لست مطمئنة من تلك الخطوة، لكن واثقة بأنك ستحمي ابنتي. سلام إيمري.
بعد أن أغلق إيمري مع عائشة، اتصل بسينام ليطمئن عليها. مضى بعض الوقت، ثم اتجه إلى المطبخ.
إيمري بالتركية: كل هذا الوقت لتحضير الطعام؟
نهر بإحراج: عمو، آسفة إني لم أتعرف عليك. كان لازم أفهم من أول ما عرفت إنك تخصص أجهزة طبية.
إيمري بمرح: هتنامي اليوم في الغرفة الفاضية، صح؟
نهر: روووقة وافقت طبعًا لأنها بتثق في حضرتك.
إيمري: إنت مثل سينام يا نهر، وأخاف عليك. المهم، أين عشائي وعشاء الأغا؟ تأخرتوا كثيرًا.
نهر: أنا خلصت التوست، وبعدين أنا اتكلمت، التفت لاقيت أدو أكلهم. هعمل تاني.
إيمري بتفكير: لأ، أدو متوصي عليه جامد من سينام. قولي له إني سآكل طعامه، ما دام أكل طعامي، أحب أن أرى رد فعله.
نهر ضحكت بمرح: لأ، أدو مع المثل القائل "عض قلبي ولا تعض رغيفي". ثم إن طعامه دسم، عليك دي هياكل كبدة بالسمن والثوم والطحينة.
إيمري: اعملي لي سندويشة واحدة، وآخر للأغا، واثنين له. لكن لا تقولي له إنه سيأخذ شيئًا، فقط إني قررت أن آكل طعامه. هذه شوربة الأغا، سأعطيها له، وأخذ معي الزبادي. أبلغيه، هيا لنمرح معه.
ما أن أبلغت نهر إدوارد حتى غضب.
إدوارد: إزاي يعني؟ أنا كنت بمسح زوري بس. هو التوست ده هيشبع؟ وبعدين كنت هعمل له بدل اللي أكلته. ثم هما لسة ما حسبوناش على الشقة أو حتى الأكل اللي مالي الثلاجة ده. ماليش دعوة، شكلها شغلانة هباب.
دخل إيمري وأخذ بعض الفاكهة ومشى ليضعها على منضدة الأنتريه أمام الأغا. ثم رجع ليجد إدوارد يتمم بغضب بكلماته، ونهر تعمل بجد الطحينية وتضعها في طبق، ثم أخرجت الكبدة ووضعتها بالعيش، لكن أصبحوا ست سندوتشات.
ليشهق إدوارد: هو هياكل ستة وهو راجل كبير كده، ما يقدرش يهضمهم يا نهر؟ وأنا أكلت بس اثنين توست. العدل بيقول ياخد اثنين بدل اثنين.
ليرد إيمري بالعربية: لا حبيبي، العدل أخذ طعامك ما دام أكلت طعامي.
شهق إدوارد: إنت بتعرف عربي؟ ومدكن؟ طب إيه؟ أنا خايف على صحتك في السن ده، السمنة الكتير غلط عليك يا حج.
انفجرت نهر وإيمري بالضحك.
إيمري: لا تخف على صحتي. أعتقد إني سأسهر مع نهر اليوم ولن أنام بعد العشاء.
إدوارد: نهر (نظر لنهر). هو عرف اسمك منين؟ مش المفروض عارف إن اسمك رينا.
نهر: صح، عمو نادي عليَّ رينا ما دام في الشغل. (نظرت لإدوارد) أعرفك يا أدو، ده عمو إيمري أبو سينام، وأنا اقتنعت أبَات هنا لأنها واثقة فيه.
إدوارد اقترب من نهر ليقول بصوت منخفض: كان لازم أعرف. نفس غلاسة بنته.
ليمد إيمري يده ويمسك أذنه: أنا عائشة علمتني عربي، وصوتك عالي، وإنت متوصي عليك جامد من سينام. احفظ لسانك بقى، وروح ودي الأكل.
إدوارد: أوديه ليه؟ مالنا؟ مش هاكل.
نهر: آدو، معقول دول ضيوفنا؟ مالك كده؟ معدتك ماثرة على تفكيرك جامد.
إيمري: يا حرام، فعلاً زي ما قالت سينام، بيعشق الأكل. عمومًا، أكيد مش ليا كل ده. أنا هاكل واحد وأقنع الأغا ياكل واحد، والباقي انت ونهر.
نهر: لا، الباقي له لوحده. أنا عملت شوية مكرونة وفراخ، وهاكل هنا.
فكر إيمري أنها محرجة منهم، فأحب أن يتركها كما تحب حتى تتعود عليهم. وفعلاً أكلوا جميعًا، وقد أعجب إيمري بالسندويتش وأخذ آخر، وأصر على برهان أغا أن يأكل واحدًا وسط ذهول إدوارد. ليلتفت إليه إيمري: عارف إني قلت هاكل واحد، لكن طلع لذيذ. عندك اعتراض؟
إدوارد: أنا لأ، معدتي آه. هقول لنهر تعملي واحد تاني بدل اللي راح.
برهان أغا: إنت عرفت عربي أمتي إيمري؟ فاجأتني إنك بتتكلم عربي.
إيمري: ليس عربي أغا، لكن عامية مصرية. علمتني صديقة مصرية وابنتي، فهي تأتي مصر كثيرًا.
بعد الأكل، نظف المكان إدوارد وإيمري، بينما نهر غسلت الأطباق وعملت قهوة للجميع، وبدأوا يتناقشون فيما سيحدث غدًا، لكن بالتركي لأنها أسهل من المصرية على الأغا وإيمري، إلى أن انتهوا بوقت متأخر.
لينظر برهان لأدوارد.
برهان بالعربية: ألن تتركنا لتعود لبيتك؟
إدوارد: لأ، ما أقدرش أترك رينا معاكم لوحدها. ماما تزعل مني، لازم أكون معاها.
برهان: معاها فين؟
إدوارد: هي هتنام في الغرفة، وأنا في الصالة، وأنتم في غرفكم.
إيمري: اتركه أغا، فهم توأم روح. لكن أنا سأسهر. سأفتح التلفاز حتى يأتي لي النوم.
فهمت نهر أنه يريد أن يتكلم معها أو أن يتعرف عليها أكثر.
برهان: أنا سأدخل لأنام. أصبحون على خير.
إيمري: ادخل إدوارد غرفتي وخذ غطاء حتى لا تأخذ برد في هذه الأيام، واترك لي غطاء.
كان يوجد كنبتان، واحدة كبيرة والأخرى صغيرة، وعدد من الكراسي. سحب إيمري نهر وجلس على الصغيرة، حتى أن أتي إدوارد لينام على الكبيرة.
إيمري بالتركية: لما لم تقولي للأغا عن طبيعة الأجهزة؟ أنت لك خبرة بهذه الأجهزة، لأنك تساعدين والدتك في بعض الأحيان. كان من الممكن أن يأتي من غيري.
نهر: هو لا يثق في. أنا غريبة بالنسبة له، وهو رجل عملي يحب أن يأخذ المعلومات من متخصصين.
إيمري بتفكير: لماذا ساعدتيه نهر؟ رغم أن هذا العمل لم يدر عليك المال اللازم، كان يمكنك أن تكسب أكثر من عملك بالسياحة.
نهر: أولًا، لأني استفدت بعملي هذا من إني أراجع التصميمات مع الأعمال خطوة بخطوة. كمان قدرت أفهم طريقة عمل حاجات كتير، وده سهل عليا التفكير والتصميم. ما تنساش إني قسم عمارة كمان. هو من حقه يعرف إيه بيحصل في مبنى ملكه. هو صحيح المدير زوج حفيدته، لكن مش مفروض يستغله. والسبب الأخير إني متغاظة جدًا من رفيق ومعاذ، وطريقة تعاملهم مع الناس. مش انتقام منهم، لكن بطفي غلّي من معاملتهم ليا ولغيري.
ظلا يتكلمان إلى أن علا صوت شخير إدوارد، ليدخل كلا منهم غرفته.
في مساء اليوم التالي.
سبقتهم نهر بأكثر من ساعتين للموقع، وأخذهم إدوارد لهناك. وجهزت نهر طريقة دخولهم وعطلت الكاميرات الخاصة بالدور، ثم قابلتهم ودخلت بهم القبو ليرى كلا منهم الدور بكل تجهيزاته.
إيمري: الدور ده فعلًا مستشفى مصغر. فيه حجرة عمليات وغرفة ولادة وغرف معزولة صوتيًا، مش فاهم ليه، وغرف مرضى وعيادات مختلفة التخصص. وده بيوضح الأجهزة الموجودة بكل عيادة.
