تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثاني» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية تعافيت بك (2) الفصل الاول الفصل الأول" رواية تَعَافَيْتُ بِكَ_الجزء التاني" ___________ ما من حياة تطيب...سوى بقرب الحبيب __________ قد تظن أنك نجوت وفي الحقيقة أنتَ مجرد شخص هُزم عدة مرات حتى اعتاد تلك الحياة...تصور النجاة...سرت في طرقات لم تشبهك و أماكن لم ترحب بك...حتى اعتدت الوقوف في متاهات الحياة دون اكمال ما تريد. كانت تجلس هي على شاطيء البحر و بجانبها طفلين صغيرين و هي جالسة وسطهما تقوم ببناء القلاع والقصور من الرمال المحيطة للشاطيء، كانت الشمس أوشكت على الرحيل و بدا لونها برتقالي ا...
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم شمس بكري
أضحى العالم في عيني فقط أنا و أنتِ، يا من سرقتي قلبي و في روحي سكنتِ
_________________________
أليف الروح ملفت ولو بين الحشود و كأن قلبيهما بينهما عهود، فالطبع تلك الحياةِ لن تسير إلا و رفيق الروح موجود، و أنتِ أليفة الروح وحدكِ من جعلتي القلب بسر حبكِ يبوح، وحدك من استأنس القلب بها...وحدك من دوات القلب المجروح.
وقف «أحمد» مشدوهًا مما رأى و هو يفكر فيما قد يكون بين شقيقته و «عمار»، و قبل أن يتهور و يفعل ما لم يُحمد عقباه قبض على كفه محاولًا التحكم في نفسه حتى يستطع أخذ الفعل المناسب، و حينها أغلق الهاتف ثم وضعه بجوارها كمان كان و حاول إيقاظها من النوم بهدوء لكن نبرته خرجت جامدة دون أن يعي لذلك، تزامنًا مع قوة هزته لها التي خرجت عنيفة إلى حدٍ ما، حتى صرخت هي عند استيقاظها وهي تقول بانفعالٍ بات واضحًا في نبرتها:
إيـــه يا أحمد حد يصحي حد كدا؟! عاوز إيه دلوقتي طيب؟"
حاول هو التحكم في نفسه و هو يقول بصوتٍ جاهد حتى يكون هادئًا:
تعالي يا خلود يلا علشان نصلي الفجر، البيت كله صحي، قومي"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ ثم خرجت من الفراش، بينما هو تحرك من أمامها بعدما رمقها بتمعن محاولًا سبر أغوارها و حينما انتبهت هي لنظرته، تنحنح هو يُجلي حنجرته ثم رحل من أمامها، لكنه عزم الأمر في محادثاتها بالهدوء حتى يفهم ما يدور بينهما حتى تتصفح صوره بتلك الطريقة، بينما هي شعرت بالخوف لوهلةٍ من الزمن لكن ليس بسبب الصور و حساب «عمار» المفتوح في هاتفها، بينما بسببٍ أخر تود مسألة «وليد» عنه.
_________________________
في غرفة «خديجة» ارتدت إسدال الصلاةِ بواسطة والدتها ثم جلست خلف «ياسين» على المقعد و هو أمامها يأم بها لصلاة الفجر، بينما والدها و شقيقها نزلا سويًا حتى يؤديا الصلاة في المسجد، أنهى «ياسين» الصلاة و بعد التحيات جذب المقعد يجلس مقابلًا لها عليه ثم مد يده يسحب كفها يقوم بالتسبيح عليه كعادته بعد نهاية صلاتهما سويًا حتى يقتسما الأجر والثواب معًا، بينما هي كعادتها نظرت له بعينيها الدامعتين تأثرًا من موقفه المعتاد، فوجدته يقبل رأسها بعد نهايته، ثم تحدث بنبرةٍ خافتة يحاول جاهدًا عدم إظهار تأثره:
ألف سلامة عليكي يا خديجة، ربنا يقومك ليا بالسلامة و ميوجعش قلبي عليكي طول عمري"
ابتسمت له هي باتساعٍ فوجدته يربت بيده على رأسها ثم سألها بحذرٍ:
لسه جسمك بيوجعك ؟! أنا عارف إن دا شيء مؤكد بس وجعك زي الأول ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بصوتٍ حاولت جعله ثابتًا:
لأ الحمد لله الدوا اللي خدته سكن الألم شوية، هو بس وجع راسي و ضلوعي وجعاني أوي"
ربت كتفها بأسى وهو يقول بنفس الهدوء:
الحمد لله على كل حال يا خديجة، ربنا يطمننا عليكي إن شاء الله، و حقك رجعلك كمان"
ردت عليه هي بحزنٍ ظهر في نبرتها و عينيها:
بس أنا مكنتش عاوزاه يا ياسين بالطريقة دي، أنا طول عمري بسيب حقي و بتوكل على الله، اللي حصل منهم كان كتير أوي، و طردوهم كمان، أنا متكلمتش علشان محرجهمش بس العقاب كان كتير"
رد عليها هو بتعجبٍ:
كان كتير !! كل دا و لسه شايفة إنه كتير يا خديجة ؟! منة دي مش حاولت تأذي أخوكي ؟! و كانت بتتخانق مع خلود و بجحت في الكل و زقتك و كانت مستنية إنك مترجعيش ؟! تفضل هنا ليه؟! علشان تعمل مصيبة تانية ؟!"
ردت عليه بحنقٍ:
الموضوع فيه حاجة غلط يا ياسين، سبب خناقتها مع خلود أنا معرفهوش و سلمى كانت مع خلود و اختفت فجأة و من ساعتها مش ظاهرة، أنا مش فاهمة في إيه بس الموضوع ميطمنش، و فوق كل دا العقاب كان كبير"
تحدث هو بضجرٍ منها:
بطلي يا خديجة تدافعي عن الجاني و تخليه مجني عليه، أمها بنفسها جابت أخرها منها، طب اقولك على الكبيرة ؟! منة دي ضربت أمها قبل كدا، عارفة يعني إيه مدت إيدها على أمها !! يعني دي عملت حاجة من الكبائر، منة تستاهل أكتر من كدا بكتير، بس أنتِ اللي طيبة"
طالعته بدهشةٍ من حديثه فوجدته يضيف بتهكمٍ:
مستغربة !! دا شيء متوقع منها يا خديجة عادي، أمها شافت كتير بسببها، و أبوها مدلعها و علطول يقف في صف بنته، سالم لازم يتعاقب علشان يحافظ على الأمانة اللي عنده، دي أمانة في رقبته لحد ما تروح بيت جوزها، قوليلي مين يرضى ياخد أمانة زي دي و يعتمد عليها ؟!"
نزل الحديث عليها كوقع الصاعقة فلم تتخيل هي أن تفعل «منة» ذلك الشيء في والدتها، فتحدثت هي بصوتٍ تائهٍ:
أنا مش قادرة أصدق !! تمد إيدها على مامتها ؟! استغفر الله العظيم، و إزاي طنط وفاء ماخدتش رد فعل ؟!"
رد عليها هو بقلة حيلة:
هتعمل إيه يا خديجة ؟! ساعتها جت عندنا و فضلت تعيط بسبب منة و جوزها اللي مأخدش رد فعل، قال إيه لسه صغيرة و المفروض تعاملها بعقل، دا غير إن وليد أكيد عارف حاجة، علشان وليد عمره ما يوصل لكدا غير لو فيه مصيبة"
زفرت هي بقوةٍ فوجدته هو يمسك ذراعها الحر ثم ربت عليه وهو يقول مُقررًا:
بلاش تخلي تأنيب الضمير يوهمك إنك ظالمة و أنتِ المجني عليها، و لسه هنشوف الموضوع فيه إيه؟!"
تنهدت هي بقلة حيلة فوجدت الباب يُطرق بواسطة والدها تزامنًا مع حديثه مُستأذنًا بالدخول لهما، فسمح له «ياسين»، دلف «طه» وهو يبتسم و معه في يده زجاجة العصير المفضل لديها وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
صباح العسل، جبتلك عصير البرتقان بالجزر اللي بتحبيه أهوه، اشربيه و شربي ياسين معاكي بقى علشان تاخدي العلاج و ترتاحي شوية"
ابتسمت هي بتفاجأ من فعل والدها، بينما «ياسين» ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
و بتتريقي عليا علشان القصب باللبن ؟! و أنتِ طلعتي غاوية ميكسات أهو، محدش أحسن من حد"
ردت عليه تشاكسه:
بقولك إيه أنتَ تغلط فيا عادي، إنما عند البرتقان بالجزر متتكلمش، تضربله تحية"
رمش بأهدابه ببلاهةٍ فوجدها تضيف بنفس العناد:
و مش هشربك منه برضه، هاته يا بابا و ابقى خليه يجيب لنفسه"
رد عليها هو مُسرعًا:
لو بتحبيه أوي كدا أنا ممكن أجيب ليكي كل البرتقان بالجزر اللي في الدنيا، بس ترجعي تاني كويسة يا خديجة"
ابتسمت هي بخجلٍ بسبب وجود والدها الذي طالعهما بحبٍ ممتزج بالتأثر، بينما «ياسين» حاول تغير الموقف بقوله المستفسر:
هو أحمد فين و وليد ؟!"
رد عليه «طه» بنبرةٍ هادئة من وجهه المبتسم:
صلوا الفجر و طلعوا السطح سوا، و أنا روحت جبت العصير لخديجة و جيت"
أومأ له «ياسين» موافقًا بتفهمٍ، بينما «طه» جلس بقربها ثم قبل رأسها بحبٍ فوجدها تبتسم له، حينها طالعهما «ياسين» بفرحةٍ هو تلك المرة بسبب تطور علاقتهما و فرحتها البادية على وجهها.
_________________________
فوق سطح البيت كان «وليد» جالسًا بمفرده بعدما تركه «أحمد» و توجه نحو شقتهم، و أبان جلوسه صعدت له «سلمى» بتوترٍ و خوفٍ، فوجدته يقول دون أن يلتفت لها:
أخت عبلة بجد مفيش كلام، تعالي يا سلمى خايفة ليه؟!"
اقتربت تجلس بجانبه تفرك كفيها معًا و هي تقول بخوفٍ:
منة مش هتعمل حاجة صح ؟! هي كانت بتهددنا و خلاص، أنا خايفة يا وليد أوي، مرعوبة"
حرك رأسه يطالعها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
أنتِ خايفة من إيه ؟! هو أنتِ عملتي حاجة غلط أنتِ أو خلود؟! واحدة بتهدد و خلاص، و أنا ربيتها"
ردت عليه هي بخوفٍ:
يا وليد قالت هتخلي الولد يعمل لينا الصور و يروح السنتر يفضحنا هناك، دي مجنونة و ممكن تعملها، علشان خاطري اتصرف"
ابتسم لها هو يطمأنها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
هي مش هتقدر تأذيكم طول ما أنا عايش، مشيرة و هي بتضربها أنا خدت التليفون و مسحت أي حاجة ممكن تخوفكم، بس الصور القديمة دي اتصورتوها إمتى ؟!"
ردت عليه هي مسرعةً:
و الله العظيم يا وليد لما كانت بتيجي تبات عندنا، كنا بنسهر عادي و نحط ميكب و نتفرج على مسلسل، بس متخيلتش إنها تهددني بالصور دي، أنا كنت هموت"
تحدث هو بحكمةٍ كعادته:
و دا يعلمك إن مفيش أي حد تتصوري معاه و صورك تفضل معاه يا سلمى، عارف إنها من زمان و إنكم بنات و دماغكم متجيبش حاجة زي دي، بس الناس متضمنش أصلًا، دا أنا راجل أهوه و مأمن على صوري و صور مراتي، اتطمني كل حاجة اتمسحت و معهاش حاجة تهددكم بيها، بس مش محتاج أقولك خلي بالك يا سلمى على نفسك و ياريت تكوني حريصة شوية، مش أي حد ينفع يصاحبك و لا أي حد اتصور معاه براحتي، محدش مضمون أصلًا و نفوس الناس مرعبة، بس متخافيش أخوكي خد حقك و وعدك زي ماهو، زمانها دلوقتي قالبة الدنيا على الحاجة اللي ضاعت منه، اتطمني"
أبتسمت هي براحةٍ تخللت قسمات وجهها و هي تتنهد بعمقٍ و كأنها تتنفس لأول مرّة بالحياة، بينما هو أضاف من جديد:
سلمى !! أي حد يهددك بحاجة بعد كدا متبينيش خوفك قدامه، طول ما أنتِ معملتيش حاجة غلط، يبقى خلاص حطي صوابعك في عين التخين، و ياريت لو اتكررت تاني لقدر الله تختاري حد تقوليله يدافع عنك، أكيد هو هيعرف يتصرف صح لأن بطبعك التفكير هيشل حركتك و بالتالي هتتصرفي غلط"
ردت عليه هي بنبرةٍ باكية:
أنا كنت محتارة و الله، لولا خلود كانت معايا كان زماني اغمى عليا من الخوف، متخيلتش إن اللي كانت بتبات معانا و تاكل من نفس أكلنا يجي يوم و تعمل كدا !! و كمان تقول إنها هتبعت حد يشوه سمعتنا في السنتر ؟! و فوق كل دا تضرب خديجة و عمتو مشيرة ؟!"
ابتسم هو بسخريةٍ على تلك المدعوة «منة» التي تخطت جميع الخطوط الحمراء فوجد «خلود» تدلف السطح و حينما رأتهما ركضت إليهما بلهفةٍ و هي تقول بقلقٍ:
ها يا وليد طمني، منة مش هتعمل حاجة بالصور اللي معاها و لا هتبعت حد السنتر صح؟! طمني أنا بموت من الخوف"
ابتسم بثقةٍ وهو يقول:
قصدك الصور اللي كانت معاها، ثم إنك لازم تثقي فيا علشان منة لو فكرت تهوب بس ناحية واحدة فيكم أو أي حد في عيلة الرشيد أنا هدوس عليها و مش هيفرق معايا، متخافوش"
تنفست «خلود» براحةٍ و هي تقول بهمسٍ:
الحمد لله....الحمد لله يا رب، منها لله بنت وفاء، أنا أول مرة أعيط من سنين و أول مرة أخاف كدا، ربنا ياخدها"
زفر «وليد» بقوةٍ ثم رفع رأسه للسماء وهو يقول:
أنا تعبت !! خلاص يا دنيا مفيش غيري ؟! همشي أصلح الكون و أربي اللي مترباش ؟!"
ضحكت كلتاهما عليه و على طريقته بينما هو طالعهما بضجرٍ ثم تشدق بقلة حيلة:
يلا يا حلوة منك ليها و روحوا ناموا النهار لسه بيطلع، متخافوش طول ما وليد معاكم، و الكلام دا ميطلعش لحد في العيلة مهما كان !! مفهوم ؟!"
وافقت كلتاهما ثم رحلتا من أمامه كلًا منهما تتوجه نحو شقتها، بينما «أحمد» بعد اطمئنانه على شقيقته صعد إلى «وليد» حتى يسأله على موضوع «خلود»، و بمجرد وقوع بصر «وليد» عليه نفخ وجنتيه ثم قال بسخريةٍ:
يا دنيا هاتي كمان هاتي....تعالى يا أبو حميد خير على الصبح؟!"
جلس «أحمد» بجانبه بملامح وجه جامدة ثم سأله بنفس الثبات البادي عليه:
عاوز أسألك حاجة يا وليد، بس تريحني و متخبيش عليا حاجة"
حرك «وليد» رأسه له بحذرٍ فوجده يقول:
هو فيه حاجة بين خلود و عمار ؟!"
حرك رأسه مستفسرًا تزامنًا مع قوله:
خلود و عمار !! لأ طبعًا ليه بتقول كدا يا أحمد ؟!"
رد عليه هو مُردفًا بنفس الجمود:
هو لما أدخل أصحي أختي وألاقيها فاتحة الإنستجرام بتاعه على صوره دا يبقى إيه يا وليد ؟! رد عليا ؟! دي حاجة طبيعية ؟!"
تنهد «وليد» بقلة حيلة ثم تحدث مُردفًا بقوله:
اسمع يا أحمد علشان مش هكرر كلامي تاني، خلود و عمار مفيش بينهم أي حاجة، الاتنين دي مش أخلاقهم و لا تربيتهم، بس خلود بنت في سن المراهقة و غصبٍ عنها مهما كانت ناضجة طبيعي إنها تتشد أو شخصية زي عمار دي تلفت نظرها، يعني ولد زيه مؤدب و ذوق و بيراعي ربنا في كل حاجة، و أظن شوفته ساعة موقفه مع البت و إخواتها ؟! طبيعي إن خلود يجيلها فضول تعرف شخصيته أو معلومات عنه، أنا مش ببرر ليها إطلاقًا، بس الأحسن إنك تتكلم معاها كأنك أخ مصاحب أخته أحسن ما تكون قاضي بيحكم على الضحية بتاعته"
حرك «أحمد» رأسه موافقًا ثم سأله و كأنه انتبه لتوه:
طب و عمار !! أكيد مش بيفكر فيها ؟! مش معقول نكون فاتحين بيتنا ليه و بنستأمنه و هو بيبص لبناتنا يا وليد !!"
زفر «وليد» بقوةٍ وهو يشعر بالضيق و الحيرةِ معًا، فوجد «أحمد» يقول مُقررًا:
يبقى عمار بيفكر في خلود برضه ؟! سكوتك ملهوش دليل عندي غير كدا"
طالعه «وليد» بثباتٍ بات واضحًا في نبرته و هيئته:
هقولك علشان ميجيش يوم و تفتكر فيه إنك مُغَفل أو ترفض أي حاجة ممكن تكون بينهم، عمار بيحب خلود و حاسس بحاجة ناحيتها"
اتسعتا حدقتي «أحمد» بشدة حتى وصل لمرحلة الجحوظ فوجد «وليد» يضيف من جديد:
اسمع يا أحمد، عمار متربي و بزيادة كمان بدليل إنه جه و حكالي على مشاعره ناحيتها، و غير كدا محاولش يكلمها و لا حاول يتخطى حدوده معاها، بالعكس دا كان بيعمل نفسه مش شايفها، و لسه عاوز يعتمد على نفسه و يعمل إسمه علشان يليق بيها، و أنا قولتله إنها لو نصيبه هتبقى ليه غصبٍ عن الدنيا كلها"
سأله «أحمد» بصوتٍ حاد:
و خلود عارفة حاجة عن الموضوع دا ؟! أنتَ قولتلها يا وليد ؟!"
رد عليه نافيًا حديثه بقوله:
لأ هي متعرفش لإن مفيش حاجة أصلًا، خلود لسه صغيرة و لسه في مرحلة النضج، مينفعش اشتتها بحاجة زي دي يا أحمد، أختك بمية راجل و عمرها ما تعمل حاجة غلط، خليك بس أنتَ مصاحبها"
رد عليه هو بتشتتٍ و تيه:
أنا مش عارف هي مالها يا وليد، خلود أول مرة تعيط كدا في حضني، و عياطها مزعلني، و سلمى كمان اختفت فجأة و الاتنين مش عارف مالهم، و خديجة كفاية اللي حصلها يوجع قلبي عليها و يخليني أعيط بدل الدموع دم"
ربت «وليد» على كتفه و هو يقول مُطئنًا له:
كل حاجة و ليها أخر، مفيش فرح دايم و لا حزن مطول يا أحمد، متخافش على أخواتك دا ابتلاء من ربنا و هيعدي خلاص"
حرك رأسه موافقًا ثم ألقى برأسه على فخذ «وليد» الذي رفع ذراعه يربت عليه و كليهما يتقاسم الحزن مع الأخر.
_________________________
بعد مرور بعض الوقت الذي أوشك على ساعاتٍ ارتدى «ياسين» حِلته العملية حتى يذهب إلى عمله بعد توسل «خديجة» له بالذهاب بعدما قرر هو البقاء بجوارها و مراعاتها لكنها أبت ذلك و أخذت منه وعدًا بالرحيل، كانت هي على الفراش تجلس و هي تراقبه بتعمن، فالتفت لها وهو يقول بسخريةٍ:
أنا حاسس إنك فرحانة أني همشي مش عارف ليه ؟! أنا مش هعرف أسيبك يا خديجة و أنتِ كدا، مش هركز و الله"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
يا سيدي مش فرحانة و لا حاجة، بس هتفضل تعمل إيه هنا ؟! كلهم كمان شوية هيكونوا هنا، و محدش فيهم هيسبني"
اقترب منها هو حتى جلس بجوارها ثم قال بصوتٍ حزين:
أنا اللي مزعلني أني عارف إنك تعبانة و الالم صعب، أنا اتجبست مرة و أنا صغير و الوجع كان صعب فاكره، بس أنتِ مش عاوزة تتوجعي يا خديجة، و دا غلط"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
هعمل إيه طيب ؟! متعودتش أتوجع يا ياسين، هستفاد إيه ؟! أنا عمالة أهزر و أضحك معاكم اهو و لما بتوجع بنام، متخافش"
تنهد هو بضيقٍ ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
البنات هيجوا بليل يطمنوا عليكي و معاهم ماما و بابا، يونس عمال يعيط عاوز يجي هنا"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
إيمان و سارة قالولي إنهم هيجوا يطمنوا عليا، مع أني شايفة ملوش لازمة تعبهم دا"
رمقها هو بغيظٍ وهو يقول:
هو أنتِ ليه مش مقدرة قيمة نفسك عندنا ؟! إحنا كلنا بنحبك و كلنا لو نقدر نشيل التعب عنك، بس أنتِ مش عارفة"
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
عارفة يا ياسين، أنا بس اتفاجأت من رد فعلهم، و دفاعهم عني بالطريقة دي، دي حاجة أنا عمري ما جربتها"
حرك رأسه بإيماءةٍ بسيطة ثم سألها بخبثٍ:
قوليلي صحيح هي الدماغ بتاعة قبل الفجر دي كان نوعها إيه؟"
انكمش ما بين حاجبيها و هي تسأله بتعجبٍ:
دماغ !! دماغ إيه دي ؟! مش فاهمة بصراحة يا ياسين"
حرك رأسه للخلف وهو يقول بنفس الخبث:
يا بت !! الكلام اللي كنتي بتقوليه قبل ما تنامي على كتفي؟! مش فكراه يعني؟"
سألته هي بلهفةٍ:
و الله أبدًا، قولي بقى قولت إيه ؟! عكيت الدنيا صح؟!"
حاول جاهدًا كتم ضحكته وهو يقول:
أوي بصراحة، قولتيلي بحبك يا ياسين، متسبنيش يا ياسين، خدني من هنا يا ياسين، عاوزة افضل معاك يا ياسين، و قولــ...."
توقف عن الحديث حينما تحدثت هي بسخريةٍ تحاكي طريقته:
أنتَ كداب يا ياسين، علشان أنا حطيت راسي على كتفك و نمت، بطل كدب بقى يا أبو طويلة"
رفع حاجبه وهو يقول مُكررًا كلمتها مرةً أخرى بغير تصديق:
أبو طويلة !! أنتِ خدتي عليا أوي يا خديجة، إحنا مكناش كدا، أنا عاوز أسمع حضرتك يا أستاذ ياسين حالًا"
ردت عليه هي بحنقٍ:
نعم !! حضرتك ؟! روح يا بابا شوف أنتَ رايح فين يلا، يلا يا كوكو هتتأخر"
اقترب منها وهو يقول بضيقٍ زائف:
طب قسمًا بالله الوقعة مأثرة جامد، أنتِ مخك اترج يا خديجة"
سألته هي ببلاهةٍ:
اترج ؟! تفتكر ممكن يكون كدا"
ابتسم هو بسخريةٍ وهو يقول:
افتكر ؟! هو اترج فعلًا يا خديجة، أنا خايف لما تفوقي يغمى عليكي من اللي هتعرفيه"
شهقت هي بخوفٍ فوجدته يقول ببراءةٍ زائفة:
أنا بقول نتفاجأ كلنا سوا و نعمل نفسنا منعرفش إن مخك اترج، و أنا اقول يونس شبطان فيكي ليه ؟!، أتاريكم فيكم رَجة من بعض"
قال حديثه ثم انسحب من أمامها بينما هي نظرت في أثره ببلاهةٍ و هي تقول بتعجبٍ:
هو قصده إيه ؟! أنا مرجوجة فعلًا ؟!"
_________________________
أسفل البيت وقف كلًا من «حسن» و «وليد» مع بعضهما بعد رحيل «ياسين» و وداعه لهما ، فتحدث الأول بنبرةٍ خافتة:
خليك أنتَ هنا في البيت علشان زفتة الطين متعملش حاجة تاني و أنا و طارق و وئام مع بعض، بس أنتَ خليك هنا مع أحمد، يارتنا ما كنا لحقناها منهم يا شيخ"
رد عليه «وليد» بضجرٍ منها:
يا أخي ياريتها تموت و نخلص منها، بس هنقول إيه ؟! نصيبنا إن جدي يرزعهم هنا و ياريتهم حتى محترمين البيت اللي هما فيه"
رد عليه «حسن» بحذرٍ:
وليد !! أنتَ أكيد مش هتعمل حاجة بالصور اللي معاك دي ؟! بلاش خوفك على اللي منك يخليك تفتري عليها، هما هيمشوا صح؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
متخافش يا حسن هيمشوا و يغورا من هنا، عم محمود مستحيل يسيبهم بعد اللي حصل لأن وجودها هيعمل مشاكل و إحنا مش ناقصين، هيروحوا يقعدوا في العبور، عندهم شقتين هناك، و قاعد هنا سفلقة"
تحدث «حسن» بتعجبٍ:
العبور !! سالم دا عنده شقتين في العبور ؟! دا شكله غلبان يا بني"
رد عليه «وليد» بتهكمٍ:
غلبان أوي، يا بني دا ساكن هنا من غير فلوس و مدفعش حتى فلوس يقعد بيها، بس لما أمه طردته جاب مراته و عياله على هنا علشان أبوه كان صاحب جدي، و قاعد هنا علشان شغله"
امتعض وجه «حسن» وهو يقول بقلة حيلة:
هي الناس بقت لئيمة كدا ليه؟! حتى سالم دا طلع خبيث ؟! و أنا اللي فاكره طيب ؟!"
تحدث «وليد» بسخريةٍ:
محدش طيب يا حسن أنتَ اللي عبيط"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ إثر صدمته فيما سمعه، و بعدها نزل الشباب خلف بعضهم حتى يذهبون إلى عملهم، بينما «وليد» سحب نفسه من أمام الجميع ثم توجه نحو شقة «سالم»، فتحت له «وفاء» الباب فوجدته أمامها يقف بثباتٍ، طالعته هي بخجلٍ و هي تقول:
اتفضل يا وليد....تعالي يا حبيبي"
سألها هو بنبرةٍ هادئة:
أنا متأسف أني جيت لحضرتك الصبح كدا، بس أنا عاوز حضرتك في كلمتين ضروري"
ردت عليه هي ترفع الحرج عنه:
متقولش كدا يا حبيبي، دا بيتك يا وليد، اتفضل تعالى"
حرك رأسه موافقًا ثم دلف خلفها، ثم جلس على أقرب مقعد قابله فوجدها تسأله بنبرةٍ حاولت جعلها ثابتة:
تشرب إيه يا حبيبي ؟! و لا أحضرلك تفطر ؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول:
مش عاوز حاجة متشكر لحضرتك، بس عاوز أشوف منة.... قصدي الآنسة منة"
طالعته هي بريبةٍ فوجدته يضيف مُسرعًا في الحديث:
متخافيش أنا مش طالع علشان حاجة و الله، أنا بس عاوز أتكلم معاها كلمتين ضروري و ممكن حضرتك تفضلي هنا تسمعيهم، أنا مش جاي في أذية حد"
حركت رأسها له موافقةٍ ثم تحركت من أمامه حتى تجلبها له، لكنه اندهش حينما سمع صوت صرخات والدتها و صوت صرخاتها هي الأخرى و كأن شجارًا يدور بينهما، ركض هو للداخل فوجدها تهدد والدها بالزجاجة التي تمسكها بيدها، وقف هو مثل الدرع يحمي «وفاء» بينما «منة» صرخت في وجهه و هي تقول:
أطلع برة !! غور من وشي بدل ما اضربك أنتَ بالإزازة، غور بقولك"
وقف هو بثباتٍ وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
اضربي....لو جدعة اضربي و وريني شطارتك، أنتِ واحدة بتهدد أمها، يبقى هتشيلي خاطري، بس أنا بقولك إني لحد أخر لحظة معاكي و أنا مختار أكون بني أدم، متخلنيش اقلب حيوان و أطلع جناني عليكي"
ردت عليه هي بنفس الصراخ:
مش خلاص خدت حقك ؟! و هنمشي و نسيب البيت ؟! طالع ليه مستعجل على الشقة ؟! متخافش مش هناخد منها حيطة و إحنا ماشيين"
رد عليها هو بنفس الانفعال:
بت !! اتكلمي عدل معايا بدل ما أجيبك من شعرك، أنا ساكتلك على كل حاجة عملتيها، ضربتي خديجة و بسببك راقدة في السرير تحت في الوقت اللي المفروض تعيش فيه أحلى أيام عمرها، و رميتي بلاكي على أحمد اللي انقذك من ناس في الشارع، و هددتي سلمى و خلود إنك هتفضحيهم، و كمان بتبجحي في أمك !! أنتِ إيه معدومة الضمير ؟!"
ردت عليه هي بتهكمٍ:
سيبتهولك أنتَ، أنا أصلًا مش هعيش مع حد منهم، أنا هروح عند صحابي أعيش عندهم، أنا بكرهكم و بكرهها"
بكت «وفاء» بقوةٍ و هي تحرك رأسها نفيًا مما تستمع إليه من ابنتها، بينما «وليد» رد عليها بنبرةٍ جامدة:
و هما كمان بيكرهوكي، عارفة ليه؟! مفيش أب و أم في الدنيا يفرحوا إنك تكوني بنتهم، أنتِ عارفة اللي كنت هتعمليه في خلود و سلمى دا إسمه إيه ؟! إسمه قذف محصنات، عارفة يعني إيه يعني بتفتري على ناس بالباطل عارفة عقابها إيه عند ربنا؟!، عارفة أنتِ كل الأذى اللي بتتسببي فيه دا عقابه إيه في الدنيا و الآخرة ؟! فوقي بدل ما عمرك يخلص قبل ما تلحقي تتصرفي، أنا ساكت و مش عاوز أعمل أي حاجة تزعلك و مكتفي بس بالضرب، بس لو جينا للحق أنتِ متستاهليش الرحمة، و أمك اللي أنتِ بتكرهيها دي أنا هاخدها عندنا، على الأقل إحنا بنحبها"
رمقته بشررٍ يتطاير من عينيها ثم ارتمت على الفراش و هي تزفر بضيقٍ، بينما هو التفت ثم اشار لـ «وفاء» حتى تسبقه للخارج، خرجت من الغرفة و هي تبكي بقهرٍ لا تصدق افعال بنتها، لكن هذا هو المتوقع من سلبيتها في التربية و من تدليل أبيها لها، جلس «وليد» مقابلًا لها وهو يقول بخجلٍ من طريقته و حديثه:
أنا مكانش قصدي كل دا يحصل، حقك عليا، بس أنا متوقعتش إنها تهددك و أنتِ والدتها، أنا عاوز أعرف هي مالها ؟! ليه كدا ؟!"
ردت عليه هي بأسى:
تربيتها و دلع أبوها ليها، عاوزة فلوس خدي، هبات عند صحابي باتي، عاوزة اسافر، سافري، كل حاجة مُجابة و لو حاجة مجبنهاش تصرخ و تصوت و تفضحنا، أنا تعبت و جبت أخري منها....و منه علشان هو السبب، بس هعمل إيه ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ جامدة:
تعملي إيه ؟! دي بنت و أنتِ أم يعني ليكي دور، كان ممكن تصاحبيها و كان ممكن تقفي جنبها و كان ممكن تنصحيها و كان ممكن تعاقبيها مرة و ترخي إيدك مرة، سلبيتك دي هتضيعها منك في يوم، عارفة يعني إيه بنتك تهدد بنات اصغر منها إنها هتفضحهم في المكان اللي بياخدوا الدروس فيه ؟! عارفة يعني إيه تحدف واحدة من على السلم و كانت هتروح فيها ؟! عارفة أني كان ممكن أسجنها علشان خديجة علاجها هيحتاج أكتر من ٢١ يوم علاج ؟! بنتك اللي حصل كله ليها مكسرهاش، دي مكملة و عاوزة تمد إيدها عليكي، يعني سلبيتك في التربية غلط"
طالعته بخزيٌ من حديثه التي لم تستطع انكاره، ففتح زوجها الباب في تلك اللحظة و دلف الشقة و حينما وقع بصره على «وليد» تحدث بنبرةٍ جامدة:
أنا ضربتها و كملت عليها إمبارح، و روحنا المستشفى بيها، و هنمشي و نسيب البيت، مطلوب حاجة تاني ؟!"
رد عليه «وليد» بضجرٍ:
أنتَ مش بتديني حسنة و لا أنا بشحت منك، دا حقي و أنتَ عارف كويس، لو هطلب منك حاجة يبقى أطلب منك تربي بنتك، اللي ماشية تفرم في الخلق و مش هاممها حاجة، بس الحق مش عليها، الحق عليك أنتَ اللي مش مربيها، أخرة دلعك فيها إيه؟! جاي دلوقتي تقولي اهو ماشيين ؟! أنتَ عارف إن بنتك مينفعش تفضل هنا علشان مصايبها هتكتر، ياريت يا عم سالم و أنتَ فرحان ببنتك و علامها تربيها، علشان متوصلش للي إحنا فيه دا، و على فكرة كانت هتمد إيدها على أمها، خليك بقى مستني لحد ما يجي دورك"
تحدث «سالم» منفعلًا بضيق:
تاني ؟! مدت إيدها عليكي تاني يا وفاء؟!"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ وهو يقول بدهشةٍ:
يعني أنتَ عارف إنها مدت إيدها عليها قبل كدا ؟! أنتَ إيه يا عم سالم ؟! التربية مش فلوس و بس، فين دورك كأب مجبر يصاحب بنته ؟! فين دورك كأب المفروض يعدل طريقها و خطواتها؟! فين دورك إنك تخليها تقرب من ربنا علشان لما تقف قصاده تقوله إنك ربيت صح ؟! خلي بالك أنتَ هتتحاسب عليها، و هتدفع الحساب دا مرة في الدنيا و في الآخرة، بنتك بتمد إيدها على أمها يعني عملت حاجة من الكبائر، عارف يعني إيه الكبائر ؟!"
رمى بحديثه أمامهما ثم رحل في هدوء تاركهما خلفه يتحسرا على ابنتهما، بينما «وفاء» رمقته بغضبٍ و هي تقول بقهرٍ:
حسبي الله و نعم الوكيل فيك و في أمك، شوف هتلم دا كله إزاي؟ أنا لو هما مكانوش مشونا من هنا، كنت أنا همشي علشان اللي الحلوة عملته، و ياريتها على خديجة و بس، دي مهددة سلمى و خلود إنها هتبعت حد من الصايعين بتوعها يروح يفضحهم، وريني دلعك فيها هيحل الموقف إزاي، دا أنا مكسوفة أفضل هنا تاني"
تحركت من أمامه بنفس الغضب بينما هو ارتمى على المقعد بقهرٍ بسبب فعلة ابنته بل و أفعالها الكاملة، لكن تلك النتيجة هو يستحقها، فمن الأساس كانت البذرة غير صالحة الذراعة، فكيف له يتوقع أن تثمر بالخير و هو من ساعد في غرس الشر ؟!.
_________________________
دلفت «سلمى» غرفة «خديجة» بخجلٍ منها بعدما اختفت بالأمس دون أن تطمئن عليها، فوجدت «خديجة» تقول بتهكمٍ زائف:
يا أهلًا بالأستاذة سلمى !! وشك ولا وش القمر يا حلوة ؟! مستنية خبري علشان أشوفك يا سلمى؟!"
جلست بجانبها وهي تقول بخجلٍ:
قلبك أبيض يا ديجا بقى، و الله كنت تعبانة و نمت شوية غصب عني، أنتِ عارفة غلاوتك عندي"
نظرت لها بتشككٍ و هي تقول:
يا بت !! تلاقيكي زوغتي منهم قبل ما حد يطلب منك حاجة، أخر حاجة فكراها إنك كنتي مع سلمى فوق السطح، روحتي فين بعدها يا سلمى؟!"
ردت عليها بتوترٍ:
ها...آه، ساعتها نزلت علشان جالي مغص، و سيبتها مع الزفتة بس متخيلتش إن حاجة زي دي ممكن تحصل.....المهم أنتِ طمنيني عليكي"
ردت عليها مقررةً:
طمنيني أنتِ عليكي، مالك يا سلمى شكلك مش كويس ليه؟! فيه حاجة مزعلاكي صح؟!"
بكت «سلمى» أمامها بقوةٍ من قوة ما تشعر به من خوفٍ رغم زواله، لكن القلق الذي يخيم على صدرها يشبه النيران في قوتها، بينما «خديجة» فتحت لها ذراعها حتى تحتضنها، بينما «سلمى» أجهشت في البكاء بقوةٍ أكثر، حتى تحدثت «خديجة» بسخريةٍ:
يا سلمى إيدي مكسورة هطبطب عليكي إزاي دلوقتي؟! قولي يا بنتي مالك، بدل ما اضربك بالجبس و أخلص"
رفعت «سلمى» نفسها و هي تقول ببكاءٍ:
كنت مخنوقة يا خديجة، أنا بكره منة أوي...و أنا عمري ما كرهت حد، بس هي غريبة و متتحبش، هددتني أنا و خلود إنها هتبعت واحد السنتر يفضحنا ، و قالت إنها هتنزل صوري و أنا بشعري، أنا وعدت وليد إن محدش يعرف، بس أنا برتاح ليكي"
احتضنتها «خديجة» بذراعها الحر و الآن فقط فهمت سبب تحول «وليد» بتلك الطريقة، و الآن تيقنت أن «منة» لقت أقل عقاب تستحق الحصول عليه، و على الرغم من فضولها في معرفة التفاصيل، إلا أنها قررت ترك الموضوع و صرف التفكير به، بينما «سلمى» استكانت بين ذراعها و هي تشعر بالأمان بقربها، و في تلك اللحظة دلفت «خلود» لكنها تعجبت عند رؤيتها لـ «سلمى» بقرب «خديجة»، و جلست على طرف الفراش و هي تقول بتعجبٍ:
هي مالها !! ما كانت داخلة كويسة، حصلك إيه يا سلمى"
ردت عليها «سلمى» بنبرةٍ خافتة:
مصدعة و عندي درس كمان شوية، قولت أطمن على خديجة قبل ما أمشي"
ردت عليها «خلود» بصوتها الطبيعي:
ألف سلامة يا ستي، خديجة أنا هروح أنا و أحمد نجيب حاجات من تحت عاوزة حاجة ؟! بابا كلمني و قالي أسألك لو عاوزة حاجة نجبهالك من تحت"
ردت عليها بحيرةٍ من أمرها:
مش عارفة يا خلود، مش عاوزة حاجة، أنا خدت الدوا و هنام خلاص، متتعبوش نفسكم"
حركت رأسها موافقةً ثم خرجت من الغرفة، بينما «خديجة» تحدثت تقول بنبرةٍ هادئة:
بلاش تزعلي نفسك يا سلمى، منة دي مريضة و الله، خانت العِشرة اللي كانت بينكم، دي تحمدي ربنا إنها خرجت من حياتكم، و يارب تخرج من البيت كله، قبل ما أطلع و أعمل فيها اللي اتعمل فيا دا"
ابتعدت عنها «سلمى» و هي تقول بحنقٍ:
اتنيلي يا خديجة، دا أنتِ عليه العوض و منه العوض فيكي، النص الشمال كله بقى بعافية، قال تطلعي قال، ياختي اتعدلي على السرير الأول"
ضحكت «خديجة» عليها و هي تقول بحنقٍ طفيف:
تصدقي أنا غلطانة !! غوري من وشي يا سلمى، ماهو بسببكم"
ردت عليها «سلمى» بأسى لأجلها:
لو كنت أعرف إنها بنت مجانين كدا كنت وقفت مع خلود و مكنتش نزلت، دي بتقولي سرقت أحمد منها !! سرقته إزاي"
ردت عليها «خديجة» بسخريةٍ:
سرقتيه !! هو جذمة و لا إيه ؟! البت دي عبيطة رسمي"
ضحكت «سلمى» عليها فوجدتها تحتضنها من جديد و هي تضحك معها هي الأخرى.
_________________________
على الطريق الرئيسي وقف «أحمد» برفقة شقيقته و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
خلود أنا عاوز أتكلم معاكي شوية، ممكن نقعد سوا في مكان"
ردت عليه هي بمرحٍ كعادتها:
فيه محل عصير هناك أهوه، هاتلي كوكتيل و أنا تحت أمرك"
زفر هو بقوةٍ ثم أشار لها حتى تسبقه نحو موضع اشارتها السابقة، حتى سبقته هي ثم جلست على المقعد و هو مقابلًا لها بعدما طلب المشروب، حتى سألته هي بضيقٍ:
خير يا أحمد ؟! هتقولي خلينا أخوات و لا هتقولي ماما شافت الشات؟!"
نفخ وجنتيه ثم قال بحنقٍ:
لأ هقولك لمي نفسك بدل ما ألمك يا خلود، مش كل حاجة هزار كدا"
تعجبت هي من طريقته فسألته بريبةٍ و حذرٍ:
فيه إيه يا أحمد إيه اللي معصبك كدا ؟! أنا عملت حاجة طيب"
تنهد هو بعمقٍ يحاول التحلي بالصبر و الثبات و هو يقول:
خلود أنتِ فيه إيه بينك و بين عمار ؟!"
طالعته بدهشةٍ بعينيها المتسعتين فوجدته يقول مُقررًا:
أنا و أنتِ صحاب و مش عاوزك تخافي مني، بس أنا دخلت اصحيكي علشان تصلي الفجر يا خلود لقيتك حاضنة التليفون بس كان مفتوح على صور عمار علي انستجرام !! دا إسمه إيه؟!"
اذدردت لعابها بخوفٍ و أبان ذلك وضع العامل المشروب لهما على الطاولة ثم ابتعد مرةً أخرى، بينما شقيقها سألها بنبرةٍ أهدأ من السابق:
ها يا خلود !! فيه إيه بينك و بينه علشان تفتحي صوره كدا ؟! و مش عاوزك تخبي عليا حاجة، أنا مش غبي علشان اتهور"
حاولت البحث عن صوتها الهارب حتى وجدته أخيرًا فقالت بصوتٍ خافت:
هقولك و الله كل حاجة، أنا مفيش بيني و بينه أي حاجة يا أحمد، كل الحكاية بس أني امبارح اتكلمنا سوا و أنا اتفاجئت من كلامه و شخصيته و الله العظيم الفضول هو اللي حركني مش أكتر"
سألها هو بنبرةٍ جامدة:
اتكلمتوا إمتى ؟! و قالك إيه يا خلود ؟! و ليه مقولتيش ليا"
ردت عليه هي بخوفٍ:
و الله العظيم كنت بعيط على السطح و هو طلع يدخل الكراسي و شافني بعيط و قالي قرآن و كلامه كان أكبر من سنه"
تنهد هو بعمقٍ بعدما قامت بسرد كافة التفاصيل الخاصة بالأمس بينهما ثم قال بنبرةٍ هادئة:
بصي يا خلود أنتِ صغيرة و لسه قدامك العمر طويل و الحياة أطول، ممكن تتشدي لحد و فجأة كل الانبهار دا يروح، أظن أنا مثال قدامك أهوه بسبب منة و شوفتي النتيجة إيه ؟!"
_"عمار ميتقارنش بمنة يا أحمد !! دي متجيش تُمن أدبه و أخلاقه"
فاجئته هي بحديثها المُدافع عن «عمار» بينما هو ابتسم بسخريةٍ و هو يقول:
واضح فعلًا إن مفيش حاجة، دا أنتِ هتكليني علشانه يا خلود، أنا على العموم مش بقارن بينهم، بس بقولك على المُجمل، إن أنا اتشديت غلط، مش عاوزك تبقي زيي، عاوزك تحافظي على نفسك و على قلبك من أي حاجة ممكن تتعبه، أنتِ لسه صغيرة و لسه قدامك ثانوي و جامعة و حياة تانية بتأهلي نفسك ليها، اقفي على رجلك و انجحي في ثانوي و ادخلي جامعتك و لو على العلاقات فهي رزق و ربنا هيرزقك بيه، بلاش تضيعي الوقت في حاجات دا مش وقتها يا خلود، عاوزك تنجحي و يكون ليكي كيان و لو عمار دا نصيبك أصلًا، يبقى ربنا هيجمعكم سوا و من غير ما تعملي حاجة تغضب ربنا، أظن أنا مش محتاج أقولك إن مينفعش تشوفي صور ولاد لأنك محكومة بغض البصر زيك زي الرجالة بالظبط ؟! أظن أنتِ عارفة"
حركت رأسها بخجلٍ منه فوجدته يضيف ببمسةٍ هادئة:
أنا بحبك يا خلود و علطول بفتخر بيكي، و لسه فخور بيكي و بصراحتك معايا، بس وعد إنك هتركزي في مستقبلك و دراستك ؟!"
ابتسمت له و هي تحرك رأسها موافقةً بإيماءةٍ بسيطة فوجدته يضيف بمرحٍ:
بعدين ياختي لو عاوزة تشوفي صور، ابقي شوفي صوري على انستجرام، ماهي حلوة برضه و تستاهل إنك تشوفيها"
ابتسمت هي بخفةٍ وهي تقول بنبرةٍ طغى عليها الغلب:
أنتَ طيب أوي يا أحمد، احمد ربنا إنك موقعتش مع منة"
رد عليها هو بحكمةٍ في أمره:
ربنا سبحانه و تعالى من حكمته يا خلود إنه بيبعد عننا الحاجة اللي هتأذينا، منة من الأول حبها كان هيظلمني، و لو كنت صممت أني بحبها كان زماني اتأذيت منها، مبقاش إنسان عاقل و بدعي ربنا يديم ستره عليا و يبعد عني الشر و أجي ازعل لما يبعد عن الناس المؤذية"
اتسعت بسمتها أكثر فوجدته يزفر بقوةٍ ثم أشار لها برأسه على العصير وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
اشربي العصير....قوليلي صحيح هي سلمى بتحب الكوكتيل و لا المانجا"
_"بتحبك أنتَ"
قالتها بلامبالاةٍ جعلته يضحك عليها بقوةٍ و هي الأخرى ضحكت معه.
_________________________
يأتي على المرء أيامًا يشعر بها أن نفسه بات أصعب من نفس الغريق، و أيامًا أخرى يشعر بها أنه بخفة الفراشة، و بين ذلك و ذاك تمر فترة تَعلم يجب عليه الاستفادة منها حتى يستطع العيش فيما هو آتٍ، هكذا كان يفكر «وليد» في وسط النهار و هو في عيادة «هناء» ينتظر موعده المحدد للدخول، حتى ذكرت المساعدة إسمه و طلبت منه الدخول، فوقف هو حتى يستعد لذلك اللقاء المنتظر، ثم دلف العيادة و ملامح السخرية ترتسم على وجهه، بينما هي تحدثت بطريقةٍ عملية:
منور يا أستاذ وليد، اتفضل اقعد هنا قدامي على المكتب"
رفع حاجبه و هو يقول ساخرًا:
و دا إسمه إيه ؟! تقتلي القتيل و تمشي في جنازته يا دكتورة ؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بصوتٍ حاد:
بقولك إيه !! أنتَ هنا مريض و أنا الدكتورة اللي بعالجك، ياريت تقعد و تتفضل تسمعني مشكلتك"
جلس على المقعد و هو يقول بنبرةٍ حاول جعلها ثابتة إلا أنها خرجت مشتتة و هو يقول:
أنا بس جاي علشان أسألك ليه عملتي كدا ؟! ليه اتوجعت بالطريقة دي و أنتِ عارفة إنها ممكن تجيب أجلي ؟! المرة دي أنا اتعذبت"
ابتسمت له و هي تقول مُقررةً:
دلوقتي أحسن من بعدين يا وليد، وجعك دلوقتي كان لازم يحصل، كان لازم تعترف إن وجعك صعب و إنك مش قادر تأمن ليهم، كان لازم تعترف إنك شايل كتير"
سألها هو بنبرةٍ جامدة أشبه بالصراخ:
و هو الحل إن الإنسان يتوجع بالطريقة دي !! الحل أني ابقى زي الغريق و هو شايف كل الناس واقفة على الشط ؟!، أنا روحي كانت بتتسحب بالبطيء، جيش هزايم هاجمني و أنا واقف من غير سلاح"
ردت عليه هي مُسرعةً:
يا وليد أنتَ فضلت تراكم و تركن في كل حاجة وجعتك، اهتمت بكل اللي حواليك و سبت نفسك للأيام و فاكر إنها هتداويك، فضلت تسكن في الجروح و فاكر إنك بتعالجها"
ابتسم هو بسخريةٍ تزامنًا مع قوله:
و الحل إنك تتفقي مع عبلة عليا ؟! الحل إنك تخليها تسيبني كدا ؟! أنا عيشت عمري كله بوعد نفسي باليوم اللي هتكون معايا فيه، اتفاجأ بيها بتقولي إنها طاقتها خلصت و ورقتها عاوزاها ؟! أنا حسيت ساعتها بأصعب إحساس في حياتي، و دماغي بس فيها جملة واحدة و هي كل دا كان ليه ؟!"
أجابته هي بهدوء:
يا وليد اللي حصل كان لازم يحصل لأن أي إنسان في الدنيا عبارة عن طاقة محدودة بيمشي بيها في حياته، عبلة كانت مستحيل تكمل معاك بطريقتك دي، عقلك بقى عمال يحط ليك إنذارات من الماضي علشان متسلمش قلبك ليها، و كمان كل مرة حاجة تحصل ليها علاقة بالثقة أنتَ تعمم الفكرة على الكل، أنا استغليت عبلة علشان اثبتلك إن اللي بتخاف منه كان لازم يحصل، دلوقتي أو بعدين، بس على الأقل دلوقتي أنتَ قادر تستوعبه، لكن قدام الله أعلم كانت نتايجه هتكون إيه؟!"
رد عليها هو بأسى:
أنا عمري ما كنت اتخيل أني مجروح أوي كدا، أنا كنت فاكر أني مبحسش، بس طلعت بحس و بتوجع و طلعت جروحي كلها مفتوحة و لسه مقفلتش، بس عبلة فاجئتني برد فعلها"
تدخلت هي تقطع حديثه بقولها:
عبلة بصراحة ليها دور كبير في اللي حصل، هي اللي كلمتني و أنا قررت استغل شوية الطاقة دي إني أصلح الدنيا، و أظن النتيجة واضحة قدامي أهوه"
ابتسم بسخريةٍ و هو يقول:
و كان ممكن النتيجة تكون عكسية و أطلق بجد، أنا مش فاهم واثقة كدا ليه؟!"
ردت عليه هي مؤكدةً:
علشان أنا حفظاك يا وليد، مستحيل تستسلم للدنيا، طبعك إنك بتحارب بكل طاقتك، و عبلة بالنسبة ليك جايزة أنتَ بتحارب عليها، مش وليد الرشيد اللي يخسر"
تنهد هو بقلة حيلة ثم قال بصوتٍ متألم:
أنا فضلت أحارب الدنيا علشان مكونش شخص مؤذي، و اكتشفت في الأخر إن اللي اتأذى مني كانت نفسي"
ردت عليه هي مقررةٍ بحديثها:
علشان دا الطبيعي لأي حد بيراضي الكل على حساب نفسه، النتيجة بتبقى تراكمات كتير مش ملاحق عليها، أنا كان لازم أخليك تتوجع يا وليد علشان تتأكد إنك مجروح، أنا مش عدوتك، أنا أكتر واحدة عاوزة مصلحتك، تعالى معايا و أنتَ هتشوف بنفسك"
قطب جبينه بتعجبٍ فوجدها تترك مكتبها ثم تحركت من أمامه و طلبت منه اللحاق بها، تحرك هو خلفها حتى خرج للحديقة الصغيرة الملتحقة بالعيادة، فوجدها هي تقف أمام طاولة صغيرة عليها بعض أدوات المطبخ، انكمش ما بين حاجبيه بحيرةٍ اتضحت في معالم وجهه، بينما هي أمسكت الكوب الفارغ و زجاجة المياه ثم أشارت له يتابعها، بينما هي سكبت المياه في الزجاجة حتى أخرها و استمرت في ذلك حتى تحدث هو بلهفةٍ بعدما وجد المياه تخرج من الكوب على الطاولة مباشرةً:
يا دكتور !! المياه غرقت الدنيا و خرجت من الكوباية، دا إيه دا ؟"
ابتسمت له هي ثم توقفت عن سكب المياه و هي تقول مقررةً:
الله ينور عليك يا وليد، المياه غرقت الدنيا، هي طاقات البشر كدا، زي الكوباية دي، لما بتتملي على أخرها بتنفجر و تغرق الدنيا لو استمريت في إنك تملاها هي هتفضل تغرق الدنيا، هو أنتَ بقى عملت في نفسك كدا، مليتها فوق طاقتها لحد ما غرقت الدنيا جواك و بقيت مش ملاحق إنك توقف كل دا، لما أنا فضلت اصب المياه في الكوباية أنتَ نبهتني أني بغرق الدنيا، نفس اللي أنا عملته معاك و هو أني استغليت عبلة علشان تنبهك إنك بتغلط في حق نفسك و في حقها، و النتيجة كانت إنك هربت منهم كلهم علشان تركز مع جروحك، تلقائيًا عقلك صورلك إن وجودك و إستمرارك في المكان دا هيخليك تتوجع تاني، و الوجع كان على هيئة فراق عبلة، بس لما هربت و ركزت مع جروحك و حسيت إنك ليك يد في اللي عملته دا، رجعت تاني قوي و بتطالب بحقك فيها، قولي يا وليد هي عبلة متستاهلش طاقتك؟!"
تنهد هو بأسى ثم قال بصوتٍ أقرب للهمس:
أنا للأسف لما هربت منهم كلهم، عرفت أني بظلمها زي ما بظلم نفسي، طول ما أنا بعيد عنها عمال أأنب نفسي على ظلمي ليها، عبلة عملت كتير يستاهل أني أنسى اللي حصل زمان، افتكرت لما عم محمد طلب اسيبها علشان كنت مدمن قصاد الكل و هي اتمسكت بيا و قالت إنها معندهاش اعتراض على حاجة زي دي، و لما زعلتها مني ساعة ما شكيت فيها بسبب موضوع مرات سليم، ساعتها هي سامحتني و مدخلتش حد بيننا، و لما فارس رجع و ساعتها كنت مزعلها برضه قالت قصاد الكل إنها مش زعلانة مني و أني مبزعلهاش، عبلة عملت كتير يخليني أخد خطوات علشانها، و عاوز مساعدتك ليا"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
أنا معاك طول ما أنتَ عاوز تساعد نفسك، أهم حاجة أني أشوف محاولتك فعلًا يا وليد، متقلقش، أنا معاك علطول"
أنهى «وليد» جلسته في العيادة النفسية مع الطبية ثم خرج منها لكنه تفاجأ حينما رأى «عبلة» تجلس في الخارج، اقترب منها يضرب الأرض بقدميه حتى وقف أمامها يسألها بدهشةٍ ممتزجة بصوتٍ حاد من وجودها:
عبلة !! بتعملي إيه هنا ؟! و جيتي إزاي انطقي"
ردت عليه هي بخوفٍ:
جيت علشانك و الله، قولت طالما مش هكون معاك في بداية الجلسة أبقى معاك في نهايتها علشان لو زعلت أو حاجة أكون معاك"
زفر هو بقلة حيلة فوجدها تسأله بحذرٍ:
أنتَ كويس صح ؟! يعني مفيش حاجة مضيقاك يا وليد؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم حرك رأسه نفيًا فأضافت هي مستفسرةً من جديد:
بجد مفيش حاجة مزعلاك ؟! متأكد يعني لا يكون تهيؤات"
رد عليها هو بضجرٍ:
ما خلاص هو أنا بقطع في هدومي يا عبلة و لا بعيط جنب الحيط؟! أنا كويس أهوه، يلا نمشي من هنا"
شبكت ذراعها بذراعه و هي تبتسم بفرحةٍ، بينما هو ابتسم بيأسٍ منها ثم تحرك معها حتى وصلا خارج العيادة ثم ركبا السيارة معًا، فسألها هو مقررًا:
ها جيتي ليه يا عبلة !! خير و إزاي تنزلي و محدش يعرف ؟! ماهو أكيد محدش عارف إن الأستاذة جاية عيادة دكتورة نفسية"
ردت عليه هي منفعلة في وجهه:
لأ ماما عارفة و طارق، و أنا جيت علشانك و علشان أكون معاك، أنا خدت قرار أني هشاركك كل حاجة غصبٍ عن أهلك كلهم، لو مش عاجبك أخبط راسك في الحيط و برضه هفضل معاك زي خيالك"
ضحك هو على طريقتها و حديثها المهتز الذي اثبت خوفها منه، فطالعته هي بقلة حيلة، حينها أوقف هو الضحكات ثم قال بهدوء:
طب يا ستي تُشكري و جميلك دا فوق راسي يا عبلة، بس قوليلي البيت اخباره إيه؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ عادية:
مش عارفة و الله بس خديجة كويسة الحمد لله و البنات معاها هناك، و منة الزفت لموا هدومهم و ماشيين من البيت خلاص، و فارس عمال يعيط، و عمتو مشيرة عملت رز بلبن علشان خديجة و جميلة قرأتلها قرآن و خلود جابت حلويات علشانـ....."
_"بــــس !! كفاية رغي أومال لو عارفة كنتي عملتي إيه ؟! كل دا و مش عارفة ؟!"
قاطعها هو صارخًا في وجهها بذلك الحديث بينما هي ضمت ذراعيها أمام صدرها ثم رمقته بحنقٍ، بينما هو زفر بقوةٍ ثم تحدث هو بهدوء:
خلاص متزعليش مني، بس أنتِ وترتيني، بقيت مش ملاحق مين عمل إيه و فين؟!"
ابتسمت له و هي تقول بمرحٍ:
مش زعلانة يا ليدو، المهم تعالى نجيب حلويات أو أي حاجة علشان صحاب ياسين جايين يطمنوا على خديجة، شوف هتجيب إيه؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بسخريةٍ:
أنا بقول نجيب ليهم سوبيا"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «خديجة» في غرفتها فوجدت الباب يفتح بواسطة «ياسين» وهو يقول بمرحٍ:
مساء الدلال على الغزال"
ابتسمت هي بفرحةٍ عند رؤيتها له فوجدته يدلف الغرفة و في يده زجاجة عصير كبيرة الحجم تقريبًا ٥ لتر، فسألته بدهشةٍ:
إيه دا يا ياسين ؟! إيه كل اللي في إيدك دا؟!"
رفع الزجاجة في يده وهو يقول بمرحٍ:
دي أكبر حصيلة عصير برتقان بالجزر عند عم أبو حمادة، طلبتها منه مخصوص علشانك، و على ما خلصت شغل كان جهزه، طالما بتحبيه يا خديجة"
ردت عليه هي بحبٍ ممتزج بالتأثر:
و الله ما حصل، أنا بحبك أنتَ يا ابن الشيخ، أنا دلوقتي عاوزة أحضنك يا ياسين"
اقترب منها يجلس بجوارها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
طمنيني عليكي بس الأول يا خديجة، أحسن صح؟!"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
اللي يسمعك كدا يقول إنك متعرفش حاجة عني طول اليوم، أنتَ كل ٥ دقايق تكلمني يا ياسين، أنتَ اشتغلت إزاي؟!"
ابتسم لها وهو يقول مفسرًا:
اشتغلت عادي يعني، بس كل شوية اقلق و أكلمك، المهم إنك تكوني بخير و تريحي قلبي يا خديجة"
ردت عليه هي بمرحٍ طفيف:
بص لو عاوزني ارتاح أنا عاوزة أطلب منك طلب، بس مترفضش يا ياسين"
طالعها بحذرٍ فوجدها تقول بخجلٍ:
عاوزة أطلع السطح يا ياسين، أنا مش مستحملة القعدة هنا، حاسة إني جبت أخري، عاوزة أشم هوا و كمان البنات كلهم هيتجمعوا كمان شوية مش عاوزة اقعد معاهم هنا، عاوزة أكون فوق و نشم نفسنا، علشان خاطري مترفضش طلبي"
في الأسفل كان «حسن» واقفًا في ردهة البيت و معه «هدير» بعدما جلبا أشياءًا من الخارج، و أبان وقوفهما في انتظار المصعد فتح بواسطة «سالم» و زوجته و معهما الحقائب، خرج هو أولًا ثم زوجته و كلًا منهما يبتسم باقتضابٍ ثم خرجا من البيت إلى السيارة و فجأة سحب المصعد للأعلى و نزلت منه ابنته التي وقفت ترمق «هدير» بضجرٍ فرفع «حسن» حاجبه لها، فوقفت «منة» تقول لها بتوعدٍ:
إزيك يا هدير ؟! إيه نسيتي صاحبتك و نسيتي إننا كنا صحاب في يوم ؟!"
تجاهلتها «هدير» و هي تمسك في يد «حسن» فوجدت «منة» تقول بسخريةٍ:
يا ترى بقى الأستاذ عارف بلاويكي زمان و لا فاكرك القطة المغمضة ؟!، هتلاقيكي ضاحكة عليه"
أقترب منها «حسن» مندفعًا وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
لمي نفسك و اتكلمي عنها عدل، بدل ما أعرفك أنا إزاي تتكلمي مع الناس، و لا تحبي أعرف أبوكي مصايبك ؟! لما تجيبي سيرة مراتي تتكلمي بأدب، بس صحيح أشكالك هتعرف الأدب إزاي؟!"
كانت «هدير» خلفه تبكي بقوةٍ من حديثها، بينما «منة» طالعته بسخريةٍ وهي تقول:
و دا من إيه دا إن شاء الله ؟! شكلك مخدوع أوي يا أستاذ"
ابتسم هو بتهكمٍ وهو يقول:
لأ مش مخدوع، هي اللي كانت عبيطة علشان مصاحبة واحدة زيك، بس لما جت الفرصة ليها مسكت فيها بإيدها و سنانها، الدور و الباقي على اللي هتدخل القبر كدا من غير فرص، و الله أعلم بأخرتها"
تحركت من أمامه فوجدت «وليد» و «عبلة» يدلفا البيت سويًا، حينها تحدثت بوقاحةٍ:
أدينا هنغور من وشكم، ياكش يارب يتهد فوق دماغكم"
شهقت «عبلة» بقوةٍ و «هدير» اتسعت عينيها، فوقفت «منة» تسأل «وليد» بتعجبٍ:
إيه مش عاوز ترد؟! و لا مش عارف ترد؟!"
ابتسم هو بثقةٍ وهو يقول بطريقته المعتادة:
لو أنا شايف كلام خارج من ناس محترمين ينفع يترد عليه هرد، لكن أنا شايف نَكش الكتاكيت للفراخ، و أنا مستني تخرجي من العِشة و أرد عليكي"
زفرت بقوةٍ ثم تحركت من أمامه فرفع «حسن» صوته قائلًا:
يارتني كنت جبت قُلة أكسرها وراكي، بس أنا هطلع أجدع منك و هروح أحط فلوسها في جامع، أهييه حاجة تيجي خير من وراكي"
التفت لزوجته فوجدها لازالت تبكي كما هي، ترك الأشياء التي يحملها في يده ثم احتضنها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
متعيطيش، أنا عارف إن أي حاجة حصلت زمان كانت ليها ظروف خاصة، أنا ليا دعوة بهدير مراتي اللي أنا بحبها و واثق إنها بتحارب علشان تثبت إنها اتغيرت و إنها بقت واحدة تانية تستاهل الحب"
اقترب منه «وليد» يقول و هي بين ذراعيه كما هي:
سيبك منها يا هدير دي واحدة متخلفة و معندهاش دم، الحمد لله غارت من هنا، تروح بقى تتربى و تشوف أخرة تربيتها دي إيه، يا هتموت منتحرة يا هتبقى أخرتها على إيد واحد صايع، متزعليش نفسك يا هدير"
ابتعدت عن «حسن» ثم مسحت دموعها، فوجدت «عبلة» تقف بجوارها ثم قالت بهدوء:
إحنا هنفضل نحارب يا هدير لحد ما نرضى عن نفسنا، اللي فات كله راح خلاص، خلينا في اللي جاي بقى".
حركت رأسها موافقةً ثم ابتسمت لها، بينما «حسن» اقترب منها ثم قبل رأسها يُطمئنها بهدوء بعد بكائها.
_________________________
بعد مرور بعض الوقت اجتمعت العائلة بأكملها مع أصدقاء «ياسين» و زوجاتهم فوق سطح البيت و معهم «خديجة»على ذراعها «فارس» و بجوارها «يونس» و «زهرة» و البقية حولهم و كانت الجلسة يسودها المرح و البهجة، حيث كان الشباب جميعهم في النصف الخلفي من سطح البيت على مقربةً من النساء و كذلك الفتيات في النصف الأول يتسامرون مع بعضهم، و عند جهة الرجال كانوا يلعبون سويًا لعبة تسمى "الحكم" و هي عبارة عن زجاجة تدور و كل من يأتي عليه الدور يوجه له الحُكم و هو يقوم بتلبيته، حتى أتى الدور على «حسن» يقوم بالحكم على «خالد»، صرخ الشباب مهللين، بينما «حسن» ابتسم بخبثٍ وهو يقول:
أنا طيب و طلباتي مش كتير، عاوزك بس تقلد عامر، نفسي أشوف شخصية عامر لو خرجت منك يا خالد"
ضحك الجميع عليهما حتى النساء أيضًا، بينما «عامر» تحدث بفخرٍ:
ميقدرش، عامر مفيش منه اتنين أصلًا، محدش هيجبني"
رد عليه «ياسر» بسخريةٍ:
بلاش !! هيقلدك و شكلك يطلع وحش، بلاش ثقة زايدة"
تدخل «مرتضى» يقول بضجرٍ طفيف:
يلا ياض أنتَ وهو، قلد يا خالد"
حمحم «خالد» بقوةٍ ثم قال بنفس طريقة «عامر» بعدما تمكن منها:
هي الدنيا كدا خداعة، تفتكرها كومبو مليان برجر بالشيدر و أخرتها تبقى سندوتش بطاطس من أبو حيدر"
اتتشرت الضحكات عليه حتى هو أيضًا فتحدث «عامر» بتذمر مثل الأطفال:
عبط و الله عبط، أنا مبتكلمش كدا و مبعملش كدا"
رد عليه «وئام» بمرحٍ:
بطل كدب، قلدك بالظبط و الله، حتى نفس كلامك اللي كله أكل"
تدخل «أحمد» يقول بسخريةٍ:
من نفس المطبخ يا عامر مروحناش بعيد يعني"
لوح لهما بذراعه، فقام «ياسر» بلف الزجاجة و حينها أتى الدور على «طارق» الذي ضرب رأسه بيده، فقال «ياسر» بنبرةٍ هادئة:
أنا طيب و مش هتقل عليك، عاوزك بس تحكيلنا مصيبة عملتها و محدش يعرف عنها حاجة لحد دلوقتي"
رد عليه بسخريةٍ:
طب ما هما كدا هيعرفوا يا ذكي، هستفاد إيه بقى؟!"
رد عليه ببساطةٍ:
هتستفاد إننا نضحك و نفرح، يلا أنا مقلق منك حاسس إنك كنت خاربها"
تنهد «طارق» بقلة حيلة ثم قال بخجلٍ:
أول مرة اشتغلت في الدعاية كنت لسه بتعلم، كان فيه ورق المفروض يطبع رحمة و نور على واحد ميت، كانت شركة هي اللي عملاه، في نفس الوقت كان مطلوب دعوة فرح، أنا بغبائي بدلت الكلام، يعني الدعوة اتكتب عليها على روح المرحوم، و الصدقة اتكتب عليها جملة افراح، روحت استلفت فلوس من وئام و شيلت الليلة كلها على حسابي، و على ما أظن لو معلومة زي دي اتسربت عني، أنا هفلس و شغلي هيقفل"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث «محمد» يقول بسخريةٍ:
يا فرحة أبوك بيك يا ابني، رافع راسي علطول و الله"
تدخل «وليد» يقول بتهكمٍ:
هيجيبوا من برة يعني ؟! خليني ساكت أحسن"
رد عليه «محمد» بتوترٍ:
ايوا ياريت أنتَ تسكت خالص...أحسن لينا كلنا يعني، و شوفوا الدور على مين"
تحدث «طه» بتخمين:
تقريبًا الدور على رياض"
ابتسم «رياض» بثقةٍ ثم قام بتدوير الزجاجة و من سوء حظ «ياسين» أن الزجاجة توقفت عنده، فتحدث هو ساخرًا:
يا فضيحتك يا ياسين، هتزف دلوقتي حالًا"
رد عليه والده بخبثٍ:
عيب يا واد، دا أنتَ حبيب بابا، هطلب منك طلب صغير"
سأله بخوفٍ:
إيه هو يا بابا ؟؟ ربنا يسترها"
رد عليه ببراءةٍ زائفة:
تقوم زي الشاطر قدام الكل كدا تقف في النص و تقول كلمتين حلوين لخديجة، علشان نفسيتها حتى"
رد عليه ببلاهةٍ:
كلمتين حلوين ؟! هي اللي مسلطاك ولا إيه ؟!"
رد عليه والده بضجرٍ:
يلا يا ياسين، بدل ما أحكم بحاجات تانية، إحنا عند نسايبك"
تدخل «عامر» يقول بسخريةٍ:
لسه واخد بالك إننا عند نسايبه؟! دا إحنا بقينا مفضوحين"
رد عليه «رياض» بسخريةٍ:
بس أنتَ كمان، يلا يا ياسين قدام الكل و سمعنا كلمتين حلوين، أو غني شوف إيه يفرحها أكتر، أصل أنا نقطة ضعفي فرحة خديجة"
وقف «ياسين» على مضضٍ ثم وقف في المنتصف وهو يقول بنبرةٍ هادئة إلى حدٍ ما:
خديجة !! ممكن تركزي معايا علشان عاوز أقولك كلمتين مهمين قصاد الكل ؟!"
طالعه الجميع بتعجبٍ ممتزج الريبة و الخوف، حتى «خديجة» نفسها، بينما هو ابتسم وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
خُلقت جميلة تَمُر أمام العَيْن فَيْنطقُ اللسانِ مُرددًا:
سُــبــحانَ الـلـه"
تلِك التي أَوقعتْ الفُؤاد بِسهام عَينيها و كَأن قَلبها ألقىٰ بِسحرهُ عَلىٰ قَلبي و أمّام بَصري رَماه، فَسبحانهُ ربي وَهبها لي و أنا عبدٌ فقيرٌ لَكن بِكرمك وَ عَطفكَ وَجد بِها غِـناه، تِلك التي أتت لـ ميتٌ مِثلي فَوجد بها الحياة، كُنت أنا الغريق في منتصف البحر و هي لي طوق النجاة، أنا من عاش طوال حياته مثل الشريد في الصحراء يشعر بالظمأ و يوم وجدتها كانت فرحتي مثل فرحة من وجد المياه، أنا كالنجم الشارد في لَيلي و هي نجمةٌ خُلقت له لتضيء سماه.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم شمس بكري
كأنكِ مدارًا أجمعت به عُمري، وجدت به ذاتي وجدت شمسي و قمري.
_________________________
"خُلقت جَميلة تَمُر أمام العَيْن فَيْنطقُ اللسانِ مُرددًا:
"سُــبــحانَ الـلـه"
تلِك التي أَوقعتْ الفُؤاد بِسهامْ عَينيها و كَأن قَلبها ألقىٰ بِسحرهُ عَلىٰ قَلبي و أمّام بَصري رَماه، فَسبحانهُ ربي وَهبها لي و أنا عبدٌ فقيرٌ لَكن بِكرمك وَ عَطفكَ وَجد بِها غِـناه، تِلك التي أتت لـ ميتًا مِثلي فَوجد بها الحياة، كُنت أنا الغَريقُ في مُنتصف البَحرِ و هيَ لي طَوْق النجاة، أنا من عاش طوال حياته مثل الشريد في الصحراء يشعر بالظمأ و يوم وجدتها كانت فرحتي مثل فرحة من وجد المياه، أنا كالنجم الشارد في لَيلي و هي نجمةٌ خُلقت له لتضيء سماه"
تفوه «ياسين» بذلك أمام الجميع بنبرةٍ هائمة مُتغزلًا في جمالها بحديثٍ أطرب آذان الجميع، و رافق حديثه حركته نحوها و كأن سحر عينيها يجذبه لها دون أن يعي هو لذلك، حتى اقترب منها يجثو على ركبتيه و هو يقول بنفس الهيام:
"فسبحانه ربي وهبها لي و أنا العبد الفقير، لكن بكرمك و عطفك وجد بها غِناه"
ترقرق الدمع في عينيها بحبٍ ممتزج بالتأثر و الدهشة، و الجميع حولهما في حالة هيام و شجن بعد حديثه، و هم يتابعونهما، فأضاف هو حينما رآى صمتها بمرحه المعتاد مع غمزة عينيه:
"خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
حركت رأسها عدة مرات مع عبراتها التي نزلت من عينيها، و حينها صفق الشباب و الرجال مع أصوات البهجة و الضحكات من الفتيات و النساء و قام «عامر» حينها بالتصفير عاليًا بصوته و معه «أحمد» أيضًا، أما «ياسين» فرفع كفه يكفكف دموعها وهو يبتسم لها بسمته الصافية فوجدها تجهش في البكاء من جديد فسألتها «زُهرة» بتعجبٍ:
"بتعيطي ليه طيب يا خديجة ؟! هو مزعلك ولا إيه ؟! مالها يا ياسين؟!"
رد على والدته بسخريةٍ:
"دا العادي، لو مكانتش عيطت كنت استغربت أصلًا، على رأي وليد دي عندها قنوات النيل مش قنوات دمعية"
وكزته بيدها السليمة، فوجدته يقترب منها ثم قبل رأسها أمامهم جميعًا، حينها مال «حسن» على اذن «وليد» يقول هامسًا:
"قوم اطرد الواد دا من هنا، دي فيها خراب بيوت الليلة دي يا وليد، عامل فيها المُتنبي ؟!"
ضحك «وليد» عليه و هو يرى نظرات «هدير» الموجهة نحو زوجها و كأنها تُلقيه بِسهام حادة، فحينها غمز لها «حسن» بخبثٍ و هي ترمقه بغيظٍ، بينما «ياسين» ابتعد عنها ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بفخرٍ:
"دا كان حكم عليا و دي أول مرة رياض يحكم عليا بحاجة حلوة كدا، كل كلام الدنيا مش كفاية يوفيكي حقك يا خديجة"
ابتسمت هي بحبٍ فوجدت «خلود» تحتضنها بفرحةٍ و الفتيات حولها يطلقن أصواتًا عالية مُبهجة، فتدخل «رياض» يقول بفخرٍ بابنه:
"شوفتوا حلاوته ؟! ابني دا مربيه على الغزل الأصيل من و هو يدوبك ابن شهور"
تدخل «عامر» يقول ساخرًا:
"يا راجل ؟! دا على أساس إننا كنا بنروح مدرسة و هو بيروح دار البلاغة ؟! و لا هو درسه كان عند امرؤ القيس ؟! أنتَ يا بني مش كنت بتكره العربي و عمرك ما كنت بتطيق تذاكره ؟!"
وجه استفساره لـ «ياسين» بحنقٍ فوجده يلتفت له وهو يقول ببراءةٍ زائفة:
"أنا ؟! أنا طول عمري بحب العربي و كلمات العربي و بحب اللي بيحب العربي"
تدخل «حسن» يقول بضجرٍ منه و من نظرات زوجته التي ترمقه بها:
"خلاص تعالى اترزع بقى، دا إحنا داخلين على مرار طافح، الله يسامحك يا شيخ"
عاد «ياسين» إلى موضعه السابق، فوجد «خالد» يقترب منه قائلًا بهمسٍ:
"اقسملك بالله لو طلبت مني كلمة بالعربي، لاربيك على إيدي"
طالعه «ياسين» بلامبالاةٍ، فرفعت «عبلة» صوتها تقول بخبثٍ:
"ياريت يا جماعة تزودوا من الأحكام دي، دي أحكام سكر خالص، واخد بالك يا عمو مرتضى ؟! واخد بالك يا عمو رياض؟!"
رمقها «وليد» بغيظٍ وهو يرفع حاجبه لها، فوجدها تحدجه بنظرها، حينها رفع صوته قائلًا:
"أنتِ بتبصيلي كدا ليه ؟! مشبعتيش غزل بالفصحى ؟! دا السطح دا شاهد عليا، دا لو الحيطان بتنطق كان زمانها قالت"
ضحك الجميع عليهما سويًا، أما هي فتوعدت له بإشاراتها، فتدخل «وئام» يقول مغيرًا للأجواء:
"يلا يا جماعة دول بيتلككوا، الدور على مين يلف الإزازة؟!"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ هادئة:
"الدور عليا أنا، يا رب يطلع اللي في بالي ؟!"
قال جملته وهو يقوم بتدوير الزجاجة على الطاولة الأرضية، و حينها توقفت أمام «عامر»، فرفع «خالد» صوته مُتشفيًا به وهو يقول:
"الله أكبر !! أنا شمتان و الله شمتان، الحمد لله يا رب"
ضحك الجميع عليه حتى الفتيات، بينما «عامر» سأله بضجرٍ:
"ما خلاص يا عم !! هو أنتَ ماسك حرامي ؟! انجز إيه الحكم"
ابتسم له بخبثٍ وهو يقول:
"تحكيلنا عن الحب الأول في حياتك ؟! و قد إيه كانت قصة مؤثرة"
رفعت «سارة» حاجبها وهي تقول بغير تصديق:
"لأ و الله ؟! دا بجد دا ؟!"
رد عليها «عامر» بلامبالاةٍ:
"آه بجد، فيها إيه يعني ؟! دي قصة حب تتحفر في التاريخ"
تدخل «طارق» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"لأ سمعني بقى !! احكي يا عامر ابوس راسك يا شيخ"
رفع رأسه بشموخٍ وهو يقول:
"دي ميس برديس بتاعة العربي، كنت بحبها أوي و كانت الوحيدة اللي بذاكر ليها، بس يا خسارة كسرت قلبي بدري"
سأله «أحمد» بتعجبٍ:
"يا ستار يا رب !! ليه كدا يا عامر"
رد عليه بأسى زائفًا:
"أخر حصة مراجعة في تالتة إعدادي جابت حفيدها تعرفني عليه، و فين ؟! في المكان اتولد فيه حبنا"
تدخل «وليد» يقول بسخريةٍ:
"قصدك في المكان اللي بدأ فيه شرحنا، دي قصة عاطفية دي ؟! فين أهلك يربوك"
رد عليه هو بسخريةٍ:
"أنا كنت بحبها علشان ريحة الأكل بتاعها يا عم، كانت عليها صينية بطاطس بالفراخ يوم الجمعة، كانت بتجيب من أول الشارع لأخره"
تدخل «رياض» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"الحب في كل الدنيا بيبدأ من أول نظرة عند عامر بدأ من أول طَشة"
انتشرت الضحكات عليه بينما هو قال بقلة حيلة و طغى على نبرته الغُلب:
"أعمل إيه يا جماعة ؟! أنا عندي القلب و المعدة مفتوحين على بعض، مش ذنبي إن مشاعري بتتحرك بالأكل، تركيبتي كدا"
رد عليه «محمود» بتعجبٍ:
"لا حول ولا قوة إلا بالله !! دا مرض دا يا بني ؟! يعني لو قولنالك تقول كلام زي ياسين، هتقول إيه؟!"
تدخل «حسن» يقول بمرحٍ:
"هيبدع طبعًا، أكيد هيفتح قناة طبخ في وشنا"
تدخل «ياسين» يقول بخبثٍ:
"قولهم كدا يا عامر الشعر اللي قولته في عيد ميلاد مراتك، خليهم يشوفوا نبذة عن الرومانسية بتاعتك"
ابتسمت هي بخجلٍ بينما هو حمحم بقوةٍ ثم رفع رأسه بشموخٍ وهو يقول:
"ياللي قلبك أبيض زي اللبن و عيونك زبادوه، كل الناس عندي جبنة قديمة و أنتِ لوحدك جاتوه"
انتشرت الضحكات عليه بقوةٍ تزامنًا مع تصفيقهم نتيجة الضحكات و المرح، بينما «جميلة» سألت «سارة» بتعجبٍ:
"هو قالك كدا بجد ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تضحك بخجلٍ طفيف، فتدخل «خالد» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
"شوفوا ياسر بقى لما يحب بالطب، قسمًا بالله ما شوفت زيهم"
سأل «وئام» بدهشةٍ:
"حتى أنتَ يا ياسر ؟! قولت إيه"
رد عليه بخجلٍ طفيف:
"كلهم دوا مؤقت زي الأوجمنتين و أنتِ لوحدك ثابتة زي الفيتامين"
ضحكوا جميعًا مرةً أخرى و تلك المرة على «ياسر»، فسأل «محمد» بحيرةٍ:
"طب كدا سمعنا ياسين و عامر و ياسر، فين بقى خالد ؟!"
رد عليه «خالد» بتعجبٍ:
"لأ أنا بتاع مُحاسبة، هقول إيه يعني ؟!"
رد عليه «وليد» بسخريةٍ:
"يعني هي جت عليك قول أي حاجة يا عم، متبقاش قطاع أرزاق"
رد عليه «خالد» بثباتٍ:
"طب على فكرة بقى أنا يجي مني، بس أنا براعي مشاعر الأخوة اللي حواليا"
رد عليه «طارق» بضجرٍ طفيف:
"يا عم إخواتك مسامحين، قول بقى، حاسس إنك هتتحفنا"
رد عليه بنبرةٍ مرحة:
"كلهم مشغولين بالمالية و أنا مشغول بعيونك الحلوة ديا"
ضحكت «ريهام» بخجلٍ حينما سمعته بعدما رفع صوته حتى يصل لها، و حينها صفق الشباب له و تحديدًا «ياسين» الذي قال بنبرةٍ ضاحكة:
"دا مش سهل دا، طلع مخبي حاجات حلوة أهوه، بس الحمد لله إنه بيقول أصلًا"
تدخل «حسن» يقول بغلب:
"و الله العظيم يا جماعة غصب عننا، الكلام الحلو مش سكتنا، بس لما بنقول بنقزل حاجات حلوة أوي"
ابتسمت «هدير» رغمًا عنها حينما استشعرت أن حديثه موجهًا إليها، فوجدته يعتذر لها بنظراته، حينها ابتسمت له هي و كأنها تطمئنه بذلك، أما «خديجة» فشعرت بالألم في عظامها و تحديدًا ذراعها الذي حملت عليه «فارس» و رغمًا عنها تألمت بصوتٍ و هي تجاهد بالثبات، فانتبهت لها «خلود» و «سلمى» معًا و قبل أن تقترب أيًا منهما تدخل «يونس» بلطفه المعتاد يربت على ذراعها ثم قبل وجنتها، فتحدثت «سلمى» تقول بتأثرٍ:
"بجد يا جماعة يونس دا عسل أوي، ربنا يحميه و يبارك فيه، دا مادة خام للُطف و الحلويات"
ردت عليها «خديجة» بصوتٍ متألم و هي تجاهد للحديث:
"يونس.... دا حبيبي.....بيهون عليا و الله، حتى لو تعبانة بجد، حنيته بتنسيني التعب"
لاحظت «زينب» صوتها المتقطع فسألتها بقلقٍ:
"مالك يا خديجة ؟! صوتك تعبان كدا ليه؟!"
انتبه «ياسين» لحديث حماته، حينها ترك مجلسه ثم اقترب منها يقف مقابلًا لها وهو يسألها بلهفةٍ:
"مالك يا خديجة ؟! فيه حاجة تعباكي ؟!"
حركت رأسها موافقةً بإيماءةٍ بسيطة و هي تقول بنفس الصوت المتقطع:
"ضلوعي وجعاني.... و حاسة إني مش قادرة اتنفس يا ياسين"
تدخل «حسان» يقول مُقترحًا:
"طب تنزلي ترتاحي شوية طيب؟! تلاقي البرد هو اللي تعبك"
وقف «طه» ثم اقترب منها يسألها بنبرةٍ هادئة يحاول بها إخفاء قلقه:
"طب تحبي انزلك ترتاحي شوية ؟! و هقعد معاكي تحت"
ردت عليه هي ترفض حديثه:
"لأ أنا كويسة الحمد لله....هو الدوا هاخده دلوقتي و هيهدي الألم شوية"
تدخلت «إيمان» تقول بضجرٍ:
"منها لله اللي كانت السبب، بجد أنا عاوزاها تقع تحت إيدي، مش مرتاحة إنها سليمة كدا"
تدخلت «جميلة» تقول بقلة حيلة:
"خلاص يا جماعة ربنا يسهلها بقى، لسه هتاخد عقابها من ربنا"
ردت عليها «عبلة» بحنقٍ:
"دا لو هي بتحس و عارفة يعني إيه عقاب من ربنا، إنما هي مكملة في الغلط، و ياريتها خارجة مكسورة و لا حتى مكسوفة، دي بتبجح فينا و بتدعي البيت يتهد فوق راسنا !! دي متستاهلش الرحمة"
طالعته «خديجة» بقلة حيلة و هي تفكر ماذ إذا علم أحدهم بتهديدها لـ «سلمى» و «خلود» ؟؟ بالطبع لن يستطع أيًا منهم تمالك أعصابه، طالعها «وليد» بتعجبٍ فعلم من نظرتها أنها تعلم سبب المشاجرة، و فى تلك اللحظة اقترب منها «ياسين» بالدواء يُعطيه لها و الحزن يرتسم على ملامحه لما آلت إليه و هي لم تقترف ذنبًا واحدًا يقع عليها، بعدما تناولت هي الدواء ابتسمت له ثم أغلقت عينيها تحاول استنشاق الهواء فحتى تلك العملية البسيطة لم تقوى عليها، فحمل هو «يونس» على ذراعه وهو يقف يتابعها بتمعن، بينما «طه» اقترب منها يجلس على ركبتيه أمامها وهو يربت على رأسها و ذراعها السليم، فتحت عينيها ظنًا منها أنه «ياسين» لكنها تفاجئت بوالدها، وهو يطالعها بعينيه الدامعتين، حينها تحدث «رياض» بضجرٍ:
"لولا أني عارف إنك طيبة يا خديجة، كنت سجنت منة دي و رفعت عليها قضية، بس أنا عارف إنك مش هتوافقي على حاجة زي دي"
ردت عليه هي بصوتٍ خافت:
"مقدرش يا عمو على حاجة زي دي، دي بنت برضه مينفعش تدخل قسم و تتبهدل بالشكل دا، و على فكرة م علشانها أنا معنديش شفقة عليها خالص، أنا بشفق على مامتها، اللي متستاهلش كل دا"
رد عليه «وليد» بضجرٍ:
"أنتِ طيبة يا خديجة و للأسف طيبتك بتظلمك، لا منة ولا أبوها و لا أمها يستاهلوا الشفقة، أبوها مدلعها و سايب لها الدنيا على البحري و أمها سلبية و شخصية غريبة قدام عمايل بنتها و هي نفسها معندهاش ضمير و لا ذرة ندم واحدة تخليني أحس بشفقة ناحيتها، مش كل الناس تستاهل الشفقة"
رد عليه «طه» بانزعاج:
"خلاص بقى يا وليد أهم غاروا في داهية تاخدهم، و يحمد ربنا إن بنته مشرفتش في الحبس بعد اللي حصل منها دا كله"
ردت عليه «هدى» تستفسر منه:
"هو فعلًا يا عمو كان ممكن تتسجن؟!"
