تحميل رواية «في حي الزمالك» PDF
بقلم ايمان عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في شارع من شوارع إحدى أرقى الأحياء في مصر والأكثرهم هدوءاً، حي الزمالك، تسير هي وحيدة ليلاً. تتدندن بلحن أغنية ما للست أم كلثوم، وهي تضيف بضع كلمات من رأسها تماشياً مع اللحن، كونها لا تستطيع حفظ كلمات الأغاني. تمر من جانب شارع جانبي مظلم، فتسمع صوت آنين شخص يتألم قادماً من مكان ما، فتلفت حولها بحثاً عن مصدر الصوت. في أحد الأزقة المظلمة، يقف شاب كما يُطلق على أمثاله "شمام"، وقد قام بدفع شاب آخر نحو الحائط بقوة وهو يضغط على قفصه الصدري. على الأغلب هو يحاول سرقته، فلا تبدو الأمر كشجار قط. وقفت تراق...
رواية في حي الزمالك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ايمان عادل
"أنس!" همست أفنان بصوتها المنخفض وهي تنظر نحو الفراغ حيث كان يقف الشاب قبل ثوانٍ. استقامت أفنان من موضعها وهرولت نحو الخارج لكنها لم تلحق به. لعنت أسفل أنفاسها قبل أن تعود للداخل مجددًا لتُقابلها نظرات نوح التي كانت مزيجًا بين الدهشة والشك.
"إنتي روّحتي فين؟" سألها نوح لتنظر نحوه أفنان بشرود لبضع ثوانٍ قبل أن تُردف:
"هممم، مفيش. أنا جيت أهو..."
"ها هتسامحيني إمتى؟"
"نوح معلش ثواني." أردفت أفنان بضيق ثم أمسكت بهاتفها على الفور وشرعت تبحث عن محادثتها هي ورحيم. وبمجرد أن وجدتها أرسلت له الآتي:
"أيًّا كان اللي أنس هيقولهولك متصدقهوش ومتفهمنيش غلط ومتتحكمش على الموقف غير لما تسمع مني الأول." أرسلت رسالتها لتجد أن هاتف رحيم غير متصل بالإنترنت نظرًا لظهور علامة واحدة. زفرت بضيق وهي تفرك جبينها بيديها، بالطبع سيتصل أنس به وهو سيغضب ولن يقرأ رسالتها.
"ممكن تركزي معايا شوية؟"
"نوح معلش ثواني هروح أضبط هدومي وهاجي بسرعة." تحججت أفنان وغادرت مقعدها تاركة نوح في دهشة وعدم استيعاب.
"ادخلي تاني، ادخلي." أردفت أفنان فور رؤيتها لميرال التي تخرج من باب دورة المياه لتعود الأخرى أدراجها نحو الداخل.
"في حاجة ولا إيه؟ ده أنا قولت أسيبكوا شوية لوحدكوا عشان تعرفوا تتصالحوا."
"سيبك من نوح خالص دلوقتي وركزي معايا في كارثة تانية!"
"يا ساتر يارب! حصل إيه في الخمس دقايق دول؟" سألت ميرال بفزع لتتنهد أفنان بضيق ثم تأخذ نفسًا عميقًا وتبدأ في سرد ما حدث:
"أنس شافنا... كان معدي من جانب الكافيه وشافنا وكأن الكوكب كله ضاق به وملقاش مكان يتمشى فيه غير جنب الكافيه اللي إزازُه شفاف فيشوفني أنا ونوح قاعدين سوا!"
"يالهوي!!! ثواني بس... مين أنس عشان بنسى؟ هو مش اسمه رحيم يا بنتي؟!" سألت ميرال ببلاهة لتنظر نحوها أفنان بضيق ثم تقول:
"آنسة دوري مش وقته فقدان ذاكرة الله يكرمك، أنس ده صاحب رحيم وبيشتغل معاه في الشركة يعني مش بس شافني قاعدة مع ولد ده شافني مع نوح اللي هو بيشوفه في الشركة برضه."
"طب وإنتي فارقلك إيه في كل ده مش فاهمة؟"
"يا بنتي أكيد هيقول لرحيم على اللي شافه!!"
"طب وفين المشكلة؟ مش على أساس مفيش حاجة بينك إنتي ورحيم؟ ما يحكيله ولا ميحكيلوش." سألت ميرال بخبث وهي تبتسم ابتسامة جانبية لتتأفف أفنان وهي تضرب الأرض بإحدى قدميها بغيظ وهي تقول:
"مش وقته غلاسة خالص دلوقتي! أنا مش عارفة أتصرف إزاي... أنا بعت لرحيم مسدج بس هو مش واصل له نت."
"حبيبتي الموضوع مش مستاهل ده ابن خالتك قشطة يعني وبعدين ما أنا معاكوا هو إنتوا لوحدكوا؟"
"ما هو مشافكيش معانا يا ذكية، وبعدين بصراحة... التدريب قرب يخلص واحتمال منشوفش بعض تاني ومش حابة إنه آخر ذكرى بينا تكون خناقة..." تبدلت نبرة أفنان من الانفعال والغيظ إلى نبرة هادئة في نهاية جملتها.
"طب إيه العمل دلوقتي؟"
"والله أنا جايه أسألك أصلًا المفروض أعمل إيه!"
"عارفة مين أكتر حد يعرف يساعدنا في موقف زي ده؟"
"مين؟"
"مريم، ما هي كانت مخطوبة قبل كده وأكيد كانت هي وخطيبها بينكدوا على بعض فأكيد هتبقى عارفة حل لموقف زي ده."
"مش حاسة إني هبقى مرتاحة إني أحكي لمريم على حوار رحيم ده... إنتي عارفة موضوعي أنا ونوح وموضوعك إنتي ونوح، الدنيا ملغبطة خالص."
"خلاص طيب... حاولي تكلميه."
"صح عندك حق بس... بصراحة هتكسف أتصل بيه، أنا هسيبه يتضايق وبعدين هبقى أصالحه أو أسيبه يخبط دماغه في الحيط لسه مكررتش الصراحة." تفوهت أفنان بتوتر وهي تتحرك ذهابًا وإيابًا لتُصاب ميرال بالدوار بسبب حركتها المفرطة.
"اثبتي بقى خضتيني! يلا اخلصي وقرري بسرعة هتعملي إيه."
"يا خبر أبيض!!" صاحت أفنان وهي تقفز من موضعها بينما كادت أن تسقط الهاتف من يدها لتهرول ميرال نحوها وتسألها:
"إيه في إيه؟ رد عليكي؟!"
"لا رحيم بيتصل!!"
"طب ردي عليه بسرعة."
"أرد إزاي وإحنا في الحمام يعني؟ أنا محتاجة أخرج أتكلم برا بس نوح هيعمل حوار."
"مش مهم نوح دلوقتي سيبك منه أنا هقوله أي حاجة."
"ماشي، طب اخرجي قبلي عشان تلهيه عني شوية."
"ماشي." قالت ميرال ثم نفذت الاتفاق واتجهت نحو نوح لتقوم بإلهائه لذا استغلت أفنان الفرصة وغادرت المكان بسرعة وحذر شديد، كانت أشبه بعميل سري يحاول الهرب من أرض العدو.
"ألو..." تفوهت بتوتر حينما أجابت ليأتيها صوت رحيم الرخيم الهادئ مردفًا:
"أفنان Hello 'مرحبًا'."
"طبعًا أنس كلمك وطبعًا أنت صدقته وزعلت بس على فكرة أنا..." تحدثت أفنان دفعة واحدة بنبرة منفعلة ليأتيها صوت رحيم الهادئ من الجانب الآخر وهو يحاول أن يجعلها تهدأ قائلًا:
"ثواني بس Calm down 'اهدئي'، أنا مصدقتش حد وبعتبر نفسي مسمعتش حاجة ومتصل عشان أسمع منك."
"بجد؟" سألت أفنان بدهشة فهي لم تتوقع ردة فعل رحيم أن تكون بهذا الهدوء والتفهم.
"أنا استحالة أصدق أي حاجة عليكي وأخد أي قرار أو آخد منك موقف غير لما أسمع منك."
أغلقت أفنان عيناها بإنسجام وهي تستمع إلى نبرة صوته الرجولية الهادئة، لقد كانت نبرته جميلة وكأنها ألحان أغنية عربية أصيلة. أخذت أفنان نفسًا عميقًا قبل أن تقول بتوتر:
"يعني أنت مش متضايق مني؟"
"تاني؟ هو أنا لسه سمعت منك حاجة عشان أتضايق أو لأ؟"
"بص أنا قاعدة مع نوح وأنس شافني وطبعًا كلمك وحكالك اللي شافه بس الموضوع مش كده خالص..." سمعت أفنان صوت أنفاس رحيم تزداد ثقلًا من الجانب الآخر وكأنه يحاول منع نفسه من الغضب. حمحمت أفنان ثم أكملت:
"اللي حصل إن ميرال أختي رجعت من الشغل وقالتلي تعالي ننزل نتمشى ونقعد في كافيه وقولتلها تمام وبعدها اتفاجئت بنوح جاي يقعد معانا وأنا والله ما كنت أعرف!"
"أفنان You don't have to swear 'ليس هناك داعي للقسم/الحلفان' أنا مصدقك بس كملي."
"أنا أول ما شوفته اتعصبت واتخانقت معاهم هما الاتنين، هو حاول يصالحني بس أنا رفضت. اللي حصل إن ميرال استأذنت ودخلت الحمام ونوح بدل الكراسي وقعد مكانها فطبعًا البيه اللي كان بيتسرح مع السنيورة لما شافني شاف إن قاعدة مع نوح لوحدي مع أن مش دي الحقيقة." حاولت أن تشرح الموقف كاملاً دون أن تفوت تفصيلة واحدة وكانت تتوقع من رحيم أن يجادلها فيما قالته لكن اكتفى بالرد بجملة واحدة والتي كان لها تأثير ألف كلمة.
"أنا مصدقك."
"بجد؟"
"طبعًا، إنتي لو بتكذبي أو مش عايزة تفسري اللي حصل فأنتي ليكي كامل الحرية لكن كون إنك بتحاولي تشرحيلي الوضع ومش بتحاولي تخبي فده دليل إنك صادقة في كلامك، كان ممكن تقوليلي ببساطة وأنت مالك."
"كان نفسي أقولك كده بس للأسف زعلك فارق معايا..." أفصحت أفنان بدون قصد لتعض على شفتها وهي تلعن نفسها داخليًا، ويمكنها تخيل ابتسامة رحيم الواسعة التي ارتسمت على ثغره بالفعل.
"أنا مش قصدي... أو يعني... وأنت إزيك عامل إيه بقى؟" حاولت أفنان تكوين جملة مفيدة لكن توترها لم يسعفها لذا سألته سؤالًا ليس في محله في النهاية لينفجر رحيم ضاحكًا بصوت مرتفع فتشاركه أفنان الضحك وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها على الفور.
"أنا كويس وإنتي؟" أردف وهو يقهقه على نبرتها المتوترة المشوبة بالخجل.
"كويس بس؟ اسمها كويس إيه؟"
"كويس الحمدلله."
"أيوا كده Good boy 'فتى جيد/مطيع'."
"محسساني إنك بتكلمي ال puppy 'كلب صغير' بتاعك، ثواني كده هو إنتي قولتي أنس كان مع مين؟"
"كان مع بنت هو مقالكش ولا إيه؟"
"لا، قالي إنه لوحده المفروض، تعرفي توصفي شكل البنت دي؟"
"كانت صاروخ بصراحة!" قالت أفنان بنبرة غريبة.
"بس بس إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟!"
قصدي وصفها يعني لون شعرها أي حاجة.
بص مش فاكرة لأني ملحقتش أبص أوي بس هي مبدئيا شكلها مش مصرية.
بس كده هي دي الجملة اللي عايز اسمعها.
مش عارفة بجد ليه أنت وصاحبك غاويين العرايس الباربي.
مين قالك أني بحب عرايس باربي؟ على فكرة أنا بفضل الملامح العربية أكتر. سأل رحيم بإستنكار ثم قال جملته الأخيرة لتصل إبتسامة أفنان من الأذن للأذن بينما تقفز في موضعها كالبلهاء.
المهم أنتي بتحبي كين ولا بتحبي أيه بقى؟ سأل رحيم بمراوغة لتدعي أفنان البلاهة وهي تسأل:
كين؟ مين كين؟
العروسة الولد اللي مع باربي. فسر رحيم لتقهقه أفنان بقوة ثم تعلق على كلامه قائلة:
حاسه أننا تافهين سيكا باللي أحنا بنقوله ده بس مش مشكلة، المهم أنه لا مش بحب العروسة دي عشان مش بحب الشعر البني أو الأشقر عالولاد بحب الأسود أكتر.
طبعا الأسود أحلى. أردف رحيم بثقة زائدة لتجيبه أفنان بسخرية:
أيه الثقة دي؟ أنا بتكلم عن الشعر الأسود مقولتش شعرك الاسود يا رحيم.
أيه الإحراج ده؟ وبعدين أكيد شعري عاجبك طبعًا، كل البنات اللي أعرفها بيتغزلوا في شعري.
والله؟ طب مع السلامة.
بهزر بهزر Don’t get mad ‘لا تغضبي’ ، كنت عايز أشوف رد فعلك بس خلاص وصلني.
طب أنا هقفل بقى عشان واقفة في الشارع لوحدي.
أفنان أنتي هتصالحيه؟ سأل رحيم والضيق يفوح من نبرته لتصمت أفنان قليلا قبل أن تهمس:
معرفش…
تمام، خدي بالك من نفسك.. باي.
باي.
دلفت أفنان نحو الداخل وعلامات السعادة قد ارتسمت على وجهها حاولت إخفاء ذلك لكن نظرات عيناها كانت فاضحة، أقتربت لتجلس على الطاولة ليردف نوح فور رؤيتها:
هو مش الطقم ده بتاع ميرال؟ لابساه ليه؟
أه وأنت مالك؟ أختي ونلبس من بعض براحتنا.
أصلًا اللون عليها أحلى. صاح نوح متعمدًا إثارة غيظ أفنان لتشعر ميرال بنبضات قلبها تتسارع وعلى الفور ترتسم على شفتيها إبتسامة خجولة لتنظر نحوها أفنان بطرف عينيها وتبتسم هي الآخرى قبل أن تعلق على حديث نوح بسخافة مردفة:
أصلًا مخدتش رأيك، ومتتكلمش معايا عشان مش طايقاك.
يا ستي خلاص حقك عليا أنا أسف مبسوطة كده؟
أنت كده عملت أيه يعني؟ ما أنت أكيد أسف طبعًا ولا أنت شايف أنك مش غلطان يا دكتور نوح.
غلطان وستين غلطان ومش متربي كمان ها مبسوطة كده؟
أقولك أيه كل واحد أدرى بنفسه. تفوهت أفنان بنبرة ساخرة متعمدة إثارة غيظ نوح وقد نجحت في ذلك بالفعل.
والله؟
اه. قالت أفنان بإصرار ليمسك نوح بكوب المياه الموضع أمامه ويغطي فوهة الكوب بكف يده ولكن حرك أصبعيه بحيث يصبح هناك فراغ في المنتصف ثم يحرك الكوب بإندفاع نحو الأعلى فيقوم برش المياه على أفنان.
يا حيوان! والله لولا أننا في مكان محترم كنت فتحتلك دماغك بالكوباية اللي في أيدك دي!!
بس أنتوا الأتنين الناس بتتفرج علينا، وبعدين يا نوح ده أنا طول عمري بقول عليك عاقل أيه اللي جرى؟ تحدثت ميرال بإنفعال من المفترض لكن في الواقع كانت نبرتها وهي منفعلة أكثر هدوءا من نبرة أفنان العادية.
كله بسبب أختك دي هي اللي جننتني.
تحب تشوف الجنان اللي بجد؟ سألته أفنان بإستنكار وهي تستقيم من مقعدها ليعود نوح نحو الخلف بواسطة كرسيه وهو يردف برعب:
خلاص يا ستي أنا أسف أنا عيل صغير، تيجوا بقى نحاسب ونمشي ونروح نتعشى حاجة كده عليها القيمة؟
يلا بينا.
متحاسبوش أنا هحاسب.
كفي نفسك يا بابا. قلبت ميرال عينيها لأنها تعلم أن هناك شجار على وشك أن يبدأ وكان هذا ما حدث بالفعل واستمر لخمسة دقائق تقريبا قبل أن تستسلم أفنان ويدفع نوح الحساب.
هو ده المكان اللي عليه القيمة؟ سألت أفنان بسخرية وهي تنظر إلى عربة الكبد والسجق والتي كانت مزدحمة بالفعل.
أحلى عربية كبده في محافظة الجيزة يا بنتي أيه فهمك أنتي؟
ومالك فخور أوي كده.. عالعموم أنا مش جعانة أوي فأطلبلي تلاتة كبدة وتلاتة سجق.
ما شاء الله يا أفنان أومال لو مكنتيش جعانة، وأنتي يا ميمي هتاكلي أيه؟ سخر نوح من أفنان في بداية حديثه قبل أن يلتفت لميرال ويسألها بنبرة لطيفة، تنظر نحوه ميرال بوجه يشتعل من الحمرة ثم تجيبه بتلعثم:
أنا؟ أنا… عايزة اتنين واتنين.
تمام هروح أجيب الأكل وأجي أقعدوا بقى على الرصيف استنوني. أردف أنس وذهب بالفعل لتسحب أفنان ميرال الشاردة من يدها وتجلسها على الرصيف إلى جانبها.
يا بنتي أتقلي شوية متبقيش مفضوحة كده!
أنتي سمعتي قال أيه؟ ميمي.
طب ما هو كان بيقولك كده على طول وأحنا صغيرين.
يا بنتي هو أنتي بيصعب عليكي تشوفيني مبسوطة؟!
أنا يا ميرال؟ يا شيخة روحي حسبي الله ونعم الوكيل في أنس.
الله! طب وأنس ذنبه أيه في اللي أحنا بنقوله؟
معرفش بس هو يستاهل الحسبنه الصراحة.
عاد نوح بعد عشرة دقائق وقد أحضر الطعام ليبدأو ثلاثتهم في تناول الطعام، بعد انتهاءهم قاموا بالتمشية لمدة ساعة قبل أن يقوم نوح بإيصالهم إلى المنزل.
خلاص صافي يا لبن؟
لا طبعًا أنت عبيط؟
أحنا هنهزر!
أنتي عارفة أنا دفعت كام النهاردة؟
اه يا مادي يا حقير.
بهزر يا ستي، عمومًا أنا عارف أني غلطتي كبيرة وهسيبلك وقتك في أنك تحاولي تنسي اللي حصل أو عالأقل تسامحيني.
هحاول، يلا سلام وسلملي على خالتو ومريم.
يوصل إن شاء الله، تصبحي على خير يا ميمي وشكرًا على وقفتك جنبي.
ودعها نوح بلطف لتشعر ميرال بأن قلبها على وشك أن يقفز من بين ضلوعها وهي تقول بإبتسامة واسعة:
عفوًا على إيه؟ ده واجبي.
ركضت ميرال من خلف أفنان بسعادة نحو السلم لتنظر نحوها أفنان بطرف عيناها ثم ابتسمت قبل أن تسأل ميرال:
ماما كانت عارفة أننا هنقابل نوح؟
أنا استأذنت ماما وبابا قبل ما ننزل وهما عارفيين التفاصيل كلها.
ما شاء الله كلكوا متفقين عليا!
يا أفنان نوح طيب بجد هو بس ساعات لسانه بيفلت منه بس هو مكنش قاصده يزعلك.
لا يا ميرال أنا ممكن أقتنع بكلامك على أي موقف تاني لكن في الموقف ده بالذات نوح كان قصده يزعلني.
طب حاولي تسامحيه يعني أفتكريله أي حاجة حلوة عملها عشانك.
هحاول يا ميرال، متكليش دماغي بقى أنا دماغي مشغولة بمليون حاجة.
ماشي يا ستي.
قضت أفنان اليوم التالي في المذاكرة ومساعدة والدتها في الأعمال المنزلية، وفي اليوم الذي يليه ذهبت أفنان إلى التدريب باكرًا لمحاولة كسب بعض الدقائق في التحدث إلى رحيم قبل وصول المتدربين والموظفين، فور وصول أفنان إلى مقر الشركة أمسكت بهاتفها في توتر شديد ثم قامت بمهاتفة رحيم والذي أجاب على الفور.
أيه يا ابني ده أنت قاعد عالزرار ولا إيه؟
سألته ساخرة ليقهقه ثم يردف:
ابنك؟ ما علينا، التليفون كان في أيدي اساسًا عشان كده رديت بسرعة.
أيه ده كنت بتعمل إيه عالتليفون؟
أفندم؟
سأل رحيم بإستنكار وهو يضحك لتحمحم هي بإحراج ثم تقول بنبرة مرحة:
بقولك إيه ما تنزل الكافتيريا شوية.
ثواني وهتلاقيني قصادك.
أجابها سريعًا ثم أغلق الهاتف لتضحك أفنان على أسلوبه الطفولي.
واو!
همس رحيم فور وصوله إلى الطابق الأرضي وهو ينظر نحو أفنان طويلًا لتشعر بالتوتر وتذهب يديها تلقائيًا للوشاح خاصتها وتقوم بتعديله وهي تسأل:
إيه ده في أي إيه؟
أول مرة تلبسي اللون ده.
فسر رحيم وهو ما يزال يتأملها لتقهقه أفنان بخجل ثم تقول بمزاح وهي تغمز بإحدى عينيها:
ده أنت مركز بقى.
كل ألوانك هادية وبتميلي دايمًا للون الكافية لسبب ما لكن اللون الزهري بعيد تمامًا عن الألوان اللي أنتي بتلبسيها.
ودي حاجة حلوة ولا حاجة وحشة طيب؟
الإتنين.
إيه ده ازاي؟
بصراحة اللون لايق عليكي جدًا ودرجته Catchy (جذابة) للعيون ودي حاجة تعتبر حلوة لأنه لفت نظري جدًا بالفعل، لكن الجزء الوحش أنه هيلفت نظر باقي الناس ليكي وأنا مش عايزك تلفتي نظر حد تاني غيري.
فسر رحيم بنبرة هادئة لا تخلو من مشاعر لم تفهمها أفنان كثيرًا لكن من نبرته التي غلفها الضيق في النهاية يمكن القول أنها ربما تكون مشاعر… غيرة!
لم يروق حديثه كثيرًا لأفنان التي أمتعض وجهها على الفور ثم أخذت نفسًا عميق قبل أن تعلق على حديثه مردفة:
بص يا كابتن أنا هفهمك حاجة… أنا مش لابسة اللون ده عشان ألفت نظرك أو نظر حد غيرك ده أولًا، ثانيًا بقى الطقم ده بتاع ميرال أختي وأنا مكنتش لايقة حاجة ألبسها الصبح فقولت ألبسه وخلاص.
أنا مش قصدي أضايقك على فكرة أنتي زعلتي ليه؟
مزعلتش ولا حاجة هزعل ليه… بص بسبب الرغي كنت هتنسيني أنا نزلتك من فوق ليه.
اه صحيح ده أنا استغربت جدًا أنك طلبتي تشوفيني.
طيب ثواني…
أردفت أفنان وهي تخرج شيئًا صغير من حقيبتها بينما نظر رحيم بعيدًا مانحًا إياها مساحة شخصية للبحث عن غرضها المجهول، في خلال ثوانٍ أخرجت أفنان من حقيبتها لوح شيكولاتة متوسط الحجم وقد ألتف بشريطة حمراء اللون أتخذت شكل ‘فيونكة’.
أتفضل.
دي عشاني؟
اه.. أنا عارفة أنك أكيد بتاكل شيكولاتة أغلى وأحلى ومستوردة كمان بس دي اللي كانت متاحة بالنسبالي.. أنا جبتهالك عشان أنا مبسوطة منك عشان أنت مصدقتش اللي اتحكالك عني غير لما كلمتني وسمعت الموضوع كله مني أنا فعشان كده قررت اكافئك.
فسرت أفنان وهي تحاول تلاشي النظر نحو رحيم وتنقل نظرها بين لوح الشيكولاتة والمكان من حولهم بينما نظر نحوها رحيم بحنان شديد وسعادة كبيرة، لقد استطاعت كلماتها اللطيفة وهديتها البسيطة أن تجعل قلبه يرتجف وأن يشعر بتلك الدغدغة من داخله، أطال رحيم النظر في ملامحها الخجولة الهادئة على غير العادة وكأنه يحاول أن يحفظ في ذاكرته تلك الملامح التي سيفتقدها كثيرًا حينما ينتهي التدريب ويحين وقت الوداع…
اتفضل..
شكرًا.. شكرًا أوي يا أفي.
شكرها رحيم مستخدمًا اسم التدليل الذي أطلقه عليها لتشعر بنبضات قلبها تزداد في السرعة وهي ترد على حديثه قائلة:
على إيه بس دي حاجة صغيرة خالص، مش مقامك يعني.
دي أحلى هدية أو مكافأة أخدتها في حياتي.
بالهنا والشفا وكفاية تسبيل بقى عشان معدتي بتقلب بجد.
علقت أفنان بنبرة ساخرة ليقلب رحيم عيناه ثم يعيد خصلات شعره الأسود نحو الخلف وهو يبتسم ابتسامة جانبية.
على فكرة Fake (مزيف) أوي حركة أنك ترجع شعرك لورا عشان تبان جامد وبتاع وأن شعرك ناعم.
يعني مش عشان شعري بيقع على عيني؟ تؤتؤ بحاول ألفت نظرك.
خلاص بهزر ده أنت قفوش أوي وبعدين تنكر أنك بتعمل حاجات عشان تلفت نظري؟
سألت أفنان بخبث وهي تغمز بإحدى عينيها لم تتوقع أن يجيبها رحيم لكنه أجابها بثبات:
لا منكرش.
طب هديتك معاك وأنا قولت الكلمتين اللي عندي، يلا سلام.
تركته أفنان واقفًا بثغر مفتوح فلقد كان على وشك التحدث لكنها رحلت قبل أن يفعل، صعدت نحو الطابق العلوي لتجد نوح في وجهها مباشرة فوقفت تنظر نحوه بصدمة وعادت بضع خطوات نحو الخلف فكادت تصطدم برحيم الذي كان يصعد من خلفها.
مضى اليوم بسلام دون أن يخلو من بعض النظرات الموجه من رحيم نحو أفنان والذي حاول جاهدًا ألا يفعل كي لا ينتبه الجميع لهم بغض النظر أن الجميع قد انتبه بالفعل، في مساء ذلك اليوم وبينما كانت أفنان تقوم بمراجعة ما تم شرحه في التدريب شعرت بالملل لذا قررت تصفح هاتفها لتجد أن رحيم قد قام بنشر حالة جديدة لتفتحها أفنان على الفور وقد تضمنت الآتي:
مساء الخير.. I never knew i love chocolate that much (لم أكن أعلم أنني أحب الشوكولاتة لتلك الدرجة).
كتب رحيم ذلك في الوصف وقد أرفقها بصورة ليده وهي تمسك بلوح الشكولاته الذي أهدته إياه أفنان.
تأملت أفنان رسالته وشعرت بقلبها على وشك أن يقفز من بين ضلوعها، ابتسامة واسعة غلفت ثغرها وهي تعيد فتح الحالة مجددًا كلما انتهت، في النهاية تركت الهاتف وحاولت المذاكرة مجددًا لكنها شعرت بألم في رأسها لذا قررت التوجه نحو الثلاجة لعلها تجد شيئًا تأكله لعل ألم رأسها سببه الجوع، في طريقها للمطبخ سمعت صوت جدال بين والديها كالتالي:
أنا تعبت والله من المواصلات ما أنتي عارفة أنا متعود عالعربية بقالي سنين وضهري تاعبني جدًا.
أردف والدها بقلة حيلة، كانت نبرته وكلماته بمثابة خنجر يطعن في قلب أفنان، كانت تريد أن ترحل فالتصنت هو تصرف سيء ومحرم كذلك، لذا ابتعدت عن الباب لكن صوت والديها كان مايزال مسموعًا بالنسبة إليها حينما علقت والدتها على حديثه بإمتعاض:
قولتلك يا أحمد أنت لازم تشوف حل في الموضوع ده… منه لله اللي كان السبب.
رانيا! دول في النهاية امي وأختي.
على عيني وعلى رأسي يا أحمد لكن حرام اللي أنت فيه ده! شغل الصبح وبعد الضهر ومش عايد عليك بأي فايدة وبعدين اللي بيعملوه ده حرام وظلم بين! دول بيحرموك من حقك الشرعي والقانوني!
خلاص يا رانيا قفلي على الموضوع ده.
عادت أفنان نحو غرفتها بإنكسار لسماعها نبرة الألم والحرج في نبرة والدها، ازداد الغضب والمقت الذي تشعر به تجاه جدتها وعمتها للضعف!
عاودت أفنان الجلوس على المكتب خاصتها وأمسكت بالكتب الموضوعة أمامها وقررت أن تكمل مذاكرة فذلك الإمتحان هو حربها وتلك الألف وخمسمئة جنيهًا اللعينة هي جائزتها الكبرى والتي لن تتخلى عنها!!
قفشتك بتعملي إيه؟
سألتها ميرال بعد مدة قصيرة وهي تقتحم الغرفة لتجيبها أفنان بعبوس:
ولا حاجة بذاكر.
مالك قالبة وشك ليه؟ حصل حاجة؟
بابا صعبان عليا أوي..
حوار العربية وكده والمصاريف زايدة عليه وكمان فلوس المواصلات اللي بدفعها في التدريب، بغض النظر عن المرات اللي نوح بيوصلني فيها.
متقلقيش، أنا هتصرف في موضوع الفلوس ده.
هتتصرفي ازاي؟ يعني هو مرتبك هيكفي إيه ولا إيه؟
أنا دخلت جمعية مع بنت زميلتي في الشغل وهقبض النفر التالت وهاخد الفلوس أديها لبابا يصلح العربية.
أنتي عارفة بابا مش هيرضى، هيقولك اشتري بيها حاجة لجهازك.
ياستي أحنا هنقنعه، متشيليش هم أنتي. صحيح عايزين نشوف هنلبس إيه في خطوبة ريماس.
هي هتعملها في البيت صح؟
بيت مين، لا طبعًا دي هتختار قاعة نضيفة وغالية جدًا.
حد قال حاجة، ولا دي توقعات؟
يا بنتي عمتو عمرها ما هتعمل حاجة عالضيق عشان تعجزنا إحنا بعد كده لما نيجي نتخطب عشان يتقال يعني مفيش بنت في العيلة اتعملها ولا هيتعملها أحسن من ريماس بنتي. فسرت ميرال وهي تقلد أسلوب عمتها في نهاية حديثها لتضحك أفنان ثم تعلق على حديث ميرال مردفة:
كده كده عمتو بجوزها ببنتها ناس بتوع مظاهر، وبعدين سيبك منها، إن شاء الله هيجيلك اللي يحبك ونعملك وقتها خطوبة أحلى من بتاعت ريماس مليون مرة.
يجي هو بس ومش لازم ولا خطوبة ولا فرح، نكتب الكتاب ونسافر وشكرًا على كده.
يالهوي عالالدلقة يا ناس! المهم إحنا ممكن نأجر فستانين وخلاص.
تيجي نفصل؟
بتتكلمي وكأن معاكي عشرين ألف جنيه. أردفت أفنان باستياء لتنظر نحوها ميرال بازدراء ثم تقول:
ليه، وهنفصل عند Versace؟
لا عند عمو وائل اللي في الشارع اللي ورانا.
دمك خفيف أوي، شوفي أنتي بس استايل فستان وماتقوليش حاجة.
ماشي يا أختي، أما نشوف آخرتها معاكي أنتي وست ريماس دي. إيه ده، استني رحيم بعت مسدچ على جروب التدريب. كانت تتحدث أفنان بسخرية لكن سرعان ما اعتدلت في جلستها وهي تقوم بفتح الجروب بتوتر.
خير إن شاء الله.
مساء الخير، كنت حابب أفكركوا أن فاضل أسبوعين على انتهاء التدريب، وطبعًا الإختبار اللي اتفقنا عليه عشان تاخدوا الشهادة المعتمدة. من الأسبوع الجاي مش هيكون في ماتريال جديدة ولا شغل practical جديد، هنراجع على القديم ولو في حد عنده استفسار عن حاجة هنعيد شرحها. كانت تقرأ ميرال ما كتب وفي الوقت ذاته تنظر إلى تعابير وجه أفنان والتي كساها الحزن وكأنها على وشك البكاء، بينما كانت يدها التي تمسك بالهاتف ترتجف.
هيوحشني أوي. همست بها أفنان وقد تفوهت بحقيقة مشاعرها أخيرًا، شعرت بوخزة في قلبها حينما تخيلت ما ستؤول إليه الأمور في الأيام القادمة، سينتهي التدريب وسيختفي رحيم من حياتها نهائيًا، ففي النهاية هي لم تكن سوى متدربة في شركة والده الكبيرة وهو لم يكن سوى المدرب الوسيم خاصتها.
لو ليكوا نصيب مع بعض أكيد هتتقابلوا تاني.
ده لو بقى.
زي ما اتقابلتوا أول مرة صدفة أكيد هتجمعكوا صدفة تانية. قالت ميرال بصدق وهي تضم شقيقتها من الخلف، لتحمحم أفنان وهي تقوم بمسح الدمعة التي كانت على وشك الزول من عينيها وهي تقول بنبرة ساخرة:
أنا شكل الأغاني الرومانسية اللي بتشغليها ليل ونهار أثرت عليا شوية، بغض النظر عن الدراما يعني كده كده الحياة هتمشي. هو هيرجع يركز في شغله وأنا هشتغل في الجامعة وزي ما كان جزء من حياتي في فترة هيرجع لا شيء زي ما كان قبل كده.
تفوهت أفنان بتلك الكلمات من وراء قلبها لكنها حاولت جاهدة أن تبدو نبرتها صادقة، لكن ميرال نظرت نحوها وقد ضيقت عينيها بعدم تصديق، لم تعلق ميرال على حديث شقيقتها، فقد اعتادت من أفنان أن تكون غاية في الصراحة حينما يتعلق الأمر بمن حولها، لكن حينما يتعلق الأمر بمشاعرها هي فالكذب والإخفاء هما أسلوبها المتبع.
في منزل حامد البكري جلس رحيم في شرفة حجرة التي يمكن من خلالها رؤية مياه النيل اللامعة بفعل انعكاس ضوء القمر عليها، تخللت نسمات الهواء الباردة خصلات شعره المبعثرة على غير العادة نتيجة استيقاظه من النوم، أخرج علبة السجائر من إحدى جيوب بنطاله ليقوم بإشعال سيجارة وينفث الدخان بقوة، إن أمر انتهاء التدريب يقلقه كثيرًا وما يقلقه كذلك هو عدم ملاحظة والدته علاقته بأفنان بالإضافة إلى عدم تحدث والدته إليه كثيرًا هذه الأيام ليزداد قلقه إلى الضعف.
أخرج رحيم من شروده صوت أحدهم يطرق على الباب لينتفض رحيم من مقعده ويطفئ السيجارة على الفور ثم هرول ليحضر معطر الجو ويقوم برشه ليتخلص من رائحة السجائر.
اتفضل.
كنت بتعمل إيه؟ سأل والد رحيم فور دخوله للحجرة ليبتسم رحيم بتوتر ثم يقول:
كنت في الـ Toilet.
إيه ريحة السجاير دي؟
ها؟ ده.. أكيد الـ Security.
الـ Security بيشربوا سجاير في الـ Balcony عندك؟ سأل والده بمراوغة وهو يشير برأسه نحو مطفأة السجائر الموضوعة على طاولة داخل الشرفة، فتح رحيم فمه ليتحدث لكنه لم يجد ما يقوله لذا اكتفى بالصمت.
مفيش أي داعي أنك تكدب عليا، أنت عارف أن أنا وأنت صحاب.
طب بما أننا صحاب بقى يا بابي ما تقولي مامي مشغولة عني في إيه؟
وأنت يهمك في إيه؟ المهم أنها مشغولة عنك.
لا طبعًا.. أنا قلقان مامي طول ما هي في مصر بتبقى مركزة معايا طول الوقت، فكونها مش بتتكلم معايا كتير الأيام دي شيء مقلق بالنسبالي.
هي اليومين دول مشغولة بالجمعيات الخيرية والندوات اللي بتتعمل، ده اللي أعرفه.
طيب كويس جدًا.
رحيم لو بتعمل حاجة غلط أو هتضايق مامتك صارحني وأنا هتصرف، لكن متتخبيش عليا. قال والده بنبرة حنونة وهو يضع يده على كتف رحيم، يصمت رحيم لثوانٍ ثم يرد على حديث والده مردفًا بصدق:
أنا مش بعمل حاجة غلط يا بابي.. كانت حياتي زمان كلها غلط لكن دلوقتي.. أنا بعمل الحاجة الوحيدة الصح في حياتي.
ويا ترى مين بقى السبب في التغير ده كله؟ سأل والده لتضطرب معالم رحيم ويزدرد ما في فمه بصعوبة.
رواية في حي الزمالك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ايمان عادل
"أنا مش بعمل حاجة غلط يا بابي.. كانت حياتي زمان كلها غلط لكن دلوقتي.. أنا بعمل الحاجة الوحيدة الصح في حياتي."
تحدث رحيم بنبرة هادئة لينظر نحوه والده وهو يفكر. ساد الصمت لبرهة بينما يدور في رأس والد رحيم أن نبرته بدت صادقة ورحيم ليس بالشخص المتهور على أي حال، إذا يجب عليه أن يصدقه وألا يقلق بشأن ذلك الأمر.
"ويا ترى مين بقى السبب في التغير ده كله؟"
سأل والده بغتة لتضطرب معالم رحيم ويزدرد ما في فمه بصعوبة ثم يأخذ نفس عميق قبل أن يجيب بإختصار:
"بنت كده.."
"أكيد حلوة مش كده؟"
سأل والده لتتسع ابتسامة رحيم وهو يتذكر ملامح أفنان اللطيفة وغمازاتها الساحرة التي تظهر حين تبتسم وعيناها التي تختفي تقريبًا حينما تضحك بقوة. بدون وعي أجاب رحيم والده مردفًا:
"زي القمر."
"زي مامتك كده؟"
سأل والده ليحمحم رحيم وهو لا يدري كيف يشرح لوالده الأمر لذا أخذ نفسًا آخر عميق قبل أن يقول:
"مامي ملامحها أوربية يا بابي، البنت دي ملامحها مصرية أصيلة."
"أيه ده هي مصرية؟"
سأل والده ببعض الإندهاش ليحك رحيم مؤخرة عنقه وهو يتمتم:
"اه.."
"بنت مين؟ قصدي مين عايلتها؟ أكيد عيلة كبيرة مش كده؟"
سأل والده لتضطرب معالم رحيم وقد بدأ التوتر يتمكن منه إن والده يسأل أسئلة حرجة بالنسبة إليه في الوقت الحالي. لذا قرر رحيم أن يراوغ في إجابته ويقول:
"أنا متعاملتش معاهم شخصيًا لكني واثق من أخلاقهم وسمعتهم، باين من تربيتهم لبنتهم."
"طب وأنت أتعرفت عليها فين؟ وهتخلينا نشوفها أمتى؟"
"لما يجي الوقت المناسب يا بابي مش حضرتك ومامي بس اللي هتشوفوها، الدنيا كلها هتشوفها."
أجاب رحيم والده بأعين لامعة وبنبرة تحمل في طياتها سعادة مخفية ليقهقه والده بنبرة رجولية وهو ينكز رحيم في كتفه بخفه مردفًا:
"شكلك واخد الموضوع جد."
"أنا طول عمري باخد كل حاجة في حياتي جد يا بابي وإن شاء الله كل حاجة هتمشي زي ما أنا حاطط في دماغي."
أومئ والده قبل أن يضمه برفق ثم يتجه نحو الخارج لتنتهي المحادثة عند تلك النقطة ليزفر رحيم براحة أخيرًا وهو في داخله صراع. هل كان من الصواب أن يخبر والده بما أخبره للتو أم كان عليه أن يتهرب من الإجابة تجنبًا للمتاعب؟ لم يجد إجابه على اسئلته تلك..
مرت عشرة أيام سريعًا وتبقى أقل من سبعة أيام على انتهاء التدريب وموعد الاختبار. لم تشعر أفنان بمثل هذا التوتر من قبل أو ربما فعلت في اختبارات الثانوية العامة. لكن الآن يقع على عاتقها العديد من الأمور فهي تريد الفوز بالجائزة المادية من أجل والدها. تريد أن تثبت لذاتها أنها قادرة على خوض الصعاب بل والنجاح بذلك. كي لا تتعرض للسخرية من قبل نوح. كي لا تشعر بالخزي تجاه ذاتها وأكبر ما يشغلها هو أنها لن ترى رحيم مجددًا بعد انتهاء التدريب.
"أفنان أنتي سمعاني؟"
"هاه؟ بتكلميني يا ميرال؟"
سألت أفنان بشرود لتتنهد ميرال ثم تعيد ما كانت تقوله مجددًا ولكن بإختصار هذه المرة مردفة:
"كنت بقولك أن عمتو كلمت بابا إمبارح وقالتله أن الخطوبة اتأجلت أسبوعين."
"طب كويس جدًا أهو نكون لحقنا نخلص الفساتين اللي بقالها سنه عند الخياط دي."
علقت أفنان وقد نمت على ثغرها ابتسامة ساخرة سرعان ما أختفت لتنظر نحوها ميرال بشك وهي تسألها:
"اه الحمدلله، أنتي مش في الموود خالص بقالك كام يوم، في حاجة حصلت أنا معرفهاش ولا أيه؟"
"موضوع التدريب والإمتحان ده شاغلني أوي."
"يا بنتي أنتي كده كده هتعدي من الإمتحان ده وهتاخدي الشهادة، ليه شاغله دماغك للدرجة؟"
سألت ميرال لتصمت أفنان فلا إجابة لديها. فهي لا تريد التحدث بخصوص الجائزة والتي لم تخبر احدًا بشأنها قط فأفنان تعلم جيدًا أنها كلما تحمست لأمر ما في حياتها وبدأت في مشاركة الأمر مع من حولها مهما كانوا أناس طيبين فالأمر يبوء بالفشل في النهاية وهذا لا يعني أنها تعرضت للحسد أو شيء من هذا القبيل لكنها على إقتناع تام أن كثرة الحديث حول شيء لم يتحقق بعد يفسده من قبل أن يحدث. لذا فلقد فضلت الصمت حتى ينتهي الأمر على خير كما تتمنى.
"أدعيلي بس يا ميرال ربنا يوفقني ويهديلي الحال كده ويحققلي اللي في بالي وأنا هبقى فايقة كويسة إن شاء الله."
"هدعيلك يا حبيبتي."
في صباح اليوم التالي اتجهت أفنان للتدريب بوجه ممتعض وقلبًا حزين. أخذت تتأمل كل ركن من أركان الشركة أثناء صعودها لمكان التدريب المعتاد. من أكبر العيوب بشخصيتها كانت التعلق والإرتباط الشديد بالأشخاص والأماكن والآن عليها أن تعاني من فراق هذا المكان والعودة إلى مباني الكلية العريقة الكئيبة وعليها أن تعاني من فراقه هو أيضًا. رحيم!
"صباح الخير."
همس رحيم من الخلف لكنها لم تجيبه بل لم تسمعه من الأساس فلقد كانت مستغرقة في تفكيرها العميق ليتحرك هو بحركة سريعة مفاجئة فيصبح أمامها مباشرة. لتشهق هي بفزع وتعود نحو الخلف خطوتين وهي تصيح وفي الوقت ذاته تضرب رحيم في وجهه بواسطة حقيبة الضهر خاصتها كردة فعل تلقائية:
"أيه ده يخربيتك أنت عبيط ولا أيه؟!"
"في أيه يا مجنونة أنتي؟!"
"رحيم؟!"
تفوهت أفنان بصدمة حينما أدركت ما فعلته. فلقد فعلت ذلك دون تفكير لشعورها بعدم الراحة والصدمة. ومن فزعها لم تدرك من الشخص الذي وقف أمامها فجأة. بل لم تهتم بتاتًا فلا يجب على أي شخصًا كان أن يقترب منها بأي حال من الأحوال.
"ايوا زفت رحيم!"
أردف وهو يضع يده على وجهه بألم لتضع أفنان يدها على فمها بصدمة قبل أن تعلق على حديثه بنبرة مبوهة:
"متعملش كده تاني بقى عشان المرة الجايه مش هتبقى خبطة بالشنطة لا ده أنا هكسرلك صف سنانك التحتاني يا قمور ماشي؟!"
"أنا عملت أيه يا بنت أنتي؟ وبعدين قمور أيه بقى وأنتي بتضربيني؟!!!"
سألها بحنق وبنبرة جادة بينما مازال يدلك المنطقة المصابة في وجهه بواسطة يده.
"جيت وقفت قدامي فجاءة وواقف قريب مني وبتسألني عملت أيه؟ أيه البجاحة دي يا أخي؟!"
"أنا أسف أنا مخدتش بالي مكنتش مركز! وبعدين عرفيني أنك اتضايقتي اتخانقي معايا قوليلي مش مرتاحو لكن مش تكسرلي وشي!"
"متأفورش يا رحيم مكنتش خبطة بالشنطة يعني اللي عمال تنوح عليها دي."
أردفت أفنان بلامبالاة لينظر نحوها رحيم بإمتعاض بطرف عيناه بنظره حارقة لتحمحم ثم تقول:
"هي أينعم الشنطة فيها الكتب وملازم وبوك الفلوس وأزازة مياه وأزازه سبراي وكيس أوريو بس برضوا مضربتكش بالنار يعني، وبعدين ما هو أنت اللي بتعمل حاجات غريبة!"
نظر نحوها رحيم طويلًا وفتح ثغره ليتكلم وكان من الواضح أنه ينوي توبيخها لكنه أغلق فمه وهو يزفر بضيق قبل أن يتفوه بالآتي:
"أنتي عندك حق أنا أسف. صدقيني أنا بحاول طول الوقت أني اتجنب الحاجات اللي ممكن تضايقك أو الحاجات الغير مقبولة والغلط بس ده كان رد فعل تلقائي مني لما كلمتك ومردتيش. مش هكرر الموضوع ده تاني وهاخد بالي بعد كده من المسافات."
"بعد كده؟ مفيش بعد كده خلاص ما التدريب هيخلص بقى."
علقت أفنان بنبرة مازحة مشوبه بحزن مخفي ليعلق رحيم على الفور قائلًا:
"لا هيبقى في إن شاء الله ملكيش دعوة أنتي."
"المهم أنت بتقول كلمتني؟ كلمتني أمتى؟"
حاولت أفنان تغير الموضوع ليتنهد وهو مازال يتفحص وجهه بيده قائلًا:
"لسه من كام دقيقة كنت بقولك صباح الخير."
"معلش أنا كنت سرحانة مش مركزة."
"ولا حتى شميتي ريحة ال perfume بتاعتي؟"
سألها وهو يرفع أحدى حاجبيه بإستغراب.
"ما هي دي اللي سطلتني غالبًا."
همست أفنان محدثة نفسها بسخرية لينظر نحوها بتعابير وجه متسائلة لتُردف:
"لا لا مفيش متركزش معايا، يلا روح ألعب بعيد بقى هنرش مياه."
"هترشي مياه ليه؟"
"لا رحيم مش طالبه عالصبح!"
"ماشي يا ستي أنا أسف، اتفضلي عالقاعة بقى."
أومئت بحسنًا وكان هو يتقدمني لكنه توقف حينما صدح صوت رنين هاتفه في المكان. نظر إلى الهاتف طويلًا وقد قضب حاجبيه بالكاد استطاعت أفنان النظر إلى هاتفه والذي أظهر أن المتصل هو رقم خاص أي لا تظهر أرقامه.
