تحميل رواية «في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار )» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الروايه دي عبارة عن ثلاث قصص مفيش فيها ابطال رئيسيين انا هسيب لكل واحد فيكوا الاختيار مين يكونوا الابطال الأساسيين للروايه ♥️ اتمني من خلال التواقيع انكوا تخمنوا الأحداث مستنيه تفاعل كبير عشان انزلها يا حلوين ♥️ #نورهان_آل_عشري #في_قبضة_الأقدار #الروايه_الجديدة سالم الوزان ♥️ فرح عمران 🌹 سليم الوزان 🔥 جنة عمران 🍓 ياسين عمران 😎 حلا الوزان 🍁...
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الاول 1 - بقلم نورهان العشري
الروايه دي عبارة عن ثلاث قصص مفيش فيها ابطال رئيسيين انا هسيب لكل واحد فيكوا الاختيار مين يكونوا الابطال الأساسيين للروايه ♥️
اتمني من خلال التواقيع انكوا تخمنوا الأحداث
مستنيه تفاعل كبير عشان انزلها يا حلوين ♥️
#نورهان_آل_عشري
#في_قبضة_الأقدار
#الروايه_الجديدة
سالم الوزان ♥️
فرح عمران 🌹
سليم الوزان 🔥
جنة عمران 🍓
ياسين عمران 😎
حلا الوزان 🍁
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
بمثل هذا الوقت من العام الماضي في إحدي ليالي كانون الباردة هُزِمت إحداهن أمام كلمات دافئه أغتالت برودة قلبها فأذابته و أضرمت النيران بأوردتها و التي سرعان ما أخمدتها لوعه الفراق لتترك خلفها بقايا حُطام إمرأة أقسمت علي نُكران العشق طيله حياتها ...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كُلما كانت ذاكرة الإنسان قويه كُلما كانت حياته أصعب بكثير و في قانون العقل كل الأشياء قابله للنسيان ماعدا الشئ الوحيد الذي تود نسيانه .
أخرجت تنهيدة حارة من جوفها و هي تقف أمام شرفه مطبخها تُراقب نزول المطر الذي كان ينهمر بشدة في الخارج . كم كان ذلك المنظر من أهم مسببات السعادة بحياتها و الآن اصبح لا يجلب لها سوي تعاسه كبيرة ممزوجه بألم قاتل يستقر بمنتصف قلبها الذي و بعد مرور أربع سنوات علي فاجعته الكبري لايزال ينتفض وجعًا حين يتحسس أي شئ و لو بسيط يُعيد إليه ذكرياته الرائعة المُشبعه بمرارة قاتله لازالت عالقه بحلقها للآن ..
أخيرًا استطاعت أن تتخلص من سطوة ذلك العذاب الذي يتجلى بوضوح في عيناها و أغلقت الستار متوجهه إلي الثلاجه التي تتوسط ذلك المطبخ المستدير المترف إلي حد ما و قامت بإخراج ما تحتاجه لإعداد وجبة طعام ساخنه تُدفئ جوفها في هذا الليله شديدة البرودة كليالي كانون المعتادة و التي كانت ذات يوم تحمل الدفء الي قلبها الذي كان غارقًا بالعشق حتي أذنيه و ها هي الآن تدفع ثمن حماقته ...
زفرت بحدة و كأنها تنازع لتُخِرج وجعها بذرات ثاني أكسيد الكربون و شرعت في عملها الذي أتمته بعد عشرون دقيقه ثم توجهت إلي غرفه شقيقتها و طرقت عدة طرقات علي الباب فلم يأتيها رد فقامت بفتح الباب بهدوء لتجدها نائمه كالعادة فتسللت مخالب الندم إلي قلبها لتقرضها من الداخل علي ذلك الذنب الذي اقترفته بحق شقيقتها و عادت بذكرياتها للأسبوع الفائت
عودة إلى وقت سابق
كانت جالسه علي أحد المقاعد بشموخ في ذلك البهو الكبير تنتظر الميعاد الذي جاهدت أسبوعًا كاملًا حتي تحصل عليه و ها هو يأتي بمنتصف اليوم و هي في عملها لتهاتفها تلك الفتاة بلهجه صلفة تخبرها بأن موعدها مع السيد سيكون بعد خمسة و أربعين دقيقة و ألا تتأخر فاضطرت إلى ترك عملها ومهرولة إلى ذلك الصرح الكبير الذي كان يثير في نفسها التوتر الذي قُلما يظهر عليها و لكنه كان نابع من السبب المحرج في كونها تود مقابلة ذلك السيد الذي كان الوصول إليه شاقًا و كأنه أحد رموز الدوله أو أحد المشاهير .
فجأة طرأ علي بالها صورته التي تخيلته عليها من حديث أخاه عنه. عجوز، بدين, أصلع، قصير القامه، سمج، لا يفقه شئ في هذه الحياة سوي جمع الأموال فقط .
كم يثير نفورها و إشمئزازها هؤلاء الأشخاص الذين هم علي شاكلته ! و تتمني من الله أن يمر موعدها معه علي خير و أن تجد عنده من التعقل ما يجعله يستمع إلي حديثها أو بالأحري طلبها كي تعود حياتهم هادئه من جديد ..
بلغ توترها ذروته حين أخبرتها الفتاة بأنه ينتظرها فسحبت نفسًا عميقًا إلى رئتيها قبل أن تنهض متوجهه إلي حيث أشارت عليها الفتاة و ما أن دخلت حتي لفت انتباهها المكتب الأنيق الذي يتمتع بذوق رجولي جذاب بتلك المقاعد الجلديه ذات اللون البني يتوسطهم منضده دائريه وضعت فوقها مزهرية بها بعض الزهور الجميله .
كان هذا أول ما رأته حين دلفت إلي الداخل لتجد على يمينها مكتب ضخم و لكنه أنيق و عصري أمامه مقعدين تتوسطهم منضدة صغيرة و خلفهم كان مقعد السيد المنشود و الذي كان يعطيها ظهره مما جعلها تتقدم خطوتين إلي الداخل و قد كانت خطواتها هادئه لا تعكس توترها الذي كان يزداد مع مرور الوقت خاصةً و أن ذلك المتعجرف لا يزال يعطيها ظهره مما جعلها تسخر داخلها قائله
" هيا أرنا وسامتك أيها السيد المغرور !"
بدأ شبح إبتسامه ساخرة في الظهور علي جانب شفتيها و لكنها تجمدت فورًا ما أن دار الكرسي ليواجهها لتجد نفسها أمام أوسم رجل قد رأته بحياتها !
شعر أسود حريري لامع مصفف بأناقه ملامح رجوليه جذابه، عينان ثاقبه، أنف مستقيم، شفاه غليظه، ذقن منحوت ببراعه لحيه كثيفه نوعًا . كانت ملامحه تضج بالرجوله مُحاطه بهاله من الهيبه و الثقه اكتسبها من سنوات عمره الاربعين و جعلت ثباتها يتلاشي شيئًا فشيئًا إلي أن أتتها نبره صوته العميقه لتُكمِل صورتة الرائعه حين قال و هو ينظر إلي أسمها المدون أمامه
" أنسه فرح عمران . "
لا تعلم لما شعرت بشئ من السخريه في حديثه و إنعكس علي نظراته التي بدت و كأنها تُقيمها و قد حمدت ربها كثيراً بأنها كانت ترتدي ثياب العمل الرسميه المكونه من تنوره سوداء تصل إلي أسفل ركبتيها و فوقها قميص من الستان الأزرق و جاكت من نفس لون التنورة و قد كانت تعكص شعرها فوق رأسها علي هيئه كعكه منمقه فلا تترك الحريه لخصله واحده منه في الهرب. كان هذا المظهر يعطيها وقارًا تحتاجه كثيرًا و خاصةً الآن لمواجهه تلك الهيبه التي أمامها .
واصلت التقدم الي أن وقفت أمامه مباشرةً ثم قالت بهدوء
" أهلًا بحضرتك يا سالم بيه "
هز رأسه ثم قال بإختصار
" أتفضلي "
أشار إليها لتجلس علي المقعد أمامها فأطاعته بصمت و قد كانت عيناه مسلطه عليها بطريقه أربكتها قليلًا و لكنها تجاهلت ذلك و حاولت التركيز علي ما أتت لأجله فرفعت عيناها إليه فوجدته يومئ برأسه بمعني أن تبدأ في الحديث فتحمحمت بخفوت و إحتارت كيف تبدأ فوجدت نفسها تقول بخفوت
" بصراحه في موضوع مهم كنت حابه أتكلم فيه مع حضرتك "
لم تتغير ملامحه إنما تخللت السخريه نبرته حين قال
" أنا كمان عايز أعرف يا تري إيه الموضوع الخاص إللي بيربطنا ! "
حل محل التوتر شعور بالغضب الممزوج بالخجل فهي حين سألتها مديرة مكتبه عن سبب طلبها لرؤيته أجابتها بإختصار موضوع خاص و كررت تلك الإجابه علي مسامعها طوال الأسبوع المنصرم .
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول بنبرة ثابته
" في الحقيقه هو فعلًا موضوع خاص ."
قاطعها دلوف مديرة مكتبه لتسمعه يخبرها بأن تحضر لها عصير ليمون و تحضر قهوته المعتادة . ثوان و التفت اليها قائلًا
" معاكي . قولتيلي موضوع خاص !"
إغتاظت من تكراره تلك الكلمه و كأنه يسخر منها لذا شدت ظهرها و أستقامت أكثر في جلستها و قالت بنبرة قويه
" المقصود هنا بموضوع خاص أنه يخص ناس تهمنا . و إلي هما حازم أخوك و جنة أختي !"
قالت جملتها الأخيرة علي مهل و هي تُراقِب تبدل ملامحه من السخريه إلي الترقب و لكن لهجته بدت هادئه و هو يقول بإختصار
" كملي .."
أخذت نفسًا قويًا قبل أن تقول بلهجه قويه
" بصراحه أنا عيزاك تبعد حازم أخوك عن جنة أختي !"
سالم بلهجه خشنه
" أنسه فرح ياريت توضحي أكتر ؟"
أومأت برأسها قبل أن تقول بنبرة قويه
" تمام . بإختصار حازم و جنه مرتبطين ببعض بقالهم فترة. في البدايه أنا كنت مفكراها مجرد علاقه زماله لكن أكتشفت بعد كدا أنهم بيحبوا بعض . و بصراحه أنا غير راضيه عن العلاقه دي . و كمان أختي لسه صغيرة "
سالم بتهكم
" و الصغيرة دي عندها كام سنه ؟"
أهتزت عيناها قليلًا قبل أن تقول بهدوء
" ٢١ سنه "
رفع سالم إحدي حاجبيه قبل أن يقول بسخريه مبطنه
" واضح أنها صغيره فعلًا ! أقدر اعرف إيه سبب رفضك لعلاقتهم ؟"
ناظرته و هي تشعر بالغضب من ملامحه الجامدة و التي لا يبدو عليها أي شيء و لهجته الباردة و كأنها تخبره عن أحوال الطقس و لكنها تجاهلت ذلك كله و قالت بلهجه جافه
" عشان أخوك مش مناسب لأختي "
سالم بتهكم
" حازم الوزان مش مناسب لأختك ! "
شعرت فرح بالمعني المبطن لكلماته فقالت مؤكده علي كل حرف تفوهت به
" بالظبط كدا . "
لاحت إبتسامه ساخرة علي شفتيه قبل أن يقول بتسليه
" طب ما تقولي الكلام دا ليها ! جايه تقوليهولي ليه "
شعرت فرح بالتسليه في حديثه لذا قالت بجفاء
" ماهو لو الموضوع بالبساطة دي أكيد مكنتش هتعب نفسي و آجي أقابلك و أطلب منك تبعده عنها . و خصوصا إني طلبت منه دا و هو ملتزمش بوعده معايا "
سالم بإستهجان
" أنتي بتشوفيه ؟"
ذلك الرجل كان يثير بداخلها شعور عارم من الحنق لا تعلم سببه و لكنها أرادت أن تعكر صفو ملامحه الجامدة لذا قالت بهدوء و تشفي
" شفته مره واحده لما كان جاي يطلب إيدها مني !"
بالفعل و كما توقعت تغيرت كل ملامحه و إنمحت نظراته الساخرة و رأت بعضًا من الدهشه الممزوجه بالغضب الذي جعله يقول بهسيس خشن
" يطلبها منك ! "
فرح بتأكيد
"آه. جه طلبها مني من حوالي شهر و أنا رفضت و طلبت منه يبعد عنها و هو وعدني بدا و بعد كدا أكتشفت أنه ملتزمش بوعده معايا ."
في البدايه كان مصدومًا من حديثها و لكن سرعان ما إنمحت الصدمه و حل محلها غضب كبير نجح في إخفاؤه و قد وصل إلي نتيجتين إما أن أخاه قد جُن ليفعل فعلته النكراء تلك ام أن تلك الفتاة تكذب و سوف يكتشف هذا الآن لذا قال بنبرة قويه
" اقدر اعرف إيه سبب رفضك لواحد زي حازم ؟ يعني عريس ميترفضش وسيم غني إبن ناس "
فرح بإتزان
" مش عايزة أكون قليله الذوق بس المميزات إلي حضرتك قولتها دي أسبابي لرفضه و تحديدًا أنه إبن ناس . لإني عارفه أن الناس دي أكيد عايزين عروسه لابنهم تكون من نفس مستواهم الاجتماعي. و إحنا أقصد والدي الله يرحمه كان موظف يعني ظروفنا مهما كانت كويسه بس بردو علي قدنا !"
سالم ساخرًا
" ما يمكن دي وجهة نظرك إنتي بس !"
فرح بعدم فهم
" مفهمتش تقصد إيه ؟"
سالم بلهجه فظه
" ممكن إنتي شايفه أن حياتكوا كويسه بس أختك لا . و مش عاحبها حياتها فحبت تغيرها للأحسن بإرتباطها بحازم."
تملكها غضب جارف حين إستشعرت الإهانه بين كلماته و أنه يظن بأن اختها صائدة ثروات لذا قالت بلهجه قويه
" سالم بيه أنا مسمحلكش . أختي مش من النوع دا . جنه قنوعه جدًا و إن كانت متعلقه بحازم فعشان راسملها دور العاشق الولهان و هي بحكم أنها لسه صغيرة و مراهقه متعلقه بيه و مش شايفه غيره "
توقعت منه كل شئ إلا هذا السؤال المُباغت حين قال بلهجه صلفه
" أنسه فرح إنتي مخطوبه ؟؟"
إرتبكت لثوان و لم تفهم ما المغزي من سؤاله المباغت و لم تسنح لها الفرصه للتفكير فأجابت بعفويه
" لا . "
إرتسمت إبتسامه ساخرة علي شفتيه قبل أن يهز رأسه قائلًا بتهكم
" كدا أنا فهمت !"
كانت نظاراتها الطبيه تخفي عنه ذلك الصراع الذي يدور بداخلها فقد أربكتها كلماته و لم تعرف إلي ماذا يرمي فظلت نظراتها مثبته عليه لثوان قبل أن تضيئ عقلها فكرة جعلت الغضب يسري بأوردتها من ذلك المتعجرف البارد المغرور مما جعلها تقول بلهجه حادة بعض الشئ
" ممكن اعرف إيه إلي أنت فهمته بالظبط ؟ و إيه دخل إني مخطوبه أو لا في موضوعنا ؟"
كانت عيناه مثبته عليها تتلقفان كل حركه تصدر منها و كأنه يريد الغوص إلي داخلها حتي يعلم ماذا تخبئ خلف تلك القضبان الزجاجيه لنظارتها التي تحتمي بها و لكنه بالأخير أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يقول بسلاسه
" يعني لما أختك الصغيرة يتقدملها واحد زي حازم و يكون بيحبها أوي كدا أكيد من جواكي هتقولي طب إشمعنا أنا ."
للحظه لم تستوعب حديثه و ظلت تناظره بصدمه لم يتأثر لها إنما تابع قائلًا بهدوء
"علي فكرة أنا مقصدش إنك حد وحش بس أعتقد إن الغيرة شعور طبيعي عند كل الستات !"
شعرت و كأن دلو من الماء قد سقط فوق رأسها حين القي بعباراته الجافه علي مسامعها فهبت من مقعدها و قد اخترقت كلماته المُهينه كبريائها و قالت من بين أنفاسها المتلاحقه
" عندك يا سالم بيه . لحد هنا و كفايه اوي . أنا لما لجأتلك كان عشان تساعدني أوقف وضع بالنسبالي مش مظبوط . حازم شخص مستهتر و دا بحكم سنه وأكيد انت عارف كدا و جنة إلي بتقول إني بغير منها دي تبقي بنتي الصغيرة قبل ما تكون أختي أنا إلي مربياها من و هي عندها عشر سنين بعد وفاة والدتي . و جه بعدها والدي توفي و هي عندها يدوب سبعتاشر سنه و أنا المسؤوله عنها و واجبي إني أحميها لما ألاقي في خطر حواليها . و عشان كدا أتجبرت إني أعمل كل دا و أقابلك و كنت اتمني إني الاقي منك دعم لإن الوضع كله مرفوض . بس يظهر إني غلطت لما جيتلك . "
ألقت بكلماتها ثم استدارت بكبرياء للخلف تنوي المغادرة و لكن أتتها كلماته الآمره و لهجته الصارمه فجمدتها في مكانها
" أستني عندك !"
جفلت من لهجته و حبست أنفاسها حتي أنها لم تشعر به حين توقف خلفها و هو يقول بخشونه
" لما تكوني بتكلمي سالم الوزان أوعي أبدًا تديله ضهرك . فاهمه! "
لا تعلم متي إستدارت تناظره بزهول ذلك المتعجرف من يظن نفسه حتي يصرخ عليها بتلك الطريقه ؟ هل يظنها إحدي رعاياه أو خادمه تعمل عنده ؟ إشتعلت نيران غضبها مرة ثانيه ما أن همت أن تُلقنه درسًا لن ينساه حتي باغتها سؤاله حين قال بلهجه هادئه تُنافي لهجته منذ قليل
" هي أختك جنه شبهك ؟"
للحظه نست وقاحته و أجابت بعفويه
" آه شويه . بس ليه ؟"
ظهرت إبتسامه جانبيه علي شفتيه حين تمام بخفوت
" حازم طلع بيفهم . أهي حاجه تشفعله ."
تحولت نيران غضبها بلحظه إلي خجل كبير غمر ملامحها و تجلي في إحمرار وجنتيها و لم تستطيع إجابته و لكنه فاجأها حين توجه مرة ثانيه خلف مكتبه و هو يقول بعمليه
" أتفضلي مكانك يا آنسه فرح . موضوعنا لسه مخلصش ."
أعادتها كلماته إلي موقفها السابق فرفعت رأسها بعنفوان و هي تقول بلهجه جافه
" أعتقد إن معدش في حاجه تانيه ممكن تتقال أنا شرحتلك الموضوع كله و دا إلي كنت جايه عشانه "
سالم بغموض
" و مش عايزة تعرفي رأيي ؟"
نجح في جذب انتباهها و جعلها تشعر بالفضول لذا أجابت بلهجه حاولت جعلها ثابته
" ياريت "
أجابها بهدوء جليدي
" رأيي إنك مديه الموضوع أكبر من حجمه ! "
فرح بإستهجان
" بمعني ؟"
سالم علي نفس هدوئه
" حازم شاب و علاقاته كتير و معتقدش إن أختك حد مميز بالنسباله . و هي زي ما قولتلك ممكن كانت عايزة تحسن من حياتها عشان كدا فكرت ترتبط بحازم . "
ثانيه . إثنان . ثلاثه مروا و لم تتغير ملامحها و ظلت تناظره بغضب و شعرت في تلك اللحظه بأنها إرتكبت حماقه كبيرة بمجيئها إلي هنا و لكن فات أوان الندم فها هو ينظر إليها ببنيتاه الكبيرتين بمنتهي الهدوء ينتظر ردها و هي لن تبخل عليه به فقد أرادت أن تُنهي هذا اللقاء اللعين بأي شكل لذا قالت بلهجه جافه
" بما إن دا رأيك يبقي مالوش لازمه أضيع وقتك و وقتي أكتر من كدا . مع العلم إني ضيعت من وقتي أسبوع بحاول أوصلك فيه . عن إذنك "
تجاهل كلماتها و قال بلامبالاه و هو ينظر إلي الأوراق التي أمامه
" أوعدك إني هدخل لو لاقيت الموضوع يستدعي زي ما بتقولي . شرفتيني"
عودة للوقت الحالي
زفرت فرح بحنق من ذلك المتعجرف المغرور الذي كانت تتمني لو أنها لم تقابله أبدًا في حياتها . و لكنها كانت تود أن تحمي شقيقتها من براثن أخاه و قد جاءت زياراتها له بنتائجها المرجوة فبعد ذلك اللقاء لم تسمع جنه تتحدث مع ذلك الشاب أبدًا و قد بدت ملامحها ذابله حزينه فأرجعت ذلك لأن ذلك المغرور أجبر أخاه علي الإبتعاد عنها و قد كان كان الندم يقرضها من الداخل و الألم يعصف بها لرؤيه شقيقتها بذلك الحال و شعرت بأنها كالسيدة القبيحة التي تحاول منع سندريلا من الذهاب إلي الحفل!
لكنه كان أفضل لها من تلك المغامرة الخاسرة مع شاب مستهتر مثل حازم .
دخلت غرفتها و قد قررت بأنها ستُنهي ذلك اليوم الممل بالنوم عل الغد يأتي حاملًا الفرح بين طياته ..
***************
الثانية عشر بعد مُنتصف الليل و أغلب الوسائد تفوح منها رائحه الدموع، فمنهم من يبكي على فُراق اُجبِر قسرًا عليه، و منهم من يبكي على غائِب سرقته الحياة عنوة، و أصعبهم من يبكي ندمًا على فقده ما لا يمكن تعويضه حتى لو بكي مائة عام.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت جنه تحتضن وسادتها التي كانت غارقه في سيل من الدموع التي لا تهدأ أبدًا و كأن أنهار العالم أجمع سُكِبت في عيناها . فقد كان هذا حالها منذ أسبوع مضي و هي تجلس وحيدة بغرفتها لا تشعر بشئ حولها و كأنها تود لو تختفي بتلك الغرفه للأبد . ترفض محاولة شقيقتها في التحدث إليها و تشعر بالإمتنان لها كونها لم تضغط عليهاو لكن هل ستصمت طويلًا ؟
رجفه قويه ضربت أنحاء جسدها و هي تتخيل أن تُصارح شقيقتها بجُرمها الذي لا تعلم كيف إرتكبته في حق نفسها أولًا ؟
إزدادات عبارتها بالهطول و خرجت شهقه قويه من جوفها تحكي مقدار الوجع الذي ينخر عظامها و لم تجد له أي دواء حتي الآن . و فجأة خطر علي بالها شئ قد يُريحها قليلًا فهبت من مكانها و توجهت إلي المرحاض بأرجل مهتزة و أخذت تتوضأ بتروٍ و كأنها تزيل عن روحها ما علق بها من قذارة ذلك العشق الذي كان كالإعصار أطاح بحياتها و دمرها كلياً
بعد مرور دقائق كانت تصلي بكل خشوع و دموعها منسابه علي خديها لا تملك القدرة علي إيقافها و لا تعرف ماذا تقول فقط كل ما كانت تقوله حين لامست جبهتها الأرض الصلبه
« يارب . سامحني . يارب »
ظلت تردد تلك العبارة كثيرًا و كأنها لا تعرف غيرها . فهي كل ما تحتاجه في تلك الحياة كي تستطيع مواجهه ما هو قادم .
بعد دقائق كانت أنهت صلاتها و ما أن همت بخلع ثوب الصلاة حتي سمعت إهتزاز هاتفها فتوجهت بخطً ثقيله لرؤيه المتصل و حينها سقط قلبها من شدة الذعر و تجمدت بمكانها حتي هدأ إهتزاز الهاتف حينها إستطاعت أن تطلق زفرة قويه من أعماقها و جلست بتعب علي السرير خلفها ليعيد الهاتف إهتزازه مرة آخري و لكن تلك المرة كان رساله نصيه فقامت بفتحها بأيد مُرتجِفه لتخرج منها شهقه فزعه حين قرأت محتواها
« انا قدام الباب لو منزلتيش تقابليني دلوقتي هعملك فضيحه قدام الناس كلها »
إرتعش جسدها بالكامل من هذا التهديد الصريح لهذا الوقح الذي كانت عاشقه له حد النخاع والآن تتمني لو أنها لم تلتقي به أبدًا .
عاد إهتزاز الهاتف مرة آخري فهبت من مكانها و قامت بالضغط علي ذر الإجابه و قبل أن تتفوه بكلمه واحده جاءها صوته الغاضب
" أنا مستنيكي قدام الباب تحت دقيقه و الاقيكي قدامي و إلا هنفذ إلي قولته في الرساله ."
أجابته بإرتجاف و دموعها تسري علي خديها
" حازم أنت مجنون أنت عارف الساعه كام دلوقتي ؟"
حازم بصياح
" تكون زي ما تكون قولتلك إنزلي دلوقتي حالًا "
إرتعبت من لهجته الغريبه كليًا عليه و قالت بلهفه
" طب أرجوك وطي صوتك . وأنا هنزلك حالًا."
أغلقت الهاتف و قامت بالتوجه إلي باب الغرفه بحذر شديد و نظرت إلي غرفه شقيقتها و الندم يكاد يفتك بقلبها ثم أعادت انظارها إلي الباب أمامها و بخطً ثقيله توجهت لملاقاة ذلك المجنون ففتحت الباب برفق فقد كان الجو بارداً جداً و المطر علي وشك الهطول فإحتمت بوشاحها أكثر و هي تنظر حولها إلي أن وقعت عيناها علي ذلك الذي كان ينتظرها بجانب الطريق فتوجهت إليه و ما أن همت بالحديث حتي إقتادتها يداه و أجلستها في المقعد المجاور للسائق دون أي حديث و ما أن جلس بجانبها حتي أنطلق بالسيارة بأقصى سرعه فجن جنونها و قالت بصراخ
" أنت مجنون ؟ أنت واخدني و رايح علي فين ؟"
كان موجهًا نظراته إلي الطريق أمامه و هو يقول بنبرة قويه
" هنهرب من هنا !"
*************
كانت تغط في نوماً عميق حين أخذ الهاتف يرن دون إنقطاع فتململت في نومتها و ألتفتت إلي النافذه فوجدت الخيوط الأولي لشروق الشمس تلون السماء فإلتفتت تجاه الهاتف لرؤيه من المتصل لتجده يرن من جديد فأجابت بنعاس
" آلو ."
المتصل
" أنسه فرح عمران ؟"
" أيوا أنا مين ؟"
" إحنا بنكلمك من مستشفي (..) أخت حضرتك عملت حادثه و حالتها خطر"
لا تعلم كم من الوقت مر عليها و هي جالسه أمام تلك الغرفه تنتظر خروج الطبيب ليُطمئِنها علي شقيقتها فهي منذ أن علمت بهذا الخبر المشؤوم الذي لم تُصدقه من البدايه وجدت نفسها تلقائيًا تتجه إلي غرفتها في محاوله منها لتكذيب ما سمعته أذناها و لكنها وجدتها خاويه فسقط قلبها رعبًا من أن يُصيبها مكروه و لا تعلم كيف إرتدت ملابسها و هرولت إلي هنا لمعرفه ماذا حدث .
قاطع شرودها خروج الطبيب الذي هرولت إليه قائله بلهفه من بين دموعها
" طمني يا دكتور أختي عامله إيه ؟"
الطبيب بعمليه
" متقلقيش . المدام بخير .شويه جروح و كسور لكن هتبقي كويسه بإذن الله "
سقطت كلمته فوق رأسها كمطرقه قويه في حين أخذ عقلها يردد جملته بغير تصديق
" المدام !!"
يتبع ......
ها يا حلوين مستنيه رأيكوا ♥️
الناس الجديدة القمر اللي داخله تقرأ الروايه جديد طبعًا نورتوني اوي و يشرفني انكوا تقرؤا روايتي و مستنيه رأيكوا بتقبل كل الآراء ♥️
بحب جدا اشوف كومنتاتكوا اللي بين الفقرات علي الجُمل اللي بتعجبكوا سواء كانت سرد أو حوار متحرمونيش منها ♥️
أن شاء الله تحبوا أبطالي و تتعلقوا بيهم ♥️
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري
كل الأشياء التي تمنيتها لم أحصُل عليها ، و بالمقابل رفضت كل الأشياء التي أرادتني ، و هكذا إستمرت معاناتي مع الحياة و لا أدري إلى أين يأخُذني طريقي ؟ و لكني أتلهف لنهايه سعيدة لم تكن يومًا في الحسبان ...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
لم تنتهي مُعاناتي مع الحياة بل أظنها بدأت . فبالرغم من كل ما مررت به إلا أن ذلك الألم الذي أشعر به الآن كان ثقيلًا للحد الذي جعلني أود الهرب من كل شئ حتي من نفسي ...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مهما بلغت قوتك و صلابتك يومًا ما ستجد نفسك بحاجه للهرب من كل شئ. هكذا كانت تشعر و هي تسير بذلك الرواق الذي بدا طويًلا لا ينتهي كمعاناتها تمامًا فلطالما إختبرت الحياة صبرها بأقسي الطرق بداية من خسارتها لوالدتها في عمر التاسعه عشر و توليها أمر العنايه بطفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها و مرض والدها الذي لم يكن يتحمل فراق زوجته و ظل يُنازِع في الحياة حتي لحق بها بعد سبعة أعوام قضاها بين أروقة المشافي و هي خلفه تُسانده بكل لحظات مرضه و تعتني بشقيقتها الصغيرة دون كلل لتتوالي الصعاب حين أجبرتها الحياة عن التخلي عن حلمها بعد أن اجتازت السنه الأولي من كليه الطب بتفوق لتجد أن أحوالهم الماديه و العائليه لا تسمح لها بالإستمرار بها و إضطرت إلي تحويل أوراقها لكليه التجارة و التي لا تتطلب حضورًا مستمرًا و لا أموال كثيرة و هذا أحزن والدها كثيرًا و لكنها كانت تتظاهر أمامه بأنها لا تهتم و أن هذا الأفضل لها و أستمر الحال حتي أسترد الخالق أمانته و تركها والدها تواجه مصاعب الحياة وحدها و قد كانت شقيقتها مازالت بعمر المراهقه مما جعلها تُثابِر و تُجاهِد حتي حصلت علي عمل في إحدي الشركات الكبيرة و بإجتهادها و برغم كل العراقيل و الصعوبات التي واجهتها إلا أنها استطاعت أن تُثبِت أقدامها و تثبت نفسها في العمل و إستمرت الحياة تارة هادئه و تارة صاخبه حتي ظنت بأنها ابتسمت لها اخيرًا حين تعرفت علي «حسام الصاوي» كان زميلها في العمل و قد تعرفت عليه بعد أن كان قادمًا من فرع الشركه بمدينه الإسكندريه للعمل في الفرع بالقاهرة و قد سرق فؤادها فور أن وقعت عيناها عليه و قد وقع في حبها هو الآخر و ظنت بأنها أخيراً وجدت طريق السعادة حين طلب منها أن يتقدم لخُطبتها و بالفعل تمت الخطبه و قد كانت في قمة سعادتها معه فقد كان كالحلم وسيم، لبق، ذو بنيه قويه، متوسط الطول، بشوش الوجه و ذو حس فكاهي كان يهون عليها الكثير و يدعمها بكل الطرق و استمرت الحياة الورديه بينهم لبضعة أشهر و لكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن و فجأة تغير كل شئ حين جاءتة ترقيه و التي تتطلب السفر للعمل في فرع الشركه بالخارج و قد طلب منها حسام الزواج و السفر معه و لكنها كانت مُكبله بواجبها تجاه شقيقتها التي ليس لها أحد في تلك الحياة سواها و هكذا وجدت نفسها في مواجهه صعبه وضعها بها حسام الذي اتهمها بأنها لا تحبه و لا تفكر في مستقبلهما و لم تنفع محاولاتها في التأثير عليه و إقناعه بحبها له لذا اضطرت أن تأخذ جانب شقيقتها في النهاية فهي أبدًا لن تتخلي عنها حتي لو كان الثمن سعادتها معه . و أخبرها قلبها بأنه إن كان حقًا يُحبها سوف يتفهم دوافعها و لكن أتتها الصدمه حين علمت بزواجه من زميله لها و السفر معها إلي الخارج . حينها شعرت بأن كل عالمها أنهار حولها. الأمر كان مروعًا لدرجه إصابتها بالحمي التي جعلتها طريحه الفراش لشهر كامل تهذي بإسمه تنتفض كل ليله كعصفور صغير ضربته صاعقه البرق فمزقته الي أشلاء لتهرول إليها شقيقتها تحتضنها محاولة تهدئتها كل ليلة و قد أستمر الحال طويلًا إلي أن استيقظت ذات يوم و هي تشعر بالنفور من ما وصلت إليه حالتها و قد نفضت عنها ثوب الضعف و إرتدت قناع القوة و اللامبالاة و قد أقسمت حينها بألا تدع شئ في الحياة يهزمها .
و لكن الضربه هذه المرة لم تكن قويه و لا مؤلمه بل كانت مميته للحد الذي جعلها عاجزة عن التنفس تشعر و كأن كل شئ إنهار فجأة.
لأول مرة بحياتها تتمني الموت بل و تشتهيه عله يريحها من هذا الألم الذي تشعر به فقد كانت الخسارة فادحه فمن كانت تقاوم لأجلها و تتحدي كل الصعاب في سبيل الحفاظ عليها هي السبب في هلاكهما معًا .
كانت تجر قدماها لتصل إلي غرفة شقيقتها و لا تعرف ما الذي عليها فعله و لا كيف ستواجهها و لكنها مُجبرة علي تلك المواجهه.
تقدمت إلي الدخل بخطً ثقيله فوجدت جنه التي كانت تتسطح علي ظهرها و وجهها في الناحيه الآخري و قد كانت ترفرف برموشها كمن يحارب واقعًا أصبح مفروضًا عليه و لكنها ما أن سمعت صوت الباب يغلق خلفها حتي تجمدت الدماء بعروقها و شعرت بضربات قلبها و كأنها إبر تنغز بكامل جسدها فتؤلمه بطريقه لا تُحتمل و لا تتناسب مع سنوات عمرها الواحد و عشرون .
توقفت فرح أمامها تناظرها بملامح جامدة و عينان جاحظه و كأنها تمثال جميل نقش علي ملامحه الوجع و لونت الخيبه تقاسيمه فلم تستطع جنة إيقاف سيل الدموع الجارف الذي أجتاح مُقلتيها و أخذت شفتيها ترتعش حين سمِعت تلك الكلمه البسيطه المكونه من ثلاث أحرف كانت حادة كنصل سكين إنغرز بقلبها
" ليه !"
كانت تلك الكلمه التي استطاعت فرح التفوه بها و التي كانت يتردد صداها بعقلها الذي كان كالمسعور يريد معرفه الإجابه علها تهدئ من نيران غضبه و لو قليلًا و لكن لم يصل إلي مسامعها سوي صوت بكاء جنة التي كانت شهقاتها تشق جوفها من شدة الألم و لم يستطع لسانها سوي التفوه بعبارات إعتذار واهيه لا تسمن و لا تغني من جوع
" أنا أسفه يا فرح سامحيني ."
لا تعرف كيف خرج صوتها بتلك القوة حين صرخت و هي تقول بقلب ممزق
" ردي عليا . عملتي في نفسك كدا ليه ؟"
إرتجفت جنة رعبًا من مظهر شقيقتها التي بدت و كأن الصدمه أصابتها بالجنون و قد أنشق قلبها لنصفين كونها السبب في حالتها تلك لذا حاولت التحرك من مكانها لتصل إليها فلم تستطع من شدة الألم فحاولت مد يدها لتمسك بيد شقيقتها التي كانت علي بعد خطوتين منها و لكن حدث ما لم تتوقعه إن أبتلعت فرح بفزع عن ملامسه يدها و كأنها شئ مقرف تتقزز منه مما جعل تنفسها يزداد بشدة و كأن قلبها قد فاض به الوجع فقرر الخروج من مكانه و إزداد إرتعاش فمها الذي خرجت الكلمات منه بصدمة ممزوجه بعتاب و ندم
" فرح . أرجوكي تسمعيني"
ناظرتها فرح بعينان إرتسم بها الخيبه و الغضب و القهر في آن واحد و قالت بمراره
" سمعاكي. سمعاكي يا مدام جنة !"
كانت تلك الكلمه مُرة كالعلقم في فمها حين تفوهت بها و لكن كان بداخلها شعاع أمل بسيط بأن تنفي شقيقتها ذلك العار الملصق بها و لكنها قابلتها بدموع الإقرار بذنبها العظيم مما جعلها تسقط جالسه فوق أقرب مقعد قابلها و هي تقول بضعف ممزوج بخيبه أمل
" هتقولي إيه يا جنه . عندك إيه تقوليه ؟ في إيه ممكن يمحي الجريمه إلي عملتيها في حق نفسك و حقي ؟ ليه يا جنة ؟ ليه رخصتي نفسك كدا ؟ ليه دانا ضيعت عمري كله عشانك ! ليه يا جنه ليه ؟؟"
كانت كلمات شقيقتها حادة كنصل سكين أخذ يمزق قلبها إربًا و هي لا تستطيع سوي البكاء فقط فقد تبخر كل شئ من عقلها في تلك اللحظه حين رأت شقيقتها منهارة بتلك الطريقه فقد إعتادت عليها قويه شامخه و قد كانت تراها الجدار الذي تتكئ عليه دائمًا و لكن الآن إنهار جدارها الحامي و كانت هي الفأس التي حطمته !
للحظه لم تدرك ما حدث و لكنها إرتعبت حين رأت «فرح» تهب من مكانها تقف أمامها و قد إرتسم الجنون بنظراتها و قست ملامحها و إمتدت يدها تمسك بكتفيها تهزها بعنف و هي تقول بلهجه قاسيه و نبرة قويه
" عملتي كدا ليه ؟ ردي عليا "
و كأن لسانها فقد قدرته علي الحديث فلم تستطع سوي أن تبكي بعنف و هي تهز رأسها يمينًا و يسارًا و قلبها يرتجف رعبًا و ألمًا كُلما هزتها شقيقتها التي قالت بصراخ
" ردي عليا ."
أتبعت جملتها بصفعه قويه سقطت من يدها علي خد جنة التي برقت عيناها مما حدث و توقف جسدها عن الأهتزاز و تجمدت الدموع بمقلتيها من فرط الصدمه التي كانت أضعافها من نصيب فرح التي تراجعت خطوتان للخلف و هي تنظر إلي كفها تارة و خد جنة تارة آخري غير مصدقه ما فعلته و لكن تلك البقعة الحمراء علي وجنة شقيقتها جعلتها تُدرِك ما حدث لتجد نفسها تهرول للخارج دون أن يكون لها القدرة علي إيقاف قدميها و لم تشعر سوي و هي خارج بناء المشفي فتوقفت تحديدًا أمام الباب الرئيسي لتستعيد أنفاسها الهاربه و أخذ صدرها يعلو و يهبط فسقط جزعها العلوي إلي الأمام و أسندت يدها فوق ركبتيها و هي تلهث بقوة و عبراتها ترتطم بالأرض أمامها دون توقف .
مرت لحظات و هي علي هذه الحالة إلي أن إستطاعت أن تستقيم في وقفتها و أخذتها قدماها إلي الحديقه و ما أن خطت خطوتان حتي تسمرت في مكانها حين وجدت ذلك الجسد الضخم يقف أمامها بشموخ يعطيها ظهره و دخان سجائره يشكل سحابه هائله فوقه فقادها الفضول لتتقدم خطوتان إلي حيث يقف و وجدت نفسها تقول بصوت مبحوح
" أنت بتعمل إيه هنا ؟"
لا يعلم كيف و لكنه علم بهوية ذلك الصوت الذي كان منذ بضعة أيام مليئ بالتحدي و العنفوان و الآن أصابه الضعف و الخيبه حتي خرج مبحوحًا جريحًا بهذا الشكل
" نفس السبب اللي مخليكِ هنا "
هكذا أجابها بإختصار دون أن يستدير لينظر إليها فقد توقع ملامحها من المؤكد أنها تحمل ألم نبرتها .
تقدمت خطوتان حتي وقفت بجانبه و قد بدأت تعي ما يحدث حولها فأخذت تنظر أمامها بضياع قبل أن تسمعه يقول بنبرة جامدة
" كان عندك حق !"
صمتت لبرهه قبل أن تقول بنبرة خافته
" هو عامل إيه دلوقتي ؟"
أخذ نفسًا طويلًا فشعرت بأنه يجاهد حتي يخرج الكلام من بين شفتيه حين قال بجمود
" أدعيله "
لم تنظر إليه فقد كانت تشعر بأنها عاريه تقف علي رمال متحركه و لا تملك سوي الدعاء الذي لا يقدر علي ذلك القدر المظلم سواه لذا رددت بصوت خفيض و لكنه مسموع
" اللهم إني لا أسألك رد القضاء و لكني أسألك اللطف فيه "
وجد نفسه لا إراديًا يردد ذلك الدعاء و لكن بداخله فقد كان لأول مرة بحياته يقف عاجزًا مُكبل بقيود القدر الذي وضع شقيقه الأصغر قاب قوسين أو أدني من مفارقة الحياة.
فوضعه خطر للغايه هكذا أخبرهم الطبيب و هو لم يستطع الإنتظار بالداخل فقط شعر بالإختناق و بالضعف الذي لا يليق به خاصةً و أنه الداعم الرئيسي لعائلته لذا ترك شقيقته و والدته و بجانبهم سليم أخاه الأصغر في الدخل و خرج إلي الهواء الطلق عله يستطيع التنفس و إخراج شحنات ألمه بلفائف سجائره التي تناثرت أسفل قدميه بإهمال فشكلت صورة من يري عددها يُجزِم بأن هذا الشخص حتمًا يُريد الإنتحار .
" معرفتش إلي حصل دا حصل إزاي ؟"
لا تعلم لما خرج هذا السؤال السخيف من فمها فما حدث لا يكن بالشئ الهام أمام عواقبه و لكنها أرادت قطع الصمت القائم حتي تهرب من الأحدايث التي تدور بعقلها و تقوده إلي الجنون.
" لا . بس هعرف "
كانت إجابة قاطعه كلهجته و لكن ما بعدها كان يحمل الوعيد في طياته أو هكذا شعرت حتي جاءها صوته صلبًا تشوبه بعض الخشونه حين قال
" أختك عامله إيه ؟"
كانت تود لو تصرخ بالإجابه التي كانت تمزق قلبها إلي أشلاء و لكنها كتمت بكائها الذي كان يهدد بالإنفجار و أبتلعت غصه مريرة قبل أن تقول بنبرة ثابته
" الحمد لله"
الحمد لله هي الكلمه المُعبِرة دائمًا عن الحال مهما بلغ سوءه و لكن دائمًا هناك يقينً راسِخًا بقلب المؤمن يُخبره بأن ذلك القدر الذي أختاره الله له ليس إلا خيرًا مهما حوا من الصعاب و الأزمات لذا أغمضت عيناها رددت بقلبها
" الحمد لله الذي لا يُحمد علي مكروه سواه "
ما أن أنهت جملتها حتي أخترق مسماعها صوت صراخ و عويل قادم من الداخل إنتفض علي إثره هو الآخر و ردد بقلب مرتعب
" حلا !"
بلمح البصر وجدته يهرول للداخل و دونًا عنها أخذتها قدماها خلفه حتي تفاجئت من هذا المشهد المرعب حين وجدت فتاه بعمر أختها أو ربما أصغر قليلًا و هي تنوح و تنتحب و بجانبها رجل آخر يحتضنها و قد كان هو الآخر في حالة من الإنهيار الصامت الذي تجلي في عيناه التي تناظرها بصدمه و ضياع . حينها توقفت غير قادرة علي التقدم خطوة واحده فقد وقعت الصدمه عليها هي الآخري فجمدتها بمكانها خاصةً عندما وجدته يسقط علي الكرسي خلفه بضعف غريب يتنافي تمامًا مع حدة ملامحه و شموخه السابق الذي كان يحيط به و تبددت تلك الهالة من الهيبه التي تحيط به و تحولت إلي ضعف كبير فهي عندما شاهدته أول مرة كان تعلم أن عمره أربعون عامًا و قد بدا أصغر بكثير أما مظهره الآن يوحي بأنه قد تجاوز السبعين من عمره ...
فألم الفقد قادر علي سحق الإنسان بين طياته و إنهاك الروح للحد الذي يجعلها كثوب مُهلهل تبعثرت خيوطه
حتي أن كل فلسفه العالم لا تستطع إصلاحه و لا مواسات إنسان عما فقد.
فلا بكاء ينفع و لا صراخ يشفع و الصمت مُميت و البوح ليس بكلمات تُقال بل يشبه تفتت الجبال..
( أعاذانا الله و إياكم من فقد عزيز )
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
شعرت بنغزة كبيرة في صدرها و الذي أخذها جرًا إلي غرفة شقيقتها بقلبً لهيف ففتحت الباب بقوة مندفعه إلي السرير الذي تستلقي عليه جنة التي ما أن شاهدتها حتي اإتمعت عيناها الباكيه و همت بالحديث لتتفاجئ بفرح تحتضنها بقوة لم تتوقعها و يدها تشدد من عناقها بكل ما أوتيت من حب و ضعف و خوف فهيوصغيرتها التي ربتها و أعتنت بها طوال حياتها و إن كان خطأها جسيمًا بل مروعًا فهي لا تستطيع سوي أن تحمد ربها علي نجاتها ..
أخذت جنة هي الآخري تشدد من عناق فرح و هي تبكي بقوة و داخلها ينتفض تزامنًا مع شهقاتها التي تردد صداها في أنحاء الغرفه التي شهدت علي شتي انواع المشاعر في تلك اللحظه فقد كان الندم و الإعتذار من جانب جنه و الخوف و الغضب من جانب فرح و قد كان الألم شعور مشترك بينهما لذا طال العناق لدقائق حتي أفرغت الفتاتان ما بجوفهما من مشاعر و كانت أول المنسحبين فرح التي كانت تحني رأسها بتعب فامتدت يد جنة تحت ذقنها ترفع رأسها إليها و هي تقول بنبرة بها الكثير من الاعتذار و الندم
" والنبي ما توطي راسك كدا أبدًا . انا معملتش حاجه في الحرام . حازم جوزي "
لوهله لمع بريق الأمل بعيناها ما أن سمعت حديث شقيقتها فخرجت الكلمات مرتجفه من بين شفتيها و هي تقول بترقب
" جوزك ؟"
أهتزت نظرات جنه للحظه قبل أن تقول بتوتر
" آه جوزي .. إحنا أتجوزنا عرفي .. بس الورقتين معايا في البيت و هو بيحبني اوي وعمره ما هيتخلي عني . انا واثقه من دا والله هو طلب مني نعمل كدا عشان نضغط عليكي و علي أهله عشان توافقوا علي جوازنا . و لو مش مصدقاني هخليه يقولك كدا بنفسه ."