تدخل «رياض» يقول مُفسرًا:
"آه طبعًا التقرير بتاع علاج خديجة أكتر من ٢١ يوم علاج، يعني دي جُنحة و ممكن تتسجن و أجبلها حكم محترم و ادفعها غرامة، بس علشان العِشرة و الجيرة أنا مدخلتش، و علشان متبقاش بنت رد سجون"
تدخلت «خلود» تقول بضجرٍ:
"ياريت تتحبس و ياريت عمرها يضيع في السجن و هفضل عايشة مستنية اليوم اللي حق خديجة يرجع فيه منها، علشان هي كانت قاصدة تزقها، و لحد اللحظة الأخيرة مشوفتش عندها رحمة و كمان بتبجح و تقول لأحمد أني أنا اللي زقيتها !! و قبلها حاولت تضرب سلمى، فيه إيه هي سايبة ؟!"
تدخل «طارق» يسأل بتعجبٍ:
"و ليه كل دا ؟! ليه تضرب سلمى و ليه تعمل كل دا، يا جدعان هي مش لسه في الجامعة ؟!"
ردت عليه «سلمى» بقلة حيلة:
"علشان عرفت إن أنا و خلود هنمنعها عن أحمد، و علشان خلود قالت ليها إن أحمد هيخطبني أنا، ساعتها حاولت تضربني بس أنا زقيتها و نزلت، و خلود فضلت معاها لحد ما خديجة طلعت"
تدخلت «سارة» تقول بأسى و حزن طغى على صوتها:
"زي بنت عمي برضه نفس البجاحة، جت ضربتني في المحل بتاعنا و راحت تعمل محضر فيا أني اتهجمت عليها، و فتحت راسها و اتهمتني أني عملت كدا"
طالعها الجميع بدهشةٍ فتدخل «عامر» يقول بفخرٍ:
"يعني هو أنا سكت ؟! روحت فتحت دماغ عمك بجد، علشان المحضر يستاهل"
سأله «حسن» بتعجبٍ:
"ليه حصل إيه علشان كل دا؟"
رد عليه مُردفًا:
"سارة لما والدها حس إنه تعبان و عرف إن أخوه هياكل حق بناته و يظلمهم ساعتها راح كتب المحل بتاعه و البيت ليهم، أخوه رفض و فضل يعمل مشاكل و حوارات و علشان هما مكانش معاهم راجل معرفوش ياخدوا معاه حق و لا باطل، لحد ما اتقدمت ليها و جه يتكلم عنها وحش و يتهمهم بالسرقة، على أساس أني ناقص رجولة يعني و هصدق و أسيبها، لما ماخدش معايا حق ولا باطل راح سلط بنته و شوية ستات عليها، و قبل ما القسم ياخد مراتي كنت مسيح دم الحج"
رد عليه «مرتضى» بفخرٍ:
"تصدق أنا عرفت دلوقتي حبيتك ليه ؟! جدع ياض يا عامر، ربنا يخليكم لبعض و اتعود اللي يجي على سكة مراتك تفرمه"
ابتسم له «عامر» بحب ثم حرك رأسه ينظر لزوجته التي ابتسمت له بفخرٍ، بينما «وليد» التقت عينيه بعيني «خديجة» فوجدها تشير له بعينيها تطلب الحديث معه في أقرب فرصة، و أبان ذلك «ياسين» كان واقفًا يحمل «يونس» على يده وهو يربت على ظهره حتى نام الآخر بين أحضانه مُشددًا قبضته على سترته فرفعت رأسها تبتسم له و هي تراه مع صديقه الصغير الذي احتل مكانةً كبرى في قلوب الجميع.
_________________________
بعد انتهاء تلك الأمسية رحل الغرباء عن البيت و ظل أهله فقط، و بعدها كلًا منهم توجه نحو مسكنه، و في غرفة «خديجة» بعدما أنزلها «ياسين» و «وليد» و جلست على الفراش و قبل رحيل «وليد» أمسكت يده و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
"لأ استنى عاوزاك و عاوزة اتكلم معاك، اقعد"
تحدث «ياسين» بصوتٍ هادئ:
"طب هسيبكم تتكلموا شوية مع بعض، و هبقى آجي أشوفكم"
ردت عليه هي بنبرةٍ جامدة:
"لأ خليك يا ياسين، اقعد أنتَ كمان أنا عاوزاك"
جلس كليهما أمامها على الفراش، فتحدثت هي بنبرةٍ مقررة تسأل «وليد»:
"حصل إيه يا وليد مع منة بالظبط ؟! و الصور راحت فين؟! و عرفت إزاي باللي حصل"
انكمش ما بين حاجبي «ياسين» بينما «وليد» زفر بقوةٍ ثم قال:
"أنا كنت عارف إنك عارفة، و كنت عارف إن واحدة منهم هتقولك، و أكيد دي سلمى"
ردت عليه هي مؤكدة:
"آه سلمى ، قولي بقى الزفتة دي كان معاها إيه و أنتَ عملت إيه"
تنحنح هو يُجلي حنجرته ثم قال بهدوء:
"لما ياسين خد الكرسي و دخل ليكي أوضة الجبس، ساعتها سلمى كلمتني و هي بتعيط و قالتلي إن كل اللي حصل دا بسببها هي و خلود و إن منة مهدداهم تفضحهم في السنتر و هتنزل صورها القديمة اللي معاها، الدم غلي في عروقي و زاد أكتر لما دخلت الأوضة و شوفت منظرك، جيت هنا لقيت خلود بتعيط و دي أول أشوف خلود في الحالة دي، ساعتها شاورت لمشيرة و هي فهمتني، أنا عارف إنك من الأول هتعترضي و هتزعلي بس أنا معرفش أنام و حقي برة، و منة جت على حقي بالجامد، علشان كدا كان لازم اتصرف"
تدخل «ياسين» يسأل منفعلًا بضجرٍ:
"كل دا هي عملته ؟! دا غير اللي عملته في خديجة ؟؟ بتهدد بنات تفضحهم ؟! هي إيه معندهاش دم؟!"
رد عليه «وليد» بقلة حيلة:
"مفيش دم و لا إحساس، دي واحدة معندهاش ذرة ندم على اللي عملته، أصل مراتك طيبة و فاكرة الناس كلها زيها"
ردت عليه هي بضجرٍ:
"لأ....أنا فرحانة فيها و في اللي اتعمل فيها كمان، عارف ليه علشان أنا كنت بشفق عليها و كنت بقول تربيتها السبب، بس هي خدت كل حاجة أي حد في سنها يتمناها، أهل و صحاب و فلوس و تعليم، حاجات غيرها كان بيتمناها، بس هي مش محترمة، علشان هددت أخواتي بحاجة هما ملهمش ذنب فيها"
تدخل «ياسين» يسألها بتعجبٍ:
"هي الصور دي فيها إيه ؟! فيها حاجة تضر يعني؟!"
رد عليه «وليد» مفسرًا:
"سلمى لسه متحجبة هي و خلود من قريب، سلمى كانت متصورة مع منة بشعرها و في البيت عادي زي أي بنات، بس منة هددتهم بيها، علشان هما مدوش خوانة ليها"
سأله «ياسين» بلهفةٍ:
"طب و الصور دي فين ؟!"
رد عليه يجاوبه مُطمئنًا له:
"متخافش مسحتهم، مشيرة و هي بتضربها عملت نفسها هتقع على الكنبة روحت أنا لحقت مشيرة و هي أدتني التليفون في إيدي لما خدته منها، خلصت اللي عاوزه و رجعته تاني، و أكيد هي فهمت حاجة زي دي"
ربت «ياسين» على كتفه بفخرٍ وهو يقول:
"إيه الدماغ دي ؟! أنا مبسوط إنك في حياتي يا وليد، صحيح دماغ معلم"
ردت عليه «خديجة» بقلة حيلة:
"لأول مرة أوافق على حاجة زي دي و أقوله أني فرحانة بيه، صحيح مينفعش نفتح تليفونات حد بس دي تستاهل"
رمقها «وليد» بغيظٍ وهو يقول:
"بس يا بت اسكتي، طيبة قلبك دي هتلبسك في الحيطة....و على إيه ما أنتِ لبستي أهوه"
قذفته بالعلبة المجاورة لها وهي تقول بضجرٍ منه:
"غور من وشي، غور بدل ما أقوم أضربك"
رد عليها هو بسخريةٍ:
"أنا عاوزك تقومي، و رب الكعبة أنا عاوزك تقومي يا ستي، وريني"
ردت عليه هي بنبرةٍ شبه باكية:
"بس هعيط !! و الله هبهدلك و أعيط، مش كل تفكروني أني مش قادرة أتحرك"
اقترب منها يجلس بجوارها وهو يقول بنبرةٍ متأثرة اتضح بها حزنه لأجلها:
" دي فترة و هتعدي، و أنتِ هترجعي تاني أحسن من الأول، أنا بهزر معاكي علشان مش عاوزك تتوجعي و لا عاوزك تزعلي يا خديجة، أنا أحارب الدنيا كلها علشانك أنتِ"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت بصوتٍ خافت:
"أنا عارفة أني عندك حاجة تانية، و عارفة إنك بتحاول تداري زعلك علشاني و أنا و الله يا وليد لو فيه حاجة مخلياني متوجعش هو أنتَ علشان عارفة إنك مش هتستحمل"
قبل رأسها ثم اعتدل واقفًا يطالعها بأعين دامعة و «ياسين» يتابعهما بتأثرٍ هو الأخر فوجدها تقول بهدوء:
"معلش يا وليد هات ماما تسرحلي شعري، مش هقدر أسرحه"
اقترب هو من التسريحة الخاصة بغرفتها يأخذ منها فرشاة الشعر ثم عاد لها وهو يبتسم بهدوء و في تلك اللحظة دلف «طه» الغرفة و في يده الدواء و زجاجة المياه، لكنه تعجب حينما وجد «ياسين» جالسًا على الفراش مقابلًا لها و «وليد» يقف مجاورًا لها و في يده فرشاة الشعر الخاصة بها، فسأله بتعجبٍ:
"رايح فين يا وليد ؟! إيه اللي ماسكه في إيدك دا"
رد عليه مفسرًا:
"رايح اسرح لخديجة شعرها، خير يا عمي ؟!"
اقترب «طه» من الطاولة يضع عليها الدواء ثم جلس بجوارها وبعدها مد يده لـ «وليد»، فقطب جبينه بتعجبٍ و «ياسين» أيضًا فقال هو بخجلٍ:
"هات هسرحلها شعرها....أنا بعرف"
اتسعت أعين الثلاثة بعد حديثه بينما هو قال بنبرةٍ جامدة حتى يخفي خجله منهم:
"هات يا رخم أنا اللي هسرح ليها شعرها"
رد عليه «وليد» بوقاحةٍ:
"لأ أنا اللي هسرح ليها بقى، أنا متعود اسرح ليها من واحنا صغيرين"
تدخل «ياسين» يقول مُقترحًا:
"طب ممكن أنا أسرح ليها شعرها بدل ما تتخانقوا كدا؟! أسهل يعني"
رد عليه «وليد» معاندًا:
"لأ أنا بقى اللي هسرح ليها شعرها، أنا قديم في الموضوع دا، أنتم جداد لسه"
رد عليه «ياسين» بنبرةٍ جامدة:
"على فكرة دي مراتي"
_"على فكرة بقى دي أختي"
تفوه «وليد» بذلك بنفس الجمود، و هي تطالعهم بدهشةٍ حتى تدخل «طه» يقول بنبرةٍ جامدة:
"بس أنتَ وهو !! لا مراتك و لا أختك، أنا اللي هسرح شعر بنتي، و كلمة كمان هطردكم برة الأوضة"
حركت رأسها بسرعةٍ تنظر لوالدها فوجدته يخطف الفرشاة من «وليد» الذي ابتسم بخبثٍ وهو يطالع «ياسين» الذي ابتسم له هو الأخر بعدما توصلا لما يريده كليهما، بينما «طه» جلس خلفها ثم فك خصلات شعرها والعبرات تلمع في مقلتيه و هي أيضًا تحاول التحكم في دموعها، حتى بدأ «طه» في ترتيب خصلاتها، و قبل أن ينهي عمله تدخل «وليد» ثم سحب منه الفرشاة يقوم بصنع الجديلة المُفضلة لها، و قبل أن ينهيها أشار لـ «ياسين» حتى يُكمل ما بدأه هو، حينها ابتسم «ياسين» وهو يقول بسخريةٍ:
"دا علشان نبقى راضينا كل الأطراف يعني ؟! ماشي يا سيدي"
أكمل هو ما بدأه كليهما ثم حرك رأسه للأمام ينظر لها فوجدها شاردة الذهن تنظر للفراغ أمامها، أدرك هو حينها أنها على مشارف البكاء، فرفع نفسها ثم ربت على رأسها بهدوء، بينما «طه» توجه نحو الطاولة يأخذ الدواء ثم أعطاه لها بعدما انتبهت هي له و الدموع تلمع في عينيها، و بعدما تناولت الدواء انسحب هو من الغرفة محاولًا الهروب من ذكرى أليمة حفرت في قلبيهما سويًا، و لحقه «وليد» للخارج بعدما نظر لـ «ياسين» نظرةً التقطها الأخر ثم حرك رأسه موافقًا، و بعد فراغ الغرفة حولهما حملها هو ثم عدل وضعها على الفراش حتى تستطع فرد ظهرها، و بعدها جلس بجوارها يسألها بهدوء:
"مالك ؟! إيه اللي مزعلك و مخليكي مسهمة كدا قصادك"
حركت رأسها تنظر له وهي تقول له بنبرةٍ تائهة و الدمع يترقرق في عينيها:
"مسهمة علشان اللي حصل.....عارف اللحظة دي اتمنيتها قد إيه ؟! عارف كام مرة اقول لنفسي أني لا يمكن أوافق بعد العمر دا كله إنه يقرب مني بالدرجة دي؟! بس أنا ضعيفة أوي قدام حنيته عليا، حاسة إنها من حقي و حاسة أني عاوزة أكتر من كدا، بس الحاجة لما بتيجي متأخر بتبقى غريبة، أو جايز أنا اللي مش عارفة اتقبلها"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
"تيجي متأخر أحسن من مفيش يا خديجة، عارفة فيه كام واحد مات و ساب وراه عياله من غير ما يدوقوا حنانه؟! احمدي ربنا إنه فاق و ربنا يبارك في عمره لحد ما تعوضوا كل حاجة فاتتكم أنتو الاتنين"
حركت نفسها للأمام حتى تستطع الوصول له فوجدته هو يقترب منها ثم احضتنها بهدوء حتى لا تصطدم به بكتفها، فوضعت رأسها على كتفه ثم أغلقت جفنيها بشدة فوق عينيها، فرفع حينها كفه ثم ربت على ظهرها وهو يعلم مدى قسوة ما تشعر به.
_________________________
فوق سطح البيت ظل «طارق» جالسًا مع «وئام» و «فارس» حتى نزل «وئام» مع ابنه و تركه بمفرده، فرفع «طارق» رأسه للأعلى ثم رفع صوته يدندن بأريحية كلماتٍ لأغنية قديمة:
"على حسب وداد قلبي يا أبويا راح أجول للزين سلامات.... سلامات ....سلامات.... سلامات....سلامات....
سلامات... سلامات.... على حِسب وداد جَلبي يا أبويا......ضيعت عليه العمر يا أبويا دا أنا ليا معاه حكايات.... حكايات.... حكايات....على حسب وداد جَلبي يا أبويا.... على حسب وداد جَلبي يا أبويا راح أجول للزين سلامات....على حسب وداد جَلبي يا أبويا.....ضيعت عليه العُمر يا ابويا....دا أنا ليا معاه حكايات....حكايات..."
كان يدندن بصوته الرخيم الهادئ نسبيًا دون أن ينتبه لتلك التي تقف في الخلف و معها طبق حلويات صعدت له حتى يتناولاه سويًا، و حينما خطت بقدميها حتى تقترب منه حرك رأسه للخلف فوجدها تقول بخجلٍ طفيف:
"أنا أسفة أني طلعت فجأة كدا، بس قولت تدوق الحلويات اللي عملتها أنا و ماما، و قولت تدوقها علشان أنتَ معرفتش تاكل منها"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها فوجدها تجلس بجواره على الأرض ثم وضعت الطبق على الطاولة و هو لازال يُطالعها ببسمةٍ هادئة حتى وصلت البسمة لعينيه و كأنها تبتسم هي الأخرى، فحركت رأسها باستفسارٍ لم تفصح عنه فوجدته هو يقترب منها ثم قبل وجنتها فجأةً، شعرت هي بارتفاع ضربات قلبها فوجدته يقول بهدوء:
"وحشتيني يا جميلة....الحصار هيتفك إمتى من علينا؟!"
حركت كتفيها بقلة حيلة فوجدته يشير برأسه نحو الطبق وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"طب كُلي معايا يلا، مبعرفش أكل لوحدي"
ابتسمت له و هي تحرك رأسها موافقةً ثم أمسكت قطعة الحلوى وهو أيضًا و قبل أن تتناولها سألته بنبرةٍ يشوبها مرحٍ طفيف:
"بس إيه الروقان دا ؟! على فكرة صوتك حلو"
ابتسم هو لها ثم ابتلع ما فمه ثم قال بخجلٍ طفيف:
"مش أوي، أنا بس بحب أدندن شوية كدا، و الأغنية دي ليها مَعزة خاصة عندي زيك كدا"
حركت رأسها و هي تبتسم له فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"عبد الحليم لخص حياتي معاكي في أغنية واحدة بتخليني أسرح فيها يا جميلة، من أول ما عيني شافتك على إيدي و أنتِ صغيرة لحد ما فارقتيني و أنتِ كل حاجة ليا، لحد ما رجعتيلي تاني و لحد ما الروح ردت فيا بكلمة منك، هي دي حياتي معاكي، كانت كلها ليكي"
ابتسمت هي بسمتها الهادئة فوجدته يدندن بصوته الهادئ:
"ضيعت عليه العُمر يا ابويا....دا أنا ليا معاه حكايات..... حكايات....حكايات.....ضيعت عليه العُمر يا ابويا....دا أنا ليا معاه حكايات.....موال..... موال الصبر أهو داب من يوم الحب ما غاب....ولا عمر يا ليلي يا عيني.... يا عيني....يا ليلي.....ما اتقرب لينا احباب....موال.....موال الصبر أهو داب من يوم الحب ما غاب....ولا عمر يا عيني.... يا ليلي.....يا ليلي....يا عيني....ما اتقرب لينا احباب.....و أنا صابر على المقسوم...يمكن يرجعلي في يوم....و أنا صابر على المقسوم....يمكن يرجعلي في يوم....و تكونلي معاه تاني يا أبويا....أيام حلوة و حكايات.... حكايات.... حكايات... حكايات...على حسب وداد جَلبي يا أبويا"
اتسعت بسمتها أكثر من قبل فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال:
"أهو المقسوم اللي رضيت بيه، ربنا كرمني فيه، و رجعت الحكايات تاني معاكي"
ردت عليه هي بخجلٍ:
"دا نصيب و مكتوب يا طارق، مين كان يصدق إن الحكاية تكون نهايتها كدا، و مين كان يصدق أني أرجع تاني لحياتي و دنيتي هنا"
ابتسم وهو يحرك رأسه موافقًا فوجدها تخرج هاتفها له ثم قالت بخجلٍ:
"أنا كنت عاوزة أخد رأيك في الفستان....هو....بص شوف دول كدا، دول هيكون عليهم الخمار"
أخذ منها الهاتف بعدما فتحته له على الصور الخاصة بالفساتين الخاصة بالزفاف، و بعدما شاهدهم جميعًا أعطاها الهاتف دون أن يتحدث بكملةٍ واحدة حتى ملامحه لم تدل على شيئًا حتى شعرت هي بالإحباط فوجدته يخرج هاتفه ثم قام بفتحه على صورةٍ ما ثم مد يده لها به دون أن يتحدث، انكمش ما بين حاجبيها و هي تراه يمد يده لها بهاتفه و حينما أخذته منه شهقت بقوةٍ و هي ترى فستانًا باللون الأبيض و فوقه حبات تشبه اللؤلؤ منثورة على الكتفين و فوقه خمارًا باللون الأبيض الناصع، حركت رأسها له فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
"دا الفستان اللي أنتِ هتلبسيه يا جميلة، طبعًا دا لو عجبك، بس أنا شوفته و مش متخيل حد غيرك يلبسه و مش متخيل إنك تلبسي حاجة غيره، عجبك ؟!"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
"أوي يا طارق.... بجد حلو أوي و رقيق أوي، نفس اللي كنت عاوزاه بس معرفتش أوصل و جبت أقرب حاجة ليه، أنا افتكرتك مش مهتم بحاجة زي دي"
تحدث هو بتهكمٍ يسخر من حاله:
"دا أنا عايش علشان اليوم دا يجي، تيجي تقوليلي مش مهتم ؟! كل الحكاية بس أني تقيل شويتين، يعني بشتغل بروقان، من ساعة ما عرفت إن أنتِ و عبلة كلمتوا مرات عامر علشان فساتين الفرح و أنا عمال أدور على الفساتين اللي اتمنيت اشوفكم فيها اليوم دا"
أقتربت منه ثم أمسكت يده و هي تقول بلهفةٍ:
"طارق.... أنا بحبك أوي و الله، أنتَ أحلى مما تخيلت بكتير، كل الدعاء اللي كنت بدعي ربنا بيه استجابته كانت فيك أنتَ، و جيت أكتر ما تمنيت"
ابتسم هو باتساعٍ لها فوجدها تمسح دموعها ثم ابتسمت له بينما هو قال بنبرةٍ ضاحكة:
"على رأي حماقي، النهاردة كلامنا سُكيتي و بكرة تبقى في حضني و بيتي، هيجي يوم و أرد على الكلام الحلو دا"
ارتفع صوت ضحكاتها بقوةٍ عليه فوجدته يضحك معها هو الأخر و عينيه تراقبها بشغفٍ و كأنه يجبر عقله على استيعاب وجودها أمام عينيه بعد طول انتظارٍ و كأنها الغيث بعد سنين العجاف.
_________________________
في شقة «محمود» ذهب هو للنوم بعدما تناول العشاء مع ابنته و زوجها، بينما «هدير» قامت بتنظيف الطاولة و قبل أن تقوم بغسل الصحون وجدت «حسن» يأخذهم منها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
" هاتيهم هغسلهم أنا يا هدير، متتعبيش نفسك أنتِ"
حركت رأسها بتعجبٍ وهي تقول:
"يا سلام ؟! طب ما أنا بغسلهم كل يوم يا حسن مفيهاش حاجة"
رد عليها هو مُسرعًا:
"هو أنتِ لو متعَبتنيش و جادلتي معايا يجرالك حاجة ؟! هاتي يا ستي"
ردت عليه هي بلهفةٍ ممتزجة بالحزن:
"أنا بتعبك ؟! بجد يا حسن بتعبك ؟!"
رد عليها هو مفسرًا حديثه:
"يا ستي بهزر معاكي، مالك خدتي الكلام على أعصابك ليه؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت بصوتٍ تائه:
"مش عارفة يا حسن....حاسة أني مخنوقة أو يمكن متضايقة....و مش عارفة أقول إيه علشان مفيش حد هيفهمني، بس أنا محتاسة.... حاسة أني منعكشة"
أخفض رأسه ينظر على رأسها وهو يقول بنبرةٍ عادية ممتزجة بالامبالاةٍ زائفة:
"شعرك كويس أهوه مش منعكش و لا حاجة، مالك بقى"
ردت عليه هي بضجرٍ ممتزج بخبثٍ طفيف:
"مش بهزر يا حسن و الله....بس حاسة أني مخنوقة و الله، قولي يا حسن الإنسان يروح فين لما يحس نفسه مخنوق و مش لاقي مكان يقبله"
رد عليها هو مُقررًا:
"يروح زي الشاطر يتوضا و يصلي ركعتين لله و يلم نفسه"
طالعته بخجلٍ منه فوجدته يضيف بعدما ابتسم لها:
"بعدها يجي لأبو علي علشان يهون عليه"
اتسعت بسمتها أكثر حتى تحولت إلى ضحكةٍ عالية فوجدته يحدجها بنظرةٍ حادة وهو يقول:
"روحي صلي يلا لحد ما أجيلك، هغسلهم و أجي وراكي، و ادعيلي معاكي بلاش تدعي عليا"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
"هدعيلك ربنا يجبر بخاطرك"
قالت جملتها ثم رحلت من أمامه بعدما رمقته بغيظٍ بينما هو حدث بتعجبٍ:
"شكلها بتلمح"
بعد مرور دقائق أنهت «هدير» صلاتها و دعائها ثم وقفت تخلع إسدال الصلاةِ و هي ترفع السجادةِ من على الأرض، ثم جلست على الفراش تنتظر قدوم «حسن»، و بعد مرور ما يقرب الدقيقتين من انتظارها دلف الغرفة و هو يبتسم لها و رافق بسمته تلك قوله:
"اتأخرت عليكي ؟!"
حركت رأسها نفيًا فوجدته يجلس مقابلًا لها على الفراش وهو يسألها بهدوء:
"مالك يا هدير ؟! ليه زعلانة و باين في عينيك كدا؟"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ حزين:
"زعلانة يا حسن....منة و اللي قالته النهاردة قدامك دا خلاني مكسوفة منك، مش زعلانة علشان أنا جربت الإحساس بس زعلانة علشان هو إحساس صعب، منة معاها حق، أنتَ متعرفش أنا كنت عاملة إزاي؟! أنتَ كنت بتشوفني من بعيد متعرفش حاجة عني، أنا دلوقتي حاسة أني عاوزة أقوم أضرب نفسي، حاجة جوايا بتقولي إن اللي زيي شخص وحش"
أمسك كفها بين كفيه وهو يقول بهدوء:
"لأ مش وحشة، أنتِ جميلة و حنينة يا هدير، صحيح كنتي بتحاولي تداري حنيتك دي بس هي موجودة، بلاش تخلي الشيطان يضحك عليكي و يفهمك إن توبتك مش نافعة علشان هو دا دوره إنه يعرفك إن توبتك مش نافعة و إنك مهما تعملي ربنا مش هيقبل منك، الشخص اللي إيمانه قوي و مؤمن بربنا و حكمته هو اللي ميستسلمش للشيطان و لـلعبه بدماغنا يا هدير، قولتلك مليون مرة أنتِ مش وحشة، بس أنتِ ملتقيش حد يشاورلك على الحلو اللي فيكي، زي الهدية اللي متغلفة بس من برة عليها تراب، و محدش قادر يجازف و يشيل التراب دا، رغم إن الهدية من جوة حلوة و تستاهل المجازفة، بس هي كانت هدية من نصيب واحد بس قِدر يشوف الحلو من قبل حتى ما يفتح الهدية"
ارتمت عليه تتشبث به بقوةٍ فوجدته يربت على ظهرها وهو يقول بعدما تنهد بعمقٍ:
"أنا و الله بحبك زي ما أنتِ كدا، قابلك بكل حاجة فيكي يا هدير، بالعيوب قبل المميزات، كفاية أني بلاقي نفسي معاكي و بلاقي فيكي الونس و أنا الغريب في الدنيا دي"
ابتعدت عنه تطالعه بعينيها الدامعتين و هي تسأله بصوتٍ باكٍ:
"أنتَ قولت إيه؟!"
ابتسم لها وهو يقول بصوته الرخيم:
"بلاقي نفسي معاكي و بلاقي فيكي الونس و أنا الغريب في الدنيا دي"
ابتسمت هي بفرحةٍ فوجدته يمسك يدها ثم قال بهدوء:
"تعالي معايا ثواني كدا عاوزك"
وقفت معه فوجدته يمسك جهاز التحكم الخاص بتشغيل الموسيقى في غرفتها فبدأت كلمات الأغنية الرومانسية بالكلمات الآتية:
"الدنيا بترتب صدف و كل قلب و إحساسه....فجأة الطريق بينا بيقف و الحب بيجمع ناسه.....الدنيا بترتب صدف و كل قلب و إحساسه.....فجأة الطريق بينا بيقف و الحب بيجمع ناسه..."
مد يده لها و هو يبتسم بهدوء حتى تمسك يده و يرقصان سويًا، فعانقت هي كفه بكفها و هي تبتسم له ثم شرعت معه في الرقص على كلمات الأغنية و تكملتها:
"و إحنا اتقابلنا و جه أواننا....شوفتك بقلبي اللي اتمنى....وريتني أيام الجنة...و مليت بحبك أوقاتي....حـــلم حَــــيــاتـــي.....و صحيت وياك على يوم عيدي....حَضنك قلبي و لمساك إيدي.... و الفرحة أهيه عرفت مواعيدي.....كتري يا سنين منها و هاتي...."
لفها بيده عند الكلمات الآتية تدور مثل العروس بيده و كليهما يبتسم بفرحةٍ و الكلمات ترتفع حولهما:
"حـــلــم حِـــيـاتــي...كان سيرة في عمري اللي اتقضىٰ...كان صورة ما بين نظرة و غمضة....و خلاص يا عيوني من اليوم دا على حضنه هتصحي و هتباتي....علشان لبعض اطمنا و خلمنا و قلوبنا مأمنة....قدرنا نمشي بحبنا و نوصله لبيت أحلامنا.....علشان لبعض اطمنا و حلمنا و قلوبنا مأمنة....قدرنا نمشي بحبنا و نوصله لبيت أحلامنا.....يا كلمة طول عمري بقولها.....يا دنيا كان نفسي أدخلها
....دلوقتي هلمسها و أطولها.....و هتبتدي معاك حكاياتي.....حِــلــم حَـــيـاتـي...."
لفها مرةً أخرى في يده و هي تضحك أكثر من السابق حتى وجدته يضحك هو الأخر ثم توقف و هو يقول بنبرةٍ هادئة بعدما واجهته هي:
"أنا محظوظ من الدنيا بيكي أنتِ ..."
أبتسمت هي له بفرحةٍ فوجدته يغمز لها وهو يقول بخبثٍ:
"طب إيه مش هتسمعيني حاجة تبل ريقي يا هدير ؟!"
ردت عليه هي بلامبالاةٍ:
"ربنا يسترك و يجبر بخاطرك يا رب يا حسن"
تلاشت بسمته شيئًا في شيء فوجدها تضحك عليه اقترب منه تشبك يدها بذراعه و هي تقول بهدوء:
"أنا لما كنت زمان بحس إن محدش هيقبلني و إني شخص معندوش مشاعر كنت بفتكر مين ممكن يجي يغيرني و يخليني شخص تاني راضي عن نفسه؟! بس الحمد لله الإجابة كانت فيك أنتَ، أقولك على حاجة أول مرة صليت فيها بعد كلامنا سوا غصب عني من غير ما أحس دعيتلك معايا، لقيت نفسي بطلب من ربنا يريح قلبك و يكرمك، بس حقك عليا بقى طلعت أنا نصيبك"
قالتها بمرحٍ طفيف حتى تشاكسه فوجدته هو يقترب منها ثم رفع ذراعيه يضعهما على كتفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة ممتزجة بعاطفته:
"و أحلى نصيب كمان، أنا بفرح لما بشوفك بتصلي و لما بصلي و أنتِ ورايا يا هدير غصب عني بحس بإحساس تاني كأن الدنيا كلها بقت معايا، أنتِ أكتر من اللي طلبته، أنا لقيتك و أنتِ لقتيني"
أمسكت يده تسحبه نحو الفراش و هي تقول بمرحٍ:
"لأ تستاهل الدعاء و الله، اتعلمت أهوه الكلام الحلو يا ابن المهدي"
ضحك عليها بيأسٍ بعدما وصلا إلى الفراش، و قبل أن تتحدث هي وجدته يقول بسخريةٍ:
"هاخدك في حضني مش لازم تقولي..... أصل أنا مش أهبل"
ابتسمت هي باتساعٍ فوجدته يقبل رأسها ثم ربت عليها بعدما أخذها بين ذراعيه و البسمة الصافية لم تفارق وجهه دون أن يشعر بنفسه هو.
_________________________
بعد ذلك اليوم بثلاثة أيام و كانت الأوضاع كما هي لم تختلف عن السابق كثيرًا، حيث كانت «خديجة» كما هي في غرفتها طوال اليوم برفقة فتيات العائلة بأكملها، و في المساء مع «ياسين» يقص عليها تفاصيل يومه و عمله و هي تشاركه يومها أيضًا، بينما «وليد» كان يوطد علاقته بـ «عبلة» و هو يشاركها يومه و يقوم معها باختيار الأشياء اللازمة لزفافهما و اختيار الفستان أيضًا و في وسط اليوم في شركة الشباب، دلف «وليد» الغرفة الخاصة بكلًا من «حسن» و «أحمد» فوجد الأخير بها بمفرده يقوم بعمل بعض التصميمات، فجلس بجواره وهو يقول بتعجبٍ:
"حسن راح فين ؟! مش كان هنا من شوية ؟!"
رد عليه «أحمد» مفسرًا:
"وئام كلمه من المطبعة و محتاجه هناك، خير عاوزه في حاجة ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بنبرةٍ عادية:
"لأ عادي علشان هو كان معاك هنا و اختفى مرة واحدة، المهم صحيح عاوز أسألك على حاجة مهمة"
حرك رأسه له بحذرٍ يحثه على التحدث فوجده يقول مستفسرًا منه:
"قولي صحيح اتكملت مع خلود ؟! يعني عرفت توصل لكلام زي الناس و لا خبطت زي البهايم ؟!"
رفع «أحمد» حاجبه له وهو يقول بضجرٍ منه:
"مش ممكن لو كملت جملة زي الناس يجرالك حاجة، متخافش اتكلمنا سوا و فهمتها و هي فهمتني، خلود عاقلة مش طايشة"
رد عليه بتهكمٍ:
"و لما الاستاذ حلو كدا كان إيه لازمته الشك من الأول ؟!"
رد عليه يجاوبه بنبرةٍ جامدة:
"أنا راجل و دمي حر يا وليد، داخل أصحي أختي لقيت صورة واحد مفتوحة على تليفونها، لازم التفكير يلعب في دماغي، العِبرة في تصرفي، و أنا مدرك إن خلود هتعرف تختار مصلحتها صح"
سأله «وليد» باهتمامٍ طغى على نبرته:
"هو أنتَ قولتلها إيه بالظبط؟!"
رد عليه مُفسرًا:
"قولتلها إنها صغيرة و إن سنها صغير على العلاقات و التفكير فيها، و إن مهما كان هي لسه صغيرة، يعني دي حاجة بتروح و تيجي و المشاعر في الوقت دا بتكون مش مُستقرة، خلود كان لازم تفهم حاجة زي دي"
ابتسم له «وليد» بتعجبٍ وهو يقول ساخرًا:
"إيه التناقض دا ؟! طب ما سلمى صغيرة و الفرق بينهم سنة، هي دي اللي فرقت يعني؟!، كدا أنا شايفك أناني"
ابتسم له «أحمد» وهو يقول بخبثٍ:
"لأول مرة متفهمنيش صح، لو عرفت أنا بفكر إزاي هتغير رأيك"
سأله بحيرةٍ:
"طب ريحني و قولي بتفكر إزاي، اعتبرني غبي يا سيدي"
ابتسم له وهو يقول مُفسرًا وجهة نظره:
"أنا لو روحت طلبت إيد سلمى بعد ما تخلص ثانوية عامة محدش هيعترض، أنا راجل مخلص تعليمي و معنديش جيش، و عندي شقتي و شغلي اللي يخليني أقدر افتح بيت و أكون مسئول عنها و هي معايا، لكن عمار دا معاه إيه ؟! و لا أي حاجة، شاب لسه في أولى جامعة قدامه سنين دراسة طويلة، و قدامه جيش و قدامه مصاريف كتير و حياة فوق حياته، لو أنا فتحت لخلود سكة في التفكير يبقى بحكم عليها تستنى كتير، كدا كدا هي مش هتعمل حاجة، بس علشان متبقاش عايشة على أمل السنين، والله أعلم هو مشاعره ليها هتفضل كدا ولا هتتغير ؟! دا غير إن لا أنا ولا سلمى فيه كلام بيننا، إحنا مستنيين تخلص الثانوية و تدخل جامعة علشان أخطبها رسمي، و غير كدا محصلش حاجة مننا، إنما خلود هخاف ألاقيها بتعشم نفسها على الفاضي"
ابتسم له «وليد» رغمًا عنه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"صح، كان معاهم حق لما قالوا إنك عامل زيي، أول مرة حد يقنعني بتفكيره، هما لسه صغيرين و لو ليهم رزق و نصيب مع بعض يبقى ربنا هيجمع بينهم بكل الطرق"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"خد الباقي بقى، أنا هركز مع خلود الأيام دي علشان متحسش إن فيه حاجة نقصاها، أي بنت في سنها بتروح تدور على الإهتمام من برة علشان مش بيلاقوه في بيتهم، مش عاوز أختي تحس إنها غريبة في بيتها"
ترك «وليد» مقعده ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
"لو عملت كدا فعلًا يبقى أنتَ كدا بتختار الطريق الصح اللي هيخلي خلود طول عمرها مرتاحة حتى لو من غير عمار، المهم أنا خلصت اللي ورايا بعتلك حاجات شوفها كدا و ظبط الترجمة بتاعتها و أنا ورايا مشوار مهم، سلام"
رد عليه التحية وهو يبتسم له ثم عاد لعمله مرةً أخرى و هو يفكر في حديثه.
_________________________
في عيادة الطبيبة النفسية انتظر «وليد» موعده بعدما هاتفته مساعدة الطبيبة تطلب منه المجيء إلى العيادة في موعد جلسته، دلف هو بهدوء وهو يبتسم لها فوجدها تقول مرحبةً به:
"يا دي النور يا دي الهنا...العيادة نورت"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة تزامنًا مع حركة يده وهو يشير بالجنون:
"منورة بأهلها يا دكتورة"
ردت عليه بيأسٍ:
"مفيش فايدة فيك، ماهو أنتَ بتتعالج هنا، يعني أنتَ مجنون؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول مفسرًا:
"خالص، على فكرة أي حد بيجي هنا بيصعب عليا، علشان هو جاي يتعالج من السبب اللي وصله لهنا، و السبب نفسه برة عايش حياته و نتيجة أفعاله ناس بتعاني منها"
حركت رأسها موافقةً ثم أشارت له على المقعد و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
"طب يلا نبدأ جلستنا ؟! جاهز صح؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم توجه نحو موضع إشارتها، لحقته هي حتى جلست على المقعد المجاور له و في يدها دفترها الصغير ثم سألته بنبرتها العملية:
"ها يا سيدي بقى، قولي الفترة اللي فاتت من بعد الجلسة حصل إيه؟! علاقتك باللي حواليك بقت عاملة إزاي؟!"
ابتسم لها وهو يقول بسخريةٍ:
"اكتشفت أني غبي، كان قدامي راحتي و أنا بدور عليها بعيد، بس منكرش إن لما سمعت كلامك ارتحت شوية"
سألته باهتمامٍ اتضح في نبرتها:
"إزاي بقى ؟! طمني و قولي إنك بدأت تسمع كلامي ككل"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بقلة حيلة:
"أهم حاجة إن الأيام اللي فاتت أنا كنت بشارك عبلة يومي بكل تفاصيله، و فرحت أوي لما وصلنا لمرحلة أختيار الجهاز مع بعض، اكتشفت إن هروبي منها كان هو السبب اللي تاعبني في حياتي، بس لما بقيت بشاركها يومي و حياتي حاسس إن فيه حاجة أكبر من حبي ليها بتحركني"
ابتسمت له و هي تقول بفرحةٍ ظهرت في حديثها:
"بالظبط، هو دا يا وليد اللي أنا كنت عاوزاك تحسه في علاقتك معاها، عاوزاك تلقائيًا تشارك عبلة في يومك و تأمن ليها، لو العلاقة الرئيسية دي هي اللي بقت أمان ليك، يبقى تلقائيًا أي علاقة في حياتك هتاخد عندك فرصة تانية، دلوقتي بقى أقدر أركن عبلة على جنب"
حرك رأسه يطالعها بعدما انكمش ما بين حاجبيه بتعجبٍ، فأضافت هي مُفسرةً:
"بمعنى أني مش بعالجك علشان عبلة بس، لأ أنا بعالجك كشخص محتاج يصالح دنيته كلها، مينفعش أخلي عبلة محور العلاج، أنا هنا بستخدمها عامل مساعد في اللي جاي، بما إنها الشخص اللي عنده مكانة أكبر في حربك مع نفسك، قولي بقى كنت حاسس بإيه قبل كدا"
تنهد بعمقٍ ثم قال بأسى:
"أنا واحد الدنيا زعلته، و لما معرفش هو يزعلها دمرت نفسيته"
ابتسمت هي بحزنٍ ثم قالت بهدوء:
"تفتكر المُشكلة فين؟! فيها كدنيا و لا فيك كوليد؟! و لا في الاتنين مع بعض ؟!"
حرك رأسه يطالعها وهو يقول بصوتٍ خافت:
"مش فارقة المشكلة فين، اللي فارق إن فيه حد بيتعذب بسببها، كل ما اقعد مع نفسي كدا و أركز بسأل، الـ ٢٦ سنة دول أنا شوفت فيهم كل دا، اللي جاي هشوف فيه إيه؟! أنا شخص مكلكع لدرجة أني لما اتحبيت بجد و حد حارب علشاني أنا رفضت أصدقه، أنا مش وحش، بس دنيته هي اللي وحشة"
ردت عليه هي مُقررةٍ:
"و علشان كدا لازم تحارب و تتعافى، لو فضلت تسأل نفسك هي عاملة معايا كدا ليه مش هتلاقي حل، دلوقتي بقى هنركز أنا و أنتَ على حُسن النية"
قطب جبينه بتعجبٍ فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة تفسر مقصدها:
"دلوقتي أي علاقة في الدنيا مهما كانت هي إيه لازم يكون فيه حسن نية، يعني حتى علاقتك بنفسك لازم تكون فيها النية خير، لأن مفيش حد في الدنيا هيقدر يتعامل مع حد من غير ما تكون نيته خير تجاهه، حتى لو نفسك"
نظر لها بتمعن فوجدها تقول بنفس الأسلوب:
"الفكرة في إضطرابات الثقة يا وليد قايمة كلها على النية، و هي إن نيتك دايمًا بتخمن الأسوأ، و دا بيأثر على العقل الباطن بمعنى إنه بيتملي بأفكار سلبية كتيرة، و عند المواجهة في العلاقات بتاخد وضع هجوم، الهجوم هنا بيكون بشكك فيهم، و التقليل منهم كأفراد، يعني لو حد قدم ليك مساعدة هتلاقي عقلك بينبهك إنه أكيد بيعمل كدا علشان مصلحة شخصية، و الأفكار السلبية كلها هتفضل تهجم عليك، لو رجعنا لأصل الحكاية و هي كم الخذلان اللي اتعرض له من اللي حواليك، علاقتك بقرايبك و علاقتك بصحابك و علاقتك بالحب، حتى علاقتك بنفسك اللي بيجي عليك وقت تلومها إنها السبب في اللي حصلك"
رد عليها هو يقطع حديثها:
"مش يمكن علشان أنا فعلًا ظلمتها ؟!
أنا مش هقدر ألوم الدنيا إنها ظلمتني علشان أنا معرفتش أنصف نفسي"
جاوبته هي بنبرةٍ عملية:
"و جايز كل دا يكون من غير ما تدخل أنتَ، مش كلنا ردود أفعالنا واحدة يا وليد، فيه غيرك وقف عند أول خبطة و غيرك استسلم و ساب الحرب كلها و فيه اللي زيك كمل و عافر للأخر، صحيح طريقته ممكن تكون غلط و هو بيأسى على نفسه، بس هو مش عارف يستسلم"
حرك رأسه موافقًا فوجدها تضيف من جديد:
"نرجع بقى لموضوعنا، عاوزاك تركز أكتر على حسن النية في كل حاجة حواليك، يعني تبني الفكرة في عقلك الباطن يا وليد، تبدأ أنتَ تملى العقل دا إن مش كلهم مؤذيين، و أن مش كله يستاهل تشك فيه، و حاول توسع دايرة علاقاتك على قد ما تقدر، يعني تدي فرصة لناس أكتر تكون بتتعامل معاها، ناس تحس وسطهم إنك مش محتاج تفكر في طريقتهم دي بجد و لا تستاهل الشك"
حرك رأسه موافقًا فوجدها تسأله بنبرةٍ مقررةٍ:
"قولي بقى مين موضع الشك الأيام دي، خلاص عبلة بقت في أمان عندك، شاكك في مين؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
"هو أنا بقيت واضح للدرجة دي قدامك ؟! خلاص بقيتي حفظاني؟؟"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة نتيجة حديثه و طريقته:
"بيقولوا أني دراسة علم نفس، يعني قراءة الأشخاص دي مهنتي أصلًا، ريحني بس و قولي"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
"هو مش شك بس استغراب، هدير و عمتو مشيرة و عبد الرحمن، التلاتة دول أكتر ناس ببذل مجهود و أنا بفكر فيهم"
سألته هي بتعجبٍ:
"هدير و مشيرة و معروفين، مين عبد الرحمن ؟!"
جاوبها هو بنبرةٍ هادئة:
"عبد الرحمن صاحب عمار، شاب ابن ناس كدا و محترم، الغريب أني مرتاحله و لما حاولت أشك فيه مقدرتش و حسيت أني بظلمه، و مش عارف ليه متطمن له؟! "
ردت عليه هي بنبرةٍ مقررةٍ:
"يمكن علشان هو يستاهل كدا فعلًا ؟! بمعني إنه ممكن يكون شخص حسن النية و حكمك عليه كان غلط"
سألها هو بتعجبٍ:
"طب لو أنا بحكم عليه غلط هو قرب من عمار ليه؟! أصل أنا بحكم تجربتي السابقة أكيد فيه سبب ورا كدا"
جاوبته هي بنبرةٍ عملية:
"و ممكن يكون هو عنده نفس التجربة اللي تخليه يمسك في صداقة واحد زي عمار، يعني لقى إنه صديق يقدر يأمن ليه في وسط الحياة الجامعية اللي بتكون عالم جوة عالم، أقولك، أنتَ تقرب من عبد الرحمن دا و عمار"
قطب جبينه بتعجبٍ فوجدها تقول مؤكدةً:
"زي ما سمعتني كدا تقرب منهم و تعتبرها من ضمن خطوات العلاج، بما إنهم أفراد جديدة في حياتك، أنا واثقة إنهم هيكونوا سبب مهم إنك تغير وجهة نظرك تدريجيًا"
حرك رأسه موافقًا فوجدها تقول بتعجبٍ:
"طب هدير و مشيرة إيه مشكلتهم معاك ؟! مالهم ؟!"
سألها هو بتعجبٍ:
"تغييرهم بالطريقة دي غريب، أنا بقيت مستني اللحظة اللي هشوفهم فيها زي الأول و أكتر، و خصوصًا هدير، هي متعالجتش بس اتغيرت تغيير ملحوظ حتى مع خديجة"
ردت عليه هي تجاوبه:
"هدير مكانتش وحشة زي ما أنتَ متصور، يعني هدير مش مريضة نفسيًا بالأذى زي ما أنت متخيل، هدير كانت معمول ليها غسيل مخ، زي المكتب المترب و محدش شال التراب منه، بس لما جت فرصة مناسبة على هيئة حسن مسكت فيها بإيديها و سنانها، هتحارب تاني علشان تثبت إنها حلوة من جوة و إنها شخص يستاهل حد زي حسن، فبالتالي هدير بقت أمر مفروغ منه في التفكير"
سألها بتعجبٍ:
"طب و مشيرة ؟! برضه زي هدير؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ خالص، مشيرة لسه جواها مشيرة شرسة شوية، بس هي بتحاول على قدر ما تقدر تخفيها منكم، و هتحاول تندمج وسطكم علشان تعوض إحساس الوحدة و الغربة اللي كانت عايشة فيها وسطكم، واحدة واحدة هتلاقيها نسخة من أهل البيت، هتبدأ تقلدهم و تبدأ تعمل زيهم، لأن هي مش قصادها حاجة تانية غير دي، المهم إن التلاتة دول يكون عندك ناحيتهم حسن النية علشان دول هيبدأوا يشغلوا العقل الباطن بتفكير سلبي و إحنا مش عاوزين كدا"
حرك رأسه موافقًا و هو يبتسم لها و بعد ذلك انتهت الجلسة ثم خرج هو من العيادة، فتفاجأ بـ «عبلة» تنتظره في الخارج كما المرة السابقة، اقترب منها و هو يبتسم تزامنًا مع قوله:
"أنا كدا هحس أني عيل في حضانة و أمي جاية تاخدني، خير جيتي ليه ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
"جاية أخد ابني من الحضانة، هو أنا أم قاسية علشان أسيب ابني يمشي لوحده ؟! مش أخلاق أمهات دي"
أمسك يدها بيأسٍ وهو يقول:
"يلا يا عبلة ربنا يهديكي، أنا شكلي لبست بجد فيكي"
ضحكت هي عليه و هي تتحرك معه حتى وصلا للسيارة، ركب هو أولًا و هي بجواره، فسألها هو بنبرةٍ مرحة:
"جيتي ليه يا عبلة ؟! مش قولتلك أني هاجي بعد ما أخلص شغلي؟! و بعدين الساعة دلوقتي ٦ و الدنيا هتليل، بتنزلي إزاي ؟!"
ردت عليه بلامبالاةٍ:
"عادي هو أنا هتخطف يعني ؟! و بعدين قولتلك أنا هلازمك زي ضلك عاجبك عاجبك، مش عاجبك مش مشكلتي بقى"
ضحك عليها هو بيأسٍ فوجدها تسأله بنبرةٍ هادئة:
"قولي بس عملت إيه النهاردة ؟! ارتحت شوية؟! و لا لسه تعبان"
ابتسم هو بهدوء ثم قال:
"لأ الحمد لله مرتاح و بقيت برتاح أكتر علشان مع بعض، أقولك على حاجة ؟! و أنا جوة عندها اتمنيت أطلع أشوفك، و حاجة جوايا أكدتلي إنك هتيجي و مش هتخذليني"
اتسعت بسمتها أكثر فوجدته يحرك مقود السيارة وهو يقول بمرحٍ:
"بما أني مبسوط و بما إنك مبسوطة كدا تعالي أفسحك على مزاجي"
سألته بحماسٍ و لهفة:
"بجد !! فين طيب ؟!"
ضيق جفنيه فوق عينيه و كأنه يفكر ثم قال بمرحٍ:
"خليها مفاجأة، بس واثق إنك هتفرحي بيها، هكلم عمي و أعرفه علشان ميزعلش"
أمسكت وجهه بيدها ثم قبلته على وجنته بشدة ثم تركت وجهه و هي تقول بنبرةٍ حماسية:
"بحبك....بحبك....بحبك"
ابتعد عنها وهو يقول بضجرٍ:
"يا بنت الهُبل ، فيه حد يعمل كدا؟! إيه السفالة دي ؟!"
حركت كتفيها بلامبالاةٍ وهي تقول:
"جوزي و براحتي ، هو أنتَ حد غريب يعني ؟! سوق بس يلا"
رد عليها هو بتهكمٍ:
"أنا بقول نروح لعم محمد و هو يشوف حوار جوزي دا، يا...يا سوبيا"
ردت عليه هي بيأسٍ:
"يا عم يارب أكون عرق سوس، اتحرك يلا الحماس هيموتني"
فور انتهاء جملتها صرخت عاليًا بعدما تحرك هو مندفعًا بسيارته و كأنه يصارع الأسفلت بإطارات السيارة، و هو يضحك بقوةٍ و هي جواره تصرخ من الخوف حتى قام هو بتهدئة السرعة بعدما رأى خوفها و علت نبرة صراخها.
_________________________
في شقة «ميمي» اجتمع الشباب عندها بعد عملهم حتى يطمئنوا عليها و يجلسون برفقتها، حتى قام «عامر» بمشاكستهم ثم ركض نحو الطاولة وفي يده طبق حلويات و هم خلفه يحاولون الإمساك به، فضحك و هو يقول بمرحٍ:
"بقولكم إيه اللي هيطلع هنا هزقه، هاكل طبق المهلبية دا و أنزل أشوف مين عاوز يضربني"
رد عليه «ياسر» بضجرٍ:
"انزل يا حيوان كلت الطبق بتاعي ليه ؟! يعني على ما أخلص شغلي أرجع ألاقيك واكل حقي ؟!"
رد عليه «عامر» بحنقٍ منه:
"ما خلاص يا ياسر هو أنا كلت مال اليتيم ؟! قومي يا ميمي اعملي لينا تاني"
ردت عليه هي بضيقٍ منه:
"و لما أجي اضربك بالعصاية بقى على راسك يا حيوان أنتَ ؟! مفيش دم خالص؟!"
رد عليها «خالد» بضجرٍ:
"دم مين ؟! دا عنده مياه ساقعة، أقولك ؟! أنا هطلب لينا كلنا دلوقتي طبق حلويات من عند حودة، يمين بالله هحسرك يا عامر على قلة أدبك"
شهق «عامر» بقوةٍ وهو يقول بحذرٍ:
"خالد !! هتجيب رموش الست؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف:
"و كنافة بالمانجا علشان اقهرك، علشان تاكل طبقي بعد كدا"
تبدلت ملامحه إلى البكاء الزائف و هو يقول بقلة حيلة:
"اقسم بالله هدعي عليكم يجيلكم مغص، الحاجات دي مفيهاش هزار"
تدخل «ياسين» يقول بحنقٍ:
"خلاص بقى منك له، انزل يا عامر أنا هأكلك من اللي هيجيبه، انزلوا بقى أنا دماغي مصدعة"
رد عليه «عامر» بفرحةٍ:
"الله يباركلك يا ابن الشيخ، صحيح أنتَ الغالي عندي و هما تمر هندي"
ضحكوا عليه بيأسٍ بينما هو جلس على الطاولة و هو يقول بأريحيةٍ:
"كدا بقى هاكل المهلبية و أنا مرتاح و أنتَ يا خالد كتر رموش الست و خليه يزود المانجا على الكنافة"
نظر ثلاثتهم إلى بعضهم ثم هجموا عليه و هم يتوعدون له و هو يصرخ عاليًا باسم «ميمي» طالبًا منها انقاذه، بينما هي انفجرت في الضحكات عليهم و على مشاكستهم لبعضهم المعتادة و للحق هي تشعر بالأمان و السعادة عن هذا المنظر.
_________________________
في شقة «ميرفت» والدة «ياسر» كانت جالسة برفقة «عفاف» والدة خالد و كلتاهما تتابع التلفاز حيث المسلسل الذي جذب انتباههما بشدةٍ و أمامهما طبق التسالي، و كلًا منهما تعطي مقترحاتها في هذا المسلسل، حتى طُرق باب الشقة فتحدثت «ميرفت» تقول بضجرٍ:
"هقوم أنا افتح، هتلاقيها أم إسراء جايبة فلوس الجميعة"
حركت «عفاف» رأسها موافقةً و هي تحرك رأسها نحو التلفاز بينما الأخرى توجهت نحو باب الشقا تفتح الباب بعدما لفت حجابها و بعدما فتحت الباب قطبت جبينها بتعجبٍ فوجدت أمامها رجلًا يقول بنبرةٍ هادئة:
"إزيك يا ميرفت عاملة إيه؟!"
اتسعت حدقتيها بعدما تعرفت عليه و على ملامحه تزامنًا مع كلمتها التي خرجت بصوتٍ متهدج:
"أنتَ؟! .... هنا إزاي؟!"
تعجبت «عفاف» من صمت رفيقتها فاقتربت منها بعدما تركت موضعها و هي تقول بصوتٍ عالٍ:
"إيه يا ميرفت مين على البابـ..."
توقفت عن الحديث حينما رآته أمامه و لم تحتاج وقتًا طويلًا حتى تتعرف عليه، فتحدثت تقول بغير تصديق:
"سمير !!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم شمس بكري
"
وجدت فيك ونسي و أنسي....كما لو أنك قمري و شمسي"
_________________________
لم يكن الخطأ خطئي، كانت حياتي كورقةً بيضاء وقعت في يد أشخاصٌ مُلطخةً بالحبر، فأصبحت غير قادرًا على إزالة حبرهم و لا أنا بقادرٍ على الكتابة بها من جديد، و فقط غدوت اتسأل بماذا الندم يُفيد ؟! وقع الإثم عليَّ و بقيت أنا وحيد، أسير في الزمان كما لو أنني شريد.
_"ســمـيـر !!"
تفوهت بها «عفاف» بدهشةٍ غير مصدقة وجوده أمام عينيها بعدما يقرب العشرون عامًا، ملامحه كما هي حادة لم يعرف اللين طريقها يومًا ما، زرقاوتيه كما هما تنبثق منها القسوة، كيف لم تتعرف عليه كلتاهما ؟! تلك القسوة لم تعهدها كلتاهما من قبل، بينما «ميرفت» ازدادت ضربات قلبها و هي تراه أمامها بعد كل ذلك العمر، يقف بكل ثبات و كأنه لم يفعل شيئًا قط، حينما تراجعت للخلف و كادت أن تسقط من هول صدمتها، تدخلت رفيقتها تمسك يدها تردع سقوطها أرضًا، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم تحدث أخيرًا وهو يقول بصوتٍ مهتز:
إزيك يا ميرفت ؟! عاملة إيه ؟!"
أغلقت أهدابها فوق مقلتيها و هي تصر على أسنانها بقوةٍ تود لو أخرجت طاقتها و غيظها منه الآن، فتدخلت «عفاف» تقول بنبرةٍ أشبه بالصراخ:
أنتَ معندكش دم ؟! جــاي لــيه ؟! بعد العمر دا كله ؟! أنتَ ميت يا سمير، ميت و محدش فينا حتى بيترحم عليك"
أغلق عينيه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
إزيك يا أم خالد، ممكن أدخل علشان أعرف أتكلم ؟!، الجيران كدا هتشوفني"
ردت عليه «ميرفت» بصراخ:
بـــأي حَـــق ؟! عاوز تدخل هنا بأي حق ؟! بصفتك مين ؟! هـــا رد عـــلــيـا !!"
دلف هو ثم أغلق الباب وهو يقول بنبرةٍ حاول جعلها ثابتة:
بصفتي أبو عيالك....و وجودي هنا علشانهم"
طالعته بغير تصديق و هي ترتمي على أول مقعد قابلها حتى تجلس عليه، بينما «عفاف» سألته بتهكمٍ:
عيالك ؟! هو أنتَ فاكر عيالك ؟! فاكر هما مين أصلًا ؟! عيالك اللي عاشوا العمر كله مكسورين و مقهورين ؟! عيالك اللي جحودك ظهر قدامهم من غير حتى ما تفكر فيهم ؟! رد يا سمير ؟! رجعت ليه ؟!"
ازدرد لُعابه بقلقٍ وهو يقول:
جيت علشان أشوف ولادي، العمر مش باقي فيه كتير..... طمنوني عليهم"
ردت عليه «ميرفت» بصراخٍ في وجهه:
ياريته كان خلص قبل ما أشوفك....أنا بكرهك و بكره اليوم اللي حياتي ارتبطت فيه بواحد زيك، و بكره أهلي اللي رموني ليك، بكره أي حاجة تجمعني بيك، الحسنة الوحيدة هما عيالي، مليش غيرهم في الدنيا دي....أمــشــي برة بقولك"
صرخت في وجهه بذلك فوجدته يقول بصوتٍ خافت:
ياسر فين يا ميرفت ؟! و ندى و نيرمين فين ؟!"
اقتربت منه بعدما انتفضت من جلستها و على حين غرة صفعته على وجهه بقهرٍ خبئته في قلبها لأعوامًا طويلة، ثم أمسكت تلابيبه و هي تقول بصراخٍ:
اسم واحد فيهم ميجيش على لسانك القذر دا !! ملكش عيال عندي، أنتَ ميت، فـــاهم يــعنــي إيه مَيت ؟! يعني تغور من هنا لحد ما ربنا يأذن و ياخدك من الدنيا كلها"
ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
هيحصل، كلها أيام و أموت يا ميرفت، أنا من ساعة ما رجعت و أنا عمال أقدم رجل و أخر رجل علشان أجي اشوفكم، لحد ما الدكتور كلمني و قالي إنها مسألة أيام و حياتي تنتهي، أنا جيت علشان ابقى شوفتكم قبل ما أموت"
صرخت في وجهه و هي تهزه بعنفٍ في يدها:
أنتَ إيـــه !! حتى في الموت أنـــانـــي ؟! و برضه بتعمل اللي في مصلحتك ؟! مفكرتش إن ظهورك هيدمرنا ؟! مفكرتش إن عيالك حتى مش فاكرين شكلك ؟! أرجع يا سمير تاني، محدش عاوزك هنا، روح موت و غور في ستين داهية، أنتَ مين من زمان بالنسبة ليا"
سألها ببكاءٍ نابع من قلبه:
طب طمنيني عليهم.... عاملين إيه؟!"
صرخت في وجهه:
مـــلــكش دعوة.....دا مش من حقك السؤال دا، دول عيالي من يوم ما ضربتني قصادهم و قولت إنك مش عاوزنا، نـــســيت ؟!"
قبل أن يتحدث هو تدخلت «عفاف» تقول متشفيةً به:
لأ حقه، مش هو سابهم و قال إنه مش ملزم بيهم، كان معاه حق، عارفة ليه ؟! علشان النضافة مينفعش تفضل جنب الزبالة كتير، و الحمد لله الزبالة عرفت نفسها و مشيت، ولادك بقوا حاجة تشرف و أي حد يرفع راسه و يتمنى ضافر منهم، نيرمين بقت أم لـ ولد و بنت و بقت أخصائية علاج طبيعي و متجوزة زميلها دكتور برضه، و ندى خريجة أداب و بقت أم برضه و متجوزة حبيب عمرها، و ياسر بقى دكتور، دكتور العين تتشرف بيه و القلب يفرح بشوفته و بقى جوز بنتي، بعد ما جوز أخواته و صرف عليهم و صرف على البيت و شال مسئوليتك اللي أنتَ سبتها، تحب تعرف تاني ؟! التلاتة بيكرهوك و مفيش واحد فيهم عاوز بس يلمح طيفك، غور بقى إحنا ما صدقنا حياتهم تتعدل"
ابتلع غصة مريرة في حلقه بعد حديثها، فوجد طليقته تقول متوسلةً له ببكاء:
أبوس إيدك أمشي.....مش عاوزة ابني يتقهر، روح يا سمير مكان ما كنت.....بلاش توجع قلب ابني"
أغمض جفنيه فوق عينيه فوجد «عفاف» تقول بنبرةٍ جامدة رغم بكائها:
اسمع !! ظهورك تاني دا محدش هيعرف بيه حاجة، و لا حتى اللي أنتَ بتقول عليهم عيالك، و على الله ياسر يعرف إنك ظهرت، هخلي أخواته يقطعوك بإيديهم"
مسح دموعه وهو يقول بصوتٍ مهتز:
أنا كنت عاوز أشوفهم بس قبل ما أموت، أنا مش عارف دا هيحصل إمتى، بس هيحصل...كنت متأكد إن المقابلة دي مش هتفيدني بحاجة"
ردت عليه «ميرفت» بألمٍ:
أنتَ جيت متأخر أوي، عارف استنيتك قد إيه ؟! عارف أنا فضلت أحارب نفسي قد إيه ؟! عارف أنا و هما استحملنا في غيابك إيه ؟! عارف سمعت بسببك كلام عامل إزاي ؟! أنا عاوزة أقولك حاجة واحدة، لو بينك و بين طلوع روحك كلمة سامحتك، مش هقولهالك، و لو أمنية إنك تشوف عيالك هي دي أملك في الحياة صدقني أنساه، علشان أنا عاوزاك تتقهر زيي و زيهم، لو روحك هتطلع بالكلمة دي صدقني مش هريحك"
لم يقوى على التحدث أمامها و أمام نبرتها، بماذا يتحدث ؟! مر الزمان عليه دون أن ينتبه لخطئه في حق الآخرين، فـ بأي حقٍ يطلب حقه ؟! هي محقة تمامًا، لذلك التفت يفتح الباب حتى يُغادر المكان و قبل رحيله، التفت يقول بصوتٍ مهتز:
أنا بقيت بتمنى أموت علشان عارف إنكم هترتاحوا في موتي أكتر"
ردا عليه بنبرةٍ جامدة:
موت الميت مبيتزعلش عليه، و أنتَ ميت يا سمير"
فتح الباب على أخره ثم رحل دون أن يغلقه، بينما هي ارتمت بين ذراعي «عفاف» التي كانت تبكي بقوةٍ هي الأخرى و بعد ارتمائها عليها ربتت على ظهرها و هي تشاركها البكاء أيضًا بعد ظهور ذلك الوحش المدمر لسلامهم و سلام عائلتهم"
نزل «سمير» و الدموع تنهمر من عينيه حتى وصل سيارته، ولج السيارة بجانب فتاةٍ في الخامسة و العشرون من عمرها تملك ملامحًا غربية هادئة، من يراها للوهلةِ الأولى يظنها بنته، لكن في الحقيقة هي إبنة زوجته و هو من قام بتربيتها هي و شقيقها و خاصةً بعد وفاة زوجته، جلس بجانبها على أريكة السيارة فوجدها تسأله بتأثرٍ:
مشوفتهمش صح ؟! قولتلك ملهاش لازمة تيجي هنا و أنتَ عارف إن المقابلة دي مش هتفيد بحاجة، ليه يا بابا تعمل كدا ؟!"
تنفس بعمقٍ ثم جاوبها مُردفًا بنبرةٍ باكية:
الدكتور قال إن مستحيل أطول في الحياة و كلها أيام بين يد ربنا، كنت عاوز أشوف ملامحهم بس، عارف إنه مش من حقي، بس....بس دي أخر حاجة اتمنيتها قبل موتي"
ربتت على كفه و هي تقول بتأثرٍ:
أنا و أنتَ عارفين إن حاجة زي دي مش من حقك، اللي أنتَ قولته ليا كان صعب، و كان كتير عليهم يعيشوه و خصوصًا في المجتمع دا، أنتَ أب سِبت عيالك و مراتك في الدنيا لوحدهم و هربت و جاي عاوز تشوفهم علشان أنتَ مقتنع إن دا حقك، لو مكانهم مستحيل أوافق على حاجة زي دي"
رد عليها بوجعٍ حقيقي ظهر في حديثه و صوته:
خلاص يا جيسي، عارف إنه غلطي و عارف إني استاهل أسوأ عقاب في الدنيا كلها، بس غصب عني، عاوز ألمحهم حتى لو من بعيد، عاوز أشوف هما بقوا عاملين إزاي في غيابي"
ردت عليه هي بتفهمٍ:
عارفة إنك أب، بس برضه موقفهم صعب و مهما يعملوا محدش يقدر يلومهم"
حرك رأسه موافقًا بخيبة أمل تمكنت منه و هو يتأكد أن حتى أمله المؤخر في الحياة لن يناله.
_________________________
في منطقة "وسط البلد" أوقف «وليد» سيارته أمام أحد المحال الشهيرة بصنع "المثلجات" و هو يبتسم بهدوء بينما «عبلة» ضيقت جفنيها فوق عينيها تتفحص المكان ثم التفتت له تسأله بتعجبٍ:
هو إحنا هنا بنعمل إيه؟! فين الخروجة يا بني ؟!"
رد عليها هو بإشارة رأسه نحو المحل و هو يقول:
ماهو يا عميا، خلاص النظر بقى بعافية ؟! هفسحك على طريقتي أنا بقى، بس قوليلي إيه رأيك؟!"
ردت عليه بضجرٍ:
رأيي في إيه ؟! يا بني إحنا هنا بنعمل إيه؟! فين الخروجة يا وليد ؟!"
نزل من السيارة دون أن يعيرها اهتمام، و هي خلفه بتعجبٍ من صمته و تجاهله لها، و بعد خروجه من السيارة التفت لها ثم أمسك كفها بكفه و هو يبتسم لها، ثم سار بها حتى اقترب من المحل و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا نقطة ضعفي الآيس كريم في بداية السقعة، تاكليه معايا ؟! و لا أجيب لنفسي من غير صداع؟!"
ابتسمت بسمةٍ يائسةٍ منه و من طريقته ثم حركت رأسها موافقةً فوجدت بسمته تتسع أكثر ثم أشار للعامل بيده نحو النكهات له و لها و هي تبتسم بفرحةٍ تنبثق من عينيها و زادت أكثر حينما وقع بصرها على كفيهما المتعانقين، وهو يتحدث مع العامل، شردت هي به حتى وجدته يمد يده لها وهو يبتسم بهدوء بسمته الصافية التي تفعل بقلبها كل الافاعيل، أخذته من يده و هي تبتسم له هي الأخرى، وبعدها أخذ هو القطعة الخاصة به ثم دفع الحساب، بعدها سألها بحيرةٍ:
نقعد فين ؟! تحبي نقعد في العربية ؟! و لا نتمشى ؟!"
حركت كتفيها كإشارةٍ منها على جهلها بما يسألها عنه، فوجدته يبتسم بمرحٍ وهو يشير برأسه نحو الرصيف ثم قال بهدوء:
تعالي نقعد على الرصيف و رزقي و رزقك على الله، و لا هتتكسفي ؟!"
خرجت كلمته الأخيرة بترقبٍ و هو يستفسر منها عن خجلها فوجدها تجاوبه بهدوء:
مش أنتَ معايا ؟؟ هتكسف ليه"
حرك رأسه موافقًا ثم اقترب من الرصيف يجلس عليه و هي بجاوره و على بعدٍ منهما بعد الأشخاص يجلسون بنفس الطريقة، نظرت هي حولها ثم قالت تشاكسه:
اوعى تكون رِجلك واخدة على المكان دا ؟! هزعلك يا ليدو"
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
طول عمري كان نفسي أجي اقعد القعدة دي مع اللي بحبها، بس اللي بحبها كانت جاموسة و نطحني"
شهقت بقوةٍ بعد جملته الأخيرة فوجدته يأكل المثلجات و هو يبتسم بمرحٍ، بينما هي فعلت مثله و هي تطالعه بحنقٍ فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
إيه مش عاجبك الطعم ؟! دا أنا جايبه شيكولاته بالبندق زي ما بتحبيه"
ردت عليه هي بتهكمٍ:
يا راجل ؟! سيبني بدل ما انطحك بجد، أنا جاموسة يا وليد؟"
سألته بحزنٍ طغى على نبرتها و كلماتها، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم رفع عينيه يطالعها بصدقٍ وهو يقول:
لأ يا عبلة....أنا بهزر، بس كنتِ جاموسة لما ضيعتي أحسن سنين كنت مستنيكي فيها، كل الأماكن اللي كان نفسي أروحها معاكي بقيت بهرب منها، كل اللي الحاجات اللي تخيلتها معاكي بقيت مش قادر اتخيلها تاني، يدوبك بدأت أشم نفسي، المكان دا بالقعدة دي عمرها ما كانت هتكون مع غيرك، بس لما بدأت افوق و اتكلم لقيت إن دا حقي، حقي في كل حاجة حلمت بيها معاكي أني أخدها و افرح و أفرحك معايا"
أبتسمت له و العبرات تلمع في مقلتيها فوجدته يزفر بقوةٍ ثم قال معتذرًا لها:
أنا أسف....متزعليش مني، بس أنا بصراحة قررت أني مش هكتم جوايا تاني، اللي عاوز أقوله هقوله علشان أرتاح بعدين، كفاية إنك متحملة كركبتي و اللي الزمن عملوا فيا"
أمسكت يده وهي تقول بنبرةٍ مختنقة إثر كتمها لدموعها:
صدقني أنا معاك أهو، قول اللي تقوله و أعمل اللي عاوز تعمله لو دا هيخليك ترتاح، أنا عاوزة أعوضك و أخليك تهرب من الدنيا ليا يا وليد، مش عاوزاك تهرب مني"
أخفض بصره نحو موضع كفها المعانق كفه، ثم رفعه مرةً أخرى يطالعها بحب وهو يقول بصدقٍ اعتادت عليه هي من خلال نبرته تلك:
أنا دلوقتي معاكي زي العيل الصغير اللي كان تايه من أمه و رجع ليها، أنا دلوقتي قلبي مش شايل ليكي غير الحب يا عبلة، أي حاجة زعلته منك في يوم هو نسيها و أنا كمان"
ابتسمت بفرحةٍ ثم رفعت كفها تمسح دموعها و حتى تغير تلك اللحظة المؤثرة تحدثت بصوتها المختنق تقول:
طب كل الآيس كريم قبل ما يسيح، هيبهدلنا إحنا الاتنين"
حرك رأسه موافقًا ثم امتثل لمطلبها، بينما هي لم تستطع التحكم في فضولها، فسألته بترددٍ:
وليد....هو....أنتَ بقيت بتحس بإيه ؟! يعني لسه تعبان زي الأول ؟! لما بتفتكر اللي حصل زمان كله لسه بيتعبك"
حرك رأسه نفيًا ثم أخرج زفيرًا قويًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
بقيت كويس يا عبلة، اللي كان تاعبني في حياتي أني مش قادر أتكلم، من ساعة ما اتكلمت و خرجت وجعي اللي محوشه جوايا و أنا بقيت مرتاح، على الأقل ضمنت إن اللي كنت بعمله كان غلط في حق نفسي"
سألته هي بتعجبٍ:
كنت بتعمل إيه يا وليد ؟!"
_"كنت بعمل دوشة حواليا علشان تغطي على دوشة دماغي"
تفوه هو بذلك يجاوب سؤالها الذي سألته هي له بتعجبٍ من حالته، و في تلك اللحظة اشفقت هي عليه و على صراعاته الداخلية التي يشعر بها، فوجدته يبتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
كنت بعمل دوشة علشان أهرب من الدوشة اللي جوايا، لحد ما حبتيني أنتِ، بقيتي الهدوء اللي بيجي بعد لحظة الصداع، بقيت بهرب من أي حاجة هتخوفني أو تقلقني بالتفكير فيكي يا عبلة"
لم تستطع التحكم في فرحتها التي ظهرت على هيئة دموع فوجدته يرفع كفه يمسح دموعها ثم قال بهدوء وهو يطالع عسليتيها:
بلاش تعيطي....أنا مبحبش العياط يا عبلة.... بس عاوز أقولك حاجة واحدة، إنك الراحة بعد التعب و إنك ليا و لخاطري الجَبر بعد سنين الصبر"
حركت رأسها موافقةً عدة مرات دون أن ترد على حديثه فحتى الآن لم تجد صوتها الهارب، بينما هو ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ مرحة حتى يشاكسها:
دا ميمنعش إنك جاموسة برضه يا عبلة"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
بس يا رِخم بقى، لو مسيبتش الدنيا حلوة للآخر هيجرالك حاجة يعني ؟!"
ضحك عليها هو بقوةٍ حتى ضحكت هي الأخرى معه، فأنهى هو المثلجات ثم قال يتعجلها:
خلصي بس علشان الوقت ميتأخرش أكتر من كدا، عاوز ألحق اليوم من أوله"
حركت رأسها موافقةً ثم ابتعلت المثلجات و تعجلت في تناولها و هو يضحك عليها بيأسٍ حتى وقفت و هي تقول بمرحٍ:
قوم يا وليد يلا، أنتَ لسه هتقعد ؟؟ هنروح فين تاني؟!"
وقف وهو يبتسم ثم قال مجاوبًا لها:
هنروح نلف شوية و أخليكي تشوفي مصر عاملة إزاي، مصر حلوة أوي يا عبلة بليل"
حركت رأسها موافقةً تؤيد حديثه فوجدته يقول بنبرةٍ هامسة:
و فيها حاجات حلوة في كل وقت زي عيونك، أنا من غيرهم تايه مليش مكان و عيونك هما العنوان"
ردت عليه هي بصوتٍ خافت:
المفروض تخلي عندك ذوق و تقول الكلام دا في البيت، احضنك إزاي أنا دلوقتي؟! شكلي هيبقى وحش أوي"
فأجئته هي بحديثها الغير متوقع و قبل أن يرد هو أكملت بنفس الطريقة:
خلاص لما نروح هحضنك حضن كبير أوي علشان اليوم الحلو دا، أنا أصلًا بتلكك علشان أحضنك"
استعاد وعيه و خرج من دهشته وهو يقول مهددًا لها:
أنتِ شكلك قلبك مات يا عبلة، أنا بقول اتصل بأبوكي و هو يشوف الحوار دا معاكي بقى"
ردت عليه هي بلامبالاةٍ:
مش فارقة عادي، هقوله هو اللي بيبدأ و يفضل يقولي كلام حلو و أنا ضعيفة قدام كلامه"
أمسك كفها وهو يقول بغير تصديق:
صبرني يا رب، دي معندهاش وسط خالص، ابقي اقعدي مع خديجة شوية، و لا بلاش خليها متربية كدا، لأحسن ياسين يروح يبلغ عننا"
سألته بتعجبٍ:
يبلغ عننا ليه ؟! إحنا عملنا حاجة؟!"
رد عليها مفسرًا:
هيتهمنا بالغِش التجاري، مدينا البت واعية ترجعله زيك كدا، عندها ربع ضارب ؟!"
ارتفع صوت ضحكاتها فوجدته يسير على قدميه و هي خلفه و هو يسحبها خلفه، فسألته هي باستغرابٍ:
هو إحنا مش هنركب العربية ؟! هنمشي على رجلينا ؟!"
التفت لها بعدما توقف عن السير و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
المكان اللي هنروحه قريب يا عبلة مش بعيد، مش مستاهل العربية و بعدين بقولك عاوزين نلف شوية، خلي عندك إحساس"
ردت عليه هي بمرحٍ:
الله !! أنا بحب كدا أوي، ممكن أمشي معاك لحد أخر الدنيا"
ابتسم لها وهو يقول:
عارف، عارف إنك بتحبي المشي زيي و إننا ممكن ناخدها لحد بيتنا مشي، بس تعالي قبل الزحمة"
قطبت جبينها بتعجبٍ و هي تسير بجانبه ثم أمسكت يده و هي تبتسم له و كأنه تقول أنه هو من يجب عليه فعل ذلك، تجاهل هو بسمتها و نظرتها له ثم شدد مسكته على يدها و كأن كفه يعانق كفها، و بعد مرور دقائق من السير توقف بها أمام أحد البيوت القديمة التي تُشبه البيوت الأثرية، بيتٌ ذات عراقة و أصالة تبدو على هيئته الخارجية، قطبت جبينها و هي تنظر له باستفسارٍ لم تفصح عنه فوجدته هو يفسر تواجدهما بقوله:
دا مكان هنرجع فيه لزمان شوية، أيام الأبيض و الأسود، شوفي مين أكتر واحدة بتحبيها من أيام الأبيض و الأسود و اعتبري نفسك زيها"
ردت عليه هي بحماسٍ:
بجد !! أنا بحب إيمان بطلة فيلم أيام و ليالي أوي، بحب رقتها و هدوئها و بحب عبد الحليم لما غنالها أوي"
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها ثم ولج بها المكان و هي خلفه تمسك بكفه، و بمجرد دخولهما لمعت عينيها بشغفٍ و هي تطالع المكان حولها برونقه و عراقته، حيث وجدت أمام عدة أشياء يرجع أصلها إلى الزمن القديم، من حيث الطاولات القديمة و الهواتف الأرضية و عدة الآلات الموسيقية، و بعض الثياب القديمة، كما وجدت بعض الخطابات القديمة المُعلقة بالمكان على حوائطه، و مع انخراطها في المكان و محتوياته وجدته يميل عليها وهو يقول بنبرةٍ هامسة:
عجبك المكان يا عبلة ؟! دي تاني مرة أجي هنا، بس جماله زاد دلوقتي و أنتِ معايا"
التفتت تحرك رأسها نحوه تود مسألته عن مجيئه هنا و قبل أن تبدأ بذلك، وجدت أحد الشباب يقترب منه وهو يقول بحماسٍ ممتزج بصوتٍ مبهج لرؤيته:
لأ !! وليد الرشيد هنا بنفسه ؟! ولا بعودة أومال لو ما دا مكانك و أنتَ اللي عامله الدعاية بنفسك؟! كنت مستني إيه علشان تيجي هنا ؟!"
تعجبت «عبلة» من طريقة الشاب فوجدت «وليد» يتركها ثم اقترب منه وهو يحتضنه بحفاوةٍ تزامنًا مع قوله المرح:
سيف الدين قطز حبيبي، وحشتني يا عم"
ابتعد عنه الشاب وهو يقول بضجرٍ:
يادي النيلة عليا، يا بني سيف الدين بس من غير قطز، إيه السِياح دا ؟! عيب بقى سمعتي في المكان"
ابتسم له «وليد» فوجده يسأله بلومٍ و معاتبةٍ:
كدا يا وليد ؟! كل دا و متجيش تزورني حتى مرة واحدة ؟! يا عم مش هاخد منك حق الزيارة، هعتبرك روح من أيام الزمن القديم، بس قولي مين اللي معاك"
أشار برأسه نحو «عبلة» التي وقفت خلفه مباشرةً فوجدته يمسك يدها و هو يقول بنبرةٍ ذات مغذى:
دي مراتي.....مدام عبلة الرشيد"
رد عليه بفرحةٍ:
الله أكبر !! اتجوزتي يا بيضة ؟! دا إيه العقل دا كله ؟! فاكر شقاوة الچيم و الأيام الحلوة ؟!"
رد عليه بضجرٍ:
خلاص بقى دي كانت أيام و راحت لحالها، أنا جاي أوري مراتي أيام الزمن الجميل، ها أوعى تكون غيرت النشاط ؟!"
رد عليه بمعاتبةٍ:
كل حاجة زي ما أنتَ سايبها على حطة إيدك، المكان زي ماهو، أنا كمان وسعت النشاط و بقى على أوسع و خدت الجزء اللي على النيل برة"
ربت على كتفه وهو يقول بفخرٍ:
طول عمرك جدع يا سيف، و تستاهل كل خير، ها بقى وريني المكان"
حرك رأسه موافقًا سار أمامه و هو يبتسم بينما هي مالت على أذنه تسأله بتعجبٍ:
هو أنتَ اللي عامل ليهم الدعاية على النت ؟! أنا كنت بشوفها كتير بس متوقعتش إن أنتَ اللي عاملها"
رد عليها هو مُردفًا:
لما اشتغلت فترة في الچيم سيف كان معايا، بدأ المشروع
دا لما ورث البيت دا من جده، ساعتها خدته لطارق يعمله الدعاية علشان الناس تعرفه، و زي ما أنتِ شايفة كدا المكان ما شاء الله مليان ناس"
لفت ذراعيها حول ذراعه و هي تقول بفخرٍ:
أنا بحبك و فخورة بيك أوي و بكل حاجة بتعملها في حياتك، تستاهل كل التضحيات اللي في الدنيا"
ابتسم لها بسمته الصافية ثم أشار لها حتى تتحرك معه نحو الداخل، توجه هو بها للداخل فوجدت مكانًا يشبه الشُرفة الواسعة مملتئًا بالزهور و الزرع الأخضر مع رائحة النيل التي عبرت لهم من الشُرفة، استنشقت هي الهواء من حولها بعمقٍ، فوجدته يميل إلى أذنها هامسًا:
فضلت مستني اليوم دا علشان تيجي معايا هنا يا عبلة، ريحيني و قوليلي إيه رأيك؟!"
طالعته بعينيها الدامعتين و هي تقول بتأثرٍ:
حلو أوي يا وليد، شبهك، مكان صافي و ريحته نقية، زي قلبك اللي شبه قلب الأطفال، الدنيا دي لو فيها منك كتير كان زمان الكل ارتاح، و أنا ربنا كرمني بيك من الدنيا دي"
رد عليها هو بنبرةٍ شبه باكية:
حتى لما أنتِ غلبتيني أنا رضيت بغُلبي علشان معاكي، أنتِ أحسن غُلب في الدنيا كلها يا عبلة"
ابتسمت له فوجدته يشير بيده خلفه، تعجبت هي في بادئ الأمر فوجدته يمد يده لها و هو يبتسم بصفاءٍ لها، مدت يدها في يده فوجدته يدور بها وهو يضحك كما لو أنه طفلًا صغيرًا، ضحكت هي معه فوجدت كلمات الأغنية التي أخبرته بها في الخارج تصدح عاليًا، اتسعتا حدقتيها بقوةٍ فوجدته يغمز لها ثم شرع معها في الرقص على الكلمات الآتية:
أنا لَك علطول خليك ليا.....خُد عين مني و طُل عليا.....و خُد الاتنين و اسأل فيا....من أول يوم راح مني النـــوم.......ابتعلي سلام....قول أي كلام من قلبك أو من ورا قلبك......ابعتلي سلام.... قول أي كلام من قلبك أو من ورا قلبك.....مش يبقى حرام اسهر و تنام و تفوتني أأسي نار حبك؟....أنا لَك علطول خليك ليا....خد عين مني و طل عليا....و خد الاتنين و اسأل فيا"
كانا يرقصان سويًا و كلًا منهما يطالع الأخر كما لو أنه يحتضنه بعينيه، و هي تبتسم له و هي تراقب ملامحه بشوقٍ و هي تفكر كم وددت أن تراه بذلك الصفاء و هي معه دون أن ترى خوفه و قلقه منها، بينما هو استطاع قراءة أفكارها فوجدته يميل إلى أذنها هامسًا بهدوء:
مش خايف.....أنا معاكي دلوقتي متطمن و مش خايف يا عبلة"
حركت رأسها تطالعه باستفسارٍ تود منه التأكيد فوجدته يقبل قمة رأسها ثم حرك رأسه بإيماءةٍ بسيطة وهو يبتسم لها، وضعت حينها رأسها على كتفه و هي تبتسم باتساعٍ و اللحن القديم حولهما مع صوت مياه النيل و حركة الزرع و رائحته التي افحمت الشجن في قلبيهما سويًا و كأنهما داخل فيلمًا قديمًا من رائحة الزمن الجميل و ما زاد ذلك التصور هو ديكورات المكان الذي من الوهلة الأولى عند وقوع بصرك عليها تظن نفسك ساقطًا داخل أحد الأفلام القديمة التي امتلأت بمشاعر عديدة جعلت الأثنين يعيشان بها.