"ألو.. ohh Hello 'مرحبًا'."
همس رحيم وجاءه الرد من الجانب الآخر لتتوتر معالم وجهه. يضغط على فكه السفلي بقوة حتى برزت عظام وجهه بينما يحك ذقنه بيمناه ويحمل الهاتف في يسراه. لم تستطع أفنان فهم ما يجري لكنها انتقل إليها شعور رحيم بالتوتر وعدم الراحة.
أقتربت أفنان نحو الأمام قليلًا وهي تسير في طريقها الطبيعي نحو القاعة لكن لا ننكر أنها فعلت ذلك كمحاولة بائسة منها لسماع صوت المتحدث فقط لتعلم إن كان رجل أم امرأة. وبالفعل استطاعت فعل ذلك فلقد سمعت صوت أنثوي رقيق لكنها لم تستطيع تفسير ما يقال. على الفور تغيرت معالم وجهها إلى الإستياء ولم يكن هناك سبب منطقي لذلك.
اتجهت نحو الداخل لتجد ثلاثة تقريبًا فقط يجلسون في الداخل. كانوا ثلاثتهم يتحدثون. وحينما دلفت أفنان نحو الداخل، عم صمت. لم تهتم أفنان كثيرًا بالأمر وذهبت لتجلس في مكان بعيد عنها. فثرثرتهم آخر ما يشغلها في الوقت الحالي.
مر ذلك اليوم ببطء شديد. لم ترى أفنان رحيم مجددًا في ذلك اليوم. فلقد قام نوح بشرح الجزء النظري وشخص آخر تكفل بالجزء العملي. لكن رحيم لم يكن له أثر، مما تسبب في مضاعفة غضب واستياء أفنان. أولًا، يتحدث لفتاة ما في الهاتف ولغة جسده المتوترة والمضطربة تلك كانت توحي بأنها ليست كأي فتاة. ثانيًا، لأنه قرر الاختفاء في يوم من أيامهم الأخيرة سويًا.
في صباح اليوم التالي، استيقظت أفنان على رسالة اعتذار من رحيم عن اختفاءه المفاجئ. لكنها لم تتأثر كثيرًا. فلقد سئمت من اختفاءه ورحيله دون مقدمات ثم العودة والاعتذار. إنها المرة الثالثة أو الرابعة في خلال شهرين منذ أن تعرفت هي ورحيم. لذا قررت أن تجيبه ببرود، لعله يتذوق قليلًا من السوء الذي يشعرها به.
"عادي ولا يهمك، أنا ما أخذتش بالي أصلًا. عالعموم أنا هقفل نت عشان هذاكر للإمتحان.. سلام."
قرأ رحيم الرسالة وهو يتأفف بحنق. لينظر نحوه أنس باستنكار ثم يردف:
"يا ابني هو أنت بتيجي البيت عندي هنا تكتئب وتقرفني؟ حصل إيه غير المكالمة النيلة اللي جاتلك امبارح دي."
"كالعادة أفنان زعلت عشان اختفيت فجأة." شرح رحيم ما حدث بإختصار. لتتسع أعين أنس ويذم شفتيه ثم يسأله بعدم رضا قائلًا:
"أفنان تاني؟ مش دي اللي نفضتلك وخرجت مع نوح؟ هو أنت إيه؟ نو كرامة خالص."
"أيوا صح صح، أنت فكرتني براڤو عليك. قولي بقى يا أنس أنت كنت مع مين لما شوفت أفنان اليوم ده؟"
"كنت مع مين إيه؟ كنت لوحدي طبعًا."
"كنت لوحدك طبعًا... أنت هتصيع عليا يا أنس؟ أنت فاكرني مختوم على قفايا؟" كان عين رحيم تطلق الشرار في تلك اللحظة. وكأن يعرف أنس أنه قد قضي عليه بلا شك، لكنه قرر أن يسخر من حديث رحيم. فهو غاضب على أي حال.
"ألفاظك بقت سوقية جدًا من كتر كلامك مع اللي اسمها أفنان دي."
"يعني مش من كتر القاعدة معاك؟ تؤ تؤ، من كتر كلامي مع أفنان."
"كنت مع مونيكا وأنا ومونيكا بنحب بعض وهنتجوز، أنت سامعني! ومحدش هيقدر يمنعنا!" صاح أنس بنبرة درامية وهو يستقيم من مقعده ويضم يديه لصدره. لينظر نحوه رحيم بسخرية ثم يسأله بخبث:
"هتتجوزوا؟"
"أنا ومونيكا بنحب بعض ومش هنتجوز ومحدش هيقدر يمنعنا."
"أيوا كده اضبط. أنت بتلعب واللعب آخره وحشة وأنا اتكلمت معاك مية مرة وأنت اللي في دماغك في دماغك. متزعلش بقى من اللي هيحصل."
"خليك في حالك، مش هزعل ولا حاجة. المهم ناوي تعمل إيه؟"
"في إيه؟"
"متستهبلش!"
"أنا مش عايز أشغل بالي بأي حاجة ولا أي حد دلوقتي غير أفنان. وبعد التدريب هشوف هعمل إيه."
"ما بلاش يا رحيم."
"بلاش إيه بالضبط؟" سأل رحيم ببلاهة مقصودة. لتتحول نبرة أنس إلى نبرة جادة قليلًا، وهو شيء نادر الحدوث. ناصحًا رحيم بالآتي:
"بلاش موضوع الحب بقى والهيام والجو ده.. آخره وحشة صدقني."
"أفنان مش زي أي حد وموضوع أفنان غير أي موضوع."
"تاني يا ذكي؟ تاني؟ أنت مفيش فايدة فيك؟"
"لما يبقى في فايدة فيك يبقى في فايدة فيا. وسيبني بقى أقعد أكمل شغل عشان بعمل الإمتحان."
"اه صحيح، أنت هتعملهم لجنة مراقبة بقى والهبل ده؟"
"اه طبعًا وهشرف عليهم بنفسي ومعايا الكائن اللي اسمه نوح ده وتلاتة دكاترة كمان." كان يشرب أنس الماء في تلك اللحظة فسعل فجأة حينما سمع ما يقوله رحيم. ثم سأله بإستنكار:
"ليه يا ابني هما جواسيس ولا إيه؟ وبعدين أشمعنا أنا مش هقف معاكوا؟"
"عشان عارفك هتغششهم وأنا عايز كل واحد يحل بمجهوده."
"طبعًا عشان القطة بتاعتك هي اللي تقفل وتاخد المكافأة."
"لا أفنان شاطرة وبتحل بنفسها ومسمهاش قطة يا بني آدم أنت. وبعدين كده كده الإمتحان نماذج." علق رحيم وهو يقذف رحيم بالوسادة التي بجانبه لاستخدامه لفظه 'قطة' إشارة إلى أفنان مجددًا.
"ده ولا امتحانات الثانوية العامة اللي أنت عامله ده!"
في صباح يوم الإختبار، استيقظت أفنان بآلم شديد في الرأس. فهي لم تحظى سوى بثلاث ساعات من النوم تقريبًا لأنها قضت الليل كاملًا في مراجعة واستذكار المعلومات. وقفت أفنان أمام خزانة ملابسها هي وميرال لعشرة دقائق تقريبًا تتأمل ثيابها هي وميرال. لينتهي بها الأمر وهي تذفر بضيق ثم تهمس:
"يووه!"
مش لاقيه حاجة ألبسها.
"خلاص عرفت!" همست بها بسعادة شديدة وقد وجدت ضالتها اخيراً.
"أيه ده الجميل لسه منزلش الشغل." همست بها أفنان فور مغادرتها لحجرتها وقد بدلت ثيابها، وجدت والدها يجلس على طاولة الطعام وقد وضع أمامه طعام الفطور.
"أمك ياستي أصرت أفطر معاكوا قبل ما انزل."
"بألف هنا وشفا يا حبيبي." أردفت بلطف وهي تضم والدها من الخلف ليقطع المشهد اللطيف صوت والدتها وهي تسألها:
"مش هتقعدي تفطري؟"
"لا مستعجلة عندي امتحان وأنتي عارفاني مبعرفش أكل قبل الإمتحان."
"ربنا معاكي يا حبيبتي ويسهلك كل صعب، ركزي كده وقولي بسم الله لما تبدأي إجابة وإن شاء الله ربنا هيكرمك وتطلعي الأولى كمان." علق والدهل لتنظر نحوه أفنان بإمتنان وحب لتقترب منه وتقبّل رأسه وهي تهمس:
"حبيبي يا بابا ربنا يخليك ليا."
"نفسي اسمعك مرة بتقولي حبيبتي يا ماما." تمتمت والدتها وهي تضع صحن الفول المدمس على الطاولة لتتجه نحوها أفنان وتقبّل وجنتها وهي تقول:
"يا ماما يا حبيبتي أنتي حبك جوايا من غير ما أقول."
"لا أنا عايزاكي تسمعيني ياختي."
"من عنيا يا ماما، أنا هنزل بقى عشان متأخرش، دعواتكوا." صاحت أفنان بالكلمات الآتية وهي تأخذ قطعة من الخيار وتأكلها وهي تفتح باب الشقة وتتجه نحو الخارج.
"اه صحيح نوح هيقابلني في نص السكة يوصلني في طريقه للشركة."
"طيب خدي بالك من نفسك."
هرولت أفنان خارج العمارة بعد أن ودعت والديها، مشاعر متضاربة عصفت بها في ذلك الوقت فهي تشعر بالتوتر من الإمتحان، مازالت تشعر ببعض التحسس تجاه التحدث إلى نوح، تخشى فقدان المكافئة المالية والتي بنت عليها الكثير من الأهداف، واخيراً تشعر بقلبها يعتصر لمجرد التفكير في أن رحيم بين ساعة وآخرى سيصبح مجرد ذكرى لطيفة داخل عقلها.
"ذاكرتي كويس ولا هتكسفينا؟"
"عيب عليك يابا على الله أنت بس متكسفناش وتعرف تخلص الماجيستير بتاعك على خير." ردت أفنان الصفعة صفعتين عليه لينظر نحوها بطرف عيناه بغيظ شديد.
"طيب أنا هسيبك بقى وهطلع فوق عشان محتاج اضبط كام حاجة كده في الإدارة وبعدين اروح للي اسمه رحيم ده عشان اشوف الإمتحان."
"قشطة ماشي."
صعدت أفنان إلى الطابق المعتاد وبمجرد أن فعلت أقتحمت أنفها عطر رحيم المميز والذي لا يضع غيره تقريباً، كان يقف بشموخ يرتدي بذلة رسمية سوداء اللون وهو يمسك في يده ظرف باللون الرمادي وقد وضع عليه شعار الشركة واسمها RHEB، أقتربت أفنان من البقعة حيث يقف وفي تلك اللحظة قد غادر الشخص الذي يتحدث إليه رحيم فألتفت هو نحوها ليراها.
ليرى تلك الفتاة التي ظهرت في حياته من اللامكان منذ مدة ليس بطويلة ولكنها استطاعت أن تؤثر عليه بشكل كبير، ابتسم رحيم ابتسامة واسعة وقد لمعت عيناه حينما أدرك أن أفنان ترتدي نفس الثوب الذي ارتدته في أول مرة رأها، لكن ما لم تعرفه هي أن في كل مرة يراها ينبهر بها كأول مرة، ذلك اللون بلون ‘الكافية’ ولون الوشاح الذي يميل إلى الدرجة ذاتها لكن أفتح قليلاً، تلك الحفر في وجنتيها التي تظهر حينما تبتسم وتلك البشرة الشاحبة والحبوب المحمرة التي اتخذت أماكن متفرقة في وجهها لكنها لم تزدها إلى جمالاً في عينيه، فجمالها هو الجمال الحقيقي وهو ألا تكون كاملة في كل شيء كالدمى البلاستيكية، فعيوبها البشرية هي أجمل ما يميزها. أقتربت منه أفنان قليلاً ليسألها بنبرته الهادئة المعتادة:
"مستعدة للإمتحان؟"
"عيب عليك، I was born ready ‘تعبير معناه لقد ولدت مستعدة’. ابتسم رحيم ابتسامة واسعة حينما سمع جملتها تلك فلقد أصبحت طريقتها تشبه خاصته لكن ما لم يدركه هو أنه أيضاً قد تأثر بطريقتها في الحديث.
"أنا واثق فيكي." كانت أفنان قادرة من الناحية الذهنية على إجتياز الإختبار لكن بعد سماعها لتلك الجملة أصبحت قادرة على إجتياز الإختبار، التحليق في السماء ورفع المبنى بأكمله بذراع واحد فقط بعد سماعها لتلك العبارة المشجعة، ابتسمت له أفنان بتوتر وإمتنان وأكتفى هو بإبتسامة جانبية صغيرة قبل أن تتحول تعابير وجهه للجادة وهو يتجه نحو قاعة الإمتحانات ويعود إلى تنظيم أماكن جلوس الطلاب.
لم يطلب رحيم من أفنان الجلوس بالصف الأول بمحض الصدفة بل فعل ذلك عن قصد وهذا لعدة أسباب من أهمها ألا يظن أحد أنه قد أجلسها في المؤخرة كي يتسنى لها الغش أو شيئاً من هذا القبيل، ايضاً حتى لا يشوش عليها أحدهم أو يطلب منها أن تقوم بمساعدته في الحل واخيرًا حتى تكون أمام عيناه مباشرة.
"طيب يا شباب كل واحد هيبقى معاه Model ‘نموذج’ مختلف عن التاني فياريت محدش يحاول ي.. ي.." تلعثم رحيم وهو يحاول أن يتذكر الكلمة التي يقصدها لترفع أفنان رأسها وتنظر نحوه وهي تهمس إليه:
"يغش." كان صوتها منخفضًا فلم يسمعها لكن استطاع أن يقرأ شفتيها.
"زي ما كنت بقول مش عايز حد يحاول يغش أظن كلكوا كنتوا بتحضروا وكلكوا شاطرين أصلًا وهتعرفوا تحلوا الإختبار ده لكن في كل نموذج في سؤالين أو تلاتة هما دول اللي هيميزوا الناس عن بعض وكده كده كلكوا تقريبًا هتاخدوا ال Certificate ‘شهادة’ فا Don’t worry ‘لا تقلقوا’ يعني." أنهى رحيم حديثه ثم أشار للمدربين بجواره بأن يبدأو في توزيع الأوراق ليفعلوا ويفعل هو المثل ويبدأ اولًا بمنح أفنان ورقتها.
"الإمتحان مدته 90 minutes ‘تسعون دقيقة’ Good luck ‘حظاً موفق’ يا شباب." أضاف رحيم حينما انتهى من توزيع الأوراق، تفتح أفنان قلمها وقبل أن تنظر نحو الورقة بدأت تقرأ قصار السور التي حفظتها ثم بسملت قبل أن تبدأ في كتابة بياناتها ثم بدأت تجيب عن الأسئلة واحدًا تلو الآخر.
كان يتابع رحيم تعبيرات وجه أفنان أثناء إجابة الأسئلة، فتارة تنظر إلى السؤال بتعابير وجه متوترة تتحول إلى الفرح حينما تتذكر الإجابة، تارة آخرى تتحدث إلى نفسها أو إلى السؤال، ازدادت مراقبته لها حينما وصلت إلى الثلاثة أسئلة المنشودين وفي تلك اللحظة ازداد تركيز أفنان ووضعت أحدى قدميها فوق الآخرى وبمجرد أن رأى رحيم جلستها ضحك بصوت خافت لكنها استطاعت سماعه لأنه المسافة بينهم قليلة لتنظر نحوه بحده وهي تسأله:
"في حاجة؟" نظر نحوها بتعابير وجه جادة وهو يخفي ضحكته ثم يردف بصرامة:
"مفيش بصي في ورقتك يا دكتورة."
"ماشي يا ابن ال... بكري." همست لكنه استطاع سماعها ليدير وجهه بعيدًا عن أعينها وأعين الطلاب ويضحك بصوت مكتوم.
"أنت يا دكتور! لو بصيت جنبك تاني هسحب ورقتك وهعتبرك ممتحنتش!" صاح نوح الذي أقتحم المكان من اللامكان لينتفض الجميع ثم يلتفتون نحوه، وضع رحيم يده على أذنه كرد فعل تلقائي على الضوضاء التي تسبب فيها نوح.
"أيه ده في أيه؟" سأل رحيم بضيق لينظر نحوه نوح ببرود ثم يقول:
"مفيش يا دكتور رحيم الولد اللي ورا ده كان بيبص في ورقة اللي جنبه."
"طيب ماشي أتعامل مع الموقف براحة." أردف رحيم بنبرة هادئة حتى لا يتسبب في إحراج نوح الذي لم يهتم لمكانة رحيم في الشركة وعلق على حديثه بهجوم قائلاً:
"والله يا دكتور رحيم أنا أدرى." نظر نحوه رحيم بحده وهو يضم قبضة يده فمحم نوح وقد أدرك الخطاء الذي أقترفه لذا عدل من حديثه ونبرته على الفور مضيفًا:
"قصدي بحكم شغلي في الكلية يعني، وعمومًا أنا بعتذر لو شوشت على الدكاترة." لم تتغير تعابير وجه رحيم المتعبة لذا قررت أفنان أن تحاول إلهاء رحيم لذا أشارت إليه وهي تتفوه بالآتي:
"دكتور رحيم ممكن سؤال بعد إذنك؟"
"في حاجة مش واضحة في الورقة؟"
"اه." أجابت أفنان ليقترب رحيم منها ويدنو بالقرب من الورقة وهو ينظر إلى الأسئلة لكنه لم يجد شيئًا مجهول لتهمس هي له على الفور:
"حقك عليا أنا هو نوح عيل غتت أصلًا." ابتسم رحيم ابتسامة جانبية ثم قرأ أحد الأسئلة العشوائية ثم أردف:
"السؤال واضح يا دكتورة، ركزي كده وهتعرفي تجاوبي إن شاء الله."
"سلااامو عليكوا! أيه يا دكاترة الكلام على أيه!" صاح أنس فجاءة وهو يدفع باب قاعة الإمتحان بقوة لتتسع أعين رحيم وهو يصفع وجهه بيده قبل أن يتجه نحو أنس ويسحبه نحو الخارج ثم يدفعه نحو الحائط بعيدًا عن باب القاعة وهو يوبخه بإمتعاض:
"أيه يا حيوان أنت داخل غرزة ولا أيه!"
"أيه ده يا ابن اللذينة أنت عارف الغرزة! أنت اتطورت أوي يا رحيم." تحدث أنس بنبرة غير متزنة تخللتها ضحكات عشوائية متقطعة.
"أنت بتستعبط يا أنس! أنت داخل قاعة الإمتحان بتهزر وازاي بتتكلم كده أصلًا أنت اتجننت ولا أيه!"
"أنا عملت أيه يا أبيه رحيم؟"
"أبيه رحيم! أنس هو أنت...ثواني كده..."
"أنس Are you freaking kidding me!! ‘واللعنة هل تمزح معي’ أنت جاي الشغل شارب!"
"أنا مش شارب يا رحيم!" صاح به أنس ليرد عليه رحيم بنبرة عنيفة موبخة وهو يدفعه بقوة نحو الحائط مجددًا وهو يردف:
"لا متنيل شارب وريحتك باينة!"
أنا مش عارف أنت بتعمل في نفسك كده ليه بجد. ليه يا بني آدم أنت فاهمني؟
في أيه يا رحيم؟ أنت مكبر الموضوع أوي على فكرة!
بس Shut up اخرس تعالى معايا كفاية فضايح. قال رحيم من بين أسنانه وهو يضع يده على فم أنس الذي كان يضحك بهستريا بينما غلفت عيناه طبقة بلورية شفافه. أجل إنه على وشك البكاء. جذبه رحيم من ذراعه حتى نهاية الممر حيث يقبع مكتب رحيم. فتح رحيم الباب ودفع أنس نحو الداخل ثم عاد خطوتين نحو الباب ونظر نحو الخارج ليتأكد من عدم رؤية أحد لما حدث قبل قليل ثم دلف للداخل مجددا ليرى أنس قد تمدد على الأريكة البيضاء دون أن يخلع حذائه.
أنت مش متخيل يا أنس أنا هعمل فيك أيه لما تفوق بجد!
هتعمل أيه؟ سأله أنس بنبرة ساخرة وهو يغمز بأحدى عينيه. ليتقدم رحيم منه ويسحبه من ثيابه بقوة بحيث جعل أنس يعتدل في جلسته وهو يسأله بنبرة جادة:
مالك يا أنس؟ فهمني أيه اللي حصل. حصل أيه وصلك للحالة دي؟ كانت نبرة رحيم أقرب إلى الصياح منها إلى الهادئة ولقد نجحت نبرته تلك في إعادة التركيز ولو بنسبة ضئيلة إلى أنس الذي نظر نحو رحيم بزوج من العيون السوداء المغرورقة بالدموع وهو يفصح أخيرا عن ما حدث متحدثا بنبرة منكسرة أشبه بالهمس:
عايزين يفصلوا الأجهزة عن أروى...
رواية في حي الزمالك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ايمان عادل
"عايزين يفصلوا الأجهزة عن أروى..." أفصح أنس أخيراً عن ما حدث لينظر نحوه رحيم بحاجبين مرفوعين وقد فرق شفتيه بصدمة، عقله لا يكاد يستوعب ما يقوله أنس.
"يعني إيه هيفصلوا عنها الأجهزة؟ على أي أساس هيعملوا حاجة زي كده؟ وأنت؟ أنت هتسيبهم يعملوا كده؟!" سأل رحيم عدة أسئلة متكررة باستنكار، ولأول مرة تقريباً منذ أن أصبح رحيم وأنس رفقة منذ عدة سنوات يكون رحيم هو الشخص المنفعل المتحدث بنبرة غاضبة أقرب إلى الصياح بتلك الطريقة في حين يجلس أنس هادئاً صامتاً منكباً على وجهه.
"أعمل إيه يا رحيم قولي؟ أنت عارفة كويس... محدش بيقدر يوقف قصاده." سأله أنس بنبرة مبحوحة وبقلة حيلة بينما انهمرت المزيد من الدموع لتبلل وجنته وتنحرف بعضها لتبلل شفتيه، بينما نظر نحوه رحيم طويلاً وهو يهز قدميه بقوة واستياء شديد، هو لم يرى صديقه بتلك الحالة من قبل، لم يرى أنس ينهار بتلك الطريقة ولم يرى هذا الكم من التيه في نظرات عينيه.
"مش بإرادته! الحياة والموت دول بإيد ربنا بس!! وأنت مينفعش تسمحله بحاجة زي دي! بطل تبقى سلبي ولو لمرة في حياتك!!" صاح رحيم لينتفض أنس من صوت صراخه ثم يرفع عينيه الدامعة بضعف وكاد أن يفتح فمه ليتحدث لكن الكلمات حُبست كأشواك من الحديد داخل حلقه وانتهى به الأمر بثغر مفتوح وشفاه مرتجفة.
"متبقاش زيي يا أنس، متبقاش إنسان سلبي مش قادر يواجه وياخد قرار، مينفعش تسمح لحد أنه يتحكم فيك ومش بس فيك وفي أروى كمان خاصة في الوضع اللي أحنا فيه ده! أنا طول عمري مش بقدر أخد رد فعل اتجاه مامي وبابي لكن أنت أحسن مني وطول عمرك أشجع مني مينفعش تيجي المرة دي وتخيب! انت لو سكت المرة دي هتفضل ساكت طول العمر وهتفضل عينيك مكسورة ومش قادر تبص لنفسك في المراية وهتكره نفسك يا أنس، ومظنش أروى هتبقى فخورة بيك لو شافتك بالوضع ده!"
أخرج رحيم ما كان يكتمه في صدره منذ فترة في جمل متواصلة دون فاصل، لم يفكر ولو لثانية فيما قاله بل ترك كلامه ينساب بكل يسر لكنه سرعان ما شعر بالندم يعتصر قلبه، لقد كانت كلماته قاسية لكنه لم يقصد أن يزيد من حزن أنس بل يريد أن يجعله يفيق! لكن أنس لم يفعل بل ارتخت تعابير وجهه لثوانٍ قبل أن يرفع قدميه على الأريكة البيضاء مرة أخرى ويضم قدميه إلى صدره بمعنى أصح يتكور على نفسه كطفل صغير خائف ثم يردف بنبرة ضائعة وهو ينظر إلى اللامكان:
"أنا تايه وخايف.. رحيم مينفعش أروى تسيبني وتمشي.. أنا مش هعرف أعيش من غيرها يا رحيم انت سامعني؟ هي الوحيدة اللي كانت بتطبطب عليا وقت زعلي وكانت دايماً بتصالحني.. عارف لما بابا كان بيزعقلي زمان أو يمد ايده عليا كانت دايماً بتقف قصاده، كانت دايماً قوية وبتحارب مش عارف ليه المرة دي استسلمت.. رحيم أروى مش بس أختي.. أروى أختي وأمي وحتة من قلبي لأ، هي قلبي كله وروحي يا رحيم.. محدش بيقدر يعيش من غير روحه."
"هترجع يا حبيبي، هترجع يا أنس وأنت المرة دي اللي هتقف وتدافع عنها.." تفوه رحيم وهو يربت بيده على كتف أنس بخفة وقد شعر بحرقة في عينيه هو أيضاً، ليس من عادة رحيم البكاء لكن حالة أنس تلك تشعره بثقل شديد في قلبه فالطالما اعتبر أنس أخاً له وليس فقط صديقه المقرب بل وأروى كذلك فلقد كانت في مثابة شقيقته خاصة وهم صغار، ساد الصمت لبعض الوقت قبل أن يتحدث رحيم بنبرة لا تخلو من لوم نفسه قائلاً:
"معقول يا أنس شايل كل ده جواك كل الفترة اللي فاتت دي؟ وأنا إزاي غبي وكنت بضغط عليك وانت Already 'بالفعل' مضغوط ومكسور.. حقك عليا.. أنا آسف بجد.."
أردف رحيم وجذب أنس في عناق شديد ليسمح أنس لشهقاته بالخروج دون أن يشعر بالخزي أو الخجل فهو في نهاية المطاف بشر من لحم ودم وليس عليه التظاهر بالتماسك طوال الوقت، فقد حبس دموعه طويلاً متبعاً المقولة الحمقاء: 'مفيش راجل بيعيط/الرجالة مبتعيطش.' وكأنه كرجل أو كذكر يجب أن يكون مجرد من المشاعر، لا يجب عليه أن يشعر بالألم والإنكسار، لا يجب عليه أن يشتكي، لا يجب عليه أن يعبر عن حزنه وأخيراً لا يسمح له بإستخدام حقه الطبيعي الذي منحه الله إياه في التعبير عن ما يؤلمه، يقلقه ويحزنه وهو البكاء.
لكنه الآن يبكي.. يبكي على كل شيء ومن كل شيء.. فقدانه لشقيقته، خوفه من المجهول، شعوره بالضعف وأخيراً مواجهة والده ذلك الرجل عديم الشعور والضمير.
لكن لم تكن تلك الأسباب فقط ما يبكي أنس ويفطر قلبه بل شعوره بأنه شخص سيء.. رحيم محق لو كانت رأته أروى بتلك الهيئة وهذه التصرفات وذلك السلوك الذي اتبعه مؤخراً لنفرت منه ولربما توقفت عن التحدث إليه وكان ليكون ذلك أهون عليه من غيابها الذي استمر لمدة ليست بقصيرة الآن، بعد أن فرغ أنس من بكاءه أو على الأقل هدأ قليلاً نظر نحوه رحيم بجدية بينما يحك ذقنه بيده وهو يردف بنبرة جادة هادئة:
"أنس أحنا لازم نتصرف وبسرعة وأول حاجة هنعملها أننا نبعد أروى تماماً عن أبوك، لازم ننقلها من المستشفى اللي هي فيها، لازم طقم الدكاترة المسؤولين عن حالتها يتغيروا أنا أساساً مش قادر أفهم إزاي لو حالتها فيها أمل في الشفاء الدكاترة هيفصلوا عنها الأجهزة؟ أنا مدرستش ال Law 'القانون' قبل كده بس It's by logic 'لكنه بالمنطق' اللي هيعمله ده جريمة."
"طب.. هنعمل.. إيه؟" سأله أنس بنبرة متقطعة ليتنهد رحيم قبل أن يجيبه قائلاً:
"استني.. I got an idea 'حصلت على فكرة' يومين بالضبط إن شاء الله وهقولك هنعمل إيه، كل اللي طالبه منك أنك تحاول تهدى وحاول تبعد تماماً عن أي نقاش مع أونكل فريد."
"حاضر.." أردف أنس بهدوء وهو يعيد خصلات شعره الطويلة نسبياً التي تبعثرت.
"ومتشربش تاني! لو عرفت أنك شربت تاني مش هيحصل حاجات كويسة! ولا أقولك أنت تيجي تقعد معايا في البيت ملهاش لازمة تقعد لوحدك أصلاً." أردف رحيم بعد أن أعاد التفكير سريعاً، فمكوث أنس بمفرده في هذه الحالة لن يفيده بل سيضره وقد يقدم على أي فعل متهور، كانت جمل رحيم العربية غير مرتبة لدرجة كبيرة ولو كان أنس في وضع آخر لما تردد أن يسخر منه.
"طيب أنا دلوقتي.. مش قادر أسوق بس تعبان ومحتاج أروح.. على الأقل أجيب لبس من البيت.." تحدث أنس بجمل متقطعة ليعلق رحيم على حديثه مردفاً الآتي:
"طيب أستناني هنا عشر دقايق هلم الورق وأشيله في مكتبي هنا وهنمشي على طول، ملهاش لازمة نروح بيتك النهاردة هديك أي pyjamas 'منامة' من عندي لحد الصبح."
"تمام." أعطاه رحيم ابتسامة صغيرة قبل أن يتجه نحو الباب ولكن قبل أن يغادر يناديه أنس وهو يقول:
"رحيم.. أنت أجدع حد قابلته في حياتي." نظر نحوه رحيم بإبتسامة واسعة وحنان بينما بادله أنس نظرات إمتنان وشكر، يتركه رحيم ويذهب نحو القاعة وهو يفكر في كيفية إصلاح الجلبة التي أحدثها أنس قبل قليل، لكنه تذكر على الفور أن نوح كان بالداخل وأنه بالطبع استطاع السيطرة على الوضع سريعاً، ذلك الوغد نوح للمرة الأولى يكن ذو نفع.
دلف رحيم إلى داخل القاعة بهدوئه المعتاد الممزوج بالهيبة لترفع أفنان رأسها تلقائياً وتنظر نحوه، لقد انتهت من حل الإختبار بالفعل لكنها لم تود الرحيل حتى يعود رحيم مجدداً وقد كانت بدأت تشك أنه لن يفعل لكنه فعل في النهاية، ابتسمت نحوه ابتسامة صغيرة لكنه لم يبادلها بل لم يلاحظ من الأساس حيث كان شارداً على غير العادة وكأنه يفكر ثم ذم شفتيه وكأنه مستاء من أمر ما، أشاحت أفنان بنظرها عنه حينما لمحت بطرف عينيها نوح وهو يرمقها بحده يبدو أنها أطالت النظر حتى لاحظت من حولها، كان الصمت يسود في المكان قبل أن يقطعه رحيم قائلاً:
"فاضل 10 minutes 'عشرة دقائق' وهنلم الورق يا دكاترة." تحدث وهو ينظر إلى ساعة يده السوداء الفخمة، انبهرت أفنان كثيراً بساعته حتى أمضت دقيقة كاملة تقريباً تتأملها، إنها تعشق الساعات الرجالية وتجدها ملفتة للغاية.
لاحظ رحيم وعقد حاجبيه وهو ينظر إلى ثيابه وجسده وهو يحاول أن يفهم فيما تحدق تلك الغريبة؟ كان يود رحيم أن يشاكسها لكنه لم يشعر أنه في مزاج لذلك لذا قرر تجاهل الموقف مؤقتاً.
مرت العشرة دقائق سريعاً وطلب رحيم من المدربين الآخرين أن يقوموا بجمع الأوراق وقد طلب منهم أن يفعلوا ذلك من الخلف إلى الأمام بحيث يصبح الشخص الأول في الصف هو آخر شخص تُستلم ورقة الإجابة خاصته، وقد تعمد ذلك لغرضٍ في رأسه.
"سيبوا الورق عالـمكتب هنا يا دكاترة وأنا هاخد ورق الصف ده وأحصلكم." أردف رحيم بنبرة مزيج بين الأمر واللطف وهو يتحدث إلى المدربين، نفذ الجميع بالفعل وحقق رحيم غرضه في أن تكون ورقة أفنان هي آخر ورقة إجابة يستلمها وتكون هي آخر من يغادر القاعة.
"أنت كويس؟" سألته فنمت ابتسامة على ثغره على الفور، لتعقد حاجبيها وهي تسأله بإستنكار:
"أنا قولت حاجة بتضحك؟"
"لا مش قصدي، ابتسمت عشان خدتي بالك أني مش كويس."
"طب قولي حصل حاجة؟" سألت بلهفة لينفي رحيم برأسه ب 'لا' دون أن يجيب إجابة سريعة مما دفعها للتساؤل مجدداً مردفة:
"أنت تعبان طيب؟"
"لا.."
في مشكلة كده بس إن شاء الله هتتحل على طول.
بص مهما كانت المشكلة كبيرة وصعبة لو اتوضيت وصليت ركعتين كده ودعيت ربنا بإيمان تام أنه هيستجيب لدعائك إن شاء الله كل حاجة هتتحل وهتحس أن ذهنك صافي ونفسك مرتاحة.
نصحت أفنان بنبرة لطيفة صادقة ليبتسم رحيم على الفور وهو يفكر في كونها محقة بالفعل، لكن ما جعل ابتسامته تتسع هي أنه للمرة الأولى تقريبًا يتعرض لنصيحة مفيدة كتلك.
نظر نحوها ثم تمتم بالآتي:
حاضر.
صحيح يا رحيم هو الواد أنس كويس؟ شكله مش مضبوط وداخل علينا اللجنة كأنه داخل صالة بيتهم.
علقت أفنان ثم صمتت لثوانٍ قبل أن تتسع عينيها بصدمة وهي تضيف:
داهية لا يكون بيبلبع برشام!!!
صاحت أفنان لينظر نحوها رحيم بصدمة وهو يحاول استيعاب ما تقوله قبل أن ينفجر ضاحكًا متسببًا في صدى صوت في القاعة بضحكاته الرجولية.
نظرت نحوه بحاجب مرفوع وهي تضع إحدى يديها على خصرها باعتراض ثم تردف بحنق:
مظنش قولت حاجة بتضحك للدرجة يا دكتور رحيم.
حاول رحيم التوقف عن الضحك، لكن تعابير وجهها المستاءة جعلته يضحك أكثر.
ثم أمسك بفكه بألم وهو يقول:
حرام عليكي بوقي وجعني من كتر الضحك، إيه برشام ديه يا أفي؟ اسمها برشام أرحميني!
اه هو أنت منهم؟
من مين؟
سألها بعدم فهم لتتنهد قبل أن تقول بتملل:
الناس اللي بتقول برشام مش رشام وضفر مش ضفر وكده.
لا Wait انتظري أنتي بجد بتنطقيها كده مش بتهزري؟
سألها وهو يحاول ألا يضحك مجددًا كي لا يغضبها، بغض النظر أن تعابيراتها الغاضبة تضحكه وتبدو لطيفة للغاية.
وأنا هزر معاك ليه؟ هو أنا أعرفك؟ وبعدين يلا نخرج عشان الناس كلها خرجت وشكلنا هيبقى مش حلو.
ماشي أتفضلي يا أفي هانم قدامي، شكلك أنتي اللي هتطلعي بتاخدي برشام في الآخر.
علق رحيم بسخرية وهو يشير نحو الباب كي تغادر، بينما يقلد نبرتها في الحديث بسخرية.
توقف كلاهما في الممر المؤدي للقاعة، وكانت أفنان في مواجهة رحيم مع مراعاة المسافة بينهم، فرحيم لا يود أن تضربه بواسطة حقيبتها مرة أخرى.
خلينا نتكلم بجد شوية، أنا عارفة أنه شيء صعب عليكي ولكن معلش حاولي. دلوقتي أنا عندي مشكلة فعلًا ومش كويس، أنا بس عايزك تدعيلي. وبما إن النهاردة رسميًا آخر يوم في التدريب، فعايز أقولك أن الفترة دي كانت من أحلى الفترات في حياتي تقريبًا، وأحب أقدم شكر للحرامي اللي كان بيحاول يسرقني عشان عرفني على الدكتورة صاحبة أطول لسان في العالم.
حاول يسرقك؟ اسمها ثبتك.
علقت أفنان بسخرية ليعض رحيم على شفته السفلية بغيظ وهو يغمض عينيه ويمسح بكفه على وجهه بضيق قبل أن يردف بتذمر:
هو ده اللي لفت نظرك في كلامي كله؟ يا شيخة ارحميني، ده أنا لسه شباب وصغير، عايزة تخلصي عليا بدري ليه؟
بهزر معاك بفك الجو كده… مبحبش الوداع، بخاف منه… بترعب من فكرة الخروج من المنطقة الأمان بتاعت ضمان وجود الأشخاص والأشياء، وبخاف أواجه حقيقة أن الفترة خلصت أو أن الشخص مبقاش في حياتي عشان ده شيء مؤلم جدًا.
عندك حق… عشان كده أنا النهاردة هقولك إلى اللقاء مش الوداع.
نظرت نحوه أفنان وقد نمت ابتسامة خجولة صغيرة على ثغرها، ليشاركها الابتسام.
كاد أن يتفوه بالمزيد من الكلمات المعسولة، لكنه سرعان ما تذكر أنس المخمور الشبه نائم في حجرة مكتبه، والذي قد يتضح أمره إن دلف أي أحد إلى مكتب رحيم.
لعن رحيم أسفل أنفاسه، لقد فسد يومه الأخير مع أفنان، لكن لا بأس، هو يعلم كيف سيصلح الأمر.
نوح بيرن عليا… أكيد عايز يوصلني في طريقه.
كان سيبدي رحيم اعتراضه، لكنه وجدها فرصة جيدة لكي ترحل أفنان سريعًا دون أن يتسبب لها في أي حرج بانشغاله عنها.
أكتفى بإيماءة صغيرة لتنظر نحوه أفنان بشك وهي تضيق عينيها.
في حاجة؟
أنت اللي في حاجة؟
سألت أفنان وهي تتحدث من بين أسنانها بغيظ، لتنمو ابتسامة جانبية على ثغر رحيم وهو يقول:
لا لا مفيش… توصلي بالسلامة إن شاء الله.
بس كده؟ أوصل بالسلامة بس؟
لا مش بس… وخلي بالك من نفسك.
طيب يا ابن البكري مع السلامة.
هو إيه موضوع ابن البكري… ابن البكري ده؟ بحسك بتستخدميها كشتيمة.
لا شتيمة ليه؟ هو مش ده لقب عيلتك؟ وبعدين يلا روح شوف إيه وراك وشاغلك أوي كده.
بصقت أفنان كلماتها وهي تبتسم بسخرية قبل أن تستدير وترحل، تاركة رحيم يحدق في موضعها حيث كانت تقف بثغر مفتوح، تلك الفتاة!
مجرد التحدث إليها لبضع دقائق يرهقه إلى درجة كبيرة، فما بال من يقضون معها اليوم بأكمله في المنزل!
اتجهت أفنان نحو المصعد وظلت تحدق في رحيم، وبادله هو النظرات لثوانٍ خاطفة قبل أن يغلق الباب ويشعر بانقباض في قلبه. لا يريدها أن ترحل، لكن ما باليد حيلة، أو على الأقل في الوقت الحالي.
عاد رحيم إلى مكتبه بوجه عابس ليجد أنس قد غفى بالفعل على الأريكة كما توقع رحيم، لذا اتجه نحو الخارج مجددًا ليقابل المساعدة خاصته في وجهه، فيأمرها بالآتي:
"مش عايز أي حد يدخل عليا المكتب وإلغي أي Meeting (اجتماع) أو Appointment (موعد) عندي النهاردة ومفيش أي exceptions (استثناءات)، مفهوم؟"
"مفهوم يا فندم." أجابت الفتاة بنبرة مهذبة، ثم انصرفت.
عاد رحيم أدراجه إلى المكتب. أراد أن يوقظ أنس، لكنه بدا مرهقًا للغاية، فحتى وهو نائم لم ترتخِ تعابير وجهه، وقد تكور على نفسه طفلًا صغيرًا مذعورًا. شعر رحيم بوخزة في قلبه لرؤية الحال الذي وصل إليه صديقه.
أما أفنان، فغادرت الشركة بغيظ شديد. لقد تعمدت أن تخبر رحيم بشأن نوح لترى ردة فعله، لكن على عكس ما توقعت، لقد كانت باردة تمامًا، حتى بدا أمامها أقرب إلى شخصية أولاف من ذلك الفيلم الكرتوني.
اتجهت أفنان نحو سيارة نوح، لتفتح الباب بقوة ثم تدلف للداخل وتغلقه بقوة أكبر، لتتسع أعين نوح وهو يوبخها قائلًا:
"إيه يا حجة، حرام عليكي، أنا لسه مصلح الباب!!"
"هتسكت ولا أنزل أجيب طوبة أدغدغلك بيها أم العربية كلها؟"
"هسكت، وأوعي تفتكري أنه خوف منك، لا!!!" صاح أنس بنبرة درامية.
لتنظر نحوه أفنان بنظرة لا تليق إلا بقاتلة متسلسلة، فيحمحم نوح ثم يعيد صياغة جملته:
"مش خوف منك بس خوف عالعربية بصراحة."
"طب بص قدامك وأتفضل اتحرك بقى."
"شكلك كنتي عشمانة أنه ياخدك بعربيته الآخر موديل ويفسحك، بس طبعًا خلع للأسف." علق نوح بسخرية قاطعًا الصمت.
لتنظر نحوه أفنان بغيظ وتبتلع الغصة التي في حلقها ولا تعلق.
"أنا حذرتك مليون مرة وأنتي مفيش فايدة. ده إنسان حقير ومش سالك. طب أنتي عارفه أنه قافل مكتبه على حد ومش سامح لأي حد يدخل؟ والنهاردة كمان شافوا داخل الشركة مع بنت. كويس أنك لحقتي تلململي شوية من كرامتك قبل ما تمشي النهاردة."
استمر نوح في استفزاز أفنان بلا مبالاة، وقد انتظر ردة فعل منها، لكنها بقيت صامتة. حتى حديثه لتفاجئه بتحريك قدمها فجأة لتضغط على الفرامل بقوة، ولولا أن نوح كان يرتدي حزام الأمان لأصطدم بعجلة القيادة. نزعت أفنان حزام الأمان خاصتها وغادرت السيارة على الفور، في حين أن نوح كان يحاول استيعاب ما فعلته تلك المخبولة للتو.
حينما استوعب نوح ما حدث وتوقف بالسيارة في إحدى الجوانب ليتجنب حدوث حادث، كانت أفنان قد غادرت بالفعل بواسطة سيارة أجرة. لعن نوح أسفل أنفاسه ثم ركل إطار السيارة بواسطة قدمه بغضب، وهو يسأل نفسه ما الذي يميز رحيم لتلك الدرجة التي تجعل أفنان توشك على التسبب في قتلهم لأنه فقط ذم في ذلك اللعين. كان غضب نوح يعميه عن حقيقة أنه يهين أفنان نفسها لا رحيم بحديثه ذلك.
بعد أن هدأ نوح وعاد إلى سيارته، حاول أن يتصل بأفنان، لكنها تجاهلت اتصالاته.
بمجرد أن وصلت أفنان إلى منزلها، أغلقت الهاتف وهرولت إلى غرفتها لتغلقها أيضًا وتبدل ثيابها سريعًا، ثم تحاول أن تحصل على قسط من الراحة وتنام، لعل عقلها يتوقف عن التفكير قليلًا.
بالعودة إلى رحيم، فقد جلس في مكتبه وقد بدأ في تصحيح بعض من أوراق الاختبار. وقد قرر أنه سيفعل ذلك من دون مساعدة من أي شخص، فعلى أي حال هو من قام بعملية الشرح في كثير من الأحيان وهو من وضع الأسئلة كذلك، لذا فهو أدرى بالإجابات النموذجية أكثر من غيره.
كان يرفع عينيه من الورقة ليراقب أنس النائم من حين لآخر. وفجأة فتح أنس عينيه واستقام من نومته بسرعة، ليتضاعف ألم الرأس الذي قد أصابه بالفعل منذ الثانية التي فتح فيها عينيه، وقد أضيف إليه دوار كذلك.
"أنت كويس؟" سأله رحيم وهو يستقيم من مقعده ويقترب من أنس.
لكن أنس لم يجب عن سؤاله وأردف بنبرة متعبة:
"عايز أروح."
"متأكد هتقدر تروح في الحالة دي؟ شكلك تعبان."
"قولتلك كويس!" صاح أنس بحنق وهو يحاول النهوض، لكنه كاد أن يسقط.
لكن رحيم أمسك به على الفور ثم جعله يجلس مجددًا، ثم أردف:
"هخليهم يعملولك فنجان قهوة عشان تفوق شوية عقبال ما أخلي السواق يجيب عربيتي من الجراج."
أومأ أنس بهدوء وهو يدلك رأسه بحركة دائرية بواسطة أصبعيه، لعل ذلك يخفف من ألم رأسه الذي كاد يفتك به.
كان كل شيء على ما يرام وقد تحسنت حالة أنس قليلًا حتى وصل إلى منزل رحيم وصعد إلى حجرته. وبمجرد أن خطى خطوته الأولى، كاد أن يتعثر ويسقط، فهرول رحيم ليمسك به، لكن جسد أنس كان ثقيلًا للغاية بحيث جثى على ركبتيه. وقبل أن يستوعب رحيم ما يحدث، استفرغ أنس على الفور على بساط رحيم بل وعلى رحيم نفسه تقريبًا.
"يعم يخربيت قرفك!!! سايب الأماكن كلها وملقتش غير سجادة أوضتي!!!"
نظر نحوه أنس بوهن وأعين دامعة. ليتنهد رحيم ثم يردف:
"خلاص حقك عليا، متبصليش كده.. يا دادة!!!"
صاح رحيم لتأتي على الفور امرأة تبدو في الخمسين من عمرها، ترتدي ثوبًا باللون الأبيض ووشاحًا باللون ذاته، تدعى بهيام... دادة هيام. تهرول هي حينما ترى أنس الذي ظهر عليه الإعياء بشدة وتحاول مع رحيم أن تساعده على النهوض والذهاب إلى دورة المياه القابعة داخل غرفة رحيم.
"رحيم بيه، أنا هجبله غيار من هدوم حضرتك وأنت ساعده يغير."
"حاضر يا دادة، بس بسرعة Please (من فضلك)."
أومأت المرأة بحنان ثم ذهبت وعادت على الفور وهي تحمل في يدها الثياب، ليأخذها رحيم ثم يستأذنها في إغلاق الباب، ثم يفتحه بعد عشرة دقائق وقد بدل أنس ثيابه وغسل وجهه ورأسه بمياه الصنبور الفاترة. يأخذه رحيم ليجعله يستريح على سريره، ثم يتجه نحو هيام، مربيته، التي تقف بالقرب من الشرفة.
"هو أنس بيه أكل حاجة من الشارع ولا إيه؟" سألت المرأة بقلق.
ليحك رحيم مؤخرة عنقه ثم يجيبها ببساطة:
"لا يا دادة، كان شارب خمرة."
"يا مصيبتي! خمرة!!"
"وطي صوتك يا دادة، مامي وبابي تحت! وبعدين هو عنده ظروف..."
"ظروف إيه يا ابني وبتاع إيه؟ مفيش أي حاجة في الدنيا تخلي الواحد يعصي ربنا ويعمل في نفسه كده! عنده مشكلة ولا حمل تقيل، يصلي ركعتين ويدعي ربنا ولا يطلع صدقة، لكن يروح يسكر ويعربد، ده حرام وعيب وحرام عليه صحته وشبابه!"
