تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم شمس بكري
جميلةٌ هي عيونها...تُشبه السماء بِـ نجومها"
_________________________
سِرٌ أرّقَ ليلي و أتعب مضجعي، سرٌ كتمته ليكون سببًا في الوجعِ، ليتردد حالًا في ذهني هل جديتُ من البوح نفعِ؟ أم أنك فقط تُخالف السَمعِ؟ و لكن كيف لي أن أقص ذلك؟ كَيف لي أقول أنني مُرهقًا بما يعتل به قلبي لكنه يفيض مِن عيناي؟ كيف لي أقول أن البوح لن يُفيد و الشكوى لن تُجيد؟
تنفس هو بحدة و كأنه النفس الأخير ثم قال مُفسرًا:
افهمي يا دكتورة !! واحد مدمن مخدرات واخد حقنة و دماغه وزته على واحدة، يبقى إيه؟!"
شهقت هي بقوةٍ بينما هو أخفض رأسه خجلًا منها و في تلك اللحظة لعن نفسه و حظه و تسرعه على البوح بذلك السر، بينما هي تابعت رد فعلها بقولها بقولها:
ازاي ؟! لازم تحكيلي كل حاجة حصلت، و لازم كل التفاصيل، أي حاجة زي دي لازم أكون عرفاها، احكي يا وليد"
رد فعلها المُبالغ به جعله يشعر بالخوف و أرشده إلى ثِقل ما يحمله في قلبه، لذلك سحب الهواء داخل رئتيه و كأنه يُخرج نفسه الأخير، ثم رفع رأسه لها مُجددًا و هو يقول بصوتٍ مُهتز الوتيرة و كأن نبرته تهتز بين الصمت و السرد و هو يقول بصوتٍ موجوعٍ:
أنا حاربت نفسي علشان أقدر أطلع حاجة زي دي..... و أحكيهالك..... متعرفيش حصل فيا إيه علشان أخرج حاجة زي دي من جوايا"
ردت عليه هي بتفهمٍ:
فاهمة، بس ياريت تخرج كل حاجة جواك و تقولهالي، أنا لا يمكن آذيك"
حرك رأسه موافقًا ثم رفع كفه يمسح دموعه ثم قال بنفس الصوت المتقطع الذي تحشرج من اختناق البكاء من تلك الأحداث التي جاهد حتى ينساها:
يومها كانت أول مرة أخد حُقنة..... لما لقيت الوجع زاد في جسمي و قربت أصرخ قدام البيت كله....روحت لـ عمرو و قولتله أني مش قادر أستحمل....ساعتها قالي..."
توقف عن الحديث حينما تهدج صوته و أنضمت جفونه تخفي أسفلها مُقلتاه التي حاوطهما الإحمرار، بينما هي كانت على علمًا بكل ذلك، لذلك تحدثت تحثه على الاسترسال بقولها:
كمل يا وليد، ها حصل إيه بعد كدا ؟؟ افتكر إن كل حاجة هتخرجها بتقربنا خطوة لعلاجك و للتعافي، كمل !!"
حرك رأسه موافقًا ثم فتح عينيه بتروٍ و هو يقول بنفس التحشرج الذي غلق نبرته:
ساعتها قالي إن اللي موجود حُقن بس، و سعرها أغلى من البرشام بس مفعولها جامد و هيقعد أطول..... الفلوس ساعتها كانت معايا...قعدت جنبه و علمني إزاي أخدها و عرفني الطريقة لما ادهالي أول مرة.....خلصت سهرتي معاهم و روحت البيت ساعتها....."
توقف عن استطراد حديثه ثم تابع من جديد بقوله:
رَوحت الفجر و البيت كله كان نايم.....قعدت على السرير جسمي كله مشلول و مش حاسس بيه.....روحي طايرة في السما و حسيت إني عاوز أكمل الجو دا بحاجة تانية.....دماغي أول حاجة رسمتها عبلة و هي معايا...."
كانت هي تنصت له بكامل طاقتها و تركيزها و هي تتابع تعبيراته الجسدية التي انعكست على هيئته نتيجة حديثه، و اتضح ذلك من خلال ارتجافة شفتيه و ارتعاشة كفه الذي وضعه على يد المقعد، و حركة عينيه التي جالت في العيادة بأكملها هروبًا من النظر إليها و مواجهة نظراتها و كأنه يرى الماضي مُتجسدًا أمام ناظريه، فتابع من جديد مُستطردًا حديثه بـقوله:
لقيت دماغي عمالة تجيبلي صور بَشعة و كل صورة فيهم عاوزة الحرق للي يفكر فيها، حاولت أنام و أهدى، بس مقدرتش أسكت دماغي و حسيت إن اللي جوايا بيزيد، ساعتها خرجت التليفون أكلم "عمرو" أسأله ليه المرة دي كدا؟! ساعتها قالي إن النوع دا بيعلي و بيطلب حاجات تانية، و أحسنلي أتصرف..... ساعتها رميت التليفون و أنا عمالة ألف في الأوضة بحاول أسكت نفسي و لما مقدرتش كسرت كل حاجة فيها..... و اللي صحي على الصوت دا كان وئام......"
بكى عند وصوله لتلك النقطة في حكايته، لم يتخيل أن البوح يؤلمه بتلك الطريقة، فماذا إذًا بالكتمان، حرك رأسه ينظر لها و الدموع تعرف سبيلها على وجنتيه و كأنها تشق ذلك الطريق لمرتها الأولى، فتحدث بصوتٍ باكٍ:
مش هقدر أكمل !! صعب....صعب احكي حاجة مضيعة مني حياتي كلها..."
حثته هي بقولها الجامد الذي لا يقبل المُناقشة:
لو مش علشان وليد القديم، يبقى علشان الجديد يرتاح، و لو هما مش فارقين معاك، عبلة أكيد فارقة معاك !!"
حرك رأسه موافقًا بعدما أغلق عينيه ثم عاد بذاكرته لذلك اليوم المشئوم كما يلقبه هو
(منذ عدة أعوامٍ)
دار «وليد» الغرفة بأكملها مثل الأسد الجريح محاولًا كبح جماح طاقته و خاصةً مع تلك الخيالات التي هيئها له عقله مع حبيبته، و حينها أمسك كل الأشياء التي قابلته يقوم بتدميرها، حتى انقلب كل شيءٍ رأسًا على عقبٍ، سمع أخيه أصوات التكسير و الجلبة التي أحدثها بالغرفة، ففتح الباب بقوةٍ و قبل أن يُصيح به يُعنفه على ذلك ظنًا منه أنه يشاهد التلفاز، لكنه أنصدم حينما وقع بصره على الغُرفة المُدمرة كُليًا، حتى استقر بصره أخيرًا على أخيه يرتمي على الأرض بجوار الفراش في وضعٍ تُدمىٰ القلوب دمعًا عليه، حيث وجده يضم ركبتيه إلى جذعه العلوي و كفيه يمسك بهما رأسه و كأنه بذلك يُحد من كل ما فعلته به و هو يضعها فوق ركبتيه، حتى ركض إليه شقيقه يسأله بقلقٍ بالغٍ بعد رؤيته له بذلك الوضع:
ولـــيـد !! فيك إيه ؟! عامل ليه كدا في نفسك و مبهدل الأوضة كدا ليه ؟! وليد أنتَ كويس ؟!"
رفع رأسه بخوفٍ بعدما خمدت نيرانه الداخلية و فور رؤيته للهفة أخيه عليه، حرك رأسه نفيًا و الدمع يسيل على وجنتيه كما الشلالات التي انفجرت من منابعها و هو يحرك رأسه نفيًا بخوفٍ، لم يجد أخيه حلًا سوى أن يأخذه بين ذارعيه و هو يبكي دون أن يفهم شيئًا، فيكفيه رؤيته لنصفه الآخر بذلك الوضع، بينما «وليد» تحدث بصوتٍ مُنكسرٍ:
إلــحقني.....أبوس رجلك إلحقنـ..ني من نفسي، أنا مش كويس...."
حرك «وئام» رأسه يطالعه و الدموع تلمع في عينيه و هو يسأله بنبرة صوتٍ أظهرت وجعه على شقيقه و هو يقول:
فيك إيه ؟! ريحني و قولي مالك ؟! مين مزعلك ؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول بصوتٍ متقطعٍ:
أنا اللي مزعلني......أنا بقيت مُدمن، أبوس رجلك اتصرف....مش عاوز أموت و أنا كدا"
وقعت الكلمات على سمع أخيه و كأنها سوطًا نزل على جلده في ليالي الشتاء القارسة، أحس فورًا بنفس الشعور و قبل أن ينطق مُكذبًا حديث أخيه و ينهره عن ما تفوه به، وجده يسحب كفه محاولًا تقبيله و هو يقول بلهفةٍ:
أبوس إيدك الحقني.... أنا مش عارف اتصرف، لو مفعولها خلص أنا هموت.....الحقني"
خطفه «وئام» بين ذراعيه مُجددًا و كليهما ينهار باكيًا بقرب الآخر و بين ذراعيه، حتى أمسك «وليد» ثياب أخيه و هو يقول ببكاءٍ مزق نياط قلب أخيه:
أنا خايف.....خايف أموت كدا.... اتصرف علشان خاطري....مش عاوز أموت و أنا كدا...."
(عودة إلى الوقت الحالي)
سحب نفسًا عميقًا بعدما أرجع رأسه للخلف و دموعه كما هي على وجنتيه، و بعدما هدأ قليلًا استطرد حديثه قائلًا:
ساعتها فضلت ماسك في وئام و كأنه طوق النجاة ليا، و كل اللي عليا أقوله يلحقني من نفسي، كنته عاوزه يفوقني قبل ما أعمل حاجة غلط و أخسر نفسي عمري اللي جاي كله"
سألته هي بحذرٍ:
و هو أنتَ كنت هتعمل حاجة؟!"
شَخص ببصره نحوها بخزيٌ من نفسه ثم حرك رأسه موافقًا بإيماءةٍ بالكاد رأتها هي و هو يقول:
كنت هعمل، عمرو قالي في التليفون لو معرفتش اتصرف و فضلت زي ما أنا، اروحله و هو هيبسطني، بس أخدله فلوس معايا"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ، بينما هو مسح دموعه، ثم مرر كفيه على وجهه بعنفٍ يمسحه، ثم حرك رأسه يطالعها ظنًا منه أنه سيرى البُغض و النفور في نظرتها، لكنه وجد بسمة تشق وجهها، فحرك رأسه مُستفسرًا بصمتٍ لم يخرجه من مصدره، فاتسعت بسمتها أكثر و أستشف هو نظرة خُبث في عينيها تطل منها له، فسألها هو بحيرةٍ من حالتها تلك:
هو إيه رد فعلك دا !! بتضحكي ليه؟! أنتِ غريبة ليه ؟! كل دا مش مأثر فيكي ؟! أنا قولت إنك هتطرديني من هنا"
ردت بثقةٍ على حديثه بعدما اعتدلت في مقعدها:
بضحك عليك علشان كل مرة بتثبتلي أني لازم أتعامل معاك بطريقتك، أنا أصلًا كنت متوقعة حاجة زي دي، و كنت متوقعة إنك عملت حاجة أصلًا مش مجرد تفكير، لما جيت تحكيلي و تقولي إنك هتقولي سر مهم، أنا كنت في قمة سعادتي"
ردد هو خلفها بحنقٍ:
قمة سعادتك !! علشان جاي أحكيلك حاجة زي دي؟! هو أنا ليه مش فاهمك؟! و بعدين رد فعلك كان مبالغ فيه، المفروض إنك متتأثريش، بس لما خوفتيني أنا اضطريت أحكيـ.....ثانية واحدة !!"
توقف عن الحديث بعدما التقط طرف الخيط في طريقتها، بينما هي ابتسمت له بخبثٍ ثم تركت مقعدها و توجهت نحو الثلاجة الموضوعة بالعيادة ثم عادت له مرةً أخرى في يدها زجاجة عصير، ثم مدت يدها له و هي تقول مـبتسمة:
اتفضل اشرب العصير دا علشان ريقك ناشف و باين إنك تعبت"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
أنا مش عاوز حاجة، أنا عاوز أفهم، طريقتك دي ليه؟!"
جلست مرةً أخرى بموضعها من جديد و هي تقول بتريثٍ و ثقةٍ لأول مرةٍ يعهدها منها:
طريقتي دي اتعلمتها منك، أنتَ عمال تحط حواجز بيننا و رافض فكرة إنك المريض و أنا اللي بعالجك، فضلت أخوفك من التراكمات و حذرتك أكتر من مرة، كان لازم أكون رد فعل معاكس ليك، تنكر أني لو كنت اتعاملت مع الموضوع بهدوء كنت هتحكيلي ؟!"
رد عليها هو مُسرعًا:
ما هي دي المشكلة، أنا لما أنتِ اتخضيتي حسيت إنها كارثة و حسيت إني لازم أقولك، أنا أصلًا مكنتش هقول تفاصيل، بس أنتِ غريبة أوي، بتخليني أحكيلك"
عقبت هي على حديثه بقولها:
علشان دا اللي المفروض يحصل، و هي إن العلاقة بينا علاقة مريض بدكتورته، لازم يكون فيه بينا ثقة، أنا أقسمت يمين أني أحافظ على أسىرار المرضى، و لازم تعرف أني أخر واحدة تفكر تأذيك"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
أنا علشان أجي أقولك السر دا اتعذبت، كل ما فرحي بيقرب و افتكر إن قربي منها هيزيد، الصورة دي بتيجي في دماغي، احساسي أني كنت هتسبب في عذابها العمر كله بيموتني، فكرة أني كنت هستسلم و أروح أعمل حاجة حرام، بتكرهني في نفسي، كل ما بفتكر إن اللي أنا حبيتها من صغري فكرت فيها بالطريقة دي، أنا كنت هطلع خلاص أقولها أني.....أني..."
صمت و توقف عن الحديث، فأمسكت «هناء» زجاجة العصير تمد يدها بها له و هي تقول:
اشرب بس العصير..... أشرب علشان نقدر نكمل"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم ارتشف العصير من الزجاجة و هو يشعر بالجفاف في حلقه، بينما هي ابتسمت له ثم تابعت حديثها بقولها:
بص يا وليد، من أول مرة جيت ليا هنا و طلبت فيها العلاج أنا كنت متأكدة إن فيه سر كبير أكبر من طاقتك، و السر دا بان في عينيك اللي كانت بتهرب مني و أنا بكلمك و في الغموض اللي خلاك تطلب العلاج،
لإن ساعتها مكانش طبيعي إنك تعرف و تتعالج بسرعة غير لو كنت شوفت حاجة صعبة، و أنا فاهمة كويس أنتَ شوفت إيه، شوية المواعين اللي كنت بشرحلك عليها دي مش فراغ و لا طيش مني، بس دا كان تغذية للعقل، بنبهك بطريقةٍ ما إنك كل ما هتفضل مخبي جواك،
الوجع و الأثر هيكتر، كونك وثقت فيا و جيت لحد عندي تعترفلي بحاجة زي دي، دي خطوة عظيمة في تقدمك تجاه العلاج، مشكلتك إنك اتعودت تخاف، كل ما تحصل حاجة تخوفك و تنبهك بالخطورة دي تبدأ تعيد حساباتك في الحياة من جديد، كل اللي أنا عاوزاه منك إنك تخرج كل الأسرار و تفتح كل الصناديق السودا اللي جواك، عاوزاك تطمن"
حرك رأسه موافقًا ثم تنهد بعمقٍ و أضاف هو براحةٍ:
بصراحة أنا عمري ما تخليت أني لما أخرجه من جوايا هرتاح كدا، أنا كنت خايف و مازلت برضه خايف، خايف أخسر كل حاجة و كان خوفي الأكبر لو عبلة عرفت حاجة زي دي و أني فكرت فيها بطريقة مش كويسة، عرفتي ليه بكرهني كدا !!"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت:
بص يا وليد، ربنا سبحانه و تعالى حرم الخِلوة بين أي راجل و ست و دا علشان الشهوات هي اللي بتتحكم في المواقف اللي زي دي، حتى اللي كاتبين الكتاب برضه لو حصل بينهم خلوة بيكون ليهم عدة احترازية، في حالتك أنتَ مينفعش تكره نفسك، بالعكس لازم تحبها و تبقى فخور بيها، واحد زيك كان عمل اللي فكر فيه و استسلم و مكانش حتى طلب من أخوه مساعدة، واحد تاني زيك كان كمل في سكة المخدرات و وصل للي هو عاوزه بمليون طريقة، بس رجولتك أنتَ اتغلبت عليك في كل دا و بقيت وليد اللي اختار بارادته إنه يكون راجل يعتمد عليه"
سألها هو بصوتٍ مُنكسرٍ استشفته هي في حروفه:
يعني أنا مش وحش ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت:
اطلاقًا، أنتَ مستحيل تكون وحش، للأسف يا وليد، المُخدرات بأنواعها فيه جزء منها بيكون منشط، دا غير إن هي أصلًا غطاء للعقل، يعني أنتَ بتكون شخص مُغيب ساعتها، اللي بيتحرك فيك الجسم بس، إنما العقل فهو في عالم تاني خالص، علشان كدا ربنا حرم الحاجات دي، لأن ضررها كبير أوي على الإنسان، تخيل أنتَ بقى في حالتك دي شخص مُغيب تمامًا و عقلك مش حاضر فيك، كان طبيعي تفكر في كدا، و كان طبيعي يكون فيه رد فعل خطر، أنا مش ببرر عملتك، بس يكفي إنك معملتش حاجة غلط و إنك لما لقيت أخوك قدامك روحت طلبته ينجدك"
حرك رأسه موافقًا ثم زفر بقوةٍ فابتسمت هي له ثم قالت:
صدقني أنا فرحانة أوي بيك و فرحانة إنك خدت خطوة زي دي علشان تحكيلي كل حاجة"
ابتسم لها بسمة طفيفة لم تصل إلى عينيه و هو يقول:
كنت عاوز أخلص من أخر إحساس كانت مموتني، سر زي دا لو اتعرف عني أنا مش هقدر أرفع عيني في وش حد فيهم، مش هقدر أشوف نفسي مكروه في عينهم، رغم إني بفكر دلوقتي أعرف عبلة حاجة زي دي"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت بصوتٍ قويٍ:
اسمع يا وليد و ركز معايا، إنك تحكيلي أنا شيء و إنك تحكي لعبلة دا شيء تاني خالص، أنا قولتلك أني الدكتورة بتاعتك، يعني دور أني اسمعك و أفهمك و أسلمك الدلائل اللي تتحرك عليها، إنما عبلة مراتك، و خصوصًا في وقتكم دا، كلها أيام و هتكون معاك و في بيتك و مقفول عليكم سقف واحد، بلاش تخلي دماغك تأثر عليك و تخرب حياتك بنفسك، عبلة ممكن تخاف منك لو عرفت حاجة زي دي، يبقى الحل إن السر يفضل زي ما هو سر"
سألها هو بتيهٍ:
أنا عامل زي اللي مفروض عليه الحرب و هو معهوش أي سلاح"
جاوبته هي بثقةٍ:
مش كل الحروب مفروض عليك إنك تدخلها يا وليد، فيه حروب لما بتنسحب منها بتفقد قيمتها و بتبقى ملهاش لازمة، لإن قيمتها في وجودك أنتَ، هل بقى مستعد إنك تدخل حرب خسرانة زي دي؟!"
حرك رأسه نفيًا بالسلب ثم أضاف:
أنا اللي كان مخوفني هو الفكرة نفسها، يمكن دي أكتر حاجة تعبتني و هي إني كنت هبقى مؤذي أكتر بكتير مما أتأذيت، خصوصًا إن كل حاجة كنت مجبور عليها"
ردت عليه هي مُسرعةً:
بالظبط، أنتَ كنت المأذي و مش المؤذي، يعني كل دا كان غصب عنك، المهم أنتَ بقيت إيه و عملت إيه، لو وقفت عند كلمة كنت، كل حاجة هتضيع منك"
اعتدل هو واقفًا ثم تنفس بعمقٍ و قال بعدها بغلبٍ:
كفاية اللي ضاع مني لحد كدا، العمر مش باقي فيه حاجة تانية علشان تضيع مني، يدوبك الحق أفرح باللي فاضل ليا علشان أنا اللي معايا دي جابت أخرها خلاص، كفاية إنها عمالة تشوف مني كتير، أنا مدخلتش حياتها علشان أكون عبء، أنا عاوز أبقى سندها في الدنيا، عاوز عبلة تفرح من قلبها بجد من غير فرحتها ما تنقص بسبب وجعي، على ما أظن دي أبسط حقوقها عليا كراجل"
اتسعت بسمة «هناء» بعد استماعها لحديثه، فابتسم لها هو الأخر ثم قال بعدما تنفس بعمقٍ:
شكرًا ...شكرًا علشان كل حاجة حصلتلي كنتي السبب بعد ربنا أني أفهمها و أعديها، شكرًا علشان فيه واحد تاني اسمه وليد اتولد هنا في المكان دا"
رمشت بأهدابها عدة مرات و كأنها تجبر عقلها للانصياع في صدقه و صدق ما تفوه به، فوجدته يقول بنفس الطريقة:
كل مرة خرجت فيها من هنا خرجت سر أكبر من قلبي و أكبر من عقلي إن واحد فيهم يشيله، أنا اتعلمت هنا حاجات كتير أوي أهمها يعني إيه إنسان يرجع حي تاني بعد موته، حتى بالمناسبة أنا جايبلك معايا هدية"
تحدثت هي بغير تصديق تقول:
لأ دا كتير عليا و الله، كدا هشوف نفسي بعلاجك، دا إعجاز علمي"
ابتسم لها ثم مد يده في جيب بنطاله الخلفي يُخرج لها هديتها و هي تبتسم له و سرعان ما تلاشت بسمتها عند رؤيته ما أمسكه في يده، فسألته هي بضجرٍ:
إيه دا يا وليد !! جايبلي إيه؟"
مال هو عليها يمد يده لها بما يسمكه في يده و هو يقول بجديةٍ تتنافى مع ما يمسكه:
دا كيس صابون علشان المواعين اللي مجنناكي دي، و على رأي المثل الشيء لزوم الشيء، و أنتِ أشيائك محتاجة منه نقطة"
أغلقت عينيها و هي تقول بيأسٍ منه:
دا أنا اللي هيجيلي منك نقطة يا شيخ، تعبت....تعبت منك"
ابتسم لها ثم وضع الكيس البلاستيكي على الطاولة و هو يقول بخبثٍ:
لو أنتِ فهمتي طريقتي، فأنا بقيت حافظ تفكيرك، كنت متأكد أني لما أجيلك هوصل للنتيجة دي، هستناكي في فرحي....على عبلة"
غمز لها بعد حديثه بثقةٍ
فرفعت حاجبيها بذهولٍ منه حينها غمز مرةً أخرى لها ثم فتح الباب و خرج من العيادة، بينما هي رفعت كفيها تضعهما فوق رأسها بقلة حيلة و هي تقول:
لأ بجد مش طبيعي....أنا قربت اتشل منه، الله يصبرك يا عبلة"
_________________________
خرج «وليد» من العيادة يشعر و كأن جبلًا تمت ازالته من فوق صدره، لم يتوقع بالمرة أن البوح بما أرق ليله و أتعبه طوال الفترة الماضية أن تكون نتيجتها بتلك الراحة التى تخللت ثنايا روحه، و بعد خروجه من العيادة توجه نحو عمله حتى يتم الانتهاء من كل شيءٍ خاص بالعمل قبل موعد الفرح و بداخله يرقص فرحًا، لطالما تأكد أنه لم يكن بذلك الشخص السيء الذي كان يظنه بنفسه، حتى وجد نفسه يُخرج هاتفه ثم فتح شاشته على صورتها التي ثبتها هو دومًا، و حينها ابتسم بسعادةٍ غمرته و هو يلتمس اقتراب ذلك اليوم بما تمناها من كل دنياه، حتى دلف المكتب له «أحمد» و كان كما هو على وضعه، فجلس مقابلًا له و هو يقول:
يا عمنا !! سرحت في إيه ؟!"
رفع رأسه له و هو يقول بضجرٍ:
عاوز إيه يالا ؟! دا أنتَ عامل زي عمك محمد بصحيح"
رد عليه «أحمد» بسخريةٍ:
هو دا ليه مثيل ؟! بس خليني محترم نفسي لحد ما يجوزني بنته"
ابتسم له «وليد» بيأسٍ و هو يقول:
طب أنتَ عاوز إيه دلوقتي؟! سايب الهم اللي ورانا و جاي ليه"
رد عليه بهمسٍ و كأنه يُدلي بسرًا حربيًا:
عرفتلك سر محدش لسه وقع عليه في العيلة، سر من حبيبتك خلود"
حرك رأسه للخلف بعدما عقد ما بين حاجبيه، فوجده يتابع حديثه بقوله:
فيه حنة بنات هتتعمل ليلة الفرح بليل، هيطردوا الشباب من البيت و يسيبوا الرجالة الكبار، أي خدمة"
سأله «وليد» باهتمامٍ:
أنتَ متأكد ؟! و لا خلود بتلعب بيك علشان تشتغلك؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول:
عيب عليك، شوفولنا بقى مكان نعمل فيه حِنة رجالي، أنا عندي طاقة و عاوز أخرجها"
ابتسم «وليد» بخبثٍ ثم حرك رأسه موافقًا و هو ينظر لذلك الذي يجلس أمامه.
_________________________
في منتصف اليوم بعدما انتهاء العمل عاد «ياسين» من عمله ثم توجه نحو شقته، فوجدها تنتظره، اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم سألها بهدوء:
عاملة إيه ؟! عرفتي تتعاملي و لا احتاستي؟!"
ردت عليه هي مُسرعةً لثقةٍ:
عيب عليك وراك رجالة، الحمد لله متحركتش من الصبح"
تلاشت بسمته و هو يضرب وجهه بكفيه، فأضافت هي بمرحٍ:
يا عم خلاص قلبك أبيض، قومت صليت الحمد لله و سخنت الأكل و كلت و بعدها زهقت حطيت الهدوم في الغسالة و شغلتها، و بعدها بقى عملت ليك شوربة و عملـ...."
توقفت عن الحديث حينما تحدث هو يقاطعها بتعجبٍ:
بــس !! كل دا عملتيه و أنتِ تعبانة ؟! إيه يا ستي مضحية بنفسك ؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تحاول كتم ضحكتها عليه، فتحدث هو مُسرعًا:
أنا هدخل أغير و ناكل و هاجي علشان هننزل كمان شوية سوا، ماشي ؟!"
سألته هي بتعجبٍ:
هنروح فين ؟! أنا ماصدقت اترمي هنا على الكنبة، شوف مشوارك أنتَ و خليني هنا"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
براحتك، كنت هاخدك تشوفي فساتين العرايس، مش كلتي دماغي علشان عاوزة تشوفيهم اليوم دا ؟!"
شهقت هي بفرحةٍ لكنها وأدت تلك الفرحة و هي تقول:
بس سارة قالت إنها عاوزاهم بكرة مش النهاردة ؟! هيروحوا إزاي ؟!"
رد عليها هو مُفسرًا:
وليد قالي إنها كلمتهم علشان يروحوا النهاردة علشان لو عاوزين حاجات تروح تجيبها ليهم بكرة قبل ما الوقت يفوت"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم سألته بخبثٍ:
طب و أنا هلبس إيه ؟! فكر معايا كدا ؟! محتارة بصراحة"
رد عليها هو يشاكسها:
مش عارف بصراحة شوفي كدا هتلبسي إيه لسه معاكي وقت"
رمقته بغيظٍ و هي تنظر له فوجدته يقترب منها يقبل رأسها ثم قال :
هدخل أغير هدومي و ناكل علشان نروح لهم، هما هيتجمعوا هناك"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له، و بعد اختفاء أثره من أمامها تحدثت تقول بضجرٍ:
طلع زيه زي أي راجل مصري أصيل، اتغير أبو طويلة بعد الجواز"
بعد حديثها حركت رأسها تنظر لقدمها المُقيدة بداخل الجبس، فحدثت نفسها بسخريةٍ:
اتوكسي أنتِ كمان باللي في رجلك دا، هتقيسي ازاي يا هطلة؟!"
بعد مرور ساعة تقريبًا و بعد تناولهما العشاء سويًا، نزلا كليهما معًا حتى يتجها نحو محل «سارة»، ولجت هي أولًا و هو بجوارها بعدما تأكد من اعتدال وضعها، و بعد جلوسه سألها بهدوء:
مرتاحة و لا تقعدي ورا و تفردي رجلك ؟! علشان لو وجعاكي كدا"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول:
لأ أنا تمام متقلقش مرتاحة الحمد لله، هو صحيح الجبس تقيل و رخم بس تمام يعني"
حرك رأسه موافقًا ثم حرك مقود السيارة فتحدثت هي بنبرةٍ ضاحكة:
أقولك حاجة و متضحكش عليا ؟! بس اوعدني متضحكش"
حرك رأسه يطالعه و هو يقول:
بصراحة مقدرش، أصل أنتِ كل حكاياتك مُضحكة، سامحيني"
تذمرت و هي تنظر أمامها مع قولها:
تصدق مش هحكيلك حاجة أصلًا، خليك كدا وريني مين هيسليك"
وكزها في يدها و هو يقول بمرحٍ:
خلاص يا كتكوتة بقى متبقيش قفوشة كدا، ها قالي و يا رب مضحكش"
حركت رأسها له و هي تقول بحماسٍ:
هقولك يا سيدي، كنت و أنا صغيرة نفسي اتجبس أوي و متسألش ليه !! بس كان نفسي أجرب إحساس الجبس أوي، و كنت بفضل أدعي ربنا علشان اتجبس"
حرك رأسه يطالعها و هو يقول بسخريةٍ:
و مش عاوزاني أضحك !! متجوز واحدة ربنا واخد منها نعمة العقل و مش عاوزاني أضحك؟! اتوكسي"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
أعمل إيه كنت فكراها حاجة حلوة، مش ذنبي أني تفكيري بريء، لو حد كان فهمني مكنتش دعيت بحاجة زي دي أكيد يعني"
رد عليها هو بحنقٍ:
أنا نفسي تسكتي و تبطلي هبل، فضلتي تدعي تتجبسي و سبحان الله على الفقر اللي أنا فيه، الدعوة تتحقق و أنا جوزك و لسه بقول يا هادي عاوز أفرح رياض و وليد، أعمل إيه فيكي؟!"
ردت عليه هي منفعلةً في وجهه:
الله !! هو دا جزائي علشان بحكيلك يعني ؟! محدش قالي إن الجبس مستفز كدا، على العموم حصل خير"
ابتسم هو لها ثم سألها بسخريةٍ:
طب و دلوقتي بتدعي بإيه؟!"
ردت عليه هي مُسرعةً:
أقولك و متضحكش ؟!"
لطم على وجهه و هو يصرخ منفعلًا:
يادي النيلة عليا و على أقولك و متضحكش بدري، ما هي أنتِ اللي كلامك يضحك"
حاولت جاهدةً كتم ضحكتها، لكن دون جدوى تحدث و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص خلاص، من امبارح عمالة ادعي ربنا يكرمني بتوأم بنات علشان ألحق أأمن مستقبلهم"
عقد ما بين حاجبيه و هو يسألها بتعجبٍ:
تأمني مستقبلهم !! ازاي مش فاهم؟!"
ردت عليه هي تجاوبه بمرحٍ:
واحدة تتجوز يونس و التانية تتجوز فارس، و الله الفكرة عاوزاني أخلف بكرة الصبح"
حرك رأسه ينظر لها فالتقت نظراتهما سويًا، حينها انفجرا معًا في الضحك و هي تميل عليه حتى اسندت رأسها على كتفه و هي تقهقه بقوةٍ و هو بجوارها يحاول جاهدًا التحكم في ضحكته، فوجدها تقول من بين ضحكاتها:
بجد الفكرة مش سيباني و الله، حسيت نفسي شريرة كدا و ست ديكتاتورية بس غصب عني بحب يونس و فارس أوي"
أوقف الضحكات ثم تنفس بعمقٍ و لازال وجهه كما هو مُبتسمًا، فتحدثت تسأله هي بخجلٍ:
تحسه تفكير أهطل خارج من عيلة صغيرة شوية"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
بالعكس هو تفكير حلو، كونك حبيتي أطفال و عاوزة تخليهم معاكي العمر كله دي حاجة حلوة، أنا من رأيي بس نستنى لحد ما نشوف خلفة ياسر و عامر، يمكن ساعتها تدعي بأربعة توأم"
ردت عليه هي بجرأةٍ:
مش أنتَ هتكون أبوهم !! عادي و الله، يا رب يبقوا حلوين و قلبهم حلو زيك"
ابتسم هو بسعادةٍ بالغة فوجدها تقول بمرحٍ:
أقولك حاجة و متضحكش ؟!"
حرك رأسه ينظر لها ثم ضحك عليها بعدما رآى نظرتها له.
_________________________
في محل «سارة» الخاص بتصميم فساتين الزفاف، اجتمعت نساء العائلة مع الفتيات و في الخارج «وليد» و «طارق» مع الشباب حتى اقترب منهم «ياسين» بسيارته و «حسن» خلفه مع زوجته، و بعد الترحاب و التحيات دلف «خديجة» مع «هدير» للداخل و ظل الشباب كما هم بالخارج.
في الداخل قامت «عبلة» بتجربة الفستان الأبيض الذي ناسب جسدها بانسيابية و كأنه لا يليق بسواها، كانت أكمامه من خامة ناعمة خاصة مع تصميمهما المتسع حول الذراع، و تصميمه المغلق على كامل الجسد بانسيابيةٍ حتى اتسع من بعض الخِصر، للحق كانت رقيقةً به و كأنها نجمة من السماء، فدارت حول نفسها بسعادةٍ بالغة و الناس حولها يطلقن الزغاريد حتى اقتربت منها والدتها تحتضنها و هي تبكي، فتشبثت بوالدتها هي الأخرى تحاول جاهدةً اخفاء دموعها
حتى دلف «وليد» يرى زوجته بفستان الزفاف، كانت هي توليه ظهرها و هو على أعتاب الباب الكبير للمحل، حتى قال بمرحٍ:
لفي بدل ما أجي أخطفك قدامهم كلهم، أنا كدا كدا مش لازمني الفرح"
ابتسمت هي بيأسٍ ثم دارت له بعدما وضعت الطرحة الخاصة بالفستان فوق رأسها، حتى ابتسم هو فور وقوع بصره عليها تأثرًا لرؤيتها، و دون أن يعي لنفسه تحركت قدمه تسوقه نحوها و نظرات الخبث تتوجه له من الجميع، بينما هو اقترب يقبل رأسها ثم طالع عينيها وهو يقول بصدقٍ كعادته:
زي القمر و أحلى منه كمان، اليوم دا مكانش ينفع واحدة غيرك تمسك إيدي فيه، زي القمر فيه يا سوبيا"
ابتسمت هي بخجلٍ فتنهد هو بثقلٍ ثم حرك رأسه ينظر لوالدته و هو يقول بسخريةٍ:
مش كنت علطول بعيط و بقولك عاوز حاجة حلوة و أنتِ جاية ؟! اتصرفي و هاتيهالي معاكي بقى"
انتشرت الضحكات عليه حتى هي نفسها، فوجدته ينصرف في هدوء بعدما ابتسم لها ثم تحرك من أمام الجميع فقفزت هي عدة مرات بفرحةٍ ثم ركضت على «هدير» تحتضنها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
أنا فرحانة أوي..... أوي كمان"
ربتت «هدير» على ظهرها و هي تبتسم بسعادةٍ هي الأخرى و زادت تلك السعادة بارتماء «عبلة» بين ذراعيها.
بعد مرور دقائق بدلت «عبلة» ثيابها ثم جلست تنتظر خروج «جميلة»، التي خرجت بعد مرور دقائق من الصراع مع الذات نتيجة خجلها من الجميع، فخرجت بـ طلتها الرقيقة التي تشابهت مع الزهور البيضاء في البساتين الواسعة، حيث كان فستانها أشبه بتلك الزهور البيضاء بحبات اللؤلؤ الصغيرة التي تناثرت فوق كتفيها مع اتساعه من عند منطقة الخصر مع الخمار الأبيض الذي أضاء وجهها و كأنها ترتدي نورًا فوق رأسها، حينها صفقت الفتيات بمرحٍ و انطلقت الزغاريد على هيئتها و هي تشعر بتدفق الدماء في رأسها بسبب الخجل منهم جميعًا، حتى دلف «طارق» بعدما هاتفته شقيقته، فدلف هو بخجلٍ من النساء و وجودهن حتى وقع بصره عليها و تعلقت عينيه بها فورًا، حينها شقت البسمة البلهاء وجهه و هو يقترب منها حتى توقف أمامها و هي تطرق برأسها للأسفل خجلًا منه، حينها اقترب هو ثم أمسك وجهها حتى يتسنى له رؤيتها ثم طالع عينيها بعينيه و هو يقول بهدوء:
دلوقتي بس عرفت يعني إيه اللي بيصبر بينول و أنا صبرت كتير و أنتِ كنتي الخير اللي نولته في الدنيا دي، دلوقتي بس عرفت يعني إيه الحياة جميلة، دلوقتي بس بقت ليا جميلة"
ابتسمت له هي و اختلطت بسمتها بعبراتها فوجدته يقترب منها يقبل رأسها ثم أمعن النظر في عينيها مرةً أخرى و هو يقول:
ربنا يباركلي فيكي يا جميلة"
قال جملته ثم خرج من المكان فاقتربت هي من والدتها تحتضنها و «مشيرة» تبكي معها، لا تصدق أن ابنتها بين ذراعيها الآن و تراها أمامها عروس مثل القمر، فكم كان الله لطيفًا بها و رائفًا بقلبها.
في الخارج وقف الشباب يمزحون سويًا و يشاكسون بعضهم و خاصةً «وليد» الذي شعر بالحنق و هو يشعر بطيلة المُدة خاصةً بعد رؤيته لها بتلك الطلة المُهلكة لقلبه.
و الفتيات و النساء في الداخل يتحدثن بمرحٍ و فرحةٍ كُبرى، و هن يخططن للقادم و لتجهيز الشقق السكنية الخاصة بهما.
_________________________
رحل الجميع إلى وجهتهم بعد انتهاء التجربة في محل «سارة»، و الحماس يعتلي قلوبهم جيمعًا بتلك المناسبة التي ظهر أثرها على الجميع.
انقضت الأيام سريعًا بسرعة البرق في تجهيزات الفرح و الشقق في بيت الشباب و القاعة، و كان العمل في تلك الفترة على قدمٍ و ساقٍ من قِبل الجميع حتى «خديجة» التي تعافت تمامًا بعدما حررت أسر قدمها، و كانت طوال اليوم تشارك الفتيات في العمل و الاستعداد للفرح، و في المساء تجلس في بيتها مع زوجها تحدثه بحماسٍ عن فرحتها بأخوتها و هي تشاركه تفاصيل يومها.
و في اليوم المُخصص قبل الفرح بدأت الفتيات تستعد لإقامة الليلة الخاصة بهن في الاحتفال، و مع حلول الليل بدأت سهرتهن مُبكرًا مع «ميمي» و العائلة بأكملها و «زُهرة» و زوجات الشباب، بعدما قام «محمود» بطرد الشباب جميعهم من البيت و ظل فقط الرجال في الأسفل، بينما في الطابق الأول كانت الفتيات أكثر حُرية و راحةٍ خاصةً مع فساتيهن القصيرة التي اختلفت بين كل نوعٍ و لونٍ و الآخر حتى «خديجة» التي ارتدت مثلهن بعدما أجبرتها «هدير» على ذلك، فجلست متذمرةً تضم ذراعيها أمام صدرها، حتى تحدثت «هدير» بحنقٍ:
افردي وشك يا بت بدل ما أجيبك من شعرك، مالك مكشرة ليه؟!"
ردت عليها بحنقٍ:
يا هدير الفستان قصير أوي، أنا بتكسف يا جماعة، و بعدين إيه اللي أنتِ حطاه في وشي دا !! مين دي ؟!"
تدخلت «إيمان» تقول بخبثٍ:
جرى إيه يا بومة !! بنعلمك علشان ميبصش برة، خليكي كدا لحد ما يتجوز عليكي إن شاء الله"
قذفتها بوسادة الأنتريه و هي تقول بحنقٍ منها:
دا بعينك أنتِ، ياسين عمره ما يبص برة و محدش يملى عينه غيري"
اقتربت منها «خلود» تمسك كتفيها و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
بت !! ركزي معايا، أنتِ لازم تدلعي، لازم تكوني واحدة تانية، هو محترم مقولناش حاجة و تفكيره كويس، خليكي أنتِ كدا روشة و فُكي و البسي و عيشي، قبل ما يجي عيل يخنقك في عيشتك"
ضحك الجميع عليها بينما «خديجة» سألتها بذهولٍ:
بت !! يخربيتك عرفتي الحاجة دي منين ؟!"
ردت عليها بثقةٍ:
هو أنا عيلة صغيرة زيك ؟! خديجة ابوس راسك أكبري كدا و خليكي واحدة قوية و مفترية"
سألتها «خديجة» بحيرةٍ:
طب أعمل إيه طيب ؟!"
نظرت «هدير» إلى «إيمان» ثم نظرن كلهن لبعضهن بخبثٍ، و بعد مرور دقائق كانت «خديجة» في غرفتها بعدما بدلت الفستان بأخرٍ يصل إلى ركبتيها و عاري الكتفين و خصلاتها منسدلة خلف ظهرها، و مع اللمسات النهائية التي وضعتها لها الفتيات، كانت تشعر بأنها أخرى تم تبديلها بها، جلست تفرك كفيها معًا بعد رحيلهن، حتى استمعت لصوت الطرقات على باب غرفتها، رفرفت بكفيها أمام وجهها لعلها تُهديء من النيران التي اشتعلت في وجهها، و قبل أن تسمح للطارق بالدخول، فتح الباب ليطل هو منه، هبت هي منتفضة من جلستها فوجدته يحرك رأسه يتفحص هيئتها بذلك الفستان الأسود القصير الذي اتسع من أسفل منطقة الخصر حتى ركبتيها، فاقترب منها و هو يبتسم ببلاهةٍ، فوجدها تقول مُسرعة:
بص بقى !! هما اللي عملوا فيا كدا و حاسة أني واحدة غريبة أوي، مش فاهمة مين دي، شكلي وحش !!"
سألته بحذرٍ، فاقترب هو منها أكثر حتى وقف أمامها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عاملة زي الفراشة، روحك حلوة و طلتك أحلى"
رفعت رأسها تبتسم له و هي تقول بنبرةٍ هادئة لم تخلو من الاهتزاز بسبب الخجل:
أنا...أنا مش عارفة هما حطوني هنا ليه و مش عارفة أعمل إيه، بس خايفة تتعود على شكلي و هو كدا و تكره التاني"
مال برأسه ثم قبل وجنتها دون أن يرد على حديثها، ثم حرك رأسه يطالع عينيها و هو يقول:
مين اللي يكره خديجة ؟! أنا مليش غير خديجة و عيون خديجة، و قلبي ميعرفش بيت تاني غير حضن خديجة، كدا أو كدا حلوة"
اتسعت بسمتها أكثر حتى وصلت إلى عينيها فاعتدل هو في وقفته ثم أمسك يدها يقوم بتدويرها و هو يطلق صفيرًا متناغمًا من بين شفتيه، حتى ضحكت هي عليه بفرحةٍ و بعدما واجهته في وقفتها من جديد، سألته بمرحٍ:
يعني خلاص نعتمده لوك كل أسبوع ؟! مرة كدا نجبر بيها بخاطرك ؟! إيه رأيك؟! و لا هتعيب بقى ؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يبتسم لها ثم اقترب من أذنها يقول هامسًا بعاطفةٍ أجمعت مشاعره بها:
وَ كَأنَّكِ رَبِيِعٌ حُلَّ عَلّىٰ أَرّضٍ أَنهَكَهَا الخَرّابِ، أَو كَأنَّكِ كَمّا الحُلّوِ للِرَوحِ مُستَطَابِ، فَكَيْفَ مُثلُكِ فِي الحَيْاةِ يُعابْ؟ فَـواللّٰهِ فَورَ رُؤيْةُ قَلّبِيِّ لِـ جَمَّالك وَ زَهَّوْ رَوْحكِ أَقْسَمَ أنَّهُ فِي دِرّوبْ العِشّقْ كَمَنْ رَآىٰ الحَقيِّقةِ وَسطَ السَرَّابِ"
حركت رأسها نحوه تطالعه بصمتٍ على عكس عينيها التي قالت الكثير و الكثر، فغمز لها هو بطرف عينه ثم قال هامسًا بمرحٍ كعادته:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
لم تجد أجدر من العناق ترد عليه به، فابتسم هو باتساعٍ ثم شدد عناقه لها و هو يشعر بتلك المضخة التي أوشكت على الخروج من مكانها بسبب تلك الفتاة مُتقلبة المزاج كما يلقبها في بعض الأحيان.
_________________________
في الأسفل عند الفتيات جلسن معًا، تارةٍ يرقصن و تارةٍ أخرى يجلسن سويًا يلتقطن بعض الصور الخاصة لهن سويًا، حتى تحدثت «خلود» بعدما اقتربت من «عبلة»:
عبلة !! الأوضة اللي عند المنور روحي هاتي منها العصير و هاتي الكُولمن التاني علشان نحطه فيه"
سألتها بحنقٍ منها:
يا جاموسة النهاردة حنتي، روحي أنتِ"
ردت عليها بنفس الطريقة:
مش هعرف أروح علشان بعمل معاهم هنا حاجات، و سلمى جوة بتحضر معاهم الحاجة و هدير مع جميلة و البنات و خديجة الله يسهلها بقى"
زفرت «عبلة» بقوةٍ ثم سحبت العباءة من جوارها و هي تقول لتلك التي تقف بجوارها:
أنا بكرهك.... أقولك ؟! هخلي وليد يقاطعك بعد الجواز"
ردت عليها بثقةٍ:
عادي !! هخليه يطلقك و أنا أقدر أعملها، اتحركي و اخلصي"
دفعتها من وجهها ثم خرجت من الشقة تتوجه للشقة المجاورة لها حتى تستطيع الوصول لتلك الغرفة، و بعدما وصلت لهناك وقفت بحيرةٍ تبحث عن ما طلبته منها «خلود» فوضعت ذراعيها على خصرها و هي تقول بحنقٍ:
هي البت دي بتشتغلني و لا إيه؟! فين الحاجة اللي طلبتها ؟! آه يا مهزقة !!"
وقبل أن تغادر الغرفة وجدت الشباك المُطل على مسقط البيت يُدفع بواسطة أحدهم و على الرغم من خوفها إلا أن صوته بثها الطمأنينة و هو يقول:
دا أنا يا سوبيا متخافيش، دا أنا ليدو"
اقتربت منه بلهفةٍ و هي تقول بخوفٍ:
يخربيتك !! بتعمل إيه هنا ؟! هما مش طردوكم من البيت كله؟!"
قفز للداخل و هو يقول بفخرٍ:
يطردوا مين ؟! دا أنا ليدو، كنتي عاوزاني أفوت الحلويات دي كلها ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
لو حد شافك هتبقى وقعة سودا، أمشي بقى علشان متعملش مشاكل، بابا ممكن يتضايق"
اقترب منها يقول هامسًا بخبثٍ:
هو أنا مقولتلكيش !! مش عمك مرتضى الله يجبر بخاطره خده و راحوا مشوار لحد ليبيا و راجعين ؟! و عمك طه مثبت عمك محمود تحت"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بعد حديثه فمال هو يقبل وجنته، حتى تحدثت هي بخجلٍ:
بس بقى عيب يابني، يخربيتك قلة أدبك"
رفع رأسه يطالعها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
وحشتيني يا عبلة....اللي مصبرني إن كلها الليلة دي و خلاص هتكوني معايا و في حضني علطول، حلو العُمر هيبدأ بكرة معاكي"
حركت رأسها تنظر له فوجدته يقول بنفس الهدوء:
غمضي عينك يا عبلة"
حركت رأسها باستنكارٍ، فأضاف هو مُسرعًا:
غمضي عينك بس بسرعة"
أغمضت عينيها و هي تبتسم باتساعٍ حتى شعرت بملمس شيئًا على عنقها، فتحت عينيها فوجدته يلتصق بها ثم أغلق قفل السلسلة على رقبتها ثم تحرك للخلف حتى يراها، ثم ابتسم و هو يرى تلك السلسلة الذهبية التي زينت عنقها، حركت رأسها الأسفل حتى ترى ما وضعه هو بعنقها، فشهقت بفرحةٍ حينما وجدت مجرةً ذهبية تُشبه الفضاء من خامة الذهب الخالص"
رفعت رأسها له من جديد و هي تقول بنبرةٍ مختلطة المشاعر:
إيه دا !! دي مجرة ؟! حلوة أوي"
ابتسم لها ثم اقترب يشبك ذراعيه خلف ظهرها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أهو أنتِ الدنيا كلها في عيني"
رفعت عينيها تطالعه بحبٍ فوجدته يقول هامسًا بهدوء:
رَأيْتُكِ مَدَارٌ و كَأنكِ بِهِ قَمَري....الحُبُ فيكِ و أنّتِ رِزقِي وَ قَدَري"
ابتسمت هي باتساعٍ حتى تحولت بسمتها إلىٰ ضحكاتٍ مُرتفعة، و هو يبتسم لها فوجدها تلف ذراعيها حول عنقه ثم قالت بهدوء:
أنتَ اللي قدري يا وليد، مش مصدقة إن بعد كل حاجة خلاص هنكون مع بعض بكرة، مش مصدقة إن كلها ساعات و أكون في بيتك"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم و رافق بسمته تلك قوله:
لأ صدقي، أنا خلاص بكرة إن شاء الله هكون حققت كل اللي اتمنيته و هو بيت هادي معاكي، أبدأ فيه حياة جديدة بيكي قدام ربنا"
قبل أن ترد عليه هي، وجدت أخيها يتحدث بضجرٍ:
ما تخلصوا يخربيت أبوكم، يلا قبل ما أبويا يطلع، انجز يا زفت الطين"
شهقت بقوةٍ عند رؤيتها لأخيها فسألته بذهولٍ:
طارق !! بتعمل إيه هنا ؟! انزل علشان متقعش"
رد عليها بحنقٍ:
علشان أنتِ و الزفت البارد دا عالم رغاية، روحي هاتي جميلة يلا، خلصوا، عمك مرتضى قال هيرجع خلاص"
حركت رأسها موافقةً و قبل أن ترحل قبلت «وليد» على وجنته ثم ركضت من أمامهما، فالتفت هو ينظر ببلاهةٍ لـ «طارق» و هو يقول ساخرًا:
مؤدبة أوي عبلة ما شاء الله"
ضحك «طارق» رغمًا عنه ثم أشار له حتى يخرج من الغرفة مثلما سبق و دخلها، و بعد مرور دقائق، دلفت «جميلة» الغرفة بعدما أرسلتها «عبلة»، دون أن تفهم شيئًا، هي فقط دلفت الغرفة و قبل أن تلتفت حتى تدخل الغرفة، شعرت بكف أحدهم يمسك كفها ثم أغلق الباب، قبل أن تصرخ هي بخوفٍ وضع كفه على فمها و هو يقول هامسًا:
بس اسكتي هتفضحينا...أنا طارق، متخافيش"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ، فتحدث هو محذرًا لها:
لو شيلت إيدي و صرختي هتغابى عليكي، خليني ألحق أقول الكلمتين، ماشي ؟!"
حركت رأسها موافقةً بقوةٍ، فازاح هو كفه من على فمها ثم حرك رأسه هبوطًا و صعودًا و هو يتفحصها ثم قال يُثني على جمالها:
إيه الحلاوة دي كلها ؟! دي طلعتي جامدة، الخمار كان مداري عني حاجات حلوة أوي"
سألتها هي بحنقٍ زائفٍ:
أنتَ عاوز إيه ؟! أنا قولتلهم جاية أخد حاجة من هنا و راجعة تاني، كدا هبقى كدابة"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
لأ مش كدابة و لا حاجة، أنتِ فعلًا هتاخدي حاجة، بس بصراحة أنتِ وحشتيني أوي"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
و أنتَ كمان وحشتني أوي يا سيدي، ها عاوز إيه بقى ؟!"
تنفس هو بعمقٍ ثم اقترب منها يخرج من سترته خاتمًا من الذهب يتوسطه رمزًا دليلًا إلى علامة إلى ما لا نهاية، حركت رأسها له تستفسر منه بصمتٍ، فأمسك هو كفها يضع بداخله الخاتم ثم قال بنبرةٍ هادئة:
دي هديتك مني يا جميلة، جيت علشان أقولك إن أنا و قلبي محظوظين بيكي، حلم حياتي و البنت اللي اديتها عمري كله، بكرة هتبقى معايا و في بيتي، عاوز أقولك إن طول عمري مش مكفيني الصبر، بس أنتِ تستاهلي إن الحياة كلها تضيع قدام نظرة من عينيكي"
ابتسمت هي له ثم قالت بنبرةٍ متحشرجة:
عمري ما كنت أتخيل إن ممكن يكون حد زيك من نصيبي، حد لقيت فيه كل حاجة أي بنت ممكن تحتاجها يا طارق، ربنا يخليك ليا و يجعلني زوجة صالحة ليك و تقدر تتباهى بولادك منها"
ابتسم لها ثم تحدث مُسرعًا بقوله:
هتباهى، زي ما أنا بتباهى بيكي من أول يوم شوفتك فيه، و واثق إن فيه طارق جديد هيتولد على إيديكي يا جميلة"
حركت رأسها موافقةً، فصدح صوت هاتفه عاليًا، تحدث هو بقلقٍ:
طب سلام أنتِ بقى علشان دي شكلها كبسة علينا، مع السلامة"
لوحت له بكفها و هي تضحك عليه، ثم رفعت كفها تنظر للخاتم الذي يتوسط اصبعها، بعدها دارت حول نفسها ثم خرجت من الغرفة و هي تشعر بارتفاع ضربات قلبها.
_________________________
في الأسفل خرجا «وليد» و «طارق» من باب المسقط سويًا، و هما يزحفا بجانب بعضهما حتى يستطيعا الخروج من البيت و قبل خروجهم تمامًا من جهة المسقط، استمعا لـ نبرةٍ جامدة و هي تقول:
بـتعمل إيه عندك أنتَ يا صايع منك ليه ؟!"
رفع كليهما رأسه بخوفٍ ظنًا منهما أنه «محمد»، لكنهما تفاجئا حينما وجدا «ياسين» أمامها، فتحدث «وليد» بخوفٍ:
يا شيخ منك لله، خضتني يا زفت، افتكرتك عم محمد"
سأله «طارق» ببلاهةٍ:
هو قلد صوته كدا إزاي ؟! أنا افتكرته أبويا و الله"
مد ذراعيه لهما حتى يستندا عليه و هو يقول:
قوم اقف أنتَ و هو و اظبطوا نفسكم، يلا علشان عامر مستنينا برة"
سأله «وليد» بحيرةٍ:
هو عامر هيودينا فين ؟! أنا مش متفائل"
تدخل «طارق» يقول بضجرٍ منه:
طب يلا نمشي من هنا قبل ما أبويا و عمك محمود ياخدوا بالهم !! مش ناقصة عكننة، خلونا فرحانين زي ما إحنا"
خرج الثلاثة من البيت بهدوء ثم ركضوا خلف بعضهم على مقدمة الشارع حتى لا يراهم أيًا من رجال البيت، حتى وصلوا إلى بداية الشارع لكنهم تفاجئوا حينما وقع بصرهم على سيارةٍ كبيرة الحجم تابعة لاحدى الشركات السياحية، فنزل «عامر» منها يقول بضجرٍ من تأخرهم:
ما تخلص يا عم روميو منك ليه، يلا علشان الساعة بقت ٧ هنعمل الحِنة إمتى احنا ؟!"
اقترب منه «وليد» يسأله بتعجبٍ:
هو إيه دا لامؤاخذة يا عامر ؟! اتوبيس مين دا ؟!"
تحدث «عامر» يجاوبه بفخرٍ:
دا اتوبيس من الشركة اللي أنا مديرها و على وشك الرفد منها يعني، جيبتوا علشاننا"
ضغط «حسن» في الداخل على مقود السيارة يلفت نظرهم، فدلفوا خلف بعضهم، و كانت السيارة بها الشباب جميعهم دون أن ينقصهم أحدًا، و معهم سائق تابعًا للشركة، و بعد إغلاق الباب، تحدث «عامر» مُفسرًا بفخرٍ:
بما أني دلوقتي بقيت متخصص البهجة و السرور بشهادة الكل و بلا فخر، حاليًا انتم عالم كئيبة مش عارفين هتعملوا إيه، بس العبد لله معاكم"
تحدث «حسن» بسخريةٍ:
أنتَ يا عم سعد زغلول اخلص، هنروح فين ؟! ورانا فرح بكرة و هم ما يتلم"
أشار له بالتريث و هو يقول:
اهدا يا حبيبي مش كوسة هي، اسمعوني بقى، دلوقتي أنا عاملكم ليلة هتخلينا ننسى أي هم فكر بس يهوب ناحيتنا"
صفق له الجميع بحرارةٍ، فتحدث «عمار» يقول بفخرٍ:
روح يا بني ربنا يكرمك، أنا طالع من أسبوع امتحانات داس على وشي أنا و عبدالرحمن"
تدخل «عبدالرحمن» يقول مؤيدًا له:
معاه حق، أنا اتهرست معاه، عامر عاوزك تدلعنا، بص اعتبرنا كراسي معاك"
حرك رأسه موافقًا ثم ابتسم بفخرٍ و هو يقول:
طبعًا دا مش علشان سواد عيونكم، دا علشان يونس حبيب قلبي اللي صمم يجي معانا و يسيب قعدة الستات، راجل من ضهر راجل"
رد عليه «خالد» متباهيًا بصغيره و هو ينظر له بجواره:
دا حبيب أبوه دا، صح يا يونس؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لوالده، فحمله «ياسر» على يده و هو يقول مُداعبًا له:
يونس دا حبيب الكل، مش خسارة الليلة دي تتعمل على شرفه"
تدخل «أحمد» يسأل موجهًا سؤاله لـ «وئام»:
مجيبتش فارس ليه يا وئام ؟! أنا متعلق بيه، كان خد على قعدة الرجالة"
رد عليه بحنقٍ:
افرض عيط و لا جاع مين هيرضعه ؟! و بعدين هدى بتخاف تخليني أخده معايا في مكان علشان منساهوش.... معرفش ازاي بس هي علطول تقولي كدا"
ضحك الجميع عليه بشدة، بينما «عامر» أخفض جسده نحو أحد المقاعد الشاغرة ثم أخرج منه الدُف الخاص به، و فور رؤيتهم له صرخوا جميعهم مُهللين بفرحٍ، فتحدث هو بلمحة خبثٍ:
ياسين !! المثل بيقولك إيه ؟! من حق العريس يتدلع، دلعلنا العرسان بقى و مزجنا"
وقف «ياسين» بجواره يمسك الدف و هو يقول بمرحٍ:
و أنا عيوني للعرسان، يلا ياض أنتَ و هو هسمعكم عمكم عبد الباسط حمودة"
اختلفت التعابير بين التصفيق بمرحٍ و التصفير عاليًا من الشباب بأكملهم، و بعد مرور ثوانٍ وقفوا جميعهم يرقصون مع بعضهم وسط الغناء من «ياسين» و الطرق على الدف من قِبل «عامر» بعدما أخذه منه و «يونس» الذي وقف يقفز على المقعد بفرحٍ من تلك الأجواء الغريبة عليه و خاصةً عند رؤيته لوالده وسط الشباب و هو يرقص و معه «ياسر» حتى حمله «خالد» على كتفيه و استمرت تلك الأجواء لحين موعد وصولهم إلى المكان الذي خصصه «عامر» فإلى أي وجهةً جهتهم ؟!
_________________________
لم تختلف الأجواء في بيت آلـ «الرشيد» عن الأجواء لدى الشباب، خاصةً مع زيادة عدد الفتيات بعدما قامت «عبلة» و «خلود» بدعوة صديقاتهن باعتبارهن أكثر الفتيات يمتلكن رفيقات من بين فتيات العائلة، و بعدما تم التعارف بين الفتيات بدأ الجو يسوده المرح و الرقص و كانت الجلسة بأكملها يسودها الفرح و خاصةً «خديجة» التي كانت تتابع كل تلك الأجواء بفرحةٍ كبرى و اندمجت كثيرًا وسط تلك الأجواء و معها «زهرة» التي شعرت بالألفة وسط الجميع، جلست «هدير» بجانب «إيمان» تسألها بتعجبٍ:
تفتكري ممكن يكونوا راحوا فين ؟! اختفائهم فجأة كدا مش مريحني"
ردت عليها «إيمان» بلامبالاةٍ:
هتلاقيهم راحوا فين يعني ؟! أكيد هيروحوا يقعدوا على قهوة و لا ماتش كورة، أصل دا أخرهم"
ردت عليها بتشككٍ:
أنا خايفة يكونوا راحوا يخربوها من غيرنا"
تدخلت «ريهام» تقول بمرحٍ:
لأ اطمني، يونس معاهم مش هيقدروا يعملوا حاجة"
تحدثت «إيمان» تؤيد حديثها بقولها المتوعد:
أصل لو حد فيهم فكر يخربها، أنا هخربها عليهم كلهم، و خصوصًا ياسوري"
تدخلت «زهرة» تقول مُحذرةً لها:
اتلمي يا إيمان و سيبي العيال تشم نفسها شوية، بطلي تكتمي عليه"
رددت خلفها بغير تصديق:
أنا !! أنا بكتم عليه ؟! هو علشان أنا بسأله رايح فين و جاي منين و كلم مين و متكلمش مين و بخليه يعملي تقرير يومي يبقى كدا بكتم عليه ؟! مكانش العشم يا زوزو"
ضحك الجميع عليها، فتدخلت «سلمى» تقول بسخريةٍ:
عالم ظالمة يا إيمان متشغليش بالك أنتِ، اخس علينا، ماهي الست سايباله مُطلق الحرية اهوه"
ردت عليها بتنصعٍ:
قوليلهم يا سلمى، عرفيهم أني غلبانة و الله"
تدخلت «خلود» تثني عليها بقولها:
أنتِ جامدة يا إيمان، أنا ناوية أخدك قدوة ليا إن شاء الله، أصل معلش يعني أنا إيه لازمتي لو مش هبقى كل الدنيا؟! دا مبدأي، إن شاء الله ربنا يكرمني بواحد يشوفني كل الدنيا، بدل ما أزعله من الدنيا"
انتشرت الضحكات عليها، فتحدثت «جميلة» بقلة حيلة:
و الله صعبانين عليا، تلاقيهم زعلانين علشان مش بيحتفلوا زينا، ياريتنا ما كنا عملنا الحنة دي"
_________________________
في وسط أحد المراكب متوسطة الحجم التي تكون مختصة في التحرك داخل مياه النيل، و في بعض الأحيان تكون مخصصة للاحتفالات، قام «عامر» بتأجير واحدةً منها بألوانها المُبهجة و أضوائها المرتفعة و صوت أغانيها المرتفعة، تجولت بهم المركب وسط المياه و هم كما هم على وضعهم السابق بنفس المرح و البهجة و رقصهم سويًا حتى قام «ياسين» بحمل «وليد» على كتفيه و قام «حسن» بحمل «طارق» وسط ضحكات البقية عليهم، فتحدث «وليد» بنبرةٍ ضاحكة:
نزلني يا ياسين، يا عم ضهرك هيتقطم ، نزلني"
رفع «ياسين» رأسه له و هو يقول:
يا عم أنتَ مش عريس ؟! خليني أوجب معاك، دي هي مرة في العمر مبتحصلش تاني"
ربت على كتفه بفخرٍ، فتحدث «طارق» يوجه حديثه لرفيقه:
نزلني يا حسن، احنا كدا هنتقلب"
رد عليه بضجرٍ:
يا عم بقى خلينا نفرح، دا أنتَ عيل وش نكد، يلا يا جدعان علوا الأغاني"
بدأت الأغاني ترتفع مرةً أخرى و بدأ الشباب الرقص من جديد في جوٍ ازداد بالمرح و غمرته السعادة و في الجهة الأخرى يطابقه نفس الوضع، بصخب المهرجانات الشعبية و الاغاني التي جعلت الحماس يحتل تلك التجمعات.
_________________________
انتهى ذلك اليوم بأحداثه و بهجته على الجميع و أتى اليوم المنتظر، اليوم الذي عاشوا جميعهم يمنون نفسهم به، و هو يوم الزفاف الخاص بكلًا من «طارق» و «وليد»، أسفل بيت آلـ «الرشيد» و مع حلول الغروب، وقف «عامر» بنفس السيارة التي خصصها لرحلتهم بالأمس حتى تنقل أفراد العائلة الكبار معًا و معهم والدته و «عفاف» و «ميرفت» و «زهرة» و جميع رجال عائلة الرشيد الكبار، و «ميمي» أيضًا و بعدها تحركت السيارة، و بعدها نزلت «خديجة» و هي تمسك بيد «ياسين» الذي ارتدى مثل باقي الشباب نفس الحِلة السوداء حتى القميص أسفلها بذلك اللون، بينما هي ارتدت فستانًا من خامة القطيفة باللون الأسود يتناسب مع منحنيات جسدها و فوقه حجابًا باللون البيج و حذاء و حقيبة بنفس اللون، كانت الفتيات بأكملها ترتدي نفس نمط الفستان و ما جعل كل واحدة تتميز عن الأخرى هو اللون، و كأنهن أميرات، فتحدث «عامر» فور رؤيته له:
ما تخلص يا عم ياسين !! هو أنتَ العريس ؟! دا وليد و طارق خلصوا"
رمقه بغيظٍ، فتحدثت «خديجة» تقول بصوتٍ هاديءٍ:
بصراحة خلود هي اللي اخرتنا، هي نازلة ورايا أهيه، معلش بقى"
رد عليها مُسرعًا:
خلود !! لأ دي تعمل اللي هي عاوزاه عادي براحتها"
عقدت ما بين حاجبيها ، فتحدث «ياسين» بضجرٍ:
بيهزر، بيحب يهزر ابن سيدة، خليه يهزر كتير كدا علشان ياخد على دماغه في الأخر"
لوح له بيده و بعد مرور دقائق نزل البقية ثم توجهوا نحو القاعة بسيارات الشباب.
في القاعة وصلا كلًا من «وليد» و «طارق» بعدما وصلت العائلة بأكملها قبل وصولهما ثم نزل كلًا منهما من سيارته و هو يبتسم بسعادةٍ بالغة، حتى احتضنا كليهما الأخر، فتحدث «وليد» بتأثرٍ:
ألف مبروك يا طارق، أنتَ ابن حلال و تستاهل إنك تفرح و تستاهل إن ربنا يكرمك بيها"
ربت على ظهره و هو يقول بنفس درجة التأثر:
و أنتَ برضه تستاهل عبلة و تستاهل إنها تكون من نصيبك، ربنا يفرحك يا حبيبي و يكرمكم سوا"
حرك رأسه موافقًا له و هو يبتسم باتساعٍ، فاقترب منهم أحد العمال بالمكان و هو يقول:
العرايس جاهزين، اتفضلوا حضراتكم معانا"
ابتسم كليهما له ثم تبعاه نحو الداخل، فوقف «محمد» بيد ابنته و بمجرد اقتراب «وليد» منه تحدث بضجرٍ زائفٍ:
اسمع يا ابن مرتضى، أنا مليش غير عيالي في الدنيا دي، عبلة هي كل حاجة ليا، صاحبتي و بنتي و نور عيني، عاوزك تحافظ على الأمانة يا وليد، أنا مليش غيرهم، متقطمش ضهر عمك في بنته"
اقترب من عمه يقبل رأسه أمام الجميع الذين يقفون في الخلف ثم حرك رأسه ينظر لها يطالعها بحبٍ و هو يقول:
عبلة في عيني مش عاوزك تخاف عليها معايا، و الله العظيم أنا مش طالب غير وجودها هي من الدنيا، اتطمن، أنا مستحيل أأذيها أو ازعلها، و لو حصل و الله العظيم أنا بنفسي هجيلك تاخد حقك مني"
ربت «محمد» على كتفه بثقةٍ، ثم مد يد ابنته له، حينها اقترب منها «وليد» برهبةٍ أثرت عليه و هو يقبل قمة رأسها ثم ابتسم لها و هي الأخرى تبتسم له
و بعدما أمسك يدها، اقترب «حسان» بابنته من «طارق» الذي وقف يتعلق بها بنظره، و هي أيضًا، فتحدث والدها يقول بخجلٍ:
أنا مش هوصيك عليها علشان أنتَ عملت كتير علشانها، جميلة طول عمرها متعلقة بيك لسبب محدش كان يعرفه غير ربنا، و سبحان الله هي مكتوبة ليك من يوم ما اتولدت، أنا مليش غيرها هي و أي حاجة عملتها في يوم كانت علشانها هي يا طارق، حطها في عينك و راعي ربنا فيها، أنتَ واخد جوهرة، جميلة مفيش منها أصلًا"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يأخذه من يده و هو يقول بنبرةٍ هادئة محاولًا اخفاء تأثره:
أنا عارف كل الكلام دا، متخافش جميلة مكانها في محفوظ و زي ما هو، مش هتوصيني على الوحيدة اللي اتمنيتها من كل الدنيا دي"
صفق الشباب لهم جميعًا و قبل خروجهم لإلتقاط الصور بالخارج قبل بداية الفرح، دلف «عامر» يقول بمرحٍ:
يلا علشان المفاجأة اللي أنا محضرها، تعالوا بسرعة"
نظروا له جميعًا بخوفٍ و ترقبٍ من مفاجأته، بينما هو وضع كفيه بجيب بنطاله و هو يبتسم بثقةٍ، و الجميع يفكرون ما هي المفاجأة ؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم شمس بكري
أصابني من كل خزيٌ بالعالمِ داء..
و كانت وحدها نظرة عينيك الدواء.
_________________________
و كأنني أصبحتُ طيرًا يُحلق في الآفاق، و غدوت أتساءل هل امتلكت جناحين أم أن مدينتي احتوتني في عناق؟! فغدا قلبي آمنًا هادئًا؛ بعدما مزقه ألم الفراق و كأنني تزوقت جُرعةً من لوعة الاشتياق، الآن فقط هدأ قلبي و أنار دربي و كأن هدوء العالم بأجمعه وُجِدَ في سربي، الآن فقط حصلت على حُبي، فراح القلب يُهلل:
ها قد حصلت على ما تمنيته، ها قد نِلتُ ما وددته، الآن أصبح ما أردته لي و أنا له"
خرج «وليد» و في يده «عبلة» بعدما سلمها له والدها و خلفه «طارق» و في يده «جميلة»، و البقية خلفهم نحو الحديقة الملاحقة بالقاعةِ حتى يتم التقاط الصور الخاصة بالعروسين ، و لكن المفاجأة التي أذهلت الجميع هو وجود «عامر» و بجانبه سيارتين غريبتين الأطوار، من يراهما من الوهلة الأولى يظن نفسه داخل حُلمًا جميلًا و بالأحرىٰ داخل أحد الأفلام الكرتونية الشهيرة، حيث كانت السيارة مُصممةً بنفس هيئة سيارة تلك القصة الشهيرة "سندريلا" و يرافقًا خيلٌ باللون الأبيض و مع بداية حلول الليل و الظلام من حولهم ظهرت الاضاءة الذهبية التي قام «عامر» بتزيين العربات بها.
وقف بين السيارتين بشموخٍ و ثقةٍ و هو يبتسم للجميع الذين طالعوه بدهشةٍ يَرافقها التعجب و الحيرةٍ، فتحدث هو مُفسرًا:
دي عربية السندريلا، علشان أخواتي مش أي حد، لازم يكونوا زي الفارس اللي خد عروسته على الحصان الأبيض"
شقت البسمة أوجه الجميع بعد جملته و في ذلك الحين ركض إليه «وليد» يحتضنه بقوةٍ و هو يربت بذراعيه تزامنًا مع قوله الذي أظهر تأثره و عاطفته:
ربنا يخليك ليا يا عامر، هتفضل أحسن أخ في الدنيا كلها"
حرك «عامر» كفيه على ظهره حركاتٍ رتيبةٍ و هو يقول بنبرة صوتٍ متحشرجة:
و أنتَ حبيبي و ربنا، ربنا يتمم ليلتك على خير و يفرحك دايمًا"
ابتعد «وليد» عنه و التأثر بلغ مبلغه على وجهه و نظرة عينيه، فاقترب «طارق» منهما و احتضن «عامر» و هو يقول بامتنانٍ له:
تسلم يا غالي، و شكرًا على تعبك و على كل حاجة بتعملها"
ابتسم له ثم قال بفخرٍ:
و لسه يا واد، الليلة دي كلها مفاجأت صبركم عليا بس، يلا علشان تلحقوا تتصورا"
ابتعد عنه «طارق» و هو يبتسم له، بينما «ياسين» وقف بجانب زوجته و هو يبتسم، فحركت رأسها تطالعه بعينيها و حينما رأت البسمة على وجهه سألته بتعجبٍ:
فيه إيه ؟! بتضحك كدا ليه؟!"
حرك رأسه حتى يتسنى له رؤيتها و هو يقول بنبرة صوتٍ هادئة:
علشان عامر، دماغ رايقة و الله، بصي كدا العربيات مع الأجواء، تحسي إن الفرح معمول في ديزني لاند"
ابتسمت له و هي تقول:
هو بصراحة دماغ أوي، بس فكرته حلوة و هتخلي الفرح دا حاجة تانية، تعرف ؟! كان نفسي أركبها أوي العربية دي"
أمعن النظر في وجهها ثم حرك رأسه موافقًا بهدوء، فحركت رأسها للأمام و هي تطالع الجميع حولها، ثم رفعت رأسها له تسأله من جديد:
بس قولي بصحيح، طلعت منقي الفستان و سايبني عمالة اختار و أحتار، مش سهل أنتَ برضه"
مال على أذنها يهمس بهدوء:
عيب لما أكون ابن رياض الشيخ و معملش حسابي في حاجة زي دي، دا يتبرى مني، يرضيكي ؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تحاول كتم ضحكتها، فغمز هو لها بثباتٍ، حتى وجدها تتمسك بذراعه و هي تقول بصوتٍ مرحٍ:
أنا فرحانة أوي أوي النهاردة، اقولك حاجة ؟! فرحانة أكتر من يوم فرحنا"
رفع حاجبه يطالعها بغير تصديقؤ فوجدها تضيف مسرعةً:
مش قصدي....مش قصدي، بس يوم فرحنا كان توتر و خوف و قلق، بس لما شوفتك و أنتَ جاي تاخدني كنت زي الفراشة طايرة في السما، دلوقتي فرحانة علشان عبلة و وليد و علشان طارق اللي صبر كل دا و اتحرم منها و علشان جميلة اللي عاشت بعيد عننا، و دلوقتي ربنا كرمها، فرحتهم مخلياني طايرة"
ابتسم لها باتساعٍ و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و علشان قلبك الطيب دا ربنا بيكرمك بكل الخير، و أظن أنا الخير كله و لا عندك شك؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بصوتٍ ضاحك:
لأ شك ازاي ؟! دا أنتَ الخير و البركة برضه"
تلاشت بسمته و حل محلها الجمود الزائف، فسألته هي بطريقةٍ أضحكته:
أقولك حاجة و متضحكش ؟!"
أمسك يدها بيأسٍ و هو يقترب بها من والديه و هي خلفه يسحبها بقوةٍ و هي تضحك عليه و على تبدله.
و في المنتصف كانتا «عبلة» و «جميلة» بقربها تنتظر كلتاهما قدوم عريسها بعدما ركب كلًا منهم السيارة الخاصة به التي جلبها لهما «عامر» و قبل اقتراب كلًا منهما بالسيارة أشار «عامر» للعامل في الخلف الذي ضغط على الألعاب النارية بألوانها في السماء و كأنهما في أحد الأفلام الشهيرة، فكل من بالمكان، ظن أن هذا المشهد خاص بأحد الأفلام و يتم تصويره بهذا المكان،
و إبان ذلك خرج «وليد» بجزعه من السيارة بعدما اقترب من «عبلة» و هو يمد كفه لها، فابتسمت هي بسمتها الصافية له ثم مدت كفها له حتى تركب السيارة بجواره، و بعدما دلفت هي، اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم خرج من السيارة، و بعدها صعد على الخيل و الجميع حوله ينظرون له بفرحةٍ كبرى تماثل فرحته التي حصل عليها أخيرًا، و فعل المثل «طارق» و سار خلفه بسيارته و من بعدها بدأ التقاط الصور الخاصة بهم بعدما قام المصور الفوتوغرافي بضبطهم و تجهيزهم للصور.
وقفت «هدير» بجوار شقيقتها و هي تبتسم باتساعٍ على مداعبة «فارس» الذي أخذ يبتسم في نومه على الرغم من الصخب حوله، حتى اقترب منها «حسن» يقف بجوارها فحدثته هي بفرحٍ:
تعالى بُص يا حسن !! فارس بيضحك و هو نايم و شكله حلو أوي"
ابتسم لها ثم مد يده لـ «هدى» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
هاتيه أشيله بعد أذنك يا هدى"
حركت رأسها موافقةً ثم أعطته له و هي تبتسم ثم قالت مُسرعةٍ بعدما سلمته الصغير:
خليك بقى ماسكه و أنا هروح أخلي أحمد يصورني مع وئام قبل ما ينشغل عني، سلام"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم بيأسٍ، فتحدثت «هدير» بتهكمٍ:
أمهات أخر زمن بصحيح، روحي يا أصيلة، سيبتي ابنك علشان تتصوري مع جوزك ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
آه عادي يعني، هو مع حد غريب ؟! مع عمه و خالته، خلي بالك بس لو صحي ابقي طبطبي عليه"
انسحبت من أمامهما بعدما لوحت بكفها تودعهما، بينما «حسن» تحدث بسخريةٍ:
مالك !! هتاكليها يا ستي؟!"
حركت رأسها بعشوائيةٍ في عدة جهات غير متناسبة ثم قالت:
هدى اتهبلت، كانت عقلة و الله، بس الخِلفة طيرت عقلها خلاص"
ابتسم لها ثم حرك رأسه للأسفل ينظر لذلك الصغير الذي يسكن بين ذراعيه بهدوء حتى وجد نفسه يبتسم تلقائيًا و هو يتذكر كيف كان يتمنى أن يَمن الله عليه بتلك النِعمة، و كم كان يتخيل حياته مع صغيره الذي كان يدعو الله أن يأتي لدنياه حتى يكون له عونًا، لكن الله لم يشاء له بتلك الهِبة، فتيقن هو مؤخرًا أن ذلك لحكمةٍ لم يعلمها سوى الخالق.
كانت «هدير» تطالعهما بعدة مشاعر مختلطة و بعينين يغزوها الدمع تأثرًا بمشهده مع الصغير، و قبل حتى أن يرفع هو رأسه كانت تعلم بما يجول بخاطره دون حاجتها للتفسير، فرفع هو رأسه حينما شعر بها تمسح دموعها الساخنة حينما شعرت بها على وجهها، فسألها هو بتعجبٍ بنبرة صوتٍ متحشرجة:
مالك يا هدير ؟! بتعيطي ليه ؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
لأ مش بعيط و لا حاجة يا حسن، هو بس ممكن يكون الهوا مخلي عيني تدمع"
حرك رأسه باستنكارٍ لها، فهزت رأسها عدة مراتٍ تؤكد صدق ما تفوهت به، فرفع كفه هو يمسح دموعها فوجدها تتنفس الصعداء بعمقٍ و هي تقول:
حسيت بيك دلوقتي، حسيت إنك اتحرمت من كذا حاجة، في الأول كنت بغير و ساعات كنت بحس أني متضايقة علشان كان فيه واحدة تاني قبلي، بس كل مرة ببصلك غصب عني ساعات بفرح علشان بحس أنتَ قد إيه تعبت، ربنا يعوضك يا حسن لحد ما تنسى إنك تعبت في يوم"
ابتسم هو بسمة طفيفة لم تصل إلى عينيه ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال بعدما طالعها بنظرى عينيه الصادقة:
عوضني....ربنا كرمني بيكي يا هدير و أنا نسيت كل حاجة عدت، و بعدين أنتِ بقيتي بتتأثري كدا ليه، مش دي هدير اللي عارفها من صُغري"
ابتسمت له و هي تسخر من نفسها بقولها:
مش عارفة بقى أنا بقيت مرهفة الإحساس و دي حاجة زفت، أنا مكنتش طيبة كدا، الله يسامحك بقى"
ابتسم لها ثم رفع ذراعه يحتضنها بقوةٍ و الذراع الآخر عليه «فارس»، حتى تحدثت هي بطريقةٍ غريبة و كأنها طفلة تتمنى دُميةً في يد زميلتها:
حسن، أنا عاوزة أجيب عيل زي فارس منك"
ضحك هو عليها و على جملتها العفوية، فابتعدت عنه ترمقه بحنقٍ، حينها حرك رأسه موافقًا ثم قال ساخرًا منها:
حاضر يا هدير، ربنا يكرمنا إن شاء الله و هجبلك عيل زي فارس، هو رنجة ؟! دا إيه الهم دا"
ضربته في كتفه و هي ترمقه بغيظ من سخريته، فابتسم لها مع قوله:
ربنا يكرمنا إن شاء الله و يكتبلي الاحساس دا و أعيشه معاكي"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت حتى تشاكسه:
طب يلا علشان نشوف حد يصورنا، بقالي كتير منزلتش صور معاك على انستجرام"
رد عليها هو بسخريةٍ:
هو أنتِ لسه محسساني إنك متجوزة رحالة، أنا لو اختفيت محتواكي هيضيع"
حركت رأسها مسرعةٍ و هي تقول:
يا أخي بعد الشر، نكدو و الله نكدو، تختفي تروح فين يعني؟! أنا على قلبك مش هسيبك، اعتبرني تخليص الذنوب اللي عملتها و لبست فيا"
مال على أذنها يهمس بهدوء:
لو الوقوع في الحب ذنب و أنا عن سكته كنت غايب، فأنتِ عينك غوتني بعدما كنت تايب"
رفعت رأسها تطالعه بدهشةٍ فوجدته يلتفت حوله ثم باغتها بقبلةٍ على وجنتها و هي تقف متسمرةً من طريقته الغريبة التي تتبدل في غضون ثوانٍ، فأمسك هو كفها ثم قال بمراوغةٍ:
يلا علشان نتصور"
حركت رأسها موافقةً ثم سارت خلفه و هي تكاد تُجزم بأنه يُعاني من انفصام الشخصية، فتبدله بتلك الطريقة لم يكن طبيعيًا.
إبان ذلك كان الجميع منتشرون في الخارج وسط الحقيبة و كلًا منهم بوضعٍ مختلف بين التصوير و المرح و المشاكسة، و كانت «هدى» تقف بجوار زوجها تلتقط معه الصور و «خلود» تقوم بتصويرهما سويًا حتى نفخت وجنتيها بحنقٍ ثم قالت:
خلاص بقى !! العريس و العروسة متصوروش كدا، انجزوا"
رمقتها «هدى» بغيظٍ و هي تقول:
يا باردة صوري، معرفتش اتصور معاه في فرح خديجة كنت حامل، صوري يا رخمة"
نفخت وجنتها بضجرٍ ثم قالت:
حط إيدك على كتفها خليني اصوركم، يلا يا وئام"
حرك رأسه يطيح لها و هو يقول بسخريةٍ:
ايدي على كتفها !! هو أنا بتصور مع أمي؟! ناقص تقوليلي بوس راسها، صوريني و أنا بلفها بإيدي"
ابتسمت «هدى» باتساعٍ، بينما «خلود» تحدثت بضجرٍ:
دا إيه المراهقة المتأخرة دي بقى ؟! أنتم مش معاكم عيل ؟!"
قبل أن ينطق «وئام» تحدثت «هدى» بضجرٍ منها:
صوري يا معدومة المشاعر، يا جِبلة يا باردة، إيه يا بت دا ؟! الله يصبره اللي هتبقي من نصيبه"
ابتسمت «خلود» رغمًا عنها، بينما «وئام» أمسك كف زوجته و هو يقول بمرحٍ:
يلا يا خوخة، صوري و أنا بلفها بإيدي، دي هدى حبيبة قلبي"
ابتسمت «هدى» له، فرفع رأسه ينظر لها و هو يقول بصوته الرخيم:
هدى حبيبتي و صاحبتي و أختي و مراتي و أم ابني، و كل حاجة كان نفسي فيها في يوم لقيتها فيها هي"
تدخلت «خلود» تقول بتهكمٍ:
خلاص حركتوا مشاعري، يلا بقى علشان نلحق الزفة قبل ما عامر يبدأ"
حرك رأسه موافقًا ثم أمسك كف زوجته و هي تدور حول نفسها و كفها يمسك كفه، و هي تضحك بسعادةٍ و «خلود» تلتقط الصور لهما معًا و رغمًا عنها ابتسمت بفرحةٍ، على الرغم من كونها شخصًا عمليًا، قليلة التعامل بالمشاعر، و لكن في بعض الأحيان تعترف بينها وبين ذاتها أنها من بين كل تلك القصص المحيطة بها، تود معايشة قصةً مثلها
أقترب منهم «حسن» و زوجته، فتحدثت «خلود» بفرحٍ:
الله أكبر، حسن و هدير، أحسن مصور في مصر، تعالى صورهم بقى علشان تعبت"
رفع حاجبه لها و هو يقول بسخريةٍ:
أحسن مصور في مصر !! أنتِ بتشتغليني خلي بالك بس هعديها بمزاجي"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول مُسرعةً وسط الضحكات من الأخرين:
خالص و الله، حد ينكر إنك دارس التصوير و فاهمه كويس؟!"
حاول كتم ضحكته عليها، فتحدثت «هدير» لها بخبثٍ:
و علشان تبقي عملتي انجاز، هتصورينا أنتِ، يلا يا حلوة"
تلاشت بسمة «خلود» تدريجيًا، فرفعت «هدير» أحد حاجبيها و هي تقول بنبرةٍ متريثة:
ها يا خوخة !! هتصورينا و لا أصور قتيل النهاردة ؟!"
نفخت «خلود» وجنتيها ثم ضربت الأرض بقدميها بعد رضوخها لهم و لـ «هدير» خاصةً.