_________________________
في شقة «ميمي» بعد مرح الشباب معًا و مشاكستهم لـ «عامر»، جلسوا سويًا بجانب بعضهم و «ميمي» في منتصفهم، كان حينها «ياسين» شاردًا في الفراغ أمامه و كأنه في عالمًا أخر غيرهم، حرك «ياسر» كفه أمام وجهه و هو يقول بصوتٍ عالٍ:
يا هندسة !! فينك يا ياسين ؟! روحت فين و سبتنا لوحدنا، مالك؟!"
انتبه له دون أن يرد عليه فتحدثت «ميمي» بتعجبٍ ممتزج بالقلق:
مالك يا ياسين ؟! فيه إيه مزعلك يا حبيبي ؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
مـفيش"
تدخل «خالد» يقول بنبرةٍ جامدة:
هو إيه اللي مفيش، مالك ياض ؟! فيه حد مزعلك ؟!"
تدخل «عامر» يقول بضجرٍ:
مين دا اللي يزعل أخويا و أنا أنزل أفرمه ؟! مين زعلك يا ياسين ؟! أخويا زعلان و أنا على وش الدنيا ؟!"
رد عليه «ياسر» بتهكمٍ:
يا عم اتنيل بقى، أنتَ اللي مزعلنا أساسًا"
رد عليه ببساطةٍ يفسر الأمر:
أنا ماشي لكن حد غريب لأ ؟!"
ضحكوا عليه حتى «ياسين» ابتسم بقلة حيلة فسأله «خالد» بنبرةٍ أهدأ:
مالك يا ياسين ؟! إحنا طول عمرنا همنا واحد و شيلتنا واحدة، مالك يا حبيبي ؟!"
رد عليه بصوتٍ مختنق:
مخنوق يا خالد، مخنوق و مش عارف اتكلم، اللي في مراتي دا مزعلني، شكلها و هي كدا مضايقني، مبعرفش أنام طول الليل و أنا قاعد أشوفها و هي بتتوجع، أنا متضايق و مش عارف أقول لحد كدا"
نظروا لبعضهم البعض بقلة حيلة فزفر هو بقوةٍ ثم أرجع رأسه للخلف يلقيها على الأريكة فوجد «ياسر» يربت على فخذه وهو يقول محاولًا تهدئته:
الحمد لله على كل حال يا صاحبي، هي كويسة الحمد لله، فيه ناس بتقع كدا و بيحصل ليهم أضرار كتيرة، احمد ربنا إنها قامت منها و إنها زي الفل، و بعدين هي ما شاء الله عليها، مستحملة"
رد عليه مُسرعًا:
علشان كدا دا اللي مزعلني يا ياسر، إنها مستحملة و مش عاوزة تقول إنها بتتوجع، اللي مزعلني إنها تعبانة بجد و مش عاوزة تقول و تتكلم، أنا عمال أسأل نفسي هي عملت إيه علشان دا يحصلها ؟!، خديجة مغلطتش في حق حد، و الدنيا عمالة تطحن فيها، من يوم ما اتولدت لحد دلوقتي و هي مغلطتش في حق حد غير نفسها"
تدخلت «ميمي» تقول مقررةً حتى تُعيد له ثباته:
جرى إيه يا أستاذ ؟! هو دا اللي أنتَ اتعلمته ؟! فين الصبر على البلاء و فين الحمد لله ؟! افرض مراتك كانت جامدة و قوية زي ما أنتَ عاوز كدا و كانت زقت البنت و راحت فيها، كان الحل هيبقى إيه ؟! كانت هتتسجن و كانت هتشوف أيام صعبة، إنما اللي حصل دا حكمة من ربنا، خديجة بنفسها متأكدة و مؤمنة بحاجة زي دي، أنتَ شايل الهم ليه؟!"
رد عليها بنبرةٍ أهدأ:
أنا مش شايل هم، أنا زعلان يا ميمي، كل ما أبص في وشها أحس أني عاوز اتأسف ليها، هي مبتغلطش في حق حد، و صعبانة عليا، و لسه مش عارف هتفضل كدا لحد إمتى ؟!"
تدخل «خالد» يقول مُطمئنًا له:
متخافش من حاجة طول ما أنتَ و هي معملتوش حاجة غلط، ربنا إن شاء الله هيكرمك و هيرجعهالك تاني بالسلامة، سلمها لله يا ياسين و ريح قلبك"
تدخل «عامر» يقول بمرحٍ مغيرًا للأجواء:
أنا لو منك أخد ليها حاجة حلوة كدا و أروح أقعد معاها و أهون عليها، و الله مش بهزر خليك معاها أحسن، أصلك هتقعد معانا هنا تعمل إيه ؟!"
ردت عليه «ميمي» تؤيد حديثه بقولها:
جدع ياض يا عامر، معاك حق هو فعلًا يروح يقعد معاها و يهزر و يهون عليها، هي أكيد هتبقى محتجاك معاها يا ياسين"
حرك رأسه موافقًا و حينها صدح صوت هاتف «عامر» برقم والده، أجاب على المكالمة و بعد عدة كلمات مُقتضبة أغلق معه و هو يزفر بقوةٍ فسأله «ياسر» بتعجبٍ:
مالك لويت بوزك ليه ؟!! هو حد زعلك يا عم أنتَ كمان ؟!"
رد عليه بقلة حيلة:
أبويا عاوزني في المحل دلوقتي و عمو رياض جنبه قاله خليه يجيب الشباب معاه، مش عارف ليه ؟!"
ردت عليه «ميمي» بتعجبٍ:
ما تروحوا !! مستنيين إيه يا بني ؟! قوم شوف أبوك عاوزك ليه"
رد عليها هو بضجرٍ:
مش عاوز أروح،هتلاقيه جايب أجهزة و عاوزني أنزلها، اللي عاوز يروح يتفضل"
وقف «خالد» ثم أمسكه من ثيابه وهو يقول منفعلًا:
يلا يا ندل يا واطي، خلينا نروح نشوف أبوك عاوز إيه، بس هقول إيه، متربتش"
لوح له وهو يسير معه و «ياسين» و «ياسر» يسيران خلفهما بيأسٍ، حينها ابتعد عن «خالد» ثم حمل طبق الحلويات و هو يقول بمرحٍ:
علشان أقدر أشيل بضمير، عاوزة حاجة منه يا ميمي ؟!"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
لأ يا حبيبي، بألف هنا و شفا على قلبك، أنا كلت كفايتي علشان السكر، مع السلامة يا حبيبي"
سأله «ياسين» بتعجبٍ منه:
استنى يالا !! هتمشي في الشارع بطبق الحلويات كدا؟"
رد عليه بلامبالاةٍ:
و فيها إيه ؟! المحل بعد شارعين من هنا، على ما أوصل أصلًا هكون خلصته، يلا و لا أقعد و أحلف ما أنا نازل أصلًا ؟!"
قالها بتهديدٍ صريح لهم جعلهم يتحركون أمامه بيأسٍ و هو خلفهم يبتسم بشرٍ ثم التفت يرسل قبلة في الهواء إلى «ميمي» التي ضحكت عليه و على منظره و علبة الحلويات في يده و هو يأكل منها.
بعد مرور دقائق قليلة، وقف الأربعة شباب أمام محل «فهمي» و لكن ما أثار تعجبهم هو خلو أمام المحل من عربة البضائع، فسأل حينها «ياسر» بتعجبٍ:
عربية البضايع مش هنا أومال أبوك عاوزنا ليه يا زفت ؟!"
حرك كتفيه بلامبالاةٍ وهو يقول:
أنا عارف ؟! هما فين أصلًا ، عم رياض كان معاه هنا"
خرج «فهمي» من الجزء الداخلي للمحل و معه «رياض» فسألهما «خالد» بتعجبٍ:
انتو كنتوا فين ؟! و كلمتونا ليه، اوعوا تكون حركات الهزار بتاعتكم دي ؟"
رد عليه «فهمي» بنبرةٍ ضاحكة:
يا عم ما نهزر هو إحنا يعني أمناء مكتبة الإسكندرية ؟! دا أنتَ واد نكد طول عمرك"
رفع له «خالد» حاجبه فتدخل «ياسين» يسأل بتعجبٍ:
خير ؟! عاوزنا ليه"
رد عليه «رياض» بسخريةٍ:
أبو طويلة هنا ؟! سايب مراتك و هي تعبانة و بتعمل إيه هنا يا حلو الملامح أنتَ ؟!"
تدخل «ياسر» يقول مُردفًا:
إحنا اللي كلمناه علشان يجي بقعد معانا يفك شوية، المهم أنتو عاوزين إيه ؟!"
رد عليه «فهمي» مفسرًا:
الواد علاء القهوجي، جاي عاوز يرجع التلاجة بتاعة شقته، بيقول إنها غالية عليه و أهل العروسة بعدما ما كانوا هيشيلوها معاه رجعوا في كلامهم و هو مش قادر يشيلها"
تدخل «عامر» يقول بحيرةٍ:
طب و أنتَ جايبنا هنا ليه ؟! هنسقعله إحنا يعني ولا إيه ؟!"
رد عليه «رياض» بضجرٍ:
بس يا بارد، جايبينك تقنعوه ياخدها و يخلص علشان كتب الكتاب الليلة دي و واقف على التلاجة"
رد عليه «خالد» ساخرًا:
كتب الكتاب هيقف على التلاجة ؟! إيه العالم الهطلة دي؟! ما يخلصوا و يجوزوهم"
اقترب منهم الشاب في تلك اللحظة و علامات الحزن ترتسم على وجهه، فتحدث «فهمي» يقول بقلة حيلة:
أهو جِه أهو، كلموه بقى و متخلهوش يكسر بفرحة البت، جيبتلك أخواتك أهوه يا علاء يمكن يقنعوك"
رد عليه بحنقٍ:
هعمل إيه يا عم فهمي؟! هو لوي دراع يعني؟! جايين يوم كتب الكتاب يقولولي مش هندفع في التلاجة ؟؟ كتب الكتاب الليلة دي كمان ساعة، أنا اتعصبت و قولتلهم بلاها الجوازة دي"
سأله «ياسين» بدهشةً:
و سيبت خطيبتك ؟! يعني كتب الكتاب باظ يا علاء ؟!"
رد عليه بقلة حيلة:
مديني ساعة أرد عليهم، يا أوافق و نكتب الكتاب، يا نفضها سيرة و خلاص”
اقترب منه «ياسين» يضع يده على كتفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا هسألك سؤال واحد، بتحبها ولا لأ ؟! عاوزها فعلًا و لا مش فارقة هي من غيرها ؟!"
رد عليه مسرعًا:
أنتَ اللي بتسأل يا أستاذ ياسين، ما أنتَ عارف منار عندي إيه؟! طبعًا عاوزها"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
يبقى تشيل الهبل اللي في دماغك و تروح توافق على طلبهم و تاخد مراتك و طز في الدنيا كلها، مش هي شارياك؟!"
حرك رأسه موافقًا بخجلٍ فوجده يضيف بلومٍ و معاتبةٍ:
طب حد يبقى يلاقي بنت حلال شارياه و يعمل كدا ؟! حد يلاقي واحدة باقية عليه في الظروف دي و يسيبها علشان تلاجة ؟! إيه يا علاء دا أنتَ صاحب واجب طول عمرك"
رد عليه ينفي التهمة عن نفسه بقوله:
يا أستاذ ياسين دا كان اتفاق، يجوا النهاردة الصبح يقولولي التلاجة كلها عليك ؟! طب خلوني أجيب الغالية دي كنت جبت حاجة على قدر مقدرتي"
سأله «عامر» بتعجبٍ:
هو أنتَ جايب التلاجة قد إيه"
رد عليه بقلة حيلة:
جايب أحدث حاجة أم أربع أبواب، اللي هما أختاروها"
رد عليه بضجرٍ و صوتٍ عالٍ:
تلاجة بأربع أبواب ليه؟! تلاجة الميتين ؟! و لا تكونش فاكر إن باب منهم باب الرحمة ؟!"
ضحكوا عليه جميعًا فتحدث «علاء» بقلة حيلة قائلًا:
هعمل إيه يا أستاذ عامر ؟! هما اللي طلبوها و صمموا عليها"
تدخل «ياسر» يقول بنبرةٍ جامدة:
اسمع يا بني، لو أنتَ شاري بنت الناس بجد مش هيفرق معاك الهبل دا، طالما شاريين بعض يبقى خلاص، دول ناس مأمنينك على بنتهم و على حتة منهم، هتيجي في التلاجة يعني؟! روح افرح و فرح بنت الناس معاك"
رد عليه بيأسٍ:
يا دكتور ياسر افهمني، هجيب منين أنا حق التلاجة، أنا اتفقت مع فهمي يصبر عليا علشان هو مبياخدش أقساط، دفعت جزء و فاضل جزء"
تدخل «ياسين» يقول مسرعًا:
الجزء الباقي عليا أنا ملكش دعوة، روح بقى فرحك يا علاء و اكتب كتابك، و اعتبر التلاجة هدية مني لابن منطقتي حلو كدا؟!"
رد عليه بخجلٍ:
يا أستاذ ياسين مش دا القصد، و بعدين اللي فاضل كتير و حرام أنتَ تشيله لوحدك، أنا ربنا يكرمني و هشوف صِرفة"
رد عليه «خالد» مقررًا:
يا عم ألف مليون مبروك، أقولك على حاجة، الباقي من التلاجة هنشيله إحنا الأربعة و اعتبرها نقطة أخواتك ليك و محدش هيعرف حاجة بالموضوع دا، روح بقى يلا الساعة قربت تخلص"
اقترب منهم يحتضنهم كلًا منهم على حِدة و هو يشكرهم و يدعو الله لهم بالصحة و الكرم، بينما هم ضحكوا عليه بيأسٍ، فتحدث «رياض» بعد رحيله بفخرٍ بهم:
الله يكرمكم ياض أنتَ و هو، و الله كنت عارف إنكم هتعملوا كدا، دا واد أهبل"
رد عليه «ياسر» بشفقةً عليه:
اتبهدل يعيني، من ساعة ما أبوه طلق أمه و هو راجل البيت، و رايح يناسب ناس عاوزة الضرب"
رد عليه «فهمي» بقلة حيلة:
بس البت بتحبه و عاوزاه، و كانت هنا قبله و قالتلي إنها هتتصرف في فلوس من حد علشان تشيل التلاجة معاه، أهو يكتبوا الكتاب و ياخد مراته و هو حر بعد كدا"
أومأ له الجميع بموافقةٍ و هم يؤيدون حديثه.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «خديجة» بغرفتها تجلس بمللٍ بمفردها كما أنها لاحظت تأخر «ياسين» نفخت وجنتيها بضيقٍ فوجدت الباب يفتح بواسطة «هدير» التي ابتسمت لها و هي تقول بمرحٍ:
الحلو عامل إيه النهاردة ؟!"
ردت عليها بسخريةٍ:
تعالي شوفي الحلو و هو مكسح، مش قادرة خلاص زهقت يا هدير"
ردت عليها «هدير» بحزنٍ لأجلها و هي تقترب منها تجلس بقربها:
ألف سلامة عليكي يا خديجة، إن شاء الله فترة و هتعدي و ترجعي تاني أحسن من الأول"
حركت رأسها موافقةً فوجدتها تربت على يدها و هي تبتسم لها، حينها «خديجة» سألتها بتعجبٍ:
أنتِ كويسة يا هدير ؟! مالك فيكي إيه؟!"
تنهدت بقلة حيلة ثم قالت بهدوء:
مفيش يا خديجة أنا كويسة الحمد لله، أنا جيت أتطمن عليكي و اقعد معاكي شوية"
حركت رأسها لها و هي تقول بتشككٍ:
بس ؟! أومال ليه حاسة إنك متضايقة أو حاسة إنك زعلانة"
ردت عليها بقلة حيلة:
خديجة هو أنتِ مسمحاني ؟! يعني مش زعلانة مني لسه ؟!"
حركت «خديجة» رأسها نفيًا و هي تقول بصوتٍ خافت:
أنا مش زعلانة من حد خالص، أنا مبزعلش يا هدير، أنا يا بنسى يا مشغلش بالي أصلًا، و أنا قررت أنسى، أنسي أنتِ كمان"
وضعت رأسها على كتفها السليم و هي تقول بصوتٍ مختنق:
مش عارفة يا خديجة، جايز علشان ربنا كرمني بأكتر من اللي أستحقه ؟! و يمكن علشان أنا كنت مغيبة ؟! بس أنا بحبكم و الله، أنا دلوقتي بقيت بحارب علشان اللي بحبهم، علشانك و علشان وليد و علشان العيلة كلها و حتى حسـ..."
توقفت قبل أن تكمل إسمه فوجدت «خديجة» تقول بخبثٍ مرح:
كملي و علشان حسن يا هدير، حسن اللي عينك بترقص كل ما تشوفه، و ضحكتك بتبان زي الهُبل صح ؟!"
رفعت رأسها تطالعها بخجلٍ فوجدتها تقول بنبرةٍ ضاحكة:
فكرانا مش واخدين بالنا ؟! العيلة كلها عارفة إنكم حبيتوا بعض و إنكم كملتوا حكايتكم، و كلنا فرحانين علشانكم، عارفة ليه ؟! علشان انتو تستاهلوا تفرحوا يا هدير، أنتِ كنتي ضحية زيي و كل حاجة كانت غصب عنك و هو طول عمره لوحده و العيلة كلها شاهدة على المرمطة اللي شافها، ربنا عوضكم ببعض، يبقى خلاص أمسكوا في بعض و أوعي تخلي الدنيا تفرقكم، و أوعي أنتِ تتخلي عنه، حسن ملوش غيرك"
ردت عليها بتأثرٍ:
حسن بيصعب عليا يا خديجة، شخص طيب و حنين و شهم، أنا كنت معاه في بيته لوحدي و مراته و معملش أي حاجة تزعلني و لا جبرني على حاجة، كنت عايشة معاه في بيته كأنه بيتي أنا و هو اللي ضيف عندي، حسن بقى كل الدنيا عندي يا خديجة، أنا عمري ما حبيت حد زي ما حبيته، أنا بس عاوزة العمر اللي جاي علينا إحنا الاتنين نكون مبسوطين مع بعض، عاوزاه يفرح بجد"
ردت عليها «خديجة» بصوتها الهادئ:
هتفرحوا، هيجي يوم و تفرحوا مع بعض يا هدير، ربنا يكرمك و يكرمه و نشوف عيالكم إن شاء الله و يكونوا زي حسن، بلاش أنتِ علشان شخصيتك قوية"
ضحكت عليها «هدير» و هي تقول بتوعدٍ لها:
بقى كدا ؟؟ ماشي يا خديجة، صبرك عليا لما تقومي بس بالسلامة، ماشي"
قبل أن ترد عليها «خديجة» دلفت «خلود» الغرفة و خلفها «جميلة» و «هدى» و على ذراعها صغيرها، و أخر من دلفت كانت «سلمى» و خلفها «مشيرة» ، ضحكت «خديجة» و هي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
يا مرحب يا مرحب، الأوضة نورها زاد يا جماعة، خير هموت و لا إيه؟!"
ردت عليها «جميلة» بسرعةٍ:
بعد الشر عنك يا بومة، إيه البت دي يا جماعة ؟!"
ردت عليها «هدى» بسخريةٍ:
دي خديجة إيه الجديد يعني ؟! هي كدا بت بومة، جايين نتطمن عليكي يا نكدو"
ضحكت «خديجة» عليها و هي تحرك رأسها موافقةً ثم سألت شقيقتها باستفسارٍ عما تحمله بيدها:
إيه اللي في إيدك دي يا خلود ؟! الشاشة دي بتاعة مين؟!"
ردت عليها «مشيرة» بمرحٍ:
بتاعتي أنا، كانت مركونة تحت و محدش بيتفرج عليها، قولت أجبهالك تشغليها في الأوضة هنا بدل ما الزهق، أنا عارفة الشاشة بتاعة أوضتك عند أحمد"
ابتسمت لها بدهشةٍ فوجدت «جميلة» تضع أمامها طاجن الحلويات و هي تقول بفخرٍ:
شوفي أم علي اللي هي عملتهالك، دوقي و قولي رأيك علشان هي حلفت محدش هيدوق منها غيرك أول واحدة"
تدخلت «سلمى» تقول بتوسلٍ:
كلي أبوس إيدك، عاوزة أنزل أذاكر و هموت و أكل أم علي"
رفعت حاجبها و هي تقول بضجرٍ:
إيه الندالة دي ؟! هو أنتو علشان تاكلوا كلكم عاوزني آكل أنا الأول ؟!"
_"آااااه"
خرجت من الجميع في آنٍ واحد بصراخٍ ثم انفجروا في الضحك بعدها، بينما هي ردت بمعاندةٍ:
طب أنا مش عاوزة آكل بقى"
ردت عليها «مشيرة» بضجرٍ:
نعم ياختي ؟! أنا عمالة أجهزها و حارمة البيت كله منها لحد ما تدوقي و تيجي في الأخر تقولي مش عاوزة؟؟"
ردت عليها بخبثٍ:
أكليني أنتِ يا عمتو، معلش أصل دراعي تاعبني أوي"
طالعها الجميع بدهشةٍ و زادت أكثر حينما اقتربت منها «مشيرة» تقول بترحيب:
بس كدا يا حبيبتي ؟! أأكلك عيوني الاتنين، هاتي يا جميلة آكلها، افتحي بوقك"
فتحت «خديجة» فمها ببلاهةٍ من موقف عمتها و هي من توقعت الرفض منها، لكنها تفاجأت بها و هي تجلس بقربها تمد يدها لها بالطعام، بينما «مشيرة» انتظرت حتى ابتلعت الطعام ثم سألتها بترقبٍ:
ها إيه رأيك ؟! حلوة و لا إيه الدنيا؟!"
ردت عليها باسمتاعٍ:
جامدة....بأمانة مكنتش متوقعة أني أقولك كدا، تسلم إيدك يا عمتو"
ردت عليها بمرحٍ:
هو أنا أي حد يا بت ولا إيه؟! روحي يا سلمى بقى هاتي الطواجن من المطبخ"
سألتها «هدى» بمرحٍ:
و نصيب فارس فين يا عمتو ؟! أنا باكل و بأكله معايا، يعني محتاجة أتقاوت"
ردت عليها تطمئنها:
نصيب فارس و أبوه و عمه في الشقة عندي تحت، لما وليد يرجع هديكم نصيبكم"
سألتها «خديجة» باستغرابٍ:
وليد ؟! هو لسه مرجعش كل دا؟! و فين عبلة هي كمان؟!"
ردت عليها «هدير» بخبثٍ:
هتلاقيهم خرجوا و لا راحوا مشوار مهم سوا، ربنا يسهل لهم بقى"
ردت عليها بفرحةٍ:
سيبيهم يا هدير، دول منحوسين، ما بصدق ألاقيهم فرحانين شوية مع بعض، ربنا يسعدهم بقى"
فجأة صدح صوت هاتف «جميلة» برقم «طارق» تعجبت و هي ترد على الهاتف و فجأة ابتهج و جهها و هي تقول بفرحةٍ كبرى:
بجد يا طارق خلصوا ؟! طب هيجوا إمتىٰ"
وصلها الرد منه فأغلقت الهاتف بحماسٍ و هي تبتسم بفرحةٍ، فسألتها «مشيرة» بتعجبٍ من حالتها:
إيه يا جميلة ؟! فيه إيه"
ردت عليها بنفس البهجة:
طارق كلمني و قالي إن الأوض بتاعتي أنا و عبلة خلصت و هيجوا هنا الليلة دي علشان مفيش مكان في الورشة"
تدخلت «خلود» تقول بمرحٍ:
الله أكبر، خلونا نفرح بقى يا جماعة، يعني الحاجة أكيد خلصت و لا اشتغالة صنايعية؟"
ردت عليها «هدى» مفسرةً:
لأ يا بت، عمو مرتضى كان بيقول لبابا إن عمو محمد واقف للراجل علشان يخلصهم، خلاص الفرح قرب أوي أصلًا"
ردت عليها «خديجة» بقلقٍ:
يا رب أخف قبل الفرح، هيجرالي حاجة لو حضرته كدا"
ردت عليها «جميلة» مُسرعةً:
بعد الشر عنك، أكيد هتخفي قبل الفرح، و لو دا لقدر الله محصلش أنا ممكن آجله، بس المهم إنك تكوني معايا"
ابتسمت لها «خديجة» و هي تسألها بتشككٍ:
هو أنتِ قولتيلي أنتِ بنت مين هنا؟! مستحيل تكوني بنت عمتو مشيرة"
ردت عليها «مشيرة» بشرٍ و توعد:
مالها مشيرة يا خديجة ؟! ها يا حبيبتي ؟!"
ردت عليها مفسرةً:
البت غلبانة أوي، غلبانة إيه ؟! دي هبلة، دي هتأجل فرحها علشاني"
ردت عليها «هدير» بنبرةٍ ضاحكة:
مش فرح أخواتك الأتنين ؟! جميلة و وليد؟! مش فيه لبن واحد لافف عليكم انتم الخمسة؟!"
ردت عليها «خلود» بنبرةٍ ضاحكة:
و وئام أخو خديجة علشان طنط مروة رضعتها مع وليد، خديجة أخت البيت كله باين"
انتشرت السخرية عليها و على أخواتها و هي تتابعهم بعينيها غير مُصدقة لما تراه أمامها و لكن داخلها يرقص فرحًا بتلك الجلسة
_________________________
في الأسفل وقف الشباب بجانب بعضهم في إنتظار عربة الأثاث، حتى اقترب «ياسين» من البيت دون أن يلاحظهما و قبل أن يدلف البيت تحدث «حسن» بسخريةٍ:
جرى إيه يا عم ياسين ؟! دا اللي معدي على التُرب بيرمي السلام، طب أرمي علينا التحية طيب؟!"
التفت له «ياسين» و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
معلش و الله يا حسن دماغي مصدعة شوية، أنا أسف معلش"
رد عليه يرفع الحرج عنه:
متقولش كدا يا عم أنا بهزر معاك، بس فين عربيتك ؟!"
رد عليه مُردفًا:
راكنها في الجراج اللي ورا دا، علشان هنا مفيش ركنة، و الجيران متتكملش"
رد عليه «طارق» بضجرٍ:
محدش هيتكلم يا عمي، دا بيتنا و دا شارعنا، هو أنتَ غريب؟!"
تحدث بقلة حيلة:
هعمل إيه طيب ؟! خلاص هي بايتة هناك الليلة دي، المهم انتم واقفين كدا ليه؟! فيه حاجة؟!"
جاوبه «وئام» بمرحٍ:
العفش بتاع طارق و وليد جاي في الطريق، واقفين مستنيين العربية؟!"
رد عليه يبارك له بفرحةٍ حقيقية و كأن حاله تبدل في ثوانٍ:
ألف مبروك يا جماعة، الحمد لله بقى خلونا نفرح بيكم، ربنا يتمم فرحتكم على خير"
رد عليه «طارق» بحنقٍ:
دا أنا خللت يا ياسين، استنيت كتير و فضلت أكتر، و مستني رجوعها ليا بفارغ الصبر، دلوقتي مستني فرحي بفارغ الصبر، تـعـبـت"
رد عليه «وئام» بسخريةٍ:
مع أول عيل زي فارس ابني كدا هتضرب نفسك بالجزمة علشان تبقى تتسرع بعد كدا"
تدخل «حسن» يقول بنبرةٍ ضاحكة و هو يسخر من رفيقه بقوله:
إيه يا أبو فارس ؟! ما تمسك نفسك يا عم، دا أنتَ لسه بتقول يا هادي"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
الواد ظابط معاده على معاد نومي، أول ما عيني تغمض، اصحى على صوته، و علشان أنا متربي مبيهونش عليا اسيبهم و أنام و بفضل سهران لحد ما يحن هو و ينام"
تدخل «طارق» يقول بصوتٍ ضاحك ساخرًا من رفيقه:
بتخيل كدا وليد بجنانه دا لو عبلة خلفت و الواد صحي يعيط، و الله العظيم ممكن يطردهم من الأوضة و من الشقة كلها، دا ابن مجانين"
تدخل «ياسين» يقول بنبرةٍ ضاحكة:
وليد لو بقى أب هيتربى بجد، و يا سلام لو جاب ولد نسخة منه كدا، هيصوم و يصلي الباقي في عمره، خلونا نستنى بس"
في سيارة «وليد» و على مقربةً من البيت كانت «عبلة» تتفحص ما جلبه «وليد» لها من ذلك المكان، كانت تمسك في يدها حقيبة سوداء من خامة ورق يشبه أوراق المراسيل، و في داخلها مراسيل ورقية تحتوي كلمات الأغاني القديمة و معها أشهر الجمل التي قيلت في الأفلام القديمة، و معها صورًا لبعض الازواج في تاريخ السنما القديمة، و معها باقة ورد باللون الأحمر و معها أطقم حُلي تشبه التي كانت ترتديها الفنانات في ذلك الوقت و مع كل ذلك فستان باللون الأسود من زمن السبعينات بنفس التصميم الشائع في ذلك الوقت و الحذاء الخاص به، كانت الحقيبة كبيرة الحجم و هي تتفحصها بفرحةٍ كما لو أنها طفلة صغيرة، بينما هو تحدث يسألها بنبرةٍ ضاحكة:
بتعملي إيه يا هبلة ؟! ما إحنا هنروح و ابقي شوفي كل دا هناك"
ردت عليه هي بحماسٍ:
لأ الحاجة تحفة أوي، و لا الفستان يا ربي سكر، و الجزمة إيه دا، أنا حسيت أني غرقانة هناك يا وليد، أقولك لف و أرجع بيا تاني"
طالعها بسخريةٍ و هو يقول:
أرجع بيكي فين تاني يا عبلة؟! أنا قايل لأبوكي مش هنتأخر، و أنا مش عاوزه يتكلم معايا لحد معاد الفرح خلوني محترم بقى"
ردت عليه هي مسرعةً:
لأ أنا مش بحبك و أنتَ محترم"
توقفت عن الحديث و هو يرمقها بتعجبٍ غير مُصدقًا لما تفوهت به فوجدها تقول بنفس اللهفة:
مش قصدي....مش قصدي و الل، قصدي أني بحبك و أنتَ باد بوي كدا بتبجح و اللي يكلمك بتشوطه، بتبقى عسل"
حرك رأسه نفيًا بيأسٍ منها و هي تتابعه بحنقٍ فوجدته يزفر بقوةٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
اظبطي بقى احنا داخلين على البيت، و الشباب واقفة"
حمحمت هي تُجلي حنجرتها ثم اعتدلت في جلستها و هي تغلق الحقيبة، بينما هو أوقف السيارة أسفل البيت و انتظر حتى خرجت هي من السيارة بعدما ابتسم لها، و بعدما دخلت البيت نزل هو من السيارة ثم اقترب من الشباب و هو يرحب بهم ثم سأل بتعجبٍ:
أحمد فين مش ظاهر يعني؟!"
رد عليه «طارق» مفسرًا:
العفش بتاعي و بتاعك جاي في الطريق و هو راح يجيبه علشان ميعرفوش البيت"
سأله بقلقٍ:
طب و هو أحمد هيعرف يتعامل لوحده برضه؟! الواد دا إحنا بنيجي عليه ليه؟!"
تدخل «حسن» يقول مُطمئنًا له:
يا عم اتطمن و ريح نفسك، عم محمد و عم طه هما اللي بعتوه، و طارق كلمه قاله إنهم قربوا على المنطقة خلاص"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ و فجأة دلفت السيارة الشارع و خلفها سيارتي الأثاث، أشار له «ياسين» حتى يطمئنه و هو يقول:
أهو ريح نفسك بقى، الحاجة وصلت و أحمد كمان، مبروك يا عم"
ابتسم له «وليد» و قبل أن يرد عليه وجد «أحمد» يخرج من السيارة ثم قام بتشغيل الموسيقى بها على أعلى درجاتها و هو يقول بمرحٍ:
مبروك يا رجالة و عقبالي يا رب، حاجتكم وصلت بخير"
اقترب الشباب منه يرحبون بعودته و من الطريق المُتعب الذي ذهب هو به، بينما هو راقص جزعه العلوي و هو يرقص فرحًا بأخوته حتى خرج الجيران من الشُرفات على صوت الموسيقى و صياح الشباب و هم يضحكون، بينما سكان بيت آلـ «الرشيد» خرجوا من غرفة «خديجة» يركضون خلف بعضهم حتى يشاهدون سبب تلك الجلبة التي تحدث في الأسفل فوقع بصرهم على الشباب يرقصون معًا بجانب السيارة و هم يمازحون بعضهم، و العمال خلفهم يحملون الأثاث لداخل البيت بعدما نزل رجال العائلة يقفون معهم، و النساء يطلقن الزغاريد من الشُرفة فرحًا بهم، كانت «خديجة» في غرفتها تشعر بالحماس و الحزن معًا تود مشاركتهم تلك الفرحة، لكنها لم تستطع ذلك و قبل أن تندمج في التفكير وجدت باب غرفتها يُفتح بواسطة «ياسين» و هو يبتسم لها، ابتسمت له هي الأخرى بفرحةٍ عندما وقع بصرها عليه.
_________________________
في شقة «ميرفت» كانت رفيقتها معها طوال اليوم لم تتركها أبدًا و هي تبكي بخوفٍ بعدما ظهر لها من جديد، ربتت «عفاف» على يدها و هي تقول بغلبٍ:
عينك ورمت من العياط يا ميرفت، خلاص بقى بتعيطي ليه؟!"
ردت عليه بصوتٍ باكٍ:
بعيط من خوفي و غُلبي، رجع ليه يا عفاف ؟! أنا ما صدقت أنسى، و ما صدقت عيالي ينسوا، خلاص بقى يموت و يغور، أنا مش هقهر عيالي علشان البيه خايف يموت قبل ما يشوفهم، كان فين طول العمر دا ؟! كان فين و أنا معايا التلاتة و معيش فلوس أصرف عليهم؟؟ كان فين و ابني بايت في الشارع علشان يصرف علينا؟! كان فين و أبنه بيعيط علشان أبوه حكم عليه باليُتم و هو حي على وش الدنيا؟! أنا عاوزاه يموت بقهرته عليهم، عاوزاه يموت من غير ما يلمح ضافرهم حتى، أظن دا حقي"
ردت عليها و هي تمسح دموعها من على وجهها:
دا حقك و محدش يقدر يقول غير كدا، بس بلاش تعيطي بقى يا ميرفت، كفاية عياط علشان ابنك حتى، و علشان نيرمين اللي كل شوية تتصل دي، هي حاسة إنك مش كويسة، أنسيه و أنسي إنه جِه هنا أصلًا، زي ما إحنا كنا عايشين و هو بعيد عننا"
حركت رأسها بإصرار و هي تغلق عينيها، بينما «عفاف» أخذتها بين ذراعيها تربت عليها للمرة التي لا تعلم عددها"
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» رحل العمال من البيت بعدما قاموا بوضع الأثاث داخل البيت، و تم الاتفاق بين شباب العائلة على أن يتم نقل الأثاث إلى بيت الشباب في الغد و بعدها قام «وليد» بمهاتفة اصدقاء «ياسين» و أخر من قام بمهاتفته كان «عامر» و بعدما رد عليه أخبره «وليد» مؤكدًا عليه:
أهم حاجة تيجي بدري و العربيتين يجوا بدري علشان عاوزين الحاجة في الهدوء، أنا سألت خالد و قالي إن العربيات أنتَ اللي بتتفق عليها"
رد عليه بمرحٍ:
أنا متخصص في أرقام العربيات و السواقين، خلاص بكرة هجيب عربيتين و إحنا مع بعض نحمل الحاجة، إحنا ما شاء الله كتار"
رد عليه مؤكدًا:
أهم حاجة كل حاجة تكون في الهدوء و تكون سُكيتي، و هات عمار أخوك و خليه يجيب عبد الرحمن صاحبه الواد دا غلبان و طيب، و بيفرح باللمة"
جاوبه بنفس المرح:
حاضر، حاجة تاني يا سيدي ؟! اطمن كل طلباتك أوامر، العربيات هتيجي بدري و كل حاجة هتبقى سُكيتي و هجيب أخويا و صاحبه، تحب أجبلك أبويا كمان ؟!"
أغلق معه الهاتف بعدما شاكسه و مازحه في الحديث بعدما اتفقا سويًا على الغد.
في غرفة «خديجة» كانت جالسة بين ذراعيه و هي تسأله بتعجبٍ:
طلعت ليه بدري ؟! كنت خليك معاهم تحت فُك عن نفسك شوية"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
معرفتش أقف معاهم و أنتِ هنا لوحدك، لو كنتي هتقدري تمشي لحد البلكونة حتى كان ممكن اقف شوية، لكن لما بصيت و لقيت البنات كلهم في البلكونة و أنتِ مش معاهم طلعت علشان كنت متأكد إنك لوحدك"
حركت رأسه تطالعه بعينين دامعتين و هي تقول بمرحٍ حتى لا تبكي أمامه:
ياسين هو حد قالك إنك عسل ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول:
آه قالولي كتير بس أنا عامل نفسي مش واخد بالي"
رمقته بغيظٍ بعدما أفسد تلك اللحظة ببلاهته، فوجدته يقول بنبرةٍ ضاحكة:
و الله أنتِ اللي عسل يا خديجة، و طيبة و بنت حلال، اللي زيك خلصوا من الدنيا"
ردت عليه هي بتفكير:
أو يمكن فيه بس مستخبيين، عاوزين اللي يدور عليهم بضمير"
سألها هو بحيرةٍ زائفة يخفي خلفها خبثه:
طب أروح ادور على حد تاني طيب يمكن ربنا يكرمني المرة دي و مبقاش منحوس"
حركت رأسها بغير تصديق فوجدته يغمز لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
مش هلاقي، لو لفيت الأرض من شرقها لغربها مش هلاقي خديجة تانية، هي واحدة بس في ستات الأرض كلهم اللي حركت قلبي و هي لوحدها اللي القلب دَق ليها"
أبتسمت له بخجلٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ كويسة و لا لسه تعبانة؟! على فكرة أنا بسمعك بليل و أنتِ بتتوجعي يا خديجة، ليه مبتقوليش على اللي تعبك ؟!"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
مبحبش أبقى فرفورة يا ياسين، متعودتش أني أعيط و لا أني أبين وجعي، مش بإيدي و الله، بس والله طول ما أنتَ معايا أنا مطمنة و مش تعبانة، أنا مطمنة علشان أنتَ معايا"
حرك رأسه يقبل رأسها ثم ربت بيده على رأسها فوجدها تقول بمرحٍ:
بعدين دا أنا متدلعة أخر دلع بجد، عمتو عملتلي أم علي و جابتلي الشاشة بتاعة أوضتها و مدلعني أخر دلع"
ابتسم هو بسخريةٍ على تفكيرها فوجدها تقول بلهفةٍ:
تتفرج معايا يا ياسين ؟! هات فيلم كارتون أو أي حاجة و نتفرج سوا، أنا نمت كتير النهاردة"
حرك رأسه موافقًا بحماسٍ ثم انحسب من جوارها يقوم بتشغيل الشاشة التي قامت شقيقتها بوضعها على الطاولة الخاصة بغرفتها و بعد بحثه عدة مرات أستقر أخيرًا على أحد افلام الكارتون الشهيرة و هو يبتسم بخفةٍ و حينما ابتعد عن الشاشة و وقع بصرها على الفيلم ابتسمت بفرحةٍ و هي تقول بحماسٍ:
الله !! ربانزل !! تعالى بقى اقعد جنبي"
جلس بجانبها مرةً أخرى و هي تبتسم بفرحةٍ و كأنها طفلة صغيرة تجلس بجوار والدها حتى لا تقوم بالافعال المشاغبة فوجدته هو يقول بسخريةٍ:
عارفة شايفك عاملة إزاي ؟! عاملة زي البنت الصغيرة اللي باباها بيسكتها بالفيلم علشان متعملش شقاوة، بجد مش عارف أشوفك غير كدا"
ابتسمت هي بسخريةٍ و هي تقول ببساطةٍ:
و ياريت تفضل شايفني كدا يا ياسين، أنا مش عاوزاك تشوفني كبيرة، إحنا لما بنكبر بنتدمر و بنضيع أحلى ما فينا، أنتَ الوحيد اللي سمحتله يعيش جوايا و يشوف خديجة تانية غيرهم، أنتَ الوحيد اللي هربت من الدنيا ليه هو، أنتَ الوحيد اللي اتعشمت فيه الخير، صدقني أنا مش عاوزة أكبر في عينيك يا ياسين، خايفة اتكره فيهم"
التفت لها يجلس مقابلًا لها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
أنا لا يمكن أكرهك و لا يمكن نظرتي ليكي تتغير يا خديجة، أنا شوفتك بقلبي و الله مش بعيني، دا أنتِ قبولي الوحيد، في حد يكره قبوله الوحيد ؟!"
حركت رأسها نفيًا و الدموع تسيل على وجنتيها، فوجدته يقترب منها يقبل رأسها ثم قال بهدوء:
أنا قلبي في حبك زي الشوارع لو تدخليها هتلاقي صورتك محفورة في كل ركن فيها"
ابتسمت له باتساعٍ ثم قالت:
طب تعالي اقعد جنبي علشان أحط راسي على كتفك، تعالى و أنتَ واحشني كدا"
قالت حديثها بمرحٍ جعله يضحك عليها ثم اقترب منها يجلس بجوارها فوجدها تضع رأسها على كتفه ثم لفت ذراعها السليم تحاوطه، حينها حاوطها هو يقربها منه و هو يبتسم بهدوء على تفكيرها و البراءة التي لازالت تتمتع هي بها و هي بجواره تشبه الطفلة الصغيرة
_________________________
في غرفة «هدير» قبل أن تتوجه إلى الفراش الخاص بها وجدت على المقعد الخاص بها حقيبة هدايا بنفس متوسطة الحجم، قطبت جبينها بتعجبٍ ثم التفتت لـ «حسن» تسأله:
حسن ؟! هي الشنطة دي بتاعتك؟! أنا معنديش شنطة زي دي"
حرك كتفيه و هو يقول:
لأ مش بتاعتي، شوفيها كدا"
اقتربت تجلس بجواره على الفراش و في يدها الحقيبة، بينما هو عاد يتصفح هاتفه و هو يتجاهلها، أخرجت هي محتويات الحقيبة و حينها لمعت عينيها بفرحةٍ حينما وقع بصرها على المصحف الشريف و معه سبحة إلكترونية و معها سجادة الصلاة و معهم إسدال الصلاة بنفس اللون و هو اللون «اللافندر» اللون المُفضل لديها، حتى أنه نفس لون غرفتها، حركت رأسها بعد رؤية المحتويات و هي تقول بخبثٍ:
بقى مش بتاعتك ؟! بتكدب يا أستاذ حسن؟! مين هيعمل كدا"
وضع هاتفه بجواره ثم التفت لها يقول بنبرةٍ هادئة:
هي مش بتاعتي فعلًا، هي بتاعتك أنتِ، دي هدية أنا طلبتها ليكي لما شوفتك بتسألي على الفيسبوك على الطقم دا بكام، مطلبتيهوش مني ليه؟!"
سألها بنبرةٍ هادئة ممتزجة بالعتاب فوجدها تقول بسرعةٍ:
و الله كنت مكسوفة منك، هو أنا لقيت الطقم عاجبني و أنا كان نفسي أجيب الطقم على بعضه، لكن مقدرتش أطلبه منك"
سألها هو بنبرةٍ جامدة:
طب و كنتي هتدفعي فلوسه منين يا هدير ؟! مين اللي كان هيحاسب"
ردت عليه هي مسرعةً:
أنا معايا الفلوس بتاعتي، كنت هحاسب أنا، مين هيحاسب يعني"
تحدث هو مُردفًا:
أنا يا هدير، لما تعوزي حاجة تطلبيها مني أنا، لو طلبتي إيه هجيبه ليكي لحد عندك، و لو طلبتي من غير ما تقوليلي يبقى تعرفيني علشان أحاسب، أنا جوزك و أنتِ ملزمة مني لحد أخر يوم في عمري"
ردت عليه هي بلهفةٍ:
بعد الشر !! متقولش كدا يا حسن، تموت إيه بس ؟! أنا ما صدقت أني لقيتك و بقيت معاك، ربنا يطول في عمرك و تفضل معايا لحد أخر يوم في الدنيا"
ابتسم هو بفرحةٍ فوجدها توكزه في كتفه و هي تقول:
حرام عليك نكدت عليا و أنا فرحانة بالهدية، ليه كدا يا حسن"
اقترب منها يقبل قمة رأسها ثم قال معتذرًا لها:
أنا أسف مكانش قصدي و الله، بس عاوزك تتأكدي أني مليش غيرك و أنتِ ملكيش غيري، يعني ملزومة مني يا هدير، بس قوليلي إيه رأيك في الهدية؟"
ردت عليه بحماسٍ شديد:
جميلة يا حسن، مفيش أحلى من دي هدية، المُصحف الشريف و طقم الصلاة، أنا كدا هصلي شوية علشان ناخد الأجر سوا، و همسك السبحة في إيدي علطول علشان ربنا يكرمك معايا"
ابتسم بفرحةٍ سيطرت عليه فوجدها هي تلك المرة تقترب منه ثم قبلت وجنته و بعدها طالعته و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنتَ المكسب الحقيقي ليا، بجد و الله مش كل الناس ربنا بيكرمها بحد زيك، شكرًا على كل خطوة بتخليني أقرب فيها من ربنا يا حسن"
احتضنها بقوةٍ و هو يشعر بالفرحة و الفخر بها و بشعورها نحوه.
_________________________
في اليوم التالي بعد انتهاء تلك الليلة وخاصة بعد عودة الشباب من أعمالهم، وقفوا في الأسفل ينتظرون السيارات حتى يتم نقل الأثاث إلى بيت الشباب، و كانت «خديجة» تشعر بالفرحة حينما قام «وليد» بإعطائها العصا الخاصة بجدها حتى تستند عليها و تشاركهم تلك الفرحة، و جلب لها «أحمد» مقعد صغير تجلس عليه وسطهم في الأسفل، و الفتيات حولها، حتى تحدث «وئام» يسأل بتعجبٍ:
إحنا مستنيين إيه يا رجالة ؟!"
رد عليه «وليد» بضجرٍ:
إحنا مستنيين عامر، علشان العربيات اللي هتنقل العفش هو اللي هيجيبها"
رد عليه «خالد» بتأكيد:
أنتَ أكدت عليه سُكيتي؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
آه طبعًا هو أنا صغير و أكيد هو زمانه جاي دلوقتي بس ممكـ.... إيه دا ؟!"
قال كلمته الأخيرة بتعجبٍ حينما وصله صوت الألعاب النارية ترتفع في الأجواء و مصاحبٌ لها صوت المهرجانات الشعبية، خرج الشباب خلف بعضهم فوجدوا «عامر» يقف على سيارة النقل و في يده الألعاب النارية و بجواره «عمار» و «عبد الرحمن» و هو يقول بفرحةٍ:
ألف مبروك يا طارق.....ألف مبروك يا ليدو.....بيت الرشيد بيفرح يا جـــدعـــان"
قال كلمته الأخيرة بمرحٍ ثم قفز من السيارة يمسك بيد «طارق» و «وليد» و هو يرقص معهما على الاغاني الشعبية و بعد مرور ثوانٍ اندمج معه الشباب بأكملهم و هم يصفقون بقوةٍ و الرجال معهم و النساء يطلقن الزغاريد و الفتيات في ردهة البيت يشعرن بالفرح و معهم «خديجة» أيضًا.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم شمس بكري
كُنتُ دَليلُ العُشاقِ في دِروبْ الحُب و فِي لُقياكِ تَاهَ القَلّب
_________________________
كيف لا أحزن؟!
و أنا من حسبت نفسي عليكَ عزيزًا، و ظننت أنني عليك_ لا أهون_ و في الحقيقة أنني هُنتُ و كأنني يومًا في حياتك لم أكون، أوصدت في وجهي بابك... و حكمت على قلبي بمذاق غيابك و أنتَ من كتب علينا الحرمان من وصالك ... و حتى لم تكلف عناء نفسك و تلقي أمامي أسبابك، و أتيت بعد جرحي الغائر تود محاسبتي طامعًا مني في سماعك و برفضي مطلبك تود إلقاء عتابك ؟، ألم تسأل نفسك ذات مرةٍ كيف أشعر أنا في بُعادك؟، و أنا من ذاق منك عذابك...أنا من حكمت عليه أنتَ بقسوة غيابك..
________________
خرج الشباب خلف بعضهم فوجدوا «عامر» يقف على سيارة النقل و في يده الألعاب النارية و بجواره «عمار» و «عبد الرحمن» و هو يقول بفرحةٍ:
ألف مبروك يا طارق.....ألف مبروك يا ليدو.....بيت الرشيد بيفرح يا جـــدعـــان"
قال كلمته الأخيرة بمرحٍ ثم قفز من السيارة يمسك بيد «طارق» و «وليد» و هو يرقص معهما على الاغاني الشعبية و بعد مرور ثوانٍ اندمج معه الشباب بأكملهم و هم يصفقون بقوةٍ و الرجال معهم و النساء يطلقن الزغاريد و الفتيات في ردهة البيت يشعرن بالفرح و معهم «خديجة» أيضًا، كان المنظر مبهج للجميع و خاصةً منظر الشباب بجانب بعضهم و هم يرقصون سويًا، قامت كلًا من«هدير» و «عبلة» باسناد «خديجة» للخارج حتى تشاهد ما يحدث ، وقفت تستند على عكازها الخشبي و هي تضحك ببلاهة و فرحةٍ على منظر الشباب المُبهج، و خاصةً حينما أمسك «حسن» يد «ياسين» و رقصا سويًا وسط الشباب و بعدها انخرط الرجال معهم و رقصوا سويًا، و الجيران حولهم من الشُرفات يصقفون و يلقون عليهم المباركات و التهنئات، حتى قام «عامر» باشعال الألعاب النارية من جديد بعدما اعطى لـ «أحمد» واحدةً منها قام بإشعالها هو الأخر، بينما «وليد» رغمًا عنه وجد نفسه يضحك بفرحةٍ كبرى لم يتوقع أن يشعر بها يومًا ما، و عبر عن فرحته تلك حينما ارتمى بين ذراعي «ياسين» يشدد العناق عليه و هو يقول بنبرةٍ أظهرت امتنانه له بقوله:
ربنا يباركلي فيكم و تفضلوا معايا علطول، شكرًا علشان كل حاجة"
ربت «ياسين» على ظهره وهو يقول بصوتٍ حاول جعله مرحًا حتى لا يظهر تأثره:
متقولش كدا يلا، أنتَ أخونا و كويس إنك أكدت على عامر إنها سُكيتي"
ابتعد عنه وهو يضحك بشدة حتى تحولت ضحكته إلى القهقهات، فابتسم له الآخر بحبٍ، و على الجهة الأخرى كانت «خديجة» تراقبهما بعينيها الدامعتين تأثرًا من موقفهما، حتى قفز الشباب من على السيارة أخيرًا، ثم عادوا للرقص من جديد و خصيصًا «حسن» الذي وجد نفسه دون أن يعي لذلك يرقص معهم هو الآخر بفرحةٍ و زادت تلك الفرحة أكثر حينما اقترب منه «عامر» يرقص أمامه و معه «طارق» أيضًا، و استمر ذلك الوضع إلى ما يقرب الساعة وسط مشاهدات الجيران و تصفيقهم، حتى توقفت الموسيقى أخيرًا و بدأ الشباب في حمل الأشياء على السيارتين، و حينما اقترب «عامر» من رجال العائلة ربت «مرتضى» على كتفه وهو يقول بمرحٍ:
جرى إيه يا عامر ؟؟ أومال لو مش وليد مأكد عليك سُكيتي كنت عملت إيه؟! دا قرايب الجيران عرفوا و جُم هما كمان"
رد عليه بفخرٍ:
الله !! بفرحكم يا عم مرتضى، انتو غاويين كئابة و غم ليه ؟! فيه خشب عريس يروح سُكيتي؟!"
تدخل «محمود» يقول مؤيدًا له بصوتٍ ضاحك:
جدع يا عامر ربنا يكرمك، خليهم يفرحوا بحاجتهم"
في تلك اللحظة اقترب «طارق» يقول بسخريةٍ بعدما استمع لجملة عمه:
دا يدوبك الخشب، أومال يوم العفش كله هيحصل إيه ؟!"
رد عليه «عامر» مفسرًا بمرحٍ:
هيحصل حاجات كتير خليها مفاجأة، صبرك عليا بس"
قبل أن يرد عليه أيًا منهم اقترب منه «عمار» و هو يحمل في يده أشياءًا ثقيلة وهو يقول بلهفةٍ:
الحاجة السقعة يا عامر، أنتَ نسيتها ولا إيه ؟!"
رد عليه وهو يأخذها منه بقوله:
يا عم انساها إيه بس، أنا كنت مستني الناس تخلص تحميل و أوزع الحاجة"
اقترب منه «وليد» يقول مفسرًا حتى لا يقع في موقفٍ مُحرجٍ:
أنا لو كنت أعرف إنك هتقلبها مراجيح كدا كنت عملت حسابي و جبت، بس إحنا موصيين على غدا هناك علشان ناكل و علشان السواقين كمان تاكل"
تدخل «طه» يقول مُستحسنًا فعله بقوله:
طب كويس عليك نور، المهم يلا بقى خلصوا قبل ما الليل يليل عليكم، و علشان المنطقة هناك هادية"
حرك رأسه موافقًا ثم عاد للشباب من جديد، بينما «عمار» فتح كرتونة الزجاجات الصفيح المُخصصة للمياه الغازية و هو يعطيها للجميع حتى الجيران حولهم الذين وقفوا بجوارهم يقومون بتهنئتهم، حتى وصل للفتيات و حينها أخفض عينيه أرضًا حتى لا يقع بصره عليهن و هو يمد يده بالزجاجات يُعطيها لكلٍ منهنَ على حِدة، حتى وصل أمام «خلود» التي حاولت جاهدةً الظهور بالثبات أمامه و حينما مد يده لها ابتسمت له هي بسمةٍ طفيفة و رغمًا عنه رفع عينيه يطالعها حتى ابتسم هو الآخر ثم نهر نفسه و هو يلتفت بسرعةٍ هاربًا من سهام عينيها، تابع ذلك الموقف زوجين من الأعين، أعين «أحمد» الذي كان يتابع شقيقته و أعين «عبد الرحمن» الذي كان يتابع رفيقه، عاد «عمار» للشباب يقوم بالتوزيع عليهم حتى تحدث «ياسر» يقول بمرحٍ:
عقبالك يا عمار يا رب، ساعتها عامر هيفتحلك مصنع حاجة سقعة في الشارع"
ابتسم له و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
لسه المشوار طويل يا ياسر، مستعجلين على إيه أنا مش عارف"
رد عليه «خالد» بنبرةٍ ضاحكة:
كنت فاكر زيك كدا، و العمر عدى هوا، ركز بس في مستقبلك و متخافش ربنا هيكرمك إن شاء الله، عارف ليه ؟! علشان أنتَ محترم و متربي يا عمار"
ابتسم له وهو يحرك رأسه موافقًا، بينما «خلود» حتى لا يتضح تأثرها بوجوده أكثر من ذلك اقتربت من شقيقتها تقف بجوارها وهي تقول مقترحة عليها:
تحبي تقعد على الكرسي أحسن ؟! وقفتك كدا غلط عليكي يا خديجة"
ردت عليها «جميلة» تؤيد مقترحها:
خلود معاها حق يا خديجة، اقعدي ريحي رجلك و ريحي نفسك شوية علشان وليد و ياسين محدش فيهم يقلق"
حركت رأسها موافقةً ثم جلست على المقعد بعدما أسندتها كلتاهما، و في الخارج انهى الشباب حمل الأشياء على السيارات أخيرًا ثم استعدوا للرحيل، حينما قاموا بتقسيم أنفسهم في السيارتين بجوار الأثات، بينما «عامر» قفز على السيارة التي تحمل سماعات الموسيقى، فسأله «وئام» بتعجبٍ:
أنتَ مش جاي معانا ولا إيه يا عامر ؟! هتركب مع الدي جي ؟!"
رد عليه مُردفًا بفخرٍ:
لأ هاجي طبعًا بس أنا هركب مع الدي جي، مش أنا المتعهد ؟!"
نظر له الجميع بدهشةٍ، فتحدث «ياسين» مفسرًا لهم:
أصل عامر متخصص في الدوشة و إزعاج الآخرين"
سأل حينها «وليد» بتعجبٍ:
هي العربية دي هتيجي معانا هناك كمان !! أنا فاكرها هنا و خلاص"
رد عليه «عمار» بسخريةٍ مُقلدًا طريقة أخيه مُتذمرًا بتزييف مع قوله:
إيه يا وليد عاوزنا نروح نودي حاجة العريس سُكيتي كدا ؟! مش لازم الناس كلها تعرف إن فيه عريس بيودي حاجته هناك ؟!"
ضحك الجميع عليه حينما قلد طريقة شقيقه، فتحدث «عامر» بضجرٍ يقول:
الله !! هي كلها بقت بتقلد عامر فهمي ولا إيه ؟!"
رد عليه «حسن» بسخريةٍ:
معندهمش نظر، عامر نسخة واحدة موردتش في مصر كلها"
حرك رأسه موافقًا بفخرٍ و تعالٍ، حتى تحدث «محمد» يقول لابن شقيقه:
تعالى يا أحمد سوق لينا العربية علشان نروح معاكم، لو حد فينا ساق العربية هنوصل و أنتم راجعين"
تدخل «مرتضى» يقول بحنقٍ:
ليه يا أخويا أنا لسه شباب، اتكلم عن نفسك أنتَ يا عجوز"
رد عليه «محمد» بضجرٍ:
عجوز إيه يا مرتضى، أنتَ أكبر مني أساسًا"
تحدث «مرتضى» يقول بحنقٍ منه:
أكبر منك إيه ؟! الفرق بينا سنة بس، هي دي اللي تفرق يعني، و بعدين مش يمكن أنتَ الكبير و هما اتلغبطوا بينا ؟! أنا لسه شباب زي وئام ابني"
تدخل «طه» يقول بسخريةٍ منه:
جرى إيه يا جدو مرتضى ؟؟ شباب مين بس ؟! ما تخلينا ساكتين"
فتح «مرتضى» باب سيارته و هو يقول بحنقٍ:
مع نفسكم أنتم بقى، أنا هسوق و شوفوا مين هيوديكم"
طالعه اخوته بتعجبٍ و معهم «حسان» فتحدث «محمود» يقول مسرعًا:
خدني معاك يا مرتضى، دا إحنا فيه حفيد ما بينا حتى"
في تلك اللحظة تحدث «عامر» يقول بسخريةٍ:
و أنا اللي فاكرنا مفضوحين ؟! دول طلعوا مفضوحين أكتر مننا، أقسم بالله، الليلة دي ناقصها عم مرتضى و تبقى كملت"
كان «ياسين» واقفًا بجوار السيارة فاستمع له، و حينها حدجه بنظرته فأطاح له «عامر»» برأسه دون أن يكترث له، بينما أبناء الرشيد ركبوا السيارة معًا و معهم «حسان» أيضًا، و فجأة قاد «مرتضى» السيارة بسرعةٍ كبرى و هو يرفع صوت الموسيقى بها فرحًا بابنه، و الشباب و العائلة بأكملها تضحك عليه و على اخوته و هم ينهروه في السيارة بصوتٍ عالٍ، فرفع «عامر» صوته يقول:
المفروض بعد كدا نعرف وليد طالع لمين، الله ينور عليك يا عم مرتضى"
لوح له «مرتضى» من نافذة السيارة فقام «عامر» بالضرب على سقف السيارة و هو يقول:
اطلع يا ريس، خلينا نلحق حفلتنا"
قام السائق بتدوير السيارة فاشار «عامر» لعامل الموسيقى وهو يقول بفخرٍ:
يلا يا شيكا شغلي مهرجان حلو خليني أفرح العالم النكد دي"
قام الشاب بتشغيل المهرجانات الشعبية فقام «عامر» حينها باشعال الألعاب النارية مرةً أخرى و السيارة تتحرك من الشارع و الشباب خلفه يضحكون عليه و السيارات تتحرك خلف سيارة الموسيقى، و الفتيات تضحك بقوة حتى قالت «مشيرة» بنبرةٍ ضاحكة:
الواد عمل فرح من غير فرح و الله، أومال في الليلة الكبيرة هيعمل إيه؟!"
ردت عليها «خديجة» بسخريةٍ:
مشوفتيهوش في فرحه دا عمل إيه ؟! و لا فرحي، بس متستعجليش، فرح طارق و وليد قرب و هتشوفي بنفسك"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ و الفتيات معها أيضًا يضحكن عليه.
_________________________
في شقة والدة «ياسر» بعد انقضاء ليلة الأمس بين الكوابيس المُزعجة و القلق و هجر النوم لها خوفًا من ظهور طليقها مرةً أخرى، كانت جالسة على الأريكة و تستند برأسها على كف يدها بخيبة أمل تمكنت منها بعدما ظنت أن ظهوره أمرًا مُستحيلًا، خرجت «عفاف» من المطبخ تجلس بجوارها و هي تقول بتعجبٍ من حالتها:
أنتِ لسه يا ميرفت عاملة كدا من إمبارح !! تعالي كُلي معايا لقمة كدا هتقعي من طولك"
تركت كفها بعدما حركت رأسها من عليه و هي تقول بصوتٍ مختنق مهتز الوتيرة بقولها:
مش عاوزة يا عفاف، أنا هم الدنيا كلها ركبني دلوقتي، سيبيني الله يرضى عليكي"
اقتربت تجلس بجوارها و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه ؟! و لا كأنه ظهر في حياتنا أصلًا، هنعيش زي ما كنا من غيره يا ميرفت و لا يفرق معانا، إنما بطريقتك دي كدا هتشككي عيالك فيكي، بلاش يا ميرفت رجوعك يضعفك كدا"
ردت عليها بقهرٍ ممتزج بالوجع و هي تقول بنبرةٍ باكية:
أعمل إيه يا عفاف ؟! ما صدقت أرتاح و أشوف ياسر مرتاح في حياته، إنما هو برجوعه دا بيفتح في الوجع تاني، أنتِ عارفة لو ياسر عرف هيحصله إيه ؟! عارفة لما ضربني ياسر فضل قد إيه يدور عليه علشان ياخد حقي ؟! عارفة لما ضربه بالقلم و هو صغير حصله إيه؟! كسر ابنه بإيده، فاكرة بناتي فضلوا خايفين من الجواز إزاي ؟! و ياريته راجع علشانهم، البيه راجع علشان خايف يموت قبل ما يشوفهم، دا لو كلامه حقيقة أصلًا"
ربتت على كتفها و هي تقول مؤازرةً لها:
متخافيش أنا معاكي و خالد و ياسين و عامر كمان، ياسر مش هيعرف حاجة، و هو لو حاول يظهرله يبقى يستاهل اللي هيجراله، أنا مش عارفة ليه مش عاوزاني أقول لخالد بس؟!"
ردت عليها بلهفة تقطع حديثها:
لأ !! لأ يا عفاف، خالد لو عرف هيبان عليه و ياسر هيلاحظ، بلاش حد منهم يعرف، أنتِ عارفة كلهم مقهورين منه قد إيه"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة و هي تصدق حديثها فهي محقة تمامًا، إذا علم أحد الشباب بظهوره مرةً أخرى و مجيئه إليها ستنقلب الأمور رأسًا على عقبٍ.
_________________________
وقع الإثم عليه دون أن ينتبه لما تقترفه يده في حق الآخرين، ألقى نفسه في بئر الأخطاء و الآن يطلب يد العون حتى يخرج منه، كيف له يفكر في ذلك و كيف يطلب ما لم يحق له ؟! هذا ما شغل بال «سمير» وهو يُفكر في ذنبه، حتى سئم نفسه، و قبل أن تخرج دموعه من عينيه دلفت «جيسي» غرفة مكتبه الواسعة و التي تلائم ذلك البيت الكبير الذي يقع في واحدٍ من أحد المناطق الشهيرة و التي صُممت خصيصًا لاثرياء المدينة، جلست أمامه على المقعد و هي تسأله بتعجبٍ من حالته:
مالك يا بابا ؟! أنتَ لسه خايف من كلام الدكتور ؟! كل حاجة هتعدي على خير متخافش، أنا معاك"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بصوتٍ مختنق من البكاء:
لأ يا جيسي، أنا زعلان على حياتي الغلط اللي عيشتها، و زعلان على كل اللي ضيعته من إيدي، حتى ولادي مش عارف أشوفهم، أنا عكيت جامد أوي، ضيعت حقي من إيدي"
لم تستطع هي التحكم في أعصابها أكثر من ذلك حتى تحدثت تقول بصوتٍ منفعل:
أنتَ ليه مصمم تكون أناني ؟! ليه مصمم إن دا حقك و هو مش كدا أصلًا !! مش دول اللي أنتَ سيبتهم و مشيت بمزاجك ؟! مش دول اللي بِعتهم علشان الفلوس ؟! جاي دلوقتي تلاحظ إنك عكيت في حقهم ؟! أنا بقيت بكره نفسي علشان حاسة بس أني خدت حق مش حقي، أنتَ حرمت عيالك منك و مشيت و سيبتهم من غير حد يحميهم، و رجعت عاوز ترجعهم ليك علشان تبقى شوفتهم قبل ما تموت و بكدا تريح ضميرك !! مش هو دا اللي أنتَ عاوزه ؟! اقولك على حاجة ؟! أنا عارفة مكان ياسر فين و عارفة هو دلوقتي إيه، بس أنا مش هقدر أخليك توصله، علشان أنا مش هقدر أشارك في وجع إنسان بالطريقة دي"
انتبه لها و لحديثها بأكمله لكن ما أثار انتباهه هو الجزء الخاص بابنه، فاقترب منها يسألها بلهفةٍ:
عارفة !! عارفة مكانه فين و سيباني أدور عليه؟! انطقي أنتِ عارفة يا جيسي؟!"
ردت عليه بنبرةٍ جامدة بعدما صرخت في وجهه:
آه عـــارفــة....بس هروح أقوله إيه ؟! تعالي شوف باباك اللي سابك في الدنيا لوحدك تشيل دوره و أنتَ عيل صغير، و مش بس كدا هروح أقهره كمان و أقوله دا رباني أنا و أخويا و إحنا ولاد مراته، و ساب ولاده اللي من صلبه لوحدهم مع ست ضعيفة ملهاش حد في الدنيا، عاوزني أروح اقوله تعالى شوفه و هو مخلي أخويا رجل أعمال ليه إسمه و بقى راجل بحقك فيه ؟! إيه دا ؟! لما أنتَ مش إنسان واعي بتخلف ليه؟! لما أنتَ مش قد دورك كأب و زوج بتدخل المسئولية دي ليه ؟! بتخلف عيال و تسيبهم في الدنيا ليه ؟!"
بكى أمامها و هو يسمع حديثها الذي يشبه نصل السكين الحاد، فوجدها تقول ببكاءٍ:
عاوزني أروح أوجع إنسان بالطريقة دي و أبقى زيي زيك ؟! لسه مقتنع إنه حقك تطلب تشوفهم؟! أنتَ أي حاجة هتحصلك منهم هتبقى خير، مفيش أولاد في الدنيا دي ممكن يعطفوا على أب زيك، ما بالك هما بقى؟!"
ارتمى على المقعد بقهرٍ و هو يشعر بوخز الآلام في جسده، و في تلك اللحظة دلف شقيقها يقول بتعجبٍ:
مالكم صوتكم عالي ليه ؟! فيه إيه يا جيسي؟!"
حركت رأسها للخلف تقول بنبرةٍ جاهدت حتى تتحدث بها ثابتةً و هي تقول:
مفيش يا فادي، بابا بس متوتر شوية.....علشان الحفلة و افتكرنا ماما، قولي أنتَ عملت إيه؟!"
حرك عينيه عليهما بالتساوي و هو يحاول سبر أغوار كليهما و خاصةً بعد وقوع بصره على «سمير» الذي ارتمى على المقعد و أطرق برأسه للأسفل و حينما طال صمته تحدثت شقيقته توجه حديثها له بنبرةٍ جامدة:
بكلمك ركز معايا، عملت إيه ؟! خلصت كل الحاجات علشان حفلة بكرة ؟؟"
حرك رأسه موافقًا فوجدها تقول باستحسانًا لما قام بصنعه:
طب كويس الحمد لله، كلمت كل الناس اللي قولتلك عليهم؟!"
زفر بقوةٍ ثم قال بضيقٍ:
كلمت يا جيسي خلاص، و فاضل الجزء الباقي هكلمه دلوقتي و هبعتلهم على الميل، عاوزك بس معايا علشان فيه حاجات تحت هظبطها"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ ثم وجهت بصرها نحو ذلك الجالس على المقعد بسكون تام، فسأله شقيقها بقلقٍ واضح:
مالك يا بابا !! أنتَ كويس ؟! تعبت تاني ولا إيه؟!"
ردت عليه شقيقته مؤكدة:
آه هو بس بيضغط على أعصابه الفترة دي ، بس لو ارتاح و بطل تفكير أكيد مش هيتعب تاني، خصوصًا إن التفكير في التعب غلط عليه و على اللي حواليه"
كان حديثها مُبطنًا توجهه إليه في الخفاء و خاصةً أن شقيقها لم يعلم بحقيقة أولاده و لا بما يدور بينهما، و بعدها أشارت لأخيها يسبقها للخارج ثم لحقته هي، بعدما رمقت «سمير» بيأسٍ ممتزج بقلة الحيلة.
_________________________
في بيت الشباب وصلت السيارات في جو مُبهج بسبب وجود «عامر» الذي استمر في التصفيق و التصفير عاليًا بصوته، و الشباب خلفه في سيارات النقل يرقصون تارةٍ و تارةٍ أخرى يصفقون بفرحةٍ و سيارة الرجال التي قادها «مرتضى» و ظل يشاكس أخوته في القيادة و هو يدور بالسيارة حتى تحدث «محمود» ينهره بقوله:
ما تكبر بقى يا مرتضى !! قلبي هيقف يا بني، أنتَ لسه بجنانك دا؟"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
أنتَ نكدي ليه يا محمود !! فرحان يا سيدي بعفش ابني، خير بقى ؟!"
رد عليه «حسان» بقلة حيلة:
يا سيدي ألف مبروك عليكم، بس إحنا عاوزين الفرح يتم على خير، كدا هتتقلب بينا"
تدخل «طه» يقول بسخريةٍ:
هو مش فرح بنتك أنتَ كمان ؟! افرحوا بقى شوية، دوس يا مرتضى"
رفع «مرتضى» سرعة السيارة و هو يقول بنبرةٍ مرحة:
حبيبي يا طه، أما الباقيين دول مش عاوز أسمع صوتهم"
تدخل «محمد» يقول بحنقٍ:
ما تنزل تركب جنب عامر على الدي جي بالمرة ؟! هو دا اللي ناقص"
رد عليه بسخريةٍ:
و مين اللي هيسوق أنتَ !! علشان توصلنا بعد بكرة ها؟!"
رمقه بغيظٍ و لم يرد عليه بينما «مرتضى» حرك رأسه خارج نافذة السيارة وهو يقول لسيارة الشباب:
مبروك يالا أنتَ و هو.....عقبال الليلة الكبيرة إن شاء الله"
رفع العريسين كفيهما يقوما بتحيته، بينما هو ضغط على إنذار السيارة يقوم بلحنًا متناغمًا كنوعٍ من أنواع التحية الخاصة بالافراح و استمر الوضع هكذا حتى وصلت السيارات للشارع الخاص ببيت الشباب، و كانت في مقدمة تلك السيارت، سيارة الأدوات الموسيقية، و حينها قام «عامر» باشعال الألعاب النارية في الجو مع أغنية شعبية من اختياره و هو يقول معها بملء صوته:
سكــــوت....جـــت الـــمــلوك"
كانت المنطقة راقية و هادئة إلى أن وصلتها تلك العائلة، و في لمح البصر انقلب السحر على الساحر و أصبحت المنطقة متكدسة السكان و الجيران و نزلوا من بيوتهم حتى يروا تلك الجلبة التي حدثت في ثوانٍ معدودة، بينما الشباب نزلوا من السيارات يحملون الأثاث مع بعضهم، و أبان ذلك كما المعتاد كان «عامر» يرقص سط الجميع و معه رجال العائلة و خصيصًا «مرتضى» الذي اندمج معه كثيرًا و الجيران حولهم يشعرون بالفرحة لأول مرة يرون مثل هذه الأشياء في تلك المنطقة.
في بيت آلـ «الرشيد» كانت البهجة لا زالت كما هي تؤثر عليهم جميعًا و هم يضحكون كلما تذكروا «عامر» و ما قام بفعله اليوم، كانت «خديجة» وسطهم تشعر بفرحةٍ لا تدري سببها، لكنها فسرتها بسبب قرب العائلة منها بتلك الطريقة، كانت تضحك على مشاكسة الفتيات لـ «عبلة» و هي تتخيل نفسها بهيئة العروس على حبيبها «وليد»، بينما «جميلة» جلست بجانبها بخجلٍ حتى لا تتم مشاكستها من قِبلهم، وكزتها هي في يدها و هي تقول بمرحٍ:
إيه يا عروسة مالك ؟!"
رفعت رأسها تطالعها بوجهها الأحمر و عسليتيها الممتزجة بخيوطٍ خضراء تشبه و كأنها أخذت عيني والدها و والدتها معًا مع خمارها الوردي الذي لائم درجة بشرتها بشدة، ابتسمت لها «خديجة» و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
أنتِ زي القمر يا جميلة، و بحب لبسك و شكلك بالخمار أوي، بحس براحة نفسية لما أشوفك"
ابتسمت لها «جميلة» و هي تقول بحماسٍ:
أنا بحبكم أوي يا خديجة، عمري ما تخيلت أني هرتبط بيكم كدا، تيتة نوال قالتلي أني لما روحت و أنا صغيرة مع بابا كنت علطول بعيط عليكي و على طارق، و أنا افتكرت حاجات بسيطة كدا، و افتكرت أني كنت مرتبطة بيكي أوي"
حركت رأسها لها موافقةً فتابعت حديثها بقولها:
أنا هنا لقيت نفسي و لقيت أخواتي و عيلتي، و لقيت طارق مستنيني بعد كل العمر دا، منساش حبه ليا"
أمسكت كفها بذراعها الحر و هي تقول بصوتٍ هادئ:
أنا و طارق و أحمد أكتر ناس زعلوا بعد غيابك، علشان أنتِ كنتي صاحبتي الوحيدة هنا، و أحمد كان مرتبط بيكي في صغره، و طارق كان كل ما يتكلم يقول هتجوز جميلة، لحد ما الفكرة كبرت معاه و بقت حلمه، طارق كمل أعدادي و ثانوي و جامعة و هو بيحبك و شايل وعده لنفسه إنك تكوني ليه، و ربنا كرمه بيكي أدب و جمال و حنية و جدعنة، ربنا عوض صبره خير بيكي"
ابتسمت بتأثرٍ لها فوجدتها تقول بنبرةٍ مرحة:
أنا بشك إنه كان يعرف مكانك من الأول، أصله عنده إصرار كبير"
ردت عليها مسرعةً:
طارق كان أمله في ربنا كبير، قالي إنه كان كل يوم يدعي ربنا يرجعني تاني ليه و هو كان متأكد إن ربنا هيستجيب للدعاء، طارق عامل ربنا باليقين و ربنا رد على يقينه بالفرج، و هو دا اللي المفروض نعمله، نتأكد من كرم ربنا علينا و نتيقن من استجابته للدعاء، دا وعد ربنا لينا، إحنا بس اللي مكناش واخدين بالنا إننا ماشيين في طرق غلط"
ربتت على يدها حينما رأتها توجه رأسها نحو والدتها و هي تبتسم لها، بينما ««مشيرة» رغمًا عنها اندمجت وسط النساء بعد عمرٍ مضى بمفردها دون أن تحاول الانخراط وسط تلك العائلة حتى فات عليها عمرٍ كامل تركت به أجمل ما يمكن للمرء الحصول عليه و هي عائلة مثل هذه تكون للمرء مثل الجيش في معارك الحياة.
استمرت الجلسة على هذا الحال حتى عودة الشباب مرةً أخرى بالسيارات حتى وصلوا للبيت بنفس الطريقة التي ذهبوا بها بعدما تناولوا الطعام هناك و كانت عودتهم بالطبع تلك المرة بدون الأثاث، نزلوا من السيارات حتى ردهة البيت و لكن لم يتكفوا بذلك، بل أخرج «وليد» الدف القديم الموجود في مخزن البيت ثم اقترب من «ياسين» وهو يقول بخبثٍ:
يلا يا حبيبي أبدأ ليلتك، سمعني صوتك و غني يلا"
طالعه «ياسين» بريبةٍ من حديثه فوجد «عامر» يقول بمرحٍ:
جدع ياض يا وليد، غني يا وحيد...قصدي يا ياسين...يلا فرحنا بقى"
تدخل «طارق» يقول باستغرابٍ من حديثهم:
هو ياسين بيغني بجد ؟! أنا فاكركم بتهزروا، هو الموضوع بجد؟!"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ ضاحكة:
بيغني هو و أبوه، و بيقلدوا كمان، دا هيبهرك، بس هو يرضى علينا"
تدخل «وليد» يقول بنبرةٍ ضاحكة و هو يحاول جاهدًا للتحدث حتى يثير استفزازه:
دلوقتي هيعمل زي عنترة ابن شداد و يقولك لما خديجة تقولي"
أمسكه «ياسين» فروة رأسه على حين غرةٍ وهو يقول بضجرٍ منه:
يا أخي تعبتني في عيشتي، كل المصايب في حياتي من وراك، اتنيل بقى خليني ههبب إيه؟"
تركه على مضضٍ بعد حديثه فـ
رد عليه «حسن» بتوعد وهو يقول:
هو أنتَ عندك استعداد ترفض ؟! شكلك بتلعب في عداد عُمرك"
طالعه بقلة حيلة فوجد «أحمد» يقول بصوتٍ ضاحك:
ما يلا يا ياسين، كل دول متعشمين فيك خير، متبقاش راجل مفسد الفرحة كدا، خليك زي عامر"
رد عليه «خالد» بصوتٍ عالٍ:
لاااأ....عامر نسخة واحدة حلو و أنا راضي، أبوس رجلك بلاش، كفاية عليا عامر واحد"
ضحكوا عليه جميعًا فرد عليه «عامر» بتهكمٍ:
ماله عامر يعني ؟! جربان ولا إيه مش فاهم يعني ؟! أنتو تطولوا أكون في حياتكم"
دلف الرجال في تلك اللحظة و هم يحدجون بغيظهم في «مرتضى» الذي دلف وهو يضحك بصوتٍ عالٍ، حتى تحدث «محمد» يقول بضجرٍ:
دا أنتَ بارد يا مرتضى، الناس بتكبر تعقل و الحلو يكبر تضرب منه، بقيت جد، عاوز إيه تاني"
لوح له بيده وهو يضحك عليهم، فسأله «طارق» بتعجبٍ:
ماله يا بابا، عملك إيه عمو مرتضى؟!"
رد عليه «طه» بضجرٍ:
قول معملش إيه !! عمال يخمس بينا طول الطريق و يسابق العربيات، عامل سباق مع عيال اصغر من عياله"
تجاهل «مرتضى» كل ذلك و اقترب من «وليد» يسأله بنبرةٍ جامدة:
إيه اللي في إيدك دا يا وليد ؟! ماسك طبلة !! خلاص بقينا بيت رقاصين؟!"
طالعه الجميع بدهشةٍ فخطفها من يد ابنه وهو ينظر له بشررٍ يتطاير من عينيه ثم التفت حتى يصعد للأعلى و الجميع ينظرون في أثره بتعجبٍ و دهشةٍ حتى جلس هو على السلم ثم قام بالضرب على الدف و هو يضحك بقوةٍ حتى ضحكوا عليه جميعًا، فسأله «وئام» بتعجبٍ من بين ضحكاته:
طب و قعدت على السلم ليه يا بابا؟!"
أشار نحو موضع رأسه و هو يقول بفخرٍ:
علشان يبقى السلم الموسيقي ياض"
ضحك الجميع عليه فقام هو بمد يده بالدف وهو يقول:
يلا حد يطبل علشان دراعي واجعني من السواقة"
اقترب منه «عامر» يأخذه منه وهو يضرب عليه بفخرٍ، بينما «ياسين» مع نظراتهم المُلحة عليه قام أخيرًا بغناء تلك الأغنية التي سبق و غناها يوم المباراة و هو يقول مقلدًا طريقة المطرب:
علشان اصالحك و ارضى عليك...حاجات كتير لازم تعملها....علشان أسامحك و ارضى عليك....حاجات كتير و دي أولها..."
اشار «عامر» للشباب بيده حتى انتفضوا جميعًا في تلك اللحظة يصرخون و هو يقول بنبرةٍ عالية:
قوم اقف و أنتَ بتكلمني....قوم اقف بصلي و فهمني....قوم اقف و أنتَ بتكلمني..... قوم اقف بصلي و فهمني....ولا تتكلم و أنا بتكلم....و إن غلطت ابقى امشي و ســــبنــاي"
صفق الشباب ثم رقصوا معًا و هو يصفق بكفيه لهم، و الرجال معهم أيضًا و النساء يقفن على السلم يشاهدن تلك الحفلة المنزلة حتى «خديجة» نفسها و كم كانت ممتنة لتلك العصا التي أعطاها لها «وليد» حتى تستند عليها، كان المشهد يملك بهجة غريبة للجميع مع رقصهم و مرحهم و قفزهم على كلمات الأغنية، حتى انتهت أخيرًا و صفق الجميع له، فتحدث «أحمد» يقول بمرحٍ:
غني حاجة شعبي، أدينا رضا البحراوي، أصله بيكيفني"
رغم خجله من رجال العائلة، لكن بماذا يفيد الندم في تلك الحالة، فغمز لـ «عامر» الذي بدأ بالضرب على الدف و بدأ الغناء حتى وصل لذلك الجزء الذي جعلهم يهللون بمرحٍ وهو يقول:
طب اللي بيحب اللمة الحلوة دي يرفع إيده لفـــوق"
رفع الجميع أيديهم و هم يصرخون حتى عاد هو للغناء وهو يقول:
ناس مني و من دمي محدش فيهم شال همي.....ناس مني و من دمي محدش فيهم شال همي....فين خالي و فين عمي"
تحدث «محمود» عند تلك الجملة يقول بنبرةٍ ضاحكة:
انتو هتهزقونا و إحنا واقفين ولا إيه؟!"
رد عليه «حسن» وهو يحاول جاهدًا التحدث من بين ضحكاته:
عبث و رب الكعبة دا عبث، عمامه و رجالة العيلة كلها واقفة و دا يقولك محدش فيهم شال همي"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ زائف و هو يسخر منه:
هو أنا اللي مألف يا حسن !! مش رضا البحراوي اللي قال كدا !!، جايب الكلام من بيت أبويا ؟!"
دلف «رياض» في تلك اللحظة بعدما هاتفه «مرتضى» و طلب منه المجيء وهو يقول بتهكمٍ:
مالك و مال أبوك ياض !! ما تخليه في حاله"
التفت الشباب له و هم يرحبون به بملء صوتهم و على حين غرة حملوه على أيديهم و «عامر» يضرب على الاداة في يده، بينما «ياسين» قال بخبثٍ و هو يغني:
ناس مني و من دمي....محدش فيهم شال همي"
ضحك الجميع عليه و على نظرة «رياض» له و الشباب يحملوه على أيديهم حتى نزل و قال بنبرةٍ ضاحكة لم تخلو من الخبث وهو يقول لابنه:
عاوزك تسمعني أيها الراقدون تحت التراب، علشان هرقدك يا ابن الشيخ"
صفق الشباب بأيديهم و «ياسين» يضحك بقوةٍ على والده حتى عاد للغناء مرةً أخرى، فمال «عبد الرحمن» على أذن «عمار» يقول ممتنًا له:
أنا هاين عليا أبوس راسك علشان جبتني أشوف الليلة الحلوة دي، أنا عمري ما جربت الحاجات دي يا عمار، دا أنا فاتني كتير"
رد عليه بصوتٍ خافت:
مش اتعرفت على اخواتي و رجالة عيلة الرشيد ؟! كل اللي فاتك هتعوضه، دا أقل واجب هنا"
حرك رأسه ينظر أمامه وهو يبتسم فوجد «وليد» يسحب يده حتى يرقص معه وسط الشباب، فذهب هو معه يرقص و يصفق وسطهم على عكس «عمار» الذي اكتفى بالوقوف وسطهم بأدبه المعتاد، حتى وقع بصره عليها و هي تراقب الجميع من أعلى درجات السلم و هي تضحك ببلاهة حرك رأسه لليسار قليلًا فوجد بقية الفتيات و النساء و حتى لا يسبب لهن الاحراج ترك موضعه ثم وقف على الجهة الأخرى و هو يبتسم على هيئتها التي تُشبه هيئة الأطفال الذين يفعلون الأعمال المشاغبة خلسةً من الكِبار، بينما «ياسين» كان يغني بملء صوته ذلك المهرجان الشعبي في تلك الأمسية المُبهجة، و أبان ذلك صدح صوت هاتف «حسن» برقم أحد العملاء، حينها انسحب من موضعه يُجيب على هاتفه ثم عاد لهم من جديد و هو يتناقش مع «طارق» و «وئام» و تدخل الشباب معهم في الحديث بعدما طلبوا استشارتهم و استشارة العائلة بأكملها و بعد توقف الغناء عاد مرةً أخرى بعد استقرارهم أخيرًا على تلك المشورة، فما هي ؟!
_________________________
انتهت تلك الجلسة الغريبة في البيت بعد المرح و البهجة والسرور السائد في الأجواء، حتى رحل «رياض» و معه الشباب في نهاية الليلة، و صعد كلًا منهم إلى مسكنه، في غرفة «هدير» جلست بجانب «حسن» الذي جلس يتصفح هاتفه فسألته بنبرةٍ ضاحكة:
بس إيه المسخرة دي كلها !! طلعتوا كلكم هُبل و أنا اللي كنت فكراكم كاريزما ؟! قلبتوا البيت مراجيح يا حسن ؟!"