باحت المرأة بكل ما يدور داخل عقلها وقلبها بطريقة بسيطة تناسب وضعها، لكن في الوقت ذاته كان حديثها صحيحًا بنسبة مئة بالمئة. ابتسم رحيم وهو ينظر نحوها بحنان، تلك المرأة التي قضى معها رحيم وقتًا طويلًا منذ أن كان طفلًا صغيرًا. لم تتوقف قط عن إدهاشه بوجود حلول لكل المشكلات ووجود ذلك الكم من الحنان تجاه أي شخص تقابله، خاصة وإن كان ذلك الشخص هو أنس، والذي تعتبره في مثابة رحيم عندها أيضًا.
حينما سمع رحيم ما قالته المربية خاصته، تذكر على الفور حديث أفنان في صباح هذا اليوم. فكلاهما نصحه بالصلاة والدعاء كحل لمشكلته، بل وكحل لكل المشكلات بشكل عام. بدا الأمر صائبًا بالنسبة إليه، لذا قرر أن يفعل.
في صباح اليوم التالي، فتح رحيم عينيه ببطء شديد وهو يتأوه بسبب الآلام المتفرقة التي أصابت جسده.
"صباح الخير." جاءه صوت أنس.
فالتفت رحيم النائم على الأريكة نحوه دون أن يستقيم.
"صباح النور. طبعًا صاحي عادي جدًا ولا كأنك عامل كوارث إمبارح!"
"أيه اللي نايمك عالكنبة؟ ما السرير واسع والبيت بيتك يعني.. ثواني كده.. هو ده بيت مين؟ أيه ده هو أحنا مش في بيتي؟!" سأل أنس بدهشة.
ليصفع رحيم جبهته ثم يزفر بحنق قبل أن يقول:
"يا بني هو أنت لسه مفوقتش ولا شربت تاني ولا حكايتك إيه؟ وبعدين ما أنت عارف مبعرفش أنام جنب حد."
"لا فوقت فوقت، أنا بس بحتاج وقت أستوعب أنا مين وفين وأمتى وكده. وبعدين بالنسبة لما تتجوز أيه هتنام عالكنبة برضه؟" سأله أنس متعمدًا استفزازه بجملته تلك.
ليقذفه رحيم بإحدى وسائد الأريكة.
"أولًا مين قال أني هتجوز؟ ثانيًا أنت هتقارن نفسك بمراتي يعني؟!" سأله رحيم وهو يبتسم بسخرية قبل أن يستقيم من نومته غير المريحة على الأريكة وهو يضع يده على مؤخرة عنقه بألم.
"رحيم هو أنا عملت إيه إمبارح ولا قولت إيه أنا مش فاكر نص اليوم أصلًا."
"عملت إيه؟ Don't ask (لا تسأل) بجد لأني عايز أديلك قلمين على وشك."
ازدرد أنس ما في فمه بصعوبة قبل أن يسأل:
"هو أنا عكيت الدنيا أوي كده؟!"
نظر نحوه رحيم بحدة بطرف عينيه، ليحمحم أنس ثم يتمتم:
"شكلي عكيتها أوي.. المهم أحكيلي بقى عشان الفضول مموتني بصراحة."
"لا معملتش أي حاجة، أنت بس دخلت علينا قاعة الإمتحانات وأنت عمال تتهز يمين وشمال مفيش أي اتزان وقعدت تضحك بطريقة غريبة وداخل تزعق وتقول السلام عليكم بس أنت نطقتها بطريقة غريبة يعني."
"بس كده؟"
"هو أنت كنت عايز تعمل أكتر من كده؟ وبعدين خدتك عالمكتب و.."
أتكلمنا شوية وبعدها خدتك وجيت على هنا عشان حضرتك تستفرغ على السجادة بتاعت أوضتي!
"فدايا ألف سجادة أيه يعني!"
"أنس، أنت استفرغت عليا وعلى السجادة."
هنا تجهم وجه أنس قليلا قبل أن يقول بنبرة درامية وهو يمسك بملابسه ويقربها من جسده بفزع:
"أيوا صح.. أنت خدتني وغيرتلي هدومي يا قليل الأدب!"
انفجر رحيم ضاحكًا من طريقة أنس قبل أن يلقي عليه إحدى وسادات السرير فتصطدم بوجهه مباشرة، ثم يأخذ واحدة أخرى ويضرب رحيم بها عدة مرات متتالية بدلًا من إلقائها عليه:
"تعالالي بقى عشان أنا ساكتلك من الصبح وعمال تحدفني بالمخدات!"
"ما أنت اللي بتضايقني."
"خلاص يعم أنا آسف، أيه ده هو أنت جبت ورق الامتحانات؟"
"آه كنت بتسلى فيه امبارح."
"حد خد الدرجة النهائية ولا لسه؟"
"لسه، مع أني علمت نص الورق تقريبًا."
أردف رحيم وهو يعيد خصلات شعره المبعثرة نحو الخلف. كان أنس على وشك أن يعلق على ما قاله لكنه أغمض عينيه بقوة وهو يضغط على رأسه بألم ويقول بصوت خافت:
"أنا محتاج فنجان قهوة."
"هخلي الخادمة تعملك، ارجع ارتاح شوية عالسرير بقى وبطل تجهد نفسك عالفاضي."
أومأ أنس وتوجه رحيم نحو الخارج ليطلب من الخادمة صنع فنجان من القهوة له، ثم عاد إلى الحجرة مجددًا ومازال عقله مشغول بمسألة أروى تلك.
في منزل أفنان، جلست هي تراقب هاتفها في انتظار رسالة اعتذار من رحيم بسبب انشغاله عنها بالأمس، لكنه لم يفعل على غير العادة! أصابها شعور بالغيظ الشديد فجلست تقضم أظافرها وهي تتأمل اللاشيء في حجرتها. وفجأة تذكرت أمر الفتاة التي ذكرها نوح أثناء شجارهم ليزداد غيظها أكثر وتشعر بنيران تملأ صدرها. لقد أعماها الضيق لدرجة أنها لم يخطر على بالها أن أنس هو من كان داخل مكتب رحيم، خاصة وأنها رأته بنفسها في حالته الغريبة تلك، ولم يخطر ببالها أيضًا أن نوح من الممكن أن يكذب فقط لتشويه صورة رحيم في عينيها. وكأن صورته تحتاج إلى التشويه!
"مالك مكشرة ليه؟" سألتها والدتها التي اقتحمت الغرفة لترفع أفنان رأسها نحوها وتردف بعبوس:
"مفيش حاجة، زهقانة."
"أنتي لحقتي تزهقي؟ ده أنتي يا دوبك لسه مخلصة التدريب بتاعك امبارح! تموتي أنتي في اللف والصياعة." أردفت والدتها وهي تقوم بإعادة ترتيب بعض الأشياء في حجرة أفنان وميرال العشوائية.
"طب يا ستي شكرًا."
"إلا قوليلي هو أنتي اتخانقتي مع نوح؟" سألت والدتها لتزفر أفنان بضيق ثم تسأل بنبرة ساخرة:
"هو لحق قالك؟"
"لا، قال لميرال."
"وميرال الفتانة قالتلك!!!" صاحت أفنان وهي تسب ميرال من داخلها.
"لا برضوا سمعتها بتكلمه وقبل ما تقوليلي أني بلمع أوكر يا قليلة الأدب أختك هي اللي كانت فاتحة الـ Speaker." فسرت والدتها لتضحك أفنان بقوة لأن والدتها تعرفها جيدًا. فلقد كانت أفنان على وشك قول تلك الجملة بالفعل.
"بصي يا ماما، المفروض أن أحنا ناس كبيرة ولما تحصل مشكلة بيني أنا ونوح تفضل بينا ميروحش يشتكي للناس كلها زي العيال الصغيرين."
"أنتي عندك حق في دي، بس نوح بيعمل كده عشان أنتي غالية عليه فهو مش بيبقى عايز أنكوا تفضلوا زعلانين من بعض." حاولت والدتها التبرير لتتنهد أفنان، فهي تعلم أن والدتها تحب نوح كثيرًا لذا ستجد له مبررًا. حاولت أفنان أن تشرح وجهة نظرها لوالدتها دون أن تجعل صورة نوح سيئة أمامها.
"ما هو السبب في الزعل اللي بينا يا ماما أصلًا؟ نوح بينسى أنه مجرد ابن خالتي وبس يعني لا ليه حكم عليا ولا ليه يتدخل في تصرفاتي، آخره أوي أنه ينصحني لكن غير كده لا."
"بس أنتي بالنسبة لنوح مش بنت خالته وبس."
"ده ميخصنيش في حاجة، أنا مش هحترم مشاعر هو فارضها عليا!"
"أنا مش عارفة أنتي بتجيبي الكلام الغريب ده منين!"
"العلم حلو برضوا." علقت أفنان بسخرية لتقرصها والدتها من أذنها ثم تردف بغيظ:
"طب ما أحنا متعلمين يا أختي بس الفرق أننا اتربينا، لكن أنتوا جيل مش متربي."
"والله ده ذنبك أنتي مش ذنبي أنا."
"أنتي يا بت أنتي مسحوبة من لسانك؟"
"بصراحة يا ماما اه."
"عوض عليا عوض الصابرين يارب!" دعت والدتها بيأس وهي تغادر الحجرة لتقهقه أفنان ثم تعاود الإمساك بهاتفها لتجده لم يبعث بأي شيء بعد، وكادت أن تلقي هاتفها بعيدًا لكن سرعان ما خطر على بالها فكرة ما وقد فعلت الآتي. قامت بإختيار صورة تجمعها بنوح وحدهم ثم قامت بوضعها كحالة على تطبيق الواتساب، ولكنها عدلت الإعدادات بحيث لا يرى تلك الصورة سوى شخص واحد... رحيم!
انتظرت أفنان بضع دقائق على أحر من جمر قبل أن تعلن نجاح خطتها حينما تضيء شاشة هاتفه برسالة محتواها الآتي:
"بجد يعني! ملقتيش صورة أقبح تحطيها؟"
رواية في حي الزمالك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ايمان عادل
'بجد يعني! ملقتيش صورة Uglier أقبح تحطيها!' أرسل رحيم
تلك الرسالة لأفنان فور رؤيته للحالة التي وضعتها دون أن يفكر
ولو لثانية فلقد أعماه غيظه!
'مالها الصورة دي حلوة جدا وشكلنا فيها حلو.' أرسلت هي الرد
فوراً وحينما قرأ رحيم الرسالة ألقى بالقلم الذي بيده على الأرض
بعصبية لينظر نحوه أنس بريبة ثم يسأله:
"في إيه يسطا عالصبح متعفرت ليه؟"
"بص الإستفزاز!" تفوه رحيم بضيق ليُمسك أنس بالهاتف لتظهر
ابتسامة جانبية على ثغره ثم يقول:
"أنت متعصب ليه؟ متتعصبش لأن هي قاصدة تعصبك."
"اه ما أنا عارف أنها قاصدة تعصبني!"
"طيب ماشي وأما أنت عارف بتتعصب ليه؟ أنا هقولك على
حاجة، أقطع دراعي إن ما كانت لاعبة في ال settings الإعدادات عشان محدش يشوف ال Status الحالة دي غيرك،
فأنت بقى متعومش على عومها ورد ببرود ولا كأنك اتضايقت."
"أعوم إيه دلوقتي! هو ده وقته!" صاح رحيم ليقهقه أنس بقوة
وهو يتمتم:
"أرحمني يارب! بص يا رحيم أنا هقولك ترد عليها بإيه عشان
تغيظها أمين."
"أوكي، بس وريني قبل ما تبعت." أومئ أنس ثم جذب الهاتف
من يد رحيم ليكتب سريعاً ويُرسل الرسالة دون أن يأخذ رأي
رحيم وكان محتوى الرسالة الآتي:
'طيب يا دكتورة عقبال صورتكوا في الكوشة.' نظر نحوه رحيم
وعيناه يتطاير منها الشرار وهو يلكمه في كتفه بخفة بينما يتمتم:
"أنت إيه اللي بعته ده؟ وبعدين مش أحنا قولنا توريني قبل ما
تبعت! ويعني إيه كوشة أصلاً؟"
"أصلاً الكوشة دي يا حبيبي اللي بيقعد فيها العروسة والعريس."
فسر أنس وهو يحاول كتم ضحكاته كي لا يزيد من ضيق رحيم.
أتسعت أعين رحيم حينما أنتهى أنس من تفسيره ليصيح رحيم
بغضب:
"يا نهارك أبيض! وأنت بتدعي أنها تقعد مع نوح في الكوشة؟"
"رحيم بابا ركز معايا! دي جملة ساخرة وأنا واثق أنها هتتغاظ جدا
عشان هتحس أنها مش فارقة معاك."
"أفرض اتضايقت مني ولا عملتلي Block حظر؟"
"يا عم Block حظر مين دي دايبة في دباديبك وبعدين حتى لو
زعلت يبقى بركة في مليون بنت غيرها وأحلى منها."
"مفيش فايدة فيك بجد!" نظر نحوه أنس بتعابير وجه مُرتخية ولم
يُعلق ليحمحم رحيم وهو يحك مؤخرة عنقه. هو لم يقصد الجملة
حرفياً وقد غاب عن باله أن أنس أصبح يتحسس من كل كلمة
تُقال. كاد رحيم أن يُصلح الأمر لكن سبقه رسالة من أفنان جعلته
ينتبه هو وأنس لما أُرسل:
'يا نهار أبيض هي وصلت للكوشة يا ابن البكرى! يعني أنت
عايزني أقعد مع نوح في كوشة واحدة؟ متأكد؟' قرأ رحيم الرسالة
واتسعت ابتسامته ونظر نحو أنس الذي كان يُبادله نظرات فخر
وغرور قبل أن يتمتم رحيم:
"أنت مُبهر بجد! المُهم دلوقتي أنا مش عارف أرد بأيه.."
"استنى أنت بقى شوية." أردف أنس وهو يأخذ الهاتف من رحيم
ويكتب الآتي:
'مش أنتي اللي منزلة صورتك معاه وفرحانه بيها ولا كأنك
متصورة مع مو صلاح.'
"أيه ده أنت بتحب حمحلاح؟ اه طبعاً تلاقيك بتتفرج عليه وهو
بيلعب مع liver pool اسم فريق كرة قدم إنجليزي ما أنا عارفاك
مبتشجعش أي منتج محلي." قهقه أنس بقوة حينما قرأ الرسالة
حتى كاد الهاتف أن يسقط من يده. لكن رحيم أكتفى بإبتسامة
واسعة. لما تظن أفنان أنه يميل دومًا لكل شيء أجنبي؟ هو لم
يفعل أي شيء يدل على ذلك أو هذا ما يظن.
'بقولك أيه يا أفنان سلام دلوقتي عشان بصحح الإمتحان.' أرسل
أنس تلك الرسالة مُتعمداً إثارة غيظ أفنان أكثر وأكثر لينظر نحوه
رحيم بإستنكار وهو يسأله:
"أيه يا بني آدم أنت قلة الذوق دي؟ حد يقول لحد كده!"
"يا عم رحيم هما الحريم بيحبوا كده، وبعدين كمل تصحيح فعلاً
عشان نتنيل نعملهم الحفلة ونخلص من حوار التدريب ده خالص
ونرجع نركز في شغلنا." تحدث أنس بنبرة مُريبة وكأنه تحول فجأة
من شخص ذو مستوى رفيع وذو تعليم جيد إلى تاجر ممنوعات.
"حريم؟ اسمها بنوتات، آنسات، مُدمزلات خلي عندك ذوق ورُقي
كده."
"خليهولك أنت يا أخويا.." علق أنس بسخرية وساد الصمت
لثوانٍ قبل أن ترتخي معالم وجه أنس وهو يستفسر من رحيم
عن الآتي بنبرة هادئة جادة:
"رحيم هو أنا حكيتلك كل حاجة إمبارح صح؟ قصدي يعني عن
أروى وكده.."
"اه.. تقريباً يعني."
"طيب.. هو أحنا هنعمل إيه؟ أنت أكيد مش هتتخلى عني صح؟"
سأله أنس بصوتاً مبحوح وهو يعبث في خصلات شعره بتوتر
لينظر نحوه رحيم بحنان لكنه يُردف بنبرة تميل إلى الحدة:
"أنت عبيط يا أنس؟ هو أنا عمري أتخليت عنك قبل كده؟
متقلقش أنا قولتلك هحل المُشكلة دي."
"خلاص أنا معاك أي كانت أيه خطتك المهم أروى تفضل كويسة،
على أعتبار أنها دلوقتي كويسة.." استقام رحيم من مقعده ليضم
أنس لثوانٍ ثم يفصل العناق وهو يسأله بصوتاً منخفض:
"أنس مش معاك Cigarettes سجائر؟"
"معايا طبعاً، لا وأيه حاجة من اللي قلبك يحبها." قال أنس وهو
يُخرج من جيب بنطاله الجينز الملقي على أرضية الحجرة بإهمال سيجارة ضخمة ومن مظهرها بدا أنها سيجارة محشوة بمخدر ما،
وهو الحشيش غالباً.
"خد دي وإدعيلي، دي بقى ماركة كل البنات بتحبك كل البنات
حلويين."
" يا نهارك أبيض!! ده مامي مش بس هتطردنا من البيت لو
شافت اللي في ايدك ديه، دي احتمال تبلغ عننا وتحبسنا!!!"
"تصدق أنت مش وش نعمة، وبعدين أنت عندك حق Auntie
عمتي/خالتي/طنط إيڤلين ممكن تعملها فعلاً ولا هيفرق معاها..
طب أستنى أنا معايا سجاير فرط."
"سجاير إيه؟ ده Brand ماركة جديد ده ولا إيه؟" سأله رحيم
ببلاهة ليقهقه أنس بقوة فيرمقه رحيم بحنق ليحاول أنس أن
يتوقف عن الضحك وهو يُجيب عن سؤاله مُردفاً:
"رحيم يا حبيبي فرط دي يعني تروح لعمو بتاع الكشك تشتري
منه سيجارة أو اتنين بدل ما تجيب علبة على بعضها يعني."
"أوه، طب وأنت مش معاك فلوس تشتري علبة يعني؟"
"لا معايا بس أصلي كنت بشتري حاجات حلوة وأتبقى كام جنية
فقولت بدل ما يديني بيهم لبان أخد سيجارة." فسر أنس لينظر
نحوه رحيم بثغراً مفتوح وأعين متسائلة ليمسح أنس بيديه على
وجهه بضيق. إن رحيم لا يفهم نصف ما يقوله أنس!
"حقيقي يا أنس الكلام معاك بيرهقني ذهنياً عشان أحاول
أستوعب كمية الحاجات الغريبة اللي بتقولها في جملة واحدة."
"سيبك من الكلام ده.. هو أحنا مش هنفطر ولا إيه؟"
"نفطر؟ أنت عارف الساعة بقت كام؟"
"لا متحسسنيش أننا المغرب يعني ده الشمس طالعه!"
"الساعة بقت واحدة يا أنس وده معناه أن معاد ال lunch الغداء
قرب، فهنستنى بقى."
"هو أنت ليه محسسني أني حاجز في Hotel فندق والأكل
والشرب بمواعيد؟ ده بيتكوا يا ابني ما اللي يجوع ينزل يعمله
سندوتش جبنة وخلاص!"
"لا ما هو أصل الأكل هنا بمواعيد طول ما مامي في مصر.." قال
رحيم بنبرة تحوي في طياتها الإحراج والخجل لينظر نحوه أنس
بإبتسامة ظناً من أنه يمزح لكن تعابير وجه رحيم كانت جادة.
تعجب أنس لأنه لا يتذكر أن والدة رحيم كانت تفعل ذلك في
صغرهم.
"يا كبد أمك يا ابني! يعني يوم ما بتاخد أجازة عشان ترتاح وتنام
وتصحى براحتك بيجوعوك! أتاريني بقول جسمك رياضي ورشيق
ازاي كده." علق أنس بنبرة درامية ساخرة ليضحك رحيم وهو
يقلب عيناه. أنس قادر على تحويل أي حوار من كونه جدي تماماً
إلى مُزحة.
"المهم لحد ما الغداء ما معاده يجي تعالى نكمل تصحيح الورق
ده عشان نخلص."
"ماشي بس لو سمحت صحح بضمير."
"حاضر، أيه ده هو أنت مغطي الأسامي ليه؟" سأل أنس وهو
يعبث في الأوراق الموضوعة أمام رحيم.
"عشان أكون Fair عادل في التصحيح."
"قصدك عشان لما توقع في إيدك ورقة القطة متديهاش درجة
أزيد يعني عشان ضميرك وكده." تحدث أنس وهو يغمز بإحدي
عينيه وكاد رحيم أن يُجادله لكنه قرر أن يوفر طاقته. زفر رحيم
بنفاذ صبر ثم علق قائلاً:
"اه يا أنس."
مرت نصف ساعة تقريباً على كليهما وهم يُجريان عملية تصحيح
للإختبار. كان الصمت سائد فيما عدا صوت أغنية تابعة للفلكلور
الإنجليزي ليذم أنس شفتيه ويتمتم:
"ما تغيرلنا يا عم أنت القرف اللي أنت مشغله ده."
قرف؟ بقى الرُقي ده يتقال عليه قرف؟ ركز في اللي في إيدك يا
أنس و Shut your mouth أغلق فمك.
"أيه ده يا ساتر يارب!"
"في إيه؟"
"حد خطة وحش جدا!"
"ده بيكتب برجله ده ولا إيه!" سخر أنس وهو يقوم بقراءة الإجابات بصعوبة. ولسبب ما شعر أن تلك الورقة تخص أفنان.
"متتريقش على حد عشان كده عيب."
"لا خط وحش أوي بجد صدقني، بس هو حالل صح أو حالة يعني. معرفش نوع الكائن صاحب الورقة."
"طب كمل تصحيح وخلص عشان مامي هتبعتلنا الـ Maid (الخادمة) كمان ربع ساعة بالضبط عشان ميعاد الغداء."
"رحيم بيه مدام إيڤلين بتقول لحضرتك أن الغداء جاهز."
"تمام، أتفضلي أنتي."
"ما شاء الله القمر دي Maid (خدامة)! الدنيا دي غريبة جدًا."
"حتى الـ Maid اللي عندنا مش سايبها في حالها! أرحمني يا أنس. بقولك أيه مش عايز فضايح قدام مامي وبابي. ده أنا إمبارح دخلتك أوضتي كأني بهرب ممنوعات عشان محدش فيهم يشوفك!"
"عيب عليك يا معلم، هي دي أول مرة أقعد معاهم يعني؟"
"ربنا يستر.." همس رحيم وهو يعيد خصلات شعره نحو الخلف ويفكر في أنه خصلات شعره قد استطالت بشدة وعليه أن يقوم بقصها.
توجه كلاهما نحو الطابق السفلي ليجدوا والد ووالدة رحيم يجلسون على طاولة الطعام داخل حجرة الطعام بالفعل. ترتدي والدته ثياب فخمة وقد قامت بإعادة خصلات شعرها الشقراء نحو الخلف بإحكام وترتدي في يديها حلي من الألماس. وكان والده يرتدي بذلة رسمية. كان من الواضح أنهم متوجهين إلى مكان ما.
"مساء الخير." أردف رحيم وهو يتجه نحو والدته ويقبل يدها ومن ثم يذهب لوالده ويفعل المثل. بينما اكتفى الإثنين بمنحه ابتسامة متكلفة. كان أنس يقف خلفه ثم تقدم من والدة رحيم لينحني لها ويقبل يدها بلطف وهو يتمتم:
"مساء الخير Auntie (طنط/خالتي). معقول هيكون ليا الشرف أتغدى مع حد بالجمال والأناقة دي؟" كان أنس يدري تمامًا كيف يتعامل مع والدة رحيم. فبكلماته البسيطة تلك استطاع جعلها تضحك بخجل وهي تردف:
"أنس حبيبي Thank you (شكرًا لك). أتمنى رحيم يتعلم منك اللطف ده." ابتسم أنس ابتسامة جانبية وهو ينظر نحو رحيم بطرف عيناه بينما ذم رحيم شفتيه.
"ده أنا متعلم الكلام ده من رحيم. Uncle (عمو) حامد حضرتك وحشتني جدًا." أردف أنس وهو يقبل رأس والد رحيم الذي همس في أذنه بصوت منخفض:
"طول عمرك بكاش يا ولد. ياريت تبقى تقول لصاحبك يعمل زيك."
"والله يا أونكل هو صاحبي شكله مش طايقنا كلنا."
تفوه أنس بسخرية حينما رأى تعابير وجه رحيم المستاءة. بعد خمسة دقائق كانوا يجلسون جميعًا ويتناولون الطعام في صمت تام فيما عدا صوت الأشواك والملاعق الخافت. لكن الصمت لم يدم حيث قطعته والدة رحيم وهي تقول:
"أنس رحيم حكالك عن الـ Bride (عروس) اللي أنا جبتهاله؟ بنت من عائلة كبيرة وجمالها أوربي وشاركت في تربيتها لكن صاحبك Refused to travel and met her (رفض أن يسافر ويقابلها)."
"في الواقع رحيم حكالي فعلًا. هو مش معترض على الجواز ولا العروسة إطلاقًا. هو بس.. مشغول بالشركة يعني والتدريبات وكده.." حاول أنس أن يخرج صديقه من الموقف الحرج الذي وضع فيه عن طريق استخدام موهبته في إدارة النقاش. فهو بارع في ذلك بغض النظر عن أن حديثه ساخر في معظم الأوقات.
"كل ده Important but it's not more important than settling down and making a family (إن ذلك مهم ولكن ليس أهم من الإستقرار وتكوين عائلة)."
"أنا مع حضرتك. بس لازم رحيم يكون مؤهل نفسيًا أنه يدخل في علاقة ويكون بيت. الموضوع مش بس محتاج أنه يكون مستقل ماديًا. وأنا من وجهه نظري المتواضعة جدًا طبعًا شايف أن رحيم لسه مش مستعد. بالتأكيد هو مش قاصده يضايق حضرتك."
"كل مرة بتبهرني بتفكيرك الناضج ومهاراتك في الإقناع يا أنس."
أردفت والدة رحيم وهي تنظر نحو أنس برضا تام. بينما نظر رحيم نحو أنس بنظرة وهو يسأل بداخله: 'مين ده؟'. بينما حاول أنس ألا يضحك كي لا يفسد الصورة الجادة المتزنة التي رسمها بإتقان أمام والدة رحيم.
"شكرًا Auntie. بتعلم من حضرتك ومن Uncle حامد."
انتهى الغداء على خير وعاد أنس ورحيم إلى الطابق العلوي. بينما غادر والديه لحضور إجتماع في بيت أحد العائلات الكبيرة دون أن يطلعوا رحيم على المزيد من التفاصيل. وهو لم يهتم كثيرًا.
"أنس أنا كده خلصت الورق كله. ورتبته بترتيب الدرجات ناقص بس أشيل الـ Sticker (الملصق) عشان أعرف مين صاحب الورقة اللي قفلت. اه معلش يا أنس أبعتلهم مسدچ باللي هقولهولك ماشي؟"
"ومتبعتش أنت ليه؟"
"عشان مش عايز أبان Online."
"ماشي يا أخويا."
"مساء الخير يا شباب. دكتور رحيم انتهى من التصحيح وقرر أنه هيعملكوا حفلة بمناسبة اجتيازكوا للتدريب والإختبار. الحفلة هتكون في الشركة وفي القاعة اللي متعودين نشرح فيها. الحفلة هتكون بعد بكرة الساعة 3."
قرأت أفنان الرسالة بمزيج من الحماس والتوتر. ستكون تلك المرة الأخيرة رسميًا التي ستقابل فيها رحيم. وفي الوقت ذاته تشعر بالتوتر حيال أمر الجائزة النقدية. فإن لم تفز هي بها ستتدمر أحلامها التي أخذت تبنيها في الأسابيع الماضية.
"ميرال بقولك أيه؟"
"همم؟"
"مش عارفة ألبس أيه في الحفلة."
"ماشي."
"ماشي؟ ماشي أيه؟ أنتي سامعة أنا بقول أيه أصلًا؟" لم ترد ميرال لتنهض أفنان بغضب وتسحب الهاتف من يد ميرال وهو تردف بغضب:
"اه طبعًا لازم مترديش عليا، ما أهو أنتي مشغولة بنوح بيه!"
"معلش هو كان بيكلمني في حاجة مهمة فكنت مركزة في التليفون."
"طيب خليه ينفعك بقى."
"طب أنتي كنتي عايزة أيه؟"
"مش عايزه من وشك حاجة." صاحت أفنان وهي تلقي الهاتف على السرير وتغادر الحجرة بغضب طفولي. لحقت بها ميرال وهي تنادي عليها لكن أفنان تجاهلتها وأخذت إسدال الصلاة وأرتدته ودلفت إلى داخل الشرفة. أمسكت أفنان بهاتفها وقامت بمراسلة مريم وقد بعثت لها الآتي:
'مريوم بقولك أيه عندي حفلة عشان التدريب اللي كنت بروحه خلص ومش عارفة ألبس أيه ونظرًا لأنك عارفة لبسي كله انا وميرال فإقترحي عليا حاجة.'
'ألبسي الفستان الأسود أو ألبسي البنطلون البوفريند الفاتح وعليه الكارديجان الكشمير.'
'لا مليش مزاج. أقترحي حاجة تانية.'
'طب بصي أنا جبت فستان جديد لونه كحلي أيه رأيك تعدي عليا تاخديه؟ أو ممكن ابعتهولك مع نوح.'
'طب صوريه كده.'
'ها أبعته؟'
'حلو أوي ثانك يو يا مريوم بجد. أبعتيلي معاه طرحة وبندانة بقى.'
'مش عايزة DVD؟'
'لا شكرًا. هضطر بقى أشوف جزمة عندي لأن مقاسك أصغر مني.'
'تمام هتصحي تلاقيهم عندك إن شاء الله.'
أغلقت أفنان هاتفها وعادت إلى غرفتها لتجد ميرال تقترب منها ولكن أفنان تتمددت على السرير وأخفت كامل جسدها بواسطة الغطاء.
"خلاص بقى متزعليش أنا أسفة." لم ترد أفنان لذا أنقضت عليها ميرال وهي تزيح الغطاء وتقوم بدغدغة أفنان بعشوائية لتقهقه الأخرى بقوة وهي تقول:
"خلاص مش زعلانة أبعدي بقى!!!"
وبعدين هو مش أنتي المفروض عندك شغل؟ منزلتيش النهاردة ليه؟
أنتي لسه واخده بالك؟ وبعدين ما أنا قولتلك أن الجمعة بس أجازة أساسي واليوم التاني مش ثابت.
ماشي ياختي. وعلى فكرة بقى أنا خلاص أصلًا سألت مريم عاللي أنا عايزاه. قالت أفنان متعمدة إثارة غيظ ميرال ليستمر الجدل بينهم لعدة دقائق والذي انتهى بدخول والدتهم الغرفة لتقوم بتوبيخ كلتاهما.
مر اليومان سريعًا حتى جاء يوم الحفلة خاصة أفنان وقد أرسل لها نوح الثياب وأعطاها لوالدتها حيث رفضت أفنان أن تغادر حجرتها وتقابله. أرتدت أفنان الثوب ذو اللون الأزرق الداكن 'كحلي' والذي لم يحمل أي نقوش سوى حزام صغير حول الوسط. ارتدت أفنان وشاح باللون السماوي الفاتح 'Baby blue' يحوي نقوشًا بدرجات مختلفة من اللون الأزرق. لم تكن أفنان بارعة في وضع مساحيق التجميل حيث لم يكن والدها يسمح لهم بوضعها سوى في المناسبات فقط لذا أكتفت بالكحل الأسود في عينيها وأحمر شفاه باللون الوردي. نظرت إلى إنعكاسها في المرآة لقد بدت جميلة في ذلك الثوب بل ملائكية لكنها لم تشعر كذلك، فقد أعماها شعورها بالتوتر.
غادرت أفنان حجرتها وهي تبحث داخل 'الجزامة' على حذاءها الذي لونه مماثل للون الوشاح ليقاطع ما تفعله والدها وهو يردف:
بسم الله ما شاء الله. أيه الجمال ده كله يا حبيبة بابا؟ شكلك عروسة الله أكبر.
التفتت أفنان لتواجه والدها الذي كان ينظر نحوها بعيون تشع حنانًا وحبًا. تقترب منه لتضمه بلطف ثم تقول:
ربنا يخليك يا حبيبي. وبعدين عروسة أيه بس يا بابا وده مين مجنون هيرضى يتجوزني.
أنهت حديثها بسخرية وهي تضحك ليشاركها والدها الضحك ثم يعلق بنبرة تجمع بين الجدية والمزاح قائلًا:
وهو حد يطول يتجوزك أصلًا؟ وبعدين يا حبيبتي كل فولة وليها كيال.. أكيد هتلاقي الشخص اللي يحب جنانك وعفويتك وشخصيتك كلها على بعضها.
حينما سمعت أفنان حديث والدها لم يخطر ببالها سوى شخص واحد.. رحيم! فهو الشخص الوحيد تقريبًا الذي يتقبل شخصيتها الحادة وتقلباتها المزاجية بل ويحب طريقة حديثها الساخرة والألفاظ التي تستخدمها. هو الوحيد الذي لا ينتقدها بإستمرار. اتسعت ابتسامتها حينما تجمعت تلك الأفكار في رأسها لينظر نحوها والدها بنظرة ذات مغزى وهو يسألها:
أيه ده سر الإبتسامة دي؟ هو في حاجة أنا معرفهاش ولا أيه؟
هاه؟ في الواقع.. هحكيلك لما أرجع يا حج عشان اتأخرت ولسه الطريق طويل.
حاولت أفنان الهرب من الإجابة على سؤاله وفي الوقت ذاته هي قد تأخرت على الحفلة بالفعل فلقد كانت الساعة تقترب من الثانية والربع وهي لم تغادر المنزل بعد.
جلست أفنان طوال الطريق في توتر شديد وتحاول جاهدة ألا تقضم أظافرها حتى لا تفسد مظهرها. شعرت بآلم شديد في المعدة جراء شعورها بالتوتر ليزداد وضعها سوءًا. نظرت إلى هاتفها لتجد أن الساعة أصبحت الثالثة إلا عشرة دقائق وهي لم تصل بعد. دق هاتفها لتتحمس وتنظر إليه لكن سرعان ما تعبس مجددًا حينما ترى أن المتصل هو نوح وليس رحيم. بعد عناء شديد وصلت أفنان إلى الشركة لتهرول نحو الطابق المنشود دون انتظار المصعد. يصدح صوت هاتفها في المكان فتجيب دون النظر إلى اسم المتصل فيأتيها صوت رجولي ثقيل من الجانب الآخر مردفًا:
أفي.. أنتي فين؟
سأل المتصل والذي كان رحيم لكنه لم يتلقى إجابة. أخذ يتجول بعيناه في المكان قبل أن يلتفت نحو الخلف حينما لمحها بطرف عيناه. آخر شخصًا يحضر الحفل. تسير بطلتها البهية وابتسامتها المتوترة. تسير بخطوات متجانسة كعارضة أزياء متمكنة. يدها ترتجف بوضوح وعيناها ترمش بقوة. تبطئ من خطواتها كلما أقتربت من رحيم الذي وقف وهو يضع إحدى يديه داخل جيب بنطال بذلته الرسمية الكحلية وبالأخري يحك ذقنه.
كانت تتأمله هي على استحياء حيث أن عينيه لم تتحرك بعيدًا عنها. استطاعت أن تلاحظ بسهولة أنه يرتدي ساعة يد فاخمة جديدة. رائحة عطره لم تتغير. لقد هذب لحيته وشعره بدا أقصر قليلًا من المعتاد. كان يرتدي بذلة رسمية فاخرة كالمعتاد لكن ما لفت انتباهها هو أن بذلته بنفس لون ثوبها فبدى الأمر وكأنهم فعلوا ذلك عن قصد كي يبدوان متماثلان. أقترب هو بضع خطوات نحوها هذه المرة وهو يردف بصوته الرجولي المبحوح:
ينفع التأخير ده؟ الساعة بقت تلاتة وربع.
أنا أسفة أصل الطريق...
حاولت التفسير لكن شعورها بالتوتر ونظر رحيم إليها جعلها تفقد القدرة على تجميع الكلمات. رفع رحيم عينيه لتقابل خاصتها وهو يتفوه بنبرة صوته المميزة بكلمات الغزل الآتية:
أنا مقدر طبعًا أن ال Princess 'الأميرة' هي آخر حد بيوصل بس أنا قلقت عليكي جدًا وأنتي مكنتيش بتردي عليا.
برنسيسة حتة واحدة؟ الله يكرم أصلك والله.
أردفت بتلعثم ليضحك رحيم حتى تغلق عيناه وتظهر أسنانه اللامعة وتذوب هي مع ضحكته تلك. كيف لشخصًا أن يجمع بين الجاذبية واللطف في آن واحد؟
طبعًا Princess 'أميرة' ومحدش يقدر يقول غير كده. ال Dress 'الفستان' لايق عليكي جدًا.
ربنا يخليك والله ده أنا استلفته من البت مريم بس أول لابسة متقلقش.
نظر نحوها رحيم وهو يعقد حاجبيه في حيرة لتضحك هي بإحراج وتحمحم ثم تهمس محدثة نفسها بالآتي:
الظاهر أني عكيت الدنيا..
مكنش المفروض أقول كده ولا إيه؟
هو أنا مش فاهم حاجة بس مين مريم؟
أخت نوح.
تبدلت تعابير وجه رحيم فور سماعه لإسم نوح، زم شفتيه وعقد حاجبيه لأنظر نحوه بإبتسامة ساخرة وأنا أقول:
في حاجة يا رحيم؟ بتبصلي كده ليه وكأن في حبهان تحت ضرسك.
بغض النظر أني مش فاهم، بس هو لازم كل حاجة بتعمليها في حياتك يكون ليها علاقة بنوح؟ يعني لازم اسم نوح يجي على لسانك كل ما تفتحي بوقك.
صاح رحيم في بداية جملته لكنه سرعان ما أدرك أن أحدهم قد يسمعهم لذا خفض من نبرته وتحدث من بين أسنانه.
أيه ده أنت مالك قلبت جد كده ليه؟ يسطا ده ابن خالتي ومتربين سوا ما طبيعي أجيب سيرته كتير.
طب يعني عالأقل حاولي وتعالي على نفسك معلشي ومتعمليش كده قدامي.
حاول رحيم أن يطلب منها ذلك بهدوء محاولا عدم إظهار غيظه الشديد فهو لا يدري لما يشعر بلهيب في صدره كلما نطقت أفنان حروف اسم نوح. كان ينتظر منها أن تجادله كالعادة لكنها لم تفعل بل أكتفت بالتفوه بكلمة واحدة:
حاضر.
أيه ده خلاص كده؟
اه أومال حضرتك فاكر إيه؟
تفوهت بإقتباس من أحدى الأفلام الكوميدية لينظر نحوها بإبتسامة جانبية وهو ينظر نحوها بمكر وهو يسألها:
يعني مش هتكملي جدال ونتخانق ونفرج الشركة كلها علينا؟
لا، النهاردة آخر يوم بقى فعيب نعمل كده.
صح..
يلا يا عم الحبيب خلونا نخلص بقى!
قاطع حديثهم اللطيف ظهور أنس من اللامكان لينظر كلاهما له بإزدراء ثم يشير له رحيم بيده بأن يرحل.
طيب تعالي ندخل وبعدها نكمل كلام براحتنا تمام.
أومئت أفنان ب 'نعم' ثم تقدمت رحيم في الدخول إلى القاعة. كان المكان مزين بالبالونات باللوني الأبيض والأزرق وقد زينت المقاعد بشرائط بذات اللونين. كانت الأجواء لطيفة للغاية.
ذهبت لتجلس في منتصف الصف الثالث وكان رحيم يتابعها بعينه ليتأكد أنها تجلس في مكان مريح.
وفي تلك الأثناء جاء نوح وهو يلهث نتيجة ركضه لأنه تأخر للمرة الأولى في حياته تقريبًا.
بمجرد أن لمحه رحيم وجه نظره نحو أفنان التي نظرت نحو نوح بخبث. ابتسم رحيم ابتسامة جانبية وقرر الإنتقام من أجل أفنان وباقي الطلاب سواء في التدريب أو في الكلية.
دكتور نوح حضرتك متأخر نصف ساعة وخمس دقايق و 24 seconds 'أربعة وعشرون ثانية'.
أردف رحيم وهو ينظر في ساعته ثم يرفع رأسه ببرود ليرى وجه نوح الذي أشتعل غيظًا.
ساد الصمت لبْرهة قبل أن يعتذر نوح بإمتعاض مردفًا:
أنا أسف يا دكتور رحيم، العربية عطلت.
ولو أنه مش عذر لكن نظرًا لأنها أول مرة فتقدر تتفضل.
رمق نوح رحيم بنظره أخيرة قبل أن يذهب ليقف إلى جانب سائر المدربين.
طيب يا شباب النهاردة أحنا اتجمعنا احتفالًا بإن التدريب خلص وأن نتيجة الإمتحان ظهرت بقى وعرفنا مين الأول على التدريب وكمان عشان تاخدوا ال Material 'المواد/المحتوى' بتاعت التدريب. بس هو للأسف في مشكلة في ال System 'النظام' فالشهادات هتتأخر شوية. عمومًا يا شباب أحنا عايزين نقول Thank you 'شكرًا لكم' ليكوا كلكوا على المجهود اللي عملتوه وإلتزامكوا بالتدريب الفترة اللي فاتت وحقيقي الشركة نورت بيكوا.
تحدث رحيم وأنهى حديثه بجمل لطيفة من أجل المتدربين ليصفق له الجميع والفتيات بصورة خاصة لتتسع ابتسامته وهو يضع يده على صدره كتعبير عن شكره وإمتنانه لهم.
طيب دلوقتي هنقول مين الشخص اللي قفل أو قفلت اللي هياخد الجايزة اللي اتفقنا عليها. Are you guys ready؟ 'هل أنتم مستعدين'.
سأل رحيم ليشعل أجواء الحماس والتوتر في الجميع. كان الكل ينظر نحوه بفضول شديد لكنه لم يتحدث مباشرة ليقترب منه أنس في أذنه ويهمس ساخرًا:
اخلص هي نتيجة ملكة جمال!!
طيب اللي جاب ال Full mark 'العلامة النهائية' هي: دكتورة أفنان أحمد.
أعلن رحيم لتتوجه جميع الأنظار نحو أفنان. بعضها نظرات حقد، بعضها كان ابتسامة صغيرة لأنهم استطاعوا تخمين أنه من ستجتاز الإختبار بجدارة وبعضها كان مستهزئًا. أما عن أفنان فعلقها قد توقف تمامًا من الصدمة والسعادة فبقدر ما كانت تتمنى حدوث ذلك إلا أنها كانت واثقة من عدم تحققه لكن القدر أنصفها هذه المرة.
أتفضلي يا دكتورة هنا من فضلك.
أشار لها رحيم لتجفل أفنان لثوانٍ قبل أن تستقيم من مقعدها بأرجل مرْتَجِفَة وبمجرد أن خطت أول خطوة كادت أن تسقط لولا أن هناك فتاة لطيفة أمسكت بها. صعدت البضع درجات كي تكون في مستوى رحيم وإلى جانبه. مد رحيم يديه ليحييها لكنها نظرت بإحراج نحو يده قبل أن يدرك ما يحدث ويعتذر بآدب قائلًا:
أسف نسيت..
منحته أفنان ابتسامة صغيرة وهي تتمتم:
لا ولا يهمك.
لقد أسعدها كثيرًا إستيعابه بأنه من المفترض ألا يلمسها على الإطلاق كما أسعدها ايضًا أنه لم يشعر بالحرج بل أصلح الأمر سريعًا كي لا تشعر هي بذلك. ياله من شخص نبيل! هذا ما حدثت به أفنان نفسها.
أتفضلي ديه الهدية ودي Certificate 'شهادة' غير اللي هتاخديها عشان خلصتي التدريب. دي واحدة تانية عشان الشطارة يعني.
تفوق اسمها.
عدلت على حديثه بصوتها خافت ليْحمحم هو ثم يردف:
عشان التفوق. اتفضلي يا دكتورة أفنان.
شكرًا جدًا لحضرتك..
أردفت بتلعثم وهي تنظر نحوه بإمتنان شديد ليْبادلها هو بنظرات حنونة بينما يُسلمها ظرفًا بلون القهوة يُشبه الرسائل التي كانت تُرسل بين العاشقين قديمًا. كان الظرف يحوي بداخله الجائزة المالية وقد كُتب عليه من الخارج اسم أفنان باللغة الإنجليزية بخط يد مبهر. استلمت أفنان الظرف من يد رحيم للتلامس أيديهم عن طريق الخطأ فترتجف يدها الباردة حينما تُلامس خاصته الدافئة. يبتعد رحيم لثوانٍ ويعود وهو يُسلمها الشهادة التي تحمل اسمها.
دكتور نوح معلش ممكن تصورنا؟
تعمد رحيم طلب ذلك الطلب من نوح لإثارة غيظه والذي لم يكن في مقدوره فعل أي شيء سوى تنفيذ ما طلبه رحيم. ألتقط نوح بضع صور لهم حيث كانت أفنان تقف مبتسمة بخجل وفي يدها الظرف والشهادة بينما وقف رحيم على مسافة منها وقد زين ثغره ابتسامة واسعة. وفي الوقت ذاته كان يلتقط مصور الشركة بضع صور لهم بواسطة الكاميرا الفوتوغرافية.
في تلك اللحظة شعرت أفنان بأن المكان كله لا يسعها من شدة سعادتها. شعرت بأن قدمها لا تمس الأرض بل أنها تُحلق في المكان. مزيج من الشعور بالإنتصار، الفخر، التوتر، السعادة واخيرًا الدفء.. وجود رحيم إلى جانبها، نظراته الخاطفة لها وكلماته التي يتفوه بها، اهتمامه بالتفاصيل الصغيرة، وحرصه على إحترام فكرها وأسلوب نشأتها كل ذلك يُشعر قلبها بالدفء وكأنها قضت العشرون سنة الماضية في شتاء بارد قارص لا ينتهي. حتى.. حتى ظهر هو من اللامكان في زقاق جانبي مظلم في حي الزمالك حيث بدأ كل شيء...
رواية في حي الزمالك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ايمان عادل
بعد انتهاء المصور من التقاط بضع صور لأفنان ورحيم، ولأفنان مع باقي المدربين، أخبرها رحيم أنه يمكنها الذهاب إلى أحد جوانب القاعة كي يلتقط لها المصور بضع صور بمفردها. أومأت هي بسعادة وهي تهبط من الدرجات، بينما يتأملها هو في صمت.
"طيب يا شباب، أنا هروح أظبط حاجة في المكتب بسرعة وهرجع تاني، محدش يمشي عشان لسه في كام حاجة هنعملها قبل ما تمشوا." أردف رحيم، ثم دنى من أنس وهو يهمس في أذنه:
"خلي بالك على أفنان لحد أما أجي، وبالذات من اللي اسمه نوح ده."
"ماشي يا عم الحبيب." رمقه رحيم بإزدراء قبل أن يذهب إلى مكتبه، تاركًا القاعة وتاركًا أفنان تلتقط بعض الصور.