قالت جملتها الأخيرة بلهفه بعدما لمحت تلك النظرة المنكسرة بعين شقيقتها و إختفاء تلك اللمعه التي ظهرت عندما ذكرت زواجها منه .
كانت كالغريق الذي وجد زورق النجاة بعد إنقلاب سفينته في بحر هائج و الذي إتضح بعد ذلك بأنه زورق مثقوب قابل للغرق في أي لحظه هذا كان حالها عندما سمعت جملتها عن ذلك الزواج العرفي الذي لن يعترف به أحد خاصةً بعد وفاة حازم فانطفئ شعاع الامل من عيناها و شعرت بالشفقه علي حالها ما أن تعلم بما حدث و نظرًا لعذاب شقيقتها الظاهر جليًا علي محياها و إصابتها العضويه و النفسيه آثرت تأجيل الحديث لحين أن تستعيد صحتها و كذلك لتستطيع التفكير هي بهدوء في تلك الكارثه التي بدت و كأنها حلقة مغلقه لا مخرج منها ابدًا ..
" نامي دلوقتي و لما تصحي نبقي نتكلم ."
هكذا خرج صوتها جافًا به بحه بكاء مكتوم لم يعد وقته الآن فحاولت جنة الحديث لتوقفها كلماتها الصارمه حين قالت
" قولتلك نامي دلوقتي و بعدين نبقي نتكلم .."
أبتلعت حروفها و هي تنظر إلي شقيقتها التي كان ثوب القسوة جديد كليًا عليها و قد آلمها ذلك كثيرًا و لكنها داخليًا تعترف بأنها تستحق أسوء من ذلك و بأن الموت هو الجزاء الذي تستحقه علي جُرم أقحمها به غبائها و إنسياقها خلف قلبها ..
كانت ليله طويله علي الجميع لم ينم بها أحد سوي جنة التي أعطاها الطبيب مهدئًا حتي يحميها من ذلك الألم الكبير في ذراعها المكسور و تلك الكدمات التي إنتشرت في أماكن متفرقة في جسدها و لكنه لم يستطع حمايه روحها المعذبه و لا قلبها المكدوم و قد تمكنت منها الكوابيس التي أيقظتها مرات كثيرة و هي تنتفض صارخه لتتلقفها يد فرح التي كان عذابها كبيرًا للحد الذي منعها من النوم و من البكاء و من أي شئ قد يريحها فقط أنفاس قويه تقذفها من جوف وجعها و كأنها جمرات حارقه حتي عندما كانت تهرول لإحتضان شقيقتها التي كانت ترتجف لم تستطع التفوه بكلمه واحده فقط تعانقها و تمسد بيدها فوق خصلات شعرها إلي أن تهدأ و تعود للنوم .
أخيرًا بزغ نور الصباح ليُعلِن عن بِدأ يوم جديد مُحملًا بأوجاع الأمس التي سيكون الشفاء منها أمرًا مستحيلًا و قد تترك ندوب ستستمر معهم طوال حياتهم .
وضعت فرح يدها علي عيناها التي لم تستطع التأقلم بعد علي نور الصباح الذي دخل من النافذة فنهضت بتعب من مقعدها و دلفت إلي المرحاض تغسل وجهها و خرجت لتجد الممرضه و الطبيب الذي كان يعاين شقيقتها و أمر الممرضه بإعطاءها أدويتها فبادرته فرح بالحديث بصوت مبحوح
" حالتها عامله إيه يا دكتور ؟"
الطبيب بعمليه
" زي ما قولتلك حالتها مش خطر و مع الانتظام علي الأدويه أن شاء الله هتبقي أحسن بس طبعًا مش هينفع تروح قبل ما نطمن عليها . "
فرح بهدوء
" يعني قدامنا قد إيه كدا ؟"
لاح بعض التوتر علي ملامح وجهه و لكنه سرعان ما أختفي و قال بعمليه
" ممكن أسبوع مش اكتر أن شاء الله"
ثم تابع بإشفاق لامسته من بين كلماته
" أنتي إلي واضح عليكي الإرهاق أوي ودا غلط "
لاحت إبتسامه ساخرة علي شفتيها قبل أن تقول بصوت لا حياة به
" مش هتفرق كتير يا دكتور. المهم هي تقوم بالسلامه. "
الطبيب بإشفاق
" هكتبلك علي شويه مقويات عشان مينفعش أنتي كمان تقعي . أنا عرفت منها أنك عيلتها الوحيدة . و لازم تكوني جمبها خصوصًا في الوقت دا .."
لم تجادله فرح التي كانت في تلك اللحظه نفذت كل قواها فأخذت منه الورقه بصمت و ما أن أوشك علي المغادرة حتي قالت بلهفه
" دكتور معلش ممكن تخلي حد من الممرضات يفضل جمبها ساعه بس أروح البيت أجيب هدوم ليا وليها و شويه حاجات كدا . زي ما حضرتك شفت انا جيت جري و معناش أي حاجه هنا .."
الطبيب بتفهم
" مفيش مشكله . أنا هعين ممرضه مخصوص تفضل جمبها لحد ما تروحي و ترجعي "
كان إهتمامًا مبالغ فيه و لكنها في وضع لا يسمح لها بالسؤال و لا حتي بالتفكير لذا هزت رأسها و تمتمت بعض عبارات الشكر قبل أن تشرع في تجهيز نفسها للمغادرة ..
*****************
تلك اللحظه حين تضع قبله أخيرة فوق جبين ميت كان يعني لك الحياة و أكثر ، حين تشعر برجفه قويه تضرب أنحاء جسدك ما أن تُلامس برودة و سكون ذلك الكف الذي لاطالما كان يعج بالدفء و الحياة . نظرتك الأخيرة حين تشاهد جزءًا كبيرًا من روحك ينشق عنك ليتواري معه تحت الثري . تلك اللحظات لا تُنسي ابدًا بل تظل عالقه في ذاكرة القلب و كأنها نُحتت من رحم النار التي تبقي مشتعله إلي أن يحين اللقاء بهم في العالم الآخر...
(اللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار و فقد الأهل و الاحبه)
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان في طريقه للمشفي لإستلام جثمان أخيه حتي يتم دفنه ليذهب إلي مثواه الأخير و كم كان ذلك الأمر شاقً علي قلبه الذي للآن لم يستوعب تلك المصيبه التي حلت بهم . لم يدرك ماذا يحدث حوله أصوات النحيب و البكاء تحيط به في كل مكان، النساء متشحات بالسواد الرجال ملامحهم جامده مكفهرة، أعينهم تمتلئ بالقطرات التي تأبى الهطول . حزن عميق يسيطر علي الهواء حولهم لأول مرة لا يسمع زقزقة العصافير عند الصباح حتي أن الشمس مختبئه خلف السحاب تأبي الظهور. السماء تُرعِد و المطر ينهمر بغزارة و كأن الطبيعه تشاطرهم حزنهم الغائر و مصابهم الكبير .
ما أن أوقف سيارته أمام باب المشفي حتي وجد سيارة سليم التي كان جانبها الأيمن مهشم و كأن جدارًا سقط فوقها أو أن أحدهم كان يحاول إنهاء ألمه و شحنات غضبه في قطعه جماد لا ذنب لها .
ترجل سليم الوزان من السيارة الخاصه به و قد كانت بعض قطرات الدماء تنساب فوق جبهته و يبدو أن هناك جرحًا غائر لا يأبه له صاحبه الذي كان يحمل بقلبه جرحًا أكبر مما يستطيع تحمله .
أقترب منه سالم و عيناه تحمل من القلق ما تعجز الشفاه عن التعبير عنه و قد إمتدت يداه لملامسه الدماء المنسابه من جبهه أخاه و هو يقول بخشونه
" حصل ايه ؟"
تراجع سليم خطوة للخلف و هو يقول بلهجه جافه
" متقلقش حادثه بسيطه ."
ضيق سالم عيناه و أشتد به الغضب حتي أرتجف جفنه الأيمن و قال بلهجه قاسيه
" سلييم . "
سليم بلهجه حادة
" مش إلي في بالك يا سالم . دي كانت حادثه زي ما قولتلك ."
أطلق سالم زفرة حادة قبل أن يقول بنبرة قاطعه
" هخلي الدكتور يشوفك قبل ما ناخد حازم و نمشي ."
عند ذكره لاسم أخاه الراحل إرتجفت شفتيه و أختنق الحديث بجوفه و كان سليم لا يقل تأثرًا عنه و لكنه دون أن يشعر أفرجت عيناه عن دمعه حبيسه تحكي مقدار الوجع بصدره فأخذ عدة أنفاس حادة قبل أن يقول بصوت متحشرج
" عايز أشوفه يا سالم . عايز أطلب منه يسامحني "
لم يتحدث فلم تسعفه الكلمات جل ما أستطاع فعله هو أن تمتد يداه تمسك بكتف أخيه و أبتلع غصه مريرة قبل أن يقول بلهجه جافه
" متحملش نفسك ذنوب معملتهاش . إلي حصل دا قدر و مكتوب ."
لم يستطع سليم الحديث و أشتبكت عيناه مع عين شقيقه في حديث صامت دام للحظات و كان سالم أول من قطعه حين أستعاد هدوءه الظاهري و قال بصرامه
" يالا بينا عشان الدكتور يشوف جرحك . مينفعش ماما تشوفك كدا . كفايه اللي هي فيه "
و بالفعل إنصاع سليم لأوامره دون جدال و توجها معًا لإستلام الجثمان و لكن أستوقفهم الطبيب الذي ما أن رآهم حتي تحدث قائًلا بعمليه
" سالم بيه . كان في موضوع مهم عايز أتكلم مع حضرتك فيه "
سالم بجمود
" موضوع إيه ؟"
الطبيب بتوتر
" ممكن تتفضل معايا علي مكتبي عشان نقدر نتكلم براحتنا "
دون التفوه بأي حرف توجه الأخوان الي مكتب الطبيب لمعرفة ماذا يريد ..
************
علي الجانب الآخر كانت جنة ترقد علي مخدعها بهدوء يتنافي تمامًا مع ضجيج قلبها الذي كان ينتحب ألمًا و شعور الخوف الذي أخذ يتسلل الي صدرها الذي لا تعلم لما انقبض فجأة فشعرت بأن التنفس بات ثقيلًا عليها فأخذت تحاول تنظيم أنفاسها بصعوبه و لسوء الحظ فالممرضه التي عينها الطبيب لترافقها حالما تأتي شقيقتها قد أستأذنت لبعض الوقت و لا تعلم لما تأخرت فأخذت تحاول التحرك فآلمها ذلك أكثر و قامت بإسناد رأسها للخلف مُغمِضه عيناها و أخذ صدرها يعلو و يهبط بسرعه كبيرة إلي أن سمعت باب الغرفه الذي فتح بعنف مما جعلها تشهق بصدمه تحولت لذعر كبير و هي تري ذلك الرجل الضخم الذي كان يناظرها بعينان تشبهان الجمر في إحمرارهما و ملامح قاسيه مع فم مشدود بقوة و كأن أحدهم يجاهد حتي لا يطلق وحوشه لتفترسها فأخذت ترتجف رغمًا عنها من فرط الخوف خاصةً حين أخذ يتقدم بخطً سُلحفيه و عيناه لا تحيد عنها و كأنها مذنبه و هو جلادها فأخذت تتراجع في جلستها الي أن التصقت بظهر السرير خلفها و هي تقول بهمس خافت
" أنت مين ؟"
أظلمت عيناه و قست ملامحه أكثر و هو يقترب منها حتي أصبح أمامها مباشرة و قام بالإنحناء لتصبح عيناه المستعره بجحيم الغضب أمام عيناها التي ترتجف من فرط الخوف و قال بوحشيه و لهجه تحمل الكثير من الوعيد بين طياتها
"أنا عزرائيل إلي هياخد روحك بعد ما يخليكي تشوفي جهنم علي الأرض . "
إزدادت رجفتها و أخذت أنفسها تتخبط بصدرها الخافق بعنف و هي تقول بشفاه مرتعشه
" أنت عايز مني إيه ؟"
إزدادت وحشيه ملامحه و هو يقول بقسوة
" عايز أدمرك و أخليكي تلعني اليوم إلي خرجتي فيه من الحادثه دي و أنتي لسه فيكي الروح "
إزداد رعبها و هطلت العبرات كالفيضان من بين عيونها وقد كانت كل عضله في جسدها ترتجف بعنف من ذلك المجنون الذي يقف أمامها يلقي علي مسامعها تلك التهديدات البشعه التي لم تستطع تحملها فقالت من بين دموعها
" حرام عليك أنا عملتلك إيه ؟"
إمتدت يداه تقبض علي خصلات شعرها تكاد تقتلعه من جذوره فخرجت منها صرخه قويه لم تؤثر به بل تابع حديثه و هو يزمجر بقوة و كأن كلمتها كان جرمًا كبيًرا قد أقترفته
" أخرسي . ليكي عين تتكلمي . بسببك هدفن أخويا الصغير تحت التراب . أخويا مات و هو زعلان مني و أنتي السبب . هو مات و واحده رخصيه زيك لسه عايشه . بس وحياة غلاوته عندي لهخليكي تدفعي التمن غالي أوي. و تعرفي أن ولاد الوزان لحمهم مسموم إلي يفكر يقرب منهم مصيره الموت ."
قال جملته الأخيرة صارخًا بوعيد و لكن للحظه توقف جسدها عن الإهتزاز بين يديه و جحظت عيناها و بهتت ملامحها و شحب لونها فمن يراها يظن أنها علي مشارف الموت بينما عقلها أضاء بحقيقه مرة كالعلقم و هو أن المقصود بذلك الحديث ليس سوى حازم !
و كأن شفتيها ترجمت ما يدور بعقلها حين قالت بخفوت
" حازم مات ؟"
لم تكن تعلم هل كان جوابًا أن سؤالًا و لكنها بكل الأحوال حقيقه ترفضها بشدة و أخذت رأسها تتحرك يمينًا و يسارًا و شفتاها تطلقان عبارات الرفض و قد كان كل ذلك يحدث أمام عيناه الصقريه التي كانت تتابع إنهيارها بزهول سرعان ما تحول لغضب عندما ظن بأنها تحاول خداعه فقام بالصراخ في وجهها الذي كان قريب منه بدرجه كبيره
" بطلي الحركات دي. لو مفكره أنك ممكن تضحكي عليا بيها تبقي غلطانه "
لم يتوقع أبدًا انهيارها بهذا الشكل بل صُدِم بشدة حين وجدها تضرب صدره بقوة بقبضتيها و أخذت تصرخ بحرقه قائله من بين صرخاتها
" أخرس . حازم ممتش. حازم مسابنيش . حااااااازم "
و كأنها كانت تقول مايريد قوله ، كان هذا الانهيار الذي يشتهيه تمامًا ، كانت تلك الكلمات تتردد بصدره هو الآخر ، هذه الدموع يتمني لو يستطع إخراجها . كانت حالتها تلك هي ما يتمني أن يعيشه و لو للحظات حتي يفرغ غضبه و ألمه الذي يكاد يقضي عليه . فجأة شعر بشئ يبلل صدره فاخفض بصره فوجدها تلقي برأسها فوق موضع قلبه مباشرة و يدها تقبض بشدة علي قميصه و صوت بكائها يخترق سمعه و لدهشته وجد يداه تحيط بها في غفلةً منه و حينها لم يستطع السيطرة علي دموعه التي سقطت لتغرق خصلات شعرها . و كأنه يشكو لها ألمه و ذنبه و ضعفه
كانت لحظه عجزت حواسه بها عن الاستجابة لإشارات عقله .ففجأة توقف الزمن من حولهم و كأنهم تشاركا الألم سويًا . لحظه قطعها هرولة فرح التي سمعت صراخ شقيقتها فانتابها الفزع و سقط كل ما بيدها و هرولت إلي غرفتها لتتفاجئ بذلك المشهد جنة تبكي و تنوح و رأسها ملقي على رأس ذلك الرجل الغريب عنها و الذي ما أن سمع ارتضام باب الغرفه بالحائط حتي استفاق من تلك الغيبوبه التي غرق بها للحظات و قام بدفعها و الإرتداد للخلف ليصعق من مظهرها المبعثر و دموعها المناسبه من عيناها لتختلط بدماء سالت من أنفها و أخذت تتساقط علي وجهها فمن يراها الآن يجزم بأن تلك الفتاة علي وشك الموت حزنًا و ألمًا
قاطع نظراتهم صراخ فرح التي اندفعت تجاه شقيقتها و هي تقول بعنف و قسوة
" أبعد عن أختي ؟ أنت عملت فيها إيه ؟"
خرجت الكلمات من فمه كأسهم نيران حارقه
" كان في كلمتين بيني و بينها و خلاص قولتهم . "
وجه أنظاره لجنة و هو يقذف الكلمات من فمه بينما عيناه ترسلان إشارات التهديد الصريحه
" خليكي فاكرة اسم سليم الوزان دا كويس عشان نهايتك هتكون علي إيده "
إندفعت فرح نحو شقيقتها و قد تملكها الغضب الشديد و تولدت بداخلها غريزة الحمايه لشقيقتها و طفلتها فقالت بقوة توازي قوته
" أنت أتجننت يا جدع انت . جاي تهددنا بكل بجاحه "
إزداد غضبه أكثر و قال بشراسه
" البجاحه دي أختك واخدة دكتوراه فيها. بس أنا بقي هعرف أربيها و أربيكي كويس أوي "
ما أن أنهي جملته حتي أتاه صوت سمره بمكانه و الذي لم يكن سوي لشقيقه الأكبر الذي قال بلهجه قاسيه
" سليم !"
التفت سليم إلي أخاه الذي كان يقف بشموخ أمام باب الغرفه و الغضب يلون تقاسيمه و قد تجلي ذلك بنبرته حين قال بخشونه
" بتعمل إيه هنا ؟"
سحب سليم أكبر قدر من الأكسجين بداخله قبل أن يقول بنبرة جافه
" كان في رساله كنت جاي أوصلها و خلاص وصلتها "
قال كلمته الأخيرة و هو ينظر لجنه التي كانت ترتجف بين أحضان شقيقتها و لا تبالي بشئ شوي تلك الحقيقه السوداء التي تجاهد حني تستطيع الهرب منها بشتي الطرق لذا تجاهلت تهديداته و كأنها لم تكن موجهه إليها و قالت برجاء
" حازم جراله إيه يا فرح ؟ قوليلي أنه كويس و بخير . أرجوكي "
توقف سليم أمام باب الغرفه يستمع إلي استفهامها المتألم و لكنه كان غضبه اقوي من أي شعور آخر فتجاوز أخاه و إندفع إلي الخارج بينما بالداخل لم تجد فرح ما تخبرها به فقط شاطرتها البكاء و علي وجهها إمارات الأسف و لكن عيناها كانت تقتنص ذلك الذي مازال واقفًا أمام باب الغرفه و عيناه كالصقر تتلقف كل حركه تصدر منهم . دام تفحصه للحظات ثم أعطاهم ظهره دون التفوه بأي حرف فنظرت إلي شقيقتها و قالت بلهفه
" جنه دقيقة و رجعالك "
هرولت إلي الخارج فاصطدمت بظهره حين وجدته ينتظرها و كأنه كان علي يقين من قدومها فخرجت شهقه خافته من جوفها و أنتشر الخجل علي ملامحها و تراجعت خطوتان للخلف و هي تناظره بكبرياء قابله هو بسخريه ظهرت بصورة خاطفه في نظراته التي سرعان ما عادت لجمودها و قد اختفي ذلك البريق الآخاذ الخاص بهما و الذي كان يضيئها في اللقاء الأول لهما و كأن مصباحها انطفئ.
دون أي مقدمات خرج الكلام من فمه بخشونه تليق بملامحه كثيرًا
" مش عايز أي حاجه تتسرب للصحافه . "
قطبت جبينها و قد أدهشها حديثه فقالت بعدم فهم
" و إيه دخل الصحافه في إلي حصل ؟"
ناظرها بإستخفاف قبل أن يقول بقسوة
" إلي مات دا يبقي حازم منصور الوزان !"
شعرت بأن حديثه يحمل إعصارًا من الألم و الغضب فوجدت نفسها تقول بشفقه تسللت بغته إلي داخل قلبها
" البقاء و الدوام لله "
هز رأسه دون أن يجيبها و قال بلهجه جافه و كأنه يلقي أوامره و عليها السمع و الطاعه
" هسيبلك حراسه علي باب الاوضه عشان لو حد من الصحافه حاول يوصلكوا "
خرجت الكلمات منها حادة غضبًا من لهجته الآمره
" إحنا مش محتاجين حراسه إحنا نعرف نحمي نفسنا كويس "
زفر بحدة قبل أن يقول بنبرة فولاذيه و عينان ترسلان سهام التحذير
" كلامي يتنفذ من غير نقاش ."
فرح بسخريه و قد نست كل شئ يحدث حولها فقط ذلك الرجل المتعجرف المغرور الذي ينجح في إثارة غضبها كلما التقت به
" أوامرك دي تمشي عالناس كلها إلا عليا. و بعدين لو هتحمينا يبقي أحمينا منكوا إلي اخوك عمله دا غلط كبير اوي . أيًا كان وجعه مالوش حق أبدًا يعمل إلي عمله و يدخل يهدد جنه بالشكل دا "
كانت تناطحه و كأنهما متساويان و كان هذا يزيد من وقود غضبه الذي يحاول أن يقمعه بداخله خوفًا من عواقب وخيمة لا تحمد عقباها و قد تجلي غضبه بنبرته حين قال بقسوة من بين انفاسه
" أدعي ربنا انه ميكونش لينا حق عندكوا عشان هيكون تمنه غالي أوي. أشك أنك تقدري تدفعيه ."
جفلت من نبرته القاسيه و كلماته الحادة كنصل السكين و لكنها كالعادة تظاهرت بالثبات و حمدت ربها بأن نظارتها الطبيه حجبت عنه إهتزاز حدقتيها . و قالت بصوت يملؤه التحدي
"و لو إحنا إلي لينا حق عندكوا ؟"
تغيرت نظراته كليًا و طافت فوق ملامح وجهها قبل أن يقول بخشونه
" أتأكدي أنك هتاخديه مني أنا شخصيًا "
كانت تلك آخر كلماته التي ألقي بها و إستدار بهيبته الطاغيه التي كانت تبعث علي نفسها الرهبه فزفرت بحدة قبل أن تستند علي الحائط خلفها و هي علي يقين من أن شقيقتها قد أقحمتهم بالجحيم الذي ستظل شياطينه تلاحقهم لوقتً طويل ..
عِند حلول المساء كانت جنة غارقه في نومًا عميق بفعل المهدئ القوي الذي أعطاه الطبيب لها بعد انهيارها الشديد أثناء النهار غافله عن أقدام الشر التي أخذت تتقدم من مخدعها تنوي الفتك بها دون رحمه و ما أن وصلت اليها حتي أطلقت سهام نظراتها الحارقه علي تلك التي تنام لا حول لها و لا قوة و قذفت سمومها بجانب أذنها بصوت كفحيح الأفاعي
" نومتك الأخيرة هتكون علي أيدي و زي ما دفنته هدفنك أنتي كمان .."
يتبع .......
بارت طويل اهوة اتمني تكونوا بدأتوا تفهموا الأحداث شويه و أن شاء الله لو لاقيت تفاعل اكبر هنزل البارت قبل الاثنين أن شاء الله
مستنيه رأيكوا
متنسوش (فوت+كومنت+فولو ليا ♥️)
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
🍓الفصل الثالث 🍓
تجاوز الحزن موهبه لم أتمتع بها يومًا ..
رأيت الكثير ممن إستطاعوا تجاوز أحزانهم ببراعه. منهم من كان يسكُب حزنه فوق أوراقه علي هيئه حروف أمتزج حبرها بالدموع، و منهم من كان يراوغ حزنه بين طيات الكُتب دافنًا إياه بين صفحاتها، و آخرون ألقوا بآلامهم بعمق الليل بين السجود و الركوع. بينما أنا كنت أعيش حزني كاملاً للحد الذي جعل شفائي منه أقرب إلي المستحيل ...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
الشر حولنا دائماً و لكنه لن يستطيع أذيتنا أو المساس بنا إلا أذا أعطيناه الفرصه لذلك . إحتماليه هذا الإعتقاد كبيرة و لكن في كثير من الأحيان يكمُن الخير في جوف الشر أو ما كنا نعتقده شرًا و لكنه لم يكن سوي إبتلاء لا يتطلب منا سوي الصبر عليا و الرضا بالقضاء و القدر .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تململت جنة في نومتها و كأنها شعرت بشعاع حاد مُسلط عليها ينفّذ إلي داخل أعماقها مصدره عينان تجوبان ملامحها بسخط و حقد كبير تتمني لو أن لها الخيار لكانت الآن مدهوسه تحت أقدام شاحنه ضخمه تمزقها لأشلاء حتي تتأكد من عدم نجاتها . هكذا كانت تنظر إلي جنه التي التفتت لرؤيه ذلك الشخص الماثل علي الجهه الآخري لمخدعها و لكنها تفاجئت حتي جحظت عيناها حين رأت ساندي أكثر الناس كرهًا لها و ذلك لعلاقتها السابقه بحازم و التي أنتهت ما أن وقع بحب جنة هكذا أخبرها ذات يوم و هنا تفهمت جنة السبب وراء نظرات السخط و الكره الشديد التي كانت تناظرها بها تلك الفتاة.
في البدايه كانت تغضب و لكن بعد ذلك أصبحت تتجاهلها و لا تهتم بها و لكن السؤال لماذا هي هنا الآن ؟
و كأن سؤالها إرتسم علي ملامحها لذا ظهرت إبتسامه ساخرة علي شفاه ساندي و لكن لم تصل أبدًا لعينيها التي كان الحقد يغلفها و قد تجلي ذلك في نبرتها المسمومة حين قالت
" أخيرًا السندريلا صحيت !"
كان التهكم يغلف حديثها و لكن نبرتها كانت مرعبه خاصةً لجنة التي كانت في وضع لا تُحسد عليه و لكنها حاولت التماسك قليلًا و هي تقول مستفهمه
" أنتي هنا بتعملي إيه ؟"
زادت إبتسامه ساندي أكثر و إزدادات قتامه عيناها الخضراء و هي تقول ساخرة
" جايه أطمن عليكي و أتأكد أنك لسه عايشه .. عشان بصراحه كنت هزعل أوي لو موتك مكنش علي أيدي .."
جفلت جنة من حديث تلك المجنونه التي لا تدري لما ألقت بها الأقدار في طريقها و لكنها حاولت الصمود و أن لا تظهر خوفها الكبير منها لذا قالت بقوة واهيه
" أنتي مجنونه إيه إلي أنتي بتقوليه دا . أنتي فاكرة أنك كدا بتخوفنيني ؟؟"
ساندي بلهجه ساخرة
" لا بخوفك إيه لا سمح الله.. أنا بس بعرفك إن نهايتك دي هتكون علي أيدي ."
قالت جملتها الأخيرة بقسوة شديدة و هي تشير بيدها مغلقه قبضتها بقوة بدون أن تشعر إرتدت جنة للخلف بذعر لم تستطع إخفاءه فابتسمت ساندي بسخريه قبل أن تقول بنبرة خافته مهددة
" متخافيش أوي كدا مش هموتك دلوقتي. لسه بينا حساب طويل لازم يتصفي. "
كانت ترتجف رغمًا عنها فما مرت به في الساعات الماضيه لم يكن سهلًا حتي تأتي تلك المجنونه لتزيد من معاناتها أكثر و قد تجلي ضعفها في نبرتها المستنكرة حين قالت
" حساب إيه انا مفيش بيني و بينك حاجه . و بعدين أنا إرتبطت بحازم بعد ما سبتوا بعض . يعني لو فاكرة إني خدته منك تبقي غلطانه"
لا تعلم لما كانت تقول هذا الكلام تحديدًا في ذلك الوقت و لكنها كانت تريد الإفلات من بين براثن تلك المقيته التي طالعت خوفها بتسليه قبل أن تقول و هي تشدد علي كل حرف تتفوه به
" أنا و حازم عمرنا ما سبنا بعض "
قطبت جنة جبينها و قد بدا الرفض علي ملامحها لتناظرها ساندي بتشفي قبل أن تقول بنبرة كشفرات حادة مزقت قلبها
" أقولك دليل صغير . بأمارة شقه المعادي و إلي حصل ! ياتري فاكرة و لا نسيتي . عموما لو نسيتي أنا هفكرك و هعرف كل الناس حقيقتك الزباله ."
إزداد إرتجاف جسدها حتي أصبح انتفاضًا تزامنًا مع هطول العبرات من مقلتيها و ظهر الرعب جليًا علي ملامحها التي شحبت فجأة و قد أرضي مظهرها هذا غريمتها كثيرًا فنصبت عودها و رسمت ابتسامه سعيدة شامته تتنافي تمامًا مع الحزن الدامي الذي يسكن قلبها و لكنها كانت تتجاهله بقوة إرتسمت بصوتها حين قالت
" فضيحتك هتبقي علي كل لسان . هخلي الناس كلها تعرف قذارتك . هتتمني الموت و مش هتطوليه غير لما أقرر أنا . "
عند إنتهاء جملتها سمعت قفل الباب يدور و أطلت فرح عليهما لتصدمها حالة جنة التي كان الموت مرتسم فوق ملامحها فهرولت فرح إليها و قد تفرقت نظراتها بين شقيقتها و تلك الغريبه التي تتشح بالسواد في لباسها و علي ملامحها فلم ترتح أبدًا لها لذا قالت بصوت قوي و هي تحتضن جنه بين ذراعيها
" مالك يا جنة في إيه ؟ و مين دي ؟"
ألقت إستفهامها الأخير و عينان يرتسم بهم التحدي و هي تنظر إلي تلك الغريبه و التي قالت ساخرة
" أنا صاحبة جنه الأنتيم . "
أجابتها فرح بفظاظه
" بس أنا أعرف أصحاب جنة كلهم و أنتي مش منهم "
ساندي بتهكم
" واضح ! واضح أنك تعرفي أصحابها كلهم . عموما أنا هسيب جنة تقولك أنا مين . أبقي عرفيها يا جنة و أوعي تخبي عنها حاجه أبدًا . دي بردو أختك الكبيرة !"
أطلقت جملتها الأخيرة في تحدي واضح لعينان جنة التي كانت ترتجف داخل أحضان شقيقتها تتابع إنسحاب ساندي التي تلونت ملامحها بالغضب الشديد الممزوج بحزن دامي و هي تتوجه إلي باب الغرفه مغلقه إياه بقوة إنتفض لها جسد جنة التي أدارتها فرح لتواجهها و هي تقول بترقب
" مين البنت دي يا جنه ؟"
شعرت فرح بأن تلك الفتاة تبتز شقيقتها بطريقه ما و قد صح ظنها حين سمعت صوت جنة الخالي تمامًا من الحياة و هي تقول
" دي أكتر واحدة بتكرهني في الدنيا "
***************
كانت تجلس خلف مقود سيارتها و هي تنظر أمامها بضياع و عيناها يتساقط منها الدمع كالمطر و قلبها الملتاع يتمني لو يتوقف عن الخفقان حتي يريحها من ذلك الألم الدامي فقد شهدت اليوم علي فراق حبيبها الذي أختار قتلها بسكين الغدر و هو علي قيد الحياة بتفضيله آخري عليها و لكنها كانت تمني نفسها كذبًا بأنه حتمًا سيعود إليها بعد أن يمل من تلك الفتاة التي لم تكره أحد مثلها أبدًا . و لكن ما حدث لم يكن في الحسبان فمنذ أن علمت خبر موته و قد شعرت بأنها علي وشك الجنون فأخذت تصرخ بهستيريا حتي إرتعب من حولها و حاولوا تهدئتها بشتي الطرق و لكن هيهات لم يستطع أي شئ ايقاف جنونها سوي معرفتها بأن تلك الفتاة كانت معه . فهو فضلها عليها بحياته و حتي عندما أختار الموت اختار أن يموت بجانبها .
حينها أنتابها هدوء قاتل دام لساعات قبل أن تتوجه إلي مشفي والدها و الذي كان يرقد به معذب فؤادها الراحل و غريمتها التي تنوي جعلها تدفع ثمن كل هذا العذاب الذي عاشته و سيظل يحيط بها طوال حياتها .
تذكرت حديث الطبيب المسؤول عن حالة حازم الذي وصل إلي المشفي بحالة خطرة للغايه و قد أخبرها الطبيب بأن حازم كان مخمورًا و متعاطيًا لنسبه كبيرة من المخدرات و فورًا إستغلت هذا لصالحها
عودة لوقت سابق
خرجت من المرحاض بعد أن قذفت كل ما في جوفها و قد كان هذا تعبير جسدها عن الحزن الذي أغتاله دون رحمه فتفاجئت بسالم و سليم أشقاء حازم يخرجون من غرفة الطبيب المسؤول عن حالة حازم و قد كانت إمارات الدهشه و الصدمه تغلف وجوههم فأخذ الأخوان ينظران إلي بعضهم البعض بعدم تصديق و طال صمتهم إلي أن قطعه سليم الذي قال بإستنكار
" بقي معقول إلي سمعناه دا . حازم أخويا كان مدمن !"
ظل سالم علي صمته لثوان قبل أن يعيد سليم الحديث قائلًا بنبرة أعلي و أكثر خشونه
" إزاي ؟ أنا مش قادر أصدق . أكيد الكلام دا في حاجه غلط !"
قطع سالم صمته و قال بلهجه جافه مريرة
" لا صح . و الدليل أننا رايحين ندفنه دلوقتي "
أهتزت نبرته حين أختتم حديثه لتخرج صرخه غاضبه من فم سليم الذي قال بغضب
" ليه يا حازم كدا ؟ ليه تعمل في نفسك و فينا كدا ؟"
سالم بلهجه متألمه
" دي آخرة الصحبه السيئه."
التمعت الوحشيه بعينان سليم الذي زمجر بغضب
" لازم أعرف مين إبن الحرام إلي وصل أخويا للحاله دي ."
حينها تدخلت هي قائله بلهجه ثابته لا يشوبها أي تأنيب ضمير فهي فرصتها الذهبيه للنيل من غريمتها و الأخذ بثأرها
" أنا عارفه مين وصله لكدا "
إلتفتت الرؤوس تناظرها بنظرات متفحصه سرعان ما تحولت لمستفهمه. فتقدمت إليهم بأقدام تكاد تلتف حول بعضها من شدة الضغط و لكنها وصلت بسلام و هي تناظرهم بعينان ثابته يغزوها خطوط حمراء تحكي عن مدي الأنهار التي ذرفتها و لكن سالم تجاهل هيئتها المبعثرة و ملامحها الشاحبه قائلًا بخشونه
" أنتي مين ؟"
أجاب سليم بدلًا عنها
" دي زميله حازم في الجامعه . أنا مش فاكر اسمك بش شفتك معاه قبل كدا "
هزت ساندي رأسها بموافقه قبل أن تقول بصوت متحشرج
" أسمي ساندي كنت صاحبه حازم و زميلته في الجامعه "
عند ذكرها لاسمه فرت دمعه هاربه من طرف عيناها تخبرهما بأن القصه لم تكن مجرد صداقه أو زماله
تحدث سالم قائلًا بفظاظه
" هاتي إلي عندك !"
جفلت من لهجته الفظه و لكنها حاولت الثبات قدر الإمكان و هي تجيبه قائله بقوة
" جنة .. جنة هي السبب في إدمان حازم ."
لم تهتز ملامح سالم بل ظل يناظرها بغموض بينما خرج إستفهام غاضب من جانب سليم الذي قال
" جنه دي إلي كانت معاه في الحادثه ؟"
ساندي بتأكيد
" أيوا هي "
سليم بحنق
" قولي إلي عندك كله مرة واحده ."
كان غضبه مخيف و قتامه عيناه تبعث الرهبه بداخلها و لكنها أبدًا لن تتراجع لذا قالت بثبات
" حازم اتعرف علي جنة دي من حوالي أربع شهور وقتها رسمت عليه دور البنت البريئه الخجوله لحد ما قدرت تجذب أنتباهه و وقعته في حبها و بعدها حازم أتغير من ناحيتنا و مبقناش نشوفه زي الأول . كان بيقضي وقته كله معاها و خلته يقطع علاقته بينا و بالصدفه أكتشفنا أنها تعرف وليد الجلاد و دا أكتر واحد بيكره حازم . و لما قولتله مصدقنيش و فكر إني بكرهها و من مدة قريبه بدأ يبان أنه مش على طبيعته لحد ما أكتشفت أنها جرته لسكه الأدمان ."
أنهت قصتها الوهميه و التي بها أحداث يشوبها بعض الصدق و هي تناظرهم بثبات أهتز قليلًا أمام نظرات سالم الغامضه و لكن أتت زمجرة سليم لتجعل الاطمئنان يغزو قلبها بأن خطتها سارت بشكل صحيح
أنتفضت كل خليه به غاضبه تلعن تلك الشيطانه التي تسببت في هلاك أخاه و هدر بقسوة
" الحقيرة .. نهايتها هتكون علي إيدي "
أنهي جملته و إندفع كالثور لا يري أمامه بينما ناظرها سالم مطولًا قبل أن يقول بنبرة جافه بها تهديد مبطن
" متأكدة من كلامك دا !"
أبتلعت ريقها بصعوبه قبل أن تقول بنبرة حاولت جعلها ثابته قدر الإمكان
" و أنا هكذب في حاجه زي كدا ليه ؟ "
إحتدت عيناه قبل أن يقول بلهجه فظه متوعدة
" انتي أدري . "
اهتزت نظراتها و كذلك نبرتها حين قالت بإرتباك
" تقصد إيه ؟"
سالم بلهجة قاسيه تشبه قساوة عيناه حين قال
" أدعي ربنا يكون كلامك صح عشان لو طلعتي بتكذبي.. !!!"
لم يكمل جملته بل ترك المهمه لعيناه التي أجادت بث الذعر بقلبها الذي إنتفض الآن عائدًا بها إلي الوقت الحالي و هي ترتعب من بطش ذلك الرجل الذي أعطت كل الحق لحازم في أن يخاف منه فهو يبعث الرهبه في النفوس و لكن لا يهمها فهي ستنفذ خطتها و ستأخذ بثأرها مهما كلفها الأمر ...
*****************
لم يُخلق الكمال أبدًا علي الأرض فهي دار فناء خُلقنا بها لنشقي و نمر بإختبارات عديدة حتي نستحق الفوز بالجنه و بالرغم من أن قلوبنا لم تشتهي العذاب أبدًا إلا أنه كُتب علي أولئك الذين ا
إتخذوا من العشق مذهبًا فظنوا بأنه طريقهم إلي الجنة و قد تناسوا بأن العذاب و العشق وجهان لعمله واحده فما العشق الا عذاب لذيذ يستقر في أعماق القلب الذي يضخه إلي سائر أنحاء الجسد فتشعُر بالنشوة التي تمنحك شعور عارمًا بالسعادة كالأدمان تمامًا تعلم أنه هلاكك و لكنك ترفض التعافي منه ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
صباحًا كان الوضع هادئا خصوصًا من جانب جنة التي أتخذت الصمت منهجًا منذ البارحه و أن حاولت فرح الحديث معها تصطنع النوم حتي تهرب لا تعرف إلي أين قد يوصلها ذلك الهروب و لكن لم تكن تملك خيار آخر فما تواجهه أكبر بكثير من قدرتها علي التحمل.
أمتثلت بهدوء إلي أوامر الطبيب بضرورة تناولها الطعام و الأدوية بإنتظام حتي يشفي جسدها فودت لو تسأله فهل يوجد دواء للروح المعذبه حتي تشفي أم ستظل جريحه متألمه لبقيه حياتها !
كانت فرح تشعر بالإختناق من هذا الصمت المحيط بهما و الذي يتنافي مع كل ذلك الضجيج برأسها فبلحظه إنقلبت حياتهما رأسًا علي عقب و لا تعلم ماذا عليها أن تفعل و شقيقتها بقدر ما تشفق عليها فهي غاضبه منها و بشدة و لكن لا تستطع الحديث فحالتها لا تحتمل شيئًا آخر .
كان الهدوء من أهم الصفات التي تميزها و الآن هي تمقته تريد الشجار الصياح تريد أن تجلس وسط ضوضاء كبيرة حتي تلتهي و لو قليلًا عن الضوضاء التي تكاد تنخر عقلها
زفرت بقوة قبل أن تلتفت إلي شقيقتها قائله بنبرة هادئه نسبيًا
" أنا هروح أجيب حاجه سخنه أشربها من الكافيتريا . أجبلك معايا ؟"
هزت جنة رأسها بالرفض و هي تقول بنبرة مبحوحه
" لا شكرًا مش عايزة أنا هحاول أنام شويه ."
أومأت برأسها و توجهت إلي الخارج و هي تحاول أن تتنفس بشكل منتظم و تهدء من توترها قليلًا حتي تستطيع التفكير برويه .
****************
كان سليم يطالع الجياد بنظرات ضائعه و ملامح باهته كبهوت كل شئ حوله . فرائحه الموت تحيط به في كل مكان و الحزن ينخر أنحاء جسده و لا طاقه له برؤيه أحد و لا الحديث مع أحد و لكنه مجبر علي الوقوف بين الجموع ليأخذ واجب العزاء الذي كان ثقيلًا عليه كثقل شاحنه ضخمه تمر فوق قلبه فللآن عقله لا يستوعب ما حدث و فقدانه أخاه . و لكن مشهد الناس من حوله يذكره بفجيعته الكبري التي يحاول تناسيها بشتي الطرق حتي يستطيع التنفس بسهوله و لو لثوانً .
شعر بيد قويه تسقط فوق كتفه فعرف صاحبها علي الفور فقد كانوا ثلاث اضلع لمثلث العائله التي تعتمد عليهم كليًا و الآن فقد المثلث أحد اضلعه فإختل توازن الضالعين الآخرين و لم يتبقي لهم سوي الإستناد علي بعضهم البعض حتي لا يسقطا و يسقط معهم الجميع .
تحدث سالم بهدوء لا يشعر أبدًا به
" الهروب عمره ما كان حل يا سليم "
فطن سليم إلي ماذا يرمي أخاه فأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يقول بنبرة متحشرجه
" مش هروب يا سالم أنا بس بحاول افهم . أنا واقف وسط الناس مستنيه يطلع من أي مكان ييجي يقف جمبنا زي ما أتعودنا نكون جمب بعض إحنا التلاته "
أطبق سالم جفنيه يحارب دموعًا تقاتله بضراوه حتي تظهر للعلن فقلبه لم يعد يتحمل ذلك الألم الرهيب الذي يعصف به و لكنه مجبرًا علي التماسك في حين إنهيار الجميع من حوله لذا أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بتأثر
" دا قضاء ربنا و قدره و إحنا مؤمنين بالله "
سليم بقله حيله
" لا إله إلا الله . أنا مش معترض والله بس مش قادر أصدق . عقلي مش مستوعب . "
سالم بفظاظه
" عشان كدا بتغلط يا سليم !"
ازداد عبوس ملامحه و هو يقول بإستفهام
" تقصد إيه ؟"
سالم بتقريع خفي
" إلي حصل في المستشفي غلط و مينفعش يتكرر تاني !"
زفر سليم بحدة قبل أن يقول بعنف مكتوم
" غلط ! و إلي حصل لحازم علي أيدها كان صح !"
سالم بخشونه و قد إسودت عيناه من الغضب
" مفيش حاجه من إلي حصلت كانت صح ! بس مينفعش نعالج غلط بغلط اكبر ."
سليم بحنق
" يعني أخويا يموت بسببها و أسيب الهانم تعيش حياتها عادي "
سالم بنفاذ صبر
" إيه عرفك أنها السبب في إلي حصله ؟"
سليم باندفاع
" البنت إلي قالت..."
قاطعه سالم بعنف
" تعرف منين أنها مبتكذبش . معاها دليل ؟ شفت بعينك إلي يخليك تصدقها !"
زفر سليم بحدة و لم يجيب ليواصل سالم حديثه الصارم
" إحنا مش ظلمه يا سليم . لازم نتأكد قبل ما نخطي أي خطوة . أرواح البني آدمين مش لعبه في إيدنا"
إزداد غضبه من حديث أخاه فصورتها المدمرة لازالت عالقه بذهنه منذ البارحه و الظنون تتقاذفه بكل الجهات فتارة يشعر بشفقه خائنه تتسلل إلي قلبه تجاهها و تارة يشعر بأنه يود لو يذهب يحطم رأس تلك الحقيرة التي تسببت في فجيعتهم لذا قال بهياج
" و هنتأكد امتا و إزاي ؟ و علي ما نتأكد هنعمل معاها إيه ؟"
سالم بغموض
" كل شئ بأوانه. و خليك متأكد إني مش هسيب تار حازم و لو بعد مليون سنه . "
أوشك سليم علي الحديث فأوقفه سالم بنظرة محذرة و هو يضيف بصرامه
" هتبعد عن طريق البنت دي و مش هتتعرضلها أبدًا . و دا قرار غير قابل للنقاش ."
أبتلع سليم غصه صدئه بداخل حلقه و أجبر نفسه علي الإيماءة بالموافقه فلن يدخل في صراع مع شقيقه لأجلها و سينتظر ليتأكد من تورطها و حتي يقمع ذلك الرجاء الأحمق بداخله الذي يطالبه بعدم أذيتها ..
***************
في المشفي تحديدًا أمام الباب الرئيسي شاهدت فرح العديد من الصحافيين يقفون أمامه و كأنهم ينتظرون وصول أحدهم فارتعبت من أن يكون الأمر يخص شقيقتها و قد إسترجعت حديث ذلك المتعجرف عن إهتمام الصحافه بشؤونهم فأخذت تدعي الله بداخلها بأن يكون حدثها خاطئًا و ألا يكون أولئك الأوغاد يريدون مقابلة شقيقتها حقًا .
وصلت إلي غرفة شقيقتها بالأعلي فوجدت فتاة محجبه ترتدي ملابس فضفاضة تتنافي مع وجهها المزين بشكل متقن و كانت تترجي الحرس حتي يسمحوا لها بالدخول و هم يرفضون بشدة فاقتربت منهم قائله بإستفهام
" في أي ؟"
فتحدث أحد الحراس قائلًا بإحترام
" الأنسه مُصرة تقابل جنة هانم "
إرتفع إحدي حاجباها حين سمعت لقب هانم الذي أضافه بعد إسم شقيقتها و قد لمست إهتمام أثار إندهاشها من ذلك المغرور و لكنها تجاهلت شعورها و نظرت إلي الفتاة قائله بشك
" أنتي مين؟ و عايزة تقابلي جنة ليه ؟"
إرتبكت الفتاة لثوان قبل أن تقول بتأثر
" انا روان صاحبة جنة و عرفت بالحادثه إلي حصلتلها و جيت جري عشان أطمن عليها و هما مش راضيين يدخلوني "
ناظرتها فرح بتقييم قبل أن تقول بجفاء
" بس جنة محكتليش عنك قبل كدا "
الفتاة بثبات
" يمكن عشان لسه متعرفين علي بعض من قريب "
هزت فرح رأسها قبل أن تقول بإستفهام
" وأنتي عرفتي إلي حصل لجنه إزاي ؟"
أجابتها بهدوء
" أتصلت علي موبايلها فردت عليا الممرضه و قالتلي إلي حصل"
بدا عذر معقول و لكنها لا تعلم لما لم ترتح لتلك الفتاة فقالت لها بتهذيب
" شكرًا علي سؤالك وأنك كلفني نفسك و جيتي لحد هنا بس جنة للأسف نايمه و مش هتقدر تقابلك دلوقتي "
الفتاة بحزن
" يا خسارة .. كان نفسي أشوفها و أطمن عليها أوي . طب ممكن أبص عليها حتي و هي نايمه و أخرج علي طول "
إحتارت فرح في أمرها كثيرًا و لكنها وافقت علي مضض لتتخلص منها فقالت بملل
" تمام . أتفضلي "
فتحت باب الغرفه و دلفت للداخل تتبعها الفتاة التي ما أن رأت جنه حتي إرتسم حزنًا زائفًا علي ملامحها و هي تقول بتأثر مصطنع
" يا حبيبتي يا جنه. دي شكلها متبهدل أوي "
شاهدت دموع الفتاة التي تساقطت علي خديها و لم تجيبها بل ظلت تناظرها و كأنها تخترقها من خلف ستار نظاراتها . طال تأملها و طال صمت الفتاة و التي تنحنت قبل أن تقول بخفوت
" ممكن لو سمحتي أدخل الحمام أغسل وشي ؟"
إبتسمت فرح ابتسامه بسيطه و قالت بود
" طبعا . طبعا أتفضلي ."