رد عليها هو مُسرعًا بتهكمٍ:
مش بنفرح !! هو أنتم عيلة غاوية نكد ليه ؟! شوفي النمرة اللي اتعملت تحت دي بكام في أي فرح ؟! اسكتي اسكتي"
ردت عليه بتقززٍ:
نمرة !! ليه محسسني أني رقاصة و بفاصل معاك في النُقطة"
ضحك هو عليها و على سخريته حتى ضحكت معه بيأسٍ، فسألته هي بحذرٍ:
المهم أنتَ فرحت و لأ ؟! دي أهم حاجة بصراحة يعني"
وضع هاتفه بجواره ثم التفت يجلس مقابلًا لها بحماسٍ وهو يقول:
أوي، من زمان مفرحتش كدا يا هدير، بصراحة مش عارف فرحتي دي إيه سببها، بس أنا فرحان، ممكن علشان أنا كنت شاهد على صبر وليد و طارق، و يمكن علشان الأجواء دي مجربتهاش قبل كدا، و يمكن علشان معاكي و بصفتي جوزك و ليا مكان هنا زيهم، تحسي إن المجمل على بعضه مريح و مفرحني، كفاية إحساس أني مش غريب وسطهم"
سألته هي بلهفةٍ:
هما كانوا بيحسسوك إنك غريب ؟! عمرك حسيت بكدا معاهم؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بلمحة حزن ظهرت في صوته وهو يقول:
غصب عني يا هدير كنت بحس كدا، أنا واحد ملوش حد، عيشت لوحدي طول عمري و لما افتكرت اني خلاص هتونس و اتجوزت، أنا تعبت معاها و اتعذبت، فبقى عندي فكرة إن اللي زيي مش ممكن يجي يوم و يفرح فيه، بس خلاص كل دا اتغير لما بقيتي مراتي، حبيتك و جربت الخوف و أنا طول عمري مبخافش"
سألته هي بصوتٍ خافت محاولةً إخفاء تأثرها بحديثه:
طب و هو أنت ماكنتش بتخاف إزاي يا حسن ؟! مفيش إنسان معندوش خوف، أنا نفسي عيشت عمري كله أخاف يا حسن، حتى و أنا جامدة و جاحدة عليهم"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال مجاوبًا سؤالها بقوله:
علشان مكانش عندي حاجة أخسرها يا هدير، هخاف من إيه و على مين؟! فاكرة لما سألتيني عند الجسر و قولتلك الحب عندي مرتبط بالخوف؟"
حركت رأسها بإيماءةٍ تجاوب على استفساره دون أن تتحدث فوجدته يقول بعدما زفر بقوةٍ:
أنا ساعتها و أنا بكلمك خوفت، لثواني كدا حسيت أني خايف أخسرك أنتِ، كنت هقولك ساعتها زي خوفي إنك تسيبيني، بس خوفت اقولك كدا تسيبيني بجد، عمري اللي فات كله مخوفتش فيه ربع خوفي عليكي يا هدير، حتى من الزعل، مكانش ليا عزيز في الدنيا دي، و جيتي أنتِ خدتي مكان الكل"
أبتسمت له بعد جملته فوجدته يبتسم هو الأخر، لكنها سألته بنبرةٍ مترددة:
طب و أختك فين يا حسن ؟! مش قولتلي إنك عندك أخت، هي فين و ليه مش بسمع عنها و لا حتى بتكلمك ؟!"
رفع عينيه يطالعها بصمتٍ دون أن يتحدث فقالت هي مُسرعةً حينما وجدت تأثير سؤالها عليه:
أنا مكانش قصدي أزعلك أو اضايقك يا حسن، بس هو سؤال خطر ببالي"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بصوتٍ مهتز يعبر عن حزنه:
دا حقك يا هدير، طبيعي إنك تعرفي كل حاجة عني و أنتِ مراتي، حنان أختي أنا مش في أولوياتها أصلًا، عندها بيتها و عيالها و جوزها بيسافر و يجي، مبتعرفش توازن بين حاجتين، و أنا محبتش أكون عبء عليها و أكون سبب في تقصيرها في حق بيتها، حسيت أني مش من ضمن أفكارها و غصب عني انسحبت من حياتها"
سألته هي بصوتٍ حزين ممتزج بتعجبٍ من شقيقته:
طب هي محاولتش مثلًا إنها تحاول معاك، أو تيجي تقعد معاك تاخد بحسك شوية ؟!"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول مُفسرًا لها:
عملت كدا، حاولت تاخدني عندها كتير، و حاولت تخليني أسيب بيتي و أروح عندها و خصوصًا علشان هي معظم الوقت في إسكندرية، بس كل مرة قصاد محاولاتها كنت بحس إنها مجرد جبر خاطر، مش إصرار علشاني، بصراحة يعني صعبت عليا نفسي، و هي كل فترة و التانية بتجبلي عروسة و تطلب مني اقابلها، على أساس يعني هي بتحاول علشاني"
رفعت حاجبها و هي تقول بتهكمٍ:
بتجبلك إيه يا حبيبي ؟! سمعني كدا تاني ؟!"
رد عليها هو بسخريةٍ:
يعني كل المأساة اللي حكيتها دي، و دا اللي لفت نظرك !! مفيش دم خالص ؟!"
ردت عليه هي بضجرٍ:
علشان اللي فات كله حرق دمي، و الجزء الأخير دا جابلي شياط، و بعدين هي متعرفش إنك متجوز ؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول:
لأ متعرفش، و مش عاوزها تعرف، خليني معاكي مبسوط من غير حد تاني"
قطبت جبينها بتعجبٍ فوجدته يمسك يدها وهو يقول متوسلًا لها:
هدير علشان خاطري خليني معاكي مبسوط و راضي كدا، و الله أنا خدت كل حاجة طلبتها في وجودك أنتِ، راضي بيكي ورثي من كل الدنيا، أنا مبسوط و أنتِ معايا، بلاش تفكري في حاجات ممكن تقلب حياتنا"
حركت رأسها موافقةً له رغم الفضول الذي شعرت به تجاه الأمر فوجدته يقبل رأسها ثم نام على الفراش، بينما هي نظرت له تطالعه بأسى، و هي تشعر بالشفقة رغمًا عنها تجاهه، فاقتربت منه تندس بين ذراعيه و هي تحاول إخفاء تأثرها ببسمتها الهادئة.
_________________________
في غرفة «خديجة» كان هو يحاول الهروب من نظراتها الموجهة له و هو يقوم بتنظيف الجرح في جبينها، و هي ترمقه بخبثٍ حتى وضع اللاصق الطبي و هو يقول بمرحٍ محاولًا الهروب من نظراتها:
بالشفا يا كتكوتة....ألف سلامة عليكي"
ردت عليه هي بخبثٍ:
و ليه ألف سلامة، ما تخليها ألف شمعة تحية منك ليا ؟!"
طالعها بدهشةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ ضاحكة:
مش الأستاذ برضه متخصص في إحياء الليلة ؟! على كدا بيقبضوك في الشركة إزاي يا ياسين ؟! بيرموا عليك النقطة؟!"
ضحك هو رغمًا عنه من حديثها و طريقتها الساخرة و هي تضحك عليه، فتحدث هو بعدما اوقف الضحكات يقول مُهددًا لها:
أقعدي اتريقي عليا كدا براحتك، علشان نخلي النص التاني يحصل أخوه، قلة أدب"
ردت عليه هي بضجرٍ:
أنا قليلة الأدب !! طب برة شوفلك مكان تاني تنام فيه، يلا أنا خلقي ضيق أساسًا"
رفع حاجبه لها يطالعها بحنقٍ ثم ارتمى بجانبها على الفراش رغمًا عنها فضربته هي بذراعها الحر وهي تقول بضجرٍ:
يا رخم، روح شوف مكان تاني تنام فيه بقى"
سألها هو بخبثٍ:
هتنامي من غيري ؟! طب مين يصحى بليل يعدل راسك اللي هتوديها في داهية بنومتك عليها دي؟! هتضربي مين بالجبس في رجله بليل ؟!"
ردت عليه ببساطةٍ:
عادي، أنا محتاجة الجِبس في موضوع مهم أوي، هقولك عليه بعدين"
تحدث هو بحنقٍ:
بقى كدا !! طيب يا ست الكل، هروح أبات عند أمي بقى، و ابقي قوليلهم طردته بليل"
ردت عليه مسرعةً:
تعالى تعالى خلاص، إيه الفضايح دي، بس هقول إيه؟! واخد على لم الفضايح، نبطشي بقى"
قالتها بمرحٍ و هي تشاكسه فوجدته يقول بضجرٍ منها:
هتمسكيهالي كتير ؟! أخوكي هو اللي صمم ياختي، و بعدين بندخل الفرحة على بيتكم، مش أحسن من جو المعازي بتاعتكم، فيه عفش عريس يروح سكيتي برضه ؟!"
سألته هي بسخريةٍ:
طب دا العفش و هو رايح، و انتم راجعين بقى ؟!"
رد عليه مفسرًا ببساطةٍ:
كنا بنعمل حس علشان الناس تعرف إننا رجعنا بقى"
ابتسمت هي بسخريةٍ فسألها هو بتعجبٍ:
أنتِ إيه اللي مزعلك !!"
ردت عليه هي بحنقٍ:
علشان معرفتش اتفرج !!، كلهم اتفرجوا و أنا الجبس كان ملازمني، ياسين أنا ناقصلي شيكارة أسمنت و ابقى عمود مسلح"
حاول هو كتم ضحكته عليها فوجدها تقول ببساطةٍ:
اضحك يا عم، متكتمش ضحكتك، ما هو دا الهم اللي يضحك"
انفجر هو في الضحك عليها حتى ضحكت هي الأخرى معه، فأوقف هو الضحكات و هو يقول:
طب و الله حلو انك واخدة الموضوع بهزار كدا يا خديجة، يا رب بس ميقلبش بنكد على أخر الليل"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
لأ عيب عليك والله، الدوا اللي باخده دا حلو بيخليني أضحك، خد منه و أضحك معايا"
سحب هو العلاج من جوارها وهو يتفحصه ثم رمقها بسخريةٍ وهو يقول:
مضاد حيوي ١٠٠٠ هو اللي عامل فيكي كدا ؟! دماغك خفيفة يا خديجة، و لا دا أثر الوقعة ؟!"
ردت عليه بتشككٍ:
تفتكر يكون دا أثر الرجة بجد؟! يلهوي لو دا حصل؟!"
حرك رأسه لها باستفسارٍ فوجدها تقول بلهفةٍ:
صح مش أنا حلمت بينا إحنا الاتنين ؟! حلم حلو يا رب يبقى حقيقة"
سألها هو بلهفةٍ:
إيه هو ؟! قولي بسرعة يا خديجة، يارب يطلع حلو"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ وهي تقول له:
بص يا سيدي حلمت خير اللهم أجعله خير، إن أنا خفيت خالص و روحت مكان أنا و أنتَ يسحر زي جمال البدو كدا، و فيه شط كبير أوي و إحنا بالنهار و الغروب جميل، حلو كدا ؟!"
ابتسم لها بهيامٍ وهو يقول:
حلو أوي كمان، كملي يا ست الكل"
ردت عليه بنفس الحماس وهي تقول:
و أنتَ بقى كنت معايا و كنت قمر و حلو زي ما أنتَ كدا، و أنا كنت حلوة أوي، و جيت من ورايا تقولي غزل باللغة العربية، و بعدها قولتلي إنك جايب المطرب المفضل ليك علشان عاملي مفاجاة"
ابتسم لها وهو يقول:
حلو دا، ها كملي و بعدين؟!"
ردت عليه هي تكمل ما شاهدته في نومها و هي تقول:
قولتلي كدا و بلف علشان أشوف مين المطرب دا لقيته مين بقى تخيل ؟!"
رد عليها مُخمنًا:
عمرو دياب ؟!"
حركت رأسها نفيًا فأضاف هو:
مين طيب ؟! تامر حسني ؟!"
حركت رأسها نفيًا فتحدث هو بضجرٍ:
لأ أنا مش هجيب نقابة الموسيقيين كلها هنا، خلصي يا كتكوتة مين ؟!"
ارتسم الاحباط على وجهها و هي تقول بنفس الاحباط:
عبد الباسط حموده و لقيته بيقولي اسمحولي اقولكم، أنا قلبي شايل منكم ؟! ليه كدا يا ياسين، عملت فيك إيه علشان تعمل فيا كدا ؟!"
ضحك هو على طريقتها و على حلمها الغريب، فوجدها تقول بحنقٍ منه:
أنتَ بتضحك على إيه ؟! مش أنتَ اللي غشيت في الحلم؟!"
رد عليها هو بسخريةٍ:
ابقى اتغطي كويس يا خديجة و غطي راسك علشان شكلها ضربت من الرجة خلاص"
رمقته بغيظٍ وهي تقول:
نام خلاص، أنا غلطانة أني بحكيلك حلمي، مش هحكيلك بعد كدا أحلامي"
ضحك عليها وهو يقول بسخريةٍ:
هو دا حلم ؟! روحي نامي يا ستي"
ردت عليه موافقةً:
أنا هنام فعلًا علشان اتأكد من الحلم، عاوز حاجة؟!"
رد عليه بسخريةٍ بجاوب سؤالها:
سلميلي على عبد الباسط"
_________________________
انتهى ذلك اليوم ليأتي اليوم التالي يحمل معه الكثير و الكثير كعادة غيره، و في كلية الصيدلة وقف «عمار» على بعدٍ من صديقه الذي انتظر «مريم» حتى تأتي له، و بعد مرور ثوانٍ وجد فتاةٍ في نفس عمرهما تقترب من صديقه و هي تبتسم له بفرحةٍ كبرى بسبب رؤيته، بينما
«عبد الرحمن» حاول اخفاء بسمته لكنه فشل و هو يراها تقترب منه و بعدما وقفت أمامه مدت يدها له و هي تقول بلهفةٍ:
إزيك يا عبد الرحمن عامل إيه ؟! كل دا مشوفكش ؟!"
نظر هو ليدها الممدودة ثم نظر لصديقه يستشيره فوجده يحرك رأسه نفيًا، زفر هو بقوةٍ ثم قال لها بنبرةٍ جامدة:
مش هينفع أمد إيدي يا مريم و أسلم عليكي و أنتِ مش من حقي، خليني محافظ على وعدي لحد ما تكوني ليا، هاتي الحاجة اللي معاكي و يلا هنا"
ابتسمت هي رغمًا عنها ثم مدت يدها له بالحقيبة و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
الشنطة دي تديها لطنط و تقولها كل نوع من دول عليه ورقة الاستخدام بتاعته، خلينا نشوف أخرتها معاك"
رد عليها هو مُسرعًا:
أخرتها هتكوني مراتي إن شاء لما ربنا يكرمنا سوا، غير كدا لأ"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة ثم لوحت له بيدها حتى تودعه و بعدما اختفى أثرها، اقترب منه «عمار» يقول بفخرٍ:
جدع و الله العظيم فخور بيك، بالله عليك مش أنتَ مرتاح يا عبد الرحمن؟!"
رد عليه مُسرعًا بحنقٍ:
أنتَ تخرس خالص، شوفت كلمتها إزاي ؟! أنا بسمع كلامك ليه؟!"
رد عليه ببساطةٍ:
علشان تفرح و ترتاح في الأخر يا عبد الرحمن، أنتَ بتحبها بجد و راجل و مش بتاع تسلية يبقى حرام رجولتك دي تضيع بسبب حاجة حرام مش هتفيدك بحاجة"
سأله بضجرٍ:
إزاي بقى يا فالح ؟! أنا مش فاهم إيه الصعب في كلام بين اتنين بيحبوا بعض ؟"
رد عليه مفسرًا:
العيب في اللي بيحصل بعد كدا يا عبد الرحمن، دي حاجة حرام و علاقة بتاخد من وقتك و مجهودك اللي المفروض يكون في أولويات تانية، لكن أنتَ بتضيعه في علاقة مش هتديك حاجة"
رد عليه بلهفةٍ:
أنتَ مش فاهم يا عمار، أنا مليش غير مريم، معنديش حد قريب مني غيرها، أنا لوحدي حتى و أنا وسط الناس، لما شوفتك في الجامعة هنا صممت أني اصاحبك علشان حسيتك شبهي، أنتَ علمتني حاجات كتيرة أوي، علمتني إزاي أذاكر صح و إزاي أصلي و إزاي أجاهد نفسي في حاجات كتير، بس مريم حاجة تانية"
تنهد «عمار» بقلة حيلة ثم قال بهدوء:
ربنا سبحانه و تعالى خلق الملايكة بعقل من غير شهوات و خلق الحيوانات بشهوات من غير عقل، و خلق الإنسان بالعقل و الشهوات مع بعض و هي دي الميزة اللي ربنا ميزنا بيها، أي علاقة هتدخلها أولًا و أخيرًا هيكون للشهوة دور فيها يا عبد الرحمن، حتى لو شهوة الكلام بس، دور الشيطان بقى يزين ليك الحاجة الحرام دي، و يبدأ يبسط ليك الأمور، مرة تبدأ بكلمة بريئة، و مرة بحركة و مرة بفعل و مرة بتفكير لحد ما رجلك تغرس في بحر معاصي و ذنوب، مهما كان سننا صغير و لسه مش ناضجين كفاية، آه ممكن نحب و ممكن مشارعنا تتشد لحد بس برضه مش متأكدين ديه مشاعر ثابتة ولا لأ ؟! العلاقات العاطفية في سن المراهقة عاملة زي الهدوم يا عبد الرحمن"
قطب جبينه بتعجبٍ فوجده يقول بنبرةٍ ضاحكة يفسر حديثه:
دا كلام عامر أخويا، هقولك يا سيدي، العلاقات العاطفية في السن الصغير عاملة زي الهدوم، طبيعي إحنا بنتطور و بنكبر سواء جسديًا أو فكريًا،
مينفعش أجيب بدلة و أنا في حضانة و أصمم ألبسها و أنا واحد في جامعة، أكيد مش هتكون مناسبة ليا بكل الاشكال،
دا غير إن فيه أولويات تانية تفكيري و وقتي أولى بيها،
زي مستقبلي و حياتي الجاية علشان لما ربنا يكرمك بشريكة حياتك، تقدر تطلب حقك في وجودها، مينفعش أضيع وقتي و سني في التفكير في حاجات أولًا دا حرام و ثانيًا دا مش وقتها، لأنك كإنسان هتتحاسب على عمرك فيما أفنيته، المشكلة يا عبد الرحمن إننا بنعمل الحاجة الغلط و الحرام و نرجع نستغرب ليه ربنا حرمنا منها و ليه مباركش فيها ؟! علشان البداية كانت غلط يا عبد الرحمن، العلاقات دي بتكسر القلوب علشان كدا ربنا حرمها و منعها على عباده، يبقى الحل نستنى مقاسنا يثبت و نستقر و بعدها نختار الحاجة اللي تعيش معانا العمر كله، بدل ما نتفاجأ بيها إنها مش مناسبة لينا"
اقتنع «عبد الرحمن» بحديثه لكنه باغته بسؤاله وهو يقول:
عمار أنتَ بتحب صح ؟! البنت اللي كانت لابسة طرحة بيج امبارح دي أنتَ بتحبها؟!"
اتسعتا مقلتيه فوجده يقول مُفسرًا بسرعةٍ:
أنا مش قصدي حاجة و الله، بس إمبارح أنتَ كنت بتبصلها كأنك فرحان إنك شوفتها، فكرتني بنفسي لما بشوف مريم، متزعلش مني !!"
سأله بحذرٍ فوجده يبتسم بقلة حيلة وهو يقول:
برافو عليك طلعت لماح، بس أنا مبجبش سيرة الموضوع دا علشان مش هقدر أجيب سيرة بنت الناس يا عبد الرحمن، بس أنا و الله بحارب نفسي علشان معملش حاجة غلط، بجاهد نفسي علشان أقدر أروح في يوم أطلبها من أهلها و أنا راجل ملو هدومي، مش لسه عيل بدرس في الجامعة و الله أعلم بالعمر الباقي عليا قد إيه، علشان كدا بقولك إنها حاجات مش وقتها، فيه مشاعر غريبة بتيجي تدخل حياتك، و أنتَ و شطارتك بقى، تغلب شيطانك و لا هو يغلبك"
سأله بتعجبٍ:
طب مش أنتَ بتقول إن العلاقات عاملة زي الهدوم ؟! و إننا المفروض نستنى لحد ما سننا يثبت علشان الحاجة تكون مناسبة لينا؟! دول إيه بقى؟! يعني لو إحنا بنحبهم يبقى خلاص لقيناهم أهو"
رد عليه مُفسرًا:
فيه ناس ربنا بيرزقها بتوب قماش يبقى معاها طول العمر، لو أنتَ قدرت حتة القماش و حافظت عليها لحد ميعادها المناسب يبقى هتاخد منها الحاجة اللي أنتَ توقعتها و أحسن، و فيه ناس هتفضل كل شوية تقطع في حتة القماش دي و تعمل منها قطع و أجزاء كتير، بس عند وقت المناسبة مش هيلاقي حاجة منها ياخدها و يقدر يعمل بيها حاجة، ولا هيقدر يرجع اللي هو قصه منها، يمكن ربنا بيدينا إشارة إن هما دول اللي مطلوب مننا نحارب علشانهم، و يمكن يكونوا سبب علشان نشتغل على نفسنا، في كل الأحوال هما رزق و مطالب منك إنك تخافظ عليه و تحافظ على قلبك من المعاصي و من العلاقات المُحرمة اللي مفيهاش بركة، علشان لما يجي وقت العلاقة الصح اللي بحلال ربنا تدوق طعم البركة و الفرحة.
احضتنه «عبد الرحمن» وهو يقول بتأثرٍ:
أنتَ حاجة حصلتلي في الدنيا كلها يا عمار، علمتني حاجات كتير يمكن أهلي مهتموش يعلموها ليا، أنا لو هطلب حاجة من ربنا غير أني اتجوز مريم، إنك تفضل معايا طول العُمر"
ربت على ظهره وهو يقول بمرحٍ محاولًا تغيير الأجواء:
على قلبك يا بودي، هفضل وراك لحد ما تبقى الشيخ عبد الرحمن إن شاء الله، ربنا يديم وجودك ليا"
ابتعد عنه و هو يقول بمرحٍ:
مش كل الناس بتقابل صحاب يستاهلوا، بس أنا قابلتك تُقلك دهب يا عمار"
سأله «عمار» بقلقٍ زائف:
إيه تُقلك دهب دي ؟! أنتَ باصص على اعضائي يا عبد الرحمن ولا إيه؟! أنا كدا هخاف منك !!"
ضربه في كتفه وهو يقول بضجرٍ:
يا شيخ اتلهي بقى، دا منظر واحد يتخاف منه؟! بعدين بقولك أبويا عقيد شرطة و أختي في أكاديمية الطيران، يعني ناس علينا القيمة، يقوم ابنهم يطلع تاجر أعضاء؟!"
رد عليه بسخريةٍ:
ما يمكن تمويه يا عبد الرحمن"
طالعه بتعجبٍ فضحك «عمار» رغمًا عنه من نظرته حتى ضحك معه الأخر بيأسٍ.
_________________________
في منتصف اليوم و قبل حلول الليل اجتمع الشباب معًا في شقة «ميمي»، كانوا الشباب بأكملهم، «ياسين» و أخوته الثلاثة و معهم أبناء الرشيد و «حسن» ايضًا، كانوا جميعًا في أكمل وسامتهم بعدما ارتدوا حِلات رسمية تناسب ذلك المكان الذين سيذهبون إليه جميعًا، حتى سأل «عامر» بتعجبٍ:
برضه مش فاهم لابسين بِدل كدا و رايحين فين ؟! و لازمتنا إيه أصلًا نروح؟!"
رد عليه «طارق» مفسرًا:
دي حفلة تبع رجل أعمال كنا إحنا المسئولين عن الدعاية للشغل بتاعه، و رايحين علشان قال إيه هيكرمنا و قال هاتوا أسرتكم، قولنا ناخد اخواتنا معانا، نشوف حفلات الناس دي بتكون عاملة إزاي؟!"
تدخل «حسن» يقول مؤكدًا:
وليد و عامر !! مش عاوز قلة أدب، الحنة البلدي اللي كنا فيها امبارح دي مش هتنفع، نروح مؤدبين و ساكتين و ياريت لو نكون خارسين كمان"
تدخلت «ميمي» تقول بتوعدٍ لهما:
اللي يقل أدبه في الاتنين عرفني يا حسن و أنا أضربه بالعكاز بتاعي، عرفني أنتَ بس"
حرك رأسه موافقًا لها، بينما هما طالعوهم بسخريةٍ و هم ينظرون لبعضهم، و بعد مرور دقائق قاموا بتوديع «ميمي» بعدما قبل كلًا منهم رأسها و يدها طالبين منها الدعاء لهم، و بعد خروجهم من الشقة رفعت كفها تطلب لهم التوفيق و السداد من الله، نزلوا هم من عندها بعدما اتفقوا على مقابلتهم عندها، و بعد مرور ثوانٍ رحلت السيارات تباعًا، سيارة خاصة بأبناء الرشيد و خلفها سيارتي «ياسين» و «خالد»، ورحلت السيارات تباعًا خلف بعضها، حتى وصلوا أخيرًا إلى الحفل قاموا بصف السيارات في الساحة الخارجية لوقوف السيارات ثم دخلوا البيت مع بضعهم و في مقدمتهم «طارق» بصفته رئيسًا للشركة و هو المسئول عن الدعوة، دلفوا جميعًا فوجدوا المنزل يشبه القصور الفخمة حتى من خلال طاقم العمال الذين يعملون بالمكان، وقفوا حول مائدةً طويلة بجانب بعضهم و كلًا من «عامر» و «وليد» يتهامسا بسخريةٍ على الأجواء و على رجال الأعمال، بينما «ياسين» كان يتوعد لهما بإشارته و نظرته، حتى تحدث «خالد» مستفسرًا:
هو الدعاية اللي كنتم مسئولين عنها عبارة عن إيه؟!"
رد عليه «وئام» مفسرًا:
عن كل حاجة هو أشتغل فيها، عن الفنادق و المصانع و المدارس والجامعات و عن الاستثمارات اللي دخلوا فيها في مصر من أول ما رجعوا"
سأله «ياسر» بتعجبٍ:
من أول ما رجعوا منين؟!"
رد عليه «طارق» مفسرًا:
هو و عياله من ساعة ما رجعوا من برة، عملوا شغل محتاج عشر سنين علشان غيره يقدر يعمله، دا غير الحاجات اللي هو شارك فيها، ما شاء الله، احنا كنا مسئولين عن الدعاية الورقية و الطباعات و اعلانات الطرق و المواصلات"
حرك رأسه موافقًا فأشار «أحمد» بيده نحو الشاب وهو يقول:
أهو دا ابنه باين، إسمه فادي"
حرك الشباب رأسهم نحوه و أول من تعرف عليه كان «خالد» الذي اتسعتا حدقتيه بقوةٍ بعدما تأكد من هوية الشاب خاصةً أنه سبق و رآه ذات مرةٍ مع «سمير» في مقر عمله و قبل أن يحدث ما لم يحمد عقباه ، تحدث بنبرةٍ جامدة بعدما استعاد رابطة جأشه محدثًا أخوته:
يلا يا جماعة من هنا ضروري، فيه حاجة مهمة مش هنيفع نتأخر عليها...يلا"
نظروا له الثلاثة بتعجبٍ فقال هو بصوتٍ حاد أقرب للصراخ:
يــلا"
سأله «ياسر» بتعجبٍ من طريقته المفاجأة و الغير متوقعة:
إيه يا بني فيه إيه ؟؟ ما إحنا واقفين كويسين أهوه"
رد عليه بضجرٍ:
يلا يا ياسر، يلا يا عامر يلا يا ياسين، قدامي"
تحدث «طارق» بتعجبٍ:
فيه إيه يا خالد !! ما إحنا كلنا سوا أهوه، هو حد جه جنبك ؟! بعدين شكلنا هيبقى وحش لو مشينا كدا"
قبل أن يرد عليه أغلقت الأضواء و الأبواب أيضًا و أتت فتاةٍ ممشوقة القوام و هي تلقي خطابًا أمام الجميع، فوقف «خالد» يشعر بارتفاع ضربات قلبه خوفًا من اللحظة القادمة و التي يتمنى قبلها ان تنشق الأرض و تبلعهما في جوفها و البقية حوله تجاهلوا تغيره المفاجيء حتى رفعت الفتاة صوتها و هي تقول بفخرٍ و اعتزاز بعد خطابها:
دعونا نرحب معًا برجل الأعمال سمير أبو اليسر الغزولي"
صفق الجميع بقوةٍ بينما الثلاثة شباب وقفوا كمن ضربتهم صاعقة رعدية من السماء على عكس «خالد» الذي أغمض جفنيه بشدة خوفًا من القادم، حتى حرك رأسه نحو «ياسر» الذي حرك رأسه نفيًا و كأنه لا يصدق ما هو به، حتى وجد «سمير» ينزل من على درجات السلم و في يده «جيسي»، أمعن النظر في وجهه يحاول تكذيب ما يحدث حوله، لكن هيهات ففي تلك اللحظة لم يجد أمامه سوى صورته و هو يصفعه في صغره قبل رحيله بعدما ضرب والدته، حينها جاهد يحاول استنشاق الهواء فوجد «فادي» يقول في مكبر الصوت:
أنا حابب أرحب معاكم بوالدي، و الحقيقة اللي معظمكم ميعرفهاش إن سمير مش والدي البيولوجي، بس هو أكتر بكتير من كدا هو اللي اداني عمره و وقته و بقى ليا أكتر من أبويا، هتفضل أحسن أب في الدنيا كلها و هفضل علطول فخور بيك يا بابا"
اغمض «عامر» عينيه بألمٍ و خوف و «ياسين» من خلال عينيه الباكيتين راقب «ياسر» وهو ينظر أمامه بدهشةٍ ممتزجة بالآلم و الوجع و القهر و هو يرى غيره يستمتع بحقه، حق الذي سُلب منه رغمًا عنه و برضا الطرف الآخر، و حينما اقترب منه «خالد» حتى يحاول وقف القادم بقدر الإمكان، اقترب منه «سمير» يقول مُرحبًا به دون أن يعلم بوجوده هنا وهو يقترب منه حتى وقف أمامه:
بشمهندس خالد !! فرحان إن حضرتك جيت الحفلة"
اتسعتا حدقتي «ياسر» بقوةٍ بعد استماعه لجملة «سمير» بينما «ياسين» حرك رأسه نفيًا بيأسٍ و «عامر» الذي شد فروة رأسه يشدد عليها بعدما حدث ما لم يُحمد عقباه.
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم شمس بكري
أبصرتُ فيكَ الأمان....فلاحقني منك الخذلان.
_________________________
أسيرُ في قلقٍ منذ أمدٍ كاملٍ، أشبه في ضعفي ورقة خريفية أسقطتها من جذورها الرِياح، أجوب الطرقات أملًا في طيْب خاطري أبحثُ عن المُستراحِ، يا ليت هذا لم يكن زماني، يا ليت دنياي تُكرمني بالسماح، كنت أخطو طوال الدهر طامعًا في الآمان و لكن ما ذاقه قلبي فقط كان الحِرمان، يا ليتني وافقت قلبي حينما قال:
كَيْفَ تَبحثُ عَنْ الأَمّـانِ
فِي مَضّاجِعِ قَسّوَةِ الحِرمّانِ؟
كَيْفَ تُبصِر أملًا في الحَنان؟
وَ أنّتَ مَكْتّوبّ عَلّيْكَ الخَذَلان؟
انّتَبِه فأنّتَ لَازِلتَ فِي الدُنيا
و رَاحَتَكَ فَقطْ فِي الجِنْانِ
في بعض الأحيان تكن الأمور أكثر خطورةً مما هو متوقع، و لكن هل لخيبة الأمل صوت؟ في الأصل "لا"، و لكن ماذا عن صوت تكسير القلب، أجزم الآن بأن قلبه تفتت إلى أشلاءٍ لم تعد تنفع بشيءٍ، خذلانه في كل ما يملكه بات واقعًا مريرًا أمام عينيه، و كأنه ضُرب من العدو في قلبه بسهام الغدر، هكذا وقف «ياسر» بينهم جميعًا و ما جعل الأمر يزداد سوءًا هو تعرف والده على «خالد»، وقفوا البقية منقسمين إلى نصفين، نصف يشعر بالتعجب الممتزج بالحيرة و الجزء الأخر يشعر بالخوف، حتى تحدث «سمير» مُرحبًا بباقي الشباب بقوله:
أنا غالبًا كدا عارفكم كلكم....هو حضراتكم تعرفوا بعض ؟!"
ضغط «ياسر» على جفنيه بوجعٍ مزق نياط قلبه و كأنه نسيجًا التهمته النيران، طالعه «سمير» بتعجبٍ من حالته بل من حالة الصمت المخيم عليهم، و مع طيلة الصمت سأله بتعجبٍ:
مين حضرتك ؟! مظنش اتقابلنا قبل كدا، و حضرتك كمان مين؟! الأساتذة شوفته"
وجه سؤاله لكلًا من «ياسر» و «وليد» فهذه مرته الأولى التي يراهما بها، حتى استطاع «ياسر» إيجاد صوته أخيرًا وهو يقول بتهكمٍ لأخوته:
قولوله أنا مين، عرفوه و لا أعرفه أنا ؟! خلاص هعرفه أنا"
ظهر الخوف على ملامح الثلاثة و هم ينظرون لبعضهم حتى اقترب «ياسر» منه خطوة يمد يده له وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
معاك الدكتور ياسر....ياسر سمير أبو اليسر.....تحب أكمل ؟!"
جحظت عينيه خارجًا وهو يطالع ابنه أمام عينيه، بينما هو انزل يده ثم رمق الجميع بنظرة قهرٍ ثم تحرك من أمامهم يخطو نحو الخارج، التفت ثلاثتهم و معهم «وليد» الذي التقط ما يحدث حوله فورًا حتى يلحقون به، بينما بقية الشباب وقفوا يطالعون بعضهم بتعجبٍ و حيرةٍ خاصةً بعد اهتزاز جسد «سمير» حتى استند على الطاولة الموجودة أمامه، و في تلك اللحظة اقتربت منه «جيسي» تسمك يده مُسرعةً قبل أن يسقط ثم قالت معتذرة منهم:
معلش أنا متأسفة هو بس تعبان شوية و ماخدش الدوا، عن اذنكم"
حركوا رأسهم بموافقةٍ و هي تتحرك به من أمامهم و لازالت الحيرة تُخيم على قمسات وجههم جميعًا.
في الخارج كان «ياسر» يضرب بقدميه الأرض و هو يتحرك نحو الخارج و الأربعة خلفه، حتى ركض إليه «ياسين» يمسكه من يده وهو يقول بلهفةٍ:
أقف يا ياسر.... أقف رايح فين؟"
أبعد «ياسر» يده عنه بعنف وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
ابعد عني يا ياسين، محدش يجي جنبي"
أقترب منهما الثلاثة و «عامر» يقول بخوفٍ:
استنى يا ياسر بس هفهمك كل حاجة، استنى بالله عليك"
صرخ في وجهه بقهرٍ:
هــفـهـم إيـــه ؟! هتفهمني إيه يا عامر ؟؟ هتفهمني إن أبويا عايش و مبسوط و سابني أنا و أمي و أخواتي البنات؟! و لا هتفهمني إنه كل دا هو فرحان في حياته و أنا مقهور على عمري، هتقولي إيه و أنا شايف الغريب بياخد حقي و أنا واقف قلبي بيتعصر من القهرة و سامع صوت قلبي و هو بيتكسر !!"
نزلت دموعهم رغمًا عنهم على وجعه و جرحه الغائر فقال هو بنفس الوجع:
عيشت عمري كله مستنيه علشان أقهره....و العمر فات و هو قهرني تاني، ليه ؟!....ليه عمل كدا فيا ؟! مش صعبان عليه؟! و كمان تطلعوا عارفينه و هو عارفكم !!"
أقترب منه «خالد» يقول ببكاءٍ بعدما صرخ في وجههم:
والله العظيم كل خوفي كان إنك تتوجع و تتعب....جرحك هو جرحي يا ياسر....علشان خاطري متبعدش عني.....أنا مقدرش على زعلك"
التفت يوليه ظهره محاولًا منع دموعه من الظهور و لكن كل ذلك لن يُجدي بشيءٍ، حتى نزلت رغمًا عنه و هو يتذكر هيئة ذلك المُلقب بوالده، التفت مرةً أخرى يطالعهم فوجد «عامر» يبكي و هو يتوسل إليه بنظراته حتى لا يتركهم، رمقهم بوجعٍ، ثم التفت حتى يغادر من أمامهم، فاقترب «عامر» من «ياسين» و هو يقول ببكاءٍ و توسل:
الحقه يا ياسين...علشان خاطري الحق أخويا.... رجعلي أخويا"
قبل أن يخطو «ياسين» خطوةً تحدث «ياسر» يقول بنبرةٍ جامدة:
محدش يجي ورايا !! سيبوني، اللي هيجي ورايا هتبقى بنهاية كل اللي بيننا....ســـامــعـين !!"
صرخ فيهم بكلمته الأخيرة ثم عبر الطريق حتى أوقف أول سيارة أجرة قابلته و ركب بها دون أن يلتفت لهم و هم يحاولون إيقافه، بينما «خالد» ارتمى على الأرض بكتفين متهدلين و كأنه مُحاربًا سُلب سيفه و قرعت فوقه طبول الحَربِ فجلس يبكي بقوة، فاقترب منه «وليد» يحتضنه وهو يبكي معه، بينما «ياسين» وقف يلهث بقوةٍ بعدما ركض خلفه حتى يمنع رحيله، لكن كل ذلك كان بدون جدوى، فعاد مرةً أخرى نحو الشباب فوجد البقية يخرجون من الداخل لهم بتعجبٍ من تلك الأجواء حتى سألهم «طارق» بقلقٍ اتضح في نبرته:
في إيه ؟! خالد قاعد كدا ليه؟! و فين ياسر؟! مالكم يا جماعة؟!"
وقف «وليد» يقول مُسرعًا:
طارق خدهم و أمشي و أنا هفهمك لما نروح البيت، قوموا خلونا نلحق ياسر، يلا يا خالد قوم"
هب «خالد» منتفضًا من جلسته و هو يمسح دموعه ثم ركض نحو سيارته و معه «عامر» و خلفه مباشرةً تتحرك سيارة «ياسين»، فتحدث «حسن» يقول باستغرابٍ:
هو فيه إيه؟! أنا مش فاهم حاجة ؟! الدنيا اتقلبت مرة واحدة"
رد عليه «وئام» مُسرعًا:
بقولكم إيه الحفلة دي مش لازمانا، يلا ورا الشباب مينفعش نسيبهم لوحدهم"
أيده «طارق» مُسرعًا وهو يقول:
صح، يلا بينا، هما كدا كدا مش هياخدوا بالهم"
أومأ له الجميع بموافقةٍ ثم تحركوا معه نحو سيارتهم حتى يذهبون خلف الشباب.
_________________________
في الداخل و تحديدًا في غرفة المكتب ارتمى «سمير» على الأريكة يمسك رأسه بكفيه معًا و هو يشعر و كأن حربًا تدور برأسه، اشتد الآلم عليه حتى سقط على عينيه فصرخ من شدة الآلم، و خاصة أن الطبيب أخبره أن ذلك المرض الخبيث لا يحبذ معه الانفعال أو الصدمات خاصةً أنه أصاب المخ، بينما «جيسي» رغم ضيقها منه و ضجرها من أفعاله، إلا أنها جلست بجواره و في يدها الدواء و هي تقول بلهفةٍ:
طب خد العلاج طيب يا بابا، كدا غلط عليك و الدكتور قال مينفعش الإجهاد النفسي دا كله"
رد عليها بصوتٍ خافتٍ و كأنه يتحدث رغمًا عنه بقوله المتقطع:
مش....قادر....مش قادر يا جيسي....ياسر.....كان قصادي و أنا مقدرتش...مقدرتش أعرفه و لا احضنه....ياسر اتقهر تاني...."
ردت عليه هي ببكاءٍ:
اللي فضلت أحارب علشان ميحصلش...حصل و خرب الدنيا، شعوره صعب أوي و خصوصًا و هو شايف فادي واقف جنبك و بيشكر فيك....قهرة متمنهاش لألد أعدائي"
ضرب رأسه في الأريكة خلفه بقوة و كأنه يصارع ذاته من خلال الألم المنشوب في رأسه، أما هي فزاد بكائها و هي تتخيل شعور «ياسر» بعد كل ذلك ما عايشه اليوم.
في الخارج وقف «فادي» مع ضيوف الحفل بعدما اعتذر منهم بسبب انشغال والده، و أكمل ما بدأه دون أن يكترث لما يحدث حوله و كأن الأمر لا يعنيه من الأساس.
_________________________
أوقف «ياسر» سيارة الأجرة أسفل مسكنه ثم ركض نحو الداخل مسرعًا و عينيه يكسوها الاحمرار و كأنها جمرًا مُشتعلًا بسبب تفكيره فيها إن كانت تعلم بكل ذلك أم لا، بينما هي كانت على الأريكة ترتجف خوفًا عليه بعدما هاتفها شقيقها يخبرها بما حدث، و فجأة انتفضت حينما سمعت صوت طرقاته على الباب، ركضت هي بسرعةٍ كبرى و هي تمسح دموعها ثم فتحت له الباب و بمجرد التقائه بها، أمسك يدها بعنفٍ و هو يغلق الباب بقدمه حتى استندت هي على الحائط خلفها و هو ملتصقًا بها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
هو سؤال واحد !! كنتي عارفة أنتِ كمان ؟! كنتي عارفة إنه هنا و إنه عارف خالد و الشباب ؟! انــطـقي !!"
حركت رأسها موافقةً بخوفٍ منه و الدموع تلمع في عينيها فوجدته يشدد مسكته ليدها و هو يهزها في يده بعنفٍ مع قوله الموجوع:
كنتي عارفة !! كنتي عارفة إنه موجود على وش الدنيا و مخبية عليا ؟! حتى أنتِ؟! دا أنا مليش غيرك أنتِ، وجعتيني ليه ؟!"
ردت عليه ببكاءٍ تقطع استرسال حديثه بقولها:
أنا موجعتكش....و الله العظيم ما وجعتك، أنا حافظت عليك من الوجع و اسأل خالد هو يقولك كل يوم كنت بسهر جنبك علشان الكوابيس اللي بتجيلك، كل يوم كنت بفضل أفكر إن طول ما أنا عايشة اليوم دا مش هيجي، استحملت وجع السر دا في قلبي علشان موجعكش، فكر فيها كدا هتلاقيني حافظت على قلبك من القهر يا ياسر"
لم يستطع تفسير ما يحدث حوله حتى وجدته يترك يدها وهو يمسك القطعة الزجاجية الموجودة على الطاولة ثم قزفها على الأرض حتى ينفث غضبه الكامن بداخله، ثم كرر الكرة مع عدة قطع موجودة حتى أمسك المقعد المجاور له يلقيه بقدمه
و هو يبكي بقوةٍ و كل ذلك مه صرخته العالية حتى جلس على الأرض يستند على الحائط خلفه بعدما خمدت نيرانه و هو يشهق بقوةٍ فجلست هي بجواره ثم احتضنته فوجدته يتشبث بها وهو يقول بقهرٍ من بين بكائه:
بس أنا اتوجعت....قلبي اتكسر على إيده تاني...ليه؟!....ليه ادوق الأحساس دا مرتين و كل مرة أسمع صوت التكسير في قلبي؟! أنا اتقهرت....، هو مش الضرب في الميت حرام؟! طب أنا ميت و كل دا حرام يحصل فيا....
إيمان متسيبينيش....حتى لو زعلانة مني خليكي معايا.... أبوس إيدك بلاش تسيبيني"
شهقت هي بقوةٍ و هي تقول بوجعٍ مطابقًا لوجعه:
أسيبك إزاي؟! و الله العظيم أنا فضلت أحارب علشان ميجيش اليوم دا....مش هسيبك...أنا معاك علطول حتى لو أنتَ عاوزني أمشي، أنا مكنتش عاوزاك تتوجع يا ياسر"
شدد عناقه لها و هو يقول بصوتٍ بدأ في الخفوت تدريجيًا:
لأ....متمشيش...أنا خايف.... خايف قلبي يوجعني تاني و أنا مش حِمل كل دا....أنا مش قد....ه"
زادت شهقاتها أكثر حتى وجدت قبضته ترتخي عليها، انصدمت هي من سكونه بتلك الطريقة و خاصةً مع خمول جسده عليها، فعادت للخلف تبتعد عنه و هي تقول بخوفٍ:
ياسر....ياسر !! أنتَ كويس؟! يـــاســر"
صرخت بإسمه حينما وجدته أغلق عينيه بتلك الطريقة و توقف عن التنفس و كأنه استسلم للوجع، ظلت تربت عليه و تهزه بعنفٍ و هي تصرخ باسمه حتى طرق باب الشقة بقوةٍ، أغلقت حجابها المرتخي على رأسها ثم ركضت نحو الباب تفتحه فوجدت أخيها و معه الشباب، حينها أمسكت يده و هي تقول ببكاءٍ ممتزج بخوفها:
الحقني يا خالد.....علشان خاطري....شوفه أبوس إيدك"
حرك رأسه نحو موضع إشارتها فوجد أخيه ساقطًا على الأرض و كأنه جثةً هامدة، حينها اقترب منه يصرخ بإسمه و الشباب خلفه يحملونه حتى دلفوا به الغرفة الداخلية و «وليد» طلب رقم الطبيب الذي كان مسئولًا عن علاج عمته و «إيمان» جلست على الأرض بجانب الفراش تمسك كف يده تبكي بشدة حينما تذكرت حديثه الموجوع و تشبثه بها بتلك الطريقة، جلس «خالد» بجوارها يحتضنها و الدموع تنهمر على وجنتيه حزنًا على رفيق حياته و شقيقته، بينما «عامر» جلس القرفصاء أسفل الفراش و الدموع تنهمر على وجهه و كأنها شلالاتٍ خرجت عن سدود منابعها، اقترب منه «ياسين» و أثر الدموع على وجهه ثم جثى على ركبتيه أمامه وهو يقول بصوتٍ متحشرج نتيجة البكاء:
عامر !! أنتَ كويس ؟! ساكت ليه؟!"
حرك رأسه له يطالعه وهو يقول بوجع خرج من قلبه قبل نبرته و رافق حديثه دموعه:
لأ مش كويس....أنا مقهور على أخويا و قلبي بيتقطع.... رجعلي أخويا زي ما كان....علشان خاطري رجعهولي.... رجعلي ياسر"
خطفه «ياسين» بين ذراعيه وهو يقول من بين دموعه:
هيرجع....متخافش عليه أخوك جامد و الدنيا مش بتقدر عليه"
ابتعد عنه يقول بنفس الألم البادي عليه:
بس وجعه كبير المرة دي....ياسر تعب يا ياسين، أخوك تعب...و تعبه تعب قلوبنا إحنا، ما بالك هو"
كان «خالد» يتابعه بعينيه الباكيتين ثم حرك رأسه يطالع ذلك الذي يسكن الفراش و كفه بين كفي زوجته و هي تبكي بين ذراعي شقيقها، و على أعتاب الغرفة كان «وليد» يتابع كل ذلك بدموعه التي أعلنت عليه العصيان و ذكرته بتمسكه الواهٍ، حتى هاتفه الطبيب يعلن عن وصوله فنزل هو من الشقة بعدما انسحب من بينهم، و في الأسفل توقفت سيارة الشباب بعدما علموا بمكان تواجدهم بعدما هاتفوا «وليد»، بينما «وليد» وصف للطبيب مكان تواجده حتى وصل إليه فأخذه و صعد به للأعلى و الشباب يلحقونه حتى وصلوا جميعًا للشقة بخوفٍ و قلقٍ من ما يحدث حولهم، دلف «وليد» أولًا و معه الطبيب الذي جلس على المقعد المجاور للفراش يتفحص «ياسر»، و البقية حوله يطالعونه بقلقٍ حتى اعتدل هو بعدما قام بقياس ضغط الدم و جميع الفحوصات اللازمة من خلال فحص بؤبؤ عينيه، حتى التفت يسألهم بنبرةٍ عملية:
هو اتعرض لضغط عصبي ؟! أو انفعال مبالغ فيه ؟! حد ضايقه؟"
حرك «ياسين» رأسه موافقًا بقلة حيلة فوجده يقول مُفسرًا:
هو جاله هبوط حاد في الدورة الدموية نتيجة الانفعال دا، أنا دلوقتي هديله حقنة و ياخدها مرة تانية بعد ١٢ ساعة و ياريت أي حاجة ممكن تزعله أو تجهد أعصابه بلاش منها"
سأله «وليد» بلهفةٍ باعتباره أكثرهم وعيًا:
طب حضرتك شايف إننا نوديه مستشفى ؟! نطمن عليه أكتر يعني"
رد عليه مُردفًا بهدوء:
ملوش لازمة، الموضوع كله محتاج راحة بس مش أكتر، و ياريت يهتم بالأكل و العصاير و السوائل علشان تظبط الهبوط دا، أنا بس محتاج المحاليل دي علشان أعلقهاله ضروري"
كانت «إيمان» تتابعه بعينيها الباكيتين و لولا وجود الشباب و الرجال لكانت الآن تأخذه بين ذراعيها تحميه من كل ذلك الآسى، بينما «حسن» اندفع يأخذ منه الورقة التي دون هو بها اسم المحلول الطبي حتى يقوم بجلبه، ذهب معه «أحمد» أيضًا، و وقف البقية يتابعونه بأعين دامعة و شفقةٍ معًا، و أكثرهم حزنًا كان «عامر» الذي وقف يبكي دون أن يتحكم في دموعه التي نزلت رغمًا عنه ممتزجة بشهقاتٍ بين الحين و الآخر
و لم يختلف عنه «ياسين» كثيرًا بل كانت دموعه تنزل في صمتٍ و «خالد» الذي أصبح في ضعف عمره خلال دقائق معدودةٍ، ظل الوضع هكذا حتى اقترب «وليد» من «عامر» يحتضنه و هو يحاول التحكم في دموعه
و «طارق» و «وئام» يحاولا تهدئة «ياسين» الذي طالعهما بوجعٍ من نظرته حتى وصل «حسن» مرةً أخرى و هو يقدم للطبيب المحلول الطبي الذي أخذه منه بلهفةٍ ثم غرزه في وريد كفه و بدأ بتفعيل دورة المحلول في جسده، و من بعدها رحل بعدما تمنى له الشفاء و أخبرهم بكل ما يلزم في حالته و تفاصيله، و خرج الشباب خلفه من الغرفة تباعًا عدا «خالد» الذي مال عليه يقبل رأسه و كأنه يعتذر منه بذلك و هو يبكي، فسقطت دمعته على وجه «ياسر» رفع حينها نفسه مُسرعًا وهو يقول بنبرةٍ باكية:
أنا آسف...و الله أنا آسف على كل حاجة زعلتك و أنا مقدرتش في يوم أحوشها عنك...... حقك عليا من الدنيا اللي عمالة تزعل فيك و أنتَ ساكتلها.... أسف علشان وعدتك موجعكش و وجعتك، قوم علشان خاطري متوجعش قلبي عليك"
أبان ذلك كانت «إيمان» تقف خلفه تتابعه و تتابع حديثه معه حتى اقتربت من أخيها ترتمي بين ذراعيه و هي تبكي بكاءٍ ممتزجًا بالشهقات التي مزقت قلبها قبل حلقها و هو يربت عليها ثم قبل رأسها و طالع عينيها و هو يقول بصوتٍ مختنق:
حقك عليا علشان خلفت بوعدي، قولتلك هحميكم أنتم الاتنين و طلعت مش قد الوعد، مكانش قصدي و الله"
زاد بكائها و هي تتشبث به مع قولها المقهور على زوجها:
ياسر مقهور....شكله و هو ماسك فيا و بيقوله إنه موجوع مش هقدر أنساه....خليك معايا و معاه و متسبهوش"
ابتعد عنها ثم مد يده يمسح دموعها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
ابعد عنكم !! مقدرش أبعد عن عيالي يا إيمان، أنا اللي مربيكم على إيدي و لا نسيتي، أنا مش هقدر أسيبكم متخافيش"
حركت رأسها موافقةً فوجدت باب الغرفة يُطرق بواسطة «عامر»، ابتعدت عن شقيقها و هي تمسح دموعها فوجدت «عامر» يدلف الغرفة ثم تقدم حتى وقف أمام الفراش القابع عليه «ياسر» و لم يتمالك نفسه وهو يجلس على ركبتيه بجوار الفراش ثم رفع كفيه يمسك كفه الحر وهو يقول بنبرةٍ باكية:
أنا طول عمري كان نفسي يكون عندي صحاب و كنت فاكر إن محدش هيقدر يصاحبني و أنا أهبل كدا، بعصب خالد و أزهق ياسين و أجي عندك أنتَ و بلاقي نفسي طفل، طفل صغير معاك أنتَ، مبعرفش أكبر معاك....و مش عاوز أكبر، عاوزك ترجعلي تاني، ترجعلي أخويا و صاحبي و العيل اللي عامر بيلاقي نفسه معاه، أنا و الله مقدرش على زعلك و لا تعبك...أنتَ غالي عليا"
كان «ياسين» واقفًا على أعتاب الغرفة يبكي من جديد على حديث «عامر» الذي أخفض رأسه يقبل كف رفيقه، فاقترب منهم وهو يطالعه في فراشه حتى وجد «عامر» يعتدل واقفًا وهو يمسح دموعه ثم أشار لـ «خالد» حتى يخرج معه و معه شقيقته، أومأ له موافقًا ثم سحب «إيمان» خلفه لكنها أبت الخروج و ارتمت على الأريكة و هي تبكي، فجلس «ياسين» على الفراش بجواره يمرر كفه على رأسه و هو يقول ببكاءٍ يشبه بكاء الطفل الصغير:
عارف لما ببصلك و أشوفك قدامي بحس أني عاوز أحضنك و أخدك أخبيك من الدنيا، علشان اللي زيك صعب يعيش فيها....لو بإيدي هاخد الوجع منك علشان متحسش بيه.....وجعك صعب و وجعي صعب زيه، أنتَ أول واحد أقول عليه أخويا، أول واحد القلب شاور عليه و قال هو دا اللي هيبقى في كتفك طول ما العمر....
فيه أخ يسيب أخوه كدا؟! دا أنتَ أول واحد أفرح بيه إنه صاحبني، لسه فاكر أول مرة اتصلت بيك علشان اتأكد هتيجي المدرسة ولا لأ؟! طول عمري رابط حياتي بيك، كنت بمشي أقول للناس ياسين و ياسر توأم، فاكر لما الكل كان فاكرنا أخوات علشان حروف أسامينا ؟؟ قوم علشان أخوك مش هيقدر على زعلك منه..... ياريتني كنت قولتلك من زمان أحسن ما أشوف قهرتك بالمنظر دا"
كل ذلك تابعته «إيمان» ببكاءٍ و كذلك «عامر» الذي ارتمى على باب الغرفة و هو يجلس ببكاءٍ و «خالد» وقف يتابع هدم الحياة فوق رأسهم جميعًا.
في الخارج قام «وليد» بسرد بعض التفاصيل للشباب حتى يفهمون ما حدث مع «ياسر»، ظهر التأثر على وجوههم، و الغضب من «سمير» فمنهم من سبه، و منهم من توعد له، حتى خرج لهم الشباب و بقيت زوجته بجواره في الداخل، وقف الشباب عند رؤيتهم لهم، و أول من تحدث كان «طارق» حينما قال بلهفةٍ:
إيه الأخبار طمنونا، مفاقش؟!"
حرك «خالد» رأسه نفيًا فظهر الإحباط على وجوههم، فتحدث «حسن» بخجلٍ وهو يقول:
أنا أسف و الله لو كان عندي حتى خلفية بسيطة مكنتش عرضت عليكم تيجوا معانا، الغلط غلطي أنا"
رد عليه «عامر» بقلة حيلة من صوته الذي يجاهد حتى يتحدث به:
متقولش كدا يا حسن، دا نصيب و بعدين أنتَ كنت هتعرف منين يعني، و كتر خيركم تعبناكم معانا"
رد عليه «طارق» بمعاتبةٍ:
مش احنا إخواتكم برضه؟! المهم ربنا يطمننا على ياسر و يرجع تاني أحسن من الأول"
تحدث «وليد» يقول بنبرةٍ هادئة لم تخلو من حرجها:
طب إحنا هنستأذن علشان ترتاحوا شوية و علشان تقدروا تقفوا مع ياسر و تخلوا بالكم منه، و أنتَ يا ياسين متقلقش على خديجة، في عينيا متقلقش و هاجي ليكم الصبح اطمن عليكم، يلا يا شباب ؟!"
وافقوه في الحديث ثم قاموا بتوديع الشباب و نزلوا من الشقة حتى يذهبون إلى بيتهم، و معهم «وليد» بعدما نظر له «ياسين» نظرة امتنانٍ التقطها هو على الفور فأشار له برأسه يطمئنه، بعدها جلس الشباب في غرفة الصالون، بقلة حيلة و كأن الهزيمة تسحق بهم أرضًا، و في الداخل كانت «إيمان» بجواره على الفراش تضع رأسها نحو موضع قلبه و هي تبكي و بين الحين و الآخر تضع يدها على فمها حتى تكتم شهقتها، فهي حتى في أحلامها لم تتصور أن يكون ذلك اليوم بكل تلك الصعوبة، عليها قبله هو، فكلما تذكرت هيئته و غضبه و خموله بعدها يصرخ قلبها قهرًا عليه، حتى غفيت دون أن تشعر بنفسها و رأسها استقر على قلبه و هي تقنع نفسها بأن قلبه لازال نابضًا، إذن هو بخير، و في الخارج وضع «عامر» رأسه على كتف «ياسين» و لازالت دموعه كما هي تنهمر على وجنتيه، حتى اقترب منه «خالد» يحتضنه فوجده يشهق بين ذراعيه، أما «ياسين» فمسح دموعه ثم اقترب من الطاولة يأخذ المصحف الشريف من عليها ثم قام بفتحه يقرأ ما تيسر منه، و هما يطالعونه بتأثرٍ، فهو اعتاد على اللجوء لله دومًا في فرحه قبل حزنه، بينما هو بدأ القراءة بصوته العذب الذي ملأ أركان البيت، حتى اختلطت دموعه بصوته حينما وقع بصره على الآيات الحكيمة.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصل الشباب بعد رحيلهم من عند «ياسر» و كلًا منهم يشعر بالتعجب و الدهشة الغضب تجاه ذلك المدعو "سمير"، حتى توجه كلًا منهم إلى وجهته، كانت «خديجة» في غرفتها تشعر بالضجر منه و هي تتوعد له بسبب تأخره عليها، حتى تحدثت تقول بتوعدٍ له:
ماشي، اقفل تليفونك كويس و اتأخر براحتك، لما اتعصب عليك متبقاش تزعل يا أبو طويلة"
فُتح باب غرفتها فجأةً و ظنت هي أنه هو لذلك قبل أن تحرك رأسها تواجه الطارق، قالت بضجرٍ:
أهلك معلموكش تخبط على الباب يا أبو طويـ...."
توقفت عن الحديث حينما وجدت «وليد» يدخل الغرقة فقالت من جديد:
هو أنتَ ؟! تعالى كدا كدا متربيتش، طول عمرك بتفتح الباب من غير ما تدخل، فين جوزي؟!"
سألته بتهكمٍ و هي تسخر منه فوجدته يجلس مقابلًا لها وهو يقول بصوتٍ خافتٍ:
ياسين مش هيقدر يجيلك هنا النهاردة، هيبات عند ياسر"
رفعت حاجبها و هي تقول بتوعدٍ:
ليه ؟! هو جوز مين فينا ؟!"
تنهد «وليد» بقلة حيلة ثم قام بسرد ما حدث عليها و عن تبدل الحال في لحظةً و أخرى، و هي تطالعه بدهشةٍ حتى اقتربت منه تمسك يده و هي تقول بتوسلٍ ممتزج بالبكاء:
خدني عندهم يا وليد، إيمان هتتعب أوي، علشان خاطري وديني ليهم، لازم أكون و مع ياسين، هي مش هتقدر تشوفه في الحالة دي"
رد عليها بنبرةٍ جامدة يرفض حديثها:
خديجة فوقي أخدك فين ؟! شوفي نفسك و حالتك، أنا جاي أطمنك و أريحك علشان التفكير ميتعبكيش، إنما كدا أنتِ بتستهبلي"
ردت عليه بتوسلٍ:
إيمان هتتعب يا وليد، مش هتقدر على كل دا، علشان خاطري عاوزة أكون معاها"
في تلك اللحظة دلف «أحمد» الغرفة فوجدها تمسح دموعها، اقترب هو يقف مجاورًا لها وهو يقول بتعجبٍ:
مالك !! هي كانت بتعيط ولا إيه؟!"
رد عليه «وليد» يسخر عليها:
عاوزة تروح عند ياسر علشان مراته متبقاش لوحدها، مش شايفة نفسها عاملة إزاي؟"
وجه «أحمد» حديثه لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
يا خديجة الوضع هناك صعب، البيت كله مقلوب و أنتِ تعبانة يعني ليكي عذر، إن شاء الله ياسين يطمن على ياسر و يجي يطمنك و يخليكي تكلميهم، ريحي نفسك بس"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة فترك كليهما الغرفة لها، بينما هي رغمًا عنها شعرت بالآلم يعتصر قلبها حزنًا على حال الجميع، و هي تفكر في صديقتها و زوجها و رغمًا عنها أيضًا شعرت بوخز الدموع في مقدمتي مُقلتيها، فزفرت بقوةٍ تحاول التحكم في نفسها و هي أضعف ما يكون عن ذلك.
_________________________
بعد مرور ساعتين و أكثر كان الوضع كما هو، جلوس الشباب في الخارج دون أن يغمض لأيًا منهم جِفنًا، و «إيمان» التي استقرت بجانبه و رأسها كما هي ساكنة على صدره، بينما «ياسر» نفسه كان يحرك رأسه نفيًا و العرق يتصبب على وجهه كما لو أنه يتحمم، و كل ما يدور برأسه و يمر على سماعه صوته الغليظ و هو يقول:
أنا مش ملزم بيكم، مش هضيع عمري جنبكم هنا في فقر و قرف، هستفاد إيه أنا لما أشقى عليكم؟! أخرتها كل واحد فيكم هيروح يفتح بيت و أغني أنا ظلموه...؟!
أنا حابب أرحب معاكم بوالدي، و الحقيقة اللي معظمكم ميعرفهاش إن سمير مش والدي البيولوجي، بس هو أكتر بكتير من كدا هو اللي اداني عمره و وقته و بقى ليا أكتر من أبويا، هتفضل أحسن أب في الدنيا كلها و هفضل علطول فخور بيك يا بابا"
كل هذا كان يجول بخاطره و يراوده في كابوسه حتى تذكر الصفعة القوية التي نزلت على وجهه من والده و كأنها تهوى على صفحة وجهه الآن حينها صرخ في نومه وهو يقول رافضًا ما يشاهده:
لاااااأ"
اندفع للأمام بجسده وهو يلهث بقوةٍ حتى ابتعدت «إيمان» عنه و هي تحرك رأسها نفيًا و هو بجوارها يجاهد حتى يتنفس و المياه تتصبب على وجهه، و في تلك اللحظة فتح باب الغرفة بواسطة «خالد» حينما استمع لصوت صرخته، خرجت «إيمان» من الفراش تقف بجواره و هي تقول بلهفةٍ ممتزجة بخوفها:
ياسر....أنتَ كويس...فيك إيه؟"
حرك رأسه نحو موضع كفه و تلك الإبرة الطبية الموصولة به و هو يشعر بجفاف حلقه فحتى الآن لم يستطع التمييز بين واقعه و حلمه، بينما «خالد» اندفع له وهو يقول بقلقٍ واضحٍ:
ياسر !! عامل إيه طمني عليك، أنتَ كويس صح؟!"
كان «ياسين» و «عامر» على أعتاب الغرفة لم يرفع أيًا منهم رأسه بسبب تواجد زوجته خوفًا أن تكون رأسها مكشوفةً، لكنها هي كانت بحجابها، فاقتربت منهما تشير لهما بالدخول، حينها تحدث «ياسر» بدهشةٍ ممتزجة بالتيه و صوتٍ متقطع:
يعني إيه؟؟ هو دا مكنش كابوس؟!....كل دا كان حقيقة؟!"
لمعت العبرات في مقلتيها بينما «خالد» زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه موافقًا بإيماءةٍ بسيطةٍ، فنزلت العبرات من عيني «ياسر» و هو يحرك رأسه يطالعهم جميعًا بقهرٍ و هو من ظن أن كل ما عايشه من نسج خياله، حتى تفاجأ بصفعات الواقع تطلمه على وجهه، حتى وجد «عامر» يندفع نحوه ثم قبل رأسه و هو يقول بنبرةٍ باكية لم يستطع التحكم بها:
ألف سلامة عليك، يارتني أنا و أنتَ لأ.....طمني عليك أنتَ كويس صح؟!"
رفع «ياسر» كفه الحر يمسح وجهه ثم حرك رأسه موافقًا على مضضٍ و هو يلقيها على ظهر الفراش، فاقتربت منه زوجته و معها كوب المياه و هي تربت على كتفه، فتح هو عينيه يطالعها فوجدها تشير له بعينيها نحو الكوب، أخذه هو منها ثم تناوله جرعة واحدة من شدة الجفاف في حلقه، بينما هي نظرت في وجوههم و كأنها تطلب منهم العون، لكنها تفاجأت به يمسك يدها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
حقك عليا.....مكنتش قاصد أزعلك و لا كنت قاصد أعمل اللي عملته قدامك، متزعليش"
طالعته بدهشةٍ من عينيها الدامعتين فوجدته يجذبها نحوه ثم قبل رأسها و بعدها طالعها بندمٍ و هو يقول بصوتٍ مختنق:
متزعليش مني، أنا آسف و الله"
بكت هي رغمًا بشهقاتٍ قوية جعلته يطالع أصدقائه ثم حرك رأسه لها وهو يقول بقلة حيلة:
خلاص و الله، مكنتش أقصد أني اتعصب عليكي كدا، بس أنتِ مش زعلانة صح؟!"
حركت رأسها موافقةً بشدةٍ فوجدته يبتسم لها بوهنٍ ثم ربت على كفها بيده، فتدخل «خالد» يقول بصوتٍ تائهٍ:
أنتَ....أنتَ حاسس بإيه....كويس صح؟؟ تحب نطلع و نسيبك ترتاح؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يقول بصوتٍ خافتٍ:
خليكم معايا.....متمشوش"
طالعوه الثلاثة بدهشةٍ فقال هو بتهكمٍ و بنبرةٍ جامدة:
هو انتم ما صدقتوا عاوزني أخلع منكم؟! خلاص بقيت اللقمة في الزور؟؟"
سأله «ياسين» بلهفةٍ:
يعني أنتَ مش زعلان مننا و هتبعد عننا ؟!"
رفع حاجبه له وهو يقول:
من إمتىٰ و حد فينا ساب التاني؟! كفاية اللي حصلكم بسببي"
جلس «عامر» بجانبه يقول بلهفةٍ:
ياسر أنتَ مش هتخاصمني صح؟؟ على فكرة أنا مكنتش موافق على كل دا، و خالد كان فرحان إنك هتسيبنا و تموت و ياسين كان بيفكر يشتري الشقة دي يفتحها على شقته"
ضحك «ياسر» رغمًا عنه ثم خطفه أسفل ذراعه يحتضنه وهو يعلم أنه يحاول تغيير حالته، حتى بكى «عامر» رغمًا عنه وهو يقول:
و الله العظيم قلبي وجعني....علشان خاطري متسبناش.....بلاش تقطمنا و إحنا طول عمرنا كتف واحد.....مش هتسبنا صح؟!"
سأله بحذرٍ فحرك «ياسر» رأسه يقبل رأس «عامر» ثم شدد مسكته له وهو يقول بنبرةٍ باكية:
أسيبكم و أروح فين؟! مين ليا غيركم في الدنيا علشان أرمي حمولي عليه، خليكم أنتم بس جدعان و متسبونيش"
أقترب منه «خالد» يدفع «عامر» ثم أخذه بين ذراعيه وهو يقول بوجعٍ:
أنا معيشتش يوم صعب زي دا في حياتي يا ياسر، حقك عليا و متزعلش مني و الله خبيت من خوفي عليك، خوفت على ابني اللي شيلته على إيدي، أنا عمري ما أقصد أوجعك"
مسح دموعه ثم ابتعد عنه وهو يحرك رأسه موافقًا تزامنًا مع قوله بصوته الباكي:
عارف و الله عارف، أنا طول عمري كنت متأكد إن لو اليوم دا جِه أكيد أنتم هتعملوا كدا، ربنا يخليكم ليا، بس هو نصيب و مكتوب أني أتوجع منه هو"
أقترب «ياسين» و الدموع تنهمر على وجنتيه وهو يقول:
أبوس إيدك بلاش تقول إن أنتَ اتقهرت، قلبي بيتقطع من جوة، أنا مش حمل إن أخويا يتعب....ياسر أنتَ كويس؟! صح !!"
فتح ذراعه له وهو يبتسم بهدوء على الرغم من ملامحه الباكية، فارتمى «ياسين» عليه يتمسك به وهو يبكي حتى صرخ مع دموعه و «عامر» الذي اقترب يحتضن «خالد» هو الآخر، فتحدث «ياسر» بعدما ابتعد عن «ياسين»:
أنا كنت ناوي أهرب منكم، بس ههرب و أروح فين و أنا أولي و أخري عندكم؟؟ مقدرتش أفكر أني ممكن أروح لحد غيركم، لقيت نفسي باجي على هنا علشان عارف إن هنا أولي و أخري"
ربت «خالد» على كتفه، فاقتربت منه «إيمان» بملامحها الباكية ثم قبلت قمة رأسه، رفع هو رأسه يطالعها ثم حرك رأسه للشباب وهو يقول بمرحٍ محاولًا تغيير الأجواء:
طب يا شباب أنا رجعت في كلامي، برة بقى و ياريت تاخدوا الباب في أيديكم"
اصطبغ وجهها بحمرة الخجل، بينما الشباب ضحكوا عليه، فتحدث «ياسين» يقول بمرحٍ هو الآخر:
طب كل واحد فينا بقى يروح بيته و يسيب الراجل يرتاح، إحنا مش هننام، كلمونا لو فيه حاجة، يلا يا خالد يا عامر"
وافق على اقتراحه كليهما ثم قبل كلًا منهم رأس «ياسر» الذي كانت ملامحه باهتة إلى حدٍ كبيرٍ، كما أن صمته عن الموضوع أثار حفيظتهم، لكنهم ظنوا أنه يود الهروب مما عايشه و شعر به، رحلوا معًا من الشقة، فاقتربت هي تجلس بجواره فوجدته بسحبها نحوه حتى التصقت به، فهمس معتذرًا لها بقوله:
أنا طول عمري مكرهش في حياتي قد إن راجل يطلع رجولته على ست، حتى لو بنظرة عين، طول عمري بكره الراجل اللي يقهر الست اللي معاه، أكيد مكانش قصدي أعمل فيكي اللي عملته برة، عارف أني خوفتك، شكلك و أنتِ بتترعشي من الخوف في أيدي قهرني أكتر من قهرتي منه، شوفت نفسي نسخة منه و دي أكتر حاجة خوفت منها، ريحيني و قوليلي إنك مش خايفة مني؟!"
حركت رأسها نفيًا دون أن ترد عليه فحتى الآن لم تجد صوتها الهارب، فوجدته يحتضنها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
ربنا يباركلي فيكي يا إيمان"
بكت هي بين ذراعيه بشدة حتى خرجت شهقاتها قويةٍ فسألها بدهشةٍ بعدما ابتعد عنها حتى يطالعها:
مالك يا إيمان؟! بتعيطي ليه كدا طيب؟! أنتِ لسه خايفة مني ؟!"
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بصوتٍ مختنق نتيجة عبراتها:
بعيط علشان خايفة عليك، مش خايفة منك، أنا طول عمري كنت خايفة من اليوم دا يجي و تتعب و لا حتى تسيبني، خوفت كل اللي بيننا يخلص بكلمة تخرج منك، كنت مستحيل هرجعلك لو نطقتها، خوفت زعلك يعميك و يخليك تشوفني جاني عليك"
رفع كفه يمسح دموعها وهو يقول بعدما زفر بقوةٍ:
مش أنا اللي أعمل كدا، أنا عيشت بحارب علشانك و شايفك الجايزة اللي ربنا هيكافئني بيها بعد المر اللي شوفته، مينفعش تكوني بتحافظي على قلبي من الجرح، و أجي أقولك أنتِ السكينة اللي عورتني، عمري ما كنت هقدر أبعد عنك"
مسحت دموعها و هي تحرك رأسها موافقةً فوجدته ينام على الفراش و هي بين ذراعيه و هو يحرك كفه الحر يربت عليها و هي بجواره، حرك رأسه نحو كفه فوجد "الكانيولا الطبية" في يده، سألها هو بتعجبٍ:
هو إيه اللي حصل !! و الكانيولاظ دي جت في إيدي إزاي؟!"
رفعت رأسها تطالعه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
أغمى عليك في حضني بعدما ما اتعصبت و كسرت الحاجة،نظ وقتها كان الشباب وصلوا وراك، و أخو خديجة جابلك الدكتور، الحمد لله إنهم كانوا هنا، مكنتش هعرف اتصرف لوحدي، و قبل ما تفوق خالد دخل قفلها و شالها من إيدك، هو كان متابعها كل شوية"
ابتسم هو بسخريةٍ:
طب كنتي عاوزاني أروح فين بقى و أسيبكم ؟! افرضي يعني كنت اتكلت على الطريق ؟! عرفتي إني مليش غيركم ؟!"
رفعت رأسها تطالعه بعينيها الدامعتين و هي تقول:
عرفت و الله عرفت، أنا كنت هموت من الخوف، لما خالد كلمني حسيت كل حاجة بتروح مني، أخويا و صاحبي و حبيبي و جوزي، حسيت أني بخسر كل الدنيا، بخسر ياسوري"
قالتها بمرحٍ جعله يبتسم رغمًا عنه وهو يقول مشاكسًا لها:
ياسورك !! ياسورك بقى خلاص، ورقة شجر الخريف جاب بكرامتها الأرض"
ردت عليه هي مسرعةً:
يا باشا و أنا الربيع اللي هيحيك تاني، عندك شك يا ياسر في كدا؟!"
حرك رأسه نفيًا وهو يبتسم له بسمته الصافية فوجدها تقول بفرحةٍ ظهرت في صوتها:
بس فرحانة إنك مخلعتش مني، كنت خايفة تتلكك و تطلقني، كنت هموت و الله"
رد عليها هو مُسرعًا يشاكسها:
هي كانت فرصة بصراحة أخلع و أنا مستريح، بس هعمل إيه، موكوس و رجلي جابتني على هنا"
شهقت بقوة فوجدته يضحك عليها ثم قال بهدوء:
بهزر يا ستي، أنا مقدرتش أمسك نفسي قدامك، افتكرت لما عم رياض قالي مهما هتعمل فيها جامد و ماسك نفسك هتيجي قدام مراتك و تعيط و ترجع عيل صغير، و افتكرت كمان كلام أيوب عن سيدنا محمد لما قال:
لم يخْجَل حين قال
خشِيت على نفسي فذهبتُ إلى خديجة "
لم يذهب إلى قبيلتهِ ولا عشيرتهِ اللّذان هما الأحَق...كأنّهُ أرادَ إخبارَنا فيما بعْد
خديجة هي قبيلتي وكل أُناسي"
إنه الحَبيب المُصطفى الذي علَّمنا كيف يكُون الحب حقاً...صلُّوا عليهِ وسلِّموا تسْليما
و سبحان الله، حسيت إن عقلي بيفكرني إني مُجبر على سلطة قلبي و هي أني أجيلك أنتِ، أنتِ و بس"
ربتت على كتفه بفخرٍ و تأثرٍ فقبل هو قمة رأسها ثم ابتسم لها و هي تلقي رأسها على صدره، بينما هو رغمًا أغمض عينيه و هو يحاول الهروب مما عايشه و مما شعر به، فحاول الانخراط معها في الحديث حتى لا يتطرق تفكيره إلى ما حدث اليوم، و لكن مهلًا هل هذه الحقيقة يوجد منها مفرٍ ؟! حرك رأسه نحو الساعة الموضوعة فوجدها تشير إلى الثانية صباحًا، حينها حرك رأسه للأسفل فوجد عينيها أوشكت على الانغلاق، زفر بقوةٍ ثم حرك رأسه يضعها على رأسها.
_________________________
في شقة «ياسين» دلفها بمفرده ثم قام بفتح الأنوار، فابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
البيت مضلم من غيرك يا كتكوتة، شبر و نص بصحيح بس مغلباني، و مسهراني"
ابتسم على نفسه ثم دلف للداخل حتى يبدل ثيابه، و هو يتحرك في الشقة لكن عدم تواجدها بها جعله يزفر بضيقٍ ثم قال مُحدثًا نفسه بتعجبٍ:
يا نهارك مش فايت يا ياسين ؟! خلاص مبقتش تعرف تقعد من غيرها؟! عملتلي سحر أسود دي ولا إيه؟!"
أخرج هاتفه بعدما ارتمى على الفراش يهاتف «ياسر» لكن لم يصله ردًا منه، فزفر بقوةٍ و فجأة لمعت العبرات في عينيه و هويتذكر هيئة «ياسر» و بكائه و وجعه الذي شعر به اليوم، و حينما شعر بالحزن يُخيم عليه فتح المحادثة الخاصة بها حتى يحادثها و يتأكد من إيقاظها ثم يهاتفها، لكنها بالطبع من المؤكد أنها غفيت منذ وقتًا طويلًا، خاصةً بعد ذلك الدواء الغريب، زفر هو بقوةٍ بعدما وجد أن أخر ظهور لها منذ ما يقرب الساعتين فأغلق حينها هاتفه ثم ذهب ليتحمم.
في شقة «عامر» كانت «سارة» جالسة على الأرض و «عامر» يضع رأسه على فخذها و هي تدلك فروة رأسه حتى شعرت بسخونة دموعه فسألته بتعجبٍ:
مالك يا عامر بتعيط ليه؟! مش خلاص هو مش زعلان منكم؟! و قالكم أنا مش هسيبكم؟! مالك بس ؟!"
رفع نفسه يقول مُسرعًا:
اللي عيشته كان صعب عليا، فكرة إن واحد فينا يسيبنا دي مرعبة أوي، جرحه صعب و أنا مش قادر أداويه، و لسه متكلمش و مسألش، هو بس بيطمننا، إنما هو بيموت من جواه، عينه كانت مكسورة و مش عارف يبص في وشنا، خدت بالي من بصته لينا وجعتني أوي"
ردت عليه هي بأسى:
الله بصبره يا عامر، وجعه مش سهل برضه، عارف لما الوجع بيجي من الغُرب إحنا مبيفرقش معانا علشان ملهمش غلاوة عندنا، قطمة الضهر بجد لما تيجي من اللي منك، لما تيجي من اللي المفروض يحموك و هما اللي يكسروك، بتوجع يا عامر و اللي جربها و داقها بتقطع قلبه"
مد يده يمسح دموعها التي نزلت رغمًا عنها ثم قال بعدما تنفس بعمقٍ بصوتٍ متحشرجٍ:
لو هما ميستاهلوش يبقى مع السلامة المركب اللي تودي يا سارة، محدش في الدنيا دي مُجبر يكمل في علاقة بتقهره و تظلمه حتى لو كانوا قرايب و بينهم دم، انسحابك من الوضع اللي مش مرتاح فيه، سلام نفسي ليك مش أنانية"
حركت رأسها موافقةً على حديثه فوجدته يعيد رأسه كما كانت وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
سارة...قومي حمريلي بطاطس"
ابتسمت عليه بيأسٍ فوجدته يقول بنفس الطريقة:
يلا و لا أجبلك بنت عمك ؟! مش هي دي أم رجل مسلوخة؟!"
ردت عليه هي بسخريةٍ:
لأ يا حبيبي و أنتَ الصادق، دي أربعة و أربعين، جتها القرف"
في شقة «خالد» دلف شقته و ارتمى على الأريكة بتعبٍ بات واضحًا على هيئته و خاصةً من خلال إحمرار عينيه، حتى تفاجأ بزوجته تربت على يده وهي تقول بصوتٍ خافتٍ:
خالد !! قوم نام يا خالد جوة، جسمك كدا هيوجعك"
اعتدل في جلسته وهو يطالعها بقلة حيلة فوجدها تجلس بجواره ثم سألته بنبرةٍ اتضح بها اهتمامها:
أنتَ عامل ليه كدا بس؟!
زفر بقوةٍ ثم قام بسرد ما حدث عليها خاصةً أنه عند عودته كانت هي نائمةً بجوار صغيرها، أما هي فاحتضنته و هي تقول بإشفاقٍ عليه:
طب دا كله و أنتَ شايله لوحدك؟! الحمد لله إن ياسر عاقل و الحمد لله إنه عارف إنه ملهوش غيركم، احمد ربنا و ريح قلبك يا خالد، الحمد لله جت على قد كدا"
رد عليه هو بلهفةٍ بعدما ابتعد عنها:
هي لسه معدتش و لسه محصلش اللي خايفين منه، ياسر بيحاول يعمل نفسه مش زعلان، بس هو مقهور و كلنا عارفين، هو خدنا على قد عقلنا و إحنا هودناه"
زفرت هي بيأسٍ فوجدته لأول مرّة منذ زمنٍ بعيدٍ يلقي رأسه على كتفها و هو يقول:
أنا حاسس أني ضعيف و مش قادر أتحرك، حاسس أني محتاجك يا ريهام، مش عارفة هتساعديني إزاي، بس خليكي موجودة علشان محسش أني خايف"
ابتسمت هي بسعادة غامرة و هي تقول بسخريةٍ منه:
هو أنتَ ليه عندك إعاقة في المشاعر ؟! ليه بتقول كلام حلو يفرحني و هو مش وقته، خالد أنتَ أهبل؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ هادئة:
أهبل علشان بحبك و أنتِ هبلة زيي، أمي علطول كانت تقولي، الهُبل للهُبل، يمكن حبيتك علشان أنتِ هبلة بقى"
ابتسمت رغمًا عنها فوجدته يزفر بقوةٍ ثم اغمض عينيه يستسلم للنوم أخيرًا و رأسه على كتفها و هي تربت عليه.
_________________________
انسحب من جوارها ثم ارتدى ثيابه و هي غافيةً لا تدري برحيله، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم خرج من الشقةِ ينسحب بهدوء حتى لا تستيقظ و تعرقل انطلاقه، فهو شدد العزم على تلك المواجهة حتى يرتاح و لو قليلًا، خرج من الشقةِ، ثم ركب سيارة الأجرة التي طلبها خلال تطبيق الهاتف، حتى ينطلق به نحو بيت ذلك المزعوم «سمير»، و بعد مرور بعض الوقت الطويل، توقفت السيارة أمام البيت، دلف هو بعدما أخبر الحرس بهويته بنبرةٍ جامدة.
في الداخل كان «سمير» جالسًا في ردهة البيت الواسعة و الدموع تنهمر على وجنتيه و «جيسي» تقوم بسرد ما حدث على أخيها الذي صمم على معرفة تغير الأوضاع بتلك الطريقة حتى خُربت حفلتهم، حتى تحدث أخيرًا يقول بلامبالاةٍ:
و يمكن دول نصابين أصلًا و عاملين كدا علشان يبتزوكم و ياخدوا قرشين حلوين، كبروا مخكم، دا فيلم حمضان"
رمقه «سمير» بغيظٍ بينما أخته اندفعت تصرخ في وجهه وهي تقول:
بطل جحود يا فادي، أنا عارفة كل حاجة و روحت مع بابا عند بيت مراته القديمة، و روحت مكان شغل ياسر و شوفته هناك، و بعدين هما يعرفونا منين علشان ينصبوا علينا؟!"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
عادي ناس عرفوا إن فيه راجل أعمال جاي مصر و ممكن يكون حد مديهم كل المعلومات علشان يلعبوها صح، متستبعديش حاجة في زماننا دا يا جيسي"
رد عليه «سمير» يصوتٍ عالٍ:
ياسر ابني، غصبٍ عنك و عن الدنيا كلها، دا ابني و من صُلبي، و لما تتكلم عنه ياريت تتكلم عِدل"
قبل أن يرد عليه «فادي» دلف «ياسر» مع الحرس و هو يقول بتهكمٍ ساخرٍ:
يا راجل !! تصدق قشعرت ؟! لأ فعلًا قشعرت و الدم جري في جسمي كله من فرط المشاعر"
التفت له «فادي» وهو يقول بنبرةٍ عالية:
أنتَ بتعمل إيه هنا يالا أنتَ؟! اطلع برة بدل ما أطلبلك البوليس"
رد عليه «ياسر» بسخريةٍ:
بس ياض يا أهبل أنتَ، هتطلب البوليس تقوله إيه ؟! واحد جاي يخبط على بابي؟! دا أنا داخل البيت من بابه حتى، أومال لو كنت دخلتلك من شباكه كنت عملت إيه؟!"
اقتربت منه «جيسي» تقول مُرحبةً به بأدب و لباقةٍ:
اتفضل يا دكتور ياسر، نورت البيت، تعالى"
رد عليها بنبرةٍ جامدة:
أنا مش جاي اتفضل، أنا جاي أقول كلمتين لسمير و ماشي تاني"
ازدرد «سمير» لُعابه بقلقٍ فوجده يتخطى الواقفين ثم اقترب منه يقف مقابلًا له بثباتٍ على عكس صراخ قلبه من الداخل وهو يقول:
المقابلة دي أنا عيشت عمري كله مقسوم نصين، كنت بتمناها علشان أقهرك على عمرك اللي ضاع من غيرنا و كنت فاكرك إنسان بتحس زينا، و نص تاني كنت مش طايق يبص في وشك"
أغمض جفنيه بوجعٍ فوجده يضيف بنفس الجمود و كأنه بلا مشاعر:
بس إحنا فيها، معاك الدكتور ياسر أبو اليسر، متخصص في طب الأطفال و من أكبر الدكاترة اللي بيتم استشارتهم في المجال دا، راجل اتولد نتيجة جواز أب فاشل عديم المسئولية من ست تتحط تاج على الراس، اتقاله في وشه زمان من أبوه أنا مش ملزوم بيك، هضيع عمري عليكم و هبقى استفدت إيه؟! و جري ورا الفلوس و راح ربى عيال الغريب، و ساب ٣ ستات في رقبة العيل اللي يدوبك ١٠ سنين، أنا ميفرقش معايا ظهرت إمتى و لا يفرق معايا ظهرت لمين، بس قسمًا بربي، لو سكتك جت على سكتي تاني أنا هقلبها على دماغك يا سمير، هطلع قهر و غُلب السنين فيك أنتَ"
ارتمى «سمير» على الأريكة من قوة الحديث و هو يشعر بالضرب في رأسه، فاقتربت منه «جيسي» و هي تقول بتوسلٍ له:
كفاية يا دكتور، أرجوك كفاية، بابا عنده سرطان في المخ و مرحلته متأخرة جدًا....كفاية"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ و خاصةً حينما رفع «سمير» عينيه يطالعه بقهرٍ و وجعٍ، فاستعاد «ياسر» جموده وهو يقول بلامبالاةٍ:
ربِك الشافي إن شاء الله....كلامي مش هكرره تاني، لو ظهرت قدامي يا سمير أنا ساعتها هريحك من التعب دا، لا أمي و لا أخواتي تظهر ليهم، و اعتبره تهديد"
أقترب منه «فادي» يمسكه من تلابيبه و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
شغل النصب دا مياكلش معايا ياض أنتَ، الشويتين دول تروح تعملهم على حد أهبل، فاكرني مش عارف شغل الحارات دا؟"
صرخت به شقيقته و هي تقول:
بس يا فادي....خلي عندك دم"
هزه في يده بعنفٍ وهو يقول:
اسكتي أنتِ يا جيسي، أنا هعلمه إزاي يلم نفسه و يكلم أسياده بأدب"
رد عليه «ياسر» بتبجحٍ:
أنا مش المفروض استغرب، ما أنتَ تربيته، يعني قلة الأصل شاربها منه بالمعلقة على أصولها، و أنا هوريك الأصول"
لكمه برأسه في أنفه حتى ترنح للخلف فالتفت «ياسر» حتى يرحل فتحدث «سمير» أخيرًا يقول بانهاكٍ واضحٍ:
هتسيب أبوك و هو بيموت يا ياسر.....أنا باقيلي أيام.....خدني معاك"
ابتسم «ياسر» بتهكمٍ وهو يلتفت له مع قوله الحاد:
أنا مش مُلزم بيك...هضيع الباقي من عمري على واحد ميت؟! اللي بياخد العباد ربنا، ادعي بقى يسامحك علشان الكلمة دي مش هتطولها مني"
أخرج «فادي» سلاحه من خلف ظهره يرفعه في وجهه وهو يقول:
أنا هعلمك إزاي تقل أدبك على الناس في بيوتها، اتشاهد على نفسك بقى"
امتعض وجه «ياسر» و هو يسأله بضجرٍ مع حركة رأسه يطيح بها:
أنتَ متوضي يالا؟! روح يا خواجة و سيب اللعبة اللي في إيدك دي، و بلاش تعيش فيها دور المعلم علشان أنتَ اجنبي و أنا عارف و أنتَ عارف، بلا شغل هبل، بس هقول إيه ؟! تربية قليل الأصل تعمل كدا برضه"
التفت يغادر بعد حديثه، دون أن يكترث لذلك الذي ينازع خلفه على الأريكة، بينما «فادي» جلس على المقعد الوثير و الشرر يتطاير من عينيه و «جيسي» تربت على يد «سمير» بأسى.