_________________________
في تلك الأثناء كان «عمار» يقف منزويًا عن الأنظار و بجانبه صديقه، و لكن عينيه تعرف مُستقرها جيدًا حيث وقف يتاعبها بعينيه من على بُعدٍ، فوجد نفسه يبتسم بين الحين و الآخر، و خاصة باللون المميز التي انفردت هي به، حيث كانت ترتدي نفس الفستان الذي ترتديه فتيات العائلة، مع اختلاف بعض التفاصيل التي تميزت هي بها من خلال تلك الزهرة الفضية التي وضعتها على أحد كتفيها،
مع اللون الذي امتازت به و هو اللون الأزرق ببهجته المعهودة، و حجابٌ بنفس اللون، و على الرغم من أن الحجاب كان على الطرق الحديثة و عنقها مكشوفًا، إلا أنه لم يستطع التحدث، ففي المجمل هي كما هي مُتفردة على من حولها، و كأنها نجمة برونزية تتألق وسط عتمة السماء المظلمة في ليله،
هكذا كان يفكر و هو يبتسم برزانةٍ على طريقتها و هي تلتقط الصور لهم و يشهد على تذمرها و حنقها البادي عليها من خلال ردود أفعالها، حتى وجدها تقف في مقدمتهم و هي تلتقط لهم صورةً بالكاميرا الأمامية، بعدها أمسك «حسن» الهاتف و هو يقوم بتصويرها بمفردها و كأنها بذلك تنتقم منهم، حتى ضحك «عمار» بيأسٍ حينما تأكد من تفكيرها و أنها بالطبع تنتقم.
انغمس في شروده بها و صديقه بجواره يتحدث في الهاتف، حتى شعر بكف أحدهم يوضع على كتفه، حينها حرك رأسه مُسرعًا فتفاجأ بوالده يبتسم له بهدوء، فحمحم هو بقوةٍ ثم قال ببمسةٍ هادئة:
خير يا بابا !! فيه حاجة عاوزها مني ؟! سيبت ماما لوحدها ليه؟"
رد عليه والده بنبرةٍ هادئة:
مامتك مع الستات و البنات، قولي بقى واقف بتراقب مين؟"
ظهر التوتر على وجهه و ملامحه بعد حديث والده الذي ابتسم له بثقةٍ، و قبل أن يرد عليه، أضاف والده:
بقالي ساعة بدور عليك و أنتَ هنا واقف تراقب !! هي أم فستان ازرق صح ؟!"
زاد التوتر و اتضح الخجل أكثر من ذي قبل و هو يزدرد ريقه بخوفٍ، فأضاف «فهمي» برزانةٍ:
متخافش كدا، أمك قالتلي لما أنا سألتها، طول عمري بحبك و بحب دماغك و بحب طريقة تفكيرك، تحب افاتحهم في موضوعك؟!"
رد عليه مًسرعًا:
لأ يا بابا، أنا لسه صغير و لسه قدامي طريق صعب أوي، لو بايدي مكنتش اخترت أني أحتار و اشتاق كدا، بس غصب عني من غير ما أحس لقيت نفسي كل شوية بغرق، و أنا لو على رقبتي معملش حاجة تغضب ربنا، لو هي نصيبي في الدنيا يبقى ربنا يكرمني بيها و يقدرني علشان أوصلها، لو هي مش نصيبي يبقى ربنا يقدرني و أنساها قبل ما اتعلق أكتر و يبقى صعب عليا"
ربت على كتفه بفخرٍ ثم قال بهدوء:
ربنا يكرمك باللي تقدرك و تسعد قلبك يا عمار، و لو الخير ليك معاها يبقى ربنا يقرب طرقكم سوا، و لو فيه شر ليك سواء في الدنيا أو الآخرة يبقى ربنا يكرم كل واحد فيكم بعيد عن التاني"
حرك عينيه دون أن إرادةً منه و كأنه خارج طوعه حتى استقر بصره عليها من جديد، فتحدث والده بسخريةٍ:
ركز معايا يا واد، يادي النيلة عليك، دا أنتَ واقع خالص"
حرك بصره نحو والده من جديد و هو يبتسم بيأسٍ، فاحتضنه والده و هو يربت على ظهره، فسأله «عمار» بقلقٍ:
بابا !! هو أنتَ مش زعلان مني؟ أنا معملتش حاجة غلط و الله، أنا بس كل ذنبي أني حبيت"
ابتسم له والده بعدما ابتعد عنه ثم قال بصوتٍ هاديءٍ:
عارف إنك مبتغلطش و عارف إنك بتحاول علشان تبقى شخص تاني، بس الحب مش ذنب، الحب حلو و ربنا كرمك بـ هِبة من عنده، حافظ على الحب اللي في قلبك لحد ما تتحب أنتَ كمان"
حرك رأسه موافقًا، فاقترب منهما «عبدالرحمن» و هو يقول بقلة حيلة:
واخد ٢٠ وصية من ماما و ٨٠ من بابا، غالبًا فكريني عيل صغير"
رد عليه «فهمي» بهدوء مُردفًا:
يا بني دي غريزة الأبوة والأمومة، مهما كبرتوا لازم نخاف عليكم، دا شيء مفروغ منه"
رد عليه «عبدالرحمن» مُسرعًا:
أنا مبزعلش خالص، بالعكس أنا بكون فرحان أوي، هما اعتراضهم بس أني ممكن اتأخر"
ابتسم له «فهمي» ثم دعا الله يبارك له فيهما و من بعدها توجه نحو «رياض»، فاقترب «عبدالرحمن» من «عمار» و هو يقول بخبثٍ:
فضحت نفسك يا أهبل !! طب أقف ورا الشجرة و اتفرج براحتك، جتك خيبة"
رمقه «عمار» بغيظٍ و لم يرد عليه فأضاف الآخر بسخريةٍ:
خلاص متزغرليش كدا، ربنا يكرمك يا سيدي و تخلص على خير إن شاء الله علشان ربنا يرزقك بيها"
ابتسم له بفرحٍ فأخرج «عبدالرحمن» هاتفه و هو يقول بخبثٍ:
ما تيجي نتصور و لا إحنا ملناش نفس احنا كمان نتصور؟"
نظر له لمدة ثانية واحدة و من بعدها هجم عليه يمسك عنقه بين كفيه و الأخر يضحك بقوةٍ عليه و هو يرجوه أن يتركه، حتى ضحك «عمار» ثم احتضنه فجأةً و هو يقول بتأثرٍ:
ربنا يخليك ليا يا عبدالرحمن، و عقبال ما نحضر فرحك إن شاء الله"
ربت «عبدالرحمن» على ظهره ثم قبل كتفه و العبرات تلمع في مقلتيه و هو يتذكر كيف أكرمه الله بذلك الصديق حتى في بعض الأحيان يظنه عائلته بأكملها، أو المعطف الدافئ الذي وجده في ليالي الشتاء القارسة.
_________________________
بعد الانتهاء من تصوير العروسين، حان موعد الزفة الخاصة بالفرح، و السؤال هنا، هل في وجود «عامر» كيف سيكون التالي؟!
لم يطل الجهل بالإجابة، حيث وقف «طارق» و زوجته تمسك بيده و «وليد» كذلك على باب القاعة حتى يدخلونها، بعدما سبقهم الجميع للداخل و ظلوا هم فقط في الخارج و الجميع في انتظارهم
و بمجرد فتح الباب، تفاجأ العرسان بوجود أحد الفرق النوبية في منتصف القاعة و الجميع حولهم يلتفون على شكل دائرة، و مع طلتهم من الباب انتشرت الزغاريد و أصوات البهجة التي احتلت الأوجه بأكملها، و فجأة اقترب شباب الفرقة من العريسين يمسكون كفهم حتى وقفوا معهم في منتصف القاعة و بدأت الرقصة الشهيرة الخاصة ببلاد النوبة بأسوان و كلًا منهم يمسك بيد زوجته و الشباب حولهم يرقصون أيضًا، حتى دلف «عامر» وسطهم يرقص مع الفرقة بنفس الطريقة الخاصة بهم على الكلمات الآتية:
إيوو يا شمندورة من جِنا...بهر جاسكيو مينجا....سجري مالا واينا مورتنا نا واينا....على الشط استني رايحة فين؟....دا أنا ليكي بغني غنوتين..... على الشط استني رايحة فين... دا أنا ليكي بغني غنوتين....غنوة عن الآهة و الحنين و غنوة لعنيكي يا حنين....آه يا شمندورة لابسة توب....يا أجمل من الصورة دوب يا دوب....يا أسمر يا سمارة دوبت... دوب يا عيون قدارة على القلوب......
آه يا شمندورة صبري طال....ردي و جاوبيني على السؤال.... اطلبي و اتمني لو محال....من العين و النيني و الغزال....آيو من شمندورة من جِنا...آه يا شمندورة آه و آه...."
رقص الشباب وسطهم على شكل دائرة مع الفرقة، و العريسين في منتصف تلك الدائرة و كلًا منهم يرقص مع زوجته بمرحٍ و فرحةٍ كُبرى حتى، فكانت تلك الزفة هي الأجدر بالفوز في البهجة و المرح
و من بعدها أعلن عامل الموسيقى أن الرقصة القادمة خاصة بالعروسين فقط، فانسحب الجميع من حولهم حتى يتركون لهم المساحة، فاقترب كلًا منهم من زوجته يمسك يدها، فحرك «وليد» رأسه ينظر حوله ثم استقر بموضع بصره من جديد عليها فسألته هي بتعجبٍ:
مالك ؟! بتدور على مين ؟!"
رد عليها مُردفًا بنفس الطريقة التي يتحدث بها الآخر:
بدور على ابوكي و مستنيه يقولي جرى إيه يا ابن مرتضى ؟! أنتَ هتستحلاها و ترقص مع بنتي كمان ؟!"
ضحكت هي بقوة فوجدته يضحك هو الآخر ثم قربها منه أكثر، و اللحن الهادئ بدأ يرتفع حولهم، فسألته هي بنبرة صوتٍ ظهر بها الاهتمام:
قولي يا وليد، مبسوط؟! و لا حاسس بإيه ؟!"
رفع عينيه لها و هو يتعمق بنظره في عسليتيها مع قوله الهاديء:
تفتكري كل دا و مش مبسوط ؟! دا أنا شكلي بقى أهبل من كتر الفرحة، الحمد لله يا عبلة على كل حاجة فاتت و على كل حاجة جاية، و أنتِ معايا فيها"
ابتسمت هي بفرحةٍ و خاصةً مع ارتفاع نبضات قلبها و تلك البرودة التي اجتاحت جسدها مرةً واحدة، فسألها هو بتعجبٍ:
مالك ؟! إيدك متلجة كدا ليه؟!"
ردت عليه هي بتأثرٍ:
علشان فرحانة أوي، و أنا لما بفرح أيدي بتتلج كدا، طول عمري كنت عاوزة اتجوز علشان أعرف بيقولوا إيه و هما بيرقصوا كدا"
حرك رأسه باستنكارٍ، ثم أضاف بغموضٍ لم يخفى عنها:
لأ أنا كان نفسي اتجوز علشان حاجة تانية بصراحة"
حركت رأسها بقلقٍ منه فوجدته يضيف مُفسرًا ببراءةٍ زائفة:
علشان نصحى نصلي الفجر سوا و علشان ألاقي حد ياكل معايا بليل، أصل مبحبش أكل لوحدي"
حاولت كتم ضحكتها على طريقته التي يتحدث بها، فاقترب هو يقبل قمة رأسها ثم تنهد بعمقٍ و كأن الراحة تعرف الطريق إليه لأول مرةً بالحياة بعدما عاش عمرًا بأكمله في العناء.
و بقربهما كان «طارق» يمسك يدها و هو يتحرك على اللحن و و هي تتحرك معه بهدوء و تخفي عينيها للأسفل هروبًا منه، فرفع هو وجهها ثم سألها:
فيه حاجة مزعلاكي ؟! مالك يا جميلة؟!"
رفعت رأسها تطالعه وهي تقول:
مكسوفة يا طارق، هو أنا بتجوز كل يوم ؟! أنا طول عمري بحضر افراح بس البنات بتبقى لوحدها و الرجالة لوحدها، هنا رعب"
ابتسم لها ثم قال بهدوء:
كنتي عاوزاني أعمل فرح و أقسمهم نصين يا جميلة !! طب دي عيلة الرشيد تقلب أي فرح لمراجيح، كلهم رفضوا"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ فوجدته يبتسم لها و هو يقول:
بعدين دي ليلة حد يزعل فيها !! دي ليلة العُمر اللي ضاع عليها كل العمر، حد بكشر كدا !!"
حركت رأسها نفيًا و هي تبتسم رغمًا عنها، فسألها هو بخبثٍ:
قوليلي بصحيح هي الهدوم اللي في الشقة دي بتاعة مين؟! أصل الدولاب مليان حاجات غريبة بصراحة"
سألته هي بحنقٍ:
و أنتَ إيه اللي خلاك تدور على الحاجات دي ؟! دي هدومي يا سيدي"
اتسعت بسمته و هو يقول:
أكيد دا ذوق عمتو مشيرة، عارفها أنا رايقة طول عمرها"
حركت رأسها موافقةً على حديثه و هي تحاول كتم ضحكتها، فأضاف هو بسخريةٍ:
أنا كنت خايف ألاقي محل اسدالات و طرح في الدولاب، بس طمنتيني"
نظرت له بدهشةٍ و هي تقول بحيرةٍ و تيهٍ:
أنتِ مين !! فين طارق الهادي المحترم، كدا كتير"
رد عليها هو مُسرعًا بلمحة خبثٍ:
بعد اللي شوفته امبارح دا و الخمار كان مخبيه عني، صعب بصراحة أفضل متربي، خصوصًا إن الحصار اتفك خلاص"
ضحكت هي بقوةٍ فغمز هو لها بمرحٍ حتى يشاكسها
و بعد انتهاء اللحن و رقصتهما بدأت كلمات الأغنية الرومانسية و هم يرقصون عليها:
صدقني خلاص من بين الناس...حبيتك و اخترتك ليا....طول ما أنا وياك....قدامي ملاك.... خلتني مغمضشي عينيا....الله....يا سلام....في عينيك أحلى كلام.... قرب مني شوية شوية.... قلبي و قلبك سوا يتلاقوا....دي الدنيا أنتَ مليتها عليا....دا الحب اللي محدش داقه"
حينها دارت «عبلة» حول نفسها بعدما قام «وليد» بتدويرها بكفه، و كذلك «جميلة» و الجميع حولهم يصفقون لهم بحرارةٍ حتى احتضن كلًا منهم زوجته وسط التصفيقات الحارة مِن مَن حولهم
و بعدها أخذ كلًا منهم زوجته ثم اقترب من المقاعد الخاصة بهم يجلسون عليها سويًا، و سط حالة هدوء خيمت على الجميع و على المكان بأكمله خاصةً مع وقوف «عامر» بجانب عامل الموسيقى و معه مكبر الصوت حتى تحدث يقول بنبرةٍ مرحة موجهًا حديثه للقاعةِ بأكملها:
السلام عليكم....ركزوا معايا كدا كلكم، أولًا ألف مبروك لحبايب قلبي طارق و وليد"
وجه الجميع بصرهم نحوه و هو يتحدث، و حينها مال «خالد» على «ياسين» و «ياسر» بينهما، فتحدث الأول بحنقٍ:
عشر دقايق و هنتفضح كلنا، حد يروح يقطع نور القاعة بسرعة"
ضحك كليهما عليه، فتحدث «ياسر» ببساطةٍ:
يا عم اصبر بس، أكيد عاملنا مفاجأة حلوة، الواد عامر دا دماغ تانية"
أيد «ياسين» حديثه بقوله:
خلينا نفرح، و لو اتفضحنا يعني، هيبقى قضاء و قدر، كله فدا وليد و طارق يا عم"
تحدث «عامر» من جديد:
المهم دلوقتي عاوزكم تركزوا معايا و....."
توقف عن الحديث حينما انقطع الصوت بعدما انطفأ مكبر الصوت، فحاول مرارًا و تكرارًا لكن دون فائدة، فرفع صوته و هو يقول:
حد ييجي يا جدعان يشوف البتاع مش شغال ليه؟!"
ترك «وليد» مقعده ثم اقترب منه يحاول معه هو الأخر حتى أصدر المكبر صوتًا، فقام «عامر» بتجربته و هو يقول:
الله...الله....حي.....وحـــدوه"
ضحك الجميع عليه و خاصةً مع صدى الصوت الذي انتشر بالمكان، و قبل أن يبدأ حديثه انقطع الصوت من جديد، فتحدث بضجرٍ:
ما تشوف يا عم وليد !! البتاع دا بيقطع ليه؟!"
قام «وليد» بالمحاولة مرةً أخرى و هو يحاول جاهدًا كتم ضحكته، و حينما نجح في ذلك اعطى «عامر» المكبر، فتحدث «عامر» بمرحٍ و هو يقوم بتجربة الجهاز:
الله....حي....فِراشىة الحج فايز الرشيد ترحب بكم في فرحة احفادها"
ضحك الجميع عليه بقوةٍ و خاصةً رجال العائلة و «وليد» الذي احتضنه و هو يضحك بشدةٍ، أما «حسن» فضرب رأسه في كتف «وئام» بعدما أوشك على لفظ أنفاسه من كثرة الضحك، فسأله صديقه بتعجبٍ:
بتضحك على إيه ؟! هتموت من الضحك يخربيت عقلك"
رد عليه «حسن» بنبرةٍ ضاحكة:
بتخيل الحج فايز الرشيد الله يرحمه لو كان سمع الجملة دي، كان زماننا بندور لعامر على فِراشة الجنازة"
ضحك عليه الشباب بأكملهم، حيث كانت الطاولات منقسمة لهم و للرجال الكبار، و النساء على الطاولات الخاصة بهن، فأضاف «عامر» أخيرًا بجديةٍ بعد توقف الضحكات:
خلاص يا جماعة إحنا آسفين، دا خطأ فني، المهم يعني معاكم عامر فهمي، المفروض إن في نهاية كل سنة بينزل فيلم مدته بتكون تقريبًا نص ساعة، الفيلم دا بيبدأ من أول يوم في السنة لحد أخر ساعة فيها، كل سنة الفيلم بيكون عبارة عن خمس أشخاص و هما خالد و ياسر و ياسين و عامر و عمار و أفراد عيلتنا، السنة اللي خلصت دي إحنا منزلناش الفيلم، و ناس كتير استغربت حاجة زي، بس اللي أنا كنت بجهزه كانت حاجة أكبر، في نص السنة اللي فاتت دي، العيلة كبرت و زادت
مبقيتش بس عبارة عن خمس أشخاص، دي بقت حاجة أكبر من كدا بكتير، الحكاية بدأت تحديدًا لما ياسين أخويا راح يتقدم لمراته، أخر واحد فينا كان بياخد الخطوة دي، السنة دي فيه فيلم، بس فيلم أكبر و أحداثه أحلى، السنة دي بدل الخمس شباب بقينا ١١، زاد علينا (وئام _ طارق _ حسن _ وليد _ أحمد _ عبدالرحمن) بقينا عيلة أكبر في ضهر بعض، السنة اللي فاتت كلنا حصلنا حاجات حلوة بلا استثناء.
أنا ربنا كرمني و اتجوزت اللي حبيتها بعدما لقيتها بالصدفة و مسكت فيها"
ابتسمت «سارة» بفرحٍ و هي تنظر له خاصةً بعدما وجه بصره لها ثم غمز لها بطرف عينه، فأعاد هو الحديث من جديد:
ياسر مثلًا ربنا كرمه و خالد وافق و جوزه أخته بعد عمر كامل بيدعي ربنا إنه يتجوزها و إنه يكون معاها في بيت واحد، خالد ربنا كرمه و يونس كبر سنة، و بقى أصغر صاحب لينا في الدنيا، ياسين ربنا استجاب له و رزقه باللي كان فاكرها إنه مش هيلاقيها، و لما لقاها احنا لقينا معاهم عيلة الرشيد، و بقى عندنا أخوات أكتر و بقينا في ضهر بعض في الوحش قبل الحلو و عمار أخويا حقق حلمه و دخل كلية الصيدلة و هيبقى أشطر دكتور صيدلي إن شاء الله.
الفيلم اللي هينزل دلوقتي نصه الأول هيكون عبارة عننا إحنا العيلة الصغيرة و النص التاني هيكمل بالعيلة الكبيرة، كل واحد فينا مع شريكه و لحظات الفرح و الحزن اللي عدت علينا كلنا، فيلم هيبقى كبير بس هيضم حاجات حلوة هنفضل طول عمرنا نحمد ربنا على النعم دي و يلا علشان نبدأ فيلمنا"
أنهى حديثه و هو يبتسم بمرحٍ، ف صفق الجميع له و انطلقت الأصوات المهللة له، و بعدها انطفأت الأضواء و ظهرت شاشة العد على الشاشة الكبيرة، حتى وصلت لرقم "0" و من بعدها بدأ الفيلم بـ «عامر» و هو يغمز بعينه
ثم أشار نحو تاريخ اليوم و هو اليوم الأول في العام الجديد، و بعدها بدأت الصور و الفيديوهات القصيرة التي جمعت الشباب مع بعضهم في شقة «ميمي» و في الشارع مع بعضهم و تواريخ مكالمتهم لبعضهم، احتوى الفيلم على بعض اللحظات الخاصة بهم و التفاصيل الدقيقة التي حرص «عامر» على توثيقها، حتى وقت صلاة الجمعة و صورهم بعدها وضعها، و استمرت تلك اللقطات و الجميع يشاهدها بتأثرٍ من تلك الصداقة المتينة حتى أتت لحظات الأفراح الخاصة بكلٍ منهم و صورته مع زوجته، و من بعدها بدأ العد من جديد ثم بدأت اللحظات الخاصة بعائلة «الرشيد» حتى ميلاد «فارس» و نقل الأثاث الخاص بالشباب و رافق ذلك الفيلم عدة أغاني حماسية و هي:
اللي بينا...لحظة حلوة عيشتها بكلمة....بعتهالي في وقتها ما بينا ١٠٠ مكالمة....اتصالحنا و اتخاصمنا فيها ١٠٠٠ مرة....بس برضه بابتسامة تحلى لينا مُرة...اللي بينا سندة..وقفة...قعدة...صحبة...رحلة...زحمة....طعمة...ضحكة رجة القلب رجة بعد نكتة جامدة....اللي بينا أحلى وقت و أحلى عمر عدى...."
بدأت بعدها الأغنية التالية و خاصة المقطع:
ما قبل أي حد تاني...ليه نستنى لو لثواني....و احنا بإيدينا نعيش بمزاجنا احلى كتير... في دماغك افكار مجنونة و الناس بتقول مش مضمونة...غامر...عافر...جازف دي الدنيا رهان.... خليك وسط الناس الحلوة....عيش اللحظة كأنها غنوة....ارقص اضحك افرح من غير حسبان....ما قبل أي حد تاني....ليه نسنتنى لو لثواني...و احنا بإيدينا نعيش بمزاجنا احلى كتير"
رافق ذلك المقطع لقطات «عامر» في نقل الأثاث و المرح الخاص به مع شباب العائلة و كأنه يقوم بتوصيل رسالةً لهم، حتى بدأت الأغنية الثالثة و هي تضم اللقطات السريعة للجميع حتى كبار العائلة:
سر السعادة في بيتك تعالى....وسط ناسك تعالى و افرح هنا....املى قلبك أمان...هتملى المكان....سعادة و هنا.... السعادة بإيديك هتلاقيها لما تقدر تسيب تأثير كبير....فرحة متبسمة و متقسمة على قلوب كتير..."
بعدها وقف الشباب معًا و معهم «طارق» و «وليد» و بدأوا يقفزون سويًا بمرحٍ عند بداية المقطع التالي:
على ميعاد ميعاد كل ليلة....هنا فرحة بتلم عيلة....ضحكة في عيون الحبايب... سعادة زيادة....على طبيعتك أنتَ في مكانك....مرتاح و ناسك أمانك....دي الفرحة دقت بيبانك....ندهالك....جيالك..."
سر السعادة بيعرف طريقك...كل ما تروح مكان بيحلو بيك....لحظة تفرق معاك وسط ناس عايزاك....و بتسأل عليك....سر السعادة مفيش حد غايب....فرحة تفضل تزيد من عام لعام...تبقى فرحة عينيك....بأغلى ما ليك.... بمقام فرحتين...على ميعاد ميعاد كل ليلة....هنا فرحة بتلم عيلة...ضحكة في عيون الحبايب.... سعادة زيادة....على طبيعتك أنتَ في مكانك....مرتاح و ناسك أمانك....دي الفرحة دقت بيبانك....ندهالك جايالك..."
تعانق الشباب مع بعضهم بفرحةٍ جعلت الأعين تتوجه نحوهم و خاصةً الفتيات و هن يطالعهن بأعين دامعة تأثرًا بهم، حتى نزل الرجال الكبار وسطهم يرقصون معهم و معهم «محمود» أيضًا الذي تخلى عن ثباته وسط فرحة العائلة بأكملها، و الفتيات على بعدٍ منهم يرقصون سويًا مع «عبلة» و «جميلة» و نساء العائلة بأكملها يرقصن وسط الفتيات في جوٍ قد غاب عنهم لمدة طال انتظارها، حتى توقفت الموسيقى و انتشرت أصوات تشبه صوت طلقات النيران حتى توقف الجميع عن الرقص و هدأت الأجواء و خيم السكون عليهم جميعًا، و فجأة فتح الباب القاعة ليعبر منهم عدة رجال يرتدون الملابس الصعيدية و في مقدمتهم رجلٌ يمسك في يده سلاحًا حتى اقترب من الشباب و هو يقول بلهجة صوتٍ حادة لهم:
قدامي منك له...يـــلا"
رفع صوته يصرخ في وجههم حتى تقدم «عامر» ثم تحدث موجهًا حديثه للجميع:
تعالوا معايا يا رجالة....لو مروحناش معاهم هيخلصوا علينا"
حينما تحدث «عامر» أيقن الجميع ما يدور حولهم، حتى خرج الشباب خلف بعضهم تباعًا من القاعة و نظرات الاستنكار تكسو الملامح و خاصةً الفتيات و هن ينظرن لبعضهن بجهلٍ و كأن كلًا منهن تستفسر من الأخرى عما يدور حولها، و بعد خروج الشباب أغلق الباب لمدة دقائق و الصمت كما هو يخيم عليهم و مع طيلة الصمت و الانتظار بدأ القلق ينتاب قلوبهم، حتى فُتح الباب مرةً أخرى و رافقه موسيقى صاخبة، و لكن ما أثار الدهشة و التعجب هو ارتداء جميع الشباب للملابس الصعيدية و كلًا منهم في يده عصا كبيرة الحجم، حينها اتسعت الأعين بقوةٍ فبدأت الأغنية التي حددها «عامر» و هي:
اللي أبوه صعيدي ميخافش"
بدأت الأغنية و الشباب يرقصون عليها بالعصا وسط التصفيق و الفرح من الجميع، حتى تدخل «مرتضى» و «رياض» معهم يرقصان بالعصا و الشباب حولهم يرقصون مع بعضهم على كلمات الأغنية، حتى وقف «طارق» و «وليد» في المنتصف و هما يرقصان سويًا بالعصا تلك الرقصة الشهيرة "التحطيب" و كلًا منهما يتحدى الأخر بمرحٍ و الشباب حولهم كما هم، حتى سحب «طارق» «وليد» داخل ذراعيه و هو يضحك بقوةٍ، ضحك «وليد» هو الأخر ثم ربت على ظهره و هو يقول داخل أذنه حتى يصله الصوت:
ألف مبروك يا حبيب أخوك، ربنا يخليك ليا يا طارق و يقدرني و أرد جمايلك عليا"
ربت «طارق» على ظهره هو الأخر ثم قال بنبرةٍ هادئة:
و يخليك ليا يا وليد، متقولش جمايل دي علشان مفيش أخ بيشيْل أخوه جمايل، دا حقك عليا"
قبل أن يرد عليه قام «ياسين» بحمل «وليد» و «حسن» برفع «طارق» فهلل بقية الشباب و الرجال، أما «طارق» و معه «وليد» فبدأ كلًا منهما بالرقص بالعصا مقابلًا للأخر و في الأسفل يرقص الشباب سويًا، حتى قام «خالد» بحمل «يونس» على كتفه و هو يرقص بمرحٍ حتى ظهر على جميع شاشات العرض بالقاعة و هو يرقص مثلهم.
و الفتيات ترقص مع بعضها و معهن نساء العائلة و خاصةً «مشيرة» التي بين الحين تحتضن الفتاتين، فهي لم تنسى أنها قامت بتربية «عبلة» و «هدير» في كنفها في غياب ابنتها، فكانت بين الحين و الآخر تحتضن كلًا منهن على حدة حتى اقتربت من «خديجة» و قبل أن تحتضنها، تفاجئت بها تمسك يدها حتى ترقص معها، حينها احتضنتها «مشيرة» بقوةٍ و تأثرٍ، حتى احتضنتها الأخرى و هي تقول:
ربنا يتمم فرحتك بخير يا عمتو، و عقبال ما تشوفي عيالها إن شاء الله"
ابتعدت عنها «مشيرة» و هي تقول بصوتٍ مختنق:
ربنا يفرحني بعيالك أنتِ الأول، هيطلع عندهم أطيب أم في الدنيا كلها يا خديجة"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت تشاكسها:
لأ و هيبقى عندهم جدة صعب برضه، لو تعبوني هبعتهم ليكي خلي بالك"
ضحكت «مشيرة» بقوةٍ حتى أحتضنتها «خديجة» بفرحٍ لعلها لذلك تزيل و لو جزءًا من الماضي الذي ذاق معاناته عائلة بأكملها.
_________________________
انتهت رقصة الشباب و تلك الأجواء الحماسية حتى أتى الوقت المخصص للراحة و هو وقت توزيع الطعام و تقطيع قالب الحلوى للعروسين، فوقف «طارق» بزوجته و بحواره «وليد» بزوجته حتى اقترب منهم العاملين بالمكان و كلًا منهم يدفع طاولة متحركة يعلوها قالب حلوى مدرجة خمس درجات، و إبان ذلك كان «ياسين» و «حسن» كلًا منهم يقوم بالاشراف على توزيع الطعام و المشروبات الغازية، كان «عامر» في تلك اللحظات جالسًا وسط الشباب، فسأله «خالد» بسخريةٍ منه:
جرى إيه يا عم عامر ؟! جاي تقعد دلوقتي يعني ؟! خير؟!"
رد عليه بحنقٍ:
هو كل المجهود اللي أنا عامله دا من الصبح مش عاجبك يا ابن المُفترية ؟! جوعت خلاص، أنا هخلي ياسين يديني نصيبه"
ضحك عليه الشباب بأكملهم، و على طاولةً مجاورةً لهم خاصة بالفتيات كانت «سلمى» تجلس بجوار «خلود» و في تلك اللحظة مر «أحمد» من جوراهما، فأمسكت شقيقته كفه و هي تسأله بتلهفٍ:
أحمد !! قولي إيه رأيك في الفستان !! أنتَ معبرتنيش من الصبح؟!"
طالعها بتعجبٍ من حديثها، فأعادت هي سؤالها مرةً أخرى، حينها زفر هو بقوةٍ ثم قال:
حلو و زي القمر يا خلود، و رب الكعبة من ساعة ما خلصتي لبس و أنتِ بتسأليني، حلو"
غمزت له بعينيها و هي تشير نحو «سلمى» التي كانت تتابعهما ببسمةٍ هادئة، فحرك هو رأسه حتى يتسنى له رؤيتها بعدما حاول مرارًا الهروب من رؤيتها حتى يستطع السيطرة على نفسه، و لكن هيئتها كانت أكثر من مؤثرة حيث ارتدت فستانًا باللون الأخضر القاتم و معه حجاب بنفس اللون، كانت تتطابق مع «خلود» في نفس التصميم، و مع انفرادها بذلك اللون وجد نفسه يبتسم بهدوء، ثم حرك رأسه من جديد ينظر لشقيقته و هو يقول:
عاوزة حاجة يا خلود ؟! الفرح كله فساتين حلوة أوي و بنات العيلة كلهم شكلهم حلو"
ظهر الاحباط على وجهها لكنها وأدته سريعًا حتى لا يتبين أمرها أمامه، فاعتدل هو في وقفته ثم تحرك من جوارها و هو يتجاهلها، لكنه لم يستطع الصمود أكثر من ذلك، فعاد لها من جديد و هو يقول بهدوئه المعتاد:
بس دا ميمنعش إن كل حد فيهم اتميز بحاجة عن التاني، و أنا قلبي الله يعينه، مشكلته في عينها بتسفره بلاد من نظرة"
رفعت رأسها نحوه مُسرعةً فوجدته يضيف برزانةٍ:
اللون حلو و العيون أحلى، بس فيه فستان تاني هيبقى أحلى و أحلى"
ارتفعت ضربات قلبها إثر حديثه فرحل هو من المكان و كأنه لم يفعل شيئًا، تاركها خلفه تحاول السيطرة على خجلها و حُمرة وجهها، فتحدثت «هدير» تشاكسها:
خلصي بقى الثانوية العامة بتاعتك دي، عاوزين حتى نلبسكم دِبل"
تدخلت «خديجة» تقول بمرحٍ:
لأ احنا ربنا يكرمنا و نكتب الكتاب علطول، خطوبة إيه دي، عمو محمد هيكبس على الواد"
تدخلت «إيمان» تقول هي الأخرى:
يلهوي !! بيفكرني بخالد، بس ياسين الله يكرمه بقى جه كتبلي الكتاب علطول، إحنا لسه هنهزر، اتوقع إن وليد هيعمل كدا برضه"
ضحكت الفتيات فتحدثت «سارة» تقول بمرحٍ:
وليد ربنا يكرمه كدا علشان يجوز عمار و أحمد و عبدالرحمن"
اثناء ذلك الحديث كان «يونس» بجانب والدته يبكي و هو يشعر بالحزن، فتحدثت «ريهام» بقلة حيلة:
يا يونس ما تخليك جدع بقى، هخرج فين أنا ؟! خليك هنا بص العروسة !!"
حرك رأسه نفيًا و هو يبكي رافضًا الانصياع لحديثها، فسألتها «هدى» بتعجبٍ من حالته:
ماله يا ريهام ؟! بيعيط ليه؟!"
ردت عليها بيأسٍ:
عاوز يركب المراجيح اللي شافها برة، و أنا لو خرجت هيطلع عيني و مش هيرضى يدخل"
تحدثت «خلود» مسرعةً:
طب هاتيه يا ريهام، هخرج أنا بيه و هكلم السنتر أعرفهم إني مش هروح المراجعة بكرة و هعوضها بكرة بليل"
ردت عليها بخجلٍ منها:
بلاش يا خلود هيتعبك، أنا شوية كدا و هخرج بيه، بس لو خرجت مش هيرضى يدخل"
وقفت «خلود» ثم أمسكت يده و هي تبتسم لها تزامنًا مع قولها:
هاتيه بس ملكيش دعوة، يونس يعمل اللي هو عاوزه، لو احتاست هكلمك"
حركت رأسها موافقةً فسألتها «سلمى» بتعجبٍ:
طب مش هتاكلي !! ياسين جاي اهوه بالأكل"
حركت كتفيها بلامبالاةٍ ثم أضافت بفخرٍ:
ياسين و حسن هما اللي بيوزعوا، يعني حقي مضمون"
ضحكت عليها الفتيات فتحركت هي بـ «يونس» من المكان، و في الخلف زوج من الأعين تتابعها، حتى حدث نفسه بتعجبٍ:
رايحة بيه فين دي ؟! مصيبة لا يكون عاوز يدخل الحمام !!"
شهق هو حينما أخذه تفكيره لتلك النقطة ثم انسحب من وسط الشباب حتى يخرج خلفها و لم ينتبه له سوى صديقه الذي ابتسم بيأسٍ تزامنًا مع حركة رأسه.
خرجت «خلود» به نحو الأرجوحة الموجودة بحديقة القاعة ثم رفعته عليها و هو يبتسم لها بمرحٍ و هي تحرك الأرجوحة بحركاتٍ هادئة حتى لا يصيبه مكروه، و في الخلف وقف هو يزفر براحةٍ حينما وقع بصره عليها، و حينما لمحه «يونس» رفع ذراعيه و هو يقول:
أمار !! أمار"
فحدث «عمار» نفسه بسخريةٍ:
أمار !! الله يفضحك يا ابن المفضوح زي ما فضحتني"
حركت رأسها للخلف فوجدته يقف على مقربةٍ منهما، فابتسمت له بهدوء حتى تسيطر على توترها، فاقترب هو منهما و هو يقول بترددٍ:
أنا متأسف كنت رايح الحمام و شوفتك واقفة افتكرت فيه حاجة، معرفش إن يونس معاكي"
ردت عليه هي بخجلٍ:
لأ عادي مفيش مشاكل، هو كان عمال يعيط علشان يركب اللعبة دي، قولت أخرجه و أشم نفسي شوية"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها ثم حرك بصره نحو «يونس» الذي أخذ يبتسم لهما و الأرجوحة تتحرك به، فتحدثت هي حتى تزيل ذلك التوتر السائد نتيجة الصمت:
و أنتَ بقى عامل إيه في الجامعة؟! حلوة و لا ثانوي أحلى"
ابتسم لها بهدوء ثم تحدث بسخريةٍ:
لو سلخوا جلدي في الجامعة مش هتمنى ساعة واحدة من ساعات ثانوية عامة"
عقدت حاجبيها و هي تسأله بتعجبٍ من حديثه:
ياه !! للدرجة دي ؟! الله يطمنك"
ابتسم بيأسٍ ثم أضاف مُفسرًا:
الفكرة كلها إن ثانوية عامة طول السنة بتتحركي بهدف معين و العيون عليكي، و ناس حاطة أملها فيكي و عاوزينك تفرحيهم، و ناس تانية عاوزة تشمت فيكي و عاوزة تشوفك مكسور اليوم دا"
سألته هي بتعجبٍ:
معقولة !! و أنتَ كان فيه ناس عاوزينك تزعل اليوم دا ؟!"
تنفس بعمقٍ ثم حرك رأسه موافقًا و تابع بعدها بقوله:
كان فيه، صحابي اللي كانوا معايا في الشارع و شوية قرايب و كام حد من الجيران، احنا بننجح علشان لازم ننجح، فيه عيون لازم تفرح بيكي و عيون مينفعش تفرحيها فيكي، ساعتها اختارت العيون اللي أنا عاوز أفرحها و حطيتها قدامي"
ابتسمت له و هي تقول:
طبعًا أخواتك كلهم و مامتك و باباك"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
و ميمي و الشيخ أيوب، كل دول كانوا مستنيين فرحتهم بيا"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
أنا معنديش عيون خالص، لدرجة أني فكرت جديًا في الانسحاب"
اتسعتا حدقتيه و هو يسألها:
تنسحبي !! ليه كدا و علشان إيه"
حركت كتفيها و هي تقول:
عادي، بس أنا مليش طولة بال أفضل سنة كاملة اذاكر بنفس الروتين زي سلمى كدا، دا غير أني أدبي يعني عادي مش فارقة أوي معايا"
رد عليها هو مُسرعًا يقطع استرسال تفكيرها بتلك الطريقة:
لأ طبعًا مينفعش التفكير دا، لازم تحاربي علشان الحاجة اللي عاوزة توصلي ليها، أنا كنت بسعى و كنت متوكل على الله، و كنت كل يوم أدعي من قلبي علشان يكرمني باللي نفسي فيه، لو كنت خوفت و انسحبت كان زماني بلوم نفسي"
ردت عليه هي تستفسر بحيرةٍ:
تفتكر أنا ممكن أوصل لحاجة و أنا شخص خلقه ضيق كدا ؟! بقولك كسلت أفهم الفيزيا علشان كدا روحت أدبي"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
مفيش حاجة اسمها علمي و أدبي، فيه حاجة اسمها ربنا كتبلك رزق في مكان محدد يبقى خلاص احمد ربنا على رزقك دا، مش كل العالم دكاترة و مهندسين و مش كله مدرسين و محاميين، لو مضحتيش بالحاجات الصغيرة اللي بتحبي تعمليها كل يوم، فـ هييجي يوم و تضحي بحاجات أكبر منها ١٠ مرات بس و أنتِ ندمانة، ابدأي في أي وقت و أنتِ هتلاقي نتيجة ترضيكي، و ترضي تعبك"
تحدثت هي بنبرةٍ ضاحكة:
وحد الله بس، بقولك أنا أدبي و لحد دلوقتي معنديش حاجة بفكر أدرسها و مش حاطة حاجة في دماغي، أنا ابيض"
ضحك عليها هو بيأسٍ ثم قال:
لو فاكرة إنها بتتقاس بعلمي و أدبي تبقي غلطانة، هي بتتقاس بعمل كل واحد و اجتهاده، و في النهاية برضه هي نصيب، طب أقولك حاجة يمكن تضحكك و تلهمك شوية ؟!"
حركت رأسها موافقةً فتابع هو حديثه و هو يحرك الأرجوحة الذي استقر «يونس» بداخلها:
خالد أبو يونس كان أدبي و جاب ٩٠٪ و ياسين كان علمي رياضة و جاب ٩٧٪ و ياسر علمي علوم و جاب ٩٩٪ و عامر أخويا أدبي و جاب ٧٣٪، خالد دخل تجارة و ياسين هندسة و ياسر طب و عامر سياحة و فنادق، دلوقتي بقى خالد نائب مدير حسابات و ياسر دكتور في مستشفى استثماري و ياسين مهندس في شركة معمار، و عامر أخويا مدير شركة الفاروق للسياحة والسفر"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بعد حديثه، فأضاف هو بنبرةٍ ضاحكة:
و الله دي حقيقة مش بهزر، كل واحد ربنا كتبله رزق في مكان معين و هو مطلوب منه السعي بس، لكن برضه في النهاية رزقك مكتوب لو جريت جري وحوش البرية كلهم و صارعت الأرض برضه مش هتاخد غير اللي مكتوبلك و بس، كل الحكاية في النتيجة، إنك لما توصل للحظة النهاية متبقاش ندمان إنك قصرت في اللي عليك، تبذل مجهود كبير و نتيجته تيجي ليك متأخر، أحسن من مجهود قليل أو شبه منعدم نتيجته بتكون الندم"
ردت عليه هي بنبرةٍ أظهرت تأثرها و امتنانها:
متشكرة ليك جدًا على كلامك، جه في وقته و أنا مرعوبة و متخبطة، و كنت خلاص هعلن الانسحاب"
ابتسم لها و هو يقول:
متقوليش كدا أنا تحت أمرك، و ربنا يكرمك إن شاء الله و أنا هكلم أحمد و أقوله على مدرسين أدبي الحلوين اللي صحابي كانوا بياخدوا معاهم، و ربنا يوفقك و توصلي للي عاوزاه"
حركت رأسها موافقةً ثم باغتته بسؤالها الفضولي:
طب و أنتَ ؟!... قـ .... قصدي يعني وصلت للي عاوزه و لا لسه؟!"
حرك رأسه نحوها بعدما كان يطالع الصغير، و حينما وقع بصره عليها و التقت عينيه بعينيها تحدث بهدوء:
وصلت لجزء من اللي كنت عاوزه، و لسه الباقي، صحيح هو بعيد زي نجوم السما، بس أنا متأكد أني هوصل"
ردت عليه هي بهدوء:
ربنا يكرمك باللي نفسك فيه إن شاء الله، أنتَ تستاهل كل خير"
حرك رأسه موافقًا و كم ودد في تلك اللحظة أن يخبرها بأنها هي كل الخير الذي تمناه، حتى ودد لو أخبرها بأنها تشبه النجوم المتلألئة في كل شيءٍ حتى بعدها عنه، و كأنها اقتبست جمالها من السماء.
لاحظت هي نظرته لها فحركت رأسها نحو الصغير ثم داعبته قليلًا قبل أن تأخذه و تعود مرةً أخرى للداخل بعدما استأذنت منه في الرحيل و سمح هو لها ثم وقف ينظر في أثرها و هو يبتسم بهدوء و بعدما انتبه لحديثه معها وقف ينهر نفسه، ففي كل مرةٍ ينساق خلف رغبته في التحدث معها و كأنها تسحره بنبرة صوتها بمجرد فتحها للحديث معه.
_________________________
في داخل القاعة و بعد توزيع الطعام على الجميع شرع الجميع في تناول الطعام و خاصةً «خديجة» التي كانت تشعر بالجوع و أثناء تناولها الطعام اقترب «ياسين» ثم مال على أذنها يهمس بهدوء:
لو خلصتي أكل تعالي معايا، و لو مخلصتيش برضه قومي معايا"
ردت عليه هي بحنقٍ:
جعانة !! هاكل و أقوم معاك"
أمسك هو كفها ثم أوقفها رغمًا عنها و الفتيات ينظرن لبعضهن بسخريةٍ عليهما، فاعتذر هو منهما ثم خرج بها من القاعة نحو الخارج.
و على المقعد الخاص بالعروسين كان «وليد» ينظر حوله و هو يحاول كتم ضحكته فسألته «عبلة» بتعجبٍ:
بتضحك على إيه ؟!"
رد عليها هو بسخريةٍ:
جعان و عاوز أكل، جو القاعات دا مش جاي معايا، روحوني بقى"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
هو احنا جايبين عيل نفسحه !! دا فرحك يابني ارحمني"
اقترب منها يسألها بخبثٍ:
طب بالله عليكي مش عاوزة تروحي ؟! عاجبك الجو دا ؟! بيتنا أولى بينا، و جوعت بجد"
ردت عليه هي بهدوء:
عمتو مشيرة و ماما عملوا أكل حلو أوي لينا، هنروح ناكل سوا، اسكت بقى هتفضحنا"
ابتسم هو لها بيأسٍ و هي الأخرى حتى وجدته يشبك كفها بكفه و هو يضغط عليه و كأنه يتأكد هل هي أمامه حقًا أم أنه يتخيل كل ذلك.
على طاولة الرجال تحدث «رياض» مباركًا للرجال:
ألف مبروك يا جماعة و ربنا يتمم فرحتهم على خير و عقبال ما تشوفوا أولادهم"
رد عليه «مرتضى» بمرحٍ:
احساس حلو و أنا مجوز الاتنين كدا، مش عاوز أشوف وش كلب فيهم قبل سنة"
ضحك الرجال عليه جميعهم، فمال «وئام» عليه بعدما استمع لحديثه من الطاولة المجاورة:
عاوز إيه يا بابا !! نعم يا حبيبي ؟!"
رد عليه بتهكمٍ:
أنعم الله عليك يا ابن الأهبل، ولا !! مشوفش وشك قبل سنة أنتَ و الأهطل التاني"
نظر «وئام» في أوجه الرجال بأكملهم ثم نظر لوالده مرةً أخرى و هو يقول:
طب بلاش أنا و بلاش الأهطل التاني، مش عاوز تشوف حفيدك؟؟"
رد عليه بضجرٍ:
من هنا لحد ما يدخل مدرسة مش عاوز أشوف وشكوا، أنا يدوبك ألحق استجم من اللي عملتوه فيا"
قال حديثه ثم سأل «رياض» بقوله:
قولي يا رياض، بما إنك جربت الشعور دا، البيت من غيرهم هيبقى عامل ازاي؟!"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
لو بالضحك و الهزار فهو حلو و هادي و واخد راحتك، لو بجد بقى فهو ملوش طعم يا مرتضى، و ماسخ، علشان الحاجة اللي كانت مخلياله لون و بهجة اختفت، كنت فاكر زيك كدا إن ياسين لما يتجوز أنا هفرح و اتبسط بس و الله كل ما أعدي على أوضته و هو مش فيها ببقى عاوز أروح أجيبه من بيته و يقعد معايا و خصوصًا أني مليش غيره"
دعا الرجال له أن يبارك الله فيه و يحرسه و يحميه من كل سوءٍ، فتحدث «مرتضى» بقلة حيلة بعد حديث الآخر:
خلاص امري لله، ابقوا تعالوا يوم الجمعة"
قبل «وئام» كتفه بفخرٍ فأضاف هو مقررًا:
التاسعة من دلوقتي....عدوا ٨ جمعات و أشوف وشكم التاسعة"
ضحك الجميع عليه من جديد فتحدث «محمود» مُسرعًا:
تعالى يا وئام يا حبيبي بيتي مفتوحلك علطول، حتى لو عاوز الشقة كلها متغلاش عليك"
تدخل «محمد» يقول متشفيًا بأخيه:
أنا بفرح فيك أوي لما تتكبس كدا، تصدق بقى، أنا هخلي الواد وليد يجي يبات عندي كل أسبوع؟!"
رمقه «مرتضى» بسخطٍ فتحدث «طه» يفصل بينهما:
خلاص يا جماعة، دا إيه المرار دا؟! مرتضى أصلًا مش هيقدر يعيش من غيرهم و خصوصًا الواد وليد، شوية و هيجيبهم البيت بتاع العيلة"
أيده «محمود» في الحديث و كذلك «فهمي» الذي أضاف بلمحة حزنٍ:
أنا بصراحة لما عامر اتجوز حسيت بفراغ كبير أوي، صحيح كانت العمارة كلها شاهدة عليه و على عمايله و شقاوته بس البيت بقى ملوش صوت من غيره و خصوصًا إن عمار هادي أوي"
رد عليه «حسان» بتفهمٍ:
بصراحة أي حد عايش مع عامر و يسيبه لازم يحس بفراغ كبير، ربنا يبارك فيه و يحفظه و يفضل علطول سبب في فرحة الناس"
ابتسم له «فهمي» فأضاف «طه» مُسرعًا:
بحبه حب غريب، و الله بحسه عيل صغير كدا شقي و من غيره الحاجة تبوخ، الفرح دا من غير عامر كان زمانه حاجة تانية ماسخة خالص"
ظل الحديث لدى الرجال قائمًا على «عامر» و طريقته و بهجته الغريبة التي تشعل الأجواء حماسًا.
_________________________
خرجت «خديجة» مع «ياسين» نحو الحديقة و هو يسحبها خلفه حتى توقف أخيرًا فسألته هي بتعجبٍ:
يا بني بقى هتكعبل لابسة زفت كعب، خير ؟! جايبني هنا ليه؟"
زفر هو بقوة م التفت لها و هو يقول بقلة حيلة:
مش عاوزة تركبي العربية دي يا ست الكل ؟! يلا قبل ما يجهزوهم علشان يتحركوا، هصورك فيها و ارجعك تاني"
ابتسمت باتساعٍ ثم سألته بحذرٍ:
و هو عمو هيرضى يا ياسين؟!"
عقد حاجبيه و هو يسألها بتعجبٍ:
عمو !! عمو مين دا ياما ؟!"
ردت عليه هي مفسرةً:
عمو صاحب العربية يا ياسين، مش هيزعق لما أنا اركبها ؟!"
لطم على وجهه و هو يقول بنبرةٍ أقرب للانفعال:
أشد في شعري منك !! عمو مين يا بت !! أومال عامر اللي دافع و مأجر دا إيه ....علشان يجي عمو يقولنا مينفعش ؟! اسكتي"
حاول كتم ضحكتها و هي تقول بحنقٍ:
الله !! مش يمكن هو مخليها للعرسان بس ؟! أعرف منين أنا إنه عادي ؟!"
أغلق جفنيه بشدة محاولًا التحكم في انفعالاته، حتى وجدها تربت على كتفه و هي تقول:
خلاص خلاص.... يلا بسرعة بس علشان ندخل القاعة قبل ما يبدأوا من غيرنا، بس صور حلو بلاش الصور تكون مهزوزة علشان مزعلكش"
تحركت نحو العربة بثقةٍ و هو في الخلف ينظر في أثرها بتعجبٍ و دهشة و حيرةٍ معًا، لكن دهشته لم تدم طويلًا حينما وجدها تبتسم له بهدوء و تشبك كفيها معًا، حينها ابتسم هو الأخر و كأنها أصابته بعدوى التبسم و مع كل صورة يلتقطها لها تزداد بسمته أكثر، حتى بدل الكاميرا ثم اقترب منها حتى يلتقطان الصور سويًا و هي تتمسك بذراعه، حتى اقترب منهما «أحمد» و هو يقول بمرحٍ:
لو محتاجين مصور أنا معنديش مانع، بدل ما تقضوها سيلفي كدا، ها بسرعة قبل ما أرجع في كلامي"
أعطاه «ياسين» الهاتف و هو يقول مسرعًا:
يا عم أمسك صورنا الله يكرمك، دا أنا دراعي وجعني و هي كلها متر و نص"
وكزته في كتفه و هي تقول:
متر و ٦٤ سم، أنتَ اللي طويل أعملك إيه"
قبل أن يرد عليها هو تدخل «أحمد» يقول بحنقٍ منهما:
خلصونا !! هدخل و اسيبكم"
ردت عليه هي مسرعةً:
لأ صورني بسرعة معاه علشان هو يصورك معايا، يلا"
ابتسم لها «أحمد» ثم رفع الهاتف و بدأ في التقاط الصور لهما سويًا مع العربة بأضوائها الجذابة التي أضافت للصور رونقًا خاصًا.
في الداخل و بعد انتهاء فترة الراحة أعلن عامل الموسيقى عند قدوم أخوين العروستين، فاقترب «طارق» من شقيقته يمسك يدها و هو يبتسم لها، و كذلك اقترب «أحمد» من «جميلة» يمد لها يده و هي تطالعه بأعين مغرورقة بالدموع فحرك رأسه لها يحثها على التمسك بكفه، ثم اقترب كلًا منهم إلى ساحة الرقص و بدأ لحن الأغنية المعتادة لرقص العروس مع شقيقها، و إبان ذلك اقترب «وليد» من «ياسين» و «خديجة» و هو يمسك كفها فسأله «ياسين» بضجرٍ:
رايح فين يا حبيبي ؟! هي وكالة من غير بواب؟!"
رد عليه مفسرًا ببساطةٍ:
هرقص مع أختي، اشمعنا هما بيرقصوا مع اخواتهم ؟!"
حاولت «خديجة» كتم ضحكتها فتحدث «ياسين» بحنقٍ:
بيقولك لعربسها بإيدي هوديها، أنتَ جاي تاخدها من عريسها ؟! أنتَ أحول يالا؟!"
ضحك الشباب عليهما بعدما استمعوا لهما، فتحدث «وليد» متحديًا له:
بلاش علشان مزعلكش، هاتها ترقص معايا بدل ما أخدها منك و أخليك تبات لوحدك"
اتسعتا حدقتيها حينما استمعت لحديثه، بينما «ياسين» ابتسم بثقةٍ و تحدٍ و هو يقول:
طب أنا بقى عاوزك تاخدها النهاردة، أنا بقى عاوزك تثبت على كلامك و تاخدها النهاردة"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
بلاش !! علشان أنتَ عارف أني مبيفرقش معايا حاجة و ممكن عادي اخدها و هنقضي اليوم سوا إحنا التلاتة و ناكل سوا و لسه شهر العسل طويل، هاتها أحسنلك"
زفر «ياسين» بقوةٍ فغمز له «وليد» ثم سحبها و توجه بها نحو ساحة الرقص، فاقترب «ياسين» من الشباب و هو ينظر حوله بضجرٍ فتحدث «عامر» بسخريةٍ:
طارق ياخد منه مراته و هو يجي ياخد منك مراتك ؟!"
ضحك «ياسين» رغمًا عنه فهو يدري كم تصل درجة تعلقه بها لذلك حرك رأسه ينظر لهما و كأنه أبًا يشاهد صغاره بجوار بعضهما
بدأت الأغنية و كلًا منهم يرقص مع أخته على الكلمات الأتية:
الفرحة اللي أنا حاسس بيها...لا أنا قادر أقولها و لا أحكيها.... أختي حبيبتي و ضي عيوني لعريسها بإيدي هوديها.... من يوم ما وعينا على الدنيا مفارقناش بعضنا لو ثانية....على عيني إنك تبعدي عني....دمعتي مش قادر أخبيها....آه....و أوعي تنسي إن أنا حضنك....سرك أخوكي...سندك ضهرك و اوعي تخافي و هجبلك حقك لو ضايقك"
كانت كلًا منهن ترقص مع شقيقها على كلمات الأغنية بتأثرٍ و أكثرهم كانت «جميلة» التي بكت رغمًا عنها حتى سألها «أحمد» بتعجبٍ:
مالك يا جميلة بتعيطي ليه؟! فيه حاجة مزعلاكي طيب؟؛"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بصوتٍ مختنق:
بعيط علشان أنا كنت فاكرة أني معنديش أخ، طول عمري كان نفسي يكون عندي أخ ولد بس مجربتش الاحساس دا، و دلوقتي أنتَ موجود و بترقص معايا على أكتر أغنية كنت بخاف من لحظتها"
ابتسم لها بهدوء و هو يقول:
مش عاوزك تزعلي و لا تخافي طول ما أنا موجود معاكي، أنا في ضهرك علطول و لو كل الدنيا زعلتك، أحمد الرشيد هيقف في وش الدنيا كلها علشانك، حتى لو طارق نفسه"
احتضنته هي بشدة و كأنه تودعه فربت هو على ظهرها ثم قبل قمة رأسها.
كان «طارق» يرقص بـ «عبلة» التي كانت تبتسم له بفرحةٍ كبرى لم تستطع السيطرة عليها، فسألها هو بنبرةٍ ضاحكة:
بتضحكي علي إيه يا عبيطة !! هبلة أنتِ شكلك كدا"
ردت عليه بمرحٍ:
الله !! فرحانة يابني، أنا بتجوز ليدو و أنتَ النهاردة بتتجوز جميلة و كل حاجة كان نفسنا فيها في يوم بقت حقيقة، و دلوقتي برقص معاك علشان هتسلمني لعريسي"
ابتسم لها ثم قال:
وأنا فرحان علشان فرحتك أنتِ و وليد، فرحان علشان كل حاجة كانت مزعلاكم خلاص مشيت و هتبقوا مع بعض في بيت واحد يقفل عليكم، عاوزك بس تخلي بالك منه و تحطيه في عينك، وليد يبان صعب و ناشف بس جواه عيل صغير عاوز شوية حنية"
حركت رأسها موافقةً فاحتضنها هو بقوةٍ و في تلك اللحظة ودد لو دار بها وسط الجميع معبرًا عن فرحته.
كان «وليد» إبان ذلك يراقب ملامحها و هي ترقص معه و تطالعه بسهام عينيه، فسألها:
زعلانة و لا إيه ؟! مش عاوزة ترقصي مع أخوكي ؟!"
ردت عليه تنفي حديثه:
لأ طبعًا عاوزة، أنا بس مستغرباك، المفروض هما العرايس، أنا هنا بعمل إيه؟!"
رد عليه ببساطةٍ:
أنتِ كمان عروسة، نسيتي فترة الجبس و بعدها فترة فرحي، حني على الواد بقى عاوز ابقى خال، وقعتكم سودا لو بقيت أب و لسه مبقتيش خال"
ردت عليه بيأسٍ منه:
مفيش فايدة فيك، لسانك مترين و نص !! اسكت"
ابتسم لها ثم تحدث بنبرة صوتٍ هادئة:
عارفة !! أنا حاسس بحاجة غريبة أوي و حاسس إني زي اللي أول مرة يعرف يعني إيه حياة، كنت فاكر إن بعد فرحتي بيكي مفيش حاجة ممكن تفرحني، بس احساسي النهاردة حلو و غريب، حاسس كدا زي اللي خرج من الحرب كسبان كل حاجة فيها"
ابتسمت له فوجدته يضمها إليه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
شكرًا لوجودك معايا، كل مرة كنت بتعب فيها كنتي بتلحقيني و كنتي دايمًا موجودة، عمرك ما زهقتي و عمرك ما مليتي و عمرك ما تعبتي، وليد اللي في عيونك هو اللي بيخليني أحبني، مهما توهت في الدنيا و مهما كبرت و مهما عيشت، هفضل أحبني طول ما عيونك بتحبني يا خديجة"
تشبثت هي به و هي تبكي فقبل هو رأسها ثم رفع كفه حتى يمسح تلك الدمعة التي فرت على وجهه و هو يكاد يجزم أن أضعف نسخةً منه هي وحدها من تستطع السيطرة عليها حتى تحتويها.
انتهت رقصة الأخوات معًا، فأعلن العامل رقصة كل زوجين مع بعضهما، فاقترب كلًا منهم مع زوجته، حتى «خلود» اقتربت مع «أحمد» بعدما أصرت عليه، و بقيت «سلمى» بمفردها، حتى اقترب منها «مرتضى» يقول بمرحٍ:
قومي يا بت تعالي ارقصي معايا، سيبك منهم دول عالم كئيبة"
أمسكت يد عمها ثم اقترب منهم ترقص معه مثلهم و هو يضحك بمرحٍ فسألته هي بتعجبٍ:
رقصت معايا ليه يا عمو !! مرقصتش مع طنط مروة ليه"
رد عليها بسخريةٍ:
صعبتي عليا، قولت البت غلبانة و تالتة ثانوي و الدنيا دايسة عليها، اعطف عليها يا واد يا مرتضى"
أصدرت صوتًا من فمها يدل على الضجر، فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص يا بت بهزر معاكي، الواد أحمد بيرقص مع البت خلود و أنا واخد بالي من كل حاجة، قولت ارقص معاكي يمكن يروح يكلم ابوكي و نخلص منكم انتم كمان"
ضحكت بيأسٍ فوجدته يقول بخبثٍ:
يوم ما تنجحي في ثانوية عامة وعد مني دبلته هتكون في إيدك علشان أربي الواد محمد ابوكي، يا أنا يا هو أبو كرش دا"
ضحكت هي بقوةٍ عليه فغمز لها عمها و هو يقول بنفس الخبث:
دا أنا هفرحه أوي، انجحي أنتِ بس و ملكيش دعوة"
انتهت رقصة الأزواج الرومانسية و بعدها بدأت الرقصة الأكثر شيوعًا في الأفراح و هي الرقصة المعتادة بالمرح على تلك الأغنية الشهيرة:
سهر الليالي"
حينها رقص كلًا منهم بمرحٍ مع زوجته بعد تلك الأغنية الهادئة التي رقصوا عليها جميعًا، و في لمح البصر تبدل الهدوء إلى المرح و البهجة على تلك الأغنية حتى «وليد» نفسه الذي وجد نفسه مثل الطفل الصغير و هو يرقص على تلك النغمات.
_________________________
انتهى الفرح بداخل القاعة و أعلن العامل ذلك و بدأت الأقدام تتجهز للرحيل و لكن قبل الخروج من باب القاعة اقتربت السيارات التي قام «عامر» بجلبها ثم طلب منهما أن يأخذ كلًا منهما زوجته و يركب تلك السيارة حتى يتم خروجهما نحو سيارات الزفاف.
بعد خروج تلك السيارات خارج القاعة نزل منها كلًا منهما و في يده زوجته ثم توجه نحو سيارته يقودها نحو بيتهم الجديد، و السيارات خلفهم في حلقات تشبه حلقات السباق و لكن الدهشة ظهرت مع وجود دراجات نارية خارج القاعة،
و مع حركة السيارات بدأت تلك الدراجات تنتشر بالمكان حتى قاموا بعمل زفة جديدة وسط الطرقات العامة حتى وصلت إلى بيت الزوجية، حينها رقص الشباب جيمعًا أسفل البيت و كأنهم بذلك يعلنوا قدوم العروسين، و مع الألعاب النارية و الموسيقى العالية التي انتشرت من السيارات و بعد رقص الشباب و العائلة بأكملها رحلوا تباعًا بعد توديع العروستين و القاء الوصايا للعريسين.
صعد كلًا منهما شقته مع زوجته بعدة مشاعر مختلفة، بدايةً منذ دلوفهما الشقة، و اغلاقهما للباب، حتى حدث «طارق» زوجته بنبرةٍ هادئة:
مبروك يا جميلة وجودك معايا، يا رب اقدر اسعدك و اقدر اخليكي فرحانة علطول معايا، صدقيني أنا مش طالب غير كدا و بس"
حركت رأسها موافقةً بخجلٍ منه،فاقترب منها يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
يلا علشان نصلي سوا و علشان أبدأ معاكي عهد جديد قدام ربنا سبحانه و تعالى"
ابتسمت هي بفرحةٍ كبرى ثم تحركت من أمامه و هو ينظر في أثرها بسعادةٍ بالغة.
في شقة «وليد» بدأ هو الصلاة و «عبلة» خلفه، و بعدما ركع هو ثم حان موعد السجود و بمجرد لمس جبينه الأرض في تلك اللحظة نزلت دموعه رغمًا عنه، و شعر براحة غريبة تجتاح روحه و كأنه طفلًا عاد لوالدته بعد يومًا عصيبًا مر عليه في الخارج، وجد نفسه يطيل السجود و الدعاء لها قبله بأن يجعلها الله خير الزوجة الصالحة، و حينما وصل للشكر و الثناء على نعم المولى عز وجل وجد دموعه تزداد على كل مرةٍ أكرمه الله فيها بأكثر ما يستحق.
انهى صلاته و ذكره و تسبيحه و هي في الخلف، حتى وجدته يلتفت لها بعد نهايته ثم ابتسم بهدوء، فسألته هي بصوتٍ مختنقٍ:
عيطت ليه يا وليد ؟! خلتني أعيط أنا كمان الله يسامحك"
سحبها نحوه يقربها منه حتى احتضنها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
عيطت من اللحظة يا عبلة، غصب عني أنا واقف قدام ربنا و مراتي ورايا و بنصلي و هنبدأ عمر جديد مع بعض في حياة المفروض نجاهد فيها، حاجات كتير ملغبطاني و مفرحاني"
تحدثت هي بسرعةٍ:
أنا فرحانة علشان جربت اللحظة دي معاك أنتَ، خديجة و هدير قالولي إن هما بيفرحوا لما يصلوا ورا ياسين و حسن و كنت كل شوية اتخيل كدا و احنا بنصلي سوا و كنت بفرح أوي"
اخفض فمه حتى قبل جبينها قم قال بنبرةٍ هادئة يشوبها مرحٍ طفيفٍ:
مكانش ينفع اليوم دا يكون فيه واحدة غيرك و مكانش ينفع واحدة غيرك تلبسلي الفستان الأبيض و مكانش ينفع واحدة غيرك تمسك ايدي في اليوم دا"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة فأضاف هو من جديد:
فاكرة لما قولتلك انك حقي وان وليد الرشيد مبيسيبش حقه؟؟ اهو النهارده بقي الحق رجع لاصحابه يا عبلة "
رفعت نفسها ثم قبلت وجنته فطالعها هو بتمعن ثم سألها بمرح وهو يحاول كتم ضحكاته :
عبلة !! مش عايزة تعرفي طب ليه بيداري كده ولا داري كده!؟ "
ضحكت هي بقوة عليه فشدد هو عناقه لها وهو يضحك بقوة وكأنه يضحك للمرة الاولي في حياته .
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم شمس بكري
سكنت الراحة بين أضلعي..
و بِتُ قرير العين بأدمعي..."
_________________________
الراحة"
تلك الكلمة التي تكونت من عدة أحرف بسيطة و بين ثناياها احتوت على كل المعاني التي يحارب المرء للحصول عليها، و للحق يظل المرء منا مُحاربًا حتى يحصل على الراحة في حياته قبل أن يصل إلى مماته، و إذا دُقق الوصف لتلك الكلمة سنجد أن الراحة قد تكمن في حصولك على ما تمنيته، أو في وصلك لمسلكٍ توهت في عتمته، أو في إنارة طريقٍ سرت في ظلمته، اختلفت المعاني و تعدد الوصف و في النهاية تكون الراحة في حصولك على ما رجوته و كأنك لن تستطع التحمل بدونه.
في شقة «ياسين» دلفها مع زوجته حتى تنهدت هي براحةٍ و قبل أن تتفوه بكلمةٍ واحدةٍ وجدته يتحدث من خلفها بنبرةٍ جامدة يُحذرها من القادم:
عارفة لو نطقتي و قولتي جُملتك النحس دي هعمل فيكي إيه؟! هــبـلـعـك"
حركت رأسها موافقةً ثم رفعت كفيها تحاصر فمها حتى لا يفتضح أمرها و تضحك أمامه على طريقته تلك، فرمقها هو بحنقٍ ثم أغلق باب الشقة، انتظرت هي حتى دلف هو للداخل ثم أطلقت العنان لفمها و هي تقول:
يـــاه أخيرًا وصلت شقتي؟!"
ضحك بيأسٍ منها بعدما استمع لجملتها ثم دلف للغرفة و هي خلفه و بعد مرور دقائق بدل كليهما ثيابه و قبل أن يتركها و يدخل الغرفة، تحدثت هي بصوتٍ عالٍ:
خد يا بني هنا رايح فين !! تعالى شوف هناكل إيه أنا جعانة"
جلس بجانبها من جديد و هو يسألها بتعجبٍ:
جعانة !! مش كلتي في القاعة و مرضيتيش تخرجي معايا علشان كنتي بتاكلي؟!"
ردت عليه هي بسرعةٍ:
ما هو حضرتك قومتني و أنا لسه مكملتش أكلي"
زفر هو بقلة حيلة ثم تحدث على مضضٍ:
نعم !! تاكلي إيه بقى ؟! و متخترعيش ليا، اطلبي حاجة نقدر نعملها وفق الموار المتاحة"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
إيه دا !! ناقص تقولي بم تفسر سقوط الدولة العثمانية، موارد متاحة مين؟! أكلني يا ياسين و خلص"
ضحك على طريقتها الساخرة ثم سألها من جديد:
تاكلي إيه يا ست أنتِ انجزي !! عاوز أنام لسه بكرة هنروح عند ميمي و بعدها نبارك لوليد و طارق و ليلة كبيرة، و الجمعة ساعتها بتكون قليلة"
صفقت بكفيها معًا و هي تقول بحماسٍ:
عرفت !! إحنا نحمر بطاطس و نجيب مخلل و بالذات الزيتون اللي أنتَ مخبيه مني ها !! هاته بقى علشان ناكله بسرعة قبل ما أنام و أنا جعانة و ذنبي يبقى في رقبتك"
أمسك رسغها يسحبها خلفه و هو يقول بعدما اعتدل واقفًا:
معايا بقى يا حلوة علشان تعملي الأكل معايا، و قشري البطاطس أنتِ و أنا هظبط الباقي"
تحدثت هي مسرعةً:
طب ما تخليك جدع و تعمل الأكل أنتَ و أنا هدعيلك ربنا يكرمك"
سحبها خلفه بقوةٍ و هو يغمغم بعدة كلمات غير مفهومة تكاد تكون مُبهمة، لكنها التقطت من بين تلك الحروف:
صبرني يا رب على الله أنا فيه"
تحدثت هي بضجرٍ منه:
يصبرك على إيه يا بني !! متجوز ابتلاء ؟! ما تحترم مشاعري و وجودي"
التفت لها يسألها بثباتٍ:
عاوزاني احترم مشاعرك و وجودك !! طب حلو، أكلي نفسك بقى يا كتكوتة"
شهقت بقوةٍ ثم أمسكت يده و هي تقول بتوسلٍ:
اقف بص متبقاش قفوش كدا، أكلني الأول و بعد كدا روح نام، متبقاش قماص بقى"
ضرب وجهه بكفيه معًا ثم سار خلفها للمطبخ و هي تسبقه بمرحٍ و بعد مرور ثوانٍ كان هو يقوم بتقطيع الخضروات و هي على الطاولة تقوم بتجهيز "البطاطس" فاقترب هو يجلس مقابلًا لها حتى وجدها تقول بحالمية:
كان حلم من أحلام حياتي اتجوز واحد علشان نطبخ أنا و هو سوا بليل كدا، أحلام هطلة و الله بس بحبها"
ابتسم لها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
الفكرة إن الحاجات دي بقت قليلة و نادرًا لما نشوفها، يعني عادي واحد يساعد مراته و عادي إنه يشتغل معاها شغل البيت، اللي مش عادي بقى أني كراجل أشوف نفسي كبير على الحاجات دي و أنسبها للست، هو دا بقى الهطل"
ابتسمت له و هي تقول بتأثرٍ مصطنع:
و الله العظيم محتاجين نعمل نسخ منك و نوزعها، روح ربنا يكرمك يا شيخ"
ابتسم لها أكثر من قبل ثم أضاف:
و على فكرة أنا و عامر و خالد و ياسر كدا، مش أنا لوحدي يعني علشان مبقاش مثالي بالنسبة ليكي"
سألته هي بدهشةٍ:
بجد !! يعني مش لوحدك اللي كدا ؟! و لا علشان أنتم شلة واحدة ؟!"
رد عليها مُفسرًا:
مش علشان شلة واحدة و لا حاجة، بس ظروفنا كانت كدا و خليتنا نضطر نتعامل كدا و مع الوقت اتعودنا، يعني أنا كبرت لقيت رياض بيساعد زُهرة، فاتعلمت أنا كمان اساعدهم، و ياسر لما أخواته اتجوزوا اضطر هو يساعد مامته و بقى بيعمل معاها كل حاجة، و عامر طول عمره بيساعد مامته، و خالد لما كانت اخته في ثانوية عامة كان هو اللي بيساعد مامته، و قبلها كنا بنتعلم علشان ميمي، أنتِ بقى بنت محظوظة علشان أطلع أنا من نصيبك"
وضعت كفها أسفل ذقنها و هي تقول بنبرة صوتٍ هائمة:
و أحلى نصيب و الله"
رفع حاجبيه لها بغير تصديق فوجدها تتنهد بعمقٍ ثم عادت لما كانت تفعله و هي تبتسم بسخريةٍ و تعبيرات وجهها تتبدل و كأنها تتحدث مع نفسها، فسألها هو بتهكمٍ:
مالك يا هطلة !! كشرتي ليه مع نفسك؟أنتِ ملبوسة يا خديجة؟"
ردت عليه هي مُردفةً بمرحٍ:
مرة زمان كان نفسي اتخطب و خطيبي يزعلني علشان كان فيه أغاني حزينة نفسي أسمعها و أتأثر بيها، و اتخطبت و اتجوزت و مسمعتش الأغاني اللي كنت عاوزة أنكد على نفسي بيها"
ضرب كفيه ببعضهما و هو يقول منفعلًا بغير تصديق:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا بنتي أنتِ ليه مصممة تخليني أطلع أسوأ ما فيا !! عاوزة يتنكد عليكي، عيني حاضر هعملك جدول نكد محترم، نبدأ من إمتى ؟!"
رمشت بأهدابها عدة مرات فوجدته يشير بعينيه نحو السكين ثم أشار بكفه على عنقها بعلامة الذبح، و هي تطالعه بدهشةٍ و غير تصديق
_________________________
في شقة «عامر» بعدما دلفها مع زوجته و بعدما بدل ثيابه، كانت هي تقوم بتحضير العشاء له، بينما هو في الخارج كان يشعر بالدوار و الآلم يشتد على رأسه و كأنها تنقسم لنصفين، حاول جاهدًا فتح عينيه، لكن الألم كان أكبر من ارادته في ذلك، و فجأة سرت قشعريرة في جسده يصحبها برودة شعر بها في معدته، شعر هو برغبته في التقيؤ؛ فصارع نفسه حتى يركض للمرحاض، إبان ذلك شعرت «سارة» بظله يتحرك مُسرعًا بطريقةٍ هوجاء.
خرجت من موضعها بقلقٍ تقف بجوار المرحاض فاستمعت لصوته يتألم من وجع رأسه، و لأول مرةٍ تعايش ذلك الموقف معه، فسألته بقلقٍ و بصوتٍ تهدج و أقترب للبكاء:
عامر !! أنتَ بتصرخ كدا ليه؟! رد عليا طيب مالك !!"
حولت فتح الباب مرارًا و تكرارًا لكنه أحكم غلقه من الداخل فور دخوله حتى لا تراه بذلك الوضع، فضربت الباب بقبضتها و هي تناديه بملء صوتها الباكِ، و في الداخل بلغ التعب مبلغه منه فلم تعد تقوى قدميه على حمله حتى خارت قواه و ارتمى على حرف حوض الاستحمام "البانيو" و تلك الرعشة تسير بجسده و البرودة تجتاحه، فعلم وقتها أنه أصيب بنزلةٍ معوية نتيجةً لبرودة الجو.
كانت «سارة» تحاول الوصول للداخل بكافة الطرق و هي تناديه بخوفٍ، حينها حاول هو الوقوف ثم استند على الحوض حتى يصل لها و حينها شعر بالتقيؤ من جديد، فوقف يستسلم له و صوته يعبر لها من الداخل، فلم تستطع التحمل أكثر من ذلك، حينها أخرجت هاتفها و طلبت أول رقمٍ يقابلها و هو رقم «خديجة».
كانت «خديجة» تتناول الطعام مع «ياسين» و هي تشاكسه و هو يسخر منها بملامح وجهه و هو يقلد طريقتها حتى صدح صوت هاتفها برقم «سارة»،
قطبت «خديجة» جبينها بتعجبٍ و هي تُجيب على الهاتف و قبل أن تتفوه مُرحبةً بها، وصلها صوت الأخرى تصرخ لها و هي تقول:
الحقيني يا خديجة عامر تعبان أوي، خلي ياسين يجي أو أي حد منهم علشان خاطري"
انتفضت «خديجة» من مجلسها و هي تحاول طمئنتها بالحديث، كل ذلك كان يتابعه «ياسين» بتعجبٍ و الحديث بالنسبةِ له مُبهمًا، حتى أغلقت الهاتف و حدثته بخوفٍ:
ياسين !! عامر تعب أوي في البيت و سارة عمالة تعيط و مش عارفة تتصرف"
انتفض هو من موضعه ثم ركض يأخذ هاتفه و مفاتيح بيته و حدثها منفعلًا بخوفٍ:
البسي اسدالك و تعالي معايا بسرعة علشان سارة لوحدها، يــلا يا خديجة"
حركت رأسها موافقةً ثم ركضت لغرفتها ترتدي الاسدال و هو في الخارج يحاول التواصل مع كلًا من «خالد» و «ياسر» حتى اقتربت منه بعدما ارتدت اسدالها، فأغلق هو الهاتف مع صديقيه ثم ركض من الشقة و هي معه و كليهما القلق ينتاب قلبه و يفتت أحشائه.
في شقة «عامر» وقفت «سارة» تنتظر خروجه من المرحاض، حتى فُتح الباب أخيرًا بواسطته و ملامحه وجهه شاحبةً و السواد يحتل أسفل عينيه و كأنه تبدل في غضون ثوانٍ و قبل أن تسأله عن حالته ارتمى هو على أعتاب المرحاض و استند بجسده على الحائط خلفه دون أن يشعر بما حوله، فقط صدى صوتها و هي تمسك وجهه بكفيها و هي ترجوه ببكاءٍ حتى يرد عليها، حينها أغمض عينيه يستسلم لدوامةٍ سوداء مجهولة المصدر و النتيجة معًا.
صرخت بإسمه و هي تحاول جاهدةً أن تحمله بمفردها لكن قوتها الجسدية مقارنةً بجسده لا توضع في خانةٍ واحدة، حتى باءت كل محاولاتها بالفشل من جديد، فبكت و هي تمسك كفه و لاح أمام ناظريها ذكرى سيئة، حينما سبق و شاهدت هذا الوضع يوم وفاة والدها، و كأن الزمن يتكرر أمام عينيها من جديد، حينها ارتمت عليه و هي تبكي بحرقة الفقدان بعدما عوضها الله به.
و إبان ذلك ارتفعت الطرقات على باب الشقة و الجرس معًا بواسطة أخوته، انتبهت هي لوضعه و لحالته فرضكت نحو الباب تفتحه بعدما سحبت الخمار الموضوع بقرب الباب دومًا، فتحت الباب بلهفةٍ لهم، فأول من تحدث بخوفٍ كان «ياسين» و هو يستفسر عن تواجده، تحدثت هي من بين بكاءها، فركض ثلاثتهم نحو موضعه، بينما هي ارتمت بين ذراعي «خديجة» و هي تبكي بخوفٍ.
حمله «ياسين» و الشباب و توجهوا به نحو غرفة الأطفال، ثم وضعوه على فراشٍ من الاثنين، حاولوا ايفاقته لكن دون جدوى، و قام «ياسر» بالكشف عليه فعلم أنه أصيب بنزلةٍ شديدة أصابت جسده بالكامل، و حينها أخرج الإبرة الطبية يعطيها له بعدما جلبها معه احتياطيًا.
سأله «خالد» بخوفٍ و قلقٍ بلغ مبلغه حتى وصل لصوته و نبرته:
ها يا ياسر ماله !! ما كان كويس و طالع من تحت حلو و فضل يهزر"
تنهد «ياسر» بعمقٍ ثم قال:
عنده نزلة معوية شديدة و دور برد في المعدة، علشان قلع الجاكيت و ركب الموتوسيكل في الزفة، قولتله يلم يهدا و خلاص كدا، بس ازاي ؟! لازم يجيب أخره"
كانت «سارة» واقفةً على أعتاب الغرفة بجوار «خديجة» التي أمسكت يدها تساندها، و في تلك اللحظات تعلقت عينيها به و هو يركد على الفراش في ثباتٍ عميقٍ لا يعي بما يدور حوله، فاقترب «ياسين» منهما يتحدث بنبرة صوتٍ منهكة:
خديجة، خدي سارة و روحي الشقة خليها ترتاح شوية و خلي بالك منها"
حركت رأسها موافقةً فتحدثت «سارة» برفضٍ قاطعٍ ترفض مقترحه:
لأ !! مش هقدر أسيبه و أنزل، روحوا انتم و أنا هفضل معاه، مش هقدر حتى أغفل عنه"
اقترب «ياسر» منهم، بينما «خالد» لم يستطع السيطرة على نفسه حتى انجرف وراء مشاعره فجلس بجوار «عامر» على الفراش ثم أمسك كفه و بيده الأخرى ربت على رأسه و وجهه و الدموع تلمع في مقلتيه و كأن أبًا يجلس بجوار صغيره المريض
تحدث «ياسر» بهدوء محاولًا اقناعها بفكرتهم:
أنتِ شكلك تعبان و باين عليكي الخضة، و احنا محدش فينا هيقدر يسيبه و ينزل من هنا، و أظن أنتِ عارفة حاجة زي دي، روحي مع خديجة و ريحي أعصابك شوية، و إحنا معاه هنا، مش هينفع نفضل هنا و أنتِ موجودة، ريحينا معلش"
قبل أن تهم بالتحدث، قاطعها «ياسين» برزانته المعتادة:
سارة !! أنتِ مش هتقدري تقفي لوحدك و هو محتاج حد يكون جنبه يسنده، روحي ارتاحي و أنا و الله هكلمكم أطمنكم كل شوية، بس علشان لما يصحى حتى يلاقينا موجودين"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ بقلة حيلة، فلم تعد تقوى على المناهدةٍ معهم و هي تعلم تمام العلم أن حديثهم صحيح، و لكن كيف تتركه في حالته تلك و في ذلك الوضع ؟! لم تتخيل يومًا أن تقلق عليه بتلك الطريقة لطالما كان دائمًا مرح الطباع و مشاغبٌ لمن حوله، بكت من جديد حينما طالعت سكونه، فأشار «ياسين» لزوجته بعينيه حتى تأخذها معها، فحركت رأسها موافقةً ثم أخذتها معها و هي تحدثها بعدة كلماتٍ تبثها الطمأنينةِ، و الأخرى في وادٍ آخر تفكر في حالته و كيف تمكن منه التعب بتلك الطريقة.
لم تعلم كيف سارت مع «خديجة» و كيف ارتدت ذلك الاسدال و كيف أصبحت معها هنا في شقتها !! و لكنها بالطبع لم تهتم لكل ذلك فباتت حبيسة الماضى و لمحاته الحزينة و الخوف يأكلها خوفًا على ملاذها الآمن و هو «عامر»، ارتمت على الأريكة و هي تبكي بقوةٍ و «خديجة» بجوارها تحتضنها و هي تحاول السيطرة على دموعها هي الأخرى
_________________________
في شقة «عامر» ظل كما هو غافيًا على الفراش و «خالد» بجانبه يمسد على رأسه بحنوٍ بالغٍ و كأنه يعامل «يونس»، و «ياسين» بجواره على مقعد صغير وضعه بقرب الفراش ثم جلس يقرأ ما تيسر له من القرآن الكريم، و «ياسر» بين الحين و الآخر يتابع حرارته التي أخذت ترتفع مؤخرًا فتحدث الأخير بخوفٍ:
مش هينفع كدا، لازم كمادات، حرارته عمالة تزيد و كدا غلط"
أغلق «ياسين» المصحف ثم هب منتفضًا و هو يسأل بخوفٍ:
طب و بعدين !! بقاله ساعة و الحرارة عمالة تزيد، الحقنة معملتش حاجة ؟!"
حرك رأسه نفيًا بيأسٍ، فتدخل «خالد» يقول بصوتٍ متحشرج:
حد فيكم يجيب خل و تلج و يحطهم في حاجة واسعة، ريهام بتعمل كدا ليونس، بسرعة منك ليه"
صرخ فيهما فتحركا معًا خارج الغرفة، بينما «خالد» أطلق العنان لدموعه أخيرًا و هو يحدثه بصوتٍ باكٍ و كأنه يستمع له:
قوم بقى يا عامر....أنا مش هقدر أشوفك كدا كتير، قوم و رخم عليا براحتك و أنا راضي و الله"
نزلت دموعه رغمًا عنه على وجه «عامر» فأخفض جسده يقبل رأسه ثم تنهد بعمقٍ و هو لا يصدق أن مصدر السعادة بحياتهم جميعًا يحدث له كل ذلك، فلو كانت الضحكة يومًا ما شخصًا يعرف الطريق إليهم فبـالطبع هو السبب في ذلك.
دلف «ياسين» و «ياسر» معًا الغرفة، فجلس الأول بجوار «عامر» بعدما تحرك «خالد» تاركًا لهم المساحة حتى يستطيعا التعامل معه، فكشف «ياسر» جسده و شرع «ياسين» في تمرير القماشة المُبللة على جسده و «ياسر» يمرر الأخرى على وجهه، و «عامر» في وادٍ غير واديهم، لم يشعر بما حوله و لا حتى بخوفهم عليه، هو فقط غمغم بعدة كلمات غير مفهومة في نومه ثم سكت مرةً أخرى.
انتهيا كليهما من عمل الكمادات له ثم اقترب منه «ياسين» يجلس بجواره و رغمًا عنه انساق خلف رغبته و احتواه بين ذراعيه يحميه في كنفه، و على الفراش المجاور له في غرفة الأطفال جلس كلًا من «ياسر» و «خالد» معًا، و كليهما نظره مثبتًا على «عامر» بين ذراعي «ياسين» الذي مرر كفه على رأسه و هو يقوم برقيته بالرقية الشرعية كما اعتاد من والده عند تعبه.
استمر «ياسين» في ذلك حتى نهاية الرقية الشرعية ثم مرر كفه على جسد صديقه يتفحص حرارته و أخيرًا تنهد بعمقٍ حينما وجد حرارته طبيعية إلى حدٍ ما، و على الفراش الأخر نام «ياسر» بين ذراعي «خالد» دون أن يشعر و هو يراقب أخيه بتمعنٍ.
