تحميل رواية «اسرار الماضي لبنت ناس» PDF
بقلم رينا الهادي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قالتها نهر لعلي وهم في طريقهم بعربة علي لبيت ابيها. علي: مصائب إيه بس يا نهر؟ افتكري حاجة حلوة ولا فيه جديد في موضوع خالتي رقية؟ نهر: ما فيش جديد يا أبية بس بيت شعر جه على بالي أصلي حاسة إن فيه مصايب جاية وخصوصًا من عمك. علي: لا مصايب ولا حاجة، وبعدين إحنا أهلك هنحميك. نهر: هههههههه بجد أهلي! أبية عمو مصطفى كان بيستغل أنا وأنا طول الوقت وهو عارف إننا هنستحمل عشان عمر وعارف إنكم في ظهرة لأنكم أهله. والدك صح مش بيشارك معاه في شره لكن مش بيصده عن ظلمه، بيكتفي إنه ينصحه وبس. ييجي عن آية ويقول معلش ع...
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم رينا الهادي
بعد أن رجعت نهر ورقية مباشرة من العمرة وسط كل هذا التوتر، ما إن استقروا ليناموا بعض ساعات لتصعد لهم رضا. فهي معها مفتاح شقة رقية، كما أن رقية معها مفتاح شقتها.
أخذت تضع وترتب ما جاءت به من طعام على البوتجاز ووضعته، وبعض الخضروات والفاكهة بالثلاجة. تسللت لتنزل لأبنائها، فقد كانوا نائمون عندما صعدت لشقة رقية. إلا أن رقية نادت عليها عند الباب.
رقية: رضا.
رضا: عمرة مقبولة يا أبلة إن شاء الله، كنت في المطبخ حطيت شوية أكل علشان تبقوا تأكلوا.
رقية: تسلمي يا حبيبتي، كويس إنك جيتي. عاوزة أتكلم معاكِ شوية.
رضا: بس أنا سايبة العيال نايمة وأخاف بصحوا. تعالي نتكلم تحت أحسن.
خرجت نهر لتقول: مساء الخير يا أبلة.
رضا: لا، إنتم نمتم. يا دوب ثلاث ساعات الظهر لسة مآذن من ساعة و شوية. مش مساء ولا حاجة.
نهر: علشان الشبابيك والشيش مقفولين، جالي إحساس إننا بالليل. أنا سمعتكم. هنزل معاكم، العيال وحشوني قوي.
رقية: وقت ثاني يا نهر، أنا عاوزة رضا في حاجة مهمة.
رضا وهي تتشبث بنهر: لأ، ما فيش حاجة سر عن نهر. وممكن تقعد في أوضة العيال، بس بقول كلوا لقمة الأول وأنا هستناكم تحت.
رقية: خلاص ننزل و أكلمك الكلمتين، ونهر تنزل تطفي شوقها للعيال وتسهر بيهم النهاردة كمان. وهنطلع ناكل مع بعض كلنا.
نهر: إنت بتورطيني. أنا أنا تعبانة من السفر. هي نصاية بس وهرجع أنام تاني.
رقية بسخرية: ورطة إنت؟ علي نياتك قوي. هو غالباً الفترة الجاية هيكونوا معاكِ. رضا مش هتكون فاضية. أومال عاملة أمهم إزاي؟ والعيال بيقولوا لك ماما.
رضا: مش فاضية حتي لأولادي؟ وإيه هيشغلني؟
رقية: ننزل تحت و أكلمك بهدوء، ونهر تكمل نوم جنب العيال. يلا.
بعد أن نزلوا، اتجهت نهر لغرفة يحي وعهد، قبلتهم بحب ونامت بجانبهم إلى أن تنتهي رقية ورضا.
في الصالة.
رضا: خير يا أبلة؟ في إيه؟
رقية: الأول عاوزة أفهم حصل إيه وإحنا في العمرة. خالي شكلك تعبان كده. شكلك لا بتاكلي ولا بتنامي. مالك؟ وأوعي تقولي علشان بعدنا عنك الفترة اللي فاتت.
رضا بلمسة ساخرة: تصدقي يا أبلة، مفيش حد في الدنيا دي بيحس بيا غيركم. حتى نهر لما حبت تبني عملت ليا دور معاكم. هحكي بس لما تستريحي من السفر والتعب. هو أنا ليا حد غيرك أحكيلوا؟
رقية: أحكي دلوقتي، أنا كمان على راسي حزن الدنيا. خلينا نفضفض بدل ما نطق.
رضا: مش عاوزة أعكنن عليك.
رقية: أحكي وخلصيني.
رضا: سامح جه البيت وقالي إن أبويا ومراته عملوا حادثة، وهما في المستشفى. وإني يعني أزورهم خصوصًا إن الحادثة كبيرة. وقالي دخلوا العمليات. قلبي وجعني ورحت زورتهم. وأخذت كل الفلوس اللي حوشتها من البوسطة علشان لو احتاجوا. بس قولت هشارك في علاج وعملية أبويا بس. خصوصًا إني عرفت إن إخواتي استلفوا فلوس من طوب الأرض. كان جزاتي كلام صعب من أبويا وإني أدفع لهم هما الاثنين. خايف على الرجالة ومش مهم أنا.
لتستأنف وتقول: هو أنا لما ما سامحهاش أبقى قليلة أصل وجاحدة؟
رقية: الناس دي البعد عنهم غنيمة، حتى لو أهلك.
رضا بابتسامة ألم: قالي اتصرفي إنتِ على قلبك ياما. يعني سنتين مش بشوفهم ولا يعرفوا شكل عيالي. إيه؟ ما وحشوش حد فيهم؟ يعني قلبي يوجعني عليهم وأروح أساعد؟ يقولي إنتِ على قلبك ياما؟ لأ. ويقول الست دي اللي كبرتك وربتك أكتر مني؟ ومسؤولين منك. هو أنا أمهم مثلاً؟ أومال لو ما كنتش مشغلاني ليل ونهار خدمة وحتى اللقمة كنت أكلها لوحدي؟ مش معاهم؟ وكمان اللي يتبقي منهم. ما حستش بنفسي إلا وأنا بقول: تربية إيه؟ دي كانت بتستخسر فيا العيش الحاف. وإنت شايف وساكت. أنا كنت بتهان وبتضرب كل يوم. ما كانش ليا سرير وبنام على فرشة في الأرض حتى في الشتا. كرم مني جيت لأنك أبويا، ولا مستكتر عليا عيشتي اللي عملتها بتعبي. أنا بصرف على نفسي وعيالي. إنت عملت ليا إيه؟ رميت الفلوس وقولت آخر مرة هتشوفني. وحسبي الله ونعم الوكيل. سمعته بيشتمني وبيسب إني فاجرة وبغوي الرجالة. وشديت ابني من على إيد سامح ومشيت وأنا قلبي نار. عاوز ياخد شقي وتعب بنتة. افتكرت إنه زعل عليا لأنه ظالمني من كلام سامح، بس لأ. ده عينه على فلوسي بس. هو أنا كده عاقة وربنا هيعاقبني في عيالي؟
رقية بدموع: عاقة إيه يا رضا؟ هو فيه كده؟ إنتِ من طيبة قلبك سبتي برضه فلوسك. والله ما عاق غيره. فيه مقولة بتقول: "إللي قلبه حلو ما يتخافش عليه، الناس في الأرض تحفر له وربك من فوق ينجيه. اللهم إنا نسألك سلامة القلب والنية.♥️" هما شر، ابعدي عنهم.
رضا: سامح جه يراضيني ويتأسف وقالي معلش، البنج ماثر عليه ومش داري. سألتُه هما كانوا رايحين فين وعملوا الحادثة؟
ثم صمتت تلتقط أنفاسها من البكاء.
رقية: قال حاجة زعلتك؟
رضا: هي وأبويا كانوا رايحين يشتروا سبوع لابن أختي، رايحين فرحانين بحفيدهم الغالي اللي جه بعد شوقه. وأنا أنا؟ كانوا بيرموا عيالي لعزيزة. هموووت والله. القهر لما بتيجي من القريب بتوجع قوي.
رقية: لأ يا رضا، اشطبيهم من حياتك وللأبد. ده مش صلة رحم. زي ما للأب حقوق على بنته، هي ليها حقوق عليه. وهو ظالم من وأنتِ صغيرة. خدي بس سامح تحت جناحك وعيالك وزوجك، وكده كفاية.
رضا بٱنتباه: جوزي؟
رقية: أيوه يا رضا. ولادك كملوا سنتين واتفطموا، وإنتِ ما شاء الله عليكِ نبيه وبتكملي في تعليمك وألفاظك اتحسنت كتير عن الأول وبتحفظي قرآن. وقلبك أجمل ما فيكِ. ومحمود صراحة اتقدم ليكِ، بس أنا قولت له لما أرجع من العمرة.
رضا: اتقدم ليا؟ مش هو متجوزني على إيد مأذون؟
رقية: محمود جنتلمان. لما اتجوزك كان لظروف عندك وهو ملاحظك ومعجب بكِ من زمان. قولتي إيه يا رضا؟
رضا بخوف ودموع: هو أنا أنفع زوجة يا أبلة؟ أنا بخاف لو راجل عدى من جنبي، بس بعمل فيها عنتر. اللي حصل ليا مش شوية. الوحيد اللي بكون مستريحة وهو معايا هو أستاذ محمود. بس برضه أنا مش هينفع زوجة. مش عارفة أقولها لك إزاي.
رقية: فاهمة يا رضا، لأني مريت بنفس التجربة مع مصطفى. لكن الجواز مش زي التجربة الوحيدة اللي عندك. الجواز أساسه مودة ورحمة. وأبو علي ما كانش في وعيه، فكانت تجربة متوحشة. لكن محمود رغم شغله القاسي بس رحيم. وإنتِ شوفتي بنفسك تعامله مع أولاده وأولادك، وأنا وإنتِ. فبلاش تضيعي الباقي من عمرك. والحمد لله عندكم أربع عيال يعني مش ناقصين عيال. شفق وآسر بيحبوكِ دلوقتي وعيالك بيحبوه.
رضا: ومشروعي مع نهر ودارستي، والأهم عياله. هيتقبلوني وأنا جاهلة؟
رقية: ناخدها خطوة خطوة يا رضا. استمري في مشروعك. هو يجي هنا خميس وجمعة، وإنتِ تروحي مثلاً أسبوع في الشهر هناك على ما تكملي تعليمك. وكمان هو يكون مستعد يظهرك قدام الناس. وإنتِ أصلاً غيرتي من طريقة لبسك وكلامك. لسة شوية بس مش صعب. إنتِ تتابعي عياله، وهو يكون أب لعيالك. وكمان تعفوا بعض. لأنك بصراحة لغاية دلوقتي من وجهة نظري ما اتجوزتيش. وافقي يا رضا. محمود قادر يداويكِ وإنتِ قادرة تداويه.
رضا: خايفة.
رقية: أنا معاكِ، ما تخافيش. إنتِ عارفة إن فرح علي باقي عليه أسبوع علشان رانيا خلصت كلية. إيه رأيك؟ لأن علي عاوز إخواته في الفرح. نحجز غرفة ليكِ إنتِ ومحمود زي علي ورانيا. والعيال هيكونوا معايا أنا ونهر.
رضا: نحجز فين؟ مش فاهمة.
رقية: علي حاجز أسبوع في فندق إسكندرية، لأنه مالوش شقة لسة هنا في مصر. وهياخد رانيا ويرجع ألمانيا. إنتِ كمان أسبوع مع محمود.
رضا: اتجوز وأسيب عيالي أسبوع؟
ضربت رقية مؤخرة رأس رضا وهي تقول: بت! ما أنا قولت العيال هيكونوا معايا أنا ونهر. وهندبر موضوع الطيور. وما عنديش بنات تكسر كلمتي. هتتجوزي الأسبوع الجاي يعني هتتجوزي، فاهمة.
لتنصدم رضا وتضحك رقية: اسمعي الكلام يا رضا. لو حاسة إن مفيش قبول مش هجبرك على حاجة. ثم نادت رقية لنهر لتقول: رضا هتتجوز مع علي، فعاوزاكِ من بكرة يوم لرانيا ويوم لرضا علشان نجهزها. مفهوم؟
رقضت نهر لرضا لتحتضنها بفرح: مبروك يا أبلة. فرحت لك قوي. خالي بالك من عمو محمود، والله حنين قوي وهيسعدك.
رضا: يالاااااااهوي! ادوني فرصة طيب. هو أنا وافقت إمتى؟
رقية: نعم نعم؟ إنتِ هتكسري كلامي ولا إيه؟
رضا: كنت عاوزة أقول. وإنتم في العمرة البيت خلاص. وكمان والعفش الجديد جه. لو عاوزين تنقلوا من هنا من بكرة. لكن طبعاً فيه عفش من هنا هيروح هناك زي المطبخ والدور الأول. وبعدين إزاي هنقعد معاكم؟ يعني لو اتجوزت.
نهر بمرح: ما إنتِ ليكِ شقتك يا رضا. وأنا عملت مدخل جانبي من الحارة للدور العلوي على طول من غير ما يدخل من المدخل الرئيسي ويعدي علينا. كمان الشقة العلوية أكبر، لأن فيه بروز. لحظة! إنتِ بتتكلمي لية بأريحية كده قدامي؟ إنتِ قولتي لها.
رقية وهي تمسك أذن نهر: يعني أنا كنت هسمح لها تغيب طول النهار برة من غير ما أعرف لية؟ أكيد عرفت. (تركت أذنها) وفرحت قوي يا نهر، واحتضنت بنتها لتدمع نهر وتقول: يا رب ديما أقدر أفرحك يا حبيبتي.
رضا: يا رب أولادي يتعدوا منك يا نهر، ويبقوا حنين عليا. أنا بحبكم قوي. وسعوا كده نكبر الحضن شوية. أنا بغييير واللهي.
لتفك رقية إحدى ذراعيها وكذلك نهر، ليكون حضن ثلاثي به كثير من دموع الفرح والسعادة.
في القاهرة.
كانت انتصار تجهز شنطة كبيرة وتضع بها ما يلزمها. ليدق الباب عبد الله وتسمح له بالدخول.
عبد الله: إيه يا أمي؟ يعني لسة إمبارح متكلمين قدامك إننا هنودي أحمد حضانة علشان يتعود على الناس. آجي النهاردة ألاقي انهار بتقول بتجهزي شنطك وهتسافري البلد بكرة.
انتصار: من غير ما أحمد يروح حضانة، أنا كنت ناوية أسافر. أخوكي فرحه بعد أسبوع واحد وهياخد عروسته من بيتها. لازم أنزل وأشوف العروسة لو محتاجة حاجة وأرتب معاهم الفرح ومليون حاجة.
عبد الله: ترتبي إيه؟ مش فاهم. إذا كان العريس نفسه هييجي هنا يريح يومين. وما فيش قاعة علشان كورونا. بيقول فرح قدام بيت العروسة. هيروح ياخدها بعد العصر مع دي جي وخلصت.
انتصار: أيوه، ما هو علي اتفّق معايا. أول ما ينزل هينزل البلد يرتب شوية حاجات ويدي رانيا حاجات، وهرجع معاه هنا. فهمت.
عبد الله: قولي كده، مضبطة مع ابنك؟ ماشي. ماهو حبيب القلب. طب هتقعدي فين بقى؟ ولا ناوية تقعدي مع العروسة وأهلها؟
انتصار: هقعد فين يعني؟ عند رقية ونهر. وحشتني قوي.
عبد الله يغضب وصوت عالي: تاني يا أمي؟ مش كفاية خربت بيتك؟ إنتِ عارفة إنها هي ورا البلوى اللي اسمها رضا وعيالها. وتقريباً قاعدين معاها.
انتصار: أولاً، رقية ما تعرف تخرب بيت حد. وبطل تدي ودانك لعمتك وستك. وقولت الكلام ده ميت مرة. وعارفة إن رضا وهي مع بعض. إيه المشكلة؟ رضا غلبانة وبيسلوا بعض. وعيال رضا حاطهم على راسك ليه؟ مالهم؟ رزق ربنا للغلبانة رضا.
عبد الله: يا أمي، إنتِ عاوزة تشيليني؟ رضا دي ضرتك. وضحكت على أبويا. كان متفق معاها ما يقربلهاش. وضحكت عليه وغوّت وهربت منه لما عرف إنها حامل علشان تورطّه في العيال.
انتصار: غوّت!!! أستغفر الله العظيم يا رب. كلام عزيزة اللي قولت لك ابعد عنها. ولا كلام ستك؟ اسكت يا عبد الله، إنت ما تعرفش حاجة. أنا أعرف رضا من قبل ما أسيب البلد. واللي حصل بين أبوك ورضا بيحصل بين كل المتجوزين. مش محتاجة تغريه. وعادي مش حرام ولا عيب. بلاش تملأ دماغك بكلام عمتك.
عبد الله: هي رقية دي عمالة لك عمل؟ إنتِ بدافعي عن مين؟ دي خبّتها هي ونهر عن أبويا وهما عارفين إنها ممكن تموت هي وعيالها. بس علشان تكيد ستي وعمتي. يا أمي، بلاش تبقي على نياتك كده. عاوزة تنزلي البلد؟ تروحي عند أحوالي بس كده.
انتصار: أقسم بالله لولا إني مش عاوزة أوقع بينك وبين أهل أبوك، لكنت قولت اللي يخليك تقاطعهم طول عمرك. حكم عقلك يا دكتور. رقية طول عمرها عرفت تأذي حد؟ ونهر اللي كانت أكتر من أختك تعرف تأذي؟ لكن عزيزة وستك، إنت عاشرتهم وعرفتهم. أنا رايحة عند رقية يا عبد الله.
عبد الله: لأ يا أمي، عاوزة تسافري يبقى عند أحوالي. غير كده لأ.
نظرت انتصار له بغضب: اسمع كويس اللي هقوله. لولا رقية ما كنتش جيت معاك هنا. أوعى تفتكر إنك كبرت عليا. أنا أمك يا ضنايا مش بنتك. وما تخلينيش أغضب عليك. هسافر بكرة الصبح وهرجع مع علي. وصدق كلامي وأبعد عن عمتك.
خرج عبد الله مغلقاً الباب بقوة.
عند رقية.
بعد أن صممت على النقل في نفس اليوم، ما دام البيت جاهز للسكن وسط ذهول رضا ونهر اللتان ألحّت عليها أن تؤجل النقل لما بعد فرح علي، خصوصاً أنهم أتوا مرهقين من العمرة. وقد كان مصطفى في انتظارهم لأخذ عمر بحجة اشتياقه له، فذهب عمر مع أبيه أمس وهو مدرك أنّه سيحقق معه بكل ما حدث معهم. المهم أنهم نقلوا للبيت الجديد. وقد فرح إبراهيم وإخوته برجوع نهر وأمها وساعدهم في فرش الدورين لهم. وأتت رانيا لهم بعد أن علمت بوجودهم، وذلك قبل أذان العشاء.
رانيا بفرحة: كده يا نهر، راجعة البلد وأنا هتجوز؟ مش عارفة تيجي قبلها بسنة مثلاً؟ طب هتركزِ معايا إزاي بقى؟
رقية: وحشاني يا رانيا، مع إني بشوفك أكتر من نهر يا حبيبتي. حتى لو كنا هنا من سنة. نهر مشغولة ديماً بتيجي كل فترة كبيرة.
رانيا: المهم أنا جاية أبارك على رجوعكم لبيتكم. نورتوا البلد كلها. ثانياً بقى، أنا ماليش أخوات بنات ومش بستريح في بنات خالتي. فهستلم منكِ نهر يا خالتي توضب وتضبط معايا شوية حاجات.
رقية: تضبطي إيه يا رانيا؟ مش دكتور علي لسة مشتراش شقة؟ هتقضوا أيام هنا وبعدين تسافري معاه ألمانيا؟ يعني بس هتاخدي شنطة هدومك؟ لا فيه فرش ولا حتى صباحية العروسة. هياخدك فندق صح؟
رانيا: يا خالتي، فيه حاجات بنات وكده وحجز الكوافير أو بيوتي سنتر. وأنا معرفش هعمل إيه.
نهر: هو إنتِ إيه؟ ما حجزتيش يا رانيا؟ المفروض تتفقي قبلها بمدة.
رانيا: ما أنا مش عارفة هعمل إيه ولا فين ولا إزاي.
رقية: وفين مامتك يا رانيا؟
رانيا: هتصدقني لو قولت لك إنها حجزت لنفسها وخلاتي عند كوافير. وقالت لي ابقي خالي نهر أو حماتك تتصرف في مكان كويس وشيك. لأنها ما تعرفش غير الموجودين في المحلة.
نهر وهي تضع يدها على رأسها: ومقولتيش من بدري ليه؟ بصي، بما إني بشتغل في فندق، فـ أعرف البيوتي سنتر الموجود فيه. وعلشان خاطري ممكن يعملوا استثناء وآخد معاد بكرة أو بعده لجسمك. يعني تاخدي سونة وجلسات ليزر ومسكات وكده. هتكون حاجات مريحة بس مكلفة. ونشوف كمان لون شعر لو عاوزة. تحبي أحجز وأكلمهم؟ يوم الفرح سهل. هنجيب ماركات حلوة مكياج وهتصرف أنا وأنة. بس لازم الأول نهتم بكِ ككل الأول.
رانيا: أنا سمعت إن فيه حمامات شعبية في العتبة باين أو منطقة الحسين زي حمامات زمان، بس للعرايس والستات.
نهر: فيه طبعاً. وبيعملوا حمام مغربي ودلكة سوداني وتكبيس وتكييس مصري على أصوله. بس دول بيتعاملوا مع الزبونة كأنها بطة بلدي. لازم ينظفوا ريشها بمعنى أصح. بيشيلوا الطبقة الأولى والثانية من الجلد، بيسيبوا لك الطبقة الثالثة علشان ما يدخلوش على الشرايين والأوردة. باختصار، إنتِ ممكن تدخلي ستين كيلو تطلعي خمسين. وتطلعي كأن عندك إعاقة. لازم يومين تلاتة راحة. الستات اللي بيشتغلوا عندهم صحة ما شاء الله.
رضا بضحك: ودي سلخانة ولا حمام؟
نهر: حق ربنا. بتطلع من عندهم جسمها فلة وريحتها وهم لشهر قدام. بس فعلاً لازم ترتاح يومين. والموضوع متعب لأنه بيكون أول مرة. بس بعد كده جسمها بيتعود. وناس كتير بتروح كل شهر أو شهرين مرة.
رانيا: أنا عاوزة ده يا نهر. وإنتِ تكوني معايا. نعمل زي بعض.
نهر: ومين هيسندنا يا أختي؟ هو أنا كنت ناوية أجرب. بس أنا جاية من العمرة مرهقة. وخالتك رقية كملت عليا النهاردة نقل وتجميع وفك.
رقية: خلوا يحي وعهد معايا. وخدوا رضا معاكم تعمل زيكم. (ابتسمت) غالباً رضا هتتجوز مع رانيا. يعني عروسة برضه.
رانيا: مش فاهمة.
رقية: سيد محمود عاوز يتمم جوازه برضا بحق وحقيقي. وأنا ونهر هنهتم بالعيال كلهم. يعني شفق وآسر كمان. لأنه هياخدها يومين ثلاثة.
رانيا: بجد!
رضا: يا لااااهوي! هو أنا أول مرة أتزوج؟ أنا معرفش الحاجات دي يا أبلة.
رقية: اسكتي إنتِ. احجزي لهم. نهر وروحي معاهم. بس ولو عاوزة تعملي حاجة معاهم، اعملي. وحاولي تروحوا بكرة علشان يكون فيه وقت يريحوا جسمهم بعد اللي هيحصل لهم.
نهر: تمام. هخلي الواد إدوارد ييجي بكرة ياخدنا. وهحجز لهم في مكان أعرفه. هتصل دلوقتي وأحجز. بودي فيه السياح العرب ومش هيقولوا لي لأ. بس هنرجع متأخر. وهاخد معايا شوية زيوت عطرية للتدليك.
صباحاً كان إدوارد أمام بيت رقية.
دق الباب الخارجي لتخرج رقية وتفتح له. فرفع صوته بمرح: حج مبرور يا حاجة ماما.
رقية: عمرة يا هبل، مش حج. ادخل أفطر معانا.
إدوارد: عمرة أو حج، مش طوفتي الكعبة. بس أنا زعلان علشان جيتوا من غير ما تقولولي. ده أنا كنت هوصلكم لهنا. وصح، مبروك البيت يا روووووقة.
رقية: هتقضيها رغي ومش هفطرتك. إنتم حاجزين معاد بسرعة، يلا.
دخل بسرعة، وبعد قليل ركب مع نهر في الأمام ورضا ورانيا بالخلف، وانطلق بهم. وبعد قليل نامت رضا ورانيا.
نهر: عقبال جوازك يا آدو.
إدوارد: ميرا فركشت. كان عندك حق. تعرفي؟ فركشت علشان مارضتش أكتب الشقة باسمها. قال كانت عاوزة تضمن مستقبلها.
نهر: مش عارفة أقولك إيه. أنا حذرتك كتير منها. بس مراية الحب عامية. معلش، بكرة تلاقي بنت الحلال.
إدوارد: بكرة إيه بس؟ دي أشطتني. أنا بقيت على الحديدة خلاص ومستني قبض الشهر علشان أكمل معيشة. وبقيت باخد ورديات لنقل الناس رمسيس والتحرير.
نهر: لكن عندك شقتك وشغلك وصحتك. كل شيء يتعوض. وإدينا بنتعلم.
إدوارد: ليه لما جيتوا مصر ما قلتوش؟ مش كنتم هتقعدوا في تركيا يومين؟
نهر: هحكي لك كل حاجة. وحكت له كل ما جرى إلى أن وصلوا.
إدوارد: وده معناه إيه؟
نهر: برهان آغا يعرف آنة وهي تعرفه. وبما إنه قال قبل كده إنه ما عندوش غير بنت واحدة، واتأكدت من آدم إنه مالوش خالة. يبقى أما هي بنت حد من أصحابه أو أقربائه. ولأنه شكلها اتغير، فما عرفهاش أول مرة. فلما يخلص عمره ويرجع تركيا، وغالباً ده بكرة. أكيد هيتصل بأهلها. واحتمال كبير يحاول يتواصل معايا. وأنا غيرت رقمي ولغيت كل حساباتي واتس وفيس وكله. فهو معاه رقمك وبياناتك. هيحاول معاك. إنت هتقول إنها علاقة أخوية آه، بس قائمة على الشغل. وإني اختفيت ومش عارف حاجة. وحاول تستغله وتاخد منه فلوس على قد ما تقدر. علشان أنا متغاظة منه.
إدوارد: ممكن يكشف عن أسماء اللي دخلوا السعودية وخرجوا منها في الفترة دي؟ ويعرف اسمك من صورتك مثلاً؟
نهر: هو عارف إني مصرية. لو دور هيكون عن اللي رجعوا أو وصلوا من مصر الفترة دي. وإحنا وصلنا ورجعنا من الخطوط التركية. مش هيجي في دماغه ده. يعني مستبعد إن واحدة زيي أنا وآنة نروح تركيا الأول، وبعدين نرجع تركيا ومنها لمصر. غير كده، كلمت عمو أمجد. هشتغل الشهر وشوية الجايين في شرم. هو لو جه هيدور هنا في القاهرة، وخصوصاً الفندق والأماكن السياحية. معندوش ليا بيانات. والفندق أنا مش مثبتة فيه. وإنت اللي كنت بتاخد قبضي. أنا كنت على حسك بدخل وبشتغل.
إدوارد: وأنا هكون هنا في مصر وإنتِ في شرم.
نهر: لو اتقابلنا هيعرف. ولما أرجع مصر لما الدراسة تبدأ هبقى أقابلك متنكرة بقى. أنا لسة عندي لبس الموقع. وإنت من بعد النهاردة ما تحاولش تيجي البلد. علشان أنا مش عارفة آنة ممكن تتأذي أو لأ. فاهم.
إدوارد: فاهم. هاجي متنكر يوم الفرح بس. وأودعك.
في القاهرة.
صباحاً أخذ عبد الله ابنه وزوجته واتجهوا للحضانة. لكنه أغلق باب الشقة من الخارج على أمه بعد أن دخل غرفتها وأخذ مفاتيحها. كانت انتصار استيقظت وصلت الفجر، بعدها رجعت لتنام. عندما استيقظت مرة ثانية لتأخذ حقيبتها واتجهت لغرفة عبد الله، ولكنها وجدت غرفتها فارغة ولم تجد أحمد أيضاً الذي أخذته أمه أمس بأمر من زوجها. وعندما حاولت فتح الباب وجدتُه مغلقاً ولم تستطع أن تجد مفاتيحها. فاتصلت بعبد الله الذي قال لها إنه لن يسمح بخروجها من البيت والذهاب لرقية مهما كلف الأمر. وسيأتي آخر النهار ويمكنها أن تأكل ما تحب من البيت.
غضبت منه بشدة وأغلقت الخط لتتصل بإدوارد وتقول له أن يأتي ومعه نجار لفتح الباب. وكان إدوارد قد اقترب من المكان التي تريده نهر.
نهر: روح يا إدوارد وابقي هاتها هنا. معلش تعبينك معانا.
إدوارد: كده كده اليوم بايظ. بس مش هتنازل إني اتغدى حلو، ماشي.
ضحكت نهر بمرح: ما فيش فايدة. بطنك أهم حاجة عندك.
أتت انتصار لتخرج لها نهر وتتكلم معها وحدها في الميكروباص بعد أن حكت انتصار لنهر.
نهر: طيب كده عبد الله ممكن يقلق عليكِ تيزة، خصوصاً إنك قفلتِ التلفون.
انتصار ببكاء: أنا يا نهر يحبسني في البيت بعد العمر ده؟ إلا ما عملها أبوها. وأنا اللي شايلهم فوق راسي. مصدق عزيزة وفاكر أمك ضاحكة عليا.
نهر: الزن أقوى من السحر. وعزيزة حسنت علاقتها به. وأكيد منتظمة في إنها تكلمه وبتكلمه من ثلاث سنين وشوية. وحضرتك خايفة تقولي له الحقيقة. فمعلش، بصي لو اكتشف إنك مش في البيت هيسافر. لأنه خاليك معانا هنا. ونروح مع بعض بالليل. وهتصل ببابا علي وأقول له إنك معانا. علشان ممكن عبد الله يقول له. ماشي.
انتصار: ماشي، وقولي لأمك كمان علشان لو مش عاوزة أروح عندها أدبر نفسي.
نهر: وده كلام؟ تيزة! ده إنتِ هتنامي معاها زي زمان وفي بيت بابا. ما أنا بنيته وبيتنا فيه امبارح.
انتصار: بجد. وأخذت تزغرد.
نهر بضحك: هتفضحينا تيزة.
انتصار: أدفع نصف عمري وأشوف شكل مصطفي لما يعرف. اللهي ربنا يراضيكِ ويرضى عنكِ يا نهر. لأ، أنا كده أنقل وأعيش عندكم بقى.
نهر: ويهون عليكِ أحمد وعبدو؟
انتصار: يا نهر، أنا قاعدة عاملة زي العزول في النص. أحمد يبقى يجي يعيش معايا في الصيف. أنا شكلي مش حلو خالص ولا مستريحة في مصر. وعاوزة أرجع أخيط تاني. وإنتِ معظم السنة بعيد عن أمك.
نهر: خلاص تيزة، شوفي إنتِ عاوزة إيه. كده حريم البيت الكبير اتجمعوا مع بعض. أصل رضا سكنت معانا بس في الدور اللي فوق. وبالمناسبة هتتجوز عمو محمود بجد مع أبية علي. بصي، آنة تبقي تحكيلك.
بعد الظهر، أتى محمود محمل بالكثير من الطعام وصعد لمكان الاستقبال ليعطي الطعام لنهر كي يأكلوا جميعاً مع الاحتفاظ بالقدر الأكبر لإدوارد الذي سعد كثيراً.
كلم علي عبد الله وأبلغه أن انتصار خرجت من البيت ولا يذهب إليها لأنها غاضبة للغاية منه. وقد غيرت الكالون وتركت المفتاح الجديد عند الجيران. وأنّه سوف يتصرف عندما يأتي لمصر.
بعد يومين، أتى علي وذهب أولاً لأمه ثم زيارة لأهل رانيا، وأخيراً كلم أباه ليأتي وتكلم معه في مضيف رقية. ثم سافر مع أبيه لعبد الله وتكلم معه محمد بكثير من الحدة والغضب، إذا كيف له أن يحبس أمه؟ وأن رقية لا علاقة لها بطلاق أمه. فقد النصيب. انتهى عند هذا الحد دون إبداء الأسباب.
بعدها بات علي ومحمد عنده يومين لينزل محمد البيت الكبير. وهو نفس اليوم الذي اتصل به عمر ليذهب لأمه.
اتصل عمر بأمه ليبلغها أنه أمام البيت ولا أحد يفتح له. فأخبرته أن يأتي لها عند بيت نهر القديم. كانت مفاجأة له وهو يرى البيت كما كان سابقاً، لكن الغرف أوسع قليلاً. وفوجئ بالدور العلوي ولم يستطع أن يفتحه ليسأل أمه. فتقول: الدور ده بتاع رضا. ويا ريت ما تقولش لأبوك حاجة دلوقتي. مش ناقصين نكد. ولو كلمك قوله كنت فاكرك عارف.
قبل يوم الفرح وهو يوم الحنة صباحاً.
علي: تحب تيجي معايا؟ أنا هسافر العصر كده.
عبد الله: العصر يا علي؟ لية؟ إنت عريس. أنا مجهز نفسي نمشي الصبح. أكيد أبوك وستك مستنيك. أنا مش فاهم، إنت على قلبك مراوح؟ حتى لو الفرح على القد ومش هيحضر كتير ستك وأبوك. وهناك مش هاين عليك تفرحهم يوم وتقعد معاهم.
علي: أنا هروح لأمك أقعد معاها شوية وألبس البدلة. وبعدين أروح بيت حمايا. ومش هروح بيتنا القديم. أنا خلاص نسيته. وأبوك أساساً مش حابب أروح البيت. وأكيد هشوف ستك وعمتك في الفرح.
عبد الله: لية يا علي؟ إنت أول فرحة العيلة كلها. وستك بتموت فيك. أنا كنت فاكر هتقضي اليومين دول في البلد مش هنا. إنت طول اليوم على اللاب بتكلم ألمانيا أو التلفون. يا عم، إنت مش عارف الفرح تنظيماته هيكون إزاي.
علي: نهر وأمك وإدوارد هينظموا كل حاجة. وبعت فلوس لأمك وجهزت كل شيء. وصحيح، أنا ألغيت حجز إسكندرية وهسافر شرم.
عبد الله: الله يسهلوا يا عم. ماشي. أسمع إن شرم تحفة برضه.
علي: وهاخد أمي معايا شرم.
عبد الله باستغراب: إزاي يا جدع؟ وده يبقى عسل؟ مش كفاية إنه أسبوع.
علي: وهي أمك هتقطع العسل؟ أنا غيرت المكان علشان عرفت إن نهر مسافرة شرم. وخالتي رقية كمان. فمنها تروح عن نفسها في حتة نظيفة مع صاحبتها. وأبقى مطمن عليها.
عبد الله: هتروح إجازة جوازك في نفس مكان نهر؟ علي فوق، ما تخسرش جوازك قبل ما تبدأه.
علي بابتسامة: إنت عاوز تشوف الأمور من وجهة نظرك بس. الفترة اللي فاتت قربت أنا ورانيا من بعض بحكم إننا كاتبين الكتاب ماتجوزناش لحد. بس بقينا بنقول لبعض أسرارنا. مش أنا الشخص اللي يغدر بحد. آمنة. ورانيا بني آدم نظيفة قوي من جوه زي نهر. تعرف أنا بقالي تلت أيام بحفظ في أغنية علشان أغنيها لها بكرة. نهر طلبت مني أحفظ أغنية ليها وأهديها ليها. ودورت كتير. وكمان طلبت من رانيا تحفظ أغنية تغنيها ليا. ومتشوق أعرف هي إيه. رانيا بقت تعرف عني اللي إنت ذات نفسك ما تعرفوش عني. وعاهدت نفسي أحاول على قد ما أقدر أسعدها. آن الأوان إن ست من العيلة دي تاخد راحة بال شوية. بقيت مقتنع إن رانيا أكتر واحدة تناسبني. وبقيت راضي بحكم ربنا ليا. وبرضه نهر لو طلبت روحي هديها ليها. لأنها أختي وبنتي اللي طول عمري كنت بحاول أحميها. بس الفرق إن رانيا مراتي، وأختي وبنتي. نهر أختي وبنتي. بس يا رب تفهم.
عبد الله: مقتنع بالكلام ده.
علي: عبد الله، آخر سنتين تقريباً بكلم رانيا مرتين في الأسبوع. بحكي لها كل تفاصيل حياتي. وهي كمان. والحمد لله مستريح معاها وراضي وفرحان بها قوي. ومتأكد إنها تستاهل كل خير.
عبد الله: طب تصالحيني على أمك وتيجي تعيش هنا تاني.
علي: اتكلمت معاها وقالت إنها مش مستريحة في مصر. وحاسة إنها عازول. سيبها الإجازة أول ما تبدأ الدراسة هكلمها وأحنن قلبها. علشان انهار هتكون في دراستها. وقول لها تكون معاكم في الدراسة وتقعد زي ما هي عاوزة في الإجازة. غير أنها خايفة على خالتي رقية. لأن عمك لسة ما يعرفش إن نهر قدرت ترجع بيت أبوها. وخايفة من غدره. سيبها تغير جو يا عبد الله. وأقلم نفسك إنت وأنهار في الصيف تعتمدوا على نفسكم. كده كده سنة ونص وراجع. وهاخد أمك تعيش معايا. وده حقي. إنت أخذتها كتير.
عبد الله: ماشي. بس أنا ماليش دعوة لا بنهر ولا رقية ولا زفت إدوارد.
علي: إنت الخسران. وهتضرب نفسك بالجزمة إنك بعدت عنهم.
مضى اليوم بسلام مع غضب وحزن الحاجة وعزيزة ومصطفى أن علي لم يأت البيت الكبير في الحنة. واكتفى بمكالمة تليفونية وأن يراهم في الفرح فقط.
اليوم التالي، أتى إلى بيت رقية ورانيا خبراء تجميل لتجهيز رانيا وأقاربها. وتجهيز رضا وشفق وأيضاً عهد. كان البيتان مليئان بالفرح والزغاريد.
