تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم شمس بكري
و كأنني اليوم أضحك مع نفسي و أمرح مع ذاتي، اليوم تتوقت نفسي للفرحِ و نسيت معاناتي"
_________________________
_ كيف لي أن أكون غريبًا حتى عن نفسي ؟! كيف أكون مني تائهًا و فاقدًا لـ أُنسي، كيف غدا ليلي طويلًا و غابت عني شمسي ؟! اليوم نظرتُ في مرآتي فأصبحتُ لم أعرفني، و كأن نفسي القديمة غادرت مني، و تأكدت أن ما بقىٰ مني هو أسوأ ما تبقى من ذاتي....اليوم فقط خسرت راحتي و ربحت مُعاناتي.
في بيت آلـ «الرشيد» وصل «طـه» مع أبنائه بعدما قام «طارق» بتوصيلهما بسيارته و رحل مرةً أخرى نحو مَسكنه، كانوا في حالة غريبة مختلطة التأثير عليهم، فلم يعلم أيًا منهم كيف مرت تلك الليلة العصيبة عليهم جميعًا، أما «أحمد» فشعر بالخزي من نفسه بعد فعلته تلك، لطالما كان هادئًا حكيمًا يقوم بحساب خطواته قبل أن يُخطيها، لكن تلك المرة فعل ما لم يكن في حسبانه، حتى كادت تلحقه العواقب الوخيمة.
كانت «خلود» في حالة صدمة أيضًا بعد ذلك اليوم و رؤية أخيها مُكبل الأيادي كما لو أنه مُجرمًا خطيرًا يشكل خطرًا على الأمةِ بأكملها، تحمم «أحمد» في غرفته ثم ارتمى على الفراش بتعبٍ بلغ أشده و انهاكٍ ينهش في أعصابه مثل وحشٍ مفترسٍ، رفع كفيه يمسح وجهه ثم أغمض عيناهُ لعله ينعم ببعض السلام، حتى تفاجأ بطرقاتٍ رتيبة على باب غرفته، سمح للطارق بالولوج إلى غرفته، حتى تفاجأ بوالدته تركض إليه تحتضنه ببكاءٍ و لوعة الاشتياق، احتضنها هو الأخر مستسلمًا للراحة التي عبرت بين خلجات روحه مثل طفل الصغير الذي القى بتعبه في حضن والدته يشكي همه و يعالج في دفء عناقها ألمه.
جلست «زينب» معه و هو بين ذراعيها و هي تبكي حتى طلب هو منها أن تدعو الله له و تخلد لنومها، و بعد إلحاحه عليها خرجت من الغرفة و تركته بمفرده حتى ينام، و قبل أن يَغُط في ثباتٍ عميقٍ فُتح باب غرفته دون إنذارٍ مسبق و تفاجأ بـ «خلود» تقترب منه و في يدها صينية متوسطة الحجم قامت هي بوضع الطعام عليها، عقد ما بين حاجبيه حتى جلست مقابلةً له على الفراش تبتسم بتوترٍ و قالت بصوتٍ مهتز مترددٍ:
يـ....يلا علشان تاكل يا أحمد.... أنا جهزت الأكل لينا احنا الاتنين، أنا ماكلتش من بدري و أنتَ كمان"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول بنبرةٍ خافتة:
شكرًا يا خلود مش عاوز آكل و الله، كلي أنتِ بألف هنا و شفا"
نزلت دموعها على الفور و هي تقول بصوتٍ باكٍ و ندمٍ يُقطر من كلماتها:
أنا آسفة و الله، أنا عارفة إنك زعلان مني بس أنا ماكنتش أعرف....ماكنتش أعرف إن الأمور هتوصل لكدا.....متزعلش مني"
اقترب منها يسألها بلهفةٍ:
ازعل منك !! ازعل منك أنتِ ليه ؟! أنتِ هبلة يا خلود ؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ باكٍ:
اللي حصلك بسببي كان كتير، حقك عليا و الله، متزعلش مني"
فهم ما تشعر به لذلك ظهر اللين على وجهه و غلف نظرته حتى اقترب منها يحتضنها و هو يقول بحكمة أبٍ:
أنا مش زعلان منك علشان أنتِ معملتيش حاجة أصلًا، كل الحكاية أني زعلان عليكي أنتِ، كلامه عنك وسط زمايلك و ضحكتهم على كلام خايب زي دا خلتني مشوفش حاجة غير منظره و هو تحت أيدي مضروب، زعلي علشان بنتي اللي عمري ما اقبل حد يغلط فيها أو في سمعتها حتى، أومال أنا لازمتي إيه ؟! لو مش أنا اللي هجيبلك حقك و أقف في ضهرك ؟! أنا أمانك في الدنيا دي، أوعي تخافي طول ما أنا معاكي"
زاد بكاؤها و هي تحتضنه تتشبث به تزامنًا مع قولها:
أنا بحبك اوي و كل يوم بتثبتلي أني كسبت كل حاجة بوجودك معايا، علشان خاطري خليك معايا علطول و متتغيرش عليا، أنا من بعد ما وليد مشي و أنا مليش غيرك، متسبنيش أنتَ كمان علشان خاطري"
مسد بكفه على ظهرها و هو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم بسمةً هادئة:
أنا مقدرش أسيبك أصلًا، أنتِ أختي و صاحبتي و قبلهم بنتي، اللي ييجي جنبك أنا أموته عادي، أوعي تخافي من حاجة أو عينك حتى تنزل الأرض و أنا معاكي، افتكري علطول إني في ضهرك قدام الدنيا كلها"
ابتعدت عنه تبتسم له من بين دموعها فقربها هو منه يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
أنا اللي بحبك أوي أوي و بستقوى بيكي أنتِ، أنتِ صحابي و أهلي و كل حياتي كمان، صحيح جاية عليا بخسارة بس خسارة دمها خفيف و كلها شقاوة"
ضحكت هي رغمًا عنها و هو الأخر حتى ربت على ظهرها مرةً أخرى ثم قال بهدوء:
يلا، تعالي ناكل سوا علشان أنتِ ماكلتيش و أنا كمان، يلا دي حاجة مبتتكررش كتير و خلود تحضرلي الأكل"
ابتعدت عنه تمسح دموعها حتى سحب هو منديلًا ورقيًا من جوار فراشه ثم اقترب منها يمسح وجهها و هو يبتسم لها ثم امسك الملعقة يملئها بالطعام بقدر مساحة فمها ثم ابتسم من جديد و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
فاكرة لما كنت أنا بأكلك !! يلا هأكلك أنتِ، علشان تتأكدي أني مش زعلان"
لمعت العبرات في عينيها تأثرًا من حديثه و ذكرياتهما سويًا حتى ادخل هو الملعقة بالطعام في فمها مثلما كان يفعل في صغره و يطعمها هو، أما هي فأمسك قطعة الدجاج و هي تقول بنبرة جاهدت لاظهار المرح بها:
طب يلا زي زمان نقسم الفراخ، أنتَ تاكل معايا من الورك و أنا أكل معاك من الصدر، إيه رأيك؟"
حرك رأسه موافقًا ثم شرعا سويًا في تناول الطعام و على الرغم من ضيق شهيتهما إلا أن كلًا منهما كان يُطعم الأخر حتى يشجعه على تناول الطعام، حتى انهيا طعامهما سويًا و حملته «خلود» و خرجت من الغرفة و دخل هو المرحاض يغسل يديه ثم خرج من جديد فوجدها تقف و في يدها زجاجة العصير و هي تبتسم له و تقول:
العصير بقى علشان تنام كويس، يلا يا سيدي مدلعاك أهو"
جلس على الأريكة و هو يبتسم و هي جلست بجواره تقوم بسكب العصير داخل الكوبين، حتى تحدث هو بحكمةٍ و رزانةٍ:
خلود !! أنا عاوز اتكلم معاكي شوية، ينفع و لا مش وقته ؟!"
حركت رأسها موافقةً و نظراتها تطلب منه الاسترسال في حديثه حتى تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
عاوزك بعد كدا يا خلود لما يحصلك حاجة تيجي ليا علطول، بلاش تهربي و بلاش تقفلي على نفسك، التيرم التاني باديء بقاله اسبوعين أهوه و أنتِ قفلتي على نفسك بسبب كلمة مدرس أهطل قالها ليكي، فين خلود اللي أنا عارفها !!"
ردت عليه هي بسرعةٍ:
علشان أنا خلود اللي أنتَ عارفها أنا معرفتش أسكت و رديت عليه ساعتها قولتله إن هو كمان كان أدبي و دا معناه أنه فاشل زيي، ساعتها هو زعل، بس أنا مش غلطانة هو كان أدبي فعلًا يبقى زعل ليه ؟!"
رد عليها مفسرًا يشرح وجهة نظره و التي هي بالفعل:
علشان هو عاوز يكون بتاع منظرة مش أكتر، عاوز يكسب نقطة على حساب مشاعر الطلاب، فاكر أنه لما يعمل كدا طلاب علمي هيحبوه أكتر إنه بيفضلهم عن بتوع أدبي و بكدا يسحبوا بعض للدرس بتاعه، لو فكرتي فيها هتلاقي أن طلاب أدبي معظمهم بيعتمد على نفسه و مش بيروحوا دروس كتير و دا لأن الحالة الاقتصادية بتكون مأثرة على الكل، و ساعتها بيمشي نفسه من على النت و ملازم يذاكرها زي ما أنتِ عملتي كدا، إنما العلمي عاوز متابعة شوية لأنه متراكم على بعضه، هو بقى بيفكر كدا، لكن في الحقيقة إن دا هبل و عبط، الاتنين تعب و الاتنين عاوزين مجهود و الاتنين محتاجين جهد، الفرق بس إن فيه عند كل واحد قابلية لمواد مُعينة يقدر يذاكرها و مواد تانية مش قابل حتى يفتحها، أدبي أو علمي مش فارقة المهم إنك تكون بتعمل اللي عليك من غير خوف"
سألته هي بتشوشٍ:
طب أعمل إيه دلوقتي بعدما اللي حصل !! مستحيل أقدر ادخل السنتر تاني يا أحمد"
ابتسم لها وهو يقول:
متقلقيش دي سيبيها عليا أنا هحلهالك، عاوزك بس بعد كدا أي مدرس يقولك كلمة وحشة تكبري دماغك و تسيبك منه و افتكري إنه أولًا و أخيرًا غرضه مادي، المدرس اللي بجد و فاهم يعني إيه أسلوب تربوي، عمره ما هيهين طالب عنده أو يقلل منه، جو إن الكلمة الصعبة تجرحك و تخليك تشتغل أكتر دا أسلوب بهايم، مفيش إنسان عنده مشاعر في الدنيا دي هيقبل إنه يتهان بالطريقة دي علشان يقوى، أنا لو مدرس بجد و عاوز أشجع طالب، يبقى ازود ثقته في نفسه، أخليه يحبني و يحب حصتي، أشاركه أفكاره و أقبل بيها و اناقشه لحد ما يعرف الصح من الغلط، لكن اللي بيحصل دا سبوبة، علشان كدا أنا مش هشتغل في المهنة دي، علشان هتعارض كتير فيها، بس أنا عاوزك تثقي في نفسك و في قدراتك و إنك ذكية أوي و بشهادة الكل، حتى لو خلقك ضيق على المذاكرة بس قدراتك أكبر بكتير من سنك، بدليل إنك من البيت هنا قادرة تذاكري و تحلي لوحدك، يعني أنتِ لا فاشلة و لا غبية و لا صايعة زي ما البغل دا قال، أنتِ خلود، خلود الرشيد اللي مفيش منها و لا في تركبيتها دي كتير، أنتِ حبيبتي"
ارتمت عليه تحتضنه ثم امسكت وجهه تقبل وجنته بعد حديثه و هي تقول بمرحٍ و حبٍ:
أنا بحبك أوي أوي، يا بخت البت سلمى بيك، يا رب ارزقني بواحد زيه يا رب، واحد يكون بيحبني زيه كدا"
احتضنها و هو يضحك بقلة حيلة ثم قال بهدوء:
متخافيش، أنا واثق إنه هيحطك في عينيه و يفديكي برقبته كمان، نظرة عينه بتقول كدا كمان"
تجاهلت هي مقصد حديثه و ابتسمت بتوترٍ أما هو فـقبل رأسها ثم ربت على كفها بيده حينما وجد التوتر باديًا على وجهها.
________________________
في شقة «فهمي» والد «عامر» ذهبا معًا إلى هناك و خصوصًا أن «سارة» شعرت ببعض التعب و ذهبت مع والدة زوجها للطبيب، دلف «عامر» غرفته فوجد «سارة» بها تتسطح الفراش و في يدها هاتفها، اقترب منها يقبل رأسها ثم جلس مقابلًا لها يسألها بقلقٍ بالغٍ:
عاملة إيه دلوقتي ؟! لسه تعبانة ؟! طمنيني عليكي و عليه"
ابتسمت له هي تطمئنه بنظرتها و حديثها الهاديء و هي تقول:
اتطمن أنا كويسة أوي الحمد لله الدكتورة طمنتني الحمد لله و قالتلي إن دا طبيعي علشان أول حمل ليا، و إن الشهر التالت بدايته بتكون متعبة شوية، أنا غالبًا كدا بدأت فيه بقالي كام يوم و احنا كنا حاسبين غلط"
أمسك كفها بين كفيه يحتضنه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
ألف سلامة عليكي و عليه، كان نفسي أجي معاكي و الله بس غصب عني، المهم خلي بالك من نفسك و ياريت بلاش حركة كتير، أكيد قالتلك طبعًا ترتاحي، صح ؟!"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فابتسم هو بثقةٍ و هو يقول:
و طبعًا هترتاحي، مفيش شغل و مفيش هبل، و مش هتروحي عند مامتك علشان ولادك أختك، يبقى نعقل كدا و نركز كام يوم هنا لحد الاستشارة الجاية، تمام يا جرثومة ؟!"
امتعض وجهها ثم زفرت بقوةٍ و هي تقول بضجرٍ:
لأ مش تمام طبعًا، أنا مش واخدة على القعدة كدا، أنا لازم اشتغل لازم أعمل حاجة، على الأقل أساعد في شغل البيت"
أثار حديثها حنقه لذلك رد عليها بسخريةٍ و هو يقول:
أهو دا عيب إن الواحد يتجوز واحدة قادرة على التحدي، معلش يا جرثومة خليها عليكي، مشي الأسبوع دا كدا و اعتبريه أجازة شهر عسل"
ابتسمت هي بسخريةٍ و هي تقول بتهكمٍ:
شهر عسل !! هنا في أوضتك ؟! طب اتكلم بثقة كدا لو أوضتك على البحر مثلًا"
وكزها في ذراعها و هو يقول:
هو أنتِ كنتي تطولي تدخلي هنا أصلًا ؟! عارفة فيه كام واحدة حلمت إنها تتجوزني ؟!"
تبدلت نظرتها في غضون ثوانٍ و هي تنظر له و قالت بحنقٍ:
كام واحدة يا أستاذ !! كمل كمل"
رد عليها هو بنبرةٍ هامسة:
كانوا كتير بصراحة، بس و الله ما حد فيهم عمل فيا اللي أنتِ عملتيه، أنا ماكنتش كدا، بس أنتِ لما بقيتي موجودة أنا بقيت بحبني علشان أنتِ حبتيني"
رفعت عينيها تطالعه بتأثرٍ و تطلب منه الاسترسال و إكمال حديثه حتى قال هو بنبرةٍ هادئة يعبر بها عن مشاعره:
أنتِ أحلى مسئولية أنا شيلتها في حياتي، و كنت واثق إن حياتي هتتغير على إيدك، و أهو البداية باينة أهو، هبقى أب، يمكن كل الناس كلامهم إن الراجل بيحس بعياله لما يتولدوا على عكس الأم، بس و الله أنا حاسس بيه من أول يوم عرفت فيه، علشان كدا أنا معنديش استعداد أشوف حاجة بتهدد حياتكم"
حركت رأسها بتفهمٍ ثم رفعت كفها تمسح دموعها التي هددت بالاعلان عن نفسها ثم قالت تمازحه بمرحٍ:
تصدق إنك سوفسطائي فعلًا، لفيت عقلي بكلمتين و أنا مصيبتي سودا أني بقتنع بكلامك حتى لو اشتغالة، روح ربنا يسامحك يا ابن سيدة"
قفز على الفراش بجوارها و هو يقول بمرحٍ:
إيه رأيك فيا و أنا بلبسك العِمة ؟! أي خدمة يا جرثومة"
ضربته على صدره بكفها و هي ترمقه بغيظٍ حتى قربها هو منه يحتويها بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
نامي يا جرثومة و اغزي الشيطان، في الصعيد حدانا اللي تمد يدها على جوزها تطلج في ساعتها، متخربيش بيتك بإيدك"
ابتسمت رغمًا عنها من طريقته و هو يتحدث باللهجة الصعيدية حتى ربت هو على ظهرها و هو يقول بنبرةٍ:
ربنا يحفظكم ليا و أشوفه على خير و تقوميلي بألف سلامة يا رب"
أغمضت عينيها و هي تشعر بالأمان و السَكينة بقربه و من فرط حنانه عليها لمعت العبرات من جديد تأثرًا به و هو يحرك كفه على رأسها و يقرأ لها بعض أيات الذكر الحكيم الذي أخبره بها «ياسين» و على الرغم أن صوته لم يكن مثل الشيوخ أو قارئي القُرآن بصوتهم العذب، إلا أن الخشوع في صوته و نبرته جعلها تنام قريرة العين مُطمئنة البال بين ذراعيه و هو بجوارها كفه الأيسر على رأسها و كفه الأيمن يمسك الهاتف في يده يقرأ منه القُرآن، نظر بطرف عينيه عليها فوجدها نائمة حينها رفع الغطاء يدثرها به ثم وضع الهاتف بجواره و قبل أن يعتدل في جلسته صدح صوت هاتفه برقم شقيقه «عمار» عقد ما بين حاجبيه لكنه قام بالرد مُسرعًا على شقيقه و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
إيه يا عمار !! فيه حاجة ؟!"
_"آه يا عامر لو هينفع تعالالي أوضتي، عاوزك في حاجة ضروري"
خلاص، ثواني و هجيلك "
أغلق الهاتف ثم انسحب من جوار زوجته و هو يبتسم على هيئتها ثم عدل الغطاء عليها و تحرك من الغرفة متوجهًا نحو غُرفة أخيه الذي كان يجول في غرفته ذهابًا و إيابًا و يضرب كفيه ببعضهما بعدما كورهما من شدة توتره، دلف له «عامر» و هو يقول بضجرٍ:
خير يا أوس المصايب !! نعم؟"
أقترب منه «عمار» بلهفةٍ يمسك ذراعيه و هو يقول مسرعًا:
عاوز منك خدمة مش هنساها ليك العمر كله، لو عملتهالي ابنك اللي جاي أنا هتكفل بيه لحد الحضانة، ابوس ايدك"
_"كفي نفسك يا أهطل"
رد عليه «عامر» بإيجازٍ و هو يطيح له برأسه فيما ضغط «عمار» على كتفيه و هو يقول:
ابوس ايدك اخدم أخوك، دا أنا حبيبك و عارف كل حاجة عنك، هتتخلى عني ؟!"
زفر «عامر» بيأسٍ ثم قال:
نعم !! خير يا عمار ؟!"
رد عليه مفسرًا بتوترٍ و نبرةٍ مهتزة الوتيرة:
عاوزك....تكلم أحمد تطمن عليه"
رفع «عامر» أحد حاجبيه تزامنًا مع قوله مُستنكرًا:
يا شيخ ؟؟ أحمد و لا أخت أحمد ؟! يا صايع يا سافل"
رد عليه «عمار» بضجرٍ:
يا بني بقى، أنا مليش غيرك، كلمه أنتَ كأنك بتطمن عليه عادي و اسأل عليها و أعرف هي كويسة و لا لأ، يلا يا عامر، باقة الشهر الجاي عليا"
رد عليه بضجرٍ و ضيقٍ منه:
يا بني أنتَ ليه بتعاملني أني مرتشي ؟! هو أنا حقير أوي كدا ؟!"
رد عليه «عمار» بقلة حيلة:
أعمل إيه طيب ؟! مش عارف أنام من القلق، عاوز بس أعرف هما كويسين و لا لأ، بس مش أكتر، ساعتها هنام، بس بعد ما أصلي قيام الليل"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم أخرج هاتفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة تخلى فيها عن ضيقه و ضجره:
حاضر، علشان تنام و ترتاح، ياكش نخلص من القصة المهببة دي، لما نشوف أخرتها"
ضغط على رقم «أحمد» يطلبه حتى يحدثه و يطمئن عليه أو تلك الحُجة الواهية التي يطلبها منه أخيه، قرر الانصياع لرغبة الأخر حتى وصله الرد من «أحمد» يقول بنبرةٍ هادئة:
ازيك يا عامر، عامل إيه؟!"
فتح حينها «عامر» مكبر الصوت و هو يقول مجيبًا على تحييته تحت أنظار الأخر الذي انتبه بكامل حواسه لشقيقه:
كويس يا أحمد الحمد لله، أنا بتصل بس علشان اتطمن عليك، الشباب كانوا قلقانين أوي عليك، قولت هضحي أنا و أكلمك و اطمنهم، أصلك متعرفش غلاوتك عندنا !!"
رد عليه «أحمد» بنبرةٍ هادئة:
تسلم يا عامر ربنا يكرمك و شكرًا على تعبكم معايا النهاردة و اشكرلي عمار، أنا مش عارف أوفي جميله دا ازاي"
ابتسم «عمار» بهدوء فيما تحدث «عامر» بودٍ و تفهمٍ:
متقولش كدا يا أحمد، أنتَ و خلود في عنينا، صحيح هي عاملة إيه ؟!... أصلها كانت تعبانة أوي و أنتَ جوة"
رد عليه «أحمد» متفهمًا:
الحمد لله كويسة، هي كانت خايفة شوية، بس نايمة على الكنبة قصادي أهيه، و أنا حاولت أنام بس خلاص بقى فيها يومين لحد ما أنام"
رد عليه «عامر» مُسرعًا:
لأ حاول تنام و ترتاح علشان متتعبش، أنا عارف إن اليوم كان صعب عليك، بس معلش حاول"
رد عليه الأخر ممتنًا له و لشقيقه مرةً أخرى ثم أغلق الهاتف بعد انتهاء المكالمة، حتى اقترب «عمار» منه يقول بلهفةٍ:
مفهمتش برضه !! هي كويسة و لا إيه ؟! طمني"
امتعض وجهه و هو يرد على شقيقه بقلة حيلة:
ولا !! بطل غباوة، قالك كانت خايفة و نامت قدامه، تحب نروح لحد بيتهم نغطيها ؟! دا إيه الهم دا"
رد عليه «عمار» بحنقٍ:
ما هو أنتَ لو كنت فتحت معاه كلام تاني كان زماننا فهمنا هي عاملة إيه، بس أنتَ عمال تقفل معاه في الكلام و خلاص"
ضغط «عامر» على أسنانه و هو يقول بغيظٍ مكتومٍ منه:
افتح كلام إيه تاني متخلنيش أفتح دماغ أهلك هنا، كفاية الحركة اللي عملتها قدام أبوها"
سأله «عمار» بلهفةٍ ممتزجة بقلقه و خوفه من والدها إن فهم مشاعره أو طريقته معها:
تفتكر خد باله !! هو كان باين عليا يا عامر !!"
ابتسم بتهكمٍ و هو يقول ساخرًا و ساخطًا عليه في آنٍ واحدٍ:
خد باله !! فوق يا عمار دا زمانه بيكتب القايمة دلوقتي، أنتَ مفضوح أكتر من ياسين، جتكم خيبة انتوا الجوز، أنا عارف مالكم كدا قدام بنات الرشيد !!"
ابتسم «عمار» بهدوء و هو يقول:
مش عارف !! بس هما يحسسوك بحاجة غريبة، متفهمش فيه إيه، لو زي ما بتقول إني زي ياسين يبقى أنا مسحور باين"
سأله «عامر» بغرابةٍ من حديثه:
ياه للدرجة دي ؟! دا أنتَ واقع على بوزك"
جاوبه بنبرةٍ هادئة هائمة بها و كأن طيفها يلوح أمام ناظريه:
بص أنا مش عارف المشكلة فين بصراحة، بس أنا برتاح أو بكون مطمن لما بشوفها، أغرب شخصية شوفتها في حياتي، حاجة كدا تخليك تقعد تفكر إزاي كل دا يخرج من شخص واحد !!"
كان التساؤل يغلف نظرات أخيه طالبًا منه الاسترسال في حديثه حتى تابع الأخر قوله:
عارف !! تبان مبتخافش و جامدة و بتاع، في نفس الوقت قلبها ضعيف أوي و عاملة نفسها جامدة، لما حد من اللي بتحبهم بيحصله حاجة هي بتتعب، خوفها النهاردة حسسني بمسئولية غريبة ناحيتها، مش عارف يا عامر بس أنا بقيت عاوز الأيام تجري علشان أقدر اطلبها"
ربت أخيه على كتفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسمٍ:
اصبر و ادعي إنها تكون ليك علشان الموكوس اللي زيك كدا، ميقدرش يعمل حاجة غير أنه يدعي ربنا، مفيش حاجة تانية غير إنك تراعي ربنا فيها"
لحق بحديثه ملتهفًا بسرعةٍ كبرى:
و الله العظيم يا عامر أنا مش بعمل حاجة غير أني ادعي بس، خايف أغضب ربنا فيها و يكون العقاب إنه يحرمني منها، خايف أعمل الذنب اللي يقف بين إجابة الدعاء في إنها تكون معايا، أنا شايف في خلود كل حاجة تخليني أحس أني إنسان، حاسس كدا إني هكون متونس معاها، أنا لما بشوفها بحس إني زي العيل الصغير اللي بيلعب في جنينة و مرة واحدة ظهرت عصفورة من بين الشجر شَغلته، ساعتها قرر هو أنه يسيبها بحريتها بدل ما يخنقها بعلاقة تفضل زي الحبل يشدها للغلط، هي أطهر و أنقى من أني أعصي الخالق فيها، و أجمل و أحلى من إن واحد زيي يستغل الحب و يأذيها، مفيش في أيدي غير الصبر و بس، و ساعتها هقول بقلب راضي و فرحان
[مَـــنْ صَـــبَـرَ ظَـــفَــر]"
أنهى حديثه ثم تنهد بعمقٍ و قال لأخيه بعدما نظر له بخجلٍ:
شكلي كدا غرقت صح !!"
احضتنه «عامر» و هو يقول بنبرةٍ مرحة محاولًا اضافة المرح لأخيه:
كبرت يا عموري و بقيت بتحب !! عمري قلب عامر بقى بيحب"
رد عليه أخيه بضجرٍ:
بس بقى !! عموري قلب عامر دي كبرنا عليها بقى، خلاص"
ابتعد عنه «عامر» يقول بضجرٍ منه بعدما آثار حنقه بحديثه:
يلا يا وش الفقر، هروح لـ سارة هي قلب عامر بجد، خليك بقى كدا لحد ما يحنوا عليك"
تحرك من الغرفة و هو يدندن بمرحٍ مقررًا إثارة غيظ أخيه، فيما تحرك هو «عمار» من موضعه بعدما تملك اليأس من نظرته على أفعال أخيه ثم قرر الوضوء و أداة صلاة قيام الليل، حيث قرر أن يجعل ليله هادئًا ساكنًا يطفئ نيران حيرته و خوفه بركعتين في جوف الليل، أنهى وضوءه ثم اقترب من هاتفه و قبل أن يقوم بأداة الصلاة الذي جاهد هو حتى أعتبرها الفرض السادس له أخرج رقم صديقه و أنتظر حتى أتاه الرد فقال بنبرةٍ هادئة:
طبعًا كنت صاحي، يلا علشان تصلي، ربنا يكرمك يا عبدالرحمن"
رد عليه الأخر بنبرةٍ حماسية:
مش هقدر أنام من غير ما أصلي، أنا بقيت برتاح علشان بصلي يا عمار، شكرًا إنك معايا"
رد عليه الأخر بحبٍ بالغٍ و يحثه على الاستكمال في سيره نحو الهداية و الثبات على طاعة الله، ثم أغلق الهاتف و قام بالاقتراب نحو الجزء الذي قام هو بصنعه في غرفته حيث قام بصنع زاوية صغيرة و كأنها مسجدًا له، و قام بوضع سجادة الصلاة بها و المصحف الشريف على الحامل المعدني الكبير، و أضواء زينة هادئة، وقف على سجادة الصلاة ثم تنفس بعمقٍ و طلب الحماية من وسوسة الشيطان له ثم رفع كفيه بتكبيرة الاحرام و شرع في أداء صلاته تاركًا هم دنياه بأكملها خلفه ينعم بالراحة بين يدي الخالق.
_________________________
نزل «ياسين» بزوجته من شقة والده بعدما أصر هو على الذهاب و هي أيضًا في الخفاء طلبت منه ذلك معللةً حجتها بالقطة، أما موضوع شقيقها فسرد هو لها الموضوع بإيجازٍ و طمئنها و طمئن والدته حتى نزلا سويًا و ركبا السيارة معًا بعدما أعطاها له «ياسر»
كانت هي شاردة البال و هي تفكر في أخوتها و فسرت سبب قلقها إبان جلوسها مع «زهرة»، و قد لاحظ هو ذلك من خلال شرودها و تهجم وجهها و انفعلات جسدها فلازالت هي كما هي، حتى تحدث هو ساخرًا عليها:
مفيش فايدة، خديجة هي خديجة، مش هتتغير"
انتبهت له و لجملته فبللت شفتها و هي تقول بصوتٍ خافتٍ مهتز الوتيرة و كأنها تحارب حتى تتحدث:
فيه إيه ؟؟ حصل حاجة ؟! كلمتني و أنا مسمعتش ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بهدوء:
لأ يا خديجة، بس أنتِ خايفة و باين عليكي، و أنا و بابا طمناكي عليه خلاص، متخافيش و الله أحمد كويس أوي"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
يبان إنه كويس بس هو مش كدا، مش أحمد اللي باين قدامكم، أحمد اللي أنا حفظاه هيصعب عليه نفسه و مش هيعرف ينام و هيفضل طول الليل يلوم نفسه، أحمد هيتعب يا ياسين، و أنا علشان أخته عارفة هو هيحس بأيه، أنا مشكلتي في قلبي اللي بيحس بكل حاجة حتى لو وحشة، أنا بقيت بتعب من مشاعري أوي"
سألها هو بنبرةٍ هادئة أظهرت اهتمامه بحديثها:
ليه طيب ؟! ما كل حاجة كويسة أهوه و الدنيا زي الفل"
ردت عليه هي تفسر مقصدها:
يمكن علشان أنا كنت حاسة باللي حصل و قولت لماما زهرة أني قلبي مقبوض، و يمكن علشان حاسة دلوقتي بأحمد و مشاعره كأني أنا اللي حصل معايا كدا، و يمكن علشان حاجات كتير بقت بتخطر على بالي للأسف كلها بتكون صح، و لسه أنتَ مش عاوز تقولي حصل إيه معاك هناك علشان أنا متأكدة إنك مكنتش كويس"
تنهد هو بعمقٍ ثم أجبر شفتيه على التبسم و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا كويس و كل حاجة هناك كانت زي الفل بفضل ربنا ثم مساعدة يوسف ليا، يوسف ساعدني كتير هناك، أنا ماكنتش فاهم الدنيا بس هو فهمني و ظبطلي كل حاجة، انما أحمد أنا فاهم أنه هيحس بخنقة و تعب، بس متخافيش هحلهالك"
عقدت ما بين حاجبيها باستنكارٍ و تعجبٍ تطلب منه المزيد فوجدته يحيد بالسيارة مُغيرًا وجهته و هي تتابعه بعينيها حتى رفع هو سرعة السيارة و هو يبتسم لها، حتى فهمت هي ما ينوي عليه و حينها تنهدت براحةٍ و لم تمنع نفسها من التبسم في الحال و هو قرر تجاهل نظرتها عن عمدٍ و ركز في القيادة و نظرًا لتقارب المسافات بين بيت عائلتها و بيت والديه في غضون دقائق صف السيارة أسفل البيت و قال بصوتٍ هاديءٍ:
هكلمه أخليه ينزلك علشان لو طلعنا ممكن يقلقوا و أكيد هيمسكوا فينا نبات، الوقت متأخر أصلًا و الغلبانة اللي في الشقة دي كدا هتتخنق"
حركت رأسها موافقةً فيما أخرج هو هاتفه يطلب رقم شقيقها الذي رد عليه بعد مرور دقيقة تقريبًا أوشكت فيها المكالمة على الانتهاء دون تحقيق الهدف المطلوب، لكنه قام بالرد و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
ايوا يا ياسين، اؤمرني"
رد عليه الأخر مُسرعًا بهدوء:
بص أنزل كدا على السريع و أطلع تاني، عاوز أديك حاجة مهمة، بس بالراحة ماشي !!"
قبل أن يرد عليه مستفسرًا أغلق «ياسين» المكالمة فورًا و هي تطالعه بتعجبٍ من فعله الغريب حتى تخلت عن استنكارها و سألته بحيرةٍ:
مقولتش ليه أني معاك، كان ممكن يتطمن أكتر بدل ما ينزل قلقان كدا، حرام عليك تخضه"
حرك رأسه نفيًا ببساطةٍ و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
لأ خالص، هتشوفي بنفسك النتيجة اللي عاوزها، اسمعي مني أنا عارف بعمل إيه"
حركت رأسها موافقةً حتى فُتح باب البيت و طل منه أخيها و قبل أن يقترب منهما اندفعت خارج السيارة نحوه مُسرعةً بلهفةٍ و شوقٍ و ذكرت اسمه بلوعةٍ و كأنه أمه و رأته بعد فك حصار تم أسره بداخله، أما هو فرغمًا عنه ابتسم حينما ارتمت عليه تتشبث بعنقه و تسحب الهواء داخل رئتيها بعدما سجنته بداخلها، حتى احتضنها و هو يقول بثباتٍ من صوته الرخيم:
أنا كدا خدت جرعة حنان تخليني أنام لمدة سنة، و الله العظيم كنت هكلمك أخر ما أغلب، بس أنا معرفش إنك عرفتي، كنت بفكر في حِجة تخليني أكلمك"
ابتعدت عنه تقول بلهفةٍ:
مش محتاج حجة تكلمني بيها، أنا عيوني و عمري ليك يا أحمد، أنتَ كويس صح ؟! طمني"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول:
أنا بقيت كويس علشان حضنتك و طمنتيني، مينفعش أكون مش كويس بعد حضنك دا، يا بخت القلوب اللي قلبك يحبهم"
أقتربت منه تحتضنه من جديد و هي تربت على ظهره بكفيها معًا، حتى ابتسم هو بحنانٍ و هو ينظر ممتنًا لـ «ياسين» الذي نزل من سيارته و وقف يتابعهما سويًا، حتى ابتعدا عن بعضهما فاقترب منه «أحمد» يقول بنبرةٍ هادئة:
شكرًا بجد، عارف إنها كلمة ملهاش لازمة بس أنتَ عملت فيا جِميلة بوجودها معايا دلوقتي، ربنا يخليك ليا و تفضل أخ كبير ليا، ربنا يفرحك دايمًا زي ما أنتَ بتفرحني كدا"
ابتسم له «ياسين» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
متقولش كدا يا أحمد، أديك قولت أهو أخوك الكبير، يعني واجب عليا أني أكون في ضهرك زي شباب العيلة كلهم، المهم لو احتاجت أي حاجة كلمني، عن إذنك بقى يدوبك نروح"
رد عليه مسرعًا يقترح عليه البقاء معهما تلك الليلة و الانصراف في الغد، لكن «ياسين» رفض و تحجج بأنه سيذهب إلى مقر عمله كما أن زوجته تحتاج لبعض الراحة أيضًا، فلم يجد الأخر حلًا سوى الموافقة فودعهما سويًا حتى تحركت السيارة من أمام البيت، فدلف الأخر يصعد نحو شقتهم لكن قبل ذلك تفاجأ بها تصعد سلم البيت حتى وقفت خلفه قبل أن يدخل شقتهم، تعجب هو و التفت لها فوجدها تسأله بخوفٍ:
اللي حصلك دا كان حقيقة فعلًا و لا طارق بيقول كدا !! أنتَ كنت في القسم يا أحمد !!"
تنفس هو بحدة ثم قال بقلة حيلة انهاها بالجمود:
آه يا سلمى للأسف، خير إيه اللي مخرجك في وقت زي دا من شقتكم ؟! و صاحية ليه لحد دلوقتي"
ردت عليه هي دون تفكير:
علشانك....اقصد يعني خرجت علشان.... أطمن عليك و على خلود، انتوا كويسين ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول بثباتٍ يتنافى مع تعبه:
آه الحمد لله يا سلمى كويسين، خلود نايمة، اتفضلي انزلي بقى ذاكري و لا نامي و ياريت متشغليش بالك بحاجة تانية خالص حتى لو أنا نفسي، ماشي"
طالعته بدهشةٍ من طريقة حديثه فأضاف هو بنفس الثبات:
ركزي في مستقبلك و بس، مش عاوز منك حاجة تانية غير دي، سلمى !! ياريت تذاكري و لو أنا معطلك حتى لو بمجرد التفكير بلاش تفكري فيا، انسيني خالص"
ردت عليه هي بشموخٍ و ثباتٍ على عكس حزنها من طريقته الجامدة معها:
اتطمن، أنا أصلًا مبفكرش فيك، أنا كل اللي شاغلني المذاكرة و بس علشان أخلص السنة دي و أحقق حلمي، معنديش وقت اضيعه في حاجة تانية حتى لو كان مجرد التفكير، عن اذنك يا ابن عمي"
تركته و نزلت إلى شقتهم بينما هو زفر بقوةٍ بعد نزولها ثم دلف شقتهم بانهاكٍ بات واضحًا عليه و على كامل هيئته و عينيه اللاتي زاغتا في اللاشيء بعد نزولها، لا يدري لماذا تحدث معها بتلك الطريقة لكنه خشى أن مشاعرها تختلط ببعضها و تضعف من عزيمتها معللةً أنه ينتظرها على أي حالٍ
نزلت هي لـ غرفتها فغضبٍ مكتومٍ حاولت الثبات في اخفائه لكنها فشلت في ذلك حينما جلست على مقعدها تهز ساقيها بانفعالٍ و هي تفكر في طريقة حديثه معها و في أوج غضبها أمسكت ورقة و قلم تخط بها جدولًا دراسيًا تتحدى فيهِ نفسها بأنها سطسطتع مضي تلك السَنة الدراسية حتى و إن كانت تراخت بعض الشيء لكن عزيمتها و قدرتها ستساعدها و خاصةً بعد حديثه ذاك.
قامت بوضع يوم لكل مادة دراسية تقوم في هذا اليوم بالاستيقاظ مُبكرًا قبيل صلاة الفجر تقوم بأداء فرضها و قراءة وردها ثم متابعة مذاكرة دروسها حتى العاشرة صباحًا ثم تخلد للنوم ساعتين حتى موعد صلاة الظهر، حينها تقوم بأداء فرضها ثم تعود لمذاكرة نفس الواد حتى لا تتشتت ذهنيًا كما قامت بعمل فاصل زمني لمدة ٢٠ دقيقة من خلالها تقوم بتصفح الهاتف على الرغم من كونها لا تبالي كثيرًا بمواقع التواصل الاجتماعي كما أنها لا تشغل بالها بها، قامت بترتيب الاسبوع بأكمله ثم تنهدت بعمقٍ و هي تتابع الجدول ثم قالت بصوتٍ مسموع لنفسها:
كدا تمام نصحى قبل الفجر نصلي ركعتين قيام و بعدها نصلي الفجر و نقرأ الوِرد و الأذكار بعدها نبدأ المذاكرة لحد الساعة ١٠ الصبح و بينهم فاصل ٢٠ دقيقة راحة، و بعدها ننام ساعتين و نصحى بعد الضهر نصلي و نذاكر و لو دروسنا قبل الضهر نروح و نيجي نرتاح و بعدها نذاكر، كدا تمام"
تنفست بعمقٍ ثم بدأت في التنفيذ فورًا لما خططت و بداخلها طاقة كبيرة تود إخراجها فرآت أن أنسب طريقة هي المذاكرة مُقررةً ثبات نفسها أمام ذاتها قبل الآخرين و قبله هو.
_________________________
وصلت «خديجة» مع «ياسين» إلى الشقة بحالٍ تبدل عن السابق إلى المائة و ثمانون درجةٍ بعد عناقها لأخيها و رؤيتها حتى أجزم هو أنها من المؤكد تملك قوة سحرية تستطع من خلالها تبديل حزنها إلى السعادة في غضون ثوانٍ و كأنها جمعت خفة العالم و بساطته في قلبها كما لو أنها فراشةً تطوف بجناحيها على الزهور تأخذ منها رحيقها غاضة البصر عن شوكها.
ركضت هي فورًا نحو قطتها بلهفةٍ تطمئن عليها و هو في الخلف يغلق باب الشقة و السخرية و التعجب يبديان على وجهه و زادا أكثر حينما استمع لصوت ضحكاتها العالية و كأنها تمرح مع احدى صديقاتها، اقترب يقف خلفها على مقربةً منها و هو يسألها بسخريةٍ:
ها بنتك عاملة إيه !! اتمنى تكون بخير إن شاء الله"
التفت له تقول بحنقٍ منه و القطة على ذراعيها:
لو سمحت ملكش دعوة بيها، روح شوف حالك و سيبني معاها علشان وحشتني أوي"
أثار حديثها حنقه حتى رد عليها بتهكمٍ يسخر منها بقوله:
اتنيلي، دا أنتِ لسه عارفاها امبارح، وحشتك إمتى !!"
وقفت أمامه تقول ببرودٍ:
عادي فيها إيه يعني ؟! بقينا عِشرة، مش ذنبي إنك مش فاهم العلاقة اللي بيننا"
اقترب منها و على حين غُرة سحبها نحوه و هو يقول بنبرةٍ هامسة:
طب ما تسيبك من علاقتك بيها، و خليكي في علاقتك بيا، دا أنا حتى راجع من الصحرا و عطشان، إيه يا كتكوتة !! مالك مش معبراني ليه ؟!"
ابتسمت له و هي تقول بسرعةٍ كُبرى و خجلٍ طفيفٍ طغىٰ عليها رغمًا عنها رغم محاولتها باخفائه و التحلي ببعض الجرأة:
حقك عليا، بس أنا عاوزة أقولك شكرًا علشان خلتني أتطمن على أحمد و أنام و أنا مرتاحة، أنا بحبك أوي"
ابتسم هو لها ثم قال بنبرةٍ ودودة على الرغم من فرحته بتلك الكلمة البسيطة:
مش دا اللي أنا عاوزه منك، مش عاوز منك شكر و لا أي حاجة، عاوزك بس تفرحي و متقلقيش من أي حاجة، أنا دوري أني أشيل الخوف من طريقك"
تحدثت هي بهدوء و امتنانٍ له:
مش بعرف أقول كلام حلو زيك، علشان كلامك هو اللي حلو أوي و أي كلام قصاده بيكون عادي، بس أنا بحبك و نفسي أخليك مبسوط علطول، و هحاول و الله علشانك"
اتسعت بسمته تلقائيًا بعد حديثها فرد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
مش عاوز غير كدا بس، عاوز منك تكوني قدام عيني بخير و في حضني بأمان من غير خوف، عاوزك تتأكدي إن الدنيا دي أنا مش هقبل في يوم إنها تكسرك و لو على رقبتي و الله العظيم"
رفعت عينيها تطالعه بسهام الحب التي اخترقت قلبه فورًا و كأنها تهدم سدودة المنيعة، و لكن أي سدود تلك التي يبنيها هو أمامها إن كانت هي بنفسها تسكن بداخله، أما هو فمال عليها يحتضنها و هو يقول بنبرةٍ هادئة سامحًا لخوفه السابق بالظهور و الاعلان عن ضعفه أمامها:
أنا بقيت أخاف يجرالي حاجة تخليني أبعد عنك علشان خوفي عليكي بيتعبني، بحس بضعف غريب أوي، بالظبط زي احساس اللي بيته اتهد و بقى مكشوف لكل الناس، بستغرب ازاي أنتِ في ضعفك دا تقويني و ازاي في غيابي برضه بتحتويني، أنا اللي عاوز أشكرك على كل احساس حسسني أني إنسان حلو، شكرًا علشان عيونك اللي بيحسسوني أني معايا الدنيا كلها، مينفعش في وجود عيونك أحكم أني غريب علشان الغريب دا لقى وطنه في عينك يا خديجة"
نزلت دموعها حتى شعر هو بها على ثيابه و هي تسكن بين ذراعيه، فابتعد عنها يمسك وجهها بين كفيه و هو يقول معتذرًا لها بنبرةٍ هادئة:
و الله مش عاوزك تعيطي بس يعلم ربنا يا خديجة إن قلبي مبقاش ملكي و بقى ليا سُلطة عليه، أنا قلبي بقى خارج طوعي في حُبك و مبقيتش عاوز من الدنيا غير فرحتك و إن ضحكتك تفضل منورة وشك، الدنيا دي هييجي يوم و هسيبها و بتمنى من ربنا أن اليوم دا يبعد و يطول علشان اعيش عمرين فوق عمري معاكي أنتِ، أنا كل اللي طالبه إن قلبي ميتوجعش عليكي و أشوف زعل في عيونك"
حركت رأسها موافقةً فابتسم هو لها ثم احتضنها مرةً حتى هي تركت القطة تنزل من على يدها ثم استكانت بين ذراعيه و لا تدري أيًا منهما يمد الأخر بالقوة هو أم هي؟! لكن المؤكد أن قلبه لقلبها مثل الغيث على أرضٍ جارفة أروىٰ عطش روحها، حتى أنه الوحيد في تلك الدنيا الذي استطاع حل أصعب معادلة واجهتها في البحث عن الأمان الذي اختصرته بعد العثور عليه في كلمةٍ واحدة و هي
يــاســين".
_________________________
في شقة «حسن» استكان هو بين ذراعي زوجته أو هكذا المفروض أن يحدث حتى تبدلت الأوضاع و احتضنها هو يكبل حركتها نهائيًا و يقيد حرية جسدها، حتى رضخت هي لذلك الوضع و جلست تتابع التلفاز بوجهٍ مُتهجمٍ بعد حديثه الغريب الذي تحدث به أثناء نومه؛ حتى بدأ هو يتململ في نومته بعد مرور ساعتين تقريبًا من ذلك الوضع حتى رفع رأسه يطالعها بملامح وجه ناعسة و فرق ما بين جفنيه على مضضٍ حتى نظر لها و هو يقول بصوتٍ متحشرجٍ:
إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي ؟! منمتيش ليه ؟!"
ابتسمت بسخريةٍ و هي تقول:
بص كدا أنتَ عامل فيا إيه ؟! هو أنا ههرب منك ؟! عيب بقى الحركات دي يا أبو علي"
ابتعد عنها في الحال و هو يقول بغير تصديق حينما وجد كفه يقبض على كفيها و جسده بالكامل يغطي جسدها و كأنه يحميها مثل السد المنيع:
أنا أسف معلش، بس أنا شوفتك ماشية و أنا نايم، مش عارف دا كان بجد و لا إيه"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت تؤكد ما رآه هو في نومه:
آه دي حقيقة، كنت هسيبك و أقوم اقفل النت و النور و اتمم على كل حاجة، لقتيك بتقولي مش هسيبك و كتفتني كدا، لولا إنك جوزي كنت فتحت دماغك"
رفع كفيه يمسح وجهه بعنفٍ ثم حمحم بخشونةٍ و قال بصوتٍ رخيم لازال به أثر نومه العميق:
أنا مش فاهم بيجرالي إيه قصادك، أنا كنت تقيل و راسي، بيحصلي إيه معاكي ؟! بقيت بخاف عليكي و بخاف تمشي و بخاف من الدنيا، إيه دا !!"
طالعته بدهشةٍ فحرك رأسه ينظر لها و هو يسألها بحيرةٍ كما لو أنه المغلوب على أمره:
هدير أنتِ معايا حتى و أنا نايم، أنا عمري ما حلمت قبل كدا، بس بقيت بحلم بيكي، بشوفك في نومي و بقيتي محوطاني، كل مرة بسمع فيها كلمة حلوة منك قلبي بيتحرك من مكانه و بحس بيه، أنتِ تاني واحدة في الدنيا دي كلها القلب يدق من خوفه عليها و يتحرك من حبه ليها"
طالعته بعينيها تطلب منه الاسترسال أكثر حتى يتضح لها عن من يتحدث على الرغم من تخمينها ذلك و بالفعل أثبت هو شكوكها حينما قال مُفسرًا:
الأولىٰ هي أمي، كانت الوحيدة اللي بخاف عليها و الوحيدة اللي حبيتها، و أنتِ تاني واحدة أحس بكدا ناحيتها، حسن اللي كان زاهد في الدنيا مستني ميعاد موته بفارغ الصبر زي الغريق في عرض البحر، جيتي أنتِ قشاية اتعلق بيها و بقى يطلب إنه يعيش معاكي كل اللي جاي من عمره، أقولك على حاجة، حتى و أنا نايم بكون فرحان علشان بشوفك في حلمي"
اعتدلت في جلستها بعد حديثه ثم قالت بهدوء تحاول الهروب من حديثه:
هو أنتَ كنت في تخشيبة بجد ؟! أنتَ قولتلي كدا لما جيت، هو أنتَ كنت سكران يا حسن ؟!"
ابتسم بخفةٍ و هو يقول:
تقريبًا كدا آه، و الله كان الواد جنبي بيشرب سيجارة غريبة غالبًا هي اللي عملت فيا كدا، بس اتمنى أكون معكيتش الدنيا في نومي"
ابتسمت له بسخريةٍ تزامنًا مع قولها المتهكمٍ عليه:
خالص يا جدع، قول كلام غير دا هو أنتَ قولت حاجة !! عكيت الدنيا بس"
انتبه هو لحديثها الذي قالته فسألها بريبةٍ و حذرٍ:
عكيت !! عكيت قولت إيه ؟! قولي بسرعة يا هدير، أنا قولت إيه و أنا مسطول، قصدي و أنا متنيل على عيني"
ابتسمت بخبثٍ و هي تقوم بسرد ما حدثها به أثناء نومه حينما كان في عالمًا أخر غير ذلك
(قبل استيقاظه من نومه)
_"تخشيبة !! هو قال تخشيبة بجد ؟!"
هكذا حدثت نفسها بعد حديثه ثم هزته بقوةٍ لعله يفيق و يخبرها بماذا تحدث قبل نومه حتى تفاجئت به يكبل حركتها نهائيًا حينما طغى بقوة جسده عليها و هو يقول بصوتٍ ناعسٍ تائهٍ:
ما تبس بقى و اسكتي يا هدير، خليني كدا أحسن"
فتحت عيناه بسرعةٍ و هي تقول بحنقٍ و نبرةٍ منفعلة:
يابني فوق !! أنتَ مكتفني"
رفع فمه يقبل وجنتها ثم وضع رأسه على كتفها و هو يقول من بين نومه:
تعرفي !! أنا كنت بكرهك أوي، كل ما أشوف وشك ببقى عاوز ايديكي على وشك علشان تفوقي، كل مرة كان نفسي أجي اهزقك"
شهقت هي بقوةٍ بعد حديثه و حاولت فك حصار جسدها المقيد بجسده و قبل أن ترفع صوتها تعنفه تحدث هو بنعومةٍ تتنافى مع وقع كلماته عليها:
كل مرة كنا نتقابل صدفة كنت بجبر عيني متشوفكيش، علشان مستحيل كنت أصدق إنك تكوني معايا في يوم، كنت بجبر نفسي أكرهك حتى من قبل ما اتجوز وجودك كان بيستفزني"
رمشت ببلاهةٍ و فرغ فاهها بشدة بعد وقع كلماته عليها حتى أضاف هو بعدما حرك رأسه يلقيها في المسافة الواقعة بين عنقها و كتفها يهمس في أذنها:
بس أنتِ مينفعش تتنسي، مينفعش العين تشوفك و متتشغلش بيكي، أنا طلعت أهبل علشان بحبك من غير ما أحس بنفسي، أول مرة اتخطبتي فيها اتأكدت إن أي حاجة بفكر فيها ناحيتك لازم تختفي، بس لما الفرصة جت تاني، أنا مسكت فيها بايدي و سناني....هدير..."
كان حديثه في نومه و كأنها تجاريه و في الحقيقة أنها مصدومة مما يخبرها به حتى ذكر اسمها ثم توقف لبرهةٍ قليلة اثارت انتباهها حتى قبل وجنتها ثم تابع حديثه بقوله:
أنا بحبك، بس زعلان منك"
تخلت عن صدمتها و صمتها و هي تسأله بنبرةٍ مهتزة بعدما بُهت وجهها واستحال للون الأصفر:
لـ....ليه يا حسن !! زعلان مني ليه ؟! أنا معملتش حاجة"
رد عليها هو بنفس الصوت الناعس:
علشان سيبتيني كل دا من غيرك، ليه محبيتنيش من الأول بدل ما هي تجرحني كدا !! ليه أنا مشغلتكيش زي ما أنتِ شَغلتيني ؟! أقولك على حاجة، حضن ريم و حضن حنان بارد ميطمنش، حضنك أنتِ بس اللي لقيت نفسي فيه، الضلمة نورت بوجودك و الدنيا ضحكت بعيونك ..... برضه مش هتقوليلي أنا كنت عايش قبلك ازاي ؟!"
نزلت دموعها رغمًا عنها على حديثه الذي و إن دل على شيء فهو يدل على كم الوجع الذي عايشه هو حتى من قبل بداية قصتهم كان حبيبًا مجهولًا لها و هي لم تتذكر حتى اسمه في تلك الأوقات !!"
(عودة إلى لحظتهم الحالية)
قصت عليه كافة التفاصيل الخاصة حتى طريقته و نبرته تلك التي تخللت عُمق روحها، و كان هو يستمع لها بتيهٍ و تشوشٍ و عينين متسعتين على أخرهما، فحتى تكذيبها لم يقوىٰ عليه فحديثها بالكامل صحيحًا، تفاجأ بها بعد نهاية الحديث تسأله بتيهٍ و ضياعٍ ممتزج بالحدة الواهية:
بقى أنا كنت بستفزك !! أنا كنت كل شوية أخليك عاوز تضربني ؟! ليه يا حسن ؟! أنا دلوقتي عاوزة أمسك فازة أكسرها على دماغك"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
أنتِ هطلة !! سيبتي أهم حتة في كلامي و مسكتي في دي ؟! بقولك شَغلتيني من الأول خالص، و لما اتخطبتي أنا زعلت، و بقولك حضنك هو اللي بيطمني، و أنتِ دا اللي فرق معاكي !! آه كنتي مستفزة و باردة و بتتكبري، مش فاهم ليه"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ تزامنًا مع شهقة جامدة خرجت منها حتى سحبها هو يقربها منه و يدخلها بين ذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة محاولًا إصلاح في ما أفسده بحديثه و هي تحاول الابتعاد عنه، حتى لف ذراعيه على ذراعيها و هو يقول بنبرةٍ هامسة أمرًا لها:
اثبتي !! مش دا حضني اللي كل شوية بتطلبيه ؟! اتهدي بقى"
سكنت حركتها نهائيًا و هي تتنفس بحدة حتى قال هو بنبرةٍ هادئة:
مش عاوزة تعرفي كنت في التخشيبة ليه !! مش هتطمني على أبو علي حبيبك"
حركت رأسها للخلف تنظر له حتى قرأ هو الفضول المغلف نظرتها حينها ارتخت قبضته من عليها ثم قام بسرد ما حدث معهم و مع ابن عمها و كيف انتهت تلك الليلة العصيبة عليهم جميعًا، سكتت هي تمامًا و هي تتابعه حتى انهى حديثه فأسرعت تقول بخوفٍ عليه:
طب و أنتَ حصلك حاجة !! ازاي تعمل كدا يا حمار ؟! افرض معرفتش تخرج تاني ؟! كنت هتتصرف ازاي ؟!"
رد عليها يطمئنها:
متخافيش و الله، دي حاجة معروفة في أي قسم شرطة، و بعدين كان معايا الرجالة كلهم برة يعني مستحيل حاجة تأذيني و يسكتوا، بعدين مكانش ينفع اسيبه لوحده جوة"
سألته هي باهتمامٍ واضحٍ:
يعني أنتَ دخلت علشان أحمد !! ضحيت بنفسك كدا علشانه هو ؟! و مخوفتش حتى ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال ببساطةٍ لا يكترث لأي مخاطر قد تواجهه:
آه، أحمد أخويا و بنشتغل مع بعض يا هدير، مكانش ينفع أسيبه لوحده جوة في مكان زي دا، و بعدين علشانكم انتوا برضه أكيد لو كان جراله حاجة محدش كان هيستحمل"
ارتمت عليه هي تلك المرة تحتضنه و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ متأثرٍ:
أنا بحبك أوي، أنتَ إزاي شهم و طيب كدا !! يا بخت الشباب كانوا صحابك من زمان، يا بخت اللي يتسند على حسن المهدي"
ابتسم هو بسعادةٍ بالغة و هو يسألها بصوتٍ رخيمٍ:
خلاص !! مش زعلانة من اللي قولته و أنا مسطول ؟!"
حركت رأسها نفيًا فوقف و هي معه بعدما أمسكها هو ثم قال بنبرةٍ مرحة:
تعالي اصالحك برضه، شكلك زعلانة و أنا مقدرش على زعلك"
عقدت ما بين حاجبيها و هي تسير معه حتى خرج بها من غرفتها المفضلة و توجه نحو صالة الشقة و هو يضحك باتساعٍ حتى اغلق الأضواء القوية و قام بتشغيل الأضاءة الخافتة من خلال جهاز التحكم ثم قام بتشغيل أغنية من إحدى أغنياته التي يحبها و هي تتابعه بتعجبٍ و بسمةٍ مكتومة حينما ضمت شفتيها ببعضهما حتى لا يفتضح أمرها بتلك البسمة فقال هو بعدما غمز لها بمشاكسىةٍ:
بناديك تعالى !!"
حركت رأسها باستنكارٍ حتى اقترب منها هو يمسك ذراعها يقوم بتدويرها مثل العروس في يده و هو يضحك بملء شدقيه و فرحةٍ كبرى، أما هي فشعرت بالغرابةِ منه و من طريقته حتى بدأ يرقص معها على كلمات الأغنية بمرحٍ و هو يغني معها و هي تتحرك في يده بخفة:
بناديك تعالى.....بناديك تعالى....بناديك تعالى....يحلو العمر بيك.....بناديك تعالى....بناديك تعالى شايف أحلامي فيك....مغيرني بقى اللي يشوفني يسألني بحب جديد.....مغيرني و شوقي ليك مغلني ملوش مواعيد....بناديك تعالى.....بناديك تعالى يحلو العمر بيك، بناديك تعالى شايف أحلامي فيك....تصدقني أنا اتعودت على قربك و خدت عليه...صدقني دا مش دلوقتي دا قدري أقرب ليك....بناديك تعالى"
ضحكت هي أخيرًا معه و هو يضحك حينما شبك كفيه بكفيها يدورا سويًا و كأن الربيع حل على روح كليهما، فرقصا مثل الأطفال تحت المطر كما لو أنها زهرتين، و استمرت حركاتهما الطفولية تلك و ضحكاتهما الرنانة ترتفع أكثر سامحين لروحهم تخرج طاقتها السلبية و كل ما مر عليهما حتى الآن من فترةٍ سلبية لازال أثرها عالق بروحهما كما تتعلق الدموع بأهداب العينين، انتهى الأمر حينما كادت تسقط خلفها بعدما تعرقلت قدميها في قدميها فأسندها هو و دعم جسدها حينما اقترب من الحائط يسندها عليه و هو أمامها يلهث بقوةٍ و هي الأخرى و لازالت تضحك حتى ضحك هو الأخر ثم ضرب رأسه في كتفه و هو يقهقه عاليًا و هي الأخرىٰ تضحك معه حتى قال هو من بين ضحكاته:
خرجنا كَبت سنة كاملة، معاكي لحد السنة الجاية بقى لحد ما تكشري تاني، أظن كدا عداني العيب"
حركت رأسها موافقةً بقوةٍ و هي تبتسم باتساعٍ و لازال صدرها يعلو و يهبط من فرط الانفعال و حركتها معه حتى أمعن النظر في وجهها و هو يقول بنبرةٍ هائمة:
أنا الذي عَاش فِي دُنياه وَحيدًا و عـنْ نَفسي حَـتىٰ غريبًا، لـ أكسب في وُجودُكِ كما لو أنني وجدتُ عالمًا يُؤنسني و فِيكِ من كُل العَالم أُنسي، أنَّا الذي تغرب حائرًا و بِعينيك كَان وَنسي، أنا الذي أحَبكِ حتى أكثرُ ما أحبَبتُ نَفسي"
رفعت عينيها له بسرعةٍ كبرى فزفر هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
معرفش الكلام دا خرج مني ازاي، بس حاسس أنه هيعبر عن اللي جوايا ليكي"
لم تتحدث و لم تتكلم فقط كعادتها قفزت تتعلق به و هي تضحك بسعادةٍ بالغة جعلته يدور بها بسعادةٍ تماثل تلك التي تضحك بها و كأن ضحكته تُقتبَسُ من ضحكتها و سعادته ترتبط بسعادتها.
_________________________
في صبيحة اليوم التالي بعد انتهاء تلك الليلة على الجميع، كانا كلًا من «عامر» و «وليد» يقومان بترتيب الملعب تجهيزًا للمساء حيث تكون المباراة بين شباب العائلة و ضد فريقًا أخر من شباب المنطقة التي تقع بها شقة «ميمي».
اقترب «وليد» من «عامر» يسأله بنبرةٍ هادئة وسط الفراغ الذي يقفان به:
بقولك إيه ؟! ظبطت كل حاجة خلاص ؟! أنا للأسف هثق فيك، عاوزه ماتش رايق و راقي كدا، هنرحب بـ يوسف علشان وقفته معانا امبارح، تمام يا عامر !!"
ابتسم له «عامر» بثقةٍ ثم أضاف بنبرةٍ ودودة:
عيب عليك متقلقش يا ليدو، سيب الملعب ليا و حط في بطنك شادر بطيخ صيفي، بصراحة أنا حبيت يوسف دا بعد موقفه مع أحمد امبارح، شكله شهم"
حرك «وليد» رأسه موافقًا له ثم أضاف مُكملًا بعد تلك الإيماءة:
معاك حق، حاسس كدا أنه محتاج مساعدة مننا و اتمنى اننا نساعده بجد، عينه بتقول أنه شاف كتير"
رد عليه «عامر» مسرعًا:
حسيت بكدا، على العموم احنا معاه وقت ما يحتاجنا احنا مش هنقصر معاه، هيلاقي جيش في ضهره زي ما بقينا مع بعض كدا، و بصراحة دي فرصة حلوة علشان أحمد برضه يغير جو و يفك بعد ليلة امبارح"
تنهد «وليد» بعد حديثه فسأله «عامر» و كأنه انتبه لتوه:
آه صحيح بقولك إيه، فين ياسين ؟! مش هو أجازة ؟! مجاش معانا ليه ؟!"
غمز له بعبثٍ و هو يقول:
علشان سيبتله مهمة النقل، هيجمع الستات مع بعض و البنات و يجيبهم هنا، هو غالبًا هيجمع الكُل في شقة ميمي و يجيبهم على فترات"
لمعت فكرة في رأس «عامر» فورًا فقال بلهفةٍ يلحق بحديث الأخر:
بقولك إيه !! قولوا بس يجمع الستات في شقة ميمي و ملهوش دعوة، كل البنات بس، اخواتكم و سارة و إيمان و ريهام معاهم، و ستات عيلتكم، أكد عليه بس يجمعهم و ملهوش دعوة"
طريقته و لهفته أثارت تعجب «وليد» لكنه حرك كتفيه تزامنًا مع قوله ببساطةٍ:
تمام، خلاص هكلمه و أقوله، المهم أنا هقابل يوسف دلوقتي و أجيب هدوم الفريق، و أنتَ هنا مسئول عن كل حاجة، عامر !! مش عاوز تهور، الفلوس معاك و كل حاجة أنا مظبطهالك، حاجة راقية، كأنك في برج العرب"
حرك رأسه موافقًا بثقةٍ و فخرٍ و هو يؤكد حديث الأخر و أن الأمور ستبقىٰ على ما يُرام، فيما تحرك «وليد» من أمامه تاركًا له الملعب يتصرف فيه كما يشاء.
خرج «وليد» و ركب سيارته ثم أخرج هاتفه يطلب رقم «يوسف» بعدما أعطاه له بالأمس قبل رحيله، رد عليه الأخر يجاوب اتصاله حتى قال مُسرعًا:
إيه يا معلم !! نايم و لا إيه، قوم صلي الضهر كدا و فوق علشان تقابلني و تلف معايا"
رد عليه الأخر بنبرةٍ مرحة يمازحه بها:
لأ يا عم صاحي من بدري، و صليت الضهر الحمد لله، المهم هقابلك فين ؟! أنا بلبس و نازل أهوه"
رد عليه «وليد» بثباتٍ:
تمام لما تنزل كلمني و أنا هجيلك بلاش تيجي بعربيتك أنا هاجي أخدك من الفندق، ابعتلي اللوكيشن بس"
وافق «يوسف» على حديثه ثم أرسل له موقع الفندق حتى يأتي و يأخذه منه، حينها وقف أمام الخزانة ينتقي ملابس تناسب تلك المناسبة الغريبة، و استقر في نهاية الأمر على قميص باللون الأسود خامة الجينز، و بنطال باللون البيج و حذاء رياض باللون الأبيض ثم شمر أكمام ثيابه حتى مرفقه و صفف خصلات شعره الكثيفة المرتفعة بثباتٍ، ابتسم هو بثقةٍ و هو يشعر بالراحة عند ارتداء تلك الملابس العصرية، فطبيعة عمله تفرض عليه الملابس الرسمية، لكن في إجازته يرتدي ملابسه العصرية التي تتناسب مع جسده الرياضي و وسامته التي يحاول جعلها متواضعة قدر الإمكان.
وصل «وليد» أمام الفندق بعد مرور بعض الوقت و كان الأخر يجلس في انتظاره في بهو الفندق و خصيصًا على أحد المقاعد الوثيرة، جلس يرتشف قهوته و ينفث هواء سيجارته حتى صدح صوت هاتفه برقم «وليد» حينها أغلق المكالمة ثم ارتشف الباقي من القهوة على ملء فمه ثم خرج له مُسرعًا حتى ركب بجواره و هو يبتسم له بهدوء، فتحدث «وليد» بسخريةٍ على حالهما:
اللي يشوفنا النهاردة سوا !! ميشوفناش امبارح، دا أنا و لا كأني جاي أخد عروستي من الكوافير"
ابتسم له «يوسف» تزامنًا مع قوله الساخر بمرحٍ:
مش بيقولك ما محبة إلا بعد عداوة !! و إحنا ليلتنا كانت هتبقى غامقة لو كملت بنفس الطريقة كدا، مع إن لامؤاخذة يعني كنت فاكرك عبيط"
رد عليه «وليد» بثقةٍ تدل عن خبث طباعه و طريقته:
هو أنا لما أعمل عبيط و أنتَ تصدق أني عبيط، يبقى مين فينا اللي عبيط ؟! أنا اللي من الأول فهمتك، و حسيت أني قاريك"
رد عليه الأخر ينفي حديثه بعدما أصدر صوتًا من فمه يدل على النفي لما يفكر:
_أنا بوريك اللي أنا عايزك تشوفه فـ متفتكرش إنك قارح و قاريني
أبتسم «وليد» باتساعٍ ثم قال بمرحٍ يضيفه على تلك الأجواء:
طب و الله شكلنا هنعمر سوا، أصل أنا فيا طبع، لو عاوزك تشيلني فوق راسك هعمل كدا من غير مجهود، و في نفس الوقت ممكن أخليك تكره اليوم اللي الدنيا رميتك فيه على سكتي علشان طبعي صعب، أنا بكيفي و مزاجي أحط مكانتي عندك"
غمز له «يوسف» ثم قال بنبرةٍ ثابتة تحمل الفخر بتفكير الأخر:
لأ شكلي كدا هصدق إني ليا شبيه، طلعت قارح"
سأله «وليد» بتعجبٍ من تلك الكلمة الغريبة التي أضافها ذلك العجيب إلى قاموسه:
متأخذنيش في الكلمة، يعني إيه قارح ؟! دي عربي دي ؟!"
رد عليه مُفسرًا:
قارح دي لغة عربية فُصحىٰ أصلًا، بس بالمصري معناها يعني أنك جامد و مفيش منك اتنين، بس دي حقيقة، أنتَ جامد من بعدي طبعًا"
كانت كلماته تنطق بالغرور و التعال بالذات حتى تحرك الأخر بسيارته بعدما بادله النظرة المتعالية بأخرى تماثلها يشوبها عبثٍ و كأن كليهما يطابق الأخر في طريقته.
_________________________
في شقة «ميمي» قام «ياسين» بنقل الفتيات و السيدات جميعهن إلى هناك على فتراتٍ باعتباره أجازة من عمله، فتطوع هو لتلك المهمة حتى آخر مجموعة كانت والدته مع والدات أصدقائه.
و كعادة الجلسات النسائية بأكملها ما يوجد بداخلها الأحاديث و المرح، حتى تهورت كلًا من «إيمان» و «هدير» معًا و قامتا بإضافة أجواء المرح حينما جلبت الأولى "الدُف" من داخل إحدى الغُرف و أعطته لوالدتها و هي تقول بمرحٍ:
يلا يا ماما عاوزينك تدلعينا كدا و تخلي الليلة كلها هنا و سرور، مفيش رجالة معانا اهوه، و لا إيه يا طنط مُشيرة ؟!!"
ردت عليها «مشيرة» بحماسٍ:
ياريت، خلونا نفرح شوية و نتبسط قبل ما نشوف أخرة اللي احنا فيه دا إيه، يلا يا أم خالد"
ابتسمت أم «خالد» ثم أشارت للنساء و قامت بالضرب على الدُف و هي تُغني إحدى الأغنيات القديمة الشعبية و النساء معهن حتى تهورت «سيدة» والدة «عامر» و قامت باطلاق الزغاريد الفرحة و المُبهجة و كأنها ليلة من ليال الحنة الشعبية، و قامت الفتيات ترقص مع بعضها حتى تحدثت «ميمي» بصوتٍ جامدٍ تأمر الأخرتين:
سارة و إيمان !! اترزعي منك ليها علشان اللي في بطنك أنتِ و هي، جرى إيه مضحيين باحفادي ؟!"
جلست «سارة» بخجلٍ و هي تحاول كتم ضحكتها، بينما «ايمان» ضربت الأرض بقدميها ثم جلست على مضضٍ و هي ترمق الفتيات بغيظٍ حتى عاد الغناء من جديد و نساء عائلة الرشيد يضحكن بقوةٍ و فتيات العائلة يرقصن سويًا بمرحٍ حتى صدح صوت هاتف «خديجة» برقمه، أجابت على الهاتف بعدما ابتعدت عنهن فوصلها صوته يقول بنبرةٍ هادئة:
خديجة، جهزوا نفسكم، عامر كلمني و قالي إن عشر دقايق و هنتحرك على هناك، هكلمك كمان شوية و أقولكم تنزلوا"
ردت عليه هي بسعادةٍ بالغة و كأنها طفلة تذهب للملاهي في مرتها الأولى:
ياسين، أنا فرحانة أوي، بجد حاسة أني متحمسة و عاوزة ننزل حالًا، مينفعش دلوقتي"
سألته بتوسلٍ حتى يتم الإسراع في تلك المناسبة التي تتوق هي لحضورها، فتفاجئت به يقول بسخريةٍ:
هنروح دلوقتي ازاي ؟! مفرقتش من ١٠ دقايق يا خديجة، المهم عرفيهم أنهم يجهزوا لحد ما أشوف البيه هيعمل ايه، ربنا يسترها"
أغلقت معه الهاتف ثم توجهت للنساء من جديد تخبرهن بحديث زوجها، حتى بدأن في التجهز للرحيل من الشقة.
في الأسفل وقف «ياسين» أسفل البناية يتصفح هاتفه و يراسل الشباب يعلم منهم أين هم و متى سيأتون و كذلك رجال العائلة، أغلق الهاتف و وضعه في جيبه و هو يقول بسخريةٍ محدثًا نفسه:
أنا ليه حاسس إننا مكبرين الموضوع، دي و لا كأنها ليلة حنة !! يا رب هات العواقب سليمة، يا رب أنا مش حمل وليد و عامر و حسن و يوسف مع بعض، كتير و الله، يا رب استرني و متفضحش"
كان رافعًا كفيه يدعو الله بما يجول في قلبه حتى وصله صوت السيارة تطلق صيحات ترحيبية من خلال ضغط السائق على محرك السيارة، حرك «ياسين» رأسه نحو مصدر الصوت و سرعان ما اتسعتا حدقتيه بقوةٍ و هو يرى حافلة كبيرة الحجم تصف أمامه، و السائق يخرج رأسه من النافذة و هو يقول مرحبًا به:
بشمهندس ياسين، ازيك يا غالي، أستاذ عامر قالي أخد الجماعة لحد الملعب، و حضرتك معاهم، يلا يا باشا"
اقترب منه «ياسين» يسأله بلهفةٍ:
عامر هو اللي قالك يا عم سلامة؟؟ منه لله البشاير باينة أهيه، الله يطمنك أنتَ و هو"
أخرج هاتفه يطلب رقم زوجته و هو يقول بنبرةٍ جامدة بعدما ردت عليه هي و قبل أن تسأله بحماسٍ تحدث هو بايجازٍ:
انــزلــوا يــلا"
أغلق في وجهها فورًا و لم ينتظر منها التعقيب، و بعد مرور ثوانٍ بدأت السيدات جميعهن بالنزول خلف بعضهن و في مقدمتهن «ميمي» الذي ركض إليها «ياسين» يساندها بمفردها حتى اقتربت منه «خديجة» تعاونه و هي تبتسم له، فابتسم هو الأخر لها و حينما خرجن النساء و وجدن الحافلة في انتظارهن حينها عاد المرح و الأصوات المُبهجة لهن من جديد، و هن يركبن الحافلة و أول من دلفتها كانت «ميمي» و من بعدها الفتيات و "الــدُف" معهن، أغلق «ياسين» باب الحافلة بعدما تأكد من دخول الجميع، ثم جلس بجوار السائق و هو يقول بقلة حيلة:
يالا يا عم سلامة الله يستر طريقك، اتكل على الله، يلا يا جماعة اجهزوا هنتحرك"
فور انتهاء جملته انتشرت الزغاريد و التصفيقات الحارة حتى التفت هو لهن و سرعان ما ضحك بملء بوجهٍ مُشرقٍ تأثرًا بفرحتهن، حتى التفت من جديد ينظر أمامه و هو يقول للسائق بنبرة ضاحكة:
اتكل على الله يا عم سلامة، خلينا نلحق المعمعة هناك من أولها، يلا"
قام السائق بتشغيل محرك السيارة و حينها بدأت الفتيات بالغناء و الطرق على "الــدُف" و الزغاريد كما هي تخرج من أفواههن و «ياسين» في الأمام يجاهد حتى يكتم ضحكته و هو يفكر إذا كانت تلك هي البشائر فكيف بالباقي إذن ؟!"
في محل قريب من موقع الملعب الذي تجهز بأغرب ما يمكن أن يتم تجهيزه لمناسبةٍ مثل تلك، خرج منه «عامر» ثم توجه لمحل حياكة الملابس بعدما أمر الشباب بالتوجه إلى هناك، و قبل أن يدلف المحل أخرج هاتفه يطلب رقم «ياسين» حتى رد عليه الأخر بضجرٍ فتحدث «عامر» مسرعًا قبل سُباب صديقه له:
قبل ما تشتم بس، لما توصلوا عند الملعب انزل من الأتوبيس و تعالى محل "أم سماح" علشان تلبس هدومك، و الستات هيدخلوا من الباب اللي ورا"
قال حديثه ثم أغلق الهاتف مُسرعًا و قبل أن يتوجه داخل المحل وصله صوت «خالد» يقول منفعلًا:
هقتله !! و ربي لولا أني خايف ايتم ابني كان زماني مخلص عليه من سنتين، سيبوني عليه يا جدعان !!"