حرك «ياسين» رأسه للجهة الأخرى فوجد أخيه نائمًا بين ذراعي الآخر، فتحدث بهمسٍ بالكاد وصل لمسامع الأخر:
خالد !! هو ياسر نام جنبك ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بنفس الطريقة الهامسة:
نام آه، كان مطبق بقاله يومين في المستشفى علشان فيه حملة تطعيمات و هو مسئول عن قسم الأطفال كله، مع الفرح بقى و الخضة دلوقتي جاب أخره"
حرك رأسه موافقًا ثم حرك على خصلات «عامر» ثم اقترب منه يقبل قمة رأسها و يمسح بكفه على وجهه بحنانه المعتاد دومًا، فابتسم له «خالد» بقلة حيلة ثم أضاف:
خضني عليه أوي، أنا قلبي رُهيف قدام تعب واحد فيكم، مش حمل قلبي يوجعني على حد منكم كل شوية"
ابتسم «ياسين» بغلبٍ ثم تحدث يقول بلهجة صوتٍ متعبة:
مش عارف يا خالد هو حصله إيه، بس شكلي هصدق كلام ميمي إن عامر ابن نظرة بجد"
عقد «خالد» ما بين حاجبيه بحيرةٍ من حديث الآخر، فأضاف «ياسين» مُفسرًا:
عامر طول عمره بعد أي حاجة بيعملها بيتعب و يصدع، و النهاردة كان مبدع أوي، الواد دا خد عين محترمة"
حرك «خالد» كتفيه ثم أردف مؤيدًا هو الآخر بقوله:
يمكن، الحسد مذكور في القرآن يا ياسين، و ربنا سبحانه و تعالى أمرنا بتحصين نفسنا، بس هو علطول بيقرأ الأذكار بعد الفجر، دي أكيد عين جمل رشقت فيه"
ابتسم «ياسين» بيأسٍ ثم حرك رأسه للأسفل يطالع «عامر» بين ذراعيه فابتسم أكثر حينما وجد البراءة على وجهه يشبه الطفل الصغير في نومه، رغمًا عنه فرت دموعه، فتحدث بصوتٍ مختنقٍ:
الدنيا ملهاش حِس من غيره يا خالد، عامر طول عمره هو أساس الفرحة في حياتنا، صعبان عليا أشوفه كدا، أنا عاوزه يفوق دلوقتي"
تنهد «خالد» بقلة حيلة ثم حرك رأسه للجهة الأخرى يطالع ذلك الذي يرتجف بجواره بعدما أمسك ذراعه، فأغمض عينيه بألمٍ ثم حرك كفه يمسد عليه و الدموع تلمع في مقلتيه، حينها تحدث «ياسين» يسأله بذهولٍ:
هو ياسر لسه بيترعش و هو نايم !! معقول لسه بيشوف الكابوس دا ؟!"
شخص «خالد» ببصره نحوه ثم حرك رأسه موافقًا و هو يضيف:
لسه....كل مرة و هو نايم ساعات بيشوف نفسه هيقع جوة حُفرة و ساعات بينط من على جبل، و ساعات بيغرق، لما بيتنفض كدا يبقى شاف نفسه بيقع في حاجة منها، بس بطل يقوم من النوم بقى بيكمل عادي، الأول كان بيصحى يصرخ و ينهج، دلوقتي بقى أحسن"
زفر «ياسين» بقلة حيلة ثم تحدث بضجرٍ:
منه لله سمير، راجل أناني و حقير و معندهوش ريحة الرجولة"
احتضن «خالد» أخيه ثم حرك كفه يمسد على ظهره و على رأسه و هو يقرأ له بعض آيات الذكر الحكيم حتى يهدأ من تلك الرجفة التي سارت في جسده حتى أرقت مضجعه و هزت ثباته، ابتسم «ياسين» بسخريةٍ و هو يقول:
احنا عاملين زي المرافقين في المستشفيات، الليلة كانت زي الفل و الواحد حاسس إنه راجع من فرحه، إيه اللي إحنا فيه دا"
ابتسم «خالد» بسخريةٍ و هو يقول:
يا سيدي مرافقين مرافقين مش مشكلة، بس يقوموا كويسين، لو هفضل طول العمر أحميهم كدا معنديش مانع، بس يفضلوا كويسين و أنتَ معاهم، عارفك بتبقى متضايق و تعبان و عمرك ما اشتكيت"
حرك رأسه له و هو يقول بسخريةٍ:
دا أنتَ كاشفني بقى !! محلل شخصيتي و عارف عني كل حاجة؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم تابع حديثه:
عارف و حافظ كل حاجة فيك، و مش أنتَ لوحدك، كلكم، أصلها مش عشرة يوم و لا اتنين، دي عِشرة ١٦ سنة خلاص قربنا نتمهم مع بعض، تفتكر مش هحفظكم!!"
حرك رأسه نفيًا و هو يجاوب استفساره الساخر، فتحدث «خالد» بعدما تنهد بعمقٍ:
ربنا يحفظكم ليا و يباركلي فيكم، أنا مليش غيركم يا ياسين، عيالي و أخواتي و أصحابي و أهلي، أنتم نور عيني"
لمعت العبرات في مقلتي «ياسين» تأثرًا من حديث صديقه، ثم رفع رأسه للأعلى و هو يتذكر أيامهم سويًا و حياتهم معًا و كلًا منهم يحتضن الآخر و هو يفكر كيف تكون الحياة بدون أصدقاء مثلهم ؟! لم يشاء الله أن يمن عليه بوجود أخوة يربط بينهم رابطة الدم، و برحمته و كرمه أعطاه ما هم أقرب له من رابطة الدم، حيث نشأت بينهم رابطة القلب، رابطةٌ جمعت أربعة قلوب سويًا، كلًا منهم ينبض بحب الآخر.
_________________________
في شقة «حسن» جلس على الفراش و «هدير» بين ذراعيه و هو يربت على خصلات شعرها كما المعتاد و باله مُنشغلًا بالقادم، فحتى الآن هاتفه كما هو يرتفع رنينه برقم شقيقته، لم يحتاج وقتًا لمعرفة ماهية تلك المكالمات، بالطبع و كما المعتاد تريد تزويجه من أحدى الفتيات التي دومًا تجلبهن له حتى يتعرف عليهن، ففي ذلك الوقت من كل عامٍ تهاتفه حتى تستغل أجازة ولدها في محاولة منها لتزويج أخيها.
زفر هو بقوةٍ و هو يشعر بالحيرة و التخبط في أمره، فكيف يخبرها أن من عاش طوال عمره يهرب منه و يرفضه، وقع به كما وقوع الأسير في يد العدو؟! كيف يخبرها أن ذلك الانطباع الذي أخذه عن فكرة الارتباط و الزواج، تلاشى بوجودها معه ؟!
كيف يخبرها أنه تزوج و أحب و عشق أخر من توقع أن يأتي يومٌ و يذكر اسمها على لسانه، أغمض جفنيه بشدة ثم تنهد بعمقٍ خوفًا من القادم، فاذا علمت «هدير» بأمر شقيقته و محاولة زواجها من أخرى غيرها بالطبع ستثور ثائرتها و إن احتد الأمر ستتركه و تغادره، و عند وصوله لتلك النقطة شدد مسكته لها خوفًا من تحقيق ما جال بخاطره.
ثم حرك رأسه للأسفل يراقبها بين ذراعيه فوجدها تنام هادئةً مُطمئنةً بين ذراعيه، ابتسم بهدوء و هو يفكر بها «هدير» تلك القطة الشرسة التي كان يخشى الاصطدام معها حتى لا تحدثه بفظاظتها القديمة، الآن هي زوجته و حبيبته و هي من أراد الله أن يزيل عناء حياته؛ بتواجدها هي معه.
أرجع رأسه للخلف ثم أخرج زفيرًا قويًا لعله يهديء من حيرته و تخبطه من القادم و قلبه يردد داعيًا المولى عز وجل أن يخرج من تلك الفترة بأقل الخسائر النفسية حتى و أن خسر بها سلامه، و لكن تبقى فقط هي بجواره.
_________________________
انقضى الليل بعتمته و ظلمته على الجميع، في ليلةً ظنها الجميع ليلة السرور و السعادة، غافلين عن من قضى ليله شاردًا و عن من قضى ليله لرفيقه حارسًا، و عن من قضت ليلتها خوفًا باكية، حتى تسللت خيوط الشمس الصباحية تعلن عن بداية يومٍ جديد، يحمل معه الكثير آملين أن يمر بسلامٍ متوكلين على المولى حق التوكل و الاعتماد، فمن لنا سواه نرجوه أن يحفظنا و يحمينا من شرور أنفسنا ؟!
فتح «عامر» عينيه على مضضٍ بعدما داعبت أشعة الشمس الصباحية جفنيه، في حالة تمرد منها، فك حصار جفنيه لمقلتيه أخيرًا ليطالع السقف بتشوشٍ و كأنه يرى الغرفة من خلال ظلال النيران، رفع حينها كفه يمسح وجهه ثم حرك رأسه للأسفل حينما شعر بأنه محاصرًا بين ذراعين قويين، فوجد «ياسين» يحتضنه بقوةٍ و هو بين ذراعيه، عقد ما بين حاجبيه، ثم حرك رأسه مرورًا بانحاء الغرفة بأكملها حتى وقع بصره على صديقيه في الفراش المجاور له، تنهد بعمقٍ حينما تذكر ما حدث بالأمس و لم يحتاج لوقتًا طويلًا حتى يستنتج ما حدث، بالطبع زوجته هي من أخبرته، و عند وصوله لها بتفكيره، سحب هاتفه حينما وجده بجواره على المنضدة الصغيرة بجوار الفراش، ثم ضغط على رقمها حتى يهاتفها، و قبل أن يُكمل اتصاله كاد يغلق المكالمة ظنًا منه أنها غافيةً في ذلك الوقت حينما وجد الساعة الثامنة صباحًا.
لكنه لم يتوقع أن تُجيب على مكالمته بتلك السرعة حيث وجدها تحدثه بلهفةٍ باكية:
عامر !! طمني عليك عامل إيه ؟! أنتَ كويس دلوقتي ؟!"
تنهد بعمقٍ ثم تحدث بنبرة صوتٍ متحشرجة:
الحمد لله يا سارة، بس أنتِ فين ؟! أكيد مش في الشقة"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
أنا عند خديجة يا عامر، جت خدتني امبارح علشان الشباب يعرفوا يكونوا معاك، أنا مكنتش عاوزة أسيبك و الله، بس هما أصروا عليا و أنـ....."
بكت بقوةٍ و امتزج بكائها بشهقاتٍ قوية جعلته يتحدث مُسرعًا حتى يطمئنها:
أنا كويس متخافيش و الله، هصحيهم علشان هما نايمين و هكلمك علشان تيجي، و أهدي بدل ما أجي أخدك أنا"
ردت عليه هي مُسرعةً:
خلاص خلاص...هستناك تكلمني، بس بجد أنتَ كويس ؟! و لا بتقول كدا علشان تسكتني؟!"
ابتسم هو براحةٍ ثم تحدث يجاوبها:
كويس....الحمد لله و الله و بصراحة بقيت كويس علشان خوفك عليا، خليني بقى أشوف العيال دي...سلام"
أغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها عليه، ثم وضع الهاتف مكانه السابق، شعر حينها «ياسين» بحركته بين ذراعيه فانتفض يسأله بخوفٍ:
عامر !! رايح فين ؟! أنتَ كويس يا حبيبي ؟!"
رد عليه «عامر» يطمئنه:
متخافش كدا...اهدا، أنا كويس الحمد كنت بحط التليفون مكانه"
اعتدل «ياسين» في جلسته ثم قام بضبط الوسادة خلف ظهر صديقه ثم وضع كفه يتحسس حرارته، و حينها تنهد براحةٍ ثم قال:
الحمد لله...حرارتك نزلت كتير عن بليل، لسه جسمك بيوجعك؟"
حرك رأسه نفيًا و هو يبتسم له بحبٍ بالغٍ لم يقوى على إخفاءه من نظرته و تأثره البادي على وجهه، فسأله «ياسين» بتعجبٍ:
مالك !! بتبصلنا كدا ليه طيب؟"
سأله حينما وجده يمرر بصره بينهم بتساوٍ و كأنه يجبر نفسه على التأكد من تواجدهم، فتنهد براحةٍ ثم قال:
مستغرب وجودكم و فرحان علشان مقضيتش الليلة دي لوحدي، صحيح تعبتكم معايا بس مليش غيركم يلحقني و يكون معايا في تعبي قبل راحتي"
اقترب «ياسين» منه يقبل قمة رأسه ثم طالع عمق عينيه و هو يقول بتأثرٍ اقتبسه من تأثر الأخر:
ياض احنا ملناش غير بعض، دا الواحد فينا كنز للتاني يا عامر، لو واحد فينا تعب قبل حتى ما يفكر في اللي من لحمه و دمه هيفكر في بقوا اقربله من روحه، قوم بس علشان محدش فينا عارف يستحمل وجودك كدا"
حرك رأسه موافقًا فوجد «خالد» يرفع رأسه من على الوسادة و هو ينظر لموضعهما سويًا، حينها ترك الفراش ثم ركض نحوهما و هو يسأله بلهفةٍ:
عامر أنتَ فوقت !! طمني حاسس بإيه لسه تعبان زي ما أنتَ؟!"
طالعه «عامر» بغير تصديق ثم حرك رأسه لـ «ياسين» يستفسر منه، فحرك الأخر كتفيه محاولًا كتم ضحكته، فتحدث «خالد» بقلقٍ:
رُد عليا !! أنتَ كويس و لا لسه تعبان ؟! انطق يا زفت بقى !!"
تنهد «عامر» بعمقٍ ثم تحدث أخيرًا:
كويس يا خالد متخافش الحمد لله جت سليمة، هتلاقيهم شوية برد بس"
اقترب «ياسر» منهم بعدما استيقظ و هو يقول بنبرةٍ صوتٍ جامدة:
لأ دي نزلة معوية شديدة، علشان تبقى تقلع الجاكيت كويس و تركب الموتوسيكل، حرام عليك نفسك يا عامر"
رد عليه مُسرعًا:
بس أنا طلعت كويس الحمد لله، يدوبك خدت دُش و غيرت هدومي و سارة كانت بتعمل الأكل، مرة واحدة جسمي اترعش و حسيت بتلج في معدتي و بعدها دماغي كأن حد بيكسر فيها، أخر حاجة فاكرها و أنا في الحمام و بصرخ من دماغي لما رجعت"
اقترب منه «خالد» ثم سحبه بين ذراعيه و هو يربت على ظهره ثم قال بتأثرٍ:
سلامتك و سلامة قلبك من كل شر يا رب، ربنا يحفظك و يخليك لينا يا رب، قوم بقى يلا"
رفع ذراعيه يحتضنه هو الأخر ثم قال بتأثرٍ:
أنا مكنتش عاوز أخض حد فيكم عليا و الله، بس مش عارف حصل إيه علشان اتعب كدا"
ابتعد عنه «خالد» يقول بسخريةٍ:
حسدوك يا ضنايا، لقوك عامل زي النحلة عمال تلف و تفرح في الكل، نشوك عين جابت أجلك"
طالعه «عامر» بوجهٍ ممتعضٍ و هو يقول:
دا هما برضه ؟! دا عينك أنتَ يا بومة يا كئيب يا عدو الفرحة"
رفع «خالد» حاجبه له و في غضون ثوانٍ كان يدغدغه في قدمه و «عامر» يضحك بقوةٍ فها هي نقطة ضعفه الوحيدة، فانضم إليهما الآخريْن و هم يضحكون أربعتهم حتى صرخ «عامر» من بين ضحكاته يتوسلهم بالتوقف.
امتثلوا لتوسله و توقفوا عن ما كانوا يقومون به، حتى تنهد هو بعمقٍ ثم تحدث ممتنًا لهم:
ربنا يخليكم ليا يا رب و تفضلوا معايا علطول، و الله مش عارف اقولكم إيه، خصوصًا أني خسرت حاجات كتير امبارح"
قطب الثلاثة جبينهم بحيرةٍ و تعجبٍ، فتحدث «عامر» مُفسرًا:
سارة كانت محمرالي فراخ بانيه و بطاطس محمرة امبارح، العين رشقت فيهم أكيد"
طالعه ثلاثتهم بنظرةٍ ثاقبة و ما لبثوا ثوانٍ حتى انفجر الأربعة في الضحك سويًا و هو معهم، حتى تحدث «ياسر» مفسرًا:
طبعًا مفيش الكلام دا يا جماعة و كلامي هيتسمع، ممنوع الأكل المقلي و ممنوع الأكل بتاع الشارع و الأكل يكون ملحه قليل و مسلوق بس، و على الله أسمع كلمة زيادة"
تحدث «عامر» بسخريةٍ:
فيه إيه يا ياسر ؟! أنتَ هتعيش عليا الدور ؟! دا أنتَ دكتور أطفال يالا، فوق يا ياسر !!"
ضحك كلًا من «خالد» و «ياسين» بينما «ياسر» هجم عليه يمسكه من تلابيبه و هو يصيح في وجهه:
لم نفسك يالا بدل ما أرزعك دماغ تكمل عليك لحد أخر الأسبوع، تسمع الكلام و تفوق معايا كدا علشان ممدش أيدي عليك"
حرك «عامر» رأسه موافقًا بسرعةٍ كبرى فتحدث «ياسين» بهدوء:
يلا علشان نفطره قبل الصلاة علشان نشوف ورانا إيه و هو يرتاح"
رد عليه «عامر» مسرعًا بلهفةٍ قاطعة:
هو مين دا اللي يرتاح ؟! أنا مبعرفش ارتاح و أنتَ عارف كدا كويس يا ياسين، هنزل معاكم"
تدخل «خالد» يتحدث بنبرةٍ جامدة:
تنزل معانا فين ؟! أنتَ هترتاح هنا و تصلي في البيت طالما تعبان و أنا و هما هنروح لميمي و بعدها نروح لوليد و طارق قبل ما يسافروا، خليك بس أنتَ هنا و ارتاح"
رد عليه بعنادٍ:
خلاص، هنزل وراكم و هروح برضه لوحدي، مش هغلب يعني، و لو على المواصلات هكلم أوبر ييجي يوديني، أحسنلكم تخدوني معاكم"
نظر لبعضهم البعض بقلة حيلة، فتحدث هو مُقررًا باصرارٍ:
من غير ما تبصوا لبعض، هاجي معاكم عند وليد و طارق و ميمي روحوا أنتم ليها حلو كدا ؟!"
بعد مرور دقائق تناول «عامر» الفطار الذي أعده له «ياسين» و لأول مرّةٍ يرفض تناول الطعام في حياته، بسبب ألم معدته مما جعلهم يسخرون منه، و حينما اتى موعد الدواء حرك رأسه نفيًا و هو يقول بخوفٍ:
لأ !! بلاش علشان خاطري مبحبش دوا الشرب"
تحدث «ياسر» بحزمٍ و تقريرٍ:
ولا ؟! مش عاوز هبل منك، خد الدوا خلينا نشوف ورانا إيه؟! متتعبناش بقى"
حرك رأسه نفيًا فوجد «خالد» يمسك وجهه بكفيه يفتح فمه عنوةً عنه، و حينها قام «ياسر» بادخال الدواء في فمه حتى ابتلعه هو أخيرًا و هم يضحكون عليه حتى فتح هو ذراعيه لهم ثم ارتموا بداخلهم.
_________________________
في شقة «ياسين» طرق هو باب الشقة بعدما نزل من عند صديقه، فوجد «خديجة» و «سارة» معها بعدما فتحت له زوجته الباب، فسألته الثانية بقلقٍ ممتزج بالبكاء:
ياسين طمني عامر كويس ؟! لسه تعبان زي امبارح ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم تحدث يطمئنها بصوتٍ هاديءٍ:
و الله كويس متخافيش، روحي دلوقتي اتطمني عليه قبل ما ننزل نصلي، علشان هو مصمم ينزل و اتطمني خد الدوا و بقى زي الفل"
حركت رأسها موافقةً ثم شكرتهما، فتحدث «ياسين» يرفع عنها الحرج و يحدثها بعتابٍ:
مفيش أخت بتشكر اخواتها و إحنا أخواتك كلنا، ربنا يخليكم لبعض و لو فيه حاجة كلمينا من غير إحراج"
حركت رأسها موافقةً ثم طالعتهما بنظرة امتنانٍ قبل أن ترحل من المكان حتى تذهب لزوجها، بينما «ياسين» أغلق الباب بعدما دلفت هي المصعد ثم تنهد بعمقٍ، فسألته «خديجة» بقلقٍ:
هو عامل إيه يا ياسين ؟! لسه تعبان زي ما كان امبارح ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم اضاف:
لأ يا خديجة الحمد لله، هو كويس بس ياسر قال ممكن بليل يسخن شوية، و يارب يفضل كويس كدا و ميتعبش تاني"
حركت رأسها موافقةً فتحدث هو مُسرعًا:
فطريني بقى لحد ما أصلي الصبح يلا، علشان نشوف هنروح فين بعد كدا"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له ثم تحركت من أمامه.
وصلت «سارة» لشقتها بسرعةٍ كبرى بعدما سارت بخطواتٍ غير متمهلة أشبه بالركض، حتى توقفت على باب الشقة تطرقه بقوةٍ بعدما فشلت في فتح الباب بالمفتاح، حتى فتح هو لها و هو يبتسم بهدوء، حتى وجدها ترتمي بين ذراعيه و هي تسأله بخوفٍ:
عامل إيه يا عامر ؟! طمني عليك، أنتَ كويس ؟!"
أغلق الباب أولًا ثم رفع ذراعيه يحتضنها و هو يقول مُطمئنًا لها:
الحمد لله يا سارة و الله كويس و زي الفل، و بصراحة فرحان و أنتم مخضوضين عليا كدا"
وكزته في كتفه و هي تقول بضجرٍ منه:
أنتَ مهزق يا عامر ؟! فرحان و احنا كلنا كنا بنموت من الخوف علشانك ؟!"
رد عليها هو مُسرعًا يشاكسها بسخريةٍ:
بإمارة إنك سيبتيني و نزلتي علشان متشيلش همي و خلتيني معاهم"
شهقت بقوةٍ حينما أخبرها بتفكيره فيها، و نزلت دموعها رغمًا عنها، فوجدته يضحك و هو يمسح دموعها تزامنًا مع قوله معتذرًا لها:
أنا آسف و الله بهزر، مش قصدي اخليكي تعيطي كدا، ربنا ياخدني يا شيخة و الله بهزر"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
أنا مكنتش هسيبك على فكرة و مكنتش عارفة اتصرف، بس هما صمموا أني أنزل علشان مينفعش افضل معاهم هنا، أنا مش قليلة الأصل علشان أسيبك و أنتَ تعبان"
اقترب منها يضمها إليه و هو يقول معتذرًا بندمٍ:
بهزر و الله و عارف كويس إخواتي اتصرفوا ازاي، لو كنتي فضلتي أكيد كنت هتضايق، بس هما أخواتي و يخافوا على لحمي زيي بالظبط، و أكيد محدش فيهم كان هيفضل هنا و أنتِ موجودة، متزعليش مني"
حركت رأسها موافقةً فابتسم هو لها ثم قال ممازحًا لها:
ادخلي بقى حمريلي البانيه و البطاطس بتوع امبارح، يلا يا ستي خليني افوق بقى، مع إن الواد ياسر دا دكتور شاطر و الدوا بتاعه جاب نتيجة"
قبل أن ترد عليه وصلتها رسالةً صوتية عبر هاتفها من رقم «إيمان» و مفداها:
صباح الخير يا سارة، ألف سلامة على عامر، ياسر بيقولك متسمعيش كلام عامر و أكله يبقى كله مسلوق و من غير ملح و بلاش أي أكل مقلي أو أكل من الشارع علشان معدته واخدة برد، و بيقولك البانيه و البطاطس بعتهم ليونس ياكلهم علشان عامر يلم نفسه"
رفعت حاجبها له و هو يرمقها بوجهٍ متشنجٍ و نظرة عين مغتاظة حتى تحدث بحنقٍ:
أفشل دكتور في مصر كلها، ياسر دا، دكتور حمار أصلًا، ماشي يا دكتور البهايم أنتَ"
ضحكت هي بقوةٍ عليه حتى تحدث هو بغير تصديق و بلاهةٍ:
يا سوادي ؟! دا أنا البهايم"
_________________________
بعد مرور سويعات قليلة و بعد عودة الشباب من عند «ميمي» شرعوا جيمعًا في التجهز وسط النهار حتى يذهبوا لتقديم المباركات للعريسين.
في بيت الشباب انتشرت الزغاريد من قبل نساء العائلة حينما ذهبوا لتقديم المباركات للعريسين، و في البداية دلفوا جيمعًا لدى شقة «طارق»، جلست معظم العائلة بكبارها يباركون لهما، حتى خرجت «جميلة» من الداخل تقدم لهم واجب الضيافة و هي تبتسم بخجلٍ،
اقتربت منها «مشيرة» تحتضنها بقوةٍ و هي على مشارف البكاء، فبادلتها «جميلة» العناق بنفس الشوق، و هي تبتسم بعمقٍ، ثم أقتربت منهم جميعًا تلقي عليهم التحية و ترحب بهم، حتى اقترب منها «أحمد» يجلس بجوارها ثم قدم لها هديته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
دي هديتي ليكي، و متأكد إنها هتعجبك إن شاء الله، بصراحة مفيش أغلى من دي هدية علشان أجبهالك"
أخذت منه الحقيبة الكبيرة و هي تطالعه بتعجبٍ من حجمها فلم تتوقع ما يوجد بداخلها بسبب كبر حجمها، حينما قامت بفتحها ابتسمت باتساعٍ حينما وجدت بها "المصحف الشريف" بحجمٍ كبيرٍ و معه الحامل الخاص به، رفعت عينيها تطالعه بتأثرٍ، فجلس على ركبتيه أمامها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
علشان لما تصلي قيام الليل تقرأي فيه بدل ما تمسكي المُصحف في إيدك، و عاوزك تدعيلي معاكي يا جميلة"
ردت عليه مسرعةً بنبرة صوتٍ باكية:
بدعيلك و الله، علطول بدعيلك معايا و بدعي للكل معايا، بس أنتَ ليك عندي غلاوة كبيرة أوي، من ساعة ما جيت هنا و عرفت إنك أخويا و أنا كان نفسي نكون صحاب و دعيت بكدا من كل قلبي و ربنا كرمني بيك أحسن أخ في الدنيا كلها"
اقترب منها يقبل رأسها ثم ربت بيده على رأسها و بعدها حرك رأسه ينظر لـ «طارق» و هو يقول مُحذرًا له:
بقولك إيه، أنتَ أخويا ماشي و مديري في الشركة على عيني و راسي، بس دلوقتي بقيت جوز أختي، لو زعلتها يا طارق أنا هزعلك معلش بقى"
رفع «طارق» حاجبه له و هو يقول بلامبالاةٍ:
براحتك يا حبيبي، مخصوم منك شهر مبدأيًا دا أول حاجة، تانى حاجة، فيه موضوع كدا كلها شهور و تفتحه معايا، أحب أقولك طلبك مرفوض"
علموا جميعًا بمرمى حديث «طارق» الذي رمى به على شقيقته الغائبة حتى اقترب منه «أحمد» يقول بخبثٍ:
مش بمزاجك دي، بمزاجي و مزاج كبيرنا و أنا هخلي كبير العيلة هو اللي يطلبها ليا، ريح نفسك، و لو على الخصم، فأنا باخد منك تِلت و من وئام تِلت و من حسن تِلت، يعني برضه ريح نفسك"
ضحكوا جميعًا عليه فتحدث «طارق» بغير تصديق:
يخربيتك !! دا أنتَ طلعت زيه بالظبط، طول عمري كنت بقول إنك هتكون نسخة منه"
أومأ له موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
بالظبط هو هو أنا، فبلاش نخليها حرب ما بيننا خلينا أخوات و الدنيا حلوة بينا و حافظ على اللي ليا عندك"
ابتسم له «طارق» ثم حرك رأسه لوالده و هو يقول بسخريةٍ:
مكتوبلك تناسب وليد مرتين، أحمد النسخة التانية منه أهوه"
ضحكوا عليه الموجودين، فتحدث «محمد» بحنقٍ:
دا أنا داخل على مرار طافح شكلي كدا، مبدأيًا أنا مش موافق"
تدخل «مرتضى» يقول بخبثٍ:
متوافقش يا حبيبي، من امتى و العيال بناخد كلمتهم، أنتَ و طه ملكمش دعوة أصلًا، حودة هو اللي هيجوزهم، مش كدا يا محمود ؟!"
سأل شقيقه الكبير بمرحٍ جعلهم يضحكون جميعًا حتى تحدث «محمود» بمرحٍ و هو يقول:
أنا عيني ليهم، سلمى تخلص بس و أحمد يشد حيله شوية، و عاوز حد منهم بقى يتكلم"
تدخل «طه» يقول بمرحٍ:
أنا مالي يا أخويا، اعتبره ابنك و شيل جوازته كلها على بعضها"
راقص «مرتضى» حاجبيه لـ «محمد» و هو يقول بسخريةٍ:
مش سامع صوتك يا محمد ؟! خدنا منك عيالك التلاتة، خليك بقى كدا"
نفخ وجنتيه و هو يقول:
يا ستار يا رب منك يا رخم، اكبر بقى يا مرتضى و بطل هبل"
أخذ كوب العصير و هو يدندن بمرحٍ أثار استفزازه حتى وقف «محمد» و هو يقول بقلة حيلة:
أنا هطلع اتطمن على عبلة قبل ما أطق من جنابي"
تحدث «مرتضى» بمرحٍ:
اقفل الباب وراك يا حمادة"
انتشرت الضحكات مرةً أخرى عليهما و خاصةً حينما أغلق «محمد» خلفه بقوةٍ و النساء تضحك عليه بيأسٍ.
صعد «محمد» لدى الطابق الخاص بابنته ثم طرق باب الشقة، ففتحت له «عبلة» و هي تبتسم بفرحةٍ ثم ارتمت بين ذراعيه فوجدته يتشبث بها ثم مرر كفه على ظهرها و هو يقول بتأثرٍ:
حبيبة بابا و روح قلبي، عاملة إيه يا عبلة، طمنيني"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بصوتٍ مختنقٍ:
أنا كويسة أوي الحمد لله يا بابا، تعالى يلا ادخل هتفضل واقف كدا؟! تعالى وليد جوة بيصلي"
حرك رأسه موافقًا ثم دلف معها للداخل، يجلس في انتظار «وليد»، بينما هي جلست بجوار والدها و هي تبتسم باتساعٍ و فرحةٍ قرأها هو من على صفحة وجهها، فاقترب هو يقبل رأسها ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
ربنا يخليكم لبعض يا عبلة و يهادي سركم و يرزقكم بذرية صالحة إن شاء الله تعوضكم خير"
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت منه تقبل وجنته بعدها تحدثت بصوتٍ باكٍ:
و يخليك ليا علشان أنا بحبك أوي، طول عمرك صاحبي و حبيبي و أخويا، و مليت عندي كل حاجة تخليني كل يوم احمد ربنا على وجودك، أنا اللي بيخليني اصبر على أني سيبتك هو أني متجوزة وليد، و وليد عامل زيك، بيحارب علشاني، و أنا بصراحة محظوظة بيكم أوي"
ابتسم لها ثم احتضنها أسفل ذراعه و هو يتنهد براحة كبرى، حتى وجد «وليد» يخرج من الداخل و هو يقول مُرحبًا به:
عمي محمد !! و الله توقعت إنك أول واحد هيطلعلي هنا، نورت يا عمي"
وقف عمه يرد تحيتته ثم احتضنه و هو يقول بعاطفةٍ أبوية غلبت عليه:
ألف مبروك يا وليد، ربنا يسعدكم يا حبيبي و يكرمكم إن شاء الله بالخير"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم له و عمه يحاول اخفاء تأثره و فرحته بهما، حتى تحدث «وليد» لزوجته:
أنتِ قعدة ليه؟! روحي هاتي لعمي العصير و اتوصي بيه قبل ما يطلعوا كلهم"
حركت رأسها موافقةً و هي تضحك بفرحةٍ ثم قبلت والدها بمرحٍ و رحلت من أمامهما، ضحك عليها «وليد» رغمًا عنه فتحدث والدها بيأسٍ منها:
هبلة.... بس بتحبك أوي"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
و أنا بحبها و الله و راضي بهبلها دا، يا رب بس تيجي على قد الهبل"
حرك عمه رأسه نفيًا و هو يقول بقلقٍ:
ماظنش..أكيد فيه كوارث تانية"
_________________________
بعد مرور دقائق اجتمعت العائلة في شقة «وليد» بعدما تركوا شقة «طارق»، جلسوا جميعًا يباركون له و يتحدثون في أجواء الفرح المبهجة، و في مشاكسة الأخوين «محمد» و «مرتضى»، و قام «أحمد» بتقديم المصحف لهما و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
علشان ربنا يكرمنا كلنا إن شاء الله، عاوزكم تدعولي معاكم"
أمسك «وليد» المصحف في يده ثم فتح أول صفحاته و هو يبتسم بخفةٍ، و كأنه لأول مرّةٍ تقع عينيه على تلك الآية الكريمة
قال تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
_صدق الله العظيم
كانت تلك الآية تحديدًا موضوعة في ورقة صغيرة وضعها «أحمد» مع المصحف الشريف ثم كتب أسفلها عدة كلماتٍ مباركةً للعروسين، حينها رفع «وليد» رأسه يمرر نظره عليها و على الآية مرةً أخرى، و هو يتذكر هوجاء روحه السابقة كأنه مثل الموج الثائر في تلاطمه مع الصخور، أما الآن و منذ وقوفه بين يدي الله سبحانه و تعالى و هي خلفه و هو يشعر براحةٍ غريبة تتغلل روحه المُتعطشة، و مع وقوع بصره على تلك الآية فهم المعجزة الآلهية في خلق روح من الأخرى و جعلها سكنًا لها، لمعت العبرات في عينيه تأثرًا من هيبة الآية الكريمة و عظمة الخالق التي اتضحت في تلك العلاقة، تنهد بعمقٍ ثم تحدث بنبرةٍ صوتٍ متحشرجة:
دي أحلى و أعز و أغلى هدية جاتلي في حياتي كلها يا أحمد، مفيش أغلى من كلام ربنا سبحانه وتعالى علشان تهديني بيه، كل يوم هصلي و أدعيلك معايا"
ابتسم له «أحمد» ثم حرك أهدابه موافقًا و هو يبتسم له، حتى تحدثت «عبلة» تسألهم بلمحة حزنٍ يشوبها التعجب:
فين سلمى و خلود ؟! مجوش معاكم ليه ؟!"
ردت عليها «سهير» مفسرةً:
راحوا الدروس اللي فاتتهم من يوم الحنة دي، علشان يلحقوا يعوضوا اللي فاتهم و خصوصًا سلمى بتاعة الثانوية العامة دي"
حركت رأسها موافقةً فتحدث «وليد» يوجه حديثه لهم جميعًا:
بقولكم إيه ؟! أنا مش موجود في البيت بس لو حد زعلهم أنا هجيله، سلمى و خلود أمانة في رقبتكم، أحمد !! خلي بالك منهم و خصوصًا خلود، متسيبهاش لوحدها كتير علشان هي بتضايق"
حرك رأسه موافقًا له ثم طمأنه بحديثه أنه سيحافظ عليهما سويًا تحت إشراف العائلة بأكملها.
و بعد مرور دقائق رحلت العائلة من البيت بعد مباركتهم للعروسين و تقديم الهدايا لهم، و بعدما أغلق «وليد» الباب خلفهم عاد يجلس بجوار «عبلة» و هو يبتسم لها حتى باغتته بسؤالها:
تنحت كدا ليه لما شوفت هدية أحمد ؟! أنا على ما أظن إنك عيطت كمان ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم تنهد بعمقٍ و هو يقول:
الآية لما شوفتها حسيت أني اتكهربت، يمكن كل مرة كنت بقرآها و ساعات أفسرها و أفهمها بس دي أول مرة أحس الاحساس دا و أنا بقرأها، و افتكرت و أنا بصلي امبارح و أنتِ ورايا، لو اعرف إني هطمن كدا لما اتجوز كنت اتجوزتك من بدري و الله"
حدثها بمرحٍ حتى ابتسمت هي ثم اقتربت منه تمسك يده و هي تقول:
طب بما إنك اتطمنت الحمد لله و بما إن دي أول مرة تقولهالي، تعالى بقى علشان نحضر الشنط، احنا هنمشي بليل"
حرك رأسه موافقًا ثم وقف مقابلًا لها وهو يبتسم لها بسمته الصافية.
بعد مرور دقائق قليلة طُرق الباب و وصل الشباب بزوجاتهم و معهم «حسن» بزوجته، اجتمعوا في شقة «طارق» أولًا ثم قدموا له المباركات و التهنئات، و بعدها توجهوا نحو شقة «وليد» يباركون له، جلسوا جميعًا يمرحون و يسخرون من أنفسهم بالأمس و كما أكد عليهم «عامر» انصاعوا له حينما طلب منهم عدم التحدث في شأن مرضه حتى لا يفسد فرحتهم.
بعدها رحلوا من موقع الشباب ثم وقفوا أسفل البيت، حينها قام «حسن» بتوديعهم هو و زوجته ثم رحل معها، بينما «ياسين» تحدث مُقترحًا:
بقولكم إيه ؟! تيجوا نخرج أو نروح نقعد في أي حتة سوا؟؟"
أيده «عامر» بقوله:
ياريت و الله، أنا حاسس أني مخنوق، بس هنروح فين؟!"
تدخل «خالد » يقول بسخريةٍ:
هنروح فين يعني ؟! أكيد هنروح النادي بتاع الشغل"
تدخلت «سارة» تسألهم بتعجبٍ:
هو أنتم ليكم نادي تبع الشغل ؟! و لا هو إيه علشان أنا مش فاهمة؟"
رد عليها «عامر» مفسرًا بسخريةٍ:
آه لينا نادي تبع الشغل بس احنا مش وش نوادي، احنا بتوع مراكز الشباب، و ملاعب بتتأجر بالساعة"
تدخلت «إيمان» تقول بحنقٍ:
ثانية واحدة بقى ؟! يعني فيه نادي و فيه مكان تخرجونا فيه و سايبنا كدا ؟!"
تحدث «ياسر» موجهًا حديثه لأخيها بتهكمٍ:
رد يا عم خالد !! اشرح و فسر بقى مبنروحش نوادي ليه، علشان تبقى تتكلم كويس"
رد عليها «خالد» مفسرًا:
علشان يا إيمان المكان كله عيال صغيرة و بنات ماسخة كدا و احنا رجالة محترمة، لو روحتوا أصلًا هتتخنقوا"
تدخلت «ريهام» تقول بقلة حيلة:
يا سيدي احنا بنحب الخنقة، بنموت فيها، دا إيه الهم دا"
رد عليها «ياسين» بضجرٍ:
على فكرة بقى مش حلو، و الله مكان رخم، يونس نفسه هيتخنق منه"
تدخلت «خديجة» تقول بتريثٍ:
لأ !! احنا اللي نحدد بقى مش انتم لو سمحتوا، يمكن يعجبنا"
طالعها «ياسين» بغير تصديق فأيدتها «إيمان» بقولها:
معاكي حق يا خديجة، و يا ويلهم لو المكان عجبني"
ركبوا بعدها السيارتين، و لكن «يونس» قرر ترك والديه و ركب مع «ياسين» و «عامر» في سيارة الأول بعدما قرر الذهاب معهم فوافق والده على الفور حتى يستطع التركيز في القيادة
و في سيارة «ياسين» كان «عامر» يداعب الصغير بمرحٍ و هو يغني معه و يقبله بين الحين و الآخر، و الآخر يحتضنه و هو يضحك خاصة حينما سعل «عامر» بقوةٍ، وجده يقبله على وجنته ثم أخذ منديلًا ورقيًا يعطيه له، ابتسم «عامر» له ثم احتضنه بين ذراعيه حتى تحدث «ياسين» بنبرةٍ ضاحكة:
الواد دا حط علينا كلنا في الحنية، عنده الحنية مفرطة، اللهم بارك ما شاء الله"
تدخلت «خديجة» تقول مسرعةً من خلفه:
متربي معاك و مع الشباب و مع ميمي و بيروح ساعات مع عمو رياض و عمو فهمي و عمار بياخده يفسحه و يجيبله حاجات حلوة، كل دا لازم يخليه حنين يا ياسين، دا متحاوط بجيش حنية"
ضحكوا على حديثها و هي أيضًا حينما غمزت للصغير، فوجدته يحاول تقليدها و هو يغمز لها، فشهقت هي بفرحةٍ ثم كررت فعلتها مرةً أخرى، فكرر هو ما فعلته و هو يغمز لها و لكن رغمًا عنه كان يغلق عينيه الاثنتين معًا.
_________________________
تجهز كلًا من «وليد» و «طارق» بزوجاتهما حتى يرحلوا من البيت و يتوجهون لبيت الإسكندرية، و يقضون به أسبوعًا تم تخصيصه لـ "شهر العسل" ركبوا هم الأربعة سيارة «طارق» بعدما ترك «وليد» سيارته لشقيقه بتحرك بها طوال فترة غيابهم.
تحدث «طارق» بمرحٍ بعدما تأكد من ركوبهم:
ها حد فيكم نسي حاجة ؟! افتكروا قبل ما أحرك العربية و نمشي من هنا"
ردت عليه «عبلة» بضجرٍ:
ما خلاص يا طارق بقى متوترناش، قولنا كل حاجة تمام، سوق بقى يلا"
حرك رأسه موافقًا و قبل أن يبدأ بتشغيل السيارة تحدثت «جميلة» مسرعةً:
قولوا ورايا دعاء الركوب، علشان نوصل بالسلامة و خصوصًا إننا مسافرين بليل و المخاطر كتيرة"
رد عليها «وليد» بسخريةٍ:
اتفضلي يا شيخة جميلة، فولي في وشنا كمان خلينا نتقلب على الطريق، ناقص تجيب صبار و تدفنا بيه"
ردت عليه بضجرٍ:
بطل تريقة يا خفيف، و قول ورايا و خلي بالكم أنا مش عاوزة استهتار هناك، نحترم نفسنا نهدا ها نهدا !!"
التفت لها «وليد» يقول بسخريةٍ:
ايوا صح و خلوا بالكم من بعض و لما تيجي موجة امسكوا ايد بعض كويس، احنا رايحين اربعة و عاوزين نرجع أربعة"
ضحكوا عليه جميعًا حتى هي فأضاف هو بضجرٍ:
فيه إيه ياختي ؟؟ فاكرة نفسك مديرة شئون الطلبة و طالعة رحلة لمكتبة اسكندرية ؟! احنا رايحين شهر عسل، يعني أساسًا رايحين نتشاقى و نقل أدبنا"
وضعت «عبلة» كفها على فمها و حاول «طارق» كتم ضحكته، بينما «جميلة» تحدثت بحنقٍ:
أنتَ سافل و الله، بص قدامك و قول ورايا الدعاء، ربنا يسترها و نوصل بخير".
في عيادة الطبيبة النفسية جلست تنتظر أخر مريضة لديها حتى ترحل هي الأخرى من عملها و حينما تأخرت تلك المريضة تأففت بضيقٍ و همت بمغادرة العيادة على الرغم من أنه الموعد المحدد و لم تتخطاه بوقتٍ كثيرٍ إلا أنها رجحت عدم مجيئها و قبل أن تهم بمغادرة المكان، تفاجئت الباب يفتح و تطل منه تلك المريضة و هي تسألها بخجلٍ:
أنا آسفة لو اتأخرت عليكي؟! عدى وقت كتير ؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تبتسم لها ثم قالت باستحسانٍ:
لأ خالص، دا الميعاد المظبوط يا مشيرة !!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم شمس بكري
شربت الخمر و فوقت من سكرته و ذوقت الحب و بتُ مخمورًا
_________________________
كنت طوال حياتي أجمع بين الشيء و نقيده، الشر بي و لكني آثرت الخير في خصالي، الحديث عندي و لكن الصمت كان خير أقوالي، امتلكت القسوة، لكن اللين يغلب على أفعالي، داويت جروح الآخرين و جراحي باتت مُلازمةً لحالي، جبرت المكسورين و خاطري تصدع و كأنني بلا شعورٍ أو لا أبالي؛ و لكن في الحقيقةِ أن الفِكر يأكل في بالي.
دلفت «مشيرة» بأقدامٍ تهتز و كأنها تخشى الاقتراب أكثر من ذلك على الرغم من أنها لم تكن مرتها الأولى في ذلك المكان، و لكن تلك المرة تملُك خوفًا غريبًا من تلك الجلسة، كما أن هناك رهبة غريبة تجتاحها من تلك الجالسة أمامها تنتظر اقترابها أكثر، حتى جلست «مشيرة» أمامها على المقعد المقابل لمكتبها، تفهمت «هناء» حالتها و خوفها، فابتسمت لها و هي تقول بحديثٍ يبثها الطمأنينة:
مالك بس ؟! مش جيتي مرة قبل كدا و اتكلمنا سوا ؟! إيه اللي مخوفك المرة دي؟!"
تنهدت «مشيرة» بخوفٍ لعلها تُهديء من فرط توترها و رجفة كفيها، فتابعت «هناء» الحديث بقولها:
أنا مقدرة و متفهمة شعورك، صعب طبعًا بعد كل حاجة تتقبلي وجودك هنا صح؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت مُسرعةً:
لأ مش كدا و الله، بس أنا يمكن مش قد أي مواجهة ممكن تحصلي هنا"
ردت عليها «هناء» بلهجةٍ حازمة:
مينفعش تفكري كدا، لازم يكون عندك إرادة أكبر من كدا، طالما جيتي هنا يبقى لازم كل شيء يكون صح و أهم حاجة بقى إن ارادتك في التغيير تكون هي الدافع يا مشيرة، ها ؟!"
تنفست «مشيرة» بعمقٍ لعلها تسحب الهواء لرئتيها و بذلك ترتاح قليلًا من عناء تفكيرها، ثم حركت رأسها موافقةً و أضافت بايجازٍ:
تمام.... أنا جاهزة"
حركت الأخرى رأسها موافقةً ثم تحركت من مقعد مكتبها و الأخرى تتبعها، حتى جلست على المقعد الكبير الخاص بجلسات الاسترخاء، في ذلك الحين قد جلست الأخرى على مقعدها المعتاد و هي تقول بنبرةٍ هادئة و وجه مُبتسم:
ها...أنا حابة أسمعك...قوليلي بقى يا مشيرة مين الضحية و مين الجاني؟"
تنهدت الأخرى بقلة حيلة ثم أضافت:
أنا....أنا الاتنين، و على فكرة أنا ضحية برضه و دي حاجة أنا مش هنكرها"
ردت عليها الأخرى ببساطةٍ:
متنكريهاش و مش عاوزاكي تنكريها، بس برضه تقدري تنكري إنك الجاني؟!"
حركت رأسها لها تستفسر منها بنظراتها، فتحدثت الأخرىٰ تتابع بنفس الأسلوب:
بداية التغير هتبدأ لما نعرف إن الجاني كان ضحية بس هو رفض خضوعه للدور دا، أنا معاكي إنك ضحية، بس أنتِ مستحملتيش وضعك كتير و قررتي تنتقمي من حد تاني، و يبقى السؤال المهم ليه يا مشيرة ؟!"
تنهدت «مشيرة» تنهيدة مهتزة و هي تفرك بكفها الأيسر، كفها الأيمن مع قولها الذي شعرت به مثل نصل السكين ينخر في حلقها:
اللي حصل فيا كان كتير و ساعتها محدش حس بيا، ساعتها أنا الوحيدة اللي خسرت و كلهم كسبوا، صحيت من النوم لقيت نفسي خسرت كل حاجة، بيتي و بنتي و جوزي و أي حاجة افتكرت أنها هي اللي هتعوضني، و بعد كل دا اتضربت من محمود و طه، ملقيتش حد يديني فرصة اتكلم، لو كنت فضلت ساكتة وسطهم كان زماني ميتة بالبطيء، كان لازم مشيرة التانية دي تختفي، أنا معاكي كنت غلط و طلعت انتقامي في ناس غلط، بس مكانش فيه قدامي غير كدا"
تحدثت «هناء» بنبرةٍ صوتٍ أقل حزمًا و بين ثناياها اللين و الدعم الذي يحثها على التحدث:
أنا عاوزاكي تكملي، كملي كلام يا مشيرة، قوليلي ليه زينب و خديجة تحديدًا ؟!"
ردت عليها بنبرة صوتٍ باكية:
علشان كنت فاكرة إن زينب هي السبب، و علشان فاطمة طول عمرها مفهماني إن زينب هي اللي عملت كدا علشان تفرق بيني و بين طه، كنت كل ما اتخيل جميلة و هي بتعيط بليل علشان مش في حضني بحس إن فيه حاجة بتخنقني، كل ما افتكر إن قلبي وجعني على فراق بنتي كنت بحس أني عاوزة اوجعها على بنتها، أنا كنت كل يوم بفضل في الشقة لوحدي زي الجثة المرمية و هما مع عيالهم و كل واحد معاه مراته، الزمن مشي بيا و أنا بغلط في حق واحدة مشوفتش منها غير كل خير"
ردت عليها «هناء» بتفهمٍ لحالة الصراع التي تدور بينها و بين ذاتها:
الفكرة في العموم يا مشيرة إن مفيش شر مطلق و مفيش خير مطلق، كل واحد فينا جواه الاتنين بنسب متفاوتة، لو ركزنا على الغريزة اللي بتحركنا هنلاقي إن الدافع هو السبب في تحريك الغريزة دي، يعني مثلًا زي واحد حرامي ظروفه كلها زفت و مش لاقي ياكل، بس لجأ للسرقة و للحل الأسهل في الفعل و أصعب في النتائج، صحيح سرق و نهب و أخد حاجة متخصوش، هو تغاضى عن النتيجة، من غير ما يحسبها، لو سيبنا وقت للتفكير مؤكد حاجات كتير ماكنتش هتحصل"
سألتها الأخرى بنبرة صوتٍ متحشرجة نتيجة البكاء الذي داهمها:
ازاي ؟! هو فيه حد يقدر يغير حتى طريقة تفكيره علشان يتحكم في النتايج؟!"
ردت عليها الأخرى مُقررةٍ بتفسيرٍ:
آه فيه، لو كل واحد فينا قبل أي فعل ياخده فكر في ردود أفعال الناس أكيد الحياة هتختلف، يعني مثلًا أنتِ ساعة تفكيرك في الانتقام عمرك ما فكرتي في مشاعر خديجة و رد فعلها، كل تفكيرك إن زينب تتوجع زيك على بنتها، و إن خديجة تخسر حاجة زي اللي ما بنتك خسرت، كل الأوضاع ساهمت إنك تكوني جاني، رغم إن الجاني الأصلي مش موجود في الصورة"
سألتها «مشيرة» بحيرةٍ:
مين الجاني الحقيقي؟! قصدك حسان ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت بحزمٍ:
لأ....أنا مقدرش أحطه في صورة الجاني لإنه ضحية برضه، و حسان زيه زيك ضحية للعبة اتعملت عليكم، هو غلطته إن متكملش و قال على اللي حصل و هرب ببنته، بس رد فعله مبرر و طبيعي"
سألتها بحرقةٍ:
رد فعله كان طبيعي في أني اتوجع كدا ؟! في أني اتحرم من بيتي و بنتي بالطريقة دي؟! حسان زيي برضه"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت:
لأ مش زيك، حسان خاف يبقى جاني علشان كدا هرب و مشي، لو حطيتي نفسك مكانه هتعرفي إنه اختار الحل اللي يحافظ على بنته خصوصًا إن عمر ٦ سنين دا كانت هتتأثر بكل حاجة حواليها، بس هو مفكرش في نتيجة هروبه و دا يعلمنا إن الهروب مش حل للمشاكل أبدًا"
سألتها «مشيرة» بترقبٍ من القادم:
طب و أنا ؟! كدا المفروض ابقى أيه ؟! هتعامل ازاي في اللي جاي و هعمل إيه؟!"
ابتسمت لها و هي تسألها بهدوء:
أنتِ مقتنعة إنك شخص مؤذي و لا لأ ؟! لسه بتكابري و لا مقتنعة إنك جاني ؟!"
ابتلعت غصة مريرة في حلقها و هي تقول بلهجةٍ أظهرت وجعها:
أنا اقتنعت أني مؤذية علشان واحدة زي خديجة و واحد زي وليد أنا اتسببت في وجعهم، لما خديجة بتتكلم معايا و أشوفها بتضحكلي و كأن مفيش حاجة، بحس إني مليش عين ابصلها، خديجة بتحارب علشان تتعامل معايا، بس بحس إن جواها خديجة الصغيرة، خديجة اللي كانت علطول في أيد جميلة و معايا هما الاتنين، و واحد زي وليد عمل كتير علشاني و علشان بنتي"
حركت رأسها موافقةً ثم اضافت باستحسانٍ:
طالما بدأتي تقتنعي إنك جاني يبقى كدا حلو أوي و نقطة كويسة تخلينا نبدأ خطوات التغيير مع بعض ليكي و لكل اللي حواليكي"
حركت رأسها موافقةً ثم عاد الحديث يدور بينهما من جديد حتى خرجت «مشيرة» من العيادة و اقتربت من ذلك الجالس على المقعد ينتظرها في الخارج و هي تبتسم له بتوترٍ، بينما هو هب من جلسته يسألها بهدوء:
أنتِ كويسة ؟! و لا فيه حاجة تعباكي ؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تبتسم له بسمةٍ هادئة، فحرك رأسه موافقًا ثم أشار لها حتى تتقدمه نحو الخارج و هو يتبعها.
_________________________
وصل الشباب لوجهتهم المحددة و كلًا منهم يفكر في القادم، و لكن بمجرد توقف السيارتين أمام البوابة المنشودة، حتى قام «ياسين» بسحب «عامر» من ثيابه حتى مال عليه الأخر بتعجبٍ فوجد الأخر يسأله هامسًا بحنقٍ:
هو إيه اللي حصل ؟! النادي شكله نضف كدا ليه ؟! هي ناقصة نكد يعني ؟!"
رد عليه «عامر» بتيهٍ:
مش عارف حصل إيه، بس على ما أظن كدا إننا هنتروق و هيتنكد علينا كلنا"
تحدثت «سارة» من الخلف تسألهما بتشككٍ:
بتتوشوشوا في إيه؟! فيه حاجة؟!"
رد عليها «عامر» مفسرًا بتوترٍ:
ها؟!.... لأ دا بيأكد عليا معملش شقاوة علشان محدش يكلمنا جوة"
طالعته بغير تصديق من خلال حاجبيها المرفوعين بينما هو حرك رأسه مؤكدًا حديثه بملامح وجه ساخرة، و في السيارة المجاورة اشرأبت «إيمان» برأسها حتى مالت للأمام قليلًا ترى الوضع حولها، ثم عادت لوضعها من جديد تسأل بتهكمٍ:
هو دا المكان المقرف ؟! يا حلو أنتَ و هو ؟! ما ترد يا ياسوري؟! هو دا المكان اللي مش عاجبكم؟! لما دا شكل البوابة أومال من جوة عامل ازاي؟!"
رد عليها «خالد» بسخريةٍ و تهكمٍ:
من برة هالله هالله و من جوة يعلم الله ياختي، على فكرة دي شكليات، متحملناش نقعد ساعة على بعضها"
أيده «ياسر» بقوله:
بالظبط، يا ستي يا رب يعجبكم هو احنا نكره يعني؟!"
ردت عليه بنبرةٍ جامدة:
هنشوف علشان اللي جاي كله هتيغير، و ربنا يعينكم من اللي جاي"
نظر كليهما لبعضهما بخوفٍ من القادم و خاصة من «إيمان» تحديدًا.
نزلوا تباعًا من السيارات خلف بعضهم حتى وقفوا معًا أمام بوابة النادي بعدما أوقفوا السيارتين في الجراج الخارجي، اقترب «خالد» أولًا من فرد الأمن و هو يقدم له البطاقة التعريفية الخاصة بعمله ظنًا منه أن الدخول يحتاج لبعض الإجراءات الروتينية أو بعض الرسوم المالية، لكنه تفاجأ بالعامل يرد عليه مُرحبًا:
اتفضل يا فندم، الدخول مجانًا للعاملين بالقطاع الخاص في شركات الفاروق، اتفضل يا فندم"
رد عليه «خالد» بسخريةٍ:
الله يسترك...لازم تعلي صوتك كدا يا ؟.... اسمك إيه؟!"
رد عليه بوجهٍ بشوش:
عبد الفتاح... محسوبك عبد الفتاح"
سأله من جديد:
لازم تفضحنا كدا يا عبد الفتاح؟! متشكر يا سيدي"
رفع كفه يضعه على صدره يرحب به، و البقية في الخلف اختلفت تعابيرهم من بين متوعدًا و من بين محاولًا كتم ضحكته و من بين مذهولًا، حتى أخرج الثلاثة البطاقات الخاصة بعملهم و كانت نفس النتيجة السابقة؛ الترحيب الحار مع نفس الخبر المجاني، دلفوا سويًا عبر البوابة للداخل، حتى تحدثت «إيمان» بتوعدٍ:
و كمان الدخول مجاني ؟! صبركم عليا و الله العظيم لأعمل حزب نسائي عليكم و أخليكم هنا زي عبد الفتاح دا"
ضحكوا عليها جميعًا فتحدثت «ريهام» تقول بضيقٍ مصطنع:
لأ و أنا من هبلي كنت فاكرة إننا لما نروح نجيب حاجة الشقة مع بعض كدا دي خروجة، أنا حزينة على عمري اللي ضاع"
تدخلت «سارة» تقول بتهكمٍ:
لأ و ينزلوا و بيخرجوا و يقعدوا سوا و احنا هبل، سايبين مكان زي دا و أخرتها يجمعونا في بيت واحدة مننا"
سأل «ياسين» زوجته بسخريةٍ:
و الأستاذة مش عاوزة تقول حاجة هي كمان ؟! ها اشجيني"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
بصراحة المكان بالنسبة ليا مش بيفرق، المهم الناس اللي معايا، عادي يعني مش فارقة"
رفع كفيه للسماء و هو يقول بفخرٍ و فرحةٍ كُبرى:
روحي ربنا يجبر بخاطرك و ينصرك على من يعاديكي، قلبي راضي عنك لأخر يوم في عمري"
ضحك عليه الشباب بيأسٍ، بينما «إيمان» تحدثت تسألها بنبرةٍ بها توعدٍ:
بتقولي إيه يا كتكوتة ؟؟ سمعيني كدا كلامك تاني...قولي ها بقى ؟!"
ابتلعت ريقها ثم حركت رأسها تنظر لزوجها و هي تقول بجمودٍ زائفٍ:
بس دا ميمنعش أني مش هسكت على إنك مخبي عليا مكان زي دا، و هنضم ليهم، علشان تخبي كويس يا ياسين"
تلاشت بسمته و هو يقول:
روحي الله يكسفك يا شيخة، مفيش ثبات على المبدأ خالص ؟!"
رد عليه «عامر» بسخريةٍ:
يا جدع اتلهي، مش لما يبقى عندنا إحنا ثبات، خلاص يا جماعة وعد مني كل جمعة هنيجي نقعد هنا"
ظهرت تعابير الفرحة على أوجه الفتيات، فأضاف «خالد» مُفسرًا:
الجمعة السنوية، هتبقى جمعة كل سنة زي طلعة الميت كدا"
تدخل «ياسر» يقول ساخرًا:
حلو دا، المرة الجاية نيجي بالقرص و الفاكهة"
ضحكوا عليه جميعًا حتى هو ابتسم بيأسٍ، ثم توجهوا نحو الطاولات البلاستيكية يجلسون عليها بعدما ضموا الطاولتين بجانب بعضهما، ثم ارتصوا حولها و كلًا منهم بجواره زوجته، حتى تحدث «ياسين» بسخريةٍ:
ما شاء الله الصرف باين، دول عملوا ملاهي كمان، شكلنا زفت أوي و الله"
تحدثت «خديجة» تسأله بوجهٍ بشوش و نبرةٍ صوتٍ على وشك الضحك:
طب و هو أنتم إيه اللي خلاكم تقولوا إنه وحش من الأول ؟؟ حكمتوا كدا بناءًا على إيه ؟!'
رد عليها «ياسين» يجاوبها مُفسرًا:
علشان جينا مرة هنا من ٣ سنين كدا و كان زي الصحرا، و من ساعتها الانطباع الأول هو اللي فضل موجود، كنت بسمع من زمايلي ساعات أنه بقى حاجة تانية بس ماكنتش بركز"
حركت رأسها موافقةً، فتحدثت «إيمان» بنبرة صوتٍ مرحة:
طب إيه الأنشطة اللي ممكن نعملها هنا علشان نفرح ؟! هنفضل قاعدين كدا؟؟"
ردت عليها «ريهام» مفسرةً:
نرتاح شوية بس و نقوم نركب يونس المراجيح سوا قبل ما ينام"
ردت عليها «إيمان» تعدل على حديثها:
سوا !! نركب المراجيح أنا و يونس سوا، مش هيركب من غير عمته طبعًا"
اقترب منهم العامل يسألهم بطريقةٍ مُهذبة:
تشربوا إيه يا فندم؟؟"
رد عليه «عامر» بمرحٍ:
فراخ مشوية"
_"نعم يا فندم ؟!"
خرجت من العامل باستنكارٍ و البقية يحاولون كتم ضحكتهم، بينما هو تحدث بنفس المرح:
يا عم بهزر معاك خليك فرفوش كدا"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول:
تمام يا فندم مفيش مشاكل، تؤمروا بإيه"
تحدث «عامر» بحيرةٍ:
مش عارف بصراحة لسه مقررناش، هناخد لفة و نرجعلك"
مال «ياسين» على أذنه يهمس بضجرٍ:
مش دا يا جاموسة، مش دا"
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث ببلاهةٍ من جديد:
طب خلاص مفيش مشاكل، فاتحين لحد الساعة كام؟!"
تدخل «خالد» يتحدث بجديته المعهودة:
خمس دقايق يا فندم و تعالى نكون قررنا، زي ما أنتَ شايف كدا معانا أطفال"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بنفس الطريقة المهذبة:
تمام يا فندم مفيش مشاكل، المنيو مع حضرتك اهوه، عن أذن حضرتك"
رحل من أمامهم، فاندفع «خالد» يمسك «عامر» من ثيابه و هو يقول بضجرٍ منه:
فاكر نفسك في العتبة يالا؟! هنلف لفة و نرجعلك ؟! ليه بناطيل هي يا عين أمك ؟!"
رد عليه بتبجحٍ كعادته:
مش أحسن ما نفضل ندور في المنيو زي الهُبل، كنت بنجدكم"
فصل بينهما «ياسر» و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص يعني إيه الجديد، دا عامر يا خالد، المهم شوفوا هتطلبوا إيه قبل ما الراجل ييجي تاني"
تركه «خالد» على مضضٍ ثم زفر بعدها بقوةٍ، فتحدث «عامر» بهدوء و رزانةٍ:
أنا عاوز أيس كريم"
رد عليه «ياسر» مسرعًا يرفض طلبه:
بس يالا بطل هبل، أيس كريم إيه و أنتَ ميت كدا؟! مفيش الهبل دا شوف حاجة تانية"
تدخل «ياسين» يقول بهدوء:
هاتله عصير برتقان و لا جوافة أي حاجة علشان العلاج اللي هو بياخده دا"
رد عليه «عامر» مُسرعًا بتهكمٍ:
هو أنا عندي الصفرا ؟! بطلوا هزار يا جدعان و هاتولي أيس كريم"
أشهر «خالد» سبابته في وجهه و هو يقول مُحذرًا بنبرةٍ جامدة:
عامر !! لم نفسك أنا دماغي مش فيا، هتشرب العصير أهلًا و سهلًا، مش هتشرب يبقى مفيش حاجة هتتشرب و كلمة كمان منك، العصير هيبقى حِلبة"
رد عليه بضجرٍ و هو على مشارف الانفعال:
حِلبة إيه يا عم هو أنا والد ؟؟ ما تجيب مُغات بالمرة، ما تردوا يا جدعان، أنتِ يا ست سارة، مش جوزك أنا ؟!"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
إخواتك كلامهم صح يا عامر، و أي حاجة هتضرك بلاش منها، بطل استهتار في صحتك"
نفخ وجنتيه بمللٍ ثم تحدث بمضضٍ و كأنه مُرغمًا على ذلك:
خلاص خلاص....خلوها جوافة بس من غير لبن"
ابتسم «ياسر» بتشفٍ و هو يقول:
كدا تعجبني، شاطر يا عامر، لما تخف هجبلك أيس كريم وعد مني"
رمقه «عامر» بغيظٍ و هو يقلد طريقته في الحديث، ثم لوح له بكفه و إبان ذلك استعلم «ياسين» منهم جميعًا عن مرادهم حتى يُدلي بتلك الطلبات للعامل و يجلبها لهم"
_________________________
و على أحد الطرق الجديدة كان «حسن» يسير بسيارته بوجهةٍ مُحددة، و زوجته بجانبه تطالعه بتعجبٍ من طيلة صمته، حتى نفذ صبرها و تخلت عن صمتها و هي تقول بضجرٍ:
لأ ما هو أنا مش هقدر أسكت أكتر من كدا يا حسن ؟! احنا رايحين فين؟! و إيه الشنطة اللي ورايا دي؟! جيبتها منين؟! فهمني"
تنفس هو بعمقٍ ثم تحدث يرضي فضولها:
هنسافر يا هدير، بدل ما نفضل طول الأجازة في وش بعضنا كدا، هنتفسح و نعمل شهر عسل حلو، اعتبري نفسك عروسة"
رمشت بأهدابها عدة مراتٍ تجبر عقلها على استيعاب كلماته، بينما هو ابتسم ثم تحدث بنبرةٍ ضاحكة:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مالك يا ستي ؟! هو أنا كهربتك و لا إيه؟!"
ردت عليه هي ببلاهةٍ:
حسن هو أنتَ مجنون ؟! عندك خلل يعني و لا إيه بالظبط علشان أكون فاهمة؟!"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
ليه يعني؟! علشان رايحين شهر عسل؟!"
ردت عليه هي مُسرعةً:
لأ علشان كل مرة تفاجئني كدا و تحسسني كأني هطلة، طب عرفني علشان اعمل حسابي أو اجهز نفسي، أنتَ محسسني إننا بنهرب من حاجة"
حرك رأسه يطالعها لعدة ثوانٍ بعمقٍ و هي تطالعه بسهام عينيها بقوةٍ حتى تحدث هو أخيرًا يقول بصوتٍ جامدٍ:
لا بنهرب و لا حاجة يا هدير، كل الحكاية إن الشركة هتقفل كام يوم لحد ما طارق و وليد يرجعوا من شهر العسل، و وئام بيجهز حاجته خلاص علشان هيروح شقته بعدما يرجعوا، و أحمد هيريح الفترة دي و يشوف طلبات العيلة، أنا قولت بقى نستغل الفترة دي إننا نروح شهر عسل و أخرجك و أفسحك لو متضايقة ممكن نرجع تاني"
تحدثت هي بلهفةٍ:
مش زعلانة يا حسن أكيد، بس مستغربة، معملتش حسابي و مفيش اي حاجة معايا، و ياترى المكان اللي هنروحه دا فين؟!"
تنفس هو بعمقٍ ثم تحدث أخيرًا بثباتٍ بعدما أجبر شفتيه على التبسم:
هنروح بيتي، أنا عندي الشاليه بتاعي في الساحل الشمالي، اتطمنتي كدا؟!"
حركت رأسها نحوه بغير تصديق و هي تسأله بدهشةٍ:
عندك شاليه ؟! و أنا معرفش ؟! بتاعك بجد و لا بتتريق؟!"
رد عليها ببساطةٍ:
دي فيها تريقة يا هدير ؟! أومال لما بتيجوا المصيف في اسكندرية، الشباب بيروحوا فين؟! مش هما بيسيبوكوا برضه؟!"
حركت رأسها موافقةً فتابع هو مفسرًا:
أنا و هما بقى بنتجمع في الشاليه بتاعي، و انتم بتفضلوا في بيت اسكندرية"
ابتسمت هي بسخريةٍ:
ما شاء الله على الندالة !! طول عمرهم مفهمينا انهم بيضحوا براحتهم علشان نكون إحنا على راحتنا، اتاريهم خاربينها عندك"
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة ثم أضاف مُحذرًا:
معلش بقى خليها عليكي، المهم محدش يعرف حاجة من بقية العيلة، هما بيكونوا فاكرينهم في القاهرة"
ردت عليه هي بثقةٍ:
عيب عليك !! سرك في بير"
_"الله يطمن قلبك"
_"مخروم"
خرجت منها بثباتٍ جعله يطالعها لعدة ثوانٍ ثم أوشك على الإمساك برأسها غيظًا منها، فوجدها هي تقترب منه ثم وضعت رأسها على كتفه و هي تقول بسخريةٍ:
و على إيه تتعب نفسك، الراس و صاحبة الراس كلها تحت أمرك، و سرك في بير متخافش"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقًا، و حينها صدح صوت هاتفه عاليًا بنفس الرقم الذي أرق ليله، فرفعت هي رأسها من على كتفه حتى يستطع هو الرد على الهاتف، لكنها تفاجأت به يكتم الصوت تمامًا، عقدت ما بين حاجبيها تستنكر فعلته و هي تقول:
ليه يا حسن؟! ما ترد يمكن رقم مهم أو حد تبع الشغل"
حرك رأسه نفيًا ثم اضاف:
لأ، دا رقم حنان أختي، عمالة تتصل بقالها كام يوم"
سألته هي بتعجبٍ:
طب ما ترد عليها، مش عاوز ترد على أختك ليه؟!"
زفر بقوةٍ ثم تحدث بنبرة صوتٍ مهتزة:
هدير أنا مخنوق و مش عاوز حاجة تزيد خنقتي، ينفع نقفل على الموضوع دا؟!"
حركت جسدها بالكامل على المقعد حتى أصبحت مقابلة له و هي تقول بنبرةٍ اقرب للانفعال:
أنا من حقي أفهم يا حسن كل حاجة، طالما بقيت مراتك، يعني إيه لحد دلوقتي أختك متعرفش اننا متجوزين؟! و ليه مش عاوز ترد عليها؟! ليه الغموض دا كله"
ضرب المقود بيده و هو يقول منفعلًا في وجهها:
خلاص يا هدير !! متزوديش وجعي بقى، عاوزاني أرد عليها ؟! حاضر، بس عاوزاني أرد على واحدة بتفضل طول السنة مش معبراني و مش سائلة فيا و تيجي في اسبوع تفضل تزن عليا اتجوز علشان مفضلش لوحدي؟! عاوزاني أرد عليها أقولها أنا اتجوزت علشان تقلب دماغي و تعملي تحقيق؟!"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بعد حديثه و انفعاله بتلك الطريقة فلم تتخيل هي أن وجعه صعب بتلك الطريقة، فتابع هو بصوتٍ منكسر:
أنا مش عاوز أكون مثير للشقفة، مش عاوز العيون كلها تفضل تبصلي أني الواد اليتيم اللي اتربى لوحده و يعيني حاله يصعب على الكافر، أنا ما صدقت ارتاح في دنيتي شوية بقى"
مسحت دموعها اللتي نزلت رغمًا عنها بعد حديثه بتلك الكلمات التي عبرت عن تصدع روحه و كسر قلبه، بينما هو رفع كفه يمسح دموعه، ثم تنفس بعمقٍ، في تلك اللحظة، سألته هي بنبرةٍ باكية:
حسن أنا ليه حاسة إن وجعك أكبر من كدا ؟! ليه المشكلة أكبر من اختك مش بتسأل عنك؟! الموضوع أكبر من كدا"
تنهد هو بعمقٍ ثم تحدث بنبرةٍ صوتٍ متحشرجة:
عارفة ليه؟! علشان لما الدنيا حطتني قصاد حياتها في كفتين، اختارت كفة حياتها، كل مرة اتسابت فيها كانت الأجابة غامضة، مرة من أبويا لما مات و أنا عيل صغير، و من أمي لما سابتني و أنا مليش غيرها و من حنان لما حست اني عبء عليها، و من ريم اللي قررت تختار نفسها و مشاعرها على حسابي، كل دول أنتِ بقيتي قصادهم في كفة لوحدك، و لو حسبناها صح فأنتِ بالعالم كله عندي، مش عاوز حاجة تخليكي تحسي إنك متضايقة"
وضعت رأسها على كتفه مرةً أخرى بينما هو رفع كفه الحر ثم ربت على رأسها بخوفٍ و لا يدري ماذا يفعل في تلك المعضلة، كيف يجرؤ على التحدث أمامها، بأن شقيقته دائمًا تحذره من أبناء الرشيد و من «وئام» و «وليد» خاصةً، بالطبع ستثور ثائرتها و تقوم بهدم كل شيءٍ فوق رأسه.
يعلم أنه يسير بالطريق الخطأ في صمته، مثل من دلف المحطة مُتأخرًا عن موعد رحلته و حينما فاته القطار، اضطر لركوب أخرٍ دون أن يعلم وجهته، تلك هي حياته، اختار الصمت بدلًا من البوح دون أن يدرك نتيجة ذلك الصمت.
_________________________
جلست «مشيرة» في أحد الكافيهات العامة مع زوجها، و هي تنظر حولها بتوترٍ حتى اقترب منهما النادل يضع العصير على الطاولة الزجاجية ثم رحل من أمامهما، حتى تحدث «حسان» بنبرةٍ هادئة:
اشربي يا مشيرة العصير، مش بتحبيه؟؟"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت مسرعةً:
لأ بحبه، أنتَ لسه فاكر أني بحب الفراولة ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
طبعًا، أنا عمري ما هنسى لما طلبتيها مني و أنتِ حامل و ساعتها قلبنا الدنيا عليها لحد ما جبناها علشان متطلعش لجميلة"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
أيوا افتكرت، الوحيد اللي طلعلي في العيلة وليد، نقطة ضعفه عصير الفرالة، و خلود برضه"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فوجدها تقول بعدما تنهدت بعمقٍ:
وحشوني أوي، وليد و جميلة و عبلة الهبلة دي و طارق كمان، و لسه فاضل كتير لحد ما يرجعوا"
رد عليها هو بقلة حيلة:
حرام عليكي هما مشافوش شوية برضه، خليهم يتهنوا شوية في حياتهم، ربنا يديم ستره عليهم و يبارك في فرحتهم يا رب"
ابتسمت بغلبٍ و هي تقول:
لو عليا عاوزاهم يفضلوا مبسوطين قبل ما السجادة تتسحب من تحت رجليهم، هما من حقهم يعيشوا مبسوطين، غيرهم اتغر و اتخدع فيها و النتيجة اهوه، نازلة من عند دكتورة نفسية"
رد عليها هو بنبرة صوتٍ حازمة:
مشيرة أنا ساعدتك في الخطوة دي علشان أنا غلطان و غلطتي كبيرة و أنا مقتنع بغلطي، و لولا إرادتك إنك تيجي هنا بمزاجك، عمري ما كنت هجبرك على حاجة زي دي"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت بصوتها الواهن:
أنا جيت علشان أعرف أنام، جيت علشان أخلص من الذنب اللي بيلف حوالين رقبتي، عاوزة ارتاح، و عاوزاهم يطمنوا ليا، عاوزة لما أحضن خديجة أو وليد أو هدير أبطل أحس بالخوف و وجع الضمير، أنا عارفة إن اللي زيي ميستاهلش إنه حتى يتحب، بس أنا بحارب اهوه و بدفع نتيجة تهوري"
ابتسم هو لها و هو يقول:
أنا قولتلك أنا معاكي في أي حاجة، و أظن كل حاجة أهيه بدأت تتصلح، و لسه لما يعرفوا إنك بتيجي عند الدكتورة كل دا هيخليهم يعرفوا إنك بتحاربي علشانك، رغم إنك عملتي كتير أوي يثبت إنك بتحاربي، أنتِ ضحيتي بنفسك علشان تنقذي ياسين و وليد، و خدتي حق خديجة من منة، و جيتي هنا علشانهم برضه، ربنا يكرمك و يوفقك يا مشيرة في كل حاجة بتعمليها"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له، فحرك رأسه يشير نحو الكوب و هو يقول مُبتسمًا:
اشربي العصير يا مشيرة خلينا نروح، أنتِ بتنامي باين"
أخذت هي الكوب ترتشف منه و هو يطالعها مُبتسمًا ثم أخذ الكوب الخاص به.
_________________________
في النادي تفرفوا جميعًا، حيث ذهبت الفتيات مع «ريهام» و «يونس» و ذهب الرجال نحو ملعب كورة القدم يلعبون مع بعض الشباب، منهم زملائهم بالعمل جمعتهم صدفةً بحتة، استمرت الجلسة بينهم في جوٍ يملئه الحماس، حتى وقعت عيني «إيمان» على فتاةٍ ما تراقب الشباب بعدما توقفوا عن اللعب و خاصةً زوجها، تركت الفتيات ثم اقتربت من الشباب تقف على مقربةٍ منهم و عينيها لا تفارق تلك الفتاة حتى وجدتها تصطدم بـ «ياسر» حينما عاد للخلف بظهره و كأنها لا تتعمد فعل ذلك، رفعت حاجبها و ضمت ذراعيها أمام صدرها تراقب الآتي حتى وجدته يلتفت لتلك الفتاة و هو يقول مُعتذرًا:
حصل خير أكيد مكانش قصدي أنا آسف"
ردت عليه هي بطريقةٍ زائفة:
حصل خير و لا يهمك، هو حضرتك عضو معانا هنا ؟!"
حرك رأسه باستنكارٍ و قبل أن تتحدث هي من جديد، تفاجأت بكتفٍ يصدمها من الخلف عن عمدٍ، التفت الفتاة خلفها و قبل أن ترفع صوتها تحدث «ياسر» بتعجبٍ من تواجدها في ملعب الرجال:
بتعملي إيه هنا يا إيمان؟! و سيبتي البنات ليه؟!"
ضمت ذراعيها أمام صدرها و هي تقول بتهكمٍ:
جاية اتطمن عليك يا ياسوري، و لا هو دا حمام رجالي ؟! أومال السكر دي بتعمل إيه هنا ؟!"
ردت عليها الفتاة بتقززٍ من طريقتها:
أنتِ بتتكلمي كدا ليه؟! اتكلمي كويس لو سمحتي، إيه الأسلوب دا"
تحدث «ياسر» بنبرة صوتٍ جامدة:
اومال تكلمك ازاي ؟؟ هي بتتكلم كويس أهيه"
ردت عليه الفتاة مردفةٍ:
تتكلم بأدب، أي اتيكيت في الموضوع ؟؟ دا اسلوب بيئة"
تحدثت «إيمان» بسخريةٍ:
و الله ؟! يعني إيه أكلمك باتيكيت ؟! اكلمك بالشوكة و السكينة مثلًا ؟! و ألبس الكلام ببيونة ؟!"
حاول «ياسر» كتم ضحكته و في تلك اللحظة اقترب الثلاثة شباب حتى تحدث «خالد» مستفرًا:
فيه إيه يا ياسر ؟؟ و إيمان بتعمل هنا إيه؟! إيه اللي جابك"
ردت عليه بثقةٍ:
كنت ندراها يوم ما اشوف جوزي و هو بيلعب كورة أجي أشجعه و قصاد كل جول أزغرطله، أصل أنا بيئة"
قبل أن تتحدث الفتاة تعرف عليها «ياسين» فتحدث بذهولٍ:
آنسة سوزي ؟؟ بتعملي إيه هنا؟!"
اقترب «عامر» من «خالد» يهمس له بخوفٍ:
الحقنا لا تكون واحدة من اللي راح يخطبهم قبل كدا مش ناقصين مصايب احنا"
تحدثت الفتاة بنفس الدهشة و هي تقول:
بشمهندس ياسين !! هو حضرتك بقيت بتيجي النادي؟!"
استمعت «خديجة» لذلك الحديث و معها الفتاتين الآخرتين، فتحدث «ياسين» بهدوء:
دي أول مرة و ماظنش هتتكرر تاني، واضح أن فيه سوء تفاهم"
تحدثت «إيمان» بضجرٍ:
و لا سوء تفاهم و لا نيلة، هي اللي خبطت في جوزي، و عمالة تتدلع من الصبح و أنا ساكتة"
تحدثت الفتاة بتعجبٍ:
جوزك !! هو الأستاذ دا جوزك ؟!"
ابتسمت لها و هي تحرك رأسها موافقةً فاقتربت «خديجة» تسأل بضيقٍ:
فيه إيه اللي بيحصل هنا ؟؟ من الآنسة دي"
رد عليها «ياسين» باحراجٍ:
دي الآنسة سوزي يا خديجة، سكرتيرة عندنا في الشركة، اقدملك خديجة مراتي"
طالعتها الفتاة بتعالٍ و هي تقول:
آهلًا و سهلًا، اتشرفت بمعرفتك"
ابتسمت لها الأخرى باقتضابٍ و هي تقول:
الشرف ليا أنا يا آنسة، هو فيه حاجة؟!"
اقتربت صديقة الفتاة و هي تقول متعجلةً لها:
خلصي يا سوزي دا كله واقفة عندك؟؟ مين دول مش تعرفينا على القمامير؟!"
ردت عليها الفتاة تقوم بمهمة التعريف:
دا البشمهندس ياسين الشيخ، مهندس معماري في الشركة عندنا، و دول الأساتذة اصدقائه، و الآنسات معرفهمش بصراحة"
تدخلت «سارة» تقول بتهكمٍ:
لآ آنسات إيه يا حبيبتي كلك نظر، مدامات، عقبالك كدا يا رب، شكلك لسه آنسة، مش آنسة برضه؟!"
حركت رأسها موافقةً بنظرةٍ أثارت استفزاز «إيمان» حتى تحدثت بضجرٍ:
بصي عِدل يا حبيبتي، يا تبصي على قدك، مالك يا عسل ؟!"
ردت عليها الفتاة بتأفأفٍ:
أنتِ سخيفة أوي بجد، مش فاهمة متجوزك على إيه, ازاي أصلًا أنتِ مراته"
قبل أن أيًا من الواقفين الوضع هجمت «إيمان» على الفتاة تمسكها من خصلات شعرها و هي تتوعد لها حتى اقترب منها «ياسر» و «خالد» و الفتيات يحاولن أبعادها عن الفتاة حتى صرخت هي في وجههم:
سيبوني أعرفها متجوزني ليه، سيبوني علشان لما تروح للي خلقها تعرف الإجابة"
صرخ في وجهها شقيقها ينهرها عن فعلها حتى صمتت أخيرًا، فتحدث هو معتذرًا للفتاة:
أنا متأسف ليكي يا آنسة، هى عصبية شوية، عن أذنكم...ورايا كلكم"
تحدث بنبرةٍ جامدة موجهًا حديثه لهم حتى تبعوه نحو الخارج، ثم جلسوا على المقاعد مرةً أخرى، فسألتها «ريهام» بحيرةٍ:
أنتِ إيه اللي خلاكي تسيبينا؟؟ ما كنتي قاعدة جنبنا، و بعدين حصل إيه لكل دا؟!"
ردت عليها «إيمان» بضجرٍ و هي تستشيط غضبًا:
الهانم واقفة هتاكلهم بعنيها، و الأول كانت واقفة عمالة تراقب في ياسين، بعدها نقلت على ياسر، و لحد ما خبطت فيه مستحملتش بقى"
رد عليها شقيقها بحنقٍ منها:
قولتلك امسكي اعصابك شوية، بطلي تنفعلي على كل حاجة كدا، امسكي نفسك شوية، و بعدين يمكن صدفة"
صرخت في وجهه بقولها:
متعصبنيش !! البت عينها هي و اللي معاها مش مفارقة واحد فيكم، إيه قلة الأدب دي، إيه النادي الزفت دا ؟!"
تحدث «عامر» بلامبالاةٍ و سخريةٍ:
أكيد لبسهم هو السبب، أستاذ ياسر لابسلي جاكيت جينز و بنطلون بيج، و الأستاذ ياسين لابسلي سويت شيرت أسود و بنطلون زيتي، و أستاذ خالد لابس جاكيت اسود جلد و أنا لابس قميص كروهات، أكيد أغرينا البنات"
ضحكوا عليه بيأسٍ فتحدث «ياسين» مردفًا:
الناس دي مش شبهنا و مش زينا، هما عندهم مفيش حدود و كل حاجة متاحة، يمكن علشان كدا أنا مش مقبول وسطهم هناك"
سألته «خديجة» بنبرةٍ مستنكرة:
ازاي يعني ؟؟"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يجاوبها بقوله:
علشان عندي حدود، هما هناك هزار و ضحك و خروجات، بالنسبة ليهم اللي بيعمل الصح كدا يبقى غريب، و أنا راضي أكون وسطهم غريب"
حركت رأسها بتفهمٍ فوجدت «يونس» على مشارف البكاء و هو يتوسل لوالدته بشيءٍ لم يدركه سواها، حتى سألتها «إيمان» بضجرٍ:
بيعيط ليه ابن الزنان دا ؟! عاوز إيه تاني ؟!"
ردت عليها بقلة حيلة:
عاوزني انا و أبوه نروح نركبه المراجيح سوا، مش أنا لوحدي و مش خالد لوحده"
تحدث «عامر» بمرحٍ:
الواد دا بيفهم، خد ابنك يا خالد و متزعلوش، يلا قوم متزعلش يونس حبيبي"
زفر «خالد» مُستسلمًا ثم وقف و هو يقول بقلة حيلة:
يلا يا يونس تعالى معايا علشان تركب المرجيحة، يلا يا ريهام قومي"
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت خلفه بعدما أمسك هو بيد صغيره الذي أخذ يقفز على الأرض بفرحٍ و هو يسير بجانب والده، فتحدث «عامر» بتأثرٍ:
الحقوني !! أنا عاوز أجرب الاحساس دا، يلهوي يلهوي"
سأله «ياسر» بنبرةٍ ضاحكة:
مالك يا أهبل أنتَ ؟؟ عاوز تجرب إيه مش فاهم؟!"
رد عليه مفسرًا:
اجرب إحساس أني يكون عندي ابن كدا و أخده و نركب المراجيح سوا، إيه المشاعر دي؟!"
