تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والستون 61 - بقلم شمس بكري
"و كأنني موعودٌ بفراق الأحباب، فكلما أحببتُ شيئًا، ذوقت منه الغياب"
__________________________
"ألا لَيْتَ بذنب الحُبِ ما بُليتَ، فبعدما استأنستُ بوجودك، غدوت في رحيلك عائلًا و كأنني بدونِ بيتَ، فراح القلب يَصرُخ باكيًا، كيف حالك في بعادي يا من ظننتُ أنني بِكَ تعافيتَ، كيف أتقبل غيابك بعد الرحيل، و أنا من وجدت بِكَ الحياةِ يوم أتيتَ ؟"
( في شمال سيناء)
كان كليهما ينظر للسماء رافعًا رأسه بوجلٍ، متنهدًا بقلة حيلة، لا يملك أيًا منهما سوى النظر لها و الطمع في التيسير، حتى تحدث «يوسف» بسخريةٍ:
"بس قلبهم ميت أوي أنهم يجيبوك بعد اسبوع من مشيان رأفت، إيه مستبيعين أوي كدا ؟"
حرك «ياسين» رأسه نحوه و قد عقد ما بين حاجبيه بتعجبٍ من حديث الأخر، فتحدث مُضيفًا:
"جابوك بدري، أنا قولت فيها شهر لحد ما تيجي، عملت إيه أنتَ علشان يرموك هنا؟!"
حرك «ياسين» كتفيه ببساطةٍ و هو يقول بهدوء:
"معملتش حاجة، أنا كنت قاعد في مكتبي زي كل يوم، بعتولي أروح أقابل المدير، روحت أقابله قالي إن رأفت مراته ولدت باين أو حاجة زي كدا، و أنا زيه في نفس الكفاءة و هكمل الشغل مكانه، جيت"
حرك رأسه له يسأله بتعجبٍ و استنكارٍ معًا:
"مراته بتولد ؟! ليه متجوز أرنبة ؟؟ ما هي ولدت من شهرين، اشتغلوك يا عسل ؟!"
ردد خلفه باستنكارٍ:
"اشتغلوني ؟! اشتغلوني ازاي يعني؟! دا شغل و أكيد الشركة مش هتلعب معايا يعني"
أومأ له موافقًا ثم تحدث منهيًا ذلك الحوار:
"أكيد طبعًا، بس أنتَ شكلك ابن بلد و مجدع، رغم إني شاكك فيك و هتطلع رخم، بس أنا بعرف أتعامل مع الرخمين"
أبتسم «ياسين» بيأسٍ من طريقته ثم رفع رأسه للسماء مرةً أخرى و وضع كفيه داخل جيبي معطفه، و سرعان ما ابتسم حينما وجد نجمةً في السماء تضوي و كأنها تقصده هو تحديدًا، حرك الأخر رأسه نحوه يسأله بتهكمٍ:
"إيه حكايتك ؟! أنتَ عاشق و لا إيه؟؟"
سأله «ياسين» مُبتسمًا:
"أين تقول ذلك؟؟
أردف مُفسرًا:
"لتشرق النجوم للنجمة، ولتشرق النجوم لها غير العاشق، أو لها فهي عزيزة"
تحدث «ياسين» بهدوء:
"بلاش ماتلي حد عزيز دي، خلينا في الأولى و مشيها عاشق"
سأله بثباتٍ:
"اللي بتعشقها دي بقى، حبيبتك و لا خطيبتك و لا هي متعرفش أصلًا إنك موجود ؟!"
رد عليه مُبتسمًا بعدما رفع كفه يشير نحو الدبلة التي تتوسط اصبعه:
"مراتي....اللي بحبها دي مراتي"
أبتسم له بسخريةٍ و هو يقول:
"لأ، جديدة دي، جديدة و حلوة بصراحة"
وضع «ياسين» كفه في جيب معطفه و هو يقول بثباتٍ:
"براحتك، كدا كدا مش مضطر اثبتلك حاجة، بس أنا بحب مراتي بجد"
رد عليه «يوسف» متفهمًا:
"يا عم ربنا يكرمك و يخليكم لبعض، بس كل اللي قابلتهم هنا جايين طفشانين أساسًا، أنتَ الوحيد اللي شكلك زعلان"
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث بهدوء:
"مبكرهش في حياتي قد الغُربة، الغربة مرة زي ما بيقولوا كدا، و بالذات لواحد زيي كان متحاوط بالونس، سيبت أخواتي و مراتي و أبويا و أمي، يمكن دي حاجة جديدة عليا، بس أهو هتعود"
رد عليه الأخر بنبرةٍ يشوبها ألمٍ طفيفٍ:
"أهو أنا طول عُمري معرفش يعني إيه ونس، يمكن بفضل هنا بالشهور علشان اهرب مني أني مليش حد، مكدبش عليك بكون مرتاح هنا، و بصراحة ؟! العيون البدوية اللي هنا متتسابش"
اتسعتا حدقتي «ياسين»، فابتسم له الأخر ببرودٍ و هو يقول:
"آه نسيت أقولك، أنا راجل نقطة ضعفي حاجتين، محشي ورق العنب و العيون السود"
أبتسم «ياسين» بسخريةٍ و هو يقول:
"أنتَ ضربت الاتنين في الخلاط مع بعض ؟؟ سبحان الله، مكتوبين عليا النُسخ اللي زيكم"
سأله باهتام:
"مين دول ؟؟"
_"أخواتي، وليد و عامر"
تفوه «ياسين» ببساطةٍ و هدوء، فأومأ الأخر مُتفهمًا، فتحدث «ياسين» مُستفسرًا بهدوء:
"هو ليه مفيش شبكة هنا ؟! اللي عاوز يكلم ناسه يكلمهم إزاي ؟"
رد عليه بنبرةٍ هادئة:
"هنا مفيش أبراج للشبكة، محتاج تمشي حوالي تلاتة أربعة كيلو كدا، عند السوق و المدينة من برة"
رد عليه «ياسين» مُسرعًا باستنكارٍ:
"تلاتة أربعة كيلو !! علشان اتكلم في التليفون ؟! إيه الهم دا بس؟"
أبتسم له ببرود ثم حرك رأسه ينظر للسماء مرةً أخرى، بينما «ياسين» أخرج هاتفه يطالعه بيأسٍ بعدما تأكد من فشله في محاولة الوصول لهم.
و خلفهم و بعدما وقف يراقبهما و يراقب جلوسهما الهاديء، حينها أخرج هاتفه يهاتف شخصًا ما، و هو يتحدث باللهجة البدوية:
"أيوا يا اخو...عسعست مِتل ما بدك، يورالي إنه المهندس الجديد، بتريدني أتدخل ؟! و لا؟"
رد عليه الأخر مُسرعًا يرفض تدخله و طلب منه التريث لحين التأكد من هويته و إن كان مُحقًا قادمًا للعمل في هذا المشروع، حينها سيتم التدخل في ذلك الشأن.
__________________________
عاد «وليد» من وجهته ثم توجه نحو شقته، ينادي على زوجته حتى تقوم «هدير» بوضع غطاء رأسها، و بعدها دلف الشقة بانهاكٍ ثم جلس على المقعد المقابل للأريكة و هما يجلسا سويًا في غرفة التلفاز، فسألته «عبلة» بقلقٍ:
"ها عملت إيه يا وليد ؟! أوعى تكون اتهورت و عكيت الدنيا؟! احنا عاوزينك تحل مش تعقد"
زفر هو بقوةٍ ثم قال:
"لأول مرة ازعل أني راجل و اتمنى أكون ست، كان نفسي اجيبها من شعرها، بس ملحوقة"
ابتسمت «هدير» بسخريةٍ ثم تحدثت بنبرةٍ جامدة:
"روحت ليه يا وليد ؟؟ قولتلك متروحش و الدنيا تتحل بالهدوء و هو يخلصني و يطلق، روحت ليها ليه؟! علشان توجعك بالكلام؟!"
رد عليها هو بثباتٍ:
"حسنًا، هناك شيء واحد فقط يمنحك حياة طيبة وحياة طيبة. أنا شاهد آخر على أعمالك. لماذا تفقد خيراتك؟! ؟!"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
"علشان هو بيحبها، خايفة نتحط أنا و هي في كفة واحدة و يختارها، خايفة أتوجع على ايديه و هو واقف محتار بينا، حسن بيقدرها و ممكن ميصدقنيش إن أخته قالت عليا كدا، و ساعتها لو دا حصل منه أنا هتوجع و مش هنسهاله، أنا عاوزة اسيبه علشان بحبه، و علشان مش هقبل بحاجة تانية غير أني احبه"
ضرب كفيه ببعضهما و هو يقول:
"لا حول ولا قوة إلا بالله ؟! يعني إيه يا بنتي؟! يعني تفضلي أنتِ و هو متعذبين كدا ؟! بسبب واحدة حرباية زي دي كل اللي هاممها الفلوس و بس ؟؟ عندك ثقة في حسن و لا لأ؟!"
ردت عليه هي مُقررةً:
"عندي ثقة فيه لأبعد الحدود، و عندي ثقة في حبه كمان، بس معنديش ثقة في أخته و كلامها، دي بتتلون زي الحية يا وليد، أنا لو خايفة على وجعي ضعف، فخايفة على وجعه أضعاف، حسن هيتكسر لو عرف أخته عملت إيه"
تدخلت «عبلة» تقول معنفةً لها و ترفض طريقة تفكيرها:
"غلط يا متخلفة أنتِ، حتى لو اتوجع من أخته مينفعش يتوجع منك أنتِ، لازم تكوني معاه، صحيح هي غلطتها متتسامحش، بس متتخليش عن جوزك علشانها، حرام عليكي كل شوية يتصل و كلامه صعب أوي"
بكت «هدير» و هي تستمع إليها و هي تعلم كم المعاناة التي يمر بها و تدخل بين ثناياه، تحدث «وليد» بنبرةٍ هادئة:
"هدير هي كلمة واحدة بس !! عاوزة إيه بالظبط ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
"عاوزة أعيش مع حسن من غير مشاكل، مش عاوزاه يبقى معايا و يكون خايف من حاجة، حسن ضعيف قدام أخته أوي، صعب نكون أنا و هي في حياته"
رد عليها هو بثباتٍ:
"يبقى خلاص، سيبي الجاي عليا و ملكيش دعوة بحد و لا تقلقي، و حنان دي أنا هجيب حقك منها، بس مش بغشامة دي عاوزة ثبات و تفكير"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ، فتحدث هو موجهًا حديثه لزوجته:
"عبلة ؟! حضري العَشا لينا علشان هدير لو سمحتي، و علشان أريح شوية، يلا لحد ما أكلم خديجة"
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من موضعها، بينما هو توجه نحو الشرفة يهاتف «خديجة».
كانت هي جالسةً وسط الفتيات و هي تداعب «يونس» و تقوم باطعامه الحلويات الموضوعة أمامهم و هو يمر عليهمن يقبل كلًا منهن على حِدة، حتى صدح صوت هاتفها برقم أخيها، استأذنت هي منهن ثم توجهت نحو الشُرفة حتى تستطع مكالمته، فتحدثت هي بهدوء:
"ازيك يا وليد عامل إيه؟! كنت فين طول اليوم مكلمتنيش ليه؟"
تنهد هو بقلة حيلة ثم تحدث بنبرةٍ مُنهكة:
"حقك عليا علشان مكلمتكيش النهاردة، بس كنت مشغول و تعبان شوية، المهم أنتِ إيه اخبارك؟!"
ردت عليه هي بهدوء:
"الحمد لله وبنات هناء ويونس كمان مطقلقش"
رد عليه بنبرة صوتٍ ظهرت بها الراحة:
"الحمد لله إنك كويسة، لو احتاجتي حاجة عرفيني، و خلي بالك من نفسك، مش هوصيكي، مش عاوز أبو طويلة ييجي زعلان مني"
ابتسمت هي بسمةً هادئة، فسألها هو بترقبٍ:
"ياسين كلمك صح ؟! أو حد فيكم اتطمن عليه حتى ؟!"
ردت عليه هي بقلقٍ:
"لأ للأسف، أخر مرة كانت الصبح و هو عند النفق و قالي إن الشبكة هتفصل، بس الحمد لله كلم طنط و عمو قابلها، و خالد قال إنه كلمهم كلهم سوا، من ساعتها برضه معرفش حاجة عنه"
رد عليها يُطمئنها بحديثه:
"متقلقيش عليه خير إن شاء الله، المهم أنتِ بس بلاش تظهري خوفك أو زعلك علشان مامته حتى، ربنا يرجعهولك بالسلامة و يجمعكم بالخير يا رب"
تنهد هي بعمقٍ ثم تحدثت بنبرةٍ هادئة لكن بين ثناياها ظهر الحزن:
"أنا عمري ما كنت أتخيل أني ممكن اسيبه أو ممكن ييجي يوم يكون مش معايا فيه، أنا اتعودت عليه أوي، بحس من غيره إني تايهة و مفيش مكان ليا في الدنيا، أنا لقيت معاه الحاجة اللي كنت بدور عليها، لقيت معاه خديجة، خايفة تضيع مني علشان هو مش موجود"
تحدث هو مُسرعًا يلحق بحديثها:
"يا الشن خاطري وخاطري انت الفيل وسائر الدنيا والعالم كله صحيح هتزعلي الشن هو مش معاكي ولكني صادق معك وانت الفيل" ، الهريسة أوزك تزودي حملي وخلصيني قلقان عليكي أنتِ كمان"
عقدت حاجبيها تسأله مستنكرةً حديثه و تحدثه بصيغة الجمع:
"أنا كمان ؟! هو فيه إيه مخليك قلقان تاني؟!"
زفر هو بقلة حيلة ثم قرر مصارحتها بالحديث و مشاركتها قلقه و استشاراتها فيما يحدث، كانت هي تنصت له بتمعنٍ بين الصدمة و التيه، حتى أنهى حديثه و هو يقول بحيرةٍ:
"مش عارف أعمل إيه، هدير لازم تحس إن فيه حد وراها بيدافع عنها و حسن أخويا و لوحده و مفيش حد معاه، و حنان دي مش قادر عليها"
ردت عليه هي مُسرعةً:
"كدا مينفعش، حسن لازم يعرف اخته عملت إيه في مراته، لازم يعرف إنها مش ملاك و لا إنها أخت كبيرة ليه، اتصرف يا وليد"
مرر كفه في خصلات شعره بمللٍ ثم تحدث بنبرةٍ جامدة:
"يبقى محدش ليه دعوة باللي هعمله، حسن لازم يفوق و حنان تتربى و هدير تمسك في جوزها، و شكلي كدا هقل أدبي يا خديجة"
ردت عليه بسخريةٍ:
"و أنتَ طبعًا ما بتصدق تقل أدبك، جت في ملعبك دي، بس ياريت تراعي مشاعر الاتنين و تفكر أنتَ حالتك كانت إيه لما عبلة طلبت تسيبك"
تنهد بعمقٍ ثم تحدث أخيرًا:
"حاضر يا خديجة، بس حق هدير و شرفها اللي غلطت فيه مش هقدر اسكت عنه، و دي حاجة مفيهاش كلام، حتى لو حسن هيرفض حاجة زي دي"
أغلقت معه الهاتف بعدما حدثها هو ثم خرج من الشرفة و اثناء مروره بجوار «هدير» وجدها تطالع الهاتف بعينين باكيتين فعلم انها تبكي لأجله و هي تشاهد صورها معه.
تنهد هو بثقلٍ ثم دلف للداخل و هي لم تنتبه له من الأساس، بل ظلت كما هي أسيرة تلك الصور و اللحظات التي جمعتهما سويًا.
__________________________
شعر بالتعب يبلغ منه مبلغه و أن حتى طاقته على تحمل نفسه لم تعد كافية، و في تلك اللحظة شعر بجفاف حلقه فتوجه نحو المقهى القديمة التي يجلس بها كعادته مع «وئام».
جلس على أول مقعد قابله ثم أرجع رأسه للخلف و قرر آخر قرار و كأنه يخرج روحه من جسده، ظن نفسه لا يهون لكنه هان، ظن بها النجاة فوجد بها الهلاك، عاملها كما لو أنها انتصاره الوحيد، فتفاجأ بها تقرنه بهزيمةٍ ساحقة، فكيف للمرء أن يتقبل الهزيمة من الشيء الذي يعد نصره الوحيد !؟
اقترب منه العامل يرحب به و خاصةً انه على علمٍ سابقٍ بماهيته لانه مداوم التواجد هناك حينما كان يلتقط لهم صورًا في تلك المقهى القديمة، وسط الأجواء التي يحبها هو، و بعد رحيل العامل وضع رأسه على الطاولةِ بانهاكٍ واضحٍ حتى شعر بكف أحدهم يُربت على كتفه، رفع رأسه مُسرعًا، فتفاجأ به يسأله بهدوء:
"مدوخني وراك كل دا ؟؟ مشيلني همك كأنك ابني، عامل كدا ليه يا حسن ؟!"
أبتسم له بوجعٍ، فتدخل الأخر يقول بنبرةٍ هادئة:
"و جاي القهوة من غيرنا يا ندل ؟! مكانش العشم يا ابن المهدي، بس هقول إيه؟!"
تنهد هو بثقلٍ فجلس الاثنين معه، فتحدث «وئام» بنبرةٍ هادئة:
"قافل تليفونك ليه؟! هي ناقصة يعني تقلقني عليك يا حسن ؟"
رد عليه بقلة حيلة:
"تعبت يا وئام، حسيت أني عاوز أهرب من دنيتي كلها، بس مش عارف أهرب مني، هو...هو انتم عرفتوا مكاني منين؟!"
رد عليه «طارق» مُفسرًا:
"عدينا عند محل الورد اللي أنتَ راكن عربيتك عنده، قولنا أكيد أقرب مكان هتكون موجود فيه هنا، و كدا كدا كنت هتيجي هنا"
حرك رأسه موافقًا ثم زفر بقوةٍ ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
"ممكن محدش فيكم يتكلم في حاجة؟؟ أنا مش هستحمل كلمة من حد، ينفع؟!"
حركا رأسيهما، فأضاف «طارق» حاسمًا:
"احنا جايين علشانك أنتَ، قبل ما تكون جوز اختنا، أنتَ أخونا و اللي بينا مش قليل، بس عاوز أقولك فكر كويس علشان متخسرش كل حاجة"
رمقه بثباتٍ ثم ارجع رأسه للخلف، حينها رفع «وئام» ذراعه يضعه على كتفه مرةً أخرى و كأنه يؤازره في محنته، بينما هو سأله بنبرةٍ مختنقة:
"هو أنتوا جيتوا ليه ؟! جايين شفقة عليا و لا جايين علشان تطلبوا أطلقها ؟!"
سأله «وئام» بنبرةٍ جامدة:
"الرحمة!! من أمة حب الإخوان الرحمة؟!
أطبق جفنيه فوق بعضهما بثقلٍ، فسأله «طارق» بلهجة صوتٍ ثابتة:
"أنتَ عامل في نفسك كدا ليه؟! مالك يا حسن ؟! شكلك بقى ضعف سنك، من امتى و أنتَ بتتعب كدا؟!"
رد عليه بوجعٍ:
"علشان مش قادر استحمل خلاص، جيبت أخري يا طارق، نمت و صحيت حياتي مقلوبة على دماغي، أختي و مراتي مسكوا في بعض، و أنا مش فاهم حاجة، و هدير مصممة على الطلاق، طب ليه؟! ذنبي أنا إيه؟"
رد عليه «وئام» مراعيًا حالته:
"الذنب من الأول عندك أنتَ، إن أختك معرفتش بحاجة زي دي، أنتَ عارفها و عارف طبعها، و عارف إن هدير مبتتحملش، أختك من أول ما جت كان لازم تقف عند حدها"
رد عليه بقلة حيلة:
"شرحت موقفي و شرحت ليها إني اتجوزتها علشان أنا اللي عاوز دا، و هي فهمت الدنيا، هدير كان ممكن تكبر دماغها و تشيل خاطري حتى، بس هي كمان داست عليا"
نظر كليهما لبعضهما و كلًا منهما يفهم نظرات الأخر بأن «حسن» لم يفعل ذلك من الأساس، زفر هو بقوةٍ ثم تحدث بنبرةٍ شبه باكية:
"اللي مزعلني أني عمري ما زعلت حد، و عمري ما اتمنيت حاجة في حياتي، كانت هي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيت من ربنا إنه يديم وجودها ليا، حسيت إن اللي زيي ميستاهلش حتى إنه يتمنى، هو أنا حرام عليا اتمنى حاجة و أخدها؟"
رد عليه «وئام» بثباتٍ:
"حرام عليك إنك تقف ساكت و تشوف كل حاجة و هي بتضيع منك، فوق لنفسك و لحياتك و رجع مراتك و شوف حل مع أختك، و أفهم حصل إيه قبل ما تحكم على حد، علشان مترجعش تعيط على اللي راح يا حسن"
اقترب منهم العامل يضع طلبات «حسن» ثم أخذ طلبهما و رحل من أمامهم، فتحدث «طارق» بنبرةٍ هادئة:
"اشرب الشاي و روق كدا علشان بكرة هتيجي الشغل، يا كدا يا هخصملك، تحب اخصملك؟"
سأله بطريقةٍ درامية جعلته يبتسم رغمًا عنه، فاحضتنه «وئام» بين ذراعيه و هو يربت على ظهره و يتابع الأخر بنظراته اليائسة، و خصيصًا بعدما طلب منهما «وليد» عدم التحدث في شيءٍ مما صار.
__________________________
وصل «حسن» شقته بعدما ترك صديقيه، و عند دخوله الشقة شعر حتى بكرهه لذلك المكان مرةً أخرى، فكيف يحبه بعدما رحل السبب الذي جعله يحبه؟! كيف يطيق المكوث في مكانٍ تسبب في وجعه و جرحه بدل المرةِ، عِدة مرات؟!
جلس على الأريكة و هو يشعر بالتعب عليها، فحتى تلك الأريكة شاركته بها، فعند عودته في تعبه كان يُلقي بنفسه على فخذيها و هي بدورها تقوم بتدليك رأسه و هي تشاكسه بكلماتها، فهل من المعقول بعد كل تلك الذكريات و المشاركات بينهما أن يعودا كما الغريبين عن بعضهما ؟! هل من المعقول أن تُسلب منه كما تُسلب الأوطان فيرجع من جديد شريدًا بين أرجاء المدينة؟!"
اقتربت منه شقيقته تجلس بجواره و هي تسأله بنبرةٍ جامدة:
"أنتَ كنت فين ؟! و قافل تليفونك ليه إن شاء الله ؟!"
رد عليها بنبرةٍ واهية بالكاد وصلت لسمعها:
"كنت في ستين داهية يا حنان خير؟؟ عاوزة حاجة تاني؟!"
ردت عليه مُسرعةً بطريقةٍ زائفة:
"قريب مراتك كان هنا و دخل يزعقلي و غلط فيا يا حسن، بدل ما يعلم أخته الأدب و يقولها عيب تمد أيدها على الأكبر منها، جاي يغلط فيا !! هما دول النسب اللي أنتَ اختارته و بتحارب علشانه؟!"
انتبه لها بكامل حدثه فسألها بتيهٍ غلف كلماته على الرغم من هيئته التي تنم عن تركيزه معها:
"قصدك مين ؟؟! أنتِ بتقولي إيه يا حنان؟!"
ردت عليه بانكسارٍ زائفٍ:
"هيكون مين يعني ؟؟ وليد الرشيد، جاي لحد هنا علشان يغلط فيا و يهددني بكلام خايب، بس الحق مش عليه، الحق على اخويا اللي معليهم عليا و مخليهم شايفين نفسهم صحاب حق فيك"
انتفض هو من جلسته و هو يسألها بغير تصديق:
"أنتِ بتقولي إيه يا حنان؟! وليد هيجي يشتمك و يغلط فيكي ليه يعني؟! وليد ميعملش كدا أصلًا، أكيد كان جاي علشان يحل"
ردت عليه هي مُسرعةً:
"لأ يا حسن، جه علشان يغلط فيا و يهددني أنه هياخد حق أخته مني، و أنا أصلًا معملتش حاجة ليها، علشان خاطري ريح أختك و طلقها و خلصنا من الهم دا، طلقها علشان هيدوسوا علينا يا حسن"
شعر هو بالنيران تضرب جسده و تحرق أحشائه المُفتتة من الأساس و تحدث بنبرةٍ منفعلة:
"هو إيه ذل و خلاص ؟! هيذلونا و يهينوكي؟! دا أنتِ أختي و عمري ما غلطت فيكي و شايل خاطرك طول عمري، لو فاكرين أنهم كدا ماسكين ايدي اللي بتوجعني يبقى أنا هقطعها و أخلص خلاص"
وقفت هي أمامه تهديء روعه و هي تقول متوسلةً له:
"ريح نفسك و اهدا يا حسن، دول ميستاهلوش إنك تعمل في نفسك كدا، علشان خاطري، متأذيش نفسك و لا تعاتبهم حتى، سيبك منهم و تعالى معايا"
رد عليه بعدما هدأ قليلًا:
"حاضر يا حنان، بس كدا الأمور زادت عن حدها و أنا بكرة هروح شغلي و أشوف حل معاهم، لو هي مصممة على الطلاق زي ما هي، هريحها و أطلق و خلاص، بس لو حد فيهم غلط فيكي أنا لا يمكن اسكت على حاجة زي دي"
ربتت على كتفه بهدوء و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي، و يبعدهم عنك، الناس دي متستاهلش وجودك في حياتهم، أنتَ خسارة فيهم"
احتواها بين ذراعيه و هو يربت على ظهرها بهدوء، و بكفه الأخر يربت فوق رأسها، و هي بين ذراعيه تتصنع الحزن، و هو شارد الذهن في حياته التي هُدمت فوق رأسه و بعثرت ثباته.
__________________________
جلست «خديجة» وسطهم جميعًا بعدما عاد الشباب مع «رياض» حتى يأخذ كلًا منهم زوجته، و إبان تلك الجلسة تحدث «رياض» بنبرةٍ هادئة:
"ياسر وأنت مفتاح جزيرة العرب.
تدخل «عامر» يقول بحنقٍ:
"نعم !! إيه قلة الاصل دي؟! ليه مش ليا أنا يعني ؟! ماشي"
رد عليه «رياض» بتهكمٍ:
"أنتَ بجح يالا ؟! بتروح مع خالد في عربيته و عينك طالعة على عربية ابني؟! هو قالي اسيبها لياسر"
رد عليه «عامر» بتهكمٍ:
"آه ماهو أنا لو عيني زرقا ؟! بس يلا عالم عنصرية"
تدخل «خالد» يقول بضجرٍ منه:
"يابني بطل هطل بقى، ماهو احنا بنتنيل مع بعض في سِكة واحدة، ياسر طريقه غيرنا، بطل كلاحة بقى"
تدخل «ياسر» يقول بطريقته المهذبة المعتادة:
"معلش يا عمي بس أنا مش هقدر أخد العربية من غيره، خليها مع حضرتك و اتحرك بيها، و أنا هروح مواصلات"
رد عليه رافضًا بنبرةٍ قاطعة:
"ولا !! اسمع كلامي مش عاوز صداع، أنا السواقة بتخنقني، و شغلي فيه عربية بتاخدني لحد هناك، و زهرة شغلها مش محتاج مواصلات، خدها و اسمع كلام ابوك و أخوك من قبله"
حرك رأسه موافقًا مستسلمًا له، فتدخلت «إيمان» تقول بمرحٍ:
"طب حيث كدا بقى ياسر يعلمني السواقة في عربية ياسين، لحد ما نجيب عربية"
ردت عليها «ريهام» بتهكمٍ:
"مش عاوزين نقهر الراجل لما يرجع، ابوس راسك شيلي الفكرة من دماغك"
تجاهلت حديثها ثم سألت زوجها بأملٍ و بنبرةٍ متوسلة:
"ياسوري ؟! هتعلمني السواقة لحد ما ربنا يكرمك و تجيب عربية؟!"
رد عليها بثباتٍ:
"مينفعش يا حبيبتي، أنتِ كدا كدا بتسوقي"
سألته بحماسٍ:
"بجد ؟! بسوق إيه ؟"
_"الهبل على الشيطنة"
تفوه بها بجديةٍ زائدة جعلتهم يضحكون عليها، بينما هي سألته بنبرةٍ جامدة:
"قولت إيه يا ياسر؟! سمعني كدا"
ابتسم لها بسمةٍ باردة أثارت استفزازها، بينما هي توعدت له بنظراتها، كل ذلك كانت تتابعه «خديجة» و هي تبتسم لهم و «يونس» يجلس على فخذها و في يده لُعبة صغيرة يلوح بها، حتى صدمتها في رأسها دون أن يقصد هو ذلك، تحدثت هي بألمٍ حينما ضربتها اللُعبة في عينها:
"ليه كدا يا يونس ؟؟ زعلتك في إيه طيب يا مهلبية أنتَ؟!"
ضحكوا جميعهم على تلك الكلمة بينما هو رفع نفسه يقبل رأسها ثم تحدث ببراءةٍ كعادته:
"أنا أسف"
احتضنته هي بقوةٍ تقول بتأثرٍ:
"متتأسفش، أنا مش زعلانة والله، خلاص هات بوسة"
تحدث «عامر» بفخرٍ:
"شوفتوا تربيتي و هي بتتأسف"
ردت عليه «سارة» بتشككٍ:
"يا سلام ؟! قال يعني دا تربيتك؟! يونس حبيبي هو اللي سكر زيادة عن اللزوم"
رد عليها «خالد» بثباتٍ:
"على فكرة عامر يندم على بيته، يندم على عمله فقط، لكن قبل أن يشرب يونس ماسك كوب ماء ويبصق في فمه، لا يمكن أن تندم، لكن عامر يندم عليه وياسين". وياسر ساعة أعمال النفوس عملت لك ومن الساعات
ردت عليه «زهرة» بحبٍ:
"ربنا يحفظه و يباركلك فيه يا خالد، يونس دا حبيب الكل و غلاوته عندنا كلنا، و ربنا يقوم سارة بالسلامة بقى علشان نشوف ابن عامر، نفسي أشوف النسخة الصغيرة منه و من ياسر و ياسين، بس دلوقتي عاوزة اشوف ياسين الكبير"
قالتها بتأثرٍ و صوتٍ مختنقٍ، فرد عليها «رياض» يشاكسها:
"سيبي ياسين الكبير في حاله، ربنا يكرمه إن شاء الله و يخلص شغله و يرجع بالسلامة"
حركت رأسها موافقةً، بينما «خديجة» هربت من أثر ذِكر اسمه عليها حينما اخفضت رأسها تنصب بكامل تركيزها مع «يونس».
على الجهة الأخرى و بعد تحرك «يوسف» من جواره بهدوء آثار تعجبه و ريبته من كم الغموض المحاوط له و لطريقته، تحرك هو الأخر نحو "الكرافان" المخصص له و أثناء سيره رفع رأسه ينظر حوله، و لم ينكر أن تلك الطبيعة الخلابة أثارت فضول نظره، فتابع بنظره ذلك المنظر و عينيه تجول بالمكان في ليله، حيث اتسمت السماء بكثرة نجومها الساطعة، و لونها القاتم الذي أثر بالايجاب على سطوع النجوم.
لم يستطع التحكم في رغبته بأن يجلس مرةً أخرى ليتابع تلك الطبيعة الجبلية حوله بالسماء الممتلئة بالنجوم الساطعة و طبيعتها اللامعة و فورًا تذكر ما قدمته له قبل رحيله، فأخرجه من جيبه فورًا و هو يبتسم، و سرعان ما اتسعت بسمته أكثر حينما خطت بيدها على ورقةً بيضاء مرافقة لما اعطته له:
"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
تنهد هو بعمقٍ ثم أخرج المسبحة الالكترونية بلونها الأخضر ثم وضعه باصبعه و ظل يردد بعض الأذكار و الأدعية و هو يطالع المكان حوله و هو يفكر بأنه من المؤكد في هذا الوقت أن العائلة بأكملها معها الآن و من المؤكد أنها تداعب «يونس» إن كان معها الآن، تنهد هو بعمقٍ ثم رفع رأسه للأعلى و قلبه يتمنى انتهاء تلك الفترة بخير عليه و أن يعود لحياته فمن الصعب عليه التأقلم بهذا الوضع الذي وضع به للمرة الأولى بحياته.
تنهد بثقلٍ ثم تحرك نحو الغرفة حتى يتضرع إلى الله بقلبه بركعتي في جوف الليل لعله يضيف الطمأنينة إلى قلبه، توضأ أولًا ثم فرد سجادة الصلاة على الأرض و أولًا قام بضبط قِبلة الصلاة عن طريق التطبيق بهاتفه، تنهد هو بأريحية ثم شرع في الصلاة بكامل خشوعه، و هو يتأكد أن لولا وقوفه بتلك الطريقة بين يدي الله سبحانه و تعالى، لكانت طُمست هويته النقية و تلوث نقائها.
أخفض جزعه يركع لله سبحانه و تعالى، ثم رفع رأسه ثم اخفض جسده بالكامل حتى يسجد لله، و حينما لمس جبينه الأرض زادت طمأنته و شعر بالسكينة تغمره، رفع جسده و قرأ ما تيسر من القرآن في الركعة الثانية و طمأنينته تزداد، أنهى صلاته و أمسك السبحة و جلس يقوم بالذكر بعد نهاية الصلاة، و بعد جلوسه لعدة دقائق يذكر الله، توقف حتى يقوم بالخلود للنوم و قبل ذلك تذكر أن يبدل ثيابه و يرتدي أخرى اكثر راحةً، خلع ثيابه ثم أخرج أخرى بيتية يرتديها عبارة عن "ترنج" باللون الأسود، وضع كفيه في جيب المعطف "السويت شيرت" فتفاجأ بورقة بداخله، عقد حاجبيه و أخرج الورقة يقرأ ما بها، فوجد الآتي:
"مش عارفة هتلبسه امتى بس حاسة إنك هتلبسه أول حاجة علشان أنتَ بتحب السويت شيرت دا، المهم من الممكن الوضع يكون مخوفك أو قلقك أو غير ما أنتَ متوقع، و ممكن تخاف كمان أو تحس لوهلة كدا إنك ضايع، أنا طول عمري كنت خايفة و بخاف حتى من نفسي، بس هقولك على حاجة تريح قلبك و تطمنه و تخليك مرتاح
التفت النبي صل الله عليه وسلم إلى ابن عباس وهو طفل صغير فقال له: "يا غلامُ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعرَّف إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعرِفْكَ في الشِّدَّةِ، قد جفَّ القلَمُ بما هوَ كائنٌ، فلَو أنَّ الخلقَ كُلَّهُم جميعًا أَرادوا أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ لَكَ لَم يَقدِروا عليهِ، أو أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ علَيكَ لَم يقدِروا علَيهِ، واعلَم أنَّ ما أصابَكَ لم يكُن ليُخطِئَك وما أخطأكَ لم يكُن ليُصيبَكَ، واعلَم أنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ، وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ، وأنَّ معَ العُسرِ يُسرًا"!
_"صدق رسول الله صلَّ الله عليه وسلم"
خلي بالك من وعودك مع ربنا و أوعى الشيطان يغلبك يا ياسين، من يوم ما اتجوزتك و عمرنا ما فوتنا فرض و عمرنا ما قصرنا في حق ربنا، بلاش الغيبة تخليك تقصر في حق اللي خلقك، و كل ما تحس بخوف، اقرأ الحديث دا مرة و اتنين و تلاتة، و خلي الورقة دي معاك، و أنا هنا هدعيلك، و أسفة على الخط بقى علشان كتباه و أنا بحضر الشنطة"
أبتسم هو باتساعٍ ثم تنهد براحةٍ كبرى و هو يفكر أن حتى في غيابه معه بقلبها، و كأنها تشعر بما شعر به مُسبقًا، ابتسم هو بتأثرٍ و هو يُفكر إن هذا السبب تحديدًا هو الذي جعله يبحث عن أساس الزواج، فلو كان تسرع و قام بالموافقة على أول عروس قابلته منذ البداية، من المؤكد أنه لن يعثر على ذلك الونس قط.
__________________________
في صباح اليوم التالي بعد انتهاء تلك الليلة، و خصيصًا في شركة الشباب تحدث «وليد» موجهًا حديثه لشقيقه:
"وئام، هروح أوضة حسن أخليه يظبطلي الحاجات دي، و هكلم أحمد في المطبعة علشان يتابع معايا من هناك، شوفهم كدا"
حرك رأسه موافقًا ثم أمسك قلمه و هو يخط على الورق بعدة دوائر تتابع خلف بعضها فوق احد الأنماط و هو يقول بهدوء:
"اللوجو دا خاليا فتح من حيث ألواح اللوح العميق الروح، والتاني خاليا بعد السودا والكلمة البيضاء"
حرك رأسه موافقًا ثم أخذ الورق و تحرك نحو غرفة «حسن»، دلفها بثباتٍ واهٍ على الرغم من تعجبه من وجود «حسن» منذ صبيحة اليوم بالعمل، إلا أنه قرر الهروب منهم جميعًا داخل غرفته بعدما القى عليهم التحية بوجهٍ مُقتضبٍ.
دلف «وليد» الغرفة و هو يقول بجفاءٍ و بنبرةٍ جامدة:
"حسن خد صمملي دول و ابتعهم ليا علشان أحمد مستني في المطبعة و عاوز يستلم التصميمات"
مد يده له حتى يأخذ منه الورق دون أن يرفع رأسه و يطالعه، فسأله «وليد» بتهكمٍ:
"فيه إيه يا حسن ؟! هو أنا ابن مرات أبوك ؟! جاي الصبح و داخل في وشك كأنك داخل على يهود، و دلوقتي موطي وشك و مش عاوز تبصلي؟! هو أنا مقرفك؟!"
زفر «حسن» بضجرٍ ثم شبك كفيه ببعضهما و هو يقول بنفس الجفاء:
"عاوز إيه يا وليد؟! أنتَ عارفني مبعرفش اتعامل مع حد و أنا شايل منه، و من الأخر كدا أنا شايل منك"
غلف الاستنكار نظرته و ملامح وجهه، فتحرك «حسن» يقف مقابلًا له و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"روحت لحنان أختي ليه يا وليد؟! روحت تهزقها ليه يا ابن الأصول؟؟ هي دي العِشرة اللي ما بينا؟!"
ابتسم له بتهكمٍ و رافق تلك البسمة قوله الساخر:
" ما شاء الله هي قالتلك ؟؟ لأ قلبها جامد ما شاء الله، أنا قولت إن أختك هتداري عليك من كسوفها و اللي عملته"
اقترب منه «حسن» يمسكه من تلابيبه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"احترم نفسك يا وليد و متجيبش سيرة أختي على لسانك"
تحدث «وليد» بتهكمٍ:
"و هي سيرة أختي حلوة لما تيجي على لسان أختك ؟! يا أخي دي دمعتها منشفتش من الكلام و غلط أختك في شرفها، بس أنا هطلقها و أرد حقها كويس، طالما أختك مش هاممها"
شدد «حسن» على ثيابه و هو يقول بذهولٍ من هول الحديث:
"أنتَ بتقول إيه ؟! أنتَ مجنون و لا اتهبلت في مخك؟! أنا مش هسيبك بعد كلامك دا"
رفع «وليد» ذراعيه و قبض على ثيابه هو الأخر فاصبح الوضع صعبًا للغاية و قد
أمسكا في تلابيب بعضهما و كلًا منهما يطالع الأخر بشررٍ يقدح من عينيه مثل السهم، حتى تحدث «وليد» بنبرةٍ جامدة:
"نزل إيدك يا حسن !! نزل إيدك يا هنسى كل اللي بينا في يوم و هقل منك"
زادت مسكة «حسن» على ثيابه و هو يقول منفعلًا في وجهه:
"مش هسيبك !! أنا مش لعبة في ايدك علشان تعمل فيا كدا ؟! أنتَ معندكش دم و لا ضمير، عاوز تتحكم في الكل حتى لو حساب مشاعرهم"
حينها رفع «وليد» يده و باغته بلكمةٍ قوية بعدما حرر كفه، حينها ترنح «حسن» حتى سقط على الأريكة فهجم عليه «وليد» يمسك تلابيبه و هو يقول بلهجةٍ حادة وسط صدمة الأخر الذي طالعه بغير تصديق:
"لحد أخر لحظة أنا كنت شايل خاطرك و خاطر العِشرة اللي ما بينا، بس و اللي خلق الخلق كلهم يا حسن، لأخد حق أختي من عين التخين، و هطلقها منك و أخليك تعرف يعني إيه أنا أناني بجد"
دفعه من يده ثم ترك الغرفة بأكملها و هو يلهث بقوةٍ تاركًا الأخر خلفه يزدرد لُعابه بخوفٍ و قلقٍ من القادم، و هو يشعر و كأنه عروس الماريونت في أيديهم جيمعًا.
زادت النيران به و أشتعل لهيبها أكثر و لكن ما أثار حفيظته هو حديث «وليد» عن شرف زوجته و أن ذلك الحديث خرج من شقيقته !!، اتسعتا حدقتيه فورًا و ركض من الغرفة يلحق بالأخر نحو الغرفة المجاورة التي تجمع بها الثلاثة شباب و «وليد» الذي وقف يلهث بقوةٍ من فرط انفعاله حتى فُتح الباب مرةً واحدة من قِبل «حسن» الذي ركض إليه يمسك مرفقه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"معناه إيه كلامك دا ؟؟ يعني إيه حنان غلطت في شرفها ؟! رد عليا و مترميش ليا كلام و تهرب"
تحدث «طارق» يسأل بتعجبٍ:
"فيه إيه منك ليه؟! و إيه اللي مبهدلك كدا يا حسن؟!"
رد عليه «حسن» منفعلًا:
"إيه اللي مبهدلني ؟؟ أسأل الاستاذ وليد، قوله بيقول إيه على أختي و بيغلط فيها علشان خاطر أخته ؟! الاستاذ اللي مد ايده عليا"
تحدث «وئام» بصوتٍ من قوته أوقف كليهما:
"نــعــم !! مد إيده عليك ؟؟ أنتَ اتجننت يا وليد ؟؟ اتهبلت ولا إيه"
رد عليه بصراخٍ في وجهه:
"لأ مش مجنون !! بس لما واحدة يتغلط في شرفها و تنزل في نصاص الليالي من غير تعريفة واحدة و توصل لمحافظة تانية مشي من كتر العياط، يبقى لازم اتكلم، البيه جاي يلومني علشان روحت لأخته، أخته اللي اتهمتنا بالسرقة و الاستغلال علشان فلوسه، حنان اللي شايفة الحياة كلها فلوس و بس معندهاش مشاعر و لا ناس بتحس، زعلان أوي علشان بقول قلبها جامد ؟! شوف مراتك اتقال عليها إيه يا حسن و لو أنتَ قبلت أنا مش هقبل و هاخد حقها من عين التخين حتى لو كان قليل الاصل زي اختك كدا"
صرخ «حسن» في وجهه و هو يهزه بعنفٍ:
"أنتَ بتقول إيه ؟! حنان هتقول كدا إزاي ؟! قسمًا بربي لو طلع كلام خايب منك علشان تطلقها مني أنا هعلمك الأدب"
رد عليه بتهكمٍ:
"الأدب اللي أنتَ و عيلتك متعرفهوش يا حسن، أختك اتهمت هدير في شرفها، أختك عايرت أختي إنك اتجوزتها بطلب مني علشان تلحق سُمعة العيلة"
اتسعتا حدقتي «حسن» و ارتخى كفه من على ذراع «وليد» فتحدث «طارق» منفعلًا:
"فيه إيه أنتَ و هو ؟؟ من امتى و الأمور وصلت بينا لكدا ؟؟ فوقوا لنفسكم"
رد عليه «حسن» بوجعٍ:
"أفوق لنفسي ازاي يا طارق ؟! أفوق لنفسي ازاي باللي أنا بسمعه دا ؟! وليد ماسك سكينة و عمال يدبح فيا من غير رحمة، أكيد اللي بسمعه و اللي أنا فيه دا محصلش"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ جامدة:
"أنا لما جوزتك هدير كنت عارف أني بساعدك قبل ما أساعدها، كنت بقربك من الحاجة اللي أنت بعدت نفسك عنها، بس لو هيجي حد يدوس عليا و يحسسني إنه صاحب فضل و يحط صباعي تحت ضرسه، أنا هدوس عليه و اقطع دراعي كله يا حسن، و لو على هدير فأنا عارف ازاي هاخد حقها حتى لو أنتَ بنفسك مش مقتنع بالحق دا، و لو مش مصدقني روح اسأل هدير الأول و بعدها روح اسأل أختك عن اللي حصل، و اللي ترضاه يا ابن الحلال أعمله.....عن اذنكم أنا هروح علشان زهقت"
تحدث «وليد» بجملته الأخيرة بنبرةٍ جامدة ثم تحرك من الغرفة و فورًا لحقه «حسن» نحو الخارج حتى خرجا من مدخل البيت و قبل أن يركب «وليد» سيارته أوقفه «حسن» مُسرعًا و هو يقول:
"استنى !! أنا هاجي معاك، هدير عندك و أنا لازم أعرف من مراتي، هتاخدني معاك؟!"
سأله بصوتٍ منكسر، فحرك «وليد» رأسه موافقًا ثم تحدث بايجازٍ:
"اركب يا حسن"
ركب «حسن» السيارة و «وليد» أيضًا حتى يتوجها نحو شقة «وليد» و طوال فترة القيادة كان «وليد» ينظر أمامه و بين الحين و الآخر يرمق «حسن» بطرف عينيه يراقب حالته و الأخر في وادٍ غير الوادي و تبدل حاله في خلال دقائق و ظل شاردًا في حديث الأخر و الدموع المتحجرة في عينيه و الغصة المريرة تخيم على حلقه، شعر «وليد» بمعاناته و به لكن لم يكن هناك حلًا أخر، إن لم تتضح الأمور بهذا الشكل، فلن يتم حلها من الأساس.
توقفت السيارة أسفل البناية، ثم نزلا كليهما من السيارة، دلف «وليد» أولًا و «حسن» خلفه، حتى وقفا أمام باب الشقة و قبل أن يدخل أيًا منهما رفع «وليد» صوته و هو يقول:
"عـبـلة !! غطوا راسكم انتم الاتنين، و تعالوا"
خرجت «عبلة» أولًا و «هدير» خلفها بتعجبٍ دون أن يأتِ في مُخيلتها أنه حضر مع «وليد» حيث ظنته «وئام» في بادئ الأمر، خرجت بهدوء و رفعت رأسها بغتتةً حتى وقع بصرها عليه، و التحمت عينيهما معًا في عتابٍ صامت من كليهما على ما فعله بالأخر و على تخليه عنه، لم تستطع الهروب من نظراته أو حتى اخفاء عينيها عنه، بل ظلت كما هي و هو يطالعها بشوقٍ بالغٍ، حتى تحدثت «عبلة» بهدوء:
"نورت البيت يا حسن، اتفضل يلا ، أدخل يا وليد و اقفل الباب"
دلفا كليهما و قبل أن تلتفت «هدير» و تنجو من ضعفها أمامه نحو الداخل، اوقفها «وليد» بقوله:
"استني يا هدير !! الهروب مش هيحل حاجة، اسمعي جوزك عاوز يقول إيه و بعد كدا ادخلي"
توقفت عن الحِراك و سكنت حركتها، فاقترب منها «حسن» يقف مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ مهتزة و بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا جاي علشان أعرف منك أنتِ حصل إيه يومها، قوليلي و عرفيني حصل إيه علشان اصحى ملاقيش وجودك جنبي و الاقي الحاجة الوحيدة اللي برتاح معاها طالبة تسيبني، حصل إيه يا هدير و لو ليا غلاوة عندك احكيلي"
نزلت دموعها و هي تقول بصوتٍ منكسر:
"و أنا مش عاوزة احكي يا حسن، مش عاوزة افتكر كسرة خاطري تاني، أبوس إيدك انساني و سيبني و أنا راضية بكل حاجة"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
"الكلام دا مش نافعني تاني، وليد قالي إن أختي غلطت فيكي و اتهمتك في شرفك، حنان اتهمتك بحاجة زي دي؟! ردي عليا؟!"
شخصت ببصرها نحو موضع وقوف «وليد» الذي التقط نظرتها فتحدث بثباتٍ:
"ردي عليه يا هدير، عرفيه علشان السكوت مش نافع، و قبل ما حسن يعرف خبيتي عليه ليه، هدير لحد أخر لحظة شايلة خاطرك و منظر أختك قدامك، أسمع من مراتك و أنا هدخل اغير هدومي...يلا يا عبلة"
امسك كف زوجته ثم توجه بها نحو الداخل، بينما «حسن» امسك يدها و هو يقول متوسلًا لها:
"انطقي يا هدير و قوليلي حنان قالتلك إيه، انطقي علشان خاطري و ريحي قلبي"
حركت رأسها موافقةً و قبل أن تتحدث اجهشت في البكاء و هي تتذكر وقع الكلمات عليها في ذلك اليوم، بينما هو خطفها بين ذراعيه و هو يربت فوق ظهرها و رأسها، فتحدثت هي من بين شهقاتها:
"أنا اتوجعت منها أوي يا حسن.....محدش كسرني كدا في حياتي.... أنا كرهتها و كرهت نفسي... و دا غصب عني و الله، و مش عاوزة أكرهك أنتَ كمان"
ارخى ذراعيه فوقها و أخفض رأسه يسألها مستنكرًا بنبرةٍ متحشرجة:
"تكرهيني ؟! أنا عملتلك إيه يا هدير علشان تكرهيني؟؟ أنا اذيتك في إيه ؟!"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
"حنان قالتلي إنك عرفتها سبب جوازنا و إنك اضطريت توافق علشان منظر العيلة و علشان تلحق سمعتهم، شوفت كسرة أكبر من دي؟! شوفت وجع لبنت زي دا يا حسن؟!"
وقف مصعوقًا من هيئتها و صوتها و نبرتها المنكسرة حتى عينيها اللاتي اخفضتهما بوجعٍ و انكسارٍ منه، بينما هو زاد نحيبها من كثرة الشوق و الضعف أمامه فهي الآن تود فقط مجاورته حتى و إن كان مُخطئًا في حقها، بينما هو شدد عناقه له و بكى معها هو الأخر و كليهما يتشبث بالأخر و هو يرى بيه طوق النجاة، كل ذلك تابعه «وليد» من خلف باب الغرفة حتى نزلت دموعه شفقةً عليهما، فأتت «عبلة» من خلفه تضع يدها على كتفه، التفت هو لها بعينيه الدامعة، فسألته هي بتأثرٍ:
"بتعيط ليه يا وليد ؟؟ مش دا اللي كنت عاوزه من الأول ؟!"
رد عليها بصوتٍ مختنقٍ:
"صعبانين عليا يا عبلة، ميستاهلوش الوجع بالطريقة دي و حسن قلبه مكسور و يا رب هدير تفهم أنه محتاجها أكتر من أي وقت، و يا رب ميتغابوش هما الاتنين"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت بنفس الصوت المختنق:
"متخافش.....هدير بتحب حسن بجد و طالما هو عرف الحقيقة يبقى متقلقش"
سحبها «وليد» بين ذراعيه و هو يشدد عناقه عليها و كأن الفقد عدوى و خشى هو أن تصيبه فرأى أن أسلم حل هو أن تتشبث به و تبقى بجواره.
__________________________
خرجت من الامتحان و هي تزفر بضيقٍ بعد يومٍ عصيبٍ في برودة الجو و صعوبة الاختبار و يجب عليها التوجه نحو المركز التعليمي للحصول على مذكرات الامتحان القادم.
توجهت نحو المركز و منه نحو مكتب الاستقبال تسأل بايجازٍ:
"عاوزة ملازم علم النفس تانية ثانوي و ملازم الجغرافيا"
ردت عليها الفتاة بأسفٍ:
"للأسف خلصوا و المشرفين خدوا الباقي، ممكن تكلميهم و تشوفيهم في أنهي سنتر دلوقتي و هما هيعرفوكي و تروحي تاخديهم"
سألتها بنبرةٍ جامدة:
"أنا مش فاهمة إيه الأسلوب دا ؟! الامتحان بعد بكرة يعني بدل ما استغل الوقت و اذاكر هروح ادور على الملازم ؟! هو دا تقدير الطلاب؟!"
ردت عليها الفتاة بطريقةٍ أثارت استفزازها:
"أنتِ بتتكلمي كدا ليه يا آنسة، قولتلك كلمي المشرفين و هما يعرفوكي المكان و روحي ليهم، هما احرار ميسيبوش الملازم، بس الحقي قبل ما يخلصوا"
زفرت «خلود» في وجهها ثم التفتت تغادر المكان و نزلت من المركز التعليمي و قبل أن تحدد وجهة معينة أخرجت هاتفها تطلب رقم المشرف حتى تتوجه له، و قبل أن تكمل المكالمة وجدته يأتي لها من على بعدٍ، حينها التفتت توليه ظهرها بقلقٍ و توترٍ خصيصًا و هي ترتدي الزي المدرسي و كان عبارة عن بنطال رياضي باللون الرمادي الغامق و فوقه تيشيرت باللون "الموڤ القاتم" و فوقه معطف شتوي باللونين مع بعض و حجاب باللون الرمادي و حقيبة تقارب الزي في لونه و حذاء رياض باللون الابيض، على الرغم من أن الزي لم يكن سيئًا لكنها تكرهه و تكره أن يراها به شخصٌ ما.
وقف خلفها يحمحم بخشونةٍ،فضغطت على جفنيها و هي تقول بنبرةٍ هامسة:
"يلهوي دا عرفني !! يا رب الأرض تتشق و تبلعني"
تحدث هو من خلفها بثباتٍ:
"لو زعلانة مني أو وشي مضايقك أوي كدا أنا ممكن امشي عادي"
التفتت له بحرجٍ من موقفها، فلم يستطع الثبات أمام توترها فسألها بهدوء:
"حد مزعلك ؟! واقفة بضهرك ليه كدا ؟!"
ردت عليه هي بعدما استعادت ثباتها:
"كل الحكاية بس أني... أني، آه، كنت بشوف الموبايل علشان الشمس ضاربة فيه، المهم حضرتك عاوز حاجة معينة؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يبتسم لها ثم فتح حقيبة ظهره يخرج منها شيئًا و أغلقها من جديد، عقدت ما بين حاجبيها فمد يده لها بالمذكرات و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"الملازم أهيه، للأسف هما خلصوا بدري المرة دي علشان مكانش فيه مراجعة، بس متقلقيش أنا كنت موصي عليهم"
ردت عليه هي بجمودٍ:
"بس أنا متأسفة مش هقدر اخدهم، المرة اللي فاتت أحمد كان عارف و هو اللي كلمك، المرة دي مش هقدر، اعذرني"
لم ينكر إعجابه بموقفها، لكنه وأد نظرته تلك و هو يقول بثباتٍ:
"حقك و مش هقدر أقولك حاجة، بس كلمي أحمد كدا و شوفي رأيه، و على فكرة أنا مبتصرفش من دماغي، كلمي أحمد"
أخرجت هاتفها تطلب رقم أخيها، و فور وصولها صوته، تحدثت هي بتوترٍ:
"أحمد !! أستاذ عمار دلوقتي جايب ملازم ليا عند السنتر، أخدهم ؟! و لا تيجي بليل معايا و نشوفهم في سنتر تاني؟!"
رد عليها بثباتٍ:
"خديهم يا خلود من عمار، هو أصلًا كلمني و طلب مني يجيبهم ليكي علشان الامتحان بتاعك متأخر عن ميعاد المشرفين، خديهم علشان تروحي ترتاحي و تذاكري مفيش وقت تضيعيه لحد بليل"
ردت عليه هي بتفهمٍ:
"تمام يا أحمد، أنا بس قولت اتأكد منك، تمام عاوز حاجة مني"
_"آه عدي الطليفون لمار علشان أكلمة وأشخرة، كتار خيرة تعبان معانة وعقد معطلنة"
رد عليها هو بذلك، فاعطت هي الهاتف لـ «عمار» و هي تقول بصوتٍ خافتٍ:
"أحمد عاوز يكلمك يا أستاذ عمار، اتفضل لو سمحت"
حرك رأسه موافقًا ثم أخذ منها الهاتف، و هاتف شقيقها الذي حدثه ممتنًا له:
"شكرًا يا عمار، ربنا يكرمك يا رب و معلش على تعبك معانا، ربنا يوقفلك ولاد الحلال و ورقك يقع في ايد مصحح ابن حلال"
أبتسم «عمار» و هو يرد عليه بودٍ:
"متقولش كدا يا أحمد، أنا عيوني ليكم، ربنا يوفقها و ينجحها إن شاء الله، تؤمرني بأي حاجة ؟!"
_"تسلم يا حبيبي، عاوز أشوفك بس و أشوف عبدالرحمن، سلملي عليه و أنا قريب هشوفكم"
_"يوصل يا حبيبي إن شاء الله، عن اذنك بقى علشان يدوبك هروح ارتاح و اصحى اذاكر شوية، سلام عليكم"
أغلق معه الهاتف ثم مد يده لها به، فأخذته منه و هي تبتسم بتوترٍ ثم أخذت المذكرات بعدما مد يده لها مرةً أخرى، و قبل أن يغادر من أمامها أوقفته و هي تمد يدها بالاوراق المالية و تقول:
"فلوس الملازم يا أستاذ عمار، مش هتاخدهم برضه المرة دي كمان؟!"
أبتسم لها و هو يقول بثباتٍ:
"هاتي بيهم شاورما"
رحل بعد جملته و هو يبتسم بخفةٍ و هي في أثره تنظر بدهشةٍ و سرعان ما ابتسمت بخجلٍ و تنهدت بعمقٍ و هي تفكر أنه الوحيد الذي تشعر بعدة مشاعر غريبة عليها حتى و إن كانت أكبر من سنها الطبيعي إلا أنها تشعر بلذاذتها.
__________________________
خرج «ياسين» منذ شروق الشمس وسط العُمال ليتعرف على ماهية العمل الذي توقف قبل مجيئه لعدة أيامٍ، وقف وسطهم يلقي عليهم التعليمات و طريقة عمله و هم ينصتون له بكامل تركيزهم، فانهى هو حديثه ثم اشار لهم أن يتحركوا من أمامه، و في تلك الأثناء وقف نفس الرجل يراقبه ثم أخرج هاتفه الذي يعمل في الصحراء و الظروف العصيبة مثل ظروف ذلك العمل:
"المهندس بدأ في الشغل و العمال موجودين معاه، أتدخل؟!"
وصله الرفض من الجهة الأخرى فتحرك هو بعدما رمق «ياسين» وسط التجمع بشررٍ و تحرك من المكان و الآخر غافلًا عن تلك النظرات و المراقبات و لم يأت في مخيلته بعد أن يحدث له ذلك.
__________________________
جلس كليهما على الأريكة، هي تقص عليه ما حدث ذلك اليوم و كيف تعاملت معه شقيقتها و كيف نزلت دون أن تحدد وجهةً مُعينة، و قامت بسرد كامل التفاصيل حتى تلك اللحظة و هي تجلس بجواره و تقص عليه معاناتها، أنهت سرد التفاصيل ثم رفعت رأسها تطالعه بعينيها و هي تقول بصوتٍ منكسر باكيًا:
"اللهم احصل على كل شيء وسأكون في حرف واحد، والله حيثما تسألني، فإنك تخاف من اللحظة التي يكون فيها لقاءنا شر وأنت أمين.
امسك كفيها و هو يقول مُسرعًا:
"مين اللي ميصدقكيش أنا ؟! دا أنا الوحيد اللي شوفت فيكي الخير يا هدير في الوقت اللي كنتي شايفة في نفسك الشر، أنا اللي هسألك سؤال واحد !! أنتِ صدقتي أني ممكن أقول لحنان حاجة زي دي؟! تصدقي عني أني أكسرك كدا أو أكون سبب في كسرتك حتى ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ باكية:
"حط نفسك مكاني يا حسن، واحدة بتقولي على سبب جوازنا اللي محدش يعرف عنه غيرنا، و كمان تفاصيل لو حد سمعها هيعرف أنه مستحيل الكلام دا يكون تخمين، قولي أختك عرفت منين طيب ؟!"
اخفض رأسه بانكسارٍ فلم يقوى على قول ذلك و أنه من المؤكد أن شقيقته تنصصت عليهما في غرفتهما، بينما هي سألته بوجعٍ من طريقته:
"رد عليا يا حسن !! أختك عرفت منين؟؟ عندك علم أنا شوفت ليلة عاملة إزاي ؟؟ عارف أنا كنت بعيط ازاي من خوفي؟! تعرف لما عبلة ردت عليا أنا حسيت بإيه؟؟ أنا اتمنيت الموت في اللحظة دي من خوفي يا حسن، بس أنتَ متعملش كدا صح؟!"
سألته بصوت ظهر به التوسل بألا يخيب ظنها، حتى اقترب منها هو يقبل رأسها ثم نظر لها بعينين دامعتين و هو يقول:
"حقك عليا يا هدير.....حقك عليا من كل الدنيا حتى من قبل ظهوري في حياتك، بس حقك أنا هجيبه بطريقتي و من نفسي قبل الكل، حقك عليا"
بكت و هي تستمع لكلماته بينما هو وقف ثم التفت حتى يغادر الشقة، فزاد بكائها و هي تذكر اسمه، فركض «وليد» من الداخل إثر صوت صرخاتها، فتحدثت هي بخوفٍ من بين دموعها:
"شوفوا راح فين يا وليد علشان خاطري، أنا مكانتش عاوزاه يعرف أصلًا، روح وراه علشان خاطري"
ركض «وليد» من الشقة فورًا و نزل للأسفل فوجده يركب سيارة أجرة ثم توجه نحو شقته، فركب سيارته يلحقه نحو وجهته و التي من المؤكد أنها ستكون نحو بيته حتى يتواجه مع شقيقته.
وصل «حسن» أولًا و دلف شقته و هو يضرب الأرض أسفل قدميه فكلما اقترب منها بالخطى شعر بالنيران تزداد أكثر، وصل لغرفتها ففتح الباب عليها و هي تتابع التلفاز و حينما رأته سألته باهتمامٍ:
"حسن ؟! خير يا حبيبي مش في شغلك ليه ؟! و لا البهوات طردوك منه علشان أختهم؟!"
اقترب منها يغلق التلفاز ثم وقف مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"حنان ؟! هو أنتِ غلطتي في شرف مراتي و اتهمتيها إنها غلطت مع راشد ؟؟ أنتِ وقعتي بيني و بين مراتي و فهمتيها أني كسرت عينها قصادك؟"
هبت منتفضة و هي تقول بصوتٍ عالٍ:
"أنتَ مجنون ؟؟ بتكلمني كدا ليه ؟؟ هما عرفوا يقلبوك عليا يا حسن؟! هتصدقهم و تسمع كلامهم ؟؟ فوق لنفسك يا حسن"
اقترب منها يمسك مرفقها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"قسمًا بالله يا حنان لو ما قولتي حصل إيه لاوريكي وش تاني يزعلك مني العمر كله، انطقي عملتي إيه في مراتي ؟! بتصنتي عليا أنا و مراتي ؟؟ بتقهري واحدة يتيمة زي دي بدل ما تكوني أم ليها؟! ردي عليا ؟! مين اداكي الحق إنك تعملي كدا؟!"
وصل «وليد» و حاول يطرق باب الشقة و حينما لم يجد ردًا قرر أن يستخدم المفتاح الذي أعطاه له «حسن»، و في الداخل سألها هو منفعلًا:
"ردي عليا مين اللي اداكي الحق إنك تخوضي في شرفها كدا، مين قالك تكسري عين مراتي كدا و تقهريني قصادها ؟! أنا مصعيبتش عليكي طيب؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"علشان دي الحقيقة، عرفوا ازاي يستغلوك يا حسن، و ازاي يخلوك تحاسب على المشاريب، بيضحكوا عليك بشوية الاهتمام لحد ما فلوسك تروح ليهم و تخلص و في الأخر أنا مليش حق حتى فيك أنتَ، فـــوق لـنـفسك"
هزها في يده بعنفٍ و هو يقول بوجعٍ باكيًا بنبرةٍ متالمة:
"و أنتِ كنتي فين يا حنان ؟! كنتي فين و أنا بنتحر بدل المرة اتنين؟؟ كنتي فين و أنا يتيم مليش حد في الدنيا و طول عمري لوحدي بين اربع حيطان، كنتي فين في أول يوم رمضان و أنا لوحدي و الكل وسط عيلتهم و أهلهم و أنا لولا عم مرتضى و أنه يصمم أفطر وسطهم كان زماني ميت من القهرة، كنتي فين و أنا أول يوم العيد نايم علشان أهرب من وجعي و أنا لوحدي، كنتي فين و أنا بتعب و بنام لوحدي هنا و مفيش حد معايا يطبطب عليا، كنتي فين وأنا برجع من الشغل تعبان و كل اللي عاوزه حضن اترمي فيه علشان يهون تعبي، كنتي فين و أنا مرمي في الحبس وسط ناس مش شبهي علشان حماتي اتبلت عليا ؟!"
وقف يبكي بوجعٍ فأضاف بنفس الآلم:
"يا شيخة دا أنتِ بنفسك مجيتيش اليوم دا علشان جوزك مسافر، اليوم دا عم مرتضى و وليد كانوا بيلفوا على رجليهم علشان مقضيش الليلة في الحجز، و طارق و وئام ناموا في العربية قدام القسم و محدش فيهم مشي خطوة غير و أنا معاهم، كنتي فين و أنا كل يوم بكره حياتي و وحدتي؟!"
"كنتي فين و أنا بمسك فيها زي الغريق اللي لقى قشاية، أنا من غير هدير مليش حياة يا حنان، يا شيخة حرام عليكي على قهرتي عمر كامل، الـضـرب فـي المــيـت حــرام يــا حــنـان، و أنا ميت و الله، و الله العظيم ميت و مش عاوز غيرها هي"
وقف «وليد» في الخارج يستمع للحديث الدائر بينهما بوجعٍ على صديقه، حتى صدمه القول الآتي الذي خرج منها بنبرةٍ جامدة:
"و أنتَ فضلتهم هما عليا، هما اللي عيلتك و أنا لأ، كان ممكن تضحي علشاني و تيجي معايا اسكندرية، بس أنتَ سمعت كلامهم، قولتلك تعالى هات فلوسك و أشتغل مع جوزي بس أنتَ رفضت و روحت اشتغلت معاهم هما، كل حاجة تختار وجودهم، عاوزني أشيل همك كمان و أنتَ مسلم حياتك ليهم؟"
طالعها «حسن» بعينين باكيتين فزادت هي من لهيب جرحه و هي تقول:
"جرى إيه يا حسن ؟؟ جرى إيه يا وصية أبويا و أمي ؟؟ حتة بت زي دي هتنسيك الأصول و تنسيك أختك ؟! بس معلش ملحوقة، قدامك فرصة تختار يا حسن، يا أنا يا هي، أختار ما بينا، بس خليك فاكر إن الاختيار ليك أنتَ و بس و بناءً عليه كل حاجة هتتحدد"
وقف «وليد» بتيهٍ لا يصدق أن ما يراه حقيقيًا، بالطبع هذا جنون نتج من عبث تفكيرها، بينما «حسن» و كأنه ضرب على رأسه من هول المفاجأة و الصدمة، فكيف أن تصبح أخته بكل ذلك الجمود و كيف لها أن تخيره بينها و بين أخرى حتى و إن كانت له حرية الاختيار ؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والستون 62 - بقلم شمس بكري
"وجدت فيك نفسي و في وجودك الحياة، كنتُ أنا الغريق و أنتَ طوق النجاة"
__________________________
ذوقت طعم الراحة فكنت كمن اغتنم غنائم الحرب بأكملها لصالحه، و بُغتتةً سُلبت مني تلك الراحة، فغدوت كما طفلًا صغيرًا تركته أمه وسط قبيلةٍ في حالة صراعٍ قُرعت بها طبول الحرب فوق رأس الجميع، و ظللت أنا في المنتصف باكيًا أطلب أيديهم جميعًا لـ تنتشلني.
فرت عبراته من بين أهدابه دون أن يشعر هو بذلك، فقط سخونتها على وجنتيه هي من انذرته بذلك، لم يتخيل أن يسمع تلك الكلمات التي بمثابة خنجرًا يطعن في ثبات روحه حتى بات ممزقًا بالكامل، و هي أمامه تطالعه بجمود، حتى تحدث هو بنبرةٍ صوتٍ تشبه صوت الطفل الذي وقف يتوسل والدته باكيًا:
"أنتِ بتقولي إيه يا حنان ؟؟ أنتِ بتخيريني على وجودك في حياتي؟! بتحطي حياتي معاكي في كفة و وجود مراتي معايا و راحتي في الكفة التانية ؟!"
سألها مستنكرًا حديثها بذهولٍ امتزج ببكاءٍ مزق نياط قلبه هو نفسه، حتى ردت عليه هي بجمودٍ:
"أنتَ اللي حطيتنا في الموقف دا من الأول يا حسن، يا أنا يا هي، بس لو اختارتني يبقى هتسيب كل عيلة الرشيد، و ترمي اليمين على مراتك و أعيش أنا و أنتَ مع بعض و اعوضك عن كل حاجة بس و أنتَ في حضني، إنما كدا أنا كأني مليش لازمة"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ و حرك رأسه سلبًا بالنفي، غير مُصدقًا أنها امسكت الخنجر و طعنته في جرحه مباشرةً، فتدخل في تلك اللحظة «وليد» بعدما وقف في الخارج يراقبهما، و حينما رأى الأمور تزداد سوءًا بينهما، قرر التدخل بقوله الهاديء:
"استهدوا بالله يا جماعة، أهدي يا مدام حنان و ياريت متتسرعيش في طلبك، مهما كان دا أخوكي"
ابتسمت هي بتهكمٍ و هي تقول:
"تقدر تقولي الاستاذ دخل هنا ازاي؟! أكيد مش جاي معاك، طبعًا أنتَ مديله نسخة يدخل بيها هنا، مش بقولك أنتَ مبديهم على الكل حتى أختك ؟!"
يكفي عند هذا الحد فقد طفح الكيل منها و من حديثها اللاذع، فاقترب «وليد» يقف مقابلًا لها و بجوار الأخر و هو يقول بطريقته المعتادة:
"بالراحة على نفسك بس علشان متروحيش فيها، و ابلعي ريقك علشان...و لا بلاش لا تروحي فيها، دخولي اللي مزعلك دا و مخليكي مش طايقة نفسك، مرتين انقذ أخوكي من الموت، لما كان بيغيب عننا و نحس إنه اختفى زيادة عن الطبيعي، و المرتين كنا بنيجي نلحقه، وجودي اللي مزعلك أوي دا فعلشان أنا جاي ورا أخوكي علشان ميعملش فيكي أو في نفسه حاجة، إنما أنتِ فـ ربنا يخلص منك في اللي يخصك، و حق أختي اللي أنتِ خوضتي فيه دا مش مسامح فيه لا دنيا و لا آخرة، و هنتقابل قدام ربنا اخنا الاتنين و ساعتها أنا هقوله أني مش مسامح، دا غير أنه هيخلص منك في الدنيا، أصل كله سلف و دين حتى المشي على الرجلين"
تجاهلت حديثه ثم نظرت لأخيها و هي تقول بلهجة صوتٍ حادة:
"اختار يا حسن ؟! باقي عليا و لا هتختار عيلة الرشيد ؟؟ أنا و لا هي يا حسن ؟!"
أمعن النظر في وجهها و تعمق بنظره في عينيها لتلتحم نظراتهما سويًا في معركةٍ يكسوها الجمود و القسوة دون أن تشوبها شائبة لينٍ، و قبل أن تتحدث من جديد تطلب منه الإدلاء بقراره الأخير، صرخ هو بنبرةٍ صوتٍ جهورية:
"هــــي.....هختارها هي يا حنان، عارفة ليه ؟! علشان هي متستاهلش أني اوجعها كدا، أنا كنت مستني انها هي اللي تخيرني بينك و بينها، و قولت لو عملت كدا أنا مش هأمن على نفسي معاها، بس هي طلعت احن منك عليا، هدير اختارت أنها تسيبني علشان متحطنيش في مقارنة زي دي، هدير اللي دبحتيها بكلامك و اتهمتيها في شرفها و بسببك كانت هتضيع مني في الشارع، أنتِ بقى زيك زيها، بما انك خيرتيني يبقى هختارها هي، عارفة ليه ؟! علشان اللي بيحب حد مبيخيرهوش، مبيساومهوش بوجوده في حياته، لو هختار يبقى أختار اللي أنا ارتخت معاها، و أنا مرتحتش غير معاها يا حنان، أنا معرفتش يعني إيه أنا انسان ليا خاطر و مشاعر غير لما هي بقت معايا، على عيني أقولك كدا يا حنان، بس أنا هختار مراتي، و مش طالب غير وجودها هي معايا"
ربتت على كتفه و هي تقول بجمودٍ:
"عيشت يا أخويا، عيشت يا ابن أمي و أبويا"
رفع كفيه يمسح وجهه بعنفٍ ثم تحدث بنبرةٍ متحشرجة:
"أنا ماشي و سايبلك البيت لحد ما شقتك تخلص و الناس تروقها، مهما كان أنا مش هقدر اطردك من هنا، بس و أنتِ بتدعي لأبوكي و أمك الصبح دا لو بتفتكيرهم يعني، ابقي ادعي لأخوكي معاهم بالرحمة علشان حسن المهدي بالنسبة ليكي ميت"
تحرك من أمامها و هي تنظر في أثره بذهولٍ و نظرة عينيها غلفها القسوة و الثبات، حتى اقترب «وليد» منها يقف مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ ثابتة:
"أنا لحد أخر لحظة مستني منك دمعة واحدة تحسسني إنك ندمانة أو إنك موجوعة على اخوكي، بس أنا شايف جحود و عيون مفيهاش زرة حنية أو شفقة حتى على وجعه، و حسن يخصني زيه زي هدير، اقسملك بربي ما هسيبك و لا هقدر حتى اخرجك من دماغي، هقهرك زي قهرة هدير بالظبط لما غلطتي في شرفها و زي ما نزلتي دموع حسن، هوريكي واحد مني يكرهك في عيشتك و هخسرك كل حاجة، قابلي اللي جاي مني بقى، علشان اللي جاي كتير"
تحرك من أمامها بخطواتٍ رتيبة واثقة و هي خلفه تطالع اثره بحقدٍ عليه، دون حتى ان يكون عندها ذرة شفقة و لو صغيرة نحو اخيها الذي تصدع قلبه حديثها.
_________________________
نزل «وليد» من الشقة فوجد «حسن» يقف بجوار السيارة و نظراته موجهة في الفراغ أمامه و عينيه تنطق بكل كلمات الوجع و الألم، اقترب منه يقف مقابلًا له يسأله بنبرةٍ خافتة:
"حسن؟! أنتَ كويس ؟!"
توجه له ببصره بعدما كان شاخصًا به في اللاشيء، و حينما التقت نظراتهما استطاع «وليد» استشفاف الوجع بهما على كونه لم يُفصح هو بذلك، فاخفض «حسن» رأسه يُطرقها للأسفل و فقط تحدث بكلماتٍ قليلة منكسرة يقول:
"وديني لـ هدير يا وليد، عاوز أروح عندها، ينفع ؟!"
حرك رأسه موافقًا دون أن يتحدث، و يكاد يجزم هو أن قلبه يصرخ من الوجع على رفيقه.
ربت على كتفه بحنوٍ ثم تحرك يركب سيارته و الأخر يتحرك بآلية شديدة مثل الجسد الآلي الخالي من الروح، ركب كليهما السيارة و حركها «وليد» بسرعةٍ كبرى يضرب الأرض أسفله بواسطة احتكاك الاطارات بها، حرك رأسه للجهةٍ الأخرى و قد حانت منه التفاتة نحو الجالس بجواره يضع رأسه على نافذة السيارة و عينيه كما هي تشخص في الفراغ، و الدموع متحجرة في عينيه، يود البكاء و الصراخ و لأول مرّةٍ بحياته يشعر بذلك الاحساس الذي حاش طوال حياته يهرب منه و هو احساس "اليُتم"، زفر «وليد» بقوةٍ ثم حرك رأسه ينظر أمامه و هو يفكر في حال رفيقه و الذي من المؤكد أنه يعاني من الويلات على الرغم أنه لم يشعر به، إلا أنه يتفهم وضعه و معاناته جيدًا.
استمرت القيادة في صمتٍ من كليهما، حتى وصل «وليد» إلى وجهته المنشودة و هي بناية سكنه، نزلا من السيارة في تزامنٍ مع بعضهما، صعد «وليد» أولًا و «حسن» خلفه يقف على بعدٍ من باب الشقة، دلف «وليد» يقف على أعتاب الشقة و هو يذكر اسم زوجته التي خرجت له بتعجبٍ و ترقبٍ فأشار لها بالتوقف حينما وجدها دون غطاء لرأسها، توقفت هي ثم سحبت الغطاء تضعه عليها حينما أشار لها نحو الخارج، ففهمت أن «حسن» معه، سألها هو قبل أن تتفوه هي:
"هدير فين يا عبلة ؟! لو نايمة ادخلي صحيها"
ردت عليه هي بهدوء:
"بس هدير مش هنا يا وليد"
استمع «حسن» لتلك الجملة فتحدث بنبرةٍ ظهر بها قلقه بعدما تقدم خطوةً واحدة:
"اومال هي فين؟؟ اوعي تقولي نزلت تاني ؟!"
ردت عليه هي تطمئنه:
"هدير طلعت فوق السطح علشان كانت مخنوقة، فضلت تعيط و طلبت مني مرة واحدة انها تطلع فوق"
تذكر «حسن» أول لقاء فعلي يجمعهما سويًا حينما وقفت فوق غرفة المصعد تحاول القفز من فوقه، فتحرك مسرعًا نحو الأعلى بخوفٍ و قلقٍ أن تكون استسلمت لشيطانها و قررت انهاء حياتها، ركض «وليد» خلفه حتى وصلا معًا ليجدا منظرًا لم يتخيله أيًا منهما، وقفا يزفرا بقوةٍ تنهيدة ممتدة بعمقٍ تتخللها الراحة.
عاد «وليد» خطوةً للخلف، بينما «حسن» أنصاع لرغبة قدميه في التقرب منها، حيث كانت تجلس على السجادة اللتي سبق و وضعها «وليد» يوم قام بتجهيز و ترتيب السطح، جلست هي ترتدي اسدال من ملابس «عبلة» و معها المُصحف الشريف في يدها، و قد جلست تقرأ منه و هي تبكي، اقترب منها يجلس على ركبتيه مقابلًا لها، و على الرغم من وصول عطره لأنفها، إلا أنها لم ترفع رأسها بل أكملت قراءة و هي تبكي بصمتٍ، رفع هو كفه يمسح دموعها، حتى رفعت عينيها الباكيتين تُبصره ببكاءٍ و الدموع تعرف طريقها جيدًا نحو وجنتيها، أمسك هو المصحف ثم أغلقه و وضعه على المقعد المجاور فتحدثت هي بنبرةٍ خافتة و هي تصدق القول بعد قراءة الآيات، بينما هو ألقى بنفسه على فخذيها كعادته و فقط تحدث بجملةٍ واحدة قالها بوجعٍ مزق نياط قلبها حينما استشفت كلماته المُنكسرة:
"طبطبي عليا يا هدير...أنا مليش غيرك أنتِ"
بكت هي بعد جملته تلك و نزلت دموعها، تزامنًا مع رفعها لذراعيها تُربت عليه بحركاتٍ رتيبة هادئة، فاغمض عينيه و هو يشعر بوخز الدموع بها، و الغصة في حلقه كما هي تحاوطه كما الأسلاك الشائكة، فحتى ازدراد لُعابه يؤلمه.
مررت كفها فوق خصلات شعره الكثيفة و هي تبكي على حالته، ظنًا منها أن مواجهته مع شقيقته تسببت له بألمًا و لم يأتِ بمخيلتها أن الأمور وصلت لذلك الحد، تنهد «وليد» بعمقٍ ثم التفت ينزل لشقته و لكن قبل ذلك دلف يأخذ البطانية الموضوعة بالسطح، ثم اقترب منهما بجثو على ركبتيه و وضع الغطاء على «حسن» ثم ربت على كتفه بألم و الدموع تلمع في مقلتيه، و قبل أن تهم «هدير» بالتحدث، اوقفها هو بإشارةٍ منه ثم تحرك من أمامها، فقررت هي التغاضى عن الحديث لوقتٍ أخر و كل ما يهمها فقط أنه معها و بجوارها حتى و إن كان ممزق الروح، إلا أنها سترممه حتى يعود كما كان.
__________________________
وقف وسط العُمال يُملي عليهم تعليماته و أوامر ضبط العمل، و ما جعله يشعر بالراحة هو انصياع العمال له و لحديثه، فقرر هو أن يتعامل معهم باللين و الهدوء و إن تطلب الأمر سوف يلجأ للحزم و الشدة.
وقف معهم في موقع العمل وسط صخب الأدوات المستخدمة في البناء و صوت العمال إبان حركتهم، و حتى يهرب من ذلك الضجيج قرر مشاركتهم و العمل معهم بأيديه مما جعل العمال يشعروا ببعض الراحة لمعاونته لهم، بعدما ظنوا أنه سيتعامل معهم بتكبرٍ و تعالٍ كمن سبقوه بهذا العمل.
اقترب منه «يوسف» يضع يده على كتفه و هو يقول بهدوء مستفسرًا:
"الله ينور يا هندسة، شكل إيدك حلوة، قولتلي أنتَ خريج إيه؟"
أبتسم له بسخريةٍ تزامنًا مع قوله:
"دا على أساس إني بديك حُقنة؟! اطمن يا سيدي، خريج كلية تمريض"
أبتسم له «يوسف» ثم تحدث بجديةٍ:
"لأ بجد من غير هزار، تسلم ايديك، باين عليك بتاع شغل، مش بتاع قعدة و دلع"
رد عليه مفسرًا:
"الشغل مفيهوش دلع يا يوسف، دي أمانة هتحاسب عليها قدام ربنا، و بعدين عاوز أخلص بقى علشان أمشي، لحد ما أشوف أخرتها"
حرك رأسه موافقًا ثم سأله بثباتٍ:
"تحب تكلم حبايبك ؟! و لا خلاص غيرت رأيك؟!"
سأله متلهفًا بسرعةٍ كبرى بعد حديثه ذاك:
"طبعًا أحب، بس إزاي مش مفيش شبكة هنا؟! و لا فيه صرفة؟!"
أبتسم له بمراوغةٍ ثم قال:
"تعالى معايا يا هندسة، بس عرف العمال إنك هتتأخر"
عقد ما بين حاجبيه و غلف الاستنكار ملامح وجهه و قبل أن يتفوه مُستفسرًا تحدث الأخر بنبرةٍ جامدة:
"هاخدك افسحك قبل ما تتكلم، ها هتيجي معايا و لا إيه؟!"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ فرفع «يوسف» صوته يقول موجهًا حديثه لرئيس العمال:
"عم عبدالعزيز !! تعالى لو سمحت، معلش عاوزك"
اقترب منهما الرجل بعدما كان يقف مُشرفًا على أداء العمال و هو يقول:
"نعم يا بشمهندس يوسف خير؟!"
الرفض ضده هو مرادف للحلوى:
"هنزل السوق أنا و البشمهندس ياسين نجيب حاجات للمطبخ، شوف الشيف عندكم كدا محتاج حاجة؟! نجيبها بالمرة ؟!"
رد عليه مُسرعًا:
"نزلت أنا و هو من يومين قبل ما البشمهندس ياسين ييجي، روحوا انتم ربنا يستر طريقكم، بس متتأخروش علينا"
حرك رأسه موافقًا ثم التفت يغمز له و هو يقول بمشاكسىةٍ:
"يلا يا هندسة، ورايا"
حرك «ياسين» رأسه ثم خلع القبعة الهندسية ذات اللون الأصفر "الخوذة" ثم تبع الأخر في سيره، حتى وصلا عند مكان عملاق البناية يجاوره البحر، عقد ما بين حاجبيه و هو يسأله بتعجبٍ:
"بحر ؟! هو أنتَ مكانك جنب البحر ؟!"
رد عليه بتهكمٍ:
"اومال هطلعلك البترول منين؟! من محل عصير قصب ؟!"
رد عليه باشتياق:
"متفكرنيش بنقطة ضعفي الله يرضى عليك، بلاش تجيب سيرته، فيها حبة حلوين لحد ما اشربه"
ابتسم له «يوسف» بيأسٍ و كأنه يسخر منه و من تفكيره عن ذلك المكان، و بعد مرور دقائق اقتربت منهما سيارة صغيرة الحجم، مخصصة للسير في الصحراء بين الجبال، حرك «ياسين» رأسه يستفسر بصمتٍ و الاستنكار يكسو نظرته و ملامحه المتسائلة، فتحدث الأخر بنبرةٍ جامدة:
"اركب أنتَ هتصورني بعينك؟! يلا يا غالي و لا هناخدها مشي يعني؟!"
حرك رأسه موافقًا و قرر الاستسلام للاخر ثم قفز في صندوق السيارة الذي يتم به وضع البضائع، قفز «يوسف» هو الأخر ثم جلس على حافة السيارة تزامنًا مع رفعه لذراعه يضرب سقف السيارة و هو يقول بنبرة صوتٍ عالية:
"يلا يا ريس، اتحرك خلينا نلحق قبل الزحمة"
تحركت السيارة فورًا، فتحدث «ياسين» مُستفسرًا:
"هو احنا رايحين فين ؟! كفاية غموض علشان أنا كدا هقلق منك، و أنتَ غامض من غير أي حاجة أساسًا"
أبتسم له بمراوغةٍ و هو يقول:
"هخليك تكلم النجوم، مش برضه الهندسة عاشق ؟!"
أبتسم «ياسين» بيأسٍ و هو يحرك رأسه فتحدث الأخر بعدما حمحم بخشونةٍ:
"هنروح شمال سينا نفسها، مش الحدود اللي احنا فيها دي"
سأله بتوجسٍ:
"هو احنا كدا مش في شمال سينا ؟! اومال فين كدا ؟!"
رد عليه مُفسرًا:
"لأ، احنا مش في شمال سينا، احنا على الحدود و قريبين من شمال سينا، شمال سينا دي مدينة عادية، لكن احنا وسط العرب"
عقد «ياسين» ما بين حاجبيه و هو يسأله بتلقائيةٍ:
"يعني احنا كدا هنروح وسط الخيم و الناس و الجمال ؟!"
ردد خلفه باستنكارٍ و بنبرةٍ عالية:
"إيـــه ؟! هنروح فين ؟!"
رد عليه ببلاهةٍ:
"وسط الخيم و الجمال و الناس اللي لابسة جلاليب و الستات اللي لابسين يشمك"
_"يشمك إيه يخربيت أهلك ؟؟ دا اتلغى من ثورة ١٩، اسكت يا ياسين، اسكت احسن"
رد عليه بوقاحةٍ و عفويةٍ و كأنهما صديقين منذ عدة أعوام، رفع «ياسين» حاجبه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"بقولك إيه لم لسانك احسنلك، مش عاوز وقاحة، و بعدين هو أنا كنت جيت هنا قبل كدا ؟!"
رمقه الأخر بلامبالاةٍ ثم أخرج سيجارًا يشعله و بعدما سحب منها، أخرج الهواء من رئتيه في وجه «ياسين» قاصدًا إثارة استفزازه، و الأخر يرمقه بشررٍ حتى تبدلت معالم الطريق بُغتتةً و ظهرت المدينة من حوله كمثل المدن الطبيعية و ظن هو بأجوائها تلك أنه داخل المحافظات الساحلية المعروفة، ابتسم و هو يرى المحلات التجارية حوله و البضائع و السكان و وسطهم السائحون يبتاعون من المنتجات المعروضة، اتسعت بسمته تلقائيًا ، فتحدث «يوسف» بنبرةٍ هادئة و ابتسامة هادئة تشق وجهه:
"نورت شمال سينا يا ياسين"
توقفت السيارة عند مدخل أحد الاسواق التجارية الشهيرة فقفز «يوسف» أولًا و «ياسين» خلفه و عينيه تجول بالمكان يتفحصه، فلم يظن أن تلك المدينة قريبة من مكان عمله، و سرعان ما اهتز الهاتف في جيب بنطاله حينما اتصلت به التغطية، اخرج هاتفه فوجد مئات الرسائل من عائلته و أحبته بالكامل.
اقترب منه «يوسف» يضع يده على كتفه و هو يقول بهدوء:
"دلوقتي بقى هنروح نقعد على كافيه هنا تخلص مكالماتك و تشربلك حاجة تروق اعصابك لحد ما السواق و الشيف يخلصوا اللي هما عاوزينه"
حرك «ياسين» رأسه يطالعه و هو يسأله بتيهٍ و تشوشٍ على الرغم من الراحة الساكنة بوجهه:
"و لما هو فيه مكان زي دا هنا، احنا وسط الجبل بنعمل إيه ؟! و بعدين هي شمال سينا قالبة على شرم الشيخ كدا ليه؟"
رد عليه بسخريةٍ و هو يقول:
"ياسين، هل تعتقد أن شمال سيناء موجود في فيلم أسلحة؟! أجمل باقي المتصوفين هناك ؟! العيون "السوداء"
ضحك «ياسين» بيأسٍ ثم سأله من جديد:
"طب و لما هي حلوة كدا و زي اسكندرية و شرم الشيخ، ليه إحنا مرميين في الجبل و الطَل؟ ما يجيبونا هنا وسط اللمة الحلوة دي"
رد عليه ساخرًا منه:
"حاضر المرة الجاية هنطلعلك بترول من تحت سلم العمارة هنا، و أنتَ بقى تعالى تمم على عمر العماير هنا، دا أنتَ دماغك عالية"
تحركا سويًا وسط السوق التجاري المنظم الذي أشبه بالمولات التجارية المفتوحة حتى وصلا لإحدى المقاهي الحديثة و جلس بها كليهما، حينها أشار «يوسف» بعينيه و هو يقول بهدوء:
"كلمة السر بتاعة الراوتر متعلقة على الحيطة، شغل النت و عيش مع نفسك لحد ما السواق يكلمني"
رد عليه بتلقائيةٍ:
"معايا باقة مش محتاج نت"
_"مش وقت نزاهة يا غالي، افتح نت و أخلص متتعبناش بقى"
تفوه بها بضجرٍ ثم أخرج هاتفه يتفصحه، بينما «ياسين» أمسك هاتفه و قام بعمل مكالمة جماعية بينع و بين والديه، وصله الرد من كليهما بفرحةٍ كبرى، و صوت والدته تقول بلهفةٍ باكية:
"ياسين !! طمني عليك يا حبيبي، اخبارك إيه و تليفونك مقفول ليه؟! أنتَ كويس طيب؟!"