ضحك الشباب بأكملهم فيما ازدرد «عامر» لُعابه بخوفٍ من صديقه، فتحدث «ياسر» بقلة حيلة:
بس حلوة و الله و جديدة، تحس إن ليها دلالة كدا، تخيل دا اسم الفريق، أومال إيه اللي جاي"
ابتسم «عامر» ببلاهةٍ و هو يقول:
روح ربنا يعمر بيتك يا ياسر"
أنهى جملته حتى وصلته جملة «ياسر» يقول متوعدًا له:
بس و رب الكعبة لأخليه يبات على سفرة ميمي لحد ما يتأدب"
تهجم وجهه من جديد و هو:
منك لله يا ياسر، ماشي"
التفت حتى يهرب من المكان فاصطدم في جسد الأخر الذي وضع يده على عنقه و هو يقول طابقًا على أسنانه:
هو أنتَ يالا مفيش عندك مخ !! طفحته مع السندويتشات بتاعتك !!"
قبل أن ينطق «عامر» دفعه «ياسين» داخل المحل و بمجرد دلوفهما شهق ياسين بقوةٍ حينما وقع بصره على الشباب يقفون بجوار بعضهم يرتدون سترةً رياضية باللون الأسود و تم وضع شارة قماشية باللون الأصفر عليها طُبع عليها جملة:
فريق صــد_ رد"
ضرب «ياسين» كفيه ببعضهما و هو يرى الشباب و معهم «يوسف» أيضًا و «أحمد» و جيمعهم دون أن ينقصهم واحدًا، فاقترب منه «حسن» يقول بضجرٍ:
اتأخرت ليه يا ياسين !! يلا البس علشان اتأخرنا الرجالة دخلت و الستات كمان"
_"حتى أنتَ يا حسن ؟!!"
تفوه بها «ياسين» بدهشةٍ حتى سحبه الأخر للداخل حتى يرتدي سترته هو الأخر.
بعد مرور دقائق خرجوا الشباب خلف بعضهم يتوجهون نحو الملعب و قبل أن يدخلون ركض «عامر» يقف مقابلًا لهم يعارض طريقهم حتى وقفوا جيمعًا فقال هو بصوتٍ عالٍ:
الدَخلة هتبوظ، أقف عندك أنتَ و هو، و خدوا نفس عميق علشان اللي جاي حلو على الكل"
وقفوا ينظرون لبعضهم البعض بتعجبٍ و خاصةً بوجود «عامر» و طريقته تلك، فيبدو أن القادم لم يكن خيرًا البتة، يا ترى ما هو ؟! على كلٍ لا يجب عليهم فعله سوى الانتظار للقادم حتى و إن لم يكن خيرًا كما ذُكر.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم شمس بكري
كُنتُ مُشتتُ الخُطىٰ و يوم أهتديتُ في سَيْري؛ سِرتُ علىٰ خطاكِ
_________________________
الفجر من رحم الظلام سَيولدُ، فلا ليلي يطيل و لا يبقىٰ القلب العليل، فيأتي النهار بشمسه المُشرقة و تصحبه طيوره المُغردة و كأن أصواتها تعزف على أوتار الفؤادِ، حتمًا سيأتِ يومٌ الجراح به تطيب، و كأن السعادة أمام الحزنِ تطيب.
وقفوا ينظرون لبعضهم البعض بتعجبٍ و خاصةً بوجود «عامر» و طريقته تلك، فيبدو أن القادم لم يكن خيرًا البتة، يا ترى ما هو ؟! على كلٍ لا يجب عليهم فعله سوى الانتظار للقادم حتى و إن لم يكن خيرًا كما ذُكر، فيما تحرك «عامر» للداخل يسبقهم مُتممًا على ما يُخطط له هو، و هم كما هم ينظرون لبعضهم حتى خرج هو لهم يغمز بمرحٍ ثم قال بفخرٍ و شموخٍ:
يلا يا غاليين، خدوا نفس عميق و جهزوا نفسكم، عاوزك تعيش و تسيب نفسك يا يوسف، كل دا معمول على شرفك"
ظهر شبح ابتسامة هادئة على وجهه نجح هو في اخفائها فيما أبت عينيه ذلك و ضحكت و ظهر ذلك من خلال نظرته المُتسائلة للقادم، حتى تفاجأ بـ «عامر» يفتح الباب و يشير لهم بالدخول ، فدلفوا تِباعًا خلف بعضهم ليروا مشهدًا عبثيًا و كأنه في الأحلام فقط.
كان المشهد كالآتي، حيث دلف الشباب لأرض الملعب و تفاجئوا بالألعاب النارية تشتعل في السماء تزامنًا مع صوت العزف على الطبول الكبيرة و الخيل الذي يقف في أرض الملعب و يعتليه رجلٌ صعيدي يرتدي جلبابًا و يرقص بالخيل على أنغام الطبول مع صوت ترحيبات حارة بهم تخرج من فم «عُمدة» في مكبر الصوت و هو يقول مُهللًا:
سـمـعنا أحـلى تحية بضرب الـنـار للفريق الأول فريق الدمـــار"
اشتعلت الأجواء بالأصوات المرحبة و التصفيقات الحارة من المدرجات التي جلست بها المنطقة بأكملها و النساء في المقدمة، دلفوا الشباب معًا و نظرات الاستنكار تسكو ملامح وجههم، فيما تحرك «عامر» وسط الفرقة بمرحه المعتاد يرقص وسطهم بالعصا، و حينها مال «طارق» على أذن «حسن» يقول هامسًا:
عامر فاكرنا ذئاب الجبل يا حسن، أنا خايف هيبتي تروح"
رد عليه «حسن» بسخريةٍ:
هيبتك تروح ؟! ١٠ دقايق يا طارق و هنبقى عِرة الفرق كلها"
حرك «طارق» رأسه موافقًا بتهكمٍ، فتحدث «عُمدة» بطريقته المعتادة المرحبة بالناس في الأفراح مُرحبًا بالشباب و هو يقول:
سمعني التحية اللي هي بالباشا اللي خلى ليلتنا هنية، يعني قفلي على الحكاوي و فتحلي القهاوي ترحيبًا بـ يـوسـف بـاشـا الــــراوي"
ذكر اسمه بصوتٍ عالٍ جعل الأجواء تزداد لهيبًا ترحيبًا به حتى تحرك له «عامر» يأخذه من وسط الشباب يسحبه للوسط حتى يرقص معه وسط الفرقة الصعيدية التي تدق على الطبول ، فلم يجد «يوسف» بُدًا غير الرقص معهم بالعصا بعدما أعطاها «عامر» له و هو يرقص معه.
اقتربوا منهم الشباب يرقصون معهما وسط الفرق عدا «ياسين» الذي وقف يتابع ذلك العبث بعينيه و داخله يود الصراخ، حتى اقترب من «عامر» يمسكه من رقبته و هو يقول هامسًا بحنقٍ طابقًا على اسنانه بغيظٍ:
يا أخي أعمل في أهلك إيه ؟! هو أنتَ يالا حالف تفضحني دنيا و آخرة !! مدخلنا على موسيقى ذئاب الجبل يا عامر !!!"
رد عليه الأخر بحنقٍ منه:
فيه إيه يا عم ؟! ما الدنيا فل و الناس فرحانة اهوه و عمدة مولع الدنيا، و بعدين مزعلاك ذئاب الجبل أوي كدا ؟! خلاص مشيها الضوء الشارد"
دفعه «ياسين» بقوةٍ و هو يقول بضجرٍ تمكن منه:
غور يخربيت أبو معرفتك الهباب، داهية تاخدك"
رد عليه «عامر» ساخرًا:
مش ماتش في حارة !! الله ؟! عاوزني ادخلكم على إيه ؟! طُلي بالأبيض ؟!"
عض «ياسين» شفته السفلى فركض «عامر» من أمامه يقف بجوار «عمدة» و هو يقول بمرحٍ:
يلا يا عمدة سمعني التحية، فين الواجب الفرقة التانية قربت توصل"
أمسك «عمدة» مكبر الصوت و هو يقول بطريقته الخاصة المعتادة في عمله بحماسٍ أشعل الأجواء أكثر من السابق:
قسم يا عم و ركز معايا و غني و قول ورايا، اقعدلنا كل واقف و قربلنا كل بعيد....الليلة ليلة هنا زي ليلة العيد، الليلة فرحنا بوجود شبابنا و زينة الرجالة عيلة الـــرشـــيــد"
ازدادت التصفيقات الحارة و الأصوات المرحبة، فتابع هو بنفس الطريقة مرحبًا بالشباب بعدما أملاه «عامر» اساميهم:
نرحب بحباينا و شبابنا و خيرة رجال الزمان و هما عمامنا، تحية لأبناء فايز الرشيد، الرجالة المجدع اللي موجبة مع كل قـــريــب و بــعـيـد"
ارتفع صوت الطرق على الطبول و الخيل يرقص عليها كما أن المكان كان مرتبًا على طراز الأفراح الشعبية في وجود الإضاءة القوية و الفرقة الشعبية و الخيل و راقص التنورة الذي كان يقف بجوار الخيل في المنتصف، كان المشهد مرحًا أكثر من كونه جادًا يليق بتلك الليلة.
تابع «عمدة» حديثه مرحبًا بالشباب حتى بدأ بقوله من جديد:
نبدأ بكبيرنا و حبيبنا، يعني الرزانة و الهدوء و السكينة و السلام، يعني في وجوده كل حاجة تبقى تمام، سمعونا تحية لحبيبنا حمامة السلام تحية لابو فارس، تحية للأستاذ وئــــام"
وقف «وئام» بخجلٍ من تلك التحية حتى سحبه أحد أعضاء الفرقة يرقص معه و مع «يوسف» و «عامر» يرقصا أيضًا، فتابع «عمدة» من جديد:
نيجي لحبيبنا و كاريزمتنا، طارق بيه الرشيد، يعني الدعاية و الاعلان، يعني الأفكار الجديدة اللي عمرها ما تخليك زهقان، الباشا اللي بِـ طَلته لقلوبنا سارق، حبيبنا و حبيب الكل الأستاذ طـــارق"
سحبه «عامر» معهم يرقص هو الأخر حتى تابع «عمدة» مرةً أخرى:
الباشا يعني الرجولة و الشهامة حبيب الملايين اللي سايب في القلب علامة، يعني الكل عادي عندي إلا حسن ابن المَـــهدي"
ضحك «حسن» بسعادةٍ بالغة و هو يرى تلك التحية الخاصة به و هذا آخر ما توقعه، فحرك رأسه مباشرةً لها يضحك بفرحةٍ و كانت «هدير» في تلك اللحظة تنتظر نظرته له حتى ابتسمت له بسعادةٍ ثم أشارت له تحمسه بيدها، حتى غمز لها بعينه ثم اقترب من الخيل و ركبه وسط ارتفاع الأجواء الصاخبة و المهللة بفعلته تلك و هو يرقص بالخيل ثم أشار لـ «وليد» حتىٰ يركب خلفه، ففعل الأخر مثلما أراد فرفع «حسن» الخيل حتى أصدر صوتًا عاليًا فبدأ العزف على الطبول من جديد و تابع «عمدة» ترحيبه بـ «أحمد» و هو يقول:
الباشا أخر العنقود، يعني الحنية و الروقان يعني بالي معاك و وياك و بيك موعود، الأستاذ اللي رافع راس الكل و اللي في دلاله ملوش حل، الواحد الوحيد اللي مخلي كل قديم جديد، معاكم و معانا أحمد باشا الرشــيــد"
ضحك «أحمد» بقوةٍ حتى ارتفعت ضحكاته إلى القهقهات و دلف للشباب فاحتضنه «وئام» بحبٍ ثم همس له في أذنه:
أنا فخور بيك أوي، أنتَ سيد الرجالة كلهم يا أحمد"
أبتسم له «أحمد» و هو يشدد العناق عليه ثم رقص مع ابناء عمومته، فتحدث «عمدة» مرحبًا بالأخير الذي أخبره به «عامر»:
تحية حلوة لحبيبنا و ابن حبيبنا، الدكتور عبدالرحمن، يعني الضبط و الالتزام و الأمن و الأمان، يعني ابن سيادة العقيد و الأمن واصل لبعيد، و سمعني سلام عظيمة يا مصر يا أرض اللوا"
تبدلت الموسيقى خلال ثوانٍ، واقترب «عبدالرحمن» من الشباب يرقص معهم هو الأخر و سحب «عمار» رغمًا عنه و «حسن» على الخيل و معه «وليد» حتى همس له الأخير بنبرةٍ ضاحكة:
الحمد لله أني قولت لعامر عاوز حاجة هادية و على الرايق، الدنيا هادية خالص، و الجو هُس هُس"
رد عليه «حسن» بنفس النبرة الضاحكة حينما مال برأسه للخلف قليلًا:
الحمد لله فعلًا، ياسين دلوقتي هيولع فيه و فيك و فيا و في يوسف و معانا الواد عبدالرحمن اللي بيرقص دا"
وقف «خالد» في المنتصف و على طرفيه «ياسين» و «ياسر» فتحدث هو بضجرٍ متوعدًا لذلك الأبله الذي يرقص وسط الشباب:
شقة ميمي كلها هتتكسر على دماغه إن شاء الله، يوريني مين هيحوشه من ايدي، صبركم عليا، و إن شاء الله وليد معاه، حاضر"
رد عليه «ياسر» بقلة حيلة:
هتعمل إيه يعني ؟! ما الدنيا حلوة و زي الفل أهوه، بلاش النكد بقى"
تدخل «ياسين» يقول هو الأخر بعدما زفر بقوةٍ:
مكتوبالي اتفضح على أيد ابن فهمي و سيدة، بس أقولك حلو كدا خلي يوسف و أحمد يفكوا شوية، يلا"
نظر له «خالد» مستنكرًا حديثه فسحبه «ياسين» من يده و اشار لـ «ياسر» ثم وقفوا مع الشباب يرقصون حتى وصول الفرقة الأخرى المواجهة لهم في تلك المباراة العبثية.
كانت الفتيات تصفق لهم بحماسٍ وصوت هتافهن يعلو تدريجيًا قبل بدء المباراة و والدة «خالد» تطرق على الدف تناغمًا مع صوت الطبول حتى نزل «حسن» و معه «وليد» من على الخيل ثم رقصوا مع بعضهم جميعًا و معهم «خالد» و البقية أيضًا.
وصلت الفرقة الأخرىٰ لهم في أرض الملعب و حينها تولى «عمدة» مهمة التعريف بهم و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
ها قد وصل الفريق المواجه الفريق المضاد، فريق و بينا ميعاد"
ارتفع التصفيق ترحيبًا بهم، فسأل «يوسف» بتعجبٍ ممتزج بالتهكم:
إيه يا جدعان !! إيه يا جدعان !! العبث دا مين مسئول عنه ؟! فريق صد رد VS و بينا ميعاد ؟"
رد عليه «عامر» بفخرٍ:
أنا المسئول الوحيد هنا، مش عاجبك ؟!"
حرك كتفيه ببساطةٍ ثم قال بلامبالاةٍ:
عادي مش مهم، هي دي اللي هتخليني استغرب يعني ؟! دا لو حد جِه سلم عليا من غير راس مش هستغرب"
ضحك الشباب عليه بينما هو وقف يتابع ما يحدث حوله بملامح وجه ساخرة حتى بدأ روتين بداية المباراة، فقام «خالد» بتقسيم الأدوار عليهم و قيادة الفريق فقام «عامر» بالاقتراب منه ثم وضع على كتفه شارة قيادة الفريق عليها جُملة:
خالد عمهم و حارق دمهم"
نظر «خالد» للشارة بطرف عينه ثم رفع نظره لـ «عامر» يسأله مستنكرًا بتهكمٍ:
دا بجد !! و الله دا بجد ؟! أنتَ كيفك منين يا عامر ؟! مين الرايق اللي مكلف الدماغ دي ؟"
ضحك الشباب عليه من جديد فتحدث «عامر» بضجرٍ:
افضل ارغي كتير كدا و مش هنلعب في سنتنا البيضا، أخلص يا عم بقى"
أقترب منه «يوسف» يسأله بثباتٍ يتنافى مع هزل كلماته:
لأ بجد، مين اللي مسئول عن الروقان دا ؟! دا أكيد تربة حشيش كاملة اللي تعمل كدا"
حرك «عامر» كتفيه بلامبالاةٍ ثم قال بقلة حيلة و بنبرةٍ عملية:
هعمل إيه ؟! المهم ركزوا معايا أنا مأمننا كويس، و مظبط كل حاجة، و محضرلكم مفاجأة بين الشوطين، يلا يا خالد، عيد من تاني"
أملى عليهم «خالد» الأدوار مرةً أخرى ثم قال متابعًا حديثه:
عمار هينزل الأول، و أنا هكون في الاحتياطي، هنزل على الشوط التاني"
سأله «وئام» بتعجبٍ من حديثه و قراره على العلم بأنه أكفأ اللاعبين في الفريق:
طب ليه ؟! ما أنتَ بتلعب حلو أوي، خليك معانا أنتَ و عمار"
أبتسم له «وليد» بثقةٍ ثم قال بدلًا عن «خالد»:
مينفعش الكارت اللي يقش تحرقه في الأول يا وئام، احنا نفهم لعبهم الأول و بعدها نلعب زيهم، صح يا خالد ؟!"
حرك رأسه موافقًا له ثم ركز عليهم في الحديث و التأكيد لمهام كلًا منهم و كان حرس المرمىٰ هو «وئام» نظرًا لقلة خبرته بلعب كرة القدم و لكن انفعلات جسده جيدة في صد هجمات الفريق الأخر.
خرج الفريقين في خطٍ متوازٍ مقابلين لبعضهما حتى وقفا سويًا و كلًا منهم يحيي الأخر، فأطلق «عمدة» صفيرًا عاليًا يعلن به عن بداية انطلاق المباراة، حينها وقف أحد الشباب المحايدين للفريقين يدفع الكرة في المنتصف و بدأ بعدها التفرق في الملعب و كلًا منهم يلزم محله.
بدأت المباراة بحماسٍ غريب و كلا الفريقين يلعب بكامل طاقته و قوته و كأنها مباراة أساسية تابعة لأحد الفرق العالمية، كانت الفتيات تشاهد بصمتٍ تام دون هتافٍ أو تشجيع حتى وقفت «خلود» تحدثهن بضجرٍ منهن:
انتوا ساكتين ليه ؟! شجعوهم يلا شجعوهم، قوموا كدا يلا"
أقتربت منها «ايمان» حينما مالت عليها بجسدها و هي تقول بحماسٍ:
أيوا يا بت يا خوخة، يلا معايا كدا شجعوهم خلوهم يكسبوا"
وقفت «خلود» بحماسٍ و هي تصفق بكفيها و تصدح بهتافًا حماسيًا ألهب الأجواء:
جــيت في حــيطة ســد....دا فريق صــد رد"
ضحكت الفتيات بشدة و قهقهات ضحكاتهن ترتفع أكثر حتى وقفن و تركن جلستهن على المقاعد ثم بدأوا في التصفيق و الهتاف الحار معًا تشجيعًا للفريق حتى حدث ما هو غير متوقع و صدح صوت «عمدة» عاليًا يقول بهتافًا حماسيًا:
أيوا أيوا...... شوط يا أبو علي شوط يلا يا أبو علي، يلا يا أبو علي......جـــول"
كان «حسن» يمرر الكرة بين اقدام اللاعبون حتى استطاع احراز الهدف الاول لصالح فريق
(صد_ رد) حينها اندفعت «هدير» تقفز عدة مراتٍ و هي تقول بصوتٍ حماسيًا:
شاطر يا حسن....برافو يا حسن برافو....أيوا يا أبو علي يا جــامد"
وقف هو يضحك على رد فعلها الغريب الذي شبهه و كأنها والدته تفخر به، و من فرط حماسها و فرحتها به أرسلت له قبلة في الهواء حتى تبدلت نظرته إلى الدهشة و هو يحرك رأسه يمنةً و يسرى بمعنى لا فائدةً منها طالما حييت معه تلك الفتاة.
بدأت الأجواء الحماسية من جديد و بدأت أقدام الشباب تجول بالملعب خلف بعضهم بحماسٍ و طاقةٍ عالية بلغت أشدها حتى صدموا جميعًا حينما احرز الفريق الأخر هدفًا مفاجئًا غير متوقع، حينها فرح الفريق الأخر، و زفر «وئام» بقوةٍ و رفع كفيه رأسه و هو يطالع الشباب بأسفٍ، فاقترب منه «خالد» يقول بثباتٍ:
و لا يهمك اليوم لسه في أوله، شد حيلك بس و خليك ثابت، يلا زي ما أنتَ جسمك في النص حيرهم و متخليش حد فيهم يتوقع رمية جسمك، تمام !!"
حرك رأسه موافقًا، و عادوا لـلعب من جديد بحماسٍ تجدد لهم كليًا و «خالد» يحمسهم و يشير لهم بأماكن الحركة، و كان بجواره «يونس» يقفز و هو يقول بمرحٍ:
شوط يا عامر.....يلا"
ادي عمار يا عامر، يلا بسرعة"
تفوه بها «خالد» بصوتٍ عالٍ جعل «يوسف» يندفع بجسده نحوهما و على حين غرة و على غير المتوقع رفع الكرة بقدمه ثم أطاحها لـ «عمار» برأسه، و حينها احرز «عمار» الهدف حينما رفع قدمه اليسرى و حصل الفريق على الهدف الثاني، فركضوا جيمعًا إلى «عمار» يحملونه على أيديهم فرحًا به، ثم عادوا لاستكمال المباراة التي أوشكت على الانتهاء في الشوط الأول، و مع زيادة حماسهم أحرز الفريق الأخر الهدف الثاني لينتهي ذلك الشوط بتعادل بين الفريقين نتيجته [٢_٢]
أطلق «عمدة» صفيرًا عاليًا يعلن به انتهاء ذلك الشوط وسط نظرات الاحباط من الفريقين بتلك النتيجة التي لم تُظهر أيًا من الفريقين سيحصل على الفوز !!
جلسوا الشباب في غرفة صغيرة الحجم يأخذون قسطًا من الراحة و كان كلًا من «رياض» و «فهمي» في انتظارهم بالداخل و معهم «مرتضى» أيضًا الذي وقف يقول مُحمسًا لهم:
عاش يا شباب، عملتوا اللي عليكم و زيادة، فخور بيك ياض أنتَ و هو"
تحدث «وئام» بخجلٍ منهم:
حقم عليا في الجونين دول، بس هو نفس الواد غالبًا دا أجمدهم يعني، علمته و هفوقله خلاص"
رد عليه «طارق» بنبرةٍ ساخرة:
أيوا كدا عاوزك تقطعه، عاوزك تتخيله الواد اللي كان عاوز يتقدم لمراتك و احنا في الجامعة"
ضحكوا عليه جميعًا فقال «وئام» بغيظٍ:
متفكرنيش، كدا هموته في أيدي، مش ناقصة هبل هي"
تحدث «رياض» بنبرةٍ مرحة:
متخافش من حد ياض، معاك سيادة المستشار رياض، اتكل على الله و عمك رياض في ضهرك"
تدخل «وليد» يقول ساخرًا بطريقته المعتادة:
ايوا و المثل بيقولك أنا أعيش أسد و دمي حامي طول ما فـ ضهري المحامي"
ارتفعت ضحكات الشباب عليه بينما «ياسر» لاحظ اختفاء «عامر» فتحدث مستفسرًا و عينيه تبحث عنه في الغرفة:
هو راح فين !! مصدر المصايب دا راح فين بس ؟! هي ناقصة ؟!"
تحدث «ياسين» مسرعًا بهلعٍ و كأن اختفاء الآخر يسبب له حالة نفسية:
لأ و الله مش هستحمل حاجة تانية، راح فين زفت الطين، يا مرارك يا ياسين"
رد عليه «يوسف» بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم مكبر الموضوع ليه ؟! ما الراجل عامل جو زي الفل أهو و مروق علينا، مالك في إيه ؟!"
رمقه «ياسين» بغيظٍ فتحدث «خالد» بثباتٍ:
الشوط التاني هبدل مكان عبدالرحمن، و وئام يقف زي ما هو، مش هغيره"
سأله «طارق» بايجازٍ:
اشمعنا !!"
_"علشان خلاص هما عرفوا وئام، في نفس الوقت أنا عرفتهم برضه، هما هيغيروا عندهم، لكن أنا هسيب وئام زي ما هو، هما هيفتكروا أني هغيره"
طالعه «يوسف» بإمعانٍ و هو يقول بثباتٍ:
أنا شكلي كدا هاجي أبوس راسك، لو أنا فاهمك صح يعني"
ابتسم له «خالد» و هو يقول بثباتٍ هو الأخر و ثقةٍ:
متقلقش، أنا عارف أنا بعمل إيه كويس، الكرة دي ضيعت كتير من حياتي عليها"
في تلك اللحظة دلف «عامر» بمرحه المعتاد و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
جيت ليكم بالأكل، ريحوا كدا و كلوا علشان ندخل نكسر فيهم الشوط التاني، أنا صارف و مكلف، اديتكم مونة، أدوني شغل عدم المؤاخذة"
تحدث «عبدالرحمن» بتهكمٍ:
مونة إيه هو احنا عمال مقاولة ؟! احنا دكاترين محترمين، ما تشوف أخوك يا عمار"
رد عليه «عامر» بسخريةٍ:
هيشوفني يعمل إيه يعني ؟! و لا يقدر يعمل حاجة أصلًا، يلا بس كلوا، عمدة قالي معانا تلت ساعة كمان"
رفع الحقائب على الطاولة يضعها و يقوم بفتحها و إخراج ما بها حتى احتلت الدهشة ملامح الأوجه بأكملها، فأضاف هو مفسرًا:
دي سندوتشات كبدة و سجق و سلطة و طحينة، موصي عليهم مخصوص"
اقترب منه «يونس» يقف بجواره و هو يمسك في ذراعه حتى اقترب منه «يوسف» يحمله على يده و هو يبتسم له و قال بهدوء:
أنتَ اسمك إيه يا سكر ؟! ابن مين فيكم دا يا رجالة ؟!"
تحدث «ياسين» بنبرةٍ هادئة:
دا يونس ابن خالد، بس عمليًا يعني هو أول طفل يخلينا نجرب احساس الأبوة دا، كل واحد فينا بيعتبره ابنه"
ابتسم «يوسف» له ثم أمسك وجهه يقبل وجنته الناعمة و هو يقول بعدما أمعن النظر في وجهه و وجه والده:
شبهك يا خالد، الفرق بس إن هو بشرته بيضا و شعره بني افتح من شعرك، لكن باين فعلا انه ابنك"
ابتسم له «خالد» ثم قال بهدوء:
عقبال ما تشيل ولادك يا رب و يكونوا زيه كدا يا يوسف"
حرك رأسه ينظر في وجه الصغير الذي ابتسم له ثم قال بمشاعر غريبة عليه كُليًا:
يا رب....يا رب إن شاء الله"
قام «عامر» بتوزيع الطعام على الجميع و هو يضحك لهم، فتحدث «يوسف» يستفسر منه بطريقةٍ جادة لا تتناسب مع كلماته:
برضه مش عاوز تقولي مين بيكيفك ؟! الدماغ الحلوة دي مين مظبطها، حاسس إني أليس في بلاد العجائب"
رد عليه «عامر» بنبرةٍ ضاحكة:
دي أقل حاجة عندي، يدوبك بس علشان الماتش جه على غفلة، عارف لو كان متربتله من بدري، كان زماني عامل شغل أحسن من دا بكتير، بس هعوضهالكم و احنا خارجين"
تحدث «طارق» بسرعةٍ ممتزجة بالقلق:
هو لسه فيه و احنا خارجين ؟؟ هي مخلصتش كدا ؟! هتعمل إيه تاني يا عامر ؟! هتنزلنا بفضائيين؟!"
بعد مرور دقائق و بعدما تناولوا الطعام و المشروبات التي قدمها لهم «عامر» خرجوا استعدادًا للشوط الثاني، ارتفع صوت الألعاب النارية بالمكان ترحيبًا بعودة الفريقين لأرض الملعب فبدأت الفتيات و النساء في الهتاف و الترحيب بهم حتى بدأ الشوط الثاني بالمزيد من الحماس لكلا الفريقين و حينها ابتسم «خالد» بظفرٍ حينما تأكد من ظنونه و قاموا بتغيير ما توقعه هو.
بدأت المباراة بحماسٍ وسط الصيحات و الهتافات العالية فصاحت «خلود» عاليًا تشجعهم و تُزيد حماسهم بقولها:
جيتوا في حيطة سد...هما مش اي حد.....دا فريق صد رد"
كانت الفتيات يتابعن خلفها و يكررن حديثها بحماسٍ قاصدين تشجيع الشباب حتى قام «ياسين» بإحراز الهدف الثالث فصاحوا جميعًا فرحًا به و بالفريق بأكمله و خاصةً زوجته التي كانت تقفز تصفق بمرحٍ وسط الفتيات حتى غمز هو لها فانفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيها، و مع الاستمرار لعدة دقائق أخرى أحرز الفريق الأخر هدفه الثالث بمحازاة نهاية المباراة لتصبح النتيجة [٣_٣]
قلت طاقتهم و خفتت حركتهم و بدأ اليأس يظهر على وجوههم و كأن النتيجة حُسمت للأسف، حتى قام «وليد» باحراز الهدف الرابع فجأةً فشهقت الفتيات بقوةٍ و اندفعن بأجسادهن و حينها قامت «إيمان» باطلاق الزغاريد الفرحة دون أن تعي ماذا تفعل.
لم تنتهي المباراة بعد بل حاول الفريق الأخر إحراز أية أهدافٍ تُنسب له الفوز لكن هذا لم يحدث فحدث خطأٌ غير متوقع أسفر عن إصابة لاعب من الفريق الأخر و «ياسر» أيضًا و حقنًا للدماء و لحل تلك المشكلة تم الاستقرار أخيرًا على ضربات الجزاء لكلا الفريقين و هي اللحظة المترقبة على الرغم أن الفوز لازال مضمونًا لفريق الشباب فحتى الآن النتيجة [٤_٣] لصالح فريق (صد_رد).
بدأت ضربات الجزاء بالفريق الأخر، فقام اللاعب بإحراز الهدف لتصبح النتيجة تعادل إيجابي [٤_٤] ظهر اليأس و الاحباط من جديد على أوجه الشباب، حتى حان موعد ضربة فريق الشباب و حينها وقف «خالد» بثباتٍ كعادته يطالع الواقف أمامه بإمعانٍ و الأخر يستعد لركلته بجسدٍ متأهبٍ كما استعداد الصياد لفريسته و قبل أن يبدأ «خالد» بذلك وصله صوت صغيره يقول بحماسٍ و صوتٍ عالٍ يحمسه و هو على ذراع «رياض»:
يــلا يــا خــالد شــوط....يــلا يــا بــابـــا"
حرك «خالد» رأسه ينظر له و هو يبتسم بحبٍ له على طريقة ابنه التي تشبه طريقته في أدق التفاصيل حتى هتافه صدح صوت الصفير و حينها ابتسم «خالد» باتساعٍ ثم مال بجسده لليسار قليلًا و حينما حدث ما أراده هو على حين غرة ركل الكرة بقدمه اليسرى لتدخل من جهة اليمين و يحرز الهدف الأخير ليظفر بالنصر و نتيجة المباراة كانت [٥_٤] لصالح فريق (صد _رد) حينها اندفع الشباب نحو «خالد» بحماسٍ و طاقةٍ كبرى يحتضنوه و «ايمان» تطلق الزغاريد بحماسٍ حتى تحدثت «ميمي» بضجرٍ منها:
ما تتهدي بقى علشان اللي في بطنك !! ياسر هيطين عيشتك و حقه بصراحة، اقعدي"
جلست بضجرٍ و هي تزفر بقوةٍ فتحدثت «ميرفت» بهدوء:
خايفين عليكي يا إيمان، لسه يا حبيبتي في الشهور الأولى، لما ربك يكرم شوية و الجنين يثبت أبقي اعملي اللي أنتِ عاوزاه، علشان خاطر ياسر حتى"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة ثم مدت كفيها تحاوط بطنها حينما تذكرت أمر زوجها و أمله في ذلك الجنين.
دلفت الفرقة مرةً أخرىٰ تعزف بالطبول و الخيل معهم و تلك المرة ركبه «يوسف» بعد اصرار الشباب عليه، و للحق لم يستطع هو انكار فرحته و حماسه لطالما كان طبعه القيام بعمل كل ما هو غير مألوف للأخرين، و التصرف كما يشاء وقتما يشاء، تابعه «ياسين» بعينيه و حينما لمح الراحة و السكون على وجهه زفر براحةٍ، فوجد «عامر» يدلف من باب الملعب على دراجة نارية، حينها ضرب رأسه بكفيه معًا فوجد عدة دراجات تدلف الملعب خلف بعضهم في حلقات متشابكة يحاوطون الشباب، و كل دراجة يعتليها شخصين، الشخص الأول يقود الدراجة النارية و الشخص الثاني يمسك الألعاب النارية في يده يطلقها في السماء ترحيبًا بالشباب.
انخرط الشباب معًا في الاحتفال وسط صياح «عمدة» هاتفًا بصوتٍ عالٍ:
الناس خيبتها السبت و الحد و احنا مش أي حد، احنا فريق صد رد، يعني الفوز المحتوم و النصر يدوم، يعني أنتَ وقعت في الحيطة السد"
رقص الشباب مع بعضهم بمرحٍ و ضحكاتٍ عالية و الفتيات يطلقن الأصوات الحماسية احتفالًا بهم، كانت ليلة غريبة نهايتها أغرب، فوقف «يوسف» يتابع ما يحدث حوله بعدما نزل من على الخيل و هو يفكر هل ما يحدث حقيقة ؟! هل تلك اللحظة ملموسة حقًا أم أن خياله هو من يصور له ذلك ؟! قبل أن ينخرط في تفكيره أكثر من ذلك وجد «وليد» يضع يده على كتفه بحماسٍ و هو يغمز له ثم قال بنبرةٍ هادئة و كأنه قرأ أفكاره:
أنا كنت زيك كدا، أول مرة كنت معاهم وقفت أسأل نفسي اللحظة دي حقيقة و لا خيال، بس أنا بأكدلك إنها حقيقة، و أنا هثبتلك دلوقتي"
طالعه بملامح مستنكرة و نظرات عينيه تتساءل عن ماذا يتحدث حتى تفاجأ بـ «وليد» يتركه متوجهًا صوب الفتيات ثم قال بحماسٍ:
خلود هاتيلي الدف من عندك، بسرعة بس قبل ما ياسين يخلع"
حركت رأسها موافقةً ثم ناولته له بحماسٍ و هي تبتسم له حتى أخذه ثم ركض للشباب من جديد و هو يضحك بملء شدقيه يقف وسطهم ثم قال لـ «ياسين»:
يلا يا معلم غنيلنا، و لا يوسف ميعرفش إن صوتك حلو ؟! غني يا ياسين يلا"
تدخل «يوسف» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
لأ، ازاي بقى، دا احنا مكانش فيه حاجة مهونة علينا غير صوته، كنا ما بنصدق نخلص علشان نقعد نشرب الشاي و نسمعه"
ابتسم له «ياسين» ثم أخذ أشار لصديقه بعينيه، حينها تحرك «عامر» يأخذه من الأخر ثم بدأ الأجواء بمرحه المعتاد، فبدأ «ياسين» بالغناء و التصفيق معًا و الشباب حوله يصفقون له تزامنًا مع غناءه و استمرت تلك الليلة بعدة أغنيات مرحة اختلفت في الأنواع بين عدة مطربين منذ أجيالٍ مختلفة حتى طلب منه «يوسف» بهدوء:
أنا بحب عبدالحليم، ما تسمعني كدا العندليب الأسمر يا ياسين"
أشار له على عيناهُ ثم بدأ في الغناء بقوله الهاديء:
الهوا هوايا...ابنيلك قصر عالي.... و اخطف نجم الليالي....و اسغلك عقد غالي....و يضوي احلى الصبايا....الهوا هوايا...ابنيلك قصر عالي.... و اخطف نجم الليالي....و اسغلك عقد غالي....و يضوي احلى الصبايا....أنا الهوا هوايا.....هوا هوايا يبقى القمر تالتنا...و الليل بحره مهاودنا....و النسمة اللي تاخدنا....ترجع شايلة الحكاية"
صفق معه الشباب و هو يغني بصوته العذب حتى شاركه والده في الغناء و كانت «خديجة» تتابعه بعينيها و تستمع لصوته بقلبها و هي تعلم تمامًا أن كلماته موجهة لها هي أكثر من كونه يُغني للجميع.
_________________________
انتهت الأمسية الرائعة أخيرًا بعدما رحلوا جميعًا من أرض الملعب و بعد التقاط الشباب للصور مع بعضهم، بعدها قرر كلًا منهم التوجه إلى وجهته و أثناء الاستعداد لذلك قبل أن ترحل هي مع الجميع ركض إليها «عمار» يقول بلهفةٍ:
يا خلود.... خلود...يا آنسة خلود"
التفتت له بنظراتٍ متساءلة عن سبب ركضه خلفها بتلك الطريقة قبل أن تلحق بعائلتها فقال هو بخجلٍ من طريقته:
أنا....أنا آسف، بس كنت عاوز أقولك حاجة ضروري"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة و عينيها تتابعه بإمعانٍ:
اتفضل، أنا سامعاك، خير يا أستاذ عمار"
ابتسم لها ثم قال:
ياريت بلاش أستاذ عمار دي، الفرق بينا مش كتير أوي كدا"
طالعته بسخريةٍ و هي تقول:
دا بجد !! طب و آنسة خلود دي إيه بقى ؟! اسم مركب ؟!"
تحدث هو مسرعًا:
خلاص طالما مزعلاكي يبقى خليها خلود و أنتِ قوليلي يا دكتور عمار، أنا متواضع برضه"
ابتسمت له هي رغمًا عنها فقال هو بنبرةٍ هادئة بعدما حمحم بخشونةٍ:
أنا مش عاوزك تقلقي بخصوص الدروس، أنا الحمد لله اتصرفت و حليت المشكلة بفضل ربنا، و هبعت لأحمد كل حاجة"
استطاع بحديثه إثارة انتباهها له حتى ظهر ذلك في نظرتها و رأسها التي تحركت بغير تصديق، فأضاف هو مُكملًا:
فيه سنتر تاني منافس للسنتر دا، فيه نفس المدرسين اللي بتاخدي معاهم و غيرهم كمان، صاحبه يبقى صاحب بابا، و قالي إنك تروحي عادي و بعتلي كل المواعيد، و بالنسبة لمدرس الإنجليزي، هو عنده اتنين احلى من بعض، دا مش موجود هناك، يعني حتى مش هتشوفيه صدفة، و بكدا محدش ممكن يزعلك بكلمة أو حتى يبصلك"
سألته هي بسرعةٍ دون أن تفكر في حديثها أو كلماتها حتى:
ليه ؟! ليه يا عمار شاغل بالك ؟؟ أنا أصلًا مهتمتش بالموضوع"
رد عليها مُسرعًا ثم حل التوتر على حديثه فورًا:
علشانك....اقـ....اقصد يعني علشان السنتر التاني لو روحتيه ممكن حد يزعلك هناك بكلمة أو بأي حاجة، و دي حاجة أنا مرضهاش ليكي"
ابتسمت له بتأثرٍ و شعرت بمشاعر غريبة تسيطر عليها كما أنها لامست الخوف عليها في حديثه، فتحدث هو بثباتٍ:
هبعت لأحمد إن شاء الله و لو مش هتعرفي المكان أنا ممكن أجي معاكي أحسن و أحمد يكون معانا برضه، عن إذنك يا آنسة خلود"
ردت عليه هي ببراءةٍ زائفة يشوبها خبثٍ من تفكيرها الذي لا يتناسب مع عمرها البتة:
متشكرة جدًا يا دكتور عمار....أنا فرحانة أني كسبت أخ زيك، بتفكرني بأحمد عليا"
تلاشت بسمته تلقائيًا و هو يقول بصوتٍ عالٍ إلى حدٍ ما أقرب للانفعال من حديثها:
أخ !!! إيــه ؟!"
حركت رأسها موافقةً ببراءةٍ و هي تحاول كتم بسمتها، فتحدث هو بقلة حيلة:
شكرًا الحمد لله أني مش بفكرك بـ تيتة، عن اذنك يا خلود"
التفت بعد حديثه حتى يرحل من أمامها و علامات الضيق على وجهه بعد حديثه، بينما هي تأكدت من خلال حديثه أن مكانتها عنده تخطت كل ذلك حتى رحلت من أمامه و هي تبتسم بثقةٍ تلحق بعائلتها.
وقف «يوسف» وسط الشباب يقوم بتوديعهم فقال ممتنًا لهم:
أنا بجد مش عارف أشكركم ازاي على اليوم دا، هيفضل أحلى يوم يعدي عليا في حياتي مهما عيشت، شكلي كدا هخلي كل اجازاتي معاكم و تبقوا اتدبستوا فيا"
رد عليه «عامر» مُرحبًا بفكرته:
يا عم تحت امرك تعالى أنتَ بس و ملكش دعوة و هات ناسك و حبايبك معاك هما كمان"
حرك كتفيه ببساطة و هو يقول بخجلٍ طفيفْ إلى حدٍ ما:
للأسف معنديش حد، دي الدعوة الوحيدة اللي استجابت ليا من أول يوم دعيتها فيه"
سأله «وليد» باهتمامٍ بعد حديثه:
دعيت ؟! دعيت بإيه ؟!"
رد عليه مفسرًا:
تلاتة ربنا يبعدهم عنك
[الناس_البني أدمين_البشر]"
طالعوه بتعجبٍ فتابع هو مضيفًا:
دي الدعوة اللي علطول كنت بدعيها، و سبحان الله من يوم ما دعيتها و أنا معرفش حد خالص، أول ناس أكون معاها هما انتوا، عاوز أشكر ياسين أني اتعرفت عليكم"
رد عليه الشباب جميعًا مرحبين بوجوده معهم، و هو أيضًا شعر بالراحة و الصدق في حديثهم حتى أتى موعد رحيله و طلب سيارة خاصة تنقله حيث مكان إقامته، على الرغم من عروض الجميع بأنهم في خدمته إلا أنه رفض متخذًا وجود النساء حُجة قوية حتى يرحل بمفرده و قرر الانسحاب قبل أن تنفلت أعصابه أكثر من ذلك خاصة أن رأسه بدأت تتشوش يود أن ينام في تلك اللحظة لذلك رحل فورًا بعدما ودعهم جميعًا.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» بعد وصولهم البيت بلحظاتٍ قليلة جلست «سلمى» في غرفتها تُخطط لدراستها و حينما شعرت بالضجر من الأجواء حولها حينها خرجت من غرفتها ثم قررت الذهاب إلى سطح البيت بعدما اقترحت عليها «خلود» ذلك، فقررت هي الانصياع لحديثها و صعدت بالفعل إلى هناك حتى تستنشق الهواء البارد خاصةً أنها طوال اليوم تهرب منه و من نظراته لها.
صعدت للأعلى فتفاجأت بصندوق متوسط الحجم يعتلي الطاولة الموضوعة فوق سطح البيت اقتربت منه بتعجبٍ فوجدت فوقها ورقة صغيرة كُتب عليها بخط اليد:
شيلي إيدك كدا كُخ"
عقدت ما بين حاجبيها ثم قامت بفتح الصندوق فوجدته بداخله أشياؤها المُفضلة و التي هي عبارةً عن أقلام الحبر ملونة و معها فواصل ورقية بألوانٍ مُبهجة حتى تستخدمها في استذكار دروسها و معها أقلام تحديد ذو ألوانٍ زاهية، و معها بعض اللاصقات الكرتونية و كلًا منها أسفلها عبارة مرحة مُشجعة لها و هي:
أشطر كتكوت في الدنيا"
ابتسمت بسعادةٍ بالغة فوجدت أخر شيءٍ عُلبة مشروبها المُفضل "الكابتشينو" وسط تلك الأشياء و معهم دفتر كبير الحجم، أخرجته هي و هي تبتسم بسعادةٍ يخالطها الحماس فوجدته دفتر التخطيط، حيث تم تقسيمه إلى عدة فئاتٍ و بكل فئة التاريخ و اليوم و عنوان المُهمة المطلوب منها القيام بها.
لم تحتاج لكثيرٍ من الوقت حتى تعرف ممن كل تلك الأشياء لكنها تذكرت طريقته معها فتركت الأشياء و تلاشت بسمتها و التفتت حتى تغادر المكان، فتفاجأت به يقف أمامها، و قد حاولت هي الهروب من نظراته المعتذرة لها و قبل أن تخطو خطوة واحدة من موضعها أوقفها هو بقوله متلهفًا:
استني بالله عليكِ، بلاش تنزلي من غير ما أتكلم، حقك عليا و على راسي يا سلمى"
رفعت عينيها تطالعه بلومٍ و معاتبةٍ و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
ليه هو أنتَ عملت حاجة !!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
آه....قليت أدبي، حقك عليا علشان طه مربانيش و زينب حاولت و فشلت"
التفتت توليه ظهرها حتى لا تضحك على جملتها، فقال هو مسرعًا:
حلو الضحك علامة السماح"
التفتت له تقول بثباتٍ:
مين قال إني سامحتك أصلًا ؟! فوق يا موهوم، بعدين وسع علشان عاوزة أنزل اذاكر و مش عاوزة حاجة تعطلني، حتى لو كنت أنتَ"
تنفس بعمقٍ ثم قال بوجعٍ:
ماشي أنا معاكي إنك تزعلي، بس غصب عني والله اليوم كان متعب و صعب أوي يا سلمى، اليوم كان متعب لواحد زيي، أنا اتضربت و اتهانت بأهلي، و أختي ابتهدلت معايا، صعب أشوفك قدامي و أخبي ضعفي، أنا كان هاين عليا أعيطلك و أحكيلك على اللي حصل فيا، بس ازاي و أنتِ الدنيا جاية عليكي أصلًا"
ردت عليه هي بثباتٍ:
تقولي و ملكش دعوة، لو زي ما بتقول أني بهمك أوي كدا و أنتَ شاغل بالك بيا يبقى هتعرف إن طريقتك دي متنفعش، أنا اليوم دا فضلت اذاكر لحد الصبح و روحت الدرس من غير ما أنام، أنا زعلت منك بجد و زعلي منك تعبني"
رد هو بلهفةٍ عليها يحاول اقناعها:
حقك على راسي يا سلمى بقى، بعدين أنا جيبت حاجات تخلي الأُمي يطلع من الأوائل، لو مش عاوزاهم هاتيهم لخلود السنة الجاية"
التفتت نحو الصندوق تغلقه ثم امسكته بسرعةٍ و هي تقول معاندةً له:
لأ، هاخده و مش مسمحكاك برضه، و على رأي وليد اللي ييجي منك أحسن منك"
تحركت من أمامه و قبل أن تخرج من باب السطح تحدث هو بنبرةٍ عالية:
تصدقي أنا غلطان، كان المفروض أجيب دبلتين أحسن، على الأقل أبقى ضمنت حقي"
حاولت كتم ضحكتها فقال هو بنبرةٍ جامدة أمرًا لها:
متضحكيش !! تصدقي أنا غلطت لما فكرت فيكي !! أنا محدش تعبني كدا"
التفتت له تقول مُتشفيةً به:
أحسن، دوق شوية من اللي أنا دوقته، تصبح على خير....يا ابن عــمـي"
اتكأت على حروف كلمتها حتى عزم هو على الركض خلفها و هو يتوعد لها فركضت هي للأسفل تضحك بقوةٍ عليه و هو الأخر حتى لحق بها على درجات السلم فقال بصوتٍ عالٍ:
اقفي مش هعرف امسكك !!"
توقفت تلهث بقوةٍ حتى قفز هو الدرجة الفاصلة و أصبح مقابلًا لها فاخفضت عينيها للاسفل بخجلٍ منه حتى تحدث هو بصوته الرخيم:
أنا أسف و الله و عارف إني زعلتك بس أنا عشمان في قلبك الكبير"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
ماشي خلاص سامحتك، علشان صعبت عليا بس"
ابتسم لها هو بعبثٍ و قال يشاكسها بلمحة خبثٍ في حديثه:
و ماله، دلوقتي صعبت عليكي، بكرة أبقى أنا اللي ليكي"
حاولت كتم ضحكتها فقال هو بعدما تنفس بعمقٍ:
انزلي يلا ذاكري و خلي بالك من نفسك، أنا محبش أم عيالي تبقى فاشلة، يلا"
خجلت من حديثه لذلك وكزته بالصندوق في يده ثم ركضت من أمامه فيما ابتسم هو باتساعٍ ثم قال بصوتٍ عالٍ تأكد هو أنه سيصلها:
لو الضحكة علامة السماح، الكسوف دا خلاني مرتاح"
دلفت شقتهم فورًا و أغلقت الباب بينما هو تنهد بعمقٍ و هو يبتسم بخفةٍ ثم التفتت يفتح باب شقتهم فوجد شقيقته تقترب منه بلهفةٍ و هي تقول:
ها !! عملت إيه ؟! خلاص سامحتك ؟!"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها فردت عليه بثقةٍ ة شموخٍ:
شوفت !! أنا كلامي عمره ما يخيب أبدًا، ثق فيا بس تاكل الشهد من ورايا"
ابتسم بسخريةٍ و هو يقول متهكمًا عليها:
أو علقة سخنة برضه، مش فارقة كتير، كدا كدا باكل"
ردت عليه هي تعانده:
تصدق !! أنا من شوية كنت حاسة بتأنيب ضمير أني خدت الدبوس من الورك بتاعك دلوقتي أتأكدت أني غلطانة فعلًا"
طالعها هو بتعجبٍ منتظرًا منها تكملة الحديث حتى قالت هي:
كان المفروض أكله كله، بس و الله لأصلح غلطتي"
قبل أن تتحرك من أمامه امسكها من ثيابها من الخلف و هو يقول:
عندك يا عسل !! خدي الكبيرة، الشوكلاتة اللي كانت في الفريزر و معاها علبة العصير، أنا شيلتهم ليكي علشان محدش ياخدهم"
سألته بحماسٍ:
بجد !! فين قول أنا افتكرت نفسي كلتهم من غير ما أحس"
غمز لها بثباتٍ و هو يقول:
في بطني، شيلتهم في بطني يا خوخة"
تركها بعد حديثه ثم دلف للداخل فابتسمت بخبثٍ و هي تقول هامسةً لنفسها:
الحمد لله معرفش أني باخد البُن بتاعه أعمل بيه ماسك"
_________________________
_"أخــوها !! أخرة كل دا أطلع أخـــوها يا عــامر !! يا سوادي"
تفوه «عمار» بذلك بصراخٍ و هو يجلس مع أخيه و «سارة» التي حاولت كتم ضحكتها عليهما، فتحدث «عامر» بقلة حيلة:
يابني بقى !! إيه العلاقة الهباب دي ؟! احمد ربنا إنك اخوها مش أبوها، إيه الهم دا ؟!"
جلس «عمار» بجواره و هو يسأله بقلقٍ من تفكيرها:
بقولك إيه !! هي ممكن تكون فكراني أخوها فعلًا ؟! هروح فيها دي، ابقى بقضي الليل كله ادعي ربنا يرزقني بيها و هي تقولي أنتَ أخ !!"
ضحك «عامر» رغمًا عنه فتحدثت «سارة» بدهاءٍ:
بص أنا ممكن افيدك بصراحة، بس مش عاوزة اديك أمل كداب تمشي وراه، فاهمني !!"
سألها بنفس اللهفة:
قولي متخافيش، بس أي حاجة تريح بالي"
ردت عليه هي تفسر ما فكرت به و ما توصلت له نتيجة حديث الأخرى:
يعني اللي أقصده إن خلود دي ما شاء الله ذكية أوي، أكيد مش هبلة يعني، بس الكلمة دي ممكن يكون قصدها مثلًا تختبرك ؟! أو تكون عاوزة تلمح ليك ؟! مش متأكدة بس خلود دي أتوقع منها أي حاجة، متقلقش"
تنفس الهواء مباشرةً إلى رئتيه ثم قال بهدوء:
كدا كدا أنا مش حاطط عشمي فيها هي، أنا حاطط عشمي في ربنا سبحانه و تعالى و متأكد إنها هتكون ليا، مستحيل احساسي بيها دا يكون كذب"
ابتسم له «عامر» بهدوء و «سارة» أيضًا، حتى قال هو بسخريةٍ:
أخوها ؟؟ طب ازاي ؟!"
ضحكا كليهما عليه فوزع هو نظراته بينهما حتى ضحك هو الأخر ثم ارتمى على أخيه يحتضنه فتحدث «عامر» بهدوء:
متخافش، و رب الكعبة لأريحك و أطمن قلبك كمان، اتطمن"
_________________________
وصلا سويًا إلى شقتهما ثم بدلا ثيابهما و قامت «خديجة» بعمل الشاي و معه أوراق النعناع الأخضر، ثم قامت بجلب الكعك المتبقي في الثلاجة ثم وضعته في طبقين لهما ثم خرجت من المطبخ نحو الشرفة التي جلس بها هو ينتظر قدومها.
أقتربت منه تبتسم بسعادةٍ بالغة ثم جلست بجواره على الأرض الذي جلس عليها هو يستند على الحائط خلفه، ابتسم هو بمجرد ما أقتربت منه تضع الصينية على الطاولة الصغيرة، ثم حركت رأسها تنظر له و هي تبتسم باتساعٍ، حتى سألها هو بشكٍ:
مالك !! بتبصيلي كدا ليه ؟!"
بتأكد إنك موجود فعلًا، الشهر و نص اللي كانوا من غيرك كانوا وحشين أوي، علشان كدا بتأكد إنك هنا، أنتَ موجود صح !!"
حرك رأسه موافقًا فتنفست هي بعمقٍ ثم قالت بحماسٍ:
من ساعة ما أنتَ جيت و كان نفسي نسهر سوا هنا و نشرب الشاي بالنعناع مع بعض، ما صدقت إنك هنا و موجود و مش عاوز تنام"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
هنام و أسيبك برضه ؟! قوليلي بصحيح ضرتي فين ؟!"
ابتسمت حينما فهمت أن مقصده هو القطة الصغيرة فقالت بنبرةٍ ضاحكة:
لو سمحت !! اسمها خَدوش، بعدين محدش قالك تجيبها ليا، دي طلعت طيبة و خدت عليا بسرعة أوي"
رد عليها هو بقلة حيلة:
ازاي قطة و طيبة !! أنتِ إيه مقياسك على الأشياء في الحياة ؟!"
قلبت عيناها بتفكيرٍ ثم حركت كتفيها و هي تقول بجهلٍ للأمر:
مش عارفة.....بس مأظنش أني عارفة حاجات كتير"
ابتسم لها وهو يقول:
أقولك ؟؟ كدا أحسن برضه"
اعطته الكوب الخاص به و طبقه أيضًا و أخذت طبقها و كوبها ثم قالت بمرحٍ:
أدي حلم من أحلام حياتي بحققه أهوه، عقبال الباقي يا رب"
سألها هو باهتمامٍ:
إيه الحلم و إيه أحلامك الباقية ؟! عرفيني كدا"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
نقعد كدا في البلكونة و نشرب الشاي مع بعض، و نقعد نرغي للصبح، بما إنك أجازة بقى هنرغي طبعًا، و لا أنتَ عاوز تنام؟!"
سألته بحذرٍ حتى قال هو ساخرًا بعدما ارتشف من كوبه:
لأ إزاي بس ؟! قال يعني أنا لو قولت عاوز أنام خديجة هتسامحني و مش هتزعل"
ردت عليه هي مسرعةً بتوترٍ:
هزعل و ازعلك مني، بس لو تعبان أنا مش هقدر أتكلم، و لا أقولك أنا عاوزة أبقى شريرة خلاص هزعلك....لأ أنا بحبك خلاص"
ضحك هو رغمًا عنها حتى وكزته في كتفه و هي تقول بتبرمٍ:
بس بقى !! لما انعكش الكلام متضحكش عليا، أنا ما صدقت ترجع علشان اتكلم قصادك براحتي"
سألها هو بتعجبٍ:
هو أنتِ مكنتيش بتتكلمي و أنا مسافر ؟! عيشتي خرسا ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
مش أوي بس كنت علطول لوحدي كدا و مش عارفة اتكلم، أو خايفة اتكلم، أنتَ الانسان الوحيد اللي لما بتكلم معاه بحس أني بكلم نفسي، مش بخاف مش برتب الكلام مش بفكر فيه، بتكلم بس من غير أي حاجة توقفني"
ابتسم هو لها ثم قال بصوته الرخيم:
علشان دي أهم حاجة في الدنيا، مش مهم فلوس و لا شقة و لا عربية و لا شكل، كل دول بيروحوا إنما القلب و الراحة النفسية دول مش بيروحوا مننا، الحنية و الطيبة دول فِطرة جوانا أصلًا، فأنا لو عاوز حاجة في الدنيا، يبقى هعوز أني أفضل حنين، أنا مبعرفش أعمل حاجة غير أني أحن على الناس، أنتِ بقى بكل الناس، يعني هتاخدي الحنية بجرادل"
ضحكت هي على كلمته الأخيرة و هو الأخر ضحك معها، فسألته هي بحماسٍ:
طب ما تقولي كدا مصيبة عملتها و أنتَ صغير محدش يعرف عنها حاجة ؟! احكيلي كدا خليني اشوف جوزي كان طفل شقي و لا إيه"
رد عليها ببراءةٍ ينفي تلك التهمة عن نفسه:
و الله أبدًا، طول عمري هادي و مسالم خالص، بصي...أنا اخترت أكون ازاي و إيه، يعني أنا اللي مقرر شكل حياتي، قررت أني عمري ما أكون شخص قاسي، و قررت أني أكون مسالم و أكمل تربية أهلي لنفسي، أخترت مثلًا اني موزعش غير الحب و بس"
نظرت له باستفسارٍ حتى أضاف هو يجاوب استفسارها:
يعني أنا مش بكره حد خالص، حتى لو حد بيكرهني أنا مستحيل أردله كرهه دا، بوزع حب و بس، بمعنى أنك بتحبني أنا كمان هحبك و أشيلك في عيني، بتكرهني أنا مستحيل أكرهك و تلقائيًا هعاملك كأنك مش موجود أصلًا، الكره دا مشاعر قوية بتاخد من روحنا و وقتنا، إنما الحب هو الحاجة الوحيدة اللي تخلي الانسان يعيش مرتاح، و علشان تعيش مرتاح أكتر ابعد عن الناس"
تحدثت هي بحزنٍ:
أنا مش بعرف اتعامل معاهم لحد دلوقتي، حاسة أني لسه مش قد دماغهم أو هما أكبر مني في التفكير، الناس ساعات اللي جواهم لينا بيخوف أوي، يعني ممكن حد يكون معايا بيضحك في وشي و هو من جواه يكون بيكرهني، أنا بخاف من كدا أوي، و بخاف من كلامهم و لسانهم"
اقترب منها هو يحتضنها حتى وضعت رأسها على صدره و هو يربت على ظهرها تزامنًا مع قوله الرزين الهاديء:
الناس دول يا خديجة أخر حاجة تفكري فيها، لأن هما أصلًا مش فاهمين نفسهم، كفاية خوف من الناس، لان هما مش هيحلوا و لا يربطوا و لا هينفعوكي بحاجة، خوفك لازم يكون من ربنا، و افتكري إن مفيش إنسان ممكن يأذيكي طول ما قلبك مسلم أمره لـ ربنا، أقولك على حدوتة حلوة تخليكي تعرفي إن الناس دي أصلًا وجودهم زي عدمه ؟!"
حركت رأسها موافقةً و شعر هو بحركتها تلك على صدره، فقال هو بنبرةٍ هادئة:
مرة واحد زمان حب بنت أوي و كان عاوز يتجوزها و المهم هي كمان حبيته و عرفته و بدأت بينهم قصة حب زي قصص الأساطير كدا، البنت دي كانت حلوة أوي و جميلة جدًا، كانت فيها كل حاجة أي راجل ممكن يتمناها، جمال و أدب و أخلاق و رقة و قلب طيب، باختصار يعني كانت خديجة في نفسها"
رفعت رأسها و هي تبتسم له فقال هو مسرعًا بمرحٍ:
أومال فكراني هقول إيه ؟! أنا راجل مخلص برضه"
ردت عليه هي بسرعةٍ:
أنتَ أجمل راجل في الدنيا كلها"
حرك كفه يُمسد على ظهرها ثم قال بنبرةٍ هادئة متابعًا القصة:
المهم يا ستي، الولد دا فاتح أهله و قالهم أنه عاوز يتجوز البنت اللي هو بيحبها، و أنه لقى فيها كل حاجة اتمناها، أهله بقى علشان العادات و التقاليد قالوله خلاص، نسأل عنها لو زي ما بتقول فعلًا كدا يبقى تتجوزها، لو حد ذَم فيها يبقى مستحيل تتجوزها، راح هو يا ستي و معاه حد من تبع أهله يأيد كل كلمة هتخرج في حق البنت دي، راحوا لأول ناس قالوا إنها عادية و مش مميزة و فيها غيرها كتير، سابهم و راح لناس تانية قالوله أنها بتستغل جمالها الطبيعي دا أنها توقع ناس كتير و تسحب منهم فلوس، راح للناس التالتة قالوله احنا منعرفهاش بس سمعتها وحشة أوي عندنا عروسة حلوة خدها و سيبك من ديه، طبعًا كان معاه راجل بيكتب كل حاجة يسمعها، يعني مش هيقدر يكذب على أهله، راح يعيني لأهله و هو متاكد انهم مستحيل يوافقوا عليها لو الدنيا كلها طلبت دا منهم، و دا حصل فعلًا أهله عارضوه و رفضوها و هو بدأ يخسر حياته و روحه كمان، فيه واحد صاحبه لاحظ حالته دي و أنه بدأ حتى يخسر نفسه، نصحه إنه يروح مسجد كبير وسط المدينة، و قاله هناك شيخ كبير أو و بركة هترجع من عنده مرتاح، روحله و مش هتخسر حاجة، و أكيد حل مشكلتك عنده اسمع الكلام و روحله"
سألته هي باهتمامٍ بعدما أثارت القصة انتباهها و استحوذت على تفكيرها:
طب و عمل إيه؟! راح فعلًا و لا رفض حاجة زي دي ؟!"
رد عليها يجاوبها بهدوء:
راح فعلًا و أول ما وصل المسجد قعد يعيط و غصب عنه اشتكى لربنا همه و كل اللي فيه، لاحظه الشيخ و لاحظ حالته، فقرب منه يسأله ماله و إيه اللي يخليه بعيط كدا، حكاله قصته كلها إن البنت اللي هو حبها طلعت مش تمام و الناس كلها ذمت فيها و أهله مستحيل يوافقوا عليها، و هو خايف تكون كدا فعلًا أو حس إن الناس كلها أجمعت على كدا يبقى فعلًا هي مش كويسة زي ما قالوا، الشيخ ساعتها لقاها فرصة أنه شخص زي دا و جاي محتاج كدا، فقاله أنه عنده بنت جميلة أوي و نفس مواصفات البنت دي اللي هو حبها، و طبعًا بنت امام مسجد يعني لا غُبار على أخلاقها، طلب منه يروح يسأل الناس في منطقته عنها و عن أبوها الشيخ، ساعتها الولد استغرب بس مع اصرار الشيخ وافق و راح فعلًا يسأل الناس عنها و قال خلاص طالما نفس المواصفات و بنت شيخ يعني أكيد عندها أخلاق عالية بدل حبيبته اللي هو مش متأكد من أخلاقها دي، المهم يا ستي راح المكان اللي شيخ قاله عليه و قاله لو عاوز تسأل في أماكن تانية دا حقك أنا مش هغشك دا جواز"
سكت عن الحديث فقالت هي بإيجازٍ:
كمل بسرعة"
تابع حديثه من جديد بعدما تنفس بعمقٍ:
راح يا ستي المكان دا يدور يسأل عنها و عن أبوها الشيخ، على الرغم أن النتيجة محسومة يعني، بنت شيخ و هو مشهور أكيد توب الأرض نفسه هيشكر فيها، بس المفاجأة كانت في كلام الناس عنها، انها بنت مش كويسة، و أنها بتستغل والدها، إن أبوها شيخ مش كويس، و هي بنت مش محترمة و مش شريفة، كلام كتير عن البنت و الشيخ، لف وراح منطقة تانية قريبة منهم يسأل الناس و منهم اللي يقول معرفش و منهم اللي يقول إنها مش كويسة و منهم اللي يقول إنها عادية زي غيرها، طبعًا هو استغرب و قال خلاص طالما زيها زي اللى بحبها يبقى أخد اللي بحبه و خلاص، و راح للشيخ تاني بس كان مكسوف أوي منه، هيروح يقوله بنتك طلعت زي اللي بحبها ؟! بس قرر أنه يواجهه على الأقل الشيخ يتصرف في بنته، دخل المسجد تاني و هو باين عليه الكسوف، الشيخ قرب منه و سأله بهدوء كدا و هو بيضحكله "ها نقرا الفاتحة ؟!" ساعتها قاله كل الكلام اللي الناس قالته على بنته و قاله أنه راح شارع تاني و مكان تاني و برضه الكلام كان هو هو، و بنته طلعت مش شريفة"
شهقت هي بقوةٍ و ابتعدت عنه تطالعه بغير تصديق و هي تقول:
يا ربي ؟! قال كدا للشيخ ؟! طب الشيخ عمل إيه يا ياسين؟!"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول متابعًا سرد القصة:
الشيخ ساعتها ضحكله و قاله إن هما دول البشر و إن هي دي طبيعتهم، ذموا في بنته زي ما ذموا في حبيبته، ساعتها الشيخ قاله أكتر حاجة لا يمكن يتخيلها....قاله أنه مش مخلف أصلًا و معندوش عيال"
زادت قوة شهقتها و هي تقول بغير تصديق:
يا نهار أبيض !! بتهزر صح ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
مش بهزر و الله، الشيخ فعلًا مش مخلف هو متجوز آه بس معندوش عيال، المفاجأة كمان أنه بعته مكان محدش يعرف فيه الشيخ دا لانه مش اسمه أصلًا، يعني الشيخ خلاه يسأل عن بنت مش موجودة لواحد ملوش اسم أصلًا، و ساعتها الولد اتصدم ازاي دا يحصل معاه، قاله إن البشر طبيعتهم الكلام و الغيرة حتى لو من حد هما مش عارفينه، طالما فيه خير جاي للشخص دا يبقى يقف في وش الخير دا، يعني البنت جميلة و حلوة و أدب و أخلاق، طبيعي يغيروا منها، ساعتها الشيخ قاله يروح لحبيبته و يحارب علشانها لأن الناس كلامهم خراب و البعد عنهم عَمْار، بس يا ستي"
ابتعدت عنه تطالعه بدهشةٍ من تلك القصة و هي تقول بغير تصديق:
دا بجد ؟! فيه ناس كدا فعلًا يا ياسين ؟! إيه الرعب دا"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بقلة حيلة:
للأسف آه، الناس طبعهم غريب و كلهم واخدين إن الدنيا حِجة و إن البشر هما السبب علشان كل واحد فيهم يفضل وحش من جواه كدا، بس محدش واخد باله أنه لو بدأ هو يحافظ على نفسه محدش هيتغير، الناس كلها هتكون كويسة لو كل واحد فكر أنه يحافظ على فطرته السليمة"
سألته هي بتوترٍ و صوتٍ مهتز و كأنها تخشى ذلك السؤال لكنه جال بخاطرها:
طب هسألك سؤال مهم و تقولي إجابته و متسألنيش بسألك ليه"
كانت نظراته مطالبة بأن تكمل و تستفسر عما تريد منه الجواب عنه، فتابعت هي بسرعةٍ كبرى:
هو أنتَ لو كنت جيت اتقدمتلي و حد قالك أني مش كويسة و اتكلم عني بطريقة مش كويسة، كنت هتعمل إيه؟! و متسألنيش ليه بجد علشان مش عارفه"
اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم طالع عمق عينيها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا مبسمعش كلام الناس يا خديجة، أنا بسمع كلام قلبي و بس، ناس مين دول اللي اسمع كلامهم ؟! و بعدين دي قصة من قديم الأزل، مين دول اللي يتكلموا عنك ؟! دا أنا أولع في اللي يبصلك بصة مش كويسة بس، مش يتكلم ؟!"
ابتسمت له وهي تبتسم ثم قالت بتلقائيةٍ و حماسٍ كعادتها معه:
شكرًا يا رب على وجوده، أنا بحبك أوي أوي أوي و الله، الحمد لله على نعمة وجوده"
اقترب منها يقول هامسًا بنبرةٍ هادئة متغزلًا بها و هائمًا في عينيها:
مِـنْ بَيْنَ جَميِّع الفَتيْات رُزِقت بِـ قَلّب أحَنُهن، أشَار عَليْها القَلب و عَشِقَها من بَيْنَهُنَ"
ابتسمت هي له و أخفضت رأسها بخجلٍ و خاصةً مع ارتفاع ضربات قلبها فقال هو بنبرةٍ مرحة كعادته حينما يغازلها:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِي يبقى كدا اتثبتي"
ضحكت هي باتساعٍ فأضاف هو بفخرٍ:
و إيه الجديد يعني ؟! من يوم ما عرفتك و أنا مثبتك، حاجة مش جديدة"
عادته لموضعها السابق بين ذراعيه و رأسها تلقيها على صدره تتنفس بعمقٍ و هو يربت على ظهرها برفقٍ حتى قالت هي بنبرةٍ هادئة:
اقرألي قُرآن يا ياسين، طمني"
ابتسم هو لها ثم رفع كفه يستقر على رأسها يحركها بهدوء و هو يقرأ لها ما تيسر من القُرآن الكريم بصوته العذب و هي بين ذراعيه في أمانٍ.
_________________________
في شقة «حسن» كانت «هدير» تقف في المطبخ تقوم بصنع الطعام لهما سويًا و هو في الداخل ينتظرها و يقوم بعمل شيئًا و هو يتأكد أنه سيعجبها لا محالة، و حينما طال انتظاره لها تحرك من الغرفة متوجهًا نحو المطبخ، وقف يتابعها و هو يبتسم فوجدها تقوم بصنع الشطائر فسألها هو بصوتٍ متحشرجٍ:
كل دا يا ست ؟! مكانوش سندوتشين جبنة و كوبايتين شاي باللبن دول ؟"
التفتت له تقول بتهكمٍ:
بقولك إيه مستعجل أوي كدا تعالى أنتَ اعمل معايا، متتعبنيش"
أقترب منها يقوم بسكب المشروب في الأكواب بصمتٍ حتى سألته هي بقلقٍ من صمته:
حسن !! أنتَ سكت ليه هو أنتَ زعلان ؟! أنا مش بحبك تسكت"
أبتسم لها و هو يقول:
يا ست أنا لا زعلت و لا نيلة، اعملي بس الأكل و بطلي دلع"
أقتربت منه تسأله بلهفةٍ:
أوعى تقول بابا هو اللي قالك كدا ؟! هو كلمك أنتَ كمان يا حسن؟!"
عقد ما بين حاجبيه بتعجبٍ فاضافت هي بمرحٍ و بنبرةٍ ضاحكة:
أصل بابا النهاردة و أنا بسلم عليه قالي بطلي تدلعي على حسن بقى و اكبري شوية، بس أنا مسكيتش علشان منظرك"
_"جدعة، أيوا كدا استري على جوزك، قولتيله إيه يا هدير ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
قولتله لأ طبعًا يا بابا احنا كبرنا أنا مش بتدلع على حسن....هو اللي بيدلعني"
قالت جملتها الأخيرة بمرحٍ و حماسٍ جعله يرد عليه بسخريةٍ:
روحي ربنا يسترك ياختي، خلصي الاكل و تعالي يا فضيحة، بس أقولك جدعة، أعيش و أدلعك أنا أصلًا معنديش غيرك أدلعه"
تحرك من أمامها و هي تضحك عليه بعدما أخذ المشروب و هي خلفه بالطعام، دلفا الغرفة خلف بعضهما حتى جلس هو أولًا و هي بجواره تضع الطعام على الطاولة، فمال هو بجسده بجوار الأريكة يجلب منها حقيبة متوسطة الحجم ثم وضعها على الطاولة و هو يقول بثباتٍ يتنافى مع الحماس الذي يُضرب بداخله:
شوفي كدا دي يا هدير ؟!!"
أخذت الحقيبة تفتحها و هي تنظر بتعجبٍ و قلقٍ حتى وجدت بداخلها بلورة زجاجية كبيرة الحجم يقبع بداخلها كرتونهما المفضل (الأميرة و الوحش) ، ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة، حتى وضعت كفها على فمها، فتحدث هو بصوتٍ رخيم:
طلعي التانية اللي جنبها و شوفيها يا هدير، يلا"
وضعت ما بيدها ثم أخرجت الأخرى لتجدها بلورة زجاجية مستطيلة الشكل بداخلها زهرة حمراء بنفس شكل الزهرة في نفس الفيلم، ضوت عينيها بفرحةٍ حتى وجدته يقترب منها يضغط على زر في نهاية تلك البلورة و حينها أُضيئت الزهرة و صدر معها نغمة هادئة، حينها شهقت بفرحةٍ فقال هو بهدوء:
قولت طالما بقى أنا خدت دور الوحش و أنتِ خدتي دور الأميرة، لازم يكون معاكي ذكرى حلوة منهم، أظن مفيش أغلى من دول ؟! و لا إيه ؟!"
حركت رأسها موافقةً و بـ عينيها الدامعتين طالعته فقال هو بهدوء:
دول الحاجات العادية، فيه هدية أحلى من كل دول يا هدير، هدية أنا واثق إن مفيش أعز و أغلىٰ منها"
حركت عينيها تطالبه بالاسترسال في حديثه حتى فتح الدرج الموجود في الطاولة ثم أخرج منه ما يريد ثم قدمه لها في يدها، أخذت منه الأوراق و هي تطالعه بتعجبٍ حتى تنفس بعمقٍ و قال بصوتٍ رخيم:
ربنا سبحانه و تعالى كرمني أنا و أنتِ معايا بزيارة لبيته الكريم، الحمد لله خلصت كل حاجة و هنسافر العُمرة سوا يا هدير"
رفعت رأسها نحوه مُسرعةً تريد منه إثبات صدق حديثه على الرغم من كونها تمسكه بيده، أما هو فكان يبتسم لها بسمةً صافية و خاصةً مع ازدياد البريق في عينيها، و أجزم هو في تلك اللحظة أنه رأى لمعة نجوم السماء في عينيها التي رزفت الدموع فورًا و فجأة ارتمت عليه تبكي بشهقاتٍ عالية و تتشبث به، و صوت بكاءها يزداد بقوةٍ في حالة صدمة و تخبط أصابتها كليًا و مست قلبها.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم شمس بكري
“و كَأن الطلَة من مُحياها وهيج الروح؛ ووحدها بسمتها شفاء الجروح.