تحدث «ياسين» مفسرًا:
دي غريزة الأبوة، بتتحرك تلقائيًا لما تشوف قدامك المشاعر دي ملموسة، زي الأمومة كدا، و بعدين يونس مغري لأي حد إنه يكون أب"
أيدوا حديثه بموافقةٍ مع إبتسامة هادئة رسمت على وجوههم، و زادت أكثر حينما وقع بصرهم على «يونس» و ضحكاته الرنانة مع والديه.
_________________________
توقفت سيارة «طارق» في منتصف الطريق في أحد الاستراحات العامة على الطريق حتى تدلف الفتيات للمرحاض، بينما ظل «وليد» بمفرده في السيارة ينتظرهم حتى أخذه تفكيره إليها، فابتسم تلقائيًا ثم أخرج هاتفه من جيب سترته و هو يبتسم بخفةٍ حتى اتسعت بسمته أكثر حينما فتح صورته معها، لم يستطع التحكم في نفسه أكثر من ذلك حتى طلب رقمها و الشوق في عينيه يتضح بقوةٍ، وصله الرد منها بسرعةٍ كبرى و هي تقول بلهفةٍ:
وليد !! عامل إيه وصلت ولا لسه ؟!"
رد عليها هو بهدوء:
أنا كويس يا حبيبتي متخافيش، لسه في الطريق عند الاستراحة التانية، بس هما دخلوا الحمام و أنا فضلت في العربية و قولت اكلمك لحد ما يخرجوا"
سألته بضيقٍ مصطنع حتى تشاكسه:
يا سلام !! يعني حضرتك مكلمني كدا شفقة، لو هما موجودين هتنسي أنا بقى ؟!"
سألها هو بمعاتبةٍ:
هو أنتِ عمرك تتنسي برضه؟! كل الحكاية أني كنت بقلب في صورنا سوا و مقدرتش أقاوم رغبتي في أني أسمع صوتك، أنتِ كويسة؟!"
ردت عليه هي بتأثرٍ:
أنا عارفة بس بهزر معاك، متقلقش عليا....كويسة طول ما أنتَ كويس، و أظن كدا إنك كويس و فرحان"
ابتسم هو بحنين ثم تحدث يجاوبها مؤكدًا حديثها:
مبسوط أوي و الله و بجد مش مجرد كلام، مبسوط بكل حاجة في حياتي، لو مبقيتش مبسوط بكل اللي عندي يبقى أنا جاحد على النعم يا خديجة، كفاية وجودك معايا لوحده، في حد ذاته دا نعمة كبيرة"
لمعت العبرات في عينيها و اختنق صوتها و هي ترد عليه:
خلاص بقى متخلنيش أعيط، افرح و اتبسط كدا و عيش حياتك، الأسبوع دا مبيتكررش تاني، اللي بيجي بعده الله الأعلم بيه"
ظهرت ضحكة طفيفة على وجهه ثم قال ساخرًا:
حاضر يا خديجة، خلي بالك من نفسك و سلميلي على ياسين و على اللي معاكي، عاوزة حاجة مني أو من إسكندرية ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ عارف أنا عاوزة إيه متستهبلش، لو نسيت هزعلك"
رد عليها هو مُسرعًا:
مقدرش أنسى حاجة تخصك، وعد مني هجيبلك اللي نفسك فيه، أنا عامل حسابي أجيب للكل بس أنتِ هتوصى شويتين بيكي"
ظهرت السعادة الغامرة على مُحياها بعد حديثه، ثم أغلقت الهاتف معه و هي تتنهد بعمقٍ.
أغلق الهاتف معها ثم حرك رأسه للخارج حتى يستعلم عن خروجهم، فوجدهم يخرجون من المكان، يحملون أشيائًا في أيديهم، حتى دلفوا السيارة، فتحدث هو بسخريةٍ:
هو أنتم جايين مزنوقين من القاهرة لحد اسكندرية؟! معندكوش حمامات في بيوتكم؟!"
تحدث «طارق» مفسرًا:
أنتَ مالك يا بارد، كنا بنجيب سندوتشات لينا كلنا، مش عارف فيه أكل هناك ولا لأ"
رد عليه يجاوب على حديثه:
فيه، عم محمود كلم عم شعبان و قاله يجيب حاجات يحطها في الشقة اللي تحت، و قاله يجيبه ناس يروقوا البيت متخافش"
تنهد «طارق» بأريحية ثم أعطاه الطعام و هو يقول بحنقٍ زائفٍ:
أمسك يا أخويا، عبلة صممت تجيبلك الكبدة اللي بتحبها، انتم تحبوا في بعض و اتدبس أنا"
أخذ الطعام منه وهو يبتسم بهدوء ثم التفت لها يقول بنبرةٍ هادئة:
ربنا يخليكي ليا يا عبلة، شكرًا"
ابتسمت له و هي تقول بخجلٍ:
متشكرنيش، إحنا واحد ولا إيه ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم اعتدل في جلسته، فتحدث «طارق» بسخريةٍ:
يا حبايبي !! عصافير كناريا ؟! شايفة يا جميلة؟! واخدة بالك"
ردت عليه بحنقٍ:
عاوز إيه مش فاهمة؟! مش إحنا جيبنا الأكل سوا مع بعض ؟! أعمل إيه تاني؟!"
رد عليها بضجرٍ:
متعمليش حاجة خالص، أنا اللي هعمل كل حاجة و هقول كمان، خليكي ساكتة كدا"
حرك «وليد» رأسه ينظر له بسخريةٍ و هو يقول:
أنتَ بقيت قليل الأدب ليه؟! السِكة دي كانت بتاعتي أنا، هندخل على شغل بعض ولا إيه؟!"
رمقه «طارق» بغيظٍ و هو يقول
بس يالا اخرس خالص، مالك شكلك بقيت هادي كدا و بصراحة أنا مش مطمنلك"
ابتسم له «وليد» ثم قال بقلة حيلة:
بصراحة ؟؟ عاوز اهدا شوية يا طارق، عاوز أفرح كدا و أخد نفس عميق يخليني أنسى اللي فات، و بعدين خلاص هتشاقى ليه؟! اللي عاوزه من الدنيا خدته خلاص، بس أنا متعود انها لما بتديني حاجة، بتاخد قصادها حاجات، و أنا مش مستعد لأي حاجة تتاخد مني دلوقتي"
سألته «جميلة» بقلقٍ:
مالك يا وليد ؟! فيه حاجة مزعلاك ؟؟"
حرك رأسه نفيًا ثم التفت لها يقول مُفسرًا:
خالص و الله، أنا يمكن بس مستغرب الفرحة، تقولي إيه بقى ؟! أخوكي وش فقر"
ابتسموا له فتنهد هو بعمقٍ ثم قال:
يلا يا جماعة كلوا قبل الأكل ما يبرد، احنا هنوصل ميتين أساسًا"
_________________________
في النادي توقف «خالد» عن تحريك الأرجوحة حينما صدح صوت هاتفه، فأخرجه من سترته و هو يقول بنبرةٍ هادئة لزوجته:
معلش يا ريهام هرد على التليفون دا تبع الشغل، و هجيلك"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له، ثم وقفت موضع وقوفه حتى تحرك الصغير على الأرجوحة، لكنها تفاجأت به يحاول النزول من عليها حتى يذهب خلف والده، و قبل أن تدرك ما فعله سقط من على الأرجوحة، فركضت هي مسرعةً بخوفٍ، لكنها تفاجأت بكف أحدهم يحول بين «يونس» و بين الأرض، فاقتربت من الصغير تسأله بلهفةٍ و هي تتفحصه:
يونس !! فيك حاجة ؟! اتعورت طيب ؟! أنتَ كويس ؟!"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها فقبلت هي وجنته ثم احتضنته بدوافع غريزة الأمومة حتى تفاجأت بذلك الواقف جوارها و هو يقول بخبثٍ:
يا بختك يا يونس"
رفعت رأسها تطالعه بعينيها و هي تقول بضجرٍ:
نعم !! حضرتك بتقول إيه؟!"
نظر لها بخبثٍ و هو يتفحصها ثم قال بنبرةٍ ذات مغذى:
العسل ماله مكشر ليه؟! و بعدين مش تخلي بالك على اللي معاكي؟!"
رفعت صغيرها من على الأرض حتى تتحرك و تترك ذلك الوقح الذي يقف أمامها، فتحدث هو مُسرعًا:
بالراحة بس مالك يا عسل قفوشة كدا ليه؟! حتى علشان خاطر يونس"
قبل أن تهم بالرد عليه تفاجأت به يقع على الأرض حينما ضربه «خالد» في وجهه بعدما اتى من خلفها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
و أبو يونس هيربيك يا روح أمك"
قال حديثه ثم هجم عليه يسدد له بعض اللكمات في وجهه و هو يسبه ببعض الشتائم، حتى ركض إليه أخوته يرفعونه من على ذلك الشاب و معهم أفراد الأمن، حتى تحدث «ياسين» بلهفةٍ:
عملك إيه يا خالد !! نهارك مش فايت دا وشه باظ"
رد عليه و هو يلهث بقوةٍ:
يغور في داهية ياكش يموت.... البيه واقف يعاكس في مراتي و بيضايقها"
اعتدل الرجل واقفًا بعدما اسنده رجال الأمن، و هو يقول متوعدًا له:
أنا مش هسيبك، هخرب بيتك و ابيتك في الحجز، أنتَ متعرفش أنا مين يا مهزق أنتَ ؟!"
اقترب «عامر» يمسكه من تلابيبه و هو يقول بضجرٍ بعد سبة أخيه:
المهزق هو الدكر اللي خلف بغل زيك و نسي يربيه، كلم أخويا عدل بدل ما اكمل أنا عليك"
أقتربت «سارة» تمسك يد زوجها و هي تقول بخوفٍ:
خلاص يا عامر بقى سيبه، خلاص يلا"
نظر لها الرجل بوقاحةٍ و هو يقول:
هي الحلوة دي تبعك؟! و كل الحلوين دول معاكم؟؟"
في خلال ثوانٍ اجتمع عليه الأربعة شباب يضربونه بغلٍ دفين بعد وقاحته تلك و تطوله على زوجاتهم بالنظر و الحديث، و بعد مرور دقائق من تم الفصل بينهم، و بعدها تم أخذ الشباب و الرجل نحو أقرب قسم شرطة بالمنطقة، و الفتيات في الخلف يشعرن بالخوف حتى قامت «إيمان» بإخراج هاتفها حتى تتواصل مع «رياض» و بعدما رد عليه صرخت في المكالمة و هي تقول:
الحقنا يا عمو رياض !! الشباب اتقبض عليهم"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كان «أحمد» جالسًا مع «خلود» و «سلمى» فوق سطح البيت، نظر حوله فوجد كل شيءٍ خالي من الروح، و كأن البيت برحيلهم اصبح مثل حديقة الزهور التي تحولت من الألوان اليافعة المُزهرة إلى الزهور الذابلة و كأنها فقدت الروح، تنهد بعمقٍ ثم حرك رأسه يطالع كلتا اللتين أمامه يستذكرا دروسهما، فتحدث هو بضجرٍ:
إيه الزهق دا يا جدعان !! مش ورايا حاجة اعملها ؟! بتعملوا إيه في الحالات اللي زي دي؟؟"
سألته «خلود» بضجرٍ:
عاوز إيه أنتَ ؟! قاعد على النت و مش وراك شغل و لا مذاكرة و لا أي حاجة، يبقى كبر دماغك و خلينا في الهم اللي احنا فيه"
رد عليها هو بتهكمٍ:
عينك يا حلوة !! هتجيبيني الأرض كدا، بس أنا زهقت"
ردت عليه «سلمى» بخوفٍ:
صدقني دا أحسن مليون مرة من احساس الخوف من حاجة ملكش يد فيها"
عقد ما بين حاجبيه بحيرةٍ فأضافت هي بصوتٍ مختنقٍ:
عمري ما تخيلت إن الشهور دي تكون صعبة عليا كدا، من شهر ١٢ و أنا مضغوطة في الثانوية العامة، كلهم قالولي إن الشهور دي بتجيب اكتئاب بس لما جربت حاسة أني عاوزة أعيط"
قالت حديثها ثم تركت القلم و بكت رغمًا عنها بعدة مشاعر مختلطة يغلب عليها الخوف من القادم، حتى اندفعت «خلود» تترك موضعها ثم احتضنتها و هي تقول مواسيةً لها:
بتعيطي ليه بس ؟؟ تغور الثانوية العامة، فداكي الثانوية، فداكي ألف ثانوية، أحمد راضي بيكي كدا"
ضحكت «سلمى» رغمًا عنها بين ذراعيها حتى اقترب «أحمد» يجلس بجوارهن و هو يقول:
مالك يا سلمى ؟! بتعيطي كدا ليه؟! أومال لو مش بتذاكري و تصلي و بتصحي من الفجر بقى؟!"
مسحت دموعها و هي تقول بصوتٍ مختنق:
أنا في وقت صعب أوي، مش عارفة أرجع أذاكر اللي فات و لا اركز في اللي جاي، و لا أعمل الاتنين سوا، حاسة اني تايهة أوي، و الحلم عمال يكبر جوايا و مش هقبل نفسي في كلية غير اللي حلمت بيها، أنا عاوزة اهرب"
طالعتها «خلود» بشفقةٍ، بينما «أحمد» تحدث بهدوء يحاول بثها الطمأنينة:
النتيجة دي بيد ربنا سبحانه وتعالى، إحنا بنسعى علشان مطالبين بالسعي، لكن النتيجة دي كرم و توفيق من ربنا، مش ثانوية عامة هي اللي تخليكي تيأسي من رحمة ربنا، خلي املك في ربنا كبير و اعرفي إن مفيش حد تعبه بيروح على الفاضي"
حركت رأسها موافقةً، فأخرج هو هاتفه ثم أشار لهما بالتريث و كلتاهما تتابعه بتعجبٍ، بينما هو ضغط على الرقم المُراد حتى وصله الرد و هو يقول بهدوءه المعتاد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أحمد، إيه المفاجأة الحلوة دي؟!"
رد عليه الأخر بعدما فتح السماعة الخارجية:
أنا بخير يا عمار الحمد لله، معلش أنا بستأذنك هفتح السماعة علشان عاوز ناس تسمع المكالمة دي"
رغم الحيرة و الدهشة التي ظهرت عليه إلا أنه وافق و رحب بذلك أشد ترحيبًا، و على الجهة الأخرى ظهر الاستنكار يعلو وجهيهما حتى تحدث «أحمد» مفسرًا للجميع:
دلوقتي سلمى بنت عمي عمالة تعيط و خايفة، و عندها اكتئاب الثانوية العامة، بما إنك ما شاء الله يعني اللهم لا حسد دخلت كلية صيدلة، تقدر تقولي الحل إيه علشان تبطل عياط؟!"
ابتسم «عمار» على الجهة الأخرى حتى ظهرت البسمة في حديثه و هو يقول:
بص هو علميًا و عمليًا الشهور دي بتكون فيها اكتئاب و ضغط أكتر من فترة الامتحانات و دا على كل طلاب الثانوية العامة حتى أوائل الجمهورية نفسهم، لإن الحيرة الفترة دي صعبة، و الحماس بيقل و الخوف بيزيد علشان الامتحانات قربت، لو الفترة دي مستغليتهاش صح يبقى الضغط و التوتر هيزيد"
سأله «أحمد» مُسرعًا:
أيوا !! نعمل إيه بقى علشان نستغل الفترة دي يا عمار؟! معلش بنتقل عليك"
رد عليه يرفع عنه الحرج بقوله:
لأ خالص متقولش كدا يا أحمد، أنا عيوني ليكم، بصراحة ياسين و ياسر عملولي جدول حلو كنت ماشي بيه طول السنة و في نفس الفترة دي أنا كنت حاسس بالتعب، بس النظام اللي مشيت عليه ريحني و جاب معايا نتيجة"
توقف عن الحديث لبرهةٍ من الزمن ثم تابع من جديد شارحًا لهم:
أهم حاجة الفروض و الورد اليومي علشان البركة تملا اليوم، و تاني حاجة اليوم ميكونش عشوائي، يعني على الأقل تكون محدد عاوز تنجز إيه، تالت حاجة بقى و دي الأهم، مينفعش تروح تمسك مادة كاملة و تقول هخلصها في يوم !! كدا هتتعقد منها و من المذاكرة بأنواعها، الحل إنك تركز في اللي بتاخده دلوقتي و تضاعف تركيزك فيه بس معاه تاخد فصل من نفس المادة و تراجع عليه"
سألته «سلمى» بحيرةٍ:
ازاي دا ؟؟ اعمل الاتنين مع بعض؟!"
رد عليها مؤكدًا:
أنا كنت مقسم الأسبوع كل يوم مادة، المادة ليها يوم مخصص بيها هي، مثلًا لو السبت كيميا يبقى هذاكر اللي خدته في الدرس النهاردة و أحل عليه و أخد درس أو باب من القديم في نفس المادة أراجع عليه، و هكذار في باقي المواد، أركز في الجديد و أخد جزء بسيط من القديم و كدا ابقى مسكت العصاية من النص، بهتم و أذاكر الجديد و براجع و بلمح القديم، ظبطي كدا
في كل المواد.
أهم حاجة بقى هو نظام نومك، يعني مثلًا تصحي من الفجر، الساعات دي فيها خير و بركة و أحاديث كتير عن فضلها و كلام كتير من العلماء، و ياريت بلاش تبدأي مذاكرة من بليل لحد الصبح، دا مش صح....لان قوة تركيز العقل في الوقت دا بتكون أقل من الطبيعي و بالتالي المجهود هيكون أكبر و الكَم أقل، غير كدا لما بنبدأ مذاكرة بليل طبيعي بنحس بتوتر غصب عننا، و دا علشان الضلمة و الليل دايمًا هيحسسوكي إنك في سباق و لازم تخلصي بسرعة، العكس بقى لو بالنهار هتكوني متطمنة حتى لو الليل دخل، بس الجسم تلقائيًا هيرتاح علشان دي طبيعته.
ظبطي يومك و وقتك و توكلي على الله سبحانه وتعالى، محدش بيتكل على الله و بيسلمه أمره و بيتخذل، و افتكري إن فيه رزق ليكي في مكان محدش ينفع ياخده غيرك و المكان مينفعش تكوني موجودة في غيره، حتى لو مش الكلية اللي حلمتي بيها، فيه مكان تاني أحسن، ياسين علطول كان يقولي تبقى مبسوط لو دخلت كلية من اختيارك، و تبقى مُبخت و محظوظ لما ربنا يختارلك الكلية، و فعلًا جيبت مجموع يدخلني طب بس ربنا أراد أني ادخل صيدلة علشان المجال اللي بحبه، ربنا يوفقك و يسهلك كل صعب أنتِ و كل طالب ثانوية عامة.
تنهدت هي براحةٍ اجتاحت ثنايا روحها، بينما «أحمد» شكره و اثنى على حديثه و طريقته و مجهوده ثم أغلق معه المكالمة، فاحتضنت «سلمى» «خلود» و هي تقول بفرحةٍ كبرى:
أنا ارتاحت أوي و الله، هعمل كل اللي قالي عليه و ربنا يكرمني زي ما كرمه كدا إن شاء الله"
احضتنها «خلود» و هي تمسد على ظهرها بحبٍ و عقلها مشغولًا في التفكير به و في طريقته، بينما «أحمد» ابتسم براحةٍ كبرى حينما شعر بهدوء توترها و في تلك اللحظة أراد أن يأخذ عنها خوفها حتى لا يرى ضعفها بتلك الطريقة.
_________________________
في احدى المناطق الراقية في محافظة الأسكندرية كانت تجلس تلك السيدة التي لم يظهر عليها السن بعد، زفرت بقوةٍ بعدما فشلت في التواصل مع أخيها، ثم أخرجت رقمًا ينافي الرقم السابق حتى وصلها الرد من الجهة الأخرى فقالت هي معتذرة:
أنا متأسفة جدًا علشان بكلِمك في الوقت دا، أنا إن شاء الله نازلة القاهرة أخر الأسبوع دا، عروسنا الحلوة تجهز علشان حسن أخويا يشوفها، مش أنتِ قولتيلي إنها من القاهرة؟!"
وصلها الترحيب من الجهة الاخرى بحديثها، فأضافت هي باستحسانٍ:
تمام كدا، نتقابل أخر الاسبوع و أنا هبتعلك العنوان و كل التفاصيل"
اغلقت الهاتف بعد تبادل أطراف الحديث الغير مُفصلة ثم نظرت أمامها بشرودٍ، حتى اقترب منها شابٌ يجلس مقابلًا لها و هو يقول بحيرةٍ:
برضه هتعملي اللي في دماغك ؟؟ ما تكبري هو مش عاوز يتجوز يا ماما خلاص، خليه براحته"
ردت عليه هي مسرعةً:
لأ خلاص مفيهاش رجوع دي، كلمت الست و العروسة هتقابلنا يوم الجمعة، غصب عنه هيشوفها"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم شمس بكري
"يا ليتكَ بجواري...يا ليت دارك داري"
_________________________
يدفعني كل الشوق لأيامٍ كنت أظنني بها بلا شعورٍ، كنت أظن نفسي غريبًا عن تلك الدنيا، كنت بسيطًا و هادئًا، الآن غدوت أكثر خوفًا و أكثر تأثرًا، خشيت الخوف يتملكني فيضيع ثباتي مني، و ها أصبح أكثر ما خشيته ملموسًا و في قلبي محسوسًا.
"في بيت آلـ الرشيد"
هدأ توتر «سلمى» قليلًا بعد حديث «عمار» و تعليماته التي ألقاها عليها، ثم عادت لاستذكار دروسها و البدء في عمل الجدول الخاص بمذاكرتها، و في أثناء ذلك كان «أحمد» يتصفح هاتفه بهدوء و بين الحين و الآخر يرفع رأسه يراقب كلتاهما ثم يخفضها من جديد.
كانت «خلود» جالسة و أمامها الكتب الخاصة بها و رغمًا عنها شخص بصرها للجهة الأخرى نحو الأريكة الخالية من وجوده، لمعت العبرات في عينيها و هي تتذكر جلوسهما سويًا عليها و مشاكستهما سويًا، و دون أن تعي لما هو آتٍ، انصاعت لرغبة قدميها حتى تركت موضعها ثم توجهت نحو الأريكة، و حينها زاد وخز الدموع في عينيها بعدما هدأ البيت من مرحه و مشاكسته لهم، مالت بجسدها نحو الكتاب الموضوع على الطاولة الخشبية الصغيرة بجوار تلك الأريكة.
فتحت أول صفحاته و هي تبتسم بشوقٍ حتى وقع بصرها على العبارة التي دونها بخط يده في أول صفحات ذلك الكتاب و هي:
"و ها قد انتهت رحلة جديدة غوصت فيها بداخل طيات هذا الكتاب، و كل ما استنتجته من تلك الرحلة، أنني لو ما كنتُ تألمت....لما كنتُ تعلمتُ، قد ابدو لك من الخارج فارغًا و رأسي من الداخل يعج مثل ضجيج مدينة متكدسة السكان.... أو مثلما التائه في حالة الحرب يسير بحثًا عن الأمان"
تنهدت هي بعمقٍ ثم احكمت حصار جفونها فوق مقلتيها حتى تتحكم في تلك الدموع التي أوشكت بفضح أمرها، حتى هي لم تستطع الذهاب لتوديعه و مباركاته، أغلقت الكتاب مرةً أخرى و هي تفكر به غافلةً عن زوج الأعين التي تراقبها، بينما هي أمسكت الكتاب ثم ارتمت على الأريكة و قررت الغوص في تلك الرحلة التي سبق و غاص هو بها؛ على الرغم من مللها و ضجرها من القراءة، إلا أنها قررت الهروب من شوقها له في تلك الصفحات.
ابتسم «أحمد» بتأثرٍ حينما فهم ما تفكر به و اتضح عليها أكثر حينما أمسكت الكتاب و قررت الخوض في تلك التجربة، تنهد حينها بقلة حيلة و هو يعلم أن تلك الفترة ستكون أشد صعوبة عليها نظرًا لكثرة تعلقها بـ «وليد»
على الجهة الأخرى و بعد وصولهم للبيت الخاص بهم في محافظة "الأسكندرية" كان يحاول مرارًا الوصول لها و لكن النتيجة كما هي الهاتف مغلق، تنهد بضجرٍ ثم دلف الشرف بعدما فشل في التوصل إليها، حتى أقتربت «عبلة» منه تضع يدها على كتفه و هي تسأله بتعجبٍ:
"مالك يا وليد ؟! متضايق كدا ليه ؟! فيه حاجة مزعلاك؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم أخفضها هاربًا منها، فهو لم يقوى على اخبارها بشوقه لعائلته و خصوصًا «خلود»، المشاعر التي يشعر بها غريبة و يكاد يجزم بأنه أول مرة يشعر بها، على الرغم من انه تركهم قبل سابق لكن تلك المرة شعوره يختلف عما سبق، رفعت وجهه و هي تبتسم له ثم قالت بهدوء:
"وحشوك صح ؟! و وحشوني أنا كمان على فكرة، بس ليه شكلك زعلان؟!"
حرك كتفيه وهو يقول:
"خلود !! هتتعب من غيري، يمكن خديجة معاها ياسين و غير كدا هي اتعودت علشان هي متجوزة، إنما خلود مكانش حد قريب منها غيري و تليفونها مقفول، عاوز حتى اتطمن عليها"
قلبت عينيها بتوازي يمينًا و يسارًا و هي تفكر حتى تحدست بنبرةٍ حماسية:
"عرفت !! هنكلم سلمى و أكيد هي معاها، أو ممكن نكلم أحمد"
حرك رأسه موافقًا ثم أخرج رقم «سلمى» يهاتفها مُسرعًا حتى وصله الرد منها و اطمأن عليها ثم أعطى الهاتف لزوجته حتى تهاتف شقيقتها، فتحدثت بفرحةٍ كبرى:
"وحشتيني اوي يا سلمى، أخباركم إيه و ليه مجتيش علشان تشوفيني؟! كنت عاوزة اسلم عليكي قبل ما أسافر"
ردت عليها الأخرى بحرجٍ منها:
"حقك عليا يا عبلة، بس الدروس اتراكمت عليا و كان لازم أروح قبل ما الحصص تفوتني، لما تيجي أن شاء الله هكون خدت الأجازة اللي قالوا عليها و هقعد معاكم في البيت"
ردت عليها موافقةً بحماسٍ ثم طلبت منها تعطي الهاتف للأخرى، و بعد مرور ثوانٍ أمسكت «خلود» الهاتف بعدما توجهت لها «سلمى» دون أن تنبت ببنت شفة، أخذت منها الهاتف بتعجبٍ فتفاجأت بـ «عبلة» تمازحها بقولها:
"جرى إيه يا كاريزما هانم ؟! مجتيش تباركيلي و قافلة تليفونك و كمان مش عاوزة تكلمينا؟؟ قتلتلك قتيل ؟!"
ردت عليها «خلود» بقلة حيلة ممتزجة بالسخرية:
"وحشتيني اوي يا عبلة، مش لاقية حد ارخم عليه، طب تعالي أعصبك و ارجعي تاني"
ابتسمت الأخرى على الطرف الآخر ثم تنهدت بعمقٍ تبعته بقوله:
"و أنتِ وحشتيني و وحشني رخامتك عليا، بس وعد هرجعلك و يوم العزومة هجيبك من شعرك"
ابتسمت «خلود» رغمًا عنها فرفعت كفها تمسح على خصلاتها السوداء، فتفاجأت بصوته يسألها بصوتٍ مختنقٍ:
"كدا مش عارف أوصلك ؟! وحشتيني يا خوخة"
اجهشت في البكاء عند استماعها لصوته بتلك النبرة التي أظهرت شوقه لها، فتابع هو مُهدئًا لها:
"بــس....بـس علشان خاطري بلاش تعيطي، جرى إيه يا خلود ؟! أنتِ طلعتي عندك مشاعر؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ من كثرة البكاء:
"علشان البيت رخم من غيرك و ملوش حس، بقى زي القبر، و كلكم مشيتوا منه مرة واحدة، عبلة مش هنا و لا جميلة بعد ما اتعودت عليها، و خديجة و هدير مش موجودين، و سلمى بتذاكر، أنا مكانش ليا غيرك هنا، حتى أنتَ مشيت"
بكى هو على الطرف الآخر ثم مسح دموعه وهو يقول:
"وعد مني و كلمة شرف؛ أجازة نص السنة بتاعتك كلها هتكون عندي، مش هسيبك فيها و هتيجوا تقعدوا معانا، اعتبريها مكافأة لحد ما تخلصي امتحاناتك، و أنا عمري ما أسيبك أبدًا، أنتِ بنتي"
بكت بقوةٍ و هي تستمع له و خاصةً عند تلك الكلمة الأخيرة، فضحك هو حتى يغير تلك الأجواء و هو يضيف:
"و بعدين بطلي عياط بقى علشان أجيبلك أم خلود اللي بتحبيها دي، بتحبي حاجات غريبة"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة من بين بكائها:
"اسمها ام الخلول، أم خلود دي تبقى خالتك زينب يا خفيف"
ضحك هو بيأسٍ منها فوجدها تقول بشوقٍ بالغٍ:
" وحشتني أوي بجد، بس ربنا يفرحك يا وليد و يكرمك بنونو حلو زيك كدا علشان اربيه أنا، هخليه خليفتك في الملاعب"
رد عليها هو مُسرعًا:
"يا بخته بيكي يا خلود، هيبقى محظوظ علشان أنتِ هتكوني في ضهره، زي ما طول عمرك في ضهر أبوه"
ابتسمت هي بفرحةٍ فوجدته يطلب منها إعطاء الهاتف لشقيقها إن كان بالقرب منها، تحركت حتى وصلت إلى «أحمد» و هي تعطيه الهاتف، ابتسم الآخر ثم أخذ منها الهاتف و هو يقول بمرحٍ:
"إيه يا عريس ؟! اخبارك إيه؟! اديني نبذة كدا لحد ما ربنا يكرم"
رد عليه الأخر بسخريةٍ:
"و ليه نبذة ؟! أنا لو منك انزل دلوقتي اكتب كتابي، دي ثانوية عامة يعني أقصى طموحاتها حاليًا تودوها بيت حبيبها تعيش معاه، قبل ما تنفجر من الضغط"
وكزته «عبلة» في كتفه فأضاف هو بجديةٍ:
"بهزر يا عم علشان عبلة متضربنيش، المهم إيه أخبارك ؟؟ عامل إيه في الأجازة؟!"
رد عليه بضجرٍ:
"زهقان...مش لاقي حاجة أعملها، و بصراحة شكلي هلبس و أروح للعيال على الكافيه، القعدة كدا خنقاني"
رد عليه مسرعًا يحذره:
"أحمد !! بلاش و أعقل كدا، مش كل شوية تقول هروح اقعد معاهم، خليك في البيت علشان مفيش غيرك أنتَ و وئام، و مش هوصيك على سلمى و خلود، الاتنين وضعهم صعب، سلمى علشان دروسها و خلود علشان أنا مش معاها"
رد عليه يطمئنه بالحديث و يخبره بتنفيذ تعليماته ثم أغلق الهاتف معه، كانت «خلود» تجلس بجواره و بعدما أغلق الهاتف وجدته يحتضنها و هو يبتسم لها ثم رفع كفه يمسح على خصلات شعرها بحنوٍ بالغٍ، و «سلمى» تراقبهما بعينيها حتى التقت نظراتهما سويًا، فابتسمت هي له بتوترٍ حينما ابتسم لها هو الأخر.
تنهد «وليد» بأريحيةٍ حينما اطمأن عليهم، فوجدها تسأله بحماسٍ:
"ها ارتاحت ؟؟ شوفت أنهم كويسين بس مكتئبين شوية؟"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فوجدها تصفق بكفيها معًا و هي تقول:
"ربنا يحميني أنا فرحتك و طمنتك أهوه، إيدك على الحلاوة بقى"
سحبها نحوه يحتضنها بقوةٍ و هو يتمسك بها، فـ تفاجأت هي من رد فعله فوجدته يقول بنبرة صوتٍ هادئة تجمع بين العاطفة و التأثر:
"أنتِ و عيونك أحلى ما في الدنيا يا عبلة، مفيش أحلى منكم علشان ينسيني طعم المر"
اتسعت بسمتها بين ذراعيه، فوجدته يربت على ظهرها ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يباركلي فيكي يا سوبيا و أقدر أعوضك عن أي حاجة زعليتك في يوم"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"طب و الله كل حاجة في الجهاز جيبتها بالسوبيا علشان متزعلش"
ابتعد عنها وهو يقول بحزمٍ من خلال وجهه المبتسم:
"أوعي تغيريها !! دي بقيت مزاج عندي مش بهزر، بحس أني متطمن لما بشمها"
ضحكت عليه هي بقوةٍ فوجدته يقول مشاكسًا لها:
"دا احنا شكلنا داخلين على أيام عسل"
_________________________
في قسم الشرطة أوشك «رياض» على الوصول خلف الشباب مع زوجته بعدما هاتفته «إيمان»،
و في غرفة الضابط وقف الشباب بجانب بعضهم و نظرات الشر تنبثق في أعينهم تجاه ذلك الجالس أمامهم، و الضابط يحاول جمع نقاط الموضوع والحل بالطرق الودية، حتى تحدث أخيرًا بثباتٍ يحاول التحلي به:
"طب و أخرتها ؟! أنا بقول الموضوع يخلص و خلاص كدا، حضراتكم محترمين و ناس ليها وظايف محترمة، على ما أظن يعني ليكم مكانة خاصة"
قالها و هو يتفحص «عامر» الذي وقف أمامه بعدما تمزقت ازرار سترته و كشفت عن "التيشيرت" الذي يرتديه بالاسفل حيث طُبع عليه رسمة كرتونية للقط و الفأر معًا، تلك الرسمة العائدة لذلك الكرتون الشهير، حينها مال «ياسين» على أذنه و هو يقول هامسًا بسخريةٍ:
"اقفل أم القميص دا جايبلنا الكلام، يخريبت أهلك كلهم"
اقترب «عامر» خطوةً من مكتب الضابط و هو يقول بثباتٍ و وقارٍ يتنافى مع هيئته:
"يا فندم مع حضرتك عامر فهمي المدير العام لشركة الفاروق للسياحة"
حرك الضابط رأسه للأعلى يطالعه ثم مرر بصره نحو السترة القطنية و تلك الرسمة المطبوعة عليها، حينها حمحم «عامر» بخشونةٍ ثم ضم طرفي القميص محاولًا اخفاء تلك الرسمة، فتحدث الضابط بضجرٍ:
"بقولكم إيه ؟! دي مش أول تحصل و تيجيلي خناقة من النادي الزفت دا، خلصونا و أمضوا على محضر الصلح"
تحدث الرجل برفضٍ قاطعٍ:
"مستحيل !! أنا قولت لأ يعني لأ، و هربيهم و هعرفهم ازاي يتعاملوا بالاسلوب الهمجي دا، احنا فين ؟! في غابة؟! أنا رئيس مجلس إدارة مجموعة الشركات كلها، و هعرفهم ازاي يتعاملوا كدا مع الناس"
اقترب «خالد» بجسده للأمام في محاولةً منه للهجوم عليه لولا وجود ذلك العسكري الذي حال بينه و بين الرجل حتى تحدث مفعلًا بلهجةٍ حادة:
"هو أنتَ يا ناقص عاوز تبص لمراتي و تلطف و أنا أسكتلك؟! قسمًا بالله لولا الحكومة كان زماني مطلع روحك في ايدي"
ضرب الضابط بيده على سطح المكتب و هو يقول:
"بس أنتَ و هو ؟! معاكم ١٠ دقايق لو مفيش حد فيكم قرر تتصالحوا ولا لأ أنا هرميكم في الحجز، خلصونا بقى"
تحدث «ياسين» منفعلًا و بنبرة صوتٍ جهورية:
"أنا مش فاهم حاجة ؟! يعني إيه احنا و هو نتساوى في كفة واحدة، واحد بيعاكس بنات الناس و بيتطاول عليهم، و مش محترم حتى وجود الرجالة اللي واقفة، حط نفسك مكاني يا حضرة الظابط و خلي مراتك تتعاكس من واحد معندوش نخوة و لا دم، و مش بس كدا دا بيعاكس في البنات اللي معانا كلهم، لو أنتَ قابل حاجة زي دي و دمك مغليش، يبقى أنا ممكن اقبل عادي"
طالعه الضابط لعدة ثوانٍ بنظراتٍ ثاقبة، يتفهم حديث «ياسين» ثم زفر بقوةٍ فهو يعلم أن تمام الحق معهم، لكن ذلك الأخر يملك صلاحياتٍ تجعله يستغل نفوذه ضد الشباب، زفر هو بقوةٍ و في تلك الاثناء فُتح الباب ليطل منه «رياض» بوقاره المعهود و هو يقول:
"مع حضرتك رياض الشيخ، المحامي الحاضر عن الأساتذة و والد البشمهندس ياسين الشيخ"
أشار له الضابط بالجلوس و هو يقول:
"اتفضل يا فندم، ياريت حضرتك تحاول معاهم، الجهتين رافضين الصُلح، أنا بقول الصلح أفضل و كل واحد يروح لحاله"
تحدث «ياسر» بضجرٍ:
"يا فندم ازاي بس ؟! هو من الطبيعي إن لما راجل مراته تتعاكس في الشارع يسكت و يتنازل عن حقها ؟! طب ازاي بس؟! المفروض هو اللي يتعاقب علشان يلم نفسه و يتعلم يبقى راجل"
تحدث الرجل منفعلًا بغيظٍ:
"أنا راجل غصبٍ عنك يا حيوان أنتَ"
تحدث «عامر» بسخريةٍ:
"بأمارة إيه راجل ؟! طالما مش عارف تسيب الستات تمشي في شارع بأمان يبقى زي زيك الحيوان"
صفق الثلاثة شباب فخرًا به، بينما هو رفع كفه يحييهم باعتزازٍ بنفسه، و هو يراقص حاجبيه للرجل مُعاندًا له، تحدث «رياض» بهدوء و رزانةٍ:
"يا فندم حضرتك عارف التربية الشرقية و صفاتها كويس، و هما اتربوا على الشهامة و إن عينهم متترفعش في عين اي ست، فطبعًا لما يشوفوا حاجة زي دي قدام عنيهم طبيعي أنهم ينفعلوا، و بعدين القانون حاليًا بيجرم التعديات اللفظية و المعاكسات و أنا بصفتي محامي ممكن ارفع قضية و هما ساعتها مش مضرورين في حاجة لأنه دفاع عن النفس دا أولًا، و تواجدهم كان في مكان عام دا ثانيًا، و لا إيه يا هشام بيه؟! مش حضرتك برضه هشام السيد رئيس مجلس إدارة مجموعة الشركات ؟!"
ظهر التعجب على أوجه الجميع بعدما تعرف عليه «رياض» فتحدث مُضيفًا من جديد:
"أنا و الأستاذ هشام اشتغلنا سوا في فترة من الفترات، و على ما أظن كدا هو عارفني، و لا إيه؟!"
تذكره ذلك الرجل حينما قام بمضايقة فتاةٍ ما في احدى الشركات الخاصة بهم، و حينها تدخل «رياض» يقف في صف الفتاة بعدما طلب منه صديقه «فاروق» ذلك، خاصة أن ذلك الجالس دائم المشاكسات و المضايقات للفتيات و النساء، يشبه في غريزته الحيوانات في عدم سيطرتها على تلك الغريزة،
تعرف عليه ذلك الرجل فتحدث على مضضٍ مُجبرًا على ذلك:
"أنا موافق على الصلح و دا علشان ولاد عمي مش أكتر، رياض برضه صديق قديم للعيلة و أنا لو كنت أعرف إنه والد البشمهندس، أكيد ماكنتش اتصرفت كدا"
تنهد الضابط براحةٍ ثم تحدث أخيرًا و كأن حجرًا أزيح من على صدره:
"طب الحمد لله، و أظن برضه الشباب هيتنازلوا عن المحضر هما كمان، علشان حتى الستات اللي معاكم برة دول"
نظروا لبعضهم البعض و كلًا منهم يحاول فهم نظرة الأخر.
_________________________
في الخارج وقفت الفتيات و بجوارهن «زهرة» و هي تضلل عليهن كما الأم و هي تضلل على صغارها، و كانت أكثرهم خوفًا «خديجة» التي كانت ترتجف من كثرة خوفها و ذلك لرهبة الموقف و المكان الذي وقفت به.
و ازداد خوفها أكثر حينما رآت المجرمين و هم يتحركون مع العساكر و الأصفاد الحديدية تجمع كفوفهم سويًا، ابتلعت ريقها بخوفٍ و هي ترى النظرات حولها موجهةً نحوهم، تمسكت بذراع «زهرة» بخوفٍ، فربتت الأخرى على يدها و هي تقول:
"أهدي يا حبيبتي بلاش تخافي كدا أنا معاكي، مالك كدا؟!"
حركت رأسها نفيًا دون أن تقوى على التحدث و كأن صوتها رفيقًا تركها و فل بعيدًا، و بعد مرور بعض الدقائق التي مرت كما الدهر كاملًا؛ خرج «رياض» بالشباب من غرفة الضابط و خلفه «هشام»، حتى وقفا كليهما أمام بعضهما و هو يطالع الأخر بثباتٍ، فتحدث «رياض» بتهكمٍ:
"ازيك يا هشام ؟! لسه يا أخي برضه مبتعرفش تلم نفسك ؟! دا أنتَ عيلتك بيتضرب بيها المثل في الرجولة"
ابتسم له بخبثٍ و هو يشير نحو «ياسين» و يتحدث مُخمنًا:
"ابنك دا مش كدا ؟! يتربى في عزك يا رياض"
رد عليه «رياض» بثباتٍ:
"آه ابني و دول اخواته و أظن مش محتاج تتعرف عليهم، هما عرفوك بنفسهم و زيادة"
حرك رأسه موافقًا بسخريةٍ فتحدث «رياض» مُضيفًا:
"ممتاز عرف كل حاجة يا هشام، و اعمل حسابك إنك مش هتقدر تأذي واحد فيهم، بقوا في حمايته خلاص"
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث بثقةٍ وثباتٍ مُقللًا من شأنهم:
"و هو أنا عيل علشان أحط شوية عيال في دماغي برضه؟! أنا أكبر من كدا بكتير"
قبل أن يهجم أيًا منهم عليه و يندفع بعنفوان، أشار لهم «رياض» بالتوقف و هو يقول:
"العيال اللي مش عاجبينك دول هما اللي ماشيين شغلكم، الواحد فيهم يتفك بـ ٥ غيره، و أظن برضه إنك من غيرهم مش هتلاقي اللي يخلص شغلكم اللي أنتم مش سألين فيه، أنا ربيتهم على الحق، طبيعي إن أهل الباطل زيك كدا يكرههم"
ربت على كتفه مرةً أخرى و هو يقول بنفس الهدوء:
"يتربى في عزك يا رياض"
تحرك من أمامهم بعدما رمق الفتيات بوقاحةٍ ثم أطلق صفيرًا متناغمًا من فمه و هو يتابع سيره نحو الخارج، بينما «رياض» تحدث بضجرٍ و قلة صبرٍ:
"يلا خلونا نروح، العربيات بتاعتكم فين؟!"
تحدث «عامر» يجاوبه:
"موجودة في جراج النادي، كلها دقايق من هنا علشان نوصل"
حرك رأسه موافقًا بينما «ياسين» سأله بضيقٍ:
"هي ماما جت معاك ليه يا بابا؟! ازاي تجيبها معاك مكان زي دا؟!"
رد عليه والده ساخرًا:
"نعم يا أخويا ؟؟ على أساس إنك كنت مع مراتك في البيت الأبيض؟! يلا يا يالا قدامي"
كانت الفتيات تقف على مقربةٍ منهم و لكن حينما نظر لهم «رياض» بعدم تقدمهم، فهموا تلك النظرة و وقفوا بمكانهم، حتى أشار لهم و سبقوهم نحو الخارج.
ابتعدوا قليلًا عن القسم حتى تحدث «خالد» مُستفسرًا:
"تعرف الراجل دا منين يا رياض ؟! أنتَ كل معارفك نضاف"
رد عليه بايجازٍ:
"هشام يبقى ابن عم ممتاز الفاروق، راجل سمعته زي الزفت، و أنا برة قبل ما ادخل ليكم عرفت اسمه من العسكري و كلمت ممتاز علشان لو فيه حاجة هينوي يعملها، يوقفها"
سأله «ياسر» بتعجبٍ ممتزج بالضجر:
"هو ممكن يعمل حاجة كمان ؟! يعني مش بس حيوان و قذر كمان معدوم الضمير؟"
رد عليه موافقًا:
"كان هيعمل، بس ممتاز طالما عرف يبقى خلاص مستحيل يقدر يتصرف، هو بيخاف منه علشان منصبه، و علشان دي مش أول مشكلة يتسبب فيها"
تحدث «عامر» بسخريةٍ:
"ما شاء الله دا قديم و خبرة بقى، بس يستاهل وشه اللي بقى شوارع دا، المرة الجاية فكروني نصفي عينه"
ابتسم الشباب بقلة حيلة، فتحدثت «زهرة» بخوفٍ:
"مفيش مرة تانية، و مفيش نوادي أنا مش مستغنية عنكم، و لا عن البنات، خلاص كدا"
تحدث «ياسين» بضجرٍ:
"يعني إيه أنا مش فاهم، علشان واحد تربيته ناقصة الناس تتحبس في بيوتها؟! النادي دا احنا بيتخصم من شغلنا و تعبنا فلوسه، و هو و اللي زيه بياخدوا حق مش حقهم، مش عارف يلم نفسه يبقى ميزعلش لما الرجالة تلمه"
تدخلت «إيمان» تقول لأخيها بسخريةٍ مقلدةً طريقته في الحديث:
"قولتلك امسك اعصابك شوية، بطلي تنفعل على كل حاجة كدا، امسك نفسك شوية، و بعدين يمكن صدفة"
توقف عن السير و هو يرمقها بغيظٍ حتى وجدها تتمسك بيد زوجها و هي تقول بخوفٍ:
"الحقني يا ياسوري، هيمد أيده عليا"
تحدث «ياسر» بضجرٍ:
"نفسي و الله يا إيمان...أمنية حياتي علشان تتهدي"
شهقت هي بقوةٍ فوجدت «خالد» يقول متشفيًا بها:
"شوفتي ؟! يعني لو جيبتك من شعرك دلوقتي هو نفسه هيبيعك"
تحدث «ياسر» بحنقٍ منه:
"مش للدرجة دي يا بغل أنتَ، على الله حتى تبصلها، هزعلك"
توقفت عن السير و هي تقول بمرحٍ:
"تصدق يا ياسر أنتَ راجل ابن حلال؟! روح ربنا يكرمك بتوأم يا رب، و يكونوا حلوين زيك كدا عاملين زي القطط الشراسي و عينهم زرقا"
ابتسم بيأسٍ منها، فتحدث «عامر» مستفرًا:
"هو إيه اللي معاكي دا يا حجة زهرة؟! أنتِ كنتي جايبة زيارة للظابط؟!"
ردت عليه هي بسخرية:
"لأ يا خفيف، كنا بنجيب حاجات من السوبر ماركت لما المكالمة جت لنا، معرفتش احط الحاجة فين، جيبتهم و جيت"
سألها «ياسين» بايجازٍ:
"فيهم جبنة رومي ؟!"
حركت رأسها موافقةً بتعجبٍ فاشار هو لـ «عامر» و هو يقول:
"لما نوصل الجراج اعملنا سندوتشات يا عامر، أنا جوعت"
طالعته «خديجة» بدهشةٍ من لامبالاته، فسألها هو بهدوء:
"مالك بتبصيلي كدا ليه؟!"
ردت عليه هي بتهكمٍ:
"و الله ؟؟ ياسين احنا خارجين من القسم و الموقف كله يموت من الخوف، و أنتَ هتعمل سندوتشات جبنة رومي؟!"
رد عليها هو بسخريةٍ:
"لو مزعلاكي الجبنة الرومي يبقى خليها لانشون يا خديجة، حايب لانشون يا بابا ؟!"
رد عليه والده بنفس البرود:
"جايب لانشون يا حبيبي، هتلاقوا كل حاجة عندكم"
تحدث «خالد» بنبرةٍ جامدة:
"الليلة دي فيها تبلع؟؟ و لا هنروح مكتومين؟!"
تحدثت «سارة» بسخريةٍ:
"هو أنا ليه حاسة إننا خارجين من مسرح العرايس؟! جماعة إحنا كنا في القسم"
رد عليها «عامر» بتهكمٍ:
"ما خلاص انتم هتعايرونا؟! بنفسحكم اهوه، روحوا بقى نزلوا استوري على أغنية بياخدني معاه لأماكن عمري ما روحتها"
ضحكوا عليه جميعًا حتى توقفوا أمام الجراج فتحدث «عامر» بمرحٍ:
"نقف نعمل السندوتشات الأول بعدها نتحرك، أنا جعان و واخد مضاد حيوي مهبطني"
أيده الشباب معًا و بعد مرور ثوانٍ كان المنظر عبثيًا، حيث وقف الشباب مع بعضهم يقومون بصنع الشطائر و هم يمررونها لبعضهم و وقفوا يتناولون الطعام و كأن ما سبق كان سرابًا، فمن يراهم منذ الوهلة يظن أنهم خرجوا لـ توهم من رحلةٍ بحرية
و الفتيات ينظرن لهم بتعجبٍ و حيرةٍ من لامبالتهم الغريبة، حتى اقترب منهن «ياسين» يقدم لهن الطعام من يده و هو يبتسم بخفةٍ، حتى اخذت «زهرة» الطعام من يده و قامت بتوزيعه على الفتيات، ثم وقفوا جيمعًا يتناولون الطعام في جوٍ يملئه المرح وسط مزاح «عامر» و سخرية الشباب.
_________________________
توقفت سيارة «حسن» أمام الشاليه الخاص به أخيرًا و تلك النائمة بجواره تتمسك بذراعه و كأنها تخشى مفارقته، تنهد هو بقلة حيلة ثم ربت على وجهها و هو يقول بصوته الرخيم:
"هدير....هدير يلا وصلنا، يا بنتي قومي"
استيقظت أخيرًا و هي تحاول فك حصار جفنيها، فوجدته يضيف بسخريةٍ:
"إيه يا هدير ؟؟ كل دا نوم و سايباني طول الطريق لوحدي؟!"
ردت عليه هي بضيقٍ بنبرةٍ مبحوحة:
"هعمل إيه يعني مش فاهمة ؟! إحنا صاحيين من الصبح يا حسن، و أنا بكره طريق السفر بليل"
حرك رأسه موافقًا ثم أشار برأسه و هو يقول:
"طب يلا علشان ننزل و لا هنعيش هنا في العربية؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم خرجت من السيارة، و هو أيضًا، حتى وقفت تنظر حولها تتفحص المكان، و تفاجأت هي مما وقع بصرها عليه، فلم تتخيل أن بيته يكون مثل ذلك، حيث توقعت أن تجد شيئًا رديئًا، لكن الهيئة الخارجية كانت مرتبة و منمقة إلى حدٍ كبير، و الاضواء هادئة، لم تكن الأجواء مبالغًا بها، و في نفس الوقت ذات ذوقٍ رفيعٍ، وقفت تتابع المنظر حولها حتى اقترب منها يقف بجوارها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"واقفة متسمرة كدا ليه؟! خايفة و لا إيه ؟!"
ردت عليه هي تستفسر بتشككٍ:
"حسن هو دا بيتك بجد؟! و لا دي اشتغالة منك بقى ؟!"
رفع حاجبيه معًا بغير تصديق فوجدها تقول بتهكمٍ:
"يا بتشتغلني، يا أنتَ تاجر مخدرات، أصل البيت جامد ما شاء الله"
أمسك كفها و هو يقول بضجرٍ ممتزجٍ بالسخريةٍ:
"يلا يا هدير ربنا يشفيكي من كل عبط بيأذيكي"
سار بها حتى دلفا معًا للداخل، فوقع بصرها على الشرفة المطلة على البحر، فسألته هي بنبرةٍ جامدة:
"لأ أنا اقسم بالله بدأت اترعب،.. حسن ؟!... إيه المكان دا؟ دي بيوت الأغنيا بس، هو أنتَ غني"
ردد كلمتها مرةً أخرى و هو يقول بتهكمٍ:
"غني ؟! كلنا فقرا لله يا ختي، بس اشمعنا بتقولي كدا يعني؟"
ردت عليه مُردفةً:
"علشان كل حاجة بتقول إنك غني، بيتك في القاهرة يا حسن، أنا تخيلت إن يوم ما هروح بيتك هلاقي شقة عادية و بسيطة زي شققنا كدا، بس اتفاجأت بالشقة، و عربيتك اللي ما شاء الله عليها، و شغلك اللي اكتشتفت إنك شريك فيه، و دلوقتي بيت زي دا، مش أي حد يقدر يبنيه هنا، لازم اقلق"
ابتسم لها بيأسٍ ثم أمسك كفها يتوجه بها نحو الأريكة الموضوعة، جلس هو أولًا ثم أجلسها بجواره، و هو يقول شارحًا لها الأمر:
"كل الحكاية يا ستي إن أبويا كان شغله حلو في الامارات و زي ما بيقولوا كدا كان عاملهم، و كان عندنا البيت بتاع أهل أمي قبل ما حنان تبيعه، و ماما كانت بتشتغل في مصلحة الضرائب، كل دا اتجمع في نصيبي و اتحط في البنك لحد ما كبرت و بقى ليا صرفة فيهم، حطيت ورثي من أبويا على حقي من البيت على نصيبي من فلوس أمي، على نصيبي من ورثي في خالي اللي كان في الجيش، كل دول جمعوا مبلغ محترم، صرفت منهم على نفسي جزء و جزء راح لأهل المرحومة، و جزء شايله في البنك مش باجي جنبه"
قطبت جبينها بتعجبٍ بعد جملته تلك و ظهر الاستفسار على وجهها دون أن تفصح عنه شفاهيًا، فالتقط هو ذلك الاستفسار بفطنته، فتحدث هو يجاوب ذلك الاستفسار بقوله:
"حطيته في البنك علشان المستقبل، أنا الأول كنت سايبهم في البيت علشانك بس أنتِ مكنتيش بتيجي جنبهم رغم إنك عارفة الرقم"
ردت عليها هي مسرعةً:
"بس دي حاجة مش من حقي يا حسن، منكرش إن ساعة هدى أختي أنا اتفاجئت بيك بتفتحها قدامي و تعمدت إنك تخليني أشوف الرقم، بس أنا مقدرش أخد حاجة مش من حقي"
تحدث هو بلهجة صوتٍ حادة:
"يعني إيه مش من حقك؟! إذا كنت أنا كلي من حقك يا هدير، فلوسي و كل حاجة بتاعتي بتاعتك أنتِ"
سألته هي بترقبٍ خوفًا من أن يسيء فهمها:
"طب ممكن أسألك سؤال ؟! و متفهمنيش غلط ؟!"
حرك رأسه موافقًا و عينيه كما هي مُثبتة عليها، فسألته هي من جديد:
"ليه لما اتجوزت شيلتهم من البيت؟! لو زي ما بتقول كدا أنا و أنتَ واحد و كل واحد فينا حق التاني؟!"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ و هو يقول:
"علشان يا هدير قبل ما اتجوزك أنا ماكنش عندي أي حاجة تخليني أفكر في أي حاجة لقدام، كنت تمثال بيتحرك، كل يوم كنت بدعي من كل قلبي يكون أخر يوم ليا، كنت باكل و أشرب و اصلي و أعمل كل حاجة و من جوايا رغبة واحدة مفيش غيرها، أروح للي سابوني لوحدي، كنت كل يوم بسأل نفسي اللي زيي عايش ليه؟! بس في يوم و ليلة كل حاجة اتغيرت و كل حاجة بقت العكس تمامًا"
ظهرت حركة خافتة بالكاد تدل على تحرك رأسها تريد منه الاسترسال حتى وجدته يمسك كفها بين كفيه و هو يقول مُفسرًا:
"اليوم اللي بقيتي معايا فيه، أنا تفكيري كله اتغير يا هدير، بقيت بحلم كل يوم ببيت زي أي حد طبيعي، لقيت تفكيري بقى في بكرة و ازاي أأمن مستقبلك، تفكيري ساحبني لأكتر من كدا لو ربنا كرمني و خلفتي مني، أكيد ليها حسابات تانية، أحلام بقت غريبة و متلونة، لواحد حياته كلها كانت سواد، تفتكري بقى أنا ممكن أضحي بكل الأحلام دي اللي لونت حياتي؟! دا أنا ابقى مجنون"
ابتسمت له هي ثم تنهدت بعمقٍ بعد حديثه، ثم سألته بثباتٍ لا تقبل رفض جوابها:
"طب ممكن أعرف هنعمل إيه مع أختك؟! حسن لازم الوضع يتحل، أكيد هي هتزعل و أكيد هتضايق، هروبك منها مش حل، ممكن أكلمها أنا؟!"
حرك رأسه مُسرعًا بنفيٍ و هو يقول رافضًا حديثها:
"لأ... أنا هكلمها و هعرفها، لازم كل حاجة تحصل تكون بالهدوء، الصدمات مش هتنفع معاها خالص"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فوجدته يسحبها من يدها و هو يقول بمرحٍ:
"قومي معايا علشان تشوفي بيتك، كل حاجة هنا ذوقي أنا، يا رب يعجبك"
سارت معه و هي تبتسم و هو يقوم بعرض المنزل لها مارًا بكل أركانه، و هي تضحك على سخريته و جهله ببعض الأشياء أثناء مهمة التعريف، حتى حملها على يده بمرحٍ و هو يقول:
"بقولك ايه احنا نطلع نرتاح أحسن و بكرة نشوف البيت، أنا ميت من التعب"
ردت عليه هي ببساطةٍ:
"أطلع يا أبو علي، أنا لو سيبتني هنام هنا على السلم"
رد عليها و هو يصعد بها على الدرجات الكبيرة بتوعدٍ له:
"طول عمري بكره دلع أبو علي دا، و عمري ما حبيته إلا منك أنتِ"
سألته هي بدلالها المعتاد:
"و ماله مني أنا بقى؟! بقيت بتحبه؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
"بقيت بدعي ربنا يكرمني بـ علي إن شاء الله، علشان ابقى حتى اسم على مسمى"
ابتسمت هي بيأسٍ منه، فوجدته يقول مقررًا:
"اعملي حسابك هسميه علي، دي مفيهاش نقاش على فكرة"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم و رغمًا عنها شعرت بخجلٍ منه، و هي تفكر هل يمكنها أن تنفذ تلك الرغبة و تصبح أمًا لأبنائه بعد كل ما مررت به؟! إذا حدث ذلك ستكون حصلت على أكثر ما تمنت بكثيرٍ، فبعد زواجها منه رأت حياةً أخرى، فكيف إذن إذا اكتملت تلك الحياة بطفلًا صغيرًا ينمو في أحشائها منه هو؟!.
_________________________
وصل الشباب منطقة سكنهم بعدما قاموا بتوصيل «رياض» و زوجته، توقفوا جيمعًا معًا، حتى تحدث «ياسين» بسخريةٍ:
"رحلة سعيدة يا شباب، اتمنى تكون عجبتكم الفُسحة، وعد مني المرة الجاية هنروح محكمة الأسرة"
ضحكوا عليه جميعًا، فتحدث «عامر» بنبرةٍ ضاحكة:
"يا خوفي ترسى في مرة على محكمة الجنايات"
تحدث «خالد» بضجرٍ:
"يلا يا خفيف أنتَ و هو على شققكم، هنفضل واقفين كدا؟!"
تحدث «ياسر» بسخريةٍ:
"دلوقتي مينفعش نقف؟؟ و في الجراج و السندوتشات رايحة جاية دا كان عادي؟!"
زفر هو بقوةٍ ثم حمل ابنه النائم على ذراع «إيمان» ثم تحدث بضجرٍ:
"يلا يالا منك ليه، ورانا شغل بكرة الصبح و مش هستنى حد"
بعدها انسحبوا جميعًا نحو شققهم و كلًا منهم يصطحب زوجته معه، و أول من صعد شقته كان «خالد» الذي دلف اولًا و زوجته خلفه حتى أغلقت هي الباب، و اقتربت منه بخوفٍ و هي تقول بنبرةٍ مهتزة:
"هـ..هات يونس أنيمه جوة يا خالد ...هاته"
اخذت ابنها من يده ثم هرولت تجاه الغرفة هروبًا منه و خوفًا من حديثه، حتى تبعها نحو الداخل و هو يسألها بتعجبٍ من حالتها:
"مالك يا ريهام ؟! خايفة كدا ليه؟! هو أنا جيت جنبك ؟!"
ردت عليه هي بتوترٍ:
"خايفة.... خايفة منك يا خالد، لو اتكلمت و زعلتني و قولتلي أنتِ السبب هتضايق منك، بهرب منك علشان متكلمنيش"
رفع حاجبيه بذهولٍ و هو يقول بغير تصديق:
"ازعلك ؟؟ و أنتِ مالك أنتِ يا ريهام؟! هو أنتِ عملتي حاجة؟"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
"اومال اللي حصل دا كان مين سببه؟! مش دا هيبقى كلامك ؟!"
رد عليها بنبرةٍ جامدة:
"اللي حصل سببه إن الأستاذ عينه عاوزة تتخزق، و أنا بغير و دامي حُر و اللي يبصلك أنا ممكن أقفله عينه عمره كله"
ابتسمت رغمًا عنها مثل البلهاء بعد حديثه، فابتسم هو بخبثٍ و هو يقترب منها حتى جلست على الفراش بعدما سارت للخلف بظهرها و هي تطالعه بعينيها، فمال عليها و و هو يضع كلتا يديه بجانبيها و هو يتحدث هامسًا بهدوء:
"و هي الضحكة الهطلة دي علشان هقفل عيون الناس؟؟ و لا علشان سبب تاني؟!"
ردت عليه هي بتوترٍ من قربه بتلك الطريقة:
"علشان....علشان بتغير عليا يا خالد، صحيح روحنا القسم و اتبهدلنا، بس أنا فرحانة و مش هقدر أخبي حاجة زي دي"
رفع حاجبيه و هو يبتسم لها فسألته هي بحنقٍ طفيفٍ:
"ممكن أعرف بتضحك على إيه ؟! مش عاجبك كلامي"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول بنبرة صوته الرخيمة الهادئة:
"خالص.... أنا بضحك على تفكير الستات عمومًا، لازم شوية أكشن علشان تفرحي كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً بخجلٍ من طريقة تفكيرها، فوجدته يضيف برزانةٍ:
"لو على الاكشن فأنا ممكن أخزق كل العيون اللي تفكر بس تبصلك، و لو على الفرحة فأنا عمري كله يروح قصاد فرحتك عادي"
رمشت بأهدابها عدة مراتٍ تحاول استيعاب من يقف أمامها ؟؟ فوجدته يميل عليها أكثر و هو يقول هامسًا:
"أومال المعلم اللي كان ناوي ييجي يتقدملك مين اللي كسرله مناخيره؟!"
سألته هي بدهشةٍ من وقع كلماته عليها:
"هو أنتَ اللي عملت كدا ؟! قاله إن بلطجي اتهجم عليه و ضربه"
أومأ لها بأهدابه و هو يقول بثباتٍ:
"ماهو أنا بقى البلطجي دا، قولتله إنك بقيتي تخصيني و هو مصمم ييجي، هو اللي مفهمش بقى"
ظهرت الفرحة على تعابير وجهها و هي تقول بنبرةٍ حماسية:
"تصدق طلعت تستاهل إنك تتحب من أول مرة شوفتك فيها فعلًا، صحيح كنت تنح و معرفش حبيتك ليه، بس دلوقتي عرفت"
اعتدل في وقفته يبتعد عنها و هو يقول بضيقٍ زائفٍ:
"طب خليكي نايمة جنب ابنك بقى، على الأقل ميبقاش تنح زي أبوه"
خرجت خلفه تناديه بمرحٍ و هي تقول:
"استنى بس يا بني...هقولك بحبك ليه....يا خالد....يا أبو يونس"
ركضت خلفه و هو يضحك عليها في الأمام حتى وصلت له و هي تتحدث بمرحٍ جعله يشرد فيها دون أن يعي بماذا تتحدث.
_________________________
دلف «ياسين» شقته و معه «خديجة» و دون أن تتحدث أو تتفوه بجملتها المعتادة خلعت حذائها الرياضي ثم جلست على الأريكة بانهاكٍ واضحٍ، فتحدث هو بسخريةٍ من صمتها:
"جرى إيه يا كتكوتة ؟! ساكتة ليه؟! فين جُملتك النحس؟! خلي البيت يقع على دماغنا"
رمقته بغيظٍ و هي تقول:
"هو أنتَ ليك عين تهزر يا ياسين ؟! فوق يا بني إحنا جايين من القسم، ليه محسسني إننا كنا بنتكرم، اقترب منها يقف مقابلًا لها و هو يقول بلامبالاةٍ:
"طب ما الموضوع خلص و كل حاجة عدت على خير، مالك بقى؟!"
هبت منتفضة من جلستها و هي تقول بضجرٍ:
"علشان أنا كنت خايفة عليك و أنتَ جوة، اتعودوا تمسكوا نفسكم شوية، دي تاني مرة تروح فيها أقسام من ساعة ما اتجوزنا، ليه ؟! متجوزة ابراهيم الأبيض؟"
صرخت في وجهه بانفعالٍ جعله يحاول جاهدًا كتم ضحكته على هيئتها الغاضبة، من المفترض تجعله يتراجع عن بروده، لكن هيئتها جعلته يريد الانفجار ضاحكًا، حتى وكزته في ذراعه و هي تقول بضجرٍ:
"بطل تستفز فيا بقى، بتضحك على إيه يا بارد ؟!"
رد عليها مُردفًا ببساطةٍ:
"بضحك عليكي يا خديجة، شكلك يموت من الضحك و أنتِ متعصبة"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ مع لمحة اندهاش اصابتها و أصابت حواسها، فأضاف هو مُفسرًا:
"يا خديجة الله يرضى عليكي، بلاش تنكدي على نفسك و علينا، و لا هي روح تامر عاشور حضرت ؟؟ إحنا كلنا كويسين و زي الفل"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
"ياسين بطل عصبية شوية، أنتَ لما بتفلت منك الدنيا بتبوظ و دا أنا شوفته كام مرة، اهدوا شوية و بعدها اتصرفوا"
رد عليها بتهكمٍ:
"ليه يا خديجة متجوزة أباجورة؟عاوزاني اسمي على واحد بيعاكسك؟! مش مالي عينك أنا؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ منفعلة:
"أنا مش قصدي كدا، بس عمو اللي كان واقف برة قال إن الراجل دا واصل و حصل كتير و اتخانق في النادي و كل الناس اللي وقعوا تحت أيده هو عرف ازاي يضايقهم"
قطب جبينه و هو يسألها بتعجبٍ:
"عمو اللي كان واقف برة ؟! مين ياختي عمو اللي كان واقف برة دا؟!"
ردت عليه هي بحيرةٍ:
"عمو كدا كان لابس جاكيت جلد بني، و كان عمال ياخد من كل الناس فلوس، أنا شكيت أنه صاحب القسم و الله و مأجره للناس"
حرك رأسه في عدة جهات يحاول استيعاب ما تحدثت به، فوجدها تسأله بتعجبٍ:
"أنتَ بتعمل إيه؟! مالك يا سيدي؟!"
سألها هو بغموضٍ ممتزج بالسخرية:
"خديجة هو سؤال واحد و تجاوبي عليه، هو أنتِ قاصدة اللي أنتِ بتقوليه دا؟! و لا دي تلقائية؟! أنتِ مدركة أنتِ بتقولي إيه؟!"
سألته هي بتوجسٍ:
"هو أنا قولت إيه؟! مش عارفة بس بتهيألي أني معكيتش الدنيا"
رفع حاجبيه معًا بغير تصديق، فابتسمت هي بتوترٍ ثم قالت بلمحة حزنٍ ظهرت بصوتها:
"بص....أنا عارفة إن كلامي أهبل و منعكش و ساعات بيوصل لدرجة الهطل، بس و الله أنا مكنتش بتكلم أصلًا، و لما شوفتك لقيت نفسي بحب اتكلم معاك، بس أنا مبعرفش أتكلم أصلًا يا ياسين، و قولتلك أنا خايفة يجي يوم و تزهق من النعكشة دي"
سألها هو بنبرةٍ جامدة:
"و هو أنا قولت حاجة يا خديجة ؟؟ أنا بسألك من باب الهزار مش أكتر"
حركت رأسها بتفهمٍ و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"تصبح على خير يا ياسين، عن اذنك علشان أنا تعبانة و دماغي صدعت"
تحركت من أمامه نحو الداخل و لأول مرة تشعر أن عفويتها سببت لها إحراجًا معه، بدلت ثيابها ثم ارتمت على الفراش تندثر تحت الغطاء، هي لم تقصد أن تحزنه أو تحزن منه، حتى أنها لا تدري لماذا شعرت بالضيق من تلك الكلمة، و قبل أن تندمج في التفكير شعرت به ينام بجوارها حتى سحبها نحوه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"بصيلي يا برطمان النكد، بصيلي يا ولية يا مفترية، دا أنتِ لو في الصعيد يطخوكي عيارين علشان تسيبي جوزك و تنامي كدا"
حاولت كتم ضحكتها فوجدته يقول مشاكسًا لها:
"طب متضحكيش و بصيلي، يلا بدل ما اتصل بأخوكي و أنكد عليه في شهر العسل، أنا باصصله فيه أساسًا"
التفتت له و هي تقول بحنقٍ:
"نعم ؟! خير ؟!"
رد عليها بثباتٍ:
"أنعم الله عليكي يا ست الكل"
رفعت حاجبيها له فأضاف هو مُفسرًا:
"فيه حد بيأجر قسم شرطة في الدنيا؟! يعني التفكير دا جالك ازاي؟!"
سألته هي بضجرٍ:
"اومال ببعملوا إيه يا فذة يللي مفيش منك اتنين؟"
وكزها في كتفها وهو يقول بسخريةٍ:
"بيملكوه علطول يا عبيطة، الايجار مبيأكلش عيش"
حاولت كتم ضحكتها لكنها فشلت فشلًا ذريعًا في ذلك، فوجدته يقول بمرحٍ:
"شوفتي بقى لما الليلة بتختم بضحك بتبقى حلوة إزاي ؟!"
سألته هي بنبرةٍ ضاحكة:
"طب تقدر تقولي هو بياخد الفلوس دي كلها ليه؟! و بعدين هو قاعد بثقة كبيرة"
رد عليها ببساطةٍ من خلال قسمات وجهه الساخرة:
"مرتشي حقير، بياخد فلوس علشان الناس تمشي امورها، بيستغلهم"
سألته هي بذهولٍ من حديثه فتابع هو من جديد:
"و الله مش بهزر، فيه ناس يعيني مقبوض عليهم و عاوزين يدخلوا ليهم زيارة أو أكل أو أي حاجة، هما بقى بيظبطوهم بس بياخدوا فلوس على كل حركة، هو مش حقه أصلًا، بس حاجة الناس مش هتخلص غير برضاه هو"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ فوجدته يسألها:
"بقولك إيه خلاص مش زعلانة؟! و لا لسه هتنكدي عليا؟!"
رفعت رأسها تقبله على وجنته و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا مبعرفش ازعل أصلًا، و أنتِ تحديدًا مينفعش ازعل منك"
ابتسم لها و هو يقول بخبثٍ:
"قربي يا خديجة، تعالي عاوز أقولك حاجة"
اقتربت منه و هي تبتسم بخجلٍ حتى وجدته يمسك أذنها و هو يقول بضجرٍ:
"و لما هو أنتِ متزعليش و مني أنا بالتحديد، بتسوي دراما ليه و توقعي قلبي في رجلي، هو أنا لبست في واحدة هطلة"
صرخت بألمٍ ممتزجٍ بضحكاتها و هي تقول بتأوهٍ:
"سيب ودني يا أهبل، يخربيت الهبل، سيب يالا"
ردد خلفها كلمتها بتهكمٍ:
"يالا ؟! أسمي حضرتك يا أستاذ ياسين"
تركها على مضضٍ بعد جملته الأخيرة، فوجدها تخطف الوسادة من خلفها ثم قذفته بها في وجهه، حتى تحدث هو بغير تصديق:
"يا بنت الهُبل ؟! طب لو مسمعتش حضرتك يا أستاذ ياسين دلوقتي هروح أغير كلمة السر بتاعة الراوتر، بلاش"
أقتربت منه تقول بخوفٍ:
"لأ خلاص خلاص، اؤمر يا مهلبية"
سألها هو بسخريةٍ:
"هي الناس اللي عاوزة تشوف عيالنا دي عندهم فكرة عن الهطل دا؟! هما مُدركين إنتاج الجوازة الهطلة دي إيه؟!"
ردت عليه هي بمرحٍ:
"دا هيبقى انتاج مهلبية"
ضحك كليهما معًا حتى احتضنها و هو يبتسم باتساعٍ ثم قبل رأسها و هو يمسد على عليها بحنانه المعتاد دومًا.
_________________________
(بعد مرور أسبوع)
اللحظات السعيدة في بعض الأحيان تُشبه قطرات المطر، و ردود الأفعال تتعدد بين الحين و الآخر، ففي بعض الأحيان ينجرف بعض الناس وراء مشاعرهم في الاسمتاع بتلك القطرات الندية، و في بعض الأحيان الأخرى يخشى الناس الاقتراب من المطر خوفًا من الغرق بها، هكذا هي اللحظات السعيدة؛ تشبه المطر، و هو أخيرًا استطاع التخلي عن خوفه و انصاع لرغبته في الاسمتاع أخيرًا بتلك اللحظات السعيدة.
جلس في الشرفة أثناء الغروب و هو يفكر في الاسبوع المنصرم، و كيف عاش به أسعد أيام حياته، معها هي و كيف كان يمر اليوم بقربها، حيث كان وجهها أول ما يراه في صباحه و أخر ما تراه العين قبل اغلاقها، شعر بسعادةٍ تغمره، و تجتاحه بالكامل و خاصةً و هو يفكر في تلك اللحظات التي يقف فيها بين يدي الله سبحانه و تعالى و هي خلفه و كليهما يدعو الله أن يديم وجود الأخر له.
استنشق «وليد» الهواء بعمقٍ، سامحًا لنفسه الاستمتاع بتلك الأجواء و خاصةً مع النسمات الشتوية المنبعثة من مياه البحر المواجه له، و هو يبتسم بهيامٍ عند وصول صوت مطربته المفضلة لأذنه و هي تقول:
"أنا لحبيبي و حبيبي إلي....يا عصفورة بَيضة لا بقى تسألي.... لا يعتب حدا....و لا يزعل حدا....أنا لحبيبي و حبيبي إلي.... أنا لحبيبي وحبيبي إلي"
كلمات الأغنية مع صوت موجات البحر مع كوب القهوة الموضوع أمامه و مع محافظة الأسكندرية تحديدًا، كل تلك الأجواء استطاعت التغلغل لأعماقه و سبر أغواره المُحصنة، حتى استنشق عبيرها و هي تقترب منه من الخلف، ففاجأها هو حينما انتفض من مقعده ثم وقف مقابلًا لها، رمقته هي ببلاهةٍ فوجدته يمسك يدها و يسحبها نحوه و هو يقول بنبرةٍ عابثة:
"سامعة فيروز بتقول إيه؟! أنا لحبيبي و حبيبي إلي ؟! طلع كلامها صح"
ابتسمت له و هي تقول:
"اشمعنا يا سيدي؟!"
اقترب بوجهه منها و هو يقول:
"مش بقالنا اسبوع سوا؟؟ الاسبوع دا مصدقتيش كلامها؟!"
ردت عليه هي بضجرٍ:
"متفكرنيش إن الأسبوع خلص يا وليد، أنا عاوزة أعمل كتاب مخصوص للاسبوع دا، كانوا شوية فسح و خروجات و حاجات كتير صعبان عليا أسيبها"
ابتسم لها بقلة حيلة و هو يقول:
"أنا بقى كوليد الرشيد هخلي كل أيامك أحسن من الأسبوع دا، يمكن لما نرجع بيتنا نحبه أكتر من هنا، بس أنا إن شاء الله ناوي أفرح و أفرحك معايا، علشان لا أنا و لا أنتِ نستاهل الزعل"
حركت رأسها موافقةً فتحدث هو بنبرةٍ هادئة:
"طب يلا غيري هدومك علشان ننزل نجيب الحاجات اللي هناخدها معانا ليهم، يلا علشان طارق و جميلة زمانهم جهزوا"
حركت رأسها موافقةً ثم قبلت وجنته و بعد تحركت من أمامه بحماسٍ، فتحدث هو من خلفها بنبرةٍ ضاحكة:
"هبلة بس عسل"
_________________________
دلفت «هدير» شقتها في محافظة القاهرة و مع زوجها، ارتمت على أول مقعد يقابلها و هي تتنهد بتعبٍ واضحٍ، فجلس هو بقربها و هو يقول بنبرةٍ منهكة:
"أنا مش عارف اقولهم ازاي أني مش مستعد انزل الشغل دلوقتي، أنا هاين عليا أنام أسبوع محترم كدا، و لا أنتِ إيه رأيك؟!"
ردت عليه هي بتيهٍ:
"أنا عمومًا عاوزة أنام بجد، أسبوع أو سنة بقى مش هتفرق معايا، بس الاسبوع دا كان جامد اوى، مش عارفة هو كان حلو علشان احنا في الساحل و لا حلو علشان كنا سوا، و لا حلو علشان أنتَ السبب، بس دي حاجة مش جديدة، كل حاجة معاك بقت حلوة"
ابتسم لها ثم فتح أحد ذراعيه و هو يوميء لها حتى تقترب منها، اقتربت منه تبتسم بسعادةٍ بالغة، حتى طُرق باب الشقة، اعتدلت هي في جلستها و هي تسأله بتعجبٍ:
"مين اللي هيجي و إحنا لسه واصلين كدا ؟!"
رد عليها مُخمنًا:
"أكيد أم أمل شافت العربية واقفة تحت و جاية تسأل لو عاوزين حاجة، اطلبي منها اللي محتاجاه و أنا هدخل أغير هدومي"
حركت رأسها موافقةً ثم توجهت نحو باب الشقة تفتحه، فتفاجأت بسيدةً يبدو عليها الوقار، و الهيبة ترتدي بدلة نسائية سوداء، و حجاب كشف عنقها و بعض خصلات شعرها، فتحدثت تسألها بتعجبٍ بعدما رآت نظراتها الثاقبة نحوها:
"أيوا مين حضرتك ؟! نعم؟!"
سألتها الأخرى بثباتٍ:
"أنتِ اللي مين؟! و بتعملي إيه في شقة أخويا؟!"
تعرفت عليها «هدير» فورًا فتحدثت بثقةٍ و هي تقول:
"أهلًا و سهلًا معاكي هدير الرشيد مرات حسن....أخوكي"
وقف «حسن» في الخلف يشاهد تلك المقابلة و هو يكاد يجزم أنها مثل انفجار القنبلة الموقوتة.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم شمس بكري
تملك عينين أشبه بأعين الريم...
يصبح المرء بنظرةٍ منهما أمنًا و من جروحه سليم
_________________________
لِما كُتبَ عليَّ حالة الحرب و أنا أبحث عن السلام؟! و لما فُرضَ عليَّ الصمت و أنا أملك الكلام؟! هل هذه هي دنيتي ؟! تجبرني على الوجع و على معايشة الآلام؟ أم أنني منحوسًا من الأصل و بِتُ ضحية الأوهام؟!
مثلها كمثل قُنبلةٍ موقوتة انفجرت في الصباح لتؤرق نوم مدينةً بالكامل، هكذا كان حديث «هدير» لشقيقة زوجها التي وقفت تطالعها بثباتٍ حتى ابتسمت بسخريةٍ و هي تقول:
"و الله ؟! طب روحي يا سكر اندهي حسن، قوليله المدام حنان أختك جت"
قالت حديثها بتعالٍ دون أن تلاحظ ذلك الواقف في الخلف و هو يفكر في الآتي، و قبل أن تتحدث «هدير» بكلمةٍ واحدة أعلن العصيان على جسده و تقدم منهما بثباتٍ و هو يقول بصوتٍ رخيمٍ:
"نورتي بيت أخوكي يا حنان، وحشتيني"
اقترب منها يحتضنها بحرارةٍ ظنًا منه أنها ستبادله العناق بنفس اللهفة، لكنها ضربت بمخيلته عرض الحائط حينما وجد عناقها جافًا يخلو من أي شوقٍ أو حنينٍ، فقط رفعت ذراعيها تربت على ظهره و هي تقول بصوتٍ جافٍ من الاشتياق:
"ازيك يا حسن؟ طمني عليك يا حبيبي عامل إيه؟! كويس ؟"
ابتعد عنها يحرك رأسه موافقًا بعدما أجبر شفتيه على الابتسام، بينما هي وزعت نظراتها بينه و بين «هدير» التي وقفت بثباتٍ تُحسد عليه ، و كأنها بذلك تبدأ صد المناواشات النظرية المنبثقة من الأخرى، فحمحم هو بقوةٍ يُجلي حنجرته ثم تحدث بصوتٍ أجش:
"هنفضل واقفين كدا كتير ؟! اتفضلي ادخلي، يلا يا هدير اقفلي الباب"
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت من الباب تغلقه و الأخرى ترمقها بنظراتٍ لو كانت تقتل، لوقعت «هدير» ميتةً نتيجة تلك النظرات، لكنها آثرت التجاهل ثم اقتربت منها تقول مُرحبةً بها بخبثٍ:
"نورتي بيتنا يا طنط، حقيقي كان نفسي اتعرف عليكي من بدري، على ما أظن أني محظوظة انني شوفتك"
ابتسمت لها الأخرى و هي تقول بتصنعٍ:
"البيت منور بأهله و باخويا يا آنسة ؟! إسمك إيه؟!"
ابتسمت لها بقلة صبرٍ و هي تقول متكئةً على حروفها لترسل لها رسالةً مبطنة:
"مــدام....أنا المدام هدير الرشيد، مرات حسن المهدي"
اقترب «حسن» يقف مقابلًا لهما و هو يقول:
"اقعدوا يا جماعة مش هينفع نتكلم على الواقف كدا، تعالوا علشان نعرف نتكلم"
سار الثلاثة نحو الأريكة الخالية، فجلست عليها شقيقته و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
"اديني قعدت أهو يا أستاذ حسن، اتفضل سمعني بقى،ازاي
دا حصل، و مين الاستاذة؟"
رفعت «هدير» حاجبها لها ترمقها بحنقٍ، فوجدت الأخرىٰ تقول بتهكمٍ:
"ها ؟! اتكلم... اتجوزت من غير ما أختك تعرف ؟! خلاص نسوك أختك يا حسن؟"
جلس هو مقابلًا لها مُسرعًا و هو يقول محاولًا ايقافها:
"حنان لو سمحتي ياريت تهدي و تبطلي طريقتك دي، اسمعي الأول و بعدين احكمي"
تحدثت بنفس السخرية و التهكم:
"يا راجل ؟! صح أنا ظالمة أوي، أخويا اتجوز و أنا معرفش و أخر من يعلم، و مش بس كدا، دا حتى مكلفش خاطره يعرفني بعدها، فعلًا لازم أصبر"
تنهد هو بعمقٍ ثم تحدث أخيرًا مردفًا بثباتٍ واهنٍ و الغضب يتأجج بداخله:
"يا حنان كل حاجة بتحصل ليها أسبابها، و الجوازة دي ليها أسبابها، أكيد كنت عاوز أعرفك كل حاجة"
حركت رأسها باستنكارٍ و رافق حركتها تلك سُخريةً حلت محلها على وجهها، بينما «هدير» ابتلعت غصة مريرة في حلقها خوفًا من حديثه القادم، و في تلك اللحظة تمنت لو أصيبت بالصم حتى لا تستمع لحديثه و الذي نتيجته ستكون بالسلب عليها و على كبريائها، حتى وجدته يضيف مُفسرًا:
"سبب الجوازة دي أني حبيت هدير، و أني فضلت افكر فيها و مش عارف أطلعها من دماغي، بس كنت خايف أخد خطوة زي دي و أطلبها بحكم أني متربي معاهم في البيت، بس لحد ما ابن عمها اتقدم ليها مقدرتش أمسك نفسي، مش معقول اللي أحبها ييجي واحد ياخدها من قدامي علشان أنا خوفت، و روحت بالمأذون و كتبت الكتاب، و علشان ظروف عائلية و وفاة والدتها أنا سرعت أني أجيبها معايا هنا علشان متتعبش لوحدها، على الأقل تبقى معايا و قصاد عيوني"
هل ركضت تقبله الآن و تظل بيت ذراعيه سيحدث شيء؟! بالطبع لا، لكن مهلًا تلك التي تجلس أمامه يبدو أنها ستخرج ما بجبعتها و تعكر صفوهظا الآن، هكذا كانت تفكر «هدير» بعد حديثه و بعد الراحة التي تخللت الثقوب التي سببها لها خوفها ، حتى وجدت سقيقته تقول بنفس الطريقة التي تتحدث بها منذ أن خطت بقدميها هنا:
"هو الفيلم الهندي دا أنا هصدقه ؟! حبيت مين يا حسن؟! من إمتى و أنتَ بتقتنع بالحب و الحاجات دي، طول عمرك شخص عملي و تفكيرك موزون، و بعدين هما ما صدقوا بقى و وافقوا؟!"