الأغا: ممكن ندخل المبنى المجاور التابع لرفيق؟
نهر: لأ، مش معايا مفتاحه ده، ولا حتى مفتاح الباب المشترك بين المستشفى وبينه الموجود بالسور. لكن الباب قصاد الغرفة العلوية اللي بينزل منها السلم على هنا. ومعنى كده إن سهل وصول أي شيء من المبنى المجاور لهنا، زي ما سهل الوصول من أي شارع حوالينا للمبنى هنا، بفضل الشارع الداخلي الموجود بالخارج بيوصل الشارعين ببعض.
برهان: اختيار ذكي من رفيق أن المدخل يكون على ممر السيارات الداخلي اللي بيوصل بين الشارعين. لكن أمتى قدر يصمم الدور ده؟ لأنه حفر بعد ما أخذ التصميمات بشهر واحد. وكمان المفروض إنه عمل تعديل على إنشائي المبنى، لأنه الحمل بقى أكبر.
نهر: التعديل هيكون في الأساسات والدور ده أغا. الأدوار الباقية التعديلات بسيطة. وكمان التعديل كان في كبر مناطق المناورة الواصلة لهنا وطريقة تهوية المكان. أما بخصوص أمتى عمل ده، أعتقد إنه سهل معاذ يتطلع على تصميمات المستشفى من أي حد زي زوجته أو عمران هانم أو حتى فيروز هانم.
إيمري: ليه مش آدم؟
نهر: آدم مش بيطيقه، ورفيق برضوا ما فيش عمار بينهم. وآدم ذكي، مش هيخلي حد يستغله.
برهان بانتباه: وإنت إيه عرفك بعلاقة آدم ومعاذ؟
نهر: أنا صديقة آدم. عمرنا ما شوفنا بعض، لكن أصدقاء على الفيس أغا. وأحيانًا بيفرغ غضبه أو حزنه أو حتى فرحه مع حد هو شايف إنه بعيد عنه. وأنا كمان قايلة له على بعض أسراري وبنتناقش أحيانًا في بعض القضايا أو حتى الشغل.
برهان: حفيدي أنا يعرفك.
نهر: مش كل حاجة عني لآدم، غير ما حضرتك فاهم. وعلى فكرة، محتاج إنك تحتويه. وأيوة، مش بيطيقه أو يحب معاذ، لكن بيقف في صفه أمامك خوفًا على حزن أخته وأمه. لكن معرفة حدوده كويس.
ارتجفت قدما برهان لتسرع نهر تسنده.
نهر: آدو، هات كرسي متحرك للأغا بسرعة. الحمد لله جنب السلم ramp نقدر نطلع عليه. هوصلكم الميكروباص وأرجع الكرسي مكانه، ويلا عشان مفيش وقت.
صباحًا في صالة المعيشة.
برهان: عاوز أبلغ السلطات المصرية عن الدور وأبلغ عن رفيق أنه بنى دور بدون علمي. هل ممكن أن تهدم السلطات المستشفى؟
نهر: حاليًا في شيء مستجد اسمه تصالح. ده أولًا. ممكن تدفع مبلغ نتيجة الدور الزيادة. ومعتقدش المبنى سيهدم لأنه اتعمل من غير علمك. غير إنك غير مصري، يعني استثمار أجنبي. وحاليًا فيه تسهيلات كتير للأجانب لتشجيع الاستثمار. ده غير إن أي مستشفى جديد هيدخل الخدمة برحب في ظل الظروف الحالية.
برهان: تعرفي محامي كويس أو حد ممكن يساعدنا.
نهر: عمو محمود في الداخلية. صحيح هو في قسم مختلف، بس أكيد يعرف ويقدر يدلنا.
برهان: واثقة فيه؟
نهر: جدًا. هاخد ميعاد وأحكي له ملخص الموضوع. ممكن يجي مع محامي معاه ونعرف الخطوات.
إيمري: محمود صاحب أمجد بيه ولا غيره؟
نهر: هو عمو.
برهان: أرى إنكم تقاربتم من بعض كثيرًا إيمري، نهر بسن ابنتك.
إيمري بابتسامة وقد أدرك غيرة برهان على نهر: بل رينا أصغر من ابنتي بسنتين وعدد أشهر. وكما ترى تنادي لي عمي، وهي بمنزلة ابنة لي. ولكني معجب بذكائها ونشاطاتها، حتى رسوماتها التي لا أفهم منها شيء، التي تظل ترسمها طوال اليوم.
بعد عدة أيام، وبعد أن التقى برهان بمحمود والمحامي، وكان معهم نهر لترجمة ما يصعب فهمه للطرفين، وفي وجود إيمري.
اتصل برهان برفيق وأخبره أنه يريده بالمستشفى ويأتي وحده ضروري لمناقشة بعض الأعمال، وأن يترك رفيق خبر للقائمين على المستشفى بدخول برهان هو ورفاقه لأنه صاحب المستشفى. وقد فعل واتجه للمستشفى بسرعة.
دخل برهان المستشفى واتجه لغرفة الاجتماعات، وكان معه إيمري ومحمود والمحامي، ووقف على باب الغرفة اثنين من البودي جارد التابع لبرهان، مع قيام نهر بتسجيل ما يحدث بالغرفة من خلال غرفة التحكم والمراقبة، وكان معها إدوارد.
دخل رفيق واتجه فورًا لبرهان وسلم عليه وقبل يده كتقليد لما يحدث بتركيا من الأبناء والأحفاد لآبائهم، لكن برهان سحب يده بسرعة وهو يقول بصوت صارم.
برهان: اجلس رفيق، يوجد كلام مهم يجب سماعه.
رفيق: لقد بحثت عنك أغا ولم أستطع الوصول للفندق الموجود به ل...
قاطعه برهان: لست بفندق رفيق، ولا تضيع من وقتي ووقتك الذي تحتاجه كي تجمع ما لك هنا وترحل لأي بلد آخر قبل أن تغلق المطارات نظرًا للظروف الحالية.
رفيق: أجمع ما لي؟
برهان: انظر لما سيعرض على الشاشة.
شغل إيمري الشاشة ليرى رفيق كلا من برهان أغا وإيمري في دور القبو المخفي يتجولان بين الغرف، ثم صعودهم إلى الغرفة العلوية وفتح الجدار بالرقام السرية. كان رفيق يحملق في الشاشة بعدم استيعاب وتوتر.
أغلقت الشاشة ليقول المحامي: الأغا قدم ما يثبت أن الدور ده اتبنى من غير معرفته. والبلاغ سيتقدم للنائب العام بذاته. وطبعًا كونك بتمثل الشركة المنفذة، غير إنك ما قدمتش تراخيص أو رسومات في البلدية عن الدور ده، فأنت أقل حكم هيكون شطبك من النقابة والسجن، وممكن توصل للحجز على أملاكك هنا لو هربت، غير السمعة.
برهان: أنا لخاطر نديم الله يرحمه كنت حبستك. لأنك مش استغليت إني في بلد تاني وقمت أنت وأخوك باستغفالي واستغلال ثقتي. أنا متأكد أن الدور ده كان لأعمال منافية للمواثيق البلد هنا عشان طمعكم وحبكم للمال على حساب أي شيء.
رفيق باندفاع: حضرتك فاهم غلط، ده...
قاطعه برهان: هتقول إيه؟ هتقولي زي ما قلت للمهندسين مكان مخازن وحجر صحي؟ لأ يا رفيق. إيمري متخصص في الأجهزة الطبية. اللي تحت مشفى مصغر بغرفة عمليات وعيادات لكل التخصصات تقريبًا وغرف للنزلاء. كفاية كذب قدامه، تقريبًا ست ساعات وهييجي يتقبض عليك. أنا عملت اللي عليَّ واتفضل، ده حجوزات السفر لأمريكا، البلد اللي أخذت منها شهادة الهندسة، لأنك لو نزلت مصر تاني هيتقبض عليك.
إيمري: إنت حر، عاوز تبقى هنا براحتك، لكن حضرتَه ضابط وحضرتَه محامي، وانت بس لازم تتحمل نتيجة أخطائك.
رفيق: بس أنا عندي هنا ممتلكات. هروح أمريكا أشحت هناك.
برهان: إنت عايش في القصر اللي بناه نديم للعيلة. القصر هيكون للعيلة زي ما هو فيه إخواتك وأمك. بالنسبة للمبنى المجاور للمستشفى واللي أنت أخذت الأرض بتاعته كهَدية لأنك وسيط لما اشترينا أرض المستشفى، وبرضو بنيته بتحميل تكلفته على تكلفة المستشفى، يعني مفيش جنيه دفعته، لأني كنت متكفل برواتب الجميع. مع ذلك، أنا هشتريه منك بسعر عادل. ودة ورق تمضي عليه عشان يكون المبنى تبع المستشفى. وده ورق تاني حط فيه اسم حد تثق فيه يتنقل فيه ملكية شركتك له، يقدر يشغلها أو يبيعها، لأن بعد البلاغ ممكن يتحجز على أملاكك، ويبقى يبعت ثمنها لك بعدين.