_________________________
“هل من المعقول أن يشقىٰ المرء بلين قلبه، هل يمكن أن يتسبب رخوه في تمزقه إلى أشلاءٍ لم تعد تنفع ولا تضر؟! كيف لنورٍ يملأ القلب أن يعيش في ظلامٍ حالكٍ وسط أناسٌ قلبهم أشد من قسوة الصِوان؟! كيف لقلوب أن تفتقد لـ كل كلمات الرحمة واللين وما بها من معانِ؟ كيف لدنياي أن تُخفي الفرحة من ناظري وكيف لها أن تتفنن في كسر خاطري؟”
غدت الروح تُحلق في الجسد مثل الفراشات وكأنها طيرٌ أمتلك الجناحات، فملأ النور قلبها وسكنت الراحة في وجهها، وتشبثت بذراعيها به وهي تشهق شهقاتٍ مُتقطعة وتردد من بين تلك الشهقات بصوتٍ باكِ مختنقٍ من شدة ما تعايشه من مشاعر جديدة عليها كليًا بسبب سعادة ملموسة تمسكها في يدها على هيئة اوراقٍ حلمت بها مرارًا منذ أن أصبحت معه هو:
“الحمد لله يا رب، ألف حمد وشكر ليك يا رب، الحمد لله”
أبتسم هو ما إن أدرك مدى فرحتها والتي بالطبع تأكد هو منها مُسبقًا، فرفع ذراعيه يطوقها بهما وهو يقول بصوته الرخيم:
“الحمد لله إن ربنا كتبها لينا سوا، والله كل حاجة كانت متيسرة وكأنها واقفة بس على حركتي، الحمد لله على فضله وكرمه”
حركت كفيها على ظهره تمسد عليه وهي تقول من بين عبراتها المناسبة وصوتها الباكِ:
“أنا بحبك يا حسن أوي، آسفة لو كنت تعبتك يوم أو خليتك تحس احساس صعب عليك، بس أنا والله بحارب نفسي علشان مرجعش في يوم هدير اللي كله كرهها، قولي أعمل إيه يخليك ترتاح طيب؟! قولي ازاي انسيك إنك تعبت في الدنيا دي؟! قولي ازاي أقدر أوفي دينك دا”
ابتسم هو نتيجةً لحديثها ثم ابتعد عنها بنسبة قليلة حتى يتسنى له رؤية وجهها الباكِ وهو يقول بنفس النبرة الرخيمة الهادئة:
“مش عاوز منك حاجة غير وجودك والله، وهقولها تاني أنا الغريب اللي لقى ونسه فيكي أنتِ، خليكي معايا في الدنيا دي لحد ما ربنا يأذن ونمشي منها ونروح جنته، علشان أكون خدت راحتي دنيا وآخرة، خليكي معايا”
حركت رأسها موافقةً عدة مرات خلف بعضهم بقوةٍ وهي تبكي بحرقةٍ جعلته يسألها بلهفةٍ:
“مالك؟! بتعيطي كدا ليه؟! دا مش عياط فرح، أنتِ زعلانة ليه”
ردت عليه هي من دموعها وشهقاتها:
“علشان أنتَ كتير والله عليا، كتير أوي وعمري ما كنت أتخيل إن ييجي اليوم اللي أعيش فيه كدا معاك، هنروح العمُرة بجد؟؟ أكتر أمنية بقيت بحلم بيها أنتَ بتحققها ليا يا حسن…..كل ما أحس أني حلوة وفيا حاجة تستاهل تتحب، ألاقيك ترجعني تاني لنقطة الصفر وأشوفك كتير عليا، والله العظيم كل يوم أفكر إزاي أخليك تفرح من قلبك”
احتضنها هو بقوةٍ وهو يتنفس الصعداء يدخل الهواء الطلق إلى رئتيه حتى قال بنبرةٍ هادئة:
“خليكي معايا….هي دي بس الإجابة والله، مش لاقي غيرها يفرحني، وأهو الحمد لله أنتِ قابلة وراضية بيا وبوجودي، وحباني كمان، كلمة احضني يا حسن دي بالدنيا عندي والله، سهرك معايا وأوضة أحلامك كل دا بيفرحني أنا قبلك، واحد زيي عاش مش لاقي حد في الدنيا دي يونسه، علشان يعرف قيمة وجودك في الحياة يا هدير”
سألته بصوتٍ باكٍ:
“طب اشمعنا العمرة؟! ليه فكرت في دي بالذات؟!”
تنفس هو بعمقٍ ثم قال بعدما ابتسم بهدوء:
“علشان كان نفسي أشوفك بالأبيض أوي، بس محصلش نصيب، قولت خلاص ألبسها الأبيض الأحلى منه، غير كدا، أنا بدأت أقرب من ربنا أكتر وأنا وأنتِ بنساعد بعض ودي أول سنة تيجي عليا وأنا معاكي، دي أكتر سنة فرحت فيها وشوفت كرم ربنا عليا وأنا متجوز ومعايا اللي بحبها”
عقدت ما بين حاجبيها بعد حديثه لذا ابتعدت عنه تطالعه بتعجبٍ ثم رفعت كفها الأيمن تمسح دموعها بظهر الكف وهي تسأله:
“ازاي؟! مش كنت متجوز ريم؟! وتقريبًا قضيتوا سنتين مع بعض؟! يعني إيه وأنتَ متجوز؟!”
رد عليها بنبرةٍ هادئة بعدما زفر بقوةٍ حينما تذكر ما سبق عليه:
“أنا مكنتش معتبرها جوازة يا هدير، أنا كنت منظر ليها قدام الناس وهي ليا كانت واحدة بحاول اتأقلم معاها، كانت أغلب الأوقات مع مامتها وصحابها، كنا بنتقابل اسبوعيًا ومع ذلك كنت بحاول والله علشانها”
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة بعدما أثار حديثه فتيلة غيظها وكطبع الأنثى تغار من مجرد الذكر فقط قالت:
“خلاص؟! أنتَ بتحرق دمي !! الله يرحمها بقى، متنكدش عليا”
ابتسم هو رغمًا عنه وهو يقول بنبرةٍ تمتزج بضحكاته:
“الله !! مش أنتِ اللي سألتي طيب؟! معرفش إنك بتغيري كدا، دي واحدة ميتة”
ردت عليه بعدما وكزته في مرفقه بغيظٍ من برود اعصابه:
“بطل تغيظني، الله؟! إيه حاولت علشانها دي؟! ناقص تقولي انكم روحتوا شهر عسل سوا !!”
حاول كتم ضحكته بجهادٍ وفشل في ذلك حتى شهقت بقوةٍ وهي تسأله بدهشةٍ:
“روحتوا شهر عسل !! وأنا كنت فين؟؟ لأ لأ أكيد مش هغير من واحدة ميتة، لأ خلاص”
رد عليها هو بنبرةٍ لازال بها أثر ضحكاته عليها:
“برافو عليكي يا هدير، شطورة، بعدين خلاص أنا معاكي أنتِ وقلبي ليكي أنتِ ورحلة العمر مكملها معاكي أنتِ، والعُمرة هنروحها سوا خلاص، إيه اللي مزعلك؟! هي الله يرحمها ملهاش عندي غير شوية أيام أنا نسيتهم أصلًا وأطلب ليها الرحمة من ربنا، لكن أنتِ يا ونس العمر، أنا افديكي بروحي كمان”
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة فقال هو بنبرةٍ هادئة:
“رني عليا كدا عاوز أوريكي حاجة، رني بس بسرعة”
حرکت رأسها موافقة ثم أخرجت هاتفها من جيب ردائها و هي تبتسم بحماس حتى صدح صوت هاتفه و هو يمسكه يوجه شاشته لها حتى ترى ما قام هو به حينها شهقت بقوة حينما وجدته قد سجل اسمها بـ "ونس الغمر" و قام بوضع صورة "الأميرة تحتضن الوحش" يرقصان سويا.
اقتربت منه تقبل وجنته ثم قالت بنبرة حماسية كما لو أنها طفلة صغيرة تحصل على دميتها المفضلة :
أنا بحبك يا أبو علي، روح ربنا يكرمك بـ علي يا رب"
رد عليها هو بنبرة ضاحكة
ربنا يكرم بقى يا أم علي إن شاء الله بس خلينا دلوقتي نجهز نفسنا علشان الغمرة، إحنا مسافرين آخر الاسبوع دا"
حرکت رأسها موافقة ثم شرعت في التحدث بحماس حتى نطق معها مقلدا طريقتها :
احضني يا حسن"
ضحكت هي بصوت عال حينما قلد طريقتها و هو أيضا معها حتى احتضنها تستقر بين ذراعيه كعادتها لكن تلك المرة تشبثت هي به و هي تردد بصوت خافت
الحمد لله .... الحمد لله"
في صباح اليوم التالي تركها «ياسين» نائمه و انسحب من جوارها بهدوء حتى لا تستيقظ إثر تحركه من جوارها حتى يذهب لوجهته المحددة الذي اتفق عليها مع «وليد» بعدما وصل اتصالاً لكل منهما منها "هناء" و كانت تلك أغرب مكالمة وصلته في تلك الفترة بعدما ظن أن كل
شيء أصبح على ما يرام، أو هكذا ظن هو، نزل من الشقة بخطوات هادئة ثم ركب سيارته وبعد مرور بعض الوقت
في القيادة و قد انشغل باله في تلك المقابلة التي لم يضعها بالحسبان و حينها ارتفعت ضربات قلبه خوفا عليها؛ فمن المؤكد أن تلك المقابلة خاصة بها هي.
وصل أخيرا أسفل عيادة الطبيبة النفسية فوجد «وليد» ينتظره خرج من سيارته ثم اقترب منه يسأله بلهفة :
متعرفش هي طلبتنا ليه ؟! أكيد الموضوع يخصها هي "!صح ؟
رد عليه «وليد» مؤكذا
أكيد طبعا الموضوع يخصها هي ، بس متخافش كل
حاجة هتبقى تمام يا ياسين خير
حرك رأسه موافقًا محاولاً اقناع نفسه بذلك الحديث على الرغم من تصديقه أن من القلق الذي يفتت داخله كما ينخر المرض في الجسد، صعدا سويًا للأعلى و دلفا معا للطبيبة التي ابتسمت لهما و هي تقول مرحبة بهما:
أهلا و سهلا يا أستاذ ياسين ازيك يا وليد ؟! اخباركم إيه ؟! اتفضلوا اقعدوا"
جلسا كليهما بعدما أشارت هي و هي تبتسم لهما، في حين أن «ياسين» اندفع يسألها بقلق بالغ
معلش يا دكتور ؟! ياريت حضرتك تقوليلي إحنا هنا
ليه ؟! الموضوع أكيد يخص خديجة صح ؟!"
حرکت رأسها موافقة ولازالت تبتسم كما هي بوجه مشرق يتنافى مع ملامح القلق البادية على وجهيهما، بينما سألها
«وليد» بثبات
خیر برضه ؟! يا ترى فيه إيه ؟! حضرتك أكيد عارفة أهمية وجودها عندنا يعني إحنا هنا على أعصابنا"
ردت عليه هي بتفهم وتقدير لحالتهما :
أنا فاهمة و الله و مقدرة و عارفة كل دا، و علشان كدا جيبتكم مع بعض بما إن موضوع خديجة يخصكم سواء علشان حضراتكم اكثر اتنين يهمهم أمرها "
استطاعت بحديثها جذب انتباههما لها و استحوذت على فكرهما، فقالت هي بنبرة هادئة تفسر لهما الأمر بحديث طغى عليه الطابع العملي
سفر حضرتك يا أستاذ ياسين كان نقطة مهمة ممكن تكون محورية كمان في حياة خديجة، نقطة كانت ممكن ترجعنا تاني لنقطة السفر وتحصل انتكاسة أكبر من اللي كان في الأول، بس الحمد لله قدرنا نسيطر على الوضع"
حرك رأسه مستنكرا حديثها وكذلك «وليد» لكنه كان أكثر ادراكا للأمر بما إنه عايشه معها و راها و شهد على حالتها في فترة غيابه، فتحدثت هي بنفس الثبات
يعني خديجة لما بدأت تتعافى وتتأقلم على حياتها معاك كان السبب الأساسي في التعافي دا هو وجودك و دعمك ليها طول الفترة اللي كنا فيها سوا بتخضع لجلسات العلاج كان كل كلامها إن مفيش حد يخيلها تاخد الخطوة دي و لا حد تقدر تعمل علشانه حاجة حتى نفسها مكانتش فارقة معاها، لكن بظهورك و دعمك ليها هي بدأت تتعامل صح بقت دافع يخليها تتعالج و تتعافى و تتصرف علشانه هو و طبعا حياتها معاك اقوى دليل على كدا، و الفرق ظهر زي وضوح الشمس !!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بنبرة هادئة يفسر لها الحديث: هو دا كله صح بس خديجة ضعيفة أوي لسه، لسه بتخاف برضه و لسه خايفة من تلقائيتها، و لسه مش عارفة
تفهم الدنيا، خديجة حاليًا ملهاش غيري بجد مش ببالغ بس هي فعلا لسه بتخاف من كل حاجة، معادا أنا"
ردت عليه هي بنبرة هادئة بعدما ابتسمت له: يمكن علشان خديجة بتفكر إن مش كل الناس ياسين يعني اللي يقبل بتلقائيتها وعشوائية تفكيرها و كل حاجة فيها هو ياسين بس علشان كدا غيابك كان له تأثير قوي جدا عليها، ووليد يشهد على كل دا"
وجه «ياسين» بصره نحو «وليد» يستفسر منه بنظراته فقال هو مفسرا
للأسف أنا كنت بحاول على قد ما أقدر و الله أني أساعدها، أنا في غيابك شوفت خديجة القديمة تاني من جديد الفضل طبعا بعد ربنا لعمو رياض إنه كلمني وخلاني أخدها، ساعتها كلمت دكتورة هناء علشان تقولي اتصرف ازاي و الحمد لله اتصرفنا صح، أو بيتهيألي كدا"
ردت عليه هي مسرعة
لا، اتصرفنا فعلا صح، أنا خليتها تتأقلم مع ناس جديدة عليها، وخليتها تنزل وسط ناس و ساعتها كان فيه تقرير بيوصلي عنها وعن حالتها كاملة، علشان كدا كلمت حضراتكم "
سألها «ياسين» بعد حديثها مسرعًا هو الأخر: طب اتفضلي ازاي بقى حضرتك اتصرفتي صح ؟! يعني قدرتوا في غيابي تتعاملوا معاها عادي ؟!"
فسرت هي حديثها مجاوبة استفساره
آه يا أستاذ ياسين خديجة نزلت جمعية خيرية و قدرت فيها تخرج كل طاقة الحزن اللي كانت جواها بغيابك الفكرة إنها لقت حاجة تشغلها عن التفكير في غيابك و في نفس الوقت عملت حاجات كتير هي كان نفسها فيها علشان أوضح أكثر فيه حد هييجي يوضح أفضل مني"
حرك رأسه موافقًا فها تفت هي من تريد تطلب منها القدوم لها و بعد مرور ثوان فقط كانت قاتلة بسبب الانتظار دلفت «نوف» و هي تبتسم لهم تزامنا مع قولها :
صباح الخير على حضراتكم ؟!"
ردوا عليها التحية فيما اقتربت هي تجلس على مقربة منهم و هي تقول بنبرة هادئة معرفة عن نفسها:
أنا نوف بدر، بدرس علم النفس و مسئولة في دار "ضي القمر" الحقيقة أنا كنت مع خديجة الفترة اللي فاتت دي طول الوقت، لاحظت فيها طاقة غريبة أوي هي بتخرجها صح و بتبدع فيها كمان كل حاجة كنت بخليها تعملها كنت بشوف منها شخص تاني جديد عليا كليا "
سألها «ياسين» بحيرة من الحديث
طب و دي حاجة حلوة و لا وحشة ؟؟ يعني دي تساعدها بعد كدا يا آنسة ؟!"
حرکت رأسها موافقة ثم أضافت بنبرة حماسية مسرعة في الحديث
طبعا يا أستاذ ياسين دا شيء عظيم جدا، يعني خديجة مثلا لاحظت أنها بتحب تشرح وتفهم الأطفال أوي، عندها طاقة رهيبة لكدا، و في نفس الوقت أي عمل خير هي بتخرجه بكامل طاقتها، خديجة قدرت أنها تعمل حاجات كتير أوي في وقت قصير، الفكرة بس إنها عاوزة تكون في مكان يخليها تخرج الطاقة اللي جواها و تكون بتعمل
الحاجة بحب مش بالفرض عليها، و دا هيساعد كتير أوي"
سألها تلك المرة «وليد» مسرغا:
طب المكان دا زي إيه ؟! يعني شغل مثلا ؟! و لا قصدك
أنها تكمل معاكي. ؟!"
ردت عليه هي بثبات
الشغل مع خديجة صعب، لأن على ما أظن هي مش محتاجة هدف مادي، يعني الشغل كله إجبار و فرض و عمل بمقابل مادي مش هتحس بقيمة اللي هي بتعمله، إنما في الجمعيات الخيرية أو في المساعدات هي بتتصرف بكل حب وتلقائية من غير خوف، و دا فضل الأماكن اللي زي دي"
Ω حكايات مع أروى -
تحدثت الطبيبة النفسية بنبرة هادئة تطلب منها الاستفسار أكثر حتى قالت هي بنبرة ثابتة :
يعني مثلا خديجة في المكان دا عرفت حاجات كتير أوي أهمها أن وجود الأهل و الناس نعمة و دا من خلال الاطفال الايتام و المسنين اللي اتعاملت معاهم، في نفس الوقت قدرت تحقق حلم من أحلامها و هي أنها تكون مدرسة قدرت تفرح لما لقتني بعتمد عليها في حاجات كتير و ساعتها هي حست إنها فعلا ناجحة في حاجة علشان كدا خديجة لازم تكمل معانا علشان لو فيه أي طاقة سلبية أو أي حاجة لسه ممكن تكون بتأثر عليها تتمحي خالص خديجة وسط الناس هتفرح أكثر"
سألها «ياسين» بلهفة ممتزجة بقلقه من تفكيرها أو ما تسعى هي للوصول إليه:
طب و دا كدا مش ممكن يأذيها لو حصلها مشاكل ؟! يعني ممكن تتعامل مع ناس مش مناسبة ليها و دا كدا يأثر بالسلب ؟!"
ردت عليه تطمئنه بحديثها
دا في حالة لو زي ما قولت أنه شغل و فيه منافسة و حماس، إنما في حالة الجمعية دي العمل تطوعي قايم على المساعدة، يعني مفيش منافسات و لا أي حاجة تخليها في صراع مع حد هي بتخرج طاقتها في الخير دا، فيه ناس معاها بتشجعها وتدعمها، يعني حتى لو فيه منافسة فهي منافسة في الخير الغرض منها أولا و أخيرا مساعدة الناس وطاقة خديجة تكفي دا و زيادة"
فهم كليهما مقصدها من الحديث لذلك نظرا لبعضهما ثم وجها نظراتهما نحو الطبيبة في نظرة قالت الكثير و الكثير و إن كانت صامتة، فيكفي فقط أنها حثتهما ببصرها على اتخاذ تلك الخطوة.
في منتصف اليوم و خاصة في شركة احفاد الـ «الرشيد اجتمع الشباب مع بعضهم يتابعون سير العمل وكلا منهم يخبرهم بمهامه و كيف قام به حتى أخبرهم «حسن» با تمام تجهيزات السفر على الرغم من كونه أخبرهم قبل أن يخطو تلك الخطوة، حتى أن «وئام هو من أخبره بأمر جواز السفر التي تمتلكه «هدير» و أنه بالفعل قامت بإخراجه سعيا منها في السفر للخارج لمباشرة العمل في مجال دراستها.
تحدث «طارق» يسأله بنبرة متحمسة لصديقه " المهم هتمشي إمتى ؟! عاوز أودعك يا أبو علي"
ابتسم له و هو يقول براحة :
يوم الجمعة الفجر إن شاء الله، عامر ظبطلي كل حاجة و ربنا يكرمه بجد متعبتش في أي حاجة هو يدوبك خد الورق مني و رتب كل حاجة طلع مدير بجد والله، مع أني كنت شاكك "
ضحك الشباب عليه فأضاف «أحمد» بنبرة هادئة ممتزجة بثباته الدائم:
على فكرة عامر ما شاء الله عليه بيعرف إمتى يفصل في كل حاجة و يعرف امتى يكون جد و إمتى يكون مرح بنبهر بشخصيته بجد والله راجل بجد و صاحب صاحبه هما كلهم محترمين ربنا يحفظهم وخصوصًا عامر المحترم
أنزل يا عامر من على الشفرة بدل ما ورب الكعبة اكسرها عليك انزل يالا ؟؟!"
تفوه بها «خالد بنبرة جامدة أقرب للانفعال حتى رد عليه الأخر مسرعًا بخوف
اديني الأمان علشان أنزل أضمن منين إنك متقلش معايا ؟!"
رد عليه بنبرة جامدة
لا أنا لا يمكن أقل معاك أنا هقل منك أنت يا أنا يا أنت يا عديم الرباية، يعني مش كفاية المولد اللي عملته كمان مصوره لايف ؟! ليه يا بني ؟! هي أي فضايح و خلاص ؟! أروح الشغل ألاقي شركة كاملة بتضحك عليا علشان جون جيبته ؟!"
رد عليه «عامر» ببرود كعادته
أنا بخدمك و الله كلهم فاكرينك إتم و نكدي و دي حقيقة فعلا بس أنا مش حابب أجرحك، رغم إنك راميني هنا بقالك ساعتين خليني أنزل يا عم "
اقترب منه «خالد» يحاول الإمساك به و هو يقول بنبرة جامدة منفعلا:
عمى الدبب يا مهزق أنت شوف يا عامر ؟! الدنيا هتلف و تدور و الزمن هييجي علينا و أنا و أنت هنقف نتفرج على ابني و ابنك على نفس السفرة دي و علم على كلامي دا بقى "
أقترب منهما «ياسر» يقول بضجر من افعالهما:
شوف يا بني أنت و هو ؟! أنا زهقت منكم، كانت علاقة الهباب يوم ما اجتمعنا سوا، إيه الهم دا ؟ يلا يا خالد سيبك منه اتفضحنا و اللي حصل حصل حاجة مش جديدة"
ابتعد «خالد» عن الطاولة يجلس بجوار «ميمي» فسألته هي بنبرة ضاحكة عملك ايه المهزق دا ؟!"
رد عليها منفعلا بقلة حيلة :
تعبت منه !!! عمل اللي عمله و خلاص قولنا أهيه ليلة نعتبرها ليلة واحد فينا، إنما يطلع لايف و مخلي الواد يصور صوت و صورة ؟! و علني كدا يفضحنا ؟!"
أقترب منهم «عامر» بخوف و هو يقول بصوت مهتز يعني يرضيك الجنة دي متتوثقش ؟! طب دا أنا لو كنت سیبت اللايف و ممسحتوش كان زمانه مكسر الدنيا
رمقه «خالد» بغیظ و هو يقذفه بوسادة المقعد تزامنا مع قوله:
بس يا سافل !!! يخربيت بجاحتك ياض ؟! ليك عين تتكلم"
تحدث «عامر» مسرعًا و كأنه اتتبه لتوه صح وليد فين ؟! حد فيكم كلمه ؟!"
اوما كليهما سلبا فيما تحدث هو بخبث حينما أخرج هاتفه مسرغا و هو يبتسم بغموض غلف نظراته تزامنا مع قوله: " أنا هكلمه خلاص يا أنا يا أخته، كله إلا عموري، هتقهرلي الواد بنت الرشيد ؟؟!"
نظر إليه ثلاثتهم بتعجب وقبل أن ينطق أيا منهم يستفسر منه عن حديثه كان هو طلب الرقم حتى وصله الرد من «وليد» يقول مسرعًا بسخرية :
خير أنا بسوق و مروح ؟! تلاقيك مزنوق على الترابيزة و عاوز حد ييجي ينجدك"
رد عليه بنبرة جامدة زائفة وكأنها جادة في الحدة و الكلمات
لا يا حلو أنا مكلمك علشان أشوف أخرة عمايل أختك مخلية الواد يخبط كف على كف ؟! أخته ؟! خلود أخته ازاي ؟! راضعين على بعض ؟!"
رد عليه «ولید بتيه و ضياع " أنا مش فاهم منك حاجة !! خلود عملت إيه بس ؟!"
رد عليه مسرعًا بما حدث من أخته لأخيه و حديثها الذي ضرب برأسه و مخيلاته عرض الحائط، فتحدث «وليد» بنبرة ضاحكة حاول الثبات حتى لا يظهرها :
بجد !! خلود عملت كدا ؟! أحب أقولك إن دي جينات الرشيد الصغير، مش بايدي و الله"
ابتسم «عامر» بخبث و هو يقول بثبات يدل على نيته الشريرة نحو تلك الفتاة
طب بما إن دي حرب جينات بقى خليني اوريها جينات الصعايدة اللي بحق عاوز رقمها لو سمحت "
سأله «وليد بترقب ثم انهى حديثه مهددا له : "ليه ؟! أوعى تكون هتعمل حاجة ؟! أنا أموتك فيها دي خلود يعني الخوخة بتاعتي"
رد عليه بنفس الخبث
و دا عموري يعني قلب عامر، انجز بس هات الرقم و يمكن نقرأ الفاتحة قريب"
بعد إلحاحه عليه قرر «وليد أخيرا مناولته رقمها على مضض، فابتسم «عامر» بانتصار تحت نظرات الاستنكار من الجالسين عليه و فور انهائه المكالمة سأله «ياسر» بتعجب
ولا !! أنت هتعمل إيه ؟! عملتلك إيه خلود ؟! عامر بطل "!هبل ؟
زاد الخبث في نظراته و هو يبتسم بنفس الغموض المسيطر عليه حتى طلب رقمها أخيرا فردت عليه هي بتعجب من الرقم
ألو مين معايا ؟!"
آنسة خلود ؟! ازيك عاملة إيه، أنا عامر، عامر فهمي"
ردت عليه هي بتعجب أكثر من قبل و زاد عن السابق "أهلا و سهلا خير يا أستاذ عامر ؟! فيه حاجة ولا إيه ؟!"
رد عليها هو بثبات يلقي بحديثه دفعة واحدة دون أن يكترث بها
لا خالص كل الحكاية بس أني طالب منك خدمة، فيه بنوتة قريبة سارة مراتي هتيجي من البلد هي قدك هتيجي تاخد دروسها هنا علشان هما لسه ناقلين هنا جداد مؤقتا يعني هيسكنوا نفس بيت والدي، هيكونوا جيراننا المهم عمار محرج منك يقولك تصاحبي البنت دي و تروح معاكي الدروس، فأنا قولت أكلمك و أطلب منك ينفع ؟!"
ردت عليه هي بوقاحة من شدة غيظها من مجرد الفكرة فقط
و أنا مالي ؟! هي من بقية عيلتي يعني ؟!"
رد عليها هو ببراءة أجاد رسمها :
ازاي بس ؟! أنا معتمد عليكي أنت و الله أصل هي
بتتحرج من عمار علشان والدي كان قاله أنه عاوز يطلبهاله و هي من ساعتها بتتكسف مننا، علشان كدا بقولك تصاحبيها و تروح معاكي الدروس أحسن و بعدين عمار أخوكي، يعني دي ممكن تكون مرات أخوكي"
ضغط على فتيل غيرتها بحديثه حتى صرخت هي دون أن تشعر:
أخويا منين دا ؟! أنا اخواتي هما أحمد و وليد و مراتات أخواتي هما عبلة وسلمى إن شاء الله، غير كدا معرفش حد"
ابتسم هو بانتصار ما إن أدرك غيرتها وحديثها الذي تنبثق منه النيران، فأضاف هو متوسلا لها :
طب علشان خاطري يا خلود معلش ساعديها دي غلبانة خالص و طيبة، اعتبريها يا ستي أختك و هو هيبقى جوز أختك "
أطبقت اسنانها ببعضهما بغيظ و سألته بضجر و هي
تحاول التماسك و الثبات
اللهم طولك يا روح !! عاوز مني إيه طيب ؟! خير يا
أستاذ عامر ؟!"
أملى عليها ما يريد و شرح لها كل شيء و اتفقا سويا على المقابلة بعد مرور ساعة تقريبا عند المركز التعليمي حتى تتعرف على تلك الفتاة منذ الليلة و تبدأ معها رحلة الصداقة، وحينما استطاع هو اقناعها ونجاحه فيما أراد ابتسم بانتصار ثم أخرج هاتفه يطلب من يريد و هو يتصنع البراءة ببراعة.
بعد مرور دقائق من المهاتفات رحل سريعا من المكان بعدما ودع الجميع، فتحدث «خالد» بعد اختفاء أثره بغموض :
اقطع دراعي إن ما كان الواد هيخرب الليلة على دماغ الكل و أولهم أهله هو، يا ربهات العواقب سليمة، أنا مش حمل مصايب ابن فهمي
وقف «حسن» بسيارته في الأسفل أمام بنايته ينتظر قدوم زوجته حتى نزلت تركض له فور خروجها من المصعد، فابتسم هو لها حينما دلفت السيارة بجواره فسألها بمرح ممتزج بالحماس
ها !! جاهزة و لا ايه حكايتك ؟!"
صفقت بكفيها معا و هي تقول:
أوي أوي بجد والله هموت من الفرحة، حسن أنت متوقع احنا رايحين فين ؟! أنا حاسة أني بحلم"
رد عليها هو بنبرة هادئة بعدما قام بتشغيل محرك السيارة بعدما ابتسم لها :
آه رايحين الحسين نجيب حاجات العمرة إن شاء الله عمو مرتضى قالي على المكان اللي هنجيب منه مبسوطة ؟!"
ردت عليه بصوت مختنق من فرحتها
هموت من الفرحة حاسة إن الدنيا مش مكفياني والله حسن أنا عاوزة أعيط تاني و تالت، أنا كل شوية أصلي ركعتين شكر لله من كتر فرحتي، إيه الاحساس الغريب "!دا ؟
ابتسم لها و ابتسم لها و هو يقول بصوته الرخيم
دا احساس الفضل و النعمة يا روح قلب حسن الحمد لله على كل حال و يلا خلينا نبدأ بقى رحلتنا إيه رأيك ؟
حرکت رأسها موافقة بحماس و هي تبتسم له فحرك هو السيارة و حينها اندفعت هي ترتمي عليه تحتضن ذراعه الحر وتلقي برأسها على كتفه حتى ابتسم هو على حركتها تلك فيما رفعت هي رأسها و بطرف عينيها طالعته بعشق جارف تتأمل ملامحه الرجولية السمحة رغم خشونتها إلا جمع بين كل الصفات التي تمنتها يوما ملامح وجه جادة و رغم ذلك تجمع لين العالم بين طياتها، هاديء الطباع و الهيئة و رغم ذلك استطاع مشاركتها الجنون و التهور، يجهل كل الأشياء التي تفهمها هي إلا هي نفسها يفهم عليها أكثر ما تفهم هب ذاتها، أغرب نموذج مر عليها يوما ما، لاحظ هو شرودها في وجهه و نظرتها تلك حينها ابتسم هو ثم حرك رأسه حتى استقر فمه فوق رأسها يقبلها ثم عاد لما يفعل حينها شددت مسكتها له و ابتسامتها تتسع حتى أوشك فمها على التيبس و هي تفكر في تلك اللحظة و ما بعدها من حياة تمنتها هي حتى انهما خطيا سويا نحو تلك الحياة.
في شقة «ياسين» بعد عودته منذ الصباح ذهب لوالديه يجلس معهما بعض الوقت مستغلا أجازته تلك حتى يقضي معهم بعض الوقت قبل أن يعود لعمله من جديد، ثم عاد لشقته جلس لبعض الوقت معها حتى بدأت هي في تحضير الطعام، حينها خلد هو للنوم دون حتى أن يخبرها.
استيقظ هو مع حلول الليل ثم فتح عينيه على مضض و ما ساعده في ذلك هو ظلام الغرفة فتأكد أنها من فعلت ذلك حيث ترك هو الأضواء قبل نومه خرج من الغرفة فوجدها تجلس بملامح وجه مقتضبة و الملل يكسوها حينها اقترب يجلس بجوارها على الأريكة و هو يسألها بصوت متحشرج
قعدة كدا ليه ؟! كنتي تعالي نامي جنبي و خلاص"
ردت عليه هي بقلة حيلة
دخلت و الله و حاولت أنام معرفتش علشان كدا خرجت تاني، أنت كنت فين الصبح مقولتش ليا و برضه جيت و نمت كدا حصل إيه ؟! فيه حاجة مزعلاك ؟!"
حرك رأسه نفيا ثم اقترب منها يمسك كتفيها و هو يقول بنبرة هادئة
كل الحكاية بس أني كنت عند دكتورة هناء كلمتني و طلبت مني أشوفها ضروري"
طالعته بريبة من حديثه و هي تسأله بقلق بالغ :
ليه ؟! هو أنا عملت حاجة ؟! أكيد كلمتك علشاني أنا صح ؟"
حرك رأسه موافقا ثم قال بهدوء و ملامح تحمل الفخر و الثناء عليها بما فعلته
كانت بتشكرلي فيكي يا خديجة الدكتورة هناء فرحانة بيكي أوي اللي عملتيه في غيابي كان مجهود كبير خلى الجمعية تطلب وجودك معاهم بشكل رسمي، طلبوني علشان يستأذنوا مني"
كسا الاستنكار ملامح وجهها وهي تطالعه بتعجب حتى تحدثت بتشوش و ضياع
أنا .... أنا مش فاهمة حاجة، أنت عاوز إيه ؟! و هما عاوزين "!إيه ؟
ابتسم لها و هو يقول بنبرة هادئة رغم ذلك لازال بها أثر الابتسام
كل الحكاية بس إن هما عاوزينك تكوني معاهم هناك في الجمعية، يعني تكوني مسئولة معاهم عن الأطفال و عن كل حاجة أنت بتحبيها وبتحبي تعمليها، موافقة ؟؟!"
شهقت بقوة شهقة جامدة و هي تسأله بلهفة:
قول و الله ؟! بجد يا ياسين ؟!"
حرك رأسه موافقا وهو يقول مؤكدًا ما تستفسر هي عنه:
بجد والله يا بنتي مش مصدقة ليه ؟! هما أصلا مبهورين بيكي و كلهم حابين وجودك و عاوزينك معاهم، أصلا طريقة كلامهم عنك حسستني بالفخر و الله، عرفت أني سايب ورايا أشطر كتكوتة "
ابتسمت هي باتساع و ظهر الحماس على وجهها و تبدل حالها في غضون ثوان، أما هو فلاحظ فرحتها و طريقتها الهادئة في التعبير عن تلك الفرحة حينما نظرت أمامها تقبض على كفيها بعدما كورتهما محاولة اخماد طاقة حماسها
و حينها دون أن يشعر هو بنفسه لمعت العبرات في عينيه تأثرا بها و بحالتها، تلك البريئة التي وقع هو أسيرًا لعينيها منذ أول مرة جمعتهما سويا، كيف للدنيا أن تعاملها بتلك الطريقة ؟! كيف لصفاء قلبها ونقاء روحها أن يكونا سببًا في حزنها ؟! هدوء روحها وحالتها تلك تذكره كما لو أنها طفلة صغيرة تنفذ كلمات والديها حتى تحصل على ما تريد.
لاحظت هي شروده بها فسألته بترقب من ذلك الصمت الذي خيم عليهما :
ياسين ؟! هو أنت ساكت ليه ؟! هو فيه حاجة تاني ؟!"
تدبر ابتسامه هادئة يزين بها ثغره و هو يقول بنبرة هادئة "لأ و الله بس فرحتك مفرحاني، أنا بحب فرحتك أوي يا خديجة حاسس بجد إنك فرحانة من كل قلبك فرحانة ؟!"
حرکت رأسها موافقة عدة مرات و هي تقول بلهفة ممتزجة بالحماس المشتعل بداخلها
فرحانة أوي من كل قلبي أنت مش متخيل أنا كنت هحس بإيه في غيابك زي اللي اتساب وسط الحرب من غیر سلاح و مش عارف هو تبع مين كنت ما صدقت أني لقيت حد معاه أرتاح و اتطمن، بس فجأة بقيت مش موجود حتى صوتك مش بسمعه كمان لما كنت بروح هناك كان وليد بيوديني الصبح وساعات يقضي اليوم معايا و ساعات يرجع ياخدني، أنا كنت بنسى أني زعلانة أصلا، بلعب مع ريماس و مع البنات هناك و بنروح نتوضا و نصلي سوا و بعدها نعبي الشنط اللي هتروح للناس و بعدها نقعد نحكي ونشرح فيه منهم اتعلم يعد الأرقام و حفظهم، ومنهم اللي بقى بيكتب اسمه لوحده، و کمان علمتهم حاجات في التطريز، وهما علموني نطير الطيارات الورق سواء كنت برجع من هناك فرحانة رغم اني ساعات بحس بشوية تعب بس قبل ما اتعب و ازعل إنك مش معايا وليد كان بيوديني الصبح وارجع مجددة طاقتي الاماكن دي حلوة أوي يا ياسين، بتعلمنا كل حاجة، كنت كل يوم بتعلم هناك حاجات أكثر في كل حاجة حتى في الدين نفسه، أنا مبسوطة إن هما عاوزيني وسطهم"
ابتسم هو بسعادة بالغة ما إن أدرك سعادتها فيما صفقت بكفيها هي ثم مالت عليه تقبل وجنته حتى سألها هو بمرح "طب إيه ؟! مش هناكل ؟؟ أنا جعان أوي، ريحة الأكل دي مجننة اللي جابوني من الصبح"
ردت عليه هي بحماس "بس كدا !! أقوم معايا يلا نحضر الأكل سواء يلا علشان تفوق بقى"
تحرك معها هو بخمول و هو يبتسم رغما عنه حتى تحدثت هي بانفعال تصرخ في وجهه ياسين ؟! فوق بقى ؟! الله ؟!"
رفع أحد حاجبيه بتعجب منها وعلى حين غرة حملها على يده و هو يقول بنبرة جامدة
أنت بتعلي صوتك على مين ؟! قلبك مات شكلك كدا ؟!"
ابتسمت هي له و هي تقول بخوف زائف خلاص خلاص نزلني حقك عليا، نزلني يا بني أنا عندي فوبيا مترفعات أصلا"
رفع حاجبيه معا و هو يقول بمرح قاصدًا إثارة خوفها "حالا هوريكي البرج الراقص"
قبل أن تدرك مقصد حديثه تفاجئت به يدور بها و هي على ذراعيه وعلى الرغم من خوفها إلا أن صوت ضحكاتها ارتفع عاليا يعاند صوت ضحكاته ويأخذ منه مجالا و هو يتابع ضحكتها الرنانة وملامحها عن كسب تلك التي اشتاق إليها كثيرا حتى و إن كانت معه.
وقفت «خلود» في مقدمة الشارع الذي يقع في منتصفه المركز التعليمي الجديد تنتظر قدوم «عامر» كما اتفقا سويا حتى تفاجئت بـ أخيه بدلا عنه هو الذي يقترب منها عقدت ما بين حاجبيها و هي تسأله بتعجب:
عمار !!! جيت ليه دلوقتي ؟! مش المفروض إن عامر هو اللي ييجي و معاه البنت ؟! و لا آه صحيح أكيد هتخاف على مستقبل مراتك المستقبلية و لازم تيجي تطمن عليها بنفسك "
تبدل حديثها في اللحظة إلى التهكم و السخرية منه و هو يطالعها بتعجب حتى تحدث بضيق من حديثها المبهم الغير مفهوم
فيه إيه ؟! أنا مش فاهم حاجة ومرات مين دي ؟! عامر كلمني و قالي إنك عاوزاني عند السنتر دا علشان عاوزة تسألي على حاجة، أنا مش فاهم منك قصدك إيه ؟"
ردت عليه منفعلة بغيظ
قصدي على البنت اللي سيادتك هتخطبها، مش المفروض أني أجي اتعرف عليها علشان نتصاحب ؟! مش دا اللي أنت عاوزه ؟!"
صرخت في وجهه بصوت عال جعله يرفع صوت يوقفها بنبرة جامدة "خلود !! صوتك ميعلاش عليا و لا يعلى من الأساس أكيد فيه حاجة غلط بنت مين دي ؟!"
على مقربة منهما وقف «عامر» يتابع ما يحدث بثبات و «ولید بجواره حتى وكزه في كتفه وهو يقول بضجر من
الوضع " أقسملك بالله لو أخوك خد بالطوبة في دماغه أنا مليش دعوة خلود دماغها ضاربة، ألحق صلح الوضع دا الله ياخدك"
أشار له «عامر» بالتريث و هو يتابع ما يحدث بينهما بنظرات ثاقبة حتى وصله صوتها تقول بثبات واه بعدما حاولت تنظيم أنفاسها :
بقول على البنت قريبة سارة، مش دي اللي عاوزين يخطبوهالك ؟! لما هو كدا أنا بتشدلك ليه ؟! ليه حسستني أني مهمة عندك ؟! ليه خلتني افتكر أني عندك حاجة تانية ؟!"
طالعها بذهول من حديثها واعترافها الغير مباشر فزفرت هي بعمق ثم قالت بصوت مختنق
أنا ماكنتش كدا !!! و عمري ما اهتميت بحد أصلا،
!ليه ؟
سألته بصوت باك مختنق و هو يطالعها بتعجب و خاصة مع لمعة العبرات في عينيها و في تلك اللحظة اقترب
«عامر» يقول بهدوء
أنت إيه اللي مزعلك مش هو أخوكي ؟! مش عمار زي أحمد ؟"
شخصت ببصرها نحوه و هروبا من ثقب نظراته أخفضت رأسها بخجل دون أن تعطيه إجابة واضحة، فسأله «عمار» بتعجب مما يحدث حوله
أنا مش فاهم حاجة يا عامر !!! فيه إيه ؟! و مين البنت اللي خلود بتقول عليها دي !؟! فهمني يا عامر مش ناقصة هي"
رد عليه يوضح حقيقة الأمر بنبرة هادئة إلى حد ما :
مفيش بنت أصلا يا عمار دي حكاية أنا قولت أعملها علشان أشوف رد فعل خلود مش أكثر، وأظن كدا كل حاجة بانت مش كدا يا خلود ؟!"
رفعت رأسها تطالعه بتعجب وفي تلك اللحظة وصل ملاذها الأمن و هو يبتسم بخفة حتى اقتربت منه تقتبس القوة من تواجده و هي تمسك بيده و تترجاه بنظراتها حتى قال هو مطمئنا لها :
أنا معاكي اهوه، أنت إيه اللي مخوفك كدا طيب ؟!"
تحدث «عامر» في تلك اللحظة يقول مسرعًا بلهفة : بصوا يا جماعة !! أنا مبحبش اللف والدوران طول عمري دوغري أوي، خلود ؟! أنا عاوز اسألك على حاجة، وضروري تردي عليا"
نظرت له بترقب من القادم تنتظر حديثه حتى قال هو بثبات بعدما وزع نظراته في أوجه الجميع
دلوقتي وقدام أخوكي الكبير، عمار أخويا لو ربنا كرمه و طول في عمره و عمرنا كلنا و جه يتقدملك أنت توافقي عليه ولا لا ؟؟ و ياريت إجابة واضحة وصريحة "
نظرت لأخيها بدهشة فأومأ لها بأهدابه فوزا يحثها على النطق، حينها حركت عيناها نحو «عمار» الذي وقف صامنا و ملامح وجهه جامدة لم تظهر أية تعبيرات عليها، فتحدث «عامر» يسألها من جديد
عمار أخوكي فعلا يا خلود ؟! لو كدا شرف لينا طبعا نكسب أخت زيك بس بصراحة أنا عشمان أشوفك مرات أخويا، وعلشان كل واحد فيكم يركز في مستقبله عمار أخويا يتوافق عليه و لا لأ"
حركت رأسها موافقة بخجل منهم جميعًا و حينها طالعها «عمار» بدهشة فتحدث «وليد» آنذاك بثبات أمرًا لهما : يبقى مفيش كلام و لا مقابلات و لا أي حاجة بينكم انتم الاثنين، عمار يركز في حياته علشان يخلص و ييجي يتقدم، و برضه أنت تدخلي كلية حلوة و تحققي أحلامك لو ليكم نصيب في بعض يبقى ربنا يكرمكم"
سألته هي بلهفة :
طب و بابا ؟! و العيلة ؟!"
ابتسم لها بثبات و قال بثقة :
معاكي وليد الرشيد و عاوزة حد يقف في وشك ؟! دا أنا مجوز العيلة كلها، صباح الفل !!"
ابتسمت له ثم وجهت بصرها نحو «عمار» الذي قال بسرعة
أنا ممكن أتأخر كثير و لسه قدامي طريق طويل و في نفس الوقت أنا مش هقدر أعمل حاجة تخليني اغضب ربنا فيكي مش هجيلك غير و أنا راجل قادر يفتح بيت و تشاركيني فيه غير كدا مش هقدر أعمل حاجة و ربنا شاهد عليا و على نيتي أني هحاول بكل طاقتي، هنستني كل دا ؟!"
وزعت نظراتها عليهم بالتساوي حتى استقر بصرها عليه و حينها حركت رأسها موافقة و هي تبتسم بخجل، زفر هو بقوة و معه «عامر» الذي قال بثقة :
لو انتم من عيلة الرشيد، فـي احنا ولاد فهمي، احنا محدش يقدر علينا برضه، يلا روحي يقى شوفي مستقبلك، عاوز أجي أخطبك لأخويا سفيرة إن شاء الله، دا لسه معروض عليه وزيرة بس احنا خوفنا من الحسد"
ابتسمت هي رغما عنها فتحدث «وليد» مرة أخرى بهدوء: طبعا مش هأكد عليكم ؟! انتم صغيرين لسه و أنا واثق فيكم بس الشيطان لو دخل بينكم يبقى هيضيعكم من بعض بلاش دا يحصل لو فعلا عاوزين بعض يبقى ربنا يكرمكم إن شاء الله بالحلال سوا"
نظرا لبعضهما دون أن ينطق أيا منهما فقط عهد قطعته النظرات و كان كلا منهما يوعد الآخر بالانتظار حتى يحين
موعد التقاء هما سويا إن أراد الله ذلك.
أوصل «خلود للبيت دون أن ينطق بكلمة واحدة فقط صمت و صمتت هي الأخرى بخجل من الحوار بأكمله لكنها كانت تشعر بسعادة بالغة حتى أنها كانت تبتسم بين الحين و الآخر بين نفسها كلما تذكرت الموقف لذلك قطعت وعذا على نفسها أن تبذل قصارى جهدها حتى تحصل على شهادة تليق بها و تستطع من خلالها الفخر بذاتها حتى و إن لم تملك الطاقة الكافية لمذاكرة تلك الدروس.
وصل «ولید شقته بعدما أوصلها لبيت العائلة و حينها دلف بهدوء يبحث عنها تلك التي يجد سكنه و سكينته بجوارها لكن عينيه لم تبصرها قط، دلف يبحث عنها فوجدها تنام ضامة ركبتيها إلى صدرها على أحد المقاعد البلاستيكية في الشرفة بعدما أغلقت زجاج النافذة.
عقد ما بين حاجبيه ثم دلف الشرفة بهدوء حتى لا يفزع نومها ثم اقترب منها يربت على وجنتها بهدوء تزامنا مع نطقه اسمها بنبرة هادئة لكن لم يأتيه ردا منها لذلك جثى على ركبتيه أمامها يحركها برفق حتى فتحت عيناها على مضض و بمجرد ما رأته أمامها سألته بتشوش
وليد ؟! أنت إيه اللي أخرك كدا ؟! استنيت كتير بس مشوفتكش طارق و ونام هنا من بدري
رد عليها هو بنبرة هادئة
كان ورايا كام مشوار كدا بخلصهم، أنت نمتي كدا ليه يا عبلة ؟! إيه النومة اللي تقطم الضهر دي ؟!"
ردت عليه هي بقلة حيلة :
هعمل إيه بس ؟! اتأخرت عليا و سايبني لوحدي حتى متصلتش بیا سرحت شوية مع نفسي و نمت من غير ما أحس"
أمسك كفها يقبل باطنه ثم قال معتذرا لها بنبرة هادئة : حقك عليا والله للأسف المشاوير دي جت فجأة و الله بس خلاص أنا جيت أهوه يا ستي، قومي بقى و لا عاوزة تنامي تاني ؟؟"
حركت رأسها نفيا ثم أنزلت قدميها من على المقعد و هي تقول بصوت يغلب عليه النعاس
لا خلاص أنا هقوم أسخنلك الأكل أهو مش هتأخر يدوبك على ما تغير هكون خلصت كل حاجة "
رفع رأسه نحوها يطالعها بصمت و هو يفكر في إهماله لها حتى و إن لم تنطق هي بذلك، كل من حوله يسعون لرضاء زوجاتهم إن كان «ياسين» أو «حسن» أو البقية، حينها اندفع هو مسرعًا يقول بلهفة و هو يجلسها على المقعد " لا اقعدي هنا !!! و أوعي تيجي ورايا مفهموم ؟! خليكي هنا يا عبلة و متتحركيش شبر واحد
طالعته بدهشة حتى انها فركت عينيها بقوة تتأكد إن كانت مستيقظة أم أن جنونه يراودها بحلمها، حينها تحرك من أمامها نحو الداخل وظلت هي على المقعد حتى ضربت كفيها ببعضهما و هي تقول بغير تصديق لما تبصره هي:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !! أخرته إيه المنفصم دا"
اعتدلت على المقعد تنظر في الفراغ أمامها حتى اقترب منها بعد مرور دقائق كثيرة لم تكترث هي بقيمتهم، لكنها ما إن رأته يتقرب منها بطاولة الطعام المتحركة حتى فتحت عيناها عدة مرات و هي تبتسم له ببلاهة فجلس هو بعد وضع الطاولة بينهما وقال بفخر
هاولت أخمن لا شك آمن للأسف، علشان کدا متتریقيش و تقول دا بتاع مكرونة و دا بتاع لحمة عدي ليلتك معايا يا سبيا"
أبتسمت له و هي تسأله بنبرة هادئة : " على فكرة كنت هقوم أغرف عادي يعني، صممت ليه إنك تغرف ؟! أكيد جاي تعبان برضه"
حرك رأسه نفيا وهو يقول بنبرة هادئة بعدما أمعن النظر في عمق عينيها بنبرة ثابتة التمست هي صدق كل كلمة بها حتى لو تعب الدنيا كله فيا، طالما وصلت هنا و جيتلك يبقى أنا في أريح مكان بعدين استغليني و أنا رومانسي كدا"
حرکت رأسها موافقة ثم رفعت كفيها تمسح وجهها و تفرد خصلاتها ثم حركت رأسها للخلف و هو يتابعها بوجه مبتسم، حتى سألته هي بتعجب:
سرحان في إيه ؟؟ مالك ؟!"
فيكي... مفيش حاجة بتقلبني على وشي غيرك أنت يا سوبيا"
ابتسمت هي بعد جملته تلك حتى أشار لها و هو يقول بنبرة حماسية :
يلا كلي و افتحي نفسي على الدنيا، يلا يا عبلة كلي"
حرکت رأسها موافقة ثم قالت بهدوء تستأذن منه في التحرك
طب ثواني هغسل وشي علشان أفوق و أجيلك، مش فاهمة هناكل في البلكونة ازاي ؟!"
تحركت من أمامه و هو يتابعها بعينيه حتى عادت مرة أخرى تجلس أمامه و هي تقول:
كدا فوقت خلاص الحمد لله، يلا بقى دوق و قولي رأيك "!إيه ؟
حرك رأسه موافقا ثم ملأ ملعقة الطعام و قبل أن يدخلها فمه اقترب منها يطعمها و هو يبتسم حتى أكلت هي أولا فتحدث هو بنبرة هادئة
ألف هنا وشفاء كلي يلا بقى و أنا هاكل أهو و أقولك الأكل عامل إيه ؟!"
حرکت رأسها موافقة بحماس حتى تذوق هو الطعام ثم أشار لها بيده يحثها على التناول حتى أكلا سويا و هو بين الحين والآخر يطعمها الدجاج المفضل لديه و هي تبتسم باتساع.
على الرغم من كونه لا يفارقها كما أنه أصبح ملازما لها حتى أنه يشاركها جميع أفكاره و تفاصيل يومه في آخر الليل لكنه شعر أنه مقصر تجاهها لذلك قرر هو أن يقوم بتعويضها من وجهة نظره عن أي لحظة إهمال تسبب بها لها.
جلس هو في غرفة نومه بعد انتهاء جلسة العشاء الخاصة بهما التي كانت هادئة طيبة إلى نفسهما حتى أتت هي بطبق التسالي و هي تبتسم بحماس ثم اندفعت تجلس بجواره حتى ابتسم هو رغما عنه على بلاهتها، لذا تحدث بسخرية :
مش ناوية تكبري بقى ؟! عيب يا سوبيا كدا بطلي هيافة "
ردت عليه هي معاندة له:
لا مش هبطل، أنت قولتلي أني هبلة بس عسل، لو سمحت بقى سيبني اتهطل كفاية إنك سايبني من الصبح"
سحبها نحوه يحتضنها و هو يقول بنبرة هامسة " تعرفي عن ليدو حبيبك إنه يقدر يسيبك ؟! بعدما ما بقيتي ليا و معايا أنا أقدر أسيبك ؟! بعدما عرفت إن الدنيا دي حلاوتها في وجودك معايا أسيبك ؟!"
رفعت عينيها نحوه و هي تبتسم باتساع تحاول كتم تلك البسمة حتى اقترب منها يهمس في أذنها بقوله:
يمين بالله بقيت بعد الوقت علشان أجيلك و أخدك في حضني زي كدا، بقيت بكافيء نفسي بيكي، عبلة أنا بحبك"
ردت عليه هي بنبرة هادئة
كل مرة بسمعها زي أول مرة ساعات بحس إنك خلاص بطلت تحبني و حبك قل يا وليد بس بكذب نفسي في كل مرة أشوفك فيها جاي بلهفة علشان نقعد سوا، هقبل بأي حاجة في الدنيا إلا إن حبك يقل في يوم"
ابتسم هو لها و هو يقول بنبرة عاشقة خالصة هائما في هدوء ملامحها
الانسان ممكن يعيش من غير أهل و من غير صحاب و غريب حتى عن نفسه، لكن من غير أمل صعب و الله، أنا كان أملي في الدنيا وجودك أنت، حاربت علشان تكوني معايا، كل مرة الألم كان يوصل لأخره افتكر إن نهاية المطاف أنا هكسب وجودك أنت، أنت الأمل اللي جاب الحياة لقلبي الميت و حياه من تاني، الغلب اللي القلب رضي بيه و بقيتي أحسن غلب في الدنيا كلها، الشفا اللي في عيونك لقلبي ميتقارنش بحاجة في الدنيا"
أخفضت رأسها تتنفس بعمق حتى رفع رأسها بكفه و هو
يقول بنبرة هادئة
اتطمني، أنا و قلبي ملناش غيرك أنت، هنروح منك فين يا أحلى نصيب اتكتب علينا ؟!"
ردت عليه هي بنبرة هادئة
ملكش مكان تاني غيري أصلا، مش بعد كل دا تروح لغيري، أنا و أنت من البداية لبعض"
رد عليها هو يشاكسها بمزاح
يا واد يا جامد ؟؟ إيه الثقة دي كلها ؟! بس ماشي اتدللي و اتدلعي ما أنت مراتي بقى"
أبتسمت هي بسمة مكتومة تحاول الثبات أمام مزاحه و يده التي تمسك خصلات شعرها حتى تحدث هو بنبرة هادئة :
عاملك مفاجأة حلوة بس بشرط، قولي الأول موافقة و أنا أقولك على المفاجأة"
طالعته بخوف و ترقب حتى قال هو بنبرة ساخرة "أنت خايفة كدا ليه هو أنت متجوزة سفاح ؟! مالك ؟!"
ردت عليه هي بقلق:
كلامك وطريقتك رعباني حاسة إنك هتجيب سكينة و تخلص عليا، إيه الرعب دا ؟!"
ضربها على جبهتها و هو يقول بضجر منها " يخربيت أم أفلامك الهابطة، هو أنا قتال قتلة ؟! ناقص بعد كدا أفتح في وشك مطوة ؟؟"
سألته هي ببلاهة : "أومال أنت عاوز إيه ؟!"
رد عليها بنبرة هادئة
قوليلي أنت معاكي كورسات إيه ؟! و كل واحد فيهم بتعملي بيه أيه ؟!"
عقدت ما بين حاجبيها و هي ترمقه بتعجب فسألها هو يريد منها التحدث حتى أملت عليه هي كافة التفاصيل حينها حرك رأسه موافقا بتفهم ثم قال:
يعني كدا معاكي كورس "Hr" و دا علشان مقابلات الشركات ومعاكي كورس علاقات عامة و معاكي كورس
تصمیم و فوتوشوب و أنت أصلا خريجة تجارة انجلش ؟!
و معاكي لغتين انجليزي و إيطالي ؟!"
حرکت رأسها موافقة بقلة حيلة فتحدث هو بسخرية :
سبع صنايع و البخت ضايع ؟! و عايشة معايا كدا عادي ؟!
يا بنتي دا أنت اللي زيك تهاجر مني"
ردت عليه هي بتلقائية :
أنا علشانك أنت قررت اتنازل عن كل دا و الله اختارت أني أكون موجودة معاك أنت منكرش أني ساعات يبقى نفسي أعمل حاجات كتير بكل اللي اتعلمته دا بس متأكدة إن هييجي يوم والحاجات دي تفصل بيننا، مش عاوزة أخسر صاحبي و حبيبي علشان شوية ورق، أنت عندي أغلى من كل دا"
حرك رأسه موافقا وهو يبتسم لها ثم اقترب منها يقبل رأسها و بعدها تنفس بعمق و هو يقول بنبرة هادئة " و أنا مش أناني و لا ندل علشان أفرح إن حبيبتي ضيعت عمرها عليا، كدا ابقى راجل ناقص رجولة، لما أنت تنجحي أنا هفرح و هحس بالفخر، أنا مش وحش علشان اقف في وش نجاحك"
طالعته بتيه و حيرة غلفت نظراتها حتى قال هو مفسرا "وعد مني هخليكي تحققي كل اللي نفسك فيه، اتطمني و سلميلي نفسك بس"
حرکت رأسها موافقة و هي تبتسم له فيما احتضنها هو بقوة و هو يتنفس الصعداء وبداخله الامتنان والشكر لوجودها بقربه.
بعد مرور عدة أيام وخاصةً في اليوم السابق لموعد سفر
«هدير» و «حسن» يوم الخميس صباحًا وقفت «خديجة» وسط الأطفال تعلمهم نطق بعض الكلمات الانجليزية و هم يرددون خلفها في حماس خاصة أنها تبتسم لهم جميعا و بين الحين والآخر تسخر من الكلمات و نفسها و منهم أيضا بمرح.
في الخارج جلست عبلة » تقابل الفتيات التي تقدمن للتطوع في تلك الدار بعدما ساعدها «وليد» في ذلك و استغلال طاقتها الكامنة بداخلها و كذلك استغلال ما تعلمته أيضًا من خلال عدة أشياء تقوم بها في الدار.
أقتربت «نوف» من عبلة تجلس بجوارها و هي تسألها باهتمام
ها یا عبلة ؟! إيه رأيك ؟! محتاجة حاجة مني ؟!"
ردت عليها بوجه مبتسم
تسلمي يا نوف، أنا خلاص تممت كل حاجة و ما شاء الله البنات عندهم حماس كبير اتمنى أكون بس قد ثقتكم فيا"
ردت عليها بحماس
و أكثر كمان ما شاء الله أنت و خديجة بقالكم 3 أيام معانا هنا و كل حاجة تمام جذا، بجد شكرا لوقتكم و مجهودكم"
ردت عليها «عبلة » بهدوء:
لا شكر على واجب الشكر ليكي و للمكان دا علمنا كتير أوي بجد، و بعدين صح مقولتيش ليا ازاي صغيرة كدا و ما شاء الله معاكي كل المناصب دي ؟! ٢٠ سنة اللهم بارك و مسئولة هنا عن المكان دا و كمان بتدرسي علم النفس و سيكولوجية الطفل ؟! أنا فخورة بيكي أوي"
ردت عليها «نوف» بهدوء بعدما ابتسمت لها :
اللي عاوز يعمل حاجة هيعملها يا عبلة، المكان دا والدي الله يرحمه كان مسئول عنه وحياته كلها كانت فيه مقدرتش أقصر في حقه، علشان كدا حاربت كأني بابا موجود و أكثر وبصراحة غسان ساعدني أوي، غير كدا أنا كنت بمر بفترة نفسية صعبة، قولت استغل الطاقة دي"
سألتها «عبلة» بنبرة هادئة : " ازاي ؟! يعني حد تعبك نفسيا ؟"
حركت رأسها موافقة ثم أضافت مفسرة بعدما تنفست بعمق
للأسف يا عبلة، حصلي فترة صعبة عليا نفسيا بسبب سماري و ملامحي و بسبب جسمي علشان صغير شوية و شكلي أصغر من سني وكلام من ناس كنت فكراهم صحابي بس هما مكانوش كدا، كانوا بيرموا الهزار وسط الجد، قفلت على نفسي فترة و بعدت عن الكل حتى نفسي و غسان ساعتها كان بيحاول كتير علشاني"
ابتسمت لها عبلة » و هي تقول بنبرة هادئة : ربنا يخليكم لبعض، هو قريبك ؟! بحسه إنه قريبك ساعات"
ردت عليها تنفي حديثها بهدوء
لا خالص، هو ابن صاحب بابا و قبل ما بابا يتوفى وصاه علينا، هو بقى استغل الوصية و اتقدملي و بصراحة استغلال في محله والله"
ردت عليها عبلة » بمشاكسة :
الله ؟! دا أنت دايبة أنا البت مغصوبة بقى و بتاع
طلعتي موافقة و ما صدقتي ؟!"
حرکت رأسها موافقة و هي تبتسم لها ثم قالت بخجل:
الفكرة كلها أنه كان قد المسئولية و أكثر كمان، أنا مثلا كنت بكره شكلي و سماري و عيوني الواسعة دي طلع هو متيم بكل دا، كنت حاسة اني فاشلة و مش هقدر أشيل مسئولية بس هو جابني هنا وخلاني أكمل دور بابا و سلمني المسئولية و هو واثق فيا اتعلمت منه حاجات كتير اهمها أني لو مكتئبة اعمل خير و لو حسيت بفشل برضه اخرج طاقتي هنا في الخير بقينا بنروح جمعيات خيرية سوا و نسافر محافظات و نروح قوافل خيرية كتير، لحد ما بقيت هنا و هو معايا وفرحنا بعد العيد
اقتربت منهما «خديجة» في تلك اللحظة تجلس بجوارهما بانهاك واضح حتى سألتها «نوف» بنبرة ضاحكة: "إيه تعبتي ؟!"
ردت عليها بفرحة
بصي مش بحس بالتعب قد ما بحس بالفرحة، يعني عادي بالنسبة ليا، دلوقتي أستاذ غسان دخل ليهم يوزع الوجبات بس ياسين مش معاه هو فين ؟!"
ردت عليها «عبلة » تجاوب استفسارها " ياسين عند التعبئة جوة بيساعد الشباب، قالي أقولك قبل ما يدخل"
حرکت رأسها موافقة ثم استأذنت منهما و ذهبت إليه بهدوء فوجدته بمفرده يقف وفي يده الورقة والقلم بدون أعداد الحقائب البلاستيكية، حينها ابتسمت بسعادة بالغة ثم اقتربت تقف بجواره و هي تقول بنبرة هادئة مش عاوز مساعدة مني خالص ؟! أنا ممكن أساعدك و الله "
التفت لها و هو يبتسم بخفة حتى اتسعت بسمته تلقائيا عند رؤيتها فقال هو بنبرة هادئة :
أنا كدا أتلكك بقى و أقولك أني محتاج مساعدة "
ردت عليه هي بنبرة ضاحكة
جرى إيه ؟! عيب كدا يا هندسة، أنا جيت بس اتطمن عليك و هروح أكمل يكونوا البنات خلصوا أكل، خلي بالك هنروح مع هدیر و حسن بليل
حرك رأسه موافقا وهو يبتسم لها ثم قال بهدوء:
عارف متخافيش، ربنا يكتبهالنا سوا يا رب، و أقف أنا و أنت هناك مع بعض إن شاء الله"
لمعت العبرات في عينيها تأثرا بمجرد التخيل فقط حتى قال هو بنبرة هادئة :
هجهز جواز السفر ليكي و أول ما يطلع نروح لو ربنا أراد و كتبها لينا، أنا عند وعدي ليكي مش هخلف بيه أبدا"
في المساء وقرب منتصف الليل بدأوا يتجهزون جميعا لتوصيل «حسن» و «هدير» إلى المطار، و في شقته ارتدى هو الجلباب الأبيض و هو يبتسم بسعادة بالغة و كأن الراحة بنت بيتا داخل أضلعه لتستقر به و لا تفارقه البتة، و «هدير» أيضًا وقفت أمام المرآة تضع غطاء
رأسها الأبيض ثم وقفت تننفس بعمق تحاول الثبات حتى
لا تنزل دموعها خاصة حينما أمعنت النظر في نفسها و ثيابها فوجدت وجهها البريء كما كانت في صغرها قبل أن تتربى على اللؤم والضغائن كانت ترتدي الثياب البيضاء و خصلات شعرها بالكامل أسفل حجابها، رفعت رأسها تنظر للأعلى و هي تبكي بفرحة حتى طرق هو باب الغرفة ثم دلف لها و هو يحمحم بقوة وسرعان ما ابتسم بتأثر و
لمعت العبرات في عينيه و هو يقول بصوت متحشرج "أنا كنت حمار لما كان نفسي أشوفك بالفستان الأبيض الأبيض دا أحلى بكتير يا هدير، أنا شايفك ملاك قصادي قلبي زي الطير دلوقتي بشوفتك كدا، إحنا رايحين أطيب و أطهر مكان في الأرض، رايحين عند الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم رايحين سوا علشان نرجع اثنين تانيين خالص، ربنا يحفظك ليا و يتقبل منك و مني"
احتضنته و هي تبكي بقوة حتى احتواها بين ذراعيه وهو يبتسم بهدوء ثم قبل قمة رأسها و هو يفكر هل من المعقول أن تصبح أكثر جمالا في تلك الهيئة ؟؟ على الرغم من احتشام الملابس بالكامل حتى قدميها إلا أنها زادتها جمالا و أضاءت وجهها حتى أصبح أكثر اشراقا.
في المطار وقفوا جميعًا يودعونهم العائلة و الفتيات و الشباب معهم والجميع حتى «يوسف» الذي اقترب من «حسن» يطلب منه بتأثر:
أنا أول مرة أشوف حد رايح عمرة، و لما ترجع هكون أنا سافرت متنسانيش هناك يا حسن ادعيلي ربنا يريح قلبي لو مكتوبلي ارتاح في الدنيا، و لو مش مكتوبالي ادعيلي ربنا يريحني أحسن من كل دا و يخلصني من الدنيا دي"
رد عليه «حسن» برزانة
هدعيلك تروح هناك و ربنا يكرمك إن شاء الله، اسمع مني خلي أملك في ربنا كبير، أنا واحد كان ميت و رجعت الروح فيا من تاني، ثق في ربك و توكل عليه"
حرك رأسه موافقا ثم تعانقا سويا و من بعدها الشباب تباعا و كذلك الفتيات أيضًا يحتضن «هدير» التي كانت تتشبث بهن بفرحة كبرى و كذلك عمتها التي طلبت منها الدعاء لها بتلك الزيارة الكريمة.
اقترب «وليد» من «حسن» يحتضنه و هو يقول بمرح " اقسم بالله لو ما جيبتلي مية زمزم من هناك لأطفحك مية النيل هنا مش هعديك من باب المطار من غيرها
رد عليه «حسن» بيأس و قلة حيلة "مفيش فايدة فيك يابني لم نفسك بقى إيه الزفت دا ؟!"
ضحك الشباب عليهما حتى اقترب منه «عمار» يقول
بلهفة :
بص يا حسن ادعيلي انجح و الواد عبد الرحمن كمان معايا هو بيسلم عليك أوي، وادعيلي سنين الكلية تخلص بسرعة قبل ما أخلص أنا، وادعيلي ربنا يكرمني باللي نفسي فيه"
أبتسم له بثقة و هو يقول بخبث: حاضر يا لينجويني متخافش
عقد «عمار» ما بين حاجبيه حتى غمز له «حسن» ثم أشار بعينيه عليها، حينها تحدث «عمار» بضجر جرى إيه يا جماعة ؟! ما نكتب الكتاب و خلاص، دا إيه
الفضايح دي ؟! حتى أنت عارف ؟!"
حرك رأسه موافقا ثم أضاف:
و مراتي كمان و هي اللي قالتلي ما شاء الله مفضوح
أوي"
استمرت لحظة الوداع بين الجميع حتى رحلا سويا من أمامهم و الأعين تطالعم بتأثر وفرحة و قبل أن يبدأوا المغادرة مال «يوسف» على أذن «وليد» يطلبه معه في مشوار هام، لذلك انصاع له «وليد و ترك زوجته تذهب مع أخيها فوافقت هي على الفور ثم رحلت مع أخيها.
ركب «وليد» مع «يوسف» سيارته فتحدث الأول يتسفسر منه بثبات
هو احنا رايحين فين ؟!"
غمز له الآخر بعبث و هو يقول:
مكان حرام و عيب"
صرخ «ولید في وجهه رافعا صوته بنبرة جامدة
إيه يا يوسف ؟! فين الأدب فين الاخلاق ؟! فين المكان ؟!"
ضحك «يوسف» بشدة و شاركه «وليد» الضحك أيضًا ثم حل الصمت عليهما حتى توقفت السيارة أخيرا أمام مكان خاص بالسهرات الليلة، عقد «وليد» ما بين حاجبيه فتحدث «يوسف» بهدوء
قولي يا وليد، هو لو القافلة بتسير و الكلاب بتعوي، أنت هتعمل إيه في الحالة دي ؟!"
رد عليه «وليد بثبات
بسيطة، نركن القافلة وننزل للكلاب نظبطهم و نرجع تاني لقافلتنا "
ابتسم له «يوسف» و هو يقول بنبرة هادئة حينما فكر لمدة ثوان
أنا هقرر أمشي بالمبدأ دا، أصل طول عمري بسيب القافلة تسير و الكلاب تعوي لحد ما نطوا على القافلة، ساعتها بقى نوقف القافلة وننزل للكلاب... يلا ورايا"
سأله «وليد» بتعجب: على فين دلوقتي ؟!"
هننزل للكلاب"
رد عليه «يوسف» بذلك و هو يغمز له حتى حرك رأسه موافقا ثم ظهر الخبث في نظراته و هو يخرج من السيارة ملاحقا بالآخر.
دلفا سويا لذلك المكان الذي تقزز منه «ولید» و ذکره بـ أسوأ أيام حياته، أما الآخر فهو معتاد على تلك الأماكن وقف يضيق عينيه مثل الصياد الفريسته حتى ابصره يجلس وسط الفتيات يتجرع كأس من المحرمات ابتسم بسخرية ثم التفت يغمز للأخر يلحقه حتى نفذ طلبه و سار خلفه بالفعل.
اقترب «يوسف» منه و هو يقول بنبرة هادئة رغم حدتها : ازيك يا هشام ؟! و لا أقولك يا سيادة رئيس مجلس الإدارة ؟! و لا زي ما الستات بتقولك يا إتش"
سأله بخبث و هو يشير بنظره نحو الفتيات التي تجلس بحواره بهدوء، حتى انصرفت الفتيات فجلس «يوسف» بجواره و معه «وليد»، حينها تحدث «هشام» بتهكم
خیر ؟! جاي تبوظ عليا ليلتي ليه ؟! هو أنت مبتحرمش خالص ؟! مش مكفيك العقاب ؟!"
رد عليه بنفس التهكم
و أنت مش ناوى تبقى كريتيف شوية ؟! نفس العقاب الأهطل بتاعك ؟! أنا ترميني في الجبل و ياسين ترميه في الجبل للبدو، نوع دا العقل زينة حتى"
رد عليه بسخرية
افضل كدا كبر في نفسك وشوف نفسك على الكل و اعملها قيمة، وأخرتك امضاء مني يخليك تقعد في بيتكم مفيش بنزينة حتى تشغلك مش هتبطل تتطاول بقى"
شعر «يوسف» بالدماء تغلي في عروقه و قبل أن يتهور في فعله تدخل «وليد» يقول ببروده المعتاد " و هو أنت ليه شايفه مكبر نفسه و عملها قيمة و بيتطاول ؟! مش يمكن أنت نفسك اللي قليل و ملكش قيمة
بحواره بهدوء، حتى انصرفت الفتيات فجلس «يوسف» بجواره و معه «وليد»، حينها تحدث «هشام» بتهكم
خير ؟! جاي تبوظ عليا ليلتي ليه ؟! هو أنت مبتحرمش خالص ؟! مش مكفيك العقاب ؟!"
رد عليه بنفس التهكم
و أنت مش ناوي تبقى كريتيف شوية ؟! نفس العقاب الأهطل بتاعك ؟! أنا ترميني في الجبل و ياسين ترميه في الجبل للبدو، نوع دا العقل زينة حتى"
رد عليه بسخرية
افضل كدا كبر في نفسك وشوف نفسك على الكل و اعملها قيمة، وأخرتك امضاء مني يخليك تقعد في بيتكم مفيش بنزينة حتى تشغلك مش هتبطل تتطاول بقى"
شعر «يوسف» بالدماء تغلي في عروقه و قبل أن يتهور في فعله تدخل «وليد» يقول ببروده المعتاد " و هو أنت ليه شايفه مكبر نفسه و عملها قيمة و بيتطاول ؟! مش يمكن أنت نفسك اللي قليل و ملكش قيمة و لا لازمة علشان كدا شايفه كبير عليك ؟!"
هدأ «يوسف» على الفور وأرخى قبضة كفه بينما حرب النظرات بدأت بين الطرفين الأخرين و كلا منهما يجهل هوية الآخر و لكن في تلك الحرب لمن النصر يا ترى ؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم شمس بكري
أجد في ضيق ذراعيكَ المتسع من دنياي"
_________________________
ربما لو اختلفت أوضاعنا لـ تفاجئنا بحقيقة الأمر من منظورٍ آخر، لربما اكتشفنا أن ما ظنناه يسير بكل يُسرٍ هو أكثر ما يعيقنا و يقف بكل عُسرٍ، قد تظن أن حقيقة الأمر مكشوفة و في الحقيقة أن حقيقة الأمر كانت مثل الصفعةِ المدوية.
حرب نظراتٍ نُشبت بينهما و الربح بها للطرف الأقوىٰ الذي استطاع قراءة من يحاربه بنظراته، حيث كان «وليد» يجلس بكل ثباتٍ أمامه رافعًا أحد حاجبيه مُمعنًا النظر به حتى قرأ من هو و كأن أحد الكتب التي تَعمقَ هو بقرائتها، فيما تحدث «هشام» بنبرةٍ جامدة يشوبها اهتزازٍ طفيف يدل على خوفه منهما:
هو انتوا مين ؟! مش هتبطل جو البلطجة دا يا يوسف ؟! يا أخي اكبر بقى و احترم سنك و وظيفتك"
رفع «يوسف» حاجبه و هو يقول متهكمًا:
شوف مين بيتكلم ؟! مش لما تحترم أنتَ الرجولة يا هشام ؟! يا أخي دا أنتَ عار على صنف الرجالة كله"
رفع صوته في وجهه و كأنه بذلك يثبت عدم اهتزازه بوجودهما:
أنت لو ملميتش لسانك دا أنا هضيع الباقي من مستقبلك و على ما أظن كدا إنك مش فارق مع حد أصلًا، يعني محدش هيزعل و يدور عليك أصلًا"
كان الحديث مثل نصل السكين الحاد يمزق في روحه و هو يذكره بأنه في تلك الدنيا مثل من وجد بها لقيطًا، تدفقت الدماء إلى وجهه حتى انعدمت الرؤية أمامه و في لمح البصر انقض على «هشام» يمسك عنقه بيده و باليد الأخرى يُرجع ذراعه للخلف و هو يقول بـ هسيسٍ يشبه هسيس الأفعىٰ و الأخر يتلوى في يديه:
عظيم بيمين أنا ممكن دلوقتي أضيع رجولتك و مستقبلك و أي حاجة تخليك تفكر تشوف نفسك في يوم عليا، و زي ما قولت مش فارق معايا حد، أنا واحد رامي نفسه في وش الموت، اتقي شري علشان نفسك"
ابتعد عنه و عاد لموضع جلوسه مرةً أخرى بجوار «وليد» فيما سعل «هشام» بشدة و هو يدلك عنقه بعدما ابتعد عنه «يوسف» حتى تحدث «هشام» بعنجهيةٍ:
أنتَ عاوز إيه ؟! مش مكفيك إن ملفك فيه نقطة سودا لو روحت حتى لأصغر شركة مش هتقبل بيك ؟! نسيت إنك ضاربني و متهجم عليا في مكتبي ؟!"