أما عن أفنان، فكانت تبتسم بخجل في معظم الصور، وهذا عكس طبيعتها. لكن شعورها بأنها محط أنظار الجميع، وأن هناك مصور أخذ الأمر من رحيم بأن يقوم بتصويرها هي خصيصًا، كان أمرًا موترًا، لكن ذلك لا ينفي كونه شعورًا جميلًا في الوقت ذاته. كانت الأمور مستقرة تمامًا في تلك اللحظة، لكن كالمعتاد، لا شيء يسير بطريقة جيدة إلى النهاية. فقد تبدل الأمر تمامًا حينما اخترق أذن أفنان صوت فتاة ما تتردف:
"أكيد كسبها شفقة، أنتوا مش شايفين منظرها عامل إزاي؟"
"فعلًا عندك حق، أنتي مش شايفة Style 'أسلوب' لبسها ولا طريقة كلامها!" شعرت أفنان بأن الوقت توقف عند تلك الثواني. ألم كبير اجتاحها، وكأن هناك حجرًا كبيرًا جاثمًا على صدرها. في تلك اللحظة تمامًا، أدركت أفنان ما لم تدركه من قبل!
هي حقًا تبدو مختلفة عن الجميع هنا، ولكن ليست مختلفة بصورة جيدة بل سيئة، لكنها لم تشغل بالها يومًا بذلك. لكنهم محقون، فمعظم من اجتمعت بهم هنا من طبقة مختلفة تمامًا. طلاب بجامعات لا تقل مصروفاتها عن آلاف الجنيهات في العام الواحد! مصروفات لو عملت أسرة أفنان كاملة لما حصلت ثمنها. الجميع هنا يملكون سيارات ويسكنون في أفضل المناطق ويرتدون أفخم الثياب. لكن هي... هي مجرد فتاة بسيطة، ابنة موظف بسيط. إنها حقًا تختلف عنهم.
لكن ما لم تدركه أفنان في تلك اللحظة هو اختلافها الجوهري عن أولئك الفتيات، والذي يكمن في أنها تفوقهم في أخلاقها العالية، واحترامها للغير، وأنها لو كانت في مثل موضعهم لما كانت لتتفوه بشيء يقلل من شأن شخصًا آخر.
"يا جماعة أصلًا جايزة 1500 pounds 'ألف وخمسمائة جنيه' حاجة عبيطة أوي ورقم صغير، بس شوفتوا يا حرام فرحت إزاي؟"
"عندك حق، أنا بصرف أكتر من كده في قاعدة في Cafe 'مقهى'."
هنا شعرت أفنان بأنها على وشك الانفجار. فقدت قدرتها على التحمل ولن تقبل بسماع كلمة أخرى. لم تدري بنفسها سوى وهي تلقي حقيبتها والشهادة والظرف أرضًا، وتهرول إلى خارج القاعة متجهة إلى مكتب رحيم لتقتحمه دون أن تدق الباب، لتسأله بنبرة مستاءة أقرب للصياح وهي تتردف:
"ممكن أعرف هو أنا فعلًا أتكرمت عشان قفلت الـ test 'الاختبار' ولا أنت عملت كده قاصد؟" نظر نحوها رحيم بفزع جراء اقتحامها لباب مكتبه، ولو لم تكن أفنان الفاعلة لكان وبخ من فعل ذلك.
"إيه ده في إيه؟ Calm down 'اهدأي' بس وقوليلي في إيه؟" تحدث رحيم بنبرة هادئة وهو يحاول أن يفهم ما تقوله. ولقد أحبت أفنان نبرته تلك في كل الأوقات الأخرى، لكن هدوءه الآن زاد من استياءها، حيث نظرت نحوه بحده وهي تصيح قائلة:
"متقوليش أهدي! سألتك سؤال وعايزة إجابة. أنا فعلًا استحق التكريم ده وقفلت الامتحان ولا أنت بتكدب وعامل كده قاصد؟"
"يعني إيه قاصد؟ وليه هعمل حاجة زي كده أصلًا؟" لقد كان يسألها رحيم بتلعثم، فلقد باغتته بتلك الأسئلة وتعبيراتها المنفعلة تلك. صمتت أفنان لثوانٍ قبل أن تتفوه بنبرة متألمة بالآتي:
"يعني شايفني غلبانة وبتشحتني فلوس." أتسعت أعين رحيم من قولها ليجيب على حديثها بعدة أسئلة بنبرة مستنكرة قائلًا الآتي:
"أفندم؟ أنتي بتقولي إيه؟ Are you serious 'هل أنت جادة'؟"
"أنت شايف أن دي حاجة ينفع أهزر فيها؟" سألته بنبرة جادة، لينظر نحوها بإستنكار. لم يجب على سؤالها، بل سألها هو بنبرة أقرب للصياح وهو يغادر مقعده قائلًا:
"أنا عايز أعرف إيه اللي جاب الكلام ده في دماغك؟ مين الحقير اللي قالك كده؟ قوليلي وأنا امسحلك بكرامته البلاط!!!"
"مش مشكلة مين قال ومين عاد، أنا عايزة رد على سؤالي دلوقتي!"
"لا يا أفنان، أنتي اتكرمتي عشان فعلًا جبتي الـ Full Mark 'الدرجة النهائية'!"
"عايزة أشوف الورقة." تمتمت بصوتها المنخفض وقد عقدت كلتا يديها إلى صدرها، ليزم رحيم شفتيه وهو يسألها بعدم رضا مردفًا:
"فعلًا يا أفنان؟ هو أنتي بجد مش واثقة فيا ولا في كلامي؟" سألها بمزيج من الدهشة واللوم، فهو لم يتوقع أن تقوم أفنان قط بتكذيبه. نظرت نحوه أفنان لثوانٍ قبل أن تنبس بإستياء:
"لو سمحت يا دكتور رحيم.. بعد إذنك عايزة أشوف الورقة، أظن ده حقي!"
"لا مش من حقك!" عقب رحيم على حديثها بغضب. لم يكن غاضبًا منها بالطبع، بل غاضبًا من الشخص الذي زرع تلك الفكرة برأسها، وبالطبع أول من خطر بباله هو نوح. فمن الحوار الذي دار بينه وبين أفنان من قبل وقد سمعه رحيم، فبات واثقًا أن نوح قد يجرحها بكلماته دون ذرة اهتمام.
"يا رحيم لو سمحت!!" صاحت باسمه دون لقب، وكأنها تتجداه، ومن ثم انفجرت في البكاء وصدرت منها شهقة دون أن تشعر، ليشعر بقلبه يتمزق في تلك اللحظة. لقد أراد إسعادها، لكن الأمر تم تخريبه كالمعتاد، ولكنها ليست غلطته هذه المرة. في تلك اللحظة، ود رحيم لو يضمها بشدة لعلها تهدأ، لكن ذلك غير مسموح، لذا أثر امنيته داخل نفسه.
استقام من مجلسه واقترب منها وهو يمنحها مناديل ورقية. وبدلًا من أن تمسح دموعها، وضعتها على وجهها محاولة تغطيته، فهي تكره أن يراها أحدهم وهي تبكي، وخاصة إن كان ذلك الشخص هو رحيم.
عاد إلى مكتبه مجددًا وجلس على كرسيه الجلدي. وعلى الفور قام بفتح أحد الأدراج ليخرج منها الورقة التي حدثت بسببها تلك المشاكل.. ورقة اختبار أفنان.
"اتفضلي، عشان تعرفي أني مش بكذب عليكي!"
منحها رحيم ورقة الأسئلة خاصتها ونموذج الإجابة كذلك، لتكفكف دموعها بيدها وتأخذ كلاهما منه بيد مرتعشة. تقلب سريعًا في الأسئلة لتجد أنها أجابتها جميعًا إجابات صحيحة بالفعل! تنظر نحو رحيم بندم، فلقد صبت غضبها عليه واتهمته بأنه منعدم الضمير بطريقة غير مباشرة. أخرج رحيم من جيب بنطاله علبة سجائر وأخرج لفافة، وكأن على وشك أن يشعلها لولا أن سبقته يد أفنان التي سحبت السيجارة من يده وألقتها في سلة القمامة.
"على فكرة، أنس هو اللي صحح الورقة بتاعتك يعني مش أنا عشان تفتكري أني بجاملك. وبعدين أنا عايز افهم شحاتة إيه وعطف إيه اللي بتتكلمي عنهم؟ ليه تفكيرك خد السكة دي أصلًا؟"
"أنا آسفة.. بس أنت مسمعتش هما قالولي إيه.. محدش هان كرامتك زي ما أنا اتهنت. أنا مش شخصية مادية يا رحيم، لكن لأول مرة أحس أن الفلوس ليها قيمة فعلًا بالنسبة للناس، حتى لو مش بالنسبالي، وأنا الفلوس هي المعيار اللي بيتحدد على أساسه أنت إنسان كويس وينفع تبقى وسطنا ولا لا!" تحدثت أفنان وهي تحاول منع نفسها من البكاء مجددًا، لكن الأمر كان غاية في الصعوبة، خاصة أثناء تفوها بتلك الكلمات.
"شاوريلي عليهم! قوليلي مين هما وأنا هطردهم من الشركة كلها من غير ذرة تردد. الفلوس عمرها ما كانت معيار للآدمية يا أفنان. مش هقولك أن الفلوس مش مهمة، لكنها مش أهم حاجة، وفي ناس كتير معاهم فلوس بس اتحرموا من حاجات تانية أهم زي العائلة مثلًا..."
تحدث رحيم بإنفعال في بداية حديثه، فعقله لا يستطيع تقبل فكرة أن أحدهم أهان أفنان أو سخر منها! أولئك الحمقى ألا يدرون أنها ذات أهمية بالنسبة إليه؟ وأنه لن يسمح لأحد بأن يؤذيها على المستوى النفسي أو الجسدي. في منتصف حديثه، اعتدلت نبرة رحيم وعادت إلى الهدوء المعهود، وهو يحدث أفنان بكل صدق.
فبقدر معرفة رحيم بأهمية المال ومميزاته، إلا أنه يدرك أيضًا معنى أن تفتقر إلى الكثير من الأمور في مقابل حصولك على هذا المال.
فالمال لم يشكل فارقًا بالنسبة له حينما اضطر إلى تحمل أسلوب والدته الجاف وانشغال والديه الدائم في العمل والسفر. لم يشكل المال فارقًا حينما شعر رحيم بآلام الوحدة كونه الابن الوحيد.
"أنا عارفة بس كلامهم..."
"من أمتى يا أفي وأنتي بتهتمي بكلام حد؟" سألها وهو يبتسم، لتنظر نحوه بأعين محمرة وهي تقول بحنق:
"يعني كمان قصدك أني مبحسش!!"
"أنا مقولتش كده! أنا قصدي أنك واثقة من نفسك ومش بيفرق معاكي أي كومنت سخيف من حد."
"أيوا بس أنا بني آدمة وبحس وبتوجع، أنتوا ليه كلكوا فاكرين أني مش بحس عشان طول الوقت بهزر!"
"مين كلكوا؟ أنا قولتلك كده أمتى أصلًا؟ وليه هفكر في كده أساسًا؟ ما طبيعي You're a human and you have feelings 'أنتي بشرية وعندك مشاعر'."
"طب وأما الناس عارفين كده بيجرحوني ليه؟" سألت أفنان سؤالًا لم يمتلك رحيم إجابة له. فهذا السؤال لا يتعلق بأفنان لشخصها، بل بالجميع.
فإن كنا نعلم أن جميع البشر أو لنقول تسعين بالمئة منهم لديهم مشاعر فلما نتعمد جرحها.
“بقولك أيه تعالي معايا…” أردف رحيم دون أن يجيب على سؤالها وهو يسير وهي من خلفه ولم تكن تلك من عادة رحيم فهو دائمًا ما يجعل أفنان تسير أمامه كنوع من النبل لكن في ذلك الموقف تحديدًا الأمر مختلف وقد فعل ذلك لغاية في رأسه.
“تعالي يا أفنان.. شاوريلي عالبنات اللي اتريقوا عليكي.” تفوه رحيم بنبرة هادئة ولكن بصوت مسموع فور اقتحامه للقاعة مع أفنان. تلتفت أنظار الجميع نحوهم وتختفي ابتسامة الجميع على الفور وتتوقف الثرثرة.
كانت أفنان تقف خلف رحيم وكأنه درع حماية لها وقد تعمد رحيم فعل ذلك لكي يمنحها ذلك الشعور. هي في حمايته. يكفي الوقت الذي قضته هي في محاولة حماية نفسها بنفسها جاء الوقت ليستلم هو ذلك الدور بدلًا منها.
“أتكلمي متخافيش.” همس رحيم لتنظر نحوه أفنان بحيرة قبل أن تزدرد ما في فمها ثم تشير إلى الفتيات.
“أنتوا اللي اتريقتوا على أفنان؟”
“هو ده تحقيق ولا أيه يا دكتور رحيم؟ وبعدين البنت دي كدابة Why would we talk about her anyway ‘لماذا سنتحدث عنها على أي حال’؟” تحدثت أشجعهم بلامبالاة ليضم رحيم قبضته بإستياء لكنه يحاول الحفاظ على تعابير وجهه الهادئة.
“اه تحقيق. وعمتًا أنا مش محتاج اسمع منكوا حاجة أنا مكتفي باللي أفنان قالته.”
“أوكي أكتفي.” هنا فقد رحيم أعصابه تمامًا ولأول مرة تراه أفنان غاضبًا إلى تلك الدرجة لقد كانت عيناه تخرج شرارًا.
“تمام يا دكتورة. أنتوا التلاتة بقى ملكوش شهادة عندي يعني أعتبروا نفسكوا محضرتوش التدريب أصلًا وكمان هتتحرموا من أي تدريب هيتعمل في الشركة ويلا اتفضلوا مع السلامة.” نظرت نحوه أفنان بثغر مفتوح هي لم تتوقع أن يفعل شيئًا كهذا!
“يخربيت دماغك أنت بتعمل أيه؟” سأل أنس بهمس والذي ركض ليقف إلى جانب رحيم.
“خليك في حالك.” همس له رحيم في المقابل. كان الصمت سائدًا في المكان كله ومعالم الدهشة قد ارتسمت على وجه الفتيات. على الأغلب لم يظنوا أن الأمر سيأخذ هذا المنحني ولم يستوعب عقلهم بعد ما قاله رحيم.
“يلا مع السلامة.”
“على فكرة أنا هديكوا review زي الزفت!”
“تمام Do whatever you want.”
غادرت الفتيات الثلاثة وفي تلك اللحظة شعرت أفنان بالإتتصار أخيرًا. لقد شعرت ولأول مرة أنها ليست بحاجة للدفاع عن ذاتها لأن هناك من يفعل عوضًا عنها. لقد شعرت بالإطمئنان وهو شعور عظيم لا يجده المرء بسهولة لكن رحيم قد منحها ذلك الشعور بكل يسر.
لمح رحيم حقيبة أفنان الملقاة وإلى جانبها الشهادة والظرف ليذهب ويحضرهما على الفور ويسلمهما لأفنان ثم يشير لها بأن تسبقه نحو الخارج وكان سيتبعها لكنه توقف لثوانٍ وأردف:
“ياريت اللي حصل ده يعلمكوا أننا لازم نحترم بعض وأن مينفعش حد يقلل من التاني. عشان ده فعل مش أخلاقي ونتايجه دايمًا سيئة.” أنهى رحيم كلامه وسط همهمات الجميع لكنه لم يهتم أن يسمع واتجه نحو الخارج ليجد أفنان تنتظره في نهاية الممر بالقرب من مكتبه. بمجرد أن رأته تهللت أساريرها وهي تردف بنبرة ممتنة:
“شكرًا يا رحيم… بجد شكرًا على كل حاجة.”
“أنتي عارفة أن دي أحلى مرة سمعت اسمي فيها.”
“احم… أنت عارف أن ماما عاملة حمام النهاردة عالغداء؟” أردفت أفنان بتلعثم وهي تحاول تغير الموضوع لينفجر رحيم ضاحكًا بشدة جاعلًا التنفس أمرًا مستحيل بالنسبة إليها…
“أفنان.”
“اؤمر يا رحي.. يا دكتور رحيم.”
“أنتي دموعك غالية أوي. وأنا مش هسمح لأي شخص أنه يخلي دموعك تنزل تاني.” تحدث رحيم بنبرة هادئة لا تخلو من الجدية وهو ينظر إلى داخل عيون أفنان مجددًا قبل أن تهمس هي بصوتها المنخفض:
“يارب متبقاش أنت السبب فيهم…”
“بتقولي حاجة؟” سألها رحيم وهو يضم عينيه لتجيبه بإختصار:
“لا…”
“طيب بقولك أيه ممكن نروح نشرب حاجة؟”
“أنت عارف الإجابة…”
“طيب خلاص… قابليني صدفة كمان نص ساعة في الكافية ده.” قال بمكر وهو يرسل لها الموقع الجغرافي لمقهى قريب من مقر الشركة ثم غمز لها بخضراوتيه قبل أن يتجه إلى مكتبه. لقد وضعها أمام الأمر الواقع بطريقة ما. لقد شعرت أفنان أن الأمر برمته خطأ وأنها ستندم ولكن للمرة الأولى ينتصر قلبها على عقلها…
“هو اللي حصل جوا ده؟ والبنات دول عملولك أيه؟ شكلك بتتبلي عليهم. وبعدين رحيم كان واقف بيقولك أيه؟” سأل نوح الذي ظهر من اللامكان بصيغة تحقيق لتنظر نحوه أفنان من الأعلى إلى الأسفل بإشمئزاز قبل أن تغادر المكان دون أن تجيبه.
أما عن رحيم فذهب ليقوم بإنجاز بضع أشياء سريعًا في مكتبه قبل أن يرحل لمقابلة أفنان. والذي كان في صراع من داخله فعقله يخبره أنها لن تفعل لكن قلبه يخبره أنها ستفعل. قطع تفكيره صوت مقبض باب المكتب حينما دلف أنس نحو الداخل وهو يتحدث بنبرة لوم قائلًا الآتي:
“رحيم هو أنت بتستعبط؟ من أمتى وأحنا بندخل اللڤلڤة في الشغل؟”
“بندخل أيه؟”
“اللڤلڤة مشتقة من كلمة Love يعني. قصدي من أمتى وأحنا بندخل مشاعرنا في شغلنا؟”
“مشاعر أيه وشغل أيه؟ أفنان جاتلي المكتب منهارة عشان البنات اللي مش محترمين دول اتريقوا عليها وأنا اتصرفت التصرف اللي كنت هتصرفه لو كان أي حد مكان أفنان.”
“متأكد يعني من الموضوع ده؟”
“اه. مش معنى أن أفنان متدربة مميزة شوية بالنسبالي أني هاخد قرارات متهورة عشانها.” كذب رحيم أو حاول إقناع نفسه بذلك. فأكثر ما يكرهه رحيم هو أن يختلط العمل بالمشاعر.
“طيب يا رحيم أنا قولت بس أنبهك. وبعدين أنت واخد حاجتك ورايح على فين؟”
“هقعد مع أفنان شوية وبعدها هرجع على هنا تاني.”
“وتفتكر أن القطة هتوافق تخرج معاك عادي؟”
“معرفش بس هجرب حظي. يلا Wish me luck ‘تمنى لي الحظ’.”
“ماشي يا أخويا.”
بعد نصف ساعة كان رحيم يقف أمام المقهى في انتظار أفنان لكنها لم تأتي. انتظر رحيم لمدة عشرة دقائق لكنها لم تظهر أيضًا. بدأ رحيم يشعر بالضيق فأخرج هاتفه ليتصل بها لتجيبه على الفور:
“ايوا يا رحيم. معلش ميرال أختي تعبت في الشغل ولازم أروحلها حالًا.”
“طب أنتي فين وأنا أجيلك؟”
“أنا راكبة مواصلات ورايحهالها…”
“طيب هي محتاجة مستشفى؟” سألها رحيم بقلق لتبتسم هي ابتسامة صغيرة وهي تجيبه قائلة:
“لا الحمدلله الموضوع مش مستاهل.”
“طيب ابعتيلي اللوكشن بتاع الشركة بتاعتها وأنا هبعتلك عربية على هناك توصلكوا البيت.”
“بس…”
“مش هاجي متقلقيش. العربية هيبقى فيها ال driver ‘السائق’ هيوصلكوا وياستي أبقي قوليلها أنك طالبة من أي أبلكيشن.”
“تمام… شكرًا بجد يا رحيم.”
أنهت أفنان مكالمتها مع رحيم وهي لا تدري أتشعر بالغضب لما حدث فأفسد يومها أم تكون شاكرة لأنها كانت على وشك الوقوع في الخطأ إذا أمضت اليوم برفقة رحيم وحدهم سرًا…
بالفعل وصلت أفنان إلى ميرال في الشركة والتي كانت فقدت وعيها أثناء فترة العمل. حينما دلفت أفنان إلى الداخل وجدت ميرال ممددة على أريكة ما. هرولت نحوها أفنان وهي تطمئن عليها مردفة:
“ميرال أنتي كويسة؟”
“اه… بس لسه دايخة شوية…”
“طيب يا حبيبتي أرتاحي أنا طلبت عربية هتروحنا البيت.” أومئت ميرال بوهن بينما طالعتها أفنان بقلق. بعد خمسة دقائق أرسل لها رحيم رسالة تحوي لون السيارة ورقمها.
“يلا يا حبيبتي.” أمسكت أفنان بذراع ميرال بيد والآخرى وضعتها على ظهر ميرال كي تساعدها على السير.
“أنت السواق اللي بعته رحيم؟” سألت أفنان الشخص الجالس داخل السيارة ذات الزجاج الأسود والذي منعها من رؤية من في الداخل.
“سواق؟”
"لا أنا مش السواق ياختي!" صاح أنس فور قيامه بفتح باب السيارة.
تعلو ملامح الدهشة وجه أفنان، ثم سرعان ما تتحول للإمتعاض وهي تقول:
"هو أنت؟ يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم!"
"طيب دخلي أختك الغلبانة دي طيب وبعدين أتلامضي." نبهها أنس.
تدرك أفنان أنه ليس الوقت المناسب لتتشاجر معه. ولحسن الحظ أن ميرال كانت منهكة بالفعل ولم تكن بكامل وعيها، لذا لم تنتبه لما يقال. أدخلتها أفنان، ثم جلست بجانبها.
"وأنتي ساكنة فين على كده؟" سألها أنس.
لتجذب أفنان هاتفه المفتوح بالفعل على الموقع الجغرافي، ثم تضع موقع منزلهم.
"ورحيم ملاقاش غيرك يوصلنا!"
"مش عاجبك هرميكي جنب أي رصيف وأوصل صاحبتك الغلبانة دي."
"أختي يعم مش صاحبتي، أنت مصطبح ولا إيه؟"
"منك لله يا رحيم، خليت اللي يسوى واللي ما يسواش يكلمني." همس أنس بغيظ.
لتنظر نحوه أفنان بحده ثم تردف:
"بتقول إيه؟ سمعني!"
"مبقولش."
ساد الصمت من بعد ذلك، حتى أوصلهم أنس إلى وجهتهم. وبالرغم من أن أنس يبدو كشخص متهور وغير متزن، إلا أن طريقة قيادته كانت عكس ذلك تمامًا. لقد كان هادئًا للغاية.
"هو ده البيت؟" سأل أنس بنبرة تميل إلى الدهشة وهو يراقب المنزل بعيناه العسلية.
"آه هو. شكرًا يا دكتور أنس، نجاملك في الأفراح إن شاء الله." أردفت أفنان وهي تنبه ميرال التي غفت أنهم قد وصلوا بالفعل.
لتغادر ميرال السيارة ببطء، بينما يعلق أنس على حديث أفنان قائلًا:
"عفوًا يا ستي. طب مش هتقوليلي اتفضل ولا أي حاجة؟"
"المرة الجاية. أديك شايف يعني أختي عاملة إزاي. ياريت يبقى عندنا إحساس شوية."
"لا في دي عندك حق."
"سلام." تفوهت أفنان وهي تتجه نحو المدخل وبرفقتها ميرال.
وقف أنس يتأمل المكان قليلًا. عمارات قديمة نوعًا ما، المكان مزدحم بشكل كبير والكثير من الباعة المتجولين، أطفال يلعبون ألعاب مجهولة بالنسبة إليه، وأخيرًا، لقد كانت الشوارع في تلك المنطقة ضيقة بشكل ملحوظ. ألقى نظرة أخيرة على المكان قبل أن يعود إلى داخل سيارته.
صعدت أفنان إلى منزلها لتقوم بشرح ما حدث لوالدتها باختصار كي لا تقلق. في مساء تلك الليلة، وبعد أن اطمأنت أفنان أن ميرال أصبحت بخير، أرسلت رسالة شكر لرحيم.
"مساء الخير يا رحيم. بصراحة مش عارفة أقولك شكرًا على إيه ولا إيه النهاردة.. بس اللي أعرفه إنك إنسان نبيل جدًا ومحترم وذوق حقيقي. شكرًا على أنك دافعت عني وأنك بعتلي عربية، بغض النظر أن أنس هو اللي كان سايق يعني! وأخيرًا شكرًا على فترة التدريب اللطيفة دي وأشوفك على خير تاني إن شاء الله…"
أرسلت أفنان الرسالة بأصابع مرتجفة ونبضات قلب متسارعة، لكن يقطع قلقها صوت ميرال المنهك وهي تسألها:
"هو أنتي كنتي بتتخانقي مع كابتن العربية النهاردة؟"
"آه، أصله رغاي أوي بصراحة. هو أنتي سمعتي حاجة؟"
"لا مكنتش مركزة خالص بصراحة."
"طب الحمدلله." تمتمت أفنان بصوتها المنخفض.
لتنظر نحوها ميرال بشك. عاودت أفنان النظر إلى هاتفها وهي تنتظر على أحر من جمر أن يرى رحيم الرسالة. وبالفعل رآها وأجاب باختصار:
"عفوًا أفي. أنا معملتش حاجة تستحق الشكر ده كله. أهم حاجة أنك اتبسطتي."
وبالرغم من لطف الرسالة، إلا أن أفنان شعرت وكأنه يجيبها على مضض. نظرت أفنان نحو الهاتف دون أن تدري بماذا تجيب، بل ولماذا رحيم تجاهل نصف رسالتها تقريبًا ولم يجب سوى على جزء صغير منها. أخذت أفنان تقضم أظافرها بتوتر وهي تحاول إقناع نفسها أنه لربما كان منشغلًا، لذلك لم يجب على رسالتها.
"لا أنت عملت كتير. رحيم هو أنت متضايق مني عشان متقابلناش في الكافيه صح؟"
سألته أفنان وقد ظهر أنه متاح "Online" لكنه لم يجب. حاولت أفنان إقناع ذاتها مجددًا أنه ربما يكون منشغلًا، لكن اليوم مر كاملًا دون أن يجيب. استيقظت في اليوم التالي بلهفة لترى رده، وقد جهزت العديد من الدعابات التي ستقولها كي تجعل رحيم ينسى شعوره بالضيق تجاه ما حدث، لكنه لم يجب أيضًا. مر يوم آخر وتلاه آخر وآخر، حتى مر أسبوع كامل ورحيم لم يجب على رسالتها…
باتت تسأل نفسها هل هو منشغل لتلك الدرجة التي تمنعه من الإجابة عن رسالة لن تستغرق من وقته سوى ستون ثانية على الأكثر؟ أم أنه مستاء منها لأنها لم تذهب معه إلى المقهى؟ أو ربما شعر بالضيق لكونها شككت في عملية التصحيح؟ ولربما يتجاهلها لأنها صرخت في وجهه… الأحتمالات لا حصر لها، ولكن النتيجة واحدة وهي أن رحيم يتجاهلها لسبب ما! ولقد كان ذلك الشعور مؤلمًا. فكيف عساها تتأقلم مع فكرة أن الشخص الذي كانت تراه وتقضي معه أكثر من نصف يومها لمدة شهرين قد اختفى! وحتى المحادثات لم يعد يجيب عنها!
"رحيم هو أنت مش بترد عليا ليه؟ اللي حصل مش مستاهل أنك تزعل كل ده يعني!"
أرسلت تلك الرسالة وسرعان ما تخلل الندم فكرها. شعرت بأنها حمقاء بإرسالها تلك الرسالة في حين أنه تجاهلها لإسبوع كامل! لكن ما لم تلحظه هي أن الرسالة لم تُعطِ سوى علامة واحدة وليست اثنتين، مما يعني أن الرسالة قد تم إرسالها لكنه لم يتلقاها لأن هاتفه غير متصل بالإنترنت.
"مالك في إيه؟ حصل حاجة؟" سألتها ميرال فور رؤيتها لوجه أفنان العابس على غير العادة.
وبمجرد أن سألتها ميرال عن ما حدث، انفجرت أفنان في البكاء. تكسو الحمرة وجهها ويصدر منها صوت شهقات متقطعة. لتهرول نحوها ميرال وتضمها بحنان.
"أنتي تعبانة طيب؟ نوح عملك حاجة؟"
"رحيم…" همست أفنان من بين بكائها.
لتفصل ميرال العناق على الفور وهي تسألها بجدية وذعر:
"عملك حاجة ولا إيه؟ لمسك ولا بعتلك صور مش كويسة ولا إيه؟"
"إيه يا بنتي القاذورات دي!! لا مبيردش عليا!"
"يا شيخة وقعتي قلبي حرام عليكي!" تفوهت ميرال وهي تضع يدها على قلبها، قبل أن تجذب علبة المناديل الورقية وتضعها جانب أفنان التي تأخذ منديلًا لتكفكف دموعها.
"ممكن تفهميني بقى إيه اللي حصل؟"
أومأت أفنان بهدوء قبل أن تشرح لها باختصار ما حدث.
"وأنتي كنتي ناوية تخرجي معاه؟" سألتها ميرال بنبرة يفوح منها العتاب.
لتتحاشى أفنان النظر إليها وهي تردف:
"بصراحة…"
"بصراحة إيه يا أفنان؟ أنتي عارفة أنك كنتي هتخوني ثقة بابا وماما فيكي لو كنتي عملتي كده؟ يعني هما لما بيسمحولك تنزلي بيبقى عشان واثقين أنك مش هتروحي في حتة من وراهم وأنك مش هتخرجي مع حد من غير ما تستأذنيهم، وده كمان مش أي حد… ده شاب!"
"أنا عارفة أني كنت هغلط خلاص كفاية تقطيع!"
"ده مش تقطيع دي نصيحة. أنتي أختي الصغيرة وأنا واجبي أني أنصحك ولما أشوفك هتغلطي أنبهك! كويس بقى أني تعبت يومها."
"إيه يا ستي ده! بعد الشر عنك. كويس إيه بس… عالعموم خلاص هو أصلًا مش بيرد وأحنا شكلنا هنقطع علاقتنا ببعض." نبست أفنان بإنفعال في بداية حديثها، ثم تابعت بنبرة منكسرة. لقد كانت على علم بأن رحيم سيختفي تدريجيًا من حياتها حينما تنتهي فترة التدريب، لكنها لم تُرِد من الأمر أن ينتهي على هذا النحو. كان من الممكن أن يودعها بلطف ويضع حدًا لحديثهم، بدلًا من أن يتجاهلها بتلك الطريقة.
"المهم سيبك من كل ده وعايزين بقى نركز في خطوبة بهانة بنت عمتك." قالت ميرال بنبرة جادة.
لتبتسم أفنان ابتسامة صغيرة.
"صح عندك حق… بقولك إيه هو بابا صاحي؟"
"آه قاعد في الصالة بيتفرج عالماتش."
"متقوليش أهلي وزمالك؟"
"آه."
"نهارنا أبيض!!"
هتلاقيه متعصب دلوقتي بس مش مشكلة هخرجله وخلاص.
استقامت أفنان من سريرها ثم اتجهت نحو أحد أدراج مكتبها لتخرج منه الظرف الذي يحتوي على نقود التدريب والذي لم تفتحه منذ أن منحها رحيم إياه. قربت الظرف من وجهها لتغمرها رائحة عطر رحيم، على الأغلب أنتقلت رائحته إلى الظرف أثناء كتابته عليه. أغمضت أفنان عيناها لثوانٍ وهي تستنشق الرائحة، وعلى الفور تسترجع هيئته الجذابة في يوم الحفل، قبل أن تسترد وعيها على الفور حينما تتذكر ما حدث بعد ذلك. غادرت حجرتها واتجهت إلى والدها الذي كان يشاهد التحليل الذي يذاع بين الشوط الأول والثاني.
"أهلاً حبيبة بابا."
"ازيك يا حبيبي؟ الماتش كام كام؟"
"٢-١ للأهلي."
"طيب جميل جداً. بابا أنا كنت عايزة أتكلم معاك في حاجة بس أوعدني تسمعني للآخر ومتضايقش، ماشي؟" حاولت أفنان أن تتحدث بنبرة بريئة لطيفة على غير العادة، لينظر نحوها والدها بشك وهو يقول:
"استر يارب، شكل في كارثة."
"عيب عليك يا حج، أنا برضوا بتاعت كوارث؟ هو الموضوع وما فيه... بص يا بابا أنا طلعت الأولى عالتدريب زي ما حضرتك عارف."
"أيوا يا حبيبتي الحمدلله. فين بقى الكارثة؟"
"كان في مكافأة كده للشخص اللي هيطلع الأول والمكافأة دي فلوس... 1500 جنيه. فأنا هاخد منهم 500 لنفسي وهدي لحضرتك الباقي تصلح بيهم العربية." كان والدها يستمع إليها بإنصات، قبل أن تضطرب معالم وجهه في النهاية. اختفت ابتسامة أفنان لأنها تعلم أن والدها سيشعر بالضيق.
"حبيبتي الفلوس دي عشانك انتي، وانتِ تعبتي عشان توصليها وأنا مش هقدر آخد منهم ولا جنيه ومش هقبل نقاش في الموضوع ده. شوفي بقى هتعملي إيه بالفلوس، هاتي لبس أو حاجة تشيليها لجهازك." كانت تنصت أفنان إلى والدها بحزن، وكانت على وشك أن تجادله كي تحاول إقناعه، لكن سرعان ما قفزت فكرة إلى عقلها جعلتها تتراجع، وبدلًا من الجدال قررت أن تمازحه مردفة:
"جهاز مين بس يا بابا ده أنا هقعد في حضنك طول العمر."
"يارب بس متغيريش رأيك وتخلي زميلك يجي يتقدم وتقوليلي بحبه يا بابا!"
"لا من الناحية دي أطمن، أنا اتخانقت مع زمايلي الولاد كلهم يا حج ومحدش بيستجرى يكلمني. هسيبك بقى مع الماتش وهروح أشوف ماما بتعمل إيه."
ذهبت أفنان لتنفذ خطتها وهي الآتي: ستمنح والدتها المال الذي رفض والدها أخذه منها، وستجعل والدته تخبره بأن ذلك المال هو مال كانت خالتها قد أخذته على سبيل السلفة وقد أعادته إليها الآن، وأنها لم تخبر والد أفنان كي لا تشعر خالتها بالحرج. لا تعلم أفنان إن كانت الخطة ستنجح أم لا، لكن لا سبيل أمامها سوى المحاولة. أبقت أفنان على الظرف مغلق في حجرتها مجددًا لحين تخبرها والدتها بموعد تنفيذ الخطة، والتي لم تنفذها في وقتها لأن والدها كان سيكتشف الأمر بسهولة.
مر أسبوع آخر ومازال الوضع كما هو عليه دون جديد. لم يجب رحيم على رسائلها، بل ولم يطلع عليها من الأساس. حاولت أفنان تخطي الأمر بل وتخطيه هو شخصيًا، لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة. أجل هي لم تعرف رحيم منذ مدة طويلة، لكنه كان يشغل حيزًا كبيرًا من يومها... لكن لحسن الحظ أن خطبة ريماس قد اقتربت كثيرًا مما جعل أفنان تنشغل عن رحيم بصورة مؤقتة.
في يوم الخطبة جلست أفنان أمام المرآة وهي تضع بعض مستحضرات التجميل، قبل أن يقطعها صوت ميرال وهي تطلب من أفنان أن تسرع مردفة:
"أفنان أنتي لسه مخلصتيش لبس؟ بابا هيجي يضربنا دلوقتي!"
"خلاص هضبط الطرحة وأجي." صاحت أفنان من داخل غرفتها وهي تقوم بضبط وشاح رأسها اللامع، والذي كان بلون البنفسج تمامًا كلون فستانها، والذي كان من قماش 'التل' ذو طبقات عديدة، ولكن في الوقت ذاته ليس 'منفوش' كما يقولون، والسبب في ذلك أن أفنان أرادت أن تبدو ريماس مميزة في هذا اليوم بثوبها وألا تخطف أفنان الأنظار منها.
"شوفتي عمتك عملالنا تاج عالفيس بوك في بوست فيه لوكيشن المكان؟ طب ما تبعته برايڤت، لازم تعملنا عريضة يعني؟!"
"معلش سيبك منها، لم نرجع نبقى نعملها بلوك. يلا بقى خلصي." قالت ميرال لتجعل أفنان تصمت وتكف عن التذمر.
"بسم الله ما شاء الله. أحلى بنات في الدنيا ربنا يحفظكوا." تمتم والدها فور رؤيته لها هي وميرال. جاءت زوجته لتنظر نحوه بعتاب، فتظهر ابتسامة بسيطة على ثغره قبل أن يقترب منها ويقبل رأسها وهو يردف:
"بس طبعًا جمالكوا وحلاوتكوا ميجيش حاجة جنب جمال رانيا روح قلبي. كل مرة بشوفك فيها لابسة فستان بفتكر أول مرة." تحدث بحب وهو ينظر إلى داخل عينيها. تنظر نحوهم ميرال بتأثر شديد، بينما تقرر أفنان إفساد اللحظة، فتغمز بإحدى عينيها وهي تمازح والدتها قائلة:
"أيه حوار أول مرة ده يا ست ماما؟"
"بس يا بت أنتي! صحيح ميرال كلمي نوح شوفيه فين."
"تكلم مين؟!" سألت أفنان باستنكار وبأعين متسعة، لتنظر نحوها ميرال بطرف عينيها وهي تنبس ببطء متعمدة إثارة غيظ أفنان:
"نوح."
"نوح ليه؟ ليه نوح؟ هو مش ده فرح تبع عيلة بابا برضوا؟!"
"ياستي الولد كتر خيره عارف أن عربية أبوكي لسه متصلحتش، فقال يوصلنا عشان القاعة بعيد."
"لا كتر خير أمه فعلًا." همست أفنان بسخرية وهي ترتدي حذائها الفضي اللامع ذو الكعب العالي. ألتقطت أفنان صورة لنفسها ثم وضعتها على تطبيق أو اثنين من تطبيقات التواصل الاجتماعي.
بعد مرور بضع دقائق هاتفهم نوح معلنًا وصوله، ليتوجهوا جميعًا إلى خارج المنزل. كانت ميرال تشعر بأن قلبها على وشك أن يقف، لا تدري لماذا، لكنها كانت متشوقة لرؤية ردة فعل نوح حينما يراها في ثوبها الزهري هذا. بمجرد أن رآها هي وأفنان ابتسم نوح ابتسامة واسعة. قام بتحية خالته وزوجها، قبل أن يوجه نظره نحو ميرال ويردف:
"أيه القمر ده! أومال فين ميرال؟"
"ما بنقولش كدا يا بني آدم أنت!" وبخته أفنان، لينظر نحوها نوح بازدراء، ثم يعلق على جملتها قائلاً:
"ملكيش دعوة أنتي، متدخليش بيني وبين ميرال لو سمحتي."
"عنده حق، بتدخلي ليه؟" سألتها ميرال مستنكرة بنبرة مازحة، لتنظر نحوها أفنان بغيظ وهي تضربها في كتفها، بينما تردف:
"بقى كده يا ميرال؟"
"اه كده ونص، ومش عاجبك حصلينا، مشي للقاعة."
"لولا أن ماما وبابا معانا ومحتاجين التوصيلة كنت جبتلك الأربع فرد على الأرض."
"الحمدلله أنهم معانا."
لم يستغرق الطريق سوى أربعون دقيقة تقريبًا بواسطة السيارة. كانت الخطبة مقامة داخل فيلا خاصة بالمناسبات. زين المكان بالعديد من أفرع النور الرفيعة. كانت المقاعد مغطاة بقماش أبيض اللون مزين بـ 'فيونكة' ذهبية اللون. لقد كان المكان لطيف إلى حد كبير، لكنه لم يكن يناسب ذوق أفنان.
ذهبت أفنان وأسرتها ومعهم نوح ليقوموا بإلقاء التحية على أفراد العائلة، وبعد الانتهاء من سماع نكات الأقارب القريبة والضحكات المزيفة والقبلات التي لن تستطيع أبدًا أن تحصي عددها، قررت أفنان أن تذهب لأخذ صورة لنفسها. ألتقطت أفنان بضع صور، وقبل أن تذهب لتجلس فوجئت بطفل صغير يلقي إليها بوردة بنفسجية اللون وورقة مطوية. وقبل أن تسأل أفنان الطفل عن من مرسل الورقة، فتحتها لتقرأ ما فيها وكان الآتي:
"إلى أفي المبهرة. I never knew i had a favourite color till i saw you today in this dress 'لم أكن أعلم أن لي لون مفضل إلا عند رؤيتي لك اليوم في ذلك الثوب'. دي وردة مني لأغلى وأقيم وردة شوفتها في حياتي."
رواية في حي الزمالك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ايمان عادل
لامعت عين أفنان وهي تقرأ ما كتب في الورقة، طبقة بلورية خفيفة غلفت عيناها وهي تنظر حولها. نبضات قلبها تتسارع بقوة وتشعر بأن التنفس لم يعد بالسهولة ذاتها قبل كل قراءة تلك الكلمات. تقدمت أفنان بضع خطوات نحو الخارج وهي تبحث في كل مكان عنه بلهفة واضحة. غادرت الڤيلا ودققت النظر في المارة وفي السيارات لكنها لم تجده. عاودت النظر إلى الورقة الموضوعة في يدها لتجد أنها ليست مكتوبة بخط اليد بل هي مطبوعة. كان الأمر غريبًا بعض الشيء فلماذا يفعل شيء كهذا!
لم تفهم أفنان دلالة ذلك ولم تهتم كثيرًا في تلك اللحظة فكل ما يهم الآن هو أنه مازال يفكر بها وأنه لم يختفي كما ظنت أنه فعل بل وأنه قريب منها قريب للغاية…
"بتعملي أيه؟ بابا بيدور عليكي."
"أنا.. مبعملش حاجة.." أجابتها أفنان بتلعثم وهي تخفي الوردة والورقة خلف ظهرها لتطالعها ميرال بشك وهي تسألها:
"أنتي مخبية أيه ورا ضهرك؟"
"هوريكي بس متديش رد فعل أوڤر ماشي؟" أومئت ميرال بحماس وهي تنظر نحو يد أفنان بفضول شديد وبمجرد أن رأت الوردة في يد أفنان قفزت بحماس وهي تصيح:
"وريني وريني!!!"
"بس منك لله هتفضحيني!!! يادي الوكسة أهو رحيم شافنا وجاي." وبختها أفنان بنبرة جادة ومتوترة في الآن ذاته لدرجة أنها ذكرت اسم رحيم بدلًا من نوح.
"رحيم؟" سألتها ميرال بإستنكار وهي ترفع أحدى حاجبيها لتنظر نحوها أفنان بتوتر شديد وعصبية وهي تتفوه بالآتي:
"رحيم مين؟ مين قال رحيم؟ أنتي قولتي رحيم.. أنا مقولتش أنا بقول نوح!"
"في حاجة يا بنات؟" سأل النوح الذي ظهر من اللامكان لتتنهد أفنان بضيق وتشيح بنظرها بعيدًا عنه قبل أن تتمتم بالآتي:
"عارف لما الإنسان بيخليه في حاله.. ربنا بيكرمه. أسيبكوا بقى مع بعض وأروح أشوف تيتا بتعمل أيه." حاولت أفنان التملص من نوح والذهاب للطاولة كي تخبي الوردة والورقة في حقيبتها الصغيرة اللامعة وقبل أن تذهب غمزت بإحدى عينيها لميرال.
ذهبت أفنان إلى الطاولة وهي تحاول إخفاء الورقة والوردة بين طبقات الفستان خاصتها قبل أن تجلس وتضع كلاهما في الحقيبة. على الفور رمقتها والدتها بشك ولكن لحسن الحظ قد وصلت العروس لذا أنشغل الجميع بقدومها لتتنفس أفنان الصعداء.
كانت ريماس ترتدي فستانًا باللون الأزرق السماوي وكان يرتدي هو بذلة كحلية اللون. كان منظرهم لطيف وكانت السعادة بادية على وجه ريماس لكن العريس كان وجهه متجهم بعض الشيء. همس لريماس بشيء في أذنها لتختفي ابتسامتها هي أيضًا لكن بمجرد أن أقترب الجميع منهم لبدء الإحتفال عاودت الإبتسام. وقد كانت بسمتها مزيفة إلى حد كبير.
"فستانها حلو أوي ما شاء الله."
"اه لونة حلو فعلًا، بس بصي عمتك لابسة دهبها ودهب المنطقة كلها ما شاء الله." كانت تتحدث أفنان بجدية في بداية حديثها قبل أن تسخر من فعل عمتها. فهي واثقة من أنها تعمدت ارتداء كل الذهب الذي تملكه فقط للفت الإنتباه.
"متبصيش عليها بقى لا تقول أننا بنحسدها."
"على رأيك مش طالبة وجع دماغ بصراحة." قاطع ثرثرتهم صوت النوح الذي جاء من اللامكان ليقف في المنتصف بين أفنان وميرال وهو يردف:
"العروسة حلوة أوي، مش شبهكوا." عبس وجه ميرال حينما سمعت جملته بينما نظرت نحوه أفنان بغيظ وقد رفعت أحدى حاجبيها بإعتراض وهي تسأله:
"حلوة عشان مش شبهنا؟!"
"أيه ده ده أحنا بنغير ولا أيه؟"
"غيرة؟ أيه يا عم القرف ده أغير أيه؟ هو ده منظر حد أغير عليه؟" علقت أفنان بإستنكار وبتعابير وجه مشمئزة لتقهقه ميرال بقوة بينما ينظر نحوها نوح بإعتراض وهو يسألها بإعتراض:
"في أيه يا بنتي هو أنتي بتكلمي واحد جربان؟"
"معرفش أنت أدرى بنفسك، فكرني تاني كده أنت أيه اللي جابك النهاردة؟"
"جيت أوصلكوا.."
"صح يعني أنت دورك النهاردة مقتصر على أنك سواق وأحنا بقى هنكرمك وهنأكلك من البوفية معانا كمان أكتر من كده ملكش حاجة عندنا ماشي؟" تفوهت أفنان بسخرية لتقهقه ميرال ثم تضيف على حديث أفنان الآتي:
"المرة دي بقى أفنان معاها حق."
"بقى كده يا ميمي تاخدي صف أفنان مش صفي؟"
"ما أنا دايمًا في النص بينكوا وأنتوا مش بتبطلوا خناق وبعدين هي أختي وأنت…" صمتت ميرال وصبغت وجنتيها بالحمرة وهي لا تدري ما الكلمة المناسبة التي تصف نوح بالنسبة إليها. تمتمت أفنان بسخرية وبصوتها المنخفض:
"هي أختي وأنت شرفي."
"بتقولي حاجة؟"
"مبقولش."
"بت يا أفنان تعالي سانديني." أخترق مسامعها صوت جدتها لتتجه نحوها أفنان على الفور وتمد يدها كي تستند عليها جدتها. لم تكن جدة أفنان متقدمة في العمر بدرجة كبيرة فهي مازالت في عقدها السادس لكنها تعاني من بضع مشاكل في قدمها.
"شايفة بنت عمتك حلوة ازاي؟ عشان بتسمع كلامي وكلام أمها، مش أنتوا يا حسرة.. أمكوا مايلت بخكتوا بإيدها." علقت جدتها لتحاول أفنان تمالك أعصابها وعدم إظهار ضيقها على تعابير وجهها. تنهدت أفنان تنهيدة صغيرة قبل أن تقول:
"لا يا تيتة أنا بختنا مش مايل ولا حاجة بس لسه النصيب مجاش."