رفيق: ممكن أفهم حضرتك عرفت بالدور ده إزاي، وكمان بالمبنى؟
برهان: اتفقت مع ناس متخصصة يعرفوا كل كبيرة وصغيرة. ده مكان ملكي يا رفيق، وإنت وأخوك ما ينفعش أعطيكم ثقتي بعد اللي عمله أخوك. وإنت عارف كويس عمل إيه. نصيحة، بسرعة انقل ملكية الشركة قبل ما يتقبض عليك، والمحامي ممكن يساعدك.
رفيق: هنقل الملكية لأختي، وادي توقيعي على بيع المبنى المجاور.
برهان للمحامي: اتفضل معاه، خلص الأوراق اللازمة لكل شيء، وبعدها وصله من فضلك المطار. نصيحة تانية، بلاش تتصل بمعاذ لأن تلفونك مراقب، عشان ما تتخذش ضدك إجراء يندمك العمر كله. فلوس المبنى هتتحول ليك على حسابك. اتفضل مع المحامي.
يا ترى برهان ناوي على إيه مع معاذ؟ هنعرف في الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم رينا الهادي
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الخمسون 50 - بقلم رينا الهادي
رقية واخدة الصالة ذهاب وإياب،
وكل فترة تبص من البلكونة
إلى إن وجدت رضا وهي تدخل العمارة ومعاها عربية الأطفال اللي تحوي يحيى وعهد.
وبدأت تطلع السلم مع مساعدة أحد الجيران.
نزلت رقية دور ووقفت أمام باب شقة رضا
وانتظرت إلى إن تصعد رضا وأبناؤها.
بعد أن وصلت رضا للدور وشاهدت رقية.
رضا للشاب:
تشكر الله يكرمك ماكنتش هعرف أطلع بيهم لوحدي.
الشاب:
لا شكر على واجب، هانت وبكرة يعرفوا يطلعوا السلم لوحدهم.
رضا:
أيوة إن شاء الله.
مشي الشاب وهو يقول:
ربنا يخليهم لك.
رضا:
يا رب.
مالك يا أبلة ودانك بنطلع دخان ليه؟
رقية:
إحنا إمتى يا رضا وإنتِ طالعة من إمتى؟
رضا وهي تفتح الباب:
إهدي بس يا أبلة، مش أنا قايلة لك هتآخر وكمان قولت إتغدي النهاردة إن مش هاجي على الغدا.
رقية:
الغدا يا رضا؟ إحنا العشا وإنتِ طالعة من سابعة الصبح كل ده في المزرعة دي، مش فدان يعني، وحتى لو أكتر من اتناشر ساعة يا رضا، إيه مش عارفة إني بقلق.
دخلت رضا وأدخلت صغارها وهي تقول:
ادخلي بس يا أبلة، والله مهدودة وما قادرة أقف على رجلي والعيال طول اليوم زن.
رقية دخلت:
إنتِ فعلاً باين عليكِ الإرهاق، يا بنت الناس مش فيه ولد وست بيساعدوكِ وينظفوا المكان؟ إيه بقى مش فاهمة ولا متفهمة، إنتِ كنتِ فين وأوعي تكذبي، أيوة ممكن تكوني روحتِ للطير، بقيتِ اليوم روحتِ فين يا رضا؟
رضا:
والله إنتِ ما بتحققي مع نهر كده، مالك طيب؟
عموماً روحت للعطار جبت صبر علشان هفطم العيال خلاص، هيكملوا سنتين هجري قريب، وجبت دواء من الصيدلية علشان إنتِ قولتِ إني هسخن والنبي صعبان عليّا، خلاص العيال مش هعرف أضمهم لصدري تاني ويبقوا نايمين طول الليل في حضني والمصحف صعبان عليّا نفسي أكثر منهم.
رقية:
وبعدين كملي، العطار والصيدلية مش هيكملوا ساعة، كنتِ فين بقية اليوم؟ وأيوة يا رضا إنتِ عندك حق، أنا ما بحققش مع نهر كده والظاهر إني لازم أقف معاها وقفة لأن هي كمان مش عاجبني أحوالها، وغالباً كده أنا ههج منكم ومش هتعرفوا ليّا طريق مبسوطة كده؟
رضا وهي تضحك بتعب:
تعالي يا أبلة اقعدي لكِ المعوذتين، إنتِ الشيطان لاعب في دماغك جامد، وإيه أهج دي سمعتيها منين؟ إنتِ حتى مش بتفتحي التلفزيون كتير وبقيتِ عاملة زي الأمهات هنا لما يجيبوا آخرهم من عيالهم، ألا ما قولتِ كده لعمر أو الدرش، تقومي تقولي كده ليّا ونهر؟ مالكيش حق، دي نهر عايشة بس علشان تفرحك يا روووقة.
رقية بحزن:
تفرحني إيه؟ أنا مخنوقة منها ومش قادرة آحاسبها، بس خلاص أنا لازم أقسي قلبي شوية.
بكى أحد صغار رضا فأخذته وبدأت ترضعه:
ممكن يا أبلة تسخّتِ شوية شمر على كراوية؟ مفيش لبن كتير راضي ينزل النهاردة والعيال جعانة وأنا والله ما قادرة.
رقية:
إنتِ خسّة اليومين دول يا رضا وبتغيبي كتير من البيت، بس النهاردة زيادة شوية.
رضا بعد أن ارتفع صوت بكاء الطفلة:
أرضع العيال المفجوعة دي ونتصافى يا أبلة.
رقية:
ما ناكلوهم حاجة؟ أحسن مفيش أكل لهم؟
رضا:
ما لحقتش أجيب زبادي والسيريلاك خلص شوية، وهقوم وأعمل أي حاجة بس أعطيهم تصبيرة الأول.
بعد فترة قليلة.
رضا:
مالك بقى يا أبلة زعلانة من نهر أو قلقانة من إيه؟ أنا عارفة إن عمرك ما دخّلتِ حد بينكم، بس إنتم أهلي وأنا حاسة بكِ متغيرة من فترة، وصدقيني هحاول أفهم، أنا عارفة إن تفكيري مش زيكم بس يمكن أريّحكِ، يوضع سرّة في أضعف خلقة إحكي بس.
رقية:
الأول خلينا فيكِ إنتِ وتأخيرك كل شوية.
رضا:
أنا في نفس العمارة موجودة، خلينا في اللي واجع قلبكِ، ولو ما عرفتش أريّحكِ حاضر هننقل الحفلة عليّا أنا، قولي بقى؟
رقية:
نهر من كام شهر أخدت فلوس كتير من شغل هي عملته، أنا طبعاً ما قولتلهاش لها أخذتِ كام لأن ده تعبها فعادي تتصرف فيه زي ما هي عاوزة، لكن بالصدفة عرفت من إدوارد، حتى إدوارد خطب وجاب شبكة محترمة من نصيبها، طبعاً مش دي المشكلة، أنا كمان معايا فلوس من شغلي مش كتير لكن معايا.
من إسبوع إيمري إتصل بيّا وقال إنه ناوي يعمل عمرة وفي وفد تركي هيروح معاه من ساسة ورجال إقتصاد وكده، فقال لي إن السعودية فاتحة أبوابها لعدد محدود للعمرة وهو حجز أربع أماكن على أساس هو وأنا ونهر وعمر، أنا فرحت طبعاً المكان هيكون شبه فاضي، لكن هنروح تركيا الأول نقعد ثلاث أيام وبعدين السعودية، المبلغ اللي معايا يا دوب تذاكر نروح ونرجع أنا ونهر وعمر، والإقامة في السعودية، قلت نهر معاها فلوس وأحنا أصلاً كام يوم هناك، بس كلمتها علشان تعمل حسابها، لاقيتها بتقول خاليها السنة الجاية ونطلع من مصر وإن الفلوس مش هتكفي.
طب عملت إيه بالفلوس؟ أنا عمري ما حسبتها، فلوس مين بنصرف منها؟ خصوصاً وهي بتصرف على نفسها وكليتها، بس هي عارفة إن نفسي في العمرة من زمان، مش قادرة أصدّق إن نهر بتبخل بالفلوس، نهر عمرها ما كانت مادية.
رضا:
طب ما تسأليها مش يمكن عندها عذر؟ كمان صرفت كتير على مزرعة الطير.
رقية:
مش هسأل يا رضا، أنا قلبي واجعني منها.
ورضا قامت وقبّلت رأس رقية.
رقية:
كده أنا ارتاحت يعني، أهو ما قولتِش حاجة تريّحني، إتفضلي قولي بتتأخري ليه كل يوم؟
رضا:
أنا نهر أمانتني على سر وقالت ما أقولوش لكِ بذات.
رقية:
بنتي أنا بتخبي عليّا ليه؟
رضا:
عقلها قالها تعمل لكِ مفاجأة، بس أنا شايفة إن على ما المفاجأة تخلص هتكون النفوس شالت من بعضها، فهقول السر بس، وحياة أغلى ما عندكِ ما تقولي إني قولت لكِ حاجة.