أتى علي إلى بيت رقية وتجهز. ولبست رقية الكرافت مع دموع وفرح.
انتصار: حفظت الأغنية يا علي ولا هتكسفنا؟
علي بضحكة مرح: هي نهر ما بتسترش. حفظت يا أمي، حفظت. بس ممكن اتلخبط شوية.
رقية: وأنا حفظت رضا الأغنية اللي اختارتها. رضا هتلبس سوارية عادي. محدش يعرف إن جوازها الحقيقي النهاردة غيرنا. هتزعل يا علي إنها تشارك فرحك.
علي: أبداً يا خالتي. أنا مبسوط أصلاً كمان إن هي وأستاذ محمود هيكونوا معانا في فندق شرم. والفرحة حلوة.
أتى يحي وهو يجري على علي بعد أن لبس بدلة أتى بها علي إليه تشبه بدلته. أتى باكياً وهو يقول: بابا، بابا.
انحنى علي ليأخذه ويقبله: إيه يا حبيبي؟ مين خوفك؟ فأشار الصغير وكانت شفق وراءه. مش عاوز يسمع الكلام يا أبيه ومصمم ينزل لك.
رقية: من كتر ما بتكلمهم فيديو، العيال اتعلقوا بك قوي يا دكتور.
انتصار: عقبال ما أشوف عيالك يا ضنايا. الواد الثاني مؤجل عيال بعد أحمد.
علي: هما عيالي برضه يا أمي. مين يصدق؟ إنتِ عايشة معاهم ومع أمهم عند خالتي؟ لأ وكمان فرحانة لها. والله يا أمي ما فيه منك.
انتصار: والله كلنا كنا ضحايا عيلة أبوك. بس الحمد لله طلعنا سند وظهر لبعض. يلا علشان الفرح الغريب اللي نهر بتقول هيخلص المغرب. الناس تبدأ الفرح العشاء وإحنا نخلص المغرب. يلا يا ابني.
ركب علي العربة وكان عبد الله ينتظره بها، وإنهار وأحمد. ليركنها عند أول الشارع ويخرج علي متجهاً لبيت رانيا. وعبد الله وراءه. وقد سبقه محمد وأسرته وقعدوا على كراسي أول الشارع. ما إن نزل علي حتى تعالت الزغاريد من انتصار ورضا ورقيه. اللاتي ركبن مع محمود إلى نفس المكان. مع وقوف كل جيران رانيا في البلكونات والسطح والجميع يزغرد بسعادة.
احتضن أباه بقوة وبكى محمد بفرحة في حضن علي.
محمد: مبروك يا حبيب أبوك. أحلى عريس والله.
كما احتضنه مصطفى وجدته وعمته. بادلهم الحضن ببرود. واتجه مشياً لبيت رانيا. كان الشارع نظيفاً وبه بعض الرسومات على الأرض. وتم وضع قصاري زرع لشجر الليمون والبرتقال والجوافة على جانبي الطريق. كانت تلك فكرة نهر التي أرادت أن تهدي كل بيت على الطريق تلك الشجيرات بمناسبة فرح علي ورانيا. وقبل كل من بالشارع تلك القصارى مع وعد بالاعتناء بها لتملأ الشارع برائحة محببة للجميع. مع مرور علي ووراءه عائلته، تم تشغيل أسماء الله الحسنى. وخرج الأطفال الصغار أمام بيوتهم بسلات من ورق الورد والملابس نظيفة وجميلة. كل على قدر استطاعته يرمون على بأوراق الورد بسعادة وفرح.
أخذ علي رانيا من داخل البيت واتجه إلى الكوشة الموضوعة بعناية وجمال في الشارع يحيطها أنواع زهور جميلة ورقيقة.
بدأ أولاً إدوارد الغناء ليقول:
واد يا أسمراني اللون بيكرهوني فيك وأنا كل ما يكرهوني يزيد غرامي ليك.
نهر وهي تحتضن رانيا وتغني:
واد يا أسمراني اللون بيكرهوني فيك وأنا كل ما يكرهوني يزيد غرامي ليك.
إدوارد: ويقولوا عليك ما يقولوا بعمل نفسي مش سامع والليل بعرضه وطوله يجلب فيا المواجع.
محمود وهو يأخذ الميكروفون من إدوارد وينظر لرضا بحب:
والجا طيفك قصادي يحذرني من حسادي وافدل عليك أنادي وادعي لك الله يحميك.
نهر وإدوارد بميكروفون:
واد يا اسمراني اللون بيكرهوني فيك وانا كل ما يكرهوني يزيد غرامي ليك.
محمود: علشانك ياما بتحمل ملامة أهلي وخياتي ومن غيرك صعب أكمل وبناقص والله حياتي.
إدوارد: حبك عليا مهون أيامي اللي بتتلون ويوماتي أكتب وأدون ودة كله في سحر عينيك.
بعد أن انتهت الأغنية، اتجه إدوارد لعلي وقال: دلوقتي نقول للعروسين يقوموا يرقصوا سلو شوية. ويا ريت العريس يغني أغنية للعروسة. زغروطة حلوة بقى تشجيع للعروسين يا حبايب العروسين. فتبدأ السيدات بالزغاريد. ويضع إدوارد ميكروفون صغير لاسلكي في عروة جاكت علي. الذي يمسك بيد رانيا الخجلة للغاية ويبدأ بغناء أغنية "لما بكون وياك" (لفضل شاكر). ويشدد على خصرها بتملك في مقطع:
"ليلة في ليالي الغياب كنت حاسس شكوته
والله وحلفت مش هسيبه كنت فرقوا وضحكته
وانا وعد منى طول حياتى مش هيعرف وحدته
والنهاردة لما جانى لازم أمسح دمعته
ليه لما بكون وياه بنسى العالم وابقى معاه
لما بكون وياه بنسى العالم وابقى معاه
ويصعب على عينى تغمض لحظة عشان تفضل شيفاه"
إلى أن انتهى وسط فرح وذهول الجميع من منظر الثنائي الرائع.
لتقول نهر: يلا يا عروسة دورك.
لتنظر رانيا لعلي وتقول: ينفع، لما نكون مع بعض بجد هتكسف قوي.
ليشفق عليها ويبتسم لها بحب: وماله؟ أنا برضو أحب أقولك حاجات كتير لما نكون لوحدنا.
وينظر لنهر ويقول: بلاش علشان مكسوفة. إدي الميكروفون لأستاذ محمود، باينها ليلة رجالي النهاردة.
فتذهب نهر لمحمود وهي تقول: خلاص يا جماعة بنتنا مكسوفة. ممكن تتحفنا بحاجة يا عمو محمود. ليقوم محمود ويأخذ الميكروفون الصغير ويقول: الأغنية دي إهداء لثلاثة مش واحدة.
إدوارد: كده يبقى ناقص لك واحدة وتكمل الأربعة شرعي.
محمود بضحكة صاخبة: لأ، هما ثلاثة. كل واحدة فيهم بمقام عشرة. يعني واخد أكتر من الشرعي بكتير. الثلاثة هما رضا مراتي، وشفق وعهد بناتي. ويبدأ في غناء أغنية "وجننتيني يا بنت يا سمرا" (لمحمد شاهين). مع أن صوته نشاز، لكن تفاعل معه الجميع لما كان من نبرة صوته المليئة بالسعادة والحب. وهو يرقص بخفة مع شفق مرة، ويحمل عهد ويرقص بها مرة. وأخيراً مع رضا التي تصنمت مكانها. فأمسك يدها ورقص بها وحولها لينتهي من الأغنية. ورضا تنظر له بحب ويعطيها الميكروفون ويقول: دورك. ومش هسمح بالهروب. هتغني ليا يعني هتغني ليا.
تأخذ منه رضا وكان صوتها جميل وهي تقول:
"اللي اتمنيته لقيته وياريته يدوملي ياريته
مش عايزة أدور تاني ع الأمل اللي استنيته
لقيته لقيتة اللي إتمنيتة لقيتة
الدنيا يا قلبي تحير حكايتنا معاها حكاية
ودي أول مرة تغير عوايدها معاك ومعايا
أفرح و أتهنى يومين مين عارف هنروح فيندا
العمر بحاله قضيته مش عايزة أدور تاني
ع الأمل اللي استنيته"
إلى أن انتهت وهي تنظر له بحب وهو كذلك.
إدوارد: يا لاااهوووااااي يا جدعان! فيه سناحل. وربنا معاكم. هاتي يا ست إنتِ الميكروفون. هنشغل شوية أغاني دي جي. العريس والعروسة يقوموا يرقصوا شوية مع بعض وأحبابهم. وممنوع هاهاها ممنوع الأطفال يا إخونا. كل عيل يرقص قدام بيته. لو جه هنا هعلقه من ودانه. والجيران يرقصوا عادي في البلكونات والسطح. نحافظ على نفسنا. ممنوع التجمهر.
وما أن بدأت الأغاني، حتى أمسك يحي ببنطلون علي وجرت عهد عليه. ليتحرك عبد الله ليبعد هؤلاء الأطفال الذي لا يعرفهم. إلا أن يد انتصار كانت الأسرع وهي تحمل يحي. ونهر اتجهت لعهد تحملها. والإثنان يبكون ويصرخون على علي ويقولان: بابا.
عبد الله يمسك بجاكت يحي ويقول: بابا إيه؟ يالا! إنت جاي تبوظ فرح أخويا. ليضحك علي ويقول: هاتيهم يا أمي شوية. إتصور معاهم.
عبد الله: إنت تعرف العيال دول.
رانيا بضحك: آه، ولاده. مش سامع بيقولوا يا بابا.
عبد الله بذهول: آاااة! إزاي الكلام ده؟
انتصار: دول يحي وعهد يا عبدو. إخواتك. ونظرت لمحمد الواقف بجانبهم ولم يستطع التقدم.
لاحظ علي نظرة أبوه لهم، فحمل عهد ونظر لرضا نظرة فهمتها رضا لتبتسم له بموافقة. فيعطي عهد لأبوه الذي فرح بها واحتضنها بحب وقبلها بشوق. فأكبر أماني محمد كانت أن يحتضن أطفاله ولو لمرة واحدة.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم رينا الهادي
محاولات مضنية (٥٢)
إنتهي الفرح بعد ساعتين تقريبا من بدايته. لتتجه بعدها علياء وعروسه لعربية مزينة، تتجه إلي مطار القاهرة ومنها إلي شرم. بينما اتجه كلا من رضا ومحمود إلي سيارة محمود، وراء علي. أما رقية ونهر وانتصار وأولاد رضا ومحمود وعمر، اتجهوا لبيت رقية. ليأتي كلامنهم بشنطة سفر ويركبوا جميعا ميكوباص يتجه أيضا لمطار القاهرة. بعد أن استأذن عمر أباه أن يذهب معهم وبالطبع وافق، لكنه رآهم في الطريق. وعرف أن البيت القديم تم بناؤه من جديد، وكانت صدمة ثقيلة عليه. كاد يخرج من العربة غاضبا، لكن محمد أمسكه.
"ناوي على إيه؟ نازل هنا ليه؟"
"إنت مش شايف اللي أنا شايفه؟ البيت ده اتبنى امتى؟ وإبن الكلب عمر ما قاليش ليه؟ سنته سودا هو والنصاب اللي كان شاري البيت."
"نصاب ليه؟ لو تقصد الفلوس اللي كنت مديها له عشان يهد البيت، هو عمل اللي إنت طلبته. إنت ما اتفقتش معاه إنه ما يبيعش الأرض لنهر. ثم إنت ما حدش جه البلد هنا من فترة، وأنا عرفت إن نهر بنته من غير ما رقية نفسها تعرف، كانت عاملاها مفاجأة لأمها. على حكي ليا، وكمان قالي إن عمر اتفاجئ لما جه المرة دي بس. فاكر إنك عارف. بلاش تبوظ علينا فرحتنا وتعمل مشاكل. عشان خاطري وخاطر علي، أبوس رجلك عدّي اليوم ده على خير."
كانت تركب العربة مع مصطفى ومحمد الحاجة وعزيزة.
"يعني البت نهر دي اشترت الأرض وبنتها وعملت عمرة، هي وأمها وعمر واتفسحوا في تركيا، ودلوقتي رايحين يكملوا في شرم. ليه بتقبض كام عشان يكون معاها ده كله؟ ولا عرفت مكان أهل أمها وبتستغفلنا؟"
"اخرسي يا عزيزة. وإنت عاملة زي وابور الجاز، أهل رقية يشتروا البلد مش حتة أرض ما تكملش قيراط. ونهر ربنا يبارك فيها شاطرة من صغرها وبتجري على أكل عيشها. فوفري كلامك، خلي الليلة تعدي على خير. إمشي يا مصطفى يلا، مستني إيه؟"
مشي مصطفى وهو في قمة غضبه، وقرر الاعتماد على عزيزة لتفكر معه في كسر فرحتهم بعيدا عن محمد.
قضوا أسبوعا بشرم ورجع علي مع عروسته إلي ألمانيا، بينما محمود طلب من رضا أن ترجع مع القاهرة على الأقل أسبوع، وبعدها سيوصلها إلي البلد. وعندما استأذنت رقية بذلك، سمحت لها بفرحة لأنها أخيرا اطمأنت عليها ورأت الفرحة أخيرا على وجهها.
في القاهرة
بعد حوالي شهر
"هجنن يا طاهر، يعني إيه ملهاش أثر؟ مش موجودة في جامعة القاهرة أو عين شمس أو الكليات الخاصة حتى فنون جميلة عمارة. أنا متأكد إنها في كلية في القاهرة. أنا حتى شفت كل صور البنات في ثانية وثالثة ورابعة."
"إنت متأكد إن الولد اللي اسمه إدوارد ده ما يعرفش عنها حاجة؟"
"مفيش حاجة متأكد منها. لكن الغبي قال إنه ألغى الخط اللي كان باسمه ليها. مش فاهم ليه اشترى الخط من الأول باسمه. ووعد إنه لو عرف عنها حاجة هيقولي، لأنه محتاج مبلغ كويس عشان يتجوز."
"معتقدش إنه هيبيع رينا عشان مبلغ. اللي فهمته إنهم مش بس كانوا بيشتغلوا مع بعض، دول زي الإخوات."
"أنا مكلف له مراقبة عليه وعلى تليفونه كمان. لو قابلها أو اتصلوا ببعض المفروض أعرف."
"ممكن ندور في الجوازات للمملكة السعودية في الفترة اللي كنت فيها في عمرة في أسماء المعتمرين."
"رغم إنه كان صعب، لكن قدرت أحصل على قائمة بأسماء اللي وصلوا مصر في الفترة دي. وبرضو ما لقيتش اسم رينا. وطلبت صور للسيدات والبنات وما لقيتش حاجة. حتى مواصفاتها وصورها لما كنا أول مرة هنا، أعطيتها لناس يدوروا عليها في الأماكن السياحية والفنادق، مفيش حد عرف عنها حاجة."
"طيب مش إنت كنت بتبعت لها أتعاب شغلها معاك؟ أكيد فيه معاك اسم للتحويل."
"كنت ببعت باسم إدوارد، وهو ده اللي معايا اسمه وبياناته. هي إقنعتني بكده في أول مرة وقالت إنه شخص أمين. وبعد كده قالت مش مشكلة تبعت عليه لأن شغله قريب من البنوك."
"برضه نلف ونرجع لإدوارد. تفتكر واحد بتآمنه في فلوس، وكلنا شوفنا مش بتحب تتحرك غير بيه. ولما حكيت لي لما جيت مصر إنت وإيمري برضو كانت معتمدة عليه، مش طبيعي يكون مش عارف مكانها أو كليتها. زيد على ده خط تليفونها كان باسمه. الولد ده بيخبي علينا."
"عارف كل ده يا طاهر. عشان كده كل تحركاته عليها مراقبة. حتى خصوصياته بقيت عارفها. البنت اللي هيتجوزها بنت مش كويسة، سابته ورجعت له تاني غالبا عشان عرفت إن ممكن يجيله فلوس مننا. وبتسحب منه فلوس كتير جدا وأقرب يفلس. وبيشتغل ليل نهار ومفيش وقت يريح فيه أو يقابل حد."
"طيب هنفضل هنا كتير؟ أنا اشتقت لأولادي وتركيا. وإحنا مفيش أي تقدم عملناه من يوم ما جينا مصر."
"هنرجع خلاص. أنا كمان تعبت وفيروزة كل يوم تكلمني، ليه أنا هنا؟"
"مش قولت سينام بنت إيمري كانت بتكلمها؟ مش ممكن تعرف أي وسيلة للاتصال بها؟"
"كانت بتكلمها وتكلم إيمري ماسنجر. وزي ما إنت عارف، أغلقت حسابها وتليفونها. غير آدم كانت صديقة له على الفيس. ولما سألته تعرف حد مصري يساعدني لما أسافر مصر، قالي فيه بنت مصرية يعرفها من سنين لكن مش بتدخل على حسابها من فترة. ولما قلت له يوريني أي شات بينهم عشان أقدر أدخل أشوف أي بيانات لها، اتفاجأت إنه نفس حسابها اللي معانا وكنا بنتكلم منه ماسنجر."
"هي تعرف آدم؟"
"من قبل ما نشوفها أول مرة في مصر. وهي اللي قالت لي من أول مرة شوفتها. وأنا قلت لك إنها مش طبيعية. وعرفت إنها سألت آدم إذا له خال أو خالة. وآدم قالها لأ، لأنه هو نفسه ما يعرفش إذا كان لأمه أخت. زي ما إنت عارف، بعد خبر موت عائشة فيروزة انهارت ودخلت فترة المستشفى. ما خرجتش منها إلا على جواز عمران من نديم. والأطباء قالوا بلاش أي توتر. عشان كده كل الصور اللي فيها عائشة جمعتها عندي في مكتبي بالبيت أو الشركة. وما فيش حد يعرف عن الصور دي شيء. وآدم وأيزل جم بعد كده، ومش بنجيب سيرة قدامهم عن عائشة أبدا لخاطر فيروزة. يعني تعاملنا كان إن عائشة ما كانتش موجودة أصلا. إنت لأنك من زمان صديقي وأخويا ومربي معايا بناتي، عارف بعائشة."
"طيب يا برهان، دلوقتي اللي فهمته إن رينا اختفت لأنك خلفت وعدك معاها إنك تديها تفسير عن معرفتك بأمها. غير إنك وآدم أكدتوا لها إن عائشة مش بنتك، وهي أكيد اختفت خوفا على أمها. أمها بقى إنت ليه اتعاملت معاها بالجفاء ده؟ ويعني إيه مش عارف هي بنتك ولا لأ."
رجع برهان رأسه للخلف بتعب: "أنا كنت متفاجئ من الصور اللي شفتها مع رينا. اتهزيت من جوايا لما شفت شكلها بعد سنين. وأنا عارف إن السنين بتغير الشكل، لكن يا طاهر مش بالدرجة دي. شكل شبح مش بني آدمة. شكلها أكبر من فيروزة. شعر أبيض من طرف حجابها، كذا شعرة من الحجاب لكن واضحين. عيون ذابلة، بشرة باين عليها الإجهاد والتعب، وكرشة السنين. إيدها وارمة شوية وجسمها هزيل. لون عينها بس هو نفس لون عين بنتي. بنتي مش ممكن تسيبني السنين دي كلها في ألمي وتبعد عني ويكون عندي أحفاد من غير ما أعرف. ما أقدرتش أتحكم في نفسي من غضب. ناديت بصوت عالي عليها وأنا بقول عائشة. جيت، بصت لي وقفت قدامي. مش فاكر قد إيه، لكن وقفنا قدام بعض فترة. نظراتها كانت غريبة. كانت واقفة قدامي صنم من غير ما يتحرك فيها عضلة. معرفش متفاجئة أو مصدومة. عينها اتحولت لعيون زجاج من كتر الدموع المحبوسة. فوقت من سرحاني فيها، وغضبت من شكلها وهيئتها. مش لو كانت عائشة كانت اترميت في حضني، صح يا طاهر؟ لاقيتني بقول عاملة إيه. عائشة جاوبت بتوهان: الحمد لله. نظرت لها باستهزاء وقلت: مش بطالة أبدا. فيك شبه من لون بشرة بنتي وعيونها، لكن إنت مش بنتي، فالأحسن لك تبعد عني وبلاش ألاعيبك الرخيصة. ما أعرفش ولا عاوز أعرف إنت عرفتي منين حكاية عائشة، لكن تبعدي بدل ما يتأذى بسببك بنتك وإبنك."
نظرت لي مطولا وقالت: "تقصد إيه يا آغا باللعب؟" ليستطرد برهان ويقول: "لو كانت بنتي هتقول برهاني مش آغا."
كان طاهر يستمع إليه للمرة التي لا يعرف عددها عن مقابلته بأم رينا، وهو منصت. هو آتٍ إلى مصر معه كي يراها، فقد كانت في معزة ابنته وكي يقف بجانب صديق عمره.
"اهدأ يا برهان. إنت مش محتاج تبرر لي ليه عاملتها بجمود؟ أنا عارف إنت عانيت إزاي وقت ما نديم قال لك إنها عايشة وبتتعذب مع زوج ظالم وانهارت آمالك لما ما عرفتش توصل لحاجة. لكن مستغرب إنك تهدد ست بأولادها لو قربوا منك. وكمان مستغرب إننا لغاية دلوقتي وبعد حوالي ثلاث سنوات من معرفتنا برينا، ما نعرفش اسمها الحقيقي أو أي شيء عنها."
"صدمتي كانت قوية. لما مرت الأيام من غير ما تظهر رينا أو تكلمني. أيوة هي زعلت، بس توقعت هوصل لها بسهولة زي الأول. لكن إن تليفونها وجميع حساباتها تقفلها، ما تخيلتش كده."
"هي من الواضح إنها اتربت بطريقة خاصة. تتحمل مسؤولية نفسها. عندها إمكانية العمل في أكتر من مجال. من الآخر هي ذكية ومجتهدة وعندها ثقة وطولة بال للكفاح. ولا إنها تحتاج لحد. بدليل لم تحاول الاتصال بك لأنها لا تريد غير سعادة أمها. وهذا إحساسي بها من الأول. وأكيد هي عرفت إننا هنسأل عليها ولا تريد الظهور. فنرجع تركيا أفضل لأنها غاضبة منك."
"هنرجع. فلأول مرة لا أعرف ماذا أريد."
بعد عدة أيام
كان برهان بقصره يحتضن آسيل ويشاهدون معا فيلم كارتون لتدخل فيروزة.
"مش ملاحظ يا آغا إنك بعيد عن الكل؟ حتى شركتك."
"خلاص فيروزة، الصحة ما بقتش زي الأول. وغالبا مش هقدر أروح الشركة تاني. ممكن أتابع بعض الأمور من هنا. أنا عديت السبعين بكتير."
"اخرجي برا يا آسيل، هتكلم مع جدو."
"برهان وهو يحتضنها أكثر: فيروزة مش عاوزاها تخرج من حضني. ومن فضلك اتركينا نكمل الفيلم. وإنت وعمران وآدم اهتموا بالشركة. ويا ريت كمان تدرسوا إمكانية فتح فرع لنا في مصر."
انتفضت فيروزة من مكانها وهي تقول: "عندنا فروع في الإمارات وأمريكا وإنجلترا. ليه نفتح في مصر؟ الأوضاع الحالية ما تسمحش بفتح أي فرع بأي مكان. حتى العمل لسه ما رجعش مثل قبل. المشاريع معظمها انتهت على الورق فقط لعدم استقرار الأوضاع في جميع الدول."
"أنا حاسس بقرب أجلي. وأكيد مش في القاهرة. هتقول لإيزل ومنها لمعاذ. يعني احتمال معاذ يعيش في مصر بعد فترة. فممكن الشركة تبقى حجة وسبب وجيه إنكم تتابعوا إيزل لو استقرت هناك. مش بقول تعيشوا هناك، لكن على الأقل تتابعوا وتشوفوا بعض كل فترة. عموما، أنا اشتريت فعلا مبنى إداري كان لسه خلصان تشطيبات قريب من المستشفى."
"علشان كده كنت في مصر الفترة اللي فاتت. برهان أول مرة من يوم جوازنا تكون بعيد عني فترة طويلة. وبعد ما جيت دايما بالك مشغول ومش معانا. ديما واخد جنب منا ووقتك كله مع آسيل. للدرجة دي زعلان مننا؟ إحنا كمان زعلانين. عمرنا ما كنا متفرقين وإنت ديما بتجمعنا حواليك. وإنت وافقت على رجوع إيزل لمعاذ ليه؟ لسة شايل في قلبك وبعدنا عنك؟"
"أنا موجود وسطكم. لكن خلاص كبرت وتعبت ومحتاج راحة."
"من إمتى بتحب الراحة؟ لو كنت من محبي الراحة ما كانش ده بقي حالنا. من أكبر شركات تركيا في عالم الهندسة والمقاولات."
"سيبني يا فيروزة. إنت ما تعرفيش اللي بيا. أرجوك مش محتاج غير الهدوء والسكينة وأقرب من ربنا. جايز يريح بالي. وأنا واثق فيكم، هتقدروا تشيلوا الشركة. من فضلك."
خرجت فيروزة، وبعدها نزلت دمعة من عين برهان وهو يفكر ماذا سيكون رد فعلها أن علمت أن من في قبر عائشة ليست ابنتهم، وأنه ربما أضاع بتصرفه ابنته الحقيقية، بل وابتعد حفيديها الآخرين عنها. وترن في أذنه كلمات رينا بأن عائشة من الحزن أصيبت بالسرطان مرتين. كما ترن في أذنه كلمات نديم قبل موته بأن ينفذ عائشة مما هي فيه. فيشتغل قلبه لوعة وحزن على عدم السماح لنفسه بالتأكد منها، وتعصبه على رينا وأمها وانفلات أعصابه. يسترجع نظرات عائشة له ودموعها المحبوسة، فيتألم قلبه أكثر. ودون إدراك منه، يحتضن آسيل أكثر.
تمر الأيام ببطء، ليأتي يوم تزور فيه فتاة برهان بقصره بعد أخذت الإذن منه، وتتهم فيه آدم بأنه على علاقة بها ويجب أن يتزوجها لأنها ربما تكون حاملا منه. وكان ذلك في عدم وجود آدم وأمه وجدته، فقد كانوا جميعا في الشركة وبرهان وحده بالقصر. ورغم أن برهان كان متأكدا من عدم صدق هذه الفتاة وأنها مجرد مكيدة لحفيده، وربما وراء هذه المكيدة معاذ، لأن الفتاة قالت له نصا "مالا يرضاه على حفيدته إيزل يجب أن لا يرضاه على بنات جنسها". فأحس بدوار ووقع أرضا. مع رعب الفتاة من الموقف، أخذت حقيبتها وجرت بسرعة. وتم الاتصال بفيروزة بعد أن رؤوا الخدم وقوع برهان آغا.
نقل للمستشفى ليظل عدة أيام ولم يفق بعد.
اتصل إيمري بعائشة وطلب منها رقم نهر الجديد أو أي وسيلة للاتصال بها. فقالت إنها ستخبرها لتتصل هي به. ونبهته أنها ستدخل في امتحانات الترم الأول للسنة الأخيرة لها بالكلية بعد أسبوع، فلا تشغلها بأي عمل في الوقت الحالي.
اتصلت نهر به بعد قليل من سنترال.
"السلام عليكم."
"عليكم السلام نهر."
"أهلا عمو، أخبار حضرتك إيه؟"
"هدخل في الموضوع على طول. رغم أن عائشة اتهمتني بأني سبب إن برهان آغا تقابل معاها في الحرم. ورغم إني حلفت بكل ما أستطيع، إلا أن الشك تمكن منها. ولم تعد تعمل معي كما في السابق أو حتى تحكي لي عن يومها. ورغم أن ذلك آلمني وبشدة، واني على يقين أن ما حدث من تدبيرك أنت، إلا أني صمت لما رأيت من الألم والدموع على حال أمك بعد العمرة. فلم أرد أن أزيد أوجاعكم. لكن علمت أن الآغا محجوز بالمستشفى من فترة ومستسلم لمرضه بشكل تام، وربما تكون أيامه الأخيرة. فأردت أن أخبرك لأن عائشة لن تتحمل هذا الخبر مع عدم وجودك ووجود أحد بجانبها حاليا."
"شكرا لأنك ما أحرجتنيش أمام أمي. وأيوة أنا سبب التقاء الآغا بأمي. وعدني إنه سيعرفني من هي إن رآها، ولكنه أخلف وعده لي وانهارت أمي ولم تستطع كالعادة أن تقول سبب انهيارها. سأحاول أن آتي لتركيا، ولكن يومين فقط. هل تستطيع أن تتدبر لي دخولي لغرفة الآغا والتكلم معه قليلا؟ ربما يصحو ضميره ويعرفني أي معلومة."
"أستطيع تدبر ذلك. من الممكن أن أدخلك كممرضة، وأعتقد أنك تستطيعين أن تعتني بمريض."
"اتفقنا. سأحاول الحجز في أقرب وقت."
"بل أنا حجزت لك مساءا." (وقال لها أين تذهب لتأخذ التذكرة وأين سينتظرها ليأخذها بعد وصولها تركيا).
وبالفعل وصلت مساءا ليأخذها لبيته باسطنبول ويتفق معها أنه سيأخذها للمستشفى غدا صباحا ويدخلها كممرضة. فمن في المستشفى يعرفونه. وهي مستشفى لبرهان بالأساس. وقد دخلها معه كثيرا، كما أنه متعاقد مع المستشفى على صيانة الأجهزة عندهم. اتفقوا أن يذهب بها ويذهب هو لعمله بعد أن يدخلها، لأنها لا تعلم كم ستمكث مع برهان. ويلتقوا آخر اليوم بالفيلا. كانت سينام في ذلك الوقت بإيطاليا وليست بتركيا. لتدخل نهر غرفتها وتنام وتصحو مبكرا وتحضر طعام الإفطار وتنتظر إيمري الذي نزل بكامل أناقته.
"إيه كل الشياكة دي يا عمو؟"
"طول عمري شيك. جاهزة."
"جاهزة. أنا حضرت الفطار، تعالي نفطر مع بعض ونكلم رقية."
"هي عارفة بوجودك هنا؟"
"أيوة، قلت لها عندي موضوع سريع لمدة يومين هنا. وقولت إني هبات عندك عشان تطمن."
"تمام. نفتح بقى الكاميرا ونطمنها."
بعد أن فطروا وكلموا عائشة، اتجهوا لطريق المستشفى.
"ابقي خلي تليفونك مفتوح لو حبيت أطمن عليك."
"عاوز تعرف رقمي؟ للأسف أنا تركت تليفوني وكل أوراقي بالفيلا. عمو أنا لا أطمئن للآغا حتى وهو مريض. لا أحب أن يصل أي أحد لي إلا بعد التأكد من حسن نواياه. لا تقلق، سأكون قبلك في الفيلا وسأجهز الغذاء."
"هطلب لك يونيفورم الممرضات وسأبلغ الطبيب المتابع لحالة الآغا أنه يستريح بالتعامل معك على وجه الخصوص لتدخلي إليه. لكن أرجو ألا تجهده، هو بالأصل مريض للغاية."
"هل تعرف إن كان هو وأمي تجمعهما علاقة ما؟ أقصد، هل هو أحد أقاربها أو صديق من أصدقاء أحد من أسرتها عمو؟"
"أعرف بالطبع، لكن وعدت عائشة ألا أتدخل بذلك الموضوع. منتهي. وإنت تعرف ماذا فعلت بي عندما شكت بأني أقرب بينهما. فلا تقحميني في هذا الموضوع، لأن عائشة عنيدة وستقطع كل الخيوط بيننا إن أنا أخبرتك بشيء. لذا لا تسأليني. لكن سأقول أنك اقتربت جدا من معرفة كل شيء."
"شكرا عمو على المساعدة."
"أنت كسينام حبيبتي. أوقف السيارة بجراج المستشفى وأخرج بعض النقود ليقول: خذي تلك النقود معك لأي طارئ. ممكن تتأخري وتحبي تاخدي وجبة أو تاخدي تاكسي للبيت."
"معايا عمو وعاملة حسابي."
"بليز نهر، خديهم كي أطمئن إنك لن تحتاجي شيئا وأنا بعيد."
أخذتهم نهر بخجل: "لكنهم كثير."
"ليسوا كثير على إحدى بناتي. ثم إنك أكرمتيني في مصر. هيا بنا."
خرجت من السيارة ودخلوا المستشفى والتقوا بالطبيب المختص، الذي قال لهم أن برهان أفاق أمس وقد زاره أهله أمس واليوم صباحا، وأصر هو على أن يذهبوا جميعا لعملهم ويأتوا مساءا.
دلفت نهر بزي الممرضة حجرة برهان مع الطبيب، الذي ما إن دخل حتى مسك يد برهان وبدأ بقياس الضغط، ثم قال: "الحمد لله ضغطك اتضبط شوية. أنا جبت معايا ممرضة أعتقد إنك تعرفها، هتكون معاك لو احتاجت شيئا."
بدون أن ينظر برهان لها قال: "مش مستاهلة حد معايا، أنا محتاج أرتاح بس."
كانت نهر تلبس كمامة وغطاء رأس أبيض على رأسها. لتقول بصوت رصين: "من الأفضل أكون معاك آغا. على ما سمعت حالتك غير مستقرة، وأعتقد إنت جربتني وياما أعطيتك حقن وأدوية."
نظر لها بتمعن، فخلعت الكمامة وهو غير مصدق ما يراه. فارتعشت يده ليمدها إلى جانبه، لتهم نهر وتعطيه نظارته وتلبسها له، فيراها أمامه بوضوح، فيحمم ليجلي صوته ويقول: "تفضل يا دكتور، أنا فعلا أعرفها."
"ما تقلقش. لو في أي جديد هتصل بحضرتك." قبل أن يخرج الطبيب.
"من فضلك بلاش حد يحاول يدخل دلوقتي، ممكن؟"
نظر الطبيب إليهم بشك وحرك رأسه بموافقة وقال: "عموما حضرتك أخذت أدويتك، وما فيش دواء غير بعد ثلاث ساعات." وأغلق الباب وراءه.
اتجهت نهر بعدها تغلق الباب من الداخل، ثم توجهت لبرهان وجلست أمامه على كرسي قريب.
"عرفت إنك مريض جدا، قولت أعطيك فرصة أخيرة تريح بها ضميرك وتقولي تعرف إيه عن عائشة وليه أحزنتها، لأنك اتفقت تقول لو عرفتها."
نظر برهان لها وابتسم: "آسف رينا، لكن مفاجأة إن عائشة ما زالت على قيد الحياة. صدمني وصدمني أكثر شكل والدتك المفتقد لكل حيوية عائش. غير أني رأيت جثة من دفنت مكانها، كانت تلبس خاتم الجدة الكبرى للعائلة."
"معلومة إن فيه بنت كانت لابسة لبسها وشنطتها وحتى خاتمها عندي. لكن بما إنها دفنت من غير أي شك إنها ممكن ما تكونش عائشة، معناة إن الجثة اتشوهت لدرجة إن ملامحها لم تكن ظاهرة لتتأكدوا أنتم. لكن كان عندكم معلومة إنها ركبت القطر ده من زميلتها وأمها، ولاقيتوا حد لابس لبسها. وما كانش تحليل DNA انتشر، فدفنتوها من غير ما تتأكدوا، صح كده؟"
"صح. لكن رغم التشابه بين والدتك وعائشة، إلا أن عندي شك إنها ما تكونش عائشة برضه. فهل ممكن تجيبيها المستشفى تعمل تحليل DNA لتتأكدي من صحة كلامكم؟ أنا آسف، لكن أنا الفترة الأخيرة تعرضت لخيبات أمل كثيرة."
"لا أضع أمي تحت تهديد أو إنها تحزن تاني. مستحيل إني آتي بها لتركيا. احتمال مرفوض بالنسبة لي." (كاد أن يتكلم برهان لتشير نهر بيدها أنها ستكمل) "لكن ممكن تعمل التحليل من غير وجودها."
قطب برهان حاجبيه: "تقصدي آخد منك إنت؟"
"معنديش مانع لو تحب، لكن مش ده قصدي. بعد ما أصيبت السرطان مرتين وفي المرتين شعرها وقع. بعد تاني مرة لما بدأ ينبت تاني، أنا كل مرة أساوي لها شعرها كل أول شهر هجري بقص أطرافه. وفي كل مرة باخد المقصوص من شعرها وأحطه في التوكة بتاعتي. حتى شوف." وقامت بفك رباط شعرها. ثم أتت بمقص وقصت بعض خيوطه من الداخل ليظهر بعض من الشعر باللون البني الفاتح الممزوج ببعض الشعرات الفضية.
تنهدت نهر لتقول: "أخذت الفكرة من سيدنا خالد بن الوليد لما كان بيحط بعض من شعر رسول الله في خوذته عندما يذهب للحرب. الفكرة عجبتني وإحساس إن حاجة من ريحة أمي معايا بيطمني. كل توكة فيها كده، ولأني دائما لمة شعري فبستخدم التوكة كتير." (ثم بنفس المقص قصت أطراف من شعرها هي ووضعته في أحد المناديل الورقية) لتستكمل: "كده معاك شعري وشعر أمي. وللعلم أمي مش بتستخدم صبغات شعر لأنها راضية بحالتها الطبيعية."
"شعرك جميل. أول مرة أشوفه مفرود. كان شعر عائشة تقريبا بنفس الطول. هي بتحب الشعر الطويل وبتهتم بشعرها جدا."
"ده حقيقي، وأنا كمان بهتم بشعري. نيجي بقى للمهم آغا."
"مش هقولك حاجة غير لما أتأكد من التحاليل. وبالمناسبة، المستشفى ملكي. يعني لو طلبت إني أستعجل ظهور النتيجة هيحصل. وأعتقد هم تقريبا ست ساعات وتظهر."
"عارفة إن المستشفى ملكك، لكن ليه مش عاوز تريحني غير لما تظهر النتيجة؟ أنا بس عاوزة أفهم ليه أمي بعدت عن أهلها من غير ما تعرفهم إنها حية؟ ليه وجع روحها اللي بشوفه في عينيها لما بالصدفة تيجي سيرتهم؟ ليه مش عاوزة تعرفني هم مين؟ حضرتك أول سلمة ليا أعرف بها أساعد. أنا مش عاوزاها تتعب تاني، عاوزة ليها أهل وسند غيري أنا وأخويا."