تدخل «رياض» يقول بضجرٍ:
"اديله فرصة يرد يا ست أنتِ، هتكلم امتى ؟! اسكتي"
قبل أن تهم بالرد عليه قد سبقها «ياسين» و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة يحاول بها اخفاء تأثره:
"عندي أنا دي يا زوزو، سامحيه، المهم طمنوني عليكم، كويسين؟!"
ردت عليه والدته بنبرةٍ باكية:
"كويسين علشان سمعنا صوتك يا حبيبي ، إحنا ملناش غيرك علشان نرتاح بوجوده، أنتَ كويس صح ؟!"
سألته بتوسلٍ من عاطفة الأمومة التي تكنها و تملكها له أن يطمئن قلبها و يثلج نيران قلقها، فرد عليها هو مؤكدًا حديثها أنه على ما يرام و أنه مُطمئن البال في رعاية الله و حفظه، فتحدث والده يقول بثباتٍ زائفٍ:
"جدع ياض هي دي تربيتي، عاوزك تخلي بالك من نفسك و تراعي ربنا في شغلك يا ياسين، و تخلص و ترجعلي بألف سلامة"
رد عليه بتأثرٍ و بصوتٍ مختنقٍ:
"حاضر يا بابا، ربنا يخليك ليا و يطولي في عمرك، طمني على الأمانة، كويسة ؟!"
رد عليه والده بهدوء:
"متقلقش عليها، الأمانة بتاعتك زي الفل و بـ ١٠٠ راجل، بعدين دي عايشة مع رياض الشيخ، عاوزها تبقى مش كويسة ازاي ؟!"
شاكسه بكلماته فتدخلت «زهرة» تقول بسخريةٍ:
"آه أوي، حتى مقولكش بيهون علينا إزاي و قد إيه بينشر البهجة في المكان، منه لله منكد علينا بأغانية"
ضحك «ياسين» عليهما، فتحدث والده بتهكمٍ:
"نعم ياختي ؟؟ دي غلطتي يعني أني بهون عليكم بعدما صعبتوا عليا ؟! طب وريني هترجعي إزاي بقى من شغلك و مين هياخدك في طريقه"
شهقت هي بقوةٍ فتحدث «ياسين» يسأل بتعجبٍ:
"احنا بقينا العصر يا ماما و أنتِ لسه مروحتيش ؟! ليه كدا؟!"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
"عندي تصحيح يا حبيب أمك، الامتحانات بتاعة نص السنة شغالة"
رد عليها بتذكر:
"آه صح افتكرت، حقك عليا، المهم أنا هقفل علشان أكلم خديجة، هي لوحدها كدا صح؟"
رد عليه والده يشاكسه:
"آه يا صايع لوحدها، اتطمن يا اخويا، بس ممكن أفضل معاك في المكالمة يمكن تحتاجني في استشارة غنائية و لا حاجة"
أبتسم «ياسين» بيأسٍ فتحدثت والدته بتفهمٍ:
"اقفل يا حبيبي، و كلم مراتك هي قلقانة عليك برضه، يلا يا واد"
تنهد هو بعمقٍ ثم أغلق الهاتف بعدما ودعهما و هو يبتسم و قبل أن يودعهما أوصاهما على بعضهما و على زوجته، قبل أن يبدأ بمهاتفة زوجته بحماسٍ صدح صوت هاتفه بمكالمةٍ جماعية من أخوته يقوم بها «عامر»، ابتسم باتساعٍ ثم ضغط على زر الإيجاب، فوصله صوت «عامر» يقول بعدة مشاعر يطغو عليها الفرحة و الحماس بقوله:
"ياسين؟! الحمد لله تليفونك اتفتح، طمني عليك أنتَ كويس يا حبيبي؟!"
رد عليه بنفس التأثر السابق و هو يحاول جاهدًا التحلي بالثبات:
"أنا كويس يا عامر الحمد لله، أنتَ إيه أخبارك طمني، وحشتوني و الله"
تدخل «خالد» يقول بمرحٍ:
"يا عم كلنا بخير بس ناقصنا وجودك بس، أنا بقول ترجع علشان يونس هيخطف منك مراتك و شكلك هترجع تضربه"
رد عليه «ياسين» بمرحٍ يعانده:
"ملكش دعوة أنتَ يا حلو، أطلع منها يا خالد، هتوقع بيني و بين صاحبي؟! دا بعينك"
تدخل «ياسر» يقول بضجرٍ زائفٍ من الصغير:
"ارجع بس ياض و احنا نمسك يونس و أبو يونس و نموتهم، بس الوضع بقى خطر و يونس طلب يبات عند رياض، الحق ارجع بقى و شوفلك صرفة"
رد عليه «ياسين» يتوعد له بطريقةٍ زائفة:
"لأ أنا بقول أرجع قبل ما يونس يستغل عدم وجودي، لم ابنك يا خالد بدل ما أجي ألمهولك أنا"
تحدث «عامر» يشاكسه بقوله:
"و حياة أهلك ؟! دلوقتي بقى هتيجي تربيه؟! ما كان حبيبك من شوية؟! يا عم دا لو هيخليك تيجي، أحب اقولك انه اتقدم ليها امبارح و طلب ايدها من رياض"
ضحكوا جميعهم في آنٍ واحد، فتحدث «ياسين» باشتياقٍ:
"الحمد لله أنكم بخير، وحشتوني اوي من أول يومين، ربنا يهون عليا الباقي من غيركم"
تدخل «ياسر» يقول بنبرةٍ هادئة:
"و أنتَ وحشتنا أوي برضه، بس متتأخرش بقى و أنجز يا عم، المهم بس إنك تتقل علشان البرد"
رد عليه بعاطفةٍ أخوية:
"حاضر، متقلقش يا حبيبي أنا بخير، المهم ميمي و عمار اخبارهم إيه ؟! طمنوني عليهم كلهم"
رد عليه «عامر» برزانةٍ:
"كلهم بخير و كويسين، الحمد لله إنك طمنتنا عليك دي أهم حاجة، ميمي دلوقتي نايمة، بس أنا هكلمها لما تصحى و هبلغ سلامك لعمار حاضر"
اكمل المكالمة و هو يوصيهم على بعضهم و هم بدورهم يقومون بتوصيته أن يهتم بنفسه حتى يجمع الله بهم من جديد، اغلق معهم المكالمة، ثم قام بمهاتفتها و هو يشعر بارتفاع ضربات قلبه و كأنه مراهقًا يطلب رقم حبيبته خِلسةٍ من خلف والديه، ازدرد لُعابه بخوفٍ فلم يصله منها ردًا، شعر بالاحباط خوفًا أن تكون نائمة و تضيع عليه تلك الفرصة الذهبية في أن يستمع لصوتها، حاول للمرة الثانية حتى أوشكت المكالمة على الانتهاء، زفر هو باحباطٍ حتى وصله صوتها المتلهف الباكي:
"ياسين ؟؟ عامل إيه يا حبيبي ؟! وحشتني أوي أوي، معلش كنت بصلي العصر علشان ميفوتنيش"
أبتسم هو بتأثرٍ و هو يقول بنبرة صوتٍ رخيمة تخالف تلك التي هاتف بها أخوته و والديه:
"حبيبك ؟! أول مرة اسمعها منك يا خديجة"
سألته هي بترقبٍ:
"طب....طب إيه رأيك فيها؟!"
رد عليها بحبٍ:
"كل حاجة منك حلوة يا خديجة، حتى لو فيه حاجة وحشة، معاكي تبقى أحلى من كل حاجة"
نزلت دموعها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
"أنتَ وحشتني أوي، أوي يا ياسين، وحشني كلامك و صوتك، و حتى حنيتك عليا، هتيجي امتى ؟"
أبتسم بسخريةٍ و هو يقول:
"دول لسه يومين يا خديجة، يومين من أصل ٦٠ يوم، بس ربنا يهون و يجمعنا بخير"
ردت عليه بنفس الصوت الباكي:
"متفكرنيش بقى يا ياسين، احنا نعمل نفسنا مش واخدين بالنا و نتعامل أنهم اسبوع كدا و لا حاجة، ينفع ؟!"
ابتسم هو بغلبٍ و هو يقول:
"أنتِ طيبة أوي يا خديجة، ياريت كل حاجة تمشي بالبساطة دي، بس علشانك إحنا نخليهم اسبوع بس، المهم أنتِ وحشتيني اوي"
ابتسمت هي بهدوء و الدموع تسيل على وجنتيها، فاضاف هو بهدوء:
"وحشتيني و وحشني كلامك و طيبتك، حاسس أني أب سايب بنته، مش راجل سايب مراته، وحشني أوي اسمع منك مهلبية"
أبتسمت هي من بين دموعها ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ متحشرجٍ:
"تعالى بس يا ياسين، و أنا مش هبطل أقولك يا مهلبية، خلي بالك من نفسك، و متغيبش علينا في الاتصالات، طمني حتى لو بمكالمة زي دي، متسيبنيش لخوفي عليك، مش عاوزة خوفي يرجعلي فيك أنتَ"
لمعت العبرات في عينيه اللاتي دارتا في المكان حتى لا تنزل دموعه، فلم يتوقع أن مكالمتها و توسلها له يكون بتلك الصعوبة، فتحدث هو بصوتٍ رخيمٍ يشوبه مرحٍ طفيفٍ:
"الدنيا دي غريبة أوي و محدش عمره هيفهم أو يتوقع منها حاجة، فاكرة أول مرة خدت فيها رقم تليفونك علشان أكلمك؟ ساعتها كنتي خايفة تكلميني و صوتك كان متوتر، و جيت أنا قولتلك جملة خليتك سكتي و معرفتيش تتكلمي، فكراها؟!"
ابتسمت حينما لاح أمام ناظريها تلك الذكرى عند أول مكالمة هاتفية تجمعهما سويًا، فتحدثت هي بحالة شجن:
"قَلّبيِّ يَسألُكَ مَتىٰ يَحِيِّنَ مَوعِدَّ اللُقا يَا مَن بِرُؤياكَ يَغدو وَجهي نَيْرًا مُشرقًا؟!"
أبتسم هو باتساعٍ و ظهر اثر تلك البسمة في صوته و هو يقول:
"و قلبي بيقولك قريب إن شاء الله، بس مش عاوزك تزعلي مني علشان عيد ميلادك يا خديجة، كنت فاكر نفسي هعرف أحضره معاكي بس طلع صعب أوي، ممكن متزعليش مني و تفرحي اليوم دا؟؟ ينفع؟"
مسحت دموعها ثم تحدثت تتصنع الثبات في كلماتها:
"تعالى بس علشان نحتفل بيه سوا و مش هسيبك على فكرة، لما تيجي هخليك تعوضني، و عاوزاك تعترض بقى"
رد عليها هو بعدما تنفس بعمقٍ ثم عادت البسمة له من جديد:
"من غير ما تقولي يا ست الكل، هجيلك و هعوضك، و يبقى عيد ميلاد لينا إحنا الاتنين، روحي يلا شوفي وراكي إيه، و أنا هشوف لو هجيب حاجة من هنا، و هفتح نت شوية قبل ما أرجع و الشبكة تقطع"
ردت عليه هي بهدوء:
"حاضر، هروح اقرأ الأذكار و أشوف لو ورايا حاجة اعملها قبل ما....."
توقفت عن الحديث حينما تذكرت ذلك الأمر، فتحدثت بلهفةٍ:
ياسين أوي لماذا ذكرت عمك وإخوتك؟!
لمعت العبرات في عينيه و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"عرفتي بقى إن أنتِ مفيش منك اتنين؟! متقلقيش كلمتهم قبلك علشان أعرف أكلمك براحتي، و عامر أول ما وصلته رسالة أني فتحت تليفوني قام بالواجب و عمل مكالمة جماعية"
تنهدت هي براحةٍ و هي تقول بمزاحٍ:
"طب الحمد لله، شاطر يا مهلبية، تاخد عشرة من عشرة و بوسة"
سألها بخبثٍ:
"دا إحنا بقينا في حتة تانية بجد، فين أيام النجوم و الاستيكر على الراس و جو حصص الألعاب؟!"
ابتسمت بخجلٍ و هي تقول بنبرةٍ خافتة:
"البركة فيك، ما أنتَ الخير و البركة يا ياسين برضه"
أبتسم بيأسٍ عند قولها تلك الجملة، فتنهدت هي بعمقٍ ثم تحدثت بهدوء:
"خلي بالك من نفسك علشان خاطري، و ارجع بسرعة بلاش تطول في الغيبة، على رأي عمو رياض فراج الحبايب مُر يوجعني"
قالتها بسخريةٍ فاتسعتا حدقيته و هو يقول بدهشةٍ:
"أبويا بيقولك و أنا مش موجود فراق الحبايب مر يوجعني؟! يا واقعة سودا ؟!"
ردت عليه هي بنفس السخرية:
"هي دي حاجة يا راجل ؟! اومال لو سمعت التانية بقى ؟؟"
سألها بتوجسٍ من القادم:
"و هي إيه التانية بقى إن شاء الله ؟! اشجيني يا كتكوتة"
ردت عليه بثباتٍ واهٍ و هي تحاول كتم ضحكتها:
"أنا لو حبيبك مكنتش في يوم تسيبني، أنا لو نصيبك مكنتش في يوم تبيعني، كان بيهون علينا"
رد عليها هو بضجرٍ زائفٍ مصحوبًا بالدهشة المُتعجبة:
"أبويا بيقولكم في غيابي غياب الحبايب مُر يوجعني، و أنا لو حبيبك مكنتش يوم تسيبني؟! ليه بيجلدكم كدا؟؟ على كدا في رجوعي هلاقيكم قاطعين شرايينكم؟؟ هي دي الأمانة؟"
ضحكت هي على رد فعله، فتنهد هو بقلة حيلة ثم تحدث متعجلًا لها:
"اقفلي يا بنتي، اقفلي الله يرضى عنك و روحي صلي ركعتين شكر لله أنكم لسه منتحرتوش، ادعيلي معاكي"
أغلقت معه الهاتف بعدما ردت عليه و طمأنته، فتنهد هو براحةٍ ثم أغلق المكالمة و وضع الهاتف على الطاولة المستديرة أمامه ثم شرد البال فيها و في طريقة حديثها و اثراء الآخرين على نفسها حتى مكالمة الهاتف لوالديه لم تنساها، وصله صوت الأخر يخرجه من شروده و هو يقول بخبثٍ:
"دا أنتَ طلعت عاشق بجد بقى، كنت فاكرك بتشتغلني، أنا لو منك و بحب حد كدا مكنتش جيت أصلًا"
أبتسم له «ياسين» بحزنٍ و هو يقول بقلة حيلة:
"إيه اللي رماك على المُر؟؟ مرة واحدة مستقبلي اتهدد و حياتي كلها، يا أجي هنا و أشوف الشغل، يا برة الشركة و شوفلك مكان تاني يقبلك، لو عليا مغيبش يوم عن اللي مني يا يوسف"
أبتسم له بتهكمٍ و هو يقول:
"سبحان الله، أنا بقى لو عليا مش عاوز أشوف اللي مني، عاوز أفضل هنا علطول علشان أهرب"
نظر له «ياسين» بامعانٍ، فتحدث هو مُغيرًا مجرى الحديث:
"تعالى بقى معايا علشان افسحك قبل ما السواق يخلص و يكلمني، أنا طلبت قهوة و شربتها، تطلب حاجة ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم وقف حتى يخرج من المكان، بينما الأخر سبقه و هو يمشي وسط المحال التجارية و كلما رآى فتاةٍ ابتسم باتساعٍ، و كأن المحافظة بأكملها تتسم بجمال فتياتها، وصل حتى توقف أمام محل عصير القصب فوقف «ياسين» خلفه و هو يقول بذهولٍ:
"عصير قصب ؟؟ الله عليك يا جدع، تصدق دلوقتي بس أنا حبيتك؟!"
ابتسم له «يوسف» ثم التفت له و هو يقول بسخريةٍ:
"على تفكيرك و طريقتك عن المحافظة دي، دا بالنسبة ليك محل بترول، صحيح مفيش عيون حلوة كدا شغلتك؟!"
رد عليه بتقريرٍ ممتزجٍ بالهيام:
"ريح نفسك يا نجم، هي عيون واحدة اللي شغلتني و مفيش غيرها، عملت في قلبي مصايب"
أبتسم له بثقةٍ ثم طلب كوبين عصير من الرجل، وقفا يرتشفا العصير سويًا، فشعر «ياسين» بالتلذذ من المذاق، و حينها تحدث مقترحًا:
"هو أنا لو عاوز أعيش هنا في المكان دا أعمل إيه؟؟"
رد عليه الأخر بسخريةٍ:
"و تسيب القصر الملكي اللي هناك لمين بس؟! حد يسيب كرافان في حضن الجبل و يجي هنا؟!"
تشدق «ياسين» بنذقٍ:
"أنتَ ليه محسسني أنه أوضة على البحر بمنافعها؟! و بعدين المحافظة طلعت حلوة و زي الفل أهيه"
رد عليه «يوسف» مفسرًا:
"إحنا المجانين اللي بنعمر الصحرا يا ياسين، و الناس اللي هنا كلهم عارفين إن الحتة اللي عند الجبل دي للبترول و العمال، و العرب بتوع البدو، و كلهم غلابة متهجرين من أراضيهم، و خلي بالك علشان عاداتهم و تقاليدهم صعبة أوي"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول بلامبالاةٍ:
"و هو أنا مالي و مالهم؟؟ هشوفهم فين يعني؟! مش هما بعيد عن شغلنا ؟!"
حرك رأسه موافقًا فرد عليه «ياسين» ببساطةٍ:
"طب هتوترنا ليه بقى؟! المهم لو أنا عاوز أعيش هنا أعمل إيه ؟!"
زفر بقوةٍ ثم قال:
"إنك تأجر شقة هنا و تقعد فيها، بس ليه التعب يعني؟! هتضيع فلوسك في ايجار و مواصلات ؟؟ ملهاش لازمة اسمع مني، خليك عند شغلك أحسن"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ فقام «يوسف» بوضع الأكواب ثم دفع المال للرجل، سأله «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
"هو أنتَ طالما عارف الدنيا هنا و الحياة عاملة إزاي ليه مقولتليش من الأول؟؟ و ليه خلتني أخاف من هنا"
رد عليه بايجازٍ:
"أنا مخوفتكش، أنتَ اللي جاي خايف أصلًا، بس على العموم متقلقش، الدنيا زي ما أنتَ شايف كدا، عاملة زي اسكندرية"
حرك رأسه موافقًا ثم باغته بسؤاله:
"هو أنتَ ليه مكلمتش حد من أهلك أنتَ كمان؟! دا الواحد ما صدق يلاقي شبكة"
رد عليه بلامبالاةٍ:
"العادي يعني الاختلاف، يجب أن أكون على شبكتهم"
استشف «ياسين» من طريقته و حواره أنه لا يريد التطرق للتفاصيل الخاصة بحياته، فغير مجرى الحديث بقوله:
"بس حلوة شمال سينا يا يوسف"
غمز له بمراوغةٍ تزامنًا مع قوله:
"شمال سينا و عيون شمال سينا كمان"
أبتسم «ياسين» بيأسٍ و هو يحرك رأسه نفيًا بالسلب، فوضع «يوسف» ذراعه على كتفه و هو يقول بلهجة صوتٍ ثابتة:
"تعالى بقى أعرفك المحلات هنا علشان لو اتزنقت تعرف تتعامل من غيري، يلا يا هندسة"
سار معه و هو يبتسم و داخله يشعر بالطمأنينة تجاه هذا الشخص الغامض كما يلقبه هو، فلوهلةٍ شعر أنه مثل الصديق الذي جمعه الله به حتى يستأنس به في تلك الغُربة، و لم يكن مجرد غريبًا وطأت قدماه وسط أرضٍ لم ينتمي لها يومًا ما.
__________________________
استيقظ «حسن» من نومه في شقته بعدما وجد الغرفة فارغة من دونها، فخرج يبحث عنها من الغرفة حتى تفاجأ بها تركض في مكانٍ يشبه الصحراء في فراغها و هو يركض خلفها و يذكر اسمها بلوعةٍ و حينما التفتت حتى تركض نحوه و هي تبكي تفاجأت بيد أحدهم تسحبه من امامها و هي تريده أن يمد لها يده، و حينما ركض هو نحوها مرةً أخرى تفاجأ بها هي تلك المرة تترك يده و تفر بعيدًا، ظل يذكر اسمها بخوفٍ و العرق يتصبب على جبينه و هو يلهث بقوةٍ راكضًا خلفها و ضربات قلبه تتصارع حتى أوشكت على الخروج من موضعها، امتزج صوتها المتلهف عليه مع صوت ركضه و هو يذكر اسمها باكيًا حتى استيقظ مرةً واحدة و هو فقط يقول بصوتٍ عالٍ:
"هـــــديــر ؟!"
سألته هي بصوتٍ مختنقٍ:
"نعم يا حسن، نعم؟؟ أنا معاك اهوه و جنبك، فيك إيه بس؟؟"
تنهد هو بعمقٍ و لازال صدره يعلو و يهبط من فرط المجهود اللذي قام به في كابوسه، و حينما تأكد من وجودها أمامه خطفها في عناقٍ قويٍ حيث أطبق بجسده على جسدها و تشبث بها فبكت بوجعٍ و هي تسأله بحزنٍ لأجله:
"مالك يا حسن ؟؟ أنا معاك أهوه و الله و أنتَ كنت نايم و راسك على حجري، مالك بس واجع قلبي عليك ليه ؟؟"
ابتعد عنها يسمح دموعها ثم تحدث بنبرةٍ متحشرجة:
"أنا تعبت....تعبت و جيبت أخري و خلاص يا هدير، بقيت يتيم بجد، أخر حاجة كنت حاطط أملي فيها سابتني، هدير بلاش أنتِ تسيبيني، حتى لو زعلانة مني بس بلاش تغيبي أنتِ كمان عني، هدير علشان خاطري متمشيش، أنا مليش غيرك"
بكت و هي ترد عليه:
"مش همشي و الله العظيم مش همشي و هفضل معاك، بس أنتَ ليه عمال تعيط و توجع نفسك و توجعني كد؟! أنا مش عاوزة أشوفك كدا يا حسن"
رفع عينيه الباكيتين و هو يقول بنبرةٍ حزينة منكسرة:
"و أنا مش عاوز أشوفني كدا يا هدير، لو بأيدي همسح كل حاجة في حياتي و أمحيني أنا نفسي من الوجع اللي عيشته، مبقاش عندي أمل في أي حاجة في الدنيا، خلاص تعبت و فاض بيا"
اقتربت منه تحاوط وجهه بكفيها و هي تقول باكيةً:
"حتى لو تعبت أنا معاك أهو مش هسيبك، اتعب و ارمي حملك عليا و نقسم الحِمل سوا احنا الاتنين، بس بلاش تشيله لوحدك"
سألها هو بنفس الانكسار البادي على صوته و نبرته و نظرته:
"هدير أنتِ مش هتطلقي صح؟! أنا مش هقدر أعمل كدا و الله، لو زعلانة خليكي معايا و أنا هصالحك و الله، بس بلاش أنتِ كمان تكسريني مع الدنيا، دي أخر مرة هقولك فيها أني عاوزك"
مسحت دموعها ثم ردت عليه بثباتٍ:
"أنا مش عاوزة أكسرك، أنا بس بحافظ عليك من الوجع، لو عاوزة أوجعك كنت عملت كدا من بدري، بس أنا بحبك يا حسن و خايفة عليك من الكسرة، مش عاوزاك تخسر حد علشاني، و خايفة ييجي يوم تلاقي نفسك فيه ندمان إنك ضيعت عُمرك معايا"
حرك رأسه نفيًا ثم تحدث بنبرةٍ متحشرجة مختنقة:
"مستحيل يا هدير، دا أنتِ المكسب الوحيد ليا في الدنيا دي، أنتِ الحاجة الوحيدة اللي بتمنى أنها تفضل و مش عاوز غيرها، أنتِ لو سيبتيني كدا هبقى اتكسرت بجد"
ابتسمت له بخفةٍ و هي تقول:
"بعد الشر عليك من الكَسرة، بس أنا مش هسيبك خلاص، معاك و رزقي على الله يا حسن"
ابتسم لها و العبرات تلمع في عينيه ثم رفع كفه يربت على رأسها، فتحدثت هي بنبرةٍ هادئة:
"هو أنا قعدتي معاك معلمتكش أي حاجة؟! لازم تتعبني؟!"
عقد ما بين حاجبيه فتحدثت هي بضجرٍ:
"ما تحضني يا حسن متبقاش رخم، إيه دا يا ربي ؟!"
ابتسم هو باتساعٍ ثم خطفها بين ذراعيه وهو يقول بفرحةٍ كبرى:
"و أحلى حضن في الدنيا كلها هو حضنك يا هدير، حضنك اللي كان بيلحقني من الدنيا، حضنك اللي الدنيا احلوتلي بيه، يا رب تفضلي معايا علطول و متسيبيش حضني يا رب"
ابتسمت هي بفرحةٍ ثم رفعت ذراعيها تحتضنه هي الأخرى و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"و تفضل معايا أنتَ كمان و متسبنيش و تزهق مني، أول مرة حد يتمسك بيا كدا في الدنيا"
حرك كفه يمسد على ظهرها و هو يقول بعشقٍ خالص:
"و أنتِ ليا كل الدنيا"
ابتعدت عنه تقول بمزاحٍ حتى تشاكسه:
"أنا بقول كل اسبوع نتخانق خناقة زي دي و نبعد عن بعض كدا علشان النتايج حلوة أوي زي ما أنا شايفة كدا"
ضربها على وجهها بخفةٍ و هو يقول بضجرٍ زائفٍ:
"اخرسي يا بومة، عاوزاني أعيش اللي أنا عيشته دا تاني؟! حرام عليكي دا أنا عرفت يعني إيه ميت و هو على وش الدنيا"
أغمضت جفنيها و هي تسأله بنبرةٍ غامضة:
"لما الدنيا تديك ضهرها تعمل إيه يا حسن؟!"
غمز لها و هو يقول بثباتٍ:
"ادي ضهرك للدنيا"
ابتسمت له و هي تقول:
"القاعدة التانية إيه بقى ؟؟"
بنفس الطريقة قال:
"ودع الأحزات يا ذوق"
تحدثت تسأله بنبرةٍ ضاحكة على هيئته و هو يحدثها بتلك الطريقة:
"القاعدة التالتة يا حسن؟!"
رد عليها هو مُردفًا:
"لما الدنيا تكشرلك عارف تعمل إيه؟! عوم و اتمختر....عوم و اتمختر"
قبلته على وجنته و هي تقول بفخرٍ و كأنه صغيرها:
"شاطر يا أبو علي، برافو عليك، نجحت يابني في الامتحان"
حرك رأسه نفيًا ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
"لسه فيه أهم جملة مقولتهاش يا هدير، دي عندي بكل جُمل الفيلم"
عقدت ما بين حاجبيها فتحدث هو مُفسرًا بصوتٍ رخيمٍ:
"استني... متمشيش، أنا لما ببصلك بحس بأمان، بحس أني مطمن، أرجوكي مش عاوز الشعور دا يضيع مني، متمشيش"
ابتسمت له ثم ارتمت بين ذراعيه وهي تقول بفرحةٍ كبرى:
"طب و الله ما همشي و مبروك عليك لزقت فيك يا حسن، وريني هتخرجني من حياتك ازاي؟!"
شدد عناقه لها و هو يبتسم براحةٍ تخللت قسمات وجهه بعدما تأكد من حسن اختياره و أن وجودها هو الصواب.
في الأسفل انهى «وليد» مكالمته الهاتفية بعدما عاد من الأسفل، اقتربت منه «عبلة» تجلس بجواره و هي تسأله بتعجبٍ:
"أنتَ نزلت روحت فين و جيت تاني؟! هو أنا متجوزة أبو الفُطيط؟! ما تقعد في حتة يابني أنتَ"
سحبها هو من يدها حتى التصقت به فتحدث هو بخبثٍ:
"ما تقعدي جنبي كدا و تحلقي عليا أحسن ما أطير منك؟! أنا اللي زيي ملوش أمان"
أبتسمت له باستفزازٍ و هي تقول:
"دا بعينك يا سكر، ممكن أكتفك و أخليك ليك أمان كويس أوي، تحب تشوف؟؟"
ابتسم لها بمراوغةٍ و هو يقول:
"لأ، أحب اتحضن، احضنيني كدا و احتويني يا سوبيا، سايباني زي العيل اللي تايه في المولد"
ابتسمت هي بيأسٍ و هي تأخذه بين ذراعيها و تقول بنبرةٍ يائسة:
"تعالى يا حبيبي، تعالى متجوزة عيل صغير أنا، اتنيل"
رفع حاجبيه أثناء نومه على فخذها، و فجأة طرق باب شقتهم، تحدث هو بتهكمٍ:
"الخبطة الرخمة دي بتاعة ابوكي، أنا عارفها، جاي علشان ينكد عليا"
ضربته على ظهره و هي تقول بضجرٍ منه:
"اتلم يا حيوان أنتَ، إيه قلة الأدب دي و السفالة؟! قوم افتح الباب و أنا هحضر الغدا علشان هدير و حسن"
تحركا كليهما من على الأريكة فتوجهت نحو الداخل و هو اقترب من الباب يفتحه، فوجد «هدى» و «جميلة» مع بعضهما و على ذراع الأولى«يونس» ابتسم باصفرارٍ و هو يقول:
"يا هلا يا هلا، الأختين الحلوين هناء و شيرين ؟! خير يا وش الخير منك ليها؟! جايين في وقت مش مناسب ليه ؟!"
ردت عليه «جميلة» بضجرٍ منه:
"أنتَ مالك يا بارد، جايين علشان هدير و نطمن عليها و نقعد مع عبلة"
أبتسم بخبثٍ و هو يقول بوقاحته المعتادة:
"هدير في حضن حسن فوق السطح، بس عيني علشان خاطر الحضن اللي بوظتوه عليا دا، أنا هطلع أكسر السطح على دماغ حسن و هدير سوا"
اتسعتا حدقتي «هدى» بدهشةٍ إثر حديثه، بينما «جميلة» تشدقت بنذقٍ:
"ما شاء الله على لسانك و أخلاقك، مثال في الشرف و التربية"
تحدث هو بفخرٍ:
"طبعًا حد ينكر، دا أنا أخلاقي دي هي اللي محببة الناس فيا و محدش يقدر ينكرها"
لوت «هدى» فمها بتهكمٍ فأخذ هو منها «فارس» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"المهم ادخلوا اقعدوا مع عبلة و أنا هاخد فارس و أطلع انزلكم هدير علشان عاوز حسن في كلمتين"
اومأت له كلتاهما فتحرك هو بالصغير على ذراعه نحو الأعلى، حتى وقف على أعتاب السطح، حينها ابتسم و قد وجدهما بين ذراعي بعضهما و كلًا منهما آمنًا في حضرة الأخر، حمحم بخشونةٍ حتى ابتعدا عن بعضهما، فدلف و هو يتحدث بتهكمٍ:
"أنا مش من طبعي هدم اللذات لا سمح الله، بس أنا معايا فارس و دا عيل صغير و عيب نخدش حيائه و هو طفل بريء"
وقفت «هدير» بخجلٍ ثم اخفضت رأسها حتى لا تتواجه مع نظراته، و قبل أن تهم بالتحرك أوقفها قائلًا بسخريةٍ:
"استني يا شيخة هدير، خدي المُصحف معاكي و أنتِ نازلة"
عادت تمسك المصحف و وجنتيها حمراوتين من كثرة خجلها، بينما «حسن» ظل معلقًا بصره بها و هي تتحرك أمامه حتى اختفى أثرها تمامًا.
اقترب منه «وليد» يقف نصب عينيه و هو يقول بهدوء:
"اقعد يا حسن علشان عاوزك في كلمتين، اقعد بس"
جلس «حسن» على المقعد تلك المرة و «وليد» مقابلًا له حتى أخرج من ثيابه أوراقًا و هو يقول:
"خد بصة كدا على الأوراق دي"
مد يده الحرة بالأوراق له و باليد الأخرى يحمل «يونس» على ذراعه، أخذ «حسن» منه الاوراق دون أن يظهر أي ردة فعلٍ حتى اتسعتا حدقتيه فورًا حينما وقع بصره على ما هو مكتوب، و إبان ذلك كان «وليد» يداعب الصغير متجاهلًا الأخر الذي يجلس بجواره، فتحدث «حسن» بذهولٍ:
"إيه دا يا وليد ؟! إيه اللي أنا بشوفه دا ؟!"
رد عليه ببساطةٍ و لازالت رأسه كما هي موجهة نحو الصغير:
"دا حق اختي و جريها في الشارع بليل و حق شرفها اللي أختك غلطت فيه، متفتكرش إن هدير هترجعلك بعد اهانتها دي يا حسن، أمضي بايدك الحلوة دي و أنا هخلي هدير تمضي"
ازدرد لُعابه بألمٍ ثم أخفض رأسه يقرأ الكلمة التي تتوسط الورقة أمامه و الأخر يراقبه بامعانٍ.
__________________________
في بيت آلـ «الرشيد» اجتمعت العائلة بأكملها مجتمعة فوق سطح البيت في جلسةً هادئة حيث قام «أحمد» باشعال النيران و التفوا حولها جميعًا يأخذون منها دفئها، تحدثت حينها «خلود» بمرحٍ:
"بس حلو حوار النار دي، عقبال ما تعملوها لينا يوم حفلة الشوي، اعملوا حسابكم أخر يوم امتحاناتي هنشوي فوق السطح قبل ما أروح عند وليد"
ردت عليها والدتها بضجرٍ:
"يا بت بطلي رخامة بقى، تروحي عند وليد فين؟! دا عريس جديد و عاوز يشم نفسه شوية"
ردت عليها بمعاندةٍ:
"هو قالي خلصي امتحاناتك و تعالي قضي الأجازة عندي و بصراحة أنا ما صدقت، و هروح"
تدخل «أحمد» يقول بضجرٍ:
"روحي يا بت مش عاوزين قرف، خلينا نرتاح منك شوية بقى"
إخرجت له لسانها و هي تسخر منه، فتحدث «محمد» بيأسٍ منهما:
"ما بس بقى منك ليها، دا انتم عيال رخمة، روحوا انتو الاتنين عند وليد خلوا الرخمين كلهم في مكان واحد، يا ستار يا رب منكم"
ضحك عليه الجالسون بينما «مرتضى» تدخل يقول بخبثٍ:
"طبعًا أحمد هيحط لسانه في بوقه و مش هنسمع منه كلمة واحدة، هيسجدك يا محمد"
ضحكوا عليه مرةً أخرى فتحدث «أحمد» بقلة حيلة:
"هعمل إيه يعني؟! اديني مستني لحد ما ربنا يكرمني و يفرجها عليا و أقدر أوصل للي أنا عاوزه، دعواتكم يا جماعة، ليها و لكل دفعة الثانوية العامة"
رفعوا أيديهم يدعون لها، فصدح حينها صوت هاتف «مشيرة»، وقفت و هي تقول بتوترٍ:
"طب عن اذنكم بقى، هنزل علشان عاوزة اشتري حاجات مهمة، حد عاوز مني حاجة؟!"
سألها «طه» باهتمامٍ:
"حسان فين؟! هيروح معاكي يا مشيرة؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
"لأ يا طه، حسان في المحل علشان فيه بضاعة جاية عنده، أنا مش هتأخر و هرجع علطول، عاوزين حاجة؟!"
ردوا عليها جميعًا بالنفي لعرضها، فتحركت هي من أمامهم جميعًا نحو الأسفل و قد سبق و أردت ثيابها و جلست تنتظر تلك المكالمة، و بعد مرور ثوانٍ وصلت لمقدمة الشارع فوجدت السيارة تنتظرها، ركبت بجواره و هي تبتسم له، فسألها هو بثباتٍ:
"ها ؟! جاهزة و لا اطلعك تاني؟! شكلك مش قد المهمة دي، متكسيفنيش؟!"
ضربته في صدره و هي تقول بضجرٍ:
"بس يا واد اتلم، متخلنيش اوريك أنا قدها و لا لأ؟! المهم اتحرك يلا علشان متأخرش، خليني أروح اشفي غليلي منها"
غمز لها و هو يقول بمراوغةٍ:
"جامدة، جامدة يا عمتو، إن شاء الله ترفعي راسي أنا و تخليني أفرح بجد"
قاد «وليد» السيارة و هو يتحدث معها و هي تناقشه حتى أوقف السيارة أسفل البناية اللتي تقع بها شقة «حسن»، وصلا معًا عند الشقة فطرقت هي الباب و هو خلفها يقف بثباتٍ كعادته، فتحت لهما «حنان» الباب دون أن تتعرف على ماهية الطارق، فتحدثت «مشيرة» أولًا بنبرةٍ جامدة:
"معاكي مشيرة، مشيرة الرشيد، ممكن أدخل اتكلم معاكي كلمتين بهدوء؟!"
قبل أن تنطق بالرفض أو القبول ظهر «وليد» من خلف عمته و هو يقول بخبثٍ:
"ارفضي بقى علشان اخليها تتعصب، هنتكلم كلمتين بالادب، و نمشي من وشك، أو أنتِ اللي تمشي"
دلفا كليهما بعدما افسحت لهما الطريق عن باب الشقة ثم أغلقت الباب خلف دخولهم بعنفٍ، ثم جلست على الأريكة مقابلةً لهما و هي تقول بجفاءٍ:
"خير ؟! ياترى بقى حضراتكم نورتوا بيت أخويا المتواضع ليه؟؟"
ابتسم «وليد» بسخريةٍ بينما «مشيرة» تحدثت بذهولٍ:
"لأ دا أنتِ صعب أوي، الحمد لله أني قابلتك علشان ابطل أكره نفسي، أنتِ ليك عين تتكلمي؟"
ردت عليه بصوتٍ عالٍ:
"احترمي نفسك احسنلك، هو أنتوا كلكم كدا عالم قليلة الأدب ؟! هو دا النسب اللي الأستاذ ساب أخته علشانهم، صحيح نسب يشرف"
اندفعت «مشيرة» نحوها تمسكها من ذراعها و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
"أقسملك بالله لو ما احترمتي نفسك و لميتي لسانك لأكون لماكي أنا، ليكي عين تتكلمي بعد عملتك السودا ؟! تتسببي في خراب بيت بنتي و بسببك تنزل الشارع نص الليل و الله أعلم باللي كان هيحصل ليها، و كمان بتوقعي بينها و بين جوزها؟! و عاوزاني اسكتلك؟! دا أنا اقطعك بسناني يوم ما تفكري تيجي على اللي مني، هوريكي القطة و هي بتحبي على عيالها بتكون عاملة ازاي، هخربش وشك لحد ما أبوظه"
قبل أن تتحدث «حنان» و ترمي بحديثها الوقح، تحدثت «مشيرة» بنبرةٍ جامدة:
"اسمعي يا ست أنتِ، اقسملك بالله لو ما لميتي نفسك و خرجتي من حياة هدير و حسن لأكون قاطمة رقبتك، اللي ماسكني عنك هو خاطر أمك اللي كانت جارتنا و خاطر حسن اللي متربي مع عيالنا و بقى زيه زيهم، احترمي نفسك و غوري في داهية من هنا"
تحدثت الأخرى بمعاندةٍ:
"مش بمزاجك، دي شقة أخويا و أنا قاعدة فيها براحتي، أنتِ اللي تغوري في داهية من هنا أنتِ و الصايع اللي معاكي دا، غوروا بدل ما الم عليكم الجيران و أقول اتهجموا عليا و ساعتها حسن هيطلق بنتكم بجد"
تدخل «وليد» يقول بثباتٍ:
"بحب فيكي ثقتك في نفسك يا طنط و الله، بس أنا عاملك مفاجأة من حظك و نصيبك، الله أعلم بعدها هتعيشي ازاي؟! بس أنا واثق إنك هتعيشي"
استطاع باسلوبه و حديثه جذب انتباهها فتحدثت «مشيرة» بثباتٍ:
"حق نزول بنتي في الشارع و خوضك في شرفها غالي أوي و احنا الشرف عندنا غالي، يعني لو قتلتك دلوقتي هيبقى حقي، و اللي يسألني هقوله كنت باخد حق بنتي، بنتي اللي بسببك اتقهرت، بس ملحوقة، هقهرك أنا دلوقتي"
اقترب «وليد» منهما و في يده الأوراق ثم اخفض جزعه عليها ز هو يمد يده لها بالاوراق، فسألته هي بضجرٍ:
"إيه الورق دا ؟! بتاع إيه؟!"
أبتسم لها و هو يقول بثقته المعتادة و لباقته المعهودة:
"دي مفاجأة يا طنط، شوفي بنفسك علشان أنا مبحرقش مفاجأت"
اخذت الأوراق من يده بسرعةٍ كبرى تُبصر ما يوجد بها، و سرعان ما اتسعتا حدقتيها بقوةٍ و أصيبت بالشلل المؤقت من هول الصدمة عليها، فتحدث هو بنبرةٍ هادئة و كلماتٍ متريثة:
"حسن خسر كل حاجة، و هدير بقت تملك كل حاجة، بيت الساحل و العربية و فلوسه في البنك و شقته دي، حتى الملاحات اللي في المطبخ كمان، عدم المؤاخذة حتى بقاعدة الحمام اللي جوة، كل حاجة بقت بتاعتها هي، يعني حاليًا كدا أنتِ قاعدة في بيت اختي و ملكها، بس عارفة حسن دا رجولة، علشان بقوله هدير هتمتلك كل حاجة عندك رد حق من اللي أختك عملته فيها، قالي إن هدير ليها حق فيه هو شخصيًا و إن النفس اللي بيتنفسه بقى بيخرج علشانها، بصراحة ؟! إجابة نموذجية ياخد عليها أوسكار درجة تانية، طبعًا الدرجة الأولى دي تخصني أنا، بذمتك يا شيخة ؟! إيه رأيك في دماغي و أنا بقهرك صح ؟!"
صرخت في وجهه بهياجٍ فأوقفها هو بقوله الجامد:
"اسمعي يا ست أنتِ، تغوري من هنا مطرح ما كنتي و تنسي هدير و حسن أحسنلك و يا ريت تروحي تعالجي عُقد النقص اللي عندك، أصل محدش مجبر يستحملك بصراحة"
رفعت عينيها تطالعه بجمودٍ فأضاف هو بثباتٍ:
"ركزي في كلامي كويس يمكن تتعلمي حاجة، أنا و لا غيري محدش فينا مضطر يستحمل نقصك و عقد جنانك على أساس إنك هتتعدلي احنا مش العباسية علشان نعالجك، سكتك خضرا"
__________________________
عاد «ياسين» من السوق مع «يوسف» و عاد لمباشرة عمله حتى حلول الليل و لكن عمله كان أكثر هِمة و نشاطًا بعد استماعه لصوت أحبائه و خصيصًا بعد مكالمته لها، بعد ذلك تناول وجبة العشاء وسط العمال ثم تحركوا هم و تركوه بمفرده، يجلس على الأرض الغير مستوية يتابع السماء، و خاصة بالسكون حوله بعد نوم العمال و خصيصًا أن يوم عملهم كان شاقًا للغاية، اقترب الأخر منه يجلس بجواره و هو يستند على كتفه بكفه، فابتسم «ياسين» بيأسٍ ثم تنهد بعمقٍ، بينما الأخر اشعل السيجارة ثم نفث هواءها خارج رئتيه، ثم حرك رأسه ينظر لذلك الذي يجلس بجواره و حينما امعن النظر في وجهه سأله بسخريةٍ:
"وشك نور يعني من ساعة ما رجعت، اومال كنت مبوز في وشنا ليه؟!"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
"جسدك قلق عليّ وعقلك مهتم أكثر بالتفكير، ولكن عندما تكون قلقًا ومسالمًا، فإنه يسترخي.
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث بايجازٍ:
"ربنا يخليهملك"
رد عليه يؤمن دعاءه ثم شرد كليهما أمامه، فتحدث «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
"لو الظروف غير الظروف كنت عرفت اتفسح و أعيش هنا، بس للأسف حتى دي مبعرفش أعملها و افرح من غير حبايبي، لو عليا اجيبهم كلهم هنا"
أبتسم «يوسف» بسخريةٍ ثم القى السيجارة على بعد ذراعه ثم وقف و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"تصبح على خير يا ياسين"
تحرك مُسرعًا قبل أن يرد عليه الأخر التحية، فحرك كتفيه بتعجبٍ ثم رفع رأسه ينظر للسماء يشرد في جمالها و ابداع الخالق التي تجلت في تلك الطبيعة الساحرة و على حين غرة اندلع صوت طلقات النيران حوله بشدة و كأنها حالة حرب تزامنًا مع اقتراب سيارات تحمل رجالًا ترجع أصولهم لعرب القبائل و ظهر ذلك من خلال ثيابهم، التفت «ياسين» ينظر خلفه بخوفٍ و كأن حركته شُلت بالكامل، فتوقفت حينها السيارات و نزل منها الرجال تزامنًا مع خروج العمال من اماكنهم يركضون نحو «ياسين» الذي وقف يسأل بنبرةٍ جامدة و لهجةٍ حادة:
"فيه إيه يا جدع أنتَ و هو ؟! انتم مجانين؟؟ فاكرين نفسكم داخلين تحييوا ليلة؟! إيه شغل الجنان دا؟!"
أقترب منه أحد الرجال يقف أمامه و في يده السلاح و هو يقول بصوتٍ جهوريًا و حاد اللهجة:
"احترم نفسك يا جدع أنتَ، احنا صحاب حق و جايين ناخده، و لسه حسابك معانا تقيل"
عقد «ياسين» ما بين حاجبيه بحيرةٍ و تحدث بتشوشٍ:
"أكيد فيه حاجة غلط يا حج، أنا معرفكوش أصلًا و مش من هنا، انتم مين؟! و حق إيه دا؟!"
حرك الرجل رأسه ينظر لـ «عبدالعزيز» و هو يقول بتهكمٍ:
"قولوا حق إيه؟؟ عرفوا إن إحنا اصحاب حق، مش دا برضه البشمهندس؟!"
تحدث «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
"فيه إيه يا عم عبدالعزيز ؟؟ و حق إيه دا أنا مش فاهم حاجة"
رد عليه الرجل بغلٍ واضحٍ:
"حقنا !! الحق اللي أنتَ و اللي مشغلينك واكلينه، بس طالما كدا بقى، يبقى يلا يا رجالة هدولي شغل المهندس"
وقف «ياسين» أمامه بالمرصاد و عز منفعلًا:
"عندك يا جدع أنتَ و هو، على جثتي حد فيكم ييجي جنب شغلي، اقسم بالله أطير رقبته فيها"
أشهر الرجل السلاح في وجهه و هو يقول بثباتٍ:
"يبقى رقبتك أنتَ أولى يا بشمهندس، قدامك حاجتين يا الحق يا الروح ؟! اختار بينهم !!"
اتسعتا حدقتي «ياسين» بذهولٍ و هو يتمنى أن يكون ما به كابوسًا و أن يفيق منه حالًا، لكن حينما وجد العمال بجواره و كلًا منهم ينظر للأخر بخوفٍ و ترقبٍ من القادم، و خاصةً و الرجل يشهر بسلاحه في وجه «ياسين» و عينيه تتربص له و زاد الخوف أكثر حينما تحرك اصبعه فوق زناد السلاح ينوي إطلاق النار على هدفه الذي يقف أمامه بثباتٍ دون أن يرمش له جفنًا و فقط يردد الشهادة و هو يقف مثل الوتد في الأرض ثابتًا حتى انطلق صوت الطلقة النارية حينما خرجت من مصدرها لتتجه نحو وجهتها المصوبة نحوها.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والستون 63 - بقلم شمس بكري
"رحل عني الحبيب و تركني و ذهب، فياليته لم يغادرني و يا ليت الماء قادرًا على إطفاء ما بي من لهب.
__________________________
"خطأٌ وقع عليَّ إثمه، فلا أنا بمذنبٍ و لا أنا بفاعله، فما ذنبي أنا أعاني من خطأ الآخرين لـ أظل واقفًا كما لو أنني مَهين، ثمة بعض أخطاءٍ يقترفها غيرك و تنغرس بها قدمك و يحاسبونك عليها جميعهم كما لو أنك اقترفت الفعل المشين، و لكن على الرغم من وقوع الإثم ستبقى أنتَ دائنًا و ليس بـ المدين"
وقف «ياسين» في الأرض ثابتًا و الرجال المسلحون حوله و حول العُمال، و فجأة خرجت الطلقة من فوهة السلاح الآلي و لكن قبل أن تصل لمصدرها الموجهة نحوه كان «ياسين» يلتصق بالأرض و فوقه «يوسف» و قد هجم عليه من الخلف حتى يحول بينه و بين الرصاصة، و قد نجح في ذلك قبل أن تخترق جسد «ياسين».
زفر العمال براحةٍ حينما تحرك «ياسين» و «يوسف» معًا مما دل عن نجاة كليهما من ذلك الاختراق، فتحدث «يوسف» منفعلًا في وجهه:
"أنتَ مجنون ؟! واقف قدامه و هو ماسكلك السلاح؟! أنتَ بتفكر ازاي؟!"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ و انفعالٍ:
"أنا مبهربش و مبخافش غير من اللي خلقني يا يوسف، بس أنا مش فاهم مين دول ؟!"
كانت حالة الصدمة و الذهول تسيطر على الجميع بعد تلك الواقعة و الرجال كما هم بسلاحهم حتى اعتدل «ياسين» بعدما استند على يوسف و اعتدل كليهما في تزامنٍ مع بعضهما، فتحدث الرجل الذي سبق و أطلق السلاح بعدائيةٍ شديدة:
"فلت منها يا بشمهندس، مع أني كان بِـ ودي اجيبها في دماغك، بس ملحوقة الرجالة موجودة و هياخدوا حقهم"
أشار لرجاله بعد حديثه حتى يقتربوا من «ياسين» و يطرحوه ارضًا، و لكن قبل أن تمتد قدم أيًا منهم رفع «يوسف» صوته قائلًا بلهجةٍ حادة:
"اقـف م في مكانك أنتَ و هو، اقسم بربي اللي هيقرب خطوة مننا أنا هفلقه نصين"
تحدث الرجل بصوتٍ منفعلٍ:
"ملكش دعوة أنتَ بالكلام دا، خليك في شغلك و احنا هناخد الهندسة نتفاهم معاه لحد ما اللي مشغلينه يظهروا"
حينها و بُغتةً أخرج «يوسف» سلاحًا يشبه السكين "مطوة" ثم حركها في كفه حتى ظهر نصلها الحاد ة بعدها اشهره في وجه الرجال و هو يقول بنفس الحِدة:
"طب اللي قلبه جايبه ييجي هنا، موضوعك مع صحاب الشغل، و ياسين ملوش علاقة بكل دا، و البشمهندس في حمايتي"
طالعه «ياسين» بتعجبٍ، فتحدث الرجل بحدةٍ و غلظةٍ:
"و هو حقي أنا و حق الرجالة ة العطلة اللي بينا فيها دي مين يحاسبنا عليها؟! أنتَ ترضاها ؟! أنا هاخد البشمهندس لحد ما اللي شغلوه يظهروا"
رد عليه «ياسين» منفعلًا:
"يا عم ناس مين دول ؟! فيه حاجة في مخك؟؟ أنتَ تعرفني يا عم أنتَ؟! فــيه إيــــه"
نطق بنبرةٍ جهورية عالية تجمع الحزم و الشدة، حتى اقترب منه الرجل و هو يشير برأسه نحو العُمال و قال:
"ابقى اسأل الناس اللي معاك و هما يعرفوك و لحد ما المشكلة دي تتحل و ناسك يظهروا الراجل هتفضل محاوطاكم هنا، ولو الشغل بدأ، روحك هترجع تاني لربك"
اتسعتا حدقي العُمال بخوفٍ، بينما «يوسف» تحدث بتهكمٍ:
"اعمل بهم، تسعى نفسك قبل نفسك، أقسم لك يا ياسين، أن ياسين قريب مني إلا للموت، وسوف تشبع نفسك وروحك قبل روحك.
كان كما هو لازال يمسك السلاح بيده "المطوة" و هو يشهرها في وجه الرجال، فتحدث «ياسين» مُسرعًا بنبرةٍ أهدأ:
"يا حج، بالهدوء بس و نتفاهم، أنا معرفكش و معنديش أي فكرة عن كلامك، و مشوفتكش قبل كدا، قولي إيه مشكلتك؟!"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
"لأ، زي ما هما رفضوا يتكلموا و فكرونا عيال صغيرة معاهم، يبقى يستحملوا بقى، و أنتَ هتفضل هنا بس رجالتي هيفضلوا معاكم هنا، و لو فكرت تبدأ شغل بس ههده فوق دماغك"
قبل أن يتفوه بكلمةٍ واحدة أطلق الرجل رصاصةً في الفراغ بسلاحه حتى يُنهي الحوار ثم توجه نحو السيارة يركبها و الرجال كما هم وقفوا جميعًا بجانب بعضهم، و السلاح في أيديهم، يشهرونه في وجه «ياسين» و العُمال الذين وقفوا بخوفٍ و الرجال حولهم يحاوطونهم حتى نظر لهم «ياسين» بتيهٍ و «يوسف» أغلق سلاحه ثم وضعه في جيب بنطاله.
__________________________
صرخت «حنان» في وجهيهما بهياجٍ واضحٍ و انفعالٍ بعد حديث «وليد»، فتحدث هو مُتشفيًا بها بقوله:
"قولتلك بلاش أنا علشان مزعلكيش، لو أنا واطي زيك كان زماني مطلقهم من بعض و مخلي أختي محفوظة في بيت أهلها و أنتِ هنا، و أخوكي الدنيا كلها مقفولة في وشه، بس أنا جدع علشان خاطر اخوكي قبل خاطر أختي"
تحدثت هي بتهكمٍ تسخر منه و من حديثه:
"آه ما هو واضح فعلًا، بدليل إنك نصبت عليه و خدت منه كل حاجة و مش بعيد تكون متفق مع بنت عمك علشان تاخد ورثه و تسلمه ليك، بس أنا مش هسكت، هرفع قضية و هاخد حقي و هتهمك إنك بتستغل أخويا"
غمز لها بثباتٍ و هو يقول:
"خدي دي كمان بقى ، بحطله حاجة أصفرة و بغرغر بيه علشان يسمع كلامي، روحي ارفعي القضية و أنا بنفسي هاجي أشهد معاكي"
اعتلى الغل قسمات وجهها و بات الحقد الدفين واضحًا على وجهها و نظرتها، فأضاف هو بدهاءٍ:
"أي عقد علشان تروحي تطعني فيه لازم يبقى على الأقل فيه نسبة بطلان، و العقد اللي معايا سليم مفهوش خدش حتى، خرج من حسن و هو كامل الأهلية و بالغ راشد دون اكراه أو اجبار، و راح لهدير البالغة العاقلة الراشدة من غير اي ضغط عليهل، يعني عندنا عقد متكامل الأركان، المحل و الرضا و علاقة السببية بينهم و هو أنها مراته و اشترت كل حاجة منه و هو قبض التمن، هاتي أخرك بقى علشان اللي قدامك ملوش أخر يتجاب"
بصقت في وجهه بغلٍ واضحٍ على وجهها حتى أغلق هو عينيه محاولًا التحكم في غضبه فتحدثت هي بعد فعلتها تلك بقولها:
"أنتم عالم حرامية و أنا هوديكم في ٦٠ داهية، و أنتَ بالذات يا صايع يا ابن***** مش هسيبك"
قبل أن يرد عليها هو أمسكت «مشيرة» وجهها بيدها و القبعة الشتوية فوق رأسها و قد قبضت عليها و على خصلاتها أسفل تلك القبعة حتى تأوهت بألمٍ من تلك التي تمسك بوجهها و رأسها، فتحدثت «مشيرة» بصوتٍ حاد:
"اسمعي يا ولية !! تغلطي في حد يخصني أنا ممكن أخلصك من الدنيا كلها يا عين أمك، و ابن أخويا اللي بتغلطي فيه و في أبوه دا أنا ممكن أخليه يربيكي بجد، و لا ليه؟! أنا موجودة و ممكن أربيكي في ايدي، و أسألي حتى اللي سبقوكي و الزمن رماهم تحت أيدي، جرى أيه يا حلوة ؟! فاكرة الدنيا كلها هتفضل تحت طوعك؟! حقك و خلصتيه من اخوكي زمان و حتى مهانش عليكي تأمني مستقبله و تقفي جنبه، بس نقول إيه؟! قلة الأصل على الكيف و أنا هربيكي يا حنان"
انقضت عليها «مشيرة» تقوم بعض رقبتها و الأخرى تصرخ بين ذراعيه حتى سحبها «وليد» و هو يحاول كتم ضحكته تزامنًا مع قوله الذي جاهد هو حتى يتحدث به:
"خلاص....خلاص يا مشيرة، سيبك منها يا ستي، قومي"
سحبها من ذراعها و هي تحاول التملص من بين يديه حتى تضرب تلك المزعومة «حنان» حتى صرخت في وجهه:
"سيبني اربيها يا وليد، دي بتغلط في شرف بنتي، بقى أنا بنتي غلطت مع واحد و لزقناها لأخوكي؟! أنتِ تطولي يا معفنة إنك تناسبينا؟! اتفو عليكي"
بصقت في وجها فتحدث «وليد» مهددًا لها:
"أنا كدا خدت حق أختي تالت و متلت، كفاية قهرتك على الفلوس اللي راحت منك، زي ما زعلتي كدا إن أخوكي عايش مرتاح بعيد عنك، بالشفا"
التفت حتى يغادر الشقة و هو يمسك بيد عمته لكنه حرك رأسه للخلف يقول بنبرةٍ هادئة:
"آه، أظن كدا أنتِ متأكدة إن الشقة مش شقتك و لا شقة أخوكي، ياريت تروحي مطرح ما جيتي، أصل أنا مش هخلي أختي تبات برة ملكها كتير، واخدة بالك ؟! مـلـكـها"
اتكأ على حروف كلمته الأخيرة بتروٍ و ثباتٍ ثم غادر الشقة مع عمته، و هي في الخلف تشعر بالحقد عليهم جميعًا و لوهلةٍ تأكدت أنها خسرت كل شيءٍ حتى رابطة الدم مع أخيها، و لكن هل حقًا خسرت أمواله؟! لطالما كانت تود السيطرة عليه و على ممتلكاته جميعها حتى تصبح الآمرة الناهية عليه، لكنه كسر كل توقعاتها تلك حينما عاش مع عائلة الرشيد و ترعرع بكنفهم، حتى و إن لم يكن من نفس الدم، لكنه استطاع أن يعيش وسطهم كما لو أنه أحد ابناء العائلة، ليثبت أن رابطة الحب و المودة اقوى من روابط الدم حتى و إن كانت فرضًا عليك، ما لم تقترن بها الرحمة و يرافقها الود، فالحياة بدونها أحق.
__________________________
نزلا كليهما سويًا و «مشيرة» تشعر بالنيران تزداد بداخلها حقدًا على «حنان» التي أثارت حنقها و اضرمت النيران بداخلها نتيجة تفكيرها و طريقتها، كانت في السيارة تهز قدميها بانفعالٍ واضحٍ حتى سألها «وليد» بعدما حرك السيارة بجديةٍ زائفة و كلماته ينبثق منها الهزل:
"اهدي يا مشيرة و ريحي نفسك، مالك؟! مش خلاص خدتي حقك منها و عضتيها في رقبتها ؟! خلاص هو أنا واخد معايا زومبي؟!"
ردت عليه بانفعالٍ و غيظٍ:
"مش مكفيني، لولا وجودك بس كنت قلعت شعرها في ايدي، مبقاش غير حنان دي كمان تشتمك و تقول عليك صايع، صايع في عينك، نسيت نفسها لما كانت أرفع من خلة السنان؟! بس ماشي الزمن يينا طويل، مش هسيبها"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"و الله العظيم هي كدا اتقهرت صح، طالما الورق دا هي شافته بعينها و اتأكدت إنها امضة أخوها كدا هي هتتجنن، طول عمرها عاوزة تكسب كل حاجة، بيتها و جوزها و ورثها و حياتها تستقر و فوق البيعة دي كمان حسن بفلوسه و ورثه"
تنهدت هي بعمقٍ ثم تحدثت بعدما استعادت رابطة جأشها:
"يلا في داهية تاخدها، بس مش مشكلة كفاية أوي إنها اتقهرت ة بان في عنيها كدا، زي ما قهرت بنتي و خليتها تنزل تجري في الشارع، منها لله، جوعتني و هبطتني"
ابتسم «وليد» بيأسٍ ثم غمز لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"عليا أنا دي، متقلقيش"
ضربته على صدره و هي تقول بسخريةٍ:
"يا خويا اتلهي على عينك، فين شهامتك دي اللي بيقولوا عليها، ألا ما شوفت منك كوباية عصير حتى، عيل بوق"
رد عليها هو بنبرةٍ عالية:
"اصبري عليا و اديني فرصة، أنا قولت هخرجك قبل ما تروحي، لو صبر القاتل على المقتول ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة ممتزجة بالمرح:
"كان مات لوحده، بس قولي تفتكار حنان هتموت لوحه؟!"
حرك رأسه ينظر لها و حينما التقت نظراتهما قال بثباتٍ:
"بعد عضتك دي؟! الله يرحمها بقى"
ضحكا كليهما في آنٍ واحدٍ حينما تذكرا هيئة «حنان» بين ذراعي «مشيرة»
__________________________
جلست «هدير» بجوار زوجها و هي تقول بنبرةٍ هامسة حتى لا يستمع لهم الجالسون:
"يا حسن مضيت ليه طيب ؟! و مضيت مكاني ليه ؟! أنا مش موافقة على الكلام دا، أنتَ جوزي و دي فلوسك، و أنا مسامحة في الحق دا، إنما اللي بيحصل دا مينفعش، دي فلوسك و حقك أنتَ"
زفر هو بقوةٍ ثم تحدث هامسًا بحنقٍ حتى تحولت نبرته تدريجيًا:
"لأ دا حقك و أنا راضي أني أعمل كدا، و زي ما وليد قالك أني في الشغل طلبت منهم يمضوا عن فض الشراكة علشان تدخلي مكاني في الشركة، لكن بعد عمايل حنان فيكي و كلامها عن شرفك و توصل إنها تتهمك تهمة زي دي، يبقى كدا فيها كلام تاني، و بعدين أنا النهاردة قولتلها أني مختارك أنتِ، يعني أنا كُلي ليكي أنتِ، بكل حاجة فيا، شوية فلوس على كام حاجة متسواش مش هتخليني اقف افكر في وجودك في حياتي، أنتِ عندي بكل حاجة حلوة في الدنيا و كفاية أني لقيت ونسي معاكي، كنتي عاوزاني أرجع غريب تاني في الدنيا دي؟! حرام عليكي"
ابتسمت له هي و هي تطالعه بعينيها التي خلى منهما العتاب، و حل محله الود و الحب، فاقترب هو قبل رأسها ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
"صحيح هي كانت حرب و حرب صعبة كمان، بس علشانك أنا أعمل أي حاجة يا هدير، أنا معاكي زي العيل اللي مع أمه، من غيرك غريب تايه في بلد ملهوش فيها عزيز، و قولتلك قبل كدا أنا مكانش ليا عزيز في الدنيا دي و أنتِ خدتي مكان الكل"
حركت رأسها تنظر حولها هروبًا من حديثه الذي يخرج عفويتها فوجدت «وئام» يجلس بجوار زوجته و على يده «فارس» و «طارق» يجلس بجوار «جميلة» و هما يتحدثان سويًا، تنهد «حسن» بعمقٍ ثم رفع ذراعه يربت على ظهرها و هو يبتسم لها حتى يُطمئنها، فتحدثت هي بنبرة صوتٍ هادئة:
"بس أنا مش هاخد حاجة و لا هاجي جنب فلوسك دي، أنا عاوزة اتدلع صحيح بس مش كدا، اصرف أنتَ و أنا اعيش على حسك"
اخفض رأسه حتى مال على أذنها و هو يقول هامسًا بنبرةٍ هادئة:
"و أنا عيني كلها ليكي، عيشي و اتدلعي و طول ما أنا موجود معاكي مش عاوزك تخافي و لا تزعلي من حاجة، و كل ما تضايقي افتكري إن فيه واحد اسمه حسن المهدي، معرفش الحياة غير بوجودك"
القت رأسها على كتفه دون أن تتحدث بكلمةٍ واحدة فقط بسمة هادئة تزين ثغرها، فحرك فمه حتى قبل رأسها ثم تنهد بعمقٍ.
كانت «هدى» تراقبهما بطرف عينيها حتى زفرت براحةٍ حينما رأتهما سويًا، فتحدث «وئام» و هو يداعب صغيره بنبرةٍ هادئة بالكاد وصلت لمسامعها:
"ريحي نفسك هما كويسين، حسن مش غبي علشان يضيع هدير من أيده، الحمد لله انهم سوا و انهم عارفين قيمة بعض"
ردت عليه هي بحزنٍ لأجل اختها:
"هدير صعبت عليا أوي يا وئام، كنت حاسة انها مكسورة، كل ما أشوفها هنا و هي بتعيط أو في الاوضة عند عبلة تحت كنت بتقهر عليها، دي بنتي مش أختي الصغيرة، كان صعب عليا اشوفها مكسورة كدا"
تنهد هو بعمقٍ ثم التفت لها يقول بثباتٍ:
"الاتنين أخواتي يا هدى، هي حنان دي اللي حرباية و مهزقة، المهم بس عاوزك بليل تباتي عند عبلة و وليد و حسن يباتوا معايا تحت و طبعًا فارس معاكي علشان وليد ميطردناش"
حركت رأسها موافقةً ثم أمسكت كفي «فارس» تربت عليهما تبثه بعض الدفء، فراقبهما «وئام» بامعانٍ و سرعان ما رُسمت بسمة عذبة تزين ثغره فقال بنبرةٍ متأثرة:
"تعرفي إن المنظر دا كنت بحلم بيه طول عمري ؟! و لما اتخطبنا أنا كنت دايمًا بحلم بفكرة أني أكون أب بس و أنتِ أم ابني، كنت برضه افضل سرحان كدا و اقول هل هقدر في يوم احقق اللي اتمنيته و أخد الحاجة اللي تخيلتها في أحلامي؟! دلوقتي بقى أنا و أحلامي قاعدين مع بعض، حبيبة عمري اللي ربنا خلقها من ضلعي، و ابني و حتة مني، على ما أظن كدا إن الإنسان المفروض ميكونش عاوز حاجة تاني أكتر من كدا"
ابتسمت هي بحبٍ لهما و هي توزع النظرات بينهما، حتى اخفض هو رأسه يقبل يد «فارس» ثم تحدث هامسًا حتى يشاكسها بقوله:
"هبوسك بقى لما ننزل شقتنا"
ابتسمت بيأسٍ و هي تسأله بتعجبٍ:
"نفسي أعرف ازاي أنتَ و وليد إخوات، بجد، دا سر زي أرض برمودا كدا"
ضحك هو بخفةٍ ثم أمعن النظر في وجه ابنه الذي بدأت ملامحه ترتسم و تظهر معالمها حتى وجد التشابه بينه و بين ملامح «وليد».
تحدث «طارق» يسألها بحنقٍ:
"يا جميلة و إيه لازمتها ؟! شغل إيه اللي هتنزليه دلوقتي ؟؟ مش قولتي إنك واخدة إجازة مفتوحة و الحمد لله إنها مدرسة خاصة علشان تعرفي تتحركي فيها براحتك ؟! يعني تنزلي تصحيح؟!"
ردت عليه هي تستجديه:
"يا طارق علشان خاطري وافق بقى، دا شغل مش لعب عيال، هما عاوزني علشان التصحيح و تجميع الدرجات، و بعدين خلاص أنتَ نزلت شغلك، يبقى أنا أنزل شغلي أنا كمان"
زفر هو بقوةٍ ثم تحدث بنبرةٍ حانقة:
"ما تخليكي في بيتك متستتة كدا و أنا ارجع من الشغل و نقعد سوا، لازمتها إيه بقى المرمطة دي؟"
تحدثت هي بنبرةٍ اهدأ:
"علشان دا شغلي يا طارق، شغلي و أنا بحبه، و بعدين أنا بحبك و بحب تفكيرك مش عاوزة اغيره و أغير الفكرة دي"
سألها هو بتعجبٍ يستنكر حديثها:
"تغيري فكرتك؟! تغيريها إزاي يعني؟! هي بنطلون يا جميلة؟!"
فسرت حديثها بقولها الهاديء:
"أنا بحب طريقتك يا طارق، بحب إنك طموح و هادي و عندك حلم و إصرار لكل حاجة في حياتك و أهمهم كان حبك ليا اللي كله بيشهد بيه هنا و قبلهم الغرب، و أدبك و شهامتك معايا، و طريقتك اللي بقى فيها شوية وقاحة و أنا مراتك و حلالك، بحب فيك إنك عمال تجاهد معايا و إنك وقفت الأغاني و بقيت بتدور على حاجات في الدين، كل دا مخليني أعرف أنك مش عادي، و أهم حاجة إنك أنتَ اللي ساعدتني علشان الشغل دا، علشان خاطري وافق علشان اعرف اروح من بكرة"
أبتسم هو لها رغمًا عنه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"علشان كلامك دا و علشان طريقة تفكيرك فيا، أنا موافق، بس بشرط أنا هوصلك بكرة و ابقي كلميني أجي أخدك، غير كدا مش هوافق"
ردت عليه بحنقٍ:
"ما أطلب أوبر و خلاص، متتعبنيش بقى"
حرك رأسه نفيًا فزفرت بقوةٍ ثم تحدثت على مضضٍ بكلماتٍ مقتضبة:
"ماشي، سلمت أمري لله و وافقت انك توصلني و تجيبني، عيلة صغيرة أنا و هتوه منه"
حرك رأسه بسخريةٍ و هو يقول:
"لا يا حلاوة بتاكسي كتير، لابس خمار و بياكسوكي، مش فهيم انا ازاي دي"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"مرضى نفسيين بقى تقول إيه، علشان تعرف إن المشكلة في اللبس، و إنها في العقول يا طارق"
سألها هو بصيغةٍ مبطنة محاولًا سبر أغوار تفكيرها:
"يعني لو الموضوع زاد عن حده هتقلعي الخمار ؟! طالما كدا كدا بتتعاكسي بيه"
ردت عليه هي مُسرعةً:
"لأ طبعًا، أنا مش بفكر كدا، أنا لبساه علشان ربنا أمرني بيه و علشان دا فرض عليا كمسلمة، أن جمالي يتدارى عن العيون علشان فيه عيون واحدة بس هي اللي تستحق كل الجمال دا، و هي عيون جوزي بالحلال، حتى لو كل الرجالة اتعمت و لو كلهم بقوا من غير عيون، هيفضل فرض عليا أني اداري الجمال دا عن الكل، ربنا مفرضش علينا حاجة غير و الحكمة منها كانت واضحة و موجودة، و الحكمة من الحجاب و الخمار هو إن مش كل الناس تستاهل تشوف الجمال دا علشان فيه ناس بتطمع يا طارق"
أبتسم هو بفخرٍ ثم قبل رأسها و تبع فعلته تلك بقوله:
"ربنا يحفظك و يرزقك بالثبات، و يبارك في عقلك و أشوفك دايمًا في أعلى المراتب يا جميلة"
ابتسمت له بتأثرٍ و هي تطالعه بعينيها اللاتي خرج منها الحب و هي تحاوطه بنظراتها.
جلس كليهما على طاولة الطعام في أحد شوارع وسط البلد فحركت «مشيرة» رأسها تتفحص المكان المزدحم حولها ة خاصةً عربة تسوية الطعام، فسألها هو بسخريةٍ:
"إيه يا عمتو ؟؟ المكان مش عاجبك ؟! و لا يكون مش قد المقام ؟!"
حركت رأسها حتى تقابلت نظراتهما و هي تقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسمٍ:
"لأ مش كدا، مستغربة الزحمة بس، كل دول جايين هنا علشان ياكلوا على العربية دي؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"قولتلك تاكلي في مطعم و لا تاكلي على عربية، قولتلي مكان ما بتحب تاكل، و أنا بحب أكل هنا"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
"يا عم مقولتش حاجة، أنا حاسة إن الأكل هنا هيبقى حلو، بس عاوزين نخلص علشان نشوف ورانا إيه"
حرك رأسه موافقًا ثم فاقترب العامل في تلك اللحظة يضع أطباق الطعام أمامهما ثم تحرك بعدما استأذنهما بذلك، اخفضت بصرها نحو الأطباق ثم رفعتها من جديد تسأله بذهولٍ:
"إيه كل دا ؟! أنا قولت حاجة خفيفة، أيه كل دا ؟!"
أبتسم هو بهدوء و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"كلي يا عمتو، الأكل دا مبيشعبش أصلًا، و بعدين كتر خيرك تعبتي معايا و حنان حرقت دمك"
ردت عليه هي بقهرٍ:
"متفكرنيش بقى، دي ولية عقربة، أنا مش عارفة ازاي فيه ناس كدا؟!"
رفع أحد حاجبيه و حرك رأسه مُستنكرًا حديثها و قال بتهكمٍ:
"شوف مين بيتكلم ؟!"
ردت عليه هي بتلعثمٍ:
"مـ...ماشي... أنا فاهمة إن قصدك عليا أنا، بس أنا كان عندي هدف و مبرر يخليني اتصرف كدا و دا كان مغطي على تفكيري، علشان أنا غذيت عقلي الباطن بالانتقام، إنما حنان دي إيه هدفها؟! يعني بتتصرف كدا ليه ؟! كارهة راحة اخوها ليه ؟!"
زفر هو بقوةٍ ثم قال:
"علشان الجشع و الطمع بعيد عنك، عاوزة تاخد كل حاجة ليها هي، عيلتها و بيتها و حسن و فلوس حسن، عرضت عليه يشارك جوزها في شغله في قطع غيار السيارات، بس حسن مبيفهمش في الحاجات دي و خاف الفلوس تضيع منه، ساعتها عرضنا عليه يشارك طارق و وئام، بس يعلم ربنا مكانش فيه في دماغنا اننا ناخد فلوسه و لا الهبل دا، احنا كان كل همنا نخليه يلهي نفسه في حاجة و في نفس الوقت يكون عنده مصدر ثابت، و من ساعتها حنان مش طايقة حد فينا"
حركت رأسها بتفهمٍ فاشار برأسه نحو الطعام و هو يقول:
"كلي يلا يا عمتو متقلقيش، يلا علشان متتأخريش و لسه ورانا مشوار تاني"
__________________________
دلف «ياسين» غرفته مع «يوسف» الذي جلس على طرف الفراش و في يده السيجار ينفث هوائها خارج أنفه، بينما «ياسين» كان يتحرك في الغرفة و هو يجول بها ذهابًا و إيابًا، و الغضب بلغ أشده في داخله، حتى ضرب خزانة الملابس بقدمه من شدة غيظه، ففزع الأخر حتى تحدث بضجرٍ:
"ما تهمد بقى يا عم أنتَ !! اقعد خايلت أمي معاك، مش عارف أشرب السيجارة، اتـــهــد"
جلس «ياسين» بجانبه و هو يقول مُسرعًا بانفعالٍ:
"أنتَ مش شايف إن من حقي اتضايق و ازعل يا يوسف؟! مش شايف إن من حقي النوم يطير من عيني و أنا مرمي هنا و الرجالة برة محاوطني بالسلاح وسط الصحرا و الجبل ؟! دا مش وضع يخوف ؟!"
زفر «يوسف» بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
"لا دا مش وضع يخاف، دا وضع يشرف، و يرق كلب كمان، بس اهدا علشان عرف نفكر و نتصرف صح، طريقتك دي هتوترنا و مش هنعرف تتصرف"
سأله «ياسين» باهتمامٍ واضحٍ:
"طب قولي اتصرف ازاي ؟! أنا بشيل مصيبة مش بتاعتي و مش فاهمها، و في نفس الوقت أنا مليش دخل بكل دا، و في نفس الوقت فيه عُمال في رقبتي و أنا المسئول عنهم، ذنبي إيه أنا علشان حياتي تتهدد في لحظة كدا؟؟"
رد عليه ببرود:
"ذنبك إنك جيت هنا من الأساس، لو فاكر أول ما وصلت الجبل هنا أنا قولتلك عملت إيه علشان يرموك هنا؟! كنت متأكد إن فيه كارثة تخليهم يحدفوك على هنا، بس متخيلتش إنهم يخلوك الضحية"
رد عليه بضجرٍ و نبرةٍ عالية:
"ضحية إيه ؟؟ أنا راجل مهندس معماري جاي هنا علشان أشرف على مشروع غرف صناعية، مالي أنا و مال العرب و البدو و السلاح دا؟! هو دا جزائي؟!"
زفر «يوسف» بقلة حيلة ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
"هحكيلك أنا إيه الحوار و أصله علشان تفهم، و أنتَ بقى فكر هببت إيه يخليك تيجي هنا الجبل و تشوف كل دا؟!"
زفر «ياسين» على مضضٍ مُجبرًا على ذلك، حتى بدأ الأخر قوله:
"العرب اللي شوفتهم و اللي واقفين برة دول، اصلهم من قبائل البدو، نصهم متهجر من ارضه و نصهم التاني جاي هنا علشان لقمة العيش، الراجل اللي رفع في وشك السلاح دا اسمه "صالح الحويني" الراجل دا جمع الرجالة دي و عمل بيهم شغل مقاولات كأنه مقاول بنا، بس طول ما هما هنا مفيش حد يقدر يدخل شغلهم و أرضهم، المهم إن لما رؤساء مشروعك وصلوا هنا، قابلهم صالح دا و اتفق معاهم يجيب لهم العمال اللي هما عاوزينهم و قالهم إن الفترة اللي هما يطلبوها هو و رجالته يخلصوها في نص الوقت"
سأله «ياسين» باهتمامٍ واضحٍ في قوة نبرته و كلماته:
"طب و هما فعلًا يقدروا على كدا ؟! يعني شغل البنا مش سهل و محدش يقدر يحدده في البداية، دا حوار كبير"
رد عليه مقررًا بنبرةٍ ثابتة:
"إلا دول يا ياسين، دول عندهم ارادة و عزيمة غريبة، طبيعتهم كدا أصلًا، العرب و البدو رجالة اتربت على ظروف صعبة، فطبيعي إن شغلهم يكون واخد على الصعوبة، و المشكلة كلها بدأت بسبب كلامهم و عاداتهم"
استطاع بكلماته جذب انتباه الأخر حيث أنصت له بكامل حواسه، فأضاف هو مُفسرًا:
"ساعتها صالح دا جمع عماله و آلاته و أدواته و أي حد من رجالته كان عنده شغل خلاه يسيبه علشان شغلهم في المشروع دا، و فعلًا محدش فيهم كدب خبر، و جمع جيش رجالة يسدوا عين الشمس، و من هنا بدأت المشكلة"
سأله «ياسين» باهتمامٍ أكثر:
"إيه هي بقى ؟! و ظهرت ليه؟!"
جاوبه بثباتٍ:
"المشكلة إن رئيس المشروع اللي هو اسمه "توربوشر" في شغلنا هنا، مردش عليهم سمع عرضهم و سكت و خلاص، هما اعتبروا السكوت دا موافقة، عرفهم و عاداتهم كدا، و الرجالة جهزت و حضرت نفسها و سابوا مصالحهم، المهم يا سيدي، الرجالة وصلوا هنا علشان يبدأوا الشغل، اتفاجئوا بالعمال اللي هنا شغالين و معاهم الادوات كمان، قامت بينهم مشكلة كبيرة و كان أخرها أن رئيس المشروع خلع و المهندس كمان و جه مكانهم رأفت"
سأله «ياسين» مُسرعًا بلهفةٍ:
"أيوا و رأفت دا بقى هبب إيه ؟! أكيد عك الدنيا و بوظها معاهم"
رد عليه ببساطةٍ:
"رأفت جبان أوي يا ياسين، خاف منهم لدرجة أنه كان هيسلمهم رقبة العمال اللي معاه، و أخر ما زهق مشي و ساب الدنيا تضرب تقلب، حتى العمال اللي تبعك هنا محدش مأمن عليهم، لأن زي ما أنتَ شايف كدا المكان هنا جبل و صحرا، و شمال سينا بعيد عن هنا، يعني محدش فيهم يقدر يروح هناك علشان حتى يتكلم في التليفون"
زفر هو بقوةٍ ثم سأله بنبرةٍ مشوشة و تائهة:
"طب و بعدين ؟! اخرتها إيه يا يوسف ؟! هفضل هنا و الناس دي في رقبتي؟!"
رد عليه ببساطةٍ و لا مبالاةٍ:
"رَوح يا ياسين، رَوح بلدك تاني و ارجع لناسك و أهلك، دول عرب مبيهزروش، مش خناقة مع عيال في حارة، دول مش مبيهزروش"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
"كدا اسمه هروب يا يوسف، لما أسيب الدنيا تضرب تقلب و اخلع ايدي من حاجة أنا مسئول عنها، كدا ابقى جبان و مش راجل، شوف حل تاني غير دا، و بعدين أنتَ دافعت عني ليه؟!"
سأله بنبرةٍ أهدأ من قبلها حتى رد عليه الأخر مُفسرًا:
"دافعت عنك علشان دا حقك، بعدين شكلك قلبك جامد و مبتتهزش، بدليل إنك فضلت واقف في وش السلاح من غير حتى ما تتهز، أنا مش قليل الأصل و بعدين شكل حبايبك كتير"
ابتسم له «ياسين» بتأثرٍ و هو يقول:
"حبايبي و الغاليين عندي كتير يا يوسف، علشان كدا أنا طول عمري في حالي و شاري دماغي من التعب، عمري ما كنت اتخيل إن ممكن اشوف كل دا، بس برضه متعودتش أني اهرب من حاجة حتى لو مش ذنبي، غصب عني بحس بالمسئولية، صدقني الهروب مش حل"
حرك «يوسف» رأسه موافقًا على مضضٍ، فباغته «ياسين» بفعله حينما احضتنه بامتنانٍ و هو يربت على ظهره، تفاجأ «يوسف» بفعلته تلك فقبل «ياسين» رأسه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"دا الشان حياتي اللي أنتَ أنقذتها و حقّتها يا يوسف، متعرفش أنتَ تُبْنيه، ربنا يكرمك يا يوسف"
ابتلع غصة مريرة في حلقه ثم تحدث بنبرةٍ مهتزة:
"ياسين ممكن أقولك حاجة، بس دماغك متروحش لبعيد، ينفع ؟!"
حرك رأسه موافقًا فسحب نفسًا عميقًا داخل رئتيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا أول مرة حد يحضني أو يبوس راسي كدا، هو فيه ناس بتحضن ناس تانية عادي كدا؟! و من غير طلب؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يتابعه بعينيه، حتى زفر «يوسف» ثم رفع كفه يمسح وجهه بعنفٍ، فسأله «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
"هو أنتَ إيه حكايتك؟! و ليه مش عاوز تكلم أهلك يا يوسف ؟! احكيلي يمكن ترتاح"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول بنبرةٍ ثابتة بزيفٍ:
"هقولك إيه ؟! كل الحكاية إن أبويا و أمي ماتوا في حادثة و أنا صغير و معاهم أختي، و روحت أنا أعيش مع عمي و عمتي و جدتي، بس برضه غريب وسطهم، مهما كان مش هيكونوا زي أهلك نفسهم، كبرت وسطهم في جفا و قسوة، لحد ما كبرت و جيت هنا و للحق بقيت أهرب من الدنيا هنا علشان مش لاقي مكان ليا وسطهم"
شعر «ياسين» بالحزن لأجله خاصةً و هو يتحدث بتلك الطريقة الموجعة، فتحدث «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
"تعالى معايا يا يوسف، تعالى معايا و أنا هخليك تشتغل و تفرح و تاكل الشهد كمان"
تبدل حاله خلال ثوانٍ و هو يقول بتقززٍ:
"بلاش الاسم دا لو سمحت، مجروح منه و مش قادر انسى"
حرك رأسه باستفسارٍ و هو يسأله:
"شهد جرحتك ؟! جرحتك ازاي يعني؟!"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
"سابتني و باعتني مع أول مشكلة بيننا، كنت في تالتة جامعة و هي في تانية، بس سابتني"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"ليه ؟! عملت ليها إيه ؟!"
رد عليه بايجازٍ:
"كانت قماسة وسبتني الشان خانتها وكلمات عليها بنتن"
اتسعتا حدقتي «ياسين» بذهولٍ، فأضاف «يوسف» بسخريةٍ:
"سبتني علشان بنتين اللي بحب حد بيبلة الزلط"
تحدث «ياسين» بسخريةٍ:
"يبلا الله الزلط، مهش النشوان اللي بكلمه يا غالي"
حرك «يوسف» رأسه ينظر له نظراتٍ ثاقبة حتى ضحكا كليهما بقوةٍ ضحكاتٍ أقرب للهيسترية من كثرة ما عايشوه من ضغطٍ.
__________________________
وصلت «مشيرة» مع «وليد» لبيت الشباب حتى تنهي عملها، بينما «وليد» دلف شقته أولًا حتى يقابل زوجته، دلف و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
"يـا ســـوبــيـا....ســوبـيـا"
خرجت له من الداخل بعدما عقدت ما بين حاجبيها من طريقته، فتحدثت هي بسخريةٍ:
"إيه يا فضيحة أنتَ؟! خير يا سيدي نعم؟!"
أبتسم هو بهدوء ثم اقترب منها يقول بنبرةٍ هادئة:
"وحشتيني، و أنا سايبك طول اليوم لوحدك"
رفعت حاجبيها بذهولٍ، فتنهد هو بعمقٍ ثم اقترب منها و رفع كفه خلف ظهرها يُقربها منه برفقٍ حتى التصقا ببعضهما و هي تطالعه بدهشةٍ، فاقترب هو يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
"الحلو في الدنيا زاد بوجودك في بيتي يا عبلة"
ابتسمت هي باتساعٍ له فرفع هو ذراعه و هو يقول بنبرةٍ هادئة رغم البسمة الهادئة التي تزين وجهه:
"هناك صناديق منها تحبها، كلها بها نصائح، أما أنت فلها، كلها فوق السطح إلى جانب النصائح فوقها وبجانبها"
سألته هي بحماسٍ عن أخر حديثه متجاهلةً الشق الأول:
"عمتو ؟؟ هي عمتو فوق يا وليد؟! طب يلا نطلعها"
قربها منه أكثر و هو يقول هامسًا:
"ركزي معايا بدل ما أطلع أطردلك مشيرة من فوق، بقولك جايب الأكل علشانك، يعني محتاجك تشجعيني"
حاولت جاهدةً كتم ضحكتها و هي تطالعه بلامح وجه ساخرة، فتحدث هو بنبرةٍ هادئة:
"يعني خلي عندك دم، احضنيني، طبطبي عليا و قوليلي إنك بتحبيني، هاتي بوسة؟! أي تشجيع كدا علشان اقدر أكمل"
قبلت احدى وجنتيه بحماسٍ ثم قالت و هي تتملص من بين ذراعيه:
"بوسة حلوة أهيه لـ ليدو و يلا علشان كلهم فوق مستنيينيا، و أكيد كلهم هيفكروا اننا مش عاوزين نطلع"
تحدث هو بتهكمٍ:
"طب ما احنا فعلًا مش عاوزين نطلع، تحبي اتصل اقولهم كدا؟!"
ركضت هي من أمامه و هي تصرخ باسمه حتى يتوقف، بينما هو ابتسم بشرٍ و هو يقول بنبرةٍ خافتة:
"شكلي كدا هطلع اكسر السطح على دماغهم كلهم، بس مشكلتي أني متربي"
في الأعلى احتضنت «مشيرة» «هدير» بين ذراعيها و الأخرى تتشبث بها و هي تبكي حتى تحدثت «مشيرة» تُطمئنها و تؤازرها بقولها:
"خلاص يا هدير، خلاص يا حبيبتي بطلي عياط بقى، أنا معاكي أهوه و محدش يقدر يزعلك، حتى لو حسن نفسه"
رد عليها هو مُسرعًا:
"طبعًا يا عمتو، أنا و الله مقدرش على زعلها، بس مش عارف هي عمالة تعيط ليه؟!"
ردت «هدير» بنبرةٍ باكية:
"علشان كنت حاسة أني لوحدي يا حسن، و أنا بحب عمتو زي ماما، كنت حاسة أني محتاجاها أوي"
ربتت على ظهرها و هي تبتسم بحبٍ ثم قالت:
"و عمتو معاكي اهوه يا حبيبتي، دا أنتِ بنتي يا هدير، و اللي يزعلك أكله بسناني، اوعي تزعلي نفسك يا حبيبتي"
حركت رأسها موافقةً بعدما رفعت رأسها فاقتربت منها «مشيرة» تقبل رأسها ثم ربتت على ذراعها و هي تقول:
"بطلي عياط بقى عينك ورمت، و بعدين معاكي حسن أهو و الواد بيحبك و شاريكي و طول بعرض و عنده بيت في الساحل"
رد عليها «طارق» بسخريةٍ:
"جرى إيه يا حماتي؟! أنتِ هتدللي عليه و لا إيه؟"
رمقته بغيظٍ و هي تقول:
"بلاش كلمة حماتي دي، و بعدين بفكرها يا خويا أحسن دماغها تلعب بيها ولا حاجة، و كتر بقى علشان أخد بنتي و أنا ماشية"
ضحكت «جميلة» بخفةٍ فأمسك «طارق» كفها و هو يقول معاندًا لها:
"كانت بنتك أنتِ لحد ما دخلت بيتي، حاليًا بقت مراتي و بنتي أنا، يعني ملكيش بنات عندنا"
ضحكوا عليه جميعًا، فصعد «وليد» و «عبلة» معه ثم القيا التحية على الجميع، و حلسا بجانب بعضهما، فسأله «وئام» بنبرةٍ هادئة:
"ها عملتوا إيه؟! روحتوا مشواركم سوا ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث مُردفًا:
"آه روحنا و كويس بصراحة اننا عملنا كدا، كان لازم تقف عند حدها، و تبعد عن سكة حسن و هدير"
كانوا جميعًا على علمٍ مسبقٍ بما يقوم به «وليد»، بينما هو اقترب من «حسن» يسأله بهدوء:
"حسن ؟! هو أنتَ ليه وافقت تمضي على كل حاجة لهدير؟!"
رد عليه بثباتٍ:
"علشان دا حقها يا وليد، حق هدير و حق شرفها اللي أختي غلطت فيه، حق نزولها بليل في الشوارع و هي معيطة من غير فلوس، صحيح الفلوس مش حاجة، بس دا جزء بسيط من كرامتها اللي اتجرحت بسببي"
سأله بنبرةٍ أكثر ثباتًا:
"طب و ليه اخترتنا إحنا مش اختك؟! ليه اخترت ناس مش منك على حساب دمك، مش ممكن نخاف منك كدا؟!"