توجهت الفتاة الي الحمام و الذي كان يقابل سرير جنة فما أن دخلت حتي أخرجت آله تصوير صغيرة نوعًا مخبئه بين ملابسها الفضفاضه و قامت بمواربه باب المرحاض بمساحه كافيه لعدسه آلتها حتي تلتقط صورة جنة النائمه بعمق مبعثرة الهيئه .
ما أن التقطت صورتان حتي فُتِح الباب فجأة علي مصرعيه و ظهرت فرح التي علمت بأن هذه الفتاة تخبئ شيئًا ما و قد ظنت بأنها يمكن أن تكون صحافيه متخفيه و قد صدق ظنها فقامت بجذب آلة التصوير بعنف من بين يدها و هي تقول بغضب مكتوم
" كنت شاكه إنك وراكي حاجه .."
جفلت الفتاة من ما حدث و أخذت توزع نظراتها بين فرح و يدها الممسكه بآلة التصوير الخاصة بها و لكن قطع نظراتها يد فرح التي إمتدت تجذبها من يدها بعنف تجرها إلي الخارج و الفتاة تتوسل إليها حتي تتركها و تعطيها الكاميرا الخاصه بها و ما أن وصلوا الي الخارج حتي دفعتها فرح بقوة و هي تصرخ بغضب
" أنتي بني آدمه معندكيش إحساس و لا دم وصلت بيكي القذارة أنك تلعبي علي مشاعر الناس عشان تكشفي سترهم . "
حاولت الفتاة التقرب من فرح و هي تقول من بين بكاءها
" أنا والله مقصدتش أرجوكي إديني الكاميرا بتاعتي "
هنا تدخل أحد رجال الحراسه قائلًا لفرح بإحترام
" عن إذنك يا فرح هانم اتفضلي أنتي و إحنا هنتعامل معاها ."
تفرقت نظرات فرح بين عينان الفتاة المتوسله و الدمع يتقاذف منها و بين الرجل الذي حتمًا سيخبر سيده و قد يؤذي هذه الحمقاء و هذا ما لا تريده لذا قالت فرح بصرامه
" انا هحل الموضوع . "
وجهت أنظارها إلي الفتاة متابعه بتقريع
" أنا هعدي إلي حصل دا عشان عواقبه هتكون وخيمه عليكي و في المقابل هاخد الكارت بتاع الكاميرا.. و أياكي أشوف وشك هنا تاني "
أوشكت الفتاة على الحديث فأوقفتها فرح قائله بحدة
" و لا كلمه و إلا هديهم الكاميرا و مش هتشوفيها تاني .."
أطرقت الفتاة برأسها في حين أن فرح قامت بإخراج الكارت من آله التصوير و أعطتها إياها مرفقه بها نظرات محتقرة تقبلتها الفتاة بحنق مكتوم و توجهت إلي الاسفل
" فرح هانم !"
التفتت فرح علي نداء أحد الحراس و قد ضايقها هذا اللقب الذي كان يرفقه مع اسمها فقالت بصرامه
" أسمي آنسه فرح بلاش هانم دي لو سمحت ."
اومأ الرجل برأسه و أعطاها الهاتف و هو يقول بإحترام
" الباشا عايزك "
لا تعرف لما شعرت بالتوتر حين أخبرها بأنه يريدها و إزدادت دقات قلبها ربما لأنها كانت متأكدة من أنها ستخوض شجارًا معه كعادتهم أو لسبب آخر ربنا لا تعرفه . لذا حاولت سحب أكبر قدر من الأكسجين بداخلها حتي تستعيد بعضًا من هدوئها الذي تجلي في نبرتها حين أجابت
" ألوو"
من البدايه و هو متحير في أمر تلك المرأة لديها كبرياء قوي لم يره مسبقًا في إمرأة تحمل همومًا أقوي بكثير من طاقتها. يكاد يُجزِم بأنها تشتهي الإنهيار و حينما تكون علي حافته تتراجع و تعيد هيكلة بنائها لتقف شامخه من جديد . و تلك القناعه التي لم يصدقها في البدايه و لكنه الآن في طريقه للإيمان بعصاميتها التي تدعيها.
أتاه صوتها الهادئ من الهاتف لينفض تلك الأفكار من رأسه و هو يقول بفظاظه
" متتصرفيش تاني من دماغك . أنا مش سايب الرجاله إلي عندك دول صورة !"
جفلت من لهجته الفظه و لكنها حاولت إستفزازه إذ قالت بتعالي
" مبتصرفش غير بدماغي . و بالنسبه لرجالتك قولتلك مش محتاجينهم و أظن دلوقتي أنت أتأكدت "
تضمنت لهجته سخريه مبطنه و لكنها شعرت بها من مغزي كلماته حين قال
" أتأكدت فعلًا ! لولا الرجاله إلي مش عاجبينك دول مكنتش البنت إلي صعبت عليكي دي هتمشي غير و هي واخده الفيلم حتي لو علي جثتك ! "
تعلم بأنه قد يكون محقًا فهي علي الرغم من عفوها عن تلك الفتاة و لكنها لمست الحنق و البغض في نظراتها و لكنها أبت التراجع إذ قالت بعنفوان
" قولتلك قبل كدا و هقولها تاني أنا أقدر أدافع عن نفسي و عن أختي كويس "
سالم بتهكم تجلي في نبرته حين قال
" و ماله هشوفك هتعملي إيه مع جيش الصحافيين إلي واقف تحت !"
اقشعر بدنها للحظه و هي تتخيل نفسها تقف في مواجهه كل هؤلاء الملاعين أمثال تلك الفتاة معدومه الضمير فحتمًا سيسحقوها تحت أقدامهم في سبيل الوصول إلي مبتغاهم
تحدث سالم بتقريع خفي و تهكم جلي
" بالظبط زي ما أتخيلتي . عشان كدا أسمعي الكلام من سكات لحد ما نشوف هنتصرف ازاي !"
إغتاظت من حديثه و غروره و تعجرفه و لكن لفت إنتباهها كلمته الأخيرة في ماذا سيتصرفون ما المشترك بينهم حتي يقول تلك الكلمه و هي تدرك بأن كلماته البسيطه و التي يمكن أن تعد علي أصابع اليد لا يمكن أن تخرج جُزافًا لذا همت بسؤاله عن ما يعنيه و لكنها تفاجأت بذلك المتحذلق يغلق الهاتف في وجهها فأغمضت عيناها و قد تمكن الغضب منها للحد الذي جعلها تود لو تطحن عظام الهاتف بين يديها و لكن صوت ضوضاء قادمه من الاسفل أخرجها من بؤرة الغضب تلك لتتفاجئ بعد ثوان بجيش الصحافيين الذين كانوا ينتظرون بالأسفل و الآن يهرولون تجاهها فلم تشعر بنفسها سوي و هي تدخل إلي غرفة شقيقتها بلمح البصر و تقف مستندة بظهرها علي الباب الذي توقعت أن يتحطم فوق رأسها بأي وقت فاغمضت عيناها بشدة إلي أن هدأت تلك الضوضاء في الخارج و قد أيقنت بأن الحراس قد صرفوهم و هنا دونًا عنها حمدت ربها كثيرًا لوجودهم في الخارج .
شعرت بالحرج للحظات و هي تتخيل وجه ذلك المغرور يناظرها بتشفي قائلًا
« أين شجاعتك الواهيه ؟ »
زفرت بحدة و أخذت تلعنه بداخلها هو و عائلته أجمع و لكنها توقفت ما أن رأت سرير شقيقتها فارغًا فتوجهت علي الفور إلي المرحاض لتستمع إلي صوت المياة الآتي من الداخل فإرتاحت قليلًا و لكنها ظلت تقف أمام الباب لا تعلم السبب و لكن كان قلبها يُنذِرها بأن شيئًا سيئًا علي وشك الحدوث .
مرت دقائق قليله و مازال صوت المياة بالداخل فحاولت النداء علي شقيقتها و لكنها لم تتلقي إجابه لذا لم تستطع منع نفسها من فتح باب المرحاض لتجحظ عيناها بصدمه و هي تراها مُلقاه فوق أرضية المرحاض غارقه بدمائها ..
***************
بعد مرور ساعه كانت فرح تقف أمام غرفة العمليات تحتضن كتفيها بذراعيها مستنده علي الحائط وحدها و عبراتها تتقاذف من مقلتيها بصمت عاجزة عن الحراك فمنذ أن رأت مظهر شقيقتها غارقه بدمائها حتي ظلت تصرخ بقوة الي أن آتي الحراس و الأطباء الذي قاموا بنقل « جنه »علي الفور إلي غرفه العمليات لمحاولة إنقاذها .
بينما هي ظلت تقف أمام الغرفه تنتظر خروجها سالمه و عقلها يرفض أي روايه آخري قد تخلو منها .
كانت ترتجف لا تعلم بردًا أم خوفًا و لكن هذه اللحظه هي الأكثر ضعفًا في حياتها . لطالما كانت قويه لا تهاب شئ فمنذ وفاة والدها أصبحت هي عمود عائلتهم الصغيرة و المتصرفه بكل أمورهم و لكنها الآن تشعر بنفسها عاجزة ضعيفه هشه . ترتجف بصمت و قلبها يتضرع إلي الله أن ينقذ شقيقتها فبدونها لن تستطيع العيش لحظه واحده ...
كان يأكل الأرض بخطواته و هو يتوجه إلي غرفه العمليات للإطمئنان علي تلك الغبيه التي لا تزيد الأمور إلا سوءًا فما أن أخبره رجاله بما حدث حتي هرول إلي المشفي للإطمئنان عليها و للحق كان هناك شعورًا بالقلق يتسلل بداخل قلبه علي تلك التي تدعي قوة لا تملكها و لكنه كان يتجاهل هذا الشعور نافيًا عن نفسه أي شبهه إهتمام بها . ليتفاجئ ما أن رأي ذلك الجسد الصغير الذي بدا لطفله في العاشرة من عمرها تقف وحيدة خائفه تحتضن جسدها بيدين مرتعشتين و أقدام للحظه شعرت بأنهم غير قادرة علي حملها فأسندت رأسها علي الحائط خلفها و إنزلقت ببطئ حتي إفترشت الأرض من تحتها و رأسها ملقي للخلف فكان مظهرها المنهار هذا جديدًا كليًا عليه فقد عهدها دائمًا قويه صلبه و برغم معرفته بأن صلابتها ما هي سوي جدار تخفي به وهنها إلا أن مظهرها ذلك و لسبب غير معلوم قد آلمه .و بعث في نفسه شعور بعدم الراحه فتوقف بمنتصف الرواق و قد إنتابه التردد الذي قلما يزوره و لكنه حقًا لم يكن يعلم هل يتقدم لمواساتها و هو دور لا يتقنه أبدًا أم يتراحع و يتركها و لكنه شعر بالرفض لتلك الفكرة بقوة لذا تقدم بخطوات سُلحفيه إلي حيث تجلس و كلما كان يقترب أكثر كلما يتوضح مظهرها المزري و الذي لم يعهده أبدًا .
توقف أمامها و قام بإخراج أحدي المحارم الورقيه يمدها إليها و هو يقول بنبرة هادئه رزينه
" أنسه فرح !"
جفلت عندما شاهدت المنديل الورقي الممدود إليها و علي الفور عرفت لهجته التي و لأول مرة كانت خاليه من أي تهكم و سخريه بل لمحت بها شئ من التعاطف و الذي لقي صداه بعينيها التي حين إرتفعت إليه إرتسم بها الضعف للحظه قبل أن تلقي به جانبًا و تهب من مكانها متجاهله يده الممدودة أمامها و قامت برفع رأسها تناظره بشموخ قائله بلهجه متحشرجه
" إيه إلي جابك ؟"
عادت القطه لتهاجم مرة ثانيه و قد راق له ذلك فقد أغضبه و ربما آلمه مظهرها المنهار لذا رؤيتها تحاول التوازن هكذا أراحه قليلًا فعادت لهجته لجفاءها السابق حين قال بإختصار
" مش شغلك . "
أرتفع إحدي حاجبيها الجميلين و أتسعت غابتها الخضراء من وقاحه ذلك الرجل فخرج الكلام منها غاضبًا تغلفه السخريه
" يمكن عشان إلي جوا في أوضه العمليات دي أختي !"
تجاهل سخريتها و غضبها المتقد في نظراتها و قال بفظاظه
" إيه الي حصل عشان تعمل في نفسها كدا ؟"
للحظه ظهر الألم الممزوج بالحيرة علي ملامحها و لكنها أتقنت إخفاءه حين أجابت ببساطه
" معرفش ! أنا كنت بره و دخلت ملقتهاش و سمعت صوتها في الحمام و لما أتأخرت دخلت أشوفها لقيتها .."
توقفت الكلمات علي أعتاب شفتيها و أبتلعت ألمها الذي يشق قلبها لنصفين بمهارة ليفهم ما ترمي إليه فقال بإستفهام
" حصل بينك و بينها حاجه ؟"
خرج الطبيب في تلك الأثناء و طمأنها علي حالة جنه التي تم إنقاذها بأعجوبه و أخبرها بأنه سيتم نقلها إلي غرفتها بعد نصف ساعه فخرجت منها زفرة إرتياح قويه و حمدت ربها كثيرًا لتأتيها نبرته الصارمه حين قال
" مجاوبتنيش . حصل حاجه بينك و بينها تخليها تفكر تتتحر ؟"
رفعت رأسها تناظره بغموض قبل أن تقول مستفهمه
" حاجه زي إيه ؟"
سالم بترقب و عيناه لا تحيد عنها
" شديتوا في الكلام مثلا !"
فرح بإختصار
" لا !"
سالم محاولًا الضغط عليها أكثر
" أومال هي هتحاول تموت نفسها كدا من الباب للطاق ؟ "
أغضبتها لهجته و طريقته معها و كأنه يستجوبها لذا قالت بعنف مكتوم
" بصراحه معرفش . "
أستمر بإستفزازها قائلًا بهدوء
" مش مفروض انتي اختها الكبيرة و تعرفي كل حاجه عنها !"
أرادت إيلامه كما آلمها لذا قالت بتهكم
" زي مانتا أخو حازم الكبير بردو و المفروض أنك كنت عارف عنه كل حاجه !"
إسودت عيناه و أزداد عبوس ملامحه الخشنه تزامنًا مع أنفاسه الحادة التي كانت تتخلل الصمت الدائم الذي قطعه حديثها المتألم حين قالت
" أنا كنت عارفه كل حاجه عن أختي فعلًا. كانت بالنسبالي زي الكتاب المفتوح لحد ما أخوك دخل حياتنا و قلبها و خلاها لأول مرة تكذب و تخبي. ( تابعت حديثها بلهحه مريرة و نبرة أشبه بالإنهيار ) كل المصايب إلي حصلتلنا كانت بسببكوا . لو كنت أتنازلت عن غرورك و سمعت مني مكناش زمانا وصلنا للي وصلناله دلوقتي ! "
لو كانت النظرات تقتل لكانت خرت صريعه في الحال و لكن و بالرغم من مظهره المظلم كانت لهجته خافته و لكن مخيفه حين قال
" و إيه إلي وصلتيله؟ أختك برغم كل حاجه إلا انها معاكي و في حضنك مدفنتيهاش بإيدك تحت التراب مثلًا "
أغمضت عيناها بألم جلي لم تقدر علي إخفاؤه و ودت لو تخبره بأن يكون الإنسان علي قيد الحياة فهذا لا يعني أنه بخير و لكنها أبتلعت غصه مريرة قبل أن تقول بجفاء
" ربنا يرحمه و أيًا كان مين غلط فخلاص إلي حصل حصل و الموضوع أنتهي . و أتمني أن معرفتنا ببعض تنتهي هنا زي ما كل حاجه أنتهت ."
أرتفع إحدي حاجبيه من كلماتها التي كانت ستارًا لشئ تخفيه فأخذت نظراته ترتكز علي ملامحها يحاول ثبر أغوارها و لم يفت عليه إهتزاز حدقتيها و التي لم تفلح نظارتها الطبيه في إخفاء تعابيرها بالكامل . و لكنه بنهايه المطاف أومأ برأسه دون حديث لتتراجع دون وداع ملتفته للجهه الآخري مطلقه ساقيها للريح لتحملها بعيدًا عنه و لكنها توقفت بمنتصف طريقها علي صوته الحاد و لهجته الخشنه حين قال
" دايمًا للقدر آراء بتخالف أمنياتنا و توقعاتنا! "
توقفت للحظه تستوعب جملته فشعرت بخطواته القادمه تجاهها و ما أن أصبح بقربها حتي سمعت صوت أنفاسه الحادة فإلتفتت لتجد أنه أصبح علي مقربه كبيرة منها حتي شعرت بحراره كبيرة منبعثه من جسده إلي جسدها الذي تجمد فجأة عندما سمع لهجته الفظه حين قال
" خليكي فاكرة كلامي دا كويس "
قوست حاجبيها في حركه مستفهمه بادلها هو بإبتسامه ساخرة تجلت في نبرته حين قال
" كملي هروب . خلينا نشوف هتوصلي لحد فين !"
**************
كان يسارع الريح للخروج من هذا المكان فكانت خطواته غاضبه لا تري أمامها تتمني فقط لو بإمكانها أنتشاله من تلك البقعة التي تضم أنفاسها . تلك اللعينه التي البارحه فقط أقسم علي أن يذيقها الويلات و يجعل من حياتها جحيمًا و لكنه الآن كان سببًا في نجاتها و كأن ذنبه السابق لا يكفيه لتأتي مهمه إنقاذها و هي من تلوثت يداها بدم أخيه . أي قدر هذا الذي جعله حاملًا لنفس فصيله دمها الملوثه !
لم يستطع تجاوز صدمته حين هاتفه آخاه الأكبر ليأمره بلهجه لا تقبل الجدال بأن يتوجه إلي المشفي للتبرع بالدماء ! و حين سأله أجابه بمنتهي الهدوء بأنها قامت بمحاولة إنتحار و جاري الآن إنقاذها . اي إنقاذ هذا الذي يتحدث عنه فلتحترق في الجحيم تلك التي تسببت بفجيعتهم الكبري .
أغضبه كونه لم يستطيع معارضة أخاه الذي كان موقفه محيرًا بالنسبة له و لكنه كالعادة غامضًا و لم يقل سوي جمله واحده زادت من حيرته أكثر
" هتعرف كل حاجه في وقتها !"
" اللعنه علي هذا الوقت الذي سيظل يتعذب حتي يحين قدومه ."
هكذا أخذ يلعن و هو يدير محرك سيارته التي إندفعت بسرعه جنونيه كجنون صاحبها ..
***************
بعد مرور ثلاث اشهر ..
ترجلت الفتاتان من السيارة لتقف فرح تتطلع إلي المبنى الشاهق أمامها و هي تقول بعدم فهم
" إحنا رايحين فين يا جنة ؟'
ناظرتها جنة بعينان جامدة لا حياة بها و ملامح مرهقه لا روح فيها ثم التفت تنظر أمامها و هي تقول بخفوت
" هتعرفي جوا "
لم تجادل « فرح » كثيرًا بل توجهت خلف شقيقتها التي فاجأتها حين دخلت إلي إحدي عيادات طب النساء و التي لصدمتها كانت خاليه تمامًا إلا من ممرضه بدا و كأنها تنتظرهم فما أن وصلوا حتي أدخلتهم إلي الطبيبه التي كانت تناظرهم بإرتباك خفي تجلي في رجفه يدها حين رفعتها لتسلم علي فرح التي جلست بهدوء تنقل نظرها ما بين الطبيبه و شقيقتها التي أخيرًا تحدثت قائله بثبات ظاهري
" أنا حامل يا فرح !"
برقت عيناها و قد أوشكت علي الخروج من محجريها حين سمعت جملة «جنة» و التي تابعت الحديث من بين دموع صامته تجري علي وجنتيها
" و جايه النهاردة عشان أنزله !"
مر بعض الوقت قبل أن تستطيع « فرح » الحديث و الذي بدأ ثقيلًا علي شفتيها فقد كانت تطالع شقيقتها بعدم تصديق فهل تلك الفتاة الجالسه أمامها هي الطفله البريئه التي ربتها طوال عمرها ؟ هل ما يحدث معهم حقيقه بالفعل أم كابوس مرعب ستستيقظ منه في أي لحظه ؟
نظرت إلي الطبيبه التي فهمت ما تريد فتعللت بإجراءها مكالمه مهمه و خرجت ليأتي صوت « جنة » التي قالت برجاء خفي في صوتها المبحوح
" متسكتيش أرجوكي يا فرح . "
خرج الكلام منها باردًا مصاب بخيبه أمل كبيرة إرتسمت علي ملامحها الحزينه
" عيزاني أقول إيه ؟ أنا مش مصدقه أنك قاعدة قدامي بتقولي الكلام دا ؟ "
« جنة » بإنفعال
" و لا أنا يا فرح قادرة اصدق . بس دا أمر واقع و لازم نتصرف قبل فوات الأوان !"
إتقدت مقلتيها غضبًا فهبت من مكانها تقول بقسوة
" نتصرف ! تعرفي إنك حامل و تخبي عني و تجبيني لحد هنا علي ملا وشي و تحطيني قدام أمر واقع و تقوليلي نتصرف ! "
إرتجفت من مظهر شقيقتها الغاضب فقالت بضياع
" أنا عملت كدا عشان عارفه أنك عمرك ما هتوافقي . قولت أحطك قدام الأمر الواقع و أشيل أنا الذنب "
فرح بصراخ
" أي ذنب بالظبط يا جنه ؟ أنتي بقيتي غرقانه في الذنوب من ساسك لراسك . "
جنه من بين انهيارها
" طب إيه الحل . أنا تعبت أوي يا ريتني مت و إرتاحت "
فرح متجاهله تلك النغزة بصدرها قائله بلهجه حادة
" أي حل في الدنيا هيبقي أحسن من أنك تقتلي روح ربنا كتبلها الحياة جواكي."
جنة بألم
" يموت دلوقتي أحسن ما يموت ألف مرة لما ييجي الدنيا دي و يلاقي نفسه من غير أب . عارفه الناس هتبصله إزاي ؟"
كان حديثها مؤلمًا علي تلك التي كانت ترتجف داخليًا و لكنها أبت أن تظهر ذلك فقالت بصوت قاتم
" أنا هسأل محامي و هعرف إيه الإجراءات إلي مفروض تتاخد و أكيد الورقه إلي معاكي دي هتثبت أن الولد إبن حازم "
أرتجف جسدها حين تذكرت توعد ذلك الرجل «سليم الوزان »بأن تلاقي الجحيم علي يديه و حينها هبت من مقعدها تقول بلهفه
" أنتي نسيتي أخواته يا فرح دول ممكن يفكرونا طمعانين فيهم و يبهدلونا دا غير الفضايح.. أنا مش قادرة أنسي شكل سليم دا و هو بيهددني .
أنا مبنمش من وقتها . مش عايزة أي حاجه تربطني بالناس دي . أرجوكي يا فرح سييني أتخلص من الحمل . دا الحل الوحيد "
عند إنهاءها جملتها وجدت الطبيبة تدخل من باب الغرفه و سألتها أن كانت مستعدة فلم تستطع «فرح» الإجابه وكأن حواسها كلها توقفت عن العمل لتجيب جنة بنبرة مهزومة
" آه مستعدة "
أمرتها الطبيبه بلطف أن تذهب للغرفه الآخري حتي تتجهز فاقتربت من شقيقتها تمسك بيدها قائله بتوسل
" أرجوكي سامحيني يا فرح . مقداميش حل غير دا .."
لم تجيب فرح بل تقاذف الدمع من مقلتيها مصطدمًا بنظارتها الطبيه يحجب عنها الرؤيه فشددت «جنه» من قبضتها فوق كفوفها و قالت برجاء
" هستناكي جوا . عيزاكي تكوني جمبي "
خرجت جنه تاركه فرح في موجه من الإنهيار و التي قطعها فجأة هاتف قال بإصرار في أذنها أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا . و أن ما يحدث جريمه نكراء. عند هذا الحد توقفت فجأة تمسح عيناها و هي تقول بتصميم
" لازم أمنع الجريمه دي فورًا "
و تقدمت نحو الباب بلهفه تفتحه لتتجمد الدماء بعروقها حين وجدت ذلك الجسد الضخم يسد عنها الطريق و تلك العينان التي كانت سوداء قاتمه توحي بأن صاحبها علي وشك إرتكاب جريمه قتل فخرجت الحروف من فمها مهتزة
" سالم !"
كانت نظراته محتقرة و لهجته ساخرة تعج بالقسوة و العنف
" مش قولتلك أن القدر دايمًا له رأي تاني عكس ما بنتمني "
يتبع .......
بارت طويل اهوة عايزة تفاعل بقي و و ياريت اعرف توقعاتكوا لالي جاي
أن شاء الله البارت الجاي هيكون يوم الثلاثاء ♥️
بحب كومنتاتكوا الي بين الفقرات اوي و رأيكوا في الخواطر ♥️
متنسوش يا حلوين ( فوت+كومنت+فولو ليا ♥️)
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري
الصدمه التي لا تقتلك ستجعلك أقوى بكل تأكيد ! مقوله أشبعتني ضحكًا حد البُكاء ! فبساطة كلماتها تتنافى تمامًا مع ذلك الدمار الهائل الذي يتلو صدمتك فيقودك إلى حافه الموت لتتجرع سكراته كامله و حين توشك على إغماض عينيك طالبًا الراحه يعود بك إلى واقع مرير فتجد نفسك مُجبرًا على مُجابهته بقوة نابعه من جرح عميق حفرته تلك الصدمه التي بالنهايه لم تقتُلك !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تناظره بعينان متسعه و قلب ينتفض بين ضلوعها لتسري رجفه قويه في سائر جسدها بينما تاهت الكلمات من علي شفتيها أمام نظراته المسلطه فوقها و التي كانت مختلفه عن نظراته السابقه لها فقد بدت و كأنها قاسيه غاضبه محتقرة !
لم تستطع التفوه بحرف واحد و خاصةً حين وجدته يتقدم إلي الغرفه بينما تراجعت هي للوراء و قد دب الذعر بقلبها حين سمعت لهجته الساخرة التي تُخفي بجوفها غضبًا مريرًا كان جليًا في عيناه
"مش عادتك تسكتي ! القطه كلت لسانك و لا إيه ؟"
حاولت تجاوز صدمتها و أخذت نفسًا قويًا كان معبًأ برائحته الرجوليه التي تغلغلت إلي أنفها و جعلت جميع حواسها تتنبه و لأول مرة تظهر إنفعالاتها بمثل هذا الوضوح أمامه و لكن غضبه كان يطمس كل شعور لديه في تلك اللحظه و قد كان صمتها يزيد من غضبه و لكنها أخيرًا إستطاعت السيطرة علي نفسها و قطع ذلك التواصل البصري بينهم و الذي كان يعج بعتاب مشحون غاضب و خرجت كلماتها بلهجه جافه كجفاف حلقها
" أنت جيت هنا إزاي ؟"
خرجت من بين شفتيه ضحكه خافته قاسيه خاليه من المرح أتبعها بحديثه الذي تتساقط الإتهامات من بين سطوره
" هو دا إلي فارقلك ! جيت هنا إزاي ! "
كانت نظراته تقتنص ارتباكها الذي ظهر لأول مرة جليًا علي ملامحها فقد كانت في موقف لا تُحسد عليه عالقه في شباك نظراته التي تجعلها تتفوه بالحماقات و تقف سدًا منيعًا بينها و بين التفكير بتعقل بينما هو تابع قائلًا بعنف بكتوم
" مع إن مفروض أنا إلي أسألك بتعملي إيه هنا ؟ "
أبتلعت غصة مؤلمه و حاولت أن تشحذ بعضًا من قوتها التي تبعثرت بحضوره و قالت بجمود
" مدام عرفت مكاني يبقي عرفت أنا هنا بعمل إيه ؟"
تشكلت غصه في حلقه حين سمع كلماتها التي لم يكن بها أي ذرة تأنيب ضمير أو هكذا ظن لتخرج الكلمات من فمه مُحمله بأكبر قدر من الإحتقار
" جايه تشاركي في قتل روح بريئه ملهاش ذنب في أي حاجه !"
إستقر إتهامه بمنتصف قلبها ليشطره إلي نصفين و قد ظهر ذلك الألم بعيناها التي كانت تخفيها تحت إطار من الزجاج حجب عنه رؤيه عذابها و لكنه تجلي في نبرتها حين قالت بعتاب خفي
" صدقت أو مصدقتش أنا معرفتش أنا هنا ليه غير من خمس دقايق بس . و عمري ما كنت هشارك في ذنب زي دا "
قاطعها بقوة و نبرة حادة
" و سبتيها تدخل أوضه العمليات ليه ؟"
تهدجت نبرتها و خرج صوتها متحشرجًا حين قالت و هي تُحارب عبراتها
" مكنتش قادرة أستوعب إيه إلي بيحصل . الوقت بين لما عرفت أنها حامل و لما عرفت أنها جايه تنزله ميتعادش عشر ثواني ."
لأول مرة تكن لهجتها ضعيفه بذلك الشكل ! كان هناك صوت بأعماق قلبه يصدقها و لكن غضبه كان يخرس كل شئ حوله و لا يستوعب سوي حقيقه واحده أنه لو لم يتدخل في الوقت المناسب كان سيخسر الشئ الوحيد المتبقي من أخاه المتوفي لذا تجاهل هذا الألم الجلي علي ملامحها و قال بخشونه
" أحمدي ربنا إني أدخلت في الوقت المناسب و إلا .."
إستيقظت روحها الثائرة بداخلها ما أن سمعت كلماته المهددة فإنتزعت الباقي من إرادتها و قالت بقوة
" متهددنيش ! "
سالم بلهجة هادئه و لكن قويه توازيها نظرات محذرة
" مبهددش ! أنا بعرفك عشان تفكري ألف مرة قبل ما تعملي حركه غبيه زي دي تاني!"
فرح بتحدي
" لو فاكر إنك كدا بتخوفني تبقي غلطان !"
سالم بهدوء ظاهري و نبرة عميقه بينما عيناه تبحر فوق ملامحها بغموض
" لا مخوفك ! وبلاش تخليني أخوفك أكتر و أستخدم معاكي أسلوب أنا مابحبوش !"
« اللعنه عليك !» كان هذا أول ما تفوهت به بداخلها فذلك الرجل بغيض لدرجه جعلتها لا تستطيع التواجد معه في مكان واحد فالتفت تنوي مغادرة الغرفه و ما أن همت بتجاوزه حتي إمتدت يده تقبض علي معصمها بقوة آلمتها فتوقفت علي الفور و قد شعرت بطبول تدق بين ضلوعها إثر ملامسته لذراعها و علي مهل أدارت رأسها تواجهه لتشتعل حربًا صامته بين أعينهم دامت لثوان قبل أن تقطعه لهجته المحذرة حين قال من بين أسنانه
" لآخر مرة هحذرك ! لما أكون بكلمك أوعي تمشي و تسبيني ! "
حاولت رد الصاع صاعين و لكن بطريقتها فقالت بإستفزاز
"إيه دا هو انت مكنتش خلصت !"
تحركت تفاحه آدم التي تتوسط عنقه بينما أشتدت قبضته علي ذراعها مما يدل علي محاولته إبتلاع غضبه التي زاد من إشتعاله أستفزازها و قال بصرامه
" كلامنا لسه مخلصش . هروحك أنتي و الغبيه إلي جوا دي و بعدها نتكلم عشان نحط النقط عالحروف "
كانت هذه أكبر جمله تفوه بها منذ أن عرفته لذا كانت تعلم أن خلف حديثه هذا أشياء لن تعجبها و لكنها آثرت تأجيل كل شئ حتي تطمئن علي شقيقتها فقامت بتوجيه نظراتها إلي قبضته الممسكه بذراعها فخففها تدريجيًا إلى أن تركها فقالت بإختصار
" هروح أطمن علي جنة "
*************
كانت جنة مستلقيه علي سرير الكشف و الطبيبه تقوم بتمرير جهاز الموجات فوق معدتها و فجأة صدح صوت قوي لنبضات صغيرة جعلت كل خليه في جسدها ترتجف فنظرت إلي الطبيبه التي قالت بوقار
" سامعه صوت قلبه !"
دون حديث إنهمرت الدموع فوق وجنتيها و شعرت بأن قلبها علي وشك الخروج من مكانه من فرط التأثر
كانت تشعر و كأن نبضاته تعاتبها علي جريمتها التي كانت علي وشك إرتكابها في حقه فلم تستطع الإجابه علي سؤال طبيبتها التي قالت بتأثر
" لما جتيلي و قولتيلي إنك عايزة تنزلي البيبي أول حاجه جت في بالي إني أطردك فورًا بعد ما أديكي الدُش المتين. بس لما عيني جت علي إيدك إلي كنتي بتحضني فيها بطنك و كأنك بتحمي إلي جواها من نفسك و خدت بالي من شفايفك إلي بترتعش قولت دي مش منظر واحده عايزة تضحي بضناها أبدًا . قولتلك أتفضلي عشان أكشف عليكي بس وقتها مكنش لسه في نبض عشان كدا أديتك ميعاد النهاردة بحيث تيجي في الوقت إلي يبقي قلب الطفل بدأ ينبض و كنت واثقه أنك بعد ما تسمعي صوت قلبه عمرك ما هتقدري تضحي بيه . أنا معرفش ظروفك إيه بس صدقيني ربنا مأردش أنك تحملي فيه إلا إذا كان له حكمه في دا و زي ما زرعه جواكي أكيد هيلطف بيكي و بيه . أحمدي ربنا علي النعمه دي في آلاف الستات بتجيلي هنا عندها استعداد تدفع عمرها كله قصاد انها تبقي أم . بتتمني بس ضافر طفل . استغفري ربنا علي الجريمه إلي كنتي عايزة تعمليها دي . و أحمدي ربنا الف مرة أنه أنقذك في الوقت المناسب "
أنهت الطبيبه حديثها تزامنًا مع دخول «فرح » التي نظرت إلي ملامح شقيقتها المنهارة فهرولت تحتضنها فعلى صوت بكائها و هي تقول يإنهيار
" أنا كنت هموت أبني يا فرح . كنت هقتله بإيدي ."
حاولت فرح تهدئتها فأخذت تمرر يدها فوق رأسها المُلقي بين أحضانها وهي تقول بتأثر
" أحمدي ربنا أنك اتلحقتي في الوقت المناسب يا جنة . "
جنة بإنهيار
" أنا سمعت صوت قلبه يا فرح دا زي ما يكون بيعاتبني و بيقولي إزاي جالك قلب تفكري تعملي فيا كدا .."
هطلت العبرت من مقلتيها تأثرًا بحديث شقيقتها فشددت من إحتضانها و قالت بخفوت
" أهدي يا جنة عشان خاطره هو . أنفعالك دا غلط عليه .."
هدأت حدة بكائها قليلًا و لكن أستمر خيط الدموع بالنزول في صمت و أخذ لسانها يردد عبارات الحمد بينما « فرح» رفعت رأسها للطبيبه و ناظرتها بإمتنان قابلته هي بابتسامه هادئه و ناولتها ورقه بها بعض الادويه و العقاقير بعد أن أعطتها التعليمات اللازمه للحفاظ علي الجنين ..
كانت تحتضن شقيقتها متوجهه إلي الخارج تنوي العودة إلي المنزل لتجده ييقف بسيارته أمام البنايه فخرجت منها زفرة تعبه فهناك مواجهه وشيكه ستحدث بينهم و لكنها كانت تفضل أن تحدث في غياب «جنة» التي إرتجفت حين رأته فمالت عليها « فرح» قائله بطمأنه
" متخافيش أنا جمبك "
لم تُمانع حين رأته يقوم بفتح الباب الخلفي لشقيقتها التي أطاعته بصمت هي الآخري بينما أرسلت لها «فرح » إبتسامه مطمئنه قبل أن تقوم بالتوجه الي الكرسي الأمامي بجانبه و أنطلق بالسيارة متوجهًا إلي منزلهما الذي و لدهشتها وجدت أنه يعرفه فقد وصل إليه في وقت قياسي فإلتفتت تلقي عليه نظرة غاضبه قبل أن تترجل من السيارة لتقوم بمساعدة شقيقتها في الدخول إلي المنزل و لكنها توقفت تلتفت إليه قائله بلهجه باردة
" أتفضل نتكلم جوا "
أومأ برأسه و تبعها فقامت بفتح باب الشقه و الدلوف إلي الداخل و بجانبها «جنة» المتشبسه بيدها و كأنها طوق نجاتها و قد كانت كذلك بالفعل فقد أقسمت بداخلها بأن تحميها هي و طفلها مهما كان الثمن .
" أظن مش محتاج أنبه عليكي تخلي بالك من نفسك و من إلي في بطنك "
توقفت الفتاتان في منتصف الطريق المؤدي لغرفه «جنه» و التي كانت أمام صاله الاستقبال المتوسطه المساحه حين سمعوا جملته التي كانت تخفي تهديدًا واضحًا تجلي في لهجته الصارمه فإلتفتت إليه فرح تلقي عليه نظرة حانقه و قبل أن تجيب خرج صوت شقيقتها خافت مرتعش
" عمري ما هفكر أأذيه أبدًا "
كانت نبرتها مرتعشه و لكنها صادقه و قد لمس هذا الصدق بها لذا لم يتابع بل جلس علي إحدي المقاعد خلفه بأريحية جعلت الغضب يتمكن منها من ذلك المتعجرف الذي إعتاد إلقاء الأوامر ثم يجلس بهدوء و كأنه في بيته «تبًا له »
كان يناظر غضبها بنظرات متسليه فتحديها له يروقه و إنتصاره الدائم عليها له مذاق لذيذ لا يعرف كنهه فتلك المرأة تثير فضوله بشكل غير مسبوق . خوفها الذي تخفيه خلف قناع من القوة الواهيه يجعله يريد الفتك به بلحظه و باللحظه الآخري يشعر بالألم حين يري ضعفها. بيد يريد تحطيم رأسها اليابس و الذي يهوي القتال أمامه و باليد الآخري يريد أن يطيب جراحها و يبثها أمان يعلم أنها تحتاجه .
لم يكن يهتم بالنساء كثيرًا و قد كان هذا يثير فضول من حوله . لم تجذبه إمرأه منذ سنوات طويله و لكن تلك المرأة منذ أول لقاء لهم شعر بشئ مميز بها . فبالرغم من جرأتها و مناطحتها له إلا أنها من كلمات بسيطه تتحول إلي فتاه خجوله مراهقه .
مزيج غريب أثار فضوله يعلم أن خلف قناع المعلمه الجادة الذي ترتديه توجد أنثي مختلفه كثيرًا . و بداخله رغبه كبيرة في التعرف إليها ..
أخيرًا أطلت عليه بعد أن أطمأنت أن شقيقتها آمنه في غرفتها و قد أخذت كل أدويتها التي توقف بمنتصف طريقهما ليحضرها رافضًا أن تقوم هي بجلبها و كأنه يريد أن يخبرها بأنه سيتابع كل شئ بنفسه بعد الآن .
أخذت نفسًا عميقا قبل أن تتوجه إلي حيث ينتظرها فقد جاءت لحظة المواجهه التي لا تعلم لما كانت خائفه منها بهذا الشكل .
قبل أن تخرج حانت منها إلتفاته بسيطه لمظهرها فقد بدت ملامحها هادئه عاديه وجه طبيعي باللون الخمري الذي يتسم بحمرة طبيعيه علي الوجنتين و شفاه ممتلئة امتلاءًا طبيعيًا ذا لون وردي هادئ و نظارات طبيه تخفي غابتها الزيتونيه و التي هما أكثر شئ مميز بها و كالعادة كانت تعقص شعرها علي هيئه كعكه تهدئ من جنونه و تطيح بجماله المتمرد و لكن كان هذا الشكل هو ما تحتاج أن تظهر عليه . فهو يعطيها وقارًا تستمد منه قوتها التي تحتاجها في مواجهه الحياة .
توقفت أمامه تناظره بهدوء تجلي في نبرتها حين قالت
" تشرب إيه ؟"
سالم بهدوء يماثل هدوئها
" و لا حاجه . خلينا ندخل في الموضوع علي طول "
أبتلعت ريقها بتوتر حاولت إخفاؤه و تقدمت لتجلس أمامه علي الأريكه ذات الألوان البيضاء المريحه للعين و من ثم رفعت انظارها إليه و هي تقول بهدوء
" موافقه . بس الأول في كام سؤال محتاجه أعرف إجابتهم منك "
رفع إحدي حاجبيه مستفهمًا فتابعت قائله بوضوح
" عرفت موضوع حمل جنة إزاي ؟ و عرفت مكاننا إزاي ؟ ياريت كل شئ يبقي واضح بينا معدش فيه مجال نكذب و لا نخبي كل حاجه إنكشفت خلاص "
ناظرها طويلًا قبل أن يقول بنبرة ذات مغزي و عيناه تقتنص وقع الحديث علي ملامحها
" عرفت بالحمل تاني يوم الحادثه !"
تفاجئت من حديثه و قالت بصدمه
" نعم ! هو كان في حمل اصلًا وقتها ؟"
لاحت إبتسامه ساخرة علي جانب شفتيه قبل أن يقول بتقريع خفي
" أومال الحمل حصل بعدها !"
جفلت من حديثه الساخر و تابعت بغضب مكتوم
" أقصد أن مكنش في أي أعراض. الدكتورة قالتلنا النهاردة أنها في نص الشهر التالت . يعني لو حسبنا من تاني يوم الحادثه زي ما بتقول يبقي كان لسه في أوله و لا يمكن يكون ظهر في الكشف "
سالم بإختصار
" بس بيظهر في الدم !"
فرح بإستفهام
" و مين طلب تحليل دم ؟ جنة مكنتش محتاجه نقل دم يوم الحادثه مجرد كسر في ايديها و كدمات في جسمها "
سالم بهدوء
" أنا طلبت !"
فرح بقوة
" و ليه طلبت ؟"
أجابها بلهجه صارمه
" من غير ليه ؟"
كان تحادثه الند بالند و علي الرغم من هدوء النبرات كانت هناك حربًا مشتعله بين نظراتهم و لم تستطع نظاراتها إخفاء تحديها الصريح له و كأنها تريد أن تصل إلي نقطه ما و هذا ما جعلها تقول بقوة
" طلبت تحليل دم ليه ؟ كنت عايز تتأكد من إيه ؟ متقوليش أنك كنت شاكك أنها حامل ؟"
رفع إحدي حاجبيه و هو يناظرها بينما عيناه تجوبان ملامحها التي بدت واثقه من شئ ما و هذا ما جعله يقول يإختصار
" هاتي إلي عندك ."
شعرت بأنها في مركز قوة و علي وشك تحقيق انتصارًا عظيمًا عليه لذا قالت بتروي و كأنها تدخل كلماتها بعقله
"يمكن لما الدكتور قالك أن حازم الله يرحمه كان شارب مخدرات كنت عايز تشوف هي كمان كانت شاربه زيه و لا لا ؟ "
صدمه معرفتها بالأمر و لكنه كالعادة لم يظهر شئ بل ظلت ملامحه علي حالها حتي أن نبرته خرجت عاديه كما لو أنه لم يتأثر بكل يقال حوله
" حلو طلعتي متابعه و عارفه كل حاجه ."
لو يعلم أنها علمت صدفه عند سماعها حديث الممرضات عن أضرار المخدرات و أنها السبب في ضياع شاب في ريعان شبابه و لكنها إغتاظت من رده كثيرًا و قد ظهر ذلك علي ملامحها و مع ذلك قالت بهدوء
" أكيد لازم أتابع و أعرف كل حاجه و خصوصًا بعد ما أخوك جه و هدد جنه بسبب إلي عملته في أخوه و الحقيقه أن كل إلي حصله و حصلها كان بسببه إدمانه و تهوره "
سالم بلهجة جافه خشنه
" عايزة توصلي لأيه ؟"
فرح بقوة
" إننا لينا حق عندكوا و أظن أنت فاكر وعدك كويس أوي "
كانت تظن بأنها حاصرته و لكنها لم تحسب حساب أبدًا لحديثه الذي جعل الدماء تتجمد بعروقها و خاصةً لهجته القاسيه
" فاكر . بس المفروض قبلها نتأكد إذا كان ليكي حق فعلًا ! "
لا تعلم لما شعرت بالخوف من تلك النظرات ناهيك عن لهجته التي كانت توحي بأن هناك الكثير لم يخبرها به و لذلك تأهبت جميع حواسها حين قالت بترقب
" تقصد إيه ؟"
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيه و كأنها سهام يقصد أن يجعلها تخترق مسامعها
" قبل ما تتكلمي عن إدمان حازم دوري علي إلي وصله لكدا ؟"
فرح بتوجس
" معناه إيه كلامك دا؟"
سالم بإختصار و عيناه علي باب غرفة شقيقتها
" أسأليها ."
حاولت الحفاظ علي هدوئها و قالت بإستنكار
" و جنة إيه علاقتها بالموضوع دا ؟"
سالم بإختصار و بعينان لا تحيد عنها
" هعرف ! و لحد ما أعرف إيه مدي علاقتها بالموضوع هنأجل موضوع حقي و حقك دا .. خلينا دلوقتي في المهم "
شعرت بأن هناك شئ آخر خلف رغبته في الحديث معها لذا قالت بإستفهام
" و هو في أهم من الموضوع دا ؟"
سالم بإختصار
"طبعًا في . "
" إلي هو إيه ؟"
" إبن أخويا إلي كنتوا هتقتلوه النهاردة!"