"صحيح، اسمك الحقيقي إيه واسم أخوك؟ وعندك كام سنة؟"
"وليه أقول لك عن أي حاجة وأنت في نفس الوقت مش عاوز تريحني بمعلومة واحدة؟ مفيش شيء ممكن تعرفه مني قبل ما تعرفني الأول الاسم الكامل لأمي."
"عنيدة، لكن عائشة كانت مطيعة وكيوت."
"مطيعة وكمان كيوت! آه، ما انت ما تعرفش إنها عملت ليا أنا وأخويا غرفة عقاب مثل ما أمها عملت لها وهي صغيرة. بس الفرق إن غرفتنا عبارة عن حظيرة طيور وكنا بناخد منها الأكل من الشباك لو يعني سمحت بأكل."
برهان وهو فاتح فاه باستغراب، ثم أفاق وهو يقول: "كده يبقى والدتك مش عائشة. عموما هنعرف." ثم أخذ التليفون الموجود بجانبه ليستدعي طبيب معين ويطلب منه أن يأتي بسرعة مع أحد الممرضين. وبعدها قال: "افتحي الباب من الداخل."
ل يأتي الطبيب ويأخذ عينات الشعر للتحليل. قامت وفتحت الباب. ولمت شعرها كعكة بغير توكة. وبعد قليل دخل طبيب ومعه أحد الممرضين.
"اؤمر آغا."
"فيه شعر موجود بالمنديل الورقي هذا وشعر آخر برباط الشعر. خذه للتحليل وقارنه بما عندك من عينات العينتين اللي بحوذتك من فترة وتحتفظ بهم. وأقصد عينات الدم. بمعنى آخر، تحليل DNA جديد. أريد معرفة صلة القرابة بين الأربع عينات. وأن تبعث بالعينات لمعمل آخر خارجي للتأكد من النتيجة وبأسرع وقت."
فهم الطبيب أنه يريد أن يعمل التحليل على عيناته هو وفيروزة هانم، ولكن لا يريد أن تفهم الممرضة الموجودة معه. كما أن التحليل السابق كان صدمة له، بعد معرفة أن من بالقبر ليست ابنته برهان وفيروزة، وقد آمنه برهان على هذا السر هو وصهره طاهر الذي عرفه بما يجري.
"تمام. ست ساعات والنتيجة تكون عندك."
"شكرا." وأغلق الباب من الخارج.
"ليه يغلق الباب من الخارج؟ ولو محتاجة أخرج المفروض عندي كذا مشوار أعمله وهخرج كمان شوية وأرجع قبل ما التحليل يظهر."
"مفيش خروج يا رينا، وهتقعدي لغاية التحليل ما يظهر. وده ما فيهوش نقاش. اتفضل يا دكتور."
ليخرج الطبيب ويغلق الباب من الخارج. وسط ذهول وغضب نهر.
نظرت له بعصبية: "برضه مصمم أفقد الثقة فيك؟ يعني إيه عاوز تحبسني على ما تظهر التحاليل؟ والله أعلم بعديها ممكن يحصل إيه. أنا مش قابلة الموضوع ده. اتفضل اتصل بحد يفتح الباب. مفيش حد يجبرني على حاجة مش عاوزاها. ثم إني جيت لك برجلي من مصر، عاوز إيه تاني؟"
"عاوز أطمئن لوجودك. أنا تعبت وأنا بدور عليك، وبرضه معرفتش أوصل لك رغم كل الإمكانيات المتاحة لي."
"مش بالغصب هتخليني معاك، ولا هقبل إنك تستغلني عشان توصل لأمي. وأنا لهذي اللحظة مش قادرة أفهم العلاقة بينكم إيه؟"
"مش هاذيك أكيد، لكن مش هسمح بهروبك مني تاني."
"إنت ما تعرفنيش كويس لسه."
"الغرفة بالدور الثاني وبعيدة عن الأرضي وحمام الغرفة على duct مش منور. يعني مش هتعرفي تخرجي غير بإذني. فاهدئي واستريخي."
أغمضت نهر عينيها وتنفس بعمق عددة مرات. ليبتسم برهان على فعلها، فطالما فعلت عائشة نفس الشيء عندما تغضب. فتحت نهر شباك الغرفة ونظرت لأسفل، فرأت مظلة من القماش السميك على سقف الدور الأرضي. المسافة بينها وبين هذه المظلة حوالي أربعة أمتار. ويوجد بعض الأشجار المجاورة للمظلة. وتعلم جيدا أن الدور الأرضي مرتفع عن بقية الأدوار، لأنه يجمع بسقفه كل تجميع الصرف وأعمال الإلكتروميكانيكل، فقد يصل ارتفاع إلى خمسة أمتار أو أكثر.
فكرت قليلا ثم ابتسمت بهدوء للآغا: "آخر كلام، مش هتسمح لي أخرج؟"
"ريحي نفسك واهدي واستني معايا، واغلقي الشباك، جايب برد والغرفة مكيفة مركزي."
نظرت له وعلى وجهها ابتسامة: "أنا مفيش حد يجبرني على شيء." وسرعة رمت بنفسها من النافذة لأسفل. ووجهت جسدها نحو أحد الأشجار. لتسقط على المظلة بعنف وتنزلق عليها، وهي تحاول الإمساك بفروع الشجرة المجاورة. فامسكتها وتشبثت بها. ليميل الفرع بقوة لأسفل وترمي بنفسها قبل أن يرجع لأعلى من جديد، خصوصا أن الفرع ليس قويا ومن الممكن أن لا يتحمل. غير أن المسافة كانت ما زالت كبيرة للأرض. لكن لصغر حجم جسدها، كان الارتطام بالأرض غير قوي، فقط أحست بألم بأحد رجليها عند سقوطها. ليتفاجأ من كانوا تحت المظلة بها. فتبتسم بهدوء وتقول بالتركية: "الحمد لله. وقعت وأنا بنظف الشباك، لكن بخير."
ولأنها كانت تلبس لبس الممرضات والكمامة، اتجهت بسرعة داخل المبنى تسأل عن الحمامات. وذهبت سريعا لأنها وقعت أمام مطعم المستشفى الأرضي. دخلت ثم خلعت عنها لبس المستشفى التي كانت تلبسه فوق بنطلون جينز وبلوزة بكم. وفكت بسرعة غطاء الرأس وفكت شعرها لينسدل على كتفها وتخفي به جانبي وجهها. وخرجت بسرعة وهي تعرج على رجلها لتوقف تاكسي سريع.
في غرفة برهان، كاد أن يجن مما رآه. واتصل فورا بالتليفون وهو يصرخ: "حد يجي بسرعة ويفتح الباب!" واتجه وهو غير مبالي بالأجهزة التي تحيط جسده لينزعها عن نفسه بعنف إلى الشباك، لكنه لم يستطع أن يرى شيئا لوجود المظلة التي مزق جسد نهر جزءا منها. لتدخل بعدها ممرضة وهي تقول: "أمرك آغا، في حاجة."
"الممرضة اللي كانت هنا رمت نفسها من الشباك. لازم تلحقوها، ممكن تكون اتآذت. بسرعة شوفوها فين وحالتها إيه. وسيبي الباب مفتوح."
بعد قليل كان أمامه أحد حراس المستشفى وهو يقول: "يا فندم، فعلا بنت وقعت من المظلة على شجرة بعدها على الأرض. وأظن إن رجلها اتصابت لأنها كانت بتعرج بها. اتجهت للحمامات بعد كده، ما حدش شافها خرجت. لكن لقينا لبس الممرضات في الحمام. واضح إنها غيرت جوا. وما حدش عرف بخروجها، لأن المطعم خاص بنزلاء وأهالي نزلاء المستشفى وبيخرج ويدخل منه أي حد."
برهان وهو يمشي بيديه على وجهه بعصبية: "لثاني مرة أسئ التقدير. مع علمي بعندها. أمسك تليفونه واتصل فورا بطاهر. وهو يشير للحارس أن يمشي ويقول: راجعوا الكاميرات وبلغوني بأي شيء جديد لو عرفتم راحت فين."
بعدها بساعة كان طاهر عنده وقد أبلغه بما جرى، وكانوا يمشطون المستشفى ليروا أي شيء يدل على وجودها، لكن لا شيء.
"يعني إيه؟ لا بطاقة ولا تليفون ولا أي شيء. دخلت هنا إزاي؟" لينتبه برهان: "دخلت مع الطبيب المتابع لحالتي. ومن كلامه عارف إني أعرفها." لكن قاطعه كلامه دخول طبيبه.
"آسف، لكن أنا بأخذ شيفت لليلة العاشرة صباحا. وللأسف كنت مفعل التليفون صامت."
"جئت بوقتك."
"فيه ممرضة أتت معك صباحا؟ كيف أتت وأين بياناتها؟ ما دمت جئت بها."
"عفوا، أنا لم آت بها. ولكن إيمري بك هو من أتى بها صباحا وقال إنها كانت ممرضتك في الفترة الماضية وأنك تستريح لها. وطلب مني أن أدخلها إليك، وإن لم تحب مقابلتها فلتخرج فورا. وبعد أن قبلت بها، مشي هو. لكن لا توجد لها بيانات هنا."
"يا الله! كلما تخيلت إني اقتربت، ابتعد." (أمسك الهاتف واتصل بإيمري وطلب منه الحضور فورا).
"لما لم تسأله عنها مباشرةً؟"
"لابد أن أفهم وتكون بجانبي يا طاهر."
آتي إيمري ودخل ووجد طاهر بالغرفة. وبعد التحية.
"إيمري بيك، جئت صباحا برينا وأدخلتها لبرهان بعد أن أقنعت الطبيب بذلك. كيف أتيت بها لهنا؟"
"برهان آغا كان قد طلب مني أي وسيلة اتصال بها، ولكن فوجئت بأنها أغلقت خطها وكذلك حساب الواتس والماسنجر ولم تعد موجودة بالفيس. وقال لي أن عرفت مكانها أن أخبره، أليس كذلك آغا؟"
"نعم، حدث."
"هي أتت لتركيا وطلبت مني مقابلة الآغا بدون إثارة شكوك حولها. وبما أني أعلم أن الآغا كان يريد مقابلتها وعارف أنها كانت تراعي الآغا في مصر، لذلك لو أحد زار الآغا هنا من أهله ما يحصلش لبس. قلت لطبيب الآغا يدخلها كممرضة."
"كلمتك من رقم تليفون. أكيد ممكن تعطينا الرقم؟"
"كلمتني مرتين. مرة من مطار القاهرة قبل ما توصل، ومرة من مطار تركيا. مش تليفون خاص بها."
"مش معقول. عاملة حسابها لكل شيء. يعني أعمل إيه دلوقتي؟ أوزع صورها؟ اللي يلاقيها له مكافأة؟ ولا أعمل إيه؟"
"الحارس قال إن رجلها غالبا انكسرت. أكيد هتروح مستشفى. نبحث في المستشفيات القريبة من هنا."
"رجلها انكسرت ليه؟"
"رمت نفسها من الشباك ده."
"رمت نفسها إزاي؟ إحنا في الثاني بعد الأرضي يعني تسعة متر على الأقل. دي تموت مش تتكسر. نهر مش مجنونة عشان تفقد حياتها وهي عارفة أن روح أمها متعلقة بها. نظرت بغضب لبرهان: عملت إيه أو قلت لها إيه أجبرها ترمي نفسها؟ هددتها بإيه المرة دي؟"
"فيه مظلة في سقف الأرضي قماش، وقعت عليها. بعدها اتشبكت في شجرة، وغالبا نزلت على رجلها وهي أصلا وزنها خفيف."
"اسمها نهر، نهر يا إيمري؟" وقت نزلنا القاهرة والوقت اتأخر، وصممنا إنها تنام في الشقة. قلت لها: أنا أوعدك أحصل على موافقة والدتك للمبيت هنا. وبعدها باتت كل الأيام اللي كنا فيها، مع أنها وآدو أكدوا إن والدتها مستحيل توافق. بعدها كنتم أشوفكم ديما بتضحكوا وتهزروا مع بعض. وكمان كنتم تكلموا سينام مع بعض." (أشار بيده أن يسكت الجميع) "أهدت لك معطف باللون الذي تحب وعملته بيدها. قبل أن يموت نديم قال: اسأل إيمري عن عائشة. كما أنه قبل وفاته زارك ببيتك وتغيرت أحواله بعدها. الشرود والحزن. قلت بعدها في عزائه أن من كانت معك بالحفل ليست زوجتك بل مربية ابنتك ومن مصر واسمها عائشة. أذكر جيدا الاسم لأنه وقع بقلبي." (نظر له بعتاب) "لما إيمري، لما سألتك فيروزة إن كنت تعرف عائشة جول ابنتنا، أنكرت. ولما إنت أكيد على علم بأن زوجها يعذبها."
"لم يسألني أحد عنها آغا. بالعكس، كنت أحاول لفت انتباهكم لها، لكن حزنكم على نديم وعائلة نديم أربكتكم جميعا. عائشة عنيدة وقد أخذت على عهد ألا أتكلم عنها وإلا ستبتعد. كنت لا أعرف حتى اسمها بالكامل. فقد اسمها رقية بمصر. ماذا أقول؟ ابنتكم اسمها رقية فقط. كم رقية بمصر؟ كانت ابنتي هي من على اتصال دائم بنهر لأنها صديقتها الوحيدة من وقت هربت بها أمها خارج تركيا، والتقت بنهر بعدها. أوصى أطباء ابنتي بعلاقة نهر وسينام. وعائشة دخلت حياة سينام كام نهر. ثم أصبحت أم حقيقية لابنتي وبدأت تستقر حالتها. عموما، لسنا وقت ذكريات. وأنا فعلا لا أعرف رقم فون نهر. حاولت صباحا أن آخذه منها، لكنها رفضت. وقالت إنها لم تأخذ شيئا يدل على شخصيتها معها. لا تليفون ولا أوراق. خافت أن تستخدمها كورقة ضغط على أمها. يجب أن أتحرك الآن لأطمئن عليها. لو حدث لها مكروه، ستعلق عائشة جثتي على باب بيتي."
"كيف رضت نهر أن يظلم أبوها أمها؟ أعتقد أنه يعتدي على أمها."
"نهر يتيمة الأب آغا، يتيمة منذ أن كان عمرها ستة أشهر. عائشة تزوجت مرة ثانية بعد وفاة زوجها الأول بأربع أو خمس سنوات كي تحمي نهر. لأن زوجها الأول ليس له أهل، فقد تربى بملجأ وهي كانت فاقدة للذاكرة ولا تعرف أهل لها. خافت أن حدث لها مكروه أن تتربى نهر بملجأ كأبيها. ونهر أكثر من تعرض للأذى على يد هذا الحيوان لدرجة أنها كادت تفقد حياتها في أحد المرات لولا استنجاد عائشة بأمجد الذي رأيناه بالقاهرة. فقد جلب لها أفضل الأطباء، وكان عمرها لم يتجاوز الاثني عشر عاما. رغم أن نهر كانت تصرف على نفسها من عملها، فقد اضطرت للعمل بعمر الست سنوات لتهرب منه أكبر مدة ممكنة، فقط كانت ترجع البيت لتنام."
كانا برهان وطاهر يسمعان ما يقوله إيمري بصدمة وحزن شديدين.
"هل تستطيع أن تصل إليها؟"
"لا أعلم آغا. ليس معها هاتف ولا أعرف رقمه. لكن سأصل لفيلتها، ربما تكون هناك."
"لماذا فيلتك؟"
"ليس وقت أسئلتي يا طاهر. اذهب بسرعة وطمئني يا إيمري."
كان برهان وطاهر ينتظران أن يتصل بهم إيمري بكل الصبر والتوتر. وقد دخل طبيب الآغا بعد أن ارتفع عليه ضغط الدم ليعطيه الأدوية حتى يتمكن من مقاومة فقد وعيه، فهو باشد الحاجة إلى ذلك الآن. لابد أن يكون واعيا لكل شيء.
اتصل إيمري بعد ساعة تقريبا: ليقول إن نهر غير موجودة بالفيلا، وأنها أتت في غير وجوده وأخذت هاتفها وأوراقها لأنه لم يجدهم. وأنها بالتاكيد أخذتهم لتلتحق بأي مستشفى تداوي قدمها.
"استخدم نفوذك لتجدها قبل أن تغادر البلاد."
"ميعاد طائرتها غدا وليس اليوم آغا. بالتأكيد ستتصل بي لتطمئني."
"اتصل بي فور حصولك على أي معلومة عنها."
دخل بذلك الوقت صهر طاهر آغا بنتيجة تحليل الحمض النووي ليغلق برهان الخط سريعا.
"أغلق الباب وقول لي النتيجة بسرعة."
تنهد الطبيب ليقول: "إحدى العينات تقول أنها لابنتك أنت وفيروزة هانم، والعينة الأخرى بنت العينة الأولى أي حفيدتكم آغا. هذا هو نتيجة التحليل هنا. نتيجة المعمل الآخر ستكون هنا بعد ساعة على الأقل."
ليغمض برهان عينه بألم ودموع حسرة. لأول مرة يكاد أن يحس بانفجار قلبه وحرق روحه وهو يذكر كل المواقف التي مرت عليه مع نهر، وكيف عاملها بشك من أول لقاء، كيف أجبر قلبه ليمشي وراء عقله وشك بها، كيف رمت نفسها حتى لا تكون نقطة ضعف لأمها، بل كيف قابل ابنته وهددها أن تبعد بأبنائها.
كان طاهر ينظر لصديق عمره بأسى وشفقة وخوف من أن يفقد صديقه. ليتجه ويأخذ الأوراق ويضعها داخل درج جانب سريره ويقول للطبيب: "اخرج دلوقتي وابعث طبيبة بسرعة." وأمسك يد برهان وهو يقول: "اهدأ يا برهان، على الأقل عرفنا هي هتروح المطار إمتى. من بدري هكون هناك. هجيبها لعندك صدقني."
"ديما بتسبقنا بخطوة. تفتكر هتروح المطار من الأساس؟ أول مرة أحس بغبائي. ديما بقول لآسيل ما تكسرش وعودها. ومع ذلك كسرت ثقة رينا بيا ومش مرة واحد لا اتنين. رغم إني عارف إنها ذكية وعنيدة."
دق الباب لتدخل بعد قليل فيروزة وعمران.
"بخضة، كيف حالك آغا؟ هل كنت تبكي؟ ماذا حدث؟"
أرجع برهان رأسه للخلف بتعب ولم يتكلم، بل كانت دموعه تنزل بصمت، وهو ما أخاف فيروزة وعمران.
لتمسك عمران يد والدها وتقبلها وهي تقول: "مالك بابا؟ أول مرة بحياتي أشوفك بتبكي. إيه حصل؟" نظرت لطاهر الذي بدأت دموع عينه هو الآخر بالنزول.
"فيه إيه يا عمو؟ بابا كان اتحسن الصبح. إيه حصل ليكم؟"
"فيروزة، ليه كذبتي عليا؟ لما قولت لك اسألي إيمري عن عائشة، كان عندي وقال ما حصلش. استغليتي مرضي وطمنتيني. يا ترى سألني إيمري اللي موجود في الشركة ولا برضو كذبتي عليا؟"
"إنت بتفكر في إيه آغا؟ ما إحنا اتفقنا إن نديم كان في سكرات الموت ومش في وعيه. إيه اللي جد عشان تسأل إيمري دلوقتي؟ ما تهتم بصحتك أحسن."
"كان في سكرات الموت ويفكر بعائشة، ليه؟ وزي ما قولتي ما يعرفهاش غير لما توفت وساعدنا بإحضار جثتها. ولا يعرفها وبتكذبي برضو؟"
لتهب عمران بغضب: "عائشة عائشة عائشة إيه؟ مش فاهمة ليه كله؟ كل ما يتعب يفكر بس بعائشة. أيوة يا بابا نديم يعرف عائشة. وأقول لك على الأكبر، كان جاي تركيا مخصوص عشان يخطبها. عشان كده كان جاي بأهله. بس وصل خبر حادثة القطر وأهله رجعوا مصر. وهو بقي عشان كان عاوز يودعها. أمي كانت عارفة إنه وعائشة بيحبوا بعض وطلبت منه يتجوزني عشان يبقى فيه حاجة هي بتحبها معانا. كسرتيني قدام نفسي لما طلبت منه يتجوزني، وأنا وافقت لأني ما كنتش عاوزة حالتها تتدهور. عارف يعني إيه أعيش مع حبيب أختي اللي كان بيدور عليها فيا؟ عارف يعني إيه أول ليلة لنا كان أول وآخر مرة يشرب فيها وحصل علاقة وكان بينادي ليا باسمها؟ عارف يعني إيه يبكي إنه فقد حبيبتة في حضني وبعد ما يفوق يرجع أمريكا يكمل آخر ترم له من غير ما يكلمني شهور؟ كلمني بعد ما عرف إني حامل. ومتأكدة إن أمي هي اللي قالت له. من توتري وقلقي ولدت آدم في السابع. أنا حبيته، لكن عارفة إن قلبه كانت مع عائشة. ودلوقتي إنت برضو بتفكر بعائشة. مع إني وأولادي معاك. حرام عليكم بجد. إنتوا وجعتوني قوي."
كان ينظر إليها كل من بالغرفة باستغراب وحزن.
لينفجر برهان ويقول: "آسف آسف آسف. ما قدرتش أحمي بناتي من وجع القلوب وحرق أرواحهم. بس عذري إن الكل خبى ودارى وكذب عليا. حرام عليك يا فيروزة، حرام." ثم أغمي عليه وصرخ كل من بالحجرة لاستدعاء الطبيبة.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم رينا الهادي
جاء الطبيب سريعًا ليفحص الأغا.
استدعى الطبيب الطاقم الطبي لأن المؤشرات الحيوية كلها تدهورت بصورة سريعة، فعمل الجميع بقدم وساق في إنقاذه. شرعوا بعمل صدمات كهربائية لإنعاش القلب.
في ذلك الوقت، جاء آدم يجري ليمسك يد الأغا وهو يقول:
"جدي قوم يا جدي أرجوك."
بدأ بتدليك يديه بقوة. نظر لأمه وسألها:
"حصل إيه؟ ليه اتنكس؟ كان كويس الصبح."
عمران وهي تبكي بقوة:
"سامحني بابا أسفة مش قصدي."
طاهر:
"آدم خد والدتك وجدتك و امشوا دلوقتي."
آدم:
"لأ هفضل مع جدي."
طاهر:
"حالياً مش محتاج غير دعواتكم، وأحسن لو تمشوا لأنه هيتألم أكثر لو صحي. جدكم أنا أعرف صديقي أكثر من نفسي."
فيروزة:
"إنت بتقول إيه؟ نتركه في هذا الحال؟"
طاهر بصوت عالٍ:
"إنت بذات يا ريت تمشي، كفاية. عمري ما تخيلت أنك بالقسوة دي يا هانم. أنا صديقي وأخويا مش هيستحمل يشوفك. إنت إزاي مش حاسة برفيق حياتك؟ جبتي القسوة دي كلها منين؟"
فيروزة بغضب:
"أنا طول عمري بحسب كل خطوة لجل خاطره."
أشار لها طاهر لتتبعه. تبعته ليغلق غرفة برهان ويتجه لأقرب كرسي يجلس عليه.
طاهر بقوة ونظرة متفحصة لفيروزة:
"لازم تاخدي بنتك وترجعي القصر. على الأقل حاولي تطيبى جراحها اللي بتنزف دلوقتي، لأنك في نظر برهان و نظري واحدة حرمت أب من كل ذكرى لبنته من خوفه عليك، بينما أنت احتفظتي طول الوقت بأهم ذكرى وحرمتيه حتى من أنه يتألم عليها."
فيروزة:
"أنا عمري ما قلت لبرهان اخفي ذكرى عائشة يا طاهر."
طاهر:
"و أما تدخلي المستشفى بانهيار عصبي والأطباء يقولوا تبعدوها عنها أي توتر أو ذكريات سيئة، وكمان تحاولي تكتمي نفسك علشان تموتي نفسك، يقوم يمحى أي أثر لصغيرته خوفًا عليك لأنه ما يقدرش يفقدك أنت كمان. في حين إنك تعيشي بدعمه وحبه وخوفه عليك، وبرضوا بذكري بنتك. والأهم تظلمي اثنين بجوازة كل واحد فيهم بيضحي علشان ما يخسرش أحباءه. نديم، أيوه كان شهم وفذ وأصبح ابن برهان، لكن تعيس. فجأة لقي نفسه أب. ما فكرتيش أنه وافق على الجواز لغاية ما تتعافي؟ ما فكرتيش في مشاعر بنتك وهي بدل ما يتقدم لها زوج أمها تطلب من شاب يتجوزها؟ وإيه كان حبيب أختها؟ عمران كرهت أختها بسببك يا فيروزة هانم."
فيروزة:
"أنا مش غبية يا طاهر. صح في أول جواز عمران كانت حزينة ومنهارة لدرجة أنها فكرت تتخلص من الحمل، لكن ربنا أراد آدم يجي. لكن عمران حبت نديم وجداً كمان، ونديم حبها بدليل أنه عمره ما خانها أو فكر يتجوز واحدة تانية زي ما دينة بيقول. وحتى عرف بلده ساب أهله واستقر هنا وشال معانا الشركة ولغاية الآن بنستخدم بعض تصاميمه الموجودة في مكتبه. كان معها الزوج والأب والصاحب لدرجة إنهيار برهان بعد موته وإنهيار عمران نفسها بعده. أنا اخترت الرجل الصح لابنتي وهي عمرها ما كانت هتكون سعيدة مع غيره، بدليل إنها ما حاولت تتجوز تاني بعده. لو عاشت تعيسة كانت دورت على حد تاني يكمل النواقص اللي عندها. أنا بفكر بعقلي مش قلبي زيك إنت وبرهان."
خرج الطبيب والممرضة من عند برهان أغا ليقول:
"الحمد لله، قدر يرجع للحياة تاني بعد ما قلبه وقف. من فضلكم بلاش أي ضغط عصبي عليه. هو فتح عينه وعاوزك يا طاهر أغا."
مشت فيروزة وراء طاهر ودخلوا سويًا لينظر برهان ويقول بإرهاق:
"آدم خد أمك وجدتك وامشي فورًا ومش عاوز مناقشة. اتفضل، طاهر أرجوك خليهم يمشوا. أنا مش قادر أشوف حد أو حتى أتكلم وخليك معايا."
فيروزة:
"إنت بتقول إيه يا برهان؟ نمشي إزاي وعاوز طاهر بس."
برهان:
"أنا خيبة أملي فيك كبيرة. إمشي يا فيروزة مش عاوزك تيجي تاني. أرجوك ارحمني."
بعيون دامعة وقلب محطم نظر لآدم:
"أرجوك خدهم من هنا. مش عاوز حد معايا إلا طاهر. أرجوك يا آدم أرجوك."
هب آدم ليمسك يد والدته وجدته ليوقفه صوت برهان مرة أخرى وهو يقول:
"مش عاوز حد منكم يجي هنا تاني غير لو طلبتكم."
بعد أن رحلوا مع غضب فيروزة من الأغا.
برهان:
"مفيش وقت. طاهر اتصل بإيمري قوله يعمل أي شيء ويجيب رينا هنا لأني مش هقدر أروح لها. قوله أنا آسف آسف والله بس تيجي. بلاش تضيع آخر أمل ليا إني أشوفها قبل ما ربنا يسترد أمانته. أنا موجوع قوي يا طاهر مش قادر أستوعب أن ليا أحفاد غير أولاد عمران وعائشة حية وأنا معرفتهاش. أكيد اتوجعت مني. أنا كنت بحس بيها أو تعبانة أو فرحانة من غير ما تتكلم."
طاهر:
"أهدي يا برهان. إنت هتموت نفسك بانفعالك. عارف إن الموضوع صعب لكن هيعدي صدقني. من بدري هكون في المطار وحاضر هتصل حالا بإيمري."
دق الباب ليسمح بالدخول ويدخل صهر طاهر. ليقول:
"جيت لحضرتك أكتر من مرة لكن كانت حالتك لا تسمح. دة نتيجة تحليل العينات خارج المستشفى."
طاهر:
"افتحها واقرأها بسرعة."
فتح المظروف وأخرج نتيجة التحليل ليقول:
"نفس النتيجة أغا. إحدى العينات ابنتك حضرتك وفيروزة هانم، والآخرين بنت العينة الأولى."
برهان:
"بلغوا كل الموجودين لو جاءت بنت شابة لزيارتي تدخل فورًا. والطبيب المناوب ليلاً يعرفها لو جاءت تدخل. يا طاهر اتصل بإيمري قوله ما اتفقنا عليه."
اتصل طاهر بإيمري وبعد عن برهان حتى لا ينفعل برهان ويفقد السيطرة على أعصابه من شدة التوتر والحزن. وقد أخبره إيمري أنها اتصلت به منذ قليل وحاول إقناعها بالفعل بزيارة الأغا لأن المرض اشتد عليه وهو في حالة صعبة، وذلك وفقًا لما قاله طبيبه الخاص لإيمري عندما حاول الاطمئنان على الأغا. ولكنها لم تعلمه بمكانها وأكدت له أنها عالجت قدمها وجبرتها وتمشي على عكازات طبية مساعدة. كما أنه قام بمبادرة أن يسمح لها بزيارة الأغا دون أي قيود بعد أن أبلغه الطبيب بضرورة حضورها لأن الأغا يريدها، وأنه ينتظر منها مكالمة ثانية لأنها وعدته أن تتصل اليوم بأقرب وقت عندما يسمح لها الوقت.
بعد أن أغلق طاهر مع إيمري ذهب لطبيب الأغا وأكد عليه ضرورة أن جاءت رينا وهي من أنت مع إيمري صباحًا أن تدخل فورًا للاغا، وطلب منه أن يعطي الأغا أي شيء ليستريح ويهدأ، فاليوم كان ثقيلًا على صاحبه جدًا. وبعد أن نفذ الطبيب ما طلبه طاهر انصرف طاهر ورجع لبيته.
في مصر.
عن بيت رقية.
دق الباب الخارجي لتخرج رقية وتفتح وتتفاجأ بانتصار.
رقية:
"انتصار! خير في حاجة؟"
انتصار:
"إيه؟ ارجع تاني يا رقية."
رقية:
"مش قصدي، لكن إنت اتفقتي إنك هتيجي في الإجازة والدراسة هتقضيها في مصر وإحنا على أبواب امتحانات. إزاي سبتي أنهار وجاية لوحدك كمان؟"
نظرت خلفها ولوحدك كمان. فتحت باب المضيفة لتدخل انتصار.
انتصار وهي تجلس:
"هو أنا صغيرة؟ أخذت تاكسي لمحطة السوبر جيت وركبت المحلة وعرفت آجي."
رقية:
"ليه في حاجة حصلت؟"
انتصار:
"إنت لما قولتي إن مصطفى طلب يجي يقابلك يوم الجمعة أنا خفت عليك وقولت لازم أكون معاك واتصلت بمحمد يكون معاه."
رقية:
"ليه تتعبي نفسك كده؟ هو ها ياكلني مثلا."
انتصار:
"يا رقية هو دمه محروق من يوم فرح علي لما عرف إنكم رجعتوا البيت أحسن مما كان. طب هقولك على حاجة. لما كنا في شرم جه هنا دب خناقة مع الراجل اللي باع أرض البيت لنهر وإلى عرفت إنها كانت مدعكة بس ما رضتش أقولك."
رقية بابتسامة سخرية:
"وبعت ناس تحرق البيت برضه وإحنا في شرم؟ لكن هربوا ومعرفناش نثبت حاجة عليه. لكن سيد محمود اتصل به وقال له لو حاولت تحرق بيت رقية أنا هاجي وأطلع قلبك وأحرقه، فاحترم نفسك. إنت مش قدنا."
انتصار:
"طيب إزاي عاوزني أكون مطمئنة؟ لازم أكون معاك. ماهو ديما بيتكلم في التلفون. ليه النوبة دي طالب يقابلك؟ أكيد مرقد على مصيبة هو وعزيزة. وكمان عمر؟ مش قولتي من فترة مش بيجي؟ أنا قلبي بيقولي في حاجة."
رقية:
"ما تخافيش يا انتصار. كل مرة بيحفروا هم اللي بيقعوا في الحفرة في الآخر. وآه عمر من فترة مجاش بيقول مشغول في الدروس في ثانية ثانوي بقي، مع إني مش مقتنعة بس مش ها توصل يأذي ابنه الوحيد خصوصًا وأن مفيش أمل يجيب غيره. مصطفى عاوز اسمه في الدنيا مع أن عمر ذات نفسه ما يهموش زي نفسه."
انتصار:
"سؤال محيرني قوي يا رقية بس وحياة الغوالي ما تزعلي مني."
رقية:
"قولي من غير حاجة. أنا مستحيل أزعل منك."
انتصار:
"جات لك فرص كتير تتطلقي من مصطفى ما اتطلقتيش ليه؟ وأوعي تقولي عمر. اسم الله عليه بقي شحط."
رقية بابتسامة سخرية:
"أنا قررت الطلاق في أول أسبوع جواز. آه والله وقررت أواجهه حتى لو أهل البلد اتكلموا عليا بالباطل، يعني واحدة تتطلق بعد أسبوع. جمعت شجاعتي وقررت أكلمه. كان طلب مني أجهز غدا. قولت أكلمه بعد ما ياكل علشان كنت عارفة أنه بيكون عصبي قبل الأكل."
نظرت لها وكانت على وجهها علامات الصدمة.
"بعد الأكل روحت أكلمه. كان واخد نهر في حجره ولافف دراعه على رقبتها. بص لي بنظرة عمري ما أنساها وقال بصوته اللي شبه ذكر الضفدع: 'قوليلي يا رقية نهر تقدر تعيش قد إيه من غيرك أو إنت تقدري تعيشي قد إيه من غيرها؟' كان بيتكلم وعلى وشه ابتسامة مستفزة وإيده مغطية معظم جسم نهر. يا روحي."
"رديت وأنا حاسة أن رجلي مش شيالاني: 'مفيش حد منا ممكن يقدر يعيش من غير الثاني.'"
"رد وقال: 'طب يا روقية خدي بالك من بنتك واعقلي كدة في الآخر ما تعرفيش المصايب بتيجي منين.' وشال إيده اللي لاففها على صدرها وكان هيخنقها بيها وقام قال: 'عاوزك جوة، دقيقتين وتكوني عندي.' وبص لنهر وقالها: 'ادخلي العبي جوة.'"
"لو قلت لك أني روحي كانت بتطلع مني وحاسة أن قلبي هينفجر جوة صدري ساعتها ودخلت لقدري. كنت بشمئز منه بس بجبر نفسي أصبر. قررت إني هفتح الموضوع لما نكون وسطكم يعني لما أبو علي وأمه يكونوا موجودين، خصوصًا وأن الحاجة كانت عاوزاه يتجوز بنت. كنت ناوية أفتح الموضوع لما زورناكم أول مرة فاكرة. في جمع الرز أكيد فاكرة لما اكتشفت إني حامل. يااااه كانت أيام بموت فيها في اليوم ألف مرة. اللي كان بيخليني أتحمل كانت النظرة في وش نهر. دعيت ربنا كتير قوي وقولت جايز يتغير بعد ما يكون أب. ولما عمر جه كرهي له زاد وبرضه بجبر نفسي. خطيت هدف إني هسيبه لما عمر يكون سبع سنين مهما حصل كفاية كدة، وحتى لو أخد عمر مني بس أول سبع سنين في عمر الطفل مهمة أزرع فيه مبادئ، حتى وأبقى أشوفه ولو سرقة وهو رايح المدرسة مثلاً، خصوصًا بعد ما نهر اشتغلت وكان بتيجي تقريبًا على النوم. لكن كالعادة حصل اللي قلب الدنيا لما ضرب نهر في المدرسة وبعدها تعهد مالوش دعوة بها وتحسنت المعاملة معانا سنة تقريبًا قبل ما يتهجم عليها بالداية."
"لما كنت مع بنتي في المستشفى كل ما أغمض عيني عقلي يرجع صورتها غرقانة في دمها وهو مكتفها ومكمم بؤقها. عشت أيام ربنا ما يوريها لحبيب أو حتى عدو. لما بدأت نهر تفوق بدأت تيجي لي كوابيس لمصطفى وهو بيقتل نهر بطرق مختلفة. خلاص بالنسبة لي مش إنسان ده شيطان. حد قلبه قاسي قووووي وما فيش شيء بيأثر فيه. وجه خبر الحادثة بتاعته عدل ربنا فيه."
انتصار:
"يقطعني قلبت المواجع عليك."
رقية:
"نهر قررت مع إمجد أرجع له علشان عمر. شافت إنه كده انتصر علينا حتى وهو لا حول له ولا قوة. اتكلمت معايا وقالت أبو أخويا ومحتاج حد جنبه ومش هيقدر يعمل حاجة. ومستر أمجد قالي حالته وإنه محتاج بس علشان يقدر يقوم ويمشي سنة. فكرت وقولت أقف معاه يبقى ليا جميلة عليه والإنفصال بمزاجه يبقى أسهل خصوصًا بعد ما مستر أمجد اتفق أن نهر هتعيش في بيت أبوها وأن الطلاق هيحصل لما عمر يشد حيله. ساعتها أطلق من غير ما يأذي نهر. صح كل مرة كانت بتجي فرصة أطلق أو حتى أخلعه بس خوفي إنه يأذي نهر. كنت عاوزاه يطلق بمزاجه علشان ما أحضرش الشيطان اللي جواه ويأذي نهر خصوصًا أنه بيكسب كتير مش هيعمل حاجة بإيده هيأجر حد يعمل زي ما حاول يحرق البيت. وسواء أطلقت أو لأ هيفضل يرازي فيا لأن بينا عمر يعني مش هاخد ميزة لو أطلقت عن ما أنا عليه دلوقتي. كل واحد عايش في بلد بس أتقي شره لنهر بس."
انتصار:
"بس أنا عرفت إنه آجر بيت هنا في البلد دي في آخر البلد بيت مطرف حواليه أرض زراعية بينه وبين أقرب بيت شوية."