وقف «حسن» مقابلًا له و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"لأ طبعًا، أنا اخترتكم أنتم علشان أنا عندي أصل يا وليد، لو هختار يبقى اختار الناس اللي ضحت علشاني،هختار العيلة اللي اعتبرتني ابنهم، هختار اللي آمنوا ليا و سلموني بنتهم، اخترت اللي كانوا معايا في مشكلتي قبل حتى ما أختي اللي من دمي تكون معايا، أخترت اللي لحقوني من الموت مرتين يا وليد، اخترت الناس اللي كنت معاهم في رمضان و العيد و اللي بقيت معاهم انسان، اخترت الناس اللي معاهم لقيت البنت اللي بحبها، اخترت الونس اللي لقيته في الدنيا بسببكم، مكانش ينفع المقارنة دي من الأساس، حتى لو حنان اختي، بس هي أخت بالاسم بس"
كانت الأعين جيمعها تطالعه بمشاعر مختلطة بين الفخر و الحزن و التأثر بحديثه، حينها أخرج «وليد» العقود ثم قام بتمزيقها أمامهم جيمعًا، حينها اتسعت الأعين بدهشةٍ تستنكر فعلته، فتحدث هو بهدوء:
"أنا مضيتك على العقود علشان كنت عاوزهم لغرض تاني، لكن مش أنا اللي اقهر راجل على ملكه و فلوسه، حتى لو روحه في مراته، بس برضه أنا مرضاش ليك إن هدير تكون صاحبة الأملاك و أنتَ لأ، عاوز تهادي مراتك يبقى دا بينك و بينها و أنتم احرار مع بعض، و على فكرة هدير عارفة أني هقطعهم بعد ما أخد حقها، و شرطها كان إن الحاجة ترجعلك تاني يا حسن"
اقترب منه يسأله منفعلًا:
"بس أنا مش عاوزهم أصلًا، الفلوس دي هي اللي بتخلي الناس تاكل في بعض يا وليد، مش دي الفلوس اللي خلت حنان تدوس على كرامة مراتي؟! و مش دي الفلوس اللي كانت هتضيع مني هدير؟! رجع الفلوس لهدير علشان لو مُتت ابقى ضامن حقها"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"بعيد الشر عنك يا حسن، أنا مش عاوزة فلوس أنا عاوزاك أنتَ و بس، أنتَ عندي أهم من كل دا، الفلوس دي فلوسك أنتَ و حقك أنتَ"
حرك رأسه ينظر لها فتدخلت «مشيرة» تقول بثباتٍ:
"اسمع كلام مراتك يا حسن، دي فلوسك و حقك يابني، لو خايف أوي كدا، ربنا يطول في عمرك يعني، هات حتة عيل صغير"
تحدث «وليد» بسخريةٍ:
"شوفت دماغ شجرة الدر دي؟! عاوزاك تجيب عيل علشان لو حصل و خلعت، أختك متورثش، مش سهلة عمتي دي"
ضحكوا جميعًا عليه و على حديثه، فربت هو على كتف «حسن» ثم قال بهدوء:
"ربنا ما يكتب عليك القهرة يا حسن، و الفلوس بالذات لو دخلت بين راجل و مراته بتخرب الدنيا، و الحكاية مش ناقصة كفاية أختك علينا"
طالعه «حسن» بتأثرٍ و هو يقول:
"ربنا يخليك ليا وليد، و تفضل في ضهري زي ما أنتَ كدا"
وقف «وئام» بجوارهما و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"أكتر اتنين مشيلني الهم في الدنيا دي، ربنا يحفظكم ليا و يبعد عنكم التعب و الزعل و افرح بعيالكم يا رب"
وقف «طارق» بجوارهم هو الأخر و هو يقول مُقلدًا الأخر:
"اكتر تلاتة في حياتي مشيلني الهم، ربنا يخلصني من اشكالكم العِرة دي علشان ارتاح"
ضحكت عليه الفتيات، بينما الشباب نظروا لبعضهم و على حين غرة حملوا «طارق» و هو يقهقه على أيديهم حتى القوه على الأريكة الموضوعة و هم يضحكون عليه و «وليد» و «حسن» يقومان بدغدغته في جسده و هو يتوسلهم بالتوقف
بعد قليل من تلك الجلسة نزلت «مشيرة» مع «وليد» حتى يعيدها لبيت الرشيد من جديد و قبل أن تخرج من السيارة أوقفها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"عمتو....."
توقف عن الحديث حينما التفتت له، فزفر هو بعمقٍ ثم قال:
"شكرًا، شكرًا إنك جيتي معايا و إنك دافعتي عني"
رمشت هي ببلاهةٍ فتحدث هو مضيفًا على قوله:
"أنا بحبك يا مشيرة مش بكرهك، و مسامحك من كل قلبي، كفاية أني أشوفك بتحاولي علشاننا"
حركت رأسها موافقةً ثم رفعت كفها تمسح دموعها، ففاجئها هو حينما اقترب منها يقبل وجنتها ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يخليكي لينا و تفضلي كدا تدافعي عننا، و أأكلك أنا كبدة"
ابتسمت هي باتساعٍ ثم فتحت ذارعيها له و هي تبتسم حتى اقترب منها و هو يبتسم بخفةٍ فاحتضنته و هي تربت على ظهره ثم قالت بهدوء:
"ربنا يخليك أنتَ ليا يا وليد، و يفرحني بعوضك و تجيب عيال شقية زيك كدا"
أبتسم هو بين ذراعيها حتى قبلت رأسه ثم قالت بهدوء:
"ربنا يحفظكم يابني، و يبعد عنكم غدر الدنيا و شرها"
ردد هو خلفها بصوتٍ عالٍ:
"يا رب، يا رب اسمع منها، علشان أنا تعبت من قلة الأدب، عاوز اعيش محترم يا ناس"
وكزته في كتفه و هي تقول:
"اتوكس يا أهبل، دا أنتَ ما صدقت تخرج طاقة الشر اللي عندك، بلا دوشة"
_________________________
انسحبت من امامهما بعدما تناولت وجبة العشاء و قامت بغسل الصحون و جليها، و مع انشغال كليهما في عمله قررت هي الهروب من ذلك الفراغ ثم توجهت نحو غرفته كعادتها، جلست على الفراش و هي تنفس بعمقٍ ثم أخرجت صورتهما سويًا تطالعه بشوقٍ و هي تقول:
"مش عارفة ازاي اقولهم أني قلقانة عليك، بس أنا قلبي مقبوض و الله و دي مش طبيعتي، يا رب تكون كويس و مفيش حاجة تعباك و لا مزعلاك، يا رب قلبي المرة دي يكون بيكدب عليا و أنتَ تكون بخير و ترجعلي تاني"
فرت دمعة من بين اهدابها فقالت بصوتٍ مختنقٍ متحشرجٍ:
"مكانش ينفع محبكش يا ياسين، مكانش ينفع أنتَ تكون عادي في حياتي، أنا بقيت بحب حياتي علشان أنتَ بقيت فيها، مجرد فكرة أني كنت هرفضك و أضيع من ايدي فرصة وجودك بحس أني عاوزة اضرب نفسي، لقيت فيك كل حاجة تخليني حتى انسى الزعل"
طرق باب غرفتها فتحدثت هي تسمح للطارق بالدخول، حتى دلف «رياض» و هو يبتسم لها، فتحدثت هي بصوتٍ مختنقٍ:
"اتفضل يا عمو، تعالى أنا منمتش"
اقترب منها يجلس مقابلًا لها و البسمة الهادئة تزين ثغره حتى سألها بنبرةٍ هادئة:
"دخلتي تقعدي لوحدك ليه ؟! ما كنتي قعدتي معانا شوية"
ردت عليه هي بتوترٍ:
"لأ أبدًا بس قولت علشان لو نمت فجأة، بس مش قصدي حاجة خالص"
أشار نحو الهاتف الذي تقبض عليه بين كفيها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"يعني مش علشان تدخلي تفتحي صوره و تتكلمي معاه براحتك ؟! و مش علشان تهربي مننا لأوضته هنا ؟!"
اخفضت رأسها بخجلٍ فرفع هو وجهها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"مكسوفة ليه يا خديجة ؟! مش دي الحقيقة ؟! إنك بتهربي مننا علشان تقعدي في أوضته و تكوني مع كل حاجة تحسس بوجوده ؟!"
حركت رأسها و هي تبكي، فسألها هو بهدوء:
"بتعيطي ليه طيب ؟! حد زعلك؟"
ردت عليه بنبرةٍ باكيةٍ:
"علشان وحشني أوي يا عمو، و علشان قلبي مقبوض و حاسة أني خايفة عليه، و علشان هو قبل كدا قالي إنه طول ما هو لوحده بيكون زعلان و مخنوق، مش عاوزة يكون فيه حاجة تزعلني"
رد عليها هو يُطمأنها بالحديث:
"متقلقيش يا حبيبتي، هو كويس مش عيل صغير، بلاش تخلي الشيطان يلعب بدماغك كدا، و بعدين أنتِ بتحبيه أوي كدا؟! دا محظوظ ابو طويلة على كدا"
ابتسمت هي من بين دموعها فسألها هو مُقررًا:
"تعرفي أني طول عمري نفسي اشوف اللي ياسين هيحبها، و كان نفسي تكون هي كمان بتحبه، ياسين دا كل حاجة ليا في الدنيا، بحبه و بحب اللي يحبه، و بحبك علشان هو كمان حبك، و أكيد أنتِ بتحبيه، صح؟"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ و هي تقول مُسرعةٍ:
"بحبه أوي يا عمو، أصلًا بحب ماكنتش أعرف يعني إيه حب، ماكنتش اعرف يعني إيه حد يجي يصلح كل حاجة مكسورة فيك حتى لو هو ملوش ذنب فيها، ياسين جه حياتي يصلح كل حاجة وجعتني حتى من غير ما يعرف سبب المشكلة، جه سبق الكل حتى نفسي، شوفت معاه حنية و طيبة و أمان، علطول يقولي أنا العبد الفقير اللي لقى رزقه و غناه فيكي، بس الحقيقة إن أنا اللي لقيت رزقي فيه، لقيت حياتي كلها معاه، لقيت خديجة كانت ضايعة مني و كان مستحيل الاقيها، بس هو جه و كل حاجة حلوة ظهرت معاه، طب أقول لحضرتك على حاجة، حتى لو ماكنش عمل علشاني أي حاجة، كنت برضه هحبه، علشان هو جميل و قلبه جميل أوي"
رفع «رياض» كفه يحاوط صفحة وجهها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنتِ و هو رزق لبعض يا خديجة، و حياتكم اتخلقت علشان كل واحد فيكم يكون مع التاني، ربك عادل أوي، ياسين عاش حياته بيدور على بنت الكل شك أنها موجودة في دماغه هو وبس، و أنتِ عيشتي حياة من قبله ممكن تكون صعبة، و لما ربنا جمعكم سوا كل واحد فيكم حس إنه لقى اللي ناقصه، أي علاقة جواز لو مش هتكون كدا، يبقى بلاش منها أحسن، و أنا كأب شايف إن ولادي الاتنين نجحوا سوا"
ابتسمت له بتأثرٍ فاقترب منها يقبل رأسها ثم اعتدل واقفًا و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"هسيبك بقى علشان تحبي في صورته براحتك، بس حوشي شوية علشان لما يرجع دا واد غلبان"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم بخجلٍ و تتابع خروجه من الغرفة ثم تنهدت براحةٍ كبرى و فتحت الهاتف على صورته و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"أقولك على حاجة ؟؟ عمري ما فهمت يعني إيه حد يوحشني، حتى دي عرفتها معاك أنتَ"
نزلت بجسدها على الفراش و بصرها لازال معلقًا بالهاتف و هي تشعر بالفراغ يزداد حولها دون وجوده، خاصةً أنها كانت تنام بين ذراعيه مطمئنة هادئة البال.
و في الجهة الأخرى كان «ياسين» متسطحًا على الفراش و صورتها عليه حتى قام بتكبير الصورة و رأى بسمتها الهادئة التي زينت ثغرها و عينيها معًا و كأن عينيها تضحك له هي الاخرى، أمعن النظر في الصورة ثم ازدرد لُعابه بقلقٍ و هو يفكر في حاله و في الرجال المسلحون الذين يقفون بالخارج حتى إذا قام بمخالفة اتفاقهم، قلب الصور في هاتفه حتى وقع بصره على صورته وسط اخوته حينما قام «عامر» بامساك الهاتف و هو يلتقط لهم الصورة، تنهد بعمقٍ و هو يقول:
"فينك يا صايع أنتَ و هو، يمين بالله لو انتوا معايا الحوار دا كان خلص في خمس دقايق، كان عامر رمى افيه من بتوعه موتهم من الضحك، او عصبهم و خلاهم موتونا"
ضحك بسخريةٍ بعد حديثه ثم أغلق الهاتف و اعتدل في جلسته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"لا إله إلا أنتَ سبحانك إن كنتُ من الظالمين"
تذكر ذلك الذِكر الذي كانت والدته تخبره به في صغره و تذكر حديثها ذات مرةٍ:
"أي مشكلة تقع فيها افتكر إن ربنا سبحانه وتعالى معاك يا حبيبي، و افتكر إنك في حفظه، ممكن تحصلك مشكلة و أنتَ لوحدك و محدش فينا يكون معاك، بس خليك فاكر إن سيدنا يونس كان في بطن الحوت، بس ميأسش من رحمة ربنا عليه، و قال ذِكر عظيم، كل ما تحس إن دنيتك قفلت عليك قوله، أول ما تحس إن فيه مشكلة بتقرب منك و شر بيحوم عليك، قوله و ردده من كل قلبك بيقين إن ربنا قادر على كل شيءٍ و إنه قادر ينهي مشكلتك لان كل حاجة بأيده هو، متأسش من رحمة ربنا عليك، و بلاش تجحد فضل ربنا عليك"
لمعت العبرات في عينيه فرفع كفه يمسح وجهه ثم أخرج المصحف من الدرج المجاور للفراش و بدأ في القراءة حتى يطمئن قلبه.
_________________________
في صبيحة اليوم التالي و خاصةً أمام إحدى الجامعات الحكومية الكبيرة توقفت سيارة «أحمد الرشيد» فزفر بقوةٍ و هو يطالع تلك التي تجلس بجواره تبتسم بانتصارٍ بعدما أتت معه إلى هنا، رمقها بغيظٍ و هو يقول بضجرٍ منها:
"أنا مش عارف أنتِ سحرالي و لا إيه ؟! وافقت ازاي انك تيجي معايا مش عارف، أنتِ إيه حكايتك يا بت ؟!"
ابتسمت له بخبثٍ و هي تقول:
"أنا معملتش أي حاجة، هما دعوتين من اللي قلبك بيحبهم و أنتَ وافقت، و بعدين جاية اتفسح معاك، متبقاش أناني"
رد عليها هو بضجرٍ:
"تتفسحي في الجامعة يا خلود؟! أنتِ هطلة يا بت؟! فوقي و بطلي هيافة، حاسس أني مخلفك و ناسيكي"
ردت عليه هي بمرحٍ:
"طب ما أنتَ أبويا يا أحمد، عيب عليك يا جدع ، دا أنتَ نور عيني"
أبتسم بيأسٍ منها ثم زفر بقوةٍ و هو يفتح باب السيارة حتى ينزل منها و هي معه، فتحدث هو بنبرةٍ جامدة:
"هاتي بطاقتك علشان تدخلي"
أخرجتها له بثقة و هي تبتسم باتساعٍ فطالع هو البطاقة بدهشةٍ و هو يقول متعجبًا من حالها:
"هو أنتِ راشياهم في السجل المدني ؟! صورة بطاقتك حلوة كدا ليه؟! و بتضحكي و وشك منور أوي"
غمزت له بثقةٍ و هي تقول:
"دي حلاوة أني خدت معايا وليد، دخل للراجل و ظبطه و الراجل ظبط الصورة"
عقد ما بين حاجبيه و هو يسألها بسخريةٍ:
"ظبطك إزاي يعني ؟! حطلك فلتر على الصورة ياختي؟!"
غمزت له و هي تقول:
"شرب سجاير و شاي"
حرك رأسه بيأسٍ منهما ثم أقترب من فرد الأمن يعطيها البطاقتين، فسألته الفتاة بهدوء:
"طب حضرتك متخرج جاي هنا تعمل إيه ؟!"
رد عليها مسرعًا بصوتٍ هاديء:
"جاي استلم شهادة التخرج الأساسية، أنا اللي معايا المؤقتة، ممكن حضرتك تسألي كمان جوة"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول:
"لأ خالص مفيش داعي لكدا، هو فعلًا فيه طلاب كتير دخلوا علشان شهادة التخرج، بس الآنسة جاية ليه؟؛"
اقتربت منها «خلود» تقول بنبرةٍ مرحة:
"اصلي ثانوية عامة و محتارة في كلية، قولت اجي كدا و اللي قلبي يختارها ادخلها، معلش أصل دماغي تعبانة"
حدجها «أحمد» بشررٍ يقدح من عينيه فابتسمت لها الفتاة ثم أشارت لهما بالدخول، دلفا كليهما و بعد ابتعادهما عن البوابة، تحدث هو بنبرةٍ جامدة:
"أعمل فيكي إيه يا جاموسة ؟! أولع فيكي؟! داخلة تنقي فستان فرح يا عين أمك؟!"
ردت عليه بغضبٍ:
"الله ؟! خوفت متخلنيش ادخل، قولت استعطفها، تقدر تقولي كنت هدخل إزاي؟!"
زفر بقوةٍ ثم وقف و هو يقول:
"خليكي واقفة هنا، طارق مكلم صاحبه جوة علشان يسلمني الشهادة علطول، مش هتأخر عليكي"
قبل أن يتحرك هو أوقفته حينما أمسكت ذراعه و هي تقول:
"استنى بس يا عم، فين كافتيريا الجامعة علشان استناك فيها و أضمن انك تفطرني؟!"
زفر هو بقلة حيلة ثم أشار لها بيده و هو يقول:
"يمين في يمين اخره شمال، هناك الكافتيريا، اترزعي فيها و أنا مش هتأخر، هتلاقيها عند علوم و أداب كدا"
حركت رأسها موافقةً ثم سألته بحماسٍ:
"فيها شاورما ؟! دي أهم حاجة"
ضغط على جفنيه و عض على شفته السفلى بغيظ منها، فتحدثت هي بخوفٍ من هيئته:
"خلاص بلاش شاروما، خليها بطاطس سوري و أمري لله"
أسرعت الخطى من أمامه بخوفٍ بينما هو رغمًا عنه ضحك بقوةٍ و يأسٍ من حركاتها الغربية التي تبعد كل البعد عن النضج و العقل.
جلسا في الكافتيريا سويًا فتحدث «عبدالرحمن» بضجرٍ:
"أنا مش فاهم لازمته إيه أكل الجامعة، حبكت يعني ناكل هنا؟!"
حرك «عمار» رأسه موافقًا ثم قال بهدوء:
"جعان يا بودي، و عاوز أكل، و بعدين دي يدوبك شاورما، يعني لحد ما نروح هنكون جوعنا"
تحدث «عبدالرحمن» يسأله بتعجبٍ:
" و هو سبحان الله الشاورما احلوت مرة واحدة؟! عجايب"
رفع «عمار» حاجبه، فتفاجأ بفتاةٍ تسحب المقعد حتى تجلس بجاورهما و هي تقول بحماسٍ:
"أنا مش هسيبكم غير لما حد فيكم يشرحلي السؤال بتاع السيكشن اللي انتو حلتوه صح، حد فيكم يشرحوا ليا"
طالعا بعضهما البعض بتعجبٍ، فتحدثت تلك الفتاة مسرعةً:
"أنا عاوزة حد منكم بس يقف معايا أنا و صحابي علشان كل السكاشن واقعة مننا، و الدكتور معقد و هيعقدنا معاه، ممكن؟!"
تحدث «عبدالرحمن» مسرعًا:
"طبعًا ينفع، احنا كدا كدا بعتناه للدفعة كلها، بس مش مشكلة نشرحه تاني"
ردت عليه بحماسٍ:
"طب الحمد لله، يا بنات تعالوا"
رفعت صوتها لثلاثة فتياتٍ يقفن على بعدٍ منها حتى اقتربن مع بعضهن نحو الطاولة، كل ذلك كان «عمار» يتابعه بضجرٍ، حتى جلست الفتيات و تحدثت احداهن برقةٍ مصطنعة:
"سوري يا شباب، بس فعلًا الاسئلة بتاعة الدكتور دا صعبة جدًا، و انتم بس اللي بتحلوها، سوري لو بنتقل عليكم"
تحدث «عبدالرحمن» بنبرةٍ هادئة:
"مفيش مشاكل احنا كلنا زمايل و بنساعد بعض، عمار دلوقتي هيشرح لينا كلنا، هو بيوصل المعلومة أسهل و احسن"
اتسعتا حدقتي «عمار» بقوةٍ فسألته فتاةٍ أخرى بمرحٍ:
"إيه يا عمار ؟! مكسوف و لا إيه ؟؟ احنا زي أخواتك يعني، اشرح يا عم"
زفر هو بقوةٍ ثم أخرج من حقيبة ظهره الدفتر الخاص بمحاضراته ثم شرع في شرح المسائل الخاصة بالمحاضرة.
جلست «خلود» على اقرب مقعد قابلها و هي تزفر بضيقٍ من الشمس التي زاد لهيبها، ثم أخرجت هاتفها تتفحصه حتى يأتِ أخيها، و سرعان ما وصل على مسامعها ضحكةٍ عالية من فتياتٍ فعقدت ما بين حاجبيها بتعجبٍ و هي تفكر كيف أن تكون مثل هذه الأصوات في الجامعة و هذه الأفعال لا تتناسب مع المكان، فحركت رأسها للخلف نحو مصدر الصوت، حتى وقع بصرها على أربعة فتياتٍ يضحكن بقوةٍ و معهما شابين، و لكن مهلًا، هل هما مجرد شابين عاديين، أم أنهما هما حقًا ؟! اتسعتا حدقتيها بقوةٍ حتى تستبين هويتهما و تتمنى أن تكذب بصرها، لكنها تأكدت من هويتهما حقًا حتى وجدت احدى الفتيات تزداد في الضحكات بشكلٍ غريبٍ و أمسكت بيد «عمار» و هي تضحك، حينها شعرت «خلود» بالضيق و الحزن و هي تشعر بغيرةٍ غريبة نحو شخصٍ لم يحق لها أن تغار عليه، فهل من الممكن أن يشعر الشخص بمشاعر نحو شيئًا لم يكن له؟! و هل حقًا هي تريده أن يكون لها ؟! أم أنها توهمت بذلك و عقلها المريض هو الذي صور لها ذلك؟!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والستون 64 - بقلم شمس بكري
"بكى القلب خشيةً من حُب لا يدوم، فيبات القلم مقهورًا و من الحزن ملكوم"
_________________________
"هل من الممكن أن يطير الطير بجناحٍ مكسور؟ هل يمكن لكفٍ وحيد أن يصفق بمفرده ؟! هل يمكن للمرء أن ينتصر على العالم دون أن يجد من يدعمه ؟! لطالما كان دائمًا و أبدًا جيش المرء عائلته، فهل يمكن لفردٍ دون جيشه أن يهزم جيشًا؟! إذن فلتبدأ الحرب حتى و إن خرج منها هو المهزوم، سيظل دومًا متذكرًا أنه كان بمفرده ذلك اليوم.
صدمةٌ تتجسد أمام عينيها بخيبة أملٍ حينما وجدت الفتاة أثناء ضحكاتها تسمك يده و قبل أن تحرك رأسها للجهةِ الأخرى وجدته يبعد يد الفتاةِ عنه ثم هب منتفضًا و هو يقول بلهجة صوتٍ حادة:
"لو سمحتي يا آنسة؟! حضرتك طلبتي مننا نشرحلك الحاجة اللي مش فهماها، و أنا ذوقيًا مني وافقت، لكن معلش فيه حدود مينفعش نتخطاها، ياريت نحافظ على الحدود اللي بينا"
أبتسم «عبدالرحمن» بفخرٍ و هو يطالع صديقه، فتحدثت الفتاةِ بتعجبٍ:
"فيه إيه يا عمار ؟! احنا زمايل و بنضحك و بعدين محصلش حاجة لكل دا"
رد عليها بجمودٍ:
"لأ فيه، فيه إنك بتضحكي بشكل ملفت للانتباه و كدا غلط، و فيه إن الحدود اللي بيننا كزمايل مينفعش نتخطاها، و افتكري دايمًا إذا رُفعت الكُلفة، حلت الألفة، و كدا مينفعش، عن اذنكم أنا مش هكمل"
وقف «عبدالرحمن» مُسرعًا حينما وجد الضيق يعتلي ملامح صديقه، فقال بنبرةٍ هادئة:
"طب علشان احنا مش فاضيين، أنا هسجل الشرح بصوتي و و هصور الحل و ابعته ليكم في الجروب للدفعة كلها"
نظرن الفتيات لبعضهن البعض ثم تحركن خلف بعضهن بين الملامح الساخرة و المتهكمة، و قبل أن يختفي أثرهن، رفع «عمار» صوته يوقفهن و هو يقول:
"استني يا آنسة من فضلك أنتِ و هي"
تلاشت بسمة «خلود» تلقائيًا بعدما اوقف الفتيات و قالت هامسةً بحنقٍ:
"ما أنتَ كنت ماشي حلو، هتعك ليه بقى ؟!"
اقترب هو من الفتيات و هو يقول بطريقةٍ اهدأ من السابق:
"أنا متأسف على طريقتي بس أنا محبش أعمل حاجة غلط تتحسبلي بذنب في رقبتي، حضراتكم زمايلي بس مينفعش الحدود اللي بيننا نتخطاها، و مش علشان الناس و لا علشان المنظر العام، بس علشان رب الناس، مينفعش الحدود اللي ربنا وضعها لينا نتخطاها، ربنا يوفقكم و أنا هجمع كل السكاشن و انزلها في الجروب و عبدالرحمن يسجل بصوته الشرح"
تحركت الفتيات بخزيٍ من الموقف و الذي أخذ يزداد بعد حديثه و طريقته و توضيحه للأمور، فعاد هو للطاولة يجلس عليها و هو يزفر بقوةٍ و يرمق «عبدالرحمن» بغيظٍ، فتحدث الأخر بتوترٍ:
"متبصليش كدا و أنتَ عارف إن نيتي كانت خير، هما اللي طريقتهم مش كويسة، لزمتها إيه البصة دي؟!"
رد عليه بضجرٍ:
"علشان هما متخلفين، أنا فاهم انهم جايين علشان يقعدوا معانا علشان يغيظوا الشلة بتاعتهم القديمة، جو الجامعة و الهبل دا أنا فاهمه، بس قولت مسوءش الظن علشان ماخدش ذنب، بس صوت ضحكهم علي مرة واحدة لما شافوا الشباب معديين، عالم متخلفة، ربنا ينجدنا منهم"
حرك «عبدالرحمن» رأسه متفهمًا ثم سأله بحيرةٍ من الأمر:
"طب و الشرح هتنزله فعلًا الجروب ؟! و لا مش مشكلة و هما أحرار؟!"
رد عليه مقررًا بثباتٍ:
"طبعًا، دي مفيهاش جدال، أنتَ عارف مبدأي، المشوار اللي تمشيه في ١٠٠ خطوة خلي غيرك ياخده في ١٠ خطوات، محدش بياخد رزق حد و لا مكانة حد"
سأله «عبدالرحمن» بسخريةٍ:
"أيوا يعني برضه أنا مش فاهم هتعمل إيه ؟!"
أبتسم بيأسٍ ثم قال مُردفًا:
"يعني احنا فهمنا من الدكتور و حلينا كويس، و لقينا كريقة ابسط توفر علينا الجهد، يبقى نسهل الطريق على غيرنا علشان ربنا يكرمنا، و افتكر إن تكسيرك لمجاديف غيرك مش هيخلي مركبك تمشي أسرع"
ابتسم له «عبدالرحمن» و هو يقول:
"دي برضه اتعملتها منك أنتَ، بقيت لما بعمل حاجة و تاخد مني وقت و بعدها اعرف طريقة اسهل، اعرف كل الناس الطريقة الأسهل، بس حلوة جملة تكسير المجاديف دي"
أبتسم له و هو يقول:
"ياسين هو اللي قالي عليها، هو اللي علمني السلام النفسي دا"
حرك رأسه موافقًا تزامنًا مع قوله:
"ربنا يرجعه بالسلامة يا رب"
قبل أن ينطق «عمار» خلف حديثه، لفت نظره جلوس فتاةٍ تشبها إلى حدٍ كبيرٍ، لكنه ظن أن هذا فقط من وحي خياله، فماذا لها حتى تأتِ إلى هنا؟! ظل مرُكزًا ببصره عليها و خاصةً أنها تجلس بمفردها.
كانت هي تجلس بثباتٍ واهٍ بعد ذلك الموقف السابق و بعد حديثه مع الفتيات في الطاولة التي تقع خلفها مباشرةً، تجاهلت هي وجودهما من الأساس حتى سقطت حقيبتها و اخفضت جسدها تأخذها، حينها استطاع هو رؤية مُحياها حينما مالت بحسدها في الجهة المعاكسة له، اتسعتا حدقتيه على أخرهما حتى اعتدلت هي فورًا ثم وجهت رأسها و ثبتت جسدها للامام حتى لا يراها.
فتحدث هو مُسرعًا بذهولٍ سيطر عليه كليًا:
"مستحيل ؟! هي هنا بتعمل إيه؟"
عقد «عبدالرحمن» ما بين حاجبيه مُستنكرًا حديثه و هو يقول:
"فيه إيه يا عمار؟! هي مين دي و بتعمل إيه هنا؟!"
انتبه لصوت رفيقه فصمت و سكت تمامًا و الأخر يحرك رأسه له مُستفسرًا، و في غضون ذلك اقترب «أحمد» منها يجلس بجوارها و هو يقول بضيقٍ:
"معلش اتأخرت عليكي، بس الست جوة طلعت عيني و قرفتني لحد ما صاحب طارق جه، زهقتي؟!"
حركت رأسها نفيًا و التوتر يرتسم على وجهها على غير عادتها، فتفرس هو ملامحها ثم سؤالها:
"مالك ساكتة كدا ليه؟! حد ضايقك أو زعلك هنا؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول بنبرةٍ مهتزة خافتة:
"لأ أنا كويسة متقلقش، بس صدعت علشان كنت سهرانة بذاكر امبارح، المهم هنمشي؟!"
عقد ما بين حاجبيه بتعجبٍ منها حتى وجد «عمار» يقترب منهما و هو يقول بدهشةٍ من تواجده:
"أحمد ؟! بتعمل إيه هنا؟!"
وقف «أحمد» فورًا يرحب به و هو يقول بنبرةٍ ودودة:
"عمار، ازيك يا حبيبي عامل إيه؟! كنت جاي باخد شهادة التخرج الأساسية بتاعتي و ماشي خلاص، عقبالك يا سيدي"
رد عليه بهدوء:
"يا رب، بس لسه المشوار طويل شوية، مش مهم أنا مستحمل"
ربت على كتفه و هو يقول:
"و أنتَ قدها و قدود، أنا واثق فيك و إنك هتبقى دكتور عظيم"
حرك رأسه موافقًا ثم حدثها بهدوء:
"نورتي الجامعة يا آنسة خلود، عقبال ما تيجي و أنتِ طالبة فيها إن شاء الله"
حركت رأسها تنظر له وهي تقول بثباتٍ أجادت اظهاره:
"إن شاء يا استاذ عمار، ربنا يوفقك و تتخرج إن شاء الله"
اقترب منهم «عبدالرحمن» في تلك اللحظة يرحب بهم و هو يقول:
"و أنا أقول الجامعة نورت ليه؟! اتاري أحمد هنا، عامل إيه يا معلم؟"
سلم عليه «أحمد» و هو يرد على تحيته و ترحيبه، ثم قال بهدوء:
"طب بما أني الكبير هنا وسطكم، اقعدوا بقى علشان اعزمكم على حاجة"
تحدث «عبدالرحمن» مسرعًا:
"تسلم يا أحمد، لسه واكلين شاورما و الله الحمد لله، و بعدين أنتَ ضيفنا هنا، يعني احنا اللي نوجب معاكم"
حاولت هي كتم ضحكتها التي اوشكت على فضح أمرها، فتحدث «أحمد» بسخريةٍ:
"أنا بصراحة كنت جاي و ناوي اخلع بسرعة بس خلود بقى عاوزة تختار الكلية اللي هتدخلها بعد سنتين إن شاء"
رمقته هي بحدة فتحدث هو مُسرعًا يوجه حديثه لهما:
"ما تقولولنا كدا يا شباب نعمل إيه في ثانوية عامة علشان خلود قلقانة"
تحدث «عمار» مُسرعًا:
"على فكرة هي سنة زيها زي أي سنة، المهم فيها بس هو إن الجهد المبذول يتفرق صح فيها، لو الجهد المبذول اتوزع غلط يبقى ساعتها الدنيا كلها هتتكركب"
عقدت ما بين حاجبيها فسأله «أحمد» بتيهٍ و تشوشٍ:
"ازاي يعني؟! أنا أصلًا مش فاكر زاكرت ازاي في ثانوية عامة"
رد عليه مُردفًا بهدوء يفسر مقصد حديثه و يرسل لها رسالةً مُبطنة:
"يعني المهم إن الطالب ميبدأش بحماس شديد في أول السنة، لأن طاقته هتقل في النص و هيكون صعب عليه يكمل، و بلاش يهمل طول السنة و يشد في الأخر لأن الكم هيكبر عليه، المفروض تمشي طبيعي و معقول"
سألته هي بعدما استحوذ بحديثه على تفكيرها و اهتمامها:
"ازاي ؟! يعني برضه اذاكر ازاي و إمتى ؟؟"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"زي ما قولت قبل كدا كل يوم مادة واحدة، اوعي تحطي اكتر من مادة في يوم، و من البداية تروحي درسك و ترجعي ترتاحي و بعدها تبدأي مذاكرة، يعني تحلي الواجب و تزودي شوية تدريبات من عندك و لو فيه حاجة وقفت قصادك اعملي كشكول كبير و حطيه فيه لأن علميًا الأسئلة اللي زي دي هي دي اللي بتعلم في العقل.
و تيجي عند اهم وقت في السنة كلها و هو الشهور بتاعة الشتا، أو بمعنى أصح شهور الاكتئاب، بتبدأ من شهر ١١ لحد شهر اتنين و لو اتعاملتي مع الشهور دي غلط، يبقى كل اللي جاي هيكون صعب، لانك بتكوني مشتتة فيهم، عاوزي تركزي في اللي بتاخديه و عاوزة تلمي اللي فاتك و مش عارفة تعملي إيه، الفترة دي بقى تمسكي العصاية من النص، يعني تروحي دروسك عادي و تذاكري و تلتزمي بيهم و تزودي ساعتين كمان تراجعي فيهم باب أو وحدة من اللي فات و لو مجهود عليكي ممكن تقسميهم دروس، احسن و يفضل كل مادة في اليوم بتاعها"
حركت رأسها باستحسانٍ و البسمة الهادئة التي تتخللها خيوط الراحة تعتلي وجهها، حتى قال هو بنفس الطريقة:
"أهم حاجة إنك تكوني ماشية صح، و إن الثانوية العامة دي متهزش ثباتك، بالعكس هي سنة هتتعلمي منها حاجات كتير، بس القاعدة الأهم إنك متتعامليش على انهم ٧ مواد، عامليهم كأنهم مادة واحدة"
حركت رأسها باستنكارٍ و هي تسأله:
"مادة واحدة ؟! يعني إيه مادة واحدة؟! الكل عارف انهم ٧ مواد"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مفسرًا ما سبق و تفوه به:
"يعني الجهد المبذول يكون متساوي في المواد كلها، مينفعش اوقع مادة على حساب التانية، يعني مثلًا عندك العربي تقيل و معظمنا بيكرهه، و قصاده اللغة التانية سهلة و معظمنا بيحبها، مينفعش بقى اوقع العربي و أهمل مذاكرته علشان مش بحبه و اهتم باللغة التانية علشان بحبها، كدا غلط و في الأخر هيزود خوفي و توتري أكتر، اهم حاجة إن قبل شهر رمضان يكون عندك ثبات انفعالي عالي لأن الوقت فيه قليل و كلنا بنكون مركزين في العبادات أكتر، يعني مذاكرتك قلت في رمضان دا طبيعي، بس هترتاحي لو قبل كدا أنتِ مأسسة الوقت صح، و ربنا معاكي و إن شاء الله تحققي حلمك و تنورينا هنا"
ردت عليه هي بامتنانٍ:
"أنا متشكرة أوي ليك، حقيقي كلامك و طريقتك بتطمني، و إن شاء الله اقدر التزم بالكلام دا زيك و زي سلمى كدا، شكرًا"
رد عليها بتفهمٍ:
"لا شكر على واجب أبدًا، اي حاجة تحتاجوها أنا موجود و عيوني ليكم، و للأنسة سلمى لو احتاجت حاجة سواء من المدرسين أو السنتر"
أبتسم له «أحمد» و هو يقدر طريقته و عرض خدماته:
"متشكر ليك يا عمار، لو احتاجت حاجة أكيد هقولك، ربنا يكرمك"
حرك رأسه موافقًا ثم استأذن منهما حتى يرحل، و لكن قبل أن يتحرك قيد أنملة تحدث بثباتٍ:
"آه نسيت حاجة مهمة، قول للآنسة سلمى بما إنها حاليًا داخلة على إجازة نص السنة، إنها تعمل بنك أسئلة في الفترة دي، يعني كشكول كبير و تقسمه على عدد المواد و كل مادة تجمع فيها الأسئلة المهمة اللي المدرسين بيركزوا عليها، هتفرق معاها أوي و هتيجي في الأخر تلم الحاجات دي في وقت قليل اوي، ممكن اجيب الكشكول بتاعي ليكم و تعمل زيه"
رد عليه «أحمد» مسرعًا بنبرةٍ ظهرت بها لهفته:
"ياريت بجد، لو تقدر تجيبه أنا هكون شاكر ليك جدًا و ممكن ارجعه تاني ليك"
رد عليه بهدوء:
"مش محتاجه خلاص، أنا عامل اتنين واحد للمواد العلمية و التاني للغات، هجيبهم ليك في يوم علشان تعمل زيهم"
أبتسم له «أحمد» فتحدث «عبدالرحمن» في تلك اللحظة يقول:
"طب تستأذن احنا بقى علشان كدا عطلناكم؟! يدوبك نروح نرتاح علشان عندنا امتحان بكرة"
رحل كليهما بعد توديعٍ حارٍ و اتفاق على مقابلةٍ تجمعهم سويًا عن قريب، فجلس «أحمد» و هو يقول لها:
"ربنا يكرمهم و يوفقهم إن شاء الله، ها نروح ؟!"
ردت عليه بمرحٍ:
"قوم هات الشاورما أنتَ هتشتغلني؟! و بعدين أنا نفسي مفتوحة هات كام واحد حلوين زيك كدا"
رفع حاجبه يسألها بثباتٍ:
"و أنتِ نفسك مفتوحة ليه بقى ؟! مش كنتي عاوزة تروحي من شوية و مخنوقة؟!"
حمحمت هي بصوتها فزفر هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"ماشي، علشان احنا صحاب أنا هعديها، علشان عارف إن خوخة مش بتغلط و مش بتخبي عليا حاجة، ها تشربي إيه؟!"
_"٨ شاورما كتر تومية"
قالتها مسرعةً بمرحٍ جعله يضحك عليها بيأسٍ ثم امسك كفها يضغط عليه بغيظٍ منها و هي تضحك بملء شدقيها.
_________________________
خرج من غرفته بعدما قام بتأدية صلاة الصبح و قراءة ورده اليومي حتى يستطلع الأجواء حوله، و سرعان ما زفر بقوةٍ و هو يرى الرجال كما هم بسلاحهم بل و الأدهىٰ أن الطرف الأخر مدهم ببعض الامدادات كما لو أنها حالة حربٍ تقام بين بلدين، حيث وجد بجانبهم صندوقًا كبير الحجم يحافظ على درجة حرارة المشروبات و الفواكه، حرك رأسه للجهة الأخرى فوجد العمال يجلسون بقرب بعضهم يتناولون فطورهم، اقترب منهم يلقي عليهم التحية بقوله:
"صباح الخير يا رجالة؟! عاملين إيه؟!"
ردوا عليه التحية جميعهم في آنٍ واحدٍ و تحدث أحدهم بقوله:
"اتفضل يا بشمهندس ياسين تعالى الفطار معانا، اتفضل"
حرك رأسه موافقًا ثم ادارها للخلف فوجد الرجال يتابعونهم و السلاح في ايدهم، زفر بضجرٍ و هو يفكر هل يمتلكون ارادةٍ من حديد؟؟ دون كللٍ أو مللٍ يقفون دون حتى أن يرمش جفن لـ أيًا منهم؟! جلس هو بجوار الرجال فقدم له الشيف الطبق الخاص بطعامه و هو يقول:
"فطارك يا بشمهندس، أنا كنت مستني إنك تصحى علشان تفطر، بس كويس إن حضرتك لحقتنا"
ابتسم له و هو يأخذ من يده الطعام تزامنًا مع قوله:
"تسلم إيدك يا شيف، من يد ما نعدمها يا رب"
اخذ الطبق يضعه أمامه ثم شرع في تناول الطعام حتى سأله «عبدالعزيز» بنبرةٍ مهتزة و كأنه يخشى السؤال:
"متأخذنيش يعني يا بشمهندس ياسين، حضرتك ممشيتش ليه زي غيرك ؟! قاعد تعمل إيه في وضعنا دا ؟!"
رفع «ياسين» رأسه له و هو يقول بثباتٍ:
"امشي اروح فين يا عم عبدالعزيز ؟؟ امشي و اسيب الرجالة لوحدها ؟! كدا هبقى بهرب مش بمشي، عيل صغير أنا و لا إيه؟!"
رد عليه مسرعًا بحرجٍ منه:
"مش قصدي والله يابني متأخذنيش في الكلام، بس يعني غيرك لما لقوا الدنيا كدا مشيوا و محدش فيهم فكر حتى في واحد فينا، و إحنا لينا فترة هنا مينفعش ننزل غير لما نخلصها، أنا خايف عليك أنتَ"
تحدث «ياسين» بجمودٍ:
"مش أنا يا عم عبدالعزيز، أنا ممشيش و أسيب رجالتي، دي مش رجولة، و بعدين يعني همشي اروح فين ؟! هو جبل واحد و حدود واحدة، حتى شمال سينا و العريش بعيد عننا، يعني مفيش حتى وسيلة وحدة تنقذنا، بس انتم إيه اللي مقعدكم هنا في الجبل؟!"
رد عليه أحد الرجال بقلة حيلة:
"هنعمل إيه يابني ؟؟ لقمة العيش، أنا واحد عندي ٣ بنات و ولد، اصغرهم في اعدادية و الكبار في جامعة، و الوسط في ثانوية عامة، يعني مفروض علينا نفضل هنا"
حرك رأسه بتفهمٍ فتحدث عاملٌ أخر:
"و الله يابني لولا إن الواحد وراه ديون و جهاز بنات و تعب و هم، مكناش نستحمل المرمطة دي، بس مفيش قدامنا غيرها"
رد عليه هو بهدوء:
"ربنا يفكها عليكم يا عم سعد، و يسدد ما عليكم، بس وعد مني الوضع مش هيفضل كدا كتير"
اتى صوته من الخلف و هو يقول:
"اللي ياكل لوحده يزور يا رجالة ؟!"
قبل أن يقترب منهم نحو موضعهم اوقفه أحد الرجال المسلحون و هو يقول:
"اقف عندك يا جدع أنتَ رايح فين ؟! ممنوع حد يدخل هنا"
رفع «يوسف» حاجبه له فاقترب «ياسين» منهما و هو يقول منفعلًا:
"وسع يا عم أنتَ، هو احنا محبوسين و لا إيه؟! دخله"
رد عليه الرجل بثباتٍ:
"ممنوع، محدش هيهوب ناحيتكم لحد ما نشوف اخرتها، و قدامك اختيارين تمشي أنتَ و رجالتك و تسيبلنا المكان، يا نفضل كدا و نشوف مين نفسه أطول"
زفر «ياسين» بقوةٍ فتجاهل «يوسف» حديثه ثم رفع قدمه حتى يخطو للقرب من «ياسين» فرفع الرجل السلاح في وجهه و هو يقول:
"ارجع مكانك بدل ما ارجعك أنا من الدنيا كلها، أرجع يا جدع أنتَ، يلا بروح أمك"
على حين غرة رفع «يوسف» سلاحه بعدما أخرجه من جيب بنطاله ثم وضع نصله على رقبة الرجل و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"كتر كدا بروح أمك معايا علشان ارجعك بطن اللي خلفتك تاني، ولا أوريك دبايح البهايم في العيد الكبير شكلها إيه، و سيرة أمي لو جت على لسانك دا هقطعه، تحب تشوف؟!"
اقترب «ياسين» منه يمسك ذراعيه و هو يحاول ابعاده عن الرجل، و العمال حولهم و المسلحون الذين اشار لهم الرجل المكبل بالتوقف.
استطاع «ياسين» ابعاد «يوسف» أخيرًا عن الرجل ثم اخذ منه السلاح يضعه في جيبه و «يوسف» نظره مثبتًا على الرجل بشررٍ يقدح من عينيه،
ساروا بعيدًا عن الرجال المسلحين حتى جلسوا بموضعهم السابق، فتحدث «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
"مينفعش يا يوسف، أمسك اعصابك شوية مش كدا، و لما تتهور و تعور واحد فيهم ؟! ساعتها هياخدوا رقبتك أنتَ، و دول عرب مبيهزروش، مش دا كلامك؟!"
زفر «يوسف» بقوةٍ ثم قال منفعلًا بضيقٍ:
" عاوزني اسكتله و هو رافع سلاحه في وشي و بيشتمني بأمي؟! يحمد ربنا إن المطوة مجابتش عرق من رقبته"
تحدث «عبدالعزيز» بغلبٍ:
"يابني إيه اللي جابك هنا بس ؟! ما أنتَ عارف الدنيا هنا شكلها إيه و عاملة إزاي ؟!"
رد عليه بضجرٍ و غضبٍ جمٍ:
"يا عم عبدالعزيز أنا محدش يكسر عيني، اللي يدوسلي على طرف أنا ادوس على رقبته، قولنا نحل مش عاوزين، طب نعمل قعدة مش عاوزين، و أخرتها؟!"
تحدث «ياسين» منفعلًا في وجهه:
"أنتَ مالك بتدخل نفسك في الحوار ليه؟؟ متخلنيش أخاف إن واحد فيهم يعملك حاجة، كفاية اللي في رقبتي هنا يا يوسف، مش عاوز أخاف عليك أنتَ كمان"
زفر «يوسف» بقلة حيلة ثم تحدث بلهجةٍ حادة:
"جو الطبطبة و الحنية دا مبياكلش معايا، أنا عارف طالما فيه مشكلة يبقى ندور ليها على حل، لكن دول مش عاوزين يتفاهموا، تقدر تقولي الحصار دا هيتفك امتى ؟!"
زفر «ياسين» بقلة حيلة ثم حرك يمنةً و يسارًا كدليلٍ منه على جهله بالأمر، بينما الرجال المسلحون وقفوا بجوار بعضهم و قد أخرج واحدٌ منهم هاتفه يتحدث به، و حينما لاحظه «ياسين» سأل بتعجبٍ:
"إيه دا ؟؟ هو ازاي بيتكلم في التليفون، معموله شبكة مخصوص و لا إيه؟!"
رد عليه «يوسف» مفسرًا:
"معاهم تليفونات مخصوص، حاجة كدا زي اللاسلكي، بس دا بخط عادي، كلهم هنا بيستخدموه"
عقد «ياسين» ما بين حاجبيه و قد اثار الحديث تعجبه، فتحدث «عبدالعزيز» مفسرًا:
"في شركة قدام و فيها عمال كتير قريبة مننا شوية، كل العمال فيها معاهم تليفونات من دي، الشركة جايباها ليهم"
تحدث أحد العمال بتهكمٍ:
"مش زينا، الواحد بيقعد بالاسبوع ميعرفش حاجة عن أهله، يا كدا يا يمشي كام كيلو"
ركز «ياسين» بصره على الرجل الذي يتحدث بالهاتف يحاول فهم ما يتفوه به لكنه لم يستطع ذلك، و حينما لاحظ «يوسف» امعانه و تركيزه مع الرجل قال بسخريةٍ:
"مش هتفهم حاجة، بيتكلموا مع بعض بلغتهم الأصلية، مش هتفهم هو بيقول إيه"
تحدث «ياسين» بسخريةٍ:
"هو عامل فيها أبو فياض كدا ليه ؟؟ أنا حاسس أني بشوف كواليس المصلحة قدامي"
ضحكوا جميعهم عليه فتحدث هو مسرعًا:
"بجد مش بهزر و الله، موترني أوي، الفرق إن أبو فياض كان أكبر شوية"
زفر «يوسف» ثم قال بهدوء:
"طب بما انكم بخير و فطرتوا، هروح أشوف العمال و ارجع ليكم كمان شوية، خلوا بالكم من نفسكم"
حركوا رأسهم بموافقةٍ فتحرك هو من أمامهم و قبل أن يمر بجانب الرجل الذي اشتبك مع منذ قليل حدثه الرجل بغلظةٍ و هو يقول:
"لو خرجت من الحتة دي متجيش تاني، مش عاوز دوشة منك، اتهد في حتة و بلاش دوشة"
حرك «يوسف» رأسه موافقًا ثم تحرك من موضعه نحو عمله، نظر الرجل في أثره بغلٍ ثم زفر بقوةٍ و عينيه مثل الصقر الحاد تدور في المكان و خاصةً عند «ياسين» و العُمال.
بعد مرور دقائق ارتفع صوت الموسيقى العالية في المكان بارتفاعٍ جعل الجميع يحركون رأسهم في عدة جهات غير متناسبة، حتى ظهر «يوسف» في يده "صب" خاص بالموسيقى و هو يقف بثباتٍ أمام الرجل، طالع الجميع الموقف بتعجبٍ بينما هو تحدث بثباتٍ:
"دخلني بدل ما أحط الدوشة دي في ودنك، اخليها تنزف"
أفسح له الرجل حتى يقترب من «ياسين» و العمال، و مصدر الموسيقى في يده و هو يبتسم بثباتٍ بعدما رفع أحد حاجبيه، سأله «ياسين» بنبرةٍ ضاحكة:
"مش هو مش عاوز دوشة ؟! أنا بقى جيبتله الدوشة لحد عنده، المهم خلوه معاكم هنا و لو فصل اشحنوه بالشاحن بتاع التليفون عادي"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"هو دا معاك ازاي أصلًا ؟؟ جيبته منين يا جاحد أنتَ"
رد عليه مردفًا بثباتٍ:
"جيبته من العريش لما روحنا نجيب لحمة قبل كدا، قولت أهو يسليني في الاوضة"
حرك «ياسين» رأسه موافقًا ثم أخذه منه و قام بتوصيله عبر هاتفه على أحد مواويل المدح القديمة، فتحدث الرجال مهللين بفرحٍ:
"الله عليك يا بمشهندس ياسين"
أبتسم هو لهم ثم قال بقلة حيلة:
"عارف أنا الصعايده بيحبوا الحاجات دي زي أبويا، محسوبكم من الصعيد برضه"
رد عليه «يوسف» بسخريةٍ:
"أنا قولت الدماغ دي أكيد دماغ صعايدة، نشفان الدماغ دا إنك متمشيش عرفني انك صعيدي"
حرك رأسه موافقًا فارتفع الصوت بالكلمات الآتية:
"أكاد من فرط الجمال....فرط الجمال أذوب.... أكاد من فرط الجمال أذوب....هل يا حبيبي.....في رضاكَ... في رضاكَ نصيبُ...هل يا حبيبي في رضاكَ نصيبُ.... جعلت قلبي يهفو دومًا....يهفو دومًا للقا.... جعلت قلبي يهفو دومًا....يهفو دومًا للقا....و إذا ذكرت يا حبيبي...يا حبيبي أطيب....فاذا ذكرت يا حبيبي أطيب.....بمجرد الأذكار....قلبي هائمٌ...."
ارتفعت صفقات الرجال و معهم «يوسف» و «ياسين» و الرجال حولهم يطالعونهم بدهشةٍ من افعالهم و لامبالاتهم و كأنهم في إحدى الليالي الخاصة بالمديح أو حلقات الذكر.
_________________________
جلست «خديجة» بمفردها تمامًا في شقة والديه بعدما ذهب كليهما للعمل، قامت هي بترتيب البيت حتى تتخلص من ذلك الملل الذي أصبح مقترنًا بها منذ غيابه عنها، و بعد انهاء عملها جلست مرةً أخرى في غرفته كعادتها تتصفح خطاباته و تقرأ ما خطه بيده، حتى أنها كل يومٍ تكتشف شيئًا جديدًا في تلك الغرفة، حيث وجدت ألعابه القديمة و ملابس الرياضة الخاصة به حينما كان مشتركًا في أحد النوادي الرياضية في صغره، و وجدت الجوائز و الميداليات العديدة الذي حصل عليها في عدة ألعابٍ مختلفة.
كانت تراقب كل إنشٍ بالغرفة بتمعنٍ و تركيزٍ و كأنها تعيش كل تلك اللحظات معه من خلال صوره القديمة و براءته في صغره، و فجأة انفجرت في الضحكات حينما وجدت له صورةً في صغره و هو عاري الجسد و يرتدي فقط سروالًا داخليًا، أمسكت هاتفها تلتقط تلك الصورة بسرعةٍ و هي تضحك عليه.
تنهدت هي بعمقٍ ثم وجدت دفتر صغير الحجم باللون الاسود كبير الحجم، يعود له في صغره، فتحته هي بهدوء فوجدت في أول صفحاته صوره مع أخوته و على أيديهم «عمار» يحملونه بميلٍ على أيديهم و هو يضحك بملء شدقيه.
قلبت في صفحات الدفتر فوجدتها جميعها عن ذكرياته مع الشباب و إن لم تكن مبالغة في الأمر كانت جميعها منذ أول يومٍ جمعهم سويًا.
انهت تصفح الدفتر و الغوص به ثم أغلقته و هي تتنهد بعمقٍ، بعدها اخرجت هاتفها على صورته التي وضعتها خلفية لهاتفها، و قد أحسنت اختيار الصورة حيث كانت له في شهر عسلهما سويًا و هو يجلس على شاطئ البحر و كفيه خلفه يستند بهما على الأرض و هو يضحك لها.
تعمقت هي في ملامحه الهادئة التي تجمع بين الخشونة و اللين معًا و في بسمته العذبة الهادئة و هي تجزم أن الحب يفيض من عينيه لها، تنهدت بقلة حيلة و هي تفكر أن الأمر يزداد سوءًا بغيابه، أصبحت مثل الغريبة مرةً اخرى في تلك الدنيا، باتت ترى نفسها وحيدة من جديد، حتى أنها أصبحت تفكر في حديثها كما كانت تفعل سابقًا،
تعلم هي تمام العلم أنه هو بمفرده من يستطع فهمها و فهم حديثها الغير منمق، أما بدونه فهي دومًا تفكر في كل شيءٍ و تقوم بحساب خطواتها، فرت دمعة هاربة من بين أهدابها، ثم تحدثت بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا خوفي بقى بيزيد و خايفة أرجع تاني زي الأول، خايفة المسافات دي تفرق ما بين قلوبنا زي ما فرقت بينا"
أغلقت الهاتف ثم عادت لحاجته مرةً أخرى تغوص بها كما كانت تفعل، فحتى و إن كان غائبًا سيبقى دائمًا و أبدًا هنا في قلبها.
_________________________
في بيت شباب آلـ «رشيد» جلست الفتيات فوق سطح البيت مع بعضهن بعد رحيل الشباب إلى عملهم، فتحدثت «هدى» تسأل شقيقتها بحيرةٍ:
"طب هي هتفضل في الشقة كدا كتير يا هدير ؟! هتمشي امتى يا بنتي؟! هدومكم و حاجتكم هناك"
ردت عليها بقلة حيلة:
"أعمل إيه يعني يا هدى ؟! خلاص هي موجودة هناك، أكيد مش هقوله اطردها يعني، كفاية كسرته و كفاية اللي هو فيه، منها لله بقى على اللي إحنا فيه بسببها دا"
تحدثت «جميلة» تسألها مستنكرةً ما يحدث بأكمله:
"هي إيه مشكلتها يا هدير ؟! كارهة إن حسن اتجوز ؟! و اا من كارهة إنك مراته و لا كارهة إنه عمل كدا من وراها ؟!"
تدخلت «عبلة» تقول مسرعةً:
"كله، وليد قالي إنها متضايقة من العيلة هنا أصلًا، يعني مشكلتها من قبل جواز حسن و هدير، و طارق قبل كدا اتخانق معاها في التليفون هو و وئام، ولية مفترية"
سألتها «جميلة» بتعجبٍ:
"برضه ازاي يجيلها قلب تعمل كدا و تتكلم عن شرف بنت ؟! يا شيخة دا حتى لو عملت كدا المفروض تسكت علشان ربنا ستر عبده، محدش يفضحه، دا إسمه قذف محصنات، و اللي زي دي عقابها كبير أوي دنيا و أخرة"
تحدثت «هدى» بغلٍ منها:
"لولا إن وئام حلفني أني مروحش ليها، و إن عمتو مشيرة جابت حق أختي كان زماني موتها بايدي و شربت من دمها، علشان قهرة أختي و تعبها كدا"
تحدثت «عبلة» تنهي الحديث في ذلك الموضوع بقولها:
"خلاص يا جماعة ربنا ياخدها بقى قفلوا لينا على السيرة دي، مش مشكلة خلوها في الشقة و خلوا هدير معانا هنا"
مالت تحتضن «هدير» بعد حديثها و الأخرى تبتسم لها ثم رفعت كفها تربت عليها، فتحدثت «هدى» تقول بمرحٍ:
"فكرتوني بأيام زمان، لما كنتم مبتسيبوش بعض، كانت أيام والله"
سألتها «جميلة» بتعجبٍ:
"هما من بدري مع بعض كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
"عبلة طول عمرها روحها في هدير، الكل كان فاكرهم من صغرهم أخوات، لما حد كان بيعرف إن أني اللي أختها كانوا بيستغربوا أوي، كله كان فاكر إن عبلة هي اللي اختها و خصوصًا علشان عينهم عسلي فاتح في و وشهم مدور و شعرهم زي بعض"
ابتسمت لهما «جميلة» فتحدثت «عبلة» تقول مسرعةً:
"و أنتِ كمان بقيتي اختنا يا جميلة، و طلعتي شبهنا أنتِ كمان، بس الفرق إن عينك فيها لون أخضر، لكن في العادي أنتِ شبهنا بالظبط"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول:
"أنا ولا في أحلامي إن يكون عندي قرايب بنات من سني كدا و أفرح معاهم، دي غالبًا معجزة و اتحققت، بس حقيقي أنا بكون فرحانة أوي معاكم"
صدح صوت هاتف «هدير» في تلك اللحظة فاستأذنت منهن حتى تُجيب على الهاتف، توقفت و اقتربت من سور السطح تقف عنده تستند عليه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"نعم يا حسن ؟! متصل ليه في شغلك ؟!"
رد عليها هو بهدوء:
"خلصت و زهقت، قولت أكلمك و أطمن عليكي، أنتِ كويسة؟!"
أجابت على حديثه بقولها:
"كويسة الحمد لله متخافش، أنا و البنت قاعدين فوق السطح مع بعض"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
"أنا كلمت الناس اللي بيعملوا شقة حنان و قالولي قدامهم لأخر الأسبوع، أنا عارف إن الوضع دا صعب عليكي و عليا، بس إيه رأيك؟! نروح فندق نقعد فيه بدل ما نقعد عند ولاد عمك كدا ؟!"
ردت عليه هي برفضٍ قاطعٍ:
"فندق إيه دا يا حسن اللي نقعد فيه ؟! محدش فيهم هيوافق أصلًا، إحنا ممكن نروح عند بابا أحسن، أنا دلوقتي بقيت أحسن و لو سألني هقوله إنه وحشني و جيت اقعد معاه، بس البنات هنا برضه مش هيرضوا يخلوني أمشي"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
"شوفي إيه اللي يريحك و أنا معاكي فيه يا هدير، المهم راحتك أنتِ"
سألته هي بهدوء:
"طب و أنتَ ؟!"
رد عليها بثباتٍ:
"مش مهم أنا، المهم راحتك يا هدير، لو الوضع عندك مش مريحك، شوفي إيه يريحك و أنا أعمله علشانك، مش عاوز أحس أني مقصر معاكي"
ابتسمت هي بحبٍ ثم قالت:
"مش مقصر، أنتَ بتعمل اللي عليك و أكتر بكتير كمان يا حسن، اطمن و ريح نفسك، و إن شاء الله كل حاجة هترجع زي الأول و أحسن"
سألها هو باهتمامٍ بعد حديثها:
"كل حاجة زي إيه يا هدير ؟؟"
أجابته هي مقررةً:
"كل حاجة زي وجودي معاك و زي أني أرجع بيتي و احنا فيه سوا يا حسن، عاوزة نرجع أيامنا الحلوة اللي كنا فيها سوا مع بعض، مفيش مكان في الدنيا دي ممكن يريحني زي بيتنا"
أبتسم هو بعد حديثها ثم سحب نفسًا عميقًا و قال بنفس الهدوء:
"كلامك حلو و طمني، خوفت حاجة من اللي حصلت تأثر على علاقتنا و تخلينا نبعد بعض، خوفت الطريق اللي مشيناه سوا يبقى آخره مفترق ياخد كل واحد فينا في طريق"
ازدردت لُعابها بقوةٍ فأضاف هو بنفس الطريقة:
"خوفت تعملي فيا زي ما هي عملت قلبك، خوفت تسيبيني أنتِ كمان، هي لما مشيت مقالتش ليا و كنت أنا زعلان علشان هي معرفتنيش انها هتمشي، بقيت في يوم و ليلة يتيم الأم و الأب مع بعض، و لما بقيتي معايا بقيت بشوف دنيا تانية معاكي، خوفت تعملي فيا زي سمعت في الأغنية"
سألته هي بنبرةٍ مختنقة شبه باكية بعدما حاولت التحلي بالثبات:
"أغنية إيه دي ؟؟"
رد عليها بهدوء:
"وصلتيني لبر الأمان، طمنتي و سبتيني للأيام، ياه لو كنتي معايا و تشوفي لكفاحك نتيجة و نهاية"
ابتسمت هي نصف ابتسامة لم تصل إلى عيناها، فأضاف هو:
"روحي شوفي بنات عمك لحد ما أشوفك بليل، عاوزة حاجة اجيبهالك معايا ؟!"
ردت عليه تنفي حاجتها فأغلق معها الهاتف ثم زفر بقوةٍ و رمى هاتفه على مكتبه، حتى دلف له «وليد» و هو يقول بضجرٍ:
"أنا عاوز أفهم ؟؟ هو أحمد بيه مجاش ليه ؟! مش خلص مشواره من الصبح ؟!"
رد عليه «حسن» بحنقٍ منه:
"سيب الواد يشم نفسه بعيد عننا يا عم، ربنا معاه و يوفقه، بطل أنتَ رخامة بس"
رد عليه بتهكمٍ:
"يا سلام على الحنية، بعدين اطمن أنا مش رخم، أنا سيبت الرخامة كلها لأختك"
رمقه «حسن» بحدة فتحدث هو بلامبالاةٍ:
"مش دي الحقيقة يا حسن ؟! هو أنا بتبلى عليها ؟! أنا راجل عندي أخلاق و أخلاقي متسمحليش أفتري على حد"
ضحك «حسن» بيأسٍ و هو يقول:
"اقسم بالله أنا مش عارف أنا مستحملك ليه، يا أخي تعبت منك و مع ذلك بحبك"
رفع حاجبه يرد عليه متهكمًا:
"يعني اللي أنا عمله فيك هيكون اصعب من عمايل أختك ؟! فين ماهر جوزها ؟؟ كلمه علشان يشوف حل"
سأله بسخريةٍ تنافى مع حديث الأخر:
"عاوزني أروح أقوله تعالى لم مراتك اللي هي أختي الكبيرة ؟! أعمل كدا إزاي بس يا وليد؟!"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول بلامبالاةٍ تبسط الأمور:
"عادي، علشان أنتَ عارف إنها مؤذية و إنها تخطت كل الحدود الحمرا اللي في الدنيا، بس مش مشكلة ربنا يسهلها بقى لحد ما ترجع مطرح ما كانت"
حرك «حسن» رأسه موافقًا ثم تحدث بتوترٍ و هو يقول بخجلٍ:
"معلش يا وليد عاوز اتأسف ليكم علشان قعدتنا في البيت عندكم كدا، و متقلين عليكم، بس أديك شايف هي في الشقة و مش هعرف اطردها حتى علشان عضم التربة و أبويا و أمي"
رفع حاجبه و هو يقول بضجرٍ:
"أنتَ أهبل و لا إيه ؟! بطل الكلام الخايب دا يا حسن، دا بيتك و مكانك، متزعلنيش منك، و بعدين دا بيت هدير و ليها فيه زي ما إحنا لينا"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"أنا فاهم يا وليد، و بصراحة عاوز اتأسف ليك علشان مديت ايدي عليك و مسكت فيك، كفاية إنك أنتَ اللي لحقت هدير"
رد عليه ببساطةٍ:
"يا عم عيب متقولش كدا، و بعدين أنا هزقتك و مديت ايدي عليك و قليت منك جامد برضه"
تلاشت بسمة «حسن» تدريجيًا بعد حديثه الوقح الذي يخلو من الأدب و الذوق، ثم أمسك علبة الأقلام الموضوعة أمامه يقذفها في وجهه حتى ركض «وليد» من الغرفة و هو يضحك بقوةٍ فتحدث «حسن» بضجرٍ:
"عيل سافل مترباش داهية تاخده، لأ....هنضيع كلنا من غيره، خليه و أمرنا لله بقى"
_________________________
في وسط اليوم و بعد انتهاء دوام الشباب توجهوا نحو شقة «ميمي» جميعهم يجلسون معها، فتحدثت هي بعدما التفوا حولها بخوفٍ و قلبٌ ملتاع على فلذة كبدها:
"برضه مفيش اخبار عن أخوكم من يوم ما كلمكم ؟! محدش عرف يوصله ؟!"
رد عليها «ياسر» بهدوء محاولًا بثها بعض الطمأنينة:
"لسه يا ميمي، بس متخافيش إن شاء الله يرجع كويس و بخير، المشكلة في الشبكة بس"
ردت عليه هي بخوفٍ تصرح لهم عما يجول بخاطرها من قلقٍ يقلق نومها و يؤرق ليلها حتى تهدج صوتها:
"أنا عاوزة أقولكم حاجة و أمري لله، أنا خايفة عليه أوي، قلبي بيقولي إنه مش كويس و إنه محتاجكم، حلمت بيه يا حبيبي بيصرخ بـ اساميكم، خايفة يكون محتاجكم"
اقترب منها «عامر» يقول بلهفةٍ بعدما وصل القلق لقلبه هو الآخر:
"هو أنتِ شوفتي إيه ؟! أنا عارف إنك مينفعش تقولي بس كدا أنا هقلق، قوليلي علشان خاطري"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
"شوفته في مكان مقفول عليه مش عارف يخرج منه و عمال يدور على حاجة تخرجه، و في نفس الوقت يونس كان بيعيط في الحلم و عاوز يروحله، كان حلم غريب بس قومت منه قلبي مقبوض أوي و واجعني على ابني أوي"
اقترب «خالد» منها يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"صدقيني علشان أنا مش هكدب عليكي، ياسين كويس و بخير، هو علشان لوحده هناك و أكيد دا كله مأثر عليه و أنتِ شاهدة عمرنا ما غيبنا عن بعض لو يوم واحد حتى، مش سهل أنه يكون هناك من غيرنا و يعرف يتعود على كل دا، متخافيش عليه و ادعيله ربنا يكرمه و يرده لينا بالسلامة"
حركت رأسها موافقةً فربت هو على رأسها و في تلك اللحظة صدح صوت هاتفه عاليًا، فأخرجه و حينما لمح الاسم المدون أعلى قائمة الهاتف ظهر التوتر على وجهه و قرر الانسحاب من أمامهم جيمعًا نحو الداخل، تابعه «عامر» بعينيه و أشار لـ «ياسر» حتى يتبعاه نحو الداخل، ولج هو أولًا ثم قام بالضغط على زر الايجاب و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ها يا أستاذ هاني؟! عرفتلي أي حاجة عن مكان ياسين أو مكان شغله؟!"
وصله الرد من الرجل يقول بتوترٍ:
"عرفت يا أستاذ خالد، هو في مكان قريب من شمال سينا، ابعد منها بشوية كدا، بس المشكلة إن المشروع اللي هو فيه دا فيه مشاكل كتير، و مدير المشروع نفسه سابه و مشي و فيه مهندس راح بعده سابه و مشي برضه، دي أخر حاجة عرفتها، انما محدش عنده علم عن حاجة من ساعة الاستاذ ياسين ما راح هناك"
سأله «خالد» بلهجة صوتٍ حادة و بنبرةٍ منفعلة عالية:
"يعني إيه محدش عنده فكرة ؟! أخويا غايب و مش عارفين نوصله، و جاي تقولي إن المكان فيه مشاكل ؟! ازاي يعني؟!"
رد عليه بتوترٍ:
"يا فندم معرفش والله، بس هو دا اللي وصلتله، حضرتك عارف دي اسرار و أنا مقدرش اعرف اكتر من كدا، أخر حاجة عرفتها من صاحب رأفت إنه جه علشان المشاكل هناك كتير مع العرب"
_"عرب ؟! الشغل دا فيه مشاكل مع العرب ؟! أنتَ متأكد من كلامك دا؟!"
تفوه «خالد» بذلك بنبرةٍ عالية و لهجة صوتٍ حادة، حتى رد عليه الرجل بقلقٍ:
"أستاذ خالد من فضلك بلاش تسرع و مشاكل، يمكن يكون الكلام على مشروع تاني غير دا، و يمكن المشكلة تكون اتحلت من قبل ما الاستاذ ياسين يروح هناك أصلًا، أنا برضه هحاول افهم أي حاجة و أقول لحضرتك، خير إن شاء الله"
أغلق «خالد» الهاتف مع الرجل ثم زفر بقوةٍ و شدد على خصلات شعره خوفًا من الحديث الذي وقع على مسامعه، تفاجأ بوجود «عامر» يسأله بحدةٍ:
"ياسين ماله يا خالد ؟؟ و عرب إيه دول اللي عاملين مشاكل ؟! انطق يا خالد"
زفر «خالد» بقوةٍ ثم قال بضجرٍ من كثرة ما يعايشه من قلقٍ:
"عاوز إيه يا عامر هي مش نقصاك الحكاية، مفيش حاجة"
تدخل «ياسر» يقول بنبرةٍ جامدة:
"يعني إيه مفيش حاجة؟! احنا سمعناك بنفسنا و أنتَ بتقول إن اخوك في مشكلة و أنتَ قلقان عليه، حصل إيه؟!"
قرر مصارحتهما بالحديث الذي وصل إليه، فقص عليهما فحوى المكالمة حتى سأله «عامر» و هو على مشارف الانفعال من شدة غضبه:
"يعني إيه ؟! يعني ياسين ممكن يكون واقع هناك في مشكلة ؟! دا لسه مكملش حاجة هناك"
رد عليه يطمئنه بهدوء:
"لسه مش متأكدين، هاني دا هيحاول يعرف أي حاجة تاني، بس الشركة هناك مبتخرجش أي معلومات كدا و تسربها برة، من هنا لحد ما هاني دا يحاول، محدش فيكم يجيب سيرة لحد و لا حتى البنات علشان خديجة متعرفش، مفهوم ؟!"
نظرا لبعضهما ثم حركا رأسيهما بموافقةٍ فزفر «خالد» بقوةٍ ثم جلس على المقعد و هو يفكر في حال أخيه هناك.
________________________
تناولت «خديجة» الطعام مع والديه ثم كعادتها قامت بإزالة اثر الطعام و ذلك لأن «زهرة» تعود من عملها في اخر النهار و يكون التعب بلغ أشده عليها، فتقوم «خديجة» بدورها في الاهتمام بالبيت و الطعام، و بعد انتهاء ذلك العمل، تلوذ بالفرار من أمامهما نحو غرفته و تظل بها حتى تنام بموضعها.
كان «رياض» يتابعها باهتمام على الرغم من قلقه على ولده إلا انه يعلم انها أكثرهم خوفًا و قلقًا حاجةً إليه.
(بعد مرور ثلاثة أيام)
استمرت الأوضاع على ذلك الحال ثلاثة أيام كاملة بعد حصار «ياسين» في الجبل مع العمال.
في نهاية نهار اليوم الثالث جلس «رياض» مع زوجته في غرفتهما و هو يقول بنبرةٍ هادئة حتى لا يصل الحديث للخارج:
"خديجة هتمشي من هنا يا زهرة، أنا مش هستحمل أنها تضيع بسببنا، مش هستحمل إن ابني يرجع زعلان مني علشان محافظتش ليه على الأمانة"
سألته هي بخوفٍ و لهفةٍ هلعة من حديثه الذي اثار حفيظتها:
"ازاي يا رياض ؟! تمشي تروح فين و تسيبنا يا رياض، أنتَ بتهزر ؟!"
تحدث هو بنبرةٍ جامدة اقرب للانفعال من كثرة توتره:
"هو دا كلامي يا زهرة مش هرجع فيه، خديجة لازم تمشي من هنا، وجودها هنا بيأذيها و أنا مش هسمح بكدا، ياسين قبل ما يمشي وصاني عليها، عاوزاني اقوله إيه لما يرجع ؟! معلش يا حبيبي، معرفتش احافظ على امانتك؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
"ماهي معانا هنا ليه تمشي و تسيبنا ؟! حد زعلها فينا؟! أنا مطمنة علشان هي معانا، متزودش خوفي على ابني بخوفي عليها، كفاية زعلي و خوفي عليه"
تحدث «رياض» مردفًا وجهة نظره بثباتٍ:
"يا زهرة خديجة حابسة نفسها من يوم ما هو مشي، بقاله اسبوع اهوه و خديجة ساكتة مش بتتكلم، لا أنا و لا أنتِ هنقدر نعوضها غيابه، مش واخدة بالك إنها كل يوم تهرب لأوضته و مبتخرجش منها، بقت ساكتة و مش بتكلم حد و أنا شايفها بتدبل يا زهرة، مش هستحمل إني اشوفها بتتعب كدا يا زهرة"
بكت هي رغمًا عنها و هي تقول ببكاءٍ:
"بس أنا بحبها أوي و بحس و هي قصادي أني معايا حاجة منه هو بيحبها، مش بسمع صوته و معرفش حاجة عنه، بس عاوزة اتطمن عليه، لما بشوف خديجة بحس اني شايفاه هو، خليها علشان خاطري معايا، و أنا هاخد إجازة علشانها"
رد عليها هو بصوتٍ مختنقٍ:
"مش هينفع، خديجة كدا بتضيع مننا، لو هي بنتي أنا مش هرضى ليها بالوضع دا، أنا هسلمها لأكتر حد يحافظ عليها و يشيلها في عينه، عن اذنك هنزل تحت ضروري، و لما ارجع خديجة هتمشي، و مش هتبات هنا الليلة دي"
تحرك من الغرفة و زوجته في الخلف تبكي بحزنٍ لرحيل «خديجة» كما رحل ابنها.
نزل «رياض» من الشقة ثم توجه للأسفل فوجده في انتظاره، اقترب من «وليد» يرحب به و هو يقول:
"ازيك يا وليد، عامل إيه يا حبيبي؟! معلش جيبتك كدا على ملا وشك"
ردت عليه بودٍ يرفع عنه الحرج:
"متقولش كدا يا عمو رياض أنا تحت امرك، أؤمرني؟!"
رد عليه «رياض» مفسرًا:
"الأمر لله يا وليد، عاوزك تاخد خديجة يابني، أنا موافق خلاص انها تروح معاك"
سأله بثباتٍ و حذرٍ في كلماته:
"طب الحمد لله، بس خير فيه حاجة حصلت ؟! خديجة زعلت حد فيكم في حاجة ؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بغلبٍ و قلة حيلة:
"هي خديجة عمرها زعلت حد برضه ؟! دي أخف من نسمة الصيف يابني، بس خديجة حابسىة نفسها و شبه منعت الكلام، بقت ما بتصدق تهرب للأوضة بتاعته و تقفل على نفسها أنا لولا خوفي عليها ماكنتش خليتها تبعد عني"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"حاضر يا عمي، أنا من الأول كنت عارف إن دا هيحصل، بس مرضيتش ازعل حضرتك"
ربت على كتفه و هو يقول:
"تسلم يا حبيبي، ربنا يكرمك، عاوزك بس تحافظ عليها و تخلي بالك منها، أنا واثق إنها معاك هترجع زي ما كانت، المهم بس مش عاوزها تعرف إني همشيها، تعالى معايا كأنها مفاجأة"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم قال:
"طب أنا هروح مشوار ساعة زمن و هرجع ليك و أخدها معايا، حاول حضرتك تفهمها و تلمح ليها"
وافق «رياض» على حديثه ثم تحرك من أمامه بسيارته و عاد «رياض» للأعلى ثم توجه مباشرةً نحو غرفتها هي، طرق الباب من الخارج فردت عليه من الداخل تأذن له بالدخول، حتى ولج الغرفة و هو يبتسم لها تزامنًا مع قوله:
"حبيبة بابا عاملة إيه ؟؟ ممكن ادخل اقعد معاكي؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له فاقترب منها يجلس مقابلًا لها على الفراش فحرك رأسه ينظر حولها فوجد أشياءه تحاوطها بعدما افرغتها هي من الصندوق، ابتسمت هي بتوترٍ فتحدث هو بعدما تحدث مُبتسمًا محاولًا اخفاء تأثره:
"حاجته دي كلها صح ؟! كان مخبيهم مني السوسة دا علشان مفضحهوش"
ابتسمت له هي بتوترٍ فتنهد هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
"خديجة؟! وليد هييجي كمان شوية علشان ياخدك تقعدي كام يوم مع بنات العيلة هناك، جهزي نفسك علشان هو زمانه جاي"
ردت عليه هي بخوفٍ من الفكرة و أساسها:
"ليه ؟! خليني هنا أحسن و خلاص، خلوني معاكم"
رفع كفه يضعه على رأسها يقول بهدوء مفسرًا وجهة نظره:
"أنتِ معانا هنا بس أخواتك كلهم عاوزين يقعدوا معاكي، و كلهم طالبين وجودك معاهم، روحوا معاهم و غيري جو كام يوم كدا، و تعالي تاني، أنا مش هسيبك"
فرت عبراتها فورًا و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
"بس أنا مش عاوزة أمشي من هنا، عاوزة افضل هنا معاكم، ياسين موصيني عليكم قبل ما يمشي، خليني هنا و خلاص"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول بنبرةٍ هادئة و أكثر لينًا من طريقته السابقة:
"أنا فاهم و مقدر، بس لازم تخرجي و تغيري جو و تهربي من الأوضة دي، حبستك كدا مش هتنفع يا خديجة، جهزي نفسك يا حبيبتي علشان وليد زمانه جاي"
تحرك من أمامها مُسرعًا بينما هي نظرت في أثره بخيبة أملٍ و الدموع متحجرة في عينيها.
_________________________
جلس «ياسين» بعد الغروب على هضبة صغيرة الحجم يتابع ذلك المنظر الخلاب حتى حل الليل و عم الظلام في الأرجاء، فجلس هو يفكر هل يدوم الليل أم يأتِ صباحٌ يزيله، هل يبقى المرء أسيرًا للماضي أم ان الحاضر يزيل ذلك الماضي؟!
جلس يفكر في الأيام المنصرمة و في محاولته لحل تلك المشكلة التي وقع بها كما لو أنه سقط بفخٍ نُصب له خصيصًا كي يقع به
تذكر أيضًا كيف نزل المطر بالأمس في تلك الصحراء الجارفة، ابتسم تلقائيًا حينما تذكر جلوس «يوسف» تحت المطرِ دون أن يرمش له جفنٌ، عقد ما بين حاجبيه و هو يفكر لماذا لم يراه اليوم و لماذا لم يشاكسه و يشاكس الرجال كعادته في الأيام السابقة حيث يجتمع معهم و يثير حنقهم.
فجأة وصله صوت أحد الرجال يأتِ من خلفه يذكر اسمه بصوتٍ عالٍ و هو يقول:
"يا بشمهندس ياسين، تعالى الحق بشمهندس يوسف الله يرضى عليك"
ركض من موضعه فوجد الرجل يقول بلهفةٍ كبرى:
"تعالى الحق بشمهندس يوسف، محدش في العمال عارف يتصرف، تعالى"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ خوفًا على «يوسف» و رأسه تعج بأفكارًا كثيرة و كلها أكثر سوءًا من بعضها فقرر أن يخطو ناحية الرجل حتى يطمئن على صديقه الغامض.
_________________________
وقفت «خديجة» على عتبة غرفته بعدما جمعت حاجتها و حاجته معها حتى تؤنسها في غيابه، اقتربت منها «زهرة» تودعها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ نتيجة كتمها لدموعها:
"ماكنتش عاوزاكي تمشي يا خديجة، بس مش مشكلة علشان خاطر بنت عمك ميزعلوش، أنا عارفة إن أنتِ كمان زعلانة"
ردت عليها مسرعةً بلهفةٍ:
"زعلانة والله، ماكنتش عاوزة اسيب أوضة ياسين و حاجاته و لا حتى هنا، أنا اللي صبرني هو أني حاسة بوجوده في المكان دا، متزعليش مني اني همشي"
اقتربت منها تقبل رأسها ثم قالت بهدوء:
"مش زعلانة منك يا حبيبتي، روحي و افرحي مع أخواتك و أنا هكلمك كل يوم و اتطمن عليكي، بس خلي بالك على نفسك"
حركت رأسها موافقةً فاحتضنتها «زهرة» بقوةٍ تربت عليها و «خديجة» تبكي بين ذراعيها و الخوف داخل قلبها يزداد، لكنه خوف مجهول المصدر، شبهته هي بالكابوس المزعج الذي يراوض المرء في نومه و يؤرق مضجعه.
في الأسفل أوقف «وليد» السيارة و هو يهاتف شخصًا ما فيه، فسألها بتعجبٍ:
"ازاي يعني يا دكتورة نستغل فترة غيابه صح ؟! مش هي بقت كويسة و خلاص"
ردت عليه «هناء» مفسرةً:
"أيوا يا وليد بس فيه حاجة اسمها انتكاسة، يعني ممكن ترجع تاني زي الاول و أصعب كمان، أنتَ بتقول إن والد ياسين قالك إنها رجعت تقفل على نفسها تاني، و مش سامحة لحد يخترق خصوصيتها، دا كدا شبه وضعها في الأول، لو استسلمت ليه و إحنا صدقنا انها كويسة و بخير، كدا خديجة هترجع لنقطة الصفر تاني، و دا علشان ياسين كان محتل أكبر جزء في حياتها، أحسن قرار انك تخليها وسطكم و تخرجوها من الوضع دا لأن أي حاجة سلبية هتأثر عليها"
رد عليها موافقًا بعدما فهم حديثها و قد أخبرته هي بعدة خطواتٍ يفعلها حتى يعاونها، اغلق الهاتف معها فسألته «خلود» بلمحة حزنٍ:
"هنعمل إيه يا وليد ؟! تفتكر هننجح نخليها تنسي غيابه؟!"
حرك رأسه ينظر لها ثم حرك كتفيه كدليلٍ منه على عدم معرفته بالأمر، ثم نزل من السيارة يقف أمام بوابة البيت و هاتفه معها يطلب رقمها.
نزلت له بعد مرور ثوانٍ و خرجت من المصعد و حينما رأته أمامه ركضت إليه تحتضنه و هي تبكي بقوةٍ، ربت هو على ظهرها و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ نتيجةً لبكاءها:
"بتعيطي ليه بس هو أنا واخدك اعذبك ؟! دا أنتِ هتيجي تقعدي معايا يا خديجة"
ردت عليه هي بصوتٍ متقطع:
"كنت عاوزة افضل هنا في اوضته....أنا خايفة عليه أوي و قلبي مقبوض.....ماكنتش عاوزة أمشي و اسيب اوضته اللي نفسه فيها و محاوطني، بقالي ٥ أيام معرفش حاجة عنه"
اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
"هو كويس متخافيش عليه، بس أنتِ اللي مش كويسة، تعالي معايا دا أنا عاملك مفاجأة حلوة أوي"
حركت رأسها موافقةً ثم سارت معه حتى السيارة فوجدت «خلود» تقف بجوارها، ركضت «خديجة» لها تحتضنها فربتت الأخرى على ظهرها بحنوٍ بالغٍ و كأنها تحتوي طفلة صغيرة بين ذراعيها، ابتسم «وليد» و هو يستبشر الخير في تواجدها معهم في بيت الشباب.
_________________________
ركض «ياسين» من موضعه حتى اقترب من موضع وقوف الرجال المسلحين، فاوقفه أحد الرجال بقوله و هو يشهر السلاح في وجهه:
"أنتَ بالذات مينفعش تخرج من هنا و تروح في مكان، أرجع مكانك جوة"
رفع «ياسين» صوته و تملك منه غضبه فقال بنبرةٍ اقرب للصراخ:
"يعني إيه ؟! بيقولى الحق يوسف، سيبني اتحرك من هنا بدل اطلع جناني عليك"
حاول دفع الرجل و التحرك خارج الحدود الواهية الذين قاموا هم بصنعها، لكن الرجل فاجئه الرجل حينما ضربه بمؤخرة السلاح في وجهه حتى نزف الدم فورًا، فتحدث الرجل بلهجة صوتٍ حادة:
"ارجع بدل ما اخلي الدم دا من طلقة في راسك ارجع بقولك"
على حين غرة و في لمح البصر اخرج «ياسين» السلاح الذي سبق و اخذه من «يوسف» ثم فتحه بطريقةٍ احترافية حتى ظهر النصل الحاد فورًا فاقترب هو من الرجل و هو يقول بغضبٍ واضحٍ و غلٍ في نظرته:
"اقسملك بربي أنا مبقيتش باقي على حاجة خلاص، يعني لو قتلتك هنا و دخلت فيك السجن مش هيفرق معايا، وسع من سكتي أحسنلك بدل ما أطير رقبة اللي خلفتك في ايدي، و ميغركش أني مهندس و ابن ناس علشان أنا جوايا عربجي، فــهــمت ؟!"
رفع صوته في كلمته الأخيرة حتى حرك الرجل رأسه موافقًا عدة مراتٍ خلف بعضهم، حينها دفع «ياسين» رأسه للخلف ثم سحب الهاتف الخاص بالرجل من جيب القميص العلوي الذي يرتديه فوق الجلباب، و قبل أن ينطق الرجل رفع «ياسين» حاجبه و هو يقول مهددًا و قد وضع "المطوة" على رقبته:
"عاوزك تتكلم و تكتر علشان اوريك شغل العربجة بجد، شكلك عاوز تجرب و أنا بموت في التجارب ؟! ها تجرب حظك ؟!"
اخذ الهاتف ثم تحرك من موضعه و الرجل ينظر في أثره بخوفٍ و خاصةً أن رئيسه أخبره أن يظل كما هو سليمًا و لا يضرب أيًا منهم الطلقات عليه.
توجه «ياسين» نحو غرفة «يوسف» دون أن يفهم شيئًا و قد ظن أنه تشاجر مع أحد العمال لكنه تفاجأ به يتسطح الفراش و جسده يرتجف بشدةٍ و وجهه أحمر بشدة غريبة، اقترب منه «ياسين» بلهفةٍ يتفحص حرارته فوجدها مرتفعة للغاية، حينها سأل الرجل الذي ذهب إليه:
"هو ماله بس يا عم محسن ؟! و بعدين كان مختفي فين النهاردة؟!"
رد عليه الرجل بنبرةٍ يغلب عليها الحزن و الحيرة معًا:
"والله يا بني مش عارف، العمال كلهم ناموا و هو من الصبح ادالي المفاتيح و دخل ينام هنا قالي صحيني اصلي العصر، جيت اصحيه لقيته في الحمام، من ساعتها معرفش حاجة عنه، دخلت اسلمه المفاتيح بتاعة المطبخ لقيته زي ما أنتَ شايف كدا، صحيت العمال يشوفوه بس محدش عنده فكرة و لا حتى فيه دوا، قولت أشوفك أنتَ"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منه يتفحصه مرةً أخرى زفر حينها بقوةٍ فسأله الرجل بنفس الحزن:
"حقك عليا يابني اللي حصلك دا بسببي، و وشك بيجيب دم، شكله اتفتح، بس العمال ناموا تاني و أنا مش جايلي قلب امشي و اسيبه"
رد عليه «ياسين» مسرعًا:
"متقولش كدا يا عم محسن، كنت هتعمل إيه يعني ؟!، المهم افتحلي المطبخ أخد منه خل و مياه علشان درجة حرارته تنزل، و أنا هشوف عم عبدالعزيز لو عنده دوا في المطبخ أو حاجة، خير"
حرك الرجل رأسه موافقًا وتحرك من مكانه، بينما «ياسين» اقترب من خزانته يفتحها يخرج منها شيئًا يلائم عمل الكمادات، فتفاجأ بصورة لأسرة مكونة من أربعة أفراد في خزانته و من المؤكد انها أسرته هو، نظر له «ياسين» بشفقةٍ ثم اقترب منه حينما وجده يهزي بعدة كلماتٍ غير مفهومة، مال عليه باذنه فسمعه يقول بنبرةٍ خافتة:
"خليك....متمشيش....خليك....."
جلس «ياسين» بجواره بعدما سحب المقعد المجاور للفراش ورفع كفه يمسد به خصلات ذلك النائم، فوصله صوته و هو يقول من جديد:
"خليك.... يا ياسين.....خليك"
اتسعتا حدقتي «ياسين» حينما وجده يهزي باسمه في نومه و رغمًا عنه فرت عبراته بشفقةٍ على حال ذلك الذي يتسطح الفراش لا حول له ولا قوة.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والستون 65 - بقلم شمس بكري
وقعتُ أسيرٌ في لمعة عينيك، شدتُ رحالي لأخطو إليكِ"
_________________________
مثل ورقةٌ بيضاء وقع عليها حِبرٌ فأصبحت مُلطخةً و غير قابلة للاستخدام قط، حتى أتى "هو" فكان مثل السِحر أمام الحِبر حتى أُزيل أثره تمامًا و عادت الصفحة بيضاء من جديد، ها قد عدنا و عادت صفحاتنا لنَخُط بها مرةً أخرىٰ و ندون بها حياتنا حلوةً أو مُرة.
