تحميل رواية «في حي الزمالك» PDF
بقلم ايمان عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في شارع من شوارع إحدى أرقى الأحياء في مصر والأكثرهم هدوءاً، حي الزمالك، تسير هي وحيدة ليلاً. تتدندن بلحن أغنية ما للست أم كلثوم، وهي تضيف بضع كلمات من رأسها تماشياً مع اللحن، كونها لا تستطيع حفظ كلمات الأغاني. تمر من جانب شارع جانبي مظلم، فتسمع صوت آنين شخص يتألم قادماً من مكان ما، فتلفت حولها بحثاً عن مصدر الصوت. في أحد الأزقة المظلمة، يقف شاب كما يُطلق على أمثاله "شمام"، وقد قام بدفع شاب آخر نحو الحائط بقوة وهو يضغط على قفصه الصدري. على الأغلب هو يحاول سرقته، فلا تبدو الأمر كشجار قط. وقفت تراق...
رواية في حي الزمالك الفصل الأول 1 - بقلم ايمان عادل
في شارع من شوارع إحدى أرقى الأحياء في مصر والأكثرهم هدوءاً، حي الزمالك، تسير هي وحيدة ليلاً. تتدندن بلحن أغنية ما للست أم كلثوم، وهي تضيف بضع كلمات من رأسها تماشياً مع اللحن، كونها لا تستطيع حفظ كلمات الأغاني.
تمر من جانب شارع جانبي مظلم، فتسمع صوت آنين شخص يتألم قادماً من مكان ما، فتلفت حولها بحثاً عن مصدر الصوت.
في أحد الأزقة المظلمة، يقف شاب كما يُطلق على أمثاله "شمام"، وقد قام بدفع شاب آخر نحو الحائط بقوة وهو يضغط على قفصه الصدري. على الأغلب هو يحاول سرقته، فلا تبدو الأمر كشجار قط.
وقفت تراقب المشهد لثوانٍ، لتجد أن الشاب الآخر (المُتثبت) يخلع ساعته وعلى وشك إخراج حافظة نقوده ومنح كل ما تحويه لذلك الشاب السارق. قلبت عيناها بتملل. ذلك الأحمق الجبان! يمكنه بحركة واحدة أن يطرح السارق أرضاً، لكن يبدو عليه الخوف بالرغم من أن فرصته لا بأس بها.
حسناً، لنكن واقعيين. السارق يحمل سكيناً، لكنه بنصف وعي، فهو يترنح أثناء وقوفه. وكذلك هو قصير القامة هزيل البنية. أما الآخر فذو بنية قوية، فبضربة رأس واحدة يمكن أن يُفقد الوعي.
قلبت عيناها بتملل وهي تنظر إلى المشهد، ثم اتخذت قرارها. لطالما نصحتها والدتها مراراً بعدم التهور وعدم الانخراط فيما لا يخصها، لكن الأمر يختلف هنا، فهذه حالة إنسانية في نهاية الأمر!
اقتربت بخطى بطيئة تحاول ألا تُصدر أي صوت، حتى وقفت خلف الفتى تماماً.
"بست.. كابتن." أصدرت صوتاً بفمها لتلفت انتباهه. وبمجرد أن أدار وجهه لينظر إليها، شكلت يدها اليسرى على شكل قبضة وقامت بلكمة بأقصى قوتها مستهدفة منطقة "الصدغ". لم تمنحه وقتاً كافياً لإصدار أي ردة فعل، فبسبب لكمتها تلك سقط أرضاً فاقداً الوعي على الأغلب. وقف الشاب الآخر يحدق بها في فزع وذهول، لتُعلق بسخرية:
"أنت لسه هتنح؟ يلا نجري بسرعة قبل ما يفوق."
لم يُحرك ساكناً، بل وقف يحاول رؤية ملامح وجهها على إضاءة مصباح ضعيف بالكاد يعمل، مسبباً صوت شرار كهربائي بين الحين والآخر.
"براحتك، لو فاق هيعمل منك كفتة.. آه متنساش ساعتك." علقت بسخرية وهي تتحرك مبتعدة عنه. يفيق من شروده ويأخذ ساعته ويلحق بها.
"يا آنسة.. ثواني بس.. يا اسمك إيه؟" صدح صوته في المكان، بينما تجاهلت هي ندائه حتى وصلوا إلى منطقة مضيئة وشارع به بعض المارة.
"أفندم؟ حد ثبتك تاني؟"
"إيه ثبتني ديه؟ اسمها حاول يسرقني يا آنسة."
"آه، أنت موقفني ومعطلني عشان تراجع قاموسي اللغوي."
"أوف ثواني ثواني أديني فرصة أتكلم! أنا كنت عايز أشكرك على موقف الرجولة اللي عملتيه من شوية.."
"كويس إنك عارف أنه موقف رجولة، على العموم عفواً." أردفت ثم استدارت لتكمل طريقها دون انتظار رد منه.
"هي قالتلي كده بجد؟" سأل نفسه باستنكار وحنق. هل حقاً شككت في رجولته لأنه كان في موقف ضعف؟
استرد وعيه من نوبة الغيظ وتذكر أنه ترك السيارة في أمام المقهى حيث كان يجلس، لذا سيتوجب عليه السير لمسافة عشرة دقائق تقريباً. وسيضطر إلى المرور بتلك المنطقة المظلمة حيث تمت محاولة سرقته، وهو لا يريد أن يمر بذات التجربة. بالإضافة إلا أنه إذا صادف ذلك السارق بعد أن استرد وعيه، فسوف يسرقه ويبرحه ضرباً جزاءً لما فعلته تلك الفتاة.
"هطلب أوبر وخلاص." تحدث إلى نفسه وهو يفتح هاتفه ويطلب سيارة لتقوم بإيصاله حتى سيارته. ياله من تبذير!
وصل إلى سيارته بالفعل ليقودها إلى منزله، وهو يدعو الله طوال الطريق أن تنسى تلك الفتاة ما حدث اليوم وأن يُمحى ذلك اليوم من ذاكرة كليهما.
أما عنها، فأخذت تسير لمسافة خمسة عشر دقيقة حتى استطاعت الوصول إلى مكان يمر منه سيارات أجرى (ميكروباصات) كي يوصلها أحدهم إلى منزلها الذي ليس ببعيد.
توقف الميكروباص أمام منطقة تُعد من المناطق المتوسطة أو الشعبية على مقربة من حي الزمالك. تُغادر العربة لتسير مسافة صغيرة إلى منزلها. تنظر في ساعة هاتفها فتجدها التاسعة، ودون تفكير للحظة واحدة، تركض بأقصى سرعة نحو المنزل.
تصعد على السلم بهرولة حتى تصل إلى الطابق خاصتهم. تتصل على شقيقتها لتجيب الأخرى:
"أنتي فين يا ست أفنان الساعة بقت تسعة وخمسة."
"بابا هنا؟"
"لا مش هنا، ولو جيه وملاقكيش هيطين عيشتك."
"طب بصي، افتحي الباب براحة عشان ماما متصحاش، أنا عالسلم." قامت شقيقتها بفتح الباب بهدوء وهي تشير إليها بالدخول دون أن تتحدث.
توجهت أفنان مباشرة إلى غرفتها برفقة شقيقتها ميرال، تُلقي بحقيبتها وأغراضها بإهمال على السرير وتقوم بنزع حجابها الذي قد فسد بالفعل من أثر الركض.
"إيه التأخير ده كله يا هانم؟ أنتي مش قايلة لبابا أنك هترجعي عالساعة ٨ أو بالكتير أوي ٨ ونص."
"آه ياختي بس حصل حاجة في النص كده عطلتني."
"خير إن شاء الله؟ أرغي." جلست أفنان بحماس على السرير لتبدأ في سرد ما حدث.
بإستمتاع شديد، فهي كانت لا تطيق الانتظار حتى تعود إلى المنزل وتسرد لشقيقتها عملها البطولي.
"يلاهوي! أنتي مجنونة بجد!! افردي كان ثبتك انتي كمان ولا ضربك كنا هنعمل ساعتها؟!"
"يا ستي الحمدلله جت سليمة ومحصلش حاجة."
"عمرك ما هتعقلي! إلا قوليلي صحيح كان شكله إيه؟"
"الواد اللي ضربته؟ متشرد كده ومبهدل."
"اللي واد اللي ضربتيه إيه؟! الولد اللي انقذتيه!!" اردفت شقيقتها بنفاذ صبر وبنبرة صوت عالية.
"ششش وطي صوتك لماما تصحى! وبعدين مركزتش بصراحة."
"يعني ركزتي مع شكل الشمام ومركزتيش مع التاني!!!"
"أيوا، لأني مش المفروض أبص لولد وأفضل أُحلق فيه يعني."
"ماشي ياختي، مش هتاكلي؟"
"كلت سندوتش بعد الجامعة مش جعانة." قالت وهي ترتدي منامتها ثم أضافت:
"أنا هنام بقى، عندي سكشن ٨ ونص الصبح."
في صباح اليوم التالي، استيقظت متأخرة نصف ساعة كاملة على موعدها. وبالرغم من أن المسافة للجامعة ليست ببعيدة، إلا إنها قد تأخرت بالفعل!
ارتدت ثيابها دون تكبد عناء تنسيقها. فقد ارتدت وشاحاً على رأسها بلون بني يماشي لون عينيها وارتدت أول ثوب قد قابلها. لا وقت لاختيار الملابس هنا. لم تحظَ بالفطور أو بكوب قهوة يُنشط خلايا عقلها النائمة. ركضت إلى خارج الشقة ثم شهقت وهي تقول:
"يلاهوي نسيت البالطو!!!" تركض مجدداً نحو الطابق خاصتهم وتطرق الباب بعنف، فتفتح شقيقتها بفزع!
"في إيه؟"
"انتي لسه هتندهشي! عديني اتأخرت عالسكشن."
دفعت شقيقتها بعيداً وأحضرت المعطف الطبي الأبيض خاصتها وهرولت نحو الخارج. بعد مرور بعض الوقت خلال الركض والقفز داخل أحشاء أتوبيس نقل عام ممتلئ على آخره، لكن لا وقت لإيجاد واحداً آخر. وأخيراً تصل إلى وجهتها.
"كلية الصيدلة."
هرول نحو المبنى بينما تقفز متخطية درجات السلم، وأخيراً تصل إلى معمل الكيمياء الحيوية. تطرق الباب بخفة وقد تمكن منها التوتر. ستُطرد بلا شك أو ربما ستسمع ما لا يسرها. على الأغلب كليهما.
ترتدي المعطف الطبي خاصتها على عجلة وتُلقي نظرة على هاتفها لتجد أنها تأخرت خمسة عشرة دقيقة بالفعل. تطرق الباب مرتين قبل أن تفتحه، سامحة لنفسها بالدخول لتُقابل عيناه البنية المُغلفة بنظرات طبية، خصلات شعر بنية ملفوفة قليلاً، وبشرة بيضاء شاحبة قليلاً. لقد كانت صفاته الشكلية قريبة من خاصتها.
"أنا بعتذر جداً يا دكتور عالتأخير..."
"الساعة كام معاكي يا دكتورة؟"
"تسعة إلا ربع." اردفت بتوتر وهي تعبث في المعطف خاصتها.
"يعني حضرتك متأخرة خمسطاشر دقيقة كاملة، أدخلك إزاي أنا دلوقتي؟"
"أنا بعتذر جداً يا دكتور.. الطريق كان زحمة."
"الطريق كان زحمة تعملي حسابك وتنزلي من بدري!" وبخها بقسوة لتشعر بوجهه يشتعل من الحمرة. لقد قام بإحراجها أمام ما يقرب من مئة وخمسين طالباً داخل المعمل.
"مش هتتكرر تاني يا دكتور."
"لما نشوف.. اتفضلي يا دكتورة ومتتكررش تاني." لم تُعلق على حديثه وذهبت لتجلس وحيدة في نهاية المعمل، متجاهلة نظرات الشفقة والشماتة والسخرية.
مرت ساعة ونصف تقريباً أثناء الشرح النظري للجزء العملي. معادلات وشرح خطوات التجارب وما إلى ذلك.
"دلوقتي يا دكاترة هنبدأ الشغل العملي، كلكوا عارفين أرقامكوا فياريت كل واحد يقف في مكانه بكل هدوء."
ألقى تعليماته ليُنفذ الجميع الأمر، ولكن ليس بهدوء كما طلب منهم بالطبع. إنه لا يكره أي شيئاً في حياته أكثر من العشوائية والإزعاج، ولقد تسببوا في كلاهما الآن.
"فيه إيه يا دكاترة هو أنا بدرس لكي چي؟ ما تكبروا شوية!"
وأنتي يا دكتورة سايبة البالطو مفتوح ليه؟ هو أنتي أول مرة تشرفي في معمل؟
جفلت لثوانٍ من نبرة صوته العالية التي تسببت في إلقائه للأنبوبة التي في يدها، فتنكسر.
تُغلق المعطف خاصتها وتُشيح بنظرها بعيدًا عنه وهي تعمل على تجميع بقايا الأنبوبة وتُلقيها في سلة المهملات.
حاولت تجاهله تمامًا طوال الوقت المقرر لهم داخل المعمل، كما أنها حاولت الالتزام بكل تعاليمه حتى لا تسمع المزيد من التوبيخ.
"دكتور دي الأرقام اللي طلعت معايا في المعايرة."
قالت وهي تناوله الدفتر وقد كَتب فيه نتائج التجارب.
"تمام التجارب كلها مضبوطة."
أردف ثم وضع لها العلامات في الدفتر.
"اللي خلص التجارب وخد درجاتها وكتب اسمه في الغياب يقدر يمشي."
إلهي كم كانت تنتظر هذه اللحظة على أحر من جمر.
توجهت نحو الخارج وخلعت معطفها على الفور ثم أخذت تسير بأقصى سرعة مبتعدة عن أعين أصدقائها.
وقفت في الجهة الأخرى من المبنى حيث يوجد المكان المخصص للسيارات والذي يكون خاليًا من البشر عادةً.
هي تعلم أنه سيأتي إلى هنا ليقوم بوضع بعض الأوراق داخل سيارته، لذا وقفت تنتظره.
وبمجرد أن رأته قادمًا، اختبأت إلى جانب إحدى الأسوار حتى كان على بُعد بضع مترات منها.
"بقى أنا تهزقني التهزيق ده كله قدامهم فوق يالا!!"
صاحت بغضب وهي تضربه في صدره بواسطة حقيبة الظهر خاصتها!
رواية في حي الزمالك الفصل الثاني 2 - بقلم ايمان عادل
"بقى أنا تهزقني التهزيق ده كله قدامهم فوق يالا!!"
صاحت بغضب وهي تضربه في صدره بواسطة حقيبة الظهر خاصتها.
"انتي إزاي تسمحي لنفسك تكلميني بالإسلوب ده؟ احترمي نفسك يا دكتورة." تحدث بنبرة جديدة وهو ينظر حوله ليتأكد أن لا أحد قد سمع ما قالته.
"أنا أحترم نفسي يا نوح؟ طب والله لأقول لخالتو بليل ها!"
اردفت بحنق وغضب طفولي وهي تحمل حقيبتها وترحل، وقد اتخذت قرارًا بإخبار خالتها بما فعله دون إنقاص حرفًا واحدًا.
عادت أفنان إلى منزلها في حوالي الساعة الثالثة بعد انتهاء اليوم الأخير لهذا الأسبوع، وأخيرًا عطلة لمدة يومان. وكما اعتادت أسرتها، أمسية الخميس تقضيها برفقة خالتها، ويوم الجمعة في منزل جدتها أم أبيها، ويوم السبت للجلوس في المنزل والاستذكار.
توقفت سيارة الأجرة أمام منزل خالتها في حي 'فيصل' بمحافظة الجيزة، توجهوا نحو منزل خالتها بعد شراء بضعة كيلوهات من الفاكهة المتنوعة قبل صعودهم.
"حبايب خالتو أخباركم إيه؟" قامت بالترحيب بهم ومن ثم تقبيلهم وعناقهم، ثم جاءت لحظة الشجار التي تتكرر أسبوعيًا تقريبًا.
"ما كانش في لزوم تجيبي حاجة كلفتي نفسك.." وهنا يبدأ الشجار. لذا تجاهلت أفنان الأمر وذهبت لتجلس على الأريكة وبجانبها شقيقتها.
"إلا قوليلي يا خالتو هو نوح مش هنا؟" سألت ميرال وهي تتجول بعينيها بالشقة بحثًا عنه.
"طب يا ستي اسألي عن مريم الأول." قالت خالتها بمزاح لتتورّد وجنتا ميرال، ثم تصيح بصوت مرتفع نظرًا لبعد المسافة:
"نوح... واد يا نوح خالتك وبناتها هنا ورن على أختك استعجلها."
بعد دقيقة خرج نوح من غرفته وهو يرتدي بنطال 'كاروهات' و'بلوزة' باللون الرمادي، بدا وسيما بالإضافة إلى خصلات شعره المبعثرة.
"أنا بقى جاية أشهدك يا خالتو، بقى يرضيكي نوح يهزقني قدام السكن كله النهاردة؟"
"صحيح الكلام ده يا واد؟ دي هتبقى خطيبتك مستقبلًا، تقوم تزعقلها قدام الناس." وبخته والدتها بنبرة تجمع بين الجدية والمزاح، بينما ارتج الماء في حلق أفنان فور سماعها لما قالته خالتها وتسعل بقوة، أما عن ميرال فقد تجهم وجهها.
"اسم الله عليكي." قالت والدتها وهي تضربها بخفة على ظهرها لتحاول طرد الماء، بعد أن تأكدوا أن أفنان بخير لم يسلم نوح من نوبة توبيخ ليبرر أفعاله قائلًا:
"ما هو أنتي برضوا اتأخرتي وأنتي عارفة أني بكره عدم الالتزام."
"وهل ده مبرر أنك تفرجي عليا المعمل كله النهاردة؟"
"قولتلَك مية مرة يا أفنان أنا موقفي حساس في الكلية عشان إحنا قرايب وأنا محبش حد يقول أني سايبك بتدلعي عشان قريبتي."
"سايبني بتدلع؟ ليه هو أنا كنت داخلة السكشن بشرب عصير وباكل مولتو ولا كنت داخلالك بسيجارة وصاحبي في إيدي؟"
"لا داخلة متأخرة ربع ساعة ومش قافلة البالطو."
أردف بنبرة استفزازية وهو يبتسم، لكن زاد ذلك من امتعاض وجه أفنان التي قالت:
"أنا هدخل استنى مريم في أوضتها."
"معلش يا نوح متزعلش تلاقيك رخمت عليها بزيادة شوية النهاردة." تفوهت ميرال بنبرة هادئة ليصمت هو لثوانٍ وهو يحك ذقنه بإبهامه ثم يقول:
"بس هي عندها حق.. أنا فعلًا زودتها حبتين، بس هي لازم تفهم إن موقفي حساس."
"عندك حق." علقت ميرال دفاعًا عن نوح ليبتسم لها، بينما وقفت الأخرى في شرفة غرفة مريم تحدق بالمارة بالشارع وفجأة بدأ شجار بين ثلاثة شبان بدون مقدمات وأخذوا يسبون بعضهم البعض بألفاظ بذيئة. وأحضر أحدهم آلة حادة من مكان ما وكان على وشك جرح الآخر، بينما وقف شاب رابع في أحد الجوانب ويبدو عليه الذعر.
هو على الأغلب رفيقهم لكنه يخشى التورط بالرغم من أنه يبدو عليه القوة. ذكرها ذلك بالشاب الذي قابلته لتضحك متذكرة منظره المرعب. لا تذكر ملامحه كثيرًا، لكنها تذكر أهم ما يميز أي شاب.
'ساعة يده.'
أجل، التي كانت على وشك أن تُسرق لولا أن تدخلت هي.
أخذت تسترجع ما حدث وهي تضحك وحدها ببلاهة لتقتحم مريم الغرفة فتشهق الأخرى بفزع.
"حرام عليكي خضتيني."
"كنتي بتضحكي على إيه لوحدك كده؟"
"مفيش.. كنت ببص عالخناقة." أجابت وهي تشير برأسها نحو الشارع.
"أنتي لسه بتحبي تتفرجي عالخناقات؟"
"زي ما أنتي شايفة كده."
"إلا إيه حوار أنك زعلانة من نوح ده؟"
"مفيش يا ستي البيه بيهزقني في وسط السكشن بس خلاص خالتو جابتلي حقي."
"لا وأنتي يا حرام منكسرة ومبتعرفيش تاخدي حقك." سخرت منها مريم لتبتسم أفنان وهي تقلب عينيها قبل أن يطرق نوح الباب طالبًا الإذن للدخول.
"متزعليش مني يا أفنان.. أنتي عارفة أنا بعزك قد أيه."
"خلاص مش زعلانة بس لو اتكررت هعمل في وشك لوحة بالمواد الكيميائية تمام؟" تحدثت بنبرة جادة.
"أنتي كنتي المفروض تبقي سفاحة مش دكتور أبدًا. المهم عايزك تركزي كويس إمتحانات العملي فاضلها أسبوعين."
"متقلقش أنا مذاكرة كويس."
انتهى اليوم سريعًا بعودتهم إلى منزلهم. تستيقظ أفنان في صباح الجمعة على رائحة البخور الذي عقّم الشقة كاملًا وصوت القرآن المطمئن للنفس بصوت شيخ ذي صوت عذب يريح كلًا من الأذن والقلب.
"يلا يا أفنان الفطار جاهز." صاحت ميرال لتستقيم الأخرى من الفراش وهي تفرك عينيها وتتوجه نحو الخارج.
"صباح الفل يا ميمي، صباح الفل يا ماما."
"صباح الخير يا حبيبتي، يلا اغسلي وشك وهاتي الحاجة مع أختك من المطبخ عقبال ما أبوكي ما يجي من الصلاة."
نفذت أفنان ما قالته والدتها وتناولوا فطورهم بنهم شديد وسط جو أسري متماسك، لكن أفنان كانت تعلم أن كل ذلك سيتحول إلى شجار عند عودتهم من منزل عمتهم. فهي لا تنفك تلقي ببعض العبارات التي تجعل والدتها تشتعل غيظًا، فيقف والدها حائرًا لا يدري إلى أي طرف يجب عليه أن ينحاز بالرغم من أنه لم يكن طرفًا في الحوار من الأصل.
بدلت أفنان ثيابها وانتظرت أسفل العمارة هي وشقيقتها في انتظار والدتهم ووالدهم الذي يحضر سيارته طراز الثمانية وعشرون، سيارة صغيرة لكنها لطيفة وتفي بالغرض. سيذهبون إلى قلب حي الزمالك حيث تقطن عمتها في إحدى العمارات هناك.
"مش عايز خناق مع عمتكوا لو قالت حاجة خدواها على قد عقلها مش عايزين مشاكل. انتوا عارفين أن الخطة اتغيرت وبدل ما هنروح لماما هنروح شقة عمتكوا." وافق جميعهم على تعليمات الأب ظاهريًا، لكنه كان يعلم أن المشكلة الكبرى تكمن في أفنان فهي لن تقبل أن يعلق أي شخص تعليقًا لا يروق لها وأنها سوف تعترض وتتشاجر.
وصلوا بالفعل إلى شقة عمتها وجلسوا جميعًا في ود حتى جاءت ابنة عمتهم لتجلس معهم. ريماس!
الفتاة المدللة للعائلة والحفيدة المفضلة كذلك.
"ريماس بنتي تعبانة أوي يا عيني في كلية الطب."
قالت عمتها مقتحمة الهدوء السائد في المكان.
"ربنا يكون في عونها." قالت ميرال بلطف لتضيف عمتها:
"لكن كله يهون طالما هتبقى دكتورة قد الدنيا ويبقى أبوها يفتح لها عيادة إن شاء الله. ممكن وقتها بردوا يا أفنان يبقى أبوكي يفتحلك صيدلية تحتها وأهو شغل عيادة ريماس ينفعك."
وضعت أفنان كوب العصير بعصبية أعلى الطاولة أو كانت محاولة لكسره تقريبًا. لا تدري ما الذي تحاول أن تصل إليه عمتها 'سميرة'.
"إن شاء نفرح بيهم وبتخرجهم هما الإتنين الأول وبعدين نبقى نشوف حكاية الشغل دي." تفوهت والدة أفنان بلطف.
"آه.. بس كده كده مستقبل ريماس مضمون ما هي هتبقى دكتورة لكن الدور والباقي بقى على الصيدلانية..
"مش كنتي تدخلي طب أحسن يا أفنان؟"
"أنا مقتنعة بكليتي جداً يا عمتو وناجحة فيها الحمدلله، وبعدين حضرتك عارفة يعني أني كنت جايبة مجموع طب بس أنا اللي حبيت أدرس صيدلة."
"كده كده مصاريف طب كانت هتبقى غالية على أبوكي." بنبرة غرور واستفزاز تحدثت عمتها وهي تحرك يدها كي يلاحظوا الأساور الذهبية الجديدة التي ابتاعتها.
"والله يا عمتو مش حكاية مصاريف، أنا بس بدرس اللي مناسب ليا وبحبه مش بدرس أي حاجة وخلاص لمجرد أني معايا فلوس."
اردفت أفنان بإبتسامة صفراء وهي تقصد بحديثها ريماس التي استطاعت الإلتحاق بكلية الطب في جامعة خاصة لأن معدلها لم يسمح لها بدخولها دون أن تدفع الآلاف في جامعة خاصة، بالطبع أفنان لم تقصد التقليل من طلاب الجامعات الخاصة بشكل عام فأغلبهم طلاب جيدون ومجتهدين لكن ريماس ليست كذلك.
"أنتي تطولي أصلاً تدخلي جامعة زي اللي أنا فيها." تحدثت ريماس بغرور لتنظر نحوها أفنان بإمتعاض وتشكل يدها على شكل قبضة.
"ده بركة أني مش فيها والله، عشان لو كنت معاكي فيها كنت هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي يا ريمو يا حبيبة قلبي." بنبرة مزاح مختلطة بالسخرية قالت أفنان لتشهق ريماس بصدمة مفتعلة ثم تقول:
"شايفة يا مامي بتتكلم معايا إزاي؟"
"مامي؟ لا بقولكوا إيه قولوا لبابا أني هنزل أستناكوا تحت.. كفاية عليا لحد كده بدل ما أرتكب جناية." تحدثت بعصبية وهي تأخذ حقيبتها وتغادر متجاهلة نداء والدتها وشقيقتها.. إن جلست برفقهم لدقيقة أخرى ستقول ما لا يصح قوله.
تسير داخل الشوارع السكنية بحي الزمالك دون وجهة محددة، لم تبتعد كثيراً عن المنزل وقد كانت تهيئ نفسها لسماع محاضرة في الأدب والأخلاق من والدها عند عودتهم إلى المنزل.. لكنها لم تخطئ من وجهة نظرها، فعمتها دائماً ما تتعمد إحراجهم بشكل أو بآخر ودائماً ما تلقي الضوء حول مستواهم المادي.
صدح صوت رنين هاتفها في الشارع الهادئ لتخرجه من حقيبتها وقد علمت مسبقاً من هو المتصل.
"الأخبار لحقت توصلك؟"
"أنتي كويسة؟"
"الحمدلله مفيش خسائر في الأرواح."
"بتكلم بجد يا أفنان."
"آه يا نوح كويسة، أنت فاكر أني هتأثر بالهبل اللي اتقال يعني؟!"
"كونك شخصية قوية وبتعرفي تجيبي حقك ميمنعش أنك ممكن تزعلي أو أن الكلام يجرحك."
"مش مهم زعلي.. المهم كرامة أمي وأبويا وأن محدش يتجرأ يقول عليهم نص كلمة."
"هي زعلتك أوي بالكلام؟"
"وهي يعني ميرال محكتش بالتفاصيل؟"
"ادتني نبذة وقالتلي كلم المجنونة اللي نزلت وسابتنا دي."
"أجمل حاجة في العيلة دي أن كلها بتحترمني." اردفت بسخرية ليقهقه كلاهما ثم تردف هي بنبرة لطيفة ولكن جادة:
"ربنا يخليك ليا يا نوح.. أنت مش متصور وجودك جنبي في كل مواقف حياتي عموماً بيفرق معايا إزاي."
"ويخليكي يارب.. أنتي كمان وجودك بيفرق معايا وبتبسط لما بنقعد نتناقش ونتخانق كده."
"حقيقي.. حقيقي أنت أحسن أخ في الدنيا."
"نعم!!! بعد كل ده وتقولي أخوكي؟!"
قال بنبرة أشبه "بالردح".
رواية في حي الزمالك الفصل الثالث 3 - بقلم ايمان عادل
"حقيقي.. حقيقي أنت أحسن أخ في الدنيا."
"نعم!!! بعد كل ده وتقولي أخوكي؟!!!"
قال بنبرة أشبه بالردح.