رقية:
مش حلو تخوني ثقة حد إداكِ سرّة يا رضا، خلاص ما دام بنتي أمانتكِ وأنا لأ.
رضا:
ياللاااااهوي على وجع القلب، نهر من أول مرة إتكلّمت معاها وهي قالت حلمي أبني لأمي بيت لها لأنها مش بتحب العمارات ومش واخدة على دوشة الجيران، من أول يوم سكنتِ فيه هنا وهي عارفة إنكِ بتمثّلي إنكِ تمام علشان كده، هي اشترت أرض وبتبنيها لكِ، ولما تكمّل إن شاء الله هتعملها لكِ مفاجأة وكمان هتنقل ملكيتها لكِ.
تعرفي قالت هتعمل دور أرضي ودور أول علشان أسكن معاكِ، ما أنا خلاص بقيت من بقية أهلكوا، قالت إنها معظم الوقت في مصر وهتخاف إنكِ تقعدي لوحدكِ ولازم يحيى وعهد يتربوا في حضننا، وأنا النهاردة تأخّرت علشان النهاردة كانت أول صبّة بتاع الأرضي، وكمان أسبوع صبّة الدور اللي فوق، إنتِ عارفة الصبّة يعني لازم أكل وهيصة، وأنا والله شرفتكوا وعملت أكل بزيادة حتى فيه عمال أخدوا أكل وهما مروحين كمان.
رقية كانت تسمع وهي مذهولة:
إزاي تعمل كده؟ هضيّع فلوسها على بيت، كانت لازم تاخد رأيي، أنا ممكن أستحمل أقعَد هنا خلاص إعتودت، بس هي لسّة بتكون مستقبلها وممكن تحتاج الفلوس دي بعدين، لأ طبعاً تبيع المكان وترجع فلوسها.
رضا:
هي واد هتكون مستقبلها؟ ما تهدّي كده وأستعيذي بالله من الشيطان وما تكسّريش بخاطرها، هي زي ما إنتِ قولتِ مش مهم عندها الفلوس، بعدين ماشاء الله بتعرف تكسب، هي أهم حاجة عندها إنكِ تكوني مبسوطة، وبعدين إنتِ ما سألتِيش البيت فين ليه؟
رقية:
هتفرق في إيه؟ أنا مش عاوزة أكون حمل عليها، المفروض أنا اللي أعمل لها مش هي.
رضا:
لا بقى إنتِ تعبتِ كتير، حتى مش بتقدري تشيلي حاجة تقيلة وجسمك بيترعش من أثر التعب اللي كان فيكِ، ومع كل ده برضو بتتعبي وتشتغلي وتربّي وتذاكري وتاخدي بالكِ من الكل، نهر ما عملتش البيت اللي بتبنيه علشانكِ لوحْدَكِ لأ، وعلشانها كمان، تعرفي هو فين؟ هقولكِ في نفس مكان بيتكوا القديم، بيت أبو نهر راحت و رجّعت الأرض، حتى قالت لي إن نفس نظام الأوض هو هو، هي ما اشترتش أرض والسلام، هي رجّعت نفس الأرض اللي هَدَاهَا مصطفى علشان يحسِّركم، بس هترجّعها بدور زيادة، بتقول ريحة بابا وماما فيها.
رقية وقد سالت دموعها بفرحة ولم تحملها قدماها لتجلس بصدمة على كرسي قريب:
بجد يا رضا نفس مكان بيتنا القديم؟
رضا:
آه وربنا، أومال أنا طبخت للعمال فين؟ الراجل اللي اسمه إبراهيم ساب ليّا المطبخ والدور كلّه أعمل الأكل وأغدّي العمال فيه، حتى مراته ساعدتني والناس مبسوطين إنكم هترجعوا تاني وحكوا ليّا حكايات كتير حصلت زمان، وكل شوية يقولوا نهر وأمها حبايب الغاليين وجيران الخير.
رقية:
علشان كده الفترة الأخيرة بتغيبي كتير عن البيت، أول مرة أنصدم صدمة حلوة كده، تعرفي لو أي مكان تاني كنت فعلاً هصمّم إن نهر تبيع المكان، إلا ده يا رضا بجد فرحانة قوي، البيت القديم ياما كان لينا حصن وأمان، أنا عاوزة أروح أشوفه يا رضا تعالي معايا.
رضا:
آه ومالَه بس حد يشيلني، ربنا ما فيّا نفس أخطي خطوة واحدة، أنا جسمي كل عظمة فيه بتقول اعتقيني لوجه الله، الصباح رباح والنبي تنامي هنا الليلة، العيال دول هيعملوا دورية عليّا وأنا تعبت قوي النهاردة.
رقية:
لا تعالي عندي فوق، إشتالي يحيى وأنا عهد ونتعشّى فوق، أنا عاملة أكل وإنتِ أكيد ما أكلتِش كويس، وناموا إنتم معايا فوق، ده إن جالي نوم أصلاً.
في القاهرة،
نهر تتكلم في الفون وهي توصل بعض الأشياء للفندق ومعها إدوارد.
نهر:
بجد يا عمو يعني خلاص عرفت تتصرّف، يااااااه ربنا يخليكِ ليّا يا حبيبي، مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه، أنا عاوزة نسختين، واحدة صغيرة أحطّها في المحفظة وواحدة كبيرة أحطّها في الألبوم....... شكراً يا عمو ربنا يخليكِ يا حبيبي ........ تمام هروح بعد بكرة إن شاء الله، سلام لا إله إلا الله.
إدو:
إيه بقى وصلة الحب دي مع مين وصور إيه؟
نهر:
وإنتَ مالكِ، ما تخلّيكِ في البرنسيسة ميرا بتاعتك اللي طالع بيها القمر.
إدو:
مالكِش دعوة بميرا، وبعدين ميرا خطيبتي وهتكون مراتي، أحب فيها براحتي، إنتِ هتبدّئي شغل الحموات من دلوقتي.
نهر:
حموات إيه إنتَ كمان؟
تعرف لو حاسة إن ميرا دي سالكة و الله كنت باركت و فرحت لك بس يا إبني دى مادية قوي وهتقشطك وهتخلع دي اتخطبت ثلاث مرات قبلك وبيدعوا عليها.
آدو:
ميرا خط أحمر يا ريت ما تتكلميش عليها تاني لا بحلو ولا بوحش علشان ما نزعلش من بعض.
نهر وهي تنفخ بغضب وعلي مراحل:
ماشي كنت بكلم عمو أمجد لما البيت بتاعنا هدة مصطفي كان فية البوم زفاف آنة وبابا مستخبي، آنة كل ما تبقي حزينة تطلعة ودة راح في الوبا فية البوم تاني بتاعي أنا وهي دة عمو إبراهيم قدر ينقذة المهم آنة كانت حكت لي أن عمو أمجد بعت لهم الصور بعد الجواز فكدة يبقي اتصوروا في الاقصر فقولت لعمو أمجد لو ينفع يوصل للنيجاتف بتاع الصور ويطبعة تاني أبقي ممنونة منة وكمان لو فية لآنة اي صور قديمة في الفندق زمان أيام شغلها يا ريت علشان لما البيت يخلص هحطهم هناك علشان آنة تفرح هو عرف يتصرف الحمد لله وهيطبعهم وهروح احبهم بعد بكرة أنا كمان اتفقت هعمل عفش عمولة عند نجار في البلد رسمت لة حاجات زي العفش القديم وبيعملها فهمت.
آدو:
لو محتاجة فلوس قولي، من رائي خدي فلوس سلف مني وروحوا اعملوا العمرة الي ماما عاوزة تروحها دي وابقي رديهم في أي وقت.
نهر:
فكرتني أنا دبرت الموضوع دة أصلا وهتصل بها كنت غبية لما رفضت بص هو ممكن الفلوس تقصر معايا لما ارجع هبقي استلف منك لو الدنيا باضت مني يلا وصلنا ننزل الحاجة ونكلمها نفرحها.
آدو:
ماشي بس لسة معرفتش دبرتي الدنيا ازاي لنا كلام تاني علشان أفهم.
نهر:
إنت هتتشطر عليا أنا يا عم روح حقق مع خطيبتك مش أنا.
آدو:
خطيبتي لها أهل يسالوها أنا لما أتجوزها أبقي أحاسبها مادام في بيت أهلها هما يحاسبوها إنت هفضل طول العمر أسألك فاهمة ولا لأ.
بعد عشرة أيام في تركيا دخل برهان البيت بعد يوم عمل رغم كبر سنة إلا أنة يصر علي ذهابة للشركة علي الأقل ثلاث أيام بالاسبوع و يتابع باقي الأسبوع من علي شاشة كبيرة في مكتبة.
عندما دخل كان صوت بكاء عالي من أعلي فنادي هو بصوت قوي:
برهان:
آسيل بتبكي لية؟
إيزل بصوت غاضب:
أنا تعبت يا جدي البنت لغاية دلوقتي بتعمل علي روحها مش فاهمة إمتي هتكبر بقي أنا إرفت.