خليك....يا ياسين....متمشيش"
تفوه بها «يوسف» في نومه يهزي دون أن يشعر هو بذلك، لمعت العبرات في عينيه اللاتي ثبتهما عليه و الأخر يرتجف بشدةٍ و جسده يرتعش كمن مسه ماس كهربائي، رفع كفه يسمد على خصلات شعره مثل الأب الذي يجلس بجوار ابنه أثناء مرضه، في تلك اللحظة دلف الرجل "محسن" و هو يقول بلهفةٍ بعدما جلب ما طلبه منه «ياسين»:
اتفضل يا بشمهندس ياسين، جيبتلك مياة بتلج و معاهم ازازة خل، اتفضل ربنا يجعله بالشفا"
أخذ منه «ياسين» الأشياء ثم وضعها على الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش، فيما وقف الرجل يتابعه بقلقٍ بلغ أشده و ارتسم على ملامحه و هو يتضرع لله سبحانه و تعالى أن يُعيد لذلك الشاب عافيته، شرع «ياسين» في عمل الكمادات الطبية له بالماء المثلج الذي أخذ حرارته الباردة من مُكعبات الثلج المُضافة إليه.
تمم «ياسين» عمل الكمادات الطبية مُمررًا القماشة القطنية في مختلف انحاء جسده، ثم قام بسكب الخلِ على كفيه و قام بمسح جسده به و بعدها رفع الغطاء عليه يدثره به جيدًا و هو يربت عليه بأسى بحنانه المعتاد الذي يغدق به الجميع.
تنهد هو بعمقٍ بعدما لاحظ انخفاض الحرارةِ بدرجةٍ ملحوظة، جلس على المقعد مرةً أخرى فسأله "محسن" بنفس القلق البادي على قسمات وجهه:
ها يا بشمهندس ياسين؟! الحرارة نزلت شوية؟! طمني؟"
حرك رأسه موافقًا حركةٍ خافتة بالكاد تُرى بالعين و تدل على تحرك رأسه، فخرج الرجل من الغرفة بصمتٍ و عاد مرةً أخرى تحت تعجب «ياسين» حينما قلب فمه للأسفل بحيرةٍ، حيث وجده يدلف له من جديد و في يده صندوق للاسعافات الأولية، قطب «ياسين» جبينه بتعجبٍ فتحدث الرجل و هو يلهث بقوةٍ من فرط حركته:
تعالى يا بشمهندس علشان اداوي جرحك قبل ما يورم، تعالى يلا"
رد عليه «ياسين» برفضٍ قاطعٍ:
لأ يا عم محسن متتعبش نفسك، أنا هغسل وشي و هشوف مرهم كدا و لا حاجة"
اقترب منه الرجل يجلس أمامه و هو يقول بنبرةٍ مُصرة على قراره:
لأ مينفعش، جرحك كدا هيلتهب و كدا غلط، أنا هطهره ليك و هحطلك مرهم، تعالى بس"
حرك رأسه موافقًا مُستسلمًا لحديث الرجل و هو يعلم تمام العلم أنه محقًا تمامًا، أمسك الرجل وجهه براحةٍ ثم أمسك القطنة الصغيرة بعدما قام بوضع المُطهر عليها يقوم بتطهير جبينه ثم أعاد الكُرة من جديد و هو يطهر الجرح الذي وقع على جبينه يفصل بينه و بين عينه اليُسرى مسافة قليلة، شرد «ياسين» في وجه الرجل و هو يبتسم بحنينٍ جارف حينما تذكر موقفًا مشابهًا لذلك مع "رياض"، لمعت العبرات في عينيه و راح عقله يصور له ذلك المشهد كما لو أنه واقعًا ملموسًا يُجسد أمام ناظريه.
(منذ عدة سنوات)
كان «ياسين» حينها في منتصف المرحلة الثانوية و حينها دلف شقته بعد عودته من المدرسة و كان حينها والده ينتظره في الشقة دون والدته، دلف «ياسين» الشقة بخطواتٍ مُترددة بسبب الجرح الذي أصاب رقبته حينما تهجم عليه أحد الشباب و على أخوته و حينها اجتمعوا اربعتهم سويًا يضربونهم.
حاول الهروب من مواجهة والده و الدخول لغرفته مباشرةً، لكن صوت والده أوقفه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
تعالى يا ياسين، رايح فين؟! أنا شوفتك يا حلو، تعالى"
ازدرد لُعابه بخوفٍ و هو يقترب منه بخطواتٍ متمهلة بسبب ملابسه الغير مُهندمة و الجرح الذي أصاب رقبته و الخدش الكبير الذي توسط ذراعه، وقف أمام والده و نكس رأسه للأسفل بخجلٍ منه، فتحدث والده يسأله بثباتٍ واهٍ يتنافى مع الخوف الذي يأكل قلبه خوفًا عليه :
مالك ؟؟ إيه اللي عمل فيك كدا و بهدلك ؟! خلاص بقيت بتاع خناقات و رجلك خدت على الموضوع دا يا ياسين ؟!"
رد عليه مُسرعًا بكلماتٍ ظهرت بها لهفته و توسله في هدوء والده حتى يستمع له:
لأ و الله يا بابا مش كدا، إحنا مكانش لينا علاقة أصلًا بالموضوع، بس فيه ولاد ضايقوا بنات و احنا اتدخلنا لحد ما الموضوع وصل لخناقة بينا بالايد"
أمعن والده النظر في وجهه يستشف صدق حديثه، فسأله بنبرةٍ جامدة و حروفٍ أكثر ثباتًا:
احكيلي حصل إيه بالظبط؟! و من غير خوف أو كدب، طالما أنتَ معملتش حاجة غلط، احكي"
تنهد «ياسين» بعمقٍ ثم قال:
خرجنا من المدرسة احنا الأربعة و عدينا في طريقنا على مدرسة البنات أنتَ عارفها علشان نجيب عمار من مدرسته، لقينا ولاد زمايلنا واقفين بكلاب علشان يضايقوا البنات، و فيه بنت كانت عمالة تعيط و هما بيضحكوا عليها، طلبنا منهم يمشوا، قلوا أدبهم علينا و فيهم واحد شتمنا، مسكنا فيهم لحد ما ضربناهم، بس والله معملناش حاجة غلط"
كانت نظرات والده حادة و هي موجهة نحوه، فتحرك والده من أمامه دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة، ثم خرج له من جديد و الأخر ينظر في اثره بتعجبٍ حتى ظهر والده مرةً أخرى أمامه و في يده الأدوات الطبية التي قد يستخدمها في تطهير الجرح، ثم اقترب منه دون أن ينبث ببنت شفة، فقط وقف أمامه يقوم بتطهير الجرح حتى سأله «ياسين» بنبرةٍ مهتزة:
بابا هو حضرتك مش بتتكلم ليه ؟! على فكرة أنا مغلطتش في حاجة، و لا حد فينا غلط"
أبتسم له «رياض» و هو يقول:
عارف إنك مش غلطان و عارف إن دمكم حامي و مبتتحملوش الغلط، بس عاوزك بعد كدا تكون حكيم أكتر، مش كل حاجة بالضرب و السلاح و رفع الصوت، لازم الأول تدي فرصة لعقلك أنه يفكر بحكمة، لأن لو الدنيا كلها ماشية بالدراع كان زمانها بقت غابة، فكر بالعقل و احسبها صح، و بعدين داخل خايف ليه ؟؟ طالما مغلطتش في حاجة لازم تخلي عينك قوية، صاحب الحق عينه جامدة، طول ما أنتَ صاحب حق متخافش من حاجة"
كان يحدثه و هو يُمرر القطنة على جرحه ثم أخذ اخرى و قام بتطهير جرح ذرعه، ابتسم «ياسين» رغمًا عنه بتأثرٍ حتى انهى والده ما يقوم بعمله ثم وضع اللاصق الطبي فوق جروحه، بعدها قبل رأسه ثم احتضنه و هو يقول بعاطفةٍ أبوية خالصة:
ربنا يحفظك ليا و يخليك ليا يا سند أبوك في الدنيا و سبب دخولي الجنة إن شاء الله، ربنا يباركلي فيك يا سندي و عزي و عزوتي كلها"
بكى «ياسين» بين ذراعي والده و الأخر يربت عليه بحنانه المعتاد الذي جاهد حتى يتربى عليه وسط قسوة العالم الموحشة.
(عودة إلى الوقت الحالي)
نزلت العبرات الساخنة على وجنته فور تذكره ذلك اليوم و تلك اللحظة المؤثرة، كان الرجل يضع اللاصق الطبي و أنهى عمله، و قبل أن يتحدث لاحظ دموع «ياسين» التي خرجت من منبعها ثم توجهت تعرف طريقها نحو وجنتيه، أمعن الرجل النظر في وجهه فلاحظ شروده و تيه نظراته مما يدل على وجوده في عالمٍ أخر، و حينها تحدث يسأله بتعجبٍ من حالته و دمعته الهاربة:
مالك يا بشمهندس ياسين؟! سرحت فين و إيه اللي مخلي دموعك تنزل ؟!"
انتبه له «ياسين» و خرج من قوقعة شروده ثم حرك رأسه حتى تتقابل نظراتهما، حينها تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ خافتة:
و لا حاجة يا عم محسن، سرحت شوية بس، متقلقش"
ربت الرجل على يده و هو يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ تعلوه بسمةٌ هادئة:
ربنا يسترها عليك يابني و يكرمك و يخلصك من اللي أنتَ فيه دا على خير يا رب"
حرك رأسه له بقلة حيلة مومئًا على حديثه، فتحرك الرجل من أمامه بعدما جمع حاجته، فيما تحرك «ياسين» يبحث عن مصحف في تلك الغرفة لكنه لم يجد، حينها خرج من الغرفة بعدما وضع يده على رأس «يوسف» يتحسس حرارته.
خرج من الغرفة حتى يتوجه نحو غرفته فوجد الرجل يرمقه بشررٍ يقدح من عينيه و كأنها سهامًا تخترق جسد العدو، رمقه «ياسين» بثباتٍ ثم أخرج السلاح من جيبه و قام بفتحه بنفس الطريقة و هو يقول بلهجة صوتٍ حادة:
أنا داخل أوضتي و خارج تاني، عظيم بيمين لو فكرت تقف في سكتي لأكون جايب رقبتك، و لسه حق وشي و اللي فيه مخدتهوش، بس متقلقش هاخده تالت و متلت"
تحرك نحو غرفته و لازالت "المطوة" في يده مفتوحة و نصلها يلمع بشدة، دلف غرفته يأخذ المُصحف منها ثم توجه نحو غرفة «يوسف»، حينها اقترب أحد الرجال من رئيسه و هو يقول بتعجبٍ:
ما نخلص عليه و نريح نفسنا، هو احنا هنخاف منه يعني ؟!"
رد عليه الرجل بغلٍ واضحٍ:
الشيخ صالح قال محدش يأذيه، هو عاوز يأدبه علشان يعرفه ازاي يقل بينا، لو عليا هفرغ السلاح في نص راسه"
دلف «ياسين» الغرفة ثم جلس على المقعد بجوار الفراش بعدما أغلق الباب من الداخل و تأكد من ذلك، فتح المُصحف على سورة «يَـــسٓ» يقرأها بصوته العذب و خشوعٍ في تلاوته جعلت «يوسف» يفتح عينيه على مضضٍ بتشوشٍ و ضياعٍ كما رؤية الضباب، اخترق صوت «ياسين» سمعه و توصل لقلبه فورًا فاغمض عيناهُ في سلامٍ يتمتع بتلك التلاوة العِطرة
، و لكن قبل أن تُغمض عينيه شعر بلهيب الدموع في مقدمة مُقلتيه، قرر الهروب من تلك الدموع و قرر أن ينام قرير العين مُطمئن البال في رحاب تلك الآيات العذبة الذي طمئنت قلبه، فكر قبل أن يغرق في نومه فكر هل طبيعة البشر حنونة مثل «ياسين» أم أنه هو فقط الذي تربى في منابع القسوة؟؟ هل جميعهم يضحون بأنفسهم لأجل الغير أم أن «ياسين» من سلالةٍ نقية لم تشوبها شائبة؟!
_________________________
وصلت سيارة «وليد» أمام البناية الخاصة به، فتحدث بمرحٍ يرحب بهما قائلًا:
وصلنا بيت الرشيد الصغير يا خوخة منك ليها، نستعد بقى لأيام الدلع"
صفقت «خلود» بكفيها معًا بحماسٍ، بينما الأخرى كانت في عالمٍ أخر و هي تفكر لماذا تركت غرفته و أشياءه و رائحته التي تعبق من غرفته، نظرا كليهما لبعضهما البعض بأسى عليها، فأمسك «وليد» يقول بنبرةٍ هادئة:
إيه يا خديجة؟! مش فرحانة ولا إيه ؟! دا أنا قولت إنك هتطيري من الفرحة علشان جاية معايا، كدا تضربيني في مقتل ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ خافتة:
هو أنا جاية هنا ليه يا وليد ؟! رجعني تاني أحسن علشان خاطري، أنا مكنتش عاوزة أوضة ياسين أصلًا"
زفر هو بيأسٍ ثم تحدث بنفس الهدوء مراعيًا حالتها:
أنا عارف، بس أنتِ وحشتيني اوي و بنات العيلة كلهم هنا و هدير راجعة بيتها خلاص، خليكي معانا علشان خاطري و وعد مني لو لقيتك زعلانة أو مخنوقة أنا بنفسي هرجعك تاني لحد أوضة ياسين"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ ثم نزلت من السيارة حينما نزل هو، و خلفهما «خلود»
وصلا معًا أمام شقة «وليد» أولًا ففتحت لهم «عبلة» و حينما وجدت «خديجة» ابتسمت بفرحةٍ كبرى ثم ارتمت عليها تعانقها و هي تقول:
ديجا !! إيه النور دا ؟؟ مفاجأة حلوة أوي إنك جيتي"
احتضنتها «خديجة» و هي تقول بنبرةٍ هادئة يشوبها مرحٍ طفيفٍ:
وحشتيني اوي يا عبلة، اخبارك اي طمنيني"
ابتعدت عنها الاخرى و هي تقول:
فرحانة علشان شوفتك و علشان هتقعدي معانا هنا، البيت نور بيكي"
ابتسمت لها «خديجة» بحبٍ فيما مال «وليد» على أذن «خلود» يقول بنبرةٍ هامسة:
شوفتي بترحب بخديجة إزاي ؟! إلا ما تفت في وشك حتى !! لو منك ماسكتش و أخد حقي"
رفعت حاجبها بشرٍ و قبل أن تنوي القيام بأي رد فعل بعد حديثه، وجدت «عبلة» تقترب منها تحتضنها و هي تقول مرحبةً بها:
وحشتيني اوي يا خلود، اخبارك إيه طمنيني، عملتي إيه في امتحاناتك؟!"
ردت عليها بحديثٍ غامضٍ:
لحقتي نفسك يا عبلة، بس أنا كويسة الحمد لله، كفاية أني شوفتك"
ابتسمت لها و هي تقول بحماسٍ:
طب يلا ادخلوا، علشان بعدها نبدأ ليلتنا، يلا بسرعة"
دلفت «خديجة» و خلفها «خلود» بينما «وليد» كان واقفًا على اعتاب الشقة، طالعته «عبلة» بتعجبٍ فوجدته يقول بصراحةٍ تعهدها منه دائمًا:
أيوا يعني أنا متحضنتش ليه ؟؟ هما أحسن مني يا سوبيا؟!"
ابتسمت بيأسٍ منه فوجدته يقترب منها يقبل وجنتها ثم نظر في عينيها و هو يقول بنبرةٍ هائمة:
وحشتيني"
اتسعت بسمتها و هي تقول:
و أنتَ كمان وحشتني أوي، بس ادخل بقى يلا، هتفضل واقف كدا؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بخبثٍ:
طب و الحضن ؟!"
سحبته نحو الداخل و هي تقول بقلة حيلة و يأسٍ منه:
ادخل بس يا سيدي كلهم مستنينك ترجع، يلا و هحضنك حاضر"
دلف معها نحو الانتريه الذي جلست عليه كلتاهما، فقال هو مُرحبًا بهما:
نورتوا بيت أخوكم يا حبايب أخوكم، و الله خايف النجفة تغير من طلتكم دي، و تحس إن فيه حد غطى عليها"
ابتسمت كلتاهما، فاقتربت «عبلة» تسألهما بحماسٍ:
سيبكم من كلامه مبيأكلش عيش، تاكلوا إيه و لا تشربوا إيه؟؟ عندنا كل حاجة سخن و ساقع، اؤمروا"
ردت عليها «خديجة» بوجهٍ مُبتسمٍ و بنبرةٍ هادئة:
متتعبيش نفسك يا عبلة، تعالي بس اقعدي معانا و كل حاجة هتبقى تمام"
تحدث «وليد» بجديةٍ زائدة عن الحد و بنبرةٍ منفعلة:
يعني إيه ؟؟ أومال أنا متجوزها ليه ؟! مش علشان تخدمنا ؟! خشي يا بت هاتي حاجة لأخواتي بسرعة، كل حاجة هنا تحضر قصادهم"
اتسعتا حدقتي كلًا من «خديجة» و «خلود»، فيما رفعت «عبلة» حاجبيها تطالعه بتهكمٍ، فتنحنح هو يُجلي حنجرته ثم قال بنبرةٍ هادئة:
طب عندي أنا الطالعة دي، هدخل أنا أوجب معاكم، حد فيكم عاوز حاجة معينة؟!"
لم يصله ردٌ من أيًا منهن، فتحرك هو بمرحٍ و هو يقول بنغمةٍ هادئة:
يوم تلات تلات بنات ندهولي.... على البساط بساط يا ناس عجبوني....قعدة و انبساط غدا و عزموني...."
اختفى صوته مع اختفاء اثره في الداخل و هن يضحكن عليه بقوةٍ، فتحدثت «خديجة» تسألها بنبرةٍ هادئة:
مزعلك أو حاجة ؟؟ عرفيني و أنا أكلمه ليكي"
ابتسمت لها «عبلة» ثم قالت تُطمئنها بملامح هادئة:
لأ خالص و الله، الحمد لله هدي عن الأول، حساه بطل شقاوة كتير عن الأول"
_"ســـوبــيـا...الكوبايات الكبيرة فين ؟؟ بسرعة يا ست"
تفوه هو بها بنبرةٍ عالية يستفسر منها عن مكان الاكواب، فتحدث هي بيأسٍ بعدما تلاشت بسمتها:
مش أوي، لسه فيه حتة سلك لامسة في التانية"
ضحكت عليها «خديجة» بقوةٍ و «خلود» تضرب كفًا بالأخر حينما تحركت «عبلة» له بالداخل.
بعد مرور ثوانٍ شارفت على دقيقة كاملة، خرجا كليهما و هي تحمل العصير بيدها و هو خلفها يبتسم بهدوء ثم جلسا كليهما أمامهما، فتحدث «وليد» مشاكسًا زوجته:
حطي العصير قدام الخوختين بتوعي، يلا يا سوبيا"
حركت رأسها نفيًا بيأسٍ ثم أمسكت الكوبين تعطي كلًا منهما على حِدة، و هو يبتسم بهدوء، حتى جلست هي بقربه ثم مدت يدها له بالكوب الخاص به، أخذه منها و هو يبتسم لها ثم قال:
بسرعة بقى علشان نطلع السطح، أنا محضر المفاجأة من امبارح، ها بسرعة يلا"
سألته «خلود» بنبرةٍ حماسية:
إيه بسرعة قول ؟؟ عامل مفاجأة علشاني صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال مُبتسمًا:
لما نطلع هتعرفي كل حاجة، غيروا هدومكم بس علشان نطلع، يلا"
ارتشفت كلتاهما العصير و أخذت قطعة حلويات من الطبق الموضوع أمامها ثم أخذتهما «عبلة» للغرفة الخاصة بالأطفال حتى يبدلا ثيابهما، و قد عادت له من جديد تجلس بجواره، فمال عليها هو يقول بنبرةٍ هامسة:
هو أنا قولتلك قبل كدا إنك بنت أصول و إن أنا بحبك؟!"
رفعت عينيها بدهشةٍ ممتزجة بفرحةٍ تضج من عينيها، فحرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
كل مرة بتثبتي فيها إنك الاختيار الصح و الأصح"
ابتسمت بخجلٍ و هي تقول:
طب بس عيب بقى علشان الخوختين بتوعك جوة، عيب"
غمز لها و هو يقول بعبثٍ:
و إيه يعني ؟؟ لو هما خوختين، أنتِ السوبيا بتاعتي و حقي في الدنيا"
حركت رأسها تطالعه حتى اتصلت نظراتهما ببعضهما و كلًا منهما يطالع عمق عيني الأخر بحبٍ بالغٍ حتى انقطعت تلك اللحظة بخروج «خلود» من الغرفة أولًا و خلفها شقيقتها.
_________________________
في شقة «رياض» جلست زهرة في الشرفة تبكي بمفردها بحزنٍ زاد بعد رحيل «خديجة»، اقترب «رياض» يجلس على المقعد المقابل لها و هو يقول بغلبٍ و قلة حيلة:
ممكن اعرف بتعيطي ليه طيب ؟؟ هو حد جه جنبك و لا زعلك يا زهرة؟؟"
ردت عليه بنبرةٍ منفعلة:
آه ، أنتَ مزعلني، خليتها تمشي و أنتَ عارف أني بحبها، لما هي مشيت أنا زعلت و حسيت إن ياسين سابني بجد، صعبان عليا أوي انها تكون مش معايا"
تنهد هو بقلة حيلة ثم قال بهدوء محاولًا التخفيف عنها:
أنا عارف إنك زعلانة و عارف كمان إنك مخنوقة علشان هي مشيت و اللي مزعلك أكتر أنها كانت عاوزة تفضل هنا و متمشيش، بس احسبيها صح يا زهرة، خديجة يعتبر ملهاش مؤخرًا غيره هو، كله بيشوفهم سوا يقول عليهم أب بيعامل بنته، أو بنت ماسكة في ايد أبوها، مش سهل في يوم و ليلة كدا يختفي من حياتها حتى صوته متسمعهوش، لو فضلت هنا حابسة نفسها مع حاجاته و أوضته كدا المشكلة هتكبر، يرضيكي لما يرجع يلاقيها زعلانة بالمنظر دا يا زهرة ؟! أنا مرضهاش ليها أنها تضيع في الزعل كدا"
حركت رأسها موافقةً باستسلامٍ، فاقترب هو منها يقبل قمة رأسها ثم قال بهدوء:
ادعيلهم هما الاتنين، ربنا يهون عليها و يستر طريق ابنك هناك"
بكت هي بقوةٍ و هي تقول:
وحشني أوي، من ساعة آخر مرة سمعت صوته فيها و أنا معرفش حاجة عنه، أكيد فيه حاجة غلط، ياسين طالما عرف طريق الشبكة هناك أكيد كان هيكلمنا، ليه طول كدا ؟!"
رد عليها بقلة حيلة يحاول بثها بعض الطمأنينة على رغم من القلق الذي يتأكله:
أكيد بيتعب طول النهار و بيروح ينام اخر الليل، ممكن يكون مشوار الشبكة دا بعيد عنه، ادعيله و ادعي ربنا يطمنك عليه، و افتكري إن هو في حفظ ربنا"
بكت و هي ترفع رأسها للأعلى و تقول بحرقة قلبٍ و خوفٍ:
يـــا رب ردهولي بالسلامة يا رب ، طمن قلبي عليه و ريحني و ريح قلب مراته يا رب"
صعدت «خديجة» السطح خلف اخوتها و كانت آخر من دلف من الباب، و قد تفاجأ الجميع بوجودها معهم، ابتسم الشباب براحةٍ فيما ركضت الفيتات لها بصراخٍ حماسي نحوها و كلًا منهن تريد معانقتها،
ابتسمت هي بفرحةٍ كبرى و بدأت تبادلهن التحية بمثيلتها تمامًا ثم ألقت التحية على الشباب دون أن تمد يدها، حتى تحرك «وئام» لها ثم احتواها بين ذراعيه و هو يربت على كتفها و قال بنبرةٍ هادئة يمازحها بوجهٍ مُبتسمٍ:
البيت نور بيكي يا قطة، وحشتيني اوي يا خديجة، طمنيني أخبارك إيه؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة بعدما واجهته بنظرها:
الحمد لله يا وئام، أنتَ إيه اخبارك طمني، كويس ؟!"
حرك رأسه موافقًا فاقتربت منها «هدى» تمد يدها لها بـ «فارس» و هي تبتسم باتساعٍ و تقول بمزاحٍ:
اتفضلي يا عمتو، ابن اخوكي معاكي اهوه، مش بديهولك علشان دراعي وجعني لا سمح الله و لا علشان اريح شوية، إطلاقًا، دا علشان واجبك كـ عمة و خالة إنك تريحيني و تريحي ابني، و لا إيه يا جماعة ؟!"
ضحكوا عليها جميعًا، فتحدثت «هدير» بتهكمٍ و ضجرٍ منها:
أنتِ أم مفترية و ظالمة، من ساعة ما جيت عندك هنا و أنتِ مشيلاني الواد، إيه دا يا ست أنتِ ؟!"
ردت عليها «هدى» بحنقٍ:
أنتِ مالك يا هدير ؟؟ هو مش ابن أختك ؟؟ الله...ريحي نفسك خديجة هنا و هتشيله و لا إيه يا خديجة، متكسفينيش ؟!"
ردت عليها «خديجة» بنبرةٍ هادئة خاضعة لها:
أنا عيوني ليكي و لفارس يا هدى، دا الغالي ابن الغاليين"
رفعت «هدى» كفيها للسماء تقول بنبرةٍ عالية:
روحي ربنا ينصرك و يكرمك و يفرحك و يرجعلك ياسين يا رب"
ردت عليها بلهفةٍ دون أن تعي لذلك أو تقصده حتى:
يا رب يا هدى، يا رب"
طالعها الجميع بشفقةٍ و تأثرٍ و حزن لأجلها خاصةً مع ملامحها الباهتة و وجهها الشاحب و كأنها خرجت لـ توها من دورة مرضٍ أصابت ملامحها، و بين كل تلك العيون كانت عيون «وليد» تطالع قسمات وجهها و نظرة عينيها التي هربت منهم جيمعًا بحزنٍ حتى زفر بقوةٍ و هو يفكر كيف تعود كما كانت ؟!
_________________________
خرج من غرفة «يوسف» بعدما تأكد من هبوط حرارته و غوصه في ثباتٍ عميقٍ ثم جلس على الصخرة التي يجلس عليها دومًا منذ قدومه هنا ثم أخرج الهاتف الذي أخذه من الرجل يطلب منه رقم «خالد»، كان حينها يجلس مع ابنه في شقة «ميمي» معه أخوته وحينما وجد الرقم قطب جبينه بتعجبٍ ثم قال مُجيبًا على الهاتف:
ألو مين معايا ؟!"
تنهد «ياسين» و هو يقول:
أنا ياسين يا خالد"
انتفض «خالد» من موضعه و هو يقول بلهفةٍ:
ياسين ؟؟ طمني عليك يا حبيبي أنتَ كويس ؟! فينك و سايبنا هنموت من القلق عليك، طمني عليك"
شهقت «ميمي» و تقدمت بجسدها للأمام و «ياسر» الذي تأهب في جلسته، بينما
اقترب «عامر» في تلك اللحظة يحاول سحب الهاتف منه و هو يقول:
اديني التليفون يا عم بقى، هات"
زفر «ياسين» بقوةٍ ثم قال:
اخلصوا و افتحوا الصوت و اكلمكم كلكم، يلا أنتَ و هو"
ضغط «خالد» على زر الصوت، فتحدث هو بنبرةٍ أهدأ:
عاملين إيه كلكم و ميمي عاملة و يونس ؟؟ انتم كويسين؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
احنا كلنا بخير ناقصنا وجودك أنتَ بس يا ياسين، طمني عليك و قولي إنك كويس ؟! قلبي وجعني عليك أوي"
تنهد هو بقلة حيلة ثم ابتلع غصة مريرة في حلقه و هو يقول:
أنا كويس متخافيش عليا، و بعدين ادعيلي يا ميمي، عاوز ارجع بقى علشان أشوفكم، دا أنا معاكم في نفس البلد و مش طايق نفسي، الله يكون في عون اللي متغربين بجد"
رد عليه «عامر» بقلقٍ:
الدنيا عندك عاملة إيه طيب ؟! و ليه مش بتتصل من تليفونك ؟! رقم مين دا ؟!"
رد عليه بثباتٍ:
مفيش شبكة هنا خالص يا عامر، دا واحد من العمال اللي معانا جايب الموبايل دا علشان يتطمن على عياله، عرض عليا أكلمكم قولت فرصة، المهم كل حاجة تمام ؟!"
رد عليه «ياسر» تلك المرة:
حتى لو كل حاجة تمام هتفضل ناقصة من غيرك يا ياسين، بس متخافش اخواتك جامدين و في ضهرك، أرجع بس أنتَ"
تحدث هو بنبرةٍ متعبة:
يا رب يا ياسر، ادعيلي بس ربنا يكرمني علشان الوضع صعب أوي هنا"
سأله «خالد» بنبرةٍ جامدة:
وضع إيه ؟! و إيه اللي بيحصل عندك مخليك تعبان كدا ؟! ياسين نجيلك ؟!"
تشدق «ياسين» بنذقٍ بعد جملة الأخر و هو يقول بيأسٍ تمكن منه:
تجولي فين بس يا خالد ؟! أنا في الصحرا و في مكان ملوش معالم، خليكم عندكم بس و خلوا بالكم من اللي ليا عندكم، و خلي بالك من يونس"
رد عليه «خالد» بنبرةٍ أهدأ:
اهو معاك أهو هخليه يكلمك، ثواني"
مد الهاتف لابنه و هو يبتسم له و يقول بنبرةٍ مرحة و كأنه يداعبه:
كلم ياسين يا يونس، خد كلمه"
خطف الهاتف من والده فورًا و هو يقول بلهفةٍ لم تختلف عن لهفة الكبار:
ياسين، عامل إيه ؟"
على الرغم أن حديثه لم يكن مفهومًا نوعًا ما إلا أنه فهمه و فسره أيضًا فقال بتأثرٍ و صوتٍ مختنقٍ:
أنا كويس يا يونس، أنتَ عامل إيه يا قلب يا ياسين، وحشتني أوي أوي أوي، وحشني حضنك"
رد عليه هو الاخر بعدما حرك عينيه لهم جميعًا:
وحشتني...."
أبتسم «ياسين» و على الجهة الأخرى أخوته و «ميمي»، فتحدث «يونس» مُغمغمًا بعدة كلماتٍ كعادته غير مفهومة، حينها تدخل «خالد» يقول مفسرًا حديث ابنه:
بيقولك أنه راح عند جدو رياض و قعد مع تيتة و جدو و خديجة، هتيجي امتى ؟"
اتسعت بسمته أكثر و هو يقول باشتياقٍ لهم جميعًا:
هانت يا خالد، ربنا يكرم إن شاء الله، الحمد لله أني اطمنت عليكم، عن اذنكم بقى علشان أكلم أبويا و أمي"
أغلق معهم المكالمة ثم قام بإرسال رسالة لصديقه فحواها:
خليك متابعني على الرقم دا، لو بعتلك تاني أن كل حاجة كويسة، يبقى خلاص، لو لأ، يبقى خليك متابع و أنا هفهمك كل حاجة، ادعيلي يا خالد"
انتاب القلق قلب «خالد» بعد تلك الرسالة و ظهر على قسمات وجهه و تأكد أن أخيه حقًا في مأزقٍ، لو كان يعلم أين هو تحديدًا وأين تقع وجهته لكان ذهب إليه و بقى بجواره، لكنه لا يدري حتى اين تحديدًا تقع تلك المنطقة على الخريطة.
زفر «ياسين» بقوةٍ و هو يعلم أن خياره لـ «خالد» كان الأصوب بينهم جميعًا و ذلك لأنه أكثرهم ثباتًا و تحكمًا في مشاعره، على عكس «ياسر» الذي يظهر تأثره و ينفعل و يثور فورًا من القلق و فرط الخوف، و على عكس «عامر» الذي يفقد السيطرة على مشاعره و يصبح طفلًا صغيرًا يبكي من الخوف على احبته، لكن «خالد» يستطع التحلي بالثبات مثل الأب أمام ابنائه حتى لا يزداد خوفهم.
أخرج رقم والده يهاتفه، فرد عليه والده باستغرابٍ من ذلك الرقم:
السلام عليكم مين معايا؟!"
رد عليه بنبرةٍ يشوبها مرحٍ طفيفٍ حتى لا يلفت نظرهم و يثير خوفهم:
مش عارف صوت نفسي ؟! هي دي الأبوة اللي بينا ؟! أومال لو مش عشرة ٢٩ سنة يا رياض ؟! نسيت اللي بينا كله ؟!"
رد عليه والده مسرعًا بلهفةٍ:
ياسين، حبيب أبوك و سنده و سكنه، عامل إيه يا حبيبي؟!"
رد عليه بصوتٍ مختنقٍ من تأثره:
أنا كويس الحمد لله أوي، متخافش عليا، مخلف أسد وسط الصحرا، المهم ماما عاملة إيه و خديجة ؟! كويسين ؟!"
رد عليه والده بنبرةٍ ضاحكة يحاول طمأنته عليهما:
كويسين ياض، دول مع رياض، أمك عمالة تعيط قدامي أهيه، و قالبة الدنيا مناحة و نكد، خد طمنها إنك كويس"
خطفت الهاتف و هي تقول بنبرةٍ باكية نتيجة لعاطفة امومتها:
ياسين، طمني عليك يا حبيب ماما، أنتَ كويس صح ؟! كل متكلمناش؟! وحشني صوتك و كلك وحشتني اوي"
أبتسم هو بحنينٍ و هو يقول:
و أنتِ يا نور عين ياسين و روحه، وحشتيني يا زوزو، أخبارك إيه"
ردت عليه هي ببكاءٍ أكثر:
كويسة علشان اطمنت عليك و قلبي ارتاح كدا، أنتَ كويس صح؟"
رد عليها مؤكدًا:
كويس الحمد لله، طول ما أنتِ بتدعيلي أنا كويس يا ماما، المهم البت خديجة عاملة إيه؟!"
سألها بمرحٍ فحركت عيناها نحو زوجها و كأنها تستفسر منه، فسحب الهاتف من يدها و هو يقول مشاكسًا له:
قلقان عليها ليه؟! هو أنا زعيم عصابة ياض ؟! اتطمن عليها، خايف من إيه؟!"
رد على والده بجديةٍ لا تتناسب مع كلماته الهزلية التي يتحدث بها:
خايف ارجع ألاقيكم زي سعدية و خال خِضر، خايف أرجع ألاقيكم عاملين فرقة يا حج والله"
ضحك والده بقوةٍ و هو يتخيل المنظر، فسأله «ياسين» بهدوء:
طمني عليها هي عاملة إيه؟؟ زعلانة صح ؟!"
رد عليه والده بتريثٍ و كلماتٍ هادئة يحاول تهدئته و طمأنته:
خديجة مش هنا يا ياسين، خديجة مشيت راحت عند وليد"
تحدث «ياسين» بتعجبٍ و بنبرةٍ جامدة إلى حدٍ ما:
ليه يا بابا ؟! مشيت ليه بس؟؟ أنا كنت متطمن علشان هي معاكم، و كنت عارف انكم هتخلوا بالكم منها، إيه دا بس هو أنا ناقص يا ربي ؟!"
رد عليه والده بهدوء:
أفهم يا ياسين، خديجة هنا تعبت و لوحدها من غيرك، مبتخرجش من أوضتك و لا بتسيب حاجتك، عاوزني اسيبها كدا ؟! أنا سلمتها لوليد زي ما أنتَ قولتلي"
تنهد هو بقلة حيلة ثم تحدث على مضضٍ و هو يقول:
ربنا يبارك فيك يا حبيبي، أنا عارف إنك هتعمل اللي تشوفه صح، سلملي على ماما و أنا هكلمها أطمنها"
أغلق الهاتف مع والده ثم أخرج رقمها و قبل أن يطلبه قال بغلبٍ و يأسٍ تمكن منه و كان حديث والده بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، فقال:
هو أنا كنت ناقص أخاف عليكي أنتِ كمان ؟! ليه بس يا خديجة؟"
فوق سطح بيت الشباب كانت «خديجة» تجلس وسطهم و «حسن» و «وليد» يقوما بشواء الطعام على النيران، و «طارق» يقوم بعمل السلطة و «وئام» يقوم بترتيب الطاولةِ و الفتيات يقمن بمساعدتهم.
رفع «وليد» صوته و هو يقول بنبرةٍ جامدة منفعلًا في وجه «حسن»:
إيه يا حسن ؟! أنتَ بتشويها في نار جهنم ؟! الفراخ قربت تتحرق، طلعها من على الشواية و ارفعها بقى يا عم"
رفع «حسن» ماسك الطعام الساخن في وجهه و هو يقول متوعدًا له:
ولا ؟؟ متخنليش أطلع روحك أنتَ و ارفعها للي خلقها، داهية تاخدك، عديم الرباية"
رفع «وليد» حاجبه و هو يقول بتهكمٍ و يهدده:
ما بلاش، كلنا عارفين مين عديم الرباية و ساكتين يا أبو علي، و بعدين قاعد في بيتنا و لابس ترنج أخويا و هتاكل من الفراخ اللي بشويها ؟!"
رفع «حسن» أحد حاجبيه و هو يسأله بثباتٍ:
و مين اللي جايب الفراخ دي يا عين أمك ؟؟ و مين اللي اشترى الشواية الكبيرة ؟! و أنتَ رايح تجيب لينا فازة ؟!"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ جامدة:
أنتَ، بس مش مبرر على فكرة، و بعدين أنتَ مبرطع في البيت براحتك أوي"
أبتسم له «حسن» باستفزازٍ و هو يقول بنبرةٍ أثارت حنقه:
لما يبقى بيت أمك لوحدك ابقى اتكلم، دا بيت أخواتي يا حبيبي"
رفع «طارق» صوته بضجرٍ:
بس بقى يا جاموسة أنتَ و هو ؟! خلصوا أنا جعان، مكانتش وجبة شوي دي هتقرفونا بيها، شورة مين الهباب دي ؟!"
ردت عليه «جميلة» بنبرةٍ ضاحكة:
شورة خلود، أحمد و ماما قالوا انها كانت عاوزة تشوي فوق سطح الرشيد بس وليد قال يعملها هنا لما نتجمع سوا، بصراحة اختيار موفق، أنا بحب الحاجات المشوية أوي"
غمز لها «طارق» و هو يقول بمشاكسىةٍ لها أمام الجميع:
بتحبي الشوي ؟؟ دا أنا علشانك اشويلك خروف مخصوص، أقولك اشويني أنا شخصيًا"
ضحك الجميع عليه، بينما «وئام» تحدث بدهشةٍ من تغير رفيقه:
إيه دا يا جدعان ؟! طارق فين ؟! دا إحنا كلنا كنا هنموت و نعرف صوته تخين و لا رفيع، الواد اتبدل خالص، دا كان كاريزما"
ردت عليه «هدير» بنبرةٍ ضاحكة:
فاكرين لما كان مكشر في وشنا كلنا، و في الأخر يتخانق معانا و يسيبنا و يمشي ؟! سبحان الله جميلة جت بمعجزة معاها"
رد عليها «وليد» بسخريةٍ:
و لا لما كان يقعد يبصلنا بقرف و هو قاعد لوحده، كان إتم أوي"
أضافت «خلود» بضيقٍ:
و لا لما كنا نفضل نضحك و نهزر و هو يقعد يقولنا...بتضحكوا ؟؟ فيه واحدة غايبة عننا و انتم كمان بتضحكوا ؟!"
قلدت طريقته و نبرة صوته إلى حدٍ ما فارتفعت ضحكات الجميع مرةً أخرى عليه، و خاصةً «خديجة»، فقال هو بضجرٍ:
جرى إيه يا جدعان ؟! محدش هينصفني في القعدة دي ؟! كلكم شايفني واطي كدا ؟!"
ردت عليه «خديجة» بنبرةٍ هادئة تحاول اخفاء ضحكاتها:
بصراحة يا طارق يعني، لا أنا و لا أنتَ كنا نتطاق، الحمد لله على كل حال إنهم دلوقتي قابلينا"
ردت «هدير» مسرعةً:
و معاكم حسن كمان، علشان ماكنتش بطيقه قبل الجواز"
رفع حاجبه و هو يقول مستنكرًا:
يا شيخة ؟! شكلك هتروحي بيت أبوكي يا هدير المرة دي بجد بقى"
ردت عليه هي مُسرعةً:
خلاص خلاص، علشان أفلام الكرتون اللي بينا بس"
تحدث «طارق» بخيبة أملٍ يقول:
حتى أنتِ يا خديجة ؟؟ دا أنا اتعشمت فيكي الخير تنصفيني"
ردت عليه هي بوجهٍ مُبتسمٍ و خجلٍ من حديثها السابق:
حقك عليا يا طارق بقى، بس دي حقيقة، إحنا قفلنا على نفسنا أوي و ضيعنا حاجات كتير، الحمد لله على اللي وصلنا له"
في تلك اللحظة صدح صوت هاتفها برقمٍ غريب، رفضت هي المكالمة أول مرةٍ و في المرة الثانية وافقت باستسلامٍ على استقبال المكالمة و هي تقول بتوترٍ:
ألو ؟! مين معايا ؟!"
_"أنا الغريب اللي ملوش وطن غير عيونك أنتِ يا ست الكل"
تفوه هو بها بنبرةٍ هادئة و هو يرد على استفسارها عن هويته، و حينها ردت هي عليه بلهفةٍ أظهرت شوقها له:
ياسين ؟؟ عامل إيه، وحشتني أوي، أنتَ كويس ؟!"
رد عليها هو بصوتٍ هادئًا:
أنا كويس الحمد لله طول ما أنتِ كويسة، طمنيني عليكي، بابا قالي إنك مش كويسة"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية و هي تحاول التمسك بثباتٍ واهٍ:
علشان مكنتش أعرف حاجة عنك، كنت خايفة عليك و أنا معرفش حاجة عنك و مبسمعش صوتك، طمني عليك"
_"أنا تمام و دلوقتي بقيت أحسن بكتير علشان ريحتي قلبي، بس عاوز أقولك خلي بالك من نفسك، مش عاوز أرجع قلقان عليكي و زعلان يا خديجة، عاوز أرجع ألاقيكي زي ما سيبتك و أحسن كمان، متزوديش خوفي بخوف عليكي أنتِ كمان"
_"طب و هو أنتَ إيه مخوفك؟! ياسين أنتَ مش كويس صح ؟! قلبي بيقولي إنك مش بخير و إنك تعبان، كدبني و كدب قلبي"
أغمض جفنيه بشدة ثم زفر بقوةٍ و هو يقول بنبرةٍ هادئة محاولّا الثبات أمامها:
أنا كويس يا حبيبتي، متقلقيش أنتِ، يمكن بس علشان مش واخد على أني اغيب كدا، و متخيلتش إن يجي اليوم اللي ابعد فيه عن كل حاجة بحبها، و خصوصًا عنك أنتِ، سجون العالم كلها لو معاكي تبقى براح يا خديجة"
ابتسمت هي بعد حديثه على الرغم من صدق احساسها به و أنه لم يكن على ما يرام، لكنها قررت التمسك بأملٍ زائفٍ، حينها اقترب «وليد» منها يقول بصوتٍ عالٍ:
جوز أختي حبيبي و عم عيالي و أبو نسب الغالي، عامل إيه يا عم ؟! قاعدين كلنا و ناقصنا وجودك"
رد عليه «ياسين» بضحكةٍ يائسة:
كويس يا خال العيال، أنتَ إيه اخبارك ؟! و اخبار الأمانة ؟! خلي بالك منها يا وليد بقى، أنا كدا خوفي زاد بعد كلام أبويا"
سحب منها الهاتف و هو يقول مُطمئنًا له بهدوء:
متخافش عليها، أنتَ عارف إنها معايا في أمان و أني مستحيل اسيبها تزعل، اتطمن و حط في بطنك بطيخة صيفي، بس خلي بالك من نفسك أنتَ"
رد عليه بهدوء:
حاضر يا حبيبي، افتح بقى الصوت خليني اسلم على اللي عندك كلهم"
فتح «وليد» السماعة حتى يصل الصوت لهم جميعًا فتحدث هو بمرحٍ:
مساء الخير يا عيلة مجانين، ازيكم يا ولاد الرشيد ؟!"
ضحكوا جميعهم عليه فتدخل «حسن» يسأله بنبرةٍ ضاحكة:
طب و أنا من ضمن عيلة المجانين برضه ؟! هتاخدني في الرجلين ؟!"
رد عليه بقلة حيلة:
حظنا بقى يا عم حسن، لبسنا في عيلة كلها مجانين، كفاية وليد و طارق الملبوس دا"
رفع «طارق» صوته يقول بضجرٍ زائفٍ:
حتى أنتَ كمان ؟! هي كانت نقصاك يا عم يعني ؟! كملت بيك يا حبيبي"
_"لامؤاخذة يا طاروق، بس دي حقيقة، بحسك ملبوس و وليد منفصم الشخصية و وئام متربي مرتين و أحمد في كوكب زمردة باين"
تفوه بذلك الحديث «ياسين» يمازحهم جميعًا، فقال «وليد» مفسرًا:
حظك حلو أحمد بيجيب سلمى من المراجعة و جاي على هنا، بالنسبة لموضوع منفصم بقى، الامانة بتاعتك هرميها في الشارع"
رد عليه «ياسين» بثقةٍ:
كداب يا سكر، دا لو البحر نشف قصاد عيوني مستحيل اصدق إن أنتَ تعمل كدا، حافظ عليها بس"
رد عليه بهدوء و هو يطالعها:
في عيوني يا ياسين من غير ما تقول، متخافش عليها مع أبوها"
استمرت المكالمة بين العائلة بأكملها و خاصةً عند قدوم «أحمد» و معه «سلمى» فدلف بمرحٍ و هو يقول:
أبو نسب اللي إن شاء الله هيخليني خال، تعالى بقى يا عم"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم أجي و أنا هحقق حلمكم كلكم حاضر، المهم أنتَ إيه أخبارك ؟! طمني"
رد عليه بهدوء و هو يطالع أخته:
أنا بخير يا حبيبي، و خديجة كويسة متخافش عليها، جايب ليها لِب و شيبسي و مظبطها لحد ما أخليها تنسى غيابك"
ضحكوا جميعهم عليه فاقتربت «خلود» من شقيقها تأخذ منه الأكياس الكبيرة الذي دلف بها و هي تضحك بخبثٍ، و قد لاحظها الجميع و هم يرمقونها بغيظٍ
_________________________
انتهت المكالمة مع العائلة فتنهد هو براحةٍ كبرى بعد اطمئنانه عليهم جميعًا و خصيصًا بعدما تأكد أن والده اصاب الخيار حينما أرسلها للعائلة، فالبداية مبشرة منذ الوهلة الأولى.
اقترب منه في تلك اللحظة "محسن" يقدم له كوبًا من الشاي و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
خد اشرب كوباية الشاي دي تدفيك، و روق أعصابك"
اخذها منه و هو يبتسم بودٍ و امتنانٍ له، فسأله الرجل:
بشمهندس يوسف بقى كويس ؟! و لا لسه الحرارة منزلتش ؟!"
رد عليه يُطمئنه بهدوء:
الحمد لله نزلت حرارته بس مش أكيد، لازم دوا أو حاجة قوية، شوية كدا و هشوف و يكون هو صحي، بس إيه حكاية مهندس دي، هو مش عامل هنا؟"
سأله مستنكرًا كلمته و نعته بالمهندس، فتحدث "محسن" مفسرًا:
لأ هو مهندس بترول، و شاطر جدًا كمان، أنا بقالي معاه هنا فترة طويلة أوي، كان قرب يمسك فرع كامل من فروع الشركة، بس ناس نخربت وراه، و رجع من مدير لمهندس بينزل مشاريع بنفسه، ساعتها هو كره الشغلانة و حياته كلها، و ماشي يقول إنه رئيس عُمال، كان عامل بحث لو حد اهتم بيه كان زمانه متكرم من أكبر دول في العالم، بس للأسف الواسطة و المحسوبية قادرين يضيعوا أكفأ الناس، و اللي منهم بشمهندس يوسف، تعرف رغم عصبيته و خلقه الضيق و لسانه دا، بس قلبه طيب أوي، لما عرف إن فيه عامل مراته بتولد و معهاش فلوس، راح حولها فلوس من هنا بنفسه و بزيادة علشان جوزها مكانش قبض، و مرضاش ياخد منه الفلوس أبدًا و قاله إنها نُقطة المولود و ساعتها سماه يوسف"
أبتسم «ياسين» بتأثرٍ و هو يقول بغلبٍ و قلة حيلة:
اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته يا عم محسن، شكله تعب أوي في حياته"
رد عليه الرجل بأسى:
للأسف هو شاف كتير، اللي جابه هنا أصلًا أنه ضرب المدير، و من هنا لهنا عاقبوه لما جابوه هنا، بس هو محدش بيمشي كلمته عليه، و قرر يفضل هنا و ميرجعش حتى لو بمزاجهم هما"
حرك «ياسين» رأسه بقلة حيلة فتحدث الرجل يستأذنه بهدوء:
عن اذنك بقى يا بشمهندس ياسين، هروح أنام علشان اصحى أفطر العمال بكرة بدري، تؤمرني بحاجة ؟!"
رد عليه بهدوء:
الأمر لله وحده يا عم محسن، تصبح الخير، ربنا يبارك في عمرك و صحتك يا رب"
تحرك الرجل من أمامه بينما «ياسين» انهى ارتشاف الشاي ثم تنهد بعمقٍ، بعدها توجه نحو الرجل الذي سبق و تشابك معه، ثم وقف أمامه ثابتًا يمد يده له بالهاتف و هو يقول:
أنا خلصت التليفون خلاص، كان المفروض استأذن بس بصراحة أنتَ مش وش أخلاق أصلًا"
رفع الرجل حاجبه له و هو يسأله بنبرةٍ جامدة اقرب للانفعال:
عاوز إيه تاني ؟؟ مش خلصت اللي أنتَ عاوزه خلاص ؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بنفس الجمود و الثبات:
لأ لسه، مخلصتش، عاوزك زي الشاطر كدا تاخد الموبايل و تكلم الراجل اللي مشغلكم"
رد عليه الرجل برفضٍ قاطعٍ:
مينفعش، إحنا مبناخدش اوامر من حد غيره، امشي من هنا"
حرك «ياسين» رأسه موافقًا ثم التفت حتى يغادر من أمام الرجل و فجأة التفت له مُسرعًا و هو يرفع السلاح "المطوة" يضعها على رقبته و حينها اقترب باقي الرجل يحاصرونه، فرفع هو صوته يقول:
اللي هيقرب مني هطير رقبته، أرجع مكانك أنتَ و هو، ارجــعـوا"
عادوا للخلف متقهقرين بعد حديثه، فشدد هو وضع السكين على رقبته و هو يقول بطريقةٍ سوقية:
اسمع بقى يا حيلتها علشان أنا فاض بيا و أخري جاب أخره مني و من أشكالكم، تكلم اللي مشغلك دلوقتي و تطلبلي رقمه، و متخافش أوي كدا، أنا اللي هتكلم مش أنتَ، أطـــلــب"
صرخ فيه بنبرةٍ جهورية جعلت الأخر يضغط على رقم رئيسه فورًا دون تفكير، و حينما وصله الرد حدثه باللغة البدوية، فضغط «ياسين» على عنقه و هو يقول:
كلمه زي ما بتكلمني علشان افهم، متتحاوطش بروح أمك عليا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بخوفٍ و صوتٍ مختنقٍ إثر السكين الموضوع على عنقه:
يا شيخ صالح.....البشمهندس متعصب و حاطط السكين على رقبتي، كلمه يا شيخ صالح"
سحب «ياسين» الهاتف يضعه على أذنه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
زي ما سمعت كدا يا عمنا، السكينة محطوطة على رقبة الراجل بتاعك، لو هو لازمك أوي و أنتَ خايف عليه، تعالى ليا الصبح و قبل ما الضهر يأذن أشوفك قدامي، غير كدا أنا نفسي طويل و هعرفك شغل الجنان على حق، مجرد ما صبح ربنا يظهر أشوفك قصادي، و فيه واحد من رجالتك عورني و ديه ليها حق لوحده و مش هسيبه، بس أنا ابن أصول و هاخد الحق قدام عينيك....سلام يا شيخ الشباب"
أغلق معه الهاتف ثم أرسل رسالة لـ «خالد» كتب بها:
كل حاجة تمام، بس برضه خليك متابعني"
أغلق الهاتف ثم وضعه في جيب بنطاله، فحدثه الرجل بنبرةٍ جامدة:
مش خلصت ؟! هات المحمول لو سامحت، هاته كدا أنتَ بتغلط و نهاية غلطك هتيجي على دماغك، الشيخ صالح مش هيتفاهم و اخرتها هتكون بموتك"
أمسك «ياسين» وجه الرجل بيده و هو يقول بغيظٍ و انفعالٍ منه:
هو أنتَ بروح أمك متعلمتش إنك تسكت و تلم لسانك ؟! اسكت يا ريس بدل ما أسكتك أنا و أخلي المطوة ترقص في وشك، تحب أخد حق وشي اللي اتعور دا منك دلوقتي ؟!"
دفع وجه الرجل ثم ذهب لغرفة «يوسف » مرةً أخرى حتى يطمئن عليه، دلف الغرفة فوجده نائمًا حينها زفر بقوةٍ ثم جلس على المقعد مرةً أخرى و أمسك المصحف الشريف يقرأ به من جديد و هو يضع يده على رأس «يوسف» طالبًا من الله عز و جل أن يُشفيه شفاءًا لا يغادر سقمًا، ابتسم «يوسف» بأريحية في نومه و قرر أن يستسلم لتلك الراحة المتغللة بأعماقه بصوت ياسين العذب و الآيات التي تثلج نيران روحه.
_________________________
كانت السهرة في بيت الشباب مختلفة تمامًا خاصة بعد تناول وجبة العشاء، ثم التفوا حول بعضهم على الأرض و قد قام «وليد» بجلب الشاشة الكبيرة و قام بوضعها فوق السطح و قام بتشغيل أحدث الأفلام الأجنبية، ثم قام بتشغيل أفلامًا كرتونية بناءًا على رغبة فتيات العائلة بأكملهن، لكنه أوقف الحديث و قال بصوتٍ عالٍ:
بس يا جاموسة منك ليها بدل ما اقفل عليكم باب الزريبة، اللي خديجة تقول عليه هجيبه، أجيب إيه يا خديجة، كرتون و لا فيلم أجنبي ؟!"
ابتسمت له ثم حركت رأسها تطالع نظرة الفتيات المتحمسة لقرارها، ثم حركت رأسها نحو الشباب فوجدت البرود يكسو ملامح وجوههم، حينها اتسعت بسمتها و هي تقول:
كرتون، هات كرتون علشان كلنا بنحبه كبنات، حد معترض؟!"
رد «حسن» مسرعًا بمرحٍ:
محدش يقدر يعترض أصلًا، أنا عاوز اعترف اعتراف أني راجل بحب الكرتون أوي"
ضحكوا عليه جميعًا فـ غمز هو لزوجته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و لا إيه يا هدير ؟؟ ودع الأحزان يا ذوق"
ابتسمت هي بيأسٍ منه بينما «وليد» قام بتشغيل الفيلم الكرتوني الشهير
The lion king"
صفق الجميع بحماسٍ ثم انتبهوا بكامل تركيزهم نحو الشاشة و كلًا منهم يشعر أنه مثل الطفل الصغير بجوار أخوته في ليلة العيد و كأنها أمسية رائعة عليهم جميعًا يملؤها الحماس حتى يعقبها صباح العيد محملًا بالبهجة و الخيرات.
_________________________
قبيل أذان الفجر بـ لحويظاتٍ قليلة، فاق «يوسف» من نومه و اعتدل على فراشه ثم رفع كفيه يمسح على وجهه حتى تتضح الرؤية أمامه، ليقع بصره على منظر «ياسين» ينام على المقعد و قد فرد قدميه على الطاولة بجوار الفراش و لازال المصحف بين ذراعيه، فيبدو أنه نام أثناء قراءة الآيات لـ «يوسف» ابتسم «يوسف» بتأثرٍ ثم اقترب منه يحاول ايقاظه بنبرةٍ متحشرجة:
ياسين !! اصحى يا ياسين، يا ياسين ؟! اصحى"
هزه بقوةٍ حتى استيقظ «ياسين» و طالعه بملامح وجه ناعسة و حينها لاحظ «يوسف» اللاصق الطبي فوق رأسه، فاتسعتا حدقيته فورًا و هو يسأله بلهجةٍ حادة:
مين اللي عورك كدا ؟! حد فيهم من برة صح ؟!"
تحدث «ياسين» بهدوء يحاول طمئنته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
اهدا بس يا يوسف، أنا زي الفل متخافش، اهدا، طمني عليك أنتَ إيه اخبارك ؟!"
رد عليه مبتسمًا بقلة حيلة:
زي الفل، مكانش ينفع تعمل كل دا علشاني و أنا مبقاش كويس، كفاية صوتك بس و أنتَ بتقرأ القُرآن يشرح القلب و يريحه"
أبتسم له «ياسين» و قبل أن يتحدث ارتفعت الطرقات فوق باب الغرفة، فوقف «ياسين» مسرعًا و اقترب من الباب يفتحه، فوجد نفس الرجل أمامه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
الشيخ صالح وصل و عاوزك، يلا ورايا"
خرج «يوسف» من الفراش منتفضًا يوقف «ياسين» بقوله:
ييجي وراك فين ؟! قول للشيخ بتاعك دا يوسف بيقولك اللي عاوزنا، يجيلنا احنا مبنروحش لحد"
تحرك الرجل من أمامه، فتحدث «ياسين» بحنقٍ:
مفيش فايدة فيك ؟! بتجادل حتى و أنتَ تعبان؟! خلينا نروح و نخلص بقى"
رد عليه بثباتٍ:
اتقل أنتَ بس، هما هنا بيحبوا الراجل الثابت اللي مبيخافش، و لازم هو اللي يجي لحد عندنا طالما هو اللي عاوزنا"
قبل أن يرد عليه «ياسين» وصل «صالح» مع رجاله خلفه، فقال هو بضجرٍ:
اديني جيت لحد عندك علشان تعرف إن نيتي مش شر، خير يا بشمهندس ؟!"
أشار له «ياسين» نحو الداخل و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
الكلام مش هينفع هنا، اتفضل جوة علشان نتكلم بالهداوة"
دلف الرجل للغرفة فتحدث «يوسف» بسخريةٍ و تهكمٍ أمرًا الرجل الآخر الذي داوم على الاشتباك معهما:
و أنتَ يا أبو فياض ؟؟ تعالى يا بقرة الصحراء، ليك حساب"
زمجر الرجل بحدةٍ فرفع «يوسف» حاجبه و هو يقول ببراءةٍ زائفة:
مزعلك إنك بقرة ؟! طب يا جدع دي كلها خيرات، ياريتك تعمل ربع اللي هي بتعمله"
ضحك «ياسين» بيأسٍ بينما الرجل دلف و جلس بجوار «صالح»، فتحدث الأول يقول:
ها ؟! جيت لك اهو يا بشمهندس، اخرتها إيه؟!"
رد عليه «ياسين» مسرعًا:
اخرتها عندك أنتَ مش عندي أنا، قولي الحكاية دي أصلها إيه و أخرها إيه؟!"
رد عليه الرجل يجاوبه بعدما زفر بقوةٍ و يأسٍ:
الحكاية اننا اتفقنا مع الشركة على الشغل و على كل حاجة و على السعر، و كمان عطلت رجالتي و جيبتهم من كل الشغل اللي كان معاهم، و في الأخر لقيت الشركة جايبة عمال تانية من برة و بيقولولي إن المهندس رافض شغلهم، طب و الحاجة اللي خسرتها و شغلنا و سُمعتنا، محدش مهتم من الأساس، يبقى الحل إيه؟!"
رد عليه «ياسين» منفعلًا:
الحل انكم تخلصوا مني ؟! أنا ذنبي إيه طيب ؟! حالي واقف و شغلي و الرجالة اللي في رقبتي أنا أعمل إيه في كل دا؟!"
رد عليه الرجل بقلة حيلة:
و أنا مين يعوضني عن الخسارة اللي شوفتها ؟؟ مين اللي يعوض رجالتي عن اللي شافوه ؟؟ يابني إحنا مش بلطجية و لا هجامين زي ما انتم فاكرين و زي ما سُمعة البدو و العرب واصلة ليكم، احنا ناس زيكم و صحاب حق، بس لينا عادات و تقاليد ماسكين فيها، من ضمن عادتنا إن اللي يقل بينا و ييجي على حقنا، منسكتش و منسميش عليه، احنا انشف من الجبل اللي برة دا، و بعدين الرسالة وصلت إن أنتَ السبب"
نظر كلًا من «يوسف» و «ياسين» لبعضهما بتيهٍ، فتحدث «ياسين» يسأله بنبرةٍ جامدة:
رسالة ؟! رسالة إيه دي ؟! و من مين ؟! و ليه أنا بالذات ؟!"
رد عليه الرجل بهدوء:
الرسالة وصلتني من واحد اسمه هشام السيد، بعتلي و قالي إن المهندس المسئول عن اللي احنا فيه و أنه رفض شغلنا موجود في المشروع، لو عاوزين حقنا، يبقى نتصرف معاه هو"
اتسعتا حدقتي كليهما، و خاصةً «ياسين» و هو يفكر هل مجيئه هنا فخٌ نُصبَ له و وقع به هو بارداته ؟! أم الموضوع مرتب من السابق للايقاع به ؟! على كلًا إن كان فخًا أو غير ذلك، سيستطيع هو سحب الكرة في ملعبه مرةً أخرى.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والستون 66 - بقلم شمس بكري
خُلق لكل مرءٍ وطنًا، و لكني عاشق وطني هو عينيكِ"
_________________________
لا ليلٍ يدوم إلا و عقبه نهار، فلا ليلٍ وُجِدَ بدون نهار، كذلك لا تبقى الخبايا في عُقر دارها فـ يأتِ يومٌ تنكشف به الأسرار، و يبقى القلب يَصرُخ كمن يصارع في كَمدٍ حتى يأتِ حديثٌ يثلج نيرانه كـ سكب المياه فوق النار، فيغدو مُحلقًا في خفة كما الفراشة على أغصان الأشجار.
استمع «ياسين» لحديث الرجل بعينين متسعتين على أخرهما عند ذِكر اسم ذلك المدعو «هشام»، فتابع الرجل مُفسرًا:
احنا كنا بنحاول نتفاهم معاه علشان ييجي يشوف حل، بس هو علطول كان رافض أي حلول علشان متبقاش عيبة في وشه، و أخر حاجة قبل ما أنتَ تيجي هو كلمنا و قال إن المهندس المسئول وصل المشروع، اتفاهموا معاه، و خلصوا الموضوع لو موصلتوش لحل هو عندكم و شوفوا صِرفة معاه"
سأله «ياسين» بلهجة صوتٍ حادة و جامدة:
طب لما هو كدا من الأول متفاهمتوش معايا ليه من البداية ؟! كان لازمته إيه طريقتكم دي من الأول معايا ؟! كان لازمته إيه الحصار اللي اتعمل عليا و على العُمال ؟! لو كنتوا فهمتوني من الأول أكيد كنا لاقينا حل، إنما بعمايلكم دي الدنيا باظت و الخسارة بقت على الكل"
رد عليه الرجل مُردفًا:
طب ما هو يا بني اللي قابلك محلوش حاجة، المدير نفسه ساب المشروع و مشي، و رأفت اللي جِه بعده ساب العُمال و مشي لوحده، أنتَ يعني اللي كنت هتحل ؟!"
_"آه، كنت هحل و مستحيل ارضىٰ بالظلم لحد سواء انتم أو احنا، بس أنا من البداية اتغدر بيا، و انتوا كملتوا عليا، و وشي اللي اتعور دا من رجالتك"
تفوه «ياسين» بذلك بنفس الجمود و الحِدة البادية عليه فتدخل الرجل الغليظ دائم الاشتباك يقول:
هو أنتَ عاوز تبرطع براحتك من غير ما حد يوقفك ؟! و السلاح اللي رفعته عليا و حطيته على رقبتي ؟!"
تدخل «يوسف» يرد عليه بتهكمٍ:
مش قولتلك بقرة الصحراء ؟! هو أنتَ عاوز تثبتنا بالسلاح و تتهجم علينا و زعلان إن السلاح اللي اتحط على رقبتك ؟! طب و السلاح اللي كنتوا مهددينا بيه ؟! إيه وَحمة ؟!"
رفع صوته و هو يتحدث، فرد عليه الرجل بنبرةٍ أقرب للانفعال:
و أنتَ مالك بتتدخل ليه ؟! خليك في حالك يا جدع أنتَ الموضوع ميخصكش أصلًا"
وقف «يوسف» من موضعه ثم سار حتى اقترب من الرجل ثم مال عليه بجزعه و هو يقول بخبثٍ هاديءٍ و كلماتٍ متريثة:
صح أنا غلطان و متربيتش علشان الموضوع ميخصنيش، زي ما هو برضه ميخصكش، علشان كدا احنا هنكون اتنين الموضوع ميخصهمش"
أنهى جملته ثم ضرب الرجل في وجهه برأسه حتى رجع الرجل للخلف و نزل الدم من أنفه فورًا، حينها هب «ياسين» منتفضًا و الرجل الأخر من جلستهما، فتحدث «يوسف» مُسرعًا بعدما رفع كفيه في وضع الاستسلام:
على الهادي يا رجالة، كُل ما في الموضوع إننا اتنين الموضوع ميخصهمش بيتفاهموا سوا، خليكم انتم كملوا كلامكم علشان الموضوع يخصكم"
عاد لموضعه يجلس عليه من جديد و حينما وجدهما ينظرا لبعضهما تحدث يلفت نظرهما بقوله:
اقعدوا يا جماعة، أنا بس كنت بفهمه، هو عور ياسين و ياسين ابن أصول مش هيعمله حاجة، بس أنا مليش في الأصول"
جلسا كليهما فتحدث «صالح» بقلة حيلة و آسفٍ:
أنا هسكتلك بس علشان البشمهندس ياسين، و علشان هما بدأوا معاه بالغلط و أنا منبه عليهم محدش يلمسه، خلونا بقى نشوف حل لمشكلتنا"
تحدث الرجل الآخر منفعلًا:
بقولك حط السلاح على رقبتي، و هددنا بدل المرة يجي خمسة، و صاحبه ضربني"
رد عليه «صالح» بضجرٍ:
و أنا عارفك يا عزوز، راجل عصبي و طبعك ناشف، قولتلك تفضل معاهم علشان ميبدأوش شغل، انما أنتَ عاوز تدوس و خلاص، و ركبتنا حق حتى لو إحنا مش غلطانين"
تدخل «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة:
بص يا شيخ صالح دلوقتي اللي أنا فهمته إن أنا اتبعت هنا عن قصد يعني لو قدرت أحل المشكلة يبقى خير و بركة و لو مقدرتش و روحت فيها أو على الأقل رجعت زي ما جيت يبقى خسارة وقت و مجهود ليا و لشغلي و لسمعتي في الشركة، أنا عن نفسي مسامح في كل دا و هبدأ من جديد كأني لسه واصل هنا، بس ليا طلب عندك"
رد عليه الرجل مُرحبًا بحديثه:
تحت أمرك يابني اؤمرني"
نظر «ياسين» إلى «يوسف» الذي كان يحاول فهم حديثه على الرغم من حالة الاعياء التي اصابته و الرجفة التي سارت بجسده، فأومأ له «ياسين» بأهدابه ثم قال بهدوء موجهًا حديثه للرجل:
عاوز اروح شمال سينا نفسها، أو أي مكان أقدر افتح منه نت و اتواصل مع الشركة و رئيس المشروع، و وعد مني كل المشاكل هتتحل و بوضع يرضيكم"
نظر الرجل لمساعده ثم زفر بقلة حيلة و قال بعدما رسم ابتسامة هادئة على وجهه:
حاضر، نصلي الفجر بس قبل ما يفوتنا و نروح مطرح ما تَريد، حاجة تاني ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
متشكر، بس وعد مني إن كل حاجة هتتحل و مستحيل ارضى بالخسارة ليكم، خليك بس واثق فيا و حقك هيرجع، و أنا مبدأيًا كدا متأسف عن أي خساير حصلت ليكم، بالنيابة عن الشركة كلها كمان"
بنفس الوجه المبتسم رد عليه الرجل بنبرةٍ هادئة:
من غير أسف يا بني متقولش حاجة، هو من الواضح كدا إن هشام دا كان قاصده يورطك في حاجة، لو أعرف من الأول إن الحكاية كدا مكنتش بدأت من الأول غلط كدا"
حرك رأسه موافقًا على حديث الرجل، فقال من جديد مُكملًا حديثه:
بس يعلم ربنا يا بني أنا مش قاصد ليك الشر أو الأذى، خصوصًا إني حسيت إنك ابن أصول و بان عليك التربية و الأخلاق، صحيح سماهم على وجوههم"
أبتسم له «ياسين» فتحدث «يوسف» بتهكمٍ:
كل دا و سماهم على وجوههم ؟! علشان كدا بوظتوا وشه ؟! حِكَم !!"
طالعه الرجل الأخر بحنقٍ و هو يرفع أحد حاجبيه فتحدث «يوسف» بسخريةٍ:
بُصلي كويس و صورني كمان، الصحرا واسعة و اللي بيروح فيها مبيرجعش"
تحدث «صالح» في تلك اللحظة يقول مُسرعًا حتى لا يتشابكان سويًا من جديد:
طب يلا نصلي الفجر و بعدين نشوف ورانا إيه ؟! يلا ربنا يهدي الجميع"
وافقه الجميع و حركوا رأسهم بموافقةٍ فتحرك هو و مساعده خلفه نحو الخارج و قبل أن يهم «ياسين» بالمغادرة هو الأخر، أمسك «يوسف» يده و هو يقول مُسرعًا بلهفةٍ:
استنى بس يا ياسين، أنتَ ناوي على إيه ؟! أنا مش مرتاح ليك"
رد عليه يُطمئنه بقوله:
متخافش، أنا قبل ما اتصرف أو أعمل أي حاجة تضرني، هتصرف و أسأل قبل ما ادي لحد كلمة و أطلع مش قدها"
تحدث «يوسف» بنبرةٍ جامدة ينذره و يحذره من القادم:
ياسين !! خلي بالك علشان الحاجات دي مفيهاش هزار، دول عرب يعني كلمتهم زي السيف، و اديك شوفت نتيجة اللي الشركة عملته، خلي بالك بس"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم رفع كفه يتحسس حرارته و خاصةً مع ظهور العبرات في عينيه اللاتي زاغتا في الحال نتيجة ارتفاع الحرارة، تفاجأ «يوسف» من فعله فعاد للخلف فورًا، حينها زفر «ياسين» بقوةٍ ثم قال:
كدا مش هينفع يا يوسف، لازم دوا السخونية رجعت تاني، اتوضا و صلي هنا متخرجش في الهوا، و أنا هروح معاهم شمال سينا و اجيبلك دوا من هناك"
رد عليه رافضًا بصوتٍ قاطعٍ:
لأ مش هينفع، هخرج اصلي معاك و بعدها نروح سوا شمال سينا، مش هعرف اتطمن عليك لوحدك، يلا بس روح اتوضا لحد ما اخد دُش يفوقني شوية"
تحرك «ياسين» من الغرفة فيما نظر «يوسف» في أثره بتأثرٍ ثم حرك رأسه ينظر للمصحف الموضوع على الطاولة و الذي كان يقرأ منه «ياسين» طوال الليل بجواره.
_________________________
بعد مرور عدة ساعات و خاصةً
في بيت الشباب نزل الشباب جميعهم دون «وليد» الذي بقىٰ في البيت و طلب متابعة العمل و إرساله لهم، جلس في شقته في غُرفة الانتريه و أمامه الحاسوب الخاص به يقوم بتعديل التصميمات قبل إرسالها، فجأة اقتربت منه «عبلة» تجلس بجواره و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
وليد، أنا هنزل أجيب حاجات من تحت علشان الشقة متبقاش فاضية، الفلوس فين ؟!"
رفع نظره من على الحاسوب و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عندك في الكومودينو جنب السرير، خدي اللي تعوزيه، مش عارف الفلوس فيها هتفكي و لا لأ"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
خلاص، عاوز حاجة من تحت اجيبها ليك ؟! و لا إيه ؟!"
سألها هو بمشاكسىةٍ:
أنتِ مش عاوزاني أجي معاكي خالص ؟! أساعدك...اعاكسك ؟!"
ابتسمت له و هي تقول:
لأ خليك علشان خديجة لوحدها و خلود تحت عند فارس و معاها هدير و سلمى عند جميلة، اتكلم مع خديجة كدا لحد ما أجي حاول تخليها تفك شوية"
حرك رأسه موافقًا و قبل أن تتحرك هي من جواره سحبها نحوه بقبل وجنتها ثم غمز لها و هو يقول بنفس المشاكسة:
خلي بالك من نفسك يا سوبيا"
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من جواره نظر هو في أثرها بابتسامة تشكلت على مُحياهُ ثم تنهد بعمقٍ و بعدها قرر الصعود فوق سطح البيت لرؤية «خديجة» التي جلست بمفردها منذ الصباح و بعد تناولها للفطور.
خرج من شقته متوجهًا للأعلى حيث مكان تواجدها، فرآها تجلس على الأرض و خصلاتها مفرودة خلف ظهرها و هي تطاير بفعل نسمات الهواء الباردة، و هي تتنفس الهواء و تستنشقه لرئتيها، ابتسم هو بيأسٍ ثم اقترب منها يجلس مقابلًا لها على ركبتيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
صباح الخير يا كتكوتة !! جرى إيه يا خديجة ؟! قاعدة لوحدك هنا ليه ؟! هو أنا ابن جوز أمك ؟"
حركت عينيها تطالعه بتعجبٍ و هي ترد عليه بهدوء:
ليه بتقول كدا ؟! أنا زي الفل أهوه متخافش، كنت بس سرحانة شوية قولت اقعد هنا"
اعتدل في جلسته حتى أصبح وضعه أكثر راحةً و هو يقول:
سرحانة في ياسين صح ؟!"
اخفضت رأسها بخجلٍ منه و من الاجابة فرفع وجهها و هو يبتسم لها ثم قال:
مكسوفة ليه بس ؟؟ قولي إنك سرحانة فيه و وحشك و مش طايقة العيشة من غيره"
ردت عليه هي مُسرعةً بحزنٍ:
مش قصدي كدا، بس أنا حاسة بحاجة غريبة أول مرة أحسها، حاجة كدا مش مفهومة، بس أنا مش حباها، الغريب إن هو اللي كان فاهم كل دا، من غير ما حتى ما أقول، عاملة زي عيل صغير تايه حد اخده يربيه و يرعاه في بيته و مرة واحدة سابه و مشي، حسيت مرة واحدة إن أحسن نسخة مني كانت بتطلع في وجوده هو، للحظة كدا فكرت و لقيت نفسي بخاف، حاسة إن الدنيا مستكترة عليا أني ارتاح يا وليد، حتى و هو غايب و أنا هنا معاكم، عارفة و متأكدة إن هو هناك مش كويس، و قلبي مصيبته إنه بيحس بكل حاجة"
رد عليها هو مُسرعًا يحاول طمئنتها و انتشالها من ذلك التكفير السودوي:
غلط يا خديجة، مينفعش تسيبي نفسك كدا، فاكرة زمان لما قفلتي على نفسك و هربتي من الكل كانت النتيجة إيه ؟! طب فاكرة كان وضعك ازاي ؟! بلاش كل دا، ياسين تعب معانا أوي و بذل مجهود و استحمل طول فترة كتب الكتاب انه يشيل علاجك النفسي كله، و رجعلي الفلوس اللي كنت دفعتها عند هناء، ياسين بذل معانا جُهد و طاقة كبيرة مش عاوزينهم يضيعوا، عاوزه يرجع فرحان علشان لو هو بيتعب هناك أكيد مفيش حاجة هتريحه غير رجوعه لبيته و مراته و حياته، عاوزينه يرجع يرتاح معاكي مش يعيد فترة صعبة من تاني يأهلك فيها !! تمام ؟!"
حركت رأسها موافقةً فسألها هو بسخريةٍ و هو يضربها على وجهها بخفةٍ:
و بعدين الفيديو اللي أنا بعتهولك مش عاجبك ؟! بقى أنتِ بتتريقي عليا"
ابتسمت هي له من بين عبراتها المُنسابة على وجهها، ففتح هو هاتفه ثم قام بإخراج الفيديو القصير الذي سبق و ارسله لها حتى تقوم هي بوضعه عبر تحديث قصتها في تطبيق "الواتساب" حيث كان الفيديو عبارة عن أمواج البحر وسط الغروب و صوت الكلمات فقط بدون موسيقى:
إحنا كنا الحُب ذاته قبل ما تسافر بعيد....قولتلك خُدني معاك....قولت راجع من جديد...إحنا كنا الحُب ذاته قبل ما تسافر بعيد....قولتلك خُدني معاك....قولت راجع من جديد... و اتواعدنا و اتعاهدنا بالعهود قبل الكلام، و اتفقنا على الرسايل و ابتسمت و قومت قايل.... مستحيل في يوم تنام....قبل ما تكبتلي غنوة أحس فيها بالأمان.... و انتظرت يجيلي ردك و أنتَ عارف معنى بُعدك....وحدتي رجعلتي بعدك...اللي غابت يوم في ضلك"
بكت و هي تستمع لتلك الكلمات فاحتضنها «وليد» مُسرعًا و هو يربت على ظهرها، و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عيطتي أحسن ما تكتمي الزعل، مش عيب إنك تحسي انك زعلانة، بس عيب إنك تيجي على نفسك و تفهميها إن الوجع مش فارق معاكي و في الأخر تتفاجئي إنك مش كويسة و مش بخير، أنا معاكي و راضي إنك تعيطي و تشتكي كمان و تقولي كل حاجة مزعلاكي، زي ما طول عمري بشيلك همي و زعلي"
حركت رأسها موافقةً، فتحدث هو بسخريةٍ حتى ينتشلها من حزنها:
فاكرة لما ياسين دا جيه يتقدملك و ساعتها كنت بحاول اقنعك توافقي، فاكرة ساعتها كان ردك إيه عليا ؟! قولتيلي هو مش ملاك علشان أحبه، أكيد فيه حاجة هتيجي في يوم تخليني أندم على خطوة زي دي، و قولتيلي إن كلنا بشر مش ملايكة، فاكرة يا خديجة ؟!"
حركت رأسها موافقةً فابتسم هو بيأسٍ و هو يقول:
هو فعلًا بشر بس بدرجة إنسان يا خديجة، كلنا بني أدمين عادي بس ياسين واخد درجة كبيرة في الانسانية، عرفتي بقى أنه مش زي باقي البشر ؟!"
ردت عليه هي بنبرة صوتٍ مُختنقة من البكاء:
بس هو طلع زي الملايكة يا وليد، طلع أحسن ما فكرت فيه بمليون مرة، طلع حاجة مفيش منها اتنين، حسيت بوجوده إن الدنيا بتعتذر ليا عن اللي فات في حقي، لحد ما نسيت أني تعبت و زعلت في يوم من الايام"
اقترب منها يُقبل رأسها ثم قال بهدوء:
و هو هيرجع ليكي من تاني، و ساعتها كل حاجة حلوة هتكون الضعف علشان انتم سوا و مع بعض، و بعدين أكيد الشغل دا خير ليه، ياسين مش وحش علشان يحصله حاجة وحشة يا خديجة"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له، فغمز لها و هو يقول بمشاكسىةٍ:
هروح بقى أشوف هدير اللي مزعلة حسن منها و احرق دمها و اعصب هدى شوية"
مسحت دموعها و هي تقول بضجرٍ و يأسٍ منه:
يابني حرام عليك اتهد بقى، مفيش حد يلمك خالص كدا ؟!"
غمز لها و هو يقول بعبثٍ و قاحة:
اللي بتلمني بتجيب حاجات مش هنا، وعد أول ما ترجع أنا هلم نفسي في شقتي معاها، بس خليكي هنا علشان أخد راحتي"
أغلقت عينيها بيأسٍ و هي تقول بقلة حيلة و حنقٍ امتزجا ببعضهما:
يا رب صبرني على قلة أدبه و سفالته، أنا مش طالبة كتير، الصبر من عندك يا رب"
ضحك هو عليها ثم وقف و هو يغمز لها ثم قال بهدوء:
صح !! تليفونك مقفول ليه ؟!"
تنهدت هي بضجرٍ ثم ردت بإيجازٍ:
على الشاحن، قفلته كدا كدا محدش هيكلمني دلوقتي"
حرك رأسه موافقًا ثم قال و هو يتلفت مُغادرًا من أمامها:
طب افتحيه علشان عمو طه عاوز يكلمك من الصبح"
اختفى أثره من أمامها و هي تتابعه و رغمًا عنها ابتسمت و هي تحدث نفسها بقولها:
والله مش عارفين نزعل من عمو مرتضى أنه كسل يربيك و لا نشكره علشان كسل يربيك"
_________________________
نزل «وليد» شقة أخيه ثم ضرب الجرس حتى فتحته له «خلود» و هي تحمل «فارس» على ذراعها و تقوم بوضع الطعام في فمه عن طريق الزجاجة المُخصصة له، فقال هو بسخرية حينما رأى اهتمامها بالصغير:
ما شاء الله اللي جابلك يخليلك، عقبال عيالك يا رب"
ردت عليه بحنقٍ:
خير عاوز إيه ؟؟ مش لاقي حاجة تعملها جاي ترخم علينا ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بهدوء:
قولي لهدير أني عاوزها ضروري، لو كدا خليها تخرجلي من جوة"
حركت رأسها موافقةً ثم دلفت للداخل بعدما تركته يقف على عتبة الشقة، و بعد مرور ثوانٍ خرجت له هي و خلفها «هدير» تسأله بتعجبٍ:
نعم يا وليد ؟! فيه حاجة و لا إيه؟!"
رد عليها مؤكدًا بقوله الثابت:
آه، فيه يا هدير، مزعلة حسن منك ليه ؟! هو ناقص زعل منك أنتِ كمان يعني ؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت:
طب ادخل علشان نعرف نتكلم مش هينفع من على الباب كدا، ادخل يلا"
دلف الشقة خلفها ثم جلس على أول مقعد يقابله و هو يقول:
ها أنا قعدت أهوه، حسن مشي الصبح زعلان ليه يا هدير ؟؟ طول الليل كانت القعدة حلوة و كلنا زي الفل"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
أنا مزعلتهوش و مكانش قصدي ازعله، هو اللي زعل مني و مسابليش فرصة أفهمه وضعي"
سألها بسخريةٍ:
ها يا أستاذة هدير و إيه هو وضع حضرتك بقى ؟!"
زفرت هي بقوةٍ حينما استشفت السخرية في حديثه ثم قالت:
أنا مش عاوزة منك تريقة، كل الحكاية أني مش هقدر أروح الشقة دلوقتي، أخته لسه ماشية منها، قولتله يسيبني هنا كام يوم و أنا هرجع معاه"
رد عليها هو بثباتٍ:
و أنتِ عارفة حسن كويس يا هدير، و طول عمره نفسه عزيزة بس علشان ميزعلكيش وافق إنكم تفضلوا هنا، بس مش حسن اللي هيوافق إنه يفضل قاعد في مكان مش بتاعه حتى لو بيت إخواته، يبقى الحل إيه ؟!"
ردت عليه هي مُسرعةً بنبرةٍ اقرب للبكاء:
بس أنا لو رجعت هناك دلوقتي هكره البيت و نفسي و المسافات بيني و بين حسن هتكبر، أنا كل اللي طلباه منه بس يسيبلي فرصة أحاول انسى اللي حصل، يا وليد لحد دلوقتي منظري و أنا ماشية في الشارع لوحدي بشوفه و أنا نايمة و بخاف، لو روحت هناك و أنا لسه منسيتش أي حاجة، المشكلة هتكبر، حسن مش مستوعب حاجة"
تنفس بعمقٍ ثم قال مراعيًا ما سبق و مرت به و ما يجول بخاطرها:
أنا فاهم كلامك و معاكي فيه و مش هقدر اغيره أو اقنعك بغيره، بس على الأقل حسن مجروح من أقرب الناس ليه، واحدة عمره ما بخل عليها بحاجة، و ليها من مبلغ محترم بيروح ليها و لعيالها و عمره ما قصر معاها في حاجة، و في الأخر خربت حياته علشان مش عاوزة حد يقاسمها فيه و في فلوسه، متجيش أنتِ كمان بقى تدوسي على جرحه، الواد مش ناقص يا هدير"
تهجم وجهها و ملامحها ظهر عليها الضجر و اليأس، فزفر هو بعمقٍ و قبل أن يتحدث صدح صوت هاتفه برقم غريب، عقد ما بين حاجبيه و هو يرى الرقم مُسجل عبر تطبيق التعرف على هوية المُتصل باسم
عم توفيق انابيب" تحدث هو بسخريةٍ:
عم توفيق انابيب ؟! احنا بيتنا غاز طبيعي، مين دا ؟!"
ضغط على زر الايجاب حتى يُجيب على المُكالمة فوصله صوت «عبلة» تقول ببكاءٍ:
الحقني يا وليد أنا اتثبت و اتسرقت، الحقني علشان خاطري"
هب مُنتفضًا من مكانه و هو يقول بقلقٍ و خوفٍ مزق نياط قلبه عليها و هو يقول:
عبلة !! أنتِ فين طيب ؟! انتِ كويسة ولا فيكي حاجة ؟!"
ردت عليه هي ببكاءٍ و بصوتٍ متقطع ٍ:
وقعت في الشارع بس أنا كويسة.... بس خدوا مني الموبايل و الفلوس يا وليد.... تعالى الشارع اللي عند السوبر ماركت..... تعالى أنا خايفة علشان خاطري"
ركض هو فورًا من مكانه و لم يعبأ بصوت الفتيات و حديثهن له حتى يقول ما حدث و يطمئنهم على اختهم، و قد ركض من البيت فورًا على قدميه و كل ما يتردد على مسامعه هو صوتها و هي تقول ببكاءٍ:
تعالى أنا خايفة علشان خاطري"
وصل إلى الشارع الذي أخبرته به فوجدها تجلس على الأرض و هي تبكي و حولها ثلاث سيدات و رَجلين، ركض إليها فورًا يجلس على ركبتيه و هو يحاول جاهدًا في اخراج حديثه حتى قال أخيرًا:
عبلة !! أنتِ كويسة ؟!"
اجهشت في البكاء و هي ترتمي عليه، فشدد هو عناقه لها و هو يتنفس الصعداء، ففكرة فقدانها و تعرضها للخطر كانت مثل السكين تُمزق روحه، تحدثت احدى النساء الواقفات تقول براحةٍ:
طب الحمد لله جوزك جيه بسرعة اهوه يا بنتي، ربنا يسترها عليكي و على بناتنا كلهم"
ابتعد عنها يسمح وجهها و هو يسألها بنبرةٍ متحشرجة:
حصلك إيه ؟؟ حد جيه جنبك طيب ؟! ردي عليا متسكتيش كدا علشان خاطري عندك"
ردت عليه بصوتٍ متقطع:
كويسة.....بس أنا خايفة يا وليد، روحني علشان خاطري"
مسح دموعها بيده ثم قبل رأسها و وقف بعدها يساندها حتى تستطع الوقوف بجواره و السير معه، فاوقفه الرجل الذي أعطاها هاتفه:
طب مش هتعمل محضر يابني ؟! أو على الأقل تحاول ترجع الحاجة بتاعتها ؟!"
وضعها «وليد» أسفل ذراعه يحتويها به و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
في داهية كل حاجة، المهم أنها كويسة و قصادي، كل حاجة لو ضاعت قصاد أنها تكون كويسة فداها يا عم الحج"
رد عليه الرجل بتقديرٍ لهما:
ربنا يحفظكم لبعض يا بني، خلي بالك منها بس علشان عمالة تترعش و وشها أصفر"
حرك رأسه موافقًا ثم التفت لها يسألها بنبرةٍ هادئة و عينيه تنطق بكل كلمات الخوف و القلق و كذلك نبرة صوته:
قادرة تمشي كويس يا عبلة ؟!"
رفعت عينيها تطالعه و العبرات تلمع في مُقلتيها ثم حركت رأسها موافقةً و هي ترى الخوف باديًا عليه بتلك الطريقة، بينما هو شدد على مسكتها يحتويها بذراعه و بالآخر يمسك كفها حتى أصبحت بكامل جسدها تحت رعاية جسده و ظل حمايته.