كانت كلماته قويه توازي قوة عيناه التي توحي بأن هذا الأمر لن يمُر مرور الكرام و بالرغم من غضبها من كلماته إلا أنها أعطته الحق في غضبه لذا قالت بنبرة هادئه نسبيًا
" مكنتش هسمح بدا يحصل أبدًا . و انت شفت بعنيك إني كنت بفتح الباب و رايحه أمنع جنة تعمل كدا لولا إني لقيتك قدامي "
سالم بإختصار
" أفرض حاولت تعمل دا من ورايا أنا و أنتي ؟"
فرح بنفي قاطع
" لا طبعًا عمرها ما تعمل كدا أنت شوفت حالتها كانت عامله أزاي و أزاي كانت حاسه بالندم أنها فكرت في كدا "
أطلق تنهيدة خشنه غاضبه قبل أن يقول بلهجة جافه
" لو هحكم بإلي شفته فأختك غير مسؤوله بالمرة "
فرح بإندفاع
" أنت إنسان غير مُنصف "
سالم بقسوة
" أنا إنسان عملي بحكم عالناس من خلال تصرفاتهم . و تصرفاتها لحد دلوقتي كلها غير مسؤوله "
لا تعلم ماذا دهاها في تلك اللحظه فجل ما تريده هو الدفاع عن شقيقتها فخرج الكلام منها عبثًا حين قالت
" علي فكرة جنة و حازم كانوا متجوزين عرفي!"
ما أن اختتمت جملتها و رأت تلك الإبتسامه البغيضه علي ملامحه حتي لعنت غبائها و خاصةً عندما قال بتهكم
" و دا في رأيك تصرف مسؤول "
كان مهيمنًا علي الوضع بطريقه أغاظتها و أخرستها كلماته. تعلم بأن شقيقتها أخطأت كثيرًا و لكنها لا تستطيع أن تقف مكتوفه الأيدي أمام إتهاماته لها فخرج الكلام من بين شفتيها في محاوله أخيرة لنفي تلك التهم البغيضه التي تتجلى بوضوح في عيناه
" الغلط مكنش غلطها لوحدها . و أعتقد أني جيت و نبهتك قبل كدا "
كانت ملامحها تضج بالألم و الغضب معًا و قد شعر بوخزة ألم علي حالتها تلك لذا قال بلهجه باردة تمامًا كما أراد
" أنا مش هنا عشان أشوف مين فيهم غلط أكتر من التاني . أنا هنا عشان أمنع غلط أكبر "
فرح بعدم فهم
" تقصد إيه ؟"
" جنة هتيجي تعيش معانا لحد ما تولد !"
ألقي بقنبلته بينما أخذت عيناه وضع المراقبه لكل همسه تصدر منها و لكنها بقت جامدة للحظه قبل أن تخرج منها ضحكه قصيرة خاليه من المرح و كأنه القي نكته سخيفه كسخافه ذلك الوضع الذي هي فيه
" أنت أكيد بتهزر صح !"
أجابها بجفاء
" إنتي شايفه إيه ؟"
فرح و قد علت نبرتها دونًا عنها
" أنا هعمل نفسي لا شايفه و لا سامعه . "
سالم بفظاظه
" تبقي بتدفني راسك في الرمل زي النعام ! "
هبت من مكانها و قالت بانفعال
" أنت مستوعب كلامك ؟"
سالم بهدوء مستفز
" طبعًا ! الدور عليكي أنتي تستوعبيه عشان مش هيحصل غيره "
فرح بتهكم
" و ياتري عايزها تروح تعيش معاك علي أي أساس ؟"
سالم مصححًا
" قولت هتعيش معانا مش معايا . و هنا أقصد عيلتنا والدتي و أخواتي "
فرح ساخرة
" بصفتها إيه ؟"
كانت السخريه تغلف ملامحها و نبرتها و قد أغضبه هذا و لكنه كان يفهم ذلك الصراع بداخلها لذا قال مشددًا علي كلماته
" بصفتها أرملة حازم الله يرحمه و أم إبنه أو بنته إلي جاي "
لم تنكر إرتياحها لتلك الصفات التي نسبها لشقيقتها و نبرته التي أكدت علي حديثه و لكنها لن تتنازل أبدًا عن حقها في الدفاع عنها فقالت بهدوء
" طب تمام حلو أوي دا. تقدر تعتبرها أرمله أخوك و أم إبنه أو بنته وهي في بيتها عشان جنه مش هتخرج من البيت دا و لو علي جثتي "
نهض سالم بتكاسل من مقعده و قام بإغلاق أذرار بذلته و هو يقول بخفوت صارم و عيناه تؤكد علي حديثه
" لا هتيجي معايا و برضاكي كمان . "
شعرت بالسخافه من نبرته الواثقه و كلماته الهادئه فقالت بتعجب
" ممكن اعرف إيه مصدر ثقتك دي . يعني حقيقي الموضوع مثير للإهتمام . بقولك مش هتخرج غير علي جثتي بتقولي لا هتخرج و برضاكي . إزاي بقي معلش !"
واصل حديثه خانقًا ضحكه بسيطه كانت تهدد بالخروج علي مظهرها الذي يبدو أقرب للجنون و أيضًا غضبها الذي تحاول كتمه بصعوبه فقد كانت هناك لذه خفيه في كل إنتصار يحققه عليها لا يعلم مصدر تلك اللذة و لا متي بدأ يعتبر نجاحه في إربكاها يعد إنتصار ؟ كل ما يعرفه أن هناك شئ ما بأعماقه يجبره علي تحديها و الإستمتاع بكل إنفعالاتها. خرج صوته هادئًا خشنًا يناقض كل أفكاره
" إيه رأيك تسأليها رأيها في كلامي ؟ و بعدين نشوف !"
خرجت منها ضحكه ساخرة خاليه من المرح و جاء صوتها مدهوشًا من حديثه
" دا بجد ! أنت عايزني أخد رأي جنة في الهبل دا ؟ طبعًا من رابع المستحيلات أنها توافق علي حاجه زي كدا !"
" بس أنا موافقه يا فرح !"
جفلت فرح من ذلك الصوت القادم من الخلف و شعرت بطلق ناري يستقر في منتصف ظهرها حين أستمعت لصوت شقيقها القادمه من وراءها فتسمرت في مكانها تنازع في محاولة لأسترداد أنفاسها الهاربه قبل أن تلتفت ببطئ لتلتقي عيناها مع شقيقتها التي كان الحزن و الألم مرتسمان علي ملامحها وهي تري وقع قنبلتها علي وجه «فرح» الذي كان يُحاكي شحوب الاموات في تلك اللحظه و صوتها المبحوح الذي ردد اسمها بعدم تصديق
" جنة "
أقتربت منها «جنة » و علي وجهها جميع عبارات الأسي و عيناها ترسل ألف إعتذار و إعتذار لتلك التي كانت علي وشك الإغماء فأمتدت يد جنة تمسك بكفوف شقيقتها المرتعشه و هي تقول بنبرة قويه يشوبها بعض البكاء
" كفايه عليكي أوي كدا يا فرح !"
خرجت الكلمات من فمها مرتعشه تمامًا كحال قلبها
" كفايه إيه يا جنه ؟"
جنه بإنفعال وهي تشدد علي كل حرف تتفوه به
" كفايه بهدله فيكي لحد كدا . طول عمرك شايله حملنا علي كتافك . من أول تعب ماما وموتها و أنتي شايلانا كلنا حتي بابا إلي كان مفروض يعوضنا غياب ماما كان بيتسند عليكي . كنتي انتي إلي شيلاه مش العكس . بسببنا أتخليتي عن حلمك أنك تبقي دكتورة و سبتي كليه الطب عشان تقدري تتحملي مسئوليتنا و البيت دا يفضل مفتوح. و حتي بعد بابا ما مات محسستينيش يوم واحد إني يتيمه . فضلتي جمبي و في ضهري و عمرك ما حرمتيني من حاجه . كفايه أنك أتخليتي عن حب حياتك عشان تفضلي جمبي و متسبنيش. عشان كدا بقولك كفايه . لازم أتحمل نتيجه أخطائي . جه الوقت إلي تعيشي في حياتك و كفايه تتحملي كل حاجه لوحدك إرتاحي مرة واحده بقي "
كانت كلمات جنة تتردد علي مسامعها و ذكريات حياتها كله يعاد أمام عيناها كالشريط فأفصحت مقلتيها عن دمعه خائنه إثر جملتها الأخيرة فعن أي راحه تتحدث ! هل فعلا قُدرت لها الراحه ؟ تجاهلت كل هذا الألم الهائل الذي عصف بها و قالت بلهجه حاولت أن تكون ثابته
" بس أنا مشتكتلكيش ؟"
جنة بلهفه
" و لا هتشتكي يا فرح ! عارفه ليه ؟ عشان أنتي أحسن حد في الدنيا . هتفضلي تتحملي لحد ما تقعي و لا أنك تحسسيني بأي حاجه بس أنا مش هتحمل تقعي يا فرح . أنتي بالذات خسارتك غير أي خسارة في الدنيا. خسارة مش هقدر عليها أبدًا .."
لم تستطع الحديث إذ تفاجأت بجنه التي إلتفتت إلي سالم الذي كان جامدًا كتمثال صلب يستمع إلي ذلك الحديث الشائك عن معاناتها و كم تحملت لأجل عائلتها و هنا تغيرت كل نظرته إليها و تبدلت معالم شعوره نحوها و قد صدق ظنه بشأنها فهي كما وصفها منذ أول لقاء لهم أنثي إستثنائيه . و لكن عقله توقف أمام جمله ( أتخليتي عن حب حياتك ) خربش الفضول جدران قلبه بصورة قاتله لمعرفة ماذا تقصد و أي شكل أتخذ هذا الحب ؟
أخرجه من شروده و تساؤلاته كلمات جنة الذي يسكنها حزناً عميقًا
" أنا موافقه يا سالم بيه آجي معاك "
لم تتحرك من مكانها و لم يرتفع رأسها و قد كان مظهرها يغضبه أو ربما يؤلمه لذا أعاد انظاره إلي «جنة» قائلًا بخشونة
" أتفقنا . العقد بتاع الجواز العرفي معاكي ؟"
أومأت برأسها بصمت فقد كان الخزي يتوج ملامحها في تلك للحظه فجاء طلبه لينقذها إذ قال بفظاظه
" عايز اشوفه "
للمرة الثانيه أومأت برأسها و توجهت للداخل كي تحضره بينما كانت «فرح» ما تزال بمكانها لا تستطيع أن تواجهه فقد خسرت كل شئ أمامه تجردت من كل شئ تحت أنظاره
فتولد عندها شعور مفاجئ بحاجتها للإختفاء !
تود في تلك اللحظه أن تكون شئ غير مرئي مجرد سراب فلم تعد لديها طاقه للجدال أو النقاش أو أي شئ.
فالحياة تستمر بمعانداتها و إعطاؤها صفعه تلو الآخري حتي فقدت قدرتها علي التحمل لذا حاولت الإنسحاب خلف «جنة» هربًا من نظرات شامته لابد و أن ترتسم بعيناه في تلك اللحظه و لكنها لم تقدر علي تحملها . و ما أن تحركت تنوي الهروب حتي وجدت يد فولاذية تمسك برسغها تمنعها من الحركه تلاها صوتًا هادئًا يناديها
" فرح !"
حاولت أن تشحذ بعض قواها الخائرة و ألا تجعله يراها مهزومه بتلك الطريقه فلتواجه للنهايه و لتكن دائمًا مرفوعه الرأس .
أخيرًا رفعت رأسها تناظره فصدمها ذلك الدفء الغريب منبعثًا من عيناه التي بدت و كأنها تؤازرها في مصابها حتي أن ملامحه كانت هادئه خاليه تمامًا من أي سخريه أو شماته كما توقعت و لكنها تجاهلت كل شي و قالت بنبرة جافه
" نعم !"
خرجت نبرة صوته لينه بعض الشيء ففاجأته بقدر ما فاجأتها
" جنة عندها حق . أوعي تزعلي منها "
لاحت إبتسامه ساخرة علي ملامحها تتنافى مع لهجتها المريرة حين قالت
" بتدافع عن جنة قدامي ! دا يوم المعجزات بقي !"
أستعاد سالم ملامحه الجامدة و قست لهجته قليلًا حين قال
" مبدافعش عنها بشخصها . لكن كلامها صح . الموضوع المرادي أكبر منك ."
فرح بمرارة
" بجد ! عمومًا مش زعلانه عشان عارفه أنها هترجعلي في النهاية بعد ما تاخدوا إلي أنتوا عايزينه منها "
قطب جبينه و إزداد عبوس ملامحه قائلًا بعدم فهم
" يعني إيه ناخد إلي إحنا عايزينه منها !"
فرح بقسوة
" إبن أخوك ! مش دا إلي جابك ورانا لحد الدكتوره و طبعًا أكيد كنت مراقبنا قبلها عشان كدا عارف مكان بيتنا كويس ! طبعًا أخوك الله يرحمه طلعله طفل من تحت الأرض و أنا عذراك دا حقك إنك تتمسك بيه . لكن مصير جنة إيه بعد كدا ؟ أقولك أنا هترجع تاني مكان ما جت و تقضي بقيت حياتها تتعذب علي ضناها إلي أنتوا هتاخدوه منها "
ضاقت عيناه و إسودت ملامحه من حديثها الذي صدمه كثيرًا فقال بإستنكار غاضب
" أنتي إزاي متخيلانا بالبشاعه دي ؟"
فرح بغضب
" لا دانا متخيلاكوا أكتر من كدا "
سالم بحدة
" ليه ؟ إيه السبب ؟"
صرخت بقهر
" عشان مشفتش منكوا غير كدا .. أخوك من أول ما دخل حياتنا بوظها و دمر أختي و حول حياتنا لجحيم و أخوك التاني فجأة لقيناه داخل علينا عمال يهدد و يقل أدبه و بمنتهي البجاحه بيقول هعلمكوا الادب . مشوفتش منكوا حاجه واحده بس كويسه تخليني أآمن علي أختي معاكوا "
" طب ما تجربي أنك تقربي أكتر يمكن تغيري رأيك ! "
لا يعلم كيف غافلته الكلمات لأول مرة بحياته و خرجت مندفعه من بين شفتيه فصدمته بقدر ما صدمتها !
في البدايه ظنت أنها تتوهم و لكن لا . فقد أخترقت كلماته سمعها حتي أن قلبها إرتجف رغمًا عنها. تري ماذا يقصد بتلك الجمله ؟ هل يشير إلي نفسه فهي ذكرت شقيقيه بينما لم تأتي علي ذكره !
" مفهمتش ! تقصد إيه ؟"
هكذا تحدثت بخفوت
" أقصد إن كلامي مكنش علي جنة بس ؟ "
هكذا أجاب بعدما أستعاد ملامحه الصارمه و لهجته الخشنه و تجاوز عن ذلته محاولًا إنقاذ هفوته التي لا يعلم كيف حدثت ؟
لم تفهم ما يقصد و كان عقلها توقف عن العمل فسألته بخفوت
" تقصد إيه ؟"
وصل إلي نقطه معينه من الحديث كان يريدها في أعماقه و الآن قد حان وقتها لذا قال بتمهل
" قصدي إنك تيجي معاها "
برقت عيناها من حديثه و لوهله شعرت بالصدمه تجتاح كيانها فعجزت عن الرد لثوان في حين أن عيناه كانت تبحر فوق معالمها المصدومه و شفاهها المرتعشه فأستغل فرصة تبعثرها بهذا الشكل و قال بعتاب ماكر
" أكيد مش هتسيبي أختك و هي في الظروف دي وسط ناس متعرفهاش ! "
نجحت كلمات في زرع الأشواك بصدرها و قد تجلي ذلك علي ملامحها فتابع ليصُب النار علي البنزين
" مهما كانوا الناس كويسين و هيعاملوها حلو أكيد هتكون محتجالك . بالرغم أنها عمرها ما هتقدر تطلب منك دا !"
كان محقًا و مقنعًا للحد الذي جعلها لا تستطيع أخذ أنفاسها و هي تتخيل شقيقتها تُعاني وسط هؤلاء البشر و لا تجد أحد يدافع عنها أو تبكي علي صدره !
إنقبضت ملامحها حين مر ببالها هذا الخاطر و آلمها قلبها كثيراً و قد شعر هو بذلك و لام نفسه بشدة علي إضفاء المزيد من الوقود إلي خزان أحزانها و لكنه عزم علي شئ و لن يتراجع عنه أبدًا .
" أنت طلعتلي منين ؟"
كأن سؤالها غريبًا وقحًا و غير متوقع و المثير للدهشة أنه أثار بداخله رغبه قويه في الضحك و لكنه حافظ علي رزانته و تعقله قائلًا ببساطه
" قدرك !"
" الأسود ! قصدك قدري الأسود "
زادت رغبته في الضحك حين سمع إجابتها و لهجتها التي تعج بغضب مكتوم و لكنه مارس قوه كبيرة كي لا ينفجر أمامها ضاحكًا و أكتفي بأن يقول مؤنبًا
" أستغفري ربنا . عيب واحدة مؤمنه زيك تقول كدا !"
خرجت الكلمات من بين أسنانها مع زفير قوي حملته كل ما بداخلها من غضب من هذا البغيض ! أجل هذا هو الوصف الملائم له
" أستغفر الله العظيم.. "
خرجت جنة تحمل الورقه بين يدها و سلمتها إليه بينما فرح توجهت كالأعصار إلي الداخل و ما كادت تدلف إلي غرفتها حتي تجمدت في مكانها حين سمعت صوته الخشن و هو يقول بنبرة عاليه قاصدًا أن تصل إليها
" بعد بكرة العربيه هتيجي تاخدكوا و تطلع بيكوا عالمزرعه بتاعتنا في إسماعيليه. جهزوا نفسكوا "
قطبت جنة حاجبيها قبل أن تقول بإستفهام
" نجهز نفسنا ! هو حضرتك تقصد مين ؟"
أجابها و عينيه مثبته علي تلك التي عادت أدراجها للخارج تحذره من فعلته النكراء التي ينوي عليها فوجدت نظراته المتحديه و نبرته الصارمه حين قال
" أنتي و فرح ! ماهي مش هتقدر تسيبك لوحدك في الظروف دي "
تبدلت ملامحها علي الفور لفرحه لا تستطيع وصفها و قالت بزهول
" أنت بتتكلم بجد ؟"
لم يقطع تواصلهما البصري بل قال بتسليه و عيناه تتحداها أن تستطيع الرفض
" أهي عندك أسأليها!"
ألتفت جنة للوراء فوجدت فرح تقف خلفها و عيناها يتقاذف منها الجمر و لكن من فرحتها لم تلاحظ شئ فاندفعت تجاهها تحتضنها وهي تقول بتوسل خفي
" صحيح الكلام دا يا فرح ؟ أنتي موافقه تيجي معايا ؟"
أرسلت عيناه إليها جمله صريحه لم تخطئ أبدًا في فهمها
" هل يمكنكِ الرفض ؟"
أشتدت يدها حول شقيقتها بينما أبتلعت غصة غاضبه شكلت ألمًا هائلًا في منتصف حلقها قبل أن تقول من بين أنفاسها
" موافقه !!"
يتبع....
يالا و لا تزعلوا نفسكوا بارت تاني اهوة مقدرتش يكون عندي وقت و مكتبش و انزل ♥️ رجاءا بقي قدروني و اتفاعلوا عايزة تصويت جامد الروايه عشان تاخد تصنيف و توصل لأكبر عدد من القراء و ترقبوا بقي ضرب النار من اول البارت الجاي ♥️
قراءة ممتعه
و متنسوش (فوت + كومنت + فولو ليا ♥️)
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
كان شفائي منك الأنتصار الأعظم في حياتي !
و لكنه كان إنتصار حزين للغايه. فللآن مازالت مرارته عالقه بجوفي ! و لكني ممتنه و كثيرًا للقدر الذي أنقذني في الوقت المناسب . فها أنا عُدت للحياة مرة آخري و لكن بقلب مُصاب بداء الحذر في التعامل مع البشر و الذي يجعلني في مأمن من خذلان آخر لا املك القدرة علي إحتماله !
و هذه هي الثمرة الوحيدة التي جنيتها من بساتين الوجع الذي خلفها غدرك بقلبي ...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أن تمارس الظروف سطوتها علينا و تُجبرنا علي فعل أشياء لم تكن في قائمه إختياراتنا لهو أمرًا مقبول نسبيًا برغم صعوبته . لكن عندما يجبرك أحدهم علي فعل ماهو دونًا عن إرادتك مستخدمًا طرقً ملتويه لدفعك في مسار مختلف عن دربك الذي برغم صعوبته و لكنه كان اختيارك . لأمر عظيم يصعب علي عقلك تحمله !
هكذا كان تفكيرها منصبًا علي كيفيه إجباره لها علي قطع وعد لم تكن لديها النيه أبدًا في تنفيذه أو النطق به !
فجعلها في وضع صعب خاصةً مع شقيقتها التي لم تنفك منذ البارحه في إحتضانها و إخبارها بمدي إمتنانها كونها ستجاذف بكل شئ و ستأتي معها و ما زاد من عنائها أكتر تلك الجمله المؤلمه التي ألقتها علي مسامعها و هي مستلقيه بين أحضانها
" عارفه يا فرح . أنا مكنش هيعدي عليا يوم هناك . كنت يا هموت من الخوف يا من الوحده يا من الضغط النفسي . أنا لما سالم بيه قال هتيجي تعيش معانا أتخيلت نفسي للحظه وسط الناس دول و في وضعي دا بحس إني جسمي كله بيرتعش و قلبي هيقف دا حتي حازم الله يرحمه كان بيهرب منهم بأي شكل و أهو أبنهم أومال أنا هعمل معاهم إيه؟
أنا لو قعدت أشكرك عمري كله انك وافقتي تيجي معايا و متسبنيش في الظروف دي عمري مش هيكفيني "
" اللعنه عليك أيها المغرور " هكذا تفوهت بداخلها و هي تقطع ذلك الشارع الطويل المؤدي للحديقه التي تقع بالاتجاه الآخر أمام البنايه التي تقطن بها فهي لم تنم منذ البارحه تفكر و تفكر و دائمًا ما كان تفكيرها يأخذها في أن تنهي حياة ذلك البغيض أو تسقط علي رأسه بعصا قويه علها تزيل ذلك الغضب المُتقد بداخلها من هذا الوضع الذي أجبرها علي القبول به و لا تعلم كيف السبيل لها في تغييره لذا فكرت في أن تخرج لإستنشاق بعض الهواء النقي عله يهدئ من نيرانها قليلًا و يساعدها في إتخاذ القرار الصحيح فهمت بإرتداء معطف ثقيل يقيها من برد أيام كانون التي تشبه الصقيع في برودتها و لم تهتم لجمع شعرها أو لإرتداء نظارتها و ألتقطت مفتاح الشقه و خرجت بهدوء حتي لا تستيقظ شقيقتها مندفعه إلي الخارج لتصطدم بالبرد القارس الذي لفح صفحه وجهها فوضعت يدها في جيوب معطفها و سارت تفكر في معضلتها التي سلبت النوم من عيناها !
علي الجهه الآخري كان سالم الذي وصل للتو لشركته لينهي بعضًا من الأعمال المتراكمة حتي يسثني له الذهاب إلي مسقط رأسه مدينه الاسماعيليه ليتحدث مع والدته و من بعدها عائلته في الوضع الجديد الذي فرض نفسه علي حياتهم و لكن لا حيله لهم في إختيارات القدر .
عندما كان منهمكًا في عمله أتاه اتصال من ذلك الرجل الذي كلفه بمراقبه الفتاتين فأجابه علي الفور ليقول الراجل بإحترام
" سالم بيه في حاجه غريبه حصلت و قولت أعرفها لحضرتك "
سالم بترقب
"حصل إيه ؟"
الرجل بعدم فهم
" في بنت خرجت من الشقه إلي حضرتك مكلفنا نراقبتها يعني مختلفه عن البنتين إلي عايشين فيها . "
قطب سالم جبينه و قال بإستفهام
" يعني إيه مختلفه ؟"
الرجل بحرج
" يعني حلوة ! شعرها فانح و طويل . و لبسها مختلف . مش البنت الصغيرة و لا البنت الكبيرة معرفش دي مين أو جت أمتا إحنا والله مراقبينهم كويس أوي و محدش جالهم خالص عشان كدا محتار !"
صمت لبرهه قبل أن يقول بفظاظه
" دي فزورة و المفروض أحلها يعني ! مانتوا لو واخدين بالكوا من شغلكوا كنتوا عرفتوا دي مين و راحتلهم امتا؟"
تحرك الرجل حتي وصل إلي مكان قريب نسبيًا منها فشعر بأنه يعرفها و لكن لا يزال حائرًا لذا قال محاولا إمتصاص غضب سيده
" والله لله يا سالم بيه عنينا ما غفلت لحظه . بس .."
قاطعه سالم بفظاظه
" تعرف تصورهالي ؟"
أجابه بلهفه
" آه طبعا أعرف . "
سالم آمرًا
" من غير ما تاخد بالها "
أغلق سالم الهاتف و ظل ينتظر الصورة و هو يفكر في هوية تلك الفتاة الغريبه التي يصفها الحارس و ماهي إلا دقيقه وصلته رساله علي هاتفه فسارع بفتحها و للحظه تسمرت ملامحه علي تلك التي كانت مغمضه عيناها و شعرها يتطاير خلفها بجنون بفعل الرياح فبدت كشمس حارقه متوهجه تتناقض مع برودة الطقس التي تحيط بشخصيتها الآخري ! نعم كانت هي تلك التي تتخذ من الجليد ستارًا تُخفي بها ملامحها صاعقه الجمال و شعرها الغجري الذي كانت تقمعه خلف تلك التسريحه البشعه دافنه جماله و روعته . هل تلك المرأة مجنونه أم ماذا ؟ فجميع النساء لديهم غريزة إظهار جمالهن و الحفاظ عليه بينما هي تقمعه بقسوة خلف تلك النظارات الطبيه البشعه و ذلك المظهر الذي يجعلها كعجوز شمطاء و لا يليق بسنوات عمرها التي لم تتجاوز الثمان و العشرون عامًا !
تسارعت نبضات قلبه من تلك المفاجأة و ذلك المظهر الجديد الذي رآها به و الذي مضت قرابة العشرون دقيقه و هو يتأمله دون أن يشعر بمرور الوقت و كأن هناك سحر خفي سيطر عليه و أختطف انظاره .
أخرجه من تأملاته صوت رساله آخري ففتحها و لكن تلك المرة كانت صدمته أكبر حين كانت الصورة قريبه إلى حد ما و قد كانت تفتح عيناها الزيتونيه الرائعه التي أكملت صورة المرأة الفاتنه الذي يكاد يقسم بأنها أضاعت عقلها بإحدي الطرقات حين أخفت جمالها الخارق هذا خلف مظهر تلك المعلمة العجوز !
كانت عيناها برغم جمالها إلا أنها ضائعه و كأنها طفله صغيرة ضلت طريق بيتها و لا تعلم كيف تعود !
تُري هل كان غير منصف معها في وضعها تحت هذا الضغط و إجبارها بتلك الصورة علي القبول و العيش مع شقيقتها تحت سقف عائلته ؟
لا يعلم لما شعر بالإنتشاء لتلك الفكرة ؟ هناك برعم صغير نبت بداخل قلبه يشعره بالشفقه علي تلك التي تدعي القوة بينما في تلك الصورة يكاد يقسم بأنها جل ما تتمناه أن تريح رأسها علي صدر أحدهم !
هل يمكن أن يكون هو ذلك الصدر الذي يستوعب أحزانها ؟؟
عند تلك الفكرة نهر نفسه وبشدة فهي ليست نوعه المفضل من النساء كما أنه لا يُحب المرأة التي تُناطِح الرجال و يفضل إن فكر بدخول إحداهن إلي حياته أن تكون هادئه مطيعه تكن مصدر راحه له من عناء رحلته الشاقه لا أن تكن عقبه أمامه و يخوض معها الحروب التي لا تنتهي !
و هنا خطر علي بالها سؤال لا يعلم مصدره و لكنه توقف أمامه لثوان يفكر بالإجابة
هل سيثير خضوع إحداهن شغفه مثلما يفعل عنادها ؟
لا يعلم الإجابه أو يفضل تجاهلها فقط تذكر كلمتها التي قالتها بمنتهي الغضب
" أنت طلعتلي منين ؟؟"
توهج ملامحها في تلك اللحظه جعله يقسم بأنها النقيض تمامًا من تلك الصورة الهادئه الجامدة لهيئتها التي تحاول الظهور بها دائمًا و قد أتي مظهرها اليوم ليجعله يتأكد من صدق حدثه !
فجأة رن هاتفه و لدهشته وجدها هي من تتصل فإرتسمت إبتسامه علي شفتيه لا يعلم سببها و لم يفكر كثيرًا في ذلك بل أجاب بلهجه متناقضه تمامًا مع ما يعتريه في تلك اللحظه
" الو "
جاءه صوتها مشتعلًا يتناسب تمامًا مع هيئتها في هذه الصور
" إحنا لازم نتكلم !"
يبدو أن الحظ في صفه اليوم فقد كان يتوق لرؤيتها بهيئتها الجديدة تلك و يحادثها و هو أمام عيناها مباشرةً بعيدًا عن تلك القضبان الزجاجيه التي تُهدِر نصف جمالها
جاء صوته جافًا كما العادة حين قال آمرًا
" مستنيكي في الشركه بعد ربع ساعه بالظبط "
جاء صوتها مستنكرًا
" ربع ساعه ! دا إلي هو إزاي أنا علي ما أجهز و آجي فيها نص ساعه علي الاقل "
لاحت شبح إبتسامه تسليه علي شفتيه تناقضت مع نبرته حين قال بفظاظه
" لو حسبنا الوقت من عندك للشركه هتلاقيه في حدود عشر دقايق بالعربيه ! و خمس دقايق تجهزي فيهم أعتقد كدا كفايه أوي و لا أنتي من البنات إلي بتاخد وقت قدام المرايا !"
قال الأخيرة ساخرًا و نبرته كان بها بعض التحدي فزفرت بحنق و هي تتوجه إلي سيارتها قائله بغضب لم يخطئ في تمييزه بين كلماتها
" كفايه أوي ! عشر دقايق و هكون عندك "
هكذا حسمت قرارها و قد أيقنت بأن الوقت الذي يمنحها إياه لن يكون كافيًا إذا ذهبت إلي البيت لتستعد لذا قررت بأن تذهب كما هي فلم يكن مظهرها يشغلها كثيرًا في تلك للحظه فإستيائها من وضعها هذا كان هو المهيمن علي تفكيرها ..
كان يقف أمام النافذه العريضه في غرفه مكتبه و يداه معقوده خلف ظهره و علي شفتيه إبتسامه لا يعرف مصدرها و لكنه كان يتأهب داخليًا لمعركه داميه و قتالًا عنيفًا بنكهه لذيذة مع صاحبه الشعر الغجري التي أنطبعت صورته في مخيلته و العينان الزيتونيه التي لأول مرة ستكون أمامه بلا حصون .
أعلنت مديرة مكتبه عن وصول ضيفته المنتظرة فأمرها بإدخالها قبل أن يأخذ مكانه علي مقعده خلف المكتب الخشبي الكبير ينتظر قدومها بترقب و حماس جديد كليًا عليه لتطل عليه أخيرًا بمظهرها الجديد و الذي خطف أنفاسه للحظه و قد كانت عيناه ترصد تفاصيلها بنظرات غامضه تحوي إعجابًا كبيرًا بين طياتها نجح في إخفاؤه و قال بلهجة خشنه مستفسرة متعمدًا إحراجها
" آنسه فرح عمران !"
علي الفور تذكرت سؤاله المتعجب في المرة الأولي حين أتت إلي مكتبه فارتبكت قليلًا و خاصةً حين تواجهت مع نظراته و قد شعرت بأنها مجردة أمامه من دفاعاتها و أسلحتها و شعرت بالحاجه لوقارها الذي يمدها بقوة تحتاجها كثيرًا في مواجهته فعادت إلي سبه داخلها بكل الألفاظ التي تعرفها فهو لم يمهلها الوقت حتي تستعد لتلك المواجهه وقد بدا حنقها علي ملامحها و لكنها حاولت أن تخرج لهجتها هادئه حين قالت
" دا سؤال و لا إجابه ؟"
سالم بتسليه
" اللتنين !"
" بمعني ؟"
سالم بهدوء
" سؤال إجابته جواه "
فرح بسخريه
" يبقي إيه لازمته ؟"
تعمقت نظراته أكثر و أشتد تحديقه بها وكأنه يخبرها بدون حديث بأن مظهرها الجديد هو السبب و قد جعلها ذلك غير مرتاحه و ودت لو أنها لم تأت لمقابلته و قد كان هذا الإحساس الدائم بداخلها بكل مرة تجتمع معه فتود لو أنها لم تقابله أبدًا .
فاجأها حديثه حين قال بجديه
" خير ؟"
رفعت إحدي حاجبيها بدهشه لتأتيها إجابته بلهجه ساخرة
" إيه السبب القوي إلي مخليكي عايزة تقابليني مع العلم أننا لسه كنا مع بعض من حوالي كام ساعه !"
إغتاظت من وقاحته و جعلتها تستعيد قوتها التي تجلت في نبرتها حين قالت
" أولًا أنا أتحفظ علي كلمه كنا مع بعض من حوالي كام ساعه دي !"
سالم بإختصار
" ليه ؟"
فرح بإيجاز
" معجبتنيش !"
ثم تابعت بنبرة محشوه بالغضب
" ثانياً بقي ممكن أعرف إزاي تحطني في الموقف دا ؟"
سالم ببراءه أغاظتها
" موقف إيه ؟"
أخذت نفسا طويلًا لتهدئ من روعها قليلًا قبل أن تقول بهدوء ظاهري
" أنت عارف كويس بتكلم عن إيه! و مع ذلك حاضر هقولك . إيه خلاك تقول لجنه إني وافقت آجي معاها عندكوا ؟"
سالم متصنعًا الدهشه
" أنا مقولتش كدا . أنتي إلي قولتي ؟"
جن جنونها في تلك اللحظه و لكنها بأعجوبه حاولت البقاء هادئه فأجابته
" أنا إضطريت إني أقولها موافقه بناءًا علي كلامك . أظن أنت فاكر قولت إيه كويس !"
حاول التحكم في ضحكه كادت أن تظهر علي شفتيه فمظهرها و هي تحاول التحكم بغضبها كان مثيرًا للغايه . و لكنه تابع بجديه
" فاكر كلامي كويس . و فاكر كمان إني لما طلبت منك دا مرفضتيش ! ففكرتك معندكيش مانع و مع ذلك طلبت من جنه تسألك و أنتي قولتي موافقه فين المشكله ؟"
ستفقد عقلها مم إستفزاز ذلك الرجل فها هو يتحدث ببراءه كأنه لم يقحمها فعليًا في هذا الأمر مستخدمًا طرقه الملتويه التي جعلت الغضب يتقد في عيناها و لكنها قالت ساخرة
" آه صح فين المشكله . الموضوع بسيط جدًا . أنت محطتنيش في موقف صعب قدامها بعد ما عشمتها إني وافقت . تفتكر أنا كان ممكن أقول إيه و هي عامله زي الغريق إلي كأنه ما صدق لقي قشايه أتعلق بيها ! "
كان غضبها لذيذًا بحق و خاصةً و قد تجلت إنفعالاتها بوضوح في عيناها التي أضفي عليها الغضب نوعًا آخر من الجاذبيه المتوهجة و قد أصابته لعنه الأشتهاء للمزيد من ذلك التوهج المثير لذا تابع بلهجه جادة
" طب فين المشكله بردو ! أنتي وافقتي لما لقيتي لهفتها و إنك القشايه إلي هتنقذها من الغرق أنا ذنبي إيه ؟! "
كانت تود الصراخ في وجهه قائله أنت من دفعتها لهذا الاعتقاد الذي ولد بداخلها كل هذا العشم و التعلق و لكنها أكتفت قائله من بين أسنانها
" ذنبك أن حضرتك طلعت بالفكرة المجنونه دي و زرعت جواها الأمل أنها هتتحقق ! "
زفر سالم بملل مصطنع يتنافي تمامًا مع لذه قويه تعتريه من حربهم الخفيه تلك و قام بإضفاء المزيد من الوقود علي غضبها حين نظر إلي ساعته قبل أن يقول بفظاظه
" سبق و قولتلك أنتي إلي قولتي موافقه و أكدتي علي فكرتي دي يبقي المشكله عندك ! و دلوقتي أنا شايف إنك يدوب تلحقي تجهزي أنتي و هي عشان هنسافر بكرة بدري "
برقت عيناها من جملته الأخيرة و قالت بإستنكار
" سفر إيه إلي بكرة ! أنا حتي لو وافقت فعلًا و سافرت محتاجه ييجي أسبوع علي الاقل عشان أجهز نفسي و أخد أجازة من شغلي مانا أكيد مش هخسره عشان أفكار حضرتك المجنونه !"
كان يعلم بأن عاصفه هوجاء ستهب ما أن يلقي بكلماته علي مسامعها و لدهشته كان يتوق لهبوبها .
إلتفت إلي الدرج بجانبه و هو يمسك بورقه بين يديه ناولها إياها تزامنًا مع حديثه الهادئ حين قال
" أجازتك أتمضت خلاص تقدري تبدأيها من النهاردة!"
لا تعلم كيف تناولت الورقه من بين يديه و لكنها شعرت بأن العالم يدور من حولها حين تأكدت من صدق حديثه فرفعت رأسها تطالعه بزهول تجلي في نبرتها حين قالت
" أنت عملت كدا إزاي ؟ "
سالم ببراءه مزيفه
" عملت إيه ؟ قصدك عالاجازة يعني ! عادي صاحب الشركه في بينا بزنس كتير و مامنعش لما طلبت منه دا !"
كان عقلها في مكان آخر حيث قالت علي نفس لهجتها
" إحنا متكلمين في الموضوع دا إمبارح بالليل و النهاردة الجمعه و الشركه أجازة الورقه دي أتمضت إزاي و أتوافق عليها أمتا ؟"
وصل إلي مركز إنفجار البركان فأرجع ظهره إلي الخلف مستندًا علي مقعده الجلدي و هو يقول بهدوء جليدي
" أتمضت إمبارح الصبح !"
برقت عيناها و هبت من مقعدها تناظره بصدمه تحولت لغضب كبير تجلي في نبرتها حين قالت
" يعني قبل حتي ما تفاتحني في الموضوع ! دا أنت مقرر موافقتي من قبل ما أعرف ! إزاي تجيلك الجرأة تعمل كدا ؟"
علت نبرتها قليلًا فتصاعدت الأدخنة إلي رأسه فقال بلهجه جافه محذرة
" زي ما أختك جتلها الجرأة تفكر تتخلص من إبن أخويا من غير حتي ما تعرفنا أنه موجود و أنتي طاوعتيها و روحتي معاها !"
فرح بسخط
" قولتلك مكنتش أعرف ! "
سالم بفظاظه
" مش موضوعي ! كل إلي يهمني إني أحمي الحاجه الوحيدة إلي باقيه من حازم الله يرحمه "
دارت حول نفسها وقد بدأت الرؤيه تتوضح لها شيئًا فشيئًا و هنا توقفت لتقول بزهول و إستنكار
" آه قول كدا بقي ! أنت كنت عارف كل حاجه و خططت كويس عشان توقعنا في الغلط بالرغم من إنك عارف بالحمل من أوله لكن سبتنا عشان أكيد كنت متوقع تصرف جنة "
سالم بهدوء لم يفارقه
" حاجه زي كدا !"
رمقته بنظرات الخسه قبل أن تقول بإحتقار ممزوج بالغضب
" بس دي طرق ملتويه و أساليب حقيرة !"
قست ملامحه قليلًا و قال بفظاظه و جفاء
" هعمل حساب لصدمتك و مش هحاسبك علي كلامك دا ! "
شعرت بغصه مؤلمه داخل حلقها جعلتها تقول بمرارة
" بعد موقف سليم لما قولتلي لو ليكي حق هتاخديه مني شخصيًا حسيت إني واقفه قدام راجل واضح و صريح لكن دلوقتي .."
لا يعلم لما شعر بالغضب الممزوج بالألم في تلك اللحظه فقاطعها قائلا بهدوء
" كل شئ مُباح في الحب ! و الحرب !"
أخترقت جملته مسامعها مرورًا بقلبها الذي إنتفض بشدة جاعلًا من أنفاسها تضطرب داخل صدرها و لم تستطع إجابته فما قاله كان خارج نطاق توقعها لتجده يتابع بعينان مركزة علي وجهها و كأنها شعاع ليزر
" زي مانتي بتحاربي طول الوقت عشان أختك أنا من حقي أحارب عشان أخويا أو إلي باقي منه ! "
لا تعلم لما لامست الخيبه جوانب قلبها فتابعت بقهر
" بس دي أنانيه !"
غمغم بهدوء
" سميها زي ما تسميها ! و بعدين أنتي مش خسرانه حاجه بالعكس أنا كدا بحللك كل مشاكلك !"
كانت تتضور غضبًا من حديثه لذا قالت بجفاء
" أولًا مطلبتش منك تحللي حاجه ! ثانيًا فين الحل لما آخد أختي و نسيب بيتنا وحياتنا و نروح آخر الدنيا عشان حضرتك خايف علي إبن اخوك مننا بالرغم من إنك مراقبنا و عارف كل حاجه بتحصل !"
تجاهل سالم حديثها و قد أقترب من نقطه شائكه جعلته فريسه للأرق البارحه لذا قال بترقب
" إلي أعرفه أنك أنتي و أختك ملكوش غير بعض . و مدام هتبقي معاها يبقي مفيش مشكله. إلا إذا كان في حد معين مش عايزة تمشي و تسبيه ؟"
غزت الحيرة ملامحها و لم تستوعب كلماته فقالت بعدم فهم
" تقصد إيه ؟"
كانت نظراته تقتنصها و تقيم جميع إنفعالاتها و خرجت الكلمات بتمهل من بين شفتيه
" أقصد يمكن في حد في حياتك مش عايزة تبعدي و تسبيه مثلًا !"
هنا برقت عيناها من سؤاله الوقح الذي يغلفه بطريقه منمقه تصعب عليها إجابته بألا يتدخل فيما لا يعنيه فقد كان كمن يتشاور معها في الوصول لحل و لكنها كانت تعلم بأنها إحدي طرقه الملتويه كالعادة لذا حاولت إستعادة هدوئها و محاربته بنفس سلاحه إذ قالت بغموض و قد بدت لمحه من الحزن علي ملامحها
" ايًا كان مينفعش أتخلي عن جنه . حتي لو في أي ؟ "
إجتاحته موجه من الغضب بسبب إجابتها المراوغه والتي لم تروي عطش فضوله فقد جمع ما يكفي من المعلومات عنها إلا أنه لم يصل الي تلك النقطه أبدًا و كانت غامضه بالنسبه إليه خاصةً حين علم بأن لديها الكثير من الصداقات مع الجنس الآخر في عملها و قد بدأ عقله في العمل بجميع الاتجاهات يفكر هل من الممكن أن تكون إحدي هذه الصداقات لها طابع خاص و لذلك حاول معرفه الأمر بطريقه لا توحي بإهتمامًا خاصًا بها و لكن اجابتها بذلك الشكل لم تزيده إلا حيرة و غضبًا لذا خرجت الكلمات من فمه مُحمله بالإستياء حين قال
" معلش بقي . هتضطري تتنازلي عن خططك بس دا واجبك تجاه أختك و لا إيه ؟"
هدأت ملامحها إلي حد ما و قد بدا الغموض في نبرتها حين أجابته
" مين قال إني هتنازل عن حاجه ! انا بس هأجل مشاريع كتير كانت في دماغي لحد ما اطمن علي جنة "
بالنهاية نجحت في إغضابه بطريقه لم يتوقعها أبدًا و قد إحتدم صراع بداخله عن كونها لا تعني له شيئًا فلماذا يريد معرفه علاقاتها الخاصه ومن ناحيه آخري كان غضبه متقدًا من إحتمالية وجود علاقه خاصه تجمعها مع أحدهم و هو يقف بالمنتصف لا يملك القدرة علي حسم ذلك الصراع و لكنه نجح بجدارة في إخفاءه عن عيناها الفاتنه التي هدأت عاصفتها فبدا خضارها جذابا صافيًا كصفاء الربيع و كأن لكل شئ بها له فتنه مختلفه عن الآخري .
وجدها تهب من مكانها تناظره بهدوء جاء في صوتها حين قالت
" أعتقد إن كلامنا كدا أنتهي . عن أذنك "
أجابها بجفاء
" السواق هيعدي عليكوا بكرة الساعه ٩ الصبح . ياريت تكونوا جاهزين "
هزت رأسها و أجابت بإختصار
" . عن إذنك "
أومأ برأسه الذي كان يغلي من الغضب و قد كان مجرد التفكير في سبب هذا الغضب يزيده أكثر لذا أنكب علي الأوراق أمامه يبثها مشاعر غريبه لا يعلم كنهها و لا يرحب بوجودها !
**************
في اليوم التالي و تحديدًا في الصباح كانتا قد تجهزن في إنتظار السيارة أن تأتي لتبدأ رحلتهم نحو المجهول ! و أخذت فرح تتطلع إلي شقتهم التي عاشوا بها أجمل ايام حياتهم التي كانت دافئه يملؤها البهجه التي انطفأت فور وفاة والدتها و التي و كأنها ذهبت و أخذت بسمتهم معها .
أخبرها أباها ذات يوم بأنها من اختارت لها اسمها و التي ضاعت معالمه مع مرور الزمن فلم يعد متبقي منه سوي حروف خاويه كخواء قلبها الذي و بالرغم من جمودها الظاهري كان له رأيا آخر فهو يخشي السفر يخشي المجهول و يخشي شيئًا آخر تأبي الإعتراف به .
جاء السائق في موعده فساعدت جنة في حمل حقيبتها ليأخذها منها السائق الذي كان في عمر والدهما و أعطاهم بسمه مطمأنه فور أن وقعت عيناه علي جنة التي كانت كالأرنب المذعور تمسك بيد شقيقتها و كأنها طوق نجاتها و مصدر أمانها في هذه الحياة فشددت «فرح» علي يدها و إستقلوا السيارة منطلقه بهم إلي المجهول ..
**************
في مكان آخر تحديدًا في جامعه قناة السويس كان اليوم الأول لها في هذا المكان الغريب كليًا عليها كما أصبح كل شئ غريب عليها بعد وفاة شقيقها الأصغر!
تغير كل شئ و إنمحت البسمه من علي شفتيها و نُزِعت الفرحه من بيتهم الذي لم تستطع والدتها العودة إليه بعد موت صغيرها و أحب أبناءها و أكثر من يُشبهها فحين إنتهوا من مراسم الدفن و التي كانت في مسقط رأسهم بإحدي القري بجانب مدينه الاسماعيليه تم أخذ العزاء و سقطت والدتها مغشيًا عليها فقلبها لم يتحمل فجيعتها العظيمه و أخبرهم الطبيب بأن حالة قلبها تسوء فأقترح أخاها الأكبر أن يستقروا في مزرعتهم حتي تتحسن حالة والدتهم و كي يبعدها عن ذكرياتها مع فلذة كبدها الذي أنتزعه القدر من بين أحضانها .