غمز له بخبثٍ و رافق تلك الغمزة قوله الخبيث أيضًا:
طب ما تقول ضربتك فين و ليه ؟! لو راجل فعلًا زي ما بتقول"
اقتدح الشر في نظرات الأخر حتى أضاف «يوسف» بثباتٍ و لامبالاةٍ:
أقول أنا حتى علشان وليد يعرف هو كمان، البيه المحترم كان لسه واصل الشركة جديد و اتمنظر علينا و شاف نفسه قولنا مش مشكلة، كنت ساعتها واقف على درجة نائب المدير العام، البيه بقى كان بيطول في الشركة على قد ما يقدر دا مش علشان سواد عيون الشركة"
سأله «وليد» بتعجبٍ و هو يتابع الأخر بنظراته:
اومال علشان إيه ؟!"
علشان خاطر عيون سحر، سكرتيرة غلبانة حاول يتهجم عليها، كان فاكرها زي اللي خلفته كدا"
قبل أن يقف «هشام» أوقفه «وليد» بقوله الجامد و نبرته الحادة:
اقعد بدل ما أخليك تقعد العمر كله، اقعد دا أنتَ وقعتك سودا، كمل يا يوسف"
رد عليه «يوسف» بثباتٍ يُكمل سرد القصة:
كل الحكاية إن من حظه المهبب أني كنت هناك اليوم دا، و الحمد لله لحقتها من أيده علشان البيه كان سكران، و من بجاحته تاني يوم طلع قرار برفد ليها و قرار بـ احالتي للتحقيق، و أخر حاجة رسيوا عليها كانت أني انزل مشاريع من تاني بعدما ما كنت نائب المدير، و ضاعوا من عمري سنتين و ٣ شهور بس على مين ؟!"
رد عليه «هشام» بطريقته المعتادة و أسلوبه البارد:
على مين ؟! على نفسك، افتكر إن الجزاء من جنس العمل و أنتَ طايح في الكل مش راحم حد، جرى إيه يا يوسف ؟!! هتشوف نفسك عليا ؟! دا أنا أخليك تشحت و أضيعك"
تحدث «يوسف» مندفعًا في وجهه بنبرةٍ جامدة:
طب و ياسين ؟! برضه طايح في الكل ؟! و لا أنتَ اللي مش مستحمل حد يعلم عليك، بما إنك ناقص في الرجولة ؟!!"
رد عليه بغيظٍ:
مش هو شاطر و مهندس قد شغله ؟! طالما هو مهندس يبقى يشوف شغله احنا مش فاتحينها سبيل"
تلك المرة اندفع «وليد» يمسكه من تلابيبه و هو يصيح بهتافٍ حاد:
لأ يا روح أمك مش سبيل، زريبة علشان يشتغل و يأكل المواشي اللي زيك كدا، حوار إنك تشغل الناس على كيفك دا عند اللي خلفوك، إنما هنا أنا أديك على دماغك"
وقف «يوسف» خلفه يحاول ابعاده عنه حتى تحدث «وليد» بنبرةٍ جامدة و صوتٍ عالٍ:
يــوسـف ؟! هو أنا قولتلك بنعمل إيه في القافلة لما الكلاب تعوي ؟!"
رد عليه الأخر بتيهٍ يمتزج بالحيرة من حديثه و هو يمسك بتلابيب الأخر:
بنركن القافلة و ننزل للكلاب"
رد عليه بهدوء ما قبل العاصفة:
غير الخِطة يا يوسف، اسمع مني الجديد"
_"هو إيه الجديد ؟؟ ناوي على إيه يا وليد ؟!"
تفوه «يوسف» بذلك يسأله بقلقٍ حتى أجابه الأخر بثباتٍ:
هنكسر القافلة على دماغهم"
تفوه بها ثم سحب الأخر يلقيه على المقعد و هو يضربه حتى علم رجاله في الخارج بذلك من خلال ركض الفتيات و الشباب، و حينها أخرج «يوسف» السلاح الخاص به "المطوة" ثم وقف في وجه الرجال و قبل أن يقترب أيًا منهما من «وليد» يضربه «يوسف» بيده حتى كسر زجاجةً على رأس أحدهما و دفع الأخر على الطاولة الزجاجية حتى تهشمت تمامًا فور اصطدام جسده بها.
كان «وليد» إبان ذلك يضرب «هشام» حينما أدرك هويته و أنه هو من تسبب في رحيل «ياسين»، و الأخر لم تسعفه قوته الزائفة بسبب ترنح جسده نتيجة المشروبات التي يحتسيها و يداوم عليها، حينها اندفع «يوسف» يبعده عن «هشام» عنوةً عنه و هو ينبهه بخطورة فعله.
ابتعد عنه «وليد» يلهث بقوةٍ فتحدث «يوسف» بصوتٍ متهدجٍ:
فيه إيه ؟! مالك اندفعت كدا ليه ؟! اومال لو الموضوع يخصك بقى ؟!"
رد عليه «وليد» بصراخٍ و صوتٍ عالٍ حيث انفجر أخيرًا بعدما أخبره «ياسين» بما حدث معه:
لأ يخصني، بسببه كنت هخسر ياسين و وراه كنت هخسر خديجة، بسببه ياسين اترفع عليه السلاح و لو كان حصله حاجة كنت هخسر أختي هي كمان، بسببه فضلت شهر و نص تعبانة و مش عارف ابسطها، علشان إيه ؟! علشان واحد *** زي دا بيدوس على الناس و فاكر نفسه بيلعب، اللي زي دا حلال فيه الموت"
أشار على «هشام» و هو يتأوه بألمٍ بالغٍ على الأريكة، حتى سحبه «يوسف» من عليها و هو يقول أمرًا لـ «وليد»:
كلم ياسين و قوله يقابلنا ضروري، خلينا نخلص من الحوار دا كله بقى، هي كدا جابت أخرها"
أخرج «وليد» هاتفه يهاتف «ياسين» و طلب منه القدوم لذلك المكان بعدما أخبره «يوسف»، كان «ياسين» حينها في شقته مع زوجته و حينما هاتفه «وليد» استأذن منها و ذهب بعدما تحجج باحيتاج «يوسف» له قبل العودة إلى عمله.
رحل من أمامها حتى نظرت هي في أثره بقلة حيلة ثم جلست على الأريكة تفكر فيما قد يستدعى نزوله في ذلك الوقت بتلك الطريقة، أما هو فـ حينما علم بتواجد الاثنين مع بعضهما حينها ركض فورًا لهما حيث الوجهة التي أخبره بها «وليد».
في ذلك المكان الذي تعود ملكيته لـ «هشام» جلس على المقعد و «وليد» بجواره يقف على ردع حركته، فيما تدبر «يوسف» أمر الرجلين حتى وصل لهما «ياسين» و أخوته بعدما طلب منهم المجيء معه نظرًا لعدم معرفته بما يحدث و كم عائق يقف في وجوههم !!
وصل الأربعة سويًا فوجدا الاثنان معًا يقفا حول «هشام»، دلف «ياسين» أولًا لهما يسأل منفعلًا بنبرةٍ جامدة:
انتوا ليه أغبيا ؟! ليه تعملوا كدا ؟! ليه تضيعوا نفسكم ؟!"
رد عليه «وليد» ببروده المعتاد الذي امتزج بتهكمٍ طفيفٍ:
لا ضيعنا نفسنا و لا حاجة، كل الحكاية بس إن الكلاب عوت و القافلة تسير، وقفنا القافلة و نزلنا ليهم، زعلان يا ياسين ؟!"
نظر له «ياسين» بحدة فتحدث «عامر» بسخريةٍ:
ليه كدا بس يا وليد ؟! كنت رميت ليهم شوية عضم و خلصنا"
زفر «خالد» بقوةٍ ثم اقترب من منتصف المكان يقف مقابلًا لـ «هشام» يطالعه بشررٍ و يحتويه بنظرةٍ ثاقبة و على حين غرة صفعه على وجهه حتى دوى صوت الصفعة بالمكان و تبدل نظرة الشباب جميعهم حتى غلفت الدهشة نظراتهم، حينها اقترب «خالد» منه يمسكه من تلابيب قميصه حتى اوقفه و هو يقول بصوتٍ جهوري النبرة:
أنا على أخري منك و يدوبك ماسك نفسي أني مقتلكش، ياسين عمره ما هيفكر يقل منك و ياخد حقه، بس أخواته يعموا كدا عادي، عارف ليه ؟! علشان أنتَ ناقص"
دفعت على المقعد مرةً أخرى ثم التفت إلى «وليد» يسأله بنبرةٍ جامدة:
أنتَ اللي عملت فيه كدا ؟!"
حرك رأسه موافقًا بحركةٍ خافتة حتى رد عليه «خالد» بفخرٍ:
جدع !! و تستاهل يتقال عليك أخ بجد، سواء أنتَ أو يوسف"
اقترب «ياسين» منه يوجه حديثه للأخر:
عرفت ليه لحد دلوقتى أنا ماخدتش حقي ؟؟ علشان عارف إنهم مش هيسيبوك، بس أقسم بالله لو حقي مرجعش و اترد اعتباري أنا هولع في جثتك"
رد عليه «هشام» ببرود:
عندك إيه تعلمه ؟؟ و لا أي حاجة، ريح نفسك يا ياسين"
رد عليه «ياسين» بثقةٍ و ثباتٍ:
لأ !! عندي كتير أوي يخليك تقعد في بيتكم تشحت زي الكلب، هوريك بنفسي"
أخرج هاتفه بعد جملته تلك الجملة ثم قام بفتحه على مقطع فيديو له يترنح بجسده بعدما سَكر كعادته بعدما تناول الخَمر و كانت تجاوره فتاةٍ في ذلك المقطع حتى ركبا السيارة سويًا.
أغلق «ياسين» الهاتف فورًا و هو يقول بثباتٍ جعل الأخر يزدرد لعابه بخوفٍ:
فيديو زي دا لو وصل لممتاز ساعتها أنتَ هتقعد في بيتك، و مش بس كدا ؟! فضيحتك هتبقى بجلاجل، بس أنا متربي و اللي ستره ربه ميفضحهوش عبده، علشان كدا تسمع كل كلمة هقولها لو واحدة بس سقطت منك أنا هسلمك ليهم ياخدوا حقي و حق الرجالة، و لا ليه ؟! أنا أسلمك لرجالة البدو و هما ساعتها ياخدوا حقهم منك صح، قولت إيه يا إتش ؟!"
_________________________
جلست «عبلة» في شقة «طارق» حتى يعود لها زوجها و يأخذها، جلست على مقربةً منهما تتصفح هاتفها و تحاول التواصل معه حتى زفرت بقوةٍ و حركت رأسها للجهة الأخرىٰ فوجدت «طارق» يجلس في يده المصحف الشريف و «جميلة» أمامه تجلس بهدوء تتلو القُرآن بصوتٍ خاشع و هو يبتسم بهدوء و عينيه تتابعها عن كثبٍ و هي تجلس أمامه ترتدي الاسدال و تقوم بتسميع القُرآن بعدما طلبت منه أن يعاونها في ذلك حتى لا تنشغل بدنياها و تنسى ما حفظته من القُرآن الكريم.
اتسعت بسمته تلقائيًا حينما توقفت لبرهةٍ عابرة تتذكر تكملة ما توقفت عنده حتى ابتسم هو بهدوء و هو يقول:
﴿وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾"
أكملت هي بعدما توقف حتى نهاية ما اتفقا عليه سويًا، تنهدت هي بعمقٍ بينما هو اقترب منها يقبل رأسها ثم أمعن النظر في وجهها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
بارك الله فيكِ و جمعني بيكي في جنته يا جميلة، فرحان بيكي أوي و الله، جعل الله القُرآن شفيعًا لكِ يوم القيامة"
ابتسمت له بِحبٍ ثم قالت بهدوء:
طب يلا زي ما اتفقنا أنا اسمع و أنتَ تفسرلي و تساعدني أني افهم مقصد السورة، و لا محضرتش زي المرة اللي فاتت ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم تحدث يجاوبها بهدوء بعدما ابتسم لها:
لأ طبعًا هسيبك تشمتي فيا زي المرة اللي فاتت ؟! عيب عليكي"
حركت رأسها موافقةً فسحب هو نفسًا عميقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
سورة النور من السور اللي سيدنا محمد صل الله عليه و سلم وصى بحفظها و الدليل على ذلك قوله:
علِّموا رجالكم سورةَ المائِدةِ، و علِّموا نساءِكُمْ سور النور، لأن مقاصدها كتير و خصوصًا للنساء، بمعنى إن مقاصدها العفاف و الستر و صفاء المجتمع المسلم و تحصينه من أسباب الفاحشة و كيد المنافقين"
سألته هي بتركيزٍ بالغٍ و اهتمامٍ تقطره حروفها:
طب و ليه النور تحديدًا ؟!"
رد عليها مفسرًا بنبرةٍ هادئة:
اسمها سورة النور لتكرار لفظ النور بها سبع مرات و لـ اشتمالها على ضرب المثل بنور الله الذي يهدي إليه من الإيمان و القرآن و هو من أعظم مقاصد القُرآن"
حركت رأسها موافقةً فأضاف هو من جديد بنفس الهدوء:
«سُورَةٌ أَنزَلۡنَـٰهَا وَفَرَضۡنَـٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِیهَاۤ ءَایَـٰتِۭ بَیِّنَـٰتࣲ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ»
يَقُولُ تَعَالَى:
هَذِهِ ﴿سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا﴾
فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى:
(١) الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَلَا يَنْفِي مَا عَدَاهَا.
﴿وَفَرَّضْنَاهَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أيْ بَيَّنَّا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْحُدُودَ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ:
وَمَنْ قَرَأَ "فَرَضْناها" يَقُولُ:
فَرَضْنا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ.
﴿وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أَيْ: مفسَّرات واضحَات،
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾"
حركت رأسها موافقةً فاستكمل هو تفسير مقاصد السورة و شرحها لها و هي تتابعه بفخرٍ على الرغم من كونها تعلم كل ذلك إلا أنها أرادت مشاركته تلك اللحظة و أن تأخذ بيده حتى ينتهي بهما العمر سويًا في طريق النور، فيما استمر هو في التفسير حتى أضاف هو:
السورة دي شرحت الحجاب كما يجب أن يكون فرض على كل مسلمة، العفة و الستر اللي واجب على كل مسلمة إنها تحارب علشان توصله، ربنا يكرمنا كلنا و يهدينا لطريق الحق إن شاء الله، كدا تمام !؟!"
سألها بمرحٍ طفيف حتى حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له فاقترب هو منها يقول ممتنًا لها:
شكرًا علشان أنتِ بشكل مش مباشر بتساعديني، و شكرًا علشان وجودك اللي كان كل خير ليا في الدنيا، أكرم حاجة يحصل عليها الراجل هو وجود زوجة صالحة تعينه على الطاعات و أنتِ وجودك جميل أوي زي اسمك خلى حياتي جميلة"
أقتربت منه هي تمسك كفه بين كفيها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
منكرش أني ساعات بقول إنك ملبوس شوية و عندك سلوك لامسة في بعض، بس أنا بحبك، و نفسي نكمل الطريق سوا، يمكن قابلتك في وقتي الصح أو يمكن جيت ليك متأخر بس برضه دا الخير لينا سوا، كنت ساعات بتمنى اتجوز واحد يساعدني في الدين و يكون عارف أكتر مني، بس لما جربت الطريق و احنا ماشيينه سوا حسيت بمتعة أكبر، حاسة إننا مع بعض طريقنا احلى، بفرح أكتر لما تنافسني و تكسبني"
أبتسم هو لها حتى اقتربت منهما «عبلة» بتوترٍ و خجلٍ و هي تفرك كفيها معًا، فانتبه لها «طارق» لذلك قال بعدما حمحم بخشونةٍ:
تعالي يا عبلة، تعالي يا حبيبتي"
اقتربت تجلس معهما و هي تبتسم لهما حتى قالت بصوتٍ مهتز:
أنا عجبتني أوي قعدتكم كدا سوا، و كنت عاوزة بس اسألكم حاجة، بما أنكم ماشيين الطريق دا مع بعض، هي حميلة لبست الخمار ازاي ؟!"
انتبهت لها «جميلة» و هي تبتسم باتساعٍ فأضافت «عبلة» تفسر بتوترٍ:
اقصد يعني... ازاي خدني خطوة زي دي رغم إن سنك صغير، يعني أنتِ بتقولي إنك من تالتة اعدادي مختمرة، ازاي، مفكرتيش في الخطوة دي انها ممكن تقيدك شوية ؟!"
ردت عليها بحماسٍ تنفي ظنونها:
لأ خالص، بصي هو طريق أنا خدته واحدة واحدة، بمعنى أني بدأت ألتزم بالصلاة و بعدها بالنوافل بعدها بأذكاري بعدها بأمور ديني، بعدها بالورد اليومي، بعدها بدأت أحفظ، لحد ما مرة قرأت آية من سورة العنكبوت، معرفش ليه اتشديت أوي للآية دي و حسيت أني عاوزة أعرف أكتر تفسيرها و مقصدها"
سألتها «عبلة» باهتمامٍ:
آية إيه دي ؟!"
ابتسمت لها و هي تقول:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
المؤمن يقطع عمره كله يحاول ترويض نفسه للخير و يفضل يجاهد فيها، هي تهزمه مرة و هو يهزمها مرة و كل أمله في الدنيا أنه يقابل ربنا و هو غالب مش مغلوب، لأن في هزيمتها انتصاره و في هزيمته هلاكه، الآية دي معناها اننا نجاهد نفسنا و نحاربها، مرة اقطع و مرة اثبت و مرة التزم، كل الحكاية في قوة جهادك لنفسك، الفكرة إنك هتفضل طول عمرك بتحارب النفس و تجاهد الهوىٰ، و الهوىٰ مخالفته نجاة لأن النفس أمارة السوء لصاحبها، أنا بعد ما لبست الخمار سنة و نص جت عليا فترة فتور من العبادات لدرجة خلتني اقطع الصلاة خالص، نهاية الطريق دا لو كنت سيبت نفسي فيه كانت هتبقى آخرته أني ممكن أقلع الحجاب كمان، بس ساعتها فضلت ادعي و احارب و علشان مكسلش عن الفرض كنت بسهر و اطبق علشان اصلي القيام و الفجر، اتولدنا فيها نحارب علشان نلقى الراحة في الجنة يا عبلة"
حركت «عبلة» رأسها موافقةً و لمعت عينيها بوميضٍ و هي توزع نظراتها بينهما و هي ترى تلك العلاقة التي يسعى كليهما للوصول إلى الجنة ممسكًا بيد الأخر معه يسحبه نحو الضوء.
_________________________
خرجوا الشباب معًا بعدما قاموا بـ الاتفاق مع «هشام» على عودة حقوقهم و حقوق كل من سعى هو لظلمهم، حيث يقوم بتقديم اعتذارًا رسميًا لـ «يوسف» و تقديم مكافأة مالية لـ «ياسين» مع إقامة حفلًا للشهادة به و بعمله و تعويض كليهما عن ما تسبب هو في نتائجه السلبية التي لحقت بهما.
وقف «يوسف» أمام الشباب يبتسم لهم، فتحدث «عامر» بنبرةٍ ضاحكة:
كان ليه حق ياسين يخاف منك و من وليد مع بعض، بس الحمد لله الحق رجعلكم اهوه، هتمشي ليه بقى ؟!"
رد عليه «يوسف» بقلة حيلة:
همشي علشان مش هعرف أعيش هنا يا عامر، أنا مليش حد، و اللي ليا مستحيل أعيش وسطهم، أنا بهرب من نفسي قبل الكل"
رد عليه «عامر» بلهفةٍ:
أحنا معاك أهو !! اقصد اننا هنا أهلك كلنا، و أخواتك كمان، وافق إنك ترجع مهندس هنا تاني و سيبك من الرمية في الصحرا، ياسين حكالنا عن الوضع هناك، ليه الخطر دا ؟!"
ابتسم «يوسف» له و هو يقول بنبرةٍ هادئة مُعجبًا بطيبته:
سبحان الله، طلعت طيب أوي، شكرًا يا عامر، بس أنا صعب افضل هنا و الله، هستنى كام يوم كدا يترد اعتباري و همشي إن شاء الله، أكيد هنتقابل تاني و أكيد دي مش نهاية اللي بيننا"
تدخل «ياسر» يقول مؤكدًا ما تفوه به:
طبعًا إحنا كلنا معاك و أي وقت كلنا في ضهرك، المهم أنتَ متنسناش بس، و لو احتاجت اخواتك هتلاقينا معاك"
حرك رأسه موافقًا فسأله «وليد» و كأنه انتبه لتوه:
صحيح هو أنتَ إيه حكايتك ؟! أنا معرفش حاجة عنك، معقول تبقى أخونا و منعرفش عنك حاجة ؟!"
رد عليه بثباتٍ:
لأ دي حكاية طويلة، و أنا حكايتي لسه مبدأتش، بس وعد مني لما تبدأ هقولكم، مش هنسى أخواتي برضه"
ابتسموا له فاقترب هو يحتضنهم و يودعهم قبل رحيله، و بمجرد ما التفت يوليهم ظهره عاد من جديد يقول بخجلٍ:
أنا بس عاوز اعترف بحاجة صغيرة، أنا اللي شجعني اني انزل القاهرة هو ياسين، بصراحة قولت حِجة علشان اتحامى فيه هنا و أعرف أخد حقي و أرد اعتباري، أنا مش استغلالي بس بصراحة من كلامه عنكم كنت متأكد أني هلاقي أخوات في ضهري، متزعلوش مني بقى"
رد عليه «ياسين» بثباتٍ:
أنا كنت متأكد من حاجة زي دي، علشان كدا خليتك تتأكد أنهم لا يمكن يتخلوا عنك، و في النهاية أنتَ أخونا يا يوسف، مرحب بيك وسطنا"
ودعهم مرةً اخرى و اتفق معهم أن يقضي الأيام الباقية قبل الرحيل إلى عمله معهم، فيما تحرك الشباب نحو مساكنهم بفخرٍ بسبب تواجدهم مع بعضهم.
_________________________
وصل «ياسين» شقته مع شروق الصباح و هو يتثاءب، فوجدها تنام على الأريكة تنتظر قدومه، حينها اقترب منها محاولًا ايقاظها لكن بدون فائدةٍ حينها حملها على يده مثل الطفل الصغير و هو يبتسم على عبوس وجهها أثناء نومها، دلف الغرفة و وضعها على الفراش و من كثرة الألم في جسده خلع سترته ثم تمدد بجوارها و هو يتنهد بعمقٍ حتى واجهت عينيه وجهها و حينها ابتسم بخفةٍ ثم اقترب منها يحتضنها و يضمها بأحد ذراعيه و هو يفكر في كيفية استغلال أخر أيام اجازته برفقتها، و حينما توصل لما يريد ابتسم باتساعٍ و هو يشدد عناقه عليها ثم قبل جبينها و رفع كفه يمسح على خصلات شعره بحنوٍ بالغٍ كأبٍ يعامل طفلته الصغيرة، أما هي فاختلط واقعها بحلمها حتى غفيت بين ذراعيه مُطمئنة البال قريرة العين.
_________________________
في بعض الأحيان يكون رزق المرء في وجود شخصًا مناسبًا يأخذ بيده نحو طريق الحق و النور لـ يخرجه من الظلمات و عتمة دربه و ظلام روحه، و ها هي تمسكت برزقها و حاربت لأجله و هي تتمنى دوام وجوده بقربها، نزلت «هدير» من السيارة برفقة «حسن» حينما وقفا أمام الفندق ثم دلفا سويًا كانت عيناها تجول في المكان بفرحةٍ غريبة و ضيٍ أشبه بضي النجوم في سواد الليل المعتم، أما هو فشدد على مسكة يدها و هو يبتسم لها حتى تنتبه له اثناء سيرها معه.
انتبهت هي له فاشار لها بعينيه أن تنتبه لذلك حركت رأسها موافقةً حتى انهيا كافة الإجراءات الروتينية و منها توجها نحو غرفتهما، دلفت هي ركضًا للداخل حتى قامت بازاحة الستار عن زجاج الشرفة ليظهر لها المنظر البديع من حولها، أكثر المناظر الذي يعيش المرء منا مُحاربًا حتى يراه أمام عينيه.
تلك الرحلة التي تتوقت نفسها للذهاب إليها و اشتاقت لها من كل داخل قلبها حتى تسكن الراحة في جوفها، و مع منظر الحرمين الشريفين من زجاج النافذة و على الفور نزلت دموعها و هي تبتسم بمشاعر مختلطة بين الفرحة و الدهشة و الاستنكار حتى وقف هو خلفها يقول بصوته الرخيم:
إيه رأيك ؟؟ أكيد طبعًا المنظر مطيرك من الفرحة"
حركت رأسها موافقةً عدة مراتٍ بقوةٍ فاقترب هو منها يُقبل رأسها ثم قال بهدوء:
يلا علشان ننزل نقضي اليوم كله تحت، و لا نقعد هنا ؟!"
ردت عليه بلهفةٍ قاطعة:
لأ ننزل يلا علشان خاطري، المنظر من هنا مخليني مش قادرة استنى يا حسن، يلا"
حرك رأسه موافقًا و هو يتبسم لها فيما تحركت هي من أمامه بحماسٍ
_________________________
أنهى «ياسين» صلاة الجمعة ثم صعد لشقته حيث كانت تنتظر قدومه هي بعدما أعدت الفطور حتى يتناولا الفطور سويًا، فدلف و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
يا كتكوتة !؟ خديجة ؟!"
خرجت له من المطبخ و هي ترد عليه بتعجبٍ من صياحه:
إيــه ؟! فيه إيه يا سيدي ؟!"
اقترب منها يقول بحماسٍ:
يلا شوفي هتلبسي إيه، لحد ما أقلع الجلبية دي و أغير هدومي، بسرعة يلا لسه هتقفي كدا متسمرة ؟!"
رمشت ببلاهةٍ فسحبها من يدها يدلف بها للداخل حتى تبدل ثيابها و هي تنظر في أثره بعينين مُتسعتين حتى سألته بصوتٍ عالٍ:
بالراحة طيب !! فيه إيه البيت هيقع علينا طيب ؟! مالك مسربعنا كدا ليه ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة تتنافى مع هزل كلماته:
واخدك ابيع اعضاءك البايظة دي و أجيب مكانها حاجة تعيش معايا و تستحمل"
تبدلت ملامح وجهها للسخرية فقام هو بفتح الخزانة و وقف ينتقي لها ملابسها التي ستذهب بها معه حتى استقر أخيرًا على مِعطفًا شتويًا باللون البيج"و معه بنطال أسود من خامة الجينز فأخرج حجاب مزيج باللونين مع بعضهما ثم فتح الدُرج اللأخير في الخزانة يخرج من حذاءًا رياضيًا باللون الأبيض لم ترتديه من قبل.
كانت هي تطالعه بدهشةً حتى وقف مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
الطقم جهز اهوه و بقى سكر زيك طبعًا علشان دا ذوقي، هدخل أخد دش سريع يفوقني تكوني لبستي و ظبطتي نفسك، اقسملك بالله لو خرجت لقيتك لسه مخلصتيش هعلقك"
ردت عليه هي بدهشةٍ:
ياسين ؟؟ هو فيه إيه ؟! مالك مش مديني فرصة لأي حاجة و احنا رايحين فين و الجاكيت دا ليه ؟! هو أنتَ عليك تار ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم التفت حتى يدخل المرحاض الخاص بالغرفة فسألته هي ببلاهةٍ:
طب و الفطار ؟! دا أنا عملته"
_"عبيه في كيسة سودا"
رد عليها بايجازٍ و اختصار و هو يدلف للمرحاض فيما بقيْت هي تنظر في أثره بدهشةٍ حتى ضربت كفيها ببعضهما و هي تقول بغير تصديق:
الواد دا سلوكه لمست في بعض و لا إيه ؟؟! إيه المرار دا ؟!"
بعد قليل خرج هو المرحاض يلف جسده بمنشفة كبيرة و كانت هي تضبط حجاب رأسها حتى وقف بجوارها يقول بمرحٍ:
أشطر كتكوت في الدنيا كلها، كدا أنتِ حبيبة قلبي و مراتي و أشيلك في عيوني"
التفتت تنظر له وهي تقول بضجرٍ منه و من طريقته حتى رفعت صوتها دون أن تدري:
بص بقى !! علشان أنا مش فاهمة حاجة و عمال تسحب فيا زي الجاموسة، قولي احنا رايحين فين ؟! و بعدين كل شوية تختفي تظهر و تختفي، هو أنا متجوزة الأصول ؟!"
عقد ما بين حاجبيه يسألها بتعجبٍ من كلمتها الأخيرة:
أصول ؟! إيه علاقته بأني أظهر و اختفي ؟!"
ردت عليه مفسرةً بتلقائيةٍ:
علشان الأصول كل شوية تظهر و تختفي مش محتاجة يعني"
أمسك وجهها بكفيه و هو يقول ساخرًا و كأنه يحدث طفلًا صغيرًا:
ياختي سكر و عسل ؟! بتقلشي عليا يا كتكوتة ؟! ماشي هتيجي أخر اليوم و تبوسي راسي"
رمقته بسخريةٍ فدفعها هو بخفةٍ و هو يقول ببرودٍ أثار استفزازها:
يلا يا عسل روحي نقيلي حاجة البسها، بلاش بِدل"
ردت عليه بمعاندةٍ:
لأ مش هنقي حاجة و مش هتحرك من هنا، ساعد نفسك"
تبدلت نظرته إلى الخُبث حتى أطاح برأسه عليها فنثر قطرات الماء العالقة بين خصلاته عليها حتى ركضت من أمامه نحو باب الخزانة و هي تفتحه بنبرةٍ ضاحكة، حتى ابتسم هو بظفرٍ و هو يراها تنتقي له ملابسه و هي تبتسم بفرحةٍ.
بعد مرور تقريبًا نصف ساعة نزلا سويًا من الشقة و ركبا السيارة بعدما ارتدى هو معطف جلدي أسود اللون و بنطال من خامة الجينز، طالعته هي بتعجبٍ و هو يتمم على خصلات شعره في المرآة، فسألته هي بسخريةٍ:
هو الأستاذ وراه ميعاد و لا إيه ؟؟ ياسين ؟! احنا رايحين فين ؟! طمني"
غمز لها و هو يقول بمراوغةٍ:
آه ورايا مقابلة، خارج مع كتكوتي"
عقدت ما بين حاجبيها بتعجبٍ حتى قام هو بتشغيل الموسيقى بالسيارة على إحدى الأغنيات و هو يقول بمرحٍ:
بتخبي ليه حبيبي عليا.... دا أنا كلي ليك.....بصلي في عنيا....و قول اللي نفسك تقوله و استنيتك تقوله دا أنا بحلم طول حياتي باللحظة ديا"
ضحكت هي رغمًا عنها و هي تطالعه بتعجبٍ حتى غمز لها ثم أمسك يدها و هو يقول بضجرٍ زائفٍ منها:
اشتغلي معايا كدا و اتدلعي شوية، إيه دا كتكوتة على ما تُفرج ؟!"
ردت عليه هي تشاكسه بنبرةٍ ضاحكة:
ازاي بقى ؟! دا أنتَ الخير و البركة برضه"
_________________________
جلست «سلمى» فوق سطح البيت و بجوارها «خلود» تارةٍ تذاكر كلًا منهما و تارةٍ تتحدثا معًا حتى قامت «خلود» بسرد ما حدث مع «عمار» و «وليد»، كانت «سلمى» تتابعها باهتمام حتى سألتها بغير تصديق:
أنتِ بتتكلمي جد يا خلود ؟! عمار مين دا اللي طلب ايدك ؟!"
ردت عليها بحماسٍ:
و الله زي ما بقولك كدا يا سلمى، عمار طلب ايدي و أنا وافقت"
شهقت «سلمى» بقوةٍ و هي تضع كفيها معًا على فمها و في تلك اللحظة وصلهما أخر صوتٍ توقعا الاستماع إليه في تلك اللحظة و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
عمار مين دا اللي اتقدملك يا خلود ؟! أنتِ بـتـقـولي إيــه"
تجمدت أطراف كلتاهما عند الاستماع لصوته بتلك النبرة فابتلعت «خلود» ريقها بخوفٍ و هي ترى شحوب وجه «سلمى» التي بللت شفتها بطرف لسانها و في تلك اللحظة أجزمت أن الموت قادم لرفيقتها لا محالة.
_________________
أنا متأسفة جدًا الفصل صغير، بس أنا تعبت فجأة والله دور برد مفاجيء بس حق حضراتكم عليا.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم شمس بكري
"أغويتي بالحُسنِ تائبًا، و سهم عينيك كان صائبًا"
_________________________
تلك الحياة مازالت تملك في جبعتها الكثير و الكثير، كلما ظننتها أتت بنهاية شيءٍ، صفعتك بحقيقة بدايته من جديد، تدور الأيام و تمر و لن يبقىٰ المُر و يأتي يومٌ فيه يَمر.
الموت قادم لا محالة فهل بعد نبرته الحادة تلك و الشرر الذي يقدح من عينيه سيصمت ؟! ضرب الأرض بخطواتٍ واسعة يقترب منهما حتى أمسك ذراع ابنته يوقفها و يديرها حتى تواجهه و ترتجف في ذراعه و كأنها رأت شبحًا، فيما هزها هو بقوةٍ و هو يسألها بنبرةٍ جامدة:
"ردي عــلـيـا !! عمار مين اللي اتقدملك ؟! و أهلك فين ؟! خلاص موتينا بالحياة ؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ مهتز اختلط البكاء الذي خنق صوتها:
"هقولك.....و الله الموضوع مش كـد....."
نهرها بصوتٍ عالٍ يصرخ في وجهها:
"أومـــال إيــه ؟؟ ردي عليا ؟! إيه الموضوع ؟! بتغفل من بنتي ؟! خلاص مفيش كبير ليكي يا خلود ؟!"
ردت عليه «سلمى» تلك المرة بخوفٍ على رفيقتها:
"يا عمو حضرتك فاهم غلط، وليد عارف كل حاجة و كان موجود كمان، خلود معملتش حاجة غلط و الله"
حرك «طه» رأسه نحوها بسرعةٍ فردت عليه هي تؤكد حديثها بلهفةٍ:
"و الله العظيم زي ما بقولك كدا، وليد عارف كل حاجة و كان موجود، كلمه و هو يقولك بنفسه، خلود متغلطش أبدًا و لا تعمل حاجة من ورا حد"
ترك «طه» ابنته التي أصبحت مثل الفرخ المبتل ترتجف أطرافها و دب الرعب في أوصالها، حتى ارتمت على المقعد و ركضت إليها «سلمى» تحتويها بذراعيها و تربت عليها بينما الأخرى تابعت والدها بناظريها حينما أخرج هاتفه و هو يرمقها بنظراتٍ جامدة.
_________________________
كان «وليد» نائمًا و زوجته بين ذراعيه بعدما عاد من مشواره مع «يوسف» خلد في ثباتٍ عميقٍ و هي أيضًا بعدما اطمئنت عليه بعد عودته، لكن ما أزعج نومته الهادئة تلك هو ارتفاع صوت هاتفه برقم عمه، زمجر هو بحدة ثم ضغط على زر الهاتف يكتم صوته، حتى انتهت المكالمة و عادت من جديد فاصدر الهاتف نفس الصوت المزعج، قرر هو تجاهل المكالمة حتى استيقظت «عبلة» بضجرٍ و هي تقول:
"ما ترد !! ازعاج و أنتَ صاحي و أزعاج و أنتَ نايم كمان ؟! رد بقى"
اعتدل هو في نومته حتى استند بجسده على ظهر الفراش و هو يقول بسخريةٍ:
"نامي أنتِ يا سوبيا متشغليش بالك بحد، نامي ياختي"
وكزته في بطنه بغيظٍ ثم وضعت الوسادة على رأسها، فيما قام هو بالرد على عمه بصوتٍ متحشرجٍ و قبل أن ينطق مُرحبًا بمكالمته حتى وصله صوت عمه بنبرةٍ جامدة:
"تقوم تفز دلوقتي و تجيلي، تسيب كل اللي في إيدك و تيجي"
رد عليه ببروده المعتاد:
"مفيش في أيدي غير عبلة، هسيبها علشانك يعني ؟!"
رد عليه عمه منفعلًا بصراخٍ:
"ولـــيــد !! مش عاوز برود و قلة أدب، قوم و تعالى البيت نص ساعة و تكون عندي"
أغلق في وجهه فورًا و لم ينتظر منه الرد على حديثه، فيما عقد «وليد» ما بين حاجبيه و هو يطالع الهاتف بحيرةٍ ممتزجة بقلقٍ حاد نخر في قلبه، و قد لاحظت «عبلة» سكونه فالتفتت له تسأله بتعجبٍ:
"مالك ؟! فيه إيه ؟! و مين اللي كان بيكلمك و بيزعق كدا ؟!"
رد عليها بقلة حيلة و كأنه المغلوب على أمره:
"دا عم طه عاوزني أروحله، هقوم أشوفه عاوز إيه و أخلص"
قبل أن يخرج من الفراش أمسكت يده تسأله بلهفةٍ:
"طب ينفع أجي معاك ؟! علشان خاطري ؟!"
وزع نظراته بين كفها المتشبث بكفه و بين نظرتها المتوسلة له و أمام عينيها التي تطالعه بسهمها الخارق لفؤاده ابتسم هو ثم اقترب منها يُلثم جبينها و من بعدها نظر في عمق عيناها و هو يقول بصوتٍ رخيمٍ:
"مقدرش أقولك لأ، قومي البسي لحد ما أخد دش يفوقني كدا و نقضي اليوم معاهم هناك"
ابتسمت هي بسعادةٍ بالغة ثم أمسكت وجهه تقربه منها حتى قبلت وجنته ثم قالت بمرحٍ و هي تخرج من الفراش:
"أحلى ليدو في الدنيا كلها، ليدو حبيبنا مبيغلطش"
ابتسم هو على جملتها ثم حدث نفسه متهكمًا بسخريةٍ و بالطبع لم يصلها الحديث:
"ليدو حبيبنا مبيغلطش ؟! دا عمك هيمسح بيا سلم بيت الرشيد كله"
_________________________
شقت السيارة طريقها نحو الوجهة التي أختارها هو و كانت هي بجواره تطالعه بتعجبٍ و هو بين الحين و الآخر يدندن بمرحٍ بعدما طلبت منه إغلاق الأغاني، فيما قرر هو الاستمتاع بما ينوي عليه، نظرت على الأريكة خلفها فوجدت صندوق القطة الذي صمم هو على أخذها، كان يتابعها بعينيه حتى سألته هي بعدما التفتت له:
"هو أنتَ ليه صممت نجيبها ؟! و قولي رايحين فين متوترنيش بطني وجعتني و الله"
رد عليها هو بوجهٍ مُبتسمٍ بنبرةٍ تتنافى مع هزل كلماته:
"صممت أجيبها علشان مش ضامن هنرجع امتى، و دي روح حرام تفضل لوحدها، رايحين فين بقى ؟! أنا اتفقت مع واحد هيسلمني قطع غيار ليكي بدل فيوزات مخك اللاسعة دي"
طالعته بوجه ممتعض حتى أمسك هو كفها يقبل باطنه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"واخدك أفسحك و نقضي وقت حلو مع بعض قبل ما أرجع شغلي تاني، إيه اللي مزعلك ؟! ما إحنا مع بعض أهوه يا خديجة"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
"أنا مش زعلانة و الله، بس مستغربة، و من ساعة رجوعك و كل حاجة بتحصل غريبة، حاسة أني مليش لازمة ماشية ورا الكل و خلاص"
رد عليها هو بهدوء:
"طب ما دي أحلى حاجة، إيه الحلو أني اخليكي تعرفي كل حاجة ؟! المفاجأت دي ليها متعة تانية خالص"
ردت عليه هي بقلقٍ:
"بس أنا بتوتر أوي، بفضل أفكر كتير و دماغي مبتفصلش، يعني المفروض تكون حاجة هتفرحني بس أنا بتوتر أوي"
ابتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طول ما معاكي الخير و البركة متخافيش، سلمي نفسك للواقع و استمتعي بس، أنا برضه ممكن أخلي حاجة تخوفك ؟!"
حركت رأسها نفيًا فرد عليها ببراءةٍ:
"طب شوفتي بقى ؟! إن شاء الله المفاجأة تعجبك أوي، أنا واثق من كدا أوي"
قال حديثه ثم نظر أمامه يتابع الطريق حتى ارتمت عليه تضع رأسها على كتفه و تحتضن ذراعه بكفيها معًا فقال هو بصوتٍ رخيم:
"تعرفي ؟! أنا بحب أوي لما تمسكي إيدي كدا، بحس أني متطمن و مرتاح نفسيًا، أو لما ألاقيكي بتمسكي فيا عمومًا بس مسكة إيدك ليا حاجة تانية"
ابتسمت له بسمتها الهادئة بعدما رفعت رأسها تطالعه حتى تقابلت نظراتهما سويًا، فقالت هي بتلقائيةٍ:
"أنا بحس براحة غريبة بحاجات بسيطة أوي، يعني مثلًا لما أحط راسي على كتفك و لما أمسك إيدك و لما أحضنك، مش عارفة ليه بس بحس إن اللمس دا بيكون أمان كدا، حتى لو فيه حاجة مخوفاني يبقى على الأقل إحنا خايفين سوا و وجودك مطمني"
تذكر هو ذكرىٰ قديمة مرت عليهما حتى اتسعت بسمته و أخذ يتنفس الصعداء ممتنًا للقدر الذي جمعه بها حتى أصبحا على ما هما عليه الآن، لاحظت هي شروده و ابتسامة عينيه فسألته بتعجبٍ:
"سرحت في إيه ضحكك كدا ؟! أنا معاك أهو، سرحت في مين يا ياسين ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"سرحت في أول مرة شوفتك فيها، أول مرة أسمع فيها صوتك الرقيق دا، الكلمتين اللي طلبتيهم مني و أنا بسألك إيه طلباتك، ساعتها قولتي عاوزة الأمان و طيبة القلب، مش عاوزة منك غير كدا، ساعتها أنا كنت واثق أني هكمل معاكي، و كنت عاوز اثبتلك من أول مرة فعلًا أني قد طلبك مني"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
"علشان كنت بخاف من كل حاجة و الله حتى نفسي، كان نفسي حد يطمني، رغم إني كنت خايفة منك برضه، بس جوايا حاجة قالتلي أكمل للأخر معاك، حاجة قالتلي ثقي فيه، عينك ساعتها طمنتني أوي"
ابتسم هو لها ثم قال:
"الحمد لله على كل حاجة مرينا بيها، الحمد لله إنك معايا، أنا مبسوط أوي بوجودك كدا معايا، مكنتش متخيل إن الحياة هتعوضني بيكي كدا"
أبتسمت هي بسعادةٍ بالغة و هي تستمع لحديثه حتى طالعها هو بشغفٍ و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طول عمري كان نفسي في أخوات يكونوا معايا، و كنت متضايق أني لوحدي أوي، و لما سألت رياض أنا ليه معنديش أخوات، قالي إن دا نصيب، و إن أكيد فيه خير لينا، ممكن نكون أخوات بس قاسيين على بعض، علشان كدا أنا لحد ما خلصت ابتدائي كنت لوحدي، بس كان جوايا مشاعر غريبة كدا و خصوصًا إني كان نفسي في أخت بنت، لما بقينا مع بعض أنا حسيت معاكي كل إحساس احتجت اعيشه، بقيت صاحب و زوج و أب و حبيب و كل حاجة في يوم جمعتني بيكي أنتِ"
ابتسمت هي له فأشار لها بعينيه على اللوحة المُعلقة في منتصف الطريق ترحب بالزائرين، شهقت هي بقوةٍ و هي تقول بغير تصديق ممتزج بحماس فرحتها:
"إسكندرية ؟! الله !!"
غمز لها بطرف عينه حتى زاد حماسها أكثر و زادت مسكتها له و انفعلات وجهها خرجت عن سيطرتها حينما ظهرت الفرحة منها.
_________________________
وصل «وليد» مع زوجته لبيت العائلة و تركها مع والديها ثم توجه لوالديه يُسلم عليهما، و بعدها أخبرهما بصعوده لمقابلة عمه ثم يعود لهما مرةً أخرى يقضي معهما باقي اليوم.
صعد نحو سطح البيت و كانتا كلًا من «خلود» و «سلمى» ينتظرانه بخوفٍ خصيصًا بعدما جلس «طـه» أمامهما يتابعهما بنظراتٍ ثاقبة حتى دلف «وليد» له و قبل أن تركض إليه «خلود» باكيةً أوقفها «طـه» بقوله الحاد:
"اقـفـي عندك !! استني لما أشوف الأستاذ اللي ممتوني بالحيا، خير يا أستاذ وليد ؟!"
نظر «وليد» لها و ركز عليها ببصره و هي تزدرد لُعابها بخوفٍ ثم حرك رأسه يسأل عمه بتعجبٍ:
"فيه إيه يا عمي ؟! هو أنا عملتلك حاجة ؟! و بتكلمني كدا ليه ؟!"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
"بكلمك كدا علشان أنا جيبت أخري، مش مالي عينك أنا علشان تروح تخطب لبنتي و أنا موجود ؟! كنت هتقولي إمتى ؟! يوم كتب الكتاب !!"
لقد أشعل حديثه فتيل انفعال الأخر حتى رد عليه بضجرٍ:
"أنتَ مكبر الموضوع ليه ؟! محصلش حاجة لكل دا يعني، هي مش لابسة دبلة في أيدها يعني، بالراحة يا عمي و متكبرش الدنيا"
صرخ «طـه» في وجهه بنفاذ صبرٍ و ضجرٍ من برود الأخر:
"مكبرش إيه ؟! الدنيا كبيرة أصلًا لو أنتَ مش واخد بالك !! بنتي في واحد اتقدم ليها و أنا أخر من يعلم، و يا فرحتي بابن عمها عارف"
رفع «وليد» صوته صارخًا في وجهه هو الأخر و بات الغضب واضحًا عليه وضوح الشمس في السماء:
"لااااأ !! أنـا مــش ابـن عــمـها، أنا أبوها، خلود دي بنتي اللي أنا ربيتها على أيدي و ليا فيها زي ما أنتَ ليك بالظبط و أكتر كمان، خلود في رقبتي لحد ما أموت و أسيب الدنيا، و ملزومة مني، مش هسمح لأي حد مهما كان هو مين يقلل من علاقتي بيها، حتى لو الحد كان أنتَ نفسك"
طالعه «طــه» بدهشةٍ ثم وجه بصره نحو ابنته التي بكت عينيها كما لو أنها شلالات انفجرت من منابعها و قبل أن يتحرك «وليد» قيد أنملة، ركضت إليه «خلود» تتشبث به و هي ترجوه بصوتٍ باكٍ:
"متزعلش و تمشي علشان خاطري، خليك معايا، بلاش تخلي الزعل يدخل بينا و ينسيك أختك، شيل خاطري أنا عندك"
حرك رأسه ينظر لها و هي تتشبث به بذراعيها حتى آخرج نفسًا عميقًا ثم حاوطها بذراعيه حتى وضعت رأسها على جسده و هي تبكي سامحة لخوفها بالاعلان عن نفسه و خاصةً و هو يقف كالسد المنيع لها يحميها من أي خوفٍ قد يُهدد أمانها"
هدأت هي بين ذراعيه و قل نحيبها و زوجي الأعين يتابعهما حتى ابتعد عنها يمسك وجهها بين كفيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"انزلي يلا أوضتك و ريحي شوية، و أنا هبقى أجيلك بس لما أتكلم مع عم طه شوية، يلا و متخافيش، أنا عمري اتخليت عنك ؟!"
حركت رأسها نفيًا فقبل هو جبينها ثم قال بهدوء موجهًا حديثه لـ «سلمى»:
"سلمى خديها و انزلي تحت، ياريت محدش يعرف بقى"
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت منها تمسك يدها تنزل بها للاسفل و قبل أن تغادر «خلود» السطح طالعت والدها بعتابٍ و لومٍ من عينيها الباكيتين ثم نزلت مع رفيقة دربها، أما «وليد» فاقترب منه يقف مقابلًا له و هو يقول بثباتٍ لم يتزعزع يومًا من محله:
" أول و أخر مرة تطلع منك جملة أني ابن عمهم دي، أنا هنا أخوهم و أبوهم، و لو مش مقتنع اسأل الغريب قبل القريب و هو يقولك، خلود غصب عن أي حد بنتي، و عريسها أنا اللي أختاره، أظن دي حاجة مش جديدة"
سأله «طـه» بتهكمٍ:
"و هو عريسها دا بقى عمار ؟! اتنين لسه بيتعلموا و حضرتك رايح تربطهم ببعض ؟! و أنا فين ؟! مرجعتش ليا ليه ؟!"
أجابه ساخرًا ببرود:
"مجاتش مناسبة بصراحة"
حسنًا لقد أخرج أخر ما تبقى من ذرة هدوء عمه حتى اقترب منه يمسكه من تلابيبه تزامنًا مع قوله الهادر:
"ولا !! بطل برود أهلك دا !! هو إيه اللي مجاتش مناسبة ؟! بنتي بيتقدملها عريس و أنتَ جاي تقولي مجاتش مناسبة ؟!"
ضحك رغمًا عنه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أعمل إيه طيب ؟! أروح أقولك علشان تتجنن زي ما أنتَ دلوقتي كدا ؟!"
أمسك «طـه» رقبته و الأخر يضحك بقوةٍ حتى رفع صوته المختنق نتيجة كفي عمه:
"يا مرتضى !! يا سوبيا يا عيلة الرشيد، يا ناس حد يلحقني"
دفعه عمه على الأريكة بقلة حيلة حتى سعل هو بقوةٍ و هو يدلك عنقه، فيما جلس الأخر أمامه يسأله بنبرةٍ جامدة:
"أقسملك بالله لو ما قولت كل حاجة أنا هموتك في إيدي، انطق يا بارد، حصل إيه علشان عمار يتقدم لخلود، و مش عاوز لوع و لا كدب !!"
رد عليه بوقاحةٍ لا تخرج من أحدٍ سواه في تلك العائلة:
"ليه هو أنا اسمي طه و لا إيه ؟!"
قفز عليه عمه يمسكه من رقبته يضغط عليها حتى رد عليه «وليد» بصوتٍ عالٍ:
"خــلاص خــلاص....هقولك"
تركه عمه على مضضٍ حتى قام هو بسرد كافة التفاصيل عليه و أخبره بوعد «عمار» بالحفاظ عليها حتى من نفسه، كما أنه أخبره بمقابلتهما الأولى تلك التي أخبره فيها بحبه لها، كان «طه» يستمع له بانصاتٍ لكل كلمةٍ يتفوه بها، حتى انهى الأخر حديثه ثم أضاف:
"عمي !! عمار راجل بجد و محترم و لو لفينا الأرض دي مش هنلاقي منه، واحد زي دا كان ممكن يكلمها عادي و يقل أدبه و يعلقها بيه و يخلع زي ما بيحصل، بس دا محترم، خارج من بيت رجالة، ليه أقف في وشه و هو مكلمني بكل احترام، واحد عاوز يعرف فيه قبول منها و لا لأ، طب بذمتك، مش شايف إنه أحق واحد ببنتك ؟!"
زفر «طـه» بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ أهدأ:
"منكرش إني شوفت في عينه خوف عليها ساعة أحمد و كأنها تخصه، و منكرش برضه إن خلود مشدودة ليه أوي، خوفه عليها و اهتمامه بيها لما جابلها العصير و الحاجة خلاني أتأكد إنه فيه في قلبه حاجة ليها، بس متخيلتش إنه في سنها الصغير دا، خلود لسه قدامها ثانوي و تعليم مش عاوزها تفتح عينها على الجواز و الحاجات دي يا وليد"
رد عليه «وليد» بتفهمٍ لمشاعره بما أنه والدها و هي أخر فتاةٍ له و لها مشاعر خاصة لديه:
"أنا فاهم يا عمي و الله، بس دا يمكن يكون حافز ليها علشان تذاكر خصوصًا إن مفيش بينهم كلام أو ارتباط أو أي حاجة، هو كل اللي قاله إنه بعد ما يخلص لو جه طلب وجودها هي هتوافق عليه ؟! و هي لما بصتلي أنا وافقت و هي وافقت ورايا، أكتر من كدا محصلش و الله"
حرك «طـه» رأسه موافقًا على مضضٍ ثم رفع كفيه يمسح وجهه فتحدث «وليد» بنفس الهدوء:
"فكر كدا أنتَ واثق في ياسين و لا لأ، هتلاقي إنك مستحيل تقلل في تفكيرك بيه، عمار زيه بالظبط و يمكن أكتر كمان، ياسين مشربه الرجولة بالمعلقة هو و أخواته، صدقني خلود ملهاش غير عمار"
طالعه «طـه» بغيظٍ و هو يسأله:
"يا أخي هما بيحبوك على إيه ؟! قليل الأدب و لسانك طويل و بجح و كل العِبر الهباب فيك، بيحبوك ليه ؟!"
رد عليه بنفس التبجح:
"مش يمكن علشان مبسألش الأسئلة دي و أحشر نفسي في كل حاجة ؟!"
أمسك «طـه» الزجاجة المجاورة له حتى يضربه بها، فارتمى عليه «وليد» و هو يضحك بقوةٍ بشقاوته المعتادة حتى ترك «طـه» الزجاجة ثم احتضنه و هو يضحك رغمًا عنه ثم قبل قمة رأسه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"لو موت أنا واثق أني سايبك مكاني و هتقوم بالدور و أحسن مني كمان، عيالي أمانتك يا وليد"
رد عليه «وليد» بخوفٍ من حديثه و نبرته الواهنة تلك:
"متقولش كدا يا عم طه، ربنا يطول في عمرك و يفرحك بيهم، أنا بس صاحبهم و أخوهم.... تصدق ؟! و أبوهم كمان ؟! اتكل على الله يا عم طه"
قالها بجديةٍ لا تتناسب مع الحديث حتى ضحك «طـه» مرةً أخرى فاقترب «وليد» منه يقبل رأسه ثم قال بهدوء:
"هتفرح بيهم إن شاء الله، ربنا يطول في عمرك إن شاء الله"
ابتسم له «طـه» ثم احتضنه مرةً أخرى حتى ربت «وليد» على ظهره و هو يعلم أن عمه أضعف مما يكون.
_________________________
أوقف «خالد» سيارته أسفل عيادة الطبيبة النسائية ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"حمدًا لله على سلامتكم، هتطلعوا انتم و أنا هروح أجيب حاجات و لا أفضل هنا ؟!"
رد عليه «ياسر» مُسرعًا:
"لأ أطلع معانا، دا مركز دكاترة زمايلي و أنا حاجز من بدري ليهم، أنا و عامر هنطلع سوا و أنتَ هتيجي معانا"
رد عليه بغيظٍ مكتومٍ يحاول عدم اظهاره:
"أنا آخر مرة دخلت فيها مكان زي دا كان من ٣ سنين، بلاش تفكرني بالمشاعر دي تاني"
ردت عليه «ايمان» بضجرٍ:
"متشلنيش يا خالد !! ماهو معاك يونس زي الفل اهوه، اطلع مع أختك اتطمن عليها حتى"
حرك رأسه للخلف يطالعها بوجهٍ مُمتعضٍ و هو يقول متهكمًا:
"مالها اختي ؟! ما أنتِ زي القردة أهوه، و أكيد حامل في عيل أهبل زيك"
قبل أن ترد عليه صدح صوت هاتفه عاليًا فأخرجه هو يرد على زوجته و هو يقول بنفاذ صبرٍ:
"أيوا يا ريهام ؟! نعم ؟!"
ردت عليه هي مسرعةً:
"هات ليونس الحاجة الحلوة علشان عمال يعيط من ساعة ما أنتَ نزلت، خلصني علشان صدعت منه و الله"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"اديله الموبايل خليني أكلمه طيب، لما أشوف أخرتها معاه"
أعطت الهاتف لصغيرها الذي جلس متذمرًا على الأريكة ثم أخذ منها الهاتف و لم يتفوه بكلمةٍ واحدة حتى سأله «خالد» بنبرةٍ حاول صبغها بالمرح:
"نعم يا يونس ؟! عاوز إيه ؟! مش أنا قولتلك هروح أجيبلك حاجة حلوة و أجيلك ؟! زعلان ليه طيب ؟!"
لم يرد عليه بل نظر لوالدته يستفسر منها حتى هزت هي رأسها موافقةً له بحماسٍ حينها تحدث هو يُدلي بطلباته على والده و هو يعد على أصابعه، فرد عليه «خالد» على الجهة الأخرى بنبرةٍ ضاحكة:
"حاضر، أيس كريم و عصير و لبان، حاضر، و بسكوت ؟! حاجة تاني يا يونس باشا ؟!"
وصله الرد من «يونس» فردد هو خلفه مستنكرًا:
"إيه ؟! أيس كريم كتير ؟! حاضـ.."
أوقفه «عامر» حينما مال عليه يقول بمرحٍ:
"الأيس كريم اللي هتجيب منه ليونس هاتلي منه، معلش"
طالعه «خالد» بغيظٍ منه فسحب «عامر» الهاتف و هو يهاتف الصغير بمرحٍ:
"أيوا يا يونس ؟! عيني يا حبيب عموري، بابا هيجيب كل حاجة، و هخليه يجيبلك لعبة كمان و هو مروح عاوز ....."
سحب «خالد» الهاتف منه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"لأ يا يونس هي حاجة حلوة بس، اللعبة الأسبوع الجاي إن شاء الله"
رد عليه «يونس» بسرعةٍ حتى رد عليه «خالد» بهدوء:
"لما أجي طيب هجيبلك سبايدر مان اللي أنتَ عاوزه، سلام بقى"
أغلق الهاتف مع صغيره ثم رمق صديقه بخبثٍ غلف نظراته حتى رد عليه «عامر» بقلة حيلة:
"ما تجيب للواد لعبة، متبقاش أب قاسي كدا، عاوزه يطلع مريض نفسيًا ؟! ناقصة هي"
قبل أن يمسك به «خالد» كان سبقه هو حينما فتح باب السيارة و ركض منه، حتى تحدثت «سارة» بقلة حيلة:
"عامر يا جماعة حاجة مش جديدة، هات سبايدر مان أنتَ بس يا خالد"
ضرب كفيه ببعضهما و هو يقول بضجرٍ من تلك العلاقة:
"أدي اللي قولنا هتعقله، كرف عليها ابن فهمي و سيدة !!"
بعد مرور دقائق قليلة صعدوا معًا للمركز الطبي الخاص بالكشف النسائي، جلسوا معًا في الخارج فيما تحرك «ياسر» للداخل حتى يبحث عن زملائه و يخبرهم بوصولهم، فيما جلس «خالد» ينظر حوله و هو يتذكر تلك المشاعر التي كان يعايشها مع زوجته في مركز طبي مشابه لذلك خاصةً في عدد النساء و مظهرهن و مظهر بطونهن المنتفخة، شرد هو أكثر من ذلك حتى ركب سفينة زمنية من خلالها عبر للماضي الذي أنس وحشة روحه.
(منذ أكثر من ثلاثة سنواتٍ)
وقف «خالد» بجوار باب المرحاض و زوجته تتقيأ بالداخل و كانت على هذا المنوال منذ الصباح حتى حينما عاد من عمله كانت تشعر ببعض التعب لكنها حاولت التحامل على نفسها حتى اشتد تعبها و حينها ركضت للمرحاض.
حاول هو الدلوف لها لكنها أحكمت الباب من الداخل حتى خرجت له بملامح وجه باهتة و شاحبة و كأنها ضمن عداد الموتى، أقترب منها يساندها و هو يسألها بخوفٍ عليها:
"مالك يا ريهام ؟؟! مقولتيش ليه طيب من الصبح إنك تعبانة، كلتي حاجة تعبتك طيب ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم رفعت رأسها له و هي تشعر بالحيرة، هل تخبره أنها ذهبت لعمل تحاليل تأكد مما تشك به، أم تصمت حتى تخبرها «إيمان» بعد ظهور النتيجة ؟! حتى لا يضع في الأمر أملًا كبيرًا و يتفاجيء بعكسه فيتحول أمله إلى خيبةٍ تلاحقه ؟!.
صمتت و هي تتحرك من أمامه حتى ساندها هو و أمسك ذراعها و بذراعه الأخر حاوط كافة جسدها، حتى أجلسها على الفراش ثم جلس على ركبتيه أمامها و في يده منشفة ناعمة يمسح بها وجهها ثم اقترب يمسك فرشاة الشعر يحاول ترتيب خصلاتها التي نزلت على وجهها، فوقف هو يمسك تلك الفرشاة و على الرغم بجهله في تلك الأمور إلا أنه حاول أن يرتب تلك الخصلات الثائرة ثم قام برفعهم برابطة الشعر و هي تتابعه بعينيها الدامعتين، حينها صدح صوت هاتفها فاقترب هو منه يلتقطه حتى وجد رقم شقيقته ضغط هو على زر الايجاب حتى يخبرها بمرض زوجته حينها نطقت هي مُسرعةً قبل أن ينطق هو ظنًا منها أنها زوجته:
"ألف مبروك يا ريهام، التحاليل طلعت معايا أهيه أنتِ حامل، مبروك يا روح قلبي، مش هبقى عمتو الحرباية متخافيش"
اتسعت حدقتي عينيه و صُدم هو و شلت حركته حتى قالت شقيقته في الهاتف:
"لولا أني لسه في الشارع كان زماني زغرطتلك و الله، بس لما تيجي عندنا هزغرطلك أنا و ماما و ميرفت معانا كمان"
سألها هو بصوتٍ متقطع الوتيرة و مهتز النبرة و هو يقول:
"بجد ؟! بالله عليكي أوعي تكوني بتهزري معايا أنتِ و هي ؟! ريهام حامل يا إيمان ؟!"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"خالد !! و الله حامل و التحاليل معايا، في أول أسبوع في الشهر التاني، ألف مبروك يا حبيب أختك"
حينها أغلق الهاتف في وجهها ثم ركض لزوجته التي كانت تتابعه بوجهٍ مُبتسمٍ حتى خطفها في عناقٌ بين ذراعيه و هو يضغط على جسدها بذراعيه و هو يردد بصوتٍ متهدجٍ:
"الحمد لله، الحمد لله إن ربنا كاتبلي الرزق دا منك أنتِ، أنا بحبك أوي، و كل يوم بييجي علينا سوا بحبك أكتر يا ريهام"
رفعت كفيها تمسد على ظهره و هي تقول بصوتٍ باكٍ:
"و أنا كمان بحبك يا خالد، و فرحتك دلوقتي عندي بالدنيا، كنت خايفة أوي تكون مش مستعد لحاجة زي دي"
ابتعد عنها يرد عليها بلهفةٍ:
"ازاي بس ؟! دا أنا بقيت بعد الأيام علشان ربنا يكرمني منك بالرزق دا، عاوز أجرب كل إحساس حلو معاكي أنتِ، و الله العظيم أنا اتغيرت على ايدك و علشانك أنتِ"
احتضنته هي تلك المرة و هي تبكي فضمها هو بذراعيه و هو يربت على خصلات رأسها و رغمًا عنه نزلت الدموع من عينيه و كأن الحجر يتفتت أمام عينيه مع تلك الفتاة التي عاش معها كافة المشاعر التي أبىٰ هو أن يعترف أنها بداخله.
مرت الشهور و الأيام حتى أتىٰ موعد الولادة، كانت هي تجلس في الغرفة بعدما تجهزت لعملية الولادة، فدلف هو لها و هو يبتسم حتى بادلته البسمة بمثيلتها، فجلس هو على المقعد المجاور لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"جاهزة ؟! مش عاوزك تخافي الولادة هتكون بدون ألم إن شاء الله، أنا موصيهم عليكي، أوعي تخافي، كلها شوية و أشوف حياتي الجديدة"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي فاقترب هو منها يقبل رأسها ثم أمسك كفها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا معرفش هو إيه، بس أنا واثق إنه هيخليني أحس أحسن احساس في الدنيا كلها، إن شاء الله تخرجي ليا بخير أنتِ و هو أو هي على حسب"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ إثر البكاء الذي داهم حلقها:
"أنا مش خايفة و الله، أنا بس حاسة بمشاعر غريبة عليا، و مزعلني إن أهلي مش معايا، كان نفسي يكون موجود بس هو مش معترف بيا أصلًا، حاسة اني لوحدي هنا"
بكت و هي تتحدث حتى اقترب منها يسمح دموعها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"بس....بس متعيطيش علشان خاطري، أنا أهلك كلهم هنا، و و أمي و أختي كلهم ليكي قبلي أنا، إحنا معاكي هنا، اخرجيلي بس بالسلامة و أنا أشيلكم في عيني"
حركت رأسها موافقةً حتى دلفت الممرضة و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"يلا يا مدام ؟! جاهزة ؟!"
وزعت نظراتها بينها و بين زوجها الذي ضغط على كفها و حثها بنظراته و حينها حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم بتوترٍ.
دلفت غرفة العمليات على الفراش المتحرك فيما وقف هو في الخارج بجوار الغرفة و الشباب بجواره كلًا منهم يربت على كتفه حتى ارتمى هو على كتف «ياسين» بتعبٍ انهكه و أنهك تفكيره و هو يعد الثواني قبل مرور الدقائق، حتى مرت أصعب الأوقات عليه لتخرج الممرضة و هي تقول بصوتٍ مبهج:
"مبروك يا أستاذ، جابت ولد زي القمر يتربى في عِزك يا رب"
صرخ هو مهللًا حتى احتضنه أخوته و ارتفع صوت شقيقته تطلق الزغاريد مع والدتها، حتى تحدث «ياسين» بصوتٍ مختنقٍ نتيجة فرحته:
"ألف مبروك يا حبيبي، يتربى في عزك يا رب، هتسميه إيه ؟!"
نظر له بتشوشٍ و ضياعٍ و أخبره بعدم معرفته بالأمر، فتحدث «عامر» بفخرٍ:
"هنسميه عامر مش محتاجة يعني، هو خالد عنده أعز مني؟"
رمقه «خالد» بشررٍ يقدح من عينيه حتى قال «ياسر» ساخرًا:
"دا خالد يرميه على باب مسجد أهون عليه من أنه يسميه على اسمك"
قال «عامر» بضجرٍ:
"خلاص هسميه أنا، طالما مش على اسمي"
نظر له الجميع بتعجبٍ فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"بما أني أنا اللي هسميه يبقى هختار نفس حروف عمامه، يعني هخليه .... يــونـس !!"
قالها بحماسٍ بعدما اقترح الاسم حتى أدلوا جميعًا بموافقتهم و إعجابهم بالاسم و لم يجد «خالد» بُدًا سوى الاعجاب بالاسم الذي استحوذ على تفكيره، و فجأة أتت له الممرضة بالصغير على ذراعها تعطيه له و هي تبتسم، وزع هو نظراته في وجه الجميع حتى اقترب منه «رياض» يقول بنبرةٍ هادئة:
"أمسك الرزق بايدك و سمِّ الله على هبته ليك، افتكر إن دا اللي هيدخلك الجنة إن أصلحت شأن تربيته، كلكم راعٍ و.كلكم مسؤول عن رعيته، دي أمانة في رقبتك لحد ما تقابل وجه كريم، أحسن فيها ازرع الخير علشان تحصده محبة و بر ليك و لريهام، يلا"
حثه بكلماته حتى ازدرد «خالد» لعابه بخوفٍ ثم مد يده يأخذه من الممرضة و مع لمس كفيه لجسد الصغير نزلت الدموع من منبعها على الفور و هو يستشعر لمس الهِبة التي وهبها الله له، فها هو من حلم به في خياله مرارًا و تكرارًا أصبح حقيقةً بين يديه، حينها سارت القشعريرة في جسده مثلما تمس الكهرباء الأجساد، أما هو فدون أن يشعر بنفسه رفعه يحتضنه و هو يجهش في البكاء حتى اقترب منه «عامر» يربت على كتفه و هو يقول بصوتٍ متأثرٍ:
"يتربى في عزك يا أبو يونس، أول فرحتنا كلنا جه نور الدنيا، ربنا يقدرك و تربيه أحسن تربية يا حبيب أخوك، ربنا يقدرنا و نكون إحنا كمان عيلته"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من «رياض» يعطيه الصغير و هو يقول بنبرةٍ متحشرجة:
"أمسك حفيدك، ساعدني ازرع الخير فيه علشان صعب أعمل كدا لوحدي، زي ما زرعته فيا و في عمامه، ابن ابنك أهو"
لمعت العبرات في عيني «رياض» و هو يأخذ منه الصغير حتى طالعه بتأثرٍ و فرت الدموع من عينيه و هو يُكبر و يقرأ الموعوذتين في أذن الصغير و بعض الآيات القرآنية، و حينها كل ما استحوذ على تفكيره هو زوجته و كيف حالها الآن حتى خرجت له الممرضة تُطمئنه أنها على مايرام فقط تحتاج بعض الوقت للخروج من الغرفة.
(عودة إلى الوقت الحالي)
خرج من شروده على صوت أخته و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"دوري يا خالد، هدخل أهو و سارة خلصت، ماشي ؟!"
انتبه لها فحرك رأسه موافقًا ثم سألها بنبرةٍ هادئة:
"طب أدخل معاكي طيب ؟!"
ابتسمت له و هي تقول:
"لأ يا حبيبي خليك، اللي بيدخل واحد بس و ياسر معايا، متقلقش"
حرك رأسه موافقًا ثم ابتسم لها و هي تتحرك من جواره تمسك بيد زوجها و هو يتابعهما بعينيه، و بعد مرور ثوانٍ اقترب منه «عامر» بزوجته يجلسها ثم جلس بجواره، ابتسم هو أكثر، ثم تذكر أمر الأخير و حينها أخرج هاتفه يطمئن على «ياسين» خاصةً بعدما حدث صباح اليوم.
_________________________
أغلق «ياسين» الهاتف مع أخيه ثم خرج لها من الشرفة يسألها بنبرةٍ هادئة:
"إيه رأيك ؟! الشقة حلوة ؟!"
اقتربت منه بحماسٍ و هي تقول بصوتٍ ظهرت به فرحتها و حماسها:
"أوي تحفة، بس مقولتليش شقة مين دي ؟! أنا معرفش إن فيه شقة هنا بتاعتكم"
رد عليها هو مُفسرًا بنبرةٍ هادئة:
"دي يا ستي شقتنا و اللي قدامها شقة خالد، و فوق شقة عم فهمي، لما بنيجي هنا بنتقسم الستات في شقة و الرجالة في الشقة و أنا و العيال في شقة"
ابتسمت هي بنفس السعادة و هي تحرك رأسها بتفهمٍ فقال هو بعدما ابتسم لها:
"إن شاء الله الصيف الجاي تجربي المصيف معانا، أم عامر عليها حلة محشي على البحر تفضح اللي خلفونا كلهم"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ فقال هو مُضيفًا:
" و الله مش بهزر، كل سنة نقولها بلاش و ييجي المهزق عامر يخليها تعملها، و الفضيحة الأكبر بقى أمي، علت عليها مرة و عملت ممبار، تقوم أم خالد تسكت ؟! لأ و الله ميحصلش، قامت عاملة فتة باللحمة"
انفجرت هي في الضحكات حتى سألته هي من بين ضحكاتها:
"أنا ازاي مجيتش معاكم مصيف قبل كدا ؟! دا أنا فاتني بلاوي بقى على كدا"
رد عليها هو بنبرةٍ عادية:
"لأ لسه كل سنة فيه تجديد، بس أكيد هنجرب الصيف دا هنروح فين يعني ؟! هتشوفي بنفسك"
وافقته هي من خلال حركة رأسها بإيماءةٍ بسيطة فأضاف هو مستفسرًا:
"هو انتوا لما بتروحوا اسكندريه مش بتعملوا كدا ؟!"
حركت رأسها نفيًا و هي تقول:
"لأ مش بنعمل كدا، كل واحد فينا عنده شقة، و بعدين أنا مش بحب الزحمة مبنزلش أصلًا غير بليل خالص اقعد على البحر و وليد بيكون معايا"
حرك رأسه موافقًا ثم أمسك كفها و هو يقول مسرعًا:
"طب يلا يا ست الكل علشان كل دا هيتغير خالص، مفيش منه بقى"
سارت معه حتى وقف هو يعدل ثيابه ثم وقف بجوارها يقوم بضبط حجابها و هو يبتسم لها ثم لثم جبينها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يباركلي فيكي"
بعد مرور ثوانٍ نزل هو و هي تمسك بيده و قبل أن تقترب من السيارة أوقفها و هو يقول بلهفةٍ:
"لأ مفيش عربية، احنا هناخدها مشي سوا كدا على البحر قبل الغروب ما يهل، العربية هتبوظ المتعة"
سارت معه بحماسٍ و هي تمسك كفه و تبتسم بهدوء حتى ضغط هو على كفها ثم توجه بها للجهة الأخرى يعبرا الطريق سويًا.
بعد دقائق قليلة من السير معًا على البحر أوقفها يستأذن منها لمدة دقائق حتى تنتظره في مكانها و بعد مرور دقائق عاد لها في يده الطعام و هو يضحك لها حتى ضحكت هي الأخرى فقال هو مُسرعًا:
"يلا علشان نقعد على البحر و ناكل سوا، الحواوشي لو برد هيبقى طعمه مش حلو"
تحركت خلفه بحماسٍ حتى جلسا سويًا على الشاطيء فقام هو بوضع الطعام ثم أخذ منه قطعة صغيرة يُطعمها بيده حتى مالت هي برأسها تلتقط الطعام من بين اصبعيه، حينها ابتسم و هو يسألها بنبرةٍ هادئة:
"عجبك ؟! "
حركت رأسها موافقةً فقال بعدما زفر بقوةٍ:
"طب الحمد لله، يلا بقى كلي أنتِ كمان علشان لسه ورانا كتير أوي و اللي فاضل مش كتير"
رفعت رأسها تطالع المكان حولها و حينها أغلقت عيناها و تنفست بعمقٍ تستنشق الهواء البارد لرئتيها المحمل بعبق البحر مع مظهر الغروب و و جلوسها معه و فراغ الشاطيء من حولهما عدا عدد قليل من الناس لا يهتموا بمن حولهم، لاحظ هو شرودها و ابتسامتها و انبساط ملامحها حتى سألها هو بنبرةٍ تعلق بها أثر ضحكاته:
"سرحتي في إيه ؟! المكان مش عاجبك ؟! أنا عارف إنك بتتخنقي من المطاعم علشان كدا قررت اننا نقعد هنا...تحبي نغيـ.."
أوقفت استرسال حديثه و هي تقول بلهفةٍ:
"لا خالص، بالعكس أنا فرحانة أوي بكل دا، علشان كدا سرحت، أنا بحب اسكندرية أوي يا ياسين، بس و لا مرة حسيت أني عارفة استمتع بيها، بس ربنا كرمني أحس بكل دا معاك أنتَ، فمبقيتش عارفة أنا بحب الحاجة علشان بقيت كويسة و لا بحس بحلاوتها علشان معاك أنتَ ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"يمكن علشان احنا سوا ؟! ساعات الحاجات الحلوة أحنا مش بناخد بالنا منها علشان مش معانا العيون اللي تلمع و تأكد لنا حلاوة الحاجة، يعني اسكندرية طول عمرها حلوة، بس لمعة عيونك خلتني اتأكد إنها حلوة فعلًا"
ابتسمت هي له و لمعت العبرات في عينيها حينها رفعت كفها تمسح تلك الدموع قبل أن تخرج من منبعها حتى قالت بمرحٍ محاولةً تغيير تلك الأجواء:
"تعرف ؟! طول عمري كنت خايفة أوي إني لما اتجوز جوزي يتجوز عليا، مش عارفة ليه يعني بس الفكرة دي مسيطرة عليا، و علشان مكونش كدابة لسه مسيطرة عليا لحد دلوقتي"
رفع رأسه نحوها مُسرعًا و هو يمضغ الطعام حتى ابتلعه بصعوبةٍ فسألها بتعجبٍ:
"هو أنتِ ليه مبتعرفيش تفرحي ؟! ربنا كرمك بفرصة تخليكي تطيري من الفرحة، و أنتِ مقلبة على نفسك المواجع ؟؟ اتجوز عليكي ليه ؟!"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
"مش عارفة بس هي فكرة مرعبة، بس أنا هقولك حاجة مهمة، دا ناتج من عقلي الباطن، بمعنى أني علطول كنت بقول أني مش كفاية لحد، فبالتالي محدش هيقبل بيا و يوافق يكمل معايا، علشان كدا عقلي لحد دلوقتي لسه بيجيبلي خيالات قديمة، بس أنا واثقة فيك إنك مش هتعمل حاجة....صح ؟!"