رقية:
"وأنا كمان عرفت. البلد ما فيش حاجة بتستخبي. هي يلعب لعبة جديدة وماله؟ نهر كبرت وإن شاء الله هتقدر تحمي نفسها. وآدو لو حاجة مست نهر أو أنا مش هيسيب مصطفى ولا محمود ولا إيمري. طلع إن السند والظهر مش شرط يكون من دمنا، فيه علاقات بتقوي زي ما إنت جاية من آخر الدنيا توافقيني."
في تركيا.
استطاعت نهر أن تدخل المستشفى ليلاً لتلتقي بالطبيب المعالج الذي قال لها أن الأغا نائم ولن يصحو قبل خمس ساعات. يمكنها الدخول له. دخلت وأغلقت الباب من الداخل وبحثت في كل مكان عن نتيجة التحليل، فهذا ما جاءت لأجله. إلى أن وجدت التحاليل وقرأت النتيجة لتصدم بشدة غير مستوعبة أسماء من بالتحليل وهو برهان وفيروزة.
نهر بتفكير:
"إزاي يعني؟ هو أكد إنه عنده بنت واحدة وهي عمران وأكد كده ليا وفي أحاديث صحفية وتلفزيونية، وكمان آدم أكد إنه معندوش خالة. ليه كذب وحط اسمه واسم زوجته بدل من اسم أبو وأم أمي؟ أكيد كان عامل حسابه إني هاجي وأحاول أوصل للتحليل. بيلاعبني؟ طب ليه؟ أو ممكن يكون هو فعلًا جدي وكذب عليا في الأول؟ طب إزاي هيخلي آدم كمان يكذب؟ هو الأكيد إنه حمي مهندس نديم حب أمي الأول، لكن مش جدي. لو جدي مش هيجوز بنته لمهندس نديم بمجرد ما يسمع بموت أمي؟ لأ فيه حاجة غلط."
نظرت إليه وهو نائم وهي تقول:
"هرجع لنقطة الصفر تاني. هو فيه شبه من أمي، لكن لما قابل أمي ممنعهاش تمشي وتسيبه."
(وهي تكلم نفسها لمحت حقنة. فاتت لها فكرة أن تأخذ عينة دم من الأغا وتعمل هي تحليل الحمض النووي في مكان آخر غير تلك المستشفى التابعة له، وبالفعل سحبت بسرعة عينة واتكأت على عكازها وذهبت لمستشفى أخرى لعمل التحليل مع وجود خصلة شعر أخرى لأمها معها. لم تكفي النقود التي معها للتحليل حتى بعد ما أعطا لها إيمري صباحًا، فدفعت جزء واتفقت أن الجزء الآخر عند الاستلام. وسيأتي السيد إيمري لأخذ النتيجة. اتصلت بإيمري لتطلب منه أن يأتي للمستشفى ويدفع باقي ثمن التحليل، وسيكون دينا عليها، ويأخذ النتيجة. لم تخبره عن طبيعة التحليل، ولكنها طلبت منه أن يأخذه في أقرب وقت وستعلمه أين ستأخذه منه.)
رجعت للمرة الثانية عند برهان أغا وكانت الساعة تجاوزت الثانية عشر مساءً وأغلقت الباب من الداخل للمرة الثانية. حاولت أن تنام دون جدوى رغم كل آلام جسدها وإرهاقها الذهني طوال اليوم، لم تستطع أن يغمض لها جفن فهي في انتظار الأغا أن يستيقظ للمواجهة، فهي لا تستطيع الصبر إلى أن يظهر التحليل الحديث التي سعت إليه.
بعد فترة قامت وتوضأت وصلت ودعت الله أن يهديها. بعدها قامت وفصلت الهاتف وزر الاتصال بالتمريض حتى لا تفاجأ إن استيقظ الأغا وطلب أي فرد من الممكن أن يؤجل استفسارها منه.
بعد الفجر وبعد أن صلت، تململ الأغا في سريره وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة أثارت انتباه نهر رغم عدم فهمها لما يقول، فسحبت الكرسي لتكون بمواجهته.
فتح عينه ببطء وبدأ يستوعب ما حوله ليرى نهر، ولكن بملامح غير واضحة. فيتلمس أعلى المنضدة الجانبية ويلبس نظارته.
تنهد براحة عندما وجدها أمامه.
برهان:
"إحنا إمتى؟ الظاهر إني نمت كتير."
نهر:
"الساعة خمسة الصبح."
برهان:
"واضح إنك مرهقة رغم شكلك اللي بيقول إنك محتاجة تفترسي حد. أنا جاهز، ممكن تطلعي كل غضبك حالا لو تحبي."
نهر بابتسامة استهزاء:
"لا أمي علمتني أرحم ضعف المريض. وواضح إنك تعبان جدًا لدرجة إن طبيبك أعطى لك كمية مهدئات تساعدك تنام مدة طويلة. لكن ده ما يمنعش إني عاوزة إجابة على كم سؤال لأني لازم أرجع مصر اليوم، خصوصًا أن امتحانات الترم قربت."
برهان:
"هو إنت في كلية إيه؟ بحثت عنك في كليات هندسة وفنون جميلة الموجودة بالقاهرة."
نهر:
"لا. أنا جيت أسأل مش أتساءل. الأول تحب أستدعي الطبيب أو تحب تاخد دواء أو مياه؟"
برهان:
"مياه من فضلك."
اتجهت نهر لتفتح زجاجة الماء وتسكب منها في كوب وأعطتها له ليشرب معظمها، ليقول:
"جاهز، اتفضلي اسألي. وقبل أي شيء، آسف إني خيبت ظنك فيا أكتر من مرة وسامحيني من فضلك."
نهر:
"ليه كذبت عليا؟"
برهان:
"في إيه؟"
نهر:
"لما فتحت الدرج وجدت إن تحليل الحمض النووي بينا وبينك إنت والمدام. فيبقى أما إنك غيرت الأسماء خصوصًا عشان أنا أتوهه، أو إنك كذبت لما قلت إن مالكش بنات غير عمران. ففي كذب سواء زمان أو كذب في التحاليل. أكيد كنت عامل حسابك إني هرجع عشان أشوف النتيجة."
برهان:
"كذبت زمان كان عندي بنت وهي عائشة، وأسف إني ما قدرتش أتعرف عليها. قالت إنها قابلتني مرة قبل العمرة وفهمت إنها المرة اللي أخذتني فيها لمستشفى الأورام في أول مرة قابلتك. التحليل مش كذب."
أغمضت نهر عينيها بألم:
"إنت أكدت في كذا مقابلة أن عمران هانم وحيدتك كتير، وآدم أكد إن مالوش خالة."
برهان:
"آدم ما يعرفش أساسًا إن له خالة. أنا محيت كل أثر لعائشة من قبل ما آدم ما يتولد. كنت خايف على فيروزة لأن جالها إنهيار وحاولت تموت نفسها بعد وصول خبر وفاة عائشة. ما كنتش أقدر أفقد الاثنين صدقيني."
نهر:
"و نديم بيك إزاي جوزته بنتك الثانية ودم أمي لسه مانشفش؟ دي تقريبًا ميلاد آدم بعد خبر الوفاة بتسع شهور."
برهان:
"إزاي عارفة حكاية نديم ومش عارفة اسم عيلة أمك؟"
نهر:
"اسم نديم وعائشة جول بس. اللي أعرفهم أمي لما حكت لي جت مصر قالت كانت عاوزة تتعرف على عيلة نديم زميلها في الجامعة مع اختلاف الأقسام، وإلى اتفقت معاه إنه يتقدم لها الخطوبة آخر العام. لكن أخدت خطوة تيجي مصر في إجازة نصف العام ومفاجأة له والتعرف على عيلته. طبعًا بعد ما أخذت موافقة والدتها وكمان بعتت لها صورته وكل المعلومات عنه. وبالتالي أكيد أنت كمان عرفت بما إن زوجتك مش بتخبي عليك شيء زي ما أمي قالت. وأعتقد ده كان سبب رئيسي لو كلامك صح وأنك جدي، إن أمي ترجع مصر من غير ما تعرف حد بوجودها إنها على قيد الحياة لأنها ببساطة هتسبب مشكلة في ظهورها."
برهان:
"أنا جدك رينا، ومعرفتش علاقة نديم بعائشة غير أمس فقط، ولا أكذب. وعمران ولدت آدم في بداية السابع."
نهر:
"كل شيء هأكد منه بنفسي لأني مش ناوي أكشف نفسي لأمي وإني كنت بأبحث عن أهلها من غير علمها، ولا ناوي أسلمها لكم من غير ما أتأكد. عمومًا أنا سحبت دم منك وبعمل تحليل جديد مش هنا في مكان تاني لأتأكد بنفسي."
برهان:
"للدرجة دي مش واثقة فيا؟"
نهر:
"هو إنت كنت وثقت فيا؟"
برهان:
"ممكن رجاء رينا؟"
نهر:
"قول وأشوف."
برهان:
"ممكن تلغي السفر لمصر كذا يوم وترافقني هنا بأي وضع يعجبك."
نهر:
"عندي مذاكرة كتير في كذا مادة ولازم أستعد للإمتحانات ده أولاً. ثانيًا أمي وحشتني وعاوزة أشوفها من فترة ماشوفتهاش غير آدو. عنده مشاكل كتير ولازم أكون جنبه."
برهان:
"تقصدي البنت اللي ضحكت عليه وأخذت فلوسه وبعدين أنهت الخطوبة."
نهر:
"متابع إنت طبعًا عشان توصل لي كنت بتراقبه."
برهان:
"لو كنتي بجانية الفترة الماضية أكيد كان حاله بقى أحسن."
نهر بضحكة سخرية:
"لأ كنت كل يوم معاه عادي، لكن هو دماغه اتمحى منها المخ وعماه حبه لها ولم يعطيني فرصة أن أنصحه. في الآخر هددته أقطع علاقتي به لو كتب الشقة باسمها وهي دي الحاجة الوحيدة اللي بقت له بعد ما أخذت كل فلوسه للأسف."
برهان:
"معاه كل يوم؟"
نهر:
"طبعًا مش عشان فيه حراسة عليه تبلغك بكل كبيرة وصغيرة يبقى نسكت. في طرق كتير نقدر نتقابل بها من غير ما حد يعرف."
برهان:
"زي إيه؟"
نهر:
"ومين قالك إن هكشف أسراري لك."
برهان:
"إنت موتراني وده مش كويس على صحتي، ولو مت هتندمي عليا."
نهر:
"إن شاء الله تقوم بالسلامة. وبعدين لكل أجل كتاب. ثم إنت مستني تعرفني وتودع؟ عيب عليك قاوم واصلب نفسك. أومال مين هيرجع عائشة."
برهان:
"حاولي تقعدي معايا يومين ثلاثة عشان أقدر أرجع. مش عشان جدك، عشان رجل عجوز مريض محتاجك."
نهر بتفكير:
"هعمل مكالمة، لكن مش تدخل فيها ولا بنفسي وأشوف الأمور هترسي على إيه. موافق؟"
برهان:
"موافق ووعد مش هخذلك."
اتصلت نهر على رقية وفتحت الاسبيكر. ليأتي صوت رقية.
رقية:
"كده نهر من امبارح ما عرفتش عنك حاجة. قلبي وجعني عليك. أنا زعلانة منك كتير."
نهر:
"أسفة إني امبارح كان كله مفاجئات. وبجد الفون كان في بيت عمو إيمري ومرجعتش غير متأخر، لكن إنت عارفة عمو إيمري مستحيل يتركني وهو سهل عليا كتير. المهم إني حضرتك عارفة إني جيت تركيا لموضوع مهم بالنسبة ليا، لكن للأسف كل شيء خرب. لكن عرفت إن برهان أغا اللي اشتغلت معاه قبل كده وكان جه مصر تعبان وقلبه وقف امبارح والأطباء رجعوه للحياة بصعوبة. المهم زورته وعاوزني معاه زي ما قال يومين ثلاثة مع إني قلت له إن امتحاناتي قربت ومحتاجة أذاكر. فأعمل إيه؟"
رقية:
"من امتى وإنت لو احتاجك حد بتبخلي عليه؟ لكن ده ما يعنيش إنك تهملي دراستك. راسلي أصحابك خدي شيتات أو pdf للحاجات اللي محتاجة تذاكريها وخلي بالك منه. هو برضه زي بابا ومسن يا نهر."
نهر بابتسامة:
"حاضر أوامر رقية هانم. أنا بس كنت عاوزة آخد الإذن لأني كنت عاوزة أنزل عشان وحشتيني قوي وكمان العيال يحي وعهد."
رقية:
"نتكلم بالليل على المغرب وأخلي العيال يكلموك معايا فيديو لأنك كمان وحشاني قوي. نهر أوعي تقصري معاه أو بدراستك."
نهر:
"حاضر. أنا ممكن تبعتي لآدو عشان ييجي ياخدك عنده شوية. حالته صعبة بعد ما ساب ميرا حرام يعني قلبه ومشاعره ومعدته أصبحوا فاضيين. هكلمه كمان ساعة أو اتنين وانت كلميه."
رقية:
"الحمار ده مش بيسمع كلام حد، بس كويس إنها سابته جرح دلوقتي ولا جرح بعدين بدل ما كان اتجوزها وجاب عيال وبقي حاله زي أمه."
نهر بضحكة:
"تقصدي بأمه دي إنت. والله أحيانًا بغير من سي آدو ده."
رقية:
"بس يا جزمة! هو صحيح أكبر منك بس عقله خفيف وبخاف عليه. وأيوه يا نهر أنا أمه. سلام بقي وابقي طمنيني على الأغا. وإنت لوحدك مش عاوزاك تتكلمي معايا وهو جنبك عشان نكون براحتنا. وما تتكلميش معاه أو مع غيره عن حياتنا. مفهوم؟"
نهر:
"مفهوم. أنا في رعاية الله يا حبيبتي."
رقية:
"في رعاية الله يا روحي."
أغلقت نهر وهي تنظر للفون بحب وقبلته.
ابتسم برهان وهو يقول:
"بتحبيها قوي كده؟"
نهر:
"أساسًا عايشة عشانها وعارفة إنها عايشة علشاني. هعمل مكالمة ثانية بس مش هفتح الاسبيكر. أنا فتحت مع آآنه عشان نسمع هي موافقة ولا لأ."
برهان:
"تتكلمي مين؟ لو مش عاوزة تقولي براحتك."
نهر:
"هكلم عمو إيمري عشان يروح يجيب نتيجة التحليل. أصل مش معايا أكمل تمن كامل التحليل وهو هيدفع الباقي."
برهان:
"الوقت بدري قوي ممكن يكون نايم."
نهر:
"لأ طبعًا. هو بيصلي الفجر زي آآنه وبيتكلموا مع بعض في الوقت ده. صحيح إني كنت مقطعاه الفترة اللي فاتت عشان فكرت إنه اللي رتب مقابلتكم في السعودية، بس بدأت علاقتهم ترجع تاني. أنا بعتبره أخوها وسندها أكتر من عمو أمجد بكتير."
برهان:
"وهو يا نهر."
نهر:
"هو حاسه بيحبها قوي أكتر من أخت أو حتى زوجة. ولأنه عنده أخلاق وعارف إنها متجوزة حتى وهي في بيت وزوجها في بيت، لكن عمره ما لمح لها بشيء يخليها تبعد عنه لأنهم بيعتبرونا أنا وسينام بناتهم. غير إنه بيجيب لآآنه شغل حسب ظروفها يساعدنا في المعيشة. إنت ضحكت عليا وخليتني أحكي لك عن حياتنا، واضح إنك خطر عليا."
"هروح أكلمه وأقوله يجيب التحليل على هنا."
بعد فترة قليلة دخلت نهر لبرهان وهي تقول:
"كلمته."
برهان:
"طيب نادي على حد من التمريض يجيب فطار والأدوية وبعدين نكلم طاهر لأنه هيروح المطار. كان فاكر إنه ممكن يقنعك تيجي تزوريني بعد ما عرف معايا نتيجة التحليل."
نهر:
"تمام. هبلغهم. وبلغت الطبيب المعالج لك إنك صحيت وهيجي كمان شوية."
برهان:
"إنت شكلك مرهقة وتعبانة إنت كمان ومتخافيش. هساعدك ولو قدرت في المذاكرة. مش قسم عمارة زي جدك برضه."
نهر:
"دراسة زمان غير دلوقتي. عندنا تاريخ عمارة مثلاً وكمبيوتر وتصميم إنشائي حسابات يعني ودي معقدة قوي. رغم أن فيه برامج بتسهل حسابات الحديد في الكمر والأعمدة، لكن لازم نعمل خطوات حسابية معينة بإيدينا. حوارات كتيرة يعني."
برهان:
"برضه هقدر أساعدك. أنا كنت عضو تدريس زمان لكن ما استمرتش هي سنة واحدة. وآدم كمان كان من أوائل دفعته ممكن يساعدك في مادة إنشائي."
نهر:
"لأ آدم لأ ومش لازم تعرف ليه."
طرق الطبيب الباب وبدأ في فحص برهان وأعطى أوامره للممرضة. وطلب برهان من الممرضة فطار لنهر التي لم ترفض فهي لم تأكل منذ فترة. بعدها أكل برهان ونهر أكلت القليل لتوترها وعدم رغبتها في الأكل مع شدة جوعها.
طلب برهان من نهر الاتصال بطاهر وإعطاؤه الفون وكلمه. وكان مستيقظًا ومستعدًا لارتداء ملابس الخروج للمطار. وقد فرح كثيرًا بوجود نهر مع برهان وأخبره أنه سيأتي لزيارته بعد الظهر حتى يتنسى له الجلوس معها على انفراد.
بعد قليل جاء إيمري ومعه التحليل. أخذته نهر بلهفة وفتحتة وقرأت ما به. وبعدها نظرت بعيون متفاجئة من الصدمة لتقول:
"ده طلع بجد إنت جدي بجد. إزاي ده؟ إزاي معرفتش بنتك؟ حتى لو اتغير شكلها؟ ماهو من التعب هي ما عاشتش حياة سهلة. عاشت حياة صعبة قوي مع إنسان منزوع الضمير. ده مش عاوز يطلقها رغم إن شكلها اتغير. طمعان في الورث. كل يومين يحرق في دمها عشان يخلص منها."
بعدها انهارت لتلف بها دوامة سوداء وتقع بإنهاك لتتلقاها يدي إيمري الذي نادى بأعلى صوته على طبيب.
بعد المعاينة.
الطبيب:
"واضح إنها اتعرضت لضغط عصبي مع عدم تغذية مناسبة، وواضح إنها مجهدة من قلة النوم."
إيمري:
"مش لازم تفوق إلا لما تاخد كفايتها من الراحة. هي تقريبًا أكثر من أربعة وعشرين ساعة لم تنم غير قبلها. كان فيه قلق وتوتر، فامنحها وقت للراحة."
برهان:
"مثل ما قال إيمري. واضح من شكلها إنها مرهقة للغاية."
الطبيب:
"الحقيقة إني لازم أعمل ده لأنها بالفعل لن تقدر على الصمود كثيرًا بهذا الوضع. على الأقل عشر ساعات. هعلق لها محاليل مغذية فقط، وجسمها لما يرتاح هتقوم لوحدها."
إيمري:
"لازم تتنقل لغرفة أخرى بجانب الأغا من فضلك."
(نظر لبرهان وقال: "مش عاوز حد يعرف بوجودها لأن عائشة وهي مش هيسمحوا بكده. وممكن أنا وحضرتك ما نعرفش عنهم حاجة. لازم النفوس تصفي الأول.")
أومأ برهان برأسه بموافقة:
"إنت أدرى مني بهم إيمري. أنا جربت غضب رينا ومش هستحمل لو خسرتها، لأنه معاناة خسارة عائشة للمرة الثانية. والعمر ما بقاش فيه وقت للندم. فمن فضلك دكتور تتنقلها غرفة بجانبي."
بعد قليل جاء آدم وعمران لزيارة الأغا. فقابلهم الأغا لأول مرة بوجه متجهم وحزن. ظنت عمران أنه من أثر كلماتها أمس، لكنه نظر إليها بتفهم.
برهان:
"عمران، اتفضلوا على شغلكم. أنا محتاج أكون من نفسي فترة. ولمرة العاشرة آسف لأني سمحت لفيروزة تتحكم فيكم. كنت واثق في عقلها. لكن عذري إنك ما وثقتيش بيا وحكيتِ لي من الأول. عمومًا."
(ونظر لآدم)
"نديم زاد غلاوة عندي لأنه مش بس حافظ عليك. لأ يا عمران هو عمره ما خانك حتى بفكرة. وده معاناة إنه كان لك مشاعر. نديم عنده أخلاق غير معاذ. ولو محتاجة تجربي حظك مع غيره أنا ما عندي مانع. يمكن ساعتها تحسي بأن نديم فعلاً كان ما يتعوضش، ويمكن اتظلم من الجميع وكان متسامح مع الكل حتى أهله اتظلم منهم. أرجوك يا آدم مش عاوز حد يجي الفترة دي إلا لو طلبته. ممكن."
دق الباب طاهر وسمح له بالدخول.
سلم عليه وعلى عمران وآدم ودني من برهان.
طاهر:
"كيف صحتك صديقي؟"
برهان بعيون ملتاعة:
"لازم أكون بخير. محتاج صحتي الفترة الجاية قوي يا طاهر. لازم أقوم. ادعي لي أرتاح يا طاهر."
طاهر:
"هترتاح يا صديقي."
نظر لعمران وآدم:
"اذهبوا لعملكم. أنا هقضي اليوم معاه حتى جايب بيجامة معايا."
آدم:
"بيجامة يا طاهر أغا؟"
طاهر:
"آه عشان أقعد مرتاح. ياما كنت أنا وجدك بنام عند بعض وكمان في نفس الغرفة أيام الدراسة الابتدائي وإعدادي. فاكر يا برهان."
آدم:
"حضرتك هتسيب شغلك وتقعد مع صديقه."
طاهر:
"شغل إيه يا حبيبي؟ اشتغلنا كتير. أنا من سنين بتابع كل فترة ممكن مرة في الشهر عن طريق النت وأنا في بيتي. صحيح ممكن أرسم بعض التصميمات يدوي، لكن أروح شغل لأ. أولادي وأحفادي يقوموا بالمهمة دي."
ما أن خرج آدم وعمران حتى التفت طاهر للأغا.
طاهر:
"فين رينا وإيمري يا برهان؟ أنا جاي طاير. السواق أول مرة يستغرب من إني بقوله أسرع وأنا زي ما أنت عارف بخاف من السرعة."
تبسم برهان بحزن:
"من الإرهاق والتعب وقعت وفي الأوضة اللي جاني ومعناها إيمري. طيب أنا هنادي إيمري يحكي لنا كل اللي يعرفه عن رينا وعائشة. هي رينا اسمها الحقيقي إيه؟"
برهان:
"أعتقد ريفر مش فاكر قوي."
طاهر:
"ريفر! عشنا لدرجة مش عارفين أسماء أحفادنا يا برهان. أنا هتصل به يأتي إلينا."
بعد قليل جاء إليهم إيمري ويبدو عليه الإرهاق.
طاهر:
"إنت كنت نايم يا إيمري."
إيمري:
"الحقيقة أيوه. أمس كان صعب جدًا لأني قلقت على نهر. كمان طلبت مني أذهب لمستشفى لآتي بتحاليل ضروري جدًا. تقريبًا نمت ثلاث ساعات. لاقيت نفسي نمت على الكرسي جنبها. صحاني صوت التلفون. خيرا يا آغوات؟"
برهان:
"كنا عاوزين نعرف كل شيء عن عائشة ورينا. وعرفنا مين فيهم الأول وليه؟ لما قابلنا رينا تصرفت كأنك أول مرة تراها."
إيمري:
"أتكلم عن نهر أوك. عائشة مش هقدر. بنتك صحيح قصيرة لكن جبارة. ونهر صارمة مع الجميع إلا من لهم عندها رصيد من المحبة."
طاهر:
"قول يا إيمري. أنا من الأول بحب نهر."
برهان:
"نهر يا برهان."
إيمري:
"زوجتي السابقة كانت تريد الطلاق وكما تعرفون لابد من إمضاء الطرفين عليه. ولأنها تعلم أني كنت أعاني الوحدة ومرتبط بسينام، فأخذتها وهربت كي تجبرني على الطلاق. وذهبت إلى بلدان كثيرة منها مصر. ولأنها لم تهتم إلا بنفسها، فكانت تمنع سينام من الخروج من الغرفة إلا لتناول الطعام، ويا ليت كانت معها حتى بالطعام. كانت نهر تعمل بالفندق ولاحظت سينام وأصبحت تتردد على غرفتها في أوقات قليلة عندما تتفرغ، وارتبط بها ابنتي خاصة أن نهر بدأت تترك لها قوتها وتعلمها عليه بعض الألعاب والتواصل في الوقت التي منعت أمها أي وسائل اتصال حتى لا تتواصل معي. رغم أن ابنتي كانت لا تعرف رقمي أساسًا. المهم عندما علمت بينار بعلاقة نهر وسينام ثارت عليهم وطردت نهر ومنعتها من صداقة أو زيارة سينام. ورغم أن نهر كانت مجرد طفلة اثني عشر عامًا إلا أنها لم تصمت واتهمت بينار بالأنانية والتسلط وأنها لا تصلح أم. فقررت بينار الانتقام منها وطردتها من الفندق. طبعًا هذا ما هددت به بينار. ابنتنا ما كان منها إلا أن تقرر أن تنتحر. فصديقتها الوحيدة ستهدم حياتها بسببها."
طاهر:
"يا الله! أيمكن أن ترتبط الفتاتان بتلك الطريقة في مدة قصيرة."
إيمري:
"كلاهما كانتا تحتاج تلك العلاقة. سينام كانت وحيدة منذ ولدت ونهر كانت تريد نسيان جراحها من زوج أمها والاندماج في عملها التي أحبتها. المهم أن بينار قدمت شكوى بخطف نهر لابنتي لأن سينام هربت لتنتحر ولم يعرف مكان سينام إلا نهر التي أنقذتها من الموت غرقًا ثم ظلت بجانبها في المستشفى. أوصى الأطباء باستمرار علاقة سينام بنهر نظرًا لحالتها النفسية وأنها من الممكن معاودة محاولة الانتحار. طبعًا وافقت بينار لأنها تعلم أن أتت تركيا بغير ابنتي فمستحيل أن تستمر بعملها لأني كما ساعدتها سأهدمها."
برهان:
"فخور أن حفيدتي من نعومة أظافرها قوية."
إيمري:
"نهر أرق مما تتخيل أغا. نعم تعمل وتعول نفسها وقوية مع الغرباء، لكن هشة جدًا مع من تحب. لا يغريها السلطة أو المال بل العلاقات والرحمة."
(أخبرهم إيمري عن تطاول مصطفى بحقها وحق أمها وكيف تعرفت سينام على عائشة وكيف تعرف هو عليها، كما أخبرهم بعلاقة نهر بآدو وأيضًا معيشة عائشة مع رضا وأبناؤها وكيف ساعدتها نهر وعائشة، كما أخبرهم ببيع نهر لمنزل والدها لتعالج أمها وأنها أرجعت الأرض لتقيم نفس التصميم على الأرض مع زيادة دور لتعيش رضا معهم. وبعد أن انتهى.)
طاهر:
"رغم أنهم عاشوا حياة صعبة، لكن بيحاولوا يساعدوا غيرهم. ما يحس بالمهموم غير مثله. أنا سأظل إلى أن تصحو برهان. أنا أيضًا ربيت عائشة معك واعتبرها ابنتي، ونهر مثل حفيدتي."
برهان:
"محتاجكم تساعدوني في أكثر من شيء. بطلوا معارفكم وسلطاتكم ومن غير ما حد من أسرتي ياخد خبر الفترة دي."
إيمري:
"أؤمر أغا. لو نقدر هنساعد."
برهان:
"أنا من بكرة هنضم لطاقم العمل في شركتي من جديد، وهحاول أسحب نهر وأعرفها على الشغل. عارف إنها لسه صغيرة لكن ذكية. هفهمها أهم الأشياء والمشاريع في الشركة وهنحاول نعمل حصر كامل لكل التركة، وهبيع لنهر نصف ثروتي بحيث تاخد مثلاً مشفى دبي، فندق هنا. لكن مش مباشر. هنعمل عقود بيع لأفراد كذا مرة، وفي الآخر الأملاك تقول لها منهم مش مني."
طاهر:
"ليه تكتب لنهر مش عائشة برهان؟ وليه مش مباشر منك."
برهان:
"ما أنا عشان أكتبها لعائشة لازم تكون هنا الأول وهي صعب تيجي حاليًا وأثبت إنها بنتي. الموضوع هيحتاج إجراءات قانونية كتيرة ومحكمة وحوارات وهي حاليًا رافضة الرجوع وأنا مش ضامن عمري. كمان ممكن الحيوان اللي متجوزاه عائشة يورث فيها لو لا قدر الله ماتت قبله. نهر تقدر تواجهه. عندها عزيمة وإصرار متأكد أكثر من أمها، وفي نفس الوقت هتحافظ على أمها وأخوها. ده أولاً. ثانيًا مش مباشر لأني مش هقدر أواجه العيلة بوجود عائشة. لازم تسامح وتيجي الأول. وكمان مش ضامن زفت معاذ ورفيق ممكن يعملوا إيه سواء في إقناع أيزل وفيروزة وممكن يخلصوا منها. دول كانوا هيتاجروا في الأعضاء. ما أقدرش أوقف نهر في وش الريح. عشان كده الإجراءات لازم يكون صعب يتعرف مين أخذ الأملاك. وكمان إدارة الأملاك دي هتكون تبع الشركة عادي إلى أن أموت. أما بعدها هتديرها إنت إيمري لغاية ما تعلم نهر كويس عليها. أنا بعمل كده لضمان حق بنتي وأحفادي. وأصلًا فيه أملاك باسم فيروزة وعمران وآدم يعني لو قلت إن أملاكهم دي اللي أنا عطتها لهم طول عمري مش محسوبة من التركة هتكون ثمن تعبهم في الشركة السنين اللي فاتت."
طاهر:
"افرض نهر رفضت."
برهان:
"إحنا مش هنعرفها حاجة دلوقتي. لما الأمور بيني وبينها تستقر وتقدر تثق فيا هعرفها. وهترك نتيجة التحليل وأشرح فيديو لفيروزة في بنك عشان لو موت قبل ما أرجع عائشة أضمن حقهم الأول، وبعدين أعاتب وأصالح عائشة. وعاوز كاميرا هنا في الأوضة توثق كل شيء لأن نهر ثلاث أيام ماشية منها لما أشتاق أتفرج عليهم. وكمان أترك لهم تسجيلات الكاميرا لفيروز."
دق الباب الممرضة وسمح لها بالدخول.
الممرضة:
"المريضة اللي بالغرفة المجاورة فاقت يا أغا."
برهان:
"خدوني لها بسرعة."
بعد دقائق كان يدخل برهان وإيمري الذي يتحرك بكرسي وطاهر إلى نهر التي تمسك رأسها بإعياء.
برهان بلهفة:
"حمدًا على سلامتك صغيرتي."
نهر:
"يعني ما كانش حلم. إنت جدي."
انتبهت على طاهر لتنهض وتحتضنه وهي تقول:
"وحشتني عمو طاهر."
طاهر بابتسامة:
"حبيبة قلب عمو. كده تقلقي صديقي عليك. اهتمي به فهو جدك."
نهر بجدية:
"بس أنا مش محتاجة جد. دور الجد ده قام به جدي أبو إبراهيم وجدي عبد العزيز."
قطب وجه برهان بحزن ونكس رأسه لأسفل لتتجه له نهر وترفعه وهي تقول:
"أنا محتاجة أب يا أغا. مش جد. تعرف تقوم بالدور ده؟"
تهلل وجهه برهان وهو يقول:
"جربي ومش هتندمي أبدًا. الدور ده عدى عليا قبل كده. أوعدك هنجح فيه المرة دي."
نهر:
"بس ليا شروط أول قبل ما نتفق."
برهان:
"موافق عليها مقدماً."
نهر:
"أول وثاني وثالث شرط ترجع آنة لحضنك من غير ما تزعلها."
برهان:
"وعد. لو عمري سمح هرجعها لحضن العيلة وحضني."
نهر:
"أما نشوف."
برهان:
"مفيش أي حاجة نوثق بيها الوعود دي طيب؟"
نهر:
"زي إيه؟"
برهان:
"زي مثلاً حضن أو حتى قبلة صغيرة قد كده."
(وأشار إلى عقله إصبع)
"فوق الجبين."
نهر بابتسامة:
"هو الحاجات دي المفروض بعد ما ترجع آنة بس أنا كريمة هديك دفعة."
وانطلقت تحتضنه وهي تقول:
"طلعت عيني يا برهان."
ليتلقاها برهان بيد مرتعشة والكثير من القبلات على كل ما تصل إليه شفتاه منها.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم رينا الهادي
تقدم طاهر وهو يقول:
كده تقدري تاخدي مني الخاتم، إنتِ بمقام حفيدي لأن والدتك بنتي.
نهر:
شكرًا ليك، لكن من غير زعل مقدرش ألبسه. من فين أقدر أشتري حاجة زي دي، غير إني في بيت مغتربات. أخاف يضيع مني، اعتبرني أخذته لكن حقيقي مقدرش.
تنهد طاهر بحزن، لتتجه إليه نهر وتغطيه بقبلة على جبينه وتقول:
مقدرش أنا على زعلك، هيجي يوم وأخده منك.
برهان:
ما فيش داعي لخوفك، حتى لو ضاع أجيب لك غيره. إنتِ حفيدتي، فاهمة.
نهر:
اتفاقي معاك لسه بالقلم الرصاص، يتمحي بأي أستيكة. أنا بنتك وحفيدتك، لكن يوم ما ترجع أمي لحضنك. أيوة في عاطفة ونفسي أكون في حضنك، ما أخرجش منه. لكن أمي تستحق ترتاح بعد عذاب سنين. استرد صحتك الأول وشوف هتعمل إيه. وقبل أي حاجة، لازم نفهم ونعرف الأول إيه أسبابها اللي خلتها تمشي من غير ما تعرفك إنها حية. ممكن يكون في أسباب ثانية غير اللي نعرفها.
برهان:
تمام، عارف إنك خايفة ولسه مش مستوعبة اللي حصل، ولا أنا كمان. لكن وعد، هحاول أتحسن عشان أرجع بنتي لحضني.
الطبيب:
لازم حضرتك ترجع غرفتك، كده خطر على صحتك. حضرتك متعلق لك جهاز سكر وممكن تقع. اتفضل، كفاية كده.
أسرعت نهر وهي تأخذ بيده وتقول:
أنا هوصلك وأرجع ألبس ممرضة وأجي أقعد في غرفتك، ما تقلقش. هذاكر وأعمل كل شيء وأنا جنبك، لازم تبقى كويس.
نظرت إلى إيمري:
عمو، روح الفيلا استريح وكلم آنة. حضرتك تعبت معانا من الفجر، وكمان تابع شغلك لأنك اتعطلت كتير.
طاهر بضحكة:
أنا فاضي، ما عنديش شغل وهقعد شوية. وكمان عاوز أتكلم معاك شوية.
برهان بعد أن جلس على كرسي متحرك يدفعه أحد الممرضين:
أنا بغيب مرة واحدة، ومن أول يوم كده؟ ده عمو طاهر في مقام عمو برضو.
نهر:
هقعد يا برهان، أنا رينا وحشتني ومش هعطلها كتير. عارف إن وراها مذاكرة. روحي بس على ما برهان يتعلق له المحاليل وتعالي.
دخل برهان غرفته، وبمساعدة الأطباء والممرضين رقد على سريره. وقد انصاع لأوامر الطبيب، فقد أصبح له هدف قوي كي يرجع للحياة من جديد. بدأ الطبيب بتوصيل الأجهزة والمحاليل لجسده. وقبل أن يعفو، دخلت إيزيل ومعها آسيل ابنتها. فقد خافت أن تذهب لجدها وحدها، فأخذت الصغيرة معها حتى لا يغضب الأغا وينهرها في وجود آسيل. ما أن دخلت حتى ابتسم برهان ونادى الصغيرة.
برهان:
صغيرتي الجميلة، افتقدك كثيرًا.
جرت إليه الصغيرة وأمسكت بيده تقبلها بحزن:
وحشتني قوي يا جدو، كده تترك آسيل؟ لا يلعب معي أحد. جدو تعال إلى القصر سريعًا.
دخلت نهر في تلك اللحظة وهي تخفي وجهها بكمامة، وسمعت ما قالته آسيل. بينما نظرت لها إيزيل بشيء من التكبر وهي تقول:
ابعدي يا آسيل، جدو مريض يتعب أكثر.
برهان:
تقدري تمشي دلوقتي يا إيزيل، وتيجي تاخديها كمان ساعة أو اثنين.
إيزيل:
معاذ كان جاي يطمن على حضرتك، لكن قلت نطمن عليك الأول.
برهان:
لو مستعجلة تاخدي عزائي يا إيزيل، هاتيه معاك. أنا أساسًا مش حابب أشوفك، لكن وجود آسيل معاك مربط لساني. من فضلك اخرجى، هتصرف وأبعت آسيل للقصر بمعرفتي. اتفضلي، وجودك بيعكر دمي.
إيزيل:
لكن مش جايبة معايا غيار لها، وحضرتك عارف ظروفها.
طاهر:
خلاص يا إيزيل، اتفضلي بدل ما حالة الأغا تتهور. وإحنا هنتصرف. اتفضلي.
خرجت إيزيل وهي تشير إلى نهر وتقول:
خالي بالك من البنت وجدي. أي تقصير هتتحاسبي. ظنًا منها أنها ممرضة، مما أثار برهان. لكن نهر عاجلت بالقول:
حاضر يا هانم. وأشارت إليه أن لا بأس.
آسيل بدموع:
اشتقت لك يا جدو، كده تسبني وحدي هناك. أنا عاوزة أعيش معاك هنا، وهحاول أمسك نفسي. (اقتربت منه وبصوت منخفض) تعرف أنا لبست بامبرز ومعايا واحد كمان في الشنطة. بليز مش تسبني، أنا تعبت وزهقت قوي من غيرك.
نهر:
هو جدو بيلعب معاك كتير ولا إيه الحكاية؟
آسيل وهي تمسح دموعها:
جدو صديقي الوحيد وحبيبي الوحيد برضو.
نهر بمرح:
إيه ده يا أغا، بتحب في السن ده؟ طب ينفع أكون صديقتك أنا كمان؟
برهان:
سلمي يا آسيل على...