و تم نقل أوراقها من جامعتها بالقاهرة إلي جامعه قناة السويس و علي الرغم من إنعدام رغبتها في أي شئ سوي أن تظل تبكي بين جدران غرفتها حتي تلحق بصديقها و أخاها و تؤم روحها إلا أن ما حدث هذا الصباح جعلها تود لو تهرب لأبعد مكان في العالم حتي لا تشهد علي تلك المهزلة التي سوف تحدث ..
قبل عدة ساعات ....
أجتمعت العائله بأكملها لأول مرة علي طاوله الإفطار و كان هذه مثير للدهشه و الألم معًا فقد كانت الوشوش قاتمه مُغبرة بأوجاع لا يمكن الإفصاح عنها و كان هذا الجمع يتكون من شقيقيها و عمتها و أبنتها «سما» و تفاجئوا جميعًا حين شاهدوا والدتها التي تستند علي يد خادمتها الأمينه «نعمه» فتقدم منها شقيقيها كلًا ممسكًا بيدها حتي أجلسوها بمكانها المعتاد و قد حاول الجميع رسم الإبتسامه علي وجوههم حتي و لو لم تصل لأعينهم و لكن كانت محاوله في جعلها تتناسي حزنها قليلًا ..
أخيرًا بدأ سالم بالحديث حيث قال بلهجه خشنه توازي هيبته التي تلازمه دائمًا و تجعل الجميع يخشونه
" في موضوع مهم عايز أكلمكوا فيه . و مش عايز حد يقاطعني "
أنتبه الجميع لحديثه و الذي شرع فيه علي الفور
" حازم الله يرحمه كان متجوز واحده زميلته في الجامعه . و بعد ما أتوفي أكتشفنا أنها حامل منه ! و بكرة أن شاء الله هتيجي تعيش معانا هي و أختها !"
و كأن صاعقه قويه ضربتهم من حيث لا يدرون! جحظت الأعين و تسارعت الأنفاس جراء قنبلته التي ظل دويها يتردد علي أذانهم و ألجم ألسنتهم لوهلة و كان أول من أستفاق من صدمته هي عمته «همت» التي أنتفضت من مكانها و قالت بصياح
" أنت بتقول إيه يا سالم ؟ حازم مين إلي كان متجوز ؟؟ و بنتي ؟ و سما ؟ كان بيضحك عليها ؟؟"
كان يتوقع ثورتها بل وأكثر من ذلك فقد كان هناك أتفاق أحمق بينها و بين ووالدته علي زواج «حازم و سما » منذ أن كانوا أطفال ! و قد نشأت «سما» علي حُب «حازم» الذي لم يبادلها الحب و لو لثانيه و لكن تلك الترهات التي ذرعتها والدته و والدتها و خصوصًا عمته كانت تسيطر علي عقل الفتاة و وافقتها والدته خاصةً بعد ما حدث في الماضي !
" أهدي يا عمتي ! محدش ضحك علي سما ؟ سما و حازم مكنش بينهم حاجه مجرد كلام بينك و بين ماما لكن مكنش في حاجه رسمي !"
همت بانفعال
" رسمي ! رسمي إيه يا أبن أخويا دي الناس كلها كانت عارفه أن حازم لسما و سما لحازم .تيجي دلوقتي تقولي دا كان كلام بينا ! لا و جايب واحده منعرفش أصلها من فصلها و تقول مرات حازم ! و قال إيه حامل في أبنه دي مسرحيه دي و لا إيه "
قالت جملتها الأخيرة بسخرية فتجاهلها و تابع بنفس هدوءه
" لا مش مسرحيه . دا أمر واقع و ياريت تتقبليه في أسرع وقت عشان هي زمانها علي وصول !"
صاحت همت بغضب
" مين دي إلي علي وصول ؟ أنت أتجننت يا سالم ؟"
بدأ غضبه يتصاعد و لكنه حاول كبحه قدر المستطاع فهو يتفهم حالتها و ذلك الوضع الصعب الذي أقحمهم فيه شقيقه المتوفي لذا قال بصوت خشن
" خلي بالك من كلامك يا عمتي ! انا مراعي حالتك لحد دلوقتي"
تسارعت أنفاسها و أبتلعت شوك الحقيقه التي تجلت في عيناه فالأمر كان واقعًا بنكهه مريره كالكابوس المريع لذا قالت بتهكم
" و ياتري الكلام دا من أمتا ؟ أقصد جواز البيه "
سالم بجفاء و قد غلت الدماء بعروقه
" قبل ما يموت بأسبوع !"
" و الهانم مراته حامل في الكام ؟"
سالم و قد علم مرمي حديثها و قرر إيقافها عند حدها لذا ألقي إجابته و هو يناظرها بترقب
" تقريبًا في نص التالت "
صدحت ضحكه قاسيه خاليه من المرح من فمها قبل أن تقول بإستهزاء
" يعني لو حسبنا هنلاقي أن الهانم حامل من قبل الحادثه بكام يوم .. بقي دا كلام يتصدق ! البنت دي أكيد كذابه و جايه ترمي بلاها علينا و علي حازم الله يرحمه . أنا واثقه أنه عمره ما حب حد غير سما "
" خلي بالك من كلامك يا عمتي !"
خرج صوته أخيرًا متحشرجًا يحشوه الغضب الممزوج بغصه قويه لا يعلم سببها فهو منذ أن علم بتلك الحقيقه المرة و قد شعر بأن الأرض تدور به ! هل يمكن أن تلك الفتاة بالفعل حامل من أخاه الراحل ؟ كيف يستطيع فعل ذلك بأبنه عمته التي لا تري بهذه الحياة سواه ؟ كيف يستطيع الغدر بها بتلك الطريقه ؟ كانت إجابة تساؤلاته تكمن في ثلاث أحرف «جنة» تلك للفتاة التي كانت كالحرباء لابد و أنها تلونت لأخاه حتي يقع في حبال عشقها و الذي تسبب بتدمير حياته و عائلته !
كانت ذنوبها و أخطائها تزداد يوماً بعد يوم و لكنه كان مُكبل بأصفاد إمتنان لرحمها الذي يحمل إبن شقيقه الراحل و الذي من أجله فقط سيتغاضي عن كل شئ حتي يأتي و ينير حياتهم من جديد .
و قد أتخذ قرارًا بأن يتجنبها لحين قدومه و لكن ما أن سمع عمته تقذفها بذلك الإتهام الشنيع لم يستطع منع نفسه من إيقافها فبرغم كل شئ هي عرض أخاه المتوفي و لن يسمح بأن يتطاول عليه أحد و لابد لتلك الفتاة أن تعلم بأن أي خطأ لن يكون مسموح به ..
نظر إليه الجميع بصدمه لم تدم كثيرًا إذ تولي سالم الحديث حيث مدد ساقيه قليلًا و هو يناظر عمته بجمود متحدثًا بصوت خافت لكنه مخيف
" زي ما سليم قالك خلي بالك من كلامك ! جنة مرات حازم و إلي في بطنها أبنه. و أي غلط فيها مش مسموح بيه ! "
أوشكت علي الحديث فخرج صوت أمينه قويًا حين قالت بصرامه
" مفيش كلام بعد كلام سالم يا همت ! مرات حازم هتيجي هنا و هنتشال عالراس هي و إلي معاها. و أي حد هيتعرضلهم أنا بنفسي هقفله . "
صُدِمت همت من موقف أمينة التي كانت تؤكد على حديث أبناؤها وهي التي كانت تُمنيها سابقًا بزواج أبنتها من حازم فخرج الكلام منها بزهول
" أنتِ إلي بتقولي كدا يا أمينه ؟ "
أمينه بحزم وهي تجاهد حتي تمنع العبرات من الهطول من مقلتيها
" أيوا أنا إلي بقول كدا . مستنيه مني إيه أرمي إبن أبني و أمه في الشارع ! بدل ما أخدهم في حضني و أحمد ربنا أنه عوضني بحته منه بعد ما قلبي أتحرق عليه "
همت بعتب ممزوج بوجع
" تقومي تحرقي قلبي علي بنتي !"
ألقت أمينه نظرة معتذرة علي سما التي كانت ترتجف بين أحضان حلا و قالت بصوت قوي
" سما لسه صغيرة و العمر قدامها و بكرة ربنا يبعتلها إبن الحلال إلي ينسيها حازم . بس أنا قلبي هيفضل محروق العمر كله يا همت !"
حين أنهت حديثها تفاجئوا بسما التي هرولت إلي الأعلي و صوت بكائها يفتك بالقلوب و لكن ما باليد حيلة فقد وضعهم القدر في مأزق لا يمكن الفرار منه حتي و إن كان بداخلهم ممتنين لإرادة الله التي بعثت نورً من جوف العتمه التي خيمت علي حياتهم منذ فراق حازم بذلك الطفل الذي أحيا الامل بقلب والدته و جعلها تستطيع الوقوف علي قدميها من جديد .
هرولت «همت » هي الآخري خلف أبنتها و دموع القهر تتساقط من بين عيناها و عندها هبت حلا قائله بصوت غاضب حد الألم
" أنا مش قادرة أصدق إلي بسمعه معقول يا أبيه الكلام دا ؟ أنا مش مصدقه البنت دي . و حازم عمره ما حب حد غير سما . "
نظر سالم في ساعته و قال بصرامه متجاهلًا ثورتها
" يالا عشان تروحي جامعتك . السواق بره هيوصلك ! "
أشتعل غضبها أكثر و أكثر فما أن همت بالكلام حتي حدجتها والدتها بنظرة صارمه جعلتها تبتلع حروفها و قامت بالإمتثال مرغمه لأوامرهم ..
عودة للوقت الحالي
زفرت حلا بحدة و قطراتها تتساقط علي وجنتيها غافله عن تلك العينان التي كانت تراقب أنفعالها و حزنها الفاتن بإعجاب خفي فقد كانت أول مرة يراها بالجامعه و لا يعرف هويتها و لكن ما لفت أنتباهه إليها هي تلك التعابير المتغيرة علي ملامحها و التي كان يتسيدها الحزن العميق فخطر سؤال علي ذهنه
" من يطاوعه قلبه علي إحزان تلك العينان الفاتنه ! "
أقترب منها شيئًا فشيئًا ليُطالعها عن قرب أكثر لم يكن ينوي التحدث معها و لكن شعر فجأة بأن عليه الإقتراب منها و ما أن أصبح بجوارها حتي وجد عيناها تُغلق و قدماها تتراخي و كادت أن تسقط علي الأرض و لكن يداه كانت أقرب إليها فحملها بلهفه واضعا يدًا تحت ركبتها و الآخري خلف ظهرها و توجه بها إلي مكتبه وسط همهمات من الشباب و الفتيات حوله و قام بإدخالها غرفته و وضعها علي المقعد المقابل لمكتبه و خلفه إحدي العاملات التي جلبت حقيبتها و وضعتها علي المكتب أمامه فأمرها بإحضار كوب مياه لإفاقتها و نظر إلي العامله الآخري و قال مستفهمًا
" أنتي تعرفي البنت دي ؟؟"
أجابته نافيه
" لا معرفهاش ؟"
فنظر للآخري و التي أجابت نفس إجابتها فنظر حوله لتقع عيناه علي حقيبتها و قال لإحداهن
" أفتحي شنطتها و طلعي بطاقتها نكلم أهلها ييجوا يشوفوا بنتهم ."
ظهرت إمارات الخوف علي العامله و تراجعت للخلف فقال بإندهاش
" إيه في إيه مالك ؟"
العامله برجاء
" بالله عليك يا ياسين بيه بلاش أنا أحسن تضيع منها حاجه كدا و لا كدا تتهمها فيا . أنا ماليش دعوة "
ناظرها بزهول قائلًا
" إيه الجنان دا أنا إلي بقولك أفتحي شنطتها و طلعي بطاقتها"
العامله برجاء
" سايقه عليك النبي بلاش. "
زفر بحنق و نظر إلي العامله الآخري التي تحاول إفاقتها فتراجعت للخلف بذعر فتقدم مستسلمًا يفتح الحقيبه و لم يُلاحظ تلك التي إستعادت وعيها ببطئ فكان أول ما وقعت عيناها عليه هو ذلك الرجل الضخم يُفتش في حقيبتها فصرخت بذعر قائله
" حراميييييي!!!
***************
أثناء الطريق توقف السائق أمام إحدي محطات الوقود و ترجل منها بعد أن استأذنهم و غاب لبعض الوقت ثم عاد حاملًا أكياس كثيرة بها شتي أنواع الحلوي و العصائر و المياة و ناولها لهم في الخلف فشعرت فرح بالخجل و أوشكت علي إخراج النقود من حقيبتها فأتاه صوته معاتبًا
" بتعملي إيه يا بنتي ! أنتوا زي ولادي. و بعدين حازم الله يرحمه أنا إلي كنت مربيه ."
شعرت الفتاتان بالخجل من كرم ذلك العجوز اللطيف و شكرته فرح بلطف فنظر إلي جنة قائلًا بحنو
" لو حابه تقريله الفاتحه المقابر علي أول البلد هنا "
شعرت بخفقه قويه داخل قلبها و تدفق الدمع بمقلتيها فهزت رأسها بموافقه و يدها تحتضن بطنها المسطحه فهي للآن لا تصدق بأنه قد توفي .
توقفت السيارة أمام مقابر العائله و ترجلت منها جنة و بجانبها فرح التي توقفت عندما قالت شقيقتها برجاء
" خليكي يا فرح . محتاجه أكون لوحدي ... معاه !"
قالت كلمتها الأخيرة بضعف فتفهمت شقيقتها وضعها و تركتها بعد أن ارشدها السائق إلي مكان القبر فإرتعش سائر جسدها حين شاهدت إسمه المدون فوق تلك اللوحة الرخاميه التي إمتدت أصابعها تلامسها برفق و كأنها تلامسه و تساقط الدمع أنهارًا يحفر وديان من الحزن فوق وجنتيها الشاحبه و لدقيقه لم تستطع الحديث بل أخذت تبكي و تبكي و كأنها تحاول ذرف وجعها بدلًا من دموع بائسه لم تستطع التخفيف من حزنها أبدًا ..
" يااااه يا حازم . مكنتش أتخيل تبقي النهايه كدا أبدًا ! "
خرج الكلام متحشرجًا من بين شفتيها المرتعشه و التي أضافت بإستنكار و عدم تصديق
" معقول أنت هنا ! خلاص دا مكانك بعد كدا ! يعني مش هشوفك تاني ؟ سامحني يا حازم.. سامحني أرجوك "
أختتمت جملتها و أجهشت في بكاء مرير نابع من قلب مُحطم دهسته الحياة تحت أقدامها بلا رحمه و لا شفقه و لم تكتفي بذلك فقط بل وضعتها أمام بركان ثائر يُغذي الإنتقام نيرانه التي كانت قادرة علي سحقها في ثوان لولا وجود ذلك الجنين بين أحشائها و الذي منع يد الظلم من أن تطالها و لكنها كانت تتوعد بإذاقتها الجحيم ما أن تضع مولودها .
هكذا كان يطالعها سليم الذي هرب من لقاءه بهم وتوجه إلي حيث يرقد أخاه الذي ترك الحياة بأكملها و ذهب إلي موطنه الدائم فقد كان يخاف زيارته طوال الثلاث اشهر المنصرمه و لكنه الآن وجد قدماه تأخذه إليه دون إرادته و أخذ يتلو عليه ما تيسر من أيات الذكر الحكيم و يردد الدعوات بأن تتغمده رحمه الله الواسعه و لكنه توقف إثر سماع أصوات قادمه من الجهه الآخري و حبس أنفاسه عند سماعه صوتها الباكي و قد شعر للحظه بمدي معاناتها و ألمها لفقده و لكن جاءت كلماتها الأخيرة لتجعل عقله يتيقظ و غضبه يستعر رغمًا عنه و خاصةً حين وجدها تقول من بين دموعها بأسف بالغ
" مكنتش أتمني النهايه تبقي كدا أبدًا .. سامحني يا حازم حقك عليا . أرجوك سامحني "
أنهت كلماتها و تابعت وصلة نحيبها التي يغذيها آلام الذنب و الفقد و الظلم !
أنتشلها من بئر العذاب الخاص بها صوت اقدام بثت الرعب بأوصالها فرفعت رأسها لتصطدم ببركه من الدماء المحتقنه تحدق بها بغضب من يراها يقسم بأنها قد إرتكبت أعظم جرائم السماء و بأنها هالكه لا محاله .
تسارعت أنفاسها و هي تناظره بعينان حاولت رسم القوة بهم و إخفاء ذلك الذُعر الذي أجتاح أوصالها لدي رؤيتها له فقد كانت تحمل هم رؤيته كالثقل في قلبها الذي يؤلمه كل تلك الإتهامات التي توجهت إليه قهرًا
" بأي عين جايه تزوريه !"
أقتحمت لهجته الباردة صراعها الداخلي فاهتزت حدقتيها لبرهه قبل أن تحاول رسم قناع القوة و الجمود علي ملامحها و قالت بصوت مبحوح
" و إيه يمنعني آجي أزوره ؟"
لاحظ محاولتها لرسم قوة واهيه لا تتمتع بها و أيضًا بحه صوتها التي تظهر كم عانت حتي تخرجه و جسدها الذي كان يرتجف و كأنها ورقه شجر عصفت بها رياح خريفيه فزعزعتها من مكانها . و لكن غضبه كان يطمس كل الحقائق أمام عيناه و لم ينتبه سوي لكلماتها التي جعلته يرفع إحدي حاجبيه و يقول بإزدراء واضح
" تصدقي نسيت أن إلي زيك يعمل أي حاجه عادي . "
كان الإحتقار الذي يتساقط من بين كلماته يقتلها فلم تكن تكفيها معاناتها و حملها الثقيل حتي يأتي هو ليزيده أضعافًا مضاعفه ! لا تعلم ما مشكلة هذا الرجل معها و لكنها ستحاول مقاومه طوفان غضبه و لن تجعله يهينها أبدًا
و هنا إستعادت بعضًا من صوتها الهارب و قالت بجمود
" و مالهم إلي زيي !"
أقترب منها بخطً سُلحفيه و هو يتابع محاولًا تتضمين لهجته أكبر قدر من الإحتقار
" ميعرفوش يعني إيه أدب و لا أخلاق و لا ضمير ! يقتلوا القتيل و ييجوا يعيطوا عليه عادي !"
كان يقذف الكلمات بوجهها دون أن يهتز له جفن من الرحمه و لا الإشفاق علي ضعفها أبدًا و قد بدا أمامها كمسخ مجرد من الإنسانيه وظيفته إلقاء الإتهامات فقط و لكنها لن تسمح له و هنا خرج صوتها قويًا إذ قالت بعنفوان
" لو كان دا رأيك فيا فتقدر تحتفظ بيه لنفسك أو ترميه في أقرب مقلب زباله ! أما بالنسبه للي زيك بقي فأنا ماحبش أتعامل معاهم أبدًا . و لا يجمعني بيهم طريق . لأنهم ناس معندهمش دين ولا ضمير بيرموا الناس بالباطل من غير أي ذرة ندم واحدة !"
لم يكن يصدق أذنيه التي التقطت حديثها الوقح و قد صدق حدثه فتلك الفتاة ليست بالملاك الحزين الذي كانت عليه يوم رآها في المشفي فهي أفعي متنكرة في زي أنثي فاتنه!
هنا نهر نفسه بشده علي ذلك الوصف الذي لا يليق بها فهي كما ظن في البدايه أفعي ألتفت حول رقبه أخيه حتي سلبت منه حياته لذا أقترب حتي وصل أمامها مباشرةً و قال بسخريه لاذعه
" مش مستغرب أوي من كلامك ! من البدايه كنت عارف أن وش الملايكه دا بيخفي وراه شيطانه بس للأسف حازم مكانش شايفك علي حقيقتك "
خرج الكلامات مرتجفه من بين شفتيها بينما قلبها يحترق من قسوة اتهاماته
" أنا عملت إيه لكل دا ؟ إيه الذنب العظيم إلي إرتكبته ؟"
أعطاها نظرة قاتله قبل أن يقول بإذدراء
" ذنبك أنتي أكتر واحده عرفاه كويس ! و متفكريش عشان جيتي تعيشي وسطنا أنك خلاص فلتي من العقاب ! إلي مانعني أخد روحك دلوقتي هو إبن أخويا إلي جواكي ! "
إزدادت عيناه إحمرارًا فبدت و كأنهما جمرتان مشتعلتان بنيران الجحيم و جاءت نبرته حادة كنصل سكين حاد كان يتعمد غرزه بمنتصف قلبها حين أضاف بقسوة
" أول و آخر مرة هحذرك لو فكرتي تعرضيه للخطر هتشوفي مني إلي عمرك ما شوفتيه في حياتك و خليكي فاكره أنك بسببه لسه عايشه و بتتنفسي ! و صدقيني هييجي يوم و هتتعاقبي العقاب إلي تستحقيه علي جريمتك !"
هاجمها الدوار و شعرت بالأرض تهتز تحت قدميها من فرط صدمتها التي تحولت إلي رعب من هذه المرارة التي تتساقط من بين حروف كلماته المؤلمه و الجارحه . و سقطت دمعتان من جانبي عيناها من فرط القهر الذي شعرت به في تلك اللحظه و خرجت الكلمات من فمها ممزوجه بوجع قاتل لامس زاويه ما في قلبه
" خليك فاكر كل كلمه قولتها دلوقتي عشان هييجي يوم و تندم عليها .."
لم تستطع إكمال جملتها فقد تراقصت الأرض بها في تلك اللحظه و تراخت قدماها و لم تشعر سوي وهي تسقط و يداه تتلقفها بصدمه من مظهرها المزري فقد شحب لونها فجأة ليجدها تترنح فلم يستطع إلا أن يمسك بها و حين لامست كفوفه الخشنه خصرها الرقيق المنحوت بدقه شعر بنبضاته تتعثر بداخل قلبه الذي دق بعنف و هو يناظر صفحه وجهها الابيض المستدير الذي يتناقض في بياضه مع سواد اهدابها التي تظلل بحرها الأسود اللامع و كانت خصلاتها تتطاير خلفها بتمرد عنفوان و كأنها ترفض اتهاماته البشعه لها .
أخذت عيناه تُبحر فوق ملامحها التي أحتجزتها للحظات وقد بدت ساكنه لا حياة بها فقط شفتاها التي كانت تتمتم بخفوت مما جعله يقترب أكتر ليستمع إلي ما تقوله و هنا هبت نسائم رقيقه تحمل ريحًا عطره حملت خصلة هاربه من خصلات شعرها الاسود لتلفح وجهه بلطف و كأنها تعاتبه فشعر بإحساس غريب في داخله لا يعرف من أين جاء ؟
فقد كان كمن لا يريد تركها أبدًا يرغب بالنظر إليها مطولًا و كأنه عاجز عن إنتزاع عيناه عنها . و لكنه أستفاق فجأة من غمرة ذلك الشعور الغريب الذي أجتاحه كإعصار دام للحظات لينهر نفسه بشدة و ود لو يتخلص منها و يُلقيها من يداه و لكنها لم تكن في وعيها فتكالب عليه غضبه مع شعور عارمًا بالذنب فوجد نفسه يصرخ بصوت غاضب جريح
" حسااااااان "
هز صوته أرجاء المكان حولهم فوصل إلي مسامع فرح التي إرتعدت من ذلك الصوت و دب الرعب في أوصالها حين سمعت صوت حسان الذي إنتفض يقول بلهفه
" سليم بيه !"
بلمح البرق ترجلت من السيارة لتهرول إلي مكان شقيقتها و قلبها يتضرع إلي الله بألا يكون ذلك المجنون قد آذاها بشئ ! و قد إرتعب قلبها حين وجدته يمسكها بتلك الطريقه فأمتدت يدها لتنتزعها من بين يديه و خلفها حسان السائق و قد تناست وجوده و قالت صارخه
" أنت عملت فيها إيه ؟"
بدا كما لو أن حديثها لم يكن موجه إليه و أخذت عيناه تتابع يدها و هي تحاول أفاقتها إلي أن أستجابت لها أخيرًا و بدأت بفتح عيناها و كانت كمن تجاهد للإستيقاظ من غفوتها وفجأة أطلق تنهيده قويه خشنه لم يكن يعلم بأنها يحبسها داخل صدره . و إستدار علي عقبيه ينوي المغادرة ليأتيه صوت فرح الغاضب حين قالت
" لو شفتك بتقرب منها تاني مش هتعرف هعمل فيك إيه ؟"
لم يلتفت إليها و لكنه أبطأ خطواته قليلًا حين سمع صوتها المتعب و هي تقول برجاء
" سبيه يا فرح هو معمليش حاجه و لا يقدر أصلًا !"
ود لو يرجع و يوجه إليها صفعه مؤلمه علي حماقتها و لكن مهلًا سيأتي ذلك اليوم الذي ستدفع ثمن كل أخطاءها دفعه واحده و حينها لن يستطع أحد إيقافه ..
**************
أخيرًا وصلت السيارة أمام باب بوابه المزرعه الضخمه والتي أنفتحت بمجرد أن أطلق السائق صوت الزامور لتندفع السيارة إلي الداخل و قد كانت كجنه صُنِعت علي الأرض من شدة روعتها و لكن كان الخوف و الترقب يمنع الجميع من الإستمتاع بمظهرها و خاصةً عندما وصلوا إلي الباب الداخلي للقصر فوجدوا سالم و بجانبه سيده تبدو في العقد السادس من عمرها و قد فطنت فرح أنها والدته و هنا إمتدت يد جنة لا إراديًا تقبض علي يد شقيقتها التي ربتت بلطف علي كفها المرتعش في محاوله لبثها الأمان الذي تحتاجه .
توقفت السيارة أمامهم و ترجلت الفتاتان منها فوقعت عيناه علي تلك التي عاد مظهرها القديم إلي حالته و قد أغضبه هذا بشدة و لكنه لم يعلق بل مد يده يصافحها برسميه لم تخلو من ضغطه بسيطه علي كفها و قام بتعريفها علي والدته التي حيتها بتحفظ
" أهلًا بيكي "
ثم توجهت الأنظار لجنة التي كان مظهرهم يرهبهها كثيرًا و لكنها حاولت البقاء صامدة و هي تتوجه إليهم لتمتد يد تلك السيدة تصافحها بكفوف باردة و ملامح جامدة و التي لم تقل عنها لهجتها حين حيتها قائله
" حمد لله على سلامتك !"
لم تسنح الفرصه لجنة أن تُجيبها فجأة صدح صوت زامور سيارة من خلفهم فالتفتوا جميعًا لتتجمد جنة بصدمه حين شاهدت ذلك الشخص الذي ترجل من السيارة ووو
يتبع .....
بارت طويل عايزة تفاعل حلو بقي خلونا نتناقش سوي ♥️
متنسوش يا حلوين (فوت+كومنت+فولو ليا ♥️)
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري
رجل مغرور مثلك و إمرأة عنيدة مثلي هل يجمعهما الحب يومًا؟ و حتى إن تحكم سلطانه بالقلوب و أجبرها على الخضوع لطُغيانه فهل سيستطيع الصمود أمام طوفان الكبرياء المُدمِر لكلينا !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
يد الله تعمل في الخفاء فلا تستعجلوها.
إن اعطينا مطلق الثقه لتلك الجمله فلن يُخيفنا شئ في هذه الحياة ابدًا . فكل الإبتلاءات و الصعوبات التي تقف في طريق سعادتنا ليست جميعها تأتي لعرقله الحياة فبعضها يأتي لتنظيف الطريق و جميعها ترتيبات من القدر لتمهيد سبيل الإنسان في الوصول إلي مبتغاه .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تسمرت جنة في مكانها لدي رؤيتها لكلًا من مؤمن و عدى أصدقاء حازم الذين شهدوا علي ذلك العقد اللعين التي تمنت لو أنها لم توقع عليه أبدًا و لكن قدرها المظلم أجبرها علي هذه الجريمه النكراء و التي تدفع ثمنها الآن .
لم تُحِبُهم أبدًا و خاصةً عدى و لا تعلم لما شعرت بالرُعب لرؤيتهم هنا تحديداً في ذلك المكان الذي لم تختر أبدًا المجئ إليه بإرادتها و إنما كان جزء من عقابها الذي فرضته علي نفسها و للأسف طال شقيقتها التي لاحظت امتقاع وجهها و ذلك الخوف الممزوج بصدمه قويه و تجلي بوضوح في عيناها و لم تقتصر الصدمه عليها فقط فما أن رآها الشابان حتي تسمرا في مكانهما و أخذا يتبادلان النظرات دون حديث و علي الرغم من أن الأمر إستغرق ثوان وجيزة إلا أن تلك العيون الصقريه كانت تتابع كل شيء يحدث بصمت تام و ترقب !
قطع ذلك الصمت المخيم علي الأجواء صوت أمينه الذي تحول للحنان و ربما الضعف يتنافي مع جمود و برود نبرتها في إستقبال الفتاتين حيث قالت بود
" مؤمن . عدى إيه المفاجأة الحلوة دي ؟"
استيقظ الإثنان من غفوتهم و كُلًا يعتريه مشاعر مختلفه منها الندم و تأنيب الضمير و الكره أيضًا ! و توجها إليها لتمتد يدها تعانق كلًا مِنهما بود بادلوها إياه بصدق و إن كان مؤمن الذي زاد من عناقها طويلًا حبًا و ألمًا و إعتذار صامت لا يقدر علي التفوه به !
حاولت جنة إبتلاع الغصه بداخل قلبها حين سمعت صوت أمينه و هي تدعو الجميع للدخول فأمسكت يد شقيقتها التي ضغطت عليها بلطف في محاوله منها لبثها أمان كانت في أمس الحاجه إليه !
بعد مرور أكثر من عشرين دقيقه كان الجميع في غرفه الجلوس يحتسون القهوة بصمت تام قطعه سالم حين قال موجهًا حديثه إلي فرح التي كانت تتجاهله كليًا
" يالا عشان ترتاحوا . أكيد تعبتوا من السفر !"
برقت الأعين و ملأها إستفسار صريح لم يفشل في فهمه و لم يستطع عدى تجاوزه فقال بصدمه
" يرتاحوا ! هما هيقعدوا هنا و لا إيه ؟"
إرتعشت كفوف جنة التي كانت تحارب الإغماء من فرط توترها و رغمًا عنها رفعت رأسها تّطالعه بنظرات بدت محتقرة و أوشكت أن تجيبه لولا تدخل سالم الذي قال ساخرًا
" أنت شايف إيه ؟"
من فرط صدمته لم يلحظ تلك الحقائب التي أنزلها السائق من السيارة و لكن بعد أن أستعاد بعضًا من هدوءه مرت الأحداث علي عقله لينتبه لما يحدث حولهم فسقط قلبه رعبًا بين ضلوعه و لكنه حاول تجاهل خوفه و قال بنبرة بها تهديد مُبطن و هو ينظر إلي «جنه» التي كانت تمثل القوة و هي تُناظره
" غريبه ! معقول دا يا جنة! "
لم يعطها الوقت للرد إنما جاء صوته باردًا و نظراته غامضه حين قال
" و إيه الغريب في كدا ؟"
كان تركيزه مُنصب كليًا علي جنة التي لم تستطع أن تبقي عيناها المحتقره أمامه أكثر من ذلك فتجاهلته و نظرت أمامها ففسر تصرفها هذا علي أنه خوف اشعره بالراحه قليلًا ليجيب سالم و هو يضغط علي كل كلمه يتفوه بها
" يعني بصفتها إيه هتقعد هنا ؟ "
لاحت ابتسامه ساخرة علي جانب شفتيه و قد وصل إلي مبتغاه فقال بقوة و بنبرة خشنه
" جنة مرات حازم الله يرحمه و أم إبنه و طبيعي يكون مكانها هنا بعد موته ."
التفت الأعناق تناظره بصدمه و تسارعت الأنفاس تحت نظراته الثاقبه المسلطه عليهم بقوة و خاصةً حين أضاف بتهكم
" معقول يا عدى تكون نسيت ! دانتا الشاهد الأول علي جوازهم !"
و كأن أحدهم سقط بمطرقه قويه فوق رأسه في تلك اللحظه و تنبه أنه الآن يقف أمام خصم صعب لا يُستهان به و لا يمكن الوقوف أمامه و بأن هلاكه قد يكون علي يديه و لم تسعفه الكلمات في الرد عليه فأضاف سالم بترقب موجهًا حديثه لمؤمن الذي كان يجلس صامتّا لا يمتلك القدرة علي الحديث
" و لا إيه يا مؤمن !"
لحُسن الحظ جاء دخول أمينه إلي الغرفه الذي انقذهم من مأزق !فقد أستأذنت منهم للذهاب إلي المطبخ لتأمُر العاملين به بعمل وليمه إحتفالًا بمجئ أصدقاء الحبيب الراحل . و ما أن أطلت عليهم حتي قالت بحبور
" نورتونا يا ولاد . "
تحدث مؤمن بلطف
" دا نورك يا ماما أمينة . طمنيني عليكي عامله إيه دلوقتي ؟"
أمينه بلهجه حزينه
" الحمد لله.. الحمد لله على كل حاجه "
فأضاف مؤمن بصدق
" وحشتينا قولنا نيجي نشوفك "
أمينه بود
" دي أحسن حاجه عملتوها متتخيلوش زيارتكوا دي ردت روحي إزاي ؟"
كان الحديث يدور أمام «فرح» التي كان داخلها يغلي من الغضب من أولئك البشر الذين لا يملكون أدني إحساس بالذوق فقد كانوا يتجاهلون وجودهم تمامًا و كان كل الترحيب مُنصب فوق هذان الشابان و التي لم ترتح لهم و شعرت بخوف شقيقتها منهم و قد أيقنت بأن العيش هنا لن يكون سهلًا أبدًا و أن الأيام القادمة ستكون شاقه علي كلتاهما و لكنها كانت تقمع تلك الأفكار بعقلها خلف ستار من اللامبالاة بينما كان هو يقتنص تعبيراتها بين الفينه و الآخري و هو يشعر بما يعتريها و لكنه لم يتفوه بحرف إلي أن قاطع حديثهم الممل دلوف سليم إلي باب الغرفه فتنبهت جميع حواسها و شعرت بأنها تختنق فقد كان تنفس الهواء ذاته مع ذلك الشخص البغيض يُغضبها و قد أتتها رغبه قويه في الهرب حتي لا تراه أبدًا .
إمتدت يدها للكوب الموضوع علي الطاوله أمامها لترتشف منه بعض قطرات من المياه حتي تُبلل حلقها الذي جف تزامنًا مع ظهور إبتسامه ساخره علي جانب شفتيه إثر ملاحظته لفعلتها و قد تأكد من أنه يُخيفها تمامًا كما أراد .
" سليم كنت عايز أتكلم معاك شويه !"
كانت هذه الجمله التي ألقاها عدى فهبطت فوق قلبها كسوط من نار جلد ما تبقي لها من ثبات فاهتز الكوب بين أصابعها و سقط ليتحول إلي أشلاء جرحت قدمها و لكنها لم تشعر بشئ فقد إعتصرت قلبها قبضة قويه فهي تعلم عدى جيدًا و كم هو وضيع و أيضًا ذلك الرجل الذي يستمتع بإتهامها شتي الإتهامات دون أن يؤرقه ضميره لثانيه واحده . تري أي حديث سيجمع بينهما !
هبت فرح لمساعدة شقيقتها و صرخت أمينه في إحدي الخادمات حتي تأتي للملمه الزجاج المنثور و هي تقول بجمود
" مش تخلي بالك ؟"
حدجتها فرح بنظرة ناريه ثم قامت بإنتزاع إحدي المناديل الورقيه من العلبه أمامها و مسحت قطرات الدماء التي أنبثقت من جرحها الذي لم يكن غائرًا فاقترب منها سالم ليطمئن عليها قائلًا بإختصار
" أنتِ كويسه ؟"
هزت جنه رأسها فيما التفتت فرح تناظره بغضب كبير لم تكبح نظارتها في إخفاؤه و تجلي في نبرتها حين قالت بجفاء
" جنة محتاجه ترتاح شويه . السفر كان مُرهق عليها !"
هز رأسه دون حديث فيما تحدثت أمينه قائله بجفاء
" الغدا الساعه تلاته أعملوا حسابكوا !"
لم تجبها أيًا من الفتاتين بل إن فرح لم تنظر إليها و كأن الحديث غير موجه إليهم فيما قال سالم بفظاظه
" يالا عشان أوريكوا المكان الي هتقعدوا فيه "
كان الغضب يُغلف لهجته و لكنها لم تلحظ ذلك فقد كان غضبها يمنعها من رؤيه تلك النظرة الحادة التي حدج بها والدته و خرج دون أن يتفوه بحرف بينما تبعته «فرح» و من جانبها «جنه» التي دون إرادتها حانت منها نظرة إلي ذلك الذي يُراقب ما يحدث بإستمتاع و كأنه كان يتوقع أنها ستنظر إليه فعندما التقت نظراتهم حاول جاهدًا أن يحمل نظراته أكبر قدر من الإحتقار مما أدى إلي إتقاد الغضب بداخلها و شعرت بمدي خطأها حين إتخذت ذلك القرار الغبي في المجئ إلي هنا ..
وصلوا إلي باب الفيلا و ألتفت إليها سالم قائلًا بخشونه
" جهزنالكوا الملحق عشان تعيشوا فيه . لحد ما تاخدوا عالناس إلي في البيت و.."
قاطعته فرح بجفاء
" معتقدش أننا هناخد علي حد من إلي في البيت . لأنهم من الأول مش مُتقبلين وجودنا و من الواضح انك أجبرتهم يتعاملوا معانا زي ما أجبرتنا أننا نيجي هنا. "
سالم بفظاظه
" مين إلي قالك الكلام دا ؟"
فرح بغضب
" مش محتاجه حد يقولي باين أوي عليهم أنهم متضايقين من وجودنا "
سالم و هو يقوم بفتح باب المُلحق قبل أن يقول بلهجة صلفه
" مدام محدش قال حاجه يبقي وفري علينا إستنتاجاتك ! "
غضبت من وقاحته و خشونه نبرته و لكن هذا لم يكن جديد عليه و ما أوشكت علي الحديث حيث قاطعتها كلماته الجامدة
" مش محتاج أقولك حافظي علي نفسك. "
كانت نظراته موجهه إلي جنة ثم تحولت إليها قائلا بفظاظه
" و ياريت متشغليش نفسك بإستنتاجات وهميه ملهاش أي تلاتين لازمه !"
إزدادت شعلة غضبها و تجلي ذلك بنظراتها الحارقه و ملامحها المُستعِرة و قد لون الإحمرار وجنتها فذلك المتعجرف قد تخطي كل حدوده معها و لن تتهاون أبدًا معه و ستُريه مع أي شخص قد عبث !
إستدار إلي الخارج و هو يقول بنبرة آمرة
" بعد ما ترتاحي من مشوارك تعالي عشان نتكلم !"
جاءته نبرتها قويه توازي نبراته
" هدخل جنة ترتاح و آجي . عشان نتكلم ! "
قالت جملتها الأخيرة من بين أنفاس ساخنه مُلتهبه جراء غضبها القاتم و قد كان ذلك الصراع يدور أمام «جنة» التي لم تكن في أحسن حالاتها لذا فضلت إلتزام الصمت حين رافقتها شقيقتها إلي أقرب غرفه قابلتهم حتي أنها لم تنتبه إلي معالم الغرفه حولها بل إرتمت فوق السرير و هي تُطلِق تنهيدة قويه خرجت من جوفها سمعتها فرح بوضوح فدثرتها بالغطاء جيدًا قبل أن تضع قبله حانيه فوق جبهتها بثتها فيها جرعه من الحنان كانت في أمس الحاجه إليها .
بينما إلتفتت متوجهه إلي باب الغرفه و هي تُهيئ نفسها لحرب داميه لن تخرج منها مهزومه أبدًا ككل حروبها معه.
بالخارج وجدته يجلس بكل هدوء علي أحد المقاعد ينفث دخان سجائره الذي شكل خيوطً رفيعه من الدخان حوله بينما نظراته كانت تُطالِع اللاشئ أمامه كان كمن يبدو غارقًا في تفكيره حين أطلت عليه فأخذت تناظره لثوان كان وسيمًا بدرجه كبيرة توازي تسلطه و غروره الذان و كأنهما خُلقا معه أي في تكوينه .
إستفاقت من شرودها علي نبرته الساخره حين قال
" خلصتي !"
جفلت من سخريته فقد ظنت أنه غير منتبه إلي تحديقها فيه و لكن أتضح لها بأنها التي لم تكن منتبهه. لذلك تنحنت بخفوت قبل أن تقول بثبات
" خلصت إيه ؟"
أرتفع إحدي حاجبيه قبل أن يقول يتهكم
" يعني لما لقيتك مركزة أوي قولت أكيد بتشبهي عليا ! ماهو مش معقول تكوني معجبه بيا مثلًا !"
برقت عيناها من كلماته المستفزة والتي أستنكرتها بشدة إلا من خفقه مجنونه تعثرت بقلبها و لكنها حاولت أن تظل علي ثباتها و أتباع نفس أسلوبه إذ قالت بسخريه
"مغرور أوي !"
أبتسم بهدوء قبل أن يقول بتريث
" عمومًا الغرور أفضل من التصنُع !"
حاولت مراوغته فغمفمت بخفوت
" مفهمتش تقصد إيه ؟"
جاءت لهجته قويه و كانت نظراته مسلطه عليها بصورة أربكتها
"إني أكون مغرور أفضل من إني أكون شخص مُتصنع بعيش دور مش دوري و بتقمص شخصيه غير شخصيتي !"
شعرت بأنه لا مفر من مواجهته حتي لا يظن أنها خجله أو تخشاه لذا قالت بقوة
" لو بتتكلم علي يوم ما جيتلك الشركه فعلي فكرة بقي في اليوم دا أنت فاجأتني و مدتنييش وقت كافي إني أجهز و كان لازم نتكلم في أسرع وقت قبل ما تسافر فاضطريت إني آجي علي أي وضع!"
لم تُفسر نظراته و لكن ملامحه كانت أكثر لينًا حين قال بابتسامه شائكه
"طب كويس فكريني أفاجئِك علي طول بعد كدا !"
دائمًا ما ينجح بإستفزازها . كلماته البسيطه و معانيها الغامضه التي تُثير بداخلها شعور من الإضطراب فضاقت عيناها المستعرة و قالت بجفاء
" ياريت بلاش كلام بالألغاز و نتكلم بصراحه !"
كان يستشعر غضبها و تمني لو أنه يُغضبها أكثر فقد كان يروقه ذلك و لكنه حافظ علي ملامحه الجامدة إذ قال بلامبالاه
" الألغاز انتي إلي محاوطه نفسك بيها أما أنا شخص واضح و صريح !"
هزت رأسها و قد لاحت ابتسامه ساخرة علي ملامحها قبل أن تسترجع ملامحها الجامدة و هي تقول بجفاء
" تمام . يبقي خليني أتكلم انا كمان بوضوح . لما جيت و طلبت مني أن جنة تيجي تعيش معاكوا سألتك بصفتها إيه قولتلي مرات حازم و أم إبنه "
توقفت عن الحديث منتظره منه أن يعقب عليه و لكنه ظل صامتًا لذا تابعت بغضب مكتوم
" الظاهر إن أنت بس إلي شايف كدا و باقي الناس إلي في البيت ليهم رأي تاني ؟"
أجابها بإقتضاب و بملامح صارمه
" سبق و قولتلك وفري إستنتاجاتك لنفسك !"
فرح بغضب
" دي مش إستنتاجات دي حقيقه إحنا عشناها النهاردة من ترحيبهم بينا إلي كان شبه مش موجود أصلًا "
لم تتأثر ملامحه إنما قال بفظاظه
" بيتهيألي أنك بالذكاء إلي يخليكي متتوقعيش أفضل من كدا !"
حدجته بلوم قبل أن تقول بجفاء
" بالعكس لو أعرف كدا مكُنتش جيت !"
سالم بتقريع خفي
" عشان تحكمي علي الأمور صح حطي نفسك دايمًا مكان إلي قدامك !"
فرح بإختصار
" بمعني ؟"
سالم بفظاظه
" أفتكري رد فعلك كان إيه لما عرفتي إلي حصل و قيسي عليه ردود أفعال إلي حواليكي ! "
للحظه أعترفت بأنه يملك الحق فيما يقوله فما حدث لا يسهل أبدًا استيعابه و قد أغضبها ذلك و لكنها أبدًا لن تتحمل طريقتهم في التعامل حتي يتقبلوا تلك الحقيقه المُرة لذا قالت بإستفهام مستنكر
" و المفروض أننا نتحمل الأسلوب دا لحد ما يتأقلموا !"
كان يعلم بأنها تُعطيه الحق في حديثه و لكنها لن تُفصِح أبدًا عن ذلك فملامحها الغاضبه خير دليل . فقام بخنق ضحكه كانت علي وشك الظهور و حافظ علي صرامه ملامحه و هو يقول
" أدي كل واحد فرصته أنه يستوعب إلي بيحصل حواليه و خصوصًا إن محدش هيتعرضلكوا بأي أذي !"
فرح بإستنكار
" ماهو واضح !"
خرجت زفرة خشنه من جوفه قبل أن يقول بنفاذ صبر
" التحفظ مش قله ذوق و لا إهانه . أنتوا لسه متعرفوش ببعض عشان كدا قررت أنكوا تقعدوا هنا في الأول لحد لما تتاقلموا "
قاطعته إذ قالت ساخرة
" حلو ! في رأيي دا أكتر قرار صح أخدته من يوم ما أتقابلنا !"
إرتفع إحدي حاجبيه قبل أن يقول بسخريه
" دا لو حطينا رأيك بعين الإعتبار اصلًا !"
هل أهانها للتو ؟؟ برقت عيناها و هي تُناظره و قد تجمدت ملامحها بغضب كبير جعل محصول الطماطم الطازج ينبت فوق خديها مما جعله يقول بتخابث
" في رأيي أن الزي التنكري دا مش لايق علي شخصيتك ! ياريت ترجعي لطبيعتك أفضل !"
قال جملته و توجه إلي الباب بهدوء و غرور يلتصق به دائمًا فأوقفه صوتها الغاضب حين قالت
" دا لو حطينا رأيك بعين الإعتبار اصلًا !"
كان يعطيها ظهره لذا أطلق العنان لإبتسامه قويه شقت ثغره من تكرارها جملته التي نجحت في إشعال غضبها الذي يخلق لذه خاصه بداخله و لكنه سرعان ما محاها قبل أن يقول بتخابث
" قريب أوي هيبقي رأيي الأول و الأخير يا فرح ! "
لم تستمع من كلماته سوي إسمها فما أن همت بسؤاله حتي خرج مُغلقًا الباب خلفه تاركها تتلوي بنيران الغضب من ذلك المغرور القاسي الوسيم !
***************
كانت تُناظره بغضب كبير تجلي في عيناها الجميلة التي ما أن فتحتهم حتي وجدت ذلك الضخم يعبث بأشياءها فلم تستطع الصمت بل صرخت بأعلي صوتها قائله
" حراميييييي!"
أخترقت الكلمه مسامعه مما جعله يتجمد بمكانه لثوان قبل أن يلتفت إليها فوجد نمرة غاضبه علي وشك الفتك به و قد تناقض مظهرها الان بمظهر القطه الضائعه التي كانت تبدو عليه قبل أن تفقد الوعي !