"ما هما بنات اليومين دول كده يطفشوا العرسان ويقولوا النصيب مجاش." لم تعلق أفنان بل اكتفت بإبتسامة مجاملة صغيرة برغم من أنها أرادت أن تصرخ من شدة الغيظ. لكنها في النهاية لم تفعل لأنها تحترم كونها جدتها وكونها تكبرها في العمر بغض النظر عن أن ما تقوله يسم بدن أفنان.
"بت مين الشاب الحليوة اللي واقف جنب ميرال ده؟ ده مش من عيلتنا."
"ده يا تيتا ابن خالتي وجيه يوصلنا، كنت عايزاه يمشي عشان عيب والعدد وكده بس هو مرضيش."
"يمشي ده أيه يا عبيطة؟ ده أنتي تمشي وهو لا."
"ازيك يا حبيبي عامل أيه؟ منور." ألقت جدتها التحية على نوح الذي ابتسم نحوها بآدب وإحراج وهو يردف:
"بنور حضرتك يا تيتة."
"أيه ده أنت عارفني؟"
"اه طبعًا ميرال وأفنان بيحكولي عن حضرتك كتير."
"ويا ترى بيقولوا أيه بقى؟" سألت جدتها بخبث لتتسع أعين أفنان وهي تنظر نحو نوح بنظرات محذرة ليبتسم هو بمكر ثم ينبس:
"كل خير طبعًا."
"طيب، المهم أيه رأيك في الخطوبة؟"
"جميلة ما شاء الله."
"عقبال خطوبتك أنت وميرال." أردفت جدتها لترتسم ابتسامة متفاجئة على وجه نوح بينما ميرال كانت تدعو أن تنشق الأرض وتبتلعها في جوفها من شدة الإحراج.
"قصدي يعني نفرح بيكوا وبأفنان وبكل اللي لسه متجوزش."
"ان شاء الله يا تيتة."
انقضى اليوم سريعًا فابالرغم من كون أفنان لا تشعر بالراحة كثيرًا وسط عائلة والدها إلا أنها أمضت الوقت في إلتقاط الصور والثرثرة مع ميرال ومشاكسة نوح وبعض الرقص بالطبع. عادت أفنان إلى المنزل برفقة أسرتها وهي لا تشعر بقدميها من شدة الآلم بسبب حذائها وطبعًا لم تخلو الليلة من المزيد من ال بواسطة جدتها وعمتها وخاصة بعد فقرة ارتداء ‘الشبكة’ حيث ابتاع الشاب عدد كبير من الحلي الذهبي من أجل ريماس.
"يخربيت الكعب وسنينه!!" علقت أفنان فور أن دلفت إلى داخل المنزل وهي تلقي بجسدها على أقرب أريكة بينما تخلع حذائها بعشوائية.
"قولتلك متلبسيش كعب وبعدين كعب مين يا أفنان فوقي أنتي كنتي قالعة الجزمة نص الخطوبة أصلًا!"
"عيب على فكرة اللي بتقوليه ده." قالت أفنان ثم انتظرت حتى توجه والديها إلى حجرتهم قبل أن تضيف أفنان بصوتها المنخفض بينما تتجه نحو حجرتها هي وميرال:
"بقولك أيه أنا هفتح واتساب بقى أكيد رحيم رد عليا." فتحت أفنان هاتفها بحماس ليعلن عن وصول العديد من الإشعارات لكن لم يكن اسم رحيم من بينهم. ارتسمت ملامح الخيبة على وجهها وعبست قبل أن تلقي الهاتف على السرير بإهمال.
"أنا مش فاهمة هو مش بيرد عليا ليه؟!"
"يمكن… يمكن مشغول."
"مشغول يرد عليا بس مش مشغول يبعتلي وردة وجواب؟" سألت أفنان بخيبة أمل وعند تلك النقطة لم تجد ميرال مبرر لأفعاله الغريبة لذا صمتت لبعض الوقت قبل أن تقول:
"عندك حق.. بصي سيبك منه بجد هو لو عايز يتكلم هيتكلم عدل لكن شغل الإختفاء ده مينفعناش. أصلًا الحوار كله مينفعناش وأنتي عارفة."
"يووه يا ميرال بقى!
أنتي نوح بهتت عليكي وكلامكوا بقى واحد.
كلامنا مش واحد، الشبه بينا أننا خايفين عليكي أحنا الاتنين وشايفين حاجات أنتي مش شايفاها أو عاملة نفسك مش شايفاها.
خلاص يا ميرال ارتاحي أنتي ونوح مبقاش في رحيم ولا زفت خلاص وأساسا الدراسة كلها كام يوم وتبدأ والصفحة دي هتتقفل نهائي! صاحت أفنان بإنفعال قبل أن تأخذ هاتفها، وشاح لرأسها وحقيبتها الصغيرة وتغادر الحجرة وتذهب للجلوس في الشرفة وحيدة.
بمجرد أن جلست أفنان على الأرضية الباردة قليلا عاودت النظر إلى هاتفها مجددا لكن أعتلت الخيبة ملامح وجهها مجددا… مازال رحيم لم يجب عن رسائلها إذ لماذا أرسل تلك الرسالة وفعل تلك الحركة الرومانسية المبتذلة؟ هل يقصد جعلها مشتتة أكثر؟ هل يتعمد أن يحمسها لعودته ثم يختفي تاركا إياها في دوامة من التفكير المفرط…
أخرجت أفنان الرسالة وكادت أن تشقها نصفين لكنها لم تستطيع ودون أن تشعر وجدت نفسها قد شرعت في البكاء بالفعل، لقد حافظت على مشاعرها كل تلك السنوات ليأتي هو ليبعثرها في أقل من ثلاثة أشهر.
لعنت أفنان نفسها وهي تمسح دموعها التي لا تدري سببها، رحيم لا يعني لها أي شيء هو مجرد شخص قابلته عن طريق المصادفة وقامت بمساعدته على سبيل الإنسانية ثم قابلته مجددا عن طريق المصادفة كذلك لكنه لم يكن سوى مدير الشركة والشخص الذي يمنحها التدريب وبالنسبة إليه هي ليست سوى متدربة. حاولت إقناع نفسها بكل ذلك كي لا تشعر بالآلم… لقد كان نوح محق حينما قام بتحذيرها بغض النظر عن كونه وغد لكنه كان يملك نظرة صحيحة.
بعد أن كفكفت أفنان دموعها عاهدت نفسها أنها ستتوقف عن التحدث بشأن رحيم بل أنها ستمنع نفسها من أن يخطر على بالها من الأساس.
مر أسبوع على خطبة ريماس والرسالة، عادت الأمور إلى مجراها مجددا الزيارات العائلية لخالتها وزيارة عمتها لتتحدث كل خمس ثوان عن ‘الشبكة’ باهظة الثمن الذي ابتاعها خطيب ريماس من أجلها، بدأت أفنان استعدادت العودة للدراسة ومازال رحيم لم يظهر بعد وقد توقفت أفنان عن ذكر اسمه حتى وإن كان يقفز إلى عقلها من الحين للآخر، حتى وإن كانت تشم رائحته في كل مكان وحتى وإن كانت تتذكر صوته، ضحكته، تعابير وجهه في كل ثانية.
‘جاهزة للكلية؟ لو اتأخرتي بكرة عالسكشن هطردك.’
‘نوح بقولك أيه أنا أساسا على آخري وبعدين هو مفيش معيد غيرك في الكلية كلها ولا أيه؟’
‘ما يمكن عشان سبحان الله المواد اللي قصدك عليها تبع قسم واحد واللي أنا متعين فيه؟! المهم متتأخريش برضوا.’
‘طيب ماشي باي بقى.’
في صباح اليوم التالي استيقظت أفنان بكسل، بدلت ثيابها المنزلية إلى ثياب مريحة نظر لأنها ستمضي وقتا طويلا في الجامعة، وضعت أغراضها والمعطف الطبي في حقيبتها واتجهت نحو الخارج.
“صباح الخير يا بابا صباح الخير يا ماما، ماما أعمليلي تلاتة لانشون واتنين جبنة رومي وخيارة معلش عشان مستعجلة ومتأخرة عالسكشن ومليش نفس.”
“خمس سندوتشات وملكيش نفس؟ أومال لو ليكي نفس هتاكلي دراعي ولا أيه؟”
“كده يا ماما بتعدي عليا اللقمه؟ مكنش العشم بس بكرة أسيبكوا وأمشي وتبقوا بتتمنوا كده أجي أفطر معاكوا.” قالت أفنان بنبرة درامية لتنظر نحوها والدتها بعدم تأثر قبل أن تعلق بسخرية:
“ليه مهاجرة ولا أيه؟”
“شايف يا بابا بتتريق عليا ازاي؟”
“معلش يا حبيبتي حقك عليا، ما تسيبيها يا رانيا تاكل بالهنا والشفا.”
“والله يعني أنت معاها عليا يا أحمد؟ ماشي.”
“لا يا ماما يا حبيبتي حقك عليا هاتي بقى السندوتشات عشان مستعجلة.” أردفت أفنان وهي تأخذ من والدتها الطعام وتهرول نحو الخارج.
وصلت أفنان في الموعد المحدد الثامنة والنصف وبينما تسير جهة المعمل لمحت بطرف عيناها نوح وهو يتجه نحو المعمل ايضا مما يعني أنه إذا وصل قبلها بثوان فهو سيمنعها من الدخول لذا وبدون ذرة تردد ركضت أفنان نحو الباب ودفعت نوح نحو الخلف بخفة وهي تهرول نحو الداخل.
“وصلت قبل حضرتك!” قالت من وسط أنفساها المتوقعة وهي تحاول ألا تضحك كي لا تغضبه.
“هعديهالك المرة دي بس مش هعديلك أنك واقفة في المعمل من غير البالطو.” تفوه نوح بنبرة رسمية وهو يبتسم ابتسامة سمجة لتضغط أفنان على فكها بغيظ وهي تلقي حقيبتها على أحدى الكراسي وتخرج منها المعطف وترتديه.
مرت ساعتين من الثرثرة المتواصلة لنوح ومن ثم تبعها ساعة من التطبيق العملي للشرح لينتهي السكشن في الحادية عشرة والنصف، تتجه أفنان مباشرة بعد ذلك لحضور محاضرة تستمر ايضا لمدة ساعتين، تنتهي أفنان أخيرا في الواحدة والنصف لتذهب إلى أحدى المقاعد في ساحة الحرم الجامعي لتجلس لتناول طعامها.
جلست أفنان وأخرجت الشطائر من حقيبتها وأخذت قضمه ومعها رشفة من عصير البرتقال الذي ابتاعته في طريقها إلى الجامعة، قاطع تناولها للطعام صوت أحدهم وهو يسألها بأدب:
“لو سمحتي ممكن أعرف فين شئون الطلبة؟” بمجرد أن أخترق الصوت مسامع أفنان سعلت بقوة لوقوف الطعام في حلقها قبل أن تتفوه بصدمة وسط سعالها بشيء واحد:
“رحيم!!!”
“أفنان Oh my god ‘يا إلهي’ أنتي كويسة؟” لم تجبه أفنان بل ظلت تسعل ليهرول رحيم إلى ‘الكافتيريا’ ليشتري لها زجاجة مياه ويمنحها إياها.
“أتفضلي Water will help ‘المياه ستساعدك’ عشان الـ…”
“شرقة؟” سألته من وسط سعالها ليجيبها بتوتر:
“مش عارف اسمها! بقيتي كويسة دلوقتي؟”
“اه الحمدلله… ثواني بس أنت أيه اللي جابك هنا؟”
“جاي اسأل عن اجراءات التقديم على تحضير Master ‘ماچستير’.” أجاب رحيم ببساطة شديدة وهو يضع كلتا يديه خلف ظهره، نظرت نحوه أفنان بعدم تصديق وهي تضيق عينيها قبل أن تعلق على حديثه بإنفعال قائلة الآتي:
“أنت هتستعبط يلا؟ ما انت معاك ماجستير!”
“هعمل ماستر كمان هو أنا لازم أحضر واحدة بس يعني؟” تحدث رحيم من وسط قهقهته فلقد أفتقدها كثيرا وأكثر ما أفتقده هو أسلوبها المميز وطريقتها تلك، ازدادت تعابيرات وجهها استياء حينما رأته يضحك.
“طيب أمشي دلوقتي يا رحيم لو سمحت، نوح لو شافنا هيعملي فضيحة في المكان كله وهنا بقى هو معيد رسمي مش شغال عندك عشان تمنعه!” أخبرته أفنان بتوتر وهي تتلفت حولها بينما نظر نحوها رحيم بلطف وهو يقول بثبات وثقة شديدة:
“طيب خليه يستجرى يعملك حاجة وقبل ما يروح بيتهم هيكون جواب فصله من الجامعة وصل قبله.”
“ده أنت جامد بقى وروش.”
“أنتي بتسخري مني صح؟”
“بتسخري؟ الست زينة هانم.” أردفت أفنان بسخرية وقد ارتسمت ابتسامة جانبيه على ثغرها نتيجة استخدامه لفعل باللغة العربية الفصحة وأكملت سخريتها بجملة من أحدى الأفلام القديمة.
“أنا مش فاهم أنتي بتقولي أيه بس تمام طالما اللي قولته خلاني أشوف ابتسامتك.” تفوه رحيم وهو ينظر إلى أفنان بنظرة حنونة لتُزيل الإبتسامة عن وجهها على الفور متعمدة مضايقته، ساد الصمت لثوان كانت أفنان تتأمل فيها عيون رحيم الخضراء الذي زادتها أشعة الشمس جمالا حيث جعلتها تبدو أفتح، أما عن ابتسامته فلا داعي لوصفها فلقد جعلت أفنان تذوب.
“رحيم أنت عايز مني أيه؟” سألته أفنان بجدية شديدة وهي تعقد كلتا يديها أمام صدرها، يأخذ رحيم نفس عميق قبل أن يجيب عن سؤالها قائلا:
“عايزك تسمعيني! عايزك تسمعيني زي ما سمعتك لما أنس شافك مع نوح، اديني فرصة أشرحلك وبعدها قرري هتسامحيني ولا لا!”
“لا مش قصدي في الموقف ده، قصدي أنت عايز مني أيه في العموم؟ مش كل اللي كان بيجمعنا التدريب وأديه خلص، أنت بقى عايز أيه دلوقتي؟”
باغتت أفنان رحيم بتلك الأسئلة، لم يتوقع قط أن تسأله أسئلة كتلك ولم تكن الإجابة حاضرة في ذهنه بالفعل لكن هي..
لقد راودتها تلك الأسئلة طوال الأيام الماضية التي لم تكن تعرف هي سر اختفاءه.
"معنديش إجابة محددة بس كل اللي أعرفه وواثق منه أني وأنا معاكي بكون أحسن نسخة من نفسي. بكون مطمن وبكون على طبيعتي... هل دي إجابات كافية بالنسبالك؟"
أجابها رحيم بصدق وبنبرته الهادئة المعتادة التي كانت كالسيمفونية في أذن أفنان. تجنبت النظر إليه بينما كان ينظر هو إلى داخل عيناها. بالرغم من التأثير العظيم لتلك الكلمات على قلبها وبغض النظر عن تلك الرجفة التي أصابت يدها إلا أنها شعرت أن الأمر برمته خاطئ.
"رحيم أنت لازم تمشي دلوقتي. الناس بدأت تاخد بالها ما هو مش طبيعي حد يجي الكلية ببدلة سينيه!!"
"على فكرة الناس في حفل التخرج بيلبسوا بدلة."
"اه ما أحنا مش في حفلة تخرج ولا ده حتى وقت مناقشة مشروع تخرج فا من فضلك أمشي."
"مش همشي من غيرك. أنا عارف أنك خلصتي المحاضرات اللي عندك النهاردة، لذا يلا نمشي."
كادت أفنان أن تجادله لكنها لمحت بطرف عيناها نوح يقف على مسافة ليست ببعيدة ويتحدث إلى بعض الطلاب. تتسع عيناها على الفور وهي تلملم أغراضها ثم توجه نظرها نحو رحيم وهي تردف:
"طيب ماشي يلا بسرعة بس. أمشي قدامي أسبقني."
"مينفعش أمشي قدامك، السيدات أولاً."
"لا مش وقت جنتله خالص وحياة الست الوالدة." تمتمت أفنان وهي تسرع من خطواتها لكن رحيم لم يقتنع بحديثها وجعلها هي تتقدمه أثناء السير. وقد فعل ذلك لأنه شعر أنه بحاجة لحمايتها ومراقبة جميع من حولها.
"تحبي نقعد فين؟" سألها رحيم فور أن غادروا مقر الجامعة لتجيبه أفنان على الفور:
"أي مكان. أقولك بينا عالزمالك في قهوة بلدي هناك جنان."
"أفي، أفي أحنا هنقعد في مطعم تمام؟"
"أي حتة يا رحيم خلينا نخلص."
"تمام هطلبلك عربية توصلك."
أومئت أفنان بحسنها ولم تعلق بالمزيد. بعد ثلاثة دقائق جائت سيارة بالفعل. تأكد رحيم من سلامتها ثم اتجه إلى سيارته ليسير خلفها. كانت أفنان طوال الطريق تفكر في كم هي مستاءة من رحيم لكن ظهوره الغير متوقع وكلماته المعسولة جعلتها تتناسى غضبها الشديد الذي كانت تكتمه داخلها في الأيام الماضية. بعد عشرون دقيقة توقفت السيارة أمام المكان المنشود.
وكالعادة أخذها رحيم إلى مطعم فاخر. لم يكن المكان مزدحماً نظراً لأن الوقت مازال مبكراً. دلفت أفنان نحو الداخل بعد أن قام رحيم بفتح الباب من أجلها بنبل المعتاد.
"نجيب قائمة الطعام دلوقتي ولا نستنى شوية؟"
"أنا جاية لا أكل ولا أشرب يا رحيم. قول الكلمتين اللي عندك عشان أروح لو سمحت عشان مش المفروض أصلاً أني أكون قاعدة معاك دلوقتي." قالت أفنان بحزم شديد لينظر نحوها رحيم بحيرة قبل أن يسألها:
"ليه غلط؟ أحنا في مكان عام وفي ناس حوالينا وأحنا مش في وقت متأخر."
"كل دي مش مبررات. غلط عشان مينفعش أقعد مش شاب غريب وكمان بدون علم أهلي عالعموم مظنش أنك جايبني هنا عشان تناقشي في معتقداتي وأفكاري." كانت أفنان تشعر بذنب شديد لجلوسها مع رحيم بل وتحدثها معه من الأساس.
"طيب أنا هطلب عصير لينا أحنا الأتنين وبعدها هشرحلك سبب اختفائي وهخليكي تمشي عشان متتأخريش."
"قولتلك مش عايزة أشرب حاجة."
"طيب عايزة أيه؟"
"أطلبلي نص فرخة." أردفت أفنان بسخرية مقتبسة تلك الجملة من أحدى الأفلام الكوميدية. وبعد العديد من المناوشات حول ماذا سيكون طلبهم انتهى بهم الأمر وهو يتناولون طبقاً رئيسياً. ساد الصمت لبعض الوقت بينما تطالع أفنان رحيم بإستياء بينما ارتخت تعابير وجهه.
"أفنان أنا كنت مسافر إنجلترا. كان لازم أسافر ضروري ومكنش في وقت اقولك."
"ويا ترى أيه اللي خلاك تسافر ملهوف كده إن شاء الله؟" سألت أفنان بحنق شديد وهي تضع أحدى يديها على خصرها. يضحك رحيم حينما يرى ردة فعلها ثم يغمض عيناه لثوان ويتنهد ثم يكمل:
"طيب ممكن تديني فرصة أشرحلك من غير ما تقاطعيني؟" أومئت أفنان بهدوء ظاهرياً بينما في داخلها كاد الفضول يقتلها.
"أنا كنت المفروض هقابلك ونقعد شوية بعد الحفلة كنت هخلص معاكي وأطلع عالمطار على طول. أنا عارف أن أسلوبي في الرد عالرسالة بتاعتك مكنش حلو بس أنا كنت مضغوط جداً. المهم أني في طريقي للمطار التليفون وقع مني في العربية وما أكتشفتش ده غير لما سافرت."
"وهناك في بلاد برا مفيش تليفونات يعني ولا أيه؟ عايشين في العصر الحجري." سألته أفنان بمزيج من الحنق والسخرية لكن رحيم لم يتأثر كثيراً بل نظر نحوها بهدوء تام وهو يرتشف من كوب الماء الذي أمامه ثم يحمحم ثم يجيبها بالآتي:
"لا في تليفونات بس أنا مش حافظ رقمك وأنا أصلاً كنت مشغول جداً لدرجة مكنش في وقت حتى للأكل والنوم."
"اه أومال أنت ازاي بعتلي وردة ورسالة على مكان الخطوبة بقي إن شاء الله؟" سألته أفنان بحنق ليضحك رحيم على أسلوبها حيث بدت غاية في اللطف وهي مستاءة.
"عشان أنا قبل ما أسافر كنت بالفعل متفق مع حد أنه يبعتلك مسدچ وورقة على مكان الخطوبة."
"وأنت عرفت مكان الخطوبة منين؟ وعرفت منين أصلاً أن في خطوبة؟ أيه ممشي ورايا مخبر؟"
سألته عدة أسئلة متتالية وهي واثقة من أنه لا يملك إجابة مقنعة فكيف له أن يرسل تلك الأشياء دون أن يحضرها هو بنفسه!
استطاع رحيم قراءة تعابير وجهها، والتي لم تبدو مقتنعة كثيرًا بإجابته السابقة. ارتسمت ابتسامة جانبية على ثغره وهو ينبس بالإجابات خاصته، والتي بدت منطقية إلى درجة كبيرة.
"سمعتك في يوم بعد تدريب بتكلمي ميرال على الفستان، وبعدين الـ Location 'الموقع الجغرافي' مفيش أسهل منه. أفنان literally 'حرفيًا' كان في حد عاملك Tag 'إشارة' بمكان وميعاد الخطوبة."
"يعني أنت مكنتش موجود يومها؟"
"لا."
"طيب ممكن أعرف أنت سافرت ليه أصلًا؟ ممكن ولو لمرة واحدة تديني مبرر مقنع لإختفائك المفاجئ."
"كل دي مش أسباب كافية؟" سأل رحيم بإندهاش شديد، لتحرك أفنان رأسها بـ 'لا'، ثم تضيف:
"عايزة أعرف كنت مسافر ليه."
"أول مرة تبقي فضولية، عمرك ما سألتي."
"عندك حق، أنا مش المفروض أسأل أصلًا. سلام." نبست أفنان بضيق وهي تأخذ حقيبتها وتهم بالرحيل، ليجذبها رحيم برفق بواسطة حقيبتها.
"استني بس استني... أنا مش هينفع أقولك عشان هي حاجة متخصنيش أنا."
"أومال تخص مين إن شاء الله؟"
"أنس. والموضوع كبير ومالوش علاقة ببنات متقلقيش." زفرت أفنان براحة حينما سمعت، كانت نبرة رحيم صادقة، وعلى أي حال هو ليس بحاجة للكذب.
"بس كده؟"
"لا كان عندي اجتماع مع شركة هناك في شغل بينا وبينهم. وبما إن بابي مكنش فاضي وأنا كنت هناك أصلًا فخلصت الشغل." كانت تسمع أفنان بإهتمام، لكن بمجرد أن قال رحيم لفظة 'بابي' انفجرت أفنان ضاحكة حتى دمعت عيناها، بينما نظر نحوها رحيم بحيرة وهو لا يدري ما المضحك في حديثه إلى تلك الدرجة؟
"هو أنت بجد بتقول لباباك يا بابي؟"
"اه. فين المشكلة مش فاهم؟"
"توتو فعلًا توتو." علقت أفنان بسخرية وهي تقهقه بقوة، لينظر نحوها رحيم بحيرة وهو يسألها بعد فهم:
"توتو؟ أنتي بتقولي أيه؟ أنا مش فاهم."
"خلاص متزعلش أنا آسفة، بس أصل الموضوع غريب أوي بجد."
"ليه هو أنتي بتقولي لـ Uncle 'عمو' أيه؟"
"بقوله بابا أو ساعات يا حج، ساعات بندهله بإسمه. وممكن أدلعه أقوله يا حمادة كده يعني."
"لا لا wait a second 'انتظري لثوانٍ'. أنتي بتقولي لباباكي بإسمه وبتدلعيه؟" سأل رحيم وقد كانت الدهشة بادية في نبرته، لتضحك أفنان في البداية، ثم تدرك أنه حقًا منبهر بما تقوله.
"هو أنت مش بتعمل كده؟"
"لا عشان It's not polite 'ليس من الآدب' أني أعمل حاجة زي كده." قام رحيم بإيضاح وجهة نظره، لتنظر نحوه أفنان بابتسامة صغيرة لا تخلو من التعجب. مرت بضع دقائق من الصمت بينما يتناول كلاهما طعامه، لم تُنهِ أفنان طعامها، لذا نظر نحوها رحيم وهو يردف:
"هخلي الـ Waiter ياخدلك باقي الأكل takeaway 'تأخذ الطعام للمنزل'."
"لا لا مش هينفع أروح بباقي الأكل، هما أصلًا في البيت ميعرفوش أني خرجت بعد الجامعة." أردفت أفنان التي نظرت إلى الساعة في هاتفها وقد كانت تقرب من الخامسة مساءً.
"حطيه في شنطتك محدش هياخد باله يا أفنان."
"أنت ناوي تعملي مصيبة بجد..."
"لا لا مفيش مصايب ولا حاجة Don't worry 'لا تقلق'."
"طيب رحيم أحنا مش هنتكلم تاني صح؟"
"هستناكي في الشركة عشان تيجي تاخدي الشهادة بتاعتك." أجاب رحيم على سؤالها إجابة لا تمت بصلة للسؤال خاصتها. نظرت نحوه أفنان بابتسامة جانبية، قبل أن ينظر رحيم إلى ساعة يده الفخمة، ثم يردف:
"أظن المفروض نتحرك عشان متتأخريش."
"اه يلا بينا." تمتمت بينما أخذت تتأمل ساعة رحيم الفاخرة، قبل أن تستقيم من مقعدها وتغادر المكان. كان كل شيء على ما يرام عدا أن أفنان لم تنتبه أنها جعلت هاتفها على وضع الصامت.
"أشوفك قريب يا أفي. مش هحسب مقابلة النهاردة لأني ملحقتش أقعد معاكي."
"ربنا يسهل يا رحيم.. شكرًا عالغداء وعلى الرسالة والوردة.. وكل حاجة."
"صدقيني دي أقل حاجة ممكن أعملها عشانك. بس عمومًا عفوًا يا ستي."
قام رحيم بطلب سيارة لتقوم بإيصال أفنان إلى المنزل. لوحت له أفنان مودعة إياه من داخل السيارة، بينما وقف هو ينظر نحوها بإبتسامة لطيفة، بينما يضع يده اليمين داخل جيب بنطاله وهو يلوح بيده الأخرى.
وصلت أفنان إلى منزلها في خلال نصف ساعة تقريبًا، وقد كانت الساعة قد وصلت إلى الخامسة والنصف تقريبًا. كانت أفنان ستطرق باب المنزل، لكنها قررت أن تستخدم المفاتيح خاصتها بدلًا من ذلك. فتحت أفنان الباب ببطء، وبمجرد أن خطت نحو الداخل، أخترقت أنفها رائحة عطر رجولي. لم تدري أفنان لمن تلك الرائحة، فتلك ليست رائحة والدها، ولم تمر سوى بضع ثوانٍ قبل أن تكتشف أفنان صاحب الرائحة...
لقد كان نوح يجلس على الأريكة يرتدي بذلة رسمية سوداء اللون، بينما يجلس إلى جانبه والدها، وعلى الأريكة الأخرى جلست خالتها ومريم إلى جانبها. وُضع أمام نوح على الطاولة علبة شيكولاتة فاخرة وباقة زهور. لم يستطع عقل أفنان استيعاب ما يحدث، وكادت أن تسأل الجميع، لكن قبل أن تفعل، قاطعها صوت نوح وهو يقول الآتي بنبرة لا تخلو من التودد:
"طبعًا يا عمو أحمد حضرتك اللي ربيتني بعد وفاة بابا الله يرحمه، وكان ليك فضل كبير جدًا عليا، وعشان كده أنا النهاردة اتجرأت وجيت عشان أطلب من حضرتك طلب."
"طبعًا يا حبيبي أتفضل." عقب والد أفنان بسعادة شديدة، ليبتسم نوح بتوتر وخجل، قبل أن يحمحم ويردف:
"عمو أحمد أنا طالب القرب من حضرتك."
رواية في حي الزمالك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ايمان عادل
"عمو أحمد، أنا طالب القرب من حضرتك."
تفوه بها نوح ليسقط فك كل من أفنان وميرال. نظرت أفنان نحو نوح برعب شديد. بذلة رسمية، باقة زهور، علبة شيكولاتة فاخرة ويطلب القرب من والدها!
هل فقد عقله للدرجة التي تجعله يأتي إلى هنا ويفعل شيئًا كهذا؟ وبهذه الطريقة السخيفة؟ لقد كانت برفقته في الجامعة بل وكانت تتحدث إليه كثيرًا وتراه أكثر في الفترة الماضية ولم يفكر ذلك الأحمق أن يلمح لها ولو تلميحًا بسيطًا بنيته السوداء تلك.
"يا نهارك أبيض! أنت البجاحة وصلت بيك أنك تعمل كده يا نوح؟ لعلمك بقى أنا مش موافقة، شوفت أحرجت نفسك وأسرتك معاك إزاي؟"
"مش موافقة على إيه؟ مش تسمعي اللي هقوله؟"
"سيبك منها يا نوح يا ابني وكمل وفرح قلبي."
أردفت والدتها بحماس ليحمحم نوح وهو ينظر إلى أعين أفنان الغاضبة وأعين ميرال التي اغرورقت بالدموع.
"يكمل إيه يا ماما؟ أنا بقولك مش موافقة."
"أنت مالك أصلًا توافقي ولا متوافقيش بتاع إيه؟"
"مالي إزاي يعني؟ هو مش زمن الجواري انتهى وكده ولا أنا فاهمة غلط."
"اصبري يا أفنان خليه يخلص كلامه الأول، قول يا نوح يا ابني."
"أنا جاي النهاردة يا عمي عشان أطلب إيد ميرال."
هنا تضاعفت الصدمة ولم تكن أفنان وحدها من تشعر بالصدمة بل الجميع. فقد نطق نوح باسم غير متوقع بتاتًا. نظر الجميع نحو نوح بصدمة، لكن أفنان كانت تنظر نحوه بصدمة، شك، غضب وتوجس. لقد كان الأمر برمته خاطئًا. قدومه إلى هنا بتلك الطريقة وتحدثه إلى والديها مباشرة، متجاهلًا إياها، ثم طلب الزواج من ميرال!
"م... ميرال؟" سألت والدتهم بدهشة وتلعثم. فطوال حياتها تقول أن أفنان لنوح ونوح لأفنان. متى ظهرت ميرال في الصورة؟
"آه يا خالتو ميرال. أنا بصراحة معجب بيها جدًا و... هي شخصيتها مناسبة لشخصيتي، وطبعًا أنا لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي في أدب ولا أخلاق بنت من بنات خالتي."
تفوه نوح بثقة بدت مثيرة للريبة قليلًا إلى أفنان. ولما قال "بنت من بنات خالتي" لما لم يختص ميرال في حديثه؟ كان هذا السؤال يدور في مخيلة أفنان.
أما عن ميرال فقد اختلطت مشاعرها ولكن الغالب كان الصدمة. صدمة جعلتها لا تنبس بحرف واحد، بل تراقب ما يحدث وكأنها تشاهد فيلمًا وليست مشتركة في الأحداث، بل هي البطلة الرئيسية الآن. بدأ عقلها في ترجمة ما يحدث ببطء شديد، لكن كل ما تعرفه الآن هو أن حلمها يكاد يصبح حقيقة. سيكون نوح من نصيبها أخيرًا. سيصبح زوجها ولن يبتعد عنها مجددًا مطلقًا. ابتسمت ميرال ابتسامة واسعة من الأذن للأذن وهي تطالع نوح.
"تعالي يا ميرال يا حبيبتي تعالي في حضني هنا."
قال والدها بهدوء وحنان وهو يحاول إخفاء الإرتباك الذي يشعر به. على الفور نفذت ميرال وبأرجل مرتعشة ذهبت لتجلس إلى جانب والدها بخجل.
"أنتي سمعتي اللي نوح قاله؟"
سأل والدها لتومئ ميرال بنعم، بينما تراقب أفنان ما يحدث بأعين يتطاير منها الشرار.
"طب وأيه رأيك يا حبيبة بابا؟"
"أعتقد أنه المفروض نديها فرصة تفكر يا بابا ولا إيه؟"
سألت أفنان بجملة بدت خبرية أكثر من كونها سؤالًا، لتنظر نحوها مريم بنظرة ذات مغزى قبل أن تعلق مؤكدة على كلام أفنان قائلة:
"أفنان بتتكلم صح، وبعدين ده إحنا زيتنا في دقيقنا يعني ومفيش حد غريب يفكروا براحتهم وبعدين يردوا علينا."
"بس أظن أني عارف رد ميرال."
علق نوح بثقة وهدوء لترمقه أفنان بحدة وغيظ. ذلك الأحمق يقول أن شقيقتها "مدلوقة عليه" كما يقولون. حتى وإن كان ذلك صحيحًا، فلن تقبل أفنان أن يصرح به.
"حتى ولو ده مش قرار ميرال لوحدها، ده قرار أسرة كاملة فأظن المفروض نسيبهم يتناقشوا وياخدوا راحتهم يعني."
أردفت مريم من بين أسنانها وهي تضرب نوح في كتفه بخفة دون أن يلاحظ أحد.
"طيب يا نوح مش هتقول لعمو إمكانياتك إيه وكده عشان تبقى كل حاجة على نور ويفكروا براحتهم؟"
"إيه الكلام ده بس؟ ده أنتي أختي وده ابني اللي مخلفتوش، ولو لفينا الدنيا كلها مش هنلاقي عريس زيه."
"لا يا خالتو ماما بتتكلم صح. بص يا عمو أنا عندي شقة في أكتوبر مساحتها ١٢٠ متر وتلات أوض."
"أول مرة يعني نعرف أن عندك شقة."
قالت أفنان بسخرية لينظر نحوها نوح بإستهزاء ثم يردف:
"بابا كان شاريها عشاني وأنا بدأت توضيب فيها. وطبعًا حضرتك عارف يا عمو أن مرتب الكلية مش كبير عشان أنا لسه في البداية، بس أنا بدي كورسات وتدريبات في شركات كبيرة وده بيدخلي مبلغ كويس الحمدلله."
لم ترد أفنان على حديثه لكنها كانت تنصت بإهتمام حتى صدح في المكان صوت رنين هاتفها لتنتفض من موضعها وهي تنظر نحو الاسم. ذلك الأحمق لما يتصل بها الآن! ألم تكن برفقته منذ ساعة! كانت الأنظار كلها موجهة نحو أفنان التي حاولت أن تتصرف بهدوء دون أن تتسبب في المزيد من لفت الانتباه. أنهت أفنان المكالمة ثم أرسلت له رسالة على تطبيق الواتس أب قائلة: "عندنا ضيوف مش هعرف أرد عليك دلوقتي." أغلقت أفنان الهاتف ووضعته في جيب البنطال خاصتها ثم عاودت النظر نحوهم ليحمحم والدها ثم يعلق على حديث نوح السابق مردفًا:
"كويس جدًا، بس أنت عارف يا نوح أن الماديات طبعًا مش فارقة معانا، المهم الأصل وأنك تشيل بنتي في عينيك."
"أنا عارف طبعًا يا عمو، وأنا لو عليا أجيب تِقل ميرال دهب. عمومًا أنا تحت أمر حضرتك في أي طلبات وكمان الشبكة يعني..."
"لا مش هنتكلم في الشبكة دي هديتك لميرال وتجيبها حسب إمكانياتك."
"أنا شايفة أنه بدري شوية عاللي بتتناقشوا فيه ده، إحنا أصلًا مقولناش موافقين ولا لا."
علقت أفنان بحدة وهي تعقد يديها بإستياء أمام صدرها لتتوجه نحوها أنظار الجميع بإندهاش من نبرتها تلك بل ومن حديثها بشكل عام.
"أفنان معاها حق. طيب نستأذن أحنا بقى يا عمو وهستنى الرد بتاع ميمي... احم قصدي ميرال."
"لا تستأذنوا فين بس، استنوا هنتعشى سوا."
"لا يا رانيا، خلي العشاء لقراية الفاتحة إن شاء الله."
"ماشي يا حبيبتي نورتونا، الودودي ازغرط بس ملحوقة المرة الجاية إن شاء الله."
بمجرد أن غادر الجميع ساد صمت غريب على المكان لا أحد يدري ماذا يقول. هل يبدأون في المباركة لميرال أم يتناقشون في الحدث الصادم الذي حدث قبل قليل؟ لم تعِ أفنان بنفسها سوى وهي تسحب ميرال إلى حجرتهم ثم تدفع بها على السرير لتجعلها تجلس غصبًا.
"ميرال هو أنتي موافقة عاللي بيحصل ده؟"
"يا ماما أنتي مال وشك عامل كده؟ هتتحولي ولا إيه؟"
"ميرال أنا مش بهزر! أنا سألت سؤال وعايزة رد اه ولا لا؟"
"أفنان أنتي بتسألي بجد ولا بتهزري؟ أفنان! أفنان أنتي مستوعبة اللي بيحصل؟ حلم حياتي بيتحقق ونوح اللي بحبه من وإحنا عيال صغيرة جاي يتقدملي، بيحبني وجاي يتقدملي!"
تفوهت ميرال بحماس شديد وقد لمعت عيناها. كانت تعبث ميرال في خصلات شعرها السوداء وهي تتحدث بشغف عن الأمر بينما كانت تطالعها أفنان بحيرة ممزوجة بالشفقة. نوح لا يحب ميرال، هذه حقيقة مطلقة، لكن أفنان لا تدري كيف تخبر ميرال بذلك فهي لا تريد أن تفسد فرحتها، لكن في الوقت ذاته أفنان تعلم جيدًا أن تلك السعادة هي مجرد سراب.
"ميرال هو أنتي متأكدة أن نوح بيحبك؟"
سألت أفنان بطريقة مباشرة ليصبها الندم فور عبوس ميرال. لكن لا بأس، فلتحزن ميرال قليلًا الآن بدلًا من أن تحزن ما تبقى من عمرها. ساد الصمت لبرهة قبل أن تتفوه ميرال بالآتي:
"لو مش بيحبني هيتجوزني ليه؟ وبعدين عادي يعني في ناس كتير اتجوزوا من غير حب وحبوا بعض مع الأيام والعشرة، ولا أنتي شايفة أني مستحقش أتحب يا أفنان؟"
"والناس دول كانوا جوازاتهم بيحبوا أخواتهم برضوا يا ميرال؟!"
بإستنكار وحنق شديد طرحت أفنان سؤالها. نظرت نحوها ميرال بصدمة شديدة فهي لم تتوقع قط أن تتفوه شقيقتها بجملة كتلك. دمعة تهرب على الفور من أعين ميرال وهي تنبس بالآتي:
"نوح مش بيحبك يا أفنان، نوح متأثر بكلام ماما وخالتو، وأنا عمري ما اتخيلت في حياتي أنك تقوليلي حاجة زي كده!! شكرًا جدًا يا أفنان."
يا أختي يا اللي المفروض تفرحيلي وعلى فكرة بقى أنا هروح أقول لبابا أني موافقة!
صاحت ميرال في وجه أفنان لتجفل الأخيرة في صدمة من نبرة شقيقتها التي لم تحدثها بها من قبل. لقد كانت ميرال غاضبة، غاضبة لدرجة قد أعمتها عن الحقائق التي تفوهت بها شقيقتها. فكل ما يستوعبه عقلها هو أن شقيقتها الصغرى تحاول تخريب سعادتها وهي لا تدري لماذا. ربما لأن أفنان اعتادت أن تحصل على كل الاهتمام، الحب، التشجيع ودائمًا ما كانت الاختيار الأول للجميع. ربما عقلها لم يستطع تقبل فكرة أن نوح قد اختار ميرال بدلاً منها. هذا ما كان يدور في خاطر ميرال.
"ميرال لا!" تفوهت أفنان بمزيج من الترجي والاستياء وهي تجذب ميرال من ذراعها بلطف. لتدفع ميرال يدها بعنف وهي تعلق قائلة:
"دي حاجة متخصكيش يا أفنان."
في غرفة والدي أفنان، جلست والدتها على الأريكة بجانب زوجها بينما يحتسي كلاهما الشاي. كان والد أفنان جالسًا يفكر في صمت، فما زال عقله مشتتًا بما حدث قبل قليل. قاطعت زوجته الصمت وهي تتحدث بسعادة قائلة:
"مش مصدقة نفسي. أخيرًا يا أحمد هنطمن على بنت من بناتنا. لا وأيه مع واحد أنا اللي مربياه على ايدي يعني عمره ما هيزعلها."
"والله يا رانيا أنا مش عارف هنطمن عليها ولا قلبنا هيتوجع عليها." تحدث زوجها بينما يتنهد بضيق. هو حقًا لا يدري ما الصواب وما الخطأ في ذلك الأمر.
"أعوذ بالله يا أحمد أيه الفال الوحش ده؟!! لا طبعًا هنطمن عليها إن شاء الله. نوح عمره ما هيزعلها."
"رانيا هو أنتي بجد مش مستوعبة اللي حصل؟"
"وأيه اللي حصل؟ أنت شكلك يا أحمد متضايق عشان اللي هتتجوزه يبقى ابن أختي. عمرك ما نسيت مشاكل العائلة زمان."
"والله عيب عليكي يا رانيا بعد العمر ده كله لما تفكري فيا كده! زمان أيه ومشاكل أيه اللي هفكر فيها دلوقتي! أنا بتكلم في أن نوح طول عمره بيحب أفنان والكل كان بيقول أن أفنان ونوح لبعض بغض النظر أن الموضوع ده عمره ما جه على هوايا وأني دائمًا كنت بتخانق معاكي عشان مينفعش تسمعي الولاد وهما صغيرين الكلام ده. لكن اللي أنا مش فاهمه ازاي نوح طول السنين دي بيلمح لأفنان وفجأة كده عايز يخطب ميرال؟"
"أديك قولت ده كان كلام عيال وهما صغيرين. أكيد هو أنجذب لشخصية ميرال عشان شاف فيها الزوجة العاقلة الراسية. أما بنتك التانية دي دماغها ضاربة ومتعرفش تفتح بيت."
"بالعكس يا رانيا. بالعكس... أفنان دي لفت وشافت وعندها خبرة في الحياة وبتعرف تجيب حقها. أما ميرال دي غلبانة يعني لو هو جه عليها عمرها ما هتشتكي."
"أنا بصراحة بقى شايفة أنك أنت وأفنان مكبرين الموضوع ورد فعلكوا النهاردة مكنش مضبوط وكان فيه إحراج ليهم وليا أنا كمان. أنا بصراحة شايفه أننا نسمع رأي ميرال في الأول والآخر هي اللي هتتجوز و..."
قبل أن تكمل رانيا الجملة، اقتحم الباب من قبل ميرال التي وقفت تنظر إلى والديها بثبات شديد قبل أن تفتح ثغرها وتقول:
"بابا أنا موافقة أتجوز نوح."
ساد الصمت لبرهة بينما ينظر نحوها والدها في حيرة شديد. لكن رانيا استقامت من جلستها بسعادة وهي تطلق زغرودة. تأتي أفنان على أثرها مهرولة نحو الغرفة وهي تبادل والدها نظرات الحيرة والاضطراب.
أما عن نوح، فكان يقود سيارته عائدًا إلى المنزل برفقة والدته وشقيقته. ساد الصمت في المكان لكن عقلهم لم يخلو من الصخب وضجيج الأفكار المشتتة. حتى كاد نوح أن يكسر الإشارة مرة أو اثنتين أثناء القيادة. وصلوا إلى منزلهم بعد وقت قصير، وبمجرد أن دلف نوح إلى داخل المنزل اتجه نحو غرفته هاربًا من أي نقاش. هم ليغلق باب حجرته لكن مريم أدخلت قدمها فمنعته من ذلك.
"مش قادر أتكلم."
"مش قادر تتكلم دلوقتي وكنت عامل زي البغبان هناك ما شاء الله! أنا مشوفتش في برودك يا أخي والله."
"عايزه أيه يا مريم الساعة دي؟"
"عايزة أعرف أيه اللي أنت عاملته النهاردة ده؟ نوح هو انت جرا لعقلك حاجة؟!!"
"عملت أيه؟ مش أنتي كنت دائمًا بتنصحيني أسيب أفنان وارتبط بميرال؟ مش ده اللي أنتي كنتي عايزاه؟"
"نوح متصيعش عليا! أنا كنت بقول كده على أنكوا بتحبوا بعض ولعب عيال وشغل مراهقين. لكن لما الموضوع يدخل في الجد ويبقى جواز يبقى لازم تحدد كويس أنت عايز مين. فمتجبش الموضوع فيا أنا."
صفعت مريم الحقائق في وجهه بنبرة غاضبة. لكنه اكتفى بالنظر نحوها بتعابير وجه باردة بينما يخلع رابطة عنقه. أخذت مريم نفسًا عميقًا ليسود الصمت لثوانٍ قبل أن تكمل حديثها بسؤال هام:
"أنا بس عايزة أعرف هو أنت مدرك اللي أنت عاملته النهاردة ولا مش واصلك؟"
"اه طلبت أيد ميرال."
نبس نوح بلا مبالاة. بينما كانت تتمنى مريم لو تمسك برأسه وتدفع به في الحائط كي يسترد وعيه ويدرك حجم الكارثة التي قد فعلها.
"طلبت أيد ميرال بعد ما فهمتنا أنك هتطلب أيد أفنان. يا أخي ده أنا كنت شايفة حرف الألف وهو بيخرج من بوقك وفجأة كده بقى ميم سبحان الله."
"ما تسيبي أخوكي في حاله يا بت أنتي. وبعدين أنا أساسًا مكنتش موافقة على أفنان. هي أه بنت أختي وبحبها بس هي شخصية صعبة ومكنتش هتريح ابني."
علقت والدتها التي دلفت إلى الغرفة من اللامكان. لكنها جاءت غالبًا حينما سمعت صوت شجار مريم ونوح. وكالعادة قد أخذت صف نوح بدلاً من مريم. ضحكت مريم بسخرية على حديث والدتها المتوقع قبل أن تردف بالسخرية ذاتها الآتي:
"لا وأنتي يا ماما اسم الله على ابنك مريح أوي. نوح حبيبي بابا.. مينفعش تكسر قلب ميرال عشان تغيظ أفنان. أفنان مستفزة وقليلة الذوق أنا عارفة. لكن ميرال ملهاش أي ذنب."
"أنتي بجد يا مريم فاكرة أني ممكن أطلب أيد ميرال بس عشان أغيظ أفنان؟"
"اه."
"يبقى متعرفنيش كويس."
"يارب يا نوح، يارب مكونش عارفاك كويس والنهاية متبقاش غم على دماغنا ونخسر خالتنا وبناتها اللي ملناش غيرهم."
"اطلعي منها بس أنتي وأفنان ومحدش هيخسر حد. ولو سمحتي اطلعي برا بقى عشان عايز أغير هدومي."
"ماشي يا نوح."
قالت مريم وهي تسحب والدتها ويتجه كلاهما نحو الخارج. تاركين نوح غارقًا في دوامة من الأفكار لا نهاية لها.
