تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الأول 1 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول
الفصل الأول"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني"
___________
ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب
__________
قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد.
كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي اللون، تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بقيلة حيلة:
يا خسارة الليل قرب يدخل...كدا هنمشي النهاردة"
تحدث «يزيد» الطفل الجالس بجانبها بحزن مُردفًا:
ما تخليكم شوية يا خديجة...أنا ممكن أقول لـ ياسين و تقعدوا معانا شوية"
تدخلت «يُمنى» شقيقته تقول بحزن هي الأخرى:
طب ما احنا بنقعد هنا كتير...اقعدوا معانا أنتو كمان"
ابتسمت لهما ثم قالت بهدوء:
أنتو بتقعدوا هنا علشان بابا و ماما شغلهم هنا، لكن احنا جايين أجازة، وبعدين قعدنا هنا اسبوع كامل أهو"
أتى «ياسين» من خلفهم ثم قال بهدوء و البسمة العذبة تزين ثغره:
أنا بلغتهم يا خديجة إن أخرنا النهاردة في الفندق، يعني هنمشي الليلة دي إن شاء الله"
اومأت له وهي مبتسمة إيماءة بسيطة، فقال الصغير بنبرة حانقة:
برضه هتاخدها و تمشي؟ قولتلكم اقعدوا معانا شوية"
جلس «ياسين» بجانبه ثم قال وهو يحاول وأد ضحكته:
طب نعمل إيه طيب يا نجم؟ خلاص أسبوع العسل خلص، و بصراحة كدا أنا كل حاجة في القاهرة وحشتني أوي"
تدخلت «يمنى» تقول هي الأخرى بحزن:
احنا حبينا خديجة أوي، هي الوحيدة اللي ماما خليتنا نصاحبها هنا"
رد عليه هو بلامبالاة:
طب ما أنا بحب خديجة أنا كمان، ومن ساعة ما جينا هنا و أنتو اللهُ أكبر عليكم مش مفارقنا، يبقى نرجع بقى علشان نشوف دنيتنا هناك"
ردت عليه «خديجة» بحماس:
وأنا كل الناس في القاهرة وحشوني أوي، و ماما وحشتني أوي يا ياسين"
رد عليها مُعقبًا بحنقٍ:
نعم يا ختي؟ ماما مين اللي وحشتك؟ مساء الفل يا ست الكل، احنا هنرجع شقتنا، مش شقة ماما، شقتنا ها، فكراها؟"
قلبت عيناها بمللٍ ثم قالت بضيق زائف:
يادي النيلة عليا و على سنيني، ما خلاص كانت مرة يا عم ياسين، متمسكهاش ليا"
غمز لها بطرف عينه وهو يقول لها بخبثٍ:
وأنا أقدر أزعلك برضه؟ دا أنتِ الغالية"
أخفضت رأسها في خجلٍ منه، فتحدثت «يمنى» تقول بمشاكسة:
خلاص بوسها طالما متقدرش تزعلها"
اتسعت مقلتاها باندهاش، أما هو قال بمرحٍ:
تصدقي أنتِ بتفهمي"
قال جملته ثم اقترب منها يقبل وجنتها، تدرج وجهها بحمرة الخجل منه ومن الأطفال، أما هو قال ببراءة كاذبة:
يمنى هي اللي قالتلي، يرضيكي أزعل يمنى مني قبل ما نمشي؟"
حاولت كتم ضحكتها لكنها لم تستطع أمام نبرته و طريقته تلك التي تشبه طريقة الأطفال، بينما نظر هو أمامه ثم قال بمرحٍ:
وروني بقى أنتو بتبنوا إيه من الصبح؟ ما شاء الله عليكم، فَشّلة حتى مراتي معاكم"
وكزته في كتفه ثم قالت بضيق:
على فكرة أنا مش فشلة، و هما كمان مش فاشلين، احنا بس مش عارفين نقفل الدور الأول"
تحدث هو بفخرٍ مصطنع:
لأ و محسوبك مهندس، يعني التقفيل دا لعبتي"
ضحكوا عليه ثلاثتهم، بينما شرع هو تكملة ما قاموا هم ببدايته، أكمل هو بناء القلعة بكامل تركيزه، بعدها أمسك كف «خديجة» حتى تقوم بمعاونته، ابتسمت هي بقلة حيلة ثم شرعت في معاونته في وضع النهاية لتلك القلعة، انتهيا سويًا، فـ صفقت هي بكفيها معًا ثم قالت بفرحة تشبه فرحة الأطفال الصغار:
أيوا كدا، خلصت الحمد لله، نصورها بقى"
رد عليها «يزيد» بقلة حيلة:
ما هو اللي خلصها، أنا كان ممكن أساعدكم فيه، بس هو علشان ايده كبيرة"
ضحكت عليه «خديجة» و شقيقته، بينما «ياسين» رفع أحد حاجبيه ينظر له بشررٍ يتطاير من عيناه ثم قال:
يعني إيه ايدي كبيرة؟ هو أنا حرامي قصادك، ما تحسن ملافظك ياض أنتَ، عيل ٦ سنين مطلع عيني من ساعة ما جيت"
رد عليه الصغير بحنقٍ:
مش ٦ سنين، أنا سبع سنين، وبعدين علشان أنتَ مهندس يعني هتقرقنا؟"
رد عليه «ياسين» بضيق زائف أنهاه بالسخرية:
آه هقرفك عادي، مش حقي ولا إيه، وبعدين من الصبح وأنتَ عمال تبني و تهد، مشوفتش منك عِشة حتى، مش قلعة"
وقف الصغير يقول بانفعال:
أنا همشي و هاخد أختي معايا، خليك أنتَ بقى القلعة بتاعتك"
رد عليه «ياسين» باستفزاز:
و ماله مع السلامة، خليني أقعد مع مراتي شوية"
أومأ له الصغير ثم أمسك كف شقيقته و رحل وهو يضرب الأرض بقدميه، أما «ياسين» ضحك عليهما ثم حرك رأسه نفيًا بيأس، نظرت له «خديجة» بحزن ثم قالت مُردفة:
ليه كدا يا ياسين، هيزعلوا مننا، هما بيحبونا أوي و بيحبوا يقعدوا معانا"
ضحك هو ضحكة بسيطة ثم قال بهدوء:
لأ متخافيش، يزيد دا رجولة هو عمل كدا علشان يسيبنا نقعد لوحدنا، و بعدين دا أخر يوم لينا هنا عاوزين نودع دهب بقى يا خديجة"
سألته وهي مبتسمة بهدوء:
نودع دهب إزاي يعني؟ ناوي تعمل إيه يا ياسين؟"
أمسك كفها يوقفها معه ثم قال بعدما وقفا سويًا:
هنركب عَجَل يا خديجة، إيه رأيك؟"
قفزت هي ثم قالت بحماس:
قول والله؟ بجد هنركب عَجَل؟"
ضحك هو على رد فعلها ثم قال بعدما أومأ لها بقوة:
آه و الله، المهم بتعرفي تركبي عجل؟"
أومأت له بحماس ثم قالت وهي مبتسمة:
آه بعرف، أخر من كانت من ٦ كدا"
سألها مُستفسرًا بمرحٍ:
٦ سنين؟ طب والله حلو أوي"
ردت عليه تنفي حديثه:
لأ، ٦ سنين إيه؟ من ٦ ابتدائي يا ياسين"
اتسعت مقلتاه باندهاش ثم قال بنبرةٍ مندهشة:
يا نهارك مش فايت؟ ٦ ابتدائي يا خديجة؟"
أومأت له بترددٍ ثم قالت بنبرةٍ مهتزة:
أيوا...بس والله وليد علمني، أنا مش بنسى خالص"
اضاف مؤكدًا بسخرية:
آه طبعًا على يدي، بالله عليكِ تسكتي يا خديجة، دا أنتِ نسيتي شقتنا، مش هتنسي ركوب العَجل؟ على العموم يلا علشان نلحق قبل نص الليل"
احتضنه هي بحب ثم قالت:
شكرًا يا ياسين"
ربت هو على ظهرها وهو يضحك ثم أضاف قائلًا بقيلة حيلة:
برضه مفيش فايدة، من العفو يا خديجة"
_____________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت العائلة بأجمعها مجتمعة في شقة «محمود» خرج الطبيب من غرفة «فاطمة» يقول متأسفًا:
للأسف عندها جلطة في القلب، بس مفيش داعي تتنقل للمستشفى، الأجهزة و الامكانيات اللي هنا هي هي اللي هناك، وأنا هسيب معاها ممرضة كمان علشان تخلي بالها منها، بس ياريت الأدوية تكون بانتظام"
بكت النساء و ارتمت «هدى» بين ذراعي «وئام» الذي ربت على رأسها بأسى حتى يؤازرها في محنتها تلك، أما «هدير» فارتمت بين ذراعي «زينب» التي كانت تبكي هي الأخرى، نظر الطبيب لهم بحزن ثم قال:
للأسف وضعها صعب، ياريت تراعوا حالتها الصحية و النفسية أهم"
وقف «وليد» مقابلًا له ثم قال مستفسرًا:
معلش يا دكتور بس علشان أطمن، ينفع أوديها المستشفى؟ لو دا أضمن ليها يعني؟"
وقفت «هدير» هي الأخرى تقول ببكاء:
ياريت يا دكتور، أهم حاجة إنها ترجع تاني زي الأول"
نظر هو لهم ثم قال بنبرة متعاطفة:
صدقيني والله ملوش لازمة، الأجهزة اللي هنا هي اللي هناك، و كمان ممكن حالتها النفسية تتدهور أكتر من قعدة المستشفى"
أومأ له الجميع فتركهم هو و انسحب من الشقة بهدوء، بينما «محمود» دخل الغرفة مرةً أُخرى ينظر لها بأسى و حزن دفين مرسوم على ملامح وجهه بوضوح للعيان، وقف بجوار الفراش يطالعها بأعين دامعة، نظر لها مُتفحصًا وجد ملامحها باهتة و كأنها في تعداد الموتى، وضع يده على رأسها بعدما ضغط على جفينه بشدة ثم قال بنبرةٍ حزينة تحمل الوجع بين ثناياها:
والله ما عارف يا فاطمة أعمل إيه؟ لا قادر أنسى ظلمك للناس ولا قادر أقف ساكت كدا وأنا شايف المرض عامل فيكِ كدا"
أنهى حديثه ثم رفع رأسه يتضرع بقلبه قبل لسانه، بعدها ربت هو على كفها المنتفخ إثر الإبرة الطبية الموضوعة به، تنهد هو بأسى ثم خرج من الغرفة وهو ينظر على حركة نبضات قلبها على الجهاز.
خرج من الغرفة وجد «هدير» قابعة بين ذراعي «زينب» و «هدى» بين ذراعي «جميلة»، نظرت «زينب» لهن ثم قالت لابنتها:
خلود يلا خدي البنات علشان ياكلوا، و خلي بالك من هدى علشان أكلها و العلاج"
ردت عليها «هدير» بحزن:
لأ مش عاوزة حاجة..مليش نفس أصلًا"
تدخلت «مروة» تقول بهدوء:
مينفعش يا هدير، لازم تاكلوا علشان تقدروا تقفوا معاها، و علشان أختك و اللي في بطنها، هتهبط مننا"
تحدث «مرتضى» يضيف هو الأخر:
يلا يا خلود خدي البنات معاكِ، و أنتِ يا هدير أسمعي الكلام، يلا يا هدى أنتِ كمان"
أومأت له «خلود» ثم قالت بهدوء:
جميلة تعالي معايا علشان نجهز الحاجة، عبلة فوق زمانها خلصت"
أومأت لها «جميلة» ثم امسكت ذراع «هدى» تساندها حتى تستطع الخروج من الشقة، و كذلك فعلن الفيتات خلفها، و قاموا بامساك «هدير» هي الأخرى، نظر «طارق» في اثرهن بحزن ثم قال بهدوء:
هي إيه الحكاية؟ أنا بصيت عليها لقيتها مفيهاش نفس حتى"
أشار له «وليد» و كأنه يطلب من الهدوء، أما «محمود» قال بحزن:
عضلة القلب متضخمة، مع الجلطة قلبها مش مستحمل كل دا"
تدخلت «سهير» تقول بلهفة:
طب ما نوديها مستشفى يا أبو هدى، ليه تفضل في البيت كدا؟"
رد عليها «طارق» بهدوء:
زي ما الدكتور قال يا ماما..الأجهزة اللي هنا هي اللي هناك بالظبط، و بصراحة جو المستشفيات دا متعب أوي"
تدخل «وليد» يقول بهدوء:
طب معلش يا جماعة أنا عاوز زينب لوحدها تدخل معايا ليها"
نظر له الجميع باندهاش، فأضاف هو مؤكدًا:
زي ما سمعتوا كدا، تعالي معايا بس"
أومأت له ثم نظرت لزوجها الذي جلس دون أن يتفوه بِـحرفًا واحدًا، لكن عند نظر زوجته له نظر لها هو الأخر ثم أومأ لها موافقًا، تنهدت هي بقلة حيلة ثم دخلت مع «وليد»، وقف «وليد» يطالع كلتاهما ثم اخرج ذراعيه من جيبي سترته ثم قال بهدوء:
أنا عارف إنك مستغربة أنا جبتك هنا ليه، بس أنا عارف إنك مش قادرة تسامحي فاطمة علشان غلطها كان كبير، بس دلوقتي فاطمة مفيهاش نفس حتى، بعد بناتها عنها كسرها، و رفضهم وجودها في حياتهم جبلها جلطة، علشان كدا عاوزك تطلعي أجدع منها و تسامحيها"
ابتسمت «زينب» بسخرية ثم قالت بنبرةٍ موجوعة:
عارف يا وليد؟...طول عمري عيشت معاهم هنا وأنا عيني مسكورة، مشيرة عملت البِدع علشان تخرب بيتي، لما كنت بقعد أفكر، ساعات كنت بقول معاها حق الخيانة وحشة برضه، وهي وثقت فيا...بس برضه كنت برجع و أقول غلطها كبير، وسط كل دا كنت بدور على دليل واحد يثبت براءتي، فاطمة هي الوحيدة اللي كانت ممكن تبرأني و تقول إن أنا مش ليا علاقة باللي وصل لـ حسان، لكن إزاي بقى؟ فاطمة فرحت فيا و فـ بنتي، أنا دلوقتي حقي رجعلي و مش شمتانة، بس على الأقل أنا فرحانة أني مش زيهم، واحدة غيري كانت خربت الدنيا على دماغهم، بس أنا مش كدا، الحمد لله ربنا عوضني و فرح قلبي ببنتي، و أبوها و عرف غلطه و كل يوم ينام في أوضتها يعيط على فراقها، الحمد لله على كل حال، علشان كدا أنا مسامحة يا وليد، مهما كان دي واحدة برضه مريضة و ربنا يتولاها برحمته"
استمعت «فاطمة» لـ حديث «زينب» وهي تبكي بقوة و تحاول استنشاق الهواء من أسفل القناع الطبي الموضوع على وجهها، نظر «وليد» لها فعلم من رزاز الهواء في القناع أنها تبكي، اقترب منها يقول بهدوء:
بطلي عياط، بالراحة على نفسك علشان قلبك مش مستحمل"
ردت عليه هي بانهاك واضح في صوتها بعدما انزلت القناع الطبي من على وجهها:
شكـ... شكرًا... يا وليد، شكرًا...يا..زينب"
ردت عليها «زينب» ببكاء:
مش عاوزة منك شكر يا فاطمة، ربنا يتمم شفاكِ على خير"
اقترب منها «وليد» ثم وضع القناع مرةً أُخرى بعدما مسح دموعها بأنامله، ثم ربت على رأسها بهدوء.
وقفت «زينب» بجانبه تطالعها بحزن هي الأخرى فوجدته يضع ذراعه على كتفها ثم قال بنبرةٍ هامسة:
على فكرة بقى أنا بحبك يا زوزو"
ابتسمت له من بين دموعها ثم قالت بهدوء:
وأنا كمان بحبك...مش أنتَ ابني الكبير برضه؟"
أومأ لها ثم نظر لـ «فاطمة» وجدها نائمة و جفونها مغلقة و كأنها بذلك تعلن هزيمتها أمام سلطة المرض عليها، فاقترب منها يقوم بضبط مجرى المحلول الطبي، ثم خرج من الغرفة و «زينب» تتبعه للخارج.
نظر لهما الجميع في الخارج فقال هو بهدوء:
زينب سامحتها يا عمي، لو فيه حد تاني ليه مظلمة عندها عرفني"
رفع «محمود» أعينه الباكية ثم قال بحزن:
كتر خيرك يا أم خديجة، ربنا يجبر بخاطرك ويفرح قلبك"
ردت عليه هي بهدوء و بنبرةٍ مختنقة إثر مشاعرها المختلطة:
متقولش كدا يا أبو هدى، ربنا يتمم شفاها على خير يا رب"
تدخل «طه» يقول بهدوء:
شوف مشيرة يا وليد علشان تسامح هي كمان، و شوف جميلة، و شوف هدير، دول زيهم زي زينب و خديجة"
أضاف «مرتضى» بهدوء هو الأخر:
طه بيتكلم صح، شوف الباقيين يا وليد"
تدخل «طارق» يقول بنبرة قوية:
هدير و جميلة مش هيقدروا يقفوا قصادها وهي كدا، و مشيرة محدش يجيبها غير لما نتأكد إنها مش هتضايقها"
رد عليه «وليد» بسخرية:
و دي تيجي برضه؟ مشيرة لو محدفتش جرعة سم كدا متبقاش مشيرة، بس أنا عارف هظبطها إزاي"
_______________
في دهب وقف «ياسين» بجانب الدراجة وهو يقول بهدوء ساخر:
ركزي يا ختي يا أم ٦ ابتدائي، مش عاوزين الناس تضحك علينا"
نظرت له بضيق ثم قالت بنبرةٍ حانقة:
يوه بقى !! خلاص يا ياسين والله بعرف و بعدين ركوبها مش صعب يعني"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
طيب يا خديجة، لما نشوف هتعملي إيه، بس لو وقعتي مليش دعوة، علشان الثقة الزايدة دي"
اقتربت منه ترفع رأسها بفخرٍ وهي تقول بنبرةٍ متعالية:
هتشوف بنفسك يا ياسين"
أومأ لها بثقة هو الأخر ثم قال بسخرية:
وماله يا ست الكل نشوف"
بعد قليل ركب «ياسين» دراجته و هي خلفه بدراجاتها، سار «ياسين» في الطريق قليلًا وهي خلفه تحاول ملاحقته، لكن الدراجة كانت تترنح بها في الطريق، نظر هو خلفه فوجدها تحاول جاهدة السير بالدراجة مثله، و فجأة وجد الدراجة تلتف بها جهة اليسار مما أدى إلى سقوطها في الطريق، فالتفت هو بدراجته ثم اقترب منها يوقفها وهو يقول بلهفة:
خديجة أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة طيب؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بنبرةٍ خجولة:
أنا...أنا كويسة يا ياسين، هي الخَضة بس"
نظر هو لملامحها الخَجلة و لم يستطع تمالك نفسه من الضحك، فسقط بجانبها وهو يضحك عليها بشدة، نظرت هي له بضيق ثم ضربته بيدها في كتفه وهي تقول:
دا أنتَ رخم والله، بدل ما تسندني بتضحك عليا؟ على فكرة بقى كنت بعرف أسوق العجل، بس مش عارفة إيه اللي حصل"
اعتدل هو في جلسته ثم قال وهو يحاول كتم ضحكته:
أنا رخم فعلًا معاكِ حق، بس برضه أنتِ عندك ثقة زيادة معرفش إيه مصدرها، علشان كدا قومي اركبي معايا العجلة، و أنا هعلمك"
رفعت رأسها بشموخ وهي تقول بنبرةٍ لا تقبل النقاش:
مستحيل، أنا لا يمكن أركب معاك العجلة ولا يمكن أعتمد على حد غيري"
رفع حاجبه ينظر لها متعجبًا، ثم بعدها وقف يهندم ملابسه وهو يقول بلامبالاة:
أنتِ حرة بقى، خليكِ كدا وأنا هركب العجلة....فكري هتيجي معايا ولا لأ؟"
ردت عليه بحنقٍ:
مــسـتـحـيـل...قولت لأ يعني لأ"
حرك كتفيه ببساطة ثم ركب الدراجة وهي تنظر له بضيق و وجه ممتعض.
بعد قليل، كان «ياسين» راكبًا دراجته وهو يبتسم باتساع، حرك رأسه للخلف وهو يقول بنبرة ساخرة:
ما كان من الأول، عملتي فيها خديجة مباديء و أخرتك أهو راكبة ورايا و ماسكة فيا"
ردت عليه هي بانفعال:
علشان أنتَ مستفز يا ياسين، شرطت عليا أركب وراك علشان تعلمني أسوق العجلة"
نظر أمامه وهو يقول بلامبالاة:
هو كدا، أنا راجل استغلالي و انتهازي"
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم شددت من تمسكها به، أما هو فحرك رأسه بيأس تزامنًا مع بسمة هادئة تزين ثغره، بعد قليل أوقف هو الدراجة بعدما عاد بها إلى بداية الطريق ثم قال بهدوء:
أنزلي بقى علشان أعلمك تركبي العجلة، أنا صحيح انتهازي بس كلمتي واحدة"
نزلت هي من خلفه وهي تبتسم على حديثه، و فعل المثل هو الأخر، بعدها اسند الدراجة بجانب الرصيف ثم قال بهدوء:
تعالي اركبي الأول بالسنادات، بعد كدا واحدة واحدة هعلمك تركبيها عادي"
أومأت له بحماس ثم ركبت الدراجة، فقام هو بتحريكها في متتصف الطريق ثم قال بهدوء:
عينك على الطريق...إيدك على الجادون....رجلك على البدال يا خديجة"
أومأت له ثم قالت بتوتر:
كل الحواس دي لو اشتغلت مع بعض عندي ههنج يا ياسين"
ضحك هو على كلمتها ثم قال:
لأ مش هتهنجي ولا حاجة، ركزي أنتِ بس"
أومأت له ثم نظرت أمامها، فعلت كما طلب منها و بعد مرور دقيقة وجدته يبتعد عنها وهي تقود الدراجة بمفردها، اتسعت ضحكتها أكثر ثم رفعت سرعة الدراجة، نظر هو في أثرها بتعجب تبعها و تبع سيرها"
أما هي نظرت خلفها تنظر له فوجدته يشير لها بإصبعيه معًا و كأنه يقول لها كل شيء على ما يرام، أومأت له ثم التفتت بالدراجة مرة أخرى تسير بإتجاهه، نظر لها هو بتعجب فوجدها تقول بهدوء وهي مبتسمة:
علشان تعرف أني بعرف أسوقها، أنا بس كنت محتاجة شوية ثقة علشان أعرف اتحرك، و أنتَ لما سندتتي و علمتني عرفت اتعامل بعد كدا"
نظر لها بشكٍ ثم قال بعدما ضيق جفنيه:
تقصدي إيه بكلامك دا؟ بتشتغليني يعني؟"
حركت رأسها نفيًا تزامنًا مع تفوهها:
اطلاقًا، كل الحكاية بس إن لما أنتَ علمتني و وثقت فيا أنا عرفت أمشي بيها لوحدي، الغرض هنا إنك تفضل علطول واثق فيا و أنا هبهرك إن شاء الله"
اقتورب منها أكثر و كانت الدراجة في تلك اللحظة حائل بينهما، فقال هو بهدوء و بحبٍ:
و أنا عيني لكِ العمر كله، طول ما أنتِ موجودة معايا أي حاجة تعوزيها ربنا يقدرني و أجبهالك"
نظرت هي حولها ثم قالت بقلة حيلة:
الليل دخل خلاص يعني هنمشي من هنا، يلا علشان نلحق"
أومأ لها ثم أمسك الدراجة حتى تنزل هي من عليها، أما هي فسألته بحذرٍ:
هو...هو أنتَ زعلان علشان هنمشي من هنا؟"
أمسك الدراجة يسير بها ثم قال بهدوء وهي تسير بجانبه:
لأ مش زعلان عادي يعني، و بعدين المكان حلو علشان أنتِ فيه، يعني لو أنا فـ أجمل مكان في الدنيا من غيرك مش هيبقى ليه أي جمال في عيني، الفكرة مش في المكان قد ما هي في الونس"
ابتسمت هي باتساع ثم سألته بنبرة غير مصدقة:
بجد؟ يعني أنتَ مش زعلان علشان هنمشي، يا عم دا أنا قولت هتزعل حبة حلوين، طمنتني الله يطمنك يا نجم"
ضحك هو عليها ثم قال بنبرةٍ متعجبة:
أنا كل يوم بتفاجيء بيكِ والله، بنبهر كل يوم بعفويتك، بس بصراحة كدا كدا تتحبي في أي حال"
نظرت له وهي مبتسمة ثم قالت:
والله بأحرج بقى، كدا كتير عليا يا أستاذ"
حرك هو رأسه نفيًا ثم قال:
إحنا في الخدمة يا ستي، المهم بكرة احنا معزومين عند ميمي، العزومة برعاية عامر فهمي"
اتسعت بسمتها أكثر ثم قالت:
تصدق وحشوني أوي بجد، و ميمي كمان حضنها وحشني"
نظر لها بخبثٍ وهو يقول:
و ليه يوحشك حضن ميمي، العبد لله موجود برضه"
نظرت له بضيق وهي تقول بنبرةٍ قوية ولكنها كانت زائفة:
بس بقى عيب كدا، و بعدين أنا بقول ميمي، أنتَ ميمي؟"
اقترب منها يقول هامسًا:
لأ أنا مش ميمي، بس تبع ميمي، وعلى رأي الهضبة أي حاجة تيجي من ريحة الحبايب"
ضحكت هي عليه بقوة، فوجدته يضحك هو الأخر، بعدها تنهد بعمقٍ ثم قال:
العشا أذنت، يدوبك نجهز نفسنا علشان نلحق نمشي"
أومأت له ثم قالت بترددٍ:
طب هو أنا ينفع أطلب منك طلب؟"
رد عليها مؤكدًا:
آه طبعًا ومن غير اذن كمان"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ شبه متوسلة:
ينفع تصلي بينا العشا قبل ما نمشي؟ أنا بطمن أوي لما بسمع القرآن بصوتك يا ياسين، بحس بالراحة لما أصلي وراك"
شعر بارتفاع نبضات قلبه نتيجة الفرحة من حديثها، أما هي فنظرت له بحذرٍ حينما طال صمته، فوجدته يبتسم هو الأخر ثم قال بحب:
حاضر يا خديجة، و على فكرة طلبك دا مفرحني أوي، ربنا يكرمنا و يزيدنا قرب منه"
ابتسمت هي الأخرى له ثم قالت بحماس:
طب يلا بسرعة علشان نلحق نصلي"
أومأ لها ثم سار معها و لكن تلك المرة بخطوات أسرع، و بعد السير و الذهاب نحو غرفتهما، دخل هو أولًا و هي خلفه، توضأ و فعلت هي المثل، و بعد قليل وقف هو و هي خلفه بدأ هو الصلاة ثم شرع في ترتيل القرآن الكريم، أنهى الصلاة ثم التفت ينظر لها وهو مبتسمًا فوجدها كعادتها في الأيام السابقة تنظر له بأعين مغرورقة بالدموع مد أنامله يكفكف دموعها ثم أمسك كفها و هو يقوك بالتسبيح على عُقلات أصابعها حتى يقتسما الاجر والثواب سويًا، أنهى التسبيح ثم قال بهدوء:
اقرأي آية الكرسي بعد الصلاة زي ما قولتلك قبل كدا"
أومأت له ثم قرأتها هي بهدوء، انتهت من ترتيلها ثم قالت مستفسرة بهدوء:
ليه يا ياسين بنقرأ آية الكرسي بعد الصلاة؟ أنا ببقى عاوزة أسألك بس بتحرج"
ابتسم لها ثم قال بهدوء:
المفروض متتحرجيش مني، و على العموم يا ستي أي حاجة تحتاجي إجابة ليها أنا تحت أمرك"
ابتسمت هي ثم قالت من جديد:
طب ليه بقى عرفني"
أومأ لها ثم قال مبتسمًا:
قال أبي أُمامة في فضل قراءة أية الكرسي بعد الصلاة المفروضة أن الرسول عليه الصلاة وسلام قال:
“مَنْ قرأَ آيةً الكُرسِيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ ، لمْ يمنعْهُ من دُخُولِ الجنةَ إلَّا أنْ يمُوتَ”.
و ايضا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة:
“إذا أويتَ إلى فراشِك فاقرأْ آيةَ الكرسيِّ، لن يزال معك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبحَ”
يعني لما تقرأيها بعد الصلاة بيبقى الفرق بينك و بين الجنة هو الموت بس، و قبل نومك علشان الشيطان ميقربش منك، و تفضلي في رعاية الله و حفظه"
أومأت له قالت بهدوء:
شكرًا علشان بتقولي الحاجات اللي المفروض أكون عرفاها"
وضع يده على رأسها ثم قال بهدوء:
دا واجب عليا، بما أني جوزك و شريك حياتك يعني مطلوب مني أوضح اللي أنتِ مش فهماه، و نعدل خطواتنا سوا، و دا اللي المفروض أي انسان طبيعي يعمله، علشان احنا بشر مش أجهزة آلية"
اقتربت منه ثم طبعت قبلة على رأسه، فنظر هو لها بخبثٍ وهو يقول حتى يذكرها بقولها السابق له:
بتبوسي راسي ليه يا خديجة، هو أنا أبوكي؟"
وضعت كفيها على رأسها وهي تقول بضيق زائف:
ياربي منك يا ياسين، ألطم منك؟ هو أنتَ مبتنساش خالص"
احتضنها وهو يضحك بشدة ثم قال من بين ضحكاته:
خلاص والله بهزر معاكِ، قلبك أبيض بقى"
ضحكت هي الأخرى ثم احتضنته وهي تتنهد بعمقٍ، أما هو فربت عليها ثم قال بحب:
ربنا يباركلي فيكِ، و يجعلني زوج صالح يستاهلك يا خديجة".
______________
في بيت آلـ «الرشيد» تحديدًا في شقة «طه» جلست «خلود» على طاولة الطعام، و الفتيات حولها، أمسكت «جميلة» ملعقه ممتلئة بالطعام ثم مدتها أمام فم «هدى» وهي تقول بنبرةٍ شبه متوسلة:
بالله عليكِ يا هدى، كلي علشان اللي في بطنك، حرام عليكِ تشيلي ذنب الروح دي"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ منهكة:
والله مش قادرة يا جميلة، أنا قلقانة عليها، و طول ما أنا قلقانة مش هقدر آكل أي حاجة"
تدخلت «هدير» تقول برجاء:
يا بنتي كلي بقى، أنتِ مصممة تفضلي هنا في بيت العيلة، يبقى تاكلي علشان متتعبيش حد منهم معاكِ"
في تلك اللحظة طُرق باب الشقة بواسطة «وئام» و معه «وليد»، فتحت لهما «خلود» وهي تقول بارتياح:
الحمد لله وئام طلع أهوه، يبقى يأكلك هو بقى، علشان أنتِ مش عاوزة تاكلي"
أومأ لها ثم اقترب من زوجته وهو يقول بهدوء:
لو أنتِ فاكرة قلة الأكل هتساعدها تبقي غلطانة، ولو فاكرة إن بطريقتك دي هي هتقوم تبقي برضه غلطانة، علشان خاطري أنا كُلي"
بكت هي ثم قالت من بين شهقاتها:
والله صعب عليا، دي أمي برضه، أنا السبب في اللي هي فيه، كلمتني كتير و أنا مرديتش عليها، مش قادرة أبطل أحس بالذنب"
جلس على ركبتيه أمامها ثم قال بهدوء بعدما مد أنامله يكفكف دموعها:
لو عاوزة تبطلي تحسي بالذنب يبقى تاكلي علشان اللي في بطنك، و علشان تعرفي تقفي معاها و تساعديها، قلة الأكل مش هتحل حاجة، بالله عليكِ أسمعي كلامي و كلي"
أومأت له بدموع ثم ابتلعت الطعام بعدما قدمه هو لها بيده، فتحدث «وليد» ساخرًا:
ولازمته إيه الحوار دا كله يا هدى؟ ما كنتِ قولتي إنك عاوزة أبو العيال يأكلك بـ إيده"
ضحك الجميع على حديثه حتى «وئام»، فاقترب هو منها ثم قال بمرحٍ:
أنتِ بتاكلي من ايد عبلة و في شقة زينب و قاعدة على كرسي خديجة و وئام بيأكلك بإيده، يعني كل اللي أنتِ فيه دا بتاعي أنا، بس يلا هسامحك علشان أنتِ غلبانة و على وش ولادة"
مسحت دموعها ثم قالت له بضيق وهي تَصر على أسنانها:
هو أنا مش قولتلك طول حملي مشوفش وشك؟ هو أنا ناقصني شلل علشان ابني يطلع زيك؟"
رفع هو حاجبه ينظر لها بتمعن ثم قال بهدوء:
وماله لما يبقى زيي، أنتِ تطولي يبقى ابنك زيي، مش أحسن ما يطلع لهدير"
ردت عليه «هدير» بضيق و بنبرةٍ شبه منفعلة:
ومالها هدير يا وليد؟ ما تسبني في حالي بقى"
اعتدل في وقفته ثم قال بهدوء:
لأ أبدًا دا كان اختبار لثباتك الانفعالي و الحمد لله نجحتي فيه"
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم قالت بقلة حيلة:
مفيش فايدة، عمره ما هينسى"
راقص حاجبيه لها أما هي ابتسمت باتساع تزامنًا مع تحريك رأسها بيأس منه، أما «جميلة» فنظرت لهاتفها في يدها بعدما أصدر هزة بسيطة نتيجة رسالة نصية وصلتها من «طارق»، نظرت حولها قبل أن تفتح الرسالة، فوجدت «وليد» يضيف بخبثٍ:
مش محتاجة تستأذني، اطلعي علشان طارق مستنيكي فوق"
اتسعت مقلتاها باندهاش ثم نظرت له، فوجدته يومأ لها مؤكدًا، نظرت للأسفل بخجلٍ، فوجدت «خلود» تقول بخبثٍ هي الأخرى:
لأ اطلعي أنتِ هتقعدي هنا ولا إيه؟ الواد عاش عمره كله مستني، حرام عليكِ"
نظر لها «وئام» بشفقة ثم قال:
أطلعي يا بنتي، دول ما بيصدقوا يمسكوا فـ حد يتسلوا عليه"
أومأت هي بهدوء ثم ربتت على كتف «هدى» وهي تقول بهدوء:
خلي بالك من نفسك علشان البيبي، و ياريت تبطلي زعل علشانك برضه"
أومأت لها «هدى» بهدوء وهي تجبر شفتيها على التبسم، اما «جميلة» انسحبت من امام الجميع، وبعد خروجها من الشقة تحدثت «هدير» تقول بنبرةٍ غير مصدقة:
أنا بجد مش مصدقة إن دي بنت مشيرة؟ والله دي معجزة"
أومأ لها «وليد» ثم قال بسخرية:
طبعًا أنتِ أدرى بتربية مشيرة، ماشاء الله عليها ماشية توزع اضطرابات نفسية على العيلة كلها"
وافقته «هدير» في الحديث ثم أضافت قائلة:
معاك حق والله، ضيعت أجمل سنين حياتي غلط بسبب تعليمها ليا، و لسه لحد دلوقتي بغلط و مش عارفة أعيش صح"
رد عليها «وئام» بهدوء:
الحمد لله لحد كدا يا هدير، و أنتِ قولتي إنك بتحاولي صح؟"
أومأت له ثم قالت بحزن:
رغم إنه صعب عليا بس بحاول والله، و لسه لما دكتورة هناء دي ترجع أنا هروحلها علشان أقدر أمشي صح"
نظر «وليد» في ساعة يده ثم قال:
طب أنا هطلع أرتاح شوية، و محدش يقول لخديجة على اللي حصل علشان متتخضش"
أومأت له «خلود» ثم قالت:
هي كلمتني الصبح و قالتلي إنها راجعة بليل، بس لما طنط فاطمة تعبت أنا مكلمتهاش تاني قولت أكيد هتحتاج تحضر نفسها، بس لما أكلمها مش هقولها حاجة".
قال جملته ثم رحل، قابله اثناء خروجه من الشقة «أحمد»، نظر له «وليد» مستفسرًا بعدما قطب جبينه:
أنتَ كنت فين كل دا؟"
نظر له «أحمد» متعجبًا ثم قال:
هو مش انتو التلاتة طلعتوا تجروا و سبتوني أنا و حسن لوحدنا؟ و مش كان المفروض فيه ناس بتتفق على تصميمات جديدة؟ كنت بخلص معاهم"
ربت «وليد» على كتفه وهو يقول معتذرًا:
معلش نسيت والله، مخي مليان حاجات كتير، المهم أنا طالع أرتاح شوية، بكرة الجمعة و محدش فينا هيصحى بدري"
أومأ له «أحمد» ثم قال بهدوء:
ربنا يعينكم، وأنا كمان هرتاح شوية، علشان نصحى نصلي الفجر"
________________
في شقة «محمد» تحديدًا في غرفة «طارق» دخلت هي بهدوء الغرفة بعدما سمح لها بالدخول، نظرت له بهدوء وهي تقول معتذرة:
معلش أنا متأسفة والله، كنت عند خلود علشان هدى تعبانة، و معرفتش أرد عليك"
أومأ لها ثم قال ببساطة بعدما ابتسم لها:
مفيش أي مشاكل، أنا بس كنت بطمن عليكِ، المهم أنتِ إيه اخبارك؟"
حركت كتفيها ببساطة ثم قالت:
الحمد لله كويسة أوي، أحسن من الأول بكتير بصراحة"
نظر هو لها بشكٍ وهو يقول:
بجد يا جميلة؟ يعني أنتِ كويسة؟"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
يمكن اللي بيحصل دا غريب عليا، و يمكن مستغربة رد فعل العيلة، و بصراحة عقلي بدأ يحط أعذار لمشيرة"
سألها هو بهدوء مستفسرًا:
إزاي مش فاهمك؟ قصدك إيه؟"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
يعني أنا كنت رافضة أفعال مشيرة علشان كنت شايفاها غلطانة، بس برضه فيه غيرها ذنبه أكبر، وبعدين عياط هدير و هدى على مامتهم خلاني أحس بمشاعر غريبة أوي، بس برضه مش بالساهل كدا، أنا هسيبها علشان تحس بوجع غيرها و دا كدا عدل بالنسبة ليا"
سألها «طارق» بحذرٍ بعد حديثها:
يعني أنتِ سامحتي عمتي مشيرة خلاص"
حركت كتفيها بقلة حيلة تزامنًا مع قولها:
هعمل إيه يعني في النهاية هي أمي، يعني مقدرش أقسي قلبي عليها، مش دا القرآن اللي أنا حفظاه ولا دي أخلاقي اللي اتربيت عليها"
ابتسم هو باتساع ثم قال بحب:
والله أنا فخور بيكِ أوي، كل يوم بتكبري في نظري أكتر، أنتِ جميلة يا جميلة"
أخفضت رأسها في خجل بعد كلماته لها، فقال هو بهدوء:
طب يلا نطلع علشان العشا جاهز، ولا هتصلي الأول؟"
ردت عليه هي بهدوء وهي مبتسمة:
الحمد لله صليت العشا تحت، أنتَ صليت صح؟"
أومأ لها مؤكدًا ثم قال بهدوء:
الحمد لله صليت، ربنا يكرمك والله من ساعة ما دخلتي البيت دا و محدش فينا بقى بيأخر صلاة"
ردت عليه هي بهدوء:
دا كرم من ربنا سبحانه وتعالى، الصلاة دي أعظم وقت في يومنا، تخيل ربنا سبحانه وتعالى بعظمته عمل أوقات محددة للصلاة، و نيجي إحنا شوية بشر نغير مواعيدها؟ محدش في الدنيا دي هيقبل يشوفك طول اليوم بكل حالاتك غير ربنا سبحانه و تعالى"
اقترب منها يطبع قبلة بسيطة على جبهتها ثم قال بحب:
كل يوم بتأكد والله إن غيابك عني طول السنين اللي فاتت كان خير ليا"
ردت عليها هي بتوتر ممزوج بالخجل:
طب يلا علشان الأكل ولا إيه؟"
أومأ لها ثم قال مبتسمًا:
يلا...يلا يا جميلة"
_______________
في صباح اليوم التالي تحديدًا في شقة «ياسين» استيقظت «خديجة» بهدوء من جواره، ثم قامت بتأدية صلاة الصبح، ثم أمسكت مصحفها تقرأ به، أما هو مد ذراعه على الفراش وحينما وجد مكانها فارغًا، فتح عيناه بتروٍ، يتفحص المكان، رآته هي وهي جالسة على سجادة الصلاة، فاغلقت مصحفها ثم قالت بهدوء:
أنا هنا أهو، وراك"
التفت ينظر لها بنصف عين ثم قال بنبرةٍ متحشرجة إثر استيقاظه من النوم:
صباح الخير يا خديجة، أول مرة يعني تصحي قبلي، كل مرة بصحى أنا الأول"
ردت عليه وهي مبتسمة بحب:
بصراحة فرحانة علشان جيت شقتي، قولت أصلي الصبح لحد ما أنتَ تصحى علشان نروح عند ميمي"
خرج من الفراش ثم اقترب منها وهو يقول بمرحٍ:
هنروح لميمي من دلوقتي ليه بس؟ لسه بدري أوي و بصراحة أنا عاوز أقعد في شقتي مع مراتي"
ردت عليه هي وهي مبتسمة بهدوء:
بكرة تزهق من الشقة و مني كمان متقلقش"
ابتسم هو بسخرية ثم قال:
آه فعلًا، بكرة شغل يا ضنايا...خلاص شهر العسل خلص"
ردت عليه هي ببساطة:
وفيها إيه؟ تروح شغلك و ترجع تلاقيني عاملة الأكل و نقعد نتناقش في كل المواضيع المملة بتاعة المتجوزين دي، وبعدين نبقى ندور على حاجة نتخانق عليها، علشان منزهقش يعني"
قطب جبينه يسألها مستفسرًا بضيق زائف:
دا إيه الجدول الزفت اللي على الصبح دا؟ و ياترى بقى الليلة دي فيها سكاكين ولا بونيات علطول؟"
ضحكت هي بخفة ثم أضافت:
اللي أنتَ عاوزه أنا معاك فيه"
غمز لها بخبثٍ وهو يقول:
والله ما عايز غيرك أنتَ يا عسل"
ردت عليه بضيق زائف:
قوم اتوضى علشان تصلي الصبح و لم نفسك يا ياسين"
رد عليها مُعقبًا بضيق زائف:
ألم نفسي مع مراتي يا خديجة !! ودي تيجي برضه؟، و بعدين أنا عيل جود بوي مع الناس كلها، أنتِ الوحيدة اللي لازم أكون معاها باد بوي"
زفرت بضيق ثم قالت باستفزاز:
طب قوم يا عم الباد بوي اتوضى علشان تصلي، علشان نلحق نروح عند ميمي، أنا قولتلهم هنروح ليهم قبل صلاة الجمعة"
ابتعد عنها ثم اعتدل في وقفته وهو يقول بهدوء:
بصراحة ميمي وحشتني أوي، و العيال كمان و خصوصًا يونس"
قال جملته ثم تركها و دخل المرحاض، أما هي حركت رأسها نفيًا بيأس ثم وقفت بعدما وضعت المصحف بجانب سجادة الصلاة على الأريكة ثم لحقته للخارج.
ارتدت هي ثيابها وهو الأخر ثم خرج من الغرفة وهو يقول بهدوء:
ياريت يعني لو نفطر قبل ما نمشي، علشان عامر هيذلنا كلنا علشان ناكل"
ردت عليه هي بضيق:
و مقولتش ليه قبل ما نلبس؟ هناكل ازاي دلوقتي؟"
رد عليها هو بهدوء وهو مُبتسمًا:
عادي يعني اعملي سندوتش جبنه، بيضة بسمنة أي حاجة يعني، خليني أحس أني راجل في بيتي"
ضحكت هي بعد جملته الأخيرة، فوجدته يقول بضيق:
لو بتضحكي علشان اللي في دماغي هتبقى وقعتك سودا"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول:
طب وهو أنتَ في دماغك إيه؟"
رد عليها مُردفًا بثبات:
قصدي على عامر، لما قالي عقبال ما أشوفك جاموسة في غيطك"
زادت ضحكاتها أكثر فوجدته يومأ لها بقوة وهو يقول:
أنا قولت المهزق اللي اسمه عامر دا ليه بصمة في كل مكان، حتى فـ كلامي"
اقتربت هي منه ثم قالت وهي تهندم ثيابه:
والله أحسن راجل في بيته كدا كدا"
نظر لها بشكٍ وهو يقول:
ودا من إيه بقى إن شاء الله ؟"
حركت كتفيها ببساطة ثم قالت:
مش علشان حاجة، بس عاوزة أبقى اروح بيتنا"
رد عليها مُردفًا بثبات و هو يتصنع التجاهل بحديثها:
طب ما إحنا فـ بيتنا أهوه، هو احنا عندنا بيت تاني؟"
ردت عليه بحذر:
عاوزة أورح بيت الرشيد يا ياسين، وحشوني كلهم هناك والله"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
طب وهو أنا لحقت أخنقك كدا علشان تزهقي مني؟ دا احنا لسه بنقول يا هادي"
ردت عليه هي بسرعة حتى تنفي حديثه:
لأ والله مش كدا، أنا بس عاوزة أشوفهم مش أكتر، لكن والله مش زهق منك، احنا هنروح شوية صغيرين بس"
تنهد هو بعمقٍ ثم رفع رأسه ينظر للأعلى، وهي تنظر له بحذرٍ، انزل رأسه ثم ابتسم بهدوء لها، نظرت له مُتعجبة من تغير ملامحه، فوجدته يقول بهدوء:
حاضر يا خديجة، بعد ما نقعد عند ميمي شوية، هنروح بيت الرشيد، بس مش هنبات ولا هنطول هناك"
صفقت هي بكفيها معًا ثم قبلته على وجنته، ثم تبعت فعلتها تلك بقولها المرح:
دقايق و أحلى فطار يجهز لأحلى ياسين في الدنيا كلها"
قالت جملتها ثم تركته راكضة للداخل، أما هو فنظر في أثرها باندهاش ثم قال بنبرةٍ متعجبة:
هي طلعت هبلة بجد ولا إيه؟".
______________
في شقة «ميمي» كان «عامر» واقفًا على طاولة السُفرة و «خالد» و «ياسر» كلاهما في جهة يحاول الإمساك به، و الفتيات يقفن على مقربةٌ منهم، و «ميمي» واقفة تستند على عكازها، تحدث «خالد» بنبرة منفعلة:
أنزل يا عامر بدل ما أطلعلك أنا و ساعتها محدش هيرحمك من تحت ايدي"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بذعر:
يا سلام يا خويا؟ عاوزني أنزلك علشان تموتني؟ لأ مش نازل"
تحدثت «ميمي» تقول بتوسل:
خلاص يا خالد بقى هي أول مرة يعني، و بعدين دا عامر"
التفت «خالد» ينظر لها وهو بضيق:
ماهو علشان هو عامر أنا جبت أخري، نفسي يكبر و يهدا بقى"
تدخلت «سارة» تقول بقلة حيلة:
بصراحة هي حركة متخلفة شوية، بس والله قلبه أبيض"
رد عليها «عامر» بحب:
والله ما فيه حد قلبه أبيض غيرك أنتَ يا عسل"
تحدث «ياسر» بضيق:
يا بني لم نفسك بقى، هو أنتَ غاوي تهزيق، احنا فـ إيه و أنتَ فـ إيه؟"
تحدثت «ريهام» مستفسرة:
هو عمل إيه طيب يا جماعة؟"
رد عليها «خالد» بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
الأستاذ جمع مننا فلوس علشان يعزم ياسين على الغدا، و احنا علشان رجالة محترمة دفعنا الفلوس، يجي المعلم عامر بقى يروح يجيب بالفلوس رنجة و فسيخ !! ليه عازم الحوت الأزرق؟"
ضحك الجميع عليه، فقال «عامر» بمرحٍ حتى ينهي ذلك التوتر:
والله العظيم دا تجديد، اسمع مني دا عريس راجع من شهر العسل يعني نفسه جزعت، لازم نكسر الجزع دا"
عض «خالد» على شفته السفلى من برود «عامر»، ثم قفز فجأة على الطاولة وهو يقول بتشفٍ:
أهو طلعت ليك يا حلو، يعني أنا و أنتَ بقينا في ملعب واحد"
عاد «عامر» للخلف حتى وقف على طرف الطاولة و «خالد» مقابلًا له على الطرف الآخر فتحدث «عامر» يقول بقلقٍ واضح:
بقولك إيه يا خالد، اهدا كدا و ركز، لو حد فينا عملها و نزل التاني هيبقى الله يرحمه"
أومأ له «خالد» بقوة ثم تحدث بهدوء بث الرعب داخل الجميع:
ودي تيجي برضه؟ بقى أنا اضحي بأخويا؟ تعالى يا عامر علشان ننزل سوا من هنا، قبل ما أخونا يجي"
نظر له «عامر» بشكٍ فوجد «خالد» يقترب منه أكثر، عاد «عامر» بظهره للخلف دون أن ينتبه حتى سقط من أعلى الطاولة، فقفز عليه «خالد» وهو يقول متوعدًا له:
اتشاهد على نفسك يا ابن سيدة"
و تبعه «ياسر» و كلاهما يضربه في انحاء جسده، فتحدثت «إيمان» تقول بنبرةٍ شبه حزينة:
والله حرام اللي بيعملوه فيه، دا أنا كنت هموت و آكل الأكلة دي من بدري"
تحدث «عامر» متآوهًا من بين ضرباتهما عليه:
خلاص خلاص أنا غلطان"
_"طبعًا و ستين غلطان كمان، عملت إيه يا مهزق"
خرجت تلك الجملة من فم «ياسين» بعدما دخل الشقة بهدوء وهي بجانبه، نظر لهما الجميع ثم اتجهوا نحوهما، وأول من صرخت فرحة كانت «إيمان» حينما قالت بنبرةٍ شبه صارخة:
خـــديــجـة، وحشتيني يا كتكوتة"
قالت جملتها ثم ركضت إليها تحتضنها بحب، فعلت المث «ريهام» و «سارة» أيضًا، أما «ياسين» فاحتضن اصدقائه، عدا «عامر» الذي كان ينظر له بتوتر وهو جالسٌ على الأرض، أوقفه «ياسين» وهو يقول بهدوء:
هببت إيه في غيابي خليتهم يهجموا عليك كدا؟ ريحني"
احتضنه «عامر» بشدة ثم قال ببكاء زائف:
ظلموني في غيابك يا أخويا، ابن ميرفت و ابن عفاف اتكاتروا عليا علشان أخويا مش موجود"
نظر له «ياسين» باندهاش فوجده يضيف بنفس النبرة:
كل دا علشان خدت منهم فلوس للعزومة بتاعتك النهاردة، كانوا قالولي مش عاوزين ندفع، بس هما استخسروا الفلوس فيك"
أوشك «خالد» على الهجوم عليه و الفتك به، لكن «ياسر» أوقفه وهو يقول متوسلًا له:
علشان خاطري أنا اعتبره زي يونس ابنك، دا عيل صغير والله"
تحدث «عامر» يقول بثقة:
ولا يعرف يعملي حاجة أصلًا، دا عيل بوق أصلًا"
نظر له «ياسين» بضيق وهو يقول بنبرة شبه منفعلة:
ما تتلم في ليلتك دي بقى، هو أنتَ حالف تستفز فيه و خلاص"
تحدثت «ميمي» تقول بضيق زائف:
أقول عليك إيه يا عامر؟ مخلتش ابني يسلم عليا وهو واحشني"
نظر لها الجميع باحراج، بينما «ياسين» اقترب منها ثم مال عليها يقبل قمة رأسها وهو يقول بحب:
أنا لا يمكن أقدر انساكي، بس الحيوان دا لازم يعمل مصيبة"
ربتت هي على يده بحب ثم قالت:
ولا يهمك، أنتَ علشان وحشتني أوي، عمرك ما غبت عني كدا"
جلس هو بجانبه ثم قال بهدوء:
فهموني بقى عالم الحيوان اللي شفته من شوية دا كان ليه؟"
اقترب منه «خالد» ثم سحب مقعد يجلس وهو يقول بصوتٍ عالٍ و بنبرة منفعلة:
الأستاذ زفت الطين، قال هنعزم ياسين يوم الجمعة وقال هنجمع و نجيب أكل سوا حلو كدا؟"
أومأ له «ياسين» ثم أضاف:
حلو كدا، و الراجل يُشكر صاحب واجب"
تدخل «عامر» يقول بفخرٍ ممزوج بالمرح:
أخويا بصحيح والله"
جلس «ياسر» أمام «ياسين» ثم قال:
الراجل اللي يشكر دا راح جاب بالفلوس كلها رنجة و فسيخ، فيه عريس يا مؤمن ياكل رنجة و فسيخ في عزومة؟"
اتسعت مقلتي «ياسين» ثم أضاف بنبرةٍ مذهولة:
يا نهارك مش فايت؟ أنتَ متخلف يالا؟ رنجة و فسيخ إيه اللي هاكلهم دول؟"
رد عليه «عامر» بضيق:
والله العظيم مفيش حد فيكم بيفهم، أنا قولت أجدد لكم بدل الملل، بس أنتو أحرار بقى"
تدخلت «خديجة» تقول بهدوء وبنبرة معتذرة:
أنا مش باكل الحاجات دي خالص"
رد عليها «ياسر» هو الأخر:
والله ولا أنا، محدش يستحمل كل السموم دي في وجبة واحدة"
تدخل «ياسين» يقول بضيق زائف:
مع احترامي ليكم بس الكلام دا مفيش منه، عامر جاب الأكل خلاص، و بصراحة أنا بحب السموم دي أوي"
نظر له الجميع بتعجب، بينما «عامر» صفق بكفيه معًا وهو يقول بمرحٍ:
الله أكبر يا شيخ ياسين، إيه الحلاوة دي ياض"
نظر له «خالد» باندهاش وهو يقول بنبرة غير مصدقة:
يعني أنتَ هتاكل من اللي عامر جابه؟ مش زعلان؟"
رد عليه «ياسين» حتى ينفي حديثه:
ازعل إيه بس، دا كتر خيره والله، المهم يلا نلحق الصلاة علشان نطلع ناكل و نشوف يومنا"
حركت «خديجة» رأسها نفيًا له فوجدت «إيمان» تضع ذراعها على كتفها تضمها اليها وهي تقول بنبرةٍ هادئة بثت الرعب داخل «خديجة»:
لأ اثبتي عندك كدا علشان أنا خلقي ضيق، الأكل دا هتاكلي منه معانا، علشان أنا مجنونة و معايا شهادة معاملة أطفال"
أضاف «ياسر» بهدوء:
على يدي و أنا شاهد على كدا"
_____________
في بيت آلـ الرشيد تحديدًا في الغرفة التي تقبع بها «فاطمة» على الفراش، نظر لها «وليد» بحزن ثم قال بسخرية:
كل الدنيا دي كوم و خيانة صحتك ليك دي كوم تاني، انذار علشان نتعظ منه، بس أنتِ حاجة تانية، بصراحة خايف تقابلي وجه كريم و أنتِ لسه محدش سامحك"
نظرت له بحزن ولم تعقب بسبب القناع الطبي الموصول بجهاز التنفس، أما هو أخرج هاتفه ثم طلب رقم «طارق»، حينما وصله الرد قال بهدوء:
هات جميلة و انزل يا طارق بسرعة"
تنهدت هي بعمقٍ، أما هو جلس على المقعد المجاور لفراشها، بعد مرور دقائق، نزل «طارق» و معه «جميلة»، دخل «طارق» ثم قال بهدوء:
خير يا وليد؟ عاوز إيه؟"
وقف «وليد» ثم قال بهدوء:
عاوز جميلة تقولي مسامحة مرات خالها ولا لأ؟"
سألته «جميلة» بنبرةٍ مهتزة:
مش...مش فاهمة أنتَ عاوز إيه؟"
زفر «وليد» بضيق ثم قال:
الفكرة إن مرات خالك ربنا عالم بحالها، بتودع تقريبًا، علشان كدا عاوزك تسامحيها، لأن كل اللي حصل في الأول و الآخر هي السبب فيه، كنتِ من ضمن ضحاياها يا جميلة"
بكت «جميلة» وهي تستمع له، فوجدته يضيف:
طبعًا محدش يقدر بجبرك على حاجة، بس أنتِ حافظة كلام ربنا، و عارفة إن اللي بيعفو و يسامح دا بيكون شخص قوي و شجاع، و أنتِ أكيد قوية و هتقدري تسامحيها"
نظرت «جميلة» في أوجه الجميع ثم تنهدت بعمقٍ بعدما مسحت دموعها، بعدها قالت بنبرة مختنقة:
أنا مسامحاها، في النهاية كلنا بشر و أكيد بنغلط، احنا مش ملايكة، أنا مسامحاها والله من كل قلبي علشان ربنا يسامحني على أي حاجة وحشة عملتها في حياتي"
نظر لها «وليد» وهو يقول بنبرة ساخرة:
ماظنش إنك ممكن تكوني عملتي حاجة وحشة فـ حد، أنتِ عيبك الوحيد إنك بنت مشيرة و حسان"
نظرت له بقلة حيلة ثم قالت بنبرة حزينة:
معلش بقى محدش بيختار أهله"
أومأ لها ثم قال:
وأنتَ يا طارق مسامح في بعد جميلة عنك؟"
أخذ «طارق» نفسًا عميقًا ينظر لها وهي قابعة على الفراش، تحولت نظرته إلى الأسى ثم قال:
طبعًا مسامح، كفاية إنها رجعتلي تاني، ربنا بس يتمم شفاها على خير"
أومأ لهما «وليد» ثم قال:
طب يلا علشان ورايا مشوار مهم، بعد صلاة الجمعة"
أومأ له «طارق» ثم أخذ زوجته معه، بينما «وليد» انتظر خروجهما ثم اقترب منها وهو يقول بهدوء:
أنا كدا بعمل اللي عليا، فاضل مشيرة بس علشان ترتاحي، عاوزة حاجة تانية؟"
حركت رأسها نفيًا بإيماءة بسيطة من رأسها، فتنهد هو بعمقٍ، ثم اغلق الضوء و خرج من غرفتها.
بعد صلاة الجمعة، اخذ «وليد» سيارته ثم رحل بها، وصل إلى شقة «مشيرة»، طرق باب الشقة، ففتحه له «حسان»، نظر له «وليد» بسخرية ثم قال كعادته:
إزيك يا عمو حسان، وحشتني أوي الأيام اللي فاتت، مش لاقي حد اعصبه"
نظر له «حسان» بضيق وهو يقول بنبرة خالية من المشاعر:
نعم يا وليد؟ خير فيه حاجة؟"
دفعه «وليد» بخفة حتى يستطع الدخول ثم قال بسخرية لازعة:
يا جدع عيب عليك، دا أنا زي ابوك برضه، جوزتك و جوزتلك بنتك، و ماشي أأمن في مستقبل كل اتنين الدنيا فرقتهم، و آخرتها تقولي عاوز إيه يا وليد؟ مكانش العشم"
خرجت «مشيرة» من الداخل و هي تعدل وضع حجابها، فوجدت «وليد» يقول ببرود:
لأ لأ لأ يا مشيرة هو أنا غريب؟ دا أنا ليدو، بقى بتحطي طرحة قدام ابن أخوكِ"
اقتربت منه تسأله بتلهف واضح:
البيت فيه حاجة يا وليد؟ جميلة كويسة؟، انتو كويسين؟"
أومأ لها بقوة ثم أضاف مؤكدًا ببسمة مستفزة:
بصراحة كلنا زي الفل من ساعة ما مشيتي من البيت، بنعيش اسعد أيام حياتنا"
نفخت وجنتيها بضيق ثم قالت بهدوء بعدما نظرت له بوجهٍ ممتعض:
خير؟، لما أنتو ربنا كرمكم و عايشين مبسوطين من غيري جاي ليه"
جلس على الأريكة ثم وضع قدمًا فوق الأخرى وهو يقول بغرور:
أصل عقبال عندك يا رب، فاطمة مرات عمي محمود شكلها كدا الله أعلم بتودع، عاوزيك تيجي تشوفيها و تسامحيها"
ردت عليه بحزن:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا يتمم شفاها على خير يا رب"
أومأ لها ثم قال مستفسرًا:
أيوا هتيجي ولا لأ؟"
نظرت هي لزوجها ثم نظرت لـ «وليد» وهي تقول بعدما آخذت نفسًا عميقًا:
لأ.....مش هقدر أواجه فاطمة، و مش هقدر أسامحها"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني
الفصل الثاني"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
_____________
تشبهين السماء بسحرها و قمرها و ضي النجوم"
_____________
كلما رأيت أحدًا يَمرُ بما مررتُ به يومًا ما وددت لو احتضنته و أزلت عنه تعبه، وددت لو طمئنت قلبه.. كنت أأمل أن أجبر بخاطره، وددت لو أعطيته مالم أحصل عليه في حزني، و ودت أن أفعل معه مالم يفعله العالم معي.
بعد حديث «مشيرة» عن رفضها مسامحة «فاطمة»، نظر «وليد» لزوجها ثم نظر لها مُتعجبًا، ثم قال مُعقبًا:
وليه بقى إن شاء الله مش هتسامحي؟ ما أنتِ زيك زيها"
أخذت نفسًا عميقًا زفرته على مهلٍ وهي تتابع جلوس زوجها بجانب «وليد» ثم قالت بنبرةٍ حزينة:
أنا بالذات صعب يا وليد، فاطمة أذتني و أذت بنتي لما اتسببت في بعدها عني، و أذت جوزي لما اتسببت في شكه فيا، ومش بس كدا لأ، دي اتسببت أني أأذي واحدة و بنتها ملهمش ذنب فـ حاجة، وكمان كانت بتزود كرههم فـ قلبي، أنا لحد دلوقتي مش عارفة أبص في وش زينب، ولا عارفة حتى أقف قصاد خديجة، صدقني صعب والله، لو على حقي ممكن أسامح فيه، لكن لو على حق اللي ظلمتهم بسببها مش هقدر أسامح"
زفر هو بضيق ثم شبك كفيه ببعضهما وهو يقول بتروٍ:
عارفة المشكلة فين؟ إن انتو الاتنين شبه بعض، الحياة مدتكمش اللي عاوزينه، فقررتوا تاخدوه غصب بالانتقام، علشان كدا الانتقام دا نار بتحرق في الناس، مفيش حد بينتقم و يعرف يعيش مرتاح، بس افتكري إنك برضه اذيتي هدير بتربيتك ليها، و افتكري إنك دمرتي مستقبلها لما خلتيها شخص أناني، يعني دي قصاد دي، و بعدين فاطمة مش فاضل ليها كتير، دي واحدة النفس بيخرج منها و مبيرجعش تاني"
اجهشت في بكاء مرير وهي تستمع له و لتذكيره لها بما فعلته هي الأخرى، فأضاف «حسان» يقول بهدوء و بنبرةٍ متريسة:
سامحيها يا مشيرة، مفيش حاجة صعبة قد إن أنسان يموت و يقابل وجه كريم وهو ليه مظلمة عند حد، و افتكري انك لسه عاوزة بنتك و خديجة يسامحوكي، دي واحدة على فراش الموت، يعني لا حول ليها ولا قوة إلا بالله سبحانه و تعالى"
نظر له «وليد» بسخرية ثم قال بعدما ابتسم متهكمًا:
ما شاء الله يا شيخ حسان، الله يفتح عليك، أنتَ و بنتك متخصصين في خطبة الجمعة، كان فين كلامك دا قبل ما تهرب، ياه يا أخي على الدنيا"
زفر «حسان» بضيق إثر حديثه اللاذع، فقال «وليد» بسخرية:
ما قولتلك قبل كدا بطل نفخ، أنتَ راجل كبير وعيب كدا"
ابتسم له «حسان» باستفزاز وهو يحرك رأسه موافقًا، ففعل «وليد» المثل هو الأخر، ثم نظر لـ عمته التي كانت تبكِ في صمت، تحولت نظرته إلى الشفقة وهو يقول بنبرة أهدأ:
بصي يا مشيرة، من حقك متسامحيش، بس افتكري ان جميلة بنتك مستنية منك أي موقف واحد علشان يشفعلك عندها، وزي ما فاطمة كانت السبب في فراقكم، خليها هي سبب رجوعكم لبعض"
رفعت رأسها تنظر له بأعين دامعة تزامنًا مع رفع كفها حتى تزيل دموعها العالقة بـ اهدابها، ثم تحولت نظرتها للاستفسار عما تفوه به، فوجدته يومأ لها بقوة ثم ارتسمت بسمة خبيثة على وجهه وهو يقول:
ما لا يأتي بالحق...نأخذه بالخدعة"
سأله «حسان» بنبرة مستفسرة ممتزجة بالتردد:
يعني...يعني إيه فهمنا يا وليد؟"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قال بصوتٍ منخفض لم يصل لهما:
اللهم طولك يا روح، كل ما يتكلم بيعصبني"
نظر له «حسان» متفحصًا فوجده يقول بمزاح:
أنا هقولكم قصدي ايه، قصدي إن جميلة لحد دلوقتي فاكرة إن مشيرة شخص مؤذي و دا حقها بصراحة، بس محدش فينا يقدر ينكر إن مشيرة كانت ماشية ورا فاطمة، يعني هي دايرة واحدة بتلف على الكل، اللي أذى هيتأذي، و اللي وجع غيره هيدوق الوجع دا، مشيرة داقت الوجع دا لما بنتها رجعت و رفضت وجودها، و لما سابت بيت أهلها ولما واحدة زي خديجة مقدرتش تسامح في حقها، يمكن الحسنة الوحيدة اللي حصلتها إنها رجعتلك تاني، جميلة سامحت فاطمة لأن هي عارفة إن كلنا بشر، يبقى النقطة هنا إن مشيرة تسامح فاطمة قدام جميلة و تقول نفس الكلام اللي قالته انها مش عارفة تسامح فـ حق خديجة و زينب، ساعتها جميلة أكيد مشاعرها هتتحرك ناحية مشيرة، و تبدأ تلين معاها، بس الأهم من كل دا هو إن مشيرة تسامح علشان هي مستنية تتسامح، إنما الحق عند ربنا مبيروحش، في النهاية هتمشوا و تروحوا مكان تاني أحسن من دا، قولوا إن شاء الله"
رد عليه «حسان» بسخرية:
عاوزنا ندعي على نفسنا يا وليد"
رد عليه «وليد» باستفزاز بعدما رسم بسمته التي تعبر عن الضيق:
أنا بدعيلكم بالجنة، هو أنتَ دخلت في نيتي علشان تعرف؟"
تدخلت «مشيرة» تسأله بنبرةٍ مهتزة بعدما اذدردت لُعابها:
يعني أنتَ شايف أني لو سامحت فاطمة بنتي هتسامحني هي كمان؟ و خديجة ممكن تسامحني؟"
حرك كتفيه وهو يقول بنبرة طبيعية:
والله مش عارف، بس متبقيش طماعة، كفاية إن بنتك تسامحك"
ابتسمت هي بسخرية ثم قالت بنبرةٍ موجوعة:
هتصدقني لو قلتلك إن مسامحة خديجة عندي أهم من مسامحة جميلة؟"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
أنا متأكد من دا، جميلة متأذتش أصلًا، كفاية انها بعدت عنك، علشان عمرها ما كانت هتبقى كدا لو اتربت معاكي، لكن اللي اتوجعت بجد خديجة، اللي ضاع منها احلى سنين عمرها خديجة، اللي لسه لحد دلوقتي بتخاف تتكلم خديجة، بس أنا واثق انها هتيجي يوم و تحسبها صح، دلوقتي بقى البسوا و تعالوا معايا"
رد عليه «حسان» بهدوء:
نيجي معاك فين؟ اوعى تقول بيت الرشيد؟"
أومأ له «وليد» مؤكدًا ثم قال بسخرية:
اومال هاخدك الملاهي؟ طبعًا هنروح بيت الرشيد"
سألته «مشيرة» بحذرٍ:
طب و هما لو أنا روحت هيرضوا يدخلوني؟"
رد عليها هو بثقته المعهودة:
طبعًا، كفاية إنك داخلة مع وليد الرشيد"
تدخل «حسان» يقول بهدوء:
بس أنا مش عاوز أروح هناك تاني، البيت لما بتدخله بيخنقني"
رد عليه «وليد» بسخرية:
ابقى سمي قبل ما تدخل، ولا استناني ابخرك، أصلك محسود"
نظر له «حسان» بضيق تزامنًا مع حركت فمه مغمغمًا بكلمات غير مفهومة، أما «مشيرة» سألت زوجها بنبرة متسائلة:
يعني إيه يا حسان هتسبني اروح هناك لوحدي؟"
رد عليها هو بقلة حيلة:
مش عارف يا مشيرة، بس المكان دا مش مرحب بينا، يبقى نروحه ازاي؟"
ردت عليه بنبرة شبه منفعلة:
يعني إيه؟ هتتخلى عني تاني؟ هتسبني في وش المدفع؟"
رد عليها بانفعال هو الآخر:
أنا مقولتش هسيبك تروحي لوحدك، بس على الأقل يبقوا عارفين إننا هنروح"
قبل أن ترد عليه بانفعال هي الأخرى، تحدث «وليد» يقول بنبرة باردة أثارت حنقهما:
لأ لأ لأ...مش طريقة دي يا جماعة، فيه عرسان جداد يكلموا بعض كدا؟ وبعدين انتو بخلا ليه؟ قاعد بقالي ساعة مشوفتش منكم كوباية مياة حتى، هو أنتَ بخيل ولا إيه يا عمو حسان؟"
نظرت له «مشيرة» بـ احراج، بينما «حسان» سأله مستفسرًا بـ ضيق:
أؤمر يا وليد؟ تشرب إيه؟"
رد عليه «وليد» بثبات ممزوج بالسخرية:
لأ شكرًا أنا مبشربش...قوم هاتلي حاجة أكلها"
نظر له «حسان» بدهشة و بأعين متسعة، فوجده يبتسم ثم أضاف متهكمًا:
مش بقولك شكلك بخيل؟"
____________
في شقة «ميمي» عاد الشباب بعد صلاة الجمعة سويًا، دخلوا معًا وكانت الفتيات تنتظر عودتهم، أول من تحدث بعد دخولهم الشقة كان «عامر» حينما قال بمرحٍ:
الأكل فين يا جدعان، أنا مجوع نفسي من يوم الفرح"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
على يدي طبعًا، بـ امارة انه فطر ٣ مرات النهاردة"
وضع «عامر» كفه في وجه «ياسر» وهو يقول بضيق زائف:
الله أكبر في عينك الزرقا يا ابن ميرفت، خمسة و خُميسة"
جلس «ياسين» على الطاولة و تبعه «خالد»، أما «ميمي» أغلقت المصحف ثم اقتربت من الطاولة بعدما استندت على عكازها، ثم ترأست هي الطاولة، سألها «خالد» بهدوء:
أومال فين البنات يا ميمي؟ مش سامعين صوت ليهم"
ابتسمت هي له ثم قالت بهدوء:
البنات في المطبخ و قافلين المطبخ علشان الريحة بتاعة الأكل"
جلس «عامر» بجانب أصدقائه تزامنًا مع قوله المرح:
والله العظيم محدش فيهم بيفهم، دي أحلى ريحة في الدنيا كلها، كفاية الرنجة بس مع البصل الأخضر"
رد عليه «ياسر» بضيق من حديثه:
بس بقى بطني بتوجعني والله، معرفش هتاكل الحاجات دي ازاي؟"
تدخل «ياسين» يقول بهدوئه المعتاد:
يا عم احنا بنحب الحاجات دي، روح انتَ هاتلك سندوتش جبنة"
خرجت الفتيات من المطبخ و كلًا منهن تحمل صحن التقديم في يدها، امتعض وجه «ياسر» ثم مد إصبعيه يمسك أنفه حتى لا تصل الرائحة إليها، جلست كل فتاةٍ منهن على المقعد المقابل لمقعد زوجها، كان الحماس يشع من أوجه الجميع، عدا «خديجة» التي كانت تنظر للطعام بقلقٍ واضح، كان «ياسين» يراقب انفعالات وجهها وهي تراقب الطعام بخوفٍ، لاحظت «ميمي» نظرتها تلك فقالت بهدوء:
مالك يا خديجة خايفة كدا ليه؟"
ردت عليها «خديجة» بنبرةٍ مهتزة بعدما وجهت بصرها نحوها:
لأ... لأ مش خايفة، بس كل الحكاية إن أنا كلت الأكلة دي قبل كدا و تعبت أوي منها، علشان كدا خايفة بصراحة"
تدخلت «إيمان» تقول بسخرية:
تلاقيكي خواجاية مش واخدة على أكل المصريين، اوعي تكوني مش بتشربي مياة النيل كمان"
ردت عليها «خديجة» بهدوء بعدما التفتت تنظر لها:
لأ أنا مش خواجاية والله، أنا من هنا عادي، وبحب مياة النيل أوي"
تدخلت «سارة» تقول بمرحٍ:
طب و الله أنتِ مش نافعة مع إيمان، دي بتتريق عليكِ، بس هو فيه حد مياكلش الأكل دا يا خديجة؟"
أنزل «ياسر» يده من على انفه وهو يقول بضيق:
آه أنا مباكلهاش...حرام عليكم يا جماعة والله دي فيها موت علطول"
رد عليه «خالد» بضيق:
ما تهدى يا عم ياسر، طول عمرنا بناكلها و الدنيا بتمشي زي الفل، هتطفحنا اللقمة ليه؟"
تدخل «ياسين» يقول بمرحٍ:
والله العظيم ما فيه حاجة بتكيفني قد الأكلة دي، حاجة كدا زي السحر"
رد عليه «ياسر» بحنقٍ:
سحر أسود قصدك، دي ممكن تموت أي حد"
أشار «خالد» إلى «عامر» دون أن يراهما أيًا من الجالسين، فـ غمز له الأخر ثم أمسك لقمة صغيرة ممتلئة بالطعام، في نفس الحين تحرك «خالد» من مقعده ثم وقف خلف مقعد «ياسر» وهو يقول بهدوء مُرعب:
بقى أنتَ مش عاوزنا ناكل الأكل دا علشان سموم، و ماله، يلا يا عامر"
ابتسم «عامر» بشرٍ ثم قال بنفس النبرة التي يتحدث بها «خالد»:
يلا يا قلب عامر"
بعد تلك الجملة أمسك «خالد» رأس «ياسر» و قام «ياسين» بمعاونته و أمسك كفه، كل ذلك و «ياسر» يحاول فك حصار نفسه من أيديهما، لكن كلاهما لم يترك له فرصة، فقام «عامر» بوضع اللقمة داخل فمه رغمًا عنه، تزامنًا مع ضحكته العالية التي خرجت شمتًا في صديقه، كل ذلك كانت تضحك عليه «ميمي» بقوة، و الفتيات كلهن عدا «خديجة» التي شعرت بالخوف أكثر، بعدها ابتعدوا عن «ياسر» الذي كان وجهه باللون الاحمر إثر اختناقه من الطعام، بعدها عاد كلًا منهم إلى موضعه، ابتلع «ياسر» اللقمة ثم قال بضيق:
والله العظيم مصاحب اغبيا، افرض كنت اتخنقت يا جحش منك ليه"
رد عليه «خالد» بنبرة شامتة:
تستاهل علشان لما تتكلم عن الأكلة دي بعد كدا يبقى تتكلم بأدب، وأهو هتاكل معانا غصب عنك"
تدخلت «خديجة» تسأل بحذرٍ:
هو..هو أنتو عملتوا كدا ليه؟"
رد عليها «ياسين» بنبرة مُرعبة:
هو كدا، علشان يعرف ياكل معانا، ها يا خديجة هتاكلي معانا ولا أخلي البنات يوجبوا معاكِ زي ما وجبنا مع ياسر كدا؟"
اتسعت مقلتاها باندهاش تزامنًا مع تحريك رأسها تنظر حولها بخوفٍ، فوجدت «إيمان» تميل إليها بجزعها وهي تقول برعب أثار ريبتها:
ها هتاكلي، ولا نوجب معاكي؟ و متقلقيش احنا هنريحوكي يا شابة"
اذدردت لُعابها بخوفٍ فوجدت الجميع ينظرون لها بشرٍ، عدا «ريهام» التي ربتت على كتفها وهي تقول بهدوء:
كلي و ارحمي نفسك من إيد ايمان و سارة"
نظرت أمامها وجدته يرفع أحد حاجبيه منتظرًا رفضها، فحركت هي رأسها بخوفٍ، فوجدت «ميمي» تمد يدها لها بالطعام وهي تقول بحب:
سيبك منهم كلهم، هتكسفي إيدي أنا؟"
ردت عليها هي بخجلٍ:
لأ والله مقدرش أعمل كدا"
أومأت لها «ميمي» ثم قالت بعدما ابتسمت بهدوء:
يبقى تاكلي من ايدي أنا، ولا أخلي ياسين يأكلك هو بقى"
تدخل هو يقول بمرحٍ:
وأنا في الخدمة...موجود"
اقتربت «خديجة» برأسها تأخذ اللقمة من بين أنامل «ميمي»، مضغت الطعام تحت نظرات الترقب من الجميع.
(بعد مرور نصف ساعة)
كان كلًا من «ياسر» و «خديجة» يتناولا الطعام تحت نظرات السخرية من الجميع، فتحدثت «إيمان» تقول بسخرية:
ما شاء الله، اللي كانوا رافضين الأكل هيخللوا على الترابيزة، ما تخلص يا بني أنتَ وهي بقى، عاوزين نلم الزفارة دي"
رد عليها «ياسر» ببرود:
قوموا انتو و أنا هشيل، بس بصراحة الرنجة جامدة جايبها منين يا عامر"
أجابه «عامر» بسخرية:
من عند أمك يا ياسر"
رد عليه «ياسر» بضيق و بنبرةٍ شبه منفعلة:
ما تلم نفسك يالا، إيه من عند أمك دي؟"
رد عليه «عامر» بهدوء وهو مُبتسمًا:
والله العظيم من عند عم عرفة اللي تحت عمارتكو، هو الوحيد اللي عنده رنجة حلوة كدا"
نظر له «ياسر» بشكٍ وهو يقول بهدوء:
بحسب، على العموم أنا شبعت الحمد لله، تسلم ايديكم"
ردت عليه «إيمان» بحب:
تسلم من كل شر يا ياسوري"
ضحك الجميع عليهما وهو يحرك رأسه بيأس، أما «ياسين» فسأل زوجته بسخرية قائلًا:
ها يا خديجة شبعتي؟ ولا نجيب كمالة؟"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بعدما مضغت الطعام:
لأ شبعت الحمد لله، الأكلة دي حلوة أوي...هو اللي عاوز ياكل الآكلة دي تاني يعمل إيه؟"
نظر لها الجميع بتعجب، عدا «عامر» الذي رد عليها بثبات و بجدية لا تليق بشخصيته قائلًا:
بسيطة يروح مبنى الشئون الاجتماعية يجيب بحث من هناك ، و ٤ صور بخلفية بيضا، و اثبات قيد من المنطقة ممضية من مدام رجاء.. بس الأرملة مش المطلقة علشان التانية خلقها ضيق"
سألته «خديجة» باندهاش من طريقته و جديته الغير معهودة:
دا بجد فعلًا؟ ولا بتهزر؟"
ضحك الجميع عليها، أما «ياسين» فقال مردفًا وهو مبتسمًا:
بيهزر يا ستي، بس هانت فصل الربيع قرب، مبروك يا خديجة اتأهلتي معانا لـ تلوين البيض"
ضحك الجميع عليهما حتى هي أيضًا، بينما «ميمي» تحدثت تقول بجدية:
يلا منك ليها كلكم شيلوا بقى الأكل دا، و روقوا مكان ما كلتوا، أنا الكركبة بتعصبني"
تدخل «خالد» يقول بهدوء:
ياسين هيغسل إيده و يعمل لينا الشاي، و أنا و ياسر هنروق هنا، و عامر هيروق المطبخ و يغسل المواعين"
سألته «خديجة» بنبرةٍ متعجبة:
طب و البنات هيعملوا إيه؟"
ردت عليها «سارة» وهي مبتسمة:
لأ البنات هنا مبيعملوش حاجة، دا قانون شقة ميمي، الرجالة هي اللي بتشتغل"
سألتها «خديجة» باندهاش:
بجد والله؟ يعني هما اللي هيعملوا كل حاجة؟"
أومأ لها الجميع، فقالت «ريهام» بأسفٍ:
فيه مشكلة صغيرة، اللي هيغسل المواعين مش هيلاقي صابون جوة، الازازة جوة خلصانة"
رد عليها «خالد»:
مفيش مشكلة عامر ينزل يجيب من السوبر ماركت تحت، هات بقى خمس ازايز و خليهم هنا أحسن"
أومأ له «عامر» ثم سأله من جديد:
طب صح أقوله عاوز إيه؟"
رد عليه «ياسين» بضيق زائف:
يا عم روح قوله عاوز خمس ازايز بريل"
أومأ له «عامر» ثم وقف وهو يقول بمرحٍ:
كدا تمام، هروح أغسل ايدي و انزل اجيب، عاوزين حاجة تاني؟"
رد عليه «ياسر» بنبرة حائرة:
مش عارف والله يا عامر، بس أنا جايب فاكهة جوة و جايب عصاير و بيبسي، خلاص مش عاوزين حاجة"
أومأ له ثم انصرف من أمامهم في هدوء، تحدث «ياسين» يقول بهدوء:
أنا هقوم أغسل ايدي و أعمل الشاي لحد ما تغسلوا ايديكو، و خالد و ياسر يلموا الحاجة"
أومأ له الجميع فقال هو بمرحٍ و بصوتٍ عالٍ:
منورانا يا خديجة"
ضحكت هي ثم قالت وهي تحاول جاهدة أن تكون نبرتها طبيعية:
دا بنورك يا سيدي، شكرًا"
بعد مرور دقائق عاد الوضع لما كان عليه من قبل بعدما قام «خالد» و «ياسر» بتنظيف المكان، و قامت الفتيات بغسل أيديهن، خرج «ياسين» من يحمل صينية الشاي من المطبخ تزامنًا مع دخول «عامر» الشقة و في يده حقيبة سوداء بلاستيكية، القى عليهم التحية، فقال «ياسر» بهدوء:
على المطبخ يا عامر، علشان المواعين مستنياك"
أومأ له ثم قال بثبات:
يا عم عارف أنا كدا كدا بحب أغسل المواعين"
رد عليه «خالد» بهدوء:
طب يا سيدي، المهم جبت صابون كتير؟"
أومأ له مؤكدًا ثم قال بفخرٍ:
عيب عليك، بس مش عارف ليه عم عز اداني علب صفيح، بس شكله صابون جديد حلو"
نظر له الجميع بتعجب، أما «ياسين» فوضع الشاي على الطاولة ثم اقترب منه يسأله بشكٍ:
وريني كدا أنتَ جايب إيه علشان قلبي اتقبض و مش عارف ليه؟"
حرك «عامر» كتفيه تزامنًا مع قوله ببساطة:
ليه يعني يا عم، أمسك الشنطة أهيه شوف بنفسك"
ضيق «ياسين» جفنيه ينظر له بشكٍ أكثر، ثم أخفض رأسه يتفحص محتويات الحقيبة، ثم بعدها شهق بقوة تزامنًا مع اخراجه واحدة من العبوات الموجودة داخل الحقيبة وهو يقول بانفعال ممتزج بالسخرية:
يا نهار أهلك مش فايت، أنتَ إيه يالا؟ مفيش مخ خالص ؟!"