سألته بحذرٍ حتى رفع أحد حاجبيه و قبل أن يهم بالرد عليه وصلتهما صوت أغنية من أحد المقاهي الموجودة على الشاطيء ليصلهما صوت الكلمات الأتية:
"قولي.....قولي ألاقي أنا زيك فين؟!....ياللي مفيش في جمالك اتنين....هو إحنا عِشرة بس يومين ؟!.... دا أنا عايش ليك....و أنتَ.....أنتَ حبيبي عارف من إمتى.....من قبل ما عينيا تيجي في عينيك....عيشت سنين و أنا بحلم بيــك....بسأل... بسأل نفسي أنا كل ما أقابلك..... كنت ازاي عايش من قبلك....مين قلبه عليا غير قلبك؟!...غيرك مليش"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"شوفتي ؟! دي إشارة أهو، اعتبريها رسالة مني بقى"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"و أحلى رسالة كمان، هو إحنا نطول يعني إن قلب ياسين الشيخ يحبنا أنا و قلبي ؟!"
رفع عينيها لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسمٍ:
"تطولي و زيادة كمان يا ست الكل، دا يا بخت قلبي بقلبك"
اتسعت بسمتها أكثر حتى غمز لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"الحواوشي برد !! كلي يلا"
أخذت تتناول الطعام و هو معها في جو هاديءٍ بسيط جمع قلبيهما بعدما فرقتهما الطرقات و تدخلت بينهما المسافات، فكان كلًا منهما يأخذ أنسه في الحياة بوجود الأخر و خاصةً عند التقاء نظراتهما و كأن كل زوج من العينين يخبر الأخر بأنه سكنه في تلك الدنيا.
_________________________
مثل الطير تتحرك روحها و ينبض قلبها بقوةٍ و كأن الحياة تعرف طريقها له الآن، أو كأنها أعمى عاد له البصر، لكن في حالتها زادت بصيرتها، اقتربت تلمس كِساء الكعبة المشرفة بكفها حتى ارتجف قلبها بشدة و دبت لحظة انتشاء الروح في جسدها بالكامل و نزلت دموعها في الحال حتى أجهشت في البكاء بقلبٍ خاشعٍ طفقت البصيرة تدخله لـ تُزيل عتمة عمرٌ مضىٰ اخطئت فيه في حق الكثيرين حتى نفسها قبل الكل، في تلك اللحظة وقفت تعاهد ربها بأن تُكمل سيرها نحو طريق الحق، فبعد كل تلك الفرص التي أنعم الله عليها بها، شعرت بمدى ضئالة حجمها وسط ذلك الكون الكبير، لكنها عزمت النية أن تستمر في مجاهدة نفسها حتى تموت موتةً هنية و يرزقها الله بحسن الخاتمة.
وقف «حسن» يبكي بخشوعٍ و هو يقف أمام الكعبة المشرفة و رغمًا عنه تذكر والدته حينما أخبرته بمدى شوقها لزيارة ذلك المكان، و كم تحلم بالوصول إليه، وقف يحمد الله و يثني عليه فضله، فيما رزقه به و أكرمه، حيث حصل على أكثر ما تمنىٰ، و أكرمه أكثر حينما منحه فرصة الوقوف في ذلك المكان بجوارها هي لتبدأ حياتهما سويًا من جديد.
اقترب منها يضع كفه على كفها و هي تقف تبكي بقوةٍ رغمًا حتى اقترب من أذنها يهمس بهدوء:
"ادعي يا هدير، ادعي ربنا يتقبل مننا، و ادعي لكل حبايبنا و لأموات المسلمين كلهم و والدتك و والدتي، ادعي ربنا يرزقنا بذرية صالحة لينا إحنا الاتنين"
حركت رأسها موافقةً بقوةٍ و الدموع تسيل على وجنتيها لا تصدق ما تشعر به و لا تصدق أنها تقف أمام الكعبة المشرفة و لا تصدق أنها تقف بجواره حتى، فلولا وقوفه بجوارها لكانت ظنت أنها بداخل حلمًا لا تريد الاستيقاظ منه طيلة حياتها.
وقفا سويًا يتضرعا بقلبيهما قبل فمهما و كلًا منهما يشكر و يمتن للخالق بتلك الفرصة و يذكر أحبته في الدعاء بما تمنى كلًا منهم، ثم بعدها جلسا سويًا بجانب بعضهما فأخرجت هي من حقيبة ظهرها المصحف الشريف و أعطته واحدًا و هي تبتسم له حتى يقرأ منه، فبادلها البسمة بمثيلتها ثم سألها بهدوء:
"حاسة بإيه ؟!"
طالعته بعينيها الدامعتين و هي تقول بنبرةٍ صوتٍ متحشرجٍ:
"حاسة أني طير خرج من القفص يا حسن، أو أعمى ربنا كرمه و ردله بصره، حاسة كأني كنت مشلولة و ربنا كرمني و ردلي صحتي تاني، حاسة أني عاوزة أعيط و أفضل ساجدة هنا لحد ما روحي تفارقني، خايفة الإحساس دا يروح مني، أنا بتولد من جديد هنا، و وعدت ربنا أني هحارب علشان أفضل كدا، مش هسمح لشيطان نفسي يغلبني تاني، همسك في هدير دي بايدي و سناني"
نزلت دموعه تأثرًا بحديثها حتى أمسك كفها يحثها على ذلك الحديث و هو يقول:
"ربنا يكرمك قلبك و يزيده طاعة و حب لله و رسوله، و يرزقك بالثبات و القدرة على جهاد النفس، أنا معاكي أهو نصلح طريقنا سوا، اللي يقع فينا أو يتأخر التاني يمسك أيده، عاوزين نروح الجنة سوا و مش عاوز واحد فينا يكون سابق التاني هناك، عاوزك معايا في جنته زي ما كنتي معايا في أرضه و دنيته، وعد إنك هتحاولي معايا ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي حتى ربت بكفه على رأسها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يقدرنا سوا، و وعد مني مزهقش و لا أمل، زي ما صبرت طول عمري على حياتي دي، و أخرتها كانت وجودي معاكي هنا، الصبر هو دا اللي هناخد عليه الأجر في الدنيا و الأخر و دا مش كلامي دا كلام ربنا سبحانه لما قال تعالى:
﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ﴾.
﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾.
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
"كل دي آيات للصبر، الصبر عبادة مش بس مفتاح الفرج، الصبر دا تأديب للنفس و تهذيبها، كل آية من دول بنتيجة للصبر، الأولى بشرى للصابرين و خير نتيجة صبرهم و التانية فيها رزق كبير ربنا يوعدنا بيه و هو حبه للصابرين، و التالتة فيها أمر لينا بالصبر و نتيجته معاه فما صبرك إلا بالله، يعني تصبري و تاخد رزق كمان و كل آية منهم بنتيجة الصبر دا، الصبر دا خير لكل نفسٍ بشرية لأن نتيجته بترمم وقت صبرها، علشان كدا ربنا ذكر الصبر في كتابه و طلب مننا نصبر على كل شيء"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له ثم طافت المكان بعينيها و هي ترى وقوف الناس بمختلف أعمارهم عند الكعبة المشرفة و كأن كلًا منهما يولد من جديد هنا في ذلك المكان، فكم من نفسٍ بشرية تتطوق شوقًا لتلك الزيارة المُكرمة.
_________________________
نزل «وليد» شقة حماه يجلس معهم بعدما ترك عمه يجلس بمفرده يفكر في الأمر مرةً أخرى، حتى أتت له «سلمى» بـ كتابين "الفيزياء" و "الكيمياء" حتى يشرحهما لها، وافق هو مرحبًا بما تريده ثم جلس معها و «عبلة» بجوارهما تتابعهما بعينيها و هي تبتسم لهما حتى رفع هو عينيه دون قصدٍ فوجدها تطالعه بفخرٍ حينها ابتسم لها بهدوء ثم أرسل لها قبلة في الهواء و هو يغمز لها بعبثٍ حتى أخفضت رأسها بخجلٍ من شقيقتها التي تصنعت الأجابة في الكتاب و عينيها تتابعهما و حينها صدح صوت هاتفه برقم «عمار» وقف هو منتفضًا ثم دلف الشرفة بسرعةٍ كبرى و هو يرد على الاتصال حتى وصله صوت الأخر يسأله بلهفةٍ:
"يا وليد ؟! خلود عندها مراجعة النهاردة و مراحتش ليه ؟! المكثف بدأ خلاص علشان رمضان داخل علينا، صاحبي كلمني و بيقولي أنها لازم تروح"
رد عليه «وليد» بنبرةٍ هادئة:
"خلود مش هتيجي النهاردة يا عمار، و ياريت بس الفترة دي تقلل أي تواصل معاها أو أي حاجة تثبت إن فيه حاجة بينكم"
شعر «عمار» بالريبة و الخوف من حديثه، فسأله بصوتٍ متقطعٍ:
"ليه ؟! هو....هو حصل حاجة طيب ؟! مش كل حاجة كانت قدامك أنتَ ؟!"
لم يجد «وليد» حلًا سوى أن يخبره بما حدث مع «خلود» و كيف أخبر عمه بما حدث و أن صغر سنه هو العائق بينهما و بين اجتماعهما سويًا، حينها انتفض قلب «عمار» فزعًا عليها و هو يقول يسأله بلهفةٍ:
"طب و هي حصلها حاجة ؟! حد جه جنبها يا وليد ؟! أنا أكيد مش هتسبب في أذاها"
لمعت فكرة في ذهن «وليد» و قرر الانصياع لرغبته في تنفيذ تلك الفكرة حتى قال بعدما زفر بقوةٍ و كأنه غُلب على أمره:
"للأسف عمي صمم إنها تفضل في البيت و قالها تركز في مذاكرتها، عمار !! طلع خلود من دماغك دلوقتي، أنا مضمنش عم طه ممكن يتصرف ازاي، ممكن يضرك لو خايف على نفسك انسى خلود"
ردد خلفه بخيبة أملٍ و صوتٍ منكسرٍ:
"أنساها !! أنسى إيه ؟! دا أنا طول الاسبوع اللي فات فرحان علشان شوفت القبول في عينيها، أنا من فرحتي صليت ركعتين شكر لله، انساها إزاي قولي !!"
تهدج صوته و هو يسأله حتى رد عليه «وليد» بقلة حيلة:
"دا علشانك مش علشانها هي، أنا خايف عليك أنتَ، سيب الوقت يداوي الجرح دا يا عمار، لو ليك نصيب فيها غصب عن عمي و عن الدنيا كلها هي هتكون ليك، لكن دلوقتي صعب"
رد عليه «عمار» موافقًا بانكسارٍ تمكن منه:
"صح....معاك حق يا وليد، عن اذنك بقى علشان ورايا مذاكرة"
أغلق الهاتف مسرعًا فيما زفر «وليد» بعمقٍ و هو يفكر هل بتلك السهولة استسلم لرغبة الدنيا في تفريقهما حتى قبل أن يجتمعا سويًا ؟! إذا حدث ذلك سيحصل «عمار» على الرسوب في أول اختبار يوضع لحبه.
نظر «وليد» من الشرفة فوجد سيارة «طارق» تقف أمام البيت لينزل منها هو و زوجته و «وئام» و ابنه و زوجته أيضًا، ابتسم هو براحةٍ ثم أطلق صفيرًا عاليًا من فمه حتى نظروا له جيمعًا فقال هو باستفزازٍ لهم:
"يا قلودين !! جايين هنا ليه ؟! بطلوا تقلدوني بقى، خلوا عندكم شخصية شوية"
ضحك عليه «وئام» و الفتاتين في حين أشار له «طارق» بالتريث و هو يقول مهددًا له:
"طالعلك، هتروح مني فين يعني،
دا بيت الرشيد كله شقتين و سطح!!"
_________________________
جلست «خلود» في غرفتها بخوفٍ خاصةً بعدما تركتها «سلمى» و ذهب «أحمد» مع والدته يجلبا مشتريات البيت، إذن هي في البيت مع والدها بمفردها !! حينما أخذها تفكيرها لتلك النقطة سقط قلبها فزعًا و قبل أن تقوم تغلق باب الغرفة تفاجئت به يفتح الباب ليطل منه بهيبته الطاغية، و حينما رآى هو خوفها اقترب منها يمسك يدها ثم جلس على الفراش و هي بجواره، و لم تستطع هي أن تواجهه حتى أخفضت رأسها بخزيٍ منه، حينها رفع رأسها بكف يده و هو يسألها بهدوء:
"بتحبيه ؟!"
تفاجئت هي من سؤاله الغير متوقع فاتسعت حدقتي عينيها، فكرر هو سؤاله بنفس النبرة، حتى اخفضت رأسها بخجلٍ منه، فزفر هو بعمقٍ ثم قال:
"أنا مش زعلان منك، دي مشاعر غصب عنك لازم تحسيها، بس زعلي إنك تكوني في موقف زي دا و توافقي من غير وجودي، أنا مش هجبرك على حاجة، بس أنا أب يا خلود، أضمن منين إن عمار دا مش بيلعب بيكي ؟! الدنيا مش مضمونة يا حبيبتي، اللي جوة نفوس الناس احنا منعرفهوش، حاجة زي دي لسه كتير عليها، أنتِ لسه بتتعلمي و لسه قدامك كتير، و هو برضه صغير و طريقه طويل، ممكن تكونوا مناسبين لبعض، بس وقتكم مش مناسب يا خلود، علشان كدا مش عاوزك تعلقي نفسك بحبال دايبة، لو هو نصيبك ربنا يكرمك بيه، لو فيه شر ليكي يبقى ربنا يعوضك بخير منه، بس عاوز منك وعد إنك تذاكري و تركزي في مستقبلك، و لو على الحاجات دي ليها وقتها بس الصح"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي و حينها احتضنها هو حتى يُطمئنها بعدما عزم أمره على ترك أخطاء الماضي بعدما ضاعت منه فتاةٍ بسبب أخطاءٍ اقترفها هو، ابتعد عنها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"يلا قومي اعمليلي شاي خليني أفوق شوية من الصداع دا، يلا قلبتي دماغ أنتِ و وليد"
حركت رأسها موافقةً فصدح صوت هاتفه هو برقم أخيه يطلب منه النزول لهم حتى يجلس مع رجال العائلة في الطابق الخاص بمناسباتهم.
أخبرها أن تنزل معه حتى تجتمع العائلة مع بعضها فنزلت مع والدها ترحب بأبناء عمومها و خاصةً «فارس» الذي ركضت له حتى تحمله كعادتها، جلست النساء على مقربةً من الرجال حتى أتت «زينب» و معها «أحمد» اللذان اقتربا من الجميع يرحبان بهم ثم جلسا معًا.
راقبها «وليد» بعينيه و هو يفكر إذا كانت هيئتها تلك في بداية الأمر ماذا إذا علمت أنه تخلى عنها و خشى على نفسه ؟؟ هل يخبرها بذلك و يعتذر منها أمام الجميع ؟! أم يترك الفرصة للأيام تقوم بصلح ما أفسدته سابقتها ؟؟ شعر بالأسف عليها خصيصًا أنه وهمها بمشاعر جديدة عليها و وضع كامل ثقته به و لأول مرّةٍ يشعر بالهزيمة من الوثوق في أحدهم و قبل أن ينطق هو طُرق باب البيت، ففتحه «أحمد» الذي جلس بجوار الباب حتى تفاجأ بـ «عمار» يقف أمامه و ملامح وجهه جامدة على عكس عادتها اللينة، فتحدث مرحبًا به:
"عمار !! اتفضل تعالى، اتفضل البيت نور بوجودك و الله"
دلف «عمار» على استحياءٍ من الجميع حتى وقف أمام الرجال و كان حينها «طـه» يطالعه بجمودٍ ثم نظر لابنته التي أخفضت رأسها بخوفٍ من اللحظة القادمة حتى سأله «وليد» بتعجبٍ:
"خير يا عمار ؟! جاي لوحدك يعني فيه حاجة ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من «طـه» يقول بنبرةٍ جامدة رغم هدوءه الذي حاول الاتصاف به:
"آه فيه، أنا جاي بس علشان أقول أني مش عيل صغير و لا أنا راجل جبان، أنا واحد اتربى على أيد رجالة و في بيت كله أصول، علشان كدا أنا جيت علشان كلكم تعرفوا أنا مين و إيه"
احتلت الدهشة تلك الجلسة و زادت حدة النظرات المتفرقة في تلك الجلسة فقال «عمار» بشموخٍ:
"معاكم عمار فهمي، أخو عامر اللي حضراتكم عارفينه، و جاي أخطب الآنسة خلود"
شهقة جامدة خرجت من فم الجميع و نظراتٍ مستنكرة تدور في الموضع و كلًا منهم يطالع الأخر بحيرةٍ و تعجبٍ، فما العلاقة التي تربط بينهما، أما هو فوقف بنفس الثبات و هو ينتظر القادم حتى و إن لم يكن في صالحه، لكن يكفيه أن يفخر هو بنفسه.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم شمس بكري
"مثل الشمس و القمر مُتلازمين معًا و لا يقترنا سويًا.
_________________________
كمن وقف أمام أحلامه يريد لمسها بكفيه لتأكده بأنها ملموسة لديه، ليتفاجيء بفرارها من أمامه كما يفر السراب في الضوء، و حينما حاول الركض لها تفاجأ بأطرافه مُكبلة بأصفادٍ من الحديد تحتى مسمى "الوقت"
يكفي للمرء أن يفخر بذاته و أن يضحي حتى بنفسه و أن لا يكون جبانًا، هكذا فكر «عمار» و هو يقف أمام رجال عائلة الرشيد بعدما أدلى بطلبه أمام الجميع بثباتٍ و شموخٍ، فيما أخفضت «خلود» رأسها و ضغطت على جفنيها تحاصر مُقلتيها أسفلهما باحكامٍ، أما «طـه» فسأله بنبرةٍ جامدة إلى حدٍ ما:
"طب و هو يابني اللي ييجي يطلب واحدة بييجي كدا ؟! فين أهلك و فين الـ....."
دلف «عامر» و معه والده في تلك اللحظة و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"احنا موجودين يا عم طه، احنا مش قلالاة الأصل علشان عمار ييجي من غيرنا، كنا بس بنجيب حاجة ندخل بيها علشان شكلنا ميبقاش زفت"
قالها بمرحٍ حتى يزيل التوتر من تلك الجلسة، فتحدث «محمود» مرحبًا بهم بعدما وقف أمامهم:
"طب اتفضلوا يا جماعة اقعدوا، نورتونا، الكلام ميبقاش على الواقف كدا"
جلسوا وسط الرجال و «عمار» عينيه في الأرض تاركًا الباقي لأخيه و والده الذي تحدث بنبرةٍ هادئة يقول:
"أولًا أنا أسف على حضورنا فجأة كدا من غير ميعاد، بس أنا اتفاجئت بعمار و اللي قالهولي، ثانيًا بقى ...أنا عاوز عمار هو اللي يتكلم مش أنا، أنا ربيته يكون راجل و يشيل مسئولية نفسه و أخواته كملوا و نجحوا في دا، عاوزك تسمع عمار يا أستاذ طه"
كانت ملامح «طـه» كما هي جامدة فتحدث «عمار» بثباتٍ:
"أنا مغلطتش و الله يا عم طه و ربنا يشهد عليا و على اللي في قلبي، و وليد و عامر موجودين و شاهدين على كل حاجة، أنا حسيت بمشاعر ناحية آنسة خلود روحت قولت لأخوها و قولت لأهلي، و خدت وعد على نفسي أني أشق طريقي علشان اقدر أجي أطلبها منكم و أنا قد المقام، اللي حصل مني أنا و عامر و وليد كان غلط من البداية، كان المفروض ندخل البيت من بابه، بس دي أنا اللي هتحملها مش هما، أنا بس كنت عاوز اتأكد إن هي قبلاني علشان مبقاش بعشم نفسي على الفاضي"
ظهر اللين على ملامح وجه «طـه» خصيصًا بعد حديثه ذاك، فأضاف «عمار» من جديد:
"أنا جيت علشان أثبت أني قد المسئولية و أني راجل مش عيل، و قدام الكل يشرفني إن الآنسة خلود تكون خطيبتي، و مش دلوقتي، أنا بتكلم على بعدين لما أنا أخلص تعليمي و هي كمان، أنا كل اللي عاوزه يكون في كلمة عهد ما بينا، و أنا قدام الرجالة دي كلها بقول أهو اللي حضرتك تحكم بيه سيف على رقبتي"
قبل أن يتحدث «طـه» نظر لـ «وليد» يطلب منه العون و يدله كيف يتصرف فتحدث «وليد» ببراءةٍ تتنافى مع شخصه:
"دي بنتك أنتَ يا عم طه و أنتَ أبوها يعني أنتَ اللي تقرر، و أظن يعني عمار مش غريب عننا، بس برضه الكلمة كلمتك"
رفع «طه» حاجبيه ساخرًا بعد حديثه فيما مال «وليد» على اذن والده «مرتضى» يقول هامسًا بخبثٍ:
"سمعنا كلمتين حلوين من بتوعك يا مرتضى، الحق طه قبل ما يعك الدنيا، يلا مش أنتَ الكبير ؟! هتسكت و لا إيه ؟!"
ظهر الشر في نظرات «مرتضى» فوقف بجوار أخيه و هو يسأله بثباتٍ و ثقةٍ و كأنه ينذره بالقادم إذا رفض:
"ها يا طـه ؟! إيه قولك ؟! موافق و لا لأ ؟! دي بنتك برضه"
تنفس «طـه» بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة بعدما نظر في وجه «عمار» و منه إلى ابنته التي تحتمي بـ «فارس» و هي تحتضنه:
"أنا اللي يهمني إن بنتي تكون مع راجل يصونها و يحميها، و في نفس الوقت يحافظ عليها و ميخليهاش تغلط و تعمل حاجة من ورا أهلها و أنا واثق إن عمار جدع و عارف تربيتي برضه و واثق في بنتي..... أنا موافق بس بشرط"
تفوه «وليد» هامسًا بسخريةٍ:
"يخربيت بهاراتك اللي لازم تتحط في الأخر دي"
بعد كلمته الأخيرة نظر له الجميع بتعجبٍ من تلك الكلمة و خاصةً «عمار»، فأضاف هو بشموخٍ:
"بنتي لسه صغيرة و أنتَ كمان، من هنا لحد ما ربنا يكرمك و تبقى جاهز من كله ملكش دعوة ببنتي، لا من قريب و لا من بعيد، اعتبر إنك لسه مشوفتهاش أصلًا، و لو اتقابلتوا صدفة أعمل نفسك متعرفهاش....أظن دا حقي"
رد عليه «عمار» بثباتٍ:
"و أنا موافق يا عم طـه، أنا لا يمكن أسمح لنفسي أعصي ربنا فيها، و طالما أنا راجل و رايد بالحلال يبقى وعد مني في رقبتي إن حتى نظرة العين مغلطش بيها، و وعد مني أني استنى و أصبر علشان تكون هي نتيجة صبري"
ابتسم له «طارق» و هو يسأله:
"أنتَ بتتكلم في سنين !! هتصبر و تتحمل كل دا ؟!"
طالعه بقلة حيلة و هو يقول:
"أنتَ استنيت كام سنة يا طارق ؟! مليت في يوم و لا زهقت ؟! أكيد كنت واثق في ربنا علشان أنتَ مبتغلطش، و أنا واثق أني مبغلطش و عاوز الرزق بالحلال، و أكيد ربنا مش هيبخل عليا بيه"
ابتسموا له بعد حديثه ذلك، فتحدث «فهمي» بفخرٍ:
"علشان كدا قولت هو اللي يتكلم، لأني واثق في ابني، طبعًا الكلام دا مش وقته بس عمار شقته مع شقق أخواته دافع المقدم ليها و بكمل في الأقساط و إن شاء الله خلال سنة هكون خلصت الأقساط و نبدأ نوضبها، و زي ما عملت شقة اخوه هعمله شقته، دا علشان تكونوا مطمنين، خلود زي بنتي و لا يمكن اقبل بحاجة تزعلها أو حتى تجرحها، كفاية أدبها و أخلاقها، و أنا طمعان في كرمكم عليا إنها تكون بنتي قبل ما تكون مرات ابني، و لو هي مزعلة حد هنا، قولولي و أخدها معايا و أنا مروح أنا بتلكك أصلًا"
أضاف المرح على حديثه يشاكسهم به حتى رد عليه «طه» بهدوء:
"بنتك طبعًا يا أستاذ فهمي، بس أنا عند كلمتي، مفيش أي حاجة تحصل قبل ما تخلص علامها، هي هنا محفوظة في بيتها و كلمة الرجالة اتقالت خلود لـ عمار"
زفر «عمار» براحةٍ ثم اقترب منه يقف مقابلًا له و هو يقول ممتنًا له:
"شكرًا لحضرتك، شكرًا إنك سمعتني أصلًا، و ليك عليا عهد في رقبتي اتحاسب عليه قدام ربنا، أني معملش حاجة من وراكم و لا أغضب ربنا فيها، أنا مش عاوز ألعب و لا أتسلى، أنا عاوزها ليا بالحلال"
ربت «طه» على كتفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"شكرًا ليك أنتَ إنك عارف يعني أمانة يتحافظ عليها، شكرًا يابني على كل كلمة خرجت منك طمنتني على بنتي، و شكرًا لوالدك و أخواتك على تربيتك"
ابتسم له «عمار» حتى عانقه «طـه» و هو يربت على ظهره، فيما تحدث «عامر» بعد صمتٍ طال على عكس عادته:
"طب مفيش زغروطة حتى ؟! طب بلاش حطولنا جاتوه من اللي احنا جايبينه دا اعملوا أي منظر، دا إيه العيلة النكد دي ؟!"
رد عليه «أحمد» ساخرًا:
"طبعًا، بالنسبة ليك نكد، ما هو أنتَ متخصص البهجة في العيلة، تتعوض في الليلة الكبيرة بقى"
ابتسم «وليد» في تلك اللحظة براحةٍ ثم أخرج زفيرًا قويًا و هو يرى نتيجة ما خطط له تسير على ما يرام، ثم وجه نظره نحو «خلود» التي طالعته بوجهٍ مُبتسمٍ و هي تنظر له بامتنانٍ حتى غمز هو لها.
_________________________
في محافظة الأسكندرية و خاصةً على أحد الشواطيء العامة، كان يسيرا بجانب بعضهما و نسمات الهواء الباردة تداعب بشرة وجهيهما حتى ضحكت هي باستمتاعٍ حينما صدمتها دفعة قوية من الهواء، و هو بجوارها ضحك عليها بخفةٍ حينما زاد رنين ضحكاتها، لذا سألها هو باهتمامٍ:
"ها إيه رأيك ؟؟ مش العربية برضه كانت هتضيع علينا مُتعة الجو دا ؟! مش كدا أحسن ؟!"
حركت رأسها نحوه ثم هزتها موافقةً بإيماءةٍ بسيطة من وجهها المبتسم فتنهد هو بعمقٍ ثم سألها بمرحٍ:
"قوليلي عجبتك المفاجأة ؟! دي أهم حاجة، أنا كل اللي يهمني إنك تكوني مبسوطة"
ردت عليه هي بحماسٍ:
"مبسوطة بس ؟! أنا عاوزة أصرخ هنا من فرحتي، مش متخيل أنتَ أنا مبسوطة إزاي، حاسة أني عاوزة أجري من فرحتي و الله و أفضل أصرخ، المهم احنا هنمشي امتى من هنا ؟!"
أجابها بعدما تنفس بعمقٍ:
"بكرة إن شاء الله أخر الليل هنمشي، يعني هنكون في القاهرة على الفجر كدا إن شاء الله"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت بسرعةٍ من فرط حماسها:
"مش مشكلة أنا موافقة، إن شاء الله حتى لو ساعة، المهم أني معاك هنا، بس اشمعنا إسكندرية ؟"
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
"يمكن علشان أنتِ بتحبيها ؟! و يمكن علشان كان نفسك تعيشي جو رومانسي فيها ؟! و يمكن علشان دي أكتر محافظة كان نفسك تكوني منها ؟! ها أقول تاني ؟!"
حركت رأسها نفيًا فيما شدد هو عناق كفه على كفها ثم أشار لها برأسه للجهة الأخرى و هو يسألها:
"ها إيه رأيك ؟! يلا ؟!"
سارت معه للجهة الأخرى يعبرا الطريق سويًا نحو المحل الذي أشار لها عليه ثم وقفا سويًا فسألها هو بنبرةٍ هادئة:
"تاخدي طعم إيه ؟!"
حركت كتفيها و هي تتابع نكهات المثلجات أمامها ثم قالت بقلة حيلة:
"هات على ذوقك أنتَ بقى يا ياسين، أنا واثقة فيك"
حرك رأسه موافقًا ثم طلب ما يريده لهما سويًا و بعد غضون ثوانٍ أعطاها المثلجات في أيديها ثم أمسك القطعة الخاصة به حتى طلبت هي بحماسٍ:
"تعالى بقى نقف قصاد البحر علشان كدا تبقى كملت، ماشي ؟!"
وافق على اقتراحها و وقف بجوارها بعدما عبرا الطريق مرةً أخرى، حينها تنفست بعمقٍ ثم تناولت ما بيدها و هو يتابعها بفرحةٍ جعلت قلبه يرقص بين أضلعه حينما أبصر فرحتها البادية على ملامح وجهها و كأنها تمسك نجوم السماء بكفيها معًا.
حركت رأسها تنظر له و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ إثر فرحتها الساكنة بين خلجات روحها:
"تعرف !! أنا كنت فاكرة إن الأحلام دي مش هتتحقق، أو مستحيل تتحقق، من ساعة ما عرفتك و أنا أي حاجة بقيت بحلم بيها بحس إننا هنحققها سوا، أو إنك هتسعى تحققهالي، بعد ما افتكرت أنها صعبة أنتَ سهلتها لدرجة هتخليني أطمع و بصراحة بقى خايفة أخد على كدا"
قالتها بمزاحٍ تشاكسه به فرد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"اطمعي يا خديجة، اعتبريني العوض اللي ربنا كرمك بيه، مش كتير عليكي إنك تفرحي بعد كل الزعل اللي شوفتيه، أنا مش عاوز غير فرحتك بس، قوليلي عاوزة إيه تاني و أنا أحققه ليكي"
ردت عليه هي بحماسٍ مفرطٍ بعد حديثه و بعدما سألها:
"أقولك ؟! حلمت بيك مرة عمال تستعجل فيا علشان ألبس ابننا، معرفش ليه و معرفش أي حاجة غير إنك كنت هتنزل بيه و مستنيني علشان ألبسه، حلمت الحلم دا و أنتَ مسافر بس مش عارفة بقى دا إيه ؟!"
ابتسم لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما تنفس بعمقٍ:
"دا معناه إنه خير إن شاء الله ربنا هيرزقنا بيه، بس مش فاكرة كان اسمه إيه ؟! أو أي حاجة ؟!"
حركت رأسها نفيًا بأسفٍ ثم أضافت بسرعةٍ:
"لأ بس فاكرة شكله لما دخلت ليكم، كان شبهك أوي و هادي، مش عارفة بس حسيته كدا"
رد عليها بقلة حيلة زائفة:
"كدا بقى مش قدامي حل غير أني أحقق الحلم دا، دا أهم حلم فيهم خدي بالك !!"
ابتسمت هي له و هي تحرك رأسها موافقةً فيما أمسك هو يدها ثم قال بمرحٍ:
"يلا بينا على كوبري استانلي"
_________________________
رحل «فهمي» مع ولديه بعد جلسته المرحة مع العائلة و تأكد من صدق العهود بينهما و رأى القبول لابنه في أعينهم جميعًا، و من بعدها رحلوا أفراد العائلة تِباعًا خلف بعضهما كلًا منهم نحو شقته.
جلس «وليد» على الفراش في غرفته ثم أرجع رأسه للخلف على ظهر الفراش و هو يفكر ولا وجوده كيف تسير الأمور ؟؟ هل يجب عليه التعامل بالمحايلة و الخدعة ؟! ابتلع غصة مريرة في حلقه ثم أغمض عيناهُ ثم نظر بجواره وجد الفراش خاليًا منها زفر بقوةٍ و قبل أن يهاتفها، فُتح الباب لتطل هي منه و هي تقول بأسفٍ:
"معلش بس كنت مع هدى بنغير لفارس، و بعدها كنت مع سلمى و خلود و جميلة، عاوز حاجة قبل ما أدخل ؟!"
حرك رأسه نفيًا فأغلقت هي الباب ثم دلفت تجلس بجواره و هي تبتسم له حتى سألها هو بتعجبٍ:
"مالك ؟! بتبصيلي كدا ليه ؟!"
ردت عليه هي بمرحٍ:
"علشان اللي حصل النهاردة دا، أكيد أنتَ السبب، قولي يلا حصل إيه ؟! احكيلي عملت كدا ليه ؟!"
تنفس هو بعمقٍ ثم فتح ذراعه لها حتى ارتمت هي عليه و هي تبتسم باتساعٍ فيما حاوطها بذراعيه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"كنت بصلح اللي الدنيا هتعكه و تخليه سبب في وجع قلوب، كان لازم أعمل كدا علشان يكون فيه خطوة واحدة واضحة للكل، لو ماكنتش عملت كدا مستحيل العلاقة دي ييجي عليها يوم و تكمل"
رفعت رأسها تسأله بتعجبٍ تُغطيه الحيرة:
"هو أنتَ عملت كدا ليه ؟! إيه اللي خلاك تاخد خطوة زي دي ؟!"
رد عليها مُفسرًا بنبرةٍ هادئة:
"علشان عمي طه فاكر إن عمار بيلعب بـ خلود و مش بتاع جواز و مسئولية، و خلود من خوفها بسبب عمي هتشيل عمار من دماغها و مستحيل كانت توافق عليه لو جالها بعد كدا، و عم طه فاكر إني باخد منه عياله و إنه ملهوش حق فيهم، فكان طبيعي بعد كل السنين دي يرفض عمار، و عمار نفسه كان لازم ياخد خطوة زي دي تخليه يتأكد إنها هتكون ليه بموافقة العيلة كلها مش أنا و هي بس، و خلود لازم تتأكد إن عمار ممكن يعمل المستحيل علشانها حتى لو إنه ييجي يقف قصاد الكل هنا و يطلبها، كدا خلود عرفت إن عمار راجل بجد و أنه ميتسواش بحد"
حركت رأسها بتفهمٍ ثم اعتدلت فجأةً و هي تقول بحماسٍ:
"فهمت !! يعني ضربت عصفورين بحجر واحد، خليت عمو طه يثق في عمار و في رجولته، و خلود تتأكد إن عمار مش بيلعب بيها و إنه مستعد يستناها، في نفس الوقت اللي خليت عمو طه فيه يتأكد إن عياله مسئولين منه حتى لو كنت بتحبهم...صح ؟!"
سألته مُخمنةً بكملتها الأخيرة فحرك رأسه موافقًا حينها اعتدلت تجلس بجواره تسأله بنفس الحيرة:
"طب و أخر نقطة دي ليه ؟! و ليه شكلك زعلان كدا ؟!"
رد عليها بثباتٍ واهٍ يتنافى مع حزنه و ما يُجيش به صدره:
"لا أنا مش زعلان و لا حاجة، أنا زي الفل اهو يا عبلة"
طالعته بشكٍ حتى وجدته يحرك رأسه للجهة الأخرى حتى لا ترتبط نظراتهما سويًا و تكتشف كذبه فيما أصرت هي على قولها فحركت رأسه نحوها و سألته باصرارٍ:
"على سوبيا برضه ؟! نسيت إن قبل ما نكون متجوزين إننا صحاب ؟! و اتفقنا أننا منخبيش حاجة على بعض ؟! قولي إيه مزعلك كدا ؟!"
تنفس هو بعمقٍ ثم قرر البوح بما يعتل به صدره و يقف عن التفوه له لسانه لكنه فاض من عينيه، فقرر مشاركتها حزنه كما يشاركها فرحه و سألها بصوتٍ مهتز:
"عبلة !! هو أنا طول عمري هفضل بس ابن عم خديجة و خلود ؟! يعني مهما كانت مشاعرنا لبعض الناس كلها هتشوفنا ولاد عم برضه ؟!"
عقدت ما بين حاجبيها بتعجبٍ و غلفا التيه و الحيرة نظراتها له حتى أضاف هو مُفسرًا:
"أنا مخنوق يا عبلة و حاسس إني عاوز انفجر، عمك طه رمى الكلمة و حرق دمي و أنا رديتله عشرة و فورت دمه، علشان كدا مش مرتاح، بس هو اللي بدأ و عصبني، ازاي يقولي ابن عمها !! ازاي بعد كل حاجة في الأخر كل اللي بيننا يبقى مجرد دم و خلاص ؟!"
ربتت هي على كتفه و هي تقول بنبرةٍ هادئة تحاول بها دفع الحزن بعيدًا عنه:
"هو من ضيقه قال كدا، غصب عنه كأب لما بنته تتحط في موقف زي دا و هو مش موجود إنه يزعل يا وليد، ماشي أنتَ أخوهم و أبوهم كمان بس مكانش ينفع اللي حصل دا من الأول، بس الحمد لله إن الدنيا اتلمت و عمار دا جه اتقدم قدام الكل، إنما عمو طه مشاعره زي مشاعر أي أب غيران على ولاده"
التمس الحكمة في حديثها لذا انتبه لها حينما حرك رأسه يطالعها بنظراتٍ ثاقبة، فأضافت هي من جديد:
"هو غصب عنه قارن علاقته بيهم قصاد علاقته بيك و اللي من وجهة نظره إن هو أب و أنتَ ابن عمهم، لكن مش في دماغه يقلل من دورك"
رد عليها هو بلهفةٍ و ندمٍ بسبب حديثه حتى تهدج صوته و لمعت العبرات في عينيه:
"و الله أنا مكانش قصدي أقلل منه و من دوره، و خصوصًا مع خلود لأنها طول عمرها صاحبته و هو قريب منها على عكس خديجة، بس أنا انفعلت غصب عني، هما كانوا كل حاجة ليا في عز ما كنت مملكش حاجة، خلود دي لما اتولدت و جت البيت أنا كنت بنام جنب سريرها على الأرض علشان لما تفتح عينيها تفتحها عليا أنا، أول مرة زحفت جتلي أنا، و أول مرة وقفت كانت ساندة على دراعي أنا، و أول اسم نطقته كان "ليد" من قبل حتى ما تقول اسم أي حد منهم، و أحمد دا من كتر ما كنا مع بعض الناس افتكرونا توأم ساعات، و خديجة كانت الحضن اللي برمي همي فيه و أحلم بحياتي حتى و أنا بحبك، هي الوحيدة اللي شاركت خيالي كل دا و كانت بتسمعني و أنا رافض اسمع نفسي حتى، محدش هيفهم علاقتي بيهم غيري، يمكن هما نفسهم مش فاهمين كدا، بس هما بيحبوني و دا كفاية عندي"
ابتسمت له و لمعت عينيها بوميضٍ أشبه بوميض نجوم السماء في ليلٍ مُعتمٍ ثم تحدثت بصوتٍ متأثرٍ:
"أكتر حاجة خلتني أسلم قلبي ليك هي حنيتك دي، بحب حنيتك على أخواتك و بفضل أفكر هما مش أخواته و بيعمل علشانهم كدا، أومال عياله هيتصرف معاهم ازاي ؟! مراته اللي هو بيحبها هيتصرف معاها ازاي ؟! و سلمتك قلبي و أنا راضية و عارفة إنه في الحفظ و الصون معاك"
ابتسم هو لها رغمًا عنه بسمة باهتة فيما أمسكت يده تسحبه من الفراش و هي تقول بصوتٍ مرح:
"قوم يلا !! هنفضل قاعدين نبكي على اللبن المسكوب ؟؟ قوم نجيب غيره يلا بسرعة"
سألها هو بتعجبٍ من طريقتها:
"استني بس يا سوبيا هنروح فين ؟! لبن إيه اللي هنقوم نجيبه الساعة ٩ بليل ؟!"
سحبته معه حتى وقف أخيرًا فقامت بسحب ثيابه من على ظهر المقعد تعطيها له و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"البس بس السويت شيرت علشان شكلك حلو في التي شيرت الابيض و أنا بغير لو سمحت"
سحب منها "السويت شيرت" على مضضٍ ثم ارتداه و أغلق السحاب حتى منتصفه فوقفت هي تُقيم هيئته و رغمًا عنها ابتسمت على تلك الهيئة حيث كان يرتدي بنطال رياضي باللون الاسود و فوقه سترة قطنية بيضاء اللون نصف "كوم" و ارتدى فوقها "السويت شيرت" الأسو، لاحظ هو تقييمها له فسألها بسخريةٍ:
"ها يا فندم ؟! المقاسات مظبوطة و لا تحبي نوسع الوسط شوية ؟! كله إلا اللبس الضيق، مراتي بتغير !!"
أقتربت منه و هي تضحك على طريقته ثم مالت على وجنته تقبلها بسرعةٍ حتى رمش هو ببلاهةٍ فغمزت هي له و هي تقول بمشاكسىةٍ:
"تعالى ورايا يا جوز السوبيا"
ضحك رغمًا عنه و زادت ضحكته أكثر حينما سارت أمامه تفرد ذراعيها بخيلاءٍ و كأنها أحد الشباب أقوياء البنية مما جعله يضرب كفًا بالأخر تزامنًا مع ارتفاع ضحكاته.
بعد مرور ثوانٍ وقفا سويًا أمام شقة «طـه» فطالعها هو بتعجبٍ حتى قالت هي بصوتٍ خافتٍ:
"هنصلح كل حاجة باظت و إحنا سوا و مع بعض، اتطمن و خليك معايا"
قبل أن يرد عليها ضربت هي جرس الباب حتى فتح لهما «أحمد» و ما إن ابصرهما حتى ابتهج وجهه و هو يقول مُرحبًا بهما:
"أهلًا و سهلًا إيه النور دا ؟! تعالوا يا حبايب قلبي نورتونا"
سألته هي مسرعةً:
"عمو طه هنا يا أحمد ؟!"
حرك رأسه موافقًا لها فدلفت و هي تسحب «وليد» خلفها و تبتسم بمرحٍ حتى نظر «أحمد» بتعجبٍ لـ «وليد» الذي حرك كتفيه بجهلٍ من الأمر و حينها كان «طه» يجلس على الأريكة فالتفتت «عبلة» لزوجها تهمس له:
"اهوه موجود، صالحه بقى و فهمه وجهة نظرك و هو كمان يفهمك، يلا علشان متفضلش زعلان كدا"
التفتت لـ عمها و هي تقول بحماسٍ:
"وليد عاوز يقولك حاجة يا عمو طه، ضروري معلش"
رمقها «وليد» بغيظٍ فوقفت هي بجواره تمسك يده تدعمه و هي تضغط على كفه، فيما تنفس هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
"أنا آسف يا عمي أني زعلتك مني و قولتلك اللي قولته فوق السطح، أكيد مكانش قصدي أني أقلل من علاقتك بيهم، مهما حصل هتفضل أنتَ أبوهم برضه، و أنا ابن عمهم، متزعلش مني أني اندفعت فيك كدا....بــس أنـتَ اللي استفزتني بكلامك"
قال جملته الأخيرة بحنقٍ و قد رفع صوته فيها قليلًا حتى ظهر اليأس على وجه كلًا من «عبلة» و «أحمد» معًا، فيما ضرب «طـه» كفيه ببعضهما تزامنًا مع قوله حانقًا:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ؟! هو البعيد ميعرفش يكمل كلامه عدل ؟! أبوك متعبش نفسه شوية بس !!"
زفر «وليد» بقوةٍ ثم أطاح له برأسه فيما تنفس «طـه» بعمقٍ ثم قال بهدوء:
"أنا مش زعلان منك علشان كلامك كان صح، بس معلومة صغيرة ليك هما ولادي من بعدك أنتَ، أنا شيلتك قبل ما أشيل أي حد منهم هما التلاتة، و اتربيت معانا هنا و كنت في غلاوتهم بالظبط، و مقارنةً بدورك معاهم دوري ميتقارنش، أنا مش زعلان منك، كفاية إنك كنت بتحمي بـنـتك من الغلط اللي كان ممكن تقع فيه بسبب سنها"
ابتسم «وليد» رغمًا عنه و لمعت العبرات تأثرًا في مقلتيه ففتح «طـه» ذراعه و هو يبتسم بخفةٍ حتى اقترب منه «وليد» يحتضنه و هو يقبل كتفه، حينها تحدث «طه» بنبرةٍ هادئة:
"حقك عليا علشان قولت إنك ابن عمها، كان المفروض اعرف إن قلوبكم شايلة معزة أكبر من دي لبعض"
رد عليه مسرعًا بعدما ابتعد عنه يواجهه بنظراته:
"مش زعلان منك، و إنك وافقت على عمار دي حاجة كبيرة أوي ليا و ليها، أنا كنت حاسس إنك هترفضه، بس متخيلتش إنك تعمل كدا"
رد عليه «طـه» بحكمةٍ:
"علشان هو داخل بالأصول، جاب أهله و جه يطلبها قدام الرجالة و شايف عنده إصرار أنه يحارب علشانها، واحد بيقولي مش هغضب ربنا فيها !! اخسره إزاي ؟! عيون بنتي لمعت لما جه يا وليد و شوفت في عينها الفرحة و أنا اللي ضاع مني كتير من غيرهم، عاوز بس أضمن أنهم يكونوا ليا و معايا، أنا واثق في عمار أوي زي ما واثق فيك كدا"
حرك «وليد» رأسه موافقًا ثم سأله بنبرةٍ هادئة:
"طب و أنتَ اللي خلاك توافق بس أنه جه طلبها !! يعني لو مكانش جه ماكنتش هتوافق بعد كدا ؟!"
رد عليه بثباتٍ:
"أنا أب و كنت عاوز حاجة تثبتلي إنه راجل يستحق بنتي، بس أنا حسبتها حسبة تانية، طالما هو رايد بنتي و هي عاوزاه ليه أنا أقف في طريقهم ؟! واضح أنه بيحبها و واضح إنه ابن حلال، يبقى اقف ليهم أنا بقى و أخليه يكلمها من ورايا ؟! ما ممكن الشيطان يلعب بدماغهم، انما كدا هو ارتاح و هي كمان يبقى الباقي للنصيب مش لينا إحنا و أنا عن نفسي بعد موقفه النهاردة اتمنى من كل قلبي إنه يكون لـ خلود"
فهم «وليد» حديثه و اقتنع به لذا ربت على كتفه و هو يقول بثقةٍ و إصرارٍ لا ينفكا من محلهما:
"و أنا أضمنه برقبتي كمان ليك، و واثق إن عمار هيحارب علشان خلود تكون ليه، و ييجي الدكتور عمار فهمي يطلب أيد الآنسة خلود، موقفك دا يخلي الواحد فرحان و ياريت كل الأهل تفهم إن عيالهم عندهم مشاعر زي الكبار و غصب عنهم مش بيتحكموا فيها، أظن يعني لو كانوا عملوا حاجة من ورانا كان زماننا دلوقتي ندمانين، إنما هما الاتنين تربيتهم و أخلاقهم اتغلبت عليهم"
حرك «طـه» رأسه موافقًا عدة مرات حتى تنفس «وليد» بعمقٍ، حينها وضع «طـه» يده خلف رقبته و هو يسأله بعدما صك أسنانه ببعضهما:
"قولتلي بقى أنا اللي استفزيتك بكلامي يا ابن مرتضى ؟؟"
قال جملته ثم ضغط على رقبته حتى دفعه «وليد» و ركض يقف خلف زوجته و هو يقول بمرحٍ:
"أنا بتحامى في عبلة"
قبل أن يقترب منهما «طه» امسكها «وليد» ثم ركض بها من الشقة و هي تضحك بملء شدقيها حتى ضحك «طه» رغمًا عنه و «أحمد» أيضًا الذي أغلق الباب خلفهما ثم اقترب يجلس بجوار والده و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"شكرًا إنك فهمت مشاعر خلود و عمار و إنك مقفلتش الباب في وشهم، صدقني عمار دا أحق واحد بيها و أنا أشهدلك بدا، عمار يوم مشكلتي عينه مفارقتهاش و اليوم دا خلى عامر يكلمني علشان يتأكد هي كويسة و لا لأ، دا مش حب مراهقة و لا نزوة هو حاسس بيها، عمار دا شايف في خلود حاجة إحنا مش شايفينها، و الوقت مش في صالحهم، زيي مع سلمى كدا، الوقت مش في صالحي أكون معاها، بس أنا مستني الوقت يجيلي علشان أقدر أكون معاها"
حرك «طـه» رأسه موافقًا ثم احتضن «أحمد» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا مش عاوز غير فرحتكم بس، مفيش أب هيكره الخير لعياله يا أحمد، جايز عرفت كدا متأخر بس أهو أنا بحاول، وعد مني اساعدكم توصلوا للي عاوزينه طول ما هو مش حرام و غلط"
ابتسم «أحمد» بفرحةٍ و هو بين ذراعي والده الذي ضغط عليه و هو يتنفس الصعداء مُفكرًا إن عناق ابنائه له بمثابة حياةٍ.
_________________________
في الداخل جلست «خلود» مع والدتها و كلتاهما تضحك مع الأخرى و «زينب» تقوم بتمشيط شعر صغيرتها و هي تقول بعتابٍ زائفٍ:
"يعني كل حاجة أنا عرفاها عنك و جيتي عند دي و خبيتي ؟! هي دي الصحوبية اللي بيننا ؟!"
ردت عليها بنبرةٍ ضاحكة:
"خلاص يا زوزو بقى هتكبري الموضوع ليه ؟! و بعدين يعني محصلش حاجة لكل دا، هو قالي لو جيت بعد كام سنة و أنا جاهز تقبليني وافقت، عاوزاني أجي أقولك إيه بقى ؟!"
ضحكت «زينب» رغمًا عنها ثم سألتها بنبرةٍ هادئة:
"خلود ؟! هو أنتِ بتحبي عمار بجد ؟! و لا دي مشاعر و هتروح لحالها ؟! خايفة تكون مجرد مشاعر و هتروح لحالها و تبقوا علقتوا بعض بالغلط، متأكدة من مشاعرك ؟! أنا ماما يا خلود قوليلي!!"
التفتت لها مُسرعةً و هي تقول بلهفةٍ:
"لأ مش كدب و مشاعر حقيقية...بصي... عمار دا غريب أوي.... جامع كل حاجة و عكسها، يعني شكله و لبسه يخليكي تفتكري أنه خارب الدنيا و مقضيها بس هو محترم و متربي، تحسي أن دماغه فاضية و مع ذلك طموح و دكتور و شاطر كمان، هادي و مرح و راجل بجد، متدين و عارف ربنا بدليل أن عينه عمرها ما بصتلي بصة مش كويسة و علشان مبقاش ببالغ مش بيبصلي أصلًا، أنا عمري ما غيرت من حد و عمري ما غيرت على حد، إلا هو يا ماما... أول واحد أجرب احساس الغيرة عليه و كنت هعيط لمجرد أنه يكون مع واحدة تانية، أنا مستنياه و طالما هو دخل البيت من بابه يبقى البيت مرحب بيه كمان"
احتضنتها «زينب» ثم تنفست بعمقٍ و هي تربت على ظهرها بحنانٍ فيما ابتسمت «خلود» براحةٍ و هي تتذكر حديثه معها قبل رحيله مع والده، عندما تحركت هي خلف «وليد».
(قبل رحيل عمار)
وقفت معه بالأسفل بعدما خرج والده و أخيه، فتحدث هو بأسفٍ:
"أنا أسف أني جيت فجأة و أسف على أي موقف اتحطيتي فيه بسببي، بس و الله العظيم أنا ماكنتش عاوز أي أذى ليكي، متخيلتش أني ممكن اتسبب في إن والدك يبصلك بطريقة مش كويسة أو إنك بتعملي حاجة غلط، و برضه أسف على طلبي قصادهم كلهم، بس دي حقيقة و مش ههرب منها، بس عاوز اسمعها منك....فعلًا هتستني ؟!"
حركت رأسها تنظر لـ «وليد» الذي وقف في الخلف ثم نظرت له و حينها حركت رأسها موافقةً و أضافت بهدوء:
"هستناك..... أعمل بس اللي عليك و لو ربنا رايدنا لبعض لا أنا و لا غيري هيقف في وشك، دا نصيب"
رد عليها هو مُسرعًا:
"بس الراجل بيحارب علشان نصيبه بالحلال، لو النصيب قدامي و أنا محاربتش و سعيت علشان أوصله ابقى مستاهلوش و ميحقش ليا أزعل أنه ضاع مني، و أنا و الله أضعف من إن قلبي يستحمل ضياع نصيبه من أيديه"
ابتسمت هي بعد حديثه فتنفس هو بعمقٍ ثم قال:
"أشوفك على خير و اتأكدي إن قلبي توكل على الله و حفظك ليا في معيته و حفظه، ربنا اللي كرم قلبي و نور بصيرته بشوفتك مش هيبخل عليا بيكي، استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه"
خفق قلبها بشدة بعد حديثه و لمعت العبرات في عينيها تأثرًا بحديثه الغريب و جديد عليها كليًا، حتى تحرك هو من أمامها بعدما نظر ممتنًا لـ «وليد» و حينها ركضت هي نحو «وليد» تحتضنه و هي تقول بصوتٍ باكٍ:
"أنا خايفة أطلع مستاهلش الحب دا كله منه يا وليد، خايفة أكون أقل منه، عمار دا زي الملايكة"
ربت هو على رأسها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"حاربي علشان تستاهليه أنتِ كمان، لو هو بيعمل كل دا علشانك من دلوقتي، يبقى خليه يوصل لنتيجة تريحه و ترضي تعبه علشانك"
خرجت من شرودها على صوت والدها حينما دلف الغرفة و هو يقول بسخريةٍ:
"هي العروسة مش هتأكلنا و لا إيه ؟! خلاص علشان اتقدملك عريس يبقى هنام جعانين ؟! قومي يا بت اكلينا !!"
ضحكت «زينب» عليهما وخاصةً حينما تنحنحت «خلود» تجلي حنجرتها، فتحدث «طه» بتهكمٍ:
"سرحانة من دلوقتي ؟! طب شوفي بقى !! أنا مرضيتش أعمل زي محمد و اشترط عليكي كلية زي ما هو اشترط على سلمى، بس و الله لو ما جيبتي مجموع و قصرتي في حق مذاكرتك، ساعتها مفيش عمار و هاخده اخطبله أنا بنفسي"
شهقت هي بقوةٍ ثم جلست على ركبتيها على الفراش و هي تقول:
"يا وقعة سودا ؟! دا أنا قولت ربنا يكرمه و ييجي قبل تالتة ثانوي يخطبني، أنتَ وقعت سقف الطموحات على دماغي كدا ؟!"
سألها هو بنفاذ صبرٍ:
"أنتِ مين اللي علمك قلة الأدب دي ؟؟ جايبة البجاحة دي منين يا خلود ؟! الله يمسيها بالخير مكسوفة تقولنا إن ياسين حضنها لحد دلوقتي"
ردت عليه هي بتلقائيةٍ:
"وليد !! هو اللي مربيني و هو اللي علمني كل القيم و الأخلـ....لا مؤاخذة هو اللي علمني انعدام القيم و قلة الأخلاق"
عدلت حديثها حتى زفر بقوةٍ فاقتربت هي منه تقول بنبرةٍ هادئة:
"بابا !! أنا بحبك على فكرة و وعد مني مغلطش و لا أخليك تندم في يوم على ثقتك فيا، أنا عارفة خوفك و فاهمة أنتَ حاسس بأيه، بس اتطمن كل اللي حصل دا كأنه محصلش أصلًا و ليك عليا أركز في مذاكرتي و مستقبلي و ادخل الكلية اللي أنا مش عارفاها لحد دلوقتي"
ابتسم لها و رفع كفه يمسح على خصلات شعرها و هو يقول بنبرةٍ هادئة معتزًا بها:
"أيوا كدا عاوزك ترفعي راسي"
ردت عليه هي بوقاحةٍ:
"لأ دا مش علشاننا، دا علشان هو دكتور، يعني لو دخلت كلية أي كلام هيشوفوا نفسهم علينا، و أنا مش عاوزاهم ياكلوا من المهر"
تلاشت بسمته تلقائيًا و حل الوجوم محلها فغمزت له و هي تتحرك من الغرفة حتى ضرب كفيه ببعضهما و زوجته تضحك بملء شدقيها حينها قال هو بغير تصديق:
"دي تربيته بجد !! تصدقي بالله يا زينب !! أنا خايف على عمار منها تربية وليد دي"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"طب و الله عسل و دمها خفيف، هتعرف تسد دي اسمع مني يا طه، ربنا يكرمها بس"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يجلس بجوارها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"العيال دي رزق يا زينب، لو بايدي أعيد عمري اللي فات كله و مخليش عين واحد منهم تدمع، بس أهو الحمد لله على كل حال"
ربتت على كتفه و هي تقول بنفس الهدوء:
"ريح نفسك علشان هما قلبهم طيب و الواحد فيهم قصاد ضحكة منك ليهم قلبه بيصفى، مهما كان زعل الولاد من أهلهم ألا إن فطرتهم السليمة بتتغلب عليهم و يحنوا، يمكن لو كل أب فكر في أنه يحضنهم و أنه يكون صاحبهم و أنه يراعي زعلهم مكانش الحال وصل لـ كدا"
حرك رأسه موافقًا بقلة حيلة ثم وضع رأسه على فخذيها و هو يتنهد بعمقٍ و حينها ابتسمت هي بغلبٍ ثم ربتت على كتفه.
_________________________
صعدا معًا فوق السطح يجلسا سويًا حتى تنفس بعمقٍ و هي بجواره ثم سألته بنبرةٍ هادئة:
"بقيت أحسن صح ؟!"
حرك رأسه ينظر لها و أمعن التحديق في وجهها و على حين غُرة اقترب منها يقبل وجنتها حتى ابتسمت هي، فأضاف هو مفسرًا:
"ارتاحت بسببك أنتِ، لولا اللي عملتيه كان زماني بأنب نفسي، بس كلامه ريحني أوي، شكرًا علشان كل مرة برتاح بسببك أنتِ"
أخفضت رأسها بخجلٍ تحاول كتم تلك البسمة التي تفضح أمر فرحتها بحديثه، فيما أشار على السماء و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
"عبلة !! أنتِ أهوه بصي بسرعة"
رفعت رأسها نحو موضع إشارته فوجدت نجمةً كبيرة تضوي في السماء الكاحلة، حينها قال هو مُسرعًا:
"زيك بالظبط بتلمع"
حركت رأسها نحوه فتحدث هو و عينيه لا تفارق النجمة:
"النجوم حلوة أوي، زمان قبل أي تطوير و أي حاجة كانوا بيعرفوا طريقهم بالنجوم، في عز الصحرا كانوا بيسترشدوا بيها هي، أنا التايه دا و طريقي بعرفه بيكي أنتِ، النهاردة بس عرفت يعني إيه حد تاني يشاركك حياة و يصلح معاك غلطك، النهاردة بس اقدر أقولك أني غلطت و صلحت غلطي بوجودك"
زاد حديثه من لهيب حماسها لذا جلست أمامه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"علشان هو دا الجواز و هي دي الحياة اللي بجد، بنكمل بعض إحنا الاتنين، لو كنت سيبتك زعلان كدا كنت هتضايق و في نفس الوقت عمو طه كلامك زعله، و الزعل هيكبر بينكم، بس دلوقتي الموقف اتحل و هو فهم دورك و أنتَ فهمت قصده، سمعت طارق و جميلة بيتكلموا و هو قالها إن هما هيمشوا الطريق سوا، و قعدتهم سوا كانت جميلة فكرتني لما بصلي وراك، وليد هو أنتَ تعرف تفسر القرآن ؟!"
عقد ما بين حاجبيه بعد سؤالها، فأضافت هي بتوترٍ:
"مش قصدي يعني....بس لو سألتك مثلًا في القرآن هتعرف تفسره ليا ؟! و تقولي معناه ؟!"
حرك رأسه موافقًا فسألته هي بحماسٍ بعدما أدلى بموافقته:
"طب إيه رأيك تفسرلي سورة الفاتحة ؟! بما إننا بنقرأها علطول ؟! هتعرف ؟!"
اختارت هي سورة مُيسرة عليه حتى لا تحرجه و تضعه في موقفٍ لا يحسد عليه و كانت تتوقع رفضه أو استعانته بأحد المصادر الأخرى لكنها تفاجئت به يعتدل في جلسته ثم أجلسها أمامه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"بصي يا ستي،
سورة الفاتحة سُميت بهذا الاسم لأنها يُفتتح بها القُرآن الكريم، و تُسمى المثاني لأنها تُقرأ في كل ركعة في الصلاة، نبدأ بيها باسم بالله نستعين به، و أول آياته تبدأ بالثناء على رب العالمين، بمعنى اننا بنحمده في أول آياته"
حركت رأسها موافقةً باهتمامٍ له حتى أضاف هو مُفسرًا بنفس اللباقة:
"ربنا سبحانه وتعالى اختص فيها اسمين من اسمائه هما:
۞ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ۞
الرحمن الرحيم ذو الرحمة و التي لا يُسمى بها غيره سبحانه و تعالى ذو الرحمة التي وسعت كل شيءٍ، "الرحيم" بالمؤمنين و هما اسمان من اسمائه تبارك و تعالى و فيهم اثبات الرحمة لله تعالىٰ"
"نيجي بقى لمقاصد سورة الفاتحة، سورة الفاتحة فيها خمس مقاصد إجمالًا و تفصيلًا بمعنى انها اجملت ما اشتمل عليه القرآن الكريم في التوحيد و العبادة و طلب الهداية و الثبات على الإيمان و فيها معارج السعداء و منازل الاشقياء، دا غير إنها سورة تشمل حقوق الخالق على خلقه و حاجة الخلق لخالقهم و دي هي جملة مقاصد القرآن الكريم في كل الكتب السماوية"
كانت تنصت له بكامل تركيزها لا تصدق أن هذا الحديث يخرج منه هو حتى أضاف هو مُكملًا بداية حديثه:
"نيجي مثلًا لآية:
۞ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ۞
معناها إن ربنا سبحانه و تعالى المالك لهذا الكون و المتصرف فيه، و أن هذا اليوم لا يملك معه أحدٌ حكمًا مثل ملكهم في الدنيا، مالك جميع العالمين و سيدهم و الناظر لهم في الدنيا و الآخرة"
أنهى حديثه ثم أضاف مُكملًا:
نيجي مثلًا لآية:
۞ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ۞
الآية دي انفرد الله سبحانه و تعالى بالعبادة فيها هي فلا نعبد إلا هو و لا يُطلب الاستعانة بسواه في العبادة جل و علا و هنا فيه توحيد لله و الاستعانة و التوكل عليه في كل شيءٍ"
أنهى تلك الجزئية و هي تنصت له كما المسحورة حتى أضاف هو من جديد:
الآيات مثلًا اللي بعدها:
۞ اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۞ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ"
قاريء الفاتحة في الآيات دي يطلب الاستقامة و الهداية و السير على طريق مستقيم يؤدي بصاحبه إلى الجنة، يطلب من الله ذلك بقلبٍ خاشعٍ احنا بقى ربنا أمرنا بالفروض اللي عددهم ١٧ ركعة، تخيلي إحنا بنطلب من ربنا في الفروض بس ١٧ مرة الهداية للصراط المستقيم دا غير النوافل و السُنة، اللي عددهم كبير جدًا، لذا مطلوب مننا الخشوع في الصلاة و اعطاء الصلاة وقتها و حقها، نيجي بقى لتكملة الآيات اللي ربنا وضح فيها أهل النعيم لما ربنا هداهم للصراط المستقيم و منهم من اختصه الله بالنبوة و منهم الصالحين و الصديقين، المغضوب عليهم الذين اشركوا مع الله تعالى إلهًا أخر و اشتروا الدنيا بدلًا عن الأخرة، و الضالين هما اللي بيرتكبوا الذنوب و المعاصي في ضلالة عما يأثمون به و بصيرتهم أغلقت عن طريق الحق و الهدى"
أنهى حديثه ثم زفر بقوةٍ و هو يبتسم لها ثم سألها بهدوء:
"ها ؟! فهمتي حاجة مني ؟! لو كنتي فتحتي النت كان نفعك كتير عني، بس أنتِ طلبتي مني"
ردت عليه بلهفةٍ و تأثرٍ:
"مش كدا....بس أنا حبيت نتشارك اللحظات دي سوا يا وليد، احساسي و أنا قصادك و أنتَ بتفسرلي أنا قلبي طاير زي الفراشة، أنتَ فسرت من غير حتى حاجة تساعدك، أنا فرحانة أوي و نفسي نكون سوا بنشد بعض و نصلي سوا و نعمل حاجات كتير تخلينا ندخل الجنة سوا، الدنيا دي ملهاش لازمة بس الجنة هي اللي تستاهل نحارب علشانها"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب منها يقبل رأسها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"حاضر....وعد مني نحارب سوا و نشد بعض علشان ربنا يكرمنا بجنته، متنسيش إن رمضان قرب خلاص يعني لازم نحارب علشان نخرج منه بقلوب غير اللي دخلنا بيها"
حركت رأسها موافقةً فاحتضنها هو ثم أخرج زفيرًا قويًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"و قَد جَمَعَنِّي اللّٰه بِمَنْ اِسّتَقَامَ القَلّبُ بِحُبِهَا و اهَتَدتْ الخُطَىٰ فِي الـسَيْرِ نَحَوْ دَربِهَا"
رفعت رأسها تطالعه بتأثرٍ فقبل جبينها ثم ابتسم لها حتى ألقت برأسها على كتفه و العبرات تلمع في مقلتيها.
_________________________
جلس «عمار» وسط أسرته يتناول الطعام بشهيةٍ واسعة و والدته بجواره تطعمه و تدلله و «عامر» يراقبهما بتهكمٍ حتى أقترب منه «فهمي» يطعمه و هو يقول بسخريةٍ:
"تعالى ياض آكلك هو أحسن منك يعني ؟! دلوعة ماما دا"
ردت عليه زوجته بحنقٍ و هو يطعم ابنه:
"مش عريس ؟! الله ؟! الواد فرحان و مفرحني، خَد الموافقة من العيلة و من صاحبة الشأن، طب دا لولا الملامة كان زماني طلبتها رسمي، بس هانت كلها أيام و تيجي"
رد عليها «عامر» بسخريةٍ:
"أيام ؟؟ دا في الأحلام يا سيدة، قصدك كلها سبع سنين، أنا عارف إيه القصة المعقدة دي ؟! الواد دا بدأ الطريق بدري أوي، ربنا يعينك"
رد عليه «عمار» بمعاندةٍ:
"هيعيني و يقدرني كمان، عارف ليه ؟! علشان القصد خير و النية مش وحشة، أنا واحد معملتش حاجة غلط، طلبت واحدة من أهلها علشان حبيتها و طالب منه يوصلني بيها، و بصلي و بدعي ربنا يجمعني بيها، الفرق بيني و بين اللي زيي أنه عاوز الطريق السهل علشان يوصلها، ممكن يكون حبها بجد و ممكن تكون هي دي شريكته بس الشيطان سهله طريق تاني خلاه يكلمها منه و يروح من ورا الأهل يكلمها، و الحجة إنه صغير لسه، مش شرط إنك صغير الشرط إنك تتوكل على الله و تمشي في الطريق الصح و تسعى، إنما اللي بيحصل باسم الحب دا غلط، أنا واحد وقفت قدام رجالة العيلة كلها و خدت الموافقة أروح وقت ما أروح أنا متوكل على الخالق يحفظهالي، كدا أركز في طريقي و أنا متأكد أني قفلت كل الأبواب في وش الشيطان"
أبتسموا له جميعًا بفخرٍ فتحدث «فهمي» معتزًا به:
"دلوقتي بس أقول عليك إنك زينة الشباب كلهم، لو عندي بنت و أنتَ جاي تتقدم ليها و الله ما أبخل عليك بيها، ربنا يحفظك و يحقق مرادك و يجمعك بيها"
ردت عليه «سارة» مسرعةً:
"يا رب يا بابا، كلنا بقينا نتمنى الأيام تجمعهم سوا، حاليًا عاملين زي الشمس و القمر مُتلازمين بس مجتمعوش سوا، بس هييجي يوم و تكونوا سوا فيه، ربنا مش هيكسر بخاطرك يا عمار"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فمال «عمار» على أذنها يقول بنبرةٍ هامسة:
"ملناش دعوة بيهم هما، خليني أنا مع شمسي و قمري و ونسي"
وكزته في كتفه و هي تحاول كتم بسمتها حتى غمز هو لها ثم أخذ الطعام من أمامه و هو يُطعمها حتى يُخفي خجلها منهم جميعًا و بفعلته تلك زاد خجلها أكثر فيما تجاهلهم هو جميعًا ثم ركز معها و هو يُطعمها.
_________________________
جلست على المقعد تطالع المنظر حولها من خلال زجاج النافذة و قلبها كما هو ينبض بفرحةٍ كبرى، حتى وضع كفه على كتفها فالتفتت هي له و عينيها تلمع بوميضٍ محبب لقلبه منذ أن وطأت قدماهما إلى تلك الأرض المكرمة، فقال «حسن» بهدوء:
"مالك ؟! بتعيطي ليه ؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
"ندمانة....من كل قلبي ندمانة و زعلانة على عمر كامل ضاع و أنا بعيد عن ربنا و بعيد عن طاعاته، اللي ضاع كان كتير أوي مني و العمر اللي باقي مش عارفة فيه إيه علشان ألحق أعوض، فرحتي أني جيت هنا مخلياني اتمنى الموت هنا يا حسن، الخوف أني أرجع دا تعبني أوي، عاوزة أفضل هنا"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
"دورنا بعد ما نمشي من هنا إننا نلحق نفسنا قبل ما الشيطان يوسوس لينا، دورنا إننا نمسك في النفس الجديدة اللي اتولدت جوانا سوا، عارفة سيدنا يونس لما كان في بطن الحوت عمل إيه ؟!"
حركت رأسها نفيًا بأسفٍ و خجلٍ فقال هو مسرعًا بثباتٍ:
"توكل بكل ذرة في كيانه على الخالق، ساعتها أول حاجة خطرت بباله كان الذِكر يا هدير، ساعتها قال
[لا إله إلا أنتَ سبحانك اني كنت من الظالمين] أحنا كبشر لو اتحطينا في أزمة غصب عننا هنلهو عن الذكر، بس اللي علق قلبه بيه هو دا اللي هيقدر يلتزم بالذكر و يعود لسانه ينطقه، بصي !! هنبدأ سوا قبل ما نرجع تاني، ليكي مني أخر اليوم أفكرك بذكر معين ننطقه و نكرره سوا، يعني مثلًا استغفار أو حمد و شكر لله، أو صلاة على الحبيب، و نكررهم سوا، إيه رأيك ؟! و هنا نتذكر قوله تعالى:
"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي أما هو فقبل قمة رأسها ثم قال:
"أنا فرحان بيكي أوي و فخور بيكي، ربنا يعينك على طاعته و يزيدك قرب منه و يثبت قلبك على محبته"
خفق قلبها فرحًا بعد حديثه و خاصةً عندما يتضرع لله بالقرب منه و هي معه كما أنها عزمت النية على العديد من الخطوات بعد عودتها من هنا، و كلًا منهم في سبيل طاعة الله.
_________________________
كانت تسير معه في أرجاء المدينة على ذلك الكوبري الشهير في تلك المحافظة و هو
"كوبري استانلي" و بداخلها طاقة حماس و استمتاعٍ كبرى و هي تبصر جمال تلك المحافظة للمرة الأولى و خاصةً في فصلها المحبب مع نسمات الهواء الباردة.
بعدها دلف بها أحد الأسواق الشهيرة يبتعان منها أشياءًا لهما و للأقارب حتى وقف أمام محل زهور قديمة صمم على النمط اليوناني و يعد صاحب شهرة واسعة في تلك المحافظة، دلف هو لذلك المحل و تركها في الخارج و بعد مرور دقائق خرج لها بباقة صغيرة الحجم بها تقريبًا ١٠ وردات باللون الأزرق السماوي تحتويهم ورقةً سوداء اللون تشبه ورق الجرائد القديمة لكن خامتها من الأوراق الحديثه و كأنها خليط من الزمنين معًا.
قدم لها الزهور فشهقت هي بفرحةٍ و لمعت العبرات في عينيها تأثرًا بفعلته تلك حتى قال هو معتذرًا:
"بصي !! كان نفسي أجيب حاجة كبيرة بس بصراحة من غير كدب يعني الأسعار جوة عاوزة قرض، يعني يدوبك نفول العربية و نمشي"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ حتى قال هو بقلة حيلة:
"متتريقيش عليا علشان مفلس !! بكرة هاخد القبض بتوع الشهر و نص و مكافأة كمان، و نجيب حاجة رمضان بقى، الحمد لله يا رب"
رفع كفيه يحمد الله حتى سألته هي بتعجبٍ:
"فرحان إنك مفلس ؟؟"
رد عليها مصححًا حديثها:
"لأ !! فرحان أني هجيب حاجة رمضان مع مراتي"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"يلا نكمل بقى مشوارنا خلينا نروح و لا نقضي اليوم هنا في شوارع اسكندرية ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تقول بسرعةٍ كبرى:
"أنا بقول نقضي اليوم هنا في شوارع اسكندرية"
رد عليها بحماسٍ:
"و أنا بقول كدا برضه و نروح ننام علشان كدا صيعنا كتير"
نظرت له بعينين مُتسعتين حتى أمسك هو كفها نحو السوق و هي تضحك عليه فوقف هو أمام أحد المحلات الخاصة بألعاب الأطفال، عقدت ما بين حاجبيها فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"مش هقدر أنسى يونس معلش، تعالي معايا بقى ننقيله حاجة و نجيب لفارس كمان، بس أي حاجة فيها سبايدر مان هاتيها"
حركت رأسها موافقةً دلفت معه، أما هو فوقع بصره على حقيبة قماشية باللون الأزرق و يلتصق بها دمية قماشية أيضًا بارزة عليها لشخصية كرتونية شهيرة و هو"سبايدر مان" اقترب من الحقيبة يمسكها بيده و هو يتخيل فرحة صديقه الصغير بها، أما هي فوقفت بحيرةٍ حتى وقع بصرها على طقمًا رياضيًا خاص بالأطفال لنفس الشخصية، أخذت هي منها واحدة ثم اقتربت منه تستفر منه بنظراتها حتى أشار لها بيده و هو يبتسم لها، ففرحت هي بذلك الطقم فهي تعلم أن «يونس» كل ما يفضله في حياته هو ذلك الفيلم بشخصيته المفضلة و لذلك حرص «ياسين» على انتقاء ما يريده.
_________________________
في نفس التوقيت في محافظة القاهرة جلس «يونس» متذمرًا بعدما عاد والده دون لعبته المفضلة فعاد خائب الأمل يجلس على الأريكة و منذ ذلك الحين و هو عابس الوجه لا تنبسط ملامحه حتى حينما أعطاه والده المثلجات، اقترب منه «خالد» يجلس بجواره و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"مالك ياض ؟! زعلان بقالك نص يوم كامل ؟! كل دا علشان عنكبوت ؟! أومال لو كان حاجة عليها القيمة بقى ؟! يونس ؟!"
نظر له نظرةٍ جامدة فسأله «خالد» بنبرةٍ جامدة:
"أنتَ بتزغرلي يا يونس ؟؟ هتاكلني بعينك ؟! و بعدين مش عاوز تصلي معايا ليه ؟! هو أنا شيطان ؟!"
لم يفهم «يونس» كلمة من والده سوى أنه عاد دون أن يأتي له بما يريد، حينها حمله «خالد» على ذراعه ثم أجلسه على فخذه و هو يقول بنبرةٍ هادئة كما لو أنه يهاتف صديقه:
"مش احنا قولنا مفيش دلوقتي ؟؟ بكرة لو لقيت هجيبلك ؟؟ زعلان ليه ؟! مش قولتلي هات ايس كريم و أنا جيبتلك ؟! عاوز إيه تاني ؟!"
رد عليه بحزن:
"سبايدر مان"
قبل وجنته و هو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بمرحٍ:
"حاضر لو لقيت هجيب، لو ملقيتش مش هجيب، تمام ؟!"