نهر بسرعة:
رينا، اسمي رينا. أنا لولا عندي امتحانات كنت خرجت معاك وفسحتك، لكن للأسف ورايا مذاكرة.
برهان:
طاهر، ممكن تاخد من فضلك آسيل تجيب لها آيس كريم وتوصي يجيبوا لها ألوان.
فهم طاهر أن برهان يريد أن يتكلم مع نهر قبل أن يؤثر عليه الدواء وينام، فأخذ الصغيرة ومشى بها وأغلق الباب.
برهان:
آسيل للأسف بتعمل على روحها البول، وده سبب لها مشكلة لأن أمها وفيروز ديما بينهروها، ومفيش حد عاوز يصاحبها من الحضانة وشبه وحيدة. ومع إني قلت لإيزيل كتير تعرضها على طبيب، إلا إنهم بيرجعوا ده لأني مدلعاها. لكن البنت حساسة، وأنا متأكد إنها بتحاول. طبعًا مش هينفع تبات هنا، وهبعتها القصر. لكن برجوا منك تعامليها برفق.
نهر:
أنا بشتغل مع الأطفال في معظم أجازات الصيف، ومن شكلها أقدر أقول إنها ممكن تكون مش بتتحكم في نفسها لأنها نفسيًا مش منضبطة، أو ممكن تكون مشكلة عضوية. أعتقد عندها حوالي خمس سنين.
برهان:
خمسة وخمس شهور تقريبًا.
نهر:
هو أنا كنت ناوية أذاكر النهارده، لكن أنا لما ترجع هحاول أتعرف عليها وأصاحبها. واحتمال مش أكيد أخرج معاها، لأني فهمت إنها وحيدة في القصر. نام أنت واطمئن، أنا هاخدها ولما تصحى تبقى تلعب معاك شوية.
برهان:
فيه في الدولاب ده شنطة صغيرة فيها جاكت. أنا عارف نقودك نفذت، لذلك خذي كارت الفيزا واصرفي منه لو خرجتي مع آسيل. آسف إني بتعبك، وإنتِ أساسًا مرهقة.
نهر:
أنا بحب التعامل مع الأطفال، وحاضر غالبًا هنجرج.
برهان وهو يغلق عينيه بتعب:
Password 3777.
نهر:
أتمنى إنك ما تندمش، لأني ممكن أصرف كثير.
برهان بابتسامة وهو مغلق العينين:
أتمنى إنك تصرفي زي ما تحبي.
ابتسمت نهر واتجهت للدولاب وأخذت البطاقة، ودخل طاهر وآسيل الحجرة.
نهر نظرت لآسيل:
جدو أعطنا الفيزا وكارت بلانش نصرف زي ما نحب، فلازم نخرج دلوقتي عشان نكون هنا لما يفوق. هاااه، عاوزة تروحي فين؟
آسيل:
ولا مكان، عاوزة أكون هنا.
نهر:
ليه؟
احمر وجه الصغيرة بخجل، لتعلم نهر أن هناك شيئًا ما يمنعها من الخروج، لكنها تخجل من قوله. نظرت نهر لطاهر وقالت:
من فضلك يا عمو، حضرتك تعبت النهارده، روح استريح وما تقلقش.
طاهر:
إيمري، روح. لو مشيت هتكونوا لوحدكم.
نهر:
ماتقلقش، زي ما حضرتك عارف بتكلم تركي، يعني هتصرف. بس قول للتمريض والأطباء إني أدخل وأخرج براحتي.
طاهر:
تمام، أنا فعلاً صحتي ما تستحمل كل اللي حصل، ومحتاج أرتاح. سلام.
بعد أن خرج، انحنت نهر وجلست على ركبتها لتقول:
القمر مش عاوز يخرج ليه؟
نظرت الصغيرة للجهة الأخرى وهي تكاد تبكي:
عملت على نفسي، والبامبرز مضايقني.
مسحت نهر على عينها وجنتيها الصغيرة:
أنا فاهمة إنه غصب عنك، وإلا ما كنتيش تبقي متأثرة كده. تعالي أشطفك ونشوف هنعمل إيه.
دخلت معها الحمام لتري أن الصغيرة ملتهبة للغاية، فشطفتها بلطف وطلبت منها أن تنظرها قليلاً لتذهب بسرعة وتطلب كريم للتسلخات ومرطب وتأتي وتضعه لها بلطف.
آسيل:
مضايقة مني؟
نهر:
مضايقة لأنك موجوعة، عارفة كويس إحساسك بالألم وده مزعلني.
ابتسمت آسيل بدموع:
آسفة، وعارفة إنك أرفانة.
نهر بحنية وهي تمسح على وجهها:
لما تحسي إنك هديتي هنخرج نجيب لبس عشان تقدري تغيري ونجيب الوجبة اللي تحبيها. بعدين لو سمحتي، هنروح لدكتور أطفال نشوف اللي بيحصل ده بيحصل ليه، لأني متأكدة إنك بتحاولي.
انفجرت الصغيرة بالبكاء وهي تقول:
بحاول صدقيني، لكن ما فيش حد مصدقني غير جدو. أنا كمان عاوز أبطل كده، وهاجي معاك مع إني بخاف من الحقن والطبيب، لكن أنا تعبت قوي قوي.
احتضنتها نهر بحب:
ولا يهمك.
آسيل:
هلبس بامبرز تاني وإحنا ماشيين.
نهر:
لو معاك أندر هتلبسيه، لو مفيش غير بامبرز فآسفة هتلبسيه لغاية ما نشتري لبس جديد.
آسيل:
أنا بتعب لما ألبسه، وما فيش في الشنطة غير بامبرز.
نهر:
تمام، هتلبسيه لما تهدي، وهجيب عجلة أطفال تقعدي فيها عشان ما تمشيش كتير. إيه رأيك؟
آسيل:
أنا مش محتاجة لبس، عندي كتير. نجيب بس أندرو ويير.
نهر:
هنحتاج هنا لأنك غالبًا هتباتي معانا، إلا إذا كنتي عاوزة تروحي القصر.
قفزت آسيل بفرح:
بجد ممكن أنام هنا؟ بجد؟
نهر:
طبعًا، زي ما تحبي.
آسيل:
ينفع أختار لبس ولا لازم أجيب الحاجات اللي ماما بتحبها ليا؟
نهر:
تقصدي إيه؟ مش فاهمة؟
آسيل:
آنه بتختار لبس بلوزات وبناطيل أو فساتين بأحزمة.
نهر مقاطعة:
وإنت مش بتحبي أي حاجة تضغط على بطنك، صح؟
آسيل براءة:
أيوة.
نهر:
هنجيب اللي يريحك إنتِ، وعندك حق لازم تلبسي حاجة ما تضغطش على بطنك. هخرج أشوف فيه عجلة أطفال وأجيبها. استعدي لو حبيتي تستني هنا في الحمام، استني.
آسيل:
شكرًا، إنتِ لطيفة قوي.
نهر:
وإنتِ جميلة جدًا وذكية كمان. غمزت لها بعينها وخرجت. وجاءت بعد قليل ولبست آسيل البامبرز وخرجوا سويا.
اشترت نهر لآسيل العديد من اللبس الداخلي والخارجي والبيتي، كما أخذتها إلى أحد محلات الطعام التي تحبها آسيل لياكولا مع وجبة لذيذة لهم. حيث جعلت نهر آسيل تختار ما تحب أن تأكل. وفي أثناء الأكل، اتصلت نهر بإيمري لتسأله عن طبيب أطفال متميز ويساعدها في سرعة الحجز عنده. بعد أن انتهت من المكالمة، رأت نهر اتصال واتس من أمها، ففتحت الكاميرا سريعًا لتظهر رقية ومعها يحي وعهد. فتكلمتهم بفرح وتحكي نهر عن آسيل لأمها باختصار. وتكلم رقية آسيل بحب وحنان. في نهاية المكالمة، طلبت نهر أن تنهي المكالمة حتى يذهبوا للطبيب. وبالفعل وصلوا إلى مشفى آخر غير مشفى التي يوجد بها برهان، لتدخل نهر وآسيل المكان ويطلب الطبيب بعض الأشعة والتحاليل لشكّه في أمر ما. لكن عندما أدخلت نهر الفيزا لم تستجب لسحب النقود، فسارعت بالاتصال للمرة الثانية بإيمري الذي جاء بسرعة ودفع كل ما هو مطلوب مع إحراج نهر منه.
نهر:
آسفة يا عمو، كنت فاكرة فيزا برهان أغا هتكفي. مش متصورة إن الفيزا فيها بس المبلغ ده.
ضحك إيمري بقوة:
أكيد طبعًا فيها كتير، لكن البطاقة تم وقفها. أكيد فيروزة هانم شكت بالموضوع ووقفتها لأن الحساب مشترك بينهم. فهمتي.
نهر:
معقول أوقفت البطاقة عشان مبلغ بسيط كده؟
إيمري:
مش عشان المبلغ، لكن عشان شكت إن حد غريب أخذ الفيزا. الأغا في مشفى إزاي يصرف مبلغ حتى لو مش كبير خارج المشفى. أنا هوصلكم المشفى وأمشي عشان تقدروا تجلسوا براحتكم مع الأغا، وهخلي حد يطلع لكم كل ما اشتريتم.
عندما وصلت نهر وآسيل لغرفة الأغا، وجدوا صوتًا عاليًا. فطَرقت نهر الباب وكانت قد لبست الكمامة وألبست آسيل أيضًا، لأنها من الكلام فهمت أن من بالداخل جدتها فيروزة. سمح لها بالدخول لتجد برهان وجهه أحمر من الغضب، وأيضًا فيروزة. نظر لهم برهان وحاول الابتسام ليقول:
آسف، علمت حالاً أن فيروز أوقفت بطاقة الفيزا لشكها إن أحدًا أخذها، واتصلت وتم تفعيلها مجددًا.
فيروز بعصبية:
ممكن أفهم ليه كل السحب اللي حصل؟
برهان:
قلت أنا طلبت لآسيل حاجات والبنات كانوا بينفذوا أوامري.
في تلك اللحظة دخل أحد عمال المشفى بالشنط معه. لتقول نهر:
الأغا حب آسيل تقعد معاه كام يوم، فروحنا اشترينا لبس وأكلنا وجبة ورحنا لدكتور أطفال كتب على تحاليل وأشعة ومديونين لإيمري بيك بهم.
برهان:
أسف إني وضعتكم بالموقف ده، وكويس إنك اتصرفتي. ومن فضلك يا فيروزة لا توقفي أي حساب لي دون الرجوع لي.
فيروزة:
على أي أساس تختاري لحفيدتي لبس؟
برهان:
على أساس إني طلبت ده.
نهر:
وكمان الأساس الأقوى إنها محتاجة لبس معين يا هانم، وده مش موجود عندها في القصر. هي مش محتاجة تلبس على الموضة، هي محتاجة لبس يناسب حالتها. حضرتك الطبيب قال يستحسن تلبس حاجات لا تضغط على منطقة البطن، كمان نوع البامبرز سبب لها تسلخات قوية ومؤلمة.
نظرت لها فيروزة بحدة وهي تقول:
أعتقد إنك اشتريتي اللبس في الأول قبل الطبيب، وليه تكشفي في مكان غير مشفى الأغا؟ هنا أحسن الأطباء.
برهان:
كفاية من فضلك يا فيروزة، ما تضايقيش البنات.
نهر:
أحب أرد أغا، إحساسي قال لازم أسمع لآسيل. فيه مقولة عندنا بتقول: "لا يؤلم الجرح إلا من به ألم". وأكثر حد حاسس بآلام فعلًا صاحبها. والطبيب قال إنها لازم تلبس واسع.
فيروزة:
عندكم؟
برهان:
رينا مش من إسطنبول، ومن فضلك امشي بقي أرجوك.
فيروزة:
تعالي يا آسيل معايا.
برهان:
لأ، آسيل هتفضل معايا على الأقل النهاردة. رينا هتعني بها، هي عندها خبرة بالأطفال.
فيروزة:
واثق فيها، لكن أنا ما أعرفهاش. وبعدين هيناموا فين؟
برهان:
هيناموا هنا، أنا أمرت يجيبوا الكنبة دي بتتفرد سرير لأني مش بعرف أنام طول الليل. كفاية من فضلك لأني تعبت.
نظرت فيروزة لنهر وهي تقول:
تخلي بالك من الأغا والبنت، وإلا مش هيحصل لك كويس. لولا تعب الأغا ما كنتيش قبلتي حفيدتي تقعد معاك لحظة، فاهمة.
نهر:
فاهمة يا هانم.
خرجت فيروزة في قمة غضبها، فهي كانت لا تريد أن يعلم أحد عن حفيدتها شيئًا. كما أن الأغا قد غضب أيضًا لطريقة كلام فيروزة لنهر، مع عدم قدرته على شرح من تكون نهر، لأنه قرر أن يعرف زوجته ولكن بعد أن يسترد ابنته، لأنه لا يضمن رد فعل عائشة. لذلك رفض الصمت، لكن ذلك لم يمنع أن يرتفع الضغط بسبب غضبه، واتجه الأطباء فورًا إليه لاحتواء عصيان جسده عليه. بعد تركيب بعض المحاليل، ترك الأطباء الغرفة بأمر الأغا، مع وعد بأن تراقب نهر المحلول.
برهان:
آسف على طريقة فيروزة معاك.
نهر بمرح:
ولا يهمك، أنا واخدة على النوعية دي. فاكر يا ترى ولا ناسي معاملتك يا حليوة؟ إنت الظاهر معظم الحلوين مغرورين كده.
ابتسم برهان وهو يعلم أنها تريد تحسين حالته النفسية.
نهر:
بقولك، أنا ممكن أغني لك. تعرف حاجة أغنيها لك؟ بس تحذير، أنا صوتي مش حلو قوي، لكن بعرف أؤدي كويس.
ابتسم برهان:
في أغنية كان جدي بيحبها وأنا كمان بحب أدندن بها. فيها جزء بقول (بحقك أنت المنى والطلب). تعرفيها؟
نهر:
أهدي عليا بس. بتقول جدك؟ حضرتك جدك يعرف أغاني مصرية منين؟
برهان:
درس في الأزهر ورجع تاني لأنه كان متزوج جدتي واشتغل إمام مسجد. وأصلًا جد جدي كان مصري، لكن اترحل لهنا لأنه كان من أصحاب الحرف.
نهر:
أيوة سمعت الموضوع ده. لما المجنون سليم الأول شحن كل الحرفيين في أكثر من خمسين مهنة وأخدهم غصب في سفن زي بتوع العبيد عشان تزدهر الصناعات هنا. قال أحد المؤرخين إن الجنود الأتراك كانوا بيهجموا على بيوت الصناع والحرفيين وأرباب المهن وياخدوهم بالقوة، واللي كان بيهرب كانوا بينكلوا بأهله، سواء أبناء أو آباء أو حتى زوجاتهم. لدرجة إنهم خلوا المحروسة من كل الحرف تقريبًا لتعاني مصر عقود وقرون من انهيار الصناعة والبناء.
برهان:
بالظبط. لكن جدي حن لمصر وراح اتعلم في الأزهر، وكان سهل عليه اللغة لأنه كان حافظ للقرآن وهو صغير. المهم، عارفة الأغنية؟
نهر:
والله لأ. طب الأغنية دي لمين أساسًا؟ وهل جدك كان اتعلم في مصر لما الإذاعة والتلفزيون المصري اشتغل أصلًا؟
برهان:
ما أعرفش، بس أعتقد اللي بيغني الأغنية حد كان اسمه الشيخ أبو العلا محمد.
نهر وهي تضع يدها على رأسها:
يا نهااار! الشيخ أبو العلا محمد ده الأب الروحي للست أم كلثوم أيام الأسطوانات. إحنا ممكن نقول حاجة كده قريبة من خروج الحملة الفرنسية لمصر أو الاحتلال البريطاني. بص في واحد اسمه عبد الحليم حافظ، ده مغني مصري. كان في فيلم حد أعجب بصوته وحاول يغني قديم. أعرف جزء من أغنية.
برهان:
قولي وسمعيني.
جلّت نهر حنجرتها بخفة لتغني وتقول:
يا سيدي أمرك أمرك يا سيدي وتحت أمرك أمرك يا سيدي ماقدرش أخالفك لاني عارفك تقدر تحط الحديد في إيدي. اسمع اسمع يا سيدي، بحقك أنت المنى والطلب والله يجازي اللي كان السبب. ولي فيك يا سيدي قصة تغير مجرى حياة الطرب. مبسوط يا سيدي يا سيدي مبسووووط يا سييييدي.
لعلمك عبد الحليم بالنسبة لي يعتبر من الآثار.
برهان بامتعاض:
مش دي الأغنية، وبعدين دي عامي مصري. الثانية قصيدة فصحى.
نهر:
طيب اسمع دي كده.
يا أُهَيْلَ الحيّ منْ وادِي الغضا
وبقلْبي مسْكَنٌ أنْتُمْ بهِ
ضاقَ عْنْ وجْدي بكُمْ رحْبُ الفَضا
لا أبالِي شرْقُهُ منْ غَرْبِهِ
فأعِيدوا عهْدَ أنْسٍ قدْ مضَى
تُعْتِقوا عانِيكُمُ منْ كرْبِهِ
واتّقوا اللهَ وأحْيُوا مُغْرَما
يتَلاشَى نفَساً في نفَسِ
حُبِسَ القلْبُ عليْكُمْ كرَما
أفَتَرْضَوْنَ عَفاءَ الحُبُسِ
وبقَلْبي منْكُمُ مقْتَرِبٌ
بأحاديثِ المُنَى وهوَ بَعيدْ
قمَرٌ أطلَعَ منْهُ المَغْرِبُ
بشِقوةِ المُغْرَى بهِ وهْوَ سَعيدْ
قد تساوَى مُحسِنٌ أو مُذْنِبُ
في هَواهُ منْ وعْدٍ ووَعيدْ
ساحِرُ المُقْلَةِ معْسولُ اللّمى
جالَ في النّفسِ مَجالَ النّفَسِ
سدَّدَ السّهْمَ وسمّى ورَمى
ففؤادي نُهْبَةُ المُفْتَرِسِ
وبس كده، مش حافظة الباقي يا برهومي.
ضحك برهان بشدة:
برهومي! عجبتني. لكن إيه رأيك يا آسيل؟
آسيل:
أنا مش فاهمة حاجة خالص، العربي صعب قوي. لكن بحبه وحبيتك إنت كمان رينا قوي.
نهر:
وأنا رغم إني لسه أول يوم أعرفك، لكن بمووووووت فيك. بصوا، فيه قصائد للست وكاظم الساهر وأصالة ومروان خوري، لكن مش حافظة كل واحد. حافظة كذا بيت. عمومًا، المحلول قرب يخلص، هغلق المحلول وأنادي الطبيب. وبالنسبة لك يا آسيل، أعرف أغاني أطفال كتير. إنتِ بتعرفي مصري صح؟ قلتي كذا كلمة لماما وكان باين عليكِ فاهمة.
برهان:
هي كلمت عائشة؟
آسيل:
كلمت مامتها وأولادها. جدو حلوين أوي يحي وعهد، صح يا آبلة.
نهر:
صح يا عمري.
برهان:
لولا إيمري حكى لي عنهم، كنت صدقت إنهم أطفالك فعلًا. تعرفوا، أنتم أحلى ما في الحياة. مكافأة ربنا ليا، أنتم حياة الروح.
اتجهت نهر وآسيل ليقبلا وجنتي برهان بحب. فكان سعيدًا بحق. ثم استدعت نهر الطبيب لإعطائه تعليماته لنهر لبقية اليوم.
بعدها بقليل دخل سائق الأغا ومعه اثنين من اللابتوب. اتضح فيما بعد أن واحد منهم خاص ببرهان أغا وعليه بعض أعماله، وقد كان بمكتبه بالقصر. أما الثاني فأوصى به لنهر كي تتابع عليه مذاكرتها. وكانت مفاجأة لنهر التي قررت أن تستخدمه ما دامت بتركيا وتتركه عندما ترحل لمصر.
في البيت الكبير ليلاً. بالمندرة يجلس مصطفى وعزيزة.
عزيزة:
مصطفى، لازم تحاول محمد ما يروحش معاك لرقية عشان الدنيا ما تبوظش واللي إحنا مخططين له يبوظ. المرة دي لازم نكسب، مش كل مرة رقية تسكن على قفانا.
مصطفى:
أنا حاسس إني اتسرعت ووافقتك على خطتك القذرة دي. بس و رحمة أبويا لو ابني جرى له حاجة مش هتكفيني روحك، فاهمة.
عزيزة:
لا، ما تخافش. ابنك يا دوب بقاله أقل من شهر مدمن، يعني سهل يتعالج. وست الحسن لها تجربة زي ما عرفنا مع الإدمان، يعني هيبقي زي الفل. وأنا كمان بعطيه كمية قليلة في العصائر. المهم تبان متأثر إن ابنك أدمن يا عيني، عشان نفسيته وتحملها الذنب وتمشي زي ما اتفقنا.
مصطفى:
ماشي يا عزيزة. وحتى لو محمد صمم إنه يجي معايا بعد بكرة، وماله؟ أهو يبقى شاهد. وشوية شوية هناخد تارنا منها هي وبنتها على كل اللي عملوه فينا من أول ما جت هنا وضربتني، وكمان لما هربوا رضا وأجبرونا يكون لينا عيال منها غير سيرتنا اللي كانت على كل لسان في البلد وفضحتنا إننا بنبيع ولاد أخونا.
عزيزة لتزيد من حقد مصطفى عليهم:
ما فيش حد قدر يبعد أخونا عننا غيرهم يا مصطفى. حتى انتصار وعيالها اللي روحه فيهم من اليوم إياه. وبقينا زي الجربة في البلد، والكل بيخاف يتعامل معانا.
مصطفى:
بعد اللي هنعمله في رقية، مش بعيد تتحسر وتموت. وأنا وابني هنورث أكيد. لأن نهر أنا عارفها ممكن تروح فيها هي كمان. أنا محضر نفسي أصور اللي هيحصل وأبعته لنهر. جائز نخلص منها هي كمان. أنا متشوق لليوم ده.
عزيزة:
أوعي حماسك يخليك تستعجل. عاوزة ناخد الموضوع خطوة بخطوة زي ما خططنا. هتقابلها بعد بكرة وتنقل ابنك البيت المطرف. بعدها بيوم، ونسيبها أسبوع عشر أيام لغاية ما تطمن إنك بعيد، وبعدين تعمل كل حاجة براحة وتفاجئها. أنا كمان هموت وأتشفي فيها، لكن أخذ الحق حرفة، والمرة دي ممنوع الغلط، فاهم.
مصطفى بضحكة شريرة:
فاهم.
بعد منتصف الليل، كانت آسيل قد نامت، ونهر تحاول عمل بعض الرسومات على برنامجي الأتوكاد والريفت الهندسي وهي تدندن بأغنية صعيدية. علم أن الأغا لم ينم بعد، فهو الآخر على اللاب الخاص به.
كانت تقول:
ياما الليالي على ولاد الملوك حكمت
لا تقصد الندل في عوزه ولو حكمت
وأقصد جدع زين ومأصل من الجدين
ولا تقصد اللي على شنابه المرة حكمت.
برهان:
بطلي دوشة وتعالي، محتاج أوريك ملف هنا القصرين اللي بنتهم في التجمع. كنت فاكر إني بعمل واحد لآدم والثاني للعيلة، فيروزة وعمران وإيزيل. لكن الظاهر إن القدر هيخلي واحد لآدم والعيلة، والثاني لك وأمك وأخوك. تعالي عشان تفهمي التصميم والأماكن اللي ما حدش يقدر يكتشفها في القصرين. بالمناسبة، القصرين انتهى البناء فيهم والفرش المفروض على وصول. أبقى روحي وقت الفرش لو قدرتي، هيوصل وشركة متخصصة هتفرش القصرين. أنا كنت عاملها مفاجأة للعيلة وهتكون، بس هعرفهم على قصر واحد. الاثنين نفس التصميم، لكن من الخارج مختلفين، واحد كلاسيك والثاني مودرن كواجهات، لكن من الداخل نفس التصميم. وفيه بينهم مكتب كبير بحديقة بيوصل الاثنين ببعض عن طريق ممرات سرية. ده لو أي قصر اتعرض لأي هجوم، ممكن يستخدموا الثاني من غير ما حد يشوفهم. خرجوا من القصر للثاني. المكتب اللي بينهم أصلًا صعب حد يكتشفه، لأن الواجهات اللي طالة عليه من القصرين ما فيهاش بلكونات أو شبابيك. تعالي أفهمك.
بعد مدة، تظاهر الأغا بالنوم. لتقوم نهر بتعب وتوقظ آسيل للذهاب للحمام. كما قال لها الطبيب أن تدخلها أكثر من مرة ليلاً إن أحبت أن تنام بدون بامبرز. فدخلت معها، ساعدتها وبعدها أخذتها بحضنها وناما معًا. ليبتسم برهان على منظرهم الرائع وتفاهمهم مع بعضهم.
قرر برهان ونهر أن يجعلا آسيل مقيمة معهما حتى رجوع نهر لأداء امتحانات الترم الأول من السنة الأخيرة لها. وذلك بعد أن ظهرت نتائج التحاليل والأشعة التي بينت وجود عيب خلقي نادر لدى آسيل، وهو ما يستدعي جراحة، لكن يجب أن تتم على الأقل وهي بسن ثماني سنوات، أو كان يجب عمل تلك الجراحة قبل إتمامها عامها الأول أن تم تشخيصها وعمل الفحوصات اللازمة. كاد برهان أن ينفجر غضبًا من معاذ، ذلك الذي يدعي طبيبًا، لما لم ينتبه على ابنته؟ بل لما تركها وهو يعلم جيدًا معاناتها مع الأطفال الذين في مثل عمرها وابتعادهم عنها. اتفق برهان ونهر مع آسيل على إخفاء حقيقة عملها للتحاليل، وأوصى آسيل بأن تثق بنهر، كما أوصى نهر بالرفق بأسيل. رغم علمه بأن نهر أحن عليها من أمها، فقد ورثت نهر من عائشة طيبة القلب والعمل التطوعي، ورأى ذلك بنفسه من معاملة واهتمام نهر بأسيل، رغم أن ذلك ليس فرضًا عليها.
عمل برهان رغم تعبه بجد وسرية تامة، حتى على نهر، بنقل ملكية بعض الأصول إلى نهر بطرق غير مباشرة حتى لا تعلم عائلته إلى من تم الملكية. وكان ذلك خوفًا وحرصًا منه على نهر من الأذى. فهو رغم عشقه لابنته عائشة، ألمها ولم يستطع الاعتراف بها إلا بعد الدليل المادي والتحاليل. خاف من رد فعل فيروزة وأيضًا ذلك الشيطان معاذ. كما أراد أن يضمن لها حقها إن لم يمد الله بعمره. فيجب ضمان حقها أولًا. كمان أنه كل يوم كان يعلم نهر بعض أسراره وعلمها بعض الأشخاص الذي يثق بهم ولهم صلة عمل به.
كانت تستعد رقية وانتصار بتوتر لمقابلة مصطفى بالمضيفة بعد صلاة الظهر. لذلك اتصلت رقية بنهر قبل الظهر، رغم أنها كلمتها بعد الفجر.
عندما رن هاتف نهر، استغربت لتقول:
آنة خير، مش ميعاد متعودة تكلميني فيه، وكمان قافلة الكاميرا.
انتبه برهان ليقول:
أرجوك يا نهر، افتحي الاسبيكر أسمع صوتها ومش هطلع صوت. قولي عليا نايم، قولي مش موجود، أي شيء. لكن أرجوك اسمحي لي أسمع صوتها وأطمن قلبي.
أشفقت عليه نهر، خصوصًا أنه طلب منها أكثر من مرة سماع صوت أمها، وكانت تخاف أن يعرف مالا يجب معرفته أو يكون ذلك خيانة لأمها. لكنها هذه المرة كانت قلقة لما تتصل بها بهذا الوقت، وأشفقت على جدها الذي ينظر لها برجاء. ففتحت الاسبيكر وردت.
نهر:
آنة خير، مش ميعاد متعودة تكلميني فيه، وكمان قافلة الكاميرا.
رقية:
محتاجة أسمع صوتك يا نهر، بطمن لما أسمعك. النهاردة مصطفى جاي، مش هنكر بقابله بقوة. لكن جوايا دائمًا بكون مرعوبة منه، بني آدم مؤذي لنفسه ولغيره. قلبي مقبوض.
نهر:
مش حضرتك قلتي عمو محمد معاه وتيزة انتصار معاك؟ ليه الخوف يا حبيبتي؟ لو عاوزاني أرجع هرجع وأكون معاك، وأجل مقابله لما أرجع.
رقية:
إنتِ كده كده طيارتك بالليل، لكن لأ ترجعي على بيت المغتربات. أنا عارفة وحاسة إنك مش عارفة تركزي بعد الامتحانات. تيجي إن شاء الله. أنا بس قلقانة. وبعدين إنتصار معايا ورضا والعيال وإدوارد لو رنيت عليه هيجي، لكن كل دول مش زي لما أسمع صوتك بخير.
نهر:
خايفة من إيه؟ آنة هو أساسًا ممكن يعمل إيه؟ موضوع إنه أجر بيت في آخر البلد مش مطمني. هو مش بيرمي فلوسه في الأرض، فأكيد ناوي على حاجة، لكن إيه الله أعلم. خصوصًا إنه مش بيدي دروس بقاله كذا سنة وبقي ناظر. بمجرد ما يخرج تكلميني آنة.
رقية:
نهر، لو أي شيء حصل لي تكلمي إيمري فورًا. أنا معرفاه كل شيء. يحضني مش محتاجة أقولك، ثقي فيه، هو شخص رائع. وحاوطي نفسك بمستر أمجد وسيد محمود وعلي وإدوارد، فاهمة.
نهر:
هو عمر هيجي معاهم؟ ده أول مرة يغيب أكثر من شهر.
رقية:
بكلمه كل يوم، لكن إحساسي بيقول إنه مش كويس. تاه في الكلام ومش مركز. أكيد مصطفى هيكلمني بخصوصه. مفيش حاجة بيني وبين غيرة، بس إيه؟ مش عارفة.
نهر:
أتمنى إنه ما يستغلهوش ثاني. آنة عمر ثانية ثانوي، يعني بقي راجل. أوعي تتنازلي أو ترضي بشيء غصب عنك.
رقية:
تمام. نهر، خلي بالك من نفسك. هو الأغا اتحسن؟
نهر:
أيوة، في تحسن. إنتِ مستقلية بجهوداتي ولا إيه؟ أنا أنفع دكتورة، بس هندسة عجبتني أكتر.
رقية:
إنتِ البصة في وشك شفا. أنا محظوظة بيكِ وراضية عنك وداعيا لك بالخير ورضا ربنا ليك.
نهر وهي تمسح دموع عينها:
وأنا محظوظة بك يا آنة. نخلي شوية أشواق وحب بقي لما أرجع.
رقية:
خدي كلمي إنتصار، عاوزة تسلم عليك.
أخذت إنتصار الهاتف لتقول بصوت واثق:
أوعي تخافي على أمك، إحنا في ضهرها وأنا مش هرجع مصر إلا لما أسلمهالك وترجعي بالسلامة. رقية أختي وصاحبتي. هي بس قلقانة، بس إحنا الزمن ياما جة عليا، لكن ربك ديما سترها معانا.
نهر:
مش هوصيك يا تيزة. طمنوني بعد ما يمشي.
إنتصار:
ماشي يا حبيبتي. في رعاية الله. ربنا يرجعك بالسلامة. يلا عشان منعطلكيش. سلام.
برهان بعد غلق المكالمة:
الزفت مصطفى ده حسابه معايا عسير. أنا بنتي صوتها مرعوب منه. وربي ورسولي وديني لو كتب لي عمر وخرجت، لكون دفعت ثمن عذاب وقهرتكم طول السنين دي.
نهر:
أهدي أغا، ما تخلينيش أندم إني سمعتك المكالمة. ضغطك وسكرك.
يا ترى مصطفى وعزيزة مخططين لإيه، وممكن إيه يحصل؟ هنشوف الفصل الجاي.
أسرار الماضي لبنت ناس (الجزء الثاني)
بقلم / رينا الهادي
لو عجبكم الفصل كومنت أو لايك. شكرا.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم رينا الهادي
بعد صلاة الجمعة، أصر محمد علي الذهاب مع مصطفى. ذهبوا لبيت رقية التي انتظرتهما هي وإنتصار في المضيفة، فاتحةً بوابة البيت الخارجي وباب المضيفة المطل على بهو البيت الخارجي، ليرى كلاهما البوابة مفتوحة.
دق محمد علي البوابة الخارجية وهو يقول: "يا أهل الدار، ندخل على طول؟"
لترد رقية: "اتفضلوا."
وصلوا المضيفة لتقول رقية: "سيب الباب مفتوح يا أبو علي، من فضلك، واتفضلوا."
إنتصار: "تشربوا إيه؟ فيه شاي وعصير وحاجة ساقعة."
مصطفى: "مفيش قهوة؟"
إنتصار: "لأ، بتتعب رقية وبقينا ما بندخلهاش البيت."
مصطفى: "يبقى شاي."
نظر له محمد بغيظ ليقول: "أنا مش عاوز حاجة، شكراً."
إنتصار: "هعمل دور شاي وهجيب لك عصير يا رقية علشان أكيد دمك هيتحرق، ما هو مش معقول أستاذ مصطفى يجي من غير ما يجيب أجلنا."
مصطفى: "اتغيرتي يا مرات أخويا."
إنتصار: "أنا مش مرات حد، والبركة فيكم، لكن الحمد لله والشكر لله طلعت سليمة. عن إذنكم، بلاش كلام على ما أجي، أصل رقية مش لوحدها."
مصطفى: "مش هناكلها، ما تخافيش عليها، عندها لسانها وما بتسكتش لحد، وعلمتك كمان."
إنتصار: "دايماً لسانها بيقول الحق وبس." ومشت.
مصطفى: "هي مالها حامية علينا قوي كده، ده إحنا لسه داخلين."
رقية: "خير يا أستاذ مصطفى."
مصطفى: "مش نستنى ست المحامية بتاعتك دي، ناقص تقول بره."
محمد: "قصر يا مصطفى، لأني كمان عاوز أعرف فيه إيه."
تشنج ليجلي صوته وقال: "رقية، إحنا لازم نرجع لبعض. نفسية عمر بقت زفت ومتأثر جامد، ولازم نحافظ عليه قبل ما يضيع مننا."
اتسعت أعين محمد بعدم تصديق لما يقوله مصطفى، بينما رقية لم يظهر على وجهها أي تعبير، لم تتحرك عضلة واحدة منها، وكأنها لم تسمع شيئًا. نظروا لها لكنها لم تفتح فمها بكلمة.
دخلت إنتصار بصينية وهي تقول: "كنت معلقة على الماية، غليت، جبت الشاي على طول. اتفضلوا. خدي يا رقية."
مدت رقية يدها وأخذت رشفة بهدوء، ثم وضعت الكوب أمامها وهي تقول: "مستحيل أصدق إن فيه حد يهمك غير نفسك، ومش إنت الشخص اللي ممكن يدور على نفسية ابنه. لكن هكلمك كرجل علم. علميًا، ما ينفعش أرجع لك أبدًا يا أستاذ مصطفى. آآآه والله، إنت راجل الست عندك ما هي إلا خدامة لزوجها، وإنت طلباتك ما بتخلصش. وأنا ست بقيت بتعجز علشان أروح أعمل كوباية شاي. لولا رضا بتطبخ، كنت قضيتها سندوتشات جبنة وفاكهة. فمش هنفعك. ديناصور زيك ماينفعش يخدمه عصفورة. إنت كرشك لوحده قد وزني مرتين."
إنتصار بخضة: "يالاااااهوااااي! إنت عاوز ترجع لها؟ طب إزاي؟ وكل بلاويك فيها؟ والنوبة دي هتهددها بإيه؟ بأذية نهر برضه زي أول ما اتجوزتها واجبرتها تعيش معاك؟ مش هينفع نهر دلوقتي، تقدر تحمي نفسها وما فيش حد هيسمح لك."
محمد: "إنت كنت بتهددها ببنتها؟"
رقية: "نافقوا على الماضي، ما فيهوش غير وجع. ولو ده اللي جاي عشانه، يبقى اشرب كوبايتك واتكل على الله. وابقى ابعت عمر علشان أنا متأكدة إنه مش بيذاكر ومعتمد إن الامتحان آخر السنة لسه عليه بدري."
مصطفى: "عمر بقي مدمن يا رقية، وكله بسببك. لو كان استقر بين عيلة ما كانش راح للكيف. أنا حتى أجرت بيت آخر البلد عشان أنقل فيه أنا وهو وأقدر أعالجه من غير فضايح. إنت عارفة إنه ممكن يفضحنا لو عز الكيف وما اخدهوش. عشان كده بقول نناجي على ابننا بدل ما يروح مننا. عاوزة تكوني جنبه، أهلاً وسهلاً. بس لازم نراعي برضه نفسيته. وقبل ما تقولي حاجة، مش هينفع أجيبه هنا. بيتك في وسط البلد وأنا مش هسمح لحد يسمع بينا. ومحمد وإنتصار مننا وعلينا. أنا قولت إنت أمه ولازم تعرفي."
صدمة كبيرة نزلت على محمد وإنتصار، أفاقا منها عندما قالت رقية بهدوء: "منين جاب فلوس للكيف وإنت بتحاسبه على كل جنيه؟ عارفة إنك مش بخيل عليه، بس إنت بتديه فلوس لما يقولك عاوز كذا. وحتى فلوس الدروس اللي أصرت ياخدها بتروح بنفسك توديها للمدرسين. جاب منين؟ والحاجات دي غالية. بلاش آخر مرة كان هنا ما كانش بياخد حاجة، إزاي بقى مدمن في شهر وشوية؟"
مصطفى بتوتر: "معرفش. أكيد كان محوش مثلاً، أو تلاقيه سرق. لكن لما قعدت معاه فهمت إنه تايه ومش مبسوط وعاوز يبقى زي أصحابه بين أسرة وكده. وإذا كان على طلباتي هقللها، بس نفسيته تستريح."