اندهش الجميع من رد فعل «ياسين» المبالغ به من وجهة نظرهم، فسأله «خالد» بقلقٍ واضح:
فيه إيه يا ياسين؟ هبب إيه زفت الطين ؟"
رد عليه «ياسين» بضيق:
البيه جايب بريل بالشعير اللي بيتشرب، عامر الراجل اللي فاتح بيت، مش عارف الفرق بين الـبريل اللي بيتشرب، و بين الـبريل اللي بيتغسل بيه"
ضحك الجميع عليهما، فأضاف «عامر» يقول بضيق ساخرًا:
هو أنا مطلوب مني أعمل دكتوراه في محتويات السوبر ماركت؟ أنا روحت قولتله عاوز خمس ازايز بريل، هو مشكورًا جابلي البريل، و بعدين أنتَ الغلطان يا ياسين"
رد عليه «ياسين» بانفعال:
يا سلام ؟! و أنا مالي إن شاء الله ؟"
رد عليه «عامر» مؤكدًا:
أيوا أنتَ الغلطان، علشان قولتلي روح قوله عاوز خمس ازايز بريل، محددتش أنهي نوع بريل"
تدخل «ياسر» يقول بنبرة حانقة:
هو باعت ابن أخته ؟! ما كنا كتبنالك ورقة بالمرة كمان"
ضحك الجميع عليهم، فقال «خالد» بضيق:
انزل يا عامر رجع اللي أنتَ جايبه و هات صابون مواعين"
أوشك «عامر» على التحدث، فأوقفه «خالد» يقول بنبرة قوية:
و متقوليش بتكسف أرجع حاجة، خلص و أنزل"
زفر «عامر» بقوة ثم قال بحنقٍ:
أنا زهقت منكم، ربنا ياخدني تركيا علشان ترتاحوا مني"
ضحك عليه الجميع فـ ردت عليه «سارة» بشرٍ:
عاوز تروح تركيا ليه يا عامر؟ علشان البنات الحلوة اللي هناك؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بطريقة مرحة ممتزجة بالهدوء:
و دي تيجي برضه ؟! ابقى معايا سارة و أبص لحد تاني ؟!"
غمزت لها «ميمي» وهي تقول له بضيق زائف:
ليه يعني مالها سارة ؟! زيها زي غيرها"
رد عليها هو بحب:
لأ مش زي أي حد، سارة مفيش منها اتنين في عيني"
سألته هي بحماس:
بجد يا عامر؟ قول والله"
غمز لها وهو يقول بطريقته المرحة المعتادة:
والله، و بعدين أنتِ غير أي حد، كلهم في عيني زي بواقي السمنة شبه المورطة، و أنتِ لوحدك حتة من التورتة"
اتسعت مقلتاها باندهاش تزامنًا مع بسمة بلهاء ترتسم على شفتيها، أما الجميع فضحكوا على حديثه، بينما «ميمي» تحدثت تقول بسخرية:
مفيش فايدة، هيفضل طول عمره رابط الحب بالأكل"
أومأ لها الجميع فقال «خالد» بنفس السخرية:
والله العظيم عامر فاضله بيت شعر كمان و يجبلي السكر"
لوح للجميع بيده وهو يقول:
أحسن ما أكون ساكت، اللي ربنا بيقدرني عليه بقوله"
رد عليه «ياسين» بسخرية:
طب يا أخويا روح هات الصابون علشان اقعد معاك شوية قبل ما أمشي"
سألته «ميمي» بتعجبٍ:
هتروح فين؟ مش قولت هتقضي اليوم معانا؟"
رد عليها بهدوء:
هنروح عند بيت خديجة، علشان مامتها وحشتها"
أومأت له «ميمي» بينما «إيمان» قالت بسخرية:
مش كبرنا بقى يا لوزة على حوار ماما دا ؟! و لا هو أنتِ فاكرة نفسك فـ حضانة؟"
نظر لهن الجميع بتعجب، بينما «خديجة» ردت عليها بقلة حيلة بعدما ابتسمت لها:
والله العظيم أول مرة أغيب عنها كدا، مش متعودة ابعد عنها، هروح اشوفها و هرجع تاني"
نظرت لها «إيمان» بشر وهي تقول:
طب ، أنا بقى هراقبك من البلكونة، على الله مترجعيش بيتك بليل، ولا حتى تتأخري"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بخوف:
لأ والله متخافيش هرجع شقتي تاني، و هكلمك كمان"
تدخلت «ريهام» تقول بضيف زائف:
حرام عليكِ بقى، جبتي للبت رعب، خديجة بتخاف منك اكتر ما يونس بيخاف من الضلمة"
تدخلت «سارة» تقول بهدوء ممزوج بالمرح:
هي كلها سنة كدا و هتاخد عليها زيي في الأول، إيمان بذلت معايا مجهود والله"
هندمت «إيمان» ثيابها بغرورٍ مصطنع، ثم قالت بنبرةٍ متعالية:
دي اقل حاجة عندي، مبحبش أتكلم عن نفسي كتير، بس للي يقدر"
رد عليها «ياسر» بمرحٍ:
لو هما مقدروش، كفاية أنا أقدر، ولا إيه رأيك"
نظرت له بحب وهي تقول:
خلاص بقى يا ياسر، متضعفش موقفي، بضعف قدام عينك الزرقا دي"
أمسك «ياسين» الصينية ثم قال بهدوء:
طب اشربوا الشاي اللي هيبرد دا، و يلا علشان نلحق نمشي"
أومأ له «عامر» ثم أخذ الكوب وهو يقول:
طب أنا هنزل بقى علشان أغير الصابون"
رد عليه «خالد» بسخرية:
قصدك تجيب الصابون يا أهطل، وبعدين هتنزل بالشاي كدا؟"
أومأ له «عامر» ثم قال ببساطة:
عادي يعني هو أنا نازل بـ سجارة؟"
قال جملته ثم خرج من الشقة و الجميع ينظر في أثره باندهاش، أما «ياسر» فحرك رأسه بيأس وهو يقول:
والله العظيم بكشف على أطفال مفيش حد فيهم عمل فيا اللي عامر بيعمله"
استمرت الجلسة الهادئة تلك بينهم حميعًا، حتى خرج «عامر» من المطبخ بعدما قام بتنظيفه، ثم جلس بجانب زوجته وهو يضع العصير أمام الجميع، أخذ كلًا من الجالسون كوب من العصير، فتحدث «عامر» يقول بهدوء:
أنا عاوز اسأل ياسر سؤال مهم بما إنه دكتور بقى"
نظر له الجميع بتعجب، بينما «ياسر» رد عليه بهدوء:
اسأل يا عامر خير يا رب"
رد عليه «عامر» بسخرية:
أنا شايفك يعني زي ما أنتَ من ساعة ما اشتغلت دكتور، عمري ما عرفت إنك اترقيت، هتفضل طول عمرك دكتور أطفال كدا؟"
قطب الجميع جبينهم بحيرة، فـ رد عليه «ياسين» بضيق:
يا بني ما هو دا تخصصه، دكتور أطفال، هيترقى إزاي يعني؟"
رد عليه «عامر» بثقة:
يعني يبقى دكتور ناس كبيرة، هو دلوقتي دكتور أطفال، بعدها يبقى دكتور عظام، بعدها يبقى دكتور باطنة، لحد ما يبقى دكتور ناس كبيرة بقى"
رد عليه «ياسر» بهدوء ممزوج بالتهكم:
هي دي كل معلوماتك عن كلية الطب؟ فاكرني طالع السلم الموسيقي؟"
رد عليه «عامر» بسخرية و بوجه ممتعض:
يعني أنتَ طول عمرك هتفضل دكتور أطفال؟ مش هتكبر تاني"
سأله «خالد» بشكٍ:
عامر هو أنتَ إيه معلوماتك عن كلية الطب علشان أبقى عارف بس"
حرك كتفيه وهو يقول ببساطة:
اللي أعرفه إن جرح الأحباب ملوش علاج، حتى المثل بيقول اسأل مجرب ولا تسأل طبيب"
ضحك الجميع على إجابته، فقال «ياسين» ساخرًا:
خمس دقايق و نلم الورق، لو فيه حاجة تانية الحق قولها"
رد عليه «عامر» بثقة:
لأ خلاص كدا، هو فيه بعد اجابتي دي ؟"
وقف «ياسين» وهو يقول بهدوء:
طب يدوبك نتحرك احنا علشان نلحق نروح بيتنا، يلا يا خديجة"
وقفت «خديجة» هي الأخرى ثم ودعت الجميع، خرجا سويًا من الشقة، فقال «عامر» بسخرية:
على كدا بقى ياسين مهندس دور واحد، مش عمارة كاملة"
نظر له الجميع باندهاش، ثم انفجروا في الضحك وهو معهم أيضًا.
_____________
أسفل بيت آلـ «الرشيد» توقفت سيارة «وليد» و معه عمته و زوجها، نظر هو لهما في الخلف ثم قال بهدوء:
أنا مكلم طارق وهو عارف إنك جاية، و غالبًا مهد ليهم، عاوزك بس تمسكي نفسك، علشان للأسف مش معايا دوا الضغط بتاعك، ما شاء الله خلصنا على المخزون الطبي"
ردت عليه هي مستفسرة بترددٍ:
هي..هي جميلة يعني...هتبقى فوق ؟!"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
آه هتبقى فوق علشان تشوف أمها و تحاول تصفى ليها"
أومأت له ثم فتحت باب السيارة الخاص بجهتها بعدما نزل «وليد» و «حسان» الذي كان صامتًا طوال الطريق، دخلوا البيت سويًا، ثم وقفوا في انتظار المِصعد، بعدها دخلوه، ثم بعدها وقفوا أمام شقة «محمود»، ضرب «وليد» الجرس، فقامت «هدير» بفتح الباب له، نظرت باندهاش حينما وجدت «مشيرة» تقف خلفه، و معها زوجها، بينما «وليد» قال بثباتٍ:
عاوزين ندخل يا هدير، ينفع، ولا ترجع تاني ؟"
كانت تعلم المغذى من حديثه، لذلك ردت عليه هي بهدوء:
ادخلوا يا وليد، اتفضلوا"
أومأ هو لها ثم دخل الشقة، بينما «مشيرة» تسمرت قدماها على اعتاب الشقة ولم تستطع الدلوف، نظرت لها «هدير» بتعجبٍ منها و من هيئتها التي تدل على مرضها، حتى و إن كانت استعادت جزءًا من عافيتها إلا أن المرض و الإنهاك لازال واضحًا عليها و على ملامح وجهها الباهتة، بينما «مشيرة» قالت لها بنبرةٍ مهتزة:
ازيك....عاملة إيه يا هدير وحشتيني"
رد عليها «هدير» بنبرةٍ شبه حانقة حاولت صبغها بالهدوء قدر الامكان:
كويسة...الحمد لله"
أومأت لها «مشيرة» ثم دلفت الشقة و زوجها خلفها، انتظرت في صالة الشقة حتى يأذن لها «وليد» بالدخول لـ «فاطمة»، بينما داخل الغرفة كان كلًا من «هدير» و «جميلة» و «طارق» و «محمود» يجلسون حول «فاطمة»، فقال «وليد» بهدوء:
عمتي مشيرة برة يا عم محمود، معلش اخرجوا برة بس جميلة هتفضل هنا"
سأله «طارق» بهدوء:
ليه يا وليد؟ ما كفاية عمتك و مرات عمك و خلاص"
زفر «وليد» بضيق وهو يقول:
معلش يا طارق، ضروري تكون موجودة، عاوز تفضل أنتَ كمان معنديش مانع"
رد عليه «طارق» بهدوء:
لأ أنا هخرج برة، لحد ما تخلصوا كلام"
اقتربت منه «جميلة» تقول بخوفٍ:
لأ خليك معايا هنا، متخرجش برة و تسبني، عاوزاك تفضل موجود"
ربت «طارق» على كفها وهو يقول بهدوء حتى يطمئنها:
طب خلاص مش هخرج متخافيش، هفضل هنا والله"
تحدث «وليد» يقول بانهاك:
معلش يا عمي أخرج برة علشان مشيرة تدخل، هتلاقي عم حسان برة"
أومأ له «محمود» في انكسار ثم خرج من الغرفة، و خلفه «هدير»، كل ذلك كانت تتابعه «فاطمة» وهي قابعة الفراش و القناع الطبي موضوع على وجهها حتى يساعدها في اتمام عملية التنفس التي أصبحت ثقيلة عليها و على كاهلها، فـ حتى أبسط أعمال البشر وهي التنفس أصبحت ثقيلة عليها، جلب «وليد» عمته ثم دخل بها الغرفة من جديد، جالت «مشيرة» الغرفة بعيناها حتى وقع بصرها على ابنتها التي تمسكت بيد «طارق» و كأنها تطلب منه العون، نظرت لها «مشيرة» بشوقٍ فاضح من خلال عيناها الدامعة، حتى انها لم تسيطر على رغبتها في احتضانها فوجدت قدماها تأخذها نحوها دون أي ارادة منها، لكنها توقفت قبل ان تصل اليها على صوت «وليد» قائلًا:
خلينا دلوقتي في مرات عمي، و نبقى نشوف بنتك بعدين"
ضغطت على جفنيها بشدة حتى توقف بكائها لكنها انقلبت معها لنتيجة عكس ارادتها و اجهشت في بكاء مرير مزق نياط قلب الموجودين داخل الغرفة، حتى ابنتها، التي احتضنها «طارق» ثم ربت عليها بحنان، أما هي فالتفتت تنظر لـ «فاطمة» وهي تقول ببكاء و بنبرةٍ شبه منفعلة:
شوفتي أنا بسببك وصلت لإيه؟ بنتي اللي اتمنيت رجوعها بقالي ١٦ سنة مش قادرة آخدها فـ حضني يا فاطمة، شوفتي أنا بسببك أنتِ مشيت من بيت أبويا و راسي مكسورة، بسببك ظلمت واحدة و بنتها و عيشت عمر كامل بفتري عليهم و أنا عاملة نفسي بريئة، كنتِ محوطاني بالشر، و أنا افتكرت انك بتحبيني و عاوزاني ابرد ناري، طلعتي بتعوضي النقص اللي عندك من ابويا فيا أنا، لو سامحت فـ حقي و سامحت في حق بنتي، أسامح ازاي فـ حق البت اللي طلعتها معقدة و كل يوم كنت بسم بدنها بكلام يدمر أي حد، قوليلي على طريقة أعرف انام بيها من غير ما أحس إن الذنب محاوط رقبتي و كل ما أنام يخنقني ؟!"
كانت تلقي بحديثها دفعة واحدة في وجهها ببكاء ممتزج بالصراخ، بينما «فاطمة» بكت بحرقة هي الأخرى وهي تضغط على جفونها بشدة، اقتربت منها «مشيرة» أكثر ثم قالت ببكاء:
ريحيني يا فاطمة و قوليلي على طريقة أعرف انام بيها، قوليلي على طريقة أعرف ابص فيها في وش زينب و بنتها، قوليلي ازاي أعرف أحضن بنتي اللي قلبي عمال يتحرق على بعدها"
ردت عليها «فاطمة» بانهاك و بنبرةٍ متقطعة:
سـ...سـامحيني...ابوس...ايدك"
رفعت «مشيرة» عيناها تنظر لها باندهاش، فوجدتها تومأ لها في هدوء بأهدابها، ابتسمت لها «مشيرة» بسخرية ثم قالت بنبرةٍ متهكمة:
لما خديجة وقفت قصادي علشان تسامح مقدرتش، و طلعت تجري علشان افتكرت اللي عملته فيها، أنا ساعتها استغربت معقولة اللي عملته فيها دمر حياتها للدرجة دي؟ بس دلوقتي أنا عرفت احساس خديجة كان إيه؟ ماهي أصل الدنيا دي كاس بيدور على الكل، بس أنا هقولك أني مسمحاكِ بس غصب عني مش هقدر أنسى العمر اللي ضاع في أذية الناس و الشر، هسامحك مش علشانك أنتِ لأ، هسامح علشان أنا وحشة زيك برضه"
نظر لها الجميع بتعجب فأومأت هي ثم قالت بنبرةٍ مهتزة:
مسمحاكِ علشان كفاية إن حتى النفس أنتِ مش عارفة تاخديه، بس يا رب ربنا يسامحنا احنا الاتنين"
______________
في المصعد غمغمت «خديجة» له بهدوء:
ما تيجي نرجع تاني شقتنا، أنا مكسوفة بصراحة أدخل البيت و أنا لسه راجعة من شهر العسل"
نظر هو لها بسخرية وهو يقول:
مكسوفة ليه إن شاء الله؟ مش أنتِ اللي طلبتي تيجي، و أنا علشان قلبي طيب معرفتش ارفض طلبك"
نظرت له بضيق وقبل أن تعقب وجدت المصعد يتوقف أمام شقتهم، نظرت هي له بتوتر، فوجدته يبادلها تلك النظرة بأخرى ثابتة أثارت حنقها، ثم خرج من المصعد و هي خلفه، وقفا كليهما أمام باب الشقة، فقال هو بهدوء:
ما تخبطي يا خديجة، ولا أخبط أنا؟"
نظرت له نظرة حائرة فوجدته يطرق الباب وهو يقول بمرحٍ:
على خيرة الله أخبط أنا بقى"
ثوانٍ و اتت «خلود» من الداخل تفتح الباب بهدوء، تحول إلى الصراخ بعدما رآت شقيقتها تزامنًا مع احتضانها لها وهي تقول بنبرة مشتاقة:
وحشتيني يا خديجة، البيت ملوش حس من غيرك"
بادلتها شقيقتها العناق بنفس الشوق مع قولها:
وأنتِ كمان وحشتيني أوي والله، اخباركم إيه كلكم"
اتت «زينب» من الداخل وهي تقول:
مين يا خلود اللي بيخبط على الباب و.....إيـــه دا خــديــجة"
قالتها والدتها بصراخ ثم ركضت إليها تحتضنها وهي تبكِ، استكانت «خديجة» بين ذراعيها ثم قالت ببكاء هي الأخرى:
وحشتيني أوي يا ماما...حضنك وحشني أوي"
حدث «ياسين» نفسه يقول بسخرية:
يا كدابة....كل ما تشوف حد تقوله حضنك وحشني، وهي معايا ناسية الدنيا كلها"
سألته «خلود» بخبثٍ:
خير يا فنان، بتقول حاجة؟"
ابتسم لها هو بهدوء ثم قال بنبرة هادئة:
لأ خالص بقول انكم وحشتوني أنا كمان، مش هندخل ولا إيه؟"
تحدثت «زينب» تقول باحراج:
أنا آسفة والله بس مقدرتش أسيطر على فرحتي برجوعها، ادخلوا نوروا البيت"
دخلوا جميعًا ثم اغلقوا باب الشقة، جلست «زينب» بجانب ابنتها وهي تسألها بهدوء:
عاملة ايه يا خديجة، وحشتيني أوي، أوعي تكوني زعلتي ياسين منك"
حركت رأسها نفيًا بهدوء فوجدته يقول بهدوء بعدما رسم بسمة هادئة على وجهه:
لأ خديجة مبتزعلنيش...و يا رب أنا كمان مزعلهاش"
ردت عليه «زينب» بحب:
ربنا يبعد عنكم كل شر و يسلمكم من أذى الدنيا يا رب"
آمن كلاهما وراء دعائها، فقالت «خديجة» بهدوء تزامنًا مع تحريك رأسها تتفحص المكان:
اومال فين أحمد و فين بابا ؟"
ردت عليها «خلود» بهدوء:
أحمد راح يجيب علاج لطنط فاطمة مش لاقيينه، و بابا جوة اوضتك نايم فيها"
نظرت لها «زينب» بضيق بينما «خديجة» قالت بهدوء:
مالها طنط فاطمة، وبابا نايم في اوضتي ليه ؟"
ردت عليها «خلود» بحزن:
طنط فاطمة جالها جلطة في، و عندها تضخم في عضلة القلب، و بابا من ساعة ما اتجوزتي وهو بينام في اوضتك كل يوم لحد الصبح"
نظرت هي لزوجها و كأنها تريد منه تأكيد ما تفوهت به شقيقتها، فوجدته يحرك رأسه موافقًا، نظرت له باندهاش، فوجدت شقيقتها تقول بمرحٍ:
أنا بقول أدخل أصحيه، هيفرح أوي لما يعرف إنك هنا"
تدخل «ياسين» يقول بهدوء حتى يوقف حركتها:
لأ معلش يا خلود بلاش أنتِ، خلي خديجة تدخل تشوفه هي أحسن"
اتفقت معه «زينب» من خلال قولها موافقة على اقتراحه:
أنا بقول كدا برضه، خلي خديجة تدخل أحسن تشوفه"
نظرت لهما «خديجة» بتعجب فوجدت الجميع يومأ لها حتى يشجعونها على القيام بذلك، فتنهدت هي بعمقٍ أماءت لهم إيماء بسيطة من رأسها، ثم وقفت على اعتاب الممر الصغير المؤدي إلى الغرف، بينما «ياسين» التفت ينظر خلفه بترقبٍ، فوجد خطاها مترددة، وقف هو ثم لحق بها حتى يقف بجوارها ثم قال بهدوء:
أنتِ أكيد وحشتيه أوي، ادخلي سلمي عليه، وبعدين كل ما يكلمك يعيط يعني كدا كتير عليه"
التفتت هي تنظر لها بأعين دامعة ثم قالت بنبرةٍ مهتزة:
أنا بس خايفة يكون زعلان مني علشان سافرت من غير ما أسلم عليه"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بهدوء:
لأ مستحيل دا يحصل، ادخلي بس سلمي عليه و بعدين أنتِ كل ما تشوفي حد تقوليله حضنك وحشني، جت على طه الغلبان يعني؟"
ابتسمت له ثم قالت بهدوء:
والله مش عارفة من غيرك هعمل إيه بجد، ربنا ميحرمنيش منك أبدًا"
ابتسم لها هو الآخر ثم قال بحب:
يا ستي احنا في الخدمة، المهم يلا بس علشان نلحق نروح أنا عندي شغل بكرة بدري وعمال اتنطط من الصبح"
أومأت له ثم سارت في الممر، أما هو عاد إلى مكان جلوسه ثم ابتسم في وجهي «زينب» و «خلود» التي كانتا تتابعا ما يدور بينهما بابتسامة و بحبٍ.
طرقت «خديجة» باب غرفتها بهدوء، فوجدته يقول بنبرة مهتزة:
ادخلي يا زينب، أنا مش عارف أنام"
تنهدت هي بعمقٍ ثم فتحت وهي تقول بمرحٍ:
طب ولو خديجة تلف و ترجع تاني ولا تدخل عادي؟"
رفع رأسه بعدما وصله صوتها فوجدها تقف أمامه بهدوء وهي تبتسم له، وقف هو منتفضًا حينما رآها بهيئتها تلك، بعدما ظن أن صوتها هذا من وحي خياله، اقتربت منه هي تمد كفها وهي تقول بهدوء:
ازيك يا بابا وحشتني أوي"
لم يمد يده لها، بل أخذها بين ذراعيه بقوة وهو يقول بحب:
بابا وحش من غيرك يا خديجة، و الدنيا كلها وحشة من غيرك، مش عارف اعيش من غير صوتك فـ البيت، ولا عارف آكل و أنتِ مش موجودة معايا"
شددت عناقها له وهي تقول ببكاء:
والله أنتَ كمان وحشتني أوي، عمري ما كنت أتخيل ان بعدي عنك يخليك توحشني كدا"
ابتعد عنها هو نسبيًا ثم بنبرةٍ متحشرجة:
طب جيتي ليه دلوقتي؟ اوعي يكون ياسين مزعلك؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بهدوء:
جيت علشان وحشتوني أوي، إنما ياسين معايا برة و جه علشان ميزعلنيش"
أومأ لها بهدوء ثم تنهد بأريحية وهو يقول:
ربنا يطمن قلبك، طب يلا نطلع علشان هو ميزعلش و يقول أني باخدك منه، ولا ننام و نسيبه يمشي لما يزهق"
كان حديثه خبيثًا حتى يتبين رد فعلها عن زوجها فوجدها تحرك رأسها وهي تقول بسرعة كبيرة ممتزجة بالقلق:
لأ نطلع علشان ميزعلش، هو قاعد لوحده برة"
ضحك هو على رد فعلها ثم أخذها من يدها حتى يخرج لهم،
خرج «طه» برفقتها، فوقف «ياسين» حينما لمح طيفهما، احتضنه «ياسين» بحبور و فعل «طه» المثل ثم بعد جلسا كليهما و «خديجة» بينهما، تحدث «طه» يقول مستفسرًا:
اخباركم ايه يا ولاد ؟ طمنوني عليكم، اخبارك إيه يا ياسين ، اتبسطوا سوا في دهب"
أومأ له «ياسين» ثم رد عليه بهدوء بعدما ابتسم له:
الحمد لله يا عمي، الاسبوع كان حلو، بس يا رب خديجة بقى تكون اتبسطت هناك"
أومأت له ثم قالت بحماس:
أوي، اتبسط أوي الحمد لله، خصوصًا إن أنا كان أخري اسكندرية"
ردت عليها «خلود» بمرحٍ:
ايوا يا ستي، روحنا دهب و خربنا الدنيا، عقبالي يا رب"
رد عليها «ياسين» بهدوء:
ربنا يكرمك بابن الحلال اللي يقدرك يا خلود"
ردت عليه «خلود» بحماس ممتزج بالمرح:
لو ابن حلال زيك معنديش مانع، ربنا يعجل لنا بشوفته يا رب"
ضحك الجميع عليها عدا «طه» الذي نظر لها بضيق وهو يقول بنبرة جادة:
عيب كدا يا خلود، وبعدين أنتِ لسه قدامك الدراسة"
ردت عليه هي بهدوء حتى تمتص غضبه:
يا طه يا حبيبي دراسة إيه و كلام فاضي إيه؟ دي كلها شكليات، إنما المستقبل بجد في الدماغ هي دي اللي تعرف تمشي صاحبها صح، و وفقًا للنظرية النسبية الخاصة بوليد الرشيد، العلم اللي مينزهش صاحبه قلته أحسن"
ضحك الجميع عليها حتى والدها بعد حديثها الأخير، في تلك اللحظة دلف «أحمد» الشقة فوجد «خديجة» و زوجها، فرغ فاهه باندهاش ثم ركض إليها وهو يقول باندهاش:
والله مفاجأة قمر زيك، وحشتيني يا خوخة"
احتضنته هي بحبٍ ثم قالت:
وأنتَ وحشتني أوي يا أحمد، ربنا يخليك ليا"
ابتعد عنها ثم احتضن «ياسين» وهو يقول بمرحٍ:
البيت منور بيك يا جوز أختي، والله بحبك لله فـ لله"
ضحك «ياسين» ثم قال بمرحٍ هو الأخر:
حبيبي يا خال العيال، وبعدين حد يكرهني برضه، محصلتش دي"
ردت عليه «زينب» بحب:
معاك حق والله، ربنا يرزقك بمحبته و محبة خلقه و عباده يا رب"
أومأ لها ثم قال بحب:
اللهم أمين يا رب، ربنا يكرمنا كلنا إن شاء الله"
تحدث «طه» يقول بهدوء:
ما تقومي كدا يا زينب تحضري الغدا علشان ياكلوا معانا"
ردت عليه «خديجة» بسرعة:
لأ متعمليش حاجة أنا مش قادرة أأكل، أنا بطني بتوجعني أصلًا"
سألتها والدتها بلهفة ممتزجة بالقلق:
مالك بس يا خديجة، اوعي تكوني رجعتي تاني لقلة الأكل"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بمزاح:
كل الحكاية بس أني واكلة رنجة و فسيخ مع صحاب ياسين، بجد مش قادرة أكل أي حاجة"
اضاف «ياسين» هو الآخر:
ولا أنا قادر آكل والله، أنا جبت أخري، مرة تانية إن شاء الله"
تحدث «زينب» بخيبة أمل:
كان نفسي تتغدوا معانا النهاردة، بس أحسن برضه علشان أجهز ليكم عزومة تليق بيكم"
رد عليها «ياسين» بطريقة مهذبة:
أي حاجة منك هتبقى زي العسل، كفاية تعبك فيها، بس علشان خاطري بلاش تتعبي نفسك ولا تكلفيها، أنا مش غريب، أنا زي أحمد برضه"
ابتسمت هي له بحبٍ ممتزج بالفخر، وللحق لم تكن بمفردها، بل العائلة بأكملها ابتسمت له بحب.
______________
في الأسفل خرجت «مشيرة» من غرفة «فاطمة» وهي تبكِ و خلفها الجميع، ثم بعد ذلك جلست بجانب زوجها، و «محمود» أخيها كان مقابلًا لها، رفع رأسه يقول بنبرةٍ حزينة:
شكرًا يا مشيرة علشان جيتي، حقك عليا أنا سامحيها علشان خاطري"
ردت عليه هي بحزن هي الأخرى:
متحقش نفسك يا محمود، أنتَ ملكش ذنب، و أنا مسامحة فـ حقي"
نظر «حسان» في ساعة يده ثم قال بهدوء:
طب يلا علشان نلحق نمشي ؟"
رد عليه «وليد» بسخرية:
ما بدري يا عمو حسان، ولا هو أنتَ عليك عفريت اسمه نمشي"
خرجت «جميلة» في تلك اللحظة من الغرفة بهدوء، فالتقت عيناها بعيني والدها الذي وقف ينظر لها بشوق يفيض من عيناه، أما هي فلم تتحكم في نفسها و وجدت قدماها تقودها له حتى وقفت أمامه، كان الجميع ينظرون لذلك الموقف بتعجبٍ، أما هي احتضنته فجأة وهي تبكِ، بكى هو الأخر تزامنًا مع رفع ذراعيه حتى يشدد من ضمه لها، بعد ذلك وجدها تقول ببكاء:
وحشتني أوي، مكنتش متخيلة أني هقدر اغيب عنك في يوم كل الفترة دي"
رد عليها هو بحزن:
وأنا عمري ما اتخيلت أني الدنيا تفرق بينا كدا، وحشتيني أوي"
مال «وليد» على أذن «طارق» وهو يقول بخبثٍ:
بذمتك من ساعة ما خد مشيرة و مشي من البيت فكر يجي يشوفها؟، شكل مراتك ربنا هيكرمها بأخ صغير"
رد عليه «طارق» بضيق بنفس النبرة التي يتحدث بها الأخر:
ما يمكن مجاش علشان أنتَ مهدده مثلًا، و يمكن علشان هي مبتردش عليه أصلًا"
حرك «وليد» كتفيه وهو يقول بمرحٍ خبيث:
لأ حسان عضمه طري و العبد لله بقى هينشفه له"
نظر له «طارق» بتعجب ولم يعقب، بينما «جميلة» خرجت من حضن والدها ثم قالت بهدوء:
بتاخد الدوا بتاعك ولا لأ...و الأكل برضه بتلغبطه؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يبتسم لها، فابتعدت هي عنه ثم وقفت بجانب زوجها وهي تقول بهدوء:
أنا كدا اطمنت عليكم، عن اذنكم بقى علشان ماما سهير مستنية فوق"
أومأ لها الجميع، أما «مشيرة» فـ بكت بقوة بعد كلمتها الأخيرة، نظرت لها «جميلة» بحزن ثم أعادت رسم الثبات على وجهها من جديد، حينما لاحظ «حسان» بكاء زوجته قال بهدوء:
طب احنا هنستأذن علشان مشيرة ليها دوا و أنا مجبتوش معايا، يدوبك نتحرك"
أومأ له «محمود» ولم يعقب بل دخل غرفة زوجته، بينما «حسان» أمسك كف زوجته حتى يساندها في الخروج من الشقة، وفقت وهي تبكي و تنظر لابنتها التي تهربت من النظر إليها، سارت معه حتى باب الشقة، وقبل أن يفتحه، وجدها تلتفت بنصف جسدها وهي تقول بنبرةٍ مترجية:
ينفع احضنك قبل ما أمشي يا جميلة؟"
نظرت «جميلة» لها باندهاش، ثم نظرت لـ «طارق» تستمد منه العون، فوجدته يومأ لها مؤكدًا، وهو يحثها على احتضان والدتها، ضغطت على جفنيها بشدة، فوجدت والدتها تنظر لها بانكسار، وهي تخفض رأسها للأسفل، لكن «جميلة» اقتربت منها بتروٍ ثم مدت ذراعيها بهدوء، بكت «مشيرة» ثم احتضنتها هي الأخرى ثم بعد ذلك رفعت وجهها تقبل كل إنش في وجه ابنتها وهي تعتصرها بين ذراعيها، بكت «جميلة» بعدما احتضنت والدتها، فمهما كان الحزن المخيم عليها منها، إلا أنها في نهاية الأمر والدتها، تلك التي تقع الجنة تحت قدميها، ابتعدت عنها «مشيرة» وهي تقول ببكاء حتى تتوسل لها:
علشان خاطري سامحيني، والله ما فيه حاجة وجعاني قد زعلك مني، لو عاوزاني أبوس راسك أنا موافقة...بس...بس بلاش تعامليني كدا"
أومأت لها «جميلة» ثم قالت بنبرةٍ متحشرجة:
سيبيها على الله...محدش عارف الخير فين"
_"لأ ماهو مستحيل الخير يكون هنا، أنا مدور كويس في بيت الرشيد و مش لاقيه لحد دلوقتي"
خرجت تلك الجملة من فم «وليد» بسخرية كعادته، نظر له الجميع باندهاش فقال هو مُردفًا بثبات:
ربنا يكرمكم يا جماعة و تلاقوا الخير كلكم إن شاء الله"
تنهدت «مشيرة» بعمق ثم قالت بحزن:
أنا همشي دلوقتي، ينفع أبقى آجي أشوفك تاني"
تدخل «طارق» يقول يهدوء حتى ينهي ذلك الموقف الحرج الذي أصاب الجميع بالتوتر:
طبعًا تقدري، البيت هنا بيتك في أي وقت"
نظرت له بهدوء ثم قالت:
تسلم يا طارق، خلي بالك منها علشان خاطري، خليك أنتَ أحسن مني"
أومأ لها ثم أضاف مؤكدًا:
جميلة في عينيا العمر كله، متخافيش عليها معايا"
أومأت له ثم التفتت حتى تغادر المكان مع زوجها، نظرت «جميلة» في اثرهما بحزن ثم تنفست الصعداء، بينما «وليد» زفر بقوة ثم قال:
أنا هطلع أقعد فوق السطح شوية، يمكن الصداع اللي فـ دماغي يهدا"
أومأ له «طارق» ثم قال:
و أنا هطلع أرتاح شوية علشان مش قادر"
بعد قليل كان «وليد» جالسًا فوق السطح و لكن تلك المرة كان نائمًا على الأرض وهو ينظر للسماء و يتابع حركة النجوم بها، ثوانٍ و شعر بظل يتحرك بجانبه، فابتسم هو بهدوء ثم قال دون أن يلتفت:
وحشتي جوزك يا شابة، فينك من الصبح سايباني زي اللي تايه في المولد"
جلست هي بجانبه وهي تقول بنبرةٍ مندهشة:
عرفت منين إن أنا اللي جيت، ما يمكن خلود و لا طارق و لا أحمد، ليه خمنت إنها أنا"
رد عليها هو بثباتٍ:
علشان طارق مش هيطلع ريحته سوبيا كدا يا ناصحة"
ردت عليه هي بحنقٍ:
سوبيا ؟! بقى المرطب اللي أنا دافعة فيه دم قلبي يتقال عليه سوبيا؟"
ضحك هو ثم قال:
هو أنا هفضل اركز بقى في المرطب و اسيب حياتي بايظة؟"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
أنا طالعة علشان أأكلك عرفت من ماما مروة إنك ماكلتش، جبت أكل معايا و حطيته على الترابيزة اللي جنب باب السطح، ابتسم هو باتساع ثم احتضنها فجأة، اندهشت هي من فعلته تلك، فقالت بنبرة متعجبة:
وليد هو أنتَ كويس؟ مالك؟"
رد عليها هو بهدوء حزين:
نفسي أبطل خوف يا عبلة، نفسي مرة واحدة أطمن، عاوز الحاجة تختارني مش أنا اللي اختارها"
ابتعدت هي عنه ثم نظرت له وجدت علامات الحزن مرسومة على وجهه، فقالت بخوفٍ:
ليه علطول خايف؟ ليه مش عارف تدي لنفسك الأمان؟ ليه محمل نفسك فوق طاقتها؟"
ارتمى هو على فخذها و كأنه طفل صغير يخشى ترك والدته له ثم أدرف بنبرةٍ حزينة:
علشان كل حاجة بتعب لحد ما أوصل لها، الكلية اللي حلمت بيها مدخلتهاش، فقررت اتنازل عن حلمي و ادخل بديل ليها علشان كام درجة خايبين، بعدها اللي وثقت فيهم و عاملتهم كأنهم أخواتي كنت ليهم مصلحة بيسحبوا منها فلوس وبقيت مدمن قد الدنيا، البنت اللي حبيتها رفضتني قدام أخوها و كملت كسرة خاطري، عيشت عمري كله بحلم بالحاجة ومش عارف اطولها، يمكن وجودك جنبي دلوقتي هو اللي مخليني حاسس اني مش مهزوم، طلوعك ليا دلوقتي علشان تأكليني حسسني إن الحياة بتصالحني يا عبلة، واحد زيي عاش حياته كلها خايف....تفتكري ممكن يجي يوم و يعرف يطمن فيه؟"
كانت تذرف دموعها وهي تستمع له، شعر هو بارتجافتها فاعتدل في جلسته ثم مد انامله يكفكف دموعها وهو يقول بهدوء:
حقك عليا علشان زعلتك، كنت مخنوق والله و كل الحاجات الهباب دي هجمت على عقلي مرة واحدة...أنا أسف"
ردت عليه هي بحزن:
متتأسفش دا حقك.... أنتَ لحد دلوقتي مش قادر تنسى اللي عملته فيك و أنا مش زعلانة منك، بس زعلى من نفسي علشان صدقت إنك ممكن تكون وحش، شوفت كتير بسببي، و برضه بتختارني وأنا كل اللي عليا هو أني افضل معاك، بس والله لو بايدي أعرف اطمنك مش هبخل عليك والله، أنا ممكن أعمل اي حاجة علشانك"
أخذ هو نفسًا عميقًا ثم قال:
عاوزك تفضلي معايا بس، خصوصًا إن مش هينفع نعمل فرح دلوقتي علشان فاطمة، هتستحمليني؟"
أومأت له ثم أضافت مؤكدة حديثه:
هستحمل، علشانك أنتَ هستحمل أي حاجة"
اتسعت بسمته وهو يقول بمرحٍ:
وريني بقى جايبة أكل إيه؟ أصل أنا صيعت النهاردة"
ابتسمت له وهي تقول بمرحٍ هي الأخرى:
عاملة الطاجن اللي أنتَ بتحبه، عملته علشان تاكل منه النهاردة"
سألها هو بنبرةٍ هادئة:
هاكل لوحدي ولا هتاكلي معايا؟"
ابتسمت له ثم قالت بحب:
هاكل معاك، أنا أصلًا مستنية من الصبح علشان ناكل سوا"
أومأ لها موافقًا طبع قبلة بسيطة على رأسها، تبعها بنظره في عيناها وهو يقول بندم:
متزعليش مني علشان كلامي من شوية، أنتِ عارفة أني مقدرش ازعلك"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
أنا مقدرة والله موقفك، بس بلاش تبقى تفكرني بهبلي كل شوية، خليني اتأقلم على وجودنا سوا كدا"
ربت على رأسها ثم قال بهدوء:
بكرة هتبقى فل و هتقولي وليد قال"
______________
نزل «ياسين» من بيت آلـ «الرشيد» بصحبتها، بعد الحاح كبير من والديها طالبين منهما البقاء معهما تلك الليلة، لكنه أصر على العودة حتى يسطتع الذهاب لعمله في الصباح، ركب سيارته و هي تبعته تجلس بجانبه، كانت شاردة أمامها، فنظر هو لها متفحصًا ثم قال بنبرةٍ ساخرة:
خير يا ست الكل، رجعنا تاني نسرح ليه؟ مين زعلك"
ابتسمت هي له ثم قالت:
لأ مش زعلانة، أنا بس مستغربة رد فعل بابا لما غيبت عنه كل دا، بصراحة أنا فرحانة أوي"
ابتسم هو لها ثم قال بحب:
طب يا ستي ربنا يفرحك دايمًا، المهم إننا منتنسيش بس"
ردت عليه بسرعة حتى تنفي حديثه:
أنتَ متتنسيش أصلًا، علشان كل حاجة حلوة بتكون سبب فيها، الناس كلها بتفضل تتكلم و تقول خليكم ناصحين و شخصيتكم قوية و مش عارف إيه علشان تمشوا في حياتكم، وفي الأخر جيت أنتَ اثبت ان الحنية و الحب هما اللي بيفرحوا الناس، طلعت فاهم الدنيا صح"
نظر لها بحبٍ وهو يقول:
لـمَ أَفــهَم شَـيءٌ فــي هَــذا الـعَـالـم طُــوال حَـياتي...مُــجرد عَــبثٌ لا يُــهمني مـنـه شــيء، أنّـا هُــنا حَــيثُ وجــودكِ..لـعَيـناكِ الـبَـريئةِ أنــتمي"
اتسعت مقلتاها من هول المفاجأة، فوجدته كعادته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ ثم قالت بعدما أوقفت ضحكاتها:
أيوا بصراحة، كلامك حلو أوي"
غمز لها وهو يقول بمرحٍ:
الحلو للحلو يا حلو، و أنتَ حلو"
حركت رأسها نفيًا بيأس تزامنًا مع بسمتها التي ارتسمت على شفتيها، بينما هو نظر أمامه وهو يدندن لحنًا موسيقيًا رتيبًا من حنجرته، وبعد القيادة، أوقف هو السيارة أسفل العقار الخاص بهما، بعدها دخلا شقتهما سويًا، فتحدثت هي تقول بانهاك واضح:
أنا بجد تعبت، جسمي عمل معايا مجهود كتير الأيام دي، تنطيط و فسح في دهب، و هنا يدوبك راجعين الفجر و نزلنا برضه، كتر خيره والله"
رد عليها «ياسين» بسخرية:
ماشاء الله كتكوت ضعيف الجناح، يعيني تعبت من الخروج و الفسح"
ردت عليه هي بحنقٍ بعدما ارتمت على الأريكة:
علشان أنا واخدة على قاعدة البيت، أي مكان تاني بالنسبة ليا يبقى متعب"
أومأ لها وقبل أن يعقب على حديثها وجد هاتفه يصدح عاليًا، أخرج الهاتف من سترته فقال متعجبًا:
غريبة يعني بابا بيكلمني دلوقتي ليه؟"
وقفت هي بجانبه وهي تقول بهدوء:
يمكن عاوز يقولك حاجة مهمة، رد عليه كدا"
أومأ لها ثم فتح الهاتف، فوجد والدته تقول بخوفٍ و بنبرة شبه باكية:
الحقني يا ياسين، رياض تعبان أوي و مش بيرد عليا، تعالى بسرعة علشان نجيب الدكتور"
خرجت كلمتها الأخيرة بصراخ جعلت جسده يرتعد بقوة و «خديجة» أيضًا بعدما وصل لها الصوت من الهاتف
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث 3 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث
الفصل الثالث"
رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء الثاني"
___________
تلك العيون التي احتوتني في ظلمة الليل....لن أرى وميضها في أخرى حتى و إن تجولت طوال الدهر بحثًا عن مثيلتها.
____________
ليس من المهم أن تكون شخصًا مبهرًا حتى تنال اعجاب الجميع، يكفيك أن تصبح شخصًا حقيقيًا يتصرف بتلقائيته المعهودة، فلا يوجد ما يتطلب منك التخلي عن عفويتك حتى تنال الاعجاب، ففي النهاية أنتَ مبهر في الأعين التي تُحبك، حتى وإن كنت غير مثالي.
في بيت آلـ «الرشيد» كان «وليد» جالسًا على الأرض الرخامية فوق سطح البيت و «عبلة» تجلس مقابلةً له، يتناولا الطعام التي قامت هي باعداده سويًا، أنهى هو طعامه أولًا نظرًا لعدم تناوله الطعام طوال اليوم، أما هي فكانت تأكل بشهية مفتوحة نظرًا لمشاركته طعامها، كان ينظر لها بتمعن شديد، تزامنًا مع البسمة العذبة التي زينت ثُغره وهو يراقبها، لم تلاحظ هي تحديقه بها إلا بعد مرور ثوانٍ عديدة، رفعت رأسها وهي تقول له متعجبة من توقفه عن تناول الطعام:
مش بتاكل ليه يا وليد؟ الأكل مش عاجبك؟"
حرك رأسه نفيًا ببساطة ثم أضاف ينفي حديثها:
أنا شبعت الحمد لله، و الأكل حلو تسلم إيدك"
حركت رأسها بشكٍ تستفسر أكثر، فوجدته يقول مؤكدًا:
كلت والله العظيم، لو الأكل مش عاجبني هقولك، بس تسلم ايدك أنا عارف إنك شاطرة"
ابتسمت هي له ثم قالت بنبرةٍ حماسية:
أنا عرفت كل الأكل اللي أنتَ بتحبه و بتعلمه علشانك، صحيح لسه بجرب، بس إن شاء الله هبقى شاطرة فيه زي ما أنتَ بتحبه، صح ؟! "
سألته بكلمتها الأخيرة بتشككٍ واضح، جعله يُعيد تأمله لها من جديد وهو يتنهد بعمقٍ ثم أضاف مؤكدًا:
الحاجة اللي بتتعمل بحب بتوصل بحب، وأنتِ بتعملي كدا علشاني، يبقى أكيد هحب اللي بتعمليه حتى لو مش زي ما أنا عاوز بالظبط، كفاية إنك تحاولي تفرحيني"
نظرت هي له بحبٍ ثم قالت مستفسرة عن نظرته التي يطالعها بها:
هو أنتَ ليه عمال تبصلي كدا كل شوية، و عمال تركز في عيني، أنا ملاحظة على فكرة، خد بالك"
ابتسم هو لها، ثم سألها و كأنه لم ينتبه لسؤالها:
خلصتي أكل يا عبلة؟"
أومأت له وهي مندهشة من حديثه، فوجدته يُجمع أدوات الطعام على الصينية ثم رفعها يضعها على الأريكة، كانت هي تراقبه بتعجبٍ من حركاته، فوجدته يُلقي برأسه على قدمها وهو يتنهد بعمقٍ، اتسعت مقلتاها من حركته تلك، لكنها ربتت على خصلاته الكثيفة وهي تقول بنبرة أهدأ:
طب مش عاوز تجاوبني ليه؟ هو...هو أنتَ زعلان مني لسه؟"
أصدر صوت من حلقه يَنُم عن النفي ثم قال بعدما زفر بقوة:
كنت ببصلك علشان اتأكد إنك قصادي فعلًا بارداتك، و أنا باكل كدا سرحت لثواني افكر هو أنتِ قصادي فعلًا و موجودة علشاني و لا عقلي من غُلبه بقى بيتهيأ وجودك، لما لقيتك قصادي فرحت و لما اتأكدت انك فعلًا معايا افتكرت أغنية أحمد كان عمال يغنيها طول اليوم"
لقد أسرها حديثه الجميل و على الرغم من انها تود في تلك اللحظة أن تصرخ له حتى يتيقن من وجودها إلا أنها آثرت الصمت ثم سألته عن جملته الأخيرة بهدوء و لكن نبرتها كانت مهتزة من مشاعرها الفرحة:
أغينة أحمد ازاي يعني؟ هو أحمد عامل أغنية"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بهدوء:
لأ، بس كان طول اليوم مشغلها في الشركة وهو بيشتغل، أول مرة اسمعها ساعتها، بس لقيت إن كلامها كله لايق عليا معاكي، كان بيقول:
أنا أصلًا مشكلتي في عينها، تاخدني بلاد و توديني، وبلادي اللي أنا أصلًا منها بيعاني و بطلع عيني"
افتكرت ان أنا مشكلتي في عينك يا عبلة، بفضل طول اليوم بخبط و احايل في الدنيا وهي معاندة معايا، و كأنها حالفة يمين بالله إني أفضل افكر طول اليوم في اليوم اللي بعده، قصاد كل دا عيونك هما اللي بيطمنوني، بـ بصة منهم بس بطمن بعد كل الخوف اللي بشوفه، لونهم زي العسل الصافي شفا للقلب،
و أنا يا بخت قلبي بعيونك"
توقفت يدها عن السير في رأسه ثم سألته بنبرةٍ مهتزة:
أنتَ بتتكلم جد و لا بتهزر، و الله ممكن أعيط و أبهدلك هنا، قول إنك بجد مش بتهزر"
رفع نفسه من على فخذها ثم نظر في عيناها بحبٍ وهو يقول بنبرة تخرج من فم عاشق:
يعلم ربنا إن كل كلمة خرجت مني صدق و إنك الوحيدة اللي تقدر تشوف ضعفي دا، و الله يا عبلة ما حد غيرك شاف النسخة دي مني، بس أنا مسلمك قلبي و أنا عارف إنك هتحافظي عليه"
أومأت لها بقوة ثم قالت بنبرة مصطبغة بالمرح:
اطمن يا ليدو...وعلى رأي عبد الباسط حموده اديني قلبك و خد قلبي"
ضحك هو على حديثها ثم اخذها بين ذراعيه وهو يقول بنبرة هادئة:
أنا عارف إنك هطلة من الأول، وأنا بصراحة كدا نقطة ضعفي الهطل، بس برضه أنتِ بنت أصول و تستاهلي الواحد يعافر علشانك"
ابتسمت هي بعد حديثه ثم القت برأسها على كتفه وهي تتنهد بعمقٍ، ابتسم هو الأخر ثم رفع ذراعه يربت على رأسها بحنانه المعتاد، وبعد فترة من الصمت من كليهما تحدث هو يقول بتشككٍ ممتزج بالمرحِ:
عبلة..مش ملاحظة إن أبوكِ سايبنا براحتنا بقاله كتير؟ أنا خايف يكون مبلغ عني"
_"والله لو أقدر أعملها مش هتأخر، بس خايف على زعل أهلك اللي معرفوش يربوك"
خرجت تلك الجملة من «محمد» بعدما دخل السطح بهدوء، حيث كان يقف على اعتاب السطح قبل سماعه جملة «وليد»، وبعد حديثه اتسعت مقلتي «عبلة»، بينما هو ابتسم بسخرية يائسة، اقترب منهما «محمد» يطالعهما من عليته وهو واقفٌ وهما يجلسا على الأرض، رفع «وليد» رأسه ولازالت هي قابعة بين ذراعيه بعدما شدد هو تمسكه بها ليقول ببراءة:
ابن حلال يا حمايا...لسه كنت بجيب في سيرتك"
نظر له «محمد» بسخرية وهو يقول متهكمًا:
مانا سمعت يا اخويا...قوم ياض أنتَ وهي، عيب كدا بقى"
حاولت هي الابتعاد عنه، فوجدته يتمسك بها أكثر وهو يقول بهدوء و كأنه لم يفعل شيئًا:
أنا عن نفسي موافق، بنتك هي اللي خايفة و ماسكة فيا"
اتسعت مقلتاها بعدما سمعته فقالت بصوتٍ خافت:
الله يخربيتك هتوديني في داهية"
بينما «محمد» سأله ساخرًا:
وهي خايفة من إيه إن شاء الله ؟ خفاش برضه؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بهدوء:
سحلية...فيه سحلية مخوفة بنتك، بس هي مع راجل و هيعرف يدافع عنها"
مال «محمد» بجزعه يفك حصار ابنته من بين ذراعيه، لم يرفض «وليد» بل انزل ذراعيه عنها وهي قامت تقف بجوار والدها الذي قال بضيق:
أنا جاي علشان هي قالتلي انها طالعة تاكل معاك، لكن تأخيرها كدا ميصحش، و أنتَ بنفسك عارف ان البيت مليان ناس غيرنا"
وقف «وليد» مقابلًا له وهو يقول بسخرية تعبر عن ضيقه:
كلامك كله مش عاجبني، لأن الدنيا كلها عارفة انها مراتي، و الناس كلها عارفة اننا متجوزين و الجوازة معمولها اشهار، يعني مبعملش حاجة تغضب ربنا، وأنا عندي ربنا أهم من الناس، لكن أنتَ غيران على بنتك مني، و دا هيودينا في سكة غلط، و كلمة كمان يا عم محمد و هاخد عبلة شقتنا و تبقى مع جوزها بجد، أظن أنتَ فاهمني، يبقى أقل ما فيها تقدر موقفي، و بعدين أنتَ سايب طارق و جميلة و جاي تمسك فيا أنا ؟!"
نظر له «محمد» بخجلٍ بعد حديثه الذي كان صحيحًا و لم يستطع تكذيبه، لكنه أردف بهدوء:
أنتَ فاهم غلط يا وليد، دي بنتي برضه، و بعدين طارق و جميلة جوازتهم حاجة تانية"
ابتسم بتهكم لـ يرد عليه بسخرية:
دا على أساس إن طارق و جميلة متجوزين كاش و أنا متجوز بالتقسيط المريح؟"
ابتسمت «عبلة» بخفة بعد حديثه الساخر، بينما عمه طالعه بتعجبٍ فوجده يتابع حديثه قائلًا:
طارق و جميلة زيهم زيي، الفرق إن جميلة معتبرة نفسها يتيمة، لكن مراتي ربنا يطولنا في عمر ابوها، ها فاهمني كويس، ابوها اللي كابس على مراوح اهلي"
رد عليه «محمد» بضيق:
نهاية الموضوع أنا أصلًا طالع أقولك لو عاوز تعمل الفرح الأيام دي أنا موافق، معنديش مانع"
نظرت له «عبلة» باندهاش، بينما «وليد» ابتسم ساخرًا من حديث عمه ثم أضاف قائلًا:
عارف يا عم محمد أنتَ عامل زي إيه؟"
رد عليه «محمد» بهدوء ممتزج بالتعجب:
عامل زي إيه يا أستاذ وليد؟"
اتسعت بسمته ليردف بهدوء:
عامل زي مدرس الحصة الاحتياطي، بيدخل الفصل بس علشان يبقى اسمه خد حصة زيادة، و بكدا ضميره ميأنبهوش"
نظر له عمه باندهاش، بينما «عبلة» قالت بتعجبٍ:
أنتَ بتقول إيه يا وليد، هو غلطان علشان بيقولك على الفرح"
أومأ لها بقوة ثم استطرد حديثه قائلًا:
أبوكِ بيشتغلني يا عبلة، فاكرني مكتب عمل، طالع يقولي موافق على الفرح دلوقتي وهو عارف اني هرفض علشان ظروف عمك محمود و مراته، و ساعتها يبقى هو عمل اللي عليه و أنا اللي رافض الفرح، علشان يعرف يمسكني من ايدي اللي بتوجعني قدامهم"
شهق «محمد» بقوة بعد حديث «وليد» الذي رفع حاجبه له ينظر له بتحدٍ، بينما «عبلة» سألت والدها بنبرةٍ غير مصدقة:
وليد بيتكلم صح يا بابا، مش كدا؟"
نظر لها «محمد» بضيق ثم نظر له ليردف بحنقٍ:
دا أنتَ صعب أوي يا واد يا وليد، إيه دا الواحد مش عارف يحل فيك حاجة"
رد عليه «وليد» بسخرية:
معلش هبقى أطبعلك ملزمة فيها المقرر كله، دلوقتي بقى اسبقني على تحت علشان عاوز مراتي في كلمتين و هنحصلك"
نظر له «محمد» بضيق و بأعين تطق شررٍ، فوجده يضيف بنذقٍ:
ها هتنزل ولا تبات مع جوزها في شقته النهاردة؟ اختار"
أومأ له «محمد» ثم نظر لابنته وهو يقول لها بنبرةٍ جامدة:
متتأخريش يا ست عبلة، تيجي ورايا علطول"
أومأت له ثم تابعته بنظرها حتى خرج من السطح، ثم حركت رأسها تنظر له وجدت التسلية تضج في عيناه، فقالت له هي بضيقٍ:
على فكرة هو اتحرج أوي، و بيفضل يسم بدني بكلام صعب، هو برضه متعلق بيا أوي و أنا وهو صحاب، فجأة اهتمامي كله بقى بيك أنتَ، أكيد صعبان عليه نفسه لما يلاقي حد تاني بيشاركه فيا"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بهدوء:
و إيه يعني، عنده مراته يروح ليها، لكن أنتِ ليا أنا، مش معقول يبقى الشخص الوحيد اللي بعرف اكون على طبيعتي قدامه يبقى محظور عليا يا عبلة، مش عاوز معاكِ اعد الوقت علشان هيجي شوية و تمشي، عم محمد بيعند لمجرد العند، بس خلينا نشوف اخرة العند دا إيه"
سألته هي ببلاهة:
أخرته إيه يعني؟"
اقترب منها يقول بخبثٍ:
اخرته هتبقى فل إن شاء الله"
__________
بعد حديث «زهرة»، شعر هو بالخوف يجتاحه و يخيم على صدره، بينما هي سألته بخوفٍ:
في إيه يا ياسين، بابا رياض ماله، اتكلم طيب متقفش ساكت كدا"
نظر هو لها بأعين خاوية وهو يقول بحزن:
رياض تعبان أوي يا خديجة، خليكِ هنا، أنا لازم أروحله دلوقتي، اقفلي على نفسك كويس"
قال حديثه و التفت حتى يغادر الشقة وجدها تتمسك به وهي تقول بنبرة قوية:
مش هينفع تروح لوحدك، أنا هاجي معاك، هما أهلي زي ما هما أهلك بالظبط"
نظر لها هو مندهشًا من قوتها التي لم يعهدها منها من قبل، فوجدها تتابع بنفس القوة:
متبصليش كدا علشان أنا هاجي معاك، ولو نزلت هنزل وراك، يبقى تاخدني معاك أحسن"
أومأ لها ثم فتح باب الشقة وهي خلفه تنتعل حذاء قدميها، وبعد مرور ثوانٍ خرج من المصعد راكضًا نحو سيارته وهي خلفه تحاول ملاحقته، ركب هو وهي خلفه تلهث بقوة من الخوف ومن ملاحقتها له، بدأ هو في قيادة السيارة بيد و باليد الأخرى يحاول مهاتفة أيًا من والديه، لكن محاولته كانت تبوء بالفشل، وحينما تمكن منه اليأس، ضرب المقود بيده وهو يقول بنبرةٍ منفعلة:
غــبـي.... أنا غــبـي، هو صمم أروحله النهاردة و أنا رفضت، يارتني كنت روحلته"
كان يتحدث بانفعال و هو يعنف نفسه، غافلًا عن وجودها بجانبه، بينما هي مدت يدها تربت على ذراعه وهي تقول بهدوء:
خير إن شاء الله متخافش، بس خلي بالك من الطريق، أنتَ مش مركز و العربية سرعتها عالية أوي"
نظر هو لها باندهاش و كأنه لاحظ وجودها بجانبه للتو، لا يدري ماذا يفعل، هل ما تفوه به أحزنها، أم تجاهله وجودها أصابها بخيبة، لم يستطع التحدث أو الرد عليها، بل نظر أمامه وهو يرفع من سرعة السيارة أكثر، بينما هي ابتلعت غصة في حلقها من طريقته التي أول مرة تراه يتعامل بها معها، حتى نظرته شعرت لوهلة و كأنه يؤنبها على اطاعتها في الذهاب لدى عائلتها، نظرت هي الأخرى أمامها، وبعد مرور نصف الوقت المطالب للوصول إلى منزل والده، كان يصف سيارته أمام البيت، نظرًا لقطعه المسافة في ضعف السرعة، ركض هو من السيارة وهي خلفه، ثم ضغط على الزر في جهاز التحكم في يده حتى يتأكد من غلق السيارة، بعدها وقف أمام المصعد يطلبه، لكن المصعد كان له رأيًا آخر، فصفع هو الباب بقوة، ثم ركض إلى الدرجات حتى يصل إلى شقته، نظرت هي في اثره باندهاش ثم لحقته، التفت هو في نصف الدرجات ينظر لها فوجدها تتبعه، انتظر حتى اقتربت منه ثم أطبق على كفها بكفه حتى يستأنف سيره من جديد، لاحظت هي تمسكه بيدها وكأنه يستمد منها القوة في مواجهة ما هو آتٍ، وصل أخيرًا أمام الشقة فوقف يتنفس الصعداء وهي معه لم تتفوه بحرفًا واحدًا، بينما هو التفت لها يقول بنبرةٍ مهتزة:
خديجة أنا خايف ادخل، رجلي مش شيلاني والله"
ربتت هي على يده ثم قالت بهدوء:
متخافش والله، وبعدين أنتَ المفروض تكون ماسك نفسك علشان مامتك لو فيه حاجة بعد الشر، الخوف مش هيحل حاجة"
نظر لها مندهشًا وهو يسخر من نفسه، و كأن ادوارهما تبدلت و اصبح هو من يحتاج حديثها، بينما هي اقتربت من الباب حتى تطرقه فوجدته يُفتح معها، زاد خوفها أكثر، ثم دفعت الباب بقوة، فوجدت «رياض» يخرج من الداخل وهو يقول بمرحٍ:
يا مرحب بالعرسان، هو لازم اشتغلكم علشان تيجوا، عيال مهزقة بصحيح"
كان «ياسين» واقفًا على اعتاب الشقة ولم يستطع الدخول، بينما «خديجة» اتسعت مقلتاها باندهاش، حينما رآته يقف أمامها بطبيعته و بمرحه المعتاد، بينما «زهرة» خرجت من الداخل تنظر لهما بخجلٍ، فقالت «خديجة» بنبرةٍ غير مصدقة:
يعني أنتَ كويس، مش تعبان بجد ؟! الحمد لله يا رب، الحمد لله"
دخل «ياسين» الشقة ثم وقف بجوار زوجته وهو يقول بنبرة قوية:
يعني إيه اللي بيحصل دا ؟ ولما أنتَ كويس بتخضني عليك ليه؟ بتلعب بأعصابي ليه؟"
ضحك «رياض» ثم أضاف بمرحٍ:
بهزر معاك يا عريس، ولا أنتَ علشان اتجوزت بقى هتنسى هزاري؟ وحشتوني و مكنتش قادر استنى اكتر من كدا"
نظرت له «خديجة» بذهول من لامبالاته، فهو من المؤكد لا يدري ما عاشته منذ قليل، ولا يدري كيف تحول ابنه إلى طفلًا صغيرًا أوشك على البكاء من خشية الفقدان، أما «ياسين» فوقف أمامه يقول بنبرة قوية خرجت منفعلة منه دون وعي:
هزارك مش مقبول، الحاجات دي مفيهاش هزار، أنتَ متعرفش أنا عقلي عمل فيا إيه لحد ما جيت هنا، متعرفش أنا كنت بسوق ازاي علشان أوصلك، متعرفش أنا كنت بفكر فـ إيه لحد ما كنت هقع من طولي، أنا بسببك كنت هلومها و أشيلها ذنب مش ذنبها أصلًا، كنت هزعلها مني و أنا واعد نفسي دا ميحصلش، هزار كان هيقطم ضهري، قولتلك الحاجات دي بتكسر، برضه مصمم تخوفني"
تابعه الجميع بذهول، بينما هو اقترب من والدته وهو يقول بعتاب:
و حضرتك يا استاذة زهرة ؟ بتتفقي معاه عليا؟ أنتِ عارفة أن خوفي على اللي حواليا بيشلني، تقومي تشاركيه خططته، و مش بس كدا، كمان بتقفلي التليفونات علشان معرفش أوصل لحد فيكم، حرام عليكم على اللي أنا شوفته دا"
قال جملته ثم اقترب يمسك كف زوجته حتى يرحل بها، فتحدث «رياض» يقول بنبرة هادئة:
أقف عندك يالا، هو أنتَ هتعلي صوتك على كبيرك و تمشي ولا إيه؟"
ترك كفها ثم وقف مقابلًا له وهو يقول متشدقًا:
طب أنا و للأسف أنتَ كبيري، كبيرك أنتَ فين علشان عمايلك دي، رد عليا"
رد عليه «رياض» بمرحٍ ساخر:
أنا كبيري مات يا ياسين، و بعدين مكبر الموضوع أوي، و أنا كنت عاوز أشوفك علشان وحشتني"
رد عليه «ياسين» بانفعال:
تقوم تجبني بالطريقة دي؟ أنتَ لو كلمتني و قولتلي عاوزك ضروري كنت جيتلك"
ضربه «رياض» بخفة على رأسه ثم قال بسخرية:
يا كداب يا ابن الكداب أنا بتحايل على أهلك من امبارح تيجي عندنا، وأخرتها عاوز تجيلي بكرة بعد الشغل ؟"
زفر «ياسين» بقلة حيلة ثم قال:
طب أعمل فيك إيه ؟ رد عليا"
فتح «رياض» ذراعيه وهو يقول بحبٍ أنهاه بحديث غير متوقع:
تحضن أبوك يا حبيب أبوك، يا واطي ياللي صرفت عليك و خليتك مهندس قد الدنيا، و جوزتك و أخرتها عاوز تجيلي بعد الشغل، اتفو على دي تربية"
ضحكت عليه «خديجة» و زوجته، بينما «ياسين» نظر له باندهاش وهو يقول:
إيه دا ؟ أنتَ ملبوس ولا إيه، خلصت فقرة الرعب هتدخل على فقرة الذل؟"
اقترب منه «رياض» ثم احتضنه وهو يضحك بقوة ثم قال:
والله البيت ملوش صوت من غيرك، عامل زي القبر، الحسنة الوحيدة أني عارف أعاكس في زهرة براحتي"
ابتعد «ياسين» عنه وهو يقول بقلة حيلة:
والله العظيم وحشتني، و تعبتني معاك، مش عارف مين فينا أبو التاني"
ربت «رياض» على كتفه وهو يقول بفخرٍ:
عيب عليك، أنا بابا يالا"
حرك رأسه بيأس ثم وقف أمام والدته وهو يقول بنبرةٍ معاتبة:
وأنتِ يا زهرة ؟! مفكرتيش فيا؟ بتصرخيلي في التليفون و تقوليلي الحقني؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
والله العظيم هو قالي لو مكلمكتش أنا، هو هيكلمك و يقولك زهرة ماتت، و أنا خوفت عليك والله، ولو مكنتش أنا كلمتك كان هيخلي فهمي يقولك رياض الله يرحمه، والله دا كان ابسط حل قصادي"
نظر لهما هو بذهول يوزع نظراته بينهما، فاقتربت منه والدته تحتضنه وهي تقول بندم:
والله العظيم كنت رافضة، بس هو كان ممكن يعمل أكتر من كدا، علشان خاطري متزعلش مني بقى، والله وحشتني أوي"
بكت وهي تحادثه، فوجدته يشدد عناقه لها ثم قال بهدوء:
وأنتِ كمان وحشتيني أوي يا زوزو، أنا مش زعلان منكم خلاص، بس خديجة أكيد زعلانة مني و منكم، استنوني بقى أصالحها"
توترت هي بعد حديثه حيث وجدت الثلاثة ينظرون إليها، بينما «زهرة» اقتربت منها ثم احتضنتها وهي تقول بحبٍ:
وحشتيني أوي يا خديجة، والله زيك زي ياسين بالظبط، و ربنا يعلم أنا كنت متحمسة علشان أشوفك ازاي، بس اللي رياض عمله بقى لغبطني"
أومأت لها ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
و حضرتك كمان وحشتيني أوي والله، بس الحمد لله أني شوفتكم و اطمنت على عمو، ربنا يبارك فيكم"
اقترب منها «رياض» يقول معتذرًا:
معلش بقى يا خديجة على الخضة دي، بس والله مكانش فيه طريقة تانية علشان اشوفكم بيها، و الواد أبو قبولي الوحيد دا كان عاوز يجي بكرة بعد الشغل و أنا جايب تورتة مش قادر اقاومها بصراحة"
ضحكت هي على حديثه فوجدته يتابع:
و الله التورتة مستنية جوة لما قربت تبقى خيار مخلل، و زهرة مصممة تتاكل معاكم، على أساس خايفة على مشاعر التورتاية لو اتقطعت من غيركم"
اقترب منهم «ياسين» يقول بسخرية:
يعني دا كله علشان تورتاية؟ ليلتكم بيضا، حرام عليكم"
تحدثت «زهرة» حتى تنهي ذلك التوتر:
طب يلا ادخل غير هدومك، أنا محضراها ليك، و خديجة كمان جبتلها هدوم هنا علشان لما تيجي تبقى براحتها"
نظرت لها «خديجة» بتعجبٍ فوجدتها تقول بمرحٍ:
جبتلك حاجة على ذوقي و يارب ذوقي يعجبك، أنا رياض كان ملمحلي باللي ناوي عليه، علشان كدا عملت حسابي"
أومأت لها «خديجة» وهي تبتسم بحبٍ، فوجدته يقول هو بهدوء:
ادخلي اوضتي و غيري هدومك، و أنا هدخل وراكي، الله يعينك شوفتي معايا حبة أكشن حلوين"
أومأت له دون أن ترد عليه، فوجدت «زُهرة» تمسكها من كفها وهي تقول بحبٍ:
تعالي معايا أوريكي أوضة الأستاذ ياسين، هي طرقتها طويلة و هتوهي فيها"
سارت معها «خديجة» في هدوء حتى وصلت أمام غرفته، فربتت «زهرة» على كتفها ثم قالت بحب:
ادخلي غيري هدومك و تعالي برة لينا، لو محتاجة حاجة عرفيني"
حركت «خديجة» رأسها نفيًا وهي تقول مبتسمة:
حاضر...شكرًا و معلش تعبتك معايا، بس أنا ممكن أفضل بهدومي دي عادي"
ردت عليها «زهرة» وهي مبتسمة:
أنتِ بتقولي إيه؟ البيت بيتك طبعًا، يعني براحتك زي ياسين بالظبط، أوعي تتكسفي مننا ولا تفتكري إنك غريبة عننا، بجد هزعل منك، متحرمنيش يكون عندي بنوتة حلوة زيك كدا"
احتضنتها «خديجة» فجأة وهي تتمسك بها بشدة، فابتسمت «زهرة» بحبٍ ثم ربتت عليها وهي تقول بحبٍ:
ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي"
ردت عليها «خديجة» بطريقة لطيفة:
و يخليكي ليا يا ماما"
ابتعدت عنها «زهرة» ثم قالت بهدوء:
طب أنا هطلع أجهز الحاجة، و أنتِ حصليني على برة"
دخلت «خديجة» الغرفة بعدما تنهدت بعمقٍ وهي تنظر في أثر حماتها، ذُهلت من شكل الغرفة فهذه أول مرة تخطوها، نظرت حولها تتفحصها، وجدتها غرفة هادئة باللون الأزرق الغامق مع أثاث باللون الأبيض به أجزاء تشبه لون حوائط الغرفة، كانت تتسم بالهدوء و الذوق الرفيع، يشبه نفس الذوق المختار في شقتهما، تنهدت هي بقوة، حينما وقع بصرها على الثياب الموضوعة على الفراش، حيث وضعت «زُهرة» ترنجين باللون الاسود متناسقين مع بعضهما واحدًا له و الأخر لها، ابتسمت هي برضا، ثم شرعت في تبديل الملابس.
_____________
في الخارج جلس هو بجانب والده وهو يقول بعتاب:
حرام عليك يا رياض، أنا كنت هعك الدنيا والله، بس الحمد لله إن اللي فـ قلبي مش على لساني، أنا بصتلها بصة خليتها تشيل الذنب، وخديجة أي حاجة بتاخدها على أعصابها"
رد عليه والده بهدوء:
متزعلش بقى خلاص، و بعدين هي ملهاش دعوة علشان تشيلها الذنب، هي برضه غابت عن أهلها كتير، دا أنتَ راجل أهو و أنا مستحملتش غيابك، أنتَ ابقى فهمها انك كنت متوتر علشان الستات ما بتصدق تلاقي حاجة تنكد بيها على نفسها، خليك أنتَ الأحن و صالح بسرعة"
أومأ له «ياسين» وقبل أن يتحدث وجدها تطل عليهما بهدوء بعدما ارتدت الترنج الأسود الذي كان مناسبًا لجسدها بشدة، وقف «ياسين» أمامها يقول بحبٍ:
إيه القمر دا كله، هو أنا لو لبست ترنج حلو زي دا هبقى حلو زيك كدا برضه ؟!"
نظرت له تحاول كتم بسمتها فوجدته يغمز لها و هو يتركها حتى يدخل غرفته، بينما «رياض» تحدث يقول بخبثٍ:
الواد ابني دا جواه واحد عاوز ينحرف بس مش لاقي اللي يوجهه صح، شدي حيلك معانا بقى عاوزه يبقى واد مفيش منه اتنين"
التفتت هي تنظر له وهي تقول بهدوء:
حضرتك ربيته صح، مش كل الناس زيه كدا، بس هو حاجة تانية، شكرًا على مجهودك في تربيته"
وقف «رياض» مقابلًا لها وهو يقول بمرحٍ:
ياسين دا روح قلبي أبويا و أخويا و صاحبي، عيشت عمره كله أسقيه الحنان لحد ما بقى هو بيسقيه للحواليه كلهم، كلامك أكدلي أني نجحت في تربيته"
ابتسمت له بحب ، وبعد مرور دقيقة وجدته يأتي من خلفها وهو يقول بمرحٍ:
ذوق أمي برضه حاجة تانية، شوفتي الدماغ؟ جايبة لينا زي بعض على أساس نبقى فريق، والله العظيم رايقة"
التفتا ينظرا له فوجداه يغمز وهو يقول بمرحٍ كعادته:
ابقى بوسلنا زهرة على ذوقها و اختيارها يا رياض"
ضحك «رياض» وهو يقول بمرحٍ هو الأخر:
بس كدا ؟! من عيني الاتنين"
أتت «زهرة» من الداخل وهي تقول:
يلا اجهزوا علشان نقطع التورتة، رياض مش قادر يستنى أكتر من كدا"
وضعت الصينية على الطاولة وهي تقول بهدوء:
يلا بقى علشان ياسين يقطعها، دي حاجة بسيطة احتفالًا بالعرسان الحلوين"
وضع «ياسين» ذراعه عليها يضمها داخل حضنه وهو يقول:
العرسان الحلوين دول بيحبوكي أوي، و بصراحة شكرًا على كل حاجة"
تدخل «رياض» يقول بخبثٍ:
طب يلا قطع التورتة و أكل مراتك يلا متقفش كدا"
تدرج وجهها بحمرة الخجل فوجدته يمسك قطعة من الكعكة بعدما قام بتقطيعها ثم رفع يده أمام فمها وهو يقول بهمس لم يلتقطه سواها:
مكانش ليا نصيب أأكلك الرنجة، بس ليا نصيب أأكلك الحلويات"
نظرت له بهدوء فوجدته يمد يده أكثر فمدت هي رأسها تلتقط الحلويات من يده، فأضاف «رياض» يقول بمرح:
يلا أكليه أنتِ كمان، خلصونا من جو القاعات دا"
ابتسمت هي بخفوت ثم فعلت المثل، و أطعمته من يدها
تنهد «رياض» وهو يقول بمرحٍ:
الحمد لله خلصنا الفقرة المملة اللي زهرة بتحبها مش عارف ليه، ناكل بقى زي الناس الطبيعية؟ ممكن؟"
ضحك الجميع عليه ثم جلسوا حتى يأكلون الحلويات سويًا.