برهان:
إنت لسة جاية حالا من الشغل فوراً صبيتي غضبك علي البنت مافكرتيش إنها ممكن تكون حالة نفسية أو حتي عضوية قولت كتير روحي بها لدكتور.
نادي بصوت عالي:
برهان:
نازلي هاتي آسيل و معاها غيار علي المكتب بسرعة.
ليدخل المكتب و تأتي نازلي بعدة بدقائق معها الطفلة و غبار لها.
برهان:
غيري لها اللبس وهاني ألبسها.
كانت الصغيرة تبكي و تكتم أنفاسها حتي لا يعلو صوتها.
دخلت فيروزة بغضب:
فيروزة:
إية دة يا برهان إزاي تنزل البنت بالحالة دي أمها لازم تشد عليها و تربيتها و إنت منزلها مبلولة و في المكتب.
برهان:
أخرجي برة فيروزة و إقفلي الباب وراك كان أولي بدل الصراخ علي البنت و إنكم ترعبوها تشوفوا السبب و تروحوا بها لدكتور إتفضلي.
فيروزة خرجت بغضب و هي تقول:
فيروزة:
إللي بتعملية دة غلط والبنت بتتمادي لإنك مدلعها.
كانت نازلي قد خلعت ملابس الصغيرة و دخلت بها حمام المكتب و شطفتها و لفت منشفة حولها ليجلس برهان علي كرسي مريح و يزيد حرارة التكييف.
خرجت نازلي مع الصغيرة ليقول برهان:
برهان:
إتفضلي و إقفلي الباب معاك.
وقفت الصغيرة بارتعاش و هي تقول:
آسيل:
آسفة جدو حاولت و قدرتش أتحكم في نفسي.
فتح برهان ذراعة لتدخل الصغيرة في حضنة و هي تبكي بعنف.
برهان:
يكفيني إنك بتحاولي وأنا مش بزعل منك أبدا.
آسيل:
أبدا أبدا.
برهان:
أبدا أبدا صغيرتي الجميلة مكانك في كل قلبي.
نظرت لة و هي تبكي مجددا:
آسيل:
أنا بحبك قوي جدو أكتر حد في الدنيا علشان إنت الوحيد إللي بيحبني مفيش حد خالص خالص بيحبني ولا حتي حبة صغيرة.
برهان وهو ياخذ لبس الصغيرة و بدأ في لبسها:
برهان:
إزاي دة ماما و أكيد بابا بيحبوك و أكتر واحد بيحبك ربنا و إلا ماكنش خلقك.
آسيل:
ربنا كمان خلق الكفار و أكيد مش بيحبهم و ماما و بابا مش بيحبوني أبدا أبدا تعرف آخر مرة بابا قال لماما مش تاخدني معاها مع أن مش شوفتة من زمان حتي مش جاب لي حاجة خالص.
برهان كان يعتقد أنها تتكلم عن مكالمات الفيديو التي تحدث بينهم و رؤيتة لابنتة من خلالها.
برهان:
أولا إنت مسلمة مش كفار و شطورة و تحفظي قران كويس قوي و ذكية و علشان فية خلاف بين بابا وماما فهما تعبانين شوية لكن طبعا بيحبوك جدآ هما مش عندهم غيرك هيحبوا مين يعني أنا مثلا.
لتنظر لة الصغيرة وتقول:
آسيل:
يا جدو أنا كنت عطشانة قوي مش رضي يجيب لي عصير زيهم أو حتي ماية لأن آنة قالت شرب كتير ممنوع علشان مش أعمل علي نفسي مش عرفت آكل لأني كنت عاوزة اشرب.
نظر برهان بإنتباه للصغيرة:
برهان:
إنتم قابلتوا بابا يا حبيبتي؟
آسيل:
من يوم ويوم لكن من فضلك مش تقول لآنة لأنها هتعاقبني قالت لو قولت لحد هتنزلني غرفة العقاب وأنا بخاف لوحدي ممكن يكون دة سرنا.
إحتضن الصغيرة بحب و إسودت عيناة و هو يقول:
برهان:
طبعاً حبيتي دة السر بتاعنا و لو إن المفروض نحاول نحافظ علي أسرار غيرنا ما دام إستآمنونا عليها بس علشان إنت صغيرة خلاص.
آسيل:
ممكن أقعد معاك و نلعب شوية، شوية صغيرين آد كدة.
وأشارت بمقدار صغير بين إصبعيها.
برهان:
أحنا هناكل كمان عشر دقائق ناكل و أشرب شاي و نرسم مع بعض إطلعي جهزي كراسة التلوين والألوان وهاتيهم هنا نلون مع بعض إية رائك؟
قبلت الصغيرة يد جدها و هي تنط فرحا:
آسيل:
هجهز كل شيء واجي هنا و هغسل ايدي اوك.
برهان:
أوك.
آسيل وقفت أمام الباب قليلا وقالت:
آسيل:
مش عارفة أفتح الباب.
ليضحك برهان:
برهان:
فاضل كم سنتيمتر بس و تعرفي.
و إتجه للباب فتحة وأخرج راسة منة وقال:
برهان:
هعمل تلفون وجاي.
إتصل فورا بإيمري و أبلغة أنة يريد منة أن يعرف أن كان معاذ طليق حفيدتة بتركيا ام لا وأن كان فيها يعرف اين يسكن و هل يعمل أو لا و يريد المعرفة باقصي سرعة لآنة يثق بة ولا يريد أن يعرف أحدا لانة طلب ذلك ولا حتي زوجتة انهي المكالمة ثم فتح الباب وتركة مفتوح لتستطيع الصغيرة أن تدخل وتضع اشيائها.
بعد ثلاث أيام كانت إيزل تخرج و هي في قمة أناقتها و برهان و آسيل في حديقة البيت حيت تمرح بالدراجة وبرهان يراقبها ويضحك معها.
برهان:
علي فين إيزل؟
إيزل:
هقابل صحباتي ونسهر شوية جدي؟
برهان:
ممكن تاخدي آسيل معاك البنت زهقانة و ممكن تلاقي ركن اطفال تلعب فية.
ايزل:
هتاخر جدو لانها لسة هتغير غير لازم أجهز غيار و الاهم مش بحب أخدها و أنا بقابل صحباتي هقعد معاهم ولا هقعد أغير لها.
برهان بغضب قام و اقترب منها:
برهان:
كلامك و أسلوبك معها خلي البنت و حيدة و مش واثقة في نفسها و بيدمرها نفسيا و إنت و لا علي بالك إزاي إنت أم مش عارف إمشي إيزل و بعد كدة حاولي تخرجي بنتك معاك شوية إتفضلي من قدامي.
نظر لآسيل و قال:
برهان:
تعبتي ولا لسة؟
آسيل بحزن:
لو تعبت جدو ندخل.
دخل سائق برهان وهو يقول:
السائق:
السيارة جاهزة أغا.
برهان:
إنتظر قليلا لاري لما الجميلة حزينة.
ثم نزل لمستواها و قبلها.
آسيل:
مفيش جدو أنا هروح أغسل يدي و إطلع غرفتي إنت كمان خارج.
برهان:
عندي ميعاد حبيبتي وإن كنت مستيقظة ساجلس معك قليلا إن لم أكن متعبا هل تحبي أن آتي لك بشي من الخارج.
فكرت آسيل قليلا:
آسيل:
آيس كريم و شبس.
ليقبل يدها و وجنتها:
برهان:
احلي آيس و شبس لاحلي بنوتة في العالم كلة يلا إركني الدراجة و إدخلي.
نظر برهان للسائق:
برهان:
عفوا بني نسيت إني قلت لك أن تاتي لي لذا ساصعد و أغير ملابسي وانزل.
السائق:
تحت أمرك يا فندم.
كان ايمري بعث لبرهان بالامس مكان إقامة معاذ و أبلغة انة يشتغل حاليا في نفس المشفي التي كان يعمل بها قبل سفرة لمصر فادرك الأغا ان معاذ نوي المكوث في تركيا لذلك نوي بعد أن علم مواعيد عملة التي أصبح يواضب عليها أن يزورة في بيتة ليحذرة وجها لوجة من إعادة المحاولة في جذب حفيدتة لأنهم جميعا تعبوا إلي أن إستقرت حالتها و رجعت لعملها.
صعد برهان مع سائقة لشقة معاذ وطلب برهان منة أن يرن لة الجرس و يقف أمام الباب فهذا السائق عينة برهان بعد أن رجع من مصر ولا يعرفة معاذ فقد كان قبل ذلك يذهب العمل مع فيروزة و عمران التي كانت تهوي أن تقود السيارة و كما حسب برهان فقد فتح معاذ ظنا منة أنة عامل الدليفري و ما إن فتح حتي قال برهان:
برهان:
أهلا معاذ.