"أفنان!" جاءها من الخلف صوت والدها الغاضب.
"طب اقفل دلوقتي يا نوح ونبقى نكمل كلامنا بعدين." أنهت المكالمة سريعا وهي تشكر والدها داخليا أنه أنقذها من حديثها مع نوح بشأن علاقتهم.
"نعم يا بابا.."
"أنتي ازاي تتكلمي مع عمتك بالإسلوب ده؟" سأل بغضب ثم أشار لها بإصبعه بألا تتحدث ثم أشار برأسه نحو هاتفه لتقترب وتلقي نظرة. كما توقعت إن والدها يمثل أنه يعاقبها كي يرضي شقيقته ولكي يرتاح من آلم الرأس.
"أنا أسفة يا بابا مش هتتكرر تاني." اردفت بنبرة متأثرة.
"لو اتكلمتي معاها كده تاني مش هيحصلك كويس أنتي سامعة؟"
"حاضر يا بابا." قالت ليبتعد عنها بمسافة كافية ويتحدث في الهاتف ينهي المكالمة ويعود إليها.
"متزعليش من كلام عمتك.. أحنا فعلا ظروفنا مش أحسن حاجة لكن وحياتك عندي لو كان نفسك في الطب كنت هدخلهالك حتى لو اضطريت أشتغل بعد الضهر."
"ربنا يخليك يا حبيبي ويباركلي في عمرك.. حضرتك عارف أني كده كده حلمي كان الصيدلة من زمان وإني الحمدلله مبسوطة في الكلية وتقديراتي كويسة. أنا مش بزعل عشان نفسي لكن لما بحس أن الكلام فيه تلميح على حضرتك أو ماما مش بقدر اتملكل أعصابي."
"أنا عارف.. تسلميلنا يا حبيبتي بس برضوا خوديها على قد عقلها ومتركزيش معاها."
"في أيه هو أخوكي يعني وأنا معرفش ولا ايه؟"
"زي أخويا وأنا قولتله كده من قريب."
"أنا بصراحة مش مقتنعة بالهري اللي أنتي بتقوليه ده."
"وأنا هكدب عليكي ليه؟ بصراحة أنا تفكيري في الوقت الحالي كله للدراسة.. أنا كل اللي يهمني أني أنجح بتقديرات كويسة وأتعين في شركة ولا مصنع أدوية محترم وأعوض بابا عن كل سنين الشقى." تحدثت أفنان بصدق.
"كل ده جميل وربنا يوفقك فيه.. لكن أظن أن خطوة زي قراية فتحة مثلا هتبسطه أوي."
"هو نوح هو اللي قالك تكلميني؟" سألت أفنان بصدمة.
"لا نوح ميعرفش ولا قال حاجة أصلا."
"لا يا شيخة؟" سألت أفنان بغيظ قبل أن تنقض على مريم وتضربها بالوسائد.
"وأما هو نوح ولا أتكلم ولا فتح سيرتي بتتسحبي من لسانك ليه؟ وبعدين نوح اصلا مشغول برسالة الماچيستير اللي بيعملها.. بطلوا تطلعوا إشاعات بقى!"
"انتوا الإتنين خايبين!"
"يعني الولد بيحضر ماچيستير وأنا بطلع من أوائل الدفعة.. تصدقي خايبين فعلا." علقت بسخرية وهي تقلب عيناها بتملل قبل أن تقول:
"بقولك ايه غيري سيرة الحوار ده.. يالهوي تصدقي حصل حاجة من شهر كده ونسيت احكيلك."
"حاجة ايه؟ خير إن شاء الله."
"كنت ماشية في الشارع وبعدين...." سردت لها ما حدث ذلك في اليوم في الزقاق المظلم حيث أنقذت الشاب ليضحك كلاهما. مؤكد أنه يشعر بالعار لما حدث ومؤكد أنه لو رأى أفنان مجددا لأبرحها ضربا لسردها ما حدث لكل من تعرفهم تقريبا (عدى والديها).
"حاضر يا بابا.. يلا نمشي."
"يلا يا حبيبتي." انتهت المحادثة هنا لتقترب أفنان وتقبل رأس والدها ثم تأخذ بيده ويذهبوا إلى السيارة حيث ينتظرهم والدتها وشقيقتها.
انقضى اليوم بسلام بل وشهرا كاملا.. لم يتحدث أفنان ونوح كثيرا خلال تلك الفترة سوى ليطمئن كيف أدت في الإختبارات وها هي قد أنهت عامها الثالث بكلية الصيدلة.
"كل ده نوم؟ أنتي جثة يا بنتي؟!" صاحت مريم وهي تقتحم غرفة أفنان وميرال.
"أيه ده.. أنتي جيتي أمتى؟" سألت أفنان وهي تفرك عيناها.
"بقالي ساعة.. فتحت أنا وميرال النور وشغلنا فيلم بصوت عالي وأنتي ولا هنا... حلوفة!" قالت وهي تقذف أفنان بالوسائد الصغيرة.
"يا ستي ما صدقت خدت أجازة!! مش كفاية سكاشن ٨ ونص بتاعت أخوكي!!"
استيقظت أفنان بعد معاناة كبيرة. قامت بتجهيز فنجان من القهوة ثم عادت للحجرة مجددا.
"أيه يا بنتي ده؟ قهوة عالريق."
"يا ستي كلت سندوتش وأنا في المطبخ. إلا هي ميرال راحت فين؟"
"نزلت تجيب حاجات مع خالتو وبصراحة بقى أنا قولت نقعد أنا وأنتي على إنفراد." تحدثت بحماس وهي تغمز بإحدي عينيها لتنظر نحوها أفنان في ريبة وتقول:
"أيه يا مريم هتعملي ايه؟ متتهوريش!!" اردفت بدراما زائدة وهي تتشبث بثيابها.
"يا بت بجد.. نوح أخويا."
"والله؟ معلومة جديدة كنت فكراه جاركوا وبتعطفوا عليه."
"بطلي هزار.. قصدي موضعكوا يعني."
"ما شاء الله هو كمان في مواضيع؟ مريم أنا ونوح متربين سوا ها.. متربين سوا."
"كان شكله أيه بقى؟"
"يادي أم السؤال اللي كله بيسألهولي كل أما تيجي سيرة الموضوع! مش فاكرة حاجة غير شكل الساعة."
"الساعة؟" سألت بتعجب لتومئ أفنان بحماس وتردف:
"بصراحة أول حاجة بتلفت نظري هي الساعة.. بحسها رمز الشياكة بالنسبة للولاد والرجالة يعني."
"طب مفيش أي حاجة تانية غير الساعة؟ أكيد ابن ناس بقى وكده."
"واد صايص كده.. مش عارف يدافع عن نفسه يا ستي أنا أرجل منه."
"هو مين ده؟" اردفت ميرال وهي تقتحم الغرفة.
"بنت حلال كنا لسه جايبين في سيرتك.. اقعدي بقى مع مريم عقبال ما أشوف حاجة مهمة عالاب توب." استطاعت أفنان أن تهرب من الحديث حول نوح.
"حاجة مهمة ايه؟"
"بقلب كده في صفحات الصيدليات لو عايزين حد part time 'نصف دوام' أو مصنع أدوية.. أي حاجة مفيدة في المجال يعني."
"طب يا ستي ربنا يوفقك." أخذت تتصفح في موقع شهير للبحث عن وظائف وتدريبات حتى وقعت عيناها على تدريب في شركة من كبرى شركات الأدوية في مصر... شركة RHEB. لكن لسوء حظها لقد اكتمل العدد كما هو موضح لكنها رأت أنه لا بأس من المحاولة فهي تقدم طلب للتدريب لجميع الشركات والمصانع لعل أحدهم يقبل بها حتى وإن توافي الشروط كاملة.
طلب منها أن تضع سيرتها الذاتية أثناء التقديم على التدريب. نظرت للشاشة بسخرية.. يريدون أن يعلموا خبراتها لمنحها التدريب.. إن كانت تملك خبرات سابقة وكافية لما عساها تقدم على تدريبا آخر؟
على أي حال وضعت سيرتها الذاتية التي تتضمن بياناتها وعلاماتها في السنتين الماضيتين بالإضافة إلى عمل تطوعي او اثنتين قد ساهمت فيهم.
وجدت أن هناك اسئلة يتوجب عليها أن تجيبها من أجل التسجيل. كانت تحتاج إلى ذكاء وإتقان وكأنه إختبار IQ لا إختبار للكيمياء وعلم الدواء والأمراض لكن لا بأس لقد حاولت على الأقل.
"هو نوح أخباره أيه؟ والرسالة اللي بيقدمها خلصت ولا لسه؟" سألت ميرال بإهتمام لتنظر نحوها مريم وهي تضيق عيناها بشك.
"اشمعنا؟"
"اشمعنا ايه يا بت هو مش ابني خالتي وواجب اطمن عليه برضوا؟"
"بقولكوا أيه انتوا بترغوا كتير أوي أنا هروح أحضر الغدا مع ماما." انسحبت من الغرفة تاركه إياهم يتحدثون بشأن نحو وتوجهت لتساعد والدتها.
"مالك يا ماما شكلك متضايق؟" سألت أفنان بقلق لرؤيتها وجه والدتها العابس على غير العادة.
"مفيش حاجة."
"متأكدة؟"
"عمتك وأبوكي اتخانقوا."
"ليه بقى؟"
"عشان إيراد المحل بتاع جدك الله يرحمه.."
"مش تيتا بتاخد الفلوس شهر وبابا شهر وعمتو شهر؟"
"اه.. بس جدتك بقى شايفة أن أبوكي مش محتاج الفلوس عشان هو راجل وخلاص كبر." اردفت والدتها بحزن وقلة حيلة.
"نعم؟ ده ورث هو ايه الهبل ده؟"
"بتقول أن عمتك وبنتها أولى عشان جوز عمتك مسافر."
"اه جوزي عمتي مسافر بيشتغل برا مصر وبياخد مرتب ما شاء الله كبير وبيبعتلهم كل شهر! لكن أحنا ظروفنا مش أحسن حاجة.."
"هنعمل ايه بقى يا بنتي حكم القوي.."
"متشليش هم يا ماما.. أنا هدور على شغل.. واصلا ميرال كمان بتدور وإن شاء الله ربنا هيكرمها." اردفت أفنان في محاولة لطمئنة والدتها. لقد أخذت الأمور تزداد سوءا مؤخرا.
"خلاص فرفشي كده يا رورو." قالت أفنان وهي تستخدم اسم تدليل لوالدتها ثم تقبل رأسها وتبدأ في تحضير الطعام.
"صحيح لما تخلصي أبقي غيري هدومك عشان نوح جاي يتغدى معانا."
"حاضر.. بس هو مش مريم هتبات معانا؟ إيه اللي جايبه؟"
"وأنتي مالك أنتي بيت خالته يجي في الوقت اللي يحبه."
"أنا شاكة أنك بتحبي نوح أكتر ما بتحبينا."
"طب ما دي حقيقة."
"شكرا أوي يا ست الكل.."
"خلي نوح يجي يخرطلك الملوخية بقى."
بعد ساعة ونصف تقريباً، كانت تحضيرات الغداء قد تمت.
"الباب بيخبط افتحي يا أفنان ده أكيد نوح." صاحت والدتها من الداخل لتهرول ميرال نحو الباب وتقول:
"هفتح أنا."
"ازيك يا نوح عامل ايه؟" قالت ميرال بابتسامة واضحة ليُبادلها نوح ويقول:
"الحمدلله بخير، جبتلكوا آيس كريم من اللي أفنان بتحبه."
"شكراً، أتفضل.. أغسل ايدك وأقعد عالسفرة."
جلس الجميع لتناول الغداء وبرفقتهم والدها 'أحمد' الذي كان واضح عليه الحزن وإنشغال رأسه بالتفكير.
"أظن يا أفنان ضيعتي أسبوعين في النوم واللعب المفروض دلوقتي تنزلي تدربي."
"لا وأنا مستنية أقتراحاتك يخويا.. بعت طبعاً لشركات أدوية ومصانع بس لسه محدش رد عليا."
"إن شاء الله يجيلك تدريب كويس أنتي متفوقة وتستحقي.. عمتاً، أنا في تدريب كده احتمال أنزله قريب لو الموضوع مشي هاخدك معايا."
"لا يا سيدي شكراً، مبحبش الوسايط أنا هعتمد على نفسي."
"الحق عليه أنه بيساعدك يعني؟ سيبك منها يا حبيب خالتو وكُل."
"مالك يا بابا مش بتاكل كويس ليه؟" سألت ميرال لتدعس أفنان على قدمها لتصمت الأخرى.
"مفيش يا حبيبتي مرهق من الشغل بس."
"إلا قولي يا نوح تعرف شركة اسمها RHEB؟"
"أعرف شركة اسمها RHEB؟ دي مشهورة جداً يا بنتي.. مش أي حد يعرف يدخلها ولا حتى يعدي من قدمها."
"خلاص يعم الأوڤر.. أنا عارفة أنها شركة كبيرة بس قولت اتأكد منك."
"أفنان بقولك أيه عايز أتكلم معاكي في موضوع كده بعد الغدا." تحدث وهو يُعيد ضبط نظارته الطبية.. إنه متوتر، انقبض قلب أفنان وهي تدعو الله بداخلها ألا يتحدث بالموضوع الذي في رأسها.
"ماشي مفيش مشكلة."
أنهوا الطعام وذهبت ميرال لتُعد طاقم من 'الشاي الساده' بينما وقف نوح وأفنان في الشرفة ليتحدثوا.
"خير يا دكتور."
"دكتور أيه أنتي كمان هيبقى هنا وفي الجامعة؟"
"أخلص يا عم الحج مش فاضية."
"هو أنتي في حد في حياتك؟" سأل لتشعر بغصة في حلقها.
"اه طبعاً، في.." تجهم وجهه لثوانٍ وشعر بأن قلبه على وشك مغادرة ضلوعه.
"كتب العضوي والحيوي والبوتاني والميكرو ولا كل دول مش مالين عينك." نظر نحوها بإشمئزاز وعصبية قبل أن يقول:
"ولما اسقطك في العملي بترجعي تزعلي!"
"يعم بهزر معاك الله! نوح أنت أخويا وصديقي الصدوق، أكيد لو في حاجة زي كده هحكيلك يعني."
ابتسم براحة ثم صمت وهو يتأمل ملامحها التي تُشبه خاصته، فكلاهما يُشبهان والدته أي خالتها، العيون البُنية والبشرة البيضاء الباهتة قليلاً، والأنف الصغيرة نسبياً، لكن الإختلاف كان يكمن في لون خصلات شعره البنية المُلتفة.
"تاخد صورة أربعة في ستة تتنح فيها براحتك؟"
"هو أنتي يا بنتي على طول مسحوبة من لسانك كده؟"
"ما أنت لسه هتسبل وأنا بصراحة مليش خلق للكلام ده."
"بقولك أيه أنا ماشي."
"بطل رخامة وأقعد معانا شوية."
"طب روحي هاتي الآيس كريم اللي جبته ناكل كلنا سوا."
"هتذلنا عشان جبتلنا علبة آيس كريم؟ عالعموم ماشي يا سيدي."
بعد مرور أسبوع كانت تتصفح أفنان هاتفها بملل حتى وصلها إشعار على البريد الإلكتروني خاصتها.
"مرحباً، أفنان، نُحب أن نعلمكِ بأنه تم قبولكِ بشكل مبدأي للحصول على تدريب في شركات RHEB، علماً بأنه يتوجب عليكي الحضور لإجراء مقابلة شخصية في يوم الثلاثاء الموافق .. / .. / .. وفي حالة أن تم قبولكِ سيكون هناك مبلغ عليكِ سداده ثمناً للتدريب وهو ألف جنيهاً مصرياً فقط لا غير، في حالة إتمام التدريب كاملاً دون التغيب يحصل المتدرب على شهادة لإنهاءه التدريب مع وضع اسمه في لائحة الإنتظار للتعينات بعد التخرج."
لم تشعر أفنان بنفسها إلا وهي تقفز وتصرخ بجنون داخل حجرتها.. لم تظن ولو بنسبة واحد بالمئة أنه سيتم قبولها!! خاصة وأن العدد قد أكتمل وأنه بالتأكيد قد قام مئات الطلاب بتسجيل استمارة التدريب.. لكن وقع الإختيار عليها!
إن استطاعت إجتياز هذه المقابلة الشخصية وإنهاء ذلك التدريب فستكون نقطة قوة كبيرة في تاريخها المهني ولربما استطاعت في المستقبل الحصول على وظيفة في هذه الشركة!
"خير يا أفنان في حاجة ولا أيه؟" دلفت والدتها إلى الحجرة بقلق وهي تمسك في يدها أدوات الطهي.
"معلش خضيتك.. بس أصلي اتقابلت بشكل مبدأي في شركة أدوية كبيرة أوي!!!"
"الله أكبر مبروك يا حبيبتي..هتشتغلي يعني؟"
"لا لا ده تدريب.. بس أنتي مش متخيلة يا ماما الموضوع ده هيفرق معايا إزاي بجد!"
"طب ما تتكلي على الله يا بنتي وتشوفي أيه المطلوب." هنا قفز إلى رأس أفنان تكلفة التدريب.. كيف ستستطيع توفيرها؟ إن والدها على وشك أن يمر بأزمة مالية.
"مالك قلبتي وشك ليه كده؟"
"أصل.. هما عايزين ألف جنيه.." صمتت والدتها لثوانٍ وقد تجمد وجهها لكنها سرعان ما عاودت الإبتسام وقالت:
"وأيه المشكلة يعني؟ هتصرف من خالتك ولا من أي حد المهم بس متضيعيش الفرصة دي من إيدك.."
"لا يا ماما، أنا مش هروح.. البيت أولى بالفلوس دي."
"يا بنتي مش بتقولي أنها فرصة حلوة؟ متضيعهاش من إيدك."
"فرصة أيه اللي بتتكلموا عنها؟ خير إن شاء الله." اردف والدها وهو يقتحم حديثهم بإبتسامة دافئة.
"ست أفنان اتقبلت في تدريب وزعلانة عشان عايزين ألف جنيه."
"وزعلانة ليه؟ أنا هتصرف وأديكي الفلوس اللي محتاجاها."
"بصراحة يا بابا أنا محوشه ٧٠٠ جنيه.. بس.."
"بس أيه؟"
"أنا عرفت أن العربية عطلت.. خد يا بابا الفلوس دي صلح بيها العربية أحسن.."
"أنتي عبيطة يا بت؟ أنتي فاكرة أني ممكن أخد منك جنية واحد؟"
"يا بابا ما هي فلوس مين يعني؟ ما هي فلوسك أنت وماما في الأول وفي الآخر."
"ولو برضوا.. رانيا روحي هاتي ٣٠٠ جنية من الدولاب."
"يا بابا بس..."
"من غير بس، يلا يا رانيا بسرعة من فضلك." أحضرت والدتها المال ليأخذه والدها ويمنحه لأفنان ويُمسك يدها بحنان ويقول:
"العربية تتصلح متتصلحش في داهية لكن مستقبلك وسعادتك مينفعش يتعطلوا عشان أي حاجة تانية في الدنيا." قال لتُقبّل رأسه ثم يضمها في حنان.
"لو عوزتي أي فلوس تاني عشان التدريب أو غيره عرفيني."
"حاضر يا حبيبي.. ربنا يباركلي فيك أنت وماما."
"ويبارك فيكي أنتي وأختك يارب يا حبيبتي." اردفت والدتها ثم تُغادر الغرفة هي وزوجها تاركين أفنان غارقة وسط أفكارها وترددها..
هل حقاً ستُكمل أمر التدريب ذلك أم أن تمنح والدها المال وتجد أي كذبة لإقناعه؟ .
رواية في حي الزمالك الفصل الرابع 4 - بقلم ايمان عادل
استيقظت أفنان على صوت المنبه خاصتها. ولأول مرة، نهضت سريعا ولم تتكاسل.
شعرت بألم يجتاح معدتها وألم يغلف رأسها. لم تنم طويلا، فقد ضيعت الليل كله في المذاكرة والبحث في مجال الصيدلة. وبين التردد حول ذهابها إلى المقابلة الخاصة بالتدريب، لكنها قررت أن تجازف وتذهب بالرغم من أنها تشعر بأنها أنانية.
ارتدت ثياب رسمية مهندمة، قميص باللون الأبيض و"بليزر" باللون الأسود وبنطال أسود كذلك مع وشاح رأس أبيض اللون. لقد بدت مهندمة وجذابة. وقفت تتأمل الشكل النهائي لثوبها لتجد أنه جيد.
"ماما أنا نازلة أدعيلي بالتوفيق." صاحت أفنان وهي تأخذ حقيبتها وتتجه نحو الخارج دون أن تسمع إجابة والدتها. لم ترى ميرال لأنها قد سبقتها وذهبت إلى مقابلة عمل في الصباح الباكر ولم تعد بعد. كانت الساعة العاشرة حينما غادرت أفنان المنزل، بينما موعدها في الشركة هو الثانية عشر.
كان مقر الشركة يقع في مدينة العبور داخل المنطقة الصناعية. امتعض وجه أفنان وهي تراجع العنوان الذي بيدها. إن الموقع يبعد عن منزلها كثيرا. سيستغرق الأمر الكثير من الوقت والمال.
بعد عناء شديد استطاعت أفنان الوصول إلى مقر الشركة داخل المنطقة الصناعية.
كانت الشركة غاية في الفخامة، يكسوها اللون الأزرق الداكن اللامع الذي يشبه المرآة مع شرفات بلون موحد باللون الرمادي، وكذلك تعكس الضوء والصور كالمرآة. كان هناك مرآب خاص بالشركة يحوي العديد من السيارات باهظة الثمن. تقترب أفنان من مدخل الشركة وتشعر بالتوتر يدب في صدرها. بمجرد وقوفها أمام الباب الزجاجي، يفتح تلقائيا. تتجه مباشرة نحو موظفي الاستقبال. شاب وفتاتان. الشاب يرتدي بذلة رسمية والفتيات كذلك، لكن خاصتهم كانت تختلف في كون الجزء السفلي تنورة وليس بنطال.
"صباح الخير.."
"صباح النور. أساعد حضرتك إزاي؟"
"أنا عندي انترڤيو النهاردة بخصوص تدريب طلاب كلية الصيدلة."
"ممكن أعرف اسم حضرتك والميعاد؟"
"أفنان أحمد. الميعاد بتاعي الساعة 12 الضهر."
"تمام. حضرتك هتطلعي الدور التالت وهتنتظري في الـ waiting area (منطقة الانتظار) لحد ما السكرتارية يبلغوكي إنك تقدري تتفضلي." شكرت أفنان الموظفة وهي تحاول أن تخفي انبهارها بالمكان والموظفين وكل شيء هنا تقريبا.
كان جميع الموظفون يرتدون ثياب تبدو باهظة الثمن، والجميع ذو مظهر مرتب وأنيق. الأجواء هادئة بالرغم من وجود عشرات الموظفين.
نفذت أفنان ما قيل لها وتوجهت إلى الطابق الثالث، وبالفعل، وجدت موظفة أخرى أرشدتها إلى غرفة الانتظار لحين قدوم دورها. أخذت تتأمل المكان كنوع من التسلية. هذا المكان هو عالم آخر تماما. البشر هنا يختلفون عما ترى أفنان في العادة. تشعر وكأنها انتقلت إلى مسلسل تلفزيوني لا حياة واقعية.
"أف.. أفنان أحمد."
"أيوا يا فندم."
"تقدري تتفضلي."
تابعت السير خلف الموظفة حتى دلفت إلى داخل المكتب. كان يكسو الأثاث اللون الأسود، بينما لون الحائط كان باللون الكريمي. هناك شرفات كبيرة ملونة كما رأتها في الخارج، وهناك جانب من الغرفة به زجاج شفاف.
"أتفضلي يا دكتورة." جلست أفنان على الكرسي المقابل للمكتب وهي تعدل ثيابها بتوتر حاولت جاهدة أن تخفيه. كان من يجري المقابلة هو شاب يبدو في الثلاثين من عمره. يظهر على ملامحه الجدية والإنضباط.
بدأ بالأسئلة المعتادة، مثل أن تعرف نفسها. ولماذا تود الحصول على تدريب في الشركة.
"وحضرتك بقى يا دكتورة شايفة نفسك فين بعد خمس سنين؟"
"مديرة فرع من فروع الشركة."
"مديرة فرع مرة واحدة؟"
"آه، وإن شاء الله يبقى فرع من الفروع القريبة عشان ده بعيد أوي." تحدثت بنبرة بين المزاح والجدية ليبتسم هو ثم يردف:
"ممكن تقوليلي إيه أهم حاجات في حياتك بالترتيب."
"بعد علاقتي بربنا طبعًا، يجي في المقام الأول عيلتي، دراستي، وبعدها شغلي."
"لو حصل بينك وبين متدرب تاني خلاف، هيكون رد فعلك إيه؟"
ابتسمت أفنان بهدوء وهي تحاول أن تحصل على إجابة مقنعة وجيدة، غير أنها ستقوم بتحطيم الشركة على رأس من يضايقها.
"هحاول اتناقش معاه بهدوء، يمكن نوصل لحل. لو لا قدر الله معرفناش، هشوف الدكتور المسئول عننا ويشوف هو حل للخلاف."
"طيب لو الخلاف مع الدكتور اللي هيدربك شخصيًا؟"
"طبعًا. أنا عارفة أن دي كلها افتراضات، بس صدقني يا فندم أنا جاية هنا وهدفي الأول والأخير هو الاستفادة من كل لحظة بقضيها هنا وأتعلم كل حاجة بتتم إزاي ومش هيكون في مجال لمواقف زي دي إن شاء الله. ولكن لو فرضًا إنها حصلت، هحاول أتخطى المشكلة أو الموقف عشان برضوا أقدر استفاد."
"إحنا كده خلصنا الأسئلة العامة، ودلوقتي هنبدأ في الجزء التيكنيكال (أسئلة حول التخصص)."
"مع حضرتك يا فندم."
استمرت المقابلة لساعة إلا خمسة عشرة دقيقة تقريبا. لقد قام بسؤالها في كل حرف قد درسته في الصيدلة تقريبا. لم يعلق بأي شيء في النهاية، فقط اكتفى بشكرها وتمنى حظا جيدا لها.
بعد خروجها، قابلتها الموظفة ذاتها التي أرشدتها في البداية وقالت:
"في خلال أسبوع إن شاء الله هنرد على كل المقبولين، فحضرتك تقدري تتابعي معانا من خلال الإيميل. ودفع قيمة التدريب هيكون في أول يوم تدريب."
"تمام. شكرا جزيلا لحضرتك." أردفت أفنان بلطف قبل أن تتجه نحو المصعد. وبمجرد وصولها إلى الطابق الأرضي، وجدت حركة عشوائية في المكان لم تدري سببها. تجاهلت الأمر وتوجهت نحو الداخل بهرولة لا سبب لها، هي فقط تحب أن تسير بمعدل سريع. تصطدم بشخص ما بقوة ليردف بغضب:
"ما تفتح يا أعمى!" لم ترى بمن اصطدمت، فقط غادرت المكان وهي تمسك كفتها بألم. لقد كاد أن يخلعه ذلك الشخص الأحمق!
طلبت سيارة أجرة لتُوصلها إلى خارج المنطقة الصناعية. أوصلتها السيارة إلى المدينة نفسها، وفكرت أفنان في أن تجعل السيارة توصلها إلى المنزل، لكن ذلك سيتطلب مبلغا كبيرا ليس بحوزتها على الأغلب. بعد أن غادرت السيارة، وقفت تبحث عن أي مواصلة قد توصلها إلى أقرب نقطة من منزلها، لكن لم تجد.
"ألو.. إيه يا نوح أنت فين؟"
"كنت بخلص شغل في مصنع أدوية، وأنتي؟ أنتي في الشارع؟ في صوت دوشة حواليكي."
"آه أنا في الشارع.. في العبور ومش لاقيه حاجة أركبها.. ممكن تيجي تاخدني؟"
"تدفعي كام؟"
"هديلك تمن البنزين عالراحة."
"كفي نفسك يا ظريفة. ابعتلي اللوكيشن وهجيلك."
بعد خمسة عشرة دقيقة، كان نوح يقف أمامها بسيارته ذات الطراز المتوسط، لكنها جيدة بالنسبة لشاب في مقتبل العمر.
"ساعة عشان تيجي؟ الشمس كلت دماغي."
"بلاش لماضة وأركبي. فكراني الشوفير بتاعك يا ماما ولا إيه؟"
"ششش اسكت.. إلا قولي صحيح أنت جيت بسرعة كده إزاي؟"
"صباح الفل، قولتلك أني كنت في مصنع. هو بعيد شوية عن هنا يعني، بس تمام."
"كنت بتعمل إيه في المصنع بقى؟" سألت بفضول ليرد عليها بسؤال أيضا.