______________
في بيت آلـ «الرشيد» تحديدًا شقة «محمد» جلس «طارق» مقابلًا لها في غرفة الصالون بمفردهما، كانت هي شاردة في أحداث اليوم بتفاصيله، فوجدته يحرك كفه أمام وجهها وهو يقول بهدوء:
سرحانة فـ إيه يا جميلة؟ فيه حاجة مزعلاكي؟"
انتبهت هي لحديثه فقالت بعدما أجبرت شفتيها على الابتسام:
لأ أبدًا كنت سرحانة شوية في اللي حصل و اللي بيحصل و اللي هيحصل لسه، دنيا غريبة بصراحة، ملهاش لازمة و مطلعة عنينا كلنا"
قطب جبينه يسألها بنبرةٍ حائرة:
طب وهو أنتِ إيه اللي خلاكي تقولي كدا؟، ولا علشان شوفتي باباكي و مامتك"
أومأت له بهدوء وهي تقول:
عمري ما كنت أتخيل إن ممكن يكون بابا بيكذب عليا، ولا إن دا كله يحصل بسبب حاجات فات عليها زمن، بس أنا عاملة زي اللي واخدة على دماغها، عقلي عمال يصارعني علشان أحط أعذار ليهم كلهم، و في نفس الوقت هما غلطوا، حسان هرب و مواجهش رغم انه كان المفروض يواجه علشان ميسبش علامات استفهام وراه، و مشيرة غلطت لما سلمت نفسها للشر، و علشان كدا أنا مش هرجع ليها بالسهولة دي، هسيبها تدوق وجع غيرها، زي ما طنط زينب اتوجعت على بنتها عمر كامل، وزي ما خالي طه عاش عمره كله بعيد عن بنته بسببها، أنا كمان هبعد عنها"
نظر لها بتعجبٍ فوجدها تومأ له بقوة وهي تقول:
أنا بمسامحتي ليها هبقى بساعدها، أنا مضمنش رد فعلها بعد ما الأمور تتصلح، علشان كدا مشيرة هتتعب معايا شوية، و ربنا يساحمني بقى"
ضحك هو بخفة ثم قال بهدوء:
والله العظيم أنا دماغي ورمت من مشيرة و حواراتها، سبحان الله معلمة على عيلة كاملة هي و فاطمة، حتى اللي كان قريب منهم برضه مسلمش اذاهم"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
أنا عارفة أني بتعبك كتير والله معايا، و بشغلك أكتر، بس أنتَ الوحيد هنا اللي بطمن لما اتكلم معاه، مش عارفة ليه، بس بحس إنك حاجة تانية، هما فـ عالم و أنتَ فـ عالم تاني"
مال هو بجزعه عليها ثم قال بنبرةٍ هامسة:
طول عمري عايش في عالم لوحدي، مكانش عندي حد قريب مني لدرجة انه يفهمني، غير وليد بصراحة، كلهم مقدروش قيمتك عندي، بس أنا كنت مستني على اساس إن هيجي يوم و تجمعنا الدنيا سوا، لسه فاكر أول مرة قالولي و أنا صغير أني هتجوز خديجة، ساعتها صممت أني هتجوز جميلة، فضلوا يضحكوا عليا و يعاندوا معايا، و أنا صممت جميلة يعني جميلة، جملة خرجت من عيل صغير لجمت قلب عاشق، و بقيت في عالم تاني مفيهوش غير طارق و جميلة"
اخفضت رأسها في خجلٍ من حديثه فوجدته يربت على رأسها ثم قال بهدوء:
تصدقي لسه واخد بالي إن لولا وجود وليد في حياتي عمري ما كنت هوصلك زي دلوقتي، لولا خطة كتب الكتاب دي، كان زماني ببكي على الأطلال"
ضحكت هي ثم أضافت:
بصراحة هو أنا ساعات بخاف من دماغه، بس برضه هو بيستغلها في الخير، ربنا يكرمه هو و عبلة، عرفت برضه انهم شافوا الويل علشان يكونوا سوا، و عرفت انها بعدت عنه فترة بسبب ام... قصدي بسبب مشيرة"
أومأ هو لها ثم قال بضيق:
عبلة ساذجة أوي، صدقت شوية هبل من غير ما تتأكد منه، ظلمت وليد و بعدت عنه ورفضته قدامي، بس هو راجل علشان فكر صح و عرف يوصلها رغم انها كانت مقفلة السكك في وشه"
ضحكت هي بقوة ثم قالت بسخرية طفيفة:
ما شاء الله عيلة الرشيد كلها حبيبة، والله انتو ناس جميلة أوي و أنا حبيتكم بسرعة، حتى هدير و هدى، بحبهم أوي، هدير دي جواها طيب أوي بس بتعمل نفسها جامدة"
قبل أن يرد عليها «طارق» وجد هاتفها يصدح برقم لم يكن مسجلًا على الهاتف، و لكن التطبيق الخاص بالتعارف على هوية المتصل اظهر لها الاسم وهو (مشيرة الرشيد)، نظرت هي له فوجدته يقول باستفسار:
ها هنعمل إيه؟ هتردي؟"
مدت يدها بالهاتف له وهي تقول بنبرةٍ قوية:
رد عليها أنتَ، قولها جميلة نايمة و مش هتقدر تصحى، لو أصرت صمم أنتَ كمان إنك مش هتقدر تصحيني"
أومأ لها ثم أخذ الهاتف من يدها، و قام بتنفيذ ما قالته هي، كانت تتابعه هي بحزن على ما تفعله فهي تعلم أن والدتها ستصاب بنوبة حزن، لكنها ترى نفسها على حقٍ، فهي إذا تساهلت في مسامحتها ستفرط في حق خديجة و العائلة بأكملها، انهى هو الحديث ثم مد الهاتف لها، أخذته منه وهي تقول بنبرة مهتزة ممتزجة بالحزن:
هي زعلت صح؟"
أومأ لها ثم أضاف:
هي للأسف عرفت إنك مش عاوزة تردي عليها، و انهارت من العياط"
تنهدت هي بضيق لعلها تخرج ما يجيش به صدرها، ثم قالت بنفس النبرة الحزينة:
لحد ما أتأكد انها اتغيرت فعلًا هفضل أعاملها كدا، هي أمي آه، بس برضه أنا مش ضامنة هتفضل تحارب كتير ولا هترجع تاني زي الأول"
________________
في شقة «حسان» كانت «مشيرة» جالسة في الشرفة وهي تبكِ بقوة بعدما رفضت ابنتها مهاتفتها، اتى «حسان» من خلفها ثم مد يده لها بالدواء و كوب المياه وهو يقول بهدوء:
الدوا يا مشيرة مخدتيهوش، و أنتِ ضغطك مش متظبط الأيام دي"
رفعت أعينها الباكية تنظر له، فوجدته يقول بلهفة:
بتعيطي ليه يا مشيرة؟ تعبانة طيب؟"
حركت رأسها نفيًا فجلس مقابلًا لها، وهو يقول بهدوء بعدما زفر بقوة:
طب قوليلي مالك طيب؟ حصل إيه زعلك، أكيد مش لوحدك يعني كدا بتعيطي"
قصت عليه ما حدث حينما هاتفت ابنتها و رفضها التحدث معها، بعدها أجشهت في بكاء مرير وهي تقول من بين شهقاتها:
والله العظيم كنت بس عاوزة أسمع صوتها حتى لو كلمة آلو بس، والله ما كنت هطول، لما بكلمها من عندك مش بترد، ولما كلمتها من رقمي التاني عرفت و مردتش عليا... عاوزة بس أطمن عليها"
زفر «حسان» بقوة ثم قال بهدوء:
سيبيها براحتها يا مشيرة علشان الضغط عليها مش هيفيد بحاجة، بالعكس دي هتعند أكتر، ادعي ربنا يحنن قلبها عليكِ"
أومأت له ثم أخفضت رأسها في خجلٍ فوجدته يقول بنبرةٍ مهتزة و كأنه يصارع نفسه للتحدث:
مشيرة، ينفع أسألك عن اللي حصل زمان؟"
رد رفعت رأسها بسرعة كبيرة تنظر له فوجدته يسترسل حديثه قائلًا:
أنا سمعت من كل الأطراف، لسه الطرف المهم، أنا متأكد إنك مش خاينة، بس عاوز أعرف منك أنتِ إيه اللي حصل، احكيلي يا مشيرة"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بعدما أماءت له برأسها إيماءة بسيطة ثم استطردت حديثها قائلة:
أنا كنت صغيرة و كنت لوحدي فـ بيت أهلي، محدش منهم كان قريب مني، فضلت عايشة من غير أخت، لحد ما فـ يوم نزلت الشغل عند بابا، شوفت هناك فاطمة و مديحة، واحدة فيهم كانت راسمة على محمود و التانية على طه، بما انهم مكانوش اتجوزوا لسه، مرتضى و محمد اتجوزوا قبل محمود الكبير، اتعرفوا عليا هناك و بقوا صحابي، و بقيت بروح هناك علشانهم، اتعرفوا عليا و بقوا أخواتي مش صحابي، فاطمة عرفت ترمي شباكها على محمود صح وهي كانت حلوة أوي بصراحة، و فعلًا صمم يتجوزها، إنما طه كان بيحب زينب زميلته، لما فاطمة اتجوزت محمود، و مديحة معرفتش توصل لـ طه قالت أبقى أنا البديل، و أبقى أنا لأخوها، بدأ يقرب مني و يتكلم معايا بس كنت بصده في الأول، و كان بيبعت جوابات مع اخته و مكنتش برد عليها، بس أنا ضعفت في الأخر و شيطاني كان أقوى مني لما خلاني أرد على الجواب الأول، هي كدا سكة الشر تفتح البداية بس، و بعد كدا السكة بتبقى سهلة"
توقفت عن الحديث تأخذ نفسًا عميقًا، وهو يتابعها بتمعن، فوجدها تستطرد حديثها قائلة:
رديت على أول جواب، و بس قولتله فيه ان أبويا لو عرف أو حد من أخواتي هيموتوني، و قلتله يتقدملي علشان كل حاجة تبقى صح، ساعتها وافق و بعتلي مع أخته الرد إنه هيعمل أي حاجة علشاني، فرحت ان فيه حد اختارني، بقى يحاول كتير بس كل مرة كنت بصده والله، و قصاد كل ١٠ جوابات منه كنت برد بواحد بس، و دي كانت غلطتي، لحد ما أبويا عرف انه ملاوع و ساعتها جبرني اتجوزك، أنا ساعتها كنت هموت من طريقة ابويا ليا، طول عمره كان مدلعني، بس ظهورك خلاه يعاملني وحش،
بس ربنا يعلم والله العظيم من ساعة ما بقيت مراتك عمري ما كلمت مجدي و لا اتواصلت معاه، كان هو بيحاول و يبعت أخته علطول، وكل مرة كنت بصدها و أخر مرة قولتلها أني هعرف أبويا علشان يشوف ليهم حل، لقيتها في مرة بتقولي إني لو عاوزة أخلص منك هي ممكن ترمي بلاها عليك قصاد أبويا وهو ممكن يخلصني منك، الفكرة ساعتها خوفتني أوي و خصوصًا أني عرفت أني حامل، مكانش قدامي غير حل واحد وهو أني ابعت جواب لمجدي، و أعرفه فيه أني حامل و حتى لو كان حملي غلطة مش مقصودة بس أنا هحافظ على بيتي، ودي كانت أول و أخر مرة بعت فيها جواب ليه و أنا على ذمتك، و الصور اللي شوفتها كانت فعلًا في الرحلة اللي أبويا عاملها للعمال
و الكاميرا دي كانت بتاعة مجدي و اتصورتهم بعد الحاح من أخته و منه و برضه كان في بداية علاقتنا، بس و فاتت الأيام و السنين و حبيتك أنا و حبيت جميلة اللي بقت أحلى حاجة فـ حياتي ومع الوقت قطعت علاقتي بمديحة و مجدي، لحد ماهو بعت الجوابات دي مع أخته و قالي إن كل حاجة بينا هو خلاص هينساها علشان حب واحدة جديدة و هيتجوز و مش عاوز حاجة تربطه بيا، ساعتها كنت فرحانة أني بخلص من الحبل اللي على رقبتي، كل مرة كنت عاوزة أقولك أني بحبك و أرجع افتكر الجوابات و مجدي أحس أني وحشة، لحد ما هما ظبطوها سوا و فاطمة ساعدتهم و اللي راحت فيها زينب، بس ربنا يعلم أنا مخنتكش و لا فكرت في غيرك ولا كلمته حتى مرة واحدة و أنا على ذمتك،
والله العظيم ما فيه غير الجواب بتاع حملي دا، و كتبت كدا علشان مديحة كانت عارفة ان حملي كان غصب عني، والله أنا مكنتش وحشة أوي كدا زي ما كلهم ظنوا فيا، اخواتي كلهم شكوا فـ أخلاقي و خصوصًا طه علشان كدا أوحش نسخة مني طلعت ليهم و عملت اللي عملته فيهم، والله كنت زي العيلة الصغيرة اللي أمها سابتها وسط الصحرا، أخواتي ضربوني و طلعوا عيني علشان كدا أنا كنت برد على افعالهم فيا، بس والله أنا بحبك و الله كل دا كان قبل دخولك حياتي"
قالت حديثها ثم بكت مرةً أُخرى تُنعي حظها الذي أوقعها ضحية في شباك من ظنت فيهم الخير وهم أسوأ مما رأت عنياها، أما هو بعدما استشف صدق حديثها من نبرتها، اقترب منها يربت على يدها بعدما أمسكها بين كفيه وهو يقول بهدوء:
و أنا مصدقك و مسامحك، والله لما عرفت انك اتظلمتي مني قبلهم كنت عاوز أموتهم في ايدي، والله أنا ساعتها لغيت قلبي و مشيت ورا عقلي، كنت غبي لما صدقت انك ممكن تكوني ست وحشة و لا خاينة، بس أنا ما صدقت لقيت حاجة ترضي غروري كـ راجل، و الراجل لما بيحب يا مشيرة بجد بيتحول حبه دا لنار بتحرق، أنا لو كنت روحت لمجدي دا ساعتها و واجهته إني واثق فيكِ، كان هو نفسه هيعترف بكل حاجة خصوصًا انه كان ندل و ضغيف، بس أنا غلطت لما صدقت، بس والله دا من قلبي اللي حبك و اتمنى قربك"
نظرت له باندهاش فوجدته يضيق بهدوء:
معرفتش أكرهك يا مشيرة، ولا عرفت أنساكي، و هبدأ من جديد معاكي و أنتِ كمان هتبدأي من جديد معايا، بس لما نتوب عن كل حاجة غلط و أنا هبدأ أعلمك ازاي تقربي من ربنا زي ما علمت جميلة، موافقة ؟"
أومأت له بقوة و عيونها تنطق بالفرح فوجدته يقول بهدوء:
قومي اتوضي يا مشيرة علشان أصلي بيكِ قيام الليل، أنا واخد بالي انك بتحاولي بس مش عارفة، يلا و أنا هستناكي"
أومأت له بأعين دامعة ثم تركته و ذهبت من أمامه، بينما هو انتظر حتى اختفى أثرها تمامًا، ثم أخرج صورتها من محفظته وهو يقول لها:
يمكن رجوع مشيرة التانية بقى سهل، بس الصعب هو أني أحافظ عليها بعد ما ترجع، ربنا يقدرني و أقدر أعوض اللي فاتني و فاتها و فات جميلة معانا"
_______________
في شقة «رياض» بعد انقضاء السهرة، و بعد منتصف الليل، كانت «خديجة» شاردة في حديثه مع والده، هل حقًا كان سيلقي اللوم عليها؟ هل كانت نظرته المعاتبة حقيقية؟ لم تستطع النوم بل ظلت تتحرك على الفراش و التفكير يعصف بذهنها، فجأة ضربته في كتفه دون وعيًا منها وهي تنقلب للجهة الأخرى، شهقت بقوة ثم اقتربت منه حتى تتبين إن كان نائمًا أم لا، فوجدته يعانقها بشدة وهو يقول بمرحٍ خبيث:
بقالك ساعة عاملة زي الكتكوت اللي نايم فـ كرتونة، عمالة تلفي و تتحركي، خير يا خديجة، مالك؟"
نظرت له بصمت و لم تتحدث، ففهم هو ما يدور برأسها، فابتسم هو ثم أردف بهدوء:
لأ يا خديجة مش زعلان منك، و لا كنت هلومك و لا أعاتبك زي ما قولت لرياض، أنا قولتله كدا علشان يحس بغلطه، لكن والله ما أقدر ألومك على حاجة أنتِ ملكيش ذنب فيها"
تحولت نظرتها إلى اللين بعدما كانت جامدة و كأنها بذلك تعاتبه، فوجدته يقربها منه أكثر يشدد عناقه لها وهو يقول بحبٍ:
أنا زعلان علشان زعلتك لما بصيتلك في العربية، مكنتش حابب أنك تشوفيني كدا، أنا كنت هعيط قصادك من خوفي عليه، لكن زعلي عمره ما يكون منك أبدًا"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ متوعدة:
والله العظيم لو كنت عملتها و زعلتني كنت ضربتك حتة قلم يا ياسين، بس سماح المرة دي"
ابتعد عنها ينظر لها متعجبًا، ثم تحولت نظرته إلى أخرى حانقة ولكنها زائفة وهو يقول:
احنا صعايدة يا خديجة و دمنا حامي، يعني الراجل اللي مراته تبوق معاه، تاخد بالجزمة على دماغها"
سألته هي بضيق:
والله يا أستاذ ياسين؟ طب و ماله، أنا بقول ترجع لحياتك الطبيعية بقى من غيري علشان أنتَ شكلك اتهبلت"
قطب هو جبينه يسألها بنبرةٍ حائرة:
حياتي قبلك إزاي يعني؟ قصدك إيه يا ست الكل مش فاهم ؟"
ردت عليه هي بلامبالاة:
ترجع بقى تدور على عروسة كل أسبوع، و ترفضها وتروح تشتكي لصحابك، لحد ما ربنا يكرمك و تلاقي خديجة تانية تديها بالجزمة زي ما أنتَ عاوز"
اقترب منها أكثر يقول بمشاكسة:
ريحي نفسك علشان هي خديجة واحدة بس اللي مالية عنيا، كل ستات الأرض دول حاجة، و خديجة عندي حاجة تانية"
ابتسمت هي له بحبٍ فوجدته يضيف هامسًا بهدوء:
أنّــتِ وَحــدكِ مَـــن رأيْــتُهـا بِــعَيـْن قَـلّـبِي...فأقــسَمَت الرَوَح ألا تَـتخذُ ســواكِ رَفــيقةً لِـ دَربــي"
رفعت أعينها تنظر له باندهاش فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
شددت عناقها له وهي تقول بهدوء:
أنا بحبك أوي والله يا ياسين، أكتر من أي حاجة تانية في الدنيا، يعني شوف أكبر حاجة الحياة، أنا بقى بحبك قدها أو اكتر منها كمان"
اعتدل هو نومته على الوسادة وهي قابعة بين ذراعيه، ثم قال بنبرةٍ منهكة:
طب من هنا لحد ما نعرف إيه هي أكبر حاجة و حبك أكبر منها نامي علشان أعرف أنام علشان شغلي بكرة، كفاية اللي رياض عمله فيا النهاردة"
سألته هي بقلقٍ:
هو أنتَ هتروح الشغل بكرة بجد و تسبني لوحدي معاهم؟"
تحولت نظرته إلى أخرى متسائلة وهو يقول بنبرة حائرة:
أيوا هروح الشغل بكرة و أسيبك هنا، و بعدين هو أنا سايبك مع الكاتعة؟ أنا سايبك مع زُهرة"
ردت عليه هي بسرعة حتى تنفي حديثه:
مش قصدي حاجة والله، بس أنتَ عارف أنا بعك الدنيا ساعات و بتعامل بعفوية غريبة، خايفة أعك الدنيا و أنتَ مش معايا"
تنهد هو بعمقٍ ثم ربت على رأسها وهو يقول بهدوء:
رياض و زهرة زيي بالظبط، احنا التلاتة ياسين، يعني براحتك معاهم خالص، اوعي تتصنعي علشان تعجبي حد حتى لو كان مين، اللي هيحبك يبقى يحبك زي ما أنتِ، و أنا أهلي بيحبوكي أوي، يبقى متخافيش منهم علشان هما ولاد حلال، و بعدين زهرة بس هي اللي هتبقى موجودة، رياض هيروح الشغل هو كمان، و بيرجع قبلي بنص ساعة و ساعات معايا"
أومأت له ثم رفعت رأسها تقبل وجنته ثم عادت لموضعها وهي تقول مبتسمة:
نام بقى علشان أنا قرفتك النهارة في عيشتك"
ضحك هو ثم أغلق عيناه وهو يقول بصوتٍ منخفض:
والله أحلى قرف في الدنيا كلها، ياريت كل حاجة متعبة تبقى زيك كدا يا خديجة، كان الواحد ارتاح في حياته"
ابتسمت هي بهدوء بعدما أغلقت عيناها، بينما نظر هو لها بنصف عين يراقب ملامحها، فوجد نفسه يضحك باتساع حينما وجد بسمتها تتسع شيئًا فشيئًا في نومها على الرغم من ذهابها في ثباتٍ عميق، فالتفت هو يغلق الأضواء من جهته وهو يقول بنبرة ضاحكة:
كتكوتة كتكوتة يعني، بس سكر بنت اللذين"
______________
في اليوم التالي تحديدًا في شركة أحفاد الرشيد، كان «طارق» جالسًا مع الشباب يتابع سير العمل، فابتسم هو برضا ثم قال بفخرٍ:
تشكر يا حسن والله عارف أني سايب راجل بمقام جيش كامل، حقك علينا في التقصير دا، بس والله الدنيا مكركبة على دماغ أهالينا"
رد عليه «حسن» بضيق زائف:
ما تبطل هطل بقى يا طارق، إيه الكلام الخايب دا، هو أنا غريب عنكم؟ و بعدين دا مكاني أنا كمان ولا ناوي تضرب على نصيبي؟"
ضحك «طارق» بينما «وئام» قال و كأنه يستفسر منه:
فكرني كدا يا اسمك إيه أنتَ ليك إيه عندنا؟ لا تكون طمعان في التلت ولا حاجة، أنا ناصب عليك أصلًا"
رد عليه «حسن» بهدوء:
أنا و فلوسي و عمري كله تحت أمركم مليش غيركم أصلًا، حتى أختي فقدت أملها فيا و راحت اسكندريه عند ابنها، يعني خلاص مش لاقي حاجة أعملها غير أني ألزق فيكم"
رد عليه «وليد» بمرحٍ:
أنا بدورلك على عروسة والله مش ساكت، بس كلهم بنات ناس، مفيش واحدة هتستحمل هبلك يا سونسن"
رد عليه «حسن» بضيق زائف و بوجهٍ ممتعض:
والله العظيم طول ما أنتَ بتدلعني بطريقتك الزفت دي هتفضل منحسة في وشي"
لوح له «وليد» بيده ثم قال:
أنتَ اللي نيتك سودا، صفيها بقى علشان تتجوز و تخلصنا منك، عاوز أطمن عليك أنتَ كمان مفاضلش غيرك و خلود، جوزت مصر كلها، يا أخي دا حتى مشيرة و حسان الرخم جوزتهم"
ضحك الجميع عليه، فتدخل «أحمد» يقول بمرحٍ:
ربنا يكرمك لحد ما تجوزني أنا و سلمى كمان يا رب"
نظر له «وليد» بمرحٍ وهو يقول:
مش حماك عم محمد؟ صبرك عليا و رب الكعبة لأهربك معاها علشان يعرف يقرفني في عيشتي كويس"
_"قسمًا برب الكعبة يا صايع منك له لو محترمتوش نفسكم لأكون طاردكم طرد الكلاب من هنا، دا أبويا يا جوز كلاب أنتَ و هو"
خرجت تلك الجملة من «طارق» بنبرة جامدة متوعدًا لهما، بينما «وليد» نظر له بسخرية وهو يقول:
مكانش العشم يا طارق، و أنا اللي كنت فاكرك محل ثقة، طلعت محل جِزم"
ضحكوا جميعًا عليه، بينما «حسن» تنهد بعمقٍ ثم قال:
بكرة أنا مش هاجي علشان الذكرى بتاعة وفاة ريم، اعذروني"
نظروا له جميعهم بأسى، بينما «وليد» سأله بضيق:
يا بني ليه تروح و أمها تسم بدنك بكلام زي الزفت؟ أقرأ قرآن على روحها و اعملها صدقة و خلاص، ليه تفضل تسمع كلام يتعبك، احنا ما بنصدق انك تتعافى شوية"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بوجع:
دا وعدي ليها، أخر حاجة طلبتها مني قبل ما تموت هي أني أفضل أزورها حتى لو ربنا كرمني و اتجوزت غيرها، أمها دي بقى ربنا يعينها هي فاكرة إن أنا السبب"
تحدث «وئام» يقول بحزن هو الآخر:
حتى هدى فاكرة انها السبب في تعب أمها و مش قادرة تسامح نفسها، و أنا عمالة احايل و أهادي، بس خلاص جبت أخري والله"
ربت «طارق» على كتفه وهو يقول مؤازرًا له:
خليها عليك، استحملها علشان دا أكتر وقت هي محتاجة وجودك فيه يا وئام، هدى غصب عنها هتفضل فاكرة نفسها سبب في اللي حصل بس دا نصيب"
أومأ له ثم زفر بقوة وهو يقول:
طب أنا هروح مع أحمد علشان نشوف المطبعة و نوصل الحاجة للشركة، و حسن هيقابل الناس اللي هتيجي، و أنتَ و وليد ظبطوا الحاجات اللي ممكن تعمل دربكة، علشان محدش يتلغبط"
أومأ له «طارق»، بينما خرجوا جميعًا من الغرفة عدا «وليد» الذي نظر له يتفحصه وهو يقول بهدوء:
مالك يا أستاذ طارق؟ خير إن شاء الله، بتحب جديد"
ابتسم هو بسخرية ثم قال:
الحب الجديد هو الحب القديم يا وليد، بس هي غالبًا مش حباني"
قطب «وليد» جبينه يسأله بتعجب:
ليه بتقول كدا؟ هي قالتلك أنها مش حباك؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول:
المشكلة إنها مش بتقول، هي بس بتسكت، أنا خايف أكون محطة في حياتها بتتجاوز فيها اللي حصل، ولما تيجي الفرصة تركب قطر تاني و تسبني و تمشي"
ابتسم «وليد» بخبثٍ وهو يقول:
و ماله، يبقى نتأكد إنك قطر العمر، اللي بنركبه مرة واحدة، من غير تغيير"
سأله «طارق» بحيرة:
قصدك إيه أنا مش فاهم، هتعمل إيه تاني"
ابتسم له «وليد» بهدوء وهو يقول:
متشغلش بالك، لسه بدري على الكلام دا يا طارق"
________________
في منتصف اليوم و قبل موعد عودة «ياسين» من العمل، كانت «خديجة» في المطبخ جالسة برفقة «زهرة» تقوم بصنع الحلويات معها، انتهت «زهرة» من التزيين ثم قالت بهدوء:
كدا تمام و دي كمان خلصت، أنا هطلع أودي لطنط منال جارتنا، قبل ما الشباب يجوا رياض قالي انهم هيجوا بعد رجوع ياسين"
أومأت لها «خديجة» وهي مبتسمة ثم قالت:
هو مش بابا رياض المفروض بيرجع قبل ياسين؟ هو فين؟"
ابتسمت لها «زهرة» ثم قالت:
قولتله يقعد مع فهمي علشان ميعطلناش، هيفضل يوترني و يستعجل فيا، و أنا خلقي ضيق يا بنتي و هتعصب عليه قدامك"
ضحكت «خديجة» بقوة، فوجدتها تقول بمرحٍ:
طب أنا هطلع علشان منال رغاية و هتفضل تستفسر عن أدق تفاصيل حياتي، عاوزة حاجة مني ؟"
ردت عليها بهدوء:
عاوزة سلامتك، لو فيه حاجة ممكن أعملها لحد ما تنزلي عرفيني، و أنا ممكن أعملها"
ردت عليها هي بهدوء:
احنا خلصنا كل حاجة خلاص، ريحي أنتِ شوية علشان واقفة معايا من الصبح، سلام"
قالت جملتها ثم أخذت الطبق التي قامت هي باعداده لجارتها ثم خرجت من الشقة، بينما «خديجة» تنهدت بفرحٍ و سعادة ثم جلست على المقعد الخشبي امام الطاولة في المطبخ وهي تنظر للحلويات بسعادة طفلة صغيرة قامت بمعاونة والدتها في أعمال البيت لأول مرة، وبعد مرور دقائق سمعت صوت باب الشقة يُغلق، انتظرت ثوانٍ ثم رفعت صوتها وهي تقول:
ماما زُهرة أنتِ جيتي؟"
اشرأب هو برأسه من على أعتاب المطبخ ثم قال بمرحٍ:
لأ مش ماما زهرة بس ابنها، ينفع معاكي ؟"
ضحكت هي بسعادة بالغة حينما رأته ثم ركضت إليه وهي تقول بهدوء:
طبعًا ينفع و نص كمان، هو احنا نطول ؟"
نظر هو لها متعجبًا ثم قال بطريقة مُضحكة تشبه طريقتها:
لمي نفسك يا خديجة، احنا مش فـ بيتنا، عيب كدا"
شهقت هي بقوة ثم التفتت توليه ظهرها فوجدته يضحك بقوة ثم مال عليها يقبل وجنتها وهو يقول بمرحٍ:
عيشت عمري كله فـ البيت دا أول مرة أشوف مطبخنا فيه كل الحلويات دي، تتاكل أكل"
التفتت له تقول بفرحة كبيرة:
ايوا الحلويات دي عملتها أنا و ماما زُهرة مع بعض إيه رأيك؟"
تلاشت بسمته شيئًا فشيئًا وهو يقول بنبرةٍ حانقة من عدم استيعابها:
غبية...للأسف حلويات بس غبية"
ضيقت جفنيها تنظر له بشكٍ فوجدته يتابع حديثه قائلًا:
أنا قصدي أنتِ اللي حلويات يا حلويات، مفيش استيعاب خالص؟"
ابتسمت هي بخجلٍ وقبل أن ترد معقبة على حديثه، وجدت والدته تمسكه من الخلف وهي تقول بضيق:
بتعمل إيه في المطبخ يا جزمة؟ لم نفسك و ابعد عن المنطقة دي خالص"
رد عليها هو ببساطة بعدما أبعد يدها عنه:
أنا واحد راجع من الشغل تعبان، ببص لقيت المطبخ مليان حلويات، مش من حقي أدوق برضه ؟"
ردت عليه والدته بحنقٍ:
دا في بيتك يا حيوان، لكن هنا تقعد بأدبك"
رد عليها هو بضيق:
بــس...أنا أروح شقتي أأكل فيها براحتي لحد يطردني من مطبخ و لا حد يقفشني باكل حلويات، يلا يا حلويات معايا"
قال جملته وهو يمسك يد زوجته حتى يرحل بها، فوجد والدته تفك يدها من يده وهي تقول بانفعال:
ايدك يا معفن، جاي من الشغل و الشارع و داخل المطبخ كدا و بتمسك ايدها، يع عليك"
رد عليها هو بسخرية:
هو أنا شغال في منجم فحم؟ أنا شغال في انضف شركة هندسة في مصر"
ردت عليه والدته بضيق:
طب روح يلا غير هدومك، علشان صحابك زمانهم جايين، طالما أنتَ جيت، كلكوا بتخلصوا في وقت واحد"
أومأ لها ثم غمز لزوجته بمرحٍ وهو يقول:
راجعلك يا ست حلويات"
اخفضت هي رأسها في خجلٍ، بينما والدته ضربت كفًا بالأخر وهي تقول بذهول:
الواد اتهبل..بس بيحبها"
بعد قليل خرج «ياسين» من غرفته بعدما بدل ملابسه ثم دخل المطبخ وهو يقول بهدوء:
عاوزين مساعدة مني ولا حاجة؟ استغلوني بدل ما ارجع في كلامي، هاه"
ردت عليه والدته بهدوء:
كل حاجة جاهزة و أنا بدأت اسخن كمان، هيبقى فاضل نغرف بس، أنا هخرج برة اكلم رياض، و أنتَ اقعد بأدبك"
أومأ لها بهدوء و كأنه طفلًا صغيرًا يأخذ تعليمات والدته، رجع برأسه للخلف يتابع خروج والدته ثم قال لها بهدوء:
طب هي مش عاوزة تستغلني، أنتِ مش عاوزة تستغليني؟"
سألته هي بنبرةٍ حائرة:
هستغلك ازاي يعني؟ أنا بعمل سلطة، مش محتاجة مساعدة فيها"
رد عليها هو بمرحٍ:
هو أي حد يمسك سكينة يبقى بتاع سلطة؟ لأ طبعًا، السلطة دي فن"
زفرت هي بضيق ثم قالت:
اللهم طولك يا روح، خير يا ياسين؟ نعم"
أخذ هو الخيار من يدها ثم قال:
أنعم الله عليكِ، وحشتيني والله"
ابتسمت هي له ثم قالت:
هما كلها كام ساعة و رجعت تاني، متكبرش الموضوع"
رد عليه هو بمرحٍ:
الموضوع كبير و الله بس أنتِ اللي مش واخدة بالك، الجوانب كلها داخلة في بعض"
قال جملته ثم قطم من الطعام في يده، بينما هي نظرت له بيأس ثم عادت لما كانت تفعله، أما هو فقام حينما سمع جرس الباب ثم قال:
دول العيال جم، تعالي يلا علشان نسلم عليهم"
أومأت له ثم خرجت خلفه، وفي تلك اللحظة حمدت الله في سرها أنها قامت بتبديل ثيابها، وقفت بجانبه وقبل أن يقوم بفتح الباب، وجد والدته يأتي من الداخل وهو يقول بمرحٍ:
لأ هفتحلهم أنا، بحب اللحظة دي أوي"
نظر له «ياسين» متعجبًا فوجده يلتفت ثم قام بفتح الباب وهو يقول بمرحٍ كعادته:
يا هلا بالرجال و حلاوة الرجال"
نظروا له ثلاثتهم بضيق بينما الفتيات كانت تضحك عليهم، فقال «عامر» بسخرية:
طبعًا ما إحنا داخلين و محملين، جايبين سوق العبور في ايدينا، نفسي افهم أنتَ إيه"
أشار لهم بالدخول وهو يقول بضيق زائف:
أنا غلطان أني بعتبركم زي عيالي، بس اقول إيه عيال متربتش"
وضعوا هم الاشياء على الطاولة ثم بدأت التحيات تدور بينهم، بينما «ياسين» نظر لما جلبوه معهم بتعجبٍ وهو يقول:
هو فيه إيه يا رجالة؟ قفص مانجا، و كرتونة تفاح، و قفص جوافة، هو أنتو كنتو فين بالظبط؟"
تحدث «خالد» بضيق و بنبرةٍ شبه منفعلة:
البركة فـ أبوك يا أخويا، اتصل بينا و قالنا روحوا لعم محسن الفكهاني هيديكوا حاجة مهمة، روحنا و رجعنا زي ما أنتَ شايف كدا"
تدخل «ياسر» يقول بسخرية:
مش دي المشكلة، المشكلة إن مكانش فيه حساب مدفوع أصلًا، يعني تدبيس من كله"
نظر لهم «ياسين» باندهاش ثم وجه بصره نحو والده فوجده يقول بمزاح:
اومال يدخلوا بايديهم فاضية؟ شكلهم هيبقى وحش والله، أنا خايف على منظركم"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ حانقة:
يا عم احنا بنحب شكلنا يبقى وحش، أنتَ شاغل بالك ليه؟ و بعدين أنتَ المفروض عازمنا علشان احنا عرسان جداد، يعني احنا اللي ناخد منك، مش العكس"
رد عليه «رياض» بضيق:
إيه؟ تاخد مني ليه إن شاء الله؟ هو أنا هأمن مستقبلك؟"
أتت «زهرة» من الداخل وهي تقول بنبرةٍ مرحة وهي ترحب بهم:
حبايب قلبي وحشتوني"
ألقت التحية عليهم ثم قامت باحتضان الفتيات، ثم حملت «يونس» على ذراعها وهي تقول:
حبيب قلب تيتة يا ناس، والله أطردهم كلهم و أسيبك أنتَ بس تلعب معايا"
قالت جملتها ثم سألت «ريهام» بمعاتبة:
هو ضعيف ليه يا ريهام؟ أنتِ مش بتأكليه ولا إيه"
ردت عليها «ريهام» بقلة حيلة:
والله هو اللي من ساعة ما بدأ يمشي وهو مش بياكل خالص"
تدخل «رياض» يقول بسخرية:
ياريت عامر يبدأ يمشي هو كمان، يمكن يبطل أكل"
نظر له «عامر» بحنقٍ وهو يقول:
أومال لو مش أنتَ و أبويا صحاب بقى كنت عملت فيا إيه؟"
تحدثت «زهرة» تقول بهدوء:
طب يلا ناكل و بعدين نشوف مين هيعمل فـ التاني إيه؟"
اتت «خديجة» تقف بجانبها بعدما انتهت من ترتيب الطاولة، فوجدت «إيمان» تقول لها بشرٍ:
كنتِ فين يا كتكوتة؟ و مرجعتيش بيتك امبارح ليه بقى؟"
ردت عليها «خديجة» بخوفٍ:
والله العظيم بتنا هنا امبارح مش عند ماما، والله اسألي ياسين حتى"
أومأت لها «إيمان» ثم قالت بنبرة متوعدة:
وماله...أنا قولت أخلص من فرحي و أفوق لك، مفيش حد هيحوشني عنك، أصلك مش هتفضلي قطة مغمضة كدا كتير"
وقف «ياسين» بجانبها وهو يقول بحنقٍ:
بقولك إيه هتيجي جنب مراتي، هخلي العيون الزرقا دي توحشك، أنا بقولك أهوه، هي حلوة وهي كتكوتة كدا"
تدخلت «سارة» تقول بمزاح:
والله إيمان دي طيبة خالص، و بتدي كورسات مفيدة في الحياة، صدقني مش هتندم والله"
اضاف «ياسر» يقول بهدوء:
والله يا جماعة إيمان دي نسمة طايرة، زي الريشة، ربنا يحميها والله لشبابها، و يبارك في عمرها و صحتها
ردت عليه هي بسخرية مرحة:
شكرًا يا ياسر يا حبيبي، بس كدا أنتَ مش بتطبل لمراتك، أنتَ كدا بتطبل لـ أمك"
ضحكوا عليهما جميعًا فقال هو مُردفًا بثبات:
دا اللي عندي بقى"
تحدثت «خديجة» تقول بهدوء:
طب اتفضلوا قبل الأكل ما يبرد، تعالوا"
أومأ لها الجميع ثم ذهبوا خلفها، و جلس كلًا منهم بجانب زوجته، بينما «زهرة» خرجت من المطبخ وهي تقول تحمل صينية كبيرة ثم قالت وهي تضعها على الطاولة:
الحمام المحشي، عمايل ايدي مخصوص لحبايب قلب زُهرة"
وضعت الصينية في منتصف المائدة، فنظر الشباب لبعضهم البعض ثم انفجروا جميعًا في الضحك، نظر لهم البقية باندهاش، فحاولوا هم كتم ضحكاتهم، لكنهم لم يستطيعوا، فأعادوا الكرة من جديد، فتحدثت «زهرة» تقول بضيق:
فيه إيه يا جزمة أنتَ وهو؟ ما تضحكونا معاكم"
اوقفوا الضحكات سويًا و كلًا منهم يشرب المياه حتى ينقي حلقه، بينما «ياسين» تحدث بهدوء:
كل الحكاية إننا افتكرنا عامر أيام زمان، قبل ما اتخرج أنا و ياسر"
سألته «خديجة» بهدوء:
حصل إيه احكولي، علشان بحب الذكريات دي"
رد عليها «خالد» بهدوء:
أنا و عامر اتخرجنا قبل ياسر و ياسين، علشان واحد طب و التاني هندسة، ساعتها كنا بندور على شغل، عم فهمي أبو عامر جابلنا شغل احنا الأربعة مع بعض، ساعتها كنا فـ أجازة و روحنا سوا، أنا كنت واقف على الكاشير، و ياسر توصيل الطلبات في المحل و ياسين مساعد الشيف، و للأسف عامر توصيل الطلبات للمنازل"
سألته «سارة» بحماس:
ها و بعدين إيه اللي حصل كمل"
ضحك هو ثم قال:
في يوم كان فيه ناس راجعين من عزا في بور سعيد، و طلبوا أكل مننا، جهزنا الأكل وكان حمام محشي رز و فريك، المهم عامر خد الطلب و راح يوصله و حصل اللي حصل"
سألتهم «ريهام» بحماس:
أيوا إيه اللي حصل بقى؟ الفضول مش مريحني"
رد عليها «ياسر» بهدوء:
عامر وصل قبل الناس علشان هما كانوا لسه راجعين في الطريق، اتصل بيهم بس هما ساعتها طلبوا منه يستناهم، عامر خد الأكل و وقف قدام البيت، بس للأسف مقدرش يقاوم الحمام أكتر من كدا و اكله كله"
نظر له الجميع باندهاش، فقال هو بحنقٍ:
قبل ما حد يبصلي كدا، دا حمام سخن مولع، لو كنت سبته يبرد مكانش هيبقى ليه طعم، أنا اتصرفت صح والله"
تحدث «ياسين» يضيف بهدوء:
مش دي المشكلة، المشكلة في اللي حصل بعد كدا"
سألته «زهرة» بخوفٍ:
هو إيه اللي حصل بعد كدا، هو لسه فيه حاجة تاني؟"
أومأ لها الأربعة بخجلٍ ثم نظروا لبعضهم البعض
(منذ عدة سنوات)
عاد «عامر» متوترًا بعدما اصطدم مع أصحاب الطلب الخاص بالطعام، فوجد صاحب المطعم ينتظره بضيق، اقترب منه ثم أخرج نصف الثمن وهو يقول بنبرةٍ جاهد حتى تخرج منه ثابتة:
الناس راجعين من عزا و ظروفهم وحشة، دول نص المبلغ، و النص التاني هيجبوه بعد الاربعين بتاع المرحوم إن شاء الله"
نظر له الرجل نظرة بثت الرعب داخله و هو يقول بهدوء مخيف:
لأ البقاء لله يا حبيبي، يعني الناس هما اللي خدوا الحمام، و دافعين نص التمن؟"
أومأ لها «عامر» بقوة بعدما ازدرد لُعابه فوجد الرجل يمسكه فجأة من تلابيبه وهو يقول بانفعال:
يا حرامي يا واطي، الناس أتكلموا و اشتكوا منك، بقى بتروح تاكل أكل الزباين؟ دا أنا هخرب بيتك زي ما أنت سوءت سمعتي و سمعة المكان"
رد عليه «عامر» بضيق:
شيل ايدك يا عم سلطان، وبعدين سمعة مكان إيه اللي أنتَ خايف عليها؟ الحمام دا مسروق من غِية أم أشرف اللي على أول الشارع"
صاح الرجل في وجهه وهو يقول:
أنا هسلمك للعمال في المكان و هخليهم يموتوك الليلة دي، أنا مش هسيبك"
قال جملته ثم التفت برأسه ينظر خلفه وهو يقول بنبرة قوية:
اجمعوا كلكم هنا علشان تأدبولي البيه، يلا منك له"
اقترب العمال جميعهم ثم التفوا حول «عامر» حتى يبدأوا بمعاقبته، لكن أحد العمال انسحب بهدوء ثم ركض للثلاثة في داخل المرحاض وهو يقول بلهفة:
الحقوا، المعلم سلطان أمر كل العمال يضربوا عامر برة، و كلهم اتجمعوا عليه"
نظروا لبعضهم البعض ثم ركضوا حتى يلحقوا رفيقهم، فامسك «ياسين» أحد أدوات الطعام وهي عبارة عن مغرفة كبيرة الحجم، و خرج «ياسر» بِـ دلوًا ملئ الماء و الصابون، أما «خالد» فقال بصوتٍ عالٍ خرج منه جهوريًا:
ايدك انتَ وهو عن أخويا اللي هيقرب منه هدفنه مكانه"
نظر له «سلطان» بشرٍ ثم قال:
ادبوا اللي معاكم و امسكوا دا بعده"
في تلك اللحظة وقف «ياسين» امام «خالد» وهو يقول بنبرةٍ قوية:
اللي هيقرب من أخواتي هخلي ست الكل تترحم عليه الليلة دي، هاتوا اخركم بقى، يلا يا ياسر"
أومأ له «ياسر» ثم قام بقذف المياه في وجوه العمال ومعهم «سلطان» مما جعل «عامر» يشعر ببعض الشجاعة ثم أمسك الخوذة الخاصة بالدراجة النارية وهو يضرب بها كل ما يقابله، و فعل «ياسين» المثل و كل من يقابله يضربه بالمغرفة فوق رأسه، أما «ياسر» فكان يُلقي بالصابون السائل في وجه كل من يقابله، أما «خالد» فأمسك سلكًا كهربائيًا ثم لفه حول كفه وكل من يقترب منه يصفعه بالسلك على جسده، وبعد مرور النصف الساعة اتت الشرطة و أخذت معها الجميع حتى صاحب المكان، فـ حتى المكان لم يسلم منهم، بل تحطم بالكامل بكامل محتوياته و أجهزته نظرًا لاصطدام الأجساد به.
(عودة إلى الوقت الحالي)
كانت الضحكات مرتفعة بشكل غريب، فكلًا منهم كان يتخيل الموقف أمامه ولم يستطع التحكم في نفسه، فتحدثت «زهرة» تقول من بين ضحكاتها:
أنا بجد مش قاردة اتخيل شكلكم و عامر بيضرب بالخوذة و ياسين بيضرب..... بمقصوصة الرز، ......و لا ياسر يعيني وهو بيرش مياه بصابون في وش الناس.....، وخالد ماسك السلك في ايده، أنا بجد مش قادرة والله أصدق"
رد عليها «رياض» بسخرية:
لأ صدقي ماهو أنا و فهمي اللي طلعناهم ساعتها، و دفعنا للراجل كل التكاليف علشان يرضى بالصُلح، وهما ساعتها راحوا عند ميمي و فضلوا هناك اربع ايام لحد ما الراجل شال من دماغه حكاية انه ياخد حقه دي"
_____________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «هدير» جالسة بجانب والدتها وهي تبكِ بقوة، نظرًا لتدهور صحتها، و فجأة اقتربت منها وهي تقول ببكاء مرير يمزق نياط من يراها:
ماما....علشان خاطري متمشيش، والله بحبك و مسمحاكي، متعمليش فيا كدا...أنا بحبك والله.... قومي علشان خاطري....قومي و أنا هاخدك و نصالحهم كلهم هنا...حتى خديجة كمان هخليها تسامحك.... علشان خاطري أنا لسه ضعيفة و هما مش قابلني....قومي علشاني أنا.....قومي و متمشيش...أنا بحـ....بحبك والله... مش كنتِ علطول تقوليلي إنك بتحبيني و بتعملي كل حاجة علشاني؟....يبقى قومي بقى علشان اللي بيحب حد مش بيسبه....قومي بقى"
استمعت «فاطمة» لـ «حديث» ابنتها ثم رفعت كفها بوهنٍ وهي تربت على رأسها، بعدما وضعت «هدير» رأسها على الفراش، وحينما شعرت بكف والدتها رفعت رأسها بسرعة فوجدتها تنطق الشهادة بوهنٍ و بنبرةٍ متقطعة جاهدت حتى تستطع نقطها، بعدها ارتمت رأسها على الفراش جهة اليمين ثم أعلن الجهاز عن استقامة نبضات القلب من خلال الشاشة المعلقة فوق الفراش، تابعت «هدير» ما يحدث بذهول، ثم وقفت تطالع والدتها وهي تقول ببكاء طفلة صغيرة:
ما..ماما...هو أنتِ سكتي ليه؟، طب قومي ردي عليا طيب...خلاص مترديش بس افتحي عينك بصيلي...مـــامـــا"
صرخت بكلمتها الأخيرة مما ادى إلى دخول الممرضة الغرفة و خلفها «جميلة»، اقتربت الممرضة من الفراش تتفحصها ثم نكست رأسها في أسى وهي ترفع الغطاء على وجهها، بينما «هدير» صرخت بها وهي تحاول الافلات من بين ذراعي جميلة بعدما احتوتها:
أنــتِ بـــتعــملـي إيـــه؟ شيلي الغطا من على وشها"
نظرت لها الممرضة وهي تقول ببكاء:
البقاء لله يا آنسة هدير، مدام فاطمة تعيشي أنتِ"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع 4 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع
سرت بين دروب الحياة المعتمة بحثًا عن الأمان...فوجدتك أنتَ فأصبحت لي حنية الزمان.
عشنا طوال الحياة نبحث عن الهناء حتى نسينا أنها دارًا للشقاء، فكيف تجد في تلك الدنيا ما يَسرك و أنتَ مجرد شخص كُتِبَ عليه العناء، و ها قد حان وقت الفراق...هل كنت تظن أنك محظوظٌ بالبقاء؟
البقاء لله آنسة هدير، مادام فاطمة تعيشي أنتِ"
تفوهت الممرضة بتلك الجملة بنظرة عين منكسرة و بنبرةٍ مهتزة مما جعل «جميلة» تذرف دموعها عند صراخ «هدير» وهي تقول بصوتٍ عالٍ:
أنــتِ بِــتـقــولـي إيـــه؟ دي بتكدب يا جميلة متصدقيهاش... ماما قالتلي أنا مش هسيبك، والله بتكدب....والله بتكدب، هي بتحبني و مش هتسبني...أنـــتِ كــدابـة...كَــ"
عند كلماتها الأخيرة التي خرجت منها بصوتٍ متهدج، سقطت مغشيةً عليها وكأنها ترفض تصديق ذلك الواقع الأليم الذي صدمها بموت أعز الناس على قلبها، أما «جميلة» فبعد ما صرخت باسمها مرارًا ببكاء، حملتها على الأريكة بمعاونة الممرضة ، ثم وقفت بعدها في المنتصف لاتدري ماذا تفعل و كأن طبول الحرب قُرعت فوق رأسها وهي تبكي لا تدري ماذا تفعل، لذلك ركضت فورًا درجات السلم بعدما خرجت من الشقة و كأن عقلها توقف عن العمل حتى غفلت عن استخدام المصعد، وصلت شقة «محمد» وجدت زوجها يجلس برفقة «وليد» و باب الشقة مفتوحٌ على مصراعيه، ركضت تحتضنه وهي تقول ببكاء من بين شهقاتها:
طنط فاطمة ماتت يا طارق...ماتت قصادي...ماتت و هدير...هدير...أغمى عليها تحت"
صُعق كليهما من ما تفوهت به و اتسعت حدقتيهما، فزاد بكاءها بينما «وليد» تحرك آليًا يركض على سلم البيت حتى وصل أمامها، وقف أمام الفراش مذهولًا لايدري ماذا يفعل، ثم وجه بصره نحو الأريكة وجد «هدير» عليها و الممرضة تحاول ايفاقتها، لكن دون جدوى، لم ينبته لأيًا مما يصير حوله حتى وجد العائلة بأجمعها مجتمعة حوله و صرخات النساء بدأت تعلو تزامنًا مع بكاءهم، فكان المشهد موجعًا للقلب، و يا لها من لحظةٍ مُهيبة تقشعر لها الأبدان، ولكن ما مزق نياط قلوب الجميع، حينما ركضت «هدى» إلى فراش والدتها تزيل الغطاء عن وجهها وهي تقول بصراخ:
لأ...علشان خاطري متعمليش كدا فيا...متمشيش و تسيبيني... والله مش هزعلك ولا هزعل منك تاني... أنا بحبك أوي والله...غصب عني كنت بزعلك مني...قومي يا ماما....قومي متسبينيش لوحدي...متكسرنيش ببعدك عني....قـــومــي"
صرخت بكلمتها الأخيرة فوجدت «وئام» يحتضنها وهو يبكي بقوة، فوجدها تتشبث به بقوة وهي تقول بصراخ:
سابتني يا وئام....سابتني و مشيت....كنت عاوزة أقولها أني بحبها، والله بحبها أوي، طب خليها تصحى و أنا مش هزعلها تاني...هي كان نفسها تبقى تيتة....والله قربت خلاص...خليها تصحى بقى علشان خاطري..."
زاد بكاءه هو الآخر وهو يتمسك بها ثم وقف وهي بين ذراعيه تبكي بقوة، فقالت له «سهير» ببكاء:
خدها من هنا يا بني، الموقف صعب مش هتتحمله، و لسه عمك محمود في الجامع....خدها فوق عندي"
أومأ لها في هدوء ثم حملها بين ذراعيه وهي تبكي و كأنها في عالم آخر لا تدري ما يحدث حولها سوى صوت البكاء، أما هي فكانت تُتمتم بكلمات غير مفهومة من بين بكاءها، فـ سار هو بها حتى وصل شقتهم، ثم وصل غرفته، فـ وضعها على الفراش الخاص بغرفته في شقة والده، وقبل أن يتركها وجدها تتمسك به وهي تُتمتم و كأنها في عالم آخر:
متمشيش أنتَ كمان...علشان خاطري...هي مشيت...خليك أنتَ"
تنهد هو بألمٍ ثم استلقى بجانبها وهو يأخذها بين ذراعيه مُربتًا على رأسها، أما هي فاستسلمت لتلك الدوامة السوداء التي تهرب إليها من آلامها، تنهد هو بأسى وهو ينظر لها بتمعن، فكيف سيستطع التخفيف عنها في آلامها، ففي نهاية الأمر هذه والدتها، التي لو ظلت العمر بأكمله تبكي على فراقها لن توفيها حقها، زفر بقوة ثم سحب نفسه من جانبها حينما سمع طُرقات على باب الشقة، خرج من الغرفة ثم توجه إلى الصالة بجسدٍ واهن و كأن عمره أصبح الضعف في خلال ثوانٍ، فتح باب الشقة فوجد «وليد» يحمل «هدير» بين ذراعيه و «عبلة» خلفه، فتحدث «وليد» يقول بنبرة متحشرجة:
مراتك فين يا وئام؟"
رد عليه «وئام» بنبرة حزينة:
نايمة في أوضتي جوة، هي مش حاسة بحاجة و عمالة تخرف بالكلام"
أومأ له «وليد» ثم قال:
طب تعالى معايا افتحلي باب أوضتي، تعالي ورايا يا عبلة"
أومأ له كليهما في هدوء وهما يلحقان به، فدخل هو غرفته ثم وضع «هدير» على فراشه وهو ينظر لها بأسى ثم تنهد بضيق، بينما «عبلة» اقتربت تُغطي جسدها ثم ربتت على رأسها بحنو، فسألهما «وئام» بنبرة متحشرجة إثر كتم بكاءه:
هي هدير حصلها إيه؟ أنا كنت مركز مع هدى"
تنفس «وليد» بقوة ثم قال بنبرةٍ حزينة لأجلها:
هي اللي خدت الخضة علشان كانت معاها في الأوضة، فأغمى عليها علطول، ولما حاولنا نفوقها صحيت تصرخ و تصوت الممرضة بقى ادتها حقنة مهدئة و أنا جبتها هنا علشان لسه ورانا مشوار طويل، كفاية عمك تحت مقطع قلوبنا كلنا"
تنهد «وئام» بضجرٍ ثم قال بهدوء:
طب دلوقتي هنعمل إيه؟ الدنيا ليل"
ردت «عبلة» عليه بهدوء:
طارق راح يجيب حد من اللي شغالين في الصحة عمو مرتضى قاله عليه، علشان على ما الصبح يطلع تكون كل حاجة جاهزة"
أومأ لها «وئام» ولم يعقب بل أخرج هاتفه حينما سمع رنينه، بينما «وليد» التفت لها يقول بتوسل:
عبلة معلش علشان خاطري أنا، خليكي هنا مع هدى و هدير علشان لو واحدة فيهم فاقت، أنتِ كدا كدا مش هتعملي حاجة تحت، و أنا هجيب سلمى و خلود معاكي هنا"
أومأت له في تفهمٍ ولم تعقب، بينما «وئام» زفر بضيق ثم قال بهدوء:
طارق بيرن عليا عاوزني أنزله علشان نروح نجيب حاجة الدفن، خلي بالك منها يا عبلة بالله عليكِ دي أمانتك"
أومأت له بعيناها الدامعة، فتركهما هو بعدما نظر لها بامتنان، أما «وليد» فاقترب منها يقول معتذرًا:
أنا عارف إنك عاقلة و واعية، هدير في موقف صعب و محتاجة وجودنا كلنا جنبها و خصوصًا أنا، استحملي معلش، أنا شيلتها علشان محدش فيه دماغ يعمل كدا، وهي حرام تفضل مرمية كدا، كفاية الصدمة"
أومأت له هي بهدوء ثم أضافت تقول في تفهمٍ:
أنا عارفة يا وليد مش محتاج تبرر، الله يعينها على اللي هي فيه، دي أمها برضه، وأنتَ راجل مع الكل"
تنهد هز بأريحية ثم احتضنها بقوة بعدما ألقت هي بحديثها أمامه، وهو من ظن أنه سيدخل معها في نقاشات عديدة حتى يبرر لها موقفه، لكنها خالفت توقعاته حينما تفهمته، تنهد هو بعمقٍ لكنه اندهش على الفور حينما شعر بجسدها يرتجف بين ذراعيه، لذلك ابتعد عنها ينظر لها مليًا، فوجد نحيبُها يرتفع بشدة، أمسك هو وجهها بين كفيه وهو يسألها بلهفة:
مالك يا عبلة؟ بتعيطي ليه طيب؟"
ردت عليه هي ببكاء بعدما مسحت دموعها بظهر كفها:
هدير و هدى صعبانين عليا،و أنا بخاف من الموت، و مش عارفة هعمل إيه لو صحيوا فجأة"
احتضنها هو من جديد ثم قال وهو يربت على ظهرها:
ربنا يصبر قلوبهم يا عبلة، و أنتِ متخافيش أنا معاكي هنا و مش هغيب عنك، بس خليكي قوية علشانهم هما....و علشان أنا بستقوى بيكي"
أومأت هي له بقوة وهي تنظر له بعينيها الدامعة، فأومأ لها هو الأخر ثم قال بهدوء:
أنا هنزل علشان أشوف الدنيا تحت، و أنتِ خليكي هنا معاهم لحد ما خلود و سلمى يطلعوا معاكي"
أومأت له في هدوء، بينما هو سألها و كأنه انتبه للتو:
محدش عرف خديجة لسه صح؟"
أومات له موافقة في هدوء، فرد عليها بنفس الإيماءة ثم رحل من أمامها حينما وصله صوت هاتفه يصدح برقم «أحمد»، انتظرت هي حتى اختفى اثره ثم جلست على الأريكة تنتظر «خلود» حتى تجلس معها في رعاية بنات عمها.
______________
في شقة «رياض» كان الوضع مُخالفًا للوضع في بيت آلـ الرشيد ، حيث الضحكات المنتشرة و السخرية من «رياض» على الشباب، وقف «رياض» أمام باب الشقة وهو يقول بمرحٍ:
نورتوني يا جاموسة منك ليه، مشوفش وشكم هنا تاني بقى"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
على فكرة أنتَ اللي جايبنا هنا، احنا قولنالك مش عاوزنين و أنتَ اللي صممت"
تدخل «عامر» يضيف هو الآخر بسخرية:
لأ و قال إيه يقولك انتو ولادي زي ياسين، مقدرش آكل من غيركم، وهو أساسًا مأكلني بالقسط"
ضحكوا عليه جميعًا بينما «رياض» تحدث بحنقٍ:
برة يا كلب منك ليه و معاكم ابني كمان، كفاية عليكم كدا، روحوا عند فهمي يلا"
أتت «زهرة» من الداخل وهي تقول بمرحٍ:
متصدقوهوش دا كداب والله، دا قالي اجهز ليكو الأكل علشان تاخدوه معاكم"
نظروا له جميعهم بتعجبٍ ممزوج بالحب، فقال هو حتى يخفي خجله:
الله اومال هسيب الأكل دا كله ناكل فيه أنا و زهرة؟ وبعدين دا مش علشانكم، دا علشان البنات ماكلوش كويس"
ردت عليه «ريهام» بحب:
والله العظيم مفيش أطيب منك، كلنا بنحبك أوي بجد"
تدخل «خالد» يقول بضيق زائف:
هو أنا علبة مخلل قصادك يا ريهام؟ مش مالي عين أهلك؟ وبعدين بتحبوه على إيه، دا جايبلنا شلل"
تدخل «ياسين» يقول بسخرية:
شلل بس ؟ شلل و بوادر جلطة، و هترسى في الأخر على موت حد"
رد عليه «رياض» بضيق:
طب يلا يا اخويا أنتَ وهو، ورايا شغل بكرة مش فاضي ليكم"
ودعه الجميع بعدما احتضنوه وهو ينظر لهم بفرحٍ، أما الفتيات أخذت طعامها من يد «زُهرة» ثم نزلن خلف ازواجهن و معهم «خديجة» أيضًا، وقفوا في الأسفل جميعهم، فقال «ياسين» بهدوء وهو مُبتسمًا:
طبعًا معروفة، ياسر مع خالد في عربيته، و عامر معايا في عربيتي"
أومأ له الجميع، فقال «عامر» بمرحٍ ساخر:
فين ميمي تدينا واحدة ربنا يبعد عنكم كل عين يا حبايب قلب أمكم، هي كل ما تشوفنا سوا تقول كدا"
تدخل «خالد» يضيف بمرحٍ هو الأخر:
و خصوصًا قصاد مرات عم لطفي، عندها اقتناع انها بتحسدنا مع بعض، وهي فعلًا بتحسدنا بس ليه سوء الظن فيها"
ضحكوا جميعًا عليه حتى هو اتسعت ضحكته، بعدها ركبوا السيارتين كما قال «ياسين»، بعد نصف ساعة توقفت السيارتين خلف بعضهما، نزلوا جيمعم من السيارات و كلًا منهم يأخذ زوجته حتى يتوجه إلى مسكنه، صعد «ياسين» إلى شقته وهي خلفه، جلس هو الأريكة وهي بجانبه تتنهد بعمقٍ ثم قالت:
يـــاه أخيرًا... رجعت شقتي"
ضحك هو بقوة ثم قال متعجبًا:
ليه محسساني إننا كنا مهاجرين، دا يدوبك يوم واحد"
ردت هي عليه بمرحٍ:
الواحد مبيرتحش غير في بيته يا ياسين"
ابتسم هو ثم أضاف بسخرية:
هو لحق يبقى بيتنا؟ لو حسبناها هنلاقي اننا مقعدناش فيه يومين على بعض"
حركت كتفيها ببساطة وهي تعقب على حديثه:
و إيه يعني هو برضه بيتي، و بيت حبيبي كمان"
نظر لها هو بحبٍ ثم قال بنبرة مرحة:
الله أكبر إيه الحلاة دي كلها، و الله أنتِ اللي بيتي يا خديجة، صحيح كنت عاوز أسألك على حاجة؟"
قال جملته الأخيرة و كأنه انتبه للتو مما جعلها تنتبه له بكامل حواسها وهي تقول بهدوء:
اسأل فيه إيه، طمني؟"
ابتسم لها حتى يطمأنها هو ثم قال بهدوء:
أنتِ لما اختفيتي جوة واحنا قاعدين برة روحتي فين؟ أنا معرفتش اسأل عليكِ ماما، بس سمعت صوتكم عالي شوية، حصل حاجة بينكم؟"
ابتسمت هي له ثم قالت بهدوء حتى تطمئنه:
كل الحكاية إن أنا كنت بغسل المواعين و بروق المطبخ بس مامتك كانت رافضة و فضلت تقولي إنها مش جيباني علشان اتعب، بس أنا صممت و عندت معها لحد ما خلصت"
ابتسم هو بفخرٍ ثم سألها من جديد:
طب و أنتِ اقنعتي زُهرة إزاي؟ دي دماغها ناشفة و مش بنعرف نسد معاها"
اتسعت بسمتها ثم اقتربت منه تقول بنبرة هامسة:
دا سر بقى، قولتلها لو فعلًا بتعتبريني بنتك يبقى تسيبيني أغسل الحاجة، علشان أنا لو في بيتنا ماما عمرها ما هتقولي متعمليش حاجة، هي بقى ضحكت و خرجت"
اتسعت بسمته وهو يقول بمرحٍ:
بقينا جامدين و بنعرف نتعامل عادي أهوه، اومال كان مالك بقى"
حركت كتفيها ببساطة وكأنها تخبره بعدم معرفتها فوجدته يفتح ذراعه لها وهو يقول بحب:
تعالي يا خديجة، وحشتيني"
اقتربت منه تعانقه فوجدته يقول بفخرٍ:
كل شوية اكتشف فيكي حاجة أحلى من اللي قبلها، ربنا يباركلي فيكي و يكملك بعقلك يا رب، بفرح بيكي كأني أب بنته بتكبر قدامه، إحساس حلو بصراحة لواحد زيي كان بيدور على الونس"
رفعت رأسها تنظر له بتشككٍ وهي تقول بمزاح:
اومال ليه حاسة أني هزهقك مني، ساعات بحس كدا والله أني هكتم على مراوحك"
سألها هو بسخرية حتى يمازحها:
تكتمي على مراوحي حتة واحدة ؟!! لأ يا ستي مش هتكتمي على مراوحي ولا حاجة، خليكي بس معايا و كله هيبقى زي الفل"
أومأت هي له بقوة ثم تنهدت بعمقٍ، بينما هو أغلق عينيه وهو يبتسم، فوجد هاتفه يصدح عاليًا، فتح عيناه على مضضٍ وهو يقول بسخرية:
والله العظيم لو طلع رياض وعاوز يهزر، هقفل السكة في وشه علشان قلبي اللي هيقف منه دا"
ابتسمت هي باتساع فوجدته بعتدل في جلسته بعدما أخرج هاتفه وهو يقول باندهاش:
إيه دا وليد؟ بيتصل ليه دلوقتي؟"
اذدردت لُعابها بخوفٍ ثم قالت:
يمكن رن عليا و أنا مسمعتوش، رد عليه كدا يا ياسين، الساعة واحدة و أنا قلبي اتقبض"
أومأ لها بهدوء ثم فتح الخط، فأخبره «وليد» بما حدث بهدوء، فرد عليه «ياسين» بذهول:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربنا يرحمها ويغفر لها، أنا جاي دلوقتي أهوه"
قال جملته ثم أغلق الهاتف و قبل أن يقف و يهم بالمغادرة نظرت هي له بذعر وهي تسأله بنبرةٍ مهتزة:
مين اللي ماتت يا ياسين، رد عليا؟ حد من عندنا؟"
أومأ لها ثم قال بهدوء:
فاطمة مرات عمك محمود تعيشي أنتِ"
شهقت هي بقوة ثم وقفت منتفضة و هي تقول باندهاش و بنبرةٍ أوشكت على البكاء:
أنتَ بتقول إيه؟ ماتت ازاي، دا وليد قالي أنها تعبانة شوية بس"
وقف هو مقابلًا لها ثم قال مواسيًا لها:
اهدي يا خديجة..دي اعمار بيد الله سبحانه وتعالى، و بعدين أنتِ هتعيطي ليه، دا قضاء ربنا، يلا غيري هدومك علشان نروح عندكم، هتلاقي بناتها حالتهم صعبة"
لم ترد عليه بل بكت بقوة وهي ترتمي على الأريكة، بينما هو جثى على ركبتيه أمامها وهو يسألها بهدوء:
مالك طيب يا خديجة؟ بتعيطي ليه؟ مش فاطمة دي مرات عمك اللي كنتِ زعلانة منها"
ارتمت هي عليه وهي تقول ببكاء:
علشان كدا بعيط.... مكنتش عاوزاها تموت وهي زعلانة أني مش بكلمها، والله كنت هسامحها و كنت هروح ازورها، بس والله مكنتش قادرة أواجهها"
ربت هو عليها وهو يقول بهدوء:
ادعيلها ربنا يرحمها و يغفر لها، و قولي إنك مسامحة علشان هي دلوقتي في دار الحق و احنا في دار الباطل، الدنيا دي متستاهلش إن حد يفارقها و هو سايب حد وراه مش قادر يسامحه"
ابتعدت هي عنه وهي تسأله بتلهفٍ من بين بكاءها:
يعني أنا لو سامحتها كدا خلاص صح؟ و هي هترتاح؟ والله لو كدا مسمحاها، و مش زعلانة منها هي كمان"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
جدعة يا خديجة، يلا بقى غيري هدومك علشان نلحق نروح البيت، أكيد محتاجين وجودنا معاهم كلهم، قومي يلا"
تركته هي بعدما حثها بحديثه ولكنها تحركت بآلية شديدة و کأنها مُبرمجة على ذلك تشبه الجسد لكن بلا روح، بينما هو نظر في أثرها بحزن شديد فهو يعلم تمام المعرفة ما تشعر هي به، يعلم أنها ستلوم نفسها، و انها ستحاول بكامل طاقتها تعويض بنات عمها، لكن ما تأكد هو منه أنها ستدخل في نوبة حزن شديدة حتى تعود لمرحها المعتاد معه.
____________
في بيت آلـ الرشيد كان الوضع صعبًا للغاية، النساء في العائلة يقمن بتجهيز مراسم الدفن، و الرجال كلًا منهم يحاول ملاحقة الوقت حتى يتم تشييع جثمان الفقيدة في الصباح الباكر، عدا «محمود» الذي جلس أمام غرفتها ينظر على الغرفة بأعين خاوية و هو يرفض تصديق ما حدث، لا يدري ماذا يفعل فهو فقد شريكة عمره، حتى و إن كانت مخطئة في حق الآخرين، إلا أن عشرته معها و معظم وقت عمره كان برفقتها تلك التي أحبها بصدق و أخلص لها، فارقته هي قبل أن يرد عليها و يخبرها أنه سوف يسامحها، و عند تذكره تلك النقطة، تمردت دموعه رغمًا عنه و فرت على وجنتيه ثم رفع رأسه يقول بأسى:
مسامحك يا فاطمة...والله مسامحك...يعلم ربنا إن قلبي أني مسامحك من كل قلبي"
قال حديثه ثم تنهد بألمٍ وهو يغادر المكان، نزل يقف أمام باب البيت فوجد سيارة «ياسين» تقف أمام البيت، نزل هو من السيارة وهي خلفه، فاقترب هو من «محمود» وهو يقول بأسى:
البقاء لله يا عمي، ربنا يصبر قلوبكم و يدخلها فسيح جناته"
أومأ له «محمود» ولم يعقب، بل نظر لـ ابنة اخيه و كأنه يود التأكد منها من مسامحتها لزوجته المتفية، فوجدها تقترب منه وهي تقول ببكاء:
ربنا يرحمها يا عمي و يسامحها، أنا مسمحاها والله، و مش زعلانة غير على فراقها من قبل ما أشوفها"
رد عليها هو ببكاء:
ربنا يكرم أصلك يا بنتي، ادعيلها يا خديجة بالله عليكِ إن ربنا يسامحها"
أكدت هي حديثه بقولها المتهدج:
بدعيلها والله، ربنا يرحمها و يصبر قلوب الكل على فراقها"
أومأ لها ثم دخل الجزء الخاص بالمناسبات الخاصة بالعائلة، أما «ياسين» وقف أمامها ثم مد يده يمسح دموعها وهو يقول بهدوء:
اطلعي أنتِ عند الستات و أنا هقف هنا مع الرجالة، لو فيه حاجة عاوزاها كلميني و أنا هجبهالك، خلي بالك من نفسك بس"
أومأت له في هدوء ثم أطاعته و ذهبت من أمامه بحزن و بكتفين متهدلين، أما هو تنهد بهدوء ثم توجه إلى رجال العائلة حتى يعاونهم.
أما هي صعدت إلى النساء في الأعلى فوجدتهن في حالة صعبة، حيث كانت أعينهن منتفخة من البكاء خارج غرفة «فاطمة»، فارتمت بين ذراعي والدتها وهي تبكي بقوة، من رهبة الموقف و المنظر حولها، ربتت والدتها على كتفها وهي تبكي معها، في تلك اللحظة دخلت «مشيرة» ببكاء هي الأخرى ثم جلست على مقعد بجانب باب الشقة دون أن تتفوه بحرفًا واحدًا، بل كانت تبكي في صمت، صعد «وليد» إلى الشقة وهو يقول بهدوء و بنبرةٍ متحشرجة:
هندفنها الصبح بدري خليكم جاهزين و حد فيكم يخلي باله من هدى و هدير علشان مش هناخدهم معانا"
سألته «مروة» ببكاء و كأنها تود لفت نظره:
إزاي يا وليد؟ دي أمهم برضه يا حبيبي، مش هيروحوا دفنتها ازاي؟"
رد عليها هو مُردفًا بنبرةٍ جامدة:
علشان هي أمهم مش هينفع آخدهم، واحدة حامل و التانية واخدة مُهديء، عمتي مشيرة و بنات العيلة هيفضلوا معاهم، و باقي ستات العيلة هتيجي تحضر الدفنة عادي الصبح"
وقفت «مشيرة» تسأله بتلهف من بين شهقاتها:
هدير فين يا وليد؟ طمني عليها، هي عاملة إيه؟"
نظر هو لها بتعجبٍ فوجدها تقول بانفعال:
متبصليش كدا، هدير أنا اللي مربياها على إيدي يعني في غلاوة بنتي، ابوس ايدك خدني عندها، عاوزة أطمن عليها"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
حاضر يا مشيرة، هاخدك ليها، و أنتِ يا خديجة تعالي معايا عند البنات فوق، علشان هدى صحيت و وئام طلع ليها"
أومأت له ثم وقفت أمامه وهي تحتضنه بقوة تزامنًا مع شهقاتها، فتنهد هو بأسى ثم ربت عليها وهو يقول بهدوء حتى يُطمئنها:
علشان خاطري بطلي عياط، أنا واخدك علشان تهديهم ولا علشان تزودي تعبهم؟"
ردت عليه هي بصوتٍ مكتوم من كتم رأسها في كتفه:
بعيط علشان أنا بخاف...و أنتَ عارف كدا...و هما صعبانين عليا أوي"
ربت هو عليها ثم قال بهدوء:
طب علشان بنات عمك اللي محتاجينك فوق بطلي عياط و اطلعي اقعدي معاهم، يلا يا حبيبة أخوكي"
أومأت هي له ثم ابتعدت عنه، بينما «مشيرة» نظرت في أثرها وهي ترحل من أمامها بحزن، فقال هو بسخريته المعهودة، بعدما اقترب منها يتحدث بنبرةٍ هامسة:
عندك فرصة تثبتي إنك بقيتي مشيرة تانية، وريني بقى السم اللي جواكي خلص ولا دي استراحة....مُحارب؟"
نظرت له باندهاش فوجدته يومأ لها بقوة و كأنه يؤكد صدق حديثه بعدما اتكأ على كلمته الأخيرة، فأومأت هي له بهدوء حينما فهمت مقصده ثم انسحبت من أمامه حتى تصعد للفتيات، فتنهد هو بعمقٍ ثم نزل مرةً أُخرى حتى يُكمل التجهيزات.
_____________
انتهى ذلك اليوم على تلك الأحداث، حيث كانت «خديجة» جالسة أمام «هدير» تتابع سكونها، أما «هدى» فجلست «مشيرة» بجانبها حتى تخفف عنها، فارتمت الأخرى بين ذراعيها تبكي بقوة لعلها تستمد منها العون، استمر الليل في صمت و الفتيات يكررن الكرة في الاطمئنان على هدى و هدير معًا، و أتى الصباح الذي تجهز له الجميع حتى يتم تشييع الجثمان.
في مكانٍ آخر و تحديدًا في المقابر صباحًا، كان هو جالسًا أمام قبرها يتلو القرآن الكريم من المصحف في يده، وبعد الانتهاء من التلاوة وضع باقة الزهور فوق قبرها وهو يقول بنبرةٍ تحمل الأسى بين طياتها:
أنا جيت علشان أوفي بوعدي ليكي و هو إن أنا أزورك كل سنة، بس أنتِ موفتيش بوعدك معايا يا ريم، سبتيني و أنتِ عارفة أني لوحدي، قولتلك إني خايف عليكي و برضه عملتي اللي في راسك، و شيلت أنا ذنبك و برضه بتألم من غيرك، والله كنتِ مالية عليا حياتي، ليه تختاري حاجة في علم الغيب و تسيبي واحد ملوش غيرك"
تنهد هو بأسى وهو يمد كفه يمسح دمعة هاربة من مقلته تمردت عليه حتى تثبت له أن البكاء هو الحل، وقف هو يطالع القبر بأعين حزينة لا يود فراقه، ولكن في تلك اللحظة حدث ما لم يتوقعه حينما سمع صوتها الذي يبغضه يأتي من خلفها وهي تقول بنبرةٍ متهكمة:
يا بجاحتك يا شيخ ؟! تقتل القتيل و تمشي في جنازته؟ لو فاكر بالشويتين دول هتضحك عليا تبقى غلطان يا سي حسن"
ضغط هو على جفنيه بشدة تزامنًا مع نطقه بسبة نابية من فمه لم تصل لها، ثم التفت ينظر لها وهو يقول بضيق:
نعم يا ست فردوس خير؟ هو أنتِ مش وراكي غيري في الحياة؟ ما تشوفي حالك بقى بعيد عني"
ابتسمت هي بسخرية ثم قالت بصوتٍ منفعل ممتزج بالتهكم:
وهو أنتَ عاوز تضيع بنتي من ايدي و اسكتلك؟ لو حصل إيه هتفضل في عيني أناني و مجرم، ربنا ينتقم منك يا شيخ و دوق حرقة قلبي، بس إزاي و اللي زيك طول عمره لوحده، كفاية إنك تموت لوحدك كدا من غير حد يسندك"
ارتفع الدم في عروقه فم شدد على قبضته حتى ابيضت مفاصله أثناء حديثها وقبل أن تسترسل في حديثها من جديد وجدته يقترب منها يمسك مرفقها وهو يقول بصوتٍ جهوريًا:
قسمًا بالله لو ما قفلتي بوقك لأخرسك أنا بمعرفتي، بنتك ماتت قضاء و قدر، و أنا مليش دعوة بموتها، بنتك اللي خالفت كلامي و وقفت العلاج علشان تحمل، و عندت مع الدكاترة و معايا، رغم إن الدكتور قالها إن الرحم ضعيف مش حمل جنين، برضه عملت اللي في دماغها و حملت و خبت عليا لحد ما وضعها بقى صعب و الجنين كبر و الرحم انفجر و ماتت، و اعترضت على قضاء ربنا و مرضيتش بالنصيب، و قالت لكل الناس إن أنا اللي عاوز أكون أب علشان متشيلش اللوم لوحدها، و قصاد كل الناس طلعت أنا ابن *** مفتري، بس خلاص بقى أنا جبت أخري، حرام عليكي كلامك اللي زي السم دا، عارف إن اللي زيي لعنة على اللي بيقرب منه، فابعدي أنتِ عني علشان متبقيش ملعونة أنتِ كمان، و لو مش مصدقاني أنتِ عارفة دكتورة بنتك فين، ابقي روحي خدي بصة عليها وهي تقولك"
نظرت هي له بحدقتي على وسعيهما مما تفوه به، فوجدته يبتسم باتساع وهو يقول شامتًا بها:
مفاجأة مش كدا ؟ بنتك لو تهمك فعلًا كنتي زعلتي عليها بجد، مكانش فرق معاكي عفش ولا شقة، يا شيخة دا بنتك ماتت الجمعة يوم التلات كنتي سايبالي الشقة على البلاط، أنتِ فاكرة نفسك أم أنتِ ؟"
فرت دموعها على وجنتيها فوجدته يترك ذراعها وهو يقول بسخرية:
ادعيلها ربنا يرحمها و يسامحها، بدل ما تشغلي بالك بيا و بحياتي"
تركها ثم غادر من أمامها تاركًا إياها تبكي بقوة بعدما جلست بجانب المقبرة، أما هو ركب سيارته ثم أخرج هاتفه يفتحه، بعدما قام هو بغلقه الأمس، فوجد عدة مكالمات فائتة من رقم «وليد» و «وئام»، انتابه القلق، لذلك قام بمهاتفة الأول، فأبلغه بما حدث، فـ رد عليه «حسن» بضيق:
و مقولتليش ليه من امبارح يا وليد؟ هو أنا غريب عنكم، اكيد كنتوا هتحتاجوني معاكم"
رد عليه الأخر بضجرٍ:
أنتَ غبي يا حسن؟ من امبارح تليفونك مقفول مش عارف أوصل لأهلك، أعمل إيه يعني؟ على العموم احنا رايحين على المقابر أهو، و أنتَ حصلنا على هناك"
رد عليه «حسن» بسرعة كبيرة:
المقابر دي بيروحها الغريب، لكن أنا أخوكم، هاجي على بيتكم علشان نروح سوا و علشان العربية أكيد هتحتاجوها"
وافقه «وليد» ثم أغلق معه المكالمة، بينما هو تنهد بأسى وهو يفكر في عائلة الرشيد وفي تلك المحنة التي حلت على رؤوس الجميع، فوجد تفكيره يتطرق لها و يفكر بها تلك التي حاولت الانتحار من قبل و أوقعه القدر في طريقها حتى يلحقها، فجأة نهر نفسه بشدة وهو يقول بصوتٍ عالٍ:
أنتَ فـ إيه ولا فـ إيه يا زفت أنتَ كمان؟ ناقصة عبط منك هي؟"
قال جملته ينهر نفسه ثم توجه في طريقه نحو بيت آلـ الرشيد حتى يقف مع أصدقائه و يؤازرهم في محنتهم تلك.
_____________
فية بيت آلـ الرشيد تجهزوا جميعًا حتى يتم تشييع الجثمان، بعد وضعها في الجسد الخشبي، ذلك الجسد الخشبي الذي تنتهي به حياتنا، كانت «هدى» واقفة تبكي بقوة أمام الشقة، أما «هدير» فوقفت بلا روح تشبه جُثة والدتها ولا تختلف عنها كثيرًا، حتى أنها لم تبكي ولا حتى تفوهت بحرفًا واحدًا، فقط واقفة تشبه التماثيل الصامتة، مجرد جسد، و عند دخول الرجال الشقة حتى يتم أخذ الجثمان، حاولت «هدى» الركض من بين ذراعي عمتها وهي تقول بصراخ:
لأ...عـــلــشـان خـــاطـري...متخدوهاش مني، والله بحبها.... بحبها أوي.... والله مش هزعلها تاني مني"
خرج حديثها بصوتٍ متهدج من بكاءها، فاقترب منها زوجها يحتضنها، فوجدها تتمسك به وهي تقول ببكاء:
خليها تصحى علشان خاطري، والله بحبها...دي أمي يا وئام...دي أمي و بحبها و كنت هجبلها الطفل اللي كان نفسها فيه"
وقف «طارق» بجانبه وهو يقول بهدوء:
خدها جوة و تعالى ورانا علشان لو حاولت من هنا للصبح مش هتعرف تسيبها"
أومأ له ثم أخذها إلى الداخل حتى يجلسها فوجدها تصرخ به بهياج وهي تقول:
أنا هروح معاكم، مش هسيبها...فاهم، هاجي معاكم"
تنهد هو بأسى تزامنًا مع رفعه كفيه يمسح وجهه بقوة ثم قال بعدما زفر بقوة:
تعالي يا هدى، دا حقك برضه و دي أمك، بس علشان خاطري مش عاوز انفعال ولا عاوز عياط، ارضي بقضاء ربنا و متعترضيش على حكمه"
وجدها تبكي بقوة وهي ترد عليه بحزن:
غصب عني دي أمي، صعب عليا والله فراقها على قلبي، هي كانت بتحبنا أوي، و أنا طول عمري ضدها و قاسية عليها...بس كان عندي أرحم إني أشوف جثتها خارجة قصاد عيني كدا...صعب... والله صعب"
احتضنها هو بين ذراعيه ثم قال:
أنا عارف و مقدر إنه صعب، بس هي كان نفسها تبقى تيتة، يبقى تحافظي على نفسك علشان ربنا يكرمك و هي تفرح في قبرها"
أومأت له ثم أجهشت في البكاء من جديد، فأخذها هو وخرج بها من الغرفة، قابلته «زينب» وهي تقول ببكاء:
مش هينفع تيجي معانا يا وئام، سيبها هنا يا بني علشان متقعش من طولها هناك، هي مش حمل تعب تاني"
رفعت رأسها بتأهبٍ تنظر له منتظرة رده، فوجدته يقول بهدوء لزوجة عمه:
معلش يا طنط زينب، بس علشان أكون مطمن عليها قصاد عيني، وهي وعدتني إنها هتسكت، معلش مش هقدر أطمن عليها وهي كدا"
أومأت له «زينب» ثم خرجت من الشقة تلحق بالجميع بعدما خرجوا من الشقة، فتبعها هو وزوجته معه مستندة على ذراعيه، وبعد مرور دقائق ذهبت السيارات من أمام بيت آلـ الرشيد بالرجال و «حسن» معهم بسيارته التي ركب رجال العائلة، أما سيارة «الجثمان» فكان بها «محمود» يجلس بجانب زوجته وهو يبكي و معه «وليد»، أما «ياسين» فكان معه «زينب» و بقية نساء العائلة حتى يتوجهوا إلى المدافن.
في داخل البيت و تحديدًا في الطابق الأول كانت الفتيات ترتدي الملابس السوداء و هن يجلسن و كلًا منهن تبكي بقوة عدا «هدير» التي نظرت أمامها و كأنها ترفض ذلك الواقع الأليم، فدخلت في قوقعة أخرى تحفظها من ذلك العالم الموجع، اقتربت منها «خديجة» تجلس بجانبها وهي تقول بنبرةٍ متحشرجة:
علشان خاطري يا هدير عيطي و اصرخي و اتكلمي، متسكتيش كدا، سكوتك غلط، قولي أي حاجة طيب، طب زعقي في أي حد فينا طيب"
ظلت «هدير» على وضعها و لم تحرك ساكنًا، ولم تهتم لما تفوهت به ابنة عمها، فاقتربت «عبلة» هي الأخرى تقول بهدوء:
طب تيجي تنامي شوية فوق؟ أنتِ من الفجر صاحية كدا، تيجي تاكلي طيب"
رفعت رأسها تلقيها على ظهر المقعد بأعين مفتوحة ولم تغير من وضعها السابق، فتنهدت كلتاهما بأسى، عليها أما «مشيرة» فكانت تنظر حولها تراقب ابنتها التي كانت تقوم بتجهيز الطابق الأرضي حتى يتم أخذ العزاء به.