رقية وهي تنظر في عين مصطفى بقوة: "أنا مصدقة إنه أدمن، لكن مش كل واحد أبوه وأمه منفصلين هيدمن. ومتاكدة إنه أدمن غصب عنه، فاهمني يا مصطفى؟ أدمن غصب أو من غير ما يحس. وماشي، هاتوه البيت وأنا هعتني بيه، لكن في غير وجودك. بمعنى لما تكون إنت معاه، أنا مش هكون في البيت. لما أكون معاه، ما أشوفش طلّتك البهية. قولت إيه؟"
محمد: "أنا مش فاهم حاجة. يعني إيه أدمن غصب عنه أو من غير ما يحس؟ وبعدين ما يروح مصحة فيها دكاترة تقدر تعالجه؟ ادي العيش لخبازه، حتى لو ياكل نصه. أنتم إيش فهمكم بالعلاج؟ كنتوا دكاترة؟ ما هينوب الغلبان إلا إنه يتعذب."
إنتصار: "صح الكلام، وبعدين مأجر بيت من أكتر من أسبوع، يعني عارف بالحكاية من بدري، تو ما اتكلمت."
مصطفى: "أنا لا يمكن أودي ابني مصحة وأفضح نفسي وأفضحه. مستحيل. ورقيه كان لها تجربة مع الواد المسيحي وقدرت تخليه يخف."
إنتصار: "وإنت إيه عرفك بكده؟"
رقية بسخرية: "من عمر. لأن عمر نهر حكت له، فأكيد قال لأبوه. وأبوه قعد مع أخته وحصل اللي حصل، صح يا درش؟ في أسوأ ظنوني ما تخيلتش إنك تأذي ابنك كده. تأذي نهر ماشي، في الآخر حقود ومش بنتك. بس ابنك ليه تعمل فيه كده؟"
مصطفى وهو يكاد يجن: "إنت عبيطة؟ أنا أعمل في ابني كده؟ إنت الظاهر إنك بتتعاطي حاجة، إنت كمان، وتلاقيه بيقلدك. إنت حرة. أنا خلصت ضميري وهتصرف مع ابني." ووقف ليخرج.
لتقول رقية: "لما تجيبه البيت، قولي وأعطيني نسخة من مفتاح البيت، وهنكون على تليفون بحيث أروح له وقت ما تكونش هناك، يا أستاذ."
مصطفى بغضب وعيظ: "يا برودك ده! شكل واحدة لسه عارفة إن ابنها مدمن. طبعًا ما نتحرق بجاز أنا وابني. المهم حبيبة أمها."
رقية: "هيجي يوم وحقدك هيخلص عليك."
محمد: "بس بقى، أنتم الاثنين أهم حاجة عندكم مين يوجع الثاني. إحنا في مصيبة وأنتم نظراتكم لبعض زي ما بكون كل واحد أقتل للتاني عزيز."
فتحت رضا باب المضيفة من جهة الطرقة الداخلية، وفي يديها كل من عهد ويحي. لتدخل رضا: "الصوت عالي يا جماعة، فيه إيه؟ كفانا الشر؟"
ليتجه محمد لعهد ويضمها له، واتجه مصطفى ليحي. لتصرخ رضا وتقول: "إيدك أقطعها لك! هو أبوهم له حق فيهم؟ حتى لو في يوم ما كانش عاوزهم! ما أقدرش أغضب ربنا. إنت والعقربة أختك ممنوع تلمسوهم، فاهم؟"
مصطفى بغضب: "إنت نسيتي نفسك ولا إيه؟ فوقي كده..."
قاطعته رضا بغضب أكبر: "إنت اللي تفوق بدل ما وربي أفرج عليك أمة لا إله إلا الله. أنا مش البنت الضعيفة اللي تكاترتوا عليها عشان تسقطوها غصب. أنا عشان عيالي أدخل فيك الومان. عيالي مالكش فيهم. دك مصيبة تاخدك وتريح الكوكب منك."
مصطفى: "حتى بعد ما أخذتي محو الأمية واتجوزتي ضابط، لسه بيئة."
رضا: "بيئة أحسن ما أكون راضعة مع إبليس." (نظرت لمحمد) "عم محمد، عاوز تشوف عيالك؟ مش هانع. اتصل وعرفني وتعالى شوفهم هنا في المضيفة والعب معاهم كمان. بس أبو لهب والعقربة أختكم لأ، ممنوع يلمسوا ولادي."
محمد: "كتر خيرك يا رضا. أنا عاوز أقعد معاهم شوية. روح إنت يا مصطفى، وأنا هاجي لما أقعد شوية مع العيال."
مشى مصطفى بغضب وهو يتوعدهم جميعًا في نفسه.
رقية: "البيت بيتك يا أبو علي. أنا هدخل لأني لازم أكلم نهر."
محمد: "هدوؤك بعد اللي قاله مصطفى مش مريحني يا أم نهر."
رقية بسخرية: "سيبك مني وخليك في عيالك. عن إذنك."
إنتصار: "أنا جاية معاك أكلم نهر."
رضا: "وأنا هطلع الفسحة أسقي الزرع وأحفظ قرآن. طبعًا وإنت خارج هعرف لأني هكون قدام المدخل. ميصحش أقعد لوحدي معاك."
محمد: "خايفة مني؟ ما العيال معاك."
رضا وهي تتجه للخارج: "خايفة من ربنا وزعل جوزي لو عرف. والعيال صغار ميصحش أكون مع غيره لوحدنا." وخرجت.
في داخل البيت، إنتصار: "أنا مش فاهماك يا رقية. ده مش شكل واحدة لسه عارفة إن ابنها مدمن وممكن بعد الشر يروح منها."
رقية: "ياااه يا إنتصار، إنت لسه ما فهمتيش الناس دي. عمر مستحيل يدمن ويروح للسم ده لأنه ببساطة بيترعب وخاف من أبوه. غير إنه مش معاه فلوس لكده. وأنا ونهر عارفين كل أصحابه، هما أصلًا ثلاثة. ونهر على تواصل بيهم لأنها أحيانًا بتشرح لهم حاجات. يبقى دي لعبة من عزيزة ومصطفى عشان حاجة في دماغهم ليا أنا. كنت متوقعة انفجار عزيزة في أي وقت. هما أكيد حطوا له في الشرب أو الأكل. وما دام لعبة من عزيزة ومصطفى، يبقى كميات صغيرة أو بداية إدمان. لأن لو عمر اتأذى، مصطفى مش هيسيب عزيزة في حالها. اللي ماثر فيا بجد ومزعلني إزاي أب يرضى بتعب ابنه الوحيد وياذيه. كنت استبعدت إنه يأذي ابنه عشان كده كنت مدياه الأمان معاه. أنا دلوقتي هركز في إزاي أخرج السم ده من جسم عمر. وفي نفس الوقت لازم أشوف طريقة أعرف بيها عمر هما عملوا فيه إيه. لأن خلاص ترم كمان ونهر تخلص كلية وعمر لازم يقرر هيعيش مع مين. لأني غالبًا بعد ما نهر تخلص هسافر تركيا. كفاية كده. لازم يعرفوا أهلهم خصوصًا إن نهر بقت معرفة شخصية بوالدي وأعتقد بيحبها، وإلا ما كانش طلب منها ترافقُه في المستشفى، صح يا إنتصار؟"
إنتصار: "صح. بس لازم نفهم عزيزة ومصطفى مخططين لإيه. خابت معاهم كتير. خايفة تصيب مرة. وبعدين هتسيبي رضا وعيالها وأنا وتسافري يا رقية؟"
رقية: "رضا متجوزة ومسيرها تعيش مع جوزها. ولو قررت تقعد هنا وتروح أسبوع زي دلوقتي لمصر، مفيش مشكلة. البيت موجود. وإنت كام شهر وعلى يرجع وهتعيشي معاه. وزي ما إحنا متعودين هنكلم فيديو كول. ولسه خمس ست شهور على ما تخلص نهر وتستلم شهادتها. هكلم نهر أطمنها، بس مش هنجيب سيرة على موضوع إدمان عمر. مش ناقصها هي شعوطة ووجع قلب. خليها تركز. هقول عاوز يرجع لي وشوية تحابيش. ماهي أكيد هتعرف، بس لما تخلص امتحاناتها اللي هتبدأ بكرة أساسًا. طيارتها هتوصل تمانية ونص. واستأذنت مديرة الدار تدخلها لأنها هتتأخر عن ميعاد الدار شوية."
بعد فترة في البيت الكبير، كانت عزيزة تنتظر مصطفى بفراغ الصبر في المضيفة. عندما جاء مصطفى، نادت عليه بلهفة.
مصطفى: "أيوة يا عزيزة، أنا جاي أهو."
دخل وهو يقول: "ما طلعتش سهلة. رقية بتشغل دماغها في كل ثانية. لا انهارت ولا اتخضت. بالعكس، عرفت من أول ثانية إن دي خطة مننا لها. قالت: عمر هجيب فلوس منين للزفت ده وأنا بحاسبه ديمًا. وقالت: ابني مش بياخد الحاجات دي بمزاجه. لولا إنتصار ومحمد، كانت قالت لي إني أنا اللي بأديه الزفت ده."
عزيزة: "مش مهم. المهم هي وافقت تروح لعمر الدار اللي في البلد؟"
مصطفى: "أيوه، بس ما أكونش موجود."
عزيزة: "طب كده الخطة ماشية مضبوط. تعرفي بقى ما تعرفيش، مش مهم. أسبوع عشر أيام وتنفذ اللي اتفقنا عليه. كده كده إحنا كنا عارفين إنها مش هتقبل ترجع لك ولا هترضي تروح لعمر وإنت موجود، عشان نطمها خالص ونعلم عليها صح. هنسيبها مع ابنها كل يوم طول النهار منها تهتم بيه وتذاكر له عشان ما يأثرش على دراسته. الواد هيفوق من اللي فيه بسرعة. هو مش مدمن من زمان، يعني دي كميات بسيطة. فتنفذ بسرعة قبل ما عمر يفوق ونهر ترجع."
في المشفي بتركيا، قبل رحيل نهر، وقد جمعت أشياءها، وأصرت أن تترك اللاب توب التي أحضرها لها برهان أغا. مع بكاء آسيل التي أحبت وجود نهر.
برهان: "طاهر، من فضلك خد آسيل شوية، عاوز أتكلم مع رينا شوية. وأسف إني بزعجك."
طاهر: "تمام برهان، لكن اهدي شوية. أنا عارفك كويس، وجهك أحمر من كتر الغضب المكبوت، وده مش كويس عشانك." ثم اتجه لآسيل وأخذها وخرج.
برهان: "أول مرة أشوف آسيل بتبكي على ترك حد غيري."
نهر: "أنا كمان حبيتها قوي وحاسة بها وبألمها."
برهان: "ومع ذلك، أنا متأكد إن مش ده اللي مخليك حزينة بالشكل ده، ولا حتى إنك تتركيني، ولا خوف من الامتحانات. في شيء كبير موترك. إيه؟"
نهر برجوع رأسها للخلف والضغط على عيونها بعنف: "حاجات كتير مخلي مخي شبه هيوقف. مكالمة. أنا متأكدة إنها مخبية حاجة، رغم إنها حاولت بكل الطرق إنها تخبي. عارفة وواثقة إنها هتتصرف لأنها ذكية ومعاها تيزة إنتصار ورضا وعمو محمود. بس إني مش عارفة فين المشكلة، موترني. إدوارد خبي عليا إنه رجع لميرا. تانية هتضحك عليا تاني وأخذت منه الميكروباص. أنا مش بزعل على فلوس، لكن مضايقة من إنه اتضحك عليا لثاني مرة. نجي بقى للمشكلة الكبيرة واللي أنا مترددة أحكي عنها."
برهان: "وعد. هحاول أساعدك فيها، لكن بلاش تبعديني عنك. على ما أرجع رقية، اعتبرني صديق زي إدوارد. على ما أسترد صحتي، احكي."
نهر: "المشكلة إني لأول مرة مش عارفة أحكي. لأني هحكي لك. اسمع كويس و شور عليا."
برهان: "سامعاك، كلي انتباهي لك."
نهر: "سينام كانت كل إجازة بتقضيها معايا في مصر، أو على الأقل شهر إجازة. السنة اللي فاتت لما عمو إيمري قال نعتمر، كنت متأكدة إنها هتيجي من إيطاليا وتكون معانا، خصوصًا إن أنا وآنا وعمو إيمري هنكون معاها. اتفاجأت إنها رفضت تيجي، رغم إن الموضوع كله مش مكمل أسبوع. قالت كلام كتير ما اقتنعتش به. وبعدها كان فرح أبيه علي، وأنا عارفة إنها بتعشق الأفراح المصرية، وبرضه ما جتش. بعدها كلمتها فيديو يجي ثلاث ساعات وأصرت أفهم ليه بتبعد مرة واحدة كده؟ ليه كانت بتتكلم مرتين في الأسبوع وبتصدعني واختفت فجأة؟ ولما ترد مش بنكمل خمس دقايق. والمفاجأة إنها قالت إنها بتحب، بس مستنية شوية تتأكد من مشاعرها. طبعًا أنا بينت إني مصدقة، لكن ثقتي فيها خلتني أستبعد إنها تكون ارتبطت بيه فعلاً. يعني في الآخر إحنا لينا عادات وتقاليد غير الغرب. بس أنا خايفة ومرعوبة عليها."
برهان: "اللي فهمته إن إيمري دائم الاتصال بها. ليه خايفة؟ هي بنت هادية جدًا وممكن تكون لاقت نصفها الثاني. مش شرط كل إجازة تكون معاك. الحياة مشاغل."
نهر: "هي هادية فعلًا وسهل يضحك عليها. وللأسف، أصرت عليها تبعت صورته أو ميله أو حتى رابط الفيس. وبعتت ودورت وسألت إيطاليين أعرفهم عليه. النتيجة إنه ملوش ديانة. متخيل المصيبة؟ واحد مش مؤمن إن فيه إله أصلاً. يعني حرام ترتبط بيه. والصدمة الثانية، من صيادي النساء الأغنياء. هي دي مهنته. بيوقع الستات ويتجوزهم ويفلسهم ويطلقهم ويهرب. بعت كل المعلومات اللي عرفتها ليها، ومن يومها بتتكلم معايا بالقطارة وبطريقة مش كويسة. بتطمني عليها باختصار وتقول مشغولة. مانكرش فيه تقدم ملحوظ في شغلها وأنا بتابعها. وهي أكدت لي إنها بعدت عن الشاب ده، بس قلبي بيقول لأ. مش شغلها اللي شاغلها. هي قالت إن ده موضوع سر وخلص. وما عرفتش عمو إيمري ولا أنا. وأنا خايفة يكون الموضوع مستمر. وواجهتها النهاردة، انفجرت فيا وقالت لو صداقتنا هتخليني أتحكم فيها وأهددها بأن عمو يعرف، فهي خلاص مش محتاجة الصداقة دي وكل واحد يهتم بنفسه. أنا حتى ما قولتلهاش عليك، لأن سري معاها هي وآدو."
برهان: "هاتي رابط الشاب ده وأنا أتأكد. بس كمان أنا عرفت إنها جاية تركيا غدًا، لأن إيمري أصر عليها تيجي الفترة دي."
نهر: "ليه بقى؟ مش عاوزة تبدر يوم وتشوفني؟ ليه خايفة من إيه؟"
برهان: "أعتقد إنها أكبر منك في السن وراشدة. اهتمي إنتِ بامتحاناتك خلاص. لسه ترم بعد ده وتتخرجي. ما تقلقيش من حاجة واهدي. وأنا هحاول من ناحيتي."
نهر: "طيب. آسيل حضرتك مش هتقدر تهتم بها؟ وزي ما عرفت فيه مربية لها في القصر. يا أما تحبها هنا، يا ترجع آسيل القصر. وأرجوك كلمهم إن البنت تلبس واسع، بلاش أي حاجة تضغط على البطن."
برهان: "ما تشغليش بالك بشيء غير امتحاناتك. وتعالي في حضني شوية قبل ما تمشي."
ذهبت إليه مسرعة، ترمي بحضنه. وهو أغمض عينيه بقوة وهو يأخذ نفسًا قويًا يريد به أن يدخل كل رائحتها بصدره ليداوي به حرمان السنين من ابنته وأبنائها.
في بيت رقية.
رقية: "رضا، أنا محتاجة حبال طويلة، عشرين تلاتين متر، ويباتوا في جاز. حبال مش بلاستيك. الأحبال القديمة."
رضا: "هتعملي بيهم إيه يا أبلة؟"
رقية: "بعدين هتعرفي. عاوزاهم يشربوا الجاز كويس. احتمال أحتاجهم واحتمال لأ."
إنتصار: "لأ يا رقية، لازم نفهم. فيه إيه؟ حبال تبات في جاز؟ دي لو الدنيا صهد شوية ممكن تولع. زمان قبل ما يكبسوا القش ويخلطوه بحاجات كده، كنا بنحط القش على السطوح عشان نولع به الفرن. كان في الصيف بيوت كتير ممكن تولع. عشان كده كان واحنا طالعين السطح ناخد معانا ميه نرش بيها السطح. ما بالك بحبال مغموسة بجاز."
رقية: "مفيش فايدة، مش هتكستي غير ما تفهمي. ما دام مصطفى واخد بيت متطرف عشان عمر، واللي أكيد مش مدمن بمزاجه، بس عشان ياخد البيت ده، خلى عمر يدمن، يبقى ناوي على حاجة تحصل من غير ما حد يقدر يعرف أو حتى يسمع. البيت أهله هجروه عشان بعيد عن السوق والحياة، وبقى مجرد يريحوا فيه لو تعبوا من الأرض. من الآخر، أنا هحط في كل أوضة حبل جواها لبرا الدار. بس هغطي الحبل مثلًا ببلستر عليه أو أي حاجة. الأحبال هتكون في الظل وإحنا في الشتاء. وكلها هتتجمع تحت باب البيت الرئيسي. اللي فهمته إن البيت دور واحد. عشان كده موجود حديد على كل الشبابيك، يعني صعب الهرب من البيت. لو مصطفى حاول يعمل حاجة، أكون مستعدة. أي ولاعة أو كبريت على طرف حبل هيولع ويوصل لباب البيت. ولأنه خشب، ممكن يقع بسرعة. أنا مش مطمئنة لمصطفى. هحط حبل ما عدا أوضة عمر اللي هيكون فيها. لو مصطفى شاف نار هيخاف ويمشي. في نفس الوقت هجيب معايا طفاية حريق زي بتاعت العربيات، حاجة ألهي بها مصطفى وفي نفس الوقت أقدر أهرب منه لو كان ناوي على حاجة. كده ولا كده، البيت فاضي من العفش إلا المطبخ وسرير وكرسي في أوضة عمر، وسرير عشان يقدر يريح عليه مصطفى في أوضة تانية، وكرسيين بره أوضة عمر."
رضا: "خيالك واسع قوي يا أبلة. يعني حتى لو الأحبال ولعت، هتتطفي. مفيش غير بلاط مش هيولع، وقدام البيت فضا تراب."
رقية: "عنصر المفاجأة هيخليه يتخض. وهو بيخاف على نفسه كمان. ممكن أخلي الحبل حوالين البيت بحيث لو ولع، ممكن الناس تشوفه وحد يلحقنا، سواء بقى كانوا ناس في الغيط أو أقرب بيت."
إنتصار: "طب ما تيجي معايا وخلاص، مادام حاطة في بالك إنه هياذيك."
رقية: "لأ، أنا اللي ههتم بابني ومش هقدر أحطك في خطر. ممكن أكون غلطانة، بس باخد احتياطي. مصطفى عارف إني جسمانيًا ضعيفة. خايفة يكون عاوز يمضيني على حاجة أو يجبرني أعمل حاجة مش عارفة إيه. بس مش مطمنة، رغم إني قولت مش هروح غير وهو مش موجود. بس خلاص، أنا متعودة على غدره."
وصلت نهر للقاهرة ودخلت بيت المغتربات بأمر من المديرة. وكان معظم طلبات البيت قد أخذوا إجازة نصف السنة، فحمدت ربها على إنها ستحظى أخيرًا بالليلة هادئة لتنام.
بعد العشاء، دق الباب الخارجي لبيت رقية. لتخرج رقية وتفتح، فتجد مصطفى.
مصطفى: "جيت أعطيك نسخة من مفتاح الدار، ونتفق على مواعيد تناسبنا أنا وإنت."
رقية: "تعالي اقعد هنا في التراوة."
مصطفى باستغراب: "هنا الرايح والجاي يشوفنا. ده مدخل الدار."
رقية: "لكن جوه الدار وفيه بوابة. صحيح مش كبيرة، لكن رضا زرعة تعريشة عنب وحطت ثلاث كراسي عشان بالليل بتقعد في الهوا والعيال يلعبوا قدامنا. إنت عاوز تدخل جوه؟"
مصطفى: "لأ، خلاص. هو بس هنتفق. عمومًا، الحلو إني في إجازة نصف السنة، أنا ممكن آخد بالليل وإنت الصبح. يعني مثلًا آخد من تسعة بالليل لتسعة الصبح."
رقية: "طب ما تخليها سبعة. إحنا في الشتا والدنيا بتليل بدري. الساعة تسعة بعد العشاء والدنيا بتكون ساكتة قوي."
مصطفى بتافف: "أنا في الإجازة بصحى الظهر، فتسعة دي بدري."
رقية: "معلش، استحمل شوية عشان الولد. وبعدين عاوزة أتفق معاك على طريقة انسحاب الزفت ده من الولد. إنت هتجيبه بكرة الصبح."
مصطفى: "لأ، جبناه خلاص وهبات معاه النهاردة ونايم دلوقتي. وخليها يا ستي من ثامنية لثمانية. أصلًا خمس دقايق مشي تكوني في العمار وأول البلد."
رقية: "ماشي. بكرة أجي الساعة ثامنية. وما تتأخرش عليا بالليل."
مصطفى: "قولتي لنهر؟"
رقية: "ومال لنهر دلوقتي؟ ومال اللي بيحصل؟ البنت هتبدأ امتحانات. خاليها في اللي فيها. أستاذ مصطفى، في سؤال عاوزة أسأله لك، ممكن؟"
مصطفى: "اسألي."
رقية: "أنا في نظرك إيه؟ شايفني إزاي يعني؟"
مصطفى بسخرية: "في نظري إنت كائن حي مش محصلة ست أصلًا، بس في الآخر أم ابني ومراتي."
رقية: "مستقلة بيا يعني؟ مع إني المثل بيقول: يوضع سره في أضعف خلقه."
مصطفى: "عاوزة توصلي لإيه في كلامك يا رقية؟ واخلصي."
رقية: "كان أبويا حكالي حكاية زمان حقيقية عن ست عدت الخمسين. اتجوزت ثلاث مرات وأجوازها ماتوا وورثتهم وبقى عندها ثروة بعد ما كانت بنت عادية فقيرة، بس كانت جميلة وهي صغيرة. المهم الجوازة الرابعة، هي حبت اللي اتجوزته جدًا، وهو كان في الثلاثينات، وكانت أول مرة تفرح بجوازة لها. المهم بعد الجواز، هو أخذ فلوسها وكان عاوز ياخذ مجوهراتها وأصول بيع لممتلكاتها. لما فهمت، رفضت رفضًا قاطعًا. ما تمضيش له على شيء وخبت مجوهراتها في لبسها الداخلي وخيطت عليه، والجزء الثاني في الباروكة. كان زمان في إنجلترا لازم يلبسوا باروكة كبيرة شوية. حاول معاها بكل الطرق ورفضت تمضي أو تغطي حاجة من مجوهراتها. أخذها بلد تاني، أعتقد أيرلندا، وفي بيت منعزل حبسها في أوضة، والأكل بيوصل لها قليل جدًا. بس برضه ما رضختش له. عدت سنين وهي محبوسة. في يوم من الشباك، اتعرفت على فلاحة واستأمنها على مجوهراتها وحدفتهم لها على سبيل الأمانة بعد ما عرفت اسمها ومكانها. قعدت محبوسة عشرين سنة. ست وحيدة ضعيفة كبيرة في السن. يأست من الدنيا وقررت تعترف لجوزها عن مكان وثائق ملكيتها لبعض الحاجات، وعشان تطمعُه أكثر قالت إن مجوهراتها في بيتها وراء صورة منزلقة ووصفته له المكان. كانت عارفة إنه صعب يفتح الخزنة اللي وراء الصورة، وكانت متأكدة إنه على ما يروح إنجلترا، تقدر تستنجد بأي حد يخرجها. سافر هو وما أخذش حد معاه عشان محدش يطمع فيه. بس لقي قفل كبير مصدي على الخزنة. حاول وفتح الخزنة بسكينة كبيرة، بس إيده انجرحت جامد من القفل وجاله تسمم ومات. والناس لحقوا الست، كان اسمها اليزابيث. كانت تايهة وفي حالة تصعب على أي حد، بس تعافت وراحت للفلاحة وأخذت مجوهراتها وكافأتها. مع إنها خرجت من الحبس وهي في عمر ٧٥، بس فيه ناس شافوها في حفلات الرقص وهي في الثمانين وكانت كأنها بنت الثلاثينات، كلها طاقة وحيوية. طبعًا ما اتجوزتش تاني، وكده ماتت في أواخر التسعينات من عمرها، وأتبرعت للخدم والجمعيات الخيرية بممتلكاتها. من الآخر، ممكن تحس إن الست اللي قدامك ضعيفة وقليلة الحيلة، بس لو إنت استفزيت فيها حتة إنك هتستغلها غصب عنها، فممكن تأذيها عادي، لكن صعب تجبرها على شيء مهما كانت ضعيفة. ده طبعًا لو عندها إدراك. ففكر مرة ومية قبل ما تحاول تجبرني على شيء."
مصطفى: "إنت ممكن ترضي تتحبسي عشان فلوس يا رقية؟"
رقية: "في حالتي لأ. لو معايا فلوس، أعطيها للي عاوزها وما أبعدش عن عيالي يوم. كل واحد عنده حاجة ما يقدرش يستغنى عنها. أنا سلامة ولادي وراحة بالهم بالدنيا. الباقي أستغني عنه عادي، ما دام مش مخالف شرع أو دين."
مصطفى: "القصة الطويلة دي عشان تقولي إني مش هقدر أجبرك على حاجة؟ أو ما أحلمش إنك ترجعيلي، صح؟"
رقية: "وأرجع لك ليه؟ وإنت مش شايفني ست أصلًا؟ سيبك من إني مش قابلة، وإنت استغلتني سنين وكنت عايشة معاك تحت التهديد إن تأذي بنتي. ما تيجي ننسى أي خلاف بينا ونعامل بعض باحترام. إنت أبو ابني، وبس. وأنا أم ابنك. وكل واحد يعيش في حاله. ليه دائمًا مصر أكون في دماغك؟ ما تريح دماغك وتعيش الباقي من غير خطط وصراعات."
مصطفى: "بدأت أشوف في عيونك الخوف بتاع زمان، فاكرة يا رقية؟ كنتي جميلة ورقيقة، حتى صوتك اتغير. لما كنت بقرب لك، كان جسمك كله بيرتعش من الخوف زي القطة السقعانة. وده كان بيمتعني كرجل."
رقية بحزن: "مش عارفة إيه الرجولة في إن واحد يخوف مراته ويعاملها بعنف. بس كنت فعلًا بخاف منك وبقرف منك جدًا، وبقول ربنا بكرة يزيح عني أو يريحني. أستاذ مصطفى، إنت فاهم الحياة غلط. ربنا لما حب يكون سيدنا محمد عليه السلام آخر نبي، قال عنه رحمة للعالمين. إنت ممكن تملك قلوب البشر بالرحمة. إنت بتحب أخوك عشان كان سندك ورحيم معاك، وأمك عشان حنيتها عليك. فكر في كلامي كويس. بلاش تخسر في سنك ده."
في تركيا، ذهبت فيروزة للمشفي بعد أن هاتفها برهان.
فيروزة: "أخبارك إيه النهاردة يا أغا؟ وليه بعتلي آجي؟"
برهان: "الحمد لله، بتحسن أعتقد. وطلبتك عشان تاخدي آسيل. مش هقدر أتابعها أو أستأمن حد عليها."
فيروزة: "ليه؟ والممرضة أو البنت اللي كانت بتهتم بها فين؟ ولا زهقت ومشيت لما لاقت المسؤولية كبيرة عليها؟ عمومًا خير، أنا كنت هاجي عشان مش مطمنة على آسيل هنا ومش مستريحة للبنت أبدًا."
برهان: "كنت زيك أول ما شوفتها. وصدقيني ندمت ندم عمري إني عاملتها بخشونة. رينا قلبها نضيف قوي وذكية جدًا، نسخة من عائشة يا فيروزة، بس نسخة أحسن وأنقى. آسيل كانت بتنام في حضنها من غير خوف. عمومًا هي سافرت لأن عندها امتحانات الترم، وأنا اللي أجبرتها في الأول تقعد معايا الثلاث أيام دول."
فيروزة: "سافرت فين؟ هي من أي مدينة؟"
برهان: "سافرت مصر بلدها."
فيروزة: "بتسخري مني؟ مصر إيه؟ كانت بتتكلم تركي كويس جدًا، مش باين عليها مصرية. ومن فضلك ما تشبهيهاش بعائشة."
برهان: "رينا بتشتغل بالسياحة وفي هندسة قسم عمارة آخر سنة وممتازة. دماغها شغالة كويس وأتوقع لها مستقبل هايل. أنا هستدعيها تاني لما تخلص امتحاناتها. أرجوك يا فيروزة علميها واتعاملي معاها. هتحبيها جدًا. وما تعمليش زيي. وشغلي عقلك مع رينا، شغلي قلبك وإحساسك."
مرت الأيام سريعًا، وقد اعتاد برهان أن يأخذ تقريرًا عن نهر من أحد الحراس الذين عينهم عليها دون علمها. وضع لها مبلغ مائتي وخمسين ألف جنيه في حسابها البنكي، وهو مبلغ زهيد بالنسبة له، لكنه يريد أن يضعها في اختيار ليعرف ماذا ستفعل بهذا المبلغ. لكنها أبت أن تصرف منه شيئًا لحين الانتهاء من الامتحانات. وقبل انتهاء الامتحانات بيوم، اتصل برهان برقية، وقد أخذت إنتصار معها ذلك اليوم بعد إلحاحها عليها، لأن رضا ذهبت وأولادها للأقصر مع زوجها محمود وأبنائه لحضور حفل زفاف أحد أقاربه.
رقية: "غريبة، رقم تركي بيكلمني ومش رقم إيمري."
إنتصار: "ردي يا رقية. خايفة من إيه؟ ده تليفون."
رقية: "مش خايفة، مستغربة." وفتحت الاتصال لتتسع عيناها وهي تسمع والدها.
الحوار مترجم:
برهان: "السلام عليكم. أنا برهان أغا. أخذت رقمك من تلفون رينا، لحسن الحظ مش واضعة رقم سري. حضرتك والدتها."
تنفست رقية بعمق لتقول: "خيرًا أغا."
برهان: "كنت محتاج من خدمة، وأرجوك اعتبرني كوالدك. محتاج رينا جدًا. صحتي مش كويسة أبدًا، وارتاح وهي معايا. فأرجوك ممكن تقنعيها تأتي تركيا غدًا؟"
رقية: "غدًا؟ أعتقد صعب، لأنها هتنهي امتحاناتها غدًا. ووحتني جدًا، لم أرها منذ زمن. ثم إزاي محتاجها حواليك؟ عيلتك وكمان آخر مرة التقينا هددتني أبعد بأولادي وإلا هأذي أولادي."
برهان: "أنا هددتك؟ هو أنا قابلتك قبل كده؟"
رقية: "أيوه، في مكة أغا، نسيت؟"
برهان: "آآآه، آسف. كان سوء تفاهم. متخيلتش تكوني إنتِ والدة رينا."
رقية: "عندما فتحت الخط وإلى الآن تتكلم معي تركي، عرفت منين إن أم رينا تتكلم تركي؟"
برهان: "من آسيل. قالت إنك كلمتيها تركي، ورينا قالت من أول لقاء إن أمها علمتها تركي ولغات تانية كتير. المهم، أرجو مسامحتك لما حدث بمكة. كما قلت، سوء تفاهم. الآن، هل تقنعين صغيرتي أن تأتي إلي؟ أخاف أن يأخذ الله أمانته وأريد أن أستأمن رينا ببعض الأشياء. فما بيننا أسرار كثيرة بالعمل طبعًا، وأيضًا بالحياة. هلا أقنعتيها أن تأتي إلي ابنتي."
رقية وهي تغمض عينيها وتقول: "حاضر أغا. ما أقدر أرفض لك طلب. لكن أرجوك، أنا مش أكثر من أسبوع. اتفقنا، وأن تهتم بسلامتها."
برهان: "أفديها بروحي. لا تقلقي عليها. اتفقنا. صغيرتي جميلة القلب والروح. إلى اللقاء."
أغلقت رقية الخط ونظرت لإنتصار: "بيقول لي جميلة القلب والروح. الأغا عارف إني عائشة وعارف إن نهر بنتي، بس بيلاعبني. عاوزني أحس بالندم وأروح له."
إنتصار: "طب ما ده كويس يا رقية."
رقية: "أنا كنت نويت بعد تخرج نهر أحكي لها كل شيء وتروح تتعرف على أهلي. هو كده سهل الموضوع. الظاهر إن المواجهة هتكون أقرب مما توقعت. لكن حاليًا هتصل بنهر عشان تعمل حسابها وتسافر له بكرة. وده هيكون بفائدة، لأن كده هكسب وقت ويكون عمر خف تمامًا قبل ما تيجي عشان ما تزعلش على أخوها. ويبقى إن شاء الله الفرحة فرحتين، رجوع نهر وشفاء عمر."
إنتصار: "شفتي وشي حلو عليك إزاي؟ اليوم اللي أخذتيني فيه جه خبر حلو. النبي إن ربنا بيحبني."
ابتسمت رقية: "لأ، كفاية كده يا إنتصار. ارجعي بقى لعبد الله. الواد هيتفرع مني زمانه بيدعي عليا، خصوصًا إنك سبتيهم في الامتحانات."
إنتصار: "زهقتي مني؟ بس مش هرجع غير لما عمر يخف أو رضا ترجع أو نهر."
رقية: "طب خلاص، زي ما تحبي. بس مش هتيجي هنا غير لما عمر يخف تمامًا. الحمد لله بقى أحسن وبيتحسن وبقيت بذاكر معاه."
كل هذا الحوار كان يسمعه مصطفى، فقد نوى أن يغدر برقية هذا اليوم، لكن تفاجأ بوجود إنتصار، وذلك بعد أن ركن الموتوسيكل الخاص به بجانب البيت، ثم ثبت عليه سلم معدني وتسلق ليصل للسطح، ثم نزل البيت. فقد كانت رقية تغلق الباب من الداخل عند دخولها البيت. عندما علم بأن نهر ستسافر لجدها، اتجه للسطح من جديد ونزل كما صعد، وقام بالاتصال بعزيزة أخته وحكى لها، وقرروا تأجيل المهمة لوجود إنتصار وغياب نهر الفترة القادمة.
تلقت نهر اتصالًا من أمها تخبرها بموافقتها لتذهب للأغا تركيا. لم تستغرب، ففي الأخير هو والدها ومريض، ويمكن أن تعوض اشتياقها لأمها عندما ترجع، خصوصًا أن أمها بخير، فلما لا؟ كمان أنها اشتقت لآسيل، أو صعب عليها حالها بدون احتواء. ثم تلقت اتصالًا لبرهان أغا أنه حجز لها تذكرة طائرة غدًا بعد الامتحان بأربع ساعات، ووافقت لموافقة أمها.
برهان: "كان يريد أن يعرفها ببعض أمور أملاكه وعمله، خصوصًا بعد انتقال نصف أملاكه باسمها وبإدارة إيمري وأحد الموثوق بهم، مع حرصه الشديد على صعوبة اكتشاف عائلته إلى من آلت إليه هذه الأملاك. في النهاية، فندق بتركيا، مشفى بالإمارات، قصر بمصر مجاور لقصر باسمه لورثته شرعًا. وقد حرص على وضع تحاليل DNA ونسخة من فيديوهاته مع من شرح كامل لزوجته عما حدث منذ عرف نهر إلى أن اكتشف أنها حفيدته. وعما فعل بكتابة نصف ثروة لنهر وفيديوهات مختارة من غرفته عن لحظات مع نهر وآسيل قبل سفرها. وكل ذلك نهر بحجرة المشفي في إحدى خزائن البنوك، وإعطاء الحق لفيروزة بفتح هذه الخزينة إن توفاه الله قبل أن يستطيع رجوع عائشة وأبناءها لأحضان العائلة. أعطى مفتاح الخزينة لطاهر وقال له: إن حدث له شيئًا أن يعطي المفتاح ورقم الخزينة واسم البنك لزوجته ويقول لها أنها ستعرف من ما هو موجود إلى من كتب نصف ثروته بعد أن يعرفوا أن نصف الثروة قد ذهبت درج الرياح. وتلك الجملة ستحفز فيروزة لفتح الخزينة. كل ذلك حدث قبل وصول نهر لمطار تركيا."
في المشفي، كان يجلس برهان وإيمري وطاهر وآسيل، التي بدا عليها الفرحة عندما علمت بقدوم رينا، صديقتها المحببة لقلبها. اتصل برهان بعد أن أحس بتأخر نهر عن الوصول برئيس الحرس الذي أوكل إليه مراقبة نهر عندما تصل لتركيا، وكان من حرسه الموثوق بهم والذي عمل معه لسنوات ويعرف حالة الأغا. لياتي إليه صوت رئيس الحرس، وقد شعر برهان بعدم الارتياح من صوته عندما قال: "من فضلك يا أغا، لو سيد إيمري عندك، محتاج أكلمه، لأن فيه مشكلة صغيرة في إجراءات الآنسة نهر وتليفونه مغلق."
برهان: "أوكي، هعطي التليفون لإيمري عندي." ثم فتح الاسبيكر ونظر لإيمري بقوة كي لا يقول أنه فتح الصوت.
رئيس الحرس: "ممكن تبعد سيد إيمري عن الأغا، لأن الموضوع خطير وأخاف على صحة الأغا."
أمسك برهان بالهاتف بقوة ونظر لإيمري أن يجاري الحارس.