لم يستطع أحد أن ينام في تلك الليلة وكأن النوم أقسم ألا يخطو عتبة تلك العائلة. ما حدث اليوم لم يكن بالأمر الهين بالنسبة للجميع، بل وبالنسبة لنوح نفسه المتسبب في كل ذلك. كانت أفنان متمددة على سريرها وقد أشاحت بوجهها عن سرير ميرال. كانت دموع أفنان تنهمر في صمت. بينما يرفض عقلها تصديق أن ميرال تحدثت إليها بتلك الطريقة اليوم ومن أجل من؟ نوح المغفل.
لكن كل ذلك لم يهم أفنان الآن. بل كل ما كان يهمها هو أن عليها إيقاف تلك الزيجة بأي ثمن. أو ليثبت لها نوح حسن نواياه ويثبت حقيقة مشاعره تجاه ميرال. فحتى ولو لكان القرار النهائي يعود لميرال، فأفنان ستحاول إقناعها بشتى الطرق بإنهاء ذلك الأمر قبل أن يبدأ.
في صباح اليوم التالي، استيقظت أفنان ونظرت إلى سرير شقيقتها لتجده فارغًا. على ما يبدو أنها ذهبت للعمل. غادرت أفنان سريرها واتجهت نحو الخارج بكسل لتجد والديها يتناولوا طعام الإفطار.
"صباح الخير. ميرال راحت الشغل؟"
"اه أنتي مش رايحة الكلية؟"
"لسه السكشن الساعة 12. صحيح يا بابا أنت منزلتش الشغل ليه؟"
"حسيت أني مرهق فا اخدت النهاردة أجازة. أيه رأيك أوصلك للجامعة ونتكلم؟"
"أيه ده هي العربية اتصحلت؟" سألت أفنان بحماس شديد. ليومئ والدها بنعم لتقفز هي في موضعها بسعادة. ثم تنظر نحو والدتها بامتنان. فهي من استطاعت أن تقنعه بأن يأخذ الأموال دون أن يعرف بالطبع أنها خاصة أفنان. تناولت أفنان طعامها ومن ثم قامت بتجهيز أغراضها وبدلت ثيابها سريعًا.
"بابا أنا جاهزة."
"وأنا كمان يلا بينا."
داخل سيارة والد أفنان، ساد الصمت لبضع دقائق بينما تزاحم عقل أفنان بالأفكار. لكن فجأة خطرت على بالها فكرة مرعبة. ماذا إن قرر رحيم أن يفاجئها وينتظرها أمام الجامعة وهي برفقة والدها اليوم؟!!
أكثر ما يخيفها في الأمر أن رحيم ساذج وقد يذهب لإلقاء التحية على والدها بكل إريحية دون أن يدرك نتائج ذلك. ففي النهاية نحن في القاهرة ولسنا في لندن.
"أفنان كنت عايزة أتكلم معاكي بخصوص موضوع نوح وميرال وبعيد خالص عن رانيا."
"أتفضل يا بابا."
"أنا عارف أنك رافضة وكان باين عليكي جدًا من أول ما بدأ كلام. أنا بس عايز أعرف سبب إصراراك على الرفض.. هل أنتي شايفاه مش مناسب لأختك ولا..."
"مفيش ولا حاجة يا بابا. أنا مش بحب نوح لو ده اللي حضرتك بتحاول تلمح ليه. نوح ده بالنسبالي أخويا وأخ رخم كمان. أحنا مش بنعرف نتفاهم مع بعض خالص ولا نقعد دقيقتين على بعض من غير خناق."
"طيب فين المشكلة؟" سأل والدها بحيرة. لتأخذ أفنان نفس عميق بينما تحاول ترتيب أفكارها قبل أن تتحدث.
"المشكلة يا بابا في كذا حاجة. أولًا نوح فضل سنين بيلمحلي أنه بيحبني وفي الآخر غير رأيه على آخر لحظة وطلب أيد ميرال. ثانيًا ميرال بتحب نوح جدًا يا بابا..."
بتحبه لدرجة أنها امبارح اتخانقت معايا جامد لأول مرة عشانه. هو ليه تأثير كبير عليها. وثالثًا بقى أن نوح شخصية ملهاش أمان، يعني ممكن يفضل يحب في حد طول الوقت، ومع أول خلاف يسمعه كلام زي الزفت.
أنا بصراحة مش موافق عالجوازة دي ومش مرتاح للموضوع كله.
عقب والدها على حديثها لتبتسم أفنان بإنتصار، لكن سرعان ما تختفي تلك الإبتسامة حينما يكمل والدها حديثه مضيفًا:
بس أنا عمري ما أجبرتكوا على حاجة. أنا ربيتكوا أنكوا تختاروا كل حاجة بنفسكوا، طالما أنكوا عارفين أنكوا الشخص الوحيد اللي هيتحمل نتيجة الأختيار ده.
يعني أنت يا بابا هتسيبها تتجوز نوح؟
مقدرش أجبرها يا أفنان. أنا بس هنصحها وهي حرة.
صمتت أفنان عند هذا الحد بغيظ شديد. والدها صادق، هي لم تعتاد أن تُجبر على أي شيء، وبالفعل معظم قرارات أفنان منذ أن كانت صغيرة كانت تتخذها بنفسها، لكن في هذا الموقف تحديدًا تمنت لو أن والدها يُجبر ميرال أن ترفض. لكن المشكلة تكمن في أنه لا أحد منهم يُدرك كم الأذى الذي سيلحق بميرال إن وافقت، غير أفنان.
أحنا وصلنا. خلي بالك من نفسك ومتتأخريش.
حاضر يا حبيبي. شكرًا عالتوصيلة.
لمحت أفنان بطرف عيناها نوح يغادر المبني ويتجه إلى الجهة الآخرى منه، لتهرول هي لاحقة به. كانت تلك المنطقة خاوية من الطلاب لذا لم يوجد أحد سواهم. أقتربت أفنان منه وجذبته من حقيبته بقوة حتى كاد أن يتعثر ويسقط.
أنا عايزة أفهم أيه اللي أنت هببته إمبارح ده؟
أيه ده؟ أيه ده في أيه؟ أنتي اتجننتي يا أفنان ولا الغيرة كلت دماغك؟
غيرة مين يا أبو غيرة. ده أنا أغار على عم محمد بتاع كشك السجاير اللي على أول الشارع، ولا أني أغار عليك.
طبعًا ما أنا مش قد المقام زي ناس تانية.
نوح حبيبي بابا، أنت مدرك أنت عاملت أيه كويس؟
آه. اتقدمت للبنت اللي عايز أكمل معاها حياتي.
طيب بص يا نوح هقولك كلمتين تحطهم حلقة في ودنك. لو الزفت اللي أنت بتحاول تعمله ده كمل وإرتبطت أنت وميرال وفكرت، مجرد فكرة بس أنك تزعلها، مش هخلي الدكتور يعرف يخيط فيك غرزة أمين.
أنتي نسيتي نفسك يا دكتورة ولا أيه؟ احترمي نفسك وأنتي بتتكلمي معايا.
والله ده أسلوبي ولو مش عاجبك حولني مجلس تأديب.
أردفت أفنان بلا مبالاة وهي تغادر المكان ليتمتم هو بمزيج من الغيظ والرهبة:
ده أنتي محتاجة تروحي القسم مش مجلس تأديب.
اتجهت أفنان إلى أحدى المعامل حيث سيبدأ "السكشن" الخاص بها. ولأول مرة تقريبًا منذ أن بدأت مسيرتها التعليمية في الجامعة أن تجلس شاردة لتلك الدرجة، فلم يكن هناك متسع في عقلها لإستقبال المعلومات التي يتم شرحها.
أفنان أنتي كويسة؟
سألت بصوت أقرب إلى الهمس فتاة تجلس إلى جانب أفنان، والتي كانت تُعدي روميساء وهي زميلة أفنان في الجامعة.
مصدعة شوية. لما نيجي نشتغل عملي فهميني هنعمل أيه.
حاضر. متكتبيش حاجة هكتب أنا وابعتلك.
شكرتها أفنان بإمتنان فهي بالفعل لا تقوى على التركيز ولا الكتابة. انتهى اليوم الطويل أخيرًا وعادت أفنان إلى المنزل في السادسة والنصف مساءً لتجد أن ميرال قد عادت بالفعل وهي تساعد والدتهم في طهو الطعام. أخرجت أفنان تنهيدة طويلة وهي تُغلق الباب من خلفها بخفة ثم تتجه نحو حجرتها دون أن تنبس بحرف واحد.
مش اللي داخل البيت ده بيقول السلام عليكوا حتى؟
والله بقيت أنا دلوقتي اللي غلطانة؟
متزعليش مني. أنا اتعصبت عليكي جامد إمبارح مكنش قصدي، بس أنا يا أفنان بحب نوح ومش هضيع الفرصة دي من ايدي، وحتى لو هزعل بعدين مش مهم طالما هفرح دلوقتي.
أنا مش عارفة أنتي بتفكري ازاي بجد! ربنا يهديكي يا ميرال ويكتبلك الخير ويبعد عنك نو.. الشر يبعد عنك الشر كله.
آمين يارب. على فكرة ماما كلمت خالتو وقالتلها أني موافقة وهيجوا يوم الجمعة عشان نقرأ الفاتحة، فا شوفي بقى هتلبسي.
هلبس أيه؟ هو أنا لسه هلبس؟ ما لبسنا كلنا خلاص يا ميرال يا حبيبتي.
أنا مبسوطة أوي بجد!! أفنان أنتي متخيلة أننا خلاص كبرنا وحد فينا هيتجوز.
قالت ميرال بحماس شديد وهي تصفق بيديها بطفولية قبل أن تنقض على أفنان وتضمها، ولم يكن بيد أفنان حيلة لذا بادلت شقيقتها العناق وهي تسب نوح من دخلها، فبسبب ذلك الوغد لا تستطيع أن تعيش مشاعر السعادة التي تشعر بها أي فتاة ستتزوج شقيقتها.
وأنا كمان مش مصدقة. المهم عايزين ننزل بقى نجيب زينة والبالونة اللي مكتوب عليها "قرينا الفاتحة" والحاجات الهايفة الجميلة دي.
آه طبعًا وكمان عايزه انزل اشتري فستان جديد بس مش عارفة الفلوس هتضبط معايا ولا لا، ومش هعرف أخد من ماما حاجة عشان هي لسه هتنزل تجيب أكل كتير وكمان طقم صواني جديد.
نَبست ميرال بحماس شديد بينما لمعت عيناها في حين أن أفنان كانت تنظر نحوها بتملل وبرود قبل أن تُعلق على حديث ميرال بمزيج من السخرية والإنفعال قائلة:
طقم صواني جديد ليه إن شاء الله؟ وأنتي متقدملك مهند؟ ده نوح، ما يطفح في أي صنية وخلاص.
بطلي رخامة بقى وركزي معايا في الترتيبات.
ساد الصمت لثوانٍ وأفنان تفكر في أمر المال الذي تحتاجه ميرال قبل أن تتذكر أنها قد تبقى معها أربعمائة جنيهًا من ثمن الجائزة. إنها آخر مدخراتها لكن لا بأس فشقيقتها أولى منها.
بصي خدي دول خليهم معاكي وهاتي الفستان اللي يعجبك.
يا روح قلبي ربنا يخليكي ليا بجد. بس خليهم معاكي أنتي، أحنا كده كده هننزل سوا ولو احتاجتهم هبقى أخدهم منك. وشوفي أنتي هتلبسي أيه أو لو هتجيبي طقم جديد.
قالت ميرال وهي تعانق أفنان مجددًا. لم تكن تنوي أفنان شراء ثياب جديدة بل كانت تنوي ارتداء أحدى ثيابها التي لم ترتديها كثيرًا، فهي لا تُريد أن تكون ظاهرة بجانب شقيقتها، ففي النهاية شقيقتها هي العروس.
أفنان هو أنتي اتخانقتي مع نوح النهاردة في الجامعة؟
يا فتان! هو لحق قالك؟
لا مقاليش بس أنا متوقعة. عشان خاطري أنا يا أفنان متضايقهوش وحاولي تتجاهليه خالص.
حاضر يا ميرال حاضر!
تمتمت أفنان بنفاذ صبر قبل أن تنتقل لتجلس على سريرها، تمسك بهاتفها تبدأ في تفقد الإشعارات والرسائل ثم تترك الهاتف لثوانٍ وهي تحاول أن تتذكر شيئًا ما وهي تهمس لنفسها:
أنا حاسه أني ناسيه حاجة… يالهوي رحيم!!!
لقد تذكرت أفنان أنها لم تتحدث إليه بعد أن أغلقت الإتصال ولم تُجيبه لأن نوح كان في منزلهم. تذكرت أفنان أنها قد بعثت له برسالة وقتها وأنه بالتأكيد قد أجاب على رسالتها، وبينما كانت تبحث بين الرسائل عن خاصته نفذت بطارية هاتفها.
ده أنت عيل فقر. أبقى أرد بكرة بقى إن شاء الله.
على مين؟ نوح؟
خليكي في حالك يا قطة. ولا مش نوح.
في الأيام التالية انشغلت أفنان كثيرًا في الصباح في الجامعة وفي المساء تذهب للتسوق برفقة ميرال ووالدتها لشراء بعض الأغراض من أجل يوم الجمعة. لم يكن هناك متسع من الوقت بالنسبة لأفنان كي تعبث بهاتفها أو حتى تُجيب على أي رسائل.
في مساء يوم الخميس وبينما تقوم أفنان بتنظيف الشقة بمساعدة شقيقتها ووالدتها صدح صوت إشعار من هاتفها مُعلنًا عن وصول رسالة. تركت أفنان "الزعافة" من يدها وأمسكت بالهاتف لتتذمر والدتها على الفور وهي تقول:
مش وقته لعب في التليفون ويلا خلصي تزعيف السقف عشان تلمعي النجفة.
في أيه يا ماما هو أحنا هنضايف خالتو فوق النجفة يعني؟ معرفش مالكوا مهتمين بالسقف ليه النهاردة؟
بلاش لماضة وخلصي عشان ورانا شغل كتير.
تنهدت أفنان بضيق وهي تبحث عن الرسالة الجديدة لتجد أن المُرسل هو رحيم!!! ولم تكن رسالة واحدة بل العديد من الرسائل وكانت كالتالي:
أفنان..
"لماذا تتجاهليني؟"
"أفي... مش بتردي ليه؟ مشغولة طيب؟"
"طيب tell me are you okay؟ أخبريني هل أنتِ بخير؟"
"أنتي بتعاقبيني عشان قعدت أكتر من أسبوعين مش برد وأنا مسافر صح؟"
"أفي..."
"أفنان على فكرة it's not funny anymore. لم يعد الأمر مضحكًا."
ابتسمت أفنان ببلاهة وهي تقرأ الرسائل لتنظر نحوها ميرال بشك وهي تضيق عينيها. بمجرد أن تراها أفنان، تبتعد عنها وهي تخبئ شاشة الهاتف بيدها.
"مش بتجاهلك أكيد، أنا مش بعمل زي ناس كده، أنا بس كنت مسهولة في حوار كده هحكيلك عليه بعدين عشان لازم أسيب التليفون دلوقتي."
أجابت أفنان وهي تهرب من المحادثة سريعًا حينما رأت أن رحيم قد قرأ الرسالة في نفس الدقيقة التي أرسلتها بها. أغلقت أفنان الهاتف ورفعت رأسها لتجد ميرال، والدتها، ووالدها يحدقون فيها بريبة. لتحمحم أفنان ثم تسألهم بتوتر:
"هو في أيه؟"
"مفيش، بنشوف أيه اللي شاغلك أوي كده في التليفون."
"بكلم روميساء يا ماما زميلتي في الكلية بتبعتلي اللي كتبناه في المحاضرة النهاردة." كذبت أفنان كما اعتادت أن تفعل مؤخرًا، وقد فاقم ذلك من شعورها بالذنب. فبدلًا من كونها تخفي بعض الأمور عن والديها فقط، أضافت إلى ذلك واحدة من أسوأ الخصال: الكذب.
"أممم قولتيلي."
"روحي بقى شوفي بتعملي أيه."
قالت أفنان ثم وضعت هاتفها على الطاولة وعاودت التنظيف برفقة والدتها وشقيقتها، بينما تبتسم لا إراديًا كل خمس ثوانٍ حينما تتذكر رسائل رحيم، فلقد ظنت أنه لن يهتم باختفائها.
في مساء اليوم التالي وتحديدًا في السادسة مساءً، كانت أفنان تشعر بمزيج من المشاعر المختلفة. فهي بالتأكيد تشعر بالسعادة لأن شقيقتها أصبحت عروس، لكن ما أفسد فرحتها هو أنها ستتزوج بذلك الأحمق. نفضت أفنان تلك الأفكار من رأسها ورسمت ابتسامة على ثغرها وهي تتجه إلى الحجرة مجددًا حيث تستعد ميرال وقد ارتدت ثوبها الجديد ذو اللون الزهري، لون نوح المفضل. كانت ميرال تستعد في حجرتها هي وأفنان وبرفقتهم صديقتين لميرال منذ الجامعة: ملك وياسمين.
"ياسمين الميك أرتست الجميلة بتاعت الشلة، حطي بقى لميرال ميكب خفيف وهادي كده عشان بابا ميضربناش كلنا. وأنتي يا ملوكة يا قمر تعالي معايا نصور الزينة اللي برا قبل ما نوح بيه يشرف." ألقت أفنان التعليمات لتومئ كلتاهما، بينما تعلق ياسمين بالآتي بمزاح:
"حاضر يا ست أفنان على الله يطمر بس."
"كلمة كمان يا ياسمين وهحرمك أنتي وملك وميرال من العشاء." هددت أفنان بنبرة جدية لتنظر نحوها ملك برعب وهي تسأل بإستنكار قائلة:
"الله!! هو أنا فتحت بوقي أصلًا؟"
"سيبكوا منها وخلصوا أبوس إيديكوا، نوح خلاص نازل من البيت."
أومأت ثلاثتهن وبدأت كل واحدة منهن في القيام بالعمل الذي طُلب منها. ألتقطت أفنان بضع صور ثم اختارت واحدة لتضعها كحالة على تطبيق واتساب.
غادرت أفنان التطبيق واتجهت لتطبيق آخر خاص بالصور وهو تطبيق الإنستجرام. ولسبب ما خطر على بالها أن تبحث عن حساب رحيم. لم تستغرق سوى محاولتين تقريبًا حتى استطاعت الوصول إلى حسابه والذي كان يحمل اسم: Rahim El Bakry.
كانت صورته الشخصية عبارة عن صورة له وهو يبتسم بينما يرتدي نظارة شمسية وقد كانت تظهر مياه البحر الزرقاء من خلفه. وكان يظهر في الصورة عنقه الذي زُين بسلسال فضي. قطعت أفنان تأملها بتلك الصورة وأخذت تتأمل في الصور التي نشرها، لكنها عن طريق الخطأ اتجهت إلى الصور التي تم الإشارة له بها لتجد أن هناك فتاة قد أشارت له في صورة لهما معًا. كانت الفتاة شقراء ولون عيناها قد سرق من السماء لونها. لقد بدت آية في الجمال، ولكن كل ذلك لا يهم، بل ما يهم هو أنها كانت تضم رحيم بود شديد وقد قربت وجنتها نسبيًا من خاصته.
نظرت أفنان نحو الهاتف بأعين يتطاير منها الشرار. شعرت بنيران تحرق صدرها ولم تجد لذلك سببًا مقنعًا. ودت لو تمتد يدها إلى داخل الهاتف لتجذب تلك الفتاة من خصلات شعرها الشقراء التي تطايرت على وجه رحيم وتُمزق وجنتها التي لامست خاصته. ولا داعي لذكر المزيد من التفاصيل، بل يكفي قول أنها كانت أقرب إلى كونها قاتلة متسلسلة وليست طالبة بكلية الصيدلة.
أغلقت أفنان التطبيق وعادت إلى محادثتها هي ورحيم وهي تستعد لكتابة موشح من اللوم والسباب بسبب تلك الصورة، لكن رحيم قد سبقها وأرسل إليها الآتي:
"بقى هو ده اللي أنتي مشغولة بيه يا أفنان هانم؟!"
رواية في حي الزمالك الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ايمان عادل
حجر القمر 🤎🦋
"بقى هو ده اللي أنتي مشغولة بيه يا أفنان هانم؟!"
نظرت أفنان إلى رسالة رحيم ببلاهة، لم تفهم ما الذي يتحدث عنه. هي غاضبة منه والآن هو من يعاتبها!
فتحت أفنان الرسالة لترى ما الذي يتحدث عنه رحيم، لتجد أنه كان رداً على الحالة التي قامت بنشرها والتي ظهرت فيها عبارة "قرينا الفاتحة" وبعض الزينة واسم نوح، لكن الصورة لم تتسع لإظهار اسم ميرال كذلك.
"أنت بتقول إيه أنت؟"
"معقول العروسة فاضية ترد عليا بنفسها ولا حد هو اللي بيكتبلك؟"
كانت السخرية تفوح من حديث رحيم، حدقت أفنان في الشاشة لثوانٍ وقد استوعب عقلها أخيراً ما يحدث. رحيم يظن أنها العروس، هذا المغفل ظن أنها ستتزوج نوح بالرغم من أنه يعرف تماماً مدى استياء أفنان منه وأنه لا تعتبره سوى أخ، أخ أخرق. تنهيدة غادرت فم أفنان قبل أن ترسل له الآتي:
"عروسة إيه وجاموسة إيه، اديني فرصة أشرحلك يا بني آدم أنت."
"أنتي شايفة أن الموضوع محتاج شرح؟"
"رحيم هعملك بلوك."
"اتفضلي قوليلي هتقوليه إيه مبرر يعني؟"
"مبدئياً اسمها هتبرري إزاي، وبعدين يا مغفل أنت أنا فعلاً مشغولة بقراية الفاتحة النهاردة."
"وبتقوليلي عادي بكل سهولة كده؟"
"في إيه هو أنت كنت كاتب عليا؟ وبعدين أصلاً دي قراية فاتحة أختي ميرال!!"
"أنتي بجد شايفه أن الموضوع ينفع تكدبي فيه؟"
"أكدب في إيه يا ابني! أنا مش بكدب."
"واسم نوح اللي مكتوب ده إيه؟ ولا أنا اتعميت؟!"
"لا إله إلا الله، ما طبيعي اسمه يبقى مكتوب عشان هو العريس، أختي هتتقري فتحتها على نوح النهاردة."
"خلاص خلصت خناق واقتنعت؟ خليك بقى في البت الصايعة اللي أنت متصور معاها دي."
أرسلت أفنان الرسالة ليقرأها رحيم في نفس الثانية. أخذ بعض الوقت لاستيعاب عما تتحدث هي، لكن قبل أن يجد رداً على حديثها سبقته أفنان وقامت بحظر رقمه على تطبيق "واتس أب". لم تمر سوى دقيقة واحدة قبل أن تجد أفنان رحيم يهاتفها. تسارعت نبضات قلبها ولم تدري ماذا تفعل. هل تجيبه في الخفاء داخل الشرفة أم تتجاهله؟ حتى وإن أجابت فإن نوح قد يصل في أي لحظة. استغرقت بضع ثوانٍ قبل أن تقرر الرد على مكالمته وتوبيخه، لكن لماذا ستفعل من الأساس؟ فما فعله لا يخصها بتاتاً.
"أفنان Did you really block me 'هل حقاً قمت بحظري؟!'"
سأل رحيم بنبرة مستنكرة، لكن أفنان لم تهتم كثيراً بما قاله، فقد ذابت بالفعل بسبب نبرته وصوته وتلك الكلمات الإنجليزية التي تنساب من بين شفتيه. ساد الصمت لبرهة قبل أن تجيبه أفنان بإنفعال وهي تضع يدها أمام فمها كي تخفض من صوتها قليلاً وهي تردف:
"اه عملتلك بلوك مش عاجبك ولا إيه؟"
"لا مش عاجبني، ممكن أعرف ليه بقى؟" تحدث رحيم بهدوئه المعتاد ولكنه زفر بضيق في نهاية حديثه. لكن أفنان تحدثت إليه بإنفعال نسبي وهي تسأله بإستنكار:
"أنت هتستهبل يالا؟ نازل تحقيق معايا في حوار نوح وأنت عامل كارثة أكبر."
"كارثة إيه اللي عملتها؟ أنا مش فاهم حاجة خالص."
"بص خلاص فكك يا رحيم أنا كده كده مليش دعوة أصلاً، ربنا يوفقك في حياتك يلا غور بقى."
"أفنان! لو سمحتي فهميني إيه اللي حصل؟ على فكرة عيب أوي أفضل اسألك بأدب كده وأطلب منك تفسير وأنتي تردي عليا بالإسلوب ده."
همس رحيم بنبرة مستاءة لم تسمعها أفنان من قبل. عضت على شفتيها لشعورها بالذنب، فهي دائماً ما تتحدث إلى رحيم بالإسلوب ذاته وبنفس النبرة الساخرة وكان يتقبل هو ذلك، لكنها لم تدري لما لم يفعل الآن؟ لم تعلق أفنان على ما قاله لأنه لا يوجد رد من الأساس. تنهد هو بصوته المسموع قبل أن يقول:
"أنا آسف لو كنت أنفعلت.. عموماً لو مش عايزة تتكلمي براحتك أنا مش هجبرك على حاجة أكيد."
"متتأسفش أنا اللي زودتها شوية، عموماً أنا كنت هعلق على حاجة كده وبعدين أدركت أنها حاجة متخصنيش من الأساس، معلش يا رحيم أنا لازم أقفل عشان نوح جيه."
تفوهت أفنان بصدق وهدوء غير معتاد منها، لكن سرعان ما تحولت نبرتها إلى نبرة متوترة حينما لمحت سيارة نوح تقترب لتقف أسفل منزلهم. أنهت المكالمة سريعاً مع رحيم، والذي بالرغم من أنه أصبح على دراية تامة أن نوح سيقوم بخطبة شقيقتها إلا أنه أصابه الغيظ حينما قالت "لازم أقفل عشان نوح جيه".
أطلقت أفنان زغرودة عالية ليرفع نوح رأسه نحو الشرفة ويمنحها ابتسامة واسعة، قبل أن تفعل مريم المثل وتزغرد هي أيضاً كي يعلم الجيران وأهل المنطقة أن هناك احتفالاً عندهم. غادرت أفنان الشرفة لتجد والدها في وجهها مباشرة ينظر نحوها نظرة هادئة لكنها بدت غير مريحة بالنسبة إليها.
"كنتي بتكلمي مين؟"
"أنا.. كنت.."
طيب ممكن نأجل كلام في الموضوع ده بعد قراية الفاتحة عشان هما خلاص عالسلم.
ماشي يا أفنان، ياريت متتهربيش بس.
أومئت أفنان وهي تشعر بأن قلبها على وشك أن يتوقف. ستعترف لوالدها الليلة بأمر رحيم وستخبره بالتفاصيل كاملة، لكن لتنهي أولاً زيارة نوح وأسرته واحتفال اليوم. قام والدها بفتح الباب ليبدأ سيل من الترحيب والمباركة ينهمر على الجميع. كان نوح يخطف بعض النظرات نحو أفنان التي كانت ترتدي تنورة طويلة باللون الأسود وكنزة باللون الأسود كذلك مع وشاح رأس باللون الوردي الزاهي. لقد بدت جميلة في نظره. لاحظت مريم ما يحدث فنكزت نوح في كتفه بخفه لينتبه لنفسه ويحمحم ثم يسأل:
أومال فين العروسة؟
طب مش تستنى لما نخلص اتفاقات ونقرأ الفاتحة؟
ما أحنا هنتفق يعمو مش عايز حضرتك تقلق خالص.
خلاص قومي يا رانيا هاتي العروسة تسلم على عريسها.
أومئت والدة أفنان بسعادة قبل أن تتجه نحو الحجرة لتحضر ميرال، بينما بقيت صديقتيها بالداخل لحين الإنتهاء من الاتفاقيات التي ستتم. كانت يد ميرال باردة ترتجف من شدة التوتر وهي تحترق شوقًا لرؤية تعابير وجه نوح حينما يراها في ذلك الثوب. وبالفعل بمجرد أن وقعت عيناه عليها لمعت عيناه البني واتسعت ابتسامته وهو يلقي عليها التحية.
أنا بقول نخليه كتب كتاب على طول.
أردف نوح ممزاحًا ليضحك الجميع عدا أفنان التي أكتفت بابتسامة مصطنعة وهي تنظر نحو نوح بعدم ارتياح. بينما ابتسمت ميرال بخجل شديد وهي تتحاشى النظر إلى نوح الذي تحول فجاءة من ابن خالتها وبمثابة أخ لها إلى حبيب وزوج مستقبلي.
بعد مرور بضع دقائق طلب والد أفنان من الثلاثة فتيات أن يذهبن إلى حجرة أفنان وشقيقتها كي يتسنى للكبار الاتفاق ووضع الشروط. كان نوح مطيعًا في كل ما قيل، وفي الوقت ذاته لم يطلب والد ميرال العديد من الطلبات، فهو لم يكن شخصًا يهتم كثيرًا بالماديات، لكن أكثر ما يهمه هو سعادة وراحة ابنته في النهاية. فما الاستفادة من منزل فخم وأثاث راقي داخل بيت هش خالي من الحب والتفاهم؟
رانيا نادي عالبنات من فضلك عشان نقرأ الفاتحة.
معلش يا عمو ممكن استأذنك لما نخلص قراية الفاتحة أخد طنط وأفنان وميرال عشان ننزل نجيب الشبكة النهاردة بالمرة.
تمام يا حبيبي زي ما تحبوا، لو ميرال معندهاش مشكلة وأنت تعرف صايغ كويس يبقى خير البر عاجله.
انتهت مراسم الاحتفال سريعًا وقد توجه الجميع لمحل صائغ في منطقة قريبة منهم لشراء الذهب، لكن والد ميرال وصديقتيها لم يرافقهم. كانت ميرال تشعر بالحيرة اثناء أختيارها لخاتم الزواج بل وسائر الحلي، فهي شخصية مترددة بشكل عام وقد ازداد ترددها أضعافًا مضاعفة في هذا الموقف. في النهاية ابتاع لها نوح خاتم الزواج ‘دبلة’ ومحبس وسلسلة رفيعة.
معلش يا ميمي كان نفسي أجبلك أكتر من كده بس أنتي عارفة الظروف.
متقولش كده، أنا مبسوطة أوي بالحاجات اللي جبتها وكفاية أنها منك. وبعدين أنا أصلاً مش بحب الدهب أوي.
ما أنا عارف. علق نوح بثقة لتنظر نحوه أفنان وقد ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيها. ففي الغالب نوح لم تكن عنده تلك المعلومة، لكنه قال ذلك كي لا يبدو سيئًا أمام ميرال.
كان نفسي نخرج سوا النهاردة بس الوقت يعتبر اتأخر، بس هعدي عليكي بكرة إن شاء الله عشان نقضي اليوم سوا.
تمام بس نستأذن بابا الأول.
أكيد طبعًا.
عادت أفنان أخيرًا إلى المنزل بعد أن قام نوح بإيصالهم. لقد كان يومًا طويل وشاق. لم يتذكر والد أفنان في ذلك اليوم أن يسألها عن مكالمتها المريبة بل وتصرفاتها المريبة بشكل عام في الآونة الأخيرة.
مرت ثلاثة أيام من الهدوء التام. نوح لا ينفك يتحدث إلى ميرال حينما تكون في المنزل وقد أخذها في موعد مرة واحدة. كانت أفنان منشغلة بالجامعة ولحسن حظها أنها لم ترى نوح في تلك الأيام. لم تتحدث إلى رحيم منذ أن أخبرته أن ينهي المكالمة، لم يحزنها الأمر كثيرًا بسبب الجامعة، فهي تلتهم وقتها وصحتها. كان ذلك حتى يوم الخميس حيث أرسلت رسالة على المجموعة الخاصة بالتدريب:
مساء الخير يا شباب. الشهادات جاهزة ممكن تشرفوا في أي وقت تستلموها.
قرأت أفنان الرسالة التي أرسلها رحيم وشعرت بغصة في حلقها. إنها تفتقده كثيرًا، لكن في الوقت ذاته لا تود رؤيته، ومؤكد إن كانت ستذهب إلى الشركة بنسبة تسعة وتسعين بالمئة ستراه هناك. كما إنه إن كان متفرغًا لكتابة تلك الرسالة فلما لم يرسل لها ولو كلمة ‘مرحباً’.
أما عن رحيم فقد أرسل الرسالة ثم أغلق هاتفه ليرى في شاشته انعكاس الفضولي الذي كان ينظر نحو هاتفه. يبتسم رحيم بسخرية وهو يردف:
تحب تكتب أنت مكاني طيب؟ أو أقولك اتفضل الموبايل خالص لو مثير أوي بالنسبالك.
كرفتلها أنت صح؟ جدع.
أنا مش عارف معنى الكلمة بس حاسس أني عملت اللي أنت تقصده ده. هي آخر مرة أتكلمنا كانت طريقتها غريبة ومفهمتش منها حاجة وهي محاولتش تفسر فقفشنا.
طب كويس. الحاجات دي بتعمل suspense ‘تشويق’ كده بين المرتبطين.
أحنا مش مرتبطين! تمتم رحيم بصوت منخفض نسبيًا وهو يحك ذقنه التي قد ازدادت طولًا مؤخرًا وأصبحت بحاجة إلى التهذيب. ساد الصمت لبعض الوقت قبل أن يقطعه أنس وهو يسأل رحيم الآتي:
مفيش أخبار عن أروى؟
لا. بس إن شاء الله هتتحسن متقلقش، المستشفى دي كويسة جدًا والدكاترة المسئولين عن حالتها كانوا صحابي.
طيب ممكن أعرف ليه بيدوك أنت ال updates ‘التحديثات/المقصود هنا آخر الأخبار’؟
عشان لو حصل حاجة أنت هتنهار أو هتندفع بزيادة، وفي الحالتين مش هتعرف تتصرف، لكن أنا هتصرف بحكمة أكتر.
أجابه رحيم بسلاسة وهدوئه المعتاد ليلتفت إليه أنس بقلق وهو يسأل بتردد خشية سماع الإجابة:
هو في حاجة وحشة هتحصل؟
هندعي أنه لا. لكن أنت عارف كل شيء وارد.
الهدوء بتاعك في موضوع زي ده مش في محله.
الهدوء هو الحل الأنسب لكل المواقف وكل الأوقات يا أنس. المهم أونكل فريد عرف اللي حصل؟
مش دريان بحاجة. هو واعي لنفسه أصلًا لما هيركز مع أروى؟ من يوم الحادثة وهو راميها في المستشفى وعمره ما فكر يزورها. ما علينا. غير الموضوع بقى.
تمتم أنس بضيق قبل أن يتمدد على الاريكة بتملل لينظر نحوه رحيم بآسى ثم يرسم ابتسامة صغيرة على فمه وهو يسأله الآتي:
حاضر.. صحيح أنت شوفت الصورة اللي أتعملي Tag ‘إشارة’ فيها؟
شوفت. أنا مش عارف أنت ليه وافقت تقعد معاها لا ومش قاعدة بس دي خدتك حضن مطارات يا ابني. علق أنس ساخرًا لينظر نحوه نوح وهو يضيق عيناه بعدم فهم ليزفر أنس بضيق قبل أن يردف:
حضن كأنك وحشتها أوي يعني.
مش يمكن أكون وحشتها فعلًا؟
تفوه رحيم ليرمقه أنس بحده وهو يستقيم من نومته على الأريكة ويقترب من الجالس على السرير بينما يضع كلتا يديه على كتفه وهو ينظر إلى داخل عيناه مردفًا:
رحيم.. أبوس أيدك فوق وركز معايا! اللي حصل زمان ده مينفعش يتكرر تاني! وبعدين مش أنت دلوقتي عندك قطة جديدة.
قطة؟ مامي مش بتسمح نربي قطط عشان مش بتحبهم، بس عندي puppies ‘جراء’. صفع أنس نفسه وهو يلعن أسفل أنفاسه اليوم الذي قرر فيه أن يرافق فتى لا يستطيع فهم جملة واحدة كاملة باللغة العربية.
أنا بتكلم عن أفنان. مش أنت معجب بيها وعاشق ولهان والحب ولع في الدرة وكده.
معجب بيها اه. عاشق؟ مش شايف أنه لسه شوية على الكلمة دي؟ وبعدين أفنان حاجة و.. ناتالي حاجة تانية خالص. نبس رحيم بهدوء وقلق من ردة فعل أنس الذي نظر نحوه بضيق قبل أن يردف بنبرة حادة:
حتى لو مش معجب بأفنان. نحط أفنان على جنب بس ناتالي لا يا رحيم لا. بس صاحبة ناتالي اه عشان جامدة بصراحة.
كان يتحدث أنس بجدية وحزم لكن سرعان ما تحولت نبرته إلى المزاح ليقلب رحيم عيناه بتملل قبل أن يعلق ساخرًا:
يا ابني هو أنت كنت مسافر عشان أروى ولا عشان تصيع مع أي بنت تقابلها؟
أكيد عشان أروى. بس بصراحة بنات أوروبا وحشوني.
كنت فكراك بتحب الملامح العربية زيي.
اه ما أنا بحبها برضوا. بحب الأتنين وبحب أي تاء مربوطة. وبعدين ثواني ملامح عربية أيه اللي أنت بتحبها دي؟ أومال ناتالي دي أيه إن شاء الله؟ وليان؟ وكارلا؟ و…
بس خلاص!!! كده هنخلص السجل كله. وبعدين أنت بتتكلم في حاجات قديمة.
ناتالي حاجات قديمة؟
بقولك أيه يا أنس روح شوفلك حاجة تعملها وسيبني في حالي دلوقتي… ثواني كده!
عرفت أفنان متضايقة ليه.
ليه يا عم المفتش كونان؟
أكيد شافت صورتي مع ناتالي واتضايقت وكانت هتتخانق معايا بس لقت أن ملهاش دخل أصلًا بالموضوع فسكتت.
ما شاء الله عليك بتكتشف الغامض والمثير! لا ثواني الغامض بس عشان المثير قاعد قدامك.
أنت فعلًا مثير، بس للشفقة. علق رحيم بسخرية ليقذفه أنس بعلبة المناديل الورقية، تأتي الخادمة لتخبرهم أن موعد الغداء قد حان فيطلب منها رحيم أن يتناولا الغداء وحدهما في حجرة المعيشة.
أنا مش عارف غداء أيه ده اللي الساعة 2 الضهر!
أنس كُل وأنت ساكت، على أساس بيفرق معاك مواعيد أوي ما أنت كده كده بتفضل تاكل!
بصلي بقى اللقمة اللي بتطفحهالي! وبعدين ما أنا ياما أويتك في بيتي وأكلتك وشربتك على حسابي يا ناكر الجميل!
بعيدًا عن العبث اللي أنت بتقوله ده، عايز اسألك سؤال وتجاوب عليا بجد.
استر يارب، اطربني.
أنس عمرك فكرت تتجوز؟ سأل رحيم سؤال غير متوقع تمامًا ليسعل أنس بقوة نتيجة ابتلاعه الطعام بطريقة خاطئة، يمنحه رحيم كوب الماء بينما ارتسمت على ثغره ابتسامة جانبيه فلقد توقع ردة فعل صديقه تلك.
لا طبعًا! وأنت فكرت يا سي رحيم؟
اه.
كداب، أنت رافض تتجوز.
أنا رافض طريقة الجواز اللي مامي عايزاني اتجوزها، رافض العروسات اللي مامي بتجبهم لكن فكرة الجواز والإستقرار مش مرفوضة بالنسبالي.
فسر رحيم بجدية لينظر نحوه أنس بإنتباه لكنه ينفجر ضاحكًا حينما يقول رحيم كلمة ‘عروسات’ لينظر نحوه رحيم بضيق فيحمحم أنس ثم يردف:
بغض النظر عن عروسات دي، بس أنا بصراحة عمري ما فكرت في حوار الجواز ده خالص.
مش كنت هتتجوز مونيكا؟ سأله رحيم بسخرية ليبتسم أنس ثم ينبس بالآتي:
يعم كنت بصيع عليك، أنا بصراحة إنسان مهمل ومتهور ومش بحسبها مقدرش أتجوز واحدة وأربطها بيا وأنا أساسًا مش مستقر.
عندك حق، لكن أنا شايف أنك محتاج يبقى عندك بيت وواحدة تهتم بيك، أنت مفتقر للحنان يا أنس.
أيه يعم رحيم الذل ده؟ وبعدين أيه نبرة الصعبنه دي محسسني أني بعرج قدامك.
قهقه رحيم على حديث أنس قبل أن ينتقل بالحديث إلى موضوع آخر وهو يقول:
بقولك أيه، عرفت آخر الأخبار؟
خير إن شاء الله.
عارف الدكتور اللي اسمه نوح، اللي محدش طايقه ده، معرفش بصراحة ال HR ‘موظفو الموارد البشرية’ قبلوه ازاي.
اه الواد الكالح ده! مش ده اللي بيخرج مع القطة بتاعتك؟ ماله؟
بالضبط كده، نوح ده يبقى ابن خالة أفنان وهو على طول بحسه بيحاول ي Flirt ‘يغازلها’ وعلى طول متضايق من تعاملي معاها.
ما هو باين أوي أنه بيرسم عليها، مش محتاجة ذكاء.
فعلًا، I totally agree with you ‘اتفق معك تمامًا’، لكن نوح ده عمل حاجة غريبة جدًا، راح خطب أخت أفنان.
سرد رحيم ما حدث بينما كان أنس يرتشف من كوب المياه الموضوع أمامه، يسعل أنس بقوة قبل أن يسأل بإستنكار:
أفندم! أيه العك ده؟
مش عارف! أنا الأول اتعصبت جدًا عشان كنت فاكر أنه بيخطبها هي ولكن طلع بيخطب أختها!
الحوار ملغبط خالص، بقولك أيه ما تطلع نفسك من أفنان وحوارتها دي.. أنا عارف أنها مبهرة بالنسبالك عشان مختلفة عن كل البنات اللي اتعاملت معاهم لكن الإبهار ده شوية وهيخلص فمدخلش نفسك في دوشة.
تفتكر؟ سأله رحيم وهو يريح ظهره على الأريكة بينما يعيد خصلات شعره السوداء نحو الخلف بينما يفكر، هل حقًا مشاعره تجاه أفنان هي مجرد إنبهار وفضول؟ أي أنه لو استمر في التحدث إليها فإنه سيصاب بالملل وتصبح علاقتهم فاترة؟! لم يجد إجابة عن أسئلته لكنه قرر أن يقابلها مجددًا على أي حال فإن حياته هادئة وساكنه للغاية دون صخبها.
في صباح يوم الثلاثاء استيقظت أفنان على صوت والدها العالي نسبيًا وهو يتحدث في الهاتف، فهمت من مجرى الحديث أنه يتحدث إلى عمتها والتي بالطبع غاضبة بسبب إخفاءهم لأمر قدوم نوح لطلب ميرال للزواج، وبكل تأكيد جدتها ايضًا غاضبة كذلك لأنهم يظنون أن على أسرة أفنان أن تشاركهم في كل شيء لأنهم فعلوا المثل، لكن ما لم يستطيعوا فهمه هو أنهم يحبون الثرثرة ومشاركة العالم كله أخبارهم وذلك يخصهم وحدهم وألا ينتظروا من أسرة أفنان فعل المثل.
صدقيني الموضوع جيه فجاءة أنا لاقيت الولد جاي ومعاه مامته وأخته وعايزين يقرأو الفاتحة، المفروض أطردهم يعني؟ وبعدين أنا كنت قايل للحاجة… هو أنا هاخد الإذن منك يعني؟ تمام سلام.
غادرت أفنان حجرتها بهدوء وهي تقف خلف والدها الجالس على الأريكة وهو يتنهد بحنق، رفعت أفنان رأسها لتنظر نحو ساعة الحائط لتجد أن الساعة السابعة صباحًا، هل هناك شخصًا عاقل يعاتب أحدهم في السابعة صباحًا!!!
صباح الخير يا بابا.
صباح الخير يا حبيبتي، ممكن تجبيلي علبة الدواء بتاعتي من جوا وكوباية ماية من فضلك.
من عنيا يا حبيبي، أنت تعبان ولا أيه؟
سألت أفنان وهي تهرول نحو الحجرة ثم تعود سريعًا لتمنح والدها دوائه وهي تسب من داخلها عمتها وجدتها وأي شخص يؤثر على صحة والدها! كان الحزن باديًا على وجه والدها والتعب كذلك، أقتربت منه أفنان لتعانقه عناق دافئ وهي تردف:
معلش يا بابا، أنا عارفة أن كل الناس بتضغط عليك بس صدقني مفيش حاجة مستاهلة أنك تزعل عشانها وتسيبها تأثر على صحتك.
حاضر يا حبيبتي، أنا كويس متقلقيش.. يلا قومي شوفي وراكي أيه عشان متتأخريش على الكلية.
أومئت أفنان وطبعت قبلة على رأس والدها قبل أن تتجه لتبدل ثيابها، ترتدي أول ثوب يقع في يدها دون أن تهتم كثيرًا لتناسق الألوان فلن ترى أحدًا اليوم سواء زملاء الجامعة والذين يأتون بنفس هيئتها تلك فلقد أتلفت الكيمياء آخر خلايا عقلهم، وصلت أفنان الجامعة متأخرة خمسة دقائق لم تتعب نفسها وتركض ففي الغالب نوح لن يسمح لها بالدخول، اتجهت نحو المعمل بخطوات هادئة تمامًا لينظر نحوها بطرف عيناه وقبل أن يتفوه بحرف واحد تقاطعه هي:
خلاص يا دكتور من غير ما تتعب نفسك أنا خارجة تاني.
لا أتفضلي يا دكتورة، النهاردة استثناء عشان المترو كان عطلان.
دلفت أفنان نحو الداخل بإنبهار شديد، نوح يتعامل اليون بلطف وهدوء شديد على غير المعتاد! مؤكد أن هناك شيئًا خاطئ في الأمر، لم تشغل أفنان بالها كثيرًا واتجهت للجلوس في أول مقعد فارغ تجده أمامها، أنهت أفنان يومها في الثالثة عصرًا وأثناء سيرها جهه باب الجامعة أوقفها صوت نوح وهو يردف:
لو مش وراكي حاجة تاني تعالي أوصلك للبيت.
لا شكرًا وفر البنزين ده لخطيبتك هي أولى بيه.
قالت أفنان بنبرة ساخرة وهي تغادر سريعًا قبل أن يلح نوح عليها، كانت الشوارع مزدحمة لذا قررت أفنان أن تسير من شارع مختصر حتى تصل إلى مكان ‘الميكروباصات’ التي تمر بالقرب من منزلها.
لا بس روعة ال Technicolor ‘كانت موضة يتم فيها ارتداء ثياب بألوان مختلفة سويًا’.
تمتمت أحدهم بصوت رجولي بالقرب من أفنان لتلتفت وهي تنوي ركل أيًا كان ذلك الشخص لكن قبل أن تفعل أدركت أنه لا أحد يضع كلمات إنجليزية في كل كلمة يتفوه بها سواه هو… رحيم!
ذلك الأحمق يسخر من عدم تناسق ألوان ثوبها، لقد اختار أكثر يوم تبدو غير مرتبة فيه ليظهر لها مجددًا.
بسم الله الرحمن الرحيم! أنت طلعت منين يا عم أنت؟
مبتسأليش فقولت اسأل أنا.
محسسني أننا مهاجرين، أحنا لسه مهزقين بعض في التليفون من كام يوم.
في الواقع أنتي اللي هزقتيني.
صح، أنت كده كده معندكش ال Option ‘خيار’ ده.
اه عشان أنا مؤدب ومش بتكلم مع البنات بإسلوب tough ‘شديد/عنيف’.
ما علينا أيه اللي جابك برضوا؟ وأيه اللي موقفك في الشارع كده فين عربيتك؟
ما أنا قررت النهاردة أني أتخلى عن العربية وأتمشى معاكي.