______________
في منتصف اليوم أسفل بيت «رياض» توقفت سيارة «خالد» ومعه أصدقاءه فتحدث «عامر» يسأل بضيق:
أيوا يعني ليه الشحططة دي؟ ما نروح احنا وخلاص من برة برة"
رد عليه «خالد» بضيق:
يوه منك يا عامر، قولنا جينا هنا علشان رياض و زهرة يجوا معانا، و احنا رايحين علشان نكبر بأخونا قدام الناس، هنقول تاني"
لوح له «عامر» بذراعيه ولم يتفوه بل نظر له بوجهٍ ممتعض في المرآة، وبعد ثوانٍ وجد «رياض» يفتح الباب بجانبه حتى يجلس معهما، و زوجته جلست بجانب «خالد» في الأمام، بعد القاهما التحية عليهم، فمال «عامر» على أذن «ياسر» يقول بهدوء:
واد يا ياسر هما لابسين كدا ليه؟ هما رايحين عزا الأميرة ديانا؟"
وكزه «ياسر» في كتفه وهو يقول بحنقٍ:
يابني اسكت بقى أنتَ فاضي، لم نفسك شوية مش وقته"
انتبه «رياض» لصوتهما فقال بنبرةٍ متوعدة:
بتقول إيه يا زفت أنتَ و هو؟ سمعوني معاكم كدا علشان أأدبكم"
ابتسم له «عامر» باستفزاز وهو يضيف قائلًا بسخرية:
لأ ابدًا يا حج رياض، بس هو أنتَ لابس بدلة ليه؟ أنتَ رايح عزا حسن كامي في الأوبرا، عيش عيشتك بقى"
ضحك جميع من بالسيارة، فقال «رياض» بحنقٍ منه:
ماهو أنتَ جاهل و معندكش زوق، تفتكر هروح العزا لابس إيه؟ جلبية سودا؟ هو أنتَ مروحتش عزا قبل كدا؟"
حرك «عامر» كتفيه ببساطة وهو يقول بسخرية مُقلدًا طريقة «رياض» في بداية حديثه:
لأ مروحتش عزا قبل كدا، غير من زمان، بس نقول إيه بقى ابنك بومة، داخل العيلة برجله الشمال، بعد اسبوعين رايحين عزا في عيلة مراته"
التفتت له «زهرة» تقول بضيق:
لم لسانك يا حيوان عن ابني، بدل ما أديك بالقلم على وشك"
حمحم هو باحراج ثم قال بمرحٍ:
لامؤاخذة يا حجة زهرة، نسيت إنك معانا"
صرخت هي في وجهه وهي تقول بحنقٍ:
آاااه...متقوليش يا الكلمة دي، قولي يا حجة بس، من غير اسمي"
لوح لها بذراعه ولم يعقب عليها، بينما «خالد» نظر في المرآة وهو يقول بنبرة قوية:
أستاذ عامر و أستاذ ياسر، و رب الكعبة لو لمحت حد فيكم بيضحك في العزا ولا بيبصلي، هخلي عزاه تاني يوم علطول و نبقى نضحك براحتنا بقى"
رد عليه «عامر» بوجه ممتعض و طريقة تشبه طريقة الأطفال:
خلاص محدش فيكم يقعد قصادي، و متخليش ياسر يبصلي في العزا"
رد عليه «ياسر» بحنقٍ:
هو أنتَ كل حاجة تجيبها فيا ؟ أنتَ اللي بيجيلك حول في المشاعر، في حد يضحك في العزا"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
والله دا بيبقى فال حلو و المرحوم ليلته بتبقى بيضا"
تدخلت «زهرة» تقول بضيق:
يا بني هتشلني، أنا اللي هخلي ليلتك بيضا على دماغك النهاردة"
رد عليها «خالد» بهدوء بث الرعب في قلبه:
خليه يجيب أخره، علشان أنا أخري جاب أخره من عامر، يمين بالله لو لمحته بس بيتنفس بصوت عالي، هكتم نفسه خالص"
سأله «عامر» بلهفة ممتزجة بالقلق:
طب....طب اقول إيه؟ يعني اقف اعمل اي علشان بجد طول عمري بتاع افراح، و بعدين هو مش المفروض ندخل بفاكهة ولا حاجة؟ هندخل العزا بايدينا فاضية؟"
رد عليه «ياسر» بهدوء ساخر:
هو أنتَ داخل حياة الكبار دي بقالك قد إيه؟ عرفني بس علشان أساعدك"
أضاف «خالد» بسخرية هو الأخر:
حياة كبار مين يا عمي، دا لسه على عتبة الحضانة مخرجش منها، عاوز يروح العزا بفاكهة، فاكر الجثة رجلها مقطوعة"
ضحك الجميع بقوة ممتزجة بيأسٍ فنظر هو حوله بقلقٍ ثم قال بنبرةٍ مهتزة إثر خوفه:
ربنا يسترها...خير إن شاء الله"
_____________
في بيت آلـ الرشيد بدأت الناس تتوافد على البيت حتى تقوم بتقديم واجب العزاء ومنهم اصدقاء «ياسين» و والديه، فدخل الرجال العزاء، أما «زهرة» فصعدت للنساء بعدما عادوا من المقابر، بدأت القدم تقل عند النساء و تزداد عند الرجال، أما في الأسفل فوقف «ياسين» بجانب والده و أصدقائه في مكانٍ منزوي عن الأنظار، فقال «رياض» بحكمة:
عين العقل إنك معاهم من الصبح، أنا كلمت ممتاز و عرفته اللي حصل والراجل قدر موقفك علشان الشغل، متشيلش هم"
رد عليه «ياسين» بامتنان:
ربنا يباركلي فيك يا رياض، كويس إنك عملت كدا علشان مكانش فيا دماغ اكلم حد في الشغل"
اقترب منه «خالد» يقول بهدوء:
أنا جايب معايا فلوس ليك، محتاج حاجة تاني؟ لو عاوز عرفني"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
أنا كنت هطلب منك فلوس فعلًا، علشان اللي معايا مش عارف هيكفي ولا لأ"
تدخل «عامر» يضيف بهدوء:
احنا فكرنا فـ كدا علشان كدا جمعنا ليك مبلغ، و لو عاوز حاجة تاني كلم أي حد مننا هيجيلك علطول"
اضاف «ياسر» بعدما ربت على كتفه:
شوف كدا حد من العيلة هنا عاوز حاجة؟ علشان نجبها ليهم قبل ما نمشي؟ وخليك أنتَ معاهم"
حرك هو رأسه نفيًا ثم قال:
الشباب هنا مش مخليين حاجة ناقصة ولا بخلوا بجهدهم، ربنا يقويهم كلهم"
في تلك اللحظة اقتربت منهم والدته ثم قالت بهدوء:
أنا هبقى أجي بكرة مع البنات يا حبيبي علشان عاوزين يعزوا خديجة"
أومأ لها ثم قال بعدما زفر بقوة:
فيكم الخير يا ماما، ربنا ما يكتب علينا وجع القلب"
ردت هي عليه بأسى لأجل الفتاتين:
والله يا بني قلبي وجعني أوي على هدير دي، و على هدى كمان مبهدلة نفسها، ربنا يصبر قلوبهم"
رد عليها هو بنفس الأسى:
ربنا يصبرهم يا رب، و يهون على قلوب الكل هنا"
ردت عليه هي بسرعة:
و خديجة برضه شكلها تعبان أوي يا حبيبي، شكلها مهبط خالص خلي بالك منها علشان هي تقدر تقف معاهم هنا"
أومأ لها بهدوء، فوجدهم يودعونه حتى يرحلوا، انتظر رحيل السيارة ثم جلس بجانب الرجال بعدما عاد لمجلسهم الخاص بالعزاء.
في شقة النساء بالاعلى، اقتربت «خلود» تجلس بجانب «خديجة» وهي تقول بهدوء و بنبرةٍ هامسة:
خديجة، الدوا بتاع هدى خلص و أنا مش معايا فلوس، و عاوزين عصير كمان و جِبن علشان أعرف أأكل البنات مش عاوزين ياكلوا من أكل العزا"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت بنفس النبرة الهامسة:
خلاص يا خلود، هاتي علبة الدوا و أنا هنزل أجيبها و أجيب أكل و حاجات علشان هدى و باقي البنات"
أعطتها «خلود» الروشتة الطبية دون أن يراها أيًا من الموجودين، فسحبت هي نفسها من أمام الجميع ثم نزلت على قدميها حتى تجلب المشتريات، نزلت هي بهدوء حتى لا يراها أيًا من الرجال، و لكن لسوء حظها أو حسنه لا تدري كان هو واقفًا أمام بوابة البيت مباشرةً بجانب «وليد» يستقبلان الناس سويًا، لكنه هو من وقعت عينيه عليها، فانسحب من جانب أخيها بعدما أشار لها حتى تسبقه، أومأت هي له في هدوء ثم سارت بعيدًا عن البيت، و بعد خروجها من مقدمة شارعها وجدته خلفها يقول بهدوء:
استني يا خديجة رايحة فين؟ حصل حاجة ولا إيه؟"
التفتت هي له تقول ببراءة:
الدوا بتاع هدى خلص فجأة و كمان هجيب حاجات من السوبر ماركت علشان الشقة شبه فاضية"
أمسك هو كفها ثم قال بهدوء:
طب تعالي معايا، أنتِ كمان شكلك تعبان و مش واكل كويس، وبعدين مكلمتنيش أنا ولا حد من أخواتك ليه؟"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول بهدوء:
اتحرجت أكلم حد فيكم في العزا، و بعدين مش مستاهلة يعني المحلات في شارعنا مش بعيدة عني"
تنهد هو ثم سار معها وهي بجانبه و كفيهما متشابكان معًا، وصل إلى الصيدلية بعدما أرشدته هي، فدخلا معًا، أعطت هي الروشتة للطبيب حتى يأتي لها بالدواء، أجمع الطبيب لها المحتويات المطلوبة، ثم مد يده لها، فأخذها منه هو أما هي فأوشكت على اخراج النقود من حاويتها فوجدته يمسك كفها بقوة ثم أخرج النقود من معه و أعطاها للطبيب، نظرت هي في له باندهاش، فوجدته يبتسم للطبيب بعدما أخذ منه الباقي، ثم سحبها و خرج من المكان، بعد خروجهما سألته هي بحنقٍ:
أنتَ ماسك ايدي كدا ليه طيب؟ و مكشر في وشي ليه، أنا معملتش حاجة ليك علشان كل دا"
التفت هو يقول لها بضيق:
هو أنا مش مالي عينك يا خديجة؟ جايبة معاكي ابن اختك الصغير علشان تدفعي أنتِ الفلوس؟"
نظرت هي له بتعجب وهي تردف بهدوء:
أنا مكانش قصدي حاجة والله، دي حركة تلقائية و بعدين أنتَ ذنبك إيه تدفع فلوس الدوا لبنت عمي، حرام عليا، كفاية سهرك من امبارح في الشارع"
رد عليها هو بضيق بعدما عض شفته السفلى:
يا ستي أنا حر، و بعدين طول ما أنا معاكي مفيش جنيه تصرفيه أنتِ، وبعدين سهر إيه اللي بتقولي عليه، أنا اعتبرت نفسي من عيلة الرشيد خلاص، ولا مش لايق عليكم بقى ؟"
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم قالت بهدوء:
ربنا يحفظك يا ياسين و يبارك فيك ليا يا رب"
ابتسم هو لها ثم قال:
طب يلا علشان نجيب باقي الحاجات، تعالي معايا"
أومأت له بهدوء ثم سارت معه وهي تتمسك بذراعه، دخل هو السوبر ماركت ثم جلب العديد من المشتريات لها و للفتيات في العائلة، كانت تنظر له هي بتعجبٍ وبعد خروجهما من المكان سألته هي باندهاش:
ياسين أنتَ جايب كل دا لمين؟ أنتَ جبت نص السوبر ماركت معاك، كدا كتير أوي"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بضيق:
يا ستي هو أنا أشتكيت؟ و بعدين محدش فيه دماغ علشان ينزل يجيب حاجات من تحت تاني، و أنتِ معاكي ناس تعبانة فوق، يعني عاوزين رعاية"
ابتسمت له بفخرٍ ولم تعقب فوجدته يسألها بشكٍ:
خديجة من غير ما تكدبي عليا، أنتِ كلتي حاجة النهاردة؟ ولا ماشية على البركة كدا؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بهدوء:
مش عارفة آكل والله، طول ما أنا بعيط مش بعرف آكل، و أنا طول اليوم عمالة أعيط من الصبح"
أومأ لها بضيق ثم أخذها من كفها حتى يتوجه بها إلى البيت، دخل هو بها ثم وقف بجانب المصعد وهو يخرج علبة عصير من الحقيبة، نظرت له هي بتعجبٍ فوجدته يمسك رأسها وهو يقول بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
أشربي العصير يا خديجة، و على الله تجادلي معايا، هشربك بالعافية"
ردت عليه هي بانهاك واضح:
مش قادرة والله يا ياسين، علشان خاطري بلاش"
رد عليها هو بنفس اللهجة:
اشربي يا خديجة، أنتِ عمالة تترعشي و وشك أصفر، يا كدا يا أخدك بيتنا و تاكلي هناك براحتك"
أومأت هي له ثم شرعت في ارتشاف العصير وهو يسقيها بيده، ابتسم هو لها برضا، فوجدها تبادله نفس البسمة، و في تلك اللحظة أتى من خلفهما صوتٍ يسخر منها تعلمه هي جيدًا و تبغضه بشدة:
اللهُ أكبر يا ست خديجة، فكينا و بقينا بنشرب عصير من ايد الغرب كمان، أومال معايا كانت الدنيا مقفلة ليه؟"
التفت كليهما ينظرا لصاحب ذلك الصوت، فاتسعت حدقتيها حينما رآت ذلك المدعو «راشد»، بينما «ياسين» تركها ثم اقترب منه يقول بلهجة قوية:
أنتَ مين يا نجم؟ أصل شايفك محموق أوي كدا وهي معايا، عرفني بنفسك"
ابتسم الأخر بسخرية ثم تبعها بقوله المتعالٍ:
أنا راشد ابراهيم، كنت خطيب الآنسة المحترمة، أنتَ مين بقى"
نظر «ياسين» خلفه يطالعها بشررٍ يتطاير من عيناه فوجدها تزدرد لُعابها بخوفٍ، فالتفت مرةً أُخرى ينظر لذلك الماثل أمامه وهو يقول بخبثٍ أول مرة تعهده هي منه:
حبيب قلبي يا راشد، نورت مصر، أحب أقدملك نفسي، معاك ياسين رياض الشيخ جوز الأنسة المحترمة"
سأله «راشد» باندهاش ممتزج بانفعال:
إيه؟ بتقول مين؟"
اقترب منه «ياسين» وهو يبتسم بشرٍ ثم قال بهدوء مخيف:
و ماله نقول تاني، معاك ياسين رياض الشيخ جوز المدام خديجة ، كدا عرفتك نظري، تعالى أعرفك عملي"
قال جملته ثم حرك رأسه بقوة يلكم ذلك الماثل أمامه بقوة جعلته يرتعد للخلف و الدماء تسيل من أنفه على الفور، تزامنًا مع شهقة قوية خرجت من «خديجة» مع تحول بشرتها للون الأبيض و كأن الدماء فرت مع صوتها خوفًا مما هو آتٍ.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس 5 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس
تجودين على روحي بكرمك حينما تتحدثين... فكوني ذات جودٍ أكثرٍ و صِليني أسوةٍ بالعاشقين."
_____________
إن كنت تظن أن تلك الحياة خلقت بها دروبًا للراحة، فأنتَ مُخطيء... و إذا كنت تظنها كل شيء فـ خطئك أكبر، بالطبع تلك الحياة لم تخلق للراحة، بل خلقت للتعلم حتى تصل للتأقلم، تقف بها تشبه الطفل الصغير لا تدري ماذا تفعل تظن أنك تعيش في سلام....حتى تصطدم بحوائط الواقع مثل اصطدام الأجساد في الزحام.
اقترب «راشد» من «وليد» يقول بانفعال:
الكلام اللي الأخ دا بيقوله صح يا وليد؟ ولما أنتَ عارف إن هو خطيب هدير سبتني اتعشم ليه؟ محاولتش تراعي نفسيتي؟"
ابتسم له «وليد» وهو يقول بنبرةٍ واثقة:
بصراحة هي حركة زبالة معلش بقى جت فيك، و بعدين أنتَ عاوز تقهر أخواتي و تستغل الظروف و أراعي نفسيتك؟ ليه؟ هي نفسيتك فيها كتاب دين؟"
اتسعت حدقتي الجميع من الموقف، عدا «مرتضى» و «حسن» و «ياسين» الذي سبق و اتفق معهم «وليد» على ما هو آتٍ، بينما «وليد» تابع قوله بنبرةٍ واثقة من جديد يقول:
بصراحة يا راشد أنا موثقتش فيك بربع جنيه مخروم حتى، دا غير إن مش وليد الرشيد اللي يفرط في لحمه لأي حد و السلام"
اقترب منه «راشد» يقول بانفعال:
و ليه كدا يا وليد؟ ليه خلتني اتعشم انها هتكون ليا، و ليه اتفقت معايا أعتذر عن اللي فات على اساس موافقتك ليا؟"
زادت نبرته ثقة و تشفٍ وهو يجيبه بهدوء أعصاب يحسد عليه:
بصراحة دا كان رد اعتبار لـ أختي، و سفالة و قلة أدب مني، ما هو أنا قلت لك نفسيتك مفيهاش كتاب دين علشان أراعيها"
وقف أمامه «راشد» بشموخ قائلًا:
و أنا اللي طلبت ايد هدير قدام الكل، يعني الحق ليا أنا إنها تكون ليا، أنا اللي جيت الأول قصادكم و أنا أولى من الغريب"
نظر له الجميع باندهاش من وقاحة حديثه، بينما «طارق» تدخل يقول منفعلًا:
إيه كلامك الخايب دا يا راشد؟ ما تفوق كدا و تشوف أنتَ بتتكلم عن مين؟ دي أختنا يعني تلم نفسك و تتعدل بدل ما اعدلك أنا"
استشعر «راشد» خطأ حديثه لذلك اقترب منه يقول بلهجة مهتزة إثر انفعال الآخر:
أنا من قهرتي بقول كدا يا طارق، عشمت نفسي إن اللي بحبها تكون ليا و أخوك زود عشمي، في الآخر لقيته بيلعب بيا، حط نفسك مكاني"
تدخل «حسن» يقول بلهجة حادة نابعة من قلبه:
قولتلك أنا خطيبها، يعني كلامك معايا أنا، و بعدين إيه جاي الأول دي؟ فاكر نفسك واقف فـ مكتب تموين؟ اتعلم تتكلم عن الناس بأدب بدل ما الرجالة تعلمك"
تدخل «ابراهيم» يقول بانفعال ممتزج بنبرةٍ مهتزة خوفًا من القادم مُردفًا:
خلاص يا راشد، هي مش نصيبك، ربنا يسعدها مع الاستاذ، احنا بس كنا هنعمل الواجب علشان تكون راجلها فـ محنتها، لكن الأصول منتعدهاش، طالما هي مخطوبة"
رد عليه «راشد» بانفعال:
أنا بقى عاوزها تيجي هنا قدامي و تقول إن هو خطيبها، مش يمكن دي لعبة معمولة علشان وليد يرفضني بالطريقة"
رد عليه «وليد» بثقة:
لأ ناصح برضه، و ماله يا راشد، اطلعي يا خلود هاتي هدير هنا، خليها ترد على الأستاذ بنفسها و تعرفه إنها مخطوبة لحسن"
يا إلهي ماذا يفعل هذا المختل، كيف ستجيبه وهي لم تتحدث حتى الآن، حتى أنها غير مستشعرة لما يدور حولها، هذا ما دار بخلد الجميع، حينما تفوه «وليد» بجملته يطلب حضورها لتلك الجلسة، و حينما لاحظ سكون «خلود» قال بنبرةٍ حازمة:
اطلعي يا خلود يلا، و أطلعي معاها يا سلمى أنتِ كمان، و متتأخروش علشان بحب أشم ريحة الشياط أوي"
كان حديثه خبيثًا يتطرق نحو «راشد» الذي بادله النظرة بأخرى ثابتة و لم يرمش له جفن، أما «مرتضى» فتدخل يقول بهدوء خبيث مثل صغيره:
منور يا راشد، بس خلي بالك حسن طالب هدير مني بقاله اكتر من اسبوعين، يعني له حق بصراحة، دا غير إنك كدا بتكدبنا في بيتنا...و أنا مضمنش رد فعل وليد هيبقى إيه، واخد بالك يا ابراهيم"
كان حديثه تهديدًا صريحًا لهما، جعل الرعب يدب في أوصالهما و كلًا منهما يزدرد لُعابه بخوفٍ مما ينوي فعله ذلك الداهية المدعو «وليد»، كان الجميع في حالة ترقب و صمت تام، ناهيكم عن النظرات الحانقة التي تشبه السهام، و تأفأف البعض من الانتظار، و فجأة طلت عليهم «هدير» برفقة الفتاتين، كانت تنظر حولها بخوف من المنظر، و أول من تعلقت عيناه بها كان «حسن» الذي أمعن نظره لها يتفحص ملامحها الباهتة و شحوب وجهها، يا الله كيف أصبحت تلك المشاغبة بهذه الحالة؟ جسد فقط يتحرك بلا روح، في تلك اللحظة شعر أنه يود الركض إليها حتى يخفف عنها آلامها، خرج من قوقعة تفكيره على صوت «وليد» يقول لها بهدوء:
هدير ركزي معايا ثواني، دلوقتي مين خطيبك حسن ولا راشد؟"
نظرت هي له بصمتٍ ولم ترد عليه فقط نظرة متسائلة خرجت من بين أهدابها الكثيفة، فوجدته يتابع من جديد بحزمٍ:
ها يا هدير؟ حسن ولا راشد؟ مين فيهم اللي خطيبك؟ كل الناس دي واقفة تسمع ردك"
في تلك اللحظة اقترب منها «حسن» يقف مقابلًا لها بجانب «راشد»، فكانت هي مقابلةً لكليهما ولم تتحدث، حينها تدخل «ياسين» يقول بهدوء:
ها يا هدير؟ ردي علينا، مش حسن هو خطيبك برضه؟"
وجهت بصرها نحو «حسن» فوجدت نظرته مترجية لها، نظر «وليد» لها يتتبع بصرها فوجدها تنظر له، حينها ابتسم بخبثٍ ثم رفع صوته يصرخ بها بحدة:
ردي يـــا هــديـر...حــسـن خـطـيـبـك و لا لأ؟"
ارتجف جسدها بشدة من صوته، فمدت كفها تتمسك بذراع «حسن» حينما شعرت بالخوف، نظروا جميعهم لذلك المشهد باندهاش، أما «وليد» اعتلى ثغره بسمة واثقة وهو يقول بنبرةٍ متريثة:
ها يا راشد صدقت إنه خطيبها؟ هي مسكت دراعه قدامك أهوه، تحب أخليها تبوسه كمان علشان تصدق؟"
نظر «حسن» لها بفرحة تضج من عيناه لم يستطع التحكم في ذاته حتى يخفيها عن الجميع، أما هي فنظرت له تزدرد لُعابها بخوفٍ من الموقف لا تدري ماذا يدور حولها، هي فقط مغيبة في عالم أخر، بينما «راشد» نظر حوله بحقدٍ واضح و هو يقول بنبرةٍ منفعلة:
شكرًا يا وليد...تمام أوي كدا على احراجك ليا، خليت شكلي زفت قصاد الكل علشان ترضي غرورك على قفايا، بس أنا مش هسكت"
اقترب منه «وليد» يقول بثقة متشفيًا به و بحالته:
أصل أنا مبعرفش أسيب حقي ولا حق اللي يخصني، و خديجة حقي و حقها يخصني، رد اعتبار أختي أنا كنت كدا كدا هاخده منك، ذوق أو عافية، بس كنت مستني الظروف تجمعنا سوا"
في تلك اللحظة مال «طارق» على أذن «وئام» يقول بهمس:
اقطع دراعي إن ما كان أخوك اللي حوار خطوبة هدير و حسن دي، الحركة دي متجيش من غيره"
نظر له «وئام» بلامبالاة وهو يقول:
معاك البطاقة؟"
نظر له الأخر متعجبًا فوجده يومأ له بثقة وهو يقول:
جهز بطاقتك علشان نشهد على كتب الكتاب...دا وليد برضه"
نظر «طارق» أمامه من جديد وهو يقول بنبرةٍ غير مصدقة:
يا ولاد الهُبل"
كانت النظرات جميعها متشفية، بينما «ابراهيم» بعد التفكير العميق، تحدث متشدقًا بنذقٍ يقول:
ألف مبروك يا ولاد عمي، و احنا علشان بنفهم في الأصول هنحضر اليوم التالت في العزا، احنا كنا جايين علشان الواجب، و بعدها هنمشي من هنا خالص"
التفت «راشد» ينظر له مُتعجبًا فوجده ينظر له بحدة يطلب التريث قليلًا، فأضاف «راشد» يقول بنبرة جادة:
أنا هفضل هنا لحد ما اطمن على هدير، طالما هما مش قادرين يساندوها في محنتها دي"
رد عليه «حسن» من خلفه بنبرةٍ قوية:
لأ ماهو كتر خيرك لحد كدا، خطيبتي و أنا حر فيها، و ياريت اسمها ميجيش على لسانك تاني، علشان مزعلش منك و أنا زعلي صعب بصراحة"
تدخل «طه» يقول بحنقٍ:
بص يا بني أنتَ كتر خيرك على حركة المجدعة اللي كانت هتخرج منك لهدير، بس خلاص حسن خطيبها و أنا واثق إنه من بدري عاوزها لأنه لمح ليا قبل كدا، و حق خديجة هي مش مسامحة فيه و دا حقها، ربنا يعوض عليك بقى ببنت الحلال"
تدخل «وليد» يقول متهكمًا بسخرية لاذعة:
قصدك ببنات الحلال يا عمي، راشد ميكفهوش واحدة بس، راشد بيتعامل بالجملة، دا أنا أخاف على الساعة منه علشان مؤنثة"
نظر له «راشد» بشررٍ يتطاير من عيناه و كأنه في تلك اللحظة يود الفتك به، فوجد والده يقول بضيق:
تسلموا لحد كدا، احنا هنروح بيتنا الليلة دي كفاية اهانة فيا و في عيالي، و احنا كنا عاوزين نصلح اللي فات و المياة ترجع لمجاريها من تاني"
رد عليه «وليد» بتبجحٍ:
للأسف يا عمي الماسورة مكسورة و المياه اللي هترجع دي بناقص منها، بس على العموم أنتَ هتشرفنا لحد بعد بكرة علشان كتب الكتاب تحضره بنفسك"
رد عليه مُعقبًا بحنقٍ:
لأ يا سيدي شكرًا لكرم أخلاقك، هو أنتَ لسه عاوزنا نقعد هنا تاني"
أومأ له بثقة ثم أضاف:
لو بصحيح زي ما بتقول عاوز المياه ترجع تاني لمجاريها يبقي تفضل معانا لحد كتب الكتاب، و أهو نعتبرها بداية صلح جديد"
انتهز «راشد» تلك الفرصة فتحدث يقول بهدوء:
و احنا علشان نثبت حسن نيتنا
هنقعد، لحد ما اطمن عليها إنها مع واحد عارف يحافظ عليها"
أومأ له «وليد» ثم أضاف:
كتب الكتاب بعد بكرة، تكون الرجل خفت خالص عن البيت"
تحدث «محمود» يقول بقلة حيلة:
يا بني الناس هتتكلم علينا، واحدة تتجوز رابع يوم موت امها؟ فين الأصول فـ كدا، الناس هتشمت فينا"
التفت «وليد» ينظر له بثقة و هو يقول:
الناس دي ملهاش لازمة أصلًا، مفيش حاجة في الدين قالت إن حرام حد يتجوز و فيه حد تاني ميت، و بعدين هدير لازم تبقى مع حد يساندها تتخطى اللي هي فيه، و حسن هو اللي طلب مني دا، يعني الناس دي ملهاش أي تلاتين لازمة عندي ولا عند صاحب الشأن، ثق فيا يا عمي، علشان أنتَ عارف أني مبعملش حاجة غلط"
تدخل «مرتضى» يقول بهدوء:
أنا متفق معاك يا محمود، و دي كلمة رجالة خرجت مننا لـ حسن، خليك واثق في وليد، علشان وليد عمره ما كان متهور"
تحدث «ياسين» يقول بهدوء رغم التسلية التي كانت تضح في عيناه:
أنا بقول كفاية كدا النهاردة و ننام كلنا علشان لسه ورانا يوم كمان في العزا و لسه فيه كتب كتاب، ولا إيه يا وليد؟"
أومأ له «وليد» مؤكدًا ثم أضاف:
بالظبط يا بني الله معاك حق، خلينا نرتاح علشان بصراحة اليوم كله كان صداع، خلينا نفوق للي جاي، ولا إيه يا راشد؟"
نظر له الأخير بضيق ولم يعقب، بينما الجميع تجهزوا للرحيل من ذلك المكان و كلًا منهم رأسه تعج بالأفكار التي تعصف بذهنه، رحل الجميع من ذلك الطابق بمشاعر مختلطة فمنهم من لاذ بالفوز العظيم و منهم من سقطت أحلامه في بئرٍ واسع، و منهم من يقف في المنتصف.
______________
في شقة «حسن» دخلها هو بهدوء ولازال عقله معها هناك وهو يفكر بها و ملامحها و في خوفها، و الأكثر من ذلك عقد قرانهما سويًا !! كيف يحدث ذلك؟ كيف تفوه هو بذلك الطلب دون تفكير فيما هو قادم؟ كيف تسرع بطلبه في تلك الظروف، و الأكثر غرابة من ذلك كيف حصل على الموافقة دون أي مجهود، ارتمى على الأريكة في صالة شقته الخالية من الروح تشبهه كثيرًا، ثم عاد بذاكرته في احداث اليوم عصرًا.
(بعد صلاة العصر و قبل توافد الأقدام على بيت الرشيد)
_في شقة «مرتضى» جلس «وليد» برفقة والده يقول له بهدوء:
ركز معايا يا بابا، دلوقتي راشد و أبوه عاوزين يستغلوا الوضع، كانوا فاكرين إنهم هيقدروا يرجعوا خديجة ليهم من تاني، بس اتفاجئوا بجوازها دلوقتي بقى عاوزين هدير مكانها"
اندهش هو مما تفوه به ولده، فوجده يتابع من جديد بهدوء أكثر:
دلوقتي فيه واحد جاي هتفق معاه على اللي هيحصل بليل، علشان كل حاجة تكون واضحة قدامك و تبقى معانا على الخط، ركز معايا علشان المرة دي محتاجك يا بابا"
قبل أن يرد عليه والده طُرق باب الشقة، تنهد «وليد» بعمقٍ ثم توجه إلى باب الشقة حتى يفتحه، فوجد مبتغاه أمامه يقول بنبرة حائرة:
خير يا عم وليد؟ جو المفتش كرومبو دا أخرته إيه؟"
ابتسم له ثم قال وهو يشير له بالدلوف للشقة:
ادخل بس يا حسن و نبقى نشوف أخرتها بعدين"
دلف الشقة خلفه وهو يشعر بالريبة و التعجب معًا، ثم جلس أمامهما بعدما القى عليهما التحية، فتحدث «وليد» يقول بتركيز حتى يمهد له الموضوع:
بص يا حسن، طبعًا أنتَ عارف إن خديجة راشد كان متقدم ليها و راشد دا أنا أخاف على نفسي منه، عيل ملوش أمان، لو شاف تاء التأنيث بيتهبل عليها"
انتاب القلق قلبه فرد عليه بهدوء ممتزج بالتردد:
طب أنتَ عاوز مني أنا إيه؟ عاوزني أضربه زي ياسين؟ ولا أربيه من جديد بدل أبوه"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
راشد عاوز يطلب ايد هدير و يقرأ فاتحتها قبل ما يسافر، و يبقى يجي بعد الأربعين يكتب كتابه عليها"
رد عليه «حسن» بحنقٍ ممتزج بالانفعال:
نعم يا خويا؟ يطلب ايد مين؟ أنتَ واعي يا وليد للي بتقوله ولا اتهبلت، منين مبتأمنش له، و منين عاوزه يطلب هدير؟"
من طريقته المنفعلة تلك تشجع الأخر حتى يُدلي بمطلبه بكل ثبات، فأضاف يقول بهدوء:
هو طلبها مني فعلًا، ولسه هيكرر طلبه بليل قدام العيلة كلها، أنا عاوزك ساعتها تقول إنك خاطبها و إنك طالب إيدها من ابويا بما انك بتعتبره كبيرك يعني علشان يفاتح عمي محمود، ها إيه رأيك؟"
تعجب «مرتضى» من تفكير ابنه الصغير، فـ لمعت عينيه بفخرٍ و كأنها تنطق بما لا يستطع قوله، بينما «حسن» نظر له ببلاهة وهو يقول حائرًا:
طب...طب واحدة واحدة عليا، علشان أنا السلوك دخلت عندي في بعض منك، عاوز إيه بقى؟"
ابتسم له ثم قال بهدوء:
عاوزك بليل لما راشد يطلب ايد هدير، ترد و تقول إنك خاطبها و دا اتفاق ما بيننا لحد ما يحس على دم أهله و دا لأنه معندوش دم أصلًا، و ساعتها كل حاجة ترجع تاني زي ما هي"
رد عليه «حسن» بسرعة كبيرة:
طب و ليه يبقى مجرد اتفاق بينا؟ خليه كلام رجالة بجد و حقيقي، و ساعتها يبقى احنا مبنكدبش"
تدخل «مرتضى» يسأله بتعجبٍ:
يعني إيه مش فاهمك أنتَ كمان؟ عاوز توصل لإيه يا حسن؟"
أجابه الأخر بثباتٍ و ثقة:
يعني أنا بطلب ايد هدير بجد منكم انتو، دلوقتي حالًا أنا يشرفني ان هدير تبقى مراتي مش بس خطيبتي"
نظر له «مرتضى» باندهاش، بينما «وليد» رد عليه بضيق:
أنا مش بقولك كدا علشان تتحرج أنتَ و تدبس نفسك في مسئولية كبيرة زي دي، أنا عاوزك بس تقول كدا قدام راشد و أبوه"
تنهد هو بعمقٍ ثم أجابه بتأكيد حتى ينفي حديثه:
و أنا عارف كلامك، بس أنا مش بطلب كدا علشان حاسس باحراج، أنا بطلب كدا علشان أنا عاوز هدير تكوني مراتي، و علشان اللي هي فيه دا، عاوزة راجل معاها و متزعلش مني، والدها الله يصبره مش هيقدر على مسئوليتها، يبقى خليني أنا أرجعها تاني زي ما كانت، و ساعتها أنا اللي هقف لراشد دا"
تدخل «مرتضى» يقول بقلة حيلة نتيجة حيرة أمره:
صعب يا بني، احنا بس عاوزين راشد يقفل السيرة دي، لكن دي واحدة أمها لسه ميتة، عاوزني ازاي أخطبهالك، هي أصلًا مصدومة من ساعة موت أمها"
رد عليه «حسن» بهدوء أكثر بعدما تحكم في انفعالاته:
و أنا مش ضامن ان راشد دا يبعد عن سكتها، ممكن يحوم حوليها و ممكن يفضل هنا علشان يتأكد من كلامنا، أنا بقى هكتب كتابي عليها علشان أقفل عليه كل السكك خالص، ها موافقين"
ابتسم له «وليد» بفخرٍ ثم أضاف مؤكدًا:
و أنا موافق يا حسن، و يشرفني إنك تبقى جوز هدير، بس ساعتها أنتَ هتبقى شايل مسئوليتها، يا كدا يا تسبلي أختي و أنا أتصرف معاها بمعرفتي"
ابتسم هو له بودٍ ثم استطرد حديثه قائلًا بهدوء:
و أنا قابل بيها زي ما هي، بمسئوليتها بكل حاجة، و إن شاء الله اثبتلك إني قد المسئولية دي"
بادله بسمته الودودة بأخرى تعبر عن الفخر به، ثم تابع يقول من جديد:
دلوقتي بقى ياسين طالع علشان أفهمه الليلة دي كلها، و علشان ميتهورش لما أستاذ راشد يتكلم بليل"
نظر له كلاهما باندهاش بينما قام هو ثم فتح باب الشقة حينما طرقه «ياسين»، فتح له الباب بينما الأخر نظر له بتعجبٍ ولا يدري كيف يتصرف أمام ذلك المنفصم شخصيًا، دخل و رحب به الجميع، فتحدث «وليد» يقول بمرحٍ:
معلش بقى يا ياسين هحتاج منك تظبط أعصابك شوية الليلة دي علشان اللي جاي"
سأله «ياسين» بارتياب:
استر يا رب، خير يا وليد؟ فيه حد هيتضرب تاني النهاردة ولا بموت علطول؟"
ضحك الأخر بخفوت ثم بدأ في سرد الأحداث القادمة عليه أمام الجميع، و كان الآخر ينظر بذهول، و حينما أنهى «وليد» سرده وجد «ياسين» يقول بانفعال:
أنا مش عاوز خديجة تتواجه معاه، أنا وعدتها مفيش حاجة تخوفها و لا حاجة تزعلها، و هو وجوده مش مريح، عاوزني أخليه يواجهها؟ دا أنتَ الوحيد اللي عارف خديجة و عارف شخصيتها عاملة ازاي؟ افرض خافت منه ؟"
ابتسم له «وليد» بثقة وهو يسترسل حديثه قائلًا:
عارف خديجة القديمة، لكن الجديدة دي واحدة تانية بطلت تخاف زي الأول، و السبب في
دا وجودك أنتَ معاها، خديجة دلوقتي ممكن تقف في وش الدنيا كلها عادي علشانك، يبقى خليني أرد اعتبارها بقى بطريقتي، ها موافق و هتمسك نفسك بليل ولا نقفل على رد الاعتبار؟"
تنهد «ياسين» بقلة حيلة ثم فكر مليًا لمدة ثوانٍ بعدها تحدث يقول بهدوء وهو مُبتسمًا:
عاوز مني إيه بالظبط يا وليد؟"
نظر «وليد» في وجهيهما ثم قال بهدوء خبيث كعادته:
عاوز منكم كل خير يا حبايب قلب وليد".
(عودة إلى الوقت الحالي)
أخرج «حسن» زفيرًا قويًا ثم ألقى بكامل جسده على الأريكة وهو يفكر فيما هو قادم بتخبطٍ من الأمور، و لكن هناك جزء كبير يحثه على الاستكمال فيما بدأه، جزء من تلك المضخة التي تضرب بين أضلعه تطلب منه المحاربة فقط لأجلها هي مهما كان.
_____________
في الطابق الأول جلس «راشد» أمام والده يهز قدمه بانفعال و تلك السيجار الكبيرة في يده، فتحدث شقيقه بضجرٍ:
بطل الزفت اللي بتشربه دا بقى، بضيع فلوس و صحة على الفاضي، احترم ابوك اللي قاعد دا حتى"
نظر له شقيقه بحدة ثم رد عليه منفعلًا:
بقولك إيه متاكلش دماغي، حِل عن نفوخي، خليني أشوف الزفت اللي اسمه وليد دا و أشوف أخرته معايا إيه، أنا اتحرج و اركب المسرح قدام اللي يسوى و اللي ميسواش؟"
رد عليه والده بضيق منه:
هتلاقيك أنتَ اللي اتغابيت معاه في الكلام و خليته يشك فيك، ماهو مش معقول يتصرف كدا من غير ما أنتَ تحسسه بغباءك"
رد على والده منفعلًا:
بقولك إيه متجننيش، أنا قولتله زي ما أنتَ طلبت مني بالحرف الواحد، يعني مش غلطي، هو اللي دماغه زي دماغ الحية، عرف ازاي يخليني ارد اعتبار ست خديجة و كمان ترفضني و كمل عليا برفض هدير، بس أنا مش هسكت و هخلي كتب الكتاب يبقى عزا تاني على دماغهم"
نظر له شقيقه باندهاش، بينما والده سأله بارتياب من امره:
تقصد إيه؟ هتعمل إيه يعني يا راشد، أوعى تعك الدنيا تاني، خلاص خلينا نرجع و نسيبهم الصبح"
نظر لوالده بثقة وهو يقول:
عيب عليك يا حج ابراهيم، أنا مش هسيب حقي، و هدير خلاص بقت حقي أنا"
زاد خوف الاثنين معًا بينما هو نظر أمامه بشرود وهو يفكر في كيفية استعادة ما سُلب منه بالخدعة، فتلك الحيلة لم تنفك عليه، هو يعلم أن «وليد» فعل ذلك حتى يضعف موقفه أمام العائلة، حتى أمام «هدير» نفسها، لكن مهلًا يا آلـ الرشيد، إن وضعها في رأسه سيصل لها كما فعل مع الكثيرات غيرها.
_______________
فوق سطح البيت جلس الشباب بأجمعهم ينظرون لكلًا من «وليد» و «ياسين» بحدة، فتحدث الأول يقول بحنقٍ:
يا رب جو النظرات دا يخلص، علشان مش عارف أطفح اللقمة اللي فـ ايدي"
رد عليه «طارق» بضيق:
أنتَ ابرد من ابرد تلاجة شوفتها فـ حياتي، ممكن أفهم إيه اللي حصل دا؟ هدير مين اللي تتجوز حسن؟ أنتَ واعي أنتَ بتعمل إيه؟"
أومأ له «وليد» بثقة وهو يمسح كفيه معًا بعدما ترك الطعام من يده، ثم أضاف قائلًا:
آه واعي، اللي أنا بعمله دا بحافظ على واحدة من كلب زي راشد، معندوش قلب بيستغل المحنة علشان يحقق رغبة أبوه"
تدخل «وئام» يقول بانفعال:
بالطريقة دي؟ تسلمها لواحد تاني غريب عنها؟ طب مفكرتش فيها هي، مفكرتش في وضع حسن نفسه؟ يا بني دا لحد دلوقتي مش عارف يعيش حياته بسبب مراته، ليه تحكم عليهم بكدا"
انفعل «وليد» وهو يجيبه:
أنا عندي أسلمها لواحد زي حسن، أحسن ما واحد زي راشد دا يفضل يلعب عليها، أنا لو كنت رفضت و خلاص، كان لعب هو عليها زي ما بيعمل مع أي واحدة، لكن بوجود حسن هو هيسكت خالص، على الأقل علشان شوية الرجولة اللي عنده"
رد عليه «طارق» بضيق:
مش كدا، أنتَ رخصت بهدير لما عملت كدا، ليه تسلمها للغريب و احنا موجودين معاها، احنا كلنا هنا و نقدر نساعدها"
ابتسم له «وليد» بثقة وهو يقول بخبثٍ:
خلاص طالما دا كلامك، هنزل اهون على جميلة مراتك من حالة الصدمة برضه"
انتفض «طارق» في وقفته وهو يقول بانفعال إثر حديثه:
أنتَ اتجننت يا وليد؟ ما تخلي بالك من كلامك، شكلك مخك ضرب"
وقف الشباب جميعهم حينما اشتد الموقف لتلك الدرجة، بينما «وليد» تحدث يقول بنفس الثبات:
أديك اتعصبت من مجرد الفكرة، أومال لو حصل فعلًا هتعمل إيه؟ افتكر يا طارق إن جميلة مراتك لما كانت في حالة صدمة أنا سلمتها ليك أنتَ، مش لأحمد رغم أنه أخوها في الرضاعة و مش لوئام رغم انه ابن خالها الكبير، و مش ليا برغم إن أنا اللي بتصرف، أنا سلمتهالك في ايدك علشان تحافظ عليها، دلوقتي بقى تقدر تطلق جميلة و تتجوز هدير؟"
نظر له الجميع باندهاش، فتابع هو من جديد بنبرة أقوى:
ها ردوا عليا، بلاش طارق علشان بيحب جميلة، و بلاش وئام علشان جوز اختها، أطلق عبلة و اتجوزها أنا"
سأله «وئام» بحدة:
أنتَ مجنون يا بني، هي ازازة عصير هنتخانق عليها؟ دي بنت عمك يعني تفوق و أنتَ بتتكلم"
ابتسم له ثم تابع حديثه الغير مبالي:
خلاص طالما رجالة العيلة مش نافعة يبقى ياسين موجود، و زي ما ساعد خديجة يساعد هدير، ها رأيكم إيه؟"
نظر له «ياسين» بتعجب، بينما «أحمد» تحدث يقول بنبرة قوية:
لأ وليد ضربت منه على الأخر، دا تقريبًا كدا مخه لسع خلاص"
رد عليه هو بثقة:
شوفتوا إن محدش فينا ينفع يكون جنب هدير؟ بأي صفة وهي تجوز ليا و تجوز لطارق، و حتى وئام جوز أختها و مينفعش، واحدة زي دي بقى أسيبها لوحدها مع ابوها اللي مش قادر يتحرك و حاسس بالكسرة؟ ولا أسيبها قدام واحد زي راشد يستغل الظروف علشان يوصلها؟ ما ترد منك ليه"
تحدث «وئام» يقول بنبرة أهدأ:
بس دا صعب عليها، و على حسن نفسه، حسن كدا هيحس نفسه انه بديل و قليل، وهي تحس نفسها من غير قيمة لما تعرف إن إحنا رخصنا بيها كدا"
حرك رأسه نفيًا وهو يعقب عليه:
و يمكن تشكرني على اللي عملته علشانها، و اطمن حسن اللي صمم انه يخطبها، أنا كان اتفاقي معاه انه يمثل قدامهم انه خطيبها، بس حسن فاجئني أنه عاوز يخطبها و كمان هيكمل الحكاية بكتب كتاب، واحد زي دا راجل لدرجة إنه مشافش نفسه بديل لحد تاني، بالعكس دا بيثبت رجولته و موقفه"
سأله «طارق» بهدوء:
وأنتَ بقى شايف إن حسن يقدر يدي هدير اللي هي عاوزاه؟ هيقدر يعوضها عن حالة الصدمة دي؟ شايف إنه قد المسئولية؟"
أومأ له ثم أضاف بثقة:
حسن أحق واحد بهدير، هو الوحيد اللي عارف ألم الفراق علشان مجرب موت أمه و موت أبوه و موت مراته، حسن حياته فاضية و عاوز حاجة تملاها، الطاقة اللي عنده كفاية انها ترجع هدير تاني لينا و أفضل من الأول كمان، أنا واثق إن هدير نفسها هتفرح من اللي هيحصل"
نظروا له باندهاش، فتابع هو حديثه يقول بضيق:
دلوقتي اتفضلوا علشان أنا عاوز أنام و دماغي مصدعة، يلا منك ليه"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
وهو أنتَ هتنام فوق سطح البيت كدا؟ مش غريبة دي؟"
رد عليه «وليد» بقلة حيلة:
هدير بتبات في أوضتي علشان ماما تعرف تخلي بالها منها و من هدى، أنا بقى ضحيت و بنام هنا"
رد عليه «أحمد» بضيق:
و مجتش تبات عندنا ليه؟ ما أنتَ طول عمرك أوضتي و أوضتك واحد"
زفر هو بضيق ثم أضاف:
علشان ياسين موجود و أكيد عاوزين تكونوا براحتكم، و بعدين أنا بحب أسهر مع القمر بليل لوحدي، ها حاجة تاني؟"
تحركوا جميعًا من أمامه بضيق وحينما أوشك «ياسين» على ملاحقتهم أمسكه هو من يده وهو يقول بهدوء:
عاوزك يا ياسين، متنزلش"
أومأ له «ياسين» ثم لحقه و جلس بجانبه على الأريكة، فوجده يقول بهدوء:
معلش أنا أسف على طريقتي معاهم من شوية قدامك، بس هما كدا كل مرة لازم يخرجوني عن شعوري و أنا راجل محترم"
ابتسم «ياسين» بسخرية على حديثه و طريقته فوجده يتنهد بعمقٍ ثم قال:
وجود راشد هنا مخوفني يا ياسين، طالما صمم انه يفضل هنا يبقى أكيد بيلهيني علشان انشغل عنه،و هو مش هيسكت عن حقه و هيحاول يرد كرامته حتى لو على حساب واحدة ست"
قطب «ياسين» جبينه يسأله حائرًا ممتزج بانفعاله:
يعني إيه هي سايبة؟ البيت مليان رجالة يعني لو فكر بس يعمل حاجة تبقى خَرجته من البيت دا"
سأله «وليد» بهدوء:
حتى لو مش هياذي خديحة و هيأذي حد غيرها، برضه هتساعدني و تقف معايا"
رد عليه مؤكدًا بثقة:
و لو هيأذي حد من الشارع حتى أنا رقبتي سدادة، مين راشد دا علشان يخليني أخاف، و بعدين أنا عندي مبدأ إن طالما غيري محتاج مساعدتي و أنا اقدر عليها يبقى مبخلش عليه أبدًا"
ربت «وليد» على فخذه وهو يقول بفخرٍ:
خديجة كان معاها حق لما قالتلي إنك زيي، أول مرة اقابل حد بيدي و مبياخدش من زمان، أنا كدا مش هستغرب تطور خديجة تاني، كفاية وجودك بصراحة"
ابتسم له «ياسين» عند ذكر اسمها ثم قال بهدوء ممازحًا له:
آه هي الكتكوتة بتجيب سيرتي معاك بقى، فضحاني يعني"
ضحك «وليد» ثم أجابه:
الكتكوتة مش وراها سيرة غيرك، مش فضحاك هي بس بتتباهى بيك قدام الناس و قدام الزمن، يعني... شايفة نفسها بتكسب حاجة أخيرًا بعد الهزايم اللي خدتها في حياتها"
تنهد هو بعمقٍ ثم أضاف بحبٍ:
سبحان الله... بيجمع قلبين غُرب عن بعض علشان يكونوا كل حاجة لبعض، أهيه خديجة دي هي الوحيدة اللي القلب ارتاح ليها و العين طلعت عليها، أنا ساعات بستغرب ازاي ببقى معاها طفل صغير كدا، و ساعات أحس أني أب بيفهم بنته الصغيرة، خديجة دي زي المطر اللي بينزل في الصحرا، أو يمكن زي الفراشة اللي فـ الربيع، خديجة دي حبيبة القلب و رفيقة الدرب"
نظر له «وليد» باندهاش ممتزج بالفرحة، فوجده يحمحم باحراج وهو يقول:
شوفت، حتى نبرة صوتي اتغيرت علشان سيرتها جت في الكلام بس، المهم يا سيدي خلينا في موضوعنا، عاوز مني إيه؟"
ابتسم له «وليد» ثم تحدث يقول بهدوء:
عاوز ناس زيك كدا يكونوا معايا في كتب كتاب هدير، يعني يقفوا يساعدوني بس من غير ما يبان انهم هيساعدوني، كأنهم ناس جاية كتب كتاب عادي، تقدر؟"
أومأ له «ياسين» ثم أضاف مفسرًا:
يعني عاوز معازيم قدام الناس، بس بيني و بينك ليهم سبب تاني علشان نكون مستعدين لراشد و اللي ممكن يعمله،صح؟"
ابتسم له ثم أضاف بفخرٍ:
و كمان نبيه؟ ربنا يحرسك من العين و يحميك إن شاء الله"
ضحك الأخر ثم قال بهدوء:
بكرة بعد الناس ما تمشي من العزا هاخدك و نروح عند حبايبي و هما مستحيل يتأخروا عليا"
سأله «وليد» بتشككٍ:
أكيد خالد و ياسر و عامر، صح؟"
أومأ له مؤكدًا ثم أضاف:
مليش غيرهم، هما اللي ممكن أحط روحي في ايدهم و أنا واثق فيهم، مش روحي بس، لأ دول ياخدوا كل حاجة ليا و أنا واثق انها في أمان"
سأله «وليد» بتعجبٍ ممتزج باللهفة:
للدرجة دي بتحبهم يا ياسين؟ يعني خديجة ممكن تخسر قصادهم؟"
نظر له بتمعن ثم تحولت نظرته إلى أخرى مُحبة:
حبهم عندي غريب، يعني أنا طول عمري معنديش أخوات و لوحدي، هما بقوا كل حياتي، مفيش مناسبة عدت عليا من غيرهم الدنيا دي بحر و صحابي هما طوق النجاة فيها، بس خديجة حاجة تانية برضه، بمعني إن الاتنين عندي زي بعض، مينفعش أقول لحد اختار بين الهوا و بين المياه، هما كدا، ممكن أكون عيشت معاهم من غير خديجة و كانوا هما الهوا، لكن خديجة هي المياه اللي من غيرها الروح عطشانة، عرفت بقى إن المقارنة مستحيلة؟"
أومأ له ثم قال بهدوء:
نفس اللي بيحصل معايا، خديجة هي كل حاجة حلوة ليا، أمي و أختي و صاحبتي و سري كله معاها، بس عبلة برضه حاجة تانية، مقدرتش اتخيل ان ممكن خديجة تسبني في يوم، بس لما حصل و لقيتها فرحانة معاك عرفت ان فرحتها من فرحتي، عبلة العكس بقى، هي الوحيدة اللي مش متخيل بعدها عني، يوم واحد بس من غيرها و من غير عيونها يبقى صعب، ساعات بخاف من الفراق علشان بس فراقها هي صعب عليا"
رد عليه «ياسين» بحبٍ:
ربنا ميفرقش بينكم أبدًا و يجمعكم سوا على خير في بيتكم"
أومأ له «وليد» ثم قال بعدما نظر أمامه:
عارف إنك عاوز تسأل مين راشد وبيعمل إيه هنا، و ليه ابراهيم بيعمل كل دا، أجاوب ولا تسأل علطول؟"
ابتسم له «ياسين» ثم رد عليه بهدوء:
لأ قسم و سمعني يلا قبل ما انزل علشان عاوز أنام بصراحة"
رد عليه الأخر بخبثٍ:
لأ مش هطول عليك، علشان خاطر الكتكوتة حتى متزعلش"
ضحك «ياسين» بخفة بينما أخذ هو نفسًا عميقًا ثم قال:
راشد ابراهيم راشد، أبوه يبقى ابن عم أبويا، راشد و فايز كانوا أخوات، اللي هو جدي يعني، كانوا في السويس هما الاتنين، راشد كان زي حفيده كدا بتاع ستات و طايش، إنما فايز كان دماغ، لما ابوهم أحمد الرشيد مات ساب لكل واحد نصيبه، راشد ضيع فلوسه على مزاجه و الستات و فايز جدي نزل القاهرة، فحت في الصخر علشان يبني نفسه، خاف أخوه يرسم على فلوسه، المهم يا سيدي عاش هنا في أوضة فوق سطح البيت دا و اشتغل في الأعشاب و النباتات و العطارة، مع الوقت اسم فايز الرشيد عِلي و بقى من أكبر التجار في القاهرة لحد ما بقى في محافظات مصر كلها، و اسم راشد بقى في الأرض من كتر هطله و جريه ورا الستات"
لفت الايام و دارت لحد ما راشد مات ة معاه ولدين ابراهيم و ايهاب، ايهاب راح عاش مع قرايب مراته و ساب كل حاجة لأخوه علشان سمعته و سمعة عياله، لما راشد اتقدم لخديجة مكناش نعرف انه زي جده كدا، كنا فاكرينه محترم، لحد ما هو عك بكلامه فـ حقها ساعتها أحمد روقه، حظه الحلو إن أنا كنت برة البيت، بس بصراحة أنا من الأول مكنتش عاوز الموضوع يكمل، آه مش بجرح أختي، بس مكنتش مرتاح له، كان عامل نفسه مثالي بغباء"
تنهد «ياسين» بعمقٍ ثم قال بهدوء بعدما رفع رأسه ينظر للسماء:
على قد ما هو معصبني و عاوز أدخل فيه السجن، على قد ما اللي عمله دا مفرحني و مخليني عاوز أشكره إنه سابها علشان أقابلها أنا، الله أعلم لو مكانش قال اللي قاله دا كان زمان إيه الوضع دلوقتي، بس ربنا رحمته واسعة بينا لدرجة إنه بعده عنها علشان تبقى ليا أنا و من نصيبي، الحمد لله على كرمه و رزقه و رحمته بيا"
نظر له «وليد» بهدوء ثم قال:
تظن أنك حُرمت و الحقيقة أنك رُحمت، هي خديجة اترحمت و علشان كدا مش عاوز هدير واحد زي راشد دا يعدي بس على حياتها....المهم انزل يلا علشان ترتاح شوية لسه ورانا كتير"
أومأ له «ياسين» ثم تركه بهدوء بينما هو انتظر حتى اختفى اثره حينما دخل المصعد ثم رفع صوته قائلًا بمرحٍ:
تعالى يا هبلة، تعالي ربنا يهديكي و تكبري شوية بدل شغل الهطل دا"
خرجت هي من خلفه باب السطح وهي تقول باندهاش:
عرفت منين إن هنا؟ شوفتني ازاي أصلًا و أنا واقفة مكاني متحركتش، حتى الأسانسير مش بطلع فيه"
قالت حديثها تزامنًا مع اقترابها منه حتى جلس بجانبه فوجدته يبتسم وهو يقول بثقة:
عرفتك من ريحة السوبيا، ماشاء الله شجرة جوز هند داخلة عليا، خلاص حفظتك"
رفعت رأسها على مضضٍ تقول بضيق:
يادي النيلة عليا و على سنيني، قولتلك دا لوشن بجوز الهند، ارحمني دا أنا بدفع فيهم دم قلبي كل شوية"
ابتسم لها ثم قال بمرحٍ:
عقبال ما ادفع حقهم أنا و أنتِ في بيتي إن شاء الله، ساعتها هتأكد بقى دي سوبيا و لا لوشن"
حركت رأسها بيأس تزامنًا مع اخراجها زفيرًا قويًا ثم قالت بهدوء بعدما إبتسمت له:
أنا جاية اقسم معاك حِمل الليالي، ها مالك علشان ورايا غسل مواعين لسه ؟"
نظر لها مندهشًا من طريقتها فوجدها تقول مفسرة له:
يا عم مش هما بيقولوا إن حمل الليالي خفيف لما يشيلوه اتنين، أنا جيت اشيل معاك، خلص بقى بسرعة علشان أخلص اللي ورايا"
ضحك هو عليها ثم قال بعدما حاول التحكم في ضحكته حتى تحولت نبرته للهدوء تدريجيًا:
أنا كدا اتأكدت انك هطلة رسمي، على العموم يا ست عبلة أنا فعلًا الحمل زايد عليا، مش عارف أنا بتصرف صح و لا غلط، أنتِ شايفة أني بتصرف صح ولا غلط في حق هدير؟"
ردت عليه هي بمرحٍ:
ليدو حبيبنا مبيغلطش، بصراحة أنا شايفة إن هدير مينفعهاش غير حسن دا"
سألها هو بلهفة وهو يعتدل في جلسته حتى سقط اللحاف من جانبه:
بجد؟ طب ازاي قوليلي"
رغم التعجب الباديًا على ملامح وجهها إلا أنها آثرت الثبات وهي تُجيبه:
علشان هدير عاوزة حد معاها، حد ميسبهاش تاني، وجود طرف تاني معاك بيقوي مش بيضعف يا وليد، عندك مثلًا أنا اهوه صحيح لسه هبلة شوية بس قبلك مكانش ليا شخصية و كنت ضعيفة لكن بوجودك بقيت حاجة تانية، عارفة آخد قراراتي و عارفة أميز بين الطيبة و السذاجة دا علشان أنتَ معايا، عندك خديجة أهيه كانت بتخاف من خيالها حتى، حتى احنا كانت بتخاف مننا لكن مع ياسين بقت واحدة تانية بتتكلم و تضحك و تهزر و تتصرف، عمري ما كنت اتخيل ان خديجة تقول كدا لراشد قدامنا، بس حب ياسين ليها غيرها، طارق اهو طول عمره مكشر و بعيد عننا، رجوع جميلة ليه خلاه بقى حد تاني، هدى قادرة تتخطى محنة مامتها علشان وئام معاها مش سايبها، يبقى هدير حقها حد يكون معاها هي كمان دي وجهة نظري بصراحة و متأكدة انها وجهة نظرك برضه"
تنفس هو الصعداء ثم رد عليها بهدوء:
أهو أنا مكنتش عاوز غير كلامك دا علشان يشجعني أكمل، لو كل الدنيا دي قالتلي أني غلطان كلامك لوحده خلاني أثق أني صح، كفاية وجودك لوحده أصلًا"
حركت كتفيها ببساطة ثم قالت بهدوء:
دا اللي أنا شايفاه بصراحة، معرفش حسن دا أنتَ واثق فيه ازاي، بس أنا متأكدة مش هتسلم هدير لأي حد غير لو أنتَ واثق فيه، بدليل إنك مسبتهاش لراشد دا، صدقني أنا واثقة فيك والله و عارفة إنك بتعمل الصح"
ألقى رأسه على قدميها وهو يتنهد بعمقٍ ثم وجدته يشدد مسكته لها كما لو أنه طفلًا صغيرًا يخشى ترك والدته له، فداعبت هي خصلاته بهدوء ثم قالت:
مقولتليش بقى ناوي على إيه في اللي جاي، بصراحة بتكون كدا لما تحس انك هتخسر أو هتتهزم، بس أنا معاك متخافش"
أصدر صوت من حنجرته ينم عن النفي ثم قال بهدوء بعدما رفع نفسه ينظر في عينيها:
مش خايف أخسر قد ما خايف من أني أكون بتهور، حتى لو كسبت و مكسبي دا ظلم ناس تانية دي هتبقى قطمة ضهر ليا"
سألته هي بقلقٍ واضح من حديثه:
طب و لو خسرت هتعمل إيه؟ أنتَ طول عمرك مبتحبش الخسارة، يبقى هتعمل إيه"
ابتسم لها بهدوء ثم أضاف:
ساعتها هفتكر إنك معايا، أظن وجودك لوحده مكسب كبير"
بادلته البسمة بمثيلتها فوجدته يقول بهدوء خبيث:
عبلة...ما تدوقيني السوبيا"
ضربت رأسها بكفها وهي تقول بصراخ:
هتشل يا ناس...أنتَ منفصم يا بني، دا أنتَ شوية و كنت هتعيط، أنتَ إيه، جاوبني علشان ارتاح"
اقترب منها يقول هامسًا:
أنا مَـنْ كُـتِـبَ عَـلـيه السَـيْر وَحِـيـدًا لايُـبـالـي...حَـتـى ظَـفَـرتُ بـ حُـبكِ يَـا مَـن سَـكنتي الـقَلـبُ الـخَالـي"
احتضنته هي بقوة وهي تقول بمرحٍ:
والله العظيم ما حد كسبان غيري أنا بوجودك، وليد ينفع أحبسك و أقفل عليك"
ربت عليها هو بهدوء ثم أضاف بسخرية:
و على إيه متستعجليش، كدا كدا هتحبس، أبوكي غالبًا بيجري في ورق المحضر"
ضحكت هي بيأس ثم شددت من قبضة يدها على ذراعه، أما هو تنهد بعمقٍ و هو يفكر في خطواته القادمة.
_______________
في غرفة «خديجة» كانت هي جالسة أمام المرآة تحاول ربط شعرها و هو نائم على الفراش يراقب انفعالات وجهها بتعجب، حيث كانت تتذمر مثل الأطفال و هي تحاول رفع خصلاتها الكثيفة الناعمة لدرجة كبرى، و فجأة وجدها تنفخ و وجنتيها بضيق وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية:
هقصه والله علشان أرتاح، مش عارفة أسرحه"
اعتدل هو على الفراش وهو يقول بحنقٍ:
أنا بقالي ساعة مستحمل هبلك و ساكت، بتكلمي نفسك كمان؟ مفيش عقل خالص؟"
شهقت هي بقوة وهي تلتفت له فوجدته يرفع له أحد حاجبيه فقالت هي بضيق:
حرام عليك خضتني، فكراك نايم يا ياسين"
رد عليها هو بمرحٍ:
مش عارف أنام من غيرك يا كتكوتة، تعالي يا خديجة ربنا يهديكي يا حبيبتي تعالي"
ابتسمت له باتساع ثم اقتربت منه تجلس بجانبه بهدوء،
فوجدته يضمها أسفل ذراعه وهو يقول بسخرية:
نامي يا ماما...و بطلي هبل، شغل الجنان دا في بيتنا، و بعدين شعرك إيه دا اللي تقصيه هو هبل و خلاص"
ردت عليه هي بضيق و بنبرةٍ شبه باكية:
مبحبوش مفرود بيعصبني و لا بحبه كحكة بحس أني شبه مدام ألفت بتاعة شئون الطلبة والله"
ضحك هو بقوة عليها من سخريتها ثم حرك رأسه بيأس وهو يقول بنبرة ضاحكة:
أنا بحب شعرك مفرود و بحبه كحكة، حلو كدا؟ ارحميه بقى و نامي"
نظرت هي له بثقة وهي تقول بتعالٍ:
مقولتليش إيه رأيك فيا النهاردة قدام زفت الطين؟ إيه رأيك في رجالتك يا معلم ياسين"
رد عليها بطريقة تشبه طريقة رجال العصابات:
١٠٠ ١٠٠ يا نجم...الله ينور، عاش بصحيح"
ضحكت هي عليه بقوة فوجدته يضحك هو الأخر عليها، سألته هي من بين ضحكاتها:
هو أنتَ ازاي بتغير صوتك كدا بجد؟ و الله بستغرب أوي لما بتتريق عليا و ألاقيك بتجيب نفس النبرة"
حرك كتفيه ببساطة وهو يجيبها:
غالبًا وراثة من رياض، هو برضه بيعرف يقلد الأصوات حلو أوي، أنا مش بجربها كتير بس بتيجي معايا ساعات صح"
سألته هي بلهفة:
بجد؟ يعني بتعرف تغني كمان؟ على فكرة لما بتقرأ القرآن بتجيب صوت الشيوخ كلهم صح، علشان كدا بعيط لما أصلي وراك"
ابتسم هو لها ثم قال بهدوء:
مكنتش بغني غير عند ميمي بس، لما خطبتك بقيت بغني في بيتنا حتى ابويا فضحني ساعتها تاني يوم"
سألته هي بهدوء:
طب قولي كنت بتغني إيه و لمين؟ بسرعة يلا"
ضحك هو عليها ثم أجابها بعدما نظر في عينيها:
كنت بغني لعمرو دياب، أغنية وياه، كانت تاني مرة أغني في بيتنا، بس وعد مني لما نروح شقتنا هغنيلك كتير"
قبلت هي وجنته ثم قالت بترددٍ وهو ينظر لها مندهشًا:
هو أنتَ من خلال معرفتك بحسن دا شايف إنه يستاهل هدير تكون ليه، يعني مش هتتعب معاه"
قطب جبينه بتعجب فوجدها تسترسل في حديثها:
يعني هدير وضعها صعب يا ياسين، تفتكر هو قد مسئوليتها ولا هتتظلم معاه؟ بصراحة أول مرة أخاف عليها كدا، بس يمكن علشان فكرتني بنفسي زمان؟ أو يمكن علشان موت مامتها، بس خايفة كلنا نحس بالذنب لما تفوق و تلاقينا عملنا كدا فيها"
رد عليها هو بهدوء:
مقدرش أجزم في موضوع حسن دا، بس هو راجل جدع أوي و أنا كنت قاعد مع وليد وهو بيتفق معاه و بصراحة كلامه صح، يعني مش مجرد فض مجالس و خلاص، لأ كلامه كان صادق"
سألته هي بلهفة:
يعني بجد نطمن على هدير معاه؟ بصراحة أي حد غير الزفت البجح دا يبقى رحمة عنه بكتير"
سألها هو بتشككٍ:
خديجة هو الواد دا جه جنبك تاني؟ أول مرة ألاقيكي ماسكة في كره حد أوي كدا"
ردت عليه هي بسرعة:
لأ والله خالص، بس دا أنا بركهه أوي و من غير سبب، سبحان الله ربنا شايل من عنده القبول خالص، تحس ان حد عامله عمل يتقلب قرد في عيون الناس"
ضحك هو بقوة ثم قال بنبرة ضاحكة بعدما أوقف الضحكات:
والله العظيم أنتِ اتهطلتي بجد، أول مرة أشوفك بتتكلمي كدا عن حد، بصراحة فرحان أوي، احساس حلو إن أي حد غيري في عينك قرد"
ردت عليه هي بمرحٍ:
لأ خليك متواضع بقى، أنا مش شايفة غيرك أساسًا، قال قرد قال"
سألها هو بتشككٍ:
خديجة أنتِ شاربة إيه؟ مش مرتاحلك، أوعي تكون الصدمة ضربت الربع الفاضل عندك"
ضحكت هي بخفة ثم أجابته بهدوء:
بصراحة فرحانة، احساس ان حقي بيرجعلي و أنا بحرق دمه النهاردة كان مفرحني، دا غير إنك منور أوضتي المتواضعة و معايا هنا، فرحانة يا ياسين... فرحانة"
رد عليها هو بمرحٍ:
طب يا ستي ربنا يفرحك علطول طالما هتبقي سكر كدا، حتى عيونك شكلها حلو و أنتِ فرحانة، بتلمع كدا"
سألته هي بلهفة ممتزجة بالفرح:
بجد عيني شكلها حلو لما بفرح؟ عاملة إزاي، أنا بحب الكلام عن العيون أوي"
نظر هو في عينيها بحبٍ ثم قال بنبرته المُحبة التي تخرج منه حينما يُغازلها:
مَـن قــالَ لَـكِ أنــي أَودُ عَــن سِــحر عَــيناكِ أَنْ أَتُــوبُ....فَـ و اللّٰهِ أنَـا مَــن عَــاشَ طُـوالْ حَــيْاتهُ مُــنـتـصرًا كُـتِـبَ عَـلّـىٰ قَـلّبـي أنْ يَـقَـع بِــهما و يُـصـبح مِــن نَــظـرةٍ مَــغـلـوب
"
نظرت له بحب فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
تبدلت نظرتها له إلى المرح ثم اقتربت منه تقول بطريقة أول مرة يعدها منها هو:
بقولك إيه الكسوف مش نافع، أنا بحبك يا بن زُهرة، والله بجد يعني ماشاء الله تارجت كامل لأي حد، أدب و أخلاق و قلة أدب برضه عادي، صوت حلو، راجل مثقف و عارف ربنا، شيك و رومانسي و بيتغزل بالفصحى، ربنا يبعد عنك عيون البنات يا رب، و الستات كمان، يا رب أي واحدة تبصله تشوفه زي ما بشوف زفت الطين"
رد عليها هو بحنقٍ زائف:
مش للدرجة دي يا ست الكل، راشد مين دا اللي يشوفوني زيه، ليلتك مش معدية، روحي نامي يا اختي"
ردت عليه هي بحنقٍ مماثل له:
بغير عليك يا خويا، لا و النبي عاوزني ادعيلك تحلى في عينهم ولا إيه، دا اللي ناقص"
نظر لها مندهشًا من طريقتها الغريبة، فمال على أذنها يقول هامسًا بهدوء:
اعملي اللي تعمليه كدا كدا بحبك أنتِ"
ردت عليه هي بمرحٍ:
و أنا كمان بحبك أوي تصبح على خير"
قالت جملتها ثم قبلته على وجنته بعدها ابتسمت له وهي تندس تحت الغطاء، نظر هو لها بتعجب وهو يقول بغير تصديق مُحدثًا نفسه:
هي مجنونة بجد ولا إيه؟"
_____________
في اليوم التالي و بعد انتهاء العزاء ليلًا، كانت الأوضاع في البيت كما هي، لم تتغير كثيرًا، ابراهيم و أبنائه كما هم حاولوا تجاهل ما حدث حتى يحقق راشد مبتغاه، أما وليد و ياسين فكان كلاهما يتحدث للآخر يشاركه تفكيره حتى يصلا سويًا لنقطة تفكير واحدة، كانت «هدى» تحاول رفض موضوع شقيقتها لكن دون جدوى حيث سبقها «وليد» و «وئام» و «ياسين» في التأثير عليه، لم يتغير شيء في هدير سوى النظر حولها و من خلال الاستعانة بالطبيب أخبرهم أنها في حالة فقدان النطق اثر الصدمة لا أكثر كما أخبرهم أنها تعي لما حولها لكنها لا تمتلك القدرة على البكاء، فكانت جالسة هي في غرفة «وليد» وفي يدها صورة والدتها تتابعها بصمت و هي تحاول جاهدةً البكاء لكنها لم تستطع، في نهاية العزاء، رحل «ياسين» و «وليد» معًا، حتى وصلا شقة «ميمي»، وقف «وليد» ينظر حوله يتفحص المكان ثم مال على أذن الأخر و هو يقول بهدوء:
إيه المكان الأثري دا؟ أنتَ جايبنا فين يا ياسين؟"
التفت «ياسين» يقول له بهدوء بعدما ترك المفتاح في المجرى الخاصة به:
هنا هنعرف نفكر صح، دي شقة ميمي"
قالها وهو يغمز بطرف عينه بثقة جعلت الآخر يشهق بقوة و هو يقول بانفعال:
يا ليلتك أهلك السودا؟ جايبني شقة مشبوهة يا ياسين؟ أنا قولت برضه مش معقول يكون فيه حد عنده كل الأخلاق دي، أكيد فيه علامة سودا، يا ترى بقى بقالك كتير في السكة دي ولا داخلها جديد ؟"
نظر له «ياسين» باندهاش وهو يقول بنبرةٍ غير مصدقة:
بس يا أهبل اسكت خالص، أنتَ عبيط ولا إيه؟ دا الهبل طلع وراثة بصحيح عندكم، دلوقتي هتدخل معايا تشوف بنفسك، دا أطهر مكان في الدنيا، دا بنصلي فيه الجمعة دي"
أنهى «ياسين» جملته فوجد الأغاني ترتفع من الداخل و «عامر» يُغني و يصفق بكفيه معًا، نظر له «وليد» بسخرية فوجده يقول باحراج:
شكلنا كدا جينا ليلة الخميس"
ضحك «وليد» بقوة ثم قال:
صادق يا أخويا....افتح يا حبيبي ربنا يفتحها في وشك يا رب"
عض «ياسين» شفته السفلى ثم فتح باب الشقة فوجد «عامر» يرقص و كلًا من «ياسر» و «خالد» يتفحص هاتفه بهدوء، أما «ميمي» فكانت في الشرفة كعادتها، اقترب «ياسين» من السماعات يغلقها وهو يقول بنبرة قوية:
السلام عليكم يا جماعة الخير، مفيش أدب خالص"
وقف ثلاثتهم حينما لمحوا «وليد» يقف بجانب «ياسين» ، بينما «عامر» اقترب منهما يقول بضيق:
يا عم ياسين اتأخرت ليه بس؟ هموت من الزهق و النت فاصل محدش فيهم راضي يفتحلي"
رد عليه «وليد» بسخرية:
علشان كدا مشغل أغاني و بترقص، لأ فعلًا واضح انك زهقان"
رد عليه هو بلامبالاة:
جوايا طاقة مش عارف أخرجها فين، أعمل إيه يعني"
ابتسم له «ياسين» بسخرية وهو يقول:
اطمن يا اخويا جايبلك حاجة تخرج فيها طاقتك كلها، نقعد بس و هقولك كل حاجة"
تم الترحيب بـ «وليد» من الجميع حتى «ميمي» الذي أحبها هو و شعر بالراحة تجاهها، خرج «ياسين» كعادته بالشاي ثم جلس بجانبهم على الطاولة، أول من تحدث كان «خالد» حينما قال بهدوء:
أؤمر يا وليد، ياسين قالي إنك عاوزنا و احنا في الخدمة وتحت أمرك"
رد عليه «وليد» بهدوء:
دا العشم برضه يا خالد، أنا كنت عارف أني لما اتزنق هلاقيكم في ضهري زي ياسين بالظبط"
تدخل «ياسر» يقول بهدوء:
زيك زي ياسين، لأجل عين تكرم ألف عين، و أنتَ تبع أخونا، يعني أخونا"
أومأ له ثم شرع في سرد ما يريد منهم بعدها حثه حديثهم الأكثر من مُرحب به، و بمساعدته، قص عليهم هو قصة راشد دون التطرق إلى التفاصيل الخاصة، فقط بعد الأحاديث الأساسية عنه، أنهى حديثه وهو ينظر لـ «ياسين» فوجد «عامر» يسأله بهدوء:
أنتَ بقى عاوز تعمل إيه معاه؟ تفتكر ضرب و لا قتل ولا سلخ؟ أصل بصراحة العينة دي بكرهها"
ابتسم له «وليد» وهو يقول بفخرٍ:
ياسين عمل الواجب و زيادة معاه يا عامر، أنا بس عاوزكم معايا بكرة تأمنوني، علشان مش عارف هو ناوي على إيه، دماغه سم و قولت هيبقى عنده دم و يمشي بس لأ هو لسه مرزوع هناك"
تدخلت «ميمي» تقول بخوفٍ:
ربنا ينجدكم من شره يا رب، متخافش يا حبيبي هو أكيد هيخاف يتصرف طالما البيت مليان ناس زي ما بتقول، بس برضه اخواتك الأربعة معاك، دول متربيين على الرجولة و الشهامة"
نظر هو لها بتأثر وهو يقول بهدوء:
للأسف هو مش بيخاف، بس أنا عاوز أكون سابقه بخطوات، و أنا عارف إنهم رجالة في ضهري علشان كدا طلبت من ياسين يخليني أقابلهم، ها معايا؟"
نظروا لبعضهم البعض ثم قالوا في آنٍ واحد بمرحٍ:
عيب عليك معاك يا غالي"
تنهد هو بعمقٍ ثم شرع في سرد فكرته و خطته وما ينتوي فعله في عقد القران، انهى حديثه فوجد «عامر» يقول بمرحٍ:
اقسم بالله دماغ تتاقل بالدهب، بس أنا بقى هكملك الفص الأخير، وأقولك إني هكون موجود و أصور اللي بيحصل علشان يبقى معانا كل حاجة صوت و صورة"
رد عليه «وليد» بمرحٍ:
هات حضن يا عامر، أنا هعشيك في فرحي مرتين"
احتضنه «عامر» وهو يقول بمرحٍ:
حبيب قلبي يا ليدو، يمين بالله أنتَ أجدع من أبويا"
تحدث «خالد» يقول بهدوء:
أنتَ متأكد إنك هتعمل كدا يا وليد؟ يعني واثق في طريقته اللي تخليه يتصرف كدا؟"
أومأ له «وليد» ثم أضاف:
بص علشان متبقاش ثقة زايدة على الفاضي بس دا المتوقع منه، المهم أنتو معايا هناك مش معروفين ليهم علشان كدا هعتمد عليكم"
تدخل «ياسر» يقول بهدوء:
حظك حلو و طلبك بكرة هيكون معايا، اعتمد عليا فيه هجبلك حاجة حلوة تخلي الدماغ عالية ليومين"
تدخل «عامر» يقول بتوسل:
و أنا و أنا كمان، عاوز أطير فوق السحاب"
قالها «عامر» وهو يرفرف بذراعيه كما الطيور بعدما أغلق عينيه فوجد مياه تلقى في وجهه، فتح عينيه وهو يقول بصراخ:
إيـــه دا...."
رد عليه «ياسين» بسخرية:
بتمطر يا عين أمك"
أغلق «عامر» جفنيه بشدة وهو يقول متوعدًا له:
أنا هسكتلك علشان خال عيالك موجود بس، صبرك عليا يا حنين"
تحدث «وليد» يقول بهدوء:
كدا تمام، نلحق نروح علشان نشوف الدنيا هناك، و بكرة قبل المغرب تكونوا معانا، تمام ؟"
أومأ له الجميع فانسحب هو مع «ياسين» من المكان و خلفهما أصدقاء ياسين الثلاثة، يرحلون سويًا.