نظر للسائق و قال:
برهان:
إتفضل إنتظرني باسفل بني.
لتخرج بنفس الوقت إيزل من الداخل و هي ترتدي بيجامة حريرية و تقول:
إيزل:
الفيزا في الشنطة معاذ حاسب بسرعة جعانة موووت.
إلي أنها تسمرت مكانها و هي تري برهان يزيح معاذ بيدة و يري حفيدتة بلبس غير التي خرجت بة.
أغلق الباب ونظر لهم و حاول أن يبدوا هادئ عكس نيران صدرة.
برهان:
كنت جاي أقول لك خليك راجل و أبعد عن حفيدتي لأنها نسيتك بس واضح إني فهمت و ربيت غلط.
كادت إيزل أن تتكلم لكنة أشار بيدة لها ان لا تتكلم ليكمل هو كلامة بإستحقار:
برهان:
يا تري حفيدتي المتربية حامل للمرة الثانية من غير جواز ولا لسة عموما هكلم فيروزة و عمران يرتبوا لحفل زفاف صغير علشان ترجعوا متزوجين ولا نوايين تقضوها زنا.
إيزل وهي تبكي:
إيزل:
حضرتك فاهم غلط أنا أول مرة آجي لمعاذ البيت مفيش إلي في راسك.....
ليقاطعها للمرة الثانية:
برهان:
صحيح أنا راجل كبير بس يا محترمة مش واخدة بالك إنك لابسة لبس بيت و غيرتي لبسك مش واخدة بالك إنك كذبتي عليا و قولتي رايحة لأصحابه.
ايزل:
إحنا إطلقنا غصب عننا و معاذ إتغير.
برهان:
أبسط تفصيلة صغيرة حتي الأكل إلي كنتم هتاكلوة كنتي هتدفعي حسابة إدخلي فورا البسي و علي القصر و يا ريت يبقي فية بقية أخلاق و دين وماتختلوش ببعض غير بعد الزواج إتفضلي أنا مستني سيادك.
دخلت لتغير ملابسها ليرن جرس الباب و يفتح معاذ فيجد أمامة عامل الدليفري فينظر الية برهان الجالس علي كرسي و يضحك بوجع و يدخل معاذ بالطعام علي رخامة المطبخ و يدفع.
ويتصل برهان بفيروزة و يطلب منها أن تدتبر أمر إعادة زواج إيزل و معاذ و أن تنزل خبرا في أي صحيفة أو مجلة تختارها برجوعهم و أن تاخذ ميعاد عاجل من قاضي الزواج عندهم فالزواج في تركيا لابد من وجود قاضي و بميعاد مسبق.
خرجت إيزل مع جدها.
برهان:
كلمت فيروز تدبر أمر جوازكم في أسرع وقت إرجعي القصر و ساعديها و أعتقد إن عربيتك قريبة وأنا هرجع مع السائق إتفضلي.
بعد حوالي ثلاث ساعات كان القصر ملئ بالضراخ والغضب من أدم لأختة لأنة غير موافق برجوعها لهذا المعاذ كما أنة حاو لالوصول مرارا و تكرارا علي جدة وسائقة وكان هاتفهما مغلق ليدخل برهان و قد أسندة سائقة ليجري علية الجميع.
برهان:
انا كويس مجرد شوية إرهاق بس.
و نطر لادم:
برهان:
و أنا إللي أمرت التلفونات تتقفل.
اسندة علي أقرب كرسي وجلس علية بتعب.
ادم:
إنت كويس يا جدي؟ مش مجبرين نجوز إيزل لمعاذ تاني أنا عارف إنت حزين قد إية؟
برهان و هو ينظر الية بابتسامة:
برهان:
لأ يا حبيبي مجبرين أكيد أختك حكت لك إني لاقيتها عندة بلبس البيت لوحدهم فقولي يا أدم هقول إية لربنا خصوصا إن العمر خلاص معدتش فية هقولة كنت عارف إنهم عايشين في الحرام و منعت عنهم الحلال أوعي تنسي إننا مسلمين والزنا من الكبائر وأختك مش صغيرة لا كبيرة و عاقلة لدرجة إنها بترأس قسم الحسابات في الشركة و لا عاوزني أستني طفل تاني.
ادم بعصبية:
تتحبس ما دام هتجيب لينا العار تتحبس وما تخرجش برة.
لتصرخ كلا من عمران و إيزل علية وهما يقولان:
عمران وإيزل:
إنت بتقول إية؟
ليدق برهان بعصاة الارض ويقول:
برهان:
لية أحبسها هل هي فاقدة الاهلية،
لا، الإسلام أعطاها حق الاختيار ومش هحرمها من حقها لكن مش هغصب على نفسي أشوفهم في بيتي.
فيروزة بانتبهاه: قصدك إيه يا برهان؟
برهان: أقصد إنهم كبروا وبيخدوا قرارات في حياتهم ليه أضغط على نفسي وأحرق في روحي كل ما أشوف حد منهم؟ إيزل هتروح تعيش مع جوزها في أي مكان هما يقرروا وياخدوا بنتهم معاهم وطبعاً مكانها في الشركة زي ما هو لو عاوزة تفضل فيه تفضل عاوزة تمشي ومالها براحتها. الحساب المشترك أنا وقفتة وأول ما تستلمي دفتر الزواج آدم هيكون حدد لك راتب شهري منصف بعد ما يقعد مع القسم المالي وهيعطيك مرتب شهر كامل ومع أول الشهر الجاي لو استمريتي بالعمل هتستلمي مرتبك عادي ومن الزواج لآخر الشهر أجازة لك ما أنتم عرسان جدد دبري نفسك هتاخدي من هنا متعلقاتك إنتِ وآسيل والعربية.
إيزل بعند: ودي تبقى جوازة وآسيل معانا مين هيعقد بيها يا جدّو؟ أنا وهو بنشتغل وأنا......
قاطعها آدم: في حضانات في كل منطقة.
برهان: لو عاوزة تتركيها هنا وتيجي تشوفيها أو تخرجي بها لما تحتاجي ما عنديش مانع لكن إسألي أبوها الأول وتشاورا في الموضوع وبالمرة قولي له إنك هتعيشي معاه مش هو اللي هيعيش معانا علشان يعمل حسابه على الوضع الجديد.
إيزل: أوكي يا جدي قريباً هتعرف إنه اتغير أنا فاهمة إن حضرتك بتعمل كده علشان معاذ يرجع بكلامه وما ينتجوش لكن متأكدة إنه هيكمل.
آدم: طبعاً هيكمل يا جدي ما حرمكيش من الميراث وإنتِ هتساعديه في المصاريف فليه يلغي هو عينه علي بعيد.
إيزل: ليه ظالميني كده؟ عموماً أنا موافقة أعيش أنا وهو لوحدنا وبمرتبنا عن إذنكم طالعة أكلمه وأتفق معاه.
آدم: غبية.
نظرت له عمران نظرة عتاب فهي دائماً تقول له إنه حاميها ويجب أن يكون الصدر الحنون لأخته.
برهان: آدم إنت هتكون مع أختك في الزواج أنا مش هحضر لكن كلكم هتكونوا معاها.
عمران: لكن يا.......
قاطعها برهان: عارف هتقولي إني هسبب الأقاويل إني مش موافق زي المرة الأولى لكن أنا آسف أسبب الأقاويل بدل ما أموت من قهري صدمتي كبيرة في إيزل أنا طالع أنام.
صعد لغرفة نومه واتصل بإيمري ليرد إيمري فوراً.
إيمري: كيف حالك أغا؟
برهان: سيئ جداً إيمري اتصلت بك لأرجوك أن تكون بجانب آدم الفترة القادمة فأنا لا أطمئن لردة فعله أبداً وأنت الوحيد الذي من الممكن أن يهدئه خصوصاً أنني لن أكون معه باختصار إيزل سترجع لمعاذ فيروزة وعمران سيقومان بالإجراءات كي يتم الزواج في أسرع وقت.
إيمري: فهمت أغا أنا بالفعل سآتي غداً لإسطنبول لكنني سأغادر بعدها بأربع أيام تركيا فإن تم الزواج في هذه المدة سأكون موجود لأنني للأسف لن أستطيع أن ألغي السفر خصوصاً أنني ضمن فوج محدود للسفر للسعودية.
برهان: عمل مهم؟
إيمري: بل عمرة أغا وافقت المملكة لعدد محدود فأنت تعرف كورونا لم تنتهِ بعد رغم أن عدد المصابين في انخفاض.
برهان بلهفة: هل تستطيع أن تدبر لي حجز هناك؟ أنا بحاجة شديدة لهذه العمرة إيمري قلبي مثقل بالهموم أحب أن أخرج من دائرة العمل والمشاكل روحي تحتاج لزيارة الكعبة وقبر الرسول أرجوك إيمري حاول.