حرك رأسه موافقًا فقال «خالد» له:
"يلا علشان نصلي سوا، لو مصلتيش مش هجيب حاجة !!"
وقف هو أولًا ثم لحقه «يونس» يقوم بفرد سجادة الصلاة الصغيرة الخاصة به فيما وقف «خالد» بجواره يرفع كفيه مُكبرًا بصوتٍ عالٍ:
"الله أكبر"
قام «يونس» بفعل مثلما فعل والده و قام بأداء الصلاة خلف والده فكان يُبصر ما يقوم والده بفعله ثم يقوم بعمله حتى انهى والده صلاة الشفع و الوتر و قبل أن يترك موضع الصلاة رفع كفيه يدعو الله ففعل «يونس» المثل و رفع كفيه و هو ينظر لوالده بطرف عينه و حينها رفع «خالد» صوته يقول:
"يا رب.... أحفظ يونس و باركلي فيه و أهديه"
كان «يونس» يردد خلف أبيه دون أن يعي بماذا يتحدث حتى قال «خالد» من جديد:
"يا رب....اكرمني بكرمك و قدرني على تربيته و اجعله ذرية صالحة ليا، يا رب احفظه بحفظك"
كان يتضرع لله بقلبه حتى وقف «يونس» ثم اقترب منه يحتضنه و قبل وجنته حتى احتضنه «خالد» ثم ربت على ظهره، كل ذلك كانت تتابعه «ريهام» على بعدٍ منهما حتى صدح صوت هاتف زوجها، فاقتربت من الهاتف و حينما وجدت رقم «ياسر» اخبرته هي فوقف حتى اقترب منها يرد على الهاتف فوصله صوته يقول:
"هات يونس و تعالى بسرعة"
أغلق دون أن ينتظر إجابةً منه ثم نزل بعدما أخذ «يونس» معه فوجد كلًا من «ياسر» و «عامر» معًا يقفا بالأسفل، اقترب منهما بتعجبٍ و حينها اقترب «عامر» يأخذ «يونس» يضعه على مقدمة سيارة «خالد» و حينها أخرج «ياسر» الدمية يقدمها له و هو يقول بمرحٍ:
"سبايدر مان أهو ياض، بيتكلم و ينور و بيعمل حركة كمان مش هعرف اوصفها علشان هيبتي"
ضحكا عليه الاثنين، فاقترب «عامر» منه يخرج كتاب الألوان من الحقيبة و هو يقول بنفس المرح:
"أمسك لون و شخبط براحتك في سبايدر مان زي ما أنتَ عاوز بدل ما تشخبط على الحيطة و خالد يدخل فيك السجن"
قفز «يونس» بفرحةٍ كبرى و هو يقول لوالده و يضع الأشياء نصب عينيه:
"بص يا خالد !! بص"
رد عليه «خالد» بسخريةٍ:
"بصيت يا حبيب خالد، استنى بقى لما نشوف إيه دا ؟!"
وجه بصره نحوهما و هو يسألهما بنبرةٍ جامدة:
"إيه دا أنتَ و هو ؟! انتوا جايبين إيه ؟! و ليه تتعبوا نفسكم ؟!"
رد عليه «ياسر» بسرعةٍ كبرى:
"جرى إيه ؟! هو يونس ابنك بس و لا إيه ؟! كنا بنجيب الفيتامينات لإيمان و سارة و في طريقنا عدينا على محل كله سبايدر مان، افتكرنا يونس"
ابتسم هو له فتحدث «عامر» بسخريةٍ:
"لو أنتَ أب قاسي و ناشف زي الفولية فالعبد لله طري زي المهلبية، كله علشان خاطر يونسي"
ضحك «خالد» رغمًا عنه ثم تحدث موجهًا حديثه لابنه:
"قول شكرًا و بوسهم يلا، خليك ذوق يا عديم الذوق"
اقترب «يونس» منهما يقبل كلًا منهما على حِدة و هو يشكرهما حتى رحلا سويًا فحمل «خالد» ابنه و الأشياء و هو ينظر في أثرهما بتاثرٍ أخفاه عنهما و هو يرى حنان أخوته على صغيره الوحيد الذي رفع صوته يودعهما بقوله:
"باي يا ياسر....باي يا عامر"
ضحك «خالد» رغمًا عنه ثم توجه به للبناية و قلبه ينبض بقوةٍ تأثرًا من ذلك الموقف.
________________________
جلس «وليد» في غرفته و «عبلة» تنام بين ذراعيه هادئة مُطمئنة و هو يربت على ظهرها و كتفها حتى غاصت في ثباتٍ عميقٍ، و في تلك اللحظة صدح صوت هاتفه برقمٍ تفاجيء هو به فرد عليه مسرعًا حتى لا تستيقظ زوجته و حينها وصله صوته يقول بثباتٍ:
"سفري اتأجل يومين و بصراحة عاوز أرد اعتباري قبل ما أمشي قدام الكل، مش مكيفني اللي حصل"
رد عليه «وليد» بسخريةٍ:
"يوسف ؟! لو عاوز تسجننا عرفني، أسهل يعني"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
"يا عم لأ أستغفر الله، قولي بس ابن الشيخ راجع امتى ؟!"
رد عليه بنبرةٍ تحمل الخبث بين طياتها:
"راجع الفجر يوم الحد إن شاء الله، خير ناوي على إيه ؟! هترمل أختي ؟!"
رد عليه بهدوء:
"لأ ناوي ارد اعتباري و أعتبار ياسين، مش مكيفني أنه واخد راحته كدا كأن محصلوش حاجة"
فهم «وليد» أن الحديث يخص ذلك المدعو «هشام» و حينها سأله «يوسف» بثباتٍ:
"المهم !! عاوز استغلك، معايا و لا لأ ؟!"
رد عليه «وليد» بنفس الخبث:
"عيب عليك معاك طبعًا، و يلا نكسر القافلة على دماغ أمه"
شعر «يوسف» بلذة الانتصار خاصةً بـ تحالفه مع «وليد» و إذا كان هو موافقًا على استغلاله، فسوف يستغله حق الاستغلال.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم شمس بكري
"نسيتَ آلامي في اليوم الذي به أتيت؛ طابت الجروح و بِكَ تعافيت"
_________________________
براءة العالم تجمعها في قلبها و كأنها لم تطلب سوى ذلك من دنياها، يدها حنونة و كأنها تمتد نحو الجرح الغائر و بلمسةٍ منها طاب و انطفأت نيران التهابه، عينيها مثل الوطن تحتويني و أنا الشريد، كنت في عالمي عن الكل غريب؛ و في عينيها أصبحت لها القريب و غدت هي لقلبي مأوىٰ و أنا لها الحبيب.
في صباح اليوم التالي على شاطيء البحر جلست تهاتف والدها و هو يقص عليها تفاصيل ما حدث مع شقيقتها بالكامل و كيف تصرف هو، و كانت هي تستمع له بذهولٍ و دهشةٍ لم تتوقع كل ذلك من "عمار" و شقيقتها، أنهى "طـه" حديثه ثم سألها بترددٍ:
"أنا كدا اتصرفت صح ؟! خوفت أكون سبب في كرهها ليا يا خديجة، و في نفس الوقت أنا مش شايف حاجة غلط تخليني أقف في طريقهم سوا، دا غير إني شوفت في عينها اصرار كبير ، طب أقولك على حاجة ؟! خلود كانت بتذاكر من الفجر النهاردة و نامت شوية و صحيت راحت الدرس و شايفها فرحانة أوي، أنتِ إيه رأيك ؟!"
سألها بحذرٍ يترقب الآتي منها حتى فاجئته بقولها الذي خرج مختنقًا نتيجة فرحتها:
"رأيي إنك طيب أوي يا بابا، شكرًا إنك متسرعتش و وازنت الأمور صح، و زي ما قولت دي حاجة مبدأية بس، لسه مفيش حاجة رسمي، سيبها للظروف و ربنا أكيد هيختار الخير ليهم"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ ظهرت بها راحته:
"طب الحمد لله، كلامك ريحني أوي و طمني أكتر ما أنا متطمن، المهم هتيجي امتى ؟؟ أنا عارف إنك مبسوطة عندك بس وحشتيني بصراحة"
ابتسمت و هي تحرك رأسها نحو «ياسين» الذي جلس على الشاطيء يراقبها و هي تهاتف والدها ثم زفرت بقوةٍ و قالت:
"إن شاء الله بليل هنرجع، هنقضي النهاردة كمان و أخر الليل نيجي، عاوز حاجة إجيبهالك و أنا جاية ؟!"
رد عليها بهدوء:
"عاوزك بخير دايمًا و تفرحي من قلبك، خلي بالك من ياسين يا خديجة، أنا واثق إنه حاطك في عينيه و شايلك فوق راسه"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"أوي يا بابا، بيعمل كل حاجة تخليني فرحانة و مبسوطة حتى من غير ما يفكر هو هيعملها ازاي، بس بيسعى لكل طاقته يفرحني، ادعيلي افرحه أنا كمان"
رد عليها بنبرةٍ متأثرة:
"ربنا يفرحكم انتم الاتنين سوا، و إن شاء الله يرزقكم بكل اللي نفسكم فيه يا رب، سلام بقى و سلميلي عليه، خلوا بالكم من نفسكم"
أغلقت الهاتف مع والدها ثم اقتربت منه تجلس مقابلةً له و السعادة تسكن في ملامح وجهها حتى سألها هو بتعجبٍ:
"إيه اللي مفرحك كدا ؟! عمو طه قالك إيه يخليكي تفرحي كدا ؟!"
ردت عليه هي بحماسٍ:
"بابا حكالي اللي حصل مع عمار و خلود و هو موافق من كل قلبه، أنا كنت فكراه مغصوب لما عامر حكالك، بس بابا مبسوط بجد يا ياسين، و فرحان إن عمار عاوز خلود، و أنا فرحانة أوي"
حرك رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم قال بحنقٍ زائفٍ:
"طب يلا علشان نكمل بُنا البيت، أنا رميت الأساسات و مستنيكي نكمله سوا"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت تحذره من استخدامه الحيل:
"بقولك أهو من أولها متستخدمش مهاراتك الهندسية قدام مهاراتي العادية، لو سمحت"
حرك رأسه موافقًا و هو يحاول كتم ضحكته فيما رفعت هي أكمام ثيابها ثم اقتربت من الرمال حتى تساعده في بناء القصر الذي أرادت هي بنائه، فيما حرك هو كفيه يضعهما على كفيها حتى رفعت رأسها تنظر له بتفاجؤ فغمز لها و هو يقول:
"هوريكي المهارات الهندسية على أصولها، اشتغلي معايا أنتِ بس"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم بينما هو استمر في بناء القصر و هي تحرك كفيها مع كفيه بحماسٍ حتى انتهيا سويًا بعد مرور بعض الوقت، فوقفت هي تقفز بمرحٍ و كأنها طفلة صغيرة و هي تصفق بكفيها معًا و هو يراقبها مُبتسمًا بفرحةٍ حتى وقف أمامها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"شوفتي لما بقينا مع بعض خلصنا أسرع ازاي ؟! إيه رأيك بقى ؟!"
ردت عليه بصوتٍ مختنقٍ إثر فرحتها و حماسها:
"جامد، البيت زي ما توقعته بالظبط، ينفع تصوره ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة و هو يخرج هاتفه من جيب بنطاله:
"بس كدا يعني هو أنتِ جيتي في جمل ؟! حاضر يا كتكوتة"
التفت يقوم بتصوير البيت بهاتفه و هو يبتسم بفرحٍ و هي خلفه تصفق و تُتمتم بكلماتٍ حماسية حتى التفت لها يمسك يدها حتى سحبها نحوه و هو يقول:
"يلا علشان أصورك جنب البيت، مش معقول مساعد المهندس ميتصورش، عيب و الله"
كان يمازحها بحديثه حتى وقفت هي بجوار البيت و هي تقول بحيرةٍ:
"طب أعمل إيه ؟! أنتَ بتتصور جنب المشاريع ازاي ؟!"
اقترب منها و هو يزفر بقوةٍ ثم سحبها حتى تقدمت خطوتين عن البيت الرملي و حينها رفع هو ذراعها و ثبت كفها و كأنها تمسك البيت بطرفي أناملها، ثم رفع كفه يفرد فمها حتى تبتسم، كان يتحرك دون أن يتكلم و هي تراقبه بتعجبٍ حتى أنهى ما يريده فسألته هي:
"هو أنتَ مبتتكلمش ليه ؟! قولي عاوز إيه و أنا هنفذه"
رد عليها هو بسخريةٍ:
"علشان تشليني ؟! طب بالله عليكِ لو كنت قولتلك تعملي كدا كنتي هتعرفي ؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم فقال هو مسرعًا:
"طب شوفتي بقى يا ست الكل ؟! معايا حق و لا لأ ؟!"
اتسعت بسمتها أكثر فيما ابتعد عنها هو للخلف و هو يستعد لالتقاط الصور لها، حتى أمرها بالاستعداد فابتسمت هي باتساعٍ و حينها التقط الصور لها بمختلف الأوضاع و كانت أخرهم حينما فردت ذراعيها معًا و هي تضحك بملء شدقيها بعدما جلست بجوار البيت الرملي، و حينها اقترب هو منها يلتقط الصور لهما سويًا برفقة بعضهما حتى اندفعت هي تقترب منه و هي تتعلق برقبته من الخلف و تتكأ بثقل جسدها على جسده حتى ابتسم هو ثم التقط تلك الصورة بسرعةٍ و قد تحولت بمسته إلى ضحكاتٍ عالية و هي تضحك معه بسعادةٍ.
_________________________
وقفا معًا أمام المقر الرئيسي لشركات الفاروق و الذي تقع إداراته بالكامل في يد
"هشام السيد" حرك "وليد" رأسه يتفحص المكان حوله، ثم وجه بصره نحو "يوسف" يسأله بتعجبٍ:
"أيوا احنا واقفين هنا ليه ؟! ياسين لسه في اسكندرية مرجعش، أنا و أنتَ بنهبب إيه ؟!"
أشار له بالتريث بيده التي تمسك السيجار و هو ينظر أمامه و بيده الأخرى يستند على مقدمة السيارة، حينها زفر "وليد" في وجهه بقوةٍ ثم شبك ذراعيه معًا أمام صدره و قد رفع رأسه للسماء يراقب صفوها حتى ابتسم تلقائيًا و هو يتذكر جلسته معها بالأمس، فدائمًا يقرنها بالسماء في وسعها، فكلما ضاقت به دنياه، وجد بها المتسع، لاحظ "يوسف" شروده و ابتسامة عينيه للسماء فسأله بسخريةٍ:
"جرى إيه ؟! شكلك حَبيب أنتَ كمان، يعني ياسين عاشق و أنتَ حَبيب ؟؟ هو أنا أسامة منير ؟!"
أخفض"وليد" رأسه ينظر له و هو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما تنهد بعمقٍ:
"مش فكرة حَبيب قد ما هي فكرة إنك لقيت مكانك في الدنيا، يعني احساس غريب كُليًا عليك، حد تاني غير نفسك قادر تقوله إنك غلطت و قادر تفضح نفسك قدامه و أنتَ عارف إنه لا يمكن يأذيك، حد صاحبك كدا، بص !! مش هقدر أفيدك غير أني أقولك القلوب العميا بتفتح لما تحب يا يوسف"
حرك "يوسف" رأسه موافقًا بتفهمٍ ثم قرر تجاهل الحديث برمته دون أن يكترث لتلك التفاهات من الأساس، حتى و إن خالط العاشقين بأكملهم لن تصيبه عدوىٰ حبهم، فكيف ذلك و قلبه تأذى ممن أحب ؟!"
لمح طيف من يريده يخرج من الباب الخلف فوكز "وليد" حتى ينتبه له ثم اقتربا سويًا منه حتى سأل هو بلهفةٍ:
"ها يا بشمهندس يوسف؟؟ خير بس الله يرضى عليك بسرعة هو بقاله كام يوم متعصب و مش طايق حد"
ابتسم له ثم أخرج بعض الأوراق المالية يضعها في جيب سترته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"متقلقش، كل الحكاية بس عاوزك تركز معايا و تسمع اللي هقولوا ليك و تنفذه تمام ؟!"
نظر الرجل في جيب سترته حتى لمعت عينيه بوميض الطمع و حينها سأله بلهفةٍ:
"أؤمرني يا بشمهندس يوسف، خير إن شاء الله ؟!"
غمز له ثم أخرج سيجارًا من علبته يُعطيه له و هو يقول:
"أيوا كدا ركز معايا، عاوزك بس تقول إن هشام السيد قرر إنه يعمل حفلة تكريم لاتنين من أكفأ المهندسين واحد في مجال المعمار و التاني في البترول، و تكريمهم هيكون في المقر الرئيسي هنا، بكرة إن شاء الله !! تمام كدا ؟! عاوز الخبر دا ينتشر أسرع من محمد صلاح"
أشار له الرجل على عينيه و هو يقول مُرحبًا بحديثه:
"و أحلى حفلة كمان، دا أنتَ صاحب فضل عليا مش هنساه"
ابتسم له "يوسف" فيما انسحب الرجل من امامهما حينها عاد "يوسف" لسيارته يدلفها و ركب "وليد" بجواره و هو يسأله بتعجبٍ:
"و بعدين ؟! المفروض إيه اللي يحصل بعد كدا ؟؟! أنا مش متفائل !!"
رد عليه مُردفًا ببساطةٍ:
"هتشوف بنفسك دلوقتي، أنا بس عاوزه يحترم نفسه، فاكر إن علشان لقمة العيش نستحمل الذُل، بس على مين ؟؟ دا أنا اطفحه اللقمة دي أسهل"
حرك "وليد" رأسه بتفهمٍ حينما أدرك مقصد حديثه، بينما أخرج "يوسف" هاتفه ثم ضغط على لوحة المفاتيح يطلب رقمًا مُحددًا، ثوانٍ و وصله الرد بنبرةٍ جامدة:
"ألو مين معايا ؟!"
_"طبعًا كنت متوقع صوت رقيق و ناعم بس صوتي ضربك في طبلة ودنك، بس ملحوقة يا سيدي"
تفوه "يوسف" بذلك بأريحية و بلهجةٍ باردة جعلت الأخر يستشيط غضبًا ثم جَزَ على أسنانه و هو يقول:
"هو أنتَ !! عاوز إيه يالا ؟! هو أنا مش ورايا غيرك ؟!"
رد عليه بنفس البرود:
"ولا ؟! اقسملك بالله لولا الملامة كان زماني رميك في بريمة البترول تهرسك، بس خسارة برودك دا، أصل فيه أزمة تلاجات في مصر"
ضحك "وليد" بخفةٍ فوجده يتابع حديثه بنفس البرود:
"مش عيب يا إتش ؟! فيه حد يعمل لحد حفلة من غير ما ياخد أذنه و يعزمه ؟؟ عاوزني أجي بايدي فاضية قدام الناس ؟! طب حتى أدخل باتنين كيلو مانجا !!"
كرر خلفه مستنكرًا حديثه بحنقٍ:
"حــفـلـة !! حفلة إيه دي يلا ؟! أنتَ هتستعبط ؟! شكلك كدا عاوز تتربى و أنا معنديش وقت أضيعه معاك، روح شوف وراك إيه، مش برضه حضرتك ماشي بعد يومين ؟!"
ضحك "يوسف" بملء شدقيه حتى وصله عبر الهاتف صوت طرقات على مكتب الأخر حينها سمح "هشام" للطارق بالدخول و قبل أن يغلق الهاتف أوقفه "يوسف" و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب استنى !! هتقفل في وشي كدا ؟! اسمع الكلام اللي هيتقالك دلوقتي، و البس حاجة عليها القيمة، بدل ما ألبسك أنا في الحيطة"
عقد "هشام" ما بين حاجبيه فدلفت السكرتيرة الخاصة به و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"أستاذ مصطفى برة يا فندم بيسأل حضرتك بخصوص الحفلة اللي حضرتك هتعملها، تكون بكرة إمتى ؟!"
طالعه بتشوشٍ و استنكارٍ فوصله صوت "يوسف" عبر الهاتف يقول مؤكدًا:
"قولها بكرة الساعة ٢ بعد الضهر، هاجي أنا و ياسين سوا نتكرم قدام الكل، ياريت تمضي على المكافأة دلوقتي....آه...حاجة كمان ياريت الشهادة تكون باللون الأسود علشان بحبه"
أغلق الهاتف في وجهه دون أن ينتظر منه كلمةً واحدة فيما دفع "هشام" الهاتف على سطح مكتبه بضجرٍ من كليهما، و لو كان يملك بعض الشجاعة لكان استطاع التعامل معهما بطريقته الخاصة، لكنه يعلم أن خسارته لهما تعني خسارة العمل الكثير و قد تتوالى
المشكلات على رأسه تباعًا لذا يجب عليه الانصياع لهما و مجاراتهما فيما يريدانه سويًا خاصةً بعدما تحالفا مع بعضهما.
في السيارة سأله "وليد" باهتمامٍ و انصاتٍ لما سيتحدث به:
"المفروض بقى إيه اللي يحصل بعد كدا ؟! هيسكت هو ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا موافقته بقوله:
"مستحيل يعمل حاجة، اللي زي دا ميقدرش على حاجة غير أنه يسمع كلامنا و بس، عارف ليه ؟! علشان هو جبان، طالما لقانا مع بعض عارف اننا ممكن نزعله و نقلب الدنيا على دماغه، في نفس الوقت عارف إنه غلطان و لو حد فينا وصل الكلام دا لولاد عمه هو هيترمي في بيته، علشان كدا هيوافق على كل طلب نطلبه منه"
تفهم "وليد" مقصده فأضاف بضجرٍ منه:
"يا أخي أنا بكره الناس اللي كدا أوي، و علشان كدا اشتغلت مع طارق ابن عمي في شركته، مقدرش أشوف حد بيتحكم فيا و اسكتله، هترسى على موت حد فينا، و دا طبعنا كلنا في عيلة الرشيد، محدش فينا يقدر يشتغل تحت حكم حد، علشان كدا لينا الشغل الخاص بتاعنا، صحيح هو صغير بس بالنسبة لينا حلو"
رد عليه "يوسف" بقلة حيلة:
"هو دا المُر بعينه يا وليد، بس اللي صبرني على المر دا هو أني شوفت الأمر منه، أي واحد معاه فلوس في مصر هنا بيدوس على الموظفين و يذلهم بقبضهم، بس نرجع و نقول الحمد لله بنشتغل بشهادتنا و لقينا مكان يقدر علامنا، غيرنا كان سابها و مشي"
زفر "وليد" بقوةٍ فيما قام "يوسف" بتحريك مقود السيارة بعدما هجمت عليه كتلة ذكريات جعلته يود الهرب من نفسه التي لم تعد تسعه حتى الآن.
_________________________
وقفت "خلود" أمام المركز التعليمي و هي تنظر حولها بيأسٍ خاصةً أن تلك هي مرتها الأولى للحضور في ذلك المركز، وقفت تنتظر قدوم المعلم و ذلك لأنها لم تعلم أيًا من الموجودين بالداخل، التفتت تنظر خلفها فوجدته يقترب منها حتى وقف أمامها، طالعته هي بتعجبٍ و حينها قال هو مفسرًا:
"قبل ما تبرقيلي كدا، طوب الأرض عارف أني جايلك هنا، حتى والدك، أنا عرفتهم أني هاجي أعرفك على المُدرسين و أوصي عليكِ، حاجة تاني ؟!"
ردت عليه هي بثباتٍ:
"توصي عليا ليه هو أنا عيلة ؟!"
رد عليها بسخريةٍ:
"لأ....علشان كان زمانك دلوقتي بتقولي ياريته كان موجود يساعدني، خصوصًا إنك متعرفيش حد جوة أصلًا"
نظرت له بدهشةٍ من حديثه بعدما استطاع التوصل لما تفكر به، أما هو فزفر بقوةٍ ثم قال:
"اتفضلي قدامي يا آنسة خلود، يلا علشان منتأخرش"
ردت عليه هي بتهكمٍ:
"آنسة خلود ؟! دا على أساس إن أبويا هو اللي كان بيخطبني امبارح ؟! حِكَم !!"
حاول هو كتم ضحكته بجهادٍ حتى نجح في ذلك و رسم الجدية على وجهه و هو يقول:
"اتفضلي علشان أنا قاطع عهد قدام ربنا و مش هخلى بيه، يلا معايا"
دلف هو أولًا و هي خلفه تبتسم بسمةٍ مكتومة تحاول اخفاؤها لكنها فشلت في ذلك حتى دلفت خلفه فأشار لها بالجلوس ثم اقترب من الشاب الذي يجلس على مكتب الاستقبال و قام بأخذ ورقة المواعيد ثم اقترب منها يقف أمامها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا علمتلك على كل المدرسين اللي هتاخدي معاهم، و كمان هتلاقي المواعيد البديلة، أي حاجة تانية هعرفها و أقولك، و هنا فهمتهم إنك قريبتي علشان محدش يضايقك، حاجة تاني ؟!"
رفعت رأسها تنظر له و ضربات قلبها تتوالى خلف بعضها تأثرًا بموقفه، فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"أنا دلوقتي هروح السيكشن و أحمد عارف إنك هتخلصي بعد ٣ ساعات كدا، هتعرفي تروحي ؟!"
ابتسمت بسمتها الناعمة و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"أنا مش عيلة صغيرة يا عمار، أكيد هعرف أروح، شكرًا لحد كدا و لو فيه حاجة هخلي أحمد يكلمك، ربنا يوفقك"
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك من أمامها فيما نظرت هي في أثره براحةٍ ثم تنهدت بعمقٍ و هي تثني بين ذاتها على أخلاقه و قدرته في التحلي بالصفات الجيدة التي أصبحت شبه منعدمة في تلك الدنيا، و فجأة حدثت نفسها و هي تقول بسخريةٍ:
"صحيح نسيت، هو أنتَ تربية مين يعني ؟! لازم يبقى الانتاج كدا اللهم صل على النبي"
_________________________
عاد "خالد" لشقته بعدما أنهى عمله فوجد "يونس" يركض نحوه و هو يذكر اسمه بصوتٍ عالٍ، حتى حمله على يده ثم قبل وجنته و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
"روح قلب بابا، دلوقتي بقيت بابا ؟! ها !! امبارح كنت بتزغرلي ؟!"
خرجت"ريهام" من المطبخ و هي تقول بقلة حيلة:
"دا جابلي صداع من كتر الرغي، ابوس ايدك شيله نيمه أعمل فيه أي حاجة ابن الرغاية دا"
نظر لها بسخريةٍ و هو يقول:
"الحمد لله اعترفتي إنك رغاية مش أنا اللي كلامي قليل"
حدجته بغيظٍ و هي تقول بسخطٍ منه:
"هو أنتَ مسكت في الكلمة ؟! طب يا سيدي أنا رغاية، شوف ابنك بقى اللي عمال يرغي"
تحركت من أمامهما للداخل فسأله "خالد" بسخريةٍ:
"بترغي في أيه يا ابن الرغاية ؟! عاوز إيه يا يونس ؟!"
غمغم بعدة كلماتٍ غير مفهومة فجلس "خالد" على الأريكة و هو يحمله ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"بص !! أنا مفهمتش حاجة منك، بس عندي ليك فكرة تعدل لسانك المعووج دا ؟! إيه رأيك؟!"
عقد "يونس" ما بين حاجبيه فوقف به "خالد" ثم دلف للمطبخ يقف بجوار زوجته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ريهام ؟! أنا هودي يونس الحضانة من أول الشهر الجاي، على الأقل يتعلم الكلام شوية"
التفتت له تسأله بريبةٍ:
"إيه ؟! يونس مين دا اللي يروح الحضانة ؟! لسه صغير يا خالد، كدا هيتعب"
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
"لأ مفيش تعب و لا حاجة، هو خلاص كبر اهوه و رمضان كلها حاجات بسيطة و يهل علينا، يعني يروح الحضانة أحسن يمكن نظام يومه يتصلح، مش عاوزه يفضل واخد علينا احنا بس، خليه يتعود حتى قبل المدرسة"
ظهر الضيق على ملامح وجهها و عي طريقة تنظر لـ "يونس" على ذراع والده و تفكر في حديثه، حتى اقترب منها يقول بثباتٍ:
"هو كبر خلاص مش صغير، دا أهم سن يتأسس فيه، و بعدين يونس عاقل مش متعب"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ فأعطاه لها و هو يقول بسخريةٍ:
"امسكي بقى الرغاي ابن الرغاية دا لحد ما أغير هدومي و أكلوني علشان أنا جعان، و لا أقولك زيه اكليني يا ريهام ؟!"
قلد طريقة ابنه حتى ضحكت عليه هي بيأسٍ فتحرك هو من أمامها و هو لازال يقلد طريقة ابنه و يقول بسخريةٍ:
"أكليني يا ريهام.."
_________________________
في المساء في شقة "ياسين" في محافظة الأسكندرية قام هو بتجهيز الشُرفة الواسعة لهما سويًا حينما جلب الطعام و وضعه بها ثم قام بوضع طاولة بمقعدين لهما و قام بوضع أكواب الشاي بجوارها النعناع الأخضر و الغلاي الكُهربائي بجوار الأكواب، و الطعام وضعه في الأطباق.
أنهى ترتيب الشرفة ثم وقف يتنهد براحةٍ ثم دلف للغرفة التي أجلسها بها و قام بفتح الباب بالمفتاح بعدما حاصرها بداخلها، اندفعت هي من موضعها حينما استمعت لصوت الباب يُفتح و التبرم و الضيق يظهران على ملامحها حتى ظهر أمامها فطالعته بعتابٍ و هي تقول بتهكمٍ:
"و فتحتلي ليه ؟! بجد و الله ؟! ما كنت سيبتلي الأكل على العتبة زي الفران ؟! لسه فاكر ؟! حابسني هنا من العصر و دلوقتي بقينا العِشا ؟!"
حرك رأسه موافقًا ببرود ثم أضاف:
"هو أنا كنت بخونك ؟؟ كنت بحضر مفاجأة حلوة علشانك، قولتلك نامي شوية مش راضية، سيبتك أنتِ و خَدوش مع بعض شوية"
رمقته بغيظٍ حتى وقف خلفها فعقدت هي ما بين حاجبيها من موقفه، فرفع هو كفيه ثم قام بفك خصلات شعرها يحررها ثم بعثره على كتفيها بعشوائيةٍ ثم انزل الغُرة التي احكمتها هي أسفل ماسك الخصلات الحديدي.
اقترب منها يقف أمامها ثم عَدَل من وضع الغُرة على جبينها و هي تتابعه بتعجبٍ حتى غمز لها ثم قال:
"ورايا يا كتكوتة !!"
خرج هو أولًا و هي خلفه بتوترٍ حتى وقف هو أمام الشرفة فجاورته تقف بمحازاة وقوفه ثم وجهت بصرها نحو الشرفة و شهقت بقوةٍ حينما وجدت الشرفة هادئة مزينة بإضاءة التزيين و الطعام المفضل لها موضوع على الطاولة و أوراق النعناع الأخضر مع وجود زهرة حمراء اللون، و قبل أن تسأله قال هو مُسرعًا:
"قبل ما تقولي عملت كل دا علشاني، هقولك أنا معملتش حاجة أصلًا، أكل جيبته من المطعم و دا جاتوه من العادي عند الراجل و الشاي و الكاتيل هنا أصلًا، و دا فرع نور بـ ٤٠ جنيه و الوردة دي واخدها كدا محبة"
وقفت مقابلةً له تسأله بتعجبٍ:
"طب عرفت منين أني كنت هقولك كدا ؟! أنا كنت هسألك نفس السؤال بالظبط"
رد عليها هو بعدما زفر بعمقٍ ثم تدبر ابتسامة هادئة:
"حفظتك...و رب الكعبة حفظتك خلاص و عرفت كل حاجة فيكِ، أصلها مش عِشرة يوم ؟!"
ابتسمت له هي ثم التفتت تنظر للمنظر خلفها الذي أسر قلبها، فاقترب منها يقف خلفها و يلتصق بها ثم رفع ذراعيه يحاوط جسدها و هو يقول بنبرةٍ هادئة في أذنها:
"بكدا يبقى دا الحلم قبل الأخير اللي كان نفسك فيه يتحقق، على حسب وصفك للمشهد غالبًا دا شبهه، أحلامك حلوة و بسيطة و اللي يحققها هو اللي يفرح مش أنتِ بس، إيه رأيك ؟!"
التفتت له حينما أرخى هو ذراعيه من مسكتها و العبرات تلمع في مقلتيها و هي تطالع ملامحه الهادئة تزامنًا مع قولها بصوتٍ متهدجٍ:
"رأيي إن كدا كتير عليا و الله، كدا كتير و حاسة إني مش هعرف أوفي كل دا، أخرته إيه يا ياسين تعبك علشاني دا ؟!"
اقترب منها يقبل جبينها ثم قال:
"آخرته خير لينا و احنا مبسوطين مع بعض، أنا مش بداينك يا خديجة، أنا بعمل اللي ديني أمرني بيه و هو أني أكون ليكِ كل حاجة في دنيتك، أنا عاوزك مبسوطة علشان أخد فرحتي من فرحك، اتطمني و ريحي نفسك علشان دا دين في رقبتي و حق ليكِ عليا أنا"
تعلقت في رقبته و هي تبكي و تردد من بين صوت شهقاتها:
"أنا بحبك....و كلمة بحبك بقت قليلة عليك و مش هتكفيك حقك و لا توفيك واجبك"
ربت هو على ظهرها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"طب و الله دي أحلى حاجة اسمعها في حياتي، يلا بقى ناكل أنا جعان و الله"
ابتعدت عنه مسرعةً حتى جلست هي على المقعد و هو مقابلًا لها و هو يقول بفخرٍ:
"إيه رأيك ؟! أنفع ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فأضاف هو بثباتٍ:
"طب الحمد لله، يلا كُلي قبل ما الأكل يبرد بقى، علشان الل جاي بقى هو دا لُب الموضوع"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم تناولا الطعام سويًا و هو يطعمها بين الحين و الآخر حتى انهيا طعامهما ثم قامت هي بصنع الشاي و وضعت معه أوراق النعناع بجوار الكعك حتى وضعت المقعد بجوار مقعده.
جلست بجواره ثم وضعت رأسها على كتفه تحتسي من كوب الشاي الخاص بها و هي تبتسم و يداعب وجهها الهواء المعبق بنسيم البحرِ و هو يبتسم بهدوء من خلال سكينتها و سكونها بجواره، حتى مد يده يأخذ عبلة زجاجية متوسطة الحجم و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"اللي هنا ورق صغير مكتوب بخط أيدي، حاجة زي أحكام كدا، طبعًا كلها شفافية و من غير أي غش، الورقة اللي تطلع في إيدك تقرأي اللي فيها و الحكم يتنفذ أيًا كان هو لمين فينا !!"
ابتسمت هي بحماسٍ ثم وضعت الكوب من يدها و أخذت العلبة الزجاجية، حتى سحبت الورقة الأولى تقرأ ما بها بنبرةٍ مرحة و كأنها تضحك:
"الحكم الأول لياسين؛ دورك إنك تغني ليا أغنية باللغة العربية الفُصحىٰ"
غمز لها ثم قال:
"مـــوجـود"
ضحكت هي بصوتٍ عالٍ حتى قال هو بنبرةٍ هادئة:
"عارف إنك بتحبي اللغة العربية في كل حاجة، حفظت أغنية مش قادر أحدد هي مدح و لا ذم، بس حاسس كدا أنها حلوة"
ارتفع صوت ضحكاتها أكثر حتى بدأ هو الغناء حينما باغتها بصوته و هو يقول:
"بروحي فتاة بالعفاف تجملت...و في خدها حَبٌ من المِسكِ قد نبت...و قد ضاع عقلي.... و قد ضاع رشدي....و استبدت و أقبلت....و لما طلبتُ الوصل منها تمنعت..."
أنهى كلمات الأغنية و هو يطالعها حتى ابتسمت له و عينيها تحتويه بنظراتها، حتى أشار لها و هو يقول لها بنبرةٍ هادئة:
" يلا الورقة اللي بعدها"
قامت بسحب الورقة التالية و هي تبتسم باتساعٍ حتى قرأت ما بها:
"لو هتهدي ياسين أغنية تكون أغنية إيه ؟!"
ضيقت عينيها و هي تطالعه بشكٍ حتى حرك كتفيه ببساطةٍ و قال ببراءةٍ:
"مليش دعوة هو الدور كدا، يلا هتهديني إيه ؟! بس حاجة تكون حلوة، بلاش جو اتقي ربنا فيا و أشوف فيك يوم دا"
ضحكت رغمًا عنها ثم رفعت رأسها تفكر في أغنية ثم قالت بمرحٍ:
"بس بشرط أنا أفكر و أنتَ تغنيلي، حلو كدا ؟!"
رد عليها بسخريةٍ و هو يغني:
"أنتَ تغنيلي عليها عيون و أنا بغنيلك أشهد يا ليل"
حركت رأسها نفيًا ثم أضافت:
"في اللي إحنا فيه هنا دا، هديك مقطع الليل و سماه، إيه رأيك ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم بدأ الغناء بقوله:
"الليل و سماه....و نجومه و قمره....قمره و سهره....و أنتَ و أنا.....يا حبيبي أنا.....يا حياتي أنا.... كلنا.... كلنا في الحب سوا....و الهوى آه....آه منه الهوى.... آه منه الهوى....سهران الهوى...يسقينا الهنا....و يقول بالهنا....يا حبيبي يلا نعيش....بعيون الليل....و نقول للشمس....تعالي تعالي....بعد سنة....مش قبل سنة.....دي ليلة حب حلوة....بألف ليلة و ليلة.....ألف ليلة و ليلة....بألف ليلة و ليلة....آه ألف ليلة و ليلة....بكل العمر.....هو العمر إيه غير ليلة ؟؟ زي الليلة.... زي الليلة....زي اللـيلة"
أنهى الأغنية التي ذكرتها هي حتى شاركته هي بصوتٍ خافتٍ و استمرت تلك الليلة بينهما بهذا الصفاء و كأنها ليلةٍ تساوي العمر بأكمله، ليلة تحققت بها أحلامها و استطاع هو ادخال السرور لقلبها كعادته منذ أن وطأت قدماه لأرض قلبها التي سكنها الخراب حتى غدا الربيع يسكن بين خلجات روحها، و بلمسةٍ حنونة امتدت أنامله تطيب جروحها
_________________________
بعد انتهاء ليلتهما سويًا في محافظة الإسكندرية عادا معًا لمحافظة القاهرة نحو شقتهما و قد وصلا سويًا عند شروق الشمس في صباح اليوم التالي، و بعد مرور بعض الساعات نزل "ياسين" بطلبٍ من "يوسف" و "وليد" معًا و حينها دَب الخوف في قلبه من ذكرهما سويًا.
وصل "ياسين" المقر الرئيسي لمجموعة الشركات، و قد تفاجأ الحفل الذي أُقيم له و لـ "يوسف" الذي اقترب منه يقول ببرود كعادته:
"إيه يا ياسين ؟! كل دا تأخير ؟! فيه حد يتأخر على حفلة تكريمه برضه ؟! عيب كدا"
حدجه "ياسين" بغيظٍ و هو يقول من بين أسنانه المُطبقة فوق بعضها:
"و هو حد كان طلب حفلة ؟! بتتصرف من دماغك ليه يا بني أدم ؟! هو أنتَ حالف ترمينا في الشارع ؟!"
اقترب منهما "وليد" يقول بنفس البرود:
"جرى إيه يا هندسة ؟! إحنا غلطانين يعني ؟! الفكرة كلها رد اعتبار ليكم، و بعدين أفرد وشك كدا، المفروض هشام دا هو اللي يكون مكشر مش أنتَ"
زفر "ياسين" بقوةٍ حتى ظهر طيف "هشام" أمام الجميع تزامنًا مع دلوف "خالد" و "عامر" للمكان، ثم اقتربا من الشباب، حدجهم "هشام" بغيظٍ ثم وقف في المنتصف أمام الجميع و قد طلب اقتراب كلًا منهما له.
اقتربا معًا يقفا بهيبةٍ و ثباتٍ حتى تحدث هو أمام الجميع يثني عليهما و على فضلهما و على قوة تحملهما متاعب العمل الشاق لفتراتٍ طويلة دون معاونة أية وسائل أخرى، و بعد حديثه صفق الحاضرين لهما بحرارةٍ فقام هو بتقديم شهادة تقدير لكلٍ منهما و معها "شيك" كمكافأةٍ لهما و قبل أن يتحرك قيد أنملة من جوارهما تحدث "يوسف" بثباتٍ و صوتٍ خافتٍ يصل فقط لـ "هشام":
"بوس راسي يا هشام، مش حاسس بطريقتك كدا إني مرتاح"
حاول "ياسين" كتم ضحكته حينما وصله حديث صديقه، فيما تحدث "هشام" بضجرٍ:
"أنتَ اتخبلت يالا و لا إيه ؟! راس مين دي اللي أبوسها ؟!"
رفع حاجبه و هو يرد عليه بوقاحةٍ:
"الله ؟! هو أنتَ مبتبوسش غير الستات و لا إيه ؟! بوس راسنا يمكن تبقى فتحة خير عليك و تبطل سفالة و قلة أدب"
جز على اسنانه بغيظٍ ثم اقترب من"يوسف" يقبل رأسه على مضضٍ حتى قال "يوسف" بقلة راحةٍ زائفة:
"لأ مش حاسسها، مش خارجة من قلبك لأ"
دفعه "هشام" بيده ثم اقترب من"ياسين" حتى يقبل رأسه فرد عليه"ياسين" مسرعًا يوقف حركته:
"لأ !! شكرًا، مش ناقصة شُبهة هي، روح يا عم ربنا يسهلك و يبعدك عن طريقي"
تحرك"هشام" من موضعه بعدما استأذن من الجميع، حتى ابتسم "يوسف" بانتصارٍ و هو يرى هزيمته أمام الجميع خاصةً مع طباعه الحادة، أما "وليد" فوقف بجوار "عامر" يتحدثان سويًا و يسخران معًا على "هشام".
_________________________
بعد مرور ساعتين تقريبًا توقفت السيارات في موقف الحافلات حتى يرحل "يوسف" إلى عمله.
نزلوا من السيارات تباعًا و قد انضم لهم "ياسر" بعد انتهاء عمله، وقف هو أمامهم جميعًا بعدما نزل من سيارة "ياسين" ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"كدا كل حاجة بقت زي الفل، حقك رجعلك أهو و خدت المكافأة كمان، خلي بالك من نفسك و لو احتاجت حاجة كلمني، المكان اللي رايحه فيه شبكة"
رد عليه "ياسين" بتأثرٍ:
"طب ما تخليك يا بني و خلاص، أنتَ لو عاوز تفضل هنا عادي محدش هيعترض على دا، ليه ترجع لوحدك هناك ؟!"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
"خدت على كدا خلاص يا ياسين، صدقني مش بأيدي، أنا هناك في رحمة عن أي وجع ممكن يحصلي هنا و يأذيني، منكرش أني اتحميت هنا في وجودكم، بس أنا تقيل على نفسي، مش هقدر أتقل عليكم أنتو كمان"
اقترب منه "وليد" يقول بتأثرٍ هو الأخر و صوتٍ مختنقٍ:
"عارف ؟؟ لما شوفتك أنا ماكنتش طايق وجودك حتى معانا، بس حاليًا و الله عاوزك علطول كأنك أخويا، بس أنا حاسس بيك و مقدر إنك مش هترتاح هنا"
تنفس بعمقٍ ثم قال:
"أنا من الأول حبيتك، حسيتك قارح و زيي، علشان كدا وثقت فيك تساعدني، يعلم ربنا حبيتك كأنك أخ صغير ليا"
أقترب منه "وليد" يحتضنه و هو يقول بنفس الصوت المختنق:
"هتوحشني يا يوسف، خلي بالك من نفسك و افتكر إن إخواتك في ضهرك هنا، تعالى بس و اللي يزعلك نفرمه و نكسر باقي القوافل على دماغه"
ضحك "يوسف" رغمًا عنه، فاقترب "عامر" يقول بمرحٍ:
"اقسملك بالله لو ما اتصرفت و حضرت عقيقة ابني، ساعتها هتبقى بنهاية كل اللي بيننا"
سأله "يوسف" بتعجبٍ:
"طب و هو إيه اللي بينا ؟!"
رد عليه بدهشةٍ مبالغ فيها:
"إيه ؟! نسيت ماتش الكورة ؟!"
ضحك رغمًا عنه ثم حرك رأسه نفيًا فيما سأله "يوسف" و كأنه انتبه لتوه:
"صحيح، هو إزاي احنا كنا كسبانين و لعبنا ضربات جزاء، هو محدش خد باله من النقطة دي ؟!"
رد عليه "خالد" بنبرةٍ ضاحكة:
"الحكم حبيبنا و مشالنا الخبطة، و بعدين دي اللي خليتك تستغرب و الطهور دا مخلاكش تستغرب ؟!"
اقترب منهم يودع كلًا منهم على حِدة حتى أتى دور "ياسر" فسأله بسخريةٍ مرحة:
"بصراحة أنا حاسس إنك متربي ٢٠ مرة، أو يمكن ابن ناس أوي، مش عارف، دكتور و عينك زرقا و شعرك دهبي، مغري أوي بصراحة، أكيد أبوك داس في تربيتك أوي"
ابتسم له "ياسر" بسخريةٍ ثم قال حينما تذكر ما مر به:
"مش كل حاجة زي ما بتبان يا يوسف، عندك أهو، أبويا أصلًا مربنيش و سابني و مشي"
رد عليه "يوسف" ببلاهةٍ:
"الأدب دا كله و أبوك مرباكش؟!"
رد عليه مُعدلًا على حديثه:
"أنا تربية رياض الشيخ، أجدع من أبويا ذات نفسه"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"في ديه عندك حق، ربنا يبارك في عمره و يحفظه و إن شاء الله يفرح بأحفاده كمان"
أكمل توديعه لهم بعد حديثه حتى صعد على متن الحافلة ثم لوح لهم و العبرات لأول مرّة منذ عدة أعوام تظهر في مقلتيه بل و الأحرى أنها تحررت من منبعها و فرت على إحدى وجنتيه.
أما الشباب فوقفوا بجانب بعضهم حتى رحلت الحافلة نهائيًا و هو يبتسم لهم و بداخله لأول مرة يشعر بالحزن لفراق أحدهم، لكنه هو المكتوب عليه دومًا؛ فراق أحبته.
_________________________
وقف "ياسين" أسفل بنايته ينتظر نزولها حتى ركضت من المصعد نحو سيارته بحماسٍ ثم ركبت بجواره و هي تسأله:
"هنروح فين بقى ؟! أنتَ قولتلي مفاجأة، بس أنا مش هقدر استنى، علشان خاطري قولي"
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
"رايحين الغورية، و منها العتبة و منها الحسين، هاخدك لفة حلوة"
شهقت هي بقوةٍ فقال هو مُكملًا حديثه:
"هنروح نجيب حاجة رمضان كل سنة و أنتِ طيبة، و بالمرة أجيبلك اسدال حلو تصلي بيه التراويح مع البنات، و لا إيه ؟!"
ارتمت عليه تمسك وجهه و هي تقبل وجنته عدة مراتٍ حتى ضحك هو رغمًا عنها ثم حرك رأسه بيأسٍ منها ثم قال:
"دنيا غريبة !! كنت بتحايل علشان واحدة بس، دلوقتي شلال ضرب في وشي"
وكزته في ذراعه فيما غمز هو لها ثم قال بعبثٍ:
"و أحلى شلال و الله"
ابتسمت هي له ثم سألته بمرحٍ:
"أقولك حاجة و متضحكش ؟!"
تلاشت بسمته تلقائيًا بعد تلك الجملة حتى ضحكت هي على هيئته الجامدة و عبوس ملامحه.
_________________________
في بيت شباب آلـ «الرشيد» وصل المندوب أسفل البيت فنزل له "طارق" و "وئام" معًا، أخذ كليهما طلبه و في تلك اللحظة دلف "وليد" البيت تزامنًا مع خروج عامل التوصيل فقال بتعجبٍ:
"السلام عليكم، خير فيه حاجة ؟! واقفين كدا ليه؟!"
رد عليه "طارق" مفسرًا:
"دا مندوب شركة الشحن، كان جايب لينا الهدايا بتاعة البنات، مش قولنالك و أنتَ قولت هتصرف ؟!"
حرك رأسه موافقًا بقلة حيلة فتحدث "وئام" بسخريةٍ:
"ألحق نفسك قبل ما تتعدم بقى، أكيد عبلة هتعرف، وريني هتتصرف ازاي"
زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه موافقًا، فصعدا سويًا أما هو فرفع يفرك رأسه و هو يفكر كيف يتصرف معها !! و سرعان لما لمعت عينيه فجأةً فخرج من البيت بسرعةٍ كبرى.
في شقة "طارق" دلف هو بهدوء و الصندوق بيده ثم وضعه على طاولة السُفرة و ذكر اسمها بصوتٍ عالٍ حتى خرجت له من الداخل و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"إيه كل دا ؟! أنا اهوه يا سيدي، نعم ؟!"
سحبها من يده حتى التصقت به و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"رمضان كريم، كل سنة و أنتِ طيبة يا روح قلب طارق"
رمشت ببلاهةٍ حتى سحب هو الصندوق و قدمه لها و هو يقول:
"كل سنة و أنتِ طيبة، دي حاجة بسيطة بمناسبة إن رمضان قرب، يا رب يعجبك، دا ذوقي"
ازدردت لُعابها بقوةٍ ثم أمسكت الصندوق تضعه على الطاولة ثم قامت بفتحه، و حينها شهقت بقوةٍ فقال هو مفسرًا:
"فانوس تلاقي، ميدالية بحروفنا على شكل فانوس تلاقي، شوكلاتة تلاقي، و كتاب الأذكار و مصحف و طقم صلاة، و سبحة، و معاهم سجادتين صلاة ليا و ليكِ، إيه رأيك ؟!"
أخرجت "الفانوس" أول شيءٍ من الصندوق، فوجدته باللون الأخضر و بداخله عَروسٌ يحاوطها أضواءٌ ذهبية و هيئته الخارجية بها زجاجٍ باللون الشفاف، ابتسمت هي بفرحةٍ كبرى ثم رفعت رأسها تنظر له حتى قال هو بنبرةٍ هادئة:
"أنا وصيت إن كله يكون باللون الاخضر علشان عارف إنك بتحبي اللون و إن أحب الألوان لقلب سيدنا محمد صل الله عليه وسلم كان اللون الأخضر، دا أول رمضان لينا مع بعض بعد ما رجعتيلي، فاكرة أخر فانوس جيبته ليكي ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
"لما شوفته عندك افتكرته، بس الهدية دي غالية أوي، مش قصدي على فلوسها طبعًا، بس قيمتها عندي كبيرة، كفاية إننا هنتشارك الأجر سوا، هخليهم لحد رمضان إن شاء الله"
حرك رأسه موافقًا فاحتضنته و هي تبتسم بحبٍ حتى حاوطها هو بذراعيه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"أنا من كل قلبي بشكرك و بشكر وجودك إنك معايا و بتخليني أجاهد نفسي قبل شيطاني حتى، ربنا يجعل محاولتك معايا في ميزان حسناتك و حسناتي يا رب"
ردت عليه هي مسرعةٍ:
"صدقني الطريق لربنا سهل و ممتع طول ما احنا سوا و بنحاول نغلب شيطاننا، أنا و أنتَ هنمسك في وجود بعض لحد ما النتيجة تكون دخولنا الجنة إن شاء الله يا طارق"
_________________________
في شقة "وئام" دلف هو بهدوء كعادته فوجد زوجته تدور بـ "فارس" حتى يتوقف عن البكاء و يخلد للنوم، اقترب منها يقدم لها الصندوق و هو يقول:
"بصي !! أنا مش عارف أقولك إيه يعني خصوصًا إني تقيل في الحاجات دي، بس كل سنة و أنتِ طيبة يا أم فارس"
عقدت ما بين حاجبيها و ظهر شبح ابتسامة هادئة على وجهها، فأخذ منها الصغير و هو يبتسم، حتى أخذت هي الصندوق منه و فتحته، فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"مفيش حاجة في الدنيا توفيكي حقك و الله، زوجة و أخت و صاحبة و أم مفيش منها، شايلاني و شايلة ابني، و رمضان جاي عليكِ و معاكي فارس، يعني مجهود زيادة عليكِ، دي حاجة بسيطة مني، و إن شاء الله ربنا يقدرنا و يكرمنا سوا، كل سنة و أنتِ و فارس معايا يا رب"
اقتربت منه تضع رأسها على كتفه و هي تقول:
"شكرًا، بجد و الله شكرًا علشان حاجة زي دي نسيتني تعبي و الله يا وئام، ربنا يكرمك و يباركلنا في وجودك أنا و فارس"
حرك رأسه موافقًا ثم نظر في وجه ابنه الذي زادت ملامحه من ملامح "وليد" حتى في وضع نومه بكفيه الموضوعين أسفل وجنته، أما هي فقالت بيأسٍ:
"متتعبش نفسك و تدقق فيه كتير، هو بعينه بغباوته، نسخة منه و الله العظيم"
رد عليها بقلقٍ بالغٍ:
"نسخة منه ؟! ربنا يطمنك إن شاء الله، أنا فرحت أوي"
_________________________
جلست "عبلة" في شقتها تتصفح هاتفها حتى وجدت "خديجة" قامت بتحديث حالتها عبر تطبيق "الواتساب" و قد التقطت صورةً للأجواء الرمضانية حولها ثم قامت بتنزيل الصورة من سيارة "ياسين" قبل أن تنزل منها.
ابتسمت "عبلة" ثم أرسلت لها تهنئها بحلول الشهر الكريم، ثم قامت بفتح الحالة الخاصة بـ "جميلة" فرآت الهدية التي قام أخيها بجلبها لها، حينها لمعت عينيها تأثرًا و فرحةٍ لأخيها ثم أرسلت لها تهنئها.
قامت بفتح الحالة الخاصة بـ "هدير" فرأت صورتها مع "حسن" بجوار الكعبة المشرفة زادت لمعة العبرات في عينيها ثم أرسلت لها تؤكد عليها الدعاء لهم ثم دعت أن يتقبل الله منهما.
قامت بفتح حالة "هدى" فوقع بصرها على هدية "وئام" لها و التي لم تختلف كثيرًا عن هدية "جميلة" سوى أن لونها أزرق داكن و هو لونها المفضل، حينها حدثت نفسها بضجرٍ:
"إيه دا يا جماعة ؟! هو أنا متجوزة شيطان و لا إيه ؟؟ يعني ياسين خد خديجة الحسين و طارق و وئام جايبين هدايا لمراتتهم، و حسن خد هدير عُمرة، دا حتى مجابش نص كيلو زبيب !!"
وصلها اشعارٌ بأن كلًا من "خلود" و "سلمى" قامتا بتحديث قصتهما عبر تطبيق "الفيسبوك"، فوجدت كلتاهما تضع صورة فانوسًا توجد بداخله عروسة متوسطة الحجم و بجواره سبحة الكترونية قام "أحمد" بجلبهم لهما، حينها تحدثت هي بخيبة أملٍ:
"فيه إيه بقى ؟؟! هو من بني قريش و لا إيه ؟! إيه دا ؟!"
حدثت نفسها بضجرٍ ثم أغلقت الهاتف و قامت بفتح التلفاز و هي تحدث الهاتف بسخطٍ:
"مش هفتحك خلاص، حرقت دمي، خلينا نشوف اخرتها"
_________________________
"خلاص بقى مكانش فانوس دا اللي هيخليكي تلزقي فيا كدا !! يا بت خنقتيني، غوري"
تفوه "أحمد" بذلك و هو يبعد "خلود" التي جلست بجواره تلتصق به و تقبله في وجهه و جبينه و "سلمى" بجوارهما تضحك عليهما، أما "خلود" فرمقته بسخطٍ ثم أمسكت الفانوس و هي معاندةً له:
"أنتَ تطول ؟؟ بس يلا هنسامحك علشان خاطر الفانوس، شكله غالي و شكلك صارف برضه"
تحدث هو بنبرةٍ هادئة:
"ماشي، شوفي بقى منك ليها، تذاكروا و تلتزموا في رمضان، و افتكروا إن الدراسة دي عمل و العمل عبادة، يعني نتقي ربنا فيه.
حركت كلتاهما رأسها موافقةً بحماسٍ فضحك هو عليهما ثم قال:
"هي الحركة تمام، رد الفعل بقى، لما نشوف اخرتها"
_________________________
كانت تسير وسط الزحام و هي تمسك يده تتابع بعينيها المكان حولها و حركة الناس في الشارع يبتاعون الأشياء الخاصة بشهر رمضان، و قد تنوعت الأشياء بين الديكورات المستخدمة في تزيين البيوت و الشوارع، و بين منتجات الطعام التي تنوعت بين مكسرات و كل ذلك كان يرافقه صوت الأغاني القديمة الخاصة بالعادات المصرية في تلك الأوقات مع الأضاءة الواهجة و رائحة المكسرات و أوارق الزينة، وقف هو أمام أحد المحلات الكبرى ثم قال لها:
"نقي بقى الديكورات اللي تعجبك علشان شقتنا، شوفي نفسك في إيه ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم دلفت داخل الخيمة الرمضانية الكبيرة تنتقي منها الزينة الخاصة بشقتهما، و هي تتحرك بفرحة طفلة صغيرة تزور مدينة الألعاب لمرتها الأولى، فيما وقف هو يراقبها بإمعانٍ و هي تمسك بالأشياء و بفروع النور المُزينة للحوائط و فجأة ارتفع صوت أغنيتها المفضلة لهذا الشهر حتى شهقت بقوةٍ و هي تنظر له و تضحك بحماسٍ:
"افرحوا يا بنات يلا و هيصوا، رمضان أهو نور فوانيسه....يا حلاوة التين.....و القمر دين....و كياس النُقل و قراطيسه"
اقتربت منه و هي تقول بحماسٍ:
"ياسين أنا بحب الأغنية دي اوي، أنا خلصت بس ينفع نمشي لما تخلص ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال و هو يجاهد محاولًا كتم ضحكته:
"طب أروح أحاسب لحد ما تسمعي الأغنية، و شوفي هنجيب إيه تاني"
تحرك نحو مكتب الحساب يقف وسط الناس في الزحام بعدما أعطته هي ما قامت بجلبه، بينما هي وقفت تتابع الأجواء حولها حتى وقع بصرها على عروسة كبيرة إلى حدٍ ما تمسك في يدها فانوسًا صغيرًا و شعرها الأسود يصل إلى نهاية ظهرها و ترتدي فستان باللون الأبيض، خجلت هي تطلبها منه نظرًا لما قامت هي بشراءه، فتنهدت بعمقٍ ثم قالت بقلة حيلة:
"لو كنت شوفتك أنتِ الأول كنت جيبتك، بس مش مشكلة السنة الجاية بقى أجيبك إن شاء الله"
كان يتابعها بعينيه حتى اقترب من طاولة الحساب و وقف أمام الرجل مباشرةً فقام بدفع الحساب ثم أخذ حقيبة الاشياء و عاد لها من جديد.
انتبهت له حينما اقترب منها فسألها هو باهتمامٍ:
"كدا جيبنا حاجة الزينة بتاعة شقتنا، فيه حاجة تاني عاوزاها ؟! شوفي كدا ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ حلو كدا كدا الشقة هتبقى زي الحسين، هنجيب إيه تاني ؟!"
رد عليها مفسرًا:
"فانوس ليونس و لميمي، و ميداليات للكل، و شوفي كدا لو نفسك في حاجة هاتيها علشان مش هنعرف نيجي هنا تاني دلوقتي"
ردت عليه هي مسرعةً:
"لأ و الله خلاص كل حاجة تمام، بس قولي ميداليات لمين ؟!"
رد عليها مفسرًا مقصده:
"للشباب و لعيلتك كلها و لعيلتي، حاجة بسيطة كدا بمناسبة رمضان علشان نفرح كلنا، أنتِ متأكدة إنك مش عاوزة حاجة ؟"
حركت رأسها موافقةً فقال هو:
"طب ينفع تنقي بقى زينة لشقة أبويا و أمي ؟! علشان رياض موصيني و شكلي كنت هنسى"
حركت رأسها موافقةً ثم دلفت الخيمة من جديد تجلب لشقة والديه الزينة، فتحرك هو نحو العروس التي وقفت هي أمامها و حينما رآها ابتسم بسخريةٍ ثم قال بقلة حيلة:
"مفيش فايدة، مش هتتغير أبدًا و الله، لو مركزتش أنا عمرها ما هتقول هي عاوزة إيه"
اقترب من العروس يمسكها و هو يبستم بخفةٍ فوجدها رقيقة تشبهها في سكونها و هدوء حركتها و ملامحها، أخذها و قام بدفع حسابها ثم دسها وسط الأشياء حتى لا تنتبه هي لها.
اقتربت منه تحمل الأشياء على يدها و هي تبتسم باتساعٍ حتى اخذهم منها ثم توجه لمكتب الدفع و الأصوات حولهما تتداخل سويًا و كان ابرزهم صوت:
"رمضان في مصر حاجة تانية و السر في التفاصيل....رمضان في مصر غير الدنيا....طعمه بطعم النيل"
بعدها سارا معًا وسط الخيمات و الديكورات و كانت تقف بين الحين و الآخر حتى يلتقط الصور لها وسط تلك الأجواء و خاصةً بجوار الأشياء الكبرى مثل الفوانيس الحديدية الكبيرة و الديكورات، حتى فاجئها هو حينما جلب لها أحد الشخصيان الكرتونية القديمة التي تعود شهرتها لشهر رمضان الكريم "بوجي و طمطم" ثم قدمه لها و هو يبتسم، شهقت هي بفرحةٍ كبرى فقال هو بنبرةٍ ضاحكة:
"بوجي و طمطم بنفسهم معاكي اهوه، هنحطهم عند المراية اللي جنب باب الشقة، إيه رأيك ؟!"
اقتربت منه تمسك الاشياء ثم قالت بحماسٍ:
"بحبهم أوي، دول شخصياتي المفضلة في رمضان، و بحب فطوطة أوي"
نظر حوله فوجد وسادة صغيرة الحجم عليها "فطوطة" فقام بمسكها ثم قال:
"و أحلى فطوطة لأحلى خديجة في دنيتي كلها، كل سنة و أنتِ طيبة يا ست الكل"
قفزت هي بفرحةٍ دون أن تستطع احجام تلك الفرحة، فضحك هو رغمًا عنه ثم سألها بهدوء:
"هو أنتِ مجتيش هنا قبل كدا خالص ؟؟ أول مرة تشوفي الأجواء دي ؟!"
حركت رأسها موافقةً عدة مراتٍ فقال هو بعدما زفر بقوةٍ:
"طب وعد مني لو ربنا أراد و طول في عمري، إن كل سنة ليكي زيارة للمكان دا حتى لو مش هنشتري"
سألته هي بحماسٍ و غير تصديقٍ:
"بجد ؟! يعني مش السنة دي بس علشان أول سنة نكون فيها سوا ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
"لأ و الله وعد مني كل سنة في رمضان أجيبك هنا، إن شاء الله يعني، ربنا يكرم بس و يأذن بدا"
حركت رأسها موافقةً فقال هو بحماسٍ:
"يلا علشان نجيب ليهم الفوانيس و الميداليات و علشان نجيبلك اسدال حلو تصلي فيه"
_________________________
في بيت الشباب آلـ "الرشيد" انتظرت "عبلة" عودته التي تأخرت كثيرًا عن الموعد الأساسي، ثم حدثت نفسها بسخريةٍ و هي تقول:
"طبعًا هيجي ازاي ؟! ماشي يا وليد، صبرك عليا يا ابن مرتضى"
زفرت بقوةٍ حتى سمعت صوت الباب يفتح، فتوعدت له حتى دلف هو يجلس بجوارها، حينها سألته بتهكمٍ:
"ما بدري ؟! جاي متأخر كدا ليه ؟! لسه فاكر انك متجوز ؟"
طالعها بلامبالاةٍ ثم قال:
"قومي بس أكليني علشان أنا واقع من الجوع"
ردت عليه هي بغيظٍ:
"وليد !! رمضان قرب، مش واخد بالك ؟!"
عقد ما بين حاجبيه و هو يقول بسخريةٍ:
"أخد بالي أعمل إيه يعني ؟! اتسلسل ؟؟ هو أنا شيطان يا سوبيا قصادك ؟!"
رفعت حاجبيها معًا تطالعه باستنكارٍ فقال هو مشاكسًا لها:
"آه....اكمنك سوبيا تلاقيكي خايفة تتشربي، لأ يا ستي متخافيش، أنا بحب التمر، اتطمني"
زفرت هي بقوةٍ ثم قامت من أمامه تضرب الأرض أسفل قدميها غيظًا منه، و هو يحاول كتم ضحكته عليها حتى قام مرة أخرى يفتح باب الشقة و هو ينظر لما جلبه بفرحةٍ و داخله يتأكد إنها سترقص فرحًا بما جلبه، فما هو ؟!
_________________________
أمام الكعبة المشرفة جلست "هدير" تدعو لعائلتها كل فردٍ على حِدة و لوالدتها و لجميع موتى المسلمين، أما هو فأمسك المصحف الشريف يقرأ منه و هي بجواره تدعو بخشوعٍ و بكاءٍ من هيبة المكان و تواجده به.
راقبها هو بعينيه ثم قال بهدوء:
"ربنا يتقبل منك إن شاء الله، أوعي تكوني نسيتي حد فيهم؟!"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"لأ خالص و الله، أنا بدعيلهم من غير ما أحس أصلًا، لساني عمال يذكرهم كلهم و كلهم بدعوات جميلة و خارجة من القلب، عمري ما كنت أتخيل أني ممكن ادعي لحد كدا، أو إن ييجي يوم و أكون هنا، رحمة ربنا طالتني و بزيادة أوي يا حسن، رحمته بيا حلوة أوي"
بكت و هي تتحدث فتنفس هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
"أنا أكتر واحد أقدر أقولك خديني مثال إن رحمة ربنا بينا موجودة لا محالة من دا، من شخص يتيم ملوش حد في الدنيا لواحد أرمل محدش قابل وجوده لـ محاولتين انتحار فشلوا من رحمة ربنا بيا، تخيلي لو كنت انتحرت و موت فعلًا ؟! مكانش زماني هنا و مكانش زماني معاكي و لا أنتِ مراتي و احنا بناخد بايد بعض للجنة سوا، احنا هنا بنبدأ صفحة جديدة مع ربنا، طالبين منه يغفر لنا اللي فات و يقبل مننا اللي هنحاول نلتزم بيه، أوعي في يوم تزعلي على حاجة اتحرمتي منها في الدنيا، و افتكري إن ربنا بيده كل حاجة و افتكري قوله تعالى:
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
انتبهت له فأضاف هو:
"ربنا لو أراد لك الشيء هيوصلك من غير أي تعب منك أو تخطيط، و لو فيه شر ليكي ربنا هيبعده عنك لأنه رحيم و لطيف بيكي، و افتكري إن كل فترة صعبة عدت علينا بكرمه و رحمته و إنك شوفتي العوض بعينك و أنتِ مقبلة على طريقه"
حركت رأسها موافقةً و هي تبكي فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"رمضان قرب يا هدير خلاص، و عاوز أقولك أني رمضان اللي فات أنا كنت يتيم و غريب و مليش حد في الدنيا، بس السنة دي أتأكدت أني مليش غير ربنا و أنه من كرمه و رحمته بيا حرمني من حاجات الله أعلم لو كانت فضلت كانت النتيجة هتكون إيه دلوقتي، أنا مسلم قلبي لله بكل رضا و راحة و متأكد إن ربنا مش هيخذلني"
مسحت دموعها فورًا فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"كملي دعا و أدعي من كل قلبك و كل يقين إن ربنا هيستجيب ليكي، ادعي لكل حبايبنا و متنسيش تدعيلي أنا كمان"
ردت عليه بصوتٍ باكٍ:
"بدعيلك قبل الكل و الله، قبل نفسي حتى كمان يا حسن"
ابتسم هو لها ثم أعطاها المصحف الشريف حتى تقرأ منه، فأنهت هي الدعاء ثم أخذته منه و قامت بفتحه تقرأ منه بخشوعٍ و قلبٌ تعلق بتلك الصفحات حتى أصبحت تفكر جديًا في حفظ تلك الآيات بعدما ذاقت العوض من الله.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم شمس بكري
"تأنسنا بقدوم من أحببنا و طابت ليالينا، فراح عنا الحزن و ابتهجت أراضينا"
_________________________
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته..))"
احيوا سُّنة التبشير بدخول رمضان:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
كان رسول الله ﷺ يُبَشِّر أصحابه بقدوم رمضان فيقول:
"قد جاءكم شهر رمضان شهرٌ مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تُفتح أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم"..
كانت بجواره تسير وسط الخيام الرمضانية و الأجواء المُبهجة حولهما و الأغاني الرمضانية تعزف على أوتار الفؤاد تبهجه و تبشره بما هو آتٍ، وقفا سويًا أمام أحد المحال المختصة في الصناعات اليدوية و حينها أخرج ورقةً من جيب بنطاله قد دون بها الاسماء حتى ضحكت ما إن ابصرت الورقة بين يديه و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
"إيه دا ؟! هو أنتَ كاتب الاسامي في ورقة ؟؟ ليه يا ياسين ؟!"
رد عليها بقلة حيلة:
"هعمل إيه يعني يا خديجة ؟! قولت علشان منساش حد كتبتهم من أول ميمي لحد فارس كمان"
ردت عليه هي بعدما تنفست بعمقٍ:
"ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك زي ما علطول بتجبر بخاطر الكل كدا، ربنا يجعله في ميزان حسناتك إن شاء الله"
ابتسم لها ثم حرك رأسه موافقًا بإيماءةٍ بسيطة و منها توجه نحو المحل و هي تقف بجوراه، حينها أخرج الورقة من يده يعطيها للرجل و هو يقول:
"عاوز ميدالية لكل الأسماء اللي هنا على شكل فانوس صغير"
أخرج له الرجل الانماط لينتقي منها حتى اختار اوسطهم حجمًا و هي معه ثم طلب من الرجل عملهم بالاسماء، حينها اخبره الرجل متأسفًا:
"ما شاء الله حضرتك عاوز كتير، و الولد اللي بيشتغل معايا بيجي متأخر، لو مش هتقدر تستنى ممكن تسيب رقمك و على يوم الجمعة تيجي تاخدهم مننا، دا موسم كل سنة و حضرتك طيب"
رفع "ياسين" كفه يحك فروة رأسه بحيرةٍ و هو ينظر لها يستعين بها حتى قالت هي بهدوء:
"خلاص نيجي يوم الجمعة ناخدهم مش مشكلة، أنتَ برضه عاوز طَلبية كاملة ما شاء الله"
حرك رأسه موافقًا ثم التفت للرجل يتبادل معه الأرقام و أتفق معه على الموعد ثم و قد دفع المبلغ مُقدمًا للرجل ثم أمسك يدها حتى يرحلان سويًا، توقفت هي عن السير حينما رآت الديكورات الضخمة و كان أبرزهم فانوس كبير يصل حجمه غالبًا لارتفاع سِتة أمتار، شهقت بقوةٍ و اتسعت عينيها حتى التفت هو ينظر لها بتعجبٍ و هي ترمش ببلاهةٍ و قبل أن يسألها هو سبقته هي و قالت:
"إيه دا ؟! فانوس مين دا كله ؟؟ هيتحط فين دا ؟! هو فيه حد هيبات فيه ؟!"
جاهد ليكتم ضحكته و هو يقول بنبرةٍ هادئة تحمل السخرية بين طياتها:
"آه، عاملينه علشان بكار و رشيدة يباتوا فيه، أو ظاظا و جرجير مش متأكد بصراحة"
عقدت ما بين حاجبيها حتى أدركت مقصد حديثه الساخر عليها فـ شهقت بقوةٍ و قد ضحك هو بيأسٍ منها و حينها تمسكت في ذراعه و هي تقول بمرحٍ:
"هنسامحك بس علشان أنتَ موجب معانا بزيادة"
توقف عن السير و هو يقول مُشيرًا برأسه نحو الفانوس كبير الحجم:
"تعالي أصورك عنده يلا، هما حاطينه أصلًا علشان الناس تتصور جنبه، مش علشان حد يبات فيه"
قبل أن ترد عليه سحبها هو خلفه حتى اقترب من التجمهر حتى أتىٰ دورها فقام هو بالتقاط الصور لها و هي تضحك بملء شدقيها حتى التقط صورة لهما سويًا بجوار الفانوس و الأضواء المُزينة.
شعرت هي بالتعب من كثرة المشي على قدميها فطلبت منه الجلوس لو قليلًا حينها أخذها نحو أقرب محل "عصير قصب" و جلس معها هناك يأخذا قسطًا من الراحة فيما تحدث هو متأسفًا:
"مفيش هنا عصير قصب باللبن للأسف، هي كوباية قصب ترد روحنا و بعدها نتوكل على الله نشوف ورانا إيه"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ حتى طلب هو العصير لهما و بعدما رحل العامل أمعن هو النظر في وجهها فوجدها تجول بالمكان بنظراتها دون أن تتحرك من موضعها، الأضواء و الأغاني و الأطعمة الخاصة بـ "رمضان" و الحلويات و المكسرات كل ذلك كانت تتابعه و هي تبتسم حتى سألها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"عجبتك الغورية ؟! إيه رأيك في رمضان فيها بقى ؟!"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"تحفة، حاسة أني شامة ريحة رمضان و الله، مش عارفة إزاي بس حاسة بيه و الله"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"يمكن علشان الجو هنا أصلًا كله روايح رمضان ؟! سبحان الله تحسي إن حتى الشعائر بتاعته حلوة، كل سنة و أنتِ طيبة"
"و أنتَ طيب و بخير إن شاء الله، يمكن دا أول رمضان لينا سوا، بس أنا حاسة إن فرحتي فيه بمقام كل السنين اللي فاتت و الله"
ابتسم لها بسعادةٍ حتى تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
"و بصراحة دا أول رمضان أكون مرتاحة فيه كدا، يعني مش زعلانة من حد و بكلم الكل، حتى عمتو مشيرة و جميلة كمان معانا، و هدير بقت صاحبتي، و بقى عندي صحاب هنزل أصلي معاهم، إجمالًا يعني دا أول رمضان أكون منتظرة تعاملي مع الناس فيه"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة و كلماتٍ رزينة:
"و الله كلهم بيحبوكي أصلًا، بس الشيطان بقى لما بيدخل النفوس و يوسوس فيها، بمعنى أنه بيخلي القلوب نفسها تقسى على بعض، في حين إننا كلنا هنقف قدام ربنا نطلب منه السماح"
تحدثت هي بلهفةٍ طالتها لمحة حزنٍ و غلفها صوتها المُنكسر:
"ياسين !! هو أنا ضعيفة ؟! يعني مش عندي شخصية ؟! أنا مش بعرف أزعل من حد خالص، و لما حد بيكلمني أنا بنسى أصلًا إنه زعلني و الله، معودتش قلبي يشيل من حد، بس أنا مش عاوزة أكون ضعيفة من غير شخصية"
ابتسم لها وهو يقول بكلماتٍ تُطمئنها بقوله:
"لأ شخصيتك مش ضعيفة، الضعيف هو اللي بيسيب غضبه يتحكم فيه، لكن أنتِ طيبة و قلبك لَيْن، يعني دي حاجة حلوة اوي للقلوب تتسم بيها"
سكت عن الحديث ثم أضاف مُكملًا:
الناس اللي بتحن بكلمة مهما كان اللي قدامهم مزعلهم، دول شخصيتهم مش ضعيفة بالعكس دول قلوبهم نضيفة وليهم الجنة
"يدخل الجنةَ أقوامٌ أفئدتهم مثل أفئدة الطير"
أفئدتهم هنا يعني قلوبهم هينة لينة
" تَحرم النَّار على كلِّ هيِّن ليِّن قريبٌ سهل"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ بعد حديثه و هي تشعر بسعادةٍ بالغة تجتاحها و هو يثني على لين قلبها و طيبتها التي لم تكرهها هي ذات يومٍ.