إيمري بتفهم: "قول فيه إيه؟"
الحارس: "الأغا كان قال نراقب الآنسة من بعيد من غير ما تحس عشان ما تضايقش إنها مراقبها، وده اللي حصل. لكن مجرد ما خرجت من المطار وبسرعة رهيبة اقتربت منها سيدة ووضعت منديل على وجهها، وبسرعة تم سحبها لسيارة واختفت. سأرسل لك الفيديو. لم نستطع ملاحقة السيارة من جنون السرعة، وكأن مرتب لها الخطف سابقًا. لا أعرف ماذا أفعل ولا ماذا أقول للأغا."
انصدم الجميع ليصرخ برهان: "لأ، لأ، رينا، لأ! مش معقول أكون أصررت تيجي تركيا عشان تتأذى. أنا مش هسمح بكده."
اتصل إيمري بكل المعارف الذي يعرفهم من الجيش والشرطة، وأيضًا طاهر وبرهان مع التفاف الأطباء حول برهان لضبط أجهزة جسمه التي بدأت في الانهيار.
هيحصل إيه؟ ومين خطف نهر؟ وهل هيقدروا يرجعوها؟ وإيه موقف رقية لو عرفت؟ نشوف الفصل الجاي.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم رينا الهادي
أفاق برهان بعد فترة ليري أمامه إيمري وطاهر. وقد جاء كل من آدم وعمران وفيروزة.
برهان وهو يستعيد ما سبق ليقول:
آدم، خذ أمك وجدتك وآسيل وارجعوا القصر. الوقت تعدى العاشرة ليلاً.
فيروزة:
فهمنا أن حالتك تهورت، وأكيد مش هنسيبك كدة. الطبيب قال إن علاماتك الحيوية انخفضت جداً نتيجة صدمة عصبية. وفي الآخر آسيل قالت: "علشان المربية أو الممرضة ما جتش لك، إيه يعني ما جتش؟ إحنا مش نقدر نجيب ألف أحسن منها. حرام عليك يا برهان، هنموت بسببك".
برهان:
أنا كويس، كويس جداً، ولازم أكون كويس. اتفضلوا، آدم خدهم يا حبيبي. صدقني أنا كويس.
آدم:
أنا لو شوفت الممرضة دي هخنقها. يعني إيه صدمة علشان ما جتش؟ كل ده علشان آسيل حبتها، تلاقيها عايزة فلوس زيادة.
طاهر:
اسمع كلام جدك يا آدم، إنت مش فاهم حاجة.
آدم:
ما قولنا فهمونا إيه أهمية البنت دي؟ ويعني إيه ممرضة مصرية تجي من مصر؟ يعني باجدي من قلة ممرضات تركيا؟
إيمري بعصبية:
كفاية بقى، امشي واسمع كلام جدك بدل ما حالته تتهور من المناهدة. وإحنا معاه، هنكلمكم لو حصل جديد. إنتوا كمان في الشغل طول النهار، يعني تعبتوا.
آسيل:
أنا عاوزة أبقى هنا علشان لو رينا جت، أنا ممكن أكلمها. لو سمعت صوتي هترجع.
برهان:
حبيبتي، لو جت هتصل بيكي. تجي يلا، مع السلامة.
خرجوا بحزن وغضب، وهم متأكدون أن لهذه البنت قصة مع الأغا يعرفها طاهر. وثبتت هذه الشكوك عندما كان يتشاجر كلاً من طاهر وبرهان في أحد الأيام، وسمعت فيروزة بنفسها طاهر يقول له: "إبعد رينا عن خطر معاذ ورفيق، لأنهم ممكن يدمرونها. هي ذكية، لكن هم مجرمين. كفاية جفاءك معاها". وعندما رأوها صمتوا وسألوا برهان ليقول: "إنها فتاة يحبها جداً طاهر، وهو يراها فتاة انتهازية، لكنها دقيقة في عملها، وقد أوكل لها عمل بمصر، وطاهر خائف عليها".
في غرفة برهان:
برهان:
مفيش وقت نضيعه، لازم نفكر كويس مين ممكن يخطف رينا وليه؟ وهل حد عرف بقربها مني؟ أنا أهلي لسه ما يعرفوش أصلاً. حد منكم اتكلم؟
طاهر:
ولا حتى عيالي يعرفوا، و"صهري" مستحيل يقول. والتحاليل معاك يا برهان.
إيمري:
وسنام، إلي فهمته منها إنها كانت مشغولة الفترة الأخيرة من أكثر من ثمان شهور، يا دوب سلامات ويطمئنوا على بعض إنهم بخير. حتى إمبارح لما عرفت إن نهر جاية، سألتني ليه؟ وقُلت لها إن حضرتك محتاجها كممرضة ومرافقة لآسيل بعد ما حبتها. قُلت نهر ممكن تضايق مني لو عرفت سينام، لأن ممكن تقول لرقية والدنيا تبوظ، ساعتها رقية هتزعل من نهر.
برهان:
سينام عارفة نهر هتيجي إمتى يا إيمري؟
إيمري:
أيوه يا أغا، أنا قُلت لها. ما أنا اللي حجزت لنهر. لكن بتفكر في إيه يا أغا؟ سينام من كتر ماهي طيبة، ممكن أي حد يضحك عليها، مش تخطف.
برهان بعصبية:
ولما هي طيبة وأي حد ممكن يضحك عليها، ليه تخليها تكمل في دولة أجنبية؟ معقول مش خايف على بنتك؟ حد يضحك عليها؟ بنت جميلة وغنية، عادي تسيبها في إسطنبول، لكن إيطاليا ليه؟ ما تبصش كده. لما بعت عائشة أمريكا، كنت محصنها كويس ومش سهل حد يضحك عليها، وكانت بتشتغل علشان تصرف على نفسها.
طاهر:
إيه علاقة ده بخطف نهر؟ ركز يا برهان.
برهان:
معاك رقم إدوارد يا إيمري؟ لما كنا في مصر، كان معاك لسه محتفظ بيه؟
إيمري:
أيوه.
برهان:
سينام لسه في تركيا ولا سافرت؟
إيمري:
لا، هتسافر غداً.
برهان:
وصلت تركيا بعد ما نهر تركتها وهتسافر غداً؟ ارجع الفيلا وتابع مع الشرطة. ولو سمحت قول لبنتك إنها مش هتسافر تاني. وما تخفش، دي حركة عاوز أشوف رد فعلها على ناس معينة. وممنوع تخرج من غيرك. إيمري، أرجوك استحملني كذا يوم بس، وهفهمك كل شيء بعدين.
إيمري:
أنا هتجنن. يعني إيه تتخطف بمجرد ما تخرج من المطار؟ نهر مالهاش أعداء، إلا إذا كان معاذ عرف بنقل ملكية بعض الأصول وربط اهتمامك بها ووجودها معاك ومع بنته هنا.
طاهر:
صح يا برهان. هو أكتر حد طماع وممكن يكون عاوز مراته وآدم بس، الورثة.
برهان:
أنا مش نايم على وداني. أنا عامل حراسة عليه من يوم ما عرفت بجودة في تركيا، وكل حركاته عندي. غير إنه ماسألش عن بنته ولا حتى شافها. بني آدم غريب. وحتى لو إيزيل حكت له، هتقولوا له إيه؟ ممرضة أو مرافقة أطفال؟ إيه في كدا ممكن يخليه يأجر حد يخطفوا رينا؟ أنا أساساً مش عاوز أعرفها بالعيلة علشان ما يغدرش بها. والسبب الثاني إني لازم الأول أتصفى أنا وعائشة الأول.
إيمري بتعجب:
يعني مستبعد معاذ وبتشك في بنتي؟
برهان:
أنا قلت كده طبعاً لأ. اللي أقصد إنه بنتك ممكن تقع بلسانها في الكلام قصاد حد، لكن أبداً مش إنها مشاركة في خطفها.
إيمري:
علشان كده همنعها من السفر؟
برهان:
شاكك بشيء يا إيمري. وعلشان أكون واضح أكتر معاك، رينا كانت مضايقة جداً من بعد سينام عنها، وإنها بتعطي لها أعذار كتير علشان ما تتواصلش معاها. شاكك إن حد وقع بينهم. ولأن نهر مستحيل تسمح لحد إنه يدخل بينهم، لكن سينام لخبراتها القليلة في الحياة ممكن. رينا قالت إن سينام كانت عارفة إنك وعائشة ونهر رايحين العمرة، وما راحتش معاكم غير أول مرة تقضي إجازة الصيف بعيد عنهم، رغم وجود فرح ريفي. فهمت.
هز إيمري رأسه دليل عدم اقتناعه، رغم أن الشك بدأ يدخل عقله، لكنه نفى ذلك بسرعة:
مستحيل سينام تأذي حيوان، فما بالك بمن هي في مقام أختها.
بعد أن مشى إيمري:
طاهر:
ليه شاكك بسينام يا برهان؟
برهان:
كلم الأول إدوارد، اتأكد منه على حاجة، وهفهمك.
وبالفعل اتصل به وتأكد منه أن سينام لم تعلم بعد علاقة برهان بنهر. كان متأكداً أن نهر حكت لإدوارد كل شيء، فعلاقتهم قوية. وقد أخبره برهان بخطف نهر، لذلك كان إدوارد يريد السفر لتركيا، إلا أن ما يمنعه عدم وجود باسبورت له. كما أخبره عن شكوكه، وقد وافق بذلك، وهو ما شجع برهان أن يقوم بخطوة سريعة منه، وأخذ رقم سينام الدولي منه.
اتصل برهان بسينام.
سينام:
هالوة، مين معايا؟
برهان بقوة:
أنا برهان أغا، وبكلمك قبل ما والدك يوصل، فإسمعي كويس يا سينام. قولي للحيوان صديقك ديفيد يترك نهر، وربي لأخليه ما يعرفش يخرج من تركيا. أنا عندي صحيفة سوابقه في أوروبا لأني تحريت عنه، وعارف إنه وصل معاك هنا تركيا. ماتجبرنيش أقول لإيمري عنه. أنا بس اكتفيت إن إيمري هيمنعك من السفر، لكن متأكد لو قررت أقول لإيمري مش هيعطيك الأمان تسافري أبداً. فاهمة؟
سينام:
جدو، حضرتك ليه بتقولي الكلام ده؟ أنا معرفش أصلاً إن نهر مخطوفة، وبعدين ديفيد هيخطف نهر ليه؟
برهان:
تنكري إنه عارف ميعاد وصول طيارة رينا؟ وأيوة عاوز يبعدك عن رينا لأنه عارف إنها كشفتة، ومصلحتك تبعدي عنه.
سينام:
لأ، حضرتك فاهم غلط. نهر هي اللي بتبعت له رسائل وعاوزاه يصاحبها.
برهان:
نهر مش بتصاحب ولاد، وإنتِ عارفة أخلاقها. كونه إنه استغل غبائك ده مش ذنب رينا. ثم إنه مش مسلم علشان رينا تجري وراه. حرام أصلاً علاقة مسلمة بملحد مش معترف بالله.
سينام:
ديفيد مسلم يا أغا، مش علشان ما غيرش اسمه يبقى مش مسلم.
برهان:
مش مسلم يا سينام. فتحي عينيك، وبلغيه إنه لو رينا ما ظهرتش، أنا مش هتردد أوظف كل ثروتي في ملاحقته وسجنه طول حياته. ده إن ما قتلتوش. فاهمة؟ لو ما ظهرتش، أنا هفضح سرك لوالدك، وابقي قابلي العواقب. غير إنه مش هيسمح لك بالسفر أبداً. سلام، وأغلق الخط.
طاهر:
فهميني يا أغا، إيه اللي سمعته ده؟
حكى له برهان ما قالته له نهر قبل سفرها، وأنه تحرى عن صديق سينام وعلم أنه جاء إلى تركيا. وأكمل:
أنا بقيت على يقين أن كل المعلومات اللي بعثتها رينا لسينام عنه تم تدميرها، لأن مستحيل تكمل في علاقة مع ملحد.
طاهر:
علاقة؟
برهان:
أيوه يا طاهر، دي الكارثة اللي اكتشفتها. سينام كانت الفترة الأخيرة عايشة مع الولد ده. وواضح إنه عامل لها غسيل مخ. وزي ما فهمت دلوقتي، مفهمها إنه مسلم. طبعاً لما رجعت تركيا، عايشة مع إيمري وبتتعامل معاه برضو. المعلومات دي لسه عارفها أمس، وكنت ناوي أنا ورينا نكشفه لسينام. هو أكيد اللي عمل كده، لأن رينا بتتواصل الاتصال بسينام، وممكن نكشفه لها. وهو من صائدي الأموال، وسينام وريثة إيمري. مجاش في بالي إنه يعرف بقدوم رينا.
طاهر:
ليه بتقول على نهر "رينا"؟ ما أنت عارف اسمها الحقيقي؟
برهان:
ده وقته. أنا اتعودت أقول رينا. غير إني هتعود على نهر لما تكون في حضني هي وأمها وأخوها. بس يا رب ما تكونش اتآذت. والحيوان ده عمل فيها حاجة. المشكلة إنه اختفى من أمس ومش عارف هو فين، وإلا كنت جبتُه تحت رجلي. بس بعت صورته لوزير الداخلية والخارجية.
طاهر:
خايف يكون مش هو. وخايف إيمري يعرف؟ هتبقى له صدمة كبيرة إن بنته عايشة مع شاب. يا رب يكون متزوجها.
برهان:
حتى لو متجوزها، أكيد بورق مزور. وأنا بعت أستفسر عن كده، لأنه مش مسلم أصلاً. أنا تعبان آآآه، لكن مخي شغال. ولولا رينا حكت لي قبل ما تسافر عنه، ما كنتش عرفته وتحريت عنه. أنا عملت كده لأني محتاج أرد جمايل إيمري عليا، خصوصاً أنا متأكد بحبه لعائشة. أرتب أموري بس وأطلقها من الحيوان اللي في مصر وأجوزهاله. مش هلاقي حد زيه آمّنه على بنتي.
بعد ساعتين، تلقى إيمري خبراً بوجود فتاة بمواصفات نهر التي أبلغ عنها، مغمى عليها على جانب أحد الطرق خارج إسطنبول. فأسرع وخرج سريعاً، ووصل مشفى على أطراف المدينة ليصدم من شكل الفتاة ويتعرف عليها. هي نهر، لكن من الواضح أنها تعرضت للتعذيب. كان وجهها متورماً، ونائمة على جنبها، وظهرها مكشوف وبه كثير من الدماء والكدمات.
نظر بذهول للطبيب:
هو فيه إيه بالضبط؟
الطبيب بأسف:
تعرضت للجلد والسحل، وده واضح من اتجاه جروحها ونوعها. وأعتقد الكثير من الصفع، وواضح إن ده حصل من ساعات قليلة. وفقدت دم كتير، ولازم قبل ما تذهب لمشفى آخر، ننقل لها دم وننظف ونعقم جروحها.
إيمري وهو يمسح عينيه من الدموع:
ليه الرعشة دي؟
الطبيب:
واضح إنه تم ترهيبها والضغط العصبي عليها كان كبير. هي بالأساس نحيفة، لكن مفيش كسور الحمد لله. وأعتقد إنها هتحتاج دعم نفسي كبير.
إيمري:
أنا موجود هنا لغاية ما ينفع أنقلها لمشفى آخر مجهز بإمكانيات أكثر. أعتقد أن هذا مجرد مشفى محدود صغير.
اتصلت في تلك اللحظة رقية. لينظر إيمري بصدمة للهاتف ويفهم أنها اتصلت بنهر ولم تجدها. حسم أمره وفتح الهاتف.
رقية:
إيمري، نهر ما كلمتنيش من بالليل والفجر قرب يأذن، وتلفونها مغلق. أرجوك اتصرف وخليها تكلمني، لأن تلفون الأغا ديما مشغول.
إيمري:
عائشة، إهدي. أنا معها، لكنها نايمة. حصل حادث صغير وهتقوم بالسلامة، ما تقلقيش.
رقية:
حادث بسيط؟ إيمري، قول الحقيقة. أنا قلبي واجعني على بنتي قوي. حادث إيه؟ صحيها واسمع صوتها وتنام تاني.
إيمري:
مش هينفع. واخدة مخدر. الصبح حاضر، هكلمك.
رقية:
هو ده اللي كنت خايفة منه. أنا عارفة ومتأكدة إن الأغا عرف إنها حفيدته، لكن مقدرش يحميها. مين غدر بها يا إيمري؟ حد من أولاد عمران ولا المسعورة معاذ؟
إيمري:
الأغا عرف. أقسم بالله أنا ما ليا علاقة بمعرفته الحقيقة. بس هو كمان مخبي على العيلة علاقته بيها، مستني لما يقدر يرجعك لحضنه. علشان كده ما تظلميش حد.
رقية:
إنت معاها بجد؟
إيمري:
والله معاها في نفس الغرفة.
رقية:
صور لي بنتي يا إيمري، عاوزة أطمن عليها. وأوعي تقول الكاميرا بايظة.
إيمري:
ماكنش لازم أرد. مش هقدر أصورها. اسمعي يا رقية، نهر اتخطفت، وبصراحة انضربت. أقسم بالله مافي كسور، لكن الأغا مقوم الدنيا كلها، وأنا وهو وطاهر أغا جنبها. ووعد هترجع لك بخير. اهتمي إنت بعمر، مش قرب يتعافى.
رقية ببكاء:
إنت بتلهيني يا إيمري. بنتي اتبهدلت، صح؟
إيمري:
أرجووووووك يا عائش، أرجووك. أنا والأغا ما نمناش من امبارح، وكلنا على وشك الانهيار. نهر اللي مانعانا، لأننا مجبرين نكون بجانبها. كنت ممكن أكذب، لكن صعب على أم أو أب يشوفوا بنتهم مضروبة. اهدي، وغلاوتك عندنا، هناخد حقها.
رقية:
ضروري يا إيمري، نهر تكلمني أطمن بس عليها.
إيمري:
فهمت إنها كانت مجهدة الفترة الأخيرة. والطبيب قال يتركها أكبر فترة ممكنة نايمة، فهتطول شوية. يعني ممكن تكلمك بعد ثمان تسع ساعات على الأقل. أنا مش هتركها، دي بنتي زي سينام.
رقية:
هنتظر يا إيمري. خلي بالك منها.
بعد أن أغلق معها، اتصل ببرهان وطمأنه أنه وجدها. وعرف أن عنده علم، بل وطاهر في الطريق إليه. فأتصل بسينام أنه سيرسل لها أحداً كي تأتي وتكون بجانب نهر. لكنها رفضت بشدة، وقالت إنها لا تتحمل رائحة وجو المستشفيات، وأنها تعاني من البرد ولا تريد أن تزيد الطين بلة وتعدي نهر. استغرب جداً موقفها، وصور نهر بظهرها المكشوف، حيث ما زالوا يطهرونه ويعقمونه الأطباء، ووجهها. وبعث بالصور لسينام، لتنصدم سينام وتتصل فوراً بديفيد.
سينام:
إيه ده يا ديفيد؟ ممكن أفهم ليه عملت كده في نهر؟ ماشي، قُلت هتخطفها وتخوفها تقرب منك، لكن ما قُلتش هتبهدلها كده. نهر أختي وصديقتي.
ديفيد:
أنا اتفاجئت برضه باللي خطفوها وعذبوها. لما روحت لهم، ما عرفتش أبداً إنهم هيعملوا كده. صديقني.
سينام:
يعني إيه عذبوها من نفسهم؟ برهان أغا هيفتش عليك حتى لو تحت الأرض، ومش هيرحمك. ووالدي مش هيعدي الموضوع بسهولة. منعني أخرج من البيت. إنت اتورطت؟ أنا قُلت لك أكلمها وأعرفها إني عرفت إنها بتطاردك وتضايقك، وإنت أصرت. قال تعلمها درس. نهر عمرها ما تبص لحاجة غيرها. أنا أعرفها، كانت هتخجل مني ومش هتضايقك.
ديفيد:
سينام، أنا حالياً مسافر بحري تهريب، لأني لازم أسيب البلد، لأني مش هيركوني. والغبي اتغابى عليها. هتروحي الفندق وتدفعي لي الحساب وتاخدي متعلقاتي. أنا سايب لهم خبر. وتحجزي أقرب تذكرة لإيطاليا. الغبي اللي ضربها قال اسمي، وطبعاً هي هتستنتج إنك معايا. واحتمال تقول لوالدك، فبسرعة اخرجى من تركيا. (لم يضرب نهر من استأجرهم، لذلك بل فعل هو بنفسه ذلك، ويكذب على سينام).
سينام:
إنت بتقول إيه كده؟ بابا ممكن يعرف إني حامل. أنا هحجز تذكرة وأهرب من البيت. سلام.
بكت بعد أن أغلقت المكالمة، وأمسكت صورة لها ولنهر، وهي تقول:
عمرك ما كنتي بتبصي لحاجة حد. حاولت أصدقك كذا مرة علشان تفهمي إني زعلانة منك، لكن ما أخدتيش بالك. عمري ما أتمنى لك شر، بس أنا ضعيفة. نهر، وأنا حامل في الرابع وبطني قربت تظهر. مش هقدر أسيب ديفيد لأني بعشقه، ولا ابني لأني منتظراه بفراغ الصبر. وعارفة إني لما اتجوزت من ورا بابا، غلطت. مسحت دموعها، بس هيعرف أول ما ديفيد ينجح في شغله، وهيفتخر به وبيا كمان. سامحيني، ما عرفتش إنك هتتأذي كده. (لم تدري سينام أن ديفيد يفتري على نهر، هو فقط حصل على الرسالة التي بعثت بها نهر لها توضح لها حقيقته، ومسحها بسرعة. فقد أعملته سينام بكلمة سر فونها، ومن بعدها استطاع أن يهكر فون سينام ويمسح أي رسالة تصل لها من نهر. لم تتواصل به نهر مطلقاً، أو تعلم له رقم هاتف). تنازل واحدة تقدمه الفتاة للشاب ليجر معه تنازلات وأخطاء لا تدرك مدى خطورتها إلا بعد فوات الأوان.
وصل طاهر المشفي الصغير على أطراف المدينة، لتتفاجأ بحالة نهر.
طاهر بغضب:
هم أقل من ست ساعات؟ إزاي يقدروا يفرطوا بالبراءة دي كده؟ برهان لو شافها مش هيستحمل، ممكن يروح فيها. هو أساساً عايش على الأجهزة.
إيمري:
هيصر يشوفها. هنعمل إيه؟
طاهر:
هاتصل بالمشفي، ولازم يضعوا له منوم لأكبر فترة ممكنة، على ما نهر تفوق. جائز نوصل لمعرفة مين عمل كده.
إيمري:
غلط، لأنه مش هيستحمل منوم لفترة طويلة. غير إنه حالياً بيعمل على ضمان أخذ نهر لحقوقها. وعلاقاته وعلاقتنا نقدر نوصل للي عمل كده، لأني مش ناوي أسيبه عايش.
طاهر:
الطبيب قال مش لازم توتر، وهو اللي اقترح ينيمه، لأن أجهزة جسمه بتنهار. على الأقل يرتاح شوية، بعد كده نشوف أي حجة نمنع بها إنه يشوف نهر.
بالفعل تم ما أرادوا، وتم نقل نهر لمشفى برهان، مع عدم رؤيته لها يومين كاملين. أما نهر، كانت تقوم كل ثمان ساعات تكلم رقية ثلاث دقائق بصعوبة شديدة، وتأخذ بعض الأدوية والطعام لترجع لتنام مرة أخرى.
إيمري:
وجد ورقة من سينام تخبره فيها أن أعصابها تالفة مما حدث لنهر، وخصوصاً بعدما رأت صورها. وأنها يجب أن ترجع لوجود عمل ضروري لها في إيطاليا، لأنها كانت تعمل بإحدى الشركات المشهورة للموضة. غضب في بادئ الأمر، لكنه أحس بالنهاية أن ذلك أحسن لابنته، نظراً لأنها من الممكن أن تنهار، لما في مكانة أختها.
غضب برهان عندما علم بسفر سينام واختفاء ديفيد. لكنه بعث بمن يراقب سينام، التي لاحظ أحد رجال ديفيد أن أحداً ما يراقبها، فأبلغ ديفيد. الذي لم يصل إلى إيطاليا بعد، فقد وجد امرأة أخرى لينصب عليها، وقرر الرجوع لإيطاليا فيما بعد.
في الليل، دبر برهان أمر أن يرى نهر بمساعدة أحد الممرضين، الذي ذهب إليه بعد منتصف الليل ليأخذه لحجرة نهر. فقد أيقن أن طاهر وإيمري يريدان أن لا يرى حفيدته، لذلك يتفننوا بخلق الأعذار. أخذ الممرض برهان على الكرسي المتحرك، ووصل به لغرفة نهر، التي كانت تبدأ في فتح عينيها بعد تقليل المخدر لها خوفاً على ارتخاء الأعصاب والعضلات. فأنّت بخفوت، لكن كتمت أناتها مع دخول أحداً ما بكرسي متحرك، تبين فيما بعد أنه برهان. فتبسمت له بضعف. أما هو، فنزلت دموعه من شكل وجهها، وشهق بفزع. تقدم منها، فحاولت أن تنهض، لكنها تألمت من ظهرها.
برهان:
ساعدها يا بني لتقوم. حبيبتي، حصل لك إيه؟ وجهك بعد يومين مدمر، وده بعد علاج يومين.
كان الممرض في قسم الحالات الحرجة، وهو قسم برهان، ولم يعلم بجروح ظهرها. فعندما حاول مساعدتها، وضع يده بقوة على ظهرها، لتصرخ بألم:
براحة، ظهري واجعني.
برهان:
كمان ظهرك؟ الحيوان عمل إيه بالضبط؟
نهر:
لا تخف أغا، ياما شفت في حياتي، هكون بخير إن شاء الله. وبعدين عرفت منين إنه راجل؟
برهان:
أكيد مش ست. مفيش ست هتعمل كده في بنت أبداً. في خدك آثار صوابع ضخمة. عرفتي مين عمل كده فيكِ؟
نهر:
أنا ما اعتقدتش إن ليا أعداء يا أغا، غير إنهم كانوا مغطين عيني ومش تركي، لأنه بيتكلم تركي بالعافية، لكن بيتكلم إنجليزي وإيطالي كويس. والحمد لله إنه غطى عيني، وإلا كانت عيني راحت.
برهان:
الحيوان، واضح إنك عارفة شكله، لكن لا تعرفين صوته. وده بيأكد ظنوني. مش أنا يا رينا، ولا علاقتي بك السبب في اللي حصلك.
نهر وهي تمسك رأسها بضعف:
حتى لو كنت السبب، مش هحاسبك على أعدائك، لأني منك، وأعدائك أعدائي. بقولك، قول لهم إني متعودة أتحمل الألم. وبلاش مخدر ومنوم، عاوزة أفوق، علشان متأكدة إن آنه مرعوب عليا، ومش عاوزها تتعب. عاوزة أرغي معاها، هي دوائي وأنا دواها.
ابتسم برهان بحنان:
تعرفي إن علاقتك بأمك كانت نفس علاقتي بها. ويمكن ده كان بيجنن فيروزة، لأن حبنا لبعض كان كبير لدرجة تغير من بنتها. مبسوط بك وبذكائك وحنينك، ومتأكد لو أي فرصة جت لك هتثبتي نفسك. إنتِ خليط مني وعائشة. وبالمناسبة، الإمام الشافعي قال:
المرء يُعرف في الأنام بفعله
وخصائل المرء الكريم كأصلها
صبر على حُلو الزمان و مُرِّهِ
و اعلم بأن الله بالغٍ أمره..
عاوزك تحفري اسمك في الدنيا بالخير والعمل الصالح. اشتغلي بكل قوتك وقاومي، وإياك حد يكسرك. وما تخافيش غير من ربك، وأوعي والحرام، حتى لو ليرة، لأنها ممكن تاخد منك جبال حلال.
نهر:
كنت فاكرة إن حبي للعربي الفصيح لأنه بتحبه، لكن طلع الموضوع وراثة. تعرف دي من القصائد اللي أنا وإنتِ حفظناها. حتى بيتنا المفضل هو:
في الجو مكتوب على صُحُفِ الْهَوى
من يعمل المعروف يُجزَ بِمثلِهِ..
برهان:
وبيِتي المفضل أيضاً، وأنا حفظت أمك القصيدة دي بعد جزء عم، كانت ثمن سنوات.
نهر:
واضح عليك الألم وإنك بتقاوم. (نظرت للممرض وقالت: وديه أوضته، مش صح يقوم فترة من على الأجهزة).
برهان:
مش قبل ما أشترك معاك في مكالمة عائشة.
أسرعت نهر بالتقاط الهاتف، فقد كان بجانبها على السرير، واتصلت لترد رقية بسرعة:
حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟
نهر:
أحسن آآآه، لكن احتمال أقعد أكتر من أسبوع. يعني مش معقول أتعالج وأمشي على طول، محتاجة أقعد مع الأغا شوية.
برهان:
عائشة، أنا معاها. سامحيني يا بنتي، ما كنتش أعرف إنها هتتأذى لو وصلت تركيا. كنت فاكر إني هفهمها حقها وإزاي تحافظ عليه، وأقرب بينها وبين فيروزة وعمران. عائشة، لم يبق في العمر وقت. أنا محتاجك جنبي وفي حضني، محتاج أشم ريحتك، ودني مشتاقة تستمتع بصوتك، رغم إنه اتغير. أنا اللي محتاج حضنك. والله يا بنتي، ما كنت أعرف بموضوع نديم. وآدم اتولد في السابع، بعد ما أمك أجبرت عمران ونديم يتجوزا، لأنها كانت عاوزة حاجة من ريحتك. وهما كمان اتظلموا في حياتهم، مش زيك، لكن ما حدش خانك. أول مرة من عشرة أيام أعرف إن نديم شرب يوم جوازه وتخيلك إنتي، وده قهر عمران. اللي عرفت بحملها بعد ما نديم رجع يكمل دراسة للترم الثاني. مفيش حد قدر ينساك. (مسك يده على قلبه بألم).
لتصرخ نهر على الممرض:
خذه بسرعة لغرفته، أرجوك، ده تعبان قوي.
جاء صوت رقية ببكاء وهي تقول:
بحبك يا برهومي، وسامحني. بعدي عنكم كان خوف ورهبة للمستوى اللي وصلتوا له. خفت على أولادي يدخلوا صراعات أو يتعاملوا بخشونة وعنف. وخفت من فضايح الصحافة لكم، وإن اسمكم يضر مني، وكنت محتاجة أقفل وأراجع حاجات كتير هنا. حبي لك عمره ما قل، لكن كنت بكابر. بدليل عملت لك بإيدي المعطف اللي اتفقنا عليه.
ابتسم برهان للذكرى:
مسامحك يا صغيرتي. ولو في عمري أيام بس، هحاول أجي وآخدك.
نهر:
كفاية بقي جدو مريض، سلام أنا.
برهان:
جدو يا نهر؟
نهر:
اتفقنا ترجع أمي لحضنك، أكون لك حفيدة وابنة. إنت بابا وجدي في نفس الوقت.
تهدّج برهان رغم مرضه، ليحتضن نهر وهو يقول:
الله يرضى عليك، طمنت قلبي وأسعدت حياتي.
لكن نهر تاوهت بضعف، لينظر هو بخوف لظهرها الذي يعقمه ويطهره فقط الأطباء دون أن يغطوه، نظراً لكبر حجم الجروح والكدمات. فقط، لبس المشفى المربوط من الخلف بعدة أربطة، فيشهق من منظر ظهرها الملون، وتصرخ نهر، لياخذها الممرض لغرفته بسرعة.
بعد خروج الممرض ببرهان، ضغطت نهر زر التمريض.
ممرضة:
أفندم.
نهر:
برهان أغا في قسم العناية، أرجوك روحي وطمنيني عليه.
الممرضة:
يعني مش عاوزة مسكن أو تروحي الحمام دلوقتي؟
نهر:
عاوزة أطمن عليه بسرعة، من فضلك.
ذهبت الممرضة ورجعت تقول لنهر:
وضعوه على الأجهزة، ووضعوا له أدويته. هيكون كويس. مش كويس، يجهد نفسه. هو حالياً نام، اطمني.
الحقيقة أن حالة الأغا تدهورت، لكنه مستريح القلب والبال، فقد تصالح مع ابنته، وأحس بحب وعاطفة نهر له، وقد ضمن لنهر وعائشة حقهما بثروته بعد مجهوده. ابتدأت أجهزة جسمه تنهار ببطء لكبر سنه وضعفه وإجهاده الأيام الأخيرة، لكنه كان مستقبل كل تعبه برضا وامتنان لخالقه، أن رزقه الله الخلف والنجاح والرزق الحلال وحب بناته وأحفاده.
صباحاً، جاء كل عائلة برهان بعد إبلاغ الأطباء عن خطورة حالته، وكذلك جاء طاهر وإيمري.
دخل برهان بغيبوبة، لكنه أفاق قبل المغرب ليسأل عن إيمري، وبعدها دخل مع طاهر إليه، فأوصاهم بحماية نهر. وأوصى إيمري بالعمل السريع على رجوع سينام تركيا، وأن لا يتركها وحدها. عندها دخلت فيروزة وعمران وآدم، لينظر لهم برهان بتعب ويقول بصوت خافت:
سامحوني لو أخطأت في حقكم، زي ما سامحتني عائشة. وحافظوا على بعض.
ونهر تشاهد الشهادتين، وتوفى.
في نفس اليوم، بعد أن خرجت رقية من حجرة عمر بعد أن قامت بإطعامه، لتصدم بمصطفى أمامها.
رقية:
إنت دخلت إزاي؟ أنا قافلة الباب من جوة.
مصطفى وهو يدفعها بعنف ويغلق الباب على عمر من الخارج:
جه وقت الحساب، وهتدفعي تمن كل غبائك وجبروتك معايا.
مصطفى ناوي على إيه؟ هنعرف. مع إني كنت فاكرة إن ده هيكون آخر فصل، لكن ما لحقتش أخلصه. وأسفة أن نهاية الجزء الثاني قاسية، لكن فيه حقيقة ثابتة، وهي أن كل شيء لزوال إلا عملك. وإن مش لازم نأجل في ظهور حقائق اعتماداً على أن الظروف تسمح، ما دامت حقائق وحق. حاول بكل طاقتك تقول وتعمل، وتحاول توصل لحقك قبل ما القدر يأخذ منك حلمك.
رواية اسرار الماضي لبنت ناس الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم رينا الهادي
رقية وهي تتصنع القوة: تقصد إيه يا مصطفى؟ وأوعى علشان لازم لأودي الصحون المطبخ وأغسلها، وعمومًا كويس إنك جيت بدري نص ساعة بحالها بدل ما بتيجي متأخر كل يوم.
مصطفى بضحكة شريرة: وماله روحي رجعي الأطباق.
دخلت بسرعة وأخذت بلهفة الكبريت وكأنه حمايتها ووضعتُه بجيبها، لم ينتبه مصطفى لذلك.
رقية: يا ريت تستخدم الباب بلاش شغل العيال ده، سلام.
لكنه جذبها بعنف إليه حتى اصطدمت بصدره.
رقية: فيه إيه؟
مصطفى: وحشتني النظرة دي، نظرة الخوف لما تشوفيني، إنتِ هتباتي معايا النهاردة زي أي ست مع جوزها.
رقية: جوزها إزاي؟ من زمان متفقين وواخدة وعد منك أكتر من مرة، ولا زي ما بيقولوا (في ناس نسبها قرف، بتكيل بميت مكيال، ما تاخدش منهم كلمة كأنه كلام عيال).
مصطفى: أهي طولة لسانك دي يا رقية هي اللي بتزود فيا حب الانتقام، مع إنك في سوق الحريم شبشب حمام.
زفرت رقية بيأس منه: إنت اللي مش قادر تفهم أو تستوعب إن الحياة الزوجية مودة ورحمة، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. صدق الله العظيم. فكرني كده إمتى كان فيه بينا مودة؟ إنت طول الوقت عاوز كل شيء، بمعنى كل شيء يتقدم لك في نفس الوقت، بخيل بكل شيء. إنت أجبرتني أعيش معاك مع إنك عارف إني كرهت حياتي معاك، يمكن من أول يوم. سيبني أمشي يا مصطفى، أنا بقالي أيام حتى النوم مجافيني، بلاش تجبرني أصرخ، إنت ابنك في الأوضة، عيب.
مصطفى: اصرخي، إحنا قبل العشاء والناس روحوا من الغيطان من بدري من كتر البرد. تعرفي أنا عملت إيه يا رقية؟ أنا نطيت للسطوح ونزلت وجهزت الأوضة (وضحك بهستريا) وظبطت كاميرتين على التصوير جوا، هتكوني ليا النهاردة بكيفك أو غصب عنك، حتى لو فكرتي إني منفعتش، بس هتكوني ذليلة ليا، وأنتِ من غير حاجة أعمل ما بدي وأصوره، وآهادي نسخة منه لحبيبة قلب أمها، وهتعملي اللي هقول عليه. بصي وفكري في جسمك قد إيه ضعيف وصغير وأنا قد إيه قوي وزي ما قولتي قبل كده تور.
رقية بصوت هادئ وساخرة عكس ما بداخلها: وإنت فاكر أنا هسكت وأرضى بالأمر الواقع؟ والله لو على موتي ما هسمح لك. (صرخت بقوة) أنا أم ابنك، يعني المفروض شرف ابنك، إزاي عاوز تصورني كده؟ مفيش عقل، إنت مش هتكسرني لوحدي لأ، وابنك كمان.
أتى صوت عمر الباكي من خلف الباب، فقد جرى على الباب عندما أحس بأن أحدًا ما يغلقه بقفل: أبوس إيدك يا بابا لأ، كفاية راميني هنا وأنا عارف إنك وعمتي السبب، حرام يا بابا علشان خاطري.
مصطفى: ومش حرام إن ست تسيب جوزها طول الفترة دي؟ ومش حرام تفضحني في البلد أنا وعمتك؟ ومش حرام تحرم نفسها عليا طول الوقت ده؟ أنا بس باخد حقي وحق أختي وحقك إنت كمان متشحتت كل شوية في بلد.
رقية: ماهو إنت ما كونتش راضي بإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولو هتحاسب يبقى شوف إنت عملت إيه الأول. أجبرتني أتعامل معاك كده، أنا كنت ديما رد فعل على عمايلك وعمري ما بدأت بأذى حد، لا إنت ولا غيرك. امشي يا مصطفى واستعيذ بالله من الشيطان وأختك اللي وسوست لك، وخاف انتقام ربنا.