______________
في صباح اليوم التالي كانت العائلة تستعد لتلك المناسبة الغريبة القادمة في الوقت الخاطئ، كانت «هدير» تنظر لصورة والدتها بين ذراعيها بهدوء و تعابير وجهها تتبدل و كأنها تشكي لها حالها، أما والدها و شقيقتها فوقفا يتابعانها بهدوء، فاقترب منها «محمود» يجلس بجانبها يقول بتوسل باكيًا:
اتكلمي يا هدير....قولي أي حاجة، ارفضي حتى بقولك كتب كتابك النهاردة، طب عيطي على فاطمة، قولي أي حاجة يا بنتي"
رفعت أعينها تنظر له، فوجدهما كما الجمر من شدة الإحمرار، فتنهد هو بضيق، فجلست بجانبها «هدى» تقول ببكاء:
علشان خاطري أنا اعملي أي حاجة، اصرخي طيب و كسري، طب أنتِ موافقة على حسن دا؟"
أنزلت أعينها تنظر للصورة من جديد و هي تتنهد بعمقٍ، فوجدت شقيقتها تحتضنها ببكاء أما «هدير» فأغلقت جفنيها بشدة ثم تنفست بعمقٍ و داخلها يتمنى أن ذلك الأسبوع المنصرم يصبح كابوسًا لا أكثر ، فما عايشته به كان كتيرًا عليها و على قدرتها حتى تتحمله، ففي أسبوع واحد تتركها والدتها، و يحاول ذلك المدعو «راشد» استغلال موقفها، فيتدخل «حسن» لينقذها، عند ذكره بخاطرها وجدت نفسها تخرج نفسًا عميقًا، بالطبع حسن أرحم من راشد، لو تستطع التحدث لكانت ألقت في وجهه حديث يشبه الجمر، لكن النصيب له رأيًا آخر، سيربطها بمن كُتب عليه إنقاذها في الوقت المناسب"
________________
في شقة «راشد» كان يتحدث في الهاتف بضيق وهو يقول:
مش عاوز غلط يا علاء، أنا هأمن الدنيا قبل كتب الكتاب، و أنتو تدخلوا البيت تنفذوا اللي قولنا عليه، من غير غباء فهمت"
وصله الرد من الطرف الأخر فأضاف هو بثقة:
حلو كدا و أنا هبقى قصاد عيونهم هنا علشان محدش يشك فيا، يلا علشان العصر أذن و كلها ساعة بالكتير و الدنيا تجهز"
أغلق الهاتف فوجد والده يأتي من خلفه و هو يقول بهدوء:
برضه مفيش فايدة عاوز تنفذ اللي في دماغك، شكلك هتخربها علينا يا راشد، بس الغلط ليا أنا، أنا اللي ربيتك على إن أوامرك تتنفذ من غير جدال، يبقى اخبط دماغي في الحيطة"
اقترب منه «راشد» يقول بثقة:
أنا عارف أنا بعمل إيه، ياسين و وليد دول مش هغلب فيهم، و بعدين احنا بنعمل الواجب هنحضر كتب الكتاب و نمشي"
خرج شقيقه من الداخل وهو يهندم ملابسه، فنظر له كلاهما بضيق، فقال هو مُردفًا بثبات:
أنا مليش دعوة بيكم، أنا فيه واحدة بكلمها هنا من ساعة ما جيت هنزل اقابلها تكونوا خلصتوا ليلتكم دي"
رد عليه «راشد» منفعلًا:
يعني إيه؟ قولتلك مينفعش حد مننا يغيب عن نظرهم، لازم نكون هنا كلنا لحد ما علاء يخلص و اضمن انه نفذ صح"
رد عليه شقيقه بضجرٍ:
مع نفسك يا راشد، جو غرام و انتقام دا برة عني، أنا مليش علاقة بيكم، سلام علشان البت مستنية"
في الأسفل كان «ياسين» يقف بجانب أصدقائه، عدا «ياسر» الذي كان واقفًا بجانب بمفرده،
بعد مرور الساعة اجتمعت العائلة بأكملها في الطابق الخاص بالمناسبات حتى «وليد» أتى برفقة «ياسر» و جلس كلاهما بجانب بعضهم، ثوانٍ و اجتمعت الفتيات عدا اثنين «خديجة» و «هدير» تأكد «وليد» من ترك البيت فارغًا بأكمله عدا «هدير» التي كانت جالسة بغرفته بعدما نقلها هو مع الفتيات، كان «عامر» ينظر لـ «راشد» بضيق و الأخر ينظر لهم بثبات، فاقترب منه «عامر» يقول بهدوء مزيف:
لو سمحت يا كابتن معاك ولاعة؟"
أومأ له «راشد» ثم أخرجها له، أخذها منه «عامر» ثم قال له بهدوء:
طب معلش بقى هتقل عليك، معاك سجاير، أصل سجايري خلصت"
أومأ له الآخر ثم أخرج علبة السجائر يعطيها له على مضضٍ، فأخذها منه ثم ابتسم له باستفزاز حتى يثير حنقه ثم ألقى بهما في سلة القمامة، فسأله «راشد» بانفعال:
أنتَ غبي؟؟ عملت كدا ليه؟"
رد عليه «عامر» بلامبالاة:
معلش أصل التدخين ضار بالصحة، و ريحة السجاير و اللي بيشربوها بتعصبني، عيب بقى و متعملش كدا تاني"
قال جملته ثم عاد لمجلس الرجال من جديد وهم ينظرون له بفخرٍ، بينما «راشد» أطلق سبة نابية من بين شفتيه.
ثم وقف بعدها منزويًا ثم أخرج هاتفه يتحدث به في هدوء بهمس مرعب:
البيت فضي يا علاء، يلا علشان نلحق ننفذ قبل ما المأذون يوصل، و قبل ما حد منهم ياخد باله".
بعد مرور دقائق دخل ثلاثة رجال البيت ثم توجهوا لشقة «وليد» الذي لم تغلق بالكامل مما أدى إلى سهولة فتحها، توجهوا الثلاثة رجال إلى غرفة «وليد» ثم أخذوا «هدير» من على الفراش بعدما دثروها بالغطاء، لكنها لم تقاوم بل كانت مسالمة للأمر الواقع، إبان ذلك كان «راشد» واقفًا عند نهاية الدرجات و حينما لاحظ اثرهم اشار لهم باسراع الخطوات، فوافقوه ثم ركضوا إلى السيارة الخاصة بهم دون أن ينتبه أي شخص من العائلة لهم، اختفت السيارة من أمام البيت حتى يتوجهوا للمكان المنشود الذي قام «راشد» بـ دلهم عليه، أما «راشد» فعاد للرجال من جديد، فوجد «عامر» و «خالد» يأتيان خلفه، بعد مرور دقائق وصل «حسن» بالسيارة و معه المأذون،
ابتسم له «راشد» بحقد فبادله الأخر نظرته تلك باخرى ثابتة، دخل «حسن» ومعه المأذون، فأتت «خديجة» بذعر وهي تقول لزوجها بهمس:
ياسين الحقني هدير مش فوق"
نظر لها هو باندهاش و هو يقول بنبرةٍ منفعلة رغم همسه:
أنتِ بتقولي إيه يا خديجة؟ نهار مش فايت يعني إيه؟"
في تلك اللحظة أتى «وليد» يقول بهدوء:
إيه يا خديجة هدير فين؟ المأذون وصل من بدري"
ردت عليه بنبرة شبه باكية:
والله طلعت شقتنا أغير الطرحة نزلت ملقتهاش و لقيت السرير فاضي، عمالة ادور عليها.... والله خايفة تكون مشيت"
نظر «ياسين» و «وليد» بذعر لبعضهما البعض ثم ركضا سويًا إلى شقة «وليد» جلست «خديجة» بجانب «عبلة» و «جميلة» فوجدت الأخيرة تقول بهمس:
هدير فين يا خديجة، طارق بيسأل عنها"
نظرت لها «خديجة» بتوتر و هي تقول بنبرةٍ مهتزة:
هد....هدير هتيجي، هي بس تعبت شوية"
أومأت لها «جميلة» و لم تعقب، بينما «عبلة» تتبعت تغير ملامح وجهها بتعجب وهي تشك في أمرها.
في الأعلى دخل «ياسين» و «وليد» و الثلاثة شباب خلفهما، بحثوا عنها في الشقة بأكملها و لم يجدونها، في تلك اللحظة دخل «راشد» يقول متشفيًا:
يا خسارة شكلكم هيبقى زفت قدام الناس يعيني، بقى العروسة الحلوة اختفت يوم كتب كتابها؟ يا ترى بقى حد غواها ولا من دماغها كدا؟"
اقترب منه «وليد» يمسكه من تلابيبه وهو يقول بهياج صارخًا في وجهه:
يا ابن ****** دا أنا هدفن أهلك الليلة دي لو سيرتها جت على لسانك، انطق يا راشد عملت إيه ؟"
ابتسم «راشد» بثقة وهو يقول بخبثٍ:
خطفتها... و هدير هتبقى ليا أنا النهاردة، خلي بقى حسن يقعد جنب الحيطة و يعيط، أصل يا حرام عروسته هربت"
في تلك اللحظة دلفت «خلود» وهي تقول بهدوء خبيث:
وليد، هدير معايا أهيه و جاهزة للنزول، أنا أكلتها و أديتها العلاج"
تبدلت ملامح الجميع خلال ثوانٍ إلى الثقة، بينما «راشد» اختفت بسمته شيئًا فشيئًا فتركه «وليد» على مضضٍ ثم ابتسم له بخبثٍ أكثر، فالتفت «راشد» ينظر خلفه فوجد «خلود» واقفة و «هدير» بجانبها في صمت، فصرخ يقول بهياج:
يعني إيه؟ أومال مين اللي الرجالة خدته، فهموني"
وقف «ياسين» مقابلًا له وهو يقول بخبثٍ:
طب ما تكلم رجالتك يا نجم كدا و اعرفلنا خدوا مين، ولا إيه يا عامر؟"
ابتسم «عامر» بثقة ثم أضاف:
البركة في ياسر دكتورنا، عليه حباية منوم نيمت الأسد حتى لو اسمه.....رامي"
اتكأ «عامر» بكلمته الأخيرة بخبثٍ، فوجد «خالد» يضيف هو الأخر:
يعيني على الحلو لما يبقى حادق، بصراحة حركة معلمين"
لم يرد هو عليهم بل أخرج هاتفه يطلب الرقم بأصابع مرتعشة، فصرخ فور اتصال المكالمة:
أنتَ خدت مين يا علاء... شوف وش اللي أنتو خدتوه دا مين؟ بسرعة"
_"الحق يا راشد، دا طلع رامي أخوك، يعني إيه أنتَ كنت بتشتغلنا؟"
قبل أن يرد عليه وجد «ياسين» يخطف منه الهاتف بسرعة كبيرة وهو يقول بهدوء:
كفاية عليك لحد كدا، معناس دوا للصدمة تاني"
سأله هو بانفعال:
يعني إيه؟ أنتو عملتوا إيه؟"
رد عليه «وليد» بثقة تعبر عن خبثه:
يعني من الأخر كدا قول لرجالتك تراعي نفسية أخوك، أصل الشنطة فيها كتاب دين"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم شمس بكري
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع
إن الخطأ الوحيد الذي ارتكبتهِ هو أنك جعلتيني أراكِ وأنكِ جميلة، وأنكِ رقيقة، وإنكِ أنتِ".
_____________
تُلقى السكينة داخل قلبي من مجرد ذكر أسمها، فـ هي من خفق قلبي فقط لأجلها، تمتلك القدرة على إزالة حزني بطريقةٌ تجعلني اتسأل كيف يبدو العالم بدونها، ألم يكفي أنني أصبحت أسكن في عيونها؟.
_"يعني من الأخر كدا قول لرجالتك تراعي نفسية أخوك، أصل الشنطة فيها كتاب دين"
خرجت تلك الجملة من «وليد» بنبرة شامتة ممتزجة بالثقة في ذلك الواقف أمامه، و لم يكن هو فقط من تشفى به؛ بل الحاضرين بأكملهم، أما هو فالتفت ينظر حوله يتفحص أوجههم، وحينما تأكد من وقوفها أمامه تنظر له بتقززٍ، اقترب منها يقطع المسافة بينهما حتى يصل لها فوجد صوتًا جهوريًا يأتي من خلفه خرج من فم «ياسين» قائلًا بحدة:
عندك يا راشد، لو رجلك خطت خطوة واحدة كمان عندها، هخلي الرجالة تعرفك يعني إيه رجولة، أصل بصراحة أنتَ متتخيرش عن الحيوانات"
التفت «راشد» ينظر له مُتعجبًا من لهجته، فوجده يومأ له بقوة و نظرة الثقة في عيناه و هو يقول بتريثٍ:
إيه مستغرب؟ فاكرني هقولك زي الحريم؟ بصراحة مش شايف إنك تستاهل أصلًا مقارنة بجنس البشر، الستات دي أنضف من إن واحد زيك يتشبه بيهم"
عند حديث «ياسين» شعر هو بالدماء تفور في جسده فرفع ذراعه حتى يلكمه لكنه تفاجأ حينما قبض «ياسين» على ذراعه بقوة بعد شهقة قوية خرجت من الجميع، أما هو فقال بفحيح يشبه فحيح الأفعى:
قسمًا برب الكعبة إيدك لو اترفعت تاني لأكون كاسرها ليك، لم نفسك بدل ما ألمك أنا، أظن وشك دليل كفاية على طريقتي"
تحدث «وليد» يقول متشفيًا بخبثٍ في ذلك الوغد:
لأ يا ياسين كدا مينفعش، راشد ميتمسكش كدا برضه....أنتَ متوضي، و دا بصراحة ينقض الوضوء"
حاول «راشد» فك نفسه من ذراع «ياسين» حينما ضربه في قدمه بقوة، لكنه تفاجأ حينما قابل «ياسين» ضربته بثباتٍ، و فجأة وجد «خالد» يهجم عليه من الخلف وهو يمسك رقبته ثم قال بصوتٍ منفعل:
لو ايدك لمست أخويا تاني ولا عينك اترفعت فيه هخلي أمك تلبس الأسود عليك، فــاهم ؟!"
صرخ بكلمته الأخيرة في أذنه و هو يهزه بقوة بين بيده، بينما «ياسين» التفت إلى «وليد» يقول بهدوء:
يلا يا وليد، خد هدير و خلود علشان كتب الكتاب و علشان حسن كمان ميفهمش غلط، يلا"
نظر له «وليد» بتعجبٍ فوجده يمسكه من ذارعه وهو يقول مُشجعًا له:
انزل يا وليد يلا علشان حسن حتى، و أنا الغاليين هنشرحله درس صغير و ننزل وراك"
ابتسم له «وليد» ثم أومأ له وهو ينظر في وجهه و في وجه أصدقائه، أما «راشد» حينما رآى الراحة في وجوههم تحدث يقول بِـ غلٍ واضح:
افرح يا وليد، بس خليك عارف إن الدنيا دوارة و بكرة تشوف فرحتي و تقهرك"
التفت «وليد» ينظر له بثقة تزامنًا مع اقترابه منه بتمهلٍ حتى وصل إليه ينظر له بثقة ثم قال بنبرةٍ ساخرة:
و ماله يا راشد افرح يا حبيبي، بس الفرحة الوحيدة اللي ممكن استناها تجيلي من واحد زيك؛ هي فرحة أمك بيك"
صَر على اسنانه بقوة و هو يقول:
يا ابن ***** مش هسيبك يا وليد"
عند نطقه تلك السَبة شدد «خالد» قبضته على عنقه و هو يقول بضيق:
قولتلك اظبط نفسك، بدل ما أعرفك ازاي تتظبط"
اقترب «عامر» في تلك اللحظة يقول ساخرًا:
ما تهدى بقى ياض أنتَ ملكش كبير؟ يعني متحرش و بتاع نسوان و بتشرب سجاير و بتخطف بنات... إيه متربي فى خرابة"
ضحك الجميع عليه و على وجه «راشد»، أما «ياسر» فقال بهدوء:
يلا يا وليد انزل علشان حسن و علشان الآنسة هدير واخدة علاج قوي و كدا غلط عليها"
كانت هذه هي الحقيقة، حيث كانت تتابع هي ما يحدث حولها بخوفٍ لا تصدق أنها كانت على وشك الوقوع بين عرين ذلك الأسد، مقارنةً بقوتها الزائفة تلك هي تشبه القطة الصغيرة، كانت تنظر له باشمئزاز، لكنها تفاجأت حينما وقف «وليد» أمامها يسألها بهدوء:
هدير أنتِ كويسة؟ تحبي تطلعي ترتاحي و نلغي كل حاجة؟ هو خلاص مش هيقدر يقرب منك تاني، ها ؟"
نظرت هي له بوجهٍ خالي من التعابير، مما أدى إلى حيرته في أمرها، و حينما لاحظ «ياسين» صمتها تدخل يقول بهدوء حتى يلفت انتباهها:
اللي أنتِ هتعوزيه هنعمله، هو خلاص مش هيقدر يجي جنبك، بس حسن تحت مستني، تفتكري حسن يستاهل نكسر بخاطره ؟"
أخفضت رأسها تحركها نفيًا عند جملته الأخيرة و هي تجيبه بهدوء على عكس ما تفوه به، فابتسم كلاهما بأريحية، أما «خلود» أمسكتها بتحكم أكثر وهي تقول بهدوء:
يلا يا هدير علشان هما عمالين يرنوا عليا، يلا يا حبيبتي"
أومأت لها هي بهدوء، فوجدت «وليد» يقف بجانبها يقول مُطمئنًا لها:
طول ما أنا هنا أعرفي إنك ليكي أخ في ضهرك يا هدير، محدش يقدر يزعلك و لا حد يجي جنبك حتى لو كان زي راشد"
نظرت له بامتنان التقطه هو على الفور و كأنها تود النطق بكل كلامات الشكر والتقدير على ما بذله لأجلها، فوجدته يبتسم بهدوء وهو يقول:
مش عاوزك تحسي أني بعمل جِميل ليكي يا هدير، أنا أخوكي يعني حقك عليا إنك تكوني فـ أمان، بس يلا علشان حسن هيموت تحت"
أومأت له ثم تمسكت بذراعه بقوة، هو يعلم أنه مخطئ لكنه لن يسطتع ابعاد ذراعها، فربت على كفها المتشبث به ثم التفت بها يدخل المصعد و «خلود» تلحقهما، أما في داخل الشقة، وقف «عامر» مقابلًا لـ «راشد» يقول بتشفٍ:
بصراحة أنا كان نفسي أشوف حد مش متربي من زمان، مش علشان حاجة بس علشان اثبت لخالد أني متربي، شكرًا يا راشد على قلة أدبك، خلتني أرفع راسي لفوق"
ضحك عليه أصدقائه بينما «راشد» نظر له بحنقٍ من حديثه، فقال «خالد» بهدوء خبيث:
ها يا ياسين؟ تبدأ أنتَ ولا أبدأ أنا؟"
عاد «ياسين» يقف مقابلًا لـ «راشد» وهو يقول بخبثٍ مرح:
لأ و دي تيجي؟ أنتَ أخويا الكبير برضه، شوف شغلك يا خالد"
ابتسم «خالد» بشرٍ ثم قال بمرحٍ:
على خيرة الله، يلا يا راشد معايا علشان الحصة هتبدأ"
قالها ثم قام بتغير جهته حتى يصبح مقابلًا له، و فور ادارته للجهة الأخرى صدمه بلكمة قوية في وجهه جعلته يتألم بشدة حينما سقط على الأريكة خلفه، أما «ياسين» أمسكه من ذراعه بقوة ثم قذفه لصديقه، الذي كرر الكرة من جديد، أما «عامر» مال على أذن «ياسر» يقول هامسًا بمرحٍ:
واد يا ياسر، لما يجي الدور عليا في ضربه ابقى صورني فيديو و صورة"
قطب «ياسر» جبينه و هو يسأله بِحيرة من أمره:
أصورك؟ ليه يعني؟"
ضحك «عامر» بتوعد وهو يقول:
علشان أنزلها و أكتب عليها البطل المغوار يهزم الأشرار"
ابتسم له «ياسر» بسخرية وهو يقول متهكمًا:
اتنيل يا عامر، احنا الأشرار"
نظر «عامر» أمامه يقول بغير تصديق:
يلهوي...يعني إحنا مش محترمين؟"
نظر له «ياسر» بضيق ثم اقترب من أصدقائه، تاركًا «عامر» خلفه يفكر مُتخبطًا في الأمر.
______________
في الأسفل كانت حالة التوتر هي السائدة على الجميع بسبب تأخر «وليد» و «هدير»، و كان «حسن» جالسًا بجانب المأذون يشرأب برأسه حتى يرى طيفها في حالة من الاضطراب الشديد ففي الدقائق المنصرمة السابقة شعر بالخوف مما هو قادم، كيف لا و ذلك المدعو «راشد» لازال هنا، لذلك تنهد بعمقٍ حينما رآى «وليد» يدلف بها وهي في يده منكسة رأسها للأسفل، ابتهجت الأوجه و فرحت الأعين، فقد ظن الجميع أن «هدير» رافضةً لما يحدث، أما «ابراهيم» فجحظت عيناهُ بقوة حينما رآها أمامه، فمن المؤكد أن مخطط ولظه انقلب رأسًا على عقب، حانت التفاتة بسيطة من رأس «وليد» وهو يتطرق بنظره نحو عمه، اتصلت أعينهما سويًا أحدهما ينظر بذعر مع اذدرار لعابه بقوة و الأخر متهكمًا بشررٍ يتطاير من عيناه، تحدث «مرتضى» يقول بهدوء:
يلا يا هدير تعالي اقعدي جنب بابا علشان كتب الكتاب، يلا يا حبيبتي"
أومأت له إيماءة بسيطة من رأسها ثم وجهت بصرها نحو «وليد» بترددٍ فوجدته يومأ لها يحثها على التحرك، فأغلقت أهدابها ثم توجهت تجلس على المقعد المجاور لمقعد والدها، و المأذون في المنتصف، و «حسن» على الطرف الآخر ينظر لها بتمعن يراقب تعابير وجهها حتى يستبين إن كانت فَرِحة أما لا، بالطبع لم يستطع التوصل للأجابة في تلك الظروف فمن المؤكد انها حزينة و غاضبة في آنٍ واحد، تحدث المأذون يقول بهدوء:
يلا يا جماعة علشان نبدأ عقد القران، أذكروا الله"
خرج همس بسيط من الجميع يذكرون الله في سرهم، أما «خديجة» فكانت تنظر حولها تبحث عنه بعينيها، نظرت لـ «وليد» وجدته يجلس بجانب «ابراهيم» حاولت لفت نظره حتى يُجيبها لكن دون جدوى، أما هو ربت على فخذ عمه وهو ما هامسًا بهدوء مرعب لا ينذر بالخير:
اسمع كلام شيخنا و اذكر الله و اقرا الفاتحة احتياطي، ماهو محدش عارف مين هيفارق و مين متبت فيها، واخد بالك...يا ابو راشد؟"
نظر له «ابراهيم» بخوفٍ فوجده يومأ له بأهدابه تزامنًا مع بسمته الخبيثة التي زينت ثُغره جعلت الأخر يتصبب عرقًا من الخوف، أخرج المأذون دفتره يقوم ببدء عقد القران و كانت «خديجة» في ذلك الحين تنظر حوله حتى يطمئن قلبها، و لكنها انتبهت إلى اختفاء «راشد» هو الآخر انتابها القلق و شعرت بالريبة لذلك لم تستطع التحكم في نفسها وهي تقف متأهبة حتى سارت إلى مقعد أخيها ثم أمسكت كفه تسحبه خلفها بقوة، وقف هو معها دون حديث حتى وقفت به منزوية عن الأنظار تسأله بحنقٍ:
ياسين فين يا وليد؟ اختفى معاك و لسه و مظهرش، و راشد كمان مش هنا، ريح قلبي علشان خاطري"
أمسك كفها يربت عليه بهدوء ثم قال حتى يطمئنها:
اهدي بس، ياسين مش لوحده معاه اخواته، و هو بيعملي خدمة أنا طالبها منه، اطمنى و متقلقيش"
ردت عليه هي بهمسٍ خرج منها منفعلًا:
يعني إيه مخافش، بقولك ياسين مش قدامي و لا الزفت التاني، و بعدين أنتَ بتعمل إيه؟ ريحني و متخوفنيش عليك أنتَ كمان، ابوس ايدك مش عاوزة اخاف عليك ولا على ياسين، بالله عليك هو فين؟"
زفر هو بقوة حينما لاحظ خوفها و توترها و ارتجافة كفها التي قد أوشك على نسيانها هو ثم نظر حوله بهدوء يتفحص المكان فوجد «طارق» و «وئام» يتجهزان حتى يدليا بشهادتما على عقد القران، فتنهد بعمقٍ ثم قال بهمس هادئ:
ياسين و اخواته فوق عندنا، بس يا خديجة خلي بالك علشان مترجعيش تخافي و تعيطي، مش عاوز ياسين يزعل مني"
نظرت له بقلقٍ وهي تسأله بذعر:
ليه ؟! ياسين بيعمل إيه هو و اخواته عندكم.....و...راشد فوق ؟؟!!"
قالت جملتها ثم ركضت من المكان حتى تصل لزوجها، أما «وليد» فـ زفر بقوة ثم عاد لمجلسه من جديد حتى يبث الرعب في قلب غريمه في تلك الجلسة.
_____________
في شقة «مرتضى» تبادل الشباب الفقرات في ضرب ذلك المدعو «راشد» و أكثر من قام بضربه كان «ياسين» و هو يتذكر أن «راشد» كان أحد الأسباب الهامة التي جعلتها تعاني و تسبب في خوفها، حينها أبعده أصدقائه عنه حينما ارتخى جسد «راشد» في قبضته، ثم بعد ذلك قام «عامر» بضربه هو الآخر، بعدها أجلسوه على المقعد الخشبي و جلسوا أمامه عدا «عامر» وقف بجانبه يمسكه من فروة رأسه بشدة، ثم أضاف يقول بمرحٍ:
يلا يا ياسر صورني زي ما قولت، ما أنا مش كل يوم هقابل حد مش متربي كدا، بس صور حلو، بلاش الصورة تبقى مهزوزة"
رغم المجهود البدني المبذول إلا أنهم لم يدخروا جهدًا في الضحك، بل اتسعت ضحكاتهم بقوة، و خاصةً «ياسر» و هو يقوم باخراج الهاتف حتى يقوم بتصوير «عامر» الذي أتخذ أوضاع ساخرة بجانب «راشد» الذي أصبح يشبه الموتى، انهى «عامر» التصوير ثم وقف أمامه يقول ساخرًا بمرحٍ:
عارف يا راشد أنتَ طيب أوي علشان مسكتك من شعرك و أنتَ مزعلتش، أنتَ تستاهل خير، و للأسف أنا مش الخير دا"
أنهى جملته المرحة ثم صفعه بقوة على رقبته من الخلف وهو يبتسم بانتصار، فتحدث «خالد» بحنقٍ:
خلاص يا عامر أنتَ مش صغير، اقعد بقى، طلبت تتصور و صورناك، طلبت تكمل أنتَ ضرب و كملت، خلاص بقى"
نظر له بفرحة تشبه فرحة الطفل الصغير وهو يقول بمرحٍ:
سبني يا خالد، هو أنا كل يوم هيقع تحت ايدي حاجات حلوة زي دي، لسه الصور دي هعمل بيها استيكر على الواتساب في الجروب بتاعنا، اصبروا عليا، هموتكم من الضحك"
نظر له «ياسين» بيأس تزامنًا مع حركة رأسه في عدة جهات مختلفة، أما «راشد» فكان ينظر لهم بغلٍ واضح و حتى الآن لم ينطق بحرفٍ واحدٍ، و فجأة ارتفعت الطرقات على باب الشقة تزامنًا مع صوت الجرس، فاعتدل «عامر» في وقفته يقول بقلقٍ جلي:
كَبسة كَبسة...اقتلوه و لا ارموه من البلكونة بسرعة، أنا ضربته كتير أوي"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
مشافوهمش و هما بيسرقوا، شافوهم و هما بيتحاسبوا"
وقف «ياسين» يفتح الباب وهو يفكر في هوية الطارق، فعلى حسب اتفاقه مع «وليد» أنه سيهاتفه بعد عقد القران حتى ينزل له بذلك المدعو «راشد»، لكنه تفاجأ حينما فتح الباب و رآها هي أمامه تلهث بقوة و عيناها تنطق بقلقها عليها، و بمجرد ظهوره أمامها، ارتمت بين ذراعيه تقول بخوف:
ياسين أنتَ كويس؟ عملك حاجة"
اندهش هو من رد فعلها و من ارتجافتها بين ذراعيه، فرفع ذراعه بتمهلٍ يربت عليها وهو يقول بنبرة هادئة:
أهدي... اهدي أنا كويس، أنتِ بتترعشي كدا ليه؟"
ابتعدت عنه تنظر له بقلق وهي تقول بنبرةٍ متوسلة مهتزة إثر خوفها:
علشان خايفة عليك، و خايفة على وليد، علشان خاطري يلا ننزل تحت"
أتى «خالد» في تلك اللحظة يقول بهدوء:
متخافيش ياسين كويس و معملش أي حاجة غلط، و احنا هنا معاه، تعالي بس ادخلي جوة"
نظرت هي لزوجها باستفسار فوجدته يمسك كفها ثم دخل الشقة بعدما كانا يقفا على عتبتها، سارت معه حتى وقع بصرها على «راشد» الملقى على المقعد بجسدٍ واهن لا يقوى حتى على التنفس، حينها شهقت بقوة تزامنًا مع رفعها كفها على يدها من هول المفاجأة التي رآتها أمام عينيها، أما هو فشدد قبضته على يدها ثم قال بهدوء:
هو للأسف عايش، كان نفسي أنول شرف واحد زي دا يموت على ايدي، بس معلش ملحوقة"
وقفت هي مقابلةً له وهي تقول ببكاء:
ليه يا ياسين؟ ليه تخوفني تاني عليك، ليه أنتَ و وليد تخلوه يوصلكم لكدا؟ هو اعتذر و أنا رفضت اعتذاره و هدير و بتتجوز حسن تحت،"
رد عليها هو منفعلًا:
علشان هو زبالة...ميستاهلش شفقة، الحلو اللي قصادك دا اعتذرلك علشان يكسب تعاطف و يعرف يطلب هدير، و مش بس كدا لأ، دا كان هيخطفها، و احنا لحقناها، يعني واحد زي دا عاوز يتربى من أول و جديد"
نظرت هي له بغير تصديق ثم وجهت بصرها لـ «راشد» وجدته يُطرق برأسه للأسفل، فالتفتت لزوجها من جديد تسأله بلهفة:
طب و هدير حصلها حاجة؟ هي نزلت قصادي جه جنبها، هي مش حمل صدمات تاني يا ياسين"
رد عليها هو بهدوء حتى يُطمئنها:
لأ، احنا كنا عاملين حسابنا كويس و هو محلقش يجي جنبها، بس تخيلي كدا واحد زي دا يستاهل ان حد فينا يرحمه؟ مراعاش حتى ظرف وفاة أمها و عاوز كمان يخطفها علشان يستغل الظروف و يوصلها، ها يا خديجة تحبي نسمي عليه ؟!"
حركت رأسها نفيًا ببكاء و كأنها تخبره بعدم تعاطفها معه، فوجدت «عامر» يقول بمرحٍ:
بصراحة أنا عاوز أشكرك، لولا دخولك حياة ياسين مكناش هنقابل الانتاج المعفن دا، بصراحة كان جو أكشن جامد، و هعمل استيكرات لسارة علشان تبعتهم على الواتساب"
ضحكت هي من بين دموعها فوجدت «ياسين» يقول بسخرية:
كنتي عاوزاني ازعل عامر و أضيع عليه فرصة الاستيكر، دا بيمشي يجمع الصور زي اللي بيجمع طوابع"
ابتسم الجميع بهدوء، أما هي فوجهت بصرها نحو راشد بتقززٍ لاتصدق أن هناك أشخاصًا ياخذهم طمعهم و حقدهم إلى تلك الدرجة.
في الأسفل أنتهى عقد القران بعد توقيع «هدير» عليه بكفٍ مرتجف في هدوء على عكس المعتاد بسبب الحزن المخيم على البيت بسبب وفاة «فاطمة»، انتظر «وليد» رحيل المأذون ثم قام بمهاتفة «ياسين» رد عليه الآخر بهدوء فوجده يقول بهدوء أمام الجميع:
انزل يا ياسين و هات الغالي معاك"
وصله الرد من الجهة الأخرى فأغلق الهاتف، حينها وجد «وئام» يسأله متعجبًا:
فين ياسين و الشباب يا وليد؟ هما مش المفروض يحضروا كتب الكتاب ؟"
أومأ له ثم أضاف مؤكدًا بسخرية:
لأ متقلقش ياسين و الحبايب كانوا بيظبطوا العروسة"
قالها ثم نظر لـ «ابراهيم» و هو يحرك رأسه للجهة الأخرى بخبثٍ حتى يرى علامات الخوف الجلية على وجهه و تبث الاستمتاع بداخله مما هو قادم.
في الأعلى تحدث «ياسين» يقول بهدوء:
يلا يا شباب، وليد كلمني و عاوز الاستاذ"
سألته هي بخوفٍ:
انتو هتعملوا إيه تاني؟ كفاية كدا بقى علشان هدير حتى، خليه يغور هو و أبوه من هنا"
نظر لها بثباتٍ ثم وجه بصره للشباب يقول متعجلًا:
يلا يا خالد خلينا نخلص، علشان البيه يغور من هنا، لسه الليلة طويلة"
أومأ له الجميع، بينما «ياسر» أمسكه من ذراعه يوقفه أمامه حيث كان يشبه الطائر الذي كُسر جناحه فلم يعد يملك القدرة على التحرك، أما «عامر» فوقف يقول متوسلًا:
خلوني أنا أنزل بيه، بالله عليكم علشان خاطري، خلوني أمسكه أنا"
رد عليه «ياسر» بضيق:
مش وقتك يا عامر، و بعدين افرض زقك ولا ضربك هتعمل إيه؟"
رد عليه هو بسخرية:
يا عم يزق مين بس؟ دا لو كح في وشي يبقى عمل انجاز، و بعدين أنا أكتر واحد عملت معاه مجهود يعني أنا أحق واحد ينزل بيه"
قالها متذمرًا كالأطفال، جعل ثلاثتهم ينظر له بقلة حيلة، فتحدث «ياسين» موافقًا في النهاية:
اتفضل يا أستاذ عامر، امسكه خلينا نخلص، واخدين ابن اختنا نخلص مشكلة فـ حضانة"
بعد مايقرب الخمس دقائق نزلوا جميعهم في المصعد على دُفعتين ثم دخلوا سويًا أمام الجميع إلى مكان عقد القران، و عندما وقع بصر الجميع على راشد وقفوا متأهبين من الدهشة و الكدمات الدامية على وجهه، فأول من تحدث كان «محمد» حينما قال منفعلًا:
انتو عملتوا فيه إيه؟ و إيه اللي وصل الأمور للدرجة دي، إيه يا ياسين أنتَ استحليت الموضوع ولا إيه؟"
رد عليه «وليد» بضجرٍ:
بقولك إيه يا عم محمد اركن على جنب أنتَ دلوقتي علشان محتاجك عصبيتك دي كمان شوية"
نظر له «محمد» باندهاش ثم وجه بصره لشقيقه يقول بضيق:
اتفضل يا مرتضى، أخرة تربيتك لابنك، بيشيلنا الغلط و مش عاوزنا نتكلم"
زفر «وليد» بقوة ثم قال بصوتٍ عالٍ:
حاضر هخليك تتكلم و تزعق و تضرب كمان، بس خلينا مع راشد و عم ابراهيم الأول علشان نفوق للي جاي"
قال جملته ثم اقترب متمهلًا من عمه الذي نظر لولده بأعين منكسرة يقف أمامه وهو يقول بهدوء:
ها يا عم ابراهيم اتكلم أنا ولا تتكلم أنتَ؟ أنا بقول أتكلم أنا علشان نسمع و نفرح كلنا"
رفع «ابراهيم» رأسه ينظر له بخوف وهو يزدرد لُعابه بقوة فوجده يرفع حاجبه متحديًا له، ثم قال بعدها مبتسمًا:
بسم الله الرحمن الرحيم، الاستاذ راشد طلب ايد هدير مني علشان يعرف يربط اسم أبوه بينا، و دا علشان عم ابراهيم يعرف يلاقي بنك يستلف منه فلوس و مخزن يكبش منه بضاعة، كان جاي راسم إن خديجة تبقى لراشد من تاني، بس ياسين حبيب قلبي رماله أحلامه في البحر، قام مدور على بديل لخديجة وهي هدير بما إنها حزينة و محتاجة حد جنبها يبقى راشد هو الاولى بيها من الغريب، ميعرفش إن ابنه بيقف جنب أي تاء تأنيث عمومًا"
انفعل «محمود» حينما سمع ذلك الحديث فصرخ يقول بهياج:
أنتَ بتقول إيه يا وليد؟ هي وصلت قلة الأدب للدرجة دي؟ خلاص مفيش دم، بتستغل الموت و الحزن يا ابراهيم علشان تعوض خسارتك ؟!"
رد عليه «وليد» بسخرية متهكمًا:
لسه يا عمي، أومال لما تعرف اللي جاي بقى، البيه لما طلبت منه يعتذر لخديجة عن غلطه في كرامتها وافق علطول على أساس يساهيني و أوافق على موضوع هدير، بس لما رفضت و حسن قال إنها خطيبته الأستاذ خططت يخطفها، و بناءً على خطته هو خاطفها فعلًا"
اتسعت حدقتي الجميع و حينها هجم «وئام» على «راشد» بُغتةً ثم لكمه في أنفه وهو يقول بصراخ:
تصدق إنك أزبل من صفايح الزبالة نفسها يا ابن*****"
ابعده الشباب عنه بقوة، فقال «ياسين» بضيق:
اهدا يا عم وئام، خلاص هو اتعمل معاه الواجب و زيادة، ملهوش لازمة الضرب تاني"
تدخل «طارق» يقول منفعلًا هو الآخر:
يعني إيه يا ياسين ؟! أنتَ عاوزنا نسمع القرف دا و نسمي عليه، راشد لو خرج من هنا حي يبقى بتحلموا كلكم"
رد عليه «وليد» بسخرية:
لأ هيخرج حي، و علشان خاطر كدا مقولتش لحد فيكم يكون معايا و اعتمدت على ياسين و الشباب، بصراحة خطتنا كانت جامدة"
سأله «طه» متهكمًا بسخرية:
كمان علمتوا خطط علشان تحموها، الله ينور عليكم، كل دا على خطوة الاستاذ ابراهيم في بيتنا هو و عياله"
رد عليه «ياسين» بسخرية:
بصراحة يا عم طه كان نفسي تكون معانا و احنا بنتفق، فاتتك دي، بس تتعوض الجايات في راشد كتير إن شاء الله"
سأله «مرتضى» بضجرٍ:
و بعدين خلصت على إيه؟"
رد عليه «وليد» مبتسمًا:
خلصت على إن الدكتور ياسر حبيب قلبي جابلي حباية منوم حلوة زي عيونه كدا و حطناها لرامي في علبة عصير وهو علشان طفس خدها من ياسين و بعدها خالد الله يكرمه شاله و دخله مكان هدير و عامر الله يطعمه حط موبايله يصور صوت و صورة، و خلود حبيبة قلبي نقلت هدير في الوقت الصح بعد ما اتصنتت على راشد و عرفت انه بيكلم ناس و أكيد كان ناوي على مصيبة سودا"
اعتلت الدهشة ملامح الجميع وهم ينظرون لبعضهم البعض، أما «هدير» فانكمشت في نفسها كالطفل الصغير بخوف حينما سمعت ما تم تخطيطه لأجلها و كيف لاذت بالفرار بنفسها، أما «حسن» فكانت عيناه تشع نيران حاقدة حينما سمع ما قام «راشد» به حتى يحصل عليها،
استرسل «وليد» حديثه قائلًا:
الفكرة إن راشد نسي إنه في بيت مليان رجالة، بس نقول إيه بقى واخد على شغل العيال العرر، كان فاكر إن هسيبه ياخد أختي و يخرج من البيت كدا عادي ولا أسيبه بحق خديجة و كل دمعة قهرة نزلت منها، أهبل"
آنذاك رفع «ابراهيم» رأسه بسرعة كبيرة يسأله بذهول:
يعني كل دا عملته أنتَ علشان حق خديجة ؟ جاي بعد كل الأيام دي و تاخد بحقها علشان كدا عشمته و كسرت بخاطره؟"
أومأ له موافقًا بقوة ثم أضاف:
آه علشان أنا قلبي أسود، و بعدين يا عم ابراهيم الأيام مش مقياس للحق إنه يتاخد و لا لرد الاعتبار، سقراط قال قبل كدا
تكلم حتى آراك"
و كان فرحان بنفسه أوي لحد ما عمك دوستويفسكي رد عليه بعد ٢٠٠٠ سنة و قاله
قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، إياك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك"
شوف الكلام، يعني أوعى تفتكر إنك عارفني ولا حافظ دماغي أصلها واسعة بصراحة، و حق أختي لو فات عليه ٢٠٠٠ سنة كنت هاخده منك و من ابنك، أما هدير فهي في حمايتي، ها يا عم ابراهيم تحب تسمع كمان؟ بصراحة ياسين هو اللي هيكمل أصلي صدعت"
ابتسم «ياسين» بهدوء ثم وقف أمام «ابراهيم» يقول بضجرٍ:
طول عمري أسمع عن اشباه الرجال أول مرة اقابلهم بصراحة، أنا بس عاوزك تربي عيالك صح مش عاوز منك كتير، طالما فرحان بخلفة الدكورة يبقى ربيهم علشان يبقوا رجالة، علموا يعني إيه راجل صح يحافظ على بنات الناس و يراعي ربنا فيهم، هما مش عرايس لعبة علشان نغير فيهم، أنتَ نفسك بصراحة محتاج إعادة تأهيل، لما تسلط عيالك على بنات أخواتك يبقى لامؤاخذة أنتَ معدوم الرجولة، و أخرتها واحد زي ما أنتَ شايف كدا و التاني مخطوف مع صحاب ابنك"
نظر له «ابراهيم» بخزيٌ ثم وجه بصره نحو ولده وجده ينظر له بسخرية وهو يلقي عليه اللوم، تتبع «ياسين» نظره ثم قال بسخرية:
حضرة المتهم أبي دا مش هينفع دلوقتي، للأسف فيه حاجة أهم"
قال جملته ثم أخرج من جيبه الخاص دفترًا ورقيًا وهو يقول بهدوء تحت نظرات الدهشة من الجميع:
دي وصولات أمانة هتمضي عليها علشان ابنك لو فكر ينتقم ولا حتى يقرب ناحية ضافر حد في عيلة الرشيد ساعتها هقدم الوصولات دي، دا غير إحنا مصورين صحابه و هما بيخطفوا الآنسة هدير اللي هو رامي يعني في الأخر، فلو قدمنا بقى الفيديو و علمنا محضر عدم تعرض يبقى أنتَ هتزعل أوي، أمضي أحسنلك علشان أنا مش ضامنك ولا ضامن ابنك، علشان بصراحة أنا مش شايف رجالة ينفع أضمنهم، أمضي"
نطق «راشد» يقول منفعلًا:
امضي...امضي علشان أشوفك مكسور زي ما أنتَ طول عمرك كاسرنا بتربيتك، شوفت أخرة سوادك إيه؟ أخرتها هتمشي بيا مذلول قدامهم، عارف ليه علشان هما أنضف منك يا ابراهيم"
نظر له الجميع بدهشة فقال هو مُردفًا بنفس انفعاله:
هو اللي مدلعنا، طول عمره عاوزنا نمشي ندوس على الخلق، لما عرف ساعة خطوبتي من خديجة إنه مش هيعرف يشارككم خلاني أخلع بالطريقة دي، و لما عرف إن هدير تعبت بعد وفاة أمها هو اللي قالي أقرب منها علشان يفتح سكة معاهم، أنا عن نفسي فرحان فيه، و مش هنتقم ولا عندي نية حتى آخد حقي، بس قدامكم الراجل دا ملوش دعوة بيا تاني و لا بأخويا"
رد عليه «ابراهيم» بانفعال ممتزج باللهفة:
أنتَ اتجننت يا راشد؟ مخك جراله إيه مش دي فكرتك إنك تخطف هدير، ولا دي أنا اللي هشيلها؟"
رد عليه هو متهكمًا بوجع:
ماهو لو أنتَ أب عِدل كنت قولتلي إن بنات الناس مش لعبة، كنت قولتلي عيب تبص للناس في ضعفها علشان تحس بقوتك، كنت قولتلي بص وليد و ياسين رجالة إزاي بيدافعوا عن لحمهم، دلوقتي بس عرفت عمي إيهاب سابك ليه؟ خاف على بنته مني، حتى دي ضاعت مني بسببك"
تحولت نظرتهم إلى الشفقة تلك المرة حينما خرج صوته مهزوزًا بوجع وهو يستطرد حديثه قائلًا:
ساعتها عمي خدها و مشي لما لقاني ضايع زي أخوه، قولتله أني ممكن أتغير بس أبويا ساعتها قالي متخليش عمك يحس إنك عاوزها علشان يسيبلي كل حاجة، و ساعتها ساوم أخوه بالورث قصاد أني ابعد عن بنته، عاوزني أشفعلك إزاي؟ أنا هشكر كل واحد فيهم على العلقة دي علشان فوقت، علشان كدا مضوه على الوصولات و قدموها أحسن"
اقترب منه والده حتى يصفعه فوجد «حسن» تلك المرة يمسك ذراعه بعدما هب واقفًا حيث كان يجلس بجانبه، فالتفت ينظر له بدهشة، حينها وجده يقول بهدوء بث الرعب داخله:
أنا كنت مستنيه يخلص كلام علشان آخد حقي مراتي براحتي، بس هو صعب عليا طلع تربية راجل ناقص، علشان كدا أنا هكمل الناقص دا"
سأله «ابراهيم» منفعلًا:
يعني إيه؟ أنتَ عاوز إيه أنتَ كمان ؟"
ابتسم له «حسن» بخبثٍ ثم باغته بلكمة قوية في وجهه فجأت الجميع حتى «هدير» التي فتحت عينيها على وسعهما، أما هو أمسكه من تلابيبه ثم ضربه برأسه في وجهه وهو يقول منفعلًا:
دي علشان قلة أدبك...و دي علشان بنات الناس مش لعبة اللي خلفوك....دي علشان فكرت بس فيها....دي علشان قلة أدبكم على ياسين و وليد، ودي..."
حينها صرخ «راشد» يقول منفعلًا:
خلاص كفاية....كفاية هيروح في إيدك"
نظر له الجميع بتعجب فقال هو بحزن:
حتى لو هو جاحد أنا مش زيه، هو معندوش دم بس أنا عندي، خرجونا من هنا علشان آخد أخويا، رامي عنده القلب مش حمل صدمة زي دي لما يفوق، أبوس رجلك يا ياسين خرجني ألحق أخويا، و أنا همضي على الوصولات دي بنفسي"
اقترب منه «عامر» بإحراج ثم قال:
أحنا لو نعرف إن أخوك مريض عمرنا ما كنا هنيجي جنبه، احنا مش مؤذيين، بس أبوك واطي مش مراعي حتة مرض ابنه الصغير، يعني جاحد و يستاهل الابتلاء اللي هو فيه، ياسين اتصرف و هات أخوه"
تدخل «وليد» يقول بهدوء:
أنا كنت عارف إنهم مش هيخرجوا من هنا سُلام، علشان كدا بعت رسالة لصاحب راشد إنه يرجع ياخدهم على أساس أني راشد، بس مكنتش أعرف أني هتعاطف مع راشد و ابقى عاوز أموت أبوه، بصراحة بفكر اسيبه يتربى هنا"
رد عليه «مرتضى» بضيق:
خلصنا يا وليد خلي ابراهيم يغور من هنا مش عاوز أشوف وشه، يمين بالله لأخلي كلاب الشوارع تتعشى عليه"
كان «حسن» لازال ممسكًا «ابراهيم» في يده بقوة، فتحدث «طارق» يقول ساخرًا:
خلاص يا حسن سيبه، ولا أقولك بلاش علشان بصراحة لو وقع مش هوسخ إيدي بيه"
تدخل «أحمد» يقول بضيق زائف:
أنا لو كنت أعرف إن عم ابراهيم هو اللي زبالة كدا كنت كسرت المقشة على دماغه بدل ما كسرتها على دماغ ابنه"
في تلك اللحظة توقفت سيارة أمام باب بيت آلـ الرشيد، و كانت السيارة لأصدقاء راشد الذي أجلسه «ياسر» و «عامر» على المقعد، فتح «وليد» الباب لهم فتفاجئوا هم به يبتسم لهم بشرٍ ثم قال وهو على اعتاب الباب بتريثٍ:
اللي أنتوا عملتوه دا أنا مش هتكلم عليه، علشان العيب على الناقص اللي جابكم، دلوقتي هتاخدوه و تخرجوا من هنا، بس يمين بالله لو حد فيكم جه ناحية البيت دا تاني هخليه نسخة منه، فاهم؟"
رد عليه «علاء» بذعر متوسلًا إياه:
طلاق تلاتة راشد هو اللي كلمنا علشان نعمل كدا، و أصلا لما عرفنا إنه أخوه شيلنا ايدنا من الموضوع كله، عرفنا إنه فخ معمول علشانه، احنا برة الموضوع دا"
أومأ له «وليد» ثم عاد للداخل يتحدث بنبرةٍ قوية:
احمد ربك يا راشد إنك خارج من هنا حي، بصراحة مكنتش متوقع إنك تخرج على رجلك كدا"
رد عليه «راشد» بانهاكٍ واضح:
تشكر يا وليد، خليني بس اروح أطمن على رامي"
رد عليه «ياسر» بخجلٍ:
الحباية اللي واخدها للأسف مش هتفوقه قبل بكرة، بس اطمن هي ملهاش أي أعراض جانبية، يعني أمان ليه"
وقف «راشد» من على المقعد ثم قال بهدوء:
شكرًا، أنا بس عاوز أقول أني آسف على كل حاجة و المرة دي بجد، حقك عليا ياسين، وحقك مراتك و حق هدير فوق راسي أنا"
رد عليه «ياسين» بهدوء بعدما نظر لزوجته ثم أعاد بصره له مرةً أخرى:
أنا عن نفسي مش عاوز حق ولا مراتي ولا أختها ولا حسن، أمشي يا راشد و خد ابوك عالجه و خلي بالك من أخوك، خسارة شبابه يضيع على البنات و الاستهتار"
أومأ له بهدوء ثم أشار لصديقه يقول له بهدوء:
تعالى شيلوا معايا يا علاء، خلينا نروح علشان رامي، كفاية لحد كدا"
أومأ له صديقه ثم سانده حتى السيارة أدخله هو بها، ثم عاد يأخذ والد صديقه، فتحدث «محمود» أمام الجميع يقول بنبرة جامدة:
لو رجلك ولا رجل حد من عيالك خطت بيت الرشيد تاني، مش هتخرج منه يا ابراهيم، أديك أهوه شوفت عينة من اللي هيحصل، المرة الجاية هتبقى بموتك، أو السجن"
نظر له بلامبالاة، فوجد «ياسين» يقترب منه من جديد وهو يقول بهدوء لا يقبل النقاش:
أمضي يا عم ابراهيم، أنا لو عندي ثقة فيك مش هعمل كدا، أمضي على الوصولات دي علشان أعرف اقف قصادك لو فكرت بس تعمل حاجة، طالما طلعت أنتَ اللي ناقص كدا"
أومأ له «ابراهيم» ثم أخذ الدفتر من يده يدلي بتوقيعه عليه، قبل خروجه من البيت وصله صوت «وليد» يقول ساخرًا:
أنتَ واحد ربنا كرمك بالمال و البنون، بتجري ورا النسوان ليه؟ أديك ضيعت المال و البنون و حلقات المسلسل كلها، روح بقى شوف مسلسل العار يمكن يفيدك"
أخفض رأسه في انكسار وهو يستند على ذراع «علاء» حتى يخرج من البيت، و بعد اختفاء اثره تنهد الجميع بأريحية حتى نساء العائلة، أما «خالد» فقال بهدوء:
طيب يا جماعة عن اذنكم احنا هنمشي علشان الوقت اتأخر، الحمد لله إنها جت على قد كدا"
رد عليه «مرتضى» بامتنان:
ربنا يبارك فيكم يا بني و يخليكم لينا، جميلكم دا فوق راسنا، بس مش هينفع تخرجوا من هنا من غير عشا"
تدخل «ياسر» يقول بهدوء:
حضرتك عارف كلنا متجوزين و مش هينفع نسيب الستات أكتر من كدا لوحدهم، لازم نمشي معلش"
أتى «طه» يقف أمامهم يقول بفرحة:
أنا ربنا كرمني بيك يا ياسين، و باخواتك معاك، والله يا بني لو مت دلوقتي أنا مطمن على بنتي أنها مع واحد زي الأسد في ضهرها"
تدخل «وليد» يقول بمرحٍ:
بصراحة فكرة وصولات الأمانة و التصوير بتاعتهم هما، و فكرة إن رامي يتحط مكان هدير كانت فكرة ياسين، أما نقل هدير فدي فكرة خلود"
رد عليه «حسن» بهدوء:
والله يا بني جميلكم فوق راسي، انتو عملتوا اللي محدش يقدر يعمله، مراتي معايا بسببكم"
نظرت هي له باندهاش حينما سمعت منه تلك الكلمة الغريبة على مسامعها فوجدته يسترسل حديثه و كأنه لم يفعل شيئًا:
تشكر يا عامر، طبق المكرونة اللي في وش راشد دا ميخرجش من حد غيرك"
ضحك الجميع عليه أما «عامر» رد عليه بقلة حيلة:
خلاص والله علشان صعب عليا، دا كله و في الأخر ابراهيم طلع زبالة، أنا برضه قولت الشنب اللي في وشه دا كله مش طبيعي أكيد مخبي وراه بوق بيحدف طوب"
ابتسم الجميع بخفة، بينما «ياسين» قال بهدوء:
طب احنا مضطرين نستأذن بقى علشان الشغل بكرة، و علشان أوصل الشباب معايا كمان، يلا يا خديجة"
أومأت هي له بهدوء، فتحدث «محمود» يقول بلهفة:
استنى بس يا بني، طب اقعدوا معانا شوية علشان خاطر صحابك بس اللي طلع عينهم دول"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
صدقني والله احنا لازم نروح علشان أشغالنا بكرة كلنا، و كمان بصراحة أنا عاوز ارتاح من علقة النهاردة دي"
أومأ له الجميع فقال هو مودعًا للرجال:
نشوفكم على خير إن شاء الله، و في أي وقت تحتاجوني أنا أو الشباب احنا تحت أمركم"
رد عليه «محمد» بامتنان:
و الله يا بني مش عارفين نقولكم إيه، ربنا يديكم الصحة"
تدخل «وليد» يقول بمرحٍ ساخرٍ:
عم محمد ؟! دلوقتي مش عارف تقول إيه؟ ياريتك من الأول مكنتش عارف تقول إيه، مسمعتش صوتك طول القعدة يعني، لعله خير إن شاء الله، ولا هو صوتك بيطلع ليا أنا بس"
ابتسم الجميع عليهما بينما «محمد» تحدث يقول بحنقٍ:
ما تبعد ابنك عني يا مرتضى، هو خلاص هيسيب الكل و يتمسك بيا أنا؟"
رد عليه «وليد» بوقاحة زائدة:
لما يبقى أسمك عبلة أبقى اتمسك بيك يا حمايا، ولا إيه يا حج مرتضى ؟"
رد عليهما «مرتضى» بضيق:
بقولك إيه أنتَ و هو، طلعوني برة حوارتكم دي، كان نسب صداع على دماغ أهلي"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ:
والله يا حج مرتضى أنتَ راجل عسل بتفكرني برياض، نفسي كدا تقابله و تقعدوا مع بعض و معاكم أبويا و عم فاروق، والله العظيم هتبقى ليلة فل"
رد عليه «مرتضى» بمرحٍ:
عيني ليك يا حبيبي، هاخد بصة على جدول مواعيدي و أشوف أنا فاضي امتى و ابقى اديكم الميعاد"
تدخل «ياسر» هو الأخر يقول بنبرة ضاحكة:
أنا كدا اتأكدت انك شبه رياض فعلًا، وعد مني هخلي عامر يعملكم ماتش حلو"
تدخل «ياسين» يقول باحراج:
طب عن اذنكم إحنا بقى علشان الوقت اتأخر، سلام عليكم"
رد عليه الجميع السلام، أما هي مالت تهمس له بهدوء:
هسلم على البنات علشان ميزعلوش، و هسلم على هدير"
أومأ لها بهدوء ثم أخذ أصدقائه و رحل بهم إلى الخارج يقف بجانب السيارة، أما هي ألقت التحية المودعة على الفتيات، ثم وقفت بجانب «هدير» تقول بهدوء:
خلي بالك من نفسك يا هدير، أنتِ بقيتي في حماية وليد، يعني فيه جيش في ضهرك، و أنا كمان معاكي لو عاوزة حاجة عرفيني، عاوزاني معاكي النهاردة كمان؟"
نظرت لها «هدير» بامتنان ثم احتضنتها فجأة أمام الجميع، شعرت «خديجة» برجفة بسيطة من العناق، لكنها رفعت ذراعيها بهدوء تبادلها العناق، و بعد مرور ثوانٍ انتهى عناقهن سويًا، فقالت «خديجة» لـ «حسن» بهدوء:
خلي بالك منها، أديك شوفت اللي حصل من شوية، يعني مفيهاش أعصاب"
ابتسم هو بهدوء ثم قال:
متقلقيش عليها، أنا عارف إن الوقت كان صعب و الوضع صعب، بس إن شاء الله في وجودي دا كله هيتصلح"
أومأت له ثم التفتت تقف بجانب «هدى» وهي تقول بتوسلٍ:
علشان خاطري يا هدى كلي علشان اللي في بطنك، و خلي بالك من نفسك و بطلي عياط شوية"
أومأت لها بأعينها الباكية فمدت أناملها تمسح دموعها بهدوء، بعدها عانقت «جميلة» و «عبلة» و باقي نساء العائلة، أما «زينب» فقالت لها بحزن:
مش كنتي فضلتي معايا النهاردة كمان و مشيتي بكرة؟ ليه تمشي النهاردة ؟"
ردت عليها هي ببساطة:
علشان ياسين و شغله يا ماما، و بعدين حلو أهو قضيت معاكم خمس أيام، ياسين متكملش بس خايفة يزعل"
أومأت لها والدتها ثم قالت بفخرٍ:
عين العقل، روحي يلا علشان جوزك مستني مع صحابه برة"
أومأت لها ثم انسحبت في هدوء تقف بجانب زوجها، ثم ركبت معه السيارة، أما أصدقائه ركبوا سيارة «خالد».
________________
انتهى ذلك التجمع و كل فرد ذهب إلى شقته حتى «هدير» ذهبت إلى غرفتها في شقة والدها بعد رحيل زوجها و نظرًا لارهاق الأيام الماضية تكورت في الفراش في وضع يشبه وضع الجنين، تفكر فيما حدث في حياتها، ودون وعي منها سقطت في بئر النوم.
فوق سطح البيت جلس هو كعادته يفكر في اليوم و أحداثه وفجأة ابتسم بهدوء ثم قال:
تعالي يا سوبيا...و الله فيكي خير و علطول محسساني برمضان"
اتت هي من خلفه ثم مدت يدها تدلك رأسه بهدوء، فوجدته يقول بألم:
آااااه....يلهوي ياما، راسي يا ناس، عيلة الرشيد كسروا دماغ ابنك ياما..."
ضحكت هي بخفة ثم قالت:
ماهو أنتَ اللي شاغل نفسك بيهم، يبقى تستاهل بصراحة، و بعدين فيه حد راسه مصدعة يقرأ كتاب؟ أنتَ فاضي ياض؟"
قالت حديثها بعدما ألقت نظرة على الكتاب المجاور له، فرد عليها هو بسخرية:
أخرتها ياض ؟! أنا لما بصدع بحب أقرأ علشان ألهي نفسي، بصراحة بلاقي نفسي وسط الورق"
رفعت أنفها تنظر له بوجهٍ ممتعض، فوجدته يقول بسخرية دون أن ينظر لها:
نزلي مناخيرك يا عبيطة، و بعدين حد يتريق على كافكا؟"
التفتت هي تقابله جالسة أمامه على الأرض ثم قالت بسخرية:
هو أنتَ و خديجة بتحبوا كافكا ليه؟ خديجة طول عمرها بتحبه و أنتَ بتحبه، ليه بجد عملكم عامل؟"
تنهد هو بضيق ثم أضاف:
مش ذنبي أني حبيت واحدة جهلة متعرفش مين هو كافكا، رغم إن كافكا دا قال جملة بتوصفك بالظبط، كل مرة عيني تقع على الجملة دي، عقلي و قلبي بيفتكروكي يا عبلة، أنتِ لوحدك مش حد تاني"
تأثرت هي من نبرته الهادئة و حديثه الصادق الذي دومًا يأسرها فقالت بنبرة هادئة مهتزة:
طب...هو كافكا قال إيه عني علشان يخليك تفتكرني كل ما تقرأ؟"
رفع عيونه ينظر لها بصدق وهو يقول بثباتٍ مُحدقًا في عسليتيها:
الأمرُ ليس بكثرةِ الموجودينَ حولك،
إنما بمن يأتيك دون أن تُناديه ،
ومن يُربِتُ على كتفك دون أن تُخبرهُ أنّك مُثقَلٌ بالهموم"!!
كافكا كان عارف إن الحب هو إن حبيبك يجيلك حد من غير ما تطلب، الغريب إنك من ساعة ما بقيتي مراتي و أنتِ كل مرة بتيجي ليا في الوقت المناسب، كان صايع كافكا دا برضه"
ابتسمت هي بهدوء ثم قالت:
يبقى نحب كافكا طالما أنتَ بتحبه، انتظرني بكرة هسمعك حاجة منه إنما إيه عظمة"
رد عليها هو بسخرية:
ياختي حبيني أنا بس عِدل الأول، قال تحبي كافكا قال، اتنيلي دا أنا مش ملاحق من أبوكي عاملي زي الرادار"
أتى من خلفه يقول بتوعد:
ماهو علشان أنتَ مش متربي يا وليد، لو مرتضى كان تعب نفسه شوية كمان و رباك كنت بعدت عنك"
ابتسمت هي باتساع، بينما تحدث هو يقول متمتًا بضيق:
يا أخي كانت ليلة سودا يوم ما بقيت حمايا"
سأله عمه بتشككٍ من خلفه:
بتبرطم تقول إيه يالا؟ رد كدا و سمعني علشان أنا جبت أخري منك"
وقف «وليد» مقابلًا له وهو يقول بمرحٍ زائف:
أنا اقدر برضه أغلط فـ حمايا؟ دا أنتَ الغالي ابو الغالية، بس قولي، هو حماك رجل رخم مخليك مش عارف تقعد مع مراتك براحتك علشان كدا طالع السطح؟"
ضيق «محمد» جفونه و تنهد بعمقٍ ثم تبع تنهيدته بقوله:
انزلي يا عبلة حضري الأكل مع جميلة، علشان سلمى بايتة عند خلود و أمك مع هدير"
أومأت له بأدب ثم قالت لزوجها:
عن اذنك يا وليد، عاوز مني حاجة؟"
ابتسم هو بسخرية فوجد والدها يقول بضيق زائف:
أنتِ بتستأذنيه و أنا واقف؟ خلاص مفيش أدب خالص"
نظرت هي لوالدها بقلة حيلة، بينما قال هو بهدوء خبيث:
و أظن برضه إنك عارف شرع ربنا، يعني أنا اللي ليا الحق تستأذنه مش أنتَ بما إنها مراتي"
رد عليه «محمد» بسخرية:
لسه مبقتش مراتك يا سي وليد، دا كتب كتاب لسه"
اقترب منه «وليد» يقول بخبثٍ:
وأنا مستعد من الليلة دي أخليها معايا متفارقنيش بعد كدا، و تبات في شقة جوزها....ها موافق؟"
عض على شفته السفلى ثم قال بهدوء بعدما حاول التحكم في نفسه:
انزلي يا عبلة علشان جميلة لوحدها، أنا عاوز وليد في كلمتين"
أومأت له ثم نظرت لزوجها ترسل له قبلة في الهواء جعلته يبتسم باتساع وهو ينظر في اثرها بحبٍ، فسأله «محمد» بسخرية:
إيه عجباك البوسة؟"
_"يا خسارة كان نفسي تبقى على الحقيقة، منه لله اللي كان السبب"
خرجت منه بنبرةٍ تائهة جعلت عمه يقترب منه وهو يحرك رأسه باستفسار، فابتسم هو له باستفزاز أثار حنقه مما جعل عمه يبدل نظرته للتوعد.
_________________
في شقة «خديجة» دخلت خلف زوجها وهي تتنهد و قبل أن تتفوه وجدته يكمم فمها بيده يقول بضيق زائف:
عارفة لو نطقتي و قولتي أخيرًا دي هعمل فيكي إيه؟ هبيتك في الشارع، الكلمة الفقر دي جايبة أهلي ورا، فاهمة؟"
حركت رأسها عدة مرات موافقة وهي تحاول كتم ضحكتها أسفل يده، أما هو فأبعد كفه ثم تنهد بعمقٍ، و هو يقول بمرحٍ:
أخيرًا..."
_إيه ؟! نعم يا اخويا"
خرجت منها بحدة حينما سمعته يتفوه بما نهاها عنه
فالتفت هو يقول بمرحٍ:
كنت هقولك ياه أخيرًا هقلع الكوتشي، بلاش مخك يروح بعيد"
ضحكت هي بسخرية ثم قالت:
آه طبعًا أومال، أنا هدخل أغير هدومي و أطلع علشان تحكيلي كل التفاصيل، هاه كلها"
أومأ لها مؤكدًا بسخرية ثم أضاف:
تمام و أنا هدخل أدور في التلاجة على حاجة ناكلها علشان أنا جعان، لحد ما تخرجي"
سارت من أمامه تتبختر بتعالٍ وهو ينظر في أثرها بصدمة ثم قال غير مصدقًا لما يراه:
هي البت دي حصلها إيه؟ أنا بدأت أخاف منها والله"
بعد قليل خرجت هي من غرفتها فوجدته يقف في المطبخ يعد الطعام و هو يرتدي ملابس بيتية، فسألته بذهول:
ياسين أنتَ غيرت إمتى؟ إيه الرعب دا ؟"
نظر هو لها بسخرية وهو يقول بهدوء:
ماهو يا بنت الحلال الشقة فيها بدل الحمام اتنين و بدل أوضة تلاتة، أكيد خدت هدومي من الأوضة و دخلت الحمام التاني، إيه الغباء دا بس"
ردت عليه هي بإحراج:
والله بنسى يا بني معلش خليها عليك"
رد عليها هو بسخرية بطريقة مُضحكة حينما غير صوته:
متقوليش كدا ياما، احنا عنينا ليكي يا أمي، اعتبريني ابنك"
ضحكت هي بقوة ثم جلست على الكرسي الخشبي الموضوع بجانب الطاولة وهي تقول بهدوء:
سيبك بقى من كل دا و قولي إيه اللي حصل النهاردة دا، إزاي كنتو جامدين كدا، رغم انه صعب عليا يعني في الأخر بس مش مشكلة هو حيوان علشان بيسمع كلام الحيوان الكبير"
سحب هو المقعد المجاور لها ثم قال بهدوء:
بصراحة صعب عليا شوية، بس بعد كدا عادي، هو غلطان برضه، مش علشان أبوه وحش يبقى هو ضحية و خلاص، لأ هو وحش هو كمان"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ حزينة حينما تذكرت ما مضى:
عارف ؟ مش قادرة أسامحه بصراحة علشان بسببه فضلت ٦ شهور في اكتئاب و كنت بكره ابص في المراية، هو و مشيرة كانوا أكتر اتنين مكرهيني في نفسي، الغريب إن كل الناس بتقول إن ملامحي هادية و جمالي هادي، بس أنا مكنتش بفتكر غير كلامه هو و هي معاه، بس هو كان أكتر"
أمسك هو كفها ثم قال بنبرةٍ حاول صبغها بالهدوء قدر الامكان:
أنا لا عاوز منك مسامحة ولا عاوز منك تفتكريه أصلًا، بدل ما قسمًا بالله أروح أكمل على أهله، ماشي يا ختي ؟"
ابتسمت هي باتساع ثم قالت:
بقولك كنت، و بعدين هو حد يبقى معاه ياسين و يفتكر حد غيره؟ والله العظيم ما فيه غيرك، ولا إيه يا عم ياسين ؟"
ضحك هو بخفة ثم قال بهدوء:
أنا عارف إن العقل غصب عنه بيفتكر السلبيات و دي حاجة مش بايدك، و أظن أنا مأكدلك إنك مفيش منك، و دي حقيقة يا خديجة أنتِ حلوة و مش حلوة بس لأ، أنتِ حلوة أوي، لو بالروح أو بالشكل أنتِ كسبانة كسبانة"
ابتسمت هي باتساع أكثر ثم باغتته بسؤالها:
ياسين من بين كل اللي روحت تتقدم ليهم، مين أكتر واحدة اتمنيت إنها تكون ليك، يعني كان نفسك أنها تكون مناسبة"
حرك كتفيه ببساطة وهو يجيبها بهدوء بعدما التقط غرض السؤال
هتصدقي لو قولتلك ولا واحدة غيرك؟ كلهم كانوا زي الدهب العيرة منظر على الفاضي، كلهم كانوا سطحيين الجواز عندهم منظرة و خلاص، محدش فيهم كان عاوز السَكن و السَكينة، مفيش حد فيهم عيونه طمنتني زي عيونك يا خديجة، خدوني من أول مرة بصيت فيهم، خدوني و سهروني و شغلوني، بصراحة يستاهلوا السهر"
سألته هي بنبرةٍ متأثرة:
إزاي ؟!"
ابتسم لها بهدوء ثم أضاف:
علشان هما حلوين، عيونك الحلوين دول شبه النجوم، ببصة منهم تروح الهموم"
سألته هي ببلاهة:
إيه؟ عيوني أنا؟"
أومأ لها مؤكدًا ثم اقترب منها يهمس بهدوء:
آهٍ....جَـميلةٌ أنّــتِ تُــشـبِهين السـَماءِ في صَـفـاءها بَـعد ذِهَــاب الـغِيـوم...ضَـحكَتـكِ وحــدُها قــادرةٌ عــلىٰ إزالــة الـهـموم"
رفعت عيناها تنظر له بحبٍ فوجدته يضيف هامسًا بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
صفقت بكفيها معًا وهي تقول بمرحٍ:
لأ أتثبتِ إيه بقى ؟!
هات بوسة يا ياسين"
______________
فوق سطح بيت آلـ الرشيد تحدث «محمد» يقول بمرحٍ:
واد يا وليد، هو ازاي أنتَ مخلي عبلة تحبك كدا ؟! يعني بتعملها إيه علشان تجري وارك علطول منين ما تروح ؟"
نظر هو له بشكٍ ثم قال:
جرى إيه يا حمايا، بتحب على حماتي ولا إيه، قولي، أنا حبيبك برضه و أهو بالمرة أجوزك أنتَ كمان"
نظر له «محمد» بحنقٍ وهو يجيبه:
يا شيخ اتلهي على عينك، دا أنا مش عارف احب مراتي، هحب عليها، أنا مش لاقي وقت يا بني أصلًا"
سأله «وليد» بتعجبٍ:
أومال مالك بس، حاشر نفسك بيني و بين مراتي ليه، مستكترها عليا من الدنيا ليه"
نظر له «محمد» بسخرية ثم قال بهدوء بعدما رفع رأسه ينظر للسماء بحالمية:
طول عمري كنت بخاف أكون لوحدي يا وليد، محمود و مرتضى كانوا صحاب و طه و مشيرة كمان و أنا لوحدي وسطهم
، كان نفسي يكون عندي حد قريب مني، لما اتجوزت سهير بقت هي كل حياتي، بعدها طارق و عبلة و سلمى، خصوصًا عبلة، صَاحبتها و كبرتها و بقيت ليها كل حاجة، كل حياة عبلة كانت ليا، لما أنتَ ظهرت في حياتها أنا فرحت علشان هتكون معايا علطول، و مش هسلمها لواحد غريب، بس عبلة بقت بتحبك أوي، بقت بتتعلم كل حاجة علشانك، الأكل و كوي الهدوم، و الحلويات، حتى الكتب بقت عاوزة تشاركك فيها"
رد عليه هو بسخرية:
طب أمسك الخشب ولا سمي الله حتى، بدل ما نولع في بعض بكرة، يا ستار منك"
ضحك «محمد» بخفة ثم وضع ذراعه على كتف «وليد» وهو يقول بمرحٍ:
الغريب إن أنا حبيتك أنا كمان، حب عبلة حببني فيك أوي، بقيت بحس أني مطمن علشان أنتَ معاها، عبلة معاك يا وليد في أمان، أوعى تسيبها ولا تزهق منها"
نظر «وليد» لذراع عمه الموضوع على كتفه ثم نظر في وجهه وهو يقول ببلاهة:
عم محمد أنتَ عايش؟ أوعى تكون بتودع، حرام عليك، أنا مخدتش نفسي من عزا فاطمة"
ضحك «محمد» بخفة ثم قال:
لأ أنا قاعد على قلبك اطمن، بس حسيت أني عاوز اطمنك أني بحبك علشان أنتَ تستاهل بصراحة"
ضحك «وليد» باتساع ثم رفع نفسه يقبل رأسه بهدوء وهو يقول مبتسمًا:
حمايا بقى...ابقى وصلها لعبلة"
ضحك كلاهما بقوة، فأضاف «محمد» يقول بسخرية:
مفيش فايدة، برضه متربتش"
رد عليه هو بسخرية:
كفاية ابنك متربي أوي، لحد دلوقتي ممسكش إيدها أصلًا، خليني ساكت"
رد عليه «محمد» بأسى:
طارق دا طيب أوي، عاش عمره كله يستناها و لما رجعت بتعامله كأنه غريب عنها، صحيح هي بتطمن في وجوده، بس الواد برضه نفسه يطمن إنها قبلاه"
نظر له «وليد» بخبثٍ ثم قال بهدوء بعدما التفت ينظر حوله:
جميلة حوارها مع طارق خلص خلاص للأسف"
سأله «محمد» بقلقٍ واضح في نبرته:
يعني إيه يا وليد؟ مش فاهمك"
وقف «وليد» أمامه ثم قال بهدوء:
تعالى معايا و أنا هفهمك دلوقتي، بس أمسك أعصابك"
قال جملته ثم سار أمام عمه بهدوء و الآخر يلحقه متعجبًا منه ، وبعد مرور ثوانٍ دخل «محمد» شقته و «وليد» خلفه بوجهٍ خالٍ من التعابير، تحدث «محمد» يقول بصوتٍ عالٍ على اعتاب الشقة:
أنا جاي و معايا وليد يا جماعة"
مال هو على أذنه يقول بسخرية:
دا على أساس إنهم قاعدين براحتهم يعني ؟ دي بتلبس الخمار قدام ابنك، اقعد بقى"
عض عمه على شفته ثم دخل الشقة وهو يتبعه حتى وصل للصالة الثانية، كانت بها اسرته بأكملها، أما «طارق» فخرج من الشرفة يقول من خلفهما بهدوء:
خير فيه إيه تاني؟ أؤمر يا وليد"
رد عليه «وليد» بثباتٍ:
لأ مش جاي علشانك، أنا جاي علشان الآنسة جميلة"
نظر الجميع له بتعجبٍ حتى هي فقال هو بعدما أمعن النظر لها:
جاي أقولك إن اتفاقنا خلص خلاص، لو عاوزة تطلقي من طارق كل حاجة جاهزة زي ما وعدتك"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع 7 - بقلم شمس بكري
كـ إحتلال دخل قلبي بكامل قوته، فتحول إلى نورًا بداخله يزيل عتمته.
____________
شَخصٌ مثلي بسيط لَيْن لا يستطع الهجوم أو الدفاع في علاقاته مع الآخرين، أنا فقط أود أن أكون مسالمًا هادئًا حتى وإن غَدوتُ حزين، فيكفيني فرحًا من العالم بأن الله للنوايا يَرى، لذلك أنا أخشاني في غضبي فهل مثلي يستحق العناء أم يصرخ عاليًا يقول يا ليت النوايا تُرى ؟!
جاي أقولك إن اتفاقنا خلص خلاص، لو عاوزة تطلقي من طارق كل حاجة جاهزة زي ما وعدتك"
قالها «وليد» بثباتٍ أمام الجميع و لم يرمش له جفن خاصةً بعدما أحدق الجميع النظر فيه، أما «طارق» فصرخ به بحدة حينما سمع ما تفوه به قائلًا:
أنتَ بتقول إيه يا عم؟ اتفاق إيه و طلاق إيه ؟ أنتَ مجنون؟"
كانت الصدمة تعتلي ملامح الجميع حتى هي صمتت و لم تستطع التحدث فقط كل ما خرج منها صمت مع تعرق جبينها، أما «وليد» فالتفت لصديقه بثباتٍ وهو يقول:
لأ مش مجنون أنا راجل و قد كلمتي اللي ادتها لجميلة، كان اتفاقي معاها إنها تتجوزك علشان نحل مشكلة، و المشكلة دي اتحلت خلاص يبقى دلوقتي من حقها تاخد حريتها علشان أعرف أنا أفوق للجاي"
اقترب منه «طارق» يقول منفعلًا بوجعٍ بعدما أمسك مرفقه:
يعني إيه؟ هو أنا حياتي لعبة في ايدك؟ تديني روحي بين ايدي و ترجع تاخدها مني تاني؟ أنتَ عارف أنا اتعذبت قد إيه من غيرها، ليه يا وليد تعمل فيا كدا ؟"
رغم نظرة الشفقة التي ظهرت في عينيه تجاه رفيق دربه، إلا أنه اعاد الثبات من جديد وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا معملتش حاجة فيك يا طارق، أنا كنت بحل موقف بس مش أكتر، دلوقتي أنا مستني ردها علشان تخرج من حياتك زي ما كنت أنا سبب دخولها"
وقفت هي متأهبةً تقول بانفعال ممتزج بنبرةٍ مهتزة من توترها:
و هو أنتَ جاي دلوقتي تقولي لو عاوزة تطلقي؟ مفكرتش قبل ما تتحكم في حياتي فـ حاجة زي دي ؟"
اعتلى ثغره ابتسامة خبيثة وهو يقول ببرود أثار حنقها:
أومال هقولك كدا من قبل ما أجوزك؟ أنا ساعتها قولتلك إن دا وضع مؤقت، يعني مش هيستمر و علشان طارق كمان يعرف يركز في مستقبله و شغله، مش هنفضل متعلقين في النص كدا"
رد عليه «طارق» منفعلًا بضيق:
يابني أنتَ ليه مصمم تعصبني؟ قولتلك مفيش طلاق، هي خلاص بقت معايا مش هسيبها"
رد عليه بنفس النبرة الباردة:
مش بمزاجك، بمزاجها هي علشان الاتفاق كان معاها هي، أنتَ بس استلمت الأمانة مني، علشان كدا عاوزها هي اللي تسمعني قرارها"
وجه الجميع بصرهم نحوها حتى يتبينوا رد فعلها تجاه هذا الحديث الغريب من وجهة نظرهم، فتحدثت «عبلة» بهدوء لكنه امتزج بالخبث قائلة:
ردي علينا يا جميلة، عاوزة إيه؟ موافقة تمشي و تسيبي طارق و تسيبينا ؟"
نظرت هي لها بأعين خاوية و هي تُجيبها بصوتٍ مهتز:
اسيبكم و أروح فين بس؟"
تدخل «وليد» يقول بهدوء:
متقلقيش البيت مليان شقق كتير، لو مش عاوزة تقعدي في شقة مشيرة فيه شقتين فاضيين في الدور الأخير لبنات العيلة، من بكرة واحدة فيهم تتفتح ليكي"
تدخلت «سُهير» تقول بنبرةٍ شبه باكية:
ليه بس يا بني، ما هي معانا في بيتها أهوه، محدش يقدر يزعلها، دا بيتها زيها زي طارق"
تنهد هو بعمقٍ ثم أجابها بضجرٍ:
علشان اتفاقي معاها، أنا وعدتها لما الدنيا تتظبط هضمن حريتها و أنا مبخلفش بوعدي، هي يوم كتب الكتاب قالتلي إنها مش مستعدة تكمل حياتها هنا ولا معانا حتى إنها مش واثقة في طارق علشان تسلمه حياتها..صح يا جميلة ؟"
قال جملته الأخيرة المستفسرة بتريثٍ خبيث يلمع داخل مقلتيه، أما «طارق» فاقترب منها يقف مقابلًا لها يقول منفعلًا:
ردي عــليـه يا جَــميـلة، أنتِ فعلًا كنتي مستنية منه وعد بطلاقك مني؟ عاوزة تمشي من تاني...متسكتيش كدا ردي عليا"
ارتجفت هي من صوته الجهوري الذي صاح به في وجهها مما أدى إلى هطول الدموع على وجنتيها بقوة وهي تقول بصوتٍ مهزوز:
دا...دا كان في الأول.....في الأول بس والله قبل ما أقعد معاكم هنا، لكن خلاص....أنا خدت عليكم....مش عاوزة أمشي"
تدخل «وليد» يقول بحنقٍ:
أنتِ خايفة منه ليه؟ أنا موجود هنا علشان أضمن سلامتك، طارق عمره ما هيقدر يغصبك على حاجة"
ازداد انفعالها من حديثه الغريب الذي أشعل النيران في الأجواء فردت عليه من بين شهقاتها بانفعال هي الأخرى:
أنــا عُــمري مـا أخـاف مـن طـارق، أخــاف مـنه إزاي و أنا بحبه، إزاي أخاف من الحد الوحيد اللي ضحى بعمره كله علشاني، طارق دا الحاجة الصح اللي حصلتلي هــنا، ومش هروح في حتة و أسيبه"
تفوهت هي بحديثها دون إدراك لما تتفوه به، مما أدى إلى ظهور الصدمة على أوجه الجميع حتى «طارق» الذي نظر لها بأعين متسعة حينما سمع منها ما أثلج نيران روحه المشتعلة ببعدها عنه، أما «وليد» ابتسم بخبثٍ ثم قال:
أنا كدا اطمنت، ماشاء الله عاملة زي أمك لازم نشغل مخنا علشان نعرف نسحب منكم الكلام، بتتعبوا اللي خلفونا معاكم ليه"
شهقت هي بقوة حينما أدركت ذلك الفخ الذي وقعت به تزامنًا مع توجيه بصرها نحوه فوجدته يبتسم لها باستفزاز، أما «طارق» كان بصره معلقًا بها لم يستطع تحريكه على غيرها، ودّ في تلك اللحظة احتضانها و سحقها بين ذراعيه لكنه تفاجأ بـ «وليد» حينما وقف أمامه يقول بهدوء خبيث:
إيدك على ٥٠٠ جنيه حق الاعتراف اللي مخلي عينك بتلمع كدا، ماهو أنا مش سايب السطح و مزاجي لله و للوطن"
تبدلت ملامح «طارق» وهو يطالعه بضيق قائلًا:
أنتَ يمين بالله أعصابك دي عاوزة الحرق، علشان تحس بالنار اللي الواحد بيحس بيها، بس علشان اللي أنا سمعته منها دا سماح يا وليد"
أومأ له مؤكدًا باستفزاز ثم سار حتى وقف مقابلًا لها يقول بخبثٍ:
ولما أنتِ بتحبيه كدا ساكتة ليه؟ تاعبة الواد معاكي ليه؟ بس هقول إيه يعني أمك مين ؟"
رفعت رأسها تنظر له بحنقٍ ممتزج بخجلها الطاغي عليها فوجدته يقول بهدوء:
معلش علشان عصبتك من شوية بس بصراحة طارق استحمل كتير و من حقه يطمن إنه مش هيتساب تاني، أظن دي أحن حاجة تحصله بعد عمر كامل ضاع مستنيكي فيه"
تنهدت هي بعمقٍ ثم أومأت له وهي تبتسم بتوتر حينما شعرت بنظرات «طارق» الموجهة صوبها ، فعاد هو يقف بجوار حماهُ ثم مال عليه يقول بهدوء مَرِح:
أي خدمة يا حمايا، أمنت مستقبل ابنك أهوه هو كمان، تحب أنيمهولك بالمرة ولا خلاص كدا ؟"
ربت «محمد» على كتفه بفخرٍ وهو يقول له مُتباهيًا بفعله:
ربنا يباركلنا فيك يا وليد، أنا كنت عارف إن أنتَ اللي هتحل الموقف دا"
ابتسم له باتساع وهو يقول بحماس بعدما شجعه حديث عمه عنه:
حيث كدا بقى عبلة هتيجي معايا بكرة علشان عاوز أجيب حاجات مهمة، و قبل ما تقولي لأ، هنروح مول قريب من هنا هجيب حاجات تبع الشغل"
تدخلت «سهير» تقول له مُرحبةً بفكرته:
و ماله يا حبيبي مش عيب هي مراتك و حقك تخرج معاها، بدل ما هي مقضياها من الكورس للبيت و من البيت للكورس كدا"
رد عليها هو بمرحٍ:
روحي ربنا يجبر بخاطرك يا سهير يا رب، أنا قولت مليش غيرك"
تدخل «طارق» يقول بهدوء بعدما أبعد نظره عن تلك التي أسرت قلبه:
بس عبلة المفروض بكرة تروح مع سلمى و خلود علشان يحجزوا الدروس، سلمى المفروض تبدأ من اسبوع"
رد عليه «وليد» مُعقبًا بحنقٍ:
هو أنتَ طالعلي زي أبوك تنكدوا عليا و خلاص ؟ أنتَ المفروض تبوس راسي و تقولي يا عم وليد، بس أنتَ قليل الأصل"
رد عليه «طارق» بانفعال جلي:
قليل الأصل مين يا مهزق؟ أنا معنديش مانع تخرجوا سوا، بس سلمى عاوزاها معاها يحجزوا الدروس، أعمل إيه ؟"
تدخلت «عبلة» تقول بحماس وهي مبتسمة:
بصراحة أنا عاوزة أروح مع وليد علشان ميروحش لوحده، سلمى و خلود ممكن أحمد يوصلهم، إيه رأيك؟"
رد عليها «محمد» متدخلًا بحنقٍ:
أحمد و سلمى مع بعض إزاي يعني؟ أنتِ اتجننتي ولا إيه"
نظرت هي له بخبثٍ وهي تقول:
طب ما هو طول عمره بيروح يوصلهم الدروس سواء دي أو دي، اشمعنا دلوقتي يعني ولا هو علشان طلبها ؟"
رد عليها «طارق» بنبرةٍ جامدة:
أيوا علشان طلبها، دي واحدة ثانوية عامة و بعدين ازاي تروح معاه كدا من غير حد معاهم"
تدخل «وليد» يقول ببروده المعتاد:
خلصتوا رغي؟ أحمد بكرة هياخد سلمى و خلود يحجز الدروس هو شاب ويقدر يتكلم مع الشباب في السناتر، عبلة هتيجي معايا بكرة علشان مشواري ضروري أروحه، لو حضرتك معترض أوي يبقى تروح أنتَ معاهم علشان أنا مش فاضي"
رد عليه «طارق» بحنقٍ:
أنتَ متخلف ؟ أنا بكرة لازم أروح الشركة علشان حسن و وئام مش هيعرفوا يروحوا، و حضرتك نازل بكرة، يعني أنا هكون هناك طول اليوم فيه تصميمات هسلمها و أكلم المطبعة تخلص الحاجات اللي أجلناها"
رد عليه ببساطة:
يبقى مفيش غير أحمد هو اللي يروح، و على فكرة أحمد مش ملاوع و لا صايع، هو محترم و اللي ميرضهوش على أخته ميرضهوش على سلمى، بالعكس هيحس أنكم واثقين فيه و هيتشجع علشان يثبت نفسه ليكم"
تدخلت «سهير» تقول بحماس شديد بعدما أمعنت التفكير في حديثه:
صح يا وليد، هو بصراحة من ساعة ما طلبها و احنا قولناله مش وقته وهو محترم كلامنا، يبقى أقل حاجة نخليه يحس أننا واثقين فيه"
تدخل «محمد» يقول بقلة حيلة:
خلاص ماشي، بس دي أول و أخر مرة تحصل، أنا علشان هو محترم كلمتي بس دا غير إن طه مربيه مش زي واحد صاحبنا كسل"
قال جملته الأخيرة بتلميح مُبطن التقطه «وليد» على الفور فـ رد عليه باستفزاز كعادته:
لما تلقح عليا قول اسمي ثُلاثي يا عمي علشان بفرح أوي، و بعدين لو أنا بقيت متربي مين اللي هيتصرف، إبنك الخايب
دا؟ ولا أخويا اللي متربي مرتين"
تدخل «طارق» يقول مُشجعًا له:
بس جدع علشان بتستغل قلة أدبك فـ الخير، أوعدك أني هاخد كورس في قلة الرباية عندك"
ابتسم له «وليد» ثم قال بهدوء:
طب اطلع اتخمد أنا بقى علشان عضمي وجعني من السطح، أخيرًا هنام في أوضتي"
ردت عليه «عبلة» بلهفة:
الف سلامة عليك لو تحب تاخد كريم للضهر، عندنا بتاع بابا حلو أوي، هيريحك"
ابتسم هو لها ثم قال بخبثٍ:
مع احترامي لكل المراهم و الأدوية بس أنا مفيش حاجة هتريحني غير وجودك"
غمز لها بطرف عينه بعد جملته تلك مما جعلها تخفض رأسها في الأرض في خجلٍ منه، أما والدها قطع تواصلهم بقوله:
اطلع نام يالا بدل نا أنيمك علطول أنا، قلة أدب"
رد عليه بسخرية:
شوف اللي كان بيحب فيا من شوية فوق السطح، صحيح عيلة قليلة الأصل كلها، أقولك على حاجة و أبويا معاكم"
قال جملته ثم توجه نحو باب الشقة يخرج منها و الجميع ينظر في أثره باندهاش، فالتفت «محمد» يسأل ابنته بوجهٍ ممتعض:
بتحبي فيه إيه البارد ابن البارد دا ؟ عجبك فيه إيه"
ردت عليه هي بهدوء ممتزج الحب:
وليد دا كل حاجة فيه تتحب، أصلًا، حرام عليا لو محبتوش علشان وليد نعمة في حياة أي حد، يبقى ازاي بقى محبوش؟"
ابتسم لها «محمد» هو الأخر ثم قال بمرحٍ:
المصيبة أني بحبه، غصب عني بحب ارخم عليه علشان بحب أشوفه و هو بيقل أدبه"
ضحك الجميع عليه و على مشاكستهما لبعضهما سويًا.