كانت هي تتحامل على نفسها في السير و خاصةً بعد سقوطها على جنبها الأيسر بسبب دفعة المرآة لها، لاحظ هو تألمها و تحاملها حتى تسير بجوراه، فأوقف سيارة أجرة حتى ينقلها للبيت، حينها ردت عليه هي بصوتٍ واهٍ و كأنها تتحدث عنوةً عن ذاتها:
بلاش يا وليد، البيت قريب أوي، خلينا ناخدها مشي"
رد عليها هو مُقررًا باصرارٍ:
مستحيل، أنتِ مش قادرة تمشي و رجلك باين عليها أنها وارمة، تعالي يلا"
ادخلها أولًا في السيارة ثم دلف هو بجوارها و أخبر السائق بوجهته، و قد تعجب السائق بسبب قرب المسافة و التي لا تبعد سوى أمتار قليلة من ذلك الشارع الرئيسي، بعد مرور ثوانٍ توقفت سيارة الأجرة، حينها نزل «وليد» أولًا ثم التفت ناحيتها يفتح الباب و هو يعاونها في النزول، ثم مال على السائق يمد يده له بالورقة المالية فئة المئة جُنيه، فرمقه الرجل بضجرٍ و هو يقول:
هو صباح باين من أوله، يا باشا شوفلي عشرة جنيه فكة، معيش فكة مِية على الصبح"
رد عليه «وليد» بقلة حيلة و أسفٍ:
مش معايا فَكة و الله يا حج، خلاص ربنا يكرمك بقى"
رفع الرجل حاجبيه و هو يرى «وليد» يترك له الورقة المالية بأكملها، فسأله بسرعةٍ:
يابني، هتسيبلي الفلوس كلها ؟؟ استنى هشوفلك فكة طيب"
أبتسم له و هو يقول بهدوء:
مش عاوز يا حج، ربنا يكرمك و يرزقك إن شاء الله"
سأله الرجل بمشاكسىةٍ:
مسامح بقى و لا هتدعي عليا لما أمشي ؟! و العربية تتقلب بيا؟"
رد عليه بهدوء:
متخافش، أنا ربنا لسه كرمني و نجد مراتي من السوء، اعتبرها حلاوة رجوعها ليا بالسلامة"
دعا الله له و لزوجته أن يرزقهما و يسعدهما سويًا ثم رحل من أمامهما، فسألته هي بتأثرٍ و ندمٍ:
ربنا يخليك ليا، معلش بقى جاية عليك بخسارة تقيلة حبتين"
طالع عمق عيناها و هو يقول بنبرةٍ هادئة و القلق كما هو باديًا عليه:
اللي معاه وجودك مش هيفرق معاه أي خسارة، و بعدين الحمد لله إنك بخير و رجعتي ليا كويسة، يلا بس علشان ترتاحي"
حركت رأسها موافقةً و هي تحاول تجاهل ضربات قلبها التي اوشك على الخروج من جنباته، فامسك يدها يحاول دعمها على التحرك، و قبل أن ترفع قدماها على الدرجات الصغيرة شعرت بالألم فتحاملت على نفسها و هي تكتم تأوهها، حينها لم يجد هو بُدًا سوى الحل الأخير، و حينها حملها على ذراعيه فجأةً فشهقت هي من هول المفاجأة عليها، حينها غمز لها و هو يقول:
معملتهاش يوم فرحنا دي، بس مكتوبالك تتشالي يا بنت الرشيد"
ابتسمت له هي بتأثرٍ خاصةً و هي ترى خوفه و قلقه عليها بتلك الطريقة التي نطقت بها عينيه، دلف بها البيت حتى وصل أمام شقته فوجد الفتيات خلفهما بخوفٍ عليها و كلًا منهن تتحدث بخوفٍ عليها، حتى تحدث «وليد» بحنقٍ رافعًا صوته بصراخٍ:
يا جاموسة منك ليها حد فيكم يفتح الباب، يخربيت غبائكم"
اقتربت منه «خديجة» تأخذ المفتاح ثم فتحت باب الشقة حتى دلف و زوجته على ذراعيه و كفيها يحاوطا رقبته، وضعها على فراش غرفتهما، ثم جلس مقابلًا لها و هي تبتسم بخجلٍ من الفتيات، حتى اقتربت منها «خديجة» تجلس بجوارها تمسك كفيها و هي تسألها بقلقٍ زاد أكثر حينما أمعنت النظر في وجهها الشاحب:
عبلة أنتِ كويسة ؟! حصلك إيه و إيه اللي جرالك طيب خلى وليد ينزل جري كدا"
تنفست هي بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ مهتزة و هي تتذكر الموقف بأكمله:
كنت ماشية و قربت ادخل السوبر ماركت لقيت واحدة أكبر مني بشوية كدا و شكلها غلبانة و لابسة عباية مبهدلة و كانت بتعيط باين، فضلت تنادي عليا لحد ما قربت منها و قولت أساعدها و خلاص أو اديها أي حاجة، لقيت في أيدها ورقة بتقولي اقري العنوان دا أنا تايهة و مش عارفة حاجة هنا و لو اتأخرت أكتر من كدا الناس مش هيرضوا يشغلوني، صعبت عليا و لسه ببص على الورقة في أيدها لقيت موتوسيكل بيقرب مني من ورا و حد بيقف ورايا و في ايده سكينة حطها على رقبتي....."
تهدج صوتها عند تلك النقطة فاقترب «وليد» منها يحتضن وجهها بكفيه و يقول بسرعةٍ:
خلاص بلاش تتكلمي، بلاش لو دا هيخليكي تتعبي"
ردت عليه «خلود» مسرعةً:
خليها تحكي علشان متبقاش خايفة، احكي يا عبلة احسن"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
شتمني شتيمة مش كويسة و قالي لو نطقت أو عملت حاجة هيغزني بالسكينة، افتكرت الست دي هتساعدني لقيتها بتقرب مني تاخد الموبايل و مسكت دراعي تلويه و خده مني الفلوس اللي معايا كلها هو حاطط المطوة على رقبتي و هي بتقلب في الشنطة و قبل ما تاخد الخاتم و الدبلة كان عمو بتاع الانابيب دخل الشارع، ساعتها حدفوني في وسط الشارع و ركبت وراه الموتوسيكل و طلعوا يجروا و أنا حتى من الخضة مش عارفة انطق، عمالة أعيط بس"
بكت من جديد فوجدته يحتضنها بين ذراعيه و هو يربت على ظهرها، تزامنًا مع قوله:
خلاص يا عبلة علشان خاطري، كفاية كدا و ريحي شوية، فداكي كل حاجة"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
التليفون كان جديد يا وليد، يدوبك مكملش معايا حاجة، و كل حاجة عليه ضاعت حتى صورنا سوا، خايفة يفتحه"
اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بهدوء مُطمئنًا لها:
متخافيش أنا موجود و هتصرف، معاكي بس علبته ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أدلته على مكانها، فربت هو على ظهرها ثم تحرك يأخذ العلبة حتى يستطع ايقاف الهاتف، جلست الفتيات بجوارها و كلهن تطمئن عليها، بينما «هدير» أخذتها بين ذراعيها تربت عليها بحنانٍ لم يعهده الجميع منها، فطالعن الموقف بتعجبٍ حتى مالت «خلود» على أذن «خديجة» تقول بنبرةٍ هامسة:
أنا حاسة إن القعدة مع حسن حلوة أوي، البت هدير بقت مرهفة الإحساس، مش كنا بعتناها معاه منذ قديم الأزل ؟!"
وكزتها «خديجة» في مرفقها بحدة فحاولت «خلود» كتم شهقتها، كانت «جميلة» تتابعها بعينيها حتى حركت شفتيها تقول بهمسٍ وصل للأخرتين:
مفيش منك فايدة"
رفعت حاجبها ثم نظرت لـ «خديجة» التي كانت تحاول كتم ضحكتها على أختها.
جلس «وليد» في الخارج ثم قام بفتح حاسوبه و ادخل الرقم الخاص بهاتف زوجته و بعد عدة دقائق زفر بقوةٍ تتخللها الراحة حينما استطاع التحكم في الهاتف و تحويل كل ما بداخله لحاسوبه، ابتسم بانتصارٍ و هو يرى ثمرة دراسته الجامعية تتحق في عمله الذي لم يكترث هو به، أغلق حاسوبه ثم دلف الغرفة مرةً اخرى و هو يقول:
مش عاوزك تخافي، تليفونك و كل حاجة عليه بقت في أمان، و دلوقتي التليفون اتحرق و مبقاش ليه لازمة، و بالنسبة للفلوس في داهية المهم إنك بخير و قدام عيوني"
ابتسمت له هي فثبت عيناهُ عليها و كأنه يعتذر لها عما حدث بدون وجوده، حينها تحدثت «سلمى» تقول بهدوء حينما وجدت نظراتهما لبعضهما:
طب أنا بقول نخرج برة أحسن علشان يتكلموا براحتهم، يلا و علشان ترتاح هي كمان"
وافق الجميع على حديثها ثم تحركن خلف بعضهن، حتى فرغت الغرفة إلا منهما، فانصاع هو لرغبة قدميه و قبلهما قلبه الذي لازال يتحرك خوفًا عليها، ثم جلس بجانبها و ضمها بذراعيه و رويدًا رويدًا شدد عناقه عليها حتى أوشك على خنقها، أما هي فألقت بنفسها و هي تبكي بصمتٍ، و حينما شعر هو بالدموع على ثيابه، ابتعد عنها يسألها بلهفةٍ:
أيه اللي بيوجعك ؟! قوليلي يا عبلة لو فيه حاجة وجعاكي"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
بعيط علشان كنت خايفة أوي و السكينة على رقبتي، حتى لو مكانش هيعمل حاجة، بس الموقف خوفني أوي، كان نفسي تكون معايا و أكيد محدش كان هيزعلني كدا، و علشان الفلوس اللي ضاعت و معاها الموبايل كمان، حقك عليا"
رد عليها هو بنبرةٍ متحشرجة:
فلوس و موبايل إيه يا هبلة أنتِ ؟! دا أنا روحي كلها فداكي و قليل عليكي يا عبلة، متقوليش كدا و تزعليني منك، الحمد لله إنك معايا و بخير يا سوبيا، دا أنا روحي كانت هتروح من خوفي عليكي"
سألته هي بغير تصديق و كأنها تريد منه سماع تلك الأجابة:
بجد ؟! خوفت عليا و لا بتقول كدا ؟!"
رد عليها هو مؤكدًا بسرعةٍ كبرى:
أنتِ مش مصدقة أني خوفت عليكي ؟! دا أنا كنت هموت و الله، مستحيل أقبل فكرة إنك تتأذي يا عبلة، أنتِ عمالة تحكي و أنا سكاكين بتقطع فيا و عاوز أجيبهم أموتهم تحت رجلك هنا، بس أنا هعمل محضر، و مش هتدخل علشان مش هستحمل حد ييجي جنبك، و حقك عليا علشان كان المفروض أجي معاكي"
وضعت رأسها على كتفه و هي تبتسم باتساعٍ فرفع يده يُربت على ظهرها و هو يقول:
ربنا يحفظك ليا من كل سوء، و يباركلي في وجودك و يخليلي عيونك"
اغمضت عيناها فورًا حينما تسللت لها الطمأنينة من تواجدها بقربه، فبعد الخوف الذي عايشته هي أصبحت تعلم تمام العلم أن الأمان في كنفه و الضوء فيها دربه.
ابتعد عنها هو ثم أسند ظهرها على الوسادة، و بعدها اقترب من قدمها يخلع الحذاء ثم سألها عن موضع ألمها، أشارت له على قدمها اليسرى، فدلكها هو لها بهدوء حتى شعرت بالاسترخاء في جميع أنحاء جسدها ثم اخرج المرهم الطبي من دُرج الطاولة المستديرة الموضوعة في أحد أركان الغُرفة ثم دلك لها قدمها المتورمة و هي تبتسم له، بعدها قام بلفها برابط الضغط ثم أمسك كفها الذي توسطه خدشٌ كبير الحجم ثم قام بدهن المرهم و وضع اللاصق الطبي عليه، انهى عمله ثم جلس مقابلًا لها يسألها بمرحٍ:
ها يا سوبيا ؟؟ تمام كدا؟! و لا فيه حاجة تاني بتوجعك ؟! أنا موجود في الخدمة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بهدوء و تأثرٍ من حنانه عليها:
لأ كدا تمام اوي، ربنا يخليك ليا يا رب، أنا بقيت كويسة لما جيتلك هنا و شوفتك خلاص"
أبتسم لها هو فوجدها تتابع بحبٍ خالصٍ له بنبرةٍ هادئة:
أنا بحبك و بحب حنيتك على كل اللي حواليك، بحب حنيتك على أخواتك، و على الكل، لما بشوف حنيتك بحس أني أكتر واحدة محظوظة في الدنيا كلها، أنا بحبك اوي و كل حظوظ الدنيا دي خدتها إنك صاحبي و جوزي و قبلهم حبيبي"
ضحك هو ضحكةٍ خافتة فوجدها تحتضنه و هي تتنفس بعمقٍ و كأنها تتذوق الراحة للمرةِ الأولى في حياتها، بينما هو لف ذراعيه حولها يضمها له سامحًا للراحة تقترب منه و تتخلل في روحه الممزقة.
_________________________
جلس «ياسين» في أحد الكافيهات العامة في شمال سيناء و بعد محاولته التي باءت بالفشل جيمعها في محادثة زوجته، حينها لم يجد أمامه سوى ارسال رسالة صوتية لها يُطمئنها عليه و يخبرها بمحاولاته في التواصل معها.
بعدها أخرج رقم أحد المدراء التنفيذيين المسئولين في الشركة عن المشروعات، رد عليه المدير و تواصلا سويًا فسأله «ياسين» بنبرةٍ هادئة و رزانةٍ في حديثه:
معلش يا فندم عاوز استفسر من حضرتك عن حاجة مهمة جدًا"
سأله المدير التنفيذي بهدوء:
طبعًا يا بشمهندس ياسين، اتفضل خير إن شاء الله"
اجابه بهدوء:
خير يا فندم، كل الحكاية بس إن أنا بقيت المهندس المعماري المسئول عن المشروع اللي قريب من محافظة شمال سينا، و حاليًا العِمالة أقل من المشروع و حاجته، أقدر أنا اتصرف في عمالة من هنا علشان الجهد يتناسب مع طبيعة العمل المطلوب ؟!"
رد عليه الرجل بنبرةٍ هادئة غير مدرك الغاية من حديثه فبدا له مُبهمًا غير مُفسر ليقول:
واحدة واحدة يا ياسين أنا مش فاهم حاجة، عمالة إيه و هتجيبها منين دي؟!"
رد عليه مُفسرًا بهدوء:
يا فندم المشروع اللي في الصحرا عند شمال سينا، دلوقتي أنا محتاج عمالة، و محتاج ناس أكتر غير اللي معايا و قدرت اتوصل للعمال من هنا، هل أقدر اخليهم ضمن المشروع بحيث انهم يكونوا عمالة ليها مُرتب ؟!"
فهم الرجل مقصده من الحديث فرد عليه مُرحبًا بالفكرة:
آه طبعًا على حسب حاجتك للعمال و الشغل اللي عندك، بس هو حضرتك قدرت تتوصل للعمال عندك ؟! على ما أظن المكان شبه خالي عندك"
رد عليه بهدوء:
اتوصلت ليهم يا فندم، بس حاليًا مش هاخد أي خطوة غير لما أضمن حقهم في القبض و أنهم يكونوا بمرتب زي باقي العمال، اتصرف أزاي قبل ما اتفق معاهم ؟!"
أجابه الرجل بثباتٍ:
تمام حلو أوي كدا، هبعتلك حاليًا شيت و تطبعه كذا نسخة و تسجل فيه اسم العمال على الورق و على الشيت الكترونيًا، و بعدها تبعتلي النسخة الالكترونية بالاسماء و تخلي معاك النسخ الورقي و مع كل يوم عامل يحضر عندك تسجل قدامه، و نفس التكرار لو غاب يوم، و تبعته اسبوعيًا علشان يتسجل و يتحسب ليهم القبض، بس دا للعمال اللي أنتَ جايبهم، انما الاساسيين دول مع الشركة هنا و مع رئيس العمال ليهم طريقة تانية"
تنفس «ياسين» براحةٍ كبرى حينما تأكد من ضمان حقوق العُمال، و بعد الاتفاق مع المدير طلب منه هو بترددٍ:
معلش يا فندم، أنا مش عاوز حد يعرف بالمكالمة دي و لا بأي حاجة قولتها لحضرتك، ياريت تعتبرني معرفتش حضرتك أي حاجة لحد ما أجي، ممكن ؟!"
رد عليه الرجل بحيرةٍ:
كدا كدا طول ما العمل ساري و لسه قيد التنفيذ محدش بيجيب سيرته، بس خير إن شاء الله"
تحدث هو مُفسرًا بسرعةٍ:
خير يا فندم متقلقش، كل الحكاية بس أني لسه مش متأكد من رد العُمال، بس أنا كنت بتأكد من حضرتك، و غير كدا أنا مش عاوز حد يعرف بأمر العمالة علشان فيه عمالة كتير في الشركة و المعظم عاوزين ييجوا المشروع دا، و أنا هتواصل مع حضرتك و أفهمك الأمور باستفاضة، و هكون متشكر جدًا لحضرتك على تفهمك و تقدير لطلبي"
وافقه الرجل و أخبره بموافقته على طلبه في سرية الأمر و اتفق معه على ارسال أسماء العُمال له حتى يتم ارسال المرتب لهم شهريًا، بعدها أخرج «ياسين» ارقام أصدقائه في مكالمةٍ جماعية، حتى وصلته الإجابة منهم جيمعًا، فقال هو بهدوء:
أنا بقيت بخير و كل حاجة بقت تمام أوي مش عاوزكم تخافوا"
رد عليه «عامر» مُسرعًا بلهفةٍ:
بجد ؟! ياسين أوعى تكون بتقول كدا علشان نهدا شوية، أكيد كل حاجة بقت تمام ؟!"
رد عليه مؤكدًا بصدقٍ:
و الله العظيم زي ما بقولك، كل حاجة بقت تمام الحمد لله، متخافش، بس لما أجي هاخد حقي و حق مرمطتي دي"
سأله «خالد» بنبرةٍ جامدة:
حقك ؟! هو إيه اللي حصلك يا ياسين ؟! يابني عرفني مكانك و نجيلك بقى أحسن، الواحد من خوفه عليك مبقاش مستحمل خلاص"
تنهد هو بضجرٍ من فرط قلق صديقه، بينما «ياسر» تحدث بخوفٍ:
ياسين ؟! خوفنا عليك زاد لما كلمتنا امبارح، نبرة صوتك قالت إنك مش بخير، و دي حاجة أنتَ مش هتكدبها، بس ريحنا بقى يا شيخ"
أبتسم هو بحنينٍ ثم قال:
بصوا الخلاصة، هشام جابني هنا علشان يبقى عرف يستغلني و يربيني، بمعنى أني لو قدرت أخلص الشغل هنا و قدرت اتعامل يبقى كدا هو مخسرش حاجة، و لو مقدرتش أعمل حاجة، يبقى أنا اللي شخص فاشل و مش قد المسئولية، و بكدا ياخد نقطة على حسابي و حساب شغلي، بس على مين، مش ابن الشيخ اللي يخسر في لعبة هبلة زي دي، عــيب حتى و أنا أبويا رياض الشيخ"
ضحكوا جميعهم عليه فتحدث «عامر» بخبثٍ ممتزجٍ بالحماس:
ياسين !! بقولك إيه ؟! نروح نربي هشام دا لحد ما تيجي ؟! إيه رأيك ؟! وافق علشان خاطري"
رد عليه برفضٍ قاطعٍ:
لأ يا عامر، مستحيل، لما أرجع علشان ارتاح، لو هو فعلًا كان قاصد الهبل اللي حصل دا، يبقى ارتاح و أنا بشوف حقي قصاد عيني، لما ارجع ليكم بقى، ساعتها هنتصرف صح"
رد عليه «خالد» موافقًا:
تمام، و أنا بصراحة عاوزك تكون معانا، أصل هشام دا خانقني و نفسي أخد حقي بالجامد، هوريه أبو يونس على حق"
رد عليه «ياسين» بحماسٍ:
خلاص بقى متحمسنيش، أنا اللحظة دي نفسي فيها من ساعة ما عرفت، يلا سلام و خلوا بالكم من نفسكم"
وافقوه في الحديث، فاوقفهم هو بقوله مسرعًا يحذرهم جميعًا:
بقولكم صح !! أبويا ميعرفش حاجة عن اللي حصل، مش ضامن يروح يتهور و يعمل حاجة تخلي هشام دا يأذيه، لما أرجع أنا هتصرف و أخد حقي و أخواتي معايا كمان"
أغلق معهم الهاتف ثم فتح الاشعارات الخاصة برقمها فوجدها كما هي مغلقة و كالمثل هاتف «وليد» و «خلود» و كذلك «أحمد» و الذي كعادته يغلقه فب عمله، زفر هو بقوةٍ و تمكن منه الإحباط، فارسل لها رسالةً صوتية:
لو فتحتي طيب ابعتيلي على الرقم اللي كلمتك منه امبارح، أنا مش عارف اوصلك و كأن كل الطرق اتقطعت"
كان «يوسف» يشرب سيجارته و هو يتابعه، فنفث الهواء خارج رئتيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
لو حد معاه رقم تاني كلمه، شوف قرايب أو جيران، أو أي حد"
رد عليه بقلة حيلة:
أخواتها مش بيردوا عليا و هي موبايلها مقفول، كنت عاوز بس اتطمن هي بقت كويسة و لا لأ؟!"
أبتسم له و هو يقول بهدوء:
متخافش أوي كدا هي أكيد مش عيلة صغيرة يا ياسين، بلاش خوفك الزيادة دا"
رمقه «ياسين» بيأسٍ و هو يقول:
أنتَ مش فاهم حاجة يا يوسف، خالص للأسف"
زفر بقوةٍ فابتسم الأخر بسخريةٍ و هو يقول مُستهزئًا بحاله:
يا أخي حب إيه دا اللي يخلي راجل زيك كدا خايف على واحدة كأنها عيلة صغيرة ؟! الواحد بيتجوز علشان دماغه تريح شوية، دي مسئولية تانية"
حرك «ياسين» مُستنكرًا وهو يسأله بتعجبٍ:
قصدك إيه، أنا مش فاهم حاجة"
رد عليه مُفسرًا:
يعني إحنا بنتجوز علشان نريح دماغنا يا ياسين، و علشان حاجة تانية أنتَ فاهمها، مش كل الناس بتقدر تتحكم فيها، فالحل في الجواز علشان منعملش حاجة غلط، الحب بقى و حواراته دي في الحواديت و الأفلام، إلا بنسب قليلة بتكون شبه منعدمة"
أبتسم له «ياسين» بسخريةٍ و هو يقول بيأسٍ:
أنتَ بعيد أوي يا يوسف عن معنى الجواز، أو متعرفش يعني إيه جواز، لو عرفت يعني إيه ونس و سكن مش هتقول كدا، إحنا بنتجوز علشان نكون عندنا بيوت على شكل ناس، بنتجوز علشان لما حملك يبقى تقيل تلاقي معاك كتف يشيل، مسيرك يوم تجرب يعني إيه حد اقرب ليك من أبوك و اقرب ليك من أمك و أقرب ليك حتى من نفسك، حد شايف نفسك فيه، الإنجاز بجد لما توصل للاستقرار النفسي و أنتَ معاه، ربنا يكرمك باللي تكون لروحك بيت تسكنه و زي الأرض لقلبك تحضنه، ربنا يكرمك بواحدة تشوف الدنيا بعينها"
أبتسم له «يوسف» بتأثرٍ ثم قال بعدما زفر بقوةٍ:
يمكن علشان مشوفتش قدامي حب، و يمكن علشان اللي افتكرت أني بحبها خدت منها قلم محترم، و لا يمكن أنا اللي مليش خلق من الأساس؟ بس أقولك حاجة ؟! حاليًا أنا عاوز أجرب احساس حبك دا، بتحبها أوي كدا ؟!"
سأله باهتمامٍ، و على الفور لمعت عينيه و تبدلت نبرته لأخرى حنونة هائمة و كأنها أمامه:
بحبها ؟! يابني دا أنا بقيت بحب نفسي علشان هي حبتني، حاجة كدا غريبة، بس حلوة، المسئولية الوحيدة اللي فرحت لما شيلتها، هي أحن و أجمل ما زار العُمر، لو بايدي أعيد عمري كله من الأول تاني هعيده علشان تكون معايا من أوله فيه لحد أخر نفس فيا، لقيت فيها الوَنس و السَكَنْ و السَكينة، لما بقت معايا عرفت يعني الراجل هو أمان الست، لو مقدرش على كدا يبقى مش راجل أصلًا"
عقد «يوسف» ما بين حاجبيه بتعجبٍ فاضاف «ياسين» مفسرًا:
واحدة مسلماك نفسها و حياتها و سايبة بيت أهلها و حياة مستقرة هادية، علشان تعيش معاك تحت سقف واحد و يتقفل عليكم نفس الباب، واحدة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاك عليها، و ربنا سبحانه وتعالى ذكر علاقتك بيها في القُرآن في آية زي المعجزة، و بان في قوله تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
_صدق الله العظيم
انهى الآية ثم أعاد حديثه من جديد بقوله الحكيم:
ربنا كرم البشر لما الست اتخلقت من ضلع الراجل، و بقى بينهم مودة و رحمة و سكن، حد تاني بيكمل روحك و بيربط بالمودة و الحب على قلبك، و عقل حكيم يكمل اللي ناقص عقلك في التفكير، ربنا يرزقك باللي تغير تفكيرك دا"
حرك رأسه موافقًا فباغته «ياسين» بسؤاله الغير متوقع:
و بعدين إيه النضافة دي ؟؟ بتروح أماكن الاغنيا بس ؟!"
أبتسم له و هو يقول بقلة حيلة:
مش مهندس بترول ؟؟ يعني مش على قلبي شوية برضه"
ضحك «ياسين» بقوةٍ ثم قال من بين ضحكاته:
يا عم سَمِ الله ما يحسد المال إلا صحابه، لأ بجد صورك كلها حاجة نضافة، معلش أصل أنا بتاع حواري و مناطق شعبية، بس أنتَ منين ؟!"
سحب هواء السيجارة داخل رئتيه ثم أخرجه مرةً اخرى و هو يقول:
من أبو الفِدا، محسوبك من شارع أبو الفِدا، عارفه"
رمش «ياسين» ببلاهةٍ و هو يقول بغير تصديق:
أبو الفدا ؟! اللي عند الزمالك دي؟! بتهزر، هو فيه حد ميعرفهاش ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال ممازحًا له بحديثه:
ميغركش أني من شباب الزمالك، بس أنا أساسًا عيل بتاع حواري، ناس الزمالك الهاديين دول مش جايين معايا، محسوبك من أشقية خط المرج_حلوان"
ضحك عليه «ياسين» ثم مد له كفه يعانق كفه في وضع التحية و هو يقول بمرحٍ:
محسوبك ياسين من نفس الخط برضه"
ضحك كليهما فدلف لهما «صالح» في تلك اللحظة يقول بنبرةٍ هادئة:
ها يا أستاذ ياسين خلصت المشكلة ؟! و لا لسه هندور على حل تاني ؟!"
ابتسم له ثم وقف احترامًا وتقديرًا له:
لأ يا شيخ صالح، متقلقش، من بكرة إن شاء الله هنبدأ الشغل سوا، كلنا و بالعُمال بتوعك كمان، و أنا بنفسي أضمنلك حقهم و قبضهم زيهم زي العمال اللي معايا، حاجة تاني ؟!"
سأله بتعجبٍ و لهفةٍ:
ازاي ؟! بالسهولة دي ؟! طب هما وافقوا ؟! و لا إيه الدنيا؟!"
أبتسم له بثقةٍ و هو يقول:
دي بتاعتي أنا بقى، مش أنتَ كنت عاوز رجالتك و الادوات بتاعتك تشتغل ؟! أنا بفضل ربنا قدرت أعمل كدا و من بكرة الصبح تكون عندي الرجالة و المعدات بتاعتك، حاجة تاني ؟!"
أبتسم له الرجل و هو يقول ممتنًا له:
الله يكرمك يا بني و يجبر بخاطرك، كدا الحق بيرجع لأصحابه، علشان أنتَ ابن أصول"
رد عليه «ياسين» مبتسمًا:
الله يكرم أصلك، عاوز منك بس ورقة فيها اسم كل عامل هتجيبه و رقمه القومي و صورة بطاقته و رقم تليفونه، علشان ابعتهم للشركة و أضمن حقهم في القبض و المرتب، و بالنسبة للمعدات دي ليها فلوس لوحدها هنحسبها سوا و الشركة هتبعتها لينا، حاجة تاني يا عم الشيخ ؟!"
رد عليه نافيًا حديثه ثم أضاف:
ربنا يكرمك يابني و يستر طريقك، و أنا آسف ليك عن أي حاجة زعلتك مننا، حقك على راسي و راس كل رجالتي، بس ربنا يكفيك شر كسرة الخاطر و قهرة راجل على لُقمة عيشه، صعبة يابني أوي"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ فأضاف الرجل مقررًا باصرارٍ:
دلوقتي بقى هتيجي معانا نضايفوك و ندوقك أكلنا العربي، يلا معانا"
رد عليه مسرعًا برفضٍ:
معلش يا شيخ صالح مش هينفع، علشان العمال اللي معايا و دول مسئولين مني، مرة تانية إن شاء الله"
رد عليه الرجل بنفس الاصرار:
مستحيل، لازم تضايف و تنورنا في بيتنا و نقرا الفاتحة بينا"
رد عليه بقلة حيلة:
لو عليا اتشرف طبعًا أني ازور بيتكم و يشرفني أني أكل معاكم، بس و الله معايا رجالة و مش هقدر أكل من غيرهم، اصغر واحد فيهم اكبر مني بخمس سنين، معلش أعذرني"
رد عليه الرجل مستسلمًا:
خلاص يبقى واجبك و واجب الرجالة يوصل لحد عندكم، و دي مفيهاش رفض و لا حجج، اتفقنا؟"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول:
اتفقنا يا شيخ صالح"
_________________________
غفيت «عبلة» في ثباتٍ عميقٍ بين ذراعيه و هي تتشبث بثيابه حتى غفى معها هو الأخر و فجأة فتح عيناه و فاق من غفوته الطويلة الغير مقصودة و تركها هو ثم دثرها بالغطاء جيدًا و هو يطالع قسمات وجهها الهادئة و التي اختبئت خلف السكون المغلف وجهها بعنايةٍ، اقترب منها حينها يلثم جبينها ثم وجنيتها على حِدة حتى تململت هي في نومها، حينها ارغم نفسه و ابتعد عنها، ثم خرج من الغرفة يجلس بالخارج فوجد كلًا من «خديجة» و «خلود» بالخارج، فسأل هو بهدوء:
قاعدين كدا ليه ؟؟ هو أنا اتأخرت أوي كدا جوة؟!"
ردت عليه «خلود» بسخريةٍ:
لا يا عم عيب متقولش كدا، هما يدوبك كام ساعة بس، متكبرش عليهم الموضوع"
مسح وجهه بكفيه معًا فسألته «خديجة» بنبرةٍ هادئة:
طمني عليها يا وليد، عبلة كويسة ؟؟ و لا لسه ؟!"
حرك كتفيه مما يدل على جهله بالأمر و هو يقول:
مش عارف يا خديجة، بس رجليها كانت وارمة شوية قبل ما تنام، أنا حطيت ليها مرهم و ربطها، هي مش محتاجة جِبس بس برضه أنا خايف، و كفها متعور بس الحمد لله مش أوي"
ردت عليه «خديجة» بقلة حيلة:
طب و هي كانت فين لوحدها ؟! ازاي تسيبها يا وليد تنزل من غيرك"
رد عليها هو مُسرعًا:
قولتلها أروح معاها و هي قالتلي خليك علشان خديجة هنا لوحد....."
توقف عن الحديث حينما أدرك ما كان سيكمله في حديثه، فسألته هي بترقبٍ:
كمل !! يعني أنتَ كنت هتنزل معاها بس هي رفضت علشان أنا موجودة هنا ؟!"
رفع كفيه يمسح وجهه بعنفٍ ثم قال بهدوء:
لأ يا خديجة، هي قالتلي إني مش هينفع اسيب البيت و فيه البنات كلهم علشان ممكن واحدة منكم تحتاج حاجة، مش قصدها أنتِ بعينك"
طالعته بعينيها و ترقبٍ و شكٍ في صدق حديثه، فاقترب منها يجلس بجانبها و هو يقول:
دا نصيب لا أنا و لا أنتِ لينا دعوة بيه يا خديجة، كان ممكن أكون معاها و أنا أكون جوة و هي برة و كان يحصل كدا، اللي حصل كله خير، بس أنا مش هرتاح غير لما أعمل محضر علشان أجيب حقها، أو على الأقل علشان اللي حصل دا ميتكررش تاني مع حد غيرها"
حركت رأسها موافقةً فقال هو لـ «خلود»:
تعالي معايا يا خلود ننزل نجيب حاجات من تحت و نجيب الغدا"
ردت عليه «خديجة» بلهفةٍ:
استنى أنا حضرت الغدا أصلًا علشان عبلة، و عملت ليها أكل، بلاش تتعب نفسك"
رد عليها هو بامتنانٍ:
ربنا يخليكي لينا، تسلمي و يسلم وجودك لينا يا حبيبة أخوكي"
ابتسمت هي له فقال هو بنبرةٍ هادئة:
طب أنا نازل علشان اجيب حاجات من تحت و علشان اجيب دوا من الصيدلة يكون مفعوله قوي لـ رجلها، حد فيكم عاوز حاجة من تحت ؟!"
رفضت كلتاهما، فتحرك هو من أمامهما ثم خرج من الشقة بأكملها، و حينها تذكرت «خديجة» أمر هاتفها و أنها تركته منذ الصباح، فشهقت بقوةٍ ثم صعدت إلى الأعلى و هي تخشى أن تكون فاتتها مكالماتٍ من والدي «ياسين» و والديها، أقتربت من السطح ثم أخرجت الهاتف من الشحن و قامت بفتحه، و بعد مرور ثوانٍ وصلتها رسائل بالمكالمات الفائتة منه و قد وصل عددهم إلى ٣٣ مكالمة فائتة منه و خمسة من والديه، تنفست بعمقٍ و زاد توترها، ثم قامت بفتح تطبيق "الواتساب" فوجدت رسالةً صوتية منه فحواها:
صباح الخير يا خديجة، أنا عمالة اكلمك من بدري و بحاول اوصلك بس يئست و مش عارف، المشكلة إن الفرصة دي مش بتتكرر كتير، المهم أنا بطمنك أني كويس و عارف إنك قلقانة عليا، بس علشان اريحك هقولك والله أنا إن كل حاجة بقت كويسة، و لو فيه حاجة كانت مخلياكي قلقانة دلوقتي بس أقدر اقولك أني بقيت بخير، ابقي طمنيني عليكي و كلميني على الرقم اللي كلمتك منه، دي الوسيلة الوحيدة اللي موجودة"
نزلت الدموع من عينيها و هي تستمع لصوته و كلماته و خاصةً حينما حاولت التواصل معه فوجدت رقمه خارج التغطية كما حاله الدائم، و لكن لفت نظرها رسائل أخرى منه، حينها ضغطت على فتح واحدةً منهم فوصلها صوته هو يغني لها:
و بحبك وحشتيني....بحبك و أنتِ نور عيني، دا و أنتِ مطلعة عيني بحبك موت....لفيت قد إيه لفيت....ما لقيت غير في حضنك بيت....و بقولك أنا حنيت....بعلو الصوت....و كأن الوقت في بُعدك واقف مبيمشيش....و كأنك كنتي معايا بعدتي و مبعدتيش.... في دمي حبيبتي و أمي زي ما أكون ببتدي أعيش"
انهى الغناء ثم قال بهدوء في رسالةً أخرى:
أنا كنت مسجلها بصوتي بليل علشان لو صادف و قدرت ألاقي شبكة ابعتها ليكي، و سبحان الله إحساسي طلع صح، و متخافيش مسجلك الحتة اللي بتحبيها، هبعتهالك"
ضغطت على الرسالة التالية فوصلها المقطع الأخر بصوته:
بعدت و كنت هعمل إيه..... مين اختار غربته بايديه.....لكن حُبك دا منستهوش و عاش فيا.....ليه هتأسف على الغيبة.... مغيبتيش لحظة و قريبة.....محدش عنده كدا طيبة و حنية.....و كأن الوقت في بُعدك واقف مبيمشيش...و كأنك كنتي معايا بعدتي و مبعدتيش، في دمي حبيبتي و أمي و زي ما ببتدي أعيش...."
انهى الرسالة ثم ارسل لها أخرى يخبرها أنه حاول مرارًا و تكرارًا دون كللٍ أو مللٍ، أما هي فبكت بقوةٍ و هي تشعر أن حديثه لها جعلها تشعر بالحزن في رحيله فحتى نبرة صوته باتت حزينة أيضًا.
_________________________
أنهى «وليد» عمله و قام بتقديم المحضر و اخبار الضابط المسئول عن البحث بالمكان و المنطقة بعدما قام بأخذ المقطع الذي ظهرت به الواقعة و على الرغم من أن الملامح لم تظهر إلا أنه أخذ المقطع و قدمه للضابط ثم أخبره بمكان تواجدهما حينما قام بالتوصل للهاتف الخاص بزوجته و استطاع بموهبته الغريبة التحكم في الجهاز بكل ما بداخله.
خرج من قسم الشرطة فوصلته مكالمة هاتفية من رقمٍ غريب، ضغط على زر الايجاب و هو يقول:
آلو ؟! مين معايا ؟!"
وصله صوت فتاةٍ و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا متأسفة جدًا لحضرتك أني بكلمك من غير ميعاد كدا، بس أنا بكلم حضرتك من طرف دكتورة هناء بخصوص خديجة أخت حضرتك صح كدا؟!"
عقد ما بين حاجبيه و هو بتيهٍ:
هو النص الأول أنا مش فاهمه، بس النص التاني صح، أنا وليد أخو خديجة، خير يا فندم ؟!"
تنفست بعمقٍ ثم قالت بحماسٍ:
طب مع حضرتك "نوف بدر" مسئولة في جمعية "ضي القمر" دكتورة هناء كلمتني بخصوص مدام خديجة و أنا بصراحة متحمسة أوي أني أشوفها"
رد عليها هو بنبرةٍ عالية:
معلش بس علشان أنا مش فاهم حاجة، خديجة أختي !! مالها بقى ؟؟ و حضرتك مين ؟!"
ردت عليه مفسرةً بهدوء:
طب يا فندم، أنا عرفت إن مدام خديجة حاليًا بتمر بفترة قد تكون صعبة شوية، و حضرتك عاوز تساعدها تتجاوز الفترة دي، إحنا جمعية خيرية و مدام خديجة جت هنا قبل كدا، كل الحكاية اننا عاوزين نساعدها و نستغل الطاقة السلبية اللي عندها و نبدلها بطاقة تانية ايجابية، هنخليها تشوف أنشطة كتير هنا و تشترك فيها بنفسها و دا هيساعدها إن حالها يتبدل شوية، قولت إيه يا فندم ؟؟ لو كدا هعرف حضرتك بالمواعيد"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال:
تمام يا فندم، الرقم دا ابعتيلي عليه كل التفاصيل و أنا هتكلم معاها و هرد على حضرتك، معلش بس اسمك إيه ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
عارفة إنه اسم غريب شوية، بس مش صعب يعني، مع حضرتك "نوف بدر" مسئولة في جمعية ضي القمر، و إن شاء أشوف مدام خديجة قريب و اتمنى اقدر اساعدها"
رد عليها هو برجاءٍ في ذلك:
ياريت لو دا حصل، أنا مش عاوز غير أنها تكون بخير و مبسوطة"
تحدثت هي تؤكد صدق حديثها:
إن شاء الله يا فندم، عن إذن حضرتك و أن شاء هبعتلك كل التفاصيل و المواعيد"
أغلق معها الهاتف و هو يبتسم بخفةٍ ثم دلف السوق التجاري يجلب منه المشتريات التي سبق و دونتها «عبلة» في ورقة بيضاء اخذها هو من حقيبتها، و بعد أن انهى عمله و جلب ما اراده، حينها توجه نحو وحهةٍ أخرى يجلب شيئًا أخر أكثر أهمية من وجهة نظره.
_________________________
التفت الفتيات حول «عبلة» بعدما استيقظت من نومها و خرجت في صالة الشقة بينما «طارق» جلس بجوارها على الأريكة و هي بين ذراعيه، فتحدث «أحمد» بنبرةٍ هادئة:
ألف سلامة عليكي يا عبلة، الحمد لله إنها جت على قد كدا، فداكي كل حاجة"
تدخل «وئام» يقول بنفس الهدوء:
الحمد لله إنك رجعتي بخير، أي حاجة تانية مش مهم، متزعليش نفسك كدا و افردي وشك"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
الحمد لله على كل حال، أنا بس اللي مزعلني هو الموبايل كان جديد و أكيد هقعد فترة محترمة لحد ما اجيب واحد تاني أحسن منه، و فلوس وليد اللي كان سايبها، صعبان عليا علشان دي فلوس شغله و تعبه"
رد عليها «طارق» مسرعًا:
كل حاجة مش مشكلة يا حبيبتي، المهم إنك بخير و معانا، في داهية كل حاجة، لو مزعلك الموبايل أنا اجيبلك واحد أحسن منه، بس مشوفش فيكي حاجة وحشة ابًدا"
ابتسمت هي لأخيها، فسأل «حسن» بنبرةٍ هادئة يحاول الهروب من نظراتها:
هو راح فين صحيح؟! مش المفروض يكون هنا معاكم ؟!"
ردت عليه «خلود» مفسرةً:
نزل يجيب دوا لعبلة و راح يجيب حاجات من السوبر ماركت، هو بس اتأخر شوية، مش مشكلة زمانه جاي"
حرك رأسه موافقًا ثم حرك رأسه للجهة الأخرى حتى لا تلتقي عينيه بعيناها، زفرت هي بقوةٍ ثم دلفت للشرفة و هي تتصنع التحدث في الهاتف، عقد هو ما بين حاجبيه ثم اقترب منها حتى يعرف مع من تتحدث، فالتفتت هي له و هي تقول بمعاتبةٍ:
مش عاوز تكلمني ليه يا حسن ؟! و بتهرب من عيني ليه و هي بتبصلك ؟!"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال بنبرة صوتٍ رخيمة و كلماتٍ تلومها:
أنا مبهربش منك يا هدير، أنتِ اللي بتعملي بينا فواصل و بتبعدينا عن بعض، عاجبك كدا و احنا بُعاد عن بعض ؟!"
ردت عليه هي بلهفةٍ و نبرةٍ أقرب للبكاء:
أنا مبعملش كدا، افهمني علشان خاطري، بلاش أنتَ تفهمني غلط علشان أنا محدش بيفهمني غيرك"
تحدث هو بضجرٍ:
يبقى تفهميني، بلاش تسيبني تايه و دماغي تلعب بيا، اسمه إيه انك مش عاوزة ترجعي معايا البيت، و اسمه إيه إنك بتقوليلي خلينا فترة كدا، معناه إيه إن مراتي مش عاوزانا نكون سوا"
أقتربت منه تمسك يده و هي تقول بلهفةٍ و بكاءٍ:
مش كدا و الله، افهمني بس علشان خاطري يا حسن، أنا خايفة و خوفي عمال يزيد، خايفة من البيت الوحيد اللي كنت برتاح فيه"
عقد ما بين حاجبيه فوجدها تقول بنبرةٍ باكية:
أنا لحد دلوقتي مش قادرة انسى شكلي و أنا بجري في الشارع بليل و لا شكلي أنا نازلة من الشقة بعيط، لو روحت هناك أنا هتخنق أكتر، علشان خاطري خليني بس أنسى اللي حصل و أنا بحاول و الله، بس غصب عني كل ما افتكر بحس أني بتخنق أكتر، علشان خاطري متزعلش مني، مش عاوزاك تزعل، عاوزاك بس تفهمني أني مش هقدر ارجع دلوقتي معاك"
أغمض جفنيه فوق عينيه بشدة و هو يحاول الثبات أمام دموعها، فوجدها تقترب منه تدفن رأسها بصدره و هي تبكي حزنًا على حالها و حاله، حينها استسلم هو لرغبته و رفع أحد ذراعيه يمسد على ظهرها، و هي تبكي بقوةٍ، رفع رأسها حتى يتسنى لها رؤيته و هو يقول بهدوء أجبر نفسه على الاتسام به:
حاضر يا هدير، مش هضغط عليكي، بس ياريت أنتِ كمان متجيش عليا، أنا مش طالب منك كتير، بس عاوزك معايا في بيتي علشان راحتنا احنا الاتنين سوا، فكري تاني و أنا سايبلك الوقت براحتك، عن اذنك بقى علشان هروح"
ابتعد عنها بعدما أجبر شفتيه على الابتسام لها ثم التفت و قبل أن يقترب من باب الشقة وجد «وليد» يفتح الباب بمفتاحه الخاص، و حينما تواجها سويًا قال «وليد» مسرعًا:
أبو علي ؟! البيت نور يا جدع، شيل مني ايدي وجعتني"
مال «حسن» على الحقائب يحملها منه، فدلف «وليد» للداخل و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عقبال ما نتجمع في الجنة يا رب"
سأله «طارق» بنبرةٍ جامدة:
أنتَ كنت فين يا صايع ؟!"
رفع له حاجبه ثم اقترب منه يفصل بينه و بين «عبلة» حتى نجح في ذلك و هو يقول:
ابعد بس يا بابا عن الحاجة اللي متخصكش، ابعد كدا"
رفع «طارق» حاجبه ثم نظر لـ «وئام» و هو يقول بضجرٍ:
ما تلم عديم الرباية دا !!"
اقترب «وليد» من زوجته يقبل قمة رأسها ثم رفع يده بحقيبة صغيرة و هو يبتسم لها، عقدت هي ما بين حاجبيها و أخذت منه الحقيبة، و أخرجت ما بها و سرعان ما شهقت بقوةٍ حينما وجدت هاتفًا من أحدث الأنواع، تحدث هو بهدوء و هو يرى أثر فعله باديًا عليها بقوله:
مكانش ينفع اسيبك تنامي زعلانة يا عبلة علشان الموبايل، دا حاجة أحسن منه بمليون مرة، لسه زعلانة ؟!"
حركت رأسها نفيًا بسرعةٍ فمال عليها هو يحتضنها ثم قبل رأسها مرةً أخرى، طالعهما الجميع بتأثرٍ.
_________________________
جلس «ياسين» وسط الرجال و العمال و «يوسف» بجوارهم ينفث هواء السيجارة كعادته و هو يراقب تلك الجلسة المرحة التي كساها صوت «ياسين» و هو يغني وسط العُمال، كان بين الحين و الأخر يبتسم لهم رغمًا عنه، كان «ياسين» يغني أغنيةً قديمة منذ الزمن القديم و هي:
يا مهون....هون هون.... يا مهون...هون...هون....يا مهونها... هونها و قول....يا مهون...هون علطول.... و تروح بلدك يا غريب....و تلاقي على البر حبيب....و تروح بلدك يا غريب....و تلاقي على البر حبيب...مستنيه يقولك سلامات....هون"
امتزج صوته بصوت الرجال حوله و هم يرون تلك الليلة احتفالية بعد فك الحصار من عليهم، فبدأ هو الغناء بأغنية اخرى وسط تصفيقاتهم و فرحهم:
آه يا لالي...يا عيني يا لالي...على اللي اتغرب راح و لا جالي....آه يا لالي...يا عيني يا لالي...على اللي اتغرب راح و لا جالي...."
حينها اقترب «يوسف» يمسك الصينية من يد أحد العمال ثم قام بالطرق عليها بعدما فشل فى السيطرة على رغبته في مشاركتهم تلك اللحظة، فعاد «ياسين» الغناء بمرحٍ أكثر حينما شاركهم «يوسف» الذي كان جالسًا مبتعدًا عنهم:
آه يا لالي...يا عيني يا لالي...على اللي اتغرب راح و لا جالي.... اللي غاب عن عيني....ميتا يا ناس يجيلي....بحنانه يغطيني يشوف اللي حصلي....آه يا لالي...يا عيني يا لالي...على اللي اتغرب راح و لا جالي........خَد شاله الحرير و طاجيته الكشمير....خد شاله الحرير و طاجيته الكشمير....راح يغيب كتير و مين يا ناس يجولي....آه يا لالي...يا عيني يا لالي...على اللي اتغرب راح و لا جالي..."
وقف حينها «يوسف» وسطهم يطرق بقوةٍ أعلى من السابق و «ياسين» بجواره يصفق بيده في جو تملئه البهجة بعدما سادت عليهم الليالي المظلمة، و فجأة اقتربت منهم سيارات كبيرة الحجم حتى سادت لحظة صمتٍ في الأجواء و هم يرون الرجال المسلحين، و حينها نزل الشيخ صالح يقول مسرعًا:
كملوا.... كملوا احنا مش مفسدين بهجة، بس الأكل وصل علشان نبدأ العهد سوا بالعيش و الملح"
تنفس الجميع الصعداء براحةٍ كبرى تخللت روحهم و تعمقت بها بعد لحظة خوفٍ تمكنت منهم بعدما ظنوا إنها بداية العودة لليالي المظلمة من جديد، و لكن هل هناك ليلٍ دام بدون نهار ؟!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والستون 67 - بقلم شمس بكري
يمكن الهوىٰ غلاب و لكن إيه العمل في غُلب فراق الأحباب ؟!"
_________________________
ودت فقط لو أعود لنفسي، أود أن أجدني بعدما فقدت نفسي و ذاتي و قُدرتي على مواساتي، اخشى أن أتوه مني في الزحام، و تزول مني قدرتي على الكلام، فكيف لي بمفردي أن أعيش في كل تلك الآلام، و كيف للمرء أن لا يُعانق الأحلام ؟!.
أطمئن شباب العائلة و فتياتها على «عبلة» و استمر المزاح قائمًا بينهم و سخريةً على «وليد»، أما هي فكانت في عالمٍ أخر، حيث شردت في فيه هو تحديدًا، لم تتخيل أن يفعل ذلك لأجلها، كما أنه يجلس بجوارها و لا يفارقها، نزلت ببصرها نحو موضع كفها، فوجدته مُحاصرًا بين كفه و كأنه يُطمئنها بتلك الطريقة أنه سيبقى بجوارها، أو بطريقةٍ أخرى يعتذر لها عما حدث لها بمفردها دون أن يكون مجاورًا لها.
نزل الشباب خلف بعضهم تباعًا من الشقة، و ظلت «هدير» معهم بعدما تابعت رحيل «حسن» بملامح وجه مُقتضبة، حرك «وليد» عيناهُ بتساوٍ بينهما ثم تحدث أخيرًا بتهكمٍ:
و بعدين هتفضلوا قالبين خلقتكم كدا في وش أهالينا ؟؟ فُكوا الخِلقة خلوها تتفك علينا"
رمقته كلتاهما بحدةٍ و أول من ردت عليه بعدما جذبت منه أطراف الحديث كانت «هدير»:
نعم أنتَ عاوز إيه ؟! خير يا سيدي ؟!"
رد عليها ساخرًا منها:
انعم الله عليكِ يا أستاذة هدير، مروحتيش مع حسن ليه ؟! مش ناوية تبطلي هيافة بقى"
شهقت شهقة قوية بعدما تأهبت في جلستها و هي تردد خلفه باستنكارٍ:
أنا هايفة ؟! تصدق إنك رخم و بارد و تنح !!"
رد عليها مؤكدًا:
آه أصدق و حطي عليهم متربيتش و سافل و قذر، حاجة مش جديدة يعني، بس أنتِ مروحتيش ليه ؟!"
كانت الفتيات يتابعن ذلك الموقف و هن يحاولن كتم الضحكات، و قد نجحت «خديجة» في ذلك و تحدثت بنبرةٍ هادئة:
وليد معاه حق يا هدير، كنتي روحتي معاه أحسن، شكله أصلًا كان زعلان لما خرج من البلكونة، كان متعشم إنك تروحي معاه، شكلك كسرتي بخاطره"
ردت عليها مُسرعةً:
أنا مكانش قصدي أعمل كدا و الله، أنا كنت بفهمه وضعي و أني مش هقدر أروح الشقة دلوقتي، هو أكيد فاهم حاجة زي دي"
ردت عليها «عبلة» بهدوء:
لأ هو أكيد مش فاهم حاجة زي دي، حسن أكيد فاهم غلط و فاهم إنك كدا مش عاوزة ترجعيله، و بصراحة أي حد مكانه هيفكر كدا"
سألتها باهتمامٍ غلف نظراتها و سيطر على نبرتها بالكامل:
هيفكر ازاي ؟! هو قالي إنه مش هيضغط عليا و أنه متقبل الوضع دا لحد ما أنا أرجعله"
نطقت «خديجة» تلك المرة بنبرةٍ منفعلة إلى حدٍ ما:
و ليه من الأول ؟! ما تروحي يا بنتي شقتك مع جوزك و خلاص، لازمتها إيه البهدلة دي ليكم انتم الاتنين ؟!"
ردت عليها مُفسرةً بصوتٍ مختنقٍ:
علشان أنا مش عاوزة أروح هناك و حاسة إني لو روحت هتخنق، حنان دي الوحيدة اللي خوفتني صح، خلصت مني القديم و الجديد، الوحيدة اللي مقدرتش أقف قصادها أكتر من كدا و علشان خاطر الحب، أنا عاوزة أروح بيتي و ارجعه زي ما كان بس غصب عني عقلي مش مستوعب غير شكلي و أنا نازلة معيطة و بجري في وشي"
اقتربت في تلك اللحظة منها «خلود» تقول بطريقتها المعتادة التي تختلط دومًا بالدَهاء:
يا هبلة و كدا حنان تبقى كسبت و عملت اللي هي عاوزاه، فرقت بينكم و ممكن تستغل دا و تسخن حسن عليكي، دي مش بعيد تاخده تجوزه كمان"
حركت «هدير» رأسها نحوها بسرعةٍ كبرى و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
مستحيل !! دي لو عملت كدا أنا أشرب من دمها بجد، أنا ساكتة ليها بما فيه الكفاية"
ردت عليها مسرعةً بنفس الدهاء و الحِنكة التفكيرية:
ليه مستحيل !! مش جوزها عمال يكلمه و بيحاول يتواصل معاه ؟! ممكن تكون هي اللي مسلطاه، لو منك أحلق على جوزي، مش بعيد هو نفسه يتقل عليكي و ميردش على مكلماتك، اسمعي مني، تاكلي الشهد، ارجعي بيتك و عيشي فيه براحتك، و متخليش فرصة لحد يقرب من حسن، حتى لو أخته الحرباية دي"
انتفضت «هدير» فورًا من مقعدها تنزل للأسفل دون أن تتفوه بكلمةٍ واحدة، فيما ابتسمت «خلود» بانتصارٍ و خبثٍ غلف نظرات عينيها، حينها تحدث «وليد» بفخرٍ:
تربيتي بجد مش هزار !! ما شاء الله خليفتي في الملاعب"
غمزت له و هي تقول بثقةٍ:
عيب عليك، يا رب هو بس يسمع كلامي و ميعكش الدنيا"
وزعت «خديجة» النظرات بينهما بتساوٍ ثم تحدثت بقلقٍ منهما:
بقولكم إيه انتم الاتنين ؟! أنا بخاف منكم أصلًا، اوعوا تكونوا بتعملوا مصيبة ؟!"
نظر كليهما لبعضهما و ما لبثوا ثوانٍ من التقاء نظراتهما حتى انفلتت ضحكاتٍ خافتة منهما يحاولا كتمها حتى لا يفتضح أمرهما، بينما «خلود» شردت فيما حدث منذ قليل قبل رحيل «حسن» من البيت.
(قبل ذلك بلحظات)
خرج «حسن» من الشقة و «هدير» تتابعه بعينيها و هو يذهب دون حتى أن يحاول توديعها، فقط تجاهلها كما لو أنها قطعة من قطع الديكور الموضوعة بأحد الأركان دون أن يكترث أحدٌ بوجودها، خرج من الشقة فلحقته «خلود» نحو الخارج بعدما تابعت نظرات الأخرى، و قبل أن يخرج من باب البيت أوقفته مُسرعةً و هي تقول:
استنى يا حسن !! عاوزاك معلش ضروري"
عقد ما بين حاجبيه ثم التفت لها يقول بتعجبٍ:
خير يا خلود ؟! فيه حاجة و لا إيه ؟!"
قفزت آخر درجتين تفصلا بينهما ثم اقتربت منه تقول بصوتٍ منخفض:
وطي صوتك بس، عاوزاك تسمع كلامي و تنفذه علشان ترتاح، أنا عاوزة أساعدك"
زادت المسافة بين حاجبيه حينما فرق بينهما و هو يسألها ببلاهةٍ:
عاوزة تساعديني ازاي ؟! و ليه أصلًا ؟!"
ردت عليه بثباتٍ:
مش عاوز هدير ترجعلك ؟! يبقى تسمع كلامي و تطمن و تشوف النتيجة بنفسك"
وضع كفيه داخل جيبي بنطاله و هو يسألها بلهجةٍ ثابتة:
و دا كدا لله و للوطن ؟! و لا فيه حاجة وراكي ؟! معلش !! اصلي عارفك من ساعة ما اتولدتي"
ردت عليه هي بثباتٍ:
أديك قولت اهو !! عارفني من ساعة ما اتولدت، يعني فيه بينا عِشرة، و أنا علشان خاطر العِشرة دي و علشان خاطر حسن أخويا الكبير هساعدك بس تسمع كلامي، ها شاري"
أخرج تنهيدة بقلة حيلة و كأنه مغلوبًا على أمره فرد عليها بايجازٍ:
اشتريت..... ها ؟!"
لمعت عينيها ببريقٍ غريب و كأنها طالب مشاغب ينوي على كارثة فادحة يعود أثرها بالسلب على رؤوس الجميع، لكن في حالتها بالطبع سيعود بالايجاب.
اخبرته بما يجب عليه فعله بدايةً من اليوم حتى تأتِ له النتائج المرغوبة، استمع هو لحديثها، فتحدث بنبرةٍ جامدة يغلفها الاستنكار:
نــعم ياختي ؟! عاوزاني مردش عليها لو اتصلت و اتقل عليها ؟! اومال لو عاوز اطفشها بقى ؟!"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
براحتك شكلك مش شاري، خليك بقى كدا أسبوعين و لا حاجة، طالما كلامي مش على هواك"
قبل أن تلتفت و تغادره أوقفها هو بقوله الحاد:
استني هنا !! كلميني زي بكلمك، قولي اللي عندك كله و أنا أشوف"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت:
أنا مش فاضية ليك يا حسن، هتسمع كلامي و لا لأ ؟!"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم قال مُعدلًا على حديثها:
معلومة صغيرة ليكي بس، هدير مبتحاولش تكلمني أصلًا، غير مرة أو اتنين، غير كدا هي بتهرب"
ردت عليه بخبثٍ و ثقةٍ لا تبرح من محلها أو تتزعزع حتى:
و هو دا دوري، نفذ كلامي و الله مش هتندم، هتشوف النتايج بنفسك، اسمع بس كلامي و نفذه، و مهما تحاول تكلمك أوعى ترد"
انتبه لها بكامل حواسه و هي تُملي عليه خطتها حتى تُعيد له زوجته البلهاء التي لم تعلم ماذا تُريد حتى الآن، اخضع سَمعهِ لها و لم يستطع انكار إنها حقًا تأتِ بافكارٍ مثمرة، بعد انتهاء حديثها ابتسمت باتساعٍ و هي تقول:
ها !! إيه رأيك بقى ؟!"
_"نسخة منه، طبق الاصل هو بس على مؤنث، حاسس أني شايف وليد صغير قدامي"
تفوه هو بذلك ردًا على استفسارها، فيما حركت هي كتفيها و هي تقول:
و فيها إيه ؟! هي دي حاجة وحشة ؟! ربنا يكرم بس إن شاء الله يعني، متبقاش تنسانا"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها، فلوحت هي له ثم تحركت من أمامه راكضةً نحو الأعلى فحرك رأسه يتابع خطواتها ثم قال بسخريةٍ:
البت دي بـ ١٠٠ راجل صحيح، بس الله يصبره اللي هيقع فيها"
(عودة لتلك اللحظة)
خرجت من شرودها حينما ركضت من أمامه و بالطبع لم تستمع لما قاله عنها، خرجت من شرودها على صوت «عبلة» تقول بقلقٍ:
استر يا رب !! سرحتى في إيه"
ابتسمت لها و هي تقول بهدوء:
و لا أي حاجة، متشغليش بالك"
حركت رأسها موافقةً، فوقف «وليد» و لا زال كفه يمسك بكفها بتشبثٍ و كأنها ستفر منه و تتركه، ثم قال:
يلا بقى تعالي ريحي شوية علشان رجلك اللي ورمت و أنتِ منزلاها على الأرض و تعالي افكهالك و ريحي جوة"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
أنا نمت كتير مش هعرف أنام دلوقتي، خليني هنا طالما مش هنام يا وليد"
حملها على ذراعيه و هو يقول بإصرارٍ و رفضٍ لحديثها:
قولت لأ، هتدخلي جوة ترتاحي و خلاص، كلمة كمان هقفل أنوار الشقة كلها و اسيبك تنامي لوحدك"
ظهر التبرم و الضيق على معالم وجهها، بينما هو سار بها حتى وضعها على الفراش برفقٍ ثم جلس مقابلًا لها و ذراعيه موضوعين على الفراش كما لو أنه يحاصرها، ثم اقترب منها يقول هامسًا:
يعني ينفع أقولك قدامهم برة أني بحبك و أنك وحشتيني ؟! و أني حاسس بتعبك كأني متكتف ؟!"
رفعت عيناها له فمال عليها أكثر و هو يقول بنفس النبرة الهامسة:
و بعدين مفيش شكرًا على الموبايل اللي دفعت فيه كل فلوسي ؟! إيه متجوز قطة بتاكل و تنكر ؟!"
انفلتت منها ضحكة خافتة فغمز لها ثم اقترب منها يلثم جبينها و قال بعدها بهدوء:
ألف سلامة عليكِ يا عبلة، و حقك عليا و على قلبي علشان اللي حصلك، كان المفروض اركز معاكي شوية، متزعليش مني"
اقتربت منه هي تحتضنه و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
أنتَ ملكش دعوة باللي حصل، دي كانت حاجة مفاجأة يا وليد، و بعدين بطل تشيل نفسك ذنب كل حاجة كدا، الحمد لله أنا بخير"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فطلبت منه هي بيأسٍ:
مش بخير أوي يعني، فلو تقدر تفك الرباط شوية هبوسك دلوقتي"
اقترب هو من رابط الضغط يقوم بفكه عن قدمها، فتأوهت هي بخفوتٍ و هي تتحامل على نفسها حتى لا تتوجع، بينما هو رفعها على فخذه و هو يدلكها لها برفقٍ ثم قام بوضع المرهم الطبي لها ثم حاول يحرك قدمها حتى تألمت هي بشدة، حينها زفر بقوةٍ ثم قال:
متخافيش هي كلها كام كدا و هتفك إن شاء الله، ريحي أنتِ بس و متدوسيش عليها كتير، حملي على رجلك التانية"
قال حديثه ثم اعتدل واقفًا حتى يخرج من الغرفة حينها أوقفته هي بقولها:
برضه هفضل قاعدة هنا ؟! كدا هزهق و الله يا وليد"
خرج هو دون أن يعيرها أي اهتمام و كأنها لا تتحدث من الأساس، حتى نظرت في أثره بدهشةٍ و هي تقول:
لأ !! دا أكيد منفصم فعلًا"
_________________________
أوقف السيارة أسفل البناية التي قرر هو أن يهرب من تعبه و ألمه النفسي عندها، خرج منها ثم دلف البيت يطرق باب الشقة بهدوء حتى أتت له و هي تفتحه بعدما استندت على عكازها، و بمجرد فتحها الباب تشكلت الفرحة على وجهها و هي تقول:
حسن !! وحشتني يا قلب أمك، كل دا غايب عني ؟!"
مال عليها يقبل قمة رأسها ثم قال بأسى و غُلبٍ:
ابنك تعب أوي يا ماما، ماشي بأخر نفس فيا و خايف يفارقني هو كمان"
أمسكت يده تسحبه نحو الداخل و هي تقول بصوتٍ ليْن و هاديء:
تعالى بس جوة و احكيلي كل حاجة، اقفل الباب وراك بس"
اغلق الباب ثم سار معها حتى وصل للشرفة يجلس بها معها فسألته هي بحنانها المعتاد:
ها بقى ؟! مالك يا حسن ؟! و شكلك عامل كدا ليه ؟!"
تنفس بعمقٍ ثم قال بصوتٍ رخيم:
هحكيلك علشان ارتاح و علشان أنا مش قادر أقف ثابت أكتر من كدا، حتى العياط مبقيتش عارف أعيطه"
تابعت هي قسمات وجهه المتألمة فوجدته يبدأ بسرد الحكاية منذ أن وطأت قدمي أخته نحو شقته، تلك هي البداية لما حدث و لألمه الذي لازال كما هو حتى الآن ينخر في قلبه كما تنخر الحشرات في أرضٍ ذراعية أكلت خيرها و زال خضارها، و كأن العجز أصابها، كان يقوم بسرد كافة التفاصيل و مع كل مرةٍ يخرج بها تلك الحروف الموجعة يشعر ببرودةٍ تجتاحه و كأنه يلقي دلوًا من الماء المثلج على تلك النيران، و كانت هي تنصت له بكامل حواسها و قلبها يتمزق عليه كما لو أنه ابنها حقًا، حتى أوقف هو الحديث و رفع عينيه الباكيتين اللاتي زاغتا في الفراغ و هو يقول بوجعٍ:
وجعي منها كان صعب أوي، أختي اللي من لحمي و دمي و كنت بقول عليها أمي عملت فيا كدا، بقيت واقف مش عارف أعمل إيه، كل اللي خطر في بالي ساعتها هو إن أمي لو موجودة أنا كنت اشتكيت و عيطت و صرخت كمان، كانت أول مرة اتأكد انها ماتت بجد، ساعتها ملقيتش مكان غير هدير، حسيت إنها كل مكاني في الدنيا، روحت عيطت ليها و أنا خايف تكون مصممة تسيبني، بس اتفاجئت بيها بتحضني و أنا زي كل مرة حطيت راسي على حجرها و نمت من غُلبي، بعدها لقيتها مش عاوزة تيجي معايا، و دلوقتي الأمل راح مني، خايف تكون عاوزة تسيبني بس مكسوفة تقول، أنا مش هقدر اكمل و أنا متعلق كدا"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
هي لو عاوزة تسيبك مش هتخبي، هدير بتحبك بجد، لو مش بتحبك مش هتداري عليك كلام أختك علشان متوجعكش، هدير موجوعة من المكان اللي ارتاحت فيه، لو رجعت و نارها لسه قايدة مش هتعرف تحب المكان دا تاني، هي مش عاوزة تسيبك هي عاوزاك معاها و عاوزة وجودك، بس غصب عنها موجوعة من اللي حصل، دا شرف ست يا حسن، و مهما كان هي مراعية إنها أختك، واحدة غيرها كانت هدت الدنيا على دماغها، اعذرها و ريح قلبك"
نزلت دموعه و هو يقول بوجعٍ و ألمٍ:
أنا قلبي بيوجعني أوي يا ميمي، حاسس إن تعب و وجع الدنيا كلها بقى في قلبي، و الله العظيم أنا معملتش حاجة وحشة في حد، و عمري ما كنت وحش، ليه بيحصلي كدا ؟! ليه كل شوية اتساب و كل شوية يجي خطر جديد يلعب بدماغي ؟! نفسي ارتاح، و لو راحتي في الموت يبقى ربنا يعجل بيه"
نهرته هي فورًا و هي تقول بلهجةٍ حادة و جامدة:
متقولش كدا يا حسن، حرام عليك يا بني تيأس من رحمة اللي خلقك كدا، دا نصيبك و مكتوبلك، ارضى بيه يابني علشان تشوف الكرم، و احمد ربك انك مش لوحدك"
زادت دموعه و هو يقول:
أنا مش بخير و مش عارف أقول كدا حتى، مش عارف أقول أن اختي هي اللي وجعتني و دبحتني بسكينة تِلمة، من غير حتى شفقة أو رحمة، وجعي منها مموتني"
سحبتها من يده حتى اقترب منها و وضع رأسه على حجرها، فحركت كفها فوق رأسه و هي تقول بنبرةٍ باكية بقلب أمٍ ملكومٍ على ابنها الذي عاد إليها باكيًا من غدر دُنياه:
بسم الله على قلبك حتي يهدأ، بسم الله على نفسك حتى تطيب ، بسم الله على ابتسامتك حتى تعود ..بسم الله علي كل ما يُهْلِكَ نفسك حتى يَهْلكَ ، بسم الله على أيامك حتى تتجمل ، بسم على همومك حتى تزول ، بسم الله على أقدارك وأحوالك حتى تتغير لأفضلها ..
اللهم أخرجه من حوله وقوته لحولك وقوتك فلا حول ولا قوة لي إلا بك باسمك اللهم أستودعك ابني وأقداري وأحوالي وما أرجوه اللهم لا خذلان ولا خيبات ، حصنته باسمك العزيز ،اللهم لا تجعل أمره عسيرًا ولا أيامه ثقيلةً"
هدأ هو بعد حديثها و توقفت عبراته عن الحركة، فربتت هي بكفها المُجعد فوق رأسه مُتابعًا نحو ظهره تمسده بحنوٍ بالغٍ، و في تلك اللحظة شعر هو و كأنها أمه حقًا، تلك العاطفة التي تغدقه بها، جعتله ينام قرير العين بعدما رفع كفه يحتضن كفها الحُر و كأنه يطلب منها أن تبقىٰ بجواره، ابتسمت هي بحبٍ و العبرات تنساب على وجنتيها و لازال كفها كما هو يمسد على ظهره حتى تأكدت أنه غفىٰ في سِنةً أخذته من نفسه خِلسةً، حينها فردت شالها الصوفي على ظهره، و هي تراه كما لو أنه ابنها و خرج من رَحمها، لكن رابط القلب بينهما أقوى و أعتىٰ من روابط الدماء الواهية و إن كانت هناك رابطة من الأساس.
_________________________
جلسا كليهما وسط العُمال و رجال البدو و النيران في المنتصف يلتفون حولها جميعًا يأخذون منها الدفء في ذلك الليل البارد و يلتمسون منها الضوء في الدرب المعتم، مال «يوسف» على أذن «ياسين» يحدثه هامسًا بنبرةٍ ضاحكة:
علشانك عملوا لينا كبسة باللحمة و كوفتة، بقالي هنا سنتين محدش جابلي ورك فرخة حتى"
غمز له «ياسين» بثقةٍ و هو يقول:
دي حلاوة إن يبقى معاك ياسين رياض الشيخ، اتقل أنتَ بس و هخليهم يغدوك مشوي كل يوم"
رد عليه بنفس الهمس:
لو حد يتكرم و يعملي محشي ورق عنب كدا تبقى قُضيت يا عمنا"
ابتسم له «ياسين» بيأسٍ و هو يحرك رأسه نفيًا و كأنه يقول لا فائدةً منك، بينما الأخر طالع الوجبة أمامه بشوقٍ و هو يشتاق حقًا لمذاق الطعام في البيت.
شرد «ياسين» فيها و أن اليوم أوشك على الانقضاء دون أن ترد حتى على مكالماته، على الرغم أنه أخبرها أن الهاتف الأخر سيبقى معه، زفر هو بقوةٍ ثم ملأ الملعقة بالطعام ثم ادخلها فمه، و حينها تحدث «صالح» بنبرةٍ ضاحكة إلىٰ حدٍ ما:
بس ما شاء الله عليك يا بشمهندس ياسين، من ساعة ما جيت و الفرح زار الصحرا، وجودك مُبهج أوي تبارك الله"
رد عليه هو بضحكةٍ خافتة:
الله يعزك يا شيخ صالح، أنا بصراحة مبحبش الكئابة، بحب اللمة و بحبها تكون لمة حلوة"
تدخل «عبد العزيز» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
و الله حضرتك اروق بشمهندس نشتغل معاه، و بشمهندس يوسف برضه، أول مرة نعرف إنه بيضحك و بيهزر زينا كدا، برضه ابن أصول"
ضحكوا عليه جميعًا فرد عليه «يوسف» بنبرةٍ ضاحكة:
و الله يا عم عبدالعزيز أنا حبيتك، ربنا يكرم أصلك"
رد عليه «عبدالعزيز» بمرحٍ:
و أنا و الله يا بني، تعالى بقى أجوزك شهد بنتي"
ضحك «ياسين» بقوةٍ بينما «يوسف» اختفت بسمته و رد عليه بوجهٍ متهجم:
كرهتك يا عم عبدالعزيز، قَفل على السيرة دي"
أوقف «ياسين» الضحكات رغمًا عنه حتى نظر له «يوسف» و حينها ضحكا سويًا على ذلك الاسم الذي لم تتضح قصته بعد.
تناولوا الطعام و قاموا بعمل الشاي للجميع، حتى قام أحد العمال بتشغيل ابتهال من الابتهالات القديمة، فأضحت الأجواء يسودها الشجن، و كلًا منهم شاردًا في حاله، فتحدث أحد العمال يقول موجهًا حديثه لـ «ياسين»:
بس غريبة يا أستاذ ياسين يعني أنك ما شاء الله مهندس ليك مكانة و مع ذلك بتقعد مع العمال و تغني وسطهم، ما شاء الله روحك حلوة أوي"
ابتسم له و هو يقول:
كدا و روحي حلوة يا "جليل"؟؟ طب دا أنا عندي أخ لو جه هنا مش بعيد يرقص الجبال و ينطق رمل الصحرا، أنا يدوبك نقطة في بحر روحه الحلوة"
ردوا عليه الرجال جميعًا يطلبون منه أن يديم الله وجودهم مع بعضهم، بينما "عزوز" اقترب منه وسط الرجال حتى طالعه «يوسف» بريبةٍ و «ياسين» أيضًا خوفًا من القادم، لكنه ضرب بخوفهم ذاك عرض الحائط حينما مال على «ياسين» يُقبل قمة رأسه و قال معتذرًا منه:
حقك عليا يا بشمهندس، بس اللي حصل كله من البداية كان غلط، متزعلش مني"
وقف «ياسين» أمامه تقديرًا لفارق السن بينهما و هو يقول:
أنا مش زعلان يا عم عزوز، بس أنا عاوزك تطول بالك شوية بعد كدا، افهم الدنيا ماشية ازاي علشان متقعش فوق دماغنا، و أديك شايف أهو أنا مش غلطان في حاجة"
رد عليه الرجل بضيقٍ:
هو أنا طبعي كدا ناشف و دماغي مقفلة، أبويا صعيدي و متربي طول عمري وسط البدو و العرب، اعمل اي يعني"
تدخل «يوسف» يقول ساخرًا:
_"أدينا عيارين في نفوخنا علشان يعجبك و ترتاح، يلا"
رد عليه الرجل بضجرٍ:
اهوه أنا مش باخد منك غير تريقة و خلاص، بعدين أنتَ مالك الموضوع ميخصكش"
رفع «يوسف» حاجبه له و هو يقول بحنقٍ منه:
تحب أوريك الموضوع يخصني و لا لأ ؟! و بعدين مش مكفيك اللي خدته مني الصبح ؟!"
كان «يوسف» لازال جالسًا على الأرض و «ياسين» و «عزوز» يقفان، حتى التفت له «ياسين» يقول بنبرةٍ هادئة:
خلاص بقى يا يوسف المسامح كريم، و بعدين احنا وسط جبل يعني لو حد فينا جراله حاجة محدش هيلحقه غير الرجالة هنا"
زفر بقلة حيلة ثم قال على مضضٍ يخرج حديثه عنوةً:
تمام يا عم، بس يطول باله، علشان أنا لساني زفر و خلقي ضيق"
ابتسما كليهما فرد عليه «عزوز» بيأسٍ منه:
يا عم حاضر، المرة الجاية واحد فينا يخلص على التاني أحسن"
تحدث «صالح» يقول برزانةٍ:
من شيم الرجال و الرجولة أن الراجل يعتذر عن غلطه و يجاري المركب علشان تمشي للكل، مهما كان احنا هنا وسط الجبال و الصحرا، يعني لازم نكون حتى أمان لبعض"
تنهد «ياسين» ثم أخرج الهاتف من جيبه حينما فقد الأمل في أن تهاتفه هي عليه، ثم مد يده لـ «عزوز» به و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا أسف أني خدته غصب عنك، بس أنا كنت مضطر على كدا، شكرًا"
أخذ الرجل منه الهاتف و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عادي مفيهاش حاجة، تحت أمرك في أي وقت"
حرك رأسه موافقًا له و في تلك اللحظة صدح صوت الهاتف، تابع الرجل الرقم بعينيه و لم يتعرف عليه، فقال بنبرةٍ هادئة يستفسر منه:
الرقم دا تبعك ؟!"
خطف «ياسين» الهاتف بلهفةٍ و هو يقول مسرعًا:
آه، تبعي، ممكن أرد ؟!"
حرك رأسه موافقًا فسار «ياسين» مبتعدًا عنهم حتى يستطع التحدث معها، و قد سبق و ضغط على زر الايجاب حتى لا يختلط عليها الأمر، رد عليها بلهفةٍ و هو يقول:
خديجة !! عاملة إيه ؟! أنتِ كويسة ؟!"
ردت عليه و هي تجاهد للتحدث و قد داهتمها قوة البكاء:
أنا كويسة الحمد لله، أنتَ إيه أخبارك ؟! طمني عليك"
_"الحمد لله بقيت كويس علشان اطمنت عليكي، حاولت اوصلك طول اليوم بس تليفونك مقفول و استنيت إنك تكلميني بس محصلش، و بعدها حاولت من شوية مردتيش عليا، هو أنتِ زعلانة مني ؟!"
سألها بترقبٍ و كأنه يخشىٰ القادم من كلماتها، فردت عليه هي ببكاءٍ:
أنا زعلانة علشان أنتَ مش موجود، زعلانة علشان حاسة أني غريبة حتى عن نفسي، و حتى مش عارفة أكلمك غير بوقت محدد"
مسح وجهه بكفه الحر ثم قال بنبرةٍ يجاهد حتى يتحدث بها:
الحمد لله أني بعرف أكلمك و الحمد لله على كل حال، بس طلب مني بلاش تسيبي نفسك للزعل، اخرجي و افرحي أنا هنا الحمد لله مبسوط"
مسحت دموعها و هي تسأله بغير تصديق و إنكارٍ لصدق حديثه:
بجد !! مبسوط عندك ؟! قول و الله مبسوط"
ابتسم بخفةٍ و هو يقول:
مبسوط و فرحان و الله، و فرحان علشان سمعت صوتك دلوقتي، أنتِ أكتر واحدة أنا ممكن أزعل لو هي مش كويسة"
مسحت دموعها و هي تقول خاضعةً له:
حاضر و الله، أنا بس كنت عاوزة أقولك حقك عليا أني مرديتش عليك علشان عبلة تعبت شوية و كنت معاها، بصراحة سيبت الموبايل و مركزتش معاه، بس لما سمعت صوتك و أنتَ بتغنيلي زعلت أكتر ، خلي بالك من نفسك"
تنفس هو بعمقٍ ثم قال:
حاضر يا خديجة، و أنتِ كمان، عاوز أرجع الاقيكي كويسة، و اطمني عليا أنا هنا مبسوط الحمد لله و كل حاجة بقت كويسة"
قررت هي أن تمازحه فقالت بصوتٍ باكٍ:
حاضر بس خلي بالك أنتَ تنساني و أنتَ مبسوط، هزعل منك والله"
تشكلت السخرية على وجهه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
مَن يَسكن القَلب كَيفَ للرَوحِ أنّ! تَنساهُ، وَ كَيف أذكرهُ إن كُنتَ لا أنساه؟!"
ارتفعت ضربات قلبها فورًا، فأضاف هو مُفسرًا:
حتى و أنتِ غايبة عن عيني أنا مش شايف غيرك يا خديجة"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
لو سمحت متقولش ليا كلام حلو، علشان كدا أنا عاوزة أبوسك و أنتَ مش قصادي"
ابتسم هو بيأسٍ فوصله صوت أحد العمال ينادي عليه، حينها تنهد هن بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
خلي بالك من نفسك، و ادعيلي يا خديجة، و اطمني أنتِ أغلى رزق ربنا كرمني بيه"
أغلقت معه الهاتف بعدما ردت عليه هي الأخرى ثم التفتت خلفها فوجدت «وليد» يقول بسخريةٍ:
يلا يا عسل علشان تحضري الغدا أنا مش عارف أتصرف من غيرك، يلا علشان عبلة"
حركت رأسها موافقةً ثم ذهبت نحو المطبخ، بينما هو دلف غرفة نومه و دون أن يتحدث حمل «عبلة» على ذراعيه حتى شهقت بقوةٍ و طالعته بريبةٍ و دهشة، فدلف بها غرفة الأطفال يضعها على أحد الفراشين الموضوعين بالغرفة، ثم تركها و خرج بنفس الصمت و الغموض الذي جعلها تنظر في أثره ببلاهةٍ، و بعد مرور تقريبًا دقيقتين، فُتح باب الغرف ليطل منه ثلاثتهم
(خديجة، وليد، خلود) اتسعتا حدقتيها بقوةٍ و هي تراهم يدلفون لها بالطعام على طاولةٍ متوسطة الحجم، ابتسمت هي رغمًا عنها فوجدتهم يقتربون منها بالطاولة، فيما تحرك «وليد» نحو الشاشة يقوم بتشغيلها على أحد المسلسلات التي تتابعها زوجته، ثم جلس بجوارها و هو يبتسم لها، فتحدثت هي تستفسر بصوتٍ باكٍ:
هو...هو أنتم عاملين كدا علشاني ؟!"
رد عليها هو ساخرًا:
أومال علشان مين يا سوبيا ؟؟ يلا هندلعك أهوه وليد الرشيد و أخواته بيضحوا"
ظهرت السعادة على ملامح وجهها فور سماعها لحديثه، فوجدت «خلود» تقترب منها بالطاولة و هي تقول:
يلا يا سوبيا علشان تاكلي، خديجة عاملة ليكي أكل حلو أوي"
جلست في تلك اللحظة «خديجة» بجوراها و هي تبدأ في أعطائها الطعام داخل فمها، و بعد مرور دقائق من تناولها الطعام و رفع الطاولة خارج الغرفة
حينها قام «وليد» بالاعتدال بجوارها حتى ضمها بين ذراعيه و هو يغمز لها بمشاكسىةٍ، و على الفراش الأخر جلست «خلود» و بجوارها «خديجة» و معها طبق كبير الحجم به بعض التسالي و بجوار «وليد» أيضًا نفس الطبق، بينما «عبلة» وضعت رأسها على صدره و هي تبتسم بنفس السعادة حتى شعرت بذراعيه يلتفان حولها يحيطها بأمان إذا وزع على العالم أجمع لكان كفاه و فاض منه بقية، شعرت به يميل نحو أذنها مستغلًا انشغال الأخرتين في التلفاز و هو يقول بنبرةٍ هامسة حنونة:
مرتاحة يا حبيبتي ؟!"
رفعت رأسها نحوها بسرعة كبرى غير مصدقة لما نعته به، هل قال للتو "حبيبتي" ؟! حركت رأسها موافقةً بتيهٍ فوجدته يميل عليها يقبل قمة رأسها ثم ربت بكفه على ذراعها و هو يتنهد بعمقٍ و هي الأخرى تجلس في كنفه بأمانٍ بعد لحظاتٍ عصيبة عايشتها في الصباح دونه.
_________________________
نزلت «هدير» الغرفة الصغيرة بشقة أختها حتى تهاتف زوجها و لكن الهاتف كان مغلقًا، حينها شعرت هي بالخوف و التوتر و داهمتها أفكارٌ كثيرة عنه و عن ما قد يكون حدث له، لمعت العبرات في مقلتاها فورًا و خطر على بالها أنه قرر الهروب منهم جميعًا حتى منها هي، أخرجت الهاتف تهاتف زوجة حارس العقار و أناملها ترتعش بخوفٍ عليه، حتى وصلها الرد، فتحدثت بلهفةٍ مُسرعة:
أم أمل !! معلش هو حسن مجاش البيت ؟؟ بكلمه موبايله مقفول"
ردت عليها السيدة:
لأ يا ست هدير مجاش العربية مش في الجراج، فيه حاجة ؟!"
زاد الخوف في قلبها و هي تقول بنبرةٍ مهتزة:
لأ يا أم أمل...بس...بس معلش لما ييجي كلميني، علشان هو تعبان شوية و أنا مش معاه"
وافقت السيدة على طلبها و اغلقت معها الهاتف، بينما هي شردت فورًا في مكانه و كلما جال بخاطرها مكانٌ ما انصرفت الفكرة عنها فورًا حتى وصلت بمخيلتها أن شقيقته تواصلت معه، خشيت هي تلك الفكرة فقامت من مكانها على الفور تحضر ثيابها التي أتت بها حتى ترحل إلى بيتها، فحتى و إن كانت موجوعة من ذلك المكان لكنها ستتحامل على نفسها حتى لا يضيع من بين بيديها كما لو كان سرابًا، فحتى و إن كانت هي وطنه و الأوطان لا تُسلب فهو روحها و الروح لا تذهب سوى بموت الجسد.
و لكن قبل أن ترتدي ثيابها جلست على الفراش بإحباطٍ و هي تفكر في خطأها السابق هل تكرره من جديد ؟! هل تنزل في الليل بمفردها نتيجة تسرعها ؟! مهلًا على كل حال الليل قد ذهب، و سيحل محله الصباح، و مع شروق الشمس ستذهب نحو بيتها و في تلك اللحظة حمدت الله أنه قد أعطاها مفتاحها و حاجتها الخاصة بعدما رحلت أخته و ذهب هو الشقة.
على الجهة الأخرى رفع رأسها من على حجرها و على عكس المعتاد لم يكن الألم له محلًا بجسده و كأنه أخذ سِنته تلك على أحد الأرائك الناعمة كما لو أنه صنع من ريش النعام، كانت هي تقرأ له القرآن و كفها يتحرك فوق رأسه و الكف الأخر يعانق كفه، كما لو أنه طفلًا صغيرًا يتشبث بوالدته يخشى أن تتركه في أول أيامه الدراسية، ابتسم لها حينما وجدها تطالعه بحبٍ و سألها بصوتٍ متحشرجٍ نتيجة استيقاظه:
هو أنا نمت كدا ازاي ؟!"
ردت عليه هي تمازحه:
دي سر الأمومة يا أبو علي"
ابتسم هو باتساعٍ لها فوجدها تحرك كفها تربت على يده و هي تقول:
روح يا بني ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك إن شاء الله، و يحققلك مرادك، ثق في ربك يا حسن"
ابتسم لها برضا و هو يقول بخضوعٍ و راحةً:
واثق و راضي و الله، و بحمده على كل حال و بشكره على كل مرة افتكرتها الأخيرة و طلعت بكرمه فرصة تانية، بشكره على ستره ليا و على نعمة وجود اللي بحبهم و على نعمة وجود هدير معايا حتى لو كانت تعبانة في مخها شوية"
ابتسمت «ميمي» و هو أيضًا رغمًا، فقال هو بقلة حيلة و وجهٍ مبتسمٍ:
لأ بجد، الحمد لله على كل حاجة و الحمد لله إنه عوضني بيها عن كل حاجة وحشة قلبي عاشها في يوم، و الأهم بقى هو أنتِ يا ماما"
لمعت عبراتها على الفور و هي تقول بشوقٍ بالغٍ لتلك الكلمة:
الله !! ماما ؟! بحب الكلمة دي أوي، منهم لله كرهوني فيها"
مال على كفها يقبله و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و أنا عيني ليكي يا ماما، لو هما مش مقدرين النعمة اللي كانت عندهم، غيرهم بس كان يتمنى نظرة عين منها، لو هما مش عارفين يعني إيه أم، فأنا قلبي ياما بات محروق من وجعه علشان محروم من النعمة دي"
ابتسمت هي له فاقترب منها يقبل قمة رأسها ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
عاوزة حاجة مني ؟! يدوبك أروح ارتاح، كدا كدا بكرة الجمعة، مع إن بصراحة مفيش مكان ممكن أنام فيه براحة زي هنا"
ردت عليه هي بهدوء:
ربنا يريح قلبك و يكرمك يا حبيبي، يلا اتكل على الله و خلي بالك من نفسك"
حرك رأسه موافقًا ثم نزل بعدما ودعها و قبل رحيله اطمئن عليها و أعطاها الدواء، كل ذلك كانت هي تتابعه بعاطفة أمومة جياشة و أمرأةٍ بقلبٍ ملكومٍ بعدما تركها ابنائها و رحلوا دون أن يفكر أيًا منهم إن كانت على قيد الحياة أم أن جسدها احتضنه التراب، لكن عطف الله و كرمه أغدق روحها، حينما مَن عليها بهؤلاء الشباب و الذي أخذ كلًا منهم قطعة من روحها و قلبها.
_________________________
في صباح اليوم التالي بعد انتهاء تلك الليلة على الجميع، نزل الشباب في الصباح و كعادتهم يرتدون العباءة البيضاء و معم «يونس» أيضًا، و لكن على عكس المعتاد لم يقترب منهم المرح بل حل الحزن ملامح وجههم خاصةً حينما وقف «عامر» أمام بناية «ياسين» ينتظر خروجه حتى أقترب منه «خالد» يقول بنبرةٍ هادئة:
ياسين مش هنا يا عامر، صباح الفل، يلا علشان نلاقي مكان"
حرك «عامر» رأسه موافقًا على مضضٍ ثم اخفض رأسه ينظر لـ «يونس» الذي أمسك كف والده و في يده الأخرى حقيبة صغيرة، اخفض «عامر» نفسه حتى جلس على ركبتيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
إيه اللي معاك دي يا يونس؟! بتاعة مين الشنطة الحلوة دي؟!"
رفع «يونس» الحقيبة و هو يخبره باسمها، قطب «عامر» ما بين حاجبيه فقال «خالد» مُفسرًا:
بيقولك دي شنطة المصلية، بس هو الحروف عنده لسه تحت النمو، مين اللي جابلك دي يا يونس ؟!"
وجه سؤاله لابنه حتى قال «يونس» مجاوبًا على استفساره:
ياسين"
اقترب منه «عامر» يقبله ثم اعتدل واقفًا و هو يقول:
طب يلا نروح لياسر علشان نلحق الصلاة"
أوقفه «خالد» يسأله بتعجبٍ:
استنى يا عامر !! مالك فيه إيه ؟! مش عوايدك يعني الهدوء دا، أنتَ فيك إيه ؟!"
رد عليه «عامر» بضجرٍ:
مخنوق يا خالد، دماغي وكلاني علشان ياسين، تفتكر ممكن يكون مش كويس و بيقول كدا علشان يهدينا ؟! تفتكر فيه حاجة حصلتله ؟!"
وضع ذراعه على كتفه و هو يقول بحكمةٍ و هدوء:
لو فيه ياسين كان عرفنا، بس أنا واثق إنه بقى كويس، و بعدين هو أخر حاجة مكلم كل واحد فينا كانت امبارح و سمعت بنفسك صوت الناس حواليه، متخافش على أخوك"
أبتسم له «عامر» فاقترب منهما «ياسر» و هو يقول:
اتأخرتوا عليا ليه ؟! يلا علشان الصلاة"
حركوا رأسهم بموافقةٍ فرفع «يونس» ذراعه بالحقيبة و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
ياسر....بص يا ياسر...بص"
حمله «ياسر» على يده و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
نعم يا روح قلب ياسر، وريني كدا معاك إيه؟!"
رفع يده و هو يحاول إخراج ما يوجد بالحقيبة، فتدخل «خالد» يعاونه في ذلك، حينها قال هو بحماسٍ:
علشان نصلي أكبر زي خالد"
ضحك له «ياسر»، فاقترب منه «عامر» يقول مقترحًا بهدوء:
أنا بقول نقفل عليك في تلاجة حلويات علشان كدا كتير، أو هاتوه لسارة تتوحم عليه علشان يطلع ابني زيه"
أبتسما له كليهما، بينما «يونس» مال على هاتف «عامر» يريد منهم التقاط صورةً لهما، حينها تحدث «ياسر» بيأسٍ:
صوره، الاستاذ اتعود يتصور كل جمعة، ما شاء الله لقط من كل واحد فينا حاجة"
أخرج «عامر» هاتفه بينما «ياسر» حمل الصغير على كتفيه و «خالد» بجانبه و الأخر في المقدمة ثم رفع ذراعه و كأنه يحتضن به شخصًا أخر، ابتسم الثلاثة له على الرغم من التعجب البادي على وجهيهما، أما هو انهى التقاط الصورة ثم التفت لهما، فسأله «خالد» بتعجبٍ:
أنتَ رافع دراعك التاني ليه ؟!"