"وإنتي كنتي بتعملي إيه في زايد بقى؟"
"ملكش دعوة، ومتقوليش أنتي كمان ملكيش دعوة."
"طب ما هو أنتي ملكيش دعوة بجد."
"بقولك إيه خلينا حبايب كده مع بعض بدل ما أكرسلك العربية، آمين؟"
"إيه ده هو إحنا كنا حبايب؟" لم تجبه وشعرت بوجنتها تشتعل حمرة. لم يكن هذا مقصدها من استخدام الجملة، لكنه قام بقطع جزء محدد من حديثها.
"يا سلام.. عشت وشوفت أفنان بتتكسف!" ضربته بقوة في كتفه بواسطة حقيبتها ليُسبها قائلا:
"بت أنتِ مجنونة؟!"
"أنا بسوق هنعمل حادثة!"
"طب ركز في السواقة واسكت." جلسوا في هدوء قليلا قبل أن تقوم أفنان بتشغيل أغنية بصوت مرتفع نسبيا بينما تراقب الطريق من الشرفة.
"برضوا مش هتقوليلي كنتي بتعملي ايه؟"
"كنت بقدم على تدريب يا سيدي."
"ايوا تدريب ايه يعني؟ وفين؟"
"هبقى أقولك لما الموضوع يكمل على خير، عشان أنا عارفة حظي الهباب لو حكيت لحد الموضوع هيبوظ."
"ماشي ياختي."
بعد مرور ساعة تقريبا، توقفوا أمام منزلها.
"بما أنك كنت جدع معايا ووصلت فهتطلع تتغدى معانا كمكافئة ليك."
"شكرا، يا ستي ماما مستنياني عالغدا."
"يا عم اطلع بقى بلاش رخامة وبعدين ديه ماما عاملة بامية وفراخ."
"لا إذا كان في بامية يبقى هطلع طبعا."
بعد مرور أسبوع، وصلت رسالة القبول إلى أفنان عبر البريد الإلكتروني. وبعد الإحتفال الذي أقامته في حجرتها، عادت الهواجس تلاحقها مجددا. هل حقا ستقوم بدفع الألف جنيه؟ أم ستتخلى عن تلك الفرصة في مقابل إصلاح سيارة والدها؟
"مالك قلبتي وشك ليه؟ ده أنا جاية أقولك على خبر حلو."
"خير إن شاء الله."
"أنا اتقبلت ك Hr في الشركة اللي قدمت فيها الإسبوع اللي فات!!!"
"بتهزري!!!!!" صرخت أفنان وهي تقفز وتضم شقيقتها.
"مبرووك!!"
"دلوقتي بقى يا ستي تقدري تروح التدريب بتاعك ومتشيليش هم الفلوس." قبلت أفنان شقيقتها وهي تبتسم ابتسامة واسعة. لقد تم حل نصف المشكلة، ستتكفل ميرام بمصاريفها الشخصية وسيقلل ذلك الحمل من على كاهل والدهم ووالدتهم.
"هتدفعي الفلوس أمتى بقى؟"
"يوم الأحد إن شاء الله.. أول يوم في التدريب يعني."
كانت تنتظر أفنان يوم الأحد على أحر من جمر. وقد جلست طويلا في حيرة من أمرها ماذا سترتدي في يومها الأول؟ وقد استقرت في النهاية على ثوب باللون الأرجواني الداكن مع بنطال باللون الأسود ووشاح باللون الأبيض.
استيقظت باكرا في ذلك اليوم بحماس شديد وكأنها طفلة في الثامنة من عمرها متحمسة للرحلة المدرسية! تناولت فطورها سريعا، ثم تأكدت أنها أخذت أغراضها كاملة وأن الألف جنيه في حقيبتها وأنها لم تنسى المعطف الطبي.
وصلت قبل موعدها بخمسة عشرة دقيقة، تجد موظفة الإستقبال اللطيفة ذاتها لتقترب منها وهي تقول:
"بعد إذنك أنا تبع التدريب.. ممكن أعرف المفروض أستنى فين دلوقتي؟"
"حضرتك هتدفعي فلوس التدريب هنا وتمضي قدام اسمك وبعدين هتطلعي الدور التاني وهتلاقي في طلبه منتظرين في قاعة.. أول باب على ايديك الشمال."
"شكرا جدا." نفذت ما قالته الموظفة وبالفعل وصلت للقاعة سريعا. كانت مساحتها كبيرة ومنظمة تحوي العديد من الكراسي والأجهزة. كانت مجهزة تماما للتدريبات.
في الموعد المحدد كان العدد قد اكتمل تقريبا. مئة وخمسون متدرب ومتدربة يجلسون في القاعة. كانت أفنان تجلس في الصف الثاني كي تسمع وترى بوضوح.
اقتحم القاعة رائحة عطر رجولي ثقيل ثم تبعها صوت خطوات تنتمي لصاحب العطر الذي يسكر من يشمه. يدخل هو بقامته الطويلة، يرتدي بذلة رسمية يكسوها السواد ما عدا قميص باللون الأبيض. يرتدي بطاقة تعريفية تحمل اسمه ووظيفته على الأغلب. خصلات شعره السوداء الناعمة مرتبة بعناية مع ذقن فحمية اللون مهذبة وزوج من الأعين التي يميل لونها إلى الأخضر.
"صباح الخير.. أعرفكوا بنفسي، أنا الدكتور رحيم حامد.. خريج كلية صيدلة وعملت ماچيستير وفي طريقي لتحضير الدكتوراه. أنا اللي هكون مسئول عن تدريبكوا هنا في الشركة مع مساعدة بسيطة من بعض الزملا." ابتسم الجميع وهم يستمعون إليه بينما نظرت نحوه أفنان بتأمل وهي تشعر أنه يبدو مألوف قليلا.
"دلوقتي أنا هنده على الأسامي عشان أشوف مين حضر ومين محضرش، and i'll try my best 'سأحاول جاهدا' أني احفظ اساميكوا وشكلكوا." بدأ في قول الأسامي والتي لم تكن مرتبة حسب الترتيب الأبجدي بل كان ترتيبا عشوائيا. لذا لم يكن اسم أفنان في بداية القائمة.
"أنغام أحمد."
"أنغام ايه! أفنان يا باشمهندس أفنان!" اردفت بحنق وهي تستقيم بعصبية من مقعدها.
"خلاص ومالك فخورة أوي كده.. أتفضلي اقعدي."
جلست وصمت هو لثوان، ثم اردف:
"ثانية واحدة.. باشمهندس مين؟ أنا دكتور!!!"
لم تجبه بل قلبت عيناها وجلست في مقعدها بينما صمت هو لثوان وقد شعر أن نبرة الصوت وحدة الكلام تلك مألوفة. لكن لا يذكر أين سمعها.
"طيب أول حاجة هنتكلم عليها النهاردة هي الأدوية المضادة للحساسية أو أدوية الجهاز التنفسي واللي هي اسمها Anti Histamine, respiratory." بدأ في شرح المستوى النظري، كأشهر العائلات في هذا النوع، التركيبات التي يحويها، طريقة التصنيع وما إلى ذلك.
"دلوقتي حضراتكوا هتتفضلوا برا في صورة مجموعات عشان تشوفوا جزء عملي على الكلام اللي احنا قولناه ده." بدأ في قول الأسامي التي ستكون في المجموعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة. وكانت أفنان في المجموعة الخامسة لذا هي كانت آخر من يغادر القاعة تقريبا. لكن أوقفها صوت 'الدكتور' رحيم.
"انا شوفتك فين قبل كده؟"
"وأنا اعرف منين يعني؟" اردفت بحنق دون أن تلتفت نحوه وأكملت طريقها نحو الباب. لكن أوقفها صوته وهو يوبخها بنبرة لا تخلو من الصدمة مردفا:
"أنتي ازاي تكلميني بالإسلوب ده! ثانية ثانية.. أنا افتكرتك!"
"أنا عارفة الصوت ده.." همست لنفسها ثم التفتت لت قابله. وقد وقعت عيناها على معصمه.. بل بشكل أدق ساعة يده!!
"مش انت الواد الخرع اللي اتثبت؟!"
اقترب نحوها بسرعه شديدة قبل أن يضع الملف على فمها لتصمت.
"ششش أخرسي خالص هتفضحيني! وايه خرع دي؟ إيه اللفظ السوقي ده!"
"أبعد يا عم أنت!" اردفت وهي تبتعد عنه، ليلحق بها ويقول:
"يا أنغام Please مش عايز فضايح في مكان شغلي!"
"لو قولتلي أنغام دي تاني هاكلك علقة!" قالت بغيظ شديد وهي توعد له بيدها.
"أنتي مجنونة يا بنتي؟ بتكلميني ازاي كده!" صاح بغضب ممتزج بالدهشة وهو يتحدث إليها لتردف هي ببرود:
"بص أهو أنت اللي عامل دوشة وبتفضح نفسك أهو!"
"طب خلاص.. خلاص روحي شوفي مجموعتك راحت فين."
غادرت الحجرة سريعا وهي تبحث عن المجموعة خاصتها. ليقف هو لثوان وقد ارتسمت إبتسامة جانبية على شفتيه.
لم تراه مجددا ذلك اليوم. فلقد كان مسئول عن تدريب المجموعة الثالثة. حاولت أن تزيح أمر ذلك الأبله من رأسها وأن تصب تركيزها كاملا على ما يتم شرحه وما تقوم بتجربته.
عادت أفنان إلى منزلها وهي تشعر بإرهاق شديد. لقد كان يوما طويلا ومرهق بالفعل. لكنه مازال اليوم الأول. والتدريب سوف يكون ثلاثة أيام في الإسبوع ولمدة شهر تقريبا. لكن لحسن الحظ أنها لن تذهب في الغد.
"قوليلي عملتي ايه؟" سألت ميرال بحماس فور دخول أفنان إلى الحجرة.
"قوليلي أنتي عملتي أيه في شغلك النهاردة."
"أنتي نسيتي يا أفنان ولا أيه؟ ما انا حكتلك في التليفون يا بنتي."
"شكلي جالي الزهايمر بدري بدري.!" اردفت لتقهقه ميرال بسخرية. تبدل أفنان ثيابها ثم تبدأ في سرد ما حدث لشقيقتها.
"حلو أوي الكلام ده، سيبك بقى من التدريب مقبلتيش حد حلو كده ولا كده؟" سألتها ميرال وهي تغمز بعينيها.
"تاني؟ قولتلك الحاجات دي مبتشغلنيش!"
"أومال أيه اللي بيشغلك؟ الكيمياء!"
"بصراحة اه.. شوفتي كنت هنسى احكيلك على حاجة مهمة جدا!"
"سمعيني يختي."
"مش قابلته النهاردة.." همست أفنان، لتهمس شقيقتها تلقائيا بدون سبب قائلة:
"هو مين ده؟ نوح؟"
"نوح ايه يا ستي لا.."
"أومال مين.."
انجزي!" قالت شقيقتها بحماس مفرط.
"الواد ابو ساعة حلوة.."
"أبو ساعة حلوة؟!!!"
__________
تذكره : (اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ،
والبُخْلِ، والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ، وغَلَبَةِ الرِّجالِ).
وبكده يبقى خلص شابتر النهاردة 👈🏻👉🏻❤
اخيراً القمر ظهر 😂😂🤍
كنت متحمسة أوي للشابتر اللي هيظهر فيه، ودلوقتي هيبقى في
منافسة ما بين الناس اللي بتحب نوح والناس اللي هتحب رحيم
😂😂🤍
رأيكوا في الأحداث؟
رأيكوا في نوح وتصرفاته؟
رأيكوا في رحيم؟
شخصية أفنان؟
السرد والأحداث لحد دلوقتي؟
بحبكوا جداً وشكراً أننا قربنا نوصل لألف قارئ 🤍
رواية في حي الزمالك الفصل الخامس 5 - بقلم ايمان عادل
"الواد ابو ساعة حلوة.."
"أبو ساعة حلوة؟!"
"ايوا.. اللي كان هيتسرق ده.."
"افتكرته بس ممكن نخلص من أم الساعة دي وتقوليلي شكله عامل ازاي؟"
"ما هو أصل..."
"أصل إيه؟ كانت الإضاءة واطية في الشركة؟ المرة دي مفيش حرامي ركزي معاه."
"بص هو بدقن." صفعت ميرال وجهها إن أفنان تنتبه لتفاصيل عجيبة بالنسبة لميرال.
"هو طويل؟ دي حاجة لافتت نظري بما أنه كان واقف قصادي طول اليوم.. وبدقن؟ أكتر من كده متلاقيش تفاصيل."
"ايوا كده دلعيني وقولي تفاصيل."
"المهم بقى أنه واد توتو كده وعلى طول بيقول كلام إنجليزي."
"طب ما حلو ده! ايوا بقى خلينا نطلع للمستوى الأعلى."
"لا ده مش ليڤل أعلى.. ده ليڤل الوحش"
"كفاية رغي وتعالوا ساعدوني في الغدا."
"حاضر يا ماما." قالت أفنان وهي تغادر سريرها.
في اليوم الثاني من التدريب وصلت أفنان إلى مكان قريب من الشركة وأخذت تسير بضع خطوات حتى تصل إلى هناك. قفزت عند سماعها لبوق سيارة كادت أن تدهسها لكنها توقفت قبل أن تلمسها بإنش واحد تقريبا.
"يا ابن ال...." اردفت بصوت عال وهي تهرول نحو السيارة وتحاول فتح بابها لتجد بداخلها سائق وشخص يجلس بالخلف.
"انزل!" صرخت في الشاب الذي يبدو في الثلاثين من عمره تقريبا.
"حقك عليا يا فندم مكنتش واخد بالي ولاقيتك قدامي فجأة." اعتذر الشاب بأدب وكادت هي أن تسامحه لولا أن جاءها صوت من يجلس بالخلف قائلا:
"أنت بتعتذرلها ليه؟ ابقي أمشي عالرصيف بعد كده يا أفنان هانم."
"هو أنت؟ اه طبعا.. ما هو لازم العربية اللي بتتساق بالشكل ده تبقى بتاعت سيادتك طبعا!"
"ششششش Shut up! أنتي بترغي كتير ليه؟ يلا مش أنتي كويسة؟ اتفضلي شوفي رايحة فين." تحدث بغرور ونبرة مستفزة لتلمسك أفنان بحقيبتها وتخرج منها زجاجة عطر متوسطة الحجم.
"ولا! يا تحترم نفسك معايا يا إما وحياة أمي وأبويا لهدغدغلك إزاز العربية دي!" قالت وهي تعيد ذراعها إلى الخلف وإلى زاوية عالية وكأنها ستقذف الزجاجة على زجاج سيارته الفخمة.
"أنتي مجنونة ولا ايه؟ مش عارف ازاي سمحوا للأشكال اللي زيك أنها تدخل الشركة، أنتي مكانك مش هنا." كادت أفنان أن تسبه لكن جملته قد أصابتها بوغزة في قلبها.. هل هي حقا لا تليق في أن تصبح في هذا المكان؟ هل هي حقا فتاة 'بيئة' وعشوائية ولا يمكنها الإنسجام مع من مثلهم؟ هي لم تختر أن تكون بهذا الشكل لقد فرضت عليها الحياة الخارجية أن تصبح صلبة وعنيفة كي تستطيع حماية ذاتها من الأذى.
"ميرسي أوي." قالت وهي تضع زجاجة العطر داخل حقيبتها وتعاود السير في طريقها نحو الشركة. لم تكن أفنان من النوع الذي يتأثر كثيرا بما يقال عنها لكنها لا تدري ماذا حدث.
حاولت أفنان التركيز فيما يشرح أثناء التدريب متجاهلة حقيقة أن من يقوم بالشرح هو ذلك الوغد اللعين والذي لم ينفك ينظر إلى عيناها طوال الوقت. أخذت تكتب الملاحظات وكادت أن تطير من السعادة حينما تمت تفرقتهم ليبدأو الجزء العملي من التدريب فهي لا تود رؤية وجهه مجددا أو التحدث إليه وإلا ستكون العواقب وخيمة.
مر أسبوع كامل وقد ذهبت للتدريب مرتين تقريبا ولم يختلط بها مرة أخرى وقد كانت شاكرة لذلك. كانت المدة كافية لتسحق كلماته أسفل حذائها وتستعيد ثقتها بنفسها. ومع بداية الأسبوع الثاني ذهبت إلى مقر تدريبها باكرا لذا لم تجد احدا سواها داخل القاعة لذا فضلت الانتظار في الردهة عوضا عن الجلوس وحيدة. مر هو من أمامها وقد سبق مروره رائحة عطره الفواحة التي تتوغل داخل كل ركن من أركان المكان.
"صباح الخير.. أنا كنت عايز.."
"لو اتكلمت معايا تاني ههينك."
"من فضلك Give me a chance to apologise to you! 'من فضلك امنحيني فرصة لأعتذر لك.' " تخللت اللغة الإنجليزية حديثه لترفع إحدى حاجبيها وتقول:
"كلمني عربي."
"مش عيب دكتورة زيك متكونش بتفهم إنجليزي؟" تحدث بغرور ليمتعض وجهها قليلا ثم تبتسم ابتسامة مزيفة وهي تقول:
"يا ابني هو أنت بتحب تجيب التهزيق لروحك؟"
"خلاص.. أنا عارف أني كنت سخيف معاكي المرة اللي فاتت، متزعليش."
"أظن كان ممكن تختصر الكلام ده في جملة من كلمتين بس 'أنا أسف.' " تحدثت بنبرة متحدة وهي تنظر داخل عيناه.
"على جثتي." اردف لتنظر نحوه نظرة طويلة قبل أن تتركه يقف وحيدا وتتجه إلى القاعة. وها قد انتهى يوما آخر من أيام التدريب خاصتها. كان من المفترض ألا تعود في هذا اليوم إلى منزلها وأن تذهب إلى خالتها.
"نوح.. ممكن لو أنت قريب من اللوكيشن اللي بعته تيجي توصلني؟ بما أني رايحة بيتكوا كده كده." بعثت برسالة صوتية إلى نوح والذي كان قريبا بالفعل وقد تطوع إلى الحضور وإيصالها.
"اتأخرت عليكي؟" سأل بلطف فور وصوله إلى موقعها.
"لا تمام." تحدثت بنبرة غير مرحة على غير العادة.
"حصل حاجة ولا ايه؟"
"خلينا نتحرك وهحكيلك في الطريق." قالت بإيجاز ليومئ ويركب كلاهما السيارة.
"قوليلي بقى حصل ايه؟ وبتعملي ايه هنا؟"
"جالي تدريب في شركة RHEB."
"بجد؟ طب ده شيء عظيم جدا.. حد ضايقك جوا ولا ايه؟" تحدث نوح بحماس وهو يبتسم لكنها لم تبادله الإبتسام.
"لا.. في واد سخيف كده بس ادتله اللي فيه النصيب.. بس مش ده اللي مضايقني اصلا."
"أومال ايه اللي مضايقك يا ستي؟ صدعيني."
"بابا.. نفسيته وحشة أوي اليومين دول.. وظروفنا مش أحسن حاجة في الوقت الحالي.. إيراد المحل اللي بابا كان بيخده تيتا قررت أنه مش هياخده تاني.." تحدثت أفنان بإنكسار ولأول مرة منذ مدة كبيرة يراها نوح بهذه الحالة. فهي في العادة تكون سعيدة.. صاخبة.. مليئة بالحياة لكنها الآن تبدو منكفئة إلى درجة كبيرة.
"وازاي تعمل حاجة زي كده؟ ده في حرمانية.. المحل ده مش ورث؟"
"اه ورث.. وهي صممت أنه ميتباعش وكل واحد ياخد نصيبه.. قررت أنه يفضل مفتوح لا وقال إيه عايزة بابا ينزل يوقف فيه كمان!"
"أنا أسف ليكوا بجد أنكوا مضطرين تعيشوا ظروف زي دي.. طبعا مش محتاج أقول إنك لو عوزتي أي حاجة تطلبيها مني."
"ربنا يخليك يا نوح.. أنا مش بحكيلك عشان تعرض عليا مساعدة.. مش بشحت يعني."
"أنتي عبيطة؟ ليه اخدتيها كده؟ وبعدين ده هيبقى سلف وهترجعيه تاني زي ما كنا بنعمل زمان."
"ربنا يخليك ليا يا نوح.. حقيقي وجودك بيفرق في كل حاجة." توقفت السيارة أمام منزل خالتها فتتجه أفنان نحو العمارة مباشرة ويتبعها نوح بعد وضع السيارة في المرآب.
"خالتو حبيبتي وحشتيني." ضمت خالتها فور فتحها لباب الشقة.
"أومال نوح فين؟" سألت ميرال بفضول لتجيبها أفنان بإبتسامة صغيرة:
"المفروض طالع ورايا." صعد نوح بعد عشرة دقائق تقريبا وهو يحمل عدة أكياس.
"جبتلك يا خالتو المانجا اللي بتحبيها، وخوخ للأنسة ميرال عشان بتحبه ومشمش لمريم، وجبت حاجة سقعة لماما."
"اروح طيب ولا اعمل ايه؟" سألت أفنان بسخرية وغيظ.
"معلش يا أفنان الفلوس مكفتش بقى." اردف بنبرة جدية مزيفة لتصيح بغضب طفلي وتقول:
"أحسن مش عايزة من وشك حاجة."
"يا قموصة ما أنتي بتاكلي كل الحاجات دي!"
"ايوا بس مقولتش اسمي!!"
"بت بطلي دوشة وروحي ساعدي خالتك في الأكل." قالت والدتها لتضرب الأرض بقدمها بغيظ ثم تذهب نحو المطبخ.
"سيبك منها يا حبيبي.. بس كلفت نفسك جامد يا نوح."
"عيب يا خالتو متقوليش كده.. وبعدين هو انتوا بتيجوا كل يوم يعني؟"
"لا بنيجي كل أسبوع!" تحدثت أفنان وهي تخرج رأسها من المطبخ. وبحركه سريعة تلمسك والدتها 'بالشبشب' وتقذفه نحوها.
تناولوا الغداء وسط مزاح وثرثرة وكان تركيز ميرال كاملا نحو نوح والذي كان يمازحها من حين لآخر. بعد انتهاء الليلة عادوا إلى منزلهم ليجلس نوح في الشرفة وأمامه الحاسوب المتنقل. كان يقرأ بعض الأبحاث المرتبطة بموضوع رسالة الماجستير خاصته.
"جبتلك كوباية شاي وحته بسبوسة من اللي خالتوا جبتها."
"تسلم ايديك." قال نوح بلطف وكان ينتظر من شقيقته أن ترحل لكن بدلا من ذلك وقفت تحدق فيه بتردد.
"في حاجة يا مريم؟"
"نوح هو أنت بتحب أفنان؟"
"ممكن نتكلم في الموضوع ده بعدين؟" قال نوح بتوتر وهو يقوم بضبط نظارته الطبية.
"طب مش ملاحظ أن ميرال بتهتم بيك زيادة حبتين؟"
"مريم! من فضلك مش.."
ثواني بس.. أنتي قولتي ميرال؟
اه ميرال.
أكيد لا.. أنا وميرال أخوات دي معروفة يعني!
نظرتها ليك مش نظرة أخويه.
بقولك أيه أنا مش فاضي للنظريات بتاعتك دي. قومي من هنا أنا بذاكر!
ماشي. أنت حر. اردفت بحنق وهي تغادر المكان بينما جلس نوح يحك ذقنه بيديه وقد تشوش تفكيره كثيرا. كيف لم يلحظ قصة ميرال تلك؟ مؤكد أن شقيقته تخرف لا أكثر ولا أقل.
في منزل أفنان. جلست أفنان تراجع المعلومات التي شرحت في التدريب الأيام الماضية بينما جلست ميرال تتأمل الحائط في هيام شديد وهي تتذكر صوته ونظرته وهو يقول 'وجبت خوخ عشان الآنسة ميرال عشان بتحبه'. في الواقع ميرال لا تحب الخوخ فقط.. بل تحبه وتحب صاحبه.
أيه يا ميرال الهدوء ده؟ ايه ده ايه ده؟
مالك في ايه؟
ماللي أنا؟ مالك أنتي.. ده انتي عيونك بطلع قلوب يا بنتي.
ملكيش دعوة يا رخمة وركزي في مذاكرتك.
قوليلي بس مين اللي شاغل تفكيرك كده وأنا اجبهولك من قفاه. كادت ميرال أن تتفوه بشيء ما لكنها فضلت أن تصمت وألا تتحدث بالأمر.
عاودت أفنان النظر إلى الملاحظات خاصتها وبدون قصد قفز إلى رأسها ذلك الوغد. لا تدري لما لم تهشم سيارته بل وت هشمه هو شخصيا حينما سخر منها! لكن الموضوع كان مؤلم للغاية.. حتى وإن كرهت الإعتراف. وحتى وإن كانت لا تتأثر كثيرا بما يقوله أي شخص عنها لكنها تأثرت هذه المرة.
بعد مرور يوما كاملا وقد حان موعد الذهاب إلى التدريب مجددا. قررت أفنان أن تذهب في موعدها أو ربما ستسمح لنفسها بالتأخر لبضع دقائق عوضا عن الذهاب باكرا ومقابلة ذلك الأحمق.
بالفعل وصلت عشرة دقائق متأخرة ولحسن الحظ أنهم لم يكونوا قد بدأو الشرح بعد. كتبت اسمها في قائمة الحضور ثم ذهبت لتجلس في هدوء بينما تبعها بعيناه في كل خطوة تخطوها. بدأ الشرح كالمعتاد بينما ينظر نحوها من الحين إلى الآخر. في البداية لم يكن الأمر ملحوظا. لكن بعد مدة بدأت بعض الفتيات الإلتفات والنظر صوب ما ينظر إليه والذي كان ببساطة 'أفنان!'. انكمشت على نفسها قليلا ونظرت في الإتجاه الآخر متجاهلة نظراتهم.
"وبكده أحنا خلصنا الشرح.. دكتورة أفنان ممكن تلخصيلنا آخر جزئية أنا شرحتها." تحدث بصوتا مرتفع لتجفل قليلا وتستقيم من موضعها.
"اه طبعا. يا دكتور.. وممكن أجي أكتبها كمان مش ألخصها بس لو حضرتك تحب."
"ياريت طبعا." قال مع إبتسامة سمجة ارتسمت على وجهه.
غادرت أفنان الصف وذهبت إلى حيث يقف هو. الجميع ينظر إليها.. الأضواء كلها موجهه نحوها. تشعر بنبضات قلبها تزداد لكنها حاولت جاهدة رسم ملامح واثقة على وجهها لكي لا تجعله ينتصر. تأخذ من يده قلم 'السبورة' أو كما يطلق عليه ال 'Marker'. تبدأ في كتابة عنوانا كبير ومن ثم عنواين أصغر متفرعة منه. لمحت ابتسامة جانبية على شفتيه مما زادها تحدي وثقة. وبالفعل استطاعت تلخيص معظم النقاط التي ذكرها. ربما لم تتذكر معلومة أو اثنتين لكنها نفذت مهمتها بصورة جيدة.
كان ينظر نحوها بمزيج من الإعجاب والفخر. لقد استطاع إيصال المعلومة بشكل جيد وهي كذلك تستطيع استقبال المعلومات بصورة جيدة بل وترجمتها وإعادة استخدامها.
"أنا مبهور جدا.. ممكن كلنا ن Clap 'نصفق' لأفنان؟" صفق الجميع ومعهم هو لتأخذ نفس عميق وتبتسم ابتسامة واسعة قبل أن تعاود الجلوس على مقعدها.
"زي ما أحنا متعودين هنتقسم في مجموعات.. اتفضلوا.. أفنان استني عايزك." ذكر اسمها في نهاية الجملة ليلتفت الجميع نحوها ويرمقوها ببعض النظرات غير المفهومة. امتعض وجهها لثوان قبل أن تومئ وتنتظر حتى رحيل الجميع.
"عايز ايه؟ وبعدين أنت ازاي تندهني جدا وسط العدد ده كله؟"
"فين المشكلة؟ وأنا بقولك تعالي اسهري معايا. أنا مدرب هيقول ملحوظة لمتدربة عنده.. بلاش مخك يروح لبعيد ها." اردف وهو يغمز بإحدي عينيه في آخر حديثه.
"طيب أنا بقى اللي هقولك ملحوظة.. بطل تبص عليا وانت بتشرح عشان الناس بدأت تاخد بالها!"
"أنا حر!"
"لا إله إلا الله.. يا ابني هو انت الذوق والهدوء مش بينفعوا معاك؟" سألت أفنان بنفاذ صبر.
"بصراحة لا."
"عشان انت إنسان مهزق! بص ب تخرج اسوء ما فيا وترجع تقولي هذه أنت." اردفت ليقهقه بصوتا عال وتغلق عيناه بقوة وكأنها تكاد تختفي. لم تستطع أفنان أن تنكر داخلها أنه يبدو لطيف عندما يضحك.