_________________________
أخذ "وليد" ما قام بجلبه و هو يبتسم بسعادةٍ متخيلًا فرحتها و للحق لم تكن فرحتها بمفردها بل فرحته هو أيضًا فلازال هناكَ طفلًا صغيرًا يسكن بداخله يفرح بتلك الأشياء و الأجواء المُبهجة.
وضع الأشياء على الطاولة و هو يبتسم بخبثٍ ثم عاد للأريكة يجلس عليها من جديد غير مكترثًا من الأساس أو هكذا يبدو و بداخله حماسٌ يتنافى مع بروده حتى خرجت هي من الداخل و في تحمل الطعام حتى تضعه على طاولة السُفرة فتفاجأت بعدة أشياءٍ عليها جعلتها تشهق بقوةٍ ثم تركت ما بيدها و هي تقترب من الأشياء
اقتربت تمسك الأشياء وجدت فانوسًا إطاره أسود اللون من الأعلى و الأسفل و حوافه زجاجية أقرب إلى هيئة النوافذ و بداخله عَروسٌ تمسك في يدها ميدالية تحمل اسمها "عبلة" و بجوارها فانوس من خامة الخشب عليه صورتهما في زفافهما و بجواره سبحة الكترونية و معه مُصحف التدبر و التفسير و معهم عدة ديكورات للشقة، و كان أبرزهم أشكال خيامية باللون الأحمر عبارة عن رجلٌ يمسك في يده مصفاة و أمامه عربة الحلويات الشهيرة بصنع "الكنافة" و بعض الأشكال الخاصة بعادات الشعب المصري في شهر رمضان المُعظم.
وقف هو في الخلف يراقبها و هي تمسك الأشياء حتى التفتت له تسأله بصوتٍ باكٍ:
"الحاجات دي بتاعتي صح ؟!"
"لأ بتاعة أمي و جايبهم أعايرك بيهم، ذُل يعني"
رد عليها هو بذلك بلامبالاةٍ جعلتها تبتسم من بين دموعها ثم ركضت إليها حتى ارتد جسده من قوة دفعها عليه، فابتسم هو بهدوء ثم رفع ذراعيه يحاوطها و هو يقول بصوته الرخيم:
"يعني عاوزاني أزعلك برضه ؟! دا أول رمضان ليا و أنتِ معايا و مراتي يا عبلة، مقدرش أضيع فرحتك بالشهر دا حتى لو أنا مش مركز"
ابتعدت عنه تسأله بصوتٍ باكٍ:
"طب ليه مجبتش مع طارق و وئام ؟! فرقت إيه بقى ؟!"
رد عليها مفسرًا بعدما ابتسم لها:
"علشان كنت عاوز حاجة أنا اللي أختارها، حاجة عارف انك محتاجها، سألتهم على مصحف التفسير قالولي مش موجود، علشان كدا جيبته أنا ليكي من مكان تاني، و لسه هنجيب حاجات تاني للشقة و هجيبلك إسدال حلو علشان خوفت ذوقي ميعجبكيش"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم ثم التفتت تنظر للطاولة و هي تبتسم أكثر حتى قال هو بنبرةٍ هادئة:
"هناكل و لا أخد الحاجة أديها لأمي ؟! خلصيني أنا جعان"
اقتربت منه تقبل وجنته ثم قالت بحماسٍ:
"ثواني و الأكل يجهز، أنا قولت ليدو حبيبنا مبيغلطش"
ضحك هو عليها ثم قال:
"طب جهزي الأكل لحد ما أنزل لـ وئام و أطلع تاني، ثواني مش هتأخر"
نزل من شقته متوجهًا نحو شقة أخيه بعدما أمسك حقيبة صغيرة في يده، وقف أمام الباب ثم طرق عليه بهدوء حتى فتح له شقيقة و هو يقول متشفيًا به:
"عبلة نكدت عليك و طردتك ؟! يلا يا حلو فوق السطح، بات زي الكلب فوق، علشان تسمع الكلام بعد كدا"
رد عليه بثقةٍ و ثباتٍ:
" هما ١٠ دقايق و هتشوف الأستوري في كل حتة، هو أنا عبيط ؟!"
عقد "وئام" ما بين حاجبيه فسأله الأخر باستعجالٍ:
"المهم !! فين فارس صاحي و لا نايم ؟! لو صاحي ادخل هاته"
تحرك شقيقه من أمامه ثم عاد له بعد مرور ثوانٍ يحمل صغيره على يده حمله منه "وليد" و هو يبتسم بخفةٍ و خاصةً كلما حمل ذلك الملاك على يده، رفعه يقبل قمة رأسه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"عاوزك تكبر بسرعة كدا و تشتغل معايا في الجنان، الحقني قبل ما أهدى و أركن شوية"
تدخل "وئام" يقول بحنقٍ:
"يا عم الله يهديك بقى !! مكفاكش جريي وراك، عاوزني أجري ورا ابني كمان ؟! ارحمني"
ضحك "وليد" رغمًا عنه ثم قبل "فارس" مرةً أخرى و أعطاه لوالده و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"أمسك ثواني كدا"
أخذه منه شقيقه و هو ينظر له بحيرةٍ حتى أخرج "وليد" من الحقيبة فانوسًا متوسط الحجم و قد طبع عليه صورة "فارس" منذ أول أيام ولادته و صورة أخرى لـ "وليد" و "فارس" معًا.
ابتهج وجه "وئام" فورًا و هو يرى الفانوس حتى تحدث "وليد" مردفًا:
"دي حاجة بسيطة بقى لابني، إن شاء الله رمضان الجاي يكون شد حيله و أجيبله واحد تاني أحلى، ربنا يباركلك فيه
ظهر التأثر على وجه "وئام" و لمعت العبرات في عينيه و حينها فرد ذراعه الأخر حتى ارتمى "وليد" عليه، فقام هو بالتربيت على ظهره و هو يقول:
"ربنا يخليك ليا و ليه يا رب، أنتَ ابني البِكري مش فارس، يا بخته إنه هيكبر عنده عم زيك كدا"
قبل "وليد" كتفه ثم قال بصوتٍ متهدجٍ:
"يا بختي أنا بأبوه و بوجوده، مرمطك ورايا كتير حقك عليا"
ابتسم له "وئام" فتنفس "وليد" بعمقٍ ثم قال بلهفةٍ:
"ينفع أخده يقعد معايا فوق شوية ؟!"
رفع حاجبه يسأله بثباتٍ:
"الفانوس و لا فارس ؟!"
"دي محتاجة سؤال ؟! الفانوس طبعًا"
رد عليه "وليد" بذلك حتى ضحك أخيه و شاركه الضحك هو الأخر، فقال "وليد" بهدوء:
"عاوزه ييجي يقعد معايا شوية، أنا مش هعرف أنام دلوقتي و هو لسه قدامه كتير، و بعدين بوجب معاك اهوه، علشان تعرف تقعد مع هدى"
تحدث أخيه بحنقٍ:
"أمشي يالا يا سافل من هنا، أقولك ؟! خده أسبوع بقى"
أخذ "وليد" الصغير و صعد و هو يضحك على شقيقه الذي صفع الباب بقوةٍ، دلف "وليد" شقته و هو يضحك و الصغير على ذراعه، فاقتربت "عبلة" منهما بفرحةٍ و هي:
"فارس !! هاته يا وليد علشان خاطري أنا بحب أشيله أوي"
أعطاه لها و هو يبتسم حتى حملت الصغير و هي تهدهده بكلماتها و تربت عليه بكلا كفيها و في الحال ابتسم "فارس" بنعومةٍ تُلائم عمره، فيما وقف "وليد" يتابعهما بعينيه و آنذاك شرد و هو يتخيل "عبلة" في أمومتها بالطبع ستكون رائعةً في هذا الدور فحتى الآن في بعض الأحيان يراها مثل والدته و هي تصحح مساره و تُعدل أخطائه.
_________________________
في شقة "رياض" جلس "ياسين" مع والده في الشرفة بعدما أنهى مشواره مع زوجته بينما هي جلست مع زُهرة في الخارج و هي تعرض أمامها ما قاما بشرائه سويًا و قد كان هو الأسرع حينما قام يتخبئة العروس.
سأله والده بسخريةٍ:
"شكلك فلست و الصرف بان ؟؟ شوفت أخرة الجواز إيه يا ياسين ؟؟"
ابتسم له "ياسين" بخفةٍ ثم حرك رأسه للأمام ينظر جهة جلوسها و هي تتحدث بحماسٍ مع والدته فعاد بظهره للمقعد و هو يقول:
"بصراحة ؟! فلست آه، بس كله فِدا ضحكتها و إنها تكون فرحانة، و بصراحة المكافأة جت في وقتها، أنا هكمل صرف منها و أشيل المرتب علشان رمضان و العيد"
ربت "رياض" على فخذه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يخليك ليها و تعيش و تسعدها إن شاء الله، عقبال ما تجيب لعيالك معاها و تفرحهم هما كمان زيها"
ابتسم"ياسين" و هو ينظر لوالده الذي قال بثباتٍ:
"طبعًا مش محتاج أقولك إنك عارف مكان الفلوس و عارف كل حاجة هنا، يعني تاخد اللي أنتَ عاوزه، بلاش بقى كسوف و جو إن رجلك شالتك دا"
رد عليه بعدما زفر بقوةٍ:
"معايا و الله متخافش، بس لو احتاجت حاجة هجيلك أكيد"
ابتسم له "رياض" ثم أضاف:
"طب أنا و فهمي بنحضر الحاجة بتاعة رمضان، هتحضروا معانا ؟!"
رد عليه بلهفةٍ:
"أكيد طبعًا، دي أرزاق ناس و خالد و عامر و ياسر دافعين الفلوس بقالهم شهرين و أنا معاهم، يوم الجمعة إن شاء الله نتجمع عند ميمي و نعملهم"
_________________________
عاد "ياسين" مع زوجته للشقة و هي تزفر بقوةٍ بعدما ارتمت على الأريكة فطالعها هو بسخريةٍ وهو يقول:
"ما شاء الله طول ما أنتِ في الشارع بتلفي زي النحلة، نيجي البيت هنا تبقي كتكوت ضعيف الجناح يا ولداه"
ردت عليه هي بانهاكٍ واضحٍ:
"أنا طول عمري بكره الخروج و اللف و الفُسح بس اقول إيه بقى ؟! الله يسامحك أنتَ السبب"
رفع حاجبيه معًا بغير تصديق بعد حديثها اللائم له حتى تحدث بحنقٍ و هو يقول:
"تصدقي أنا محدش رباني ؟! و بني أدم سافل كمان ؟! أنا مهزق علشان عاوز أفرحك.... طب أقولك ؟! مفيش مفاجأة بقى"
اندفعت هي من موضعها و هي تقترب منه تقول بلهفةٍ:
"لأ علشان خاطري خلاص بهزر و الله قلبك أبيض يا مهلبية بقى"
رمش ببلاهةٍ بعد كلمتها تلك حتى زفر بقوةٍ ثم قال بنفاذ صبرٍ:
"المهم الشنط دي وسطهم شنطة مكتوب على رمضان شهير الخير، افتحيها و شوفي اللي فيها"
طالعته بسخريةٍ و هي تقول:
"و الله ؟! دا على أساس إن الشنط الباقية مكتوب عليها حرب أكتوبر العظيم ؟! ما كلهم رمضان يا بني ؟!!"
رد عليها بتهكمٍ:
"يا سكر ؟! بقولك مكتوب عليها رمضان شهر الخير، مش رمضان مبارك، إيه الدماغ دي"
رمقته بغيظٍ ثم توجهت نحو الحقائب تتفحصها حتى وقع بصرها على مُرادها و حينها شهقت بقوةٍ حينما فتحت الحقيبة و وجدت العروس بداخلها، وقفت بعدها بسرعةٍ تتوجه نحوه تسأله بلهفةٍ:
"إيه دا ؟! أنتَ جيبت العروسة ؟!عرفت ازاي أني كنت عاوزاها ؟!"
رد عليها بثقةٍ:
"دا شغلي أنا بقى متشغليش بالك أنتِ، و بعدين كنتي قولتي إنك عاوزاها لازمتها إيه الدراما دي ؟! هو أنا بخيل ؟!"
ردت عليه هي بتوترٍ:
"مش كدا بس....بس احنا جيبنا حاجات كتير و كلهم أنا اللي كنت عاوزاهم، قولت أكبر بقى علشان مبقاش عيلة قدامك"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة إلى حدٍ ما:
"ماشي يا خديجة، بس الكلام دا لو احنا غُرب عن بعض، إنما أنتِ مراتي، يعني ملزومة مني أنا، لما تكوني عاوزة حاجة قوليلي، قدرت اجيبها يبقى الحمد لله خير و بركة، مقدرتش يبقى ربنا يقدرني و اجيبها بعدين"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له ثم قالت بحماسٍ:
"يعني لو طلبت أي حاجة هتعملهالي ؟! من غير مناقرة معايا؟!"
حرك رأسه مستنكرًا فقالت هي بنفس الحماس:
"طب بص !! أنا فيه حلم نفسي احققه أوي، و بما إنك مهندس يبقى أنتَ اللي هتحققه مفيش غيرك"
باتت ملامحه أكثر تعجبًا بعد حديثها فيما أضافت هي بسرعةٍ كبرى:
"بص !! طول عمري نفسي في بيت شبه الميكرويف، تقدر تعملهولي ؟! و كدا يبقى جِميل في رقبتي مش هنساه طول عمري"
انكمشت ملامحه و ظهر الامتعاض في وجهه و هو يقول:
"بيت زي الميكرويف ؟؟ ازاي دا ؟! الميكروويف انهي ؟! بتاع تسخين الأكل ؟!"
حركت رأسها عدة مراتٍ موافقةً بحماسٍ ثم أضافت:
"أقسم بالله هو دا بيت أحلامي، مش عاوزة غيره، فكر فيه بس و لو عملته اسمك هيفرقع في مجال الهندسة"
_"أو يفرقع في وشي، أيهما اقرب يعني لخراب البيوت"
رد عليها بذلك بتهكمٍ حتى قالت هي مفسرةً بتلقائيةٍ:
"بص و الله فكرته عاملة ازاي، مكان دافي و ضلمة و بيدور حوالين نفسه و فيه نور علشان لو احتاجناه، و كل شوية حد يفتح يحطلك أكل، و الله العظيم أنتَ الكسبان، فكر بس مش هتخسر حاجة يا مهلبية"
لوى فمه بتهكمٍ ثم قال:
"وكسة عليا و على سنين عمري اللي ضاعت في هندسة، خوشي يا خديجة سخني الأكل، خشي الجوع غلط عليكي"
حدجته بسخطٍ ثم تحركت من أمامه و هي تغمغم بحنق عليه حتى قال هو بنفاذ صبرٍ:
"هي فاكرة نفسها من فصيلة الكتاكيت بجد و لا إيه ؟؟ يا وقعة سودا ؟! دي بقت فرخة بجد ؟!"
_________________________
في يوم الجمعة و خاصةً بعد الصلاة و تحديدًا في شقة "ميمي" جلس "ياسين" و أخوته و ذويهم يقومون بتعبئة الحقائب الخاصة برمضان كهادتهم كل عامٍ و تلك المرة زادت بهجة المكان بوجود الفتيات معهم و النساء
و كالعادة في وجود "عامر" لم يعرف الهدوء لهم سبيلًا حيث قام باضافة البهجة للمكان و قام بتوصيل هاتفه عبر الشاشة تتابع عليها أغاني رمضان بمختلف الازمنة و الأنواع فجلسوا جميعًا مع وجود النساء الكبار والدات الشباب معهم و الكلمات الأتية خلفهم:
"رمضان كريم فتاح يا عليم....٣٠ يوم فيه هنا و سعادة..... قعدة رمضان حلوة يا جدعان شهر الإحسان كله عبادة....رمضان كريم فتاح يا عليم....٣٠ يوم فيه هنا و سعادة..... قعدة رمضان حلوة يا جدعان شهر الإحسان كله عبادة.."
كان "عامر" يجلس على الأريكة و هو يصفق بكفيه معًا تارةٍ و تارةٍ أخرى يعاونهم في إعداد الحقائب و هم يضحكون عليه.
كانت "خديجة" تجلس بجوار "رياض" تعاونه في تعبئة أكياس الأرز و هو يمرح معها و يشاكسها و "ياسين" بجوار "خالد" يتممان على الحقائب و محتوياتها، و الفتيات أيضًا يقومن بإعداد باقي المكونات و معهن النساء و "ميمي" وسط عائلتها التي لم تربطها بهم يومًا رابطة الدم، و كان "عمار" يجلس بجوار "يونس" و كليهما يضع لُعبة صغيرة في الحقيبة بعد إنهاء الاتمام عليها.
اقتربت "خديجة" من "رياض" تسأله بنبرةٍ هامسة:
"هما عمار و يونس بيحطوا إيه الشُنط يا بابا ؟! مش كل حاجة قصادنا هنا ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف ببهجةٍ:
"دي لعب و فوانيس بنحطها في الشنط علشان الأطفال تفرح بالشنط، فيه اطفال بتبقى فاهمة و عندها حساسية من حاجة زي دي، بس دي حاجة بسيطة تخليه يفرح يعني، في النهاية دي رزق من ربنا للعباد و رايح لعباد تانيين يا حبيبة بابا"
حركت رأسها موافقةً بتأثرٍ و أعجبتها الفكرة خاصةً أن اللعبة في يد "يونس" لم تكن رديئة.
جلس "ياسر" أمام الحقائب يقوم بعدها و مراجعة الاسماء و العدد المطلوب تجهيزه، فرفع صوته يقول بمرحٍ:
"لأ بجد عاش يا جماعة !! ما شاء الله قربنا نخلص العدد المطلوب"
سألته "إيمان" بتعجبٍ و هي تمسك بأحد الأكياس البلاستيكية تقوم بتعبئة المعكرونة:
"إيه دا ؟! طب و باقي الحاجة ؟! ما شاء الله فاضل كتير أوي"
رد عليها "فهمي" مفسرًا:
"هنوديهم المائدة يا ايمان، و برضه هنعمل كام شنطة على جنب احتياطي يعني"
حركت رأسها بتفهمٍ فاقترب "يونس" من "رياض" و هو يركض نحوه و يقول:
"بص يا جدو !! بص عمار ؟!"
وجهوا بصرهم نحو "عمار" الذي وقف باحراجٍ و هو يقول:
"معلش يا جماعة لعبة و اتكسرت بتحصل، لم ابنك يا خالد بقى !!"
رفع صوته فيما ضحكوا عليه جميعًا فأمسك "عامر" بـ "يونس" يحمله بيده و هو يقول بضجرٍ زائفٍ و كأنه يهاتف رجلًا مثله:
"جرى إيه ياض ؟! أنتَ هتفتن من اولها على عموري ؟! ما يكسر اللعبة يعني هو كان كسر مشاعر أبوك ؟!"
ارتفع صوت الضحات عليهما بعد حديث "عامر" و طريقته حتى قبله "يونس" على وجنته و هو يضحك، و حينها زادت الضحكات أكثر و صوت "رياض" و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"رزعك بوسة سكتك و جابلك الخرس بيها، شكلك بقى وحش"
هزه "عامر" في يده و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"ولا ؟! لو فاكر إنك كدا بتضحك عليا و بتثبتني علشان مزعقش ليك !!...."
سكت هنيهة عابرة ثم أضاف:
"يبقى برافو عليك بوسني الناحية التانية بقى"
قبله "يونس" على وجنته الأخرى بمرحٍ فتحدثت "ميمي" بتهكمٍ ساخرٍ:
"ما شاء الله طالع لابوه و أعمامه هيجيبوا من برة يعني ؟!"
نظر لها الشباب فيما تحدثت هي بسخريةٍ موجهة حديثها للسيدات:
"ياخدوا جايزة في التثبيت هما الأربعة، و عمار معاهم إن شاء الله، هي بدايات كدا بتبان"
سعل "عمار" بشدة بعد حديثها و النظرات تتابعه و خاصةً "خديجة" التي نظرت له و هي تضحك فهرب هو من النظر لها خجلًا منها بعد طلبه يد شقيقتها، أما "عامر" فقد حمل "يونس" على كتفيه ثم اقترب من هاتفه يرفع صوت الأغاني على:
"رمضــان...رمضـان...رمضان...
رمضان...هل هلاله و ظهر و بان....رمضان.....رمضان....رمضان....هل هلاله و ظهر و بان....فكرني بحاجات....و ذكريات.....بيعدي عمر و ليها في قلبي مكان....رمضــان...رمضان... رمضان....هل هلاله و ظهر و بان....فكرني بحاجات و ذكريات....بيعد عمر و ليها في قلبي مكان....جت على بالي....ابتسامة الشعراوي....قبل المغرب و هو بيفسر القرآن....صوت المنشاوي....قراية الطبلاوي....و الشيخ محمد رفعت و حلاوة الأذان.... و الجامع اللي جنب بيتنا و هو مليان بناس كتيرة و جوة....و الجامع اللي جنب بيتنا و هو مليان بناس كتيرة برة و جوة.....و لمة العيلة و عيلة العيلة....."
عند تلك الجملة تحديدًا أشار "عامر" عليهم جميعًا فوقفوا الشباب بجانبه يصفقون معه و هم يغنون:
"لمة العيلة و عيلة العيلة..... و سحورنا مع بعض كل ليلة، طعم البلح و التمر الهندي و الكنافة....خير و بركة....أيام جميلة"
ارتفع صوت الضحكات من النساء و الفتيات حتى قام "رياض" بالغناء هو الأخر و مشاركتهم في تلك البهجة وسط الحقائب البلاستيكية و مكونات الطعام و غناء الشباب و ضحكات "يونس" وسطهم.
_________________________
وقف "محمود" أمام البيت و الشباب يقومون بإدخال الحقائب في السيارات الخاصة بهم و "طـه" يقوم بعد الحقائب و بجواره "مشيرة" أيضًا.
اقترب "وئام" من عمه "محمود" يقول بنبرةٍ هادئة:
"كدا العربية بتاعة طارق خلصتها يا عمي، نتحرك أنا و هو ؟؟"
رد عليه بهدوء:
"آه يا حبيبي توكلوا على الله أنتم و أنا هشوف وليد كدا، قولي صح الشنط اللي حسن عملها نوديها فين ؟؟"
رد عليه مفسرًا:
"هو قالي أروح أدي البواب عنده خمس شنط ت الباقي نوزعهم احنا زي كل سنة، هو بس زود السنة دي شوية على روح مرات عمي الله يرحمها"
تنهد "محمود" بيأسٍ ثم قال:
"ربنا يكرمه يا بني و يرجعه بالسلامة و يجعله في ميزان حسناته، اكتر حاجة حصلت صح في حياتي أني سلمت هدير لـ حسن"
رفع "وئام" حاجبيه و هو يقول بحزنٍ زائفٍ:
"بقى كدا ؟؟ أنا ملاحظ إن حسن هياخد مكاني و كدا كتير، جو السلايف دا مش نافع يا عم محمود"
ضحك "محمود" رغمًا عنه و هو يقول بيأسٍ:
"روح يا شيخ ربنا يكرمك زي ما أنتَ مضحكني كدا، دا عديلك، بعدين اتطمن ميتخيرش عنكم و عن تربيتكم يا وئام، مرتضى ربى صح و خرج رجالة"
بمجرد انهاء جملته وصلهما صوت "وليد" و هو يقول بصوتٍ عالٍ من الداخل:
_"هو إيه اللي نحطها في العربية بتاعتي ؟! ليه حد قالكم إنها سفينة الصحراء ؟! إيه الهم دا"
ضحك "وئام" رغمًا عنه خاصةً بعد حديث عمه فتحدث "محمود" بحنقٍ منه:
"قسمًا بالله ما شاف أدب و لا أخلاق، عيل سافل عديم الأدب"
دلفا سويًا للداخل و قد كان يتحدث "طارق" معه و هو يقول بسخطٍ:
"يا بني آدم افهم !! أنا و وئام هنروح نلف القاهرة كلها، أنتَ يدوبك هتروح السويس و معاك أحمد، خد الشنط وديهم معاك في عمارة حسن، هتخسر إيه؟!"
رد عليه بضجرٍ:
"هو البعيد أحول ؟؟ بتقولي هتروح السويس و في نفس الوقت عاوزني أروح بيت حسن ؟؟ و بعدين العربية هتجيب أخرها مني كدا"
تدخلت "خلود" تقول بثباتٍ:
"أنا عندي فكرة حلوة تخلصكم من كل الصداع دا، تسمعوني ؟"
نظروا لها جميعًا خاصةً بعدما دلفت هي الطابق المخصص لمناسبات العائلة، فقالت هي:
"عربيتنا فاضية و مركونة و بابا هيخلص و يطلع ينام، هاتوا الشنط و أروح أنا و هو نوديهم و نكسب ثواب، حلوة الفكرة دي"
نظر كلًا من "طارق" و "وليد" لبعضهما حتى تحدث "طـه" بتهكمٍ:
"بصالي في شوية الراحة ؟؟ ماشي يا خلود اطلعي البسي و تعالي يلا نروح سوا"
قفزت هي عدة مراتٍ ثم ركضت من أمامهم جميعًا فتحدث "مرتضى" بسخريةٍ:
"البت دي سوسة و أقطع دراعي إن ما كان وراها مصيبة سودا، أنا عارف الواد عمار جه طلبها ازاي ؟!"
ضحكوا عليه جميعًا و خاصةً "طـه"، أما "مشيرة" فصدح صوت هاتفها و حينها ظهر التوتر على وجهها فضغطت على زر كتم الهاتف وقتما وقع بصرها على اسم المتصل، لاحظ "وليد" توترها لكنه لم يهتم من الأساس.
تحدث "محمد" مؤكدًا عليهم جميعًا:
"طارق و وئام معاكم العنوان بالاسم و كل حاجة تمام، أحمد و وليد بقى هتروحوا عند إسماعيل و هو هيتصرف متشغلوش بالكم، هو عارف الناس هناك"
حركوا رأسهم بموافقةٍ فقال "محمود" مسرعًا:
"قبل ما تتحركوا انقلوا الشنط لعمكم طه في عربيته علشان الحاجة تروح عند حسن"
تحرك "أحمد" و معه "وئام" يحملان الحقائب و قبل أن يخرج "وليد" من المكان اوقفه "محمود" حينما وضع يده على كتفه و هو يقول بصوتٍ خافتٍ:
"ربنا يكرمك و يجبر بخاطرك و يطمن قلبك و يعوضك زي ما أنتَ طمنت قلبي على بنتي كدا، روح يا بني ربنا يرزقك بذرية صالحة"
تأثر "وليد" من حديث عمه و ظهرت الدموع فورًا و شعر بارتجافة قلبه، فربت "محمود" على كتفه و هو يقول:
"رمضان مبارك عليك يا بني، شكرًا.... شكرًا إنك صونت لحمك"
ابتسم له "وليد" و دون أن يشعر بنفسه اخفض جسده يقبل كف عمه ثم قال بصوتٍ مختنقٍ:
"شكرًا ليك أنتَ يا عم محمود علشان كلامك حسسني أني مش وحش و مش مؤذي، اتطمن هدير و هدى في رقبتي و أنا أخوهم"
حرك رأسه مومئًا على حديثه و كأنه يؤكد صدق حديث الأخ، فتحدث "أحمد" بصوتٍ عالٍ:
"يلا يا وليد علشان منتأخرش"
تحرك "وليد" للخارج بعدما ابتسم لعمه و قبل أن يخرج من المكان كانت عمته تتحدث في الهاتف ثم اغلقته فورًا حينما شعرت به خلفها، و حينما التفتت له سألها هو بثباتٍ:
"فيه حاجة و لا إيه ؟؟ إيه اللي مخوفك كدا ؟!"
ردت عليه بتوترٍ:
"ها.... لأ عادي مفيش حاجة، أنا كنت بكلم حسان علشان أعرف هييجي إمتى، بس هو قالي إن دا موسم و مينفعش يقفل النهاردة"
حرك رأسه موافقًا ثم زفر بقوةٍ قبل أن يسألها بثباتٍ:
"عاوزة حاجة أجيبهالك من السويس ؟! شوفي كدا ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"ارجعوا بس بالسلامة أنتم، ربنا يستر طريقكم و يجعله في ميزان حسناتكم كلكم"
حرك رأسه موافقًا ثم ربت على كتفها و قال بهدوء:
"يا رب.....كل سنة و أنتِ طيبة يا عمتو، دا أول رمضان و أنا طايقك فيه"
شهقت بقوةٍ فضحك هو ثم اقترب منها يقبل رأسها و قال:
"بهزر معاكي يا ستي، كل سنة و أنتِ طيبة، المهم اعمليلي حاجة حلوة لحد ما أرجع"
ابتسمت هي له ثم هزت رأسها موافقةً فتحرك هو من أمامها و هي تنظر في أثره بهدوء و تأثرٍ.
_________________________
بعد مرور عدة أيام و خاصةً بعد انتهاء رحلة العمرة الخاصة بـ "حسن" و "هدير" معًا وقف الشباب معًا في المطار يستقبلون عودتهما.
لاح طيف "حسن" أمام "عامر" فرفع صوته يقول بمرحٍ:
"يا حج حسن !! نورت مصر"
ضحك "حسن" بشدة و "هدير" أيضًا التي حاولت كتم ضحكتها حتى أقتربت من الفتيات تسلم عليهن بحماسٍ و شوقٍ لأول مرّة تشعر به تجاههن، و كذلك وقف "حسن" وسط الشباب يرحبون به و هو يعانق كلًا منهم حتى اقترب منه "وليد" يسأله بمرحٍ:
"جيبتلي مية زمزم و لا لأ ؟؟ اقسملك بالله هشربك مياة من منبع النيل لحد ما تتعلم الادب"
ضحك "حسن" بيأسٍ ثم قال بقلة حيلة:
"و الله العظيم جيبتها ليك و الله و ظبطك من هناك، ابعد عني بقى بلاش ذنوب الله يرضى عليك"
رمقه "وليد" بغيظٍ ثم حرك رأسه يطالع ابنة عمه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"ازيك يا هدير ؟؟ حمدًا لله على سلامتكم، ربنا يتقبل إن شاء الله"
ابتسمت له و هي تقول:
"ربنا يكتبهالك يا وليد، ربنا يكرمك و يرزقك بزيارة لهناك و تحس اللي حسيته و أنا هناك"
أقترب "طارق" من "حسن" يعطيه مفاتيح السيارة و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"مفاتيح عربيتك أهيه، روحوا ارتاحوا بقى و نبقى نتقابل لما نجيلكم، عم محمود كان عاوز ييجي بس بكرة هو العيلة كلها هتيجي ليكم"
تحدث "ياسين" مسرعًا:
"استنوا بس قبل ما أنسى أنا جايب ليكم فوانيس صغيرة كدا بمناسبة رمضان، كل واحد باسمه"
ابتهج وجه الجميع بعد حديثه فأخذ الحقيبة البلاستيكية من حقيبة زوجته ثم قام بإعطاء كلًا منهم هديته و هو يبتسم لهم و كذلك فعلت "خديجة" مع الفتيات
بعدها تحدث "عامر" بلهفةٍ:
"نتصور بقى، بلاش فقر و خلونا نتصور جنب المطار، يا ستار منكم"
وقف الرجال بجانب بعضهم و كذلك الفتيات فنادى "عامر" أحد العاملين بالمكان و طلب منه التقاط الصورة لهم سويًا في صورةٍ عائلية جمعتهم سويًا.
_________________________
في اليوم التالي في شقة "حسن" كان جالسًا على الأريكة يتذكر والدته و عاداتها في مثل تلك الأيام بقرب شهر رمضان، لمعت العبرات في عينيه تأثرًا حتى أقتربت "هدير" تجلس بجواره و هي تقول بمرحٍ:
"الشقة كانت وحشاني بصحيح، بس برضه المكان هناك أحلى مليون مرة، يا رب اكتبهالي تاني"
ابتسم لها حتى سألته هي بتعجبٍ من صمته و حالته:
"مالك ساكت كدا ليه ؟! أنتَ زعلان إننا رجعنا ؟! صح"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"كنت فرحان و أنا هناك أوي و حسيت إن فيه نور غريب بيدخل جوة قلبي، بس أنا افتكرت أمي الله يرحمها كانت في الأيام اللي زي دي لازم تجيب حاجة رمضان و كانت علطول تروح بنفسها للناس تديهم الحاجة، لما روحنا العمرة أنا طلبت من ربنا يسامحني علشان ماكنتش بحب الأيام دي، أو كنت بتوجع فيها"
عقدت ما بين حاجبيها و هي تحرك رأسها مستفسرةً فأضاف هو مُفسرًا بعدما تنفس بعمقٍ:
"رمضان لواحد زيي و العيد بيكون صعب أوي، الناس كلها مع بعض عزومة و لمة و أهل يسألوا بس أنا كل سنة كنت اتمنى الموت علشان أهرب من الوجع دا، و خاصةً مع نظرات الشفقة من الجيران، بس على قد كدا عم مرتضى و الشباب عمرهم ما خلوني أحس احساس وحش، كانوا معايا علطول، و بصراحة أنا كنت بفرح أوي و أنا وسطهم"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ فأضاف هو بهدوء:
"بس السنة دي بقى رمضان جاي عليا و أنا أكتر إنسان فرحان في الدنيا كلها، عندي بيت و معايا مراتي فيه، و عندي عيلة زي عيلة الرشيد هقعد وسطهم كدا و أنا ليا وضعي، ما أنا واخد بنتهم بقى"
ضحكت "هدير" رغمًا عنها من بين دموعها فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"ربنا يخليكوا ليا يا رب، و يبارك في وجودك يا هدير"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
"يا رب، أنا عاوزة أقولك حاجة، إن دا أول رمضان أعرف المفروض نتصرف فيه ازاي، و عاوزة أقولك حاجة و ربنا يسامحني بقى، دا أول رمضان هصلي التراويح فيه، بس أنا ناوية أكمل بعض رمضان كمان"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بعدما تنفس بعمقٍ:
"ربنا يكرمك و يثبتك و خدي رمضان دا فرصة علشان نبدأ سوا"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"طب يلا ؟! أنتَ قولتلي هنروح نجيب حاجة رمضان و هنروح لميمي، يلا علشان هي وحشتني اوي، كلهم جُم و مشيوا خلاص"
تنهد بعمقٍ ثم سحبه نحوه و هو يقول بخبثٍ:
"طب إيه طيب ؟! بقالي كتير مسمعتهاش، نسيتيها ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
"احــضـنـي يـا حـسـن"
احضتنها هو بعد جملتها تلك و هو يضحك عليها و هي الأخرى تتمسك به بفرحةٍ.
_________________________
فوق سطح بيت الرشيد كان "أحمد" جالسًا بجوار أخته و "سلمى" يقوم بشرح مادة اللغة الإنجليزية لهما، أنهى شرحه لـ "سلمى" ثم أتى دور "خلود" و كعادتها جعلته ينفعل و يضرب كفيه ببعضهما حتى ضحكت عليه و هي تقول بقلة حيلة:
"و الله العظيم بكرهه، مبكرهش في حياتي قد الانجليزي دا، علشان خاطري استحمل شوية"
نظر لها بيأسٍ و هو يقول:
"دا أنا ربنا نجدني من المهنة دي، لو العينات كلها زيك كدا، و مخلياني أضرب الراجل و أطحنه ما هو معاه حق، مشوفتش كدا"
ردت عليه هي بضجرٍ:
"ولا !! اهمد بقى مش ناقصاك هي، و بعدين خلينا نشوف هنتنيل نشيل أيه غير الانجليزي"
ضحكت "سلمى" عليها في حين سألها شقيقها بتعجبٍ:
"تشيلي ؟! الناس كلها بتقول هنشوف نذاكر إيه و أنتِ بتقولي هنشيل إيه ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
"آه، بعدين رمضان جاي و رمضان مفيهوش مذاكرة معروفة يعني، هو أنا بفتي ؟!"
رمقها بغيظٍ ثم وجه بصره نحو "سلمى" يسألها بتعجبٍ:
"و الأستاذة سلمى ؟! برضه ناوية تشوف هتشيل و تريح شهر رمضان ؟! و لا حاطة خطة ؟!"
ردت عليه هي بتيهٍ:
"بص !! سيبها لله زي ما تيجي تيجي، أصل أنا مش هقطع نفسي يعني دا رمضان يعني اليوم طاير فيه أصلًا
زفر هو بقوةٍ و قبل أن ينطق صدح صوت هاتفه برقمٍ انتظره هو منذ جلسته معهما حتى حان الوقت حينها تركهما و خرج ثم عاد لهما من جديد بعد مرور دقائق و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"عمار معايا برة، هيدخل هنا"
اعتدلت كلتاهما في جلستها و تممت "خلود" على حجابها فدلف هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا آسف على الازعاج"
ردت عليه "سلمى" بنبرةٍ هادئة:
"لا ازعاج ولا حاجة، اتفضل"
دلف هو يقف بجوار "أحمد" الذي وقف يتابع شقيقته التي جلست ببرودٍ لا تكترث بقدومه، فتحدث "أحمد" بثباتٍ:
"عمار كان جاب ملازم ليكي و كشكول لسلمى علشان تعمل زيه، قولت ييجي هنا أحسن علشان يفهمنا الدنيا"
ردت عليه بنفس البرود و اللامبالاة:
"بجد ؟! طب كويس و الله، شكرًا يا أستاذ عمار، ربنا يكرمك ان شاء الله"
رد عليها هو بثباتٍ و ثقةٍ:
"هيكرمني إن شاء الله"
طالعته بسخريةٍ فجلس هو بجوار "أحمد" و أمامه الفتاتين فسأله "أحمد" بنبرةٍ جامدة:
"ينفع يا عمار نعدي شهر رمضان من غير ما يذاكروا فيه ؟!"
رد عليه "عمار" بهدوء:
"لأ طبعًا، رمضان دا شهر كله خير و بركة و العمل عبادة، يعني أتقن فيه و مهملوش علشان ملهيات الدنيا"
استطاع بفطنة حديثه جذب انتباههما، فأضاف بعدما وجد النظرات نحوه:
"بمعنى إن الأوقات دي أنا المفروض استغلها صح، بحيث أني أخرج من رمضان إنسان تاني أقوى و أنجح من اللي فات، لازم أعرف إن رمضان دا شاحن لروحنا و مجدد لطاقتنا، يعني لازم أمسك في الفرصة دي بايدي و سناني"
تحدثت "خلود" بسرعةٍ:
"ماشي، بس دا في العبادات، إنما المذاكرة ؟! صعب بصراحة"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بثباتٍ:
"مفيش حاجة اسمها صعب، أنا اللي بقرر إيه صعب و إيه سهل، بمعنى أني لو فضلت أقول لنفسي كلام سلبي و أقلل من شأن نفسي كدا أنا مش هوصل لحاجة، و نفس الحكاية لو أنا واثق من قدراتي يبقى هقدر أبدع في كل حاجة"
تحدثت "سلمى" تسأله بخوفٍ:
"طب اذاكر ازاي ؟! رمضان و المذاكرة مع بعض صعب يتلاقوا"
رد عليها هو مفسرًا بنبرةٍ هادئة و كلماتٍ متريثة:
"لازم تعرفي إن رمضان....."
"في مصر حاجة تانية و السر في التفاصيل ؟!"
قاطعته "خلود" بذلك بعدما توقف هو لبرهة عابرة حتى حدجها "أحمد" محذرًا فتنحنحت هي باحراجٍ، كتم "عمار" ضحكته و استعاد ثباته و هو يقول:
"اليوم في رمضان بيبدأ من صلاة الفجر مش بيخلص الفجر، أحسن وقت للمذاكرة بقى من بعد الفجر لغاية الضهر، نقسم الوقت كل أربع ساعات بينهم فاصل صغير اقرأ فيه قرآن أو التزم بترديد ذكر معين"
أنهى كلماته ثم أضاف متابعًا:
"العقل في الوقت دا كله نشاط و طاقة و مش حاسس بالجوع، و لا عطش، و الملهيات مش كتير، يعني مفيش شغل بيت أو تلفزيون يلفت نظرك أو حتى النت ممكن يحصل فيه حاجة تخليك مهتم بيها أصلًا، علشان كدا دا أكتر وقت تذاكر فيه الأجزاء الصعبة اللي محتاجة طاقة و مجهود منك"
كانت كلتاهما تتابعه باهتمامٍ و كامل انصاتهما حتى أضاف هو:
"بعد الضهر الطاقة تلقائيًا هتبدأ تقل و تحس بالجوع و العطش كمان، الفترة دي لغاية العصر تنامها بعد ما تصلي طبعًا.....من قبل المغرب بساعة طبعًا هتصحى علشان تصلي العصر، الفترة دي تركز في العبادات و تقرأ القُرآن أو درس دين يفيدني في رمضان، أو تعيد فيها الجزء اللي قصرت فيه في مذاكرتك..... بعدها طبعًا الفطار و تجهيزه من الوقت دا لغاية صلاة التراويح أنت بتعيش رمضان عادي جدًا، يعني لحد صلاة التراويح براحتك، بعدها بقى حدد ساعة و نص تراجع فيها على اللي ذاكرته و راجعته أو لو حاجة لسه مخلصتهاش خلصها علشان متتراكمش عليك"
حركت "سلمى" رأسها بتفهمٍ و "خلود" أيضًا فأضاف هو:
"اقصى حد للنوم يكون ١١ بليل أو ١١:٣٠ و دا علشان جسمك يرتاح لحد ميعاد السحور، و بعدها تكرر يومك في مادة تانية و طبعًا الدروس موجودة و ليها تأثير هنروح الدروس عادي و يفضل نذاكر زي ما احنا مهما كان ميعاد الدرس، و أهم حاجة بقى أرمي نفسك على المذاكرة و خلاص، متنستناش حاجة، ذاكر و ابدأ و حاول و جاهد و افتكر إن الوقت لو فات أنتَ بس اللي هتتلام على تقصيرك، فبلاش أنتَ كمان تلوم نفسك أنك مقصر"
اشعل حديثه حماسهما حتى سألته "خلود" بلهفةٍ:
"ينفع تعملي الجدول دا ؟؟ و تساعدني فيه ؟!"
رد عليها مُبتسمًا:
"وسط الملازم دي هتلاقي الجدول بتاعك، و فيه زيه للآنسة سلمى كمان في الكشكول دا، صممي زيه في المواد بتاعتك و هتلاقي جدولي عندك اللي كنت ماشي عليه أنا"
ابتسمت له بامتنانٍ فوقف هو يقول بهدوء:
"عن اذنكم بقى علشان اتأخرت و الشباب مستنييني عند ميمي، السلام عليكم"
ردوا عليه التحية فسبقه "أحمد" و هو يقول مسرعًا:
"استنى هشوف الأسانسير شكله متعلق ثواني"
حرك رأسه موافقًا فتحرك الأول من أمامه و لحقه "عمار" و قبل أن يخرج من السطح وصله صوتها و هي تقول بسخريةٍ ظنًا منها أنه رحل خلف أخيها مباشرةً و لم تلحظ وجوده:
"هو أنا مهري هيبقى ملازم و لا إيه ؟! هيحطوها من ضمن القايمة ؟!"
شهقت "سلمى" حينما لاحظت وجوده فالتفتت "خلود" تنظر نحو موضع بصر الأخرى و حينها اتسعت حدقتي عينيها فأضاف هو بسخريةٍ:
"مين قالك إن المهر ملازم بس ؟! لأ.....و سندوتشات شاورما كمان، و كَتَر تومية"
قالها بعبثٍ ثم رماها بغمزة من طرف عينه حتى التفتت و هي تحاول كتم ضحكتها فزفر هو بيأسٍ ثم خرج من السطح و هو يضحك عليها.
_________________________
احتضنها "حسن" بفرحةٍ و هي تبكي بعد رؤيته و رؤية "هدير" معها، ثم جلس بجوارها و هو يقول بتأثرٍ:
"وحشتيني اوي و كان نفسي نروح سوا، بس وعد مني المرة الجاية نكون مع بعض سوا، دعيتلك كتير أوي و مغبتيش عني لحظة"
ربتت "ميمي" على كفه و هي تقول بصوتٍ باكٍ:
"ربنا يباركلي فيك يا حبيبي، ربنا يكرمكم و يتقبل منكم و يرزقكم بكل خير سوا يا رب"
حرك رأسه موافقًا فتحدث "عامر" بسرعةٍ كبرى:
"يلا يا حسن علشان تعلق معانا زينة رمضان، يلا يا عم و سيب الستات تقعد مع بعض"
طالعه "حسن" بتعجبٍ و قبل أن يدرك ما يحدث وجد الشباب يأخذونه معهم للأسفل حتى يشاركهم في تجهيز الزينة لشهر رمضان المبارك.
وقفوا في مدخل البيت فتحدث "خالد" بهدوء:
"بصوا هنظبط الدنيا هنا في الهدوء و بعدها بشوية تكون الرجل خفت عن الشارع و ساعتها بقى نعلق الزينة في السكوت"
نظر "عامر" للزينة الموجودة على أرض المدخل ثم تحدث بسخريةٍ:
"هي دي الزينة ؟! دي مش هتكفي حاجة !!"
رد عليه "ياسين" بقلة حيلة:
"ما هما دول اللي اتبقوا من السنة اللي فاتت، استنى بكرة نجيب شوية كمان"
تحدث "عامر" بسرعةٍ كبرى:
"طب جهز الحاجات دي و خلاص، مش مشكلة أنا طالع فوق و نازل تاني"
عقدوا ما بين حاجبيهم بتعجبٍ و بعد مرور دقائق من صعوده نزل هو مرةً و في يده السماعات الكبرى و قبل أن ينطق أيًا منهم قال هو بلهفةٍ:
"قبل ما حد فيكم يتكلم !! هشغلوا هنا بصوت واطي لحد ما نعلق الزينة، أي حاجة تحسسنا بس برمضان"
جلس وسطهم و "خالد" يقوم بتجهيز أسلاك الكهرباء و "ياسين" يقوم بفرد فروع الورق المُزينة، فوقف "عامر" يقول بقلة حيلة:
"خالد !! هو أنتَ إيه اللي يزعلك مني و يخليك تضايق ؟!"
طالعه "خالد" بتعجبٍ فتحدث هو بنفس الضعف:
"حقك عليا يا خالد، بس أنا مش قادر بجد، أعذرني يا صاحبي"
قبل أن ينطق "خالد" ركض "عامر" للخارج ثم رفع صوته قائلًا:
"يــا عــيـال..... احنا هنعلق زينة رمضان تعالوا.....كل سنة و انتوا طيبين"
صرخ الاطفال بقوةٍ و هم يركضون نحوه فتحدث "ياسر" بسخريةٍ و هو يقول:
"مكتوبالك يا خالد، عامر هيقضي عمره اللي جاي فوق السفرة"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت "سلمى" تتحدث عن قدوم الشهر الكريم حتى أضافت بقلة حيلة:
"بس أنا زعلانة أوي، رمضان السنة دي البيت هيكون فاضي، كلهم مشيوا و مفيش غير أنتم بس، كان نفسي نكون سوا و خاصةً لما جميلة رجعت"
تحدث "أحمد" بقلة حيلة:
"هنعمل إيه يعني ؟؟ اتجوزوا خلاص يا سلمى، عقبالك كدا إن شاء الله"
ابتسمت هي له و في تلك اللحظة قفزت "خلود" من موضعها و هي تقول بحماسٍ:
"صبرك عليا مش هزعلك و الله
نزلت من السطح للاسفل ثم طرقت الباب الذي قصدت وجهته هي في بيتهم، فُتح لها الباب فقالت هي بخبثٍ:
"الراس الألماظ في العيلة، جاية في خدمة محدش هيعملها غيرك"
كانت تتحدث بخبثٍ و عينيها تلمع ببريقٍ حاد و هي تعلم أن الشخص الذي قصدته هو الذي سيساعدها لما تريد، فمن هو و ماذا تريد ؟!
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم شمس بكري
"
"سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ
وَلكِنَّنا نُحَاِولُ فَأَعِنَّا"...
_________________________
أتىٰ شَهرٌ مباركٌ يزيل عن قلوبنا الهموم و يطهر الأجساد ما بها من سموم، فأصبحنا نتغنى ببهجته و قارنت الفرحة ليالنا، فخير أنسٍ نجده في تلك الأيام و ابتهجت أراضينا، فياليت كل الدهر أيام رمضان، يا ليته يبقى و يبقى معه الأمان، اللهم اكتب لنا برحمتك و فضلك روضة الجِنان.
_"يــا عــيـال !! هنعلق زينة رمضان تعالوا، كل سنة و انتم طيبين"
تفوه بها "عامر" بصوتٍ عالٍ و هو على أعتاب البيت مما جعل الأولاد يركضون نحوه بسرعةٍ كبرى تزامنًا مع صوت تهليلهم و صرخاتهم بفرحةٍ، جعلت الشباب ينظرون لبعضهم بتعجبٍ و "حسن" الذي انفجر ضاحكًا.
اجتمع الأطفال يلتفون حول "عامر" الذي اتجه نحو جهاز الموسيقى يرفع صوت الأغاني و هو يقول بمرحٍ:
"هاتوا الفوانيس يا ولاد.....هاتوا الفوانيس.....هنزف عريس يا ولاد.....هنزف عريس"
تحدث "خالد" حينها بخبثٍ:
"ماشي....لما أزفك أنا متبقاش تزعل، أظن كدا عرفنا من العريس اللي هيتزف"
تدخل "ياسين" يقول بنفس نبرة خبث الأخر و كأنهما نفس الشخص:
"يمين بالله لأعملك زفة فوق السفرة تخلي السفرة ترقص بيك، صبرك عليا"
تجاهل "عامر" حديثهما ثم اقترب يقف بجوار الأولاد و هو يقول بمرحٍ:
"يلا ياض أنتَ و هو افرحوا و اتبسطوا، كل سنة و أنتم طيبين"
ركض الأولاد في الشارع يصرخون و خلفهم "عامر".
وقف وسطهم في الشارع و هو يضحك بملء شدقيه حتى اقترب منه "ياسر" يقول بقلة حيلة:
"مفيش زينة و ليلة السحور بكرة، هنعمل إيه يابن المحروسة؟!"
حرك "عامر" كتفيه بقلة حيلة و كأنه يعبر عن جهله بالأمر و في تلك اللحظة اقترب منهما "عمار" و هو يبتسم بخفةٍ فقال "عامر" مُسرعًا:
"عمار !! هات مفتاح المكنة بسرعة، هاته يا عمو بسرعة"
أخرجه له شقيقه بتعجبٍ، حينها خطفه "عامر" من يده بسرعةٍ كبرى ثم ركض نحو بيت والده، مما جعل "عمار" ينظر في أثره بغرابةٍ فتحدث "ياسر" ساخرًا:
"أخوك معمول على شرفه حفلة النهاردة على سُفرة ميمي، أوعى تفوتك دا ياسين بنفسه مشارك"
ابتسم "عمار" بسخريةٍ فيما زاد عدد الأولاد و الصبية حولهما و أمام البيت حتى يشاهدون تزيين الشارع و البيت، و "خالد" و البقية في مدخل البيت يقومون بربط أسلاك الكهرباء في المصابيح الكهربية.
_________________________
دلفت "خلود" و هي تبتسم بخبثٍ لـ عمها "مرتضى" جلست بجواره ثم قالت بسرعةٍ كبرى:
"عاوزاك معايا في موضوع محدش هيعمله غيرك، ركز معايا يا حج مرتضى كدا"
عقد ما بين حاجبيه فتحدثت هي بسرعةٍ تقص عليه ما تريد و ما خططت له و هو يستمع لها بانصاتٍ و لم ينكر اعجابه بفكرتها و حديثها حتى انهت حديثها فأضاف هو بمرحٍ:
"يا سوسة ؟؟! هو بعينه و الله نفس التفكير و نفس استغلال الناس، انقلب السحر على الساحر !!"
ردت عليه هي ببراءةٍ زائفة:
"خالص و الله يا عمو، دا أنا غرضي شريف و الله، تعالى بس معايا بكرة ليلة السحور، يلا !!"
وقف معها حتى يخرجا سويًا من الشقة فأوقفتهما "مروة" بقولها الخائف:
"خير يا رب !! على فين العزم يا أستاذ مرتضى أنتَ و الهانم ؟!"
رد عليها بخبثٍ:
"البت غرضها شريف يا مروة، رايحين نقلب السحر على الساحر"
عقدت ما بين حاجبيها بتعجبٍ منهما و بعد خروجهما سويًا حدثت نفسها بتهكمٍ تقول:
"اقطع دراعي إن ما كان وراكم مصيبة انتو الجوز !! استرها يا رب"
نزلا سويًا لوجهتهما الثانية فطرقت هي الباب بهدوء حتى فتحت لهما "مشيرة" و حينما ابصرتهما سويًا تحدثت بقلقٍ زائفٍ:
"خير إن شاء الله ؟! إيه اللي لم الشامي على المغربي ؟!"
تحدث "مرتضى" بوقاحةٍ:
"وسعي يا بت خلينا ندخل، إيه قلة الذوق دي ؟!"
افسحت لهما الطريق فدلفا سويًا و جلسا بجوار بعضهما حتى جلست "مشيرة" مقابلةً لهما و أتى"حسان" من الداخل مرحبًا بهما، فتحدثت زوجته تسأل بلهفةٍ:
"ها !! عاوزين ايه، أنا أعصابي بايظة و مش مستحملة، خير"
ردت عليها "خلود" بهدوء عكس طبيعة شخصيتها:
"لا خالص كل خير متخافيش، بس بالأمانة يا عمتو مش نفسك بنتك تكون معاكي في رمضان و خصوصًا إن دا أول رمضان ليكي معاها ؟! مش نفسك كدا تكون وسطنا و تحس بالجو العائلي ؟!"
تنهدت "مشيرة بقلة حيلة ثم ردت بقولها المغلوب:
"نفسي....بس هعمل ايه بقى ؟! اتجوزت و بقت في بيتها خلاص مع طارق، هي معانا برضه و مش بعيد عننا"
اقتربت من عمتها تجلس بجوارها و هي تقول بلهفةٍ:
"لأ ازاي ؟! اسمعي مني بس، ركزي معايا و أنا هخلي بنتك معانا هنا، وافقي بس و عمو حسان كمان يوافق"
رد عليها "حسن" بقلة حيلة:
"ناوية على إيه يا خلود ؟!"
ابتسمت له بحماسٍ و عينيها تلمع بخبثٍ ثم قالت:
"هقولك أنا ناوية على إيه، ركزوا معايا و اسمعوني كويس"
كان "محمود" جالسًا في شقته يقرأ في المصحف الشريف حتى وصله صوت طرقاتٍ على باب البيت حينها أغلق المصحف ثم اقترب من الباب يفتحه و حينها شهق بقوةٍ ثم قال بخوفٍ:
"مرتضى و خلود و مشيرة مع بعض ؟؟ فين وليد علشان تبقى كملت بقى ؟!"
نظروا له بملامح وجهٍ ضاحكة فاقترب منه "مرتضى" يقول:
"يا عم متكبرش الموضوع، دخلنا بس علشان نتكلم و نقولك إحنا عاوزين إيه، خلص بقى يا محمود !!"
دلفوا جميعًا يجلسون مع بعضهم، فقالت "مشيرة" بنبرةٍ هادئة:
"اسمع خلود عاوزة تقول إيه يا محمود، و شوف كدا كلامها"
حرك رأسه موافقًا ثم وجه بصره نحو "خلود" التي قالت ببراءةٍ اجادت رسمها ببراعة على ملامحها و نبرة صوتها:
"كل سنة و حضرتك طيب يا عمو محمود، رمضان مبارك عليك، حضرتك عارف إن دا أول رمضان يمر علينا بالتغيير الجذري دا، الشباب كلهم اتجوزوا و جميلة رجعت و هدير ربنا هداها، و خديجة ربنا فرحها و عوضها عقبالنا يعني"
ضحكوا عليها بعد جملتها الأخيرة فأضافت هي بنفس البراءة:
"البيت فاضي و ملوش صوت و حضرتك ميرضيكش اننا نكون في الهدوء دا و كل واحد بيته مقفول عليه، دا غير يعني.... أنا آسفة.....طنط فاطمة الله يرحمها بقى، يعني حضرتك كدا هتكون لوحدك، يبقى أفضل حل ان حضرتك تكلم الشباب و ييجوا يقضوا رمضان معانا هنا، و نكون عيلة مع بعض كلنا و خصوصًا و جميلة وسطنا وسط عيلتها.... و كمان علشان حسن برضه طول عمره لوحده يبقى يجرب لمة العيلة وسط أخواته و أهله"
طالعها "مرتضى" ببلاهةٍ لا يصدق مدى صدق حديثها و براءتها كما أنها أجادت اختيار الأشخاص في السيطرة على عمها و اللعب على أوتار فؤاده بكلماتها التي أصابت الهدف و أصبحت رنانة.
تحرك "محمود" من أمامهم دون أن ينبت ببنت شفة، و في تلك اللحظة مالت "مشيرة" على اذن "خلود" تقول بتهكمٍ:
"إيه يا بت ؟! إيه الدماغ دي ؟! يخربيتك دا أنا قشعرت"
تدخل "مرتضى" يقول بسخريةٍ:
"المفروض نلحق نتصور معاكي النهاردة قبل بكرة، كدا أضمن"
سألته بحيرةٍ:
"أضمن إيه ؟! مش فاهمة"
رد عليها بنفس السخرية:
"الشياطين بكرة هيتسلسلوا، ما هو تفكيرك دا تفكير شياطين، يخربيت دماغك"
ابتسمت بثقةٍ و هي تقول بزهوٍ:
"دي مدرسة وليد الرشيد، هتعلمك اللي مفيش مدرسة في الدنيا تعرف تعملهولك"
في تلك اللحظة خرج "محمود" من الداخل معه العصير في يده و هاتفه و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
"أنا جيبت التليفون أهو علشان اكلمهم و أقولهم، خلاص رمضان هيبقى هنا معانا، القرار صدر"
نظر كلًا من "مشيرة" و "مرتضى" لبعضهما و هما يبتسمان، فيما لمعت عيني "خلود" ببريقٍ و هي ترى حصاد فكرها و خططتها.
_________________________
في مدخل بيت "ميمي" انهوا الشباب ضبط الأسلاك و المصابيح و عاونهم "حسن" في ذلك، و فجأة استمعوا لصياح و صرخات الأولاد في الشارع، فركضوا لهم حتى تفاجئوا بـ "عامر" يركب دراجته النارية و معه أكياس بلاستيكية كبيرة الحجم و بداخلها شرائط الزينة المستخدمة في تزيبن الشوارع في هذا الشهر الفضيل.
ضرب "خالد" كفيه ببعضهما فأوقف "عامر" الدراجة بقرب الشباب و هو يقول بفخرٍ و زهوٍ في نفسه:
" أي خدمة، جيبت زينة من المصنع نفسه، شوفوا شغلكم"
اقترب "ياسين" يسأله بتعجبٍ:
"جيبتهم منين دول ؟! هو حد لاقي ؟! دي خلصت في مصر كلها"
رد عليه بثباتٍ:
"مصنع أم حودة، صحيح هي كانت قاعدة في المنور هي و عيالها، بس إن شاء الله المصنع دا هيكبر و يكسر الدنيا"
"فوق دماغ أهلك إن شاء الله، يا بجح يا أبو وش مكشوف !!"
تفوه "خالد" بذلك بصوتٍ عالٍ بعدما تمكن منه الغضب بسبب أفعال ذلك الأبله فيما رد عليه "عامر" بضجرٍ منه:
"يا عم بقى !! خرجني من دماغك، هو أنتَ ضرتي ؟! عاوزين نفرح يا عم بقى"
قال "عامر" حديثه ثم اقترب من جهاز الموسيقى يمسكه و قام بوضعه في الشارع و قام بتشغيل الأغاني على أعلى صوتٍ و هو يصفق بكفيه و الاطفال حوله يقفذون فرحًا بتلك الأجواء و ارتفعت صوت الكلمات حولهم:
" جه الدور عليكم....تجملوا أيامكم بإيديكم....متعيشوش في اللي فات و اخلقوا ذكريات....تكون لايقة عليكم....مش هيعدي علينا رمضان....غير لما نزين زي زمان....هنحافظ على اللي فات و نزود عليه حاجات...و نهديها لولادنا.... خيوط من نور تجمعنا...من كل زمان و مكان.... خيوط رابطة قلوبنا بِـ نزين بيها رمضان...."
صفق بكفيه معًا وسط الأولاد حتى زفر "خالد" بيأسٍ ثم قال بقلة حيلة أمام فرحة أخيه:
"طب و الله العظيم ما مزعلك ياض يا عامر، كل سنة و أنتَ طيب ياض"
ضحك الشباب عليهما فأمرهم "خالد" بنقل الاشياء للشارع حتى يزيد البهجة وسط تلك الأجواء و معهم "حسن" الذي لأول مرّة يعيش تلك الأجواء.
جلسوا في الشارع و "خالد" يقوم بضبط الكهرباء و معه "ياسين" يعاونه في ذلك و "ياسر" و "حسن" و "عمار" يقومون بفرد الزينة و استخدامها قبل تعليقها، أما "عامر" كعادته أمسك "الدف" يطرق عليه و سط الأطفال و يغني معهم بملء صوته:
"رمضان ليه روح....باب للجار مفتوح....و عيال بالفوانيس رايحة و جاية....تغني لرمضان... أهل و أحباب....مع لمة أصحاب....ريحة أيام خير و محبة و فرحة في كل مكان....رمضان...رمضان....رمضان نور......و الخير بيفيض....و يزيد أكتر....."
أنهى كلماته ثم أعاد من جديد:
"هاتوا الفوانيس يا ولاد....هنزف عريس يا ولاد هنزف عريس....هاتوا الفوانيس يا ولاد.... هنزف عريس يا ولاد هنزف عريس.... هيكون فرحه ٣٠ ليلة....هنغني و نعمل هوليلة.....و هنشبع من حلوياته....هاتوا الفوانيس يا ولاد....هاتوا الفوانيس"
كانت الأطفال تردد خلفه و هو يطرق لهم على الدف و فجأة اعاد الكلمات من جديد مما جعل السكان يفتحون نوافذ الشقق و الشرُفات يشاهدون سبب تلك البهجة الغريبة و لم يثير الموقف دهشتهم بل بالعكس كان ذلك متوقعًا في وجود سبب البهجة "عامر فهمي"، لذا صفق السكان معه و انتشرت أصوات التهنئة و التبريكات بينهم و في الأسفل أكمل "عامر" الطرق و هو يقول:
"وحوي يا وحوي....أياحا....و كمان وحوي....أياحا....روحت يا شعبان....أياحا....وحوينا الدار...جيت يا رمضان....
وحوي يا وحوي
...لولا الحبايب لولا جينا....الله الغفار....و لا تعبنا رجلينا..... لولا الحبايب لولا جينا و لا تعبنا رجلينا.... افرحوا يا بنات يلا و هيصوا....رمضان اهو نور فوانيسه... يا حلاوة التين و القمر الدين....هالله هالله...و كياس النُقل و قراطيسه"
كان ينتقل بين الأغاني و هو يطرق على الدف و الأولاد يرقصون و "حسن" وسط الجميع يود الرقص من فرحته بتلك الأجواء و راح يلعن وحدته السابقة و أيام الفائتة دون أن يشارك ذلك المجنون هذه الأجواء.
كانت الفتيات تقف في الشرفة في شقة "ميمي" يشاهدن تلك الأجواء بفرحةٍ و خاصةً حينما قام "خالد" بتجربة المصابيح بعد توصيلها فانتشرت التصفيقات الحارة و أصوات الصفير العالية من الشباب.
اقترب "عمار" من "ياسر" يسأله بهدوء كعادته:
"صحيح يا ياسر عملت الفانوس و لا لسه ؟! اوعى تكون معملتش فانوس السنة دي ؟!"
رد عليه بفخرٍ بذاته:
"عيب عليك يا دكتور عمار !! جاهز بقاله اسبوع كامل في شقة أمي، هجيبه متخافش"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم له فتحدث "خالد" بهدوء:
"هاتوا السلم علشان أطلع أعلق فرع النور و بعدها بقى نعلق الزينة و خلاص"
قام "عامر" بجلب السلم الخشبي ثم وقفوا يمسكونه له حتى يصعد عليه "خالد" و بالفعل وقف عليه حتى صعد للطابق الأول و في تلك اللحظة تحدث "يونس" الذي كان يقف في الشرفة بجوار والدته ينادي والده بخوفٍ يحذره بكلماتٍ لم تكن مفهومةً للبعض لكنها اخترقت قلب "خالد" قبل مسامعه حينما قال صغيره:
"حاسب يا خالد !! هتقع"
رفع "ياسين" صوته يرد عليه بقوله المرح:
"متخافش على أبوك ياض، أبوك جامد، زيك كدا يا يونس"
تدخل "عامر" يقول ببروده المعتاد:
"و لو وقع يا عم !! ما يقع إلا الشاطر، عادي خالد و راح"
ضحكت المنطقة بأكملها عليهم، فتحدث "خالد" بخبثٍ:
"كمل يا بن فهمي، كمل علشان لو احتاجت وصلة للسلك، هوصلك أنتَ بيه، ها إيه كمان ؟!"
رد عليه "عمار" بمحبةٍ و ودٍ:
"اقسم بالله أخويا الكبير اللي اضحي برقبتي علشانه، أنزل يا أبو يونس و أنا أعمل مكانك"
زادت الضحكات أكثر عليهما و خاصةً "خالد" الذي حرك رأسه نفيًا بيأسٍ و في تلك اللحظة وصلهم صوته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رمضان مبارك عليكم جميعًا"
التفت الشباب ينظرون خلفهم حتى ابتهجت وجوههم برؤيته فقال "ياسين" مرحبًا به:
"أيــوب !! كل سنة و أنتَ طيب، رمضان مبارك عليك يا رب"
اقترب منهم "أيوب" يرحب بهم و يهنئهم بحلول ذلك الشهر الكريم و قد نزل له "خالد" و سلم عليه،فتحدث "أيوب" بسخريةٍ:
"لسه برضه عامر مسمع الشارع كله رمضان و بهجته ؟! طب و الله العظيم أنا قلبي كان حاسس"
رد عليه "ياسر" بقلة حيلة:
"قولنالك نقتله قولتلنا حرام، ساكتين علشانك بقى"
رمقه "عامر" بغيظٍ فيما ربت "أيوب" على كتف "ياسر" ثم قال بهدوء:
"ربنا يبارك فيكم، خليه يفرح يا سيدي، عامر لو كبت الفرحة جواه يموت، و لا نسيت ؟!"
غمز "أيوب" لـ للشباب و خصوصًا "عامر" الذي تجاهل مقصدهم، فتحدث "حسن" بحيرةٍ:
"هو عمل إيه تاني ؟! مصايبه مبتخلصش ؟!"
رد عليه "أيوب" مفسرًا بنبرةٍ ضاحكة:
"كنا بنحفظ القرآن في مسجد واحد، و كان علينا تسميع و بعده مسابقة، المهم عامر سمع و طلع حافظ الـ ١٥ جزء، و كلنا سمعنا و كنا حافظين، خرجنا من المسجد و الأستاذ راح يحتفل و يرقص يغني من فرحته، حاجة منتهى العبث"
حرك "حسن" رأسه نحو"عامر" بسرعةٍ كبرى فقال "عامر" متلعثمٍ:
"يوه ؟! من فرحتي أني سمعت، صحيح الطريقة نفسها كانت غلط بس الحمد لله ربنا ستر"
ضحك عليه الشباب فاقترب "أيوب" من "عمار" يقول بنبرةٍ هادئة:
"الحاجات اللي بعتها ليك عاوزك تذاكرها كويس علشان هتشرح التوعية دي بكرة في الفاصل بين ركعات التراويح، تمام !!"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم له، فسأله "ياسين" بتعجبٍ:
"مش فاهم ؟! عاوز منه إيه ؟!"
رد عليه "أيوب" مفسرًا:
"دروس قصيرة عمار هيتولى مهمة شرحها للمصليين بين ركعات صلاة التراويح، أنا متوسم فيه الخير إن شاء الله"
رد عليه "ياسر" بفخرٍ:
"كلنا يا أيوب و الله، ربنا يعلم غلاوته عندنا، فيه ناس تانية هنلبسها الكفن قريب"
أشار في حديثه و نظرته إلى "عامر" الذي سخر منه بملامح وجهه، فتحدث "خالد" مستفسرًا:
"قولي يا أيوب !! هو أنا لو قتلت عامر الليلة دي هتحاسب ؟! و لا اعتبره خير و بر للأمة كلها ؟!"
رد عليه "أيوب" مبتسمًا:
"خليه يفرح و يفرح الناس معاه يا خالد، عامر قلبه ابيض و بيحب الفرحة زي عنيه"
رفع "عامر" كفيه للأعلى و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
"روح يا أيوب يا ابن عبدالقادر ربنا يكرمك و يرزقك ببنت الحلال يا رب"
ضحك "أيوب" عليه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"يا رب يا سيدي، ربنا يكرم إن شاء الله، كل سنة و انتم طيبين"
سأله "خالد" بنبرةٍ جامدة:
"انصحه يا أيوب و قوله يهدا و يعقل كدا، الواد عمال يصغر"
رد عليه "أيوب" بهدوء بعدما ابتسم لهم جميعًا:
إظهار الفرحة بقدوم رمضان من تعظيم شعائر الله
"ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"
مرحبًا بالشعائر التي نُحب ونُعَظِّم قلبًا وقالِبًا
رمضان مُبارك و كل عام وأنتم بخير."
ردوا عليه التحية و المباركة فتحرك هو من أمامهم بعدما ودعمهم جميعًا، فعادوا لما كانوا يفعلونه و عاد "عامر" لـ بهجته من جديد.
في الأعلى تنفست "هدير" بعمقٍ ثم قالت بعدما ابتسمت لهن:
"ريحة رمضان هنا حلوة أوي، إيه الاحساس السكر دا ؟!"
ردت عليها "إيمان" بفرحةٍ:
"هو اللي سكر بجد لبسك، تحفة يا هدير، حلو أوي الفستان دا"
ابتسمت لها "هدير" و هي تقول:
"خدته من جميلة، هي قالتلي أجرب ألبسه بس بصراحة مرتاحة فيه أوي و هو واسع و حلو كدا، من ساعة ما رجعت من العمرة و أنا عاوزة لبسي كله يكون كدا"
ردت عليها "سارة" تؤيد حديثها:
"ربنا يكرمك إن شاء الله و رمضان اهو بدأ و دي فرصة حلوة، ربنا يثبت قلبك و يزيدك منه قرب"
ابتسمت لهن ثم حملت "يونس" على ذراعيها و هي تقول بفرحةٍ:
"أنا كنت بدعيلك كتير أوي و أنا هناك، كل ما أشوف طفل صغير مع أهله اتخيلك و أفضل أدعي من قلبي"
ردت عليها "خديجة" بنبرةٍ جامدة:
" بت !! متاخديش مني يونس ؟! يونس دا روح قلبي"
قبلته "هدير" تعاندها بتلك الفعلة ثم أخرجت لها لسانها حتى ركضت خلفها "خديجة" فسبقتها "هدير" و هي تحمل "يونس" الذي ارتفعت ضحكاته عاليًا و هما يركضا به.
_________________________
أنهت "عبلة" تزيين الشقة مع "وليد" وسط مشاكستهما لبعضهما و مزاحهما حتى أخبرته بضجرٍ بعدما خالف طلبها:
"أنا بكرهك و الله، يا مستفز هتموتني"
اقترب منها بعد جملتها تلك و على حين غرة لوىٰ ذراعها خلف ظهرها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"لأ يا سوبيا ؟! مش أنا اللي يتقالي كدا، لمي نفسك يا عسل"
ضغط على ذراعها حتى تأوهت و هي تقول بتوسلٍ له:
"سيبني خلاص دراعي وجعني، سيبني بقى، علقت الفرع مكانه و يا رب يتقطع مكانه مش عاجبني"
ارخى مسكته لذراعها و هو يبتسم بظفرٍ و قبل أن تتحرك من قربه سحبها نحوه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"رايحة فين ؟! قوليلي بحبك يا وليد، يلا !!"
حاولت التملص من بين يديه فضغط هو بيديه عليها و هو يقول امرًا بايجازٍ:
"اثــبـتـي !!"
سكنت حركتها فأضاف هو أمرًا لها بنفس الثبات:
"ها !! بحبك يا وليد ؟! سمعيني يلا بدل ما أزعلك !!"
ردت عليه تعانده بقولها:
"لأ....مش هقول، مستحيل"
رفع حاجبيه معًا ثم قال:
"قولي يا سوبيا !! رمضان بعد بكرة و لو موضوع سوبيا دا انتشر هتبقى حفلة عليكي، يا بت انطقي"
حركت رأسها نفيًا بقوةٍ فابتسم هو بخبثٍ ثم اقترب منها حتى اوهمها إنه سيقبل جبينها و فاجئها حينما ضرب رأسها برأسه، فصرخت هي بصوتٍ عالٍ، حينها قال هو بدهاءٍ:
"يا غبية !! لما حد يقرب منك كدا المفروض إنك توطي راسك، خليكي كدا هبلة و سوبيا مع بعض"
حاولت الابتعاد عنه حتى ابتعد هو برغبته فأمسكت ذراعه هي محاولةً لويه للخلف لكنها لم تنجح في ذلك فباغتها هو بفعله حينما سحبها له من جديد فقال بنبرةٍ هادئة:
"بلاش تعملي نفسك جامدة علشان أنتِ قلبك رهيف و مش حمل خبطة مني، و رغم كدا أنا بحبك يا ستي حتى لو مش هسمعها منك، كفاية أني متأكد إن قلبك دا مبيدقش غير ليا أنا"
أخفضت رأسها للأسفل تهرب من هدوئه ذلك و تلك الشخصية التي تعشقها هي به حينما يعاملها بذلك الهدوء، فيما اقترب منها هو حتى يقبل جبينها و في تلك اللحظة اخفضت رأسها و جزعها العلوي للأسفل، فابتسم هو بفخرٍ ثم قال:
"أقسم بالله فخور بيكي، طلعتي ناصحة، كنت فاكرك غبية"
تحرك من أمامها حتى قفزت هي على ظهره و هي تضحك بملء شدقيها و تقول بمرحٍ:
"كل سنة و أنتَ طيب يا ليدو، كل رمضان و أنا السوبيا بتاعتك"
ضحك هو عليها ثم دار بها و هي على ظهره تضحك بصوتٍ عالٍ و في تلك اللحظة طُرق باب شقتهما، فتحرك نحو الباب و هي على ظهره و قبل أن تنزل من على ظهره امسكها هو و منعها بقوله:
"خليكي دا مش حد غريب، دا طارق اخوكي، استني"
فتح الباب فوجد "طارق" أمامه ينظر له بضيقٍ و زاد أكثر حينما رآى شقيقته خلف ظهر "وليد" و هو يحملها فتحدث بنبرةٍ جامدة:
"أنتَ بتعمل إيه ياض أنتَ و هي ؟! انزلي يا هبلة أنتِ !!"
رد عليه "وليد" ببرود:
"يا عم أنتَ مالك مراتي، الأرض مش شايلاها، شايلها أنا على ضهري"
زفر "طارق" بقوةٍ ثم قال بنفاذ صبرٍ و قلة حيلة:
"وليد !! عمك محمود تعب أوي و عاوزنا كلنا نروحله، يلا البسوا و تعالوا معانا"
قال حديثه ثم تحرك من أمامهما فيما نظرا هما لبعضهما بقلقٍ ثم دخلا سويًا حتى يتجهزان معًا.
بعد مرور تقريبًا خمسة عشر دقيقة رحلت سيارة "طارق" و معه "وئام" و زوجاتهما، و خلفهما سيارة "وليد" و معه زوجته.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» جلس "محمود" على فراشه و أخوته حوله من يعلمون و من لا يعلمون، و النساء أيضًا.
اقترب منه "طه" يسأله بتعجبٍ من تغير حالته في وقتٍ قصير:
"مالك بس يا محمود ؟! إيه اللي حصلك ؟! ما أنتَ كنت كويس"
رد عليه بنبرةٍ منهكة:
"مرة واحدة كدا يا طه، حاسس أني تعبان و مش قادر، هعمل إيه بس"
ردت "مشيرة" بقلة حيلة و حزن لأجل أخيها:
"ألف سلامة عليك يا محمود، ربنا يطمننا عليك يا رب"
حرك رأسه موافقًا فيما جلست "خلود" بقربه و هي تربت على كتفه بتأثرٍ زائفٍ فحدث "مرتضى" نفسه بسخريةٍ:
"دا أنتِ ؟! الله يصبر اللي هيبتلي بيكي، مصيبة سودا !!"