إيمري: العمرة ستكون سريعة أغا لن تتعدى الأربع أيام سنذهب أولاً لمكة وثاني وثالث يوم بالمدينة ثم نرجع بثالث يوم لمكة ونبيت بها ورابع يوم مساءً رحلة العودة هذا مرهق جداً لك خصوصاً مع مرضك المتكرر أرى أن تصبر قليلاً.
برهان: بل هي بوقتها المناسب فقد ضاقت عليَّ الدنيا ولم أعد أحتمل أكثر سأحاول أنا وتحاول إنت إن لم أستطع أن آتي معكم فيكون في أقرب وقت ممكن في الماضي كنت أذهب بأي وقت أريد لكن اليوم يوجد الكثير من القيود من فضلك إيمري مكان واحد فقط.
إيمري: حسناً سأحاول وأتي لك غداً لأطمئن عليك إلى اللقاء أغا.
دخلت فيروزة بعد انتهاء المكالمة مباشرة.
فيروزة: كنت بتكلم مين أغا؟
برهان دون أن ينظر لها: ما تخافيش مش بدبر شيء يبوظ الجوازة لأني عارف إن أكيد إيزل قالت لك عن رجوع معاذ تركيا وكالعادة أخفيتوا عليَّ الأمر يا هانم أنا فقط أحاول مع إيمري أن يساعدني لأسافر عمرة لأن البيت والشركة والدنيا كلها بقت بتخنقني عاوز أبعد شوية إحتمال روحي اللي حرقتوها تستريح في بيت الله أو قبر الرسول.
فيروزة: أنا أخفيت خوفاً عليك معاذ قال إنه هيحاول يرجع ثقتك بيه.
برهان بابتسامة حزن: ثقة كل يوم بينزل من نظري والمشكلة إنه مش بينزل لوحده أيوه بنعتبر نفسنا دولة أوروبية لكن إحنا إتربينا غير أوروبا يا هانم إتربينا على الأخلاق والدين محتاج أرتاح من فضلك أغلقي النور. (تركيا معظمها في آسيا جزء صغير منها في أوروبا وكثير من الألمان والسوفييت يعيشون بها لذلك يعتبر كثير من الأتراك أنفسهم أوروبيين)
حضر إيمري الزواج مع الأسرة واستطاع أن يحجز للأغا تذكرة سفر لكن بعدة بثلاث أيام ليكون إيمري ورقية والأغا بمكة في آخر يوم لإيمري ورقية وأول يوم لبرهان حيث وصلت طائرة الوفد الأول من المدينة ليلاً وأيضاً طائرة برهان أغا من تركيا لمكة.
استيقظ الأغا قبل الفجر لينزل إلى الحرم ويصلي الفجر به بينما كانت رقية تصلي في غرفتها بعد أن علمت من إيمري وصول الأغا لمكة فخافت من النزول وذلك بالرغم كم ارتداء الجميع للكمامات وعدم كشف الوجه سواء للرجال أو النساء بينما نهر استأذنت أمها للنزول للحرم والمكوث به فترة فأذنت لها لأنهم سيتركون مكة قبل المغرب للتوجه إلى تركيا وبعدها إلى مصر.
بعد صلاة الفجر بفترة جلس برهان ووجهه إلى الكعبة وهو يدعو ويبكي بقهر إلى أن علا صوته كانت نهر تراقبه من بعيد دون أن تعرف من هو فهي تراه من ظهره تحركت إليه فمن شعره الأبيض يبدو أنه كهل قد أثقلته هموم الدنيا وجاء ليخفف همومه هنا عندما اقتربت سمعت صوت بكائه لتربت على ظهره وتعطيه منديلاً من حقيبتها.
نظر برهان ليدها وهو يقول: شكراً.
نهر: آسفة على المقاطعة هل ممكن أساعدك بشيء؟
أحس برهان أنه سمع صوتها قبلًا لكن تجاهل الأمر وهو يقول بالعربية: لا شكراً كيف أشكي لمخلوق وأنا في معية الخالق.
رغم اختلاف صوت الأغا من أثر البكاء لكن نهر عرفته.
نهر: برهان أغا أهذا إنت؟ ثم رفعت الكمامة ليرى وجهها.
برهان: معقول رينا كيف أتيت إلى هنا؟ لقد أتيت بصعوبة مكان رائع للاقتاء يا فتاة ولكن إنتِ وحدك هنا.
نهر: أخي وأمي معي لكن بالفندق أنا من أردت الصلاة هنا سأساعدك لترجع تستريح هل طوفت طواف القدوم؟
برهان: نعم أمس فقد كنت مشتاقاً للمجيء أنا في فندق الحرم تعالي معي لنفطر سوياً ساعزمك.
نهر: موافقة.
في مطعم الفندق بعد أن فطرا.
نهر: قرأت إن إيزل رجعت لزوجها أغا هو ده اللي مضايقك؟
برهان: ما زلتِ متابعة أخباري أنا وأسرتي مش فاهم ليه لكن لا رينا أنا مضايق إن أقرب ناس لي هما اللي بيطعنوني رغم معرفتهم إن معاذ كان هياذي سمعتي لكن سامحوه وبدأوا يقفوا بجانبه عادي وفجأة بقيت اللي بقيد حرية حفيدتي وبخطط حياتها وبقى الجميع يخفي عني وعن آدم كل شيء.
نهر: أحمد ربنا وأشكر فضله رغم إن الوجع اللي بيجي من أقرب الناس لك ده صعب لكن فيه الأصعب منه إسألني أنا تخطيت الوجع ده من زمان وبقيت في المرحلة اللي بعده وبرضو من زمان مرحلة بقيت كارهة فيها نفسي لكن مش هكذب ارتاحت كتير لما جيت هنا.
برهان: إنتِ سنك قد إيه علشان توصلي لوجع أكبر ومين وجعك قوي كده؟
نهر: باختصار أخويا الصغير ياما وقعني أنا وهو في مشاكل واتخلى عننا كتير وكل مرة نقول معلش صغير وبكرة يكبر ويقدر لا بكرة بيجي ولا هو بيعقل وديماً يختار الإريح له عارف إننا هنسامحه كان لي صديقة مقربة ياما ذاكرنا ومرينا بمواقف مع بعض لدرجة كنا بنام مع بعض لو حد منا مرض ونخفف عن بعض مع أول فرصة بعدت عني اتصلت وقالت مش عاوزة أعرفك تاني وجوزها اللي كان في مقام أخويا وإتربينا وعدت عليَّ مواقف كتير فرح وحزن مش بس قطع علاقته بي الأكثر أجبر والدته اللي هي تقريباً بعتبرها خالتي وأمي بتعتبرها أختها تقاطعنا لكن بصراحة بنتكلم من وراها ونشوف بعض كمان ده في موضوع القريبين اللي بيطعنوك وأنت مستسلم لا قادر ترد ولا عارف توقف الوجع منهم.
برهان: وإيه هو الوجع الأكبر من كده؟
نهر: الأكبر من كده إنك تكون سبب أذية أحب الناس ليك مجرد وجودك في الحياة من غير ما تعمل أي شيء هو أذية له تعرف أنا لولا وجودي في حياة أمي كانت أمي مثلاً ممكن تكون سيدة أعمال ناجحة وجودي خلاها خايفة عليَّ بزيادة كل خطوة بتعملها تحسبها من منظور مصلحتي وبعدين جاء أخويا وبرضو كان سبب لقرارات خلتها تعيسة والتعاسة بتجيب مرض أنا أمي جالها من كتر الحزن السرطان مرتين مرة سرطان دم والمرة التانية استأصلت الثدي صعب إحساس إنك موذي ما بالك لو الإحساس ده ملازمك طول حياتك تقريباً الإحساس عندي من وأنا تقريباً ست سنين.
مسحت نهر عينها بعنف بعد أن لاحظت وجع عينها من البكاء.
برهان بتعجب: سن ست سنين ده يعني مهما عملتِ مش هتكوني موذية لكن فكري إن ربنا اللي خلقك مش بمزاجك تجي الدنيا وبعدين زينة الحياة المال والبنون مهما كان معاكِ مال مش هتكوني سعيدة من غير البنون فلِأ ربنا مش بيقدر شيء سيء للبشر يمكن وجودك أصلاً معاها أقواها وإنتِ مش واخدة بالك سمعتك كتير بتكلميها لما كنا في مصر نبرتك معاها كلها حنان وده لوحده كفيل بإسعاد أي أم أو أب مش عارف حياتك كانت ماشية إزاي لكن الأكيد إنها سعيدة بك في سنك كتير في الوطن العربي وأكبر منك مش عارفين يكونوا مسئولين عن نفسهم إنتِ غير مثلاً زوج إيزل لغاية اليوم معتمد عليها في مصروفها تخيلي.
نهر: عارف أغا إنها كانت أيقونة جمال قبل ما تخلفني وبعدين بدأت تدبل شوية شوية لغاية فعلاً ما بقت أكبر من سنها بكتير قوي وصحتها ديماً في النازل صح روحها هي هي وروحها بشوفها ديماً في عينيها لكن أنا نفسي ترجع تضحك على طول هوريك صورتها وهي صغيرة في زفافها مع بابا وكمان مع أصدقائها في الفندق وصورة من يومين رغم إني مش بوري إمي لحد لسة من فترة قريبة طبعت الصور في محفظتي.