_________________________
استيقظت «إيمان» بعد رحيله و خاصةً حينما وجدت الفراش خاليًا منه هبت منتفضة تبحث عنه في الشقة بأكملها حتى هاتفت أخيها و هو هاتف البقية ثم نزلوا جميعهم يبحثون عنه، بعدما أتى لهم «وليد» هو الآخر، و بعد البحث عنه اجتمعوا في رأيهم على ذهابه لدى «سمير»، حينها توجهوا هم الأربعة إليه بعدما تركوا «إيمان» في شقتها، و بعد وصولهم للبيت، و بعد شجارهم من حراس الأمن دلفوا أخيرًا، و أول من هجم ردهة البيت كان «خالد» الذي رفع صوته و هو يقول:
سمير !! اطلع لو لسه عندك رجولة و فيه ذرة نخوة عندك"
خرج له من مكتبه و خلفه «جيسي» بينما «فادي» نزل من الأعلى و هو يقول بصوتٍ هادر:
فيه إيه يا جربوع أنتَ !! أنتَ داخل بيت أبوك؟! بتجعجع ليه"
رد عليه «ياسين» بضجرٍ وصوتٍ حاد:
اتكلم عِدل ياض أنتَ، اقسم بالله هجيب رقبتك تحت رجلي و أعرفك مين الجربوع تربية الجربوع اللي زيه، ياسر فين؟!"
رد عليه «سمير» بلهفةٍ:
ياسر كان هنا، هو مروحش ؟! ياسر راح فين ؟!"
اقترب منه «عامر» و على حين غرة أمسكه من تلابيبه وهو يقول:
أنا طول عمري من ساعة ما ياسر بقى أخويا و أنا بكرهك، و هموت و أموتك بإيدي، علشان أخد حقي أخويا من القهر، يا عرة الرجالة أنتَ، انطق ياسر فين؟!"
هزه في يده بعنفٍ فتدخلت «جيسي» تقول بنبرةٍ شبه باكية:
أرجوك كفاية كدا، أنا عارفة إنكم خايفين على صاحبكم، بس هو مريض مش حمل كل دا، ياسر كان هنا فعلًا بس مشي من شوية، مش هنا صدقني"
اقترب «فادي» منهم يقول صارخًا في وجوههم:
مفيش كلب منكم هيخرج من هنا، أنا هسجنكم كلكم و هقول إنكم جيتوا تتهجموا علينا في نص الليل، فاكرين نفسكم إيه؟! أنا هسجنكم"
قبل أن يتدخل أيًا منهم قفز عليه «وليد» حتى ارتمى به على الأريكة و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
ولا !! هتطلع روح فريد الديب اللي جواك يمين بالله هطلع روح أمك في إيدي، اظبط يا حيلتها و لِم نفسك، إحنا جايين نسأل على أخونا اللي و رب الكعبة لو طلع ليكم علاقة بأي حاجة تحصله، هوريك جنان وليد الرشيد، جنان مبيخرجش غير للغاليين اللي زيك كدا، غور"
دفعه على يد الأريكة ثم اعتدل واقفًا وهو يقول:
أخويا لو حصله حاجة، حتى لو من غير ما تعملوها انتم أنا هحاسبكم، كفاية إنكم السبب"
أقترب «ياسين» من «سمير» وهو يقول بصوتٍ حاد:
كل الناس ربنا خلق في وشها القبول، إلا أنتَ و الزفت اللي متلقح ورا دا، خلقتكم واخدة انصراف"
تنهد بقلة حيلة فحتى الآن لم يجد ما يقال في ذلك الموقف حتى اقترب منه «خالد» يشهر بسبابته في وجهه وهو يقول:
ياسر لو مظهرش متلومش غير نفسك، و كفاية أوي أفضحك وسط شركائك و كل اللي الناس اللي هتشتغل معاك، اللي يخصوني خط أحمر، و ياسر بقى ابني من اليوم اللي أنتَ سيبته فيه، فاكر يا سمير و لا أفكرك؟!"
رد عليه بصوت خافت:
ملوش لازمة الكلام دا يا خالد، ياسر ابني و أكيد أنا مش هضر ابني"
رد عليه «ياسين» بسخريةٍ:
دا بجد !! مش هتضره !! هو أنتَ لسه عندك ضرر تاني؟! ناقص إيه تاخده تبيعه قطع غيار بالجُملة؟! ضيعت طفولته و شبابه و عمره اللي راح و اللي جاي كمان و لسه مقتنع إنك مش هتضره ؟! حروف اسمك لوحدها غلط تتحط جنب إسمه، اتفو على أي أب زيك"
بصق في وجهه بقهرٍ ثم أشار للشباب حتى يرحلون سويًا، فتحدث «وليد» بتهكمٍ:
ابقى ربي النطع دا بدل ما أجي أربيهولك أنا، و يا ويله اللي يتربى على إيد وليد الرشيد"
_________________________
بعد خروج «ياسر» من ذلك البيت المشئوم ظل يجوب الشوارع ذهابًا و إيابًا بمفرده دون أن يعي خطواته و لا مساراته، تارةٍ يبكي و تارةٍ يصرخ بوجعٍ و تارةٍ يجلس على الأرصفة، و على الجهة الأخرى كان الشباب جميعهم يبحثون عنه في الطرقات و المشافي الميدانية والمناطق المجاورة و لكن دون جدوى حتى لحقتهم خيبة الأمل، فاجتمعوا في منزل «ميمي» في منتصف اليوم بعدما انقضى ليلهم حتى اليوم التالي في البحث عنه.
كان «ياسر» يسير على الطريق يود أن يخرج كل ما يشعر به حتى جلس على الطريق قبل تلك الوجهة التي سار إليها، و قبل أن يعبر الطريق و هو شارد الذهن فيما حدث معه و في مرض ذلك الملقب بأبيه و قبل أن يعبر الطريق حتى يتوجه إلى وجهته أتت سيارةٍ و قبل أن يدرك ما يحدث حوله، حينها كل شيءٍ ذهب في لمح البصر، و لم يعد يعي ما حوله.
_________________________
بعد حلول الليل عليهم و بعد ذهاب وقتهم و انقضاء نهارهم و ليلهم في البحث عنه جلسوا في شقة «ميمي» من جديد حتى تحدث «حسن» بتعجبٍ:
هيكون راح فين بس؟! من الفجر مسبناش مكان غير و روحناه و لا تليفون غير و كلمناه، حتى راشد كلمته و سألته"
رد عليه «ياسين» بقلة حيلة:
مش عارف هو راح فين، كل حاجة كانت كويسة لحد ما هو قالنا روحوا، طب راح فين؟!"
ردت عليه «ميمي» ببكاءٍ:
منه لله سمير، ربنا ينتقم منه واجع قلبي على ابني طول العمر، عاوزة ابني يا خالد....شوف أخوك فين و هاته"
رد عليها بيأسٍ:
قوليلي أروح فين تاني؟! أكلم مين علشان يدلني، أنا قلبي هيقف، مش حِمل الوجع عليه"
تدخل «طارق» يقول بقلة حيلة:
أنا كلمت ظابط شرطه صاحبي و هو قالي إن الحاجات دي مبتاخدش إهتمام، و قالي إن لازم الأربعة و عشرين ساعة يعدوا علشان نقدر نبلغ بشكل رسمي"
تحدث «عامر» منفعلًا ببكاءٍ:
يعني إيه !! هستنى لحد ما كل حاجة تضيع ؟! أخويا مش موجود و أنا مجبر استنى عدد ساعات علشان أقدر أبلغ و أتطمن عليه ؟! هو دا القانون ؟!"
رد عليه «وليد» بقلة حيلة:
هنعمل إيه يا عامر ؟! مش عم رياض قال إنه كلم الناس اللي في القسم و المستشفيات الحكومية؟! يمكن ربنا يكرمنا و حد يدلنا عليه"
حرك «وئام» رأسه يسأل «ياسين» بهدوءٍ:
طب الرقم اللي عم رياض قالك هيدور و يكلمك ؟؟ مفيش أخبار منه؟!"
حرك رأسه نفيًا بيأسٍ و فجأة صدح صوت هاتفه بذلك الرقم، اتسعتا حدقتيه بقوةٍ فصرخ به «خالد»:
رد بسرعة و افتح الصوت....يلا"
فتح «ياسين» المكالمة بخوفٍ حتى يرد على أحد العاملين بالمشفىٰ الذي أعطاه والده رقمه حتى يتواصل معهم بعض فحصه الداخلي، فرد عليه الرجل بترددٍ وهو يقول:
السلام عليكم يا أستاذ ياسين، أنا دورت بالمواصفات اللي حضرتك قولتلي عليها و لقيت واحد بنفس المواصفات دي"
وقف الشباب جميعهم بلهفةٍ فسأله «ياسين» بقلقٍ ممتزج بالسرعة و اللهفةِ معًا:
بجد !! فين طيب بسرعة ؟!"
رد عليه بنفس التردد و الصوت المهتز:
للأسف في المشرحة، الناس جابوه النهاردة عامل حادثة على الطريق و مش معاه أي اثباتات شخصية، ياريت حد ييجي علشان تتعرفوا على الجُثة"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم شمس بكري
كُـنّتِ لي كَلماتِ الألحانِ...
فـ غدوتي لي سلام الأوطانِ"
_________________________
لا أنا بطيرٍ و لا قلبي بخيرٍ"
عبارةٌ رددها ذات مرةٍ شخصٌ هُزم من الحياة، فكم عاش يتصور نفسه مثل الطير يسطتع فرد جناحه دون حاجته للسير، فتفاجأ بجناحه يُكسر على يد الغَير، حينها بكى و هو يرى ما عاش يحلم به يفوته، و هو من ظن نفسه مثل الطير، فوقف مُرددًا بخيبة أملٍ:
لا أنا بطيرٍ و لا قلبي بخيرٍ
فما جنيت سوى الخسارة من السير
و لا استطعت مقاومة الغير،
كنتَ أحلم بالطير في الآفاق
و غدوت آمل فقط عِناق"
وقف الشباب جميعهم بلهفةٍ فسأله «ياسين» بقلقٍ ممتزج بالسرعة و اللهفةِ معًا:
بجد !! فين طيب بسرعة ؟!"
رد عليه بنفس التردد و الصوت المهتز:
للأسف في المشرحة، الناس جابوه النهاردة عامل حادثة على الطريق و مش معاه أي اثباتات شخصية، ياريت حد ييجي علشان تتعرفوا على الجُثة"
حرك «ياسين» رأسه نفيًا و هو يكذب حديثه، فصرخت «ميمي» بملء صوتها و حرقة نابعة من داخلها:
ابـــنــــي"
أما «عامر» فارتمى على الأرض وهو يقول صارخًا:
لأ....مــــش هـــو...."
اقترب «خالد» يسحب الهاتف من «ياسين» وهو يقول منفعلًا بغضبٍ:
أنتَ بتقول إيه يا عم أنتَ !! أنتَ مجنون و لا إيه ؟! ياسر مين اللي في المشرحة؟!"
رد عليه الرجل بتفهمٍ لحالتهم:
يا أستاذ حضراتكم طلبتوا مني ادور على المواصفات دي، و دا جاي النهاردة عامل حادثة على الطريق، يا رب يطلع مش هو"
رد عليه «وليد» بعضبٍ هو الآخر:
مش هو !! أنتَ فاهم....أكيد فيه حاجة غلط"
أغلق الرجل الهاتف دون أن ينتظر تكملة حديثهم ففي مثل تلك الحالات يصعب على المرء التعامل بعقله، بينما الشباب بدأ البكاء يجلو على وجوههم و كلًا منهم يحاول استيعاب ما حدث، لكن هيهات، فقد رفض العقل كل ذلك و توقف فقط عند حديث الرجل، حتى صرخت «ميمي» فيهم تنبههم:
قــومــوا....رجعولي ابني....ابني مماتش، قوم يا ياسين هات أخوك، أخوك لسه عايش.....قـــوم"
صرخت مرةً أخرى ببكاءٍ مزق نياط قلوبهم حتى ركضوا خلف بعضهم من خارج الشقة، عدا «عامر» الذي ظل موضعه، حتى اقترب منه «طارق» يوقفه وهو يقول بصوتٍ متحشرجٍ:
قوم يا عامر......يلا علشان نروح نرجع أخوك، قوم معايا"
رفع «عامر» رأسه له وهو يقول ببكاءٍ:
ياسر مماتش يا طارق....ياسر عايش و قالي إنه هيكمل معايا العمر.....أنا مش هقدر أكمل من غيره....مش هقدر"
بكى بحرقةٍ جعلت «طارق» يربت عليه و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
يلا يا عامر..... أخوك كويس متخافش.....هنلاقيه و نرجع بيه"
سار معه حتى باب الشقة فصرخت «ميمي» به قبل رحيله:
ترجعلي بابني يا عامر..... ترجعلي بيه حي و فيه النفس"
حرك رأسه موافقًا ببكاءٍ ثم تحرك من الشقة و معه «طارق» بعد رحيل الشباب جميعهم من المكان، و بعد مرور دقائق توقفت السيارات أمام المشفى الميداني بالمنطقة و كانت السيارات تصارع مع الأرض أسفلها حتى تصل للمشفى، و بعدها ركضوا جميعهم للداخل نحو تلك ما تُسمى بالمشرحة، ليشاهدا أصعب موقف قد يمر على المرء بحياته.
وقفوا جميعًا بالخارج فتحدث العامل لهم بهدوء:
الجثة اللي حضراتكم جايين تشوفوها في التلاجة دلوقتي، حضراتكم هتدخلوا تتعرفوا عليها و يا رب يطلع مش هو"
حرك له «طارق» رأسه موافقًا و قبل أن يفتح الباب الخاص بالغرفة الموضوع بها الجثث ارتمى «عامر» على جسد «خالد» بغير قصدٍ منه و هو يقول بصوتٍ مهتز:
مش هقدر.....مش هقدر أدخل أشوف حاجة زي دي....بلاش"
بكى «خالد» بحرقةٍ و هو يحرك رأسه نفيًا، فهو الآن أمام أصعب المواقف التي يواجهها بحياته، فمن المفترض أنه هنا حتى يتعرف على جثمان رفيق روحه الآخر، أي وضعٍ هذا؟! كيف يتم وضعه في موقفًا مثل ذلك ؟! بينما «ياسين» بمجرد ما قام الموظف بفتح الباب حرك رأسه نفيًا وهو يقول بحرقة قلبٍ و خوف و كأنه يلقى مصرعه:
لأ....مش هقدر.... بلاش و الله ما هقدر، يلا نرجع....يلا ياسر مماتش"
نزلت دموعهم رغمًا عنهم جميعًا فتحدث العامل بتفهمٍ:
أنا مقدر موقفكم، بس لازم تدخلوا تتعرفوا عليه...يا رب يبقى مش هو و يطلع أخوكم كويس"
اقترب «وليد» يمسك يد «ياسين» و كليهما يبكي حتى فُتح الباب، دلف «وليد» أولًا و خلفه «ياسين» و ضربات قلبه تتصارع و كأن قلبه سيخرج من موضعه الآن، كانت غرفةً ذات إضاءةٍ خافتة أقرب في لونها إلى الأخضر، ممتلئة بمربعاتٍ كبرى تشبه الصفيح و كلًا منها يتم وضع الجثمان به، و قبل أن يقترب الرجل من أيًا منهم، عاد «ياسين» للخلف متقهقرًا و هو يقول ببكاءٍ:
ياسر مماتش....مش هو.....أخويا مش هيسيبني، أنا عندي أموت أهون عندي من إني أشوف اللحظة دي....مش هقدر....و الله مش هقدر"
قام العمل بفتح الثلاجة فجأةً، حينها التفت «ياسين» يضرب رأسه في الحائط وهو يقول:
لأ....مش هو....قلبي بيقولي إنه عايش و إنه مش هو....يا يــــاســـر"
في الخارج استمع الشباب لصرخة «ياسين» و حينها كل ما هو سيء حضر ببالهم، فضرب «عامر» رأسه في الحائط خلفه و «خالد» خارت قواه حتى ارتمى على الأرض و كأن الثبات مهمة ثقيلة عليه و على عاتقه.
في الداخل اقترب «وليد» من الثلاجة بعدما فتحها العامل، ودّ لو توقف قلبه عن النبض حتى لا يُكمل تلك اللحظة، فصارع جسده حتى يقدر على الحِراك حتى اقترب منها و قام بكشف وجه المتوفي، حينها أغلق «وليد» عينيه خوفًا من القادم، فتحدث العامل يقول:
اتفضل يا أستاذ....شوف"
فتح عينيه أخيرًا و كأن جفنيه في تلك اللحظة التصقا ببعضهما، فخطى خطوةً واحدة و هو يحرك رأسه نفيًا بخوفٍ و «ياسين» خلفه يقف بخوفٍ و كأن قدمه انفصلت عن جسده فأبت التحرك خطوةً واحدة حتى وقع بصر «وليد» على وجه المتوفي، حينها تنفس بعمقٍ و رافق تعبيراته دموعه، بينما «ياسين» في الخلف يضرب رأسه في الحائط و هو يبكي، حتى اقترب منه «وليد» يضع يده على كتفه وهو يقول بصوتٍ مهتز:
مش هو.....مش...ياسر.....مش....هو و الله"
انتبه له «ياسين» بسرعةٍ ثم ركض نحو الجثمان يتأكد بنفسه، فوجد شابًا في عمر الثلاثون تقريبًا لقىٰ مصرعه على الطريق، حينها تنفس براحةٍ و هو يبكي ثم أغمض عينيه و هو يرتمي على كتف «وليد» حتى صرخ أخيرًا يخرج ما يجيش به صدره، و في الخارج كان كلًا من «عامر» و «خالد» مُرتميًا على الأرض و هو يبكي و البقيةِ يجزمون أن تلك اللحظات مرت عليهم و كأنها دهرًا كاملًا، حتى «حسن» الذي وقف يبكي هو الآخر و هو يتذكر مرارة الفقد، و كأن كل أحبته يفارقونه الآن، و فجأة فتح باب الغرفة و خرج منها «وليد» و خلفه «ياسين»، هب الجميع منتفضون إليهما بلهفةٍ، و قبل أن يسأل أيًا منهم تحدث «وليد» يقول أخيرًا بصوتٍ بالكاد وصل إلى مسامعهم:
مش هو، الحمد لله مش ياسر"
اختلفت التعبيرات بين الفرحة و اللهفة و التكذيب و اللهفة و كلها ممتزجة بالدمع و كأنها تكذب السمع، فتحدث «ياسين» بصوتٍ متحشرجٍ:
طلع مش هو، هو فيه شبه منه شوية.....بس مش أخويا"
أقترب منه «عامر» يمسك يده وهو يقول بنفس الوجع الممتزج بالبكاء:
علشان خاطري يا ياسين.....مش هو صح....أخويا مماتش.....هموت و الله....قولي"
خطفه «ياسين» بين ذراعيه وهو يقول بلهفةٍ باكية:
مش هو و الله العظيم، مش ياسر أخونا، ياسر عايش"
مسح «خالد» دموعه ثم مسح وجهه بكفيه ثم التفت حتى يغادر دون أن يتفوه بكلمةٍ واحدة، فسأله حينها «وئام» بتعجبٍ:
رايح فين يا خالد ؟! استنى بس"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
رايح أدور على أخويا إن شاء الله لو هفضل طول العمر ماشي على رجلي، مش هفضل مستني لحد ما دا يبقى حقيقة"
خرج خلفه الشباب جميعهم و قبل وجدوا أسرة الشاب المتوفي تركض نحو الداخل حتى يتعرفوا على الجُثمان"
انسحب «وليد» خلفهم حتى يعلم بما يحدث و يا ليته لم يفعل ذلك، حيث ارتفع صوت صرخات والدته عاليًا و أخيه يصرخ من الداخل بإسمه و كذلك شقيقته التي لطمت على وجهها و هي ترتمي بين ذارعي والدها، بكى «وليد» بحرقةٍ عليهم ثم خرج للشباب من جديد، فوجدهم يقفون بالخارج أمام المشفى، فتحدث «أحمد» مُقترحًا:
طب نقسم نفسنا طيب، يعني نروح ندور تاني و كل شوية في مكان، بدل ما نتراكم في مكان واحد"
رد عليه «عامر» مُسرعًا:
نعمل اللي نعمله....المهم نلاقي أخويا، إن شاء الله لو هنسأل كل المحلات كأنه عيل تايه"
انتبه «وليد» لتلك الجملة و هو يقول بلهفةٍ:
أنتَ قولت إيه؟! قول كدا تاني"
رد عليه باستغرابٍ بات واضحًا عليه و هو يقول:
نلف نسأل عليه المحلات.."
قاطعه «وليد» بلهفةٍ:
مش دي يا عامر...الباقي إيه؟"
رد عليه بتيهٍ:
كأنه عيل تايه... !!"
حرك رأسه موافقًا وهو يقول:
صح !! ياسر تاه في الدنيا دي.....أنا عرفت ياسر فين...يلا"
انتبه له الجميع و هو يركض نحو السيارة و البقية حوله بعدة مشاعر مختلطة لا يدركون منها شيئًا سوى أن هناك راحةٍ تتخلل قسماتهم.
_________________________
يا ليتني في تلك اللحظة ما وقعت يا ليتني لنفسي ما سمعت، هكذا كان يفكر «ياسر» حينما جلس شاردًا في اللاشيء أمامه و هو يتذكر كيف أنجاه الله من ذلك الحادث الذي كان سيؤدي بحياته، لولا ذلك الملاك كما يلقبه هو منذ صغره أنقذه قبل فوات الأوان حينما دفعه نحو الرصيف قبل أن يصطدم بالسيارة، ليرفع رأسه بعدها يطالعه بلهفةٍ وهو يقول بدهشةٍ من تواجده في تلك الجهة:
أيـــوب !!"
تحركت حينها السيارة فرفع «أيوب» رأسه و هو يقول منفعلًا في وجهه و هو يلهث بقوةٍ:
أنتَ عبيط يا ياسر !! في حد يمشي في الطريق دا شارد كدا"
رد عليه الآخر بلهفة:
أنا مخدتش بالي يا أيوب و الله، أنا كنت جاي الناحية التانية علشان ادخل المسجد، إيه اللي جابك من الناحية دي؟!"
رد عليه بتهكمٍ:
حكمة ربنا سبحانه و تعالى علشان أجي الحقك، مالك يا ياسر؟!"
تنهد بقلة حيلة و هو يحرك رأسه بيأسٍ، فتحدث «أيوب» مقترحًا:
طب تعالى علشان الجرح اللي في إيدك دا، يلا قوم معايا نقعد في المسجد"
خرج «ياسر» من شروده في الحادث و كيف أنقذه الله بواسطة صديقه، فانتبه له حينما لوح «أيوب» بيده أمام و جهه وهو يقول:
يا ياسر !! روحت فين يا بني؟!"
انتبه له و هو يقول بصوتٍ تائهٍ:
أنا معاك أهو يا أيوب، معلش تعبتك و لغبطلك يومك بس تليفوني فصل شحن و مش عارف أكلم حد فيهم"
رد عليه بلومٍ و معاتبةٍ:
بس يا ياسر متزعلنيش منك، هو أنتَ مش أخويا؟! الحمد لله إنك كويس، قولي مالك بقى ؟!"
رد عليه بقلة حيلة ممتزجة بالآلم:
اللي فيا طول عمره يا أيوب، سمير طلع عايش و رجع و شوفته و مش بس كدا، دا أنا اتقهرت منه تاني و يمكن المرة دي أكبر من القهرة القديمة"
طالعه «أيوب» بدهشةٍ و هو يقول:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ؟! استغفرك ربي و اتوب إليكَ"
رد عليه بقلة حيلة:
تعبت....لما روحت شوفته و اتكلمت كلام عمري ما تخيلت أني ممكن أقوله، حسيت نفسي واحد تاني معرفهوش، الدنيا ضاقت بيا و صدري قفل، لقيت نفسي بلف زي الزاهد في الدنيا و كأن مفيش مكان هيكفيه، لحد ما افتكرتك و أنتَ بتقولنا، لما تتوهوا تعالوا بيت ربنا، أوعى ترمي حمولك على العباد، و تعالى بيت ربنا و أنتَ عُمرك ما هتفضل تايه، و سبحان الله جيت هنا علشان تلحقني"
ابتسم له وهو يقول:
اللي بيحصل دا حكمة من ربنا سبحانه و تعالى، طول عمرك يا ياسر راجل محترم و عمرك ما عملت حاجة تغضب ربنا، رعيت ربنا في أهل بيتك و في علامك و في أخواتك، حتى زوجتك، فضلت صاين العهد طول عمرك لحد ما ربنا جمعك بيها بالحلال، كل دا يخليك زعلان يا ياسر؟!"
طالعه بعينيه فقط و لم يتحدث فوجده يضيف مُفسرًا:
لو والدك كان لسه معاكم بطبعه دا زي ما هو، تفتكر كان زمانك حصلت كل دا؟!
تفتكر كان زمانك الدكتور ياسر اللي كل ولاد المنطقة اتعالجوا على إيده لما قرر يتبرع بوقته في المسجد و يكشف عليها مجانًا، تفتكر كنت هتخرج سوي نفسيًا كدا، أكيد دا مكانش هيحصل، كان زمانك شخص تاني الله أعلم بيك،
كان ممكن تكون عصبي و غليظ القلب نتيجة وجودك في مكان مع شخص طول عمره بيضغط عليك، لكن بانسحابه الوضع اختلف كتير، أهلك بقوا في رعاية راجل بجد، راجل شال المسئولية صح، راجل جوز اخواته و صرف على بيته، و رعى والدته و تكفل بسيدة مُسنة بعمر جدته من صغره، و بقيت دكتور كبير اللهم بارك، و دلوقتي راجل متجوز و فاتح بيتك و لسه هتبقى أب عظيم، احمد ربنا إنه سابك و مشي، علشان لو كان فضل الله أعلم و أدرى باللي كان هيحصل"
رد عليه بوجعٍ ظهر في صوته و نظرته المتألمة و هو يقول:
اللي عيشته بسببه كان صعب، كان صعب أوي، اتحكم عليا باليتم من صغري و هو حي على وش الدنيا، كنت فاكره بيتعذب طلع مبسوط و فرحان في حياته، طلع بيربي عيال الغريب و شايل مسئوليتهم و سايب اللي من دمه، كان فين و أنا بنام في المحل في الشتا علشان أجمع مصروف البيت؟! كان فين و أنا بشتغل مرتين في اليوم علشان أقدر أصرف على اللي في رقبتي، لولا خالد كان بيشيل معايا، كان فين و عم رياض اللي مهما كان أنا مش من دمه و هو بيشيل مسئولية تعليمي لحد ما بقيت دكتور، كان فين و عم فهمي أبو عامر بيساعد في جهاز أخواتي و راح قال قدام إمي و أخواتي أني كنت بحوش معاه فلوس جهازهم علشان ميوجعنيش، و لحد دلوقتي هو و عم رياض ليهم جمايل في رقبتي و الاتنين قالوا إن زيي زي عيالهم، كان فين و الغريب بيعطف عليا، كان فين و أنا كل ما أشوف أب اتمنى يكون عندي زيه، كان فين و أنا شايل أكثر من طاقتي و زي اللي بيحارب من غير سلاح"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
أنا معاك في كل دا و حقك إنك تتعب و كل دا كان أكبر إنك تشيله و تتحمله، بس فكر كدا في كرم ربنا عليك و رحمته، خد منك أب أنا متأسف يعني ملوش لازمة في حياتك، و قصاده بقيت راجل البيت و بقيت أنتَ اللي ليهم بعد ربنا سبحانه و تعالى،
اتجوزت اللي اتمنيتها و طلبتها من ربنا، حققت حلمك و بقيت الدكتور ياسر، ربنا كرمك برزق لما والدتك ورثت و كان ساعتها بداية الخير ليك إنك تقدر تجيب الشقة اللي اتجوزت فيها علشان تقدر تطلب بنت الناس بقلب جامد، كل دا يخليك تحمد ربنا سبحانه و تعالى إنه قفل في وشك باب واحد،
بس قدامه فتحلك كام باب خلوك تعيش مبسوط، عارف إنك كنت محتاجه أب معاك و في ضهرك و عارف إنك كنت عاوزه يساعدك في الحياة و يكون هو المهرب ليك، بس افتكر إن إحنا كلنا ملناش ملجأ غير ربنا سبحانه و تعالى،
مهما حبيت أهلك و مهما اتعلقت بيهم و مهما قلبك حب، لازم تتأكد إن في النهاية هنروح لوحدنا و لازم تتأكد إن ملناش غير ربنا يا ياسر، ربك وحده هو اللي عالم بحالك و مُطلع على قلبك، ربك وحده هو اللي قادر يخفف عنك،
حاسس بخذلان أو حاسس إنك اتظلمت منه و من الدنيا كلها، تذكر قوله تعالى:
﷽
واصْبِر و ماصَبرُكَ إلاّ باللَّه ولا تحّزَن عليهِم و لا تَكن فِي ضيقٍ ممَّا يمْكرون إنَّ اللَّه مع الذِّين اتَّقو و الذِّين هُم مُحسِنون "
و تذكر أيضًا قوله تعالى:
"وَ اصْبِر لحُكمِ ربِّك فإنَّك بِأعيٌنِنَا و سبِّح بحَمدِ ربِّك حِين تَقوُم و مِن اللّيلِ فسّبحْه و إدبار النُّجُوم"
_"صدق الله العظيم"
تفوه بها كليهما فتابع «أيوب» بنفس الطريقة:
تخيل يا ياسر ربنا سبحانه و تعالى يقولك إنك بأعيننا، إحنا لو حد من البشر زينا قالها لينا بنفرح و نطير و نحس بجبر الخواطر، تخيل ربك سبحانه و تعالى يقولها ليك، تخيل الفرحة اللي أنتَ فيها لما ربنا سبحانه و تعالى يجبر بخاطرك بكلامه و حكمته"
ابتسم «ياسر» بفرحةٍ و العبرات تلمع في مقلتيه فوجده يضيف بفخرٍ:
استنى هخليك تفرح أكتر، لو حاسس إنك لوحدك أو اللي فات كله كان صعب عليك أو إنك كنت محتاجه جنبك، افتكر قوله تعالى:
﷽
وَ نَحنُ أقرَبُ إليهِ مِنْ حَبلِ الوريد "
تخيل يا ياسر، أنتَ تبقى زعلان على حد من البشر علشان مش موجود معاك أو بعد عنك و سابك و مشي و أنتَ في نفس الوقت معاك ربنا، أقرب ليك من نفسك و من حالك، إحنا مش للدنيا و هي مش لينا، هي دار اختبار، و كل واحد فينا على حسب اختباره في إيه"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ متعبة:
بس اختباراتها صعبة أوي، صعبة و تقيلة على إن طاقة إنسان يتحملها، كتير عليا يا أيوب أني أتوجع من اللي المفروض يكون أحن عليا من قلبي، مشوفتش منه غير كل قسوة، أنا راضي و مش زعلان و مش هيأس من رحمة ربنا، بس سؤالي ليه ؟! ليه مفكرش فيا؟! ليه كنت كل يوم رقبتي بتتلوح من كتر ما أنا ببص و مستنيه يرجعلي، ليه دلوقتي ؟!"
رد عليه مُفسرًا:
علشان تعرف إن الخير كان في غيابه و إن عمره ما كان في وجوده، علشان تعرف إنك كسبت كتير في غيابه، علشان تعرف إنك فعلًا تستحق كل اللي أنتَ فيه، كل الإشارات و الدلالات واضحة قصادنا بس إحنا ناسيين إنها دنيا و إنها كلها عند ربنا متسواش جناح بعوضة، يبقى حرام علينا لو ضيعنا الحلو اللي مستنينا علشان مكان فاني"
أقترب منه «ياسر» يحتضنه و هو يقول بتأثرٍ و بنبرةٍ أقرب للبكاء:
ربنا يديم وجودك لينا كلنا، طول عمرك زي طوق النجاة لينا كلنا، مغلطتش لما قولتلي لما تتوه تعالى بيت ربنا، الحمد لله على كل حاجة، حتى اللي أنا مش فاهمها و حتى اللي اتوجعت منها"
ربت «أيوب» على ظهره بفخرٍ و قبل أن ينطق و على أعتاب باب المسجد وصلهم صوته الذي بث الرعب في قلب كليهما:
يـــاســــر !!"
ابتعد كليهما عن بعضهما ينظرا نحو الباب تحديدًا عند مصدر الصوت، فتحدث «خالد» بنفس الاسلوب:
يمين بالله لو مخرجتوش دلوقتي من بيت ربنا، أنا بنفسي هبعتكم هناك"
رد عليه «أيوب» بخوفٍ:
بس يا خالد، أنا طول عمري بخاف منك، افتكر أني لسه متجوزتش"
ابتسم له بخبثٍ و هو يقول:
يبقى حلال عليك حور العين يا أيوب"
ازدرد لُعابه بقلقٍ منه فابتسم «ياسر» بقلة حيلة ثم وقف و هو يمسك يد «أيوب» ، و بمجرد خروجهما من المسجد قام «خالد» بلكم «ياسر» في وجهه، حتى صرخ «ياسر» قائلًا:
يا ابن الغشيم !! إيه ؟! شاكوش نازل على وشي ؟! بتضرب ليه متخلف أنتَ ؟!"
تدخل «ياسين» يمسكه من تلابيبه و هو يقول بتوعدٍ له بانفعالٍ:
و لسه، أنا هوصل عليك محل عم فهمي كله، هخليك الوصلة العمومية للمنطقة كلها، حرام عليك يا أخي، الدم هرب مننا و كنا هنموت، ليه يا ياسر كدا؟!"
طالعه «ياسر» ببلاهةٍ و هو يرمش بعينيه حتى وجد «عامر» يقترب منه ثم احتضنه و هو يقول بلهفةٍ اختلطت بالبكاء:
أنا مش زعلان على اللي حصل، فرحتي بوقوفك قصادي و أنتَ كويس بالدنيا كلها عندي، بس قلبي أتوجع أوي و الله قلبي أتوجع أوي"
رفع «ياسر» ذراعيه دون أن يفهم ما يدور حوله و لا النظرات التي احتلتها الراحة و هو يقول بتأسفٍ و ندمٍ:
حقكم عليا، بس أنا مش عارف حصل إيه و الله، و تليفوني فصل و الأرقام كلها طايرة من مخي"
ابتعد عنه «عامر» ثم قبل رأسه و هو يقول بلهفةٍ:
كل دا مش مهم....المهم إن أخويا بخير و زي الفُل قصادي، حرام عليك"
كان «أيوب» يبتسم بحبٍ لهم حتى وجد «خالد» يقترب منه و هو يقول بصوتٍ حادٍ:
طب هو و تليفونه فصل يا أيوب، مهانش عليك تكلمنا و تطمنا؟! مجاش في بالك اللي ممكن يكون بيحصلنا؟!"
رد عليه بهدوء:
عارف بس مقدرتش أعمل حاجة زي دي و هو حالته صعبة يا خالد، كان لازم يرتاح و يفضل هنا شوية، و بعدين أنتَ عارف أني باجي المسجد من غير الموبايل، الحمد لله إن ربنا طمن قلوبكم"
أقترب منه «وليد» يقول بنفس الهدوء من وجهه المبتسم:
و الحمد لله على كلامك اللي كل مرة بيكون دليل، لولا كلمتك إننا لما نتوه نجيلك هنا، كان زماننا لسه بنضرب كف بكف"
رد عليه بوجهه البشوش:
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه، ربنا يطمن قلوبكم جميعًا، أنا متأسف مرة تانية"
في تلك اللحظة مال «حسن» على أذن «ياسين» وهو يقول بهمسٍ:
هو أنتم بتعرفوا الناس دي منين؟؟ أنا حاسس أني عاوز أروح أحضنه، إيه دا؟!"
رد عليه «ياسين» بعدما ابتسم له:
دا يا سيدي الشيخ أيوب، كان معانا من و إحنا صغيرين في دروس الدين و حفظ القرآن، طول عمرنا بنلجأله لما نتعب، وجوده طيب أوي يا حسن، اتعلمنا منه حاجات كتير"
ابتسم له و هو يحرك رأسه موافقًا، و بعدها قام هو بتوديع الشباب ثم رحل من أمامهم، فتحدث «ياسر» يسأل بتعجبٍ من حالتهم:
هو إيه اللي حصل؟؟ مالكم يا جماعة ؟! متخضونيش كدا"
رد عليه «عامر» بصوتٍ عالٍ بعدما رفع يديه للسماء:
منه لله سمير المبقع أبوك، روح يا بعيد ربنا ينتقم منك و تتخض زينا نفس الخضة، يا رب خُدلي حقي و حق إخواتي منه يا رب"
ضحك عليه الشباب حتى «ياسر» أيضًا ثم قام «وئام» بسرد ما حدث منذ منتصف الليل حتى حلول هذا الليل الجديد، كان هو يتابعه بتمعنٍ حتى ظهر الآسف على وجهه و هو يقول:
أنا مكانش قصدي و الله، بس لما خرجت من عنده هناك و عرفت إنه تعبان حسيت إن الدنيا بتضيق بيا، و كأن الأرض دي مش سيعاني و الله"
ربت «ياسين» على يده ثم قال بهدوء:
طب يلا علشان نوصلك عند مامتك و أخواتك و مراتك، يلا قلبهم واقف من الخوف عليك و مراتك خلاص من الخضة مش فيها حيل أصلًا"
حرك رأسه موافقًا فتحدث «ياسين» مُسرعًا:
خُده يا خالد و روح عندكم و أنا هروح أطمن ميمي و هروح بعدها أشوف خديجة و الشباب طلع عينهم معانا من الصبح روحوا ارتاحوا"
رد عليه «أحمد» مُسرعًا:
أنا هروح علشان خلود في الدرس و سلمى عندها مراجعة هروح أجيبهم، حد فيكم هيجي معايا؟!"
تدخل «حسن» يقول مُسرعًا:
هروح أنا مع ياسين أشوف ميمي، و اتطمن عليها و طارق و وئام يروحوا يطمنوهم و أحمد يروح مشواره، هتيجي معانا يا وليد؟!"
حرك رأسه موافقًا و من بعدها بدأ الشباب في تنفيذ ما تم قوله، و كلًا منهم يتوجه إلى وجهته بعدما اطمئنوا على «ياسر» الذي طلب منهم مهاتفة «ميمي» حتى يطمئنها عليه.
_________________________
في شقة «ميمي» وصلها كلًا من «ياسين » و «حسن» و «عامر» و «وليد»، حتى يقومون بطمئنتها، أما هي بمجرد رؤياهم، تحدثت تقول بلهفةٍ و بكاءٍ على الرغم من مهاتفتهم لها يطمئنوها:
فين ياسر !! فين ابني ؟!"
رد عليها «عامر» مُسرعًا:
راح يطمن أمه و أخواته و مراته يا ميمي، مش أنا كلمتك و خليته يكلمك؟!"
ردت عليه هي ببكاءٍ:
مش كفاية برضه، عاوزة أخده في حضني، كفاية اللي هو حاسس بيه يا عامر، أنا قلبي بيتقطع عليه و على ميرفت"
اقترب منها «حسن» ثم قبل رأسها و بعدها طالعها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
متخافيش عليه، هو كويس الحمد لله و بعدين أنتِ ليه بتعيطي كدا؟! مش هو كلمك خلاص ؟!"
ردت عليه مُسرعةً:
برضه كنت عاوزة أشوفه، أنا قلبي بيوجعني على عيالي مقدرش استحمل حاجة تحصلهم"
رد عليها هو بحزنٍ:
ربنا يبارك فيهم و يبارك في عمرك و يخليهم ليكي"
وكزته في كتفه و هي تقول:
ما أنتَ كمان ابني، ربنا يخليكم كلكم ليا، و معاكم فارس و يونس حبايب قلب تيتة"
وضع «حسن» رأسه على قدمها بحبٍ و هو يتنفس بعمقٍ يُشبع حنينه لوالدته الراحلة، فوضعت هي كفها المُجعد على رأسه تربت عليها و العبرات تلمع في مقلتيها، بينما «عامر» احتضنها من الخلف و هو يبتسم براحةٍ كُبرى بعد اطمئنانه على صحة أخيه، فجلس حينها «ياسين» و «وليد» بجوارها، و هي تبتسم له، حتى ربت «وليد» على كتف «ياسين» بعد كل ما عايشه اليوم.
_________________________
في شقة «ميرفت» كان الوضع أشبه بالرعب، من كثرة الخوف و القلق، حيث كانت والدته و شقيقتيه و زوجته و والدتها يجلسن بخوفن و خاصةً «إيمان» التي كانت تجلس بين ذارعي «ندى» تبكي بحرقةٍ من خوفها عليه، و فجأة طُرق باب البيت فهبت كلًا منهن حتى قام «ياسر» بفتح الباب بمفتاحه الخاص، حينها اندفعت النساء نحوه بأكملهن و والدته التي تشبثت به و هي تقول بنبرةٍ باكية و وجعٍ نبع من داخلها:
حرام عليك تتعب قلبي كدا، الخضة وقفت قلبي، أنتَ كويس يا ياسر صح؟! كويس ؟! رد عليا متسكتش كدا"
حرك رأسه موافقًا و الدموع تلمع في مقلتيه فوجد «نيرمين» شقيقته الكبرى تأخذه بين ذراعيها و هي تقول بحرقة قلبٍ:
أنتَ كنت فين يا حبيبي ؟! وجعت قلبي عليك، ليه كدا يا قلب أختك"
رد عليها بصوتٍ مختنق:
حقكم عليا مكانش قصدي أوجع حد فيكم عليا كدا، بس غصب عني حسيت أني محتاج أكون لوحدي، أنتِ كويسة ؟! عيالك فين؟!"
ردت عليه بصوتها الباكي:
عيالي في البيت مع باباهم، طمني عليك بس و ريحني كنت فين ؟!"
قبل أن يرد عليها دفعتها «ندى» ثم احتضنته و هي تقول بلهفةٍ:
اوعي بقى يا نيرمين، طمني عليك، كدا توجع قلبي و تخليني أنهار كدا؟! يا ياسر أنتَ أبويا، مجيتش ليا ليه؟!"
احتضنها و هو يقول معتذرًا لها:
حقك عليا يا ندى، بس كنت تعبان شوية و الله، المهم انتم كويسين؟!"
حركت رأسها موافقةً و الدموع تنهمر على وجنتيها، فتحدث «خالد» بنبرةٍ هادئة:
طب هسيبكم أنا بقى علشان أروح أشوف ريهام و يونس، يلا يا ماما خليهم يرتاحوا شوية"
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت من «ياسر» تقبل رأسه ثم قالت بنبرةٍ باكية:
حمدًا لله على سلامتك يا حبيبي، ربنا يخليك لينا"
رد عليها هو بنبرةٍ هادئة:
خليكم أنا عاوزكم، تعالى اقعد يا خالد، دول أخواتك برضه"
حرك «خالد» رأسه بخجلٍ موافقًا على حديثه، كل ذلك كانت تتابعه «إيمان» بعينيها الدامعتين و كأنها تعاتبه بذلك، فتحدث هو أمام الجميع بقوله:
سمير رجع و عايش و أظن كلكم عرفتوا كدا، أنا كـ ياسر مش فارق معايا، حياتي هتمشي زي ما هي، كأنه كابوس ظهر و صحيت منه، لكن أنتم مش هقدر أحكم عليكم، اللي عاوزة فيكم تشوف أبوها أنا مش همنعها، طبعًا يا ماما الكلام دا مش ليكي، أنتِ طليقته"
ردت عليه «نيرمين» بقولها الحاد:
أنا مليش أبهات غيرك يا ياسر، سمير مين دا اللي أطلب اشوفه؟! اللي سابنا و مشي بمزاجه علشان الفلوس، و لا اللي كان كل شوية يمد إيده على حد فينا؟! من يوم ما هو خرج من البيت دا و أنا قولت أني يتيمة الأب، لو فيه حد يستاهل المكانة دي يبقى أنتَ، و دي أقل حاجة قصاد اللي عملته علشاننا"
ظهر شبح ابتسامةٍ على مُحياه فخرًا بها فوجدها تقول بنفس الطريقة:
دا كلام مش هرجع فيه، أنا أصلًا مستغربة إزاي ممكن تفكر إن حد فينا هيتقبل حتى يبص في وشه تاني، بتفكر إزاي أنتَ"
رد عليها بقلة حيلة:
علشان أنا مش أناني يا نيرمين، و فيه حاجة كمان لازم تعرفوها، أبوكم...قصدي سمير عنده سرطان في المخ، يعني قرب يموت خلاص"
رغم لمحة الحزن التي ظهرت في أوجه الجميع إلا أنها قالت بثباتٍ:
كُتر البُعد بيعلم الجفا، و الجفا بيجيب قسوة يا ياسر، هو بعد و قِسي بزيادة أوي، مش من حقه يطلب بحاجة مش بتاعته، اللي ليه عندي أدعيله ربنا يشفيه زيه زي أي غريب محتاج الدعوة، و اللي عرفته إنه معاه فلوس يعني مش محتاج زي غيره"
حرك رأسه نحو شقيقته الصغرى و هو يقول:
و أنتِ يا ندى؟! هتعملي إيه؟!"
اقتربت منه تقف أمامه و هي تقول ببكاءٍ:
أنا طول عمري مكانش ليا أب و مش فاكرة حتى شكله و لا أي حاجة منه، اللي رباني أنتَ و ابيه خالد، معنديش غيركم و دلوقتي بقى معاكم نادر جوزي، معرفش غيركم في حياتي، هو أنا معرفوش أصلًا، بأي حق ممكن اتقبله أو حتى أطلب أشوفه ؟! بأي حق أخد حقك فيا و أديهوله؟! خليه يمشي زي ما كان مش هنا، أنا مش مستعدة حتى اتقبل وجوده قدام عيوني؟!"
أخذها في حضنه بعناقٍ أبوي أكثر من كونه أخويًا، ثم قبل رأسها فوجدها تقول ببكاءٍ:
أنا مليش غيرك أنتَ أبويا يا ياسر، مينفعش حد ياخد المكان دا عندي، حتى لو هو نفسه، أنتَ قصاد الدنيا كلها في كفة لوحدك"
مسح دموعه التي نزلت منه تأثرًا من صغيرته كما يلقبها، فتحدث «خالد» أخيرًا بقوله الحاد:
خلاص يا جماعة زي ما كل حاجة كانت ماشية، سمير رجع زي مرجعش، المهم أخويا بخير و مش عاوز حاجة تانية، اللي جاي بقى بتاعي أنا، سمير لو خطى جنب البيت دا أنا هكسر رجله، و هريحه من المرض، كفاية قهرة منه لحد كدا"
حرك الجميع رأسهم بموافقةٍ، بينما «ياسر» رفع له رأسه و هو يقول بصوته الهادئ:
ربنا يخليك ليا....حقك عليا تعبتك و بهدلتك معايا يا خالد، شوفت كتير بسببي و كفاية الخضة"
رد عليه «خالد» بعاطفةٍ أخوية:
أنا مش عاوز منك أسف، أنا عاوزك تبقى كويس و تركز مع حياتك و تشوف اللي يخصوك و تسيبك من اللي يوجعك"
أشار له برأسه نحو زوجته التي كانت تتابعه من على بعدٍ و الدموع تسيل على وجنتيها، حتى حرك رأسه موافقًا ثم اقترب هو منها يمسك يدها، فرفعت عينيها الباكيتين تطالعه فتحدث موجهًا حديثه لمن هم خلفه:
عن إذنكم يا جماعة هاخد إيمان عاوزها في كلمتين ضروري، يلا"
قال جملته ثم دلف بها الغرفة الخاصة به في شقة والدته كما أن ذهنه لم يتركه بعد طيلة صمتها و زاد قلقه مع نظرتها نحوه، حينها أقترب منها يقول بتعجبٍ بعدما أغلق الباب خلفه:
فيه إيه يا إيمان؟! ساكتة ليه كدا؟! من إمتى و أنتِ بتسكتي كدا؟!"
ردت عليه منفعلةً في وجهه بصراخٍ باكيةً:
من دلوقتي يا ياسر....بسكت من غُلبي علشان لو اتكلمت هتزعل، هو أنا مش صعبانة عليك؟! مستغرب أني ساكتة؟! خليني اقوم من جنبك في نص الليل و أقفل تليفوني في الظرف اللي إحنا فيه دا، و مش بس كدا أعرف إنهم رايحين المشرحة علشان يتعرفوا عليك....ليه ؟! هو حرام أطمن و أنا معاك ؟! عايشة عمرك كله خايفة من اللحظة دي و بتزود خوفي باللي عملته !! ليه طيب؟!"
اقترب منه يقول مُسرعًا و رغمًا عنه تهدج صوته و هو يقول ببكاءٍ:
بس أنا مهربتش و لا أنا كان قصدي كل دا يحصل، أنا لما خرجت من عنده تعبت و حسيت بالنار بتقيد فيا، أنا كنت ناوي أوجعه و أقهره و أسم بدنه زي ما سمم حياتي و أنا صغير بس اتفاجئت بيه مريض و مش هقدر أعمل حاجة علشان أنا مش زيه، أنا تعبت يا إيمان، تعبت و حياتي كلها مرتحتش فيها غير لما بقيتي معايا، بلاش تزودي الحِمل أنتِ كمان"
أقتربت منه تحتضنه و هي تبكي بقوةٍ حتى بكى معها هو الآخر و هو يقول بوجعٍ:
أنا تعبت......و الله العظيم تعبت و كل حاجة عمالة تكسر فيا، أبويا منصفنيش و لا دُنيتي كلها، أنا اللي بيحصل فيا دا صعب.... بلاش تزودي صعوبته بقى"
ربتت على ظهره وهي تبكي بنفس الوجع حتى وجدته يشهق بقوةٍ بين ذراعيها يعلن أمامها عن ضعفه و قلة حيلته.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصل الشباب الثلاثة معًا، بعدما تركوا شقة «ميمي» ثم توجه كلًا منهم إلى وجهته، و أولهم كان «حسن» دلف شقة حماه فوجده يجلس بانتظاره، فقال بمجرد رؤيته له:
السلام عليكم، إزيك يا عم محمود"
رد عليه التحية ثم سأله بنبرةٍ هادئة:
و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا حسن، كنت فين يا حبيبي ؟! طارق و وئام هنا من بدري"
تحدث بصوتٍ هادئ يقول:
كنت مع ياسين و وليد يا عمي، إحنا جينا سوا، هي هدير فين؟!"
رد عليه يجاوبه بصوتٍ هاديء:
طلعت عند هدى علشان فارس بيعيط و هي كانت عاوزة تحضر الغدا، هتلاقيها نازلة دلوقتي"
حرك رأسه موافقًا فوقف «محمود» وهو يقول:
طب أنا هروح أعملي كوبايةأعشاب علشان صدري تاعبني، أعملك معايا يا حسن؟!"
وقف له و هو يقول مسرعًا:
طب خليك أنتَ طيب و أعملهالك أنا، متتعبش نفسك"
ربت على كتفه و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
لأ يا حبيبي متتعبش نفسك، أنا بحط عليه حبة البركة و بظبطه بروقان، هعملك كوباية منه علشان تلحق نفسك قبل البرد ما يجي عليك"
حرك رأسه موافقًا له و هو يبتسم فتحرك «محمود» من أمامه و قبل أن يجلس «حسن» مرةً أخرى، صدح صوت جرس الشقة، أقترب من الباب يفتحه فوجدها تبتسم بفرحةٍ و هي تقول:
حسن !! أنتَ هنا ؟! وحشتني أوي"
ابتسم لها ثم أغلق الباب بعدما دلفت هي، فدارت حول نفسها بفرحةٍ و هي تقول مثل الأطفال:
بص الإسدال حلو عليا إزاي؟؟"
ثم اقتربت منه و هي تقول بحماسٍ:
لبسته طول اليوم النهاردة و صليت بيه، و أقولك على حاجة، قرأت كتير في المصحف، و استخدمت السبحة طول اليوم أهيه في إيدي، كنت فرحانة أوي يا حسن، و أنتَ وحشتني أوي"
قبل أن يرد عليه تفاجأ بها تقترب منه أكثر ثم لفت ذراعيها حول عنقه و هي تقول بهيامٍ به:
عمري ما اتخيلت إن يجي اليوم اللي ممكن توحشني فيه كدا، و عمري ما اتخيلت إن ممكن يجي اليوم اللي أحس فيه إنك كل حاجة عندي كدا، حسن أنتَ ساكت ليه؟!"
قبل أن يرد عليها هو خرج والدها من الداخل يقول بسخريةٍ:
علشان محترم ياختي، محترم أني هنا، بس هقول إيه؟! جوزك"
شهقت هي بقوةٍ و كأنها خرجت من المياه لتوها فوجدت «حسن» يضحك عليها و هو يبعد ذراعيها عنه، فالتفتت هي تقول لوالدها بخجلٍ:
أنتَ صاحي يا بابا !! على فكرة بقى هو اللي غلطان كان المفروض يقولي إنك مش نايم"
رفع «حسن» حاجبه لها فتحدث والدها يقول بنبرةٍ ضاحكة:
يا شيخة !! اخس عليك يا حسن، قال يعني لو أنا نايم عادي"
ارتسم الحنق على وجهها فوجدته يقول مشاكسًا لها:
خلاص أنا هدخل أوضتي، الأعشاب بتاعتك أهيه يا حسن علشان تشربها"
أشار له على الطاولة بعدما وضع الكوب عليها، ثم تحرك من أمامهما تاركًا المجال لهما، فاقتربت منه توكزه في يده و هي تقول بحنقٍ:
مش تقولي إن بابا صاحي؟! أنا افتكرته نايم الله يسامحك شكلي بقى زفت قدامه"
رد عليها هو بتهكمٍ:
هو أنتِ ادتيني فرصة؟! نزلتي رغي رغي، طب أعمل إيه؟!"
رمقته بغيظٍ فوجدته يسحبها نحوه و هو يقول هامسًا بخبثٍ:
قوليلي بقى كنتي بتقولي إيه كدا ؟!"
ضحكت رغمًا عنها و هي تحرك رأسها نفيًا تعانده، فوجدته يحملها على يده و هو يقول:
مش مشكلة أنا جوة هعرف كل حاجة، و قبل ما تنطقي افتكري إن أبوكي صاحي جوة"
حاولت كتم ضحكتها بكفيها معًا و هو يتحرك بها نحو الداخل بعدما رمقها بتهديدٍ.
_________________________
وصل «وليد» شقته و منها إلى غرفته بعدما ألقى التحية على الجميع، ثم خلع قميصه و ارتدى معطفًا باللون الأسود
سويت شيرت" على بنطال رياضي بنفس اللون و بعدها ارتمى على الفراش و هو يشعر بالتعب يقوم بهدم قوته و خاصةً بعد خوفه على «ياسر» منذ الأمس، أغمض عينيه بتعبٍ لكنه تفاجأ بيدٍ ناعمة تدلك رأسه، لم يقو على فتح عينيه بسبب كثرة التعب، فتفاجأ بها تقول بهمسٍ بجانب أذنه من المفترض يخيفه:
وليد ؟! قوم يا وليد...وليد"
ضحك عليها و هو يقول بيأسٍ و لا زال مغمض العينين:
يا متخلفة بطلي هبل و أعقلي شوية، و بعدين جاية أوضتي تعملي إيه؟!"
ضربته على وجهه بخفةٍ و هي تقول بضجرٍ طفيفٍ:
أنا غلطانة جاية أهتم بيك و أأكلك، خليك نايم بقى"
فتح عينيه ثم اعتدل على الفراش يستند على الوسائد خلفه و هو يقول بمرحٍ:
أنام إيه بس ؟! أنا هموت من الجوع يا عبلة، هاتي الأكل"
تحركت تجلب الصينية ثم جلست بجانبه و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
اتفضل يا سيدي، عملت النهاردة مكرونة بالوايت صوص، و عملتلك جنبها فراخ علشان عارفة إنك بتحبها"
ابتسم لها و هو يقول:
هي إيه دي يا سوبيا؟!"
ردت عليه هي بمرحٍ:
عارفة إنك بتحب المكرونة بأنواعها، و عارفة إنك بتحب الفراخ جنبها و بتحب عصير الفراولة، عملتلك كل دا"
تحدث هو يسألها بتشككٍ:
و دا ليه كله؟! هات العواقب سليمة يا رب"
ردت عليه هي بضجرٍ:
بس يا مهزق، أنا عملت كل دا علشانك، خليت ماما تعلمني كل دا و عملته علشانك، مش فرحنا قرب؟! هنتجوز إزاي و أنا لسه مبعرفش أطبخ؟!"
رد عليها هو بمشاكسةٍ:
هطبخلك أنا، صحيح مليش أوي في المطبخ، بس بعمل كبدة حلوة، متشليش هم الطبخ ياختي"
ابتسمت له هي ثم قالت:
طب يلا كُل يا ليدو، أنتَ تعبت النهاردة أوي، ربنا يعينك"
رد عليها هو بانهاكٍ:
تعبت أوي، اليوم كان مُرعب و صعب، ربنا ما يكتبها على حد يعيش الموقف دا، بس الحمد لله ياسر سليم و ربنا طمننا عليه"
ربتت على كتفه ثم قالت:
الحمد لله إنكم اطمنتوا عليه يا وليد، معلش أنا عارفة إنك كنت في موقف صعب، علشان كدا جيت أتطمن عليك و أريحك شوية"
رفع رأسه يطالعها فوجدها تقول بصوتٍ هاديء:
يعني اللي أنتَ فيه الفترة دي صعب أوي، تجهيز بيتنا و فرحنا و تعب خديجة، و مشكلة ياسر، و علاجك عند دكتورة هناء كل دا صعب عليك لوحدك، بس أنا معاك و الله، مش عاوزاك تحس إنك لوحدك"
ابتسم لها وهو يقول بعدما زفر بقوةٍ:
أنا مش لوحدي، أنتِ معايا و جنبي، عيونك طول ما هما قدامي أنا مرتاح و حاسس أني متونس بيهم، فاكرة لما قولتلك مجنون مين اللي يسيب ونسيه في الدنيا دي؟! أنا هسيبك يوم ما أكون مجنون يا عبلة، طول ما ربنا مخليني حي على وش الدنيا و القلب بيدق، هتفصلي أنتِ ونيسي في الدنيا دي، أنتِ إجابة كل سؤال العقل احتار فيه، و أنتِ السبب اللي كل ما القلب يموت تحييه"
طالعته بعينيها الدامعتين فوجدته يقترب منها يقبل رأسها ثم قال هامسًا بهدوء:
علشانك أنا قادر أكمل.... علشانك قادر أتحمل....
و كل مرة بشوفك هحبك تاني من الأول"
ابتسمت له باتساعٍ فوجدته يغمز لها بمشاكسةٍ ثم أشار برأسه نحو الطعام و هو يقول:
يلا ناكل و كُلي معايا....خلي نفسي تتفتح، أنا واحد كنت في زيارة لـ تلاجة الميتين"
_________________________
جلس «ياسين» وسط «خديجة» و والديها بعدما اطمئنوا منه على صديقه، بعدها قام هو بمساندتها ثم دلف بها غرفتها بعدما تفحصته هي و أدركت من ملامحه أنه يشعر بالتعب، بل أوشك على فقد كامل طاقته، و بعد دلوفهما الغرفة، أغلق هو الباب ثم التفت يحتضنها حتى تفاجئت هي بفعلته تلك، فسألته بتعجبٍ:
مالك يا ياسين؟! فيه إيه؟! و ليه شكلك تعبان كدا؟!"
رد عليها بانهاكٍ واضحٍ:
مش قادر يا خديجة، اللي حصل فيا من إمبارح عمري ما اتخيلت أني أعيشه، أنا شوفت كتير، أنا اتحطيت في أكتر موقف ممكن حد يخاف منه، خلاص مش قادر أكمل اليوم و أنا ماسك نفسي كدا"
رفعت ذراعها الحر تربت على ظهره وهي تقول بصوتٍ مختنق:
الحمد لله على كل حال يا ياسين، عارفة إن دا كله صعب و إنك شوفت كتير، بس متزعلش و إحمد ربنا إن أخوك رجعلك و بقى بخير"
أدرك هو وضعها حالًا و هي تتحدث فابتعد عنها يمسح دموعه و هو يقول بلهفةٍ:
أنا....أنا آسف و الله يا خديجة، معلش بس تعبي عماني، متزعليش مني"
ردت عليه هي بنبرةٍ هادئة:
أزعل منك ؟! أنا كويسة و زي الفل أهوه، طمني عليك بس، أنتَ كويس؟!"
حرك رأسه موافقًا دون أن يتحدث فوجدها تبتسم له ثم قالت بحنقٍ زائف:
أنا كنت قلقانة عليك أوي و الله، و اتحايلت على وليد ياخدني ليكم بس هو مرضاش، و أنا زهقت من خوفي و قلقي و أنا قاعدة متكتفة كدا، كنت حاسة إنك محتاجني"
أمسك كفها ثم أجلسها على الفراش و هو يقول بصوتٍ خافتٍ:
كنت محتاجلك و الدنيا كانت ضيقة عليا يا خديجة، أنا إمبارح بس كان نفسي تكوني معايا، حتى بيتنا مستحملتش أقعد فيه من غيرك و مش طايقه يا خديجة، أنا بقيت عاوزك في بيتي علشان مش لاقي الراحة بعيد عنكم انتم الاتنين"
ابتسمت له فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال بصوتٍ ظهر به التعب:
أنا كنت فاكر إن الإنسان فينا ممكن يرتاح طول ما هو معندوش مشاكل، بس اللي بنحبهم لما يتوجعوا الوجع بيجيلنا إحنا كمان، وجع ياسر وجعني يا خديجة، حسيت إني مش قادر اتنفس، و لما روحت بيتنا كنت عاوزك معايا علشان أرمي حمولي عليكي و أقولك على تعبي، كنت متأكد إن راحتي عندك أنتِ، زي لقيت فيكي كل حاجة طلبتها و أكتر بكتير، أنا تعبت أوي يا خديجة...تعبت و مش لاقي حد غيرك ينفع أقوله أني تعبت....أنا بتكلم معاكي و حاسس أني بتكلم مع نفسي، بقيتي أقرب ليا من نفسي يا خديجة"
أشارت له حتى يقترب منها، فامتثل لمطلبها، حينها احتضنته و هي تقول بصوتٍ هادئ رغم نبرتها المختنقة من شدة تأثرها:
أنا معاك أهو قول اللي عاوزه و عيط كمان و اشتكي يا ياسين، بدل ما تكتم جواك، قول اللي مزعلك كله"
نزلت دموعه رغمًا عنه فحتى الآن لم يجد حديثًا يكفي ما يشعر هو به حتى أنزل جسده يضعه على قدمها السليمة، فوجدها تمرر كفها على خصلات رأسه و هي تقرأ له آيات القُرآن الكريم بصوتها الهادئ، حينها هو شعر بالسَكينة تجتاحه و رغمًا عنه أغمض عينيه دون أن يعي هو لوضعه و هو على فخذها الحر و الآخر تحاول هي تحريكه لكن دون فائدة، حتى زفرت بقوةٍ ثم ربتت عليه بقلة حيلة، و حينها شعرت بالشفقة عليه فلم ترد إيقاظه، بل ظلت تمسح على رأسه و هي تقرأ له ما تيسر من القُرآن الكريم.
_________________________
فوق سطح البيت جلس «طارق» يقوم بإنجاز بعض الأعمال الخاصة به، حتى صعدت له «جميلة» و هي تبتسم بسمتها الهادئة التي تُزين وجهها، رفع هو رأسه و حينما وجدها أمامه قال بفرحةٍ كبرى:
كدا كتير عليا، شكل الواد وليد معاه حق يحب السطح دا، تعالي خليني أفرح شوية، دا النكد داس على وشي بقطر"
ابتسمت أكثر و هي تجلس بجواره ثم قالت بهدوء:
عاوزة أتكلم معاك شوية، ينفع؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
لو مينفعش أنا هخليه ينفع يا جميلة، اؤمريني، عاوزة إيه؟!"
ردت عليه هي بنفس هدوئها المعتاد:
الأمر لله وحده يا طارق، عاوزاك تاخد الفلوس دي"
مدت يدها له بعد جملتها بـ مبلغٍ من المال فحرك هو رأسه للأسفل يطالع ما تقدمه له ثم رفعها مرة أخرى و هو يقول بتعجبٍ:
إيه الفلوس دي يا جميلة ؟! بتاعة إيه؟! و جايباهم ليا ليه أصلًا؟!"
ردت عليه هي بعدما أخذت نفسًا عميقًا لعلها تُهديء به من توترها:
الفلوس دي بتاعتي يا طارق، بابا كان بيديهم ليا علشان جهازي و علشان أقدر أجيب كل اللي نفسي فيه"
قطب جبينه بتعجبٍ منها فوجدها تقول مُسرعةً:
قبل ما تفهمني غلط بس، أنا هنا محدش فيكم مخليني محتاجة حاجة، خالو مرتضى جايب كل حاجة لعبلة و خالو محمد بيجبلي أنا زي ما بيجيب لعبلة، و أنتَ شايل كل حاجة، خلي الفلوس دي معاك أكيد هتحتاجوها"
رد عليها بنبرةٍ جامدة:
شيلي فلوسك يا جميلة، بطلي هبل و عبط، دا حقك علينا و محدش هيقدر ينكر حاجة زي دي"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
يا طارق اسمعني، ماما كلمت خالو محمد قالها ملهاش دعوة بيا و بابا الحاجات اللي كان هيجيبها أنتَ جبتها كلها، دا أكبر من طاقتكم، الفلوس معايا أهيه، خدها و ريحني"
رد عليها هو بضجرٍ:
يا ستي الله يرضى عليكي بطلي هبل، دي فلوسك أنتِ خليها معاكي، اللي تعوزيه كله اطلبيه مني، كفاية إنك مكنتيش معانا و إنك عيشتي بعيد عننا و اتحرمتي من عيلتك، ريحيني أنتِ و شيلي فلوسك يا جميلة"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت مُسرعةٍ:
طب هقولك، شوف أي مكان من اللي بيكون محتاج مساعدات و بيكون فيه عرايس بتتجهز و نجهز بيه عروسة يتيمة أو محتاجة مساعدة إيه رأيك ؟!"
ابتسم لها باتساعٍ دون أن بتفوه بكلمةٍ واحدة، فحركت رأسها باستفسارٍ و هي تقول:
سكت ليه؟! طارق؟! أنتَ كويس"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ هائمة:
أنتِ جميلة أوي يا جميلة، بجد كل يوم بكتشف حاجات أحلى من الأول، طلعتي أحلى من كل حاجة حلوة تخيلتها في يوم"
ابتسمت بخجلٍ منه فوجدته يقول بهدوء:
أنا ليا حق اتمسك بيكي و ليا حق أفضل متبت في حُبي ليكي كمان، ربنا يزيدك من فضله و يكرم قلبك الجميل"
مدت يدها له حتى تزيل خجلها منه و هي تقول بتلعثمٍ:
طب ريحني و خدهم، شوف هتتصرف فيهم إزاي بقى، أنا معنديش خلفية عن أي حاجة هنا"
حرك رأسه موافقًا ثم أخذهم منها و هو يقول بهدوء:
هكمل عليهم من معايا و نروح سوا أنا و أنتِ علشان ناخد ثواب مع بعض، حلو كدا؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فقال هو بسخريةٍ:
ألا بصحيح أنتِ مين اللي مربيكي؟! لا فيكي حاجة من عمتي و لا فيكي حاجة من أبوكي؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
تربية تيتة نوال، ارتاحت بقى ؟؟"
حرك رأسه موافقًا و هو يقول:
آه كدا ماشي، مُقنعة دي"
_________________________
في منزل «سمير» كان جالسًا في ردهة البيت و على طرفيه «جيسي» و «فادي» و كانت الفتاة تتحدث في الهاتف مع أحد رجالهم الذي كلفته هي بمراقبة الشباب بعد خروجهم من بيتهم حتى يطمئنهم على «ياسر» و بعد حديثها معه بعدة كلماتٍ مقتضبة أغلقت معه و هي تقول:
لقوه في مسجد في المنطقة عندهم و بعدها راح عند مامته و شكله هيمشي دلوقتي يروح بيته"
تنهد «سمير» براحةٍ كبرى ثم أرجع رأسه للخلف يمسكها بكفيه معًا، فوجدها تجلس بجواره و هي تقول:
أنا بقول كفاية كدا و ياريت ملناش دعوة بيه تاني، كفاية تعبه لحد كدا، هما مش حمل ظهورنا و لا حمل مواجهات صعبة من ديه"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم تحرك من أمامهما دون أن يتحدث، بينما «فادي» انتظر اختفاء أثره ثم قال بتعجبٍ:
أنا مش فاهم حاجة، هو زعلان و لا مش فارق معاه؟! و أنتِ شاغلة نفسك ليه بقى؟!"
ردت عليه بضجرٍ:
يعني إيه شاغلة نفسي ليه؟! أنا لو مركزتش معاه كل حاجة هتدمر يا فادي، حياته و حياتنا و حياة عياله كمان، كفاية اللي ياسر بيحس بيه دلوقتي"
سأله بتشككٍ:
أنتِ شاغلة بالك بياسر ليه؟! مالك و مال ياسر يا جيسي؟! اللي يشوف خوفك عليه يقول إنك بتحبيه"
تنهدت هي بقلة حيلة ثم قالت:
هحب مين يا فادي ؟؟ و أنا أعرفه منين علشان أحبه؟! أنا مستغرباه مش أكتر من ساعة ما جينا هنا و أنا بتابعه و توقعت هشوف نسخة تانية من سمير و هو صغير، بس دا غريب، مش زيه أبدًا، زوج مخلص و صاحب جدع و دكتور أطفال، عامل زي الاطفال و هو وسطهم"
ابتسم بتهكمٍ وهو يقول:
لأ فعلًا مش مركزة معاه، عارفة عنه كل تفاصيله دي و أنا معرفش؟! نسيتي أني أنا راجل شرقي الأصل برضه؟!"
زفرت هي بقوةٍ ثم قالت:
فادي ياريت بلاش الكلام دا، أنا بس حسيت بشفقة ناحيته، حسيت إنه حرام يتوجع مرة تانية بالطريقة دي، ياسر ميستهلش إنه يكون عنده أب زي سمير يا فادي، ياسر يستاهل إنه يعيش مبسوط بعد كل اللي شافه"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم سألها بتشككٍ:
هو أنتِ فيه حاجة في دماغك؟! بتفكري في حاجة معينة يعني؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت ببساطةٍ:
خالص، أنا مستنية أشوف أخرة اللي إحنا فيه دا إيه؟! يمكن كل حاجة تعدي و تخلص، و يمكن تاخد كتير من طاقتنا"
حرك رأسه موافقًا و هو يتابع ملامحها بتمعنٍ و هو يفكر فيما هو آتٍ
_________________________
بعد مرور عدة ساعات و قبل صلاة الفجر كان «ياسر» جالسًا على فراشه و «إيمان» نائمة على قدمه و هو يحرك كفه على خصلات شعرها و كأنها ابنته، ابتسم و هو يرى تشبثها بها، بعدما أمسكت كفه بيدها حتى لا يتحرك من جوارها مرةً أخرى، ثم أخفض نفسه يراقب ملامحها و هي نائمة، فابتسم رغمًا عنه بفرحةٍ و هو يتذكر قلقها عليه و تمسكها به، ثم تذكر ما عاشته بسببه، حينها قبل جبينها ثم قال بهدوء معتذرًا لها:
أنا أسف و الله.....كفاية إنك كنتي بتحاربي علشاني و كنتي شايلة كل القلق دا من خوفك عليا، الدنيا كلها مكانش فيها حاجة حلوة غيرك أنتِ، و أنا قلبي ملوش غيرك أنتِ"
ربت على رأسها بعد حديثه و فجأة صدح صوت جرس الباب، قطب جبينه بتعجبٍ ثم حرك رأسه للساعة يطالعها فوجدها تقترب من الثالثة صباحًا، حينها خرج من الفراش منتفضًا، فشعرت به زوجته، فسألته بلهفةٍ و خوفٍ:
مالك يا ياسر ؟! فيه إيه؟!"
رد عليها هو مُسرعًا:
مفيش يا إيمان، نامي أنتِ، متخافيش"
خرج من الغرفة ثم توجه نحو باب الشقة يفتحها فتفاجأ به أمامه، فطالعه بدهشةٍ و هو يقول:
أنتَ ؟! بتعمل إيه هنا؟!"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم شمس بكري
سبحانه الوهاب خلق عينيك بكل هذا الجمال، حتى قلبي نحوهما ميال"
_________________________
وقفتُ الآن كما المرء المغلوب، تلاحقني هزائم شتى و أنا قلبي من الآلم يذوب، أقف بلا أملٍ و كأنني ألقى مصرعي و الحزن عليَّ مَكتوب، تَركتُ وطني، و غادرت سُفني، و وقفتُ ألومني على ما فاتني، حتى يأست و من نفسي سئمت، الآن شعرت و كأن حملي بثقل الجبال، فوالله إني ضعيفٌ على حمل الثقال.
خرج من الغرفة ثم توجه نحو باب الشقة يفتحه، فتفاجأ به أمامه، فطالعه بدهشةٍ و هو يقول:
أنتَ ؟! بتعمل إيه هنا؟!"
ازدرد لُعابه بتوترٍ بات واضحًا عليه و على قسمات وجهه و هو يقول:
ممكن أتكلم معاك ضروري؟!"
خرجت في تلك اللحظة «إيمان» من الداخل فتفاجئت بـ «سمير» يقف على أعتاب الشقة مقابلًا لزوجها، لم تحتاج وقتًا طويلًا حتى تتعرف عليه، فيكفي الشبه بينهما، فضمت ذراعيها أمام صدرها و هي تقول بنبرةٍ جامدة و صوتٍ حاد:
أنتَ بتعمل إيه هنا !! هو أنتَ معندكش دم خالص؟!"
حرك رأسه جهة «ياسر» وهو يقول بصوتٍ مهتز رغم هدوئه:
ممكن أتكلم معاك ؟! اعتبره رجاء مني ليك، ممكن ؟!"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ ثم دلف و هو يشير له حتى يتبعه دلف «سمير» خلفه فجلس «ياسر» على المقعد منتظرًا جلوسه، و كل ذلك كانت تتابعه «إيمان» بحنقٍ رافعةً أحد حاجبيها، حتى جلس «سمير» مقابلًا له، فتحدث «ياسر» موجهًا حديثه لزوجته بثباتٍ:
اقفلي الباب يا إيمان، و ادخلي اعملي حاجة لسمير بيه يشربها، إحنا بنفهم في الأصول برضه و بنكرم ضيوفنا"
أغلق «سمير» جفنيه بشدة بينما هي أغلقت الباب بعنفٍ واضحٍ حتى اهتز جسديهما، ثم دلفت للداخل، فتحدث «ياسر» بتهكمٍ:
اتفضل، أنا سامعك ياريت تخلص علشان الوقت مش مناسب و أنا عاوز أنام"
تنحنح «سمير» يُجلي حنجرته ثم قال بهدوء رغم اهتزاز صوته:
أنا جاي علشان عاوز أعوضك عن كل اللي فات، جاي علشان أأمن ليك مستقبلك قبل ما أموت"
حرك «ياسر» رأسه موافقًا بسخريةٍ ارتسمت على ملامح وجهه، فتابع الآخر قوله:
و عاوزك تسمع كلامي و توافق عليه علشان تضمن إنك تعيش مرتاح، على الأقل هضمن إن بعد موتي أنتَ هتعيش مبسوط، طالما معرفتش أعمل كدا ليك و أنا عايش"
سأله بنفس التهكم و هو يقول:
و دا إزاي بقى ؟! إيه جايب معاك مصباح علاء الدين ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال بثباتٍ يجاهد حتى يتحدث به:
عاوزك تتجوز جيسي"
تأهب جسد «ياسر» في جلسته و خرجت «إيمان» في تلك اللحظة تمسك في يدها العصير، و عند استماعها لهذه الجُملة، تركت ما بيدها على طاولة السفرة ثم اقتربت من موضعهما و هي تقول بنبرةٍ جامدة:
أنتَ بتقول إيه !! أنتَ مجنون رسمي و الله، جيسي مين دي!"
نظر لها ثم حرك رأسه نحو «ياسر» و هو يقول:
ها يا ياسر إيه رأيك؟!"
ردت عليه «إيمان» بضجرٍ:
رأيه في إيه ؟! مين جيسي دي؟! أنا مراته، أنتَ أكيد مش طبيعي...."
قاطعها «ياسر» بقوله الحاد:
أهدي يا إيمان !! فهمني بقى أنتَ عاوز إيه؟! قولي تاني كدا"
رد عليه مُفسرًا بتوترٍ:
أنا يدوبك كنت وصي عليهم، بعد ما تموا السن القانوني كل حاجة رجعت ليهم علشان دا ورثهم من والدهم، معايا نسبة صغيرة جدًا مش هتعملكم أي حاجة، ممكن تتجوز جيسي و تعيش معاها عمرك اللي جاي و تبدأ صح، أهو تعوض فترة تعبك اللي فاتت في غيابي"
اتسعتا حدقتيهما بعد سماع حديثه الغريب، و في تلك اللحظة طُرق باب الشقة، فتحركت «إيمان» تفتحه و حينها وجدت أخيها و «عامر» معه بثياب البيت، فسألها «خالد» بصوتٍ جامدٍ:
سمير هنا صح !! أنا شوفته من البلكونة و هو داخل البيت، هو فين؟!"
حركت رأسها نحو الداخل فدلفا كليهما و هي تتبعهما، فتحدث «ياسر» موجهًا حديثه لوالده متجاهلًا وجودهما و هو يقول منفعلًا في وجهه:
يعني مش بس أنتَ أب قليل الأصل ؟! كمان محافظتش على أمانة الست اللي سابتهالك؟؟ عاوزني أعمل زيك و اتجوز واحدة علشان فلوسها !!"
رد عليه مُسرعًا:
أنا بحافظ عليكم انتم الاتنين، بعوضك عن اللي فات و بأمن جيسي من فادي و تهوره، جيسي تستاهل إنها تكون مع حد زيك، أنا واثق إنك راجل يعتمد عليه"
تدخل «عامر» يقول بضجرٍ منه:
أقسم بالله أنا بقرف منك، مش قادر استوعب ازاي ممكن تكون أبوه، إزاي أصلًا هو و أهله استحملوك ؟! أنتَ إيه يا أخي؟!"
وقف «ياسر» ثم توجه له يضع ذراعيه على يد المقعد و بذلك يقف كالرادع له و هو يقول بصوتٍ خافتٍ:
أنا في حياتي دي كلها مشوفتش زيك، لا على مستوى البشر و لا على مستوى القرف، بقى عاوزني آمن مستقبلي على حساب واحدة ست ؟! فاكرني زيك؟!"
رد عليه بترددٍ:
أنا عاوز آمن مستقبلكم أنتم الاتنين، جيسي طيبة و تستاهل إنـ......"
صرخ في وجهه و هو يقول مُقاطعًا استرسال حديثه:
بــس.....أنتَ إيه؟؟ عاوز تقهرني و خلاص؟! ماشي تحرك في الناس على مزاجك و خلاص؟! سيبتنا و مشيت بمزاجك و اتوجعنا بسببك بدل المرة ١٠٠ مرة في اليوم، و حاربت علشان اتجوز اللي بحبها و حاربت الدنيا كلها علشان تكون هي ليا، عاوزني أقهرها و أعمل فيها اللي عملته في أمي؟! أنتَ إيه؟"
اقترب منه «خالد» يدفعه من قربه، ثم أمسك «سمير» من تلابيبه يوقفه و هو يقول بصوته الهادر المرتفع:
اقسم بالله أنا اللي مسكتني عليك هو فرق السن و مرضك دا لو فعلًا أنتَ مريض، بس قسمًا بربي اللي مش هحلف بيه كدب، لو رجلك هوبت تاني ناحية أخواتي أو ميرفت أنا هموتك بإيدي و مش هستخسر عمري فيك و أنا بقضيه في السجن، على الأقل هبقى عملت حاجة تشرف"
أغمض عينيه بألمٍ ثم فتحهما و هو يقول:
أنا عاوز أعوضه عن اللي فات، عاوز أموت و أنا سايبله حاجة يتسند عليها، عاوزه يكمل حياته بفلوس تأمنه"
بكت «إيمان» رغمًا عنها و هي تستمع لحديثه، فوجدت «عامر» يحرك رأسه نحوها و هو يقول بتعجبٍ من حالتها:
أنتِ بتعيطي ليه؟! فاكرة إن ياسر ممكن يعمل حاجة زي دي ؟!"
رفعت رأسها له و هي تبكي فاقترب منها «ياسر» يمسح دموعها ثم ربت على رأسها، بعدها التفت لوالده الذي تركه «خالد» و هو يرمقه بتحدٍ حتى تحدث «ياسر» يقول:
أحب أعرفك بإيمان مراتي، أخت خالد اللي أنا مربيها على إيدي، إيمان اللي استحملتني و استحملت تعبي، و مش بس كدا، دي كانت بتحارب علشان تخليني مبسوط، واحدة تانية غيرها كانت خافت مني و قالتلي هيجي يوم و تعمل زي ما أبوك عمل، بس هي وثقت فيا و حبتني و استنتني، عاوزني اقل بأصلي مع الناس اللي عملوا بأصلهم معايا؟! عاوزني أخدع خالد اللي شال همي طول عمره كأني ابنه و عاش يحميني من الدنيا؟! و لا عاوزني أسيب البنت اللي حلمت بيها ؟! و لا تكون عاوزني أعمل زيك و اتجوز واحدة علشان فلوسها؟! أنا معنديش حاجة أقولها ليك غير إن الباب اللي دخلت منه تخرج منه زي الشاطر بنفس الطريقة"
رد عليه بخوفٍ:
أنا كدا هبقى قلقان أموت و أسيبك كدا، عاوزك تلاقي حاجة تعتمد عليها، عاوزك تفهمني أنا ليه سيبتكم و أنـ....."
رد عليه بصراخٍ في وجهه:
مــــش عــاوز أسمع منك حاجة !! هسمع إيه ؟! هتقولي معلش يا حبيبي قهرتك من صغرك؟! هتقولي معلش أنا كنت بمد إيدي عليكم و أنيمكم مجروحين كل يوم؟! هتقولي إيه؟! أنا اللي هقولك،......هقولك إن أختك اتكلمت على أمي بالباطل و سَبتها في شرفها، هقولك إن الكل بقى بينهش في لحمنا و فاكرنا لقمة طرية، هقولك إن كل راجل ناقص كان بيبص لأمي و فاكرها ست مش مظبوطة بسبب كلام أختك و الناس عنها إن جوزها طفش من أفعالها، هقولك إنها لما جربت تنزل تشتغل واحد عديم النخوة زيك كدا حاول يتهجم عليها و من ساعتها و أنا بشتغل و وصلت معايا لحد ٣ شغلانات في اليوم، هقولك إنك سيبت نيرمين الكبيرة عندها مرض نفسي كانت بتفضل تضرب في نفسها و متحسش غير و هي بتجيب دم، هقولك إنك سيبت عيلة زي ندى، بتقولي يا بابا علشان تبقى زي صحابها عندها أب، هقولك إنك سيبت عيل عنده ١٠ سنين مسئول عن ٣ ستات في رقبته و هو اتحكم عليه ينزل يحارب في الدنيا دي، هقولك إني عيشت حياتي كلها بحاول انسى الكابوس اللي ملازمني و برضه مش عارف و لحد دلوقتي مراتي بتصحى بليل مخضوضة من صرختي بليل، هقولك أني اتقهرت و أنا شايف الغريب بياخد حقي و بيشكر فيك علشان إديته عمرك و كبرته و حميته و أنتَ سايب وراك لحمك و دمك قطر الدنيا يدوس عليهم، هتقولي إيه؟! سامحني، و الله ما هتسمعها مني، لا هنا و لا قدام ربنا، و من كل قلبي ربنا لا يسامحك على اللي شوفناه منك"
أخفض «سمير» رأسه بخزيٌ منهم جميعًا فتحدث «ياسر» بنبرةٍ أقرب للصراخ:
برة !! اتفضل برة بالأدب بدل ما أوريك ياسر اللي المفروض يتعامل معاك عامل إزاي؟! بـــرة"
صرخ في وجهه فتحرك «سمير» بقدميه رغمًا عنه و كأن تلك المهمة مستحيلة، فتفاجأ بـ «عامر» يمسك يده و هو يقول:
أي أب زيك في الدنيا دي ميستاهلش شفقة و لا يستاهل يكون عنده ابن زي ياسر، حلال فيك تموت بحسرتك عليه، و على إنك بإيدك ضيعت واحد زي دا من إيدك بغبائك"
تحرك من أمامهم نحو باب الشقة و بمجرد فتحه للباب، تفاجأ بـ «ياسين» يقف أمامه و كان على وشك طرق الباب، فرفع «ياسين» حاجبه له و هو يقول:
هو مش أنا قولتلك ملكش دعوة بأخويا تاني؟! و قولنالك كلنا لو سكتك جت على سكته إحنا هنقفلك؟؟ جيت ليه يا سمير؟!"