"كده اسوء ما فيكي؟ أومال أحلى ما فيكي ايه بقى؟" اردف بنبرة مريبة وهو يدنو منها قليلا. لا تشعر بيدها إلا وهي تصفعه وجهه!
"يا بنت ال..... ده أنتي نهارك أسود! أنتي مش عارفة أنا مين؟"
"هتكون مين يعني؟"
"هتعرفي دلوقتي!" اردف بحنق مازال ممزوج ببعض الصدمة وهو يمسك بهاتفه بحثا عن شيء ما.
"بلاش بقى الجو ده. وتقعد تقولي انتي مش عارفة انا مين؟ وانا اقولك مين وتقولي أنا ابقي ابن صاحب الشركة.. مهروسة اوي." لم يجيب عليها. ترك ما كان يفعله في هاتفه ووقف يرمقها بإبتسامة جانبية ساخرة.
"سكت ليه؟"
"أصل أنا ابن صاحب الشركة فعلا."
"كليشية أوي ومهروسة.. ألعب غيرها!"
"طب بلاش.. أنتي عارفة الشركة دي اسمها أيه؟"
"ايه الهبل ده أكيد عارفة." قالت بملل ونفاذ صبر.
"طب بلاش فزلكة واتفضلي قوليلي اسمها."
"اسمها RHEB"
"عارفة ده اختصار لإيه؟"
"هو إمتحان يا كابتن ولا ايه؟ بتختبرني في اسم الشركة؟ طب اسألني في اسم دوا.. اسم تفاعل كيميائي."
"شششش بطلي رغي شوية!"
"سكت.. اتفضل اتحفني وقولي اختصار لإيه."
"رحيم.. حامد.. البكري Rahim Hamed El bakry." أخبرها رحيم بنبرة بطيئة لتتسع عيناها وهي تحاول أن تستوعب أنها قضت أكثر من أسبوع تسب وتسخر من ابن صاحب الشركة!!! هي بالتأكيد في القائمة السوادء الآن!! ربما سيطردها.. سيمنعها من العمل هنا في المستقبل بل ومن العمل في جميع الشركات التي يمتلكها أصدقاء ومعارف والده!!
إذا هل ضاع مستقبلها الآن أم ماذا؟
"أنا هقول حاجة واحدة بس.. !!!Shit" قالت بصوتا منخفض قبل أن تسقط مغشيا عليها.
"أفنان!!! أفنان!!! حد يجيب Perfume بسرعه!!"
رواية في حي الزمالك الفصل السادس 6 - بقلم ايمان عادل
"أنا هقول حاجة واحدة بس.. Shit" قالت بصوت منخفض قبل أن تسقط مغشيا عليها.
"أفنان!!! أفنان!!! حد يجيب Perfume بسرعة!!"
تحضر إحدى الموظفات زجاجة عطر ليضع القليل منها نحو أنفها، لكن تنهره الموظفة وتقول:
"مستر رحيم ممكن حضرتك تتفضل وأنا والبنات هنحاول نفوقها."
"واتفضل برا ليه يعني؟" سأل بضيق وتوتر.
"عشان أحنا هنحتاج نفك لها الطرحة وطبعاً حضرتك مينفعش تبقى موجود."
"صح.. أنا آسف. طيب بصي خديها ورا خالص على جانب كده بعيد عن كاميرات المراقبة اللي في القاعة." اعتذر رحيم بتوتر وصفع نفسه داخلياً على غبائه.
"تمام يا فندم حاضر."
"وأنا هبعتلكم Juice مع أي واحدة من العمال." بالفعل غادر القاعة وطلب من إحدى العاملات أن تحضر لها عصير فاكهة طبيعي، بينما وقف هو أمام باب القاعة ينتظر في توتر شديد.
"يارب ولد!" همس لنفسه وهو يتحرك ذهاباً وإياباً قبل أن يسب نفسه قائلاً:
"ايه الهبل اللي أنا بقوله ده؟"
"ايه ده مالك يا رحيم؟ متتوترش ربنا يقومهالك بالسلامة هي والنونو الصغير." اردف صديقه أنس وهو يضع يده على كتف رحيم والذي يدفعها بقوة.
"بطل سخافة عشان مقلش أدبي عليك."
"ايه ده ايه ده؟ ايه الأسلوب السوقي ده؟"
"مش وقت هزارك يا أخي!" تحدث رحيم بحنق ليقهقه الآخر بإستفزاز فيرمقه رحيم بنظرة حادة.
"طب قولي بجد في أيه؟ أيه اللي موقفك كده؟"
"في بنت من اللي بيتدربوا.. اتخانقنا وبتاع أغم عليها."
"أيه الأوڤر ده؟"
"معرفش بقى!" بعد ثلاث دقائق تقريباً، خرجت إحدى الموظفات لتطمئن رحيم أن أفنان أصبحت بخير الآن ويمكنه التحدث إليها إذا أراد. شكر الموظفة ثم توجه إلى الداخل تاركاً أنس بالخارج.
"بقى يحصلك كل ده عشان قولتلك بس أن Papy صاحب الشركة؟"
"أيه الهبل ده؟ لا طبعاً، أنا أغم عليا عشان مفطرتش الصبح!"
"طب يستي أديكي شربتي Juice Fresh 'عصير طازج' على حسابي."
"هديلك الخمستاشر جنيه عالدزمة."
"بهزر يا بنتي بهزر.. مبتعرفيش تهزري؟"
"لا طبعاً، ازاي يا رحيم باشا.. ما أنا طول الفترة اللي فاتت دي كنت بهزر مع حضرتك!" اردفت بنبرة مزاح مصطنعة مع ضحكة غريبة في نهاية حديثها.
"مش باين بس ماشي، عمتاً أنا كنت برخم عليكي."
"يعني أنت أبوك مش صاحب الشركة بجد؟"
"أبوك؟" سأل بإشمئزاز قبل أن يحمحم ويجيبها قائلاً:
"لا بابي صاحب الشركة فعلاً، والفروع اسمها على اسمي فعلاً، بس ده ملهوش علاقة يعني بعلاقتنا."
"ما شاء الله.. لا هو في علاقة؟"
"أنتي الكلام معاكي مرهق أوي بجد." قال ثم تنهد تنهيدة طويلة.
"متكلمنيش.. سهلة وبسيطة أهي."
"أنا فعلاً غلطان! ويلا بقى روحي للتدريب العملي عشان فاتك نصه."
"يالهوي!! أنا نسيت!" شهقت بصدمة ثم صفعت رأسها وهي تتحدث إليه بإمتعاض:
"زي ما أخرتني، تدخلني بقى عشان مسمعليش كلمتين من الدكتور!"
"حاضر يا أفنان هانم، اتفضلي قدامي." غادرت الحجرة وتبعها هو بعد أن تأكدت أن خصلات شعرها لا تظهر من الوشاح خاصتها أثناء نظرها لإنعكاسها في الباب الزجاجي.
فور مغادرتها للقاعة تجد شاباً يقف أمامها تماماً، خصلات شعر بنية وعيون بنفس ذات اللون.. يحدق فيها مع ابتسامة غير مبررة.
"مساء الخير.. مع حضرتك أنس فريد."
"أهلاً وسهلا.. ايوا أعمل أيه يعني؟"
"لا مفيش أنا قولت نتعرف.. القمر زعلان ليه؟"
"القمر مش زعلان.. القمر هيزعلك!" قالت وكادت أن تصفعه لحقيبتها لولا أن وقف رحيم في المنتصف وقال:
"معلش يا دكتورة سماح المرة دي.. ميعرفكيش!"
"وأما هو ميعرفنيش واقف يتنحنح معايا ليه؟"
"أيه دي يا رحيم مالها دي؟"
مالها أيه؟ ما أنت واقف صحيح تت... واقف بيعمل ايه؟" كان يتحدث بعصبية لكنه توقف لثوانٍ وهو يسألها بنبرة طفولية عن الفعل الذي وسمت به أنس قبل قليل.
"يتنحنح." همست وكأنها تغششه الإجابة في اختبار ما.
"واقف تتنحنح."
"خلاص أنا آسف يا دكتور، أوعى يا عم سيبني."
ابتعدت أفنان عن كلاهما ليلحق بها رحيم سريعاً ويهمس:
"هو المفروض Ladies first وكده، بس هدخل أنا الأول عشان أكلم الدكتور."
"تمام، اتفضل." سبقها رحيم بالفعل وبمجرد دخوله المعمل انتبه الجميع له وللواقفة خلفه.
"في حاجة يا دكتور رحيم؟"
"مفيش، أنا كنت بتناقش مع دكتورة أفنان في المحاضرة اللي اتشرحت وهي أغم عليها وكنا بنفوقها عشان كده اتأخرت."
"تمام يا دكتور مفيش مشكلة، اتفضلي يا دكتورة وأنا هشرحلك اللي فاتك."
"ميرسي لذوق حضرتك يا دكتور." كان يظن رحيم أنها تتحدث إليه لكن في الواقع هي كانت تتحدث إلى دكتور أحمد الذي يتولى عملية الشرح، رمقها بنظرة تحوي في طياتها الغيظ قبل أن يغادر المعمل.
ذهب رحيم ليجلس في مكتبه وكان أنس ينتظره في الداخل.
"وصلت ست الدكتورة للمعمل؟"
"وصلتها اه." تحدث رحيم بشرود ليحرك أنس يده أمام وجهه.
"من كوكب الأرض لرحيم، حضرتك معايا؟"
"لا.. أنا معاها."
"ايه ده ايه ده! أنا آخر مرة شوفتك فيها كده كان أيام الجامعة!" اردف أنس ليعبس وجه رحيم حينما يذكر الآخر أيام الجامعة.
"أنا آسف مش قصدي"
"ولا قصدك.. المهم أنت سايب الشغل وقاعد هنا ليه؟" سأله رحيم بضيق وهو يخرج علبة سوداء فاخرة تحوي لفافات تبغ وقداحة سوداء كذلك، يمسك بإحدى اللفافات ويضعها بين شفتيه ويكاد يشعلها لكن يهرول أنس نحوه ويجذبها من فمه.
"أنت عبيط يا رحيم هتدخن هنا؟ مينفعش!"
"مخدتش بالي.."
"وبعدين اصلا التدخين غلط عليك."
"مش مهم." قال رحيم بلا مبالاة وهي يرفع كتفيه قبل أن يقول:
"أنا هروح، حاسس أن دماغي مصدعة." رحل رحيم دون أن ينتظر رداً من أنس ليشعر أنس بإرتباك، لم يكن عليه ذكر أمر الجامعة ذلك.
استقل رحيم سيارته طالباً من السائق أن يسير بأقصى سرعة ممكنة فهو لا يكاد يطيق الانتظار حتى يعود إلى منزله لكنه غير وجهته حالما تلقى رسالة من والده يأمره فيها بالعودة إلى المنزل الكبير بحي الزمالك.
توقفت السيارة لتصطف إلى جانب خمس سيارات فخمة من طرز مختلفة لكنها جميعاً تنم عن الثراء، يترجل رحيم من السيارة، يضبط بدلته ويعيد خصلات شعره إلى الوراء ثم يتوجه بخطى بطيئة نحو باب الڤيلا أو هو أقرب إلى القصر في الفخامة والمساحة، كان يكسوه مزيج من اللون الأسود مع درجات مختلفة من الرمادي والأبيض وقد تزين المكان بمزيج مختلف من الأشجار والورود.
يطرق رحيم الباب بهدوء لتفتح الخادمة ويتوجه نحو الداخل وقبل أن يتفوه بحرف يأتيه صوت والدته ذو النبرة الحادة قليلاً المميزة وهي تقول:
"متأخر خمستاشر دقيقة وأربعين ثانية على معادك."
"حضرتك عارفة أن كان عندي شغل."
"متقطعنيش يا ولد.."
استنيتك في المطار كتير لكنك مجتش.
أقدر أجاوب دلوقتي.
اتفضل.
مكنش عندي خبر بميعاد وصول حضرتك لمطار القاهرة وبعدين أنا ملتزم بمواعيد محددة في الشغل مقدرش اخرج قبلها.
العذر مقبول لكن ياريت متتكررش المفروض أنك تبقى عارف ميعاد وصولي.
أنا بعتذر جدا، أعدك أن الأمر لن يحدث مجددا.
تقدر تغسل ايدك وتيجي تتغدى معانا.
حاضر.
جلس على المائدة التي تجلس على رأسها والدته وإلى يمينها والده وإلى يسارها رحيم. يأخذ كمية قليلة من الطعام مع مراعاة ألا تختلط جميعها سويا حتى لا يبدو شكل الطبق غير لائق.
نانا صحته عاملة أيه دلوقتي.
بخير لكنها طالبه تشوفك، تحدثت والدته بلكنة إنجليزية مميزة بالإضافة إلى نبرة حازمة، فلا مجال للنقاش في ما قالته.
طبعا، إن شاء الله. قال بتوتر وهو ينظر إلى والده الذي لم يبدو مهتما كثيرا للمحادثة التي تدور بينهم.
انتهى رحيم من تناول طعامه واستأذن للصعود إلى غرفته. فور دخوله إلى حجرته السوداء الكلاسيكية خلع رابطة عنقه والمعطف البذلة الرسمية. كم يود تدخين لفافة تبغ الآن لكن إن وصلت الرائحة إلى أنف والدته الحساسة ستحدث كارثة وسيجبر على سماع محاضرة لا داعي لها.
ألو.. ايوا يا أنس، مامي رجعت البيت. قال وهز يصفع يده بوجهة في ضيق وعلى الأغلب فعل أنس المثل.
طب ايه يا معلم هتعمل ايه.
معرفش، بس غالبا مش هنعرف نسهر سوا نهاية الأسبوع دي.
ده أنا كنت هسهرك في مكان يجنن بس ملكش في الطيب نصيب بقى.
بص أنا هشوف كده لو مامي هتبات عند حد من أخواتها أو صحابها ممكن ابقى اسهر معاك شوية.
تمام ضبط وكلمني. ذفر رحيم بضيق وهو يتمدد على سريره قبل أن يغفو دون أن يشعر. يستيقظ باكرا صباح اليوم التالي ويتجه إلى الشركة محاولا تخطي وجبة الإفطار في المنزل وقد نجح في ذلك بالفعل.
بعد مرور يوما آخر ذهبت أفنان إلى مقر الشركة. توجهت نحو المصعد والذي لم يأخذ سوا بضع ثوان ليحضر. دلفت إلى الداخل وضغطت على رقم اثنين وقبل أن يغلق الباب يقتحم ذراع أحدهم المسافة الفاصلة جاعلا الباب يفتح مجددا. وكان من السهل أن تخمن أفنان صاحب الذراع من رائحة عطره التي لوثت أنفها.. لقد كان رحيم!
بجسده الممشوق وطوله الفارع ووجهه الوسيم لكن هناك اختلافات بسيطة.. مثل أنه خفف لحيته قليلا. يرتدي ساعة يد مختلفة اليوم و.. ووجهه عابس ومنطفئ على غير العادة.
أنت كويس. لا تدري لما فعلت ذلك. وعلى الأغلب ستقضي يومها كاملا وهي تسب ذاتها على ذلك السؤال.. فهي واثقة من أنه سيقوم بإحراجها بالطبع.
لا مش كويس خالص. بنبرة حزينة قال جملته وقبل أن تتفوه بحرف فتح الباب ليواجههم بعض الموظفين فيتحرك كلا منهما في اتجاه معاكس مما يعني انتهاء الحوار الذي لم يبدأ بعد.
ذهبت إلى القاعة في انتظار قدومه ليقوم بعملية الشرح وقد فعل لكن عيناه كانت شاردة معظم الوقت ولم ينظر نحوها كما كان يفعل في المرات السابقة. هي لا تهتم.. لا تهتم.. تحاول إقناع ذاتها بأنها لا تهتم.. فليحدث ما يحدث له.. يبدو أنها كاذبة فقد اضطربت قليلا حينما اعتذر عن إكمال الشرح وتوجه نحو الخارج.
ماله ده. همست لنفسها.
أحنا كده خلصنا. وعلى فكرة من أول الأسبوع اللي جاي هيكون معانا محاضر جديد إن شاء الله.
غادر المحاضر القاعة والجميع بالتبعية ليذهبوا إلى المعامل لتلقي الجزء العملي. لم ترى رحيم مجددا في ذلك اليوم.
في اليوم التالي ذهبت أفنان برفقة أسرتها إلى منزل جدتها بالقرب من ميدان الجيزة. كان الإمتعاض بادي على وجه الجميع لكنهم حاولوا إخفاء ذلك الإمتعاض والضيق فور وصولهم لكن أفنان لم تحاول. فهي حقا تشعر بالغضب تجاه جدتها وعمتها وابنتها المدللة.
أهلا، يا تيتة. اردفت أفنان وهي تقبل يد جدتها العجوز.
أهلا بيكي يا بنت رانيا. ايه يا بت هو لازم استنى كل جمعة عشان اشوفك. حاولت أفنان جاهدة أن تبتسم وتبتلع حديث جدتها خاصة وأن لقبتها بإبنة رانيا عوضا عن ابنة أحمد. وذلك كان له دلالة.. بالطبع هذا لا يعني أن أفنان غضبت لنسبها إلى والدتها بل لأنها تعلم غاية جدتها من قول جملة كتلك.
معلش يا تيتا ما حضرتك عارفة أني مشغولة بالكلية والتدريبات.
طب ما ريماس بنتي اللي في طب بتفضى تيجي تشوف جدتها عادي. شوفيلك حجة غيرها. رمقت أفنان عمتها بحدة قبل أن تبتسم ابتسامة مستفزة وهي تقول:
ربنا يخليهالكو.
شايفه يا رانيا بنتك وأسلوبها المستفز. سألت عمتها بغيظ وهي تتعمد إثارة شجار لكن والدة أفنان ابتسمت بهدوء وقالت:
حصل ايه بس. ده حتى أفنان بتدعي لريماس أن ربنا يخليهالكو. . فين الغلط. لم يجب أحد على ما قالته لتبتسم أفنان بانتصار. فهي تعلم أن والدتها ستكون دوما في صفها.
ساد الصمت في المكان قليلا قبل أن تأتي ريماس وتجلس في مواجهه أفنان وميرال. حيث تجلس كلتاهما على الأريكة وريماس على كرسي. وفجاءة وبدون سابق انذار تقول ريماس الآتي:
إلا قوليلي يا أفنان هو مش انتوا ليكوا قريب حلو كده اسمه نوح. تحدثت ريماس بنبرة لعوب لينظر نحوها أفنان وميرال بحده في نفس اللحظة. ترتكب الآخرى وتعتدل في جلستها.
وأنتي مالك بيه. سألت ميرال في غيظ شديد.
يعني ايه مالي بيه. أنا حرة.. وبعدين هو يخصك ولا أيه.
اولا، ملكيش دعوة يخصني ولا ميخصنيش. ثانيا، متقربيش من حد تبعنا عشان متزعليش. صعق الجميع من نبرة ميرال الحادة. فهي لم تتحدث بتلك الطريقة من قبل.. حتى أنها لم تدرك أنها كانت غاضبة إلى ذلك الحد.
بصي يا ريماس من الآخر كده شيلي نوح من دماغك عشان هو مبيحبش البنات اللي زيك.
ايه البنات اللي زيها دي. هو حد يطول يتجوز ريماس بنتي!
اه يا طنط. نوح يطول اللي أحسن من ريماس كمان.. وأنتي يا ريماس ياريت تشيلي نوح من دماغك أحسنلك.
ما تشوفي يا رانيا بنتك عديمة الرباية دي. تحدثت عمتها بصوت مرتفع لكي تشعل الشجار.
أنا بنتي مش عديمة الرباية! ومسمحلكيش لا أنتي ولا أي حد أنه بغلط في بنتي وتربيتها. اردفت والدة أفنان بغضب وهي تستقيم من مجلسها. لقد اضطرت لتحمل سخافة شقيقه زوجها كثيرا. لكن حينما يتعلق الأمر بإحدى بناتها فهي لن تدع الأمر يمر مرور الكرام.
قوموا يا بنات عشان نروح أحنا ملناش قاعدة هنا. استقامت أفنان ومعها ميرال استعدادا للرحيل.
ما تقعدي ياختي.. محصلش حاجة لكل ده. وبعدين ما أنتي بنتك لسانها طويل فعلا. قالت الجدة ليزداد غضب رانيا وتردف:
عن إذنكوا. خرج زوجها من غرفة الضيوف حيث يجلس هو وثلاثة من رجال العائلة.
أيه يا رانيا حصل حاجة. سأل بقلق وهو ينظر إلى وجه زوجته الممتعض.
لا مفيش.. أنا والبنات هنسبقك عالبيت.
ماشي. خدوا تاكسي ولا أوبر.
حاضر يا حبيبي متقلقش. قالت رانيا لتنظر نحوها شقيقة زوجها بغيظ وإشمئزاز.
سلامو عليكوا. ساد الصمت طوال الطريق وحتى وصولهم إلى المنزل. فور وصولهم كانت أفنان على وشك الدخول إلى حجرتها لكن أوقفها صوت والدتها وهي تتحدث بنبرة جدية قائلة:
أفنان عايزة أتكلم معاكي.
أتفضلي يا ماما. تخللت تنهيدة حديث أفنان فهي تعلم أنها على صدد جلسة معاتبة.
أفنان، أنتي عارفة أني طول عمري في صفك وعمري ما سمحت أن حد يقولك نص كلمة.
طبعا، يا ماما.
وعارفة برضوا إني بحب شخصيتك القوية وإنك بتجيبي حقك وحقنا.. لكن ساعات بتتمادي يا أفنان.
بس يا ماما.
اسمعيني الأول. أنتي عارفة كويس أن جدتك وعمتك بيتلككوا عشان يعملوا أي خناقة وعارفة أنهم بيتعمدو يحرجونا ويضايقونا دايما.
ما أنا عشان كده برد.
غلط. مش لازم تردي طول الوقت. هما هيعصبوكي وهيخلوكي تغلطي وبعدها هيغلطو فيا أنا وأبوكي وهيقولوا أننا معرفناش نربيكي.
أنا اسفة يا ماما. أكيد أنا مقصدش أن الحوار يوصل لكده.
أنا عارفة يا حبيبتي لكن ده أسلوبهم. أحسن حاجة أنك تتجاهلي اللي هما بيقولوه. كلامهم لا هيزود ولا ينقص. أفنان أبوكي بيكبر مش بيصغر وهما على طول مشلينه الحمل والهم.
"مش عايزين أحنا كمان نضغط عليه."
"حاضر يا ماما، أوعدك أني هحاول أظبط الموضوع ده."
"شطورة يا قلب ماما." قالت ثم اقتربت من أفنان لتقبلها، ثم تضمها هي وميرال في عناق جماعي.
"أنتوا أغلى حاجة عندي في الدنيا دي." همست وسط العناق.
بعد بضع دقائق توجهت أفنان إلى الحجرة لتبديل ثيابها، وكانت ميرال تجلس في الداخل وتعبث في هاتفها.
"أفنان بقولك إيه."
"قولي يا ميمي."
"هو أنتي اتعصبتي النهاردة ليه؟"
"لأ، أنا اتعصبت النهاردة كتير.. قصدك على إيه بالظبط؟"
"عشان حوار نوح يعني.. هو أنتي غيرتي عليه؟" سألت ميرال بصوت منخفض وقد اضطربت معالم وجهها خوفًا من سماع الرد.
"آه.. بس عشان هو زي أخويا، وبصراحة بقى اللي زي ريماس دي متستاهلش ضفر نوح."
"زي أخوكي وبتغيري عليه؟ الجملة مش راكبة على بعضها."
"ليه يعني؟ أي واحدة ليها أخ بتغير عليه، وبعدين ده بابا لما بيلبس بدلة ويتشيك بغير عليه جداً."
"بس نوح مش أخوكي يا أفنان.."
"تاني يا ميرال؟ قولتلك نوح زي أخويا، وياريت تشيلوا الحوارات دي من دماغكوا." اردفت أفنان بنفاذ صبر وهي تضع ثيابها داخل الدولاب.
"بقولك إيه ما تسلفيني البلوزة الجديدة بتاعتك أروح بيها التدريب بكرة."
"لو وقع عليها نقطة من المواد الكيميائية بتاعتك دي هزعلك!"
"أعوذ بالله على الإخوات لما ياكلوا في بعض." قالت أفنان بنبرة درامية.
في صباح اليوم التالي، ذهبت أفنان إلى الشركة وقد قفز إلى عقلها رحيم ووجهه الحزين في المرة السابقة، شعرت بألم في الرأس لذا قررت الذهاب إلى المقهى الصغير الملحق بالشركة، يا لها من رفاهية، ولكن الأمر منطقي كشركة كبيرة كهذه.
"بعد إذنك عايزة كوباية قهوة."
"عايزاها اسبريسو ولا موكا ولا كابتشينو؟" سألت الفتاة لتجفل أفنان لدقيقة ثم تقول:
"قهوة.. قهوة عادية.. ماية وقهوة وسكر وكده."
"حاضر."
"دكتور رحيم.. حضرتك تشرب إيه؟"
"هاتيله قهوة زي وعلى حسابي." قالت أفنان بلطف لينظر نحوها ببعض الدهشة.
"بس دكتور رحيم مبيحبش القهوة دي."
"لأ أنا هشربها تمام." ابتسمت أفنان بانتصار قبل أن تذهب لتجلس وتضع أغراضها في انتظار القهوة ليأتي ويجلس أمامها.
"القهوة مرة أوي وأنا مش بحبها.. بس هشربها عشان أنتي طلبتيها."
"هتعجبك المرة دي متقلقش، شكلك زعلان."
"مخنوق وزهقان شوية.." اردف وهو يخطف نظره نحو الساعة الذكية التي يرتديها في يده اليسرى.
"حياة الأغنياء دي صعبة جداً، ربنا يكتبها علينا." قالت بمزاح لترى شبح ابتسامة على وجهه ثم يقول بسخرية:
"صدقيني لو عشتي حياتي دي مش هتعجبك.."
"أوبا هندخل بقى في محاضرة في الحقد الطبقي." قهقه رحيم حتى اختفت عيناه ثم قال وسط ضحكاته:
"هو أنتي بتجيبي الكلام ده منين؟ لأ Seriously يعني؟"
"معرفش.. صدقني مبفكرش كتير أنا بقول إيه، بقول اللي بيجي على لساني."
"عارفة هو أنتي غالباً بتقولي كلام دبش يعني بس أحلى حاجة أنك مش Fake 'مزيفة'." لم تجد أفنان رداً على ما قاله وشعرت ببعض التوتر.. لعنت نفسها داخلياً، فهي لم تكن تتأثر بكلمات أحدهم بهذا الشكل.
"القهوة يا فندم." وضعت الفتاة أكواب القهوة أمامهم لينظر رحيم بقلق وإشمئزاز نحو الكوب البلاستيكي.
"أنت هترجع ولا إيه؟"
"لأ.. مش متعود أشرب في حاجة غير كوبايتي أو فنجاني عشان بقرف أوي."
"لأ حول ولا قوة إلا بالله.. طب اشرب يا رحيم اشرب." ارتشف من الكوب لتنقلب تعابير وجهه كلياً، وكأنه على وشك التقيؤ.
"دي بطعم مرار الأيام وسواد الليالي." اردفت أفنان وهي تقهقه، فقد كانت القهوة سيئة بالفعل.
"ممكن تقوليلي سعر القهوة؟"
"قولتلك أنا اللي عازمة يا هندسة."
"هندسة برضو؟ وبعدين لأ مش المفروض أسيبك تدفعي."
"آه عشان أنت الراجل بقى وكده؟" سألت بحنق.
"ذوقياً.. ولكن لو على الطريقة الإنجليزية فكل واحد يدفع لنفسه." تحدث بنبرة هادئة مع ابتسامة صغيرة.
"خلاص.. نمشيها إنجليزي." دفع كلا منهم الحساب واتجهت أفنان نحو السلم بحركة مباغتة وتركض بأقصى سرعتها ليفعل هو المثل بفزع دون أن يدري ماذا يحدث.
وصلت إلى الطابق الثاني لتقف وهي تتنفس بقوة ويتخلل تنفسها ضحكات متقطعة.
"أفنان!! Are you crazy؟" سأل رحيم بعصبية وأنفاس متقطعة.
"لأ بس إيه رأيك في الحركة الأكشن دي؟" نظر نحوها بغضب ولم يتفوه بحرف.
"طب أنا هضطر أمشي بقى عشان اتأخرنا عالمحاضرة." قالت ثم تحركت نحو القاعة لتتركه يقف وحيداً، ينظر إلى ساعة يده فيدرك أنه قد تأخر بالفعل.
تقتحم أفنان القاعة منتظرة دخول رحيم من خلفها، لم تهتم كثيراً لتأخرها طالما أن المحاضر الذي هو نفسه رحيم لم يأتي بعد، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فلقد فوجئت أفنان بأن هناك شخصاً آخر بالداخل، شخصاً يعشق الهدوء والإلتزام ويكره المزاح والتأخير.