نظر لها مشدوهًا بغير تصديق و هو يفكر كيف لها أن تكون بكل ذلك الجفاء؟! بينما «هدير» تخلت عن صبرها و جلست بجواره و هي تقول بثقتها المعهودة:
"مش كل الناس معندهاش مشاعر يا طنط، حبني و أنا حبيته، و إن شاء الله ربنا يكرم و يخليكي عمتو قريب"
حركت عينيها ترمقها بنظراتٍ ثاقبة ثم اعادت بصرها نحو أخيها من جديد و هي تقول:
"حسن أنا عاوزة اتكلم معاك كلمتين لوحدنا، على انفراد"
رد عليها بنبرةٍ جامدة:
"مفيش حد غريب يا حنان، هدير مراتي و مفيش بينا أسرار، اتكلمي قصادها عادي"
طالعته «هدير» بتأثرٍ من خلال سهام عينيها، بينما الأخرى تحدثت باصرارٍ على طلبها و هدفها:
"و أنا عاوزة اتكلم مع أخويا !! معلش خليها عليك و تعالى نتكلم سوا"
قبل أن يرد عليها تحدثت «هدير» بصوتٍ مختنقٍ:
"مفيش مشاكل يا حسن، أنا هقوم علشان أحضر الغدا، اتكلموا سوا انتم عن اذنكم"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ مُجبرًا على الانصياع لأوامر الأخرى حتى لا تحتد الأمور لأكثر من ذلك، فتحركت «هدير» من مستقر جلوسهم نحو الداخل، و قد اقتربت الأخرى تجلس بجواره و هي تقول بنبرةٍ أهدأ من قبل:
"حسن ؟! كلامك دا كله أنا مش مقتنعة بيه، إيه السبب اللي يخليك تتجوز بالطريقة دي؟! أكيد كان فيه كارثة"
حسم أمره و هو يتحدث مُقررًا بنبرة صوتٍ جامدة:
"حنان !! كارثة إيه اللي بتقولي عليها؟! كارثة علشان حبيت؟! بقولك خوفت تضيع مني و خوفت أخسر بسبب سكوتي، كنتي عاوزاني استني لحد ما ألاقي واحد تاني بياخدها و أرجع أنا خسران ؟"
ابتسمت له بسخريةٍ و هي تقول:
"مش بقولك إنك طول عمرك أهبل ؟! عيلة الرشيد عرفوا يضحكوا عليك صح، لقوا مفيش فايدة منك و مش عارفين ياخدوا منك حاجة، قالوا يدوك بنتهم، مش معقولة هيبدوك على ابن عمها، و لا هو طارق حبها فجأة كدا؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ اقرب للانفعال:
"طالما متعرفيش حاجة يبقى متكلميش أحسن، و مش طارق هو اللي كان متقدملها، دا كان راشد ابن عمهم اللي في السويس، و آه فضلوني عليه، علشان أنا تربيتهم"
ردت عليه هي بإيجازٍ و كأنها لم تسمع حديثه:
"المهم يا حسن، بكرة فيه ناس هنروح نقابلهم علشان تتقدم للعروسة اللي أنا جيبتهالك"
كسا التيه ملامح وجهه بعد حديثها، و لم يقوى على التحدث ، فوجدها تقول بنبرة صوتٍ حادة:
"أنا اديت ميعاد للناس و هما عارفين إنك هتشوفهم بكرة يا حسن، مش معقول هقولها خلاص"
تحدث هو أخيرًا بجمودٍ بعدما هب منتفضًا:
"حنان !! بقولك أنا متجوز و بحب مراتي، عاوزاني أروح اقابل عروسة و اتعرف عليها؟! أنتِ بتفكري ازاي؟!"
ردت عليه مُقررةً:
"بفكر زي أي حد طبيعي، جوازتك دي أكيد فيها حاجة غلط، و أنا مش هقبل إنهم يستغلوك، و الناس هتيجي بكرة و هننزل علشان نشوفهم"
قبل أن يرد عليها خرجت «هدير» من الداخل و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
"حسن !! بابا بيأكد علينا بكرة الجمعة عزومة الشباب في العيلة، و مستنينا بكرة"
حرك رأسه ينظر لها بقلة حيلة فتحدثت «حنان» بنبرةٍ جامدة:
"حسن بكرة مش فاضي، رايح يتقدم لعروسة، روحي أنتِ"
اقتربت منها «هدير» تقول بجمودٍ و ثباتٍ:
"هيروح يشوف عروسة و عروسته موجودة ؟! طب دا احنا لسه راجعين من شهر العسل مكملناش ساعة، و لا إيه يا حسن؟! ما تحكيلها على الساحل الشمالي و الاسبوع اللي قضيناه سوا هناك"
ظهر شبح ابتسامة على ثغره من طريقتها أمام شقيقته، فتحدث هو محاولًا تهدئة الأوضاع:
"حنان كلميهم و قوليلهم أني مسافر و إنك مكنتيش تعرفي، أنا الحمد لله متجوز و فاتح بيت و مبسوط مع مراتي"
ابتسمت بسخريةٍ فاقتربت «هدير» تمسك ذراعه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا اللي مبسوطة معاك أوي يا حسن، أحسن راجل في الدنيا كلها"
حرك رأسه مُحاولًا كتم ضحكته، فوجدها هي تغمز له، ثم حركت رأسها و هي تقول لتلك الواقفة أمامها:
"نورتي البيت يا طنط حنان، قوليلي بقى بتحبي إيه اعملهولك على الغدا ؟؟ دي أول مرة تاكلي من إيـــد مـــرات أخــوكي"
اتكأت على حروفها أثناء الحديث بمرحٍ زائفٍ جعل الأخرى تفكر في كيفية التعامل مع تلك التي تقف أمامها بثباتٍ و تحدٍ و «حسن» بينهما مثل الغريق المضطر للمحاربة بأنفاسٍ مقطوعة
_________________________
انهى «ياسين» عمله و قبل أن يخرج من مكتبه وجد أحد المُدراء الخاصين برئاسته في العمل يبعث بها مرسولًا يطلب منه بوقارٍ:
"أستاذ ياسين ؟! حاتم باشا منتظر حضرتك في مكتبه، بيقول لحضرتك قبل ما تتحرك ياريت تعدي عليه في مكتبه"
عقد ما بين حاجبيه بتعجبٍ ثم حرك رأسه موافقًا و هو يقول:
"تمام يا كرم، اتفضل أنتَ، أنا هتحرك أهو"
هز الرجل رأسه موافقًا ثم خرج من المكتب، بينما «ياسين» أنتاب القلق قلبه، و بلغ التوتر مبلغه، خاصةً أن ذلك المُدعى «حاتم» يتعامل بفظاظةٍ مع الموظفين، قرر هو التحلي بالثبات و أجمع أشيائه الخاصة في حقيبة ظهره، ثم توجه نحو باب الغرفة يعبر منه حتى يتوجه غرفة مديره، طرق هو الباب طرقاتٍ رتيبةٍ على الباب الزجاجي و خاصةً أن السكرتيرة سبق و انتهى دوامها.
سمح له مديره من الداخل بالدلوف بإيجازٍ و بوقاره المعتاد مع الموظفين، ولج «ياسين» المكتب ثم وقف يضع كفيه على بعضهما و هو يقول بتهذبٍ:
"مساء الخير يا فندم ؟! وصلني إن حضرتك عاوزني، اؤمرني"
رفع عينيه من أسفل نظارته الطبية يطالعه بثباتٍ بعدما كان يتفحص بعض الاوراق الهامة الخاصة بالعمل و هو يقول بنفس الايجاز:
"اتفضل اقعد يا بشمهندس ياسين، اتفضل"
حرك «ياسين» رأسه موافقًا ثم اقترب من المقعد الملتصق بالمكتب الخشبي، و هو يقول بنبرةٍ هادئة و قورةٍ:
"تحت أمرك يا فندم، خير إن شاء الله"
خلع الأخر نظاراته الطبية ثم ضم ذراعيها فوق بعضهما و وضعها في المجرىٰ المخصصة لها و هو يقول بعدما حمحم بخشونةٍ:
"طبعًا حضرتك من أكفأ المهندسين اللي في الشركة يا أستاذ ياسين، و رغم إن سنك صغير إلا إنك كل مجهودك واضح في الشركة و في الشغل المبذول من ساعة ما وصلت الشركة هنا"
ابتسم له بهدوء و هو يقول ممتنًا له:
"دي شهادة فخر و اعتزاز يا فندم، و شرف ليا إن قامة كبيرة في مجال الهندسة و المعمار تشهد بشغلي، بس اعذرني....ممكن أعرف سبب كلام حضرتك؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يتابع بنفس الطريقة السابقة:
"طبعًا....حضرتك عارف إن فيه مشروع في أراضي البدو تبع الشركة هنا، و حضرتك كنت من المصممين الأساسين للمشروع دا"
أومأ له «ياسين» موافقًا بتشتتٍ و تيهٍ، فتابع الأخر بثباتٍ:
"حضرتك هتستلم إدارة المشروع دا و تشرف عليه عمليًا، و هتروح تتابع من أرض الواقع و تشرف على العمل هناك"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ و كأن دلوًا من الماء البارد سُكِب عليه، فوجد الرجل يتابع من جديد:
"طبعًا مش نلاقي أكفأ من حضرتك علشان يشرف على مشروع زي دا، دي فرصة عظيمة ليك و لأي شاب في سنك"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ مهتزة من وقع الصدمة عليه:
"دا شرف ليا يا فندم طبعًا، بس فيه ناس كتير هنا أكفأ مني و يستاهلوا إنهم ياخدوا الفرصة دي، سواء في السن أو في الكفاءة"
رد عليه الأخر بثباتٍ يرفض تراجعه عن الموافقة:
"بس الأدارة كلها هنا شايفة إن حضرتك من أكفأ الناس اللي يستحقوا الفرصة دي، و أظن إن ظروفك مناسبة"
رد عليه مُسرعًا محاولًا اقناعه بالتفكير مرةً أخرى:
"يا فندم حضرتك عارف أني متجوز لسه من شهور، و لسه مستقريتش الاستقرار التام، يدوبك ببني في حياتي، فيه زمايلي كتير يستحقوا الفرص دي، ايمن مثلًا، أكبر مني سنًا و في الشغل هنا من قبلي، أنا آسف يا فندم بس مش هقدر"
رد عليه الأخر بنبرةٍ جامدة:
"ياسين !! أنا مش بعزمك على رحلة ؟! دا شغل و مسئولية عليك، أظن إن حاجة زي دي مفيهاش مجاملات ؟! مستني ردك على الشغل"
حاول جاهدًا أن يتصف بالصبر و هو يقول بتريثٍ:
"طب يا فندم الفترة هناك هتكون قد إيه؟! أظن مشروع زي دا محتاج وقت و مجهود كبير، مش مجرد أيام و خلاص؟"
رد عليه بايجازٍ:
"هتبقى أسابيع إن شاء الله، أنا هبتعلك إيميل فيه كل التفاصيل"
حرك رأسه موافقًا بطريقةٍ مُهذبة ثم وقف و هو يطالعه بقلة حيلة، و قبل أن يهم بالخطى التفت نصف التفاتة نحو الجالس على مكتبه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"معلش يا حاتم بيه عندي كام استفسار مهمين، هو فجأة كدا المشروع بقى محتاجني؟! على ما أظن إن البشمهندس رأفت هناك و شغله ماشي مظبوط"
رد عليه بثباتٍ:
"رأفت مراته هتولد خلاص و هو طالب أجازة، و لازم الكفاءة البديلة تكون في نفس المستوى، و الادارة شايفة انكم مستوى واحد في الكفاءة"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم أضاف مُستفسرًا:
"طب سؤال تاني معلش، لو زي ما حضرتك بتقول كدا، لو أنا موافقتش على المشروع دا ؟؟ إيه اللي المفروض يحصل"
رد عليه بنبرةٍ ذات مغذى يرسل له رسالةً مبطنة القصد:
"على ما أظن إن حضرتك مهندس كُفء و على درجة عالية من الالتزام المهني و ملفك يشهد بكدا، بلاش يكون فيه نقطة سخيفة تضيع مجهودك"
حرك رأسه موافقًا و قد توصل لـ مفدىٰ الرسالة و بالطبع ستعود النتائج عليه بالسلب في عمله و سمعته المهنية التي حارب للحفاظ عليها، ابتسم له باقتضابٍ ثم خرج من المكتب بخطواتٍ واسعة و رأسه أوشك على الانفجار من كثرة الضغط عليه من تفكيره المُشتت.
خرج «ياسين» من مكتبه فأخرج «حاتم» هاتفه يطلب رقمًا مُحدد، وضع الهاتف على أذنه و هو ينتظر الرد من الأخر و قد وصله أخيرًا الرد مُتلهفًا بقوله:
"ها يا حاتم ؟؟ وافق و لا لأ؟"
رد عليه الأخر بضجرٍ:
"أنا قولتله يا هشام، و على ما أظن هو هيوافق، ياسين عاقل و بيحب شغله"
رد عليه الأخر بتشفٍ:
"خلينا نستفاد منه، الشغل هناك واقف و رأفت شخصيته ضعيفة، ياسين دا هو اللي هينفع مع الناس اللي هناك"
تحدث الآخر مُحذرًا له بنبرةٍ جامدة و تحدٍ:
"هشام !! ياسين ابن رياض الوحيد، و رياض طول عمره صاحب فضل على الشركة كلها، متنساش إنه المحامي الوحيد اللي كمل في قضية ممتاز و رفض ياخد أي فلوس، ياسين ميتأذيش يا هشام"
رد عليه الأخر بنفاذ صبرٍ:
"هو أنا قتال قُتلة يا حاتم ؟! العرب هناك عاملين مشاكل و موقفين المشروع، ياسين دا يروح يتصرف معاهم و شكله ما شاء الله... حكيم، ربنا يستر بس و ميتغاشمش مع الناس هناك"
أغلق الأخر الهاتف بقلة حيلة و نفاذ صبرٍ من الأخر، فهو يعلم أن تلك الأشياء الصغيرة لن تصل لكبار العمل، و المسئول الوحيد عنها هو «هشام».
_________________________
خرج «ياسين» من مقر عمله ثم تقابل مع «ياسر» و ركب معه السيارة حتى يعودا سويًا نحو وجهتهما، و قد لاحظ «ياسر» شروده و تهجم وجهه، فسأله بتعجبٍ من حالته:
"مالك ياض ؟! فيه حاجة مزعلاك و لا إيه ؟! متخانق مع مراتك؟!"
انتبه له و حرك رأسه نفيًا ثم أخرج زفيرًا قويًا لعله يخرج ما يعتل به صدره، فسأله أخيه من جديد:
"يا بني مالك؟! فيه عين جاموسة رشقت فيك طيب؟! ما كنا كويسين الصبح ؟!"
رد عليه «ياسين» بايجازٍ بنبرةٍ تحمل ثقل العالم في حروفها:
"الدنيا في عشر دقايق اتكركبت فوق دماغي يا ياسر، عاوزني أسافر أشرف على المشروع اللي بيتعمل عند البدو، يا كدا يا بالعربي اقعد في بيتكم يا ياسين"
رد عليه «ياسر» بلهجةٍ حادة:
"إزاي دا ؟؟ مش الشركة مقسمة فرق ؟! يعني جزء بيباشر من أرض الواقع و جزء من المكتب و جزء تصميمات ؟! حصل إيه بقى"
زفر بقوةٍ ثم تحدث بنبرةٍ أقرب للانفعال من كثرة الضغط:
"ماهو أنا مش فاهم !! فجأة كدا بقيت مهندس كُفء و مطالب مني أشرف على مشروع كبير زي دا و أسافر لفترة توصل لشهور ؟!"
تحدث «ياسر» يسأله بدهشةٍ ممتزجة بالحنق:
"إيه ؟! شهور !! ليه يا ياسين ؟! طب رياض فين يكلم ممتاز علشان يتدخل ؟!"
رد عليه بقلة حيلة:
"هروح أقول لأبويا كلم صاحبك علشان مشتغلش ؟! دا كلام يا ياسر؟! أنا مش عيل صغير"
رد عليه الأخر مُسرعًا:
"مش قصدي كدا، كل اللي اقصده مثلًا إنه يروح يسأله هل فعلًا مفيش غيرك؟! طب باقي المهندسين فين؟!"
تنفس بعمقٍ ثم تشدق بنذقٍ:
"مفيش غيري في نفس كفاءة رأفت، تقريبًا نفس الدماغ و التصميمات و نفس الشغل، بس هو طول عمره بيحب النزول لأرض الواقع، إنما أنا شغلي كله من المكتب"
ربت على كتفه و هو يقول مؤازرًا له في مشكلته تلك:
"ربنا يفرجها و إن شاء الله يفكروا و يلاقوا حد أشطر منك"
حرك رأسه نفيًا ثم تحدث بكلماتٍ يائسة نتيجة تلك المقابلة:
"ماظنش يا ياسر، غالبًا كدا القرار رسمي من غير رجعة فيه، ربنا يستر بقى في اللي جاي"
تنفس «ياسر» بعمقٍ ثم تحدث أخيرًا بثباتٍ:
"طب اطلع بينا على ميمي، خالد و عامر سبقونا على هناك، و لا هتروح؟!"
رد عليه مُسرعًا:
"لأ طبعًا هنروح نشوفها، خلونا اشبع منكم قبل ما أسافر، دي ممكن تتعب لو عرفت"
_________________________
في محافظة الأسكندرية و خصيصًا في شوارعها المزدحمة و المتكدسة بمختلف الأجناس و الأنواع، كانوا يسيرون على أقدامهم هم الأربعة بداخل أحد الأسواق الشهيرة بتلك المحافظة حتى يبتاعون عدة أشياء قبل رحيلهم، وقف «وليد» يشتري الحلويات الخاصة بتلك المحافظة و تعد الحلوى الرسمية بها، أخذ العلب الكرتونية و التي كانت مرتصة فوق بعضها في صفًا طويلًا حتى سأله «طارق» بسخريةٍ:
"جرى إيه يا وليد ؟! ناوي تفتح فرع في القاهرة ولا إيه؟! كل دي هريسة"
ابتسم له و هو يقول مُفسرًا بصوته الرخيم:
"علشان الحبايب يا طارق، خديجة بتحبها و جيبت للشباب معايا كلهم، و عم طه وصاني أجيبله منها، كتبت في ورقة علشان منساش حد"
ردت عليه «جميلة» بتأثرٍ:
"دايمًا حنيتك بتكسب و تأثر فيا، بصراحة أكتر ميزة بتخليني اتغاضى عن طريقتك"
رفع أحد حاجبيه و هو يقول بحنقٍ منها موجهًا حديثه لزوجها:
"شوف مين فينا بقى اللي بينكش التاني؟! عاملة زي أمك لازم ترمي كلمة تحرق دمي"
ردت عليه هي بضجرٍ منه:
"يا بني ملكش دعوة بأمي، ياربي منك ؟! و بعدين عامل حسابها معاك ليه و كاتب اسمها ليه ؟!"
رد عليه بسخريةٍ و هو يقلد طريقتها في الحديث:
"أنا و عمتي أحرار !! و بعدين وريني هتجيبي ليهم إيه بقى"
ابتسمت له بثقةٍ و هي تقول:
"كل واحد فيهم طلب حاجة جيبتها، جيبت لخلود الأكسسوارات اللي قالتلي عليها و جيبت لسلمى الحاجات اللي قالتلي عليها و طارق جابلهم الحاجات اللي قالوا عليها"
تدخلت «عبلة» تقول بسخريةٍ:
"بيت الرشيد محسسني إننا راجعين من العُمرة، ناقص يوصونا على سجاجيد صلاة و سِبح"
ضحكوا عليها الثلاثة بينما «وليد» اقترب من السيارة يضع بها الحلويات ثم اقترب من أحد المحلات التجارية الخاصة ببيع "أم الخلول" ليجلب منها لصغيرته "خلود" و بعدها عاد لهم من جديد، فحدثته «عبلة» تذكره:
" أوعى تكون نسيت أم الخلول علشان خلود ؟! دي ممكن تولع فينا، و أنا مش ناقصة"
رفع الحقيبة في يده و هو يقول:
"متخافيش....مقدرش أنسى، دي موصياني من قبل الفرح"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يترك الحقيبة في يد زوجته ثم تحرك من أمامهم جيمعًا راكضًا للناحية الأخرى، وقفوا يطالعونه بدهشةٍ بعدما تحرك هو للجهة الأخرى يعبر الطريق راكضًا، حتى اختفى أثره من أمامهم و بعد دقائق ظهر من جديد و هو يعبر الطريق، و في يده علب بلاستيكية شفافة و الضحكة المرحة تشق وجهه و هو يرفع يديه يحرك ما يمسكه بمرحٍ و هو يقول:
"دايخ عليها من ساعة ما جينا، فريسكا باللوتس و البندق، عبلة بتحبها، أوي"
ابتسمت بفرحةٍ كُبرى و هي تطالعه بغير تصديق، فقدمها هو لهم جميعًا و هو يبتسم لهم، ثم وقف بجوارها و هو يقول هامسًا في أذنها بهدوء:
"ماهو مينفعش أكون بفتكر في الكل و أنتِ لأ، لو ماكنتش لقيتها كنت هتصرف و أجيبهالك، كليها يلا"
رفعت رأسها نحو أذنه تلك المرة و هي تقول هامسةً له:
"هو أنا قولتلك أني بحبك؟؟"
ابتسم و هو يحرك رأسه موافقًا فوجدها تقول بقلة حيلة:
"طب ليه حاسة أني عاوزة اقولها لك تاني؟! او يمكن حاسة إنها مش كفاية عليك"
_"بـس أنـتِ و عيونِك كِـفاية"
خرجت منه بايجازٍ و هيامٍ و هو يطالع عمق عينيها و كأنه مغلوبًا على أمره بنظرةٍ واحدة منهما.
قامت «جميلة» بتذوق الحلويات التي أعطاها لها «وليد» حتى اصابتها حالة من الانتشاء بذلك المذاق، فتحدثت بنبرةٍ هائمة:
"حلوة أوي و خفيفة كدا، أول مرة ادوق حاجة زي دي، مصر طلع فيها حاجات حلوة أوي"
ابتسم لها «طارق» و هو يقول:
"بس مش أحلى منك يا جميلة، حتى لو كل حاجة فيها حلوة، هيفضل أحلى ما فيها جميلة"
حركت رأسها نحوه و هي تبتسم له فحرك رأسه نحوها و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
"تعرفي أني بحبك أوي في الخمار الأخضر؟؟ مش عارف ليه تحديدًا بس بيعمل مصايب في قلبي"
اخفضت رأسها سريعًا تنظر لخمارها ثم رفعتها له من جديد فأضاف هو مفسرًا:
"الفستان الأبيض دا و الخمار الأخضر برتاح لما أبصلك فيهم، زي منظر الزرع و شكل الغروب بالظبط"
تمسكت هي بذراعه و هي تبتسم براحةٍ فوجدته يحرك رأسه نحوها ثم ابتسم و هو ينظر لها بطرف عينه، و هي تكاد تجزم أن السعادة في عينيه جعلتها تشك بأن عينيه تضحك لها كما فعل ثغره.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كان العمل على قدمٍ و ساقٍ بمناسبة حضور شباب العائلة في العزومة التي أمر «محمود» باعدادها لهم، حيث قام «أحمد» بجلب ما أرادوه، و قامت نساء العائلة بالتجهيز، حتى تحدثت «زينب» و هي تقوم بتقطيع الطماطم:
"مشيرة ؟! الفراخ اتبلت علشان ندخلها الفُرن؟! و لا أخلي مروة تعملها؟!"
ردت عليه بيأسٍ:
"يا زينب دي المرة العاشرة احلفلك فيها أنا و خلود تبلناها، هو الأكل فراخ و بس؟!"
ردت عليها «زينب» بضجرٍ:
"أنتِ بتتعصبي ليه ؟؟ متخلنيش أطلع تعبي فيكي يا مشيرة"
لوحت لها بكفها و هي تقول بسخريةٍ منها و من حديثها:
"اتنيلي، إلا ما عملتيها و احنا مش طايقين بعض، هتعمليها دلوقتي؟!"
ضحكت «مروة» عليهما، بينما «سهير» تحدثت تشاكسها:
"هو أنتِ يا مشيرة عمر حد عرف يسد قصادك ؟! دا أنتِ مكربجة البيت كله"
رفعت حاجبها له و هي تقول بخبثٍ تهددها:
"سهير ؟! ابنك بقى جوز بنتي لمي نفسك بدل ما اوريكي شغل الحماوات الصح"
تحدثت «مروة» تقول بيأسٍ منها:
"مفيش فايدة، مشيرة هي مشيرة، لسه متغيرتش"
تنهدت «زينب» بقلة حيلة و تحدثت بلمحة حزنٍ استشفتها النساء:
"فاكرين فاطمة ؟! الله يرحمها و يسامحها بقى، اتحرمنا من حاجات كتير بسببها"
دعت كلًا منهن لها بالرحمة و المغفرة بينما «مشيرة» تهجم وجهها عند ذكر اسمها و هي تفكر أن سبب كل ما فرق بينهم جميعًا كانت «فاطمة»، تعمقت في تفكيرها حتى دلف «طه» الطابق الأول و يده العصائر و خلفه «محمد» يحمل حقائب الفاكهة، جلس كليهما بعدما ألقوا على النساء التحية، و خلفهما صعد «مرتضى» يحمل حفيده على يده و هو يغني له بمرحٍ:
"حبيب جدو فارس....و العين عليها حارس......حبيب جدو فروسة....و بكرة هجبله عروسة"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدثت «مشيرة» تسأله بتعجبٍ:
"هو أنتَ خدت فارس معاك و انتم بتجيبوا الحاجة؟! بتهزر؟!"
رد عليها «محمد» بحنقٍ من شقيقه:
"لأ يا ختي، دا ندل علشان ميشيلش معانا الحاجات راح خده من وئام أول ما شافهم تحت البيت، طول عمره واطي"
رد عليه «مرتضى» بنفاذ صبرٍ:
"أهو ابنك اتجوز هو كمان، ربنا يكرمه و يجيبلك حفيد علشان تفرح بيه و تحل عني"
تدخل «طه» يقول بسخريةٍ:
"طب هنا و الندالة ظهرت علشان فارس، هناك الندالة ظهرت ليه؟!"
كرر خلفه منفعلًا انفعالٍ زائفٍ:
"ندالة ؟! علشان أكلتكم كبدة شرقاوي بقيت ندل ؟! يا اخي يا رب الناس كلها تبقى في ندالتي"
رد عليه «محمد» بضجرٍ:
"علشان الشطة يا أخويا، أنتَ عارف إن الشطة بتاعتهم غبية، و أنتَ عمال تدلق و كأنك بتغرق حارة، طفحتنا اللقمة"
لوح له بكفه و هو يقول بضجرٍ:
"يعني هو أنتم بطلتوا أكل يعني؟! الأطباق اتمسحت"
تحدثت «مروة» تسأل زوجها بتوعدٍ له:
"هو أنتَ كلت كبدة من غيري يا مرتضى؟! يا نهارك مش فايت ؟!"
صعد «أحمد» في تللك اللحظة يقول بمرحٍ:
"قبل ما تظلميهم، هما جابوا للعيلة كلها معاهم سندوتشات علشان عارفين انكم بتحضروا لبكرة"
تحدثت «سهير» بمرحٍ:
"طب مين اللي شال الليلة دي كلها بقى ؟! و لا كل واحد جايب لعيلته؟"
رد عليها «طه» بهدوء:
"محمود اللي شايل كل حاجة، حتى أكلنا هنا، ربنا يكرمه"
تحدثت «زينب» تسأل عنه باهتمامٍ:
"هو فين صح؟! مش المفروض يطلع معاكم؟!"
رد عليها «أحمد» مُفسرًا:
"تحت بيكلم الشباب مع وئام علشان يأكد عليهم عزومة بكرة، طالعين دلوقتي هما الاتنين و عمو حسان واقف معاهم تحت"
بحث «طه» عنها بعينيه فتحدث بهدوء:
"هي خلود فين يا زينب؟؟ مش كانت معاكم هما و فين سلمى و هدى؟!"
ردت عليه بايجازٍ:
"راحت تجيب ملازم المراجعة يا طه، و زمانها جاية و سلمى نامت و هدى فوق بتحط الفراخ في التلاجة و بتعمل حلويات علشان بكرة"
حرك رأسه موافقًا ثم حرك رأسه نحو شقيقته يسألها بهدوء:
"و أنتِ عاملة إيه يا مشيرة؟! لسه ضغطك مش متظبط؟!
ابتسمت له وهي تقول بتأثرٍ من سؤالها و حديثه الذي غدا نادرًا معها:
"الحمد لله يا طه، باخد العلاج مظبوط، هو بس علشان جميلة سابتني و أنا كنت متأثرة"
حرك رأسه موافقًا ثم ابتسم لها، فتحرك «أحمد» يقول بضجرٍ:
"يلا بقى علشان ناكل، أنا جعان و عمال ألف معاهم من الصبح، طنط سهير أمسكي الشنطة دي خليها لخلود و سلمى، و احنا ناكل سوا و هاتوا هدى تاكل معانا"
تدخلت «مروة» تقول بخبثٍ:
"و اشمعنا طنط سهير ؟! ليه مش طنط مروة و ليه مش عمتو؟! دا أنتَ !!"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث هو بثباتٍ:
"بلاش يا مرمر دا أنتِ حبيبتي، اقفي في صفي و خليكي معايا"
رد عليه «مرتضى» بضجرٍ:
"و حياة أبوك يالا ؟! إيه مرمر دي؟! مش مالي عين أهلك و لا إيه؟! طب محمد ؟! الواد دا ميتجوزش سلمى، أنا عندها ليها عريس حلو"
وضع «أحمد» الحقائب و هو يقول بنبرةٍ أقرب للانفعال:
"طب خلي حد يقرب من بيت الرشيد و يفكر يعملها، هقطع رجله الأتنين، متعصبونيش"
تحدث «طه» بسخريةٍ:
"محدش معصبك يا ابن الأهبل، أنتَ اللي متعصب خلقة"
قبل أن يرد عليه صدح صوت هاتفه برقم «خلود» قطب جبينه و هو يرد عليها فوجدها تقول بغضبٍ و بصوتٍ أقرب للبكاء:
"يا أحمد الملازم خلصت !! ملحقتش أجيبها و بيقولولي استني ليلة الأمتحان، هعيط و مش عارفة أعمل إيه"
سألها هو بنبرةٍ جامدة:
"مجبتيهاش من بدري ليه يا خلود ؟! ما الفلوس معاكي من بدري و بابا سايبهالك ؟!"
ردت عليه بنفس الضيق و الصوت المختنق:
"أعمل إيه طيب ؟! مفيش حد في الدنيا بينزل الملازم كلها مرة واحدة كدا ؟! دول اتقل مادتين عربي و انجليزي !!"
تنفس هو بقلة حيلة ثم تحدث بنفاذ صبرٍ و هو يقول:
"طب اقفلي كدا و أنا هتصرف، خليكي عندك لحد ما أكلمك"
"طيب أديني قاعدة أهوه، ناقص حد يجي يديني حسنة بالمرة"
ردت عليه بحنقٍ و هي تجلس على الدرجات الصغيرة أمام المركز التعليمي، ثم أغلقت الهاتف مع شقيقها، و بعد جلوسها حدثت نفسها بضجرٍ قائلةً:
"كان لازم يعني يسيب السنتر ؟! ما هو لو موجود كان زمانه نفعني"
قالت حديثها ثم رفعت رأسها للسماء و هي تقول ببكاءٍ زائفٍ:
"يا رب !! يعني يوم ما يكون عندي واسطة في حاجة، تمشي ؟! إيه اللي أنا فيه دا ؟؟"
أخفضت رأسها حينما وصلها صوت هاتفها يصدح مرةً أخرى برقم شقيقها، ردت عليه و هي تقول بتهكمٍ ساخرٍ:
"ها أيها المحقق كونان ؟! عرفت تتصرف و لا هتسوحني ؟!"
رد عليها هو بايجازٍ:
"خليكي عندك ١٠ دقايق و الدنيا هتتحل، و ياريت تيجي علطول بعدها، ماشي ؟!"
أغلق في وجهها فتحدثت هي بضجرٍ منه و من طريقته:
"يا بارد !! اقسم بالله الجاكيت ما هو راجعلك تاني، روح ابكي على الأطلال بقى"
أغلقت الهاتف تمامًا و هي تطالع الفراغ أمامها و خاصةً محل الزهور القابع على طرف الطريق، فوقع بصرها على فتاةٍ تقف برفقة شابٍ قد يبدو خطيبها و هو يجلب لها باقة زهور، ابتسمت بسخريةٍ و هي تقول محدثة نفسها مرةً أخرى:
"البت دي هبلة و لا إيه؟! بوكيه ورد مفرحها كدا ؟! قسمًا بالله سندويتشين شاورما و بيبسي برقبة الورد دا"
حدثت نفسها بسخريةٍ و لا زال بصرها مُثبتًا على المحل، حتى مر الوقت و لم تلاحظ ذلك الذي وقف أمامها حتى تحدث بسخريةٍ:
"عاجبك الورد أوي كدا؟!"
_"و لا ليه أي لازمة، الشاورما أحسن مليون مرة منه"
ردت بتلك الطريقة دون حتى تنتبه مع من تتحدث، حتى ضحك هو بشدة رغم محاولاته في كتم تلك الضحكات، فرفعت رأسها نحوه مُسرعةً و هي تقول بذهولٍ من تواجده:
"عمار !! بتعمل ايه هنا؟! صدفة؟"
سألته بنبرةٍ يكسوها الاستنكار فتحدث هو بنبرةٍ هادئة حتى يزيل استنكارها ذلك:
"لأ مش صدفة، بس جيبتلك الملازم، اتفضلي، شوفي كدا هما و لا لأ؟!"
مد يده بالمذكرات و هو يبتسم لها بسمةٍ هادئة، فأخذتها هي منه مسرعةً حتى شهقت بقوةٍ ثم تحدثت بغير تصديق و بنبرةٍ فرحة:
"الله !! ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك يا رب، جيبتهم ازاي؟"
رد عليه بتفكيرٍ زائفٍ:
"اعتقد دا سر المهنة !!"
عقدت حاجبيها فوجدته يقول مُفسرًا بوجهٍ بشوشٍ:
"أحمد كلمني و طلب مني لو أعرف رقم حد من المدرسين علشان أجيبلك الملازم منه، افتكرت إن الفرع التاني أكيد هيكون فيه علشان العدد فيه أكبر، كلمت واحد صاحبي و هما جابهم ليا"
اعتدلت واقفةً من مجلسها تقف مقابلةً له، و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا متشكرة جدًا ليك، متعرفش أنا كنت هلف وراهم إزاي علشان اعرف أجيبهم، شكرًا مرة تانية"
أبتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"لا شكر على واجب !! أنا تحت أمركم طبعًا، المهم أنتِ تذاكريهم بسرعة و ياريت بلاش تفتحيهم ليلة الامتحان، معاكي وقت كافي أهوه"
حمحمت هي بتوترٍ زائفٍ و هي تقول:
"هو أنا اتكشفت و لا إيه؟! بس متقلقش هما شكلهم كتار و أكيد لازم أبدأ فيهم، خصوصًا أني عملت جدول زي ما أنتَ قولت لـ سـ...."
توقفت عن الحديث بخجلٍ بعدما ادركت ما كانت تفوهت به، بينما هو ابتسم لها ثم تحدث برزانةٍ:
"ربنا يوفقك و يكرمك إن شاء الله، طالما خدتي نية النجاح و الجد و طلبتي من ربنا التوفيق، يبقى متقلقيش"
حركت رأسها موافقةً ثم أخرجت النقود من حقيبتها الصغيرة و هي تقول بهدوء:
"طب اتفضل، فلوس الملازم"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول:
"للأسف مش هقدر أخدهم، خليهم معاكي بقى"
عقدت ما بين حاجبيها و هي تقول مُشجعةً له حتى يأخذ الأموال:
"لأ طبعًا دا حقك، اتفضل لو سمحت علشان مبحبش حد يجاملني"
رد عليها هو مبتسمًا:
"هو ماخدش مني فلوس أصلًا، هو اداهم ليا مُجاملة و دا لإن الملازم المشرفين هما اللي بياخدوا فلوسها، و أنا و هو مع بعض بقى، هكرمه في حاجة تانية"
ردت عليه بحرجٍ منه:
"أنا متأسفة أوي أني حطيتك في وضع زي دا، طب كدا ممكن تعمله خدمة تاني مقابل الملازم؟"
رد عليها مُسرعًا يرفض فكرتها:
"لأ طبعًا مش للدرجة دي يعني، متشغليش بالك أنتِ، إحنا مع بعض و الدنيا بتمشي، المهم ربنا يوفقك"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له ثم قالت:
"طب عن اذنك بقى علشان متأخرش أكتر من كدا"
أومأ لها باهدابه موافقًا فخطت هي خطوةً واحدة فاوقفها هو بقوله الهاديء:
"آنسة خلود ؟! لو احتاجتي ملازم تاني، خلي أحمد يكلمني، و أنا هجيبها ليكي، بلاش تنزلي للملازم مخصوص"
حركت رأسها موافقةً ثم تركته بعدما لوحت له بكفها، تابع هو أثرها بعينيه ثم أطلق زفيرًا قويًا، ثم جلس موضع جلوسها يراقب محل الزهور و بعد مرور ثوانٍ قال بسخريةٍ:
"معاها حق، فعلًا الشاورما أحلى"
_________________________
في شقة «ميمي» وصل الشباب و اجتمعوا سويًا عندها، فلاحظت هي ملامح «ياسين» الجامدة و شروده، فسألته هي باهتمامٍ بات واضحًا في نبرتها:
"مالك يا حبيبي ؟! شكلك متضايق كدا ليه ؟! فيه حاجة مزعلاك؟؟"
حرك رأسه موافقًا ثم رمى رأسه على فخذها و هو يقول بنبرةٍ حزينة:
"فيه....أنا مش عاوز أسافر، مش عاوز أسيبكم هنا و أبقى هناك لوحدي، أنا أصلًا عمري ما كنت لوحدي، أنا تعبان أوي يا ميمي"
حركت كفها المجعد على خصلات رأسه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"طب و فيها إيه يا ياسين ؟! دا رزق و ربنا كرمك بيه يا حبيبي، مش يمكن فيه خير ليك و لحياتك؟!"
رفع نفسه و هو يقول بحنقٍ:
"فين الخير و أنا بعيد عنكم ؟؟ ازاي أعيش هناك و أنا عمري ما سيبت حد فيكم ؟! أعيش ازاي من غير عامر طيب ؟!"
رد عليه «عامر» بفخرٍ و اعتزازٍ:
"أصيل يا ابن رياض، طمرت فيك العشرة يا حبيب أخوك"
ضحكوا عليه بيأسٍ، فتحدث «ياسين» بجديةٍ:
"لأ و الله مش بهزر، أنا وسطكم هنا متطمن و عمري ما خوفت، أنا زي السمك، لو خرج من المياه روحه تروح"
تحدث «خالد» بهدوء محاولًا بثه بعض الطمأنينة:
"يا ياسين ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك بس إن شاء الله تبقى بداية خير ليك، طالما كلهم شاهدين على كفاءتك"
حرك رأسه ينظر لها فتحدث «ياسر» مُضيفًا:
"بالظبط، دا شغل و احنا كلنا بنحارب علشانه، و بعدين أنتَ شايف الحال، غيرنا مش لاقي الشغل دا أصلًا، قولهم إنك موافق و ابدأ ظبط نفسك"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ فتحدث «عامر» بمرحٍ:
"الواد وليد جاي بكرة، وحشني و الله، حاسس إني عاوز اشوفه دلوقتي"
ردت عليه «ميمي» بسخريةٍ:
"هتشوفه بكرة خلاص يا أخويا، هانت، أظن بعد الفرح اللي أنتَ عملته دا، كلهم هيتعاقدوا معاك على أفراح العيلة الباقية"
حرك حاحبيه لها بثقةٍ و هو يقول:
"إيه رأيك ؟! بذمتك مش كان فرح خيالي؟! عملت زفة نوبي و صعيدي و شبابي، حتى ديزني لاند مسيبتهاش في حالها، قدروني كويس بس"
رد عليه «خالد» بسخريةٍ:
"دا بإمارة القط و الفار بتوع يوم الجمعة ؟! اسكت يا فاضحنا"
لوح له بيده و هو يقول بضجرٍ:
"هعمل أيه يعني؟! لابسه تحت القميص؟! هو اللي قطعلي الزراير، و بعدين أنا جايب الكوليكشن على بعضه، بكل أفلام الكرتون"
تحدث «ياسين» منفعلًا:
"يخربيت أهلك !! هو فيه غير القط و الفار ؟!"
رد عليه بثقةٍ:
"طبعًا، فيه " شلبي سولوفان" و "مارد وشوشني" و فيه "سيمبا" و فيه" ميكي ماوس" و فيه "بسبس بوبي" و فيه"سبونج بوب" و "بسيط" و فيه "سبايدر مان" و "سوبر مان"و "بات مان" و غالبًا فيه "أيرون مان"و اخر حاجة "غامبول"
تحدث «خالد» بمرحٍ ساخرٍ:
"ما شاء الله !! على كدا الترزي مين ؟! كابتن ماجد ؟!"
تدخل «ياسر» يقول بنفس السخرية:
"لأ يالا، أكيد والت ديزني"
انتشرت الضحكات منهم جميعًا حتى تحدث «ياسين» ببكاءٍ زائفٍ:
"عاوزيني أسيب القعدة الحلوة دي و امشي ؟! يرضي مين دا؟!"
نظروا لبعضهم البعض لمدة ثوانٍ و بعدها انفجروا في الضحك و هو معهم بعدما احتضنه «خالد» مُمسدًا على ظهره و كأنه يطمأنه بذلك.
_________________________
في شقة «حسن» كان يحاول جاهدًا بضبط الأجواء حتى لا تحتد بينهما، و خاصة أن «هدير» أثرت الهروب من نظراتها الموجهة نحوها و اندمجت في صنع الطعام و تركت لهما المساحة سويًا، فتحدثت شقيقته تسأله بضجرٍ:
"برضه مش عاوز تقولي سبب الجوازة يا حسن ؟! كلامك مش مقنع"
زفر هو بضجرٍ ثم تحدث بنفاذ صبرٍ:
"حنان !! ابوس راسك كفاية بقى، مش كان همك أني اتجوز و أستقر، أنا استقريت الحمد لله، شاغلة بالك بقى ليه بسبب الجواز ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ أقرب للانفعال:
"علشان دي بنت عيلة الرشيد يا حسن، عيلة الرشيد اللي عايشين على حسك، نسيت الشركة اللي فتحوها بفلوسك؟! و جواز وئام اللي أنتَ دفعت فيه ؟؟ لسه مش شايف إنهم بيستغلوك؟!"
رد عليها بنبرةٍ جامدة و لهجةٍ حادة:
"حنان لو سمحتي خرجيهم من دماغك، فلوس إيه دي اللي بينا و أنا هبصلها ؟! فلوس الشركة دي أنا اللي اتحايلت عليهم ياخدوها علشان شغلهم يكبر، و فرح وئام دا علشان هو أخويا و طول عمرنا أنا و هو طارق في ضهر بعض، و دلوقتي أختهم بقت مراتي، و مش هسمحلك تيجي عليها"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"أهو بص !! من أولها مش طايقلي كلمة، أومال بعد كدا هيحصل إيه ؟! هما لو محترمين كانوا على الأقل خلوك تعبر أختك و تعرفها بجوازك، إنما هما كل همهم إنهم يسيطروا عليك، علشان تفضل ليهم بنك"
شدد على فروة رأسه بنفاذ صبرٍ و قرر إنهاء الحديث بقوله:
"حنان !! اللي بتتكلمي عنهم دول عيلتي و عيلة مراتي اللي واقفة برة بتعمل الأكل، واخدة بالك ؟! مراتي اللي مش بس بحبها، أنا من غيرها مليش لازمة، أنا كنت ميت و الروح ردت فيا تاني يوم ما هدير بقت معايا، لو سمحتي ملكيش دعوة بيها"
ضمت ذراعيها أمام صدرها و هي تقول باصرارٍ:
"أنا آسفة يا حسن، بس أنتَ بيتضحك عليك، عرفوا ازاي يخلوك تبلع الطعم بشوية حنية منهم"
ابتسم لها بتهكمٍ و هو يقول بوجعٍ:
"ياريتك كنتي ادتيني طُعم زيهم يا حنان، على الأقل هما عرفوا يصطادوا، أحسن من اللي شاف السمكة و سابها مع نفسها"
رمقته بغيظٍ ففتح هو باب الغرفة يخرج منها حتى توجه نحو المطبخ فوجدها مندمجة في صنع الطعام كما هي منذ فترةٍ طويلة، و مع زيادة خوفه ركض إليه يحتضنها فجأةً، تفاجأت هي من فعلته تلك لذلك تحدثت تسأله بتيهٍ و ذهولٍ:
"لا حول ولا قوة إلا بالله !! مالك يا حسن ؟! هي أختك عضيتك و لا إيه؟"
ابتعد عنها يضحك بيأسٍ حتى تحدث و هو يقول بقلة حيلة ولا زالت ملامحه ضاحكة:
"احترمي نفسك يا هدير !! كل الحكاية بس إني خوفت مرة واحدة، و حسيت أني عاوز أحضنك، يتيم بقى نقول إيه؟"
أشارت له حتى يخفض نفسه لمستواها، ففعل هو ما طلبت منه فوجدها تقول هامسةٍ:
"سرب أختك برة، و أنا احضنك لحد الصبح و الله"
رد عليها بحنقٍ:
"اسرب أختي ؟! لمي نفسك بقى أنا ساكتلك من الصبح، إيه قلة الأدب دي"
رفعت حاجبيها باستنكارٍ له فوجدته يتنهد بقلة حيلة و هو يقول:
"هي عصبية شوية و طريقتها ناشفة، بس قلبها طيب، واحدة واحدة و الدنيا هتروق، عاوزك بس تمسكي نفسك يا هدير"
ردت عليه بأسفٍ و هي تعتذر له مُسبقًا:
"موعدكش بصراحة يا حسن، مش هقدر و خصوصًا إن لساني طويل أصلًا"
حرك رأسه موافقًا بيأسٍ ثم أضاف بقلة حيلته المعهودة:
"الله يطمنك يا هدير، شكرًا"
خرجت شقيقته من الغرفة ثم توجهت نحو المطبخ فوجدتهما يتحدثا سويًا، فسألته هي بضجرٍ:
"شنطتي فين يا حسن؟! قولت للبواب يطلعها، هو مجبهاش؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"في الأوضة الأخيرة يا حنان، طلعها و أنا دخلتها جوة، ادخلي غيري هدومك، لحد ما نغرف الاكل"
ابتسمت بسخريةٍ و هي تقول بتهكمٍ على شقيقها:
"ما شاء الله أنتَ كمان بقيت بتغرف الأكل ؟! اتطورت أهوه، و لا العروسة مبتعرفش تغرف؟!"
قبل أن يتحدث هو، ابتسمت «هدير» و هي تقول مُعاندةً لها:
"لأ بعرف أغرف حلو أوي، بس أنا و حسن بنحب نعمل كل حاجة سوا، و هو من أول يوم ليا هنا و هو بيساعدني، مش حضرتك برضه متجوزة يا طنط؟! أكيد عمو بيساعدك"
اقتربت منها تقول بخبثٍ:
"متجوزة الحمد لله، و حسن برضه كان متجوز، الله يرحمها بقى، أظن أنتِ متعرفيش حاجة زي دي"
حرك «حسن» رأسه نحو شقيقته بحدةٍ، فتحلت «هدير» بصبرٍ لا تدري من أي اكتسبته و هي تقول بثباتٍ:
"لأ عارفة ريم الله يرحمها، خلاص بقت عند اللي خلقها و خلقنا كلنا، بس دا ماضي و عدى، خلاص مش هنبصله، إحنا ولاد النهاردة، و المهم إن حسن بقى جوزي أنا و حبني أنا"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول:
"ما شاء الله بتأكديلي اللي بفكر فيه، أنتِ كتاب مفتوح أوي"
ابتسمت لها بثقةٍ و هي تقول:
"خلي بالك بقى علشان الكتاب مليان طلاسم، دا علشانك مش علشاني"
حركت كتفيها بلامبالاةٍ و كأنها لا تكترث لحديثها ثم خرجت من المطبخ، فسحبت «هدير» السكين دون أن تشعر بنفسها، فوجدته يقترب منها يقول هامسًا بحنقٍ:
"بس يخربيتك رايحة فين ؟! اهدي يا هدير، ربنا يسترك"
ردت عليه بنفس الهمس:
"هبعتها لابوك و أمك، أسمع مني، أكيد دا تأثير غيابهم عليها"
حاول كتم ضحكته فوجدها تقول بقلة حيلة:
"أنا مش هقدر أمسك نفسي كتير يا حسن، أنا مبعرفش اسكت، الكلام ممكن يقف في زوري يموتني و الله"
ضمها بين ذراعيه يمسد على ظهرها و هو يقول بهدوء:
"أنا عاوزك بس تفكري فيا قبل أي حاجة، افتكري أني مليش غيرك علشان أنتِ اللي باقيالي، علشان خاطري يا هدير عدي الكام يوم دول لحد ما كل حاجة ترجع لطبيعتها"
رفعت كفها تربت على ظهره و هي تقول بايجازٍ:
"حاضر يا حسن....حاضر"
بعد مرور دقائق التفوا حول المائدة و «هدير» تقوم بسكب الطعام لها و لزوجها حتى ابتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"حطي لنفسك يالا علشان تاكلي، و لا هتاكلي معايا في نفس الطبق ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول بوجهٍ مُبتسمٍ:
"لأ خلاص هاكل في طبقي، كل أنتَ بألف هنا و شفا، دوقوا و قولولي رأيكم"
حرك رأسه موافقًا ثم غرف ملعقته بالطعام ثم تذوقه و بعدما أثار اعجابه تحدث بكلماتٍ يثني عليها فخرًا بها:
"تسلم إيدك يا هدير، الأكل حلو، أظن دي بقت شهادة مجروحة خلاص، كلي يلا"
حركت رأسها موافقةً و قبل أن تتناول طعامها سألت «حنان» بطريقةٍ مهذبة:
"إيه رأي حضرتك ؟! اتمنى يكون الأكل عجبك"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بايجازٍ و كلمةٍ واحدة:
"حلو"
ضمت «هدير» شفتيها على بعضهما ثم بدأت في تناول الطعام، حتى صدح صوت هاتفها برقم شقيقتها، ردت هي عليها بهدوء، و قد استمعت لحديث شقيقتها بالكامل، فأغلقت الهاتف معها فسألها «حسن» بهدوء:
"فيه حاجة يا هدير ؟!"
ردت عليه هي بهدوء:
"هدى بتأكد علينا بكرة نروح بدري علشان طارق و وليد هيروحوا على البيت عندنا علطول، و بعدها هيروحوا شققهم"
حرك رأسه موافقًا فتحدثت «حنان» تسأل بسخريةٍ:
"و هما راحوا فين طارق و وليد؟؟ سافروا ؟!"
ردت عليها «هدير» بثباتٍ:
"عقبال عيالك كدا اتجوزوا، ربنا كرمهم و كل واحد فيهم كمل نص دينه، عقبال ما تفرحي بحبايبك"
ردت عليها بضجرٍ:
"إيه الأسلوب دا ؟! على فكرة أنا داليا بنتي متجوزة و ابني في كلية، ليه محسساني إني خالتك"
قبل أن ينطق «حسن» ضغطت على قدمه من الأسفل و هي تقول بثباتٍ:
"لأ طبعًا مش خالتي، خالتي الله يرحمها كانت خرسا، طبعًا أنتِ أخت جوزي، يعني في مقام عمتي"
حدجتها «حنان» بسهام عينيها ثم عادت لتناول طعامها من جديد، بينما «حسن» زفر بقلة حيلة ثم تحدث مُغيرًا للأجواء:
"هما الشباب هيكونوا موجودين بكرة؟! و لا إحنا بس؟!"
ردت عليه هي:
"هدى قالت إن بابا صمم يعزمهم و يكونوا موجودين معانا، و خصوصًا بعد الفرح و وقفتهم معانا، هما خلاص مبقوش غرب"
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث باحراجٍ منها:
"طب أنا بكرة هوصلك و هاجي هنا و هرجع تاني أخدك بعد ما تقعدي مع أخواتك"
كسا الاستنكار ملامح وجهها، فتحدث هو مفسرًا بعدما حمحم بخشونةٍ و أشار بعينيه نحو شقيقته:
"علشان حنان موجودة و مش هينفع تكون لوحدها، خليني معاها هنا و إن شاء الله هاجي بليل أخدك"
تصنعت «حنان» التجاهل له و لحديثه، بينما هي اقترحت عليه بلمحة حزنٍ:
"طب ما تيجوا معانا سوا !! البيت ما شاء الله كبير و واسع و يشيل الحبايب كلهم"
ردت عليها «حنان» بنفاذ صبرٍ:
"أنا عمري ما هدخل مكان معرفش حد فيه، و مش واخدة على أهله، زي ما مينفعش أعيش في مكان مش مرحب بيا"
في تلك اللحظة ودت «هدير» أن تنطقها و تقول:
"طب ما أنتِ هنا و أنا مش مرحبة بيكي"
قبل أن تتفوه بذلك تذكرت حديثه لها بأن تتحمل شقيقته، و تفكر به و لو لبعض الثواني، فكتمت كلماتها بداخلها محاولةً التحلي بالصبر على الرغم من تأكدها من نفاذه، حتى وجدتها تترك الطاولة ثم دلفت للداخل، فسألته حينها بضجرٍ:
"حسن !! هو أنتَ فعلًا هتعمل اللي قولت عليه دا ؟! هتسيبني هناك لوحدي؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"هعمل إيه طيب ؟! هروح اعتذر ليهم و لـ عم محمود، أنا مش عاوز مشاكل، عاوزك بس تتحملي لحد ما نشوف أخرتها"
زفرت هي بيأسٍ ثم أخفضت رأسها و هي تقول بضيقٍ:
"أنا كدا غصب عني مش هتحمل يا حسن، كدا أنا أسوأ ما فيا"
رد عليها هو مُحذرًا:
"افتكري يا هدير أنها اختي الكبيرة، يعني مش هقبل إنك تغلطي فيها، زي ما عمري ما هقبل لحد يجيب سيرتك، و أظن أنا كنت هرد لولا أنتِ سكتيني"
ردت عليه هي بخبثٍ:
"سيبلنا احنا كيد النسا يا حسن، لما نشوف أخرتها إيه، يمكن المسلسل يخلص على كدا"
_________________________
وصل «ياسين» شقته فوجدها تنتظره أمام التلفاز حتى اقترب هو منها يقبل رأسها ثم جلس بجانبها، فسألته هي مُبتسمة:
"اتأخرت ليه يا بيه ؟! كنت عند مراتك التانية؟! و لا شوفتلك شوفة تانية؟!"
رد عليها بسخريةٍ:
"بس اركز مع الأولى علشان أشوف التانية، كنا عند ميمي و لسه راجعين أنا و العيال"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ ثم سألته بنبرةٍ هادئة:
"كلموك علشان عزومة بكرة ؟!"
حرك رأسه موافقًا فسألت هي من جديد:
"طب هنروح إمتى ؟؟"
رد عليه هو بايجازٍ:
"بعد الضهر إن شاء الله، وئام قالي إن قبل العصر لازم نكون موجودين"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت بحماسْ:
"وليد جاي بكرة و دي أهم حاجة، المهم أني هشوفه بعدما بقى عريس زي القمر"
ابتسم لها بهدوء،فسألته هي باهتمامٍ من صمته و حالته تلك:
"ياسين !! هو أنتَ مالك فيك إيه؟! فيه حد مزعلك ولا حاجة؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بهدوء:
"ضغط شغل شوية و عاوز أنام بصراحة علشان أفوق لبكرة و لوليد و اللي هيعمله فيا"
ابتسمت له هي ثم أشارت له حتى يقترب منها، فمال هو نحو موضع إشارتها، و حينها حركت كفها فوق رأسه و هي تقرأ له آية الكرسي و الموعوذتين، حتى تنهد هو بعمقٍ و هو يشعر بالسكينة في ذلك الوضع و حينما شعر بوخز الدموع رفع يده يمسح تلك الدموع، فسألته هي بمشاكسىةٍ:
"بتعيط ولا إيه؟! اتأثرت ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"اللحظات الحنينة دي بتأثر فيا، و أنا نقطة ضعفي الحنية يا خديجة"
ربتت على رأسه و هي تبتسم بهدوء فتفاجأت به يسألها بتريثٍ:
"لو جالك فرصة ترتاحي مني هتوافقي؟!"
سألته هي بتعجبٍ:
"ارتاح منك ؟! هو أنتَ تاعبني في أيه علشان ارتاح منك ؟!"
حرك كتفيه وهو يقول لها:
"عادي يعني، بس جاوبي على سؤالي يا خديجة"
ردت عليه هي بحيرةٍ:
"هو أنا مش فاهمة كلامك بصراحة، بس ماظنش أني ممكن افكر في حاجة زي دي، دا أنا لقيت راحتي معاك، تيجي أنتَ تقولي ارتاح منك؟؟"
رد عليها هو بثباتٍ على عكس ما يدور بداخله:
"الله يطمنك يا كتكوتة، ما شاء الله على الأجابة مشجعة أوي لباقي الكلام"
قطبت جبينها بتعجبٍ فوجدته يضيف من جديد برزانةٍ:
"لو قالولك مثلًا هغيب عنك مثلًا شهر، شهر و نص كدا، هتعملي إيه"
شهقت هي بقوةٍ، فحرك فمه يمينًا و يسارًا بتهكمٍ مثل النساء، فقالت هي بخوفٍ:
"هترعب ؟! و الله مش بهزر، أيه الرعب دا، دا أنا اللي مصبرني أني معاك يا ياسين، تيجي تقولي تغيب شهر... شهر و نص؟! "
أغمض جفنيه بيأسٍ ثم تحدث مُطمئنًا لها:
"بهزر معاكي يا خديجة، طلعت غالي أوي عندك، اثبتيلي الغلاوة بقى و أكليني"
ابتسمت له ثم أمسكت وجهه و هي تقبل وجنته ثم قالت بمرحٍ:
"هأكلك حاضر، يا ابو شهر و نص أنتَ"
تحركت من أمامه نحو الداخل فتحدث هو بسخريةٍ:
"ما شاء الله....بتصعب الأمور عليا اكتر ما هي صعبة"
_________________________
في محافظة الأسكندرية و على الشاطيء ليلًا، جلس «وليد» على الرمال و «عبلة» تضع رأسها على قدمه حتى غفيت في موضعها، فقام هو بفرد الشال الصوفي الخاص بها ثم وضعه عليها و حرك كفه بعدها حتى استقر فوق رأسها.
شرد هو بها و في محاولاتها معه و محارباتها باستماتة عليه، و حينما تعمق بالتفكير وجد أنها هي فقط من تستحق كل ذلك، هي وحدها من تستحق حبه و هي وحدها من يحق له التفكير بها،
ابتسم و هو يتذكر كيف تكون هيئتها صباحًا حينما تستيقظ و تجده بين ذراعيها و هو ينفي التهمة عن نفسه ببراءةٍ، تذكر كيف تركض خلفه حتى يحملها هو على ظهره و يدور بها بمرحٍ،
أمعن النظر و التفكير بها حتى شعر بكف أحدهم يستند على كتفه و هو يجلس بجواره، و لم يحتاج وقتًا لمعرفة من هو، حتى سأله «طارق» بسخريةٍ:
"سايب الدفا و جاي تقعد هنا و تنيمها في التلج دا ؟! نامت كدا ليه؟!"
رد عليه ببساطةٍ:
"علشان هبلة، قالتلي ننزل نودع البحر و زي ما أنتَ شايف كدا، نامت و سابتني أشكيله حالي"
تحدث «طارق» بهدوء:
"ياما اشتكينا، حصل إيه يعني؟! مفيش حاجة بتتغير، كنا كل ما نزعل نفوق أكتر، و كل ما نيأس نمسك في أمل كداب، بس تعرف؟؟ احساس إنك تاخد الحاجة اللي اتمنيتها دا حلو أوي يا وليد، إحساس إن طلبك مسموع و اتنفذ حلو أوي، جربته مرتين، يوم ما جميلة طلعت موجودة، و يوم ما بقت ليا و يوم ما بقت مراتي رسمي، الدنيا يا أخي طلع فيها حاجات حلوة أوي و تحديدًا زي جميلة"
ابتسم «وليد» له فسأله «طارق» بهدوء:
"وليد هو أنتَ ليه روحت تتعالج عند هناء؟! و ليه قولتلي حاجة زي دي؟! مخوفتش مني أرفض أسلمك أختي؟!"
تنفس «وليد» بعمقٍ ثم قال بصوتٍ رخيمٍ:
"اللي يقبل بواحد كان مدمن و خريج مصحة زي دي، مستحيل يرفض واحد هيتعالج علشان أخته، أنا قولتلك علشان تكون شاهد عليا"
حرك رأسه موافقًا ثم سأله:
"برضه مقولتليش ليه ؟! علشان إيه تروح تتعالج و أنتَ سبق و اتعالجت قبل كدا"
رد عليه «وليد» مفسرًا:
"المرتين كانوا علشان أختك، المرة الأولى علشان مستحيل واحد مدمن يتوافق عليه، و المرة التانية علشان كنت معقد نفسيًا، و حرام عليا امرمط واحدة و أنا عندي عقد و كلاكيع، اللي مقبلوش على أختي مقبلوش على حد، أنا واحد عندي مبدأ"
سأله «طارق» بسخريةٍ:
"إيه هو مبدأك يا عم مبادئ أنتَ"
رد عليه مفسرًا بقوله:
"المعقد نفسيًا يتعالج مش يتجوز"
عقد «طارق» ما بين حاجبيه بحيرةٍ فأضاف «وليد» مفسرًا:
"زي ما سمعت كدا، ليه تعيش معايا و أنا مش عارف أثق فيها و كل يوم أقول هتمشي و تسيبني، و ليه تتحمل واحد عبء على نفسه أساسًا، و ليه تفضل تكدب و تخبي على أهلها أني بزعلها، أنا كنت مؤذي و أكتر من اتضر مني كانت نفسي، يبقى مكانش هينفع انقل الأذى ليها، حرام على الانسان يضيع النعم من ايده و يرجع يبكي على الأطلال"
ربت «طارق» على كتفه بفخرٍ و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"عرفت بقى إن عبلة مكانش هينفعها حد غيرك؟! و عرفت إن أنتَ متتعوضش بحد تاني؟!"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم له ثم اخفض رأسه ينظر لتلك النائمة على فخذه.
_________________________
شعرت «سارة» منذ الصباح ببعض التعب و الأعراض الغريبة عليها، فهاتفت الفتيات تستشيرهن في حالتها حتى اقترحت عليها «ريهام» بعض الحلول و حذرتها من البعض الأخر، امتثلت هي لحديثها ثم قامت بعمل الاختبار التي أخبرتها به، و لجهلها بتلك الأمور أو عدم تصديقها أو وصول ذلك الشيء لمخيلتها، قامت بتصوير الجهاز و ارساله للمجموعة الخاصة بها هي و الفتيات و هي تقول بلهفة و تشتتٍ و هي بداخل المرحاض:
"يا...يا بنات... هو كدا إيه؟! أنا مش فاهمة حاجة و حاسة أني عاوزة أعيط"
ردت عليها «ريهام» مُسرعةً بفرحةٍ كبرى بعدما وصلتها الصورة:
"مـبـروك يا سارة أنتِ حامل"
استمعت «سارة» لجملتها بغير تصديق و كأن لسانها سبق و أكلته القطة حتى أغلقت الهاتف و وقفت تنظر في المرآة و هي تظن نفسها داخل حلمًا جميلًا لا تريد الاستيقاظ منه، و في تلك اللحظة فكرت به و هي تريد أن تركض إليه و تخبره بذلك الخبر السعيد و لكن هل ذلك الخبر يقال بتلك الطريقة ؟؟ بالطبع يحتاج طريقة خاصة.
______________
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم شمس بكري
"يا ليتني ما هويت....
و لا بذنب الحب
__________________________
"كمثل نار هادئة أصابتها الرياح العصيبة فاشتد تأججها من جديد، و بدلًا من اخماد ثورتها، اندلعت نيرانها كمثل بركانٍ انتشر أثره و حل بعده الخراب، ثمة بعض المواقف و الكلمات الدلالية تترك أثرًا مثل أثر البركان، و كأن نتيجتها لن تزول سوى بفيضانٍ.
وقفت هي في حالة الصدمة التي يكسوها الفرح و السعادة البالغة و هي تفكر حقًا في الركض إليه و الارتماء بين ذراعيه و اخباره بذلك الخبر السعيد و قبل أن تخطو خطوةً واخدة في ذلك، وصلتها رسالة صوتية من مدبرة التفكير لهن و هي تقول مُحذرةً لها و كأنها قرأت أفكارها أو تأكدت من طريقة الأخرى في التفكير:
"اوعي يا هبلة تروحي دلوقتي تقوليله، حاجة زي دي لازم تكون بطريقة خاصة و مبهجة، و برضه لازم نتأكد في المعمل، بكرة الصبح نتأكد و نعمل تحليل تاني علشان نتطمن و بما إننا بكرة معزومين عند عيلة خديجة، يبقى نظبط طريقة حلوة نعرفه بيها"
اقتنعت «سارة» بـ محوىٰ الرسالة و زاد تيقنها أكثر حينما وجدت التأييد من كلًا مِن «خديجة» و «ريهام»، فقامت باعادة كل شيءٍ إلى موضعه كما كان، حتى وجدته يطرق باب المرحاض من الخارج يتعجل خروجها بقوله:
"اخرجي يا سارة بقى، يلا علشان نتعشى سوا يا ستي"
تنفست بعمقٍ تحاول سحب أكبر كم من الهواء داخل رئتيها و تحاول صبغ حالتها بالثبات حتى طرق هو بقوةٍ أكثر تزامنًا مع قوله:
"أنتِ يا ست !! فيه إيه عندك جوة؟! ما يلا خلينا نخلص"
ردت عليه هي بثباتٍ واهٍ يتنافى مع حماسها الداخلي:
"خارجة يا عامر خلاص، ثواني بس"
تممت على كل شيءٍ ثم غسلت كفيها و خرجت له و هي تحاول الصمود أكثر، لكنها قوتها ضعيفة أمامه، فتحدث هو مُستفسرًا بقوله:
"بتبصيلي كدا ليه؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بهدوء بعدما ابتسمت له:
"لأ خالص، علشان بس عمال تستعجل فيا، قولت هتاكل لوحدك"
رد عليها هو بسخريةٍ:
"ياريت كنت بعرف أعمل كدا، كنت هرتاح، يلا بس الأكل هيبرد"
حركت رأسها موافقةً ثم سارت خلفه بعدما تقدمها هو في السير و قلبها ينبض بقوةٍ و داخلها يشتعل من فرط الحماس، فلم تعد تتحمل كتمان الخبر أكثر من ذلك، حتى أنها وسمت نفسها بالأنانية كونها تعلم بهذا الخبر دونه و قبل أن تنطق توقفت عن الحديث مرةً أخرى تبتلع كلماتها بداخلها حتى لا تفسد مخطط الغد، أو لحين التأكد بصورة رسمية.
__________________________
في شقة «ياسين» جلسا معًا بعدما تناولا طعامهما، كان هو شاردًا في عمله و سفره و هو يفكر كيف يُنمق حديثه حتى يروقها، أغمض جفنيه بشدة و هو يفكر في تأزم الوضع، كما أنه يعلم حالتها تمامًا؛ فلو كانت مثل باقي الفتيات و الزوجات لكانت تحثه على هذا العرض خصيصًا أنه سيجني منه مالًا وفيرًا، لكن "خديجة" !! لم تكن مثل باقي الفتيات، فهي أكثر ما يُطمئنها هو وجوده بجوارها، فكيف يخبرها أنه سيتركها لمدة قد تصل لشهرين دون أن يكون بجوارها، حتى المكالمات بشروط !! و مواعيدٍ مُحددة؟!
سيطر التعب على فكره و هي تجلس بجواره تراسل الفتيات حتى و تم الاتفاق بينهن على كل شيءٍ سيتم في الغد بعدما قامت «هدير» و فتيات عائلة الرشيد بالانضمام لهن حتى يتم الاتفاق على مفاجأة الغد و طلبت منهن «إيمان» أن يخبرن الشباب بذلك الخبر و يظل «عامر» هو الوحيد الذي يجهل بذلك الخبر.
أغلقت الهاتف معهن ثم حركت رأسها تنظر له و هي تبتسم و سرعان ما تلاشت بسمتها و هي ترى تهجم وجهه و شروده من وقتما عاد من عمله، اقتربت منه و تلمس بكفها مرفقه و هي تقول بنبرةٍ هادئة أشبه بالهمس:
"مالك بس ؟! قولي إيه مزعلك كدا من ساعة ما رجعت و أنا أفكر معاك، مالك يا ياسين؟!"
حرك رأسه تجاهها و هو يطالعها بعينيه التي لمعت العبرات بهما و حينما طال الصمت من طرفيهما و كليهما ينظر للأخر تحدث هو مُردفًا بثباتٍ زائفٍ:
"أنا كويس متخافيش، بفكر بس في حاجات في الشغل و بفكر ازاي اظبطها، أنتِ كنتي بتكلمي مين؟!"
أشار برأسه نحو الهاتف و هو يستفسر منها فوجد الحماس يعود لها من جديد و هي تجاوبه بمرحٍ:
"دول البنات، أصل فيه خبر كدا سعيد عاوزين نقولوا ليكم بس اوعدني الأول إن الشخص دا ميعرفش علشان الدنيا متبوظش"
عقد ما بين حاجبيه بحيرةٍ و كسا الاستنكار ملامح وجهه و نظرة عينيه لها، فاقتربت منه أكثر تقول بحماسٍ تضاعف عن قبل:
"اوعدني يلا يا ياسين، علشان أقولك إيه الخبر الحلو"
لم يكن في مزاج جيد حتى يشاكسها و يثير حنقها، حتى حرك رأسه موافقًا لها و هو يقول بنبرةٍ واهنة بالكاد تدل على أنه تحدث:
"وعد ...أوعدك إن الشخص دا ميعرفش حاجة، ها ؟!"
ابتسمت له و هي تقول بنبرةٍ مختنقة إثر فرحتها و حماسها:
"سارة مرات عامر حامل و هتجيب نونو"
افتر ثغره بدهشة غير مُصدقًا و كأنه يتخيل حديثها من تفكيره المُتعب، فوجدها تمسك يده و هي تضيف بنفس الطريقة:
"زي ما سمعت كدا !! سارة حامل و عامر هيبقى أب"
ابتسم هو باتساعٍ و تبدل حاله في ثوانٍ فرحًا بصديقه، و رغمًا عنه لمعت العبرات في عينيه و هو يقول بتأثرٍ:
"الله أكبر !! فين عامر طيب ؟! عاوز احضنه و أشوف فرحته ؟! مش هقدر استنى و الله"
تحدثت هي بلهفة قاطعة:
"لأ علشان خاطري، بلاش تفضحنا، هدير و إيمان و خلود بيتفقوا سوا على الطريقة اللي هيعرف بيها، احنا قولنا نعرفكم، علشان متتفاجئوش بكرة"
احتضنها هو مُسرعًا و هو يتنفس بعمقٍ، فتحدثت هي بسخريةٍ:
"بقولك سارة اللي حامل مش أنا، السلوك دخلت في بعض عندك !!"
ابتعد عنها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"و ربنا يكرمني منك إن شاء الله يا خديجة، أنا واثق في كرم ربنا عليا و إني هفرح الفرحة دي أنا كمان"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له فضمها هو مرةً أخرى و هو يتعجب من كم الدفء الذي يشعر به بين ذراعيها و كأنها أحذت حنان العالم أجمع و بثته له في عناقٍ، و ظل يتسائل كيف له أن يترك موطنه و يرحل عنه ة يغدو غريبًا في طرقاتٍ مجهولة خالية من أمان عينيها؟!.
_________________________
_"نـــعــم !! هي السلالة دي هتتكاثر ؟! هو أنا مكتوب عليا و على ولادي يتجلطوا من عامر و عياله؟!"
أردف «خالد» بذلك الحديث بحنقٍ بعدما استمع لحديث شقيقته على الهاتف و زوجته بجانبه تحاول كتم ضحكتها على هيئته، حتى تحدث هو من جديد بعدما استمع لشقيقته:
"يا رب استرها و متبقاش بت !! أنا لو ناسبت عامر واحد فينا هيروح أبو زعبل و التاني هيروح للي خلقه، استر يا رب"
أغلق الهاتف مع شقيقته بضجرٍ و ما لبث ثوانٍ حتى وجد بسمة هادئة تُزين ثغره، حتى تحدثت زوجته بسخريةٍ:
"خالد أنتَ ملبوس ؟! مش كنت عمال تجعر دلوقتي؟! بقيت بتضحك كدا مرة واحدة؟!"
حرك رأسه و هو يبتسم لها ثم قال بهدوء:
"بتخيل شكل الأهبل دا لما يعرف إنه هيبقى أب، أنا بتقلي و هدوئي دا و كنت ساعتها زي الأهبل لما عرفت، متخيلة عامر هيعمل إيه؟! هيفحضنا قدام الناس"
ردت عليه هي بوجهٍ مُبتسمٍ:
"لأ يا سيدي مش هيكسفكم ولا حاجة، اسمعوا كلام إيمان بس و محدش يقوله علشان نشوف هو بكرة هيعمل إيه"
اقترب منها يسألها بخبثٍ:
"طب إيه ؟! مش ناوية تخلينا نفرح كدا و نجيب أخوات للواد الوحداني دا ؟! يرضيكي يكبر لوحده؟!"
ابتسمت له و هي تقول مُقررةً:
"آه يرضيني، لما يكبر شوية علشان اقدر أربي الاتنين، يونس لسه صغير و محتاج اهتمام"
رد عليها هو ببراءةٍ زائفة:
"طب ما أنا محتاج اهتمام أنا كمان، اعتبريني يونس"
قبل أن ترد عليه خرج «يونس» من الداخل و في يده حذاء والده بعدما ملئه بالمياه و ركض نحوهما و هو يضحك باتساعٍ فحاولت هي كتم ضحكتها بينما «خالد» ضرب رأسه بكفيه معًا و الأخر يضحك بحماسٍ و كأنه حصل على حلوته المفضلة لتوه.
_________________________
أغلقت «هدير» الهاتف مع الفتيات بعدما تم الاتفاق على كل شيءٍ ثم تنهدت بعمقٍ و بداخلها حماسٌ للغد و رؤية الفرحة على أوجه الجميع، شردت في تفكيرها و هي تتذكر كيف ستكون هيئة البيت غدًا بزفاف هذا الخبر السعيد لهم؟؟
دلف «حسن» الغرفة أخيرًا بعد عدة أحاديث مع شقيقته، عجت برأسه الصداع من كثرة تفوهها بما ضيق صدره منها و من تفكيرها، ثم جلس بجانب زوجته التي طالعته بسخريةٍ و هي تقول بتبرمٍ و ضيقٍ:
"ما لسه بدري يا حسن !! على ما افتكرت إن فيه واحدة مرزوعة هنا ؟!"
تنهد هو بقلة حيلة ثم تحدث أخيرًا بنبرةٍ منهكة:
"هدير !! عدي الليلة علشان خاطري، أنا دماغي ورمت من كتر الكلام و المناهدة، متبقيش أنتِ كمان عليا"
رفعت أحد حاجبيها بحنقٍ و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
"هو أنا عملت حاجة ؟! بقالك فوق الساعتين سايبني هنا علشان بتتكلم مع أختك، و متكلمتش، و نظراتها ليا و أنا برضه معملتش حاجة، كل زعلها مني لمجرد إنك حبتني؟!"
رد عليها بنفاذ صبرٍ:
"يا هدير إيه اللي بتقوليه دا ؟! هي بس كل زعلها أني اتجوزت من غير ما أعرفها، و أني حتى بعد كدا مقولتش ليها، و بتقولي إنها بتكون شايلة همي و أنا كنت متجوز و هي عمالة تفكر فيا"
ابتسمت بسخريةٍ و هي تقول:
"آه فعلًا، القلق يعيني كان مموتها و أنتَ هنا فرحان و بتتنطط، بامارة مكالماتها ليك كل يوم و لا يعيني مكانتش بتنام من غير ما تكلمك"
حرك رأسه نحوها و هو يسألها بنبرةٍ موجوعة و نظرة عين تائهة:
"أنتِ بتعايريني يا هدير ؟؟ كلامك دا معناه إيه طيب؟!"
رددت كلمته خلفه ببلاهةٍ:
"أعايرك !! هي بقت كدا يعني؟!"
حرك رأسه يرد عليها مُستنكرًا الحوار منذ بدايته:
"الكلام ملوش معنى غير كدا، ليه تفكير تاني عندك ؟! لو فيه قوليلي بدل ما دماغي تتعبني"
تنفست هي بعمقٍ ثم سحبته من يده نحوها ثم ضمته بذراعيها و هي تقول مُفسرةً له بهدوء مراعيةً حالته و طريقة تفكيره:
"يا حسن كل الحكاية إنك مغلطتش في حاجة، جوازنا كان ليه ظروف خاصة، و غير كدا هي مكانتش بتسال أو موجودة، مش من حقها تيجي تلومك على حاجة أنتَ عملتها في غيابها، و هي غايبة بمزاجها، مينفعش حد يدور على دور ضاع منه و هو اللي سايب المسرحية بمزاجه"
تنهد هو بقلة حيلة فوجدها تحرك كفها داخل خصلات شعره تدلكها و هي تقول بنبرةٍ أقرب للضحك من فرحتها به:
"بعدين أنا عاوزة أشكرك على كلامك اللي قولته النهاردة عن موضوع جوازنا، شكرًا إنك مكسرتش بخاطري و لا كسفتني قصاد أختك"
رفع نفسه حتى يتسنى له رؤيتها و هو يقول بذهولٍ من حديثها:
"أكسفك !! و أكسر بخاطرك ؟؟ هو أنا قولت إيه أصلًا؟! مش دي الحقيقة؟!"
ردت عليه توضح مقصد الحديث:
"لأ مش دي الحقيقة، الحقيقة إن عيلتي هي اللي طلبت منك تدخل علشان اللي راشد عمله، و علشان تلحقني من استغلاله ليا، إنما أنتَ برجولتك و شهامتك لحقت الدنيا لما وليد فاتحك في الموضوع"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف مُفسرًا:
"بس مش دا اللي حصل، اللي حصل إن الكلام أني أعمل نفسي خطيبك قصاد راشد و العيلة علشان يلم نفسه، و بعدها كل حاجة تفضل طبيعية و كان وليد هو اللي هيتحمل علاجك من الصدمة، بس أنا حسيت بمسئولية ناحيتك، و مش عارف سببها، لقيت نفسي بطالب بحق مش حقي و بطلب أني اتولى دور الحامي ليكي، و من ساعتها و أنتِ مسئوليتي و هتفضلي كدا"
وقفت خارج الغرفة تستمع لحديثهما سويًا و بعد ذلك الحوار الذي وصل لها و الذي فسرته هي بطريقةٍ خاطئة و اقترقت إثمًا في سوء ظنونها، حينها ابتسمت «حنان» بتهكمٍ و هي تشعر بنيران تشتعل في جوفها من الأفكار الذي سيطرت على حيز تفكيرها بطريقةٍ سلبية و هي تتوعد بتفكيرها لتلك التي لقبت بزوجة أخيها بين ليلةٍ و ضحاها.
في الداخل ارتمت «هدير» بين ذراعيه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
"شوفت بقى إنك سكر ؟! طب والله عاوزاك تكون معانا بكرة علشان تفرح من قلبك، عامر هيبقى أب و بكرة عاملين مفاجأة في البيت عندنا علشانه، ينفع تكون موجود معانا؟!"
توسلت له بنظراتها قبل كلماتها حتى نسى ما قالته للتو، فتنهد هو بقلة حيلة و أمام نظرة عينيها تلك و توسلها له حرك رأسه موافقًا و هو لا يدري على ماذا وافق، لكن نظرتها و طريقتها جعلته يوافق رغمًا عنه حتى تنهدت هي بعمقٍ ثم أقتربت منه و هي تقول له بطريقتها المعتادة:
"احضني بقى متبقاش رخم كدا"
شدد هو مسكته لها و هو يبتسم بيأسٍ منها و هي بين ذراعيه حتى تحدث هو يسخر منها:
"أنتِ أول ست تثبت إن الاهتمام بيتطلب عادي، ربنا يحفظك"
رفعت فمها تطبع قبلة على خده و هي تقول بنبرةٍ مرحة و بين ثناياها سخريةٍ:
"ربنا يخليك ليا يا أبو علي و يكرمك بـ علي و أختك تمشي من هنا بقى"
رمقها بطرف عينه كأنه يحذرها من استكمال الحديث عن شقيقته، فردت عليه بثباتٍ:
"خلاص خليها هنا، وريني بقى هتجيب علي ازاي؟!"
_________________________
مرت الليلة بحلوها و مرها و بكل شيءٍ بها، حتى أنارت الشمس بلمعتها الذهبية و ازالت غيمة الليل و بقاءه، و في شقة «ياسر» كانت زوجته تملي عليه بعض التعليمات حتى لا يفتضح أمرهم، فاقتربت منه تتوسل له قبل دخوله المرحاض:
"علشان خاطري يا ياسوري، اوعى تقع بلسانك، احنا ظبطنا كل حاجة مع البنات و سارة نزلت الصبح تتأكد في المعمل، متفضحناش"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ مُجبرًا على الانصياع لها ثم تحدث بمللٍ و هو يقول:
"خلاص عرفت بقى !! بطلي زن بدل ما اتصل بيه و أقوله كل حاجة، مش طالبة هي رغي"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يقول لها بضيقٍ زائفٍ:
"يلا روحي صلي الضحى، يلا علشان ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك بعيل يعقلك أنتِ كمان"
_"شبهك !! دي أهم حاجة"
قالتها بتأكيد و هي تتحرك من أمامه حتى حرك رأسه نفيًا بيأسٍ منها و هو يجزم أنه لا فائدةً منها قط.
في شقة «خالد» وقفت «ريهام» من على بعدٍ ترى ذلك المشهد المُحبب لقلبها و الذي أخذ يزداد في الأوئنةِ الأخيرة حيث يقف «خالد» على سجادة الصلاة و «يونس» بجانبه على سجادته الصغيرة و هو يسترق النظر لوالده بطرف عينه حتى يفعل ما يفعله الآخر !!
فكلما ركع «خالد» ركع «يونس» مثله و كلما سجد «خالد» سجد الأخر مثله و هو يحرك رأسه للأمام حتى يتسنى له رؤية والده ثم ينظر أمامه و يحرك اصبعه أثناء التشهد و رغمًا عنه يبتسم من غرابة الموقف لكنه يكمل مثلما يفعل أبيه.
بكت هي رغمًا عنها ثم أخرجت زفيرًا قويًا في محاولةً واهيةً منها للتحكم في دموعها التي هددت بالاعلان عن نفسها صراحةً، فكلما رآتهما سويًا و خاصةً في الصلاة تشعر بعدة مشاعر غريبة تجعلها متيقنةً من أنها اصابت الاختيار في «خالد» كونه أبًا لـ «يونس».
انهى «خالد» الصلاة ثم حرك رأسه للجهة الأخرى التي يجلس بها نسخته المصغرة كما يلقبونه، و رغمًا ابتسم بتأثرٍ ثم حمله على يده و هو يقول مُهدهدًا له:
"بقيت بتصلي مع بابا !! بتعرف تصلي يا يونس ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم غمغم بعدة كلماتٍ كعادته التقطها «خالد» تلك المرة فشعر براحةٍ كبرى و هو يقول مشاكسًا له:
"يا فرج الله !! أخيرًا فهمتك مرة من نفسي؟! بتقول بصلي مع بابا أكبر ؟؟ مش مهم بكرة هعدل لسانك يا ابن ريهام"
أتت هي من خلفهما و هي تقول بضيقٍ زائفٍ وفي يدها الفطار:
"أنا مالي يا ابن الناس !! هو مش ابنك أنتَ كمان؟!"
اعتدل واقفًا و لازال «يونس» كما هو على ذراعه حتى اقترب منها يقف بجوارها وهو يقول ساخرًا من ابنه:
"الواد طول النهار حمل وديع و كتلة لطافة متحركة ماشية، بليل ملبوس و شقي و عنده عرق ضارب"
اقتربت منه تمسك ابنها و هي تقول بنبرةٍ مرحة:
"ملكش دعوة بيه لو سمحت، روح أفطر لحد ما أجهز الهدوم اللي هتلبسوها علشان نروح العزومة بدري"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منهما يقبل كلًا منهما على حدة و «يونس» يبتسم باتساعٍ على ذراع والدته فتحدث «خالد» بخبثٍ:
"فرحان علشان ببوس أمك ؟! طب والله لأخليك تطير من الفرحة و احضنها دلوقتي، أنا نقطة ضعفي فرحتك ياض"
اقترب منهما يحضتنهما سويًا و زوجته تضحك عليه و على طريقته حتى ارتمى عليه ابنه و هو يقهقه من كثرة الضحكات دون أن يفهم ما يدور حوله، سوى أنه ولد بين هذين الأبين و الذي يرى بهما عالمه الصغير حتى و لو لم يعي هو لذلك.
_________________________
في شقة «ياسين» و كعادتها يوم الجمعة تقوم بتشغيل إذاعة القرآن الكريم في الشقة و ترفع الصوت مع رائحة البخور التي سارت في أنحاء الشقة بأكملها، و هي في الداخل تقوم بإعداد الفطور السريع لهما سويًا و هو في الخارج يقوم بأداء ركعتي الضحىٰ بعدما سبقته هي.
انهى صلاته ثم رفع كفيه يدعو الله و يتضرع بقلبه قبل النطق بلسانه، أن يدفعه و يقربه نحو الخير حتى و إذا لم يدرك هو ذلك، هو فقط يثق في خيارات ربه و في رحمته بالعباد حتى و إن كانت بعض الأمور تحزنك، لكن وراء ذلك حكمة لا يعلمها سوى الخالق، تذكر أثناء تضرعه حديث والده الذي غلفته الحكمة حينما سبق و أخبره بذلك الحديث ذات مرةٍ في الصغر:
"افتكر إن حياتك ملكك بس ربنا سبحانه وتعالى مطلع عليها يا ياسين، مهما اشتد حملك و مهما صعبت مهمتك افتكر كويس_ قوله تعالى_:
""وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"
_"صدق الله العظيم"
خليك واثق في عطف ربك و كرمه و رحمته عليك، أنتَ ممكن يكون الخير قصادك بس بغبائك عاوز اللي مش صالح ليك، ساعتها توكل أمرك لله و تفوضه علشان تدرك حكمته و رحمته و طول عمرك ما هتقدر توفي و لو جزء بسيط من كرمه عليك ادعي الدعاء اللي عرفته ليك علشان ربنا يكرمك و قلبك يرتاح من هم التفكير.