رد عليه «عامر» ببساطةٍ مُفسرًا حديثه:
علشان أحط ياسين معانا، لحد ما يرجع إن شاء الله و يطمننا عليه"
حركا رأسيهما بموافقةٍ ثم تحركوا نحو المسجد و كل تفكيرهم موجه في حال أخيهم و الذي على الرغم من حديثه المُطمئن لهم، إلا أن القلق لازال مكانه و لن يهدأ بالهم إلا برؤيته فقط.
_________________________
توقفت سيارة «وليد» صباحًا أمام مقر الجمعية الخيرية و معه «خديجة» في السيارة تجلس بجواره و الحيرة باديةً على وجهها، ابتسم هو لها و هو يقول بثباتٍ:
يلا يا ست البنات كلهم، انزلي"
التفتت له تسأله بتعجبٍ:
هو فيه إيه ؟! أنتَ ساحب معزة وراك ؟! جايبني هنا ليه يا وليد ؟! و بعدين قولتلي رايحين مشوار مهم ؟! أنا مش فاهمة حاجة"
ابتسم لها و هو يقول مفسرًا حديثه بنبرةٍ هادئة:
أنا جايبك هنا علشان تخرجي كل الطاقة السلبية اللي عندك، إيه رأيك ؟! أنا قولت مينفعش اسيبك لزعلك كدا"
ظهر اللين على ملامحها و بدأ الانصات يأخذ محله على وجهها فقال هو مُضيفًا:
مش دا أكتر مكان فرحتي و خرجتي طاقتك فيه ؟! تعالي معايا يلا"
ردت عليه هي بنبرةٍ تائهة:
بس هو كان معايا لما جيت هنا، كان ملازمني زي ضلي اليوم دا"
ابتسم لها و هو يقول:
و أنا مش هسيبك و أرجع، أنا هفضل معاكي هنا لحد ما تخلصي، حاجة تانية؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تبتسم له فنزل هو من السيارة و هي خلفه، دلفا سويًا للداخل و هي تطالع المكان حولها بشوقٍ و فرحةٍ حتى رأتها تلك الفتاة التي تُدعى "نوف" حينها ركضت إليها بلهفةٍ و هي تقول:
خديجة ؟! عاملة إيه وحشتيني اوي، يا رب تكوني فكراني"
ردت عليها «خديجة» بنبرةٍ هادئة:
نوف صح ؟! أنا فاكرة لما اتقابلنا مرة هنا، ازيك؟!"
ردت عليها الفتاة بحماسٍ:
كويسة أوي الحمد لله، أنتِ إيه اخبارك، طمنيني عليكي، قوليلي جاهزة تجربي اليوم معانا بتحديات جديدة؟!"
حركت رأسها موافقةً فأمسكت الفتاة يدها ثم أشارت لـ لأحد الشباب الموجودين بالمكان اقترب منهم و هو يبتسم فقالت هي بنبرةٍ هادئة يغلفها الحماس:
اقدم ليكم غسان خطيبي، و مسئول معانا هنا، اتفضل بقى خد أستاذ وليد عند الشباب، و أنا هاخد مدام خديجة أخته"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لهم، ثم قال بوقارٍ و رزانةٍ:
تحت امركم، اتفضلي أنتِ يا نوف، و أنا هاخد الاستاذ وليد"
تحركت من أمامه بعدما سحبت «خديجة» معها، بينما هو وقف أمام «وليد» الذي كان يتابع «خديجة» بعينيه كما لو أنها ابنته فسأله مبتسمًا:
قولي بقى يا وليد تحب تروح نشاط إيه ؟! بتحب تعمل إيه؟!"
حرك «وليد» كتفيه و هو يقول:
معرفش، انتم عندكم إيه ؟!"
انفلتت ضحكة خافتة من بين شفتي الآخر و هو يقول:
عندنا كل اللي نفسك فيه يا وليد، فيه اطعام و فيه كساء و دي ملابس بنفرزها، و فيه مسنين و فيه تعبئة شنط غذائية، تحب إيه في دول ؟!"
ابتسم له «وليد» و هو يقول:
شوف اكتر حاجة بتحتاج مجهود و خليني أعملها، استغل الطاقة بقى اللي عندي"
وضع يده على كتفه و هو يقول:
طب تعالى بقى شوف و اختار بنفسك يا وليد، إن شاء الله تفرح معانا و اليوم يعجبك، ربنا يتقبل منك و يديم استخدامك في الخير"
في الداخل دلفت «خديجة» مع الفتاة دون أن تدري أي شيءٍ مما حولها، حتى وقفت في وسط غرفة ممتئلة بالأطفال، حينها التفتت لها «نوف» و هي تقول بنفس الحماس و الطاقة المرحة:
بصي يا ستي، أنا اخترت ليكي نشاط براعم، حسيت إنك عندك طاقة حلوة مع الأطفال، هنلعب معاهم و نعلمهم و نشرح ليهم كمان، و نصلي سوا، إيه رأيك ؟!"
شعرت «خديجة» بطاقةٍ غريبة من الحماس تحتل خلجات روحها و تسكن بين جنبات صدرها، و خاصة مع مظهر الأطفال حولها، فاقتربت منها «نوف» تقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هسيبك معاهم تتعرفي عليهم و تشوفي مجموعة منهم تكوني مسئولة عنهم لحد ما باقي البنات توصل، لو احتاجتي حاجة عرفيني يا خديجة، تمام ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم لها، فتحركت من أمامها الفتاة، بينما «خديجة» حركت رأسها تجول بنظرها في الغرفة فوجدت مجموعة فتيات وسط بعضهن يتراوح عمرهن من بين السادسة و التاسعة، و على بعدٍ منهن فتاةٍ كانت تجلس بملامح حزينة، اقتربت منها «خديجة» تجلس بجوارها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
مالك ؟! ليه شكلك زعلان كدا ؟؟"
رفعت الفتاة عيناها لها ثم اخفضتها مرةً أخرى، شعرت «خديجة» بالاحباط لكنها لم تيأس بل أمسكت كفي الفتاة و هي تقول بنبرةٍ مرحة:
طب عبريني أنا زيك محدش هنا معبرني، اسمك إيه طيب ؟!"
ردت عليها الفتاة بايجازٍ:
ريماس...و أنتِ ؟!"
ابتسمت لها و هي تقول:
خديجة، اسمي خديجة، عندك كام سنة طيب ؟!"
ردت عليها بنفس الاختصار:
٦ سنين و أنتِ ؟!"
ابتسمت لها و هي تقول:
٢٥ سنة إلا كام يوم كدا، بس مشيها يا ستي، المهم متضحكيش عليا أنتِ زعلانة ليه؟"
ردت عليها بحزن:
علشان مش عارفة هقعد مع مين، كلهم مع بعض، مش لاقية مكان ليا وسطهم"
لمعت العبرات فورًا في عيني «خديجة» تأثرًا من حديث الفتاة فرآت نفسها القديمة تتجسد بها، لكنها مسحت دموعها ثم مالت على الفتاة تقبلها و هي تقول:
حتى لو ملكيش مكان وسطهم بس أنتِ ليكي مكان في قلبي و أنا بحبك، ينفع تكوني معايا ؟!"
حركت الفتاة رأسها موافقةً بحماسٍ، فأمسكتها «خديجة» من يدها ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
قوليلي بقى، بتحبي مين من هنا و عاوزة تقعدي معاهم ؟!"
أشارت لها على الطاولة التي تقع على مقربةً منها و هي تقول:
عاوزة اقعد معاهم بس هما مفيش معاهم مكان، علشان كدا قعدت لوحدي"
غمزت لها و هي تقول بمشاكسىةٍ:
عيب عليكي و أنا موجودة، تعالي معايا و أنا هخليهم كلهم يقعدوا معاكي"
اقتربت من الفتيات و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
صباح الخير ممكن لو مفيهاش إساءة أدب اقعد معاكم أنا و ريماس ؟!"
نظرت الفتيات لبعضها بحيرةٍ و هي تتابع الموقف باهتمامٍ حتى حركت احداهن رأسها موافقةً، حينها جلست «خديجة» على ركبتيها ثم وضعت «ريماس» أمامها و هي تقول بنبرةٍ هادئة و عملية إلى حدٍ ما و كأنها تتحدث مع أناسٍ كِبار:
بصوا كدا مبدأيًا، أنا جاية و مسلمة أمري لله، معنديش صحاب خالص و كل اللي اعرفهم مش معايا، يعني لو عيطت هنا هبهدلكم، و ريماس طلعت طيبة أوي لما لقيتني بعيط كانت هتعيط معايا، و أنا حبيتها و قررت انها تبقى أول واحدة اصاحبها هنا، حد فيكم تاني عاوز يصاحبني، و لا أفضل أنا و ريماس مع بعض و نعيط سوا ؟!"
ردت عليها الفتيات بحماسٍ و سرعةٍ كبرى يرفضن حديثها، فقالت هي مقترحةً:
طب بما انكم وافقتوا تكونوا صحابي، لازم تصاحبوا ريماس لأن هي أول واحدة كانت هتعيط معايا، و احنا شكلنا كدا هنعمل فريق عيوط أوي، يبقى نجمع كل عياطنا على بعض، ها موافقين؟!"
وافقت الفتيات بسرعةٍ فقامت هي بمهمة التعريف بينهن، ثم جلست معهن بحماسٍ تمازحهن، وقفت «نوف» تتابعها من على بعدٍ حتى تنهدت بعمقٍ ثم أخرجت هاتفها تراسل «هناء» و هي ترسل لها:
الحمد لله يا دكتور، بقت كويسة وسطهم، و لسه لما تكمل اليوم وسطهم"
دلف «وليد» غرفة كبيرة يوجد بها أكياس كبيرة الحجم، و بعض العبوات الكبرى "الشِوال" يوجد بداخلها البقول و الحبوب الخاصة، كما يوجد بها بعض السلع الغذائية، اقترب منه «غسان» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
دي أوضة تعبئة الغذاء و الشنط اللي بتتوزع على الأهالي يا وليد، شكلك ما شاء الله رياضي، فـ ممكن تساعد الشباب إنك تقرب منهم الشكاير و تساعدهم في الميزان ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول:
متقلقش يا أستاذ غسان، أنا هساعدهم في كل حاجة"
ابتسم له و هو يقول:
غسان بس يا وليد، أنا تقريبًا من سنك، أنا ٢٥ سنة"
رد عليه «وليد» بهدوء:
العمر الطويل ليك يا رب، أنا ٢٦ سنة يا سيدي، طلعت اكبر منك"
بعد مرور دقائق دلف الشباب للغرفة حتى يقوموا بتعبئة الشنط الغذائية، حينها شمر «وليد» أكمام ثيابه ثم رفع أول "شِوال" يقربه منهم ثم جلس على ركبتيه بحماسٍ و بدأ في معاونتهم حيث يقوم بوضع الاكياس على الميزان ثم يقوم بربطه و مناولته للشاب المجاور له، و بداخله سعادة كبيرة في استغلال طاقته و مجهوده في عمل الخير.
_________________________
عاد «حسن» من صلاة الجمعة و دلف شقته بهدوء، ثم تثاءب و هو يحرك رأسه للخلف يفرد كلا ذراعيه ثم ارتمى على الأريكة بانهاكٍ واضحٍ على جسده، ثم أرجع رأسه للخلف و أغمض عينيه، و فجأة تسلل إلى فمه عبيرها الخاص بها و رائحتها، عقد ما بين حاجبيه و فجأة شعر باناملها تنغرس بين خصلات شعره الكثيفة تدلكها له، فتح عينيه هو على وسعهما و هو يقول بغير تصديق:
بسم الله الرحمن الرحيم ؟! هي روحها ساكنة الشقة دي و لا إيه، هدير أنتِ هنا بجد ؟!"
مالت على أذنه تهمس بهدوء و هي تحاول جاهدةً كتم ضحكتها:
دي روح مشمشة يا أبو علي"
التفت لها فورًا فوجدها تغمز له بطرف عينها اليُسرى، ظهر الحماس و الاستنكار على وجهه فوجدها تلفت له تجلس بجواره و هي تبتسم ببراءةٍ، فسألها هو بدهشةٍ:
هدير !! دي مش تهيؤات صح ؟! أنتِ موجودة معايا هنا بجد؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم أشارت نحو موضع قلبه و هي تقول:
أنا موجودة هنا يا حسن، حتى لو غايبة عن بيتك، بس مفيش غيري في قلبك، مش كدا ؟!"
طالعها هو بغير تصديق، فوجدها تمسك كفه بين كفيها و هي تقول بندمٍ:
اللي فات خلاص أنا مش هفكر فيه، كل حاجة مشيت و راحت لحالها يا حسن، و بيتي أهو نور تاني بوجودي معاك فيه، وبيك معايا، مسامحني يا حسن؟!"
اقترب منها فورًا يقبل رأسها ثم قال بصدقٍ نبع من قلبه:
أنا معرفتش ازعل منك علشان أقولك أني مسامحك، بس أنتِ وحشتيني أوي، وحشني كل حاجة كانت بينا في يوم"
ابتسمت هي له فوضع يده على رأسها و هو يقول بندمٍ:
خلي السنين تمشي و تفوت بس اعرفي إن حسن المهدي من غيرك ملوش غير الموت"
ابتسمت و الدموع تلمع في مُقلتيها فمال عليها هو يقبل وجنتها، ثم غمز لها و هو يقول:
لأ دا أنتِ فراقك صعب أوي"
حاولت جاهدةً كتم ضحكتها و هي تقول بجديةٍ لا تتناسب مع حديثها:
ممكن أعرف مجيبتش فطار ليه ؟! طب فقدتني ماشي، فقدت الأمل في رجوعي تمام، إنما فقدت شهيتك كمان ؟!"
رد عليها هو بثباتٍ:
نفسي كانت مسدودة، بس بوجودك نفسي اتفتحت، اقولك ؟! أنا هقوم أحضر فطار لينا احتفالًا برجوعك"
قال حديثه بحماسٍ و قبل أن يقوم من موضعه، اوقفته و هي تقول بنبرةٍ عالية:
اقعد هنا يا حسن !! أنتَ مبتتعلمش ؟! محضنتنيش ليه ؟! هو أنا موحشتكش ؟!"
فرغ فاهه بشدة و اتسعتا حدقتيه فحركت هي رأسها تستفسر منه، فوجدته يسألها بتعجبٍ:
ما شاء الله دا العبط وراثة عندكم بقى ؟! أنتِ عبيطة؟"
ردت عليه هي بضجرٍ:
ايوا برضه أنا متحضنتش ليه ؟! مش قد المقام يعني ؟!"
سحبها نحوه و على حين غُرة حملها على ذراعيه، فقالت هي بنبرةٍ ضاحكة:
نزلني أنا قولت احضني بس، متشتغلنيش يا حسن، رايح فين ؟!"
رد عليها هو بثباتٍ:
هشوف حل لعبطك يا بنت الرشيد، و بعدين كان فيه مشروع "علي" جت حنان هدته فوق دماغنا، خلينا نرجع حاجة من اللي وقعت فوق دماغنا دي"
ابتسمت له فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة متأثرة:
هدير أنتِ وحشتيني بجد، و حاسس أني متغرب و أنتِ بعيد عني"
أقتربت بوجهها منه تقبله على وجنته ثم قامت بتحويط رقبته و هي تقول:
بس خلاص أنا مش هسيبك و الله، و لا هسيب بيتي، احضني أنتَ بس و ملكش دعوة"
حرك رأسه نفيًا بيأسٍ و هو يسير بها نحو الداخل و في تلك اللحظة شعر أنه مسك العالم بين كفيه، و خاصةً و هو يرى نفسه في عينيها التي طالعته بحب العالم أجمع.
_________________________
على حدود "شمال سيناء" و خاصةً في مقر عمل «ياسين» تابع منذ شروق الشمس العمل وسط الرجال و تابعهم بكامل اهتمامه و طاقته حتى أوقف العمل للحصول على بعض الراحة و الذهاب لصلاة الجمعة و بعد العودة أمر العمال بتناول الطعام، بينما هو جلس في غرفته على مقعده، ثم قام بفتح الهاتف على صورتها و هي تبتسم له، ابتسم هو تلقائيًا و تردد على مسامعه حديثها و هي تحذره أن ينساها، حينها بدأ الغناء بقوله و كأنه يرد على حديثها بقوله:
معقول أنساك معقول....تنساني أنا علطول.....معقول ما نعود أحباب....نِمرُء مِتل الأغراب....و لا نبقىٰ سوا....ياما قالوا الهوا غلاب....و لا مرة حَسبنا حِساب....نِبعُد يا هوا يا هوا.."
انهى الغناء ثم قبل الهاتف و قام بغلقه و وضعه في جيبه، دلف «يوسف» الغرفة فجأةً و هو يقول:
أنا صدعت !! مش عارف أشرب سيجارة، خليني معاك هنا"
رمقه «ياسين» بغيظٍ و هو يقول:
يعني العمال برة جابوه أخرهم، و جاي هنا تخنقني في أوضتي يا يوسف ؟! معداش عليك أدب ؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول:
لأ محدش كان فاضي يربيني"
قال حديثه ثم ارتمى على طرف الفراش و أشعل سيجارته، بينما «ياسين» حرك رأسه بيأسٍ منه و في كل مرةٍ يتأكد أن ذلك الغامض يخلو من الأدب و التهذيب.
_________________________
خرجت «خديجة» وسط اليوم نحو الحديقة في الخارج فوجدت «وليد» يقف وسط الأطفال الصغار يقوم باللعب و اللهو معهم حيث يقوم بركل كرة القدم لهم و هم يركلونها له، وقفت تتابعه بشغفٍ و هي تراه مثل الطفل الصغير وسطهم و فجأة ضحكت بقوةٍ حينما وجدته يحمل أحد الصبية يركض به ثم ركل به الكرة و حصل على هدفٍ.
حرك رأسه للجهة الأخرى فوجدها تتابعه بعينيها، حينها ابتسم لها ثم غمز لها بطرف عينه، حتى تحركت هي نحو الداخل و هي تبتسم بيأسٍ.
بعد مرور بعض الوقت كان «وليد» جالسًا في سيارته ينتظر قدومها حتى وجدها تركض له من الداخل، حتى جلست بجانبه بحماسٍ و هي تقول:
أنا فرحانة أوي بجد، شكرًا يا أحلى ليدو في الدنيا كلها"
ابتسم لها فوجدها تقترب منه تقبل وجنته و هي تقول بحماسٍ يشبه حماس الفتاة الصغيرة بأول يوم دراسة:
أنا عملت أكتر حاجة بحبها النهاردة و شرحت للأطفال يا وليد، و كلهم حبوني أوي، هنيجي هنا تاني امتى ؟!"
ابتسم لها و هو يقول:
لما يبلغوني أنا بنفسي هجيبك هنا، يا رب بس ميكونش فيه يوم عيد ميلادك، علشان اليوم دا أنا عاوزك فيه من أوله"
حركت رأسها موافقةً و قد عاد الحزن لملامحها حينما تذكرت أن هذا اليوم سيأتِ بدونه معها بعدما رسمت أحلامًا كثيرة معه تبغى تحقيقها في ذلك اليوم.
_________________________
استمرت الأيام على نفس المنوال تقريبًا لمدة اسبوعين حيث كان «ياسين» في عمله طوال اليوم و في آخره يرتمي على الفراش من كثرة التعب، و كذلك «يوسف» أيضًا، و في القاهرة لم يختلف الحال كثيرًا طوال الأيام السابقة، و لكن القلق كان ينتاب قلوبهم عليه خاصةً أنه حدثهم مرتين فقط في تلك الأيام.
جلس هو ليلًا على تلك الصخرة التي رافقها هو منذ أن وطأت قدماه تلك الأرض، و لكن تلك الليلة تحديدًا كان الحزن يأكله ففي اليوم التالي هو ذكرى مولدها، و حتى مكالمة الهاتف لم يتسطع فعلها، تنفس هو بعمقٍ ثم أخرج صورتها يقول بصوتٍ مختنقٍ:
حقك عليا و الله يا خديجة، بس أنا مش بايدي حاجة اعملها، حتى مكالمة التليفون مش قادر عليها، دي أول مرة أوعد حد بحاجة و متحصلش، بس دا مش طبعي و الله، لو بأيدي كنت جيتلك بس غصب عني، مقدرتش افرحك اليوم دا زي ما قولتلك، و شكلي كدا هكون سبب زعلك فيه زيي زي اللي كانوا قبلي"
فرت دمعة حارة و هو يتذكر حديثها عن ذلك اليوم و كرهها له، ففي كل مرةٍ كانت تعاني فيه بشكلٍ أو بآخرٍ، حتى أنه قطع على نفسه وعدًا أمامها أن يكون هذا اليوم هو يوم تحقيق أحلامها، لكن في وضعه حتى الحديث معها لم يكن بيده، و ها قد أوشكت الساعة على الثانية عشر، فجأة شعر بكف «يوسف» يوضع على كتفه، مسح دموعه فورًا ثم التفت له، فغمز له الأخر بثباتٍ و هو يقول:
كنت بتعيط صح ؟! متكدبش"
رد عليه بغلبٍ:
تعبت يا يوسف، مش قادر انسى أني مش هقدر أسعدها اليوم دا، متخيل شكلها وسطهم و أنا مش معاها، هتبقى زي العيلة الصغيرة اللي عاوزة حد يمسك ايدها، لو اعرف أن الحكاية مكنتش وعدت من الأول، حتى الشركة مردوش عليا في حوار المهندس اللي المفروض يرجع مكانه"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بقلة حيلة هو الأخر:
مفيش حل تاني في ايدك، قوم بس صور الفيديو اللي قالولك عليه علشان عيد الميلاد، على الأقل أي حاجة تثبت إنك مش ناسي"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
هصوره بكرة الصبح قبل ما أروح شمال سينا افتح نت و ابعته ليهم، المشكلة في دلوقتي عاوز بس أكلمها، حتى لو فيه عربية توديني شمال سينا اكلمها و ارجع تاني"
حرك «يوسف» كتفيه و هو يقول:
أديك شايف مفيش أي وسيلة مواصلات، العربية بتيجي هنا بميعاد و تمشي برضه بميعاد"
حرك رأسه موافقًا ثم فتح الهاتف على صورتها فانسحب «يوسف» حتى يترك له حريته و مساحته الشخصية، و بعد مرور دقائق جلس بجواره و هو يمد يده لها بهاتف خلوي، حرك «ياسين» رأسه ينظر له بغير تصديق فوجده يدخن السيجارة و هو يقول بثباتٍ:
طلبته من رجالة البدو، روح كلم مراتك و اخلص علشان الراجل مش مأمنلي أصلًا، قولتله إنها بتولد و أنتَ عاوز تطمن عليها"
كرر «ياسين» خلفه باستنكارٍ:
بتولد !! يخربيتك ؟!"
رد عليه بسخريةٍ:
يعني عاوزني اصحي عامل من نومه و اخد تليفونه و اقلق منامه و اقوله عيد ميلاد ؟! دا كان فرتك دماغي بعيارين، انجز يا هندسة، يتربى في عزك"
خطف «ياسين» الهاتف منه و هو يقول بحبٍ و فخرٍ:
روح يا رب تلاقي عيون سودا تجيب أجلك زيي كدا"
ضحك «يوسف» بسخريةٍ بينما «ياسين» طلب رقمها و ضربات قلبه تتصارع خلف بعضها حتى وصله الرد منها فقال هو مسرعًا:
كل سنة و أنتِ طيبة يا خديجة، كل سنة و أنتِ أطيب حاجة في الدنيا كلها"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
و أنتَ طيب يا رب، الحمد لله إنك كلمتني و لحقتني قبل ما اكتئب"
رد عليها هو بهدوء:
هو مكانش بايدي، بس ربك أراد أني أقدر أكلمك، ربنا يفرح قلبك دايمًا و يخليكي ليا يا رب"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
و يرجعك ليا بالسلامة يا رب، هي دي أحلى حاجة ممكن تحصلي و تفرحني، ياسين أنا بحبك أوي"
ابتسم هو بسعادةٍ بالغة و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و أنا و الله بحبك و محبيتش غيرك، اوعديني تفرحي بعيد ميلادك و تتبسطي وسطهم، اوعديني"
_"أوعدك يا ياسين"
استمرت المكالمة لعدة دقائق أخرى ثم أغلق معها حينما أشار له «يوسف» حينها أغلق معها المكالمة على الرغم إنها لم ترغب في ذلك.
_________________________
في اليوم التالي و في أحد الكافيهات العامة المُجهزة و مخصصة لحفلات أعياد الميلاد، قام كلًا من «عامر» و «وليد» بتجهيز المكان لها، بوصايةً من «ياسين»، فان كان هو غير موجودًا فيكفيه أن يساهم لو بجزءًا بسيطًا في اسعادها.
وقفت العائلة بأكملها في انتظارها حتى ظهر «وليد» على الدرجات العالية و هي أمامه بعدما وضع راحتيه على عيناها و هي أمامه ترتدي نفس الفستان "الزيتي" الذي سبق و ارتدته يوم أن تقدم «ياسين» لخطبتها و أول يوم جمعهما سويًا في اعترافه بحبه، و نفس لون الحجاب "البيج".
تحدثت هي بحماسٍ:
ها يا وليد ؟!! شيل إيدك بقى، هنروح فين تاني، أوعى تكون خاطفني"
رد عليها هو بسخريةٍ:
آه خاطفك، على إيه ياختي هو أنتِ حيلتك حاجة ؟! انزلي بس علشان متقعيش، فيه ٧ درجات سلم"
نزلا سويًا و كفيه لازالا بموضعهما، حتى وقفت مقابلةً لهم جميعًا حينها انتشر التصفيق الحار و الترحيب بها من قبل الجميع و كل الأحباب، فلم ينقص أيًا منهم أحدٌ، بكامل الشباب و الفتيات و حماويها، و عائلتها بالكامل، نزلت الدموع من عينيها في الحال، فاقتربت منها «زينب» تحتضنها و «زهرة» أيضًا، و بعدها الفتيات كلًا منهن على حدة تقدم لها هديتها و تهنئها، اقترب منها «وليد» يقول هامسًا:
فيه مفاجأة كمان أنا محضرها ليكي، بصي على الشاشة كدا"
قلت الاضواء حولهم و فُتحت الشاشة على فيديو قصير لـ «ياسين» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
السلام عليكم كلكم، وحشتوني اوي كلكم و بجد الأيام من غيركم صعبة حتى لو كنت بحليها بمزاجي، نيجي بقى للمهم، خديجة !! كل سنة و أنتِ طيبة و كل سنة و أنتِ معايا يا رب، حقك عليا أني مجيتش و كنت معاكي في يوم زي دا، بس أنا موصيهم عليكي، اللي يزعلك فيهم عرفيني بس و أنا هاجي أخد حقك، أنا كنت واعدك أني اخليه يوم مميز و يوم جديد في حياتك بس غصب عني الظروف أقوى مني، عاوزك تعرفي أني بحبك، و إنك اغلى و أعز حاجة في كل سنين العمر اللي فاتت و اللي جاية، لو معرفتش اتصرف أو اوصلك تاني، يبقى الشغل اقوى مني، أو غصب عني نسيت"
كانت الدموع تنزل على وجهها بتأثرٍ و شوقٍ للقائه، ودت لو طارت إليه كما الطير حتى تعانقه، بينما هم جميعًا وقفوا يتابعونها بتأثرٍ و خاصةً بعد الحزن الذي ارتسم على وجهها، فسألها «طه» بصوتٍ حزين:
مالك بس يا حبيبة بابا !! بتعيطي ليه ؟! هو كلمك و بعتلك فيديو اهو"
ردت عليه هي بصوتٍ باكٍ:
علشان بحبه و وحشني أوي، كنت فكراه ممكن ينساني، بس هو علطول يقول إني متنسيش، بس دلوقتي قال إنه لو معرفش يوصلي يبقى نساني، ممكن ينساني فعلًا ؟!"
في تلك اللحظة زادت الإضاءة و صوته الهاديء الرخيم يقول بثباتٍ و هو يقترب منها:
أخّبِريّني كَـيْفَ لي أنّ أنَّسَـاكِ بَعدما وَقعَ قلبي صريعًا في هواكِ؟؟ كَيفَ لي ألا أتيْم بكِ و أهواكِ و أنا مَن تَغرب حائرًا حتىٰ غدا وطني هو عيناكِ، كيف أنساكِ و أنا من تَهفو رَوحيِّ وَ تَشتاقُ عَينيِّ لِـرؤية مُحياكِ، كَيْفَ لي أن أنساكِ و أنا من سُحر قَلبيِّ بِـكحل جفناكِ، كيف أنساكِ بعدما ابتعد قلبي عن الجميع إلا أنتَ من بين العالم استثناكِ، أخبريني كيف أتوب عن حُبكِ بعدما اغلق قلبي أبوابه و لم تُفتح قَط إلا لعيناكِ، كيف لا أهيْمُ بكِ عشقًا و قَلبيِّ لَم يَذُق الحُب مَع سِواكِ، أخبريني كَيْفَ أنساكِ بَعدما وَقعَ قَلبي صَريعًا في هواكِ، الآن عُدت لكِ من جَديد، فَهل لِي مِن عناقٍ بين ذراعاكِ ؟؟"
وقف مقابلًا لها بعد نهاية حديثه، فغمز لها و هو يقول بثباتٍ:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِي يبقى كدا اتثبتي"
رأرأت بعينيها في وجهه فتحدث هو بسخريةٍ:
أنساك دا كلام ؟! عيب عليكي يا ست الكل، دا أنا ياسين حبيبك !!"
سألته هي بصوتٍ متقطعٍ:
هو.... هو دا حلم و لا حقيقة ؟!"
ابتسم لها و هو يقول:
أنتِ عاوزاه إيه يا خديجة ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
عاوزاه حقيقة، مش عاوزاه يكون حلم علشان معيطش، عاوزاك موجود بجد، بس ازاي؟"
فتح ذراعيه على وسعهما و هو يقول ببمسةٍ هادئة:
يبقى تعالي اتأكدي بنفسك"
ارتمت بين ذراعيه و هي تشهق بقوةٍ من كثرة البكاء، بينما هو زفر براحةٍ و هو يقول بشوقٍ بالغٍ:
آااااه.... وحشتيني يا كل حاجة ليا في الدنيا، وحشتي قلبي قبل عيني يا خديجة"
شدت عناقها له تتشبث به و هي تقول بصوتٍ باكٍ:
و أنتَ يا ياسين، وحشتني و تعبت قلبي في غيابك"
ضغطت على مسكتها و كأنه يخشى تركها، و في تلك اللحظة كان عناقًا يشبه عناق التائه بعودته إلى أرضه و فوز المحارب في معركته، عناقٌ مثل عناق المطر للزهور اليافعة، أشبه في فرحته بفرحة الأسير الذي حُرر من أسره لتوه، عناق مثل عناق الأم لطفلها عند عودته من دربٍ مجهولٍ، أوشك من خلاله على الضياع.
صفق الجميع لهم و الحماس يأخذ مكانه في تلك الجلسة و كلًا منهم يود معانقته، و لكن أمام عناق ذلك العاشقين، لم يجرؤ أيًا منهم على التدخل خاصةً و هي تبكي بين ذراعيه و هو يرفعها بين ذراعيه و يشدد مسكته عليها يخشى الفراق من جديد، و هذا بالطبع هو المستحيل.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن والستون 68 - بقلم شمس بكري
ها قد عودت لك من جديد؛ فاحتويني بين عناق بين ذراعيك و لا تتركيني وحيد
في حدود ذراعيك وجدت مدائن طمأنينة قلبي، عثرت عليك في الظلام فكنت النور لي و أنرت عتمة دربي، أتيت جابرا لي و كأنك الانتصار الأعظم في حربي، الأمان وجدته فقط في كنفك و كنت خير السكن لقلبي فيك وجدت النجاة و الراحة من تعبي"
لم يكن مجرد التقاء بعد الفراق، كان عناقًا بمثابة عودة الروح من جديد للأجساد، عناق يشبه عودة الأسير المحرر لوطنه، أو عودة الطفل الضائع لأمه، و كأنما فرحة تشبه فرحة التائه بعلمه هوية الطريق، أو كمثل نزول المطر على زهور يافعة فعانق عبيرها رحيق الزهور، أو مثل المنتصر في حرب و حصل على كل سباياها، كان العناق مثل عناق الخائف حينما وجد ملجأه الوحيد، فاندس بین جدرانه و هنا الجدران كانت ذراعي الأخر.
وقفوا جميعًا يطالعون ذلك المشهد الذي تجسد أمامهما و أشبه بفيلما في السينما، بينما هما ظلا كما هما و هي فقط تشهق بقوة من كثرة البكاء، حتى انزلها هو و لازالت عينيها كما هي تطالع قسمات وجهه بشوق فاض من مقلتيها له، بينما هو رفع كفه يمسح دموعها وهو يسألها بصوته الرحيم
بتعيطي ليه ؟؟ كل دا و مش مصدقة أني جيت؟! أعمل إيه تاني طيب ؟!"
ردت عليه هي بصوت باك:
احلف إنك موجود و إن دا مش من خيالي أنا"
ابتسم هو بيأس لكنه قرر مجاراتها و قال بهدوء: " و الله العظيم و رب الكعبة أنا هنا بجد، و حضن المطارات دا كان حقيقي، أنا أهو موجود معاكي يا
خديجة "
احتضنته هي تلك المرة و هي تضحك بملء شدقيها و كأنها تجبر نفسها على تصديق رؤيته، فيما حرك هو عيناه يعتذر من الواقفين بنظراته، ثم حرك ذراعيه يضمها إليه و فمه تحرك نحو مقدمة رأسها يقبله، ثم مال على أذنها و هو يقول بنبرة هامسة :
الحمد لله أني شوفتهم كلهم قبلك علشان كنت متأكد إنك هتعملي كدا"
رفعت رأسها و هي تقول باصرار اختلط بالبكاء:
مش مشكلة بس أنت وحشتني و هما كلهم عارفين كدا متمشيش بقى لو سمحت "
ابتسم لها بقلة حيلة و هو يقول:
حاضر مش حمشي والله"
ابتسمت هي بسعادة بالغة مقررة التماس الصدق في حديثه، بينما هو غمز لـ «وليد» الذي اقترب منه يقول بمرح
أبو نسب الغالي، و عم عيالي"
ابتعد عنها «ياسين» ثم احتضنه و هو يقول ممتنا
شكرا علشان كل حاجة، من أول سفري لحد دلوقتي
شكرًا إنك مخيبتش ظني و كنت قد الأمانة "
ربت «وليد» على ظهره و هو يقول ببساطة و راحة دي بنتي و حتة مني عاوزني أهمل اللي مني ؟!"
ابتعد عنه نسبيا يطالع وجهه و هو يقول بنبرة هادئة " قد القول و أكتر كمان، ربنا يخليك لينا احنا الاتنين"
تحرك بعدها نحو أخوته وهو يحتضن كلا منهم على حدة على الرغم من أنهم هم الذين استقبلوه عند عودته لكنه يحتاج لعناق كلا منهم، وحينما اقترب من «عامر» شدد عناقه عليه و هو يقول ممازحًا له :
"عسل لجيل يكتب في غيابه، في مختبر والده""
التفت بعد جملته تلك و هو يقول لأبيه الذي رفع له أحد حاجبيه
لا مؤاخذة يا حج"
رد عليه «رياض» ببساطة :
عادي يا حبيب أبوك، لما ابهدلك في محاكم الأسرة متبقاش تزعل أنا أساسًا شايفها كتير عليك"
التفت «ياسين» إلى «عامر» وهو يسأله بقلة حيلة عاجبك كدا !!! خليته يشمت فيا ؟! منك لله "
احتضنه «عامر» و هو يقول بصوت مختنق نتيجة فرحته " سيبك منه، حقك عليا أنا يا حبيب أخوك"
ربت على ظهره ثم تنفس بعمق و هو يقول بنبرة هادئة :
أنت اللي حبيبي و أخويا، و ابني كمان و الله يعلم ربنا أنا كنت خايف عليك ازاي"
ابتسم له «عامر» فغمز هو له ثم تحرك نحو ذلك الطالبين ابتسم لهما و هو يقول:
لا بجد بقى انتوا وحشتوني اوي اوي عاملين إيه يا طالب منك ليه "
اقتربا منه كليهما يحتضنه على حدة لكن عناق «عمار» كان الأطول و هو يقول:
وحشتني أوي و كنت محتاجك الفترة اللي فاتت بس الحمد لله إنك رجعت و طمنتنا
ابتسم له ثم قبل رأسه و ابتعد عنه و هو يقول بنبرة هادئة :
و أنا اهو جيتلك ومعاك شوف أنت عاوز إيه و أنا
عيوني ليك"
ابتسم له «عمار» ثم حرك رأسه لليسار قليلا حتى وقع بصره عليها تقف بجوار «خديجة » و ذارعيها متشبثين
بها، تابع «ياسين» موضع بصره فغمز له و هو يقول بنبرة هادئة :
شد حيلك أنت بس و وعد مني اعملك اللي أنت عاوزه و نفسك فيه "
حرك عينيه له يسأله بيأس " تفتكر ؟! تفتكر هوصل للي عاوزه ؟!"
أشار نحو موضع قلب «عمار» بسببابته و هو يقول:
صدق دا و ثق في ربك، ربنا مش هيزرع في قلبك حب حاجة من غير الإرادة اللي تخليك توصلها، و بعدين هو أنت بتعمل حاجة وحشة يا عمار تخليك متاخدش اللي بتتمناه ؟!"
حرك رأسه نفيا و هو يبتسم له، بينما «ياسين» التفت إلى عبدالرحمن» و هو يقول ممازحًا لهما :
و أنت يا أستاذ عبد الرحمن ؟! اخبارك إيه ؟! أوعوا تكونوا لسه بتمتحنوا !!"
أمسك «عبد الرحمن» يشبكهما في وضع التحية و هو يقول بضجر
يمين بالله يا ياسين، إحنا جايين النهاردة و عندنا بعد بكرة امتحان شفوي في السيكشن و النهاردة كان امتحان عملي"
تدخل «عمار» يقول بقلة حيلة :
أنا حياتي كلها امتحانات و إهانات، يا رب أخرج منها بعالج مش بتعالج ياسين لو تعرف دكتور نفسي شاطر دلني عليه "
ابتسم له بسخرية و هو يقول:
كنت روحتله بعد هندسة و اللي عملته فيا يا غالي"
تحرك هو من أمامهما ثم توجه نحو حبيبته الأولى يجلس أمامها على ركبتيه ثم قام بطبع قلبة هادئة عليه، حينها ابتسمت هي له ثم قالت بصوت اقرب للبكاء
وحشتني يا حبيب قلبي الحمد لله انك ريحت قلبي بشوفتك "
رفع رأسه لها و هو يقول ممازحًا لها بصوته الرخيم "علشان تعرفي إنك حبي الأول، جيت شوفتك قبل ما أشوف خديجة و زهرة "
ردت عليه هي بثقة :
طبعا، مهما حبيت هفضل أنا برضه اللي في القلب يا أستاذ ياسين"
ابتسم لها و قبل أن يرد عليها وجد صوته يذكر اسمه بصوت بـ لهفة ثم ترك كف والدته و ركض نحوه حينها خطفه «ياسين» بين ذراعيه و هو يقول بلوعة الاشتياق "حبيب قلب ياسين، وحشتني أوي، عامل إيه يا يونس ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم بسعادة ثم احتضنه يربت عليه بذراعيه و رأسه كعادتها دوما تلقى على كتفه، حينها اقترب «وليد» من «خديجة » و هو يرى السعادة بادية
على وجهها فقال بهدوء
مبسوطة ؟!"
حرکت بصرها نحوه و هي تقول بصوت مختنق من شدة فرحتها
أوي يا وليد حاسة أني بحلم، أول مرة أجرب احساس الفرحة من النوع دا، أنت كنت عارف صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا لها و هو يقول بثبات و كفيه وضعهما بجيبي بنطاله
آه عارف من الصبح، قررت تكون دي هي مفاجأة الليلة الحمد لله أني عرفت افرحك"
احضنته و هي تقول بسعادة بالغة و صوت البهجة تملئه
الحمد لله إنك أخويا و معايا، الحمد لله على نعمة أخ زيك "
ابتسم لها هو بهدوء فغمز لها و هو يقول بعبث قابلىى الى جاى بقى عشان دة بتاعى انا وياسين
حرکت رأسها تود منه التفسير أكثر، و كسا الاستنكار ملامحها و غلف نظراتها، فأطلق هو صغيرًا عاليا لـ «عامر» الذي اشار له ثم بدأ في مفاجأة الليلة، حينها اقترب منها «یاسین» و «یونس» على ذراعه ثم رفع ذراعه الأخر يقربها منه، لتكتمل هيئتهما كما لو أنهم أسرة مكتملة، لكن «يونس» هنا هو الضلع المختلف ابتسمت له و هي تطالعه بشغف من سهام عينيها كما لو أنها تتأكد من تواجده أمامها حقًا، حينها قلت شدة الإضاءة و خفتت بدرجة ملحوظة و فجأة ظهر على الشاشة صورة لطفلة صغيرة في أيام عمرها الأولى وفوقها عبارة التهنئة بعيد الميلاد باللغة الإنجليزية، ومعها أغنية هادئة تتابع مع صورها التي بدأت منذ أول أيامها مرورًا بجميع مراحلها العمرية و هي:
سنة حلوة يا جميل .... سنة حلوة يا جميل ... سنة حلوة يا جميل ... شوفت وردة أحلى وردة فتحت قبل الميعاد.... قالتلي مبسوطة النهاردة في عيد ميلادي الفرح زاد.... شوفت وردة أحلى وردة فتحت قبل الميعاد.... قالتلي مبسوطة النهاردة في عيد ميلادي الفرح زاد........ يا جمالك يا طعامتك عمري يطول بابتسامتك .... على الشفايف كله شايف العسل زود حلاوتك ..... يا أحلى وردة يا بنتي... و الجميل شوفته السنة دي..... عيشت أنا في حضنك طفولتي و عيد ميلادك عيد ميلادي.... يا جمالك يا طعامتك.... عمري يطول بابتسامتك .... على الشفايف كله شايف العسل زود حلاوتك .... يا أحلى وردة يا بنتي..... و الجميل شوفته السنة دي.... عيشت أنا في حضنك طفولتي و عيد ميلادك عيد ميلادي......
عيد ميلاد سعيد.. عيد ميلاد سعيد لك..... عيد ميلاد سعيد..
عيد ميلاد سعيد لك.. سعيد.. عيد ميلاد سعيد لك.
سنة حلوة يا جميل ... سنة حلوة يا جميل .... سنة حلوة يا جميل ... سنة حلوة يا جميل"
كانت الأغنية تتابع مع صورها في جميع مراحل عمرها، و الدموع تجري على وجنتيها، فمال هو على أذنها و هو يقول بنبرة هامسة :
كل سنة و أنا و أنت سوا..... كل سنة و أنت وجودك مهم زي المياه و زي الهوا
رفعت رأسها له فابتسم هو لها ثم قربها منه يقبل رأسها حتى وضعت هي رأسها على صدره تتنفس بعمق، بينما
عامر» حينها رفع هو صوته و هو يقول بمرح
جرى إيه يا جماعة ؟! فين التورتة ؟! أنا لسه خارج من دور اكتئاب"
رد عليه «خالد» بسخرية:
على يدي و الله"
رمقه «عامر» بغيظ فتحدث «وليد بنبرة ضاحكة : " التورتاية على وصول بس دي ليها طقوس خاصة "
سألت هي ببلاهة :
إيه دا هو انتم جايبين تورتاية علشاني ؟!"
ضحك الجميع عليها، فرد عليها «ياسين» بسخرية " لأ هنعمله بقرص قرنبيط ، أكيد جايبين تورتاية يا ست الكل"
ابتسمت هي له فاقترب العاملين بالمكان يحملا قالب الكعك كبير الحجم يضعونه على الطاولة التي تتوسط المكان.
اشتعلت الألعاب النارية بالمكان و اقتربوا جميعًا يقفون حولها، و هي في المنتصف بجواره حتى قال هو بنبرة هادئة :
كل سنة وأنت طيبة، والحقيقة إن مفيش أطيب من كدا، ربنا يفرحلي قلبك دايما"
ابتسمت له هي مثل الطفلة الصغيرة التي تقف وسط حشد لا تعرفهم و من بين الجميع فقط هو من تعلمه جيدًا و تراه سكنا لها و ملجاً خوفها، ومن بين تشتت و تپه العالم كانت خطاه هي بداية دربها.
انطفأت الشموع حينما زفرت هي بهم تطفيء نيرانها حينها صفق لها الجميع، بينما هي لفت نظرها قالب الكعك حينما وجدته المفضل لديها، ينقسم إلى نصفين على شكل قلب كبير الحجم، نصفه بنكهة الشيكولاتة و يعلوها البسكويت المفضل لديها " اوريو" و النصف الآخر بنكهة الفواكه، رفعت رأسها لهم و بعدها اقتربت منها الفتيات كلا منهن تهنئها و تقدم ليها هديتها، و هي وسطهم مثل الفراشة ترفرف بجناحيها و طفقت تنتقل بين الأغصان فرحة بعدما جذبها اللهب.
وقف «ياسين» وسط الشباب و «يونس» لا يفارقه، ثم اقترب من وئام» يأخذ «فارس» يحمله هو الآخر بعدما قبله و ابتسم له، وفجأة رفع أحد حاجبيه و هو يقول بتعجب
الواد دا شبه وليد كدا ليه يا وئام ؟؟ خلاص الأخوة مقطعة بعضها بينكم ؟!"
ضحكوا عليه جميعًا، فتحدث وئام» بقلة حيلة :
فيه صورة عندنا لوليد و هو صغير كربون فارس و الله العظيم نسخة منه "
تدخل «طارق» يقول بسخرية :
يا خوفي لا ياخد أدبه و أخلاقه"
أجاب وليد بلا مبالاة:
أنا هسكتلك علشان أخلاقي متسمحليش أني أقل أدبي على خال عيالي"
تحدث «حسن» تلك المرة بسخرية :
يا واد !! قشعرت من أخلاقك، لا بجد أخلاقك دي أحرجت اللي خلفوني كلهم"
حرك رأسه نفيا ثم قال:
خليكم شاهدين اهو أنا متربي و ساكت، ثانية كمان و هقل أدبي بجد، و مش عاوز دكر منكم يزعل "
فكرة "ياسر" بخولة الضحاك
جدع ياض، اللي يجي جنبك دشمله، أخواتك في ضهرك"
رفع «طارق» حاجبه له، فقال «عامر» بخوف زائف "مش أوي إخواتك بس مش اوي، طارق !! متبصليش كدا، اقسم بالله أخلي خالد يبصلك هو كمان، دا إيه دا يا "!!
ضحكوا جميعًا عليه، وعلى الجهة الأخرى اقتربت مشيرة » من «خديجة » تقدم لها هديتها و هي تبتسم لها، اخذتها منها «خديجة » و هي تقول بنبرة هادئة :
شكرا يا عمتو تعبتي نفسك ليه ؟!"
ردت عليها بصوت متألم
مفيش تعب و لا حاجة يا خديجة، و بعدين دي أبسط
حاجة ليكي عندي، عقبال ما أجيبلك يوم ولادتك يا رب"
احتضنتها «خديجة » و هي تبتسم بسعادة بالغة و الأخرى تعانقها بقوة و هي تبكي تستشعر طيبة الأخرى و حنانها عليها.
وقفت «هدير» على بعد تتابعه بعينيها و هي تتذكر شوقها له خاصةً أنها تركته منذ 3 أيام حتى تجلس مع فتيات العائلة في بيت الشباب، وعلى الرغم من رفضه لكنه لم يرد أحزانها خاصةً أنها اصبحت تشرد كثيرًا و بين الفنية و الأخرى تتذكر ما حدث ولت الجميع ظهرها و هي تتابع المياه المحاوطة للمكان وتتنفس بعمق، تشعر بالتخبط و الحيرة لكنها تحارب فقط لأجله هو، تركت ألمها النفسي لأجله فقط، على الرغم من أن تلك الذكرى السيئة لا تترك
عقلها وذلك الحديث الجارح يتردد على مسامعها فينصب بوجعه مثل السكين يمزق خلجات روحها.
شعرت هي بصوت انفاسه خلفها فابتسمت بسعادة بعدما ظنت أنه لم يرد محادثتها، بينما هو حمحم بخشونة ثم قال:
بس بس .... ممكن نتعرف ؟!"
التفتت له و هي تحاول جاهدةً كتم بسمتها، فرفع هو حاجبيه ينتظر منها ردا فوجدها تقول بثبات
لأ مينفعش و ابعد بقى علشان جوزي مجنون لو سمحت
حرك كتفيه ببساطة و هو يقول:
على نفسه، نعمله إيه يعني ؟!"
ابتسمت له رغمًا عنها، فمد يده لها يفرد كفه و هو يقول:
أبدأ أنا يا ستي محسوبك حسن المهدي ٣٠ سنة أرمل للتعارف الجاد"
شهقت هي بقوة و سرعان ما تذكرت لقاءهما الأول، فهدأت قليلا حينما وجدت العبث على وجهه ثم تبعه بغمزة حتى اقتربت منه و هي تقول بنبرة هادئة :
وحشتني على فكرة "
حرك رأسه تزامنا مع قوله مستنكرًا:
يا شيخة !! دا بجد يا هدير ؟!"
ردت عليه هي بصدق
و الله بجد مش بهزر، وحشتني أوي يا حسن، و بقالك يومين مكلمتنيش فيهم، ليه ؟!"
تنفس هو بعمق ثم قال:
علشان ترتاحي مني و من البيت يا هدير، لو بايدي أنا ميهونش عليا أشوفك زعلانة كدا، و يعز عليا أني أحس بتعبك، قولتلك نبيع الشقة رفضتي، طب أعمل إيه ؟!"
اقتربت منه تضع رأسها على صدره و هي تقول بنبرة خافتة :
احضني يا حسن متسبنيش لنفسي علشان خاطري، أنا بقيت بخاف مني متزهقش و تسيبني"
رفع ذراعيه يحتضنها و هو يتنفس بعمق ثم قال مطمئنا لها :
اسيبك إزاي بس ؟!"
ابتسمت هي براحة فمال على أذنها و هو يقول بنبرة هامسة :
هتروحي معايا يا هدير ؟! و لا هتروحي عند البنات تانى
رفعت رأسها تطالعه و هي تقول بتأكيد:
لأ هاجي معاك متخافش أنا كنت معاهم بس علشان عيد ميلاد خديجة و خلاص هنروح بيتي"
حرك رأسه موافقا و هو يبتسم لها فرفعت رأسها تقبله على وجنته ثم قالت:
حقك عليا يا حسن، متزعلش مني بس أنا متلخبطة أوي و حاسة إني خايفة، وخايفة تسيبني الفكرة مش عاوزة تروح من بالي و الله"
حرك رأسه موافقا ثم قال بهدوء:
لما نروح بيتنا يبقى نتكلم يا هدير المهم دلوقتي إنك معايا"
وقف «أحمد» بجوار «خلود» و «سلمى» أيضًا د، بعدما قدم هديته لأخته وعانقها، فتفاجأ بـ «خلود» تسأله بلهفة :
أحمد !! هتعملي عيد ميلاد كدا و لا لأ ؟!"
أطاح لها برأسه و هو يقول:
روحي ذاكري يا بت"
ضحكت «سلمى» عليهما بينما «خلود» سألته بنبرة جامدة
بت !!! ولا !؟! هتعملي عيد ميلاد ولا لأ ؟!"
اخفض نفسه يمسك وجهها وهو يقول بنبرة هادئة : "عيني يا خلود وعد مني هعملك عيد ميلاد زي دا حاضر
قبل وجنتها بعد جملته فاحتضنته هي بقوة و هي تضحك بملء شدقيها بطفولتها التي لم تتركها على الرغم من نضج و كبر عقلها ابتسمت لهما «سلمى» و هي تقول بنبرة هادئة :
أنا بحب علاقتكم أوي ببعض، أو بمعنى أصح بحب انكم صحاب و صحابي أنا كمان، ربنا يخليكم لبعض"
ردت عليها «خلود» بحب:
و يخليكي ليا أنا من يوم ما اتولدت و أنا مش بسيبك أصلا، أنت أول صاحبة ليا في الدنيا و هنفضل صحاب لأخر العمر كله "
ابتسمت لها «سلمى» بتأثر بينما «أحمد» وزع نظراته
ابتسمت لها «سلمى» بتأثر بينما «أحمد» وزع نظراته بينهما و داخله يرقص فرحًا بعلاقتهما سويًا لطالما كانتا الأقرب لبعضهما، و لم تترك أيا منهما الأخرى، ابتسم هو دون أن يعي لذلك حينما وجد أخته تتركه ثم اقتربت من «سلمى» تحتضنها.
وقف «عمار» على بعد و بجواره «عبدالرحمن» الذي سأله بخبث
عينك لفت المكان كله إلا هناك خايف من أحمد و لا "!إيه ؟
رد عليه بقلة حيلة :
لأ مش كدا، بس لما ببص بضعف يا عبدالرحمن عيوني بتتعلق علطول و بعدين بطل تركز معايا كدا بقى"
حرك رأسه نفيا وهو يقول:
هو مش أنت فرقت بيني و بين مريم ؟! هفضل واقفلك
زي اللقمة في الزور، لحد ما اخطبها"
رد عليه «عامر» بثبات معقبًا على حديثه
لأ !! لحد ما تكتب كتابك و تلم نفسك بالحلال الخطوبة دي تبلها و تبلع دبلتها "
رمقه «عبد الرحمن» بغيظ و هو يقول بضجر منه خلاص ابقى تعالى اكتبلي أنت الكتاب يا شيخ عمار"
وقفت «زهرة» بجوار «خديجة » تحتضنها و هي تقول بنبرة هادئة :
وحشتيني اوي اوي طمنيني عليكي كويسة ؟!"
حرکت رأسها موافقة لها و هي تقول:
أوي، فرحانة أوي علشان كلكم معايا، اليوم حلو أوي بوجودكم"
غمزت لها «زهرة» و هي تقول:
ماشي همشيها بوجودنا احنا يا خديجة حاضر
ابتسمت لها بخجل، فاقترب منهما «رياض» يقول ممازحًا لهما :
حبايب قلبي واقفين سوا !!! كنت ناوي اخدكم و نسافر يومين إسكندرية، بس أبو طويلة جه و ضيع عليا الرحلة و بوظ الخطة "
تحدثت «زهرة» بسخرية :
صباح الفل !! أحنا في دراسة يا رياض"
رد عليها هو بنفس التهكم
كنا هنروح الفجر ونرجع يوم السبت بليل ناسية إن بكرة الجمعة ؟! بس خلاص علشان اللي جاي من السفر دا ياخد راحته، مع إن أنا واثق إن خديجة موافقة تيجي معايا صح ؟! نسیبه هنا و نروح
ظهر التوتر على وجهها و لم تجد حديثًا ترد به على طلبه فتحدث هو بنبرة ضاحكة
خلاص بهزر معاكي، خليكي معاه و أمري لله، أهو ابني برضه"
ابتسمت له فورًا فقال هو بغموض قاصدًا إثارة شكوكها : "عاوز أقولك إني شاكك فيه الواد دا شكله متجوز عليكي "
اتسعتا حدقتيها بقوة فتحدثت «زهرة» بضجر و هي تقول :
بس يا رياض !! أنت بتقول إيه ؟!"
حرك كتفيه ببساطة و هو يقول:
دا اللي أنا حاسس بيه شكله مش مطمني، بصي يا خديجة صحيح أنا بتاع شئون ادارية وقانونية بس عندي محامي أسرة من أول جلسة يضمنلك الطلاق"
ردت عليه هي بلهفة :
إيه اللي حضرتك بتقوله دا يا عمو !! مستحيل"
تحدث هو بقلة حيلة :
خلاص يا ستي، خليها من تاني جلسة "
في تلك اللحظة اقترب هو منهم و هو يقول بتهكم
و ليه طلاق بياخد وقت خش على الخلع علطول يا حج"
رد عليه والده بسخرية :
آه يا سوسة !! عاوزه خلع علشان تاخد كل حاجة منها "
ضرب «ياسين» كفيه ببعضهما ثم قال موجها حديثه
لوالدته:
أبوس راسك الحقي ابنك"
فتحت ذراعيها له و هي تبتسم، فاقترب منها هو يحتضنها و هي تحتضنه ثم ربتت على ظهره و هي تقول بنبرة
هادئة :
ألف حمدا لله على سلامتك، الحمد لله أني اطمنت عليك و قلبي و عيني ارتاحوا بشوفتك "
قبل هو رأسها ثم قال:
الحمد لله أني رجعت تاني لحضنك، ربنا يخليكي ليا و تفضلي معايا طول العمر"
ابتسمت له فسحبت هي «خديجة » تقربها منه و هي تقول بنبرة هادئة :
خلي بالك منها علشان هي أحق كلنا شوفناك و حضناك بس هي لسه مشبعتش من وجودك"
ابتسم لوالدته بامتنان ثم وضع ذراعه على خصرها يقربها منه و عينيه تتابع قسمات وجهها بشغف و هو يقول هامشا
خليكي جنبي كدا و الزقي فيا، وحشتيني يا ست"
ابتسمت له و هي تقول بخجل و صوت مهتز من تواجد الناس حولهم:
و أنت كمان وحشتني بس ابعد شوية علشان كلهم بيبصوا"
رد عليها هو بثبات
يبصوا !! هو أنا بعمل حاجة غلط ؟! واحد و حبيبته مع بعض، دا أنا كدا محترم نفسي و محترم وجودهم كمان"
انفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيها، فسألها هو بنبرة
هادئة :
فرحانة ؟!"
حرکت رأسها موافقةً و عينيه تتعلق بخاصتيه و قالت هامسة :
أكثر يوم بكرهه في حياتي بقى أجمل يوم و السبب بعد فضل ربنا هو وجودك أنت"
جلست الفتيات على الطاولة وسط سيدات العائلة
فتحدثت «زينب» تسأل موجهةً حديثها لـ «سارة »:
بقيتي في الشهر الكام يا سارة دلوقتي ؟!"
ردت عليها بوجه مبتسم
...
قربت اخلص الشهر التاني و داخلة في التالت اهوه
يصلي"
ردت عليها بحب
بدعيلك يا حبيبتي ربنا يكرمك ويقومك بالسلامة يا رب"
تحدثت «ريهام» بنبرة ضاحكة
داخلة على شهور التعب يعني الله يعينك يا بنتي"
ردت عليها «سارة» بقلق:
متخوفنيش بقى أنا حاسة أني بدأت اتعب أصلا و مش برضى أقول لعامر"
ردت عليها «ایمان» بضجر
أهو دا الهبل بجد !! يا بنتي لما تتعبي عرفيه، كدا غلط"
ردت عليها بقلة حيلة
عامر بيخاف أوي يا إيمان لو قولتله بتعب دماغه هتتعبه و مش هيفهم أنه مجرد دور طبيعي في أول الحمل"
تدخلت «مشيرة» تقول مسرعة:
أهم حاجة إنك تكوني متابعة مع دكتورة، و هي تقولك على كل حاجة"
حرکت رأسها موافقةً و هي تبتسم لهن، حينها وقع نظر «عبلة » على «وليد» يتحدث في هاتفه، فتحركت بخفة من وسط الجموع تقترب منه حتى وقفت خلفه مباشرة فسمعته يتحدث مع أحد العملاء و هو يقول بنبرة هادئة : تمام يا فندم بكرة إن شاء الله كل التصاميم هتكون مع حضرتك و تختار بينهم و أنا هظبطهم بنفسي، متقلقش "
وصله الحديث من الطرف الآخر فرد عليه هو بلباقة : " يا فندم دا شرف كبير ليا متشكر لحضرتك جدا و شكرا على كلام حضرتك في حقنا، اتمنى نكون عند حسن ظنك"
اغلق الهاتف مع الرجل ثم وضعه في جيب سترته السوداء و ما لبث يلتفت حتى وجدها أمامه وهي تبتسم له بهدوء، سألها هو بتعجب:
مالك بتضحكي كدا ليه ؟!"
ردت عليه هي بنبرة هادئة :
علشان فرحانة أوي بيك و حاسة إني فخورة كمان شكله عجبه شغلك، دا اللي أنا سمعته "
حرك رأسه موافقًا ثم قال مفسرا:
دي حقيقة، عملتله تصاميم جديدة أنا و حسن و عجبته أوي ناقص بس ابعتهم ليه و يختار بينهم هو شاف بس جزء بسيط منهم و البداية مفرحاه
اقتربت منه تتمسك بذراعه و هي تقول بفخر
أنا فخورة بيك أوي بجد، أنت تستاهل جوايز كتير و كل جائزة فيهم مينفعش حد غيرك ياخدها في العالم دا"
ابتسم هو بعذوبة فتنهدت هي بعمق ثم قالت بهدوء: " الفترة اللي فاتت شوفتك بتحارب زي الأب علشان خديجة و علشاني لحد ما بقيت كويسة، أنا متأكدة أني طول ما أنا معاك هفضل أشوف فيك حاجات تانية تبهرني بقيت بفكر ساعات أني مستاهلش وجودك"
اقترب منها يحرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرة هادئة و كفه يرفع وجهها نحوه
لو أنا في يوم هخليكي تفكري كدا يبقى أنا فعلا مستاهلش وجودك يا عبلة، يعلم ربنا إن قلبي كان أعمى عن الحب وفتح على ايديكي و كنت بريء عن طريق الهوى، و أنت الفتنة الوحيدة اللي ودتني الطريق دا و روحته من غير رجعة منه "
ارتفعت ضربات قلبها بعد حديثه ذاك فمال عليها يقبل وجنتها ثم رفع كفه يقربها منه و هو يقول بنبرة هامسة : "بحبك"
في تلك اللحظة اقترب منهما «محمد» و هو يقول بضجر "مش قادر أقولك ابعد عنها خلاص بقت مراتك و في بيتك "
ابتسمت هي لوالدها بينما «وليد» غمز له و هو يقول بوقاحة :
و بتنام في حضني كل يوم نسيتها دي"
رمقه «محمد» بغيظ و هو يقول:
خلاص حطيت صوابعي العشرة في الشق منك مفيش فايدة فيك"
رد عليه هو ببراءة :
فايدة إيه بس ؟! دا أنتَ المفروض تقدرني، متنساش أني هخليك جد إن شاء الله"
حاولت جاهدة كتم ضحكتها و اخفاء حمرة وجهها التي کست على صفو تلك الملامح، فمال عليها يقبل وجنتها الأخرى ثم قال بعبث:
بحبك يا سوبيا"
تدخل والدها يقول بسخرية طب و أنا ؟! مش بتحبني ؟!"
غمز له بثبات و هو يقول: " لا مبحبش العرق سوس"
تحرك من أمامهما، بينما عمه رفع صوته و هو يقول:
يلا يا عديم الرباية منه لله أبوك"
اقترب منه «مرتضى» و هو يقول بتهكم
عاوز إيه يالا ؟! متقرفناش شوفلك حتة اقعد فيها
رد عليه هو بسخرية :
ما هو أنت لو كنت ربيت مكانش زماني واقفلك هنا، بس اقول إيه تربية ناقصة "
ضحك «مرتضى» و هو يقول بسخرية
قصدك على وليد ؟؟ دا حبيب أبوه، و بعدين جرى إيه ما احنا دافنينه سوا نسيت قلة أدبك و أنت خاطب !! هتصيع على أخوك ؟!"
شهقت «عبلة » و هي تنظر لأبيها، الذي احتقن وجهه فتحدث «مرتضى» بنبرة ضاحكة :
روحي يا عبلة يا حبيبتي اقفي مع جوزك علشان هقول لبابا كلام عيب روحي يا حبيبتي"
اقترب منهم «وليد» في تلك اللحظة يمسك يدها و هو يقول بنبرة ضاحكة
تعالي يا حبيبتي علشان ميخدشوش حياؤك"
تحرك بها من أمامهما و والده أيضًا متشفيًا بأخيه، بينما «محمد» قال بقلة حيلة :
منك لله أنت و ابنك السافل بس هقول إيه يعني هو جايبه من برة ؟!"
...
حرك «مرتضى» رأسه نفيا ثم أضاف مؤكدًا:
لا، جايبه من عند أبوه"
انتهى الاحتفال بعد الرقص والغناء و المرح و التقاط الصور للجميع وتقديم الهدايا ثم توجه بعدها كلا منهم إلى وجهته المحددة، قبل أن يدلف «عامر» المصعد و في يده زوجته أوقفته هي تقول بخجل إلى حد ما بسبب ذلك الطلب في ذلك الوقت
عامر !! استنى، أنا عاوزة أقولك حاجة ضروري"
التفت لها و هو يقول بتعجب
حاجة متستناش لما نطلع !!! نطلع الشقة و قولي كل اللي نفسك فيه مش ههرب منك"
حرکت رأسها نفيا ثم قالت:
لأ مش هينفع !! أنا أصلا مستغربة بس بجد مش قادرة
تنفس هو بقلة حيلة ثم قال:
قولي يا سارة عاوزة إيه ؟! فيه حاجة ناقصة فوق ؟!"
ردت عليه هي بلهفة :
عامر أنا عاوزة أكل كشري دلوقتي حالا"
ارجع رأسه للخلف و هو يقول مستنكرًا طلبها :
نعم ياختي !! عاوزة تاكلي إيه ؟!"
ردت عليه هي بحيرة من أمرها و غلب لا تعلم ماهيته بجد والله مش بهزر معاك، أنا عاوزة أكل كشري دلوقتي مش عارفة ازاي و ليه !!"
ابتسم هو بيأس ثم أمسك يدها و هو يقول بنبرة هادئة : "أنا عارف ليه، أكيد السافل عديم الرباية اللي في بطنك طالع لأبوه"
خرج بها من البناية فسألته هي بتعجب من حديثه: "إيه دا هي طنط طلبت كشري و هي حامل برضه !!"
التفت لها و هو يقول بنبرة ضاحكة إلى حد ما :
لأ ياريت دا أمره سهل طنط طلبت فطير بلدي و مش"
ضحكت هي عليه فسألها هو باهتمام بالغ :
تحبي نروح مشي و لا أوقف تاكسي ؟! المحل مش بعيد عن هنا"
لفت ذراعيها حول ذراعه وهي تقول بفرحة كبرى "لأ بما إنك فكيت و بقيت كويس كدا يبقى نروح مشي و لو تعبت ممکن نركب و احنا راجعين إيه رأيك ؟!"
حرك رأسه موافقا ثم أضاف:
اللي تعوزيه أنا عيني ليكي بيه يلا علشان المفضوح اللي في بطنك دا"
تحركا سويا نحو المحل و هي تبتسم باتساع خاصة بعدما زال عبوس وجهه و تأكدت حقًا أن «عامر» نقطة ضعفه الوحيدة تكمن في وجود أحبته و قربهم منه.
صعد «ياسين» مع زوجته في المصعد وقبل أن يدلفا الشقة سويا اوقفها يدخل حقائب الهدايا ثم عاد لها و وضع كفه على عيناها وهو يقول بنبرة ثابتة :
غمضي عيونك يا كتكوتة، متبوظيش اللحظة "
سألته هي بحماس:
هو لسه فيه مفاجأت تانية غير وجودك ؟! كدا هاخد على الدلع دا"
وضع المفتاح في المجرى الخاصة بفتحه ثم فتح الشقة و هو يقول بنبرة مرحة :
برجلك اليمين يا عروسة !!"
ضحكت هي بصوت عال ثم دلفت الشقة أولا و هو خلفها بعدما أغلق الباب و بكفه الآخر يغطي عيناها، حتى سألته هي بنفس الحماس واللهفة :
!ها !! افتح ؟"
ازال کفه و هو يقول ببسمة م
هادئة :
فتحي يا خديجة "
فكت حصار جفنيها من فوق مقلتيها حتى تبصر المفاجأة
فكت حصار جفنيها من فوق مقلتيها حتى تبصر المفاجأة فشهقت بقوة حينما وجدت طاولة الشفرة يتوسطها قالب كعك متوسط الحجم و بجواره صندوق باللون الأحمر مخصص للقطط وفوقه علبة صغيرة الحجم، ركضت مسرعة نحو الطاولة تفتح صندق القطة بحماس، فتفاجأت بقطة متوسطة الحجم باللون الأبيض وعينيها زرقاء بشدة و في رقبتها سلسلة باللون الأحمر يتدلى منها قطة صغيرة احتضنتها «خديجة » بقوة و هي تقول بفرحة تشبه فرحة طفلة صغيرة بالعثور على دميتها المفضلة :
الله !! دي حلوة أوي و رقيقة و شكلها طيبة بتاعة مين دي يا ياسين ؟!"
اقترب منها من الخلف يحاوط خصرها بكلا ذراعيها و هو يقول بنبرة هادئة :
دي بتاعتك أنت يا خديجة"
التفتت له برأسه و هي تقول بحماس و غیر تصديق معا: " بجد !! بتاعتي أنا ؟!"
حرك رأسه موافقا وهو يبتسم لها فسألته هي بقلق من اجابته
و مش همشيها تاني !!! علشان لو اتعلقت بيها و أنت مشيتها أنا هزعل "
حرك رأسه نفيا وهو يقول:
لأ مش هتمشي و أنا متأكد إنها معاكي هنا هتفرح و مش هتقدر تمشي، أنا حاططها في أطيب و أحن مكان في الدنيا دي"
ابتسمت له بسمتها المشرقة فاقترب هو من العلبة الصغيرة يفتحها ثم قال بنبرة هادئة :
اخلعي طرحتك يا خديجة "
حرکت رأسها نفيا و هي تقول:
لأ مش هسيب القطة، فكه أنت بقى الله يعينك"
ابتسم لها ثم اقترب منها يخلع حجاب رأسها ثم قام بفك خصلاتها و بعدها وقف مقابلا لها يعدل وضع غرتها فوق جبينها فقالت هي مسرعة :
حلوة القصة !! هدير عملتهالي علشان يكون تغيير شكلي حلو ؟"
حرك رأسه موافقا وهو يقول:
و أحلى من الحلو نفسه يا خديجة "
ابتسمت بسعادة بالغة حينما تأكدت أن ذلك التغيير البسيط أعجبه، أما هو فاقترب منها يضع قيراط ذهبي في أذنها كلا منهما على حدة ثم غمز لها و هو يقول:
فراشة لابسة فراشة بجد، روحي خدي بصة كدا"
تحركت من أمامه نحو المرآة وسرعان ما شهقت بقوة حينما وجدت قيراطا ذهبي في أذنيها على هيئة فراشة رقيقة تفرد جناحيها على شحمة أذنها، اغرورقت عينيها بالدموع فاقترب هو منها يقف خلفها و هو يقول بنبرة هادئة :
كدا أنا وفيت بوعدي و جيت، ريحيني و قوليلي إنك فرحتي بجد و إن اليوم دا حتى قدر يفرحك بجد"
التفتت له حتى تواجهه بنظراتها و هي تقول بنبرة هادئة و جسده يحاصر جسدها من الحركة
هتصدقني لو قولتلك أني نسيت يعني إيه زعل !! أول ما صوتك لمس ودني و شوفتك نازل و بتقرب مني أنا محسيتش بحاجة غير أني فرحانة بجد، لما حضنتك و طلعت موجود فعلا مش مجرد خيال مني، أنا فرحت بجد غيابك كان هيبقى بكل الزعل اللي فات، بس من حظي إن قلبك حنين و أحن مني على قلبي"
ابتسم هو لها ثم قال:
ريحتيني الله يريح قلبك طب و بالنسبة للهدية ؟!
عجبتك ؟!"
حرکت رأسها موافقةً و هي تقول بتأكيد على سؤاله:
طبعًا الاتنين احلى من بعض الحلق والقطة كنت هموت
عليهم، بس الاحلى من كل دا هو إنك جيت ليا"
حرك رأسه نحو القطة و هو يقول بنبرة هادئة :
هتسميها إيه !! هي ملهاش اسم و قولت تسميها أنت"
حركت كتفيها بحيرة ففكر هو قليلا و هي أيضًا حتى تحدثا سويا في آن واحد
!! خدوش"
شهقت هي بقوة و هو أيضًا بعدها ضحكا سويا بنبرة عالية،
فسألته هي بنبرة ضاحكة.
طب أنا و كانت صاحبتي الوحيدة قطة اسمها خدوش أنت عرفت منين ؟!"
رد عليها هو بنبرة هادئة :
سألت عن نوع قططك المفضل و عرفت من وليد إنك بتحبي النوع دا و اللي عيونهم بتكون رزقا و قالي انك كنتي بتقولي ليها يا خدوش"
حركت رأسها موافقةً ثم وقفت على أطراف قدميها بعدما خلعت حذائها حتى تستطع للوصول له :
أنا بحبك أوي، و من بختي و بخت قلبي إنك أحلى نصيب لينا "
حرك رأسه لها فوجدها تقبل وجنته قبلة مطولة ثم قالت بهدوء
أنت وحشتني أوي"
سألها هو بسخرية :
هي أخلاقك باظت في غيابي و لا إيه ؟! الكلام دا بيتقالي أنا من غير حاجة و لا من غير كسوف !!"
ردت عليه هي بنبرة ضاحكة:
يعني هو أنا هتكسف من حبيبي و جوزي برضه !!! عيب عليك "
رمش ببلاهة و هو يقول:
خديجة !!! هما عملوا فيكي إيه في غيابي ؟!"
حرکت کتفیها و هي تقول ببراءة :
محدش عملي حاجة والله بس بجد أنت وحشتني أوي و أخر حاجة كنت اتوقعها إنك تيجي و خصوصا إنك مكلمني من هناك جيت ازاي يا ياسين ؟!"
سحبها نحو الأريكة ومعها القطة التي استقرت بين ذراعيها ثم جلس و هي بين ذراعيه حتى وضعت رأسها على صدره، فقال هو بنبرة هادئة :
اسمعي يا ستي جيت ازاي علشان تعرفي إن ربنا سبحانه وتعالى رحيم و استجاب ليا"
في شمال سيناء قبل العودة
أغلق الهاتف ثم مد يده لـ «يوسف» به بعدما استشف
الحزن في صوتها، ثم جلس على الصخرة ينظر للسماء و كأنه يأخذ راحته من ذلك المنظر، عاد «يوسف» له من جديد و هو يقول:
تمام اديتله التليفون و بيقولك يتربى في عزك "
ابتسم بيأس و هو يقول:
أنت دماغك دي مفيش منها اتنين، بس شكرًا إنك ساعدتني حتى أني اسمع صوتها"
رد عليه «يوسف» بتلقائية :
متقولش كدا يا عم، المهم أنا عاوز أقولك إن شغلي هنا خلص و هنروح كلنا بعد يومين"
سأله «ياسين» بتعجب:
هتمشي !! مش قولتلي إنك بقالك هنا سنتين ؟؟"
رد عليه بقلة حيلة :
خلاص فترتنا خلصت هنا هنريح ١٠ أيام كدا و نروح بريمة تانية تبع الشركة برضه، أنا قولت أعرفك علشان كدا هتكون هنا لوحدك
حرك رأسه موافقًا على مضض و هو يقول بحزن ظهر في صوته
أدي السبب اللي كان مصبرني على غربتي هيمشي هو كمان كانت ناقصة هي"
ربت على كتفه و هو يقول:
أنا ماكنتش عاوز أقولك بس للأسف خلاص العمال نازلين بكرة وأنا بعدهم لو عليا هفضل هنا معاك"
تنفس «ياسين» بعمق ثم نظر أمامه و قد تمكن الحزن منه، و أثناء جلوسهما سويًا اقتربت منهما حافلة كبيرة الحجم خاصة بشركة الفاروق، نظر كليهما لبعضهما البعض ثم تحركا سويا نحو الحافلة التي فتحت للتو ليظهر منها «رأفت» نظر له «ياسين» بدهشة و «يوسف» أيضًا، فتحدث هو ببرود كعادته
مساء الخير يا بشمهندس ياسين، أنا أهو جيت علشان
استلم الشغل مع حضرتك "
رد عليه «يوسف» بضجر
بعد إيه !!! بعد ما ياسين خلص خلاص و فاضل شوية هبل
تجاهل هو حديث «يوسف» ثم قال بنبرة هادئة : " و أهو جيت اتمنى بس ميكونش فيه مشاكل تاني"
رد عليه «ياسين» بثبات
المشاكل اللي هربت منها صح ؟! و كنت عارف أني هاجي مكانك و الوضع هنا بايظ، و مع ذلك برضه محاولتش تحذرني"
رد عليه بقلة حيلة :
مكانش ينفع اتكلم يا ياسين، أنت عارف لو اتكلمت في حاجة زي دي هيحصل فيا إيه، و أنا مش عاوز مشاكل"
زفر «ياسين» بضجر بينما «يوسف» قال مسرعًا :
فكك من الكلام دا ياسين خلص كل حاجة و أنا هفهمك الدنيا، يلا يا ياسين علشان تروح
التفت له «ياسين» يسأله بنبرة جامدة
اروح فين ؟! همشي واسيب و الدنيا مبهدلة كدا ؟!"
رد عليه بثبات
غيرك سابها مهدودة على راس الكل و مشي روح لم حاجتك يلا و امشي"
في تلك اللحظة قام السائق بتشغيل المحرك فركض له «يوسف» يفتح الباب الخاص به و هو يقول: " استنى يا ريس وقف رايح فين ؟!"
رد عليه مفسرا
راجع مطرح ما جيت مش البشمهندس وصل خلاص ؟!"
رد عليه «يوسف» بنبرة جامدة
ماهو أنت وصلت واحد و هتاخد في طريقك التاني"
رد عليه الرجل بنفس البرود الذي تحدث به الأخر:
معنديش أوامر أني هرجع بحد، أنا جاي أوصل البشمهندس و خلاص"
في تلك اللحظة اقترب «ياسين» منهما لـ يسمع «يوسف»
يقول بضجر
الله !! دي الشركة دي مصنع تلاجات و لا إيه ؟! الصنف بتاعها كله بارد كدا ؟!"
تدخل «ياسين» يقول منهيا ذلك الحوار و النقاش المحتد
خلاص يا يوسف سيبه يروح لحال سبيله، اتكل على الله يا ريس"
قبل أن يغلق السائق الباب أوقفه «يوسف» حينما أمسك يده و هو يقول:
أنا مبطلبش منك حسنة و لا شفقة !!! دا شغلك يا أستاذ أنت مش جاي على الأرض و هتروح طاير، نفس الطريق هو هو، يبقى تسمع الكلام بدل ما اسمعهولك أنا و الحمد لله إنك من سني، يعني ليا مطلق الحرية "
سأله الرجل بصوت منفعل: "هتعمل إيه يا عم !! أنت هتتهددنا ؟!"
حرك رأسه و هو يقول:
ابن الراوي مبيهددش بيعمل بس"
انهى حديثه ثم أخرج سلاحه وفتحه على الفور و هو يقول بلهجة حادة بعدما اقترب من الرجل
شوف بقى علشان أنا على أخري خلاص، تسمع الكلام بدل ما اسمعك أنا اللي مسمعتهوش قبل كدا، تقف و تهدا
تستنى البشمهندس ياسين لحد ما يجهز نفسه و تقعد تطفح الشاي احنا مش بتشتغل عند أهلك"
اقترب «ياسين» يحاول ابعاده عن الرجل حتى نجح في ذلك حينها أغلق «يوسف» السكين ثم قال مهددًا له بنبرة جامدة :
لو اتحركت خطوة بس من غيره أنا هخلي الرجالة تكمل عشاها بيك"
نزل السائق من الحافلة و أغلق بابها بقوة، بينما «يوسف» راقبه بنظرة ثاقبة حتى وجده يجلس بوضع القرفصاء حينها أمسك هو ذراع «ياسين» نحو الغرفة و هو يقول بنبرة جامدة
يلا أنت لسه هتنحلي !!"
اخذه نحو الغرفة و هو يقول أمرًا له بثبات:
تلم حاجتك و تمشي من هنا اللي عليك عملته و زيادة و العمال و خلاص نازلين إجازة آخر الأسبوع، و رأفت جه خلاص روح شوف حياتك اللي أنت سايبها و شوف مراتك اللي أنت واعدها دي لو زي ما بتقول كدا إنها هتكون تايهة وسطهم
وقف «ياسين» متخبطا أمامه و جسده متيبسا كما لو أنه التصق بالأرض، فتحرك «يوسف» يفتح خزانته و هو يقول:
انجز !! أنا رفعت المطوة في وش الراجل يلا يا ياسين"
تحرك «ياسين» يجمع حاجته من الغرفة يضعها بفوضى في حقيبته، وقبل أن يخرج «يوسف» حتى يجلب له المصحف من غرفته أوقفه «ياسين» و هو يقول بنبرة هادئة بعدما أخبره
خده يا يوسف خليه معاك بدل ما تقرأ من التليفون لمسة المصحف في إيدك حاجة تانية و احساس تاني"
حرك رأسه موافقًا ثم أكملا سويًا حزم الحقائب، و بعد مرور تقريبا نصف ساعة خرجا سويًا من الغرفة، وكان «رأفت» يقف في الخارج، حينها اقترب منه «ياسين»
يعطيه المفتاح الخاص بالغرفة و هو يقول بنبرة هادئة : " اتفضل يا بشمهندس رأفت الأوضة فضيت أهيه، عن اذنك "
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
متزعلش يا ياسين من اللي حصل لو سمحت أنا نبهوا عليا متكلمش و لو كنت أعرف إن أنت اللي هتيجي مكاني أكيد ماكنتش هعمل حاجة تضرك أنت عشرة عمر برضه"
حرك رأسه موافقا بتفهم ثم وضع الحقائب في مؤخرة الحافلة، و بعدها التفت لـ «يوسف» الذي وقف يطالعه بحزن لم يعترف به لطالما كان جامد المشاعر، اقترب منه «ياسين» يقول بصوت مختنق
هتوحشني يا يوسف خلي بالك من نفسك و بلاش تهور أبوس راسك"
رد عليه الأخر بثبات يتنافى مع نظرته الحزينة
دي طبيعة هندسة، المهم تشيل حتة من التوترية لحد ما اجي كلها يومين واجيلك
احتضنه «ياسين» بقوة و الأخر على الرغم من تيبس جسده لكنه رفع ذراعيه يحتضنه هو الأخر و هو يشعر بشعور غريب عليه لكنه شعور جميل، و خاصة حينما وجد ذلك العناق دافئا اطمئن هو به.
بعد مرور دقائق تحركت الحافلة بعدما ركبها «ياسين» و الأخر ينظر في اثره براحة كبرى حينما التمس الراحة في عينيه هو الأخر.
ركب الحافلة و هو يبتسم بفرحة كبرى بعدما من الله عليه بتلك الفرصة الذهبية و بعد مرور بعض الوقت من تحرك الحافلة وسط الظلام اوقفها السائق في و هو يقول بنبرة هادئة :
فيه استراحة هنا يا أستاذ عن اذنك هدخل تحب "!تيجي ؟
حرك رأسه نفيا، فنزل السائق وبعد مرور دقائق عاد من جدید و استأنف قيادته، حتى بدأت خيوط الشمس تظهر باشراقها لتزيل عتمة ليل من درب معتم حينها اوقف السائق الحافلة للمرة الثانية و تلك المرة نزل «ياسين» حتى يقوم بتصوير الفيديو و إرساله إلى «وليد» و بعدها قام بمها تفته يقص له الحكاية بإيجاز و أنه سيحضر تلك المناسبة، وقبل أن يفهم الآخر ما يحدث قام هو بعمل مهاتفة جامعية و هو يقول بنبرة ضاحكة
يا صايع أنت و هو قبل صلاة العصر تكونوا في الموقف، لو اتأخرتوا هولع فيكم
انتشرت أصوات بهجتهم وتهليلهم في الهاتف و كلا منهم غير مصدقًا لحديثه حينها أخبرهم بإيجاز ثم اغلق الهاتف معهم و عينيه تتابع جنبات الطريق بشغف و هو يرى محافظة أقل ما يقال عنها انها حقا ساحرة.
وصلت الحافلة إلى الموقف ونزل هو منها ليجد «عامر» يركض نحوه مسرعًا بلهفة و شوق و هو يقول بصوت مختنق حينما التقيا سويا في ذلك العناق " وحشتني أوي أوي أنا تعبت من غيرك يا ياسين"
اعتصره «ياسين» بين ذراعيه و هو يقول بنبرة هادئة : " أنت اللي وحشتني أوي يا عامر، وحشتني الأيام من غيركم صعبة أوي"
ابتعد عنه «عامر» فاقترب «ياسر » هو الأخر يحتضنه و هو يقول:
نورت الدنيا كلها برجوعك ربنا ما يفرق بيننا يا رب"
قبل «ياسين» رأسه ثم قال بهدوء:
يا رب يا ياسر ربنا ما يحكم علينا بالغياب و لا فراق
ابتعد عنه فوجد «خالد» يقترب منه وعلى العكس احتواه «خالد» بين ذراعيه و هو يربت عليه كما لو أنه صغيره و قال بصوت متأثر:
حمدا لله على سلامتك يا حبيبي الدنيا نورت بيك"
رد عليه بهدوء
الدنيا منورة بيكم يا خالد وجودكم هو الحلو بعينه "
أتى صوته من الخلف و هو يقول:
حلو الجملة دي أوي، أنا بقول اسمعها لخديجة و هي تحكم"
التفت على الفور يحتضنه وهو يقول بنبرة ضاحكة:
لو سترت عليا هيجرالك حاجة ؟! متبقاش زي رياض كدا بقى"
رد عليه «ولید بنبرة ضاحكة
رياض دا حبيبي عاوزني مكونش زيه إزاي ؟!"
ابتعد عنه يسأله بنبرة هادئة :
طمني هي عاملة إيه ؟!"
رد عليه بقلة حيلة :
هي زعلانة و قالبة وشها بس البنات معاها بيحاولوا المهم يلا علشان أروح الكافيه اظبط فيه كل حاجة "
بعدها بدأوا يتوزعون على السيارات و أول وجهة توجهوا إليها كان ملجأ الأمان لهم و هو منزل «ميمي»، دلف هو أولا فوجدها تمسك المصحف كعادتها، اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم نظر لها و هو يقول بنبرة هادئة :
وحشتيني، ابنك تعب أوي من غيرك و مكانش مطمنه غير صوت قلبك و هو بيدعيله"
رفعت رأسها تنظر له فوجدته يطالعها بشوق، خطفته بين ذراعيه وهي تقول بصوت باك
يا حبيبي يا قلب أمك وحشتني ، وحشتني أوي و تعبت قلبي في غيابك عليك، الحمد لله يا رب، الحمد لله"
اقترب منهما «عامر» و هو يقول بنبرة مرحة
رجعلك حبيبك خلاص ؟! اقسم بالله لو قلبتيها نكد تاني يا ميمي، لأكون جايب مرات لطفي تزاحمك في الشقة دي و أنت عارفة هي هتموت و تاخد مكانك"
ضحكوا عليه جميعًا فوقف «ياسين» و هو يقول بنبرة هادئة :
أنا كدا اطمنت عليكي وطمنتك، أروح بقى اطمن زهرة و رياض، أما الكتكوتة دي ليها استقبال خاص"
أومأ له الجميع بموافقة، فتحركوا بعدها يتجهون نحو وجهتهم الثانية، وقفوا أمام بيت والدي «ياسين» فصعد هو أولا ثم طرق باب الشقة فوصله صوت والدته من الداخل و هي تقول بضجر
يوه يا رياض !!! قولتلك افتح بالمفتاح و بطل كسل بقى "......أنا تعب
فتحت الباب و هي تتحدث لتقف في مكانها متسمرة برؤيته المفاجأة لها بينما هو رفع أحد حاجبيه و هو يقول بنبرة جامدة " أنت ازاي تفتحي الباب من غير ما تعرفي مين بيخبط !!
افرضي حد خطفك و أنت حلوة كدا"
اقتربت منه هي تحتضنه و هي تحدثه بصوت باك و تقبل يده و كل إنش بوجهه حتى هو نزلت دموعه مثل الطفل الصغير و هو يحتضنها، وفي تلك اللحظة وصل «رياض» و راهما سويًا فاقترب منهما يأخذه بين ذراعيه وهو يقول بصوت متهدج
ياه..... حمدا لله على سلامتك، جيت في وقتك المظبوط، كدا اليوم بقى حلو رسمي"
ابتعد عنه و هو يقول ممازحًا له :
عاوزني افوت يوم زي دا علشان تستغل اللي حصل و تطلع بيها على محكمة الأسرة ؟! الحمد لله ربنا مأرادش اتكسف قصادك"
اقتربت منه والدته و هي تقول:
طب يلا علشان نروح العيد ميلاد، الوقت قرب و أنت البس يلا و شوف هتظبط نفسك ازاي"
رد عليها «ياسين» مسرعًا:
لا أنا لسه هجيب الهدية واظبط الدنيا، وهلبس في شقتي، أنا جيت بس اطمنكم علشان اللي جاي كله مش هعرف اسيبها فيه"
ابتسم له كليهما فسلم عليهما من جديد بوداع مؤقتًا ثم نزل لأخوته حتى يرى ما يجب عليه فعله لاسعادها بحق في هذا اليوم و أهم ما يوجد لديه هو فقط الوفاء بعهده.
عودة إلى الوقت الحالي
كانت هي بين ذراعيه و هو يقص عليها تفاصيل عودته الشيقة التي مثلت لها مغامرة شيقة، فسألته هي بلهفة : " يعني كل دا أنت عملته علشاني ؟! جيت و مريحتش خالص و لحد دلوقتي صاحي علشاني و علشان
تفرحني ؟!"
حرك رأسه موافقا و هو يبتسم لها فسألته هي بصوت باك من شدة تأثره:
ليه !! ليه تتحمل كل دا ؟!"