رد عليه بنبرةٍ جامدة:
أنا جاي أشوف ابني، أنتَ مين علشان تمنعني ؟! تقربله إيه أنتَ"
ابتسم له بتهكمٍ و هو يقول منفعلًا في وجهه:
أنا أخوه، و مش بس كدا، أنا ممكن دلوقتي أفرمك في أيدي من غير ذرة احترام لسنك و لا لوضعك، أنا مش فاهم أنتَ جايب الجبروت دا منين؟! أمشي من هنا بدل ما أخليك متعرفش تتحرك تاني، و افتكر إن اللي يسيب نصيبه بمزاجه و يفرط فيه، ملوش حق يجي يطالب بيه"
تحرك «سمير» بعد جملته تاركًا المجال لهم جميعًا، فدلف «ياسين» الشقة وجد أخوته يقفون بها، فاقترب مُسرعًا من «ياسر» و هو يقول بلهفةٍ:
أنتَ كويس يا ياسر !! عملك حاجة ؟! زعلك ؟!"
ابتسم له بوجعٍ و هو يقول بتهكمٍ:
و إيه الجديد يا ياسين؟! ماهو طول عمره واجعني، أنا مفيش حاجة في حياتي دي كلها وجعتني قده، أنا حتى إسمه اللي موجود في إسمي واجعني، أنا تعبت منه"
بكى و هو يتحدث فخطفه «ياسين» بين ذراعيه و هو يربت عليه محاولًا التحكم في دموعه هو الآخر، فاقترب «خالد» يحتضن شقيقته التي كانت تبكي بقوةٍ، و هو يقول مُهدئًا لها:
بس علشان خاطري عندك بطلي عياط، ياسر مش ممكن يسيبك يا إيمان، بتعيطي ليه؟!"
ردت عليه بوجعٍ ظهر في صوتها:
علشان تعبت يا خالد، دمر حياته و هو صغير و مصمم يدمرها و هو كبير، أنا مشوفتش أب كدا في حياتي، مستخسر فيه يفرح؟! مش مكفيه اللي عمله و قهرته ليه؟! أنا عمري ما كرهت حد قده"
ربت عليها شقيقها ثم قبل قمة رأسها، بينما «ياسر» ابتعد عن «ياسين» يسأله بتعجبٍ من تواجده هنا:
أنتَ بتعمل إيه هنا صحيح؟! جيت إزاي و سيبت مراتك لوحدها؟! مش هي تعبانة؟"
حرك رأسه موافقًا ثم قال:
خالد كان واقف في البلكونة بيكلمني و شاف سمير بيقرب من بيتك و دخل لما عم سعد فتحله، هو جاب عامر و جالك هنا و أنا مقدرتش أمسك نفسي و جيت على هنا اتطمن عليك"
ابتسم له بحبٍ فوجده يقبل رأسه ثم احتضنه و كأنه يحتضن صغيره، فاقترب منه «عامر» بتأثرٍ ثم ربت على ظهر «ياسر» و هو يقول بنبرةٍ هادئة يحاول بها إخفاء تأثره:
حقك عليا أنا يا ياسر، لو أعرف إنه هيجي و يزعلك كدا كنت وقفت تحت البيت و منعته، أنا أسف و الله"
سأله «ياسين» بمرحٍ بعدما ترك «ياسر» محاولًا تغيير الأجواء:
أنتَ مشاعرك بقت غريبة اليومين دول و كدا أنا قلقت، أنتَ هتعيط يا عامر؟!"
حرك رأسه موافقًا و الدموع تنزل من عينيه و هو يقول بصوتٍ متهدج:
آه هعيط، الرعب اللي عيشت فيه من يومين مخليني خايف، خايف أخسر حد فيكم، خايف الدنيا تبعدنا عن بعض و إحنا ملناش غير بعض في الدنيا، خايف طول عمري ظهور سمير دا يبعد ياسر عننا و يفرق بينه و بين خالد، أنا كنت إمبارح في مشرحة علشان أتعرف على أخويا، فيه أبشع من كدا إحساس؟! فيه أصعب من كدا حاجة ممكن إنسان يمر بيها؟!"
ترك «خالد» شقيقته ثم اقترب من «عامر» يحتضنه و هو يقول مُهدئًا له:
خلاص بقى يالا، كل حاجة عدت و خلصت على خير، سمير المبقع دا لو رجله خطت تاني هنا، أنا هخلي يونس ابني ينول شرف إن أبوه رد سجون، دموع واحد فيكم برقبته هو و اللي زيه، و سمير مخلي أغلى أربعة على قلبي في الدنيا يعيطوا، تحبوا أشغل المجد على روحه ؟؟"
ردوا عليه جميعًا في آنٍ واحد:
يـــاريـــت"
ضحكوا جميعًا حتى «خالد» و هو يقول:
آه يا زبالة !! عاوزني أضيع نفسي يا جزم؟!"
مسح «ياسر» دموعه ثم مرر كفيه على وجهه و هو يقول:
يلا بقى منك ليه، شوفوا وراكم إيه علشان أنا منمتش و ورانا شغل كمان شوية، يلا كفاية كدا هنطرد من أكل عيشنا"
رد عليه «عامر» مُسرعًا:
معاك حق بصراحة، خصوصًا إني مبروحش بقالي يومين و الدنيا خربت هناك، خلينا نفوق لنفسنا و كأن مفيش حاجة حصلت"
رد عليهم «ياسين» بقوله:
طب أنا هلحق أتحرك قبل ما الفجر يأذن و خديجة تصحى و أنا مش موجود، عمال أقلق فيها و خلاص هي جابت أخرها"
حركوا رأسهم بموافقةٍ ثم تحركوا من المكان و كلًا منهم نحو وجهته الخاصة، بينما «ياسر» اقترب منها يرفع وجهها بيده و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
و الله العظيم أنا مش عارف أقولك إيه تاني غير أنا أسف و أني تعبت منه، أنا عارف إنك تعبتي و إنه خوفك بكلامه، بس و الله أنا عمري ما تخيلت إنه يفكر في حاجة زي دي"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنق:
أنا زي اللي مكتوب عليها تخاف علطول من حاجات مليش دخل فيها، شخص زي دا طول عمره مسببلي قلق، أنا تعبت يا ياسر، كلامه وجعني زي السكاكين اللي قطعت في جسمي، عارفة إنك متعملش كدا أبدًا بس الكلام كان صعب عليا"
مال عليها مُقبلًا قمة رأسها ثم قال بهدوء بعدما طالعها بعينيه:
حقك عليا أنا و الله، بس دا نصيبك إن من بين كل رجالة الدنيا تاخدي واحد زيي أبوه زي سمير، جاي يعرض عليا جواز من واحدة المفروض إنها زي بنته"
تبدلت معالم وجهها و هي تقول بشرٍ و كأنها أصبحت أخرى:
خلاص يا ياسر أنتَ بتقهرني؟! مركز أوي في كلامه أنتَ ؟! ما تعدي يومك معايا"
طالعها بدهشةٍ من تغيرها المُفاجيء فتفاجأ بها تقول بنفس الطريقة:
عمالة أذوق في الكلام علشان أعديه و أعمل عبيطة و أنتَ بتفكرني ؟!"
تحدث هو ببلاهةٍ و تيهٍ:
بسم الله الرحمن الرحيم !! أنتِ بتتحولي بجد و الله، فيه إيه يا مجنونة على الصبح ؟!"
ردت عليه هي بضجرٍ:
عاوزني أقف ازغرط يا ياسر و أبوك جاي يعرض عليك تتجوز عليا؟! تحب أذوقك بالمرة ؟!"
أثار هو حنقها بقوله:
أنتِ إيه مشكلتك ؟! في العروسة و لا في المبدأ نفسه؟! يعني لو واحدة غيرها معندكيش أعتراض ؟!"
اقتربت منه و هي تقول بهدوء:
يا ياسر بس رخامة، أنا أهم حاجة عندي راحتك و فرحتك، يعني لو راحتك موجودة في إنك تتجوز عليا أنا مش هعترض دا علشان بحبك و كمان أنا بنفسي هجهزك لفرحك"
رفع حاجبه لها و هو يقول بتهكمٍ:
نعم يا ختي ؟! أنتِ اتهبلتي يا إيمان؟! الله يرحمه أبوكي عليان، قال تجهزيني قال"
اقتربت منه ترفع يدها تضعها نحو موضع نبضه و هي تقول بصوتٍ هادئ:
يا ياسوري أنا أهم حاجة عندي راحتك، و بما إن محدش مكتوبله يرتاح في الدنيا دي، هبعتك الجنة و أخليك أحلى عريس هناك"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ فوجدها تحرك رأسها موافقةً ثم قالت بنفس الهدوء المُرعب:
أومال أنتَ فاكر إيه يا ياسوري ؟! هجهزك و أرتبك و أخليك عريس في الجنة إن شاء الله، و أنتَ طيب و ربنا هيكرمك بيها إن شاء الله"
ضحك عليها رغمًا عنه حتى قال أخيرًا:
أهو كدا صح، هي دي إيمان اللي أنا أعرفها، التانية دي غريبة عليا، يلا خليني اتوضا علشان الفجر و ألحق أريح قبل الشغل، خلينا نرجع زي ما كنا"
حركت رأسها موافقةً له و هي تبتسم له باستفزازٍ.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» وصل «ياسين» عند أذان الفجر فذهب مع رجال العائلة يقومون بتأدية الصلاة في المسجد ثم عادوا من جديد إلى البيت، حتى دخل هو غرفة «خديجة» فوجدها جالسةً على المقعد تؤدي الصلاة كما تعلمت من دونه، و بعد انتهاء الصلاة جلست تقرأ أذكارها ثم حركت رأسها للخلف له و هي تبتسم بهدوء، فاقترب منها هو يجلس أمامها ثم قال بهدوء:
ربنا يتقبل منك إن شاء الله، و عقبال ما نصلي في الحرم سوا"
ردت عليه هي بلهفةٍ و هي تقول:
ياريت يا ياسين، نفسي أروح عُمرة أوي و ياريت لو ناخد الخطوة دي مع بعض"
حرك رأسه موافقًا لها ثم قال:
أنا روحتها مع بابا و ماما قبل كدا، و إن شاء الله هنروحها سوا"
سألته هي بلهفةٍ:
بجد !! روحت عُمرة قبل كدا؟! روحتها إمتى؟!"
رد عليها هو بهدوء:
روحتها و أنا في أولى جامعة، و طول عمري بتمنى من ربنا يكرمني ببنت الحلال علشان نروح زيارة هناك مع بعض، ربنا يقومك بالسلامة و إن شاء الله نروح سوا"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يقول مُعتذرًا لها:
معلش أنا سيبتك و نزلت بدري من غير ما أقولك، بس و الله خوفت على ياسر علشان كدا اتحركت من جنبك"
ردت عليه هي بتفهمٍ:
أنا مقدرة يا ياسين، بصراحة لما صحيت و ملقتكش موجود قلقت و خوفت، بس قولت أكيد الموضوع يخص ياسر"
حرك رأسه موافقًا فوجدها تقول بخجلٍ منه:
ياسين أنا عاوزة أقولك حاجة، المفروض كان فيه ميعاد عند الدكتورة إمبارح، بس محدش كان موجود، هي وليد كان واخد عندها استشارة مهمة و أنا ملقتش حد يروح معايا، هتيجي معايا النهاردة ؟!"
سألها هو بنبرةٍ جامدة ممتزجة بضيقه:
و مقولتليش ليه يا خديجة ؟! عندك ميعاد دكتورة و مقولتيش؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ هادئ:
يا ياسين اللي كنتوا فيه كان صعب، خوفكم على ياسر و منظرك امبارح أنتَ و وليد و الخضة اللي سارة قالتلي عليها في التليفون خلتني أعذركم، كل دا غصبٍ عنكم"
تنهد هو بقلة حيلة ثم قال على مضضٍ:
معاكي حق يا خديجة، بس و الله كان غصب عني أني أنسى حاجة زي دي، بس اللي كنت فيه كان صعب أوي عليا، أنا كنت المفروض بتعرف على أخويا في المشرحة، أنا شعر راسي شاب و أنا واقف"
حركت كفها السليم ثم تربت على يده تزامنًا مع قولها:
عارفة و مقدرة و الله، أنا مش زعلانة، بس الدكتورة كلمتني علشان الميعاد ميروحش عليا و أنا قولتلها هأكد عليها النهاردة، أنا بس بسألك هتعرف تيجي معايا النهاردة؟!"
رد عليها مؤكدًا:
مش محتاجة كلام و لا سؤال، طبعًا هاجي معاكي و نروح مع بعض، عرفيني بس الميعاد إمتى؟!"
جاوبته بهدوء و هي تقول:
الساعة ٨ بليل إن شاء الله، هتكون رجعت من شغلك، هننزل على الساعة ٧ كدا"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بهدوء ممتزج بالندم:
معلش والله انشغلت عنك و أنا عارف إنك محتاجاني، بس كل حاجة هتخلص و نفوق من اللي إحنا فيه دا و أنا هعوضك عن كل حاجة، حتى حبتسك هنا في الجبس"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فألمها موضع الجرح من قوة الحركة فتحدثت بألمٍ و هي تقول:
آه.... ياربي أنا تعبت من غبائي، راسي وجعتني أوي"
ابتسم بيأسٍ منها و هو يقول:
مفيش فايدة فيكي يا خديجة، بتشوفي إيه أكتر حاجة تتعبك و تعمليها، راسك يا ست الكل"
ردت عليه هي بقلقٍ:
أنا خايفة أوي يا ياسين الجرح دا يأثر على وشي، و أبقى بعاهة مستديمة، رعب و الله"
انكمش ما بين حاجبيه بحيرةٍ من حديثها فوجدها تقول بنفس نبرة القلق:
أنا بقيت بحلم إنها هتفضل تكبر في وشي لحد ما تاخد الوش كله، دا مش هيحصل صح؟! أنا حلمت إنك كمان ضحكت عليا و فضلت اتريق"
رد عليها هو بضجرٍ منها:
أنا مش عارف مين الواطي اللي بتحلمي بيه دا؟! دا عيل مترباش يا خديجة، مين الحقير دا ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
أعمل إيه طيب ؟! أنتَ اللي بتبقى غريب في الأحلام يا ياسين، بحس إنك ندل أوي، بقيت بخاف و الله منك في الأحلام"
رد عليها هو بسخريةٍ:
علشان عقلك الباطن شغال يفكر بطريقة زي الزفت، إنما لو تثقي فيا و تأمنيلي أنا و أنتِ هنرتاح"
ردت عليه هي بتهكمٍ و هي تسخر منه:
يعني هي المِشكلة في عقلي الباطن ؟!"
رد عليها هو بنفس الطريقة مُقلدًا لها:
أومال يعني فيا كراجل ؟!"
ضحكت رغمًا عنها حينما قلد صوتها و طريقتها فوجدته يقول بهدوء:
أنا مش عاوزك تخافي طول ما أنا معاكي، عاوزك تطمني ليا يا خديجة زي ما قبل كدا وثقتي فيا، عاوزك تعرفي إن ياسين رياض الشيخ لقى سكنه من الدنيا فيكي أنتِ، و مفيش حد ممكن يسيب سكنه في الدنيا دي"
ابتسمت له باتساعٍ فوجدته يقول بنبرةٍ هائمة مُتغزلًا بها:
كَيْفَ لِيّ أَلا أُتَيْمُ بِهَذا الوَجهِ الصَبُوحْ؟ فَأنَّا أنْجَذبُ إلىٰ تِلكَ المَلْامِحِ كَمْا إنْجِذَابْ فَراشَةٌ نَحْوَ زَهْرَةٍ مِنْهَا الرَحِيقُ يَفُوحْ".
ابتسمت هي له ببلاهةٍ بعد تعبيره لها، فأضاف هو بمرحٍ كعادته و هو يغمز لها بطرف عينه قائلًا:
خلاص يا ست الكل طالما سكتِ يبقى كدا أتثبتِ"
حركت رأسها موافقةً و هي تضحك بقوةٍ فاقترب منها يقبل قمة رأسها و هو يشعر بالراحة فقط عند رؤية ضحكتها على وجهها.
_________________________
بعد مرور بعض الوقت و خاصةً عند موعد ذهاب الجميع إلى عملهم، استيقظ «حسن» متأخرًا بعدما أخبر الشباب بعدم ذهابه معهم، و استيقظت «هدير» فوجدته ينظر للسقف و هو مسطحٌ على الفِراش، اقتربت منه تضع رأسها على كتفه و هي تقول بصوتٍ متحشرجٍ نتيجة استيقاظها:
صباح الخير، مروحتش الشغل ليه يا أبو علي ؟! أنتَ اتأخرت و هتاخدها غياب كدا من أول الأسبوع؟!"
حرك رأسه لها وهو يقول بصوتٍ هاديء من ملامحه المُبتسمة:
صباح النور، أنا خدت أجازة علشانك النهاردة، و علشان هنروح بيتنا بليل، كفاية بقى كدا قعدة هنا"
سألته هي بحماسٍ:
خدت أجازة علشاني ؟! ليه؟!"
رد عليها هو مُسرعًا بسخريةٍ:
يعني هو دا اللي شغل بالك؟! بقولك كفاية قعدة هنا و هنروح بيتنا إيه رأيك؟!"
تنهدت هي بعمقٍ ثم قالت:
ماشي يا حسن، مفيش مشاكل، كدا كدا هدى قاعدة مع بابا هنا لحد فرح طارق و وليد، مش هتمشي من هنا دلوقتي، و بابا طالما معاه فارس خلاص يبقى كدا أنا متطمنة عليه، المهم بقى واخد أجازة ليا ليه؟"
ابتسم لها بعدما طمئنته بجوابها و هو يقول:
عملك مفاجأة يا هدير، أنا قولتلهم أني أجازة النهاردة علشان رايحين نجيب حاجات لبيتنا، المهم بعد صلاة الضُهر جهزي نفسك علشان نخرج سوا"
قبلته على وجنته ثم قالت بحماسٍ:
و الله العظيم أنتَ تستاهل بوسة و حضن يا حسن، مش خسارة فيك الفستان اللي أنا جايباه جديد"
ابتسم بقلة حيلة عليها فوجدها تقفز من جواره و هي تقول بحماسٍ:
أنا هروح أجهز نفسي و لبسي و أبدأ أودعهم هنا، حسن أوعى تكون بتشتغلني !! أقسم بالله هتغابى عليك"
قزفها بالوسادة الصغيرة من خلفه و هو يقول بضجرٍ:
أشتغلك إيه ؟! هو أنتِ مصلحة؟! روحي أجهزي لحد ما أفوق نفسي"
ركضت هي من الغرفة بعدما قزفته بالوسادة مرةً أخرى بعدما اصطدمت بها، فابتسم هو رغمًا عنه ثم ارتمى على الفراش و هو يقول بهدوء:
صحيح مخها لاسع بس تتحب و اللهِ بنت الرشيد"
_________________________
في فيلا «سمير» جلست أمامه «جيسي» تستمع له بعدما علمت بذهابه إلى «ياسر» من الحرس الخاص بها بعدما أمره «سمير» بذلك، قص عليها هو ما حدث بأكمله و عرضه على إبنه حتى انتفضت من جلستها و هي تقول منفعلةً بحنقٍ:
أنتَ إزاي تعمل كدا؟! إزاي تعرض عليه حاجة زي دي؟! عاوز تكرر غلطك زمان تاني؟! عاوزه يتقهر ببعده عن حبيبته؟!"
رد عليها هو مُسرعًا بقلة حيلة:
أنا لو موت يا جيسي هبقى خايف عليكي من مشاكل فادي، عاوز حد يقف في صفك يحميكي من تهوره، صحيح هو قدك و توأمك بس....بس تصرفاته أصغر منك و من سنه، كنت عاوز ياسر يكون معاكي و أنا واثق إنه هيحبك"
صرخت في وجهه و هي تقول ببكاءٍ:
بس بقى كفاية !! هيحبني بإمارة إيه؟ حبه لمراته و إخلاصه ليها؟! و لا بإمارة كرهه ليك و ليا و لينا كلنا ؟! طب أمي و غلطت إنها قبلت بوضع زي دا و هي عارفة إنك سايب وراك عيلة، بس هي حبيتك و مقدرتش تسكت قلبها لحد ما سافرت معاك، إنما ياسر دا راجل عظيم، ياسر مستحيل يتقارن بيك أصلًا، زمانه دلوقتي فاكرني أني أنا اللي عملت كدا، حرام عليك بجد، كل ما أحاول أصلح الوضع تيجي أنتَ تبوظه بتهورك"
رد عليها بنبرةٍ باكية:
أنا مكانش عندي أي حاجة تخليني أشيل مسئوليتهم و لو كنت فضلت معاهم كان زمان الوضع أسوأ بكتير، افتكرت إن مشكلتهم في الفلوس، مكنتش أعرف إن مشكلتهم في الأمان"
ردت عليه هي بصوتٍ حادٍ:
أي أولاد في الدنيا مشكلتهم من أهلهم الأمان، مفيش أولاد بيكونوا عاوزين فلوس، الفلوس دي بس بتاعة الناس الناقصة، لكن دايمًا احتياجهم للحنان و للأمان اللي الدنيا بتدوس عليهم من غيره، الفلوس عمرها ما هتأمن بيت و عمرها ما هتكبر أولاد طول ما المكان خالي من الحب،
و أنتَ سايب المكان مفيهوش حب و لا أمان، لو كل أب عمل زيك و افتكر إن البيوت محتاجة فلوس و بس يبقى المجتمع دا هيطلع مرضى نفسيين و ناس بتعاني، لو كل واحد عمل زيك و ساب عياله من غير ما يبص وراه و فاكر إن الفلوس هتعمل بيت يبقى حمار، الفلوس مبتديش أمان و مبتعوضش حد عن حنان أهله، الفلوس دي عمرها ما هتعوض ياسر و اللي زيه، ياسر كان محتاج حد في ضهره، أب يكبره و يحميه من الدنيا، بس للأسف اتفاجيء بأب بيرميه في النار، أب بيمشي من غير ذرة ندم لأ و مش بس كدا، راجع بكل سلامة نفس يعرض عليه تخريب حياته بإيديه، أب بدل ما يحاول يصلح اللي بوظه راجع يبوظ أكتر، مراته دلوقتي وضعها إيه؟! طب أمي مفكرتش في وضع مامته، فاكرني أنا هعمل زيها و أوافق أخرب بيت واحد متجوز؟!، أنا بجد مُشفقة عليك و عليه و على عيلتك اللي مصيرهم ارتبط بيك"
تركته بعدما رمقته بتقززٍ منه و من أفعاله، ثم تحركت من الغُرفة، بينما هو أرجع رأسه للخلف يبتلع تلك الغِصة المريرة في حلقه بعد حديثها الحانق عليه.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» خاصةً في صالة شقة «طه» جلست «خديجة» أمام التلفاز و فتيات العائلة يلتفن حولها، بعدما قامت «هدير» بتجميعهن قبل رحيلها، فتحدثت «خلود» تسألها بتعحبٍ:
هتمشي ليه يا هدير ؟! ما تخليكي مسلياني، أنا كدا هزهق"
ردت عليها هي بسخريةٍ:
ليه يا حبيبتي قالولك عليا راوتر ولا إيه؟! مسلياكي إزاي يعني ؟!"
تحدثت تجاوب سؤالها بمنتهى الثبات بقولها:
مش هلاقي حد أرخم عليه و بصراحة عبلة حرام تاخد التسلية لوحدها، خليكم كدا مفرحني"
رفعت كلتاهما حاجبيها فتحدثت «جميلة» تسألها بحذرٍ:
طب و أنا يا خلود !! برضه هترخمي عليا؟!"
ردت عليها مُسرعةً تنفي حديثها:
لأ أنتِ هبلة يا جميلة، كفاية اللي أنا عملاه في أمك، أصل ربنا يعلم هدير و عبلة و عمتو مشيرة غلاوتهم عندي عاملة إزاي"
ضحكوا عليها جميعًا فتحدثت «عبلة» بضجرٍ:
ما تحترمي نفسك يا بت أنتِ، إيه قلة الأدب دي؟؟ هو أنا ضرتك ؟! مالك و مالي ياختي ؟!"
ردت عليها بحنقٍ:
بتعصب منك، مش أنتِ مرات أخويا؟! قسمًا بالله هوريكي شغل العمات على حق، أنا عارفة بيحبك على إيه الأهبل دا؟!"
قزفتها بوسادة الأنتريه و هي تقول بحنقٍ:
حبك برص يا بعيدة، غوري، مالك و مالي؟! غيرانة على وليد مني؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
آه بغير عليه، و رب الكعبة يا عبلة لو وليد بعد عني بسببك بعد الجواز لأجي أعيش معاكي و أكتم على مراوحك طول العمر"
طالعتها «عبلة» بغير تصديق و هي ترمش ببلاهةٍ، فتحدثت «خديجة» تقول بسخريةٍ:
طب ما أحمد أخوكي و سلمى هتبقى مراته إن شاء الله، اشمعنا يعني عبلة؟!"
ردت عليها مُفسرةً:
سلمى دي عبيطة، مش هي في درس دلوقتي؟؟ عايشة علشان تذاكر و خلاص، عمرها ما بلت ريق الواد بكلمة، لكن عبلة ما شاء الله، لازقة فيه"
أمسكتها «عبلة» من ذراعها ثم قامت بعضه و «خلود» تصرخ في يدها صرخاتٍ ممتزجة بالضحك، حتى تركتها و هي تقول بضيقٍ منها:
المرة الجاية هطلع بالجلد في إيدي، بطلي يا سوسة"
طالعتها «خلود» بوجهٍ ممتعض و هي تدلك موضع أسنانها حتى سألت من جديد:
برضه مقولتليش هتمشي ليه يا هدير؟! ما تخليكي معانا و بجد مش بهزر و الله"
ردت عليها بحنقٍ:
هروح بيتي يا ستي، هو أنا متجوزة علشان أجي أقعد في بيت أهلي؟! مليش بيت يعني؟!"
تدخلت «عبلة» تقول بخبثٍ مرح:
اتوقع إنك بتلقحي على خديجة، كل دا يعني علشان من ساعة ما اتجوزت و هي قاعدة هنا ؟! لأ يا هدير ملكيش حق"
رفعت «خديجة» حاجبها و هي تقول بتوعدٍ لهما:
و الله العظيم لو عليا فعلًا هتبقى وقعتكم سودا، همسك العكاز الحلو دا و أنزل بيه عليكم"
اقتربت منها «هدير» تجلس جوارها و هي تدفع «خلود» من موضعها تزامنًا مع قولها:
غوري يا بت يا سوسة من هنا خليني اقعد جنبها"
تحركت «خلود» من موضعها، فجلست الأخرى مكانها و هي تقول بنبرةٍ هادئة:
عيب يا خديجة، يعني مثلًا أنا عمري هتريق عليكي ؟! عيب مش أخلاقي دي، طمنيني عليكي بس قبل ما أمشي، أنتِ أكيد كويسة؟!"
طالعتها بتشككٍ و هي تقول:
آه كويسة الحمد لله، خير يا رب مش مرتاحة ليكي"
ردت عليها ببراءةٍ زائفة:
أنا !! اخس عليكي يا خديجة، أنا بتطمن عليكي قبل ما أمشي علشان كدا هشوفك الجمعة الجاية لما أجي هنا"
حركت رأسها بتفهمٍ و هي تقول بقلة حيلة:
أنا كويسة يا هدير الحمد لله، خير إن شاء الله ؟!"
ابتسمت باتساعٍ و هي تقول:
طب بما إنك زي الفل بقى هتعملي الطارة ليا أنا و حسن إمتى؟! عاوزة أديها هدية للواد، جمايله مغرقاني"
ضحكت عليها الفتيات بينما «خديجة» طالعتها بضجرٍ و هي تقول:
آه يا واطية؟! مشوفتش في قلة أصلك يا هدير، قليلة الأصل بجد مش هزار"
رمقتها بحدةٍ و هي تقول:
أيوا يعني برضه هتعمليها إمتى؟! أو علميني حتى"
تدخلت «عبلة» تقول منفعلةً في وجهها:
مينفعش كدا يا هدير !! عيب كدا، خديجة تقول علينا إيه؟!"
ردت عليها «خديجة» بفخرٍ:
حبيبة قلبي يا عبلة، ربنا يخليكي ليا، علطول نصفاني"
ردت عليها بهدوء:
خديجة يدوبك تعمل ليا أنا و وليد علشان فرحنا قرب و يدوبك أديهاله ليلة فرحنا"
تلاشت بسمة «خديجة» فتحدثت «جميلة» تقول بسخريةٍ و الأخرتين يضحكن عليهما:
ما شاء الله جوز أندال و الله، الاتنين نفس قلة الأصل، ربنا يحميكم من العين يا حبايبي"
فور انتهاء جملتها رفعت «خديجة» العصا الخاص بها و هي تقول بتوعدٍ لهما:
أنا من بدري نفسي أقل أدبي عليكم، يا مهزقين"
ركضت كلتاهما قبل أن تطولها العصا و هي تضحك عليها حتى قالت «هدير» بمرحٍ:
أنا نازلة علشان خارجة مع أبو علي، خليكم كدا قاعدين في البيت"
ردت عليها «خديجة» مُسرعةً:
طب و فيها إيه ؟! ما ياسين هيخرجني النهاردة، عادي مش لوحدك يعني"
سألتها «خلود» بتعجبٍ:
هياخدك إزاي؟! هتعرفي تخرجي و أنتِ تعبانة كدا؟! هتروحوا فين ؟!"
ردت عليها بضجرٍ منها:
رايحين للدكتور لازم تستفسري يعني؟! هروح أكشف على المَرمة اللي أنا فيها دي، يمكن أكون محتاجة اتسقي و لا حاجة"
سألتها «جميلة» بتعجبٍ:
يلهوي !! تتسقي ليه يا خديجة؟"
ردت عليها بنفس السخرية:
اتسقي أحسن الجبس يشقق ولا حاجة، لو كدا نطلع بالدور التاني"
تحركت «هدير» و خلفها «عبلة» و هما يضحكا عليها، بينما «جميلة» حركت رأسها بيأسٍ منها و معها «خلود» أيضًا.
_________________________
في سيارة «حسن» كانت «هدير» بجواره تتصفح هاتفها و هو يقوم بالقيادة، حتى أغلقت الهاتف و هي تقول بضجرٍ من صمته:
أنتَ ساكت ليه؟! رد عليا يا أبو علي، و رايحين فين دي أهم حاجة ؟!"
تنهد هو بقلة حيلة ثم أشار لها بالتريث و هو يقول:
أهدي شوية.... بطلي رغي، سيبيني أعرف أخطط إزاي اليوم يمشي حلو، بلاش فرك"
رمقته بغيظٍ ثم عادت تتصفح هاتفها، بينما هو حرك عينيه بخبثٍ يطالعها و هي تتصفح الهاتف حتى وجدها تشهق بقوةٍ ثم قالت بضجرٍ:
يا نهارك مش معدي !! مين اللي عملالك قلب على صورتك دي ؟! رد عليا يا حسن !! و كاتبة ليك كومنت بالإنجليزي !! فكراني مغفلة؟!"
رد عليها هو بتيهٍ من طريقتها:
مالك يا هدير ؟؟ هي مين دي يا ستي؟؟"
وجعت الهاتف في وجهه و هي تقول بنفس الضيق:
أهيه إسمها ديدا، مين دي يا حسن؟! شكلها حلو أوي !!"
حاول جاهدًا كتم ضحكته عليها و هو يقول بصعوبةٍ:
يا هبلة دي بنت أختي، و الصورة دي أنا مغيرها من أسبوعين، بتعملي إيه عندك؟!"
ردت عليه هي بقلة حيلة:
فيه واحد لسه عامل عليها كومنت دلوقتي و الصورة ظهرت تاني، خلاص طلعت براءة"
حرك رأسه نفيًا بيأسٍ منها ثم زفر بقوةٍ فسألته هي بتشككٍ:
هي بنت أختك بنت أختك ؟! و لا زي بنت أختك؟!"
رد عليها مُسرعًا بانفعالٍ:
أقسملك بالله بنت أختي، دي داليا بنت حنان أختي، ريحي نفسك يا ستي بقى"
حركت رأسها موافقةً على مضضٍ ثم قالت:
ماشي يا حسن، بس قمورة أوي داليا دي، استايلها حلو بس هي ليه مش محجبة؟!"
حرك كتفيه و هو يقول:
أنا مالي، كلمتها كذا مرة و هي مش بتسمع كلامي، معاها أمها و أخوها"
حركت رأسها بتفهمٍ حتى انعطف هو بالسيارة لليسار ثم أوقفها، حركت رأسها تطالع المكان حولها فسألته بتعجبٍ:
الله !! إيه المكان دا؟! هو إحنا فين يا حسن؟!"
غمز لها و هو يقول بثقةٍ:
صبرك عليا، إن شاء الله هتنبهري، تعالي معايا بس"
نزل من السيارة بعد حديثه و هي خلفه بتعجبٍ من تواجدهما بهذا المكان، فكان أشبه إلى البيوت الكبيرة و يتصل به مزرعة صغيرة تحيطه من كل الجهات، اقتربت منه ثم أمسكت يده بخوفٍ و هي تقول:
أنا بخاف من الأماكن دي، الباب الكبير دا بيخوفني، اوعى المكان دا يكون ملبوس يا حسن"
حرك رأسه يطالعها و هو يقول بسخريةٍ منها:
مينفعش يا حبيبتي أجيبك مكان ملبوس، و دا لانك ملبوسة خِلقة، كدا غلط على الجن"
وكزته في كتفه فراقص لها حاجبيه و هو يضحك عليها مُثيرًا حنقها، حتى خرج له رجلٌ كبيرٌ في السن يرتدي ملابس أشبه بثياب المسابقات و هو يقول:
إزيك يا حسن؟! جاي في ميعادك مظبوط، بحب احترامك لمواعيدك"
اقترب منه يحتضنه و هو يقول بمرحٍ:
عمو شرف حبيبي، وحشتني يا راجل، فين أيامك الحلوة"
ابتعد عنه وهو يقول:
موجودة، قولي فين التلاتة الهُبل؟! فين طارق كئابة؟!"
رد عليه بنبرةٍ ضاحكة:
خلاص بقى، لقاها و الضحكة نورت وشه الكِشري، و وئام بقى بابا، أما وليد، فـ لسه مطلع عين أبونا كلنا، حيطان البيت اشتكت منه"
حرك رأسه يطالع «هدير» التي وقفت بخجلٍ منه ثم نظر له و هو يقول:
و مين دي ؟! إيه بقينا بنتشاقى يا حسن و لا إيه؟!"
رد عليه مُسرعًا يقطع استرسال حديثه بقوله:
عمو شرف !! دي هدير مراتي و بنت عم الهُبل، أبوس رجلك زق اليوم معايا، أنا عريس جديد"
ابتسم له «شرف» ثم حرك رأسه موافقًا و هو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
ما أنا عارف ياض، أنا بس عاوز أعصبك"
أبتسم له و هو يقول:
المهم اللي أنا طلبته منك جاهز؟! زي ما قولت عاوزها حنينة"
حرك رأسه موافقًا بثقةٍ و هو يقول:
عيب ياض، دا أنا شرف برضه، كل اللي طلبته جاهز"
حرك رأسه بثقةٍ ثم عاد لها يمسك يدها و هو يبتسم لها، أما هي فحركت رأسها باستفسارٍ فوجدته يسير بها للداخل خلف ذلك الرجل و كفيهما متعانقين سويًا، حتى دلفا للداخل في مكانٍ يشبه "الإسطبل" شهقت هي بقوةٍ مع بسمتها البلهاء التي زينت مُحياها فوجدته يغمز لها بثباتٍ، قفزت هي بحماسٍ و هي تقول:
لأ بجد مش مصدقة، حسن أنتَ بتحب الخيل؟! أنا بحب ركوب الخيل أوي، مش مصدقة الصدفـ.... استنى استنى"
قطعت حديثها من استرساله ثم أضافت تلك الكلمة ثم تابعت بخبثٍ:
قبل ما ترد عليا، هقولك أنا، طبعًا يا بنتي هو أنتِ متعرفيش إن أنا لما تميت ٧ سنين بدل ما أروح المدرسة، دخلت الاسطبل هنا"
ضحك عليها ثم قال بعدما أوقف ضحكاته:
لأ مش هقولك كدا، بس هقولك اللي المُتنبي قاله، قال إيه بقى، قال يا ستي:
الخَيلُ وَ اللَيلُ وَ البَيداءُ تَعرِفُني
وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ.
و أنا و أنتَ و الناس الحلوة دي"
حركت رأسها للخلف و هي تسأله بتعجبٍ ممتزج بالضيق:
بقى المتنبي قال أنا و أنتَ و الناس الحلوة دي؟!"
رد عليها هو بتشككٍ:
مش متأكد بصراحة كان المتنبي و لا اللمبي"
ضحكت هي عليه بيأسٍ فوجدته يضحك معها هو الآخر، ثم أمسك كفها يسير نحو الحصان، بينما هي حاولت اسكات تلك المضخة التي تقفز داخلها بفرحٍ، حتى وجدته يشير لها برأسه للجهة الأخرى، حركت رأسها نحو موضع إشارته و حينها اتسعتا حدقتيها بقوةٍ حينما وقع بصرها على طاولةً مستديرة و فوقها طعام من الواضح أنه عُدد خصيصًا لهما بطريقةً رومانسية، و حوله اوراق الورد الحمراء و على طرفي تلك الطاولة، مكانٌ أشبه بمشتل الورد، حيث الزهور التي زينت طرفيه و قرص الشمس في لونه البرتقالي حيث الغروب، حركت رأسها نحوه بعينيها الدامعتين فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
علشان أنتِ مش أي حد و علشان أنتِ مش عادية، لازم كل حاجة ليكي تتعمل حلوة شبهك، أنا على رأي الست أم كلثوم كدا صالحت بيك أيامي سامحت بيك الزمن، نسيتني بيك ألامي و نسيت معاك الشجن،
أنا صالحت الدنيا بيكي أنتِ، رضيت عنها و حبيتها و أنا و الله عمري ما حبيتها و لا عمري ما طلبت فيها حاجة، بس بوجودك، بقيت غصب عني بدعي ربنا في كل سجدة إنك تفضيلي معايا، بقيت بدعي ليكي قبل حتى ما أدعي لنفسي، عمري ما كان في نيتي الحب، بس غصب عني القلب لأجل عيونك الحلوة دق"
تنفست هي بعمقٍ و هي تبكي على حديثه، فوجدته يبتسم لها ثم رفع كفه يمسح دموعها و هو يقول:
حتى و أنتِ بتعيطي بتكوني حلوة يا هدير، سبحان الله خلق فيكي جمال مدفون، مش أي حد يشوفه، بس دلوقتي عرفت الحكمة من كدا، و هو إنك هتكوني ليا، علشان أكون أنا أول واحد يشوف الجمال دا"
ارتمت بين ذراعيه تحتضنه و هي تجهش في البكاء فوجدته يربت عليها ثم قال بنبرةٍ مرحة:
تعالي بقى علشان نركب الخيل، دا أنا منقيلك، هوريكي سيكو، الخيل اللي أنا بحبه"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم قالت بصوتٍ مختنق:
حسن أنا بحبك أوي و الله، محدش اداني فرصة زيك كدا و لا حد أداني حتى من وقته كدا زيك، حاجات كتير لو كنت معايا فيها مكنتش عملتها، كان زمان غلطات كتير معملتهاش، بس مش مشكلة، أنا هفضل برضه أحاول علشانك أنتَ"
حرك رأسه موافقًا ثم أمسك كفها يتوجه بها نحو الخيل، و على حين غرة بمجرد اقترابهما رفعها على الخيل ثم قفز خلفها و هو يبتسم بمرحٍ فالتفت تطالعه و هي تقول بثقةٍ و فخرٍ به:
لأ جامد يا أبو علي، شكلك خيال"
رد عليها بثقةٍ:
خيال و لـ عيونك الحلوة ميال"
ابتسمت وهي تحرك رأسها للأمام فوجدته يتحرك بالخيل مثل الفارس و هي أمامه تضحك بقوةٍ حتى امتزج صهيل الخيل بضحكاتها و هو في الخلف يشعر بسعادة غريبة معها، و هي تصرخ بالفرح أمامه و الخيل يشاركهما تلك الفرحة.
_________________________
في منتصف اليوم
عاد «ياسين» من عمله مُبكرًا بعدما علم بتقدم موعد الطبيبة، ثم أخذ زوجته و رحل معها بمفردهما، بعدما ألحت عليه أسرتها بالذهاب معه، لكنه رفض ذلك و قرر الذهاب معها بمفردهما و تحجج بأنه يريدها في عدة مواضيع هامة، و بعدها توجه بها نحو عيادة الطبيبة حتى يتم فحصها، و بعدها جلست الطبيبة أمامها و هي تلقي عليها بعض التعليمات الهامة الخاصة بصحتها ثم أخبرتها بموعد فك ذراعها و قدمها.
رحل «ياسين» بها من عند الطبيبة ثم ركب السيارة بعدما ركبت بجواره، ثم سألته بتعجبٍ:
هو إحنا هنروح فين؟! مش هنروح يا ياسين ؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
هنقعد سوا مع بعض يا خديجة، بقالي كام يوم بشوف ضغط عصبي و نفسي يهد حيل جبل، هنروق على أعصابنا و نروح"
حركت رأسها موافقةً ثم ابتسمت له و هي تحرك رأسها تضعها على نافذة السيارة تراقبه و هو يقود السيارة، بينما هو رفع ذراعه يضعه أسفل رأسه و بالذراع الآخر يقود السيارة، فسألته هي بقلة حيلة:
مالك بس !! أنا ليه حاسة إن الأوضاع اتبدلت؟؟ شايل الهم ليه"
تنفس بعمقٍ ثم قال بصوتٍ ظهر به التعب:
أنا مش عارف مالي، حاسس أني مخنوق و يمكن عاوز أعيط، حاسس أني عاوز أهرب، إحساس غريب جوايا يا خديجة، عمري ما حسيت إن حياتي تقيلة على قلبي كدا، عاوز أسيب كل حاجة و أهرب....بس مش لوحدي و أخدك معايا"
ابتسمت له و هي تقول بتوعدٍ له:
لحقت نفسك في الآخر، كنت هقلبهالك نكد و الله، طلعت محترم"
حرك رأسه ينظر لها و هو يبتسم بيأسٍ منها، فوجدها تبتسم له و هي تقول بهدوء:
أنا كويسة متشغيلش بالك بيا و ياسر هيبقى زي الفل، و كلنا هنكون كويسين لو أنتَ بقيت كويس، دي دنيا يا ياسين، مبتمشيش حلوة علطول و لا بتبقى قفش علطول، طبيعي حياتنا كل فترة يحصل فيها تغيير، و إحنا المفروض نثق في رحمة ربنا علينا و حكمته"
ابتسم لها و هو يقول مشاكسًا لها:
الكتاكيت كبرت و بقت فراخ مستوية و بتقول كلام عاوزة تتباس عليه"
ضحكت على جملته فوجدته يوقف السيارة عند مكانهما المُفضل، فابتسمت بمرحٍ و هي تقول:
لأ !! عصير قصب باللبن؟! و الله و حشني"
حرك رأسه موافقًا لها ثم قال:
هو بعينه، وحشني و وحشتني أيامنا هنا سوا، فاكرة أيام الفرفشة و كتب الكتاب؟!"
ردت عليه بضجرٍ:
قصدك إيه ؟! هو أنا نكد يعني؟!"
حرك رأسه موافقًا عدة مرات فسخرت منه و هي تقلد طريقته بملامحها المتهكمة عليه، ففتح الباب الخاص بالجهة الخاصة به ثم نزل من السيارة و توجه للجهة الخاصة بها يفتح الباب حتى يساندها في الخروج من السيارة، و بعد خروجها أغلق السيارة ثم أقترب بها من المقاعد و هي معه حتى جلست بهدوء و هو مقابلًا لها، و قبل أن يشير للعامل، أقترب منه يرحب به و هو يقول بعدما وضع العصير:
أستاذ ياسين هنا !! وحشتنا يا أستاذ، ألف سلامة على حضرتك يا مدام، مالك؟!"
رد عليه «ياسين» بهدوء:
الله يسلمك يا حمادة، دي حادثة بسيطة كدا"
سأله بتشككٍ:
بجد !! أوعى تكون أنتَ يا أستاذ ياسين اللي عملت كدا"
ابتسمت عليه «خديجة» و هي تحاول كتم ضحكتها، بينما «ياسين» تحدث بضجرٍ و هو يقول منفعلًا:
يا دي النيلة عليا و على دماغ أهلي، هو أنا شكلي بلطجي يا جدعان ؟! دا شكل واحد يزعل حد، أمشي يا حمادة بدل ما أديك بالكرسي في وشك"
تحرك الشاب من أمامه و هو يضحك عليه بينما «ياسين» طالعها بغيظٍ و هو يقول:
عجبك كدا !! شبهتي أمي في كل حتة، مفيش خروج تاني بقى لحد ما تتفكي"
ردت عليه بسخريةٍ من كلمته:
اتفك !! هو أنا جاموسة قصادك؟! ما تحسن ملافظك"
رد عليها هو بقلة حيلة:
هعمل إيه يعني؟! ربنا يفك كربك على خير يا رب"
ردت عليه هي بضجرٍ:
فيه إيه يا بني ؟! ما تقوم تجيبلي عيش و حلاوة بالمرة، اسكت يا ياسين أحسن"
أبتسم لها و هو يقول:
طمنيني يا ستي عليكي، حاسة بوجع و لا إيه الدنيا، كفاية أني مقصر معاكي"
تنفست بعمقٍ ثم قالت بهدوء:
كويسة الحمد لله، متقلقش عليا يا ياسين، كل حاجة الحمد لله تمام، أنتَ مالك بقى ؟!"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
خوفت، كنت فاكر أني مبخافش بس فجأة خوفت، خوفت عليكي لما حصلك كل دا، و خوفت على ياسر و بعده عني بأي شكل من الأشكال، مكانش ينفع أخاف كدا، بس أنا عندي حب كبير أوي للي في حياتي، أنا مبعرفش أوزع غير حب بس، أي حاجة تانية مقدرش أديها، و على قد الحب دا بخاف عليكم، بصراحة مش مستعد لخسارة حد بحبه، ممكن ضهري يتقطم بجد"
ردت عليه بتأثرٍ من حديثه:
بعد الشر عليك من قطمة الضهر يا ياسين، و ربنا يبارك فيك لينا كلنا، دا أنتَ الخير و البركة برضه"
رفع رأسه يطالعها وهو يقول بوجه ممتعض:
يعني أنا جايبك هنا قدام الزرع و مقعدك على النيل و موجب معاكي بمشروبي المفضل، و أخرتها الخير و البركة ؟! يا ستي أنتِ خارجة مع جدك؟! إيه الهم دا؟؟"
ردت عليه مسرعةً:
ياسين أنا مليش في الكلام الحلو، تمام !! و لو حصل ببقى تحت التأثير، غير كدا و الله ما هنشوف مني غير دعوة حلوة ليك، حلو يا ياسين؟!"
حرك رأسه بيأسٍ منها فوجدها تغمز له و هي تقول بمراوغةٍ:
بس دا ميمنعش إنك مهلبية"
اتسعتا حدقتيه بقوةٍ فوجدها تقول بنبرةٍ ضاحكة:
معلش بقى وليد كرف عليا، أصله علطول يقول على أي حاجة تعجبه مهلبية"
أشار برأسه نحو كوب العصير و هو يقول بضجرٍ:
اشربي العصير يا خديجة، اشربي بدل ما أشرب من دمك أنتِ و وليد"
أمسكت الكوب بيدها الحرة و هو الآخر فعل مثلها و رغمًا عنه ضحك بقوةٍ عليها و على كلمتها الغريبة التي وصفته بها.
_________________________
في عيادة الطبيبة النفسية انتظر «وليد» موعد دخوله ثم دلف العيادة للطبيبة بعدما أذنت له المساعدة، دلف و هو يبتسم بخفةٍ فوجدها تقول بمعاتبةٍ:
يا أهلًا بالتلميذ الفاشل، كان فيه ميعاد تاني حضرتك مجيتش فيه، ليه ؟"
جلس على المقعد الخاص بمكتبها ثم قال بهدوء:
كان فيه كام ظرف صعب كدا و كان غصب عني، مش بمزاجي و الله"
حركت رأسها موافقةً ثم أشارت له على المقعد الكبير، فحرك رأسه موافقًا و هو يتنهد بعمقٍ، تبعته هي ثم جلست بجانبه و هي تقول بهدوء:
طمني بقى يا سيدي، إيه أخر الأخبار؟! حاسس بتحسن و لا لسه عاوز تهرب من نفسك؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول بهدوء:
إلى حدٍ ما بقيت أحسن من الأول بكتير، بصي بصراحة مش فاهم فيه إيه، بس فيه واحد قابلته غير تفكيري، بنسبة كبيرة بقيت ببص من وجهة نظر تانية، يعني بقيت متأكد إن حياتي مش بإيدي، و إني أنا اللي عمال أتعب فيها على الفاضي، أحيانًا لو ركزنا على الجانب الديني من النفس هيساعد في العلاج"
ابتسمت هي بحماسٍ و هي تحرك رأسها فسألها هو بتعجبٍ:
إيه النظرة الغريبة دي؟! فرحانة بيا و لا فرحانة فيا؟!"
ردت عليه بهدوء:
أي جزء علاج نفسي بيتم لازم يكون فيه جانب ديني، يعني أنا لازم أتكلم عن علاقتك بربنا و عن عباداتك، بس فيه حاجة مهمة، مينفعش ألوم مريض نفسي على تقصيره و أقوله أنتَ السبب و أنتَ اللي من الأول ماشي غلط و أفضل أحسسه بالذنب، الأول بركز على الجانب النفسي و بعدها لازم اتكلم معاه عن العبادات لإن دا بيساعد كتير في خطوات العلاج النفسي، بس كون إنك سمعت لحد زي دا و قدر يريحك تبقى دي خطوة عظيمة في حياتك اللي جاية"
حرك رأسه موافقًا فتحدثت هي بنبرةٍ هادئة:
كل الحكاية يا وليد مش أني بعالجك من التراست ايشوز أو من مشكلة الثقة اللي أنتَ فاكرها إنها مشكلتك، أنا بعالجك من وليد القديم اللي عمال يلوم فيك على اللي حصله، هو دا المشكلة الحقيقية"
انكمش ما بين حاجبيه بحيرةٍ بسبب حديثها فوجدها تقول بنبرةٍ عملية:
بمعنى، إن وليد القديم لما اختفى منك بسبب اللي حصلك عاوز يرجع تاني و يلومك إنك لو مكنتش أمنت و وثقت من الأول كل دا مكانش هيحصل، و كان زمان قلبك سليم زي ما هو، أكبر عدو الإنسان بيواجهه هو نفسه يا وليد، نفسه القديمة اللي بتبقى زي العدو، بمجرد مقابلتهم سوا بيبقى ضعيف قصادها و دا لإنها هي الأكبر في الحصيلة، هي مليانة أكتر منه، دا بالظبط اللي بيحصل لأي إنسان، يثق في ناس فيخذلوه يرجع يقفل على نفسه يعاني طول فترة وحدته، و في الأخر يبقى الحال، إنه تايه وسط الكل، شخص مذبذب مش قادر يثق في الناس و لا قادر يتحمل نفسه لوحده، بيسيب نفسه لتراكمات كتير تاكل فيه، زي النار اللي مسكت في العفش و جابت أخره في ثانية، التراكمات كدا، زي النار بتنتشر في ثانية و تيجي في الأخر تلاقي روحك محروقة"
تنهد بقلة حيلة فوجدها تشير له و هي تقول:
تعالى ورايا عاوزاك أوريك حاجة مهمة و متأكدة إنها هتفرق كتير معانا"
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك يتبعها نحو الجزء المُرفق بالعيادة الذي يشبه الحديقة و الخاص بالجزء العملي، توقفت هي عند الطاولة الموضوع عليها بعض الادوات المطبخية، قطب جبينه بتعجبٍ و هو يقول بسخريةٍ:
فيه إيه يا دكتورة ؟! أنا ليه حاسس أني دخلت للشيف الشربيني ؟! مش دي عيادة نفسية لامؤخذة يعني؟!"
ابتسمت بيأسٍ و هي تقول:
اديني فرصتي يا بني، دي عيادة نفسية أيوا بس الحاجات دي ضروري علشان أوضحلك النفوس البشرية، غير كدا الأمر هيبقى معقد"
ابتسم ساخرًا منها و هو يقول:
و هو أنا أهلي صرفوا عليا و كبروني و ربوني علشان أخرتها ابقى أنا و طبق الكشري دا زي بعض ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
بس متقولش ربوني لو سمحت !! بعاني منك أنا بسبب لسانك"
حمحم هو بقوةٍ ثم قال بسخريةٍ:
باعتبار ما سوف يكون يعني، ربوني، اخرتها هبقى شبه شوية مواعين كسلتي تغسليهم؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تضيف مؤكدةً:
آه، لو سبتني أشرح و أفهمك هنرتاح سوا، بس أقول إيه؟! تعبت"
تنهد بقلة حيلة ثم قال:
اغسلي يا دكتور،...قـ قصدي اشرحي اتفضلي"
رمقته بغيظٍ ثم أمسكت الأشياء من أمامها و هي تقول بهدوء:
ركز معايا كدا يا وليد، دول طبقين، واحد فيهم بقاله سنين متغسلش، و بص دا نضيف و بيلمع إزاي؟!"
حرك رأسه ينظر للطبقين بتمعنٍ حتى وجدها تمسك الطبق المُتسخ و هي تقول:
بص كدا على دا، دا مليان تراكمات و طينة ماسكة فيه، صعب إن أنا أقدر انضفه من أول مرة، حتى بص كدا هعمل إيه؟!"
أمسكت معلقة صبغة طعام تلقيها على ذلك الطبق المليء بالتراب و الطين، فقطب هو جبينه حينها أشارت له ينتبه لها و هي تقول:
معلقة اللون دي سايلة يعني المفروض تتمسح بسهولة، بُص كدا و أنا بمسحها"
مسحت السائل بعدما وضعته لكنه ترك أثرًا واضحًا على التراب المتراكم، فسألته حينها بتريثٍ:
ها بقى !! شايف إيه غريب؟!"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
شايف إنه ساب أثر رغم إنه سائل، يعني هو مقعدش كتير و اتمسح"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
بالظبط كدا، لو ركزنا مع السائل المفروض إنه حاجة عادية متأثرش، خصوصًا إنها حاجة عابرة، بس يا وليد هنا الموضوع مختلف، تفتكر إيه السبب اللي خلاه ساب أثر واضح كدا؟!"
حرك رأسه ينظر للطبق في يدها ثم قال بهدوء:
إنه مثلًا فيه تراكمات كتير قبل دي ؟! يعني الطبق مش نضيف مليان طينة ماسكة فيه و لما حطيتي اللون عليه مسك في الطينة دي، لو مش موجودة اظن دا مكانش هيحصل"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم بثقةٍ مع قولها:
بالظبط، ركز مع الطبق النضيف كدا و شوف أنا هعمل إيه؟!"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ فأضافت هي اللون و تركته لعدة ثوانٍ على عكس السابق ثم قامت بمسحه تمامًا و على عكس ما فات لم يترك أثرًا، فأضافت هي تفسر له بقولها:
الطبق دا خالي من التراكمات يا وليد، علشان كدا لما حطيت اللون مأثرش، مجرد حاجة عابرة زيها زي الأكل اتحط فيه و بمجرد إزالته خلص و مشي، لو قارننا التفوس البشرية بالطبقين دول هنلاقي إنهم شبه بعض جدًا، النفوس البشرية يا وليد مع التراكمات بيبقى صعب إننا نتعامل معاها، لإنه من أقل حاجة هو تلقائيًا بيتأثر زي الطبق دا كدا، مجرد لون سايل طبع فيه و زود التراكمات، إنما التاني متأثرش أصلًا، و كان التعامل معاه طبيعي، ركز بقى معايا في اللي جاي"
حرك رأسه موافقًا فوجدها تجلب كوب ماء مغلي مختلط بسوائل التنظيف ثم ألقته على الطبق المتسخ حتى أصدر صوتًا أشبه بصوت الفوران، قطب جبينه و هو يحرك رأسه باستفسارٍ، حينها قامت هي بتفسير فعلتها بقولها:
هنا بقى كان لازم استخدم حاجة قوية علشان اتخلص من التراكمات دي، صحيح هي هتفور و تغلي و تعمل صوت كدا، بس أنا بتخلص من تراكمات بقالها شهور و سنين، لو اتعاملت معاها بمية عادية عمري ما هوصل لنتيجة ترضيني، إنما بكدا أنا بخلص من التراكمات، علشان كدا لما ضغطت على جروحك كنت عاوزة أوصل للنتيجة دي، و هي أني بفتح الصندوق اللي جواك علشان أخليك تخرج كل إحساس ظلمك و أنتَ تجاهلته، ها فهمت مصيبة التراكمات؟"
سألته بنبرةٍ عملية فتفاجئت به يصفق بكفيه معًا و هو يقول بسخريةٍ:
أنا مبهور، حقيقي مبهور بيكي، إن شاء الله الجلسة الجاية هاجي بإزازة بريل معايا"
شهقت هي بقوةٍ ثم قالت بضجرٍ:
إزازة بريل ؟! أنا كل دا تاعبة نفسي و إخرتها تتريق عليا؟!"
رد عليها بحنقٍ:
يعني أنا بشر من لحم و دم و مشاعر و أخرتها ابقى طبق وسخ فيه شخص معفن أكل و كسل يغسله؟!"
حركت رأسها نفيًا بيأسٍ فوجدته يقول مُسرعًا لها:
خلاص خلاص بهزر و الله العظيم، بس بجد أنا مبسوط بالأمثلة دي، يعني فعلًا بتوضح خطر التراكمات و اللي بتعلمه في حياة الإنسان، على الأقل هفهم إني بعمل حاجات غلط بظلم بيها نفسي و بضغطها و هي متستاهلش كدا"
حركت رأسها موافقةً فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم قال:
طب أنا بستأذن بقى علشان و الله تعبان و مش قادر، كدا خلاص صح؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم له فوجدته يتحرك من أمامها ثم عاد لها مرةً أخرى يخرج من جيب بنطاله ورقة مالية يعطيها لها، قطبت جبينها بتعجبٍ و هو تسأله:
إيه دي ؟؟ أعمل بيها إيه؟!"
رد عليها مُفسرًا بثباتٍ:
دي ٢٠ جنيه، هاتي بيها إزازة بريل، بدل المواعين اللي مبهدلاكي دي"
عضت على شفتها السفلى بغيظٍ منه فوجدته يأخذها منها مرةً أخرى و هو يقول بمرحٍ مشاكسًا لها:
خلاص متتعبيش نفسك، أنا هجبها ليكي و أنا جاي المرة الجاية، سلام عليكم"
تحرك من أمامها بعدما خطف الورقة المالية تاركها خلفه على وشك البكاء.
خرج من العيادة فوجدها كالعادة تنتظره، أقترب منها يقول بسخريةٍ:
المرة الجاية ابقي هاتيلي معاكي سندوتشات و لا أي حاجة كدا، ام على الفاضي و خلاص؟!"
قطبت «عبلة» جبينها و هي تقول بتعجبٍ:
سندوتشات !! أنا مش فاهمة حاجة، قصدك إيه؟!"
رد عليها هو بسخريةٍ:
مش حضرتك أمي و جاية تاخديني ؟! ابقي هاتي أكل معاكي المرة الجاية"
ابتسمت عليه فوجدته يمسك يدها و هو يقول بمرحٍ ساخر:
تعالي بس من هنا بسرعة لأحسن تيجي ورانا بكيس إريال، ممكن تشوفك دلوقتي على هيئة حَلة"
ضحكت مرةً أخرى عليه و هو يتحرك ساحبًا لها خلفه.
_________________________
في شقة «ياسر» اجتمع مع «خالد» و «عامر» بزوجاتهما بعد العمل، و الجميع يود الاطمئنان عليه، و أبان ذلك كان «عامر» يلعب مع «يونس» على الأرض و هو يحمله على كتفه و معه «ياسر» أيضًا الذي كان يزحف خلفهما و «عامر» يركض به للأمام، فابتسم «خالد» و هو يراهم مع بعضهم ثم سأل شقيقته بهدوء:
ياسر كويس يا إيمان ؟!"
حركت رأسها موافقةً بهدوء ثم قالت:
بيحاول يداري يا خالد، جه من الشغل النهاردة فضل يسألني حاجات كتير مش من عادته يتكلم فيها بس أنا فهمت إنه بيلهي نفسه"
حرك رأسه موافقًا على مضضٍ فوجد «عامر» يقول بنبرةٍ جامدة:
يونس !! قولت إيه ؟! عمو ياسر عيب مينفعش نتف عليه و لا نضربه صح؟!"
حرك رأسه موافقًا بقوةٍ فأشار له و هو يقول:
روح بوس ياسر يلا علشان ميعيطش، ياسر هيعيط، الحق يلا بسرعة"
ركض «يونس» نحو «ياسر» الذي جلس على ركبتيه ثم قبله على وجنته و بعدها احتضنه بقوةٍ بذراعيه الصغيرين و هو يربت على ظهره بكفه و أنامله الصغيرة، و كأن «ياسر» في تلك الحالة يشبهه كثيرًا حتى بكى رغمًا عنه بين ذراعي «يونس» الذي استكان بين ذراعيه دون أن يلاحظهما سوى «عامر» الذي حاول إخفاء تأثره و لكن دموعه عصته و نزلت، و في تلك اللحظة صدح صوت جرس الباب فوقف «عامر» يقول بهدوء:
أنا هفتح الباب خليكم أنتم"
أقترب من الباب يفتحه فتفاجأ بـ «فادي» يقف أمامه و هو يطالعه بجمودٍ حينها حرك رأسه للخلف و هو يقول ساخرًا موجهًا حديثه لـ «يونس»:
تعالى يا يونس يا حبيبي، فيه خلقة محتجاك تتف عليها للصبح"
رفع «فادي» حاجبه له و في تلك اللحظة خرجت «جيسي » من المصعد، فتحدث «عامر» بسخريةٍ يقول:
تعالى يا يونس، دا أنتَ هتف لحد ما ريقك ينشف، أصل الحبايب هنا"
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم شمس بكري
كنت أنت الثبات وسط الهشاشة رقيقة أنت مثل الفراشة "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخترت من خطئي طرقًا لا تشبهني، سرت بها و ظننتها من غبائي وطني، لا وجدت بها راحتي و لا استقرت بها شفني كنت مخطئا و أنا أبحث عن الثبات وسط الهشاشة، ظننت نفسي يوما خفيفًا أشبه الفراشة، و نسيت أن الفراشة تنجذب نحو اللهب وها أنا احترقت في اللهيب الذي جذبني.
صدح صوت جرس الباب فوقف «عامر» يقول بهدوء: " أنا هفتح الباب خليكم أنتم"
أقترب من الباب يفتحه فتفاجأ بـ فادي» يقف أمامه و هو يطالعه بجمود حينها حرك رأسه للخلف و هو يقول ساخرا موجها حديثه لـ «يونس»:
تعالی یا یونس يا حبيبي فيه خلقة محتجاك تتف عليها للصبح "
رفع «فادي» حاجبه له و في تلك اللحظة خرجت جيسي من المصعد، فتحدث «عامر» بسخرية يقول:
تعالی یا یونس دا أنت هتف لحد ما ريقك ينشف، أصل
الحبايب هنا"
أقترب منه «ياسر» و هو يحمل «يونس» على ذارعيه و حينما وقع بصره عليهما يقفا بجوار بعضهما، فتحدث بصوت حاد
أنتم بتعملوا إيه هنا ؟! خير هو أنا مش مكتوبلي أخلص منكم ؟!"
زفر «فادي» بضيق منه، فتحدثت جيسي» تقول بتهذب و أدب:
معلش يا أستاذ ياسر احنا عاوزين نتكلم مع حضرتك ضروري، لو هنسبب ليكم إزعاج ممكن نمشي عادي جدا"
زفر بقلة حيلة ثم أشار لهم برأسه حتى يتبعونه للداخل فافسح لهما «عامر» وهو يطالعهما بسخرية ارتسمت على قسمات وجهه، حتى دلفا سويا للداخل و الجميع يقفون في حيرة و خصيصًا الفتيات حينما وقع بصرهن على «جيسي» بخصلاتها البنية و لون بشرتها و هيئتها التي تدل على جنسيتها والتي لا تدل على المصرية و كذلك
أخيها الذي يشبهها إلى حد كبير وخصيصا في لون عينيها توترت هي من النظرات الموجهة لهما و خصيصا هي من قبل الفتيات، فتحدثت تقول بصوت مهتز
إحنا متأسفين إننا جينا في وقت زي دا من غير ميعاد سابق، بس إحنا محتاجين نتكلم ضروري مع ياس... قصدي أستاذ ياسر"
سألتها «إيمان» بجمود و نبرة صوت قوية إلى حد ما دون أن تعي لذلك:
معلش يعني بصفتك مين تتكلمي مع أستاذ ياسر ؟! مين أنتم ؟! أظن من حقي أعرف"
حرکت «جيسي عينيها على أوجه الجميع تطالع نظراتهم ثم وجهتها نحو «إيمان» و هي تقول بثبات واه:
أنا جيسي .... جيسي اللي سمير اتجوز مامتها و رباها هي و أخوها"
نظر الفتيات لبعضهن، بينما «إيمان» ابتسمت بتهكم و هي تقول:
يا شيخة ؟! و جايين لحد هنا برجلكم ؟! بعد اللي البيه قالوا الصبح و ملقاش فايدة جاية أنت علشان تحاولي
تقنعينا ؟!"
أقترب «خالد» من شقيقته يمسكها من يدها و هو يقول هامشا بهدوء رغم ضجره من طريقتها
ادخلي جوة و خدي البنات معاكي و ياريت يا إيمان متتكلميش و أنا و جوزك واقفين، يلا"
حرکت رأسها نحو «خالد» فوجدته يرمقها بتهديد من عينيه و هو يحرك رأسه للداخل، فزفرت هي بقوة ثم أقتربت من «ياسر» تأخذ «يونس من على ذراعه فاوقفها «عامر» بقوله الخبيث الممتزج بالمرح
لأ سيبي يونس، أصل أنا محتاجه في مهمة محدش غيره ينفع يعملها "
أبتسمت بانتصار ثم تحركت من امامهم و الفتيات تلحقها للداخل، فتحدث «خالد» بعد اختفاء أثرهن جميعًا يقول بهدوء
اتفضلوا اقعدوا علشان نعرف نسمعكم و ياريت كلامكم يبقى معايا أنا علشان ياسر معندوش استعداد يتحمل أكثر من كدا"
جلسوا جميعًا بعدما حركا رأسهم بموافقة على حديث «خالد»، فكان الوضع كما الآتي خالد في المنتصف على الأريكة وعلى يساره «فادي» و على المقعد المجاور له جيسي» و على يمينه «ياسر» يحمل «يونس» على قدمه و «عامر» بجواره في حالة تأهب و كأنه يستعد للفتك بفريسته ثم وكز «يونس» في قدمه فنظر له الصغير و هو يضحك له، فأشار له بالبصق في جهتهما، فعل «يونس» ما طلبه منه «عامر» وهو يضحك بمرح حتى تحدث «خالد»
قائلا محاولاً تجاهل في فعله إبنه تحت نظرات «عامر» الضاحكة التي جاهد حتى يخفيها
ها يا أستاذ فادي خير؟! ياترى إيه اللي خلى حضراتكم تيجوا لحد هنا بنفسكم ؟!"
رد عليه بهدوء يعتذر منه بقوله:
أنا متأسف يا أستاذ طبعًا عن إننا جينا في وقت زي دا من غير ميعاد و بعتذر لحضراتكم عن المعاملة اللي سبقت مني بس كل دا أنا كنت معذور عليه، يعني الأمور اتلغبطت فجأة كدا، و أنا مكنتش أعرف، فأنا متأسف لحضراتكم و متأسف مرة تانية لياسر"
رمقه «یاسر» بجمود و لم يعقب، فتدخل «عامر» يقول ساخرا:
الكلام دا لما تكون موقع علينا عصير و لا اتأخرت علينا في ميعاد شغل، إنما اللي أنت عملته دي قلة أصل، أنت رفعت سلاح في وش أخويا، يعني دي ملهاش أسف عندنا"
تدخل «خالد» يقول و هو يبتسم بثقة :
أخويا قالك أهوه، سلاحك اللي اترفع في وش أخويا دي حقها كبير أوي و إحنا ولاد أصول يعني ممكن نقولك عاوزين حق أخونا، بس احنا مش هنعمل كدا، هنعتبرك غریب و مفيش عليك خرج و علشان أنت في بيتنا هنعذرك "
تدخلت «جيسي» تقول مسرعة:
احنا مش جايين علشان كدا جايين عاوزين نتكلم مع الدكتور ياسر والدك دلوقتي محتاج يسافر يمكن و يلاقي الشفا برة ..."
قبل أن تكمل حديثها قاطعها هو بقوله:
ربنا يتمم شفاه على خير، أنا معنديش حاجة ممكن أقدمها ليه، أنا يدوبك بحاول أسند نفسي بعد اللي حصل كفاية ظهوره قلبلي كل حاجة، أنا بقيت متدمر"
ردت عليه هي بنبرة شبه باكية:
أنا عارفة إن محدش ممكن يقدملك أي حاجة في الوضع دا، و عارفة إن جرحك منه كان كبير أوي، بس وجودك ممكن يفرف نفسيًا معاه على الأقل كلمة منك ممكن تفرق كتير في نفسيته، أرجوك"
طالعها الثلاثة بدهشة من حديثها خاصة حينما تابعت
حديثها بقولها :
إحنا محتاجينك بس تتكلم معاه قبل ما يسافر، أنا عارفة إنه مش من حقي حاجة زي دي، بس أنا و فادي ملناش غيره هو و ماما مكانش ليها غيره و وصيتنا عليه قبل ما
وضع «يونس» على الأريكة ثم وقف و هو يحاول جاهدًا التحكم في دموعه و هو يقول و أخويه ينظران له : " اللي أنت جاية تطلبي مني ألحقه و أقدم له مساعدة نفسية دا، هو نفسه اللي دمر نفسيتي و حياتي، هو نفسه اللي كنت كل يوم بنام معيط بسببه هو نفسه اللي سابني اتمرمط من غير ما يسأل فيا"
طالعه الجميع بشفقة عليه، فتابع هو بنفس الآلم: " اللي أنت بتقولي مليش غيره أنا و أمي و أخويا دا، أنا برضه مکانش ليا غيره، أنا و أمي و أخواتي البنات اللي أنت جاية علشانه دا هو نفسه اللي قالي إنه مش ملزم بينا بعد ما ضربني بالقلم جاي دلوقتي و عاوز يسمع كلامي ؟!"
أخفضت رأسها بألم فتحدث «فادى» مسرعًا بعدما وقف مقابلا له :
إحنا مش جايين علشان نحنن قلبك عليه، إحنا معاه و هو معانا و إحنا ممكن نعوضه عن كل حاجة، بس الدكتور قال إن كلامك في حالته هو اللي هيفرق، غير كدا أنا بعرض عليك الشغل معايا و تهتم بنصيبه في كل حاجة هو يملكها دا حقه و أنا مبجيش على حق حد"
ابتسم له «ياسر» بتهكم و هو يقول ملقيًا بكل ما يعتل به صدره أمامهم جميعًا:
طب عندك خبر بقى يا أستاذ فادي إن الأستاذ سمير كان هنا الصبح و عاوزني أتجوز أختك ؟! معرفتش إنه كان هنا بيعرض عليا أكرر الزمن اللي فات علشان فاكرني نسخة "!منه ؟
نظر لأخته وكأنه يتطلب منه تكذيبه فأخفضت رأسها مرة أخرى، فتحدث «ياسر» بسخرية:
شوفت إنه خطى كل حدوده معايا و مفيش حاجة هقدر أشفعله بيها عندي ؟! خلاص عدى كل الحدود معايا و اللي فاضل مني هو إحترام مرضه و سنه"
أغلق «فادي» جفنيه ثم فتحهما بترو و هو يقول:
أنا مكنتش أعرف إن دا حصل، بس أنا أضمنلك برقبتي إن دا ميحصلش و إن محدش يقدر يجي جنبك بس هقولك حاجة اعتبره مريض محتاج منك شفقة، بلاش أقولك أب محتاج ابنه سمير سابلنا عمره و ضيع حياته علينا علشان أمي ماتت و إحنا صغيرين و كان مجبر يكمل معانا، و مقصرش في حقنا خالص، أنا متأكد إنك شهم و هتحسبها صح، تعالى حتى و كأنك بتزور مريض من اللي بتكشف عليهم "
كل ذلك كانت تتابعه «إيمان» من خلف الستار الموضوعة على باب الرواق بعدما غلبها فضولها، فوجدت «جيسي» تقف بجانب أخيها و هي تقول بصوت مختنق "بالنسبة لموضوع جوازنا أنا مكانش عندي أي فكرة عنه و الله، والدك فكر كدا على أساس يعوضك و يأمن مستقبلك و مستقبلنا إحنا كمان علشان عارف إننا محتاجين حد معانا لو هو حصله حاجة "
لمحت «إيمان» الخبث في حديثها و الذي غفل عنه الجميع، فتابعت جيسي» الحديث بدموع و للأسف كان صادقًا خرج من قلبها و هي تقول:
بابا سمير عاوز قبل ما يمشي يصلح كل حاجة و يقربنا من بعض زي ما كان بيحلم طول عمره، كان نفسه يشوفنا مع ولاده بس الوقت كان متأخر، وبعرضه عليك افتكر إنه كدا بيعوضك و بيحمينا "
اندفعت «إيمان» نحوهم و هي تقول بنبرة جامدة بعدما فقدت ثباتها و صمتها و هي تقول:
لا يا حبيبتي دا في أحلامك، مفيش حد هيقرب من جوزي لأننا ناس شرقية و دمنا خر، بصفتك مين تتكلمي مع جوزي و لا حتى يعتبرك أخته ؟! أنت غريبة عنه زيك زي أي واحدة، اللي يحق له بس يتعامل معاهم هما أمه و أخواته البنات و أمي، غير كدا يبقى لعب في عداد الخطر"
رمقتها «جيسي» بتعجب من طريقتها وحديثها فتحدث «ياسر» موجها حديثه لزوجته
ادخلي جوة و خدي يونس معاكي، أنا عارف إنك طالعة علشان تاخديه يلا
زفرت هي بقوة في وجهه ثم مالت على الأريكة تأخذ الصغير، فتحدث «عامر» منهيا الحديث و هو يقول بعدما دلفت «إيمان» للداخل
بصوا يا جماعة علشان الحوار خد أكبر من وقته و حجمه في حياتنا، ياسر مش هيقدر يسامح و لا هيقدر يجي على نفسه، وبالنسبة لموضوع الشغل فاخويا دكتور قد الدنيا مش محتاج شغلكم و بالنسبة لموضوع الجواز فهو ملوش لازمة علشان أخويا متجوز و فاتح البيت اللي إحنا فيه دا، يعني عروضكم دي لا مؤاخذة ملهاش لازمة عندنا، و لا محتاجينها، عارفين الطريق و لا أجي أوصلكم أنا؟!"
نظرا لبعضهما ثم حركا رأسيهما بموافقة، فقالت «جيسي» قبل ان ترحل و هي تلعب على أخر وتر لديها في التأثير عليه
أنا متأكدة إن شهامتك هتغلبك وطيبة قلبك هتحركك في الآخر، مستحيل الدكتور ياسر يفضل كدا و يسيب حد محتاجه حتى لو الحد دا ظلمه، إحنا خلاص بنجهز نفسنا و أقرب ميعاد هنسافر فيه، أتمنى تحسبها صح "
التفتت لأخيها و هي تقول:
يلا يا فادي ، أكيد الدكتور هيحسبها صح و يعرف هو هيعمل إيه"
رحلت من أمامهم وخلفها أخيها، فارتمی «یاسر» على الأريكة و هو يزفر بقوة، فخرجت الفتيات بعدما استمعن الإغلاق باب الشقة، ثم جلست كلا منهن بجانب زوجها
حتى ربتت «إيمان» على يد «ياسر» و هي تقول بهدوء " مالك يا ياسر ؟! هما كل ما حد فيهم هييجي هنا هيخليك
تشيل الهم كدا؟ سيبك منهم كلهم"
تنهد هو بقلة حيلة ثم قال بصوت مختنق
أنا تعبت و جيبت أخري يا إيمان خلاص كل حاجة جت عليا بزيادة أوي، و هو عمل كل حاجة ممكن توجعني في يوم و خلاص مفاضلش غير أني أطلع انا اللي وحش كمان و دلوقتي دماغي بتصارعني علشان ألحقه، و بقيت مقسوم نصين نص عاوز ينتقم لنفسه و هو صغير و نص تاني عاوز حتة الرحمة اللي جواه تحركوا"
مسدت على يده بيدها ثم قالت بهدوء
اللي يريحك في الاتنين أعمله، اللي تحس إنه الأحسن و هيخليك ترتاح أمشي وراه، شوف الحاجة اللي تخليك تعرف تنام و أنت مرتاح و أعملها"
ابتسم لها بسخرية و هو يقول:
و هي سهلة كدا زي ما أنت فاكرة ؟! مفيش حاجة هتريحني غير لما أموت، ساحتها أنا هرتاح بجد، علشان اللي زيي وجعه مرتبط بيه طول العمر"
نزلت دموعها رغما عنها فتدخل «عامر» يسأله بضجر ليه يعني ؟! علشان إيه و مين يا ياسر ؟! دول بشر يعني ميتزعلش عليهم و لا منهم"
رد عليه بوجع ظهر في نبرته و هو يقول:
علشان دا أبويا يا عامر !!! مش واحد غريب أنا هكبر مخي و هعتبره مجاش في حياتي، أنا اللي وجعني إنه أبويا، و اللي أتوجع من أهله مبيخفش، المجروح من اللي منه جرحه مبیلمش یا عامر
اقترب منه «خالد» يجلس على ركبتيه أمامه و هو يقول بتأثر بعدما رفع كفه يحرك رأس «ياسر» حتى يواجهه بنظراته
هو مش أبوك، لو جينا للحق أنا اللي أبوك و أنا اللي يحق ليك تزعل منه و يحق ليك تتعب منه هو مين ؟! شالك قد إيه ؟! كان معاك فين ؟! كل دا أنت كنت فيه لوحدك و أنا كنت شاهد عليه، لو زعلان أوي كدا، فريح نفسك علشان أنا اللي أبوك و أنا اللي أختارتك ابن ليا، و أنا اللي أقدر افرم أي حد يزعلك و لا خلاص ظهوره هيلخيك تنساني وتنسى أننا ملناش غير بعض ؟!"
طالعهما الجالسون بتأثر و زاد ذلك التأثر حينما ارتمى «یاسر » على خالد يحتضنه وهو يقول بصوت مختنق "مفيش حد ممكن يجي ياخد مكانكم عندي، حتى لو هو نفسه مفيش حد شالني و لا استحمل الجري ورايا زيك و محدش ضحى بكل حاجة عنده زيك، محدش كان في ضهري طول حياتي زيك، لو جينا للحق بقى متقارنش نفسك بيه يا خالد علشان أنتَ عندي أكبر منه بكتير و مقامك أعز كمان"
ربت «خالد» على ظهره و هو يبكي بتأثر فاقترب منهما «یونس» و هو يتحدث بمرح وكالعادة لم يفهم أيا منهم حديثه عدا والدته التي قالت بنبرة ضاحكة
بيقولكم بابا حضن يا ياسر علشان بيعيط مش ياسر بيعيط ؟!"
سألها «خالد» بسخرية:
و الجملة الأخيرة دي معلومة منك و لا استفسار منه ؟!"
ردت عليه بنبرة ضاحكة :
و الله ابنك اللي بيستفسر أنا مالي صح يا يونس ؟!"
حرك رأسه موافقًا بقوة ثم ركض نحو «ياسر» يحاول احتضانه، فابتعد عنه «خالد» و هو يضحك عليها، فوجد «یونس» يربت على ظهر «ياسر » مثلما فعل «خالد» وهو يغمغم بعدة كلمات غير مفهومة و «ياسر» ينظر له حتى ابتسم رغما عنه و هو يقول:
عارف یا یونس ؟! أنا نفسي و الله أطرد عمتك من هنا و أجيبك أنت مكانها تعيش معايا"
ضحك الجالسون عليه فرفعت حاجبها له و هي تقول بخبث
تجيب يونس برضه و لا تجيب الشقرا اللي كانت هنا من شوية ؟! رد يا ياسوري ؟!"
اتسعتا حدقتيه بقوة بعد حديثها، فتدخل «عامر» يقول بنبرة ضاحكة :
حقك !! بصراحة يعني أصل العرض مغري و أي حد هيفكر فيه، عروسة حلوة معاها جنسية تانية بفلوسها بشركتها، بتهيألي يا ياسر هو مزعلكش أوي يعني"
نظروا له بغیر تصدیق و خاصةً «خالد» الذي قال بحنق:
و حياة أمك يا ابن سيدة !!"
حرك رأسه موافقا وهو يقول ببساطة :
آه، هو يعني مضربوش بالنار، إحنا ممكن نعتبره كان بيأمن مستقبله و رجع، كإنه في إعارة يعني"
أقتربت منه «سارة» تمسك قميصه و هي تقول بضجر " بتقول إيه ؟! سمعني كدا كلامك اللي هيخليك توحشنا كلنا دا ؟! سمعني ؟!"
رد عليها بخوف زائف و هو يقول:
بقول يعني.... إنه يستاهل الضرب في ميدان عام و بعدين و لا ألف عروسة أجنبية تعوض صفر من ستاتنا الأصيلة اللي مفيش منهم اثنين في الدنيا"
تركته زوجته على مضض و هي ترمقه بغيظ، فأضاف هو مفسرا بعد نظرتهم له :
يا جدعان أنا بهزر بلاش نظرات الاستحقار دي، ياسر عمره ما هيعمل حاجة زي دي"
الرفض ضد "ياسر" بشكل سلبي
أعمل إيه !! أنت مجنون ؟! أنا عمري ما أفكر حتى في حاجة زي دي مجرد التفكير عيشت عمري كله بربي نفسي علشان مبقاش زيه، وأخرتها أفكر في حاجة زي دي ؟!"
ردت عليه زوجته بتعجب ممتزج بالضيق من حديثه "بس !!! هو دا السبب اللي هيخليك متفكرش في كلامهم و هو إنك متبقاش زيه ؟!"
حرك رأسه ينظر لها وهو يقول رافضا بنبرة قاطعة :
لأ طبعا، فيه حاجة تانية و هي أني عمري ما هقدر أعوضك بأي حد في الدنيا دي مفيش واحدة مهما كان هي مين تقدر تتساوى بيكي عندي، أنت لو الدنيا كلها اتحطط معاكي في كفة، كفتك هتطب وتكسب، ريحي نفسك و بلاش تخلي دماغك تلعب بيكي"
ابتسمت له بفرحة مثل البلهاء فأضاف هو لهم جميعًا: " هما غالبا بيستعطفوني بس أنا مش غبي و في نفس الوقت مش جاحد، و فيه حاجة لازم أعملها علشان أرتاح و أريح كل اللي حواليا، ومن غير حتى ما حياتي تتأثر، أنا هعتبر دا اختبار ليا من ربنا"
زفر هو بقلة حيلة ثم قال بهدوء
هبقى أقولكم على كل حاجة قبل ما اتحرك، متخافوش مش هتصرف من غيركم"
على كورنيش النيل جلست «خديجة » تستمع لأحاديثه في صغره و هي تشعر بسعادة لأجله خصيصًا و هو يقص عليها طفولته مع أخوته حتى شبابهم سويا، و في نهاية حديثه بعدما توقف عن الضحكات تحدث يقول بهدوء "شكرًا على إنك ضحكتي على الهطل دا يا خديجة، أنا تعب اليومين اللي فاتوا دول نسيتهم، حاسس أني رجعت تاني زي ما كنت"
أبتسمت له و هي تقول بمعاتبة :
أنت بتقول إيه بس ؟! ما طول عمرك من ساعة و القدر جمعنا بيك و أنت عمال تسمعني تسمع هبلي و مشاكلي و عياطي و حزني، أنا على ما اظن جبتلك اكتئاب يا بني و الله "
ضحك عليها و هو يقول بقلة حيلة :
هعمل إيه طيب ؟! كنت عاوزك تبلي ريقي بكلمة حلوة منك، بس أنا كان عندي إصرار، فضلت وراكي لحد ما نطقتك، صحيح بقيت مهلبية بس أنا راضي"
ردت عليه هي بنبرة ضاحكة
اللي جات في بالي و الله استنى أشوفلك حاجة حلوة زيك كدا بس والله مهلبية أحلى"
حرك رأسه بيأس منها وهو يضحك عليها فتنفست هي بعمق ثم قالت بهدوء
كل حاجة بدأت صح من ظهورك، علاجي و حياتي اللي اتغيرت بابا اللي كنت يبعد عنه و بعمل بينا مسافات
أخواتي و بنات العيلة اللي بعدت عنهم، وليد و حياته اللي بدأت تبقى طبيعية، حاجات كتير اتصلحت في وجودك الفضل فيها بعد ربنا يرجع ليك، ساعات الناس بتكون ارزاق لبعض، و أنت رزق ليا و لأي حد تدخل حياته يا ياسين"
رفع رأسه يطالعها بدهشة فوجدها تقول بهدوء من جديد " بقيت غريبة أوي من ساعة ظهورك في حياتي، بقيت
واحدة تانية، واحدة بتفرح أكثر ما بتزعل، أنا مش عاوزاك تيجي في يوم وتتغير عليا زي ما طول عمري بشوف عاوزاك تفضل كدا بحنيتك عليا و طيبة قلبك عاوزاك تفضل ياسين اللي أنا أمنت ليه من الدنيا كلها "
ابتسم لها وهو يقول بهدوء وعد مني أفضل مطمنك زي ما أنا و وعد مني أني هحاول بكل طاقتي علشانك و علشان يفضل بيتي هو الأمان ليكي متخافيش أنا أضعف من أني أغضب ربنا فيكي"
حرکت رأسها موافقة على حديثه و هي تبتسم له ثم قالت بصوت خافت
و أنا متأكدة من دا تربيتك و أخلاقك تخليك تعمل كدا و أكثر كمان ربنا يكرمه اللي كان السبب في تربيتك"
رد عليها هو بسخرية :
قصدك رياض !!! ربنا يكرمه فعلا مش فاضحني أهو بس روحي روحي روحي من جوة كدا
ضحكت على طريقته فوجدته يقول بقلة حيلة :
أنا فاكر مرة زمان قالي يا واد يا ياسين أنت سندي في الدنيا بعد ربنا سبحانه وتعالى السؤال هنا بقى فيه سند بيفضح سند كدا؟! دا عم فهمي عرف إنك قبولي الوحيد"
قال جملته الأخيرة بيأس فقالت هي بنبرة ضاحكة تسخر منه
ما هو أنت اللي غريب برضه يا ياسين، فيه حد يسجل خطيبته كدا و يسيب التليفون قدام باباه؟
رد عليها مسرعًا :
أولا كنتي مراتي مش خطيبتي، ثانيا بقى أومال اسميكي إيه؟! و بعدين هو أنت كنتي مسمياني إيه في الخطوبة ؟!"