لِتخرج نهر أربع صور ويلبس برهان نظارته ويرى ما جعله ينصدم بشدة بينما كانت نهر تخرج صورة لأمها أمام الحرم من فونها.
برهان بصدمة وتوهان: هذه هي أمك؟
نهر: نعم أليس بِيَ أي شبه بها؟ هل أخذت كل الجينات المصرية؟ وأعطته الهاتف وهي تقول: دي بقى صورتها حالياً.
أخذ برهان الهاتف بيد مرتعشة ونظر إليه وهو يقول بسخرية: أهذه هي تلك؟ كيف هذا؟ (أمسك الهاتف وهو يشير إلى الصورة ويكمل) هذه أكبر من فيروزة زوجتي لن أنكر الشبه بين الصور الورقية وصورة الهاتف لكن ليسوا شخص واحد لا أنا غير مقتنع.
نهر بحزن: السنين بتغير كتير والحزن والتعب بيغيروا أكتر وبعدين حضرتك كده بتواسيني ولا بتوجعني أكتر؟ وأكيد زوجة حضرتك وابنتك عملوا أكتر من عملية تجميل غير استعمالهم لمستحضرات التجميل أنا أمي لا مع إن مكياجها بسيط في فرحها بأبي.
برهان: أريد مقابلتها أليست معك في العمرة؟
نهر: ليه؟ هي مش بتحب تتعرف على حد جديد وخصوصاً لو راجل.
برهان: هتعرفي بعدين لكن لازم أشوفها دلوقتي قبل كمان شوية.
نهر: دلوقتي آنة زمانها صلت الفجر ونامت عارف الساعة ما كملتش ستة لسة وبعدين ما تخلينيش أرجع أشك فيك تاني؟ إنت تعرفها طيب؟
اتعرفت عليها من الصور؟
برهان وهو يعقد حاجبيه؟
اتعرفت عليها من الصور.
ثم رنت في أذنه جملة نهر لسة من فترة قريبة طبعت الصور.
ليفكر هل تستغل رينا الشبه بين أمها وابنتها وقامت بعمل فوتوشوب لصور زفاف أمها.
بالطبع فعلت، فهي كما عرف عملت في مجال البرامج والتكنولوجيا فترة كما قالت، غير كونها طالبة في عمارة، فهي بالتأكيد تعلمت برنامج الفوتوشوب وغيره.
ولو أضاف إلى ذلك ملاحظته بأنها منذ أول دقائق تعرفت عليه أعترفت أنها تتابع أخباره وأخبار عائلته.
ابنته ماتت ودفنها، وكان بيدها خاتم أمها الذي أعطاها إياه قبل سفرها.
يا الله، أيعقل أن تدبر له جريمة تزوير وفي الحرم، لما لا، من أراد التزوير وبيع ضميرها لن ينظر إلى أي مكان هو.
نظر بحزن لرينا وهو يرى توترها ويقول في نفسه (خسارة كنت بدأت أحبك، لكن واضح إنك مثل معاذ، حبكم للفلوس عمى عينيكم).
نهر:
روحت فين وعاوز تقابل أمها ليه؟
برهان:
أعتقد أني بشبه عليها، جايز لو شوفتها أعرفها.
نهر بتفكير:
هدبر معاك وقت تشوفها بس نتفق أول.
برهان:
نتفق على إيه؟
نهر:
لو عرفتها بجد تقولي، والأهم إنك مش تقولها إني سبب مقابلتكم أو إني بحاول أعرف هي مين؟
لأنها ممكن نزعل مني، خصوصاً إنها حذرتني أحاول أبحث في الموضوع ده وقالت هيجي يوم وتقولي بس في الوقت المناسب.
برهان بانتباه:
ليه إنت ما تعرفيش كنية والدتك، معقول؟
نهر:
أمها فقدت الذاكرة قبل زوجها من والدي، ووالدي اللي سماها، والذاكرة رجعت من حوالي ست سنين وساعتها سافرت تركيا.
بص، الموضوع معقد، لكن لا معرفش كنيتها ولا حتى اسم حد من عيلتها، ومتأكدة إنها ما حاولتش تتواصل مع عائلتها، في شيء منعها.
هي قالت رجعت علشاني وعلشان أخويا، لقيت إن من الأنسب تكون معانا مع إن أمانها مع أهلها.
أنا هقوم، أتأخرت، معايا رقم الواتس، هحدد معاد تشوفها النهاردة بس الأول وافقت على أهم شرطين للمقابلة.
برهان:
تمام، وافقت.
غادرت نهر ودبرت معاد أمام إحدى الأماكن التجارية التي أرادت رقية شراء بعض الهدايا منها، وكانت نهر تراقبها من بعيد.
عندما خرجت وتفاجئت ببرهان أغا أمامها وهو يناديها بصوت قوي:
عائشة جول.
لتتسمّر قدماها في الأرض، ثم يتكلموا حوالي خمس دقائق فقط، لتخطو رقية خطوات واسعة سريعة وقد امتلأت عينها بالدموع.
راتها نهر، كانت ستلحقها لكنها رجعت مفاجأة واتجهت لبرهان أغا.
نهر:
حصل إيه يخلي أمها تمشي كده؟ وهي باين عليها حزينة، وهل عرفتها؟
برهان بسخرية:
اللعبة بتاعك إنت وأمك لعبة رخيصة، دي مش عائشة، وانسي إنك تعرفي حد اسمه برهان، لأني لو هعاقبك مش هتستحملي يا شاطرة، وعلاقتك بحفيدي تنتهي حتى لو علاقة فيس أو واتس من ورا شاشة موبايل.
نظرت له نهر بذهول:
أوك، موافقة، مين بقى عائشة جول؟ إنت مدين لي بتفسير.
أبعد بيده وهو يقول:
مليش مزاج ولا وقت أضيعه معاك.
نهر:
أنا وثقت فيك وإنت أحزنت أمي وأخليت باتفاقك، وما قولتش تعرف عائشة جول منين، أوكيه هعتبره درس لي إنك مش قد ثقتي.
(قالت كلماتها الأخيرة بتحدي واضح له ومشت سريعاً لتلحق بأمها).
كان برهان متأكد من أنها ستحاول معه بأي طريقة أن تتواصل معه، خصوصاً أن الشك بدأ يتسرب إليه أن من قابلها ربما عائشة، قلبه يحن لها لكن عقله يقول مستحيل، ولم يستطع عقله أن يستوعب أن ابنتها حية ولم تتواصل مع أسرتها بل فضلت العيش بابنائها بعيداً عنه.
بعد أن اتجهت نهر لرقية كانت تقريباً في حالة انهيار، وتكلمت مع إيمري قليلاً ليرى مدى انهيارها ووافق على طلبها بضرورة طواف الوداع والاتجاه إلى المطار، وقد كان رغم وصولهم مبكراً ساعتين كاملتين.
أما نهر فقد أحست بالذنب لأنها سبب لما وصلت إليه رقية من انهيار، فلا بد أنه نتيجة مقابلة برهان.
بسرعة كلمت إدوارد وأخبرته أنها لن تكون على اتصال به الفترة القادمة ولا وقت لديها للشرح، وأن وصل إليه أي حد يريد أن يعرف أي معلومات عنها وأمها لا يجاوب ويقول إنه لا يعرف أين كلتاهما وأنها نقلت من السكن اللي تمكث بها، وهي بالفعل ستفعل إلى أن تستقر الأحوال وسوف تتواصل به باسم سمير وتغير صوتها وأنها سوف ترمي الشريحة وقد كانت باسم إدوارد بالأساس.
أغلقت كل حساباتها من إيميل وواتس وفيس وماسنجر بعد أن حذفت كل شيء وأخيراً رمت الشريحة.
برهان اتصل بصديقه طاهر بعد عودته لتركيا وبعد أن خاب ظنه بأن تتصل به رينا وحكى له كل ما حدث، وذلك لحب طاهر المسبق برينا، وحاولا كلاهما الاتصال بها لكن كل حساباتها مغلقة.
اقترح طاهر فتح قبر عائشة كما كانوا يعتقدون وعمل تحليل DNA من الرفات مع مقارنتها ببرهان وفيروزة، وأخذ عينة دم من فيروزة دون معرفتها وهي تقوم بالتحليل الدوري على صحتها بأحد المستشفيات الخاضعة لملكية برهان أغا.
وكم كانت الصدمة لبرهان وطاهر عندما علما أن من تم دفنها ليست ابنته، وإصرار كلاهما بالبحث والتحري عن نهر، بل أنهما اتفقا بالنزول إلى مصر دون معرفة كلا من عائلتيهما عن السبب الحقيقي لذلك.