رد عليها هو بتلقائية :
رأرأت بعينيها تطلب منه المزيد فقال هو بنبرة هادئة تمتزج بمشاعره لها :
"
نزلت العبرات من عينيها و هي تسأله ببكاء:
هو أنا المفروض أعمل إيه علشان افرحك زي ما أنت مفرحني ؟! أرد لو جزء بسيط من كل دا ازاي ؟! المفروض إن اللي زيي تعمل إيه لواحد زيك خد حنية الدنيا كلها لحسابه "
أخذ القطة من يدها و هي تطالعه بتعجب و قد عقدت ما بين حاجبيها، أما هو تحرك يضعها في القفص ثم عاد لها من جديد و هو يقول بصوت ظهر به أثر التعب
الحل الوحيد علشان تفرحيني إنك تيجي تنامي في إنك تيجي تنامي في حضني علشان و الله العظيم أنا مش شايف قصادي من التعب "
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له ثم قالت: " ألف سلامة عليك من كل شر يا رب حقك عليا أنا علشان تعبك و مجهودك دا، أنا مكنتش اتمنى إنك تتعب كدا علشاني"
اخفض نفسه يحملها على ذراعيه و هو يقول بنبرة منهكة حينما اقترب من غرفة نومهما
لا تعب ولا حاجة يا ست الكل لو تبوسيني و تحضنيني كدا نبقى خالصين"
أصر «حسن» على توصيل «ميمي» إلى بيتها و معه «هدير» و بعدها عاد إلى بيته و هي معه، و كالعادة كانت خطاها مترددة عند دخوله و كان هو على علم بما يدور في نفسها من صراعات نفسية حدثت لها بسبب أخته و خاصة و هي تجاهد نفسها حتى تتقبل البيت و الوضع حولها فقط لأجله هو دلفا سويًا فجلست هي على المقعد تخلع حذائها وبالها شاردا في اللاشيء أمامها، أما هو فاقترب منها يجلس على ركبتيه يرفع رأسها و هو يقول بنبرة هادئة :
مالك !! فيه حاجة مزعلاكي ؟!"
وجهت بصرها نحوه و هي تحرك رأسها نفيا بحركة خافتة بالكاد ترى بالعين المجردة، أما هو فتنفس بعمق ثم أمسك يدها يسحبها حتى تقف مقابلة له فسألها هو بنبرة حزينة
مالك يا هدير !! أنا مش قادر أشوفك كدا و أفضل بتفرج عليكي و أنا ساكت"
نزلت دموعها على الفور و هي تقول بصوت منكسر مش عارفة، و الله العظيم مش عارفة مالي، بس أنا مش مبسوطة و مش مرتاحة وحاسة إني بحارب في حرب خسرانة "
حاوط كفيها بكفيه و هو يقول:
أنا معاكي أهو قوليلي مالك !! من ساعة ما رجعتي هنا و أنت تعبانة و زعلانة و باين عليكي، أنا واقف عاجز و أنا شايفك بتضيعي مني"
رفعت عينيها الباكيتين له فاقترب هو منها أكثر و هو
يقول:
قولي بس مالك !! احكيلي"
ردت عليه هي بصوت باك
كل يوم بشوف نفس الكابوس أني بجري في الشارع و بعيط و فيه أصوات تخوف حواليا، بشوفها كل يوم في الكابوس كل كلامها أني خدتك منها و أنها مش مسامحاني، بحس انها بتخنقني كل يوم في نومي"
فهم هو ما ترمي إليه بحديثها و عن من تحديدًا، فتحرك نحو الداخل و هو يسحبها خلفه، حتى وقفا سويا أمام باب الغرفة التي كانت مخصصة لشقيقته في فترة جلوسها معهما، وقفت بجسد متصلب و سارت البرودة في كامل جسدها و كل ما في مخيلتها فقط هو وجود تلك المزعومة حنان» في تلك الغرفة، فوجدته يشدد على مسكة كفها كأنه يدعمها ثم ابتسم لها وهو يقول:
وعد مني أني افرحك و أنك لما تدخلي هنا تنسي كل حاجة زعلتك في يوم من الأيام"
حرکت رأسها موافقةً بشجاعة واهية تتنافى مع خوفها من تلك الغرفة التي لم تدلفها ولا مرة حتى الآن حتى أمر تنضيفها تتركه لزوجة حارس العقار.
فتح هو الباب و قبل أن يمد كفه يفتح الضوء، التفت لها يقول بنبرة هادئة :
غمضي عينك يا هدير ممكن !!"
حرکت رأسها موافقةً ثم انصاعت لأوامره في الحال، و أحكمت اغلاق جفنيها، حينها ابتسم هو ثم سحبها حتى دلفت الغرفة تقف في منتصفها و هو خلفها أغلق الباب مرةً أخرى ثم فتح الضوء و هو يقول بنبرة مرحة :
فتحي يا قطة "
فتحت عيناها بعدما فرقت ارتباط جفناها و سرعان ما شهقت بقوة و هي ترى شيئًا اقرب للخيال، بينما هو اقترب منها يقف خلفها يحيط خصرها بذراعيه و ذقنه تستند على كتفها و هو يقول مستفسرا
إيه رأيك ؟! حولتلك اوضة الرعب لأوضة الأحلام، بقالي يومين مطبق عليها لحد ما خلصتها "
التفتت له تسأله بلهفة :
أنت عملت كدا علشاني ؟! صح "
حرك رأسه نفيا ثم أضاف ساخرا: "لأ، علشان أمي الله يرحمها "
التفتت من جديد تحرك رأسها بالغرفة حتى تحركت من حصار ذراعيه لها تراقب الغرفة بحالة هيام و شجن حيث قام بعمل غرفة تشبه غرف الأفلام الكرتونية.
و قد قام بوضع ورقة حائط بحجم الحائط بأكمله و هي صورة أحد أفلامهما المفضلة و هو ربانزل) و كانت الصورة تجمع أبطال الفيلم ومعهما الحصان الأبيض الذي شارك في بطولة العمل وعلى الحائط الأخر قام بوضع قطعة قماش باللون البيج يغطي بها الحائط بأكمله و عليها لوائح حديد باللون الأزرق وعلى كلا منهم عبارة كرتونية مفضلة لديهما تنوعت بين
ودع الأحزان يا ذوق عوم و اتمختر عوم و اتمختر ابعد ايدك عن شعنونتي _ هكونا مطاطا حكمة نغمها لذيذ قطتي قطتك لازم تروح الجميلة حبت الوحش لو تتجوزيني نبقى خالصين شوف رزقك الدنيا واسعة _ متسمحش لحد يتحجج بأصلك و بفصلك أنت الكلام معاكي صعب كدا ليه ؟ بحب شكلك و أنت بتتكلمي عن حلمك حلمك جميل السمك صحاب مش طواجن
كانت عينيها تمشط العبرات الموضوعة على الحائط ثم نزلت ببصرها للأسفل فوجدت عبارة من أحد الأفلام الكرتونية
أقولك على سر ؟! أنا اللي قتلت موفاسا"
أسفل تلك العبارة كانت صورة ذلك المشهد في نهاية الحائط التفتت بعينيها فوجدت شاشة كبيرة الحجم و الحائط خلفها عليه صورة أحد الأفلام الكرتونية و هي صورة فيلم الجميلة والوحش و سقف الغرفة يتدلى منه صور الافلام الكرتونية مختلفة الحجم و النوع بأشكال افلامها المحببة
و على أريكة الغرفة المواجهة للتلفاز الكبير وجدت ثيابًا موضوعة اقتربت من الأريكة فوجدت عليها ملابس شتوية سويت شيرت ازواجًا مع بعضهما جلست على ركبتيها فوجدت النموذج الأول باللون الاسود و على القطعة الخاصة بها صورة الأميرة ياسمين و على القطعة الخاصة به صورة علاء الدين و عند وضع القطعتين بجوار بعضهما يبديان و كأن كلا منهما ينظر للآخر
أمسكت النموذج الثاني فوجدته باللون البني الفاتح و على قطعتها صورة الأميرة و على قطعته صورة الوحش
امسكت النموذج الثالث فوجدته باللون الزيتي القاتم و عليه صورة مارد وشوشني و قطعتها عليها ( شعنونتي وأسفل صورته جملة :
ابعد إيدك عن شعنونتي"
ابتلعت ريقها هي بتوتر و هي لا تصدق أن ما تراه حقيقةً أمام عينيها، أمسكت القطعة ما قبل الأخيرة فوجدت عليها صورة ربانزل) و قطعته صورة يوجين) ابتسمت هي بسعادة بالغة، ثم أمسكت القطعة الأخيرة لتجد عليها صورة شلبي سولفان و القطعة الخاصة بها عليها صورة )بو
كانت الصور الكرتونية توجد عند موضع القلب بحجم صغير لم يكن كبيرًا واسفله العبارة المقترنة به، نزلت العبرات من عينيها فورًا حتى شعرت به يجلس بجوارها و هو يقول بصوته الرخيم
أنا عارف إن الأوضة دي تعبتك نفسيا و لاحظت إنك بقيتي تخافي تدخليها ، بس أنا بكره الخوف وبكره إنك تخافي، الخوف الوحيد اللي بحبه هو خوفي عليكي أنت كان لازم اعمل أي حاجة تخليكي تحبي الأوضة دي و تبطلي تخافي من المكان اللي أنا حبيته بسببك"
حرکت رأسها نحوه و هي تطالعه بعينيها الباكيتين فرفع كفه يمسح دموعها وهو يقول:
متعيطيش علشان أنا كنت سبب برضه في كل حاجة حصلت كنت فاكر إن البذرة اللي مغروسة بقسوة هتطلعلي في يوم زرعة حنان لسه زعلانة ؟"
أبتسمت له و هي تقول بصوت مختنق متحشرج "خالص، أنا حاسة أني هيجرالي حاجة من الفرحة و الله حاسة إنه حلم جميل أوي مش عاوزة اصحى منه عرفت منين إن كان نفسي أعمل اوضة زي دي ؟!"
رد عليها هو بنبرة هادئة :
و الله خمنت افتكرت لما قبل كدا قولتيلي إنك عاوزة تعملي عالم يكون كله افلام كرتون و تكون أوضة زي عالم ديزني ليكي، حاولت على قد ما أقدر و الله يا رب تكون عجبتك "
أقتربت منه تمسك يده و هي تقول بلهفة مؤكدة:
عجبتني أوي يا حسن والسويت شيرتات كلهم أحلى من بعض، ينفع أجرب منهم دلوقتي ؟!"
حرك رأسه موافقًا فسحبت هي قطعة على الفور ثم اعطته الأخرى و هي تقول بحماس يلا و أنت كمان تعالى و البس زيي"
حرك رأسه موافقا و هو يبتسم لها حينما رأی حماسها و بعد مرور دقائق كان هو في الغرفة يرتدي القطعة التي وجد عليها صورة الوحش و أتت هي له و هي ترتدي القطعة الخاصة بصورة الأميرة، ابتسم هو ثم مد يده لها حتى تعانق يده، امتثلت هي لما يريده، حينها أمسك ريموت الشاشة يقوم بتشغيل اغنية أحد تلك الأفلام و خاصة التي طبعت صورتها على ثيابهما:
من عمر الأيام.... حدوتة في قلبي.... حتى مش أصحاب .... و لأهون أسباب تلقى دمعتي... فيه تغيير بسيط .... لو قاسي متلمحش الاتنين خايفين.... مش مصدقين جميلتنا و الوحش"
أدارها في يده كعادتهما حينما يرقصا سويا و هي تطالعه بسهام عينيها و هو الأخر يبتسم لها حتى بدأت الكلمات من جدید هي كدا يا بلاش.... قصة الاندهاش.... نفس حكاية الخوف والقلب الملهوف .... من الحلم ميصحاش..... من عمر الأيام..... لحن في قلب القلب .... القلب اللي مال للسحر الحلال.... من العيون يتصاب.... زي طلوع الشمس .... ازاي متطلعش حدوتة يا سلام من عمر الأيام عن جميلة و وحش.... حدوتة يا سلام من عمر الأيام عن جميلة و الوحش"
دارت هي حول نفسها حينما قام هو بذلك و هي تضحك بملء شدقيها بسعادة بالغة أثلجت نيران روحه التي احترقت منذ أيام خوفًا عليها كلما طال صمتها و ظهر خوفها وأتضح شرودها، توقفا عن الحركة حينما استقرت بين ذراعيه فسألها هو بنبرة هامسة :
لسه خايفة !!"
حرکت رأسها نفيًا وعينيها متعلقة بخاصته، فقال هو بنفس الطريقة :
عرفت افرحك يا هدير ؟! عرفت أكسب المكسب الوحيد اللي في حياتي و لا سيبته يضيع مني ؟!"
ردت عليه هي بلهفة تنفي حديثه و تفكيره "لأ و الله عرفت و أكثر بكتير، أنت زي اللي دخل حرب و حارب فيها بأخر نفس فيه، رغم إنها كانت حرب صعبة و مكسبها مش بالساهل"
قربها منه أكثر و هو يقول بنبرة هامسة متأملا عمق عينيها الصافية :
يمكن الحرب علشانك مكانتش بالساهل، بس أنت عيونك حلوة وتستاهل"
ابتسمت هي بسعادة بالغة ثم قالت بنبرة ضاحكة
طب احضني يا حسن
ضحك هو رغما عنه على جملتها المعتادة التي داومت هي عليها منذ أن تقربا من بعضهما و اصبحا عاشقان و فورا احتضنها يحتويها بين ذراعيه و هو يتمنى أن كليهما ينسى ألامه و ما عايشه و خاصةً هو بعدما مزقت أخته كل روابط الوصال بينهما فحولت الدم بينهما إلى ماء معكرة تخلو من صفوها.
جلست «إيمان» في غرفتها بتوتر و هي تفكر كيف تخبره بهذا الخبر ؟! كيف تخبره أنها تأكدت من أمر حملها، هذا الخبر الذي لم يعرفه غيرها، حتى وصلتها نتيجة التحاليل عبر تطبيق "الواتساب " منذ عدة ساعات و نظرا لانشغالها باحتفال العيد الميلاد لم تلاحظ الرسالة بهاتفها بعد، رفعت كفها تضعه على فمها ثم قامت بفتح الهاتف تطلب رقم زوجة أخيها حتى اجابتها بخوف و هي تقول:
استر يا رب خير على نص الليل هيبتي إيه يا إيمان"
ردت عليها بتوتر
ريهام !! أنا حامل و مش عارفة اعمل إيه و لا أعرف مين الحقيني"
شهقت «ريهام» بقوة ثم قالت بفرحة كبرى "الله أكبر، أخواتي الاتنين مع بعض !! ما شاء الله، ألف مليون مبروك يا إيمان
ردت عليها بصوت مختنق
الله يبارك فيكي يا ريهام، بس أنا مش عارفة أعمل إيه، أنا كنت بتريق على سارة علشان كانت عاوزة تقول لعامر أنا مش عارفة أعمل إيه دلوقتي، أروح أقوله طيب ؟! و لا استنی ؟!"
ردت عليها «ريهام» بنبرة متسرعة
لأ استني بكرة الجمعة و هما إجازة، احنا نخليها مفاجأة أحسن و منعرفش ياسر أو خالد و كمان ياسين رجع، يعني فرحتهم هتكون كملت خلي بالك بس من نفسك و ريحي نفسك بقى علشان مرات ابني اللي في بطنك إن شاء الله ناوية أخد من كل واحدة فيكم بنوتة، أنا و ابني طيبين مش بنزعل حد، أمرنا لله بقى"
ضحكت «إيمان» بسعادة بالغة و هي ترد عليها تمازحها بقولها :
لو طلعوا شبه ياسر أنا هاخد المهر بالدولار إن شاء الله"
ردت عليها «ريهام» بنبرة ضاحكة
أيوا كدا شغلي مخك الحال واقع على الكل، ربنا يكمل فرحتك على خير إن شاء الله و يسعدكم يا رب"
جلست عبلة على الأريكة بإحباط بعد رحيل «خديجة » حتى وجدته يجلس بجوارها بعدما تحمم و بدل ثيابه ثم سألها بتعجب من ضيق ملامحها :
مالك يا ست ؟! حد زعلك ؟! اليوم كان حلو و كلنا مبسوطين"
ردت عليه هي بحزن
خديجة مشيت ليه يا وليد ؟! أنا كنت عاملة حسابي نيجي نكمل الاحتفال هنا، اتفاجأت إن ياسين جه و هي هتمشي
رد عليها هو بتهكم
ماهو أنا لو غايب عن مراتي شهر و نص و لما أرجع اعملها كل دا و افرحها في الأخر تسيبني وتروح تبات عند اخوها دا أنا أرمي عليها يمين الطلاق "
ضحكت رغما عنها و هي تقول:
طب و الكيكة اللي أنا عملتها علشانها !! أنا فرحت أوي إنها طلعت مظبوطة و قولت نسهر سوا و معانا هدير
رد عليها هو بنبرة هادئة
هدير راحت مع حسن علشان يحاول يلحقها قبل ما تتعب أكثر من كدا، هدير بدأت تكتئب وخصوصًا بعد أخته و
اللي عملته فيهم و خديجة كدا حياتها كلها رجعت ليها هنا رجوع ياسين يعني رجوع الروح لخديجة و بعدين مزعلة نفسك ليه ؟! اهتمي بجوزك وشوفيه زي ما كنتي هتهتمي بيهم كدا"
ردت عليه هي بنبرة ضاحكة
طب عيوني ليك تعالى بقى معايا نحضر الحاجة و نسهر سوا بما إنك بكرة أجازة ؟! ها موافق "
قلب عينيه و كأنه يفكر في حديثها ثم وقف يمسك يدها و هو يقول بحماس
يلا يا سوبيا"
وقفت معه تمسك بيده ثم دلفا سويًا للمطبخ، حيث تقوم هي بإخراج الكعك وتضعه بالأطباق و هو يقوم بعمل الشاي لهما سويًا ثم خرجا معًا مرةً أخرى يجلسان سويا أمام التلفاز فتحدث هو بنبرة هادئة :
شوفي بقى عاوزة إيه تاني و أنا معاكي فيه، تتكلمي تتفرجي، تلعبي، تحضنيني تبوسيني و الله ما هزعلك"
ردت عليه هي بسخرية :
كدا مش هتزعلني أنا !!! أنت كدا بتظبط نفسك يا ندل"
حرك كتفيه ببساطة و هو يقول:
براحتك، خلاص أدخل أنام بقى، و بعدين البيت فضي علينا و أنا كنت محترم نفسي و خديجة هنا"
لوت فمها بتهكم يمنة ويسرى ثم قالت برضوخ ساخر:
آه طبعًا على يدي، بإمارة إنها كل شوية تشوفنا مع بعض و أنت تقولها حجج هطلة زيك، مخلي شكلنا زفت"
رد عليها هو ببساطة :
أنا ابن أصول بقدر الجمال، و أنت جمالك اللهم صل على النبي جايبني على جدور رقبتي"
اقتربت منه هي تلك المرة تنام بين ذراعيه فقام هو برفع
الغطاء عليها ثم قال بنبرة ضاحكة :
طب و الشاي ؟! و الكيكة ؟!"
ردت عليه هي بهدوء
دقيقة بس و هقوم حاضر و بعدين مش كنت عاوز تتحضن ؟! اتهد بقى شوية و شوف فيلم حلو زيك كدا
رد عليها هو بسخرية :
ما شاء لقطتي من طول لساني بسرعة، ليهم حق يخافوا عليكي مني"
ردت عليه هي بثبات
قصدك هما مطمنوش عليا غير معاك أنت الحكاية دي
من أولها مكانش ينفع يكون فيها حد غيرك و عبلة الرشيد
مالهاش غير وليد
أبتسم لها ثم لف ذراعيه عليها و هو يقول بسخرية :
لأ دي بقت نسخة طبق الأصل كدا أنت و خلود، ربنا يزيد و يبارك إن شاء الله"
جلس «يوسف» على الصخرة بعدما امتع حقائبه و جهز نفسه للرحيل بعدما أرسلت الشركة لهم الحافلة الخاصة بنقلهم إلى القاهرة مرةً أخرى، جلس ينفث هواء السيجارة كعادته ثم أخرجه من رئتيه و بعد مرور دقائق اقترب منه أحد العمال و هو يقول:
يلا يا بشمهندس يوسف خلصنا والاوتوبيس مستنيك علشان يتحرك "
حرك رأسه موافقًا ثم رمى السيجارة من يده و توجه نحو الحافلة يركب بجوار السائق ثم فتح شاشة هاتفه على صورة أحد الرجال و هو يقول محدثا نفسه:
يا رب تبقى عایش و مبسوط یا هشام علشان أعرف أنكد عليك أنا بمزاج، هاخد منك حقي و حق ياسين، بس الصبر"
أغلق شاشة الهاتف و هو ينظر أمامه ممنيا نفسه بالحصول على تلك الفرصة في الانتقام من الشخص الذي تسبب في دمار مستقبله و ضياع حلمه بعدما كان على قمة الجبل حتى وجد نفسه ينزلق نحو منحدر البداية و كأنها إشارة للبدء من جديد أو السقوط في بئر الضياع و الفشل
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والستون 69 - بقلم شمس بكري
تبتُ عن ذنب الحبُ و الهوىٰ، لتأتي فتنةُ عينيكِ توقع بفؤادي و كأنه مخمورًا"
_________________________
يعد ظهورك و كأنه ربيعٌ حل على أرضٍ انهكها الخراب، أو كأنكِ كما الحلو للروح مُستطاب، عينيك الفاتنة تُهلك أنفاسي و كأنها سهمٌ يخترق القلب و لهدفه صواب، تملكين سحرًا خاصًا بكِ و قدرته على المرء لا تُعاب، سلطة قلبك على قلبي قوية، و قد كان قلبي بريئًا من الحب و ما له به من عذاب.
في صباح اليوم التالي و بعد ليلةً انتهت على الجميع بالفرح و السرور، استيقظت «خديجة» تفرك عينيها بعدما داهمتها قوة الضوء حينما تقلبت للجهة الأخرى المواجهة للشرفة، انتبهت هي لخلو الفراش و الغرفةِ بأكملها منه، و حينها أتت الهواجس إلى عقلها فتحركت فورًا من الفراش دون أن تنتبه إلى ما ترتديه، بحثت عنه في مرحاض الغرفة و منها إلى الخارج و هي تذكر اسمه دون أن يأتيها ردٌ منه.
كل ما جال بخاطرها في تلك اللحظة أنه سافر مرةً أخرى و لم يخبرها بذلك حتى لا يُحزنها و حينها وقفت حتى تهاتفه و قبل أن تفعل ذلك وصلها صوته من الشرفة يحدث أحدًا ما و هو يقول بقلة حيلة:
بتاكلي إيه أنتِ !! أنا متخصص في أكل الكتاكيت مبعرفش أكل قطط"
اقتربت من الشرفة و هي تقول بلهفةٍ و صوتٍ متحشرجٍ:
ياسين !! أنتَ هنا ؟!"
التفت لها و هو يبتسم و بمجرد وقوع بصره عليها و على ما ترتديه هب منتفضًا و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
يا وقعتك السودا !! خارجالي بقميص النوم يا خديجة؟! ادخلي يا حلوة استري نفسك"
ردت عليه هي بخوفٍ:
و الله العظيم أنا نسيت و كنت بدور عليك افتكرتك مشيت تاني"
أمسك ذراعها ثم ابتعد عن الشرفة و هي في يده ثم قال بنبرةٍ جامدة:
همشي اروح فين !! قولتلك خلاص كل حاجة خلصت و أنا معاكي أهوه، مش عيل صغير أنا هشتغلك يعني"
ابتسمت هي له ثم صفقت بكفيها معًا و اقتربت منه تقبل وجنته فتحدث هو بسخريةٍ:
لأ و الله العظيم أنا لازم افهم حصل إيه في غيابي ؟! أنتِ كنتي مع مين في غيابي في خديجة ؟!"
حركت كتفيها ببساطةٍ و هي تقول ببراءةٍ:
كنت مع وليد هكون مع مين يعني؟!!"
_"وليد آه، لأ كدا صح فهمت، الحمد لله إني جيت لحقتك"
رد عليها هو بذلك بنفس السخرية، فابتسمت هي له و لم ترد عليه بينما هو اقترب منها و هو يقول هامسًا:
بس أنتِ وحشتيني على فكرة، قسمًا بالله إحنا مكناش عايشين"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ و هو يقترب منها فصدح صوت هاتفه في تلك اللحظة أغمض هو عينيه ثم أخرج الهاتف من جيب بنطاله ثم ضغط على الزر يُجيب على المكالمة حتى وصله صوت الأخر يقول بتهكمٍ:
إيه جيت في وقت مش مناسب و لا إيه ؟! ازعل و الله"
رد عليه «ياسين» بسخريةٍ:
من ساعة ما عرفتك و أنتَ وقتك مش مناسب، أنا أصلًا اتعرفت عليك في وقت مش مناسب، خير يا يوسف ؟!"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم حقك عليا خلاص، المهم أمك عندها ورق عنب و لا أجيب معايا ؟!"
_"أيوا يعني هتيجي تحشيه أنتَ و لا إيه مش فاهم أنا ؟! تعالى يا عم عندنا ورق عنب"
زفر «يوسف» بقوةٍ ثم قال:
طب تمام، هريح النهاردة علشان أنا لسه واصل، و بكرة هكون عندك إن شاء الله"
سأله «ياسين» بتلقائيةٍ:
طب ما تيجي النهاردة و لا أنتَ هتقضي اليوم مع قرايبك ؟!"
تنحنح «يوسف» يُجلي حنجرته ثم قال بنبرةٍ هادئة:
لأ أنا معرفتش حد أني جاي، أنا نازل في فندق، و قبل ما تسأل أنا نازل إجازة مش جلد ذات"
تنهد «ياسين» بعمقٍ ثم قال بقلة حيلة مجاريًا له:
تمام يا يوسف، حمدًا لله على سلامتك، لو عوزت حاجة كلمني خلاص أنا بقيت أخوك هنا"
رد عليه الأخر بودٍ:
عارف حاجة زي دي، يلا شوف كنت بتعمل إيه بقى"
أغلق «ياسين» معه الهاتف و هو يبتسم بيأسٍ منه، فيما تحركت هي تسأله هي بتعجبٍ حينما لاحظت الوقت في هاتفها:
ياسين !! هو الوقت دا بجد ؟! الساعة ٢.٥ فعلًا ؟!"
حرك رأسه موافقًا فقالت هي بخوفٍ:
بتهزر !! طب مصحتنيش ليه ؟! إيه دا ؟! الضهر فاتني في ميعاده روح ربنا يسامحك"
رد عليها هو متهكمٍ:
نعم يا ختي !! مصحتكيش ليه ؟! دا أنا خلاص تكة و كنت هخلع بلاط الشقة اضربك بيه على راسك، أنتِ اللي غيبوبة"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت منهيةً للحديث:
خلاص خلاص مش مهم، هروح اتوضا و أصلي و أنتَ بقى حضرلنا الفطار صليت الجمعة صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها
أمسك ذراعها يقربها منه و هو يقول بخبثٍ استشفته هي:
طب ما تيجي معايا نعمل الفطار سوا، دا أنتِ حتى وحشتيني"
رفعت رأسها تقول بسخريةٍ مقلدةً طريقته:
لأ و الله العظيم لازم أعرف حصل إيه في غيابي، ياسين أنتَ كنت مع مين في غيابي"
رفع حاجبيه معًا بدهشةٍ منها فابتعدت عنه و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
أنا هدخل اتوضا و صلي و أنتَ حضر الفطار، عن اذنك"
ابتعدت عنه و هي تتغنج في مشيتها أمامه، فضرب كفيه ببعضهما ثم رفع صوته يقول:
ماشي هتروحي مني فين ؟! قاعدلك أسبوع يا كتكوتة"
_________________________
في بيت شباب آلـ «الرشيد» اجتمعوا معًا فوق السطح بعد الصلاة يتناولون الفطار سويًا، فتحدث «طارق» بنبرةٍ مرحة:
طب و الله فكرة جامدة، أنا بقول نخليها كل جمعة كدا نتغدا سوا، و نجيب حسن كمان معانا"
رد عليه «وليد» مُسرعًا:
ابوس إيدك سيب حسن في حاله، حسن الدنيا جاية عليه و يدوبك باديء يشم نفسه"
سألته «جميلة» بتعجبٍ:
ليه ماله ؟! مش هو و هدير بقوا كويسين ؟!"
رد عليها هو بقلة حيلة:
للأسف هدير لما راحت الشقة تعبت، و بقى بيجيلها كوابيس كتير بسبب حنان، سألت دكتورة هناء قالتلي إن دا تعب نفسي عادي نتيجة اللي حصل، حسن بقى بيحاول إنه يحسن نفسيتها، و أخر حل كان هيبيع الشقة"
تدخلت «هدى» تقول بأسى و قلبٍ ملكومٍ على صغيرتها:
حاولت معاها و الله بس مش عارفة هي مالها، بقت بتسرح كتير و تزعل أكتر، و حسن كتر خيره بيعمل اللي عليه و زيادة"
ردت عليها «عبلة» بنبرةٍ هادئة:
متخافيش هتبقى كويسة، طالما شافت حسن بيحاول علشانها يبقى كل حاجة هتبقى كويسة، ادعيلها بس يا هدى"
حركت رأسها موافقةً و في تلك اللحظة صدح صوت هاتف «وليد» فأخرجه هو و حينما لمح إسمها ضغط على زر الايجاب ثم مكبر الصوت و هو يقول بمرحٍ:
ها يا خوخة !! عاملة إيه ؟!"
ردت عليه بضجرٍ:
مخنوقة و مش طايقة نفسي، و خلاص هطق من جنابي"
تدخل «وئام» يقول بتهكمٍ:
و متصلة تنكدي علينا ليه يعني ؟! هي ناقصة هم ؟!"
ردت عليه هي بحزنٍ:
شكرًا يا وئام، شكرًا يا ابن عمي، دا بدل ما تقولي مالك يا خلود مين اللي مزعلك يا خلود ؟!"
تدخل «طارق» يقول محاولًا كتم ضحكته بجهادٍ:
مالك يا خلود ؟! مين اللي مزعلك يا خلود ؟!"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
مش طايقة نفسي، أحمد نزل من شوية مع بابا راحوا مشوار تبع الشغل و سلمى بتذاكر و مش معبراني، و أنا خلصت المسلسل اللي بحبه و مش عارفة اتخطاه، حاسة أني فارقت عيلتي"
ضحكوا عليها جميعًا فقالت هي بتمني:
أنا عاوزة أجي أعيش معاكم، البيت هنا بقى كئيب أوي، عاوزة أجي أقعد عند وليد زي إجازة نص السنة"
رد عليها هو مُرحبًا:
بس كدا !! أنا عيني ليكي بس المشكلة في دروسك، و بعدين خلي بالك أنتِ مش بتذاكري التيرم دا، يعني لو حصل حاجة هلبسها أنا، خلصي التيرم دا علشان قبل إجازة ثانوية عامة تيجي تقضيها كلها معايا، إيه رأيك ؟!"
ردت عليه هي بخجلٍ منه:
لأ يا وليد أنا مش قليلة الذوق علشان أجي اقضي الأجازة كلها عندك، أنا هنقل حاجتي كلها و اقضي تالتة ثانوي في بيتك"
تحولت نبرتها من الخجل إلى الحماس فورًا مما جعلهم يضحكون عليها جميعهم، فقالت «عبلة» مرحبة بها:
طب و الله فكرة، تعالي و حطي حاجتك هنا و نخلي وليد يظبطلك السطح و تذاكري معانا، شدي حيلك بس"
ردت عليها هي بنبرةٍ هادئة:
لأ يا ستي كدا مش هذاكر، خلوني بس ابقى ارخم عليكم و راعوا نفسيتي"
لاحظ «وليد» ارتجافة صوتها فاستأذن منهم ثم رحل من أمامهم و أمسك الهاتف يسألها باهتمامٍ:
بقولك إيه شغل الهبل دا مش عليا، مين مزعلك يا خلود ؟! و متكدبيش"
مسحت دموعها فورًا و حاولت التحدث بصوتٍ طبيعي و هي تقول:
مفيش حاجة يا وليد، أنا كويسة اهوه كل دا يعني علشان بقولكم هاجي اقعد عندكم ؟!"
سألها بنبرةٍ جامدة:
طب مبتروحيش دروسك ليه ؟! أحمد قالي إنك بطلتي من أول التيرم التاني، و هو بيخلي عمار يجيبلك الملازم، و بعدين ؟!"
تنفست هي بعمقٍ ثم قالت:
مفيش حاجة يمكن بس علشان التوتر و بفكر في تالتة ثانوي، مش عارفة أعمل إيه، يلا سلام"
أغلقت معه الهاتف فأخرج هو رقم «أحمد» يهاتفه و حينما وصله الرد قال بنبرةٍ هادئة:
ما تشوف خلود مالها يا أحمد، أنا مش عارف هي مالها، و صوتها باين عليه إنها معيطة، أعرف و قولي"
رد عليه «أحمد» بقلة حيلة:
حاولت و الله هي امبارح في العيد ميلاد كانت كويسة، قبل كدا و بعد كدا معرفش مالها"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
ماشي شوف مالها بس، و أنا هبقى اكلمها كمان شوية اطمن عليها، يلا سلام"
عاد للطاولة من جديد يجلس وسط العائلة و هو يحاول الانخراط معهم، بينما عقله بقى مشغولًا في التفكير بها.
_________________________
وصل «أحمد» إلى شقتهم مع والده و منها دلف إلى غرفة أخته «خلود» طرق الباب و حينما سمحت له بالدلوف، ولج الغرفة بهيبته و هو يمعن النظر فيها، سألته هي بتعجبٍ:
مالك يا أحمد !! واقف كدا ليه؟!"
اقترب منها يقف على مقربةً منها يطالعها من عليته و هو يقول بثباتٍ باصرارٍ:
خلود !! أنا عاوز أفهم فيكي إيه ؟! مالك و مبتروحيش الدروس ليه ؟! مين زعلك يا خلود ؟! و مش هتحرك غير لما تقوليلي"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قامت تغلق الباب و عادت له من جديد و هي تقول بثباتٍ زائفٍ:
أنا مش هروح دروس تاني، و هذاكر في البيت، فيها حاجة دي"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
آه فيها يا خلود، لما تكوني مبتغيبيش من درس واحد و درجاتك كلها حلوة التيرم الأول و مرة واحدة كدا تقفل معاكي يبقى أنتِ بتتصرفي غلط، يا إما فيه حاجة تانية مش عاوزاني اعرفها"
بكت رغمًا عنها و هي تقول بحزنٍ:
فيه مستر طردني من الدرس و اتريق عليا، و حلفت مش هروح تاني و مش هنزل دروس، هو دا اللي أنتَ عاوز تعرفه ؟!"
سألها هو بتعجبٍ و حيرةٍ:
مدرس مين دا و زعلك ليه؟!"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
مستر الانجليزي، هو اللي زعلني، اتريق عليا وسط المجموعة كلها، و أنا بصراحة رديت عليه بطريقة مش كويسة"
جلس على طرف الفراش و أجلسها أمامه و هو يقول بنبرةٍ صوتٍ سريعة متلهفة:
اقعدي و احكيلي كل حاجة بالظبط يا خلود، ازاي كل دا يحصل"
مسحت وجهها بكلا كفيها معًا و هي تقص عليه ما حدث في ذلك اليوم من المُعلم الخاص بها و كيف اهانها، أما هو فكان يُنصت لها بكامل حواسه حتى انتهت هي من سرد ما حدث، فسألها هو بنبرةٍ عالية:
الحيوان دا بيكون موجود امتى في السنتر ؟! ردي عليا؟!'
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
بكرة في السنتر الساعة ٧ بليل، بس خلاص أنا مش هروح عنده او عند غيره، ريح نفسك يا أحمد"
طالعها هو بجمودٍ ثم تحرك من أمامها و هي خلفه تنظر في أثره بخوفٍ خاصةً بعدما تحرك من أمامها دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة.
_________________________
اجتمع الشباب بزوجاتهم في شقة «ميمي» احتفالًا بعودة «ياسين»، و لكن هناك سرٌ خفي لا يعلمه سوىٰ البعض و البعض الأخر بعض قليل.
اجتمعت الفتيات في غرفة من الغرف الموجودة بالشقة و معهن «هدير» ، و حينما اخبرتهن «إيمان» بذلك الخبر هجمن عليها يعانقونها بفرحةٍ و ينهالن عليها بالعبارات المُهنئة، ثم بعد ذلك سألتهن هي بحيرةٍ:
طب أعرفهم ازاي ؟! يعني أكيد خالد و ياسر يهمهم حاجة زي دي، بس أنا مش عارفة أعرفهم ازاي"
ابتسمت لها الفتيات و كلًا منهن تنظر للأخرى فتحدثت «هدير» بغموضٍ:
سيبيها عليا أنا، اسمعوا كلامي بس و أنا هظبطكم"
في الخارج جلسوا الشباب معًا و كانت «ميمي» تجلس في المنتصف و على كتفيها «ياسين» و الأخر «حسن» فتحدث «عامر» بسخريةٍ على ذلك المنظر:
أنتِ يا أم المصريين ؟! هنام على كتفك أنا كمان امتى ؟! كل واحد فيكم واخد كتف ؟!"
رد عليه «حسن» بضجرٍ:
ماهي طول العمر معاك، سيبني شوية أنا يتيم يا بني"
تدخل «ياسين» يقول هو الأخر:
و أنا سايبهالك بقالي شهر و نص، روح اقعد في حتة ناشفة بقى متقرفناش"
رد عليه «عامر» بتهكمٍ:
اقرفك !! هو أنا باكل و أمسح في راسك ؟! ارجع تاني يا عم"
أمسك «ياسين» زجاجة المياه الموضوعة بجانبه و هو يقول:
هو أنتَ ليك عين تتكلم بعد اللي أنتَ مهببه دا يا هايف ؟!"
سأله «ياسر» بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ شوفته ؟! أنا قولت مش هتفتح نت دلوقتي، بس كريتيف و الله"
سأله «حسن» بتعجبٍ:
هو عملك إيه ؟! أنا مشوفتش"
رد عليه «ياسين» بحنقٍ و يأسٍ:
الأستاذ المتربي، مركب صورتي على كوميكس عبده موتة و كاتب فوقيها ياسين رياض الشيخ رجع يا حارة، و عاملي استوري فيسبوك على مرحب برجوعك لينا من تاني يا افندينا"
ضحكوا عليه جميعًا و هم يتخلون المظهر و زادت الضحكات أكثر حينما قام «حسن» بفتح الصورة و هو يراها معهم جميعًا، و في تلك اللحظة قام «خالد» بفتح الباب و دلف الشقة و معه «يونس» يسبقه للداخل و في يده "الشيبسي" المفضل لديه و هو يحمل في يده أكياسًا بلاستيكية بها طعام سريع، هلل «عامر» حينها و هو يقول:
خالد الرجولة، عزومة النهاردة كلها عليه، اتحايلت عليه أشارك معاه بس هو مرضيش، خليه بقى هو حر"
وضع «خالد» الأشياء على الطاولة ثم اقترب منه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
قولتلك أنا الكبير و عزومة ياسين دي عليا، و بعدين عاوزني اعتمد عليك علشان تروح تجيب رنجة و فسيخ تاني ؟!"
سخر «عامر» منه و هو يقلد طريقته، فرفع «خالد» صوته حتى تخرج البنات لهم و يتناولون الطعام سويًا.
بعد مرور دقائق تم وضع الطعام على الطاولة التي ترأستها «ميمي» و على قدمها «يونس» بعدما أصرت هي على ذلك، و الفتيات كلًا منهن تجلس بجوار زوجها في جو يسوده الفرح و السرور كعادة جلوسهم في تلك الشقة و هم يتناولون الطعام معًا و قد كان يراقب «حسن» زوجته و باهتمامٍ و حينها ابتسم براحةٍ ثم شرع في تناول طعامه حينما ابتسمت له و هي تحثه على تناول الطعام.
تحدث «يونس» أثناء تناول الطعام بضيقٍ:
خالد !! هات كوكو"
ضحكوا عليه جميعًا فيما تحرك «خالد» نحوه يعطية قطعة الدجاج و هو يقول بسخريةٍ:
أمسك، اسمها فراخ يا حبيب أبوك، أنتَ كبرت"
رفع «يونس» نفسه يقبل وجنة والده ثم أمسك القطعة يأكلها و الجميع يتابعونه بحبٍ خاصةً حينما ارسل لهم قبلة بالهواء و هو يبتسم للجميع.
بعد تناول الطعام و إزالة اثره التفوا جميعًا حول بعضهم فتحدثت «هدير» تقول مقترحةً:
بصوا بما اننا متجمعين كدا هنلعب سوا لعبة حلوة، هنحط ورق في علبة و كل واحد ياخد ورقة ليه، و يشوف فيها إيه و يخمن اللي فيها، سواء جملة أو فيلم أو فزورة، تمام ؟!"
وافقوا جميعًا و بدأ الحماس يأخذ محله وسطهم، حينها أتت هي بالعلبة، ثم أعطت لكلٍ منهم ورقةً صغيرة و من بينهم ورقة مميزة حددتها هي مع الفتيات حتى يأخذها «ياسر» و روقةً أخرى أعطتها لـ «يونس» ثم جلس وسطهم و في يده الورقة بحماسٍ.
بدأ الدور بـ «عامر» فأمسك الورقة يقرأ ما بها ثم صفق بحماسٍ و هو يقول:
طب بصوا !! مبدأيًا، هو ندل، و مثال في قلة الأصل"
قطب الجميع جبينهم بحيرةٍ فقال هو بنبرةٍ عالية:
لما حد يقل بأصله مع عيلته بنقول عليه كذا، كذا دا بقى هو اللي معايا"
تحدث «ياسين» مخمنًا:
مين التربية الناقصة دي ؟! أكيد حرباية"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث «عامر» بنبرةٍ ضاحكة:
هو حاجة تبع الأكل، معرفش حاسس إنها مش صدفة، بس مش مشكلة هعديها"
نظرت له «سارة» و هي تحاول كتم ضحكتها، بينما هو قال:
ها !! قليل الأصل و ملوش عزيز، و بيحب الأغراب أكتر"
تحدث «حسن» مفسرًا بحماسٍ:
القرع !! قرع العسل، أختي علطول تقولي أني قرع بمد لبرة"
ضحكوا عليه جميعًا حتى هو أيضًا، فتحدث «عامر» بفرحةٍ:
الله ينور عليك يا أبو علي يا جامد، هو القرع بعينه"
تحدثت «هدير» بنبرةٍ مرحة:
كدا عامر خد نقطة و حسن كمان، و دا مش علشان هو جوزي خالص، بس علشان هو جاوب صح"
أتى بعدها دور «ياسين» يقرأ الورقة التي معه، عقد ما بين حاجبيه ثم أغلق الورقة و قال:
طب بصوا هو أنا مش فاهم يعني إيه اللي معايا، بس هي فزورة و أنا معايا حلها، يا رب حد فيكم يفهمها"
انتبهوا له جميعًا فقال هو بحيرةٍ:
طوله ٣٠ و عِمته ٦، بيروي الروح و يشفي الجِتة"
قطبوا جميعهم حاجبيهم بحيرةٍ و تعجبٍ فقال هو بنبرةٍ هادئة:
هو قرب علينا، و كلنا بنحبه، بنستناه كمان، بيجي مرة كل سنة"
ردت عليه «خديجة» بسخريةٍ:
بيجي مرة كل سنة !! دا زار دا و لا إيه ؟!"
رد عليها هو بقلة حيلة:
مش عارف، مين اللي جايب دي، بس على العموم يعني كلنا بنحبه"
نظروا لبعضهم البعض بتعجبٍ فقال هو بقلة حيلة و يأسٍ:
طب خلاص هو على العموم شهر رمضان يعني، طوله ٣٠ يوم و عمته ٦ اللي هما ٦ أيام بيض بنصومهم بعدها، بيروي الروح دا طبيعي يعني و يغسلنا كلنا من ذنوبنا"
ردت عليه «هدير» بحماسٍ:
صح ما شاء الله عليك، جاوبتها و فسرتها، كدا محدش هياخد نقطة علشان محدش حلها"
أومأ لها الجميع بموافقةٍ ثم تتابعت الأدوار حتى أتىٰ دور «ياسر» حينها أخرج ورقته فتحدثت «ريهام» بخبثٍ مرح:
اقرأ اللي فيها يا دكتور الأول"
عقد ما بين الحاجبين و هو يقول بنبرةٍ هادئة بها الحيرة و التعجب معًا:
حط القلب على القلب و حاسب تلبس في المطب"
رفع رأسه بعدما قرأ تلك الجملة فقالت «ايمان» بحماس:
حط أطراف الورق عند بعضها، و شوف اللي فيها"
حرك رأسه موافقًا ثم ضم طرفي الورقة معًا حتى اكتمل القلب و أسفله قلب صغير الحجم و به عبارةً:
علشان أنتَ طيب و شاطر، هتبقى أحن أب يا ياسر"
أسفل تلك العبارة وجدت غمزة مشاكسة و صورة لطفل صغير يحبو على ركبتيه، هب هو منتفضًا من جلسته ثم أقترب من «ايمان» و هو يقول بلهفةٍ:
اللي مكتوب دا صح ؟! أنتِ بجد حامل ؟!"
حركت رأسها موافقةً فسألها هو بخوفٍ و ترقبٍ:
بجد !! ايمان أوعي يكون مقلب من مقالبك ؟! مش هتحمل !!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فاحتضنها و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
الحمد لله يا رب، ألف حمد و شكر ليك، الحمد لله"
بكت هي من تأثرها به، فاقترب هو يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
مش قولتلك إن حياتي هتحلو على إيدك ؟! شكرًا"
ابتسمت و الدموع تلمع في مُقلتيها و الجميع يطالعونهما بحبٍ و تأثرٍ، حتى اقترب منها «خالد» يقف أمامها و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
دا بجد !! أنتِ حامل فعلًا ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت و هي تجاهد ألا تبكي:
حامل في الشهر التاني، الدكتورة قالتلي كدا لما بعتتلي النتيجة"
احتضنها «خالد» بقوةٍ و هو يقول بنبرةٍ باكية:
الحمد لله، متعرفيش فرحتي بيكي عاملة ازاي، حاسس كأني أب بيسمع الخبر دا"
ألقت هي رأسها على كتفه و هي تبكي بقوةٍ و هو يربت على ظهر صغيرته التي تربت في كنفه بعد وفاة أبيها حتى أصبح لها أبًا و أخًا و صديقًا، بينما الشباب اقتربوا من «ياسر» يباركون له بفرحةٍ و حماسٍ و هو يبكي مع عناق كلًا منهم، حتى مازحه «عامر» بقوله الهازل:
يا سلام !! دا أنتَ قلود أوي، اتجوز تتجوز زيي، مراتي تحمل مراتك تحمل، طب أنا هحبس العيل في بطنها سنتين وريني بقى هتعملها ازاي دي"
اقترب منه «ياسر» يحتضنه و هو يقول بصوتٍ باكٍ:
أنا فرحان أوي يا عامر، فرحان و خايف، خايف معرفش أكون أب"
ربت «ياسين» على ظهره و هو يقول بسخريةٍ:
أنتَ مش هتعرف تكون أب !! أحن قلوب الدنيا و أطيبها، هيفشل في حاجة زي دي ؟! يا بخت عيالك بيك يا ياسر"
حرك رأسه موافقًا فوجد «خالد» يترك أخته التي كانت تبكي ثم وقف أمامه و هو يقول بثباتٍ:
اللي زيك المفروض يفرح و بس، يحمد ربنا على كرمه و على الهدية اللي وهبهالك يا ياسر، أحمد ربنا و متخليش الشيطان يلعب بدماغك كفاية إنك تفرح من قلبك بجد"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من زوجته يحضنها من جديد و هو يبتسم لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
يا رب يكونوا زي قلبك، عاوزهم يكونوا سند زيك ليا"
ردت عليه هي مسرعةً ببكاءٍ:
أنا عاوزاهم زيك، طيبين و رجالة يشيلوا المسئولية، عاوزة افتخر بيهم زي ما بفتخر بيك، عاوزة عينهم تكون زرقا"
شدد عناقه عليها و هو يضحك بيأسٍ، و «خالد» ينظر لهما بفرحةٍ كبرى، فوجد «يونس» يعطيه الورقة التي كانت بيده، امسكها منه فوجد بها جملة:
يا حلاوة خالد و جماله هيبقى أحلى و أشطر و خالو"
نظر لزوجته فوجدها تغمز له في الخفاء دون أن يراها أيًا من الواقفين، و بعد ذلك اقتربا «ياسر» بزوجته من «ميمي» التي احتضنتهما بحبٍ و هي تدعو الله أن يحفظهما و يبارك لهما سويًا، ثم حركت رأسها و هي تقول بدعاءٍ و تمني:
الحمد لله عقبال خديجة و هدير يا رب، ربنا يفرحني بيكم انتم كمان إن شاء الله"
حركت كلتاهما رأسها موافقةً و هي تنظر لزوجها، بينما «حسن» مال على أذنها و هو يقول هامسًا:
شدي حيلك بقى عاوزينك تبقي أم علي"
ابتسمت هي بخجلٍ ثم اخفضت رأسها للأسفل و هي تحاول إخفاء وجهها الذي كسته حُمرة الخجل، بينما «ياسين» أمسك يد زوجته و هو يبتسم لها.
_________________________
بعد انتهاء الليلة في شقة «ميمي» رحلوا جميعًا إلى أماكنهم، لكن «حسن» قبل أن يتوجه إلى شقته لاحظ نوم زوجته بالسيارة حينها غير وجهته و ذهب إلى أخرةً ثم تركها بالسيارة و نزل هو جلب لهما ما أراده ثم توجه لوجهة أخرى يجلب لهما سويًا ما تفضله هي، و بعدها ركب السيارة و هي لازالت نائمةً، أوقف السيارة بعدما توجه نحو ما أراد، و بعدها حمحم بخشونةٍ ثم رفع كفه يربت على وجنتها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
هدير !! هدير اصحي"
فتحت عيناها على مضضٍ و هي تنظر حولها بتعجبٍ، فقال هو بسخريةٍ:
قبل ما تسألي، أنتِ نمتي زي القتيلة من ساعة ما نزلنا، قولت نقعد هنا شوية و نفتكر أيام الاستهبال"
ابتسمت هي بخفةٍ ثم نزلت من السيارة حينما نزل هو قبلها ثم اخذ الحقائب من السيارة، نزلت و هي تتنفس بعمقٍ ثم طالعت المكان حولها فوجدته مكانهما المفضل المُضاء ليلًا و أول مكان يشاركها هو به، سارت خلفه حينما سبقها هو و اقترب من المقاعد الخشبية يجلس عليها، اقتربت و قبل أن تسأله عن تركها وجدته يقوم بفتح الأطعمة شهقت هي بفرحةٍ ثم جلست بجواره فورًا و هي تقول:
الله !! mac و كمان دونتس ؟! إيه دا كله يا حسن ؟! هو أنا طولت في النوم أوي كدا ؟!"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
دي حاجة بسيطة علشانك، يلا بس أنا عارف إنك مش بتشبعي في اللمة، اقعدي إحنا واكلين من بدري"
اعتدلت في جلستها بجواره ثم بدأت تتناول الطعام حينما مد يده لها به، ثم تناول هو الأخر و هو يبتسم بسعادةٍ بالغة و هو يرى الراحة باديةً على وجهها، فسألها باهتمامٍ:
لسه زعلانة ؟؟ أو لسه خايفة؟"
نظرت له بتعجبٍ فقال هو:
مش قصدي حاجة يعني، بس مش عاوزك تكوني خايفة أو زعلانة من أي حاجة، أنا معنديش غيرك أخاف عليه من الهوا الطاير، لو لسه زعلانة ممكن نشوف مكان تاني نقعد فيه"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بعدما ابتلعت الطعام:
لأ يا حسن متخافش، أنا بقيت كويسة أوي و كفاية إنك عمال تحاول كدا علشاني، دي عندي بالدنيا، اتطمن"
تنهد هو بعمقٍ ثم سألها بمرحٍ:
طب و الأوضة ؟! إيه رأيك فيها ؟؟ أنا معرفتش زوقي عجبك و لا لأ ؟!"
ردت عليه بحماسٍ:
أنتَ بتسأل بجد !! دي تحفة، أنا حاسة فيها أني قاعدة جوة الكارتون و خاصةً لما شغلت الأنوار و طلعت زي الأفلام، عملت كل دا ازاي ؟!"
ابتسم هو بسعادةٍ و هو يقول:
دي بيدج اونلاين لقيتها عاملة إعلان عن المنتجات دي، حاجة كدا علشان أوض الأطفال، أنا قولت بما إنك مش محتاجة يعني اطفال، و إنك موسوعة في أفلام الكرتون يبقى أنتِ أحق"
أبتسمت هي بسمةٍ هادئة ثم رفعت الطعام في يدها تتناول منه، بينما هو ابتسم لها ثم قال:
الحمد لله أني فرحتك، كدا بقى الواحد يرتاح، أو لو مت يعني أكون مرتاح و مطمن عليكي"
تحدثت هي بلهفةٍ:
متقولش كدا !! حرام عليك بس أنا مليش غيرك، تروح فين يا حسن ؟! إن شاء الله تفضل معايا طول العمر"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بقلة حيلة:
أومال مالك بس !! عينك حابسة الدموع ليه ؟؟ قوليلي فيكي إيه و أنا و الله هساعدك و مش هسيبك، اللي تعوزيه أنا هحاول و أحارب علشانك و علشان اجيبهولك، بس قوليلي مالك"
ازدردت لُعابها بخوفٍ ثم قالت بصوتٍ مهتز مترددٍ عن الكلام:
حاسة أني مخنوقة، نفسي أعيط و مش عارفة، العياط المفروض إنه يريحني بس دا محصلش، حسن المفروض لما معرفش أعيط أعمل إيه؟!"
ابتسم هو لها ثم قال:
بنروح نتوضا و نصلي و نقف بين ايدين ربنا نطلب الرحمة لينا و لقلوبنا"
ابتسمت له فقال هو بنبرةٍ مرحة:
بعدها بقى يروح لأبو علي يتفرجوا سوا على فيلم كرتون، يهبلوا مع بعض، يتنططوا، ربك يكرم بقى"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
بس بقى علشان امبارح شكلنا كان حلو أوي و احنا زي "بيل" و "الوحش" شكلنا كدا هنجرب الافلام كلها"
تحدث هو بنبرةٍ هادئة:
تعرفي أنهم شبهنا أوي يا هدير، أكتر قصة بحبها و بحب اتفرج عليها، علشان هما شبهنا"
حركت رأسها مستفسرةً و الاستنكار يكسو نظرتها، فأضاف هو مُفسرًا:
يعني هو كان في قلعته المسحورة و أنا شقتي كأنها مهجورة، هو كان عصبي و كِشري و حزين و وحيد، و أنا زيه بالضبط لوحدي و زعلان حياتي كلها، هي حرة و طليقة و ليها أحلامها، لحد ما النصيب خلاهم قابلوا بعض، بقيت هي كل حاجة عنده، زيي كدا ماسك فيكي بايدي و سناني علشان بجد مليش غيرك، و في النهاية الأميرة حبت الوَحش و هدير حبت حسن"
حركت رأسها تنظر له أكثر فقال هو بنفس الطريقة:
فاكرة لما هو قال للمساعدين بتوعه إنه عمره ما حس بشعور زي دا و أنه عاوز يعمل حاجة علشانها !! أنا كمان كانت أول مرة أحس أني عاوز أعمل حاجة علشان حد، و لقيتني عاوز أعمل كدا علشانك، بقيت بفكر إزاي أسعدك و ازاي تضحكي"
تنفست هي بحدة بعد حديثه و حضر ببالها كيف تمت قصتهما سويًا منذ أنا كانا لا يعرفا بعضهما إلى أن اكتملت قصتهما بالحب لكلٍ منهما للأخر، مسحت وجهها بكلا كفيها ثم قالت بنبرةٍ غلفها المرح:
طب أقولك على حاجة بس متتريقش و تقول إن مخي لسع ؟! بعد اذنك يعني ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ مرحة محاولًا كتم ضحكته:
رغم إن دي حقيقة بس حاضر مش هقول، ها ؟!"
وكزته في ذراعه و هي تقول:
اتلم !! بدل ما أطلع اللسعة عليك"
حرك رأسه موافقًا و هو يحاول التحكم في ضحكته، فقالت هي بحماسٍ:
بقيت كل شوية من كتر ما بنتفرج على كرتون بفضل أبص على القصص اللي حوالينا و أشبههم بالأفلام اللي اتفرجنا عليها"
عقد ما بين حاجبيه فقالت هي بنفس الحماس تفسر حديثها:
هفهمك، يعني مثلًا عندك خديجة و ياسين دول بشوفهم ربانزل و يوجين، خديجة فضلت محبوسة في البيت و متعرفش حاجة عن الدنيا برة و لحد دلوقتي برضه، لحد ما يوجين جه خرجها من البيت و خلاها نزلت من البرج و بطلت تخاف، أو على الأقل علشان هو موجود"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول بفرحةٍ و بهجة على وجهه:
صح !! يا بنت اللذين ؟! هما فعلًا"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
نيجي بقى لأشقى ولد في العيلة، وليد، بحسه زي علاء الدين كدا في جنانه و شقاوته، خصوصًا إن عمو محمد قرفه في عيشته، برضه علاء الدين تعب لحد ما بقى مع ياسمين"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
أيوا و الله وليد حلنجي زيه، بس بحبه و الله"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
هدى بقى و وئام، عاملين زي السندريلا و الأمير، عاشت حياتها كلها بتخاف تتأخر برة و عايشة تساعد ماما في البيت لحد ما جه الأمير قصدي وئام و طلبها، بحسهم رايقين أوي زيهم"
ضحك هو بصوتٍ عالٍ فأضافت هي بنبرةٍ ضاحكة:
طارق بقى مش محتاجة، عامل زي نيمو كدا، فضل يدور على جميلة لحد ما لقاها و بقى معاه دوري كمان، الإصرار اللي كان طارق بيدور بيه و عايش عليه كان زي الاصرار اللي ابو نيمو بيدور بيه"
رد عليها هو موافقًا:
صح، أنتِ صح و الله"
ردت عليه هي بفخرٍ:
نيجي بقى لأحمد و سلمى، عاملين زي نافيين و تيانا كدا، هو كان فاكر أنه بيحب منة، بس طلع غلطان و بعدها عرف إن سلمى هي اللي تستحقه بعدها، دا غير إن سلمى ليها حلم عاوزة تحققه و أحمد بيساعدها على دا"
رد عليها «حسن» بحماسٍ:
تصدقي أني بعتله جملة من الفيلم دا يبعتها ليها ؟! الجملة بتاعة الحلم، شوفتي التوافق بينا ؟!"
ضحكت هي بقوةٍ ثم قالت:
فيه بقى سارة و عامر بحسهم تنة و رنة و بيتر بان، علشان هو مطرقع و هي كانت شايلة مسئولية، بحسهم كدا أوي"
ابتسم هو ثم حرك رأسه موافقًا فقالت هي مقترحةً:
غالبًا على حد علمي بقى، خالد و ريهام هما بيل و الوحش، قصتهم برضه حلوة و هو كان رافض وجودها و بعدها حبها و هي كمان"
رد عليها هو مُسرعًا:
لو سمحتي !! احنا الأميرة و الوحش، بعد اذنك يعني"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
ما هما زينا طيب، عندك بقى ياسر و ايمان، بحسها عاملة شعنونتي كدا و مارد وشوشني"
ضحك هو بصوتٍ عالٍ و هو يقول من بين ضحكاته:
بس الفرق إن ياسر عينه زرقا مش خضرا"
ضحكت معه هي الأخرى فقال هو بنبرةٍ هادئة:
كدا ناقص خلود، دي الله يعينه اللي هيبقى من نصيبها، على ما أظن هتبقى الساحرة الشريرة"
ردت عليه هي بعد تفكيرٍ دام لثوانٍ:
بص !! فيه حاجة بفكر فيها، لو حصلت يعني أو زي ما بفكر، يبقى عرفت قصة خلود"
عقد ما بين حاجبيه فقالت هي بصوتٍ هامس بالكاد سمعه هو:
لو خلود و عمار بقوا سوا، تبقى قصتهم معروفة بالنسبة ليا"
سألها هو بتعجبٍ:
خلود و عمار !! مع بعض ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت مؤكدةً حديثها:
آه و الله زي ما بقولك، حاسة إن خلود ميالة لعمار شوية، و بعدين امبارح و أنا واقفة لوحدي عينه كانت عمالة تلف و كل ما تيجي عندها يهرب، هو محترم ما شاء الله عليه، بس تيجي تفكر كدا تحس إن قصتهم هتبقى غريبة"
_"زي ؟؟"
سألها هو بايجازٍ فقالت هي بحماسٍ:
زي "كوليت" و "لينجويني" هي كانت قوية و قائدة و مُفكرة و هو يعيني تايه و غلبان و طيب، بحس إنهم لو بقوا سوا قصتهم هتكون كدا"
رد عليها هو بسخريةٍ:
ما شاء الله عليكي، مبيتة على أفلام ديزني كلها، إيه دا !! موسوعة ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ و هي تقول:
بحب الكرتون أوي و بحبك علشان ختلني ارجع اتفرج عليه تاني، كدا كدا بحبك من غير حاجة"
ابتسم هو لها ثم أمسك كفها يشبكه في كفه و هو يبتسم لها ثم أشار لها على الطعام و هو يقول:
كملي أكلك يلا علشان نروح"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
كدا كدا عاوزة أروح علشان أصلي، بعدها بقى تحضني يا حسن لو سمحت"
رد عليها هو بسخريةٍ:
فاكرة كنت بشحته إزاي منك ؟! حاليًا ناقص تكتبيها يافطة"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة و قلة حيلة و كأنها مغلوبة على أمرها:
بصراحة !! بحب فكرة الأحضان أوي، بس ولا مرة حسيت إن في حضن دافي زيك كدا، يعني كنت بحضن صحابي و عمتو و عبلة و بابا و ماما الله يرحمها، بس بحس إن الأمان كله و أنتَ حاضني، من ساعتها بقى بقيت بسوء فيها، و بصراحة يعني برضه، اتعلمت الأكل علشانك و برضه بقيت بتعلم أزاي اخلي البيت علطول متروق و مترتب برضه علشانك، و برضه حاربت علشان أحب قعدة البيت علشانك، موت هدير القديمة و دفنتها علشانك يا حسن، عارف ليه ؟! علشان أنتَ تستاهل أني ارمي نفسي في النار علشانك"
ارتفعت ضربات قلبه فورًا و هو يستمع لحديثها فمسحت هي دموعها ثم قالت بنبرةٍ مختنقة من قوة البكاء التي داهمتها:
أنا شكلي كترت في الكلام، بس هي دي الحقيقة إنك كنت أول واحد أحارب علشانه"
نظر أمامه ثم تنفس بعمقٍ و قال بصوتٍ مختنقٍ متحشرجٍ:
عرفتي أني أختارت صح يوم ما أخترتك أنتِ بدل حنان ؟! مكانش ينفع أسيبك تضيعي مني يا هدير، كانت هتبقى الخسارة اللي مفيش بعدها عوض في الدنيا دي"
حركت رأسها موافقةً فاقترب هو يقبل قمة رأسها ثم أشار على الطعام يحثها على تكملته، حينها أمسكته ثم وضعت رأسها على كتفه و هي تأكل و كفها الأخر يعانق كفه
_________________________
وصل «ياسين» مع زوجته إلى شقة والديه بعد اصرارهما عليه، دلفت هي أولًا و هو خلفها فاقتربت منهما «زهرة» تحتضنها بحماسٍ و فرحةٍ لرؤيتهما سويًا، فاقترب «رياض» يرحب بهما حتى تحدثت «زهرة» تقول بإصرارٍ:
هتباتوا معانا!! مفيش رفض بكرة العزومة بتاعة صاحبك دا و معاك الشباب كلهم، دا قرار"
اقترب من والدته يحضتنها و هو يقول برضوخٍ لها:
عيني ليكي يا زوزو، أنتِ وحشتيني اوي و لو مشيت دي تبقى ندالة، أنا هبات في حضنك النهاردة"
تدخل والده يقول بتهكمٍ:
أيوا و أنا هبات فين يعني ؟! في شنطة العربية ؟!"
ردت عليه زوجته بحنقٍ:
مطرح ما تحب، أبني و لسه راجعلي من السفر، متتعبناش بقى"
راقص هو حاجبيه لوالده فتحدث الأخر بتشفٍ في «خديجة»:
قولتلك اخلصك منه، مرضيتيش، خليكي كدا بقى، اسمعي مني، جايبلك ثري عربي بدل وش الفقر دا"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بخجلٍ:
لأ، هو عندي أحلى من مليون ثري عربي، ميتقارنش بحد أصلًا"
ابتعد عنه والدته ثم اقترب منها يقول بصوتٍ عالٍ:
روحي ربنا ينصرك و يجبرك و يفرحك و يكرم قلبك يا بنت زينب، دا الواحد أختار صح بجد"
رد عليه والده بضجرٍ:
خليكم كدا، شوفتي يا زهرة !! إلا ما عمرك نصفتيني كدا، الله يسامحك، مخلياهم يشمتوا فيا"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
اقعدوا بس شوفوا هتجيبوا إيه، علشان عزومة بكرة دي، و بعدين ابقوا رخموا على يعض، ياسين، صاحبك دا بيحب إيه ؟!"
رد عليها هو مُسرعًا:
ورق العنب، نقطة ضعفه في الحياة، لو عندك عيون سودا يبقى كتر خيرك"
ردت عليه والدته بصوتٍ عالٍ و تهكمٍ:
إيه !! عيون سودا ؟! اجبهاله منين دي؟! هو أنتَ عازم حميد الشاعري ؟!"
تدخل «رياض» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
لأ عازم مصطفى قمر، السود عيونه يا ولا، السود عيونه يا ولا"
تنهد «ياسين» بقلة حيلة ثم قال:
خلاص اتوصوا بورق العنب علشان ياخد معاه و هو ماشي"
ردت عليه والدته بحماسٍ:
تمام فكر كدا لو فيه حاجة تاني قول عليها، بكرة إحنا عازمين الشباب بس من غير البنات"
حرك رأسه موافقًا فالتفتت هي لـ «خديجة» و هي تقول بحماسٍ:
طبعًا هتساعديني، المرة دي شكلها عزومة كبيرة"
ردت عليها هي مرحبةً:
«عيني ليكي طبعًا، أنا جاية علشان أساعدك، يلا نبدأ من دلوقتي"
دلفتا سويًا للداخل بينما والده اقترب منه يقول بنبرةٍ هادئة:
على فكرة أنتَ وحشتني أوي، حاسس إن ضهري اتفرد تاني برجوعك، الايام من غيرك وحشة أوي على فكرة"
ارتمى عليه «ياسين» يحتضنه و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
أنتَ اللي وحشتني أوي أوي أوي فوق ما تتخيل، كل يوم كنت بخاف فيه و اتمنى الاقيك موجود زي كل مرة بتدافع عني، بس برضه كلامك مغابش عن بالي و لا تربيتك اتغيرت، زي ما هي"
ربت والده على ظهره ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ربنا يحفظك ليا، و يباركلي في وجودك علطول، أنا مليش غيرك في الدنيا دي، أنا سيبت كل حاجة و كل الناس اللي كانوا في حياتي علشان اقدر احافظ عليك"
ابتعد عنه ثم قبل رأسه و قال بوجهٍ مُبتسمٍ:
و قدرت على كدا، شكرًا لكل حاجة و شكرًا على تربيتك"
ربت على ظهره ثم قال:
تعالى بقى اقعد معايا علشان أغلبك دور شطرنج لحد ما هما يخلصوا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال حينما تذكر لتوه:
آه صحيح، كلم ياسر باركله، هيحصل عامر و يبقى أب هو كمان"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
كلمني و قالي، قالي أني هبقى جد للمرة التالتة بعد يونس و ابن عامر، عاوزه يخبي على أبوه ؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يبتسم له بفخرٍ حيث يرى في والده كل أنواع العلاقات التي يحتاجها المرء في حياته بوجود أبيه.
_________________________
في شقة «ميرفت» والدة «ياسر» ذهب مع زوجته إلى هناك فورًا ليخبرها بذلك الخبر السعيد و قد أتت والدتها أيضًا و امتلأ البيت بالزغاريد و الأصوات المباركة و المهنئة لهما و كلًا منهما تحتضنها بسعادةٍ فيما تحرك هو للداخل ثم توضأ و فرد سجادة الصلاة ثم وقف بين يدي الله يُصلي ركعتين شكر لله على نعمه و فضله عليه، و حينما سجد للمرة الثانية ارتجف قلبه و نزلت دموعه و هو يقول بصوتٍ باكٍ متضرع متقطعٍ:
الحمد لله....الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه،
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك و علا مكانك،
اللهم لك الحمد والشكر في السراء و الضراء، وعلى أي حال تقدره لنا .، الحمد لله رب العالمين...الحمد لله ، يا الله لك الحمد و الشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك
الحمد لله على ما رزقتنا. لك الحمد يا الله و لك الفضل و لك الثناء الحسن، اللهم أنتَ ربي أعطيتني و أكرمتني و بفضلك و رحمتك أوسعتني، اللهم إني استودعتك نفسي و أهلي و مالي و دنياي، اللهم لا تريني فيهم مكروهًا، اللهم اجعله ذريةً صالحة و اجعلني أبًا صالحًا، اللهم ألق بالسَكينة على قلبي"
كانت «ايمان» واقفةً على باب الغرفة تستمع لحديثه الباكي حتى بكت هي الأخرى و حينما انهى صلاته و تسبيحه على كفه، أقتربت منه تجلس مقابلةً له و هي تقول بنبرةٍ باكية:
إيه يا ياسوري ؟! بتعيط كدا ليه؟! هو أنتَ زعلان ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم رفع عينيه الباكيتين يطالعها فوجدها تمسك يده و هي تقول بنبرةٍ باكية:
طيب مالك !! أنتَ ليه مش فرحان، دي ماما و مامتك برة بيتخانقوا عليه، افرح بقى"
وكزته في كتفه حتى مسح هو وجهه ثم قال بنبرةٍ متحشرجة:
يمكن اللي أنا فيه دا من فرحتي ؟! أنا فرحان بجد و حاسس أني زي الطير دلوقتي، أنا قلبي فرحان أوي يا إيمان، شايف ربنا بيعوضني بحاجات كتير و كلهم أحسن من بعض، من أول حياتي واخواتي لحد جوازنا و دلوقتي ربنا يكرمني تاني بحتة مني و منك، صحيح أنا خايف، بس أنا هحارب علشان مكونش سبب إنه يكره دنيته"
ابتسمت هي له من بين دموعها فقربها هو منه يقبل قمة رأسها ثم اخذها بين ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
ربنا يخليكي ليا و تقومي بالسلامة يا رب، ربنا يباركلي فيكي و فيه هو كمان"
تنهدت هي بعمقٍ ثم رفعت عينيها و هي تقول بقلبها قبل لسانها:
الحمد لله يا رب، الحمد لله"
_________________________
في شقة «خالد» جلس بجوار ابنه يتابعا سويًا المباراة على الشاشة بعدما جلس «خالد» و قام بفرد قدميه و جلس «يونس» بينهما يتابع المباراة مع والده و «ريهام» تجلس على بعدٍ منهما تتابعهما و بين الحين و الآخر ترفع حاجبيها بدهشةٍ من تصرفاتهما و اندفعات جسديهما حتى فاجئها «يونس» بقوله منفعلًا مثل ما فعل والده منذ قليل:
يـا حــمـار، شــوط يـا عـم"
شهقت هي بقوةٍ بينما «خالد» فرغ فاهه و اتسعتا حدقتيه بقوةٍ و رمش ببلاهةٍ و هو يقول:
هو قال إيه ؟! يا وقعة أمك السودا ؟! ولا ؟!"
ضحك «يونس» و هو يقول ببراءةٍ:
نعم يا بابا"
_"نعم يا بابا ؟! و حياة أمك يالا ؟! بتتعصب يا يونس علشان ماتش كورة ؟! يا وقعة سودا"
تفوه «خالد» بذلك بتهكمٍ و هو يحدث ابنه الذي أخذ يضحك على والده ثم التفت يتجاهله و هو يتابع المباراة، حينها تحدثت «ريهام» متشفيةً به:
أنا فرحانة فيك فرحة !! الحمد لله يا رب خدت حقي منهم هما الاتنين، فريقهم مغلوب، و ابنه بيتعصب عليه"
رفع حاجبه لها و هو بسألها بنبرةٍ جامدة:
و الله ؟! حلو، يبقى كدا الواد و أمه هيتربوا، صبركم عليا انتم الاتنين"
اقتربت منه هي تجلس بقربهما و هي تقول بحماسٍ:
طب ما نقعد سوا كدا بدل ما أنا شغالة عندكم كأني قهواجية، اتحرك ياض أنتَ و هو خدوني جنبكم"
رفعت صوتها في وجهيهما حتى تحركا كليهما و تركا لها مسافةً فجلست هي براحةٍ ثم أمسكت جهاز التحكم تقوم بتبديل المحطة الفضائية، حينها صرخا كليهما:
لأ !! سـيـبيـه"
ردت عليهما هي بنبرةٍ جامدة:
بس منك ليه، جرى إيه ؟! مش هعرف أعيش وسطكم ؟! أقسم بالله يا يونس أنتَ و أبوك لأكون ظبطاكم"
مال «خالد» على أذن ابنه و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
أمك اتهبلت ياض، متجيش جنبها بقى علشان متعضكش"
رمقتهما بغيظٍ ثم حركت رأسه تتابع التلفاز دون أن تكترث لوجودهما، فتحدث «خالد» مُرحبًا بدلالها:
ماشي حقك تدلعي علينا، حظك أني رايق و مبسوط يا ريهام"
سألته هي باهتمامٍ:
ليه بقى ؟! إيه اللي مفرحك كدا و مخليك رايق بعد شهر و نص مكشر في وشنا ؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
ياسين رجع الحمد لله و مبقيتش قلقان عليه، ياسر و إيمان ربنا كرمهم و هيعوضهم سوا، عامر خرج من اكتئابه الحمد لله و رياض بقى رايق و كويس، و معايا عيل سافل و فريقي المفضل مغلوب"
رمقته بغيظٍ و هي تسأله بايجازٍ:
بس ؟! هو كدا و خلاص ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بلا مبالاةٍ:
آه، هو فيه حاجة تاني و لا إيه، الحمد لله مجاوب اجابة نموذجية"
حركت كتفيها ببساطةٍ و هي تقول بلا مبالاةٍ:
لأ عادي مفيش حاجة، برافو عليك"
حاول هو كتم ضحكته ثم رفع ابنه على ذراعه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
يونس !! ما تنام يا حبيبي، أنا مراعي مشاعرك و كدا كتير، أدخل نام يالا"
رفض «يونس» طلب والده ثم تركه و أحتضن والدته يجلس بجوارها و بين ذراعيها و هو يعانده، حينها أمسك «خالد» الوسادة من خلفه يضربه بها و هو يقول بغيظٍ منه:
ياض تعبت أمي في عيشتي، ياض خلاص هموت منك، يا ابن الكياد، بتكيد أبوك يا يونس ؟! يا عديم الرباية ؟!"
كان يضحك بملء شدقيه بين ذراعي والدته التي كانت تبعد الوسادة عنه حتى مال عليه «خالد» يقبل وجنتيه و هو يقول بمرحٍ:
أنا بحبك، أنا مهزق و بحبك، جايبلي الكافية و برضه بحبك، هات بوسة يالا، بوسني يالا"
أمسك «يونس» رأسه ثم اقترب منه يقبله ثم قام بـ عض وجنته بعدما قبله و حينها حمله «خالد» على كتفيه ثم ألقاه على الأريكة و كأنهما مصارعين محترفين سويًا، فتحدثت هي بصوتٍ عالٍ:
هي مصارعة التيران بقت هنا ؟! أنتَ يا تور منك ليه، اتهدوا بقى"
صرخت فيهما حتى سكنت حركتهما فمال «خالد» على أذن «يونس» يهمس له بعدة كلماتٍ لم تلتقطها هي و على حين غرة فاجئها كليهما حينما انقضا عليها يدغدغانها و هي تضحك بملء شدقيها و تتوسلهما بالتوقف حتى جلس هو يلهث بقوةٍ و فعل «يونس» المثل حينما ارتمى عليه و ضربات قلبه تتصارع من فرط المجهود و الحركة، فحمله «خالد» على ذراعيه ثم دلك موضع قلبه و هو يقول بخبثٍ:
قلبك ضعيف يا يونس، لسه لما بقرب منك قلبك بيدق، دا إحنا بقينا عِشرة عمر يا راجل"
حاولت «ريهام» كتم ضحكتها حتى أصبح وجهها باللون الأحمر ، فأضاف هو بنفس الخبث و كأنه يحدث صغيره:
و كمان لسه بتتكسف يا يونس !! عيب يا يونس"
اقتربت منه توكزه في ذراعه و هي تقول بضجرٍ:
بس بقى بطل رخامة، اسكت لو سمحت ياريت يعني"
أمسك هو وجهها ثم قبل وجنتها اليسرى و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
مش يمكن أنا فرحان علشان كل اللي بحبهم كويسين، و علشان فيه عيون حلوين زي عيونك بيحبوني ؟!"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة و كأنها مراهقة تستمع لحديثٍ معسول من حبيبها، حتى وجدته يفرد ذراعه خلفها يضمها إليه و ابنه على ذراعه الأخر أوشك على النوم، فقربهما إليه يحتويهما في كنفه يقدم لهما أمان العالم أجمع، حتى رفعت هي ذراعها تمسد على رأس ابنها و هي تبتسم له، بينما «خالد» حرك يده على رأسها يربت عليها ثم قال بهدوء:
نامي أنتِ كمان، أنا صاحي شوية و مش هعرف أنام"
وضعت رأسها على كتفه و هي تتثاءب حتى جلس هو في المنتصف و هى على كتفه يضمها بذراعه و الذراع الأخر يحمل نسخته المصغرة في منظرٍ تطيب العين برؤيته و يفرح القلب مهما كان حزنه و فورًا تعرف البسمة طريقها للشفتين بمجرد رؤية ذلك المنظر.
_________________________
جلست «سلمى» في غرفتها تشعر بالتخبط و الحيرة، و سرعان ما أمسكت رأسها بكفيها و هي تفكر في ما هي قادمةً عليه، كلما تذكرت قرب موعد اختبارات نهاية العام و تحديد مستقبلها و مصيرها، ودت لو صرخت في وجه الجميع، نفذت طاقتها و قلت قدرتها، و فجأة أمسكت الكتاب تقذفه و هي تبكي بقوةٍ ثم جلست على الفراش تضم ركبتيها إلى جذعها العلوي و دعمت جلستها تلك حينما لفت ذارعيها على ركبتيها و اخفضت رأسها تبكي بقوةٍ و صوتٍ عالٍ تشعر بالهزيمة.
شبهت حالها في تلك اللحظة و كأنها محاربًا نفذت طاقته و أهلكت روحه، أو كأنها ماشيةً تسير على منحدرٍ ضيق المساحة بالكاد تستطع التحرك به، حتى توقفت عن الحركة في منتصف الطريق، فوقفت تنظر خلفها لتجد الطريق متهالك ولن تستطع العودة به من جديد، و كذلك نهاية الممر لم تعلم عنها شيئًا، حتى الوقوف في محلها لن يكن في صالحها، كذلك هي تلك المرحلة في الثانوية العامة من وجهة نظرها،
استمع «محمد» لصوت بكائها فلمعت العبرات في عينيه فورًا حينها أخرج هاتفه يطلب الرقم الذي سيعاونه في ذلك، طلب رقمه و حينما وصله الرد قال له:
انزلي يا أحمد معلش ضروري، عاوزك في حاجة مهمة"
رد عليه «أحمد» مسرعًا:
حاضر يا عمي، ثواني و هكون عندك، متقلقش"
أغلق الهاتف مع عمه ثم خرج من الغرفة حتى وصل لصالة الشقة فوجد والديه بها، و حينها سأله «طه» بتعجبٍ:
فيه حاجة و لا إيه يا أحمد ؟! رايح فين دلوقتي يا حبيبي؟!"
رد عليه هو يطمئنه:
عمو محمد عاوز يسألني على حاجة يا بابا، ممكن يكون طارق هو اللي قايله، عن اذنكم"
ردت عليه والدته بنبرةٍ هادئة:
اتفضل يا حبيبي، خير إن شاء الله"
تحرك هو من أمامهما فسألها هو بنبرةٍ متعجبة:
تفتكري فيه حاجة ؟!"
حركت كتفيها ببساطةٍ ثم قالت:
مش عارفة و الله يا طه، بس خير إن شاء الله متقلقش"
نزل «أحمد» لعمه بلهفةٍ فقال عمه بنبرةٍ هادئة:
تعالى يا أحمد، تعالى يا حبيبي متخافش، أنا عاوزك ضروري"
جلس بجوار عمه و هو يسأله باهتمامٍ واضحٍ:
معاك يا عمي، اؤمرني خير؟!"
تنفس «محمد» بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
عاوزك تكلم سلمى يا أحمد، أنا سمعتها من شوية بتعيط، أنا قلبي واكلني على بنتي، هي بترتاح لكلامك أوي، ينفع تكلمها؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
طبعًا ينفع يا عمي، من غير ما تطلب كمان، اتفضل يا عمي"
رد عليه بعدما وقف:
طب أنا هدخل اجيبها ليك تتكلم معاها، عن اذنك"
حرك رأسه موافقًا ثم أخفض رأسه للأسفل و هو يدعك جبينه باصبعيه حتى خرجت له خلف والدها، شعر هو بها حينما مر عبيرها على أنفه فوقف مسرعًا و عينيه تتابعها حتى رفعت هي رأسها تنظر له و الاحمرار يغلف عينيها، تحدث «محمد» يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هدخل اجيب حاجة تشربوها و انتم اتكلموا سوا، عن اذنكم"
تحرك «محمد» من المكان فتحدث «أحمد» يسألها بتعجبٍ من حالتها:
مالك يا سلمى ؟! معيطة كدا ليه ؟! و عينك وارمة، حصل إيه لكل دا ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
أنا تعبت و مش قادرة أكمل، خلاص عاوزة أسيب كل حاجة و أمشي يا أحمد، عارف فيه كام حد معشم نفسه فيا ؟! عارف فيه كام حد طالب مني أرفع راسه؟! أنا مش قادرة أكمل و الله، الوقت مش مكفيني، و حاسة إني مبعملش حاجة، لا هينفع أبدأ من الأول و لا هينفع اقف مكاني متحركش و لا نافع حتى أجري علشان أشوف الطريق اخرته إيه، أنا متكتفة يا أحمد، خايفة في الأخر اطلع بوهم نفسي و خايفة انسحب ابقى اخترت أنا النهاية دي و خايفة كل دا يطلع على الفاضي"
كانت تتحدث ة دموعها تسيل على وجنتها فقال هو بنبرةٍ جامدة:
ليه كدا ؟! ليه تخلي الشيطان يلعب كدا بدماغك يا سلمى !! أنتِ من الأول ماشية حلو و كلنا شاهدين على دا، دا أهم وقت محتاج منك طاقة و نظام، لو ضيعتي كل اللي فات علشان كلام الشيطان يبقى حرام عليكي، ليه خليتي الاحساس دا يتحكم فيكي ؟!"
ردت عليه هي بصراخٍ:
عـلـشـان تـعـبـت خــلاص، تعبت و طاقتي خلصت، سنة واحدة زي دي بعمري اللي فات كله، ماشي أنا معاك أني بغلط و أني مينفعش أعمل كدا، قولي بقى الحل لو أنا مبدأتش من الأول، إيه الحل لو أنا معرفش حاجة أصلًا و لسه يدوبك ببدأ، قولي الحل إيه ؟!"
اقترب منها يقول بثباتٍ:
الحل إنك تبدأي دلوقتي، و إنك تقومي تشوفي وراكي إيه، الحل إنك تضحكي على الشيطان و تطلعي طاقتك اللي مستخبية جواكي، معاكي بدل الشهر تلاتة، تقدري تقومي الدنيا من تاني، تقدري فيهم تظبطي حياتك كلها، ورقة و قلم و رتبي كل مادة واقع منك إيه فيها، شوفي نقط ضعفك و قويها، شوفي الوقت اللي فات عليكي قد إيه و خلاص فاضل قد إيه و اعرفي إنك مشيتي كل الصعب اللي في الطريق، لو كل طالب زيك كدا خاف و قرر ينسحب من الثانوية كانوا لغوها و ريحوا نفسهم، أنتِ قدها و قدود و أنا واثق فيكي، ازاي أنتِ مش واثقة في نفسك؟!"
زاغت عينيها في الفراغ و هي تقول بصوتٍ خافتٍ:
بجد !! تفتكر كلامك صح؟!"
جاوبها هو بثباتٍ:
طبعًا كلامي صح، لسه قدامك فرصة و اتنين و تلاتة، كل ساعة بتمر علينا بفرصة جديدة، ابدأي من جديد حتى لو لسه متعرفيش حاجة في المنهج، الفرص كتير و موجودة بس عاوزة إرادة منك، الفرصة دي تكون خلصت في حالة واحدة، لو أنتِ قاعدة في لجنة الامتحان فعلًا و معاكي الورقة، لكن قبل كدا حتى لو قبل اللجنة بساعة أنتِ لسه معاكي فرصة يا سلمى، أوعي تكوني مادة للناس تستغلها، خليكي صاحبة حلم و إرادة، أفتكري إن محدش هيدعمك طول ما أنتِ يائسة و محبطة، كله هيحبطك و يقلل منك، لكن يوم ما توصلي لهدفك و تنجحي و تكسري كل العيون اللي راهنت على فشلك، ساعتها كله هيشاور عليكي و على نجاحك، روحي يا سلمى صلي ركعتين لله و اطلبي منه يريح قلبك و يبعد عنك الشيطان"
نزلت دموعها و هي تستمع له فاقترب منها و هو يقول بنبرةٍ اهدأ من السابق:
افتكريى إن مجهودك و تعبك دا مش هيضيع على الفاضي و إن ربنا سبحانه و تعالى قال في كتابه العزيز، قال تعالى:
{إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}
_صدق الله العظيم"
توقف لمدة ثانيةً ثم قال من جديد:
ربنا مش هيضيع تعبك و لا هيخلي مجهودك يترمي على الأرض، قومي بس أنتِ و ابدأي من جديد و شوفي مصلحتك، و افتكري إن قلبك كله يقين بالله و رحمته"
ردت عليه هي بصوتٍ باكٍ:
و نعم بالله، الحمد لله"
ابتسم هو لها ثم أضاف:
قال الله تعالى:
وَأَن لَّیۡسَ لِلۡإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعۡیَهُۥ سَوۡفَ یُرَىٰ ثُمَّ یُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَاۤءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ
_"صدق الله العظيم"
من أعظم ما يريده الله منك هو السعي و ليس النتيجة وقيمة الإنسان بقدر ما سعى
وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
لم يقل ما أنجز أو ما حقق!
وأن سعيه سوف يُرى
النجاح أن تستمرّ في السعي والإخفاق أن تتوقف، الفشل بجد إنك تسيبي كل حاجة و تمشي، و قمة النجاح في سعيك حتى لو النتيجة مش على هواكي، كفاية إنك بينك وبين نفسك عارفة انك عملتي اللي عليكي"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له و تحتويه بنظرة امتنانٍ جعلته يقول بنبرةٍ هادئة:
مش عاوز منك شكر، عاوز منك تكوني كويسة و تشدي حيلك علشان أقدر أجيلك بقلب جامد، عاوز أشوفك ناجحة و حلمك متحقق، و كدا كدا أنا فخور بيكي من غير أي حاجة"
تحرك هو من أمامها فورًا و هي تنظر في أثره ببمسةٍ هادئة حتى شعرت بكف والدها يوضع على كتفها، حينها التفتت له تعانقه و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
أنا بحبك أوي يا بابا، بحبك أوي و يا بختي بيك"
ضمها هو بذراعيه و هو يقول:
أنا اللي بحبك و بحبك اوي كمان، مليش غيرك بعد الاندال الكبار ما سابونا و مشيوا"
ابتسمت على جملته، فقال هو ممازحًا لها:
يلا ياختي روحي ذاكري علشان تمشي و تسيبيني أنتِ كمان"
________________________
في صباح اليوم التالي وقف «ياسين» في غرفته يرتدي حلته الرسمية و «خديجة» خلفه تسأله بتعجبٍ:
هو مش أنتَ قولت إن هما أدوك إجازة أسبوع ؟! رايح فين و العزومة النهاردة ؟!"
التفت هو لها يضع كلا ذراعيه على كتفيها و هو يقول:
دا يا ستي مش مشوار شغل، بس مشوار تبع الشغل، فاهمة ؟!"
حركت رأسها نفيًا فضربها على وجنتها بخفةٍ و هو يقول:
و إيه الجديد ؟! طول عمرك مش بتفهمي"
رفعت حاجبيها باستنكارٍ له فقال هو مسرعًا:
قبل ما تزعلي بس، كل الحكاية يا ستي إني هروح اقابل مديري افهم منه إيه اللي حصل و أنا هشتغل ازاي بعد كدا و وضعي هيكون إيه"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بهدوء:
روح ربنا يجبر بخاطرك و يكرمك يا رب، ترجعلي بألف سلامة"
ابتسم لها ثم اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
هروح و أجي أخلص العزومة دي و بعدها أنا عاملك مفاجأة حلوة، و متسأليش علشان مش هقول حاجة"
تحرك من أمامها بسرعةٍ كبرى و هي تنظر في أثره بشكٍ و غموضٍ.
خرج من البيت ثم ركب سيارة أجرة خاصةً أنه رفض أخذ سيارته من «ياسر» تلك الفترة و بعدها توجه نحو مقر عمله، دلف الشركة وسط ترحيب زملائه و العاملين معه حتى وصل إلى مكتب «حاتم» أذنت له السكرتيرة الخاصة بالدخول، فدلف هو بثباتٍ و هيبةً استطاع هو التحلي بها تتنافىٰ مع طبعه المرح و خصاله اللينة، وقف «حاتم» يقابله مرحبًا به و هو يقول:
آهلًا آهلًا بمشهندس ياسين، المكتب و الشركة كلها نورت من تاني، اتفضل"
جلس «ياسين» حيث موضع اشارته ثم قال بنبرةٍ هادئة:
الشركة منورة بيكم يا حاتم بيه، مش معقول هتنور بواحد زيي يدوبك مهندس لسه في بداية مشواره"
سأله بتعجبٍ من حديثه:
ليه بتقول كدا يا أستاذ ياسين؟؟ حضرتك ما شاء الله من أكفأ المهندسين هنا، و تاريخك معانا يشهدلك بكدا"
اقترب «ياسين» من المكتب يسأله بتريثٍ:
و هو تاريخي دا يخليكم ترموني الرمية دي ؟! يخليكم تحطوني في وش المدفع في أرض عليها مشاكل تقف بالدم بس ؟! الحل إن الموت يقابلني هناك مرتين ؟!"