ألتفت يُناظرها بجمود قبل أن يقول بصوت قوي خشن
" دا مين الحرامي معلش !"
أجابته بقوة تجلت في عينيها التي توسعت بشدة بسبب الغضب
" الحرامي إلي واقف يفتش في شنط الناس بكل بجاحه "
ما هذه الوقاحه ؟ جمالها الخارجي يتنافي تمامًا مع لسانها السليط الذي سيكون أكثر من سعيد حين يقطعه لها تلك الوقحه تنعته بالسارق بعد أن حملها كل تلك المسافه و لم يدعها تسقط بين الناس !
" أحترمي نفسك و أعرفي أنتي بتتكلمي مع مين !"
حلا بإنفعال
" أنا محترمه غصب عنك !"
إحتدم الصراع بينهم و كانت الأعين تُرسل شرارات نارية قادرة علي إشعال النيران في المكان من حولهم لذا تدخلت إحدي العاملات في محاوله لتهدئه تلك النظرة الغاضبه
" يا بنتي إيه إلي بتقوليه دا . مين بس إلي حرامي دا ياسين بيه راجل مُحترم !"
حلا دون تفكير
" ماهو واضح أنه محترم! بدليل أنه كان بيفتش في شنطتي .."
حاول إبتلاع غضبه الذي إن أطلقه سيحرقها دون أدني شعور بالذنب لذا أطلق تنهيدة خشنه غاضبه قبل أن يقول و هو متوجهًا نحو باب الغرفه
" أنا هخرج قبل ما أرتكب جنايه!"
همت بأن تجيبه و لكنه كان قد أختفي فتدخلت العامله قائله بتوبيخ
" إيه إلي أنتي هببتيه دا . بقي دا جزات الجدع أنه لحقك قبل ما تقعي وسط الخلق !"
تنبهت حلا لحديثها فالتفتت تقول بإستفهام
" إيه ؟ لحقني إزاي يعني ؟"
قصت عليها السيدة ما حدث فشعرت بمدي غبائها و تهورها الذي دائمًا ما يوقعها في المشكلات و سقطت علي الكرسي خلفها بتعب و وجدت عيناها تقع علي حروف ذلك الإسم المدون علي اللوحه أمامها
" ياسين وفيق عمران !"
أخذت تردد الاسم بين شفتيها بخفوت و هي تنظُر أمامها بشرود قطعه صوت نفس السيدة و هي تقول بنُصح
" أسمعي مني روحي أعتذريله أنتي قليتي أدبك عليه جامد و الراجل معملكيش حاجه "
خرج الكلام منها حادًا و هي تقول بنفي قاطع
" دا مين دا إلي أعتذرله نجوم السما أقربله . قال أعتذر قال !'
كان يقف أمام إحدي ماكينات صنع القهوة ينتظر أن تنضج قهوته و هو يتنفس بحدة من تلك الجميله سليطه اللسان التي تتحول بلحظه من قطه ناعمه إلي نمرة مفترسه !
" أنا أسفه !"
أخرجه من شروده صوت أنطبع في مخيلته منذ أن وقع علي مسامعه أول مرة و علي الرغم أن رقته حاليًا تتنافي مع قوته سابقًا و لكنه تعرف إليه و علي الفور إرتسمت إبتسامه خافته علي شفتيه حاول قمعها قبل أن يلتفت يُناظرها بجمود و كأنه لم يسمع حديثها مُمسكًا بكوب القهوة الخاص به يُناظرها بتفحص من رأسها حتي أخمص قدميها دون حديث و قد أغضبها تفحصه هذا فلعنت نفسها أنها أقدمت علي ذلك الإعتذار السخيف و قررت تصليح خطأها لذا التفتت تنوي المغادرة لتتوقف بمكانها حين أستمعت لنبرته الصارمة
" أستني عندك !"
توقفت بمكانها و أخذت نفسًا قويًا قبل أن تلتفت تناظره بغضب مكبوت بينما كان هو مستمتعًا بمظهرها و لكنه كان يحافظ علي جمود ملامحه حين اقترب منها بخطً سُلحفيه بينما عيناه لم تحيد عنها و ما أن وقف أمامها مباشرة حتي قال بخشونه
" أسمك إيه ؟"
رفعت رأسها بشموخ قبل أن تقول بنبرة قويه ممزوج بغرور لاق بها كثيرًا
" حلا . حلا منصور الوزان ."
لم يبدو و كأنه تأثر حين سمع حديثها بل تابع بنفس لهجته
" فرقه كام ؟"
أجابت بملل
" تالته !"
ياسين بهدوء مستفز
" تخصصك إيه ؟"
حلا بنفاذ صبر
" فلسفه ! آداب قسم فلسفه . ها في أسأله تانيه ؟"
ياسين بلا مبالاه
" لا. تقدري تمشي !"
كان يُطالعها بينما يرتشف من قهوته بهدوء أغضبها فكل ما صدر من ذلك المتعجرف يُغضبها حديثه و إستجوابه و ايضًا تجاهله لأعتذارها الذي جاهدت كثيرًا حتي تُخرِجه لذا تمنت في لحظه أن تحرق القهوة لسانه اللاذع عله يخرج عن طور البرود المستفز هذا.
أخرجها من شرودها تجاوزه لها و خروجه دون أن يتفوه بحرف فوبخت نفسها بشدة كيف أنها كانت تقف بجمود تطالعه كالبلهاء و هكذا كان حالها حين دخلت إلي إحدي القاعات حتي تحضر أولي محاضراتها و تذهب إلي البيت علها تُنهي ذلك اليوم الذي لم تكن بدايته تُبشر بالخير أبدا !
جلست علي إحدي المقاعد بعيدًا عن الجميع و لم تكد تستقر في مقعدها حتي تفاجأت بذلك الضخم المتعجرف يدخل من باب القاعه و يقف خلف الطاوله الكبيرة و هو يناظرهم و تحديدًا هي قائلاً بنبرة بها الكثير من التحدي المُغلف بخبث يطل من عيناه
" أهلا بالطلبه الجداد إلي انضموا لجامعتنا . أحب أعرفكوا بنفسي أنا الدكتور ياسين وفيق عمران!!"
برقت عيناها من هول ما يحدث معها و ودت لو أن الأرض تنشق و تبتلعها في تلك اللحظه فهذا المتعجرف هو دكتور إحدي المواد المقررة عليها لهذا كان يستجوبها و هي كالبلهاء أجابته بمنتهي الصراحه !
*********
أخيرًا انتهت الزيارة و استقل كُلًا من عدى و مؤمن السيارة و إنطلقوا عائدين إلي القاهرة و ما أن غادرت السيارة أبواب المزرعه حتي أنفجر عدى قائلًا بغضب
" شفت بنت ***** لعبتها صح إزاي ؟ و قدرت تضحك عليهم زي ما ضحكت علي حازم الله يرحمه !"
ناظره مؤمن بغضب حارق قائلًا بتقريع
" بطل إستعباط و كلام أهبل كلنا عارفين مين ضحك علي مين "
عدى بإنفعال
" تقصد إيه يا مؤمن وضح كلامك !"
مؤمن باحتقار
" قصدي أنت عارفه كويس يا عُدى ! كفايه إلي حصل لحازم فوق بقي من غفلتك دي إحنا ممكن نكون مكانه في أي وقت !"
عُدى بنفاذ صبر
" بطل حكم و مواعظ و فكر معايا . إزاي قدرت تضحك عليهم بالشكل دا ؟"
ناظره مؤمن بحنق قبل أن يقول مستنكرا
" تضحك علي مين أنت عبيط ! دا سالم الوزان! محدش يقدر يضحك عليه و أكيد لو عنده شك و لو واحد في الميه أنها كذابه مكنش جابها تعيش وسطهم "
ثم أعطاه نظره حانقه محتقره و هو يقول بتقريع
" معلقتش علي موضوع الحمل يعني ! أنت إلي شجعت حازم أنه يعمل عملته دي صح !"
تراجع عدى للخلف و نظر أمامه قبل أن يقول بلامبالاه
" مشجعتش حد كل حاجه كانت بمزاجها . و بعدين زيها زي أي واحده حازم مشي معاها و سابها. بس دي طلعت حويطه أوي و عرفت تلعبها صح !"
كانت جملته الأخيرة تحمل حقدًا من نوع خاص فهمه مؤمن علي الفور فقال بتوبيخ
" بطل أفتري و ظلم أنت اكتر واحد عارف أنها مش زي البنات دي و أنت السبب في كل العك إلي حصل دا !
عودة إلي ما قبل سته اشهر
توجه الثلاثي مؤمن و عدى و حازم إلي إحدي القاعات لحضور محاضرة لذلك الدكتور اللزج الذي جعلهم يرسبون في مادته للمرة الثانيه فأصبح لزامًا عليهم أن يحضروا جميع محاضراته حتي يتثني لهم النجاح بها فهذه سنتهم الأخيرة و يريدون للخلاص حتي يشق كلًا منهما طريقه نحو الحياة .
أتخذ كل واحد منهم مقعد ينتظرون مجئ الدكتور الوغد كما أسموه و ما هي إلا ثوان و دلف إلي القاعه و ما أن وقعت عيناه عليهم حتي رماهم بنظرة مُتهكمه و أتخذ مكانه حتي يستعد لبدأ المحاضرة التي مر منها قرابه العشر دقائق و الثلاثي قد بلغ الملل بهم لذروته و لكن ما أن سمعوا طرقًا علي الباب الذي أنفتح بعد سماح الدكتور للطارق بالدلوف و الذي لم يكن سوي فتاه جميله بشعر أسود حريري و عينان تُضاهيه سوادًا تناقض كثيرًا مع بياض بشرتها التي يتوسطهم التفاح الشهي المنثور فوق خديها الحمروان كلون شفتيها تمامًا فقد كانت جميله فاتنه بجسد صغير و لكنه به أنوثه قاتله تظهر علي إستحياء في ملابسها التي لم تكن جريئه فتُفصل قوامها الممشوق و لا فضفاضه فتُخفيه و لكنها كانت علي قياسها و أظهرت مدي جمالها الخارق و عندها حبس الثلاثه أنفاسهم لدي رؤيتها و قد كانت تعتذر من الدكتور بخجل علي تأخرها و قد سمح لها بالدخول و ما هي إلا دقائق حتي إنخرطت معه في المحاضرة وصارت تناقشه بجرأة و لباقه و لم تكن تعلم بأن هناك ثلاث أزواج من العيون تقتنص جميع حركاتها إلي أن أنتهت المحاضرة فخرجت «جنة» مع أصدقائها تضحك هنا و تبتسم هناك و تشاكس هذا و تمازح ذاك غافله تمامًا عن كل ما يُحاك حولها من مؤامرات تسببت في هدم حياتها !
كان أول المتحدثين هو عُدى الذي قال بإعجاب صريح وقح
" واد أنت و هو شايفين الصاروخ إلي أنا شايفه دا !"
أجابه مؤمن بإعجاب لم تخفيه عيناه
" شايف! إلا شايف دا إلي ميشوفش الجمال دا يبقي أعمي!"
تحدث عُدى متأثرا بمظهرها
" أنا لازم أروح أتعرف عليها!"
هنا تحدث حازم الصامت منذ بدأ الحديث و قال بنبرة قاطعة
" البت دي تلزمني ! "
وجه عدى أنظاره الغاضبه إليه و قال بحنق
" و ليه بقي إن شاء الله . مانا كمان معجب بيها '
ناظره حازم بغرور و قال بتكبر
" عُدى يا حبيبي متحطش نفسك في مقارنه معايا عشان أكيد هتطلع خسران "
أنفعل عُدى و قال بحدة
" علي أساس أنك إلي مفيش منه أتنين يعني و لا حاجه !"
حازم بفظاظه
" بالظبط كدا . و أظن أنت جربت تدخل في منافسه معايا قبل كدا و شوفت النتيجه "
شعر عدى بنصل حاد يخترق أعماق قلبه و كبرياؤه و لكنه أبي الإنهزام أمامه إذ قال بعنفوان
" بيتهيألك ساندي أنا إلي سبتهالك بمزاجي . عشان مكنتش تفرق معايا"
أوشك حازم علي الرد و لكن تدخل مؤمن الذي كان يشاهد صراعاتهم المستمرة فقال بتسليه
" لا بقولكوا إيه متصدعوناش بنقاركوا دا . دلوقتي البت عجباكوا أنتوا الأتنين . يبقي نشوف مين فيكوا إلي هيقدر يوقعها ."
راقت الفكرة للثنائي الأهوج الذي نُزِعت من قلوبهم كل معالم الرحمه لذا خرجت الموافقه من بين شفتيهم أتبعها عدى قائلًا بتخابث
" و مش بس كدا . دانا لو علقتها هاخد منك العربيه الجديده بتاعتك . زي مانتا خدت عربيتي قبل كدا !"
أبتسم حازم بسخريه قبل أن يقول بحماس
" موافق ! أما أنا بقي لو كسبت الرهان و دا متوقع طبعا . هخليك .... و لا بلاش لما أكسب الرهان و أبقي أقولك وقتها !"
" أتفقنا .. أستنوني هنا و شوفوا هعمل إيه ؟"
كان المُتحدِث عُدى الذي إندفع تجاه «جنة» التي كانت تتحدث مع إحدي صديقتها و ما أن اقترب منها حيث قال ليجذب انتباهها
" لو سمحتي ممكن كلمه ؟"
ألتفتت جنة إليه قائله بتحفظ
" في حاجه ؟"
عُدى بإحترام مزيف
"أنا شفتك و أنتي بتتناقشي مع الدكتور و بصراحه أسلوبك كان سلس و منمق فلو مكنش يضايقك كنت عايزك تشرحيلي كذا حاجه واقفه قدامي !"
كان مظهره العابث يتنافي مع حديثه المُنمق و أيضًا تلك الوقاحه المُنبعثه من عيناه جعلتها تعرف الهدف الأساسي من حديثه المخادع هذا لذا طالعته بتهكم قبل أن تقول بلهجه قاطعه
" أنا هنا طالبه زيي زيك غير مؤهله إني أشرح لحد فلو عايز تستفيد فعلًا أنت ممكن تروح للدكتور و تتكلم معاه . عن إذنك "
أنهت حديثها و التفتت تُكمِل حديثها مع صديقتها فانتابه غضب حارق تجاهها و لكنه حاول إبتلاعه قبل أن يُرقِق لهجته قليلًا و هو يقول
" طب و لو قولتلك إني حابب أتعرف عليكي ووو.."
قاطعته جنة بنبرة صارمه
" مبتعرفش ! و لو سمحت تمشي من هنا عشان مناديش علي حرس الجامعه و أعملك مشكله "
إحتدت لهجتها كثيرًا في جملتها الأخيرة و قد وصل حديثها إلي مسامع كُلًا من مؤمن و حازم الذي ناظره بشماته و هو يعود أدراجه خائبًا بينما خرج الكلام ساخرًا من بين شفتي مؤمن حين قال
" يااه عالحلقه ! دي غسلتك و شطفتك و نشرتك "
حدجه عُدى بنظرة حادة بينما كانت عيناه تناظر حازم الذي قال بتشفي
" قلبي عندك يا ديدو بس أنت كدا كدا خسران يا صاحبي من البدايه . لكن أوعدك حقك عندي . شوف و أتعلم"
أنهي كلماته و توجه إليها بعنجهيه و غرور دائمًا ما يُلازمه و ما أن توقف بقربها حتي سمع صديقتها تناديها بإسمه « جنة » أحتار للحظات أهو إسم أم وصف و لكنه وصل إلي نتيجه واحده أنه ينطبق عليها كثيرًا .
أقترب منها قبل أن يقول بخشونه و هو يناديها
" جنة !"
تسمرت بمكانها من فرط صدمتها فمن أعطي ذلك المغرور الحق في مناداتها بتلك الطريقه التي توحي بأنهم اصدقاء قُدامي !
ألتفتت تُناظره بغضب حاولت إخفاءه حين قالت بجفاء
" أنت تعرفني ؟ "
جاءها رده حين قال بتأكيد
" مانا جاي هنا عشان أعرفك ! "
إغتاظت من وقاحته و غروره فوقعت عيناها علي صديقه الذي وبخته للتو فأشارت إليه و قالت مرتفع قليلا
" أنت ! "
ناظرها عُدى بصدمه تحولت إلي سعادة غامرة حين سمعها تقول
" أبقي قول لصاحبك الكلمتين إلي لسه قيلاهملك عشان واضح أنه مبيسمعش !"
ألقت كلماته مرفقه بنظرات ساخطه مُحتقرة لذلك الذي جحظت ملامحه من فرط الصدمه فهي أول فتاة تقف أمام وسامته و غروره الذان يجذبان أنظار الفتيات إليه دون أي عناء منه و قد كانت أول من كسر تلك القاعده حيث تركته و ذهبت و هي تتهادي بمشيتها بينما هو كان يحترق من الغضب لتأتيه كلمات عُدى المتشفيه
" والله و لاقيت إلي تديك علي دماغك يا وزان ! لا و تقولي حقك عندي يا صاحبي . و شوف و أتعلم . دانتا إلي أتعلم عليك و بالأوي كمان . بالشفا يا كبير !"
أيقظت كلماته وحوش الغضب و الكبرياء بداخله و الذان تحولا إلي رغبه هوجاء في تلقينها درسًا لن تنساه لذا خرجت الكلمات من فمه متوعدة حين قال
" الرهان لسه مخلصش ! هدفعها تمن كلامها دا غالي أوي .( أخذ نفسا حارقا قبل أن يقول بنبرة قاتمه تشبه قلبه ) البت دي هتكون في سريري قبل نهايه الترم دا .و بكرة تشوف ! "
*****************
حتي أن أصابعهم العشرة لن تكفيهم ليأكلوها ندمًا علي ما فعلوه بنا !!
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
إستيقظت من غفوتها الطويله فوجدت أن الظلام قد حل فأخذت تتلفت حولها في محاوله لتتعرف علي هذا المكان الجديد كليًا عليها و بعد لحظات كانت إستعادت ذاكرتها فأخذت نفسًا طويلًا قبل أن تنهض بتكاسل تنوي الخروج من تلك الغرفه لرؤيه شقيقتها و التي كانت تأخذ حمامًا ساخنًا . فشعرت بالإختناق و أرادت إستنشاق بعضًا من الهواء النقي فتوجهت إلي الحديقه الخلفيه لذلك الملحق و أخذت تتمشي قليلًا إلي أن جذب إنتباهها صوت صهيل الخيل الذي كانت تعشقه كثيرًا فأخذتها قدماها إلي ذلك المبني البعيد نسبيًا عن مكانها و لكنه كان داخل حدود المزرعه و هذا طمأنها قليلًا و بعد دقيقتان من المشي وجدت نفسها أمام ذلك السور الذي به ساحه كبيرة لترويض الخيول و علي الناحيه الآخري كانت هناك الكثير من الحظائر التي يقبع بها الخيول فتوجهت إليها لتقع عيناها علي أجمل شئ رأته بحياتها و هي تلك الفرسه الجميله التي كانت تشبه الثلج في بياضه و كان شعرها كثيفًا رائعًا يعطيها جاذبيه كبيرة إلي جانب عيناها الفاتنه فوقعت جنة بعشقها من أول نظرة و إمتدت يدها تتحسس جبينها برفق و هي تقول بحنو
" أذيك عامله إيه يا جميله ؟؟ أنا جنة ! أنتي أسمك إيه ؟"
أخذت الفرس تُحرِك رقبتها تفاعلًا مع لمسات جنة الناعمه و التي ظلت تُمسِد خُصلاتها بحنان قبل أن تقول برقه
" أنتي جميله أوي .. تعرفي إنك أجمل حاجه حصلتلي النهاردة. أصلك متعرفيش أنا يومي كان سئ أوي . و كنت بتمني يعدي بأي شكل. "
أمسكت قطعه من الجزر و وضعتها في فم الخيل و يدها الآخري تدغدغ رقبتها بحنو و هي تقول بحزن دفين
" حياتي كلها أصلا بقت سيئه لدرجه بتمني أن الست شهور إلي فاتوا من عمري يكونوا كابوس . كابوس و هصحي منه ألاقي حياتي لسه جميله و هاديه زي ما هي ! "
خرج صهيل الفرسه أمامها ليشق السكون المحيط بها فابتسمت جنة برقه قبل أن تقول بخفوت
" أنتي حاسه بيا صح ! أحيانًا غلطه واحده ممكن تدمر حياة بني آدم أو تخليه يتمني الموت كل لحظه ! بس الأسوء من كدا أن الظروف تعانده و حتي الموت تصعبه عليه !"
زفرت ثاني أكسيد الحزن العالق بقلبها قبل أن تقول من بين قطراتها المتساقطه
" وحشتني ماما أوي . مع إني مش فاكرة ملامحها بس صوتها لسه في وداني . بالرغم من أن فرح عمرها ما خلتني أفتقد حد و لا أحس إني يتيمه بس حاسه إن لو كان ماما و بابا موجودين كانت حياتنا هتبقي غير كدا ! علي الأقل كانوا هيقفوا جمب فرح . و مكنتش هتبقي مضطرة تشيل الحمل كله لوحدها كدا ! تعرفي إني نفسي أعتذرلها بس مش قادرة . أي إعتذار في الدنيا يكفر عن ذنبي و غلطي! "
صمتت لثوان تحاول كفكفه دموعها التي تنساب بغزارة من بحرها الأسود.الحزين قبل أن تقول بعفويه
" نسيت أقولك مش أنا هجيب بيبي .. تعرفي إني طول عمري بحبهم أوي و نفسي يكون عندي واحد . يمكن الطريقه إلي جه بيها كانت وحشه أوووووي بس أنا واثقه أنه هيعوضني عن...."
أختنقت لهجتها بالحديث و أسندت رأسها علي السياج أمامها تحاول قمع ذكريات كفيله بجعلها تنهار في تلك اللحظه و ظلت علي حالها لدقائق قبل أن تسمع صوت صهيل الخيل بقوة و كأنها تُرحِب بأحدهم فالتفتت لتُصدم عندما وقعت عيناها علي آخر شخص في العالم ترغب برؤيته و الذي كان يطالعها بجمود و عينان يقطر منها الغضب الذي تجلي في نبرته حين قال
" بتعملي إيه هنا ؟"
حاولت سحب أكبر كميه من الأكسجين بداخلها قبل أن تقول بهدوء
" زي مانتا شايف . بتفرج عالخيل !"
" أستأذنتي قبل ما تيجي هنا ؟"
كانت نبرته حادة كنصل سكين أخترق قلبها و لكنها جاهدت حتي تظهر بمظهر الثبات الذي حاولت أن تتحلي به و هي تُجيب بإختصار
" لا !"
تحركت شفتيه بسخرية قبل أن يقول بإحتقار
" كنت هستغرب لو قولتي غير كدا !"
كان الإحتقار في نبرته يُغضبها و يُضفي المزيد من الحُزن علي قلبها لذا تجاهلت حديثه و تحركت تنوي المغادرة فما أن مرت بجانبه حتي إستوقفتها قبضته القويه التي أمسكت برسغها توقفها عن الحركه فالتفتت تناظره و التقت الأعين في صراع غريب من نوعه علي كليهما وصل دويه إلي صدوهم فقد كانت ترتجف و قلبها إثر نظراته الناريه و عيناه التي لا تهدأ أبدًا و قد كان هو الآخر يشاطرها التخبط و هناك نبضه قويه تعثرت بداخل قلبه و هو يُناظر بحرها الأسود اللامع الذي يتخلله حزن ممزوج بخوف كبير حاولت إخفاؤه و لم تنجح !
دام الصمت لثوان بينما العيون كانت تتحدث بلغه يصعب علي كليهما تفسيرها و لكنه كان أول من قطع هذا الحديث الشائك إذ قال بلهحه صارمه
" المكان دا خاص بأصحاب البيت إلي أنتي مش منهم و لا عمرك هتكوني منهم أبدًا ! و قبل ما تفكري تدخليه لازم تستأذني ! "
حاولت الحديث و لكنه أوقفها حين قال بغضب
" و إياكِ تخرجي في وقت متأخر زي دا لوحدك . عشان عيب! و لو أنتي متعرفيش العيب هعلمهولك . في رجاله بتشتغل هنا في الأسطبل و في كل مكان حواليكي و ميصحش يشوفوا أرمله حازم الوزان بره في الوقت دا . التسيب و الإنحلال إلي أتعودتي عليهم دول تنسيهم أنتي في بيت ناس محترمين ؟"
رغمًا عنها إنهار قناع القوة التي كانت تحتمي خلفه جراء نبرته المحتقره و لهجته المُهينه و تساقط الدمع من مقلتيها بغزارة و قد صدمه مظهرها كثيرًا للحد الذي أشعره بشعور غريب من الألم و الندم معًا و خاصةً عندما سمع صوتها الذي جاهدت حتي تُخرجه من بين شفتيها المُرتعشتين
" خلصت !"
لم يُجيبها انما اماء برأسه و عيناه لا تحيد عنها فقامت بجذب ذراعها من بين قبضته و هرولت إلي حيث يقع المُلحق الذي تقطن به هي و شقيقتها و قد كانت شهقاتها تشق سكون الليل المحيط بهم و قد كان يراقب إنهيارها و رحيلها بقلب مُتألم فهو بحياته لم يكن شخصًا ظالمًا برغم غضبه إلا أنه كان مسالمًا حنونًا ذو قيم و مبادئ و لكن الإنتقام شوه الرؤيه لديه و جعله كالأعمي لا يري أمامه إلا من شعور بعدم الراحه وصل إلي حد الألم احيانًا الذي يؤرقه ليلًا حين يتذكر حديثه معها و طريقته الفظه و المُحتقرة !
زفر بحدة و قرر الذهاب إلي الجراج الخاص بهم ليُمارِس هوايته المفضله و الوحيدة التي تنجح في جعله يفرغ شحنات غضبه و أثناء مروره بالمُلحق الذي تقطن به توقف لثوان و ألقي نظره علي أحد النوافذ قبل أن ينطلق في وجهته و ما أن خطي خطوتان حتي سمع صراخ قادم من هناك جعل كل خلاياه تضطرب و دب الذعر في جميع أوصاله فهرول إلي هناك و قام بالطرق بقوة علي الباب الذي أنفتح و أطلت فرح المرتعبه و فجأة تجمدت الدماء بعروقه حين وقعت عيناه علي تلك المُلقاه أرضًا و أسفلها بقعه من الدماء..
يتبع ....
*****************
بارت طويل و مليان أحداث مستنيه رأيكوا و توقعاتكوا زي ما متعودين ❤️ أن شاء الله الفصل الجديد يوم الخميس ربنا ميجبش اي حاجه وحشه
متنسوش (فوت+كومنت+فولو ليا ❤️)
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
أن تعشق إمرأة مثلي إنه أمرٌ شاق للغايه ،
لم أكن أنثى إستثنائيه يومًا بل أنا الاسوء من بين جميع النساء ، و عليك أن تُدرك هذا أولًا لأن الطريق إلي قلبي لن يكون سهلًا أبدًا ،
فعليك تتقبل جميع صفاتي السيئة و تراها ميزات ! أن تتقبل جميع تصرفاتي المُتقلبة دون أن تسأل عن الأسباب ! أن تتعامل مع ردودي الغير متوقعه علي أنها أمور طبيعيه ! أن تراني جميله بجميع حالاتي و تري مزاجيتي أجمل أنواع الدلال ! أن تراني دائمًا مميزة ببساطتي بعفويتي بحماقتي ! ألا أكون مُجبرة دائمًا علي إدهاشك ! أريد عشقًا خالصًا يُرمم شقوق قلبي و يُصلح ندبات روحي أُريد أمانًا ينتزع الخوف العالق بثنايا فؤادي و إعلم حينها أنك ستحظي بعشق سرمدي يفوق حدود الأبديه ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان الأمر في المشفي علي صفيح ساخن بينما الصمت يُسيطر علي الجميع للحد الذي يجعل هسيس أنفاسهم مسموع بوضوح . بينما القلوب تحترق بهدوء قاتل و الألسنه عاجزة عن الحديث فأي كلام يمكن أن يُقال يخفف من وطأة هذه الصدمه الكبيرة حين أخبرهم الطبيب أنهم علي وشك خسارة الطفل !
خنجر مسموم بنيران الذنب إنغرز بمنتصف قلبه حين رآها غارقه في دمائها بينما تجمد في مكانه لا يعي ماذا يحدث ! فقط ألم هائل أجتاح كيانه حينما سقطت كلمات «فرح» كجمرات فوق قلبه و هي تقول بصراخ
" لازم نوديها المستشفي حالًا دي حالة إجهاض "
لا يعلم كيف حملها بكل هذا الرفق الذي لم يكن يظن بإنه يمتلكه و أي قوة خفيه سكبت كل هذا الحنان بين كفوفه المُمسِكة بها بينما ملامحه كانت قاسيه و عابسه و كأنه يرفض تلك الكلمات المقيتة التي أُلقيت علي مسامعه للتو.
كان مُسيطرًا علي مقود سيارتة الضخمة بينما لم يستطيع السيطرة علي نبضاته الهادرة التي تتخبط بعنف بين ضلوعه و كأنها تعلن ثورتها عليه و إنقلابها ضده و ضد هذا العنف المعنوي الذي إرتكبه بحق تلك الجنة التي كانت تصارع آلام تفوق طاقتها و حدود قدرتها .
قبضه قويه إعتصرت قلبه و هو يضعها فوق الحامل أمام المشفى بينما كل خليه به تصرخ غاضبه علي تركها و مُتألمه علي حالها و شحوب ملامحها التي كانت تضج بالحياة حين كانت تتحدث مع الفرس فقد كان يستمع إلي حديثها بقلب مُمزق و عقل مُشتت فكل الإتهامات تُشير إلي أنها مُذنبه حتي حديثها و نبرة الندم التي تُغلفه تؤكد علي ذنبها الكبير الذي لم تستطيع غفرانه لذاتها بينما عيناها الشئ الوحيد الذي ينطق ببرائتها . و يكاد قلبه يصدقها بينما عقله ينهره بشده و يحذره من مغبةٍ الوقوع بسحرها الآثر فيتضاعف الذنب بقلبه و هذا ما لن يستطيع إحتماله أبدًا !
**********
معظم الخسارات في حياة الإنسان قابله للتعويض إما التجاوز ! و لكن ثمه خسارات مُروعه تحمل الموت في طياتها كأن تخسر شقًا من روحك أو تفقد إحدي بُطينان قلبك و هذا ما شعرت به
« فرح » حين رأت شقيقتها تتوسط الأرضيه الصلبه غارقه بدمائها مُهددة بفقدان جنينها فلم تتمالك نفسها إذ خرجت صرخه مُتألِمه من جوفها بينما جسدها أخذ يهتز بقوة و هي تحتضنها بالسيارة في طريقهم إلي المشفي و دموعها المتساقطة لا تتوقف أبدًا ، بل أخذت تزداد كلما مرت دقيقه تلو الأخرى دون أن يُطمئنهم أحد .
تود لو تكسر تلك الأبواب الزجاجيه و تخترق تلك الغرفه لتحتضنها و تخبرها بأنه لا طاقه لها بالفراق أبدًا .
تود أن تصل نبرتها المتألمه إلي أعماق قلبها حتي يتمسك بالحياة و ألا يفقد الأمل مُطلقًا. تُريد قطع وعدًا صارمًا لها بأنها لن تدع أحدًا يؤذيها ، لكنها ستستبسل في الدفاع عنها حتي الموت . فقط لو تخرج سالمه من هذه الغرفه ! لو تري ضحكتها البريئه تُزين وجهها الفاتن مرة ثانيه !
" يارب أحفظها يارب . و متضرنيش فيها أبدًا ."
هكذا خرجت الكلمات من أعماق قلبها تُناجي ربها بأن يحفظ شقيقتها الغالية و ألا يُريها فيها بأسًا يُبكيها و لم تلحظ ذلك الذي كان يُراقب جميع إنفعالاتها بهدوء تام و ملامح صارمة تتنافي مع ذلك الحنان الذي تسرب إلي قلبه دفعة واحده و هو يُناظِر رأسها المُنكث و أكتافها المُتهدِله و ملامحها المُنهزِمه حتي خصلات شعرها التي كانت تسترسل بهدوء خلف ظهرها يتساقط منها قطرات الماء لتُغرِق ملابسها كما أغرقت قطراتها مقدمه صدرها ليلتصق قميصها القطني بجسدها بطريقة أشعلت نيران غضب ممزوج بمشاعر آخري لا يعلم من أين غافلته و أنبثقت بين طيات قلبه فقام بخلع جاكيت بذلته و تقدم منها محاوطًا كتفيها به بينما توقف لثوانٍ حين هاجمته رائحتها العذبه التي أثارت شهيته بطريقة لم يعهدها مسبقًا بل لم يتوقعها !
شعرت بالحرارة المُنبعِثة من جسده حين توقف خلفها علي بعد خطوتان و حاوطتها رائحة عطره الممزوج مع رائحه التبغ المميز الذي يتناوله فخلقت شعور من الدفء بداخلها و الذي كانت تفتقده كثيرًا و لكنها لم تكن تشعر بذلك فقد كانت خارجه من المرحاض لتوها بعد أن أخذت حمامًا مُنعِشًا لتتفاجئ بتلك الكارثة التي حدثت و لم تهتم بشأن ملابسها فحمدت ربها أنها قد إرتدت ذلك البنطال القطني القصير نوعًا ما و فوقه هذا القميص من نفس قماشه و الذي اإلتصق علي جسدها بفعل المياة المُتساقطة من خصلاتها التي لاحظت للتو أنها تركتها منسدله خلف ظهرها .
لم تستطع أن تُدير رأسها إليه فقد كانت عيناها تحمل ضعفًا كبيرًا لم تعتاده ، خاصةً أمامه لذا تمتمت بكلمات شُكر مقتضبة لم تُرضيه فقد كان يود إقتناص فرصته في رؤيه عيناها الزيتونية دون حواجز فهو يعرف تمام المعرفه بأنها تحتاج أن تشعر بالأمان في تلك اللحظه التي عاشها هو بمفرده و يعلم مدي قساوتها و مرارة شعورها و لم يطاوعه قلبه أن تعيشها منفردة فخرجت الكلمات من فمه خشنه كما هي عادته
" هتبقي كويسه أن شاء الله"
بقدر خشونه لهجته و لكنها كانت تحمل دفئًا تحتاجه كثيرًا أو هكذا كانت تتخيل و قد تمني قلبها لو تناظره في تلك اللحظه حتي تتأكد من صدق تخيلاتها و لكن أبى كبرياءها الظهور بمظهر أنثي بائسه قليلة الحيلة لذا رفعت رأسها تنظر أمامها قائله بصوت متحشرج
" إن شاء الله"
كان رجلٌ لا يعرف المستحيل و لا يقبل الرفض تعود علي إنتزاع ما يُريده بمنتهي السهوله و اليُسر الذي يتنافي مع ما يقابله معها فـ ها هي ترفض توسله الخافت الذي لم و لن يفصح عنه أبدًا. تُعانده بشدة لتمنحه ذلك التعطش الغريب لنظره إحتياج واحده من عيناها !
و كأن إحتياج كل هؤلاء الناس ممن هم حوله الذين يعتمدون عليه كليًا لا يكفيه ليشعر بهذه الرغبه القاتله في رؤيه إفتقارها إليه ليس من أجل إرضاء متعته في تحقيق إنتصاراته المتتالية معها و لكن حتي يكون و لأول مرة هو مصدر قوتها !
قطع حديثه الدائر بين ثنايا قلبه خروج الطبيب من غرفه «جنة» فكان أول من هرول إليه هو سليم الذي قال بقلب لهيف
" طمني يا دكتور ؟"
هرولت هي الآخري و كان هو بجانبها ليتحدث الطبيب قائلًا
" الحمد لله قدرنا ننقذها هي و الجنين بإعجوبه. و بالرغم من كدا الخطر لسه قائم "
تجمدت الحروف علي شفتيها بينما قال سالم بفظاظه
" يعني إيه الخطر لسه قائم ؟"
" يعني حالتها الصحيه غير مُطمئنة لأنها نزفت كتير و الهيموجلوبين عندها أقل من الطبيعي .. أنا مستغرب إزاي الطفل دا لسه ييقاوم و منزلش . و تفسيري الوحيد إن دي إرادة ربنا إلي كاتبله أنه يعيش ! "
خرجت الكلمات متلهفه من بين شفتيه
" طب إيه العمل يا دكتور علشان نحافظ عليها هي و الطفل ؟"
لم يدقق قبل أن يتفوه بتلك الكلمات في حين ضاقت عيني «سالم» بينما إلتفتت «فرح» تُناظره بغموض أصاب كبرياؤه في الصميم و لكنه تجاهل كل ذلك و ألتفت إلي الطبيب الذي قال بتحذير
" طبعا إحنا حاولنا نظبط الهيموجلوبين و إن شاء الله منحتجش نقل دم بس في المُجمل هي محتاجه الراحه التامه عشان وضع الحنين يستقر كمان ياريت نمنع عنها أي ضغط نفسي و لازم نهتم بالأكل الصحي و أنا هكتبلها علي الفيتامينات اللازمه و بإذن الله الحاله تستقر "
" تقدر تمشي أمتا ؟"
هكذا تحدث سالم ليُجيبه الطبيب
" مش قبل بكرة ، عشان نطمن أكتر علي حالتها و لو حصل لا قدر الله أي حاجه نقدر ندخل في الوقت المناسب "
" ممكن أشوفها ؟"
أخيرًا خرج صوتها متحشرجًا جافًا ليُجيبها الطبيب قائلًا
" ممكن طبعًا هي هتتنقل لاوضه عاديه و تقدروا تشوفوها بس زي ما قلت مش عايز أي ضغط عصبي و لا مجهود بدني ."
هزت رأسها بتفهم بينما شعر هو و كأن حديث الطبيب موجهًا إليه فكل ما حدث لها كان بسبب غباءه في التعامل معها و تلك الكلمات المُهينة و الإتهامات القاتله التي أمطرها بها كوابل من الرصاص لم يحتمله جسدها الرقيق و سقط معلنًا إستسلامه أمام طوفان الظلم !
لم يتفوه بحرف بل إستدار علي عقبيه يخرج من المشفي و هو يلعن كل شئ حوله فقد أوشك الليله علي إرتكاب جريمه شنعاء و هي القتل ! و كان ضحيته الشئ الوحيد المتبقي من أخاه الذي لا زال للآن يحمل ذنبه هو الآخر و الذي كان يظن بأن بإنتقامه منها سيُكفر عنه و لكنه وجد نفسه يغرق بوحل بالذنوب أكثر. فزفر بحنق و أخذ يملئ رئتيه بالأكسجين الذي يحتاجه حتي يهدئ من حرقه صدره و لكنه نسي أن الأكسجين غاز يساعد علي الاشتعال أكثر خاصةً و هو يحمل رائحتها العالقه بملابسه و دمائها التي طبعت بقعه فوق قميصه نفذت إلي أعماقه دون أن يشعُر !
*************
"إلي أولئِك الذين مازالوا مُحتجزين خلف أسوار الماضي عالِقون بتِلك العلاَقات المشوهه التي لم تكتمل و لم تستطع قلوبهم تحمل نهايتها فك الله أسركم .."
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت نائمة علي غيمه ورديه تحملها كالريشه و تطير بها هنا و هناك أو هكذا كان حال قلبها الذي غزته ذكريات جميله حد البكاء رائعه حد اللعنه التي أصابتها ذلك اليوم حين أقرت بتسليمها إلي راية العشق .
كانت تترجل من إحدي سيارات الأجرة تنوي الدلوف إلي جامعتها و لكن أستوقفتها نبرة صوت أصبح قلبها يعرفها جيدًا حتي لو أنها كانت تُخفي ذلك خلف قناع من الغرور و اللامبالاة و لكن داخلها كان يميل إلي ذلك الشاب الوسيم العابث الذي يُلاحقها بكل مكان دون أي حديث فقط نظرات أذابت بروعتها حصون قلبها التي كانت متماسكه إلي حد ما قبل أن تسقط كليًا عندما ضايقها أحد الشباب ذات يوم و كان له هو بالمرصاد ، و حينها قرر قطع حرب النظرات الدائرة بينهم و أقترب منها بلهفه لامست أوتار قلبها حين قال
" عملك حاجه ؟'
هزت رأسها دون أن تتفوه بحرف بينما تولت عيناه زمام الأمور بينهم لبعض الوقت قطعته كلمات حانيه مدروسه أخترقت جدران قلبها حين قال بخفوت
" متخافيش أبدًا طول مانا موجود محدش يقدر يأذيكي أو حتي يقرب منك !"
خفقت دقات قلبها بعنف كلما مرت ببالها تلك الكلمات الرائعه و التي بثتها شعور كانت تفتقده في أعماق قلبها كثيرًا و كأنها جاءت مثلما تمنت تمامًا فلاحت إبتسامه خجوله علي شفتيها و هي تتوجه إلي بوابه الجامعه لتوقفها كلمات عابثه تراقصت علي أوتار ثباتها
" طب مش كفايه كدا بقي !"
لم تجب بل لم تلتفت علي الرغم من صراعها الداخلي و لكنها دون أن تلحظ توقفت بمكانها ليتقدم تجاهها إلي أن توقف أمامها و هو يُناظرها بقوة أثارت خجلها بشدة و جاءت كلماته لتُجهِز علي ما تبقي من ثبات
" طب أنا مُستسلم ! متستغربيش بس زي مانتي كنتي بتقاوميني كدا أنا كمان كنت بقاومك بس أنا فعلًا مبقتش قادر ! أنا الي كنت برن عليكي كل يوم قبل ما تنامي أسمع صوتك و بعدين أقفل عشان أعرف أنام .و كل يوم كنت ببعتلك الصبح صباحك جنة تشبه عيونك !
الحقيقه إني كنت بحاول أمنع نفسي عنك بصعوبه بس لما شفت في عنيكي النظرة دي مقدرتش أسكت. "
كانت كلماته حانية بشكل لم تعهده من قبل . تُغريها كطفل حُرم من الحلوي طوال حياته فإذا بالسماء تُمطر أشهى أنواعها أمام عينيه الجائعتين . هذا هو حالها في تلك اللحظه و لكنها تمسكت بآخر خيط من إرادتها حين قالت بتوتر
" نظرة إيه؟؟ إيه إلي أنت بتقوله دا؟ "
توترها الملحوظ و إهتزاز حدقتيها كانتا خير دليل علي مقاومتها الواهيه فاستغل هو ذلك قائلًا بلهفه
" عنيكي بتكذب كل كلامك دا ! أرجوكِ مش عايز منك حاجه غير أنك تديني فرصه ! فرصه واحده بس عايزك تعرفيني فيها. عايز أحكيلك علي حازم الوزان . عايزك تشوفي إلي كل الناس مش شيفاه . "
رغمًا عنها أومأت برأسها مُلبية نداء قلبها و بالفعل تقابلا في أحد الاماكن العامه و جلست هي تناظره بخجل كبير تجلي في خدها الوردي و إرتباك شفتيها التي لم تستطع الحديث ليقطع هو صمتهم قائلًا بمزاح
" قبل أي حاجه عايزك تعرفي إني أكبر منك بسنتين لكن كنت بسقط و مش مكسوف و أنا بقولك كدا .بس فعلًا أنا مكنش عندي هدف يخليني أنجح. لكن دلوقتي .."
صمت متمهلًا يُناظرها بجرأة بينما لاح التساؤل في حدقتيها اللامعة حين قال بحماس
" دلوقتي عندي هدف قوي إني أنجح و أخلص كليتي عشانك . أيوا عشانك يا جنة . أنا بقالي شهر براقبك شهر مفيش في تفكيري غيرك بنام و بقوم علي صورتك إلي أنطبعت جوايا . عايزك تعرفي إني عمري ما حسيت كدا ناحية أي بنت . و عمري ما هضحي بالإحساس إلي جوايا دا أبدًا حتي لو فضلتي تقاوميني هفضل أقولك إني بحبك !"
برقت عيناها فيما أخترقت كلمته أعماق فؤادها الذي إنصاع لتلك المشاعر الجامحه التي إجتاحتها لتستسلم لسحرها الأخاذ حين أخذ يسرد لها كل شئ عن عائلته و حياته و كأنه يعرفها منذ زمن و قد بدأت هي في التجاوب معه لتبدأ بينهم قصه حب كبيرة أنتهت بعرض مسرحي للزواج أمام المارة بأحد الشوارع بينما قلبها يدق بعنف من فرط فرحتة لروعه ذلك الحدث الذي تتمناه أي فتاة في العالم و نظرًا لبرائتها و قله خبرتها لم تلحظ المكر الذي غلفته عيناه بالحب الوهمي و أفصحت شفتيها عن قبولها لعرضه و الذي كان المفتاح لأبواب الحجيم الذي أجتاح حياتها بعد ذلك !
خرجت صرخه قويه من قعر وجعها حين إنقلبت بها تلك الغيمة الورديه لتسقط بقوة شاعرة بألم حاد في أسفل معدتها فتحت علي إثره عيناها بقوة لتهب «فرح» من مكانها تقترب منها بلهفه تجلت في نبرتها حين قالت
" جنة حبيبتي. حمد لله علي سلامتك .حاسه بأيه طمنيني!"
في البدايه لم تُدرك ما يحدث حولها و لكن ما أن طافت عيناها بالمكان حتي تحركت يدها تلقائيًا إلي مكان الوجع أسفل بطنها و قالت برعب
" أبني ! أبني جراله حاجه ؟ ردي عليا يا فرح ؟"
سرعان ما أحتضنت ثورتها كفوف «فرح» التي أحتوت وجنتيها بحنان قائله
" لا يا حبيبتي متخافيش. الحمد لله كويس ربنا نجاكوا !"
تنفست الصعداء و زفرت خوفها الذي كاد أن يقبض روحها بتلك اللحظه و أسندت رأسها للخلف و هي تنظر إلي شقيقتها بتعب تجلي في ملامحها و خرج الكلام بين شفتيها بضعف
" الحمد لله."
فرح بحنان
" الحمد لله يا حبيبتي . طمنيني حاسه بأيه ؟"
جنه بضعف
" في ألم بسيط في بطني . "
فرح بإشراقه
" هتبقي أحسن لما تشوفي حبيب خالتو إلي مغلبنا معاه دا ."
رفعت رأسها تطالعها بعدم فهم فنهضت فرح من مكانها و قامت بالضغط علي إحدي الأزرار بجانب مخدعها و هي تقول بتفسير
" الدكتور قال أول لما تفوقي هيكشف عليكي سونار عشان يطمنك علي البيبي. و قال كمان أنك مبتتغذيش كويس و دا غلط عليه . و شكله زعل منك عشان كدا حصل إلي حصل "
أهتز قلبها لحديث شقيقتها فهي تحاول إضفاء المرح علي قلبها و آثرت ألا تسألها عن السبب خلف ما حدث لها و قد كانت أكثر من ممتنه لهذا الأمر لذا قالت بإبتسامه واهنه
" من النهاردة مش هزعل تاني مهما حصل . و ههتم بصحتي عشانه "
كانت تتحدث بتأكيد نابع من صميم قلبها و هي تُقسِم داخليًا علي ألا تسمح لشئ أن يؤذي صغيرها تلك النعمه التي خرجت من بين كل هذا السوء الذي حدث لها و هي تنوي أن تحميه بروحها فإن تمسك هو بها مرتين فهي لن تتركه أبدًا ..