ءأيه ده هتروح مواصلات زيي؟
مواصلات أيه بس!
طبعًا السائق هييجي ياخدني بالعربية لما نخلص تمشية.
أنا قولت برضوا، ما علينا ها أرغي.
تعالى نتمشى طيب بس في شارع برا بدل ما نتسرق.
قصدك بدل ما تتثبت زي المرة اللي فاتت.
صحيح يا أفنان أنا ملاحظ أن الدفاع عن النفس عندك كويس جدًا، أنت اتعلمتي فين؟
أقولك ومتضحكش عليا؟
على حسب.
لا ما هو هتضحك هكسرلك صف سنانك! المهم بص يا سيدي وأنا صغيرة أنا وميرال بابا جيه في فترة وكانت ظروفنا المادية كويسة فبابا قرر يشتركلنا في نادي وسأل كل واحدة فينا عايزة تدرب أيه وكده، ميرال اختارت باليه وأنا اختارت كاراتيه.
عدوانية من وأنتي طفلة؟ Impressive "مثير للدهشة".
اه يا روش، وبعدها بفترة وقفنا التدريبات وكده، وبعدين لما كبرت شوية في ثانوي تقريبًا كنت بتعرض لمعاكسة كتير أوي ورخامة وكده فقررت أحوش من مصروفي وانزل أتعلم Boxing، بس كده هي دي الحكاية.
أنا حقيقي منبهر وفخور بيكي، بغض النظر أني كنت هضرب يعني قبل كده بس شيء لطيف أنك يكون عندك القدرة على الدفاع عن نفسك، يعني مش مستنية حد يدافع عنك، بس صدقيني طول ما أنا جنبك مش هسمح لأي حد يقولك كلمة ولا حتى يبصلك بصة مش حلوة، همحيه من على وش الأرض.
يا عم بقى ده أنت كنت متثبت.
أنتي بتشكي في قدرتي على حمايتك؟
أيه ده أنت قفشت ولا أيه؟ أنا بهزر.
لا مش بتهزري، أظن في فرق بين أن يكون في حرامي ماسك pocketknife "مطواة" وموقفني في مكان فاضي في حتة معرفهاش وبين أني أكون معاكي وواحد يفكر يعاكسك، للدرجة دي شايفاني ضعيف؟
أنا مش قصدي والله أنا كنت بهزر بجد، وعارفة أنك هتدافع عني قصاد أي حد عشان أنت عملت كده أكتر من مرة فعلًا.
خلاص سامحتك عشان أنا قلبي كبير.
اه طبعًا ويساع من الحبايب ألف مش كده؟
قصدك أيه؟
مقصديش.
صحيح أنتي قولتيلي أن أختك هتتخطب لنوح ده.
اه، عملنا قراية فاتحة كده وجبنا الشبكة.
يعني كده اتخطبت ولا أيه مش فاهم؟
لا كده اتفقنا عالتفاصيل ولسه هنعمل حفلة خطوبة بقى.
طب وأنتي مش هتعزميني على ال Engagement party "حفل الخطوبة" دي؟ ده حتى عيب يعني.
أنت عبيط يا رحيم ولا أيه؟!! أعزمك فين!! وبعدين Engagement party محسسني أننا هنعملها في الهيلتون، ده أحنا هنعملها في صالة بيتنا!!
يعني مش هتعزميني؟
لا يا رحيم لا، قال أعزمك قال! أحنا فين هنا؟ في لندن!
شكرًا أوي على ذوقك، هي أمتى أصلًا؟
كمان أسبوعين إن شاء الله.
طب أنتي هتيجي تستلمي الشهادة أمتى؟
مش هعرف اجي خالص الاسبوعين دول عشان هبقى مشغولة في الكلية ومع ميرال وماما، ما تستجدع معايا وتجبهالي أنت بما أنك رايح جاي عالكلية.
لا تعالي خديها انتي.
ليه السماجة طيب؟
عايز اشوفك تاني، أظن أن دي حجة مناسبة عشان نتقابل.
أيه ده؟ أيه ده؟ مين قال أني بتحجج عشان نتقابل!
مش أنتي، أنا.
اه أصل مفيش حاجة بينا تخليني أتحجج عشان أقابلك، أنت اللي كل شوية تنطلي زي الفرقع لوز كده.
أنتي شايفة كده يعني؟
اه.
تمام.
قال رحيم وهو يبتسم ابتسامة جانبيه ثم يخفض رأسه قليلًا وهو يسير إلى جانبها قبل أن تقطع هي الصمت الذي ساد لدقيقة تقريبًا وهي تسأله الآتي:
إلا قولي يا رحيم، أيه الصورة الجميلة اللي أنت متصورها دي؟
صورة أيه؟
متستعبطش! الصورة بتاعت الإنستجرام.
اه مالها؟
مش أنت قولت أن أنت مش بتحب عرايس باربي؟ رايح تحضن واحدة شقراء ليه؟
هو مش أنتي لسه قايلة مفيش حاجة بينا بتسأليني ليه؟
فضول.
طيب هي عمتها هي مش شقراء هي Brunette "شخص ذو شعر داكن" وصابغة شعرها.
برر رحيم بنبرة مستفزة لتنظر نحوه أفنان بغيظ قبل أن تسأل مستنكرة:
ده مبرر يعني يعني عشان تحضنها؟
أنتي عايزة أيه؟
سأل رحيم بمراوغة لتلتفت نحوه أفنان وتصيح في وجهه بحنق سائلة:
عايزة أعرف مين دي؟ وبتحضنها ليه؟ ازاي أصلًا تحضنها!!
أنا مش فاهم فين المشكلة؟
المشكلة أنه حرام وعيب يا رحيم.
أفنان I told you i was in london "لقد أخبرتك أنني كنت في لندن"!
الحرام حرام يا رحيم سواء هنا أو في كوالالمبور، بلاش استعباط.
قالت أفنان بحده ولكنها صمتت لبرهة من الوقت وهي تستوعب ما تفوهت به قبل أن تضيف:
أنا أصلًا مينفعش ابقى معاك دلوقتي ولا المفروض أكلمك أساسًا..
أنا ماشية.
نبست أفنان بنبرة تفوح بالندم قبل أن تقرر بحزم أنها سترحل. تمسك بحقيبتها وتسبق رحيم بعدة خطوات تاركة إياه خلفها واقفًا في صدمة وعدم فهم. لحق بها رحيم لفترة لكنها كانت تسير بخطوات واسعة لذا توقف رحيم عن ملاحقتها بيأس. في ذلك اليوم قررت أفنان أنها ستتوقف عن محادثة رحيم وأنها سترفض مقابلته. لن تستطيع تحمل شعورها الدائم بالندم أنها تخفي أمر رحيم عن والديها وبشكل خالص والدها.
في يوم الجمعة، لا تدري أفنان كيف مر أكثر من أسبوعين بهذه السرعة منذ أن كانت برفقة رحيم. الآن هي تجلس في حفل خطبة ميرال داخل شقتهم الصغيرة نسبيًا. ترتدي ميرال فستان باللون السماوي بينما ترتدي أفنان فستان باللون الوردي الزاهي لكنه لم يكن منفوشًا كي تبدو ميرال مميزة. وقد كانت بالفعل، فلقد كانت أجمل عروس قد رأتها أفنان يومًا.
كان أكثر ما يميز ميرال في ذلك اليوم هي تلك الإبتسامة الواسعة الصافية الناجمة عن سعادة حقيقة. حتى وإن كان في باطنها زيف من جهه نوح، إلا أنه بدا سعيدًا هو أيضًا. كانت عبارة "Got engaged" تزين المكان بالإضاءة الساطعة خاصتها مع المصابيح التي اتخذت شكل شموع.
"أيه القمر ده؟ هو اللون مخليكي باهتة شوية بس الفستان حلو."
"ربنا يخليكي يا ريماس شكرًا، أهلًا بيك نورتنا."
"بنورك." علق الواقف بجانب ريماس والذي من المفترض أن يكون زوجها المستقبلي وهو ينظر نحو أفنان بنظرات لم تريحها لكنها تجاهلت الأمر.
"أفنان تعالي عشان تطلعي أنتي ورانيا الشبكة."
"حاضر يا بابا جايه."
"هي دي بس الشبكة؟" علقت ريماس بمزيج من السخرية والإستعلاء فور رؤيتها لميرال وهي تمد يدها بخاتم الخطبة وإلى جانبها يد نوح. تخللت جملتها تلك إلى أذت أفنان لتنظر الأخيرة نحوها بإستياء قبل أن تقترب منها وتدعس على ثوبها بقوة حتى كادت أن تسقط الآخرى قبل أن تعلق أفنان بإصطناع:
"أسفة يا ريماس مشوفتكيش."
"شوفتي لما أختك سمعت كلامي ربنا كرمها وفرحت ازاي؟ عقبال ما تسمعي كلامي أنت كمان."
تفوهت جدتها لتبتسم أفنان ابتسامة مصطنعة قبل أن تقول لجدتها:
"إن شاء الله يا تيته."
"ماما بصي زي ما اتفقنا نص ساعة كده ولا حاجة وهنتحرك نكمل سهرتنا في كافية برا."
"قولتي لريماس وخطيبها؟"
"كله عارف يا ماما متقلقيش بس إن شاء الله محدش هيجوا معانا مش ناقصة وجع دماغ."
بعد ساعة ونصف تقريبًا كانوا جميعهم يجلسون داخل أحدى المقاهي والتي تطل على نهر النيل. كان المكان مغلق وقد قاموا بحجزه بالكامل. جلست أفنان تثرثر مع أصدقائها هي وميرال وبعض أفراد العائلة ولكن قطع حديثها صوت رنين هاتفها.
"أفي Hello, where are you؟ مرحبًا أين أنت؟"
سأل رحيم الذي اتصل من رقم مجهول بالنسبة لأفنان لتصعق الأخيرة لكن سرعان ما تذكرت أنها قد حظرت رقم هاتفه. أخذت تنظر حولها بقلق وهي تدعو ألا يكون صوته ظاهر من الهاتف.
"معلش يا جماعة بعد إذنكوا ثواني." استأذنت بأدب من الجالسين أمامها نظرًا لأن المكالمة قطعت حديثهم.
"عايز ايه؟"
"ممكن تطلعي برا المكان اللي انتي قاعدة فيه؟"
طلب رحيم لتقلب أفنان عيناها بتملل وهي تتجه نحو الخارج ثم تردف:
"طلعت برا خلاص."
"يا نهار ابيض!!! انت ايه اللي جابك هنا انت اتجننت؟"
صاحت أفنان بأعين متسعة وهي تنظر بصدمة نحو رحيم الذي ظهر من اللامكان وهو يرتدي بذلة رسمية سوداء اللون مع قميص أسود اللون كذلك. أقتربت أفنان بضع خطوات نحوه وقبل أن تنبس ببنت شفة سبقها رحيم قائلًا:
"مقدرتش امنع نفسي من أني أجي. كان لازم أشوفك.."
"رحيم انت لازم تمشي بسرعة ممكن اي حد يشوفنا."
"أنتي عارفة أنك أجمل حاجة شافتها عيني؟ طب عارفة أن شكلك النهاردة كأنك هربانة من قصص الأميرات بالفستان ده؟"
نطق رحيم وهو ينظر إلى داخل أعين أفنان. ثم تنتقل عينه لينظر نحو ثوبها المبهر بالنسبة إليه بالرغم من بساطته. نظرت نحوه بثغرها مفتوح ثم أخذت تعبث في أصابعها بتوتر وهي تتمتم:
"شكرا.. انا مش عارفة المفروض ارد اقول ايه بصراحة.."
"شكرًا أيه وبتاع أيه؟ بس عارفة يا أفي ال Outfit ناقصها حاجة."
"حاجة ايه ان شاء الله؟" سألته أفنان بحنق بينما تلتفت حولها كل ثانية. يسود الصمت لثوانٍ بينما يعبث رحيم في الجيب الداخلي لبذلته الرسمية قبل أن يخرج علبة باللون الأزرق الداكن ويفتحها ليظهر منها سلسال من الفضة يحوي حجرًا كريمًا باللون الأبيض وله إنعكاس بسيط يميل إلى اللون الأزرق الزاهي. وقد كان ذلك الحجر يطلق عليه اسم حجر القمر. أخذ الحجر شكل بيضاوي بينما كان محاط بإطار من معدن الزركون الأبيض.
"ده." تمتم رحيم وهو يخرج السلسال من العلبة الفخمة ويمنحه لأفنان. لترتسم على ثغرها ابتسامة واسعة قبل أن تسأله ببلاهة:
"ده.. عشاني؟"
"معمول عشانك اه. اتفضلي إلبسيها عشان مش هينفع ألبسهالك أنا."
أمتدت يد أفنان المرتجفة لتلمسك بالسلسال بأعين لامعة ونبضات قلب متسارعة قبل أن تنبس بالآتي:
"بس.. ده شكله غالي أوي يا رحيم مقدرش أقبل هدية زي دي.."
"لا متهزريش يا أفي. أنا جيت كل ده عشان في الآخر تقوليلي أن مش هينفع تاخديها؟ طب بصي لو مش عايزه تلبسيها دلوقتي حطيها في العلبة بتاعتها وألبسيها بعدين."
"أنا مش عارفة أقولك أيه بجد.. ده حلو أوي حقيقي ربنا يخليك يا رحيم."
"أيه ده؟ أنتي بتتكسفي؟ Omg you look like a tomato."
تفوه رحيم بتلقائية شديدة وهو يبتسم ابتسامة واسعة جعلت من عيناه الخضراء تنغلق نسبيًا فتظهر تلك التجاعيد البسيطة أسفل عينيه. تبادله أفنان الإبتسام عدا أنا خاصتها كانت خجولة للغاية بينما تحاشت النظر إلى عيناه مباشرة. لكن فجاءة اختفت ابتسامته. أقترب منها قليلًا وهو يردف بجديه وهدوء:
"أفنان هقولك حاجة بس Please don’t panic."
"في أيه؟"
"هو.. Someone is watching us."
ألتفتت أفنان على الفور بفزع لتجد ريماس تقف على مسافة بعيدة نسبيًا تراقب أفنان بأعين ثاقبة وقد لمعت أسنانها بإبتسامة خبيثة. تصعق الأخيرة وتتفوه بنبرة أقرب إلى الهمس قائلة:
"وي أر إن ديب ديب شيت!!!"
رواية في حي الزمالك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ايمان عادل
“وي أر إن ديب ديب شيت!!!”
نبست أفنان بنبرة أقرب إلى الهمس وهي تشعر بأن قلبها على وشك أن يتوقف. تلتفت لرحيم الذي توتر هو الآخر بالرغم من أنه ليس من نوعية الأشخاص الذين يُصابون بالتوتر أو القلق بسهولة، لكن لغة جسد أفنان نقلت إليه ذلك الشعور. نظر نحوها بهدوء تام وهو يهمس لها بالآتي:
“بصي Calm down & act normal ‘اهدأي وتصرفي بطريقة طبيعية’.”
أومأت هي على الفور بدون تفكير وهي لا تدري ماذا ينوي أن يفعل، لكن لا خيار لديها على أي حال. لذا أخذت تدعو أن يستطيع أن يُنقذها من ذلك المأزق.
“يعني ديه مش ال Birthday party ‘حفل عيد الميلاد’؟”
سأل رحيم بصوت مسموع إلى حدٍ ما كي يصل إلى ريماس. لتُجيبه أفنان بجدية وبنبرة الصوت ذاتها وهي تُردف:
“لا حضرتك أحنا حاجزين المكان هنا لخطوبة أختي.”
“تمام، I am so sorry ‘أنا أسف’، واضح أن ال GPS مهنج.”
“حصل خير يا فندم.”
علقت أفنان قبل أن تبتعد لترحل ويفعل رحيم المثل. كانت ريماس تراقب المشهد عن كثب وهي تضع إحدى يديها على خصرها وتبتسم. نصف ابتسامة تقترب منها أفنان وهي تُخفي العُلبة خلف ظهرها.
“في حاجة يا ريماس؟”
“أنتي فاكرة التمثيلية الخايبة اللي أنتوا عملتوها دي هتخدع عليا؟”
“تمثيلية أيه؟ وأنا ومين أصلًا؟”
سألت أفنان بمراوغة وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.
“الشاب الحلو اللي كان واقف ده، عارفة الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليني أصدق أنك متعرفيهوش هو أنه شكله ابن ناس أوي عن أنه يصاحب واحدة شَلق زيك، أنتي آخرك تبقي خدامة عنده.”
قالت ريماس بنبرة مُستفزة للغاية. في البداية حاولت أفنان أن تتحكم في أعصابها، لكن مع تزايد كلمات ريماس المُهينة لم تشعر أفنان بنفسها سوى وهي تجذب ريماس من خصلات شعرها البنية بقوة لتصرخ الأخرى بآلم بينما تقول بأسنانها:
“أنتي لو اتكلمتي عني كده تاني يا ريماس محدش هيعرف يخلصك من إيدي أنتي سامعة!!”
“ابعدي يا مجنونة أنتي! وعلى فكرة بقى أنا هكلم خالو أحكيله عاللي شوفته وهو هيتصرف معاكي.”
صاحت ريماس وهي تحاول الإفلات من قبضة أفنان. بينما وقعت عين أفنان بالصدفة عالبقعة الزرقاء التي اتخذت موضعًا على ذراع ريماس. كانت ريماس تنظر نحو أفنان بتحدٍ شديد.
“بابا عارف عني كل حاجة، أنا مش بخبي عنه حاجة.”
كذبت أفنان ولكن نبرتها كانت ثابتة نوعًا ما. لكن الأخرى قهقهت بسخرية وهي تُردف بثقة:
“هتصل ونشوف الكلام ده سوا بقى!”
“اتصلي، وأنا برضوا هكلم باباكي وأقوله على فلوس المحل اللي أمك بتلهفها مننا كل أول شهر، تعب أبويا وشقاه اللي أنتوا بتاخدوه من ورا أبوكي.”
اضطرت أفنان إلى استخدام البطاقة الأخيرة التي في صالحها. فوالد ريماس لا يعرف الكثير عنهم بحكم سفره الدائم. وكانت أفنان واثقة تمام الثقة أنه لا يعرف أن زوجته تحصل على ورث شقيقها ظُلمًا.
“هي.. ماما بتعمل كده بجد؟”
“بطلي تمثيل يا ريماس ما أنتي أكيد عارفة متعمليش فيها ملاك برئ، عمتًا براحتك كلمي بابا وأحرجي نفسك واستحملي بقى المشاكل اللي هتحصل بين باباكي ومامتك.”
ازدادت نبرة أفنان ثقة وهي تراقب الإضطراب البادي على ملامح ريماس. ابتسمت أفنان ابتسامة جانبية وقد شعرت بأن إنهاء تلك المشكلة أصبح أمرًا وشيكًا. لذا أضافت على حديثها السابق الآتي:
“وبعدين تفتكري أني لو في بيني وبينه حاجة هجيبه لحد هنا وكل الناس موجودين؟ أنا مش مغفلة للدرجة دي.”
صدقت أفنان فما كانت لتفعل شيئًا غبيًا كهذا. ولكن كل ذلك حدث بسبب المُغفل الآخر الذي يظن نفسه يعيش داخل إحدى قصص أميرات ديزني الرومانسية أو إحدى المسلسلات التركية. وها هو قد رحل الآن بعد أن حلت الكارثة على رأس أفنان.
“ولو برضوا مش هتعرفي تخليني معملش كده، برضوا هكلم خالو.”
“ريماس أنتي فين؟ كل ده بتشوفي قريبتك!!!”
صاح خطيب ريماس بحنق والذي جاء من اللامكان لتنتفض كلتاهما بفزع. تنظر نحوه ريماس ببعض الإضطراب قبل أن تُردف:
“كان معاها تليفون فكنت مستنياها تخلص.”
نظرت أفنان نحو ريماس ببعض الدهشة. فهي لم تتوقع أن تكذب من أجلها بل توقعت أنها ستُخبر كل من تراه بما حدث قبل قليل.
“طيب يلا ادخلوا بدل ما حد يضايقكوا.”
“اسبقوني أنتوا وأنا هحصلكوا.”
حاولت أفنان التملص منهم كي تستطيع مهاتفة والدها قبل أن تفعل ريماس. لكنها فوجئت بريماس تنظر نحوها بترجي نوعًا ما وهي تقول:
“لا، تعالي معايا عايزاكي في كلمتين جوا.”
نظرت نحوها أفنان بتعجب قبل أن تومئ بهدوء وتتجه نحو الداخل برفقتها.
“أنتي كنتي فين وسايباني لوحدي؟”
سألت ميرال وهي تجذب أفنان لتجلس بجانبها بينما يجلس نوح في الجهة الأخرى. دنت أفنان من أذنها وهي تُفسر لها بهمس:
“في كارثة، رحيم عملي سربرايز زي وشه وجه لحد هنا ابن المجنونة، لا متتخضيش كده الكارثة مش هنا، الكارثة أن ريماس شافتني معاه وعايزة تقول لبابا.”
“يا خبر أبيض!!! طب وهتعملي أيه؟”
سألت ميرال بفزع وبصوت مسموع نسبيًا لينظر نحوها نوح بقلق فتنظر نحوه أفنان بإبتسامة سمجة وهي تنبس:
“خليك في حالك ها.”
“سيبك من نوح وخليكي معايا، هتعملي أيه؟”
“مش عارفة.. أنا والله كنت هقوله أصلًا لأني مش هقدر اخبي عليه أكتر من كده، بس هي لو فتحت بوقها وكلمته هي هتخرب الدنيا خالص.”
“طيب قومي اتصلي بيه دلوقتي وقوليله أنك لما نروح هتحكيله حاجة مهمة، عشان حتى لو ريماس نفذت تهديدها يبقى أنتي سبقتيها وحكتيله قبلها.”
“عندك حق، أنا هخرج أكلمه.”
غادرت أفنان المكان مجددًا واتجهت نحو الخارج لتحاول الإتصال بوالدها نظرًا لأنه لم يكن معهم بالطبع فلقد كان ذلك الإحتفال شبابي. أجاب والدها سريعًا بنبرته الحنونة المعتادة لتشعر أفنان بغصة في حلقها. تُحمحم بصعوبة ثم تُردف:
“بابا أنا عايزة احكي لحضرتك حاجة مهمة، حاجة كان المفروض حضرتك تعرفها من بدري.. مش هينفع نتكلم في التليفون لازم لما أشوفك بس أنا قولت أعرفك عشان لازم تسمع مني أنا، خوفت حد يسبقني ويوصلك الموضوع غلط…”
كان والدها صامتًا يستمع إلى حديثها حتى ظنت أنه أغلق الخط لتسأله هي بنبرة مُرتجفة:
“بابا أنت سامعني؟”
“سامعك، أنا مستنيكي لما ترجعي عشان ندردش براحتنا يلا روحي خليكي مع أختك متسيبهاش لوحدها.”
“حاضر يا بابا..”
أنهت أفنان المكالمة وتنهدت بحزن وقلق قبل أن تعود نحو الداخل مجددًا. حاولت أفنان جاهدة أن تبتسم وألا تُفسد احتفال شقيقتها، لكن من داخلها كاد قلبها أن يهرب من موضعه هلعًا مما ينتظرها في المنزل. بالرغم من أنها تعلم أن والدها ليس بشخص عنيف أو شيئًا من هذا القبيل، لكن غضبه منها ونظرة الخذلان في عيناه تكفي لجعلها حزينة مدى الحياة…
بعد ثلاثة ساعات توقفت سيارة نوح أسفل المنزل. ودع ميرال بكلمات مُبتذلة لم تستمع لها أفنان جيدًا فلقد كانت شاردة الذهن. لاحظت ميرال أن يد أفنان ترتجف أثناء صعودهم للسلم لتقترب منها ميرال وتُمسك بيدها وهي تطمئنها قائلة:
“متخافيش يا أفنان، بابا طول عمره متفهم هو بس هيزعل منك شوية بس صدقيني لو خبيتي عليه ومخدتيش الخطوة زعله هيكبر أكتر والمشكلة هتكبر أكتر وأنا جنبك متخافيش.”
“شكرًا يا ميرال وبجد أسفة أني خليتك تشغلي دماغك بالموضوع ده في يوم زي النهاردة…”
“قدري بقى أنك تبقي أختي الصغيرة هعمل أيه بس؟ حكمة ربنا.”
نبست ميرال بمزاح وهي تضحك بلطف في محاولة منها لتلطيف الأجواء وجعل أفنان تهدأ قليلًا. طرقت أفنان الباب بخفة ليفتحه والدها على الفور وهو يبتسم لهم ابتسامة لطيفة بينما يضم كلتاهما وهو يتمتم:
“وحشتوني لما غبتوا عني كام ساعة، أومال لما تتجوزوا وتسيبوني أيه اللي هيحصل؟”
تمتم والدهم بنبرة حنونة لتنظر نحوه أفنان بقلبٍ مفطور. لكن يقطع المشهد المؤثر قدوم والدتهم وهي تشكو لهم من والدهم مُردفة:
“ده أبوكوا جنني كل شوية يقولي اتصلي بيهم شوفيهم بقوا فين، الوقت اتأخر والساعة عدت عشرة.. ده حتى كان واقف قرب الباب من قبل ما تخبطوا.”
“ربنا يخليك لينا يا حبيبي وميحرمناش منك.”
قالت ميرال ولم تجرؤ أفنان على التفوه بحرف. ألتفت نحوها والدها وهو يُخبرها الآتي:
“أفنان أنا هعملنا كوبايتين شاي وهجبلنا كحكتين من الأمك عملاهم ونقعد نتكلم في البلكونة على رواقة.”
“ماشي يا حبيبي..”
بدلت أفنان ثيابها سريعًا ثم غادرت الحجرة لتلمح والدها يجلس على كرسي داخل الشرفة وأمامه كرسيًا آخر وفي المنتصف طاولة صغيرة وُضعت عليها صينية. أقتربت بخطى بطيئة نحو الداخل قبل أن تجلس أمامه وهي تعبث بأصابعها في توتر. يقطع والدها الصمت المُوتر وهو يقول:
“قولي يا أفنان أنا سامعك.”
“أنا.. مش عارفة ابتدي منين..”
تفوهت أفنان بتلعثم وهي تفرك كلتا يديها بقوة لينظر نحوها والده بتعابير هادئة وهو يضع يده أعلى يديها لطمئنتها ثم يقول:
“اتكلمي يا أفنان متخافيش.”
“أنا هقولك بصراحة كل حاجة، أنا اتعرفت على شاب.. وبكلمه. مش بكلمه يعني.. بص هو الموضوع لما أنا كنت ماشية في الشارع و.. وكان في واحد متثبت وأنا ساعدته.. هو بعدها طلع اللي بيدربني في الشركة وكده..”“وبعدين؟”
كان والدها يستمع إليها بإهتمام، بينما كانت تشعر أفنان بأن الكلمات كخناجر تجرح حلقها كلما حاولت التحدث. كانت تعابير والدها هادئة في البداية حتى وصلت أفنان إلى تلك النقطة حيث تطور حديثهم وتحديدًا عند المرة الأولى التي وافقت هي على الجلوس معه في المقهى.
“أحنا كنا في مكان عام والله، وطبعًا أنا مركبتش معاه العربية ولا عمره لمس أيدي ولا أي حاجة والله العظيم يا بابا، أنا عارفة أني غلطانه واتماديت في الغلط بتاعي.. هو بعدها احنا اتقابلنا مرتين كمان.. هو جيه النهاردة.. وأنا قولتله يمشي وكده.. أنا أسفة..”“أسفة على أيه؟”
سألها والدها بإستنكار وبنبرة منفعلة لم تعهدها أفنان من قبل. تتجمع الدموع في عينيها وهي تُردف بنبرة مُرتجفة:
“عشان خذلتك، عشان ضيعت الثقة اللي أنت اديتهالي..”“كويس أنك مدركة كويس يا أفنان، أنا عيشت طول حياتي بدافع عنكوا وعنك بالذات قصاد أي حد وبقول أن بنتي حبيبتي عمرها ما تخبي عليا حاجة بس أنتي خذلتيني يا أفنان! أنا واثق أنه ملمسش إيدك وواثق أنكوا مقعدتوش في مكان لوحدكوا لكن ده ميلغيش كون اللي عملتيه غلط ومش مقبول! وبعدين ما هي بتبدأ كده.. كلام ومقابلات وتنازلات صغيرة عن مبادئك وأخلاقك وواحدة الموضوع بيكبر.”
كان والدها يتحدث تارة بإنفعال وتارة بهدوء. بينما جلست أفنان تستمع إلى حديثه وهي تعلم أنه لا يوجد تبرير مقبول لما فعلته. لذا أخذت تدعو الله أن يعفو عن ذنبها وأن يُسامحها والدها… ساد الصمت لبرهة قبل أن تُعلق أفنان:
“أنا عارفة أني غلطانه والله، أنت عندك حق يا بابا.. أعمل فيا اللي أنت عايزه.. أنا أصلًا عملتله بلوك على كل حاجة ومش هكلمه تاني حتى بص حضرتك لو مش مصدقني خد تليفوني..”“مش عايز أشوف حاجة، ولا حتى عايز أتكلم معاكي تاني، لسانك ميخاطبش لساني يا أفنان وأنا مش هاخد تليفونك عشان خلاص أنتي مبقتيش عيلة صغيرة عشان أعمل كده وأعملي حسابك أني هوصلك وأجيبك من الجامعة ما هو أنا مش عارف أنتي بتروحي فين من ورايا.”
أعلن والدها بحزم لتنظر نحوه أفنان بأعين مُحمرة ليُشيح بنظره بعيدًا عنها فتتنهد هي بحزن قبل أن تُردف بترجي:
“يا بابا أنا أسفة والله.. اعمل فيا اللي أنت عايزه بس متخاصمنيش أنا مش هستحمل اليوم يعدي عليا وأنت مش بتكلمني..”“أنا قولت اللي عندي، ولو كلمتيه تاني من ورايا يا أفنان مش هيعجبك اللي هيحصل.”
“طب بص يا بابا خد التليفون وأنا مش هروح في حتة من غيرك ووعد بجد مش هكرر اللي حصل ده تاني بس متعملش كده..”“تصبحي على خير يا أفنان.”
تركها والدها غارقة في دموعها والندم يحرقها حية. أعادت خصلات شعرها نحو الخلف وهي تحاول كتم شهقاتها. لم يضربها والدها، لم يصرخ في وجهها بقوة، لكن نظرة اللوم في عيناه، الخذلان في نبرته وكونه سيتجاهلها في الأيام القادمة كان ذلك كافيًا لجعلها تتمنى أن تختفي من الوجود. لعنت رحيم أسفل أنفاسها ولعنت نفسها ألف مرة أنها انساقت وراء كلامه المعسول وجاذبيته، فأين هو الآن بعد أن تسبب في جزء مما حدث؟!
دلفت أفنان إلى حجرتها لتدفن وجهها في وسادة سريرها وتُطلق العنان لدموعها. بينما نظرت نحوها ميرال بحزن شديد قبل أن تقترب منها وتضمها حتى تغفو أفنان بتعب بعد مرور ساعة من البكاء المتواصل.
أما عن رحيم فبعد أن ترك أفنان أخذ يتجول بسيارته بلا هدف. تمكن الضيق منه فأصبح يقود السيارة بطريقة جنونية لولا أن انتبه أنه قد تخطى السرعة المسموح بها وأنه قد يتعرض للمسألة أو مخالفة. حاول أنس مهاتفته عدة مرات لكن رحيم لم يُجب وقرر الإنتظار حتى يعود إلى المنزل فأنس يمكث هناك على أي حال.
“عجبتها السلسلة؟ أكيد عاجبتها دي غالية أوي، أيه ده مالك قالب وشك كده ليه؟!”
“هحكيلك بس من غير تهزيق..”
نبس رحيم وهو يُلقي سُرتة بذلته الرسمية على السرير بعشوائية. سرد رحيم ما حدث لأنس لتتسع أعين الأخير بإستياء وهو يصيح بتوبيخ:
“يا خبر أبيض!!! أنت أيه اللي أنت هببته ده يا رحيم؟!”
“أنا حاسس بالذنب أوي.. أنا مكنش قصدي أسببلها مشكلة بس ده اللي حصل..”
نبس رحيم بصدق وهو يمسح وجهه بيده بضيق لينظر نحوه أنس بطرف عيناه وهو يُردف بعتاب:
“أنا قولتلك مليون مرة تبعد عنها، حرام عليك يا أخي!”
“أنا بس كنت عايز أعملها مفاجأة وأفرحها…”
“مشكلتك يا رحيم أنك مش مستوعب أنت فين وبتعمل أيه مع مين، وعشان كده أنا قولت من البداية أن الموضوع كله غلط… أحنا في مصر يا رحيم وأفنان بنت من أسرة متوسطة ومتدينة، حياتها وتربيتها وعيشتها غيرنا خالص… أنت مش في England ‘إنجلترا’ عشان تعمل حركة رومانسية وتروح تفاجئ حبيبتك… ده على اعتبار أن أفنان حبيبتك أساسًا، اللي أنت عملته ده مش مقبول إطلاقًا وربنا يستر بقى وأبوها ميضربهاش ولا يمنعها من الخروج.”
أفصح أنس عن ما يجول في صدره منذ أن علم بعلاقة أفنان ورحيم. كانت كلمات أنس صادمة بالنسبة لرحيم ولربما بدت طريقته عنيفة بعض الشيء لكنه كان صادقًا في كل حرف تفوه به. أتسعت أعين رحيم برعب وهو يسأل أنس الآتي:
“هو بجد ممكن يعمل كده؟ لا أنت أكيد أوڤر، محصلش حاجة تستاهل أنه يعمل كده!!”“أنت نسيت فريد كان بيعمل أيه معانا يا رحيم؟ الظاهر أن كتر السفر والعيشة برا نسوك المجتمع هنا عامل ازاي، بص يا رحيم.. أنت تنسى أفنان دي خالص ولا كأن مر عليك حد بالإسم ده.”
“مقدرش يا أنس… أنا ما صدقت لاقيتها!”
نبست رحيم بقلة حيلة ونبرة هادئة لينظر نحوه أنس بإمتعاض وهو يقول:
“الموضوع ده آخرته هتبقى غم عليكوا أنتوا الإتنين، براحتك بقى.”
“ليه كل حاجة صعبة كده؟ ليه مش متاح ليا اختار الحاجة اللي بحبها والموضوع يمشي زي ما أنا عايز؟”“رحيم أنت نظرتك سطحية أوي، أفنان مش حاجة أنت بتحبها أو نفسك فيها، دي إنسانة وعندها مشاعر، شخصية وكيان وليها أهل مش مجرد حاجة أنت شبطان فيها عشان أهلك طول عمرهم بيتحكموا فيك.”
“أنا مش قصدي كده.. أنت فاهمني غلط، محدش قادر يفهمني! هي الوحيدة اللي كنت بحس أني مرتاح وأنا بتكلم معاها، مكنتش بحتاج أزيف ابتسامة أو أقول كلام مش عايز أقوله.. أنا تايه يا أنس.”
“وأنا جنبك يا رحيم وهفضل جنبك لحد أما نشوف الموضوع هيمشي ازاي، بس أبوس دماغك يا أخي سيبها في حالها على الأقل لحد أما تاخد قرار.”
“حاضر..”
في صباح اليوم التالي استيقظت أفنان بإرهاق شديد وسرعان ما تذكرت أن عليها الذهاب للجامعة اليوم بالرغم من أنها لا تذهب إلى الجامعة عادة في يوم السبت. فور اعتدال أفنان من نومتها أجتاحها ألم شديد في الرأس وشعرت بعدم الإتزان. قفز إلى رأسها ما حدث بالأمس وحديثها مع والدها، كلماته الحزينة، بكاءها المُستمر وعناق ميرال ثم لا شيء…
“أنتي عملتي أيه مخلي أبوكي مش بيكلمك كده؟”
سألت والدتها بفضول وهي تُعد الفطور لتتنهد أفنان بضيق ثم تُردف بإنفعال:
“لو سمحتي يا ماما سيبيني في حالي انا مش قادرة اتكلم في حاجة.”
“هو في أيه محدش طايقلي كلمة في البيت ده ليه النهاردة؟”“هو بابا قالك حاجة؟”“لا مقالش حاجة، هو أنتي عاملة حاجة؟”“لا، أنا نازلة عشان الجامعة، سلام.”
“استني عندك أنا قولت هوصلك بالعربية.”
بنبرة حازمة أعلمها والدها لتومئ دون أن تنبس ببنت شفة.
مرت الأيام متشابهة على أفنان من بعد ذلك اليوم. مر ما يقرب من الأسبوعان ووالدها يتجاهلها تمامًا بالكاد يتفوه بكلمه أو اثنتين معها. حاولت ميرال إصلاح الوضع لكن والدها نهرها ومنعها من التدخل سواء هي أو والدتها.
“أفنان الغداء جاهز.”
“مش جعانة يا ماما.”
“أحمد.. ما تشوف بنتك اللي مبقتش تاكل دي؟”“سيبيها على راحتها يا رانيا أحنا مش هنتحايل على حد.”
تحدث والدها بنبرة حازمة وبصوتٍ مُرتفع متعمدًا أن يصل حديثه إلى أفنان. زفرت بضيق. بينما اقتحمت ميرال الحجرة وهي تُشجع أفنان قائلة:
“ما تيجي تتغدي معانا يا بنتي.”
“قولتلك مليش نفس وسيبيني في حالي بقى.”
أمسكت أفنان إحدى كتبها متجاهلة ميرال التي اقتربت لتجلس أمامها وهي تسألها بفضول بينما تعبث في خاتم الخطبة خاصتها:
“هي ريماس كلمت بابا وحكتله؟”“لا، غالبًا لا يعني لو كان حصل حاجة زي كده كانت ماما هتيجي تهزقني.”
“اه تمام، طب هو… رحيم مكلمكيش تاني؟”
سألتها ميرال بالمزيد من الفضول لتنظر نحوها أفنان بحدة قبل أن تُجيبها بتملل:
“أنا وعدت بابا أني مش هكلمه ولا هو محاولش حتى يكلمني، خرب الدنيا وأختفى.”
“أفنان هو أنتي كنتي واخدة موضوع رحيم ده جد ولا أيه؟”“مش عارفة… هو أنا منكرش أن كان في إنجذاب… رحيم مش زي أي حاجة أو حد أن شوفته قبل كده واتعاملت معاه، هو چنتيل جدًا، لطيف، مُتفاهم وابن ناس في نفسه كده.”
“طب وده ملفتش نظرك لحاجة؟ مفيش حد فيه المميزات دي كلها أكيد في حاجة غلط… يالهوي هيطلع في الآخر تاجر مخدرات ولا أيه؟!!”“تاجر مخدرات أيه بس؟ في تاجر مخدرات في الدنيا هيقول بابي ومامي؟ استحالة يعني.”
“لا ثانية واحدة هو بيقول بابي ومامي؟”“اه أومال هيقول أيه؟ الواد أبوه مدير شركة وهم متعلم برا مصر، رحيم ده عايش في كوكب موازي حرفيًا، ولو كنتي بتسألي عن الغلط اللي في الموضوع فالموضوع كله على بعضه من الأول غلط من كل النواحي.”
بدأت أفنان حديثها بنبرة حالمة لكنها انتهت باليأس حينما عادت إلى أرض الواقع وتذكرت ما حدث وكيف انتهت علاقتها هي ورحيم قبل أن تبدأ.
“عشان خبيتي على بابا يعني؟ طيب ولو كان رحيم ده جيه اتقدملك كنتي هتوافقي؟”
كان سؤال ميرال مُباغت بالنسبة لأفنان، لم تُفكر في ذلك السؤال من قبل فهي لم تتخيل ولو لمرة أن علاقتها برحيم قد تصل إلى ذلك الحد أو ربما تخيلت مرة أو اثنتين لو أنها في علاقة رسمية مع رحيم لكن في تخيلاتها تلك لم تُفكر قط في مدى صعوبة الأمر واقعيًا. فأولًا: رحيم لا يبدو عليه أنه شخص يسعى للإرتباط الرسمي، ثانيًا: هناك اختلافًا كبير بين العالم الذي ينتمي إليه رحيم والعالم الذي تنتمي إليه أفنان، ثالثًا: مؤكد أن عائلة رحيم سترفض شيئًا كهذا فابالرغم من أن أفنان لم تراهم من قبل لكنها واثقة من ذلك فلقد رأته في العديد من الأفلام العربية القديمة.
“بقولك أيه قفلي عالسيرة دي خالص، أنا قايمة أذاكر.”
حاولت أفنان الهروب من الحديث بشأن رحيم ومحاولة تشتيت تفكيرها عن ما حدث لكن هناك شيء ما قفز إلى عقلها فجاءة، لما لم تُهاتف ريماس والدها وتُخبره بما رأت؟ فهذه الفرصة لا تعوض.. أم أنها تحدثت إليه ولم يُخبرها والدها بالأمر؟ لكن مؤكد أنه كان سيعاتبها لأن الأمر قد وصل إلى أحد أفراد العائلة. كان هناك شيئًا خاطئ في الأمر لكن ذلك لم يهم أفنان كثيرًا في الوقت الحالي فكل ما يهمها هو أن تُصلح علاقتها بوالدها وأن تحظى على العفو والمسامحة منه..
في صباح اليوم التالي في منزل حامد البكري، استيقظ رحيم باكرًا على مكالمة هاتفية ليهرول نحو الآخر النائم على الأريكة على معدته وخصلات شعره مُبعثرة. يُحاول رحيم أن يوقظه بهدوء لكنه لم يستجيب.
“أنس اصحى في حاجة مهمة، يا ابني أنت!!”
صاح رحيم على غير المُعتاد لكن الآخر لم يستجيب كذلك لذا لم يجد رحيم خيارًا آخر سوى دفع أنس من أعلى الأريكة ليسقط على الأرض بقوة.
“أيه في أيه البيت بيقع ولا أيه؟!!”
“اه في زلزال، قوم يا أنس خد Shower ‘استحم’ وألبس حاجة مُريحة عشان مسافرين.”
“نعم يا أخويا؟ مسافرين فين إن شاء الله؟”“هنرجع London ضروري.”
“طيب لندن أيه الساعة عشرة الصبح؟ ممكن تفهمني في أيه؟”
سأل أنس بغيظ وهو يُبعد خصلات شعره عن عيناه ويقوم بتعديل وضع السلسة الفضية خاصته.
“هفهمك لما نوصل، بسرعة عشان منتأخرش ال Tickets ‘التذاكر’ اتحجزت لينا بصعوبة عشان نعرف نسافر النهاردة.”
“رحيم هو أروى حصلها حاجة؟ متتخبيش عليا لو في حاجة قولي.. هي حالتها بقيت أسوء طيب؟”
سأل أنس عدة أسئلة متتالية وقد أغرورقت عيناه وهم بالبكاء بدون سابق إنذار ليقترب رحيم منه وقد ضم وجه أنس بين يديه وهو يُردف:
“بس Calm down she is fine ‘اهدأ إنها بخير’ أحنا مسافرين عشان هي أتحسنت، كلكوني من هناك وال Assistant ‘المساعدة’ بتاعتي هناك أول لما عرفت الكلام ده إمبارح خلت حد يحجزلنا تذاكر.”
“بجد؟ اتحسنت ازاي طيب؟ فهمني؟ أنت ليه مش بتقولي كل حاجة مرة واحدة بتنقطني معلومة معلومة!”
“ما هو أنت مش مديني فرصة أتكلم يا أنس!!! اصبر ثواني وأنا هقولك، الدكتور بعتلي مسدچ قالي أنهم لاحظوا تحسن في إيقاع المخ وفي إستجابة بشكل مبدأي.”
“يعني هي كده هتفوق؟”“قريب إن شاء الله، أنا حجزتلنا Tickets ‘تذاكر’ عشان نسافر النهاردة نطمن عليها بنفسنا.”
أوضح رحيم وقد نمت على شفتيه ابتسامة صغيرة حينما قدم المشيئة لا إراديًا لأنه اعتاد أن يسمع أفنان تقول ‘إن شاء الله’ في كل جملة تقولها تقريبًا. انتبه رحيم إلى الحماس والتوتر البادي على وجه أنس الذي تركه وهرول ناحية دورة المياه ليُبدل ثيابه دون أن يتفوه بحرف واحد.
“أنا جاهز.”
“وأنا كمان بس ثواني الدادة بتجهز لنا هدوم.”
“مش مهم نبقى نشتري من هناك يلا بس عشان منتأخرش.”
“لسه بدري على ميعاد الطيارة يا أنس، عمتًا أحنا مش هناخد حاجات كتير هي شنطة واحدة لينا أحنا الأتنين ونجيب اللي نحتاجه من هناك.”
“أنا خايف تفتح عينيها ومتلاقينيش جنبها، عايز أكون أول حد تشوفه لما تصحى.”
“متقلقش هنوصل على طول إن شاء الله، خلاص كفاية تأثر بقى عشان مشاعري رُهيفة.”
تفوه رحيم بنبرة ساخرة وهو يبتسم نصف ابتسامة ليُلقي عليه أنس إحدى الوسادات وهو يتمتم:
“لا بس حلوة رُهيفة دي عرفتها منين؟”“فيلم غالبًا، واستنتجت معناها، يلا كفاية رغي وتعالى نشوف الدادة خلصت التحضيرات ولا لا.”
في مساء ذلك اليوم وصل رحيم وأنس إلى وجهتهم بعد رحلة طيران دامت لخمسة ساعات بالإضافة إلى ساعتين تقريبًا للوصول إلى المستشفى. كان رحيم قد طلب من أنس أن يذهبوا إلى الفندق أولًا كي يرتاح أنس قليلًا من السفر لكن أنس رفض رفضًا تامًا حتى أنه لم يضع شيئًا في فمه منذ أن استيقظ لذا رحيم كان يخشى أن يفقد وعيه.
“أنس أنا عايزك تتصرف بهدوء متنساش أننا في مستشفى وهي Still ‘مازالت’ مريضة.”
لم يُعلق أنس لكنه أومئ بهدوء. ترك أنس رحيم وذهب برفقة الممرضة كي ترشده إلى الغرفة حيث توجد شقيقته.
دلف أنس إلى الحجرة بخطواتٍ بطيئة وأقدام مُرتعشة. كانت نائمة هي على السرير الأبيض الذي يُشبه نقاء قلبها تمامًا. ملامحها الهادئة التي تُشبه إلى حد كبير خاصة أنس عدا أن خصلات شعر أنس كانت داكنة أكثر من خاصتها. كانت بشرتها التي تميل إلى السمار شاحبة كثيرًا وكانت هناك آثار لبعض الندوب التي شُفيت لكنها قد تركت علامة. دنا أنس منها وبدأت عبراته في الإنهمار لا إراديًا راسمة خطوطًا متعرجة على وجنتيه. قبل أنس يد شقيقته لتهرب شهقة من فمه وهو يدعو الله بداخله أن تستيقظ شقيقته، أن تضمه مرة أخرى، أن تُطربه بصوتها الحنون وأن يسمع اسمه من بين شفتيها مجددًا.
“وحشتيني أوي يا أروى.. أنا وحش أوي من غيرك.. أنا ولا حاجة أصلًا من غيرك، العالم مكان وحش أوي ومُخيف بس أنتي كنتي دايمًا بتحميني، أنا محتاجلك تحميني دلوقتي يا أروى.. بس مش من العالم، من نفسي…”
قامت أروى بتحريك إصبع السبابة خاصتها. حركت جفونها ببطء شديد لكن دون أن تفتح عينيها بصورة فعلية. لكن ذلك كان كافيًا بالنسبة لأنس لتنتابه حالة من البكاء والضحك الهستيري وهو يُقبل رأس شقيقته بينما يتمتم:
“أنتي سمعاني صح؟ أنا عمري ما هبعد عنك أبدًا، أنتي نور عيني يا أروى.. أنا هفضل هنا جنبك لحد ما تخفي ونرجع بيتنا سوا.”