رد عليه «حاتم» بثباتٍ زائفٍ:
إيه الكلام دا يا ياسين ؟! أنتَ بتخرف و لا إيه"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
أنا مبخرفش يا حاتم بيه، دي الحقيقة، مش هشام برضه هو اللي طلع قرار أني أروح مكان رأفت ؟! و المفروض إن اللي يكون مكاني هناك رئيس المشروع نفسه ؟! و مش حضرتك برضه اللي قولتلي عملنا اجتماع ؟! على العموم أنا محدش يعرف يستغلني، أدي الحاجة بمزاجي، إنما تاخدها غصب عني و تكسر عيني، أنا ممكن أكسر الدنيا كلها على دماغكم"
قبل أن ينطق «حاتم» أوقفه بإشارة منه ثم وقف و هو يقول بنبرةٍ جامدة و لهجةٍ حادة:
خليك ماشي ورا هشام كدا علشان هو يخسر و أنتَ كمان هتخسر، أشوف وشك على خير"
خرج من المكتب بعد حديثه و منه للخارج مباشرةً حتى يعود إلى منزله.
بعد مرور ساعات من عودة «ياسين» و نومه بمفرده بعدما عاونت زوجته والدته في الطعام، حينها بدأوا الشباب يقتربون من بيته على دفعاتٍ، حيث أتى كلًا من «خالد» و «عامر» مع بعضهما ثم «ياسر» و بعدها «حسن» و «طارق» و «وئام» مع بعضهما ثم جلسوا في انتظار البقية.
جلس «رياض» وسطهم بفخرٍ و هو يقول بمرحٍ:
شوف منظركم يفرح القلب إزاي ؟! ناقص بس وليد و أحمد و يوسف دا إن شاء الله، البيت نوره زاد و الله"
رد عليه «وئام» بنبرةٍ ضاحكة:
البيت منور بيك يا عم رياض، ربنا يجعله عامر يا رب"
تحدث «طارق» موجهًا حديثه لـ «ياسر»:
ألف مبروك يا ياسر، ربنا يكمل فرحتك على خير و يتربى في عزك يا رب، حسن لسه قايلي"
رد عليه هو بنبرةٍ هادئة:
الله يبارك فيك يا طارق، تسلم يا رب و عقبالك إن شاء الله، و عقبال حسن و ياسين"
تحدث «رياض» بمرحٍ:
أيوا أنا عاوز احفادي حواليا كدا يجننوني، عاوز حضانة حواليا"
ضحكوا عليه جميعًا فقال «عامر» بتعجبٍ:
هو احنا مستيين مين غير وليد ؟!"
رد عليه «ياسين» مفسرًا:
يوسف، صاحبي"
_"إيه يا روح أمك؟ يوسف مين"
صاحبي، مالك ؟!"
أقترب منه «عامر» يمسك تلابيبه و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
بتخوني يا ياسين ؟! بقى عندك صحاب غيري ؟! يا خسارة عشرة عمري معاك، دا أتا اكتئبت في غيابك يالا، دا أبوك و امك معملوهاش، اخرتها بتقولها في وشي صاحبي !!'
ضحكوا عليه جميعًا فقال «ياسين» بصوتٍ مهتز:
اهدا يالا !! يخربيت دماغ اهلك، و بعدين إيه بخونك دي ؟! دي مراتي مقالتهاش ليا، ابعد يالا دماغهم هتروح في حتة مش كويسة"
رفع «عامر» صوته و هو يضغط على ثيابه و يقول:
دا أنا هوديك حتة اللي يروح فيها ميرجعش، صبرك عليا يا ابن رياض"
اقترب منهما «حسن» يحمل «عامر» و يبعده عنه و هو يقول:
يا عم ابعد عنه بقى، ما تشوفوا حل يا رجالة"
جلس «عامر» على المقعد و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا بقى هطفشهولك، صبرك عليا"
في الأسفل توقفت سيارة «وليد» و أمامها مباشرةً سيارةً أخرى تلتصق بها، و كلًا منهما تواجه الاخرى مقابلةً لها، رفع «وليد» حاجبه و هو يطالع ذلك الذي هبط من سيارته ثم حمل باقة الزهور و علبة الحلويات و حقيبة الهدايا على يده، نزل «وليد» من السيارة و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنتَ يا عريس ؟! عربيتك دي شوف حل فيها لما أجي اتحرك، هتحرك ازاي ؟!"
التفت الأخر خلفه ثم نظر له من جديد و هو يقول بلامبالاةٍ:
أنتَ بتكلمني أنا يا عسل ؟!"
رفع «وليد» حاجبه و هو يقول مستنكرًا:
عسل ؟! آه بكلمك أنتَ يا سكر، ارجع ورا شوية بعربيتك علشان لما أجي اتحرك"
حرك الأخر رأسه ينظر لوضع السيارتين ثم قال بدون اكتراث:
عادي يعني مش شايف فيها حاجة، لما تبقى تيجي تمشي هبقى احركهالك"
أوقفه «وليد» و هو يقول منفعلًا:
اقف عندك هنا !! هو إيه اللي لما اجي اتحرك ؟! هيفضلوا كدا كأنهم بيبوسوا بعض كتير ؟! ما تبعد العربية يا عم أنتَ"
رد عليه الأخر ببرود:
و لو محركتهاش ؟! هات اللي عندك بقى شكلك فاضي"
رد عليه «وليد» بثباتٍ:
لأ، هات أنتَ أخرك علشان اللي قدامك ملوش أخر يتجاب"
وضع الآخر الأشياء على مقدمة السيارة ثم أخرج سيجارته يشعلها و هو يقول ببرود:
خلينا واقفين بقى لحد ما نشوف مين فينا هيجيب اخره"
رد عليه «وليد» بخبثٍ:
بلاش تستفزني علشان أنا محدش وقف قصادي و سلك، حرك العربية بدل ما احركها أنا"
رفع له حاجبه ثم قال:
طب مش محركها، وريني بقى"
غمز له «وليد» ثم قال:
بسيطة، أحركهالك أنا"
ركب سيارته مرةً أخرى ثم شرع في تدويرها حتى يقوم بدفع السيارة الأخرى المواجهة له و تلتصق بسيارته أو يدمرها أيهما أقرب في خياله، و قبل أن يبدأ في ذلك تحرك جسد الأخر يقف أمام سيارته حتى نزل منها «وليد» خوفًا من تهوره و أن يفعل ما لا يُحمد عقباه و هو يقول بلامبالاةٍ:
أنا نزلت علشان عندي عزومة و مش فاضيلك بصراحة، و شكلك عريس و مش عاوزك تتأخر على عروستك"
رفع الأخر صوته يقول بسخريةٍ:
طالما أنتَ جامد كدا ابقى اتعلم ازاي تسوق، ربنا يتوب علينا من سواقة البهايم"
التفت له «وليد» يغمز له و هو يقول بثباتٍ ساخرٍ:
البهايم أَهُم واقفين ساندين على العربية و ماسكين ورد، حاسب بقى لا تفتكره برسيم"
تحرك «وليد» من أمامه و الأخر ينظر في أثره بخبثٍ ثم رمىٰ سيجارته و أمسك الأشياء مقررًا تجاهل ذلك الفظ الغليظ لحين إشعارٍ أخر.
صعد «وليد» إلى شقة «ياسين» و هم يرحبون به حتى جلس هو وسطهم فتحدث «رياض» بمرحٍ: "كدا ناقص أحمد و يوسف"
تحدث «وليد» مسرعًا:
أحمد احتمال يتأخر شوية علشان عنده مشوار مهم مع خلود، هو بيعتذر ليكم بس هيحاول ييجي"
تحدث «حسن» يسأله:
هو أنتَ مالك شكلك متعصب كدا ليه ؟! حد جه جنبك ؟!"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
قابلت واحد تحت حمار، عريس و إن شاء الله يترفض، أول مرة أشوف حد في نفس مستوى برودي"
ضحكوا عليه جميعًا فقال هو بقلة حيلة:
نفس برودي بجد، إن شاء الله حماه يطلع راجل عصبي و يرفضه"
رد عليه «ياسين» بيأسٍ:
ما تلم نفسك يالا، حرام عليك تكسر بخاطر الناس"
لوح بكفه و فجأة صدح صوت الباب فوقف «وليد» يقول بهدوء:
هتلاقيه أحمد، هفتح أنا عن اذنكم"
اقترب من الباب يفتحه وهو يبتسم و سرعان ما تلاشت بسمته و هو يقول بغير تصديق:
أنتَ !! بتعمل إيه هنا ؟!"
رفع «يوسف» حاجبه و هو يقول:
هو الأستاذ بواب العمارة و لا إيه ؟! أنتَ مالك أنتَ ؟!"
اقترب منهما «ياسين» و «عامر» معه، فابتسم «ياسين» فورًا ثم اقترب منه يحتضنه، فتحدث حينها «عامر» بتعجبٍ و هو يقول:
مين دا ؟! و كنت بتزعقله ليه؟!"
رد عليه «وليد» ساخرًا:
دا العريس"
شهق «عامر» و هو يقول بدهشةٍ:
إيه ؟! جاي يخطب ياسين ؟!"
وصلت الجملة إلى سمع الجميع من شدة إرتفاع صوته حتى تسمروا جميعًا في أماكنهم و كأن الطير يحلق فوق رؤوسهم.
_________________________
جلس «أحمد» في الخارج مع أخته ينتظرا حتى يأذن لهما المعلم بالدخول و قد قرر ذلك في منتصف الحصة، فدلفا سويًا و هو يمسك يد شقيقته التي دلفت معه بثباتٍ و شموخٍ و هو يسبقها في الخطوات حتى وقف بها في المنتصف أمام جميع الطلاب و المعلم الذي نظر لهما من خلف النظارة الطبية و هو يقول بتعالٍ:
أيوا مين حضرتك ؟! المشرف قالي إن حضرتك مُصر تقابلني"
وقف «أحمد» بثباتٍ و هو يقول:
أنا أحمد الرشيد، أخو خلود الرشيد اللي حضرتك غلط فيها و أهانتها قدام زمايلها"
رد عليه بسخريةٍ:
آه و أنتَ بقى ولي أمرها و جاي تاخد حقها و لا جاي تتخانق؟!"
ترك كف شقيقته ثم اقترب منه يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا جاي بس أقولك إنك مدرس فاشل و حمار، لما تعاير طالبة عندك أنها أدبي و تتهمها بالفشل يبقى أنتَ اللي فاشل"
رفع المُعلم صوته و هو يقول منفعلًا في وجهه:
احترم نفسك يا أستاذ أنتَ، و بعدين دا شغلي و أنا عارف التزم بيه، أخت حضرتك لو أنا ماكنتش عاملتها بالطريقة دي مكانتش زمانها خدت بالها من أخطائها، أنا بعمل كدا علشان تتشجع إنها تصلح من نفسها"
رد عليه «أحمد» بتهكمٍ:
آه، نظام أضرب المربوط يخاف السايب، اسمحلي اقولك إن دا شغل بهايم، الحمير بس هي اللي بتضرب علشان تعرف الطريق، إنما الطالب عاوز تشجيع و تقدير و أنتَ ما شاء الله عليك، معندكش أي حاجة من ديه، تقوم طالبة تجاوب معاك، و لما متعرفش تسألها أنتِ إيه، فتقولك أنا ادبي، تقولها اترزعي يا فاشلة يا ساقطة، ما لازم تجاوبي غلط طبعًا"
رد عليه المعلم منفعلًا:
أنتَ مش هتعلمني شغلي، أختك أنا طردتها من الحصة أصلًا، و ميشرفنيش إنها تاخد عندي"
رفع «أحمد» صوته و هو يقول:
اسمع !! أنا جاي علشان أعرفك إنك متعرفش أي حاجة عن مهنة التدريس، هي مش فلوس بتدخل جيبك وخلاص . في طالب بسببك بيكتئب وبيحس انه قليل . شغل انك تجرح الطالب وتهينه عشان يغير ده شغل بهايم . الحمير بس هي اللي محتاجاه . مع ان الحيوانات برضه محتاجة رحمة. لكن لو مش هتقدر تشجع الطالب وتحترم قدراته يبقي خليك في بيتك احسن . اصلها مش ناقصة معقدين . وانا اللي ميشرفنيش ان اختي تاخد عندك
ابتسمت خلود بانتصار وهي تري اخيها يدافع عنها بتلك الطريقة امام زملائها حتي حدث ما لم يحمد عقباه وتحدث المعلم موجها حديثه لطلابه بتهكم :
اهو اتفضلو شوية طلاب فاشلين . يروحو يصيعوا ويشتغلوا اهاليهم وفي الاخر ييجوا للمدرس يغلطوا فيه . روح يا بني شوف اختك ربنا يسهلك
هجم عليه احمد بعدما دفع المقعد المقابل له .. ثم امسكه من تلابيبه يضرب رأسه بالسبورة خلفه وهو يصرخ في وجهه وفي الحال تجمعت الطلاب حولهما وخلود تحاول سحب اخيها وهي تتوسله ببكاء بينما هو استمر في ضرب المعلم وهو يقول بصوت عال :
انا هوريك بقي الطلاب الصايعين بيروحوا فين يا عديم الأدب والتربية
كان في حالة اخري وكأنه مغيب عن الواقع وكل ما يتردد علي أذنه هو تلميح ذلك الحقير عن سمعة اخته بالسوء واتهامها بالباطل فيما لم تفعله هي
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السبعون 70 - بقلم شمس بكري
ألم يحنُ للمشتاقِ عناقٍ من بعد الفراقِ ؟!
_________________________
_ألقيْتَ في طريق الخطأ دون إرادةً مني، عنوةً عني و رغمًا عن طوعي سِرتُ به لـ أتفاجأ بنفسي في القاع بعدما كدت على مشارف القمةِ، فبعدما لمست الضوء بيدي، احترقت أناملي و غطت العتمة طريقي، و انطفأ من الوجه بريقي، و ظللت في النهاية بمفردي و بقلبٍ ملكومٍ قُلت لنفسي و لحياتي كرهت و من يأسي و نفسي سئمت، فأغلى ما امتلكته يومًا كانت كرامتي و سبتقى كذلك طالما حييت.
_"إيه جاي يخطب ياسين ؟!"
تفوه بها «عامر» بصوتٍ عالٍ بعدما أخبره «وليد» عن هوية ذلك الواقف أمامهم، حتى ابتعد عنه «ياسين» فورًا فيما تحدث «يوسف» بتهكمٍ:
إيه يا ياسين !! أنا جاي اتدبس و لا إيه ؟! أخطب مين أنا ؟!"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ:
يا بني عريس إيه !! عامر بس بيحب يهزر، نسيت أعرفك، دا عامر أخويا و عشرة عمري، و دا وليد أخويا الصغير، و أخو المدام"
تحدث «عامر» يتكأ على حروف كلماته مُعرفًا نفسه:
أنا عامر، صـاحـبـه و أخوه و عشرة عمره، صـاحـبـه !!"
ابتسم له «يوسف» ثم مد يده و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
معاك يوسف الراوي، مهندس بترول تبع شركة الفاروق للبترول"
سلم عليه «عامر» و هو يبتسم له باصفرارٍ، فيما رفع «وليد» حاجبه و الأخر ينظر له شرزًا و البسمة الخبيثة تزين ثغره و تدقق من نظرته، حتى قال ياسين مُعرفًا الأخر له:
دا بقى وليد، أخويا الصغير، يعلم ربنا غلاوته عندي زي خلاوة أخواتي تمام....اقدملك يا وليد، بشمهندس يوسف الراوي"
أعطى «يوسف» قالب الكيك و حقيبة الهدية لـ «ياسين» ثم اقترب منه يمد كفه له مُرحبًا به و هو يقول بتريثٍ:
أهلًا أهلًا يا أستاذ وليد...شرف ليا طبعًا أني اتعرفت عليك"
نظر «وليد» لكفه الممدود ثم نظر في وجهه و رفع رأسه بشموخٍ و مد يده يعانق كف الأخر و هو يقول بثباتٍ:
الشرف ليا أنا يا أستاذ يوسف"
تحدث «ياسين» حينها بصوتٍ مبهج و مرحٍ:
طب يلا علشان تتعرف على الباقي، اتفضل يا يوسف، اتفضلوا يا جماعة"
دلف «ياسين» أولًا و خلفه مباشرةً «عامر» و قبل أن يلحقهما «وليد» اقترب منه «يوسف» يعارض طريقه حتى ظهر الاستنكار على وجه «وليد»، حينها مد «يوسف» يده بباقة الزهور و هو يقول بصوتٍ هامس طغت عليه السخرية الخبيثة:
أنا اتأكدت فعلًا إنه برسيم، بس و الله ميغلاش عليك، خلي بالك دا حاجة مستوردة، بألف هنا و شفا"
أعطاه باقة الزهور في يده ثم غمز له و دلف للداخل يقف بجوار «ياسين» فيما وقف «وليد» مُتسمرًا بوجهٍ محتقن و هو يفكر كيف لشخصٍ أخر أن يعامله بتلك الطريقة ؟! حسنًا هو من بدأ حرب الكر و الفر عليه أن يتحمل صد مناواشاته.
دلف «وليد» خلفهم فوجده يُسلم على الجميع و تتم مهمة التعارف بينهم جميعًا، جلس هو على المقعد و هو يراقب بعينيه الأخر الذي جلس أمامه بعد مهمة التعارف و كلًا منهم ينظر للأخر بنظراتٍ ثاقبة، حتى تحدث «رياض» مُرحبًا به:
نورت الدنيا يا بشمهندس يوسف، البيت نور بوجودك و الله"
رد عليه «يوسف» بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسمٍ:
دا شرف ليا أنا يا أستاذ رياض، و ياريت بلاش بشمهندس يوسف دي، أنا زي ياسين يعني، خليها يوسف بس"
ابتسم له «رياض» و هو يقول بنبرةٍ هادئة مُرحبةً بالأخر:
طبعًا يا حبيبي، دا شرف ليا، و أنا زي والدك طبعًا و يشرفني دا، زي ما أنتَ شايف كدا كلهم ولادي، و يشرفني إنك تكون زيهم"
ابتسم له بتأثرٍ فرد عليه بصوتٍ مختنقٍ إلى حدٍ ما بعدما حاول صبغه بالثبات:
طبعًا دا شرف ليا، و من بختي إن أب عظيم زي حضرتك ربى تربية زي ياسين كدا يعتبرني ابنه، دي حاجة كبيرة في حقي"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ هادئة:
طب بما إنك بقيت أخونا اسمحلي اقولك شكرًا على وجودك مع ياسين، و على مساعدتك ليه أنه يرجع لينا تاني، هو مفيش شكر بين الأخوات طبعًا بس دا واجب علينا"
رد عليه «يوسف» بودٍ:
متقولش كدا، ياسين أخويا و فضله كبير عليا، و لحقني برضه من التعب و أنا لوحدي، يعني فضله عليا كبير"
ابتسم له «ياسين» فيما مال «عامر» على أذن «خالد» يقول هامسًا بحنقٍ:
حتى أنتَ، خلاص كلكم بقيتوا بتحبوه ؟! طب و أنا !!"
وكزه «خالد» في مرفقه و هو يقول طابقًا على أسنانه بغيظٍ:
أنتَ تتلم و تسكت خالص، جاي يخطب ياسين ؟! دا أنا هرقصك لما ننزل حاضر"
لوح له بيده و هو يزفر بقوةٍ بينما «وليد» جلس بنفس الثبات و لم ينطق بكلمةٍ واحدة حتى أتت «زهرة» و خلفها «خديجة» و كلًا منهما تحمل في أيديها صينية تقديم كبيرة الحجم يعتليها العصائر و أطباق الحلويات الخاصة لكلٍ منهم، وقف «ياسين» يأخذ منهما الأشياء ثم قال مُعرفًا «يوسف» لهما:
اقدملكم البشمهندس يوسف الراوي، والدتي يا يوسف، و دي المدام"
وقف «يوسف» احترامًا لهما و هو يبتسم بهدوء، فتحدثت «زهرة» بنبرةٍ هادئة:
البيت نور بوجود حضرتك، ياسين حكالنا كتير عنك"
ابتسم هو لها ثم قال بهدوء:
دا شرف ليا طبعًا و متشكر جدًا لحضرتك، ربنا يباركلك فيه"
ابتسمت له «زهرة» فيما أخفضت «خديجة» رأسها بخجلٍ حتى قال هو بنبرةٍ هادئة و عينيه لم تتبعها بل أبعدها عن موضع وقوف السيدات مما زاد من موقفه احترامًا من قِبل الجميع:
كل سنة و حضرتك طيبة يا مدام، ربنا يكرمك أنتِ و ياسين إن شاء الله و يخليكم لبعض"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
و حضرتك طيب، متشكرة لحضرتك جدًا"
أشار لهما «ياسين» بالانصراف بعدما وضع الأشياء على الطاولة، فتحركتا سويًا بينما «ياسين» قام بتوزيع الحلويات و العصائر على الجميع و عاونه «ياسر» في ذلك حتى تحدث «عامر» بنبرةٍ مرحة:
لأ أنا مش هحلي علشان أعرف أكل ورق العنب، مش هتضحكوا عليا"
ضحك الشباب عليه ضحكاتٍ هادئة، حتى تحدث «رياض» مشاكسًا له بقوله:
إحنا عاملين ورق العنب علشان يوسف، أنتَ عاملينلك محشي كوسة"
رمقه «عامر» بغيظٍ، فتحدث «طارق» بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ كدا كأنك بتضربه بسكينة، عامر عنده ورق العنب زي اللب كدا"
تحدث «ياسين» بنبرةٍ ضاحكة:
و يوسف برضه، نقطة ضعفه في الحياة ورق العنب، كدا معانا اتنين نقطة ضعفهم روق العنب"
رمقه «عامر» بلامبالاةٍ ثم حرك رأسه بيأسٍ و هو يرى ذلك "اليوسف" يأخذ مكانه حتى في اشياءه المفضلة، و خصوصًا وجبته المفضلة لطالما كان «عامر» أقرب للأطفال في طباعهم و حركاتهم.
تحدث «حسن» في تلك اللحظة يوجه حديثه لـ «وليد» يسأله بتعجبٍ من صمته:
خير يا وليد ؟! ساكت يعني مش عوايدك"
حرك كتفيه و هو يقول:
عادي يعني، هتكلم أقول إيه ؟! مليش مزاج اتكلم و حاسس أني مصدع"
رد عليه «يوسف» بثباتٍ:
معايا مُسكن حلو أوي للصداع، مستورد"
تحدث «وليد» بثباتٍ:
مباخدش حاجة من حد معرفهوش، شكرًا يا أستاذ يوسف"
ابتسم له الأخر بنفس الاصفرار بينما الجميع تابعوا ذلك الموقف بتعجبٍ من طريقتهما الجامدة مع بعضهما، حتى تحدث «ياسر» يسأله و كأنه انتبه لتوه:
صحيح إيه حوار العريس دا ؟؟ مين العريس يا وليد؟!"
رد عليه «وليد» بثقةٍ:
هتلاقيه اترفض خلاص، أصل مين هيقبل بحد لسانه طويل كدا ؟! ربنا نجدها العروسة لو اترفض"
أبتسم له «يوسف» بنفس الطريقة و هو يقول بثباتٍ:
مش يمكن تكون خسرت كتير ؟! الله أعلم بس مش كل حاجة زي ما بتكون باينة في الأول، المظاهر خداعة، ميغركش الشكل"
تحدث «وئام» بنيةٍ صافية و لم يقصد الانحياز لأيًا منهما، إنما رد بتلقائيةٍ:
هو عمومًا وليد أخويا مش طبعه يحكم بالمظاهر، مش علشان أخويا، بس هو بيحب يدي كل حاجة حقها قبل ما يحكم، و عمومًا هو دا الصح"
رد عليه «يوسف» بإيجازٍ:
اتمنى، اتمنى يكون دا طبعه فعلًا"
طالعه «وليد» بإمعانٍ محاولًا التوصل من خلال نظراته إلى أي شيءٍ يفهم منه طريقة تصرفاته التي تشبه طريقته إلى حدٍ ما و حينها أول ما جال بخاطره أن «يوسف» من المؤكد أنه ذاق المعاناة في حياته مثلما سبق و جربها هو، أما «يوسف» فقرر الهروب من ملحمة النظرات تلك التي ألحمت نظراتهما سويًا و كأن كليهما يقرأ أفكار الأخر.
_________________________
في المركز التعليمي اشتدت المعركة بين «أحمد» و المعلم و اقتدت عينيه بالشرر حينما لَمَّحَ ذلك الوغد عن أخته بكلامٍ مُسيءٍ، حينها انقض عليه يمسكه من تلابيبه حتى أطرحه أرضًا و توالت عليه اللكمات و الضربات وسط صراخ الطُلاب و امساك «خلود» بيد أخيها تحاول ابعاده عن المُعلم، أما هو فقد توقفت حواسه عن العمل و كل ما يتردد على سَمعه حديث المُعلم، حتى استطاع الشباب فض ذلك النزاع أخيرًا و ابعاد «أحمد» عن المُعلم الذي ظل كما هو مطروح أرضًا في محله، وقف «أحمد» يلهث بقوةٍ و عينيه تنطق بالشررٍ و تحول وجهه إلى اللون الأحمر القاتم حيث احتقنت الدماء في وجهه، ارتمت «خلود» عليه تحتضنه و هي تبكي ببكاءٍ حارٍ حتى لف هو ذراعيه عليها يحتويها و يدعم خوفها و هي تتشبث به حتى مسد على ظهرها ثم قال بصوتٍ رخيمٍ مُتحشرجٍ:
متخافيش، أنا معاكي"
شدت عناقها عليه و هي تجهش في البكاء حتى وصل أحد الأفراد من قسم الشرطة القريب من المركز بعدما قام أحد العاملين بمهاتفتهم عن أعمال العنف و الشغب و التهجم على المُعلم، شعر «أحمد» بكف أحدهم يوضع عليه يحاول سحبه رغمًا عنه و هو يقول بلهجةٍ حادة و الفاظٍ نابية يَسبه بها:
قدامي يا ابن****، عامل نفسك بلطجي !! قدامي يالا"
كان يسحبه من ثيابه من الخلف و «خلود» تتمسك به و هي تصرخ ببكاءٍ:
هتاخدوه فين !! لأ علشان خاطري، متمشيش يا أحمد علشان خاطري، لأ علشان خاطري"
اقترب منها يقبل رأسها ثم قال بصوتٍ منكسر و هو يرمقها بندمٍ:
حقك عليا، أنا آسف و الله"
صرخت و هي ترىٰ الشُرطي يسحبه عنوةً عنه و بالاجبار معه و هي تصرخ و تركض خلفه تحاول الوصول له و لكن أجساد العساكر منعتها عن ذلك حتى نزلوا به من المركز و المعلم خلفه بعدما أسنده مساعدينه لعمل محضر بقسم الشرطة، كانت «خلود» تصرخ باسم شقيقها و هي تطلب منه البقاء معها حتى صرخت بأعلى صوتها بضعفٍ:
أنا بخاف يا أحمد، أنتَ عارف أني بخاف، متمشيش علشان خاطري"
حاول التملص من بين ايديهم حتى يذهب إليها و هي تبكي بتلك الطريقة لكنه تفاجأ بيد الشرطي تصفعه على وجهه و هو يدخله في السيارة رغمًا عنه و لسانه ينطق بأفظع السُباب المُهينة له و لوالديه، شعر «أحمد» بالإهانة و الذُل الذي لم يقبل به هو في حياته، فتشابك مع الشرطي و أمسك رقبته بكف يده و هو يقول بعدما أطبق على أسنانه:
لم لسانك بدل ما أخد روحك في ايدي، أهلي اللي بتغلط فيهم دول أشرف منك و من اللي خلفوك كلهم"
ابتعد عنه الشُرطي و هو يسعل بقوةٍ بعدما أشار للعساكر بعدم الاقتراب منه، بينما هو لمعت عينيه بالشرر و هو يقول بخبثٍ:
و ماله، أنا بقى هوريك ليلة تحلف بيها عُمرك كله، صبرك عليا يا شمام أنتَ"
أغلق باب السيارة بقوةٍ بعدما ركب العساكر معه يردعون حركته و يكبلان حريته و كل ذلك كانت «خلود» تحاول الاقتراب من باب السيارة و هي تصرخ باسم أخيها حتى دفعها الشرطي و هو يَسبها هي الأخرىٰ، و قبل أن تسقط أرضًا في تلك اللحظة منعها ذراعه حينما اندفع هو يلتقطها و يحول بين سقوطها و الأرض، تمسكت هي بذراعه تستند عليه حتى تعتدل في وقفتها دون أن تعرف من هو، و حينما وقع بصرها عليه و وجدته هو، تحدثت بصوتٍ باكٍ تتوسله:
الحقنا يا عمار علشان خاطري، الحق أحمد، اتصرف أبوس ايدك"
أبعد يده عنها ثم اقترب من الشرطي الذي دفعها أرضًا يمسك تلابيبه بعدما كان واقفًا يتحدث مع صحاب المركز و هو يقول صارخًا بوجهه دون أن ينتبه مع من يتحدث:
أنــتَ عــارف اللي بيمد أيده على واحدة يبقى إيه ؟! بيبقى عديم النخوة و الرجولة و ***** زيك كدا يا عديم الرجولة"
ابعده صاحب المركز و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
بس يا عمار عيب كدا، ميصحش دا زي أخوك الكبير، عيب كدا"
تركه «عمار» ثم التفت له يصرخ في وجهه هو الأخر و هو يقول:
لأ، مش زي أخويا يا سامح، أنا أخويا راجل ميمدش أيده على ستات و لا بيغلط فيهم، و أنتَ عارف كدا كويس، لكن دا أقل من إنه يتشبه بالحيوانات كمان"
قبل أن يتحدث الشرطي تدخل صاحب المركز و هو يقول مسرعًا:
خلاص يا سيد عندي أنا، معلش علشان هما قرايبه، عمار تبعي، امسحها فيا أنا"
رد عليه الشرطي بخبثٍ:
و ماله، كفاية اللي معايا هاخد حقي منه تالت و متلت، أنتَ برضه صاحبي يا سامح"
ركب الميكروباص بجوار السائق و «أحمد» في الخلف يحاول فك حصار نفسه حتى يخرج لأخته خاصةً بعد موقف الشرطي، حتى وجدها تركض نحو النافذة و هي تنظر له ببكاءٍ حينها رفع صوته لـ «عمار» و هو يقول متوسلًا له:
خلود أمانة في رقبتك يا عمار، خلي بالك منها و أوعى يجرالها حاجة، خليها تروح، بالله عليك"
حرك «عمار» رأسه موافقًا فتحركت السيارة على الفور بسرعةٍ كبرى و كأنها سرابًا غير ملموسًا أما هو فأمسك ذراعها يساندها و هي تبكي و تلوم نفسها بالحديث و كأنها في عالمٍ أخر، بينما هو أخرج هاتفه يحاول التواصل مع شقيقه أو أيًا من الشباب حتى يلحقون به و لكن لم يصله ردًا منهم حتى وقف في المنتصف حائرًا لا يدري ماذا يفعل بعدما تحمل مسئوليتها و تعاهد بالحفاظ عليها"
_________________________
في شقة «رياض» تم وضع الطعام على الطاولة بواسطة «خديجة» و «زهرة» ثم دعت الجميع للاقتراب من الطاولة بعدما قامت بترتيب كل شيءٍ عليها، حينها جلسوا معًا و «رياض» يترأس السُفرة و «ياسين» و «يوسف» على طرفيه و البقية حولهم و للحظ جاور «وليد» مقعد «يوسف» فجلسا بجانب بعضهما البعض بهدوءٍ حتى تحدث «رياض» بمرحٍ:
يلا بسم الله، أنا مش عاوز حاجة تفضل زي ما هي، أنا بقولكم اهوه، يلا بألف هنا و شفا، أحمد و عمار بقى لما يجوا عقابهم انهم يغسلوا المواعين"
ابتسموا له جميعًا ثم شرعوا في تناول الطعام الذي قامت «زهرة» و «خديجة» بالاعداد له، بينما هما جلستا في المطبخ يتناولا الطعام حتى لاحظت «زهرة» شرود «خديجة» و عدم تناولها الطعام، فأمسكت يدها و هي تسألها بتعجبٍ من حالتها:
مالك يا خديجة ؟! سرحانة في إيه ؟! فيه حاجة زعلتك طيب ؟!"
رفعت رأسها و هي تُجبر شَفتيها على التبسم تزامنًا مع قولها المهتز الوتيرة:
لأ، أنا...أنا كويسة يا ماما متخافيش، كل حاجة تمام"
سألتها باهتمامٍ و إصرارٍ:
أومال مالك بس يا حبيبتي ؟! وشك أصفر و شكلك قلقان"
حركت كتفيها و هي تقول:
حاسة أني قلقانة أوي و خايفة، قلبي مش متطمن مش عارفة ليه، مع إن كل حاجة كويسة"
ردت عليه «زهرة» بلهفةٍ:
طب أنتِ كويسة ؟! يعني حاسة بحاجة تانية ؟! حاسة مثلًا إن معدتك تعباكي ؟!"
ردت عليها بتيهٍ:
مش عارفة، بس أنا عندي القولون العصبي، يعني لما بقلق أو بتوتر بطني بتوجعني، ممكن يكون برد أو حاجة، بس أنا حاسة أني خايفة أوي"
ربتت على كفها و هي تقول بنبرةٍ هادئة و ابتسمت لها:
خير يا حبيبتي متخافيش، تحبي ننزل نكشف و نتطمن طيب ؟! طالما أنتِ تعبانة كدا؟"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
لأ أنا تمام، ممكن بس نتكلم شوية يمكن التوتر و القلق دا يختفي، إيه رأيك؟!"
حركت رأسها موافقةً فسألتها «خديجة» بتوترٍ:
ممكن اسأل حضرتك سؤال ؟!"
انتبهت لها «زهرة» و هي تشير لها بعينيها أن تتابع و تسأل ما تريد جوابه، فتحدثت «خديجة» بتوترٍ و خجلٍ من سؤالها:
يعني...كنت عاوزة أسألك من بدري، من أول علاقتي بياسين، هو ازاي ابنك الوحيد و مش بتغيري عليه مني ؟! أنا آسفة أني بسأل سؤال زي دا، بس أنا واخدة فكرة إن اللي بيكون وحيد مامته دا مراته بتشوف حياة صعبة، بس دا محصلش، أو حتى حصل شبهه، أنا ساعات بحس أني بنتكم و هو اللي غريب عنكم، آسفة أني بتدخل في خصوصيات زي دي، بس بجد أنا بفضل أفكر كتير"
ابتسمت لها «زهرة» بتفهمٍ ثم تنفست بعمقٍ و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
يمكن علشان أنا و رياض كنا زيك أنتِ و ياسين ؟! أو بالأصح يعني أني أنا كنت زيك كدا ؟!"
رفعت «خديجة» عينيها نحوها بسرعةٍ و هي تقول بنبرةٍ طغت عليها الدهشة:
كان عندك رُهاب اجتماعي ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بسخريةٍ:
لأ، كان عندي رهاب من الدنيا كلها يا خديجة، أنا مكانش ليا حد غير بابا و ماما و أختي، الأول بابا توفى و بعدها ماما و بعدها أختي و بقيت مليش حد خالص غير رياض، كنت كل ما أقوله أني لوحدي يقولي و أنا كل الدنيا ليكي، في مرة عيطت و قولتله أني مليش حد يعني هو لو زعلني محدش هيقفله، ساعتها و الله يا بنتي قالي لو زعلتك أنا هجبلك حقك، كان نفسي قرايبه يحبوني و يكونوا أهل ليا، بس كلهم وقفوا في طريقنا، قرر هو ساعتها أنه يسيب الكل علشاني، اللي أنا شوفته منهم قولت مستحيل أخلي حد يشوفه، و بعدين أنا اللي يهمني راحة ياسين يا خديجة، و راحة ياسين في وجودك أنتِ معاه"
ابتسمت لها «خديجة» بسمةٍ هادئة و الأخرى تبادلها نفس البسمة حتى قالت لها بشرٍ زائفٍ:
و بعدين براحتك أنتِ و هو، أنا هاخد حقي منكم في حفيدي إن شاء الله، هخطفه منكم"
ردت عليها «خديجة» بسرعةٍ:
أنا أصلًا قررت أني هسيبه لحضرتك، علشان عاوزاه يطلع زي ياسين، مش هعرف أعمل كدا لوحدي"
في الخارج كانت الأجواء يسودها المرح و البهجة وسط مزاح الشباب و «رياض» حتى انخرط «يوسف» معهم هو الأخر و ضحك معهم أخيرًا و خاصةً حينما سأله «ياسين» بمرحٍ:
ها يا يوسف إيه رأيك في الورق العنب ؟! أظن حاجة مُعتبرة"
ابتسم له و هو يقول بنبرةٍ ودودة:
تسلم الايادي بجد، الأكل كله ما شاء الله يفتح النفس أكتر، تحس إنه ضد الشبع، دي جِميلة العُمر دي"
سأله «حسن» بتعجبٍ:
اشمعنا !!"
تنفس بعمقٍ ثم قال بهدوء:
لأ أبدًا كل الحكاية أني مش واخد على أكل البيت، العزوبية بقى يا حسن"
رد عليه «حسن» بمرحٍ:
زيي يعني، بس الحمد لله أنا اتلميت و اتجوزت و بقيت باكل في بيتي"
ابتسم له و هو يقول بتأثرٍ:
ربنا يسعدك إن شاء الله يا حسن، و ادعيلي بقى ربنا يفتح نفسي على الجواز، أصل القعدة دي مخلية الواحد دماغه تفكر، و ياسين لوحده أفكاره تخليني بكرة اكتب كتابي"
ابتسموا له جميعًا حتى «وليد» نفسه الذي طالع «ياسين» باهتمامٍ يوزع نظراته بينه و بين «يوسف» الذي بدا عليه الحزن و كأن قصته مُبهمة حتى الآن مجهولة الهوية.
________________________
جلست «خلود» على الرصيف أمام القسم الذي سُحب إليه أخيها و هي تبكي و كل ذلك و هو معها لم يتركها و فقط يحاول الوصول للشباب لكنه تذكر أن «رياض» يأمرهم بترك الهواتف حتى لا يزعجهما شيئٌ، جلس أمامها على ركبتيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بالحزن لأجلها:
يا خلود أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه ؟! روحي و اسمعي الكلام علشان أقدر أنا اتحرك و أجيب حد، وجودك مكتفني عن الحركة و حاسس إنك معقدة الموضوع، و تليفونك مقفول مش عارفين ناخد رقم حد منه، تعالي أروحك علشان أقدر أجيب حد من عيلتك"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية و إصرارٍ قاطع لا يقبل المناقشة:
مش همشي و أسيب أخويا جوة، كل اللي هو فيه دا بسببي و بسبب غبائي، مش هتحرك من هنا غير و هو معايا"
مسح وجهه بكفيه معًا ثم قال:
يا ستي روحي بس علشان هو يجيلك إن شاء الله، قعادك هنا مش هيحل حاجة، قومي أروحك يكون عبدالرحمن جه هو و باباه"
حركت رأسها نفيًا ثم وضعت رأسها بين ركبتيها و هي تبكي بقوةٍ و تجهش في البكاء، بينما هو أخرج هاتفه يحاول من جديد التواصل لأيًا منهم لعل و عسى إحدى تلك المحاولات تُكلل بالنجاح.
في الداخل وقف «أحمد» بيده الأصفاد الحديدية و باليد الأخرى تم وضعه مع أحد المُجرمين الذي ظهرت الخطورة على وجهه و نظراته، فتحدث العسكري بغلظةٍ بعد أوقفهما بجوار بعضهما:
اقف ياض منك ليه هنا، مش عاوز نفس منكم لحد ما أشوف هيثم باشا هيعمل معاكم إيه، اتلقح هنا يا حيلتها منك ليه"
اتقدت عيني «أحمد» بالشرر و انتفخت أوداجه بغيظٍ حتى أتى الشرطي الذي تشابك معه عند المركز التعليمي، نظر له بتوعدٍ ثم دلف غرفة الضابط فورًا بعد تلك النظرة و قبل أن يدلفها وجد الضابط يخرج منها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنا مش عاوز صداع يا سيد، ارميهم في الحجز و اكتب المحضر و بكرة يروحوا على النيابة، شوف شغلك"
خرج من القسم بأكمله بعد حديثه فابتسم الأخر بخبثٍ و هو ينظر لـ «أحمد» الذي تابعه بعينيه حتى اقترب من العسكري يهمس لهم بعدة كلماتٍ حتى حرك الأخر رأسه موافقًا ثم أقترب من «أحمد» و المجرم الأخر ثم سحب «أحمد» من ثيابه خلفه و معه الأخر الذي تظاهر بالبرود و كأنه لا يكترث لما يحدث له، وقف العسكري يحرر أيديهما من الاصفاد التي تكبلهما، ثم قام بدفعهما تباعًا و هو يقول بلهجةٍ حادة:
يلا يا ننوس عين أمك أنتَ و هو، غوروا في داهية"
دلفا كليهما بقوة دفع الرجل لهما، بينما هو أشار لأحد الرجال في الحجز حتى اقترب منه، أشار له بعدة كلمات جعلت الأخر يغمز له ثم ابتسم بخبثٍ و هو يأخذ منه السيجار المحشي بأنواع التبغ المُخدرة يضعها خلف أذنه، أغلق الباب عليهم فزفر «أحمد» بقوةٍ ثم جلس في أحد أركان الحجز المظلم منزويًا عن الجميع و رأسه أرجعها للخلف و أغمض عينيه بألمٍ و كل ما يشغل باله هو أخته كيف حالها الآن و كيف تصرفت بعدما حدث أمامها، و هل استطاع «عمار» الحفاظ على الأمانة أم يأس من المحاولة و تركها، جلس هاديء الهيئة الخارجية على عكس زحام أفكاره التي جعلته يبتلع غِصة مريرة في حلقه و هو يتذكر بكاءها و تشبثها به و توسلها لهم أن يتركوه حتى تذكر جملتها التي أودت بثباته:
أنا بخاف يا أحمد، أنتَ عارف أني بخاف، متمشيش علشان خاطري"
ضرب رأسه في الحائط و هو ينعت نفسه بالغباء و التسرع و تهور تصرفه حتى شعر بقدم أحدهم تضربه في ساقه و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
حاسب ياض من هنا، قوم ياض"
فتح عيناه بسرعةٍ و هو ينظر لذلك الذي يقف أمامه يطالعه بخبثٍ و شررٍ يقدح له من عينيه حتىٰ جلس مقابلًا له يسأله بنفس الغلاظة و الجمود:
أنتَ جاي في إيه ياض أنتَ ؟!"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بايجازٍ:
جاي في ضرب"
_"حُقن و لا بودرة و لا برشام ؟؟ اوعى تكون ياض من بتوع الصنف الجديد"
سأله المجرم بذلك السؤال حتى رد عليه «أحمد» بنفاذ صبر:
ضارب مدرس، مش الزفت اللي في دماغك"
ابتسم له الرجل بتهكمٍ و هو يقول:
مدرس ؟! و دا ضربته بإيه بتحية العلم ؟!"
قال حديثه الساخر ثم رفع صوته يضحك بقوةٍ حتى رد عليه «أحمد» بضجرٍ:
لأ يا خِفة ضاربه بسلاح التلميذ"
امسكه من تلابيبه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنتَ بتتريق عليا يالا، دا أنتَ وقعة اللي خلفوك سودا، قوم يا حيلتها معايا"
رفع «أحمد» صوته منفعلًا في وجهه بنبرةٍ جامدة:
مش رايح في حتة معاك، و غور من وشه بدل ما تحصل التاني، أنا خلاص مش قدامي حاجة أخاف عليها"
رفع الأخر أحد الأدوات الحادة "قطر" و أشهره في وجه «أحمد» و هو يقول بغلظةٍ و غضبٍ:
أنتَ بتعلي صوتك على مين يالا يا ابن ****؟! دا أنا هدفنك هنا"
دفعه «أحمد» بيده بعدما شتمه بوالدته حتى سقط الأخر على الأرض خلفه نتيجة ترنح جسده من المواد المخدرة التي داوم على استخدامها، حينها اندفع الرجل نحو «أحمد» بالقطر حتى يطعنه به فتفاجأ بيد تُكبل حركة يده و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
جرى إيه يا حديدة !! هتخيب و لا إيه ؟! شكل قعدتك هنا نسيتك أصول المرجلة، نزل ياض اللي في إيدك دا"
رفع المجرم رأسه ليطالع ذلك الذي أوقف حركته حتى تفاجأ به أحد أصدقائه و هو الذي دلف مع «أحمد» وقف و هو يسأله بتعجبٍ:
عفروتو !! بتعمل إيه هنا ؟!"
رد عليه بسخريةٍ:
رماني الشوق يا حيلتها، نزل إيدك يالا، الاستاذ يخصني، بطل شغل المُرشدين اللي بيجري في دمك دا، مفيش فايدة في أهلك عيل معفن"
طالعه «حديدة» بالامبالاةٍ و هو يتحرك من أمامه حتى تفاجأ به يسحب السيجار المحشي من خلف أذنه ثم دفعه بيده و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
اتكل يالا شوفلك حتة ريح فيها، و لو كترت أنا هعرف حبيبك، و لو هفه الشوق هياخد حقه منك هنا، هو مش ناسي إنك مبلغ عنه"
رحل من أمامه فيما جلس هو بجانب «أحمد» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
متخافش، محدش هنا هيقدر يجي جنبك، أنتَ في حمايتي"
تنفس «أحمد» بحدة ثم سأله:
هو أنتَ تعرفه ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
دا حديدة، عيل واطي و مرشد، يبيع أبوه علشان الجنيه، بيشتغل تبع الحكومة، و حطينه هنا مصلحة، هو هنا مش خسران حاجة، خسارته لو خرج برة، فيه بدل الواحد ألف هيموتوه"
حرك «أحمد» رأسه موافقًا ثم أرجعها للخلف، فسأله الشاب بهدوء:
بس شكلك قلبك ميت مبتخافش، مع إن شكلك نضيف على إنك تيجي هنا"
رد عليه «أحمد» بقلة حيلة:
هخاف من إيه ؟! مبخافش غير من اللي خلقني، كلنا بشر زي بعض، هو معندوش حاجة زيادة عنه تخوفني، و لو موت هيبقى نصيبي و حياتي كدا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
أنا معاك، بس برضه لازم تحرس، واحد زي دا ضايع و شارب و مش شايف قصاده، المهم معاك أخوك حودة عفروتو، ديلر المنطقة و المناطق المجاورة لها"
أبتسم له «أحمد» بسخريةٍ و هو يقول بنبرةٍ هادئة هزلية:
أنتَ بتعرفني على نفسك كأنك مدرس كيميا مثلًا، فيه فخر غريب"
رد عليه بثباتٍ:
طب ما هي كيميا فعلًا، المهم حاجتك فين ؟! معاك و لا قلبوها"
رد عليه بنبرةٍ خافتة:
خدوا كل حاجة معايا حتى القلم اللي كان في جيبي، اديني أهوه مستني الفرج"
ربت على كتفه ثم قال بهدوء:
متخافش، هتتحل إن شاء الله"
_________________________
في شقة «رياض» انتهوا من تناول الطعام و جلسوا سويًا يحتسون الشاي و يتسامرون معًا حتى وقف «يوسف» يقول بنبرةٍ هادئة:
طب عن اذنكم أنا بقى علشان يدوبك هروح أرتاح علشان عندي مشوار بكرة ضروري، عن إذن حضراتكم"
وقف الشباب بجانب بعضهم يودعونه و هو يبتسم لهم حتى اقترب من «وليد» يحدثه بنبرةٍ خافتة:
تعالى علشان العربية بتاعتك متتعبش و أنا بحرك عربيتي، مش هيفضلوا كدا في وش بعض كتير، دا حتى كدا غلط"
ابتسم له «وليد» باستفزازٍ ثم تبعه بعدما أخبر الجميع أنه سيحرك سيارته التي أغلقت على سيارة الأخر، نزلا سويًا نحو الأسفل فقام «يوسف» بركوب سيارته حتى يحركها للخلف لكنه في البداية قربها من سيارة «وليد» حتى أوشكت على صدمها لكن مهارته في قيادة السيارات جعلته يتحكم في الأمر على الحال ثم عاد للخلف و قبل أن يتحرك بها من أمامه نزل من السيارة و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
شوفت كله بالحنية بيمشي ازاي ؟! مكانش ليها لازمة تصد معايا خصوصًا لو اللي قدامك نفس طبعك، بتبقى وحشة أوي"
تجاهله «وليد» ثم أخرج هاتفه يقوم بفتحه بعدما أغلقه في الأعلى بينما الأخر أخرج سيجارته يشعلها ثم جلس على مقدمة سيارته ينفث هوائها خارج رئتيه فسأله حينها «وليد» بسخريةٍ:
هو الأستاذ مش هيروح ؟! يعني موقف العربية في نص الشارع علشان سيجارة !! محدش قالك إن كدا عيب ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
آه، محدش قالي، و بعدين عاوزني أشرب سيجارة و أنا بسوق علشان أولع !!"
قبل أن يرد عليه وصل لهاتفه عدة رسائل خلف بعضها متتالية بعدما التقطت بالتغطية، طالع الهاتف بتعجبٍ خاصةً مع رؤية رقم «عمار» قام بالاتصال فورًا حتى وصله رد الأخر متلهفًا و هو يقول:
إيه يا وليد !! انتم فين، يا بني تعالى أبوس راسك بسرعة"
سأله «وليد» بقلقٍ:
فيه إيه يا عمار كل دي مكالمات؟! حصل إيه ؟!"
رد عليه بايجازٍ يسرد الموضوع و أن «أحمد» انتهى به الأمر في الحجز داخل القسم و جلوسه في الخارج محاولًا التوصل لحلٍ و معه «خلود» تكبل حركته و تعاند الرحيل و كأنها لا تعرف سوى الأصرار و لا غيره من بديل.
اغلق «وليد» الهاتف في ثم أمسك رأسه بكلا كفيه معًا وقف مُشتتًا تائهًا في المنتصف لا يدري ماذا يفعل و كل ذلك كان «يوسف» يتابعه بعينيه حتى ركض إليه بخطواتٍ واسعة يمسك يده و هو يقول بنبرةٍ جامدة يحاول إخراجه من قوقعة تفكيره:
أنتَ كويس !! مالك ؟!"
انتبه له «وليد» و هو يقول بضياعٍ و تيهٍ:
أخويا !! أخويا مقبوض عليه و في الحجز !!"
اتسعتا حدقتي «يوسف» فورًا و في الحال سحبه نحو سيارته و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
يلا معايا، قسم إيه ؟! انطق قسم إيه بسرعة ؟!!"
رد عليه «وليد» بمكان القسم بعدما انتبه له فتحركت السيارة بسرعةٍ كبرى حتى أصدر احتكاكها بالأرض أسفلها صوتٍ عالٍ.
كانت «خلود» كما هي تجلس و عينيها تتابع القسم آملة في خروج أخيها لها و تعانقه و تتخلىٰ عن خوفها المُخيم فوق قلبها و يسكن بين ضلوعها، و «عمار» بجوارها يتابع مع صديقه الذي أخبره أن والده في إحدى مهام عمله و لكنه سيلحق به فورًا فأخبره بحلًا أخر حيث ذهب «عبدالرحمن» لعائلة الرشيد يخبرهم بما حدث حتى ذهب معه «طـه» على الفور دون أن يخبر أخوته بذلك.
أقترب هو منهما حتى نادى على ابنته بلهفةٍ و صوتٍ باكٍ جعلها تركض إليه و هي تبكي و تتشبث به و هي تقول:
يا بابا....أحمد جوة علشان خاطري اتصرف و خرجه"
احتضنها بين ذراعيه و هو يبكي على بكاؤها فتحدث «عبدالرحمن» مسرعًا:
بابا هيحاول يجي إن شاء الله و قالي هيكلم واحد صاحبه يتصرف، متقلقوش، بس أهم حاجة المدرس فين ؟!"
رد عليه «عمار» بثباتٍ:
فيه عسكري راح معاه المستشفى، أمين الشرطي بعته معاه، و هييجي بيه على هنا، و وليد زمانه جاي هو عرف خلاص"
تحدث «طـه» يوجه حديثه لابنته:
خلود !! روحي يلا، كدا مينفعش تفضلي هنا، هوقف تاكسي و أروحك علشان ماما متقلقش، الحمد لله مكانتش موجودة في الشقة، يلا يا خلود"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول ببكاءٍ:
مش همشي و أسيب أحمد، مش هتحرك خطوة من هنا، لو سمحت يا بابا سيبني علشان خاطري، مش هقدر اسيبه"
في تلك اللحظة اقترب منهما «وليد» بسرعةٍ كُبرىٰ يعدما لمحهم من نافذة السيارة فركض منها دون أن حتى يُغلق الباب أو يكترث به، اقترب منهم و هو يذكر اسمها بخوفٍ و لوعةٍ جعلتها تركض إليه و هي تبكي حتى أحتواها بين ذراعيه و هو يقول مُهدئًا لها:
بس...بس علشان خاطري، متعيطيش كدا، هيخرج كمان شوية و هيبات في سريره كمان، بس علشان خاطري"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول بصوتٍ باكٍ مختنقٍ:
أنا واثقة فيك و الله....أنتَ مش هتسيب أخوك صح ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها حتى ارتمت عليه من جديد و هي تجهش بالبكاء المرير، اقترب «يوسف» منهم بترددٍ ثم قال موجهًا حديثه لـ «وليد»:
هتعمل إيه ؟! هنفضل واقفين كدا كتير ؟؟ شوف صرفة و خليهم يروحوا"
نظر له «وليد» بتيهٍ و تشوشٍ و قبل أن يرد عليه وصل المعلم للقسم و معه مساعديه و أحد رجال الشُرطة.
دلف القسم فورًا و حينها تحدث «عمار» مُسرعًا:
هو دا المستر يا وليد، اللي راسه متعورة دا"
نظر «وليد» له ثم حرك رأسه موافقًا و ابتعد عن «خلود» التي تشبثت به أكثر و هي تتوسله أن لا يتركها و أن تذهب معه لأخيها، لم يجد بُدًا سوى الموافقة و خاصةً أنه يعلم العلاقة بينهما.
دلفوا جميعًا للقسم مع بعضهم بعدما قام «عبدالرحمن» بإخراج بطاقة والده و قام بالتعريف عنه و عن نفسه، دلفوا معًا للداخل يحاولون التوصل لأي شيءٍ.
_________________________
لاحظ «عامر» طيلة غياب «وليد» بالأسفل فتحدث بتعجبٍ:
هو وليد اتأخر كدا ليه ؟! هو بيحرك الجراج كله ؟!"
تحدث «حسن» بلهفةٍ:
مصيبة لا يكون ضرب يوسف تحت !! الاتنين شكلهم مش طايقين بعض"
تحدث «ياسين» بسخريةٍ:
لأ لو دا حصل كان عم مُسعد كلمني و قالي"
رد عليه «خالد» ساخرًا:
هيكلمنا ازاي و أبوك ساحب مننا التليفونات ؟! هو إحنا معزومين في بنزينة ؟!"
رفع «رياض» حاجبه له فاقترب «ياسين» من هاتفه يفتحه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
أنا هخالف القانون و افتح تليفوني أشوف وليد فين"
جلس بجانبهم حتى فتح الهاتف فوصلته رسائل محاولة المكالمات تعجب هو من ذلك المكان حتى تفاجأ بهاتفه يصدح برقم «وليد» أجابه ساخرًا:
جرى إيه يا أستاذ !! أنتَ فين كل دا ؟! طفشت ؟!"
رد عليه بانهاكٍ واضحٍ:
ياسين هات أبوك و تعالى قسم **** أحمد ضرب مدرس و محجوز في القسم"
أغلق «ياسين» الهاتف فورًا ثم اخبر والده بذلك الخبر حتى نزل الشباب مع بعضهم بركضٍ للأسفل و معهم «رياض» دون أن يخبرون «زهرة» و «خديجة» اللاتي وقفتا في المطبخ يتابعا العمل و الحديث معًا.
في قسم الشرطة جلس المُعلم في أحد الغرف و هو يطالب بالاسراع في عمل المحضر حتى يحصل على حقه، حينها قام «يوسف» بإعطاء مبلغ مالي لأحد أمناء الشرطة حتى يساعدهم في مقابلة «أحمد» و بالفعل حدث ما أراد و أخرج لهم «أحمد» في غرفة من غرف القسم الفارغة لكنه لم يسمح سوى لـ «وليد» و «خلود» فقط برؤيته، جلسا كليهما في انتظاره حتى دلف هو لهما بعدما ادخله العسكري، حينها ركضت إليه شقيقته و هي تبكي حتى حملها هو بين ذراعيه و هو يقول بأسفٍ لها:
أنا آسف و الله، حقك عليا بس أنا مقدرتش أمسك نفسي و هو بيغلط فيكي بقلة أدب، أنا مربيكي على إيدي و مقدرش أقبل حد يهينك، آسف على المرمطة دي"
ردت عليه هي بعدما ابتعدت عنه تطالعه بعينيها الباكيتين:
أنا اللي آسفة و الله، حقك عليا علشان اللي حصلك، و الله كنت خايفة إنك تتهور علشان كدا مقولتش ليك من الأول"
ربت على رأسها و هو يبتسم لها، بينما «وليد» وقف بجوارها حتى ارتمى عليه «أحمد» و رغمًا عنه نزلت دموعه تعصي أمره عليها بالثبات حتى أحتضنه «وليد» بقوةٍ و هو يقول:
حقك عليا و الله، لو أعرف أنك هتتصرف كدا مكنتش سيبتك لحظة، بس متخافش أخوك معاك مش هيسيبك و الله، طمني بس حد جه جنبك !!"
حرك رأسه نفيًا فأمسك «وليد» وجهه بين كفيه ثم قبل رأسه بعدها احتضنه و هو يقول بنبرةٍ مختنقة من شدة البكاء:
حصل إيه !! قولي علشان أعرف اتصرف، الحيوان دا برة هيعمل محضر ليك، قولي يمكن ألحق أوقفه"
قام «أحمد» بسرد ما حدث على أخيه و قص عليه الحوار بأكمله و كيف نشبت النيران في قلبه باستماعه لإهانة سمعة أخته بتلك الطريقة، تنهد «وليد» بقلة حيلة ثم قال:
متخافش !! هتخرج، عمو رياض زمانه جاي و أنا مش هتحرك من هنا من غيرك"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ خافتة:
روح خلود يا وليد، أنا مش هستحمل أنها تفضل هنا، روحها علشان ارتاح شوية"
ردت عليه هي باصرارٍ:
احنا نازلين من البيت سوا و هنروح سوا، مش هسيبك"
رد عليها هو بنفاذ صبرٍ:
يا بنتي بقى !! وجودك هنا كاسرني و مكتفني، على أخر الزمن دخلتك أقسام ؟! و عمار فين ؟! سابك و مشي ؟!"
رد عليه «وليد» مسرعًا:
عمار الله يكرمه لحد دلوقتي برة و كلم عبدالرحمن و أبوه، و مسبهاش لحظة لحد ما احنا جينا، بس هو عرف ازاي ؟! هو كان معاكم ؟!"
ردت عليه «خلود» بترددٍ:
صاحبه شغال في السنتر و هو اللي كلمه و قاله على اللي حصل علشان عارف إن أنا و أحمد تبعه"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ و حينها دلف العسكري يأخذ «أحمد» للحجز من جديد و الأخر يخضع له و لأوامره دون أن يتحدث بكلمةٍ واحدة فقط بكاء أخته و نظر «وليد» الذي تعلق به.
وقفوا جميعًا في الخارج بعدما وصل الشباب جميعهم حتى خرج لهم «وليد» و معه «خلود»، فاقترب منه «رياض» يسأله بلهفةٍ:
ها !! أحمد عامل إيه ؟! طمني"
رد عليه بقلة حيلة:
أكيد مش كويس، بس الحمد لله قالي إن محدش جه جنبه، سألت و أنا خارج عن المحضر قالولي إن الظابط لسه موصلش يحرر المحضر و المدرس جوة مستنيه و معاه اتنين شهود"
تحدث «رياض» يطمئنه:
متخافش طول ما الموضوع لسه موصلش النيابة يبقى كله سهل، عاوزين بس نقابل المدرس دا علشان نلحقه قبل ما الظابط ييجي، لو كتب المحضر مش هنعرف نتصرف"
تحدث «يوسف» أمرًا لـ «وليد»:
تعالى معايا، خليكم هنا انتوا يا جماعة، عن اذنكم"
أوقفه «حسن» بقوله المضطرب:
استنى بس !! أنا اترميت في الحبس و عارف الدنيا جوة عاملة ازاي، خدني معاك"
التفت له «يوسف» و هو يقول بسخريةٍ:
محسوبك شرف فيه ليالي، متخافش أنا حافظ إيه اللي هيحصل جوة"
اقترب منه «حسن» يقول بلهفةٍ:
معلش !! أحمد دا ليه غلاوة عندي غير الكل، عاوز أشوفه، معلش دخلني معاك و أنا هتصرف"
حرك رأسه موافقًا له فدلف ثلاثتهم للداخل و حينما طلب البقية الدخول رفض «يوسف» و «وليد» معًا، فيما جلسوا في الخارج و معهم «خلود» بين ذراعي والدها و كان «عمار» يتابعها بعينيه حتى انسحب من أمام الجميع حينما رأى رجفة كفيها و لون وجهها الشاحب، حينها اقترب من الكشك الصغير وقف هناك لمدة دقيقة تقريبًا ثم عاد من جديد و بجرأة لم يدري من أين اكتسبها أو كيف تصرف بها أمام الجميع جلس أمامها و هو يقول بصوتٍ رخيم:
خلود !! لو سمحتي قومي و فوقي كدا مينفعش، يا كدا يا تروحي"
خرجت من بين ذراعي والدها تطالعه بعينيها الباكيتين حتى قال هو بنبرةٍ أهدأ:
أحمد لو عمل حاجة فهو عملها علشانك أنتِ، و لما تقعي من طولك مش هيبقى حلو، يبقى الحل إنك تروحي أحسن، قعدتك هنا ملهاش لازمة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
لأ ليها، أنا مش هتحرك من غيره، أنا و هو نزلنا سوا و هنرجع سوا، لو روحتوني هاجي تاني، دا أحمد يعني كل حاجة ليا"
رد عليها هو بثباتٍ:
خلاص !! يبقى تاخدي مني العصير و المياه دي طالما عاوزة تفضلي هنا، يا كدا يا أخلي ياسين يروحك، ها !! مفيش حل تالت قدامك و لا إيه يا عم طه؟"
نظر له «طــه» بثباتٍ ثم قال:
صح يابني، عمار كلامه صح يا خلود، طالما مش عاوزة تمشي يبقى أشربي العصير علشان متقعيش مننا، يا كدا يا أروحك"
حركت رأسها موافقةً ثم أخذت من يد «عمار» زجاجة العصير و زجاجة المياه، فرفع حاجبه و هو يقول بتهكمٍ:
أنتِ بتشتغليني !! اشربي...يا ياسين !! يا ياسين بيه "
رفع صوته و هو يلتفت خلفه حتى ابتسمت هي رغمًا عنها من بين دموعها فقال هو بنبرةٍ هادئة:
اشربي علشان خاطر أحمد حتى لما يخرج يلاقيكي كويسة و ميحسش بالذنب"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ، بينما «طــه» ابتسم بهدوء لها و هو يراها تستمع لحديث «عمار» تلك العنيدة التي تتمسك برأيها و لا يستطع أيًا منهم مجادلتها أتىٰ «عمار» و استطاع فك ذلك اللُغز !! حتى أنها لم تجادله بل انصاعت و اقتنعت بما قاله هو، كان يوزع نظراته بينهما حتى لاحظه «عمار» فوقف بعدما حمحم بخشونةٍ ثم قال بتوترٍ من فعله:
أنا متأسف بس أحمد موصيني قبل ما يدخل أني أخلي بالي منها، و أنا اعتبرتها أمانة لحد ما يخرج، عن اذن حضرتك يا عمي"
تحرك من مكانه ثم وقف بجوار أخيه الذي ابتسم له بحزن ثم احتضنه و هو يعلم بما يشعر أخيه حتى أنه رآى الخوف في عينيه في تلك اللحظة فأحضتنه يبثه بعد الأمان المفقود له.
بينما «ياسين» جلس بجوار «طــه» يربت على كتفه و هو يؤازره في تلك المحنة و خاصةً أنه لم يملك أي حِيْل تساعده للوصول لابنه مثلما يفعل الشباب و كذلك حال «طارق» و «وئام» وقفا بثباتٍ واهٍ يتنافى مع خوفهم على أخيهم لكنهما قررا الثبات حتى يخرجوا لهم بأخيهم.
_________________________
في الداخل وقف «حسن» مع الشباب يسأل عن عدة اشياءٍ غير متناسبة مع بعضها و كأنه يسأل عن سير العمل في القسم، حتى اقترب منه أحد أمناء الشرطة و هو يسأله بنبرةٍ جامدة:
أنتَ عاوز إيه يا جدع أنتَ !! بقالك ساعة بتتكلم و كلت دماغي و دماغ العساكر، عاوز إيه"
أقترب منه «حسن» ثم حرك رأسه يُمنةً و يُسرىٰ ثم مال على جيب سترته يضع بها النقود و هو يقول بصوتٍ بخافتٍ:
أنا جاي اسأل عن الايجار المفروش، ضروري لحبيبك"
اخفض الرجل رأسه نحو سترته ثم رفعها يسأله بثباتٍ:
قد إيه !!"
_"هما ساعتين"
رد عليه «حسن» بإيجازٍ فرد عليه الأخر مقررًا:
هي نص ساعة و تخرج تشوف حالك تاني، مش ناقص قلبة دماغ"
اقترب منه «حسن» يحضتنه ثم وضع في جيبه ورقةً أخرى و هو يقول بهدوء:
هما الساعتين لحد ما يخلصوا الحوار و أروح مع أخويا، متكسفش حبيبك بقى، هبقى زبونك هنا"
ابتعد عنه الرجل و هو يغمز له ثم رفع صوته و هو يقول بنبرةٍ عالية:
أنتَ بتعلي صوتك عليا !! و جاي تهزر ؟! طب أنا هرميك في الحجز علشان تتربى، قدامي يالا"
حرك رأسه موافقًا ثم مال عليه يقول هامسًا:
لأ متكترش علشان أنا قليل الأدب، بس كله يهون علشان خاطر الغالي"
سحبه أمين الشرطة من ذراعه ثم قام بفتح الحجز و دفعه بالداخل، و على عكس المفترض كان «حسن» يشعر بالسعادة نتيجة رؤيته لصديقه و رفيقه و أخيه، لاحظ «أحمد» وجوده فهب منتفضًا و هو يقول بتعجبٍ:
حسن !! بتعمل إيه هنا ؟! إيه اللي جابك ؟!"
احتضنه «حسن» و هو يقول بلهفةٍ:
أنتَ كويس !! طمني عليك ؟! حد هنا زعلك أو عملوا عليك حفلة ؟!"
حرك رأسه نفيًا و سأله من جديد:
لأ الحمد لله، بس قولي جيت هنا ازاي ؟! أوعى تكون عملت مصيبة علشان تدخلي هنا !!"
ابتعد عنه ثم قال بمرحٍ:
أجرت مفروش علشانك، هو أنا عندي أعز منك ؟!"
ابتسم له «أحمد» ثم سأله بتعجبٍ:
هو أنتَ عرفت حكاية مفروش دي منين ؟! كان لسه واحد بيحكي إن أخوه بيدخله كدا"
رد عليه بسخريةٍ:
أنتَ ناسي أني مبيت في الحجز قبل كدا ؟! دي حلاوة إن يكون معاك حد صايع، المهم أنتَ كويس ؟! طمني عليك"
رد عليه بلهفةٍ:
كويس علشان شوفتك يا حسن، أنا كنت خايف أوي لحد ما أنتَ جيت، طمني المدرس جراله حاجة ؟!"
رد عليه بضجرٍ:
متلقح برة في أوضة الظابط لحد ما ييجي علشان المحضر، بس متخافش وليد و عم رياض و يوسف برة بيحاولوا"
حرك رأسه موافقًا لكنه انتبه لتوه على ذِكر اسم «يوسف» فسأله بتعجبٍ:
مين يوسف !!"
وضع يده على كتفه و هو يقول بنبرةٍ مرحة يحاول تغيير حالته:
يوسف دا صاحب ياسين، و بما إننا فاضيين تعالى يا سيدي احكيلك بقى مين يوسف"
جلسا بجانب بعضهما لكن «احمد» خارت قواه و لم يعد يقوى على الثبات و الصمود أكثر من ذلك حتى رفع «حسن» ركبتيه ثم وضعه عليهما و هو يربت على ظهره بحنانٍ و هدوءٍ ثم قال بسخريةٍ:
الجاكيت الـ Bump لو اتقطع هاخد حقه منك، هدير ممكن تزعلنا فيها دي"
ابتسم «أحمد» بسمة طفيفة لم تصل إلى عينيه حتى ربت «حسن» على ظهره و هو يقول بنفس السخرية:
شوفت البنات اللي بينزلوا صورهم بالبناطيل و الفساتين و يكتبوا فوقها:
I Can do both !!"
ابقى فكرني انزل صورتنا في المكتب و صورتنا في الحجز هنا و نبقى can do both احنا كمان، هما أحسن مننا يعني؟!"
رفع «أحمد» رأسه و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
أنتَ جيتلي نجدة من السما !! جيت في وقتك تهون عليا الصعب و المر يا حسن، ربنا يخليك ليا يا رب"
رد عليه «حسن» بقلة حيلة:
ياض أنتَ أخويا و صاحبي، شيتلك على أيدي من و أنتَ صغير و كنت متعلق بيك أوي، مقدرش أسيبك لوحدك هنا و قلبي بياكلني من خوفي عليك"
لمعت العبرات في عيني «أحمد» فربت «حسن» على ظهره ثم رفع كفه يحتضنه بين كفيه و هو يدلكه له حينما وجد البرودة تسري في جسده.
_________________________
في غرفة ضابط الشرطة الخالية من وجوده جلس «وليد» و «يوسف» مع المُعلم و معهما «رياض» كان المعلم بمفرده معهم حتى تحدث بنبرةٍ جامدة:
ريحوا نفسكم أنا مش هتنازل، دا عيل صايع و قليل الادب فاكر نفسه بلطجي، البلد دي فيها قانون، و حقي مش هسيبه"
تحدث «رياض» بنبرةٍ جامدة هو الأخر أقرب للانفعال:
ما إحنا بنقولك نحلها ودي و خلاص، دا شاب في جامعة، و أظن أنتَ اللي غلطت الأول لما قليت أدبك على أخته و دي قضية تشهير قدام الطلاب، بتهين بنت في سمعتها و شرفها، يبقى نخلص علشان سمعتك أنتَ حتى قبل الكل"
تحدث المعلم رافضًا المناقشة:
قولت لأ، و اهانتي قصاد طلابي ؟! و تعبي ؟! تعرف إن الدكتور كاتبلي راحة و علاج ٢١ يوم ؟! يعني خسارة كمان مالية"
رفع «وليد» حاجبه و هو يقول بتهكمٍ يسخر منه:
٢١ يوم ليه ؟! فيه كلب عضك ؟! و بعدين أنتَ اللي بدأت لما غلطت في أختي و قليت أدبك عليها، عاوزه يجي يغسلك رجلك بعدها !! حط نفسك مكانه لو استحملت تبقى لامؤاخذة بقى"
رد عليه بصوتٍ عالٍ:
قولت هعمل محضر و الظابط زمانه جاي، أنا مش هسيب حقي، و حقي راسي اللي اتفتحت دي، و هخليه يعتذرلي قدام الطلاب كلهم، أنا مغلطتش، أنتَ اللي أخواتك مش متربيين"
وقف «وليد» ثم اقترب منه بثباتٍ و هو يقول بتريثٍ حتى يحل تلك المعضلة:
معاك حق، علشان كدا أنا بعتذرلك عن أسلوب أحمد و عن اللي حصل"
عقد «يوسف» ما بين حاجبيه فيما نظر له «رياض» بتعجبٍ حتى وجده يمسك رأسه بيديه و هو يقول بثباتٍ:
و راسك أنا هحب عليها، علشان أحمد غلط لما ضربك، كان المفروض يجيب أجل اللي خلفوك و يتاويك في الطريق زي كلاب السِكك بعد ما يكسر دماغك"
اتسعتا حدقتي المعلم حيث وجد «وليد» يلكمه برأسه بقوةٍ في وجهه حتى ترنح جسده للخلف فأمسكه من ثيابه و هو يقول بنبرةٍ جامدة بعدما حاول «يوسف» أبعاده عنه:
اقسملك بالله لسانك لو جاب سيرة أخواتي لأكون دفنك هنا، و ساعتها بقى مش هيبقى علاج ٢١ يوم، دا هيبقى علاج للأبد، علاج ملوش وقت، بتموت بيه زي الملعون كدا"
مسح المعلم وجهه و هو يقول صارخًا في وجهه:
أنا مش هسيبكم، و الله العظيم هاخد حقي منك و من الصايع التاني، و هقول للكل إنك اختكم بنت فاشلة و إخلاقها مش كويسة"
أبعده «رياض» ثم أمسكه من تلابيبه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
اسمع ياض أنتَ !! أنا عمال اقول شاب صغير و من دور ابني، بس واضح إنك قليل الأدب و اللي زيك مينفعش حتى يكون مدرس في مدرسة رقص، متنساش إنك مش مدرس"
طالعه بريبةٍ فتدخل «يوسف» يبعد «رياض» عنه ثم مال عليه و هو يقول بثباتٍ:
زي ما سمعت كدا، أنتَ مش مدرس من الأساس، يعني اسمك مش في نقابة المُعلمين، و ملازمك من غير رقم إيداع و عليك تهرب ضريبي، دا غير إنك مُزور كبير على أبوه"
سأله بتعجبٍ:
مزور !! مزور إزاي يعني ؟!"
تحدث «وليد» بتهكمٍ:
هي دي اللي فرقت معاك !! كل الزبالة اللي عدت دي موجعتكش و مزور دي هي اللي تعبتك ؟!"
غمز له «يوسف» بثباتٍ ثم قال:
هعرفك ازاي مزور !!"
عقد المعلم ما بين حاجبيه و قبل أن يدرك ما يحدث فاجئه «يوسف» حينما سحب اللاصق الطبي من على رأسه و معها الشاش لتظهر رأسه بجرحٍ بسيطٍ في رأسه، لكنه قام بتزوير التقرير حتى تصبح تلك المشاجرة جُنحة قانونية يحصل «أحمد» من خلالها على حكمٍ يتراوح ما بين العام إلىٰ ثلاثة أعوام، هكذا ظن أن خدعته ستنفك على الجميع حينما تحايل عليهم بنصوص القانون مستغلًا أحد القواعد الهامة و هي:
[القانون لا يحمي المغفلين]، لكنه لم يعلم أن القانون تم وضعه لحماية حقوق من لم يملكون حول و لا قوةٍ، لذلك قرروا استخدام أساليبه لردعه عن استكمال الباقي، فتحدث «يوسف» بثباتٍ:
قولي كدا يا وليد !! إيه اكتر عنوان يفرقع التريند و يخلي الباشا يبقى مسمع في مصر كلها"
فهم «وليد» عليه فورًا فتحدث بنبرةٍ ثابتة يتكأ على حروف كلماته باللغة العربية الفصحىٰ:
مُعلم لاحدىٰ الصفوف الثانوية يتعدى على إحدى طالباته لفظًا و حينما دافع عنها شقيقها تطاول بينهما الموضوع حتى أصبح شقيقها مثالًا للشرف و النزاهة أمام عديمي النخوة و المروءة"
أبتسم «يوسف» بانتصارٍ ثم قال بهدوء:
سمعت !! عديم النخوة و المروءة، إيه رأيك ؟! تحب نذيع"
رد عليه مُسرعًا:
بس أنا معتدتش على حد !! دا كدا كدب و تزوير و تشهير بيا"
تدخل «وليد» يقول بسخريةٍ انهاها بوقاحته المعتادة:
الله !! طب ما أنتَ كنت بتشَهر بأخواتي !! و بعدين هو أحمد يعني اللي ضربه كتير أوي كدا علشان الموضوع ياخد ٢١ يوم ؟! بعدين دا دكتور أهطل اللي ضربلك التقرير دا، كان بحبحها شوية و خلاها شهر تبقى مبلوعة، مع إن شهر كتير، دا لو اغتصبك مش هتاخد علاج شهر"
حاول «يوسف» كتم ضحكته ثم ربت على كتف «وليد» و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص، مشيها تحرش"
تحدث المعلم في تلك اللحظة يقول منفعلًا:
أنتَ عاوز إيه أنتَ و هو !!"
قبل أن يرد عليه أيًا منهما أو «رياض» الذي تابعهما باعجابٍ فتح باب الغرفة و طل منه أحد العساكر و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
سيادة العقيد عز وصل برة، داخل ليكم"
ابتسم «وليد» بانتصارٍ ثم قال:
حظك حلو العقيد عز بنفسه هيحل المشكلة، مكتوبالك"
دلف والد «عبدالرحمن» بثباتٍ و هيبة تتناسب مع وقاره و عمله، دلف الغرفة لهم و هو يقول بثباتٍ:
مساء الخير يا جماعة !! ها إيه المشكلة ؟!"
_________________________
نام «أحمد» بين ذراعي «حسن» و الأخر يحرسه و كأنه السد المنيع الذي بُني لحمايته، و هو يفكر هل استطاعوا في الخارج حل تلك المشكلة أم لا، و قبل أن ينغمس في تفكيره تفاجأ بـ باب الحجز يفتح من قبل أمين الشرطة و هو يذكر اسم «أحمد» هب «حسن» منتفضًا حتى فُزِعَ «أحمد» في نومه و وقف هو الأخر، فأخذهما الشرطي للخارج نحو غرفة الضابط.
دلفا كليهما فركض «وليد» عليهما يطمئن على هيئتهما الخارجية سويًا و حينما اطمئن احتضن كلًا منهما علىٰ حِدة فتحدث «رياض» براحةٍ:
الحمد لله الموضوع خلص على خير و البركة في والد عبدالرحمن خلص كل حاجة بس هو خرج برة، يلا بقى علشان نخرج من هنا"
تحدث «أحمد» بلهفةٍ:
بجد !! يعني أنا مش هبات هنا ؟! هروح معاكم ؟!"
رد عليه «يوسف» بثباتٍ:
الحمد لله، وراك رجالة يا أحمد، حمدًا لله على سلامتك، يلا بقى خلينا نخرج، إيه يا حسن ؟! مش هتاخد خلو رجل ؟!"
وجه حديثه لـ «حسن» يمازحه فيما وضع «حسن» يده على كتف «أحمد» و هو يقول بثباتٍ:
كله فِدا عيون أحمد، المهم إنه يخرج من هنا بألف سلامة، يلا بقى الجاكيت هيتقطع يا جماعة"
في الخارج خرج المعلم فورًا مع مساعديه و خلفه «عز» والد «عبدالرحمن» طمئن الجميع بحديثه و أن كل الأمور على ما يرام، فتحدث «طه» يعتذر منه بقوله:
أنا متشكر لحضرتك جدًا و متأسف على تعبك و تعب عبدالرحمن، دا جميل في رقبتي العمر كله"
رد عليه الرجل بودٍ:
لأ متقولش كدا يا أستاذ طه، و بعدين أظن يعني إن العلاقات بينا مش محتاجة رسميات كدا، عبدالرحمن فرحان معاكم و حاسس إنه مش غريب و دي عندي بالدنيا"
اقترب منه «ياسين» و هو يقول بهدوء و لباقةٍ:
بس منصب حضرتك برضه حساس و أكيد حاجة زي دي غلط، إحنا مش عاوزين نتسبب في ضرر"
ابتسم له و هو يقول:
اطلاقًا، أنا بشوف شغلي، و بعدين أحمد لا هو مجرم و لا هو صايع علشان اتضر، أحمد صاحب حق و موقفه شجاع، أي راجل عنده نخوة مكانه هيتصرف كدا، هو بس محتاج يهدا شوية، على العموم الحمد لله عن اذنكم"
رد عليه الجميع التحية فتحرك هو و خلفه ابنه مباشرةً بعدما ودع الجميع و عانق رفيقه يودعه.
خرجوا جميعًا من قسم الشرطة للخارج حيث مكان وقوفهم ينتظرونهم حتى خرج «أحمد» أولًا بلهفةٍ يبحث عنها بعينيه حتى التقطته هي فورًا و ركضت إليه و هي تضحك بملء شدقيها و كأنها زهرةً ترقص فرحًا بالتقاء الأمطار، عانقها هو بقوةٍ و تلك المرة بحريةٍ ثم قبل رأسها و رفع كفها يقبله و هو يبتسم بسعادةٍ، حتى تحرك له «طه» يحتضنه و هو يقول بقلبٍ ملكومٍ على فلذة كبده:
يا حبيب أبوك و روحه، الحمد لله يا رب أنه خرجلي بالسلامة، الحمد لله يا رب"
احتضنه «أحمد» ثم قبل كتفه و هو يقول بصوتٍ منكسرٍ:
أنا أسف و الله حقك عليا، متزعلش مني يا بابا"
ربت على ظهره و هو يقول:
بس متقولش حاجة، الحمد لله إنك معايا و في حضني، الحمد لله يا حبيبي"
اقترب منهم البقية و كانا «يوسف» و «وليد» بجوار بعضهما حتى اقترب منهما «ياسين» يسألهما بنبرةٍ هادئة:
ها !! اخباركم إيه ؟! ضربتوا كام حد جوة ؟! ما أنا عارف الدماغ دي لما تتقابل مع اختها يولعوا في الدنيا كلها"
ابتسما كليهما له فتحدث «حسن» مسرعًا:
عن اذنكم بقى علشان تيلفوني فصل و مراتي في البيت لوحدها، حمدًا لله على سلامته يا عم طـه، عن اذنكم"
اقترب منه «وليد» يقول ممتنًا له:
ألف شكر يا حسن، ربنا يخليك لينا يا رب، كفاية إنك مسيبتش أحمد في الحجز لوحده"
ضربه على وجهه بخفةٍ و هو يقول بسخريةٍ:
يا شيخ !! بطل هطل يالا، من إمتى الأخوات فيه بينهم شكر !! سلام علشان اتأخرت و هدير زمانها عملت حداد عليا"
ابتسم له «وليد» فتحرك هو مسرعًا بعدما ودع الشباب، أما «يوسف» فقال بنبرةٍ هادئة:
الحمد لله إن الموضوع خلص على خير، ربنا يديم ستره عليك، و يبعد عنك ولاد الحرام اللي زي المدرس دا"
اقترب منه «ياسين» يعتذر منه و هو يقول بخجلٍ:
حقك عليا يا يوسف، معلش بقى ضيعت عليك اول يوم في الأجازة، ربنا يكرمك يا رب"
ابتسم له و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتَ أخويا يا عم، و بعدين أنتَ أكلتني ورق عنب، يعني تاخد كليتي مش هتكلم عادي"
أقترب في تلك اللحظة «وليد» منهما و هو يقول ممتنًا له:
أنا عاوز أشكرك، أنا روحي في أخواتي و مليش غيرهم، بس وقوفك معايا كان كبير أوي في حقي، شكرًا يا يوسف"
ابتسم له «يوسف» ثم قال بثباتٍ:
مش عاوز شكر، هشيلك للتقيلة، شكلي كدا يوم ما احتاجك هلاقيك، صح ؟!"
سأله بحذرٍ و تخمينٍ حتى رد عليه «وليد» مؤكدًا حديثه:
برقبتي، أفديك برقبتي طبعًا"
ربت على كتفه ثم قال:
بعد الشر عن رقبتك، بس إن شاء الله لو احتاجتك هلاقي واحد يدافع عني زيي بالظبط، أصل تربية ياسين مش واكلة معايا، أنا بموت في الناس قليلة الأدب، لامؤاخذة، أصل أنا محدش كان فاضي يربيني"
أبتسم له «وليد» ثم مد يده يعانق يد الأخر و هو يقول:
اقدملك وليد الرشيد، أبويا كسل يربيني"
تعانق كفيهما سويًا و كلًا منهما ينظر للآخر بثباتٍ و بسمةٍ هادئة تنذر أن القادم لم يكن خيرًا البتة، و كأنه تحالف جيشين بأكملهما ضد عدوٍ مستعار الهوية، إذا تحالفا عليه معًا سيؤديان بحياته.
________________________
وصل «حسن» شقته مسرعًا بعدما تركها بمفردها و مراعاةً لخوفها ركض إلى الشقة ظنًا منها أنها ستجلس مع خوفها لكنه ضربت بمخيلته عرض الحائط حينما دلف الغرفة الجديدة الذي قام بتغييرها، اشرأب برأسه من الباب بعدما فتحه مسافةً قليلة فوجدها مندمجةً مع التلفاز و أمامها طبقٌ كبير الحجم به "فشار" و الإضاءة مُغلقة و فقط قامت بتغشيل الإضاءة الخافتة، وقف يراقبها و هو يبتسم بسعادةٍ، أما هي فتحدثت بضجرٍ:
ادخل يا حسن ربنا يهديك، تعالى يا بابا، تعالى"
دلف هو بوجهٍ ممتعض و هو يقول بسخريةٍ و تهكمٍ:
يخربيت ثباتك الانفعالي !! واقف كل دا و متأثرتيش حتى ؟!"
حركت رأسها نفيًا حتى جلس هو بجوارها فارتمت عليه تعانقه و هي تبتسم بسعادةٍ و سرعان ما ابتعدت عنه و هي تقول بحنقٍ:
ريحتك سجاير !! و سجاير معفنة كمان، إيه القرف دا"
رد عليها هو بسخريةٍ:
علشان كنت في التخشيبة، عاوزاها تبقى سجاير نضيفة ازاي ؟! دا عفروتو لوحده شارب علبتين في ساعة"
رمشت هي ببلاهةٍ و هي تسأله:
أنتَ بتقول إيه !! هو عمو رياض كان عازمكم في غُرزة و لا إيه ؟! حسن أنتَ سكران ؟!"
رد عليها بسخريةٍ:
من ساعة ما حبيتك و أنا مسطول و الله، أنا ماكنتش كدا"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فقال هو بنبرةٍ هادئة:
بصي !! بجد اعتبريني مسطول و الله، الواد اللي كان جنبي كان بيشرب سيجارة غريبة، أنا دماغي خفيفة، هو شرب و أنا اتسطلت، ماشي !!"
_"ماشي !! يابني هو أنتَ جاي من درس فيزيا !! تخشيبة إيه و واد مين ؟! حسن مالك يا بابا !!"
سألته هي بتعجبٍ من حالته حتى وضع رأسه فخذيها و هو يقول بصوتٍ ناعسٍ يغلب عليه التيه:
ما تحضنيني يا هدير"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ حتى تثاءب هو بقوةٍ ثم قال بصوتٍ خافتٍ:
هدير...؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
نعم يا حسن !! خير حضنتك أهو عاوز إيه تاني ؟!"
رد عليها هو بتيهٍ:
أنتِ و عيونك حلوين أوي، هو أنا كنت عايش ازاي قلبكم ؟!!"
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم وضعت كفها في رأسه و هي تقول بقلة حيلة:
للأسف ماكنتش عايش يا حسن، أو أنا اللي كنت ميتة، مش عارفة مين فينا اللي لحق التاني أنا و لا أنتَ !!"
لم يستمع هو لجملتها حيث ذهب في ثباتٍ عميقٍ بينما هي ابتسمت بهدوء ثم أخفضت صوت التلفاز حتى لا تزعج نومه العجيب و لكنها انتبهت لتوها لما قاله حتى تحدثت ببلاهةٍ:
تخشيبة !! هو قال إنه كان في تخشيبة ؟!"
_________________________
توقفت سيارة «يوسف» أسفل شقة «رياض» و كان معه في السيارة «وليد» و «ياسين»، نزلوا من السيارة و كذلك السيارات الخلفية لهم نزلوا منها جميعًا، فتحدث «طارق» مسرعًا:
يلا يا عم طـه، يلا هوصلكم البيت و وئام و وليد يروحوا سوا، يلا علشان أحمد و خلود يرتاحوا"
حرك رأسه موافقًا له ثم شكر الشباب جميعًا و رحل مع ابن أخيه و ابنائه، و الشباب أيضًا قاموا الرحيل بعدما ودعوا البقية حتى ظل «يوسف» و «ياسين» و «وليد» و «وئام» معهم.
تحدث «يوسف» بنبرةٍ مرحة:
عن اذنكم بقى علشان أنا راجل نازل في فندق و يدوبك أروح، أنا محلتيش غير سُمعتي"
رد عليه «ياسين» بسخريةٍ:
طبعًا بإمارة العيون السودا !! روح نام يا يوسف"
ابتسم له «يوسف» و قبل أن يرحل صدح صوت هاتف «ياسين» برقم والده ففهم على الفور طلب والده حينها اقترب من المصعد يفتحه و يأخذ ما به، ثم عاد لهم من جديد و هو يمد يده لـ «يوسف» و يقول:
دي حاجة بسيطة تتسلى فيها لحد ما تروح"
مد يده له بعلبة طعامٍ قامت «زهرة» بتحضيرها له، أخذها هو منه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هاخدها علشان أنا نقطة ضعفي أكل البيت، ألف شكر يا ياسين، و ابقى أشكرلي والدتك"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم له، فتحدث «وليد» مُسرعًا:
هو أنتَ هتمشي على شغلك إمتى ؟!"
رد عليه بحيرةٍ:
همشي بعد ٩ أيام كدا، ليه خير"
اقترب منه يقول بثباتٍ:
طالما كدا بقى !! اسمحلي اعزمك على ماتش كورة ؟! و تقضي الأيام اللي هنا برعاية عيلة الرشيد ؟! إيه رأيك ؟!"
ابتسم له «يوسف» و هو يقول بعد تفكيرٍ لم يدم طويلًا:
عرض مُغري، و أنا شخص انتهازي أوي بستغل العروض، موافق"
مد «وليد» يده له بعد موافقته و هو يقول بثباتٍ طالبًا منه إثبات العهد:
يبقى دا تاني عهد بينا، بعد عهد إنك لو احتاجتني هتلاقيني"
عانق كف «يوسف» كف «وليد» بنفس الثبات و نفس الملحمة التي تدور بين نظراتهما حتى مال «ياسين» على أذن «وئام» يهمس بخوفٍ زائفٍ:
اقولك على حاجة !! أنا خايف أوي من التحالف دا"
رد عليه «وئام» بثباتٍ يتنافى مع هزل كلماته الساخرة بمرحٍ:
عيب يا ياسين، خوف إيه يا جدع بس ؟!.... المفروض تموت من الرعب، دول الخبث و الخبائث مع بعض"
طالعه «ياسين» بتعجبٍ فأومأ له «وئام» بأهدابه ثم أضاف مؤكدًا بنبرةٍ هامسة:
اقسملك بالله أني خايف أكتر منك، لو تعرف تطمني أكون متشكر ليك و لكرم أخلاقك "
حرك «ياسين» فمه يمينًا و يسارًا بتهكمٍ فمن المؤكد أن ذلك التحالف لن يفيد بشيءٍ سوى الدمار لأعصاب الجميع.