_______________
في شقة «خديجة» شهقت هي بقوة بعدما تفوهت بجملتها العفوية تلك، أما هو ابتسم لها بخبثٍ ثم قال بهدوء:
بس كدا ؟! غالي و الطلب رخيص يا خديجة، أؤمري"
ابتعدت هي عنه بجزعها العلوي للخلف وهي تقول باحراج:
اقعد بس والله العظيم دي ذلة لسان مش قصدي، استهدى بالله و بطل قلة أدب"
رفع حاجبه ينظر لها مُتعجبًا:
بقى أنا برضه اللي قليل الأدب يا ولية يا مفترية؟ أنا اللي قولت هاتي بوسة؟ مش عيب ترمي بلاكي على الناس المحترمة كدا"
أومأت له بقوة وهي تقول بخجلٍ:
والله أنا اللي متربتش علشان قولت كدا، ريح نفسك يا غالي يا ابن الغاليين"
ابتسم هو بهدوء ثم اعتدل في جلسته من جديد على المقعد أما هي تنهدت بأريحية ثم اعتدلت في جلستها، مرت ثوانٍ عليهما في صمتٍ قطعتها هي بقولها المتردد:
ياسين ممكن أسألك سؤال؟"
أصدر صوتًا من حنجرته يدل على موافقته، فقالت هي مستفسرة:
هو وليد و هو معاكم عند ميمي كان فرحان و بيتكلم عادي؟ يعني وثق فـ صحابك ؟!"
قطب جبينه يسألها بتعجبٍ:
آه عادي...بس بتسألي ليه يعني"
ردت عليه هي ببساطة:
علشان وليد طول عمره بيخاف من الصحاب، و عاش عمره كله معندوش صحاب خالص علشان أنا كمان مكانش عندي صحاب، و لما دخل الجامعة و قرر يصاحب ناس ضحكوا عليه و خلوه يأدمن، علشان كدا مستغربة إنه وثق فيهم عادي"
أومأ لها متفهمًا حديثها ثم أضاف في هدوء:
علشان هو عارفهم يا خديجة، عارف إنه لو احتاجهم هيلاقيهم في أي وقت، و هما كمان جدعان و مش بيبخلوا على حد بمساعدة، فأكيد كان هيثق فيهم"
ردت عليه هي بتوتر:
أنتَ مش فاهمني، وليد طول عمره مش بيثق في حد غير نفسه و ناس قليلة أوي، يعني ثقته فيك و إنه يسلمني ليك دي معجزة، و برضه ثقته في حسن دي علشان حسن متربي معانا في البيت من ساعة ما كانوا ساكنين في شارعنا زمان"
اندهش هو مما تفوهت به فسألها بنبرةٍ حائرة:
هو حسن كان ساكن جنبكم ؟ أنا فاكره صاحب الشباب و هما كبار يعني في جامعة مثلًا"
ردت عليه هي تنفي حديثه الأخير:
حسن طول عمره متربي مع وئام و طارق هما التلاتة قد بعض، بس مامته توفت و هو عيل صغير و أخته كانت مخطوبة علشان كدا باعت الشقة بتاعتهم و خدتوا و مشيت، بس هو مقدرش يعيش معاها رغم انها مرتبطة بيه هي و جوزها أوي، بس هو كان حاسس باليُتم علشان كدا كان بيجي يبات مع وئام في شقته، و بعدين خد ورثه من فلوس مامته و جاب شقة و اشتغل معاهم، و اتجوز بس للاسف مراته توفت بعد شهور من جوازهم"
اندهش هو مما وقع على مسامعه فسألها بنبرةٍ مهتزة إثر اندهاشه:
أنا أول مرة أعرف كل دا، بس تصدقي صعب عليا والله، احساس الوحدة دا بشع، يعني أهله و بعدين مراته، أكيد تعب في حياته أوي"
أومأت له مؤكدة ثم أضافت بحزن:
دا غير حماته ربنا يسامحها رفعت عليه قضية و طلعت عينه سنة و نص، بس عمو مرتضى وقف معاه قصادها و خلص الموضوع، هو علطول بيعتبره زي وئام و وليد"
ابتسم هو لها ثم أضاف مؤكدًا:
واضح إن عم مرتضى بيحبه، و واضح كمان إن حسن هو اللي هيساعد هدير، دلوقتي عرفت دماغ وليد فكرت إزاي"
سألته هي بنبرةٍ حائرة:
ازاي يعني؟ قصدك إيه ؟"
أجابها هو بتفكير عميق:
وليد عنده دايمًا اقتناع إن فاقد الشيء هو أحق من يعطيه، يعني اللي داق التعب هو أكتر واحد عارف اللي بيتعب زيه حاسس بإيه، حسن داق مرارة الفقد كذا مرة، في أهله و بعدها مراته، يعتبر معظم حياته وحيد، علشان كدا هو أكتر واحد هيقدر مشاعر هدير و هيقدر يديها اللي مخدهوش في حزنه، هدير مش بس هتتعافى بوجود حسن، لأ دي كمان هتحب حياتها معاه، دماغ وليد دا برضه"
ابتسمت هي له ثم أضافت:
وليد طول عمره فاهم كل حاجة حواليه، يعني عارف اللي قدامه بيفكر ازاي علشان كدا تلاقي الكل بيسمع كلامه، هو كدا من يومنا علشان كدا عاوزة أطلب"
أومأ لها موافقًا وهو يقول بنبرة عادية:
أطلبي، عاوزة إيه"
ردت عليه هي بخجلٍ و بنبرةٍ مهتزة:
بص لو مش هينفع قول مش هينفع مش هزعل خالص والله، على الأقل علشان هو ميتعشمش، بس والله هو طيب و يستاهل فعلًا"
زادت دهشته من حديثها المتوتر ذاك، فسألها هو بنبرةٍ قوية حتى تُجيبه بهدوء:
ها يا خديجة عاوزة إيه؟ و مين دا أصلًا اللي بتتكلمي عنه، خلصي"
زفرت هي بقوة ثم قالت بسرعة كبيرة نتيجة إحراجها منه:
عاوزاك تخلي وليد صاحبكم أنتَ و الشباب، هو طول عمره كان نفسه يكون عنده صحاب بس هو بيخاف منهم علشان كدا بيكون لوحده، ينفع تخلوه معاكم و تحسسوه إنكو محتاجينه معاكم؟"
ابتسم هو لها باتساع ثم تحولت تلك البسمة إلى ضحكة رويدًا رويدًا وهي تنظر له باندهاش من رد فعله الغير متوقع، و حينما لاحظ هو نظرتها أوقف الضحكات ثم رد عليها بهدوء لكنه أمتزج بضحكاته:
و هو دا يخليكي تتوتري كدا و تخافي مني؟ أنتِ عبيطة يا ست الكل ؟ ما تقولي كدا من غير كسوف ولا حتى تحسي إنك بتتقلي عليا"
سألته هي بحماس شديد ممتزج بالدهشة من حديثه:
يعني أنتَ موافق و مش معترض إنه يكون معاكم؟ و صحابك كمان هيقبلوه؟"
ضحك هو بخفة عليها ثم أضاف مؤكدًا حديثها:
من غير ما تقولي هما حبوه أوي وميمي كمان، و بعدين أي حد يتشرف إن وليد يكون موجود في حياته، بس كويس إنك لفتي نظري لحاجة زي ديه، أنا لما أجي أروح معاهم عندها هاخده معايا"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بحبٍ له نتيجة امتنانها:
والله العظيم أنتَ رجولة و جدع يا ياسين، ربنا يجبر بخاطرك زي ما أنتَ جابر بخاطر الغلابة اللي زيي كدا يا رب"
رد عليها هو بسخرية من طريقتها:
جرى إيه يا خديجة أنتِ هتشحتي عليا ولا إيه؟ و بعدين قولتلك إن كدا كدا وليد تبعي"
ابتسمت هي له و لم ترد عليه فوجدته يقول بهدوء خبيث:
كان فيه مشروع بوسة يا خديجة أخبارها إيه؟"
نظرت هي له ثم انفجرت في الضحك على طريقته فوجدته يضحك هو الآخر معها.
_____________
في شقة «محمود» تكورت «هدير» على الفراش في وضع يشبه وضع الجنين، كانت تأنٍ في صمت لم يخرج منها صوتًا على عكس روحها المشتعلة التي تصرخ قهرًا لما آلت إليه، فقدت أعز الناس على قلبها، و فقدت صوتها، كانت على وشك التعرض للاستغلال من قِبل شخصية مُستغلة حقيرة، كتب على شخصًا آخر تحمل مسئوليتها لا دخل له، حتى الصراخ لم تقوى عليه، هي فقط تصرخ من الداخل عما يعتل به صدرها، فـ آهٍ لو تستطع البوح ما يموج بأحشائها، هكذا كانت تفكر وهي تنظر في اللاشيء أمامها ثم نزلت ببصرها نحو الصورة الموضوعة بجانبها على الفراش لوالدتها، مدت يدها تحتضن الصورة تود البكاء و لم تقوى عليه، فقط اذدردت لُعابها حينما شعرت بتلك الغصة القوية التي علقت في حلقها.
في الغرفة المجاورة لها كانت «هدى» تبكي بقوة على الفراش وهي جالسة على طرفه، كلما تذكرت أحداث اليوم و ما مروا به معًا، شقيقتها فقدت صوتها و فقدت روحها، أصبحت مثل الجسد الخالي بلا روح، تزوجت في نفس أسبوع وفاة والدتها حتى تتم حمايتها من الاستغلال، والدها أصبح منسكرًا بعد وفاة زوجته، هي ستصبح أمًا دون رؤية والدتها لحفيدها، دخل «وئام» الغرفة بهدوء، و حينما رآى وضعها ذلك، تنهد بقلة حيلة، ثم اقترب منها يجلس على ركبتيه أمامها يقول بهدوء:
أنا عارفة إن اللي بيحصل دا كتير على أي حد يستحمله، و عارف إن عقلك لحد دلوقتي مش قادر يتحمل كم الصدمات دي، بس يا هدى كدا كتير على نفسك، أرضي بقضاء ربنا علشان ربنا يخفف عنك همك"
رفعت رأسها تطالعه بحزن وهي تقول ببكاء:
و الله مش قادرة، كل حاجة حواليا مش مسعداني، سكوت هدير قاتلني، و كسرة بابا وجعاني، حتى اللي حصل النهاردة دا حصل لما ماما ماتت يا وئام.....احنا كنا هنتعرض للاستغلال في أول اسبوع لوفاة ماما.....صعب والله عليا"
أمسك هو كفها بين كفيه وهو يقول مؤازرًا لها في محنتها تلك:
صدقيني كل دا خير والله حتى لو بنتوجع منه، شوفي النص الكويس من كل دا، مامتك ربنا رحمها من الآلم و الوجع و هتاخد أجر على ألمها دا، ربنا رحمها من التعب اللي كانت فيه و دلوقتي فـ مكان أحسن من الدنيا دي، و هدير يمكن لو كانت بتصرخ و بتعيط كانت حصلتلها صدمة قلبت بهيسترية، و والدك شوية و هيرجع تاني أحسن من الأول لما يفوق من صدمته، و حسن بقى جوز هدير خلاص، يعني محدش يقدر يقرب بس منها، و بكرة هو و وليد الصبح هيروحوا يسألوا الدكتورة عن حالتها علشان تتعالج، و الله كل الأقدار جميلة بس احنا نقبل بيها علشان ربنا يكرمنا"
هدأت هي بعد حديثه المقنع لها ثم مدت كفها تمسح دموعها تزامنًا مع تنفسها بعمقٍ، بعدها نظرت له بهدوء وهي تقول بامتنان:
مش عارفة أقولك إيه والله، شكرًا لوجودك و لكلامك و لحنيتك عليا، بقالي فترة مغلباك معايا يا وئام....و أنتَ راضي و مستحمل علشاني، ربنا يخليك ليا"
ابتسم هو لها بهدوء ثم ربت على كفها وهو يقول بحنانه المعتاد:
أنا راضي بِـغُلبي علشان معاكي يا هدى، كفاية إنك موجودة و شايلة جواكي حتة مني، خلي بالك منه و من نفسك، علشان أنا مليش غيركم"
بعد حديثه لها سحبت كفها من بين كفيه بهدوء تتلمس بطنها بحنان فابتسم هو لها ثم أضاف مُطئنًا لها:
كل حاجة هتبقى زي الفل، قولي يا رب و ثقي في كرمه و أرضي بقضاءه و حكمته"
أومأت له ثم قالت بنبرةٍ مهتزة:
الحمد لله على كل حال، راضية والله حتى لو قلبي حزين"
اعتدل هو في وقفته ثم رفع قدميها على الفراش بهدوء ثم التفت للجهة الأخرى ينام بجوارها ثم اقترب منها يأخذها بين ذراعيه بهدوء، أما هي فاستسلمت لنومها بمجرد اقترابها منه فتنهد هو بحزن ثم ربت على ظهرها.
_________________
في غرفة «طارق» و بعد انسحاب الجميع إلى النوم، اقترب منها هو حينما أنهت صلاتها ثم جلس خلفها يقول بنبرةٍ مرحة:
هو كان لازم يعني وليد يتدخل علشان تطفي ناري يا جميلة؟ كلمة زي دي كانت عاوزة كل المجهود دا علشان أسمعها؟"
أغلقت جفونها بشدة وهي تضغط عليهما حتى تُحد من خجلها فوجدته يلتفت يجلس مقابلًا لها والتسلية تقفز من عينيه قائلًا بهدوء:
بصيلي يا جميلة و افتحي عيونك، مش عاوزك تتكسفي مني"
رفعت رأسها بخجل تنظر له وهي تفتح جفونها رويدًا رويدًا تطالعه بخجلٍ فوجدته يقول بمرحٍ:
أنا مش عاوزك تتكسفي مني يا جميلة، أنا بس عاوزك تعرفي أني جوزك قدام ربنا و قدام الناس، أنا طارق اللي ملوش غيرك ولا ينفعه غير عيونك"
ردت عليه هي بهدوء بعد حديثه الجميل المُحبب لقلبها:
عارفة يا طارق، و عارفة كمان أني مليش غيرك، بس صدقني أنا كنت واخدة على راسي من صدمتي فـ أهلي، كل حاجة حواليا كانت كدب، يعني أني أثق في حد تاني كان صعب عليا، بس لما قعدت معاك عرفت إنك أحن مني على قلبي، كنت بسمعك بتصلي بليل و تدعيلي ربنا يفرحني، أكيد مش هلاقي أحن من كدا، فكرة إنك ترفع إيدك و تذكرني قدام ربنا دي حاجة عظيمة يا طارق، و على رأي عبلة لما قالت يبقى حرام عليا لو محبتكش"
تنهد هو بأريحية ثم اقترب منها يقبل رأسها ثم ابتعدت عنها يقول بحب و هو يطالعها بعينيه:
ربنا يباركلي فيكي يا جميلة، و يقدرني و أسعدك و أعوضك عن أي يوم وحش عشتيه من غيري"
ابتسمت له باتساع وهي ترد عليه بهدوء:
أنا ربنا جبر خاطري بيك يا طارق، و عارفة و متأكدة إنك مش هتسبني لـ زعلي"
عقب على حديثها بسرعة كبيرة:
أنا مش هسيب زعل في حياتك أصلًا، أنتِ تستاهلي كل الخير يا جميلة، عيونك دي متستاهلش غير دموع الفرح بس".
________________
في صباح اليوم التالي وقفت «خديجة» في مطبخها تعد الإفطار له قبل ذهابه للعمل، أما هو خرج بعدما ارتدى ملابسه ثم توجه لها يقول بهدوء:
صباح الخير يا يا وش الخير"
التفتت له هي وهي مبتسمة بحب ثم قالت بهدوء:
صباح النور يا ياسين، اقعد الفطار خلص خلاص"
أومأ لها ثم جلس على المقعد الخشبي الموضوع بجانب الطاولة أما هي وضعت الفطار أمامه ثم جلست بجانبه بهدوء و البسمة العذبة تزين ثغرها، نظر هو لها بتشككٍ ثم نظر للطعام وهو يقول بقلقٍ زائف:
أنتِ بتضحكي كدا ليه؟ أوعي تكوني حاطة سم في الأكل يا خديجة، دا احنا لسه بنقول يا هادي"
شهقت هي بقوة ثم تبعت شهقتها بقولها المندهش:
يا نهارك مش فايت يا ياسين، سم إيه يا أهبل أنتَ ؟! هسمك ليه هو أنتَ فار ؟"
رد عليها هو ببساطة:
قولت يمكن اتخنقتي مني ولا حاجة، قولتي أخلص منه"
تنهدت هي بعمقٍ ثم تمتمت بخفوت:
اللهم طولك يا روح، الصبر من عندك يا رب"
كان يطالعها هو بخبثٍ ثم تحول إلى الضحك وهو يقول:
طب يلا كُلي معايا"
ردت عليه هي بسخرية:
ليه عاوز تتأكد إن الأكل مش مسموم؟ و لا بتجرب فيا ؟"
ابتسم هو بهدوء ثم قالت مردفًا:
يا ستي بهزر معاكي بطلي رخامة بقى، كلي يلا علشان متأخرش"
أومأت له ثم شرعت في تناول طعامها وهو أيضًا و أثناء طعامهما تحدث هو يقول بهدوء:
أنا هروح عند ميمي بليل هنتقابل هناك و نرجع سوا أنا و الشباب"
ردت عليه هي بسرعة:
أنا كنت عاوزة أقولك إن إيمان قالتلي إنها عاوزانا النهاردة نروح عندها علشان هي و ياسر متخانقين سوا"
ضحك هو بخفة ثم أضاف ساخرًا:
و هي من إمتى مش متخانقة معاه، هو من امبارح بايت في المستشفى و هيكمل لحد النهاردة، خليها لحد ما خالد بنفسه يجوزه عليها"
ردت عليه هي مغيرة مجرى الحديث:
طب ركز معايا أنا بس، تاكل إيه النهاردة ؟ علشان هعيط من الحيرة"
رد عليها هو بحنقٍ:
أنا مبكرهش فـ حياتي غير السؤال دا، أعملي أي أكل من غير كلام، أي حاجة منك هاكلها"
ردت عليه هي بضيق:
يعني إيه أي حاجة دي؟ أنطق يا بني تاكل إيه بقى متتعبنيش"
وقف هو ثم قال بهدوء:
أعمليلنا حاجة حلوة زيك كدا على زوقك تمام؟ أي حاجة منك هتبقى حلوه و زي العسل، كفاية إن الحلويات هي اللي هتطبخ بنفسها"
ابتسمت هي بهدوء وهي تسأله مستفسرة بخبثٍ:
و هو أنا بقى الحلويات اللي هتطبخ بنفسها؟"
مال بجزعه على الطاولة يستند بكفيه وهو يقول بهدوء خبيث:
ربنا يعلم إن الواحد كان سكة الحلويات تايب...بس بعد ما شاف عيونك الحلوين بقى فيهم دايب"
نظرت هي له بحبٍ و هي تحاول كتم ضحكتها فوجدته يغمز لها وهو يقول بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
قهقهت بعد تلك الجملة بشدة فوجدته يعتدل في وقفته و هو يقول بهدوء:
طب كدا تمام ننزل بقى نلحق شغلنا، و آه أي أكل هاكله متشغليش بالك"
أومأت له بهدوء بعدما ابتسمت له، أما هو بادلها البسمة بمثيلتها ثم تركها و ذهب من أمامها تاركًا إياها تنظر في أثره بحب.
_______________
أسفل عيادة الطبيبة النفسية توقفت سيارة «وليد» ينتظر مجئ «حسن» و بعد مرور دقائق وصلت السيارة تقف خلف سيارته، فـ نزل هو من السيارة تزامنًا مع نزول الآخر من سيارته، و حينما تقاربت المسافة بينهما سأله «حسن» بتعجبٍ:
خير يا وليد ؟! و إيه العنوان الغريب دا و جايين هنا ليه؟"
رد عليه الأخر بضجرٍ:
اهدا و خد نفسك يا حبيبي، دي عيادة دكتورة نفسية هنستشيرها في حالة هدير، خاصةً إن هدير مش هتقدر تتكلم"
سأله هو بلهفة:
طب ليه منجبش هدير نفسها ليها، حتى هي تطمن عليها بنفسها"
رد عليه «وليد» مُردفًا بحكمة حتى يشرح له الوضع:
لأ طبعًا هدير مش هتقدر تيجي لدكتورة نفسية في حالتها دي، وضعها صعب و هتفضل تفكر في مليون فكرة كلهم أوحش من بعض، احنا بس هنسأل الدكتورة و هي تجاوبنا"
أومأ له «حسن» مؤكدًا ثم تنهد بعمقٍ عله يخرج من اضطرابات قلقة التي تعصف به و بذهنه، أما «وليد» فالتفت يسبقه بعدما أمعن النظر في وجهه و في نظرته القلقة، و بعد مرور دقائق وصلا سويًا إلى مكتب استقبال العيادة و بعد أخذ الأذن من الطبيبة في الدخول، دلفا معًا لها، رحبت بهما «هناء» وهي تقول:
نورتوا المكان، دا مينمنعش أني قلقانة شوية من المقابلة بس خير إن شاء الله"
ابتسم لها «وليد» ثم قال باحراج:
بصراحة والله أنا مُحرج من حضرتك، جيت مرة مع ياسين علشان خديجة، و مرة تانية مع حسن علشان هدير بنت عمي"
ابتسمت هي بودٍ له ثم أضافت تنفي حديثه و تزيل احراجه:
متقولش كدا يا وليد، أنا تحت أمركم، بس قولي هدير إيه أخبارها لسه زي ما قولتلي؟"
أومأ لها مؤكدًا ثم أضاف بحزن:
لسه للأسف، دي كمان اتكتب كتابها و برضه مصدرش منها أي رد فعل، هدير مسالمة أوي و دا مش طبعها، سكوتها تاعبنا كلنا"
تدخل «حسن» يقول هو الأخر:
مش بس سكوتها، شكلها و كل حاجة مزعلانا كلنا، أنا عارفها من صغرنا، هدير عمرها ما كانت كدا"
أومأت هي لهما في تفهم ثم تحدثت مُردفةً:
اللي هدير فيه دا حالة اضطراب نفسي نتيجة الصدمة، اسمه اضطراب ما بعد الصدمة، بيكون ليه أشكال كتير جدًا، بتصيب الإنسان بعد تعرضه لصدمة شديدة، اللي بيحصل إن الجسم من المفاجأة بيحصله خلل في بعض الحواس و ساعات الاعضاء، يعني فيه ناس بتفقد حاسة معينة و فيه ناس بتفقد وظيفة عضو لفترة مؤقتة، زي الدخول في غيبوبة نتيجة إن العقل مش متحمل كل الصدمات دي، و فيه ناس بيحصلها جلطات، عند هدير بقى فقدت النطق، و للأسف وضعها النفسي نتيجة فقدانه هيكون صعب جدًا"
نظر لها كلاهما بـ حيرة ممتزجة بحزن يطل من أعينهما، فاسترسلت هي حديثها من جديد:
أنا هفهمكم، ربنا سبحانه و تعالى خلق السمع و الكلام مرتبطين مع بعض، بمعنى إن لما حد يتولد أبكم بيكون أصم كمان، لأن أصعب احساس على الإنسان هو إنه يكون بيسمع و مش قادر يرد على اللي حواليه، احساس زي الغرق بالظبط، و من كرم ربنا و رحمته بعباده اللي بيتولد من غير حاسة النطق يفقد معاه السمع، فبالتالي بيبقى الوضع طبيعي عليه من غير ما يحس إنه متكتف، عند هدير الوضع صعب علشان هي سامعة كل حاجة و مدركة لكل حرف بيتنطق حواليها، بتبقى عاوزة ترد و عاوزة تصرخ بس مش قادرة، هي من جوة بتصرخ و بتتكلم و بتعيط، بس عدم قدرتها على الكلام و لا العياط دا صعب عليها تتحمله لأ دا كله مسبب ليها انهيار داخلي، علشان كدا لازم كل حاجة مرتبطة بواقعة الوفاة تتغير، حتى المكان نفسه"
سألها «حسن» متلهفًا:
ازاي ؟ و إيه اللي المفروض يتعمل علشان تقدر تتجاوز كل دا ؟"
ردت عليه هي بهدوء:
هدير طول ما هي في نفس المكان اللي حصلها فيه الصدمة هتفضل تفتكر الموقف باستمرار، مش بس كدا، لأ دي كمان هتتأذي أكتر مع احساسها إنها فقدت صوتها، هدير حاليًا بيسموها بالعربي كدا لسانها ممسوك"
سألها «وليد» بتفكير:
طب وهو اللسان بيتفك إزاي لوحده، أقصد يعني من غير تدخل جراحي بيرجع تاني ؟"
أومأت له ثم أضافت على حديثه معقبة:
دا بيكون مرتبط بالحالة النفسية يا وليد، يعني التدخل الجراحي ملوش أي لازمة لأن العامل هنا نفسي مش عضوي، مع الممارسة و الدعم و التعود على عادات جديدة، هتتكلم واحدة واحدة، الموضع بياخد من أسابيع لشهور"
سألها «حسن» بهدوء:
طب و هو أنا لو خدتها بيتي بحيث انها تغير المكان اللي كان فيه الوفاة، و أبدأ اتعامل معاها أنا عادي ؟ أقصد يعني الكلام و الطريقة أنا ممكن اتعامل معاها بالكتابة أو بالشات حتى"
ابتسمت هي له بهدوء ثم أضافت:
دا شيء عظيم جدًا، هدير حاليًا لو اختلطت وسط ناس بتتكلم كتير هيحصلها حاجة من الاتنين يا تحاول تتكلم زيهم و دا ممكن ينجح فعلًا، يا تتعب نفسيًا أكتر لأنها مش قادرة تمارس أبسط حقوقها و هي الكلام زي البشر"
تدخل «وليد» يسألها بتريثٍ:
يعني حل حسن هو دا الأنسب؟ بما أني عارف هدير و شخصيتها هي مش من النوع اللي ممكن يتشجع إنه يتكلم، دي ممكن تحزن أكتر على نفسها"
أكدت هي حديثه بقولها:
بالظبط يا وليد، هدير شخصيتها قوية و ممكن محاولتها تكون بنتيجة عكسية، لو أستاذ حسن عنده علم بالطريقة اللي المفروض بتعامل بيها معاها و يقدر فعلًا على تقديم الدعم النفسي ليها يبقى دا أفضل بكتير"
أومأ لها كلاهما مؤكدًا، بينما هي أخرجت ورقة تشبه الإرشادات الطبية في كيفية التعامل مع الحالة النفسية و كلاهما يومأ لها بقوة حتى يؤكدا لها استيعابهما لما تتفوه به.
_______________
أسفل بيت آلـ «الرشيد» توقفت سيارتي كلًا من «حسن» و «وليد»، وقفا سويًا أمام البيت، فقال «وليد» له بهدوء:
أنا هقنع عمي محمود بموضوع إنك تاخدها الليلة دي، و أنتَ تتكلم معاها بالهدوء و أنا معاك برضه، بس عاوزك أنتَ اللي تتكلم معاها"
سأله «حسن» بهدوء:
طب ليه، على ما أظن إنها ممكن تقلق مني"
حرك رأسه نفيًا بقوة وهو يقول نافيًا حديثه:
بالعكس، أنا عاوزك تكلمها أنتَ علشان تطمن ليك، هدير ممكن تفتكر نفسها مفروضة عليك، لكن مع كلامك أنتَ هي هتطمن"
سأله «حسن» بهدوء سؤال غير متوقع أثار دهشته:
هو أنتَ ليه بتعمل كدا علشانها يا وليد، أنا عارف إن العلاقة بينكم كانت صعبة و أنتَ بنفسك كنت كتير بتضايق منها، إيه اللي حصل"
رغم دهشته الجلية بوضوح على وجهه، إلا أنه آثر إخفاؤها حينما تفوه مُردفًا:
علشان هدير ضحية يا حسن، هدير دلوقتي طير مكسور الجناح، كل حاجة وحشة عملتها اتقلبت عليها، لسانها و اتمسك، و ماماتها اللي كانت سبب تربيتها راحت منها رغم ارتباطهم ببعض، واحدة بعد ما كان معاها كل حاجة، بقت من غير أي حاجة، في النهاية هي بنت عمي و أختي يعني لحمي برضه، لو موقفتش مع بنت عمي في محنتها هقف معاها إمتى يا حسن"
وضع «حسن» ذراعه عليه وهو يقول بفخرٍ:
أنتَ ابن حلال ياض، علشان كدا ربنا هيكرمك و يفتحها في وشك من وسع، و هتقول حسن قالها"
رد عليه هو بهدوء:
و لو متفتحتش يا حسن، أنا مبسوط كدا الحمد لله، كل حاجة عندي غيري يتمنى ربعها، يبقى اللي أنا فيه دا فضل و نعمة"
أومأ له مؤكدًا و بعد قليل كانا يقفا على اعتاب شقة «محمود»، طرقه «وليد»، ففتح «وئام» بعدما علم مُسبقًا بمجيئهما، دخلا معًا حتى قابلا «محمود» الذي جلس بهدوء يقول مرحبًا بهدوء:
أهلًا يا حسن يا بني، أخبارك إيه يا حبيبي ؟"
رد عليه هو باحراج، فهذه تعد أول مواجهة بينهما منذ بداية اقتران حياته بحياتها قائلًا:
أنا بخير يا عم محمود، كويس طول ما انتو بخير"
رد عليه بامتنان تقديرًا لموقفه تجاه ابنته:
ربنا يكرم أصلك يا حسن، أنتَ راجل و موقفك مع بنتي ساعة راشد عمري ما هنساه، لولا وجودك كان زمانه بيحوم حواليها"
رد عليه نافيًا حديثه حتى يرفع عنه الحرج:
متقولش كدا يا عمي، أنا عيني ليكم، و بعدين هدير بقت مراتي يعني أنا فـ مقام ابنك بالظبط، أو اعتبرني زي وئام"
عقب هو على حديثه قائلًا:
ربنا يعلم إني بعزك من صغرك يا حسن، طول عمرك معانا، متقلش حب عن شباب العيلة كلهم، أنتَ زيك زيهم يا حسن"
أومأ له «حسن» بهدوء ثم نظر في وجه «وليد» حتى يبدأ مع عمه الحديث عن ذهابها معه إلى بيته من الليلة، فأشار له هو بالهدوء ثم قال مُتريثًا:
معلش يا عمي أنا بستأذن حضرتك علشان هدير تروح بيت جوزها النهاردة"
رد عليه «محمود» بانفعال جلي:
أنتَ بتقول إيه يا وليد؟ إزاي يعني في حالتها دي؟ هدير مش هينفع تخرج من هنا و هي تعبانة كدا"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ قوية:
أومال أنا مجوزها لحسن ليه؟ علشان حسن يقدر يخليها ترجع تاني زي الأول، هدير لو فضلت هنا هتعيش عمرها كله ساكتة و مش هتقدر تتخطى موت أمها"
حينما احتد النقاش إلى تلك الدرجة، تدخل «وئام» يقول بنبرة هادئة حتى يقلل حدة الأجواء:
يا عمي كل الموضوع إن هدير وضعها النفسي صعب، طول ما هي هنا هتفضل حابسة نفسها في أوضة مرات عمي الله يرحمها، وجود حسن معاها هيغير الدنيا كتير، صدقني دا علشانها هي"
رد عليه هو بأسى:
يا بني أنا كل اللي عاوزه إنها تتكلم أو حتى تعيط، سكاتها كدا غلط و بيحرق في قلبي و بيقطع روحي"
رد عليه «وليد» بهدوء بعدما ادرك مشاعر عمه الحزينة:
يا عمي أنا مقدر مشاعرك، بس صدقني هدير لازم تخرج من الشقة دي و البيت كله كمان"
رد عليه بنبرةٍ متشوشة:
طب... طب لو هي موافقتش يا وليد؟ هتعمل إيه"
رد عليه «وليد» مُردفًا بثبات:
متخافش وافق أنتَ و أنا هقنعها، متشيلش همها يا عمي"
أومأ له موافقًا بقلة حيلة، فقال «وئام» بعدما هب واقفًا:
أنا هدخل أجيبها علشان حسن يتكلم معاها، و هفهم هدى كمان تكلمها و تفهمها"
أومأ له الجميع فدخل هو غرفتها بعدما طرق الباب و وصله السماح بالدلوف، دلف هو بهدوء فوجدها بجانب زوجته على الفراش كعادتها صامتة، بينما زوجته سألته بنبرةٍ منهكة:
مين جه برة يا وئام"
جلس هو مقابلًا لهن على الفراش وهو يقول بهدوء:
دا وليد و معاه حسن جوز هدير"
سارت قشعريرة في جسدها عند سماعها كلمة (زوجها) فلم تعتاد هي على تلك الكلمة، أما شقيقتها فسألت زوجها بتعجبٍ:
طب و حسن جاي ليه؟ دا لسه يدوبك كاتب كتابه امبارح"
رد عليها مُردفًا بثبات هاديء:
جاي علشان ياخد مراته يا هدى، هدير لازم تروح مع حسن"
انتفضت كلتاهما في جلستها من هول ما وصل آذانهن، فقال هو مُردفًا لهن:
اهدوا انتو الاتنين، هو جاي ياخد هدير علشان هدير تتحسن و تتجاوز كل حاجة هنا، هدير لازم تفوق لنفسها برة بيت الرشيد"
حركت رأسها نفيًا بقوة رافضة حديثه، فزفر هو بضيق ثم أضاف:
عارف شعورك إيه يا هدير، بس صدقيني أنتِ لازم تروحي مع حسن علشان هو ميحسش إنه اتسرع، على الأقل قدام موقف رجولته معاكي ساعة الزفت راشد و أبوه"
تدخلت «هدى» تقول بنبرةٍ قوية بعدما نظرت لها شقيقتها بتوسل:
ازاي بس و هي تعبانة، أنا قلبي مش هيطمن عليها بعيد عني كدا، ازاي عاوزني أفرط فيها"
أجابها مُعقبًا على حديثها:
يا هدى لو قعادها جنبك هيضرها يبقى بلاش منه أحسن، صدقيني هي عمرها ما هتتعافى هنا، وجودكم جنب بعض بيزود وجعكم، أنا كل ما أشوفكم ألاقيكم ماسكين الصورة، يبقى إزاي هتتجاوزا اللي حصل"
فكرت «هدير» في حديثه فهي تعلم أنه محق، جلوسها في تلك الشقة و تحديدًا في غرفتها التي كانت تشاركها فيها والدتها، و كلما نظرت حولها تذكرت ما حدث، لكن كيف لها أن تترك ذلك البيت و تذهب معه، هو لازال غريبًا عليها لم تعتاد وجوده، كيف تذهب معه بصفتها زوجته؟"
خرجت من شرودها على صوت «وئام» يقول بهدوء:
تعالي يا هدير معايا علشان حسن عاوز يتكلم معاكي و دا حقه، هو مستني برة بقاله كتير"
نظرت لـ «هدى» وجدتها تومأ لها بهدوء ثم حركت كتفيها بقلة حيلة و كأنها تخبرها إنه لا يوجد مفر.
خرجت له مع زوج أختها منكسةً رأسها للأسفل لم تستطع رفع عينيها لمواجهته، أما هو فتعلق بصره بها حتى وصلت أمامه، نظر «وليد» لهما ثم قال بهدوء:
طب يلا يا جماعة احنا علشان نسيب الناس تعرف تتكلم براحتها، يلا يا عمي يلا يا وئام"
أومأ له كلاهما ثم ذهبا خلفه، أما «حسن» فوقف أمامها يقول بتوتر:
ازيك...أنتِ كويسة؟"
حركت رأسها موافقة بهدوء دون رفع رأسها حتى تطالعه، فأشار هو لها ثم قال بهدوء:
طب اتفضلي اقعدي، مش هنتكلم و احنا واقفين كدا"
تنهدت هي بعمقٍ ثم جلست على المقعد المقابل لمقعده، فقال هو حتى يخفف توتر الأجواء:
طب بصيلي علشان أعرف أتكلم و محسش أني مش مرحب بيا"
رفعت رأسها بسرعة و كأنه تود نفي حديثه لكن لسانها لم يُسعفها فوجدته يقول متفهمًا:
أنا عارف بس بهزر معاكي، أنا جاي علشان أقولك أني عاوزك معايا في بيتي يا هدير، و قبل ما تعترضي أنا عاوزك علشان أقدر أقف جنبك و علشان أكون معاكؤ علطول، و علشان ظروف والدتك صعب نعمل فرح، يبقى الأحق إنك تكوني معايا في بيتك، ها رأيك إيه ؟"
نظرت له بتشوش لم تستطع اتخاذ قرار محدد، فالتقط هو تخبط نظراتها فقال مُطمئنًا لها:
علشان متكونيش خايفة مني، إيه رأيك أجي أخدك بكرة تكوني جهزتي نفسك؟ و أكون جهزت نفسي برضه؟ ها موافقة أخدك بكرة، و زيادة في الاطمئنان ممكن نعتبره وضع مؤقت، يعني لو مرتاحتيش معايا أو خوفتي مني ترجعي تاني البيت هنا، ها كدا اطمنتي؟"
تنهدت هي بقوة تزامنًا مع اغلاقها جفونها بشدة ثم فتحتمها بتروٍ، بعدها أومأت له موافقة على اقتراحه، فتنهد هو الأخر ثم قال:
اتفقنا، بكرة إن شاء الله هكون عندك، و هاخدك معايا، و زي ما اتفقنا لو مرتاحتيش معايا هرجعك تاني"
جبرت شفتيها على التبسم رغمًا عنهما باقتضاب، فوقف هو يقول بطريقة مهذبة:
عن اذنك، أشوفك بكرة إن شاء الله".
أومأت له ثم نظرت في أثره تراقب ذهابه من أمامها ثم عادت بظهرها للخلف تفكر بتخبطٍ في أمور حياتها التي انقلبت رأسًا على عقب.
_____________
في وسط النهار و بعد رحيل «حسن» من البيت بعد اتفاقه مع والدها على عودته في الغد حتى يأخذها شقته، وقف «أحمد» بجانب السيارة ينتظر الفتاتين، و ما لبس ثوانٍ حتى وجدهن أمامه، فابتسم هو ثم قال بهدوء:
إن شاء الله تبقى رحلة حلوة علينا كلنا"
ردت عليه «خلود» بخبثٍ:
خلصت من مراقبة وليد و عبلة، علشان اراقب أحمد و سلمى، ريح نفسك علشان عمك محمد محلفني"
أومأ لها ثم قال باستفزاز:
عارف ياختي.....عارف، يلا علشان لسه هناخد لفة محترمة على السناتر كلها"
تحدثت «سلمى» تقول بهدوء:
أنا معرفش مدرسين لسه يا أحمد، يعني هنفضل ندور شوية"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف:
مفيش مشاكل، أنا معاكم و صحابي كانوا علمي زيك و عرفت منهم إسم المدرسين"
ابتسمت هي له بهدوء و هو أيضًا، فقالت «خلود» بخبثٍ:
شكلها هتبقى رحلة سعيدة و هقبض فيها من عمي محمد"
ابتسمت «سلمى» باتساع أما «أحمد» عض على شفته السفلى ثم قال بحنقٍ:
طب يلا يا ختي خلينا نلحق"
و بعد مرور ثوانٍ رحلت السيارة بهم، هن على الأريكة في الخلف، و هو يقود السيارة الخاصة بوالده بهدوء.
بعد دقائق من ذهاب سيارة «أحمد»، نزل «وليد» و «عبلة» معه، ركب هو السيارة وهي تبعته بمرحٍ نتيجة حماسها، فتحدث هو بسخرية:
أنتِ بتركبي دبابة يا عبلة؟ و بعدين ليه محسساني أني رايح أفسح بنت أختي؟"
ابتسمت له باستفزاز ثم قالت:
يا سيدي أنا فرحانة علشان نازلة معاك، و فرحانة علشان هشاركك كل حاجة، قولي بقى رايحين فين؟"
ابتسم هو لها بهدوء ثم أجابها:
رايحين مول ****** هجيب حاجات للمكتب بتاعي و مكتب حسن، و عاوز أجيب هدوم ليا"
ردت عليه هي باندهاش:
هدوم ؟! هدوم إيه يا بني؟ وليد أنتَ عندك مصنع هدوم فوق، أنتَ عبيط ؟"
رد عليها هو بحنقٍ من تدخلها:
أنتِ مالك هو أنتِ أمي ؟ و بعدين أنا راجل فاضي بحب أضيع فلوسي على الهدوم و النزاهة و بكره البُخل علشان بيعصبني"
ردت عليه هي بانفعال:
يعني هو أنا اللي بحب البخل؟ أنا غلطانة خايفة عليك تفلس، بعزق فلوسك يا وليد"
ضحك هو بقوة عليها ثم أضاف بنبرةٍ ضاحكة:
يا ستي الله يكرمك، بس متخافيش جوزك جامد برضه و جيب السبع ميخلاش"
ابتسمت هي له ثم أضافت:
واثقة فيك يا وليد، يلا بقى علشان متحمسة أوي أخرج معاك، بس اعمل حسابك هتصورني أنا بقولك أهو"
غمز لها يقول بخبثٍ:
يا بخت تليفوني بصورك عليه"
_______________
في شقة «ميمي» و كما المعتاد وقف «عامر» على طاولة السُفرة و «خالد» أسفل منه و حزام بنطاله في يده يقول بهدوء مرعب:
انزل يا عامر بدل ما أطلعلك أنا، انزل بدل ما أخلي خرجتك النهاردة من البيت دا"
رد عليه بسخرية حانقًا عليه:
يا سلام يا خويا ؟! عاوزني انزل علشان تموتني ليه هو أنا عبيط؟"
تدخلت «ميمي» تقول بقلة حيلة:
خلاص يا خالد خليك أنتَ الكبير بقى، هي عادته ولا هيشتريها يعني ؟"
دلف «ياسين» و «ياسر» الشقة معًا في ذلك الوقت، فقالت «ميمي» بانفعال:
أهو الهاديين جُم يشوفوا حل معاكم بقى"
نظر لها كلاهما بتعجبٍ ثم وجها بصرهما نحو الطاولة فتحدث «ياسين» يقول بضيق:
خير، عامر هبب إيه فيك يا خالد، علشان كل مرة نلاقيكم كدا"
رد عليه «عامر» بلامبالاة:
دا راجل ظالم و مفتري و نكدي مش وش فرحة، أي هزار يقلبه نكد، عيل بومة"
رفع «خالد» الحزام يحاول ضربه به، فوجده يركض مثل الفأر على الطاولة حتى الجهة الأخرى وهو يقول صارخًا:
امسكه يا ياسين، دا ابن مجانين"
تدخل «ياسر» يقول بانهاك واضح:
خلص أنتَ و هو بقى، هببت إيه يا جاموسة تاني، هو أنتَ مفيش فايدة فيك ؟!"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
اشهدوا يا رجالة، اشهدي يا ميمي، أنا امبارح كنت سهران زهقان مش لاقي حاجة أعملها"
_"أنتَ هتحكي قصة حياتك؟ اخلص يالا هببت إيه؟"
تفوه «ياسين» بتلك الجملة بحنقٍ من برود صديقه، فأكمل «عامر» مستطردًا حديثه:
المهم يا سيدي بقلب لقيت برنامج جديد بيعمل فيديوهات، ولقيت أغنية للكينج اسمها يونس في بلاد الشوق....كان فيه واحدة وابنه بيرقصوا عليها، أنا حبيت الأغنية علشان يونس ابن خالد، خدتها و حطيتها في الفيديو و كنت هكتب خالد و يونس أهم"
تدخل «ياسر» يقول ببساطة:
طب و فيها إيه يعني؟ بتحصل عادي في أي حتى"
رد عليه «خالد» بمرحٍ ساخر:
استنى يا دكتور، شوف الباقي بقى، كمل يا أستاذ عامر"
رد عليه «عامر» باحراج:
حسيت إنه هيبقى ممل، قومت شايل راس الراجل و ابنه و حطيت خالد و يونس مكانهم...
بس"
_"كــــمـــل"
خرجت بنبرةٍ قوية من «خالد» جعلت الدهشة تعتلي ملامحهم فأكمل «عامر» بخوفٍ:
مكانش فيه معايا غير صورة لـ يونس واقف غير وهو عريان، فـ حطيتها، و بعدين قولت مش معقول يونس يبقى قالع و أبوه لابس، روحت مقلع خالد هو كمان"
ضحكت «ميمي» بقوة و معها «ياسر»، أما «ياسين» سأله متعجبًا ببلاهة:
قلعته إيه لامؤاخذة يا عامر ؟"
رد عليه بذعر:
والله خلعت التيشيرت و خليت الجزء اللي فوق هو اللي باين، بس والله الفيديو حلو، افتح شوفه"
قالها «عامر» بمرحٍ غريب جعل الجميع ينظر له نظرة اندهاش، أما «ياسين» سأله مُتعجبًا:
افتح إيه؟ هو الفيديو فين ؟"
تدخل «خالد» يجيبه مُتهكمًا بسخرية:
ماهو دا اللي قهرني، الأستاذ عامر فضحني و نزل الفيديو على الفيسبوك، و مخلي القريب و الغريب يضحك عليا و مش بس كدا لأ، البيه كرم أخلاقه خلاه يبعت الفيديو لكل واحد طلب يشوفه"
تحدث «ياسين» يقول بانفعال جلي في نبرته:
أنتَ غبي يا بني؟ معندكش تمييز خالص يا عامر؟"
رد عليه «خالد» بحنقٍ:
عامر إيه بقى؟ منه لله أبوه مسميه عامر و أنا مشوفتش منه غير كل خراب"
رد عليه «عامر» بحنقٍ ممتزج بالسخرية:
يا سلام ؟! طب ما أنتَ أبوك مسميك خالد و أنتَ هتموت، هو أنتَ يعني هتبلط في الدنيا ؟"
تدخل «ياسر» يقول بضيق:
أنا لو منك يا خالد أخليه متربي على الترابيزة كدا زي الكلب، علشان يتعلم الأدب، عيل مهزق"
اقترب «ياسين» من «خالد» يقول بتوسلٍ:
لو قولتلك علشان خاطر ياسين أخوك حبيبك تسيبه ينزل هتقول إيه"
رد عليه بانفعال:
هقولك اطلع براها يا ياسين علشان دا عاوز يتربى من جديد، قولت هيتجوز و يعقل و يحل عني بس مفيش فايدة، عامر هو عامر"
تدخل «ياسر» يقول بنبرة متعبة:
طب علشان خاطري أنا، والله العظيم مطبق من امبارح في المستشفى وعاوز أروح أغير و أنام، بما إن بكرة الجمعة يعني أجازة"
تدخلت «ميمي» تقول بتوسلٍ و مترجيةً له:
يا خالد يا حبيبي صل على النبي في قلبك و أستعيذ بالله و خليه ينزل"
تنهد هو ثم تمتم يستغفر ربه بهدوء، فتدخل «ياسين» يقول بمرحٍ:
لو عاوز ضامن ممكن نجيب عمار يضمنه ليك علشان ترتاح"
رد عليه «عامر» بسرعة كبيرة:
عمار في الشغل والله مش هنا، ربنا يكرمه نزل يشتغل علشان الجامعة، قرر يعتمد على نفسه"
رد عليه «خالد» مُتهكمًا:
راجل بيفهم، مش عيل صغير عاوز يتعلم الأدب من جديد"
ضحك الجميع عليهما، بينما «عامر» سأله بقلقٍ واضح:
خلاص يا خالد أنزل ولا هبات هنا الليلة دي؟"
رد عليه «خالد» بسخرية:
انزل يا عامر، ماهما أجدادنا قالوها زمان، يا مستني البصل يبقى مربى يا مستني من عامر فهمي يتربى"
ضحكوا جميعًا عليه عدا «عامر» الذي نظر له بوجهٍ ممتعض.
و بعد مرور ثوانٍ نزل «عامر» ثم جلس بجانب «ميمي» يحتمي بها وهي تضحك عليه بهدوء، فتحدث «خالد» يقول بضيق:
و أنتَ يا دكتور ياسر بايت برة البيت ليه لحد دلوقتي؟ سايبها تاكل دماغ أمي ليه؟"
رد عليه «ياسر» بحنقٍ:
علشان أختك اللي مطلعة عيني، زعلانة أني عندي نبطشية في المستشفى بليل، أعمل إيه يعني"
تدخلت «ميمي» تقول بهدوء:
هي معذورة يا ياسر برضه، مش مستوعبة إنك تبات برة بليل و ترجع الصبح، يعني مش هتعرف تقعد معاك علشان يومك عكس يومها"
تدخل «خالد» يقول بنبرة قوية:
يلا خلونا نروح، و علشان هي مبتاكلش حاجة و مبهدلة الدنيا من غيرك"
سأله «ياسر» بلهفة ممتزجة بالقلق:
بجد يا خالد؟ عرفت منين"
أجابه هو بهدوء:
مراتي كلمتني الصبح و قالتلي إنهم هيروحوا عند إيمان علشان مبتاكلش من امبارح و مموتة نفسها"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بأسى:
يعيني يا إيمان، حقك عليا أنا اللي غبي، بس أنا هصالحها طالما أنا السبب في زعلها، كفاية إنها مبتاكلش"
________________
_"خديجة هاتي طبق الكنافة بالمانجا دا علشان خلصت اللي معايا"
قالتها «إيمان» و هي تمضغ الفواكه في فمها، نظرت لها الفتيات بتعجبٍ، بينما «خديجة» مدت يدها لها بالطبق وهي تقول بحنقٍ:
هي دي اللي جايين نهون عليها علشان مبتاكلش؟ دي هتاكلني معاها، كلت حلو و حادق و حلو و حادق تاني، و كمان فاكهة الله أكبر، أومال لو مش زعلانة بقى ؟"
ردت عليها «إيمان» بقلة حيلة:
أعمل إيه طيب ؟ فتحتوا نفسي لما جيتوا و يونس كان معاه شوكلاتة حلوة أوي كلتها برضه، منه لله ابن ميرفت منكد عليا"
ردت «ريهام» عليها بضيق:
حرام عليكي يا بنتي بقى، ماهو دكتور يعني ليه مواعيد غير باقي الناس، و بعدين هو دكتور أطفال شاطر بيطلب بالاسم"
ردت عليها هي بحنقٍ:
مليش فيه، يعتبرني عيلة صغيرة أنا كمان، مش يمشي من غير ما يعرفني ليه متجوز جارية"
ردت عليها «سارة» بضيق:
أنتِ متعبة أوي يا إيمان، مش عاجبك العجب، يعملك إيه يعني"
ردت عليها هي بشرٍ:
أنا مش هخليه يبات هنا النهاردة، باتوا معايا انتو و هو يبات عند أي حد"
عقبت «خديجة» على حديثها بسرعة كبيرة رافضةً لما تفوهت به:
لأ مش هينفع، أنا قفلت على الغدا علشان ياسين و أكيد زمانهم راجعين"
ردت عليه «إيمان» بتوعد بث الرعب بداخلها:
هتباتي هنا معايا، ومش أنتِ لوحدك و سارة و ريهام معاكي"
توقفت السيارتين أسفل بناية «ياسر»، فنزل هو و معه باقة زهور باللون الأزرق الداكن لها حتى يُصالحها به، فاقترب منه «عامر» يقول بتوعد له:
شوف بقى يا ياسر، يمين بالله لو مراتي شبطت في ورد لأطلع أطفحهولك، أنا مش ناقص عبط"
رد عليه «ياسر» بضيق:
لو طلبت ورد هجبلك واحد على حسابي تديهولها تمام؟"
تدخل «ياسين» يقول بهدوء:
طب اطلع و نزل مرات كل واحد فينا خلينا نخلص"
أومأ لهم ثم تركهم و دخل بنايته، في داخل الشقة تحدثت «سارة» تقول بإحراج:
طب لو جوزك جه نقوله إيه؟ عيب يا إيمان هيتحرج مننا"
ردت عليها بانفعال:
عادي يعني مفيهاش حاجة، هفتح الباب و أقوله بات برة البيت زي ما كنت بايت امبارح"
أنهت جملتها فوجدت جرس الباب يصدح عاليًا، ابتسمت بتوعد وهي تقول:
بسيطة، بات برة البيت زي ما كنت بايت امبارح"
نظرن في أثرها بدهشة ثم نظرت كلًا منهن للأخرى، أما هي فتحت باب الشقة بملامح جامدة تحولت إلى مندهشة حينما رآت ما يمسكه بيده، فوجدته يبتسم لها بهدوء وهو يقول:
ها هتقبلي أسفي ولا ألف و أرجع مكان ما كنت بايت؟!"
سألته هي بنبرةٍ حائرة غير مصدقة لما تراه:
ياسر....الورد دا علشاني أنا ؟"
رد عليها مُردفًا بمرحٍ:
أومال لأمي ؟ الورد للورد يا إيمان"
احتضنته بحبٍ ثم ابتعدت عنه تركض للداخل عند الفتيات وهي تقول بنبرةٍ قوية:
يلا يا حبيبتي أنتِ و هي على بيت جوزك، بطلوا تحشروا نفسكم في حياة الناس بقى."
_______________
أوقف «أحمد» السيارة أمام أحد المراكز التعليمية وهو يقول بنبرة قوية:
دا أخر سنتر هندخله، لو مفيش حد مناسب هنجيب مدرسين في البيت و خلاص، ماشي يا ستي أنتِ و هي ؟"
أومأت له كلتاهما بهدوء ثم نزلن من السيارة خلفه، دخل هو المركز التعليمي و هن خلفه.
في داخل المركز كان «عمار» جالسًا على المقعد يستقبل بيانات الطلاب و يدونها، فجأة وجد شاب طويل صاحب ملامح هادئة وسيم إلى حدٍ ما يقف مقابلًا له يقول بهدوء:
لو سمحت يا كابتن عاوز اسأل عن دروس تالتة ثانوي علمي علوم و تانية ثانوي أدبي"
رفع «عمار» رأسه ينظر له مُبتسمًا وهو يقول بمرحٍ:
عيني ليك، بس أنتَ مش كبير على الدروس دي"
ابتسم له «أحمد» بودٍ ثم أجابه:
هو أنا كبرت فعلًا، بس دي لأختي و لبنت عمي"
أمعن «عمار» النظر في وجهه فسأله بنبرةٍ تائهة:
هو احنا اتقابلنا قبل كدا؟ حاسس أني أعرفك أو شوفنا بعض و اتكلمنا"
رد عليه «أحمد» بنفس النبرة:
والله حاسس بكدا برضه، بس مش قادر أجمع"
في تلك اللحظة دخلت «سلمى» و «خلود» خلفها، ثم ذهبن يقفن على مقربةً من «أحمد»، كان «عمار» مُخفضًا رأسه للأسفل يدون مواعيد الدروس، فتحدثت «خلود» تقول بحنقٍ:
خلص يا أحمد أنا تعبت والله، جبت المواعيد بتاعة المدرسين؟"
قبل أن يرد عليها شقيقها، رفع «عمار» رأسه ينظر لتلك التي تتحدث بضيق و حينما رآها و تعرف عليها تحدث يقول بسرعةٍ كبيرة:
أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
نظرت هي له ببلاهة غير مدركة عن من يتحدث، أما شقيقها التفت يسأله بنبرةٍ قوية منفعلة:
أنتَ تعرفها ولا إيه؟"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم شمس بكري
لا خَيرَ بَعدكِ في الحيَاةِ وَإنّمَا أَبكي مَخافةَ أن تطولَ حيَاتي."
- الإمَام عليّ لفاطِمَة بعدَ وَفاتِها.
_______________
في جميع علاقاتي كنتُ أبحث عن الاطمئنان، بين كل مخاوف الحياة كنت بحاجة للشعور بالأمان...فأتيتْ أنتَ و معك كل الحنان....عرفت معك لذة الحياة وبك استطعتُ النسيان.
أنتَ تعرفها ولا إيه؟"
خرجت بانفعال جلي من «أحمد» حينما تهور الآخر عند رؤيته لها و سألها مُسرعًا عن سبب تواجدها بداخل المركز، فـ نظرت الفتاتين لبعضهن بتعجبٍ، أما «عمار» فظهر التوتر على ملامح وجهه و بؤبؤ عينيه الذي تحرك في أماكن عدة غير متناسبة، فأعاد «أحمد» سؤاله من جديد بنبرة صارمة، جعلت «عمار» يُجيبه بسرعة كبيرة:
مش أنتَ تبع ياسين رياض الشيخ ؟"
_"آه ، جوز أختي...تعرفه منين"
أجابه بها «أحمد» بنفس النبرة القوية المندهشة حينما ذكر إسم «ياسين» أمامه،جعلت «عمار» يتنهد بأريحية ثم قال بهدوء أكثر:
أنا عمار فهمي أخو عامر فهمي صاحب ياسين، أنا عارفكم من الفرح"
رغم اللين الذي ظهر على ملامحهم إلا أن «أحمد» سأله بنفس الجمود:
أيوا برضه تعرف أختي منين علشان تسألها سؤال زي دا بعشم"
عاد توتره من جديد و هو يجيبه:
علشان...علشان آه... عامر أخويا كان بيصورهم و بعدين خلاني أنا أصور مكانه و ساعتها عرفت إنها أخت العروسة"
رغم نبرته المهتزة الذي خرجت منه إلا أن حديثه كان مقنع إلى درجة كبرى، لكن «أحمد» نظر له بتشككٍ و حينما لاحظت «خلود» نظرة شقيقها تدخلت تقول بمرحٍ:
معلش بقى يا أستاذ عمار أنا طلعت عينك اليوم دا في التصوير، و بعدين أحمد كان حالق دقنه يوم الفرح، يعني شكله اتغير، ولا إيه يا أحمد ؟"
زفر «عمار» براحة كبرى بعد حديثها الذي أنقذ موقفه أمام نظرة أخيها المصوبة نحوه بحدة، أما «أحمد» نظر لشقيقته ثم زفر بقوة و وجه بصره نحو «عمار» يقول متأسفًا:
أنا أسف معلش، فعلًا شكلي متغير علشان دقني، المهم خلينا في موضوع الدروس، هينفع تحضر ولا لازم يكون فيه حجز؟"
رد عليه هو بمرحٍ:
و لو مفيش أنا أخلي فيه، دا أنتو تبع الغالي، بس إزاي في ثانوية عامة و بادئة متأخر كدا؟"
خرجت جملته الأخيرة المستفسرة لـ «خلود» مما جعلها ترفع حاجبها تنظر له بحدة، فتدخل «أحمد» يقول بهدوء:
لأ هي لسه تانية ثانوي، بنت عمي هي اللي ثانوية عامة و عاوزين نحجز دروس علمي علوم"
ابتسم «عمار» له بودٍ وهو يقول:
أنا كنت باخد الدروس كلها هنا و كنت علمي علوم برضه، و الحمد لله دخلت صيدلة"
_"الله !! يا بختك، أنا كمان عاوزة أدخل صيدلة"
تفوهت بها «سلمى» بنبرةٍ حماسية حينما سمعت حديثه جعلت «أحمد» يحدق بها بحدة ثم وجه بصره نحو«عمار» وهو يقول مُبتسمًا بمجاملة:
معلش هي بس نفسها تدخل صيدلة علشان كدا اتحمست، المهم عاوزين بس نشوف الدروس زي ما قولتلك تانية ثانوي ادبي، و تالتة ثانوي علمي علوم"
_"ولا يهمك يا عم...إن شاء الله تدخل صيدلة و تحقق حلمها، أنا هكتب بياناتكم و هديك جدول المدرسين اللي هنا تالتة و تانية ثانوي، و هما هنا فـ أمان متقلقش"
رد عليه «عمار» بنفس الود و الاحترام الذي التقطه الآخر و جاوب عليه بامتنان هو الآخر:
تسلم يا عمار، دا العشم برضه، احنا روحنا سناتر كتير و كل مرة يقولوا الحجز خلص و عاوزنا ندفع ضعف المبلغ، قال إيه جايين متأخر"
رد عليه «عمار» بسرعة كبيرة:
دا استغلال للموقف، متقلقش هي هتحضر عادي من غير حجز دروس كمان، هديها الجدول و المدرسين اللي كنت بحضر معاهم هنا و هي أول ما تيجي أنا هكتب اسمها و ادخلها علطول و هكلم اللي بيشتغلوا مع المستر كمان علشان محدش فيهم يتكلم معاها، تمام كدا ؟!"
ابتسم له الثلاثة تزامنًا مع علامات الراحة التي رُسمت على وجوههم، فتدخل هو يضيف من جديد:
تانية ثانوي الاسبوع دا مجاني، زي تجربة يعني ممكن الآنسة تيجي تحضر و تجرب لحد ما الجدول الاساسي ينزل، ها رأيكم إيه؟"
قبل أن تجيبه هي باستفسار، تدخل «أحمد» يقول بامتنان حقيقي:
كدا كتير والله...تُشكر بجد، خلاص أنتَ أدرىٰ بقى، شوف الصح و احنا معاك في أي حاجة، و خد رقمي كمان علشان لو فيه حاجة تكلمني، أنا هطمن علشان هما هنا"
شعر الأخر بشعور غريب تجاه ذلك الحديث، لذلك ابتسم بهدوء ثم رد عليه مُطمئنًا له:
متقلقش عليهم...في عيني"
أومأ له الأخر بامتنان حقيقي و بعد مرور دقائق تم الإتفاق على مواعيد الدروس و تبادل الأرقام الهاتفية بينهما و تسجيل أسماء الفتاتين، ثم بعدها تم الوداع بينهما و خرج «أحمد» من المركز و هن خلفه، نظر هو في أثرهم باندهاش:
هما كانوا هنا بجد ولا أنا بحلم؟"
قال جملته ثم نظر في الكشف بين يديه فوقع نظره على بياناتها فقرأ أسمها بتلذذ:
خلود طه فايز أحمد الرشيد...كدب والله المفروض يسموها قمر طه"
________________
بداخل المول و بعد فترة من الذهاب و الإياب استقر «وليد» على مشترياته المرغوبة و «عبلة» معه تختار ما يريده، بعدها كانا يسيران معًا الرواق المؤدي للمحلات التجارية، يرتشفا العصير الذي جلبه هو لهما، وهي بجانبه تتحدث بثرثرة تمنى هو لو تَكُفْ عنها لكن دون جدوى فـ كانت تقول بانزعاج من صديقتها:
و فضلت تزن عليا يا وليد، و أنا أحلف ليها إن المرحلة الأولى خلصت في الكورس و هي مش مصدقة، و كمان عمالة تلقح عليا و تقول الناس اللي بتكره الخير للناس وأنا والله قولتلها لما الحجز يفتح هبعتلك، تقولي أنتِ روحتي من غيري ليه، كنتي استنيتي أجي معاكي، و أنا قبل الكورس كلمتها نروح سوا قالتلي أنا نزلت شغل مش فاضية، كدا أنا غلطانة ؟!"
_"أوي... غلطانة أوي و رغاية و كلتي دماغ أمي أنتِ و صاحبتك المهزقة اللي معندهاش دم دي"
قالها بلامبالاة ممتزج بالقوة من نبرته دون أن ينظر لها، حيث كان ينظر أمامه في الممر الرخامي داخل المول، أما هي فشهقت بقوة تزامنًا مع توقفها عن السير بجانبه وهي تقول بحنقٍ:
يا ليلتك السودا ؟! بقى أنا رغاية يا وليد ؟ كل دا علشان بحكيلك حاجة مزعلاني ؟"
عاد إليها الخطوات الفاصلة بينهما و هو يحاول كتم ضحكته على رد فعلها، ثم وقف مقابلًا لـها يقول مُبتسمًا حتى خرج حديثه بنبرةٍ ضاحكة:
لأ مش علشان بتحكيلي حاجة مزعلاكي، علشان بتضيعي وقتنا على ناس تانية، أنا خارج معاكي أجيب حاجات و عاوز نكون سوا، مال أمي بقى بتهاني صاحبتك دي و لا مش عارف اسمها إيه، متضايقة نفسك بسببها ليه؟"
ردت عليه هي بحزن:
علشان مبحبش حد يفهمني غلط ولا بحب حد يسوء الظن فيا يا وليد، بحكيلك علشان أنتَ صاحبي ، و بعدين هو أنتَ عمرك ما نمت زعلان بسبب كلمة قالها أحدهم وهو يمزح ؟! "
_"لأ ياختي أنا لما أحدهم يمزح معايا بمسح بكرامة أمه الأرض، هو مش أحسن مني فـ حاجة علشان أسكتله لما يجرحني"
رد عليها هو بذلك الجواب بنبرةٍ ساخرة بعد جملتها المستفسرة منها، مما جعلها تنظر له بتعجبٍ وهي تقول بنبرةٍ تائهة:
إزاي يا وليد و مشاعر اللي قدامك؟ مشاعر الناس أهم من الردود و أهم حاجات كتير"
أومأ هو موافقًا ثم أضاف مُعقبًا:
ماشي بس هو مش أحسن مني فـ حاجة علشان يقل مني و أنا أسكتله، هو انسان و أنا زيه انسان، هو عنده قلب و أنا زيه برضه، لو هو عنده مشاعر أنا مش عندي تين شوكي يا عبلة، أنا كمان عندي مشاعر و بحس، سكوتك عن حقك هيخلي الناس تفتكر إنه حق مكتسب ليهم، و بعدين اتعلمي تخلي نفسك باردة، علشان اللي واثق فيكي عمره ما هيصدق الوحش عنك"
نظرت له نظرة حائرة فوجدته يضحك أكثر و هو يضيف على حديثه حتى يزيل حيرتها:
و الله تبقى برنس لو ماشي في الدنيا مش في دماغك الناس؛
فلان بيحبك- شكرًا.
فلان بيكرهك- و ماله.
فلان بيقول عنك قصايد شعر- و الله يُشكر.
فلان بيلعن اليوم اللي شافك فيه- ميضرش.