"نوح!!!!!"
رواية في حي الزمالك الفصل السابع 7 - بقلم ايمان عادل
"نوح!!!!!" صدح صوت أفنان في القاعة وتعابير الصدمة بادية عليها.
يفتح نوح عينيه على مصرعيهما ثم يضرب وجهه بيده.
تتوتر معالمها ويزداد الأمر سوءاً حينما يدلف رحيم إلى القاعة باندفاع.
"يلاهوي.. أنا أسفة.." قالت لرحيم ثم وجهت نظرها لنوح الذي رفع إحدى حاجبيه بنفاذ صبر.
"أنا اسفة جداً يا دكتور عالتأخير وعاللي حصل ده..."
"اتفضلي مكانك يا دكتورة." قال بنبرة صارمة لتهرول نحو الداخل وتجلس في صف شبه فارغ.
الجميع مازال ينظر نحوها ونحوه.
"دكتور نوح.. أنا دكتور رحيم، اللي كنت مسئول عن التدريب قبل ما حضرتك تشرفنا."
"اهلاً وسهلاً بحضرتك." رحب به نوح بآدب ليصافحه رحيم برسمية.
بينما اختبئت أفنان أسفل الفتى ذو القامة الطويلة أمامها وهي تلعن حظها السيء.
نوح ورحيم في المكان ذاته!
انتهت فقرة التعارف وكان من المفترض أن يغادر رحيم القاعة ويذهب لعمله.
لكنه قرر الجلوس لبعض الوقت ليرى كيف يقوم نوح بعملية الشرح.
كان يبدو من جلسته أنه غير مرتاح.
بالطبع، فقد كان الفضول ينهشه نهشاً ليعرف ما علاقة أفنان بنوح.
ولما انصدمت لتلك الدرجة عند رؤيته؟
حاولت أفنان جاهدة أن تصب تركيزها على الشرح بدلاً من التفكير في ما سيحدث فيما بعد حينما يسألها نوح من يكون رحيم الذي تبعها نحو الداخل وحينما يسألها رحيم من يكون نوح.
"كده يا دكاترة محاضرة النهاردة خلصت.. ده رقم تليفوني لو حد عنده أيه سؤال أو استفسار."
أردف نوح بنبرة هادئة قبل أن يكتب رقم هاتفه بواسطة القلم الـ Marker.
"اتفضلوا يا شباب على المعامل والدكاترة هيحصلوكوا."
أومأ الجميع بما فيهم أفنان التي توجهت سريعاً نحو الخارج.
تبعها نوح ورحيم.
"أفنان.." جاءها صوت نوح لتقف وهي تُغلق عيناها بضييق قبل أن تلتفت لتواجهه.
"نعم؟"
"دكتورة أفنان.. اتفضلي عالمعمل بتاعك لو سمحتي."
كان هذا صوت رحيم الذي اقتحم المحادثة التي كانت على وشك أن تبدأ.
لتحمد الله داخل نفسها.
"معلش يا دكتور نوح أصل الشرح هيبدأ."
"لا يا دكتور مفيش حاجة." قال نوح بآدب وحاول كتم غيظه.
توجهت أفنان نحو المعمل وتوجه رحيم إلى المكتب حيث يجتمع سائر المُدربين.
"معلش يا دكاترة أنا عايز ادرب عملي."
"غريبة يا دكتور رحيم.. ده احنا اتحايلنا عليك تاخد مجموعة من المجاميع بس أنت رفضت."
"غيرت رأي، عندك مانع؟"
"لا معنديش.. ممكن تاخد.." صمت لبضع ثوانٍ وهو يفكر.
وفي الوقت ذاته ينظر إلى المجموعات وخطة التدريب.
"ممكن تاخد المجموعة التالتة."
"لا، أنا هدرب الجروب الخامس."
"واشمعنا الخامس يعني؟" سأل أحدهم بنبرة فضولية.
ليزفر نوح بضيق قبل أن يجاوب سؤاله بسؤال آخر.
"هو تحقيق يا دكتور ولا ايه؟"
"لا العفو يا دكتور.. خلاص تمام هحط حضرتك في المجموعة الخامسة."
ابتسم رحيم برضى وهو يرى اسمه يوضع بجانب المجموعة حيث توجد أفنان.
"مساء الخير يا جماعة.."
أردف نوح فور إقتحامه المكتب لينظر نحوه رحيم بطرف عيناه.
"ايه مساء دي يا دكتور نوح؟ ده احنا الضهر."
تحدث أحدهم بسخرية وهو يبتسم.
"ما هو عشان احنا الضهر يا جاهل بقينا PM خلاص."
قال رحيم بحنق مُفسراً الأمر بدلاً من نوح.
"بعد إذنكوا أنا كنت عايزة ادرب جروب من جروبات العملي."
"هو كله عايز يشتغل في العملي النهاردة؟ ما كنا بنتحايل على الكل، عايز مجموعة معينة بقى؟"
سأل بنبرة مزيج من السخرية والجدية.
"ممكن أشوف القوائم وعددهم وكده.. وهختار واحدة، لو متاح يعني."
أخذ نوح يتجول بعيناه بحثاً عن اسمها حتى وجدها اخيراً.
في الصفحة الأخيرة؛ المجموعة الخامسة.
"ممكن أخد المجموعة الخامسة."
قال نوح ليعتدل رحيم في جلسته ويرفع أحدى حاجبيه في اعتراض.
"هو كله عايز المجموعة دي ليه؟!"
"هو في حد تاني عايز يبدل وياخدها؟"
"أنا."
أردف رحيم بثقة شديدة ليُغمض نوح عيناه محاولاً التحكم في تعبيرات وجهه وأعصابه كذلك.
"طب في إمكانيه إننا نبدل؟"
"لا.. Sorry، عن إذنكم."
تفوه بها رحيم وهو يستقيم من مقعده ويضبط بذلته ويغادر المكان سريعاً دون أن يسمح لنوح بالرد.
"ده أنت مستفز." همس بها نوح من بين أسنانه.
ولأول مرة تقريباً كانت أفنان شاردة معظم الوقت أثناء الشرح.
أو بمعنى آخر هي تستمع لما يُقال وتكتب ملاحظات وترى بعينيها التفاعلات وكيفية عمل الأشياء لكن عقلها لم يستطع ترجمة اياً من ذلك.
لا تدري هل من حسن حظها أم من سوء حظها أن الذي يقوم بعملية الشرح قد انتهى.
فهي تشعر بألم شديد في رأسها وفي الوقت ذاته لا تدري ماذا سيحدث.
غادرت أفنان المعمل وتوجهت نحو الطابق الأرضي ومنه كانت على وشك المغادرة.
فهي لا تدري هل نوح سيرحل الآن أم لا.
"أفنان.. Wait 'انتظري'."
أوقفها صوت رحيم لتصفع نفسه داخلياً لكنها تلتفت وتنظر إليه بإبتسامة صغيرة.
"كنت عايز اقولك Thank you على ال Coffee وأننا اتكلمنا يعني."
قال بنبرة مُهذبه واثقة مع لكنة إنجليزية ثقيلة.
"على أيه بس.. وبعدين ده أنت اللي دافع لنفسك اساساً أنت نسيت؟"
"مش مهم مين اللي دفع.. مش ده قصدي اصلاً."
"عالعموم You're welcome عشان تعرف بس أني مثقفة وبتاعت لغات."
أردفت بمزاح وهي تضحك لكن سرعان ماتختفي الإبتسامة فور رؤيتها لنوح يغادر المصعد.
"الناظر جه.." همست بصوتاً منخفض.
لينظر نحوها رحيم بتعجب محاولاً فهم ما تقوله.
"طيب.. أنا لازم امشي.. سلام."
قالت وتحركت سريعاً مُبتعدة عن رحيم.
ليس وكأنها تخاف من نوح.
فهي لم تُخطئ في أي شيء.
كل ما في الأمر أنها تحاول تجنب المتاعب والشجار قدر الإمكان.
"دكتورة أفنان استني."
بنبرة رسمية تحدث نوح لتقف مجدداً قبل المغادرة وهي تكاد تُجزم أن الباب الذي يُفتح تلقائياً على وشك أن يُسبها من كثرة اقترابها وابتعادها عنه كل ثانية.
"نعم يا نوح."
"نعم يا نوح؟ عادي كده؟"
"لا.. بالمكسرات، عايز ايه يا نوح اخلص."
قالت أفنان بضيق وهي تزفر.
"وطي صوتك ده اولاً، ثانياً بقى متكلمنيش كده قدام الناس وثالثاً...."
تحدث نوح بنبرة جادة وشبه غاضبة لتقلب أفنان عينيها بتملل.
"هو لسه في ثالثاً؟ لا بقولك ايه نتناقش في العربية بقى عشان رجلي وجعتني من الوقفة."
"اتفضلي."
قال لتتجه إلى الخارج ويلحق بها.
تدلف إلى داخل السيارة بعد أن يفتح لها الباب وهي تستعد نفسياً لشجار لاداعي له من الأساس.
"ممكن اعرف بقى ايه العبث اللي بيحصل ده؟"
"عبث؟ لا حول ولا قوة إلا بالله."
قالت وهي تضحك ليزداد امتعاض وجه نوح.
"أفنان كفاية استفزاز وبرود!"
"أنا مش باردة.. أنا بس بتكلم بهدوء لكن أنت اللي متعصب."
"ممكن اعرف مين ده؟ وبتتكلمي معاه بصفته مين؟!"
"اولاً يا نوح مش من حقك تعلي صوتك عليا، ثانياً بقى ده دكتور وبيشرحلنا ومفهاش حاجة لما اتكلم معاه أو استفسر عن حاجة في الشرح."
تحدثت أفنان بنبرة صارمة وجادة لم يعتد نوح أن تستخدمها معه.
"ووقفتكوا دي بقى كانت استفسار؟ كنتي بتستفسري عن ايه بقى إن شاء الله؟!"
سأل نوح وقد ازدادت نبرته في الحده.
"وأنت مالك؟"
"هو أنتي بتتكلمي جد؟"
"اه بسأل بجد والله.. ده يخصك في أيه يعني؟"
سألت أفنان بحنق وقد ارتفع صوتها نسبياً.
"عندك حق.. أنا أسف."
أردف نوح ثم دعس على البنزين بقوة لتحرك السيارة بإندفاع وتكاد تصطدم أفنان بالتبلوه الخاص بالسيارة.
"أنت اتجننت يا نوح؟ لو هتسوق كده يبقى تنزلني!"
"أنا أسف.. مكنش قصدي، حطي الحزام."
نفذت ما قاله دون أن تنبس ببنت شفة وقد ضمت حاجبيها في غضب.
ساد الصمت طوال الطريق حتى توقفت سيارته أمام منزلها.
"سلميلي على خالتو."
"يوصل."
قالت وهي تغادر السيارة وقد قررت أن تُغلق بابها بعنف لكنها تراجعت رأفة بالسيارة التي لا ذنب لها في كان نوح وغد.
طرقت الباب ببعض العنف لتفتح لها والدتها بقلق.
"ايه يا بنتي هتكسري الباب!"
لم تعلق أفنان وتوجهت إلى غرفتها مباشرة فتلحق بها والدتها.
"مالك يا بنتي؟ وشك مقلوب ليه؟"
"مفيش.. مُرهقة وعايزة أنام."
"لا استني أبوكي وأختك على وصول نتغدى كلنا سوا."
"أنا هريح شوية ولما يبقوا يرجعوا ابقي صحيني."
"على راحتك."
أردفت والدتها بعد أن اطلقت تنهيدة قبل أن تتجه نحو الخارج.
تُبدل أفنان ثيابها وتتمدد على السرير خاصتها وهي تُفكر في كل ما حدث اليوم.
لم يكن الأمر يستدعي كل هذا الغضب والشجار.
لكن نوح قد اثار غضبها حينما سمح لنفسه بتخطي المساحة التي رسمتها أفنان.
في وقت الغداء كان والد أفنان شارد على غير العادة.
لم يُنهي حصته من الطعام كما كان يفعل في السابق.
شعرت أفنان بغصة في حلقها وهي ترى والدها بهذا الشكل.
"أنت كويس يا بابا؟"
"اه يا حبيبتي."
"طب أيه يا حمادة مخلصتش طبقك ليه؟"
سألت بمزاح وهي تحوط والدها بذراعيها.
"شبعت يا حبيبتي..."
أردف بلطف ثم غادر الطاولة لتختفي ابتسامة أفنان وتتبدل بحزن وقلق.
"ماما.. هو في حاجة جديدة حصلت؟"
"لا.. لكن الشهر الجديد خلاص هيبدأ وأبوكي قلقان من موضوع الفلوس ده.."
"يا رورو متقلقيش إن شاء الله هتدبر.. وبعدين يعني أنا وميرال كبرنا خلاص؛ يعني مش هنحتاج لبس مدرسة ولا شنطة مدرسة.."
"ايوا يا ماما وبعدين ما أنا بدأت شغل وإن شاء الله هسند معاكوا."
"ربنا يخليكوا يا حبايبي.. المهم متشغلوش بالكوا أنتوا بالموضوع ده."
قالت والدتهم مع إبتسامة ممزوجة بالآسى.
تذهب أفنان إلى حجرتها هي وشقيقتها وتتمدد على السرير وهي تزفر بضيق.
"مالك أنتي كمان في أيه؟"
"مفيش.. اتخنقت أنا ونوح."
اعتدلت ميرال في جلستها وسألتهابلهفة قائلة:
"اتخانقتي معاه ليه؟ أكيد زعلتيه صح؟"
"أهو ده اللي كنت عاملة حسابه، كله هيقف في صف نوح."
"ما هو عشان أحنا عارفينك وعارفين نوح.. أكيد استفزتيه."
"ده حقيقي فعلاً."
"وليه بقى يا مُستفزة؟"
"عشان هو بيتحشر في اللي ملهوش فيه.. عملي حوار من اللاشيء حرفياً."
أردفت أفنان بإنزعاج، لتنظر نحوها ميرال ببعض الإمتعاض.
"وبعدين هتعملي ايه بقى؟ هتصالحيه طبعاً."
"اه هصالحه اه.. أنتي عبيطة يا ميرال؟ ده هو اللي غلطان اصلاً."
"لا مش هو."
قالت بنبرة طفولية لتضحك أفنان على سخافتها وتقول:
"طب كلفي خاطرك واسأليني اتخانقنا ليه بدل ما أنتي داخلهتدافعي وخلاص."
أردفت أفنان من وسط ضحكاتها لكنها تذكرت أنها لم تُخبر ميرال بشأن تحدثها مع رحيم في الأيام الماضية.
جيد شجاراً آخر.
"اه صحيح اتخانقتوا ليه؟"
"هاه؟ ايوا يا ماما جايه."
لبت أفنان نداء والدتها الوهمي فوالدتها لم تذكر اسمها من الأساس لكنها فعلت ذلك لتهرب من إخبارها بالسبب الحقيقي للشجار.
***
ينتقل إلى داخل قصر حامد البكري.
يجلس رحيم في غرفته وكأنه طير محبوس داخل قفص.
فوجود والدته في المكان ذاته هو أشبه بالسجن.
فهو لا يمكنه أن يُقدم على فعل أي شيء دون سماع توبيخاً منها.
والذي عادة ما يكون باللغة الإنجليزية وباللكنة الثقيلة خاصتها.
"دكتور رحيم الهانم الكبيرة بتنده لحضرتك."
قالت الخادمة بعد أن طرقت الباب بخفة للتنبيه لكنها لم تدخل الغرفة.
"حاضر.. قوليلها أني نازل."
أردف رحيم وهو يستقيم من سريره.
ينظر في المرآة فيجد أن خصلات شعره الأسود مُبعثرة فيُعيد ضبطها و يتأكد أن ثيابه تبدو جيدة قبل أن يتوجه إلى الخارج.
"رحيم.. تعالى هنا."
جاءه صوت والدته فور أن رأت خياله على الدرج.
"أمرك يا مامي."
قال ثم ذهب إلى الصالون ذو الأثاث الراقي باهظ الثمن.
كان معظمة كلاسيكي ذو طراز إنجليزي أصيل.
يجلس أمام والدته بهدوء تام.
"أيه رأيك في ال Beauty Queen 'ملكة الجمال' دي."
أمسك رحيم بهاتف والدته ذو الإصدار الحديث لتقع عيناه على صورة فتاة إنجليزية بالطبع.
ذات خصلات شعر شقراء قد شقت بعض الأمواج طريقها إليها وزوج من العيون الزرقاء.
"أوه.. She is so pretty 'إنها غاية في الجمال' فعلاً.."
"طبعاً.. وهو ينفع اصلاً رأيك يبقى مُخالف لرأي؟"
"لا طبعاً.."
"أنت عارف إن اسمها على اسمي؟ إيڤلين."
"لا مكنتش اعرف.. بس ممكن اسأل ايه الغرض من الكلام عن البنت دي؟"
"الغرض أنك هتقابلها.. وهتتعرفوا على بعض."
ضم حاجبيه بمزيج من الدهشة والإمتعاض قبل أن يقول:
"أمتى وليه؟"
"في إنجلترا.. ما أنت هتسافر هناك قريب."
أردفت بنبرة واثقة وكأن ما تقوله هو 'تحصيل حاصل'.
"بس أنا مش عايزة أسافر.."
"من أمتى يا رحيم ورأي حد غيري هو اللي بيمشي؟"
سألت بنبرة واثقة وهي ترفع أحدى حاجبيها ليحمحم رحيم ثم يُردف:
"مش قصدي يا مامي أكيد.. لكن أنا مقدرش اسيب الشغل هنا و أسافر."
"دي هتبقى أجازة For one month or something 'لشهراً واحداً أو شيء من هذا القبيل'."
"حاضر يا مامي.. هنشوف وقتها، عن إذنك."
قال ثم نهض متوجهاً إلى حجرة المكتب خاصة والده.
"بابي، بعد إذنك عايزك في موضوع مهم."
أردف رحيم بإندفاع فور دخوله الحجرة ليُشير له والده بأن ينتظر.
فيُدرك رحيم أنه يتحدث بالهاتف.
"تمام.. خلاص أنا هشوف الموضوع ده.. مع السلامة، تعالى يارحيم أقعد."
"شكراً.. بابي كنت عايز حضرتك في موضوع."
"أكيد اتفضل.. يا رحيم."
"أنا تعبت من أسلوب مامي.. بتتحكم في كل حاجة وبتفرض عليا حاجات أنا مش عايزها وأنا مبقتش صغير!!!"
بصق رحيم كلمات دفعة واحدة غير تاركاً مجال لإجابة والده أو ليتنفس هو شخصياً.
"اهدى بس يا رحيم، هو أنت أول مرة تتعامل مع والدتك يعني؟ ما أنت متعود على أسلوبها."
"ايوا اتعودت بس أنا خلاص تعبت.."
بنبرة مليئة بالخيبة والحزن قال رحيم لينظر نحوه والده بآسى ثم يُردف مع ابتسامة صغيرة:
"خدها على قد عقلها يا رحيم."
"يعني ايه؟"
"يعني قولها أنك موافق عاللي هي عايزاه وأوعدك أني مش هخليها تغصبك على حاجة."
"بدماغها الإنجليزية دي؟ أشُك."
"خليك واثق فيا يا ولد، وبعدين المشكلة دي كلها بسبب أيه بقى؟"
أردف والده وهو يُشعل لفافة تبغ بنية عريضة فاخرة.
"عايزاني أسافر إنجلترا.."
"وأيه وجه الإعتراض؟ عايز تسافر فرنسا مثلاً؟ اللي أنت عايزه ياحبيبي."
"لا.. الإعتراض إنها عايزة تفرض عليا بنت من هناك.. معنديش فكرة هي تعرفها منين، لكن أنا رافض."
أدرف رحيم ثم زفر بضيق.
"وأنت رافض ليه؟ مش يمكن البنت تطلع كويسة وتعجبك؟"
"اولاً She is not my type 'ليست نوعي المُفضل'.."
كاد رحيم أن يُكمل لكن قاطعه والده قائلاً:
"والله وكبرت يا رحيم وبقى ليك type."
"أكيد يا بابا.. Everyone has a type، زي ما حضرتك بتحب الشعر الفاتح كده واللكنة الإنجليزية والطباع الصارمة."
"ويا ترى ايه ال Type بتاعك بقى؟"
سأل والده وعلى الفور قفزت إلى عقله ملامح أفنان العربية الأصيلة.
الحواجب الكثيفة السوداء، مع زوج من العيون الكحيلة الحادة.
حتى تلك الحبوب التي اتخذت موضعاً في وجنتها قد جعلت ملامحها مميزة.
لكن تلك الفتاة الآخرى؛ إيڤلين.. هي ايضاً جميلة.
لكنها تُشبه دمية باربي من وجهه نظره.
"حضرتك هتشوفه بنفسك في يوم من الأيام.. وإحتمال يبقى قريب كمان."
قال وهو يقهقه بمزاح.
"ماشي يا سيدي اديني مستني على احر من جمر، على العموم متشغلش بالك بموضوع البنت دي."
"حاضر.. شكراً يا بابي."
أردف رحيم وهو يستقيم من موضعه ويذهب نحو والده ليعانقه بلطف ويبادله الآخر.
***
مر يوماً كاملاً حتى جاء موعد التدريب وقد تحفزت أفنان لأنها ستقابل نوح في الشركة بعد ما حدث بينهم منذ يومان.
لم يحاول مراسلتها وهي لم تفعل بالطبع.
وصلت إلى مقر الشركة وقد كان الإستياء بادٍ على ملامحها.
وصلت إلى الطابق المنشود وأخذت تسير بخطوات مُسرعة نحو وجهتها لكنها توقفت حينما مر رحيم من جانبها.
"صباح الخير يا دكتور."
أردف رحيم مع إبتسامة صغيرة وقد قال 'دكتور' بحذف التاء المربوطة لأنه ببساطة قالها بالإنجليزية وليست بالطريقة المُعربة.
"صباح النور يا دكتور برضوا."
ردت التحية مع إبتسامة صغيرة.
"يلا ادخلي عشان متتأخريش.. See you soon 'اراكِ قريباً'."
قالت ثم غادر لتتسع ابتسامتها قليلاً ثم تُكمل نحو وجهتها.
كانت القاعة شبه فارغة فيما عدا خمسة طلاب تقريباً.
جلست أفنان في الصف الأول لغرض ما في رأسها.
فهي لن تجلس في الخلف وتحاول التخفي من مواجهة نوح فهي ليست بهذا الضعف.
بعد عشرة دقائق تقريباً بدأ المكان في الإزدحام ودلف نوح إلى القاعة.
والذي بمجرد أن وصل أخذ يبحث بعيناه عنها في الصفوف الخلفية.
ولم يلحظ المُغفل أنها تجلس أمامه مباشرة.
"صباح الخير يا دكاترة، هنتكلم النهاردة في الشرح عن المسكنات أو ال Ananlgesia."
انتبهت أفنان للشرح كثيراً وأخذت تدون بعض الملاحظات.
فهي لا تأمن غدر نوح فقد يسألها أي سؤال بغتة ويقوم بإحراجها أمام الجميع.
فلقد فعلها عدة مرات في الجامعة.
انتهى الجزء الخاص بنوح بعد ساعة تقريباً وأكمل مُدرب آخر لمدة نصف ساعة إضافية.
توجه الجميع نحو المعامل في إنتظار الجزء العملي.
جلست أفنان تعبث في هاتفها بملل حتى يأتي المُدرب.
لكن حاسة الشم القوية خاصتها أرغمتها على رفع عيناها بحثاً عن صاحب الرائحة التي عطلت المكان بأكمله.
"رحيم؟!"
همست بها بإندهاش وهي تراه يرتدي المعطف الأبيض ويدخل المعمل وعلى وجهه ابتسامة جعلت مُعدل نبضات قلبها يرتفع قليلاً دون سبب واضح.
تتسع إبتسامته عندما يقرأ شفتيها فيُدرك أنها ذكرت اسمه بهمس.
"مساء الخير يا دكاترة، أكيد كلكوا عارفني أنا دكتور رحيم.. اشتغلت فترة معاكوا في النظري وحبيت كمان نشتغل عملي سوا."
تحدث بنبرة هادئة بينما لم تُفارق عيناه عين أفنان التي سُرعان ما توترت ونظرت إلى الجهه الآخرى ثم وبخت نفسها.
عاودت النظر نحوه بأعين واثقة بينما تستمع إلى ما يقول.
صدح في المكان صوت أغنية لأحد الفنانين الذكور والتي كانت ذو موسيقى صاخبة بعض الشيء.
ليل تفت الجميع نحو مصدر الصوت؛ أفنان.. أو بمعنى آخر هاتف أفنان.
"أنا أسفة جداً يا دكتور."
قامت برفض المكالمة والتي كانت من شقيقتها ميرال.
تلك الحمقاء هي تعرف جيداً أن أفنان في التدريب.
مرت دقيقة لتعاود ميرال الإتصال مرة آخرى واسكتت أفنان الهاتف مجدداً.
لتكرر ميرال المحاولة للمرة الثالث.
لكن هذه المرة قد تسرب شعور القلق إلى قلب أفنان.
فليس من عادة ميرال أن تُكرر الإتصال وايضاً من المفترض أن تكون ميرال في العمل الآن.
"دكتورة أفنان.. ممكن تخرجي تردي، هناخد كلنا بريك خمس دقايق يا دكاترة بس ياريت محدش يخرج برا المعمل."
هرولت أفنان إلى خارج القاعة لتتحدث إلى ميرال في الهاتف.
حاول رحيم أن يُحافظ على خصوصيتها لكنه في النهاية استسلم لتلك الخصلة السيئة في بني آدم وهي "الفضول".
وقف رحيم بالقرب من باب المعمل بينما تحدثت أفنان في الهاتف بتوتر:
"ايوا يا ميرال.. في حاجة ولا أيه؟"
"بكلمك كتير مردتيش."
"ثواني بس هو مش المفروض أنك في الشغل؟ وأيه الدوشة اللي جنبك دي؟"
"بابا.."
"ماله بابا؟"
سألت أفنان بصوتٍ عالٍ وبرعب، ينتبه رحيم ويقترب منها قليلاً.
لتُجيبها الآخرى:
"اهدي بس.. هو ضغطه عالي شوية.."
"طب أيه؟ هو كويس يعني؟ أيه اللي حصل؟"
"تيتا كلمته وبتطلب منه حاجات يجبهالها قالها أنه مش معاه فلوس دلوقتي.. اتخانقت معاه جامد وهو فضل يزعق ويقولها أن المصاريف زادت عليه وأن هو مش عارف حتى يصلح عربيته.. ده اللي عرفته.. في الآخر يعني ضغطه عِلي جامد وصحابه نقلوه للمستشفى.."
"مستشفى؟؟!! أنا جايه حالاً.. ملعون أبو الفلوس اللي تعمل في أبويا كده..."
"ابعتيلي اللوكيشن بسرعة.."
أردفت بنبرة مزيج من الغضب والإنكسار قبل أن تُغلق المكالمة.
سامحة لدموعها الدافئة التي حبستها بالإنهمار.
أخذت نفس عميق بينما يحاول عقلها إستيعاب ما يحدث.
عليها أن تأخذ الإذن من رحيم وترحل من هنا في الحال.
تنفست الصعداء ثم كفكفت دموعها بيديها.
لا يجب أن يراها أحد وهي تبكي.
ألتفتت لتذهب إلى المعمل لكنها فوجئت برحيم في مواجهتها تماماً بينما يفصل بينهم مسافة صغيرة.
رواية في حي الزمالك الفصل الثامن 8 - بقلم ايمان عادل
التفتت لتذهب إلى المعمل، لكنها فوجئت برحيم في مواجهتها تماماً، بينما يفصل بينهما مسافة صغيرة.
"يلا بينا عالستشفى.. هاتي اللوكيشن."
"حاضر.. لا استنى بس.. عايز اللوكيشن ليه؟"
كانت على وشك التحرك، لكنها انتبهت لما يقوله.
"لسه هتفكري؟ يلا بسرعة هوصلك بعربيتي."
"لا طبعاً مش هينفع.. فين نوح؟"
امتعض وجه رحيم على الفور، لكن لا وقت للشعور بالغضب أو بتلك الغصة في حلقه الذي لا يعلم سببها. هو يريد مساعدتها، لذا سحبها من معطفها نحو المكتب الذي يجمع المدربين.
"تعالي نشوفه هنا."
اقتحمت أفنان الغرفة ومن خلفها نوح، لتُفاجئ بالمدربين ملتفون حول أحد المكاتب وأمامهم العديد من الشطائر. انتبه جميعهم، وقد ظهر الارتباك على وجههم لرؤية رحيم، والذي كان ينوي أن "يخرب بيتهم" لو كان اكتشف مثل هذا الأمر في ظروف أخرى، لكن لا وقت لهذا الهراء الآن.