ردت على حديثه بلامبالاة :
هسميك إيه يعني ؟! كنت مسمياك ياسين رياض الشيخ"
شهق بقوة ثم قال معقبًا
يا نهارك مش فايت ؟! ياسين رياض الشيخ ؟! ما كنتي سجلتيني ياسين خطوبة و لا ياسين تبع طنط وفاء"
ردت عليه هي بنبرة ضاحكة
و الله كنت هسميك كدا فعلا، بس قولت لأ كدا قلة زوق خليها باسمه الثلاثي و خلاص"
تحدث هو بضجر منها :
هي بطاقة يا خديجة ؟! ما تاخدي عنوان بيتنا و رقمي القومي بالمرة، إيه الجحود دا ؟! يا رب أعمل فيها إيه؟! أخلي النص اليمين يصحل أخوه؟!"
قال حديثه بعدما رفع ذراعيه السماء و هي بجواره تضحك عليه حتى رمقها هو بغيظ ثم انزل ذراعيه، فوجدها تقول بضجر
خلاص یا هندسة متكبرش الموضوع، ما أنا غيرته بعد الجواز و خليته إسم حلو زيك، لو زعلان كدا هخليه مهلبية المهم إنك متضايقش "
ضرب وجهه بكفيه معًا و هي بجواره تحاول كتم ضحكتها عليه، حتى وجدته يقول:
تعرفي إنك ست مفترية و بوظتي الجو اللي كنت محضره ليكي ؟! أنا كنت ناوي أخليكي تعيطي من الفرحة، شكلك هتعيطي من الحزن"
عادت للخلف و هي تطالعه بغير تصديق و هو ينظر لها بوجه ممتعض، فسألته بحماس:
خلاص خلاص...... قولي بقى كنت هتعمل إيه؟! بسرعة علشان خاطري و لو كدا لما نروح هبوسك و الله"
رد عليها هو مسرعًا بوقاحة :
إيه الإنجاز في إنك تبوسيني ؟! أنا مش فاهم؟! دي حاجة المفروض إنها تحمسني يعني يا خديجة ؟!"
ردت عليه هي بوقاحة لم يعدها منها من قبل:
أومال في وضعي دا عاوزني أعملك إيه؟! ارقصلك يا ياسين؟! دا أنا بقيت مرمة محتاجة طالعة واحدة "
ردد خلفها بدهشة:
مرمة !! هو انت جيبتي الكلمة دي منين ؟! دا أنا مهندس و اشتغلت مع عمال و عمري ما قولت الكلمة دي ؟! إيه مرمة دي"
ردت عليه مفسرة ببساطة :
مرمة، يعني شروة واحدة كدا زي الشقة اللي محتاجة توضيب من أول وجديد على المحارة يعني"
أشهر سبابته أمام وجهها و هو يقول بتوعد لها :
أسمعي يا كتكوتة !!! علشان متجيش تزعلي بعد ما تقومي بالسلامة، التريقة دي أخرتها هتبقى وحشة على دماغك مش هتعرفي تتخطيها، أنا اتجبست قبل كدا و الهزار دا كله قعد ليا
ردت عليه و هي تحاول كتم ضحكتها
يا سيدي سيبني أهزر مش أحسن ما اقلبها نكد و عياط فك كدا و فرفش وقولي إيه الجو الحلو اللي كنت عامله ليا قبل ما اتحول من شوية"
ارتسم اليأس على ملامحه و هو يقول:
لأ كدا كتير عليا و على طاقتي، المهم يا ستي أنا عرفت إن فيه انشودة كدا أو أغنية أنتِ بتحبيها، و لاحظت إنك بتسمعيها كتير من غير موسيقى ، صح ؟!"
حركت رأسها له بتشكك وكأنها تستفر منه بذلك فوجدته يبدأ الغناء بصوته العذب بهدوء بعدما ابتسم لها :
فديتك روحي يا روح الفؤاد.... هواك ملاك برغم البعاد... فأنت يا شطري .... بكل المداد.... شريكة عمري في أسري و قهري... في خطوي و صبري في درب الجهاد........ يا بسمة روحي في وجه الصحون...... يا نسمة ليلي طويل السكون ..... يا رسمة نور كبدر تكون.... يا خير العطايا في وجه الرزايا...... خطاك خطايا.... يا زوجي المصون..... أيا وجه صبح يبث الهيام..... و خيرًا يهل كسطر الغمام..... و حبا يزيح هموم الظلام.. بقلب صبور.... و روح تفور.... بنثر الظهور و فيض السلام.... تمر السنين وراء السنين... و صبرك يبعث فيا اليقين.... يهدهد روحي.... بذاك الحنين..... بقيد سيكسر .... و جيش سيقهر .... و بيت سيعمر .... بشمل متين".
أنهى غنائه بصوته و هو ينظر لها يطالعها ببسمة هادئة و هي أمامه كما المعتاد تبكي أمامه تأثرًا بإحساسه الذي وصلها عبر تلك الكلمات التي ألقاها على مسامعها و كأنها تسمعها لأول مرة بالحياة، بينما هو تنفس بعمق ثم سألها بهدوء
إيه رأيك ؟! أنفع ؟!"
حرکت رأسها موافقةً عدة مرات تزامنا مع كفها الحر الذي رفعته حتى تقوم بسمح دموعها، فوجدته يخرج من سترته مناديلا ورقية و هو يبتسم لها، أخذتها ثم مسحت وجهها، فتحدث هو بنبرة ضاحكة يتذكر أول مقابلة لهما سويًا : "فكرتيني بأول مرة أديكي فيها مناديل، مكنتيش عاوزة تاخديها مني و فضلت مادد إيدي ليكي كتير، لحد ما قولتلك أنا مش شحات وخدتيهم مني، دلوقتي إيه خطفتيهم خطف كدا"
ابتسمت رغما عنها على حديثه فتحدثت بضجر منه " لو سمحت لما أكون بعيط متضحكنيش خليني متأثرة زي ما أنا كفاية أنك السبب الله مخليني أعيط "
أشار على نفسه و هو يقول بغير تصديق
أنا !! أنا معملتش حاجة تخليكي تعيطي، بطلوا افترا على الغلابة بقى"
ردت عليه مؤكدة :
آه السبب، مخرجني و مقعدني على النيل و بنشرب عصير قصب باللبن، وبتغنيلي أغنيتي المفضلة، و مش عاوزني أعيط ؟! إيه الجحود دا ؟!"
رد عليها بسخرية
تصدقي صح ؟! أنا عيل مترباش و مشوفتش ريحة الأدب، حلك أني أصبح عليكي بعلقة محترمة و تنامي بأختها، و يا سلام بقى لو أجيبك من شعرك، تبقى كملت"
ضحكت على حديثه حتى تحدثت تقول بتعجب و هو يرمقها بضجر
ماهو مفيش حد متربي كدا ، أكيد فيه مشكلة أنا لسه مكتشفتهاش في بتلكك علشان أطلع فيك عيوب و مش لاقية و دي الكارثة "
رد عليها مفسرا
بصي أنا هفهمك حاجة، الأصل في البشر إن فطرتهم سليمة، يعني خالية من أي شوائب، زي ما سيدنا "آدم" كان في الجنة و معاه "حواء"، بس لما الشيطان زين ليهم الشجرة وكلوا منها رغم إن ربنا سبحانه و تعالى أمرهم بدا إنهم مياكلوش منها، بس هي النفس البشرية كدا سبحان الله و ساعتها خرجوا من الجنة و نزلنا الأرض و من ساعتها والنفوس البشرية بيحركها الفتن، قابيل قتل هابيل علشان غار، يعني فتنة، دورك كبشر بقى تحافظ على قلبك من الفتن بأنواعها، يعني تشوف دايما إيه اللي يحافظ على قلبك من الأمراض والامراض هنا مش يعني التعب، أمراض القلب معناها كل ما هو سيء تجاه الآخرين يعني عصبية و حقد و غيرة و خبث و لؤم، كل دي أمراض في القلب لو منهم مرض صاب قلبك، يبقى ربنا يعينك على عيشتك بقى "
حرکت رأسها موافقة و هي تبتسم له فوجدته يمد يده لها و هو يقول بجدية زائدة عن الحد "يلا يا خديجة خلينا نروح الدنيا بدأت تبرد و أنا مش هقلع الجاكيت و أديهولك"
ضحكت عليه فوجدته يضحك هو الآخر ثم اقترب منها يقف مجاورًا لها، فوقفت ثم قالت له بهدوء "ممكن أطلب طلب صغير وبالله عليك مترفضش يا ياسين اعتبره خدمة منك ليا
حرك رأسه لها باستفسار فأضافت هي بتردد: "بص أنا زهقت من القعدة .. و .. عاوزة اتمشى معاك، مش عاوزة أروح دلوقتي و بلاش نلف بالعربية "
حرك رأسه يتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها و كأنه يشير لها على وضعها، فأضافت هي بحنق: " أنت معايا أهو عارفة إن وضعي ميسمحش بس بجد عاوزة اتمشى مش عاوزة أروح، الأوضة دي بتفكرني بأيام اكتئابي، يلا بقى علشان خاطري متزعلنيش"
تنفس بعمق ثم قال بقلة حيلة :
أنا هوافق بشرط علشان أنت حلفتيني بالله، بس لما أقول يلا يبقى يلا، مفهوم ؟!"
حرکت رأسها موافقةً بحماس فأشار برأسه نحو أحد الشوارع الجانبية و هو يقول:
فيه شارع هنا حلو فيه زرع و شجر تعالي نمشي فيه علشان مش هتعرفي تعدي الطريق"
حركت رأسها بحماس و هي تبتسم ثم أمسكت العصا في یدها و هو بجاورها يسير معها و هو يساندها بيأس منها سرعان ما تلاشى بعد رؤيته لبسمتها على وجهها و نظرة عينيها التي تبدلت في غضون ثوان.
أوقف «وليد» سيارته أسفل البيت و «عبلة» بجواره فتنهد هو بعمق ثم قال بنبرة هادئة :
عبلة !! هو أنت هتفضلي كدا كل مرة تيجي تستنيني؟! أنا كدا بحس أني بتقل عليكي"
حركت رأسها موافقة ثم أضافت بتأكيد
آه هفضل كل مرة كدا، شوف نفسك بتبقى خارج عامل إزاي من هناك لولا أني بفضل أضحكك و أرخم عليك، أنا خلاص قررت و أنت عارفني عنادية، يعني كلامك ملوش لازمة عندي"
رفع لها حاجبه فوجدها تقول بهدوء بعدما استغفرت في سرها
بص يا ابن الحلال علشان منتعبش بعض القفة أم ودنين بیشیولها اتنين و أنت قفتك تقيلة عليك لوحدك، سيبني اشيلها معاك علشان محسش بالذنب هتخسر إيه يعني ؟!"
حرك رأسه مستسلما لها و هو يقول بهدوء:
معاكي حق قفتي تقيلة، بس خلاص هانت هناء قالتلي إنها خلاص قربت تخلص معايا يعني على ميعاد فرحنا كدا"
ابتسمت له ثم قالت:
طب يلا ننزل هما كلهم عند عمتو مشيرة بيشوفوا الحاجات اللي هما جابوها للفرح"
نزل من السيارة و هي تتبعه حتى دلفا للبيت سويا ثم دلفا معا شقة عمته و التي جلست بها جميع العائلة يشاهدون الأشياء الخاصة بجهاز كلا من «عبلة » و «جميلة » و بعد جلوسهما سويًا، تحدث «طارق» ساخرًا و هو يقول:
لأ بس ما شاء الله جايبين حاجات مفيش بيت يقدر يستغنى عنها، مش عارف من غيرهم كنا هنعيش إزاي ؟!"
سألته والدته «سهير» بضجر "عاوز إيه يالا ؟! أنت مالك بتدخل ليه ؟!"
حرك كتفيه ببساطة وهو يقول:
لأ خالص مش عاوز حاجة، يدوبك أنا العريس اللي جايبينله الحاجات دي، يدوبك كمالة عدد"
مال «وليد» بجزعه يمسك أحد الأشياء الموضوعة أمامه و هو يقول بثبات
هي إيه دي يا جميلة !! معلش يعني بس شكلها ملفت بصراحة "
ردت عليه هي بفرحة :
دي كتكوت يا وليد جايباه علشان أحط فيه البيض لما اقشره"
ضحك «طارق» فوضع كفه على فمه و هو يحاول كتم ضحكته، فرمقته هي بغيظ، فتحدث «وليد» يقول بسخرية :
شوف إزاي ؟! قال يعني لو البيض متحطش عليها بعد ما نقشره مشاعر هتتجرح
ردت عليه «جميلة» تعانده
آه، على فكرة بقى هي مهمة و أنا جايبة منها اتنين"
تدخلت عبلة » تقول بحنق: " أنت بتستعبطي يا جميلة ؟!"
طالعتها بتعجب فتدخل «وليد» يقول بفخر " اسمعي بقى العاقلة دي دي ست بيت شاطرة، اتعلمي منها "
تحدثت «عبلة» تقول بضجر
يعني إيه اتنين ؟! و مجبتليش معاكي منها ؟!"
حرك «وليد» رأسه نحوها و الجميع يضحكون عليها و هو يقول بضيق ممتزج بالدشهة :
و حياة أمك !! عاوزة منها !!"
حركت رأسها موافقة ثم قالت:
آه و الله عاوزة منها، أومال هحط البيض فين لما أقشره ؟!"
رد عليها هو مسرعًا :
حطيه في طبق عادي، مش لازم كتكوت
حرکت رأسها نفيا و هي تقول:
لأ مش هحطه في طبق عادي، هحطه في الكتكوت علشان السفرة يكون شكلها حلو و لو جميلة مجابتش ليا هخليك أنت تجيبلي"
تدخلت «مروة» تقول بنبرة ضاحكة :
كل حاجة جت لجميلة جت ليكي أنت كمان زيها، جبنالك كتاكيت يا هبلة "
صفقت بكفيها معًا فمالت «خلود» على اذن «وليد» تهمس له بهدوء
لو عاوز تخلع منها عرفني دي هبلة و شكلك اتدبست فيها، اسمع مني اللي زي دي قالوا فيها أمثال ياما، اشهرهم متخافش من الهبلة خاف من خلفتها، و أنت شايف السلالة خربانة مش ناقصها ولاد الهبلة دي"
حاول جاهدًا كتم ضحكته، فتدخلت عبلة » تقول بضجر و هي تضرب بكفيها معًا:
لو الناس السوسة تتلم !!! إحنا هنرتاح بس نقول إيه ؟! لازم ينخربوا كدا"
أخرجت لها خلود» لسانها تعاندها فوجدت «ولید» يحتضنها و هو يقول بنبرة ضاحكة " لو سمحتي يا عبلة، ملكيش دعوة بالخوخة بتاعتي خلود دي في حمايتي لحد ما أكبر و أخرف"
احتضنته «خلود و هي تراقص لها حاجبيها، فدفعته عبلة » من جوارها و هي تقول بحنق:
غوروا انتوا الاتنين اشبعوا ببعض بقى"
أشار لها «طارق» و هو يقول:
تعالي يا عبلة يا حبيبتي أقعدي جنب أخوكي، تعالي"
ركضت نحو أخيها تجلس بجواره فرفع «طارق» ذراعيه يضعهما على «جميلة » و «عبلة » و هو يقول معاندا له : " خلي الخوخة بتاعتك تنفعك أنا حاضن اتنين، خليك كدا"
رد عليه «ولید بخبث
بلاش !!! بلاش أنا علشان غيرتك وحشة و أنا ممكن أقوم أحضن الثلاثة دلوقتي خلود أختي و جميلة أختي و عبلة مراتي هتزعل"
ضحك عليه الجميع فتحدث «طارق» بحنق يسأل زوجة عمه :
يا ستي رضعتيه ليه ؟! علشان يحرق دمي أنا؟!"
ردت عليه «زينب» بنبرة ضاحكة
و الله يا بني كنا ساعات بننسى مين فينا المفروض ترضع مین ساعات كنت برضعه هو المرتين على أساس إنه خديجة، ومروة كانت ساعات تنسى دا أحنا كنا ساعات بنبدلهم و هما صغيرين و كل واحد فيهم ينام عند التاني"
حرك رأسه هو يبحث عنها ثم قال باستفسار:
طب هي فين طيب ؟! وحشتني "
ردت عليه مروة» تجاوبه راحت للدكتور مع ياسين"
تأهب جسده في جلسته و هو يقول بخوف: "ليه !!! مالها ؟! مش هي كويسة ؟!"
حرك الجميع رأسهم بموافقة فأضافت «زينب» تفسر له: " يا حبيبي إهدا متخافش كدا هي راحت عند الدكتورة اللي أنت حاجز عندها علشان تطمن عليها، شوية و هتلاقيها راجعة "
تنفس هو بعمق ثم قال بعدما تذكر لتوه
آه صح !! طب كانت استنتني أو كلمتني و روحتلها هناك و ياسين مقاليش ليه ؟!"
ردت عليه خلود» بمشاكسة:
يا عم بقى سيبهم في حالهم، واحد و مراته خارجين مع
بعض الله يسهلهم، بطل رخامة "
رد عليها هو بسخرية :
ماهو علشان وضعها ياختي دي محتاجة مساعدين زي العربية ماشي يا كتكوتة لما تيجي"
في أحد الشوارع الجانبية كانت «خديجة» تسير بجواره و هي تبتسم بفرحة و هما يتحدثان سويًا حتى توقفت في منتصف الشارع حينما شعرت بالألم يشتد عليها، فسألها هو بقلق :
مالك !! تعبتي و لا إيه ؟!"
حرکت رأسها نفيا ثم قالت بهدوء و هي تجبر شفتيها على الابتسام
لأ و الله متخافش، لما أعيط منك هنا أعرف أني تعبت متخافش معاك رجالة يا مهلبية "
قالت حديثها بمرح طفيف جعله يبتسم رغما عنه و هي تنظر له بثقة وسرعان ما تلاشت تلك البسمة و هي تصرخ بألم، بعدما قذفت كرة قدم نحو رأسها من جهة بعض الأولاد الذين يقومون بلعب كرة القدم في الشوارع فالتفت «ياسين» ينظر للخلف فوجد مجموعة أولاد يقفون بجانب بعضهم بخوف و الكرة تستقر أسفل قدمه، حينها أخفض جسده يحملها، ثم اعتدل ينظر لهم نظرة بثت الرعب بداخلهم و وضع أحد قدميه فوق الكرة حتى اقترب منهما أحدهم غالبا في عمر العاشرة و هو يقول معتذرا له بندم
معلش يا عمو إحنا أسفين و الله مكانش قصدنا لو سمحت متقطعش الكورة "
تفوه الولد بها بخوف فاقترب منه الآخر و هو يقول:
هو زياد الى رجله طارشةومعلش احنا اسفين بس الكورة دى لو اتقطعت بابا حيزعقلنا عشلن الاسبوع الى فات واحد قطعلنا الكورة
قال جملته ثم اقترب منهما و هو يقول معتذرا لها :
حقك علينا يا آنسة و الله لو زعلانة إحنا ممكن نمشي من الشارع دا، بس بلاش تخليه يضرب حد و لا يقطع الكورة "
رد عليه «ياسين» بحنق:
آنسة !! هو أنا شوال بطاطا واقف مش مالي عينك يا نجم ؟! دي مراتي"
رد عليه أحدهم بخبث:
ما كلهم بيقولوا كدا، هي أول مرة نلعب هنا ؟!"
حاولت «خديجة » كتم ضحكتها فحرك «ياسين» رأسه ينظر لها بغير تصديق، فتحدث الفتى الأول يقول بأدب: "معلش يا عمو متزعلش منه، ربنا يخليكم لبعض، بس هات الكورة معلش قوليله ميقطعهاش و لا يضربنا، شكلك
طيبة أوي و الله"
ردت عليه هي بلهفة :
متخافش والله لا هيضربك و لا هيقطع الكورة، لو أنا طيبة هو كمان طيب زيي و أكثر كمان صح يا ياسين ؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم رفع حاجبه وهو يقول أمرًا لهم:
هتاخدوا الكورة مني بس بشرط ..... واحد فيكم يروح يجيبلي كرسي "
طالعوه بدهشة و هي معهم أيضًا فأضاف هو بثقة : يا كدا يا مفيش كورة، ها إيه رأيكم ؟!"
ركضا اثنين معًا بسرعة يجلبا له ما أراد، فأشارت هي له حتى يميل لها امتثل هو لمطلبها فوجدها تقول بنبرة هامسة :
أنت عاوز كرسي ليه؟! هتعمل فيهم إيه يا ياسين ؟!"
أشار لها بيده حتى تنتظر، فاقترب منه أحد الصبية و هو يمد يده بالمقعد البلاستيكي و هو يقول: "جيبته من المحل عند بابا هات الكورة بقى"
أمسك يدها و هو يقول بهدوء " اقعدي على الكرسي يا خديجة بسرعة يلا قبل ما ارجع في كلامي و اقطع الكورة "
طالعته بتعجب فوجدته يقرب المقعد منها ثم اجلسها عليه و هي ترمش ببلاهة له، فاعتدل هو بعدما غمز لها بعينه اليسرى، ثم حرك الكورة في يده و هو يقول بمرح: "يلا نلعب و أنا معاكم هاه يا كدا يا أخد الكورة و مراتي و أمشي و أنا حبايبي كتير هنلعب بيها مع بعض"
صرخ الأولاد بفرحة و هم يقذفون من فوق الارض، فضحك «ياسين» ثم أطاح لهم الكورة برأسه، فضحكت «خديجة» رغمًا حتى وجدته يلتفت لها ثم ابتسم باتساع حينما وجدها تبتسم له هي الأخرى.
في المزرعة الخاصة بـ "شرف" كان «حسن» يسير وسط المزرعة بالحصان و «هدير» أمامه تبتسم بفرحة حتى قال هو بصوت ظهر به التعب
خلاص بقى يا هدير أنا تعبت هو أبو بلاش كتر منه ؟! الليل دخل و الناس قربت تنام و الحصان تعب"
حركت رأسها للخلف و هي تقول بخبث:
لأ دا فارس أصيل زيك يا أبو علي مبيتعبش بيفضل يحارب زيك كدا و مبيتعبش و مبیخسرش، شكلك أنت اللي مش خیال بقى"
حرك رأسه يهمس في أذنها بقوله:
بلاش تتحديني و أنت عارفة أني خيال و خيال جامد كمان السكة دي مش حلوة معايا يا قطة "
حركت كتفيها و هي تقول بنفس الطريقة :
أنا مش بتحداك، أنا بقولك الحقيقة إن الحصان دا أصيل زيك و اللي أعرفه عن اللي زيكم مبيتعبش و كل ما يتعب يكمل من تاني شكلك تعبت يا حسن
رفع رأسه بشموخ وهو يقول:
على البركة يا هدير خليكي فاكرة إن أنت اللي طلبتي"
ابتسمت بنصر و سرعان ما اتسعتا حدقتيها بقوة حينما تحرك الخيل بسرعة و كأنه ينافس الزمن، و «حسن» خلفها يضحك باتساع على هيئتها الخائفة حتى صرخت هي بقوة و ما أثار دهشته هو امتزاج صرخاتها بضحكاتها و كأنها شخصين كلا منهما يحمل شعورًا غير الآخر، فضحك هو الآخر ثم تحرك بالخيل مسافة أطول و أكبر من السابق، قطعها في وقتا قياسيًا ثم عاد مرة أخرى للمزرعة بنفس السرعة و هو يقول بعد توقفه
ها !!! تحبي نرجع تاني ؟! بس بنفس الطريقة، علشان تصدقي أني خيال يا قطة "
حركت رأسها نفيا بسرعة و هي تقول:
لأ !! بلاش خلاص تعبت والله حاسة إن عضمي انفصل عن بعضه، ربنا يكرم و ميحصلش طلاق بس... آااه"
نزل هو أولا و هو يضحك عليها بيأس ثم مد يده لها حتى تتمسك به فوجدها تقول بحنق:
لا، خلي عندك نظر و نزلني أنت زي ما رفعتني، مش هقدر أنط "
ابتسم لها ثم رفع يديه معًا يمسكها ثم أبعدها عن الحصان فوجدها تقول مسرعة :
فيه كنبة حلوة هناك أهيه، روح خطني عليها و الله مش هقدر أمشي، يلا يا حسن ربنا يكرمك "
أنزلها و هو يقول بهدوء:
اقفي علشان عاوز أتكلم معاكي، عاوزك تركزي كدا و تفوقيلي"
حرکت رأسها موافقةً على مضض بعدما أوقفها أمامه فتنفس هو بعمق ثم قال:
أنا كان المفروض استنى على موضوع جوازنا شوية بس غصب عني مقدرتش و غصب عني برضه أنا كنت محتاجك معايا ومكنتش هقدر أخليكي ترجعي بيتك تاني كل حاجة معاكي بتمشي عكس ما أنا عاوز و عكس ما أنا فكرت عمري ما كنت اتخيل إن حياتي تتصلح معاكي و كان نفسي بجد من كل قلبي أعملك فرح و أشوفك بالفستان الأبيض دا محصلش و مش مشكلة، بس أنا نفسي أعوضك عن كل حاجة، حتى من قبل ما أكون معاكي، فرحان بيكي و أنت بتحاولي و أنت بتعملي كل حاجة علشان تثبتي إنك بقيتي هدير ثانية دلوقتي بس أقدر أقولك أني نجحت في اللي كنت عاوزه، و أنت نجحتي كهدير و اثبتي إنك بقيتي واحدة تانية "
حركت رأسها له باستفسار فوجدته يبتسم لها ثم أشار لها بالهدوء ثم أطلق صفيرًا عاليا بفمه، فقطبت جبينها بتعجب حتى ارتفعت الألعاب النارية من حولهما و ظهرت بعض الفتيات يضعن عليها لباسا أشبه بملابس الفتيات البدويات و هن يضحكن عليها ثم قام «شرف» بتشغيل أغنية لهما و هو يشير للفتيات حتى يبتعدن عنهما، فمد «حسن» يده لها ثم قال بهدوء من وجهه المبتسم
أسمحيلي بقى نرقص سوا و أنت شكلك حلو كدا، و اعتبريها رقصة فرحنا اللي إحنا معملنا هوش دا"
حركت رأسها عدة مرات وهي تبتسم له و الفتيات حولها يصفقن لهما وهن يرتدين تلك الملابس التي تشبه ملابس البدو بعينيهن المتكحلة، فضمت كفه بكفها كعادتهما و هما يرقصا سويًا على الكلمات الآتية :
نخبي ليه في أسرارنا ؟!.... و أنا و أنت مفيش غيرنا ..... و لو ننسى مشاعرنا .... نكلم مين يفكرنا ؟!.... يا روح الروح بتنساني .... و أنا فاكر و مش نساي..... تغيب عن عيني من تاني... و من غير حب أعيش إزاي ؟!.....
و مهما تغيب بعيش وياك .... و أشوفك وردة في الشباك ..... و دمعة حب في عنيا بتستناك يا أحلى "...لاك
لفها بيده و هو يبتسم لها حتى واجهته من جديد فأكمل هو رقصه معها عند التكملة :
قالولي الحب ليه علامات .... في نبض القلب و الهمسات ..... و روح بتروح تنادي عليك ..... و رعشة إيد في السلامات"
أحضتنه و هي تضحك بفرحة و الفتيات حولها يصفقن بقوة مع إطلاق الزغاريد، فهمس لها بهدوء
فرح عالرايق أهوه، شوفتي المثل اللي بيقولك اتقل تاخد حاجة نضيفة ؟! اديكي خدتي حاجة حلوة أهوه"
ردت عليه هي بفرحة بعدما رفعت رأسها له:
و الله ما فيه حاجة حلو غيرك أنت، لا بجد يعني أنت اللي زيك محتاج ركعتين شكر لله و الله "
احتضنها و هو يضحك بقوة ثم أشار بابهامه لـ «شرف» و كأنه يقول له كل شيء على ما يرام، فابتسم له ثم أشار له بيده هو الآخر، وبعدها أشار للفتيات حتى تتحرك من أمامهما، فقبل هو رأسها ثم قال بهدوء:
تعالي بقى نقعد علشان عمو شرف میزعلش ممكن تهب منه و يطردنا دلوقتي"
ابتعدت عنه تسأله بتعجب:
هو إحنا مش هنمشي النهارة ؟!"
حرك رأسه نفيا ثم قال بهدوء:
بكرة الصبح إن شاء الله مش هعرف أخرج بيكي من المزرعة في الضلمة دي الطريق مش أمان و إحنا في حتة مرمية "
حركت رأسها موافقةً بحماس، فسألها بصوته الرخيم
مبسوطة يا هدير ؟!"
رفعت رأسها تنظر له بتأثر، فسألها هو بتشكك بعد نظرتها تلك:
مالك ؟؟ مش مبسوطة ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم رفعت كفها تزيل دموعها و هي تقول بصوت مختنق
لا... مبسوطة و أوي كمان بس استغربت السؤال محدش عمره سألني حاجة زي دي، حسيتها غريبة عليا أوي، بس هو سؤال حلو فيه حنية كدا"
ابتسم لها و هو يقول بثقة :
لأ و محسوبك أبو علي كله حنية، حتى اسألي برة "
حرکت رأسها موافقة و هي تقول:
مش محتاجة أسأل يا حسن الجواب باين من عنوانه و أنت عنوانك كله أمان سكة مش محتاج تسأل عليها، تدخلها و أنت متطمن إنك مش هتتوه فيها"
اتسعت بسمته حتى اقترب منهما «شرف» و هو يقول
بسخرية :
خلاص يا عريس، إيه هنقضي الليلة كلها تحبوا في بعض ؟! راعوا مشاعري "
التفت ينظر له بحنق و هو يقول:
يا سلام عليك و على وقتك الغلط !! فين مراتك ؟!
سايباك ليه ؟!"
رد عليه بنبرة ضاحكة
جاية بكرة يا حبيبي هي عند أختها و جاية بكرة و وصتني متمشوش غير لما تشوفكم"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا بمشاكسة :
كدا كدا مش هتحرك غير لما أشوفها، احنا بنيجي علشان نشوف القمر برضه مش علشانك
توعد له باشارته و هو يقول:
ماشي !! أنا هسكت علشان المزة جنبك و هجيلك تاني اربيك "
تحرك من أمامهما فحركت «هدير» تسأل «حسن» ببلاهة : "مزة !!! هو عمو شرف دا مخرجش من هنا من إمتى ؟!"
رد عليها بسخرية :
أتوقع من التسعينات كدا"
ضحكت عليه فاشار على الأريكة و هو يقول بهدوء
تعالي نقعد شوية نرتاح قبل ما يجي ينادينا علشان نتعشا "
حرکت رأسها موافقةً ثم تحركت خلفه حتى جلس هو أولا ثم مددت هي جسدها على الأريكة ثم وضعت رأسها على قدمه و هي تبتسم براحة تخللت قسمات وجهها، فحرك كفه يمسد على رأسها بهدوء و هو يقول:
إيه رأيك في المفاجأة !؟! عجبتك و لا تحبي نغيرها بحاجة تانية ؟!"
حرکت رأسها نفيا ثم قالت:
حلوة حلاوة تجزع النفس مفاجأة حلوة شبهك كدا، بس قولي مين عمو شرف دا؟!"
تنفس بعمق ثم قال:
عمو شرف دا يا ستي يبقى... هقولك من الأول، طارق و وئام لما خلصوا جامعة و جه وقت الشغل، معرفوش يشتاغلوا مع رجالة العيلة، حسوا إن الشغل مش على مزاجهم و طارق طلب شغلانة تكون على مزاجه خصوصا إن محدش من عيلة الرشيد جبرهم على حاجة، كنت ساعتها أنا بشتغل في التصوير تبع الدعاية و الشركات المهم عمو مرتضى كان عنده صحاب من أيام الجيش و هما عمو شرف و واحد تاني إسمه عباس و الاتنين كانوا شركا مع بعض في شركة الدعاية، عمو شرف مبيخلفش و عمو عباس عنده ولدين و بنت طارق و وئام اشتغلوا معاهم في الشركة لحد ما شربوا الشغلانة كلها، عمو شرف كان بيعتبرهم ولاده و لما اتعرف عليا حبني زيهم، لحد ما فضوا الشراكة و عباس دا سافر هو عيلته برة مصر و عمو شرف رجع للمزرعة بتاعته هنا و معاه مراته بس كان طلب مننا مننساهوش و نفضل نسأل عنه علشان هو ملوش حد غير مراته و أخوه مات و عياله ميعرفش عنهم حاجة، المهم بقينا كل فترة نيجي نفصل من تعب الدنيا برة عندهم هنا هو و طنط ثريا مراته بس بلاش تقوليلها طنط بتعصبها قوليلها ثريا علشان هي بتحب إسمها "
حرکت رأسها موافقة و هي تضحك بخفوت عليه ثم قالت بين اليقظة و النوم
أنت طيب أوي علشان بتفرح كل الناس و أنت بيكون نفسك تفرح زيهم علشان كدا ربنا هيفرحك "
ربت على رأسها و هو يقول:
فرحني.... ربنا فرحني بيكي يا هدير يوم ما بقيتي مراتي و لسه الفرح هيزيد معاكي طول ما أنت معايا"
تثائبت هي بشدة ثم أغلقت عينيها، فسحب هو شالا من جواره و وضعه عليها ثم ربت على كتفها و هو يبتسم حتى اقترب منه شرف» يجلس على الأريكة المجاورة له و هو يقول:
إيه ياض يا حسن ؟! أنت غرقت فيها ولا إيه؟! شكلك حبيتها بجد، أنا قولت أنت بتشتغلني لما كلمتني تحكيلي"
ابتسم له بسخرية و هو يقول:
اشتغلك !! لا اتطمن يا سيدي حبيتها بجد و بقيت مرتاح معاها، مش عارف ليه هي و مش عارف ليه برتاح معاها و مش عارف ليه بحس أني مليش غيرها، حاجات غريبة عليا أنا و قلبي بس مفرحانا"
ابتسم له و هو يقول:
قولتلك إن جوازك الأولاني دا ممكن يكون اختبار ليك و ممكن يكون علشان تتعلم منه ازاي تحافظ على النعمة أنت مكنتش حاببها و هي مكانتش شبهك و حملت منك أنت مكنتش فرحان و خايف و هي حطيتك قدام الأمر الواقع، كل دا يا حسن، كان صعب يخلي علاقة زي دي تكمل، كانت علاقة متعبة ومخلياك تبذل فيها أكثر من الطبيعي، فضلت قافل على نفسك و على قلبك و اتحبست و اكتئبت و تعبت نفسيا، كل دا حسيت بيه علشان لما ربنا يرزقك بيها تقدر قيمتها حافظ بقى على الهدية "
ابتسم له ثم حرك رأسه ينظر لها و هي غافية على قدمه ثم سحب نفسًا عميقًا و هو يقول تزامنًا مع كفه الذي تحرك يمسد على رأسها :
هي أكثر من كدا بكتير، بنت كبيرة و تحسها شخصيتها قوية، في نفس الوقت جواها عيلة صغيرة نفسها تلاقي فرصة علشان تخرج، أنا كنت ليها فرصة و هي عرفت تمسك فيها صح، أنا من البداية حاجة قالتلي إنها محتاجة بوصلة تصلح ليها الطريق، مش محتاجة عصاية علشان تضرب و تتحرك، أنا معرفش ازاي بقيت كدا معاها و معرفش حسن اللي بقى بيجيب هدايا و يرقص و يخرج و يفسح دا جه منين؟! بس تقريبا هي سرها باتع علشان كدا أنا لقيت نفسي بفرح معاها، سبحان الله ربنا بيحيي قلوب بقلوب تانية قلوب كانت ماتت خلاص بس بيجي قلب تاني يخليه يدق و الحياة تلمسه، و أنا الميت اللي عرف الحياة بيها هي"
ربت على كتفه و هو يقول بتأثر:
أنا فرحان ليك أوي يا واد يا حسن، أنت طيب و تستاهل كل خير و تستاهل إنك تفرح بجد، لو هي فرحتك في الدنيا يبقى ربنا يكرمكم سوا و تكونوا مع بعض في الجنة "
ابتسم له «حسن » و هو يقول بتمني و تأثر: " يا رب .... يا رب زي ما جمعتني بيها في أرضك و دنيتك تخليها معايا في جنتك"
في بيت آلـ «الرشيد» حاول «وليد» التوصل لهما و لكن هواتفهما كانت مغلقة، فزفر بقوة حتى سألته «هدى» بضجر
ما" خلاص بقى وترتنا، هتيجي متقلقش "
رد عليها هو بقلق:
الدكتورة قالتلي مشيوا من بدري و أنا قلقان أوي، خايف تكون تعبت منه و هو مش عاوز يقولنا طب مبيردوش "!ليه ؟
تدخل «طه» يقول بهدوء محاولا اقناع نفسه بذلك
الحديث:
متخافش یا وليد هييجوا مش هيتأخروا، مالك موترنا و موتر نفسك ليه مش ناقصة هي"
زفر «وليد» بقلة حيلة و فجأة طرق الباب بواسطتهما، فركض هو يفتح البابة بمجرد وقوع بصره عليها سألها بقلق و نبرة منفعلة :
أنت فين كل دا ؟! و مش بتردي عليا ليه ؟! طب مش فارق معاكي أنا؟!"
طالعته هي بدهشة فتدخل «ياسين» يقول مهدنا له : " براحة مالك بس فيه إيه دخلها خليها تقعد مالك ؟!"
زفر بقوة ثم أمسك يدها و هو يستغفر في سره حتى أجلسها على أقرب مقعد قابله و هي تطالعه بتعجب، حتى جتى على ركبتيه أمامها و هو يقول بهدوء معتذرا لها : "حقك عليا علشان اتعصبت عليكي، بس أنا دماغي في الشوية دول تعبتني أوي، كنت خايف تكوني تعبتي و أنا مش معاكي اتأخرتي ليه يا خديجة ؟!"
ردت عليه هي بهدوء يشوبه ندم:
بص علشان مبقاش كدابة أنا اتخنقت من قعدة البيت بصراحة قولت طالما أنا مع ياسين نقعد شوية برة، بس مكنتش عاوزة أقلق حد عليا"
اقترب منها يقبل جبهتها ثم طالعها و هو يقول بوجع " أنا بخاف عليكي حتى و أنت قصادي يا خديجة، مش عاوزاني أخاف و أنت بعيد عني و كمان تعبانة ؟! طمنيني عليكي "
حرکت رأسها موافقة بتأثر و هي تقول بنبرة باكية: "أنا كويسة الحمد لله، الدكتورة طمنتني و قالتلي كلها أيام و أفك السلك اللي في راسي و أفك دراعي، متقلقش عليا و الله "
جلس على يد المقعد ثم احتضنها و هو يتنهد بعمق، فسأله «ياسين» بتعجب من حالته
مالك يا وليد ؟! ما هي كويسة أهيه و الحمد لله اتحسنت كتير"
تنفس بعمق ثم قال:
فاكر الولد اللي شوفناه في المشرحة ؟! أنا سيبتكم و رجعت تاني علشان أعرف دول أهله و لا لأ، و يارتني ما عملت كدا صريخهم وعياطهم لسه في ودني بقيت خايف على اللي بحبهم، و دماغي ألفت ألف حوار و زادت لما ا تأخرتوا"
رفعت رأسها تطالعه وهي تبتسم له فأخفض نفسه يقبل رأسها مرة أخرى و هو يقول:
لما تيجي تخرجي من هنا تاني عرفيني، بلاش تقلقيني علشان دماغي بتتعبني و أنا مش ناقص"
حرکت رأسها موافقةً، فاقترب منها وئام» و على ذراعه «فارس» و هو يقول بهدوء
طمنيني عليكي يا حبيبتي يا رب تكوني كويسة، خدي بوسي فارس أنا عارف إنك بتحبيه"
حرکت رأسها موافقةً ثم قبلت الصغير على يده و بعدها رفعت رأسها و هي تقول بنبرة هادئة :
أنا بحب فارس و بابا فارس و مامة فارس و عم فارس"
اقترب منها «وئام» يقبل رأسها ثم قال بتأثر: " أنا اللي بحبك أوي يا خديجة، بحب طيبتك و بحب كل حاجة فيكي و كل حاجة بتعمليها، يا بخت فارس عنده عمة حلوة زيك كدا
ابتسمت له بخجل، فتحدث «وليد» بتهكم يسخر منه " على رأي المثل:
علمناهم السكة ركنونا على الدكة"
ضحك الجميع عليه فتدخل «أحمد» يقول بحنق: " أنا طول عمري ما سمعتش المثل دا، جيبته منين ؟!"
ابتسم له «وليد» بثقة و هو يقول: "لأ دي مقولة من أقوالي اخترعتها علشان الناس اللي مكانتش بتتكلم زي واحد صاحبنا إسمه وئام
رد عليه وئام» بضيق منه:
سيب وئام في حاله يا بارد روح يا شيخ ربنا يكرمك
بتوأم يضيعوا النوم من عينك"
ابتسم له بخبث و هو يقول:
ما كفاية أمهم مضيعاه، هيبقى هما و أمهم يعني ؟! دا حرام و كتير عليا"
ضحك عليه الجالسون بأكملهم، بينما «عبلة» أخفضت رأسها بخجل منه و هي تحاول جاهدة كتم ضحكتها، و هو ينظر لها حتى شرد في خجلها و ضحكتها، فوكزته «خديجة » بخبث، حينها مال عليها و هو يقول هامشا لها بهدوء
أنا عاوز أقولك أني بقيت بتطمن معاها و مش خايف منها بقيت بعد الوقت علشان تكون معايا، عبلة عملت المستحيل"
رفعت رأسها تستفسر منه بنظرتها فحرك رأسه موافقًا يؤكد صدق حديثه، فتنهدت هي بعمق ثم حركت رأسها تنظر لـ «ياسين» حتى اقترب منها هو ثم أمسك «وليد»
من ثيابه و هو يقول بتيه وهو ينظر لها :
غور يالا من هنا المكان دا يخصني"
تحرك «وليد» بدفعة و كاد أن يسقط لولا يد «أحمد» الذي امسکه و هو يحاول كتم ضحكته، فحمل «ياسين» الصغير على ذراعه ثم جلس على يد المقعد بجوارها و هو يبتسم
له ثم حرك رأسه ينظر لها و هو يقول بهدوء:
بحسه شبهك و الله مش قصدي على الشكل، بس فارس دا أنا متأكد إنه هيبقى النسخة التانية منك، وئام هيخليه نسخة منك و من حنانك عليه"
رد عليه «طارق» مسرعًا يؤكد حديثه
دي حقيقة، وئام طول عمره يقول إنه هيخلي عياله زي خديجة و وليد علشان هو شالهم و هما صغيرين
ردت عليه «هدی» بقلق زائف
زي وليد !!! ليه كدا بس ؟؟ كفاية هو عليا، شاللني و
جالطني"
رد عليها هو بتبجح:
ماله وليد يا أم فارس !!! دلوقتي بقيت وحش؟! فين أيام شهامة وليد و جدعنة وليد و يا رب يبقى راجل زي وليد خلاص بقينا وحشين ؟! ناس قلابة "
شهقت هي بقوة ثم قالت:
أنا قلابة ؟! يا ندل طب عمو محمد عمو مرتضى، أجلوا الفرح بقى مفيش فرح للأشكال دي"
ردت عليها «عبلة » مسرعة :
بس أبوس رجلك !!! دول بيتلككوا، عاوزين ننجز فرحنا خلينا نتزف بقى"
أيدها «طارق» بقوله:
معاها حق بصراحة، جرى إيه يا وئام ؟! شكلكم نسيتوا مين اللي كان السبب في جوازكم ما تقول حاجة يا وليد
ابتسم له «وليد» بثقة و هو يقول:
لا أنا مش هقول حاجة، أنا هعمل اللي هدى متعرفوش إن مفتاح شقتها معايا و أنا اللي مسئول عن دهان الحيطة في بيت الشباب و هي تموت ولا إنها تشوف ألوان مش متناسقة، قسما بالله هخلي كل حيطة في الشقة بلون و هاجي عند باب الشقة و أجيبه كله ورد و ألوان حلوة هجلطها "
ضحك الجميع عليه، فتحدثت هي ببراءة زائفة : اخس عليك يا وليد ؟! دا أنا بهزر معاك يا رب وليد يبقى زيك يا رب، أقولك على حاجة ؟! كان نفسي أسميه وليد بس طلع فارس"
حرك رأسه لها باستفزاز و هو يبتسم لها و هي الأخرى بادلته النظرة بمثيلتها حتى ضحك عليهما الجالسون بأكملهم.
أسفل شقة «ياسر » نزل الشباب معا بزوجاتهم، و معهم «ياسر» أيضًا بدون زوجته، فسأله «عامر» بتعجب: " هو أنت نزلت معانا ليه ؟! إحنا بيوتنا أهيه، أطلع يلا"
رد عليه بهدوء
هروح مشوار مهم يا عامر، اطلعوا أنتم و أنا مش هتأخر هروح لميمي و هرجع تاني
سأله «خالد» بتعجب:
هتروح لميمي ليه ؟! هو فيه حاجة ؟! نيجي معاك "!طيب ؟
تنفس بعمق ثم حرك رأسه نفيا ثم قال بهدوء:
أنا محتاج بس اتكلم معاها شوية، معلش خلوني أروح أشوفها و هبقى اطمنكم، متقلقوش عليا"
حركا رأسيهما بموافقة فتحرك هو من أمامهما، فتحدث «عامر» بقلة حيلة :
الواد عمره زاد الضعف في كام يوم، أنا قلبي بقى بيوجعني عليه أوي يا خالد"
نظر له «خالد» و هو يقول بحزن لأجله:
أنا قلبي بقى بيتقطع يا عامر، بس خليه يروح لميمي يمكن يلاقي عندها إجابات أسئلته"
حرك رأسه موافقًا على مضض ثم نظر لزوجته فوجدها تومأ له بأهدابها تحثه حتى يتركه على راحته.
بعد مرور بعض الوقت دلف «ياسر» شقة «ميمي» التي جلست في شرفتها تقرأ القرآن، جلس هو مقابلا لها و هو يبتسم بسمته الهادئة، فأغلقت هي المصحف الشريف ثم تنفست بعمق و هي تطالعه حتى فتحت له ذراعيها، فارتمى هو بينهم و هو يبكي، فمسدت هي بكفها المجعد على ظهره و هي تبكي معه هي الأخرى، حتى شهق هو بين ذراعيها فتحدث هي بصوت باك
بس.... بس بقى يا واد.... بتعيط ليه كدا ؟! مش أنت كبرت و بقيت راجل ملو هدومك ؟! لسه هتعيط كأنه سايبك دلوقتي ؟!"
خرج من بين ذراعيها و هو يقول ببكاء:
تعبت منه و من اللي بيحصل فيا بسببه، طلع مريض
و مرضه كبير، و أنا قلبي أضعف من إنه يتجاحد عليه، و أصغر من إنه يستحمل كل الوجع دا منه، أنا تعبت يا ميمي"
ردت عليه هي باستفسار:
مالك يا ياسر ؟؟ ما تكبر منه و يارب يمشي تاني مطرح ما جه"
تنفس بعمق ثم مسح وجهه بكفيه ثم قال:
طب أنا عاوز أسألك سؤال و جاوبيني عليه ضروري، لو عيالك ظهروا ليكي هتعملي إيه ؟!"
طالعته بدهشة من سؤاله، فأضاف هو مفسرا:
أنت أكثر واحدة في الدنيا دي شبهي، أنت زيي اتسابتي من غير سبب و اللي سابك هما اللي منك، لو رجعولك هتعملي إيه ؟!"
تنفست هي بعمق ثم قالت بصوت باك:
هقطعهم بإيدي، هضرب فيهم لحد ما أطلع غليلي و غل السنين فيهم، بس بعدها هاخدهم في حضني، علشان
هما وحشوني غصب عني، أنا أمهم و غصب عني فطرتي بتتحرك ليهم، غصب عننا هتفضل جوانا حتة بتحن ليهم حتة بتتعاطف معاهم رغم إننا اتأذينا منهم، هو أبوك وأنت ابنه، غصب عنك قلبك بيحن، ربنا سحبانه و تعالى أمرك بطاعته وطاعة الوالدين حتى لو هيدبحوك و دا ظهر لما ربنا سبحانه أمر سيدنا ابراهيم يدبح سيدنا إسماعيل، سيدنا إسماعيل أطاعه و معارضش أمره دا"
حرك رأسه لها بغير تصديق فوجدها تقول بنبرة هادئة : فكر كدا يا ياسر، لو أنت مقسي قلبك عارف ترتاح ؟! رد عليا كدا"
أرجع رأسه للخلف ثم أعادها من جديد و هو يقول بحيرة : "مش عارف !! دا اللي وجعني أني مش عارف أقسي قلبي عليه اللي قاهرني إني لسه فيه حتة لسه عاوزة تطمن عليه، لسه فيه حتة جوايا بتقولي اعتبره غريب طالب رحمتك و حن عليه، لسه فيه حتة جوايا عاوزة مرضه يشفعله عندي"
ردت عليه هي بتأكيد:
علشان أنت مش هو و علشان أنت مش زيه هو وحش و قاسي و ظالم و أنت حنين وطيب و قلبك كبير، هو أبوك لو عمل إيه و يمكن هو دا ذنبك في الحياة، إن سمير أبوك "
ابتسم هو بسخرية و هو يقول بوجع
أنا كل ذنبي في الدنيا أني طلعت نتيجة أب و أم من البداية علاقتهم كانت غلط "
طالعته هي بحزن لأجله فأضاف هو :
أنا ذنبي إن اتنين جوازهم غلط اجتمعوا مع بعض من الأول، طلعت شخص زيي مشوه من جوة، شخص حتى مش عارف ياخد قرار سليم يمشي بيه حياته، أنا مش عاوز أكون زيه، أنا عاوز أحافظ على قلبي من شر الدنيا و أذاها ........
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم شمس بكري
"مِن وَسط الجميع دَق القلب لها....و تحرك من موضعه لأجلها"
_________________________
كنت أظن أن النيران بداخلي أنطفأت، و جروحي الغائرة التئمت، إلىٰ أن شاهدت حزن أحدهم و كان بمثابة جرحًا غائرًا أصاب جروحي بالعدوى، ففوجئتُ بنفسي اتألم من جديد، و كأن قلبي يخبرني بأني أنا المُخطيء الوحيد، أنا من حسبتُ نيراني انطفأت و جروحي التئمت، فوجدتها في نهاية المطاف التهبت بنيران العدوى حينما أصابتها.
بعد حديث «ياسر» مع «ميمي» سألته هي بتعجبٍ من حديثه:
"يعني هتعمل إيه ؟! أي حاجة هتوجعك بلاش منها يا حبيبي، بلاش يا بني وجع قلب"
مسح وجهه بكفيه معًا ثم مرر أنامله على عينيه و بعدها قال بهدوء مُجاهدًا حتى يتحدث به:
"عاوز أقفل صفحته من حياتي، عاوز أرتاح و أنسى كل حاجة شوفتها بسببه، هروبي منه مش هيحل حاجة، لو أنا مأمور بطاعته هو مأمور بحمايتي و الحفاظ عليا، كفتنا إحنا الاتنين متوازنة، أنا عاوز ارتاح بقى، خوفي طول حياتي كان من ظهوره هو، و هو ظهر خلاص، يبقى يمشي علشان أرتاح أنا"
رمقته بقلة حيلة و نظرة حزن يكسوها الشفقة لأجله، فاعتدل هو واقفًا ثم مال بجزعه عليها يُقبل قمة رأسها ثم أخبرها بصوتٍ خافتٍ أقرب للهمس:
"ادعيلي....ادعيلي ربنا يجبر بخاطري و يريح قلبي"
حركت رأسها موافقةً ثم تحدثت أخيرًا بصوتٍ مختنقٍ:
"بدعيلك....و الله طول عمري بدعيلك ترتاح و تفرح في حياتك، ربنا يعوض قلبك خير يا رب يا ياسر"
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك من أمامها و رحل من الشقة و هي خلفه تنظر في أثره بحزنٍ و أعين يكسوها الدمعِ، أما هو فخرج من عندها ثم وقف أسفل البناية و أخرج هاتفه يهاتف زوجته يُطمئنها عليه، ثم قال بصوتٍ حاول جعله ثابتًا:
"إيمان أنا بحبك....و عاوزك تتأكدي إن مفيش حد في الدنيا دي كلها يملى عيني غيرك و لا حد عمره هياخد مكانك عندي"
انتاب القلق قلبها فسألته بصوتٍ مهتزٍ:
"فيه إيه يا ياسر ؟! أنتَ قلقتني عليك، ياسر أنتَ مش كويس صح؟! صوتك باين عليه و الله"
تهدج و هي تحادثه حتى أوشك على البكاء، فزفر هو بقوةٍ ثم قال بهدوء:
"أنا كويس الحمد لله، و عاوزك تنامي لحد ما أرجعلك، علشان أنتِ وحشتيني أوي، و النكد اللي فات دا مخليني مش عارف أركز معاكي"
تعجبت من حديثه و نبرته التي تبدلت في غضون ثوانٍ، و قبل أن تهم بالحديث تفاجئت به يغلق الهاتف دون أن يتحدث هو أو يستمع لحديثها القادم، نظرت في الهاتف بعدما وجهته أمام بصرها ثم قالت بتعجبٍ تحدث نفسها:
"الواد اتهبل !! و لا يكونش رايح يخوني مع البت أم الشقرا !!"
شهقت بقوةٍ حينما أخذها تفكيرها لتلك النقطة ثم دفعت الهاتف من يدها و هي تُفكر إلى أي مكانٍ ذهب زوجها.
_________________________
في بيت آلـ الرشيد ذهب كلًا منهم إلى شقته بعدما جلسوا في مرحٍ يمزحون مع بعضهم و خصوصًا «وليد» الذي استمر في مشاكسة الفتيات، حتى جلس أخيرًا في غرفته و على ذراعه «فارس» الصغير الذي كان يُحرك كفه الهواء ملوحًا به و أنامله تتحرك بخفةٍ على ذراع «وليد» الذي كان يتابعه بتمعنٍ و قبل أن يبدأ الصغير في صوت البكاء، توقف به «وليد» ثم عَدَل وضعه على يده و هو يبتسم له بتأثرٍ، حتى تحركت عيني الصغير عليه و التقت عينيهما سويًا، و كأنها سحرًا جذب الصغير إليه حتى ثبت نظره على عمه، فحرك «وليد» رأسه يقبل قمة رأسه ثم قال بهدوء:
"رغم إنك زنان و بتعيط كتير بس بحبك، مش عارف ليه بس بحب أفضل معاك، حاسس كدا إننا زي بعض، أنتَ عمال تعيط و هما مش عارفين السبب و أنا كنت بتوجع و هما مش فاهمين دا، نفسي متتأذيش زيي من الدنيا يا فارس، عاوزك تبقى أنصح مني و تاخد حقك منها"
زفر بقوةٍ بعد حديثه ثم قبله مرةً أخرى بعدها رفع الصغير يحضتنه و هو يقول براحةٍ كبرى:
"آااااه....حضنك حلو يا فارس"
ارتمى بعدها على الفراش و الصغير استكان بين ذراعيه حتى حرك رأسه يُلقيها على كتفه، فمسح «وليد» على ظهره و هو يقرأ له الموعوذتين و بعض الآيات من الذِكر الحكيم، و هو شاردٌ في تفاصيله الصغيرة، حتى طُرق باب غرفته، فسمح للطارق بالدخول و لا زال كما هو يطالع ذلك الصغير على يده، ظن هو أن الطارق «وئام» لكنه تفاجأ حينما وجد «مرتضى» أمامه يقف بحوار الفراش و هو يبتسم له، فاعتدل في جلسته احترامًا له و هو يقول:
"تعالى يا بابا اقعد، خير فيه حاجة؟!"
حرك رأسه نفيًا ثم جلس بجانبه على الفراش و هو يقول بمرحٍ:
"اتاخر ياض شوية كدا خليني اقعد جنبك، اتاخر"
تحرك «وليد» له و هو يضحك عليه و الصغير على ذراعه، حينها قام «مرتضى» بفرد ذراعه ثم احتضن «وليد» أسفله و هو يقول بهدوء:
"عامل إيه يا وليد؟! وحشتني و جيت أتطمن عليك"
حرك رأسه له بتشككٍ ظهر في ملامحه، فسأله بتعجبٍ:
"إيه ؟! شاكك فيا و لا إيه ؟! متخافش مش جاي انصب عليك"
ضحك عليه فتحدث والده يقول مفسرًا:
"كل الحكاية أني عاوز أتطمن عليك مش أكتر، صحيح شكلك بقيت أحسن بس أنا عاوز أسمعها منك، بقيت أحسن؟!"
تنفس بعمقٍ ثم ابتسم له و هو يقول بنبرةٍ هادئة حتى لا يُظهر تأثره:
"كويس الحمد لله، أو بقيت كويس أكتر، مش عارف بس بصراحة يعني، أنا فرحان أوي"
ابتسم له والده ثم قال:
"أنا طول عمري سايبكم على راحتكم يا وليد، مقدرتش أغصب واحد فيكم على حاجة، بس أنتَ كنت حاجة تانية غير وئام، وئام عرف إزاي يكبر دماغه و عرف إزاي يحافظ على هدوئه، عكسك، كنت دايمًا داخل مع الدنيا عِند، هي تزعلك و أنتَ تظهر إنه مش فارقلك، هي توجعك و أنتَ تضحكلها و قصاد كل دا كنت بتموت من جواك، علشان كدا بسألك دلوقتي أنتَ كويس؟!"
تنفس بعمقٍ ثم قال مُجيبًا والده:
"أنا بقيت كويس لما فهمت كل حاجة صح، تعرف أني استاهل اللي حصلي ؟! متستغربش علشان أنا كنت غبي و أنا مش واخد بالي من حكمة ربنا عليا، أنا ضيعت حياتي و أنا مش فاهم كل دا بيحصل ليه، بس فهمت أني قصرت في ثقة ربنا و أني أنا اللي يأست، صدقني يا بابا أنا بقيت كويس أوي الحمد لله، و لقيت حواليا نِعم كتير حلوة تستاهل أفرح بيها من ضمنهم إنك أبويا"
ابتسم له «مرتضى» ثم شدد مسكته له و حرك رأسه يقبل جبين «وليد» الذي ابتسم بفرحةٍ كبرى، و «فارس» بين ذراعيه، و ظل الوضع هكذا «مرتضى» يحتضن «وليد» أسفل ذراعه، و «وليد» يحتضن «فارس» حتى دلف «وئام» الغرفة و وقع بصره عليهم، فاقترب يقف بجوار الفراش و هو يقول بسخريةٍ ممتزجة بالحنق:
"يا سلام ؟! طب إيه أروح بقى و لا إيه؟! خلاص اتركنت على الرف و جِه فارس ياخد مكاني؟!"
فتح «مرتضى» ذراعه الأخر و هو يقول له:
"تعالى يا واد أنتَ كمان في حُضني، عارفك عطشان حنان"
اقترب يجلس بجانب والده الذي احتضنه فتحدث «وئام» يقول بطريقةٍ درامية:
"محدش بقى بيسأل فيا، كله بيقول فارس عامل إيه و محدش بيقول أبو فارس عامل إيه"
ضحكا عليه كليهما، فرمقهما هو بحنقٍ ثم قال:
"يلا علشان ناكل، ماما و هدى بعتوني علشان أقولكم و ناكل يلا"
سأله «وليد» مُسرعًا:
"طب أحط فارس فين؟؟ هو نام على إيدي"
رد عليه «مرتضى» متدخلًا:
"حطه هنا و حط مخدات حواليه و لما ناكل نبقى ندخله أوضة وئام"
أومأ له موافقًا بينما هما خرجا من الغرفة، فوضع هو الصغير على الفراش ثم وضع الوسائد حوله و قبل أن يخرج من الغرفة و يتركه، عاد له مرةً أخرى ثم حلمه على يده و هو يقول بسخريةٍ:
"مش جايلي قلب أسيبك و أمشي، تعالى برة و اصحى و نكد عليهم"
خرج من الغرفة و هو يحمل الصغير على يده حتى سألته «هدى» بتعجبٍ:
"إيه دا ؟؟ جيبته ليه طيب؟! كدا مش هتعرف تاكل"
رد عليها هو بهدوء:
"عادي...شيليه أنتِ و أكل أنا"
رمقته بغيظٍ و هو يعطيها الصغير، فتحدثت والدته بضيقٍ:
"و هو خلاص حضراتكم هتمشوا سوا و تسيبوني لوحدي؟! محدش فيكم ناوي يفضل معايا؟!"
رد عليها «مرتضى» بضجرٍ منها:
"و بعدين بقى في قطاعة الأرزاق دي؟! عاوزة إيه يا ست أنتِ؟! ما تخليهم يمشوا، هيفضلوا كاتمين على مراوحي كدا كتير ؟!"
سأله «وليد» بسخريةٍ ممتزجة بالخبث:
"جرى إيه يا جدو مرتضى ؟! دا حفيدك معانا على الأكل، عيب كدا"
رد عليه والده بثقةٍ:
"عاوزكم تمشوا يمكن ربنا يكرم و أجيبله عم صغير كمان يلعب معاه"
ضحك عليه الجالسون بأكملهم، بينما زوجته رمقته بغيظٍ و هي تقول:
"ابعد عني يا مرتضى مش ناقصة هبلك هي، كفاية منكد عليا و مش عاوزني أسافر عند إسماعيل"
رد عليها بضجرٍ:
"مفيش سفر يا مروة لوحدك غير و رجلي على رجلك، طول ما ابن عمك دا هناك على جثتي تروحي هناك لوحدك، انسي"
ابتسمت بيأسٍ و هي تقول:
"يا مرتضى دا من و أنا في ثانوي الكلام دا، و بعدين أنتَ خدتني منه و اتجوزتني بالعافية، هو أنتَ سكت يعني؟!"
حرك كتفيه ببساطة و هو يقول:
"مليش فيه، مش هنسى برضه إنه كان عاوز يتجوزك، و أشمعنا فرح بنته دي بيعزمك عليه ؟؟ ما هو جوز البغل الكبير و معرفناش"
تدخلت «هدى» تسأل بتعجبٍ ممتزج بالفضول هي تقول:
"أنا مش فاهمة حاجة، مين دول و تروحي فين يا طنط؟!"
ردت عليها بقلة حيلة:
"ابن عمي فرح بنته أخر الأسبوع و هو قال لاسماعيل أخويا يعزمني، عمك مش عاوز يخليني أروح"
سألته «هدى» بتعجبٍ:
"ليه كدا يا عمو مرتضى ؟! خليها تروح و تشوف عمو اسماعيل هي بتحبه أوي، تغير جو حتى قبل فرح وليد"
رد عليها مُعاندًا:
"لأ، البيه دا كان عاوز يتجوزها و طردني مرة من السويس علشانها"
ردت عليه زوجته بتهكمٍ:
"قال يعني أنتَ سكت ؟! ما أنتَ جيت قدام السويس كلها و خطبتني، فيه واحد يخطب واحدة في السوق يا جاحد؟!"
راقص لها حاجبيه وهو يقول:
"آه أنا، اومال كنتي عاوزة المعفن دا ياخدك مني؟!"
تدخل «وئام» يقول بسخريةٍ:
"قيس و ليلى قاعدين معانا ؟! قصة الحب دي أخرها إيه؟!"
رد عليه «وليد» بسخريةٍ مرحة:
"أخرها فارس اللي منور على دراع أمه دا، القصة اللي السويس كلها بتحلف بيها هي قصة أبوك و أمك يا موكوس"
تدخلت «هدى» تسأل بحماسٍ:
"أنا عاوزة أعرف، احكولي"
تنهدت «مروة» ثم قالت و كأنها ترى الماضي أمام عينيها:
"أنا كنت عيلة صغيرة لسه يعني كنت لسه مخلصة الدبلوم، و ابن عمي كان مصمم يتجوزني بالعافية، كان مفهم الدنيا كلها أني خطيبته، و أنا طول عمري مكنتش بقبله، لحد ما مرتضى أبوه بعته لأخويا و أبويا علشان شغل بينهم، مرتضى قعد في السويس تقريبًا شهر، كنت بسمع عنه و عمري ما شوفته، بس هو كان مراقبني و كان متابعني، لحد ما في يوم جه ابن عمي يطلبني رسمي، مرتضى ساعتها قاله إنه قاري الفاتحة مع إسماعيل، علشان اسماعيل أخويا مكانش بيحبه، أبويا اتضايق و قال إني لسه صغيرة على الجواز و لا دا و لا دا، لحد ما مرتضى خلاني في السوق أنا و مرات أخويا ساعتها طلع دبلة و لبسهالي قدام الناس كلها في السوق، و على العصر جه الحج فايز و قال إن كلمته متنزلش الأرض و حكم إن يوم الجمعة أكون في بيتي مع جوزي، و أخر الاسبوع كان فرحي أنا و سهير"
تحدثت «هدى» بفخرٍ:
"جامد يا عمو و الله العظيم تستاهل جايزة، أنا فخورة بيك"
رد عليها هو بمرحٍ:
"أومال هسيب حقي و لا إيه؟! أنا لو مكنتش شوفت القبول في عينها كنت مشيت عادي، بس دي عينها نطقت و قالت إنها موافقة عليا، البلطية اللي دوخت السويس كلها، جِه الصياد اللي خدها"
ردت عليه زوجته بحنقٍ:
"على فكرة مكنتش موافقة عليك، بس علشان أبويا الله يرحمه قالي إن أبوك صاحبه، و بعدين أنتَ عامل مصايب في السويس توديك السجن، مكسر قهوة، و ضارب تاجر، كان لازم اشوف حل و أنقذ الدنيا منك"
تحدث هو بتهكمٍ:
"مش هما اللي كانوا بيبصولك ؟! عاوزاني أعرف إن فيه حد عاكسك و لا واحد تاني ضايقك و أسكت ؟! و بعدين ياختي لما أنتِ مش موافقة من الأول كملتي ليه ؟! كان ممكن تمشي، دا أنا سنة و كان معايا وئام"
تدخل «وليد» يسأل الجميع بسخريةٍ:
"و مستغربين عمايلي ؟! شوفوا أنا ابن مين، اتاري الچينات كلها داخلة في بعض"
أقترب «مرتضى» من زوجته يقبل رأسها ثم وكزها في كتفها و هو يقول بمرحٍ حينما لاحظ حنقها:
"خلاص بقى يا مرمر، الله !! مالك يا ستي؟! كل دا علشان تروحي الفرح؟! خليكي معايا هنا و أنا أعملك فرح حلو زيك كدا، عاوزة تسيبي مرتضى؟! اخس عليكي"
ابتسمت رغمًا عنها من طريقته، فتحدث هو بمرحٍ و هو يفتح ذراعيه:
"حضن بقى علشان مرتضى"
قبل أن يحضتنها ضحك عليه الجالسون حتى تحدث «وئام» يقول بصوتٍ عالٍ يوقف اقترابه:
"يا حج مرتضى بيقولك حفيدك قاعد معانا، الله !! فيه إيه ؟!"
مال على أذن «مروة» و هو يقول هامسًا بحنقٍ:
"فكريني أطرد العيال دي الصبح من هنا، أنا معرفتش أربي أصلًا"
طالعوه بخبثٍ ثم انفجروا في الضحك جميعًا على نظرته الحانقة التي رمقهم جميعًا بها بعدما افسدوا احتضانه لزوجته.
_________________________
وصل «ياسر» أمام منزل «سمير» و رغمًا عنه أغمض جفنيه بشدة ثم فتحهما بتروٍ يحاول ردع العبرات التي تُهدد بالافصاح عن نفسها، ثم دلف البيت يجلس في ردهته و هو يحاول جاهدًا التحكم في نفسه و ضبط ثباته، حتى نزلت له «جيسي» بعدما علمت بتواجده و هي تقول بلهفةٍ:
"أنا كنت متأكدة إنك هتسامحه و كنت متأكدة إنك هتيجي، البيت نور بيك"
أخفض بصره أرضًا و هو يقول:
"أنا مش جاي علشان كدا خالص، أنا عاوزه هو، لو سمحتي هو فين؟!"
قبل أن ترد عليه هي قاطعها أخيها بنزوله و هو يقول بنبرةٍ جامدة:
"اطلعي أوضتك يا جيسي، و قبلها عدي على با...قصدي على سمير و صحيه علشان أطلعه أنا و الدكتور ياسر"
ابتسم «ياسر» بسخريةٍ حينما بدل «فادي» كلمته، بينما هي انسحبت من أمامهما تركض للأعلىٰ حيث غرفة «سمير»، فاقترب منه «فادي» يقول بهدوء:
"نورت يا دكتور ياسر، اتفضل اقعد واقف ليه ؟!"
رد عليه «ياسر» بنبرةٍ جامدة:
"أنا مش فاهم الحنية اللي ظهرت عليك دي من إمتى، مش كنت حرامي و نصاب و جاي ألعب عليكم ؟!"
زفر «فادي» بقوةٍ ثم قال:
"أنا مش عدوك يا دكتور ياسر، أنا راجل عملي و كل حاجة عندي بالمنطق، أنا عارف أني غلطت و أني قولت كلام مينفعش يتقال، بس أنا مكنتش فاهم حاجة، بس لما كل حاجة وضحت أنا عذرتك، أنا عارف اننا وجعناك من ساعة ظهورنا، بس صدقني مفيش حد فيكم قاصد الآذى ليك"
ابتسم له و هو يقول:
"هو لسه فيه أذى غير دا ؟؟ كدا مفيش غير أني أخرج قلبي و أسلمه ليكم و تعملوا فيه اللي أنتم عاوزينه، أنا سمعت صوت التكسير في قلبي في يوم واحد ٣ مرات، مرة و أنا شايفه قصادي مبسوط، و مرة لما شوفتكم بتقدموه بما إنه صاحب الحفلة و المرة التالتة و أنا سامعك بتشكره على تضحيته العظيمة علشانك، مظنش فيه وجع و أذى أكبر من دول، بقولك إيه هو فين؟!"
تنحنح يُجلي حنجرته ثم أشار له حتى يذهب معه، ففعل «ياسر» ما أراد و ذهب معه نحو غرفة «سمير»، كان هو بداخلها على الفراش و بلغ منه التعب مبلغه و ظهر بقوةٍ من خلال شحوب وجهه و السواد الذي احتل أسفل جفنيه، و عينيه تتعلق بباب الغرفة بعدما أخبرته «جيسي» بقدوم «ياسر»، حتى فُتح باب الغُرفة و طل منه «فادي» أولًا ثم «ياسر» خلفه و هو يمد قدم و يوقف الأخرى في صراعٍ منه مع ذاته و كأنه يود الهروب من تلك المواجهة، حتى حثه «فادي» على الدخول بقوله:
"اتفضل يا دكتور ياسر، ادخل"
دلف أخيرًا بعدما انصاع لصوت قلبه تاركًا صوت عقله الذي يعنفه بسبب قدومه، ابتهج وجه «سمير» و هو يطالعه، فاقترب هو يقف بجوار الفراش و هو يقول بهدوء محاولًا التحكم في نفسه للتحدث به:
"أنا جيت علشان أنفذ الكلام اللي ربنا أمرني بيه، و علشان رجولتي و شهامتي متخلنيش اقسي قلبي على الضعيف"
رد عليه بصوتٍ ظهر به التعب و هو على وشك البكاء:
"بس جيت.....يمكن أموت دلوقتي بس هكون ارتحت علشان شوفتك"
ابتسم له بسخريةٍ، فتحدث «فادي» موجهًا حديثه لشقيقته التي تعلقت عينيها به:
"جيسي !! يلا و نسيبهم مع بعض شوية"
حركت رأسها موافقةً بتيهٍ ثم تحركت من أمامهما تسبق أخيها للخارج، بينما «ياسر» انتظر خروجهما ثم زفر بقوةٍ و هو يقول:
"أنا جيت علشان زيارة المريض واجبة و علشان دي فيها رحمة من العباد للعباد، الرحمة اللي مبقتش موجودة، عارفها ؟!"
سحب نفسًا عميقًا ثم قال:
"قول كل حاجة عندك و كل حاجة لسه في قلبك، قول يا ياسر"
رد عليه بهدوء زائف محاولًا تجاهل آلامه:
"هقولك إيه ؟! هقولك أني تعبت ؟! مش هتفرق في حاجة علشان هي دنيا اتخلقت للتعب، هقولك أني اتعذبت في غيابك ؟! عادي غيرهم كتير أهاليهم ماتوا و شافوا أكتر مني، بس هقولك حاجة مش واخد بالك منها، أنتَ دلوقتي مسافر علشان تتعالج برة و اللي معاك هما الغُرب اللي اديتهم عمرك، هقولك إنك خسرت أحن قلب في الدنيا كان ممكن يسندك في المحنة دي، هقولك إنك اخترت الخسارة لنفسك لما سيبت واحد زيي كان هيبقى أحن عليك من نفسك، أقولك على حاجة كمان، شكرًا.....شكرًا علشان أنا لولا غيابك مكنتش هبقى كدا، و مكنتش هعرف يعني إيه أب، أنا لحد ظهورك كنت خايف أبقى أب، غصب عني خوفت أحس بحاجة زي دي و أنا واحد كلمة بابا تعباه نفسيًا، بس بعد ظهورك أنا نفسي أب، علشان أجيب ياسر جديد، ياسر يبقى كتفه في كتفي مش هبقى سمير اللي سابه في الدنيا، و الحاجة الوحيدة اللي ممكن تبعدني عنه بعد إرادة ربنا هي الموت، غير كدا أنا هعرف ازاي أكون أب"
أغمض «سمير» جفنيه حتى لا تظهر دموعه، بينما «ياسر» زفر بقوةٍ ثم قال:
"أنا مش جاي علشان أشمت فيك و لا أوجعك علشان أنا أحن من كدا، أنا جاي بس أقولك إننا بنجني على نفسنا و مينفعش نرمي الوجع على حد غيرنا و نعيش دور الضحية، ولو أنا مفروض عليا طاعة الأب فأنتَ مفروض عليك دورك كأب، بس غصب عني مش هقدر أقابل ربنا و أنا شايل ذنب بسببك"
التفت حتى يغادر و قبل أن يفتح الباب و دون أن يلتفت له و ينظر له قال بهدوء:
"ربنا يتمم شفاك على خير.... ابقى اقرأ قُرآن و ادعي ربنا يخفف عنك، احنا كلنا ملناش غيره"
خرج من الغرفة بعد حديثه تاركًا خلفه والده يبكي بقوةٍ ثم ألقى برأسه للخلف على الوسادة و دموع الندم تأكله بعدما أدرك قيمة ما تركه خلفه بسبب ركضه خلف السراب.
في الغرفة المجاورة له، اقترب «فادي» من شقيقته يجلس بجوارها و هو يقول بهدوء:
"مالك يا جيسي ؟؟ أنا عاوز أفهم حصل إيه شقلب حالك كدا ؟!"
ردت عليه هي بصوتٍ مختنقٍ:
"أنا مش فاهمة يا فادي، أنا مش مستوعبة إيه اللي بيحصل، متوقعتش إن الدنيا تبقى بايظة كدا، كنت فاكرة إنها هتعدي سهل شوية، و مش عارفة ليه حاسة بحاجة غريبة ناحية ياسر، أنا مش وحشة و الله و مش عاوزة أخرب حياته بس حسيت بحاجة غريبة ناحيته، حسيت أني محتجاه معانا، و معرفش ليه فكرت كدا"
تنهد «فادي» بقلة حيلة ثم قال بهدوء:
"بصي يا جيسي ياسر بالنسبة ليكي حالة غريبة، يعني شخص زيه واجه كل دا و بقى زي ما هو كدا، دا يخلي مشاعرك تتحرك ناحيته و تحسي باعجاب، بس متنسيش إن فيه ناس حياتها باظت بسبب غلط زي دا لما ماما حبت سمير و هي عارفة إنه بيخرب حياته بإيده، بس هي كملت في الغلط دا و ناس كتير دفعوا النتيجة، ياريت الغلط دا ميتكررش منك و تحاولي تعملي حاجة غلط، ياسر عنده حياته و شكله كان مبسوط فيها، كفاية لحد كدا و خلينا نسافر نكون مع بابا نلحقه زي ما هو سابلنا حياته، و ياريت تقفلي موضوع ياسر دا خالص و تعتبريه مجاش على بالك، ياسر شخص محترم و مش من النوع اللي أنا فهمت إنه منه"
حركت رأسها موافقةً و الدموع تلمع في مقلتيها فوجدته يحتضنها ثم ربت على ظهرها فقالت بعدما أجهشت في البكاء:
"أنا تعبت يا فادي.....تعبت و مش فاهمة حاجة و متلغبطة، يارب مكونش حبيته"
ربت على ظهرها بأسى، فطرقت الخادمة باب الغرفة و هي تقول من الخارج:
"مستر فادي، الأستاذ اللي كان هنا مشي و مستر سمير لوحده في الأوضة"
رد عليها هو بهدوء يشكرها ثم نظر لشقيقته و هو يقول:
"يلا علشان الطيارة المفروض تتحرك الفجر، خلينا نتمم على كل حاجة يا جيسي"
حركت رأسها موافقةً فوقف هو حتى يخرج من الغرفة و قبل أن يفتح الباب أوقفته هي بقولها:
"فادي !! على فكرة أنتَ طيب أوي مش زي ما مبين لكل اللي حواليك، ربنا يخليك ليا"
ابتسم لها ثم حرك رأسه موافقًا و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"و يخليكي ليا علشان أنا مليش غيرك، و خصوصًا هنا في مصر"
ابتسمت له و هي تراه يتركها و يخرج من الغرفة، فزفرت هي بقوةٍ ثم مسحت دموعها و هي تلحقه للخارج.
_________________________
بعد خروج «ياسر» من بيت والده و بعدما أسكت ضميره بتلك الطريقة و ثأر لجرحه كما ظن هو، فنفسه البشرية الضعيفة لم تقوى على المسامحة في ذلك الحق، و لا حتى تركه جانبًا بل بكت بحرقةٍ ثأرًا له، وقف هو على الطريق ليلًا ينظر لباب البيت الكبير الذي يخفي والده بداخله، ثم مد يده يخرج ورقةً من جيب بنطاله، قام بفتح الورقة القديمة التي سبق و رسم بها نفسه بجوار والده و من قوة تعبيره في صغيره جعل الصغير يمد يده لوالده، بينما الآخر وقف ثابتًا رافعًا رأسه بشموخٍ نحو السماء دون أن ينتبه لذلك الصغير الذي مد كفه له، ابتسم هو بوجعٍ ثم قام بتمزيق الورقة و بعدها أوقف سيارة الأجرة ثم ركبها بعدما أملى وجهته للسائق، و بعد مرور بعض الوقت توقفت السيارة أسفل بنايته توقف هو بعدما خرج من سيارة الأجرة و قبل أن يدخل البناية توقف يبتسم بهدوء ثم تحرك و غير وجهته قبل الصعود، و بعد مرور دقائق عاد مرةً أخرى ثم توجه نحو شقته، كانت زوجته في الداخل تنتظره، دلف هو بهدوء ثم توجه نحو الغرفة التي تجلس بها دومًا و خاصةً على الأرجوحة التي جلبها هو لها، و قبل أن تسأله أو تنبت ببنت شفة، اقترب يجلس بجوارها و هو يقول مُشاكسًا لها بمرحٍ:
"اتاخري يا بت شوية، متبقيش رخمة كدا، أنا اللي جايبها برضه"
تحركت هي للجهة الأخرى قليلًا و هي ترمقه بتعجبٍ، فزفر هو براحةٍ ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
"مالك زعلانة علشان قعدت جنبك ؟! تحبي أقوم أنام أحسن؟"
ردت عليه بلهفةٍ تقطع حديثه:
"لأ...خليك يا سيدي تروح فين بس؟! دا أنا ما صدقت ترجع ياسوري كدا، بس قولي بقى مالك؟! و كنت فين كدا؟!"
حرك رأسه ينظر لها وهو يقول:
"كنت عند سمير يا إيمان، روحتله قبل ما يسافر علشان أعرف أعيش"
تبدلت معالم وجهها لمشاعر مختلطة يكسوها التعجب منه، فأضاف هو مُفسرًا:
"لو مكنتش روحت و هو مشي أنا عمري ما كنت هعرف اتخطى حاجة زي دي، للأسف هو أبويا غصب عني، بس خلاص هي كدا خلصت، ربنا يتمم شفاه على خير"
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة ثم سألته بحذرٍ:
"طب و أنتَ ؟! طمني عليك و قولي حاسس بإيه ؟!"
تنفس بعمقٍ ثم قال براحةٍ تخللت قسمات وجهه:
"حاسس أني فرحان.....آه و الله فرحان أوي، فرحان علشان أنا دكتور ياسر و فرحان علشان أنا عندي أختين زي ندى و نيرمين و فرحان إن خالد و عامر و ياسين معايا في الدنيا، و فرحان إن أمي ست زي ميرفت حافظت على نفسها و بدت ولادها على نفسها، و الأهم هو أنتِ يا هبلة، ربنا كرمني بيكي بعد كل المرمطة اللي شوفتها، كل الحاجات دي لو نسيتها هبقى جاحد و مش وش نِعمة، كفاية إن ربنا كرمني بكل اللي كنت محتاجه، أنا فرحان و الله و مش زعلان و مش هزعل علشان سمير دا"
ابتسمت هي بفرحةٍ كبرى و خاصةً بعد حديثه عنها ثم سألته و هي تشير برأسها نحو الحقيبة التي يحملها في يده:
"طب و إيه اللي في إيدك دا؟! كيس لحمة ولا إيه ؟!"
ابتسم لها و هو يحرك رأسه نفيًا ثم أعطاها الحقيبة و هو يقول:
"دا يا ستي لِب بأنواعه، نقطة ضعفك في الحياة و معاه الحاجات اللي بتحبيها اللي بتفضلي تطلبيها مني و معاها العصير اللي بتحبيه، حاجة تاني؟!"
سألها بنبرةٍ ضاحكة فرفعت رأسها بعدما تفحصت الحقيبة ثم قالت بحماسٍ:
"ولا أنا بحبك أوي، بجد و الله، عارف ليه علشان مش مطول في نكدك عليا، بس ليه الحاجات دي كلها يعني ؟"
تنفس بعمقٍ ثم قال بعدما ابتسم لها:
"عاوز اقعد معاكي قعدة حلوة زيك كدا علشان انسى الهم اللي هجم عليا دا، و عاوزك بقى تشغلينا حاجة حلوة لينا بقى نشوفها"
احتل الحماس ملامح وجهها و هي تقول مقترحةً عليه:
"طب إيه رأيك ارقصلك ؟! علشان تفك بقى و تفرفش"
امتعض وجهه و هو يقول:
"ترقصيلي !! الفجر قرب يا إيمان لمي نفسك أحسنلك، و بعدين هو أنا معلم طالعلك من القهوة ؟! بطلي سفالة"
حركت كتفيها بلامبالاةٍ وهي تقول:
"خليك يا كئيب يا عدو الفرحة كنت عاوزة افرفشك، انا هروح ارقص عند خالد أخويا أهو أعلم مراته و أكسب فيها ثواب"
تحدث هو بغير تصديق:
"تعلميها الرقص و تاخدي ثواب !! يا نهارك مش فايت، أنتِ بتنشري الفساد ؟!"
حركت رأسها بفخرٍ و هي تقول:
"لأ مسمحلكش !! أنا بأمن مستقبل أخويا و دي تفرق كتير أوي"
ابتسم لها رغمًا عنه بسبب طريقتها المتعالية، فأمسكت هي جهاز التحكم ثم قالت بحماسٍ:
"هجبلك بقى حاجة تنسيك سمير و اليوم اللي خلفك فيه سمير"
سألها بحيرةٍ ممتزجة بالسخرية:
"هتجبيلي إيه ؟! زهايمر ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم توقفت عن البحث أخيرًا و هي تقول:
"دي قناة جديدة بتجيب حاجات حلوة، اقعد بقى لحد ما نشوف هتجيب إيه و بعدين نحط الحاجات دي، اصبر بس"
حرك رأسه موافقًا ثم نظر نحو الشاشة الموضوعة بالغرفة حتى بدأ المسلسل المصري القديم، حركت هي رأسها نحوه بخجلٍ منه و هي تقضم اظافرها بينما هو رغمًا عنه ضحك بقوةٍ حينما طالعها حتى ضحكت هي الأخرى ثم أحتضنته و هي تقول بأسفٍ:
"أنا لو حلفتلك أني مقصدش أجيبه مش هتصدقني صح؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بنبرةٍ ضاحكة:
"حضرة المتهم أبي !! يا شيخة دا أنتِ لو دافعة ليهم دا مش هيحصل"
رفعت رأسها ثم قبلت وجنته و بعدها سألته باهتمامٍ واضحٍ:
"أنا بحبك يا ياسر و الله و كنت خايفة عليك أوي و كأني أم بتحمي عيالها، لو فيه حاجة مزعلاك عرفني"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
"لأ.....أنا مش زعلان و الحمد لله على كل حال و الله، لو فضلت أركز على اللي مش عندي، هضيع اللي عندي، و أنا مش عاوزك تضيعي مني"
ابتسمت له بحبٍ خالصٍ فشدد هو عناقه لها ثم وضع رأسه فوق رأسها و هو يتنهد بعمقٍ، فسألته هي بحذرٍ:
"ياسر !!..... مش عاوزني ارقصلك ؟!"
ضحك بيأسٍ فضحكت هي الأخرى ثم رفعت رأسها بامتنانٍ لله تشكره على فضله في رحمته بزوجها.
_________________________
في بيت آلـ «الرشيد» و تحديدًا في شقة «طه» جلست «خديجة» في غرفتها بعدما حممتها والدتها و شقيقتها، ثم ارتدت ثيابًا بيتية بمساعدة شقيقتها، بعدها جلست في الغرفة بعد خروج والدتها و شقيقتها حتى دلف لها «ياسين» و في يده كوبًا من العصير المفضل لها وهو يقول بمرحٍ:
"عمو باعتني ليكي بالعصير بتاعك، حاجة تاني يا فندم؟!"
حركت رأسها نفيًا بالسلب و هي تبتسم له فاقترب هو منها ثم مد يده لها بالكوب، فابتسمت أكثر و هي تقول:
"شربني بقى يا ياسين، بصراحة مكسلة و كمل جميلك و هات الدوا أخده"
وضع الكوب بجوارها و هو يقول بحنقٍ:
"اشربي يا بت، مش كفاية جايبلك العصير لغاية عندك؟!"
رمقته بغيظٍ و هي تقول:
"معندكش ريحة الرومانسية، أقول إيه ؟! قلة ذوق"
أخرج هاتفه يتفحصه و هو يتجاهلها، بينما هي ظلت تسخر منه بملامح وجهه و هي تقلد طريقته ظنًا منها أنه لا يراها حتى تفاجئت به يقول دون أن يرفع رأسه من على الهاتف:
"لو خلصتي هبل اشربي العصير، علشان تاخدي الدوا"
همست هي لنفسها بتعجبٍ:
"مركب عينك في شعره !! عرف منين؟!"