تنهد هو بعمقٍ ثم رفع كفيه و هو يقول بصدقٍ نبع من قلبه:
اللهم اني وكلتك امري فأنتَ خير وكيل ودبر لي امري فاني لا أحسن التدبير اللهم يا مالك الكون اكفني شر ما يكون قبل أن يكون، يارب تمّم لي أموري القادمة على خير وبشرني بما أنتظره فأنت خير المبشرين اللهم اني استودعتك أموري ومستقبلي ف يسر ولا تعسر"
انزل كفيه بعدها ثم ترك موضعه بعدما حمل سجادة الصلاة على يده، ثم ذهب نحو المطبخ فابتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"صباح الخير !! فطرتي؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول:
"لأ تعالى نفطر سوا قبل الجمعة علشان يدوبك هتنزل و أنا هجهز لحد ما الصلاة تخلص، يلا النيسكافيه بتاعك هيبرد"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يجلس بجوارها و هي تبتسم له حتى سألته هي بنبرةٍ مقررة أكثر من كونها مُتسائلة:
"برضه مش عاوز تقولي مالك ؟! على فكرة باين إنك مخنوق، و قبل أي حاجة احنا صحاب، يعني على الاقل تشاركني زعلك"
أجبر شفتيه على التبسم بعد حديثها فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
"مينفعش إنك تخبي عني اللي مزعلك، زي ما أنا طول الوقت بقولك اللي مزعلني قبل اللي مفرحني"
باغتها هو بسؤاله الغير متوقع:
"حتى لو اللي مزعلني هيزعلك أنتِ أكتر مني؟!"
ظهر الاستنكار على مُحياها و هي تقول تطالعه بأعين تائهة و كأنها لم تفهم مقصد حديثه، فتنهد هو بعمقٍ ثم أضاف مُسرعًا:
"قصدي يعني لو في العموم اللي هيزعلني ممكن يزعلك أكتر مني، اقوله ليكي؟! و أنا وعدتك ان أي حاجة تزعلك ابعدها عندك؟!"
حركت رأسها موافقةً بقوة ثم أضافت باصرارٍ:
"أحسن ما حد فينا يشيل في قلبه لوحده من غير التاني، و لا إيه؟! قولي بس و متشيلش هم"
هم هو بالحديث و بالنطق عما يدور بعمله و عن سفره و عن تركها بمفردها للمرةِ الأولى منذ التقاءهما سويًا، تعد هذه هي المرة الأولى للفراق بينهما بعدما عاشت بكنفه يحميها هو من العالم الخارجي.
قبل أن يتفوه صدح صوت هاتفها برقم واحدةً من الفتيات فاستأذنت منه بعينيها ثم تركت الطاولة، فتنهد هو بعمقٍ و هو يشعر براحةٍ كبرى تخللت الثقوب التي سببها له خوفه من الحديث معها.
_________________________
تجهزت «هدير» بعدما أعدت الفطور لزوجها و شقيقته ثم جلست في الخارج تنتظر خروجه حتى اقترب منها يقول هامسًا بهدوء:
"أنا مش فاكر أنا وافقت ازاي أني افضل معاكي هناك، متأكدة أني وافقت؟!"
حركت رأسها ببراءةٍ و هي تقول:
"والله وافقت، مش هكدب عليك أنا يا حسن، هو أنا وش ذلك ؟!"
رفع حاجبيه معًا يطالعها بتشككٍ فوجدها تقف أمامه و هي تمسك طرفي سترته و تقول بنبرةٍ هادئة:
"و بعدين مش عيب تسيبني كدا في بيت أبويا؟؟ يقول إيه بنته زهقت جوزها و رماها عنده؟؟ يرضيك كدا ؟!"
رفع كفه يحاوط خصرها و هو يقول هامسًا بجانب أذنها:
"دا أنا كدا ابقى متربيتش ؟! علشان بنته دي ونسي في الدنيا، هو أنا أهبل علشان أسيب ونسي برضه؟!"
ابتسمت بانتصارٍ و قبل أن تقترب منه أكثر وصلها صوت شقيقته تتحدث بنبرةٍ جامدة:
"انتو بتعملوا إيه عندكم ؟؟ على ما أظن إن الأستاذ نازل يصلي"
ردت عليها «هدير» بثباتٍ ممتزجٍ بالسخرية بعدما التفتت لها:
"هو أنا سيجارة هنقض الوضوء ؟؟ دا أنا مراته يا طنط، يعني حلاله"
رفعت حاجبها لها فتدخل «حسن» يتحدث مُحاولًا تلطيف الأجواء التي يتعكر صفوها بسرعة البرق:
"هي بس كانت بتقولي حاجة، علشان فيه مناسبة عائلية عاوزني أحضرها بس أنا كنت بقولها مش هينفع علشان أنتِ هنا"
رمقته «هدير» بغيظٍ و بعينين على وسعهما و هي تتوعد له، فتحدثت شقيقته بهدوء:
"أنا نسيت أقولك صحيح أني هقضي اليوم كله برة و هقابل صحابي و هروح ازور فردوس"
نظر كليهما لها بغير تصديق و تحدث هو بنبرةٍ جامدة يستفسر منها:
"فردوس !! هتروحي ليها ليه يا حنان ؟! فيه إيه بينها و بيننا علشان يكون لينا علاقة بيها، كل حاجة بيننا اتقطعت من يوم موت ريم"
ردت عليه هي بثباتٍ:
"رايحة علشان هي صاحبتي، و علشان بنتها اللي في يوم من الأيام كانت مراتك و كانت على مشارف تبقى أم ابنك، نسيت الود و نسيت كل اللي كان بينا بجوازك ؟!"
همت «هدير» بالتحدث فأوقفها هو حينما أمسك يدها ثم تحدث بنبرةٍ جامدة و حدة صوتٍ:
"أنا نسيت كل حاجة كانت تعباني علشان اعرف اريح بنات الناس اللي معايا، هعمل إيه بماضي مش فاضلي منه غير الوجع و التعب؟! هعمل إيه بذكريات مع واحدة شوفت معاها التعب اكتر من الراحة؟! عاوزاني احافظ على ود مع واحدة رمتني في الحبس و بسببها بَيت في القسم و هي متهماني بقضايا كل واحدة فيهم اتقل من التانية ؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم تحدثت بلامبالاةٍ تنهي ذلك الجدال و هي ترمق تلك التي تقف بينهما تائهة:
"الكلام دا ملهوش لازمة، أنا هقضي كام مشوار النهاردة و هرجع تاني على هنا، عن اذنك"
دلفت الغرفة مرةً أخرى و بقى هو ينظر في أثرها بصدمةٍ و هو يفكر كيف لشقيقة كبرى كان يظنها بمثابة أمه أن تفعل ذلك به و تستهين بجروحه بتلك الطريقة ؟! كيف يهون عليها و على قلبها و هي من المفترض أن تكون أحن منه على قلبه.
لم يشعر بشيئًا سوى بها و هي تعانقه و تربت على ظهره و يكاد يجزم أن كفها ذلك بمثابة مرهم امتد نحو جرحه الغائر يضمده ففي قربها ينعم بسلامٍ لم يسبق له أن يعرفه بعدما عاش كمثل المحارب في جميع الجهات و فقط ما لحقه كانت الخسارة، ليظفر بها هي و تصبح بمثابة انتصارًا عظيمًا.
_________________________
توقفت سيارة «طارق» أمام بيت آلـ «الرشيد» و جميعهم يبتسمون براحةٍ كبرى ثم نزلوا من السيارة و فور دخول «وليد» البيت حتى وجدها تركض نحوه مُسرعةً و الدموع تسبقها على وجنتيها دون أن تكلف نفسها عناء ردعها، ابتسم هو براحةٍ ثم رفعها من على الأرض ثم تحدث بشوقٍ جارفٍ:
"آاااه.... وحشتيني أوي أوي يا خلود، وحشتي أخوكي يا روح أخوكي"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
"أنتَ اللي وحشتني أوي، البيت بقى صعب من غيركم، ملوش لازمة"
حرك كفه يمسد على ظهرها ثم انزلها و هو يبتسم في وجهها فوجدها تمسك ذراعه الأيمن و هي تتشبث به، دلفت في تلك اللحظة «عبلة» و هي تقول بسخريةٍ:
"أهو.... رجعنا لضرتي تاني، محسساني أني خطفاه منك"
التفتت لها «خلود» و هي تقول بضجرٍ منها:
"سيبتهولك اسبوع كامل اهوه، عاوزة إيه تاني أنتِ ؟!"
اقتربت منها «عبلة» تحتضنها و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة يشوبها اليأس من «خلود»:
"وحشتيني يا عمتي، و الله يا بت اسكندريه ملهاش طعم من غيرك، بس هنعوضها كلنا سوا"
احتضنها «خلود» و هي تقول بقلة حيلة:
"و أنتِ وحشتيني يا مرات أخويا، هقول إيه بقى ؟؟ يلا بيحبك الموكوس دا"
ابتسم «وليد» رغمًا عنه فوجد «سلمى» تركض نحو شقيقتها و هي تذكر اسمها بلهفةٍ و تعانقا الاثنتين معًا و كلتاهما تعبر عن مدى اشتياقها للأخرى حتى دلف «طارق» و «جميلة»، فركضت «سلمى» نحو شقيقها تحتضنه و رغمًا عنها بكت بين ذراعيه فربت هو على ظهرها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب أنتِ وحشتيني اوي و عيونك وحشوني، ارفعي راسك ليا علشان اشوفهم يا سولي"
عند ذكره لها بذلك الاسم رفعت رأسها تطالعه بعينيها التي ذرفت الدموع ببزخٍ و حينما طالعته بهما تحدث هو بنبرةٍ هائمة كعادته حينما يثني على لون عينيها:
"وحشتيني يا سلمى، وحشتيني و وحشني لون عينك اللي زي العسل و في جمالهم يضربوا المثل"
احتضتنه مرةً أخرى فوجدته يشدد عناقه لها و هو يبتسم بينما «خلود» عانقت «جميلة» و هي ترحب بها، و إبان ذلك انتشرت الزغاريد في البيت ترحيبًا بوجود العرسان و عودتهم من قبل «مشيرة» و «مروة» و كلًا منهم ترحب بهم حتى اجتمعت العائلة بأكملها في ردهة البيت يرحبون بعودة الشباب متمنين لهم دوام السعادة و راحة البال.
_________________________
انتهت صلاة الجمعة و تجهز الشباب بزوجاتهم للذهاب إلى بيت آلـ الرشيد، و بعد اجتماعهم سويًا وقف «عامر» يحاول جاهدًا إدراك النظرات التي تدور بينهم، و فجأة قذفه «خالد» بأداة بلاستيكية صغيرة الحجم و هو يبتسم له بخبثٍ، فالتقطها «عامر» يحركها بين انامله و هو يقول بسخريةٍ:
"سكاتة !! جايبلي سكاتة يا خالد ؟؟ شكرًا يا حبيبي اتفطمت من بدري"
قذفه بها مرةً أخرى، وسط الضحكات من الأخرين حتى تحدث «خالد» بحنقٍ:
"أنا غلطان لأهلك قولت أوفرلك"
رفع «عامر» حاجبه له، فتحدث «ياسر» بخبثٍ هو الأخر:
"الواحد مخنوق و الله و نفسه ياسين يغني، ما تغني يا ياسين؟"
سأله «ياسين» بهدوء ممتزج بضحكاتٍ طفيفة على الرغم من علمه بمقصدهما:
"أغنيلك إيه يا حبيب ياسين؟!"
رد عليه «ياسر» ببساطةٍ:
"أي حاجة....غنيلنا يتربى في عزو"
حاولوا كتم ضحكتهم فتحدث «خالد» تلك المرة مُقترحًا:
"أو غنيلنا يا رب يا ربنا يكبر و يبقى أدنا"
تحدثت «إيمان» بنبرةٍ جامدة:
"أنا بقول نركب خلونا نلحق مشوارنا بقى، و لا إيه؟!"
بعد حديثها و بعدما نظروا لبعضهم ركبوا السيارتين معًا قاصدين في وجهتم بيت آلـ «الرشيد» و كلهم يأكلهم الحماس للقادم عدا «عامر» الذي لاحظ اختلاس نظراتهم لبعضهم لكنه لم يريد التطفل عليهم حتى يستطع التوصل لما يحدث بنهاية اليوم.
_________________________
استأذن من البيت بأكمله و طلب المغادرة لوجهةٍ يعلمها هو جيدًا، و بعد مرور بعض الوقت وصل لتلك الوجهة و انتظر حتى سمحت له المساعدة بالدخول، فدلف و على وجهه ابتسامةٍ واسعة و معه علبة في يده مغلفة، سألته هي بهدوء و رغم ذلك تشاكسه:
"يعني أفهم إيه من واحد سايب شهر عسله و جايلي؟! للدرجة دي غالية عليك؟!"
جلس على المقعد المجاور للمكتب الخاص بها و هو يقول بمعاتبةٍ و لومٍ:
"طب و ممكن أعرف ليه مجتيش فرحي؟! و لا هو أنتِ زي وائل جسار لما قال اعذريني يوم زفافك مقدرتش افرح زيهم؟!"
ابتسمت بيأسٍ منه و هي تحرك رأسها فوجدته يسألها بنفس المعاتبة:
"بجد مجتيش ليه؟!"
ردت عليه هي بثباتٍ:
"و مين قالك أني مجيتش بقى ؟! هو أنتَ عاوزني أساعدك و مجيش؟! هو أنا في الهم مدعية و الفرح منسية ولا إيه؟"
رفع حاجبيه معًا فتابعت هي بثباتٍ و ثقةٍ:
"جيت و قعدت مع مامتك و مع ستات العيلة و مع ميمي كمان، بس مشيت بدري علشان كان ورايا عيادة الصبح، و على فكرة شكلكم كان تحفة في اللبس الصعيدي"
تحدث هو مُسرعًا:
"خلاص خلاص صدقت انك جيتي، مع أني رجحت إنك مش هتيجي"
ردت عليه هي بهدوء:
"مكانش ينفع ماجيش، على الأقل كان لازم أجي اشوف نتيجة تعبنا احنا الاتنين سوا، و صدقني أنا كنت مبسوطة و أنا شايفاك فرحان من قلبك"
تحدث هو مُبتسمًا تلك المرة براحةٍ ظهرت في نبرة صوته:
"هتصدقيني لو قولتلك أني بقيت واحد تاني عمري ما كنت اتخيل أني ممكن أكون عليه في يوم من الأيام ؟! بقيت واحد تاني دماغه أهدا زي اللي كان جواه نار و نزل عليها بجردل مياه يخمدها خالص، بقالي اسبوع زي الطير في السما لدرجة حسستني أني هقع على جدور رقبتي، لو الجواز حلو و هو السبب في كدا يبقى الحمد لله على نعمة الجواز"
ابتسمت هي بعد حديثه ثم تحدثت مفسرةً ببساطةٍ:
"اللي أنتَ فيه دا هو السكن، علاجك و خطواته كانت صعبة أوي تتعافى منها، دا علشان الجروح كلها مفتوحة و كل واحد فيهم وقته فات و عدى، أنتَ لما كنت بتسكنهم كنت بتهدا علشان المفعول شغال، أول ما المفعول يطير تكتشف أن الجرح مؤلم، المهم اننا قفلنا الجروح دي تمامًا خلاص، حاليًا في فترة الاعتناء بالخياطة، قولي بقى ارتاحت ؟"
حرك رأسه موافقًا ثم أخرج زفيرًا قويًا و هو يقول بصوته الرخيم:
"ارتاحت من أول ما راسي لمست الأرض و أنا بصلي و هي ورايا، تحديدًا من اللحظة دي أنا بقيت واحد تاني، و لما صحيت تاني يوم و لقيتها جنبي و اتأكدت أن اللي فات كله كان حقيقة مش حلم، لأول مرة اعرف يعني إيه انسان الدنيا تنصفه و ياخد حاجة هو اتمناها"
حركت رأسها موافقةً بتأثرٍ من حديثه فوجدته يحرك رأسه نحوها ثم مد يده بالعلبة و هو يبتسم بخفةٍ، عقدت ما بين حاجبيها تستنكر فعلته، فتحدث هو مُفسرًا:
"دي حاجة صغيرة كدا من اسكندرية علشانك، جيبت لكل الغاليين و قولت لازم اجيبلك"
رفعت عينيها له فوجدته يحرك رأسه مُشجعًا لها حتى تأخذ منه العلبة، امتثلت هي لمطلبه و أخذتها من يده ثم فتحت الغلاف الخارجي حتى وجدت علبة الحلويات و يعتليها سوار من خامة الفضة و عليه إسمها بخطٍ عربي "هَــنَّـاءْ" ابتسمت هي بتأثرٍ فتحدث هو بثباتٍ:
"الهريسة مني، و الاسورة من عبلة، أنا عرفتها أني هجيلك النهاردة، و كان نفسها تيجي بس البنات في العيلة بقى اتجمعوا سوا"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يحفظكم و يسعدكم كلكم إن شاء الله، عن نفسي أنا اللي يهمني أنكم تكونوا بخير، و شكرًا على تقديركم ليا"
حرك رأسه موافقًا ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بهدوء:
"عن اذنك بقى علشان العيلة كلها هتتجمع و يدوب نلحق نقعد سوا"
حركت رأسها موافقةً و هي تطالعه بامتنانٍ بينما هو لوح بكفه ثم خرج من العيادة و هي خلفه تجزم أنه الحالة الوحيدة التي جعلتها تشعر بتلك السعادة في عملها و كأنه أول إنجازٍ ترى نتيجته ملموسة بتلك الطريقة.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصلوا جميعًا و انتشرت البهجة فور وصولهم و خصوصًا بحضور الطفل المحبب لقلوب الجميع صغارًا أو كبارًا، كان «يونس» يجلس بجوار «وئام» الذي حمل صغيره على يده و الأخر يداعبه و يقبل كفه و رأسه بين الحين و الآخر و كلما استمع لبكاءه، اخفض نفسه نحو يربت عليه بكفه الصغير ثم يجلس بموضعه مرةً أخرى.
تحدث «عامر» في تلك اللحظة مُستفسرًا بعدما فشل في العثور عليه:
"أومال في العريس التاني؟! راح فين مكسوف يجي يسلم علينا؟"
ضحكوا عليه و على سخريته من «وليد» و في تلك اللحظة دلف و هو يقول بمرحٍ:
"مراتي حالفة عليا متكشفش على حد، أصلها بتغير"
هلل الشباب فرحًا به و اقتربوا منه يرحبون به، و هو يبادل كلًا منهم العناق بمثيله و الشوق متبادل بينهم، حتى أتى دورها و انتظرت حتى ابتعدوا عنه، فركضت نحوه مُسرعةً و هو يبتسم بتأثرٍ و خاصةً بعناقها له، سيظل هذا العناق هو الأجمل و الأحن في حياته، لطالما كان موطنه الأول، و مستقره الوحيد
بكت هي من فرط شوقها له، فربت على ظهرها و هو يقول بحنوٍ بالغٍ:
"كفاية علشان خاطري، و بعدين بتعيطي ليه؟! هو أنا كنت على الحدود ؟! دا أنا كنت في شهر عسل، يعني كنت خاربها"
ابتعدت عنه تمسح دموعها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
"بعيط علشان وحشتني، و علشان كنت فاكرة أني هاجي أشوفك علطول، لقيتك مش موجود، قولت يمكن زهق مني"
حرك رأسه نفيًا ثم تحدث مُردفًا:
"مفيش واحد بيزهق من أرضه و لا حد بيبعد عن اللي منه، و أنتِ أرضي، أولي و أخري بيكون عندك، تفتكري ممكن يجي يوم و أنسى إن حضنك هو اللي كان بيلحقني؟!"
حركت رأسها نفيًا فرفع كفه يمسح دموعها ثم سحبها نحوه و هو يربت على رأسها، كل ذلك تابعه «ياسين» بهدوء و تأثرٍ و حمد الله على عودة «وليد» حتى يعاونه في الآتي.
تحدث «محمود» موجهًا حديثه للنساء و هو يقول بهدوء و رتابةٍ:
"يلا بقى حضرولنا الغدا علشان الناس اللي جاية من سفر دي، و لا إيه يا رجالة؟!"
رد عليه «مرتضى» مؤيدًا:
"يلا علشان نعرف نقعد سوا، مفيهاش كلام دي، و هاتولي فارس و يونس يقعدوا معايا"
بعد مرور دقائق التف الرجال حول الطاولةِ و النساء في الشقة المجاورة لهم يأكلن سويًا، حيث اجتمعوا في الطابق الأول، نصفه للنساء و النصف الأخر للرجال، و تم تناول الطعام في جوٍ تسوده الألفة و الحب بين الجميع.
انتهى وقت الطعام و قاموا النساء بتقديم العصائر و المشروبات الغازية للجميع و قام حينها كلًا من «وليد» و «طارق» بتوزيع الهدايا و الحلويات التي سبق و جلبها كلًا منهما لأهالي البيت و أصدقائهم، و كلما حصل منهم على هديته شكرهم و تمنى لهم دوام السعادة و بعد مرور بعض الوقت أمر «محمود» باجتماع العائلة بأكملها في الأسفل حيث المكان المخصص لمناسبات العائلة، حتى تتسع للجميع معًا.
و بعدما اجتمعوا سويًا و بعد الهمهمات و الاشارات بينهم، تحدث «محمود» بما انه أكبر الموجودين بأكملهم و حصل على التفويض من العائلة بأكملها:
"طبعًا محدش فيكم هنا غريب عننا، كلكم أولادنا و عيالنا و كلكم هنا أخوات طبعًا، محدش فيكم غريب وسطنا، عزومة النهاردة مش بس علشان طارق و وليد باعتبارهم ولاد العيلة، لكن دا علشان كلكم شبابنا، ياسين طبعًا...خالد...ياسر...عامر...حسن...، كلكم ليكم معزة و غلاوة زي شباب العيلة بالظبط و يعلم ربنا محدش فيكم في يوم مكانته قلت في قلوب حد من العيلة، حتى عمار و عبدالرحمن على الرغم انهم مش هنا، إلا أن مكانهم في القلوب محفوظ.
انتشرت الهمهمات و الأصوات الممتنة له و لحديثه و الدعاء له بدوام الصحة و العافية و أن يظل البيت كما هو مسنودًا بسيرته النقية، حتى ابتسم هو ثم قال بهدوء:
"دلوقتي بعد اللي عامر عمله في الفرح فيه إجماع إنه أكتر شخص بيقدر يفرح كل اللي حواليه، و علشان كدا كان فيه إجماع اننا كلنا نكون سبب في فرحته زي ما هو فرحنا كلنا"
ابتسم «عامر» ببلاهةٍ و ذهولٍ غير مُدركًا حديثه و لا النظرات التي تجول حوله، حتى قدم «وئام» صندوقًا لونه أسود مخصص لتقديم الهدايا، فأخذه «محمود» ثم تقدم به نحو «عامر» و بـ يده الأخرى يسحب مقعدًا حتى يجلس عليه، و يغدو مُقابلًا له حتى يتحدثان سويًا.
كل ذلك كانت تتابعه النظرات المُتحمسة و المتلهفة للقادم و خاصةً لرد فعله بعد تلك الطريقة التي استخدموها حتى يعرف هو بذلك الخبر السعيد.
جلس «محمود» مُقابلًا له و هو يقول بنبرةٍ هادئة محاولًا الظهور بثباتٍ أمامه حتى النهاية:
"قولي يا عامر، نفسك تفرح و لا لأ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بمرحٍ:
"بصراحة بعد الهريسة و اللب و الحاجات الحلوة اللي جاتلي من اسكندرية دي، أنا فرحان أوي"
ضحكوا عليه جميعًا و منهم من حرك رأسه بيأسٍ منه، فتحدث «محمود» برزانةٍ:
"طب قولي لو ربنا كرمك و اراد إنك تخلف، هتربيه ازاي؟!"
عقد ما بين حاجبيه بتعجبٍ ثم قال مفسرًا برتابةٍ رغم تعجبه:
"هخليه زي عمامه أكيد يعني، هعلمه ازاي يبقى راجل يعتمد عليه و ازاي يكون صاحب بجد زي ياسين و أخ حنين و ابن بار بأهله، هعلمه ازاي يشيل مسئولية و يبقى راجل بجد وتد في الأرض زي ياسر، هعلمه يكون أخ برتبة أب زي خالد و ازاي بنتحامى فيه من الدنيا، و هعلمه ازاي يقرب من ربنا زي عمار، و ازاي يشيل هم اللي حواليه زي وليد و ازاي يكون شهم زي حسن و ازاي يحافظ على حبه زي طارق و ازاي يبقى أب شاطر زي وئام و ازاي يكون دمه خفيف زي يونس و ازاي يفرح الناس زي أبوه"
صفق الشباب له بعد اجابته و بدا التأثر باديًا على وجوههم جميعًا و خاصةً الشباب و هو يذكر محاسن كلًا منهم بطريقةٍ جعلتهم يودون معانقته في الحال.
ابتسم «محمود» ثم قدم له الصندوق و هو يقول بهدوء:
"الصندوق دا هتلاقي فيه ٣ ورقات و كل ورقة فيهم تقرأ المكتوب فيه، و كل واحدة منهم عليها رقم، تسحبهم بالدور، تمام؟"
حرك رأسه موافقًا و قبل أن يفتح الصندوق سأله «مرتضى» ممازحًا له:
"قولي الأول يا عامر، أنتَ اللي يهمك المال و لا البنون ؟!"
رد عليه بملامح وجه ساخرة:
"فريال بطلة المسلسل"
ضحكوا عليه جميعًا فرد هو بقلة حيلة:
"الاتنين رزق يا عم مرتضى، بس أنا متوتر و مش فاهم ليه أنا بالذات اللي افتح الصندوق دا؟!"
رد عليه «طه» بهدوء:
"علشان أنتَ الوحيد اللي بتفرحنا و متخصص في بهجة العيلة، اتفقنا كلنا نردلك الجميل"
رد عليه هو بخجلٍ طفيفٍ:
"بس أنا مش عاوز رد جميل، علشان دا مش جِميل أصلًا، أنا بفرح أهلي و أخواتي، عادي يعني"
ابتسم له الجميع، فتحدث تلك المرة «حسان» يقول بهدوء:
"يا سيدي و أنتَ ابننا و احنا عاوزين نفرحك برضه، يلا بقى"
حرك رأسه موافقًا ثم قام بفتح الصندوق و تعجب حينما وجد به أشكالًا من خامة الفِل و بداخلها أشياءٍ عديدة يجهل هو ماهيتها، قام بسحب الورقة الأولى و قام بفتحها فوجد بداخلها آية كريمة من المصحف الشريف و هي:
﷽
{المال والبنون زينة الحياه الدنيا. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}
_صدق الله العلي العظيم.
تعجب هو من وجود تلك الآية الكريمة لكنه تنهد بعمقٍ ثم رفع رأسه لهم بذهولٍ، فتحدث «محمود» مُبتسمًا:
"اسحب الورقة التانية يالا يا عامر"
حرك رأسه موافقًا و لازالت الدهشة كما هي تبلغ مبلغها على وجهه و سحب الورقة الثانية فوجد بداخلها حديثًا شريفًا:
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ:
"صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ".
رواه مسلم.
_صدق رسول الله صلَّ الله عليه وسلم
ازدرد لُعابه بتوترٍ فتحدث «محمود» برزانةٍ و رتابةٍ:
"ربنا سبحانه و تعالى خلقنا بشر من سيدنا أدم و أمنا حواء، و كرمنا بحاجات كتير و نعم لا تعد و لا تُحصى، و من كرمه و فضله علينا، إنه بيرزقنا بحاجات كتير، زي مثلًا أولاد يحركوا جوانا مشاعر كتير و يخلونا نحب الدنيا بهزارهم و لعبهم، و أسأل خالد و وئام، كونك هتربيه صح و ينفع غيره من الناس يبقى كدا أنتَ بتاخد أجر، و يا بختك لو ربنا رزقك بالرزق دا، حافظ عليه يابني"
حرك رأسه موافقًا بتيهٍ، و قبل أن يسحب الورقة الثالثة سأله «محمد» تلك المرة:
"إيه أكتر دعوة بتدعيها من ساعة ما اتجوزت يا عامر ؟؟ أو نفسك في إيه؟!"
وجه بصره نحوه يجاوبه بثباتٍ ينافي التوتر الذي ينضرم بداخله:
"نفسي أكون زوج صالح و أكون لمراتي مصدر أمان، مش عاوزها في يوم تيجي تخاف مني أو تندم إنها سلمت حياتها ليا، و عاوز ربنا يكرمني منها بذرية صالحة، ربنا يكتبلي أني أكون أب"
أشاروا لها جميعًا حتى اقتربت منه تجلس على المقعد الفارغ بجواره و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"طب اسحب الورقة التالتة و شوف اللي فيها كدا"
زاد خوفه و توتره أكثر لكنه تنفس بعمقٍ ثم سحب الورقة الثالثة فوجد بداخلها:
" إِنَّا نُبَشِّرُكَ "
بأنه
" قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا "
حرك رأسه باستفهامٍ و الاستنكار يكسو ملامح وجهه حتى تحدث بتشوشٍ و تيهٍ:
"ثانية واحدة علشان أنا غالبًا فهمت أو قربت، هو.....هو إيه دا"
أشارت له برأسها و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ من فرط حماس اللحظة القادمة:
"طب اسحب أخر حاجة موجودة هنا و أنتَ هتعرف فيه إيه"
حرك رأسه موافقًا ثم مد يده داخل الصندوق يبحث عما يوجد بداخله حتى أمسك شيئًا مثل لوح الخشب أقل حجمًا من حيز الصندوق، ثم رفعه و قبل أن ينظر بها حرك رأسه لزوجته بقلقٍ، و قد كان اللوح الخشبي طُبع عليه صورة لطفلًا صغير يحبو على ركبتيه و هو يبتسم باتساعٍ و أسفله عبارةٍ مرحة:
"لبست يا حلو في المطب...و هتبقى أحلى و أشطر أب"
أسفل تلك العبارة وُضع رمزًا تعبيريًا يدل على الغمز بطرف العين.
رفع «عامر» اللوح أمام ناظريه ثم أغلق عيناهُ؛ مرةً و الثانية و الثالثة و كأنه يُجبر عقله و نظره لتصديق ما يراه، ثم رفع رأسه يطالعها باستفهامٍ فوجدها تحرك رأسها موافقةً و الدموع تلمع في مقلتيها، حينها تحدث هو بصوتٍ متهدج:
"يعني إيه ؟! يعني اللي بفكر فيه صح طيب؟! هو كدا بجد؟!"
حركت رأسها موافقةً فتحدث «محمود» بهدوء:
"ربنا يجبر بخاطرك و يتمم على خير و تشوفه أحسن واحد في الدنيا"
رد عليه «عامر» بصوتٍ مختنقٍ:
"عم محمود !! أنتَ راجل كبير مش هتكدب، بجد أنا حامل ؟!"
انتشرت الضحكات عليه بعد جملته الأخيرة، فتحدث «وليد» بسخريةٍ:
"يعيني !! دا مخه لحس خلاص"
تحدث هو مُسرعًا:
"مش قصدي...مش قصدي، قصدي يعني بجد هبقى أب؟! أحلف يا عم محمود"
ابتسم له فتدخل «مرتضى» يقول بمرحٍ:
"و الله مراتك حامل و أنتَ هتبقى أب، هنكدب عليك؟"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول بتيهٍ:
"لأ...بس....بس أنا خايف....خايف اتعشم و في الأخر اتخذل، احساس إنك تعشم نفسك بحاجة و متاخدهاش بيكون صعب، خايف اتعشم و الله"
ظهر التأثر على وجوههم، و خصيصًا زوجته التي بكت و هي بجواره، فالتفت لها يسألها بصوتٍ مختنقٍ:
"حامل بجد ؟؟ مش حمل كاذب؟"
حركت رأسها موافقةً له فوجدته يحتضنها بقوةٍ و دموعه تنزل رغمًا عنه تأثرًا من تلك اللحظة و الشباب حوله يهللون فرحًا به، حتى قبل هو رأسها و هو يشدد عناقه لها من جديد، حتى تدخل «خالد» يقول معنفًا له:
"خلاص يا حبيبي، خلاص يا بابا، الناس موجودة، كدا هتخنقهم"
ابتسم له «عامر» ثم مسح دموعه و تحدث يشاكسه بقوله:
"أنتَ مالك يا رخم ؟! دي مراتي و هي اللي بقيالي، دي حبيبتي و أم عيالي"
ضحكوا عليه جميعًا مرةً أخرى فسألهم هو بتشككٍ من جديد:
"يعني أنا هبقى أب بجد؟!"
ضحكوا مرةً أخرى فتحرك هو من جوارها ثم ركض نحو أخوته يحتضن كلًا منهم على حدة و هو يغمغم بكلماتٍ مرحة معبرًا عن فرحته بذلك الخبر السعيد و الجميع حوله ينظرون له بفرحةٍ كبرى نتيجةً لفرحته الذي ظهر أثرها عليه و هو وسط الشباب.
_________________________
طلب «ياسين» من «وليد» التحدث على إنفراد تام حتى يستشيره في موضوع سفره، فتقابلا فوق سطح البيت سويًا حتى تحدث «وليد» بمرحٍ:
"أيوا يا أبو نسب، اؤمرني يا عسل، خير؟!"
رد عليه «ياسين» بخوفٍ من القادم:
"مش عارف هو خير و لا لأ، بس أنا محتاج مساعدتك ضروري"
ضيق «وليد» جفنيه و هو يقول بتشككٍ:
"يا ليلتك السودا !! خونت خديجة يا ياسين ؟؟"
رد عليه الأخر بضجرٍ:
"هو أنتَ مفيش منك فايدة ؟؟ متربي على سوء الظن ؟!"
رد عليه بقلة حيلة:
"اعمل إيه طيب؟! من اعتاد القلق يا سيدي، ها متقلقنيش"
زفر «ياسين» بقوةٍ ثم تحدث بهدوء و هو يخبره بتفاصيل سفره و ضرورة ذهابه قبل نهاية ذلك الاسبوع، كما أن هناك بعض الشروط التي يصعب عليه تطبيقها، خصيصًا المكالمات الهاتفية، كان الأخر يستمع له و كله آءانٍ صاغية.
أنهى سرده ثم تحدث بحيرةٍ و انكسارٍ:
"اعمل إيه يا وليد ؟! أنا مش شاغلني غيرها هي، أقولها ازاي أني هسيبها كل الفترة دي و هكلمها مرة واحدة في اليوم؟! اسيبها ازاي و أنا شايف انها مبتطمنش غير في وجودي؟! أعمل إيه طيب؟! يا كدا يا أسيب شغلي و أبدأ في اللي بنيته من الأول"
تنهد «وليد» بقلة حيلة ثم تحدث مُردفًا:
"مش حل يا ياسين إنك تخسر شغلك و سمعتك اللي عملتها و مجهودك في الشركة، لو على خديجة صارحها و عرفها، جو إنك تعرفها قبلها بيوم دا مش نافع، لازم تكون عارفة قبلها علشان على الأقل تقدر تتهيأ، و متقلقش أنا موجود هنا، هحاول معاها"
مرر كفه على خصلات شعره بضيقٍ من الآتي حتى وجده يربت على كتفه و هو يقول بهدوء:
"توكل على الله و متخافش، أخواتك هنا و أنا معاها و أظن الأمور بقت أفضل دلوقتي"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ فسأله «وليد» باهتمامٍ:
"مالك يا ياسين؟؟ فيه إيه تاني مخليك زعلان؟!"
رد عليه بنبرةٍ منهكة:
"كل حاجة مزعلاني، أنا عمري ما اتغربت و عمري ما سافرت و عمري ما كان حلمي أسافر، أنا مليش نقطة ضعف غير اللي بحبهم يا وليد، مش قادر اتخيل حياتي من غير أخواتي و من غير ميمي و لا من غير أمي و أبويا، مش قادر أصدق إني هقدر أسيب خديجة لوحدها بعدما اتعودت على يومي بيها، أنا عمري ما هقدر اتأقلم في وضع مش شبهي، علشان انتم اللي شبهي"
احتضنه «وليد» ثم ربت على ظهره و هو يبثه بعض الكلمات التي قد تُطمئنه.
_________________________
انتهت الليلة في بيت آلـ «الرشيد» و رحل الجميع إلى بيوتهم بعدما جلسوا معًا في جوٍ يملئه المرح و السعادة و على الرغم من حزن «ياسين» و انشغال باله، إلا أنه استطاع الاندماج وسط فرحة الشباب بصديقهم.
وصل مع زوجته الشقة و هي تتحدث بمرحٍ عن اليوم بتفاصيله و عن فرحة «عامر» كان هو بين الحين و الآخر يبتسم لها حتى لا يفتضح أمر شروده.
و بعد مرور دقائق جلس هو على الأريكة الموضوعة بقرب فراشهما و تحديدًا في نهايته و هو ينظر أمامه و قد عزم أمره على اخبارها بسفره، و قد دلفت هي الغرفة في تلك اللحظة و هي تقول بحماسٍ:
"أنتَ هنا و أنا فكراك برة ؟! دا كله مستنياك علشان نقعد سوا"
رفع عينيه لها فتنهد بعمقٍ ثم أشار بجانبه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"تعالي يا خديجة عاوز اتكلم معاكي، تعالي"
تحركت نحوه بخطى متمهلة خوفًا من القادم خاصةً مع تغيره الملحوظ الذي استشفته هي منذ الصباح، بينما هو انتظر جلوسها ثم التفت لها بجسده و هو يقول بهدوء:
"خديجة !! مش أنتِ دلوقتي بقيتي أحسن من الأول ؟! و كمان بطلتي تخافي صح؟!"
حركت رأسها موافقةً بايماءة بسيطة و عينيها مُثبتة عليه، فتحدث هو بهدوء:
"يعني دلوقتي تقدري تعتمدي على نفسك صح؟! و تقدري تتعاملي من غيري"
انتاب القلق قلبها من حديثه و لم ترد على سؤاله، بل ظلت صامتةً، حتى سألها هو من جديد:
"ها يا خديجة ؟! مش بقيتي أحسن من الأول بكتير؟!"
حركت رأسها موافقةً فتابع هو بنبرةٍ متريثة خشيةً من القادم:
"طب أنا المفروض أسافر تبع الشغل و أسيبك، و هتفضلي لوحدك فترة"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بعد حديثه فتابع هو مفسرًا بسرعة:
"كل الحكاية إن مفيش حد غيري يقدر يكمل الشغل دا، و أنا لازم اروح الفترة دي"
ازدردت لُعابها بخوفٍ و تحدثت بنبرةٍ مهتزة:
"طب....طب هي الفترة دي اسبوع مثلًا يعني؟!"
رفع عينيه يطالعها ثم حرك رأسه نفيًا و تحدث بنبرةٍ مختنقة:
"شهر و نص....أو شهرين"
انتفضت في جلستها و هي تقول بنبرةٍ أقرب للبكاء من كثرة خنقتها:
"بتقول إيه يا ياسين ؟! قول إنك بتهزر و إنك عامل مقلب فيا، علشان خاطري"
وقف هو مقابلًا لها و هو يقول بقلة حيلة:
"لأ مش بهزر و الله، و مش مقلب، دي حقيقة يا خديجة للأسف، و واقع و كلنا مجبورين عليه، متصعبيش عليا القرار"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
"مصعبش إيه بس ؟! أنتَ سامع بتقول إيه؟! هتسيبني شهرين لوحدي ؟؟ هتسيبني تاني و أخاف من غيرك؟!"
اقترب منها اكثر و هو يقول ببكاءٍ هو الأخر:
"أعمل إيه طيب؟! لو بايدي مش هسيبك و لا عمري هفكر ابعد عنك، أنا لو مش متأكد إنك كويسة و إنك هتقدري تعيشي و أنا مش موجود كان زماني سايب كل حاجة حتى مستقبلي"
ردت عليه هي بنفس البكاء:
"و مين قالك أني مبخافش ؟؟ مين قالك أني بقيت كويسة؟! أنا بكون كويسة علشان عارفة إنك موجود معايا، بتطمن و أنا عارفة إنك في ضهري و ورايا علطول، أنا طول اليوم هنا لوحدي بكون خايفة و مجرد ما اسمع صوت المفاتيح في الباب بتطمن إنك وصلت، ليه عاوز تسيبني ؟! أنا مينفعاش اتساب و الله، مينفعش أنتَ بالذات تسيبني، أنا مليش غيرك"
أغمض جفنيه بشدة فوجدها تقترب منه تمسك كفه و هي تقول بتوسلٍ له:
"علشان خاطري خدني معاك طيب لو كلامك جد، متسيبنيش لوحدي، أنا مش عاوزة اخاف تاني من غيرك"
أمسك يدها و هو يقول بقلة حيلة:
"و الله العظيم ما هينفع، أنا رايح صحرا و الله أعلم أنا داخل على إيه، أنا مجبر على الوضع دا و لو بايدي عمري ما هفكر اختاره، خديجة علشان خاطري"
سألته هي ببكاءٍ و بحرقة قلب:
"طب أنتَ زهقت مني علشان و من طريقتي علشان كدا عاوز تمشي؟! صح؟!"
اقترب منها يحتضنها و هو يقول بنبرةٍ جامدة رغم بكاءه من حديثها:
"بس يا خديجة و بطلي هبل، ازهق منك إزاي ؟! ازاي اقدر أسيب الوحيدة اللي قلبي ارتاح ليها ؟! أنا مليش غيرك"
سألته هي بصوتٍ مختنقٍ:
"طب ليه ؟! ليه هتمشي ؟!"
رد عليه بقلة حيلة:
"علشان مفيش قدامي غير كدا، يرضيكي أخسر شغلي، و أدور على مكان ابدأ فيه من أول و جديد و أنتِ معايا و ملزومة مني؟! مقداميش حل تاني، و أنتِ كبيرة و واعية و فاهمة يعني إيه بيت مفتوح"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول ببكاءٍ تتوسله بكلماتها:
"علشان خاطري متمشيش....ابوس ايدك خليك معايا و متخلنيش أخاف تاني من غيرك، خليك معايا يا ياسين"
ربت على ظهرها و هو يردد نفس الكلمة و كأنه مرغومًا عليها:
"صعب....و الله العظيم صعب"
أجهشت هي في البكاء بين ذراعيه و كأنها طفلًا فقد دميته المفضلة و لأول مرة يراها بتلك الطريقة و بكل ذلك الضعف حتى تحدثت هي من بين بكائها:
"متمشيش.....علشان خاطري بلاش أنتَ تمشي.....متمشيش"
في تلك اللحظة نزلت دموعه و هو يلعن نفسه و يلعن حديثه، فرؤيتها بتلك الطريقة كان بمثابة القشة التي قمست ظهر البعي، ظل كليهما يبكي بين ذراعي الأخر و هي تتشبث به مثل الطفل الذي يتشبث بوالده و هو يترجاه أن يبقى معه في أول أيام عامه الدراسي خشيةً من أن يتركه في ذلك العالم بمفرده.
_________________________
وصلت «هدير» و الشقة أولًا و بقى زوجها بالأسفل يقوم بشراء بعض الأشياء للشقة و قد كانت اخته بها بعدما دلفت بالمفتاح الخاص بها، ألقت عليها «هدير» التحية بهدوء ثم عرضت عليها برتابةٍ:
"معايا حلويات من اسكندرية جاية لينا مخصوص، احط لحضرتك منها؟!"
ابتسمت لها بسخريةٍ و هي تقول:
"أنا جاية من اسكندرية لو معندكيش علم يعني، أكيد زهقت من الحاجات دي"
ردت عليها الأخرى بثباتٍ:
"بس مجيتك عن مجية اللي جايب الحاجات دي تفرق، أصلها أقدام و هو عريس و قدمه خير، دوقي كدا علشان تدوقي الخير"
ردت عليها بثباتٍ و بحديثٍ مبطن:
"فيه ناس كدا بتكون في مكان ميدخلوش خير، بيكونوا شر و بس، يضحكوا على الناس و يستغلوهم، بس مش هيطولوا"
رفعت لها «هدير» حاجبها ثم حركت كتفيها بلامبالاةٍ و تحركت من أمامها و هي تدندن بمرحٍ أثار حنق الأخرى:
"اقروا الفاتحة لابو العباس....يا اسكندريه يا اجدع ناس....اقروا الفاتحة لابو العباس....يا اسكندرية يا أجدع ناس..."
دلفت للغرفة و هي تدندن بتلك الكلمات و في يدها علبة الحلوى، بينما الأخرى توعدت لها من شدة غيظها منها و من تصرفاتها و بعد مرور دقائق بسيطة، دلف «حسن» الشقة و في يده الحقائب البلاستيكية، انتبهت لتوها أن كليهما يرتدي ثيابه مثل الأخر حيث ارتدت «هدير» جاكيت باللون الاسود ذات التصميم الحديث المنتفخ يصل لبداية خصرها و اسفله بنطالًا من خامة الجينز الفضفاض، حيث اتسمت «هدير» بحبها للموضة الحديثة و خاصة في الملابس الشتوية، و ها قد ارتدى «حسن» نفس الجاكيت و أسفلة تيشيرت باللون الأبيض و بنطال جينز غالبًا نفس درجة بنطالها، ابتسمت بسخريةٍ و هي تراه يقترب منها حتى جلس بجوارها و هو يبحث عنها بعينيه، فردت عليه هي دون أن يتحدث هو:
"الهانم اللي شاغلة بالك و غيرتك دخلت، خلاص حسن التاني مبقاش موجود؟! رجعت مراهق"
رد عليها بتعجبٍ من حديثها:
"مراهق !! هو كل واحد بيحب مراته يبقى مراهق يا حنان؟! و بعدين غيرتني إزاي انا مش فاهم"
أشارت نحوه برأسها و هي تقول بجمودٍ:
"بص لنفسك، طقم العيال اللي أنتَ لابسه دا، طول عمرك كنت بتلبس بدل و لبس محترم يليق بسنك، دلوقتي لابس طقم كريم ابني ممكن يلبسه عادي، دا غير إنها و عيلتها مسيطرين عليك، خلوك تقضي اليوم كله معاهم"
رد عليها هو بنفاذ صبرٍ:
"ماله لبسي ؟! دا جاكيت شبابي و كل الناس بتلبسه، و بعدين أنا كلمتك علشان اجي أخدك و قولتيلي إنك قاعدة مع صحابك، فضلت هناك طيب أعمل إيه؟!"
ردت عليه هي باصرارٍ:
"تفوق لنفسك شوية، تشوف أنتَ عملت فيها إيه و دبست نفسك في مين ؟! عاوزاك تفكر في فلوسك اللي ضيعتها كدا و تفكر في حقك اللي أنتَ متنازل عنه، روح قولهم كدا أنا عاوز فلوسي و أنتَ هتشوف رد فعلهم الحقيقي، و انهم هيساوموك ببنتهم على الفلوس دي"
تنفس هو بعمقٍ ثم تحدث بنبرةٍ هادئة حتى لا يصل الحديث لزوجته في الداخل:
"حنان !! ابوس راسك طلعي نفسك من الحوارات دي، و يا ستي حتى لو كدا أنا راضي، هما أستأمنوني على لحمهم و أنا فلوسي ليهم، الفلوس مش هتيجي أعز من بنت الناس"
ابتسمت له بسخريةٍ فتحرك هو من أمامها نحو الداخل، بينما تحدثت هي بتهكمٍ:
"مش دا لما تكون بنت ناس؟!"
__________________________
في صباح اليوم التالي و تحديدًا في شركة أحفاد الرشيد، حيث كان اليوم الأول في العمل بعد عودة كلًا من «طارق» و «وليد» و بعد وصولهم جميعًا أمرهم «حسن» بالاجتماع في غرفته.
بالفعل بعد مرور دقائق اجتمع الخمسة شباب معًا، فتحدث «أحمد» بقلقٍ:
"أنا جو الاجتماعات دا على الصبح بيخنقني، و بيوترني، قول اللي عندك يا حسن"
تدخل «وليد» يقول ساخرًا:
"هو دا اجتماع طارئ ؟! طب ما كنا قعدنا في أوضة طارق؟!"
رد عليه «وئام» بتقززٍ:
"يع !! سخيفة و رخمة زيك"
رد عليه ببرود:
"طب ما أنا عارف، أنا قاصد استفزه علشان ينطق بدل ماهو قاعد يصورنا كدا، انطق يا حسن، أنا خلقي ضيق"
تحدث «طارق» بهدوء:
"يعني باعتلنا رسالة من كام كلمة و دلوقتي مش عاوز تنطق و عمال تصور فينا ؟! مطفحينك سد الحنك على الصبح؟"
تنفس «حسن» بحدة ثم مد ورقة لهم و هو يقول بهدوء:
"عاوزكم تمضوا على العقد دا، و ياريت دلوقتي، طارق و وئام يمضوا عليه"
نظروا لبعضهم البعض فتحدث «وئام» بحيرةٍ:
"ورقة إيه دي؟! و نمضي عليها ليه؟! طول عمرنا بنمضي مكان بعض في الشغل"
تحدث هو بثباتٍ واهٍ:
"بس دا مش ورق للشغل، دا ورق حاجة تانية"
سأله «طارق» بضجرٍ:
"انطق يا حسن دا ورق إيه على الصبح؟! مش كفاية الواحد سايب مراته و شهر العسل و جاي يشوف الاشكال دي على الصبح؟!"
تنحنح «حسن» يجلي حنجرته ثم أردف بنفس الثبات الزائف:
"دا عقد فض شراكة للشغل اللي ما بينا، محتاج توقيعكم عليه"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم شمس بكري
ألا لَيْتَ حدود ذراعيْك لي بيتَ
_________________________
"غادرني الحبيب و عاد قلبي غريب، فياليتني ما أحببتُ يومًا و يا ليتني ما كنت منك القريب، نزل الدمعِ و زاد الوجعِ و أنا ابكي من لوعة فراق الحبيب و صدى قلبي تردد على السمعِ و هو يردد:
"ألا ليتَ قلبي بهوىٰ الحُب ما أصيب"
و لكني سأظل آملًا و أدعو بكامل رجائي و أنا ظني في اللّٰه لا يَخيب".
_"دا عقد فض شراكة للشغل اللي ما بينا، محتاج توقيعكم عليه"
تفوه «حسن» بتلك الكلمات بثباتٍ أمام الشباب و كلًا منهم لا يصدق حدثه، فتلك الجملة وقعت على السمعِ كما وقع الصاعقة التي هزت ثبات الأجواء.
سادت لحظة صمت في المكان و هدوء، أشبه بهدوء ما قبل العاصفة خاصةً مع لزوم الصمت من قبلهم جميعًا و فقط أعينهم تجول بالمكان نحو ذلك الجالس حتى تحدث «طارق» بنبرةٍ مشوشة و استنكارٍ في كلماته:
"ازاي مش فاهم ؟؟ عقد فض شراكة !! يعني إيه ؟؟"
رد عليه بنفس الجمود و الثبات:
"خلاص الشغل اللي ما بينا يا طارق، الشركة ما شاء الله بقت في حتة تانية خالص، أظن وجود اسمي معاكم ملوش لازمة"
تدخل «وئام» بنبرةٍ أقرب للانفعال من شدة غيظه:
"أنتَ أكيد اتجننت رسمي، الشركة دي بتاعتنا احنا التلاتة و الاتفاق كان انها تقف و تكمل بينا و محدش فينا يسيب مكانه دا، جاي دلوقتي عاوز تنسحب منها؟!"
سأله باستنكارٍ بات واضحًا في صوته و طريقته و معالم وجهه، فحرك «حسن» رأسه موافقًا ثم تحدث بنبرةٍ أقل ثباتًا يشوبها بعض التردد:
"أنا بعمل كدا علشان أضمن حقوق الناس، أنا مش عاوز اسمي يفضل معاكم فيها"
تدخل «وليد» يسأله بثباتٍ و ثقةٍ لم تهتز منذ بداية الجلسة:
"اومال عاوز إيه ؟؟ بتشوف غلاوتك عندنا مثلًا ؟؟ غالي و الطلب رخيص يا أبو علي"
تهكم في حديثه بسخريةٍ من الأخر الذي زفر بقوةٍ ثم تحدث بجمودٍ:
"وليد !! أنا مش عاوز هزار، عاوز إمضة وئام و طارق على الورق دا، و كدا أحسن"
تحدث «وليد» بثقةٍ:
"الحوار دا مش داخل دماغي، حصل إيه علشان تتقلب كدا ؟! ما هو احنا مش سراير علشان تتقلب علينا براحتك، عرفني إيه الحوار بدل ما اعرف أنا بطريقتي"
تنفس الصعداء بعمقٍ ثم تحدث على مضضٍ:
"علشان فيه شريك جديد هيجي مكاني، هيدخل مكاني بنفس قيمة نصيبي"
عقدوا جميعًا ما بين حاجبيهم يستنكرون حديثه و كلماته، فتحدث «أحمد» مدهوشًا مما وقع على سمعه:
"شريك !! هو من إمتى بيدخل شريك ما بينا ؟! مش طارق مانع إن حد غريب يدخل في الشغل !"
رد عليه بنبرةٍ هادئة:
"الشريك مش هيكون غريب، الشريك دا من دمكم و من منكم"
ازداد الاستنكار أكثر من قبل على ملامحهم و قبل أن يهم أيًا منهم بالحديث، تكلم هو برزانةٍ:
"هدير ....الشريك الجديد معاكم هتكون هدير الرشيد مراتي و بنت عمكم"
نظر أربعتهم لبعضهم البعض بأعين متسعة قد تصل لمرحلة الجحوظ، و تشوش و تخبطٍ فأضاف هو بثباتٍ:
"عاوز أضمن حق هدير علشان لو جرالي حاجة يبقى حقها محفوظ، و عاوز كمان أكتب لها الشقة و بيت الساحل باسمها"
رمقه «وليد» بامعانٍ و كأنه يحاول سبر أغواره بعد ذلك الحديث خصيصًا و هو يهرب بنظراته في شتى أنحاء الغرفة، فتحدث «طارق» مُستفسرًا بذهولٍ طغى عليه:
"ليه دا كله يا حسن ؟؟ ما هي مراتك و عايشة معاك و مفيش بينكم فلوس و لا فرق، ليه عاوز تكتب كل حاجة ليها ؟!"
تحدث بعدما زفر بقلة حيلة:
"علشان الدنيا مش مضمونة و علشان محدش عارف عمره فاضل فيه قد إيه، هدير مراتي و حبيبتي كمان بس أنا عاوز أضمن حقها، على الأقل لو حصلي حاجة تتسند من بعدي، علشان كدا عاوز اتنازل عن نصيبي معاكم هنا ليها هي"
اقترب منه «وئام» يجلس بجواره على يد مقعده ثم احتواه بين ذراعيه و هو يقول بهدوء:
"يا حسن أنتَ أخونا و هدير اختنا، بطل الكلام الأهبل دا، نصيبك هيفضل معانا باسمك زي ما هو، عاوز تأمن مراتك يبقى بينكم و بين بعض، إنما الشغل يفضل زي ما هو باسمك"
تنفس الهواء مباشرة على رئتيه ثم تحدث على مضضٍ:
"خلاص.... يبقى البيت و الشقة و العربية كلهم يروحوا ليها"
_"لأ !! العربية دي موديل السنة، أنا عامل حسابي أخدها لما تموت"
تفوه «أحمد» بذلك مُسرعًا بخوفٍ زائفٍ جعلهم يضحكون عليه حتى «حسن» نفسه، فتدخل «طارق» يسأله باهتمامٍ:
"هو الكلام دا إيه اللي فتحه ؟! حصل حاجة يا حسن ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ مترددة الوتيرة في حروفها:
"لأ بس افتكرت من كام يوم كدا موت أبويا و انه كان مأمني أنا و حنان كويس و كذلك أمي برضه، علشان كدا عاوز أأمن مراتي"
ضيق «وليد» جفنيه بشدة يحاول التوصل لطرف الخيط في الحديث على الرغم من اقتناعه بنسبة قد تكون منعدمة لكنه الحديث على أي حالٍ اقنعه، لكن هناك بالطبع ما يخفيه عنهم و هذا ما ظهر عليه حينما هرب بعينيه من نظرات الأخر.
_________________________
وصل «ياسين» مقر عمله بعدما قام بتوصيل «ياسر» في طريقه إلى عمله هو الآخر، جلس في مكتبه و شرع في تنفيذ عمله و قلبه و عقله يفكر بتلك التي استمرت في البكاء منذ الأمس حتى نزوله من البيت.
و على عكس عادتها لم تشاركه في وجبة الإفطار بل أعدته له و تحركت نحو الداخل تاركةً إياه بمفرده يتناول طعامه و ملامح وجهها أصبحت باهتةً، فحتى عينيها هربت من عينيه و كأنها تخشى التقاء نظراتهما سويًا.
جلس يفكر بها و هو يعلم تمام العلم بحالتها و وضعها، و وضع في عين الاعتبار أن ظروفها السابقة لازالت كما هي تؤثر عليها، ففي المنطق و الطبيعي أن تسعد الزوجة لزوجها بهذا العمل، و ما سيجنيه من ثمارٍ تتمثل في الاموال،
لكن «خديجة» !! تلك الفتاة البريئة التي لم تفهم الدنيا بعد، هي فقط تتمتع بقلبٍ بريءٍ مثل قلوب الأطفال، لم تدرك الأوضاع حولها و لا تفهم الهدف من كل ما يصير، فتاةٌ مثلها تبحث فقط عن الأمان و فقط لم تجده إلا بجواره هو ، بالطبع لها كامل الحق أن تخشى فقدان مصدر أمانها الوحيد الذي تمثل به.
أخرج زفيرًا قويًا ثم قام بفتح الحاسوب الخاص بعمله و شرع في العمل بعدما قام باخراج بعض الملفات و الأوراق الخاصة به، لعله يهرب من تفكيره بها في ذلك، و بالفعل قد انغمس في عمله و قبل أن يندمج أكثر طُرق باب مكتبه بواسطة ذلك العامل، رفع رأسه يطالع الواقف فوجده ذلك الشاب الذي سبق و أخبره بالذهاب لغرفة رئيسه.
ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
"خير يا كرم ؟؟ خير يا وش الخير؟!"
رد عليه بطريقةٍ مُهذبة:
"حاتم باشا عاوز حضرتك في مكتبه يا أستاذ ياسين"
أغلق «ياسين» حاسوبه بضيقٍ و هو يزفر بقوةٍ ثم تحدث بضجرٍ:
"الاسم دا جابلي تروما !! تخيل ؟! حروفه تعبتني نفسيًا"
ابتسم له «كرم» بقلة حيلة فتحدث «ياسين» هو الأخر بنفس اليأس:
"اتفضل يا كرم و أنا هاجي وراك، شكرًا"
انسحب الشاب من أمامه فتحرك «ياسين» خلفه و توجه نحو غرفة ذلك المزعوم «حاتم» و هو يود الصراخ في وجهه بعد مشاهدته لها في الأمس بذلك الحال، كما أنه تذكر تشبثها به و هي تنام بجواره و كأنها تجبر عقلها على تصديق مغادرته.
وصل لوجهته المنشودة و دلف بهدوء كعادته الهادئة في العمل، حتى رفع «حاتم» رأسه من الملف الموضوع أمامه و هو يقول بهدوء:
"اتفضل يا ياسين، اقعد"
جلس «ياسين» حيث موضع إشارة الأخر و هو يبتسم باقتضابٍ و كأنه يرغم ثغره على ذلك بينما الأخر تحدث بحزمٍ:
"ممكن أعرف حضرتك مرديتش ليه على الايميل اللي وصلك ؟!"
تنحنح «ياسين» يُجلي حنجرته ثم تحدث بثباتٍ واهٍ:
"لسه يا فندم أنا بظبط أموري، متنساش حضرتك إن فيه شغل أنا مسئول عنه هنا و لازم أخلصه، و بعدين أنا عندي أمل إن حد غيري يروح الشغل دا"
رد عليه بنفس الحزم و الجمود:
"بشمهندس ياسين إحنا مش بنلعب، دا شغل و مسئولية على الكل، اختيارك كان بناءًا على قرار بالاجماع و من رئاسة مجلس الإدارة، لازم خلال يومين حضرتك تكون هناك، و من دلوقتي اعتبر نفسك في أجازة لحد ما تقرر"
نظر له «ياسين» بدهشةً يخالطها التشوش و التيه حتى رد عليه الأخر مُقررًا بحديثٍ لا يقبل المناقشة:
"اتفضل يا أستاذ ياسين، حضرتك من دلوقتي في أجازة و معاك فرصة لحد بكرة ترد علينا بقرارك النهائي"
وقف «ياسين» على مضضٍ ثم تحدث بلباقةٍ و إن كانت زائفةً لكنها جمعت الاحترام و التقدير لذلك الماثل أمامه بقوله:
"تمام يا فندم، عن إذن حضرتك، و هرد على حضرتك إن شاء الله"
حرك رأسه موافقًا بثباتٍ و بإيماءةٍ بالكاد تُرى بالعين، و بمجرد انصراف الآخر من مرآى بصره حتى زفر بقوةٍ و تحدث بغلبٍ:
"ربنا يسترها عليك يا بني"
_________________________
جلس «عامر» في مقر عمله على مكتبه الخاص و هو يبتسم بسمةٍ هادئة كلما تذكر ما حدث و كلما تذكر الهبة التي أكرمه الله بها و من عليه بفضله أن يصبح أبًا و أن تكون هي والدة طفله.
استمع لصوت طرقاتٍ رتيبةٍ على باب مكتبه، فأذن للطارق بالدخول، دلف المساعد الخاص به و هو يقول بوجهٍ بشوشٍ:
"صباح الخير يا أستاذ عامر، الموظفين بيشكروا حضرتك على الفطار و المشروبات و بيتمنوا ربنا يفرح حضرتك"
ابتسم بدوره هو الأخر و رافق تلك البسمة قوله الهاديء الرزين:
"طب الحمد لله، المهم كل اللي كان نفسه في حاجة أخدها؟؟ قولتلك متبخلش عليهم"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا عمله الذي قام به:
"متقلقش يا فندم، كلهم خدوا اللي طلبوه الحمد لله، و زيادة كمان، حضرتك تؤمرني بحاجة تانية ؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يبتسم له ثم تحدث بنبرةٍ هادئة:
"شكرًا يا معتصم، اتفضل أنتَ و أنا لو احتاجت حاجة هقولك"
حرك رأسه موافقًا و قبل أن يتحرك و يترك موضعه سأله بحذرٍ:
"معلش يا أستاذ عامر، هو إيه اللي حصل علشان حضرتك تعمل كدا للموظفين؟! أنا فاهم إن حضرتك فرحان و ربنا يفرحك دايمًا، بس خير إن شاء الله ؟!"
زفر بهدوء ثم تحدث بنبرةٍ رخيمة و هادئة على عكس عادته:
"خير يا معتصم، كل الحكاية إن كلها كام شهر و ربنا يكرمني بذرية صالحة إن شاء الله، و قولت افرحكم معايا زي ما أنا فرحان"
بارك له بحرارةٍ و دعا الله أن يبارك له فيما بعد في مولوده و أن يجعله خير الذرية الصالحة، ثم تحرك من مكانه و «عامر» ينظر في أثره براحةٍ كبرى ثم أخرج هاتفه يطلب رقمها و على ثغره رُسمت ابتسامةٍ عابثة حتى وصله صوتها و هي تقول بنبرةٍ مرحة:
"نعم يا سيدي ؟؟ دي المرة العاشرة تكلمني من ساعة ما نزلت على شغلك"
رد عليها هو بسخريةٍ:
"تصدقي إنك وش فقر، خسرانة إيه أنتِ لما تسمعي صوتي يا جرثومة ؟! أنا غلطان أني بتطمن عليكي؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ ظهر به أثر بسمتها:
"لأ يا سيدي، مش غلطان بس كدا أنتِ موترني و محسسني أني في خطر، دا لسه الشهر الأول يا عامر"
رد عليها هو مُسرعًا:
"يا روح عامر مش مشكلتي، اعملي حسابك أنا حجزت عند دكتورة نتابع معاها زميلة ياسر، و النهاردة هنروح علشان نتطمن"
ردت عليه هي ببساطةٍ:
"طب خليك أنتَ في شغلك و أروح أنا و خلاص، هتيجي معايا ليه؟!"
تحدث هو بحنقٍ منها:
"ما تبطلي جو عافية ذوق بتاعك دا يا بنت عصام ؟! مش أنا جوزك برضه ؟؟ و بعدين بطلي أنانية و خليني أجي اتفرج على ابني"
ضحكت هي بيأسٍ منه فتابع هو الحديث بقوله الهادئ:
"هاجي بعد الشغل أخدك من الاتيليه، هجيب أوبر معايا، أي خدمة عامر بيضحي"
تنفست هي بعمقٍ ثم تحدثت بهدوء:
"ربنا يخليك ليا و تفضل طول العمر في ضهري، من ساعة ما عرفتك و أنا مسنودة عليك و كنت و نعم السند، عامر ؟!!"
ذكرت اسمه بنبرةٍ مستفسرةً و حينما وصلتها همهماتٍ منه طالبًا منها الاسترسال، حتى تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
"أنا بحبك....و يا بختي بيك"
قبل أن يرد عليها اغلقت الهاتف في وجهه بسرعةٍ، بالطبع لم يكن خجلًا، إنما مشاكسةً له حتى تستعلم ردة فعله مساءًا، أما هو فابتسم رغمًا عنه باتساعٍ و هو يحدج بنظره في الهاتف ببلاهةٍ ثم أعاده موضعه و هو يتنهد بعمقٍ،
شرد في الطريقة التي تعرف بها على خبر حملها منه، فقطب جبينه بتعجبٍ ثم اعاد الاتصال بها من جديد، ردت عليه هي متشدقةً بنذقٍ:
"نعم !! خير يا سيدي ؟"
سألها هو بثباتٍ و جهه بشوشٍ:
"مش متصل ارخم عليكي، بس عاوز اعرف فكرة مين بتاعة امبارح اللي عرفتوني بيها ؟! و فكرة الآية و الحديث اللي لحد دلوقتي جسمي مقشعر بسببهم؟"
ردت عليه هي ببسمةٍ وصلته و كأنه يراها أمامه:
"دي كانت فكرة البنات كلهم، فكرة الصندوق في العموم من خلود، و الآية و الحديث فكرة خديجة، و خلود جهزت الحاجة و لما روحنا تممنا عليهم سوا"
رد عليها هو بمرحٍ:
"خلود !! طب والله معزتها بتزيد كل يوم، أنا بفكر نعملها عزومة و نعرفها على الحج و الحجة"
ردت عليه هي بيأسٍ منه:
"نفسي تبطل فضايح بقى !! اسكت دا كانت وقعة مهبية يوم ما عمار عرفك حاجة زي دي، بس بقى"
رد عليها هو بهدوء:
"ربنا يفرحه عمار هو كمان، و يكرمني باليوم اللي احضر فيه فرحه، تفتكري هنجح أني اربي ابني زي عمار كدا ؟!"
ردت عليه بتأكيد:
"و هتشوفه زي ما أنتَ عاوز إن شاء الله، كفاية إنك أبوه يا عامر، هيبقى وحش منين دا ؟! دا يا بخته هيجي يزامحني في حبك"
تحدث هو بتأثرٍ:
"ربنا يقدرني و اربيه صح، الدنيا مش ناقصة ناس قليلة الأدب، كفاية لحد كدا، و بعدين يزاحمك ازاي بس؟؟ هو فيه حد برضه ياخد مكانك ؟؟"
تنهدت هي بفرحةٍ فأغلق هو الهاتف بعدما أخبرها بذلك، ثم عاد لعمله و قلبه يرقص فرحًا منذ الأمس و كأنه يتذوق الفرحة للمرة الأولى بحياته.
_________________________
جمع «ياسين» حاجته الخاصة ثم خرج من مقر العمل و قبل أن يتوجه لبيته غير وجهته نحو وجهةٍ أخرى تعاونه في معضلته، فمن الواضح أن تلك المشكلة حلها سيلحق به وجعًا يصعب عليه تخطيه.
وصل «ياسين» شقة «ميمي» و اقترب من الأريكة حيث موضع جلوسها، فسألته هي بتعجبٍ:
"ياسين ؟! أنتَ مش في شغلك ليه ؟! دا الساعة لسه ١٠ الصبح، خير يا حبيبي؟!"
اقترب يجلس بجوارها و هو يقول بهدوء يتخلله بعض القلق:
"قالولي رَوح لحد ما تقرر، و اعتبر نفسك في أجازة مفتوحة، و طبعًا من هنا لحد ما أقرر أكيد مليش لازمة"
ربتت على كفه بكفها و هي تقول بنبرةٍ هادئة تبثه بعض الطمأنينة:
"يبقى خلاص قرر و رد عليهم يا حبيبي، و بعدين أنتَ مش صغير، أنتَ كبير و فاهم و واعي كويس، ربنا يكرمك بكل الخير"
ابتلع غصة مريرة في حلقه و هو يقول بنبرةٍ صوتٍ مُختنقة:
"أنا عارف أني كبير و عارف إن دا رزق ليا و مينفعش ارفضه، بس أنا عندي حاجة أهم من كل دا، عندي "خديجة" و دي مسئولية مقدرش أهرب منها، مقدرش أغيب عنها كدا في يوم و ليلة و ابقى زي الخيال"
ردت عليه هي بثباتٍ:
"خديجة مش صغيرة هي كمان، دي ست متجوزة يا ياسين، و أي واحدة هتفهم و تقدر حاجة زي دي، خديجة زيها زي كل البنات"
رد عليها هو بنفاذ صبرٍ:
"خديجة مش زي كل البنات، خديجة ماتتسواش بحد، أنتم ليه مش قادرين تفهموني؟! أنا عايش معاها و شايف كل حاجة، خديجة لحد دلوقتي مش بتفهم معنى الكلام اللي بيتقال، و لحد دلوقتي بتتشعلق فيا زي العيلة الصغيرة، خديجة مش هتستوعب يعني إيه أغيب عنها، دا أنا لو اتأخرت ساعة في شغلي بتترعب و تخاف، يبقى ازاي اسيبها شهرين قلبي يوجعني عليها و مكالمة واحدة في اليوم الصبح؟؟"
سألته هي بحيرةٍ و قلة حيلة:
"طب و بعدين يا حبيبي؟؟ مش المفروض انها بقت كويسة و انها بقت أحسن من الأول على حسب كلامك و على حسب ما شوفنا؟"
رد هو يجاوبها بقلة حيلته:
"هي بقت كويسة علشان أنا كنت معاها، بقت كويسة علشان فيه حد كان عاوزها تبقى كويسة، خديجة كلها عفوية و هزار و ضحك معايا و مبشوفهاش كدا مع حد غيري، و دا معناه إنها مش هتعرف تتعامل من غيري"
سألته هي بهدوء:
"و لما أنتَ عارف إنها مسئولية عليك كدا محاولتش ليه تغيرها؟؟ محاولتش ليه إنك تخليها تتغير؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
"أنا مش عاوزها تتغير !! أنا عاوزها زي ما هي بكل حاجة فيها، مفيش حد بيحب حد و ببغيره، بياخده بكل عيوبه قبل مميزاته و خديجة معندهاش عيوب أصلًا، فين عيوبها اللي المفروض أغيرها ؟!"
أمعنت هي النظر في وجهه فنظر هو أمامه يتحدث بتيهٍ يخالطه الآلم:
"خديجة دي طفلة صغيرة اتعلقت في إيدي و مسكت فيها علشان تتعلم ازاي تمشي، حاجة كدا مفيش منها اتنين في الدنيا، بتيجي مرة واحدة بس و المحظوظ هو اللي تبقى من نصيبه، و أنا كنت محظوظ بيها، جمعت طيبة و حنية الدنيا كلها فيها، حاجة كدا زي هدية مقفولة و محدش عارف جواها إيه، و عاملة زي الطابع اللي فيه غلطة و اتميز بيها عن الكل، و علطول بشوفها زي الأحجار الكريمة اللي محدش عارف قيمتها، هي كدا، حجر محدش فاهم حاجه عنه و محدش عارف قيمته، هو حاجة غريبة عنهم و خلاص، بس أنا فاهمها و فاهم إنها مميزة، خفيفة على الروح زي الفراشة، و حرام عليا و على الدنيا نكسر جناحاتها احنا الاتنين"
ربتت على كتفه و هي تقول بتأثرٍ بعدما تهدج صوته في نهاية حديثه:
"ربنا يكرمك و يفرح قلبك على قد الحب اللي بتحبه ليها، حبك ليها حلو أوي يا ياسين، متخيلتش إنك في يوم تحب حد كدا"
ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
"إلا ديه !! من أول مرة مسكت إيدي فيها و ضحكتلي و أنا حسيت إنها مسئوليتي، كل إحساس ونس كان نفسي احسه لقيته معاها، غصب عني شوفت نفسي أبوها، شوفت معاها دنيا تانية حلاوتها كانت في عنيها هي، بقت صاحبتي و حبيبتي و بنتي و أختي و كل حاجة راجل ممكن يحتاجها في شريكته، اتميزت هي بيها يا ميمي، عاوزاني أغيب عنها و اوجعها بعد ما صدقت إنها تأمن ليا و للدنيا؟!"
احتضنته أسفل ذراعها و هي تربت على ظهره بينما هو رفع كفه يمسح دموعه التي فرت رغمًا عنه، فحركت كفها تمسد على ظهره و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"طول عمرنا منعرفش الخير فين يا ياسين، بنعيش من غير ما نعرف حاجة ولا بكرة جايب لنا إيه، بس كلنا تحت رحمته و ستره علينا، و ربنا مش هيكتبلك شر أبدًا، بالعكس دا هيرزقك بكل الخير اللي أنتَ مش عارف قيمته و لا حتى عندك فكرة عنه، بس افتكر علطول كنت بقولكم إيه؟"
عقد ما بين حاجبيها بعدما رفع نفسه حتى يطالعها و هو يرمقها بتيهٍ فأضافت هي بثباتٍ:
""من الأقوال اللي أعتبرها حرفيًا مُسكِّنة لأي ألم نفسي أو بدني، ومُصبِّرة على أي ابتلاء أو مصيبة؛ قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم "واعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، واعلم أنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يسرًا، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفَّت الصُّحف."
تخللت الراحة ثنايا روحه و رممتها بعدما شعر أنه على وشك فقد ثباته و ذاته، بينما هي أضافت بنفس الأسلوب الهادئ:
"تفتكر ربنا هيبخل عليك بالراحة و هو الكريم الجبار ؟! تفتكر ممكن يشيل عنك خير و هو عارف إنك مسلمه أمرك؟! تفتكر ربنا سبحانه و تعالى اللي خلق الكون و نظمه و كلنا في حمايته، هيغفل عنك و أنتَ عبد من عباده؟! افتكر يا ياسين إن الأمر كله لربنا و افتكر قوله تعالى:
"﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
_"صدق الله العظيم"
تابعت قولها من جديد:
"توكل على الله الذي لا يغفل و لا ينام و افتكر إن مفيش حد سلم نفسه لرحمة ربنا و حكمته و غرق و لا احتار في أمر"
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث بنبرةٍ مترددة و هو ينبس بتلك الكلمات:
"طب و خديجة ؟! اسيبها لمين؟"
تنهدت هي بعمقٍ ثم تحدثت بهدوء تضيف على حديثها:
"لكل شيء تُحِبه قُل
"استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه."
سيبها في حفظ الله و رعايته قبل ما تمشي يا ياسين، ربنا أحن و أكرم عليها منك، متخافش عليها و هي في حماية ربنا"
حرك رأسه موافقًا فربتت على يده و هي تبتسم بهدوء، بينما هو ألقى بنفسه بين ذراعيه و هو يبكي رغمًا عنه.
_________________________
في شقة «حسن» جلست «هدير» على الأريكة بانهاكٍ بعدما قامت بتنظيف البيت بأكمله و استغلت غياب «حنان» في ذلك الأمر بعدما نزلت صباحًا دون أن تخبرها إلى أي وجهةٍ تتجه !!
حركت كتفيها بعدم اكتراثٍ لما يحدث و هي تشعر ببعض الراحة في غيابها، تنهدت بعمقٍ ثم قامت بتشغيل التلفاز و هي تبتسم حينما رآت فيلمًا كرتونيًا من أفلامهما المفضلة هي و زوجها، ابتسمت بخفةٍ و هي تتذكر إن كان جالسًا معها بالطبع كان سيشاهدا الفيلم سويًا.
أخرجت الهاتف الخاص بها تطلب رقمه و هي تبتسم باتساعٍ حتى وصله الرد و هو يقول بقلقٍ زائفٍ:
"استر يا رب !! خير يا هدير، ضربتوا بعض أنتِ و حنان ؟!"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
"هربت من الصبح و أنا قولت اروق الشقة و انضف البيت و جوزي حبيبي أبو علي يجيب الأكل و هو جاي علشان أنا مش هقدر اقف تاني"
رد عليها هو مرحبًا بما تفوهت به:
"من عيني الاتنين حاضر، هجيب أكل حاضر، عاوزة حاجة تانية؟!"
ردت عليه هي بحماسٍ:
"كنت عاوزة أقولك السمك إيه يا حسن ؟!"
ابعد الهاتف عن أذنه و اليأس يرتسم على وجهه ممتزجٍ بالسخرية و هو يرد عليها بقولها:
"السمك صحاب مش طواجن"
ردت عليه هي بفرحةٍ كبرى من اجابته:
"شاطر يا أبو علي، طب قول جملتين من نفس الفيلم يلا"
تنهد هو بعمقٍ ثم تحدث بهدوء:
"ودع الأحزان يا ذوق"
ردت عليه هي بنفس الحماس:
"عاش يا أبو علي ، فاضلك واحدة"
أضاف هو بمرحٍ أكثر:
"لما الدنيا تكشرلك عارف تعمل إيه؟! عوم و امتختر...عوم و اتمختر"
ردت عليه هي بفخرٍ:
"أنا فخورة بيك والله، على العموم أنا بتفرج على الفيلم دلوقتي و قولت اشاركك تفاهتي بما إنك مش هنا"
ابتسم هو دون أن يرد عليها فسألته هي بتوجسٍ من صمته:
"حسن...أنتَ ساكت ليه؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم تحدث بصوتٍ مهتز:
"ساكت علشان عاوزك تتكلمي يا هدير، بحب أسمعك أكتر"
ابتسمت بهدوء و هي تقول:
"و أنا بحبك أنتَ عادي جدًا، تعالى بس من شغلك و أنا هسمعك للصبح، هزهقك"
رد عليها هو بقلة حيلة:
"و أنا معنديش غيرك اسمعه، و بصراحة دي أحسن حاجة، إني ليكي و بس"
قبل أن ترد عليه فُتح الباب بواسطة شقيقته فابتسمت بسخريةٍ و هي تقول:
"طب سلام يا أبو علي، ضرتي جت"
أغلقت في وجهه و هو على الجهة الأخرى يضحك بيأسٍ عليها لكنه سرعان ما انخرط في التفكير بها و في شقيقته التي بالطبع ستتسبب في مشكلةً بينهما إن استمرت على هذا الوضع، لكن كيف يخبرها أن ترحل ؟! هي شقيقته الكبرى و لازالت تتمتع بمكانةٍ كبرى في قلبه، فكيف يخبرها أنه لا يريد بقائها و أنها بتلك الطريقة تفتعل مشاكل مع زوجته و من الممكن أن ينهدم البيت فوق رأسه؟!
_________________________
لم لا يكتب للمرء أن يحيا بسلامٍ طوال حياته؟! و لما هي دومًا يكتب لها أن تتذوق مرارة الفقد ؟! فهل من الطبيعي بعد كل شيءٍ وجدته به تجسد على هيئة شخصٍ أن تُختبر في غيابه ؟! لما لا تشعر أن الأمر طبيعيًا ؟! و لما تشعر بأن الفقد دومًا هو أخطر المهالك التي قد تصيب الإنسان ؟!
جلست «خديجة» طوال اليوم مثل الجسد بدون روح و كلما تذكرت حديثهما بالأمس بكت بشدة و كأن دموعها تتسابق لتعلن عن نفسها، و في تلك اللحظة فرت دمعة متمردة أعلنت عليها العصيان لتخبرها أن ثباتها ذلك واهٍ و لن يفيد بشيءٍ، حتى فُتح الباب و طل عليها بهدوء حينما كانت جالسةً على الأرض أسفل الأريكة تنظر في الفراغ أمامها اقترب منها بخطواتٍ متمهلة و حينما رآها ركض إليها يأخذ الخطوة في اثنين حتى جلس بجوارها و هو يقول بلهفةٍ:
"مالك بس ؟! عاملة في نفسك كدا ليه و مصعبة الدنيا علينا؟"
حركت رأسها تنظر له و حينما التقت نظراتهما أجهشت في البكاء بمرارةٍ، فوجدته يحتضنها و كأنه مثل الأم التي تحمي صغارها، فـ زاد نحيبها أكثر بين ذراعيه فتحدث هو بثباتٍ زائفٍ و لو كان الأمر بيده لكان بكى هو الأخر مثلها:
"أنتِ من امبارح ساكتة و مش عاوزة تقوليلي حاجة، طب قوليلي مالك طيب؟!"
تحدثت هي بصراخٍ:
"علشان هتمشي....مش عارف زعلانة ليه؟! علشان بعد ما اطمنت للدنيا لقيتك بتسيب ايدي و عاوز تمشي....أنتَ بالذات مينفعش تمشي و تغيب عني، مينفعش ييجي يوم ملاقيش وجودك فيه"
رد عليها هو بوجعٍ:
"لو عليا و الله العظيم هفضل هنا طول عمري و مش همشي، إنما كل حاجة أنا مجبور عليها، أنا النهاردة روحوني و قالولي اعتبر نفسك في أجازة لحد ما أرد عليهم، و بعدها همشي خالص من شغلي، أنا مش عاوز امشي بمزاجي"
تحدثت هي ببكاءٍ:
"أنا لما بسمع صوتك بحس أني مطمنة، و لما بتكون هنا مش بخاف من حاجة في الدنيا، أنا بطلت أخاف لما لقيتك معايا علطول، و اطمنت علشان أنتَ هنا، أنا كل حاجة كانت بتضيع مني غصب عني، مش عاوزة الأمان اللي بحسه معاك يضيع مني تاني، علشان كدا هقولك متمشيش.....خليك أنتَ معايا"
ربت على ظهرها ثم اقترب منها يقبل قمة رأسها و عينيه تهرب من النظر إليها و قبل أن يتحرك قيد أنملة وجدها تتشبث به مرةً أخرى و تزداد بكاءًا عن قبل حتى تشبث بها هو الأخر و رغمًا نزلت دموعه.
_________________________
جلس «أحمد» في غرفة «حسن» يباشر عمله و بعد الانتهاء من كمٍ هائلٍ زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه يسأله بسخريةٍ:
"قولي صحيح هو إيه حوار الكرتون اللي كنت بتتكلم بيه دا؟! سمعتك و أنا داخل المكتب"
رد عليه بثباتٍ محاولًا الهروب من الإجابة:
"كرتون ؟! كرتون إيه دا إن شاء الله؟! مشغلينك تلمع أوكر عندنا؟"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
"أنا كنت بعمل القهوة لينا و أنا معدي سمعتك، كنت بتكلم هدير صح؟!"
تنهد «حسن» بيأسٍ ثم تحدث:
"أومال بكلم أمي؟! أعرف مين غيركم و غيرها ؟؟"
ترك موضعه ثم اقترب من مكتب الآخر يجلس على المقعد المقابل له و هو يقول بلهفةٍ:
"بقولك إيه ؟! هي البنات بتحب أفلام الكرتون؟! بتجيب يعني؟"
نظر له بتشككٍ و هو يقول بخبثٍ:
"عاوز تتعرف على واحدة ولا إيه؟! عاوز تصبيرة لحد ما الثانوية العامة تَخَلّص ؟!"
رد عليه بضجرٍ:
"يا عم اهدا عليا، بس أنا واخد بالي إن الكرتون بيجيب أوي معاهم، و بعدين الثانوية العامة مُكتئبة و عاوزين حاجة بسيطة كدا علشان تدينا أمل"
ابتسم له «حسن» بخبثٍ و هو يقول:
"فهمتك يا صايع، معاك حسن المهدي، بقيت موسوعة في افلام الكرتون، من ساعة ما اتجوزت و أنا شوفت كل الكرتون اللي فاتني من ساعة ما اتولدت"
رد عليه الأخر مُسرعًا بلهفةٍ:
"حلو دا !! عاوز حاجة بقى علشان الثانوية العامة و علشان اللي نفسها تبقى دكتورة دي، الله يسترك يا شيخ"
أشار إلى عينيه الأثنتين و هو يقول بنبرةٍ ودودة:
"عيني الاتنين، هبعتلك حاجة حلوة و تلمح بيها، بس لو طارق عرف هجيب أجلك"
حرك رأسه موافقًا بحماسٍ و هو يقول مُطمئنًا له:
"عيب عليك، ابعت بس ربنا ما يوقعك في ضيقة، روح ربنا يكرمك يا شيخ و يخليلك هدير"
رد عليها بتوسلٍ:
"يا رب، صدقني مش عاوز اكتر من كدا يا أحمد"
_________________________
جلست «سلمى» فوق سطح البيت تذاكر دروسها، و «خلود» على الجانب الأخر بين الحين والآخر تزفر بقوةٍ و تدفع الكتاب بحنقٍ ثم تعود و تمسكه مرةً أخرى بيأسٍ، بينما «سلمى» وصلتها رسالةً عبر تطبيق "الواتساب"، قطبت جبينها بتعجبٍ ثم أمسكت الهاتف فوجدت صورةً من فيلمًا كرتونيًا عبارة عن ضُفدعين بجوار بعدهما فصيلتي المُذكر و المؤنث و المذكر ينظر للأنثى و أسفلها عبارة شهيرة من ذلك الفيلم و هي:
"تيانا أنا بحب شكلك و أنتِ منورة لما تتكلمي عن حلمك و حلمك دا جميل جدًا و أوعدك هعمل المستحيل عشان حلمك دا يتحقق".
شهقت هي بقوةٍ من فرحتها فأضاف هو بعدها كتابةً:
"يمكن أكون مش بساعدك بما فيه الكفاية و يمكن أكون مقصر، بس وعد مني مملش من المحاولة، و وعد مني أصبر لحد ما تحققي حلمك، علشان اقدر أنا كمان احقق حلمي"
أغلق الهاتف بعدها فيما بقت هي تحدج في الهاتف بصدمةٍ مع بسمةٍ بلهاءٍ زينب ثغرها و تسارعت ضربات قلبها، فوضعت كفها نحو موضع قلبها و هي تتنفس الصعداء.
نظرت «خلود» لها ببسمةٍ هادئة ثم أخفضت رأسها نحو الكتاب و هي تتمنى من الله يجمعهما سويًا
_________________________
حل المساء بعتمته و ليله على الجميع و حينها خرج «عامر» برفقة زوجته من عيادة الطبيبة النسائية بعدما اطمئن بالفحص الطبي عليها و على الجنين و كالعادة أوصتهما الطبيبة بالراحة و الإلتزام حفاظًا على الجنين، و عدم الإجهاد في العمل خاصةً في غضون تلك الشهور الأولى.