ماشي بنور الله مش شايل ضغينة ولا كره لحد؛ اللي بيقرب ميشوفش منك غير الخير و اللي واخد فكرة غلط سايبه واخدها؛ ناضج و واعٍ عارف إن الحب و الكره بين إيدين اللي خلقك و هو أعلم بنيتك، احنا كلنا بشر زي بعض"
ابتسمت هي باتساع ثم قالت:
تصدق صح ؟ أنا مالي و أزعل نفسي ليه، أنا عاوزاك أنتَ و بحبك أنتَ ميهمنيش غيرك، و بعدين أنا شوفتك كاتب قبل كدا
(نحن لا نحب الاشياء لأن ليها قيمة، بل وجودنا هو ما يجعل لها القيمة) و بصراحة علقت معايا أوي"
أمسك هو كفها ثم وقف بجانبها حتى يستأنفا سيرهما من جديد وهو يقول بهدوء:
حاجتين تحطيهم فـ دماغك يا عبلة، إن وجودك هو اللي بيعمل قيمة للمكان و لأي حاجة تكوني فيها، و اتعلمي إن الصفوف الأخيرة مش مكاننا، احنا أول ما نقف العَد يبدأ"
سارت بجانبه تبتسم بحب وهي تقول بفخرٍ:
أنتَ جميل أوي يا وليد، بصراحة أنتَ وجودك عامل زي الشمس بعد الغيوم، و تفكيرك عامل زي الوجبة الكومبو كدا مليان كل حاجة نفسك فيها"
نظر هو لها بخبثٍ وهو يسألها:
آه، علشان كدا بقى امبارح كنتي بتبصي بخبث علشان موضوع طارق و جميلة ؟ عينك كانت بتملع أوي و أنتِ بتسأليها هي عاوزة إيه ؟"
أومأت له بقوة ثم أضافت:
بصراحة حصل، أنا أصلًا أول ما أنتَ دخلت و قولت إنك جاهز للطلاق كنت عارفة إن أنتَ بتضغط عليها علشان تخليها تنطق، دا غير أني حافظة كل نظرات عيونك يا وليد، الـ ٨ نظرات حفظتهم كلهم"
قطب جبينه ينظر لها مستفسرًا بـ حيرة فوجدها تومأ له بقوة وهي تبتسم ثم استرسلت حديثها قائلة:
منهم نظرة الحنية اللي بتبص بيها لخديجة لما كانت بتعيط أو تزعل، و منهم نظرة الفخر اللي بتبص بيها لخلود لما تعمل حاجة ذكية، و منهم نظرة الزعل اللي بتبص بيها لهدير بعد اللي حصلها، و نظرة المكر لما شوفت راشد و نظرة البرود و الاستفزاز قدام بابا و نظرة الخبث قدام جميلة و طارق"
ابتسم هو بسخرية ثم أضاف مُعقبًا:
طب دول ٦ بس يا فاشلة فيه اتنين كمان، إيه ببقى أحول فيهم"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بحب:
الاتنين التانيين ليا أنا بس، واحدة فيهم لما تكون بتحب فيا و واحدة تانية لما تكون زعلان و عيونك فضحاك، ساعتها بعرف إنك فيك حاجة مزعلاك من غير ما تقول"
توقف هو عن السير حينما سمعها تسترسل حديثها و تسرد أمامه نظرات عيونه التي لم يهتم هو بها و لا بمعرفتها، فوجدها تلتفت مقابلةً له تقول بخبثٍ:
و دي نظرة ٩ حيرانة أنا عرفت كل دا أمتى، بس هو كدا الحب يا وليد، و بعدين كافكا حبيبي قال:
ذاك البريق الذي يسكن عينيك، يزيل معاناة العالم"
و أنتَ البصة في عيونك دنيا تانية"
التفت هو ينظر حوله يتفحص المكان ثم نظر لها يقول بخبثٍ:
مش عارفة تقولي الكلمتين دول فوق السطح يا عبلة؟ كان زماني واخدك في حضني براحتي، بس ملحوقة"
ضحكت هي على طريقته ثم تمسكت بذراعه وهي تسير بجانبه تقول بمرحٍ:
عيني الاتنين ليك، ممكن أقولك اللي أحسن من كدا كمان بس أنا مراعي مشاعر اللي حواليا مش أكتر، بعدين قولي ازاي كنت عارف إن جميلة هتنطق"
رد عليها هو ببساطة بعد استفسارها الأخير:
كنت متأكد من كدا علشان جميلة عينها فضحاها، لما بتلاقي طارق قصادها عينها بتتعلق بيه و لما بنرجع من الشغل بتكون واقفة في البلكونة مستنيانا، كان طبيعي لما استفز فيها تنطق"
شعرت هي بنيران الغيرة بعد حديثه عن «جميلة» لذلك سألته بانفعال نتيجة غيرتها عليه:
دا أنتَ مركز أوي مع جميلة و مع تحركاتها، دا طارق مش مركز معاها كدا، جرى إيه يا وليد"
ابتسم هو لها بخبثٍ وهو يقول غامزًا بطرف عينه:
جرى إيه يا قلب وليد؟"
_"متستفزنيش، مركز مع جميلة كدا ليه ؟ يعني هدير و قولنا ربنا يعينها لكن جميلة كمان كدا كتير على مشاعري"
قالتها بحنقٍ ممتزج بنبرةٍ شبه باكية جعلته يلتفت يقف مقابلًا لها وهو يقول بنبرة ضاحكة:
كلامك دا المفروض يزعلني بس أنا عارف إنك غيرانة عليا و دا حقك أنا برضه لُقطة، لكن ريحي نفسك علشان جميلة أختي زي خديجة و خلود"
ردت عليه هي بحنقٍ و بطريقة تشبه طريقة تهكم النساء الشعبيات:
نـعم؟ أختك إزاي يعني؟ أنتَ هتشتغلني؟"
ضحك هو على طريقتها الغريبة التي تنافي رقتها معه، لكنه استعاد ثباته وهو يُجيبها بهدوء:
صدقيني والله أختي زي خديجة، أنا و خديجة رضعنا من زينب مع بعض و أحمد و جميلة رضعوا منها مع بعض، بالتالي بقت هي أختي بالرضاعة من زينب، يعني أنا من محارمها زي ما خديجة أختي و تحرم عليا"
شهقت هي بقوة مما سمتعه يتفوه مع تحول نظرتها للدهشة تزامنًا مع قولها المندهش:
بجد يا وليد ولا بتضحك عليا؟ أوعى تكون بتشتغلني علشان أهدا، بعدين ازاي وهي مش راضعة معاك و راضعة مع أحمد؟"
رد عليها هو بسخرية متهكمًا:
أنتِ عبيطة يا ست أنتِ؟ هكدب في شرع ربنا و كلامه، وبعدين العبرة إننا راضعين من نفس المصدر اللي هو زينب يعني"
ابتسمت هي بحب وهي تقول بحنان عن زوجة عمها:
طنط زينب دي طيبة أوي بجد، أكيد فيها عرق حنان"
_"قصدك عرق بتلو...اللي ترضع كل دول أكيد واخدة جيناتها من جاموسة"
قالها هو بسخرية على زوجة عمه مما جعلها تضحك بقوة على طريقته فقال هو بضيق زائف:
لمي نفسك علشان ضحكتك عالية، و يلا علشان تشوفي نفسك فـ إيه تجبيه ليكي قبل ما نمشي من هنا"
ردت عليه هي بحماس:
مش هجيب حاجات كتير هو لوشن و شوية كريمات و ماسكات بس"
ابتسم هو بسخرية تزامنًا مع رفع حاجبه يقول متهكمًا:
سوبيا صح ؟"
___________________
في شقة «ياسر» خرجت الفتيات تباعًا واحدةً تلو الأخرى بتعجب من صديقتهن غريبة الطباع منفصمة الشخصية متذبذبة الآراء، هكذا كانت تفكر كلًا منهن عنها وهي تخرج من البيت، أما هي فـ بعدما أغلقت الباب فور خروجهن التفتت لزوجها تنظر له بضيق زائف، مما جعله يقترب هو منها يقول هامسًا بهدوء:
بلاش تمثيل علشان أنتِ وخداني حضن مطارات قدام الباب و طاردة البنات علشاني"
ابتسمت هي له بهدوء ثم قالت:
يوه بقى متضعفش موقفي لو سمحت، أنا نزلتهم علشان هما وراهم بيوت برضه مش فاضيين يعني، ثم أني زعلانة منك أصلًا"
أومأ لها موافقًا ثم احتضنها وهو يقول بمرحٍ وكأنه يحدث نفسه:
أخس عليك يا ياسر تزعل إيمان منك برضه، ملكش حق خالص، بس برضه جاب ورد و يستاهل فرصة تانية"
رفعت رأسها تنظر له بتفكير ثم قالت معاتبةً له:
مش هو اللي معبرنيش و كلمني بعد ما وصل يقولي هبات هناك، يبقى خلاص يتعب شوية بقى و ينسى أني أصالحه و لا هو يعني علشان جايب ورد أزرق لون عيونه الحلوة اللي بغرق فيهم دول يبقى خلاص كدا"
ضحك هو بقوة ثم أخفض رأسه حتى يستطع النظر في عينيها وهو يقول بحب:
طب علشان العيون الزرقا دي بحبك، و بعدين تفتكري أنا أقدر أزعلك مني؟ يعني يوم ما تكوني معايا أخيرًا أخليكي تزعلي مني يا إيمان؟ دا يبقى افترا مني"
ردت عليه بحزن:
يا ياسر أنتَ عارف من ساعة موت بابا و أنا بخاف أبات بليل لوحدي والله، ساعتها كنت نايمة في الشقة و صحيت على الصريخ من ساعتها بخاف والله، أنا مكنتش عارفة أقولك أني خايفة، كنت عاوزاك تفهم خوفي دا لوحدك، و نمت من غيرك و معرفتش أكل من الخوف"
التفت هو برأسه ينظر نحو الطاولة حيث الأطباق الموضوعة عليها، فقالت هي باحراج:
مكالتش حاجة لحد ما البنات جت و فتحوا نفسي، لكن لوحدي معرفتش والله، و نمت على الكنبة زي الكلبة"
ضحك هو بخفة ثم ربت عليها بحب وهو يقول معتذرًا:
غصب عني والله، أنا أصلًا بكره نبطشية بليل دي، و مش هروحها تاني علشان العيال بتخاف مني، و هفضل زي ما أنا الصبح، تمام كدا ؟"
قبلته هي على وجنته وهي تقول بمرحٍ:
أنتَ أحلى ياسر في الدنيا كلها و أنا بحبك و هصالحك زي ما أنتَ صالحتني، علشان أنا اتعصبت عليك في التليفون"
سألها هو بخبثٍ:
أيوا هتصالحيني إزاي بقى ؟"
ردت عليه هي بفخرٍ:
أنا كنت ناوية أخبي منك الأكل و أكله أنا بس خلاص هعشيك و أمري لله"
ظهر الاحباط على ملامحه وهو يقول بضجرٍ:
هتعشيني ؟ و على إيه بقى تعطفي عليا أنا داخل أنام، تصبحي على خير، تيجي تنامي ؟"
ردت عليه هي بلامبالاة:
براحتك، مش جايلي نوم أصلًا، ادخل نام أنتَ يا ياسوري"
أومأ لها موافقًا ثم حملها فجأة وهو يقول بهدوء بعدما شهقت هي بقوة:
و ماله، ياسورك بقى طلعان عينه طول الليل و هيموت و ينام، دا غير العياط بتاع العيال ورم دماغي و الله"
سألته هي بشفقة ممتزجة بالحزن:
هما بيتعبوا جامد يا ياسر؟ يعني جسمهم بيوجعهم و أنت بتكشف عليهم ؟"
أومأ لها بهدوء ثم أضاف بحزن أنهاه بالخبث:
للأسف تعبهم صعب بس أنا بعمل اللي عليا علشان أخفف عنهم و علشان ميخافوش مني... و بعدين أبقى يوم الاربع بضرب في بيت الرشيد، و يوم الخميس مطبق في المستشفى و مصعبش عليكي"
ضحكت هي بقوة ثم قالت بمرحٍ:
بحبك ياض و بحب عينك الزرقا دي، عاملين زي البحر بغرق فيهم"
_______________
في شقة «ياسين» وصل وهو يضحك على زوجته من موقف «إيمان»، بعدها دخل يبدل ثيابه ثم خرج لها وهو يقول بسخرية:
يعني في الأخر ببوكيه ورد طردتكم برة البيت، و الله العظيم فرحان فيكم"
ردت عليه هي بهدوء:
بصراحة أحسن، دي مجنونة كانت عاوزانا نبات عندها، أنا كدا كدا مكنتش هوافق علشان مش هعرف أكون في مكان أنتَ مش فيه"
ابتسم هو لها من ردها عليه وهو يقول بمرحٍ:
يعني أفهم من كدا يا كتكوتة إنك معايا مكان ما أروح يعني؟ ولا دا كلام و خلاص؟"
أومأت له بقوة ثم أضافت مؤكدة حديثه بحب:
طبعاً يا ياسين مكانك هو مكاني أنا كمان، و بعدين أنا النهاردة طبخت بايدي ليك و عاوزاك تدوق أكلي و تصلي بيا زي كل يوم...بصراحة هو دا البيت بالنسبة ليا"
اقترب منها يقف مقابلًا لها أكثر وهو يقول بهدوء:
إزاي بقى هو دا البيت بالنسبة ليكي؟ مش فاهم"
تنهدت هي بعمقٍ ثم جاوبته ببمسة هادئة رُسمت على وجهها:
كل الحكاية إن أنا كان نفسي بيتي يكون هادي كدا، يعني كل حاجة فيه تكون بتتعمل بالحب، أطبخلك علشان أنتَ راجع من شغلك تعبان، و ناكل سوا علشان نونس بعض، نصلي سوا علشان ربنا يكرمنا، كفاية الونس هنا معاك بالدنيا كلها و مافيها والله"
ابتسم لها بحبٍ أكثر ثم أضاف:
طب و الله العظيم يا بختي بيكي، أنا دلوقتي اتأكدت أني كنت صح من الأول يا خديجة"
_"كنت صح إزاي يعني مش فهماك؟"
سألته هي بنبرة حائرة عن ما تفوه به أمامها مما جعله يحيطها بذراعيه وهو يحدق بها بعشقٍ خالص قائلًا بهدوء كعادته:
أنّــتِ وَحــدُكِ مَــن عَــاشَ الـقَـلـبُ يـبـحثُ عَـنهـا حَـتّـىٰ وجـدتُـكِ....حِـيـنُهـا تَـأكـدتُ أنَ مـا مَــرّ مِـن الــعُمـر بِــدونـك.... كـانَ إنـتـظـارًا فَـقْـط حَــتىٰ أفُــوزُ بِـالنَـظـرْ فــي عِـيـونِك"
رفعت رأسها تطالعه بنظرة حب خالصة و كانت تلك النظرة أفصح ما يقال له فوجدته يغمز لها وهو يضيف هامسًا بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
اومأت له في خجلٍ فوجدته يضع يده يُعدل من وضع رأسها على صدره وهو يقول بحب:
والله العظيم أنا كسبتك من الدنيا دي يا خديجة، أنتِ الأربعة و عشرين قيراط اللي ربنا كافئني بيهم في الدنيا علشان أدخل جنته بيكي"
ضحكت هي باتساع ناهيك عن ضربات قلبها المرتفعة من حديثه الجميل الذي يبثها به منذ دخوله حياتها، حتى حول كل الهزائم لانتصار عظيم يوم ظفرت هي بحبه، أما هو قطع الصمت السائد بقوله المرح و لازالت هي بين ذراعيه:
قوليلي يا خديجة، أنتِ عملتي أكل إيه صحيح بعد كل المناقشات الصباحية دي ؟"
ابتعدت عنه تجيبه بمرحٍ نتيجة حماسها:
عملت صينية بطاطس بالفراخ و رز بالشعرية و مخلل"
ضحك هو عليها ثم قال بفخرٍ:
شكلك كدا ست بيت شاطرة يا خديجة، و شكلي كدا هتدلع هنا"
سألته هي بنبرةٍ غير مصدقة:
بجد ؟! يعني أنتَ شايف إن دا انجاز، أنا قولت هتزعل والله"
أجابها هو بهدوء:
و أنا إيه يزعلني بس، كفاية إنك طابخة علشاني، و بعدين رياض كان علطول يقولي كفاية إن الست مستحملة خنقة المطبخ علشان تأكلنا يا جحش"
زادت بسمتها وهي تقول بنبرةٍ حماسية:
و الله العظيم احنا عاوزين نعمل نُسخ منك ومن رياض و نمشي نوزعها على الناس علشان الفرحة تنتشر"
أومأ هو لها ثم أضاف:
معاكي حق بصراحة، و ياريت لو ناكل علشان هموت من الجوع بصراحة"
أومأت له ثم أشارت على عيونها وهي تقول بهدوء:
عيوني الاتنين"
__________________
في أحد المحلات التجارية وقفت «خلود» تنتقي حقيبة لها حتى تذهب بها للدروس، و «أحمد» يقف بمللٍ في مقدمة المحل و «سلمى» بجانبه ساكنة الحركة فسألها هو بسخرية:
خير يا أستاذة سلمى مش بتنقي شنطة أنتَ كمان ليه؟ مش دي خلود نصك التاني برضه"
حركت كتفيها تجيبه ببساطة:
مش عاملة حسابي بصراحة، و هي كانت هتموت على شنطة من دول لو أعرف كنت جبت فلوس زيادة، بس عادي بكرة فيه درس و أنا راجعة هجيب"
ابتسم هو لها ثم قال بهدوء:
طب أنا هروح أشوف المتخلفة دي و أرجع، هنفضل هنا مش هنخلص"
أومأت له في هدوء ثم جلست على المقعد الصغير الموضوع بجانب باب المحل، أما هو اقترب من «خلود» يسألها بضيق:
خلصتي يا خلود ولا لسه؟ هنفضل ليلة كاملة ننقي شنطة"
ردت عليه بنبرةٍ حائرة:
الاتنين اللي عجبوني لونهم أسود يا أحمد و أنا مش عارفة أنقي أنهي واحدة، نقي معايا و شوف هتدفع فلوس في أنهي واحدة"
رد عليها هو بحنقٍ:
نعم ياختي أدفع إيه وأنا مالي و مال شنطتك"
ابتسمت له ترد عليه باستفزاز يثير حنقه:
متقولش كدا علشان أنا عمري ما خرجت معاك أجيب حاجة و سبتني أدفع دا أولًا، ثانيًا بقى هتدفع و أنتَ مبسوط علشان سلمى معايا و علشان أعرفك هي عاوزة أنهي شنطة"
لمعت عينيه بخبثٍ وهو يقول لها:
تصدقي إنك بتفهمي زي وليد، نقي بقى شنطة ليكي و ليها كمان على ذوقك"
احتضنته بحبٍ وهي تقول بنبرةٍ حماسية تتوسله:
و هجيب معاها كوتشي جديد علشان خاطري، لو بتحبني وافق"
ضحك هو عليها ثم ربت على ظهرها وهو يقول لها باحراج بعدما رآى نظرات الفتاة التي تعمل بالمكان:
موافق...بس عيب كدا الناس هتفهمنا غلط الله يحرقك يا بعيدة"
بعد قليل قام «أحمد» بدفع الحساب الخاص بالحقائب ثم أخذ حقيبة و أعطاها لها و هو يقول بهدوء:
دي علشانك يا سلمى، يا رب تعجبك علشان هي مش ذوقي و ذوق خلود و بصراحة مش واثق"
نظرت له «خلود» بتوعد بينما «سلمى» نظرت له باندهاش وهي تقول غير مصدقة:
ليا أنا !! لأ شكرًا مش عاوزة شنط، و بعدين أنا مش معايا فلوس أصلًا"
ضحكت عليها «خلود» بينما هو رفع أحد حاجبيه ينظر لها مستنكرًا مما جعلها تشعر بالخجل مما تفوهت به فقالت مُردفةً بنبرةٍ مهتزة:
أنا قصدي يعني ملوش لازمة تتعبوا نفسكم، أنا كنت هجيب واحدة بكرة و خلاص"
تدخلت «خلود» ترد عليها:
ياستي أنتِ مالك، هو متبرع لينا خلينا نستغله بقى هو حد قالك ادفعي حاجة أنتِ؟"
تدخل «أحمد» يقول هو الآخر بنبرةٍ ثابتة:
خديها يا سلمى علشان دي بتاعتك و جاية على إسمك، يبقى محدش غيرك هياخدها"
أومأت لها ثم أخذتها من يده وهي تقول بهدوء بعدما ابتسمت له:
شكرًا يا أحمد تعبتك معايا، بس متاخدش على كدا علشان أنا مش هينفع أقبل حاجة تاني منك، و على فكرة لسه هستأذن طارق و هو لو وافق هاخدها"
ضحك هو عليها لكن من داخله كان يشعر بالفخر بها لذلك أضاف:
طيب يا ستي مع إن طارق مش هيتكلم يعني بس براحتك المهم انها تعجبك"
نظرت للحقيبة بحب ثم رفعت رأسها تُجيبه بهدوء:
حلوة أوي يا أحمد، كفاية إنها منكم يعني"
تدخلت «خلود» تقول بحزن طفيف:
جميلة ممكن تزعل مننا علشان قولنالها هننزل معاها تجيب شنطة و تجيب ازدال جديد"
ردت عليها «سلمى» بنفس النبرة:
خلاص نقولها نسينا و بكرة بعد الدرس بتاعي اقابلكم و نجيب اللي هي عاوزاه"
سألهن هو بهدوء:
قولولي كدا هي عاوزة إيه طيب و نجيبه ليها بدل ما تزعل هي منكم و تفتكر إنكم نستوها"
نظرت كلتاهما له باستغراب لا يصدقن ما قاله للتو خصيصًا أن علاقته معها معدومة منذ دخولها البيت، لذلك أردف هو باحراج:
أنا أقصد يعني زيها زي خلود أختي ، و محدش معاها في البيت علشان ممكن تحس نفسها لوحدها و تحديدًا لما نزلتوا النهاردة من غيرها"
ردت عليه «سلمى» بفخرٍ ممتزج بالحب:
أنتَ طيب أوي والله، عرفت ليه وليد و طارق بيحبوك"
سألتها «خلود» بخبثٍ:
طارق و وليد بس ؟! أقصد يعني العيلة كلها بتحب أحمد زين الشباب الغالي ابن الغاليين"
ضحكت «سلمى» عليها بخجلٍ أما هو فحرك رأسه نفيًا بيأس منها ثم قال:
طب يلا شوفوا جميلة عاوزة إيه علشان نجيبه قبل ما نروح"
________________
في المول التجاري خرج «وليد» بصحبتها و هي تتمسك بذراعه تشعر بسعادة بالغة، أما هو نظر لها بسخرية وهو يسألها:
مبسوطة يا هبلة ؟ جايبة شوية عبط زيك كله بالسوبيا مخليكي فرحانة كدا؟ أنتِ لو متجوزة مدفع رمضان هتعمليله قيمة عن كدا"
ردت عليه هي بضحك:
والله مش سوبيا، دا Coconut يا وليد، و بعدين على فكرة بقى ريحتهم حلوة أنتَ اللي بتبالغ في رد فعلك"
ضحك هو بيأس ثم سألها:
مش مشكلة سوبيا و خلاص أنا راضي، المهم أنتِ مبسوطة يا عبلة"
كانت نبرته حنونة كعادته جعلتها تومأ له بخجلٍ ثم جاوبته بنبرةٍ حنونة مصطبغة بالحب:
لو في المطلق أنا علطول مبسوطة، لو على دلوقتي كفاية إنك هنا و معايا يا وليد"
قالت جملتها حينما توقفت أمام سيارته فنظر هو لها بحب و لم يعقب و فجأة سمع صوت خلفه يلهث بقوة قائلًا:
استنى.... يا عم وليد.... إيه.... هجري وراك لأخر الدنيا ؟"
التفت هو لمصدر الصوت وهي معه، فوجد صديقه يركض له وهو يقول بمرحٍ:
يا عم وليد عمال أجري وراك في المول كله، نسيت سليم البحراوي"
نظر هو له بوجه مبتهج وهو يقول بانفعال مرح:
سليم !! عامل إيه يا غالي"
احتضنا بعضهما البعض بعد جملة «وليد» و «عبلة» تنظر لهما بتعجبٍ، أما هما أنهيا عناقهما ثم نظرا في وجهي بعضهما و «سليم» يقول بمرحٍ:
وحشتني ياض، بس من أمتى و أنتَ بتاع بنات طول عمرك رافض السكة دي"
قالها و هو يشير برأسه نحو «عبلة» التي أخفضت رأسها في خجلٍ ثم دخلت السيارة تجلس بها، أما «وليد» ابتسم بهدوء وهو يقول:
دي مش أي حد دي مراتي عبلة"
رد عليه الأخر بفرحٍ:
ألف مبروك، أخيرًا يا جدع، دا المصحة كلها كانت شاهدة على حبك ليها يا وليد"
تنهد «وليد» بعمقٍ ثم أجابه:
أخيرًا يا سليم، قولي أنتَ إيه اخبار خطوبتك، كملت ؟!"
تنهد هو بأسى ثم رد عليه بحزن ظهر بوضوح في نبرته:
للأسف كملت و أطلقنا بعد أول خناقة في جوازنا و دا كله بسبب غبائي، بس الحمد لله أنا راضي و خلاص مسافر تاني اهوه"
قطب جبينه يسأله حائرًا:
إزاي و ليه يا بني مش قولت إنها موافقة و كانت بتيجي تزورك مع أهلك هناك"
أومأ له ثم أضاف بحزن:
الانسان طاقة يا وليد، و هي مع أول خلاف بينا قالتلي إن الغلط غلطها علشان أمنت لواحد زيي خريج مصحة إدمان، ساعتها طلقتها و سافرت دبي سنتين و جيت أجازة و راجع تاني أخر الشهر"
ربت «وليد» على كتفه ثم قال:
ربنا يعوضك يا صاحبي، و تروح و ترجع بالسلامة إن شاء الله"
أومأ له ثم سأله:
عاوز رقمك يا وليد، رقمك التاني ضاع مني و مش عارف أوصلك، و عاوزك معايا في الشغل، مش أنتَ خريج حاسبات ومعلومات"
قطب جبينه يسأله بـ حيرة:
عاوزني معاك إزاي، آه أنا خريج حاسبات ومعلومات"
أخرج هاتفه يقول مُسرعًا:
هات بس رقمك و أنا هكلمك و أجيلك قبل ما أمشي و نتكلم و أفهمك كل حاجة"
أومأ له أعطاه رقمه و بعدها أعطاه عنوان منزله، بعدها تم الوادع بينهما و «وليد» يشعر بالتخبط بعدما سمع قصته، ركب السيارة وهي تراقبه بتمعن في شروده الغير مبالي لما حوله، لذلك سألته بتعجبٍ:
مالك يا وليد ؟! و دا مين اللي قابلك مرة واحدة و اتفاجأ بيك"
تنهد هو بعمقٍ ثم أجابها ببسمةٍ مقتضبة:
أنا كويس متخافيش، و دا سليم البحراوي كان معايا في المصحة بنتعالج سوا، هو بس اتفاجأ علشان شكلي اتغير و احلويت برضه"
قالها بمرحٍ مغيرًا للأجواء مما جعلها تبتسم له وهي تقول بهدوء:
شكل مقابلته مفرحتكش يا وليد، عينك بتقول كدا بس أنا معاك متخافش"
أومأ لها وهو يقول مطمئنًا لها:
أنا مش خايف و لا حاجة، مستغرب شوية بس يا عبلة، و بعدين أنا عاوز أنام علشان ورايا حاجات بكرة ضرورية"
ردت عليه بسرعة:
طب يلا علشان منتأخرش و علشان محدش فـ البيت مع جميلة"
أومأ لها ثم شرع في قيادة السيارة و هي تراقب ملامحه القلقة و لكنها لن تستطع مناقشته في ذلك، بما أنه أجابها مطمئنًا لها.
في بيت آلـ الرشيد توقف «أحمد» أمام باب شقة عمه يقول بخجلٍ:
حد فيكم يديها الحاجة دي علشان أنا هتكسف منها بصراحة دا غير إني متكلمتش معاها من ساعة ما جت غير كام مرة و يدوبك كان ترحيب بيها"
ردت عليه «خلود» تهمس بحنقٍ:
متعصبنيش ياض أنتَ، دي أختك برضه و بعدين بنقولك حاسة إنها ملهاش حد هنا غير طارق، تقوم أنتَ تتكسف، خش أنتَ بالحاجة و اتكلم معاها دا مش حرام و مش عيب"
أضافت «سلمى» تحثه هي الأخرى:
خلود بتتكلم صح يا أحمد هي علطول قاعدة جوة الشقة و مش بتخرج منها غير وهي بتطمن على هدير و هدى و ترجع تاني تساعد ماما في شغل البيت، و بتتكسف حتى تطلب أي حاجة"
نظر هو لهن بحيرة ثم أخرج زفيرًا قويًا مستسلمًا لحديثهن خاصةً بعدما طرقت إحداهن باب الشقة و الأخرى تراقبه و تراقب ضيقه، فتح «طارق» الباب لهم وهو يقول متهكمًا بسخرية:
يا مراحب بثلاثي أضواء عيلة الرشيد، اتأخرتوا ليه يا صِيْع"
ردت عليه «خلود» بحنقٍ:
لو متضايق كدا تعالى احجز الدروس أنتَ مكاننا، احنا مكناش بنلعب، كنا بنحجز دروس يا استاذ طارق، و أختك اللي في ثانوية عامة دي دوخنا علشانها و علشان نلاقي سنتر ليها، كمان مش عاجبك هو إيه أكل و بحلقة؟"
نظر لها «أحمد» و «سلمى» بتعجبٍ بينما رد عليها «طارق» باندهاش من طريقتها:
أنا...أنا مش قصدي والله يا آنسة خلود، شكرًا يا فندم لمجهودكم علشان أختي و علشان لقيتوا سنتر يلمها، أنا متربتش"
أومأت له بقوة ثم أضافت:
متقولش كدا برضه أنتَ أخويا الكبير، فين مراتك بس"
رفع حاحبه ينظر لها مُتعجبًا من طريقتها الفَظة معه فوجدها تقول بنبرةٍ قوية:
ها فين مراتك عاوزين نخلص و نشوف دنيتنا"
أشار هو لهم على الداخل وهو يقول بنبرةٍ مهتزة:
جميلة...جميلة جوة قاعدة بتحضر درس دين، تعالوا"
أومأ له الثلاثة ثم تبعوه للداخل حيث مكان جلوسها، وقف «طارق» و «أحمد» بجانب بعضهما البعض أما الفتاتين اقتربن منها بحماس، فابتسمت هي لهن ثم أغلقت هاتفها و هي تعدل من وضع حجابها المرتخي فوق رأسها حينما لاحظت وقوف «أحمد»، أما «خلود» أخرجت الحقيبة الخاصة بها و الحقيبة الخاصة برفيقتها وهي تقول بحماس:
بصي جبنا الشنط دي حلوة إزاي؟ جبناها علشان ننزل بيها الدروس عجبتك؟"
رغم لمحة الحزن الطفيفة التي رسمت على وجهها إلا أنها أخفتها وهي تقول مباركة لهن:
مبارك عليكم يا حبيبتي، تتهنوا بيهم و ربنا يجعله بالتوفيق"
تدخلت «سلمى» تقول باحراج مصطنع كما أمرتها «خلود»:
احنا....احنا آسفين علشان جبنا من غيرك، بس احنا شوفناهم لقطة و أحمد كان معانا قولنا فرصة"
أومأت لها بهدوء ثم ردت عليها ببسمة هادئة:
ولا يهمك أنا هبقى أجيب متشغليش بالك، لسه المدارس عليها شوية لكن أنتو دروسكم قربت خلاص، حرام تربطوا نفسكم بيا"
نظرت «خلود» لأحمد و كأنه تقول له:
أرأيت حالتها أيها الغبي؟"
أومأ هو لها سحب مقعد و جلس عليه مقابلًا لـ «جميلة» و هو يقول بسرعة كبيرة حتى لا يتراجع:
بصي أنا عارف أني متكلمتش معاكي من ساعة ما دخلتي البيت دا، و عارف كمان أني مقصر معاكي كأخ يعني، بس أنا كنت مكسوف منك يعني و حاسس إنك صعب تاخدي عليا، بس خلاص بقى أنتِ أختي و صعب اننا نفضل كدا بعيد عن بعض"
أحدقت النظر في وجهه تطالعه بأعين دامعة من حديثه، فوجدته يمد يده لها بالحقيبة و هو يقول باحراج:
دي حاجة بسيطة علشانك يا جميلة، أنا معرفش بصراحة ممكن تكوني محتاجة الحاجات دي ولا لأ، بس حسيت انهم مناسبين ليكي، دي شنطة علشان تروحي بيها مدرستك اللي هتشتغلي فيها و دا ازدال بالخمار بتاعه علشان تعرفي تتحركي في البيت بدل ما بتفضلي تلفي الخمار كل شوية، دا خمار جاهز، يا رب يعجبك"
قال حديثه ثم مد يده أكثر لها بالحقيبة حتى تأخذها منه مما جعلها تزدرد لُعابها بقوة وهي تمد يدها تأخذ منه حقيبة الهدايا تتفحص ما بها، ما لبست ثوانٍ ثم شهقت بقوة حينما رآت ما جلبه لها و هو تحديدًا ما كانت تريده، فرفعت أعينها من جديد تنظر لها و رغمًا عنها فرت دموعها على وجنتيها تأثرًا من الموقف مما جعله يمد أنامله يكفكف دموعها وهو يقول بحنان:
أنا مش عاوزك تعيطي و لا عاوزك تحسي نفسك غريبة عننا، والله لو أعرف أني هزعلك مكنتش جيت و لا كنت جبت حاجة أصلًا"
ردت عليه بنبرةٍ باكية من بين شهقاتها:
أنا بعيط علشان حنيتك و علشان أنتَ افتكرتني، أنا طول عمري كان نفسي يكون عندي أخ بس محصلش، دلوقتي ربنا كرمني بيك و الله بيكون نفسي أتكلم معاك و أسألك بس بتحرج"
احتضنها هو بقوة فجأةً وهو يقول معتذرًا لها بندم:
والله أنا آسف يا جميلة بس كان غصب عني بس خلاص وعد مني أنتِ ليكي أخ هنا زيك زيك خلود و خديجة بالظبط، لو طارق مزعلك عرفيني"
رد عليه «طارق» بضيق منفعلًا:
ملكش دعوة بيها يا أخويا، و خرجها من حضنك بدل ما أخرجك أنا من الدنيا كلها"
رفع «أحمد» حاجبه ثم شدد عناقه لها يتحداه أكثر باستفزاز، أما «طارق» عض على شفته السفلى و لم يعقب، فتنهدت هي بعمقٍ ثم ابتعدت عنه تقول له بمرحٍ:
أنا دلوقتي حضنتك علشان أنتَ أخويا، أوعى تكون مش كدا يا أحمد...متأكد اننا أخوات"
ضحك هو بخفة ثم قال بهدوء:
أطمني أنا و أنتِ أخوات في الرضاعة من أمي الفرق بينا شهرين بس، يعني رضعنا سنتين مع بعض، و خديجة و وليد رضعوا سنة كاملة مع بعض"
سألته هي باندهاش:
خديجة و وليد !! يعني كدا وليد أخويا هو كمان زيك"
نظر لها الجميع باندهاش فقالت هي بحماس:
أيوا صح وليد أخويا أنا كمان في الرضاعة زيه زي أحمد، علشان كدا كان بيتكلم معايا بثقة و هو بيقولي أني أخته"
تحدث «طارق» يقول بحماس:
يا ابن **** علشان كدا كان بيقولي أنزل أحضن مراتك و أهون عليها، ماشي يا وليد"
ضحك الجميع عليه حتى «جميلة» بنفسها وهي تقول بتعجبٍ:
ازاي محدش فينا خد باله من حاجة زي دي؟ ازاي تاه عن بالنا اننا اخوات أنا و هو و خديجة و أحمد و خلود"
رد عليه «طارق» بتوعد:
بس السوسة اللي اسمه وليد كان عارف علشان كدا اتصرف معاكي زي ما بيتصرف مع خديجة"
_"ما تحترم نفسك يالا، سوسة تلعب في ودنك يا بعيد و تنكد عليك عيشتك و آه عارف انها اختي"
تفوه «وليد» بذلك الحديث بعدما دخل الشقة مع زوجته بهدوء دون أن ينتبه لهما أحد، فاقترب منه «طارق» يقول بنبرة حادة بعض الشيء:
و لما أنتَ عارف إنها أختك طلعت عيني ليه، بتفضل تستفز فيا ليه؟"
رد عليه بلامبالاة ممتزجة بالمرح:
أنا حر هو أنتَ مراتي علشان أوضحلك؟ و بعدين ريح نفسك أنا مجوزهالك علشان أعوض الحرمان اللي عندك، يمين بالله هتوجع دماغي هطلقها منك و أرجعها تاني تعيش مع حسان و مشيرة"
وقفت هي أمامه تبتسم له ثم قالت بهدوء:
على فكرة أنا كنت حاسة إنك بتعمل كدا علشاني بدافع الأخوة، ياريتك كنت قولتلي بدل ما عاملتك وحش كدا، طلعت في الأخر أخويا زيك زي أحمد"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
بصراحة كنت متكيف و أنا بستفز فيكي و فـ طارق، أنا أصلًا من قبل رجوعك و أنا عارف إنك أختي زي خديجة علشان زينب رضعتنا سوا"
تدخلت «خلود» تقول بخبثٍ:
يلهوي لو كانت رضعت عبلة كمان، كان زمانك يعيني شكلك عرة أوي"
رد عليها هو باستمتاع:
لأ ريحي نفسك يا سوسة، أنا مطمن إن أمك مرضعتش حد من عيال عمك محمد نهائي، يعني أمان"
__________________
في شقة «عامر» كان بجلس أمام «سارة» يلعب معها لعبة (الكوتشينه) و فجأة صرخ مهللًا بمرحٍ:
الله عليك ياض يا عامر دماغ والله، كسبتك يا موكوسة"
ردت عليه بحنقٍ:
و رب الكعبة أنتَ نصاب و بتلعب بالبيضة و الحجر، يا كداب دا خامس واد تُقش بيه، جبتوا منين يا عامر ؟!"
رد عليها مُردفًا بمرحٍ:
جرى إيه يا سارة، الكوتشينة مليانة بنات و ولاد يعني طبيعي يزيدوا"
ردت عليه هي منفعلة بحنقٍ:
يا بني بطل استفزاز هيزيدوا ازاي يعني يا عامر ؟"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
عادي يعني العيل بيجي برزقه يا سارة، أنتِ هتبصي للكوتشينة في رزقها يا بنت المفترية ؟!"
اقتربت منه تنظر في عينيه و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
بص في عيني و قولي أنتَ خميت ولا لأ ؟"
رفع هو نظره ينظر في عينيها وهو يقول بنبرةٍ تائهة بعدما أمعن نظره في عينيها:
يا وقعتك السودا يا عامر...
صحيح كل العيون في الدنيا عادية و عيونك بس هما اللي ليا
هما حلوين كدا ليه ؟ و أنا بحبهم ليه يا سارة"
سألته هي هامسة بهدوء:
هما إيه دول يا عامر و بتحبهم ليه؟"
رد عليها هو يجيبها ببساطة و حب على غير عادته بعد استفسارها:
عيونك يا سارة.... بحبهم.... عاملين زي نجوم السما بليل و هما بيلمعوا كدا، عيونك دي بوصلة التايه و طوق نجاة الغريق... ببص فيهم مش عاوز أعرف الطريق"
عادت للخلف تنظر له باندهاش و هي تحاول وأد بسمتها فوجدته يتنهد بعمقٍ وهو يضيف بهدوء:
طول عمري كنت مستني نصي التاني اللي ممكن تقبلني زي ما أنا و متزهقش مني و قولت هقع في واحدة تكرهني في عيشتي، بس خلاص حصل اللي حصل"
سألته هي ببلاهة:
و هو إيه اللي حصل؟"
رد عليها مُردفًا بهدوء:
حبيت دنيتي علشان أنتِ فيها و حبيت نفسي علشان حبتيني...... و الله عمري ما كنت أصدق إن يجي يوم و أكون فيه بحب حد كدا، بس جيت أنتَ يا عم الناس يا فاكهة نادرة زي الأناناس"
ضحكت هي بقوة بعد جملته المرحة الأخيرة فضحك معها هو الأخر ثم أضاف يقول بمرحٍ:
ليلتنا فل إن شاء الله يا عسل"
فور انتهاء جملته وجد جرس الباب يصدح عاليًا، فرفع حاجبه يقول متهكمًا:
أهو العسل وصل، مين ابن الرخمة دا"
ردت عليه هي بهدوء:
مش عارفة بس شوف كدا يا عامر بقاله كتير بيرن"
أومأ لها ثم أعطاها حجاب رأسها و بعدها اتجه نحو باب الشقة يفتحه فتفاجأ بـ «عمار» يقف أمامه، نظر له باندهاش وهو يقول بنبرة متعجبة:
عمار !! خير فيه إيه أبوك و أمك كويسين ؟"
أومأ له ثم أجابه بمللٍ:
كويسين يا أوفر هتدخلني ولا أرجع تاني مكان ما جيت"
أشار له بالدلوف ولا زالت نظرته متعجبة من حال شقيقه، رحبت به «سارة» بحب وهي تقول:
نورت يا عمار، كل دا علشان تيجي تزورنا و عمال تقولي أنا أخوكي و في ضهرك، سايبني مع عامر مجنن أهلي كلهم"
ابتسم هو لها بهدوء ثم قال:
صدقيني يا سارة و الله من ساعة ما نزلت الشغل و أنا برجع أخر اليوم زي الجثة طول اليوم بناهد علشان مين خد كارت و مين ماخدش خلاص ماسك نفسي من الانهيار بالعافية"
رد عليه «عامر» بمزاح:
انهار ياض مش عيب، هو اقتصاد الدول أحسن منك فـ حاجة علشان ينهار و أنتَ لأ ؟"
ضحك عليه كليهما، فقال هو لزوجته:
قومي شوفي يا بنتي جهزي العشا علشان ياكل معانا"
أومأت له فأوقفها «عمار» بقوله المعترض:
بلاش يا سارة متتعبيش نفسك علشان أنا واكل في السنتر و جيت على هنا، أنا بس كنت جاي أسأل عامر على حاجة هروح بيتنا"
ابتسمت هي له ثم قالت بهدوء:
طب هجيب عصير تشربه لحد ما تتكلموا سوا"
أومأ لها كلاهما فرحلت هي بهدوء تاركة المجال لهما حتى يتحدثان سويًا دون خجلٍ منها، فاقترب «عامر» منه يسأله بهدوء:
خير؟ وشك مقلوب و محتار ليه يا عمار....أكيد فيه مصيبة مخلياك محتار كدا"
تنهد «عمار» بقوة ثم أومأ له وهو يقول بهدوء لكن نبرته خرجت مهتزة:
بصراحة فيه، شوفتها فـ السنتر النهاردة يا عامر و كنت مبسوط بس حاسس أني محتار و عاوز أسيب السنتر"
قطب «عامر» جبينه وهو يسأله بنبرةٍ حائرة:
شوفت مين و تسيب إيه أنا مش فاهم منك أي حاجة يا بني، و بعدين ازاي شوفتها و ازاي محتار"
زفر هو بقوة ثم شرع في سرد ما حدث اليوم حينما التقى به من شغلت باله منذ وقوع بصره عليها، كان يقص على شقيقة بهدوء ما حدث في المركز التعليمي، و حينما أتت «سارة» استرسل حديثه دون توقف فكان كليهما يستمع له بـ إنصات، فأنهى هو حديثه ثم أضاف:
أنا بقى مش عارف أعمل إيه، أنا مهما روحت و لا جيت برضه عيل لسه يدوبك داخل أولى جامعة و هي عيلة لسه في تانية ثانوي، و برضه مش ضامن أشوفها قصادي كل يوم و أسكت علشان كدا جيت أسألك يا عامر أسيب الشغل و لا أكمل ؟؟ أنا لما احتارت جيتلك علشان عارف إنك أبويا مش اخويا"
ربت «عامر» على كتفه وهو يقول بفخرٍ:
أنا فخور بيك يا عمار و مش بقول كدا كلام و خلاص، بس أنتَ راجل تستحق التقدير و الاحترام، و طالما عاوزها جد يبقى خليك زي ما أنتَ فـ شغلك و ملكش دعوة بيها يدوبك تسجل اسمها و خلاص غير كدا لأ، أنتَ بنفسك قولت إنك لسه صغير و هي كمان، و بعدين مين قالك إنك بتحبها مش يمكن مجرد اعجاب و خلاص ؟"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بسرعة كبيرة حتى ينفي حديثه:
لأ و الله مش اعجاب، فرحتي لما شوفتها دي مش اعجاب يا عامر، عيني بتلمع لما أشوفها و الله، أنا طول اليوم كنت مصدع لحد ما شوفتها ارتاحت، بس برضه أنا مش هتكلم معاها و لا هقول أي حاجة لو مقدرتش على كدا هسيب السنتر أحسن و خلاص و أروح الفرع التاني هو آه بعيد بس مش مشكلة، أحسن ما يجي يوم و أعمل حاجة حرام"
تنهد «عامر» بقوة ثم احتضنه فجأة وهو يقول بحبٍ طغى على نبرته:
طالما خايف من الحرام يبقى ربنا هيفرحك بالحلال يا عمار، بس كمل زي ما أنتَ في شغلك يمكن دا اختبار لصبرك و قوة تحملك، اثبت بقى انك قد الاختبار دا، و متنساش أنتَ هتبقى الدكتور عمار، يعني راجل ليك اسمه"
تنهد شقيقه بارتياح ثم أضاف:
أنا بحبك يا عامر كفاية إنك في ضهري علطول و كل ما أتوه بلاقيك ورايا، صحيح بنلبس فـ حيطة واحدة فـ الأخر بس كفاية إنك أنتَ و ياسين و خالد و ياسر في ضهري مش كل الناس محظوظة بيكم"
تدخلت «سارة» تقول بحب هي الأخرى:
بصراحة يا عمار يا بخت اللي هما فـ حياته بس، هيلاقي حنية و رجولة و شهامة، ربنا يرزق كل الناس بناس زيهم"
غمز لها «عامر» وهو يقول بمرحٍ:
يا جامد أنتَ يا مهلبية يا أحلى من طبق الملوخية....بدوق المُر في حياتي بس عيونك ليا سمسمية"
ضحكت هي بقوة على حديثه فابتعد عنه شقيقه يقول بضجرٍ:
يا بني اقفل باب المطبخ دا بقى قرفتنا فـ عيشتنا كلنا، الله يصبرها مراتك على التلبك المعوي دا"
احتضنه «عامر» من جديد وهو يقول متهكمًا بسخرية:
نام ياض خليني أبص في عينها، وبعدين أنتَ علشان قبلت في صيدلة هتقرفنا بقى، بكرة تيجي تشحت مني بيت شعر زي دا لصاحبة الصون و العفاف خلود الرشيد"
_________________
في شقة «ياسين» كان يتحدث هو في الهاتف مع «خالد» فوصله حديثه عبر الهاتف قائلًا:
بكرة يا ياسين محدش فين هيروح عند ميمي، أمي هتاخد الست تروق البيت بكرة و تبقى معاها و رياض قالي إنه هيودي ليها الأكل، علشان محدش فيكم يقلق"
تنهد هو براحة ثم رد عليه بامتنان:
خلاص يا خالد ماشي، أشوفك بكرة في صلاة الجمعة أنتَ و هما، نريح بقى من علقة الاسبوع اللي فات دا علشان كدا كتير علينا"
رد عليه «خالد» بسخرية:
جرى إيه ياض أنشف كدا، أنتَ لسه مكملتش شهر يا حبيب أخوك، جبت أخرك بدري ليه أومال هتعمل إيه لما ربنا يراضيك بحتة عيل سافل زي ابني كل شوية يطردني من البيت"
ضحك «ياسين» ثم رد عليه معقبًا بمرحٍ:
أنا عن نفسي مرتاح والله في الجواز، بس يدوبك جيت من شهر العسل دخلنا في العزا، ما صدقت يوم الجمعة يجي علشان ارتاح...يلا تصبح على خير"
أغلق الهاتف مع صديقه و هو جالس على الأريكة و هي ممدة جسدها و رأسها على قدمه تتابع التلفاز باهتمام غير مبالية بوجوده، فمد يده على رأسها يسألها بمرحٍ:
أنتِ صاحية و لا نايمة يا ست الكل؟ ساكتة ليه مش عوايدك"
ردت عليه هي بهدوء دون أن تحرك ساكنًا:
صاحية"
سألها هو بتعجبٍ:
أومال ساكتة ليه طيب، أنا مبحبش السكوت دا....ارغي في أي حاجة بدل الهندي اللي بتتفرجي عليه دا يا خديجة"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت مستفسرة:
هرغي فـ إيه يعني يا ياسين، رغي ممل بصراحة و كئيب"
ابتسم هو بهدوء ثم قال:
بس أنا بحبه...يلا سمعيني"
ابتسمت هي الأخرى ثم قالت:
طيب...خالد قالك إيه في التليفون"
رد عليها هو بمرحٍ:
خالد يا ستي قالي إننا مش هينفع نروح عند ميمي بكرة علشان مامته هتاخد واحدة تروق الشقة ليها بكرة، يعني علشان الست تعرف تاخد راحتها علشان كدا بكرة مش هنروح فـ حتة"
حركت رأسها موافقة دون أن تلتفت له فوجدته يمد يده في خصلاته يربت عليها وهو يقول بهدوء:
طب تحبي نروح فين بكرة ؟ يعني ميمي مش هنروح عندها و عندك مامتك لسه راجعين من عندها و رياض بكرة فرح ابن صاحبه هو و ماما، تحبي تخرجي بكرة أنتِ كمان ؟"
ردت عليه بهدوء و هي تنظر للتلفاز ولا زالت رأسها على قدمه:
بصراحة مش عاوزة أخرج...عاوزة أقضي اليوم هنا معاك و خلاص يا ياسين، أنا قولت هصحى بكرة أروق الشقة و أظبطها و نعمل أكل حلو كدا و نشغل سورة الكهف و نبخر الشقة متضيعش عليا المتعة دي"
ابتسم هو باتساع ثم قال بنبرةٍ متعجبة من طبعها الغريب:
خديجة أنتِ غريبة كدا إزاي؟ بجد والله بستغربك أوي، إيه البساطة دي يا ست الكل ؟"
رفعت رأسها تنظر له بتعجب بعدما ضيقت المسافة الواقعة بين حاجبيها:
بتستغربني ليه؟ و بعدين مالي يعني يا ياسين، أوعى تكون زهقت مني"
ضحك هو عليها و على طريقتها لذلك رد عليها مُعقبًا بهدوء بعدما ابتسم لها:
ازهق منك ازاي يا خديجة و أنا ماصدقت لقيتك، بس بستغرب إنك مش عاوزة تخرجي و لا عاوزة حاجة غير إنك تفضلي في البيت تمليه أمان و حنية، منطق غريب بصراحة"
حركت كتفيها ببساطة وهي تقول له بخجلٍ:
بصراحة مش عارفة بس أنا بحس بالغربة لما أخرج من هنا....أنا مكنتش عاوزة غير بيت أكون مرتاحة فيه و حاسة بالأمان و هنا اللي أنا عاوزاه يا ياسين، خايفة الدنيا تقلب عليا تاني و تاخد مني الراحة دي... علشان كدا عاوزة أفضل هنا مخرجش....بيتنا كان حلو أوي قبل ما المشاكل تدخله علشان كدا عاوزة اطمن هنا ينفع يا ياسين، اللي زيي والله بيفرح بشوية حنان و هدوء سبني بقى اتمتع بيهم"
أومأ لها متفهمًا ثم قال بنبرةٍ مهتزة:
أنا قولت إنك خلاص يا خديجة نسيتي كل حاجة وحشة...بس واضح إنك مش هتعرفي تنسي أصلًا....لسه بتخافي برضه"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
غصب عني والله مش بايدي....بس أنا بطمن بوجودك و بفرح معاك أوي و ساعات بحس إن اللي معرفتش أطلبه فـ بيتنا ينفع أطلبه منك هنا....مش بخاف زي الأول بس بقيت بعرف أطمن"
ابتسم هو لها ثم اعادها كما كانت وهو يقول بهدوء بعدما أدخل أنامله في رأسها يدلك منابت رأسها:
لو أنا بيتي و وجودك هو اللي بيطمنك يبقى كدا أنا أفرح مزعلش....أنا طول عمري عاوز أكون زي بابا....أمي عاشت طول عمرها معاه مشوفتهاش يوم زعلت منه ولا طلبت تسيب البيت...كل كلامها إن هو دنيتها كلها....كبرت على إنه مثلي الأعلى و عاوز أكون راجل حنين سوي نفسيًا يعرف يطمن بنت الناس اللي معاه.... دلوقتي بقى بنت الناس دي مش عارفة تطمن غير فـ وجودي....و الله اللي زيك خسارة في الدنيا دي يا خديجة"
سألته هي بنبرةٍ مختنقة من أثر كتم مشاعرها المتأثرة بحديثه:
خسارة في الدنيا ازاي يعني؟ هو أنا إيه"
ابتسم هو ثم أخرج زفيرًا قويًا ثم أجابها بهدوء:
أنتِ في خفة الفراشة يا خديجة... طول عمري بحب الفراشات و كان نفسي واحدة منهم تكون صاحبتي"
_"طب و حصل إيه؟"
سألته هي بنبرةٍ حائرة فوجدته يقول بهدوء و كأنه يسخر من نفسه:
ربنا كرمني و جوزني واحدة منهم.... شكل آنسة عقلة... بقلب طفلة صغيرة لسه أخضر..... بخفة روح الفراشة في رقتها.....كتكوتة يعني"
ابتسمت هي باتساع بعد حديثه عنها فوجدته يقول بمرحٍ:
خديجة هما مين الأشرار فـ الفيلم؟"
رفعت رأسها تنظر له بمرحٍ وهي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
تصدق بالله و رب الكعبة ما أعرف"
_________________
في صباح اليوم التالي يوم الجمعة اجتمعت العائلة بأكملها قبل صلاة الجمعة في شقة «محمود» في انتظار «حسن» حتى يأتي و يأخذ «هدير» معه، خرجت «هدى» تقول بحزن:
برضه خايفة تروح معاه و هو قال هاجي بعد الصلاة...و أنا مش قادرة عليها و خايفة ازعلها مني"
وقف «وليد» يقول بنبرة قوية:
أنا اللي هدخلها و عبلة معايا...محدش يقلق و أنتَ يا وئام كلم حسن علشان يجي"
تدخل «طه» يقول بهدوء:
استنى يا وليد يمكن هي ليها وجهة نظر....ظروفها غير برضه"
رد عليه هو بثباتٍ:
عارف يا عمي....بس أنا هغير وجهة نظرها دي، هدير لازم تخرج من هنا....و حسن جدع و راجل مش هقدر اقوله متجيش خلاص....سبوني أنا أتصرف"
أومأ له الجميع بموافقة فدخل هو لها الغرفة و «عبلة» خلفه، هبت «هدير» واقفة حينما رأته فنظر هو لها بحزن حينما رآى تحجر الدموع في مقلتيها مع احمرارهما بشدة، فأشار لزوجته التي ذهبت لها تحتضنها بحب ثم وقف مقابلًا لـها يقول هو بهدوء:
أنا عارف إنك خايفة و عارف إنك حاسة بحاجات كتير و كداب اللي يقولك حاسس بيكي يا هدير....محدش فينا بيحس بغيره غير اللي داق نفس الاحساس و جربه و حسن داق وجعك و عارفه هو أكتر واحد حاسس بيكي هنا....بعدين ينفع أكسر بخاطره و أقل برجولته و أقوله هي مش عاوزاك ؟"
حركت رأسها نفيًا تنفي حديثه فوجدته يضيف بقوة:
يبقى متخافيش منه علشان هو عاوزك معاه في حياته مش مجرد حل موقف و بعدين عاوز أعرف أنتِ بتثقي فيا ولا لأ ؟"
أومأت له بقوة تؤكد ثقتها به فوجدته يقول هو بعدما تنهد بعمقٍ:
علشان أنتِ بتثقي فيا أنا بقى مستحيل أخذلك يا هدير....و الله العظيم هتلاقيني قبل ما تحتاجيني..... احنا مش هنسيبك و عبلة أهيه معاكي تأكد كلامي دا"
حركت رأسها تنظر لزوجته فوجدتها تومأ لها تؤكد حديثه ثم قالت بنبرةٍ شبه باكية:
والله معاكي و عمري ما هسيبك تاني أصلًا....هتلاقيني عندك علطول يا هدير زي ما كنت عندك علطول"
حركت رأسها مستفسرة بتوسل تتلمس منها تأكيد حديثها فوجدتها تقول مؤكدة:
والله مش هسيبك و هفضل معاكي علطول....و وليد هو اللي قالي على كدا.....بس يلا علشان كلهم مستنيين خروجك برة...دي مشيرة جت مخصوص علشانك"
أومأت لها بهدوء موافقة ثم سارت معها حتى الخارج، فاخبرهم «وليد» بموافقتها بالذهاب مع «حسن» ابتهج وجه الجميع تزامنًا مع تنفسهم بعمقٍ، أما فتيات العائلة فاقتربن منها يحتضونها بحب و الرجال خلفهم في تلك اللحظة خرجت «مشيرة» من الممر الواقع داخل الشقة و حينما رآت ذلك العناق بين الفتيات و الشباب يقفون خلفهن قالت بنبرةٍ متأثرة أوشكت على البكاء:
شكلكم حلو أوي كدا....عاملين زي اللوحة المرسومة"
رد عليها «وليد» بسخرية كعادته:
أهيه كوباية القهوة اللي هتدلق على اللوحة وصلت"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع 9 - بقلم شمس بكري
أكتفيتُ بعيناكِ فقط من بين كل العيون...أنتِ وحدك من صانت عهد القلب حتى أصبح مصون.
_______________
توقف العقل عن التفكير...و القلب عن الحنين.....حتى الأعين أبت البكاء فما عليها سوى النظر للسماء..... أنا من بات ليالٍ يبكِ من العناء كُتبَ على قلبي السير في دروب الشقاء...حتى وجدت من كتبَ لي معها الرخاء....و بين ذراعيها وجدت الهناء.
أهيه كوباية القهوة اللي هتدلق على اللوحة وصلت"
قالها «وليد» بسخرية متهكمًا عند رؤيته لعمته حينما خرجت من الممر الداخلي للشقة مما جعل الضحكات ترتفع رويدًا رويدًا بعد محاولات توقفها لكن دون جدوى فـ ضحكوا عليها جميعًا و على ما تفوه هو أما «مشيرة» اقتربت منه ثم أمسكت فروة رأسه بمزاح وهي تقول ممازحة له ببعض الضيق:
اسكت بقى...نفسي تبطل قلة أدب فـ حياتك"
تدخل «محمد» يقول بضجرٍ:
ازاي بس ؟ دا طمع في قلة أدب أحفاد الرشيد كلها لنفسه..لا بيمسك لسانه و لا يطول باله و عمره ما سمع كلام حد"
بعد حديث «محمد» تركته «مشيرة» تحت النظرات الضاحكة عليهما أما هو فاقترب من حماهُ وهو يقول بهدوء:
خليك أنتَ كدا استفز فيا لحد ما تصحى فـ يوم تلاقيني هربان بيها و جايبلك العار و جايبه للعيلة كلها"
زادت ضحكات الجميع أكثر بينما «محمد» ضرب كفيه ببعضهما وهو يقول بذهول:
أنتَ بتقول إيه يالا...عار مين يا ابن الاهبل دي مراتك"
ابتسم هو بخبثٍ وهو يقول بنبرة متريثة:
و لما هي مراتي أنتَ عامل قلق ليه؟ ما تهدى شوية على نفسك كدا علشان شكلنا مطولين في الوضع دا"
تحدث هو يقول للجميع:
مش قولتلكم مبيسمعش الكلام ؟"
أومأ له موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
آه مبسمعش الكلام....و أنتَ بالذات مش هسمع كلامك عارف ليه؟ علشان هما في السبوع قالولي متسمعش كلام عمك محمد و لا كلام أي حد خالص و ابعد عني علشان أنا مصدع من يوم دق الهون تقريبًا"
تدخل «طارق» يقول بهدوء:
كفاية بقى انتو الاتنين و خلونا في هدير...انتو مش ضراير"
نظر «وئام» في ساعة يده ثم قال بعدما زفر بقوة:
حسن كلمني إنه جاي بعد الصلاة علطول، احنا ننزل نصلي الجمعة لحد ما هو يجي و البنات هنا مع هدير"
تحدثت «سلمى» لـ «هدير» بهدوء حتى تودعها:
أنا عندي درس دلوقتي يدوبك ألحقه أنا بس كنت عاوزة أسلم عليكي قبل ما تمشي من البيت، بس وعد مني أول أجازة من الدروس هاخدها هكون معاكي أنا و البنات كلهم..اتفقنا ؟!"
أومأت لها بقوة و نظرت لها نظرة حنان و كأنها ترسل امتنانها لها، فاحتضنتها «سلمى» و ودعتها و ودعت الجميع ثم نزلت من البيت، بعدها تحدث «وليد» يقول بتريثٍ حتى يشاكس عمه:
طب هطلع أنا أجهز علشان الصلاة و البس الجلابية البيضا حد عاوز مني حاجة...عاوزة حاجة يا عبلة"
ابتسمت هي بخجلٍ طفيف من حديثه حينما غمز لها فتدخل والدها يقول بسخطٍ:
هتعوز منك إيه يعني؟ أنتَ طالع تلبس..أنتَ بقى عاوز حاجة ؟"
أومأ له ثم أضاف قائلًا بثقة تتمتزج بنبرة الاستفزاز:
آه عاوز....عاوزها تبخرني أصلي محسود بعيد عنك"
نظر لـ «مرتضى» وهو يقول بـ لوم من أفعال ابنه:
شوف ابنك يا مرتضى و ابعده عني و عن بنتي كدا مينفعش"
نظر «مرتضى» لابنه وهو يقول بضيق:
عيب كدا يا وليد أنتَ مش صغير و بعدين دي مراتك و ابوها قاعد.... يعني تاخدها و تتكلموا فوق براحتكم مش هنا قدامنا"
ضحك الجميع على حديثه الغير متوقع حتى «هدير» نفسها ابتسمت ابتسامه طفيفة، رُسمت بسمة خبيثة على شفتي «وليد» عند تحول ملامح «محمد» إلى الاندهاش و هو ينظر لأخيه فوجده يضيف بنبرة جادة:
ريح نفسك يا محمد شوية علشان أنا حايشه عنك بالعافية أصلًا...لو عاوز عبلة هاخدها من النهاردة بس أنا مراعي إنك مرتبط بيها...بس لو ابني هيتعب يبقى ناخدها و أضمن راحته أحسن"
نظر له «محمد» بقلة حيلة ثم أخرج زفيرًا قويًا فتحدث «طه» يقول بهدوء:
يلا نجهز علشان الصلاة قربت و علشان مرتضى يفتح الجامع للناس"
أومأ له الجميع ثم انسحب الرجال خلف بعضهم تباعًا حتى يلحقوا الصلاة بالمسجد، بينما «مروة» اقتربت من «هدير» التي جلست بجانب شقيقتها بهدوء كما هي في سكونها ثم جلست بجانبها وهي تبتسم لها ثم قالت بحنان:
أنا عارفة أنتِ حاسة بإيه علشان أنا كنت زيك كدا، أمي ماتت و أنا لسه في تالتة ثانوي و بقيت لوحدي و ساعتها كان نفسي بس أحضنها أو أحس في حضن أي حد باللي كنت بحس بيه معاها...رغم إن دا عمره ما هيحصل علشان حضن الأم مفيش زيه...بس أنا أمك يا هدير ينفع أحضنك أنا"
قالتها «مروة» بنبرةٍ شبه باكية مختنقة من مشاعرها الودودة تجاه تلك الفتاة التي عصفت الأيام بها و بقوتها حتى كُسرت تمامًا، نظرت لها «هدير» نظرةٍ مشوشة لا تدري ماذا تفعل و قبل أن تحرك ساكنًا وجدت نفسها بين ذراعي «مروة» وهي تربت عليها بحنانٍ بالغ جعل الأخرى تتشبث بها بقوة و كأنها طوق النجاة لها و الفتيات تنظر لهن بتأثر حقيقي، أما «مشيرة» فتنهدت بعمقٍ وهي تنظر لـ «جميلة» تود احتضانها بقوة لكنها لن تستطع، أما «جميلة» فنظرت بطرف عينيها لوالدتها و لم يغفى عليها ذلك الوميض اللامع حينما وجهت رأسها نحوها.
_________________
في شقة «حسن» وقف هو يطالع الشقة بأعين راضية بعدما تم تجهيزها لـ مجيء «هدير»، خرجت امرأة من الداخل تخطو ببطء بسبب جسدها الممتلئ وهي تقول بحماس:
كدا كل حاجة خلصت يا أستاذ حسن...جهزت كل حاجة زي ما طلبت مني، تؤمر بحاجة تانية"
ابتسم هو لها بودٍ ثم أجابها:
ألف شكر يا أم أمل، تعبتك معايا من امبارح، بس الله ينور الشقة بقت حاجة تانية"
ردت عليه هي نفس الحماس:
أنا تحت أمرك و ألف مبروك الجواز كان نفسي أفرح بيك و أزغرط بس أنتَ قولتلي إن فيه ظروف خاصة بس تتعوض إن شاء الله و ربنا يسعدك"
تنهد هو بقوة ثم قال بنبرة هادئة ممتزجة بلمحة حزن:
الحمد لله على كل حال المهم هي تكون مبسوطة هنا....بس إن شاء الله الظروف دي تتحل و الدنيا تحلو شوية و ساعتها أنا هعوضها و أخليكي تزغرطي براحتك"
ابتسمت هي له ثم قالت بنبرةٍ مهتزة نتيجة ترددها فيما ستتفوه به:
هو.... هو يعني يا أستاذ حسن....خلاص مش مشكلة"
قطب جبينه يسألها حائرًا:
مالك بس فيه إيه؟ قولي عاوزة إيه"
ردت عليه بسرعة:
خلاص مش مشكلة حصل خير"
سألها هو بنبرةٍ جامدة أقوى مما كان يتحدث بها:
قولي يا ام أمل عاوزة تقولي إيه، عاوزة فلوس أو عاوزة حاجة مني"
خرجت منه جملته الأخيرة بنبرةٍ أهدأ من بداية حديثه مما جعلها تبتسم بارتياح ثم أردفت تقول بهدوء:
ربنا يكرمك يا بني و يرزقك أنتَ عمرك ما بخلت عليا و لا على عيالي بحاجة من ساعة ما دخلت البيت دا...أنا بس كنت عاوزة أسألك هي المدام زي مدام ريم الله يرحمها ؟"
نظر لها مستفسرًا بتعجب بعدما ضيق ما بين حاجبيه مما يدل على اندهاشه من سؤالها، فأردفت هي تزيل استفهامه بنبرةٍ خجلة بقولها المتردد:
أصل يعني....الست ريم كانت بتقرف مننا و علطول كانت مش طيقاني بس والله أنا كنت بحبها الله يرحمها بقى....أنا بس عاوزة أسألك علشان لو المدام هتضايق مني زيها أقلل ظهوري قصادها"
أدرك هو غرض حديثها لذلك تبدلت ملامحه إلى أخرى مُحبة و هو ينفي ظنها بقوله:
متخافيش...هدير مش كدا، هدير حاجة تانية غير ريم الله يرحمها و ياريت متجبيش سيرة ريم قصادها أحسن...و أنتِ بنفسك هتعرفي الفرق بينهم"
ردت عليه هي بسرعة نتيجة خجلها من حديثه:
والله مش قصدي حاجة أنا بس علشان هي متضايقش مني....المدام الله يرحمها كانت بتضايق مني علشان كدا بسأل و أنا مش قصدي حاجة والله"
أومأ هو لها متفهمًا ثم قال مغيرًا مجرى الحديث الذي ذكره بزوجته السابقة و بمعاملتها الغليظة مع من حولها خاصةً البسطاء حيث كانت تتعالى عليهم و تتعامل معهم و كأنها أعلاهم شأننًا و مقامًا لذلك قال بهدوء:
هي الله يرحمها بقى...و هدير دي حاجة تانية هي قلبها أبيض أوي و أنتِ هتحبيها.... زي ما كله حبها..."
___________________
في شقة «خالد» استيقظ على صفعة قوية تضرب وجنته لا تتناسب مع حجم الكف الذي صفعه مما جعله ينتفض من نومه متأوهًا بشدة قائلًا:
آااه يا ابن ***** على الصبح هو أنتَ ضرتي يالا ؟؟"
ضحك «يونس» باتساع ثم ركض خارج الغرفة حينما رآى ملامح والده الحادة التي يحدق بها صوبه، بينما هو ارتمى على الفراش من جديد ثم رفع كفيه يمسح وجهه فوجد زوجته تدخل الغرفة وهي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
أنا لما لقيته طلع يجري كدا قولت أكيد صحاك من النوم بس قولي صحيت ازاي"
ابتسم هو بسخرية ثم أضاف متهكمًا:
بقلم....الواد ايده زي الابرة نزل بكفه على وشي خلاني أقوم زي الملسوع"
ضحكت هي على طريقته ثم قالت ملطفة الأجواء بعدما اقتربت منه :
حقك عليا متزعلش منه، علشان و أنا بأكله قولتله هنصحي خالد هو بقى مسك في الكلمة و دخل يصحيك"
تحدث هو بسخرية من حديثها حينما رآها تحاول تلقي اللوم بدلا منه:
أنتِ فيه حاجة فـ مخك يا ريهام؟ هزعل من عيل سافل زي دا عنده سنتين؟ و بعدين أنتِ مالك هو كل يوم يصحيني بقلم زي دا"
ابتسمت له هي ثم قالت بحماس:
طب قوم يلا علشان تلحق الصلاة أنا كَويت جلبية خالد و ابنه كمان"
قالت جملتها وهي تبتعد عنه فوجدته يمسك كفها ثم قربها منه من جديد وهو يقول بنبرة مشاكسة:
يعني فطرتي يونس و كويتي جلبية خالد و جلبية ابن خالد طب و خالد نفسه مش هياخد حبة اهتمام خالص"
نظرت هي له بخجلٍ وهي تقول بهدوء:
أنا عيوني لخالد....بس يلا علشان متتأخرش... علشان نفطر سوا طالما مش هتنزل النهاردة"
اقترب هو منها يقول بخبثٍ:
طب مفيش بوسة من اللي طايرين ليونس دول و الله أنا برضه محتاج اهتمام....أصلهم أهملوني و أنا صغير"
نظرت له بذهول وهي تقول بغير تصديق من حديثه الغير معتاد:
خالد أنتَ كويس ؟! حساك متغير فيه إيه مالك"
ابتسم هو لها ثم قال بنفس المشاكسة وهو يغمز لها بطرف عينه:
حنيت يا نور البيت....كل الحكاية إنك وحشتيني و بقالي كتير معبرتش عن مشاعري"
وضعت يدها على جبينه تتحسسه وهي تقول بغير تصديق:
لأ كدا كتير...أنتَ تكتر من القعدة مع صحابك....دا إيه التطور دا"
ابتسم هو بسخرية ثم أضاف:
يا بت دا أنا اللي معلمهم...بس أنا بحب أبقى تقيل شوية دا غير إن فيه ضرة معايا في البيت"
كانت تبتسم هي على حديثه لكنها شهقت بقوة بعد جملته الأخيرة تزامنًا مع ابتعادها عنه وهي تقول بقلقٍ:
يــونــس.....زمانه بيرمي المشابك من البلكونة"
ركضت هي بعد جملتها الأخيرة بينما هو حدث نفسه متهكمًا:
مش أنا قولت ضرتي ؟! "
بعد قليل قامت هي بتبديل ملابس ابنها إلى جلباب للصلاة تطابق مع جلباب والده البيضاء، بعدها ابتسمت بحب و هي تضع القبعة البيضاء فوق رأسه وهي تنظر في وجهه الوسيم الذي يشبه ملامح وجهه إلى حدٍ كبير، خرج «خالد» من الداخل يرتدي الجلباب فوجد صغيره يجلس إمام والدته يضحك بسعادة وهي تداعبه، فاقترب هو منهما يقول بمرحٍ:
أهو دا المنظر اللي الواحد يحب يشوفه و يصحى عليه مش الكف اللي باخده كل يوم"
ضحكت هي بقوة ثم تحدثت تقول بمرحٍ هي الأخرى:
بصراحة الواد قمر و أبوه قمرين عاملين زي النجوم"
رد عليها هو بسخرية:
احترمي نفسك يا ريهام أنا نازل أصلي الجمعة....خليك شاهد ياض على أمك"
حملت صغيرها على ذراعها قم اقتربت منه تقول بحبٍ:
هو شاهد إن أمه بتحب أبوه و عارف إن أبوه بيحبه و بيحب أمه بس هو اللي كان غبي"
التقط هو معاتبتها له لذلك اقترب منها ثم قبل وجنتها بحبٍ ثم ابتعد عنها ينظر في عينيها بحبٍ وهو يقول بهدوء:
الغبي دا ملوش غيرك و أنتِ عارفة كدا....أنتِ عارفة أني مبصالحش و مبتحيلش بس أنتِ مش أي حد يا ريهام....أنتِ اللي كنت بدور عليها علشان ألاقي معاها خالد اللي تاه مني يوم موت أبوه"
رفعت عيناها تطالعه بنظرة غير مصدقة يشع الحب منها فوجدته يضيف من جديد:
عارف أني بتعصب و بقفل بس أنتِ بقى حاجة تانية و عارف أني بخاف عليكو زيادة بس أنا ما صدقت لقيتك والله"
اغرورقت مقلتيها بالدموع من حديثه المفاجيء لها فوجدته يأخذ «يونس» من يدها ثم أمسك كف صغيرهُ وهو يقول بطريقة مضحكة:
تعالى أوريك ايدك دي تعمل بيها ايه غير إنك تضربني"
قال جملته ثم اقترب أكثر منها و هو يمسح دموعها بواسطة أنامل صغيرهُ فوجدها تبتسم له بحبٍ لذلك قال هو لابنه:
ايدك دي علشان تمسح دموع أمك بيها مش علشان تطرقعها على وش أبوك يا واطي...بس هقول إيه منه لله عامر علمك الضرب و قلة الأدب"
ضحك «يونس» بقوة عند ذِكر إسم «عامر» ثم كرره بطريقة الاطفال فضحكت والدته عليه أما «خالد» فتحدث ساخرًا:
أول ما أقول إسم الزفت يضحك أوي كأني بقوله نكتة...كان ناقصني منه نسخة تانية أنا علشان يقهرني"
ارتفع صوت ضحكتها أكثر وهو يطالعها بهيام فوجدها تحمحم بقوة ثم قالت:
يلا بقى علشان الصلاة عيب كدا"
أومأ هو لها مبتسمًا ثم أخذ ابنه و غادر الشقة و هي تنظر في أثرهما و تدعو الله أن يحفظهما.
_________________
في شقة «خديجة» أنهت هي صلاة الصبح ثم جلست أمامه تستمع له وهو يتلو سورة الكهف بصوته العذب كما طلبت هي منه، كان يقرأها هو بصوتٍ عذب و كانت قراءته صحيحة بالتجويد و الأحكام، أنهو هو التلاوة ثم أغلق المصحف و رفع كفيه للسماء يدعو الله أن يحفظهما سويًا.
كانت هي جالسة أمامه تنظر له بحب و رغمًا عنها بكت و فرت دموعها على وجنتيها وهي تراه يتضرع لله سبحانه و تعالى لأجلها، فوجدته يقترب منه ثم قبل قمة رأسها وهو يسألها بهدوء ممازحًا لها:
أنتِ بتعيطي ليه يا ست الكل؟ هو أنا بقطع بصل جنبك يا خديجة؟ أنا بقرأ قرآن"
مسحت دموعها وهي تبتسم له ثم تحدثت توضح له موقفها بمرحٍ طفيف:
أنا بعيط علشان بفرح لما أسمع صوتك و أنتَ بتقرأ قُرآن....يدخل القلب و يريحه و نفسي افضل أسمع صوتك و أنتَ بتقرأ القرآن علطول....بحس بانتصار غريب أوي على الدنيا... العياط دا عياط حلو يا ياسين"
ابتسم هو لها بهدوء ثم وضع كفه على رأسه وهو يقول بمرحٍ بعدما ابتسم في وجهها:
طب الحمد لله إنه عياط حلو، رغم أني أول مرة اسمع كلمة عياط حلو دي بس أهي أحسن من العياط الوحش يا خديجة"
قبل أن تتحدث وجدت شاشة هاتفه تضيء برقم «عامر» حتى ينزل للصلاة، أخذ هو الهاتف ثم أغلق المكالمة في وجه صديقه وهو يقول بـ تعجلٍ:
طب هنزل أنا علشان ألحق الصلاة....العيال مستنين تحت"
أومأت له وهي تراقب خروجه من الشقة ثم تنهدت بعمقٍ و أمسكت المصحف حتى تقرأ منه.
في الأسفل أجتمع الأربع شباب و كلًا منهم يرتدي جلباب أبيض مطابق لـ جلباب الأخر حتى «يونس» معهم نظر «عامر» حوله يتفحص هيئة الشباب بعينيه فتحدث ساخرًا:
ماشاء الله طقم جلاليب أبيض عاملين زي علبة الطباشير...دا نفس الزرار حتى"
رد عليه «ياسر» بحنقٍ منه:
ماهي نفس القماشة اللي ابوك جابها و رياض فصلهالنا سوا حتى يونس... جاي تندهش دلوقتي"
كان «عامر» حاملًا «يونس» على ذراعه فنظر له بعدما ضيق جفنيه وهو يقول بتشككٍ:
جلبية الواد يونس قد كُم جلبية من بتاعتنا"
ضحكوا عليه هما أما الصغير مال بجسده على «ياسين» يريده، فأعطاه «عامر» له وهو يقول متهكمًا بسخرية:
بعتني علشان خاطر ياسين يا حقير... ماشي يا رب يبقى حماك علشان تتربى على إيده"
أخذه «ياسين» منه وهو يقول بمرحٍ:
هاته حبيب ياسين دا...و بعدين مش يمكن تطلع أنتَ حماه يا عامر"
_"إيـــــه !! دا لا يمكن يحصل أخرتها أناسب عامر ليه ؟ دا مستحيل يحصل"
خرج ذلك الحديث من «خالد» بنبرةٍ شبه صارخة مما جعل صديقيه يضحكان عليه بقوة عدا «عامر» الذي رفع أنفه بتشنج وهو ينظر له بوجهٍ ممتعض ثم قال باستفزاز:
ريح نفسك يا حبيبي...أنا كدا كدا مش هناسبك....أنا حاجز أول وِلدة عند ياسر"
رد عليه «ياسر» بحنقٍ:
احترم نفسك يالا أنتَ إيه وِلدة دي هو أنا كلب قصادك دا أنتَ عديم الرباية صحيح"
تدخل «ياسين» يقول بنبرة ضاحكة:
مفيش فايدة لازم كل جمعة نفضح بعض و نعرف الناس تربيتنا الناقصة دي"
رد عليه «خالد» بضيق:
اتلهي على عينك أنتَ كمان...دا أنتَ متربي ٣ مرات".
ضحكوا جميعًا عليه وهو يحرك رأسه بيأس منهم جميعًا.
__________________
أسفل بيت آلـ «الرشيد» أنهى الرجال الصلاة ثم وقفوا أسفل البيت كعادتهم يتمازحون سويًا و معهم «محمود» أيضًا الذي تبدل حاله كثيرًا من بعد وفاة زوجته، و فجأة اقتربت سيارة «حسن» من البيت، تنهد «وئام» براحة كبرى حينما لمح السيارة التي توقفت أمام البيت بمسافة قليلة نزل هو باحراجٍ طفيف ثم ألقى التحية على الجميع بعدها تحدث «طارق» يقول بهدوء:
أنا بقول يلا نطلع علشان هدير متفتكرش إنه اتأخر"
سأله هو بلهفة:
هي سألت عليا !! أقصد....أقصد يعني هي كويسة عن الأول"
رد عليه والدها بأسى و بنبرةٍ حزينة:
لسه يابني زي ماهي للأسف بس ربنا كريم و رحمته واسعة...أنا عاوزك تحطها فـ عينك علشان خاطري والله أنا لو أعرف أساعدها ازاي هعمل كدا و مش هتأخر....دي مسئولية عليك و موقفك لوحده كفاية عندي"
اقترب هو منه بعدما ابتسم بسمة طفيفة زينت ثُغره لكنها لم تصل لقسمات وجهه وهو يقول:
أنا عاوزك تعرف إن هدير فـ عينيا و ربنا يقدرني و أرجعها تاني أحسن من الأول و بعدين أنا اللي طلبت من وليد و عم مرتضى كتب الكتاب علشان تكون معايا....صدقني حتى لو رجعت أحسن من الأول و طلبت انها ترجعلك و تسبني أنا مستحيل أتأخر و هجبها بنفسي"
رفع «وليد» حاجبه مُتعجبًا و هو ينظر بخبثٍ لصديقه ثم حرك رأسه موافقًا بهدوء في إيماءة بسيطة دون أن يراه أيًا من الواقفين، بينما «محمود» ربت على كتفه وهو يقول بامتنان:
دا العشم والله ربنا يجبر بخاطرك و يكرمك براحة البال يا رب"
تدخل «وليد» يقول بخبثٍ:
طب يلا علشان راحة البال مستنية فوق...قصدي علشان بالنا كلنا يرتاح إن شاء الله يعني"
قالها و كأنه يوضح مقصده و في تلك اللحظة مال «طه» على أذن «مرتضى» يقول متهكمًا بهمس:
تصدق بالله أنتَ لو هتدخل النار يبقى بسبب تربيتك الناقصة للواد دا"
ابتسم «مرتضى» بفخرٍ وهو يقول:
إيه دا أنتَ كمان فهمت هو قصده على مين"
نظر له «طه» بغير تصديق ثم نفخ وجنته بقوة حانقًا عليه و على ابنه المُدلل.
في الأعلى قامت الفتيات بتجهيز أشياء «هدير» و قامت أختها بوضع مستلزماتها التي دائمًا تكون في حاجةٍ إليها و بعد مرور دقائق صعد الرجال جميعهم إلى الشقة و «حسن» معهم حينما رآته هي شعرت بارتفاع في نبضات قلبها و كأن تلك المضخة تنبض للمرة الأولى في تلك الحياة، مع زيادة قلقها من فكرة ذهابها معه بمفردها إلى بيته، أما هو فتعلق نظره بها يحاول استبيان مشاعرها المضطربة المرسومة على ملامح وجهها و هي تفرك كفيها معًا و تضغط أناملها في بعضهم، أما «وليد» اقترب منها يقول مُشجعًا:
يلا يا هدير علشان تروحي مع جوزك"
نظرت له تطالعه بريبة و قلقٍ حقيقي ظهر جليًا فـ مقلتيها، فوجدته يومأ لها مُشجعًا حتى يحثها على الحركة معه، فأخذت هي نفسًا عميقًا زفرته على مهلٍ ثم حركت رأسها موافقة بإيماءةٍ بسيطة تَنُم عن موافقتها فتنهد «حسن» بارتياح تزامنًا مع انفراج شفتيه ببسمة هادئة حينما حركت رأسها موافقة، بعدها اقترب منها الجميع يودعونها وهي تحتضن الجميع غير مرحبة بفكرة تركهم، هي فقط لا تريد احراجه بعد موقفه الشجاع معها وبعد التوديع و النصائح لكل منهما نزل هو و هي خلفه و «وليد» خلفهما وقف هو عند السيارة ثم فتح الباب لها حتى تجلس بجانبه نظرت له نظرة حائرة فوجدته يقول بهدوء:
اركبي يلا يا هدير"
أومأت له و قبل أن تدخل السيارة وجدت «وليد» يضع يده على الباب وهو يقول بنبرة هادئة مُردفًا لها:
احنا كنا المفروض نروح معاكي نوصلك بيت جوزك بس أنا طلبت إن دا ميحصلش و قبل ما تفهمي غلط يا هدير، أنتِ مش زي حد علشان نفرح إنك تخرجي من البيت دا....والله خروجك من هنا مزعلنا كلنا و علشان كدا مروحناش معاكي هناك شقة حسن، أنتِ شايفة شكل البيت كله عامل ازاي يعني طبيعي الناس تتكلم بس وعد مني أول ما الدنيا تتصلح أنا هجيب العيلة كلها و نيجي نزورك في بيتك يا هدير و ناكل من إيدك...اتفقنا ؟"
أومأت له بامتنان حقيقي و للحق في تلك اللحظة كانت تود احتضانه بعدما أردف لها مقصده من رفضه اتباعها لبيت «حسن» فابتسم هو لها بودٍ فتدخل «حسن» يقول بنبرة قوية:
ما خلاص يا جدعان أنا تعبت...بصيلي أنا يا هدير و أنا هقولك كلام حلو زي دا"
رد عليه «وليد» بضيقٍ زائف:
ولا متقرفناش بدل ما ورب الكعبة ألغي الموضوع و أطلعها تاني معايا"
رد عليه «حسن» بتوسلٍ حينما سمع تهديده:
لأ خلاص....أنتَ سوسة و تعملها بصحيح، يلا يا هدير اركبي بدل ما ياخدك تاني"
أومأت له ثم ركبت السيارة بجانبه، أما هو فنظر لـ «وليد» بامتنان فأومأ له الأخر ثم ابتسم له وهو يبتعد عن السيارة حتى يترك لهما المجال للتحرك...و بعد مرور ثوانٍ تحركت السيارة من أمام البيت نظر «وليد» في أثر السيارة بارتياح تزامنًا مع اخراجه زفيرًا قويًا ثم رفع رأسه للأعلى فوجد «خلود» تلوح له بإشارات التقطها هو و فهم مقصدها أنها تريده فوق السطح، أومأ لها ثم لحقها للأعلى و بعد مرور دقيقتين دخل هو سطح البيت لها فوجدها تقترب منه وهي تقول بنبرة هادئة:
عاوزاك ضروري فـ حاجة مهمة و هسألك عنها"
أومأ لها هو بتعجب فوجدها تقول مستفسرة بنبرةٍ متسرعة:
فيه حد كلمك امبارح من سنتر أو حاجة؟ أو فيه رقم غريب كلمك على الواتساب ؟"
قطب جبينه بـ حيرة وهو يُجيبها نافيًا حديثها:
لأ محدش كلمني خالص...استني أشوفلك كدا"
أخرج هاتفه يتفحصه فلم يجد رقمًا غريبًا لذلك أجابها هو ببساطة:
لأ يا خلود محدش كلمني خالص امبارح غير حسن، بس في إيه قلقتيني و شغلتي دماغي"
أخذت نفسًا عميقًا زفرته على مهلٍ وهي تنظر له بترددٍ ثم قصت عليه ما حدث بين شقيقها و «عمار» فـ كان هو يستمع لها بانصات و كامل تركيزه وبعد سردها للموقف وجدها تضيف من جديد:
أنا اتدخلت علشان أحمد كان هيركز أوي معاه و حسيت إن الواد هيموت من الخوف و قولت إنه صورني فعلًا بس دا محصلش يا وليد و في نفس الوقت هو متصلش يعني شخص غريب بصراحة"
سألها هو بهدوء عجيب:
إزاي طيب فهميني....عملتي إيه علشان تتأكدي من نيته"
ابتسمت هي بخبثٍ ثم أجابته بنبرةٍ ماكرة:
لما لقيته بيسألني بعشم و عرفني كدا أنا شكيت فيه و خوفت أحط رقمي علشان كدا حطيت رقمي القديم و رقمك أنتَ بحيث إن واحد يطلع مقفول و التاني ترد عليه أنتَ فيخاف، بس طالما هو متصلش يبقى نيته مش وحشة و ممكن فعلًا يكون عرفني صدفة"
نظر هو لها بتفكير يحاول استبيان حقيقة الموقف بعدها أخرج زفيرًا قويًا ثم قال:
بصي يا خلود بلاش نسوء الظن في حد و أنا عارف إنك نسخة مني في التفكير بدليل حركة الأرقام دي...و هو ممكن يكون فعلًا عرفك صدفة يا خلود و على العموم أنتِ خلي بالك من نفسك و زي ما أنتِ ملكيش دعوة بحد و هو لو زود و كتر سبيلي الطلعة دي، ماشي ؟"
ابتسمت هي له ثم أضافت تقول بنبرةٍ واثقةٍ منه:
أنا قولت ملناش غير ليدو و برضه لو كلمك عرفني أو لو جالك مكالمة من السنتر ابقى عرفني علشان أعرف الحصص"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف بهدوء:
ماشي يا خوخة انزلي أنتِ بقى علشان عبلة طالعة"
تنهدت هي بعمقٍ ثم أضافت بنبرةٍ هائمة:
يا بختك يا عبلة..."
ضربها هو على رأسها وهو يقول بحنقٍ زائف و بنبرةٍ حازمة:
انزلي يا بت ذاكري و لمي نفسك، يلا يا حلوة"
ضحكت هي بقوة ثم راقصت له حاجبيها ثم تركته و نزلت على الدرجات تزامنًا مع خروج «عبلة» من المصعد وهو موليها ظهره و قبل أن تتحدث هي قال هو بمشاكسة:
وحشتيني يا سوبيا"
ضربت الأرض بقدميها وهي تصرخ بنبرةٍ مكتومة من حنقها عليه.
_________________
في مطعم قريب من الشارع المخصص لشقق الشباب وقفوا جميعهم يجلبون الفطار عدا «عامر» الذي وقف بعيدًا عنهم و في يده «يونس» و البقية داخل المطعم المزدحم يحاولون شراء ما يريدون، و بعد مرور دقائق خرجوا تباعًا و «ياسين» يقول بحنقٍ:
اتفضل يا أستاذ عامر فطار حضرتك أهوه مش عارف واقف تهبب إيه و سايبنا احنا نجيب الفطار"
ابتسم له «عامر» باستفزاز وهو يقول بمزاح حتى يشاكسه:
عندي حساسية من الزحمة و بعدين يلا نروح علشان الطعمية سخنة و بصراحة بحبها مع الشاي أوي"
تدخل «ياسر» يقول بمرحٍ:
كان نفسي اتجوز علشان أقف يوم الجمعة كدا أجيب طعمية وفول و بتنجان ياه أحساس جامد والله"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث «عامر» بنبرةٍ ضاحكة:
طب يلا ارفعوا شنط الفطار خلونا نتصور احنا الأربعة بالطعمية بما إننا رجالة متجوزين"
ابتسموا له ثم فعلوا ما طلب هو منهم و بعدها انسحب كلًا منهم إلى شقته و أول من دخل كان «خالد» حينما وجد «ريهام» تضحك بقوة وهي تنظر في هاتفها و لم تستطع تمالك نفسها، اقترب منها و ابنه في يده وهو يقول بتعجبٍ:
بتضحكي كدا ليه و أنتِ لوحدك اتجننتي ولا إيه يا ريهام"
حاولت هي كتم ضحكتها وهي تقف مقابلةً له تقول بنبرةٍ ضاحكة:
عامر مغفلكم و أنتو في المطعم بتجيبوا الفطار و واقفين قدام طاسة الطعمية و نزلها في جروب العيلة اللي عمو رياض عملوا و اتفضحتوا قدامنا كلنا"
قالت حديثها ثم أعادت الكرة في الضحك من جديد وهي تضع الهاتف في وجهه حتى يرى الصور و فجأة نطق هو بنبرةٍ قوية منفعلة:
آه يا عامر الكلب.... ماشي هات أخرك يا ابن فهمي"
في شقة «ياسر» كانت «إيمان» تضحك بقوة و هي ترى الصور و خاصةً حينما رآت فيديو قصير لزوجها و هو يحاول وضع الطعمية داخل الورقة المخصصة و كان الفيديو يمر بطريقة سريعة مضحكة، دخل «ياسر» الشقة فوجد ضحكاتها مرتفعة بقوة وهي تضرب قدميها بكفيها بعدما تركت الهاتف على الطاولة، اقترب منها ينظر لها مُتعجبًا من وضعها فوجدها تحاول كتم ضحكتها وهي تتحدث بسخرية:
إيه يا ياسوري هي الطعمية كانت سخنة ولا إيه"
قطب جبينه يسألها مستفسرًا بتعجبٍ:
ليه بتقولي كدا حصل إيه"
بعد سؤاله لها وضعت الهاتف في وجهه بعدما قامت بتشغيل الفيديوهات الخاصة به أما هو فاتسعت حدقتيه بقوة وهو يقول بانفعال:
يا نهار أبوك مش فايت يا ابن **** إيه يا جدعان هو عملي الأسود في الحياة عامر و إيه دا كاتب إيه؟"
خطفت الهاتف من يده وهي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
كاتب أنا رايح فين أنا راجع تاني و منزله على جروب العيلة بتاعنا"
ضرب هو كفيه ببعضهما وهو يقول بنبرة شبه باكية:
يا رب أنا تعبت والله في حياتي و راضي و صابر بس عامر صعب عليا والله.....أنا مش قد الابتلاء دا"
ضحكت هي بقوة أكثر وهي تنظر للهاتف من جديد.