رفع رأسه يبتسم لها و هو يقول:
"عاوزة إيه يا ست الكل، مين مزعلك ؟!"
حركت كتفيها ببساطةٍ و هي تقول بثقةٍ و فخرٍ:
"محدش يقدر يجي جنبي و لا يزعلني أصلًا، فوق يا بابا"
ارتسمت السخرية على ملامح وجهه و هو يقول:
"فعلًا ؟! أنتِ متأكدة من كلامك دا؟! بالله عليكي تحركي راسك كدا لتحت شوية؟! معلش"
حركت رأسها مثلما طلب منها فوجدته يقول بسخريةٍ:
"شوفتي ؟! ما شاء الله، الختم متساب في الناحية الشمال كلها، أنا عاوزك تسكتي و تتوكسي"
سألته هي ببلاهةٍ:
"مع بعض !! قصدي يعني ليه؟!"
ابتسم بيأسٍ ثم حرك رأسه نفيًا عدة مرات، فسألته هي بمرحٍ:
"بس إيه الحلاوة دي ؟! طلعت بتلعب كورة حلو أوي، كنت عاوزة ازغرطلك و الله"
ابتسم لها ثم أمسك الدواء من جواره و أقترب منها يعطيه لها و هو يبتسم بخفةٍ أخذته ثم سألته بتعجبٍ:
"مالك يا ياسين ؟! شكلك متضايق على فكرة، إيه اللي مزعلك؟"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال بهدوء:
"كل الحكاية إن عامر زعلان علشان ياسر، و أنا مبحبش حد يزعل، بس الحمد لله يعني، الدنيا هتبدأ تتصلح، أنتِ كويسة؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت:
"الحمد لله كويسة، بس بصراحة عاوزة أروح بيتي بقى، حاسة إن بيتنا وحشني يا ياسين، حاسة أني مقعدتش فيه"
زفر هو بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
"أعمل إيه طيب يا خديجة ؟! على يدك محدش هنا موافق على حاجة زي دي، بس إن شاء الله لما تفكي دراعك و تفكي السلك هحاول اقنعهم حتى ممكن ناخد خلود معانا"
سألته هي بلهفةٍ:
"بجد يا ياسين ؟! ينفع ناخد خلود معانا حتى و أنا رجلي مسكورة؟!"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مؤكدًا:
"طبعًا يا خديجة، دا بيتك و بيت خلود و بيت أي حد مش محتاجة سؤال يعني"
ابتسمت باتساعٍ بعد حديثه و هي تقول:
"الله !! تصدق اتحمست أقوم أروح دلوقتي، وحشني أوي يوم الجمعة في بيتنا و الروتين الحلو دا اللي كنت بعمله، صحيح هو مش كتير بس مش مشكلة"
قبل هو رأسها ثم أمعن النظر في عينيها و هو يقول بنبرةٍ هادئة:
"عاوزك بس تقومي بالسلامة و ترجعي أحسن من الأول علشان تنوري بيتك من تاني"
حركت رأسها له توافق على حديثه و هي تبتسم له ثم قالت له:
"ياسين، هنام و أقرأ ليا قُرآن، أنا مش بصحى مصدعة لما بنام على صوت القُرآن، يلا"
ابتسم لها بخفةٍ فوضعت رأسها على صدره و هي تتثائب، بينما هو وضع يده على رأسها ثم شرع في قراءة القرآن لها و هي بين اليقظة و التيه.
_________________________
انتهى ذلك اليوم حتى أتى الصباح التالي و تحديدًا في مزرعة «شرف» كان «حسن» جالسًا بجوار ذلك الرجل و هو يبتسم على هيئتها المُضحكة وسط الفتيات الصغيرات و هن يلعبن حولها بالطائرات الورقية، و هي ترتدي عباءة نسائية واسعة على جسدها، و حجاب منقوشًا الزهور الصغيرة، و ضحكتها ترتفع بين الحين و الآخر، حتى وكزه «شرف» في يده و هو يقول بخبثٍ:
"خلاص يا واد، عينك هتاكلها، وحشاك و لا إيه؟!"
حرك رأسه ينظر له و هو يقول:
"شكلها وسط البنات الصغيرة حلو أوي، بحب كل حاجة فيها تظهرها على حقيقتها"
ابتسم له و هو يتحدث بمرحٍ:
"أنا حاسس إنك أبوها يا حسن، مش مجرد واحد متجوز واحدة و حبها، كدا هخاف عليك"
انكمش ما بين حاجبي «حسن» و هو يقول بحيرةٍ:
"تخاف عليا !! ليه إيه حصل؟!"
رد عليه مُفسرًا حديثه:
"هخاف عليك تتجرح تاني و هخاف عليك تسيبك، هدير لو سابتك هيحصل إيه يا حسن؟!"
رد عليه مُسرعًا بقلقٍ:
"هخاف تاني، و أنا مش عاوز أرجع لوحدي، على يدك أنا كنت تمثال من غير روح، حسيت إن الروح رجعتلي تاني، مش عارف ليه حاسس إنها العوض اللي مطلوب مني أحافظ عليه"
ربت على كتفه و هو يقول بهدوء:
"كل الحكاية يا حسن إنك ملكش غيرها في الدنيا دي، زيي أنا و ثريا كدا، مليش غيرها و طلبت منها تسيبني و تروح تتجوز حد تاني علشان تجرب مشاعر الأمومة، بس هي قالت إنها قبلاني أنا زي ما أنا، و اختارت الطريق معايا، أنا حاسس بيك، و عارف مشاعر أنك ملكش غير شخص واحد في الدنيا دا عامل إزاي، أنا جربته و دوقته و اللي داقه هيبقى صعب عليه"
حرك رأسه موافقًا ثم وجه بصره نحوها و هي تمسك في يدها طائرة ورقية تحاول رفعها مثل الفتيات، فاتسعت بسمته أكثر، حتى اقتربت منهما «ثريا» زوجة «شرف» و هي تقول مُرحبةً به:
"منور يا حسن، خلاص نسيتونا !! اومال لو مش قايلة ليكم اسألوا عليا ؟! كنتوا عملتوا إيه؟!"
رد عليها بحرجٍ منها:
"أنا عارف إنك لازم تزعلي، بس كل حاجة كانت غصب عننا، الدنيا كانت بايظة و يدوبك بدأت تتصلح، حتى فرح وليد و طارق قرب خلاص، و الفرش يوم الجمعة الجاية"
ردت عليه هي بمرحٍ:
"هنيجي طبعًا، علشان نشوف العرسان و هما فرحانين، طول عمري كان نفسي أشوفكم بتضحكوا انتم التلاتة، صحيح الحب بيصنع المعجزات"
رد عليها هو مُسرعًا:
"أو هي دي حلاوة صحة العلاقات، علاقات مريحة تخليكي فرحانة في حياتك غصب عنك، و أنا فرحانة بالغصب من غير ما أحس"
أقتربت منهم «هدير» تجلس بجواره و هي تبتسم باتساعٍ بعدما فشلت في رفع الطائرة، حتى سألتها «ثريا» بتعجبٍ:
"جيتي ليه ؟! مش كنتي بتلعبي بالطيارة ؟!"
ردت عليها بخجلٍ طفيف:
"بصراحة فشلت فشل ذريع، مش مشكلة أنا كنت بس واقفة جنب البنات، شكلهم حلو أوي"
ردت عليها بمرحٍ و كأنها تهدهد طفلتها الصغيرة:
"و الله أنتِ اللي شكلك حلو أوي و زي القمر، أنا حبيتك أوي، لو حسن بس يوافق هاخدك منه و يجي ياخدك بعد كام شهر"
رد عليها «حسن» يرفض حديثها بقوله المُسرع:
"نعم !! كام شهر إيه دول ؟! و لا كام ساعة حتى، الافكار دي تتشال من دماغكم خالص، على جُثتي"
ابتسمت «هدير» باتساعٍ بعد حديثه، فسألته «ثريا» بمشاكسةٍ:
"مش بمزاجك بقى !! هي هتقعد معايا و هخليها هنا لحد ما هي تقول تمشي إمتى، تلاقيها زهقت منك"
ردت عليها «هدير» مُسرعةً:
"لأ طبعًا، مستحيل و الله، مكان ما حسن هيكون موجود، هكون أنا كمان موجودة، مهما كان هو فين"
ابتسم بانتصارٍ لهما فتحدثت «ثريا» بنبرةٍ مُحبطة:
"اخس عليكي، ضحكتيه عليا يا هدير، ماشي يا ستي ربنا يخليكم لبعض، شوفت يا شرف؟! لو حد قالك أني المفروض أمشي من هنا هتعمل إيه؟!"
جاوبها ببساطةٍ و لا مبالاةٍ:
"هفرح طبعًا، هقيم الأفراح والتهاني والتبريكات بالمناسبة السعيدة دي"
رفعت حاجبها له، فأضاف هو مُفسرًا بنبرةٍ ضاحكة:
"خلاص بلاش الشرار اللي خارج من عينك دا، هزعل طبعًا، أنتِ روحتي تزوري أختك يومين ، حسيت فيهم كأني مسجون، قال تغيبي شهور قال"
انتشرت الضحكات عليهما بمرحٍ و استمرت تلك الجلسة على ذلك الحال و «حسن» يطالعها بأعين مُحبة و خاصةً بتلك الهيئة الغريبة عليه، فهربت هي من نظراته تنظر جهة الفتيات بمرحهن و أصواتهن الذي يطابق صوت فرح قلبها من الداخل.
_________________________
بعد مرور عدة أيام على تلك الأحداث و بعدما عاد «حسن» إلى شقته مع زوجته، و بعدما استقر وضع «ياسر» بعد رحيل والده من "مصر" استعاد هو طبيعته كليًا، و قبل ذلك الصباح ذهبت «خديجة» إلى الطبيبة و قامت بفك الحصار من على ذراعها و جبينها، و كانت الأوضاع هادئة إلى حدٍ ما، حتى ذلك اليوم "الجمعة" و هو يوم نقل الأثاث و الأجهزة الخاصة بالشباب، و بعد صلاة الجمعة وقف الرجال معًا في انتظار القادم و هو «عامر»، حتى سأل «طارق» بقلقٍ:
"أنا مرعوب يا جماعة، بجد و الله هموت من الخوف، المصيبة إننا مستنيين عامر"
رد عليه «أحمد» بسخريةٍ:
"أنا اللي مخوفني إن وليد قاله سُكيتي، و اللي مخوفني أكتر إن عامر ميعرفش يعني إيه سُكيتي"
ضحك عليه الشباب، حتى حرك «حسن» رأسه يتفحص المكان ثم سأل بتعجبٍ:
"هو الحج مُرتضى فين ؟! مش شايفه يعني !!"
تدخل «ياسر» يقول بتهكمٍ:
"الله !! عم مرتضى و عامر مش ظاهرين، أستر يا رب"
ضحك الرجال و الشباب معًا و هم يقفون أمام البيت، حتى أقترب منهم «عامر» سيرًا على الاقدام و هذا ما أثار دهشتهم، و حينما اقترب منهم سأله «ياسين» بتعجبٍ:
"خير جاي على رجلك ليه؟! فين العربيات و فين الليلة بتاعتك ؟!"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
"مش أنتم قولتولي تعالى سُكيتي ؟! جيت سُكيتي و العربيات زمانها جاية، الحاجة جهزت ؟!"
تدخل «خالد» يقول بتعجبٍ:
"دي علامة من علامات الساعة ؟! خير يا عامر ؟! فين الحاجة؟!"
رد عليه بحنقٍ:
"مش قولتولي تعالى ساكت ؟! جيت ساكت أهو، و عمار جاي ورايا مع العربيات و كل حاجة في الهدوء كفاية فضايح بقـ....."
توقف عن الحديث قبل أن يُكمل جملته حينما صدح صوت الفرقة على مُقدمة الشارع، و هي فرقة متخصصة في العزف بالطبول و يطلق عليها "فرقة بلدي" حيث يرتدي العازفون جلبابًا واسعًا مع عمامةً بيضاء، و في يدهم الآلات الموسيقية القديمة مثل "الناي" و الطبول الكبيرة، ضحك الشباب بقوةٍ و لكن ما أثار دهشتهم و جعل الصمت يُخيم عليهم هو قدوم «مرتضى» على أحد الخيول و كأنه فارسًا ماهرًا، فاقترب «وليد» من «عامر» يمسكه من تلابيبه و هو يقول بحنقٍ:
"مركب أبويا حصان يا عامر !! هو دا السُكيتي ؟! فاكر نفسك بتنقل عفش ابن الزناتي خليفه ؟!"
كان «مرتضى» يرقص بالخيل على العزف الموسيقي حتى اقترب منه الشباب يقفون بجواره و هم يرقصون حوله، و النساء يشاهدن كل ذلك من الشرفات في البيت، و قبل أن تهدأ تلك الأجواء، اقتربت السيارات المتخصصة في نقل الأثات و يتقدمها السيارة الخاصة بالادوات الموسيقية و فوقها عامل الأفراح الذي يُدعى "عمدة" و هو يقول بصوته العال في مكبر الصوت:
"الليلة ليلة و لا ألف ليلة و ليلة...الليلة عيد....و الكل سعيد بفرحة أولاد الــــرشــيــد"
اتسعت الأعين بقوةٍ بينما «عامر» ركض يركب خلف «مرتضى» على الخيل و هو يقول بمرحٍ:
"أديها يا عم مرتضى"
رفع «مرتضى» الخيل للأعلى وسط تلك الأجواء الصاخبة حتى اندمج الشباب و السكان و الجيران معهم في تلك الفرحة، التي كان سببها أولًا و أخيرًا هو «عامر»
رواية تعافيت بك الجزء الثاني الفصل الخمسون 50 - بقلم شمس بكري
و كأنني أحببتكِ بِـروحي....
أبصرتُ فيكِ شفاء جروحي..."
_________________________
ثِمةُ بَعض المعارك لا يتطلبُ مِنكَ خَوضها، فـ بانسحابك منها تفقد قيمتها و يزولُ أثرُها، لتطرح في ذاتك سؤالًا هامًا، هل نفسك قادرة على العراك، أم أنك حقًا تَفيها حقها ؟! فإذا كُتِبَت عليك الحرب و قرعت الطبول، قِف مُحاربًا لذاتك و اثأر لحياتك و كأنكَ لم تَرِد بعد بالعقول، فهل من أثرٍ قُتلِت روحك من أجله أن يزول ؟! أم أنكَ فقط تحاول في كمدٍ و كأنك تحارب العقول ؟!"
توقف «عامر» عن الحديث قبل أن يُكمل جملته حينما صدح صوت الفرقة على مُقدمة الشارع، و هي فرقة متخصصة في العزف بالطبول و يطلق عليها "فرقة بلدي" حيث يرتدي العازفون جلبابًا واسعًا مع عمامةً بيضاء، و في يدهم الآلات الموسيقية القديمة مثل "الناي" و "الطبول الكبيرة"، ضحك الشباب بقوةٍ و لكن ما أثار دهشتهم و جعل الصمت يُخيم عليهم هو قدوم «مرتضى» على أحد الخيول و كأنه فارسًا ماهرًا، فاقترب «وليد» من «عامر» يمسكه من تلابيبه و هو يقول بحنقٍ:
مركب أبويا حصان يا عامر !! هو دا السُكيتي ؟! فاكر نفسك بتنقل عفش ابن الزناتي خليفه ؟!"
كان «مرتضى» يرقص بالخيل على العزف الموسيقي حتى اقترب منه الشباب يقفون بجواره و هم يرقصون حوله، و النساء يشاهدن كل ذلك من الشرفات في البيت، و قبل أن تهدأ تلك الأجواء، اقتربت السيارات المتخصصة في نقل الأثات و يتقدمها السيارة الخاصة بالادوات الموسيقية و فوقها عامل الأفراح الذي يُدعى "عمدة" و هو يقول بصوته العال في مكبر الصوت:
الليلة ليلة و لا ألف ليلة و ليلة...الليلة عيد....و الكل سعيد بفرحة أولاد الــــرشــيــد"
اتسعت الأعين بقوةٍ بينما «عامر» ركض يركب خلف «مرتضى» على الخيل و هو يقول بمرحٍ:
أديها يا عم مرتضى"
رفع «مرتضى» الخيل للأعلى وسط تلك الأجواء الصاخبة حتى اندمج الشباب و السكان و الجيران معهم في تلك الفرحة، التي كان سببها أولًا و أخيرًا هو «عامر».
وقفت الفتيات تضحك على تلك الأجواء التي بثت المرح في نفوسهن جميعًا و خاصة «خديجة» التي كانت تضحك مثل السَكير و هي ترى رقص الشباب حول عمها و «عامر» فوق الخيل خلف «مرتضى»، أما «هدير» فأخرجت هاتفها تقوم بتصوير تلك الأجواء و هي تضحك بسعادةٍ غمرتها كليًا و خصيصًا و هي ترى «حسن» وسط الشباب بمرحه و فرحته و ضحكته التي زَينتْ مُحياهُ، حتى مال «ياسين» على أذن «ياسر» و هو يقول هامسًا:
أبوس رجلك يا ياسر إلحق سُمعة أخوك قبل ما تروح قدام نسايبي، عُمدة لو اتكلم أنا مش هعرف أرفع عيني في وش حد هنا تاني، الحقني"
حاول «ياسر» جاهدًا كتم ضحكته لكنه فشل في ذلك، فتخللت الضحكات المرتفعة صوته و وجهه الوسيم، حتى حدجه «ياسين» بغيظٍ و هو يضربه في كتفه، بينما «عامر» نزل من على الخيل ثم صعد السيارة بجوار «عُمدة»، حينها لطم «ياسين» وجهه بكفيه معًا خوفًا من القادم، حتى بدأ «عُمدة» التحية و هو يقول بصخبه و صياحه المعتاد في مهنته تلك:
الليلة عيد و أحلى عيد، بفرحة أولاد الــــرشــيــد، يعني الرجولة و المَجدعة يعني فرحة الأســــتــاذ طـــارق و البـــشـمهندس ولــــيد"
ارتفع صوت الموسيقى بصخبٍ بعد تلك الجملة ثم نزل «مرتضى» من على الخيل و وقف وسط الشباب يرقص بمرحٍ على طَرق الطُبول ثم سحب أخوته معه عنوةً عنهم و معهم «حسان»، بينما اقترب احد الرجال من الشباب و هو يقول:
فين العرسان يا جماعة !! فين أستاذ طارق و أستاذ وليد؟!"
رفع كليهما ذراعيه، فاقترب هو من الخيل يمسكه حتى وقف أمامهما مُجددًا و هو يقول:
طب يلا علشان تركبوا الخيل"
نظر كليهما بتعجبٍ له من وقع جملته على سمعهما، فقال هو مُردفًا:
دي أهم فقرة هنا، يلا يا شباب اركبوا، الأستاذ عامر متفق معانا على كل حاجة، يلا علشان الزفة"
اقترب منهما «عامر» بعدما نزل من السيارة و هو يقول بمرحٍ:
يلا يا عريس أنتَ و هو، اركبوا الحصان خلوا الزفة تبدأ قبل ما ننقل العفش"
رمقه «وليد» بسخطٍ و هو يقول:
دا أنا هخليك تعيش على ترابيزة ميمي العُمر اللي جاي كله، صبرك عليا، حاضر"
أطاح له برأسه و هو يقول بضجرٍ منه:
روح نام أجري و لا روح أعملك سندويتش ، بطل كئابة يالا"
تحدث الرجل بقلة صبرٍ لهم:
ها يا جماعة !! هتركبوا الحصان ولا لأ ؟! عاوزين نبدأ"
وافقا على مضضٍ ثم امتطىٰ «وليد» الخيل أولًا و خلفه «طارق» يتمسك به و هو يحاول جاهدًا كتم ضحكته لكن كل ذلك لن يُجدي بشيءٍ، حتى ضرب رأسه في كتف «وليد» و هو يضحك بقوةٍ و خصيصًا حينما التفت الفرقة حولهما في شكل دائرة يقومون بالعزف، فاقترب «عامر» من «خالد» و هو يقول هامسًا:
حد ينقط الفرقة علشان شكلنا ميبقاش وحش، المفروض حد ينقط حتى لو بخمسات، اتصرف"
رد عليه «خالد» متوعدًا له:
صبرك عليا، قسمًا بالله ما حد جاله نُقطة غيري أنا من عمايلك السودا، هندخل ننقط ازاي يعني"
حرك كتفيه منفعلًا و هو يقول بنفس النبرة الهامسة التي امتزجت بحنقه:
معرفش !! اتصرف بقى و بعدين أعمل إيه عمو مرتضى هو اللي طلب مني"
شمله «خالد» بنظرةٍ ثاقبة و كأنه يتوعد له، بينما «حسن» كان يقف بجوار «ياسين» الذي حرك رأسه نفيًا بيأسٍ مما يراه أمامه، فاقترب «عامر» يقول:
نقط الفرقة يا ياسين ، اعمل أي حاجة بدل ما أنتَ واقف كدا"
أشار له «ياسين» بالتريث و قبل أن يتحدث وجد «مرتضى» يعطي النقود للفرفة و هو يضحك بمرحٍ و فعل مثله «طه»، فتحدث «حسن» بيأسٍ ممتزجٍ بضحكاتٍ:
أنتَ عملت إيه في عم طه و عم مرتضى ؟! دول مكانوش كدا يخربيتك"
رد عليه «عامر» بشموخٍ و ثقةٍ:
هما بس كانوا عاوزين اللي يوجهم صح، و طبعًا مفيش حد أحسن مني ممكن يعمل حاجة زي دي"
نظر له الشباب نظرةً واحدة و من بعدها ضحكوا عليه حينما تقابلت نظراتهم مع بعضهم، أما «وئام» فوقف يمسك صغيره على ذراعه و هو يقول بسخريةٍ:
يا بختك يا فارس و الله العظيم يا بختك إنك مش شايف جدك و عمك و هما فاضحين سلسال الرشيد كله"
ضحك عليه «خالد» حينما استمع له، و في المنتصف كان كلًا من «وليد» و «طارق» يعتلي الخيل و الفرقة حولهما تطوف بالموسيقى و الخيال يحرك قدميه على اللحن حتى اقترب منهما الشباب يدورون حولهما وسط الفرقة فتحدث «طارق» بضجرٍ موجهًا حديثه لـ «وليد»:
الليلة دي هتخلص إمتى ؟! هما ناويين على حلقات الضوء الشارد كلها و لا إيه؟!"
رد عليه «وليد» بسخريةٍ:
أنا خايف يدخلوا على مسلسل ذئاب الجبل، دي فيها للصبح"
قبل أن يرد عليه «طارق» شهق بقوةٍ حينما وجد عمه «مرتضى» يصعد السيارة بجوار «عُمدة» و في يده عصا كبيرة يرقص بها على السيارة، حتى رحب به ذلك الشاب وهو يقول بنفس الصخب:
عمنا....عم مرتضى الرشيد، يعني الفرحة يعني البهجة يعني اللي مخلي الكل فرحان و سعيد"
بعدها ارتفعت الموسيقى فأمسك «مرتضى» مكبر الصوت و هو يقول لأخيه:
اطلع يا محمد ارقص معايا مش دا عزال عيالك برضه ؟! اطلع يلا"
ضحك الجميع عليه فرد شقيقه عليه بضجرٍ و صوتٍ عالٍ:
ابعد عني يا مرتضى، أكبر بقى و بطل شغل العيال دا، دا أنتَ راجل هايف بصحيح"
لوح له بذراعه ثم قال موجهًا حديثه لشقيقه الصغير:
اطلع أنتَ يا طه يا حبيبي، متعملش زي محمد، تعالى ارقص مع أخوك ياض"
خطى «طه» خطوةً واحدة فأوقفه «أحمد» بقوله المنصدم:
رايح فين يا بابا !! هتعمل إيه؟!"
رد عليه بخضوعٍ زائفٍ لشقيقه:
هروح أرقص مع أخويا يالا مالك ؟، دا أخويا الكبير هنزل كلمته الأرض ؟! عيب ميصحش"
انتشرت الضحكات عليه فاقترب هو من السيارة ثم مد يده لـ «مرتضى» الذي جذبه للسيارة وهو يضحك عليه، حتى بدأت الأغاني و هما يرقصان سويًا و كلًا منهما يمسك في يده عصا يرقص بها،
و كان المنظر يتنافى مع هيبتهما و وقارهما المعتاد خاصةً أمام الجيران، و بعد مرور دقائق من ذلك الوضع الغريب نزل «طارق» من أعلى الخيل بطلبٍ من «وليد»
الذي واكب تلك الأجواء برقصة بالخيل مثلما فعل والده منذ قليل و كأنه تربى على تلك المهارة منذ صغره، حتى وقع بصره على الشرفة فالتقت عينيه بعيني «عبلة» و هي تضحك عليه و على منظره فوق الخيل بسعادةٍ بالغة جعلته يرفع الخيل للأعلى بثقةٍ حتى أصدر صهيلًا قويًا طغى على صوت الأجواء حولهما و الشباب يصفقون له.
_________________________
بعد مرور بعض الوقت من ذلك الاحتفال بدأ نقل الأثاث من البيت إلى السيارات وسط الترحاب الحار من «عُمدة»، انغمس الشباب في رفع الأشياء و أكثرهم جهدًا كان «عمار» الذي اندمج وسط الشباب و معه «عبدالرحمن» الذي كان في أوجٍ من سعادته البالغة وسط تلك الأجواء العائلية التي حُرم هو من العيش بها،
و في الأعلى كانت الفتيات بأكملهن يجلسن سويًا، و معهن زوجات الشباب و «يونس» الذي جلس معهن و كانت «ميمي» وسطهن أيضًا بعدما أتت معهن في نفس السيارة التي طلبها «ياسين» لجلبهن إلى بيت آلـ «الرشيد»،
و في الأسفل كانت السماعات تقوم بدورها في تلك الليلة و هو إحياء الأجواء بالأغاني الشعبية التي جعلتهم جميعًا يعملون بحماسٍ، وسط المباركات و التهنئات من الجيران و الشباب حولهم، حتى شرعت السيارات في التحرك،
و قبل ذلك ارتفع صوت الألعاب النارية في السماء بألوانه المُبهجة بعدما قام كل فردٍ من الشباب بإشعال واحدةً من تلك الألعاب بعدما قام «عامر» بتوزيعها عليهم، و من شدة اللون و الصوت اختفت معالم الشارع بأكمله لتكسوها تلك الألوان و كأنهم بأحد المهرجانات السينمائية التي يتم بها الاحتفال بتلك الصبغات الملونة.
تحركت السيارات تباعًا خلف بعضها و رحلت الفرقة من المكان و ظلت سيارة الأدوات الموسيقية بها رجال العائلة الكبار و الشباب يتفرقون في سيارات الأثاث و الجميع حولهم ينظرون لذلك الموقف بضحكاتٍ عالية نظرًا لما أحدثوه على الطرقات العامة وسط الجمهور و تلك الحشود المتكدسة.
في بيت آلـ «الرشيد» ارتفع صوت الموسيقى وسط نساء العائلة احتفالًا بأبناء العائلة الأربعة معًا !!، جلست الفتيات معًا في مرحٍ و كأنهن أقمن الحفل الخاص بهن، و على الجهة الأخرى وصلت السيارات بنفس الجلبة السابقة وسط المهرجان الشعبي الذي اختاره «عامر» كافتتاحيةً لدخولهم الشارع وسط صخب الألعاب النارية بألوانها المُبهجة التي زاد أثرها مع حلول الليل و خفوت إضاءة النهار حولهم، و بعد توقف السيارات رفع صوته يقول موجهًا حديثه للجميع بصوتٍ عالٍ:
يا شباب ركزوا معايا !! عاوزين نتفق علشان منتعبش، أي حاجة بلاستيك خفيفة هشيلها أنا، و أي أجهزة و حاجة تقيلة تشيلوها انتم"
صفعه «ياسين» على رقبته من الخلف ثم قفز من السيارة، فرمقه «عامر» بمعاندةٍ حتى يشاكسه و هو يقول:
عمو مرتضى قالي أنتَ في حمايتي، يعني أي حد فيكم هيجي جنبي و رب الكعبة هخليه يروح مشي، أنا اللي متفق مع العربيات و أنـ..."
قبل أن يُكمل جملته وجد «خالد» يرمقه بتحدٍ أن يُكمل حديثه، فقال هو متلعثمًا بوضوحٍ:
و....و آه....أنا معاكم هنا علشان أخفف عنكم، علشان أشيل حملكم، لو فيه حد فيكم مش قادر يشيل أنا موجود علشان أشيل مكانه، و خصوصًا خالد"
ضحك الجميع عليه بيأسٍ فتحدث «وليد» يسأل «عمار» بسخطٍ:
أخوك إزاي دا !! أكيد فيه حاجة غلط في الموضوع، شوف يا بني كدا يمكن حد فيكم متبدل في المستشفى"
تدخل «عامر» يقول بحنقٍ:
أنتَ غبي يا وليد !! و ملامحه اللي كلها مني يدوبك الشكل متغير دي إيه ؟!"
رد عليه «حسن» بضجرٍ منه:
يابني اسمها يدوب الاسم متغير و بعدين ما هو لو الشكل متغير يبقى مش شبهك"
تدخل «عبدالرحمن» يقول بصوتٍ ضاحكٍ:
و الله لولا الشبه بينهم كنت قولت إنهم مش أخوات و أكيد واحد فيهم متبدل، الغريب إن عمار هو الصغير"
قفز «عامر» من السيارة يمسك وجه أخيه بيده و هو يقول بمرحٍ:
عموري حبيب عامر شبهي !! أنا حلو و مسمسم كدا !! أنا شبه الحلو دا !!"
زادت الضحكات أكثر من قبل حتى اقترب منهم «محمود» يقول بصوتٍ هاديءٍ:
يلا يا شباب خلصوا قبل ما الدنيا تليل، عاوزين نروح بدري علشان وراكم شغل بكرة"
وافقوا على حديثه ثم شرعوا في حمل الأجهزة سويًا بعدما قسموا أنفسهم حتى لا تختلط الأشياء ببعضها، فقام جزءًا منهم بحمل أشياء شقة «طارق» و الجزء الآخر بحمل أشياء شقة «وليد» و بعد مرور الوقت الذي أوشك على إتمام الساعتين حتى انتهوا جميعًا من نقل الأثاث و أغلقوا البيت بإحكامٍ ثم ركبوا جميعًا في سيارةٍ واحدة كبيرة خلف سيارة الموسيقى التي عادت بهم من جديد نحو وجهتها لبيت «الرشيد» و في سيارة الشباب سأل «عامر» بفخرٍ:
إيه رأيكم !! عملتلكم جو و الله لو دفعتوا دم قلبكم مش هتعرفوا تعملوه"
رد عليه «وئام» مؤكدًا:
هو محدش هيخطر في باله إن دا ممكن يحصل أصلًا، خيل و طبل بلدي و إيه النبطشي دا ؟!"
تدخل «عمار» يقول بتعجبٍ:
مش دي المشكلة، المشكلة إن عمدة دا عمره ما فضي، يا بييحي فرش بالنهار يا بييحي ليلة بليل، جيبته إزاي يا عامر ؟!"
رفع رأسه بشموخٍ وهو يقول:
ميقدرش يقولي لأ، كان عنده فرح أصلًا و سابه علشاني و بعت أخوه مكانه، هو أنا أي حد و لا إيه؟!"
ضحكوا عليه جميعًا، فتحدث «طارق» يشكره بقوله:
بس بأمانة عملت جو عظمة، روح ربنا يجبر بخاطرك و يفرح قلبك، نردهالك في عيالك يا عامر يا ابن فهمي يا رب"
رد عليه بمرحٍ خبيث:
لأ، أنتم تردوهالي في فرح عمار، كدا كدا هتبقوا موجودين غصب عنكم"
طالعه أخوته بتنبيهٍ و معهم «وليد» الذي ابتسم بيأسٍ، فتابع «عامر» قوله يُعدل ما تفوه به:
قصدي يعني اننا كلنا أخوات و إن عمار أخوكم برضه، يعني قسمًا بالله لو حد فيكم مجاش هولع فيه و في الحاجة و في عمار معاكم"
رد عليه «عمار» بضجرٍ:
أنا مالي أنا !! هما مجوش تولع فيا أنا ليه ؟!"
تدخل «ياسر» يقول بسخريةٍ:
معلش هو سلوكه ملمسة في بعض، يعني كلام على الفاضي"
رمقه «عامر» بنظرةٍ متهكمة ثم زفر بقلة حيلة، بينما «ياسين» أمسك زجاجة المياه البلاستيكية الموضوعة أمامه ثم قذفها عليه و هو يقول بضجرٍ:
ارفع عيني في عين حمايا ازاي بعد كدا ؟! يا أخي شكلي بقى فانلة قدام العيلة كلها"
رد عليه «عامر» مُسرعًا:
بس فانلة مستوردة، مش أي حاجة يعني"
تدخل «حسن» يقول بنبرةٍ ضاحكة حتى يقوم بتهدئته:
ما خلاص يا عم ياسين، الراجل كان بيفرفشنا كلنا و بيفرحنا، طب دا حماك نفسه خرب الدنيا رقص"
رد عليه «أحمد» بصوتٍ مرح:
طب و الله العظيم دي أول مرة أشوف فيها بابا كدا، دا مش بعيد يشكروك على اللي أنتَ عملته دا و إنك دخلت عامر حياتنا"
تحدث «عامر» مُمتنًا له:
أنتَ رجولة ياض يا أحمد، أقولك على حاجة أنا هجوزك بنت عمك محمد"
تدخل «خالد» يقول بسخريةٍ:
لأ، كدا هتدخل على شغل وليد، كل واحد فيكم يفضل في مكانه لو سمحت"
سأل حينها «عبدالرحمن» بتعجبٍ من حديثهم:
هو وليد ماله و مال الجواز ؟! هو مأذون؟!"
ضحكوا عليه جميعًا، فرد عليه «طارق» بسخريةٍ:
آه، مأذون بالفطرة، أي حد مش متجوز وليد بيجوزه، ما شاء الله وفق ٨٠ راس في الحلال"
ضحكوا عليه جميعًا و خاصةً «وليد» الذي فشل في التحكم بضحكاته حتى بات الأمر مُستحيلًا، فتحدث «عبدالرحمن» من جديد:
لأ بجد مش بهزر والله، إيه علاقته بالجواز ؟!"
رد عليه «ياسين» مُردفًا:
بص يا سيدي، أول حاجة جوزني أنا و مراتي، تاني حاجة جوز نفسه، بعدها طارق و مراته، بعدها عمته و جوزها رجعهم لبعض، بعدها حسن و مراته و بعدها واحد قريبهم من السويس و مراته"
رد عليه «عبدالرحمن» بحماسٍ ممتزج بالدهشة:
الله !! طب حيث كدا بقى، فيه واحدة بحبها و عاوز أتجوزها، أعمل إيه علشان تجوزهالي ؟!"
تحدث «وليد» بثباتٍ و ثقةٍ و هو يقول:
أوي أوي يا حبيبي، عرفوا يا عامر الطلبات"
تحدث «عامر» بجديةٍ لا تليق به:
بص يا بودي، هتروح تجيب أربع صور خلفيه بيضا، و تجيب بحث من الشئون الاجتماعية فيه بيان حالة، و تجيب مفردات مرتب للحج، و ورقة ممضية من مدام عفاف اللي في الأرضي"
ضحك الشباب بقوةٍ عليه بسبب جديته التي يتحدث بها و كأنه يتعهد في إحدى الوظائف الحكومية بتلك المهمة، أما «عبدالرحمن» فقال بمرحٍ:
يا جدعان أنتم جامدين أوي، هو أنا معرفتكوش من بدري ليه؟! أنا كدا هندم على عمري من غيركم"
سأله «حسن» بهدوء:
هو أنتَ معندكش حد خالص ؟! مفيش صحاب أو قرايب حتى؟!"
تنهد «عبدالرحمن» بثقلٍ ثم قال بنبرةٍ خافتة:
لأ معنديش، بص هو أنا معرفش غير أبويا و أمي و أختي، مكانش عندي صحاب علشان أبويا شديد شوية، و قرايبنا معرفش مشكلتهم معايا إيه؟! عندي ابن عمتي و بنت عمي قدي في السن، و طول عمرهم بيكرهوني علشان بطلع الأول، و من ساعة ما نجحت في ثانوية عامة و دخلت صيدلة و هما كارهيني"
رد عليه «وئام» بنبرةٍ جامدة:
في داهية يا عبدالرحمن، أهم حاجة نفسيتك و مستقبلك، أهم من قرايبك و أهم من كل الناس اللي بتزعلك، لما أنتَ تتعب هما مش هينفعوك بحاجة"
حرك رأسه موافقًا فأضاف «عامر» بجديةٍ تلك المرة:
المشكلة إنها علاقات مفروضة عليك، يعني غصب عنك مضطر تتحملهم و تتحمل وجودهم، أنا طول عمري خالتي كانت بتتريق عليا و كانت عملالي عُقدة نفسية، و كنت مضطر استحملها، الفكرة إنهم من دمك و صعب تخرجهم من حياتك"
أضاف «وليد» بثقةٍ:
مع احترامي ليكم كلكم، أنا لو حد زعلني ممكن ازعله عمر كامل، سكوتك عن حقك يعتبر تفريط فيه، متجيش تزعل بقى في الآخر"
رد عليه «عبدالرحمن» يمازحه:
خلاص يا وليد، الواد ابن عمتي كل شوية يعملي مشاكل، لو حطني في مشكلة بعد كدا، أجيبك تقفلي ؟! بس بيكون معاه أخوه الكبير"
اشار له برأسه موافقًا، فأضاف «خالد» مؤكدًا تلك الإشارة بقوله:
لو معاه بلد بزيها، أخواتك في ضهرك، شاور بس و إحنا معاك و لا إيه يا رجالة ؟!"
_"مــعــاك يـــا كـــبـيـر"
تفوه بها الجميع بصوتٍ قويٍ جعلهم يرتمون على بعضهم من الضحك حينما خرجت الجملة بتلك القوة المُهيبة من الجميع.
بعد مرور دقائق وصلوا إلى بيت آلـ «الرشيد» و بعد إصرار رجال العائلة تناولوا الشباب وجبة العشاء معهم في الطابق الأرضي، و النساء في الأعلى يتناولن الطعام مع بعضهن و معهم «ميمي» التي استأنس الجميع بوجودها وسطهن، حتى تحدثت هي بعدما قاموا برفع الصحون من على الطاولة و التفوا حولها:
ربنا يبارك فيكم و يملى بيتكم بالفرح يا رب، انتم تستاهلوا كل خير، مش كدا يا جميلة أنتِ و عبلة ؟!"
سألتهما بمرحٍ ،فحركت كلتاهما رأسها بموافقةٍ، بينما «مروة» أضافت تحدثها بترحيبٍ:
و الله الخير كله في وجودك يا ست الناس أنتِ، طول ما أنتِ وسطنا إحنا فرحانين، و البيت مليان خير"
ردت عليها بحبٍ بالغٍ:
الخير في أهل البيت يا أم وئام، ربنا يحميكم و يكمل فرحتكم على خير"
تحدثت «إيمان» مسرعةً:
أيوا !! ركزي على يكمل فرحتكم على خير دي، أصل بحس إن فيه حد عامل سحر أسود و رميه هنا"
ضحك الجميع على حديثها، فأضافت «هدير» تؤيد حديثها:
صح و الله، لاحظت كدا، بس إن شاء الله العيال دي غلابة و ربنا هيجبر بخاطرهم، سواء طارق أو جميلة أوي عبلة و وليد، ربنا يسعدهم"
تدخلت «سارة» تقول بمرحٍ:
طب العرايس الحلوين بقى ييجوا علشان نظبط الفساتين عليهم ؟! هستناكم بعد بكرة"
سألتها «جميلة» بحماسٍ:
خلاص خلصتيهم !! ما شاء الله، اللهم بارك لحقتي ؟!"
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بنبرةٍ ضاحكة:
أيوا يا ستي عيب عليكي، و بعدين عامر اتعلم كام حاجة و بقى بيساعدني كتير، فبقيت أخلص أسرع"
ردت عليها «عبلة» بنفس حماس الأخرى و هي تقول:
بجد !! علمتيه يشتغل معاكي، شكلك مسيطرة، دي بركات إيمان أكيد"
ردت عليه و هي تحرك رأسها نفيًا:
لأ و الله، هو اللي صمم يتعلم علشان يساعدني في شغلي، عامر طيب أوي و بيحب دايمًا يريح كل اللي حواليه، و بصراحة انجز معايا كتير"
ردت عليها «مشيرة» بحبٍ بالغٍ:
ربنا يخليكم لبعض يا رب، هو طيب رغم شقاوته دي، بس جدع و ابن أصول، عقبال ما تعملي فساتين بناتك يا رب"
ابتسمت لها بمجاملةٍ و هي تشكرها، بينما «يونس» كان جالسًا بجوار والدته، فانسحب من موضعه و في يده قطعة حلوى، ثم اقترب من «فارس» و هو على ذراع والدته يقدم له ما يمسكه في يده بعدما استمع لصوت بكائه على ذراع «هدى» التي سحبته نحوها تُقبل وجنته و هي تقول بتأثرٍ:
أنتَ حبيب قلبي أنتَ، ألف هنا و شفا على قلبك يا روح قلبي، كُلها أنتَ"
تحدثت «خديجة» تقول بنبرةٍ ضاحكة تحاول إخفاء تأثرها بموقفه:
يا جماعة اقفلوا عليه في متحف و لا داروه، الواد دا بيحرك مشاعري و بيخليني عاوزة أجوزه بنتي اللي لسه مش عارفة هتيجي إمتى"
ضحكوا عليها جميعًا، فأضافت «ريهام» تشاكسها بمرحٍ:
شدي حيلك بس و أنا و هو مستنيين ست الحُسن"
حركت رأسها موافقةً ثم قالت باستحسانٍ لحديثها:
طالما يونس هيتجوزها أنا عيني ليكم، أفك الجبس بس، أنا زهقت"
تدخلت «إيمان» تقول بضجرٍ منهما:
هو إيه دا أنتَ و هي ؟! أنا عمالة أربي و أكبر فيه علشان تيجي خديجة تاخده على الجاهز كدا !! الواد دا هيبقى جوز بنتي أنا و خديجة تجيب واد و أنا أجيبله بنت و بعدها أجيب بنت كمان و اجوزها ابن عامر، علشان ابقى أنا اللي مسيطرة فيهم"
قالتها بغموضٍ غلف نبرتها و صوتها و نظرة عينيها، فضحك الجميع عليها، حتى هي معهم، و أبان ذلك مال «يونس» على الصغير يقبله ثم ربت على يده حتى لا يبكي من جديد ثم عاد يجلس بجوار والدته و هو يحرك رأسه يراقب الصغير على ذراع والدته و الجميع حوله يطالعوه بتأثرٍ و كلًا منهم تدعو الله أن يرزقها بفتى صالح مثله.
و قد تدخلت «سلمى» تسأل «خديجة» بعد موقف «يونس»:
خديجة هو أنتِ بجد هتمشي النهاردة بيتك ؟!"
حركت رأسها موافقةً و هي تبتسم لها، فأضافت «سلمى» بحنقٍ:
ليه !! خليكي معانا يا خديجة، أنا مبقيتش أذاكر غير لما أجي اتطمن عليكي، خليكي بقى و بعدين رجلك تعباكي، هتروحي ازاي ؟!"
تنهدت بقلة حيلة ثم قالت:
يا سلمى أنا بقالي كتير هنا، أنا داخلة في شهر أهو دا غير ساعة ولادة فارس كنت معاكم هنا، الشقة مقفولة و كدا كتير، هروح بس يومين و لو معرفتش اتعامل و الله العظيم هرجع هنا"
ردت عليها «عبلة» بتوسلٍ:
ما تقعدي معانا يا ستي !! يا خديجة كدا هنقلق عليكي، هتتحركي ازاي هناك طيب ؟!"
ردت عليها و هي تبتسم بهدوء:
معايا العصاية بتاعة جدو هتحرك بيها، و معايا ياسين برضه متقلقيش، و بعدين خلود هتظبط دروسها و تيجي معايا، خلوني بقى اشوف بيتي اللي نسيته دا"
تدخلت «جميلة» أقول بنبرةٍ صوتٍ غلفها الحزن و هي تقول:
يعني هدير هترجع بيتها النهاردة و أنتِ مصممة تمشي النهاردة !! ردي عليها يا طنط زينب"
تكلمت «زينب» بقلة حيلة ممتزجة بالحنق و هي تقول:
هي مش عاوزة تسمع كلامي و أنا تعبت، و محدش قادر عليها و لا حتى وليد نفسه"
تحدثت هي بقلة حيلة:
يا ماما أنا ما صدقت بابا يوافق بقى، علشان خاطري خليني أروح الشقة و وعد مني لو مرتحتش هرجع تاني ليكم"
_________________________
في الأسفل عند الرجال و الشباب بدأوا في تجهيز انفسهن للرحيل من البيت و معهم «ياسين» أيضًا، و بعد خروج الشباب عدا «وليد» و «ياسين» الذي أوقفه الأول و هو يقول قبل خروجه من البيت نحو الخارج:
ما تخليك يا ياسين معانا، خديجة لسه تعبانة و رجليها لسه متجبسة، كدا هقلق عليها"
تنهد هو بعمقٍ ثم قال:
و الله العظيم لو هي عاوزة تقعد أنا مش معترض، بس هي مُصممة، و بعدين هي كلها اسبوع و تفك الجبس، خليها على راحتها أحسن"
تنفس «وليد» بقلة حيلة ثم قال على مضضٍ و كأنه يُخرج سرًا:
المشكلة أني خدت على فكرة وجودها هنا، حسيت إن كل حاجة عادية علشان هي معايا هنا، استغربت بس إنها هتمشي تاني"
سأله «ياسين» بمرحٍ صبغ نبرته به حتى يغير تلك الأجواء:
هي مرات مين فينا !! يا عم أنتَ مش عريس جديد ؟! ركز مع مراتك و سيبلي مراتي"
ابتسم بسمة طفيفة لم تصل إلى عينيه و هو يقول بصوتٍ متأثرٍ:
هي ممكن تكون مراتك و حبيبتك و كل كلام الحب اللي في الدنيا، بس هي لواحد زيي كل حاجة تخليه يقدر يعيش، خديجة القَشة اللي الغريق زيي اتعلق بيها، و للحق هي قَشة فعلًا ، طير جناحه مكسور و سبحان الله كانت بتواسي طير زيي من كتر الطير تعب، كل حاجة و عكسها فينا احنا الاتنين، أنا الحرية و هي السجن، أنا التلج و هي النار، أنا الكلام و هي السكوت، واحد فينا كان للتاني حياة و التاني كان مكتوبله زي الموت، صحيح بحب عبلة و بعشقها و حبي ليها ملوش حديد، بس فيه حتة في قلبي مفيهاش غير خديجة، غصب عني إحساسي بيها مش بقدر أوصفه، أنا لو فيا خير لسه، هي السبب في دا، لولا حضنها اللي كان بيلحقني بعد كل مرة وقعت فيها، أنا كان زماني واحد تاني خالص"ن
رفع «ياسين» ذراعه يضعه على كتفه و هو يقول بنبرةٍ هادئة يشوبها مرحٍ طفيفٍ:
لو فاكر إن بكلامك دا هتأثر عليا و تخليني أسيبها هنا....جدع علشان ثبتني و اقتنعت بكلامك"
ابتسم له «وليد» و هو يقول:
يا عم مش بثبتك، دي الحقيقة يا ياسين، مش هقدر أنكرها، بس أقولك على حاجة، أنتَ دخلت مع خديجة في نفس المكان في قلبي، بقت كفة موزونة، ياسين و خديجة مع بعض، مش هقدر أفصل بين واحد فيكم، هي شروة واحدة على بعضها"
خطفه «ياسين» بين ذراعيه و هو يقول بتأثرٍ:
أنا اللي بحبك و الله و كسبتك أخ معايا و في ضهري، يا بخت اللي يصاحبك يا وليد"
مسد على ظهره و هو يقول بسخريةٍ:
يا بخت اللي يصاحبني أنا !! اومال أنتَ إيه بقى ؟! دا أنا حاطط فيك الأمل من الدنيا كلها، ربنا يديمك في ضهري"
ابتعد عنه و هو يبتسم له، فزفر «وليد» بقوةٍ لعله يُخرج ما اعتل به صدره من عدة مشاعر شعر بها تخنقه، فأشار له «ياسين» برأسه حتى يخرج معه من ذلك المكان و يقفا معًا في الخارج وسط الشباب الذين وقفوا مع بعضهم أمام البيت، و بعد مرور دقائق نزلت الفتيات الثلاثة و معهن «ميمي»، فتحدث «خالد» موجهًا حديثه للجميع:
هروح أنا أوصل ميمي و أخد البنات معايا في العربية، ياسر و عامر معاكم ربنا بقى"
رد عليه «عامر» مُسرعًا:
افتحلنا شنطة العربية و ارمينا فيها"
رد عليه «ياسر» بضجرٍ:
اتكلم عن نفسك يا حبيبي، مش هركب أنا في شنطة العربية، هو أنا أنبوبة ؟!"
سخر منه «عامر» و هو يقلد طريقته بعدما رحل «خالد» من قربهم و توجه للنساء، فتدخل «ياسين» يقول بنفاذ صبرٍ:
خلاص استنوا معايا، خديجة هتنزل و هوصلكم معايا في سكتي و خلاص، عمار هتروح ازاي ؟!"
رد عليه بعدما رفع المفاتيح الخاصة بالدارجة المملوكة لشقيقه:
معايا الموتوسيكل بتاع عامر، هوصل عبدالرحمن الأول و بعد كدا هرجع بيتنا، مشتغيلش بالك بيا"
رد عليه «ياسين» بقلقٍ اتضح في نبرته و نظرة عينيه:
أنا مبحبكش تركبه أصلًا يا عمار، كمان عاوز تركبه بليل؟! تعالى أوصلكم أنتم الأول و بعدين أرجع آخد خديجة"
تدخل «وليد» يقول مُسرعًا:
طب و ليه كل دا، هروح أوصلهم أنا و خلاص، خليك أنتَ و أنا هاخد الرجالة كلهم مع بعض"
تدخل «عبدالرحمن» يقول مُسرعًا يرفض كل تلك المُقترحات:
يا جماعة كبرتوا الموضوع و هو مش مستاهل أصلًا، أنا هرَوح مع عمار على الموتوسيكل، و أنتم زي ما أنتم، كدا كدا عمار بيروح بيه الجامعة"
رد عليه «عمار» موجهًا حديثه للجميع:
شوفتوا !! يلا سلام عليكم أنا بقى الساعة بقت ٨ و هروح اذاكر لسه عندي امتحان بكرة"
تدخل «طارق» يسأله بتعجبٍ:
هو أنتَ بتعمل إيه غير إنك بتمتحن ؟! بجد و الله معندكش حياة خالص غير إنك تمتحن يا بني ؟! أنا فاكر أني مكنتش بمتحن غير كل تيرم، هو حصل إيه ؟!"
رد عليه «عمار» بسخريةٍ:
أنا بمتحن في سكاشن عملي و بعدين بمتحن شفوي، بعدين ميد تيرم و بعد الميد تيرم بمتحن عملي، و بعدها بمتحن شفوي نهاية التيرم، بعدها نظري بعدها عملي النظري بعدها بقى النظري بتاع أخر التيرم"
تحدث «حسن» يقول بإشفاقٍ عليهما:
ليه يا بني كدا !! عليك ذنب ؟! ليه تضيع أيام حياتك في امتحانات كدا ؟! أخرج و لا سافر و لا أعمل أي حاجة، أنا طول عمري مبقتنعش بالامتحانات، الشاطر في الأخر اللي يدخل الجنة"
رد عليه «عبدالرحمن» بقلة حيلة:
ماهو احنا بقى بنسعى علشان ندخل الجنة، متنساش إن طلب العلم فريضة"
بعد مرور دقائق رحلت سيارة «خالد» بالفتيات و «ميمي» و بعدها مباشرةً نزلت «هدير» لزوجها فانسحب هو من أمام الشباب ثم اقترب يفتح لها باب السيارة و بعدما ولجت هي أغلق الباب ثم توجه للشباب يودعهما ثم عاد لها مرةً أخرى يركب بجوارها، ثم تحرك بسيارته من أمام البيت، بينما «ياسين» صعد للأعلى بعدما أرسلت له «خديجة» له تطلب منه المجيء إليها، صعد هو فوجدها تقول له بهدوء أمام الجميع:
أهو ياسين جه أهو، يدوبك نتحرك قبل ما الدنيا تليل أكتر من كدا، يلا يا ياسين ؟!"
حرك رأسه موافقًا فتحدثت «مشيرة» تقول مُسرعةً:
طب حد فينا هنا زعلك !! هتمشي ليه طيب و أنتِ لسه تعبانة ؟!"
ردت عليها بعدما ابتسمت:
خالص و الله، محدش زعلني و لا حد فيكم مخليني عاوزة حاجة خالص، بس عاوزة اروح أشوف بيتي بقى"
اقتربت منها تقف أمامها و هي تقول بصوتٍ مهتز الوتيرة و كأنها تجاهد للتحدث:
طب بلاش هما، أنا زعلتك طيب ؟! عملت حاجة تاني ضايقتك مني ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم أشارت لها حتى تقترب منها، ففعلت «مشيرة» ما أرادت و قد توقعت أنها تخبرها شيئًا بصوتٍ هامسٍ، لكنها تفاجئت بها تطبع قبلة على وجنتها، نظروا جميعًا لهذا الموقف بتعجبٍ و دهشةً من خلال حدقتي عيونهم التي اتسعت، فوقفت «مشيرة» ترمش عدة مرات ببلاهةٍ حتى تحدثت «خديجة» تفسر فعلتها بقولها الذي أجمع براءة العالم في ثنايا حروفه:
دي علشان أم علي اللي كنتي بتعمليهالي و أنا تعبانة، أنا عمري ما بوستك قبل كدا، لو كنا صحاب كنت هريتك بوس و الله"
اقتربت «مشيرة» منها تُقبل جبينها و هي تقول بندمٍ و هي تبتلع تلك الغصة المريرة في حلقها:
لو كنا صحاب كانت حاجات كتير اتغيرت، مكنتش خرجتك من حضني يا خديجة"
ابتسمت لها باتساعٍ فرفعت كفها تمسد على رأسها و هي تقول:
أوعي يا خديجة تتغيري مهما حصل، أوعي تخلي الدنيا تضحك عليكي و تاخد الحلو اللي فيكي منك، اسمعي مني أنا، أكبر شر يحصل للإنسان في الدنيا، لما يضيع الحلو فيه علشان دنيا زي دي، عارفة إنك طيبة أوي و عارفة إنك واحدة تانية غير الكُل، خليكي كدا يا خديجة علشان ترتاحي"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فقبلت رأسها مرةً أخرى ثم عادت تجلس في موضعها، بينما «ياسين» اقترب منها يمسك يدها يوقفها و هو يبتسم لها فبادلته البسمة بأخرى ب
مثيلتها، فقال هو موجهًا حديثه للجميع:
عن إذنكم بقى يا جماعة علشان نلحق نتحرك، ياسر و عامر كمان مستنيين تحت علشان هييجوا معانا، عاوزين حاجة ؟!"
اقتربوا منها جميعًا يودعونها و يحتضونها و هي بين الحين و الآخر تبكي و حينٍ آخرٍ تبتسم من بين دموعها و زادت تلك الدموع عند احتضان والدتها لها، حتى نزلت من أمامهم و خرجت معه من البيت فوجدت الرجال و الشباب معًا في الأسفل و حينها ابتعدا كلًا من «عامر» و «ياسر» حتى يتركا لها المساحة الخاصة في الحديث مع عائلتها اللذين قاموا بتوديعها أيضًا و أكثرهم تأثرًا كان «أحمد» الذي اقترب منها يقول بصوتٍ مختنقٍ:
ما تخليكي معايا، أنا طول ما أنتِ هنا و أنا متونس بيكي، هتمشي ليه بقى !! خليكي شوية"
ردت عليه هي مُردفةً:
الحمد لله بقيت أحسن بكتير، و خلاص اتعودت على العصاية و بقيت بتعامل عادي، لو مقدرتش اتعامل هاجي هنا و الله، وعد"
اقترب منها يُقبل قمة رأسها، ثم حرك رأسه موافقًا على مضضٍ، فاقترب منها «طه» يقول بهدوء:
أنا بصراحة مش عاوزك تبعدي عني، بس أنا شايف عينك متعلقة ببيتك، خلاص روحي و أنا هجيلك مش هسيبك، هاجي اسرحلك شعرك"
ابتسمت له فاقترب هو يحتضنها ثم قبل قمة رأسها، فتدخل «مرتضى» يقول بمرحٍ:
بت عاوزك تفكي الجبس دا و تيجي علشان ترقصي معايا، سيبك من الهبل دا"
رد عليه «ياسين» مُسرعًا:
لأ معلش، خليها في جبسها أنا موافق كدا، مراتي مترقصش"
رد عليه بضجرٍ يسخر منه:
بس يالا أخرس خالص، بدل ما اتصل بأبوك و أقوله !! هاه لم نفسك يا أبو طويلة"
حاولوا كتم ضحكتهم جميعًا، فرد عليه «ياسين» بيأسٍ:
هو أنا كنت قادر على أبويا لما أقدر عليك و أنتَ نسخة منه ؟! سلام يا عم مرتضى"
اقترب منه يضع ذراعه حول كتفه و هو يقول بمرحٍ:
تعرف يا واد يا ياسين أنا بحبك أوي ، شهم و حنين و رجولة و ابن أصول، بس أنا بحب أبوك أكتر"
ضحك عليه و هو يحرك رأسه نفيًا بيأسٍ فوجده يمسد على ظهره وهو يقول:
يلا خد مراتك و امشي علشان البرد اللي دخل علينا دا، خلي بالك منها و حطها في عينيك"
أشار على عينيه و هو يقول بنبرةٍ صادقة تخرج منه دومًا و كأنها عهدًا التزم هو به:
هي مش محتاجة وصايا، خديجة مكانها متشال فوق الراس و جوة القلب و تتحط في العين"
ابتسموا لهم جميعًا و خصوصًا «وليد» الذي اتسعت بسمته و هو يرى حبه الدائم لها و الذي لم يتوارى في إظهاره، بل على العكس دومًا يتحدث عنها أمام الجميع و كأنها مكسبه في تلك الدنيا، بينما هو أمسك يدها ثم أدخلها السيارة، بعدها أخذ الحقيبة الخاصة بملابسها من شقيقتها بعدما نزلت له بها، ثم وضعها في السيارة، بعدها لوح لهم يودعهم بعدما اقتربا منه «ياسر» و «عامر» ثم ركبا في الخلف و هي بجواره في الأمام و هي تبتسم بهدوء و هو أيضًا بعدما ولج السيارة بجوارها و كأنه لا يصدق إنه سيعود لبيته بعد تلك المغامرات التي عاشها في بيت آلـ «الرشيد» و خصيصًا المغامرات التي أصابت زوجته نتيجتها.
بينما «عامر» وكز «خالد» في كتفه و هو يشير نحو صديقه الذي كان يبتسم بفرحةٍ بعدما خشى هو عودته لمنزله بدونها.
_________________________
في أحد الطُرق العامة أوقف «حسن» سيارته في مكانٍ متكدس بالأناسِ، عقدت «هدير» ما بين عينيها و هي تسأله بتعجب بات واضحًا عليها:
وقفنا هنا ليه يا حسن !! مش هنروح ؟! الساعة بقت ٩ إلا شوية !!"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
مش أنتِ قولتي إنك ماكلتيش معاهم ؟! و عاوزة تروحي علشان تاكلي ؟! تعالي يلا أأكلك"
ابتسمت له بتشككٍ و هي تقول بعدما اغلقت عين و ظلت الأخرى كما هي:
بجد !! إيه العسل دا و الشهامة دي ؟! كدا كتير عليا و اتأثرت و الله"
ابتسم لها بثقةٍ و هو يقول:
أي خدمة علشان تعرفي إنك محظوظة بس إنك تعرفيني"
حركت رأسها موافقةً عدة مراتٍ تؤكد على صدق حديثه، ترجل هو من السيارة أولًا ثم تبعته هي بحماسٍ جعلها تود القفز عدة مرات على الأرض حتى تخرج تلك الطاقة التي اقحمها هو لها، ثم دارت حول السيارة و هي تمسك يده حتى ابتسم لها، فدائمًا هي من تبادر في التشبث بكفه و كأنها طفلًا صغيرًا يخشى ترك كف والدته فيغدو شاردًا في الدُنيا، أما هو فكما المعتاد شدد على مسكة يدها و هو يومأ لها باهدابه، حتى سألته هي بحماسٍ:
هناكل إيه بقى !! يا رب تكون حاجة مطرقعة كدا زيك"
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف مُفسرًا لها و هو يشير نحو المطعم الصغير:
دا مطعم شعبي فيه كل اللي دماغك تتخيله، كل أنواع الأكل اللي ممكن تتخيليها، شوفي نفسك في إيه و أطلبهولك"
قلبت عينيها بتفكيرٍ و هو يراقب ملامحها حتى وجدها تستند على مقدمة السيارة، ثم تنفست بعمقٍ و كأنها حبست أنفاسها لحين وقوع الاختيار، بينما هو سألها بتعجبٍ:
كل دا !! ها يلا قبل الزحمة، كل ما الليل يدخل الناس بتكتر، هتاكلي إيه ؟!"
حركت كتفيها بقلة حيلة و كأنها تخبره بجهلها بالأمر و هي تقول:
مش عارفة بصراحة، بص شوف أنتَ بتاكل إيه و هاتلي زيك، مش هعرف أختار"
حرك رأسه موافقًا ثم أمسك يدها يتجه بها نحو طاولة حديدية موضوعة بخارج المطعم تكفي لفردين، جلست هي أولًا بعدما سحب لها المقعد، ثم جلس هو مقابلًا لها فوجدها تبتسم له بسمتها المُشرقة، حينها سألها هو بتشككٍ:
خير مش مرتاحلك !! الضحكة الحلوة دي مش المفروض تطمني"
ردت عليه هي تنفي حديثه و تزيل خوفه بقولها:
لأ و الله مش عاوزاك تقلق، بصراحة عاوزة اعتذرلك، علشان كنت بقول عليك رخم و تنك و متكبر و مغرور و نرجسي و ا...."
توقفت عن الحديث حينما قاطعها هو بقوله:
بــس بــس بــس..... رايحة فين تاني ؟! مفيش صفات حقيرة ممكن توصفيني بيها غير أني ابن كلب زبالة"
ضحكت عليه رغمًا عنها فوضعت كفها على فمها حتى تتحكم في صوت تلك الضحكات، بينما هو رمقها بسخطٍ، فتحدثت هي مُسرعةً:
و الله بصارحك، أنا كنت بحسبك شخص متكبر و عمري ما تخيلت إنك تطلع حنين كدا يا حسن، أعمل إيه طيب ؟! حتى من غير ما أحس اتكفيت على وشي و حبيتك"
أغمض جفنيه بيأسٍ ثم فتحهما على مضضٍ و هو يقول:
بقيتي دَبش زيي، الله يسامحك يا شيخة، هنحدف بعض بالطوب بعد كدا ؟!"
حركت رأسها نفيًا ثم تنفست بعمقٍ و تبعت تلك الحركة بقولها:
لأ يا حسن، هفضل أحبك و أصونك، حتى لو مفيش كلام و حتى لو محدش فينا قال حاجة للتاني، كفاية وجودنا مع بعض، حتى لو زي ما قولتلي أني لما أحب هخاف، كفاية إني هخاف و أنا جنبك، و كفاية أني شايفة عينك فرحانة بيا"
رفع عينيه يطالعها بنظرة حُبٍ خالصةٍ فهربت هي من نظراته و هي تقول بتلعثمٍ:
إ...شوف بقى هتأكلنا إيه....مش هنفضل نتكلم أنا جعانة"
حرك رأسه موافقًا ثم أشار للعامل حتى يقترب منه، و بعد اقتراب الأخر أملى عليه طلباته و هي تطالعه بدهشةٍ بعد استماعها لأسماء الطعام، و بعد رحيل العامل سألته هي بتعجبٍ:
هو إيه اللي أنتَ كنت بتقوله دا ؟! أنا افتكرتك بتغلط فيه"
حرك كتفيه ببساطةٍ و هو يقول:
دي أسماء الطلبات، هما عاملينها هنا كدا علشان يسهلوها على الناس و على نفسهم"
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ، بينما هو حرك رأسه يتفحصها ثم قال يثني على جمالها بقوله:
تعرفي إنك شكلك حلو أوي في لفة الطرحة دي ؟! عجباني علشان شعرك كله مش باين و في نفس الوقت الطرحة لونها حلو عليكي"
ابتسمت بسعادةٍ و هي تقول:
بجد !! أول مرة ألفها كدا، كلهم قالولي حلوة بس كنت شاكة و الله"
سألها مُبتسمًا:
طب و دلوقتي ؟!"
ردت عليه هي:
دلوقتي اتأكدت إنها حلوة و لو كلهم كانوا قالوا وحشة و أنتَ قولت حلوة كنت هقتنع برضه"
حرك رأسه بتشككٍ فأضافت هي مُسرعةً تزيل تشككه ذاك:
و الله علشان أنا متأكدة يا حسن إن اللي بيحب حد بيبقى شايفه بعيونه هو، غير كل العيون التانية، هو بيكون مُحتفظ بنظرة تانية كدا غير الكل، علشان كدا كنت هثق في رأيك برضه"
ابتسم لها هو ثم تحدث بفخرٍ:
أنا كل يوم بقيت بفتخر بيكي أكتر يا هدير، كل يوم بتكبري في عيني، و كل يوم مكانك في القلب بيكبر"
أخفضت رأسها بخجلٍ بينما هو زفر بقوةٍ حينما وجد العامل يقترب من الطاولة يضع عليها الطعام، و بعد رحيله نظرت للأطباق أمامها بحيرةٍ و هي تقول:
إيه دا يا حسن !! سندوتشات إيه دي؟!"
سحب نفسًا عميقًا ثم قال:
دي يا ستي عبارة عن خلطة مع بعضها، يعني معاكي واحد سجق و مع واحد كبدة و مع واحد حواوشي و معاكي واحد فيه كله على بعضه"
اتسعتا حدقتيها و هي ترمش ببلاهةٍ عدة مرات، فضحك هو على هيئتها ثم قال:
يا غالية !! روحتي فين ؟!"
ردت عليه هي بتيهٍ:
إيه كل دا يا حسن !! هاكل كل دا ازاي؟! كتير أوي"
رد عليها هو بسخريةٍ:
طب كلي، الأكل دا أصلًا بناكله علشان يفتح نفسنا و نعرف ناكل، كلي بس و هو سخن و السلطة و الطحينة معاكي أهم"
تنفست هي بعمقٍ ثم أمسكت الرغيف من أمامها ثم شرعت في تناوله أما هو فانتظر بعدما ابتلعت ما تناولته ثم سألها بهدوء:
ها إيه رأيك !! حلو ؟!"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ثم أضافت:
أوي يا حسن ، طعمه حلو أوي، كُل يلا أنتَ كمان، مبتعرفش تاكل في اللمة"
حرك رأسه موافقًا ثم شرع في تناول الطعام و هي أمامه تأكل بنهمٍ و كأنها لأول مرة تتناول مثل تلك الأطعمة في حياتها، بينما هو كان يتابعها أثناء تناوله للطعام، و على رغم من انسداد شهيته بسبب تناوله الطعام مع الشباب، إلا أن هيئتها كانت أكثر من مُشجعةً له حتى يتناول الطعام، و أثناء انغامسه بالطعام، حرك رأسه للجهةِ الأُخرى فوقع بصره على شيئًا ما، حينها مضغ الطعام ثم انتظر حتى سألته هي بتعجبٍ من توقفه:
مبتاكلش ليه ؟! الأكل مش عاجبك ؟! على فكرة حلو أوي"
حرك رأسه يسألها باستهزاءٍ:
يا شيخة !! على أساس إننا بنتعرف أنا و هو لسه ؟!"
ردت عليه هي بنبرةٍ ضاحكة:
طب مبتاكلش ليه ؟!"
حرك كتفيه ببساطة ثم قال:
شبعت الحمد لله، كلي أنتِ بس متشغليش بالك"
أكملت هي طعامها ثم مدت يدها تطعمه و هي تبتسم له باتساعٍ، شعر هو بالحرج من رفضه تناول الطعام من يدها ثم حرك رأسه لها يتناول الطعام من بين أناملها، فقالت هي بمرحٍ:
خلاص الحمد لله يلا بقى علشان نروح، علشان شغلك بكرة"
حرك رأسه موافقًا ثم وقف يدفع الحساب و هي خلفه تنتظره حتى عاد لها و هو يبتسم و قبل أن تتوجه للسيارة أوقفها هو بقوله:
لأ استني يا هدير، مش هنركب العربية، تعالي معايا ثواني"
عقدت ما بين حاجبيها ثم أقتربت منه و قبل أن تسأل و تستفسر عن حديثه، وجدته يطبق بيده على يدها ثم تحرك بها للجهة الأخرى يعبرا الطريق سويًا، و هي تطالعه بتعجبٍ من حالته، حتى ترك يدها أمام مكانٍ متخصصٍ ببيع الدرجات النارية، ترك هو يدها ثم قال بهدوء:
خليكي هنا يا هدير هرجعلك تاني، هسأل على حاجة و مش هتأخر"
حركت رأسها موافقةً بتيهٍ و هي لا تفهم شيئًا من تغيره، فدلف هو المكان و بعد مرور دقائق وجدته يخرج و معه الرجل ثم أشار له على الدراجة التي قام باستئجارها، فأعطاه صاحب المكان المفاتيح الخاصة بها، بعدما ترك له البطاقة الخاصة به، و مبلغٌ من المال، تحول حالها إلى الصدمة و هي تنظر له، فوجدته يقترب منها بالدراجة و هو يقول بنبرةٍ قوية حتى يُخرجها من حالتها تلك:
هتركبي و لا أروح بيه لوحدي ؟! يلا قبل الراجل يقفل و ساعتها هنرجع من القسم"
بعد حديثه ركبت خلفه فوجدته يلتفت لها و هو يقول:
أمسكي فيا جامد بدل ما تطيري مني على الطريق"
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ فحرك هو الدراجة النارية بمهارةٍ و هي خلفه تتمسك به و هو يتحرك بها على الطريق، فتحدثت هي تسأله بصوتٍ عالٍ حتى يصل له من بين صوت الهواء:
ليــه يـا حـسـن !! مـش معاك العربية ؟! أجرته ليه ؟!"
رد عليها هو بنفس درجة الصوت:
وحشني ركوب الموتوسيكلات، قولت أركبه و بالمرة أفسحك بيه، مش بتحبيهم ؟!"
ردت عليه مُسرعةً:
لأ بحبهم، بس أخر مرة ركبته و أنا في اسكندرية ورا عم مرتضى"
حرك رأسه موافقًا ثم سألها و هو يرفع السرعة على الطريق:
قوليلي يا هدير....مبسوطة ؟!"
مالت على أذنه و هي تقول بتأثرٍ و أعين أوشكت على البكاء:
أوي و الله، طول ما أنتَ موجود هفضل فرحانة طول عمري، ربنا يخليك ليا يا حسن"
قالت حديثها ثم وضعت رأسها على ظهره و هي تتنفس بعمقٍ، فابتسم هو براحةٍ ثم تحرك بالدراجة تاركًا الهواء يدخل لثنايا روحه المُتعطشة لذلك الونس حتى ارتوت روحه بقربها، هي من أثلجت نيران وحدته، و آنست وحشته، و أخيرًا أوقف الدراجة في مكانٍ أشبه بحلقات السباق، فسألته هي بعدما اعتدلت في جلستها:
هو إيه المكان دا ؟! شكله مُرعب أوي بليل كدا ليه يا حسن"
نزل هو من على الدراجة ثم أمسك يدها ينزلها، و بعدها اقترب بها من السور الحديدي الذي يُحيط تلك الحلبة، ثم رفعها بيده تجلس عليه، بينما هو شبك كفيه في وضع مُعاكسًا لها و هو يقول:
دي يا ستي حاجة زي ساحة سباق، عربيات و عجل و موتوسيكلات، كنت باجي هنا علشان أركب الموتوسيكلات و الغريب أني مكنتش باجي مع حد كنت باجي أنافس نفسي و أرجع تاني و أنا كسبان حد معرفهوش، بس كان دايمًا فيه حسن تاني بغلبه، حسن دا بقى طلع تاني و خد حقه في كل مرة هزمته فيها، حسن دا خرج لما حبيتك يا هدير"
حركت رأسها له، فوجدته يقول مُبتسمًا لها:
كل الحكاية أني كنت بصارع نفسي علشان مسيبش نفسي لدماغي، كنت بخاف أموت لوحدي في بيت مقفول عليا و محدش يعرف، المهم أنا جيبتك علشان نجرب السباق دا سوا و علشان أعرف أنهي حسن اللي يستحقك فيهم"
ابتسمت هي له فأمسك يدها ثم أنزلها من على السور، بعدها ركب الدراجة و هي خلفه مرةً أخرى، ثم نزل بها لتلك الساحة و هو يدور بها و هي خلفه حتى وقفت هي تتنفس الصعداء و فردت ذراعيها بجرأةً منها، و هو يدور بالدراجة في حلقات دائرية حتى ارتفعت ضحكته عاليًا و هي معه، و انتهى هو أخيرًا من ذلك السباق الذي بدل حاله عن قبل ثم أوقف الدراجة و جلس على حافة تلك الساحة حتى هي ارتمت تجلس بجواره بانهاكٍ واضحٍ، حتى استندت برأسها على كتفه، فسألها هو بسخريةٍ:
مالك !! جيبتي أخرك و لا إيه؟! غلبتك أنتِ بدل ما أغلب حسن؟"
ردت عليه هي:
أنتَ ليه كل حاجة معاك بتكون حلوة ؟! رغم إن فيها خوف بس هي مبتخوفش، أنتَ نفسك تخوف يا حسن، عامل زي البير اللي يخوف، بس لو قربت منه هتلاقيه مليان مياه و خير، غريب أنتَ و حياتك، بس حلو"
ابتسم لها فوجدها تقول بنبرةٍ هادئة:
تعرف أني حبيتك ٣ مرات ؟! و الله بجد مش بهزر، كل مرة فيهم بطريقة و حِجة غير التانية"
عقد ما بين حاجبيه بحيرةٍ من حديثها، فأضافت هي مُفسرةً حديثها بنبرةٍ حالمة:
أول مرة حبيتك فيها حبيتك بعقلي، يعني قولت منطقيًا كدا لازم أحبك، طالما بقيت مراتك و أنتَ بقيت جوزي يعني كدا كدا تدبيسة، يبقى أحبك، و حبيتك طول فترة سكوتي بالعقل،
و تاني مرة بالقلب؛ لما قلبي دَق في قربك و ليك، بقيت بتطمن في وجودك أنتَ و بس يا حسن، احساس غريب عليا مجربتوش قبل كدا، حسيت إن أنا مكاني أصلًا هو بيتك، و كانت تاني مرة أحبك فيها بقلبي،
تالت مرة بقى حبيتك بعيني، علشان بقيت بفرح لما بشوفك، بفرح لما ترجع من الشغل و بفرح لما ألاقيك جاي تقعد جنبي و بفرح لما بليل بنام على كتفك، طول ما عيني شايفاك كنت بفرح، يلا يا ابن المحظوظة ابسط بقى"
قالت جملتها الأخيرة بمرحٍ جعله يضحك عليها رغمًا عنه، فسألته هي بنفس المرح:
ها و أنتَ ؟! حبيتني بقلبك و لا بعينك و لا عقلك و لا إيه حكايتك ؟! قول متتكسفش أنا مراتك يا حسن، مش غريبة عنك"
رد عليها يجاوبها بقوله الهاديء:
أنا محبتكيش بولا حاجة من دول، لو هحبك بالعقل مسيره يجي يوم و ينسى، و لو بالقلب مسيره يجي يوم و يموت، و لو بالعين ممكن ييجي يوم و تزهق، أنا حبيتك بالروح يا هدير، الروح اللي بتفضل عايشة مبتموتش، الروح اللي لو حصل و راحت مني هتلاقيها مربوطة بروحك، تعرفي أني بقيت بطلب كل حاجة من الدنيا فيكي؟! لو بصلي و بدعي، بدعيلك أنتِ قبلي، طول عمري كنت بتمنى أدخل الجنة علشان الراحة موجودة فيها، أنا شوفت جزء من الجنة دي على الأرض هنا في وجودك و بقيت بدعي إن يجي يوم و يجمعني بيكي في جنته علشان أرتاح أكتر، حتى لو الرجالة ليهم حور العين، أنا هطلبك من ربنا في الجنة"
لمعت عينيها بفرحةٍ ظهرت على هيئة عبراتٍ تأثرًا من حديثه، فرفع كفه يمسح تلك الدموع ثم قال مُبتسمًا لها بهدوءٍ:
و أكتر حاجة بتزعلني هي دموعك، بلاش تعيطي، عيونك حلوين و الدمع مش لايق عليهم"
ابتسمت باتساعٍ فوجدته يرفع ذراعه ثم احتضنها وهو يقبل قمة رأسها، و هي بقربه تشعر بمشاعر عديدة و كأنها لأول مرةٍ تعيش معه تلك اللحظة، ففي كل مرةٍ، تذوق معه طعمًا جديدًا للحياة.
_________________________
في شقة «ياسين» دلفها هو أولًا و هي خلفه بعدما فتح هو الأضواء، و بمجرد دلوفها الشقة تفاجئت و اتسعتا حدقتيها بقوةٍ مما وقع بصره عليها، فابتسم هو بفخرٍ و هو يقول:
تصدقي أمي دي بتفهم ؟! و الله يا بخت رياض بيها، ابن محظوظة"
سألته هي بتيهٍ:
هو في إيه ؟! مين اللي روق الشقة كدا ؟! و مين اللي عمل كل دا ؟!"
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة بعدما أغلق الباب:
كل الحكاية لما قولتلي الصبح إنك هتيجي الشقة هنا و إنك مُصممة، كنت هاخد أجازة و أجي أروقها علشان تيجي تقعدي في مكان نضيف و متتعبيش، كلمت رياض أقوله على أجازة ياخدهالي من الشغل و لما عرف السبب، بعت الست اللي بتساعد ماما في شغل البيت، و ماما جيت معاها، علشان التراب كان مالي الشقة"
سألته هي مُسرعةً:
طب و مقولتليش ليه ؟! كنت جيت ساعدتهم و لا حتى وقفت مع طنط بدل ما تبقى لوحدها"
رد عليها هو بعدما أجلسها على المقعد و جلس هو على ركبتيه أمامها:
هتيجي تعملي إيه يعني ؟! هي بتروح لماما طول عمرها و ماما بتكون معاها، ماما أصلًا مكانتش عاوزة تدخل الشقة و محدش فينا هنا"
قطبت جبينها و هي تسأله بتعجبٍ:
ليه يعني ؟! مش دا بيت ابنها و بنتها و بيتها ؟!"
رد عليها هو مُفسرًا:
هي قالتلي إن الأصول بتقول مينفعش إنها تدخل بيت ابنها و هو مش فيه و لا مراته فيه، بس أنا أصريت عليها علشان الست أكيد مكانتش هتعرف تتعامل لوحدها هنا، هي كانت فكراكي هتزعلي إنها دخلت و أنتِ مش هنا"
ردت عليه هي مُسرعةً ترفض حديثه:
لأ طبعًا يا ياسين، مش أنا اللي أفكر كدا خالص، دا بيتها و تيجي في أي وقت، و بعدين لو ماما كانت جت هنا كنت هتقول كدا ؟!"
حرك رأسه نفيًا و هو يقول بتلهفٍ:
لأ و الله خالص، دا بيتها و أنا قولتلك كدا، مش مهم بقى سيبك من كل دا، نورتي بيتك يا خديجة، نورتي بيتك و نورتي دنيتي من تاني، كدا أنا بقيت زي الفل رسمي"
ابتسمت له و هي تقول بفرحةٍ:
و الله البيت هنا وحشني أوي و خصوصًا البلكونة و الشاي و قعدتنا فيها بليل، كل حاجة هنا وحشتني أوي يا ياسين، حتى أنتَ وحشتني، كنت كل ما أجي اقعد معاك العيال يجوا، يا أنام أنا على كتفك"
ابتسم لها و هو يقول:
طب يلا علشان تغيري هدومك و علشان تفردي رجلك، بقالها كتير على الأرض و كدا غلط، قومي يلا"
حركت رأسها موافقةً ثم وقفت و هي تتمسك بكفه، بينما هو دلف بها الغرفة ثم أخرج لها ثيابها يضعها بجوارها و هو يبتسم لها، فتحدثت هي:
يلا برة بقى علشان أغير هدومي، هوينا يا ياسين"
رد عليها يشاكسها:
ما يمكن تحتاجي مساعدتي، خليني هنا معاكي"
ردت عليه هي بحنقٍ:
اطلع برة متعصبنيش، أمــشي"
خرج من الغرفة و هو يقول:
براحتك بقى، بس لو ناديتي عليا مش هعبرك"
سخرت منه و هي تقلد طريقته ثم شرعت في تبديل ملابسها، بينما هو جلس بجوار الغرفة مُنتظرًا استغاثتها به حتى تفاجأ بها تفتح الغرفة و هي تقول بحنقٍ:
إيه البيجامة القصيرة دي ؟! الدولاب مليان هدوم و إيدك مجابتش غير دي ؟!"
رد عليها هو مُسرعًا بضجرٍ:
ياختي اتوكسي دا أنتِ الجِبس واكل من رجلك حتة، اتنيلي اقعدي هنا لحد ما أغير هدومي و أجيلك"
رفعت كفها و قبل أن تمسه دلف هو الغرفة ثم أغلق الباب في وجهها، فتحدثت هي من خلف الباب تقول:
براحتك يا مهلبية، كدا كدا هتخرج يا ياسين"
جلست على المقعد تنتظر خروجه، حتى فتح الباب و خرج لها بعدما ارتدى "تي شيرت" باللون الأسود و بنطال رياضي بنفس اللون، و هو يقول:
هتاكلي و لا تنامي و لا تتفرجي على التلفزيون؟! شوفي عاوزة إيه؟!"
ردت عليه هي بضجرٍ منه:
هو أنتَ بتكلم بنت أختك ؟! إيه الهطل دا ؟! حط الأكل قدام التلفزيون علشان هعمل كل الأنشطة دي مع بعض، يلا"
تحدث هو بضيقٍ منها:
أنتِ ست مُفترية و ظالمة، أقولك على حاجة ؟! طز فيكي يا خديجة"
تحرك هو من أمامها بعدما رمقها بسخطٍ، فنظرت في أثره بتعجبٍ و هي تبتسم عليه، و بعد مرور ثوانٍ عاد لها يساندها حتى جلست على الأريكة و جلس هو بجوارها، و بعد تناولها الطعام شعرت بالتعب يصل مبلغه في جسدها و حينها حركت رأسها تُلقيها على كتفه و هي تقول بين اليقظة والنوم كعادتها منذ مرضها:
اقرألي القُرآن يلا يا ياسين"
حرك رأسه موافقًا ثم عدل وضعها حتى شملها بذراعيه ثم بدأ في تلاوة القرآن لها بصوتٍ هاديءٍ جعل الطمأنينة تسكن قلبها حتى غاصت في ثباتٍ عميقٍ و هو يطالعها بتمعنٍ و كفه يُمسد عليها.
_________________________
في صباح اليوم التالي مُبكرًا و قبل أن يستيقظ البعض، كان «وليد» في عيادة الطبيبة النفسية بعدما طلب منها تحديد تلك الجلسة مُبكرًا حتى لا تعلم «عبلة» بموعدها و تتبعه، و على الرغم من تعجبها من الموعد و إصراره إلا أنها وافقت أخيرًا على استقباله في العيادة في ذلك الصباح، و بعدما دلف هو و جدها تنتظره في الداخل و هي تقول بتهكمٍ:
خير على الصبح ؟! ياترى إيه اللي جابك في وقت زي دا؟! لسه قدامي ساعتين"
جلس مُقابلًا لها على المقعد ثم قال بهدوء:
أنا عاوز اتكلم معاكي ضروري، فيه حاجة كاتمة عليا يمكن لو خرجتها من جوايا هرتاح، حاجة عاوزها تختفي من دماغي"
طالعته هي باهتمامٍ فوجدته يقول بصوتٍ مهتز:
مش أنتِ قولتي إن التراكمات اللي بنحوشها جوانا هي دي اللي بتتعنا !! و قولتي كمان إن لازم نتخلص من كل حاجة مش قادرين نشيلها جوانا علشان طاقتنا بتخلص من غير ما نحس؟!"
حركت رأسها موافقةً و لازالت الحيرة كما هي على وجهها فوجدته يقول بترددٍ:
أنا بثق فيكي، و واثق إنك لا يمكن تأذيني، علشان كدا هقولك السر اللي مخليني بتعذب و بكره نفسي"
ردت عليه هي بلهفةٍ بعد حديثه:
أي حاجة في يوم من الأيام كانت تعباك أو كانت سبب إنك تتعذب، لازم تخرجها من جواك، أنتَ لازم تفتح الصندوق اللي جواك علشان كتر قفلتك عليه هتخليه يصدي و فتحه بعد كدا يبقى صعب"
حرك رأسه موافقًا ثم قال بعدما ابتلع غصة مريرة في حلقه من تلك الذكرى السوداء التي حُفرت بعقله:
لما كنت مُدمن و تحديدًا الليلة اللي طلبت فيها العلاج، عبلة كانت هي السبب في كدا"
ردت عليه هي بحيرةٍ:
طب ما أنا عارفة !! ساعتها حبك هو اللي حركك علشان تطلب العلاج من شيء بشع زي دا"
حرك رأسه نفيًا بالسلب و هو يقول:
مش حُبي....خوفي، اللي محدش يعرفه غيري أنا و أنتِ تاني واحدة في الدنيا دي، هو إن دماغي وزتني على عبلة اليوم دا و ساعتها كل شيء بشع ممكن تتخيليه أنا شوفته قصاد عيني"
اتسعتا حدقتيها بقوةٍ بعد حديثه، فوجدته يقول بصوتٍ ظهر به الآلم و الوجع الذي عاشه هو بتلك الفترة:
أنا ماكنتش واعي لنفسي ساعتها، بس لما دماغي وزتني كدا طلبت حد يلحقني من نفسي"
سألته هي بحيرةٍ و تيهٍ:
ثانية واحدة !! يعني إيه مش فاهمة حاجة ؟! دماغك وزتك إزاي ؟!"
تنفس هو بحدة و كأنه النفس الأخير ثم قال مُفسرًا:
افهمي يا دكتورة !! واحد مدمن مخدرات واخد حقنة و دماغه وزته على واحدة، يبقى إيه؟!"
شهقت هي بقوةٍ بينما هو أخفض رأسه خجلًا منها و في تلك اللحظة لعن نفسه و حظه و تسرعه على البوح بذلك السر.