"فين دكتور نوح؟"
"مش عارف... لسه خارج من هنا.."
أردف أحدهم وهو يحاول ابتلاع ما في فمه من قضمات بحجم الفيل، بالإضافة إلى قطعة أو اثنتين من المخلل.
غادرت المكتب وهي تتأفف، بينما رمقهم رحيم بنظرة نارية قبل أن يلحق بها نحو الخارج. بحثوا عنه في بضع أماكن أخرى سريعاً.
وفجاءة تذكرت أفنان أن العلم تقدم وأن هناك اختراع يُسمى "هاتف خلوي"، لذا قامت بالاتصال به. لم يُجيب. كررت المحاولة فأغلق المكالمة "كنسل". عاودت الاتصال للمرة الأخيرة فوجدت الهاتف مغلق. عبس وجهها قليلاً وهي تبتلع الغصة التي في حلقها. إنها في أمس الحاجة إلى نوح والأمر طارئ، لكنه قرر تجاهلها بسبب شجار سخيف حدث بينهما.
"يلا بقى عالـعربية ربنا يهديكي."
أردف رحيم ثم تنهد.
"لتومئ أفنان ثم تفيق من شرودها وتقول: لا طبعاً، انت عبيط؟"
"اومال هنروح ازاي؟ مش وقته الجنان وطولة اللسان بتاعك ديه خالص!"
تلفظ رحيم بنفاذ صبر وبصوت عالٍ نسبياً.
"هطلب اوبر."
"هتركبي مع سواق اوبر الغريب عشان خايفة تركبي معايا؟ هو أنتي Normal يا بنتي؟"
"أولاً أنا مش خايفة، وبعدين ثواني.. هو انت شايف اني في ظرفي يسمح بالخناق والهبل اللي احنا بنعمله ده؟"
"الحقيقة لا.. خلاص يلا ننزل تحت وانا هطلب اوبر بس ابعتيلي اللوكيشن.."
"هات رقمك طيب.."
قالت أفنان لتظهر ابتسامة جانبية على شفته، ثم منحته هاتفها ليدون رقمه، ثم أخذته سريعاً لتبعث له رسالة تحوي الموقع على جهاز الملاحة.
"وصلك كده المفروض.."
"تمام طلبت.. الكابتن فاضله دقيقتين يلا عقبال ما ننزل."
أومأت أفنان بإستسلام ثم هرولت نحو السلم، لا وقت لانتظار المصعد.
بالفعل وصلت السيارة في خلال دقيقة تقريباً لتتجه نحوها أفنان بسرعة، لكن يسبقها رحيم ويقوم بفتح الباب الخلفي سامحاً لها بالدخول.
"يا عم اخلص مش وقته جنتلته!"
وبخته أفنان ليهز رأسه بإستنكار ثم يركب في المقعد الأمامي إلى جانب السائق. استغرقت المسافة تقريباً خمسة وأربعون دقيقة حتى وصلوا إلى وجهتهم، بينما كانت أفنان صامتة طوال الطريق لا تفعل أي شيء غير الدعاء وقراءة ما تيسر لها من القرآن.
"كده أحنا وصلنا يا فندم هي دي المستشفى."
أردف السائق ليشكر رحيم.
"وتحاول أفنان أن تختلس النظر إلى تكلفة الأجرة فيُخبرها رحيم: اسبقيني يا أفنان على جوا ولا أنا جاي وراكي."
منح السائق ثمن التوصيل ثم لحق بها إلى داخل المشفى الخاص، والذي كان هناك تعاقد بينه وبين الجهة حيث يعمل والدها. وجدها تقف قرب الاستقبال وهي تسأل عن والدها، فيُخبروها أنه كان في حجرة الطوارئ، لكن تم نقله إلى غرفة عادية بصورة مؤقتة حتى تسمح حالته بالمغادرة.
"أجي معاكي؟ لو مش هتحسي أنك مرتاحة أنا ممكن استناكِ هنا."
أردف بلطف لتنظر نحوه بإمتنان وتقول:
"معلش خليك هنا.. ممكن حد من قرايبي يشوفك.."
أومأ بتفهم، لتتهرول هي نحو الممر حيث أرشدتها موظفة الاستقبال. يقف هو في بداية الممر يتابعها بعينيه ثم يجلس على إحدى المقاعد المعدنية.
تصل إلى نهاية الممر فتجد شقيقتها ووالدتها. تركض نحوهم وهي تسأل عدة أسئلة دفعة واحدة بقلق:
"بابا كويس؟ الدكتور قال إيه؟ طمنوني.."
"الدكتور طمنا وقال أن اللي حصل ده ضغط عالي.. واداله حباية تحت اللسان عشان تنزل الضغط شوية.."
"يا حبيبي يا بابا... طب يعني هو إيه اللي حصل بالظبط؟"
"خناقة مع جدتك الله يسامحها بقى.. حس يا حبيبي براسه هتتفرتك، من الصداع وبعدها حس أنه مش قادر ياخد نفسه. صحابه اتلموا حواليه وجابوه على هنا.."
سردت والدتها ما حدث بحزن شديد، بينما انهمرت دموع ميرال في صمت وهي تسمع ما حدث مجدداً.
"طب أنا عايزة أشوفه."
قالت بلهفة لتُبلغها والدتها بالآتي:
"استني دقيقة الدكتور عنده بيطمن عليه وبعدها ندخل."
"ماشي.. بس يعني هو فايق صح؟"
"اه يا حبيبتي فايق.."
بعد ثلاث دقائق تقريباً خرج الطبيب لتسأله أفنان مجدداً عن حالة والده، فيُخبرها أنه بدأ في التحسن وسيتمكن من المغادرة اليوم مساءً، حيث سيبقى لبضع ساعات حتى يتأكدوا أنه بخير تماماً.
توجهت إلى غرفة والدها ببطء شديد وهي تحاول أن ترسم ابتسامة لطيفة على ثغرها حتى لا يُصيبه مزيد من التعب عند رؤية حزنها.
"إيه يا بابا الدلع ده؟ بتشوف غلاوتك عندنا ولا إيه؟"
قالت بنبرة مزاح ممزوجة بحنان وهي تنظر إلى وجه والدها المُرهق وعيناه الذابلة. تقترب لتجلس إلى جانبه على السرير وهي تضمه برفق وتقبل رأسه.
"دماغي كانت وجعاني بس خلاص خفت كده."
أردف والدها مُلاطفاً إياها وإن كان يتحدث ببعض الثقل لتعبها.
"مكنش في داعي يا حبيبتي تسيبي التدريب وتيجي.. وأختك دي كمان اللي سابت شغلها."
"ازاي يعني بس يا بابا؟ هو إحنا عندنا حاجة أهم منك أنت وماما؟ في داهية أي حاجة عشانكوا."
"أيوا يا سيدي جاتلك حبيبتك بقى."
علقت والدتها بمزاح وهي تتجه إلى داخل الحجرة ومن خلفها ميرال.
"وحبيبتي التانية جت أهي.. تعالي يا ميرال اقعدي جنبي."
"ألف سلامة عليك يا حبيبي."
علقت ميرال وهي تُقبل يده، بينما اغرورقت عيناها بالمزيد من الدموع. اندمجت أفنان داخل الجو العائلي اللطيف ونسيت تماماً أمر رحيم. لقد تركت الشاب المسكين وحيداً بالخارج.
"طب عن إذنكوا دقيقة هشوف حاجة."
استأذنت أفنان بهدوء قبل أن تنسحب من الغرفة وتعود إلى المكان حيث تركت رحيم، لكنها لم تجده. مؤكد أنه شعر بأنه قد أتم مهمته بإيصالها إلى هنا ورحل، وله كامل الحق في ذلك. وقفت تنظر حولها لثوانٍ قبل أن تقرر العودة إلى الحجرة، لكن يوقفها صوت رحيم وهو يقول:
"كنت لسه هكلمك.. كويس أني لقيتك."
أردف بنبرة هادئة لتلتفت نحوه وهي تنظر بتعجب إلى الكيس البلاستيكي في يده.
"أنا جبت Juice وشوية حاجات حلوات كده عشانك انتي وأسرتك."
كانت نبرته ألطف ما يكون، بعض النظر عن الضحكة البسيطة التي غادرتها حينما قال "حلوات"، لكنها سرعان ما بدلت الضحك بنظرة امتنان وابتسامة صغيرة.
"أنا بجد يا رحيم.. مش عارفة أشكرك إزاي والله عاللي عملته معايا النهاردة.."
"ششش.. مفيش داعي للكلام ده خالص، المهم بس أونكل يقوم بالسلامة."
"أنت حقيقي إنسان."
أردفت لتتبادل معالم وجهه ويرفع إحدى حاجبيه وهو يسأل بإستنكار:
"كنتي فكراني حيوان ولا إيه؟"
"لا لا مش قصدي والله.. أنا قصدي إنسان جدع وشهم يعني.. بس قولت إنسان بس الأول لأن الناس دلوقتي بقت منزوعة الإنسانية.."
فسرت بصدق لترتخي تعابير وجهه وترى شبح ابتسامة على وجهه قبل أن يقول:
"هعتبره مدح ف Thank you.. وياريت متقوليش شكراً تاني."
"ماشي يا سيدي حاضر."
"طيب أنا همشي دلوقتي.. خدي بالك من نفسك ومن باباكي وقوليله Get well soon 'أتمنى لك الشفاء العاجل'."
"هقول لبابا Get well soon حاضر."
علقت بسخرية وهي تضحك ليبادلها ببسمة صغيرة قبل أن يرتدي نظارته الشمسية باهظة الثمن ويغادر المكان.
تعود هي إلى غرفة والدها، بينما وقف رحيم أمام باب المستشفى في انتظار سيارة الأجرة التي ستقوم بإيصاله إلى الشركة مجدداً. يستغرق الأمر ثلاث دقائق. يرى السيارة فيتجه نحوها ليلمح بطرف عينيه نوح الذي يتجه نحو المستشفى. يرمقه نوح بحدة، بينما تظهر ابتسامة جانبية على شفة رحيم دون أن ينظر إليه.
"وده بيعمل إيه هنا إن شاء الله؟"
سأل نفسه بهمس وهو يضم قبضته بغيظ قبل أن يقوم بضبط نظارته الطبية فوق أنفه بعنف.
يتجه نحو الداخل ويسأل عن غرفة زوج خالته وتُرشده الممرضة إلى مكان الحجرة. في تلك الأثناء كانت أفنان قد وصلت إلى الغرفة ومنحتهم الحلوى التي ابتاعها رحيم.
"شوفتوا جبتلكوا إيه؟ عشان تعرفوا إني مدلعاكوا بس."
قالت أفنان بمزاح ليبتسم جميعهم.
"ثم تنظر نحوها ميرال بشك وتقول: وأنتي لحقتي تخرجي تجيبي الحاجات دي من برا وترجعي بالسرعة دي؟"
"اه.. خدت الهليكوبتر بتاعتي من على باب المستشفى يا ظريفة."
وقبل أن تُعلق ميرال سمعوا طرقات خفيفة على باب الحجرة لتقول والدتها:
"اتفضل."
يدخل نوح لتتجهم أفنان وتُشيح بنظرها عنه.
"ألف سلامة على حضرتك يا عمو.. طمنيني يا خالتو إيه الأخبار؟"
"احنا كويسين يا ابني الحمدلله على كل حال."
أردفت والدته بإنكسار.
"لتقفز أفنان من مقعدها فور سماعها لصوت نوح وتغادر الحجرة تاركة الجميع في حيرة من ردة فعلها الغير معهودة."
"مالك يا أفنان يا بنتي؟"
سألت والدتها بقلق وكانت على وشك أن تلحق بها، لكن أوقفها نوح بأدب وهو يقول:
"خليكي هنا يا خالتو أنا هروح أشوفها.."
"لسه فاكر؟"
سألت مع ابتسامة ساخرة ممزوجة بالسخط.
"أفنان أنا..."
"أنت إيه؟ أنت خزلتني.. وأنت مستفز.. أنت أخويا بالإسم بس!"
"صدقيني أنا فعلاً..."
حاول نوح تبرير فعلته لكن أفنان قاطعته قائلة بنبرة تحمل في طياتها الخذلان:
"أنت مش جدع يا نوح."
"أنتي عندك حق تزعلي.. بس صدقيني أنا فعلاً غلط بس صدقيني أنا كنت مشغول والله.. أيوا كان المفروض ارد عليكي واقولك كده بس أنا..."
"أنا لا عايزة اتكلم ولا اسمع.. خلاص يا نوح اللي حصل حصل."
اردفت ثم تركتها وحيداً وعادت إلى غرفة والدتها ليتبعها مجدداً لكن دون أن يتفوه بحرفاً واحداً. قضى ما تبقى من الساعات داخل المستشفى برفقتهم. أنهت أفنان إجراءات الخروج وقد دونت تعليمات الطبيب ومواعيد جرعات الأدوية التي أوصى بها.
"يلا يا خالتو العربية جاهزة خدي المفتاح واسبقيني انتي وميرال وأنا وأفنان هنسند عمو ونيجي."
"طب ما أفنان وماما يروحوا وأستنى أنا هنا.."
قالت ميرال بخجل وتوتر لتقلب أفنان عيناها بتملل ويُعلق والدها بمزاح:
"تسند مين يا ولد؟ اسند نفسك أنت بس الأول.. أنا الحمدلله لسه شباب وقادر أقف على رجلي."
"طبعاً يا عمو، ربنا يديك الصحة وطول العمر."
"تعيش يا ابني.. يلا بقى نمشي كلنا سوا."
أومأت أفنان وأمسكت بذراع والدها وهي تسير إلى جانبه.
داخل السيارة كان يجلس والدها إلى جانب نوح في المقعد الأمامي وهي وشقيقتها ووالدتها في المقعد الخلفي. كانت تتجنب النظر نحو نوح، بينما كان يخطف هو نظرات نحوها بين الحين والآخر في المرآة.
"حمدلله عالسلامة يا جماعة وصلنا."
قال نوح فور توقف السيارة ثم عقب قائلاً:
"معلش يا خالتو ماما معرفتش تجيلك النهارده بس هتجيلك بكرة إن شاء الله هي ومريم."
"احنا يا حبيبي مفيش بينا الكلام ده.. وأنت موجود أهو تنوب عنها."
"معلش يا نوح تعبناك معانا."
بالطبع صدرت هذه الجملة من ميرال ليُخبرها نوح بلطف أنه قد قام بواجبه. فتضحك أفنان بسخرية ثم تُغادر السيارة.
"انجزوا يا جماعة عشان بابا عايز يرتاح."
أردفت أفنان وهي تساعد والدها في الخروج من السيارة. ودعهم نوح ولم يصعد.
وبمجرد وصولهم إلى الشقة وتأكدهم من سلامة والدها وارتياحه بغرفته بدأ الحصار على أفنان ليحاولوا معرفة سبب معاملتها السيئة لنوح.
"أنا عايزة أفهم بقى.. الواد واقف معانا طول النهار ووصلنا لحد هنا وفي الآخر تكلميه بالأسلوب ده؟"
"هو انتوا هتفضلوا طول حياتكوا بتدافعوا عن نوح من غير ماتسألوني إيه اللي حصل؟"
سألت أفنان بحنق ولكن حافظت على نبرة صوت هادئة احتراماً لمرض والدها.
"عشان أحنا عارفين أنك مندفعـة يا أفنان.. وممكن يعمل حاجة من غير قصد وأنتي متديلوش فرصة يشرحلك."
"ميرال! أنتي بالذات بقى بتنصفي نوح عليا مع أنك أختي أنا يعني!"
"سيبك من ميرال وكلميني أنا.. حصل إيه بقى؟"
"محصلش يا ماما.. أنا مرهقة وعايزة أنام شوية.."
قالت أفنان وهي تتمدد على السرير وتسحب الغطاء لتُغطي جسدها كاملاً.
"هتتخنقـي كده يا بنتي."
"أنا متعودة يا ماما.."
أجابت أفنان بصوت مكتوم من أسفل الغطاء، فلقد اعتادت أن تنام بهذا الشكل سواء في فصل الشتاء أو حتى الصيف.
في منزل رحيم جلس في غرفته يعبث في هاتفه حتى مر أمامها اسمها في محادثة اليوم على تطبيق 'واتس أب' والتي لم تحتوي على شيء غير موقع المستشفى، لكن ذلك كان كافي بالنسبة له، فقد استطاع الحصول على رقم هاتفها دون أن يتكبد عناء طلبه منها. قام بفتح المحادثة وقام بكتابة "ازيك يا أفنان دلوقتي.." لكنه قرر حذف ما كتبه ثم كرر المحاولة مجدداً.. "اونكل أخباره إيه.." لكنه قرر حذف ذلك أيضاً وقد قرر تأجيل محادثتها للغد ربما.
جلس شارداً يحك ذقنه وهو يراجع تفاصيل اليوم كاملة.. وجهها المتورد وعيناها التي كستها الحمرة في محاولة بائسة منها بعد البكاء. لقد شعر بغصة في حلقه عندما رآها في ذلك الوضع، لكن سرعان ما خطر على باله ابتسامتها الصافية ونظراتها الممتنة وكلماتها الصادقة وهي تشكره على ما فعله اليوم، بالرغم من أنه لا يرى أنه فعل شيئاً يستحق الشكر.. فمن المفترض أن يفعل أي شخص مكانه الشيء ذاته، لكن نوح لم يفعل. فكر في ذلك لتظهر ابتسامة جانبية على ثغره.
أخرجه من شروده صوت رنين هاتفه بنغمة مميزة قد وضعها لصديقه المفضل، أنس.
"ألو.. أيوا يا أنس."
"أيه يا رحيم بيه فينك طول اليوم؟ سبت الشغل كده ومحدش عارف روحت فين."
سأل أنس بنبرة درامية ثم أنهى حديثه بنبرة لعوب.
"كنت في مشوار كده و... ثانية واحدة.. أنت فاكر نفسك خطيبتي ولا إيه؟"
"الحق عليا بطمن عليك؟ روح مكان ما أنت عايز متصدعنيش.. المهم ما تيجي."
"أجي إيه يا زبالة انت!!!"
"يخربيت دماغك يا عم.. قصدي ما تيجي نخرج."
صحح أنس على الفور مسار الحديث ليقهقه رحيم ثم يقول:
"أيوا أنا محتاج أغير جو فعلاً.. عايز مكاني هادي."
"اشطا هجبلك مكان على ذوقي."
"عايز كافيه هادي يا أنس مش عايز مكان فيه Drinks 'المقصود مشروبات كحولية' ها؟"
"خلاص قولت اشطا بقى! وبعدين ما فيه كافيهات فيها Drinks وهادية عادي."
"لا أنت شكلك مبتفهمش.. خلاص مش عايز اخرج."
"بهزر يا عم.. المهم هعدي عليك بالعربية ونروح سوا."
"أوك ماشي، صحيح بقولك إيه يا أنس.. أنا جاتلي فكرة للتدريب وعايز أنفذها."
"أيه هي؟ ونشوف مناسبة ولا لا."
"أنت في حاجة في دماغك ولا إيه؟ مفيش حاجة اسمها هنشوف.. أقولك مش عايز منك حاجة أنا هتصرف.. يلا باي."
أردف رحيم ثم أنهى المكالمة دون أن ينتظر سماع رد من أنس.
في صباح اليوم التالي استيقظت أفنان باكراً لتجد أنها الوحيدة المستيقظة في المنزل. تذهب نحو المطبخ وتقرر إعداد فطور مميز لوالدها. تبدأ أولاً بإعداد "الشاي باللبن" الذي أدمنته جميع أفراد الأسرة. جاءها صوت إشعار من الهاتف لتُمسكه بملل وهي تتوقع أن المُرسل بالطبع هو نوح! لكنها كانت مُخطئة فالمُرسل كان رحيم!!!
تفتح الرسالة بتوتر وهي لا تدري ماذا عساه يقول الآن؟ إنها السابعة والنصف صباحاً تقريباً.
'صباح الخير يا أفنان.. أسف على الإزعاج بس كنت عايز أطمن على أونكل، هل بقى كويس دلوقتي؟'
قرأت الرسالة وشقت الإبتسامة طريقها إلى وجه أفنان حتى شعرت أن وجهه يؤلمها من شدة الإبتسام. لقد قرأت الرسالة وهي تتخيل طريقة قول رحيم لتلك الجملة بنبرة صوته المميزة وطريقته في نطق الكلمات التي توحي بأنه أجنبي وليس مصري.
'الحمدلله يا رحيم بابا بقى أحسن.. شكراً بجد على سؤالك وحقيقي شكراً على وقفتك جنبي إمبارح..'
شعرت بنبضات قلبها تزداد وهي تُرسل الرسالة، بينما توتر الآخر حينما أدرك أنها قرأت الرسالة بل وتقوم بكتابة الرد، فلقد كان ينوي حذف الرسالة لأنه لا يدري ردة فعلها فهي "مجنونة" كما أنه لم يتوقع أن تستيقظ مبكراً.
'طيب الحمدلله.. ولو سمحتي متقوليش شكراً دي تاني، مفيش بينا الكلام ده.'
'ماشي يا عم الحنين.. متتعودش بقى عالسهوكة دي عشان محولش عليك.'
'مبتعرفيش تكملي الجملة لآخرها حلو ابداً؟'
ضحكت بصوتاً منخفض وكادت أن تُجيب لولا أنها سمعت خطوات من خلفها.
"صباح الخير يا قمر بابا.. إيه الروايح الحلوة دي؟"
"صباح الفل يا حبيبي.. ديه ريحة الفطار.. أصلي صحيت بدري قولت أجهز الفطار عقبال ما تصحوا."
قالت أفنان بلطف وهي تُقبل رأس والدها.
"تسلم ايديك يا حبيبتي، محتاجة مساعدة؟"
"لا يا بابا ربنا يخليك بس ممكن تقعد معايا عقبال ما أخلص."
"ماشي يا ستي.. وأدي قاعدة."
قال وهو يجذب إحدى الكراسي ويجلس، فلقد كانت مساحة المطبخ كبيرة بحيث يضم من الداخل طاولة خشبية صغيرة وثلاثة كراسي خشبية بالإضافة إلى الأجهزة والمتعلقات الأساسية التي توجد داخل أي مطبخ.
"إلا قوليلي الجميل سرحان في إيه وبيكلم مين الصبح بدري كده؟"
سأل والدها بنبرة مزاح، فهو يسألها من باب الاطمئنان وليس من باب التحقيق، فهو يثق في أفنان وميرال. والأهم يثق في تربيته لهم.
"ده الدكتور اللي بيدربني في الشركة.. كان بيطمن على حضرتك يعني."
فسرت بتوتر ممزوج ببعض الخجل ليبتسم والدها ويقول:
"كتر خيره والله.. قوليله أني بقيت بخير، بس هو عرف منين؟"
"أصلي كان لازم استأذن منه قبل ما أمشي إمبارح وكده.."
"اه عشان كده.. تمام، بس ثواني.. هو كده مش هيبقى عندك يا بنتي مشكلة عشان الغياب اليوم ده؟"
هنا أدركت أفنان أنها نسيت أمر الغياب تماماً. عبس وجهها قليلاً وهي تفكر في أن الشركة قد ترفض منحها شهادة إتمام التدريب بسبب غيابها في ذلك اليوم.
"هحاول أسأله عالـموضوع ده وأشوف حل.. لو معرفتش أحل الموضوع مش مشكلة الشهادة يعني المهم أني استفدت من التدريب العملي.."
قالت مع ابتسامة صغيرة في محاولة لطمئنة والدها.
"ماشي يا حبيبتي إن شاء الله خير.. أنا هروح اصحي رانيا وميرال عشان نفطر سوا."
"ماشي يا حبيبي."
بالقرب من المغرب جاءت خالتها برفقة نوح ومريم للإطمئنان على والد أفنان. استقبلتهم أفنان بلطف بينما لم تُعير نوح أي اهتمام؛ فهي مازالت غاضبة مما حدث بالأمس.
"أفنان ما تيجي نقف في البلكونة شوية."
"ماشي ياختي قومي."
توجهوا إلى داخل الشرفة وقامت مريم بغلق الباب نسبياً.
"لو اتكلمتي معايا في موضوع نوح هعمل معاكي الجلاشة."
"جلاشة؟ ما علينا.. هو احنا عمتاً بنتكلم عن حاجة غير عن نوح؟"
"للأسف لا.. وده سبب من الأسباب اللي مخلياني عايزة أقطع علاقتي بيكي."
"طب كتر خيرك يا ستي شكراً.. طب بصي بس.. نوح حكالـي اللي حصل وهو والله أسف ومكنش يقصد.."
"ايوا أنا والله أسف ومكنتش أقصد."
قال نوح مقلداً مريم فور اقتحامه للشرفة وهو يحمل في يده نوع من الحلوى الذي تحبه أفنان.
"أنا قولتلك تدخل دلوقتي؟"
سألت مريم وهي توبخه.
"أوعى كده مش عايزة من وشك حاجة."
أردفت بضيق وهو تُبعد الحلوى عنها وتُطيح بيد نوح بعيداً.
"طب ليه كده بس؟ ده أنا نوح حبيبك."
قال بمزاح دون أن يقصد كلمة "حبيبك" بالمعنى الحرفي، لتتبدل تعابير أفنان، وتبتسم مريم بحماس وتعبس ميرال التي كانت تراقب ما يحدث من بعيد.
"حبك برص يا أخي.. وبعدين هو أنت كل شوية تعمل حاجة مستفزة أكتر من اللي قبلها وترجع تصالحني؟"
"يا أفنان متبقيش رخمة بقى.. أعوذ بالله يا شيخة فيه إيه؟"
"نوح أنت مش مدرك أن اللي حصل المرة دي غير كل مرة صح؟ أنا كنت محتاجه أنك تبقى معايا وقتها بس أنت نفضتلي.. لما أنت بتعمل معايا كده أومال الغريب هيعمل إيه؟"
سألت وتذكر نوح على الفور أمر رحيم.. وأنه كان برفقتها، للأسف لقد فعل الغريب ما لم يفعله القريب في هذا الموقف.
"يعم مش وقته سرحان.. صالح البنت يلا!!"
أخرجته مريم من شروده ليكرر اعتذاره وأسفه مجدداً.
"ماشي يا نوح خلاص.. حصل خير."
"أنا فعلاً كنسلت عليكي.. بس أنا كنت مشغول في حاجة ليها علاقة بالشغل.. اه كان المفروض استأذن وارد بس أنا قولت أسخف عليكي.. مكنتش متوقع يعني أن في حاجة بجد.."
"أنت بتفتح الموضوع تاني بتعصبني يعني ولا إيه؟"
"لا لا.. خلاص سماح! ويا ستي عشان اثبتلك أني عايز اصالحك بجد هشرحلك الحاجات اللي فوتيها امبارح إيه رأيك؟"
"لا شكراً أنا مستغنية عن خدماتك."
قالت ليقهقه على طريقتها ولأول مرة تتمنى ميرال لو كانت تُجيد الكيمياء وعلم الدواء ليُحدثها نوح بتلك الطريقة.
"خلاص بلاش.. هحاول أكلمهم عشان يرفعوا غياب اليوم ده.."
ابتسمت أفنان للوهلة الأولى لأنه سيساعدها في ذلك الأمر الذي يؤرق بالها، لكن سرعان ما أدركت ما يعنيه ذلك.. نوح سيتحدث إلى رحيم.. ولو فعل.. لن يكتفي رحيم بعدم منحها الشهادة فقط.. بل سيقوم بطردها من المكان بأكمله!!!
رواية في حي الزمالك الفصل التاسع 9 - بقلم ايمان عادل
"خلاص بلاش.. هحاول أكلمهم عشان يرفعوا غياب اليوم ده."
"لا يا نوح شكراً ليطردوني يا عم!"
"يا سلام عالثقة يا سلام!" سخر نوح ليقهقه جميعهم وتقول أفنان من بين ضحكاتها بنبرة شبه جادة:
"بجد يا نوح ابوس ايدك متدخلش في الحوار ده."
"خلاص يا ستي أنتي حرة!"
في صباح اليوم التالي ذهبت أفنان إلى مقر الشركة باكراً كي تستطيع التحدث إلى رحيم قبل مجئ الجميع، وبالفعل فور وصولها لمحته يسير في ردهة الطابق.
"دكتور رحيم ممكن اسأل حضرتك سؤال.."
"اه طبعاً..." قال بنبرة لم تروق لأفنان وهو 'بيسبل' فتنظر نحوه بنظره حاده ليُعدل من نبرته ويقول:
"اتفضلي يا دكتورة اسألي."
"هو بالنسبة للغياب بتاع أول إمبارح.. أنا كده مش هاخد الشهادة صح؟"
"لا طبعاً مش هتاخديها." أفصح بنبرة جادة ليعبس وجهها ويُصيبها الإحباط في خلال بضع ثوانٍ.