كانت تتمسك في ذراعه و هي تسير بجانبه و تسأله بضجرٍ زائفٍ:
"اطمنت يا أستاذ عامر ؟! بطل توترني يا توتر أنتَ، الحمد لله اتطمنا عليه و عليا"
رد عليها هو براحةٍ:
"الحمد لله يا ستي، بس هي قالت إن لسه مفيش حاجة باينة، بس مش مشكلة، أنا هاجي معاكي كل مرة علشان نتطمن سوا، لحد ما ربنا يأذن و ينور الدنيا و أنتِ تقومي بالسلامة"
ابتسمت له و هي تقول بهدوء:
"أنا بحب حنانك أوي يا عامر، حنين بطريقة غريبة و مش عليا بس، دا على كل اللي في حياتنا، و طبعك حلو أوي.....، بس العيون بقت عليك كتير و كدا غلط"
تحولت نبرتها للتحذير و التوعد في حديثها الأخير، فابتسم هو بخفةٍ ثم قال بهدوء:
"مش مهم هما عينهم على مين، المهم أنا مش شايف غير مين؟!"
ابتسمت و هي تسأله بتشككٍ زائفٍ:
"يا سلام ؟! و أنتَ بقى مش شايف غير مين ؟!"
غمز لها و هو يقول بمراوغةٍ:
"العين مش شايفة غيرك يا عسلية، يا حلوة أنتِ و سمسمية"
ضحكت هي عليه و تحدثت من بين ضحكاتها بقولها:
"مش ممكن و الله، متجوز علبة حلويات مولد النبي ؟!"
تحدث هو بهدوء:
"عليه أفضل الصلاة والسلام، بس أنا بحبك بجد، غصب عني لما ألاقي اللي تقبلني و تحبني كدا و تحسسني كأني كل حاجة ليها، طبيعي أحبها"
سألته هي بتوجسٍ و ريبةٍ:
"هو أنتَ ليه يا عامر علطول حاطط في دماغك إنك متتحبش؟! مين فهمك كدا؟"
رد عليها مفسرًا بنبرةٍ هادئة:
"فيه مواقف مبتتنسيش و كلام بيتحفر في القلب يا سارة، أول مرة أحس فيها أني محبوب لما خالد و ياسين و ياسر خلوني صاحبهم، كنت كل سنة براهن انها الأخيرة و أنا معاهم، بس كل مرة كانت المحبة بتكتر، و لما خالتي كانت بتفضل تتريق عليا و قالتلي في مرة مين هتقبل جوزها يبقى أهطل زيك كدا؟؟ ساعتها أنا كنت حاسس إن مفيش واحدة ممكن توافق عليا، بس أنا طبعي مش أهبل، أنا بحب الفرحة و بحب الناس تكون بتضحك، أنا مش أهبل"
توقفت عن السير حتى ألتفت هو يطالعها باستنكارٍ من وقوفها فتحدثت هي بتأثرٍ:
"أنتَ مش أهبل و مش هايف، أنتَ جميل أوي و ياريت كل الناس زيك يا عامر، أنتَ أخ حلو أوي لعمار و صاحب مفيش اتنين و ابن طيب بيحب أهله، و زوج مسئول بطريقة غريبة و شريك داعم، و ربنا كرمنا علشان أشوفك و أنتَ أب هتكون عامل ازاي، رغم إن البداية ياينة، بس أنا متشوقة أوي لحاجة زي دي، أنتَ اغلى حاجة في حياتي"
اقترب منها يقبل رأسها ثم تحدث بمراوغةٍ و خبثٍ:
"دي حاجة بسيطة لحد ما نروح بس، أصل زي ما أنتِ شايفة إحنا في الشارع"
ابتسمت له فأمسك كفها و هو يقول بحماسٍ:
"يلا علشان نعرف الحج فهمي، و الواد عمار، أنا نبهت عليهم محدش يقوله، عاوز أشوف رد فعله"
حركت رأسها بنفس الحماس، فأوقف هو سيارة أجرة ثم ركبا سويًا و بعدها تحركت السيارة نحو بيت والده.
توقفت سيارة الأجرة أسفل بيت والده، فترجل من السيارة كليهما و توقف هو قبل أن يدلف البيت و هو يقول لها:
"خليكي واقفة هنا هجيب حاجة و أجيلك، لو عاوزة تسبقيني، اطلعي أنتِ عادي"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول:
"لأ هات الحاجة و نطلع سوا و خلاص، خلينا نعرفهم سوا، زي ما كلمنا ماما سوا"
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك من أمامها، بينما هي وقفت بجانب البوابة الحديدية الكبيرة تنتظر عودته، و بعد مرور دقائق عاد لها و في يده عدة حقائب بلاستيكية، سألته هي بتعجبٍ:
"إيه كل دا ؟؟ أنتَ جيبت إيه ؟"
رد عليها مفسرًا بفرحةٍ:
"دي حاجات حلوة علشانهم فوق و علشان نعرفهم الخبر بمزاج حلو، تعالي بس يالا"
بعد مرور ثوانٍ دلفا معًا الشقة و هو يقول بصوتٍ عالٍ و صخبٍ:
"يــا حــج فـــهـمي....يــا عـــمــار"
خرجوا إليه جميعًا من الداخل و معهم والدته التي ركضت نحوهما ترحب بهما بحرارةٍ، بينما والده تحدث بضجرٍ منه:
"جرى إيه يا زفت ؟! طول عمرك عامل دوشة كدا ؟! و بعدين خليتني قفلت المحل و قولتلي فيه مصيبة ليه؟؟ فيه إيه؟!"
رد عليه هو بهدوء يتنافى مع هيئته السابقة:
"نقعد بس علشان نعرف نتكلم، مش يمكن افرحكم؟! يلا بس"
جلسوا جميعًا حول بعضهم، فتحدث «عمار» بقلقٍ:
"ها يا عامر ؟! انطق فيه إيه؟! أنا مرعوب من ساعة ما قولتلي عاوزك بليل، حصل إيه؟!"
رد عليه بهدوء:
"يا عم وحد الله، عاوز بس اسألكم عن حاجة مهمة، طبعًا أبويا كبرنا و علمنا و صرف علينا، و جوزني و جميله فوق العمر، أنا بقى أرد جميله دا ازاي؟!"
ردت عليه والدته بضجرٍ:
"من إمتى و فيه عيال بترد جمايل لأهلها ؟! دي عالم ناقصة اللي تطلب مقابل من عيالها"
تدخل «فهمي» يقول بحنقٍ لها:
"ياختي متتكيش في الكلام أوي كدا، لسه فيه عمار و علامه و جوازه، مش يمكن اطلب مقابل؟"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث هو بقيلة حيلة:
"ها يا عامر خير ؟!"
تحدث «عامر» بحماسٍ:
"طبعًا عارفين إن إحنا بشر و هيجي يوم و نموت، و سيرتنا تتقطع من الدنيا، بس اللي بيفضل بعدنا هو العمل الصالح و الصدقة الجارية و ذرية صالحة تدعي لنا بعد موتنا، ها فهمتوا إيه ؟!"
تحدث والده يقول بفرحٍ و حماسٍ:
"لأ متقولش !! عملتي كولدير مياه صدقة جارية على روحي بعد ما اموت ؟!"
تلاشت بسمة «عامر» و حل محلها الوجوم و البقية يضحكون عليهما و وخصوصًا «سارة»، فحرك والده رأسه مُستنكرًا، حينها تحدث «عامر» بضجرٍ:
"يا بابا ركز معايا !! بقولك ولد صالح يدعو له، مش فاهم حاجة؟!"
وقف «عمار» ثم اقترب منه يقف مقابلًا له و هو يقول بتوترٍ:
"ثانية علشان أنا فهمت، عامر ؟؟ هي سارة حامل ؟!"
شهقت والدته بقوةٍ و ابتسمت «سارة» براحةٍ و هي تقول:
"الحمد لله يا رب على نعمة ذكائك يا عمار، دا أخوك طلع عين أمي امبارح"
تحدث «عمار» يسأله بلهفةٍ:
"يعني بجد !! طب اتأكدتوا من حاجة زي دي ؟! و لا إيه؟!"
حركت رأسها موافقةً فصرخ هو مهللًا ثم احتضن أخيه بفرحٍ و حماسٍ شديدين و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"الله أكبر !! ألف مبروك يا حبيبي و ربنا يكرمك و يقومها بالسلامة يا رب، أنا فرحان أوي يا عامر"
احتضنه «عامر» بقوةٍ و هو يقول بتأثرٍ و بكاءٍ من فرحة أخيه:
"و أنا فرحان أوي يا عمار، كان نفسي أقول أني جيبتلك أبن اخ، بس أنا جيبتلك أخ، علشان أنتَ ابني البِكري، و غلاوتك زي غلاوته عندي"
رد عليه هو بنبرةٍ مختنقة من شدة فرحته و بالفعل قد نزلت دموعه:
"أنتَ اللي مفيش في غلاوتك و لا فيه في معزتك حد، مفيش زيك عرف يضلل عليا و يلحقني من الدنيا"
إبان ذلك أقتربت «سيدة» تحتضن «سارة» بفرحةٍ حتى أوشكت على خنقها، من شدة فرحتها، بينما «فهمي» تحرك نحو ابنيه يحاوطهما بذراعيه و هو يقول ممتنًا للخالق:
"ألف حمد و شكر ليك أنتَ يا رب، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه"
_________________________
عاد «وليد» و «طارق» و «وئام» إلى بيتهما، فنزل «طارق» من سيارته و «وليد» و «وئام» من سيارة الأول، فتحدث «طارق» بفرحٍ و حماسٍ:
"متحمس أوي اشوف أول يوم رجوع للبيت من الشغل عامل إزاي و أنا متجوز، يا رب يبقى اللي في بالي"
ابتسم «وليد» بسخريةٍ بينما «وئام» فتح البوابة بمفتاحه الخاص و هو يسخر منه بملامح وجهه، و قبل أن يتوجه كلًا منهم إلى الطابق الخاص به، تحدث «وليد» مُسرعًا:
"تاكلوا و تريحوا و تطلعوا ورايا السطح علشان نظبطه، أنا اتخنقت و عاوز اظبطه، أنا مجهز الحاجة"
تحدث «وئام» بضجرٍ منه:
"هو أنتَ روحك مربوطة بالسطح؟! دا إيه المرار دا ؟! الجو سقعة يا وليد خلي عندك دم"
رد عليه بلامبالاةٍ:
"خلصت !! ورايا على السطح برضه يا وئام"
تركهما و توجه نحو شقته تاركهما خلفه ينظرا لبعضهما بدهشةٍ حتى تحرك كلًا منهما نحو شقته.
دلف «وليد» أولًا شقته و هو يبتسم باتساعٍ، حتى وجدها تخرج له من الداخل و هي تقول بسخريةٍ:
"إيه الداخلة الهادية دي ؟! فين العفرتة و الصوت العالي ؟!"
رد عليها هو بسخريةٍ:
"هو أنا متجوز مصباح؟؟ و بعدين علشان متتخضيش، المهم عاملة إيه؟!"
سألها بهدوء و وجهٍ مبتسمٍ فأجابته هي بهدوء:
"الحمد لله يا سيدي، زي الفل، بصراحة لولا إن جميلة و هدى معايا كان زماني اتخنقت، بس الحمد لله، مونسيني"
اقترب منها هو بخبثٍ و بمراوغةٍ ضمها إليه و يده على خصرها و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
"طب و أنا مين يونسني؟! يرضيكي افضل كدا لوحدي تايه؟! مش عيبة في حقك ؟!"
ردت عليه بقلة حيلة:
"عيبة يا سيدي، بس قبل ما تقل أدبك، أنا عاوزة أقولك حاجتين مهمين"
رد عليها بمللٍ:
"قولي !! خير يا ست ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"أدخل غير بس و أنا هجهز الأكل و أقولك كل حاجة، يلا"
رد عليها هو بضجرٍ:
"طب ما كنتي سيبتيني أقل في أدبي و خلاص، يا ستار منك، بس هقول إيه؟! أبوكي مين يعني يا عبلة ؟!"
تحرك من أمامها بعدما حدجها بغيظٍ بينما هي حاولت كتم ضحكتها عليه.
دلف «طارق» شقته فوجد زوجته بها تجلس على سجادة الصلاة و في يدها المصحف الشريف تقرأ بها و بجوارها ورقة و قلم، رغمًا عنه ابتسم و اجتاحته السكينة، حتى اقترب منها يجلس بجوارها.
انتبهت هي له في التو فرفعت رأسها تطالعه ثم أغلقت الكتاب الشريف و قالت بهدوء:
"معلش محستش بيك يا طارق، كنت براجع على القُرآن، أنتَ لسه جاي صح؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فسألته هي بتشككٍ:
"طب أنتَ بتبصلي كدا ليه؟!"
اتسعت بسمته و هو يقول بمرحٍ طفيفٍ:
"بصراحة كنت جاي و راسمك في خيالي حاجة تانية خالص و كنت هفرح أوي لو دا حصل، بس شكلك كدا فرحني أكتر"
رمقته بحدة و هي تسأله:
"كنت متخيل إيه علشان أنا بقيت بقلق منك، خير يا طارق"
رد عليها ببساطةٍ:
"كنت متخيلك لابسة حاجة من الحاجات العسل اللي عمته جايباهم جوة دول، و سرحت بخيالي لحتة بعيدة"
سألته هي بثباتٍ:
"و هي عيلة الرشيد بقى عندها علم بمدى انحطاط أخلاقك؟! عندهم فكرة إن طارق اللي متربي مرتين يطلع مدكن شخص باد بوي كدا؟!"
رد عليها هو بتبجحٍ:
"هو أنا احترمت نفسي و لميتها علشان لما اتجوز معاكسش مراتي؟! و بعدين بقولك استنيت و حافظت على حبي و استنيتك، اشتغلي معايا يا جميلة كدا"
ابتسمت بيأسٍ منه فألقى بنفسه على فخذها و هو يقول بهدوء:
"نيميني و أكليني لحد ما وليد يتصل يقرفنا، بسرعة يا بنتي"
اخفضت رأسها سريعًا تقبل وجنته ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
"قوم غير و أنا هقوم أسخن و نشوفه عاوز إيه، مع أني مقلقة"
رد عليها هو مُسرعًا يشاكسها:
"لأ ازاي ؟! المفروض تخافي، يخربيت الرعب دا وليد.
_________________________
جلست «هدير» منذ الصباح كما هي على الأريكة و خاصةً أن الأخرى دلفت الغرفة و لم تخرج منها حتى الآن، و في تلك اللحظة دلف «حسن» و هو يبتسم لها و في يده الطعام، فسألته هي مسرعةً:
"اتأخرت ليه يا حسن ؟! أول مرة تتأخروا كدا، قلقت عليك"
جلس بجوارها يقول مفسرًا بنبرةٍ منهكة:
"مش قادر....بعدين أنتِ ناسية إن وليد و طارق وقفوا شغل كتير علشان فرحهم؟! كله رجع بقى النهاردة، يدوبك لحقنا نخلص و روحت جيبت العشا و جيت"
حركت رأسها موافقةً بتفهم و قبل أن تأخذ الطعام منه حرك رأسه يبحث عنها بالمكان ثم سألها بتعجبٍ:
"حنان فين؟! هي لسه مجتش من برة ولا نزلت تاني؟!"
ردت عليه بضجرٍ:
"جت و بصتلي من فوق لتحت و دخلت الأوضة مخرجتش منها، عملت بأصلي و خبطت عليها اسألها تاكل أو تشرب حاجة، قالتلي مش عاوزة، رجعت أقعد مكاني تاني لحد ما تيجي"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم تحدث بهدوء:
"روحي جهزي العشا علشان ناكل كلنا، و أنا هدخل ليها، معلش استحملي"
ردت عليه هي بثباتٍ:
"علشانك هستحمل كل حاجة يا حسن، بس موعدكش لساني يقدر يستحمل"
تحرك من أمامها بيأسٍ فتحدثت هي بسخريةٍ:
"استحمل إيه بس ؟! دا كتر خير الأوضة انها مستحملة وجودها فيها و متهدتش على دماغها"
دلف «حسن» غرفة شقيقته بعدما طرق الباب بهدوء و أذنت له هي من الداخل، اقترب منها يجلس بجوارها و هو يقول بهدوء:
"ازيك يا حنان ؟! قاعدة لوحدك هنا ليه و سايبة هدير برة لوحدها؟! ما تقعدي معاها و اتعرفوا على بعض و اتكلموا سوا"
ردت عليه بضجرٍ:
"مش عاوزة اقعد معاها، ملهاش قبول عندي، و بصراحة كل العيلة دي أنا مش بطيقهم، و من بدري كان نفسي تقاطعهم"
زفر هو بقوةٍ ثم تحدث بجمودٍ:
"أستغفر الله العظيم يا رب، حنان !! أنا الناس دي ليهم عندي كتير و أنا مردتهوش ليهم، و كفاية أني كنت متجوز قبل كدا و هما ادوني بنتهم، عيلة الرشيد اللي مش عاحبينك دول، أنا من غيرهم كنت ضيعت بدل المرة؛ ١٠٠ بس ربك يشاء كل مرة انهم يكونوا السبب"
ردت عليه هي بانفعالٍ:
"هما اللي مفهمينك كدا يا حسن، هما اللي محسسينك إنهم صحاب فضل عليك، هما مكانوش يحلموا إنك تاخد واحدة من بناتهم أصلًا و لا حتى تبصلها، مش إنك تتجوزها و تحبها، هما عرفوا ازاي يحسسوك انهم صحاب فضل عليك، جوازتك اللي أنتَ فرحان بيها دي، بكرة تبقى سبب حزنك و زعلك مدى الحياة، و هتقول حنان قالتها.
وقف هو ثم تحدث بلامبالاةٍ:
"الأكل برة هدير جهزته، يلا علشان تاكلي يا حنان، و علشان أنا جعان و هدير مستنيانا و عاملة لينا حساب"
خرج من الغرفة فخرجت هي الأخرى خلفه حتى لا تجعله يجلس معها بمفرده، ظنًا منها أنه تزوج حيةً تتلون له حتى تستغله أبشع استغلالٍ
قامت «هدير» بترتيب الطاولةِ و قامت بتجهيز كل شيءٍ و الأخرى ترمقها بنظراتٍ ثاقبة، حتى اقتربت تجلس أمامها و هي تقول بنبرةٍ هامسة بعدما استغلت غيابه في الداخل يقوم بتبديل ثيابه:
"بقولك إيه يا طنط ؟! ما تتكلمي معايا دوغري كدا بدل ما أنتِ هتاكليني بعينك كدا !! أنا مزعلاكي في حاجة؟!"
ردت عليها بثباتٍ:
"أنتِ متقدريش تزعليني أصلًا، كل الحكاية أني بحفظك و بفهمك علشان أعرف اتعامل معاكي، علشان ماخدش وقت كبير يعني"
ابتسمت لها «هدير» و هي تقول بثباتٍ هي الأخرى:
"و ماله، بس خلي بالك بقى علشان المنهج اللي قدامك صعب، و أمي الله يرحمها كانت علطول تقولي الطالب اللي واثق في نفسه زيادة عن اللزوم، زيه زي الكلب في العوم"
ردت عليها بثقةٍ:
"دا أنا فهمته و حفظته و في أول امتحان هقفله كمان، الحقي شمي نفسك يومين"
طالعتها «هدير» بتحدٍ و ثباتٍ فبادلتها الأخرى النظرة بمثيلتها.
_________________________
جلس «ياسين» على الفراش و هي بين ذراعيه و كليهما صامتًا، حتى تحدث هو بهدوء:
"طب و هتفضلي ساكتة كدا يا خديجة؟! قوليلي أي حاجة"
ردت عليه هي بنبرةٍ متحشرجة:
"ما أنا قولتلك متمشيش، أقول إيه تاني؟! بطل تفكرني بقى"
تنفس هو بعمقٍ ثم قبل رأسها و تحدث مُردفًا بنبرةٍ هادئة:
"مش بايدي أني مامشيش، أنا مجبر والله، أنا معاكي هنا من الساعة الكام ؟؟ هما اللي روحوني، يرضيكي ابقى على أخر الزمن مرفود ؟؟"
حركت رأسها نفيًا و هي تطالعه بعينيها فتحدث هو بنفس الهدوء:
"و بعدين أنتِ بقيتي حاجة تانية خلاص، بقيتي أشطر و أكبر و بقيتي واعية اكتر، يعني أقدر أسيبك و أنا متطمن بعد كل المجهود اللي عملتيه"
احتضنته من جديد و هي تحرك رأسها موافقةً فرفع رأسها بكفه و هو يقول مُعاتبًا لها:
"و بعدين أنتِ فكراني همشي علشان تعبت منك؟؟ مفيش حد بيتعب من راحته في الدنيا يا خديجة، و أنتِ راحتي"
بكت و هي تستمع له فتحدث هو بيأسٍ بسبب دموعها:
"مالك يا خديجة !! بتعيطي تاني ليه ؟! مش أنا سكتك طيب؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
"بعيط علشان أنا كنت فاكرة إنك هتفضل موجود علطول، كنت فاكرة أني هفضل مطمنة بوجودك، أنا شخص غريب و محدش عمره فهمني غير وليد و أنتَ، وليد دلوقتي اتجوز، و أنتَ هتمشي، أنا....أنا خايفة"
تهدج صوتها و هي تحدثه حتى ازداد نحيبها، فربت على ظهرها و هو يقول بهدوء:
"قولي اللي أنتِ حاسة بيه يا خديجة، كل حاجة عرفيهالي"
سحبت جرعةً من الهواء داخل رئتيها مرةً واحدة ثم تحدثت بصوتٍ باكٍ و هي تقول:
"أنا طول عمري بخاف....و طول عمري حاسة إن مفيش مكان ليا في الدنيا دي، أنا محدش بيفهمني....محدش فيهم عارف يتعامل مع الكركبة اللي جوايا....أنا....أنا هخاف من غيرك...مش عاوزة أخاف تاني....أنتَ الوحيد اللي شوفت نفسي حلوة في عينيه.... بلاش تخسرني العيون الوحيدة اللي حبيت نفسي فيهم يا ياسين !!"
نزلت دموعه فتحدثت هي تتابع بنفس الطريقة:
"أنا مش سهل عليا أني أعيش من غيرك، مش سهل عليا إنك في يوم و ليلة متكونش معايا....أنا مش بخاف علشان أنتَ معايا والله، من غيرك مفيش حاجة واحدة ممكن تطمني"
تنفس هو بعمقٍ ثم تحدث بنبرةٍ متحشرجة:
"أنا لو مشيت مش هسيبك لوحدك، هسيبك للي أحن منك على نفسك، هسيبك في رعاية ربنا، و أنا متطمن إنك بخير و مفيش حاجة هتضرك، هسيبك و أنا واثق إن فيه بدلي ١٠٠ حد هيكونوا معاكي، منهم أبويا و أمي، مش بمزاجي أغيب عنك، و مقدرش أغيب عنك و اسيبك"
ردت هي بنفس البكاء:
"ربنا رحمني لما أنتَ ظهرت....لما بقيت موجود و مستحمل كل حاجة أهلي نفسهم مستحملوهاش، ليه أنتَ اللي تروح، خليك أنتَ جنبي، محدش فيهم هيستحمل كلامي اللي مش مفهوم، أنا قصادك مش بتكسف اتكلم، حتى لو كلامي عبيط، أنا بطلت أفكر في كلامي معاك، ليه أرجع تاني احسب كل كلمة ؟!"
نظر لها و هي تحدثه بتلك الطريقة و تتوسله بكلماتها، و حينها صدح صوت هاتفه برقمٍ من عمله، سحب الهاتف يرد على المكالمة فوصله الحديث من الجهة الأخرى:
"ياسين !! لو جاهز للسفر ياريت النهاردة الفجر تكون عند الأتوبيس، المشروع و الشغل مش هيستنى أكتر من كدا و العمال عاوزة تنزل، ممكن أسمع قرارك ؟!"
_________________________
في بيت الشباب و تحديدًا فوق سطح البيت جلسوا جميعًا عدا «وليد» الذي أخذ يتحرك في سطح البيت يقوم بوضع الزروع البلاستيكية في جهاتٍ متفرقة و قام بفرد سجادة كبيرة الحجم و وضع بعض المقاعد الخشبية و طاولة صغيرة الحجم، كانت «عبلة» تعاونه في ذلك و «طارق» أثناء جلوسه كان يقوم بتوصيل أسلاك الكهرباء ببعضها حتى تتم إضاءة السطح كما هي في بيت العائلة.
تحدثت «هدى» بسخريةٍ منه:
"هو أنتَ لو معملتش كدا في السطح يجرالك حاجة ؟! ما كان حلو و خلاص، و بعدين مشبيعتش من سطح الرشيد ؟!"
سألته بخبثٍ و هي تضيق جفنيها، فتحدث هو باستفزازٍ:
"لأ مشبيعتش، أنا بحب أحضنها في الهواء، يبقى مني للسما علطول، و بعدين اللي زعلان ميطلعش يترزع هنا، بسيطة أهيه"
تحدث «وئام» بضجرٍ:
"ولا !! أنا كبير البيت هنا، لم نفسك يا حلو، أنتَ هنا تسمع و أنتَ ساكت"
رفع حاجبيه له باستنكارٍ، فتحدثت «عبلة» بحماسٍ:
"وليد !! ينفع تكملي هنا تدريب الجيم ؟! إيه رأيك؟!"
غمز لها بمراوغةٍ و هو يقول:
"بس كدا ؟! دا أنا أجيبلك الجيم لحد عندك هنا، هو فيه أعز منك؟"
ابتسمت له باتساعٍ فدندن هو بخبثٍ كعادته:
"طب ليه بيداري كدا و لا هو داري كدا....و لا أنا داري كدا و لا دا....ليه حيرني و ليه يهجرني و أنا ماجيش على باله كدا"
ابتسمت بخجلٍ و هي تتوسله بعينيها أن يصمت خصيصًا مع النظرات التي توجهت نحوهما فتحدث «طارق» بنبرةٍ جامدة:
"ما تلم نفسك يا عم الحلو !! معانا عيل صغير"
رد عليه ببساطةٍ:
"خده و انزل يا حبيبي، متصدعوناش بقى"
سألته «جميلة» بحنقٍ:
"أنتَ مجنون يا بني !! مجمعنا ليه أنتَ طيب؟؟"
تنفس هو بعمقٍ ثم اقترب منهم يجلس أمامهم و زوجته تلحقة فتحدث هو بنبرةٍ هادئة:
" أولًا علشان أجدد السطح، و ثانيًا بقى حسن !! حد فيكم عنده فكرة عمل كدا ليه النهاردة ؟؟ أكيد مش من الباب للطق"
ردت عليه «هدى» بقلقٍ و خاصةً على شقيقتها:
"عمل إيه يا وليد !! أوعى يكون زعل هدير ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قص عليها ما حدث اليوم من «حسن» فردت عليه «عبلة» مُسرعةً:
"علشان كدا كنت بقولك عاوزة أقولك حاجة، حنان أخت حسن هناك عندهم، و هدير بتقولي إنها مش لطيفة خالص و زي اللي داخلة معاها حرب".
قطب «وليد» جبينه بتعجبٍ فتحدث «طارق» بضيقٍ منها:
"طول عمري بكرهها يا جدعان، بومة، يمين بالله بومة متحركة"
تحدثت «جميلة» بحيرةٍ:
"هي مالها برضه و مال هدير ؟! ما تخرجها من راسها، المفروض انها تحب مرات اخوها"
تدخلت «هدى» تقول بقلقٍ:
"أنا خايفة على هدير، المشكلة إنها مبتعرفش تسكت و علطول بترد، ربنا يستر و حنان دي متتعبهاش"
تحدث «وليد» بعدما ربط الخطوط ببعضها:
"علشان كدا حسن طلب يكتب نصيبه معانا لهدير، أكيد اخته هي السبب علشان تخليه يخاف كدا"
تحدث «وئام» محذرًا له:
"أنا مش عاوز منك تهور و مش عاوزك تدخل، لو اختنا حد زعلها احنا نقفلها، غير كدا هي مع جوزها احرار، و لا كلامي غلط يا طارق؟!"
رد عليه «طارق» مؤيدًا:
"كلامك صح يا وئام، لو لقينا الأمور فيها حاجة غلط يبقى ساعتها نتدخل"
زفر «وليد» بقلة حيلة و هو ينظر في أوجه الجميع غير مستبشرًا بالخير في وجود «حنان»
_________________________
شعر «حسن» بالتعب يبلغ أشده على جسده فلم يعد يقوى على الصمود أكثر من ذلك، حتى طلب من شقيقته أن يذهب لغرفته حتى ينام لعله يرتاح قليلًا، فوافقت هي بترحيبٍ، بينما «هدير» جلست في الشرفة بجوارها تتصفح هاتفها حتى لا تتركها بمفردها في الشقة و رأت أن هذا أنسب حل كما أن زوجها يبدو عليه التعب، و هي من الأساس لا تريد أن تضغط عليه
شعرت هي بالأخرى ترمقها بغيظ و الحقد ينبثق من مقلتيها، فتحدثت «هدير» تسألها بهدوء بعدما رفعت عينيها من على هاتفها:
"خير يا طنط بتبصيلي كدا ليه؟! لو فيه حاجة قوليها أحسن"
ابتسمت لها بتهكمٍ و هي تقول بغيظٍ و غلٍ دفينٍ ينبعث من حروفها:
"مستغربة، بجاحتك بصراحة، بتتمتعي في ملك مش من حقك، و بجوازة كلها استغلال، و فاكرة نفسك صاحبة حق هنا"
ردت عليها «هدير» بثباتٍ يتنافى مع النيران المُضرمة بداخلها:
"مش علشان أنا صاحبة حق فعلًا؟! دا بيتي و بيت جوزي، لو مش واخدة بالك يعني"
ردت عليها بثباتٍ:
"آه حسن، حسن اللي ضحكتوا عليه أنتِ و عيلتك علشان يتجوزك ؟! مش دا حسن الطيب اللي ولاد عمك ضحكوا عليه علشان يشاركهم؟! مش دا حسن اللي عمالين تهبشوا في فلوسه؟"
انتفضت «هدير» من جلستها كمن لدغتها حية و هي تقول بانفعالٍ:
"أنتِ بتقولي إيه يا ست أنتِ ؟! أنتِ مجنونة و لا شكلك كدا؟"
وقفت أمامها و هي تقول منفعلة هي الأخرى بصراخٍ:
"أنتِ اللي قليلة الأدب و مش محترمة، أنتِ و عيلتك، علشان استغليتوا طيبة حسن و خلتوه يتجوزك بعدما فشلوا انهم ياخدوا فلوسه، و لا أنتِ فاكرة إن أخويا مش هيقولي سبب جوازه منك ؟! قالي إن ابن عمك كلمه علشان يتجوزك و يتدبس هو فيكي، بعد عملتك السودا مع قريبك، بس هو أنتو هتلاقوا فين في شهامة حسن ؟! علشان ياخد واحدة زيك؟!"
نزلت دموع «هدير» رغمًا عنها و هي تستمع لذلك الحديث الذي كان بمثابة خنجرًا يطعن فيها دون شفقةٍ أو رحمةٍ، فاضافت الأخرى بثباتٍ:
"حسن قالي إنه اضطر يوافق على الجواز علشان ميتحرجش قصاد عيلتك، و الله أعلم أنتِ عملتي إيه مع قريبك دا علشان يلزقوكي في أخويا بالطريقة دي"
رفعت «هدير» كفها حتى تهوى على وجهها بصفعةٍ تثأر بها لكرامتها المجروحة، لكن الأخرى استغلت تشوشها نتيجة عبراتها المُنسابة فأمسكت ذراعها و هي تقول بجمودٍ:
"إيدك يا بت بدل ما اقطعهالك، غوري من هنا، لو عندك كرامة و دم، ابعدي عن حسن بدل ما افضحك أنا و أعرف الكل إنك ضحكتي على أخويا، أنتِ و عيلتك، فاكرين نفسكم محدش هيقف ليكم، و هتستغلوا إنه لوحده"
ازدادت دموع «هدير» في النزول، و لأول مرة تشعر بالضعف بتلك الطريقة، حتى وجدت نفسها تنسحب من أمامها و لحسن حظها كانت ترتدي "ترنج" رياضي يناسب الخروج، فخطفت حجابها تلفه على رأسها ثم نزلت من الشقة دون أن تعلم بخطورة ما في مُقدمة عليه، و لكن جرح كرامتها ينزف بشدة و هي تجزم أن ذلك الجرح لن يداويه ألف طبيب، فهل من جرحٍ شُفىٰ كان سببه فراق الحبيب؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم شمس بكري
"فكيف لـ مُـري أن يُطيب ؟!
و أنا من تركني الحبيب..."
__________________________
"أشعر و كأن روحي فارقت جسدي و فلت بعيدًا عني، سرتُ خاويًا مثل ورقةً ممزقة تملؤها الثقوب و أنا هنا عانيت من ويلاتي و على أمري مغلوب، فلا يسعني الكون و لا أنا بـ محبوب، و راح قلبي يتساءل هل أنا مليءٌ بالعيوب، أم أنَّ وجعي في لوحي مكتوب؟!
نزلت دون أن تعي عواقب ما هي مُقدمةً عليه، و لكن جرح كرامتها جعلها تود الهرب بعيدًا و هي تكاد تُجزم بأنه جرحها ذلك لن يداويه ألف طبيب، سارت دون وجهةً مُحددة و دموعها تنهمر على خديها كمثل الشلالات و هي تسير متسرعة الخُطى تأخذ الخطوة في اثنين حتى أنها لا ترى أمامها شيئًا.
فقط خيالات متحركة من كثرة تشوش رأسها من شدة دموعها التي غطت على رؤيتها المُجردة للأشياء، حتى توقفت عن السير و كأن قدماها لن تُكمل تلك المهمة و أعلنت التوقف، وقفت تلهث بقوةٍ و الحديث يتردد على مسامعها و كأنها تقوله لها من جديد، رفعت كفيها تُغلق أذنيها حتى تصمها عن تلك الكلمات المؤذية و حينما زاد ارتفاع الكلمات ارتمت على ركبتيها و هي تصرخ بوجعٍ و الدموع تمتزج بشهقاتها و نحيبها الذي أخذ يزداد.
و فجأة تحققت أكبر مخاوفها و مرت قطة سوداء بجوارها و هي تموء بصوتٍ عالٍ فركضت «هدير» مُسرعةً دون أن تقصد وجهة معينة، و في تلك اللحظة ودت لو هاتفته حتى تطمئن بسماع صوته، لكن حتى هاتفها فقد طاقته و نفذت بطاريته في ثوانٍ فتأكدت أن تلك الليلة لن تمر مرور الكرام عليها.
__________________________
وقف «ياسين» مشدوهًا من حديث رئيسه بعدما ترك الفراش ، فأكد عليه المتحدث قوله:
"ياريت الرد يوصلنا يا أستاذ ياسين، حضرتك ناوي تسافر تباشر إدارة المشروع ولا لأ؟؟ لو حضرتك موافق ياريت تجهز علشان الاتوبيس هيتحرك الفجر"
شد على فروة رأسه ثم حرك رأسه للجهة الأخرى ينظر لها فوجدها تحرك رأسها موافقةً بقلة حيلة و عبراتها تنساب على وجنتيها، حرك رأسه باستفسارٍ و كسا الاستنكار ملامح وجهه، فهزت رأسها موافقةً له مرةً أخرى، حينها تحدث هو بتيه يجاوب على حديث الأخر:
"تـم....تمام يا فندم، حاضر هجهز نفسي و اتحرك إن شاء الله"
رد عليه الأخر بارتياحٍ:
"تمام يا ياسين، و أنا هبعتلك حالًا تفاصيل المكان و رقم الباص اللي هتتحرك بيه"
أغلق المكالمة معه ثم اقترب منها يجلس بجوارها وهو يسألها بتوجسٍ و حذرٍ:
"خديجة !! أنتِ موافقة أني أسافر ؟! أنا كدا همشي النهاردة و أسيبك ؟! فاهمة أنتِ وافقتي على إيه؟؟"
رفعت كفها تمسح دموعها بعنفٍ ثم حركت رأسها موافقةً و تحدثت بصوتٍ مختنقٍ:
"حرام عليا أكون أنانية علشان نفسي و بس، روح يا ياسين و خلي بالك من نفسك، شوف شغلك و أهتم بمستقبلك، حرام تضيع كل حاجة من إيدك علشاني"
خطفها بين ذراعيه في عناقٍ قويٍ و هو يتشبث بها و يشدد مسكته لها، و كعادتها كلما تذكرت أنها ستحرم من هذا العناق بكت و هي تتمسك به.
__________________________
كان «خالد» واقفًا في المطبخ بجوار زوجته و «يونس» على كتفيه يهز قدميه بمرحٍ و هو يضرب والده في منكبيه، و الأخر يقوم بتقطيع الخضروات لعمل "السَلطة" و زوجته تقوم بطهي الطعام أمام البوتجاز، و فجأة ضرب «يونس» والده حتى يشاكسه، فتحدث «خالد» مُحذرًا له:
"هرميك من على كتفي يا حيوان !! لم نفسك يا يونس"
ضحك الأخر ثم أخفض نفسه يقبل خَد والده بمرحٍ ثم قام بعضه و هو يضحك بقوةٍ فتأوه «خالد» ثم تحدث بنبرةٍ جامدة:
"هو أنا مخلف كلب !! اقسم بالله هرميك على البوتجاز، أنا مجنون"
تحدثت «ريهام» بيأسٍ منهما:
"هو انتو ضراير !! فيه منك ليه ؟؟ بطلوا فضايح بقى"
تحدث «خالد» بسخريةٍ:
"الحيوان اللي قاعد فوق كتافي دا عمال يضرب كل شوية و أنا ساكتله، كفاية سايبه قاعد على كتافي و محسسني أني شمبانزي و ابنه في الجبلاية"
ضحكت «ريهام» بقوةٍ و هي تتخيل هيئتهما بتلك الطريقة، فسألها هو بغموضٍ غلف نبرته:
"بتضحكي علي إيه يا سكر ؟! شكلك هتطردي أنتِ و القرد اللي على كتافي دا"
ردت عليه هي بنبرةٍ جاهدت حتى تتفوه بها بسبب كثرة ضحكاتها:
"بتخيل شكلكم أنتم الاتنين و أنتم في المطبخ كدا مقفول عليكم زي القفص و أنا برميلكم موز و سوداني"
تحدث هو بغير تصديق و حنقٍ من حديثها و ضحكاتها:
"طب أرمي عليها يمين الطلاق دي و لا أعمل فيها إيه ؟! اضحكي ياختي، اضحكي، إن شاء الله هجيلك في القفص اللي جنبنا"
ضحكت مرةً أخرى ثم التفتت حتى تباشر طهي الطعام، بينما هو رفع ثمرة الخضار في يده و هو يقول بسخرية لابنه:
"كُل يا يونس، معلش بقى مفيش موز، الجنينة لسه محنتش علينا"
ضحكت هي بسخريةٍ و هو يطعم ابنه الخضروات و الأخر يأكلها بمرحٍ حتى صدح صوت هاتف «خالد»، فمسح يده في المناديل الورقية الموجودة أمامه ثم أخرج الهاتف من جيب بنطاله، و حينها وجد رقم «ياسين»، رد عليه بمرحٍ:
"يا مساء العسل يا غالي، خير"
تنهد «ياسين» بعمقٍ ثم تحدث بنبرةٍ مهتزة و كأنه مجبورًا على ذلك الحديث:
"خير.... المهم يا خالد أنا مسافر الفجر، عاوزكم معايا و أبويا و أمي جايين في السكة"
سأله «خالد» بذهولٍ و استنكارٍ:
"الفجر !! إزاي دا ياخويا ؟! مش قالولك رد علينا ؟! هو هبل؟!"
رد عليه بنفاذ صبرٍ:
"يا خالد هعمل إيه يعني؟! الاتوبيس هيتحرك الفجر و أنا لازم أكون مستني هناك، هتيجي معايا ؟!"
رد عليه بنبرةٍ أقرب للانفعال:
"هي محتاجة سؤال !! أكيد هنيجي مع أخونا طبعًا، هتنزل امتى ؟!"
رد عليه بصوتٍ مختنقٍ:
"لما أجهز أنا و خديجة هكلمك، كلم ياسر و عامر و عرفهم، و أنا هكلم ميمي"
أغلق معه الهاتف و العبرات تلمع في عينيه، ثم زفر بقوةٍ فاقتربت منه «ريهام» تسأله بحذرٍ:
"قلبت وشك كدا ليه؟! و رايح فين يا خالد ؟!"
رد عليها بنبرةٍ حزينة:
"ياسين مسافر يا ريهام، ماشي الفجر خلاص، اللي مزعلني إنه مش هستحمل يكون لوحده، ياسين هيتعب هناك من غيرنا"
ربتت على كتفه و هي تقول بهدوء:
"متقلقش، ربنا يسترها عليه إن شاء الله، متخافش كل حاجة هتتحل"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم أنزل ابنه من على كتفه و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ استشفته هي في كلماته:
"أنا هدخل أجهز هدومي، هاتي يونس معايا علشان ياسين يسلم عليه، تقلي عليه بس"
حركت رأسها موافقةً فتحرك هو من أمامها و ترك المطبخ حتى لا يفتضح أمره و تنزل دموعه بفراق أخيه، فمنذ حوالي ستةْ عشر عامًا و لم يأت اليوم الذي تفرق فيه أيًا منهما عن الأخر، فكيف يتركهما «ياسين» و ينقص المربع ضلعًا ؟!.
عاد «ياسين» لترتيب حقيبته و هي تعاونه في ذلك و تضع له كل ما قد يحتاجه، هربًا من سلطة البكاء عليها، و كان هو يضع أشيائه الخاصة، ثم أخرج هاتفه و تذكر أن هناك شخصًا يجب أن يكون موجودًا حتى يجاورها في معضلتها، و هو «وليد».
كان «وليد» فوق سطح البيت مع العائلة و هم يضحكون و يتسامرون سويًا، بينما هو أخذ «فارس» على ذراعه يحمله و هو يبتسم له و بين الحين و الأخر يداعبه و الآخر يبتسم بخفةٍ و كأنه يفهم مداعبة الأخر له، حتى صدح صوت هاتفه برقم «ياسين»، أخرج الهاتف و قام بالضغط على زر الايجاب، فرد عليه «ياسين» بنبرةٍ منهكة:
"وليد !! أنا مسافر الفجر و عاوزك تكون مع خديجة، كلموني و لازم اتحرك النهاردة"
رد عليها بتفاجؤٍ:
"أنتَ متأكد إنك ماشي النهاردة ؟؟ طب خديجة عرفت و لا لسه؟!"
حرك «ياسين» رأسه نحوها يطالعها بطرف عينه فوجدها تتحرك مثل التمثال بدون روح، حينها تنهد بقلة حيلة ثم تحدث يجاوبه بقوله:
"عرفت، و علشان كدا عاوزك تكون موجود، أنتَ أكتر واحد خديجة هتتقبل وجوده في عدم وجودي، معلش محتاجك ضروري"
رد عليه الأخر مُسرعًا:
"من غير ما تقول أنا في ضهرك يا ياسين، مش هتوصيني على أخواتي، هجيلك على الشقة"
اتفق معه ثم أغلق المكالمة و اقترب منها مرةً اخرى، فتحدثت هي بصوتٍ مختنقٍ متحشرجٍ:
"أنا كدا خلصت الشنطة و فيها حاجتك كلها، ناقص حاجة تاني؟"
حرك رأسه نفيًا بالسلب، فهزت هي رأسها بايماءةٍ موافقةٍ فتحدث هو بهدوء و حديثه خرج كأنه يتوسلها:
"لو ينفع بس تضحكيلي قبل ما أمشي يبقى كتر خيرك، و كدا تبقى كل حاجة تمام"
رفعت عينيها تطالعه بدموعٍ تحجرت و تعلقت بأهدابها، فتحدث هو يمازحها بمشاكسىةٍ:
"طب أقولك حاجة و متضحكيش؟!"
ضحكت هي رغمًا عنها من بين دموعها حينما قلد طريقتها و نبرة صوتها في الحديث، فاحتضنها و هو يضحك بغلبٍ و قلة حيلة و هو يقول بوجعٍ خرج من قلبه:
"آاااه....فراقك أصعب من خروج الروح من الجسم و الله، مش سهل على الإنسان إنه يسيب دنيته و يتغرب، بس غصب عني و الله مجبور على الفراق، عاوزك تعرفي إنك مش حد عادي و أني واثق فيكي، و عارف إن سايب ورايا رجالة زي ما بتقولي، مش عاوزك تزعلي و عاوزك علطول واثقة في نفسك قبل أي حد، و افتكري إني شهدت على نجاحك و تعافيكِ، و اعرفي إن ياسين الشيخ مشغلهوش غير عيونك أنتِ، و أنتِ عيونك قتالة...."
ابتسمت هي بين ذراعيه فربت على ظهرها و هو يتنهد براحةٍ، حتى استمعا كليهما لطرقاتٍ على باب الشقة، فابتعدت عنه و هي تقول بهدوء رغم تحشرج صوتها:
"دول أكيد طنط و عمو، أنا هروح افتحلهم و أنتَ شوف هتلبس إيه و أنتَ نازل"
حرك رأسه موافقًا ثم تابعها حتى اختفت من الغرفة، و حينها فتح حقيبتها يضع بها خطابًا كتبه بخط يده لكن حروفه خرجت من قلبه قبل يده، ثم تنهد بعمقٍ و العبرات وخذها يزداد في عيونه.
__________________________
بعد مرور ساعتين تحديدًا من نزول «هدير» من الشقة، كان «حسن» نائمًا على الفراش بعدما غاص في ثباتٍ عميقٍ، تقلب على الفراش أثناء نومه حتى وصل للطرف الآخر، لاحظ هو أثناء تقلبه خلو الفراش منها و هذه لم تكن عادتها، ففي كل ليلةٍ تندس بين ذراعيه و ترغمه على احتضانها بعدما تشاكسه بحديثها.
رفع رأسه يتفحص الفراش فوجده فارغًا منها، و كذلك الغرفة بأكملها، تثاءب هو بقوةٍ ثم سحب هاتفه من الطاولةِ المجاورة للفراش يتفحص الوقت فوجد الساعة تشير إلى
"الواحدة صباحًا"، عقد ما بين حاجبيه تعجبًا من عدم تواجدها ففي ذلك الوقت يكون كليهما نائمًا.
خرج من الغرفة يناديها بصوتٍ متحشرجٍ نتيجة استيقاظه و هو يقول بصوتٍ عالٍ بعض الشيء:
"هدير....هدير....هدير أنتِ فين ؟!"
تفحص المرحاض و المطبخ و الشرفة التي كانت أخر أمله حتى انتاب القلق قلبه و طرق غرفة أخته بقوةٍ و هو يناديها بجمودٍ و لهجةٍ حادة:
"حنان !! حنان افتحي الباب، اصــحـي يا حنان !!"
فتحت له شقيقته الباب بملامح وجه ناعسةً بعدما نامت نومةً هانئةً غافلةً عن كم الأذى الذي تسببت به لـ «هدير»، فسألته هي بتعجبٍ:
"فيه إيه يا حسن حد يصحي حد كدا ؟! خضتني، مالك على المِسا"
سألها بنفس الجمود:
"هدير فين يا حنان ؟! قلبت عليها الشقة كلها مش موجودة، ردي عليا هدير فين ؟!"
ردت عليه بثباتٍ:
"الحلوة كانت عاوزة تمد ايدها عليا، بترفع أيدها على واحدة مش من مقامها، هتلاقيها مشيت علشان تعمل شويتين دراما"
صعق من حديثها و نزل عليه كوقع السوط على جلده، و لكن ذلك السوط مزق روحه حتى شعر بنزيفها داخل جسده، فأضافت هي مُسرعةً:
"رفعت أيدها عليا و كانت هتضربني بالقلم، محدش طول عمره فكر يهني بالطريقة دي، هتيجي حتة بت زي دي، تعمل كدا فيا"
ركض من أمامها فورًا يسحب مفاتيحه و هو كما هو بملابسه البيتية و هي عبارة عن "تيشيرت" باللون الابيض خامته قطنية و بنطال رياضي باللون الرمادي، و قبل أن يفتح باب الشقة يخرج منها راكضًا أوقفته شقيقته تسأله بنبرةٍ محتدة:
"استنى أنتَ رايح فين ؟! هتنزل دلوقتي ؟؟ استنى بكرة الصبح و ابقى روح شوفها، و لا متروحش خالص أحسن، و يفهموا إن الموضوع دا لازم ينتهي"
رد عليها بلهجةٍ حادة و حازمة:
"رايح أجيب مراتي يا حنان، مراتي اللي أنا واثق إنك دوستي عليها، روحي يا شيخة الله يسامحك"
خرج من الشقة و أغلق الباب بعنفٍ حتى اهتز جسدها نتيجة الغلق، و وقفت ترمق أثره بغيظٍ نتيجة ركوضه خلفها بتلك الطريقة، و داخلها يشعر بالنيران.
ركض «حسن» من البيت و هاتفه في يده يحاول الاتصال بها و لكن كانت النتيجة هي أن الرقم مغلقًا و يجب عليه المحاولة في وقتٍ لاحق، زفر بقوةٍ و وقف يشد خصلات شعره و هو على مشارف البكاء، و وقف يشعر بالتيه و لا يدري إلى أين يذهب، فإذا لم تكن ذهبت لعائلتها و سبقها هو على هناك، من المؤكد سيحدث ما لم يُحمد عقباه.
ركب سيارته و قرر أن يبدأ هو بمهمة البحث عنها و مهاتفة الفتيات واحدةً تلو الأخرى، فأول من بدأ بها كانت «خلود»، وصله ردها و هي تسأله بتوجسٍ:
"ازيك يا حسن ؟! خير بتتصل دلوقتي ليه؟! فيه حاجة ؟!"
تنفس هو بحدة حتى يستطع التحدث معها، فتحدث بثباتٍ واهٍ و خرجت حروفه مهتزة:
"معلش يا خلود بس مش قدامي غيرك علشان أسأله، عاوزك بالراحة كدا تعرفيلي هدير فين، شوفيها كدا عندكم في البيت؟!"
سألته هي بتهكمٍ:
"هدير مراتك أنتَ و عاوزني اشوفهالك فين ؟! واخد بالك أنتَ بتقول إيه؟!"
رد عليها مسرعًا بصوتٍ مختنقٍ:
"واخد بالي يا خلود، ابوس رجلك بس بسرعة، أنا بلف بالعربية، شوفيها كدا عند عمتك مشيرة أو عند عمك محمود"
ردت عليه بحيرةٍ و تيهٍ:
"حاضر...حاضر يا حسن، هنزل دلوقتي اشوفهالك"
أغلقت معه الهاتف ثم وقفت تسأل نفسها بحيرةٍ:
"طب اروح أقولهم إيه؟! الساعة داخلة على اتنين"
شهقت بسرعةٍ كبرى حينما وصلتها الفكرة التي ستجعلها تنزل لديهم بحجةٍ قوية و كأنها لا تعلم بشيئًا حتى لا تثير القلق و الجدل بالعائلة دون جدوى.
بعد مرور دقائق من انتهاء مهمتها في شرفة شقتهم تنهدت بقوة ثم خرجت من الشقة و أول طابق توجهت إليه كان طابق عمها «محمود»، فضربت الجرس بهدوء حتى فتح لها الباب متعجبًا من تواجدها و هو يقول:
"خلود !! خير يا حبيبتي فيه حاجة ولا إيه ؟!"
ابتسمت له بتوترٍ و هي تقول:
"أنا متأسفة يا عمو كنت باخد البنطلون بتاعي من على الحبل، بس وقع مني عند حضرتك في البلكونة، ممكن ادخل أجيبه؟!"
رد عليها مُرحبًا:
"يا حبيبتي طبعًا البيت بيتك، ادخلي هاتيه و أنا هعملنا كوبايتين شاي حلوين كدا إيه رأيك؟!"
ردت عليه ترفض حديثه بلباقةٍ:
"شرف ليا طبعًا يا عمو محمود، بس أنا عندي درس الصبح و يدوبك هنام، أنا بس كنت بشيل الهدوم علشان تكون دافية"
حرك رأسه موافقًا ثم دعا الله أن يوفقها و يكرمها في اختباراتها، بينما هي تحركت من أمامه نحو الداخل تأخذ البنطال الذي سبق و أسقطته هي عمدًا داخل شرفته، و رأسها تتحرك بحثًا عن «هدير».
خرجت من الشرفة و كان هو جالسًا أمام التلفاز يتابع أحد الافلام الاجنبية، فسألته هي بتلقائيةٍ و كان الحديث في مجمله عاديًا:
"بتكلم فارس و لا لأ يا عمو؟؟ اوعى يكون خلاك تنسى هدى و هدير ؟! يغيروا منه كدا"
ابتسم لها و هو يقول:
"لأ طبعًا بكلمهم سوا، أنا لسه حتى سامع صوت عياطه من شوية في التليفون، و هدير صحيح كبيرة و عاقلة بس بتغير عليا منه، فبكلمها برضه معاه"
سألته بمرحٍ زائفٍ و كأنها تشاكسه:
"طب و أخر مرة كلمتها كانت امتى بقى ؟! هتلاقيها من امبارح مثلًا"
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
"لأ ياختي كنت بكلمها على الواتس من شوية، حوالي الساعة ٩ كدا كانت عمالة تبعتلي في صور هبلة زيها و تقولي اختار عروسة، ربنا يهديها بقى"
ابتسمت له بتوترٍ حينما تيقنت من عدم وجودها ثم استاذنت منه و خرجت من شقته، و توجهت نحو وجهتها الثانية و قلبها يتمنى تواجدها بها، فطرقت باب شقة عمتها التي فتحت لها و هي تسأله بذهولٍ:
"خلود !! فيه حاجة و لا إيه؟؟"
حدثت نفسها بنبرةٍ هامسة:
"مش ممكن دا أنتم أخوات جدًا"
سألتها عمتها بتعجبٍ:
"بتقولي إيه يا خلود ؟! خير عاوزة حاجة ؟! إيه اللي منزلك دلوقتي ؟!"
ردت عليها بهدوء:
"اللبس بتاعي طار من الهوا و أنا باخده، البنطلون وقع عند عمو محمود و الطرحة وقعت عندك هنا، ممكن ادخل أجيبها؟!"
ردت عليها مرحبةٍ:
"آه يا حبيبتي ادخلي، و لا ادخل أجيبهالك أنا ؟!"
ردت عليها مسرعةً بنفيٍ:
"لأ...لأ، هدخل أنا علشان هي شبكت في الحديدة و أنا هفكها بدل ما تتقطع، دي بـ ١٢٠ جنيه"
ابتسمت لها «مشيرة» بيأسٍ ثم تحركت معها و قبل أن تلحقها نحو الشرفة، اوقفتها «خلود» بقولها:
"عمتو معلش ينفع تجيبيلي كوباية ماية ساقعة ؟! أصلي نزلت جري علشان الحق الطرحة و حاسة أني عطشانة"
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من أمامها، بينما «خلود» أخرجت الكرحة من جيب البنطال حينما سبق و وضعتها به، بعدما فشلت في إسقاطها داخل شرفة عمتها، و بعدها فتحت باب الشُرفة تمثل الحصول على مبتغاها ثم خرجت و هي تقول براحةٍ زائفةٍ:
"الحمد لله، لحقتها قبل ما تتقطع، معلش بقى قلقتك يا عمتو"
ردا عليها ببساطةٍ ترفع حرجها:
"لأ يا حبيبتي عادي و لا يهمك، أنا كدا كدا كنت صاحية علشان حسان هصحي حسان و نصلي سوا"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت تسألها بمرحٍ:
"أظن جوزتي جميلة و اطمنتي عليها خلاص، قوليلي بتكلمك ولا لأ؟! علشان مش بتكلمني غير قليل"
ردت عليها بوجهٍ مُبتسمٍ:
"بتكلمني كل يوم الحمد لله و مبسوطة مع طارق، و أنا بكلم البنات كلهم، بس هدير و خديجة النهاردة مكلمتهمش، هكلمهم بكرة إن شاء الله، عقبال ما نكلمك في ييتك أنتِ كمان"
ردت عليها بتمني:
"ياريت و الله، و يا سلام لو قبل امتحان الاسبوع الجاي"
ردت عليها «مشيرة» بضيقٍ زائفٍ:
"اطلعي ذاكري يا بت، يلا بدل ما أسلط عليكي أحمد و أبوكي"
ابتسمت لها «خلود» ثم تحركت من أمامها نحو الشقة الخاصة بهم، و هي تشعر بالقلق بعدما وجدت البيت فارغًا من «هدير».
كان «حسن» يقود سيارته و هو يبحث عنها في الطرقات مثل المجنون و خاصةً أن المنطقة تتسم بالهدوء و الرقي، فمن الصعب أن تطمئن و هي بمفردها، ظل يجوب شوارع المدينة بأكملها آملًا في العثور عليها، لكن كمن قُسمت الأرض لنصفين و ابتلعتها بداخلها، و كان يحاول مرارًا التواصل معها عبر الهاتف لكن دون فائدة النتيجة كما هي و لم تتغير بعد !!
قامت «خلود» بمهاتفة «عبلة» حتى تستبين إن كانت «هدير» هناك أم لا، و ظلت تشاكسهم جميعًا و تداعب «فارس» عبر الهاتف ثم أغلقته معهم بعدما علمت أن «وليد» تركهم و ذهب دون أن يحدد وجهةٍ مُحددة.
بعدها اخرجت رقم «حسن» تهاتفه و هي تقول بتوترٍ و عدة مشاعر مختلطة يكسوها الحزن:
"للأسف يا حسن ملهاش أثر في البيت، و كلمت عبلة و هدى و هما قاعدين مع بعض و محدش يعرف حاجة، ريحني و قولي فيه إيه ؟! و أختي فين يا حسن ؟!"
تهدج صوتها و هي تسأله فبكى هو رغمًا عنه و رأسه تلعب به و بأفكاره فيما قد يكون أصابها، ثم أغلق الهاتف دون أن يرد عليها، و أوقف السيارة و هو يبكي مثل الطفل الصغير الذي فقد أمه لتوه و عاد غريبًا في الدنيا من جديد.
ضرب رأسه بالمقود و هو يقول بنبرةٍ باكيةٍ و صوتٍ مختنقٍ:
"ارجعي يا هدير.....علشان خاطري ارجعي، روحتي فين بس ؟؟ مشيتي ليه يا هدير؟!"
اجهش في بكاءٍ مريرٍ و هو لا يتخيل أنه فقدها حقًا، فحرك السيارة من جديد يستأنف سيره نحو وجهةٍ لا يعلمها لكنه يعلم أن الوقوف لن يفيده، فيجب عليه أن يبحث عنها حتى و إن فقد روحه أثناء تلك المهمة، بالطبع ذلك اهون عليه من فقدانها.
__________________________
تجهز «ياسين» و أسرته و «وليد» للنزول من الشقة، و الدموع متحجرةً في أعينهم جميعًا، حتى «وليد» و زاد وخز الدموع أكثر حينما وقعت عينيه عليها و رآى خوفها و قلقها باديًا عليها بتلك الطريقة.
نزلوا من الشقة فوجدوا الشباب في انتظارهم بالأسفل معًا بجانب سيارة «خالد»، و أول من ركض إليه كان «عامر» يرتمي بين ذراعيه، ربت «ياسين» على ظهره و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"بس يا عامر متخلنيش أعيط، بطل تتأثر كدا و تعيطنا كلنا"
رد عليه بنبرةٍ متحشرجة:
"غصب عني يا صاحبي، غصب عني إن واحد فينا يمشي و يسيبنا و أنا اقدر استحمل دا"
تنهد «ياسين» بقلة حيلة ثم تحدث يمازحهم جيمعًا:
"شوف يابني أنا أقدر استحمل غياب الكل، بس مصدر الضحك الوحيد في حياتي صعب و الله"
شقت بسمة هادئة وجوهم جميعًا، بينما «ياسين» ربت على ظهر «عامر» ثم ابتعد عنه يحتضن «ياسر» الذي تشبث به و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا حاسس إن أبويا هو اللي مسافر و ماشي، لأول مرة من ١٦ سنة تغيب عني يا أخويا"
بكى «ياسين» رغمًا عنه فأضاف «ياسر» بصوتٍ متهدجٍ:
"من أول يوم اتعرفت عليك فيه و أنا عمري ما سيبتك يا ياسين، طول عمرك معايا و بتحميني زيك زي خالد، خلي بالك من نفسك علشان خاطر أخوك"
حرك رأسه موافقًا ثم قبل رأسه و هو يربت على ظهره، فاقترب منهما «خالد» بعدما اعطى «يونس» لـ «وليد» و قد ارتمى «ياسين» عليه و كأنه يحتمي به، فتحدث «خالد» بثباتٍ زائفٍ ظهر من خلال تهدج صوته:
"خلي بالك من نفسك و أثبت لهم إن ياسين رياض الشيخ مهندس مفيش منه اتنين، و عاوزك في ظرف أسبوع تكون خلصت شغلك علشان ترجعلنا"
ابتعد عنه «ياسين» يطالعه بسخريةٍ و هو يقول:
"اسبوع !! ليه باعتلهم ياسين علاء الدين ؟! مش خارج من فانوس سحري أنا"
ربت «خالد» على كتفه و هو يقول بفخرٍ:
"بس أنتَ قدها و قدود، أخوك الكبير عارف إنك مش هتقف و مش هتيأس، ربنا يجبر بخاطرك و يعلي مراتبك كمان و ترجع تبقى مدير زي عامر، عاوزك ترفع راسي"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من «يونس» يحمله من على ذراع «وليد» ثم احتضنه بقوةٍ و كأنه يريد الاشباع منه، فتحدث بشوقٍ جارفٍ:
"هتوحشني يا قلب ياسين، هتوحشني يا أغلى و أعز صاحب ليا في الدنيا، ما تيجي معايا يا يونس"
رد عليه «خالد» بمزاحٍ:
"خد معاك شيكارة بطاطس و ابقى حمرها و هو هيسد معاك، بيفكرني بناس كدا"
تدخل «رياض» يقول ممازحًا له:
"مش هنقول إن اسمه عامر فهمي، متقلقش خلاص"
ابتسم «ياسين» رغمًا عنه ثم احتضن «يونس» الذي احتضنه و هو يقول ببراءة الاطفال:
"ياسين هيمشي باي ؟!"
حرك «ياسين» رأسه موافقًا فاحتضنه «يونس» تلك المرة و هو يربت على ظهره بكفيه الصغيرين ثم حرك فمه يقبل «ياسين» على وجنته.
نزلت دموع «ياسين» تأثرًا من موقف الصغير فزاد «يونس» تأثره حينما وضع يده في جيبه و أخرج له عملة معدنية "جنيه" ثم وضعه في جيب سترته و هو يقول بنفس البراءة:
"عـلــشـان تـروح بـاي"
احتضنه «ياسين» مرةً أخرى عناقٍ قويٍ و كأنه يريد تخبئة «يونس» بين ضلوعه، فتحدث «وليد» بهدوء:
"طب يلا يا جماعة علشان نتحرك بقى، يلا يا ياسين، و خد يونس معاك في العربية"
ركبوا جميعًا بعدها السيارات فقام «ياسين» بالجلوس في سيارته بجانب «خديجة» في الخلف و معه «يونس» ثم احتضن كليهما بذارعيه، و في الأمام قاد والده السيارة و «زهرة» بجواره تحاول جاهدةً امساك و ردع عبراتها المُنسابة.
و الشباب خلفهم في سيارة «خالد» و «وليد» خلفهم بسيارته و معه حقائب «ياسين».
__________________________
سارت هائمةً على وجهها كورقةٍ في مهب الريح دعستها الأقدام بعدما أسقطها الخريف من جذورها، لم تعلم إلى أين تتجه و لا حتى وجدت ما يعاونها، فحتى نقودها لم تكن معها، و هاتفها نفذت بطاريته ارتمت على رصيفٍ تجلس عليه بتعبٍ بلغ أشده، رفعت رأسها تنظر للسماء و هي تبكي و في تلك اللحظة تود فقط الارتماء بين ذراعيه حتى تشعر بالأمان.
و على الجهة الأخرى كان «حسن» يسير بالسيارةِ تارةٍ و تارةٍ أخرى يصفها و ينزل يبحث عنها مثل المجنون، أو أدق تفصيلًا مثل أبًا فقد ابنته وسط زحام مدينة متكدسة السكان أو مثل طفلًا صغيرًا تركته أمه وسط حالة حربٍ و فرت بعيدًا.
جلس على الرصيف بتعبٍ و هو يبكي بعدما يأس في العثور عليها، كما أن «خلود» كانت تتايع معه عبر الهاتف بين كل حينٍ و الأخر حينما جلست في شرفة الشقة و هي تراقب البيت.
رفع رأسه للسماء يبكي بحرقة و هو يقول بتوسلٍ للخالق:
"يــا رب، أنا مليش غيرك ، أنتَ أكتر واحد عالم بيا و بحالي....رجعهالي....رجعهالي علشان أنا مفيش مكان ليا في الدنيا غيرها هي، يا رب ماتوجعش فيها و لا بفراقها"
اخفض رأسه بانكسارٍ و هو يبكي بوجعٍ و ذكرياته معها تمر أمام ناظريه و كأنها واقعًا ملموسًا، ثم رفع كفيه يضعهما فوق رأسها بخيبة أملٍ من ايجادها و هو يقول من بين بكائه بصوتٍ مختنقٍ:
"يا رب، يا رب ألاقيها و قلبي يرتاح، يا رب ريح قلبي و اجمعني بيها"
__________________________
وصلت السيارات موقف الحافلات و نزلوا منها جميعًا، فتحرك «وليد» أولًا يستفسر عن موعد تحرك الحافلة و عن كافة التفاصيل، ثم اقترب منه مرةً أخرى و هو يقول بترددٍ:
"الأتوبيس هيتحرك بعد نص ساعة، علشان هيعدي ياخد عمال من الطريق، يدوبك ياسين يلحق يركب"
حركوا رأسهم بموافقةٍ، فاقتربت والدته تقف مقابلةً له و كفها على وجنته و هي تقول بصوتٍ باكٍ مختنقٍ:
"أنا مش هركز في موضوع إنك مسافر دا، أنا هتعامل إنك في بيتك عادي، صعب اتقبل فكرة إنك هتبعد عننا كدا، علشان خاطري يا حبيب ماما خلي بالك من نفسك، و حافظ على نفسك"
حرك رأسه موافقًا بتأثرٍ ثم احتضنها بين ذراعيه و هو يربت على ظهرها و ذراعها، فابتعدت عنه و هي تبكي، اقترب هو من والده، فتحدث والده بثباتٍ يمازحه:
"هتوحشني يا جحش، خلي بالك من نفسك لحد ما ترجعلي حمار كبير"
احتضن والده و هو يضحك بيأسٍ، فمسد والده على ظهره بحركاتٍ رتيبةٍ و هو يقول بحكمةٍ تتنافى مع مزاحه السابق:
"افتكر إنك في حفظ اللي خلقك و رعايته يا ياسين، افتكر إن ربنا سبحانه وتعالى بيرعاك و إنك تحت رحمته، مش عاوزك تزعل إنك لوحدك هناك، عاوزك تفتكر إن ربنا عليم و مطلع، ربنا اللي خرج سيدنا يونس من بطن الحوت، و حفظ سيدنا إبراهيم من النار، و حفظ سيدنا موسى من الغرق، افتكر إن كلنا بشر زي بعض، تحت حماية الذي لا يغفل و لا ينام، استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه"
بكى «ياسين» بعد حديث والده فتشبث بعناقه بقوةٍ مثل الطفل الصغير، بينما «رياض» ربت عليه ثم قبل رأسه و هو يبتسم له.
بعدها تحرك «ياسين» يحتضن أخوته كلًا على حدة و هو يستمع لنصائحهم و توصياتهم بالحفاظ على نفسه و حياته، وقف هو بعدها يقول بهدوء:
"ربنا يخليكم ليا يا رب و يحفظكم، عاوزكم بس تخلوا بالكم من نفسكم، لحد ما أخلص شغلي و ارجعلكم، بابا !! خديجة أمانة في رقبتك لحد ما أرجع، أنا بسلمك قلبي قبل ما أمشي و عاوزك تحافظ عليه"
حرك رأسه له موافقًا فبكت و هي تستمع لحديثه، بينما هو التفت لـ «وليد» يحدثه بنبرةٍ هادئة:
"خلي بالك بقى أنتَ من اللي ليا عندك، أنا حاليًا كدا فقير و رزقي كله فيها هي، يوم ما أنتَ سلمتها ليا قولتلي أنا مسلمك عمري كله بين ايديك، دلوقتي بقى أنا بديك روحي أمانة و مش عاوز الأمانة دي تزعل، هتحافظ عليها ؟؟"
سأله بحذرٍ و ريبةٍ فحرك «وليد» رأسه لجهتها و طالعها بعينيه فوجدها تبكي و كأنها بذلك ترجوه أن لا يرحل عنها، فحرك رأسه جهته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"وعد مني إنها لا تزعل و لا تضايق زي ما طول عمرها في حمايتي لحد ما أنتَ جيت، المرة دي برضه أنا معاها لحد ما تيجي تاني يا ياسين"
اقترب منه يحتضنه و هو يقول بامتنانٍ له:
"ربنا يطمن قلبك زي ما أنتَ مطمني كدا، عاوزها تنسى غيابي"
ابتسم له بمشاكسىةٍ و هو يقول بعبثٍ كعادته:
"متقلقش دول شهرين، هسمعها جوابات الاسطى حراجي و هو بيقول
(شهرين يا بخيل ؟! ٦٠ شمس و ٦٠ ليل ؟! )
أبتسم «ياسين» رغمًا عنه فاحتضنه «وليد» تلك المرة بقوةٍ و راح يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"هتصدقني لو قولتلك أني محتاجك زيها و أكتر ؟! طب و الله العظيم أنا عرفت يعني إيه انسان يتطمن في وجودك، و أنا قلبي اتطمن في وجودك يا صاحبي"
احتضنه «ياسين» و هو يقول بعاطفةٍ أخوية:
"ربنا يعلم أنا بحس بإيه ناحيتك، أنتَ أخويا الصغير و صاحبي و حاسس علطول إنك ملزوم مني يا وليد، حافظ على نفسك و ريحها علشان خاطري، بطل تتعب نفسك و افرح بشهر عسلك، اديك شايف أخوك رايح فين؟"
حرك رأسه موافقًا ثم قبل كتفه، بينما هو ابتعد عنه ثم وقف أمامها مباشرةً و لأول مرّة تتواجه نظراتهما في ملحمةٍ مختلطة المشاعر حيث الشوق و اللهفة من جهته و العتاب و الحزن من جهتها، التحمت عينيهما في ملحمةٍ ضارية كساها الدمع مُصطحبًا النظرات الحزينة، فرد هو ذراعيه و هو يبتسم لها بحزنٍ، فارتمت هي بينهما و هي تشهق بقوةٍ و تنتحب بشدةٍ، فتحدث هو بنبرةٍ متحشرجة:
"أنتِ متكلمتيش كلمة واحدة بس من ساعة ما حضرت نفسي علشان اتحرك، سمعيني صوتك قبل ما أمشي يا خديجة"
حركت رأسها موافقةً ثم رفعت رأسها له و هي تقول بصوتٍ باكٍ:
"خلي بالك من نفسك يا ياسين، ارجعلي تاني و متطولش في الغياب، أوعى علشان خاطري تنساني أو تحس إن راحتك بعيد عني، عارفة أني ممكن أكون باجي عليك و بخليك تبذل أكتر من طاقتك معايا، بس لو بايدي مش هبقى كدا، أنتَ فهمتني في الوقت اللي أنا مش عارفة فيه افهم نفسي، عمر كامل ضاع مني مشوفتش في ربعه أيام حلوة، و شهور معاك قضيتها كل يوم فيها بينا أحلى من التاني، مش سهل حد يلاقي الأمان و يسيبه يروح منه، احساس صعب، و أنتَ بالنسبة ليا أأمن محطة في العمر"
نزلت دموعه و هو يستمع لحديثها، ففتحت هي حقيبتها ثم أخرجت منها أشياءًا تقدمها له و هي تقول بنبرةٍ أهدأ:
"المحصف و السبحة و الورقتين دول فيهم الأذكار كلها اللي بنقولها طول اليوم، عاوزاك كل يوم تدعيلي معاك و تقرأ في المحصف زي ما أنتَ متعود، ربنا يرجعك ليا بالسلامة يا رب"
خطفها بين ذراعيه مجددًا و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"ربنا يحفظك ليا و يسعد قلبك يا رب، اطمني، لا أنا هقدر أنساكي و لا هقدر حتى اعيش من غيرك، أنتِ أطيب حاجة عرفها العُمر"
حركت رأسها موافقةً، فابتعد هو عنها ثم قبل قمة رأسها و هو يوميء لها بأهدابه، ثم اعتدل في وقفته حتى يصعد للحافلة، و قبل أن يلتفت و يوليهم ظهره اقترب منها «وليد» يحتضنها، فتحدث «يونس» مودعًا له:
"بــاي يــا يــاسين...بـــاي"
التفت «ياسين» له و هو يقول ببكاءٍ هو الأخر حينما وجد العبرات منهم جميعًا:
"باي يا قلب ياسين، خلي بالك منه يا خالد، اوعى تزعله، صدقني ممكن ازعلك و ازعل بلدك كلها علشانه"
حرك «خالد» رأسه موافقًا فركض «ياسين» نحو الحافلة هاربًا منهم حتى لا يضعف مرةً أخرى، فارتمت «زهرة» بين ذراعي زوجها و هي تبكي بقوةٍ و كذلك «خديجة» عينيها لم تفارق الحافلة و هي بين ذراعي «وليد»
حتى تحركت الحافلة فجأةً دون سابق إنذار و هو بداخلها و رأسه للخلف يفارق اغلى و أعز ما ملكه يومًا بحياته.
بعدها ركبوا السيارات جميعًا ثم رحلوا من موقف الحافلات و كلًا منهم قاصدًا وجهته، أما «خديجة» فأوصى «ياسين» والديه عليها حتى أنها وافقت أن تبقى معهما بعدما توسلتها «زهرة» و طلبت منها البقاء في بيتهما، و أمام اصرارهما وافق «وليد» خاصةً أنه يعلم مدى حبهما لها.
__________________________
حركت رأسها تتفحص المكان حولها فوجدته فارغًا باستثناء اضاءة قوية تأتي من مقدمة الطريق الذي تجهله هي، وقفت «هدير» ثم ركضت نحو ذلك الضوء بأملٍ ولد بداخلها أن تجد ما يعاونها بعدما سارت كل تلك المسافة بمفردها ليلًا.
وصلت لمصدر ذلك الضوء بأنفاسٍ مقطوعة و هي تتنفس بصعوبةٍ، حتى وجدت "كشك" صغير الحجم و بداخله رجلًا كبير السن يقرأ في المصحف الشريف، فسألته هي بلهفةٍ:
"لو سمحت حضرتك هو احنا فين هنا ؟! أنا معرفش حاجة هنا و المكان غريب عليا"
طالعها الرجل بتعجبٍ و هو يقول:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أنتِ منين يا بنتي"
ردت عليه هي تبلغه بعنوانها، فتحدث هو بشفقةٍ عليها:
"مشيتي كل دا ؟! احنا على الطريق و شوية كدا قدام هتكوني في مدينة تانية أصلًا"
نزلت دموعها حزنًا على حالها و لما آلت إليه نفسها، فسألها هو بهدوء:
"طب أهلك فين ؟! و لا فين أي حد من اللي كنتي عندهم؟! أنتِ عارفة الساعة كام ؟"
حركت رأسها موافقةً ثم سألته بحماسٍ:
"طب معلش حضرتك معاك تليفون أكلمهم منه؟! أنا تليفوني فصل شحن"
حرك رأسه موافقًا ثم أخرج هاتفه لها و هو يقول مرحبًا:
"طبعًا فيه تحت أمرك، اتفضلي يا بنتي، ربنا يسترها عليكي يا رب"
أخذت منه الهاتف بلهفةٍ و بأملٍ أخذ يزداد و سرعان ما فُقد ذلك الأمل و أخذت الخيبة محله و هي تقول:
"التليفون فاصل و أنا مش حافظة أرقام، كل الأرقام ضايعة من دماغي"
طالعها بشفقةٍ مرةٍ أخرى، لكنها تحدثت بحماسٍ و هي تقول:
"افتكرت !! رقم أختي، ينفع اكلمها ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم مد يده لها بالهاتف، فأخذته و هي تضغط على الرقم بأنامل مرتعشة و داخلها يتمنى أن يكون الرقم صحيحًا و ليس من وحي خيالها.
وصل «وليد» شقته بعدما ترك الجميع و اطمئن على أخته مع «رياض» و زوجته، و كذلك قام بتوديع الشباب ثم رحل نحو بيته، دلف الشقة بانهاكٍ واضحٍ فوجد «عبلة» بها تنتظره، اقترب منها يجلس بجوارها و هو يقول بتعبٍ:
"منمتيش ليه يا سوبيا ؟! الوقت اتأخر و أنتِ لسه صاحية؟!"
ردت عليه بهدوء:
"هنام من غير ما اتطمن على جوزي ؟! دا أنا معملتهاش في الخطوبة، هعملها و أنا معاك في بيتك ؟!"
أبتسم هو لها فتحدثت تسأله:
"خديجة فين طيب مش لما كلمتني كانت معاك ؟! كنت جيبتها معاك يا وليد، و تفضل وسطنا هنا أحسن"
رد عليها هو بصوتٍ خافتٍ:
"مع حماها و حماتها، مصممين تفضل وسطهم، و أنا بصراحة مرضيتش أني اخدها علشان شكلنا ميبقاش وحش، كام يوم كدا و أجيبها تغير جو عندنا"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ، فتحدث هو بعدما تثاءب:
"تعالي بقى علشان ننام أنا مش قادر، و طارق و وئام هيصحوا بدري و يقرفوا اللي جابوني، يلا"
حركت رأسها موافقةً و قبل أن تتحرك من على الأريكة صدح صوت هاتفها، عقدت ما بين حاجبيها بتعجبٍ، فسألها هو بثباتٍ:
"مين بيكلمك دلوقتي؟! فيه حد يكلم حد الفجر كدا ؟!"
ردت عليه هي بحيرةٍ:
"مش عارفة، بس دا رقم غريب و أنا مش برد على أرقام غريبة أصلًا، هتلاقي حد فاضي"
حرك رأسه موافقًا فانتهت المكالمة، حينها زفرت «هدير» بضجرٍ و هي تقول ببكاءٍ:
"ردي يا عبلة أبوس رجلك بقى، ردي علشان خاطري"
حاولت مرةٍ أخرى و هي ترجو الله أن تجاوب «عبلة» على المكالمة فهذا هو أملها الأخير.
أقترب «وليد» يسحب الهاتف من زوجته و هو يقول بنفاذ صبرٍ:
"هاتي بقى علشان أأدب أمه، يا ويله لو طلع حد بيعاكس"
ضحكت عليه هي فغمز لها ثم فتح السماعة الخارجية و قبل أن يهم بالحديث، وصله صوتها و هي تقول بلهفةٍ باكية:
"عبلة !! الحقيني يا عبلة...الحقيني علشان خاطري"
اتسعتا حدقتي كليهما، فتحدث «وليد» يسألها بخوفٍ:
"مالك يا هدير ؟! و رقم مين دا ؟! فيه إيه"
ردت عليه ببكاءٍ:
"أنا في الشارع و مش عارفة أنا فين، الحق أختك و تعالالي، أبوس إيدك أنا لوحدي و خايفة"
تدخلت «عبلة» تقول بنبرةٍ باكيةٍ:
"متخافيش يا حبيبتي، هنجيلك سوا، أنتِ فين بس طيب ؟!"
حركت رأسها للرجل فأشار لها أن تعطيه الهاتف، أعطته له بترددٍ، فتحدث هو مع «وليد» يوصف له الطريق، و يشرح له الطرقات.
تحدث «وليد» مسرعًا بامتنانٍ له:
"متشكر لحضرتك جدًا يا حج، ربنا يكرمك، معلش خلي بالك منها لحد ما أوصلك، مسافة السكة مش هتأخر، اعتبرها بنتك"
رد عليه الرجل مطمئنًا له:
"متقلقش يا حبيبي، ربنا يسترها علينا جميعًا، متتأخرش بس عليها، هي شكلها تعبان أوي"
أغلق معه الهاتف بعدما طلب منه «وليد» طلبًا و توسله أن يقوم به، فتحرك الرجل بعد المكالمة ثم اقترب من الثلاجة الخاصة بالمشروبات و أخرج منها علبة عصير و معها عبوة بسكويت، ثم عاد لها مرةً و هو يقدمهم لها و هو يقول بهدوء:
"اتفضلي يا بنتي، خدي دول"
ردت عليه هي بتوترٍ:
"شكـ...شكرًا...مش عاوزة حاجة، متشكرة لحضرتك جدًا"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"متخافيش مش حاطط فيهم حاجة، لو مش مطمنة ليا، روحي نقي اللي أنتِ عاوزاه"
ردت عليه هي بخجلٍ:
"لأ مطمنة ليك، بس أنا مش معايا فلوس خالص، و مش هقدر أخد حاجة منك، معلش"
رد عليها هو بهدوء:
"أخوكي هو اللي طلب مني و حلفني بالله، يرضيكي أشيل ذنب؟! خديهم يلا"
حركت رأسها نفيًا فصدح صوت هاتف الرجل برقم «وليد» و بعد الإجابة على المكالمة طلب منه أن يفتح السماعة، فتحدث بعدها:
"هدير !! خدي الحاجة من الحج و اشربي العصير لحد ما اجيلك، اسمعي الكلام و أنا مش هتأخر عليكي، بالله عليكي يا شيخة تشربي العصير و تاكلي حاجة"
بكت هي من فرط حنانه عليها و تأثرت، فتحدث هو بصوتٍ متهدجٍ:
"متعيطيش يا هدير، أنا مش هتأخر عليكي، هجيلك علطول، أنا على الطريق أهو و الله"
ردت عليه بايجازٍ، بينما هو أغلق الهاتف ثم رفع سرعة السيارة و «عبلة» بجواره تبكي خوفًا عليها.
__________________________
وصلت «خديجة» مع حماها شقته، و نظرًا للحزن المخيم عليه بفراقه لم يتحدث أيًا منهما، بل فقط أخذتها والدته نحو غرفته "في السابق" ثم ادخلتها بها، بعدها قبلت قمة رأسها ثم خرجت من الغرفة.
ارتمت «خديجة» على طرف الفراش و مع خلو الغرفة منه بكت بقوةٍ و هي تشعر بأن انفاسه معها في كل ركنٍ بالغرفة، فتحت الحقيبة حتى تخرج الهاتف و تطالع صورته، فسقط الظرف البني الذي سبق و وضعه هو بداخل حقيبتها.
عقدت ما بين حاجبيها بتيهٍ، ثم قامت بفتح المظروف، فوجدت في ظهره جملةٍ:
"إلى من عشقت العين مُحياها...
و وقعت أسيرًا لعيناها"
نزلت دموعها فمسحتها فورًا، ثم قامت بفتح الخطاب لتجد بداخله ورقةً كبرى مطبقة على هيئة قلب، قامت بفتحها فوجدت بداخلها الآتي:
"صباح الخير يا كتكوتة، طبعًا زمانك بتبكي على الأطلال في أوضتي دلوقتي، و قاعدة على سريري، يلا مسامحك لحد ما أجيلك، المهم قبل بس ما أنسى و محسوبك ملوش في الكتابة أوي، أنا بحبك يا خديجة، و مش حب عادي و خلاص، لأ...حبك أحلى حاجة جت في العمر علشان تثبت إن مش كله مُـر، أنا كتبت الورقة دي امبارح الصبح في شغلي لما أكدولي إن مفيش قدامي حل تاني غير دا.
أنا عمري ما زهقت من عشوائيتك زي ما أنتِ فاكرة، بالعكس أنا بحبها أوي و بحب كل حاجة فيكي، روحك و كلامك و ضحكك و خفة دمك و هزارك، و كلامك اللي بتقولي عليه أهبل دا أنا يومي كله بيكون بايظ، لحد ما اسمعه، طب أقولك حاجة و متضحكيش ؟!"
ضحكت هي رغمًا عنها، ثم نزلت للسطر التالي، فكتب هو:
"بالظبط كدا، أنا لما بسمعها بضحك و بفرح، جملة غريبة وراها بلاوي، و سبحان الله، أنا عبد بسيط بيفرح بالبلاوي دي، عاوزك في غيابي تتعلمي إنك قوية و إنك شاطرة و أني طول عمري هفضل شايفك انتصار ليا و لقلبي، حتى لو انقطع الوصال و البعد بينا طال، هتفضلي أنتِ زي ما أنتِ على البال و نسيانك أمر مُحال"
بكت هي مرةً أخرى و هي تحتضن الخطاب قبل أن تكمله حتى نهايته، زاد نحيبها و هي تحتضن الورقة و كأنها تحتضنه هو، نظرت في الورقة مرةً أخرى فسبق و كتب هو:
"أنا مش ناسي إن عيد ميلادك قرب و مش ناسي إن دا أول عيد ميلاد ليكي و إحنا سوا، بس و الله لو قصرت يبقى غصب عني و مش بإيدي، و لو قدرت فأنا مش هبخل عليكي أني اشاركك يوم زي دا، بس من دلوقتي أنا بعرفك إني هحاول، لو فشلت و مجيتش اليوم دا، عاوزك متزعليش مني لحد ما أجيلك"
نزلت دموعها من جديد فوقع بصرها على أخر ما أضافه هو في الورقة بخطٍ مزخرف بعض الشيء من قبله و هو:
"حَتىٰ و إنْ اِنّقَطَعتْ بَيْنَنا كُلِّ سُبلِ الوصالِ، و حَتى إنْ غِبتُ عَنكِ و البُعدِ بَيْننا طَال...سَتَظَلّي أنتِ كما أنتِ رَاحَتي لِلبالِ و نِسيانكِ أمرٌ مُحال"
ازدردت لُعابها بقوةٍ فأضاف هو أخر جملة، و كانت جملته المعتادة لها:
"خلاص يا ست الكل طالما سكتي يبقى كدا اتثبتي"
أغمضت جفنيها بقوةٍ ثم ارتمت على الفراش و الخطاب بين كفيها و الدموع على وجنتيها.
لم يختلف وضع البقية عنها حيث عاد كلًا منهم باكيًا من الفراق و خاصةً إن كانوا مجبورين عليه و إن كانت تلك هي المرةِ الأولى.