بعد مرور بعض الوقت أنصرف الطبيب بعد أن قام بفحصها و طمأنها بأن الأوضاع تحت السيطرة و أمطرها بوابل من التنبيهات مُشددًا علي كل كلمه يتفوه بها و قد أقسمت داخلها علي أن تقوم بتنفيذ كل ما قاله دون الإغفال عن أي شئ ..
و ما أن خرج الطبيب حتي سمعوا طرقًا علي الباب طال دويه قلبها و قد علمت من الطارق فهو لم يكن سوى «سالم» الذي كان ينتظر خروج الطبيب من الغرفه حتي يطمئن هل عادت الأمور تحت السيطرة و زال الخطر أم لا و قد كان الغضب يأكل داخله بنهم فهذه هي المرة الثانية التي يتعرض بها الطفل إلي خطر مُحدِق و لكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها فهو يكاد يُجزم بأن أخاه له يد بما حدث فذلك الرعب الذي كان يحاول إخفاءه لم يكن من فراغ ، و لهفته القويه في الإطمئنان عليها لابد و أنها نابعه من ذنب كان يتجلي بوضوح في عيناه و لكنه أجل الحديث بهذا الأمر إلي حين يطمئن علي الطفل و قد أنتوي علي وضع الأمور في نصابها الصحيح وسيتأكد من أن الجميع يسير علي النهج المطلوب .
دلف إلي الغرفه بعد ما سمع صوتها يسمح له بالدخول و ما أن وقعت عيناه عليها حتي تشعب الغضب داخله و تجلي ذلك بعيونه السوداء حين رآها تقف أمامه بثيابها تلك و قد خلعت جاكيت بدلته واضعه إياه علي الأريكه خلفها و هذا يعني بأن الطبيب رآها بحالتها تلك !
رغمًا عنه أغضبه هذا كثيرًا لكنه حاول إبتلاع غضبه حين قال بخشونه موجهًا حديثه لجنة
" عامله إيه دلوقت ؟"
أجابته بخفوت فقد كانت تخشاه كثيرًا
" الحمد لله أحسن ."
هز رأسه وهو يتنفس بصعوبه حين تشابكت نظراته مع تلك التي كانت تتحاشي النظر إليه و قد أضاف ذلك الوقود لغضبه المشتعل بصدره و لكنه كالعادة بدا هادئًا باردًا جافًا !
جاء صوته جامدًا متسلطًا حين قال
" سمعتي الدكتور قال إيه ؟"
أجابته «جنة» بهزة من رأسها دون حديث ليأتيها صوته قويًا حين قال مُهددًا
" دي آخر مرة هسمحلك تعرضي حياة إبن أخويا للخطر ."
لم تتحمل حديثه مع شقيقتها بتلك الطريقه و ألتفتت تُناظره بقوة و غضب تجلي في نبرتها حين قالت
" علي أساس إن حياتها هي كمان مكنتش مُعرضه للخطر !"
قابل غضبها و حديثها بسخريه إرتسمت علي ملامحه للحظه قبل أن تعود إلي جمودها و أدار رأسه إلي «جنة» و هو يقول آمرًا
" هتفضلي هنا تحت الملاحظه كام يوم لحد ما الدكتور يقول إن الخطر زال . أي حاجه تحتاجيها بلغيني ."
أجابته «جنة» بإختصار
" تمام "
أغضبها تجاهله لها و لكنها حاولت إخفاء غضبها بإبتسامه عابثه رسمتها ملامحها التي كانت في أوج إزدهارها بفعل الغضب الذي كسي خديها بحمرة جميله و عيناها الصافيه مع وجهًا أشرق حين أطمأنت علي شقيقتها . مظهرها الفاتن هذا أعاد إليه شهوة إستفزازها فقال بسخريه و هو يلقي عليها نظرة عابرة
" هبعتلك هدوم مع السواق "
شعرت بالسخريه في لهجته و قد أغاظها ذلك فأرادت رد الصاع صاعين حيث قالت بلامبالاه
" لا متشغلش بالك . أنا مرتاحه كدا . "
دون حديث أبتلع غضبه الحارق و توجه إلي الباب و ما أن هم بفتحه حتي نادته بلهفه توقف علي إثرها بقلب يدق بعنف
" آه .. سالم بيه .."
قالت كمن نسي شيئًا ثم ألتفتت تتناول جاكت بذلته و توجهت بهدوء تناوله إياه راسمه إبتسامه عفوية علي شفتيها و هي تقول بتمهل
" ميرسي أوي . تقدر تاخده مبقتش محتجاه ."
إمتدت يداه لتلتقطه و قبل أن تتركه شعرت بقبضته القويه تعتصر يدها المُمسكه بالجاكت وهو يُطالعها بغضب قبل أن يقول بجفاء
" مش أنتي إلي تقولي إذا كنتي محتجاه و لا لا! "
كانت قبضته مؤلمة و لكنها لم تدعه يعلم بأنها تتألم لذا رفعت أحد حاجبيها قبل أن تقول بتهكم
" نعم !"
تحمحم بخفوت قبل أن يُسيطر علي ضربات قلبه الصاخبة أمام عيناها الصافيه التي تحاول إستفزازه و لكنه لن يقع بفخها أبدًا لذا قال بفظاظة
" أنتوا هنا تحت إسم الوزان و الإسم دا له هيبته و إحترامه . و شكلك دلوقتي يعني !!!"
طافت عيناه علي جسدها الأنثوي الرقيق بمنحنياته القاتله التي تخطف العقول و إرتفعت نظراته تُبحِر فوق ملامحها الجميله و التي جعلت نبضاته تتعثر داخل صدره تأثرًا بهيئتها العشوائية الساحرة و لكنه نجح في إخفاء كل هذا ببراعة و لوى فمه بإمتعاض تاركًا لعيناه و ملامحه أن توصل لها مقصده و قد أغضبها هذا لدرجه جعلت أنفاسها تتسارع و بصعوبه بالغه حافظت علي بعضًا من هدوئها حين قالت ساخرة
" غريبه ! مع إنك كنت عايزني أرجع لشخصيتي الأصليه إيه إلي حصل دلوقتي ؟"
سالم بحدة
" كنت غلطان !"
رفعت إحدي حاجبيها الجميلين و ناظرته بسخريه قبل أن تقول بهدوء مستفز
" عشان كدا زي ما قولتلك مخدتش رأيك بعين الإعتبار !"
كانت مشاكستها لذيذة بحق و ملامحها التي تتحداه بخطورة لا تعي توابعها و قد كان هو الآخر يشعر بأنه يمشي بحقل ألغام قد تنفجر بقلبه في أي لحظه و هو غير عابئ لتوابعها التي قد تكون مُدمرة يُريد أن تدوم حربهم تلك للأبد دون أن يمل !
" لو كنت أعرف إن شخصيتك الأصلية شبه أطفال الشوارع كدا مكنتش هطلب منك ترجعيلها !"
برقت عيناها من شدة الذهول الذي تحول لغضب عارمٍ فقد أهان أنوثتها بشدة جعلتها تود لو تُمزقه إربًا حتي تمحي تلك الأبتسامه الكريهة علي وجهه و التي كانت تُخفي آخري صاخبة نجح في خنقها حتي لا تفضح إستمتاعه بملامحها وغضبها المروع هذا و تابع بتهكم
" في رأيي شخصيه أبلة نظيرة لايقه عليكي أكتر !"
كان طوال الوقت مُمسكً بمعصمها القابع خلف الجاكت الخاص به و الذي كانت ممسكه به بقوة دون أن تدري فلم يستطيع أن يفوت فرصه آخري في إغضابها إذ قال بتسليه
" الجاكيت ! مش تقريبًا قولتي إنك مش محتجاه !"
لا تعلم ما دهاها في تلك اللحظه و لكنها إنتزعت الجاكيت من بين يديه و قالت بحدة توازي حدة نظراتها إليه
" غيرت رأيي . هاته"
أخذته و حاوطت كتفها به في حركه منها لإغاظته فابتسم تلقائيًا علي فعلتها و لكنه سارع بمحو بسمته و هو ينظر إلي الجاكيت الذي يُعانق جسدها بغموض و لوهله طرأ علي باله هاجس . "
ما هو شعوره حين تُصبِح تحت سطوة عناقه !؟"
*****************
كانت «جنة» تقف أمام تلك الفرسه الرائعه التي أعجبت بها سابقًا تُناظرها بسعادة غامرة أنبثقت من بين كلماتها حين قالت بحبور
" أذيك يا جميله .. وحشتيني أوي . "
مدت يدها تُدغدِغ أسفل عنقها و الفرس تتجاوب معها مما جعلها تقول برقه
" أنا كمان وحشتك. حقك عليا اتأخرت عليكي كل دا بس أنتي متعرفيش حصلي إيه؟ "
إرتسم الحزن على ملامحها الجميله و هي تقول بنبرة خافته
" أنا كنت هخسر البيبي . و قعدت يومين في المستشفي و بعدين الدكتور منعني من الحركه لمدة أسبوعين ! تخيلي أسبوعين كاملين و أنا نايمه في السرير مبتحركش! أكل في السرير و شرب في السرير لحد ما طهقت ."
تابعت بعد أن اشرق وجهها و إرتسمت أبتسامه سعيدة علي ملامحها و هي تقول بحبور
" بس النهاردة خدت إفراج . و أول ما رجعت من عند الدكتور جيتلك علي طول . بالرغم من أن هتلر دا منعني إني آجي اشوفك و علي الرغم من أنه السبب في كل إلي حصلي ! لكن و لا يهمني هجيلك أشوفك علي طول . أقصد يعني طول ماهو مش موجود! مانا نسيت أقولك أصله من يوم إلي حصل مشوفتوش . بس أحسن أنا أصلًا مش عايزة أشوفه !"
كانت جملتها الأخيرة نابعه من أعماق قلبها الذي كان يتمني حقًا لو لم يراه أبدًا فبكل مرة تقع عيناه عليها يُذيقها أقسى أنواع الإهانات حتي أنها بآخر مرة كانت معه لم يتحمل جسدها هذا الألم الهائل الذي تشعب إلي أوردتها و لم يرحمها منه سوي تلك الهوة العميقه التي أنقذتها من ذلك العذاب المرير !
أبتلعت غصه تشكلت داخل حلقها ما أن زارتها تلك الذكريات المريرة فحاولت التغلب عليها حين إرتسمت ابتسامه جميله علي شفتيها و هي تلتقط إحدي حبات الجذر و تضعها في فم الخيل و هي تقول بأعجاب بالغ
" مفكر أنه هيقدر عليا و يمنعني عنك .. هه يبقي يوريني سي هتلر دا ! المهم أنا مضطرة أمشي بقي عشان زمان فرح رجعت من مشوارها و المفروض هنروح نتغدي مع العيله النهاردة و أتعرف علي باقيتهم ."
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بنبرة يتخللها القلق
" بصراحه أنا خايفه أوي من المقابله دي ! الناس دول أصلًا شكلهم مُرعب من أول سالم الديكتاتور! اه مانا نسيت اقولك إني سميته الديكتاتور ! علي طول عاوز أوامره بس هي إلي تتنفذ و الناس تقول سمعًا و طاعه. و التاني إلي عامل زي هتلر دا معدوم القلب و الإحساس ! و لا الحاجه! يا عيني عالحاجه شبه إليزابيث إلي في فيلم stay alive الست إلي كانت بتخطف البنات الحلوين و تتغذي علي دمهم دي ! حستها أول ما شافتني كانت عايزة تجبني من رقبتي كدا و تقوم جايه عضاني! "
زفرت بحنق قبل أن تتابع حديثها الناقم
" بصراحه أشكالهم كلهم متطمنش . و لسه بيقولك في عمته و أخته و بنت عمته . هقول إيه الله يسامحك يا حازم ! و يعيني علي ما بلاني !"
حانت منها التفاته حولها قبل أن تستقر نظراتها علي معدتها فارتفعت يدها تُمسدها بحنان وهي تقول برقه
" بس مش مشكله . كله يهون عشان حبيبي.."
رفعت رأسها تبتسم للفرس في سعادة و هي تقول بأستسلام
" مضطرة أمشي دلوقتي عشان ميعاد الغدا المقدس جه ! و مينفعش أتأخر عليه أحسن يقيموا عليا الحد ! "
أرسلت قبله في الهواء و هي تلتفت تتابع طريقها دون أن تلحظ تلك العينان التي شيعتها بنظرات الغضب ..
***************"
" آنسه فرح عمران!"
لم تكد تجلس في مكانها حين وقعت تلك النبرة الخشنة علي مسامعها كقنبلة مدويه إخترقت قلبها أولًا و من ثم عقلها الذي لم يكن يصدق ما يسمعه و تعلقت نظراتها الجاحظة بذلك المقعد الذي حين إلتف توسعت حدقتيها أكثر و صدق ظنها بأنه هو !
جاءها صوته الرجولي الخشن الذي يحوي بين طياته السخريه و الغضب حين قال
" أيه أتصدمتي ؟ "
لم تجيبه فلم تستطع السيطرة علي صدمتها بعد فأخذت تبلل حلقها تحاول البحث عن صوتها الذي أختفي بفعل تلك المفاجأة الغير متوقعه أبدًا فهي منذ أن بدأت حالة شقيقتها بالإستقرار و هي تحاول البحث عن عمل في شبكه الإنترنت و لحسن حظها وجدت إحدي الشركات الكبيرة تُعلِن عن حاجتها لإحدي الوظائف التي لائمت مؤهلاتها كثيرًا فلم تتردد و قامت بإرسال الملف الخاص بها و جاءها الرد قبل يومان بموعد المقابله اليوم و كانت طوال الطريق تدعو الله أن يكون هذا العمل من نصيبها فهي لم تعتاد علي الجلوس هكذا دون فعل شئ و ايضًا لن تنتظر حتي إنتهاء مُدخراتها من النقود و لن تسمح لأحد بأن يُنفق عليها أبدًا .
اخيرًا إستطاعت السيطرة علي صدمتها و قالت بصوت مهزوز
" أنت بتعمل إيه هنا ؟"
نالت سخريته من ثباتها الواهي حين قال بتهكم
" تقريبًا أنا إلي مفروض أسألك السؤال دا ؟"
أعادت نبرته الساخرة صوتها الضائع و أيقظت شيئًا من روح القتال بداخلها لذا أجابته بكل هدوء
" بما إنك هنا و قاعد علي الكرسي دا تحديدًا يبقي عارف أنا جايه أعمل إيه هنا ! "
خرج صوته جافًا مع نظرات حادة رمقها بها قبل أن يقول بإستفهام
" و مقولتليش ليه إنك عايزة تشتغلي ؟"
فرح بهدوء مستفز
" و أقولك ليه ؟"
كانت أُنثي متمردة تثير غضبه النفيس . تتنافس معه في أعظم صفاته و هو الهدوء. تغتال ثباته بضراوة و تقف أمامه كند لا يُستهان به تجعل عقله يعمل بكل دقيقه في كيفيه إختراقها ؟ تُحاربه خلف تلك الحواجز الزجاجية لنظارتها الطبيه التي يكاد يقسم بأنها لا تحتاجها فتحجب عنه لذة التوغل إلي غاباتها الزيتونيه و كشف ما تُجيد إخفاؤه عنه و كان هذا أكثر ما يُثير غضبه و لكنه كعادته تحدث بهدوء و نبرة كانت قويه مُحمله بتقريع خفي لم تخطئ في فهمه
" عشان مفروض تحترمي الراجل إلي أنتي مسئوله منه "
إهتزت حدقتيها لثوان فقد أخترقت الكلمه أعماقها مُحدثه عاصفه هوجاء بداخلها لم تستطيع للحظات السيطرة عليها و تسارعت أنفاسها و لكنها بصعوبه إستطاعت التحكم بملامحها لتظل علي ثباتها قبل أن تقول مُشدده علي كلماتها
" بس أنا مش مسئوله من حد !"
أجابها مُصححًا و كأنه ينفي تلك التهمه عن ذاته
"أقصد الراجل إلي أنتي عايشه في بيته !"
لا تعلم لما أغضبها تصحيحه لتلك الهفوة التي ظنت أنها خرجت من بين شفتيه دون حساب و لكنها تابعت بإستماته في الوقوف أمامه و مجابهته و الدفاع عن إستقلاليتها
" إني أكون عايشه تحت بيتك دا مش معناه إنك تصرف عليا !"
أخذ يُناظرها بغموض دام لثوان و سرعان ما خرج صوته هادئًا و هو يقول
" عندك حق . "
أنتقلت نظراته إلي الأوراق أمامه قبل أن ترتفع عيناه التي تحولت بطريقه جذريه و ملامحه التي أصبحت صارمه حين قال بفظاظه
" خلينا نشوف إذا كنتي مؤهله للشغل هنا و لا لا ؟"
لوهله لم تفهم حديثه الذي كان يقصد به بدايه المُقابله حيث فاجأها بعدها بأن شرع يختبرها و قد تحولت هيئته و أصبح رجل مختلف تمامًا عما عهدته و تفاجأت من أسلوبه و مدي مهنيته حين كان يلقي بأسئلته التي أجابت علي معظمها بإمتياز و دام الوضع بينهم لمدة تتراوح بين ربع إلي نصف ساعه حتي أنتهت تلك المقابله الأصعب في حياتها لاهثه و هي تحاول مضاهاته و إجابته بطريقه نموذجيه لتتفاجئ به يغلق ملفها و يناولها إياه و على وجهه ترتسم تعبيرات أسف زائفة حين قال
" للأسف يا آنسه فرح مؤهلاتك أضعف بكتير من إنك تشتغلي في شركه أنترناشيونال زي دي . "
برقت عيناها من شدة الصدمه فإجابته تلك لم تكن في حدود توقعاتها أبدًا فهي أجابته علي جميع الاسئله تقريبًا و إن كان يحاول تعجيزها بين الفينة و الآخري و لكنها متأكدة من انها مؤهله و بقوة للعمل بتلك الشركه فهي تضاهي الشركه التي تعمل بها بالقاهرة من حيث قوة أستثماراتها الداخليه و الخارجية و لكنها وصلت إلي حقيقه ثابته أنه لا يريدها هنا و هذا ليس له علاقه بأي مؤهلات كما أخبرها لذا بمنتهي الهدوء الذي يتنافي مع غضبها و ألمها الداخلي مدت يدها تأخذ منه ملفها و هي تقول ساخرة
" تمام . بس بلاش كلمه أنترناشيونال دي عشان مش لايقه مع سوء الإدارة إللي هنا . "
رفع إحدي حاجبيه و هو يناظرها بغموض قبل أن يقول بخشونه
" سوء الإدارة ! دي كلمه كبيرة أوي يا آنسه!"
تجلي غضبها و ألمها في عيناها و لم تفلح في إخفائهم بل تضمنوا لهجتها حين قالت بجفاء
" لما الإدارة تبقي ممشياها بالمزاج مش بالمؤهلات تبقي إدارة سيئه .. عن إذنك !"
قالت جملتها الأخيرة و توجهت بشموخ نحو باب مكتبه فاستوقفتها كلمته التي تحمل وسام الإنتصار والسخرية معًا
" شرفتينا !"
**************
وصلت «جنة» إلي الملحق الخاص بهم فوجدت
« فرح » التي كانت تبحث عنها بوجه مُتجهم و عينان تعكسان غضبًا مروعًا قلما يظهر عليها فاقتربت منها «جنه» بخوف و ترقب تجلي في نبرتها و هي تقول
" إيه يا فرح حصل حاجه و لا إيه ؟"
حاولت « فرح » إبتلاع جمرات غضبها من ذلك المتكبر المغرور المتغطرس و جاهدت في رسم إبتسامه هادئه علي ملامحها قبل أن تقول بهدوء
" مفيش يا حبيبتي! طمنيني أنتي كويسه ؟"
هزت رأسها و تابعت برجاء خفي في عيناها و هي تقول بإستفهام
" متخبيش عليا يا فرح . حصل إيه ؟ و أنتي كنتي فين أصلًا ؟"
فرح بمزاح
" يا بت بطلي أفورة هخبي عليكي إيه . و بعدين تعالي هنا أنتي بتستجوبيني يا ست جنة ؟"
أبتسمت «جنة» قبل أن تقول بلهجه غلب عليها الحزن
" لا طبعًا . بس غصب عني بقيت خايفه من كل حاجه !"
إمتدت يد فرح تُعانقها بحب تجلي في نبرتها حين قالت
" متخافيش من حاجه أبدا و أنا معاكي ."
إرتفعت رأس جنه تطالعها بلهفه و هي تقول بتوسل يُغلف نظراتها و نبرة صوتها
" يعني خلاص سامحتيني يا فرح ! و مبقتيش زعلانه مني "
حاولت فرح إنتقاء كلماتها حتي لا تؤذي شقيقتها فقالت بلطف
" إحنا مش قولنا مش هنتكلم في حاجه خالص دلوقتي و هنستني لحد ما تقومي بالسلامه !"
همت « جنة » بالحديث و لكن أوقفها صوت زامور سيارة «سالم» التي توقفت أمام الباب الداخلي للقصر دون أن يُلقي عليهم نظرة واحدة مما أدي إلي زيادة غضبها و للمرة التي لا تعرف عددها تمنت لو أنها لم تقابل ذلك الرجل أبدًا !
توجهت الفتاتان إلي الباب الداخلي للقصر لحضور أول غذاء لهم مع تلك العائله فبعد ما حدث لجنة أمر «سالم» بأن تلتزم السرير عملًا بتنبيهات الطبيب و أن تجلب لهم الطعام إحدي الخادمات في مواعيده .
ما أن أوشك الإثنان إلي الدلوف إلي داخل المنزل حتي ظهرت إحدي الخادمات التي قالت بإحترام
" فرح هانم . سالم بيه مستني حضرتك في أوضه المكتب !"
تفاجئت من حديث الخادمه و لكنها أوشكت علي الرفض فهي لن تترك «جنة» تواجه هؤلاء الناس عديمي الذوق وحدها و لكن جاء صوت «جنة» التي قالت لتُطمأِنها
" روحي يا فرح شوفيه عايزك في إيه و أنا هدخل"
فرح بصرامه
" لا طبعًا مش هينفع أسيبك تدخليلهم لوحدك . أبقي أشوفه عايز إيه بعدين !"
حاولت جنة طمأنتها إذ قالت بهدوء
" أكيد مش هياكلوني يا فرح ! و بعدين يا ستي و لا تزعلي نفسك أنا هستناكي هنا في الجنينه لحد ما تخلصي كدا كدا لسه معانا وقت قبل معاد الغذا "
حاولت فرح الإعتراض فبادرتها «جنة» القول
" خلاص بقي روحي أنا هشم شويه هوا علي ما تخلصي معاه ."
أذعنت فرح لاقتراحها و ذهبت إلي حيث أشارت الخادمة تاركه «جنة» التي أرادت التجول في تلك الحديقه الجميله المليئه بالإزهار التي تُلائم كثيرًا تلك الأزهار الجميله المنقوشه علي فستانها الزهري الذي يلتف حول جسدها بنعمومه و خاصةً أن وزنها قد زاد بسبب الحمل مما جعلها تبدو أكثر جمالا و أنوثه .
أخذت تتمشي بين الأزهار تشتمها و تتلمسها غافله عن مكان وجودها و كان تفكيرها منصبًا علي تلك الجنه المحيطة بها و التي تشبهها كثيرًا إلي أن أخرجها من عالمها الجميل صوت لهجة باردة مُحمله بالحقد
" أنتي بقي جنة !"
إلتفتت «جنة» تنظر إلي تلك الفتاة التي كانت ترتدي الأسود الذي يوازي نظراتها الحادة و هي تتقدم تجاهها بخطوات ثقيله عكرت الهواء الصافي حولها و لكنها حاولت التغاضي عن كل شئ و قالت بهدوء
" أيوا أنا جنة . أنتي مين ؟"
ناظرتها سما بغضب ممزوج بإحتقار و هي تجوب بعيناها «جنة» من رأسها إلي أخمص قدميها قبل أن تقول بنبرة مسمومه
" أنا سما . بنت عم حازم و خطيبته !"
برقت عيناها للحظه من كلمتها الأخيرة التي جعلتها ترتد خطوة إلي الخلف و هي تقول بعدم فهم
" نعم ! خطيبته ! "
أجابتها سما بلهجه تقطر حقدًا
" أيوا خطيبته إلي دمرتي حياتها . و خطفتي منها حبيبها و كنتي السبب في موته ! لا و مكفكيش كل دا دانتي بكل بجاحه جايه ترمي بلاكي علينا و تلبسينا عيل مش ابننا و كل دا عشان إيه! عشان تورثيه! "
" أخرسي !"
جاءت صرخه غاضبه جمدت الفتاة بمكانها و كأن دلوًا من الماء المثلج سقط فوق رأسها و لكن كانت مفاجأة «جنة» أكبر حين رفعت رأسها و رأت......
يتبع ....
انا بقالي ساعه و نص براجه عالبارت اتمني ميكونش في اي أخطاء إملائيه عشان الناس الي بتزعل منها
سامحوني اني اتأخرت في التنزيل امبارح بس كنت تعبانه شويه
البارت الجاي أن شاء الله الاثنين
محتاجه رأيكوا يا حلوين ♥️
متنسوش (فوت +كومنت+فولو ليا ♥️)
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري
أكرهك !
أكره ذلك الشعور باللذة الذي يتملكني حين نتبارز بالحديثِ و إلقاء الكلِمات ! أكره تلك الرجفة التي تنتابني حين تتغزل بي سهوًا فتدُق طبول الحرب بداخلي رغمًا عن هدوئي المُعتاد ! أكره ذلك الإشتهاء الذي يتملكني حين أكون أمام عيناك فأتمني لو أكون أجمل النساء ! أكره تلك الأبتسامه الساخرة التي ترتسم علي ملامحك ما أن اُُغضِبك فتولد بداخلي عاصفه هوجاء !
أكرهك وأكره نفسي التي تشتهي كل ما سبق و تخطو بي في طريق أعلم بأن نهايته سوداء !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
بخطً واثقه و رأس مرفوع توجهت «فرح» إلي ذلك المكتب حيث أشارت الخادمه و الفضول ينشُب مخالبه بعقلها في السبب عن كونه يريد رؤيتها و خاصةً بعد ما حدث منذ ساعات وجيزة فهي للحق لم تكن تود رؤيته اليوم بأكمله علي الأقل حتي تهدأ قليلًا فقد كان غضبها لا يزال مشتعل بسبب تلك المقابله السخيفه التي لو تعلم مُسبقًا بأنها ستصُب في بوتقته فلن تذهب إليها أبدًا..
عدة طرقات على باب الغرفه كانت لها وقع مختلف على قلبه الذي لأول مرة منذ زمن طويل شعر بنبضاته تزداد في وجودها و إن كان يرجع هذا إلي أنها نوع مختلف من النساء يُثير فضوله و يستفز غريزته الرجوليه بعنادها الضاري و صلابتها التي لا تلين فلأول مرة يكن خصمه بتلك الصلابه و كل هذه الفتنه التي جعلته يهرول خلفها صباحاً عندما رآها تستقل سيارة أجرة عندما كان عائدًا من الخارج و وجد نفسه يذهب خلفها دون أن يعطي لعقله الفرصه في معارضته و قد كانت دهشته كبيرة عندما وجدها تترجل أمام إحدي شركات عائلة والدته و التي يمتلك بها أسهم عديدة و قد إزداد زهوله عندما علم أنها جاءت لإجراء مقابله عمل !
في بادئ الأمر سيطرت عليه دهشه قويه تحولت إلي غضب كبير من كونها تتجاهله بتلك الطريقه لذلك تولي هو أمر تلك المقابله حتي يُرسِخ في عقلها فكرة أنها لا يمكنها عصيانه أو تجاهله و أن سيطرته عليها مطلقه لا حدود لها !
سمح لها بالدخول فانفتح باب الغرفه و أطلت برأسها قبل أن تتوجه إليه بهدوء و وجه خال من أي تعبير لتتوقف أمامه قائله بنبرة جامدة
" قالولي إنك عايزني !"
كانت نظراته قويه ثاقبه تود إختراقها لمعرفه ما تشعر به حاليا و لكنها أتقنت الجمود علي ملامحها مما جعله يقول بخشونه
" أقعدي "
أطاعته بهدوء أدهشه و لكن تعابيره لم تتغير و واصل الحديث قائلًا بفظاظه
" لما تنوي تعملي حاجه زي إلي عملتيها النهاردة دي تعرفيني !"
أستمهلت نفسها قبل أن تقول بلهجه مُتزنه
" أنا إنسانه حرة و متعودتش إني أخد إذن من حد !"
سالم بخشونه
" واجب عليكي تحترمي الناس إلي عايشه وسطهم ! "
أراحت جسدها علي المقعد أكثر و قالت بهدوء مستفز
" و فين قلة الإحترام في الي عملته !"
سالم بجفاء
" لما تخرجي من بيتي و تروحي تدوري علي شغل في شركه أنا بملك أكتر من نصها يبقي إيه في رأيك !"
" أحب أعرف منك يبقي إيه؟"
سالم بقسوة
" يبقي إستهتار و قلة عقل . تقدري تقوليلي و أنتي بتملي الأبلكيشن كنتي هتكتبي محل إقامتك فين !"
هزت كلماته ثباتها و قد تجلي ذلك في إهتزاز حدقتيها لثوان قبل أن تقول بإندفاع مدافعه عن نفسها
" مكنتش هكتب اسم مزرعتك طبعا لإني مش ناويه أقعد هنا ! "
" أقدر أعرف كنتي ناويه علي إيه ؟"
قالها سالم بغضب خفي لتجيبه هي بسلاسه
" كنت هأجر شقه جمب مكان الشغل مانا مش معقول كنت هروح و آجي كل يوم المسافه دي كلها !"
" و أختك إلي مفروض جايه عشان تخلي بالك منها "
" كنت يا هخدها معايا يا هاجي علي طول أشوفها و أطمن عليها "
تصاعد الحنق بداخله من حديثها و لكنه أرتدي قناع السخريه المعهود لديه عندما قال
" قد كدا المكان هنا وحش مش قادرة تتحمل تعيشي فيه !"
بهدوء أردفت
" قد ما مؤهلاتي متلقش إني أشتغل في شركه أنترناشيونال زي شركتكوا . قد ما المكان هنا وحش و مش حابه أعيش فيه !"
كلماتها أشعلت بجوفه نيران التحدي الشهي مما جعله يتراجع مستندًا بظهره علي المقعد قبل أن يُجيبها بتسليه
" تصدقي معادله مظبوطه ميه في الميه ! "
" بمعني !"
ضيق عيناه فيما أجابها بتخابث
" يعني لو قيسنا مؤهلاتك بقد إيه المكان هنا وحش هنلاقيهم متساويين بالظبط !"
أخترقت كلماته أعماقها بينما عقلها للحظه لم يستوعب المعني الخفي بها و تلبسها شبح الغباء لثوان و هي تفكر كيف أن مؤهلاتها ترادف قبح المكان حولهم فهو كالجنة إذن ..
أخيرًا وصل إلي عقلها غزله الخفي أو لنقل إعترافه بمؤهلاتها مما جعل محصول التفاح الشهي ينبت فوق خديها و قد كان يراقب جميع إنفعالاتها بمتعه كبيرة كان يُخفيها جيدًا بين طيات قلبه الذي لم يمهلها الوقت للإجابه فقام بإخراج ورقه من أحد الإدراج و مد يده يناولها إياها فأخذتها و حل الفضول محل الخجل لتتفاجئ بتلك الورقه التي لم تكن سوي إستمارة عمل !
رفعت رأسها تطالعه بإستفهام فتحمحم قليلًا قبل أن يُجيب علي سؤالها الصامت بفظاظه
" محتاج حد يمسكلي حسابات المزرعه و بما إنك محتاجه شغل فخلاص أشتغلي !"
إغتاظت من حديثه الخالي من اللباقه فقالت بجفاء
" ومين قالك إني هوافق ! "
" و ليه ترفضي ؟ "
" و ليه أقبل ؟"
كررت سؤالها و كأنها تتحداه فقابل تحديها بهدوء إستفزها كثيرًا
" عشان مقدامكيش حل تاني!"
أجابته بإستنكار
" نعم !"
بنفس ملامحه الهادئه و نبرته المتزنه أجابها
" عايزة تشتغلي و مؤهلاتك متسمحش أنك تشتغلي في شركه كبيرة و في نفس الوقت مش عايزة حد يصرف عليكي ! هتعملي إيه مضطرة توافقي . يعني أنا بحاول أسهل الدنيا عليكي مش أكتر ! "
أشتعل غضبها بصورة كبيرة من حديثه فاحتدت نظراتها و أختنقت أنفاسها و لكنها لن تعطيه فرصه الإنتصار عليها لذا أستمهلت نفسها قبل أن تقول بنبرة هادئه بعض الشئ
" لا متقلقش أنا عارفه هعمل إيه كويس ! و كمان أنا ماحبش يكون حد له جميله عليا !"
أرتفع إحدي حاجبيه بإستفهام قبل أن يقول
" جميله !"
فرح بسخريه
" بالظبط . يعني مش مضطر تخلقلي وظيفه عندك تلائم مؤهلاتي أنا مقدره طبعا أنك عايز تساعدني "
" أعتبر دا غرور !"
قطبت جبينها حين فاجأها حديثه لذا قالت بإستفهام
" تقصد إيه ؟"
سالم بفظاظه
" أنتي شايفه أنك بالاهميه إلي تخليني أخلقلك وظيفه عندي و أنا مش محتاجها فعلًا ! "
شعرت و كأن دلوًا من الماء قد سقط فوق رأسها جراء حديثه الخالي من اللباقه و طريقته الفظه و لعنت غباءها الذي أوصلها لتلك النقطه أمامه و للحظه لم تعرف كيف تجيبه ليفاجئها حديثه الجاف حين قال
" أنا بزنس مان يا فرح. و كل حاجه عندي بحساب . مبديش غير لما أكون متأكد إني هاخد قد إلي أديته و يمكن أكتر كمان ! و دلوقتي عايز قرار هتشتغلي هنا ولا تصرفي نظر عن الشغل خالص !"
كانت نظراته ثاقبه و هو يشدد علي كل حرف يتفوه به و لا تعلم لما شعرت بأن كلماته يتقصد بها معانً آخري لذا قررت الوقوف أمامه و عدم الإنصياع لأوامر ذلك المتغطرس فقالت بقوة
" هو معني إني مشتغلش معاك إني مشتغلش في أي مكان تاني ؟"
أجابها بمنتهي الثقه
" فرصتك تقريبًا معدومه . و إحنا قولنا قبل كدا الأسباب !"
فرح بحنق
" خلينا نتكلم بصراحه و نقول أنك مش هتخلي حد يشغلني صح و لا أنا غلطانه !"
سالم بسلاسة
" أعتبريه كدا ؟"
توقع ثورة عنيفه من جهتها أو حتي أن تطالبه بمعرفه الأسباب و لكنه تفاجئ بها تأخذ أحد الأقلام و تقوم بملئ الورقه بما هو مطلوب و قامت بوضعها أمامه قبل أن تقول بهدوء
" و أنا قبلت الشغل !"
أوشك علي الحديث و لكنه تفاجئ عندما أخذت القلم
وضعته في جيب بنطالها قبل أن ترفع رأسها إلي عيناه المستفهمه و هي تقول بسلاسه
" خليه معايا ذكري ! عشان لما تعدي السنين و أنسي إني شفتك أو إني جيت المكان دا يبقي في حاجه تفكرني ! عن إذنك "
قالت جملتها الأخيرة بنبرة أشبه بالتهديد و كأنها تخبره أنها ذات يوم ستتخلص من سطوته و سيطرته و سيصبح ذكري منسيه تحتاج لشئ لتتذكرها و لدهشته شعر بشئ بداخله يستنكر حديثها و بشدة ..
*****************
توقفت حلا أمام القاعه فهي لا تريد حضور تلك المحاضرة الثقيله علي قلبها لذلك المعيد المغرور الذي لا تتقبله أبدًا و تتمني لو أنها لا تراه مُطلقًا فقد كان في نظرها مُتعجرف مُستفز يفتقر الأدب و الذوق فهي لم تنسي ذلك اليوم حين ذهبت لتعتذر منه ليتجاهل إعتذارها بغطرسه أغاظتها و لهذا كانت تتجنب محاضراته و لكنها تفاجئت من إحدي زميلاتها تراسلها علي أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي و تُخبِرها بأنه هناك إختبار غدًا فازداد غضبها منه أكثر فهذه الايام هي في أسوء حالاتها ولم تبدأ بقراءة حتي مقدمه الكتاب لتجده يقوم بعمل إختبار !
كانت تقف أمام الباب الرئيسي للقاعه غارقه في أفكارها والتي كانت جميعها منصبه فوقه لتجد الكلمات تخرج من فمها بصوت عال
" واحد غبي أصلًا !"
لم تكد تنهي جملتها حتي تفاجئت من ذلك الصوت خلفها والذي قال بنفاذ صبر
" ياريت تقفي تكلمي نفسك علي جمب يا آنسه عشان ورانا محاضرة!"
صُدِمت حين سمعت صوته خلفها و كأنه شبح قد ظهر من العدم و لكن ما أن تجاوزت صدمتها حتي ظهر الإحراج جليًا علي ملامحها ما أن أستمعت لجملته و حل محل الإحراج الغضب حين رأته يُناظرها بحدة لتتنحي من أمام الباب حتي تفسح له المجال للدخول و هي خلفه تتمتم بحنق
" والله إنك غبي و حمار كمان. أبو تقل دمك !"
ما أن وصلت إلي مقعدها حتي سمعت صوته الجهوري في مكبر الصوت يقول بنبرة قاطعه
" آخر مرة حد يدخل ورايا القاعه . ياريت الكل يعرف مواعيده و يلتزم بيها .مش هكرر كلامي تاني !"
إلتفتت الأعناق تُطالِعها خِلسه بينما إزدادت الهمهمات حولها فتمنت لو أن الأرض تنشق و تبتلعها في تلك اللحظه و هي تري كل هذه العيون تُحدِق بها فغمغمت بخفوت من بين أسنانها
" إلهي تنشك في لسانك يا بعيد . "
فجأة رفع رأسه يطالعها فبرقت عيناها من أن يكون قد سمعها و لكنها وبخت نفسها لغبائها فكيف له أن يسمعها و كل هذه المسافه تفصل بينهم .
زفرت بحنق و قامت بإخراج إحدي أوراقها و مرت نصف ساعه و هي تحاول حل هذا الإختبار الغبي الذي يُشبه صاحبه كثيرًا و الذي خرج ليُجري مكالمه هاتفيه فانطلقت الهمهمات من حولها و بدأ الجميع بتراشق الأوراق التي تحوي علي إجابات بعض الأسئله و كانت هي تنظر اليهم بتحسر فهي لم تتعرف علي أحد سوي بعض الفتيات و علاقتها بهم سطحيه لهذا شعرت بالحرج من أن تطلب منهم أي شئ لذا وضعت رأسها في الورقه أمامها في محاوله منها للتركيز حتي تتمكن من إنهاؤه و لكنها تفاجئت بأحدهم يُلقي عليها أحد الأوراق ففتحتها لتنظر إلي ما بها و ما أن قرأت كلمتان حتي تفاجئت بذلك الخيال الضخم يقف خلفها قائلًا بصوته الجهوري و نبرته القويه
" يا غشاشه !"
*****************
كانت كلِماتهم كهجوم إرهابي كاسح علي قرية جميع سُكانها أعزل فلكم أن تتخيلوا بشاعه ما فعلوه !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
"أنا سما . بنت عم حازم و خطيبته !"
برقت عيناها للحظه من كلِمتها الأخيرة التي جعلتها ترتد خطوة إلي الخلف و هي تقول بعدم فهم
" نعم ! خطيبته ! "
اجابتها سما بلهجه تقطر حقدًا
" أيوا خطيبته إلي دمرتي حياتها . و خطفتي منها حبيبها و كنتي السبب في موته ! لا و مكفكيش كل دا دانتي بكل بجاحه جايه ترمي بلاكي علينا و تلبسينا عيل مش أبننا و كل دا عشان إيه! عشان تورثيه! "
" أخرسي !"
جاءت صرخه غاضبه جمدت الفتاة بمكانها و كأن دلوًا من الماء المثلج سقط فوق رأسها و لكن كانت مفاجأة «جنة» أكبر حين رفعت رأسها و رأت السيده «أمينه» والدة حازم التي سمعت تلك الكلمات المسمومه التي ألقتها «سما» علي مسامعها فامتقع وجهها و لأول مرة تجد نفسها غير قادرة علي النطق و لا حتي الدفاع عن طفلها فقط تساقطت عبراتها دون أن تشعر لتتقدم منهم «أمينه » التي ناظرت سما بغضب قبل أن تقول بتوبيخ
" جرا إيه يا بنت همت . أتجننتي خلاص! إزاي تقولي إلي قولتيه دا ! فكرتي أن البيت دا معادلوش كبير يحاسبك !"
صُدٌمت سما من حديث أمينه الذي لم تتوقعه فخرجت الكلمات مبحوحه من بين شفتيها المُرتجفتين
" بنت همت ! دلوقتي بقيت بنت همت يا ماما أمينه مش كنتي بتقوليلي يا مرات أبني ! "
أهتزت حدقتيها و شعرت بأسهم ناريه تنغرز بقلبها لدي سماعها حديث سما ولكنها تجاهلت ذلك كله و قالت بقسوة
" أبني إلي بتتخانقي عليه دا راح للي خلقه . و إلي بتغلطي فيها دي مراته و أم إبنه . و إياكِ أسمعك بتقولي حاجه غير كدا فاهمه !"
شيعتها سما بنظرات الخسه قبل أن تقول بحنق من بين قطراتها
" فاهمه . فاهمه يا مرات عمي !"
هرولت سما إلي الداخل مُنتحبه بينما إلتفتت «أمينه» إلي جنة تُناظرها بتعالي و غضب قبل أن تقول بتوبيخ
" شوفتي بقي دخولك في حياتنا عمل فيها إيه ؟ دمرتي حياة أبني و ضيعتي مني بنتي التانيه و دمرتيلها حياتها هي كمان ! "
كثرة الضغط يولد الإنفجار و هذا هو حالها لدي سماعها كلمات «أمينه» و للحظه شعرت بغضب هائل داخلها فتجمدت العبرات بمقلتيها و قست ملامحها قبل أن تقول بحدة
" أنا مضربتش إبنك علي أيده يا حاجه . إبنك أتجوزني بإرادته و بكامل قواه العقليه علي فكرة . و ياريت تفتكري الكلام إلي أنتي لسه قيلاهولها دلوقتي. إني مراته و أم إبنه الحاجه الوحيده إلي بقيالك منه !"
كانت نبرتها تحمل تهديدًا صريحًا لم تُخطئ «أمينه» في فهمه بل توسعت عيناها بدهشه فتلك الفتاة ليست بالسهله علي الأطلاق و لكنها ستُلقِنها ما تستحقه . ما أن أوشكت علي الحديث حتي تفاجئت بصوت قوي ذو نبرة قاسيه أتي من خلفها
" صوتك ميعلاش و أنتي بتتكلمي مع الحاجه أمينه الوزان !"
جفلت جنة حين رأته قادم تجاهها و قد قست ملامحه و نبرته عن ذي قبل فاهتز جسدها لثوان فهي لم تكن تقصد ما تفوهت به بل كانت تُريد نفي تلك الإتهامات الباطلة التي توجهت لها و إذا به يظهر من العدم و كأنه اختار هذا الوقت تحديدًا ليأتي و يسمع ما تفوهت به ليضيف إلي كرهه لها سبباً آخر.
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تلتفت إلي أمينه التي كانت تطالعها بغضب فتجاهلته و قالت بنبرة مهزوزة بعض الشئ
" أنا ماخترتش آجي هنا بإرادتي و زي ما الوضع مفروض عليكوا مفروض عليا . و صدقيني لو خيروني هختفي خالص من حياتكوا إلي دمرتها دي ."
أوشكت العبرات أن تخونها و تسقط في تلك اللحظه و لكنها تماسكت بصعوبه خاصةً عندما وجدته تقدم ليقف أمامها بجانب والدته التي قالت بإستياء
" المطلوب منك تحافظي عالي في بطنك و متتعرضيش لسما بأي شكل من الأشكال . و خليكي فاكرة أن لكل شئ نهايه !"
رغبه عنيفه في البكاء تملكتها بتلك اللحظه فهي لم تتطاول علي أحد بل تلك الفتاه من أهانتها حتي أنها لم ترد عليها و لو بحرف و الآن هي المذنبه !
لم تغفل أيضا عن ذلك التهديد الخفي من جملتها الأخيرة فارتفعت يدها تضعها فوق بطنها تلقائيًا و كأنها تحمي صغيرها و من بين ضعفها الذي كاد أن يسقطها في تلك اللحظه ظهرت نظرات تحدي في عيناها و كأنها تحذرها من مغبة المساس بصغيرها لتقابلها «أمينه» بنظرات غامضه قبل أن تطوف بعيناها فوق ملابسها الغير مناسبه للظروف الراهنة و قالت بإحتقار
" ناقصك كتير عشان تبقي من العيله دي ! لكن طول مانتي عايشه هنا تلتزمي بقوانينا و أولها بلاش اللبس المسخرة دا أنتي المفروض أرمله و جوزك لسه مبقلهوش أربع شهور ميت . علي الأقل إظهري شويه إحترام لذكراه ."
زادت حدة تنفسها و شعرت بألم حاد يطحن عظامها و قد تجلي كل هذا بعيناها التي غطتها طبقه كرستاليه من الدموع لتتفاجئ به يتدخل فقد تقلصت معدته ألمًا لمظهرها و خوفا من تكرار الكارثه مرة آخري فقال بصوت خشن
" خلاص يا ماما . مالوش لازمه الكلام دا ! "
ألتفتت أمينه إليه بسخط قبل أن تغادر و هي تتمتم بكلمات غاضبه و ما أن غادرت حتي فرت دمعه هاربه من طرف عيناها سرعان ما مسحتها و هي تتأهب للمغادرة و ما أن مرت بجانبه حتي وجدت يده توقفها ممسكه بمعصمها قائلًا بلهجه آمره
" أستني !"
عند هذا الحد لم تستطع التحكم بأعصابها التي أنفلتت فانتزعت يدها من قبضته بقوة و ألتفتت تقول صارخه و الدمع يقطر من مقلتيها كالأنهار
" نعم . في إهانات تانيه لسه عايز تقولها . "
تصاعد غضبه حتي إسودت عيناه و لكنه تحكم بنفسه بصعوبه قبل أن يغمغم بخشونه
" وطي صوتك و بطلي عياط ."
إمتدت يداها تمسح دموعها بعشوائيه و بقوة تركت آثارها علي وجنتيها و هي تقول بغضب
مبعيطش . و حتي لو بعيط ميخصكش ! "
زمجر بقسوة
" أنا مانع نفسي عنك بالعافيه . متخلنيش أفقد أعصابي ."