قطع تلك اللحظات المؤثرة دخول إحدى الممرضات وقد طلبت من أنس أن يرحل نظرًا لانتهاء الوقت المُحدد للزيارة. كفكف أنس دموعه واتجه نحو الخارج ليجد رحيم قد غفى على الكرسي أثناء انتظاره لأنس. كان رحيم قد أسند رأسه على الحائط وقد ضم كلتا يديه إلى صدره بينما تبعثرت بعضًا من خصلاته على وجهه.
نظر نحوه أنس بمشاعر مختلطة. ربما الذنب لأنه قد أصر على رحيم أن يأتوا إلى هنا دون الحصول على قسط من الراحة أو ربما لأنه جعل رحيم يغادر مصر في رحلة ليست بقصيرة مرتين في فترة متقاربة. لكن الشعور الذي كان يغلب على قلب أنس هو الإمتنان والشكر.. فهو لا يدري إن لم يكن رحيم بجانبه ماذا كان سيحدث له أو لشقيقته؟ لولا وجود رحيم لم يكن أنس ليصمد يومًا واحدًا في حياته البائسة تلك ولولا رحيم ما كان أنس ليحاول الإقلاع عن شرب الخمر. ابتسم أنس ابتسامة صغيرة قبل أن يُقبل كتف صديقه بإمتنان قبل أن يهمس:
“رحيم.. رحيم أصحى يلا عشان نروح.”
“أنت كويس؟ فيك حاجة؟”“أنا تمام متخافش، أنت بس راحت عليك نومة وأنت قاعد حقك عليا.”
“الحمدلله أنك بخير، let’s go home ‘لنذهب إلى المنزل’.”
تفوه رحيم ليومئ أنس ويغادر كلاهما المكان متجهين إلى منزل عائلة البكري. فور وصولهم أخذ رحيم يتأمل المكان بينما زينت وجهه ابتسامة صغيرة. فهو لم يأتِ إلى هذا المنزل منذ مدة طويلة فحينما جاء في المرة السابقة برفقة أنس كان قد قام بحجز جناح في إحدى الفنادق لكن هذه المرة كرر المكوث في المنزل فهو لا يدري كم يومًا سيلبث هنا حتى يُقرروا العودة إلى مصر.
كان الطقس باردًا في لندن مقارنة بمصر، لذا قرب رحيم ثوبه على جسده مُستشعرًا بعض الدفء بينما يُلقي نظرة شاملة على المنزل. ذلك المنزل المبني على الطراز الإنجليزي حيث قضى معظم أوقات طفولته هنا.
“ولا يا رحيم فاكر حفلات أعياد الميلاد اللي كنا بنعملها هنا.”
“فاكر طبعًا هي دي حاجة تتنسي؟ وال Balloons ‘البالونات’ اللي كنا بنحطها في الPool ‘حمام السباحة’ والزينات بقى، كانت حاجة مُبهرة جدًا وقتها.”
تحدث رحيم بحماس شديد وهو يلتفت حول نفسه كطفل صغير ليتمتم أنس بسخرية:
“كانت أيام حلوة.. يارب ما نعيش زيها تاني.”
“أنت مجنون يا ابني ولا أيه؟”“لا أصلي افتكرت النكد اللي فريد كان بيعمله بس على الأقل كنت لسه صغير ومش فاهم حاجة.”
“خلاص سيبك من السيرة دي خالص وشوف أي Menu ‘قائمة طعام’ وأطلبلنا حاجة ناكلها.”
“اشطا ماشي.”
قال أنس وذهب لتنفيذ ما طلبه رحيم منه. بينما اتجه رحيم نحو المطبخ ومنه إلى الباب الزجاجي الجرار الذي يؤدي إلى الحديقة الخلفية والمسبح. أخرج هاتفه وقام بالإتصال بذلك الرقم الذي قد حفظ أرقامه لا إراديًا. جرس.. اثنين.. ثلاثة…
كانت أفنان تستعد للخلود إلى النوم. لكن قبل أن تفعل قاطعها صوت رنين هاتفها برقم دولي مجهول. عقدت حاجبيها وهي تنظر نحو الهاتف بكسل قبل أن تُجيب وهي تُردف بتملل:
“ايوا مين معايا؟”“أفي ده أنا.. رحيم، أنا أسف جدًا على اللي…”
لم تستمع أفنان لحرفًا آخر. فبمجرد أن استوعب عقلها من المتحدث أنهت المُكالمة على الفور وقامت بحظر الرقم. نبضات قلبها تسارعت وشعرت بالدموع تُحارب كي تتجمع في عيناها. بينما قاومت هي جاهدة. قامت بفتح تطبيق ‘الواتساب’ وألغت الحظر عن رقم رحيم ثم أرسلت له الآتي بأصابع مُرتجفة وأنامل باردة:
“بعد إذنك متكلمنيش تاني وياريت تمسح رقمي وتنسى أنك كنت تعرفني، أنا معنديش أي استعداد أعمل حاجة غلط تاني وشكرًا على كل حاجة عملتها عشاني، ودي آخر رسالة هبعتهالك.”
رواية في حي الزمالك الفصل الثلاثون 30 - بقلم ايمان عادل
بعد إذنك متكلمنيش تاني.
وياريت تمسح رقمي وتنسى أنك كنت تعرفني.
أنا معنديش أي استعداد أعمل حاجة غلط تاني.
وشكرًا على كل حاجة عملتها عشاني.
ودي آخر رسالة هبعتهالك.
أرسلت أفنان الرسالة ثم ألقت بهاتفها بعيدًا.
جلست ووضعت رأسها بين يديها، تُعيد خصلات شعرها للخلف بقوة.
ثم بدأت تبكي لا إراديًا.
لا يمكنها تخيل ردة فعل رحيم على تلك الرسالة.
لم يعد يهم ذلك الآن.
لقد قطعت صلتها به بصورة نهائية.
لكن هناك جزء بداخلها كان يتمنى أن يحزن رحيم لقراءة تلك الكلمات.
يحزن رحيم فيتحرك خطوة نحوها.
يقترب أكثر ولكن بالطريقة الصحيحة.
صفعت أفنان نفسها داخليًا وهي تحاول جعل نفسها تفيق من الأوهام.
مؤكد أن رحيم لن يهتم.
سينساها بكل تأكيد.
سوف ينشغل ويجد فتاة غيرها بلا شك.
قطع بكاءها صوت رنين هاتفها.
أمسكته بضيق، ظنًا منها أنه رحيم يحاول من رقم آخر.
لكنها صُدمت حينما رأت أن المتصلة ريماس.
لم تهاتف ريماس أفنان منذ عام ألفان وعشرة.
حينما حصلت كلتيهما على هاتف محمول لأول مرة.
عقدت أفنان حاجبيها وهي تزفر بضيق.
تتمتم بحنق: "مش فايقالك دلوقتي خالص يا ريماس."
قامت أفنان بكتم صوت الرنين.
لكن ريماس لم تنفك تتصل بها.
قامت أفنان بإلغاء المكالمة.
لكن ريماس اتصلت مجددًا.
شعرت أفنان بأن هناك شيئًا خاطئ.
بغض النظر عن كون اتصال ريماس مُريبًا في حد ذاته.
لكن إصرارها جعل الأمر أكثر ريبة.
تنهدت أفنان وقد سلمت أمرها إلى الله.
قررت أن تعاود الاتصال بريماس.
وقبل أن تتفوه بحرف واحد جاءها صوت ريماس مرتجفًا مذعورًا من الجهة الأخرى.
تُردف بنبرة مُترجية: "أفنان ممكن تنزلي تقابليني دلوقتي من فضلك؟ أنا محتاجة حد جنبي."
"مال صوتك؟ أيه اللي حصل؟" استفسرت أفنان بقلق.
صوت ريماس لم يكن مطمئنًا بتاتًا.
"بصي أنا هبعتلك لوكيشن (موقع جغرافي) نتقابل فيه. واطلبي أوبر. متتأخريش عليا وأنا هديكي حقه."
"أيه يا بنتي الهبل ده؟! أنا جايه. بس يارب بابا يوافق."
"أكيد هيوافق لما يعرف أني هقابلك."
"لا يا أفنان أوعي تقوليله أي حاجة…"
"طيب حاضر.. حاولي تهدي شوية لحد أما أجي."
"رايحة فين يا أفنان؟" سألها والدها حينما رأها تبحث عن وشاح رأسها على الأريكة.
توترت هي على الفور وأجابته بتلعثم: "هقابل صاحبتي.."
"اسمها أيه؟ وتعرفيها منين؟ وهتتقابلوا فين وهترجعي أمتى؟"
باغتها والدها بعدة أسئلة متتالية.
لتجفل هي لدقيقة قبل أن تسأله بعبوس: "أنت يا بابا عمرك ما سألتني كل الأسئلة دي… للدرجة دي مبقتش تثق فيا؟"
"أثق فيكي ازاي بعد ما كدبتي عليا وخبيتي عني موضوع الشاب ده."
"يا بابا أنا أسفة والله ووعدتك أني مش هعمل حاجة زي دي تاني.."
"أنا قولت اللي عندي."
"طيب.. أنا نازلة أقابل ريماس."
"يعني مش صاحبتك ولا حاجة.. يعني كنتي هتكدبي تاني! شكلك اتعودتي عالكدب بقى."
وبخها والدها بنبرة لائمة.
لتقوس أفنان شفتيها قبل أن تُفسر له بصدق: "والله صدقني ريماس هي اللي طلبت مني مقولش لحد أنها عايزة تقابلني."
"هو في حاجة حصلت ولا أيه؟ عمتك بخير؟" سأل والدها بلهفة.
لتبتسم أفنان ابتسامة صغيرة.
كيف لوالدها أن يقلق بتلك الدرجة على عمتها بالرغم من كل ما فعلته.
"لا عمتو بخير غالبًا يعني.. أنا مش فاهمة حاجة. هعرف في أيه وهطمن حضرتك."
أومئ والدها بهدوء وسمح لها بالذهاب.
بعد خمسة وأربعون دقيقة تقريبًا كانت أفنان تجلس داخل المقهى الذي قامت ريماس بإرسال موقعه.
دلف نحو الداخل لتجد ريماس جالسة في سكون.
تحتسي من كوب القهوة الذي أمامها بحركة أشبه بالإنسان الآلي.
كانت ترتدي نظارة شمسية كبيرة بالرغم من أن الشمس تكاد لا تصل إلى داخل المقهى.
لم تهتم أفنان كثيرًا.
فربما فعلت هي ذلك على سبيل التفاخر كعادتها.
اقتربت منها أفنان وهي تُردف بحنق: "ريماس أنتي كويسة؟ الله! ما أنتي زي القردة أهو يا شيخة كنتي هتقطعيلي الخلف بسبب المكالمة دي!"
صاحت أفنان بنبرة توبيخ وهي تُطالع ريماس بغيظ شديد.
لكن ريماس لم تتفوه بحرف واحد.
بل قربت ثيابها من عنقها ومن ثم قامت بجذب أكمام قميصها.
شعرت أفنان بالريبة.
وسرعان ما تبدلت ملامح وجهها للقلق وهي تسأل ريماس بصوتًا خافت: "ريماس هو.. أنتي.. فيكي أيه؟"
بمجرد أن سألت أفنان خلعت ريماس نظارتها الشمسية الكبيرة.
لتظهر كدمة كبيرة بنفسجية بالقرب من عيناها.
ومن ثم قامت بفتح الزر الأول من قميصها لتظهر آثار خربشة على عنقها.
تقوم بعد ذلك بفك أزرار أكمام قميصها وتزيحه لتظهر علامات زرقاء داكنة في مناطق متفرقة من يدها.
تنهمل دموع ريماس لا إراديًا وهي تُردف بثبات لا يتناسب مع حالتها: "عرفتي فيا أيه؟"
لم تشعر أفنان بنفسها سوى وهي تستقيم من مقعدها وتجذب ريماس في عناقًا قوي.
لا تتذكر أنها عانقتها عناقًا مثله منذ أن كانوا أطفالًا صغار.
تركت ريماس العنان لشهقاتها لتصدر من جوفها مُفصحة عن كم الألم الذي قد كتمته في صدرها.
بعد مدة فصلت أفنان العناق وقد كوبت وجه ريماس بينا يديها وهي تسألها: "مين اللي عمل فيكي كده؟ قوليلي وأنا هطلعلك عين أمه!"
"فريد." نبست ريماس بصوتًا خافت.
لتتسع أعين أفنان وهي تصيح بغضب غير مصدقة ما تسمعه من الصدمة: "نهار أبوه أبيض!!! أتجنن ده ولا أيه؟ بيضربك! بيضربك وأنتي ساكتاله يا ريماس؟!"
"هو بيحبني… أنا ساعات بعصبه بس هو وعدني هيتغير… أنا قولت لماما وهي قالتلي أن كل الرجالة كده وأني لو سمعت كلامه هيبطل يضربني."
كانت تتحدث ريماس بتلعثم وهي ترتجف بينما تنهمر دموعها بغزارة.
طالعتها أفنان بأعين متسعة وفمًا يكاد يصل إلى الأرض من الدهشة والإستنكار.
لا تصدق أن الحماقة والقسوة قد وصلت عند عمتها للحد الذي يجعلها تُفرط في صحة وكرامة ابنتها من أجل المال والمظاهر.
"طيب وباباكي؟ احكيله هو أكيد هيربي الحيوان ده وهيخليه يفسخ الخطوبة."
"بابا؟ هو فين بابا ده؟!" سألت ريماس بمزيج من الإستنكار والسخرية.
بينما نظرت نحوها أفنان بحيرة وشفقة.
لا تدري بماذا تُعلق فقد وُضعت فهي في موقف لا تُحسد عليه.
أمسكت ريماس بكوب المياه الموضوع أمامه وكاد أن يسقط من يدها الضعيفة لولا تدخل أفنان لتُمسك به بدلًا عنها وتساعدها في شرب كمية صغيرة من المياه لتُبلل شفتيها المُتشققة.
تنهدت ريماس قبل أن تنبس بالآتي: "عارفة يا أفنان، هقولك على حاجة.. لأول مرة في حياتي هتكلم معاكي بصراحة، أنا أغنى منك، اه أغنى منك متندهشيش كده."
علقت ريماس ساخرة حينما لاحظت تعابير وجه أفنان المستاءه لما تقوله.
تأففت أفنان لكن ريماس تجاهلت ذلك وتابعت حديثها مُردفة: "وبابا مدلعني دلع مفيش حد في العيلة كلها اتدلع ولا هيدلع زيه. بيصرف عليا فلوس كتير، مش كده وبس لا أنا أحلى منك شكلًا كمان… ودخلت الكلية اللي على مزاجي وهعرف أشتغل بمرتب أضعاف مرتبك. العيلة كلها في صفي ومحدش بيكلمني نص كلمة…"
كانت ريماس تتحدث بفخر وتعالي لا يليق مع بريق عينيها بسبب الدموع التي غلفتها.
استمعت أفنان بحديثها بتركيزًا وحيرة وهي تسأل نفسها ما غرض ريماس من قول ذلك؟
لكنها فهمت حينما أضافت الأخرى: "بس طز في كل ده، كل ده ولا يفرق لأني عمري ما هيبقى عندي أسرة زي أسرتك، عمري ما هحس بالدفء في بيتنا الكبير الواسع، عمري ما هيبقى عندي أب حنين عليا وبيحبني أكتر من أي حاجة في الدنيا زيك… عمري ما هيكون عندي أم متفاهمة وراحتي أهم حاجة عندها مش المصلحة… عمري ما هيكون عندي أخت صاحبتي وبتهتم بيا، ده أنا يا حاسرة عندي أخ واحد ومسافر طول الوقت ومش بيسأل فيا… عارفة يا أفنان طول الوقت بنقعد نقول أنك بتحسدينا ونفسك في اللي معانا… بس الحقيقة أني أنا اللي بحسدك… أنا اللي بتمنى أكون مكانك…"
كانت نبرة ريماس صادقة لأول مرة.
كانت تنهمر دموعها بغزارة وهي تتفوه بتلك الكلمات.
أخذت تنظر نحوها أفنان بحيرة شديدة.
فكيف للفتاة التي كانت تتحدث بغرور وكِبر قبل ثوانٍ أن تبكي بتلك الطريقة وتتفوه بتلك الكلمات.
لم تصدق أفنان أن ريماس التي كانت دائمة التنمر عليها وعلى شقيقتها تتحدث عن حياتها بهذا الشكل!
لكن بالرغم من كل الغضب الذي كان داخل أفنان تجاه ريماس إلا أنها شعرت بقلبها يحترق من أجلها.
ففي النهاية وبالرغم من الخلافات مازالت تجمعهم صلة دمٍ وقرابة وقبل كل ذلك هي فتاة مثلها مثل أفنان.
نهضت أفنان من مقعدها بدون تردد وجذبت ريماس في عناقًا دافئ طويل.
أخفت ريماس وجهها في كتف أفنان وأطلقت العنان لشهقاتها.
كان الجميع من حولهم ينظرون إليهم بتعجب وفضول.
لكن أفنان لم تهتم كثيرًا.
حاولت تهدئة ريماس قدر الإمكان وهي تتمتم: "خلاص أهدي مفيش حاجة، محدش هيأذيكي تاني أنا جنبك وكلنا جنبك… أقعدي أشربي شوية مايه."
أومئت ريماس بهدوء ليسود الصمت لبرهة.
وأفنان تحاول أن تفكر في حلًا لذلك المأزق الذي وضعت فيه ريماس.
قبل أن تُتمتم بقلة حيلة: "بصي مظنش حد هيعرف يساعدنا في الموقف اللي أحنا فيه ده غير بابا… بس أنا عايزة أعرف المشكلة دي بدأت من أمتى وازاي؟"
"لا لا متقوليش لخالو! مينفعش حد يعرف…"
ارتسمت تعابير التوتر والفزع على وجه ريماس حينما اقترحت أفنان أن تُخبر والدها.
لم تود أفنان تُزيد من الضغط الواقع عليها.
فتوقع أفنان أن فكرة 'لوم الضحية' تُسيطر على عقل ريماس.
هي الضحية هنا لكنها تظن أنه سيتم لومها على تعنيف فريد لها بالرغم من أنها المجني عليها وليست الجانية.
لكن ذلك الأسلوب مُتبع من قِبل عمتها بلا شك.
لذا قالت أفنان بلطف وهي تضع يدها فوق خاصة ريماس: "يا بنتي أهدي بس، طيب خلاص سيبك من موضوع بابا دلوقتي وأحكيلي."
"بصي هو.. هو لما جيه اتقدم وكده بعدها خرجنا مرة وكان لطيف أوي بس في واحد عاكسني وهو بدل ما يتخانق معاه اتخانق معايا أنا وقالي لبسك ضيق… في الأول فرحت بصراحة وأفتكرت أن دي غيرة عادي."
"كملي ياختي." تفوهت أفنان وهي ترفع إحدى حاجبيها باعتراض.
حمحت ريماس ثم تابعت: "وبعدها اختلفنا في كام نقطة، خلافات بسيطة والله… وفي مرة اتعصب جامد وضربني بالقلم على وشي.."
"إلهي يتشك في إيده البعيد!!"
"أنا عيطت واتصدمت جدًا… قعد يعتذرلي وباس إيدي وقالي أن دي غلطة ومش هتتكرر، اتكرر الموضوع طبعًا بقى يضربني على وشي ويشد دراعي جامد ويزغدني… طبعًا أنا قولت لماما وكان ردها زي ما قولتلك، بقيت أحط ميكب وألبس بكم عشان ميبانش آثار الضرب…"
"نهار أبوكي أبيض يا ريماس! دي مش ريد فلاجز، دي عواميد نور يا حبيبتي! وبعدين؟"
وبختها أفنان وهي تشعر أن عقلها قد توقف عن العمل.
فعقلها لا يستطيع استيعاب أن ما تسمعه يتم سرده بواسطة فتاة من فتيات عائلتها!
"كمان حاول قبل كده يقرب مني… وضربته بالقلم وسبته ومشيت…"
"يالهوي!!! أنتي ازاي ساكتة على حاجة زي كده؟! حصل أمتى وفين ده انطقي؟!!"
"يوم خطوبة ميرال تحت البيت عندنا، كنا في العربية بتاعته…"
"البجح الحقير! ده أنا هخرب بيته!" صاحت أفنان بغضب شديد وهي تُفكر في حلًا لردع ذلك الوغد.
فمهما صدر عن ريماس فهي مازالت لا تستحق ما يحدث معها.
لا أحد يستحق شيء كهذا على أي حال.
"بقولك أيه… تعالي نمشي أنا عايزة أروح." تمتمت ريماس بإرهاق.
ثم قامت بطلب الحساب من النادل والذي لبى طلبها على الفور.
وأثناء ما كانت تضع المال قاطعها أحدهم وهو يجذب ذراعها بقوة.
بينما يُردف مستنكرًا: "أنتي ازاي تخرجي من غير ما تقوليلي؟! مش قولت مية مرة مفيش حاجة تتعمل بدون أذني!"
كانت تُطالعه ريماس بخوف وهي تُقرب يدها من وجهها كحماية كي لا ينهال عليها بالضرب.
تستقيم أفنان من مقعدها على الفور وتحاول جذب ريماس من يده وهي تصرخ مُستنكرة: "سيب إيديها أنت مجنون ولا أيه؟"
"أبعدي أنتي ومتدخليش يا شاطرة!" بصق كلماته بحنق وهو ينظر نحو أفنان ساخرًا.
قبل أن يعاود النظر نحو ريماس بإستياء.
تتنهد أفنان بضيق وهي تُتمتم بهدوء في بداية حديثها: "اه انت فاكرني بنت ناس بقى وكده، أوعي يلا بقولك بدل ما أعملها معاك!"
صاحت أفنان في نهاية حديثها وحاولت جذب ريماس بالقوة.
ليدفعها ذلك الأخرق بعيدًا من كتفها قبل أن يرفع يده وينهال بكفه على وجه ريماس.
لذا وبدون وعي رفعت أفنان ذراعها وهي تمسك بكوب الماء الزجاجي.
قبل أن تهوى على رأس فريد بقوة ليفقد إتزانه.
تسحب يد ريماس وتجذبها وتجذب حقيبتها لتركض كلاهما بذعر شديد خارج المقهى.
بينما تُردف بأنفاس متقطعة: "تعرفي يا ريماس أن الجري نص الجدعنة؟"
بعد مدة من الركض المتواصل جلست أفنان على أحد الأرصفة.
تضع يدها على صدره بآلم محاولة تنظيم أنفاسها التي اضطربت بسبب كثرة الركض.
همست لنفسها بسخرية: "يارب مفيش في مرة حد ينقذني؟ أنا كل مرة اللي بنقذ الناس ولازم نجري ويتقطع نفسنا!"
كانت تُشير بحديثها إلى مُقابلتها الأولى مع رحيم.
حيث انتهى بهم الأمر وهو يهرولون بنفس الطريقة.
لكن الفارق أن ذاك السارق كان هزيل البنية وكان فاقد للإتزان بأي حال.
لم يكن يُشبه عمود الإضاءة في طوله ولا باب الثلاجة في عرضه.
"أنا مش عارفة أشكرك ازاي بجد يا أفنان… أنتي خاطرتي بحياتك عشاني."
"لا هو أنتي لازم تشكريني فعلًا لأن البتاع اللي أنتي مخطوباله ده كان أحتمال يضربني أنا كمان!" سخرت أفنان.
لتنظر نحوها ريماس بعبوس وبشعور بالذنب بالرغم من أنه لا ذنب لها بطريقة مباشرة.
رفعت أفنان رأسها لتنظر نحو الآخرى وهي تُردف: "متزعليش أنا بهزر، وبعدين اتنيلي أقعدي جنبي بقى خيالتيني!"
"لا مش هينفع أقعد البنطلون لونه أبيض هيتبهدل أوي وبعدين أنتي مش شايفة الرصيف عامل ازاي؟"
كانت ريماس تتحدث بجدية وهي تنظر بإشمئزاز نحو الأرصفة التي كساها الأتربة.
لتظهر ابتسامة جانبية على ثغر أفنان.
فلقد ذكرتها ريماس للمرة الثانية بأحدهم.
"طيب خليكي واقفة، أطلبيلنا عربية بقى تروحنا البيت."
"حاضر."
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن تقطعه أفنان وهي توبخ ريماس قائلة: "ريماس أنا مش متخيلة ازاي ارتبطتي بالبني آدم ده، ده على اعتبار أنه بني آدم أصلًا، ده خطر جدًا يا بنتي!"
"أهو اللي حصل بقى.."
"لازم نصلح اللي حصل، أنتي لازم تفسخي خطوبتك معاه فورًا ولو فضل بينطلك في كل حتة كده نعمله محضر عدم تعرض."
"عدم تعرض أيه يا أفنان أحنا اللي ضربينه!" صاحت ريماس بإنفعال لا يخلو من السخرية.
لتنظر نحوه أفنان بإزدراء وهي تُعلق على حديث ريماس قائلة: "ما هو كان بيعتدي عليكي بالضرب يا ذكية! وبعدين أنتي مش محتاجة كشف طبي أساسًا ده لو حد أعمى هيشوف الضرب اللي على جسمك."
"العربية وصلت، هوصلك البيت وأرجع على بيتنا وهشوف هعمل أيه وهكلمك…"
"لا! أحنا هنوصلك أنتي الأول عشان اطمن عليكي وبعدين هبقى أتصرف وأروح أنا."
اضطربت مشاعر أفنان وكأنها في حاجة إلى ذلك!
فلقد كان يكفيها اضطراب المشاعر الذي تسبب فيه رحيم وما حدث مع والدها.
لكن لا مجال للتراجع الآن فإن ريماس تعتمد عليها في إيجاد حلًا للمشكلة التي وقعت بها.
"منك لله يا ريماس نكدتي عليا هو أنا ناقصة!!"
عادت أفنان إلى المنزل والذي كان هادئًا على غير المعتاد.
في العادة من يتسبب في الضجيج هي أفنان ذاتها.
لكن على أي حال كان الفراغ يعم في المكان.
"ماما؟" نطقت أفنان بنبرة أقرب إلى السؤال لكن لا تتلقى إجابة.
وقبل أن تتحرك خطوة آخرى نحو الداخل وجدت أحدهم يضع يده على كتفها.
لتشهق بقوة وهي تصيح: "بسم الله الرحمن الرحيم! حرام عليكي يا ماما حد يخض حد كده؟!"
"ما أنتي اللي داخله تتسحبي زي الحرامية وبعدين أنا شوفتك وأنتي تحت وفضلت أندهلك بس أنتي دماغك مش فيكي."
"مسمعتش معلش.. بابا فين؟"
"نايم شوية، ما تقوليلي أنتي وأبوكي مخبين أيه عليا؟"
سألتها والدتها بشك وهي تُضيق عينيها.
لتضمها أفنان بلطف وهي تُردف: "مفيش حاجة يا مامتي يا حبيبتي، أنا داخلة أريح شوية."
جلست أفنان على سريرها وهي تتنهد بإرهاق وضيق.
أمسكت بهاتفها وقامت بفتح تطبيق 'الواتساب' وأخذت تقرأ رسائلها هي ورحيم وكيف كان حديثهم لطيف.
ثم تصل إلى تلك الرسالة القاتمة حيث انتهى كل شيء.
تُلقي الهاتف بجانبها بضيق.
ويقفز إلى عقلها شيء آخر لتحمل همه، ريماس!
إن وضع ريماس كارثي وأفنان تشعر بالحزن من أجلها والذنب في الوقت ذاته.
لأنها لم تلحظ من قبل آثار الضرب أو حتى لم تلحظ هلع ريماس الواضح حينما تكون بالقرب من خطيبها.
وماذا عن ميرال التي بدت مُريبة مؤخرًا بالتحديد من بعد خطبتها هي ونوح..
ووالدها.. آهٍ من والدها، لقد طال عِقابه ولم تعد أفنان تتحمل..
لا تدري كيف مرت تلك الأيام وهي لا تتحدث إلي والدها.
كيف له أن يُعاقبها لكل تلك الأيام؟!
وكيف له ألا يهتم بعدم تناولها الطعام أو ذبول وجهها في الأيام الماضية نتيجة لقلة التغذية واضطرابات النوم..
شعرت أفنان في تلك اللحظة بثِقل العالم كله يجثو فوق صدرها.
حاولت التنفس بهدوء لكن ذلك كان صعبًا للغاية.
وبدون وعي منها انهمرت دموعها بغزارة وأخذت تُتمتم بضعف: "يارب!"
كانت هذه الكلمة الوحيدة القادرة على مغادرة فمها.
كانت تعلم تمامًا أن الخلاص من عند الله وحده.
لذا أخذت تدعو بداخلها أن تنصلح الأوضاع.
فما عاد قلبها قادرًا على تحمل المزيد من الحزن والضغط.
فلقد أعتادت أفنان أن تُخفي كل المشاعر داخلها وأن تبني حائط من الثلج أمام الجميع.
لكن الكيل قد طفح ولم تعد تحتمل التظاهر مجددًا..
أخرجها من شرودها صوت باب حجرتها وهو يُفتح بهدوء.
بعد أن قام من فتحه بطرق الباب بخفة أولًا.
علمت أفنان من صوت الطرقات المميزة وصوت الخطوات من يحاول الدخول.
لكن عقلها رفض التصديق.. والدها!
"بابا؟"
"وحشتيني أوي." تفوه والدها.
لتقفز أفنان من موضعها لتضمه في عناقًا دافئ.
ثم تجهش بالبكاء بين أحضانه.
بينما يربت هو على كتفها بلطف محاولًا تهدأتها.
"وحشتني أوي يا بابا! أهون عليك كل الأيام دي تتجاهلني وتحرمني من حضنك وحنيتك عليا؟"
"غصب عني يا أفنان، اللي حصل مكنش سهل برضوا."
"أنا أسفة يا بابا… أنا بجد أسفة وعارفة أني مهما اتأسفتلك مش هيبقى كفاية…"
"خلاص حصل خير يا حبيبتي حصل خير، أهدي." نبس والدها وهو يفصل العناق.
لكن أفنان جذبته مجددًا رافض فصل العناق.
ليقهقه والدها وهو يُعلق: "أنتي عارفة أنك كنتي بتعملي الحركة دي من وأنت في الحضانة؟"
"حركة أيه؟" سألت أفنان بعفوية.
وهي تكفكف دموعها بأكمام ثوبها كالأطفال.
ليبتسم والدها قبل أن يُجلسها على السرير بلطف ويجلس أمامها.
بينما يُردف: "كنت بحضنك وأنا ماشي من الحضانة وبعد ما ببعد بتشديني تحضنيني تاني، بصراحة دي كانت ألطف حركة بتعمليها وأنتي طفلة بس خلاص كبرتي وبقيتي بعيدة عن بابا وبتخبي عليه حاجات."
"يا بابا أنا…"
"أنا مش بتكلم معاكي دلوقتي عشان أقطمك، أنا بتكلم دلوقتي عشان نتناقش في اللي حصل، نعرف أحنا غلطنا في أيه عشان منكررش الغلط تاني."
تحدث والدها بنبرة جادة حازمة نسبيًا.
لكن لا تخلو من الحنان كذلك.
زينت ابتسامة صغيرة ثغر أفنان وهي تعقب على حديث والدها قائلة: "تمام يا بابا أنا عايزة اسمع كل اللي عند حضرتك."
"طيب مبدأيًا كده أنا كنت عارف كل حاجة ولا أنتي فكراني نايم على وداني؟" أفصح والدها.
لتتسع أعين أفنان بصدمة وتستقيم من مقعدها وهي تسأل والدها بإستنكار: "نعم؟!! حضرتك عارف من الأول؟!!!"
"طبعًا! مش صعب عليا بعد العمر ده كله أني أخد بالي أنك متغيرة ومش صعب عليا برضوا أني أفهم أنه بسبب شاب، سألت ميرال أختك وأنتي عارفة هي من أول قلم بتعترف، يدوبك قولتلها هو في حاجة بين أفنان والولد اللي في التدريب حكتلي كل حاجة."
فسر والدها ما حدث وهو يضحك في نهاية حديثه.
لتُضيق أفنان عيناها بغيظ وهي تهمس قائلة: "اه يا ميرال الكلب!!"
"بنت عيب أختك الكبيرة! وبعدين اللي عملته مكنش غلط هي كانت خايفة عليكي، أنا اتأكدت من الموضوع من فترة مش بعيدة وكنت منتظر أنك تيجي تحكيلي لكنك خبيتي عليا وده خلاني أحس بالخزلان أوي يا أفنان"
"بس أنت يا بابا عقابك كان قاسي أوي… بس أنا عارفة أني غلطانة من ساسي لرأسي حقك عليا."
"عارف، عقابي كان أغلبه عشان أنتي خبيتي عليا مش عشان التصرف نفسه، أنتي غلطتي لكن لو كنتي جيتي عرفتيني على طول يمكن مكنتش هخاصمك لكن أنتي قررتي تداري وتبني بيني وبينك سور عمره ما كان موجود."
"أنا مكنش قصدي يا بابا… بس أنا أول مرة اتحط في موقف زي ده، أن ولد يلفت نظري يعني.. واتلغبطت ومكنتش عارفة أتصرف ازاي.."
"أنا عارف أنك كبرتي ومش كل حاجة بقى ينفع تتكلمي معايا فيها وحتى مراعاة لمشاعري كأب لكن كان ممكن تتكلمي مع مامتك مثلًا." تحدث والدها بنبرته المتفهمة المُعتادة.
لتبتسم هي بآلم فمازال شعورها بالذنب يحرقها من الداخل.
"يا بابا أنا لو حكيت لماما هصحى ألاقي أمة لا إله إلا الله كلهم عارفيين بالموضوع وأولهم خالتو وعيالها."
سخرت أفنان لكنها كانت محقة نوعًا ما.
ليقهقه والدها ثم يعاود التحدث بجدية مُردفًا: "طيب سيبيك من اللي حصل وخلينا في اللي جاي، أنا مش عايزك تخبي عني أي حاجة تاني وأنا هدعمك في كل قرار وخطوة في حياتك طالما مفهاش حاجة تغضب ربنا أو حاجة تضرك."
"ماشي يا حبيبي وعد أني مش هخبي عليك، على فكرة أنا بعتله مسدچ قولتله أني مش هينفع أكلمه تاني وأن اللي حصل الفترة اللي فاتت كان غلط وعملتله بلوك وحتى الشهادة مش هروح أستلمها…"
"بصي يا أفنان، لو هو شاريكي فعلًا ومُعجب بيكي هيحاول بكل الطرق أنه يبقى معاكي بس الأهم أنه يحاول بالطرق اللي تصلح ليكي أنتي، بمعنى أنه أنتي مش من نوعية البنات اللي بتتصاحب على شباب فهو مش قدامه حل غير أنه يتقدملك."
"يتقدملي؟!!!" سألته أفنان بإستنكار.
فهذه المرة الثانية في مدة قصيرة التي يذكر فيها أحدهم أمر طلب رحيم ليديها!
وهي تستنكر تلك الفكرة فهي واثقة أن رحيم لن يُقدم على خطوة كتلك، فالأمر لن يسير على نحو جيد بأي حال من الأحوال بالإضافة إلا أن رحيم سيمنعه كبريائه من التحدث إليها مجددًا بعد الرسالة الأخيرة.
"أيه الغريب في الموضوع؟"
"أصل أحنا منعرفش بعض كويس.. موصلناش للمرحلة دي يعني.."
"هو لازم يعني تعرفوا بعض كويس في الخباثة؟ مينفعش تعرفوا بعض أكتر وأنتوا مخطوبين والناس عارفة أن في ارتباط رسمي؟" سألها والدها بنبرة لا تخلو من الإستنكار.
وقد كان كلامه منطقيًا وصحيحًا.
"لا في دي عندك حق يا بابا… بس أصل رحيم مختلف أوي عننا، هو من عيلة كبيرة وأصلًا مش متربي في مصر والموضوع كله ملغبط…"
"لو هو حاسس بحاجة نحيتك يا أفنان هيتحدى كل الظروف والإختلافات دي عشان يبقى جنبك، وموضوع الشهادة ده سيبيه على جنب دلوقتي ممكن أبقى أبعتك مع نوح تاخديها."
"حاضر يا بابا، بس شكلي كده عمري ما هشوفه تاني طالما في تحدي ومواجهة وحركات.."
"لو نفسك في حاجة يا أفنان أتوضي وصلي ركعتين وأدعي ربنا باللي نفسك فيه وأنتي عندك يقين أن ربنا هيستجيب واللي فيه الخير ربنا يقدمه."
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي حاضر هعمل كده… بابا في موضوع كده…"
"تاني يا أفنان؟!"
"لا مش أنا المرة دي… دي ريماس…"
على الجانب الآخر داخل المنزل الفاخر في بريطانيا، كان رحيم جالسًا على الأريكة.
ينظر إلى الرسالة التي وصلته من أفنان.
كانت يده ترتجف بقوة؛ بسبب موجة الغضب والإستياء التي احتلت كيانه.
قبل أن يستقيم من مقعده ويُلقي بهاتفه أرضًا بقوة.
غير مُبالي بهاتفه الذي تدمر تقريبًا.
هرول أنس نحو الخارج لينظر نحو صاحبه.
الذي كان الحزن مُتملكًا من وجهه بصورة لم يراها هو من قبل.
لقد كان رحيم غاضبًا، مُستاءًا ولكن ليس من أفنان ذاتها.
بل إلى كيف صارت الأمور بينهم.
وربما أصابه الضيق من عدم توضيحها لأسبابها.
أو ربما فعلت لكنه لم يستوعب بشكل كامل..
"أفنان.."
"مالها؟" سأل نوح بتملل.
فلقد أعتاد حديث صديقه حول أفنان.
لكن كان هناك شيئًا مختلف هذه المرة.
"لقد انتهينا (We are over)."
"أيه اللي حصل؟" لم يُجيبه رحيم.
بل جلس على الأريكة وقد أخفى وجهه بيديه وهو يزفر بضيق.
بينما هرول أنس نحو هاتفه ليجد الهاتف يعمل بأعجوبة بغض النظر عن الشاشة التي تدمرت بشكلًا كبير.
استطاع أنس بصعوبة أن يقرأ كلمات أفنان التي بدت قاسية من وجهه نظرة.
لكنها كانت منطقية وصادقة.
وهذا ما كان أنس قد حسب حسابه منذ البداية.
لكن رحيم لم يكن ليستمع له قط.
"أنس أنت عارف العربي بتاعي وحش.. أنا أكيد فهمت غلط صح؟ Is this a freaking joke (هل هذه مزحة لعينة)؟!"
"رحيم أهدى هي أكيد عندها عذرها، أنا قولتلك من الأول أن ده هيحصل!" حاول أنس أن يُهدئ من روع رحيم.
لكن المحاولة فشلت.
نظر نحوه رحيم بضيق وهو يزفر بحنق.
"أنس.. أنس! It’s not the right time to blame me about anything (أنه ليس الوقت المناسب لكي تلومني على أي شيء)."
صاح رحيم بنبرة موبخة.
ليتنهد أنس ثم يصمت.
يُعيد رحيم خصلات شعره نحو الخلف بعصبية.
قبل أن يزفر بضيق ثم يسأل أنس الآتي: "أنس أنت طلبت الأكل؟"
"أفندم؟"
"زي ما سمعت."
"أنت ليك نفس تاكل بعد المسدج دي؟ عمومًا لا لسه مطلبتش حاجة."
"كويس أنا هخرج أسهر مع ناتالي وغالبًا هتعشى معاها." تحدث رحيم دون ذرة تردد.
ليبدأ أنس وصلة 'ردح' وهو يسأله بصدمة: "نعم ياخويا؟!! ناتالي مين؟! أنت بتستهبل يا رحيم؟!"
"اطلب أكل لنفسك ونام عقبال ما أجي، سلام." تمتم رحيم بلا مبالاة.
وهو يتجه نحو الباب تاركًا أنس ينظر نحوه بإستياء شديد.
غادر رحيم المنزل ثم هاتف ناتالي.
والتي رحبت بفكرة مقابلته وقضاء الليلة سويًا في أحدى الملاهي الليلية.
جلس رحيم أمام ناتالي فائقة الجمال.
كان الجميع من حولهم يلتفت نحوها.
فلقد كان ثوبها كاشفًا نوعًا ما.
فستان باللون الأزرق متماثلًا مع لون عيناها.
طلبت من النادل إحضار كأسيين من الخمر لكليهما.
لم يعترض رحيم حتى منحهم عامل البار كؤوسهم.
أخذ ينظر إلى الكأس بين يديه.
شعر بغصة في حلقه..
أفنان كانت لتغضب منه كثيرًا إن رأته يحتسي الخمر.
وبالإضافة إلى أنه فعل محرم بغض النظر عن أنه شيء مُباح هنا.
أطال رحيم النظر نحو الكأس.
بينما نظرت نحوه ناتالي بقلق.
"هل أنت بخير (Are you okay)؟!"
"نعم، لكن لا رغبة لي في الشُرب، أنتِ تعلمين أنني لا أشرب مشارب كحوليه (yes, but i don’t feel like drinking, you know i don’t drink alcoholl)."
"لقد ظننت أنكَ تغيرت (i thought that you’ve changedd)."
"لقد فعلت، لكن للأحسن.. أظن (i did, to the better.. I guesss)."
تفوه رحيم وقد تذكر كم التغير الذي طرأ على شخصيته منذ ظهرت أفنان في حياته.
لقد نبهته إلى الكثير من الأشياء المُحرمة والخاطئة التي كان يفعلها عن جهل.
ولم تُبذل هي الكثير من الجهد في ذلك بل صححت مفاهيمه وهي تتحدث على ساجيتها.
وضعت ناتالي يدها على وجه رحيم.
لينتفض الآخر مُبتعدًا.
فتُضيق حاجبيها بإستنكار.
مرة أخرى قفز إلى رأس رحيم كيف أنه لم يلمس أفنان قبلًا.
وكيف كانت تترك مسافة بينهم.
رفع عيناه ينظر إلى ناتالي.
عيناها زرقاء وليست داكنة كخاصة أفنان.
عيناها ضيقة وليست كعين المها مثل أفنان.
بشرتها ساطعة البياض وليست باهتة كخاصة أفنان.
ناتالي تمزح بكل إريحية ولا حياء عندها مثل أفنان..
لم يريد رحيم أن يسمع اسمه من فم التي تنطق بصعوبة نظرًا لوجود حرف 'الحاء'.
بل يُريد أن يسمع اسمه وهو ينساب من فم الفتاة التي أنقذته في مقابلته الأولى لها.
"ناتالي أنا أعتذر أنا متعب للغاية، سأقلكِ إلى المنزل (Natalie i am sorry i am really tired, i will drive you home)."
حاولت الآخرى إقناعه بالبقاء.
لكن محاولاتها فشلت.
لذا انتهى بها الأمر وهي تطلب منه هو الرحيل.
بينما ستبقى هي مع أصدقائها في الملهى الليلي.
كان رحيم في ذلك الوقت يقود بلا وجهه محددة.
ولقد تأخر الوقت بالفعل.
ولم يدري بنفسه سوى وهو يتوقف أمام مسجد شهير في لندن.
أعتاد والده أن يصحبه إلى هذا المسجد في الأعياد والمناسبات الدينية حينما كان صغير.
خطى رحيم خطوته نحو الداخل بتوتر شديد.
فكيف له أن يدلف إلى مكان بهذا الطهر وقد كان منذ دقائق في مكانًا مُدنس!
ذهب يبحث عن الجزء المخصص للوضوء وتوضأ سريعًا.
ثم عاد إلى منطقة الصلاة.
شعر رحيم بثقلًا شديد على كاهله.
الأمور تتعقد بشكلًا مؤلم.
والدته تضغطه من ناحية ووالده من الآخرى بسبب العمل.
ويشعر بالذنب والضيق من ناحية أفنان.
ولا يمكنه أن يشكو لأحد.
لأن الوحيد الذي قد يستمع إليه هو أنس.
وأنس منشغلًا بالفعل في حياته المُبعثرة كذلك.
الآن أدرك رحيم من الذي سيستمع لشكوته بل وقادر على حلها..
جثى رحيم على ركبتيه أرضًا وهو ينبس: "يارب…"
كانت هذه الكلمة الوحيدة القادرة على مغادرة فمه.
كان يعلم تمامًا أن الخلاص من عند الله وحده…
بعد ساعة تقريبًا عاد رحيم إلى المنزل.
دلف بهدوء لكي لا يوقظ أنس.
لكنه فوجئ بأنس نائمًا على الأريكة لا في الغرفة.
وبمجرد أن شعر أنس بحركة رحيم استيقظ على الفور.
وهو يسأله: "أنت كويس؟"
"اه أنا كويس.. أيه اللي نايمك هنا؟"
"كنت مستنيك ترجع عشان اطمن عليك ولو نمت في الأوضة هسحب جامد في النوم."
فسر أنس.
ليذهب نحوه رحيم ويعانقه عناقًا صغير.
قبل أن يفصل أنس العناق وهو يستنشق رائحة رحيم.
وقد عقد حاجبيه ثم استفسر منه مجددًا: "غريبة! هو مش أنت كنت مع ناتالي في بار (ملهى ليلي) غالبًا؟"
"اه كنت معاها."
"أومال لا ريحتك خمرة ولا ريحتك بيرفيوم حريمي يعني!"
"اه ماهو أنا محضنتهاش يعني.. وكمان مشربتش، أنت عارف أني مش بشرب." فسر رحيم.
بينما لم تختفي علامات التعجب من على وجهه.
"اه أنا عارف بس بصراحة توقعت منك أي حاجة بعد اللي حصل مع أفنان، أصلك مشوفتش نفسك.. أنت عينك كانت بتطلع شرار."
"أنس أنا كنت فاكر أني مُنبهر بأفنان… هي شخصيتها مُبهرة فعلًا، افتكرت الموضوع هيعدي يعني وحتى النهاردة قولت لنفسي أيه المشكلة أنها هتبعد؟ في بنات غيرها كتير بس لا… في غيرها كتير بس مفيش زيها!"
"أنت شكلك وقعت جامد أوي يا رحيم.."
"أنس أنا حرفيًا بحاول أشغل نفسي عنها بس هي مستحوذة على دماغي، كل ده وأنا أعرفها من كام شهر أومال لو قضينا سنين مع بعض كان هيحصل فيا أيه؟ أنا هتجنن عشان بقالي أسبوعين معرفش عنها حاجة…"
"ده أنت حالتك صعبة أوي! طيب قولي أيه أكتر ميزة في أفنان أو أيه اللي مخليك مرتاح ليها أوي كده؟"
"ببقى على طبيعتي معاها، بتحسسني أني انسان كويس… بتحسسني أني مقبول في الوقت اللي كل الناس بترفضني فيه… حاسس أني جنبها بكون شخص أحسن، خلتني أشوف في نفسي جوانب أنا مكنتش واخد بالي منها، أنا مُشتت جدًا بس هي قادرة تقلل جدًا تشتتي وتخليني مركز في حاجة واحدة."
تحدث رحيم بكل صدق.
وقد أطلق العنان لمشاعره للمرة الأولى.
كان يتحدث بدون تفكير؛ كان ينطق بكل ما يخطر على باله.
كان ينظر نحوه أنس بتعابير مُرتخية.
لكن جزء صغير داخله كان يشعر بالسعادة لأن صديقه المُقرب قد وجد الفتاة التي يُمكن أن تُصلح جروح الماضي.
"أيه هي الحاجة دي؟"
"هي…"
"رحيم هو أن واخد موضوع أفنان ده جد ولا أيه؟" سأله أنس بمراوغة يود أن يعرف إلى أين وصل به الهيام.
"أكتر حاجة أخدتها جد في حياتي، أنس أنا قررت أتهور…"
"رحيم أوعى تكون بتفكر في اللي جيه في دماغي!!!"
يتبع..