__________________________
وصل «وليد» إلى المكان الذي قام الرجل بوصفه له، فأوقف السيارة ثم نزل منها راكضًا و خلفه «عبلة» التي ارتمت على «هدير» تحتضنها بقوةٍ، بكت كلتاهما بين ذراعي الأخرى، فاقترب «وليد» من الرجل يشكره و هو يقول ممتنًا له:
"ألف شكر يا حج، ربنا يكرمك و يرزقك من وسع، جميلك دا دين في رقبتي"
رد عليه الرجل بتفهمٍ و ترحيب ٍ:
"يا بني متقولش كدا كلنا عباده و في خدمة أرضه، حمدًا لله على سلامتكم"
ابتسم له ثم أخرج أوراقًا مالية يقدمها له و هو يبتسم بتوترٍ و قبل أن يبدي الرجل اعتراضه، تحدث «وليد» مسرعًا:
"أنا مش بديهم ليك مقابل، لأن جميلك مفيش حاجة تكفيه أبدًا، بس دي حاجة بسيطة من ابن لابوه، اعتبرني ابنك و بصبح عليك"
ابتسم له الرجل و هو يقول مشاكسًا له و يمازحه:
"هو أنا ابني بيصبح عليا برضه، بس بياخد مبيديش، ثانوية عامة يا سيدي"
ابتسم له و هو يقول بهدوء:
"ربنا يباركك ويجبرك على التذكر، أعدك أن يوم النتيجة سيأتي عليك صباحا ومساء.
رد عليه الرجل مرحبًا و هو يدعو الله أن يوفقه و يرزق الجميع براحة البال، بينما «وليد» تحرك من أمامه ثم اقترب منهما و هو يقول بهدوء:
"ها يا عبلة ؟! هدير عاملة إيه؟! أنتِ كويسة يا هدير ؟!"
حركت رأسها موافقةً بانكسارٍ فلاحظ هو ارتجافة جسدها و رعشة كفيها و خاصةً أن ما ترتديه خفيقًا وفقًا لذلك الطقس البارد، فخلع هو معطفه الشتوي ثم مد يده لزوجته و هو يشير لها برأسه أن تلبسها إياه، فامتثلت «عبلة» لمطلبه ثم البستها المعطف الأسود المنتفخ و الأخرى في عالمٍ أخر و هي تفكر في الكلمات التي تلقتها مثل الصفعات على وجهها دون رحمة أو شفقة من الأخرين.
حينها فتح «وليد» سيارته ثم أدخلهما بها و بعدها ركب هو ثم تحرك هو نحو وجهته تاركًا بداية الحكاية لحين إشعار آخر، فما يهمه فقط هي و أنها معه بخير.
__________________________
عاد «حسن» إلى بيته بخيبة أمل بعدما جال الطرقات سيرًا و ركبًا بحثًا عنها حتى حل الصباح، و من كثرة البكاء لم يعد يقوى على الحراك أو القيادة أكثر من ذلك، فذهب إلى مسكنه و ارتمى على أول مقعد يقابله، ثم أرجع رأسه للخلف و هو يبكي، فلم يتخيل حتى و لو بأسوأ كوابيسه أن يفترقا بتلك الطريقة.
لقد شعر قلبه بذلك من السابق لكنه تجاهل هذا الشعور، ممنيًا نفسه ببقائها بجواره أمدٍ كاملٍ، و لكن هل لعاشقٍ مثله قلبه دليله أن يتجاهل صوت القلب مُرجحًا أكثر العقل ؟!"
خرجت «حنان» من الداخل و حينما رأته ركضت نحوه بلهفةٍ و هي تقول:
"حسن !! عامل إيه يا حبيبي؟! كنت فين كل دا؟!"
حرك رأسه يطالعها و هو يقول ببكاءٍ و نبرة صوتٍ متألمة:
"هدير ضاعت مني يا حنان، ضاعت و مش لاقيها، بلف عليها زي المجنون في الشوارع و مش عارف ألاقيها، مروحتش البيت و مراحتش لأختها، قلبي واجعني و حاسس إن بنتي هي اللي ضاعت"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
" هتلاقيها راحت عند أهلها و هما مخبيين عليك، لازم يتدحلبوا علشان يغلطوك طبعًا"
انتفض هو مثل الأسد يصرخ في وجهها بقوله:
"أنتِ ليه مبتحسيش بيا !! ليه مش قادرة تراعي ظروفي ؟! بقولك مراتي مش لاقيها من بليل بلف عليها و أنا موجوع، و أنتِ كل اللي همك تغلطي فيها و في عيلتها !! عاوزة جنازة تشبعي فيها لطم ؟!"
قبل أن تتحدث هي انتبه هو لما حدث بالكامل، فاقترب منها يسألها بلهجةٍ:
"حنان !! حصل إيه بينك و بين هدير يخليها تنزل بليل كدا ؟! عملتي فيها إيه يخليها تسيب المكان الوحيد اللي بتطمن فيه في الدنيا دي ؟! انطقي يا حنان !!"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
"بقولك كانت عاوزة تضربني !! بتقولي دا بيتي و بيت جوزي !! و مش مراعية أني أختك الكبيرة، زعلت علشان بمسك ايدها و هي بتضربني بالقلم"
سألها هو منفعلًا:
"على أساس أني متجوز واحدة مجنونة ؟! هتمشي تمد ايدها على الناس من غير سبب؟! بس ماشي، ألاقيها بس و قلبي يرتاح و أنا قسمًا بربي لأهد الدنيا كلها"
تركها و غادر الشقة مرةً أخرى بعدما صفع الباب بقوةٍ خلفه و هي كما هي كل ما يهمها فقط خروج تلك العائلة من حياته.
__________________________
أوقف «وليد» السيارة أسفل بيته ثم حرك رأسه للخلف و هو يقول بهدوء لهما:
"يلا يا عبلة أنتِ و هدير وصلنا، انزلوا بالراحة بس علشان محدش يقلق، هدى دلوقتي صاحية بفارس"
حركت كلتاهما رأسها ثم نزلا من السيارة، و هو أيضًا، و بعد مرور ثوانٍ دلفوا شقة «وليد» فأغلقها هو ثم تحدث بهدوء:
"عبلة !! خدي هدير و خليها تغير هدومها و خليها تريح، و بلاش كلام خليها ترتاح بس"
حركت رأسها موافقةً فتحدثت «هدير» بنبرةٍ واهنة من شدة التعب:
"شكراً لك أيها الوالد ربنا إني أحبك وآسف على محبتك"
رد عليها هو بحنقٍ زائفٍ:
"أنتِ هبلة يا هدير ؟! دا بيتك و بيت أخواتك كلهم، ريحي أنتِ بس و خلي بالك من نفسك"
حركت رأسها موافقةً ثم جلست على الأريكة و هي تجزم بأن عظامها انفصلت عن بعضها حتى أصبحت غير محددة في أي مكانٍ تشعر بالألم بعدما بات الألم يأكل في جسدها، و لكن ألم قلبها و جرحه أكبر من ذلك بكثيرٍ، أين هو و أين حبه ؟! كيف حدث كل ذلك و تطورت الأمور أن تصل إلى منطقةٍ نائيةٍ على أطراف مدينة متحضرة راقية ؟! كيف لامرأة مثل «حنان» أن تفعل بها ذلك ؟! كيف تطعن في شرفها و تذم في اخلاقها بتلك الطريقة ؟! كيف تتهمها بفعل مثل تلك الجريمة دون حتى أن تتأكد من أخلاقها ؟؟ هل حقًا أخبرها «حسن» عن زواجهما ؟! هل أخبرها أن «وليد» هو من طلب منه التدخل ؟! اذا حدث ذلك حقًا، ستكون هذه هي القشة التي قسمت ظهر البعير.
__________________________
لم يغمض له جفنًا، بل ظل مستيقظًا يقرأ في المصحف الذي سبق و اعطته هي له، حتى الصباح و هو في الحافلة و بين الفنية و الأخرى يخرج صورتها يبتسم لها ثم يغلقها من جديد.
راقبه السواق باهتمامٍ فسأله بهدوء:
"مش هتنام يا بشمهندس ؟! لسه الطريق طويل، يدوبك إحنا عدينا نصه بس"
رد عليه «ياسين» بثباتٍ:
"لأ يا ريس تسلم، مبعرفش أنام على الطريق، مبأمنش بصراحة"
رد عليه الرجل بثقةٍ كبرى:
"عيب عليك يا هندسة، أنتَ معاك البريمو، دا أنا أسطورة الصحرا"
ابتسم «ياسين» بسخريةٍ و هو يقول:
"أنا بقلق من الثقة الزايدة دي، بص قدامك يا ريس ربنا يسترها علينا"
ابتسم له السائق ثم تحدث بغموضٍ غلف كلماته:
"بس عدم المؤاخذة يا باشا يعني، شكلك ابن ناس و مش بتاع مشاكل، إيه اللي يوديك أرض زي دي ؟؟"
عقد «ياسين» ما بين حاجبيه و هو يسأله بتشوشٍ:
"أرض زي دي ؟؟ مالها يعني ؟!"
رد عليه الرجل مُردفًا:
"كلها مشاكل و صداع، بشتغل سواق تبع الشركة، و كل يوم أسمع حوار شكل عنها، حوارات زي دي عاوزة ناس من الأخر لبط، إنما أنتَ شكلك محترم بزيادة، ربنا يسترها عليك و يوفقك يا باشا"
انتاب القلق قلبه بعد حديث السائق و شرد في بداية العمل و أن تلك المشاريع التي يشوبها بعض الخطورة أو السمعة التي قد تمس العمل، يقومون باخفائها عن الجميع، حينها زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه يراقب العمال فوجدهم يغوصون في ثباتٍ عميقٍ، تنهد هو بقلة حيلة ثم رفع المصحف يقرأ به و تذكر كلمات والده أنه تركه في حفظ الله و رعايته، فلن يخيفه شيئًا إذًا.
__________________________
أوقف «حسن» سيارته أسفل بيت الشباب بعدما فكر فيهم حتى يعاونوه في العثور عليها، و لحسن حظه أن نسخة البوابة لا زالت معه حينما كان يأتي أثناء تجهيز البيت، فتح البوابة الرئيسية ثم توجه نحو طابق «وليد» يطلب منه الوقوف بجواره و البحث عنها.
طرق الباب بقلقٍ حتى فُتح له بواسطة «وليد» الذي اتسعتا حدقتيه بقوةٍ بعدما ظن أن من طرق هو «طارق»، فتحدث «حسن» بلهفةٍ و نبرةٍ أقرب للبكاء:
"وليد !! ابوس رجلك تعالى معايا ندور على هدير أنا مش لاقيها و خلود قالتلي إنها لسه مراحتش البيت هناك"
وقف «وليد» مصعوقًا حتى سحبه «حسن» من يده و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"يلا يا وليد اتحرك معايا، تعالى بس خلينا نتصرف و نشوف هي فين، أنا مش قادر اتحمل أكتر من كدا"
أمسك «وليد» يده و هو يقول بهدوء:
"ادخل يا حسن تعالى، اهدا علشان نعرف نفكر، تعالى بس"
سحبه نحو الداخل و الأخير يسير معه بتيهٍ و بكاءٍ و تشوشٍ حتى جلس على الأريكة، فجلس «وليد» أمامه و هو يقول:
"وحد الله كدا و خد نفسك، حصل إيه ؟!"
رد عليه بقلة حيلة و خجلٍ منه:
"أنا دخلت أنام و يارتني ما دخلت، شدت هي و حنان أختي و صحيت ملقتهاش، من الساعة ١ بليل بلف عليها زي المجنون مش لاقيها و تليفونها مقفول، لما الدنيا قفلت في وشي مفكرتش غير فيكم تلحقوني، أنا عاوز هدير"
ربت «وليد» على كفه ثم تحرك من أمامه و تركه بمفرده يبكي رغمًا عنه و رأسه ترسم أمامه ألاف السيناريوهات و كلًا منهم أكثر بشاعةً من الأخر و قبل أن يندمج أكثر خرج «وليد» من الداخل و هي خلفه، رفع «حسن» رأسه ظنًا أنها «عبلة» لكنه تفاجأ بها أمامه تطالعه بحزنٍ و عتابٍ لم تفصح به لكن نظرتها قالته صراحةً، ركض إليها يأخذها بين ذراعيه و هو يتنفس أخيرًا و كأنه حُرر من أسره لتوه، بكى و هي بين ذراعيه فابتعد عنها يتفحصها و هو يقول بقلقٍ و خوفٍ:
"أنتِ كويسة ؟؟ فيكي حاجة يا هدير ؟؟ طمنيني عليكي طيب، أنتِ كويسة صح؟؟"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي فاحتضنها هو من جديد و هو يقول براحةٍ كبرى:
"الحمد لله يا رب، الحمد لله أني ماتوجعتش فيكي، الحمد لله"
ابتعد عنها يطالعها بشوقٍ و هو يبتسم من بين دموعه حتى صدمته هي بقولها الذي وقع عليه كوقع الصاعقة الرعدية بثباتٍ رغم دموعها:
"طلقني يا حسن.....طلقني علشان نرتاح احنا الاتنين"
اتسعتا حدقتيه بعد جملتها و هو يجبر عقله على التصديق و أنها بالطبع لم تتفوه بذلك إنما من وحي خياله، فكيف بعد ما عايشه من خوفٍ و قلقٍ عليها حتى أصبح مثل من فقد روحه أن تكمل هي عليه و تطعنه بسكين بارد دون أن ترأف به أو بروحه التي فارقته و عادته له برؤياها؟! أين العدل و أين الرحمة و هو الميت الذي شبع من تمزق الروح ؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الستون 60 - بقلم شمس بكري
"أوصدتِ في وجهي بابك...
حكمتَ على قلبي بغيابك"
__________________________
و كأنني يا صديقي مُعتمٌ فيخشوني الآخرين، أو ربما بهتت روحي و بات القلب حزين، أو ليس لي مكانًا في هذا العالم؟! و ربما أنا به سجين، فياليت كل ما شعر به القلب ليس حقيقةً، و يا ليت دنياي تعطف عليَّ و أنا المسكين، غدوت عن نفسي غريبًا و داخلي يبكي قهرًا من فرط الحنين.
_"طلقني يا حسن....طلقني علشان نرتاح احنا الاتنين"
تفوهت بها «هدير» بثباتٍ زائفٍ و هو يطالعها بأعين متلهفة، لكنها صدمته بقولها كمن مسك السكين و طعنه غدرًا دون أن يرأف بحاله، ازدرد لُعابه بخوفٍ و هو يحرك رأسه مُستنكرًا ما تفوهت به، فأضافت هي بصوتٍ مختنقٍ متحشرجٍ نتيجة تماسكها الزائف:
"طلقني علشان لا أنا ولا أنتَ هنعرف نرتاح سوا، أنا مبعرفش أعيش في صراعات، سيبني علشان أختك ترتاح و علشان متاخدش واحدة زيي بتستغلك"
أمسك مرفقها بحدة و هو يهزها في يده بعنف و رافق حركته تلك قوله المنفعل:
"أنتِ واعية لنفسك بتقولي إيه؟! سامعة كلامك يا هدير ؟! حرام عليكي دا أنا بلف عليكي زي المجنون من امبارح، أنا عيطت علشانك زي اليتيم اللي اتيتم للمرة التانية، ليه يا هدير؟!"
بكت هي رغمًا عنها من نبرة صوته المتألمة و الوجع الذي بدا عليه، فأضاف هو متوسلًا لها:
"أنتِ عيشتي معايا شوفتي مني حاجة وحشة طيب؟! زعلتك في حاجة؟؟ و الله العظيم أنا مش عاوز غيرك أنتِ بس من الدنيا"
زاد بكائها و نحيبها حتى شهقت بقوةٍ و امتزج البكاء بالوجع و الآهات، فأضاف هو بنبرةٍ باكية و دموعه تنهمر على وجنتيه:
"ليه عاوزة تيتميني تاني؟! ليه عاوزة ترجعيني غريب في الدنيا دي، و أنا مش طالب غير وجودك فيها ؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تبكي و كأنها لا تملك الجواب على أسألته الموجوعة، فترك مرفقها و هو يقول مُقررًا بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا مش هطلق يا هدير، مش هرضى بغربتي بعد ما لقيت الونس، أنا هبقى أناني المرة دي"
ترك المكان بأكمله بعد تلك المقابلة و خاصةً مع بكائها الذي أخذ يزداد مثل الطفل الصغير، فرحل هو من البيت بأكمله و بداخله نيرانٌ ملتهبة تحرق روحه، أما هي ارتمت على الأريكة و هي تبكي فركضت لها «عبلة» من الداخل تحتضنها و هي تبكي معها، حينها جلس «وليد» على ركبتيه أمامهما يسألها بنبرةٍ هادئة مُراعيًا حالتها و ما تمر به:
"أنا مش هضغط عليكي في حاجة، بس هقولك إن حسن ميستاهلش إنك تسيبيه، حسن طيب و ابن حلال، و لو هو مش كدا أنا عمري ما هسلمك ليه"
ردت عليه هي بوجعٍ و صراخٍ:
"أنا بعمل كدا علشان هو يرتاح، مش هيستحمل إنه يتوجع تاني بأي طريقة، أنا بختار الوجع الأحن عليه، هو لازم يفهم إننا مش هننفع مع بعض"
ربتت «عبلة» على رأسها بعدما احتوتها بين ذراعيها، فسألها «وليد» بثباتٍ:
"مفيش حاجة اسمها وجع أحن من وجع تاني، في النهاية كله وجع، و أنا متأكد إن حسن معملكيش حاجة أصلًا، و لو حنان هي السبب تبقي غبية لو سيبتيه علشانها"
تحدثت هي ببكاءٍ و صراخٍ منفعلًا في وجهه:
"أنتَ مش فاهم حاجة، مشوفتش وجعي كان عامل ازاي منها و من كلامها، دبحتني و أنا واقفة قصادها مش عارفة أرد، عايرتني بموضوع جوازنا و إنك أنتَ اللي طلبت منه يتدخل و يلحقني، اتهتمني في شرفي أني غلطت مع راشد و أنتم لزقتوني لـ حسن علشان سُمعة العيلة"
صُعق هو مما وقع على سمعه و كأنه يمسك أسلاك الكهرباء مباشرةً فسرت القشعريرة في جسده مثل سريان الكهرباء في الأجساد، و زوجته لم تختلف عنه كثيرًا حتى ارتخى كفيها من على «هدير» و هي تطالعهما بذهولٍ؛ حتى تحدث «وليد» بنبرةٍ مهتزة:
"أنتِ بتقولي إيه يا هدير.....أكيد فيه حاجة غلط، مستحيل"
صرخت في وجهه و هي تقول:
"ليه مستحيل !! دا اللي حصل فعلًا...قالتلي كلام زي السم، أنا محسيتش بنفسي غير و أنا برفع ايدي عليها علشان أضربها، مسكت ايدي و طردتني من البيت، أنا اللي خلاني نزلت أني كنت هموتها، كنت هرميها من البلكونة علشان النار اللي جوايا تهدى، مكانش ينفع أفضل في مكان واحد معاها، كانت هتخلص بموت واحدة فينا"
كانت تتحدث عن وجعها بصراخٍ رغم قوته إلا أنه أظهر صوتها المُنكسر، فأضافت هي بنبرةٍ أكثر وجعًا:
"لأول مرة أحس أني اتيتمت و أمي ماتت، و أول مرة أحس اني محتاجة أخ يلحقني و يجيبلي حقي، أنا عيني اتكسرت يا وليد، عيشت عمري كله رافعة عيني في وش الكل، و جت هي عرفت تكسرني صح، أبوس إيدك خليه يطلقني، مش هستحمل وجع أكتر من كدا و لا هو هيتحمل"
نزلت دموعه إثر حديثها الذي بعثر ثباته و هز كيانه، فتحدث بنبرةٍ متحشرجة:
"أنتِ مش يتيمة، أنا و كلنا معاكي، و عندك بدل الأخ أربعة يجيبوا حقك، و حتى لو كلهم اتخلوا عنك، وليد أخوكي في ضهرك و مش هسيب حقك"
سألته بخزيٍ و خجلٍ بنبرة صوتها المنكسرة و دموعها تنساب بحريةٍ أطلقت هي لها العنان:
"حتى بعد كل حاجة حصلت زمان هتقف معايا ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم تحدث مُفسرًا:
"كل حاجة حصلت زمان أنا نسيتها و رميتها من دماغي خلاص، و مهما حصل احنا ولاد عم و عمري ما هقبل إن حد يمسك و لو بكلمة، متقلقيش"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي، فطالعته «عبلة» بامتنانٍ له و لحديثه، فتحدث هو بعدما زفر بقوةٍ:
"ادخلي ريحي يا هدير و نامي كويس، علشان لما تصحي هتقوليلي كل حاجة، أنا لازم افهم حصل إيه علشان أعرف اتصرف صح"
حركت رأسها موافقةً ثم استأذنتهما للدخول، و بعد اختفاء اثرها، سألته «عبلة» بحذرٍ:
"وليد !! أنتَ هتخليه يطلقها ؟!"
طالعها بثباتٍ و هو يقول بلهجةٍ حادة:
"بعد دا كله و بعد اللي قالته دا هسيبهاله ؟! يتداس على كرامتها و شرفها بالطريقة دي و أسكت و أروح ارجعهاله؟! اخته تعايرها إنه صاحب فضل عليها علشان اتجوزها و بسببها تنزل الشارع في نصاص الليالي من غير جنيه واحد و اسيبهاله ؟؟ عارفة فيه كام خطر كان ممكن يحصلها و هي لوحدها ؟؟ أنا هجيب حقها و مش هسكت عنه"
رمقته بخوفٍ و قلقٍ من القادم و هي تعلم أن جميع نقاط ضعفه توجد بأخوته و في العائلة بأكملها، بينما هو انسحب من أمامها و بداخله نيران الانتقام تشتعل حتى أوشكت نيرانها على الفَتك به و بأحشائه، ودَّ في تلك اللحظة أن يذهب لتلك المزعومة «حنان» و يجعلها تعاني مثلما عانت «هدير» و لكن مهلًا فـ لكل وقتٍ آذان.
_________________________
لم تستطع أن تغفو و لو لثانيةٍ واحدة، على الرغم من أنها تطمئن عليه أنه في حفظ الرحمن و رعايته، لكن تلك هي المرة الأولى التي يرحل عنها قاصدًا في الفراق سُبل الرحيل، حتى الصباح و هي تقرأ خطابه مرة و الثانية و الثالثة و كل مرةٍ يزداد البكاء من جديد و كأنها تقرأ تلك الكلمات للمرةِ الأولى.
حركت رأسها تتجول في انحاء الغرفة تتفحصها بعد خلوها منه و هي تطالع كل التفاصيل الهادئة الخاصة به، حيث صوره المُعلقة على الحائط في شكل "قلب" و معها صور أخوته، تحركت من الفراش و هي تطالع كل شبرٍ في الغرفة، حتى وقع بصرها على صندوق كبير الحجم، على هيئة بيت صغير الحجم يبدو أنه صممه بيده، اقتربت منه تجلس على ركبتيها و هي تفتحه بعدما سمحت لنفسها باكتشاف حاجته الخاصة، لعل ذلك يطفيء نيران شوقها و لهفة رؤيتها له.
قامت بفتح الصندوق فوجدته منمق الترتيب حيث وضع بداخل فواصل خشبية قام هو بصنعها و في كل فاصلٍ وضع رسائل كتبها هو بخط يده، و ما شد انتباهها هو رقم "٢٩" حيث وضع معه عدة اشياءٍ أخرى لم تعلم هويتها بعد !! لكنها قررت الخوض في تلك الرحلة حتى تتعرف على ذلك الصندوق.
أخرجت البطاقة الذي وضع عليها الرقم و هي عاقدة ما بين حاجبيها، فوجدت أسفلها خطابًا بيده، سحبت الخطاب تفتحه بأنامل مرتعشة و هي تحاول التماسك من قوة بكائها فوجدت بداخلها الآتي:
"قبل ما أقفل الـ ٢٨ و أدخل في الـ ٢٩؛ أنا جاي أفكر نفسي أني النهاردة بس لقيت القلب اللي شبه قلبي، لقيت اللي تستاهل التعب و المحاولات، النهاردة بس عرفت يعني إيه الانسان يصبر ينول، و أنا كانت نتيجة صبري خير، النهاردة شوفت عيون حنينة، عيون حضنتني حتى لما هربوا مني، النهاردة بس بتمنى أنها تكون ليا و أنها تكون أخرة صبري"
نزلت الدموع و هي تقرأ كلماته و خاصةً حينما دون تاريخ مقابلتهما الأولى حينما ذهب لخطبتها، وضعت كفها على فمها تحاول جاهدةً كتم شهقاتها، فأخرجت الخطاب التالي و وجدت بداخله:
"حتى و إن كانت العتمة تغطي الدرب لكني سأتحمل فقط لأجلكِ، هذا وعد قطعه القلب؛ لأتذكر دومًا أنني دخلتُ حربًا فقط لأجل عيناكِ و لم تأتيني الهزيمة إلا من سِواها، فسبحانه ربي بعظمته خلقها و سَواها"
النهاردة عرفت إنها محتاجة وجودي أكتر من أي وقت تاني، النهاردة عرفت أنها اتأذت من الدنيا و شافت تعب، و فيه وعد قطعته على نفسي، يا أكون أنا ليها العوض، يا أنسحب و أخرج من حياتها، حتى لو الطريق صعب شوية علينا، بس هي تستاهل"
احضتنت الورقة و هي تشعر بأن نبرة صوته تخترق قلبها قبل سمعها، ليببثها الطمأنينة حتى بغيابه، شهقت هي من بكائها، فأخرجت الخطاب الثالث فوجدت به:
"كنتُ زاهدًا و بنظرةٍ غدوتُ عاشقًا"
النهاردة أنا عرفت اني نجحت اني اطمنها، لما لقيتها بتقولي فرحانة علشان شافتني، النهاردة عرفت يعني إيه تكون أمان لحد عاش في الخوف طول عمره، النهاردة أنا نجحت في حاجة جديدة"
أخرجت الخطاب التالي فوجدت بداخله:
"أوصدت أبواب الحب عن قلبي فرآى عينيها و بهما تاه، وهبته حياةٍ أخرى وهبته من بعد موته الحياة"
النهاردة كانت أول مرة أشوفها فرحانة كدا، و هي بتلعب و بتضحك معايا حسيت أني عاوزها كدا طول العمر، كانت فرحانة بجد و كانت بتضحك و كأنها بتضحك لأول مرة، و وعد مني إنها متكونش أخر مرة"
وضعت الخطاب من يدها ثم تتابعت في قراءة الخطابات التي وضعت في خانة الـ "٢٩" حيث وضع عدة خطابات تلخص حياتهما معًا، حتى وصلت إلى أخر خطابٍ كتبه قبل رحيله من ذلك البيت فوجدت به الآتي:
"أخر يوم ليا هنا في المكان اللي شهد على كل حاجة في حياتي، تعبي و سهري و مذاكرتي و أخواتي و سهرنا سوا و حُبي و كل حاجة عيشتها في يوم، مش عارف ازعل أني هسيب كل حاجة هنا و لا أفرح إن بكرة هي هتكون معايا في بيتي؟! و أبدأ بيها عهد جديد قدام ربنا ؟؟ بس وعد مني لنفسي و يشهد عليه ربنا، أني ماكونش في يوم سبب زعلها أو كسرتها، وعد إني أكون أب و صاحب و أخ و داعم و شريك صالح اسندها في حياتها، وعد نصلح حياتنا سوا، وعد مني أكون إنسان قبل ما أكون زوج"
احتضنت الورقة و هي تود مهاتفته و تخبره أنه وعد و وفى بوعده، ودت لو أخبرته أنها عاشت مُطمئنةً بكنفه كمن وجد شجرةً يستظل بها في صحراءٍ جارفة بشمسها الحارقة.
و في تلك اللحظة و كأنه استمع لنداء قلبها فوجدته يهاتفها، خطفت الهاتف فورًا و هي تقول بلهفةٍ باكية:
"أنا بحبك أوي يا ياسين، بحبك بجد و هتفضل الحاجة الوحيدة الصح اللي حصلتلي في حياتي"
ابتسم هو حتى ظهر أثر تلك البسمة في قوله:
"سبحان الله مبتتكلميش غير و الوضع مش نافع، ما أنا كنت قدامك يا بنت الحلال و بتذليني علشان كلمة حلوة، أقول إيه بس؟"
سألها بيأسٍ زائفٍ حتى ردت عليه هي مُسرعةً:
"تعالى و أنا مش هبطل أقولك كلام حلو، متطولش في غيابك عني يا ياسين"
زفر هو بقوةٍ ثم تحدث بقلة حيلة بحنوٍ كعادته:
"هخلص في أقرب وقت أقدر عليه و أجيلك، أنا بس كلمتك علشان اقولك إن الشبكة هتقطع علشان هندخل نفق، و مش هعرف أكلمك غير بليل يا خديجة، على ما أكون عرفت مكان فيه شبكة، خلي بالك من نفسك و من رياض و زُهرة، هما مستحيل يزعلوكي و دي حاجة أنا واثق منها"
ردت عليه هي بهدوء:
"أنا عارفة والله، بس دي أول مرة أكون هنا من غيرك، و عمالة ألعب و أدور في حاجتك، أنتَ حلو أوي و قلبك كمان حلو"
ابتسم إثر جملتها بيأسٍ و سادت لحظة صمت من كليهما، أنهاها هو حينما زفر بقوةٍ ثم تحدث بنبرة متحشرجة يقول:
"لا إله إلا الله يا خديجة، الشبكة هتفصل خلاص"
ردت عليه هي بعدما تنفست بعمقٍ تحاول الثبات حتى لا يفتضح أمر بكائها:
"سيدنا محمد رسول الله، ربنا يحفظك و يخليك ليا"
أغلقت معه الهاتف ثم أطلقت العنان لعبراتها و هي جالسةً على الأرض و كل ما تتمناه أن تستطع التعامل بدونه و تقدر على معايشة الحياة من غير تواجده معها، لطالما كان هو الداعم الاول و الوحيد لها.
وقفت «زهرة» في الخارج بعدما سبق و حدثها في الهاتف و هي تبكي، فاقترب «رياض» منها يسألها بهدوء:
"مالك يا زهرة بتعيطي ليه ؟! مش هو لسه مكلمك و قال إنه هيقفل علشان يكلم خديجة؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت بصوتٍ مختنقٍ:
"سمعت صوته و هو بيكلمنا كان مخنوق ازاي؟! حسيت إنه بيداري حاجة عننا؟! أول مرة احس أنه متضايق يا رياض"
وضع ذراعه عليها يضمها إليه و هو يقول مُطمئنًا لها:
"علشان عمره ما بعد عننا و عن أخواته، عمر ما واحد فيهم ساب التاني غير عامر لما راح أسوان اسبوعين، بس كان وضعه مختلف، كان بيكلمهم كل شوية و يسمع صوتهم علشان يتطمن، ياسين عنده حدود في شغله هتخلي حركته مُقيدة شوية، بس هو بيحب شغله و لما يبدأ فيه و يعمل الحاجة اللي بيحبها هيتغير و هيبان عليه أنه فرحان و هتشوفي بنفسك"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي، فأمسك وجهها بين كفيه و هو يقول بهدوء:
"بطلي عياط علشان خديجة هي كمان، هو سايبها أمانة لينا و أنتِ عارفة هي متعلقة بيه إزاي، و خليها تطلع تقعد معانا علشان تفطر يلا، إحنا إجازة النهاردة و خلينا نقضي اليوم معاها بدل ما تفضل لوحدها"
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من جواره حتى تدخل لها الغرفة، طرقت الباب طرقاتٍ رتيبةٍ و هي تذكر اسمها بهدوء، ردت عليها الأخرى من الداخل، فتحدثت «زهرة» بتفهمٍ:
"خديجة تعالي يا حبيبتي علشان نفطر و علشان رياض عاوزك"
ردت عليها الأخرى تُلبي طلبها و تخبرها بتنفيذه، ثم دخلت مرحاض غرفته تبدل تغسل وجهها الباكي و تعدل هيئتها، ثم خرجت لهما في الخارج، فتحدث «رياض» مُهللًا:
"اللهُ أكبر !! الشمس طلعت أهيه و نورت الشقة، إيه يا ستي؟!"
ابتسمت له و هي تقول بنبرةٍ واهنة:
"صباح الخير يا بابا، صباح الخير يا ماما، آسفة لو اتأخرت عليكم"
ردت عليها «زهرة» بحبٍ:
"البيت بيتك يا حبيبتي براحتك، بس إحنا عاوزينك تفطري علشان أنتِ ماكلتيش من امبارح"
حركت رأسها موافقةً ثم جلست مقابلةً لها و «رياض» يترأس السُفرة فحانت منها التفاتة تنظر للمقعد الخالي من تواجده، و هي تتذكر مشاكسته لهم أثناء الطعام، راقبها «رياض» بعينيه و رأى تأثرها، فتنهد بعمقٍ ثم تحدث ممازحًا لهما:
"كلوا بقى أنتِ و هي علشان عاوزه يرجع يلاقي الواحدة فيكم الضِعف، عاوزه ميقدرش يشيل واحدة منكم"
ابتسمت له كلتاهما بسمةً باهتةً لم تصل للعين، فاضاف هو مقترحًا بحماسٍ طفيفٍ:
"بقولكم إيه ؟! إيه رأيكم أغني ليكم، اهوه افرفشكم شوية لحد ما أبو طويلة يرجع"
ابتسمت له «زهرة» بقلة حيلة بينما الأخرى طالعته بتيهٍ فأضاف هو مُقررًا:
"هغني ليكم أنا صوتي حلو برضه و لا هو لوحده اللي بيعرف يغني يعني؟؟ ها أغني ؟!"
ردت عليه «خديجة» بموافقةٍ:
"غني يا بابا، أنا بحب أسمع صوتك علشان زي صوته"
حرك رأسه موافقًا ثم تنحنح يُجلي حنجرته و شرع في الغناء بقوله
:
"أنا لو حبيبك مكنتش يوم تسيبني، ازاي بتقول نصيبك و هان عليك تبيعني؟! أنا لو حبيبك مكنتش يوم تسيبني، ازاي بتقول نصيبك و هان عليك تبيعني؟ بتقولي الحنين.... طب فين الحنين؟؟ بعد غيابك سنين بعد ما قلبك ظلمني؟!"
نظرت كلتاهما له بذهولٍ من كلمات الأغنية و التي من المفترض أن تهون عليهما، حتى حاول كتم ضحكته و هو يقول:
"ها إيه رأيكم ؟! هونت عليكم صح؟!"
تحدثت «زهرة» بتهكمٍ:
"أوي يا رياض ما شاء الله، مش ممكن على السعادة اللي غمرتنا"
كانت «خديجة» تحاول كتم الضحك على حماها فأخفضت رأسها للأسفل، فتحدث هو متابعًا بنفس الطريقة:
"خلاص هغني ليكم حاجة تانية تفرفشكم، أنا غلطان ليكم"
_"ياريت"
تفوهت بها «زهرة»، فبدأ هو بقوله الرزين و كأنه لا يقصد ذلك:
"سافر حبيبي و داخلي يودعني...بكى و بل المحارم و أنا جولت إيه يعني ؟! و الله فُراج الحبايب مُر يوجعني....و الله فُراج الحبايب مُر يوجعني....سافر حبيبي و داخلي يودعني....بكى و بل للمحارم و أنا جولت إيه يعني و الله فُراج الحبايب مُر يوجعني....مُر يوجعني."
أنهى الغناء ثم وزع نظراته بينهما و كأنه بذلك يستفسر منهما عن رأيهما و ما لبثوا ثوانٍ حتى انفجروا في الضحكات هم الثلاثة من «رياض» و كلماته التي كانت بمثابة الملح الذي تم وضعه على جرحٍ غائر ليزداد لهيبه.
_________________________
وصل «حسن» شقته و هو يشعر بأن النيران أُضرمت بداخله، فلم يعد يقوى على الوقوف أكثر من ذلك، حتى دلف شقته و هو يبحث عن شقيقته، حتى وجدها بالمطبخ و كأنها لم تفعل شيئًا من الأساس، اقترب منها يمسك ذراعها بعنفٍ و هو يقول بحدة:
"حنان !! أنتِ عملتي فيها إيه يخليها توصل للمرحلة دي إنها تطلب مني الطلاق ؟! انطقي يا حنان !! هدير مصممة على الطلاق"
ردت عليه هي بتجاهلٍ مصطنعٍ:
"معملتش حاجة فيها، هي اللي زعلت من الكلام و أنا بحاول اتفاهم معاها، و لما لقيتها بتقولي دا بيتي أنا و حسن، بحاول اتفاهم معاها و اعرفها أنه بيتي، حاولت تمد أيدها عليا و نسيت الأصول"
هدأت حدة تنفسه فترك ذراعها و هو يزفر بقوةٍ، فأضافت هي تطرق على الصلب في سخونته لتصل لنتيجةٍ ترضاها:
"هما اللي هيخلوها تطلب منك الطلاق علشان يبتزوك كويس، هيستغلوا إنك بتحبها، بس هما اللي فارق معاهم هو إنك تدفع لهم كويس، لو هي بتحبك فعلًا هترجعلك"
خطف الزجاجة من خلفه ثم قذفها على الأرض في لمح البصر و هو يصرخ بكلمةٍ واحدة:
"بـــــس"
اجفل جسدها بعد فعلته تلك، بينما هو دلف غرفته و هو يضرب الأرض أسفل قدميه و يأخذ الخطوة بأثنتين، زفرت هي بقوةٍ ثم اخفضت جسدها تزيل الزجاج المُهشم، دون أن تعبأ به أو بكونه مهشمًا من الداخل مثل ذلك الزجاج، و لكن كرهها طغى عليها حتى نسيت مشاعره و قلبه الذي يتصدع نتيجة الفراق.
_________________________
هربت «هدير» داخل الغرفة و تكومت على نفسها و هي تبكي بقهرٍ و وجعٍ و عقلها يعمل على حل تلك المعضلة، و في كل مرّةٍ لم تجد سوى أنها تنفصل عنه، و إذا تأكدت من افصاحه لشقيقته عن سبب الزيجة مما جعلها تتفوه بما تفوهت به بالطبع لن تلزمها الحياة معه، و لكن كيف تتأكد من ذلك دون أن تظلمه؟!
فتحت الهاتف على صورتها معه أثناء الفرح، فبكت و هي تقول بوجعٍ و دموعٍ تسيل على وجنتيها:
"يا رب تطلع معملتش كدا يا حسن، يا رب متكونش كسرتني كدا، أنا هقبل أي حاجة إلا إنك تكون ضعفت قصادها و وجعتني كدا"
صدح صوت الهاتف في يدها برقمه فرفعت كفها تمسح دموعها و هي تشهق بقوةٍ، استمرت المكالمة دون أن يصدر ردًا منها، فحاول هو مرةً أخرى و مرةً تالية حتى قامت بفتح المكالمة دون أن تنبت ببنت شفة، فقط صوت تنفسها الحاد فتحدث هو بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا مزعلتكيش و مواجعتكيش يا هدير، أنا كنت نايم و صحيت ملقتكيش جنبي، طب اتكلمي و قوليلي مالك، قولي إيه اللي زعلك علشان تطلبي تسيبيني؟"
شهقت هي بقوةٍ و صدر منها صوت البكاء الممتزج بالنحيب، فتحدث هو ببكاءٍ هو الأخر:
"أنا مش عاوزك أخسرك....مش عاوز أخسر الحاجة الوحيدة اللي خلتني أحب الدنيا....مش عاوز أرجع تاني لوحدي....مش عاوزك تسيبيني"
رفعت كفها تضعه على فمها فأضاف هو بنفس الآلم و الوجع:
"أنتِ أول حاجة تخليني أحب بيتي و تخليني أعيش و أعرف يعني إيه إنسان يفرح من قلبه، أول واحدة تخليني أخاف عليها من الدنيا، عرفتي ليه كنت بقولك إن اللي بيحب بيخاف ؟! علشان كنت خايف من اللحظة دي، كنت خايف اتغرب تاني من بعدك و كنت خايف ارجع تاني لوحدي، كلهم سابوني و مشيوا من غير حتى اشارة، ليه أنتِ عاوزة تكملي عليا الوجع !!"
توقف عن الحديث يمسح دموعه ثم تابع الحديث بقوله بنفس الطريقة المتوسلة ببكاءٍ:
"أنا بحبك يا هدير، بحبك و مش عاوز أخسرك، مش عاوز أخسر نفسي اللي حبيتها معاكي، أنا رجعت أصور علشانك و رجعت أخرج و أضحك برضه علشانك، طب دا أنا بقيت بدور على افلام كرتون علشانك أنتِ و علشان تحبيني، ليه عاوزة تحكمي عليا بالغُربة بعد ما اتونست بيكي، ليه عاوزة تخليني أجرب إحساس اليُتم تاني، مش عاوز أبقى يتيم تاني يا هدير، مش عاوز أموت و أنا لوحدي، عاوزك أنتِ بس من الدنيا، الدنيا اللي مطلبتش منها غيرك و مش هطلب في الجنة غيرك برضه، ردي عليا يا هدير؟"
ردت عليه هي ببكاءٍ بكلمةٍ واحدة:
"طلقني.....طلقني علشان بكرة تعرف أنا عملت كدا ليه، طلقني علشان البداية كانت غلط من الأول، أنا اللي زيي مينفعش تتحب، مينفعش أكون مع حد، طلقني علشان ترتاح و تقدر تعيش مع حد غيري يخليك تنسى غيابي و وجودي"
أغلقت الهاتف في وجهه، فحتى الآن لم تعلم ماذا تريد، تشعر بالحيرة و التخبط في أمرها، من جهةٍ تخشى عليه الصدمة بفعلة شقيقته و من ناحيةٍ أخرى تخشى الصدمة بفعلته إن كان فعلها هو من الأساس، لم تنكر أن تمسكه و حديثه عنها بتلك الطريقة جعلها تشعر بـ بصيصًا من الأمل، لكن كيف تخبره أن بسبب حديثه حتى و إن خرج في لحظة ضعفه أمام شقيقته تسبب في جرح كرامتها و سب شرفها بتهمةٍ لم تفعلها هي و براءتها منها كما براءة الذئب من دم ابن يعقوب ؟!
و على الجانب الآخر قام هو باخراج صورتها و هو يقول لها مُحدثها بوجعٍ:
"أنا كان معايا حق أخاف من الدنيا بعد ظهورك، حبيتك بطريقة غريبة خلتني أخاف على نفسي، أنا مش عاوز بس غير وجودك أنتِ معايا، مش عاوز أكره بيتي و مش عاوز أرجع لوحدي، أول مرة أحس إن ليا مكان في الدنيا دي لما بقيت معاكي، حسيت إن ليا قيمة و أنا بحبك و معاكي، لما ساعدتك و بقيت معاكي كنت أول مرة أحس يعني إيه فرحة، الأحلام اللي رسمتها في خيالي معاكي مش هتنفع مع حد غيرك يا هدير، و أنا مش هقدر أقبل فكرة إنك تكوني لغيري و أنا أكون لغيرك، علشان حسن ملوش غيرك"
أغلق الهاتف و هو يبكي كمن فقد والدته، يشعر بالخوف حقًا من فقدانها، فبعد شبه حاله بطفلٍ تُرك وسط قبيلةٍ مثل الغريب بها جاءت هي تنتشله بيدها ليغدوا معها آمنًا ثم تعيده للحرب من جديد دون حتى أن تنبهه هي بذلك، فقط تركته و رحلت و صوت القلب يردد بوجعٍ:
"ألا ليتَ بذنب الحب ما بُليت..
فبعد ما استأنستُ بوجودك؛ غدوتُ في رحيلك عائلًا و كأنني بدونِ بيتَ"
شعر و كأنه بدا غريبًا مرةٍ أخرى عن تلك الدنيا، لم تألفه هي و لم يقبلها هو، هل من الممكن أن يعود غريبًا من جديد ليسير في الزمان وحيد
_________________________
وصل «ياسين» وجهته المنشودة قبيل المغرب بـ لحويظاتٍ قليلة، و هو يطالع الطبيعة الجبلية الوعرة حوله، حيث وصلت به الحافلة نحو مكان عمله و وقف يتابع المكان حوله بعينيه ممُررًا بصره في أرجاء المكان بأكمله، فوجد الطابع الجبلي الأصيل يغلب عليه و على الأجواء حوله، و لكن ما لفت نظره هو خلو المكان من المباني سوى من وجود "كرافانات" و هي عبارة عن سياراتٍ مُخصصة للعيش بها و المبيت، بالطبع هي أقل أدمية من المباني السكنية، لكن في تلك البلدة هذه هي الطريقة المتوفرة لعيش العمال بها.
تنهد هو بيأسٍ و حينها تأكد أن ذلك العمل سيكون الأصعب في تاريخ حياته، فبوادر الشيء أنذرته بذلك، فيكف يُكذب حدثه و مرأى عينيه؟! و المكان حوله صحراءٍ جارفة، تحرك نحو أحد الكرافانات يطرق بابه بهدوء، فخرج له رجلٌ غالبًا من عمر والده و هو يسأله بامعانٍ:
"اؤمر مين حضرتك ؟! "
تعجب «ياسين» من سؤال الرجل و كأنه يطرق باب أحد المباني السكنية و لم تكن عربة في منتصف الصحراء !! فتحدث بعدما حمحم بخشونةٍ:
"أنا ياسين....ياسين رياض الشيخ، المهندس المعماري اللي هشرف على المشروع هنا"
تهللت أسارير الرجل و هو يقول:
"يا ألف نهار أبيض !! حمدًا لله على سلامتك يا بشمهندس، الصحرا و شمال سينا كلها نورت، اتفضل"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ مُتعبة:
"الله يكرم أصلك يا رب، معلش بس فين المكان بتاعي علشان جاي من سِكة سفر طويلة أوي و عاوز أريح"
أشار إلى عينيه و هو يقول:
"عيني يا باشا، ثانية هجيب المفتاح لحضرتك و هاجي، عن اذنك يا بشمهندس"
حرك رأسه موافقًا و هو يعدل وضع حقيبته على ظهره، فخرج الرجل له و هو يشير له أن يتبعه حتى المكان المخصص له، تتبعه «ياسين» سيرًا على الأقدام حتى وصل له و كانت تبعد عن مكان العُمال بعدة أمتار تتأرجح بين المسافة الكبيرة و الصغيرة.
قام الرجل بفتح "الكرافان" له و هو يغمغم بعدة كلماتٍ مرحبةٍ به و بمجيئه إلى أرض العمل، كان «ياسين» في وادٍ أخر و هو يجول المكان بعينيه، حتى التفت له الرجل و هو يقول:
"أهو يا بشمهندس، فتحته ليك و كل يوم كنت بوضبه و افتح اهويه، المفتاح مع حضرتك اهوه و إحنا في الكرفانات اللي حضرتك جيت عندها هناك، و المطبخ جنبنا هناك و العشا قرب، هاجي لحضرتك بيه، تؤمرني بحاجة تاني ؟!"
ابتسم له و هو يقول بنبرةٍ هادئة يكن التقدير لذلك الواقف أمامه:
"متشكر لحضرتك جدًا يا... اسم الكريم إيه بقى ؟!"
رد عليه الأخر مبتسمًا:
"عمك عبدالعزيز، أنا رئيس العُمال هنا، و هبقى مع حضرتك علطول، عن اذنك بقى علشان أروح اعرفهم أن حضرتك وصلت، علشان يتعرفوا عليك"
حرك رأسه موافقًا له فتحرك الرجل من أمامه بجسده الضخم، بينما «ياسين» دلف مكانه المُخصص و هو يجول به بعينيه و يوزع نظراته به، فوجده منمقًا إلى حدٍ كبيرٍ حيث يوجد بداخله فراشٍ متوسط الحجم و مرحاضٍ صغيرٍ و حوض صغير بالكاد يستطع الوضوء به، و إضاءة قوية نظرًا لِـ كِبر حجم المصباح و ضيق مساحة الغُرفة، تنهد هو بثقلٍ ثم جلس على المقعد الخشبي الموجود بقرب الفراش و خلفه خِزانة متوسطة الحجم.
بعدما راقب المكان بعينيه و تفحصه و شمله بنظره، وقف ثم توجه نحو الباب يغلقه بالقفل الموضوع خلف الباب ثم تنهد بعمق و توجه نحو حقائبه يُفرغها و يقوم بوضع حاجته بالخزانة الخاصة بالغرفة ثم خلع معطفه الشتوي و قام بتعليقه على شماعة الخِزانة في الداخل، ثم عاد يجلس من جديد و أخرج هاتفه ينظر به فوجد الشبكة منعدمة بالمكان، ابتسم بسخريةٍ و هو يظن أن الهاتف أصبح دون فائدة، لولا الصور و الفيديوهات و اللقطات الموجودة عليه تخليدًا للذكريات لا كان اغلقه بالكامل و تركه في الخزانة، لكنه تذكر شيئًا هامًا، ففتح المعرض الخاص بعرض الصور و الذكريات و هو يبتسم بخفةٍ و يرى اللقطات الخاصة به و بذكرياته مع أحبته، تنهد بشوقٍ و هو يرى تلك اللحظات و الصور التي جمعته بكل ما تعلقت بهم روحه حتى وجد صورتهما سويًا في بيتهما ذات مرةٍ قبل نزولهما سويًا فالتقط لهما صورةً و هو يمسك يدها و هي مقابلةً له تمد أناملها، و صورةٌ أخرىٰ له يحتضنها بذراعه و هو يلتقط الصورة عبر المرآة و الصورة الأخيرة لها و هي تُشبك أناملها ببعضهم و حركت كتفيها بحركةٍ عفوية و هي تسبل بأهدابها له ببراءةٍ زائفة و حينها التقط هو الصورة لتصبح أكثر الصور العفوية التي التقطها في حياته يومًا ما، ابتسم هو بتأثرٍ و كل ما يتمناه فقط أن تقف ثابتةً كما هي و أن لا تتزعزع ثقتها بنفسها أو ترجع لخوفها مرةً أخرى، يخشيٰ عليها قسوة الحياة، و هي التي تتمتع ببراءةٍ لم يفهمها العالم قط، فمثل تلك الدنيا تريد الحزم و الشدة و هي تتمتع بلين القلب ليهوى بها لسابع قاعٍ، و لكن دومًا هو مُقدمًا على الخطر حتى و إن كان فداها، فيكفيه رؤية السلام في عيناها.
_________________________
خرج «وليد» من غرفته بعدما استيقظ من نومه ليجد «عبلة» في المطبخ تقوم بتحضير الغداء، فدلف لها يسألها بنبرةٍ متحشرجة نتيجة استيقاظه:
"احنا الساعة كام يا عبلة ؟! و نمت ازاي أنا ؟!"
ردت عليه هي بنذقٍ:
"المغرب لسه مأذن، صليه علشان العصر فاتك، و أنا هغرف الأكل"
اقترب منها يسألها بجمودٍ:
"أنتِ بتتكلمي كدا ليه ؟؟ هو أنا واكل ورثك ؟! كلميني عِدل"
ردت عليه هي بضجرٍ:
"عاوز إيه يا وليد ؟! أنا مش فاضية، روح صلي يلا"
أمسك وجهها يوجهه نحوه و هو يقول بلهجةٍ حادة:
"كلميني عِدل بقولك، مالك في إيه؟! هو هبل و خلاص ؟!"
ردت عليه هامسةً بحنقٍ:
"لأ مش هبل، بس أنا شايفاك عاوز تخرب بيت و تفرق اتنين عن بعض، بدل ما تلم الدنيا و تعقلها، بتساعدها، هدير لو لقت حد يشجعها على كدا هتسيب حسن، حرام الاتنين يسيبوا بعض علشان طرف تالت"
رفع حاجبه يسألها بإيجازٍ:
"و الحل ؟!"
جاوبته بحسمٍ:
"الحل إنك تحاول تصلح، مش تخرب !! تحاول تجمعهم مع بعض"
رد عليها بضجرٍ و بنبرةٍ جامدة:
"آه....عاوزاني بقى أروح اصلح ما بينهم و أقوله خدها يا حبيبي و فوقيها بوسة اهيه، إيه يعني أختك اتهمتها في شرفها، و إيه يعني أنتَ روحت تقول لأختك إنك اتحرجت تكسفنا فاتجوزتها، يا حرام كسفناه و خدشنا حيائه علشان كدا اضطر يوافق و يداري عليها، دا كلام حد يقبله ؟!"
قبل أن تهم بالرد عليه أضاف هو بلهجةٍ حازمة:
"و قبل ما تردي عليا، حطي نفسك مكانها يا عبلة، بلاش....خليني أنا أروح أقول لطارق كلام زي دا و لا خلي أمي تروح تقول عنك كلام زي الزفت هيبقى الحل إيه؟! هتتوجعي و لا لأ؟!"
أخفضت رأسها للأسفل، فتنهد هو بعمقٍ ثم استغفر ربه و اقترب منها يقول بنبرةٍ أهدأ يضع كفيه على ذراعيها:
"عبلة !! أنا مش خراب بيوت و لا أنا عاوز أضر حد، بس فيه حاجات مينفعش فيها هزار و لا تفاوت، فيه حقوق لو سكتنا عنها، بعد كدا هيتداس علينا، و هنبقى نستاهل علشان إحنا اللي فرطنا في حقنا، موقف زي دا عاوز وقفة و لزوم للناس عند حدها، دا شرف يا عبلة مش هزار، عارفة يعني إيه تتهم بنت بتهمة زي دي؟"
حركت رأسها موافقةً فقبل هو رأسها ثم ابتسم لها ابتسامةٍ باهتة، فسألته هي من جديد:
"يعني برضه هتخليها تطلق ؟! هتحرمهم من بعض يا وليد ؟!"
ابتسم لها بخبثٍ و هو يقول:
"لو الأكل اللي بتعمليه دا طلع وحش آه هطلقهم يا عبلة و هطلقك أنتِ كمان"
وكزته في ذراعه و هي تقول:
"بس يا بارد، دا أنتَ بني ادم مستفز يا جدع"
احتضنها و هو يضحك عليها ثم حرك كفيه على رأسها و ذراعها و هو يفكر في الحل لهما، على الرغم من كونه مُدركًا أن الانفصال هو الحل المؤكد، ففي السُمعة لا يوجد لديه تهاون أو ارتخاء، ففي تلك الأشياء إن لم يستخدم الحزم و الحكمة متى يستخدمها ؟!"
شعر بسخونة دموعها تُبلل ثيابه فرجع للخلف و هو يسألها باهتمامٍ:
"بتعيطي ليه ؟؟ علشان بقول هطلقك ؟! خلاص مش هطلقك بهزر"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بصوتٍ باكٍ:
"مش علشان كدا يا وليد، خايفة على هدير، هدير لقت نفسها مع حسن و حبت حسن، هدير كانت بتحكيلي إزاي بقت بتصلي و إزاي بقت بتعمل حاجات عمرها ما تخيلت انها تعملها في يوم، بس حبها ليه غيرها، بقت واحدة تانية كلنا حبيناها، ليه بعد ما بقت واحدة تانية، يحصل فيها كدا ؟! ليه تتوجع كدا؟"
رفع كفه يمسح دموعها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"يمكن دا اختبار ؟! كل فترة كدا بيجي امتحان لينا علشان يخلينا نتأكد احنا هنقدر نسد و لا لأ، يا رب يكون دا اختبار و نكون غلطانين"
حركت رأسها موافقةً فصدح صوت هاتفه، ابتعد عنه يأخذه من على الشاحن و هو يقول بسخريةٍ:
"يخربيت جحودك يا شيخة، حاطة التليفون في المطبخ يشحن ؟! معداش عليكي عقل؟"
أطاحت له برأسها و هي تقول:
"أنتَ هتقرفني ؟؟ مش كفاية حطيته يشحن ليك ؟! مش عاجبك كمان ؟!"
توعد لها باشارته و هو يأخذ الهاتف و يقوم بالرد على المكالمة الصادرة من «خلود»، و حينما وصله حديثها رد عليها بنبرةٍ هادئة:
"متقلقيش عليها يا خلود، هي عندي و كويسة، المهم محدش عندك في العيلة يعرف بحاجة زي دي، و زي ما احنا متفقين لو حد سأل هي جت تغير جو عند عبلة، تمام ؟! يلا روحي ذاكري و لما هي تصحى أنا هخليها تكلمك و تطمنك"
أغلق معها الهاتف، ثم فتح باب الثلاجة يأخذ منه زجاجة مياه ثم اقترب من زوجته التي وقفت تتابع طهي الطعام، فسألها بهدوء:
"صحي هدير الأول و كلوا براحتكم و أنا هنزل لوئام و طارق علشان لقيتهم متصلين كتير و أكيد عاوزين يعرفوا أنا و حسن مروحناش ليه"
حركت رأسها موافقةً فاقترب منها يطلب منها بهدوء:
"عبلة غمضي عينك ضروري"
حركت رأسها باستنكارٍ فحثها هو بعينيه حينها، تنهدت بقلة حيلة ثم أغلقت عينيها، فوضع هو زجاجة المياه المُثلجة في عنقها من الخلف حتى صرخت هي من هول مفاجأة لمس الزجاجة لجسدها و هي تقول بصراخٍ:
"يا حيوان يا سافل !! محدش رباك يا مهزق ؟!!"
أمسك وجهها بكفيه و قبل وجنتها و هو يضحك تزامنًا مع قوله البارد:
"لأ...محدش"
ترك رأسها ثم خرج من المطبخ و هي تُلقي عليه كلماتها التي تنعته بالبرود فتحدثت بعد خروجه بتأففٍ:
"بارد و حيوان و سافل ....بس بحبه"
قالتها بيأسٍ من حالها في حبه و تعاملها معه، ثم عادت لما كانت تفعله.
_________________________
في شقة «ميمي» حلست هي تقرأ في المصحف كعادتها في المساء، و الشباب حولها كلًا منهم يتصفح هاتفه، بدون روحٍ و كأنهم أجسادًا فقط، على الرغم من اجتماعهم بين كل وقتٍ بدونه حتى يأتي لهم من الخارج، و لكن تلك المرة هو لن يأتي، جلس «عامر» يتصفح الهاتف بحزنٍ حتى صمت عن مزاحه و مشاكسته لهم.
كان يتصف بالثبات حتى قابله الأتي، حيث وجد عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لـ شاب غالبًا من عمرهم يقوم بتوديع أصدقائه في المطار و قام أحد الشباب بوضع أغنية خاصة بالوداع و كأنه يصف حالتهم مع «ياسين» فاستمع «عامر» للكلمات و عينيه فقط ترى لحظة وداعهم لـ «ياسين»، و فجأة نزلت دموعه و هو يستمع للكلمات التي كانت:
"و دي سُنة الحياة...نبعد نتوه و نمشي في مليون اتــجـاه....و دي سُنة الحياة الغالي بيفضل غالي و أنتَ بقلبك مـعــاه.... نتمنى لحظة تجمعنا بحبايبنا.....لا بعاد و لا غُربة و لا شوق في قلوبنا....نتمنى لحظة تجمعنا بحبايبنا.....لا بعاد و لا غربة و لا شوق في قلوبنا.....دا لقانا بميعاد....و دي سُنة الحياة...نبعد نتوه و نمشي في مليون اتــجــاه....و دي سُنة الحياة الغالي بيفضل غالي و أنتَ بقلبك مـعــاه"
لاحظ «خالد» دموعه المنهمرة فاقترب منه يجلس بجواره، حينها ارتمى «عامر» عليه و هو يجهش في البكاء بعدما أطلق العنان لدموعه، فربت عليه «خالد» و هو يقول بنبرةٍ أقرب للبكاء:
"إيه يا عامر !! فيه إيه ؟! بتعيط زي العيال الصغيرة ؟! ادعيله ربنا يسترها عليه و يوفقه و يرجعلنا بالسلامة، بطل عياط بقى"
رد عليه بنبرةٍ باكية مثل الأطفال:
"ماكنتش عاوزه يمشي يا خالد، ماكنتش يغيب عننا، ياسين بيكره الغُربة و بيخاف طول ما هو لوحده، و دا في صحرا وسط ناس ميعرفهمش و مش شبهه، تليفونه مقفول و مش عارف أكلمه حتى"
اقترب «ياسر» منهم يجلس بجوارهم و بأعين باكية و بصوتٍ مختنقٍ تحدث:
"أخر مرة كانت لما كلمنا سوا، من ساعتها الموبايل مقفول و متفتحش تاني، أنا قلقان عليه"
تدخلت «ميمي» تقول مُطمئنةً لهم و هي تحاول اقناع نفسها قبلهم:
"خير يا واد أنتَ و هو، أخوكم زي الفل و هيرجع قريب، عارفين ليه ؟! علشان هو مودعنيش، أكيد مش هيستحمل غيبتي و هيرجع، ابني مش هيطول عليا"
هزوا رأسهم بموافقةٍ فتحدث «عامر» بصوتٍ مختنقٍ متحشرجٍ:
"يونس فين ؟! مجبتوش معاك ليه ؟! مش روحت غيرت هدومك؟!"
رد عليه بهدوء:
"ريهام قالتلي محتاجينه في مهمة النهاردة، و مش هينفع أجيبه، و هو عمال يقول ياسين مشي باي و كل شوية يفكرني و يخنقني، سيبته بقى كفاية أنتَ"
ابتسم «عامر» نصف ابتسامة ممتزجة بالسخرية، فارتمى «ياسر» على كتف «خالد» الأخر، فاضحى هو في المنتصف و «عامر» و «ياسر» على طرفيه، حينها رفع ذراعيه يحاوطهما بحنانه كعادته و هو يحرك كفيه على كتفيهما و هما يبكيان بصمتٍ حتى نزلت دموعه هو الأخر.
_________________________
قام «وليد» بتأدية صلاة المغرب ثم نزل من الشقة حتى يجلس مع أخوته في شقة «طارق»، و بعد جلوسه معهم و قص عليهم ما حدث بايجازٍ دون التطرق للتفاصيل الغير هامة، حينها تحدث «طارق» منفعلًا:
"هي مجنونة ولا إيه !! توصل للشرف و الخوض في أعراض الناس كمان !! مش كفاية طول عمرها كرهانا و مش طايقة وجودنا !! كمان بتغلط في شرف أختنا ؟!"
تنهد «وليد» بقوةٍ ثم قال:
"المشكلة إنها ست !! لو راجل كنت عرفتها يعني إيه راجل يدافع عن شرفه، بس اللي موقفني إنها ست و أنا مش هقدر اعملها حاجة و لحد أخر لحظة أنا شايل خاطر حسن و الطبق اللي كلنا فيه سوا يوم مع بعض"
رد عليه «وئام» بضجرٍ:
"لو حسن غلط و قال حاجة زي دي يبقى حسن هو اللي يتاخد منه الحق، و لو مش هو يبقى هو اللي يجيب حقها بنفسه، احنا مش مجوزينها علشان تتبهدل و تنزل في الشارع بليل، بلاش نقصر في حق واحدة أبوها طلب مننا نصونها"
تدخل «طارق» يقول بلهجةٍ حادة و صوتٍ منفعلٍ:
"كلم حسن يا وليد، قوله يجيلي هنا دلوقتي، أنا الكلام دا معرفهوش، أنا عندي واحد + واحد يساوي اتنين، هنطبطب على إيه ؟! "
رد عليه برفضٍ قاطعٍ:
"هدير مقالتش تفاصيل يا طارق، كل اللي قالته الموجز بتاع الكلام، سيب الدنيا تهدا شوية و ربنا يسترها إن شاء الله"
زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه نحو «وئام» و هو يقول بيأسٍ:
"حنان الحرباية اللي كلمتنا و ردحتلنا علشان شاركنا في الشغل، قسمًا بالله شكلها أول ست هتخليني أمد ايدي عليها"
رد عليه «وئام» بقلة حيلة:
"مش دي المشكلة، المشكلة في عمك محمود لو عرف هيجراله حاجة يا طارق، مش هيستحمل يعرف إن بنته حصلها كدا"
رد عليه «وليد» مُقررًا:
"متخافش، خلود فتحت السيرة قصادهم و قالت إن هدير جت هنا ترتاح شوية و تقضي كام يوم مع البنات و فارس، يا رب بس حسن ميروحش يتهور و يكلم عم محمود"
حرك كليهما رأسه و قبل أن يتحدث «وليد» من جديد صدح صوته هاتفه برقم زوجته، فرد عليها بمللٍ ظنًا منه أنها تريد مشاكسته:
"نعم يا سوبيا و قبل ما تطـ..."
_"اطلع بسرعة يا وليد لو سمحت"
تفوهت بها مسرعةً دون أن يُكمل هو حديثه، ثم أغلقت بوجهه، فاستأذن هو منهما ثم خرج من الشقة متوجهًا نحو شقته.
دلف الشقة و هو يذكر اسمها حتى نادته من الغرفة التي قبعت بها «هدير»، دلف هو بعدما طرق الباب على الرغم من كونه مفتوحًا، ثم جلس على المقعد المجاور للفراش و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"خير يا عبلة !! خضتيني فيه إيه ؟! مالك يا هدير أنتِ معيطة؟"
ردت عليه «عبلة» بجمودٍ:
"خد كدا التليفون و اسمع الـ Voice note كدا"
أخذ الهاتف الخاص بـ «هدير» من يدها ثم ضغط على الرسالة الموجهة عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي و مفداها:
"لو فاكرة إن بالشويتين دول كدا هصدق إنك بريئة و إنك طيبة تبقي غلطانة، علشان أنا عارفة اللي زيك كويس، بس كدا كدا حسن هيطلقك و أنا وعدته يوم ما يخلص منك أنا هجوزه ست البنات، واخدة بالك ؟! بــنــات"
اتكأت على حروف كلمتها الأخيرة برسالةٍ مُبطنة، التقطتها «هدير» فورًا فبكت بوجعٍ رغمًا عنها حتى احتوتها «هدير» بين ذراعيها، بينما هو أغلق الهاتف ثم قذفه لها و هو يقول بلامبالاةٍ زائفة:
"دي ولية مجنونة، سيبك منها يا هدير و متحطيش كلامها في دماغك، هتاخدي على كلام واحدة زي دي ؟!"
ردت عليه هي بصراخٍ و وجعٍ:
"الكلام مبيدخلش الدماغ يا وليد، الكلام بيدخل القلب يموته، كفاية بقى لحد كدا و خليه ييجي يطلقني، أنا مش هقدر على الوضع دا، عاوزة أرتاح بقى"
أغمض جفنيه بشدة ثم تنفس بقلة حيلة و هو ينظر لها، بينما هي بكت من جديد، فجلس هو مقابلًا لها و هو يقول:
"هدير !! لو سمحتي قوليلي حصل إيه بالظبط اليوم دا من أوله لحد ما جيتي معانا هنا، بعد اذنك، و خليكي عارفة اننا مش قايلين لهدى حاجة، أنا مفهمها إنك لسه هتيجي، و وئام برضه، احكيلي علشان اتصرف قبل ما الموضوع يكبر"
حركت رأسها موافقةً ثم مسحت دموعها بعدما رفعت رأسها من على كتف «عبلة».
_________________________
في شقة «رياض» و تحديدًا بشرفة الشقة كانت واقفةً تهاتف أسرتها بعدما علموا برحيل «ياسين» و بقائها مع أسرته، و حينما حدثها «طـه» قال بنبرةٍ هادئة:
"لو عاوزة تيجي تقعدي معانا، أجي أخدك طيب؟! أنا عارف إنك بتحبيهم بس علشان متفضليش في مكان ياسين مش فيه"
ردت عليه هي مسرعةً:
"ياسين موصيني عليهم يا بابا، مش من الأصول أني أمشي و اسيبهم، و بعدين هيزعلوا طبعًا و يفتكروني مش عاوزة افضل معاهم و دا مش صح، أنا معاهم مرتاحة، و بعدين الفترة طويلة و هبقى أجي ليكم"
رد عليها بفخرٍ من تفكيرها:
"ربنا يبارك فيكي يا خوخة، يا بختهم و يا بخت ياسين بيكي، ربنا يحفظك و يبعد عنك كل شر يا رب"
ردت عليه هي بحبٍ:
"و يخليك ليا يا رب يا حبيبي، سلملي عليهم و أنا هبقى اكلمكم قبل ما أنام، سلام يا بابا"
أغلقت معه الهاتف ثم خرجت من الشرفة، و قبل مرورها نحو الداخل، صدح صوت جرس الباب، أقتربت من الباب تنظر من العدسة الخلفية الموضوعة بباب الشقة، فابتسمت بفرحةٍ ثم فتحت الباب، و حينها عانقتها «ايمان» و هي تقول بمرحٍ:
"وحشتيني يا ديجا، عاملة إيه؟"
ردت عليها بحماسٍ:
"أنا كويسة الحمد لله و بقيت كويسة علشان شوفتكم، ادخلوا يلا"
دلفن خلف بعضهن و كلهن تحتضنها و هي تطمئن عليها حتى «يونس» الذي تشبث به حينما حملته من على ذراع والدته، فتحدث هو كعادته يبحث عن أهل الشقة و هو يناديهم بقوله:
"جدو...يا تيتة..."
خرج له الاثنين من الداخل حتى ركضت له «زهرة» بلهفة و هي تقول:
"حبيب قلب تيتة، وحشتني يا قلب تيتة، فينك من زمان مش بتيجي عندنا ليه"
غمغم بعدة كلماتٍ كعادته التقطتها «خديجة» على الفور، فتحدثت بصوتٍ مختنقٍ:
"بيقولك كان مع ياسين لما مشي باي، و اداله فلوس، دا على حسب ما فهمت يعني"
تحدثت «ريهام» تمازحها:
"كُتر قعدتك مع ابني خليتك زيه ؟! يا خوفي في الأخر نلاقيكي بتتكلمي بنفس الطريقة، بس هو قال كدا فعلًا، افرحوا ابني بقى مداين ياسين"
ضحكوا عليها جميعًا، فسأله «رياض» بمرحٍ:
"و ابني بقى عليه دين كام ؟!"
ردت «زهرة» بتذكرٍ:
"آه....افتكرت يا رياض، الجنيه اللي حطه في جيب الجاكيت لياسين، مبلغ كبير أوي"
حمله «رياض» على يده و هو يقول مُهدهدًا له:
"تعالى بقى مع رياض علشان نجيب ليهم حاجة حلوة و نروح نضرب فهمي في المحل، عن اذنكم يا بنات، لو اتأخرت اعرفوا إن فيه ستات خطفتني علشان أنا مُغري أوي"
ردت عليه «إيمان» بمشاكسىةٍ:
"حلاوتك أنتَ يا خاربها، بالسويت شيرت الابيض دا، شوجر دادي و شكلك هتعملها قريب"
تدخلت «سارة» تقول بسخريةٍ:
"عمو رياض مخوفني إن عامر يكبر، كل ما بيكبروا بيحلوا، و أنا مش ملاحقة عليه و هو صغير"
تحدث هو لزوجته ببراءةٍ زائفة:
"شوفتي هما اللي بيعاكسوني ازاي ؟؟ حلقي عليا و احتويني يا زهرة بدل ما اعملها بجد"
رفعت له حاجبها بتهديدٍ فاقترب منها يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
"و أجي ابوسك طبعًا حد يبقى معاه الحلاوة دي كلها و ميبوسهاش؟؟ دا اللي معاه نعمة بيبوسها ياختي"
ضحكت «خديجة» عليهما بقوةٍ و هى ترى النسخة المُكبرة منه بوالده، بينما هو أمسك كف زوجته و هو يقول لهن بمشاكسىةٍ:
"عن اذنكم هاخد مراتي أقولها كلمة سر، علشان بس العين، الحاجات دي بتتحسد"
ضحكت الفتيات عليه، بينما هو اقترب من باب الشقة و معه زوجته و على ذراعه «يونس»، فتحدث بنبرةٍ هادئة:
"أنا اللي طلبت منهم ييجوا علشان خديجة، هسيبكم شوية براحتكم و تقعدوا مع بعض و هبعتلكم الحاجة مع حد، و يونس معايا، عاوزين حاجة ؟"
حركت رأسها نفيًا فحرك رأسه موافقًا ثم فتح الباب و قبل خروجه تحدثت هي بتوسلٍ:
"رياض !! حاول تطمن على ياسين و تطمنا معاك"
هز رأسه موافقًا ثم أغلق الباب، بينما هي تنفست بعمقٍ تسحب جرعة الهواء لرئتيها ثم توجهت نحو الفتيات الذي أخذ صوتهن يرتفع بمرحٍ في محاولةٍ منهن لإخراج «خديجة» من حزنها
_________________________
خرج من العربة الخاصة بمكوثه بها يقف في الخارج محاولًا التقاط الشبكة في هاتفه و هو يرفعه بكفه، حتى زفر بضجرٍ، فوجد الرجل الذي سبق و قابله يقترب منه و في يده صينية من خامة البلاستيك العتيق و هو يقول مرحبًا به:
"العشا يا بمشهندس ياسين، اتفضل يلا أنتَ جاي من مشوار صعب و يدوبك ترتاح علشان كلها ساعات و تصحى تروح الشغل"
سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"هو أنا هاكل لوحدي ؟! اومال فين الرجالة و فين العُمال ؟!"
رد عليه الرجل مُردفًا:
"كل حضرتك الأول و احنا لما حضرتك تخلص، شوف كدا محتاج حاجة تاني ؟!"
عقد ما بين حاجبيه بحيرةٍ و سأل:
"عم عبدالعزيز !! هو فيه أيه ؟! الأكل المفروض يكون للناس كلها مع بعض، إيه جو الأسياد دا ؟!"
رد عليه الرجل بترددٍ:
"متأخذناش يابني، بس إحنا خدامين لقمة العيش، كلنا مرميين في الصحرا علشان عيالنا و بيوتنا، مش ناقصة يجي مهندس يتنطط علينا و يهددنا بلقمتنا علشان حد فينا قصر في شغله"
سأله بامعانٍ:
"قصدك مين ؟! قصدك رأفت يعني؟!"
رد عليه بعفويةٍ:
"رأفت و غيره و غيره، كلهم اتعلموا بس محدش فيهم اتربى، كُل يابني الله يرضى عليك"
أخذ منه صينية الطعام و هو يقول بلهجة حادة:
"تعالى ورايا يا عم عبد العزيز"
سار الرجل خلفه بقلقٍ خوفًا من القادم أو خوفًا من كونه ازعجه، فيضطر إلى الرحيل بعد تقديم تقرير سيئ للغاية في حقهم، اقترب «ياسين» من العمال و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
"سلام عليكم و رحمة الله و بركاته يا رجالة عاملين إيه؟!"
ردوا عليه التحية جميعهم في آن واحد، بينما هو حرك رأسه ينظر حوله فوجدهم يضعون الطعام على الأرض قبل أن يجلسوا حتى يأكلون معًا، فسأل حينها:
"بتعملوا إيه يا رجالة ؟!"
رد عليه أحد العمال مُفسرًا:
"بنجهز علشان ناكل يا بشمهندس، تؤمر بحاجة ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم جلس على الأرض يقوم بتفريغ الأطباق وسط أطباق العمال، و هم يطالعونه بدهشةٍ من فعله، فتحدث هو بنبرةٍ جامدة:
"مفيش حاجة اسمها مهندس و عمال، كلنا بنشتغل سوا و أنا مبحبش الأسلوب دا، هتسمحولي أكل وسطكم و لا أروح أنام و خلاص ؟!"
رحبوا بالفكرة مُسرعين ثم التفوا جميعًا على الأرض حول الأطباق بعدما قاموا بفرد سجادة كبيرة و فوقها حافظ من خامة البلاستيك، فتنهد هو بعمقٍ ثم أمسك الملعقة الخاصة به و هو يحاول اجبار نفسه على تناول الطعام، ففي هذه الحالة فقد شهيته و فقد حتى طاقته، لكنه مُجبرًا على ذلك.
تناولوا العشاء جميعًا و استطاع هو أخيرًا الانخراط معهم و تناول الطعام بشهيةٍ مُغلقة، حتى حملوا الطعام و قاموا بحمل الأدوات، بينما هو جلس على طرف هضبة صغيرة الحجم تطل على الجبل المقابل لها، تنهد بعمقٍ ثم رفع رأسه للسماء و عينيه تلمع بعبراتٍ، فمن المفترض أن يكون الآن في شقة «ميمي» برفقة أخوته.
شعر بكف أحدهم يوضع على كتفه، فحرك رأسه يطالعه صاحب هذا الكف بعدما ظن أنه أحد العمال أو الأرجح إنه «عبدالعزيز» لكنه تفاجأ بشابٍ يساويه في العمر يجلس بجانبه ثم نظر أمامه دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة، تحدث «ياسين» بسخريةٍ:
"دا اسمه ايه بقى إن شاء الله ؟!"
رد عليه الأخر بثباتٍ:
"يوسف، معاك يوسف، اسم الكريم إيه بقى ؟؟"
رفع «ياسين» حاجبيه بذهولٍ منه فمد الشاب كفه و هو يقول:
"معاك يوسف الراوي، رئيس عمال الحفر في بريمة البترول اللي جنبكم هنا، أنتَ اسمك إيه؟"
تنفس «ياسين» بقلة حيلة ثم تحدث بثباتٍ:
"ياسين الشيخ، المهندس المعماري المسئول عن مشروع الغرف الصناعية اللي هنا"
حرك رأسه موافقًا ثم نظر أمامه و ساد الصمت من كليهما، فتحدث الشاب بثباتٍ:
"بس شكلك محترم يا ياسين، مش زي الناس اللي هنا"
عقد «ياسين» حاجبيه و هو يسأله بسخريةٍ:
"مش زي الناس اللي هنا ازاي يعني ؟! هو أنا واقع في العجايب؟!"
رد عليه مُردفًا بجديةٍ:
"بيشربوا سجاير و ناس قليلة الأدب متعملش زيهم بقى علشان كدا غلط"
حرك «ياسين» رأسه موافقًا بتفهمٍ، و سرعان ما اتسعتا حدقتيه بقوةٍ حينما أخرج الأخر سيجارًا يشعله و هو ينظر أمامه ينفث هوائها خارج رئتيه، ثم حرك رأسه يطالع «ياسين» و هو يقول بنفس الجدية:
"آه نسيت أقولك، أنا من الناس قليلة الأدب اللي بتشرب سجاير، متعملش زيي بقى"
ضحك «ياسين» بيأسٍ و هو يحرك رأسه نفيًا ثم تحدث بسخريةٍ:
"أنتَ مُريب أكتر من عشري صاحب ابراهيم الأبيض"
ضحك الأخر بيأسٍ ثم تنفس بعمقٍ و هو يطالع السماء، ففعل «ياسين» و كليهما غافلًا عن زوج الأعين الذي يراقبهما بامعانٍ بنظرةٍ ثاقبة مثل نظرات الصقر.
_________________________
خرج «حسن» من بيته بعدما هاتفها و توسلها بالبقاء، لم يظن أن وجهه يهون عليها بتلك الطريقة، لم يتخيل أن تكون تلك هي نهاية قصته معها، قصة بدأت بحياةٍ جديدة وهبتها له، بعدما كان نفسه أثقل من نفس الغريق، لم يأتٍ اليوم الذي يتمسك به أحدهم حتى ظن بها الخير و أن هي ستفعل ذلك بكل جرأة و بساطة، حتى فاجئته بارتخاء يدها من يده و كأنها تحبره على تصديق أنه لازال كما هو، لم يحن الموعد حتى يصبح ضمن أولويات أحدهم، هروبه هذا يفتت أحشائه، لكن كيف يهرب من نفسه ؟!"
سار على قدميه على كورنيش النيل و هو ينظر أمامه بعدما صف سيارته أمام أحد المحال الشهيرة، يود فقط الهروب من ضجيج رأسه و كلماتها التي قالتها دون أن تعبأ به أو بتوسله لها، وقف أمام النيل يتنفس بحدة و الغصة المريرة في حلقه و كأنها أشواكًا تلتف حوله، و العبرات في عينيه اللاتي حاوطهما الدمعِ و زاد وخزها بتردد الكلمات الجارحة على السمعِ.
كانت جالسةً في الشرفة تتصفح هاتفها بعدما أدت رسالتها و شعرت ببعض الراحة في رحيلها حتى طُرق باب الشقة، طرقاتٍ قوية جعلتها تسرع الخطى نحو الباب تفتحه بعدما وضعت القبعة الشتوية فوق رأسها، ثم قامت بفتح الباب ظنًا منها أنه شقيقها، لكنها تفاجأت به يرفع حاجبه لها و هو يقول بتهكمٍ:
"ازيك يا طنط حنان ؟؟ عاملة إيه؟!"
ضيقت جفنيها تتفحص حتى تتوصل لماهيته، فتحدث هو مُسرعًا بثباتٍ:
"مش معقول ؟! نسيتيني ؟! نسيتي وليد الرشيد ؟! طب دا أنا محدش عمره اتعامل معايا و عرف ينساني، بس نقول إيه؟! أنتِ ناسية اللي منك، مش هتنسيني أنا ؟!"
ضمت ذراعيها أمام صدرها و هي تقول بلهجةٍ حادة:
"نعم ؟! خير يا استاذ ؟! حسن مش موجود، عاوز إيه؟!"
ابتسم لها بثباتٍ و هو يقول:
"دا من حظك إن حسن مش موجود، دخليني يا طنط خليني اقول الكلمتين و امشي"
ردت عليه بنفس الصوت الحاد:
"لو خطيت خطوة واحدة جوة الشقة هصوت و ألم عليك الناس"
رد عليها هو بضجرٍ و مللٍ:
" هو أنا كل ما أكلم واحدة تقولي البوقين دول ؟! دول الكلمتين الحمضانين اللي زي طبيخك كدا يا خالتي حنان"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ من طريقته الفظة و اسلوبه الغريب و قبل أن يمد قدمه اليُمنى وقفت مثل الحائل أمامه و هي تقول بنبرةٍ أعلى:
"أنتَ مبتفهمش ؟! بقولك لو دخلت هصوت و ألم عليك الناس"
غمز لها و هو يقول بخبثٍ:
"صَوتي....و أنا هقول إن أنتِ اللي بعتالي و عاوزاني أجي، و ساعتها بقى نشوف حوار الشرف دا، و لا إيه ؟!"
تراخى جسدها حتى تركت الباب، فأكمل هو فتحه ثم دلف الشقة، حينها أغلقت الباب و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
""خلص لو سمحة الشان منفيش نكون سوا وفيي باب مقفول ألينا""
أبتسم لها بتهكمٍ و هو يقول:
"دا في حالة واحدة !! لما يبقى راجل و ست و الشيطان ثالثهما، مش أنا و الشيطان ؟! كدا عاوزين ندور على أنثى علشان قلقك يكون على حق"
زفرت هي بقوةٍ فتحدث هو مُسرعًا بثباتٍ:
"أنا جاي بس أقولك حاجة، هو إنك غبية و أنانية و متخلفة، علشان فاكرة كل الناس جعانة زيك للفلوس، بس معذورة، أنتِ برضه كنتي مخطوبة قبل كدا و خطيبك خلع بقرشين محترمين، علشان كدا عندك عقدة نقص، بس العبد لله بقى هيفك العقدة دي"
سألته هي بلهجة صوتٍ حادة و اقرب للانفعال:
"أحترم نفسك يا حيوان أنتَ !! و افتكر إنك واقف في بيتي، يعني ممكن أضيعك بقلة أدبك دي"
غمز لها و هو يقول:
"هاتي اخرك علشان اللي قدامك ملوش أخر يتجاب أصلًا، لو على قلة الأدب فهي موجودة عادي"
رفعت عينيها تتحداه بنظراتها و كأنها لا يهمها، فتحدث هو بلهجة صوتٍ حادة تلك المرة:
"أنا جاي بس علشان أعرفك حاجة مهمة، إن اللي غلطتي في شرفها دي أنا ممكن افرمك علشان دوستي على طرفها، و ممكن ازعلك بطرق كتير أوي و ساعتها هعرفك من اللي معندهمش شرف بحق، بس أنا مراعي حق الجيرة اللي كانت بينا في يوم و مراعي اللُقمة اللي جمعتني مع أخوكي في طبق واحد"
ابتسمت بتهكمٍ و هي تقول:
"آه....قلت الباقي يا أخي أين جمعت طبقة واحدة وباقي الماء وزعته في المال أنت وأهلك وأولادك؟! أين تريد الشركة أن تكون معك؟! فلوس براحتكام"
ابتسم لها باتساعٍ و هو يقول:
"يا بنت اللعيبة؟! عرفتي دا خلي حدك؟! خادي الجديد باقي علشان شكلك ماش مطبعة، وام أخويا جاب فارس، ابنه، حسن أخوكي باقي هو للي د مصرف الولدة والمستشفي". ، علشان بحق هدية أختك هدير هل هي بصحة جيدة؟!"
ردت عليه بحقد:
"انتوا اللي عالم جعانة، حسن بالنسبة ليكم بنك تخطفوا منه زي ما انتوا عاوزين، ضحكتوا عليه بجوازة كسر زي دي علشان يداري على عَملة قريبكم، مين كدا بقى اللي عندهم عقدة نقص ؟!"
اقترب منها يقف مقابلًا لها مباشرةً و هو يقول بلهجةٍ حادة:
"اقسملك بربي اللي مش هحلف بيه كدب، لولا الأصول أنا كان زماني معلمك الأدب و معرفك إزاي تتكلمي عن بنات الناس بأدب، بس حاضر هتعامل معاكي بالحكمة، علشان أشكالك مش عاوزة غير كدا"
رفعت حاجبها و هي تقول بتهكمٍ:
"آه...دا زي كدا لما جوزتوه بنتكم علشان تقدروا تسيطروا عليه، و أهو تبقوا طولتوا حاجة منه، حاجة كدا زي المثل اللي بيقول عصفور في اليد خيرٌ من عشرة على الشجر"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"مظبوط !! بس خدي بالك علشان دلوقتي أنتِ خلتيني أخد بالي من حاجة مهمة، بشكرك عليها"
ظهر الاستفسار المصطحب بالاستنكار عليها و كأنها تود مسائلته، حتى أضاف هو مُفسرًا:
"زي ما مش الكل العصافير على الشجر، فـمش كل الزرايب لمة البقر، فيه بقر مطلوقين على الخلق و فاكرين الدنيا دي غيط أبوهم، بس وعد مني لأقفل باب الزريبة كويس بعدما ادخلهم بنفسي"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بعد حديثه، بينما هو تحرك من امامها ضاربًا بمحاولة السيطرة على نفسه عرض الحائط، فهذه الزيجة من الأساس لم تلزمه بعد، لكن مهلًا، عليه أن يأخذ بحق ابنة عمه أولًا و يرد لها كرامتها ثم يعود لهدوئه و ثباته مرةً أخرى إن أراد هو ذلك، فبعد تلك المقابلة سيتعامل حقًا بمبدأ (عصفورٌ في اليد)