" هتعمل إيه معملتوش . معتقدش أن في حاجه ممكن تأذيني أكتر من كلامك إلي زي السم إلي بتسمعهولي كل مرة تشوفني فيها! ااااه ..تقريبا في إهانه جديدة عايز تضيفها ! مانا قليله الادب و معرفش في الزوق و لا أعرف يعني إيه عيب و مليقش بعيلتكوا و مصلُحش أكون منكوا و حد مش محترم ومستهترة .. تفتكر في حاجه في قاموس الإهانات لسه موجهتهاش ليا !'
خرجت جملتها الأخيرة بضعف غير مقصود نابع من إنكسارها و عمق وجعها بينما شعر هو بمشاعر شفقه خائنه تسللت إلي قلبه علي تلك التي ترتجف كورقه في مهب الريح بينما تتعرض لكل تلك الإهانات منهم دون رحمه ! هذه كان حديث قلبه الذي أثار غضب عقله فنهره بشده قائلًا " أي رحمه تستحقها تلك الأنثي الأفعى التي تسببت في هلاك أخيه الأصغر و هلاكهم من بعده"
بينما هو عالق بذلك الصراع الداخلي كانت ملامحه تشتد قسوة و قتامه أرهبتها فهمت بالمغادرة حين أتاها صوته الغاضب قائلًا
" أنتي كنتِ عارفه أن حازم خاطب قبل ما ترتبطي بيه؟ "
إلتفت بلهفه صادقه تجلت في نبرتها حين أجابته
" والله ما كنت أعرف .. أول مرة أعرف كانت دلوقتي.. "
أطلق زفرة حادة من جوفه قبل أن يقول بجفاء
" من النهاردة محدش هيتعرضلك بأي كلمه وحشه و لا حتي أنا ! و في المقابل تحافظي علي إلي في بطنك و تعرفي أنه روح مسئوله منك . و أنه طوق النجاه إلي نجاكِ من حبل المشنقه ! "
جنة بقوة
" دا أبني هحميه بروحي . و مش مستنيه منك تطلب مني دا ! "
كانت عيناه تطالعها بغموض أربكها و لكن حزنها الداخلي طغي علي كل شئ حين قالت بوجع دفين
" و بالنسبه لحبل المشنقه فهو أتلف حوالين رقبتي من زمان !"
ألتفتت تغادر و دمعها يسبقها بينما تركته في صراعات مريرة ما بين كرهه لها و خوفًا عميقًا لا يعرف سببه من أن يكون إنسانًا ظالمًا و تكون هي ضحيه بطشه ..
*****************
في الداخل كانت «سما» تبكي بإنهيار بين أحضان «حلا» التي كانت تحاول تهدئتها بشتي الطرق فقد كانت تشعر بألمها فهي شقيقتها منذ أن أبصرت تلك الحياة و لا تتحمل أن تراها بهذا الإنهيار
" فيها ايه زيادة عني يا حلا ؟ حلوة شويه ؟ طب مانا مش وحشه ! حبي له كان كفيل يعوضه عن أي حاجه ناقصاني . دانا كنت بعشق التراب الي بيمشي عليه . دانا كبرت علي حبه. ازاي يعمل فيا كدا ؟"
شددت حلا من إحتضانها و هي تشاطرها البكاء حزنًا عليها و تأثرًا بحالتها و غضبًا من كل ما يحدث حولها و لكنها حاولت التخفيف عنها بكل ما تستطيع إذ قالت بحنان
" وحياتي عندك يا سما متعمليش في نفسك كدا . حازم كان بيحبك أنتي و عمره ما كان هيلاقي أحسن و لا أجمل منك . هي التعبانه دي إلي تلاقيها لفت عليه و وقعته في حبالها. أنتي مينقصكيش حاجه أبدًا . "
رفعت سما رأسها كغريق تعلق بطرف خيط ظن بأنه نجاته من بحر العذاب الذي يكاد يبتلعه فقالت بلهفه
" أيوا صح .. كان بيحبني أنا . هي إلي ضحكت عليه . هي إلي سرقته مني . هي السبب في حرقة قلبي دي يا حلا . هي السبب"
رددت حلا خلفها بغضب و حقد
" أيوا هي السبب و أنتي أوعي تسمحيلها تفكر أنها انتصرت عليكي . لازم تعرفيها مقامها كويس ."
سما بحزن بالغ
" إزاي يا حلا . دانتي لو شوفتي مرات عمي كسرتني قدامها إزاي و بهدلتني . دانا عمري ما هقدر أرفع عيني في عينها أبدًا !"
حلا بإنفعال
" لا هتقدري . هي مين الجربوعه دي أصلا ! أنا هعرفها مقامها بس أصبري عليا ."
أقتحمت همت الغرفه بعينان تقطران غضبًا و قالت بصوت قوي
" سيينا لوحدنا يا حلا !"
*************
في الأسفل كان الجميع بغرفه الجلوس و قد كان الجو مشحون بشتي أنواع المشاعر التي تسيدها الغضب من جانب كل الأطراف . و لكن الجميع كان مُجبر علي إلتزام الهدوء وفقًا لقواعد و قوانين صارمه لعينه من وجهه نظر «فرح» التي لم تكن مرتاحه أبدًا لتحديق الجميع بهم بتلك الطريقه و «جنة» التي كانت تتمني لو أنها تستفيق من هذا الكابوس الذي أجتاح حياتها كإعصار حتي حطامها لم ينجو منه .
دلفت همت إلي الداخل بوجه متجهم و عينان قاتمه عرفت طريقها علي الفور إلي هاتان الفتاتان التان تجلسان علي الأريكه بمنتصف الغرفه علي يمينهم «أمينه» علي مقعدها المخصص لها و بجانبها «سالم» الذي كانت معالمه كالعادة لاتُفسر و أمامه «سليم» الذي كان الغضب يتجلي في عيناه التي لا تهدأ أبدًا و قد ألقت تحيه مقتضبه بينما تتوجه لتجلس بجانبه فتولت «أمينه» مهمه تعريفهم إذ قالت بفظاظه
" مش تسلمي يا همت علي مرات حازم و أختها !"
لم تتغير ملامحها القاتمة و لكن تخللت نبرتها السخريه إذ قالت
" مرات حازم هنا بقالها أسبوعين و لسه فاكرة تيجي عشان نسلم عليها!"
" كانت تعبانه و الدكتور مانعها من الحركه . و كان من باب أولي تروحي أنتي تسلمي عليها . "
أجتاحها غضب كبير جعلها تقول و هي تنظر إلي «جنة»
" من أولها تعبانه كدا . مش لسه بدري يا عروسه عالتعب و لا إيه ؟"
لم تتيح « فرح »الفرصه ل «جنة» بالرد إذ قالت بنبرة قويه
" و هو التعب له وقت ! "
" و أنتي مين بقي يا حلوة ؟"
فرح بهدوء مستفز
" أسمي فرح و أبقي أخت جنة الكبيرة !"
تمتمت همت بحنق
" بدل الحيه طلعوا أتنين ؟"
بينما هزت رأسها و رسمت إبتسامه صفراء علي وجهها قبل أن تقول بنبرة خاليه من الود
" أهلًا ."
لم تُجيبها «فرح »بل أكتفت بإماءه من رأسها أرفقتها بإبتسامه صفراء قطعها دخول «سما» التي تفاجئ الجميع من مظهرها فقد كانت ترتدي فستان أصفر به ورود بيضاء و تضع مساحيق التجميل فوق وجهها و أطلقت العنان لخصلات شعرها بلإسترسال خلف ظهرها.
في البدايه تفاجئ الجميع من مظهرها بينما تجاوزه معظمهم إلا «أمينه» التي قالت بغضب
" أيه يا سما إلي أنتي لبساه دا ؟ "
تدخلت همت قائله بإستفزاز
" ماله لبس سما يا أمينه . ماهي زي القمر أهيه "
نهرتها أمينه قائله بغضب
" أنا بكلمها هي يا همت . يبقي هي إلي ترد "
تدخلت سما قائله بثبات
" ماله لبسي يا مرات عمي . "
أمينه بعتاب غاضب
" قلعتي الأسود يا سما ؟"
تدخلت همت بتحدي
" في دي تكلميني أنا يا أمينه . أنا إلي قولتلها تقلعه . فات علي وفاة حازم أكتر من تلت شهور و خلاص وقت الحداد خلص. و بعدين إذا كان مراته نفسها قالعه الأسود من بدري إشمعنا سما إلي هتلبسه ."
أبتلعت أمينه جمرات الغضب بداخل جوفها ما أن إمتدت يد سالم تمنعها من الحديث إذ قال بفظاظه
"سيبي كل واحد علي راحته يا حاجه . إلي عايز يلبس حاجه يلبسها . "
أُغلِق النقاش حين دخلت الخادمه لتُخبِرهُم بأن الطعام بإنتظارهم فتوجه الجميع إلي غرفه الطعام و جلس كلًا في مقعده و جاء حظها السئ كالعادة لتجلس أمام تلك الجمرات التي تُناظرها بغضب جعل عظامها ترتعد فسرت رجفه في سائر جسدها شعرت به شقيقتها فمدت يدها تمسكها من تحت الطاوله قبل أن تقترب «فرح » من شقيقتها تقول بصوت خافت و لكنه قوي
" أوعي تخلي حد يكسر عينك و خليكي فاكرة إني جمبك علي طول ."
شعرت «جنة» بالإمتنان لوجود شقيقتها بجانبها و رفعت رأسها تطالعها بعرفان إرتسم بعيناها فتابعت «فرح »بنبرة خفيضه
" تجاهليه تمامًا و كأنه مش موجود دا أحسن عقاب ليه . "
راقت لها افكرة كثيرًا فقررت العمل بها . بينما شرعت الخادمه في سكب الطعام فجاءهم صوت «أمينه» الغاضب
" فين حلا ؟ إزاي تتأخر علي ميعاد الغدا كدا ؟"
أتاها الرد من خلفها فقالت حلا بإعتذار
" أنا أهوة يا ماما . "
أمينه بتوبيخ
" أتأخرتي ليه علي ما نزلتي مش تيجي عشان تتعرفي علي مرات أخوكي ؟'
أجابتها حلا بسخريه
" والله أنا لا حضرت فرحه عليها و لا سمعته حتي بيجيب سيرتها عشان أعتبرها مراته و أهتم إني أنزل أسلم عليها !"
أنهت جملتها تزامنًا مع سحبها الكرسي الخاص بها و هي تشعر بزهو الإنتصار علي تلك التي أمتقع وجهها لتتفاجئ بصوت سالم الحاد حين قال موجهًا حديثه الخادمه
" دادا نعمه خدي طبق حلا دخليه المطبخ و قولي لها تطلع أوضتها "
جفلت حلا حين سمعت حديث شقيقها فقالت برهبه و نبرة مرتجفه
" دا ليه يا أبيه ؟"
سالم بهدوء
" دا عقاب العيال الصغيرة إلي بتكسر كلام الكبار يا حبيبتي. لما تتعلمي تسمعي كلام الأكبر منك تبقي تقعدي معاهم عالسفرة ."
ثم و دون أي حديث آخر شرع في الاكل ليحذو الجميع حذوه دون التفوه بكلمه واحده ..
************
في إحدي الملاهي الليليه كان ثلاثتهم يجلسون بصمت كلًا منهم يحتسي شرابه غارق حتي أذنيه في أفكاره و قد خيم الصمت والوجوم مجلسهم لأول مرة و لما لا فقد فقدوا صديقهم أو لنقل صديق البعض و حبيب الآخر وكانت تلك المرة الأولي التي يتجمعوا بها بعد وفاته و قد كان ذلك بناءًا علي رغبتها فالحزن كاد أن ينهيها و لكنها قررت الإنتصار عليه لذا قررت الإجتماع بهم
قطع الصمت المخيم عليهم حديثها المختنق حين قالت
" هروح أزور حازم بكرة حد هييجي معايا ؟"
زفر عدى بغضب تجلي في نبرته حين قال
" لا ماليش في المشاوير دي ."
بينما تحدث مؤمن بحزن
" هتروحي تقوليله إيه إحنا كنا سهرانين إمبارح من غيرك !"
خرج منها الكلام غاضبًا
" يعني إيه قررتوا تنسوه ! هنعيش حياتنا عادي و لا كأنه كان موجود وسطنا !"
لم يجيبها أحد بل زاغت أعينهم لتلقي عليهم نظرات الخسه قبل أن تقول بحنق
" لو أنتوا هتقدروا تنسوه أنا عمري ما هقدر أنساه و لا لحظه و هروح أزوره لوحدي "
حينها انفلتت الكلمات من بين شفتيه حانقه
" لا طبعًا هو ينفع تنسيه . أنتي حتي لو حاولتي مش هتقدري . حاجات كتير هتفكرك بيه "
كان كلامه يحمل الغضب و الحنق و الحسرة بين طياته و لكنها لم تلحظ بل أجابته بقوة نتبعه من عمق وجعها
" طبعا عمري ما هنساه . عمري ما هقدر حتي لو قعدت أحاول ميت سنه . حازم عمره ما يتناسي أبدًا ."
تجرع كأسه كله دفعه واحده بغضب و كأنه يريد إبتلاع جمرات تحرق جوفه دون رحمه بينما أطلق الأعيرة النارية من بين شفتيه إذ قال ساخرًا
" سبحان الله إنتي لو قعدتي ميت سنه عمرك ما تنسيه بس هو نسيكِ في لحظه . لا و عاش قصة حب و أتجوز إلي حبها و مراته قربت تولد كمان ! شوف ياخي الدنيا !"
شعرت و كأن دلوًا من الماء سقط فوق رأسها في تلك اللحظه فنظرت إليه بصدمه تحولت إلي نيران حارقه فحاولت سحب أنفاس مُتلاحقه قبل أن تقول بعدم تصديق
" أنت . بتقول . إيه ؟"
عُدى بشماته
" بقول اللي سمعتيه . حازم أتجوز قبل ما يموت و مراته قربت تخلف !"
تدخل مؤمن معنفا إياه
" ما تسكت بقي ياخي . أنت إيه عايز تولعها نار و خلاص !"
إلتفتت تُناظِر مؤمن بنظرات متوسله أن يكذب حديثه بينما قالت بألم
" مؤمن . الكلام دا بجد ؟ حازم .. حازم فعلًا عمل كدا ؟"
أضاف عدى بقسوة
" أيوا عمل كدا . و مش هتتخيلي كان متجوز مين ؟ جنة . إلي حامل دلوقتي في أبنه و عايشه مُعززة مُكرمه وسط أهله هناك . بتتعامل أحسن معامله ماهي الذكري الوحيده الباقيه منه ."
كان يُشدد علي كل كلمه تخرج من بين شفتيه و كأنه قاصدًا غرسها في منتصف قلبها الذي لم يتحمل ما يحدث حوله فتساقط وجعه علي هيئه عبارات غزيرة شوشت الرؤيه أمامها فامتدت يد مؤمن تربت علي كفها الذي أنتزعته بقوة قبل أن تقول بغضب
" أنت كنت عارف صح ؟"
زفر مؤمن بغضب و نفاذ صبر لتخرج منها صرخه غاضبه أخترقت مسامعهم
" آه يا واطي . إزاي تعرف حاجه زي دي و تخبي عليا ؟"
نهرها قائلًا بتحذير
" خلي بالك من كلامك يا ساندي . حازم أستأمني أنا و الحيوان دا علي سره و مكنش ينفع آجي أقولك . و بعدين أنتوا كنتوا سايبين بعض و أنتي كنتي عارفه أنه مرتبط بيها. يعني ملكيش حاجه عنده ."
أغرقتها كلماته في العذاب أكثر و الذي تجلي في نبرتها حين قالت بقهر
" أنا كنت فاكره أنها نزوة . لعبه هيلعب بيها شويه و ينساها و يرجعلي ."
تدخل عدى قائلًا بتهكم
" شوفي القدر بقي إلي كنتي فكراها لعبه طلعت هي الحقيقه و أنتي إلي طلعتي لعبه . لعب بيها شويه و رماها ."
.
قال جملته الأخيرة بحقد و غضب أصاب كبرياءها في مقتل مما جعلها تلتفت إليه رافعه كفها ليسقط بقوة فوق خده علي هيئة صفعه مدويه تركت بصماتها علي كبرياؤه أولًا مما جعله يهب من مكانه ينوي تحطيم رأسها ليتدخل «مؤمن» بآخر لحظه ليمنع جريمة قتل علي وشك الحدوث فخرج صوته صارخًا
" إيدك دي هكسرهالك يا زباله . بقي أنا عُدي واحده زيك تمد إيدها عليا."
ساندي بغضب من بين قطراتها
" أخرس يا حيوان . أنت إلي زباله و متخلف . و أنا بكرهك "
كانت كلمتها الأخيرة وقعها أشد من صفعتها التي وقعت علي خده لذا دفع مؤمن بقوة قبل أن يقول بنبرة قاطعه
" مش عايز عايز أشوف وشك تاني و أتأكدي إني لو قابلتك في مكان و لو صدفه همحيكي من علي وش الدنيا ."
أنهي كلماته و إندفع مغادرًا كثور هائج لا يري أمامه بينما ناظرها مؤمن بغضب تجلي في نبرته حين قال آمرا
" يالا عشان أوصلك ."
لم تجادله كثيرًا فقد كانت غارقه في بحر أحزانها فأطاعته بصمت إلي أن وصل بها أمام بيتها و ما أن همت بالترجل من السيارة حتي فاجئتها كلمات مؤمن الغامضه
" إنسي حازم يا ساندي و عيشي حياتك . أو حاولي تنقذي إلي باقي منها ."
ناظرته بإستفهام لم تفصح عنه شفتيها و أكتفت بهزة من رأسها عندما لم يفسر ما يقصده و ترجلت من السيارة فيما أنطلق هو إلي منزل «عُدى » و ما أن فتح الباب بمفتاحه و دلف إلي الداخل حتي تسمر في مكانه من هول ما رأي أمامه ....
************
بمكان آخر في إحدي المزارع الكبيرة التي يتوسطها قصر شاهق و بالغ الترف كان يتوجه بسرعه إلى غرفة والده الذي ما أن رآه حتي أهتزت نبرته و هو يقول بضعف
" إيه يا أبني طمني عملت إيه ؟"
زفر بغضب دفين قبل أن يقول بيأس
" لسه يا بابا . لسه ملقتهمش .بس إطمن أنا مش ساكت . أنا مخلي ناس تدور في مصر كلها . و مش هيهدالي بال غير لما ألاقيهم ."
أطلق زفرة حارة نابعه من ذنب كبير يرسو فوق قلبه الضعيف الذي لم يعد يتحمل ثقله فقال بتعب
" معدش باقي في العمر كتير يا ابني . عايز أصلح غلطتي و أطمن عليهم قبل ما أموت ."
تدخل قائلًا بلهفه
" ماتقولش كدا يا حاج .ربنا يطول في عمرك و يخليك لينا . "
قاطعه بتعب
" يا ابني محدش هيخلد فيها الموت علينا حق . و أنا مش خايف منه . أنا خايف من ذنبي إلي إرتكبته زمان و مش هقدر أخده معايا آخرتي . "
" طب قولي أعمل إيه تاني و أنا أعمله "
" تنزل مصر تدور بنفسك . و مترجعليش غير و بنات عمك في إيدك . جنة و فرح !!"
يتبع ......
بعتذر عن التأخير نظرا لظروف خارجه عن إرادتي
فاضل بارتين و أن شاء الله هنوقف عشان رمضان و نرجع نستكمل تاني بإذن الله ♥️
كل سنه و انتوا طيبين ♥️
مستنيه رأيكوا و توقعاتكوا ♥️
قراءه ممتعه ♥️
متنسوش (فوت + كومنت + فولو ليا ♥️ )
رواية في قبضة الأقدار (سلسلة الأقدار ) الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري
الحنين هو زائر غير مرغوب به عادةً ما يأتي في الليل ليطرُق أبواب قلوب ظنت أنها إستطاعت لملمة أشلائها ليُبعثِرها من جديد .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
و كعادتي كلما أشتد بي الشوق أبحث بين رسائلنا القديمه علِ أجد مخدرًا لأوجاعي و لكن تلك المرة تعثرت برساله تشرينيه تُخبرني بها بأن يومك لا يكتمل سوي بوجودي فابتسمت بسخريه و أردت سؤالك كيف حالك بعد مرور عامًا كاملًا بدوني ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أحيانًا يكون النوم هو الحل الوحيد لإنهاء يوم سئ أستنفذ طاقاتنا و أهلك الروح التي قاومت كثيرًا حتي بلغ منها التعب ذروته و لكن الأمر لم يقتصر علي يوم واحد فقد طال حتي تخطي الاربعه أشهر منذ أن إستيقظت علي خبر تلك الحادثه المشؤمه و هي بتلك الدوامه التي لم تنتهي . بل أخذت تبتلعها أكثر حتي وجدت نفسها تعيش حياة تختلف كثيرًا عن ما تمنته. بمكان لا تُطيقه مع أُناس لا يتحملون وجودهم و الأدهي من ذلك أنها مُجبرة علي تحمُل كُل ما يحدث حتي تلد شقيقتها صغيرها و بعد ذلك ستبدأ معركه من نوع آخر فما شاهدته للآن من تلك العائله يوحي بأنهم لن يتنازلوا بسهوله.
كانت تنظر إلي الكلام المُدون أمامها بشرود بينما عيناها لم تمس حرف واحد من الكتاب المفتوح بين يديها . فقد كانت تود الهرب من التفكير بالقراءة و لكن لم تفلح محاولاتها فنهضت من مكانها تنوي الهروب إلي النوم فأغلقت الكتاب لتضعه مع باقي الكتب فإنفلت من بين يديها ليسقط علي الأرض و تسقط منه ورقه صغيرة بحجمها كبيرة بما تحمله من مشاعر جعلت قلبها يرتجف حين رأتها و بأنامل مرتعشه إلتقطتها و قامت بفتحها و شرعت تقرأ الحروف المدونه بخط مُنمق كَصاحِبه
" وحشتيني ! يومي كان طويل و ممل أوي النهاردة عشان مشوفتكيش لدرجه حسيت أنه مش هينتهي ! متغبيش عن قلبي تاني . بحبك !"
عِدة حروف بسيطه كانت قادرة علي سحق قلبها بين طيات معانيها فمنذ أربعه سنوات كانت قادرة علي أن تُحييها من قلب الحُمي التي أرهقت جسدها و أجبرتها علي التغيب عن العمل لمدة أسبوع كامل و لم يُعيدها إلى صحتها سوي رسائله المُرفقة مع أزهار يعلم كم تحبها كما كان يعلم كيف يخترق جميع حصونها و يحتل قلبها و كأن عشقه كان سفينه نجاتها التي إنتشلتها من بحور الوحدة و العذاب و ظنت بأنها أخيرًا وجدت بر الأمان الذي إتضح بعد ذلك أنه سراب كان بدايه لرحلة عذاب لا يُحتمل و أن سفينه نجاتها ماهي إلا زورق مثقوب رست بكل ثقلها فوقه فأغرقها في بحور الألم الذي لا نهايه له.
دون أن تدري جعدت الورقه بين قبضتها تعتصرها بقوة كما إعتصرت الذكريات قلبها الذي للآن مازال ينبُض بالألم الذي لم تستطع السنين إخماده و كم كانت تكره ذلك الضعف الذي ينتابها حين تتذكره و هذا الحزن الذي يتسرب إلي قلبها فيُدميه و يجعل تنفسها ثقيلًا فلم تشعر بنفسها سوي و هي تجذب وشاح و تضعه فوق كتفها متوجهه إلى الخارج لتأخذها قدماها إلي ركن مُنعزل في الحديقه الكبيرة التي تحيط بها الأشجار في كل مكان فأخذت تسير بلا هوادة تنظر إلي الزهور الجميله و قد كان ضوء القمر يضئ كل شئ حولها فيعطيه مظهر ساحر إستطاع أن يُعطيها شعور بالهدوء قليلًا و قد خطف أنظارها ركن الزهور الجميله ذات الرائحه الرائعه فاقتربت تتأملها بإعجاب و مدت يدها تتلمسها بحنو و هي تتذكر كم كانت تتمني أن تُعامل مثلهن . تتمني لو تجد من يعتني بها مثل الوردة يسقيها حبًا و حنانًا تحتاجه كثيرًا . أن تشعر بأنها شيئُا ثمينًا لدي أحدهم فيضعها في إناء يحميها من بطش الزمن الذي وضعها في تلك المواقف التي تفوق قدرتها بكثير و علي الرغم من مقاومتها و لكنها تتوق إلي الإنهيار علي كتف أحدهم . أن تُسقِط ذلك الحِمل عن أكتافها لتستطيع للتنفس براحه و لو قليلًا .
" حاسبي الشوك يعورك !"
كانت تُغمِض عيناها و هي تتلمس الورود غارقه في تفكيرها دون أن تدري كم كان مظهرها ساحرًا بشعرها الذي يطير بكل مكان حولها و ملامحها التي سرقت فتنتها من ضوء القمر الذي كان يضئ تقاسيم وجهها الجميله ليأتيها صوته الحاد الذي أخترق هدوئها و سلامها المؤقت فجفلت و تحركت يدها بسرعه لتنغرز إحدي الأشواك بجلدها الرقيق فصرخت بخفوت جاذبه يدها بلهفه لتجد بعض قطرات الدماء تنساب منها و قبل أن تقوم بمسحها وجدت يد ضخمه ذو كف خشن كصاحبه إمتد ليقبض عليها بحنو أربكها فتعلقت أنظرها بإهتمامه المُنصب علي يدها التي وجدتها ترتفع لتُعانق شفتيه الدافئه حين قام بوضعها فوق جرحها ليسحب الشوكه العالقه بجلدها بأسنانه فشعرت و كأنه إنتزعها من قلبها لا إصبعها ! فصارت دقاتها تتقاذف بعنف داخل قفصها الصدري فيما إنحبست أنفاسها به و هي تري رأسه المُنحني علي كفها و قد أزهلها ما رأت فذلك الرجل الضخم الفظ المتعجرف ينحني علي كفها ليسحب شوكه أخترقته !
كان الأمر مُثير بدرجه يصعب وصفها و الأكثر حين أرتفع رأسه يُطالِعها بعيناه التي أظلمت للحظات حين قال بخشونه
" مش تخلي بالك !"
هزت رأسها في محاوله منها لجعله يعود إلي العمل قبل أن تقول بصوت مبحوح
" عا. عادي . دا جرح بسيط ."
ضاقت عيناه و هي تطوف فوق ملامحها قبل أن يقول بخفوت
" و جرح بسيط يخليكي تعيطي كدا !"
جفلت من كلمته و إرتفعت يدها لتجد بعض قطرات من عبراتها لازالت عالقه بجفونها فأزالتها بلهفه و هي تبتسم بتصنع قبل أن تقول بحرج
" تقريبًا حاجه طرفت عيني و أنا بتمشي. بسيطه يعني متاخدش في بالك !"
ظلت نظراته مثبته عليها قبل أن تلوح بهما بسمه ساخره وكأنه يخبرها بأنها تكذب و لكنه أجابها مُغيرًا الموضوع
" إيه إلي مخرجك دلوقتي في البرد دا ؟"
بهدوء أردفت
" كُنت زهقانه قولت أشم شويه هوا !"
" أختارتي المكان الصح ! مزرعتنا هواها يرد الروح !"
ناظرته بإندهاش دام لوهله فقد بدا مُسالمًا هادئًا علي غير عادته و لكنها سيطرت علي دهشتها إذ قالت بتأييد
" فعلًا المزرعه حلوة أوي شبه الجنة بالظبط . و هواها جميل و نقي ."
أرتفع إحدي حاجبيه تزامُنًا مع كلماتها التي خرجت منها دون وعي مُتأثِرة بالمظهر الخلاب المُحيط بهم لتجد صوته الساخر قد عاد إلي طبيعته حين قال
" غريبه ! مع إن دا مكنش رأيك الصبح !"
إغتاظت منه و لكنها قررت المواجهه فقالت بتقريع
" أنت عارف رأيي دا كان بناءًا علي إيه !"
" علي إيه ؟"
هكذا أجابها بتحدي فتجاهلت غضبها المتصاعد و قالت بهدوء ظاهري
" أنت أذكي من إنك تسأل السؤال دا !"
لم تُمهله الوقت للإجابه فسارعت بالقول
" مقولتليش أنت إيه مخرجك في البرد دا ؟"
هل يُخبرها بأنه رآها تهرول في الحديقه كتائه ضل طريقه بمنتصف صحراء قاحله و أراد أن يكون هو وجهته !
هل يُخبرها بأن مظهرها و هي تعدو كالفرس الجريحه هنا و هناك كان أكبر من قوته علي التحمُل و أجبره للخروج لرؤيتها أمامه مجردة من جميع أسلحتها و حصونها ؟
هل يُخبرها بأن حديثها صباحًا عن إحتمالية نسيانها له ولدوا شعورًا قويًا داخله بغرس ذكري له بداخلها أكبر من مجرد قلم ليُذكِرها به !
" كنت زهقان فقولت أخرج أتمشي شويه ! و بصراحه شكل القمر النهاردة لا يقاوم "
كان يتحدث و عيناه مُسلطه علي ملامحها بقوة و كأن الحديث موجه إليها لتشعر بموجة برد قويه تجتاح جسدها من تلك المشاعر التي ضربتها كعاصفه جراء نظراته فامتدت يدها تلقائيًا تحاوط كتفها و التي تجمدت حين شاهدته يقوم بخلع معطفه مقتربًا منها خطوتان و قام بوضعه حولها فغزت رائحتها الشهيه أنفه لتُثير بداخله رغبه عاتيه في الإقتراب أكثر و إستنشاق عبيرها أكثر . كانت رغبه مجنونه و لكنها مُثيرة بدرجه لم يختبرها مسبقًا و الأكثر إثاره عندما رآي إنعكاس رغبته بغابات عيناها الجميله التي لأول مرة يلمح بها هذا الإستسلام و كأن المقاومه أهلكتها و صدمه فرار قطرة هاربه من طرف عيناها جمدته بمكانه حين رآها تسير فوق خدها لتستقر علي يده الممسكه بالمعطف حولها و كأنها سقطت فوق قلبه فخرجت الكلمات من بين شفتيه دون وعي
" فرح ! أنتي بتعيطي ؟"
أخرجتها كلماته من بحر شرودها فإندفعت خطوتان إلي الخلف و إمتدت يدها بلهفه إلي عيناها تمحو بصمات ضعفها أمامه و هي تقول بإندفاع
" ما قولتلك عيني مطروفه . "
قامت بخلع معطفه و ناولته إياه قبل أن تتمتم بخفوت و تلعثم
" ميرسي مش محتجاه . أنا هدخل بقي الوقت أتأخر . عن إذنك "
أوشكت علي الإلتفات فوجدت قبضتة القويه التي أوقفتها بمكانها و هو يُزمجِر بخشونه
" أنتي في حد في حياتك ؟"
توقفت لثوان تحدق به بصدمه تحولت لغضب و هي تقول بجفاء
" بتسأل ليه ؟"
" متجاوبيش علي سؤالي بسؤال !"
هكذا أجابها مُغتاظًا فاستمهلت نفسها قبل أن تنزع يدها من بين قبضته و تُجيبه ببرود مستفز
" تمام . الإجابة دا شئ يخصني . "
برقت عيناه من الغضب الذي أخفاه خلف ستار من السُخريه التي تجلت في نبرته حين قال
" مكنتش متوقع منك غير كدا ! "
" تقصد إيه ؟"
" أنتي فهمتي إيه ؟"
" متردش علي سؤالي بسؤال !"
بدا مُستِمتعًا بشجارهم إذ وضع يديه بجيوب بنطاله و هو يقول بتسليه
" براحتي ! زي مانتي بتلفي و تدوري و تهربي براحتك ."
" مبهربش علي فكرة . من حق أي حد أنه يحافظ علي خصوصياته "
هكذا أجابته ليشتعل الحنق بداخله محل التسليه فضيق عيناه قبل أن يقول بلامبالاه مصطنعه
" آه طبعًا عندك حق . عمومًا دا كان مجرد سؤال عابر . مش ذات أهميه !"
أغضبها الآن كثيرًا لذا أرادت أن ترد الصاع صاعين فقالت ببرود
" أعذرني في إسلوبي بس أنا من النوع إللي مبيعرفش يفتح قلبه لأي حد . و دايمًا أسراري بحب أحتفظ بيها لنفسي"
أخذ نفسًا حادًا قبل أن يقول بفظاظه
" حقك طبعًا ! بس نصيحه مش كل حاجه هايفه الإنسان يعتبرها سر يستاهل يقفل قلبه عليه . "
إغتاظت من حديثه و ما أن أوشكت علي الرد حتي فاجأها عندما التفت إلي الجهه الآخري قائلًا بفظاظه
" يالا عشان وراكي شغل بكرة بدري . مش عايز تأخير من أول يوم !"
ذلك الوغد لا تعرف عدد المرات التي أشتهت ضربه بحجر فوق رأسه حتي تُشفي نيران غضبها منه .
**************
في الصباح كانت تغلي من الغضب و إنعدمت قدرتها علي التحمل و الإنتظار أكثر لذا إتخذت قرارها و توجهت إلي مكتبه و قامت بدق الباب مرتان قبل أن تقوم بفتحه دون الإنتظار أن يسمح لها بالدخول و ما أن أطلت برأسها من الباب حتي توقفت أمامه قائله بنبرة طفوليه مُتذمِرة
" أظن أنا من حقي أدافع عن نفسي !"
كان ينظُر إليها بصدمه سارع بإخفائها خلف جدار من الصمت الذي لا يُفسر و لكن من الداخل تحولت صدمته إلي رغبه قويه في الضحك فقد كانت كطفله تتذمر من عقاب والدتها الذي تظنه غير منصف !
" و إلي له حق بيطلبه بالشكل الهمجي دا ؟"
هكذا أجابها بلهجته الجليديه كعادته لتقترب إليه مكتبه ناظره إليه بغضب كبير و هي تقول بإنفعال
" ماهو حضرتك مدتنيش فرصه إمبارح أدافع عن نفسي و سحبت مني الورقه قدامهم كلهم و قولت عليا غشاشه !"
قالت جملتها الأخيرة بنبرة أوشكت علي البكاء الذي كتمته بصعوبه بينما نطقت جميع ملامحها به فشعر بالشفقه عليها و لكنه تابع بجمود
" مش مفروض كبرتي علي موضوع العياط دا !"
حلا بحنق
" معيطش علي فكرة !"
" بس شكلك بيقول إنك دقيقه كمان و هتنفجري في العياط زي العيال الصغيرة . و أنا بصراحه معنديش خُلق للجو دا !"
إندفع الغضب إلي رأسها و هي تسمع حديثه فإندفعت تقول بحنق مكتوم
" أولًا أنا مش عيله صغيرة . ثانيًا معيطش و لا ناويه أعيط . أنا جايه أتكلم مع حضرتك و أوضح سوء التفاهم إلي حصل !"
ياسين بتسليه
" إذا كان كدا . يبقي أتفضلي أقعدي ."
أقتربت منه و جلست علي المقعد أمامه و قامت بوضع هاتفها علي المكتب بينما أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تلتفت إليه لتُحاول شرح ما حدث و لكنه فاجأها حين قال بإستفزاز
" ها قوليلي كنتي بتغشي ليه و مذاكرتيش !"
تصاعد غضبها للحد الذي جعلها تقول بإنفعال
" مكنتش بغش هقولها للمرة الكام عشان حضرتك تصدقني !"
" أصدقك و أكذب عنيا مثلًا !"
أجابها ببرود لتقول برجاء
" أحيانًا مش كل إلي بتشوفه العين بيبقي صح . في مُلابسات للموضوع لو عرفناها هتوضح الرؤيه و هنغير رأينا . "
ياسين بتسليه
" جميل ! و مقولتيش الكلام دا لنفسك ليه و إنتي بتزعقي في مكتبي و بتقولي عليا حرامي !"
إغتاظت من حديثه فقالت بحدة
" الوضع كان مختلف أنا فوقت لقيتك بتفتش في شنطتي !"
" علي أساس إني مقفشتكيش ببرشام في إيدك في نص إجابات الإمتحان إلي كان قُدامك !"
صمتت للحظات قبل أن تقول بنبرة تتنافي تمامًا مع حدتها مُنذ قليل
" وربنا ما بتاعتي . أنا كنت قاعدة في أمان الله لقيت الورقه دي طارت جت في إيدي . حتي معرفش مين إلي حدفها !"
ياسين بسخريه
" يمكن تكون السما بتنقط برشام ! أو تكون حست إنك محلتيش أي حاجه خالص فحدفتها عليكي مثلًا !"
إغتاظت من حديثه و لكنها لم تستطع سوي أن تقول بجمود
" يعني أفهم من كدا أن حضرتك مش مصدقني ؟"
ياسين ببراءه مفتعله
" الحقيقه يا آنسه حلا كلامك غير مُقنع بالمرة !"
هبت من مكانها و قالت بغضب
" علي فكرة بقي حضرتك من ساعة الموقف إلي حصل دا و أنت مستقصدني و أنا عارفه . بالرغم من إني عرفت غلطي و جيت أعتذرت بس حضرتك بردو مُصمم تحُطني في دماغك.. بس أقولك مش مهم ربنا مبيرضاش بالظلم و أقولك كمان حسبي الله ونعم الوكيل هيه ."
ألقت كلماتها دفعه واحده و قامت بإنتزاع الهاتف و توجهت إلي الخارج بإندفاع و غضب كان من المفترض أن يُغضبه و لكنه علي العكس تمامًا قد شعر بالتسليه فهو منذ أن رآها أول مرة قد أعجبته بملامحها الجميله الحزينه حتي أنه كان يتقصد الإحتكاك بها بصورة تبدو علي أنها صُدف و كان يوجه لها النظرات خِلسه فقد كان مُنجذبًا بطريقه ما إليها ولكن اليوم كان لملامحها المُشتعِله الغاضبه و قع خاص علي قلبه الذي شعر به لأول مرة يدق بإنفعال هكذا ..
أخرجه من شروده تلك النغمه الغريبه علي أذنيه فنظر إلي الهاتف أمامه فوجد رقمًا غريبًا فأخذ يقلبه بين يديه بإندهاش و ما أن إنقطع الرنين حتي قام بفتح الهاتف ليتفاجئ بصورتها الجميله التي تزين شاشته و لكن كان بجانبها شخص آخر يلتصق بها بقوة جعلت الغضب يندفع إلي أوردته فبرزت عروقه من فرط الصدمه ..
**************
كانت جنة عائدة من الإسطبلات صباحًا بعدما سرقت بعض الدقائق مع مُهرتها المُفضلة و التي أحبتها كثيراً و قد قررت أنها ستزورها في الصباح حين يكون الجميع نيام و قد نفذت مُخططها من اليوم و ذهبت صباحًا لرؤيتها و تمضيه بعض الدقائق معها وها هي عائدة تحاول الإستمتاع بنسيم الصباح العليل لتتفاجئ بهذا الصوت البغيض الذي لوث الهواء حولها
" شيفاكي عماله تروحي و تيجي في المزرعه و لا أكنك بقيتي من أصحابها !"
توقفت «جنة» علي مضض و هي تسمع صوت تلك الفتاة التي تكرهها بقدر كُرهها لبقائها معهم و لكنها لن تسمح لها بإهانتها و إهانه طفلها لذا ألتفتت تُطالِعها بقوة بينما كانت نظرات «سما» تقطُر كُرهًا تجلي في نبرتها حين قالت
" أستأذنتي قبل ما تقضيها جري هنا و هنا ؟ و لا أنتي مش واخده عالأدب واخده انك تفرضي نفسك عالناس و بس . "
سحبت نفسًا قويًا بداخلها قبل أن تقول بغضب مكتوم
" أنا مبفرضش نفسي علي حد . لو أنا جيت أعيش هنا فدا بعد مُحايله كتير . و أظن حتي إني لو مفروض أستأذن قبل ما آجي الإسطبل فأكيد أنتي آخر واحده هستأذن منها ! "
إغتاظت «سما» بشدة فاقتربت منها خطوتان و هي تقول بإحتقار
" هستني إيه من واحده بجحه زيك ! أنا يا حبيبتي بنت من بنات البيت دا طول عمري مُعززة مُكرمه فيه و الكل بيعملي ألف حساب . مش واحده جايه من الشارع مش معروف أصلها من فصلها. و لا معروف لها أهل و لا عيله !"
بلغ الغضب ذروته فلم تعد تستطيع إحتمال حديثها المسموم لذا أشتد صوتها و زادت حدته حين قالت بقسوة
" إلي جايه من الشارع دي أحسن منك ألف مرة ! و أنا ممكن أخليكي تترمي بره القصر دا زي الكلبه! لو نسيتي الحاجه عملت فيكي إيه لما فكرتي تضايقيني أنا ممكن أفكرك . و ممكن كمان أعمل إلي أكتر من كدا . ممكن أصوت و ألم الناس عليكي و أقولهم إنك حاولتي تسقطيني. و طبعًا مش محتاجه أقولك أن الكل هيصدق إنك تعملي فيا كدا . عارفه ليه ؟ عشان بتكرهيني و يتغيري مني عشان حازم حبني و محبكيش !"
تجمدت «سما» بمكانها جراء حديث جنة الذي أصاب صميم قلبها و لكن ما الذي يُمكِن أن ننتظره حين ندهس بكل قوتنا علي جراح الآخرين فالقلب الذي ينزف وجعًا إما أن يترك الوجع يقتله أو يحيا بقتل من أوجعه و هي أختارت أن تحيا حتي لو كلفها ذلك أن تقتلها بنصل كلماتها الحادة و لكن أحدهم كان له رأيًا آخر
" عشان كان غبي !"
حين سمع حديثها القاسي إلي إبنه عمته التي أمتقع لونها و كادت أن تفقد وعيها فلم يستطع الصمت أكثر فقذف كلماته المُحمله بإحتقار واضح نفذ إلي صدرها كالرصاص فتجمدت في مكانها و هي تشعر بخطواته الباردة تتقدم نحوهم و هو يقول لسما بأمر
" أسبقيني عالبيت !"
لم يُكرر كلماته فقد كانت كمن ينتظرها حتي تجر أذيال خيباتها و هي تغادر مُنكثه الرأس و قد كان مظهرها يوحي بما تُعانيه من ألم فشعرت «جنة» بالندم لثوان و لكنها نهرت نفسها بشدة فهي أيضا آلمتها و أهانتها و هي لن تسمح بذلك أبدًا لذا ألتفتت تناظره بقوة واهيه و لم تستطع منع الكلمات من أن تخرج من فمها حين قالت بإندفاع
" طبعا كالعادة هتسمعني الكلمتين بتوع كل مرة و قد إيه أنا وحشه و مش كويسه و إني ضيعت حياة أخوك و بنت عمتك و ضيعت العيله كلها ! لو جاي تقول الكلام دا وفروا علي نفسك عشان حفظته خلاص !"
كانت نظراته غامضه و ملامحه قاسيه كنبرته حين قال
" لا مش هقولك كدا ! أنتي حتي الكلمات دي عجزت أنها توصف حقارتك ! وصلت بيكي الوقاحه إنك توجعيها بالشكل دا ! أومال إنتي لو متجوزة زي باقي البنات المحترمين ولاد الناس كنتي عملتي إيه ؟ "
أمتقع لونها بشدة و أنسحبت الدماء من أوردتها و تبدل توهجها إلي شحوب يوازي شحوب الأموات و شعرت بالدوار يهاجمها فقد نحر قلبها بكلماته الحادة كنصل السكين و لكنها جاهدت للبقاء ثابته علي عكس نبرتها التي كانت توحي بمقدار ألمها حين قالت
" أنا محترمه و بنت ناس و يمكن دا إلي وصلني للوضع إلي بقيت فيه دلوقتي ! و حقارتي دي هتشوفها فعلاً لو مبعدتش عني عشان وقتها هروح أقول للحاجه أنك أنت السبب إني كنت هسقط قبل كدا و أنك عايزني أسقط و أبقي شوف هتقولها إيه ؟"
أوشكت علي المغادرة فما أن مرت به حتي خرجت الكلمات مصدومه مُحمله بالإحتقار
" وصلت بيكي البجاحه إنك تهدديني ! إنتي أزاي قادرة تكوني مؤذيه للدرجه دي ! ضميرك مبيأنبكيش خالص ؟"
ألتفتت قائله بقوة
" زي مانتا قادر تكون ظالم و مفتري بالشكل دا ! "
ألتفت يُناظرها بإستنكار قائلًا
" ظالم و مفتري ! بعد إلي قولتيه دا كله و أنا إلي ظالم و مفتري ؟"
جنة بغضب
" أيوا ظالم و مفتري . من أول يوم شوفتني مبطلتش تهددني و تسمعني أوحش كلام من غير حتي ما تعرفني تُهمتي إيه ؟ حتي دلوقتي لما سمعت كلامي معاها مسألتش نفسك للحظه أنا قولتلها الكلام دا ليه ؟ كأني من الباب للطاق وقفتها و قولتلها كدا ! "
كان غضبها يُخفي الكثير من الألم و العذاب الذي لم تفلح في إخفاؤه نبرتها و معالم وجهها و عيناها المُتألِمه و قد شعر بشئ يأن في أعماقه و كأنما سهام حزنها أخترقت جانبًا ما بداخله و لكنه تجاهل كل هذا و قال بإستنكار
" عايزة تقولي أن هي إلي ضايقتك الأول ! "
جنة باندفاع
" دا بالظبط إلي حصل ! بس أنت كالعادة مبتسمعش غير الكلام إلي يديني أنا"
كانت تشير بإصبعها أمام وجهه فأغضبه هذا كثيرًا فأمتدت يدا تعتصر إصبعها بين أنامله القويه و قال صارخًا
" بطلي كذب بقي إلي يشوف منظر سما و أنتي واقفه بتكلميها عمره ما يصدق كلامك دا . ماتحاوليش تقنعيني إنك ملاك برئ عشان عمري ما هصدقك !"
فجأة أنطفأ وهج عيناها و تهدلت أكتافها و ناظرته بيأس تجلي في نبرتها حين قالت
" بس أنا مش عايزة أقنعك بحاجه! أقولك .. أنا وحشه ! أنا وحشه أوي . أوحش بني آدمه ممكن تقابلها في حياتك . فأبعد عني أحسنلك و أدعي ربنا يقصر أيامي معاكوا و أمشي من هنا و مشوفكش تاني أبدًا "
أختتمت كلماتها بعبرات خائنه لم تفلح محاولاتها بالسيطرة عليها و قامت بإنتزاع إصبعها من بين يديه و ألتفتت مُغادرة المكان بخطً مثقله بآلام و خيبات لم يعد قلبها قادر علي حملها و قد كان رأسها مُنحني لأول مرة بحياتها و هي تواصل طريقها إلي المُلحق الخاص بهم لتتفاجئ بصوت الشر الذي تحدث قائلًا
" لو تعرفي أتمنيت قد إيه أشوفك موطيه راسك كدا !"
يتبع....
سامحوني مقدرتش اكتب اكتر من كدا بسبب التعب بس أن شاء الله هحاول انزلكوا بارت طويل يوم الحد و لو قدرت هنزل كمان يوم الأربعاء