"بس حضرتك عارف يعني الظروف اللي حصلت وإني كان لازم امشي.."
"يا دكتورة النظام نظام.. ويلا اتفضلي بقى."
"تمام شكراً لحضرتك.." قالت بإحباط، وكانت على وشك المغادرة نحو القاعة لكن أوقفها صوته وهو يقول:
"استني بس.. أنا بهزر معاكي! طبعاً هتاخدي الشهادة."
"ياض يا ابن ال..." كادت أن تسبه لكنها تراجعت عن ذلك احتراماً للمكان الذي تقف فيه.
"معلش معلش I am sorry بجد، بس كان لازم تشوفي Reaction 'تعابير' وشك وأنا بقولك." قال من وسط ضحكاته لتنظر نحوه بغيظ قبل أن تضربه في صدره بحقيبتها غير مُهتمه بمن حولها.
"خضتني!"
"يعني تفتكري أني هعمل كده بجد؟ أي حد مكانك وحصلهالظروف دي عمري ما كنت هحرمه من الشهادة خاصة لو حد شاطر ومجتهد زيك." قال رحيم بلطف وهو ينظر إلى عيناها مباشرةً.
"ما هو أنت مش مضمون.. وبعدين لولا إننا في مكان محترم وليك برستيچ هنا أنا كنت عرفتك مقامك عالحركة دي."
"خلاص قولت كنت بهزر! يلا يا دكتورة روحي عالقاعة بتاعتك."
"ماشي يسطا."
"يا نهار أبيض!! ايه أوسطى دي احنا في ميكرو باص؟" سأل رحيم بنبرة مُتعجبة وهو يحاول إستيعاب ما تقوله، ناهيك عن طريقته المضحكة في نطق الكلمات الشعبية الدارجة.
"ميكرو باص؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، حصلني عالقاعة بقى."
قالت بنبرة ساخرة وهي تقهقه ليبتسم على طريقتها اللطيفة.
تدلف أفنان إلى القاعة وتجد ثلاثة طلاب تقريباً بالداخل ولحسن الحظ لم ينتبه أحد منهم لمحادثتها مع رحيم في الردهة، تجلس في الصف الأول في انتظار قدوم نوح.
في الميعاد المحدد يدخل نوح إلى القاعة بثيابه المهندمة، يبدأ في تشغيل الحاسوب المتنقل خاصته ليبدأ الشرح، كان كل شيء على ما يرام حتى أقتحم رحيم القاعة بخطوات واثقة وابتسامة صغيرة وكأنه تعمد رسمها على شفتيه فقط ليُثير غيظ نوح، يرمي نظرة جانبيه نحو أفنان ثم يقف ويقول:
"بعتذر يا دكتور عن قطع شرح حضرتك، بس عايز أقول حاجة مهمة للدكاترة."
"لا يا دكتور عادي ولا يهمك."
"أنا وباقي الأعضاء القائمين على التدريب قررنا قرار.." ابتسمت أفنان ابتسامة واسعة وهي تستمع إلى ما يقوله رحيم مُستخدماً كلمات فصيحة على غير عادته، فهو لا يستطيع قول جملة سليمة بالعربية.
"القرار هو أن في نهاية التدريب هنعمل اختبار للمتدربين والليهيحصل على أعلى درجة هياخد مكافأة ألف جنيه بالإضافة لإننا هنرجعله نص تكلفة الكورس يعني Total 1500 جنية."
لمعت عين أفنان بحماس حينما سمعت ما يقوله، إن استطاعت تجاوز ذلك الإختبار ستتمكن من إصلاح سيارة والدها بل وشراء ثياب جديدة للعام الدراسي الجديد، نظر نحوها وابتسم ابتسامة صغيرة.
"وطبعاً من ضمن الشروط أن الشخص ده ميكنش بيغيب."
"يعني يا دكتور رحيم الناس اللي غابت مش هتمتحن معانا؟"
سألت الفتاة التي تجلس بجانب أفنان وهي تطالعها بنظره خبيثة.
"الناس اللي كان ليها عذر أو اعتذرت مفيش مشكلة، يعني مثلاً الدكتورة كان عندها ظرف قهري فإضطرت إنها تمشي.. فطبعاً اليوم ده هيتحسبلها حضور عادي جداً." أجاب رحيم بنبرة واثقة شبه حاده ليجد البعض يضحكون على استخدامه جملة 'ظرف قهري' وقد فسروه بمعنى آخر، ينظر نحوهم رحيم بغضب شديد ثم ينظر إليهم بنظره نارية وهو يقول:
"أنا مش عايز حيوان بيضحك هنا!! دكتور نوح لو سمحت كل اللي ضحكوا دول يتاخدوا غياب النهاردة!"
"حاضر يا دكتور.. قولوا اساميكوا." اردف نوح بذات النبرة الغاضبة فكلامها يعلم أنهم كانوا يسخرون من أفنان وكلاهما غضب لنفس السبب أما أفنان فكانت تجلس بمزيج من الثقة واللا مبالاة فهي تعلم أن رحيم ونوح سيتكفلا بالأمر.
دون نوح أسامي من سخروا من أفنان وتأكد رحيم بنفسه بأنه فعل ثم غادر المكان بهدوء قبل أن يصفع الباب بقوة فيجفل الجميع.
انتهى الشرح لهذا اليوم وكانت أفنان تكتب جميع الملاحظات في محاولة منها لتحصيل جميع المعلومات كي تستطيع اجتياز ذلك الإختبار الذي أخبرها رحيم بشأنه.
"أفنان.. بقولك أيه." أوقفها صوت رحيم وهي على وشك المغادرة وقبل أن تُجيبه جاء نوح من خلفها وهو يقول:
"أفنان يلا عشان أوصلك في طريقي."
"هو انت مش واخد بالك يا دكتور أني بتكلم مع الدكتورة ولا أيه؟"
"معلش يا دكتور رحيم مش واخد بالي منك."
"شكل ال Glasses 'النظارة الطبية' بتاعتك محتاجة تتغير يا..دكتور نوح."
"بس شباب من غير خناق ايه هتقطعوا بعض عليا؟" سألت أفنان بإستنكار وبنبرة يتخللها المزاح لينظر نحوها كلاهما بإشمئزاز.
"تمام شكراً أوي.. أنا ماشية." قالت لتنسحب بهدوء من الموقف تاركة لهم الخيار إما في إنهاء الشجار أو في إشعار النيران في بعضهم البعض.
رمقه رحيم بنظره حاده قبل أن يتركه يقف وحيداً ويذهب نحو مكتبه أما نوح فيلحق بأفنان حتى يقوم بإيصالها إلى المنزل.
"نفسي في مرة ألاقيك في مكتبك." قال رحيم فور رؤيته لأنس الذي يجلس على الكرسي المُقابل للمكتب.
"الحق عليا عايز اقعد معاك عشان تتسلى؟"
"ايه هتقوم ترقصلي يعني؟" سأل رحيم بسخرية ليقذفه أنس علبة المناديل الورقية فيقهقه رحيم.
"يا نهار أبيض.. Shit!!!"
"في أيه؟ الشركة هتعلن إفلاسها؟ البت بتاعت الساحل حامل؟" سأل أنس دفعة واحدة ليصمت رحيم لثوانٍ وهو يحاول إستيعاب ما قاله الآخر.
"لا.. ثواني.. أيه ده؟ مين.. مين بتاعت الساحل دي؟"
"معرفش.. المهم في أيه بقى قلقتني؟!"
"مامي اتصلت ومردتش عليها." فسر رحيم بنبرة جادة وهو يُعيد خصلات شعره الناعمة إلى الخلف.
"وحياة أمك!!!" اردف نوح بغيظ مع تعبيرات وجه ممتعضة.
"أنس Watch your language 'انتبه لكلامك' !!!"
"يعم بقى بلا Language بلا بتاع."
"ششش مسمعش صوتك عشان بكلمها.." قال رحيم ثم انتفض من مقعدة فور سماعه لصوت والدته، ودون أن يُدرك رحيم كانت نوبة التوبيخ قد بدأت بالفعل وصوت والدته الحاد كان مسموعاً لدرجة أن أنس الجالس بالقرب منه استطاع سماع المحادثة وإن لم يكن يدرك كل ما يُقال.
"هو في ايه؟" سأل أنس بصوتاً منخفض ليشير له رحيم بأنه يصبر.
"حاضر يا مامي.. أنا أسف.. اه طبعاً أكيد هكون موجود في الميعاد، okay See you."
"ايه يا ابني ده؟ ده انت ملحقتش تقول كلمتين على بعض."
"سيبني في حالي يا أنس please.."
"يابا اشكيلي همك." اردف أنس لينظر نحوه رحيم بإشمئزاز وأعين متسعة.
"يا ابني هو انت بتنقع لسانك في الزبالة قبل ما تتكلم؟"
"لا دي مصطلحات وجمل جديدة اتعلمتها من بنت اتعرفت عليها." قال أنس بثقة وهو يُعدل معطف بذلته الرسمية لينظر نحوه رحيم بإشمئزاز ثم يطرح عليه سؤالاً.
"ودي اتعرفت عليها من أني صندوق زبالة؟"
"مش فاكر بصراحة."
"طب بطل تكلمها عشان لو سمعتك بتتكلم بالأسلوب ده تانيه طردك من الشركة."
"هتقرفنا بقى عشان أبوك صاحب الشركة؟"
"اولاً أنا اعمل اللي أنا عايزه، ثانياً بقى بابي مش صاحب الشركة دي بس فلو أنا طردتك مش هتلاقي حد يشغلك." تحدث رحيم بثقة شديدة وهو ينظر نحو أنس بغرور والذي تحولت نظرته فجاءة إلى نظرة جرو صغيرة وهو يقول 'بصعبانيه'
"يرضيك كده يا رحيم صاحب عمرك تضيع مستقبله؟ يهون عليك ال Peanut butter 'زبدة الفول السوداني' وال Toast؟"
"لا ميهونش عليا، احترم نفسك بقى، صحيح أنا لازم امشيعشان في حفلة هحضرها مع مامي بليل ولازم نبقى جاهزين من بدري."
"هتجبلك عروسة ولا ايه؟" سأل أنس بسخرية وهو يضحك لكن تعابير وجه رحيم كانت جامدة وجادة.
"تصدق ممكن.."
"هتتدبس في جوازة يا معلم."
"لا ومش أي جوازة.. جوازة تبع مامي." قال رحيم بقلة حيله وهو يصفع كلتا يديه بوجهه.
"يلا أنا ماشي.. Bye." أبلغ رحيم قبل أن يودع أنس ويرحل وبداخله يشعر بالضيق نحو سهرة اليوم، يصل رحيم إلى منزله سريعاً بعد أن قاد سيارته بأقصى سرعة حتى لا يتأخر فيُثير غضب والدته.
"مساء الخير يا مامي.. بابي فين؟" سأل رحيم فور دخوله من باب القصر وهو يُقبل يد والدته.
"بابي في المصنع وقدامه thirty minutes 'ثلاثون دقيقة' ويوصل."
"تمام.. أنا هطلع أخد Shower وهجهز ال Suit 'البذلة' اللي هلبسها عالعشا."
"هتلاقي Suit جديدة جبتهالك من London، مكوية ومحطوطه على سريرك؛ ألبسها."
"شكراً يا مامي.."
اردف رحيم مع ابتسامة صغيرة مزيفة قبل أن يصعد إلى غرفته وبمجرد أن يصل إليها يوصد الباب ليجلس على سريره وهو يتنهد بعمق.. يُلقي نظره نحو البذلة الرسمية الموضوعة بدقة على السرير؛ إنها أنيقة تبدو باهظة الثمن كذلك لكنها لم تروق له.. فهو لم يختارها بل فُرضت عليه من قِبل والدته لذا لقد كرهها مثلما كره معظم تفاصيل حياته التي لا يستطيع السيطرة عليها.
تحمم رحيم ثم توجه إلى الطابق السفلي لتناول الغداء وكالعادة ساد الصمت أثناء تناول الطعام، ما عدا جملة أو اثنتين قالتهما والدته بلكنتها الإنجليزية المميزة.
"رحيم عايزاك تبدأ تجهز بعد خمسة وأربعين دقيقة من دلوقتي."
"حاضر.."
"خلي الولد يلبس في الوقت اللي يعجبه يا حبيبتي."
"لا، هو لازم يلبس في الميعاد ده عشان هيبقى قدامه خمسة وأربعين دقيقة زيهم ويكون جاهز.. وأنا عارفة ابني؛ بطيء فلازم وقته يكون محسوب بالدقيقة والثانية." لم يُعلق رحيم على حديث والدته لكنه شعر بغصه في حلقه.. هو ليس طفلاً لتتحدث بشأنه بهذا الشكل وأن تتحكم في حياته بهذا الشكل ايضاً.. ترك الشوكة والسكين واستقام من موضعه.
"عن إذنكوا.. أنا شبعت." غادر الطاولة بإمتعاض وصعد إلى غرفته لينظر والده بحده نحو والدته قائلاً:
"عجبك كده؟"
"هو مش صغير.. مش هجبره على الأكل أكيد."
"كويس أنك عارفة أنه مش صغير يا هانم ومع ذلك بتتحكمي في كل تصرفاته."
"من فضلك يا حامد.. أنا بربي ابني بالأسلوب اللي يعجبني."
بعد مرور الوقت المحدد ارتدى رحيم بذلته الجديدة والتي كانت تامة السواد، بالإضافة إلى قميص أسود كذلك، لكن أطراف معطف البذلة من جهه الزر كانت من الستان الذي يُعطي لمعة خفيفة جذابة وقد زُينت البذلة 'بدبوس' ذهبي لامع، نظر رحيم إلى مظهره النهائي في المرآة قبل أن يُعيد خصلات شعره نحوه الخلف بعصبيه.
توجه إلى الطابق السفلي ليجد والده يجلس على الأريكة بينما يقرأ كتاباً ما وفي يده لفافة تبغ بنية سميكة.
"هي مامي لسه مجهزتش؟"
"لسه يا سيدي، فالحة بس تذنبنا وهي تتأخر براحتها."
"سمعاك يا حامد، يلا بينا عالعربية."
"أنا اللي هسوق، ده بعد إذنك يعني."
"لا طبعاً الشوفير هو اللي هيسوق." زفر رحيم بضيق قبل أن يسبقهم ويتجه نحو الخارج.
توقفت السيارة أمام ڤيلا فاخرة في أحدى المدن الجديدة، ترجل رحيم من السيارة وقام بضبط بذلته الرسمية في انتظار والديه.
"الڤيلا دي بتاعت بثينة هانم حرم وليد بيه صديق والدك وعندهم بنت واحدة."
"جميل أوي.. ايه المطلوب؟"
"المطلوب أنك تلزم حدود الذوق والأدب طول السهرة ومفيش مانع إنك تقول جملة أو اتنين لطاف للبنت."
"حاضر يا مامي حاضر."
"أوعي يا رحيم.. أوعي تعمل أي حاجة تحرجني أو تحرج حامد بيها." حذرته والدته وهي ترفع إبهامها أمام وجهه ليمتعض وجه رحيم ويشعر بوغزة صغيرة في صدره جراء سماعه تلك الجملة التي اعتاد على سماعها طوال الوقت في طفولته، لم يُجيبها رحيم بل وقف يُحدق فيها بتعابير وجه جامدة قبل أن يقطع المشهد صوت أنثوي دخيل.
"بنسوار يا هانم." كان صوت صاحبة المنزل بثينة هانم والتي ارتدت ثوب ذهبي فاخر ومن خلفها جاء زوجها ليرحب بهم، قبل رحيم يدها بهدوء وهو يُردف:
"بنسوار." انتهت فقرة الترحيب وتوجه جميعهم نحو الداخل، وضع رحيم يده داخل جيب بنطاله وهو يتجول بعيناه داخل المكان، لقد كان من نوعية المنازل التي اعتاد رحيم على دخولها واجواء الحفلة كذلك، كل شيء هنا باهظ وذو ذوق رفيع.. الجميع هنا رجال أعمال وأثرياء بطريقة أو بآخرى.. الثياب هنا 'سينيه' مصنوعة خصيصاً لصاحبها لكن في النهاية كل ذلك لم يكن يُشكل أي أهمية بالنسبة لرحيم، فكل هذا منزوع الروح.. جميعها مظاهر فقط.
لمح رحيم بطرف عيناه فتاة ترتدي وشاح باللون الأبيض وكانت في نفس طول أفنان تقريباً.. شعر رحيم بنبضات قلبه تتسارع.. سار بضع خطوات نحو الفتاة ثم استدار ليواجهها لكن بالطبع لم تكن هي.. اعتذر رحيم بآدب شديد لتبتسم له الفتاة قائلة.
"لا ولا يهمك يا...؟"
"رحيم.. رحيم البكري."
"يا رحيم nice to meet you 'سعيدة بلقائك'." كاد رحيم أن يرد المجاملة لكن صوت والده قاطعه وهي تأمره بالقدوم ليعتذر رحيم من الفتاة مجدداً ويرحل.
"في أيه؟ بتشديني كده ليه؟" سأل رحيم وهو يضغط على أسنانه.
"اسكت خالص! دلوقتي هنروح نسلم على بنت بثينة هانم."
"ماشي." اردف بحنق لتنظر نحوه والدته بحده لكن سرعان ماتتحول تعابير وجهها إلى ابتسامة مُشرقة وهي ترى الفتاة تقترب منها.
"مساء الخير." قالت الفتاة فور اقترابها لينظر نحوها رحيم لثوانٍ وهو يتأمل ملامحها، خصلات شعر بنية متدرجة بسبب الصبغة على الأغلب وزوج عيون خضراء لكن درجتها تختلف عن خاصة رحيم وجسد نحيف أقرب لجسد عارضة الأزياء، ينحني رحيم بإحترام ويُقبل يدها وهو يقول:
"مساء النور، مكنتش أعرف أن بثينة هانم عندها بنت pretty & stylish كده." كانت عباراته تحمل في ثناياها بعض المجاملة، الفتاة جميلة بحق لكن مجدداً هي ليست نوعه المُفضل.
"ده من ذوقك بس يا دكتور رحيم." ابتسم لها بلطف لكنه لم يجد ما يقوله لتدعس والدته بحذائها على قدمه فيحمحم ثم يقول:
"ومُدمزيل بالجمال ده كله بتدرس ايه يا ترى؟"
"أنا بدرس Fashion، يعني في طريقي أني أكون Fashion designer."
"واو! باين طبعاً، ال Outfit بتاعتك النهاردة تجنن."
"ميرسي أوي، أجبلك كاس تشرب؟"
"لا.. Thank you أنا مش بشرب." نظرت نحوه بمزيج من الدهشة والإعجاب لقوله لذلك ولو علم أن الأمر سيروق لها لشرب كل الكؤوس الموجودة في المكان وإن كان ذلك ضد مبادئه.
"هقولهم يجبولك Soft drink حالاً." بالفعل أشارت للنادل والذي منحه مشروباً غازياً وقد تم صبه داخل كأس.
"شكراً جداً." بدأت الفتاة في التحدث حول مواضيع عشوائية ولا يعلم رحيم لما تقفز أفنان إلى عقله كلما سمع كلمة من تلك الفتاة.. فهو لا ينفك يتخيل ماذا كانت ستقول أفنان في مثل هذا الموقف؟ بما سترد كلمات الغزل خاصته؟ أي لون وشاح قد ترتديه هنا؟ ماذا ستظن حول الحفل ومن فيه؟ ولربما صدر منها تعليق تلقائي بشأن الحضور هنا فتجعله يضحك ضحكة من قلبه.. يا ليتها كانت هنا إلى جانبه.. هذا ما توقف عنده تفكيره!
"رحيم أنت سامعني؟"
"ها؟ I am so sorry.. كنتي بتقولي أيه؟" اعتذر رحيم بهدوء وقد انتظر من الفتاة أن تخجل أو أن تصمت لكنها قامت بإعادة ما قالته قبل دقيقتين.
"أيه رأيك في ال decoration بتاعت المكان؟"
"حلوة جداً، ذوق رفيع فعلاً."
"ميرسي أوي.. ده ذوقي أنا ومامي."
"لا جميل فعلاً.." اردف بنصف انتباه، لكنه عاد إلى تركيزه حينما جاءت والدته وهي تقول:
"رحيم بيعزف كويس جداً عالبيانو، ما تسمعهم حاجة كده على ذوقك يا رحيم." قالت والدته مع ابتسامة لطيفة لينظر نحوه رحيم بدهشة وهو يصفع نفسه داخلياً لقد قامت والدته حرفياً ب'تدبيسه' أمام الجميع.
"ده بجد يا رحيم؟" سألت الفتاة بنبرة يملؤها الدلع ليؤمي رحيم وهو يبتسم ابتسامة سيمجة.
"هعزف حاجة على ذوقي." ذهب رحيم ليجلس بهدوء على الكرسي الصغير المُلحق بالبيانو وليقوم بعزف مقطوعة شهيرة حزينة وكأنه يُحاول أن يُعبر عن مشاعر التعاسة والضيق التي تملكت روحه، نظرت نحوه والدته بعدم رضا وقد وصلتها مشاعره لكن ذلك لم يجعلها تتأثر بل بالعكس جعلها تغضب حتى وإن بدت ملامحها باردة.
انتهت الليلة اخيراً، يجلس رحيم في الخلف إلى جانب والده ووالدته داخل سيارتهم الفخمة، يتأمل رحيم الطريق في هدوء محاولاً تجنب الحديث مع والدته ولكن داخله كان يعلم جيداً أنه سيستمع إلى محاضرة في الأدب بلا شك، صدر صوت إشعار من هاتفه ليتفحصه بتملل لكنه ينتفض في موضعه حينما يرى اسم المُرسل.. أفنان!!
لم يستطع قراءة محتوى الرسالة كاملة دون أن يفتحها لكن كلما رأها كان كلمة 'سينجل' تُرى هل تسأله أفنان إن كان في علاقة عاطفية مع أحدهم أم لا؟ أم تُخبره هي أنها ليست في أي علاقة؟ لكن إن كان ذلك صحيحاً.. فمن يكون نوح؟!
فتح رحيم الرسالة سريعاً قبل أن يقرأها ويُصاب بالإحباط ويتبعها ضحكة صغيرة على غباءه.
"دكتور رحيم.. هو هنا الرابطة دبل ولا سينجل؟" لقد كانت تسأله سؤال بخصوص المعادلة الكيميائة التي قام بشرحها هل تحوي رابطة أحادية أم ثنائية.
"وأنا اللي فاكرك بتسأليني أنا مرتبط ولا لا.. على العموم هي دُبل بوند."
"أيه الهبل ده لا طبعاً، شكراً يباشا نجاملك في الأفراح." بعثت له هذا الرد ليضحك بصوت مرتفع نسبياً وهو يحاول أن يستوعب ما أرسلته للتو، نظر إلى جانبه ليجد أمه تحدق فيه بشك.
"في حاجة يا مامي؟"
"لا مفيش.. بشوف ايه سبب الضحك الغير مبرر ده."
"حتى الضحكة هتحاسبيه عليها؟"
"كل حاجة لازم تتعمل بحساب يا حامد حتى النفس." زفر رحيم بضيق بعد أن أغلق الهاتف كي تكف والدته عن التذمر.
فور وصولهم إلى المنزل خلع رحيم معطف البذلة بضيق وهو يزفر بحنق قبل أن يتجه نحو السُلم.
"استنى هنا أنت رايح فين؟"
"طالع أنام."
"هتطلع تنام من نفسك كده من غير ما تقول عن إذنكوا؟"
"مامي أنا طالع أنام في أوضتي في بيتنا مش داخل مطار."
"هو أيه الإسلوب اللي أنت بتتكلم بيه ده؟"
"مامي أنا حقيقي.. حقيقي مُرهق please سبيني ارتاح ولو ليوم."
تحدث رحيم بضيق قبل أن يصعد إلى غرفته دون انتظار رداً من والدته.
"شايف اخرة دلعك ليه؟"
"دلع؟ هو فين الدلع ده؟ بذمتك الولد ده عمره شاف دلع ولا حنية؟"
"مش المفروض أنه يشوف دلع وحنيه المفروض أنه يتعلم أنه يكون شخصية قوية، مبيغلطش، مبيخفش وبيعتمد على نفسه."
"أنتي كده عايزه إنسان آلي يا إيڤلين مش بني آدم."
"عمرنا ما هنوصل لنقطة في النقاش ده، من الأفضل أننا ننهيه أحسن."
"صح." عند تلك النقطة توقف الحديث كجميع المرات السابقة.
في منزل أفنان، تطرق والدتها باب الغرفة بخفة ثم تفتح الباب نسبياً وتُدخل رأسها وهي تسأل:
"أفنان انتي صاحية؟"
"اه يا ماما اتفضلي.. أو استني انا جايالك عشان مران متصحاش حرام." اردفت أفنان بصوتاً منخفض قبل أن تُغلق 'الأباچورة' الصغيرة التي كانت تُذاكر على ضوءها الخافت نسبياً.
"في حاجة يا ماما ولا ايه؟"
"عمتك جاية بكرة.."
"وجاية تعمل ايه بقى إن شاء الله؟" سألت أفنان بضيق وهي تعيد ربط رابطة شعرها.
"جاية تطمن على أبوكي."
"وهي لسه فاكرة؟ وبعدين جايه ليه؟ مش هي السبب اصلاً هي وتيته!"
"ولو هي برضوا عمتك وهي طلبت تيجي تشوف باباكي أكيد مش هنقفل بابنا في وشها يعني."
"لا نقفله يا ماما عادي! نقفله طالما بتبوظ حياتنا وبتدمر صحة بابا ونفسيتك."
"مش هينفع يا أفنان.. مهما عملت هتفضل عمتك وهيفضل في بينكوا صلة رحم."
"ماشي يا ماما بس خليكي عارفة أني مش هقبل أنها تهني أو تهين حد فيكوا في بيتنا!"
"ماشي يا أفنان.. تصبحي على خير."
"وأنتي من أهله يا حبيبتي."
في صباح اليوم التالي استيقظ أفنان باكراً لتساعد والدتها في تنظيف المنزل وترتيبه بينما ذهبت ميرال إلى عملها.
"أفنان روحي أفتحي الباب."
"حاضر يا ماما."
"اهلاً يا عمتو ازيك.. اتفضلي." قالت أفنان مع ابتسامة مزيفة وهي تسمح لعمتها وابنتها بالدخول.
"اهلا يا حبيبتي، إلا أمك فين مفتحتش ليه؟"
"هتفرق في ايه مين اللي يفتح يعني؟" سألت أفنان بسخرية وهي تُغلق الباب.
"لا متفرقش.. المهم أخويا فين؟"
"بابا خارج حالاً أهو."
"يعني قادر يمشي أهو ويتحرك ما شاء الله." اردفت لتنظر نحوها أفنان بإندهاش ثم تقرأ المعوذتين من داخلها.
"ما هو يا عمتو لازم يمشي رجله عشان الدكتور قاله النوم طول اليوم غلط."
"شكل الدكتور بتاع أبوكي ده مبيفهمش حاجة خالص، على العموم كلها كام سنة وريري عين ماما تتخرج وتعالجه هي."
تحدثت عمتها بغرور لتنظر نحوها أفنان بإبتسامة صفراء ثم تقول:
"إن شاء الله بابا هيخف ويبقى زي الفل وميبقاش محتاج لالريماس ولا لغيرها."
"أعوذ بالله من لسانك." تمتمت عمتها بصوت منخفض لتقلب أفنان عيناها.
"عن إذنك ثانية يا عمتو."
"اتفضلي يا حبيبتي." استقامت أفنان وذهبت لتُحضر كوبان من العصير وتقدمهم إلى عمتها وابنتها التي كانت صامته.
"ازيك يا أحمد.. ألف بعد الشر عليك يا حبيبي، ده عين مين دي؟" قالت عمتها بقلق وإهتمام مزيف.
"الله يسلمك يا حبيبتي شكراً."
"ده أنا كنت هموت من القلق عليك."
"بعد الشر يا عمتو." اردفت أفنان وهي تحاول كتم ضحكاتها الساخرة.
"بس يا ترى ايه يا أحمد اللي زعلك للدرجة دي؟ مع أنك يعني عشتك كويسة ومبسوط."
"بعيد عنك بقى يا طنط الناس عينها وحشة أوي."
"قصدك مين يعني؟"
"أنا جبت سيرة حد معين؟ أنا بقول عمتاً."
"طب ياختي."
"أومال فين البت بنتك التانية؟"
"في شغلها بس زمانها قربت تخلص." أجابت والدتها بلطف وهي وتضع أمامهم صينية ممتلئة بالفواكة.
"شغلها؟ وبتشتغل ايه بقى خريجة تجارة دي؟ كاشير." اردفت عمتها بسخرية وهي تضحك لكن لم يشاركها أحد الضحك بل امتعض وجه الجميع.