في شقة «عامر» دخل وهو يضحك كانت زوجته جالسة على سجادة الصلاة و حينما سمعت صوت باب الشقة وقفت ثم خلعت ازدالها فوجدته يقترب منها يقول بحماس:
إيه رأيك في الصور شوفتي الجروب مولع إزاي ؟"
سألته هي بتعجب:
جروب إيه و صور إيه؟ أنا كنت بصلي الضهر و مرضتش أفتح التليفون علشان ميعطلنيش"
أومأ هو لها ثم أخرج هاتفه حتى تشاهد ماقام هو بفعله أما هي فشهقت بقوة وهي تقول بنبرةٍ مندهشة:
يا نهارك مش فايت يا عامر حرام عليك دا فيديو خالد لسه مسمع عندك، بتعمل فيهم كدا ليه"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بنبرة غير مبالية و كأن الأمر في غاية البساطة:
عادي مفيهاش حاجة هما عيال غاوية نكد و أنا بحب التصوير أوي قولت أستغل الموهبة دي بدل ما تدفن"
سألته هي بتعجبٍ من افعاله الصبيانية:
ليه يا بني بتعمل إيه بكل الصور و الفيديوهات دي"
اقترب هو منها يقول هامسًا و كأنه سيفصح عن سرًا حربيًا:
أقولك على حاجة بفضل طول السنة أصور فيهم و أصور كل لحظاتنا سوا علشان فيديو السنة"
قطبت جبينها متعجبةً من حديثه فوجدته يضيف مردفًا لها:
أنا هفهمك... طول السنة بجمع كل لحظاتنا سوا زعلنا و تعبنا و فرحنا و كل حاجة و أخر يوم في السنة بعمل فيديو زي فيلم قصير بيكون فيه ملخص السنة كلها و احنا الأربعة مع بعض، بس السنة دي هيبقى أحلى علشان كل واحد فينا بقى مع نصه التاني يعني الفرح أكتر"
تبدلت نظرتها إلى الحنان و هي تسأله بنبرةٍ هادئة:
طب لازمته إيه الفيديو دا طالما كل دا عشتوه مع بعض يا عامر"
حرك كتفيه ببساطة تزامنًا مع لمحة حنين تأثرًا من الموقف وهو يقول بنبرة حنونة:
مش عارف بس بحب وجودهم معايا في كل حاجة، بحس إنهم حاجة مفيش منها و حياتنا مع بعض دي كنز كبير محتاج يتوثق، همت أخواتي و عزوتي، بحب أخر السنة بقى أفضل افتكر كل لحظاتنا سوا علشان أطمن علي اللي جاي"
احتضنته هي فجأة وهي تقول بنبرةٍ شبه باكية متأثرة من حديثه:
يا بختهم بيك والله، دلوقتي عرفت هما صابرين عليك ليه، علشان أنتَ بتحبهم و بتحب وجودهم و هما متأكدين من دا و أنا متأكدة إنك بتحبني زيهم"
ربت هو عليها كتفها ثم قال بحب:
بحبهم و بحبك و بحب كل اللي فـ حياتي، دا أنتِ الجرثومة يا جرثومة"
قال كلمته الأخيرة بمزاح حتى يشاكسها أما هي فأخذت نفسًا عميقًا ثم شددت عناقها له وهي تبتسم باتساع ثم أضافت بمزاح هي الأخرى:
شوف مش أنتَ سوفسطائي بس بحبك أوي"
ضحك هو عليها وهو يحرك رأسه بيأس فوجدها تسأله بمرحٍ:
عامر هو أنتَ مخلي شعار الجروب إيه علشان نسيت"
ابتسم هو باتساع ثم أجابها بفخرٍ:
خليك معانا و متعملش ميوت...دي لمة عيلة أطعم من البسكوت"
بعد نطقه بتلك الجملة انفجرا سويًا في الضحك.
_______________
في شقة «حسن» وصل وهي معه تشعر بالعديد من المشاعر المتداخلة مع بعضها و لكن ما طغى على تلك المشاعر كان الخوف من وجودها معه بمفردها لذلك غاصت في تفكيرها، دلف هو الشقة أولًا و هي خلفه تقف على اعتاب الشقة لا تدري ماذا تفعل بل فكرت في تلك اللحظة هل ستسعفها قدميها حتى تفر منه و قبل أن تغوص في تلك الفكرة أكثر من ذلك وجدته يعود لها يمسك كفها وهو يقول بهدوء:
تعالي بس خايفة ليه؟ دي شقتك يا هدير"
عانق هو كفها بشدة وهو يسحبها معه داخل ثم أغلق الباب بقدمه و هي خلفه تنظر له بأعين خاوية لا تدري ماذا تفعل حتى النطق لن تقدر عليه، أما هو أجلسها على الأريكة بهدوء ثم حثى على ركبتيه أمامها وهو يقول بحنان:
بصي....جايز وضعنا غريب و جايز ظروف جوازنا كانت عاملة زي الأحلام و الحواديت بس أنا عاوزك تثقي فيا، أنا هنا معاكي علشان أحميكي و أحافظ عليكي يا هدير، و أنا معاكي لحد ما ترجعي تاني أحسن من الأول و أطمني أنا وعدت والدك إنك لما تتحسني لو عاوزة ترجعي تاني عنده و.....و تسيبيني أنا معنديش مانع و هرجعك تاني بس و أنتِ هدير اللي أنا عارفها، ها اتفقنا ؟"
أومأت له بحركة بسيطة من رأسها فوجدته يمسك كفها وهو يقول بمرحٍ:
تعالي بقى أفرجك على الشقة بتاعتك بعد ما رجعت شقة تاني"
نظرت له باستفسار فوجدته يحمحم باحراج وهو يقول بنبرة خجلة:
بصراحة كانت زي الخرابة.... ربنا نجدك والله من المنظر اللي كانت فيه"
أومأت له في تفهم ثم نظرت حولها تتفحص المكان المظلم فوجدته يقول متفهمًا:
آه....بتبصي على الضلمة....متخافيش أنا هنورها علشانك و دي هتبقى أول مرة تنور من سنين، أنا بحب الضلمة أوي بس علشانك هنور الشقة"
ابتعد عنها ثم وقف يمسك ريموت تحكم صغير و ضغط على زر التحكم به و فجأة اشتعلت الأضواء في المكان بأكمله، فظهرت ملامح المكان الحديثة حيث كانت الشقة مصممة على غرار الأنمطة الحديثة أما هو عاد إليها يمسك كفها من جديد ثم قال بعدما ابتسم لها وهو يقول:
تعالي بقى كدا أعرفك على باقي الشقة...يلا تعالي معايا"
أومأت له في خجلٍ و هو يسير بها في الشقة بأكملها و يقف بها عند كل مدخل و يعرفها عليه بطريقةٍ مرحة تكاد تجعلها تبتسم لكنها في الآخر توأدها، و عند مدخل غرفة النوم وقف هو يقول بطريقة هادئة:
دي أوضة النوم يا هدير..."
نظرت هي له بخوفٍ وهي تزدرد لُعابها بقلقٍ واضح فوجدته يقول متفهمًا:
أنا عارف إنك خايفة و دا حقك، الأوضة دي فيها سرير كبير و واحد تاني قريب منه صغير، أنتِ هتنامي على الكبير دا و أنا قصادك على الصغير.....متخافيش مني يا هدير.....أنا بس هنام قصادك علشان لو احتاجتي حاجة أقدر أعرف، الشقة لسه جديدة عليكي و....و أنتِ صعب تناديلي، لكن و أنا قصادك هقدر أعرف إنك محتاجة حاجة....متخافيش مني علشان أنا مش ناوي أزعلك و جوازنا دا هيكون على الورق لحد ما ترجعي تاني زي الأول تمام ؟!"
تنهدت هي براحة كبرى بعد حديثه فوجدته يومأ هو لها ثم أخذ الهاتف الخاص بها من يدها وهو يقول بمرحٍ:
أنا هسجلك رقمي عندك علشان تكلميني شات أي حاجة تعوزيها و دلوقتي ريحي شوية لحد ما الغدا يجهز"
كانت تراقب حركاته بتعجبٍ فوجدته يضع الهاتف أمام وجهها حتى يُفتح بواسطة بصمة العين و حينها قام هو بتسجيل رقمه ثم وضع الهاتف في يدها وهو يقول بمرحٍ:
سجلته أبو علي أهو علشان ابقى مميز....أسجلك إيه بقى ؟"
نظرت له نظرة حائرة غير قادرة على إجابة سؤاله فوجدته يقول بتفكير مرح:
أنا بقول اسجلك هدير مراتي، أو هدير جارتي في الشقة إيه رأيك، شوفتي الكريتيف ؟"
فتحت الهاتف ثم أرسلت له بأنامل مهتزة إثر تعبها فهي حتى الآن لم يغمض لها جفن بسبب تفكيرها طوال الليل في الذهاب معه:
أنا عاوزة أنام.... ينفع ؟"
وصلته رسالتها ففتحها بسرعة كبيرة و حينما قرآها أومأ لها ثم قال بهدوء:
طبعًا ينفع....تصبحي على خير يا هدير أنا هقعد برة لو احتاجتي حاجة ابعتيلي"
أومأت له ثم انسحبت من أمامه تدلف الغرفة في هدوء تام منها.
أما هو تابع حركتها بأعين حزينة ثم تنهد بعمقٍ حتى يخرج من الضيق المخيم على صدره حزنًا لأجلها.
_________________
في شقة «ياسين» بعد تناول فطوره مع زوجته بعد ضحكهما سويًا على الصور الملتقطة بواسطة «عامر»، ارتدى هو ثيابه ثم جلس ينتظرها حتى تخرج له من الغرفة، و بعد دقائق خرجت هي بعدما ارتدت بنطال جينز واسع و أعلاه كنزة باللون البنفسجي و حجاب متناسب معها و حذاء رياضي باللون الابيض ثم خرجت تقف أمامه وهي تسأله بهدوء:
أنا لبست أهو زي ما طلبت مني ها هنروح فين بقى علشان أنا بقلق"
ابتسم هو لها ثم أجابها بفخرٍ:
بما أننا متجوزين جديد قررت إننا ننزل نجيب طلبات للشقة مع بعض، يعني الشقة تقريبًا فاضية من ساعة ما جينا و أنا مستني إنك تطلبي مني فلوس أو أي حاجة بس محصلش"
ردت عليه باحراج:
بصراحة مكسوفة منك أوي، مش عارفة ليه محرجة أطلب منك فلوس و برضه محرجة أخد من اللي أنتَ سايبهم معايا"
نظر هو نظرة لوم وهو يتحدث بنبرةٍ معاتبة:
ليه يا خديجة كدا هو اخنا غرب عن بعض؟ أنا مسلمك حياتي و عمري و نفسي مش هسلمك على شوية فلوس، و بعدين اللي معاكي دول بتوعك أنتِ مفيش جنيه منهم بتصرف فـ الشقة"
تحولت نبرته إلى الحزم في نهاية حديثه مما جعلها تشعر بالخجل منه لذلك أردفت بنبرةٍ مهتزة:
أنا...أنا مش قصدي حاجة والله، بس أنا عمري ما خدت مبلغ زي دا ليا، يعني معرفش ممكن أعمل إيه بيهم يا ياسين، علشان خاطري خليهم معاك و هات أنتَ كل حاجة، أنا ممكن أعك الدنيا لو اعتمدت عليا"
تنهد هو بقوة ثم اقترب منها يقول بهدوء موضحًا لها:
أنا عارف بس احنا لسه حياتنا جاية سوا، احنا يدوب على البر و عاوزك تعرفي إن دا بيتك أنتِ، يعني كل حاجة هنا تحت أمرك الشقة و صاحب الشقة و فلوس صاحب الشقة، اللي تعوزيه كله يكون عندك... النهاردة هاخدك نجيب الحاجات سوا و بعد كدا ابقي اتعاملي أنتِ هاه إيه رأيك ؟"
أومأت هي له موافقة بحماس ثم قالت بنبرةٍ فرحة:
اقولك على حاجة ؟ يارب كل مرة ننزل سوا نجيب الحاجة مع بعض، علشان دا احساس أحلى أني أكون لوحدي"
ابتسم هو في وجهها باتساع أكثر ثم أضاف:
و أنا عيوني ليكي يا خديجة، وعد مني لو فاضي ساعتها هكون معاكي و نجيب حاجتنا سوا، بس دا ميمنعش إنه بيتك أنتِ و حقك أنتِ"
حركت رأسها للجهة الأخرى وهي تسأله بنبرةٍ مرحة:
يعني البيت بس اللي حقي...و أنتَ إيه يا أستاذ ياسين؟"
اقترب هو منها يمسك كفها ثم تنهد بعمقٍ وهو يقول بحبٍ:
أنـا مَــن سَــارَ تَــائــهٌ فــي دِروب الـحَـيـاة....وَ حِـيـنـمـا الــتـقَيْـطُ بِــكِ عِــشـقّتُـكِ عِــشـقٌ لَا أدّري مُــنـتـهَاهُ"
طالعته هي بأعين عاشقة فوجدته يغمز لها وهو يضيف قائلًا بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
ابتسمت باتساع ثم وقفت على أطراف أصابع قدميها حتى تستطع الوصول لـ وجنته حتى تطبع قبلة عليها ثم بعدها نظرت في عينيه وهي تقول بهمس هادئ:
و أنتَ حقي في الدنيا دي يا ياسين، مش الشقة و مش الفلوس...كفاية أنتَ والله مش عاوزة غيرك"
التفت هو ينظر حوله ثم اقترب منها يقول بخبثٍ:
هي الشقة فاضية أوي يعني؟"
ابتعدت هي عنه وهي تقول بنبرةٍ قوية:
يلا علشان النهاردة الجمعة و الدنيا بتبقى زحمة"
نظر هو في أثرها بتوعد وهو يقول بنبرة حازمة:
صبرك عليا يا كتكوتة".
___________________
فوق سطح البيت جلست «عبلة» بجانبه على الأريكة بتذمر مثل الأطفال وهو يضحك عليها و على ملامحها، و فجأة وكزها بكتفه في كتفها وهو يقول بمشاكسة:
جرى إيه يا سوبيا مالك زعلانة ليه"
ردت عليه هي بحنقٍ من سخريته عليها:
مبحبش كلمة سوبيا دي متعصبنيش، مش كل ما تشوف وشي تقولي يا سوبيا لو حد عرف هنا فـ العيلة هيمسكوها عليا"
وضع ذراعه على كتفها وهو يقول باستمتاع:
و إيه يعني، هي السوبيا وحشة يا عبلة، و بعدين كلهم هنا عارفين إنك تبعي يعني محدش يقدر يجي جنبك أصلًا"
ابتسمت هي بقلة حيلة ثم أردفت بهدوء:
بحس نفسي هطلة لما تقولي يا سوبيا، و بعدين أنتَ إزاي بتعرفها و إزاي بتقولي إنك بتطمن لما تشم الريحة دي، دا أنتَ هاريني تريقة يا جدع"
تنفس هو بعمقٍ ثم أضاف:
أنا مش بتريق عليكي، كل الحكاية و ما فيها إن وجودك لوحده بيكون حلو و بيطمني لما عيني بتلمح طيفك بتفرح و لما بحس بس إن ريحتك في المكان بأرتاح ساعتها بعرف عنترة ابن شداد إزاي قدر يوصف عبلة في ابيات زي دي"
نظرت له بتعجب و البسمة البلهاء تزين وجهها بعد حديثه فوجدته يقترب منها مُبتسمٌ وهو يهمس بهدوء:
بَرْدُ نَسيم الحجاز في السَّحَرِ إذا أتاني بريحهِ العطِرِ ألذُ عندي مما حوتهُ يدي من اللآلي والمال
والبدَر ومِلْكُ كِسْرَى لا أَشتَهيه إذا ما غابَ وجهُ الحبيبِ عن النّظر سقى الخيامَ التي نُصبنَ على شربة الأُنسِ وابلُ المطر منازلٌ تطلعُ البدورُ بها"
شوفتي عنترة قارن ريحة عبلة بإيه و عنده استعداد يضحي علشانها بإيه ؟"
وكزته في كتفه وهي تقول بمرحٍ حتى تشاكسه:
ما أنتَ حلو أهو و بتعرف تقول كلام عنترة ابن شداد"
نظر هو لها ثم قال بنبرةٍ مهتزة نتيجة تردده:
عبلة....عبلة أنا احتمال أسافر دبي أشتغل هناك".
__________________
في شقة «مشيرة» في الأسفل كانت هي في المرحاض تتقيأ بقوة و «حسان» في الخارج ينتظر خروجها و حينما خرجت له بملامحها الشاحبة و لون بشرتها الصفراء و تلك الهالات السوداء التي أحاطت وجهها فنظر لها بذعر وهو يقول بقلقٍ واضح:
مشيرة الترجيع كدا ميطمنش و ضغطك واطي أوي.... إزاي و أنتِ بتاخدي الدوا"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ منهكة إثر تعبها و مجهودها:
هو الضغط بيجي عليه أيام و يبهدلني كدا...بس...بس أنا كويسة"
سألها هو بهدوء بعدما حاول استبيان سبب آلامها:
طب يمكن يكون دا تعب طبيعي يعني....أنتِ ست و فاهمة"
ابتسمت هي بسخرية ثم تحدثت تقول بوجعٍ:
مستحيل يا حسان..."
نظر لها بتمعن يحاول استنتاج مقصدها، فضغطت هي على جفنيها بشدة ثم قالت بنبرةٍ حزينة حينما تذكرت تلك المأساة:
ريح نفسك يا حسان....أنا شايلة الرحم من ١٣ سنة"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل العاشر 10 - بقلم شمس بكري
كُنت كَـ الجماد ثابت دائمًا...حتى رأيتُ بسمتها أصبحت لها عاشقًا
_______________
من قال أن الرياح تأتي بما لا تشتهيه السفن ؟...فـ حتى الآن لم نملك السفن بعد....تمزقت الأوراق و تعددت الأسباب و زادت المسافات و انقطع الوصال و السؤال هنا هل كل ذلك بسبب بُعدٍ طال ؟.
وقف «حسان» مشدوهًا حينما أخبرته هي بما حدث منذ عدة أعوام و فقدها لـ رحمها فوجدته يسألها بنبرةٍ مهتزة حتى خرجت كلماته متقطعة:
أنتِ ....بتقولي إيه يا مشيرة ؟ شايلة الرحم.... إزاي يعني"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء متقطع:
تعالى بس نقعد برة و أنا هحكيلك"
أومأ لها موافقًا ثم أمسك كفها يساندها حتى تستطع الخروج من ذلك الممر الضيق، و بعد مرور ثوانٍ جلست على المقعد الخشبي في الخارج لعلها ترتاح قليلًا و كان هو يطالعها بـ عينيه المترقبتين مما جعلها تتنهد ثم أشارت له يجلس بجانبها، وافق هو على مضضٍ ثم جلس بجانبها وهو يقول بنبرة جامدة بعض الشيء:
أنا أهو قعدت يا مشيرة، عرفيني بقى اللي حصل دا كان إيه"
نظرت له بحزن ظهر جليًا على قسمات وجهها و نبرتها المختنقة حينما تحدثت قائلة:
بعد حوالي ٣ سنين من اللي حصل زمان أنا حصلي مشاكل صحية كتيرة جدًا و من ضمن المشاكل دي ورم ليفي على الرحم هو نوع ورم حميد"
توقفت عن الحديث حينما زاد الاختناق في نبرتها أكثر، فتنهدت بعمقٍ تنهيدة قوية و هو بجانبها و حينما لاحظ ارتجافتها أمسك كفها يربت عليه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
احكي واحدة واحدة يا مشيرة...و لو مش عاوزة خلاص مش لازم النهاردة"
حركت رأسها نفيًا ترفض مقترحه ثم مدت كفها تمسح بأناملها المرتشعة دموعها ثم قالت بنبرةٍ مهتزة:
لأ أنا عاوزة أحكي....يمكن ارتاح، الورم دا كان بيسببلي نزيف كل شهر و ساعات كان بيستمر شهر كامل، الدكتورة ساعتها قالت إن الأدوية مش هتجيب نتيجة و بعد ٣ شهور من الوضع دا.... أخر حل إنه يتشال ودي كانت من ضمن الخساير اللي خسرتها.... محدش كان معايا غير فاطمة الله يرحمها و محدش هنا يعرف أني شيلت الرحم غير هي و أنا و ساعتها قولتلهم هنا إنها عملية الزايدة....علشان مكنتش عاوزة شفقة منهم"
سألها بنبرةٍ مندهشة:
يعني أنتِ لما شيلتي الرحم مكانش حد فيهم معاكي و لا حتى عرفوا لحد دلوقتي"
أومأت له موافقة ثم أضافت بتروٍ نتيجة خجلها مما سبق و فعلته هي:
محدش فيهم كان بيطيقني و لا كان ليا عين أطلب منهم مساعدة علشان أنا كنت فاكرة إنهم مذنبين في حقي....الدنيا كانت وحشة أوي معانا يا حسان"
أغلق هو جِفنيه بقوة حينما تذكر أن بُعده كان من ضمن تلك الأسباب المتسببة في ضررها أما هي فرفعت رأسها تطالع قسمات وجهه المتألمة و نظرة عينيه المتألمة، فابتسمت هي بسخرية ثم مدت يدها تربت على كتفه وهي تقول بهدوء نسبي و لكن لهجتها خرجت متقطعة:
أنتَ ملكش ذنب يا حسان دا كان نصيب و مكتوب ليا....صحيح أنا ساعتها اعترضت على حكمته و مرضتش بالنصيب بس خلاص دا كان زمان لكن أنا راضية الحمد لله....كفاية إن عيني ارتاحت بشوفة جميلة و برجوعك ليا"
تنفس الصعداء هو بعد حديثها ثم وضع ذراعه على كتفها يضمها إليه و هو يربت على كتفها مؤازرًا لها مما جعلها ترتمي برأسه على كتفه حتى تنعم بتلك الراحة التي قلما شعرت بها أما هو بتنهد بعمقٍ وهو يفكر في كيفية اعادة الوضع كما كان من قبل.
________________
فوق سطح البيت حيث مكان جلوسهما المعتاد، ابتعدت هي عنه نسبيًا بعدما أخبرها بسفره وهي تنظر له باستنكارٍ واضح تزامنًا مع تفوهها بنبرتها المستنكرة:
إيه !! أنتَ بتقول إيه يا وليد؟ تسافر إزاي يعني مش فاهمة"
أخذ هو نفسًا عميقًا ثم أجابها بهدوء أعصاب غريب:
أنا جايلي فرصة في شركة البرمجة اللي كنت بحلم أشتغل فيها و أنتِ عارفة أني من ساعة التخرج و أنا بسعىٰ علشان أوصل للشغل دا....أنا ما صدقت"
سألته هي بنبرةٍ مندهشة:
أنتَ بتقول إيه ؟ شغل إيه و سفر إيه اللي يخليك تمشي و تسبني، مفكرتش فيا ؟!"
زفر هو بقوة ثم رد عليها مُردفًا:
عبلة أنا لو هسافر يبقى هسافر علشانك أنتِ....علشان تتباهي بيا و علشان أليق بيكي...مش عاوز يجي يوم من الأيام و تندمي إنك مع واحد فاشل زيي"
هبت هي منتفضة من جلستها بجانبه و هي تقول منفعلة بنبرة ممتزجة بالبكاء:
كلامك دا مش منطقي أصلًا، يعني إيه تليق بيا يا وليد، أنتَ مش فاشل و مش وحش، دا أنا كل كلامي أني بفتخر بيك قدام أي حد....ليه عاوز تبعد عني"
وقف هو يُجيبها بانفعال هو الآخر ممتزج بنبرةٍ موجوعة:
علشان أنا محققتش أي حاجة عاوزها، يا فرحتي بيا و أنا مهندس برمجة و شهادتي منورة في الدرج، عملت إيه أنا في حياتي لنفسي.... مجرد واحد فاشل خريج مصحة إدمان و بشتغل مع ولاد عمي علشان مش لاقي شُغلة تلمني....أنا معنديش استعداد يجي يوم و اتعاير فيه بفشلي"
تبدلت ملامح وجهها للاستنكار من جديد بعدما سمعت حديثه المنفعل لذلك تحدثت هي بنبرة تائهة غير مُصدقة:
هو...هو أنتَ لسه خايف مني ؟! أنتَ لسه مش مأمن على نفسك معايا يا وليد؟ أنا من ساعة ما عرفت موضوع الادمان دا و أنا عمري ما فتحته تاني علشان مش عاوزاك تتوجع و أنتَ بتفتكر الأيام دي....ليه مش عارف تديني و تدي لنفسك فرصة تعيش"
رغمًا عنه بكى بكاءًا حارًا وهو يتحدث بنبرةٍ موجوعة:
عـــلـشـان خــايـف...و الله العظيم خايف يا عبلة، أنا نفسي عزيزة و زعلي وحش، مش عاوز أسيب فرصة للزعل يفرق بينا"
بكت هي الأخرى و هي تصرخ في وجهه منفعلة:
أنــتَ كــداب....أنتَ عاوز تسبني و تمشي تاني، ليه بعد ما أنا اللي اتعلقت بيك يا وليد، ليه بعد ما عرفت قيمتك عاوز تمشي تاني"
اقترب هو منها ثم مد كفه يمسح دموعها المنهمرة على وجنتيها ثم قال بهدوء بعدما تنفس بعمقٍ:
و الله العظيم ما فيه حاجة توجعني غير فراقك أنتِ...أنا عاوز أأمن مستقبلنا سوا يا عبلة...عاوز أعمل أسمي من جديد علشانك مش علشاني"
رفعت عينيها تطالعه بـ حيرة وهي تسأله مستفسرة بنبرةٍ تائهة تمكنت بها من جديد:
يعني خلاص.....أنتَ قررت و هتسافر"
أومأ لها موافقًا بـ إيماءٍ بسيطة جعلت مقلتيها تتسع بقوة لكنها آثرت الثبات و هي تقول بلامبالاة:
ماشي يا وليد....ربنا يوفقك"
نظر لها هو باندهاش و هو يسألها بضيق منفعلًا:
يعني إيه ؟ أنتِ خلاص موافقة أني أسافر"
أومأت له تزامنًا مع رفعها لـ يُمناها تُزيل بها الأدمع الصغيرة العالقة بأهدابها ثم قالت بنبرةٍ جامدة:
أنا موافقة طالما أنتَ عاوز تبني نفسك من جديد و أنا مش أنانية علشان أضيع حياتك معايا هنا و أنتَ خايف"
نظر هو لها بتعجبٍ من سلبيتها فوجدها تؤكد حديثها بقولها المتتابع:
أنا عمري ما هقدر أديك الأمان و أنتَ خايف مني، سافر يا وليد و ابني نفسك من جديد بس ليا طلب منك قبل ما تسافر"
سألها هو بجمود بعض الشيء بعدما التوى ثغره متهكمًا:
طلب ؟ خير عاوزة مروحة من هناك"
ردت عليه هي بنبرةٍ حانقة:
أنا مش عاوزة برود....عاوزاك قبل ما تمشي ترمي يمين الطلاق عليا....طالما بتختار البعد بينا يبقى خليني أنا اللي أطلبه"
رغمًا عنه تبدلت نظرته إلى أخرى تشع نيران و هو يحرك رأسه مستفسرًا فوجدها تقترب منه أكثر و هي تنظر له بثباتٍ قائلة:
قدامك أختيارين ملهمش تالت...يا أنا يا السفر، عاوز تمشي يبقى ترمي اليمين عليا و تنسى أني كنت فـ حياتك أصلًا....يا إما تقعد و تشيل الفكرة من راسك زي ما أنا هشيل كلامك من راسي و أعتبر نفسي مسمعتوش ها اختار"
زادت دهشته أكثر بعد حديثها الأخير الغير متوقع فوجدها تقترب أكثر وهي تقول بنبرةٍ قوية لا تقبل النقاش:
اختار يا وليد...بس خليك عارف إن قصاد الأختيار دا حياة كاملة هتتغير"
رد عليها هو بنبرةٍ أقوى:
و لو أنا طلقتك هتروحي فين؟ أنا بقولك هروح فترة مؤقتة و أرجع تاني...ليه مش قابلة فكرة سفري علشانك"
بكت من جديد و هي ترد عليه بنفس النبرة المنكسرة:
علشان أنا بحبك و حياتي كلها بدأت لما بقيت معاك، مفيش يوم ينفع يعدي من غيرك....افهم بقى"
في تلك اللحظة لا يوجد ما يقال أفصح من العناق، لذلك وجدت نفسها مكبلة بين ذراعيه في عناق قوي منه و هو يشدد تمسكه بها أما هي فـ زاد بكاؤها من جديد و هي تنتحب بشدة مما جعله يبتعد عنها ينظر لها باندهاش وهو يسألها بـ ذهولٍ:
بتعيطي كدا ليه؟ مالك يا عبلة"
طالعته هي بعيونها الدامعة وهي تجيبه من بين شهقاتها:
بعيط بسببك....كل مرة عيطت فيها كانت بسببك يا وليد.... ليه مصمم توجعني و تزعلني....
ليه عاوزني أفضل أقولك أني قبلاك زي ما أنتَ و الله العظيم مش عاوزة غيرك"
سألها هو بهمس هادئ:
قبلاني زي ما أنا؟...يعني مش هيجي يوم و تزهقي مني ولا تتكسفي أني كنت مدمن يا عبلة"
أمسكت تلابيب قميصه بعدما استعادت رابطة جأشها و هي تقول بنبرةٍ قوية:
و رب الكعبة و لو بتشم كُلة تحت الكوبري على قلبي زي العسل.... كفاية إن أسمي مرتبط باسمك"
تنهدت هو براحة كبرى تزامنًا مع انفراج شفتيه ببسمةٍ راضية مما جعلها تطالعه بريبة فوجدته يقول مُردفًا لها:
أنا عاوزة أقولك إني دلوقتي بس عرفت إني اختارت صح يا عبلة، لو كنتي وافقتي على سفري كنت هزعل، كنت مستني منك تقوليلي غير نفسك و أعمل اسمك من جديد علشان تليق بيا، كنت فاكر إنك هتتخلي عني"
ردت عليه هي بـ لومٍ و عتاب:
أنا عمري ما شوفتك قليل و عمري ما أحس إني كتير عليك، أنا قولتلك إنك كتير عليا و على أي حد و لو عاوزني دلوقتي أحلف على كلام ربنا أني مش عاوزة غيرك حتى لو بتشحت فـ الشارع....وليد أنتَ مينفعش تقلل من قيمة نفسك حتى لو قصاد عيني، لو كل عيون الدنيا دي قالت إنك مش كفاية، بُصلي أنا علشان عيونك ليا دنيا كاملة"
احتضنها من جديد و هو يخفيها بين ذراعيه فوجدها تقول بنبرةٍ شبه باكية:
حرام عليك تعب قلبي كل شوية، ليه عاوز تعمل فيا كدا، ليه توقع قلبي"
رد عليها هو بسخرية:
طب ما أنتِ قولتيلي نتطلق و طلبتي مني أسيبك و دا مش وجع قلب برضه يا بنت سهير"
أومأت له موافقة وهي تضيف مؤكدة:
علشان أنتَ بارد و مستفز و كان لازم تجرب الكلام اللي يحرق الدم دا عامل إزاي....بس أنتَ ليه قولتلي كدا يا وليد....أكيد السبب سليم صاحبك دا"
زفر هو بقوة ثم قال:
أنا هحكيلك يا عبلة كل حاجة".
_________________
في أحد المحلات التجارية الكبرى كانا يسيران معًا بين المنتجات كان هو ينظر لها باستمتاع و هي تنتقي ما تريده لبيتهما معًا، فـ كانت تارةٍ تشعر بالحيرة في الاختيار و تارةٍ أخرى تأخذ ما تريد بـ رضا، و فجأة التفتت له وهي تسأله بنبرةٍ حائرة:
ياسين أجيب إيه تاني ؟! أو أجيب إيه أصلًا ؟! "
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بلامبالاة:
مش عارف و الله يا خديجة، دا بيتك أنتِ، شوفي عاوزة إيه يكون موجود فيه"
ردت عليه ببكاء مصطنع:
و ربنا دا ظلم...أنا عمري ما اتحطيت فـ مسئولية زي دي، طول عمري بلاقي الحاجات في البيت، لكن أنا صغيرة على أني أكون مسئولة عن بيت كامل بطلباته و الله"
ابتسم هو على طريقتها لكنه حاول التحكم بها حينما نظرت له بحنقٍ فوجدته يقول بهدوء:
على فكرة بقى المفروض تكوني عارفة محتاجة إيه علشان تكوني أسرع من كدا لما تجيبي الحاجة بتاعتك بس معلش مرة مع مرة هتتعلمي و تتعودي"
سألته هي بلهجةٍ متسرعة:
بجد !! يعني بعد كدا هعرف أجيب الحاجة لوحدي، و الله أنا طول عمري بشتغل فـ بيتنا و شاطرة لكن الطلبات دي مكانتش بتاعتي"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف مؤكدًا حديثها:
محدش بيتعلم من أول مرة يا خديجة، فيه بنات بتتجوز مبتعرفش تشيل كوباية من مكانها، و بعد كدا يببقوا أشطر ستات بيوت"
ضيقت جفونها فوق عينيها و هي تسأله بنبرةٍ متشككة:
و أنتَ عرفت منين بقى إن شاء الله، أنتَ شكلك بقيت خبرة من كتر العرايس اللي روحت شوفتهم"
ضحك هو عليها تزامنًا مع إشارته لها حتى تقترب منه، فـ انصاعت هي لأوامره ثم اقتربت منه فوجدته يقول بهدوء:
عرفت من أمي"
قطبت جبينها متعجبةً و هي تسأله بنبرةٍ حائرة:
أمك !! هي اللي قالتلك يعني"
حرك رأسه نفيًا ثم أجابها بـ همسٍ هاديء:
لأ.....أمي هي البنات اللي مكانتش بتعرف تشيل كوباية من مكانها"
شهقت بقوة تزامنًا مع تحريك رأسها للخلف تبتعد عنه فوجدت ضحكته تتسع أكثر، لذلك سألته هي بنبرةٍ مندهشة:
ماما زُهرة ؟! إزاي دي شاطرة أوي، البنات قالولي إنها علمتهم حاجات كتير أوي"
أومأ لها موافقًا ثم أضاف:
علشان اتعلمت واحدة واحدة، رياض لما اتجوزها مكانتش بتعرف تطبخ و لا حتى بتعرف تقف في المطبخ، بس لما عاشت معاه هو علمها و بقت حاليًا من أشطر ستات البيوت، الخلاصة يعني مش عاوزك تحسي بالذنب ولا تقللي من نفسك، على الأقل أنتِ بتطبخي حلو....غيرك مكانتش بتعرف"
فهمت هي مقصد حديثه و أنه يريد بثها بعض الثقة في نفسها كما كان يفعل من قبل، لذلك ابتسمت له بامتنان حقيقي وهي تقول بنبرةٍ حنونة:
على فكرة أنا فهمت معنى كلامك، و شكرًا من قلبي علشان بتعرف تطمني يا ياسين"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقًا بهدوء فوجدها تقول بحماسٍ من جديد:
يلا بقى علشان نجيب باقي الحاجة اللي إحنا مش عارفينها لحد دلوقتي"
قالت جملتها ثم سارت بسرعة كبيرة و هو خلفها يقود عربة التسوق و فجأة توقفت هي أمام ثلاجة كبيرة و هي تشهق بقوة ثم التفتت تنظر له بفرحة تشبه فرحة الطفل الصغير ثم قالت بحماس:
التلاجة دي قمر أوي يا ياسين، أنا عاوزة أخدها كلها معايا والله"
رفع حاجبيه مُتعجبًا منها و من رد فعلها الغريب لذلك رد عليها مُعقبًا:
أنتِ عبيطة يا ست الكل؟ علميًا المفروض فرحتك دي تكون قصاد تلاجة الشوكلاتة، أنتِ جايبانا عند تلاجة المخلل و تفرحي ؟!"
ردت عليه هي بحماسٍ غريب لم يعهده هو من قبل معها:
أنتَ مش متخيل التلاجة دي ممكن تفرحني إزاي، ينفع أجيب منها"
رد عليها ببلاهة مُستفسرًا:
تجيبي منها ازاي يعني مش فاهم...قصدك على التلاجة"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بنبرةٍ مرحة:
و الله نفسي فـ تلاجة زيها بس أنا قصدي ينفع أشتري منها عادي صح"
رد عليها مؤكدًا حديثها:
هاتي اللي أنتِ عاوزاه كله....أي حاجة نفسك فيها هنا هاتيها يا خديجة"
صفقت بكفيها معًا كعادتها حينما تفرح أو تتحمس لشيئًا ثم التفتت تأخذ ما تريد تحت نظراته المندهشة و فجأة وجدها تضع العبوات الزجاجية في العربة فسألها هو بـ ذهول:
إيه دا كله ؟! مين هياكل المخلل دا كله يا خديجة، أنتِ كدا هيجيلك حصوة....لأ حصوة إيه بقى، أنتِ كدا هيجيلك كلية في الحصوة"
ضحكت هي على رد فعله المندهش ثم أجابته بهدوء:
على فكرة بقى مش هيكفيني، ياسين أنا بعامل الزيتون المخلل كأنه لب و الله، بس لو متضايق خلاص بلاش"
رد عليها هو بحنقٍ:
يا بنتي بطلي تستفزي فيا بقى، هتضايق من إيه يعني، أنا بس خايف عليكي علشان المخللات كترها غلط"
ردت عليه بنبرةٍ متسرعة تنفي حديثه:
لأ و الله خالص، طول عمري باكل مخلل و محصلش حاجة ليا، ثِق فيا بس يا ياسين"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه نفيًا بيأس و قبل أن تتحدث هي وجدت قناة تأتي من خلفها وهي تقول بحماس:
مش معقول ياسين الشيخ !!"
اتسعت حدقتيه بقوة أما هي فالتفتت تنظر خلفها لتلك الفتاة الغريبة التي تذكر اسم زوجها بذلك الحماس، فوجدتها تتخطاها و هي تقترب منه قائلة بـ حبور:
إزيك يا ياسين عامل إيه و طنط زُهرة عاملة إيه"
نظر هو لـ «خديجة» لوهلة بسيطة ثم نظر لتلك الفتاة قائلًا بهدوء:
إزيك يا آنسة نسرين عاملة إيه ؟"
ردت عليه هي بمرحٍ:
كويسة جدًا الحمد لله، أنتَ إيه اخبارك، لقيت اللي كنت عاوزها و لا لسه ؟"
ابتسم هو بهدوء ثم أشار برأسه خلفها نحو زوجته وهو يقول:
الحمد لله لقيتها و بقت معايا علطول"
التفتت تنظر خلفها لتلك التي تفرك كفيها معًا ببعضهما و ملامحها هادئة إلى حدٍ كبير صاحبة جمال بسيط، و زاد توترها حينما شعرت بها تمعن النظر بها، أدرك «ياسين» توترها لذلك اقترب منها يقف بجانبها و هو يقول بـ حب:
دي خديجة مراتي يا آنسة نسرين و دي آنسة نسرين يا خديجة"
أومأت له ثم مدت يدها وهي تقول بهدوء بعدما زينت ثُغرها ببسمةٍ هادئة:
اتشرفت بمعرفتك يا آنسة نسرين"
مدت الآخرى يدها لها وهي تبتسم لها بسمةٍ مقتضبة و هي تقول بجفاء:
آهلًا و سهلًا...الشرف ليا أنا"
تعجب «ياسين» من معاملتها لزوجته و قبل أن بتحدث وجدها تقول بمرحٍ زائف له:
بس سبحان الله اتجوزت بسرعة يعني، أنا قولت على كلامك معايا إنك هتفضل طول عمرك أعذب، أصل كلامك كان غريب بصراحة و فلسفي شوية، دا أنا قولت هتتجوز وزيرة و لا سفيرة ولا من الفضاء حتى علشان طريقتك الدبلوماسية دي، بس في النهاية برضه مختار بنت عادية"
في نهاية حديثها كانت تقلل من زوجته التي نظرت لها بلمحة حزن حاولت صبغها بالثبات لكن دون جدوى، و حينما رآى هو تلك النظرة في عينيها تحدث يقول بنبرةٍ جامدة لتلك السطحية:
لأ أنا متجوزتهاش وزيرة ولا سفيرة، أنا اتجوزتها خريجة كلية تجارة قد الدنيا و عندي أحسن من مليون وزيرة و سفيرة، خديجة أشطر من مليون ست في الدنيا، واتجوزتها بسرعة علشان بصراحة ما صدقت ألاقيها و أقابلها، أنا لما اتقدمت لحضرتك قولتيلي إن العريس بيكون مناسب علشان الناس تعرف إننا اتجوزنا جوازة ناجحة، خديجة بقى هي البيت الناجح، و علشان كدا مسكت فيها بايدي و سناني، خوفت إنها تضيع مني"
ابتسمت له باقتضاب أكثر و هي ترد عليه بثبات أنهته بنبرةٍ متعالية:
الحقيقة إن أصلًا الموضوع مكانش فـ دماغي علشان أنا مش فاضية و كان ورايا شغل و نجاح عاوزة أحققه أهم من الجواز، و آه أنا حاليًا بشتغل مُعدة برنامج***** أكيد عارفه و أكيد خديجة برضه اتفرجت عليه"
ابتسم لها باستفزاز وهو يقول بنبرةٍ باردة ينفي حديثها:
لأ الحقيقة معرفوش، ولا خديجة كمان تعرفه، أصل خديجة مبتتفرجش على مصري، خديجة بتحب الهندي أوي"
نظرت له «خديجة» باندهاش من طريقته الباردة الغير مهذبة، أما «نسرين» فرفعت حاجبها تنظر له بتهكمٍ فوجدته يضيف بنفس الثبات:
فرصة حادقة يا آنسة نسرين، أصل زي ما أنتِ شايفة كدا إحنا متقابلين عند تلاجة المخلل"
أومأت له هي ببرود ثم ابتسمت له باقتضاب وهي تقول بهدوء:
ألف مبروك و فرصة سعيدة"
أومأ هو لها بهدوء اثار حنقها أما «خديجة» فتابعت اختفاء اثرها بتعجبٍ، أما هو فحرك كفه أمام وجهها وهو يقول بمرحٍ:
إيه يا ست الكل روحتي فين، أنتِ معايا و لا مع الأسف"
انتبهت هي لكفه المُلوح أمام وجهها لذلك نظرت له باندهاش و هي تقول بنبرةٍ تائهة:
هــا ؟! آه أنا هنا....معاك أهو"
نظر هو لها بتشككٍ وهو يقول بهدوء:
أتمنى إنك تكوني معايا فعلًا، يلا نكمل باقي الطلبات و لا إيه رأيك"
أومأت له موافقة بعدما تنفست الصعداء تزامنًا مع تحرك ساقيها في الرحيل من أمامه، أما هو بمجرد التفاتها زفر بضيق بسبب تغير حالتها.
_________________
في شقة «حسن» قام بتجهيز الطعام بعدما طلبه من الخارج له و لها، لكنه جلس حائرًا لا يدري ماذا يفعل فـ هي منذ تركها له و طلبها النوم، لم تخرج له حتى الآن، ظل يفكر مُتخبطًا في جدران الحيرة و لكنه عزم الأمر في النهاية.
في داخل الغرفة كان هي جالسة على الفراش بعدما استيقظت منذ ما يقرب الـ ١٠ دقائق لا تدري ماذا تفعل، حتى حجابها فلم تملك الشجاعة الكافية لخلعه، زفرت بقوة ثم أعادت رأسها للخلف تضربها في ظهر الفراش و فجأة سمعت طرقات خفيفة على باب الغرفة وهو يقول بهدوء:
هدير أنتِ صاحية؟ أنا جاي أقولك إن الغدا جاهز"
حاولت الرد عليه لكن دون جدوى فقط حركت رأسها موافقة، أما هو حينما أدرك وضعها حمحم بهدوء ثم قال مُقترحًا عليها:
طب بصي أنا هرن عليكي، و لو عاوزاني أدخل عادي افتحي المكالمة....و لو مش عاوزاني كنسلي بس ملحوظة صغيرة أنا عيل مترباش و في الحالتين هدخل عادي"
اندهشت هي من تغيير لهجته في جملته الأخيرة و قبل أن تأخذ رد فعل وجدت الهاتف يصدح برقمه، لا تدري ماذا تفعل لذلك تجاهلت الهاتف، فوجدته يطلبها من جديد بعد انتهاء المرة الأولى، لذلك قامت هي باغلاق المكالمة في وجهه، فسمعت صوته من الخارج يقول بمرحٍ:
من أولها كدا بتقفلي في وشي؟ شكلنا هنخلص من بعض في محكمة الأسرة"
ابتسمت هي بخفوت و فجأة وجدته يشرأب برأسه من خلال المساحة الضيقة الواقعة بين الباب و الفراغ وهو يقول بهدوء:
أنا أسف أني دخلت كدا، بس أنا هموت من الجوع بصراحة، و بعدين أنا طول عمري باكل لوحدي يعني لو سميت بالله على الأكل اللي برة دا يبقى مش هتاكلي غير بكرة"
نظرت له نظرةٍ تائهة فوجدته يفتح الباب على وسعه ثم دخل الغرفة بكامل جسده و قبل إتخاذ أي رد فعل وجدته يقترب منها ثم سحبها من على الفراش و هو يقول بنبرةٍ متعجلة:
يلا بس الأكل هيبرد، لو فيه راجل فـ عيلة الرشيد عرف إنك ماكلتيش لحد دلوقتي، يبقى هتترحمي عليا"
كان يتحدث و هو يسير بها خارج الغرفة و فجأة وجدت نفسها أمام طاولة السُفرة و الطعام موضوع عليها بنظام شديد، رفعت رأسها تنظر له مستفسرةً فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم رسم باسمة هادئة على ملامح وجهه الوسيمة إلى حدٍ كبير و هو يقول بهدوء:
أنا عارف إنك مبتاكليش من ساعة اللي حصل و لو حصل و أكلتي بتاكلي حاجة بسيطة، بس دا مينفعش علشان كدا هتضري نفسك، بس أنا واد صايع برضه و جبت الأكل اللي بتحبيه علشان ميكونش ليكي حِجة"
نظرت على الطاولة فوجدت دفتر موضوع و بجانبه قلم أخذته ثم خطت بسرعة كبيرة:
صدقني مش قادرة و الله، كُل أنتَ بألف هنا و شفا...بس أنتَ عرفت منين أني بحب السمك"
عدلت الدفتر حتى يستطع هو قراءة ما دونته فوجدته يومأ لها متفهمًا وهو يتحدث مُردفًا:
أنا هعمل نفسي مقريتش النص الأول....بالنسبة بقى للنص التاني أنا خليت وليد يسأل عبلة علشان عارف إنها عارفة عنك كل حاجة و منه عرفت إنك بتحبي السمك اللي هناكله سوا دلوقتي"
حركت رأسها موافقة على مضضٍ فوجدته يسحب لها المقعد حتى تجلس عليه فتنهدت هي بقوة ثم جلست بهدوء، ابتسم هو برضا ثم جلس بجانبها ثم شرع في وضع الطعام أمامها و فعل المثل لنفسه، فوجدها تحرك رأسها نفيًا رافضة تناول الطعام، لذلك بدل ملامح وجهه إلى أخرى بثت الرعب بداخلها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
بصي يا هدير علشان أنا خلقي ضيق و إيدي تقيلة و طويلة، فـ يمين بالله لو ما أكلتي همد إيدي أنا.....و أكلك عادي جدًا علشان أنا محترم و مش همد إيدي على مراتي"
تحولت نبرته من الجمود إلى المرح في ثوانٍ بعدما شعرت هي بالخوف في بداية حديثه فوجدته يبتسم باتساع و هو يقول:
متخافيش كدا علشان جوزك أهبل و خيبته تقيلة أوي"
ابتسمت هي باتساع و كانت هذه أول مرة ترتسم البسمة على شفتيها منذ وفاة والدتها فوجدته يقول مهللًا بمرحٍ:
الله أكبر...طب ما أنتِ بتعرفي تبتسمي أهوه أومال مكشرة فـ وشي ليه"
حركت كتفيها تعبيرًا منها عن جهلها للأمر و كأنه تقول له لا دخل لي بذلك، أما هو فأشار برأسه نحو الطعام و هو يقول بهدوء:
طب يلا كُلي علشان يعتبر مأكلناش حاجة من إمبارح"
أومأت له موافقة ثم شرعت في تناول طعامها و هو أيضًا شرع في تناول طعامه بعدما بدأت هي ، في بادئ الأمر لم تستطع تناول الطعام و لكنه كان يرسل لها نظرات مُهددة تجعلها تتناول الطعام.
شعر هو بخجلها منه لذلك تناول الطعام بسرعة كبيرة ثم وقف بهدوء، فوجدها تترك الطعام هي الأخرى لذلك تحدث يقول بسرعة حتى يوقف حركتها:
زي ما أنتِ كملي أكلك، و الله ما أنتِ قايمة يا شيخة"
نظرت له بتعجب و كأنها بذلك تخبره باندهاشها من حديثه و تصرفاته الغريبة، فوجدته يقول مردفًا لها:
بصي يا هدير احنا هنبقى هنا مع بعض فترة محترمة أتمنى إنها تطول بينا.... طول الفترة دي عاوزك تعرفي إن دا بيتك و إنك زيك زيي هنا، يعني تاكلي براحتك و تشربي و تتحركي في البيت زي ما أنتِ عاوزة، و...و ياريت لو تخلعي الطرحة علشان أنا مش غريب، لو حاسة إن وجودي مضايقك ممكن أسيب البيت ليكي على راحتك"
حركت رأسها نفيًا بعد جملته الأخيرة ثم أشارت له بالهدوء بعدها مسحت كفيها بالمناديل الموضوعة على الطاولة ثم أمسكت الورقة تحت نظرات التعجب منه و كتبت بها:
أنا بس مستغربة المكان و الوضع علشان جديد عليا أعذرني، لكن و الله وجودك مش مضايقني خالص و أنا آسفة لو سببتلك أي ضيق"
بدلت وضع الورقة حتى تصبح مقابلة لوجهه و يقرأ ما دونته هي بها و حينما قرآها ابتسم هو لها باتساع ثم تنهد بعمقٍ و تتبع تنهيدته تلك بقوله:
طمنتيني الله يطمنك يا رب، بس لو كلامك صح بقى كملي أكلك و أنا هروح أغسل ايدي و أجهز الشاي....عاوزة حاجة أجبهالك و أنا جاي من عند التلاجة ؟"
حركت رأسها نفيًا بعدما سألها هو بجملته المستفسرة بمرحٍ حتى يمازحها، فابتسم هو لها ثم غادر من أمامها و هي تنظر في أثره بامتنان حقيقي تتمنى لو تعبر له بكلماتٍ عِدة تدري هي أنها لن توفيه حقه فيما يفعله لأجلها.
__________________
فوق سطح البيت قص «وليد» قصة صديقه «سليم» بالكامل مع زوجته التي قامت بمعايرته و حينها ترك هو الدولة بأكملها، كانت هي تنظر له بتعمن و هو يخفي نظراته عنها و بعد إنتهاء سرده وجدها تسأله بنبرةٍ متوعدة:
آه علشان كدا حضرتك خوفت أني أكون قليلة الأصل زيها و يجي يوم و أعايرك صح ؟!"
نظر هو أمامه تزامنًا مع تنفسه بقوة ثم حرك رأسه موافقًا على مضضٍ، حينها تحدثت هي تقول متهكمة بانفعال:
يا ليلتك السودا يا ابن مرتضى، بقى أخرتها تقارنّي أنا بواحدة قليلة الأصل زي دي، إزاي تفتكر أني ممكن أعايرك فـ يوم من الأيام"
رد عليها مُعقبًا دون أن يلتفت لها:
علشان أنا دماغي لعبت بيا، أنا لحد دلوقتي بخاف أصلًا يجي يوم و موضوع ادماني دا يكون طريق مسدود بينا يا عبلة، لكن أنا بحبك و بحب وجودك معايا و عارف إنك متتقارنيش بأي حد في الدنيا كلها، بس غصب عني فكرت بالوحش"
تنهدت هي بقلو حيلة ثم رفعت كفها تُحرك رأسه جهتها و هي تقول بهدوء:
موضوع إدمانك دا أنا نسيته و شيلته من دماغي و لما حسيت نفسي عاوزة أعرف تفاصيل روحت سألت طارق و هو ساعتها حكالي اللي حصلك و اللي كان بيحصلك و حكالي إنك كنت راجل و استحملت الأعراض الانسحابية من جسمك و استحملت الحُقن و التكتيف و الرعشة اللي كانت في جسمك، ساعتها كبرت فـ نظري و بقيت عاوزة أكون فـ حياتك علشان أنسيك كل التعب دا، مش علشان يجي عليا يوم و أزود وجعك بكلامي يا استاذ وليد"
قالت جملتها الأخيرة بـ لومٍ و عتاب جعله يزفر بقوة ثم ربت على يدها و هو يقول معتذرًا:
حقك عليا و الله، أنا أصلًا كنت مستني رد فعلك علشان أحدد موضوع سفري دا، لكن أنا شبه رفضت أصلًا يا عبلة، لو كنتي عملتي زي مرات سليم و فرحتي إني أسافر علشان أجيب فلوس و علشان أرفع قيمة أسمي كنت خوفت على نفسي معاكي، ما هو اللي تبيع أيامها مع جوزها علشان شوية فلوس و كمان ترفض إنه ياخد أجازة يتخاف منها يا عبلة"
ألقت رأسها على كتفه و هي تقول بنبرةٍ تائهة:
حُبك دا هيغرقني يا وليد، أنا خيبتي بقت كبيرة فـ حُبك"
_"تتربى في عزك يا غالية"
قالها هو بسخرية بعدما قالت هي جملتها الأخيرة و كأنها بذلك تؤنب نفسها على حبه، أما هي فابتسمت بيأسٍ منه فوجدته يحرك رأسه يقبل قمة رأسها ثم قال بخجلٍ طفيف:
أنا أسف يا عبلة....علشان كل مرة بخلي خوفي يتحكم فيا و دا عيب كبير في شخصيتي.....و كتر خيرك إنك قابلاه"
تمسكت بذراعه وهي تقول بمرحٍ:
لأ هو بصراحة كتر خيري أني مستحملة هبلك أساسًا، يعني قليل الأدب و قولنا ماشي لكن ملبوس و عندك تراست ايشوز كدا كتير عليا و على أعصابي يا ابن الملبوسة"
ابتسم هو بسخرية ثم أضاف قائلًا بمرحٍ:
نصيبك إني حبيتك أنتِ، ربنا من كرمه رزقني بِـ حُبك علشان هو عالم إنك هتتحمليني يا عبلة، لو واحدة غيرك كانت رمت اللي بيننا فـ داهية، أنا و خديجة عاوزين كل ١٠ دقائق حد يطمنا إننا مقبولين زي ما إحنا"
ردت عليه هي بسرعة كبيرة تؤكد حديثه:
أنتَ و خديجة مفيش زيكم أصلًا يا وليد، علشان كدا ربنا عوضكم أنتو الاتنين، هي ربنا كرمها بـ ياسين و أنتَ ربنا كرمك بيا و بصراحة يا بختك بيا يا ليدو و الله"
ضحك هو باتساع و هو يقول بقلة حيلة هو الآخر:
و الله العظيم أنتِ هبلة و عاوزة ضرب الجزمة علشان فلوس أمي اللي ضايعة على السوبيا دي"
نظرت له بحنقٍ و
قبل أن ترد عليه وجدت باب المصعد يفتح ثم خرج منه الثلاثي المرح كما يلقبهم «طارق» دخلوا تباعًا خلف بعضهم فرفعت رأسها هي من على كتفه تزامنًا مع دخولهم السطح
فسألهم «وليد» بسخرية:
أكيد عم محمد هو اللي باعتكم...خير يا وش الشر أنتَ و هي"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ باردة:
بصراحة قرفناه فـ عيشته تحت هو و طارق، فـ طردونا و سلمى جت معانا علشان تذاكر هنا و خلود هتتفرج على المسلسل"
سألته «عبلة» بخبثٍ:
طب سلمى و هتذاكر و تعمل الواجب و السوسة دي هتتفرج على المسلسل، أنتَ بقى طالع ليه"
تدخلت «خلود» بقول ببراءة كاذبة ممتزجة بالخبث:
طالع يعلم الواجب يا عبلة...خليها تذاكر بنفس مفتوحة"
أطرقت «سلمى» رأسها للأسفل في خجلٍ بينما «وليد» سحب «خلود» من ذراعها حتى أخفضها إلى مستواه و هو على الأريكة ثم قال لها بهمسٍ:
لمى نفسك بعيد عن العيال، و خلي الخبث دا للي جاي بعد كدا، علشان وفاء و بنتها رجعوا من اسكندرية النهاردة و أحمد أهطل و سلمى عبيطة، عاوز شغل حلو كدا يحرق دم منة خصوصًا بعد ما هدير مشيت"
ظهرت لمحة شر في نظرتها ثم أشارت إلى عينيها و هي تقول بهدوء:
يا مرحب بالغالية بنت الغالية....دي حبيبتي"
سألهما «أحمد» بنبرةٍ جامدة حينما لاحظ همسهما سويًا:
خير أنتَ و هي بترغوا فـ إيه"
اعتدلت «خلود» في وقفتها بينما «وليد» رد عليه بسخرية:
لأ متشغلش بالك ، احنا بنأمن مستقبلك....ركز أنتَ فـ الواجب"
تحدثت «سلمى» تقول بتوترٍ ظهر جليًا فـي نبرتها:
طب....طب أنا هقعد على الترابيزة اللي هناك دي علشان أذاكر.....و ياريت محدش فيكم ينزل و خليكم مونسيني علشان أنا هذاكر فيزيا و أنا بخاف منها"
سألها «وليد» بمرحٍ:
اذاكرهالك أنا ؟!"
نظر له الجميع بتعجبٍ مما تفوه، و حينما لاحظ هو نظراتهم قال مُردفًا بثبات:
جرى إيه ياض أنتَ و هي بتبصولي ليه؟ أنا كنت علمي رياضة و كنت ناقص في الفيزيا درجة بس، هي صحيح تقيلة بس تتحب"
ردت عليه «سلمى» بحماس:
أنتَ لسه هتشرحلي وضعك، قوم يا بني يلا"
ابتسم هو لها باتساع ثم قال:
طب هاتي الترابيزة دي و تعالي يلا علشان أشرحهالك".
________________
في شقة «خالد» جلس هو على الأريكة و صغيره بين ذراعيه غافيًا في ثباتٍ عميق و كفه الصغير متشبث بملابسه و كأنه يخشى تركه، نظر هو له بحنانٍ بالغ و هو يتذكر والده و مدى تعلقه به و رغمًا عنه غاص في ذكرياته حتى فرت دموعه دون أن يشعر، أو بالأحرىٰ فرت حينما خشىْ فراق الحياة دون أن يعيش مع صغيره كما فعل والده وقفت زوجته من بعيد تراقبه بعدما خرجت من المطبخ، و حينما وجدت أثر دموعه على ملابسه تنهدت بحزن ثم اقتربت منه و دون أن يشعر بها مدت كفها تمسح دموعه، رفع هو رأسه ينظر لها باندهاش من وجودها، فوجدها تبتسم له و هي تقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بالحنان:
الله يرحمه يا خالد، أنا عارفة إنك لسه متأثر بموته و عارفة إنك لسه مش قادر تنسى وفاته، بس صدقني هو فـ مكان أحسن و كمان فرحان بيك يا خالد"
زادت دهشته أكثر من قبل فوجدها تبتسم و هي تقول مردفة له:
متستغربش علشان أنا حفظاك يا خالد، أنتَ كل مرة بتبص فيها فـ وش يونس و تشوفه و هو متعلق بيك بتخاف من اللي جاي، بس دا غلط و حرام علشان اللي جاي كله بإيد ربنا سبحانه و تعالى"
أومأ هو لها ثم أخرج زفيرًا قويًا ثم نظر في وجه «يونس» و هو يقول بحنان متأثرًا:
يونس شبهي أوي يا ريهام، كل حاجة فيه زيي، أنا بحبه أوي بس غصب عني مش عارف أقوله علشان هو مش هيفهمني، أنتِ أم و عارفة إزاي تدلعي و تهادي، لكن أنا صعب عليا أعمل كدا....طب أقولك على حاجة ؟ أنا بفرح لما يفضل يرخم عليا و بفرح لما أجي أنام و ألاقيه بيعيط علشان اقعد معاه"
اعتدلت هي جلستها ثم دست نفسها اسفل ذراعه الأخر و هي تقول بنبرةٍ مرحة:
يا بختك يا يونس، بابا بيحب فيك و واخدك في حضنه"
ضحك هو بخفة عليها ثم شدد ضمته لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ ست مفترية على فكرة، علشان الواد نايم و سايبنا و أنتِ بتقُري عليه، أنتِ أم أنتِ"
ردت عليه هي بمرحٍ:
و الله أنتَ و ابنك طلعتوا عين أمي بس يلا كله بثوابه، بس قولي صح أنتَ عاوز يونس يبقى إيه...يعني نفسك يكون عامل ازاي"
نظر هو في وجه الصغير النائم على ذراعه و هو يقول بهدوء ممتزج بالحنان:
نفسي يكون زي ما هو عاوز، يعني يحلم حلم و يعرف يحققه، بس كشخصية عاوزه زي عمه ياسين حنين و متفاهم و مش قماص، ياسين راجل بجد و معدنه أصيل، و برضه عاوزه زي ياسر بيشيل مسئولية و راجل بيصون العهد، لما رفضت أجوزه إيمان هو كان عنده مليون طريقة يوصل بيها ليها من ورايا، بس هو معملش كدا و اختار يناهد معايا علشانها، غير كدا جوز أخواته و فرح أمه و حقق حلمه و فحت في الصخر علشان يبقى دكتور ياسر، و للأسف يعني عاوزه زي زفت الطين اللي مجرسني، عامر جدع أوي و مخلص بطريقة غريبة لينا، لدرجة إنه لما سافر أسوان اسبوعين تبع الشغل بتاعه مكانش بينام غير لما يطمن علينا، عامر بيحب كل اللي حواليه و عاطفي أوي صحيح أنا هاخد فيه تأبيدة محترمة بس بحبه للأسف، من الأخر يعني عاوزه زي أعمامه يا ريهام، علشان مش هلاقي أحسن من كدا ابني يكون زيهم"
رفعت رأسها تنظر له بحب وهي تقول بنبرةٍ مرحة ممتزجة بالمرح:
أنا بقى نفسي يكون زيك، صحيح عصبي و كِشري شوية بس قلبك أبيض و راجل يعتمد عليك...يونس هيبقى راجل زيك يا خالد، كفاية ملامحه اللي كلها منك دي...حلوين حلاوة تجزع يا جدع"
_"أنتِ عمالة تعاكسي فيا من الصبح و كدا غلط، الواد على ايدي يا ريهام لمي نفسك"
قالها هو بمزاح حتى يشاكسها فوجدها تتمسك به و هي تقول بمرحٍ:
كدا الواد على دراعك و أمه ماسكة في دراعك يا خالد و لا تضايق نفسك"
_________________
في شقة «ياسر» كان جالسًا يتحدث في الهاتف مع زميلته بالعمل و «إيمان» أمامه تمسك بالسكين الحاد تلوح به على كفها و هو ينظر لها بقلقٍ واضح، لكنه حاول تجاهلها حتى أنهى المكالمة فوجدها تقترب منه و السكين في يدها و هي تسأله بتوعدٍ:
كنت بتكلم مين ياض يا ياسر ؟!"
اذدرد لُعابه بقوة ثم أجابها بنبرةٍ مهتزة:
و الله العظيم دي دكتورة نورين زميلتي..... بتسألني عن حالة طفل هناك أنا كنت مسئول عنه قبل فرحنا.......و هي دلوقتي بقت مكاني و أنا الوحيد اللي كنت عارف حالته لما كان محجوز عندنا"
ردت عليه هي بتهكمٍ واضح:
نورين ؟! و ماله يا حبيبي أنا هخليها ضلمة على دماغكم أنتو الاتنين"
رد عليها هو بخوف شديد بعدما حاول التحكم في ثبات نبرته:
إهدي يا بنت الهبل دي مسيحية أصلًا، غيرانة من واحدة مسيحية"
اقتربت منه تقول بتوعدٍ من بين أسنانها:
و لو من المعبد اليهودي برضه هغير عليك، و رب الكعبة ياض يا ياسر لو حد من الجنس الآخر دا اتعامل معاك هموتك، أخرك أنا و ندى و نرمين أخواتك و أمك ميرفت، حلو كدا"
أومأ لو مؤكدًا ثم قال لها بخبثٍ:
إيمان ما تجيبي بوسة و حياة عيني الزرقا"
تنفست بعمقٍ ثم قالت بهدوء:
متضعفش موقفي قدامك و قدام عيونك الزرقا حبايبي، بس ماشي هات بوسة يا ياسر"
قالتها بمرحٍ و قبل أن تقترب منه وجدته يمسك ذراعها يلويه خلف ظهرها و هو يقول بتوعد:
بقى أنا يترفع سلاح في وشي يا بنت عليان، لأ أنا دكتور آه، عيني زرقا ماشي شعري دهبي شغال لكن أنا راجل أوي"
تأوهت هي بشدة و هي تقول بألم ظهر جليًا فـي نبرتها:
دراعي ياض، خلاص مش هزعلك و الله، دا أنتَ حبيبي يا ياسوري"
ضحك هو تزامنًا مع تحريكه رأسه بيأس منها ثم قال و هي تحدق فيه بشررٍ:
دا أنتِ حكاية و رواية يا إيمان بس بصراحة أنا فرحان بيكي و بوجودك معايا"
سألته هي بتلهفٍ نتيجة حماسها بعد قوله:
بجد !! يعني أنتَ مش زعلان مني علشان بخنقك في عيشتك"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بهدوء بعدما ترك ذراعها:
لأ مش زعلان...أنا بحبك و فرحان إنك بتاخدي راحتك معايا و دي أهم حاجة إنك تكوني على طبيعتك"
احتضنته هي بقوة دون أن تتحدث، أما هو ضحك عليها ثم طبع قبلة هادئة على قمة رأسها.
في شقة «عامر» تحدث في الهاتف مع أحد أصدقائه، فخرج من الشرفة و هو يقول بحنقٍ:
خلاص يا زيكو هتصرف أنا و هجبهم بس خالد ممكن ميرضاش، بس أنا هتصرف"
أنهى المكالمة مع صديقه ثم جلس على الأريكة بجانب زوجته و هو يفكر في حل لتلك المعضلة، انتبهت «سارة» لشروده فقالت بنبرةٍ عالية:
عــامـر، سرحان فـ إيه"
رد عليها هو بمرحٍ كعادته:
سرحان في طريقة أخلي بيها خالد يوافق على اللي أنا عاوزه"
سألته هي بريبةٍ حقيقة:
و هو خالد مش هيوافق على إيه يعني ؟ عامر دا لسه شاتمك بأمك فـ الجروب قدام العيلة كلها، كفاية بقى"
ظهرت لمعة خبث في عينيه ثم قال بهدوء:
بقولك إيه يا مهلبية أنا هنزل شوية و أرجع هتعوزي حاجة؟"
سألته هي بتعجبٍ:
هتنزل فين يا عامر، مش قولنا هنسهر سوا النهاردة"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ متسرعة:
و الله مش هنتأخر، هو مشوار صغير ساعتين و هرجع تاني و نسهر سوا، يدوبك لسه مصليين العشا"
أومأت له موافقة فوجدته يقترب منها و طبع قبلة على و جنتها ثم نظر لها هو يقول بهدوء:
مش هتأخر عليكي يدوبك هعمل حاجة على السريع و هرجع تاني، خلي بالك من نفسك و اوعي تنامي لحد ما أرجع"
نظرت له هي بتوعدٍ و هي تقول:
و لو اتأخرت أعمل فيك إيه؟ هولع فيك يا عامر، أنا لما بتضايق ببقى واحدة تانية"
غمز لها و هو يقول بمرحٍ:
ما أنا عارف، أصل كلهم فيهم مرارة زي زيت اللوز و أنتَ يا حلو زبادي بالموز"
ارتفعت ضحكتها بقوة بعد جملته المرحة تلك فوجدته يضيف هامسًا بهدوء:
و الله ضحكتك دي بتكهرب اللي خلفوني ولو عليا أفضل هنا منزلش، بس أنا متدبس و مدبس ناس معايا"
ابتسمت هي له بحنان ثم قالت:
انزل يا عامر و أقعد مع صحابك و أنا هستناك متتأخرش بس، علشان بصراحة بحس بملل من غيرك"
أومأ لها ثم تركها حتى يبدل ملابسه لـ أخرى مريحة.
___________________
كانت جالسة في شرفة شقتها على الأرض تتابع حركة النجوم في السماء و القمر بشكله المكتمل، كانت رقيقة في وضعها ذاك، حيث كانت ترتدي تيشيرت باللون الاسود بتناسب مع بشرتها الخمرية و بنطال من نفس اللون و قامت بفرد خصلاتها على ظهرها و طلقت العنان لها حتى داعبتها نسمات الهواء الدافئة، كان «ياسين» يراقبها من الخلف حيث كان واقفًا على اعتابها و حينما تنفست بعمقٍ اقترب هو منها يجلس بجانبها و هو يقول بمرحٍ حتى يُلطف الأجواء:
قوليلي يا غالية مالك، من ساعة ما رجعنا و أنتِ قاعدة كدا، حتى قومتي صليتي و رجعتي تاني، فيه إيه"
ردت عليه دون أن تكلف نفسها عناء تحريك رأسها له و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا كويسة يا ياسين، متشغلش بالك بيا"
سألها هو بحنقٍ بعض الشيء:
يعني إيه مشغلش بالي، خديجة لو أنا مش هشغل بالي بيكي هشغله بمين يعني، قوليلي مالك بس و أنا موجود معاكي"
تنهدت هي بعمقٍ ثم حركت رأسها تنظر له بلمحة حزن طفيفة و هي تقول:
ياسين هو أنا بقيت كدا علشان حياتي كانت كدا، و لا دا فشل و استسلام مني للحياة و لخوفي يتحكم فيا"
نظر له نظرة مستفسرة ممتزجة بالحيرة فوجدها تستطرد حديثها:
يعني تفتكر لو أنا كنت واجهت و سعيت ورا حلمي كان زماني هبقى زي نسرين دي و لا برضه كنت هبقى خديجة زي ما أنا ؟ و يا ترى بابا هو السبب فعلًا و لا أنا"
علم هو سبب تغيرها و حديثها الحزين لذلك اقترب منها أكثر يستند على ذراعه و هو يقول بهدوء:
كل حاجة نصيب يا خديجة، يعني كان ممكن تكوني عادية و بتنزلي و تروحي و تيجي لكن معندكيش مبادئ و كان ممكن أشوفك و منبهرش بيكي، و برضه أنتِ طبيعية و مفيش فيكي أي عيوب، يعني بنت محترمة و جميلة و رقيقة و زوجة صالحة و صاحبة جدعة و بنت بارة بأهلها و أخت مفيش منها، و عيونك الحلوة دول بيلففوني العالم و أنا مكاني ببصة فيهم، أنتِ حلوة أوي يا خديجة و حلاوتك مبهرة أوي"
تبدلت ملامحها الجامدة إلى أخرى لينة تتخللها علامات الراحة بعد حديثه فوجدته يضيف هامسًا بهدوء و هو ينظر في عينيها نظرة هائمة:
أنا لما جيت أول مرة بيت الرشيد ساعتها عمتك و هدير كانوا عاوزين يعرفوا أنا اختارتك ليه، ساعتها أنا قولت جملة من وسط الكلام هي إن خديجة زي الفراشة جميلة و متعرفش جمالها عامل إزاي، ميعرفش جمال خديجة غير قلب حبها و عين آمنت بسحرها، و أنا و الله قلبي و عيوني دابوا فيكي و دنيتهم نظرة عينيكي يا خديجة"
طالعته هي بأعين عاشقة تمتزج بالدهشة فوجدته يغمز لها وهو يضيف بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
أخفضت رأسها في خجلٍ فوجدته يتابع حديثه بنبرةٍ قوية بعض الشيء:
و بعدين نسرين دي أخر واحدة يا خديجة ممكن تزعلي منها، دي هبلة و الله، كانت عاوزانا نتجوز علشان تفضحنا على النت و الناس تشهد إنها متجوزة مهندس و انها عايشة معاه مبسوطة، على أخر الزمن أبقى ياسين المفضوح؟"
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم سألته بنبرة مهتزة بعض الشيء:
بس هي حلوة أوي يا ياسين و ناجحة يعني كان ممكن تديها فرصة تانية و تتقابلوا و تتكلموا تاني"
رد عليها هو بحنقٍ من حديثها:
حلوة لنفسها و ناجحة لنفسها مش ليا، أنا مالي و مالها يا ختي، و بعدين اقابلها تاني ليه إن شاء الله"
ردت عليه هي بهدوء:
تقابلها تاني يمكن تكون من نصيبك، مش يمكن هي كانت عاوزاك ترجع ليها تاني، أنا حسيت بذنب غريب أني ممكن أكون وخداك منها، مش عارفة ليه بس نظرتها ليا كانت كدا"
رفع حاجبه ينظر لها مُتعجبًا ثم قال بلامبالاة:
لأ و على إيه تحسي بالذنب أصلًا، رقمها مع ماما و هي عملالي فولو على انستجرام هروح اقابلها و اعتذرلها و أصلح غلطتي و اتجوزها"
سألته هي باندهاش إثر حديثه الغريب:
أنتَ بتقول إيه يا عم أنتَ، أكيد بتهزر"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بنبرة باردة غير مبالية:
لأ و الله مش بهزر، هي عملالي فولو أصلًا و علطول بتعملي قلوب على صوري، شكلها فعلًا ندمانة و أنا أكتر حاجة بكرهها إن حد يندم بسببي"
قال جملته ثم تحرك حتى يعتدل في جلسته فوجدها تمسكه من ذراعه بقوة حتى سقط على الأرض و هي فوقه تسأله بنبرةٍ متوعدة:
سمعني بقى يا حلو قولت إيه تاني كدا، سمعني الرصة اللي قولتلهالي من شوية دي"
نظر هو لها باندهاش فوجدها تمسك سترته و هي تقول بنبرةٍ شبه متوعدة:
ها مين بقى اللي بتعمل قلوب على صورك ؟ و عاوز تصالح مين يا حنين ؟ ها يلا سمعني"
رد عليها هو بنفس البرود و نظرة التسلية تتراقص في عينيه:
نسرين، بس بصراحة بنت أصول أنا رفضتها وهي عملالي فولو، دا عامر الندل معملش ليا غير لما عملتله أنا الأول، بس خلاص أنا بفكر أصالحها علشان متحسيش بالذنب"
أومأت له ببرود ثم أمسكت عنقه بقوة و هي تقول من بين أسنانها:
و ماله يا حبيبي، بس الحالة الوحيدة اللي ممكن أحس فيها بالذنب لما أموتك و أموتها وراك، لكن غير كدا أنا مبحسش أصلًا، و بعدين تتجوزها ليه، أنتَ حقي أنا و جوزي أنا، خلي واحدة تبصلك كدا علشان.... ولا أقولك خليها مفاجأة لينا كلنا"
سألها هو بخبثٍ:
طب و نظرتها ليكي اللي خلتك تحسي بالذنب اخبارها إيه"
ردت عليه ببرود مماثل:
هي حولة كانت بتبص غلط، و أنا عامية مبشوفش يعني نتقابل عند دكتور رمد إن شاء الله"
ضحك هو رغمًا عنه ثم قال بتسلية واضحة في نبرته:
طب ما أنتَ بتغير يا نجم أهوه، علشان تعرفي إنك عبيطة و كلامك أهبل، واحدة زي دي كانت بتبصلك بحقد و أنتِ فاكرة إنك ظلماها، بس بصراحة أنا مبسوط من اللي حصل دا"
قطبت جبينها متعجبةً منه فوجدته يشير على وضعهما و هو يقول بسخرية:
وضع التثبيت دا يا خديجة، كنتي عاملة زي الشريدة من شوية، دلوقتي حاسس إن فيه سكينة هتطلع من ضهرك، ماشاء الله منفصمة الشخصية"
تنفست بعمقٍ ثم ابتعدت عنه على مضضٍ أما هو اعتدل و قبل أن يتحدث وجد هاتفه يصدح برقم «عامر» قام بالضغط على زر الإيجاب فوجده يقول بسرعة:
الحقني يا ياسين أنا متدبس في مشوار و عاوزكم معايا فيه و معاكم واحد كمان"
سأله «ياسين» باندهاش:
عاوزنا و عاوز حد كمان ؟! ليه يا عامر و هنروح فين"
رد عليه بنبرةٍ متعجلة ممتزجة بالتوسل:
عند ميمي تعالوا بس، أنا حاولت أشوف عمار أخويا بس هو في الشغل، علشان خاطر أخوك الحقني، أنا كلمت ياسر و هيجي و أنا و هو هنروح سوا تعالى بقى ورانا و خالد أنا هكلمه"
تنفس الصعداء ثم رد عليه بضيق:
ماشي يا عامر هاجي و هجيب وليد معايا، سلام علشان ألحق أغير"
نظرت له هي باندهاش فوجدته يقول لها باحراج:
خديجة عامر عاوزنا في مشوار ضروري و عاوز معانا واحد كمان هاخد وليد و نروح سوا، عاوزة حاجة مني"
حركت رأسها نفيًا فوجدته يغمز لها وهو يقول بخبثٍ:
أنا لما أرجع لازم نكمل كلامنا اللي كان هنا دا"
ردت عليه بحنقٍ:
أمشي يا قليل الأدب من هنا"
كان «وليد» جالسًا بجانب «سلمى» و هو يقوم بشرح الدرس لها و هي تنصت له بحماس غريب و فجأة وجدته يقول بمرحٍ:
كدا خلاص الدرس الأول، حلى عليه كتير و لو فيه حاجة وقفت معاكي عرفيني"
سألته هي بنبرة مندهشة:
أنتَ إزاي كدا بجد؟ وليد أنا فهمتها منك أكتر من المدرس و الله، أنا حليت كل المسائل صح"
أومأ هو لها موافقًا ثم أضاف:
طبيعي تحلي صح علشان فهمتي، مش حفظتي، الفيزيا و الكيميا لازم تفمي البداية فيهم علشان تكملي الباقي منهم"
تدخلت «خلود» تقول بتوسل:
ذاكرلي تاريخ و علم نفس أبوس راسك و راس أمك"
ضحك هو عليها ثم رد:
حاضر ابدأي دروس بس و أنا معاكي، أنا عيني ليكم"
بمجرد انتهاء جملته و جد هاتفه يصدح برقم «ياسين» قطب جبينه و هو يرد على الهاتف، و حينما فتح الخط سمع مطلبه فوافق هو بكلماتٍ مقتضبة ثم أغلق الهاتف بعدها هَبَ واقفًا و هو يقول للجميع:
ورايا مشوار مهم و هاجي تاني ساعتين بالكتير حد فيكم عاوز حاجة؟"
ردت عليه «عبلة» بقلقٍ:
رايح فين أنتَ دلوقتي ؟ ومين اللي كلمك دا"
ابتسم هو لها حتى يطمئنها ثم قال بهدوء:
متقلقيش دا مشوار عالسريع تبع ياسين و راجع تاني"
بعد ما يقرب الساعة تقابل «ياسين» مع «وليد» أسفل شقة «ميمي» و بعد تبادل التحيات بينهما، صعدا سويًا إلى الشقة و بمجرد دلوفهما اتسعت عيني «وليد» بينما «ياسين» حرك رأسه نفيًا بيأس حيث كان الموقف كما المعتاد «عامر» فوق الطاولة و «خالد» أسفلها في يده عصا كبيرة الحجم و هو يقول بنبرةٍ قوية:
أنا تعبت من أهلك كلهم...انزل يا عامر و خلي ليلتك تعدي بخير"
رد عليه بحنقٍ:
لأ مش هنزل... العصاية اللي فـ إيدك كبيرة و أنا خايف"
مال «وليد» على أذن «ياسين» يسأله بهمس:
ياسين هما واقفين كدا ليه، مش غريب الوضع دا شوية"
ابتسم «ياسين» بسخرية ثم رد معقبًا:
الغريب لو دخلت مرة و لقيت وضعهم غير كدا".