في تلك اللحظة طرق باب الشقة فتوجه "أحمد" يفتحه حتى دلف الشباب بزوجاتهم و أول من ركضت كانت "هدى" تجلس بجواره و هي تقول بقلقٍ:
"بابا !! مالك يا حبيبي ألف سلامة عليك، مالك إيه اللي حصل ؟! حصله إيه يا عمتو !؟"
ردت عليها "مشيرة" تطمئنها بقولها:
"وحدي الله بس يا حبيبتي، هو تعب شوية بس من ضغط الشغل و التفكير، اقعدي بس يا حبيبتي"
جلست بجواره ثم قبلت وجنته و ارتمت بين ذراعيه فنظر هو لأخوته بمعاتبةٍ حتى أشارت له "خلود" بالتريث ثم اقتربت من عمها "مرتضى" توكزه في كتفه حتى زفر بقوةٍ ثم قال:
"بصوا بقى !! عمكم محمود تعب علشان لوحده، و بعد موت فاطمة الله يرحمها بلاش أكيد هو متضايق إن دا أول رمضان من غيرها، هتقضوا معانا رمضان هنا و نتجمع كلنا سوا، و أظن البيت فاضي و يشيل كتير، و علشان مشيرة و جميلة يكونوا سوا، دي نهاية الكلام، و عمكم قصادكم اهو تعبان، لولا خلود نزلت تسأله على حاجة مكناش هنعرف إنه تعبان"
أمعن "وليد" نظره في أوجه الجميع و خاصةً "خلود" التي نظرت له بحزنٍ و تأثرٍ، فقال هو:
"محدش هيقدر يوقع كلمتك يا بابا، حاضر هنقضي رمضان هنا معاكم إن شاء الله، كل سنة و انتم طيبين"
تحدث "محمود" بفرحةٍ:
"بجد ؟! بجد يا وليد ؟! يعني موافق؟"
رفع "وليد" حاجبيه بتعجبٍ فيما حدج "مرتضى" أخيه يحذره بنظراته، فتحدث "وئام" بنفس الهدوء:
"طبعًا يا عمي موافقين، و طارق كمان أكيد موافق، و لا إيه رأيك يا طارق ؟!"
تحدث "طارق" بثباتٍ كعادته:
"موافق يا وئام، دي مفيهاش كلام، احنا كنا هنيجي تاني اسبوع في رمضان، بس خلاص كدا هنقضيه هنا إن شاء الله، ألف سلامة عليك يا عمي"
رد عليه "محمود" بتعبٍ:
"الله يسلمك يا بني، عاوز بس حد فيكم يكلم هدير و يقولها، علشان أحس أني ارتحت شوية"
ردت عليه"خلود" بلهفةٍ:
"أنا هكلمها يا عمو، ريح نفسك أنتَ بس و أنا هتصرف"
تحركت من أمامهم جميعًا فنظر لها "وليد" بإمعانٍ و حينما حمحمت هي فهم كل شيءٍ لذا ظهر شبح ابتسامة هادئة على ثغره، محاها هو على الفور ثم تحرك خلفها من الغرفة.
_________________________
وقف "حسن" على السلم الخشبي يعاون الشباب في وضع الزينة، حتى وصل لشرفة "ميمي" و هو يبتسم بخفةٍ و خاصةً مع وقوف "هدير" في الشرفة و حينما وصل لها ابتسمت له و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"إيه الحلاوة دي يا أبو علي ؟! الله ينور عليك"
ابتسم لها و هو يقول:
"و يزيدك هنا و فرح يا رب يا عيون أبو علي"
اخفضت رأسها بخجلٍ و خاصةً مع وقوف الشباب في الأسفل، فقال هو بثباتٍ و زهوٍ:
"تعرفي روميو المكسح ؟! مسحوبك أبو علي المهدي، متخيرش عنه، بس أنا اجمد بقى"
ردت عليه هي بحنقٍ زائفٍ:
"يا جدع ؟! بقى روميو حبيب جولييت اللي ضحى بنفسه، أنتَ اجمد منه ؟! طب هو طلع على شجرة، حضرتك إيه بقى ؟!"
تحدث متشدقًا بنذقٍ:
"إيه الحلو في الشجرة يعني مش فاهم ؟! ما اللمبي عاملها قبل كدا، طب تنكري أني أجمد منه ؟!"
سألها بنبرةٍ ثابتة و ثقةٍ في نفسه حتى قالت هي مسرعةً:
"أنتَ أحسن حد في الدنيا دي كلها و مينفعش تتقارن بحد"
ابتسم لها بحبٍ ثم مد يده لها بفرع الزينة و هو يقول بعدما غمز لها:
"طب يلا يا عم الجامد، ساعديني أعلق الزينة بقى، عقبال زينة شقتنا كدا"
في بيت آلـ «الرشيد» أخرجت "خلود" هاتفها تطلب رقم ابنة عمها و "وليد" وقف خلفها و قام بضم ذراعيه أمام صدره يتابع ما تقوم هي بفعله حتى طلبت رقم ابنة عمها و ردت عليها الأخرى فقالت "خلود" بهدوء حتى لا تفزعها:
"معلش يا هدير بس علشان متزعليش مني و أنتِ موصياني، عمو محمود تعب شوية و عاوزكي تيجي تشوفيه، لو مش هتعرفي خلاص"
ردت عليها "هدير" بسرعةٍ ممتزجة بالقلق و الخوف:
"لأ هاجي، طب هو ماله ؟! كويس و لا إيه اللي تعبه ؟!"
ردت عليها بسرعةٍ:
"آه بقى كويس متخافيش، تعالي بس شوفيه و اقعدي معاه يمكن يفك شوية، كل سنة و أنتِ طيبة"
أغلقت الهاتف مع ابنة عمها و التفتت و هي تزفر بقوةٍ حتى وجدته يقف مقابلًا لها و هو يحدجها بشررٍ يتطاير من عينيه، فازدردت لعابها و هي تقول بتلعثمٍ:
"ليدو....ما.... مالك واقف كدا ليه؟! هو فيه إيه ؟!"
اندفع يقترب منها يمسك رقبتها بيده حتى ختقها و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"هو اللي أنا بعمله في الناس هيطلع عليا ولا إيه ؟؟! حتة بت زيك كدا تخلينا كلنا نجري ورا بعض من الخضة ؟؟ عيب يا خوخة، متجيش تعلم على المعلم"
سعلت في يده حتى آرخى قبضة كفه عن رقبتها، فدلكت هي موضع كفه ثم قالت بصوتٍ عالٍ تنفجر في وجهه:
"أومال عاوزني اتقهر ؟؟ البت سلمى نفسيتها وحشة و مش هتعرف تذاكر، و البيت مقبرة من غيركم، بطل أنانية يا جدع بقى"
صفعها على كتفها و هو يقول بضجرٍ منها:
"يا بت لمي نفسك بدل ما أجيبك من شعرك، أدينا ياختي مرزوعين معاكم هنا، ورونا بقى البهجة اللي هتملى المكان"
رمت نفسها عليها تقبل وجهه و هي تقول بفرحةٍ:
"بحبك، بحبك يا احلى ليدو في الدنيا كلها، بحبك"
رغمًا عنه ضحك بسبب طريقتها لذلك احتضنها و هو يقول بقلة حيلة:
"كل سنة و أنتِ طيبة يا خوخة، مقدرش أزعلك أنا، أي خدمة"
ابتسمت هي له حتى قبل هو جبينها ثم غمز لها و هو يقول:
"يلا يا وليد يا صغير، هاتي فروع النور علشان نعلق الزينة، طالما مقضيينه معاكم هنا"
_________________________
رحل"حسن" مع "هدير" بعدما استأذن من الشباب حينما أخبرته هي بما حدث لوالدها، و ظل الشباب كما هم يقومون بتزيين الشارع و قد قام "ياسر" بجلب الفانوس الذي قام بصنعه و وضعه في منتصف الشارع حتى صفق له الجميع و علت البهجة في المكان من جديد.
بعدها جلسوا الشباب بتعبٍ و انهاكٍ واضحٍ قد تمكن منهم و "عامر" أيضًا و بعد مرور دقيقة واحدة تحرك "عامر" من موضعه خطواتٍ قليلة و فجأة انتشر صوت الألعاب النارية حتى فزع الشباب و "عمار" أيضًا، فيما ضحك "عامر" بملء شدقيه على هيئة الشباب و خوفهم، و قبل أن يركضون خلفه، وقف هو يقول بنبرةٍ عالية:
"تعالوا بس نفرقع شوية الصورايخ دي و بعدها كل واحد يروح لحاله، يلا"
لم يجدوا بُدًا سوا الموافقة و مشاركته في تلك الأجواء الحماسية حتى تشاركوا معًا في اللعب بالألعاب النارية و معهم الصبية الصغار و الأولاد في المنطقة و الفتيات تضحك عليهم في الشرفة، و فجأة قام "عامر" بامساك الدف و قام بالطرق عليه حتى التف حوله الاولاد يغنون معه:
"رمضان في مصر حاجة تانية و السر في التفاصيل....رمضان في مصر غير الدنيا....طعمه بطعم النيل.....رمضان في مصر حاجة تانية و السر في التفاصيل....رمضان في مصر غير الدنيا....طعمه بطعم النيل..... في كل حتة بنتمشى....فوانيس و زينة في الشارع......صوت الأذان يدخل قلبك....و نصلي تراويح في الجامع....بليل بتحلو القعدة، طاولة و ضمنة و كوتشينة....و الله زمان دا إحنا بقالنا مدة بعيد عن بعضينا......"
بعد مرور ساعة تقريبًا من الغناء و المرح صعدوا الشباب لشقة "ميمي" فقال "ياسين" بانهاكٍ:
"أنا بقول نعلق الزينة هنا كمان ونخلص علشان مفيش وقت خلونا نروح نرتاح شوية"
وافقه الشباب في الحديث ثم وقفوا مع بعضهم يقومون بتزيين الشقة مع بعضهم البعض و الفتيات تعاونهم في ذلك و "ميمي" تدعو الله لهم أن يحفظهم و يكرم قلوبهم.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» اجتمعوا الشباب مع بعضهم بعد وصول "حسن" يقومون بتزيين البيت منذ السطح حتى نهايته و أمام البيت، زارت البهجة البيت من جديد بوجود الشباب بداخله، و كأنها ضيفٌ غريب العائلة، قام "وليد" بتشغيل الضوء أمام البيت و قام بوضع الفانوس كبير الحجم و هو يبتسم لـ "أحمد" الذي قال بفخرٍ:
"بس خلود طلعت جامدة اللهم صل على النبي، جابتكم هنا و مشت كلامها عليكم زي الساعة، بت مش سهلة برضه"
ابتسم له "وليد" ثم تنهد بقلة حيلة و أضاف بهدوء:
"هنعمل ايه بس ؟! بس لو حسبناها كدا صح، رمضان هناك مش هنحس بيه و في نفس الوقت البيت هنا أوضاعه اتغيرت كتير، كل سنة و انتم طيبين يا سيدي"
ابتسم له "أحمد" ثم قال بهيامٍ:
"و دا أول رمضان و أنا خريج مش طالب، أول رمضان من غير ميد تيرم و من غير تسليمات"
سأله "وليد" باهتمامٍ:
"بجد ؟! دا أنا قولت أنتَ هتتأثر انك خلصت تعليم"
رد عليه"أحمد" بهدوء:
"عارف ؟! الناس فاكرة إن الحياة بعد التخرج حلوة و مريحة....بس في الحقيقة بقى ؟! اقسملك بالله عظمة و جمدان مفيش بعد كدا، نعمة ربنا يديم وجودها و ميحرمناش منها"
قال آخر حديثه بمرحٍ و صوتٍ عالٍ مندفعٍ جعل"وليد" يضمه له و هو يضحك بصوتٍ عالٍ و "أحمد" يضحك معه هو الأخر.
وقف "حسن" فوق سطح البيت بعد نزول الشباب يتابع الأجواء حوله فاقتربت منه "هدير" تسأله باهتمامٍ بعدما وجدت السطح يخلو منهم جميعًا:
"حسن !! هو أنتَ متضايق اننا هنقضي رمضان معاهم هنا ؟؟ لو زعلان ممكن تروح البيت و أنا لما بابا يفوق شوية أجيلك"
ابتسم لها ثم قال بهدوء:
"لأ خالص و الله، أنا فرحان أوي اننا هنقضي رمضان هنا وسط العيلة، و مكدبش عليكي أنا متحمس أوي أني اشارككم رمضان هنا، اتطمني أنا مش زعلان و لا حاجة"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بنبرة صوتٍ مرتاحة:
"طب الحمد لله، أنا كنت خايفة علشان أنتَ كنت عاوزنا نقضي رمضان في بيتنا سوا"
اقترب منها ثم قبل وجنتها دون أن يتحدث فقط نظر في عمق عيناها و هو يقول بصوته الرخيم:
"و احنا هنا سوا و مع بعض، مش فارقة المكان قد ما فارق وجودك معايا فيه، إن شاء الله لو في الشارع"
ابتسمت هي له فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"شكلك حلو أوي في اللبس دا، واخد بالي اننا من ساعة ما رجعنا من العمرة و أنتِ لبسك اتغير، بس سبحان الله شكلك هادي و حلو أوي"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
"عجبني شكلي فيه علشان حاسة إنه مداريني، و في نفس الوقت أنا مرتاحة فيه أوي"
في الأسفل جلست "جميلة" بجوار "طارق" و "مشيرة" التي احتضنتها بين ذراعيها و هي تبتسم فقال "طارق" بدهاءٍ و هو يحاول ربط الأمور ببعضها:
"بس مش غريبة يعنى يا عمتو ؟؟ تكلمينا الاسبوع اللي فات تطلبي مننا نيجي نقضي رمضان معاكم و تيجي مرة واحدة كدا، عمو محمود يتعب و سبحان الله عم مرتضى و أنتِ و خلود بس اللي تعرفوا ؟؟ مع بعض ؟!"
طالعته بتوترٍ فبادلها النظرة بأخرى واثقةً حتى أضافت "جميلة" بمرحٍ:
"بس أنا فرحانة أوي، دا أول رمضان نقضيه سوا و أقضيه مع عيلتي، بجد مبسوطة أوي والله"
رد عليها "طارق" بهدوء:
"طالما أنتِ فرحانة خلاص، ربنا يفرحك دايمًا، مش هقدر ازعلك و أقولك نمشي من هنا، بس على العيد بقى هنمشي نعيد في شقتنا"
ردت عليه "مشيرة" بفرحةٍ بعد حديثه:
"روح ربنا يكرمك، ربنا يفرحك زي ما أنتَ فرحتني كدا يا حبيب قلبي"
ابتسم هو لهما ثم غمز لزوجته التي توردت وجنتيها بخجلٍ.
_________________________
رحل الشباب من شقة "ميمي" مع بعضهم بعدما انهوا الزينة و الديكورات في شقتها، و توجه كلًا منهما لشقته مع زوجته.
دلف "ياسين" شقته و منها نحو غرفته مباشرةً يرتمي عليه حتى اقتربت منه "خديجة" تنظر له بتعجبٍ و هي تقول بغير تصديق:
"إيه دا أنتَ هتنام ؟؟ قوم يا ياسين متهزرش"
اعتدل و هو يقول بسخريةٍ:
"اومال هطير ؟! هنام طبعًا أنتِ شايفة إيه ؟؟"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
"احنا معلقناش الزينة !! متهزرش يا ياسين بقى، قوم بالله عليك، ليلة السحور بكرة"
رد عليها بنبرةٍ متعبة و انهاكٍ:
"و الله العظيم مش قادر، خليها بكرة قبل ما أمشي بكرة على الشغل، تعبان و الله"
طالعته هي بقلة حيلة ثم سألته بصوتٍ خافتٍ:
"تعبان أوي يعني ؟؟"
حرك رأسه موافقًا فزفرت هي بعمقٍ ثم هزت رأسها بقلة حيلة، حينها ارتمى هو على الفراش و قبل أن يغلق عيناه سألها هو تلك المرة:
"هو أنتِ زعلانة ؟؟ و لا دا عادي"
ردت عليه هي بعدما ابتسمت له:
"لأ مش زعلانة خلاص و الله، نام أنتَ بس و ارتاح علشان أكيد هتصحى بدري، نام"
حرك رأسه موافقًا ثم وضع رأسه على الوسادة و قبل أن تنام هي بجواره اعتدل و هو يقول بسرعةٍ:
"قومي يا خديجة خلينا نعلق الزينة، قومي يا كتكوتة"
ردت عليه هي بهدوء:
"خليها بكرة خلاص، نام أنا مش زعلانة و الله اتطمن"
خرج من الفراش و هو يقول:
"مش مسألة زعلك، بس بكرة مفيش وقت، هروح الشغل و هاجي اخدك و ننزل علشان نصلي التراويح و بعدها نتسحر عند ميمي و نقضي باقي اليوم معاها، قومي يلا"
خرجت خلفه و لم تنكر فرحتها بمشاركته هذه اللحظة، و بعد مرور دقائق وقفا سويًا يزينا الشقة و الشرفة و هي تسير خلفه تمسك بالأشياء و رغمًا عنه ابتسم لرؤية الفرحة في نظرتها للشقة حولهما الإضاءة الذهبية و الأشكال الورقية و الخيامية و المفارش و الوسادات الصغيرة كل ذلك كان اختيارها هي.
انهى تزيين الشقة و وضع الأضاءة في الشرفة و معهم فانوس متوسط الحجم حتى زفر بقوةٍ ثم قال:
"الحمد لله كدا كل حاجة تمام، حاجة تاني يا ست الكل ؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم له فأمسك وجهها بين كفيه ثم قبل رأسها و قال بهدوء:
"كل سنة و أنتِ طيبة و كل رمضان و إحنا مع بعض"
طالعته بتأثرٍ ثم قالت بهدوء:
"على فكرة ماكنتش هزعل لو نمت و الله، كان ممكن نعملها بكرة، أنا مقدرة إنك تعبت و الله"
ابتسم هو ثم حرك كتفيه و هو يقول ببساطةٍ:
"أدينا أهو خلصنا و ماخدش مننا وقت، و بعدين بكرة الصبح كان صعب، كفاية أني شوفت فرحتك كدا بالحاجة دي"
ردت عليه بتوترٍ و هي تصارحه بقولها:
"بصراحة يعني !! أنا كنت عمالة افكر ازاي هنعلقهم بكرة سوا، و كنت متحمسة أوي للحظة دي، و لما جربناها أنا فرحت أوي بيها"
تحدث هو بنبرةٍ ضاحكة:
"ماهو بصراحة علشان كدا قولت نعلقهم الليلة دي، كنت عاوز أشوفك فرحانة و الله، مقدرتش اقاوم رغبتي في أني اشوفك فرحانة كدا"
ابتسمت له ثم قامت بتشغيل الأغنية المفضلة لديها و هي تتابع الشقة بعينيها التي لمعت ببريقٍ ازال عنه تعبه و معاناته و و فجأة ازداد حماسها ثم صفقت بكفيها معًا و قفزت بمرحٍ جعله يضحك رغمًا عنه ثم ضرب كفيه ببعضهما بعدما جمعه القدر باكثر الفتيات غرابةٍ و رغم ذلك لم ينكر فرحته بفرحتها تلك.
_________________________
في اليوم التالي اجتمعت الفتيات في شقة "ميمي" و كلًا منهن ترتدي اسدال الصلاة الجديد و معهن "ميمي" أيضًا، فقالت "خديجة" بنبرةٍ ضاحكة:
"معلش يا جماعة بس اسدال ميمي خارج من عيني، ذوق مين دا ؟!"
ردت عليها"ميمي" بنبرةٍ ضاحكة:
"دا ذوق حبايب قلبي الأربعة، كلهم نقوه ليا علشان أصلي بيه التراويح معاكم"
ردت عليها "ريهام" تمازحها بقولها:
"المفروض اننا نغير منك بقى، أنتِ كدا معاكي خطوط الشباب كلهم و إحنا غلابة قصادك"
ردت عليها بثقةٍ:
"اعملوا اللي تعملوه، أنا اللي في قلبهم برضه، خليكم كدا"
تحدثت "إيمان" بحقدٍ زائفٍ:
"آه يا بنت المحظوظة ؟! ازاي ماخدتش بالي منك و كنت مركزة مع بنت أم عمرو ؟!"
ضحكت الفتيات عليها، فاقتربت "ايمان" تحتضنها و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
"روح قلبي يا ميمي، أنتِ حبيبتي و أنتِ عارفة كدا، أنا صاحبتك قبلهم كلهم أوعي تنسي ؟!"
ربتت "ميمي" على كتفها فصدح في تلك اللحظة صوت هاتف "ريهام" التي قالت بسرعةٍ كبرى:
"طب يلا علشان العشاء قربت خلاص و المسجد هيكون زحمة، و خالد بيرن"
تجهزت الفتيات و نزلن خلف بعضهن و في الأسفل وقفوا الشباب ينتظرونهم حتى نزلت أولهن و هي "إيمان" تساند "ميمي" و معها "ريهام"
ساروا معًا وسط الشارع الممتليء بالزينة و الأضواء العالية التي وضعها الشباب في الشارع و كلًا منهن تسير بجانب زوجها و كان "يونس" يمسك بكف والديه معًا و هو يبتسم بسعادةٍ و يرتدي العباءة البيضاء مثل والده و أعمامه.
وقفوا جميعًا أمام المسجد فاقترب منهم "رياض" يرحب بهم ثم اخرج ورقة مالية لكل فتاةٍ يعطيها لها فتحدث "عامر" بسخريته المعتادة:
"هو أنتَ علطول كدا ؟؟ مستعجل على العيدية ؟؟ عاوز تكروت الشهر في ساعتين ؟؟"
رد عليه "رياض" بضجرٍ:
"أنتَ مالك يا بارد ؟! بناتي و أنا حر فيهم، هتلاقيك محروق بس علشان معبرتكش"
رمقه "عامر" بسخريةٍ فأخفض "رياض" جسده يضع الورقة المالية في جيب عباءة "يونس" ثم قبله على وجنته
اقترب منهم "عمار" و هو يقول بلهفةٍ:
"يلا علشان أيوب هيقيم الصلاة خلاص، كل سنة و انتم طيبين"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» نزل الشباب مع بعضهم و رجال العائلة معهم يتوجهون نحو المسجد و الفتيات أيضًا و نساء العائلة و أخرهن كانتا "خلود" و "سلمى" و كلًا منهما ترتدي عباءة فضفاضة على جسدها راقبهما "احمد" و حينما وجد احتشام ملابسهما اقترب منهما يقول بهدوء:
"شكلكم محترم و حلو، ياريت ميبقاش بس علشان دا أول يوم رمضان، كل سنة و أنتم طبيبن"
ردت عليه "سلمى" مسرعةً:
"هنحاول و الله و ربنا يكرمنا، بس ادعيلنا أنتَ يا أحمد، و خليهم كلهم يدعوا لكل طلاب مصر"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها فتحدثت "خلود" مسرعةً هي الأخرى تقول:
"ادعيلي معاك ربنا ينجدني من التعليم و اخلصه على خير علشان خلقي ضيق أوي و الله"
رمقها بغيظٍ و لم يرد عليها بل تحرك هو من أمامهما حتى قالت هي بتهكمٍ:
"اومال لو كنت قولتله يدعي لعمار هو كمان كان عمل إيه ؟!"
_________________________
في المسجد و بعد صلاة العشاء قام "أيوب" ببدء صلاة التراويح و في تلك اللحظة تأهبت الأجساد فرحًا و طفقت القلوب شوقًا و كأن الحياة زارت الجسد بعد موته و كان هذا الشهر الفضيل للمرء غوثه، صلاةٌ بكت فيها القلوب قبل العيون، و منظر المصليين بجوار بعضهما كما البنيان المرصوص و الجميع في حضرة الله آمن.
انهى "أيوب" الأربع ركعات الأولى من صلاة التراويح ثم أمسك مكبر الصوت يقول بنبرةٍ هادئة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كل عام و حضرتكم بخير و إلى الله أقرب و في رحاب الله مطمئنين هانئين، دلوقتي في راحة قليلة لنسترجع صلاتنا من جديد و في تلك البرهة البسيطة "عمار" هيشرح لينا حاجة مهمة جدًا و إن شاء الله نستمر طوال الشهر على هذا المنوال مع بعضنا، اتفضل يا عمار"
أمسك "عمار" مكبر الصوت ثم قال بنبرةٍ هادئة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رمضان مبارك علينا و عليكم إن شاء الله"
رد عليه الرجال التحية و كذلك النساء في الأعلى، فأضاف هو:
"طبعًا النهاردة أول ليلة في ليالي رمضان المبارك، عاوزين نجاهد نفسنا و نحاربها علشان نخرج من رمضان بقلب سليم غير اللي دخلنا بيه، في رمضان احنا بنواجه العدو الحقيقي و هو نفسك الأمارة بالسوء، الشيطان بيتسلسل يعني عدو ضعيف، لكن العدو اللي بجد هو اللي ساكن جواك، العدو اللي بجد هو اللي أنتَ متعرفش مدى قدرته عليك، و هي دي نفسك، خالفها و في مخالفة الهوى نجاة القلب"
توقف لبرهة عابرة ثم أضاف:
"أهم حاجة هتكلم مع حضراتكم فيها النهاردة هو الدعاء، أنا المفروض اتعامل ازاي مع ربنا سبحانه و تعالى في الدعاء؟! المفروض أني ادعي بكل ثقة و بكل يقين و أنا واثق في كرم ربنا عليا في إجابة الدعاء، من شروط إجابة الدعاء أن يستقر في قلبك إن ربنا سبحانه سيستجيب للدعاء، أن يتكل قلبك بكل ثقله على المولى عز و جل، مينفعش أكون بدعي علشان يبقى اسمي دعيت، لأ.... أنا بدعي لأني واثق إن ربنا سبحانه و تعالى هو من يملك الأمر بيده في إجابة الدعاء، طب أنا بدعي كتير و مش بيستجيب ليا، دا معناه إيه ؟؟ معناه إنك تدعي تاني و تالت و مليون، أنتَ بتناجي ربٌ كريم، أتراه يبخل عليك ؟! مستحيل، في الدعاء عامل ربنا باليقين يناولك المستحيل، ربنا سبحانه وتعالى معندوش مستحيل"
كان الجميع يتابعونه بانصاتٍ و اهتمامٍ و خاصةً ذويه و الده الذي ابتسم بتأثرٍ و في تلك اللحظة أخرج "عامر" هاتفه يقوم بتصوير أخيه و هو يتحدث فنظر له الشباب بتعجبٍ حينها جاوب هو بتأثرٍ و عينين دامعتين:
"فخور بيه أوي، حاسس أني عاوز أقول للدنيا كلها انه أخويا"
ابتسموا له ثم عادوا بكامل اهتمامهم لـ "عمار" الذي أضاف:
"ربنا سبحانه و تعالى كرمنا بالدعاء له، حينما ينظر الله في قلب العبد و يجده متوكلًا عليه حينها يعطيه من كرمه، الأمر كله في اليقين و الثقة بالله، و لازم تتأكد إنك بتاخد أجر على الدعاء، بمعنى إن الدعاء لو ما استجابش ليك، بيحصل حاجات كتير ليك، بمعنى إن الدعاء ممكن يرفع عنك ابتلاء أوشك على النزول إليك فقابلته دعوتك و حينها يرفعه عنك الله، أو إن الدعوة نفسها تُدخر لك و تحصل عليها في شيءٍ أخر قد تكون أشد حاجةً له، أو ذنبٍ قد وقعت به لعل دعوتك هذه منعت وقوعه عليك"
تابعه الجميع بانصاتٍ فأضاف هو مُفسرًا من جديد:
"ربنا سبحانه وتعالى قريبٌ مُجيبٌ، طب إيه دليلي على كلامي ؟! سأل أعرابي الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله:
"يا رسول الله !! أقريب الله فنناجيه ؟؟ أم بعيدٍ فنناديه ؟!"
توقف عن الحديث ثم أضاف مفسرًا قوله:
"يعني واحد راح لسيدنا محمد صل الله عليه وسلم يسأله هل ربنا قريب مننا نقدر نناجيه يعني نكلمه زي ما بنتكلم كدا ؟! و لا بعيد نناديه و ناخد وقت لحد ما صوتنا يوصل ؟! في الوقت دا كان المفروض سيدنا محمد يرد على الأعرابي و لكن في تلك اللحظة نزل الوحي من عند الله سبحانه و تعالى بقوله:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾"
انهى الحديث بتلك الآية الكريمة ثم تابع من جديد براحةٍ:
"ربنا سبحانه و تعالى مختصرش إجابة الدعاء على حد ؟! مقالش على المصلي و مقالش على الملتزم و مقالش على الشيخ، ربنا سبحانه وتعالى قال أجيب دعوة الداعِ إذا دعاني، يعني اللي يدعي ربنا ربنا يستجيب لدعائه، طب ادعي إزاي ؟! بأي لغة، أنتَ في وقت الدعاء بتكلم ربنا سبحانه وتعالى كلمه زي ما تحب،. بـ لغتك و قول اللي في قلبك و أطلبه منه، ادعي ليك و لأهلك و لأحبتك و لكل الأمة ربنا يديم عليهم الخير و الستر، خليك عارف إن ربنا رحمته وسعت كل شيءٍ، خليك عارف إن قلبك بخير طول ما أنتَ بتحميه إنك تكون في طريق ربنا، حارب في الكام يوم دول، هي دي الهدية اللي بناخدها في السنة، زود طاعات و حارب المعاصي و أقفل اي باب تدخلك منه، و اتكأ بكل قلبك على الدعاء
اركض للّٰه بِأقصى حُبك، وارفع يديك له بِكامل ضعفك، واعرج بِقلبك إلى السماء، فَاللّٰه أكرم من أن يرى فِي قلبك كسرًا ولا يجبرهُ
وأكرم من أن يردّ كفيك خاليين"
انهى حديثه و استمع لهمسات الناس الداعية لله و ترجوه بكل أملها فقال هو بمرحٍ:
"و ادعولي معاكم بقى ربنا يكرمني و أخلص تعليم و جيش، شكلي مطول"
ضحكوا عليه الناس و "أيوب" أيضًا، فقال "عمار" قبل أن يعطيه مكبر الصوت:
"ادعولي اتجوزها يا جماعة، ربنا يكرم شباب المسلمين كلهم بالحلال يا رب و يبعد عن قلوبنا أبواب المعاصي و الفتن"
زادت الضحكات أكثر عليه و خاصةً عند النساء في الأعلى فقالت "سيدة" بقلة حيلة:
"يخيبك واد !! في بيت ربنا كدا ؟! ربنا يسامحك"
أعلن "أيوب" العودة للصلاة و بدأ من جديد بصوته العذب الخاشع الذي وصل القلوب قبل الأذان و المصليين خلفه منهم من يبكي خشوعًا و تأثرًا و منهم يناجي الله بكامل ضعفه و قلة حيلته و في النهاية هي قلوبٌ بشرية ضعيفة فطرتها الدائمة أن تأنس و تؤنس في رحاب الله و رحمته.
_________________________
بعد عدة ساعات من انتهاء صلاة التراويح اجتمعوا الشباب في شقة "ميمي" و معهن النساء و الرجال فتحدث "عامر" بمرحٍ:
"كل سنة و انتم طيبين يا جماعة، دا اول سحور و الواحد متجوز، احساس حلو اوي ملوش أي لازمة بصراحة"
فاجئهم بكلمته الأخيرة حتى تحدث "خالد" بثباتٍ:
"خليك كدا يا مهزق لحد ما تاخد على قفاك، رمضان الجاي هتكون أب إن شاء الله، وريني هتفتح بوقك ازاي"
خرجت "إيمان" من المطبخ و هي تقول بمرحٍ:
"السحور جهز يلا قوموا، الغجر بييجي بسرعة"
قاموا جميعًا يجلسون على الطاولةِ و الفتيات يقومن بوضع الأطباق على الطاولة في جوٍ مرحٍ بنسمات هادئة تعزف على أوتار قلوب الجميع، و بعد مرور دقائق جلسوا جميعًا حول الطاولة و بدأوا في تناول السحور معًا في أول ليلة من ليالي رمضان المبارك.
و قبل أن يتناولوا الطعام تحدث "ياسر" يقترح على أخيه:
"واد يا عامر !! بما إن دا أول سحور يجمعنا كدا قوم خدنا صورة من الحلوين بتوعك، دي أول مرة نتجمع كدا كلنا"
تحدثت "خديجة" بلهفةٍ:
"دا أول سحور ليا و أنا عارفاكم كلكم و معاكم، كل سنة و انتم طيبين"
تدخل "رياض" يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"دا أول رمضان الواد ياسين مش هيدعي فيه إن أمه تبطل تجيبله عرايس، و لا هيدعي ببنت الحلال تاني"
انتشرت الضحكات على "ياسين"
اللي أمسك يدها يرفعها أمام والده و هو يقول بثقةٍ و ثباتٍ:
"لقيتها خلاص، هدعي ربنا يديم وجودها ليا و تفضل معايا الباقي من عمري، ريح يا حج كل سنة و أنتَ طيب"
رد عليه "رياض" ببساطةٍ و لا مبالاةٍ و كأنه لا يكترث من الأساس:
"و أنتَ طيب يا حبيب أبوك، مش فارق معايا عادي، هسكت أحسن بدل ما اتكلم و اقول إن عامر بيتسحر زبادي بالفراولة"
زادت السخرية أكثر منهم جميعًا و ضحكاتهم و خجل"خديجة" و فرحتها وسطهم و هي تفكر إذا لم تقترن بهذه العائلة فكيف كان حالها الآن؟؟"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» و تحديدًا في الطابق المخصص لمناسبات العائلة جلست العائلة بأكملها بدايةً من "محمود" كبير العائلة و حتى "فارس" أصغر فرد بها.
قامت "مشيرة" و فتيات العائلة بتجهيز السحور و وضعه على الطاولة أمام العائلة و كان الطعام بكمياتٍ هائلة و كبيرة حتى يكفي ذلك العدد الكبير.
نظر "محمود" حوله في وجوههم جميعًا ثم قال بهدوء:
"كل سنة وانتم طيبين يا ولاد، رمضان مبارك عليكم و ربنا يسعدكم و يزيدكم قرب و ثبات على طاعته، ربنا يبعد عنكم كل شر"
ردوا عليه جميعًا فتحدث "حسن" بسخريةٍ:
"هو إزاي وليد قاعد معانا عادي ؟! هو مش المفروض الأشكال دي تتسجن برضه في رمضان ؟!"
رد عليه "وليد" بتهكمٍ:
"طالع بكفالة يا خفيف"
رد عليه "حسن" بايجازٍ:
"كفارة يا نجم"
تحدثت "خلود" في تلك اللحظة تقطع حديثهما:
"طب يا جماعة أنا مبعرفش اتسحر ينفع أطلع أنام و حد يصحيني كمان شوية أشرب ؟!"
تحدثت "جميلة" بلهفةٍ:
"لأ مينفعش لازم تتسحري، السحور دا بركة، مش مجرد وجبة و خلاص يا خلود"
طالعتها "خلود" بتعجبٍ فأضافت "جميلة" مفسرةٍ:
" احيانًا بنتعامل مع السحور ده كأنه أكلة بسد بيها جوع الصيام و بس، أو هاكل مع اللي بياكلوا و خلاص، مليش فيها أي نية تانية أو شايفها حتى عبادة !..
•يعني مش بتسحر مثلًا عشان النبي ﷺ قال :
" تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً "!! البخاري
فـ بسبب أكلة السحور دي تآخد بركة، بركة في صحتك وعافيتك وصومك طول اليوم .
• أو إنك بتتسحر عشان النبي ﷺ قال :
" إِنَّ اللهَ وملائِكتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى المُتسحرِينَ"!!
ص.الألباني.
فـ بسبب السحور ربنا وملائكته يصلوا عليك، وصلاة الله على عباده تعني الرحمة لك، وصلاة الملائكة الدعاء لك... قاعد تتسحر ورحمات نازلة وبركات، وكمان ملائكة بتستغفرلك وتدعيلك !!
• فالسحور مش روتين يومي، السحور عبادة لله، حتى لو كان فعلًا ملكش نفس كُل حاجة خفيفة علشان أنت مش بتسد جوع بس، أنت بتعبد .
ومجرد سحورك مع خطور الصوم ببالك إنك هتصوم بكرة دي كدا نية للصيام"
أنهت حديثها ثم أضافت من جديد:
" النهاردة ليلة السحور و الليلة دي فيها أربع سُنن تكون في هذه الليلة:
[ تبييت النية للصيام ]
قالﷺ (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)
[ دعاء رؤية الهلال ]
كانﷺ إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله)
[ قيام ليل رمضان ]
قالﷺ (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)
[ السحور ]
قالﷺ (السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين)
وقالﷺ (تسحروا فإن في السحور بركة)
وقالﷺ (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر).
5-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث تعجيل الفطور وتأخير السحور:
"ما زالت أمتي بخير ما عجّلوا الفطور وأخّروا السحور"
6-دعاء الإفطار:-
دعاء الصائم عند الإفطار هو سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصةً أنه كان إذا أفطر قال: “ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله”؛ رواه أبو داوود.
وكل عام وانتم بخير"
انهت حديثها و هي تفسر لهم ما درسته و تعلمته حينما تعمقت في الدين الاسلامي و الأعين تطالعها بفخرٍ و زهوٍ و منهم من تمنت أن تصبح مثلها، شرعوا جميعًا بعد حديثها في تناول الطعام بعدما فهموا منها فضل تلك الليلة و تلك الوجبة في أول سحورٍ يمر عليهم جمعهما سويًا ليكون كلًا منهم مثل طوق النجاة للأخر يشدد أذره و يأخذه من دربٍ معتمٍ نحو النور، و يعاونه في إنارة بصيرته.
_____________________________
عيلة الرشيد و عيلة الشيخ اتسحروا و انتم لسه ؟! قوموا اتسحروا و كل سنة و حضراتكم بخير و رمضان مبارك علينا وعليكم جميعًا.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثمانون 80 - بقلم شمس بكري
"رمضان أهلًا... مرحبًا رمضان"
_________________________
ترك المعاصي في رمضان ليس إدعاء للمثالية او تناقض بالشخصية.. هو حبل رجاء بين العبد وربه على أمل لا ينقطع
قد تكون قليل العبادة في رمضان لكن اعلم أن تعظيمة لشهر رمضان ( بإجتناب المحرمات ) من أعظم القربات
"وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"
*************
بعد نهاية السحور في بيت عائلة آلـ "الرشيد" اجتمعت الفتيات مع بعضها في شقة "مشيرة" فيما تحرك الشباب كلًا منهم إلى غرفته في شقة والديه، كان "وليد" جالسًا في غرفته متذمرًا بعدما تركته "عبلة" و ذهبت مع الفتيات.
فُتح باب غرفته فجأةً فانبسطت ملامح وجهه ظنًا منه أنها هي من طرقت الباب لكن خاب أمله حينما وجد والدته أمامه و هي تبتسم له، زفر بقوةٍ ثم قال بصوتٍ مىتراخي:
"تعالي يا ماما، فيه حاجة و لا إيه ؟!"
دلفت "مروة" له و هي تبتسم ثم قالت بهدوء:
"عديت على اوضتك لقيت النور مفتوح و عرفت إنك لسه صاحي منمتش، إيه اللي مصحيك كل دا"
تنهد هو بقلة حيلة ثم قال:
"مش عارف أنام علشان عبلة مش هنا، اتعودت أنام و هي جنبي و في حضني"
ابتسمت له "مروة" ثم قالت بسخريةٍ عليه:
"طب و الله كنت عارفة إنك هتقول كدا، أنا اللي مربياك و حفظتك خلاص"
قالت حديثها ثم اقتربت منه تجلس مقابلةً له على الفراش و هو يبتسم لها ثم قال بمرحٍ:
"إيه هتنامي في حضني أنتِ و لا إيه ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم اعتدلت بجواره تمدد جسدها و هي تقول:
"آه و فيها إيه ؟! خدني جنبك كدا لحد ما تنام و بعدها هروح اوضتي يكون مرتضى طلع"
حرك رأسه موافقًا ثم أخفض رأسه يضعها على صدرها حتى لفت هي ذراعيها حوله و هي تمسد على رأسه فقال هو بسخريةٍ:
"عملتي كدا مع وئام ؟؟ و لا دي حاجة مخصوص ليا أنا بس ؟!"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
"عارفة إنك سوسة و هتخرب الدنيا علشان كدا روحتله هو الأول نيمته و اطمنت عليه و عديت عليك أشوف الحب اللي مسهرك"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ خافتة:
"مش فكرة حب قد ما هي فكرة أني بتطمن و هي معايا، وجودها لوحده بيخليني متطمن أني مش لوحدي، كنت بخاف من نفسي بس و هي موجودة أنا مش بخاف، عرفت تطمني بنت اللذين"
ردت عليه "مروة" بنبرةٍ ضاحكة:
"دا انتوا بهدلتوا بعض، بقى بعد كل دا، يبقى دا حالكم ؟؟ دنيا غريبة"
ابتسم هو حينما تذكر ماضيهما فقال بصوته الرخيم:
"مكانش ينفعني غيرها من بين كل ستات الأرض، عبلة بس اللي بقدر أقولها أنا خايف و أقدر أقولها أنا ضعيف و اقدر اقولها أنا محتاجك، عبلة بس اللي اقدر اعري نفسي قدامها و أنا عارف إنها هتساعدني و تشد أيدي علشان اصلح غلطي، كل مرة أغلط فيها بلاقيها واقفة معايا زي الأم اللي بتحمي ابنها، مكانش ينفع دي متتحبش، اللي زي عبلة دي يتقفل عليه من الدنيا كلها علشان متبقاش زيهم"
تنفست بعمقٍ ثم قبلت وجنته و قالت بصوتٍ مرتاح:
"ربنا يخليكم لبعض يا رب، و إن شاء الله نفرح بعيالكم قريب يا رب، أنتوا و كل مشتاق للنعمة دي"
ابتسم هو بسمة هادئة تشكلت على محياه و استمرت والدته تربت على رأسه حتى نام هو بجوارها و بين ذراعيها دون أن يشعر هو بنفسه.
_________________________
في شقة "ياسين" جلس بجوار زوجته بعد عودتهما من شقة "ميمي" فسألها هو بنبرةٍ هادئة حينما لاحظ شرودها:
"هو أنتِ زعلانة علشان مروحتيش لعيلتك ؟؟ حاسس إنك متضايقة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ خالص، هو أنا بس عاوزة أعرف لما كلموا عمو رياض هو عمل إيه ؟!"
ابتسم لها بحرجٍ منها ثم قال:
"للأسف يعني قالهم إنك بنته و مش هينفع تقضي رمضان بعيد عنه، و قال لعمو طه أنه لو عاوزك تفطري معاه يستنى بعد أول ١٠ أيام في رمضان"
نظرت له بدهشةٍ فوجدته يومئ لها ثم أضاف مؤكدًا:
"و الله قاله كدا، و قاله كمان إنك هتفضلي مع جوزك مكان ما يكون، و قاله انتم عندكم بنات كتير لكن دي واحدة أنا معنديش غيرها"
ابتسمت رغمًا عنها ثم أضافت:
"لأ و أنا أصدق عادي إن عمو رياض يعمل كدا، على العموم أنا مش زعلانة و الله و برضه كنت معاكم مبسوطة يعني مش زعلانة و أول مرة أحس بأجواء رمضان كدا"
رد عليها هو مُسرعًا:
"و إن شاء الله لحد أخر رمضان تكوني معانا مبسوطة، و متخافيش عمو محمود كلمنا و عزم الكل تاني جمعة في رمضان و كلنا هنروح حتى ميمي معانا، هو حجز اليوم من دلوقتي"
ظهرت البهجة على ملامح وجهها و هي تبتسم بعينيها قبل فمها، فقال هو بنبرةٍ هادئة:
"يلا بقى ندخل ننام الصبح طلع، يلا علشان نلحق الفطار عند ميمي، اللي بيتأخر عامر بيقسم نصيبه"
_________________________
في اليوم التالي اجتمعت عائلة "ياسين" في شقة "ميمي" ليتناولوا فطار أول يومٍ برمضان مع بعضهم.
قبيل المغرب بلحظاتٍ كان "عامر" يتمم على العصائر و الحلويات و يضعهم في الأطباق و بجواره يجلس "يونس" و هو يطعمه و يُسقيه العصائر ليتذوقها.
اقترب منهما "ياسين" و هو يقول بسخريةٍ:
"أنتَ بتجرب في يونس يا عامر ؟! عمال تأكل الواد و تشربه بتجرب فيه ؟!"
رد عليه "عامر" بسخريةٍ:
"لأ يا خفيف علشان يشبع و أكل أنا منابه، كدا أضمن"
في تلك اللحظة قام "ياسين" برفع صوت القرآن الكريم على التلفاز مع انتشار نسمات الهواء المعبقة بروحانياتٍ رمضانية، و تجهيز وجبة الإفطار في البيوت و كأن لهذه الأيام عبيرها الخاص بها يأتٍ كل عامٍ مرةٍ واحدة تطيب أرواحنا.
استنشق "ياسين" الهواء داخل رئتيه يسحب تلك الرائحة المنتشية إلى صدره و قال بنبرةٍ هائمة:
"الله !! شامم يا عامر ؟! تحس إن الجو ريحته حلوة أوي"
استنشق "عامر" الهواء ثم قال بنفس الهيام الذي يتحدث به الأخر:
"الله !! ريحة ورق العنب و صينية الرقاق مجننين أمي"
في تلك اللحظة اقترب "خالد" و هو يقول بسخريةٍ منه:
"أنتَ بتكلم مين يا ياسين ؟! دا قلبه موجود في معدته، هو دا بيحس زينا ؟!"
نظر له "عامر" و قبل أن يصيح في وجهه وجده يحمل صينية الرقاق في يده و حينها قال موجهًا حديثه لها:
"الله !! كلها عشر دقايق و تجمعنا ترابيزة واحدة، مش هسيبك أنا و الله"
خرج "ياسر" يحمل طبق التقديم و بداخله ورق العنب فقال "عامر" مسرعًا يقترح عليهم:
"بقولكم إيه يا جماعة ؟؟ ما تسيبوني أنا و الترابيزة نتفاهم سوا النهاردة و انتم خليكم مع العصاير و الحلويات دي ؟؟"
نظر لها ثلاثتهم بحنقٍ و في تلك اللحظة خرج "عمار" بطبق كبير الحجم به قطع الدجاج المشوي، حينها ارتمى "عامر" على الأريكة و هو يقول بنبرةٍ هائمة:
"يلهوي !!! صحيح رمضان شهر الخير و الله"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» اجتمعت العائلة بأكملها في الطابق الأول يتناولون الفطور سويًا في أول يومٍ يجمعهم مع بعضهم و لم ينقص البيت سوىٰ "خديجة".
نظر "وليد" للطاولة حوله فوجدها تخلو منها على غير العادة، زفر بقوةٍ و هو يفكر في مثل هذه الأيام يقوم هو باعطائها التمر لتتناوله و تكسر صيامها عليه، و كذلك هي تناوله كوب العصير.
لاحظت "عبلة" شروده و أدركت سببه فقالت بنبرةٍ هامسة:
"لما تخلص فطار ابقى كلمها، هي مش لوحدها متخافش"
طالعها بتعجبٍ فأومأت هي له بأهدابها و حينها ابتسم هو ثم قال:
"أنا مش خايف، كل الحكاية إن دا أول رمضان هي مش معايا فيه، و في نفس الوقت أنتِ معايا و موجودة، كنت عاوزكم انتم الاتنين بصراحة"
ابتسمت هي له و في تلك اللحظة صدح صوت أذان المغرب عاليًا فزادت البهجة و الهمهمات السعيدة بين الجميع، و في تلك اللحظة و كعادتهما وقفت "خلود" و معها "سلمى" بجوار عمهم "محمود" فابتسم هو لهما ثم أمسك الكوب الخاص بكلٍ منهما و أمسك ملعقة صغيرة يضعها في فم كلتاهما على حِدة
طالعت "جميلة" الموقف بتعجبٍ فقال "طارق" مفسرًا:
"هي دي عادتهم، عمو محمود اتعود يفطر سلمى و خلود البلح باللبن بايده هو، من صغرهم علشان هما آخر بنتين في العيلة"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ ثم ابتسمت له فقام هو بوضع التمرة داخل فمها و هو يبادلها البسمة بمثيلتها، تحدث "محمود" بنبرةٍ هادئة:
"كل سنة و انتم طيبين يا ولاد، ربنا يسعدكم و يخليكم لبعض يا رب، و نفضل كل سنة كدا متجمعين سوا، يلا افطروا علشان نلحق نصلي كلنا سوا"
تناولوا الفطور مع بعضهم في جو مرحٍ تسوده البهجة و الخير و كأن قلوبهم المكلومة طابت جروحها و تلملم شتاتها.
بعد نهاية الفطور طلب "حسن" من زوجته أن تتبعه نحو شقة والدها، فصعد هو أولًا و هي خلفه بتعجبٍ و حينما دلفت غرفتها وجدته ينتظرها و هو يبتسم لها، أقتربت منه تسأله بتعجبٍ و لهفةٍ:
"فيه إيه يا حسن ؟! خضتني، حصل حاجة و لا إيه ؟؟"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من خزانة ملابسها يفتحها و أخرج منها حقائب الملابس ثم اقترب منها يقف مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسمٍ:
"شوفي دول كدا ؟؟ أنا جيبتهم ليكي من عند عمو حسان، يا رب يعجبوكي"
عقدت ما بين حاجبيها بتعجبٍ فقام هو بإخراج أول فستانٍ و قد كان باللون الأبيض و به زهور صغيرة الحجم باللون "اللافندر" ثم قام بإخراج خمارٍ بنفس لون الزهور و اقترب منها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"دا ذوقي أنا، و الباقي ذوق جميلة هي اللي اختارتهم ليكي، طالما عندك النية إنك تغيري لبسك أنا واجبي أساعدك في حاجة زي دي"
اخذت منه الملابس و العبرات تلمع في عينيها فقال هو بصوته الرخيم:
"جربيهم كدا و جربي تلبسي الخمار و شوفي الفرق بينه و بين الطرحة العادية، قارني الاحساسين ببعض و أنتِ هتعرفي"
اقترب منها يطبع قبلة هادئة على جبينها ثم خرج من الغرفة حتى يترك لها حرية التصرف، تنفست بعمقٍ تحاول الثبات أمام نفسها و تحاول أيضًا التحكم في دموعها، و حينها قامت بتبديل ثيابها و التي لم تختلف كثيرًا عنما سوف ترتديه، قامت بارتداء الفستان ثم قامت بلف الخمار الذي ناسب ملامحها التي زادت هدوء و براءة.
تمكنت هي من وضع الخمار فوق رأسها و خاصةً أنها تتابع منذ قدومها من العُمرة كيفية ارتدائه حتى تمكنت هي من ضبطه و أحكامه فوق رأسها حتى غطت به كتفيها، تنفست بعمقٍ و راحةٍ حينما وجدت الملابس فضفاضة تُخفي معالم جسدها و كذلك خصلاتها الناعمة الكثيفة التي دومًا تظهر من أسفل الحجاب.
طرق باب الغرفة، فاقتربت هي تفتحه له و هي تبتسم بسعادةٍ بالغة، فاقترب منها هو بفرحةٍ و فخرٍ بها فسألته هي بحماسٍ:
"إيه رأيك ؟! شكلي حلو في الخمار ؟! أنا مبسوطة فيه أوي"
تفحصها هو من رأسها حتى أخمص قدميها ثم قال هائمًا بها:
"زي الملايكة يا هدير، شكلك فيه حلو أوي و أحلى حاجة العين تشوفها و ترتاح، اللهم صل على النبي، دا مزودك جمال"
ابتسمت هي فسأل هو مسرعًا بلهفةٍ:
"ذوقي عجبك ؟؟ دا الوحيد اللي اختارته أنا و اتمنيت أشوفك فيه"
ردت عليه هي بحماسٍ:
"أنا مشوفتش الباقي بس و الله دا أحلى من أي حاجة تاني في الدنيا، كفاية أنه ذوقك أنتَ و اختيارك أنتَ يا حسن"
حديثها زاده فرحةً لذلك اقترب منها يحتضنها مربتًا على كتفيها ثم قال بهدوء:
"ربنا يكرمنا سوا إحنا الاتنين و يديم وجودك ليا يا هدير، أنا مش عاوز اكتر من كدا، عاوزك بس تكوني موجودة"
_________________________
بعد مرور أسبوع و تحديدًا في الجمعة الثانية التي حددها "محمود" لاجتماع العائلتين سويًا ، اجتمعت الفتيات مع بعضهن في الطابق الأول و الرجال في الأسفل و الشباب معهم.
كانت الأجواء مرحة و هادئة في آنٍ واحدٍ بسخرية كلًا من "عامر" و "وليد" مع بعضهما، فتحدث "حسن" بسخريةٍ موجهًا حديثه لـ "عمار":
"بس سيبك أنتَ يا عمار، الفيديو بتاعك في المسجد منور، ما شاء الله، مصر كلها دعيتلك تتجوزها"
ضحك الشباب عليهما فقال "عمار" بقلة حيلة:
"أعمل أيه بس ؟! عامر حب يوجب معايا راح منزل الفيديو و كتب عليه ادعوا لعموري يتجوزها، أقول إيه بس ؟!"
تدخل "وليد" يقول بنبرةٍ جامدة:
"أنا لو منك أقطع علاقتي بيه أحسن، اللي زي عامر دا عاوز الضرب و الله"
تحدث "عامر" بضجرٍ:
"يا جدعان !! إحنا في رمضان يعني شهر خير و الناس كلها بتدعي فيه لبعض، دا جزاتي أني طلبتهم يدعوا لعموري ؟!"
تدخل "خالد" يقول بيأسٍ:
"أنا حطيت صوابعي العشرة في الشَق منك خلاص، أخري جاب أخره منك"
سخر منهم بملامح وجهه و استمرت الجلسة بينهم على ذلك الوضع بين السخرية و المرح و المزاح و الهذل.
_________________________
في الأعلىٰ عند الفتيات كانت جلستهن مرحة و خاصةً مع وجود "خديجة" و الفتيات معها فتحدثت "جميلة" تسأل بهدوء:
"بقيتي في الشهر الكام يا سارة أنتِ و إيمان ؟!"
جاوبتها "سارة" مبتسمة بهدوء:
"أنا في الشهر الرابع و إيمان في التالت، ادعولنا بقى معاكم ربنا يسهل إن شاء الله"
دعت لهما الفتيات و في تلك اللحظة كانت "عبلة" تجلس منزويةً عنهن تشعر بالتعب و الوهن والخمول أيضًا، لاحظتها "خديجة" فاقتربت منها تقف بجوارها تسألها بهدوء:
"مالك يا عبلة ؟! إيه اللي مخليكي مسهمة و سرحانة كدا ؟! أنتِ كويسة ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بصوتٍ خافتٍ:
"كويسة يا خديجة بس حاسة نفسي همدانة و مش قادرة، مع أني متسحرة كويس، بس بقالي اسبوع كدا من أول رمضان و أنا بتعب أوي"
ربتت على كتفها ثم قالت تضامنًا معها و تؤازرها:
"طب قولي لوليد ياخدك و تكشفي بعد الفطار كدا غلط"
ردت عليها ترفض فكرتها:
"لأ مش مستاهلة، أنا كويسة الحمد لله هما شوية برد تقريبًا، بعد الفطار إن شاء الله هاخد دوا، أنا بس محتاجة أريح شوية"
حركت رأسها موافقةً ثم ربتت على ظهرها و جلست بالقرب منها تتابعها بعينيها، و في تلك اللحظة تحدثت "ريهام" تثني على هيئة "هدير" بقولها:
"ما شاء الله يا هدير، شكلك حلو أوي في الخمار، منور وشك اللهم بارك"
ردت عليها بامتنانٍ:
"تسلمي يا ريهام دا من ذوقك بس، عقبالكم كلكم إن شاء الله"
ردت عليها "إيمان" ببساطةٍ:
"أنا نفسي برضه، أولد بس على خير و إن شاء الله ألبسه"
تدخلت "جميلة" في تلك اللحظة تقول بحماسٍ و لهفةٍ:
"أنا عن نفسي ممكن أساعدكم، أنا اختارت لـ هدير الهدوم، إيه رأيكم ؟!"
ردت كلًا منهن بحماسٍ و هي تفكر جديًا في الأمر، فيما حركت "خديجة" رأسها نحو "عبلة" و قد لاحظت ارتخاء جسدها و شحوب وجهها و قبل أن تبدي اي رد فعل سقطت "عبلة" مغشيًا عليها من على الأريكة حتى صرخت "خديجة" باسمها و ركضت نحوها و كذلك الفتيات أيضًا.
في الأسفل ركضت "خلود" نحو مجلس الرجال و هي تقول بلهفةٍ و خوفٍ:
"يا وليد ألحق عبلة أغمى عليها، تعالى بسرعة"
ركض في تلك اللحظة كلًا من "وليد" و "طارق" سويًا و خلفهم "محمد" بقلقٍ على ابنته فتحدث "طه" موجهًا حديثه لابنه:
"روح يا أحمد هات دكتورة منى من أول الشارع، قولها تيجي بسرعة"
ركض "أحمد" من البيت فورًا و وقفوا الشباب بخوفٍ و قلقٍ حتى تحدث "محمود" يطمئنهم:
"اقعدوا يا جماعة، خير إن شاء الله، اتفضلوا"
في الأعلى ركض "وليد" أولًا فوجد الفتيات يحاولن حملها، اندفع هو نحوها بخوفٍ و هو يربت على وجنتها و يقول بخوفٍ:
"عبلة ؟! فوقي يا عبلة مالك؟!"
اقترب منه "طارق" فحملاها سويًا يضعونها على الفراش، فاقتربت "خلود" بزجاجة العطر الخاصة بها تعطيها لهم، اخذها منها "طارق" ثم قام بسكب العطر على راحة يده و قرب كفه من أنفها حتى فاقت هي بملامح وجه ممتعضة، فتنهد "وليد" براحةٍ ثم سألها بلهفةٍ:
"أنتِ كويسة ؟! طمنيني عليكي حصلك إيه بس ؟! مالك"
ردت عليه "خديجة" بقلة حيلة:
"هي قالتلي انها تعبانة من أول رمضان، و اتكلمنا شوية سوا، بس معرفش أنها تعبانة للدرجة دي"
نظر لـزوجته بلومٍ و معاتبةٍ و هو يقول:
"ليه معرفتنيش إنك تعبانة ؟! مقولتليش ليه طيب ؟!"
قبل أن ترد عليه هي دلف "أحمد" الغرفة و معه الطبيبة و هو يقول:
"دكتورة منى جت أهيه يا وليد، اتفضلوا برة لحد ما تكشف عليها"
خرجوا جميعًا من الغرفة عدا هو أصر يبقى معها و والدتها أيضًا و الطبيبة، و بعدما فحصتها الطبيبة ابتسمت لها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"لأالموضوع يستاهل أني أسيب الفطار و أجيلك، ألف مبروك يا ستي"
ظهر الاستنكار على وجوههم و هم ينظرون لبعضهم، فقالت الطبيبة بوجهٍ مُبتسمٍ:
"ألف مبروك يا جماعة، المدام حامل، ياريت بس ترتاح شوية و متجهدش نفسها علشان هي لسه في الأول، مبروك"
خرجت من الغرفة و في تلك اللحظة اقتربت "سهير" من ابنتها تحتضنها و هي تقول بلهفةٍ و فرحٍ:
"ألف مبروك يا روح قلبي، مبروك يا حبيبة قلب ماما، الله أكبر ربنا يسعدكم"
خرجت من الغرفة فورًا، فحركت "عبلة" رأسها تنظر له بترقبٍ من الآتِ و خاصةً مع صمته و ثبات بصره في اللاشيء أمامه و حينما طال صمته وكزته في كتفه ثم حركت رأسها تستفسر منه عن صمته حتى انتبه هو لها و سألها بصوتٍ مهتز:
"هو اللي الدكتورة قالته دا صح؟؟ يعني أنتِ حامل فعلًا ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحركةٍ خافتة فانتفض هو من جوارها و هو يقول بلهفةٍ:
"بجد ؟؟ أنتِ حامل يا عبلة ؟! يعني أنا و أنتِ هنتشارك في الحلم دا ؟!"
صمتت و لم ترد حتى اقترب منها هو يقبل رأسها ثم رفع كفيها يقبل كلٍ منهما على حِدة و رغمًا عنه نزلت الدموع على الفور من مصدرها حينها سحب الهواء إلى رئتيه ثم قال بصوتٍ مختنقٍ:
"الحمد لله، الحمد لله على كل احساس حلو بحسه في الدنيا دي و أنتِ مشركاني فيه، الحمد لله على نعمة وجودك أنتِ، أنتِ كتير اوي عليا"
ردت عليه هي تمازحه حتى لا تبدي تأثرها:
"يا عم بطل أفورة !! هو أنا أول واحدة تحمل ؟؟ مصر كلها ستات حوامل"
حرك رأسه نفيًا ثم اضاف:
"لأ، علشان أنتِ معايا من البداية و مكملة و إيدك مفلتتش مني، كفاية إنك هتكوني أم عيالي"
ابتسمت بفرحةٍ ثم أضافت:
"أنا كنت خايفة أوي إنك تكون زعلان، كنت خايفة تكون فاكر لسه بدري"
رد عليها مسرعًا بلهفةٍ:
"مستحيل !! أنا أزعل علشان رزق زي دا جاي لينا ؟؟ دا أنا قلبي اتحرك من مكانه و مش عارف راجعلي إمتى ؟!"
ألقت رأسها على كتفه تتنهد بعمقٍ فقبل هو رأسها مرةً أخرى و في تلك اللحظة طرق باب الغرفة فتحرك هو من جوارها، دلفت الفتيات خلف بعضهن و كلًا منهن تقترب منها تباركلها و تهنئها، فيما تحركت "خديجة" نحو "وليد" تحتضنه بفرحةٍ و هي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
"ألف مبروك يا روح قلبي، ألف مبروك و ربنا يكرمك و تشوفه على خير"
احتضنها هو بين ذراعيه و هو يقول براحةٍ اختلتطت بالبكاء:
"عقبالك يا روح قلبي، ربنا يفرحني بعيالك يا رب يا خديجة، أنا فرحان أوي و حاسس أني عاوز أصرخ من فرحتي"
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
"طب ما تصرخ ساكت ليه ؟! هي اللحظات دي بتتكرر يعني ؟!"
ابتعد عنها يسألها بايجازٍ:
"يعني أنتِ شايفة كدا ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ حثه على التحرك حتى خرج هو من الغرفة ركضًا متوجهًا للأسفل و هو يقول للرجال بصوتٍ عالٍ:
"يا عيال !! أخوكم هيبقى أب !! افرح يا مرتضى حفيدك التاني جاي في السِكة"
ركض المسافة القليلة الباقية يحتضن كل من يقابله حتى وصل لـ "ياسين" الذي احتضنه بفرحةٍ و تأثرٍ و هو يقول:
"ألف مبروك يا حبيب أخوك، يتربى في عزك يا رب"
ابتعد عنه "وليد" و هو يطالعه بتأثرٍ ثم قال:
"شكرًا إنك معايا يا ياسين، شكرًا علشان بسببك اتعلمت حاجات كتيرة أوي، شكرًا علشان بسببك عرفت يعني إيه أكون زوج و ازاي أكون أب"
ابتسم له "ياسين" بتفهمٍ فاحتضنه "وليد" مرةً أخرى و تلك المرة بكى بين ذراعي "ياسين" لا يصدق إلى أي درجة طالته رحمة الله و كرمه، في كل مرّة رأى نفسه لا يستحق ما به، تفاجأ بأكثر من السابق.
_________________________
في الأعلى جلست الفتيات بجوار "عبلة" و كلًا منهن تطمئن عليها حتى اقتربت منها "مروة" تجلس مقابلةً لها على الفراش فابتسمت لها "عبلة" و في تلك اللحظة احتضنتها "مروة" بِـ حبٍ بالغٍ ثم ربتت على ظهرها و قالت:
"ربنا يقومك بالسلامة يا رب يا حبيبتي، ربنا يفرحنا بعوضك يا رب"
احتضنتها "عبلة" براحةٍ و شددت على عناقها و هي تبتسم بفرحةٍ و كذلك الفتيات حولها حتى تحدثت "مشيرة" بسرعةٍ و صوتٍ يتخلله الحماس:
"طب يلا !! الفطار قرب خلاص، كل سنة و انتم طيبين عندنا حوامل عاوزين يفطروا".
انسحبت الفتيات تباعًا و النساء أيضًا تاركين "عبلة" بمفردها على الفراش بعدما رفضوا تحركها من عليه.
خرجت "خديجة" من الغرفة أخر واحدة فوجدت "وليد" أمامها حتى غمز لها ثم دلف لزوجته فوقفت هي تبتسم بيأسٍ حتى وجدت "ياسين" أمامها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"عقبالك يا ست الكل، إن شاء الله أشوفك أجمل و أحن أم في الدنيا كلها"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"يا رب يا ياسين، ربنا يكتبلنا الاحساس دا سوا أنا و أنتَ"
في تلك اللحظة اقتربت منهما "خلود" و هي تقول بلهفةٍ بعدما استمعت لحديث أختها:
"ربنا يكرمكم و يكرمنا كلنا إن شاء الله، شدوا حيلكم بقى"
اخفضت "خديجة" رأسها بخجلٍ فيما تحدث "ياسين" بضجرٍ منها:
"يمين بالله هو بعينه بجد"
_________________________
"بــــعد مـــرور أربعة أشهر"
وقف "حسن" أمام قبر والدته بعدما ألحت عليه "هدير" بذلك الطلب و كانت هي تقف بجواره أيضًا، وقفا سويًا يستمعان للقُرآن الكريم الذي يتلوه القاريء، و بعد تلاوته العطرة بصوته الخاشع رحل من أمامهما، فاقترب "حسن" من اللحد و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ نتيجة البكاء:
"السلام عليكم يا أمي، ازيك يا غالية، وحشتيني أوي، أنا جيبتلك ونسي معايا علشان أعرفك عليها، مع إن هي اللي مصممة على كدا، كان نفسي أعرفك عليها و تاخديها في حضنك، إن شاء الله نتقابل سوا في مكان أحسن من دا، حضنك وحشني أوي يا نادية، اتمرمط أنا من بعدك، بس الحمد لله على قد التعب دا ربنا عوضني.... و بقت معايا أغلى ما في الدنيا كلها"
قال جملته بعدما التفت ينظر لها و هو يبتسم و هي الأخرى ابتسمت له ثم اقتربت خطوةً تقف في مقدمته أمام اللحد و هي تقول:
"السلام عليكم يا ماما، كان نفسي نتقابل سوا في الدنيا، بس محصلش نصيب، أنا بس جاية عاوزة أشكرك على حسن، جاية أقولك أني كسبته من الدنيا دي كلها، أنا بقيت إنسانة و عندي مشاعر و بحس لما بقيت معاه، شكرًا لـ تربيتك و عاوزة أقولك إن أرزاق الدنيا كلها انا خدتها في وجود حسن، و مهما عملت مش هوفيه حقه، بس أنا جاية أقولك إن ربنا رزقني أنا و هو مع بعض بحاجات كتير، و أخرهم إن كلها ٨ شهور و أجيب "علي" إن شاء الله، صممت إنك تعرفي الخبر دا معانا، دي الهدية الوحيدة اللي قدرت اجيبها لحسن يا ماما"
اقترب منها يمسكها من مرفقها و هو يقول بلهفةٍ:
"هدير ؟! أنتي بتتكلمي بجد ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له و العبرات تلمع في مقلتيها حتى احتضنها و هو يبكي و هي شاركته البكاء أيضًا، فقال هو بصوتٍ مختلط المشاعر:
"ياما أنتَ كريم يا رب، الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، الحمد لله....عرفتي إمتى ؟!"
سألها بنفس نبرة الصوت المختنقة فردت عليه هي:
"عرفت امبارح بليل لما جيبت التحاليل، قولت نعرف كلنا سوا و ماما معانا، حبيت أعرفها بنفسي و ابننا مع بعض يا حسن"
احضتنها من جديد و هو يتنفس بعمقٍ و في تلك اللحظة صدح صوت هاتفه برقم "وليد" فأخرج الهاتف من جيبه و قبل أن يتحدث هو تكلم "وليد" بلهفةٍ:
"يا عم حسن أنتَ فين ؟! النتيجة قربت تطلع، يلا علشان نكون سوا، أحمد و سلمى على أعصابهم من الصبح"
رد عليه "حسن" بمرحٍ:
"حقهم، دي نتيجة ثانوية عامة و عم محمد مضيقها عليهم، المهم ؟! جهزت كل حاجة ؟!"
رد عليه بخبثٍ:
"كل حاجة جاهزة و زي الفل، متتأخرش علينا بس"
أغلق معه الهاتف ثم قبل قمة رأس "هدير" من جديد و هو يقول:
"أنا مكدبتش لما قولت إن مكانش ليا عزيز في الدنيا دي و أنتِ خدتي مكان الكل، أنتِ أدتيني حياة جديدة أنا كنت بتمنى بس أحلم بيها، بسببك أنتِ هعيشها و ألمس أحلامي يا هدير، أنا بحبك اوي"
ضحكت هي من بين دموعها، فوجه بصره نحو اللحد و هو يقول بصوتٍ باكٍ:
"شوفتي ابنك و هو فرحان ؟! الحمد لله على كل حاجة صعبة شوفتها، عرفتني قيمة الحلو اللي بعيشه"
ربتت "هدير" على كتفه و هي تقول بنبرةٍ باكية:
"يلا يا حسن هنتأخر و محدش يعرف احنا فين، خلينا نكون معاهم في الفرحة دي"
حرك رأسه موافقًا ثم ودع والدته و هي أيضًا معه و توجها سويًا نحو بيت آلـ الرشيد.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت "عبلة" تجلس بجوار أختها و بطنها منتفخة بشدة و شكلٍ ملحوظ على الرغم من كونها في شهرها الرابع.
و كان "أحمد" يجلس أمام الحاسوب يتفحص الموقع الخاص باعلان نتائج الثانوية العامة و "خلود" بجواره.
سألته "عبلة" بتوترٍ:
"ها يا أحمد ؟؟ وصلت لحاجة ؟!"
رد عليها بنفس التوتر هو الأخر:
"لسه يا عبلة، فاضل ساعة بس أنا بحاول علشان لما يتفح أكون دخلت قبل الزحمة، خير إن شاء الله"
زفرت "سلمى" بقوةٍ و هي تحرك قدميها معًا فاقتربت منها "خلود" تجلس بجوارها تحتضنها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"اهدي بقى خلاص، أنتِ عملتي اللي عليكي و كلنا شاهدين، خير إن شاء الله يا سلمى"
حركت "سلمى" رأسها موافقةً ثم نظرت لـ "أحمد" بخوفٍ من القادم، و كأنها تسأله بنظراتها عن ثقته بها، حتى حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها.
في تلك اللحظة دلفت "خديجة" و الفتيات معها و كانت أخرهن "سارة" بعدما أصبحت في أيام حملها الأخيرة و شارفت على الدخول في الشهر التاسع، جلست الفتيات مع بعضهن و كلًا منهن تسأل عن النتيجة حتى وصلت "هدير" هي الأخرى و معها زوجها.
دلف "وليد" لهم الغرفة التي تقبع بها زوجته و الفتيات فاقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال ممازحًا لها:
"ازيك يا بطيخة ؟! أنا مش فاهم إيه البطن دي كلها ؟! أنا لو بفطرك فتة العيل مش هيبقى وضعه كدا في بطنك"
ضحك عليها الجميع فقالت هي بنفاذ صبرٍ و قلة حيلة:
"يا جماعة خرجوه بيعصبني، على الوضع دا هيولدني في الخامس"
اقتربت "هدير" تجلس بجوارها و هي تقول بصوتٍ هاديءٍ:
"بالمناسبة دي أنا حامل يا جماعة، الحمد لله اتأكدت امبارح"
صرخت الفتيات بحماسٍ و اقتربت منها "خلود" تحتضنها و كذلك "خديجة" أيضًا و "جميلة" و "هدى" كلًا منهن كانت تحتضنها بفرحةٍ، و بعدها "ريهام" ، فتحدثت "مشيرة" تقول بفرحةٍ:
"عقبال خديجة و جميلة إن شاء الله و يا رب نبارك لسلمى بالمجموع اللي نفسها فيه يا رب"
آمن الجميع وراء دعاؤها حتى صرخ "أحمد" مهللًا:
"فتح !! الموقع فتح أهوه"
اقتربت منه "خلود" مسرعةً و كذلك "خديجة" أيضًا فيما ارتمت "سلمى" بين ذراعي "عبلة" و الأخرى تربت عليها بخفةٍ تدعم خوفها و قلقها و في تلك اللحظة قفز "أحمد" و هو يقول مهللًا:
"الـلـه أكـبـر !! ٩٦٪"
قفزت "سلمى" و هي تصرخ في تلك اللحظة بصوتٍ عالٍ ثم اقتربت من الحاسوب تتأكد و حينما لمحت النتيجة صرخت من فرحتها و بكت و ضحكت و اختلطت مشاعرها ببعضها و هي ترى نتيجة تعبها و دراسة عامٍ كاملٍ دون كللٍ أو مللٍ منها، لم تشعر سوى بوالدتها و هي تحتضنها و "إيمان" تقول بمرحٍ:
"ألف مبروك يا سلمى، و الله لأزغرطلك"
انهت جملتها ثم أطلقت الزغاريد العالية تعلن بتلك الطريقة عن فرحتها حتى وصل الصوت للرجال بالخارج، فدلف "طارق" مسرعًا يسأل بلهفةٍ و خوفٍ:
"طمنوني عملت إيه ؟!"
اقترب "أحمد" يرتمي عليه و هو يقول بفرحةٍ و صوتٍ عالٍ:
"جابت ٩٦ ٪ يا طارق، سلمى كدا هتدخل صيدلة في النظام الجديد"
ركض إليها "طارق" يحتضنها بلهفةٍ و هو يقول بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا كنت واثق فيكي إنك قدها و قدود كمان، الحمد لله يا حبيبتي"
بكت بين ذراعيه من فرحتها فتحدث "عامر" في تلك اللحظة بمرحٍ يمازح الجميع:
"عقبال خلود إن شاء الله خلونا نخلص بقى، الواد خلل مني يا جدعان"
نظر لها "عمار" فوجدها تخفض رأسها للأسفل بخجلٍ منهم جميعًا، أما "ياسين" فاقترب من "وليد" يسأله بنبرةٍ هامسة:
"أنتَ متأكد من اللي ناوي تعمله ؟!"
حرك رأسه موافقًا فتحدث "وئام" بقلقٍ بالغٍ كعادته:
"اقسملك بالله ما حد هيودينا في داهية غيرك أنتَ، أشرب بقى"
ابتسم له باستفزازٍ ثم تحرك نحو "محمود" و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"يلا يا عمي، إحنا اتفقنا، قوم و كلم عمي محمد"
حرك رأسه موافقًا ثم وقف أمام الجميع و هو يقول موجهًا حديثه لأخيه:
"شوف يا محمد أنتَ كان شرطك على بنتك أنها تجيب مجموع و تدخل كلية صيدلة، و إن شاء الله هتدخلها علشان هي جابت مجموع حلو، بما أني الكبير هنا فأنا قررت إن أحمد و سلمى يكتبوا الكتاب علطول و تكون ليه، طالما حققت طلبك يبقى أنتَ تنفذ وعدك"
نزل الحديث على الجميع وقع الصاعقة لم يخطر ببال أيًا منهم أن يتحدث "محمود" بذلك الحديث حتى "سلمى" نفسها، أما "محمد" فتجمد مكانه و تسمر جسده دون أن يقو على الرفض أو القبول و بقت لحظة انتظار تمر عليهم و كأنها بمثابة الدهر الكامل، و نظرات "أحمد" تتعلق بها خوفًا من الآتِ فهل سيفي عمه بوعده ؟؟