مصطفى: لأ، أنا مزاجي أشوفك مزلولة، وما تخافيش يا عمر مش هيشوف الفيديو غيري أنا وأمك وحبيبة أمها. واتجه إلى رقية التي سارعت وفتحت علبة الكبريت تشعل بسرعة عددة أعواد وترميها في اتجاه الحبال المغطاة ببلاستر طبي قطني، ليضحك مصطفى وهو يقول: بتولعي في البيت؟ الصالة فاضية، الظاهر عقلك خف. وحملها ودخل بسرعة غرفته وأغلق الباب.
لم يدري أن أحد الأعواد قبل أن يحترق بالكامل لامس جزءًا من أحد الحبال، ولأنها كانت مغموسة بالجاز اشتعل الحبل، ليتجه الاشتعال نحو الباب الرئيسي ثم للخارج حول المبنى وأيضًا بالداخل الصالة، لترجع عند باب غرفة مصطفى.
كان مصطفى ترك موتوسيكل بجانب أحد حوائط البيت وثبت عليه سلم معدني ليعتلي السطح ومفاجأة رقية.
بعدما أدخلها عنوة بدأ بخلع ملابسه، لكن ببطء كي يستمتع برعبها وخوفها. أصبح يقف أمامها فقط بشورت قصير، ثم قام بإشعال كاميرتين ثبتها مواجهة السرير وأخرى مواجهة لجانب السرير.
مصطفى: كده أنا جاهز، هتخلعي ولا أجي أقوم بالمهمة دي.
رغم رعبها منه جاء صوتها قوي: مستقوي كده ليه بصحتك وجسمك؟ قادر ربنا ياخد منك نعمة. قولي يا حضرت الناظر الخطة دي مين صاحبها؟ إنت ولا كالعادة مشيت وراء كلام أختك؟
مصطفى: عاوز أسمع صوتك الحلو ده بعد اللي هعمله فيك.
رقية: وصوتي يروح ليه؟ إنت مش هتاخدني غير جثة، واحتمال تقضي حياتك بالسجن.
مصطفى: لأ ماتخافيش، مش هتعافى عليك جامد، بس هربيك من أول وجديد، هخليك تقومي من نومك بكوابيس مني، آخرك انهيار عصبي. فجأة سمعوا صوت انفجار قوي، ليشحب وجه مصطفى: إيه ده؟
رقية بثقة: قضاء ربنا، ده صوت حاجة انفجرت جنب الباب وريحة حاجات بتتحرق.
أسرع مصطفى لفتح الشباك والنظر من وراء حديد الشباك ليشهق ويقول: الموتوسيكل انفجر، ده مليان بنزين وحوالين البيت نار، منين ده؟ إحنا في الشتاء، إيه اللي ولع الدنيا كده؟ (لينظر إلى رقية بغضب) معقول كام عود كبريت يعملوا كده في عز البرد ده.
رقية: رحمة ربنا بقى، الدنيا ما مطرتش من أربع أيام، الجو برد آه، والبيت في الفضا والهوا ممكن يزود الحريق، خصوصًا زي ما بتقول الموتوسيكل مليان بنزين، ماتستبعدش تكون النار وصلت السطح وإنت عارف السطوح مليانة قش والأبواب والشبابيك خشب. بسرعة تعالي نفتح لعمر الباب ونهرب قبل ما البيت يتحرق وإحنا فيه.
مصطفى بتفكير: لأ، مفيش حوالين الدار غير شوية تراب والنار حوالين الدار مش هتلاقي حاجة تمسك فيها، هتتطفي لوحدها.
رقية: ما تعقل الكلام شوية، فيه أحبال حوالين الحيطان في كل مكان، بسرعة علشان لو وصلت لباب المطبخ الأنبوبة هتنفجر، وبعدين مش سامع صراخ ابنك اللي قفلت الباب عليه؟
مصطفى بسخرية: الأنبوبة تقريبًا فاضية، وإنتِ بتجيبي الأكل من بيتك عشان كده.
رقية بصراخ: الراجل بتاع الأنابيب جاب لي واحدة جديدة في توكتوك أول إمبارح، أومال بسخن الأكل على إيه، وابنك بيصرخ ليه؟ جايز الشباك بتاعه ولع، يخربيتك هتموتنا بعندك وغبائك.
مصطفى وهو يمسك رقية بعنف من ذراعها: ذكائك خانك النوبة دي. راهنت على إني هخاف على نفسي وأجري، صح؟ خلاص عرفت تفكيرك الخبيث. أيوه بخاف على نفسي قوي، بس إنت مش هيكون عندك الجرأة تحرقي البيت وابنك المدمن فيه. وبدأ في السيطرة عليها ليخلعها ملابسها وسط صراخها، لكن فجأة حدث انفجار أشد من الأول، وما كان إلا انفجار أنبوبة بتجاز المطبخ، ليغمى على رقية ومصطفى لقرب حجرتهم بالمطبخ بعد تحطم الجدار الفاصل بين المطبخ وحجرتهم.
في تركيا
علمت نهر بوفاة برهان حينما حاولت أن تذهب إلى حجرتة، فانهارت هي الأخرى لتقع بعد سماع صوت صراخ عمران وفيروزة باسم برهان، ويهرع إليها الممرض المرافق لها ويرجعها حجرتها، وبعدها يعطي لها الطبيب حقنة مهدئة ومنومة. بعد فترة غير قليلة يدخل إليها إيمري ويأمر الطبيب أن يوقظها عاجلاً، لتفتح عينها ببطء وتسترجع ما حدث، لياخذها إيمري فورًا بحضنه ويقول: لازم تقومي عشان تودعي جدك، نهر هو اتغسل خلاص وهيتكفن دلوقتي على الطريقة الإسلامية، وما صدقت مفيش حد من العيلة دلوقتي معاه علشان تقدري تودعيه.
نهر بدموع: ساعدني أروح له عمو.
بالفعل وصلت لهناك لترى جثة برهان، ويقف ما كان يغسله وسيكفنه ومعه طاهر.
طاهر: أقنعت آدم يتركه بأعجوبة بعد ما حضر الغسل وسنتركك معه عشر دقائق، صغيرتي. إيمري صمم يأتي بك رغم تعبك.
خرج الجميع.
نهر بانهيار وهي تجلس على ركبتها وتمسك أعلى ذراع برهان: كده ينفع؟ مش اتفقت معايا هتعوضني وتكون لي أب؟ ينفع أديك الأمان وتغدر بيا تاني؟ إنت عارف دي المرة الكام اللي بتخلف كلامك معايا؟ طب قوم وأنا هسمع كلام آنه ومش هدور من وراها على أهلها. إنت تعبت بسببى صح؟ كان لازم أفهم إني نحس، كام وعشرين سنة أمي بتتعذب بسببي وإنت مستني أتعرف عليك وتمشي؟ حرام عليك والله، إحنا ما كملناش أسبوعين. (لتنظر إليه وتقف وتشم ريحته وتقبل وجنته وعينيه) أنا مشبعتش منك ومقهورة منك أوي، دي عاملة تعملها فيا؟ حرقت قلبي وروحي يا برهان. (لتري بعد ذلك دموع تنزل من جانب عين برهان فتمسحها) هو إنت بتبكي وإنت ميت؟ ولا يكون غلطوا وما موتش؟ اقتربت لتضع أذنها على قلبه ويدها على رقبته وتجهش بالبكاء: مفيش نبض خالص يا برهان، طب بتعيط ليه وإنت ميت؟ أنا زعلتك كده؟ (أخذت شهيقًا وأخرجته ببطء)
ليدخل إيمري في تلك اللحظة.
إيمري: البقاء لله حبيبتي، لازم تتحكمي في نفسك شوية واصبري، لأن عائشة هتتسند عليك. أنا ماقولتلهاش، والدفنة كمان شوية، تخفي الأول وترجعي مصر ونقول لها علشان تكوني جنبها.
نظرت لبرهان وقالت: هو كمان قال هخف وهعمل وهعمل وولِّد فيا آمال وأحلام، بس العمر خلص وما قدرش يعمل حاجة، رغم نفوذه وقوته. ما دائم إلا وجه الله.
والرُّوحُ فيكَ وديعـةٌ أودعتَهـا ستَردُّها بالرغمِ منكَ وتُسلَـبُ
وغُرورُ دنيـاكَ التي تسعى لها دارٌ حقيقتُهـا متـاعٌ يذهـبُ
اللهم اربط على قلوبنا واجعلنا من الصابرين. احجز لي غدًا عمو، مش هقدر أروح المدافن معاكم اليوم، هروح له بكرة أقعد معاه شوية لوحدنا وسأسافر.
اقترب منها طاهر ومسح دموعها التي تنزل بسخاء، ثم أخذها بحضن دون وضع يده على ظهرها، لطلق آهة قوية، وأسندها إيمري ومد لها كرسي متحرك تجلس عليه، ويتجه بها لغرفتها، ثم يرجع ليكون بجانب عائلة برهان في الدفن والعزاء.
في مصر
كانت بمثابة معجزة عندما أخرجوا كلا من رقية ومصطفى المغمى عليهما، وقد احترقت منهما أجزاء كبيرة من جسمهما. أما عمر، فقد كانت آخر حجرة تصل لها النار لأن رقية لم تضع بها حبلًا أو تضع حولها من الخارج، لكن الانفجارين اللذين حدثا أشعلا النار في الأخير بباب ثم الحجرة. ولولا أن مصطفى كان مقيد رجل عمر بسلسلة طويلة، كان من الممكن أن يهرب، لكن احترق جزء من الجهة اليسرى لجسمه بما فيها وجهه. ولولا أن رحمة الله لما تم وصولهم للمستشفى.
رقية ومصطفى في حالة خطرة وحرجة، لا يؤثر بهم مخدر غير لحظات. رافقت انتصار رقية، كما اتصلت على علي وأخبرته بالحالة. كانت آهات الألم تملأ المكان، وكانت الجروح بشعة، وكان سريرا مصطفى ورقيه جنبًا لجنب.
مصطفى بصراخ: منك لله يا رقية، حرقتنا أنا وابني. يا رب نجي ابني يا رب.
انتصار: هو إيه اللي حرقتكم؟ ماهي يا حبة عيني حالتها أوحش منك. نظرت لرقية (مش كان فيه طفاية؟ ما وقفتيش الحريق بدري ليه قبل ما يمسك في الدار؟)
مصطفى: كمان كان معاها طفاية؟
رقية بدموع: قلت له نهرب قبل ما الدنيا تولع، لكن شيطانه اتحكم فيه وكان عاوز يصورني وأنا معاه علشان يذلني. الحمد لله كده أحسن من لو كان عمل اللي في دماغه. قال عاوز يذلني ويقهر نهر. تنكر لما الانفجار الأول حصل؟ قلت لك نفتح لعمر ونهرب، بس البعيد أعمى البصيرة. هاتي يا انتصار تليفونك أسجل عليه لنهر تاخد بالها من أخوها وتعالجه ومتتخلاش عنه. احكي لها يا انتصار عن اللي عمله مصطفى وعزيزة في عمر، وإن جسمه ضعيف وبيحتاج يتعافى من الإدمان، وصي نهر وإدوارد على عمر.
مع كل كلمة لرقية كان مصطفى يصرخ وجعًا، وهي تحاول كبت آهاتها لتوصي انتصار.
مصطفى: دلوقتي عاوزة تحمي ابنك؟ وكنتي فين لما كان مش عارف يكون في أسرة وبيت؟ أنا اتحرقت أنا وابني بسببك. بس لأ وربي لحرق قلبك. تعرف أنا اللي بوظت موتوسيكل أحمد التمرجي وهو طلع يجري عشان اتأخر، أصل أنا عملت له خناقة في المستشفى وخليت اللي ما يشتري يتفرج عليه وطلع ملهوف وعربية خبطته.
شهقت انتصار بفزع، بينما رقية نزلت دموعها بوجع وقالت: ورغم إن الأعمار بيد الله وحده، ورغم إنك سبب في يتم نهر، لكن برضه ضميرك ما حنش لها في يوم وعوضتها ولو ساعة واحدة عن أبوها؟ ربنا لما بيعاقب حد بينزع الرحمة من قلبه وتبقى أقسى من الحجر. عاوز تقهرني حتى وأنا وإنت بين إيدين ربنا؟ طب اعمل لآخرتك، خاف ربنا. أقول لك على حاجة حلوة تعملها؟ طلقني يا مصطفى، مش عاوزة أموت على ذمتك. ورحمة أبوك تطلقني.
مصطفى: طالق، طالق، طالق. أنا بكرهك وبكره بنتك، بس قصاد ده وصي نهر على أخوها. أنا كنت بدلت فلوسي دولارات وحطيتهم في الأوضة اللي في البيت اللي اتحرق، خلاص بقيت على الحديدة وأنت السبب، وما ليش ملك. قولي لنهر تتكفل بأخوها.
رقية: الحمد لله يا رب عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. انتصار ادفني جنب أحمد في المدفن اللي اشتراه. نهر في مستشفى تعبانة، ادعي لها يصبرها ربنا وتقدر تقف على رجلها تاني، وكوني لها أم، خليكوا حواليها وقوها تاخد شهادتها، عاوزة تسافر بعد كده لأهلي تسافر. قولي لها إني راضية عنها وداعِية لها من قلبي، وخلي بالك من آدو وعمر ولادي.
دخل محمد وعزيزة في تلك اللحظة وعزيزة تصرخ: يا حبيبي يا أخويا، لسه عارفين دلوقتي وش الخراب حرقتكم.
انتصار: وش الخراب إنت وأخوك، ربنا يحرقكم دنيا وآخرة إنت وهو. (أشارت على مصطفى)
لينظر لها محمد بعتاب ويأتي الطبيب والممرضين وهو يقول: إحنا في مستشفى بلاش دوشة، إحنا عقمنا الجروح بس حالتهم خطرة، حتى الشاب مانعته ضعيفة وربنا رحمة ودخل غيبوبة، بس لما يقوم هيتألم دلوقتي. أنا حتى مش عارف أدي حقن الحروق كبيرة جدًا، كفاية صراخ الراحل ده اللي يقعد يسكت خالص.
انتصار: أنا مرافقة لرقية وعاوزة لها أي مكان تاني غير ده، الله يسترك الحلوف ده هيموتها بكلامه اللي زي السم.
صباحًا
كانت رقية أسلمت روحها لخالقها مع ركوب نهر للطائرة للعودة لمصر.
أوصى مصطفى بعد علمه بوفاة رقية محمد أن تدفن بمدافن عائلته نكلاً بها، فكلما تألم زاد ذلك من حقده.
بينما انتصار اتصلت بإدوارد مساءً وجاء إليها فجرًا وشهد معها وفاة رقية أمه الثانية، وسمع منها رغبتها بالدفن بجانب إحمد. كما اتصل محمد بعبد الله وجاء صباحًا لأبيه وسمع من عمته ما زاد غضبه من رقية وأنها أشعلت النار بالبيت في لحظة جنون منها.
وصل خبر وفاة رقية بسرعة لهم لأنهم بنفس المستشفى.
وانقسموا لفريقين بالمستشفى عن من المسؤول عن تغسيل ودفن رقية، وإصرار انتصار وإدوارد بأنهم المسؤولين وسيتم دفنها بجانب إحمد، بينما محمد وعزيزة وعبد الله أصروا على أخذ الجثة ودفنها بمقابر أسرة مصطفى.
انتصار: والله يا ناس طلقها، وحياة عيالي طلقها يا محمد، حرام عليكم، هي عاوزة تستريح جنب جوزها، يا ناس.
عبد الله: كفاية يا أمة بقى بلاش حبك لها يعميك، عمي ما طلقهاش وهو جوزها وهو حر تدفن فين.
إدوارد: ما كفاية بقى إيه الجبروت ده؟ حتى وهي ميتة عاوز يتحكم فيها؟ هي أوصت تدفن عند أبو نهر، وأنا لو على رقبتي هعمل بوصيتها، أو نستنى نهر تيجي، هي أولى بها.
استدعوا الأمن لإدوارد وأجبروه بالخروج، لكن ظل بخارج المستشفى.
إدوارد حاول الاتصال بنهر وهو لا يعرف أنها بالفعل بمصر، كما لا يعرف بما حدث لها بتركيا غير أنها خطفت وتم استرجاعها، وبالمستشفى مع الإغاثة.
كانت قد ركبت تاكسي لمحطة القطار تريد أن تكون بين الناس، فمن المحتمل أن يطغي صوتهم على صوت عقلها الذي لم يهدأ، تريد لعقلها وقلبها الممزق أن يهدأ أي منهم من وجعه. تذكرت مقولة لإليف شافاق، وهي كاتبة وروائية تركية-بريطانية تقول: "نحن لا نكبر عندما يشير التاريخ بسبّابته إلى يوم ميلادنا البعيد، لا نكبر عندما ينهش الشيب فروة رأسنا، لا نكبر عندما تتساقط أسناننا مهاجرةً دون إذن منا بعد عقود من العمل المضني، لا نكبر عندما نصبح عاجزين عن الحياة بلا نظارة ملتصقة في وجوهنا. نحن نكبر حين يمرّ عزيز في حياتنا، ولا يلبث أن يسرقه الموت منا."
هذا هو حالها، فما بال ما سيؤول عليه حال أمها التي تمتعت بحنان ولهفة وحب الأب الذي ما لبثت أن ترجع لأحضانة لتفقده. استرجعت ما حكته له أمها منذ حادثة القطار إلى هذا اليوم، لتفيق على محصل القطار يسأل عن تذكرتها ثم يقول: طب يلا جهزي نفسك، إحنا داخلين على المحلة.
نهر بتفاجؤ: بجد؟ الظاهر القاعدة جنب الهوا والشباك خلاني أسرح.
المحصل: تحبي أساعدك تقومي.
نهر بهدوء: شكل ووشي متبهدل، بس رجلي سليمة، شكراً يا عمي. قامت وتحركت ببطء، وتذكرت فونها، فأخرجته وفتحته، واستغربت ثلاثين مكالمة من آدو.
اتصلت به فورًا، لياتي صوته الباكي: أيوه يا نهر، إنتِ هتخرجي إمتى من المستشفى؟
نهر: أنا خرجت آدو، وفي مصر كمان. معلش ملحقتش أكلم حد، بس آنه وحشتني قوي وأنا في المحلة دلوقتي.
إدوارد بصدمة: سبتي جدك وجيتي ولا حاجة حصلت؟
نهر: مش قادرة أتكلم آدو، في حاجة، هبقى أحكي كل حاجة، أصلاً أنا محتاجة تيجي البلد وتكون جنبي عشان عاوزة أفاتح آنه في موضوع مش هينفع أكلمك فيه على التليفون، لازم خطة الأول.
بكى إدوارد بعنف ولم يستطع التحكم بشهقاته وهو يقول: نهر أنا آسف، بس أمنا ماتت واتغسلت كمان. وصيتها تدفن جنب باباك، بس مصطفى الشيطان عاوز يدفنها في مقابر عيلته، مع إن خالتي انتصار قالت طلقها ثلاث مرات، والحيوان بينكر، ولأني مش ليا صفة عليها ومسيحي، الأمن طردني من المستشفى. نهر ماما وصتني أقولك أنها راضية عنك وبتحبك قوي وسامحيها لو قصرت في حقك.
كانت دموعها تنهمر على وجهها، وهي التي اعتقدت أن دموعها جفت على مقبرة جدها، أحست بضيق الصدر واختفاء الهواء، وتستمر قدمها بالأرض.
ليصرخ إدوارد ببكاء: نهر إنت معايا؟ مش وقت صدمة، أبوس إيدك فوقي عشان ندفنها زي ما وصت. شغلي عقلك، ولما ندفنها نقعد ونعيط ونصوت وننصدم، فوقي، مش لازم تتبهدلي في كل بلد شوية.
يا الله، حتى الوداع حرمت منه. استغفرت الله وقالت: مين معاها دلوقتي تيزة انتصار؟
إدوارد: أيوه، وبتتخانق مع ابنها وابوه وعزيزة جوه.
نهر: اقفل واستنى عندك، هكلمك تاني.
اتصلت فورًا بانتصار التي ردت بسرعة.
نهر: أنتم فين بالضبط؟ أنا في المحلة وعرفتي اللي حصل.
انتصار: نهر الحقيني، خرجوا من باب جانبي عشان آدو ما يشوفناش وإحنا قربنا وداخلين البلد.
نهر: ماشي تيزة، على ما يوصلوا البلد أكون وصلت، خصوصًا العصر فاضل عليه ربع ساعة. أكيد هيصلوا بعد العصر. فيه حد معاك في العربية عارف إنك بتكلميني؟
انتصار: لأ، أنا وهي وقدام السواق وحد معاه معرفوش. ما رضيتش عزيزة تركب معانا عشان رقية ما تتأذيش.
نهر: ما تجيش سيرة لحد إني جيت أو كلمتك، اتصرفي كأنك لوحدك، سلام.
اتصلت بإدوارد وقالت له: طير على بلد مصطفى، أخدوا آنه وأقربوا يوصلوا، روح القسم وبلغ إني مش عاوزة أمي تدفن هناك لأنها اتطلقت من مصطفى وعندي شهود، بسرعة عشان نلحق.
اتصلت بعدها برقم ضابط تعرفه كي يكون هناك قوة تنتظرهم، ولتوكد ما سيقوله إدوارد، ثم اتصلت بإبراهيم جارهم ليبلغ شيخ الجامع في ميكروفون البلد عن وفاة رقية وأن صلاة المتوفي بعد ساعة ونصف تقريبًا.
كان محمد مع مصطفى بالمستشفى، بينما ركبت عزيزة مع عبد الله للبلد مع شحنة بالافتراء على رقية.
امتلأ المسجد بالمصلين ليصلوا بعد العصر على رقية، مع ذهول المصلين من كمية البشر التي تجمعت للصلاة. بعد خروجهم تفاجأ الجميع بنهر وإدوارد وقوة من الشرطة.
لتقف نهر وتقول: سعيكم مشكور، بس أمي هتدفن في بلدنا مش هنا.
ليتقدم عبد الله: باي بحق جوزها، قال تدفن هنا.
وضعت إصبعها بقوة على صدر عبد الله وقالت: إلا آنه يا دكتور، عمك طلقها وأنا هعمل بوصيتها ومعايا شهود إنها مطلقة، ودادك شهادة وإدوارد سمع من آنه إنه طلقها، بلاش تقف في وشي عشان ما تخسرش.
الضابط: آنسة نهر قدمت شكوى أنها الوحيدة حاليًا التي لها حق تدفن أمها.
عزيزة وقد كانت تنظر بالخارج: لأ أخويا جوزها وأبو ابنها ومطلقهاش، وتثبت الأول إنها طلقت.
اقتربت نهر من عزيزة وعلى وجهها نظرة مرعبة، لتقبض على ذراع عزيزة وتقترب من أذنها وهي تقول: شايفة الخريطة اللي على وشي دي؟ هبلي عليك وأقول إنتِ اللي عملتي فيا كده وأحبسك، وفي الحبس هبعت حد يرش على وشك ماية نار. بلاش تختبري صبري، أنا أعمل عشان أمي اللي ما يخطرش على عقل القذر. غير إني أكشفك لعبدو وتيزة انتصار معايا، فاقفلي بوقك عشان ما تطلعيش شياطيني عليك.
ارتعشت عزيزة، فلهجة نهر كانت قوية ومرعبة.
بعد فترة قليلة أخذت نهر رقية وتم الصلاة عليها ودفنت، ومشى الناس إلا نهر وانتصار وإدوارد وعبد الله الذي خاف على أمه وأراد أن يأخذها معه. بعدها سمحت نهر لنفسها بالانهيار وهي تقول: سيبوني لوحدي معاها شوية.
وقف الباقي على بعد مناسب منها.
إدوارد: خايف عليها يا خالتي؟ نهر بتموت.
انتصار ببكاء: انصدمت، ما كنتش عاوزة تسافر وتيجي تشوف أمها، رقية اللي قالت لها تسافر.
عبد الله: اعملي حسابك نطمن على عمي وهتسافري معايا، ده جزاء اللي تخرب بيوت الناس.
إدوارد: إزاي؟ دكتور وغبي قوي كده؟ عمر أمي أو نهر ما خربوا بيوت حد، لكن خليك إنت كده سيقاك عمتك.
رفع عبد الله يده، فاندفعت انتصار تحمي إدوارد وتقول: أوعى تمد إيدك عليه، فاهم؟ لولاه كنت خسرت مستقبلك وكانت مراتك وابنك ماتوا. هو اللي لحقني وقت ما ولدت أحمد، واللي خرب بيتي ستك وعمتك. وقصت عليه ما حدث حتى إجبار أبوه على الزواج وما فعلت عزيزة ومصطفى برضا.
أكمل إدوارد: اللي هرب قبله رضا كان أخوك دكتور علي، عشان راجل حقاني، اتفق مع صاحبه وكان بيبعت لها دوا ويتابع حالتها. وجه مخصوص ولدها وبعد الولادة كان بيبعت لها نفقة بدل أبوك لغاية ما قدرت تكسب فلوس، وبعد كده رفضت تاخد منه حاجة. نهر وأمي آه ساعدوا أبلة رضا، بس لأنها طيبة ونيتها صافية، ولأنها كانت مغلوبة على أمرها، لا هي ست لعوب ولا لفت على أبوك عشان يتجوزها، هي بس كانت عاوزة حقها الطبيعي إنها تعيش الأمومة، مش زي عمتك ما قالت.
نظر لعبد الله لأمه بذهول وقال: طب ليه ما قولتيش من زمان؟ ليه دلوقتي؟
انتصار: ماكنتش عاوزة أكون السبب إنك تخاصم أهلك، قلت خلاص إنت في بلد وهم في بلد، بس إنت ما بتسبش فرصة غير وتوجع نهر، وأنا خلاص بعد رقية هاخد نهر في حضني هي والواد ده لغاية ما يتجوزوا.
عبد الله بضحكة: إنتم بتهزروا؟ مش معقول كل ده حصل؟ عاوزة تقعدي مع نهر تقومي تألفي كل ده؟ ياما والله تنفعوا تعملوا روايات.
إدوارد: بقولك إيه، امشي من هنا، إحنا قلوبنا وجعانا، روح ارمي نفسك في حضن أهلك وامشي. بلاها ضحك ومسخرة على المقابر.
انتصار: اسأل أخوك، ياما قالي أقولك الحقيقة وأنا خفت أقولك أعمل فرقة بينك وبين أبوك. أبوك آه يضحي بنفسه عشانكم، لكن ما يضحيش أبدًا بإخواته حتى لو غلطانين. امشي يا عبد الله، خليني أروح للمسكينة دي.
إدوارد: امشي، أنا واقف معاهم لغاية ما نهر تخلص على قبر ماما.
اتجهت انتصار لنهر لتجد نهر تقرأ القرآن ببكاء وخشوع.
انتصار: الدنيا ليلت يا نهر، وغلط نقعد في المقابر بالليل يا حبيبتي.
نهر: اتوجعت جامد يا تيزة؟
انتصار: بيقولوا اللي تموت وهي بتولد والمبطون والمحروق شهيد يا نهر، ماتت وهي راضية عنك، استحملت كتير، وإن شاء الله في الجنة، كانت صوامة قوامة وصابرة وربنا بإذن الله هيجزيها خير.
نهر: علمتني كل حاجة إلا إني أقدر أعيش من غيرها. حاسة قلبي هيوقف من كتر ماهو موجوع، حاسة روحي نافرة مني. جدي لسه ميت امبارح يا تيزة، وأنه النهاردة، يا رب رحمتك. أقول إيه بس؟ والله إن القلب ليحزن والعين لتدمع، وإني لفراقك يا أنة لمحزونة.
انتصار: تعالي نروح البيت والصبح بدري نجي. يلا أمك هتتعذب بعذابك، يلا يا حبيبتي يلا، وشك ورم من البكا، يلا، الواد آدو هيموت هو كمان من الفجر ما حطش لقمة في بطنه وخد علقة محترمة في المستشفى عشان يخرج.
نهر: شوية كمان تيزة، شوية كمان.
عند مقربة منهم سأل عبد الله إدوارد كيف تعرف على نهر وتوثقت علاقته بها، وحكى له وهو مركز عينيه على نهر، وحكى له عما فعلته رقية معه في البداية من علاجه لرجوع حقه من عمه وهي في مرضها.
رن هاتف عبد الله ليرد ويجد أنه وصل القاهرة وفي طريقه للبلد. وأخبره عبد الله أن رقية قد ماتت وتم دفنها.
بالترجي والمحايلة أدو استطاعت أدو وانتصار وإدوارد أخذ نهر من المقابر للبيت، ما أن وصلت حتى دخلت غرفة أمها وفقدت الوعي. ما كان من عبد الله إلا أن استدعى طبيبة التي ركبت لها عددة محاليل مع مهدئ كي تنام وتريح جسدها وعقلها.
نهر بالحلم
رأت رقية تلبس ثوبًا أبيض وفي وسط مكان به خضرة وماء. جرت إليها واحتضنتها.
نهر: كنت عارفة إنك مش هتسبيني وما كنتش مصدقة.
رقية: هكون معاك وأزورك كل فترة. لازم تفهمي كويس إن الموت حقيقة لكل المخلوقات، ما دائم إلا وجه الله. إن طالت أعمارنا أو قلت في الآخر هنموت، وإنتِ عارفة كده. عمومًا اطمني عليا، أنا هنا أحسن. شوفي رجعت شباب وبكامل جسمي. وضعت يدها على صدرها. مفيش فيا بتر، وجنب بابا كمان. أتى مهرول إليهم برهان وقد صغر سنه. هو أنا ما وحشتكيش أنا كمان ولا إيه؟ ثم اقترب منها وضَمَّها.
نهر: إنتوا إزاي مع بعض؟
برهان بمرح: هو إحنا هنتفرق دنيا وآخرة ولا إيه؟
نهر: طب ما تاخدوني معاكم؟ أنا مش مستريحة هنا.
ظهر أحمد ليقول: بعد الشر عليك حبيبتي، العمر الطويل ليك ولكل أجل كتاب، وربنا بيحدد الأعمار.
نهر: يعني أسيب الصحبة الحلوة دي وأرجع هناك لمين؟
رقية: لأخوك تراعية، تعبان قوي يا نهر، ومعاك ناس بيحبوك، انتصار ورضا وأدو وياما.
برهان: آسيل محتاجاك، وفيروزة وعمران وعيالها هينزلوا مصر.
أحمد: لازم ترجعي لمستقبلك وجوز المستقبل وعيالك، الدنيا مش بتقف على حد، وكل ما هتشتاقي لينا هنيجي.
تقلبت على السرير وهي تشم ما تبقى من رائحة أمها، وفتحت عينيها ببطء لتري علي ورانيا وانتصار، فتحاول القيام.
علي: براحة يا نهر، ما تتعنفيش على نفسك، أهدي شوية.
رانيا وهي تحضنها: البقاء لله، كلنا معاك.
انتصار: رضا عرف، وفي الطريق مع أستاذ محمود.
علي: قومي عشان الواد إدوارد وقع من طوله هو كمان ومركبين له محاليل، وتعرف مين معاه بيتابعه؟ عبد الله.
نهر: عاوزة أقرأ قرآن.
علي: ارتاحي وكلي لقمة ونقرأ كلنا، لازم ترتاحي، بكرة يوم طويل والمعزين هيملوا البيت، خالتي طوب الأرض بيحبها.
انتصار: اطلعوا أنتم، أنا هاكلها سندوتش.
نهر: ماليش نفس.
انتصار: عشان خاطر تيزة يا نهر.
نهر: طب هتحكي لي إيه اللي حصل وإيه سبب الحريق وأنا أسمع كلامك.
انتصار: هحكي كل حاجة، ما أنا مش هخبي تاني، ما أنا خبيت على عبدو ودلوقتي خصمني أنا وأخوه.
في المضيفة كان إدوارد نائمًا وعبد الله يراقبه مع المحلول، وشرد فيما عرف مؤخرًا بعد مواجهة علي بما علم وعدم إنكار علي، فثار عليه أنه ليس طفلًا كي يخفوا عنه كل تلك الأشياء. أفاق على رن هاتفه ليرد محمد: أيوه يا عبد الله، من ساعة ما خرجت وما جتش ليه؟ أنا لوحدي مع عمك يا بني.
عبد الله: ومفروض أجي أقعد بيه؟ أباه أنا عرفت الحقيقة وكل اللي حصل، وليه طلقت أمي؟ ليه ما قولتش إن ستي وعمتي السبب؟ ليه ما خليتني أخسر خالتي رقية ونهر وأذيهم بكلامي ونظراتي؟
محمد: عمري ما قولت لك إن رقية السبب ولا لمحت بكده.
عبد الله: بس كنت عارف إن عمتي بتقولي إيه وستي كمان. حرمتني يا أبا من خالتي اللي كان زي أمي، وحرمتني من نهر اللي كانت في ظهري ديما أخت وصديقة. بعدي عنهم جاب لي الهم والحزن. ما كنتش بلاقي في حزني وضعفي حد أشكي له على بعد، وكنت بخاف أحكي لنهر أشيلها. اللهم كفاية عليها البيت والدراسة وأحمد. صدقني مش مسامحهم ولا مسامح نفسي. أنا أصلاً خلاص، رغم إن قطع الرحم وزر، بس مش هقدر أبص في وشهم.
محمد: هتسبني لوحدي يا عبد الله في الحوسة دي؟
عبد الله بجمود: ما إنت سبتنا عشانهم وحرمت علي من حب حياته عشانهم، كنت هتموت يحي وعهد برضوا عشانهم. طلقت أمي واستغنيت عن العشرة والعيش والملح ورميتها عشان ما تبعدش عنهم مع إنك كنت هتكون في نفس البلد. إنت من زمان مختارهم يا أباه. أي حاجة أنا هكون في ظهرك إلا هما، حتى لو ماتت عزيزة ومصطفى مش همشي في جنازتهم. وعمومًا علي جاه، هبلغة لو حب يجي لك، سلام عشان في مريض لازم أهتم بيه.
تركت انتصار نهر بعد ما حكت لها كل شيء، بل وأطعمتها سندويتش صغير، بعدها قامت نهر بالوضوء والشكوى إلى الله، ثم قامت بعد أن رأت حقيبة أمها لتفتحها وتشَم رائحة أمها بها، ووجدت جوابًا بداخلها مكتوبًا عليه من الخارج لنهر، ابتسمت بحزن وهي تقول: كاتبه لي جواب ليه يا رقية؟ وفتحت الخطاب لتتفاجأ بأن نهر كتبت التاريخ والساعة، وكانت قبل الذهاب لعمر في ذلك اليوم الذي حدث به الحريق، فقرأت بصوت ضعيف: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى تؤام روحي، لا أعلم بما أبدأ وأنا ما زلت لم أراك بعد. ما حدث بتركيا لا أعلم مدى إصابتك، لكن من المؤكد لي أنك لست بخير، حتى بعد أن كلمتني عددة مرات. أصلي وأدعو لك حبيبتي. أكتب إليك لأني أحس بقرب أجلي. قال أحد الصحابة ليواسي صاحبه: (هوِّن عليك فما هي إلا دنيا فأيامٌ ونَمضِي؛ فلا تحزن فكل ما فيها مُتعِب، وكل من فيها مُتعَب، الحَمدللّٰه أنَّها ليسَت دَارَنا ولا دِيارَنَا وأنّ المُستقر بجوارِ رَبِّ العَالمين، الحمدلله أنها دُنيا وسَتنقضي، وعسَانا فى الجنة نأنَس ويُؤنَسُ بنا، لبَّيك إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة). مش واثقة في مصطفى يا نهر ومش خايفة لا منه ولا من الموت، حزينة عليك وعلى أخوك اللي مصطفى دمره وخلّاه جبان وأنانِي، مش ذنبه ده سوء تربية. حبيبتي لو رجعتي وكنت انتقلت لجوار الله، بلاش هتنهاري، احزني زي ما تحبي، لكن كوني قوية لأني والحمد لله ما أذيتش حد وما ظلمتش حد، وادعي لي وافتكري الكلام ده: ("قل للّذي نامَ والأحزانُ تَخنقهُ وهمّهُ في ظَلام الليّل يُشقيهُ هَون على قلبكَ المحزونُ إنّ لهُ ربًا سَيملؤهُ نُورًا و يَرويهُ"). أنا أعزيكِ فيا، فما توجعيش قلبي عليكِ، واعرفي إني بحبك وراضية عنك وداعِية لك. ربنا يجبر بخاطرك ويحميكِ، وشكراً لأنك ساعدتيني أكلم والدي ونتصافى، قد إيه سعيدة وعارفة إن وجودك معاه أسعده. أمك التي تعشقك.
ذهبت نهر لمصطفى في اليوم التالي كي تأخذ منه توقيعه على أن تكون هي المسؤولة عن عمر ويكون تحت وصايتها هي، كما استطاعت أن تأخذ منه تقريرًا كتابيًا على أنه طلق رقية، وعند مغادرتها.
مصطفى: هنيجي لي تاني وتطمنيني على ابني يا نهر.
لم تلتفت له وقالت: ههتم به ويتعالج، معايا شوية فلوس في البنك ولو ما كفتش هشتغل. لو حب يطمنك مش همنعه، لكن أنا من اللحظة دي همسحك من حياتي، لا كره ولا حب ولا أي إحساس مني ليك، كأنك ما دخلتش حياتي. سرقت كتير قوي من حياتنا وأماننا، وكفاية كده. ومشت دون أن تلتفت إليه.
بعدها بيومين مات مصطفى، لم يصلي عليه إلا القليل، ولم يمشي في جنازته أكثر من عدد أصابع اليد فقط، محمد وعلي مع من ساعدوا بحمل النعش، مع دعاء الناس لرقية لما لها من أفضال. ولتدخل عزيزة في حالة ذهول بعد أن تأكدت من أنها لن ترث من مصطفى أو حتى أن ترث جنيها من رقية، بعد توثيق طلاقها من أخيها، لتفقد الباقي من عقلها وهي تقول: منك لله يا مصطفى، حرمتنا إننا نورث رقية، وغباءك خلاك تخسر فلوسك.
هنا ينتهي الجزء الثاني، وآسفة على قسوة الفصل الأخير، بس هي دي الدنيا، ما فيش دوام لحد، في الآخر عملك أو ولد صالح يدعو لك، هم فقط ما تأخذه معك. الجزء الأول والثاني أكملوا تسع وتسعين فصلًا، أتمنى أن تنال الرواية إعجابكم وشكرًا.