"وأنتي خريجة أيه بقى يا عمتو على كده؟"
"شايف بنتك وقلت آدبها؟ متعمدة تحرجني!"
"ده مجرد سؤال يا عمتو وبعدين مش بالكليات ما ياما ناس في كليات قمة وفاشلين عادي." قالت أفنان وهي تنظر بطرف عينيها نحو ريماس.
"تقصدي أيه يا أفنان؟ وهو أنتي اصلاً تعرفي تعدي من قدام باب جامعتي؟"
"ايه ده بسم الله ما شاء الله أنتي عندك جامعة؟"
"شايف يا أحمد بنتك بتتريق على بنتي ازاي؟"
"أفنان اهدي شوية عشان أبوكي تعبان.." اردفت والدتها بقلة حيله، لم تكن تريد قول ذلك أمامهم لكن في الوقت ذاته لا تريد أن تنتكس حالة زوجها من الحزن أو الغضب.
"حاضر يا ماما أن أسفة.."
"ايوا كده اتلمي."
"لو سمحتي اتكلمي مع بنتي بإسلوب أحسن من كده." قال والد أفنان بنبرة هادئة لتنظر نحوها بحدة وتقول:
"بتقومي أبوكي عليا يا أفنان؟"
"أنا معملتش حاجة على فكرة.. بابا بعد إذنك أنا هنزل شوية."
"انزلي وسبينا ما أنتي قليلة الذوق."
"عن إذنكوا.." اردفت أفنان واتجهت إلى غرفتها متجاهلة ما قالته عمتها، بعد عشرة دقائق تقريباً توجهت نحو الخارج مجدداً بعد أن بدلت ثيابها.
"خدي بالك من نفسك."
"حاضر يا حبيبي، سلام." قالت ثم غادرت المنزل وآخر ما تسلل إلى آذنها كان صوت عمتها وهي تقول:
"أنت مدلعها أوي يا أحمد.."
زفرت بضيق وهي تضغط على حقيبتها بعصبية قبل أن تُغادر المكان دون أن تعرف إلى أين وجهتها.
"دكتور رحيم.. هو هنا الرابطة دبل ولا سينجل؟"
رواية في حي الزمالك الفصل العاشر 10 - بقلم ايمان عادل
تسير أفنان بلا وجهة محددة حتى وصلت إلى سيارات الأجرة التي تمر بالقرب من حي الزمالك. إنه المكان الأنسب لحالتها الآن. مياه النيل ونسمات الهواء الصافية، نظراً لأن فصل الخريف قد بدأ، بالإضافة إلى الهدوء.
بعد خمسة عشر دقيقة تقريباً، كانت قد وصلت بالفعل، لذا بدأت السير على "الكورنيش" وهي تنظر إلى مياه النيل اللامعة من انعكاس ضوء القمر.
"أفنان!" سمعت صوتها يصدر من فم أحدهم لتلتفت نحو الخلف وتجده هو.. رحيم، داخل سيارته السوداء الفاخرة.
"أنتي بتعملي ايه هنا لوحدك؟"
"مفيش.. كنت مخنوقة وقولت أتمشى شوية."
"وأنا كمان.."
"بتتمشى جوا العربية؟" سألت بسخرية وهي تضحك لينظر نحوها بازدراء قبل أن يقول:
"مش قصدي يا ظريفة.. عالعموم ما تيجي نتمشى سوا؟"
"مفيش مشكلة.."
"تعالي اركبي."
"يا ابني هو أنت عندك زهايمر؟ مبركبش أنا عربيات مع حد غريب وبعدين بتقول عايز تتمشى.. نتمشى على رجلنا يعني."
"طب استني أشوف ركنة الأول."
"ماشي يا دكترة."
"دكترة؟ What does that mean? 'ماذا تعني هذه؟'"
"يعم انجز وهبقى أقولك."
"ماشي."
بعد مرور خمس دقائق عاد رحيم إلى حيث تقف أفنان لكن بدون السيارة.
"حمدلله عالسلامة."
"الله يسلمك."
"نتمشى؟"
"قشطة نتمشى عالنيل." قالت ليبدأا في السير سوياً بالقرب من النيل.
"يلا كلمني عن نفسك.. المايك معاك."
"أتكلم أقول أيه؟"
"رحيم الدكتور يقول أيه لرحيم الإنسان؟" سألت بسخرية ليجيبها ساخراً هو الآخر قائلاً:
"سوما العاشق."
"ما أنت حلو وبتتفرج على أفلام عربي أهو." اردفت وهي تضحك لكنه اكتفى بالابتسام وهو يسألها:
"أنا حلو؟"
"أنت ليه بتمسك في كلمة وتسيب الباقي؟" سألت بحنق وهي ترفع إحدى حاجبيها.
"بسمع الكلمة اللي بتعجبني بس."
"أنت هتقولي؟ ما أنا خدت بالي.."
"طب يا ستي عايزة تسمعي أيه عني؟"
"ممكن تحكيلي على دراستك والشغل كده يعني.."
"بالنسبة للدراسة أنا كنت في British school وبعدها دخلت جامعة خاصة هنا." تحدث بفتور شديد بينما استمعت إليه بحماس.
"ما شاء الله، ما بين عليك أصلاً.. المهم وبعدين؟ حضرت الماجستير فين؟"
"برا مصر.."
"ومالك زعلان ليه وأنت بتقولها يعني؟"
"يمكن عشان مكنتش مبسوط؟" اردف بنبرة تميل إلى التساؤل لتنظر نحوه بصمت ثم تسأل:
"وأيه اللي خلاك مش مبسوط؟ مش أنت كنت بتدرس حاجة بتحبها وقاعد في دولة كويسة."
"دي حقيقة.. بس أنا مكنتش عايز ابقى لوحدي.."
"بتخاف من الوحدة؟"
"وهو في حد مبيخفش من الوحدة؟" سأل بنبرة تحمل في طياتها الحزن.
"كلنا بنخاف من الوحدة واللي يقول غير كده كداب.. يمكن كلنا مش بنخاف منها بنفس القدر بس ده ميغيش الخوف منها عموماً." أجابت بنبرة هادئة وهي تشعر أن الحزن الذي كان في نبرته قد تسرب إلى قلبها. ذلك الفتى مستاء بحق..
"المهم لما خلصت وجيت بقى اشتغلت مع بابي."
"ايوا بقى يا عم ابن صاحب الشركة المتدلع، مسكت منصب رئيس مجلس إدارة طبعاً." اردفت أفنان بسخرية وهي تضحك ليُبادلها الضحك ثم يقول:
"عارفة يا أفنان أنا كنت فاكر زيك كده، وجيت بقى أول يوم شغل قومت لبست أشيك بدلة عندي وبريفيوم بقى ريحته تهبل وأغلى ساعة عندي وجيت بقى وراسم في دماغي صورة للموقف بابي هيقوم من مكتبه ويقعدني مكانه أو على الأقل هيقعدني على مكتب خاص بيا مش أقل من مكتبه." تحدث بابتسامة جانبية ساخرة بينما تخللت نبرته بعض الحماس لأنها أظهرت اهتماماً بما يقوله.
"أومال أيه اللي حصل؟"
"لا ولا حاجة أبداً.. دخلت عليه بكل ثقة وتناكة كده قالي روح اعملي قهوة، قولتله نعم؟ قالي انت لسه هتنح يلا؟ اجري اعملي قهوة وخليك جنب ال Office boy 'ساعي المكتب' لحد أما اندهلك."
"بتهزر؟" سألت بإندهاش وهي تضحك بقوة فينير نحوها بصمت وعلى وجهه ابتسامة صغيرة.
"ضحكتك أوي يعني؟"
"بصراحة متوقعتش خالص." أجابت وهي مازالت تضحك لينظر نحوها بعيناه الخضراء التي لمعت فجأة وهو يقول:
"مكنتش باخد بالي أن عندك Dimples، شكلها حلو أوي."
"أنا عندي دمل!!!!!"
"دمل؟ ايه يا بنتي القرف ده! بقولك Dimples.. Dimples يعني غمازات!" تحدث بصوت مرتفع وهو يكاد يفقد عقله من حماقتها لتقهقه ثم تقول:
"ما أنا عارفة بس بحب ارخم عليك." فسرت لكنها في الواقع كانت تحاول الهرب من الرد على غزله بشأن ضحكتها.
"طب بتستفادي ايه؟"
"بتبسط."
"خلاص طالما بتتبسطي يبقى مفيش مشكلة."
"أنت لطيف أوي." قالت دون استيعاب ثم أدركت ما قالته لتصفع فمها بيدها وتشيح بنظرها بعيداً عنه.
"وأنتي كمان على فكرة.. لا وأنتي مكسوفة كده شكلك ألطف.." تحدث بصدق لتنظر نحوه بصدمة ثم تشعر بقلبها يكاد يقفز من موضعه.
"احم.. طيب قولي بقى أنت عندك أخوات؟"
"لا.. للأسف، وأنتي؟" اردف بنبرة هادئة استشعرت فيها أفنان الحزن.
"عندي أخت واحدة.. لا و تصدق عندي أخ كمان؟"
"والله؟ اسمه ايه؟"
"رحيم." اردفت ليتجهم وجهه فتقهقه بشدة ثم تعتذر منه قائلة:
"بهزر يسطا متقفش."
"دمك خفيف أوي، ربنا يحفظك." علق رحيم بسخرية لتضحك ثم تقول:
"ربنا يحفظك، حاسه إني قاعدة مع خالتي والله، المهم.. بقولك أيه في قهوة قريب من هنا تعالى أعزمك على شاي."
"أيه المشكلة؟ دي دعوة حلوة أصلاً، وبعدين أنا مش عايز قهوة أنا عايز عصير مانجا."
"واخده ابن أختي معايا ياربي!" علقت بسخرية وهي تقلب عينيها.
"هما الأطفال بس اللي بيشربوا Juice يعني؟"
"لا مش الأطفال بس، على العموم هجبلك اللي أنت عايزه بس خلصنا." قالت بمزاح وكانوا في طريقهم لمغادرة المكان لكن أوقفهم رنين هاتف أفنان.
"ألو ايوا يا ميرال.. أيه ده ليه؟ طيب ماشي أنا جايه." تحدثت سريعاً ثم أغلقت الخط لينظر نحوها بقلق.
"في حاجة ولا ايه؟"
"لا مفيش.. في حوار في البيت كده ولازم اروح."
"بس أحنا ملحقناش نقعد سوا." اردف بعبوس لتبتسم هي بلطف وتتحدث بجدية قائلة:
"احنا مكناش مختطين نقعد سوا.. ديه صدفة."
"قدر؟"
"نمشيها قدر." اردفت بلطف قبل أن تودعه قائلة:
"يلا مع السلامة وخد بالك من نفسك لا تتثبت."
"خدي بالك أنتي من نفسك.. وعلى فكرة أنا هنفخك في التدريب عشان تعرفي تسخفي عليا أوي."
"دي حاجة ودي حاجة يا نادر." أجابت بسخرية من مقطع من أحد الأفلام الكوميدية ليقهقه ثم يلوح لها وتلوح له في المقابل ثم تسير في الاتجاه المعاكس وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة.
بعد نصف ساعة تقريباً، وصلت أفنان إلى منزلها، لتجد الجميع يجلس في الصالون.
"مساء الخير."
"مساء الخير يا هانم كنتي فين؟" سألت ميرال بنبرة درامية لتنظر نحوها أفنان بحنق وهي تزيل غطاء رأسها قائلة:
"كنت بشرب حشيش.. هكون بعمل أيه يعني؟ بتمشى."
"على فكرة بابا زعلان منك."
"يلاهوي.. أنا أقدر على زعله؟ ده نور عيوني." قالت أفنان وهي تقترب من والدها وتقبل رأسه ثم تضيف:
"قبل ما تتعب نفسك في العتاب.. أنا عارفة أني ممكن أكون رديت بسخافة.. بس يا بابا أنت تعبان ومش حمل كلام سخيف وبصراحة بقى عمتو..يعني مش بتركز هي بتقول أيه." حاولت أفنان أن توصل وجهة نظرها بألطف طريقة ممكنة دون أن تذم في عمتها بطريقة صريحة.
"وأنا مش قابل التبريرات دي كلها وزعلان منك يا أفنان.."
"أنتي مبقتيش بنتي بتاعت زمان.." اتسعت عين أفنان وشعرت بغصة في حلقها وكادت أن تتحدث، لكن قاطعها انفجار ثلاثتهم في الضحك بقوة.
"كان لازم تشوفي شكلك لما بابا قالك كده." قالت ميرال وسط ضحكها، لتُمسك أفنان بإحدى وسائد الأريكة وتقذفها بها بقوة.
"والله حرام عليكوا!! يعني رجعتوني بدري وجايه جري عشان تعملوا فيا مقلب؟!"
"أنا قولتلهم بلاش أفنان هتزعل بجد، بس في الآخر أقنعوني." قال والدها وهو يضحك، لتنظر نحوه أفنان بحزن مصطنع وتقول:
"لا يا بابا أنت بقيت شرير زيهم.. بس كله يهون يا سيدي عشان الضحكة الحلوة دي."
"أيوا يا ستي كلي بعقله حلاوة." قالت والدتها بمزاح، لتنظر نحوها أفنان بغيظ وتقول:
"خلاص خلصتوا ضحك ورخامة عليا كلكوا؟ أنا هدخل أحضرلي عشا.. حد هيتعشى؟"
"آه كلنا."
"حيث كده بقى تعالي يا ماما ساعديني."
"هو مفيش حد بيعرف يعمل حاجة في البيت ده من غيري؟" علقت والدتها بقلة حيلة وهي تنهض لمساعدة أفنان. وبعد الانتهاء من تناول العشاء، ذهبت أفنان إلى الحجرة لتُلحق بها ميرال.
"نزلتي اتمشيتي فين بقى؟"
"هو أحنا لينا حتة غيرها؟ الزمالك طبعًا."
"وكنتي لوحدك بقى؟" سألت ميرال، لتتوتر معالم أفنان وتتذكر أنه بسبب عمل ميرال وانشغال أفنان بأمر التدريب، لم يكن هناك متسع من الوقت لتُخبرها المزيد بشأن رحيم وبشأن التطورات الأخيرة.
"أكيد كنتي مع نوح.." قالت ميرال بصوت منخفض وبنبرة تميل إلى الحزن، لتزفر أفنان براحة ثم تقول:
"لا يا ستي نوح مين؟ أنا كنت مع رحيم.."
"إيه؟ رحيم.. رحيم مين؟!" سألت شقيقتها بحماس شديد وبصوت مرتفع.
"ششش وطي صوتك إيه الفضايح دي!"
"طب انطقي مين ده؟ آه.. رحيم بتاع الشركة."
"أيوا هو رحيم بتاع الشركة.. عالي صوتك كمان، في واحد في المحافظة اللي جنبنا لسه مسمعش." قالت أفنان بسخرية وهي تتأكد من أن باب الحجرة مغلق تمامًا.
"أنا مكنتش مخططه أننا نتقابل.. أنا قابلته صدفة."
"رب صدفة خير من ألف ميعاد يا ستي." أردف ميرال وهي تدفع كتفها بخفة.
"ده حقيقي.. أحنا اتقابلنا يعني واتكلمنا شوية.. عن دراسته وشغله وكده."
"طب حلو أوي.. معرفتيش حاجة عن عائلته؟" سألت ميرال بحماس، فهي توقعت أن يكون رحيم من عائلة كبيرة حسب وصف أفنان له.
"لا مجبش سيرتهم خالص.. كل اللي قاله بس أنه ملهوش أخوات."
"عم يا عم.. ابن وحيد بقى وهتلاقيه متدلع وهو الكل في الكل." علقت ميرال وهي تغمز بإحدى عينيها.
"يا ستي ده أبوه كان عايز يشغله أوفس بوي."
"يا ساتر! إيه الأب ده؟"
"بصي هو الحوار غريب.. بس في نفس الوقت كويس يعني أنه مش بيخليه يتدلع ويتنك على الناس لمجرد أنه ابن صاحب الشركة."
"يعني هو مش قاسي وبارد كالجليد زي الروايات ومدير شركة وهو في بداية العشرينات لا وكمان مفتول العضلات وبيضرب اللي بيقرب من البطلة؟ بل وبيضرب البطلة شخصيًا." سألت ميرال بإندهاش، لتنظر نحوها أفنان بإزدراء وتقول:
"يا شيخه منها لله الروايات اللي بوظت سمعة الناس اللي شغالة في شركات.. رحيم ذوق جدًا ولطيف مع الناس واصلا هو مش مدير الشركة.. وبعدين ثواني.. مين البطلة؟!"
"هيكون مين يعني؟ أنتي أكيد." أجابت ميرال، لتنظر نحوها أفنان بأعين متسعة ثم تصفع وجهها بيدها وتقول:
"طب بس هبل ونتكلم جد."
"طب خلاص.. قوليلي منصبه إيه بقى على كده؟"
"مش عارفة هو المسمى الوظيفي بتاعه إيه بس هو حاليًا مسئول عن موضوع التدريبات ده."
"طب حلو ده والله."
"حصل.. أظن المفروض ننام بقى عشان التدريب الشغل وكده؟"
"ماشي ياختي.. تصبحي على خير."
في الثانية صباحًا، داخل منزل حامد البكري، يفتح رحيم الباب بهدوء لأنه من المفترض أن يكون الجميع قد خلدوا إلى النوم منذ وقت طويل، لكن بمجرد أن توجه إلى الداخل وقبل صعوده الدرج، سمع صوت أنثوي حاد يعرفه جيدًا يأتي من إحدى الأركان.
"كنت فين يا رحيم؟" سألت والدته بنبرة صارمة، ليُحمحم رحيم ثم يقول بنبرة تشوبها التوتر:
"كنت سهران عند صاحبي."
"عند صاحبك ولا كنت سهران في بار؟"
"لا مكنتش في بار.. كنا في البيت." قال رحيم بضيق، لتقترب منه والدته فتستنشق فيه رائحة الكحول.
"أنت بتكدب يا ولد؟ إيه ريحة الخمرة دي؟!"
"أنا مشربتش.. بس في ناس من صحابنا شربوا وفي كام نقطة جم عالقميص." فسر رحيم بلا مبالاة، لترد عليه والدته بحده قائلة:
"رحيم Don't lie! قول الحقيقة!"
"والله العظيم ما شربت.. مشربتش! كفاية تحقيقات بقى أنا جبت آخري!" صاح رحيم بصوت مرتفع وهو يعيد خصلات شعره إلى الخلف بعصبية.
"أنت بتعلي صوتك عليا يا رحيم؟" سألت والدته بإستنكار بنبرة حادة.
"أقولك حاجة.. أنا هسيبلك البيت وأمشي خالص." أردف رحيم قبل أن يُمسك بمعطف بدلته ويتجه نحو الخارج.
"أنت حر يا رحيم.. مش همنعك." توقف رحيم لثانية حينما سمع ما قالته والدته، ليزدرد ما في فمه بصعوبة ثم يُغادر متجاهلاً الأثر البشع الذي تركته تلك الجملة.
كان رحيم يعرف وجهته، فهو لن يجد أي مكان يلجأ إليه في مثل هذا الوقت سوى منزل أنس، والذي كان برفقته قبل قليل. بعث له رحيم برسالة يُخبره بقدومه، لكن الآخر لم يُجب، لذا توجه رحيم إلى منزله على أي حال.
فور وصول رحيم، طرق الباب بهدوء كي لا يُزعج الجيران، لكن أنس لم يسمع، لذا قام الآخر بالضغط على جرس الباب، لكن لا شيء، لذا اضطر في النهاية أن يصفع الباب بقوة.
"إيه يا عم أنت ودنك باظت ولا إيه؟" سأل رحيم بسخرية فور رؤيته لأنس، الذي كان يرتدي بيجاما بالإضافة إلى خصلات شعر مبعثرة تنم عن أنه كان نائمًا.
"آه هجبلها قطع غيار.. اتفضل يا ظريف."
"معلش بنزعج حضرتك يعني."
"إيه يا عم الهبل ده ادخل وأقفل الباب وراك." نفذ رحيم ما قاله ثم توجه نحو الأريكة ليتمدد عليها.
"طلعلي بيجاما بقى لو سمحت."
"أنت هتبات؟" سأل أنس بإندهاش شديد، لينظر نحوه رحيم بإمتعاض ويقول:
"لو معترض امشي عادي." قال رحيم بضيق وكاد أن يغادر مقعده.
"مالك يعم إيه الأقفش ده؟ أنت منور طبعًا.. ده بيت أخوك يا أهبل.. بس أنا مستغرب يعني أصلك مش بتبات برا عادة."
"قصدك عشان مامي هنا يعني؟ أصلي اتخنقت معاها."
"احلف؟" سأل أنس بمزيج من الدهشة والسعادة.
"أنت ليه بتفرح في أوقات غلط؟"
"مش فرحان عشان اتخنقت معاها أكيد.. بس مبسوط أنك خدت رد فعل." تحدث أنس بصدق، ليتنهد رحيم بضيق ثم يقول:
"الموضوع مش بالساهل يا أنس ما أنت عارف يعني."
"هي بصراحة مامتك طبعها صعب أوي."
"وأنا تعبت.. أنا مش صغير.. أنا بحاول أمسك نفسي وأتعامل مع آدب عشان هي مامتي وأنا لازم احترمها بس برضوا كل إنسان وله طاقة!"
"متزعلش نفسك هقوم اجبلك حاجة تقولها ولا تشربها."
"بمناسبة الشرب.. الله يخربيتكوا على موضوع ال Drinks ده مامي شامت ريحة ال Alcohol وعملتلي حوار!"
"يا عم أنا مالي أنا! أنا مشربتش النهاردة اصلا."
"أسكت أسكت."
"بقولك إيه هاتلي Pijama ألبسها بقى قولتلك من شوية ونفضتلي."
"حاضر بس روق." اختفى أنس لدقيقتين ثم عاد وهو يحمل ثياب منزلية.
"في أوضة جنب أوضتي فوق متوضبة ممكن تنام فيها."
"ماشي Thanks."
في صباح اليوم التالي، ذهبت أفنان إلى التدريب ونوعًا ما كانت تتطلع إلى إنهاء الجزء النظري وبدء الجزء العملي كي تقابل رحيم، لكنها حين توجهت المعمل لم تجده.. انتظر الجميع عشرة دقائق تقريبًا، لكنه لم يظهر، ففتح الباب ليظهر منه شخص آخر.
شاب كان يبدو مألوفًا بالنسبة لها، وحينما عرف نفسه تأكدت من أنها تعرفه.
"مساء الخير يا دكاترة.. أنا دكتور أنس فريد." أردف وهو ينظر نحو أفنان ويبتسم ابتسامة جانبية، بينما رد الجميع التحية. حمحم ثم أكمل:
"دكتور رحيم مقدرش يجي النهاردة فأنا اللي هشتغل معاكوا العملي النهاردة." لا تدري لما شعرت بغصة في حلقها فور قوله ذلك.
فهي تعلم أنه كان يشعر بالضيق حينما قابلته صدفة، فهل ترى ازدادت حالته سوءًا؟
كانت أفنان تستمع بنصف انتباه، فغياب رحيم كان يشغل بالها.
"حضرتك خلصت يا دكتور؟" سأل نوح بعد اقتحامه للمعمل.
"آه يا دكتور نوح." أجاب أنس. وجه نوح نظره لأفنان وهو يشير بعينيه نحو الخارج، أي يطلب منها اللحاق به.
"مالك؟"
"مالي؟ ما أنا كويسة أهو."
هذه أفنان مع ابتسامة صغيرة.
"شكلك زعلانة، تعبانة، سرحانة، كده يعني."
"أنت مختار كلمات كلها على نفس الوزن ليه كده؟" سألت بسخرية وهي تضحك.
"مش عارفة، صدفة."
"أنا بس دماغي مشغولة شوية."
"ماشي ياختي."
في مساء ذلك اليوم، قررت أفنان أن تبعث برسالة لرحيم لتطمئن عليه، لكن شيئًا ما داخلها كان يحاول منعها من ذلك. فلما ستفعل ذلك؟ ولما يهمها أمره إلى تلك الدرجة؟ هو ليس سوى شخص قابلته عن طريق الصدفة في إحدى الشوارع، ثم اكتشفت عن طريق المصادفة أنه ابن صاحب الشركة حيث يتم تدريبها.
في النهاية، تغلبت على ترددها وبعثت رسالة قائلة:
"إيه يا هندسة مجتش ليه النهاردة؟"
ضغطت زر إرسال لتظهر علامة أن الهاتف متصل بالإنترنت، لكنه لم يجب.
"أنت كويس طيب؟" سألت مجددًا. لتظهر علامة أنه متاح الآن "أونلاين"، لكنه لم يجب. امتعض وجه أفنان على الفور وهي تردف بصوت منخفض:
"تصدق أني غلطانة أني بعبرك!"
مر يومان وحان موعد التدريب مجددًا. وثانية لم يظهر رحيم. حاولت أفنان أن تتجاهل قلقها بشأنه لشعورها بالغيظ لعدم إجابته على رسالتها.
"أفنان يلا عشان نروح."
أردف نوح فور خروج الجميع من المعمل وخروج أفنان من بعدهم.
"ماشي يلا. صحيح أحنا هنتغدى إيه النهاردة؟"
"عازمينكوا على آكلة سمك يا ستي."
"جامد ده. هنجيبه أحنا ولا هنطلبه؟"
"لا هنعدي نجيبه."
"تمام. بقولك إيه اسبقني عل تحت وهات العربية من الجراج وأنا هصحلك."
قالت أفنان ليومئ نوح ويرحل. تذهب هي لدورة المياه لتقوم بضبط مظهرها وإعادة ارتداء الوشاح الذي فسد وبدأ يظهر بعض خصلات من شعرها الأسود.
انتهت أفنان مما تفعله وتوجهت نحو الخارج لتجد نوح يقف بسيارته أمام مدخل الشركة مباشرة.
"يلا يا أفنان عشان منتأخرش عالغدا."
صاح نوح من شباك سيارته لتجيبه أفنان وهي تقترب من باب السيارة لتفتحه:
"حاضر. هنجيب السمك منين؟"
"ما أنتي بتركبي عربيات مع ولاد عادي أهو."
اقتحم رحيم الحديث حيث ظهر فجأة من اللامكان. تحدث بغيظ وهو ينظر نحو أفنان بحدة.
"أنت إزاي تكلمني كده؟ أنت اتجننت؟"
سألت أفنان بعصبية، بينما حاول نوح أن يتحكم في غضبه وسأل رحيم بهدوء قائلاً:
"خير يا دكتور رحيم عايز إيه؟"
"أشمعنى هو يعني؟" سأل رحيم بحنق، بينما علقت أفنان بإنفعال وقد بدأ من حولهم في الانتباه للشجار الذي يدور بينهم:
"أنت مالك أصلاً! لو سمحت متدخلش في حاجة متخصكش!"
"رحيم أظن أني بكلمك! أنت عايز إيه؟ ما تركب معايا براحتها، أنت مالك أصلاً!"
"وأنا موجهتش كلام ليك يا نوح!" قال رحيم بصوت عالٍ.
"متردش عليه يا نوح، يلا بينا."
"ماشي يا أفنان."
"بيعرج يا رحيم."
"أطلع يا نوح يلا."
أردفت أفنان وهي تجلس داخل السيارة بينما تنظر لرحيم بحدة، بينما يبادلها هو النظرات نفسها. تحرك نوح بالسيارة مبتعدًا عن رحيم.
"أنا عايز أفهم بقى إيه قصة رحيم دي؟"
"مفيش قصة ولا حاجة."
"إزاي يعني؟ وازاي ادتيله مساحة يكلمك بالإسلوب ده؟" سأل نوح بعصبية وهو يصفع يده بقوة على مقود السيارة.
"مساحة إيه اللي اديتهاله؟ ده أنا ادتله على دماغه!"
"هاتي من الآخر يا أفنان وقولي إيه علاقتك بيه."
"لأ ما هو مش تحقيق على فكرة وأنا مش ملطشة عشان كل واحد فيكوا يعلي صوته عليا شوية!"
"لو سمحتي يا أفنان قولي إيه علاقتك بيه."
"نوح لو اتكلمت كلمة كمان عن الموضوع ده دلوقتي والله أنزل وأسيبك."
قالت بنفاذ صبر وهي تذفر بضيق شديد.
"خلاص سكت."
ساد الصمت طوال الطريق بينما صدح صوت أفكار أفنان المضطربة، الغاضبة والمشوشة كذلك. لا تدري كيف حدث كل هذا في خلال بضع دقائق. ولما تحدث رحيم بتلك الطريقة؟ ولما شعر بالضيق من البداية لرؤيتها برفقة نوح؟ ولما يتشاجر الاثنان بهذه الطريقة من أجلها؟
أسئلة لم تجد إجابة لها، لكن ما تعرفه جيدًا أنها مستاءة من رحيم، مستاءة وبشدة.