تحميل رواية «في حي الزمالك» PDF
بقلم ايمان عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في شارع من شوارع إحدى أرقى الأحياء في مصر والأكثرهم هدوءاً، حي الزمالك، تسير هي وحيدة ليلاً. تتدندن بلحن أغنية ما للست أم كلثوم، وهي تضيف بضع كلمات من رأسها تماشياً مع اللحن، كونها لا تستطيع حفظ كلمات الأغاني. تمر من جانب شارع جانبي مظلم، فتسمع صوت آنين شخص يتألم قادماً من مكان ما، فتلفت حولها بحثاً عن مصدر الصوت. في أحد الأزقة المظلمة، يقف شاب كما يُطلق على أمثاله "شمام"، وقد قام بدفع شاب آخر نحو الحائط بقوة وهو يضغط على قفصه الصدري. على الأغلب هو يحاول سرقته، فلا تبدو الأمر كشجار قط. وقفت تراق...
رواية في حي الزمالك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ايمان عادل
ساد الصمت طوال الطريق، بينما أكتفى نوح برمق أفنان بطرف عيناه من آن لآخر.
"أنا هنزل اجيب السمك خليكي هنا."
"ماشي."
أردف نوح ثم غادر السيارة لتتأفف فور خروجه. يصدح صوت رنين هاتفها في المكان لتجدها مريم، شقيقة نوح.
"ألو أيه يسطا عاملة أيه."
"أيه يا أفنان، أنتوا قدامكوا كتير."
"يعني، نوح نزل يشتري السمك وأنا في العربية."
"اه ما أنا عرفت أنك مش معاه."
"أنتي كلمتيه."
"اه ولاقيته متعصب.. هو حصل حاجة."
"اه.. هحكيلك لما أجي إن شاء الله."
قالت أفنان لتحاول إنهاء المكالمة سريعا، دون أن تسرد ما حدث.
"طيب، متتأخروش وخلي نوح يسوق على مهله."
"أي أوامر تانية."
"لا شكرا."
هكذا انتهت المكالمة وعادت أفنان للإنتظار حتى يأتي نوح. أرادت تشغيل أغنية عن طريق وصلة السيارة 'AUX' لكنها لم تجدها في موضعها. وسرعان ما تذكرت أن نوح دائما يضعها داخل 'التابلوه' لأنه لا يحب تركها متدلية حينما لا يستخدمها. أخذت أفنان تعبث في التابلوه حتى سقطت صورة صغيرة. إلتقطتها من الأرضية وهي تنظر إلى ما بداخلها لتجد.. صورتها وهي طفلة!
"يا ابن اللذينة دي الصورة دي مش معايا أنا شخصيا.."
تمتمت بها وهي تنظر إلى الصورة حيث كانت ترتدي فستانا ورديا وقد رفعت خصلات شعرها على هيئة 'قطتين'. وتعود تلك الصورة إلى يومها الأول في الروضة. عاد نوح إلى السيارة وهو يحمل في يده العديد من الأكياس، وبمجرد أن رأى الصورة في يده اضطربت معالمه قليلا.
"جبتيها منين."
"لا هو أنا اللي المفروض اسأل جبت الصورة دي منين."
"وقعت من ماما في مرة فقولت اشلها معايا عشان متضعش."
"أنت بتألف."
"اه.. كنت محتفظ بيها عشان شكلك كان كيوت."
"ومازلت متنكرش."
أردف بغرور ممتزج بالمزاح ليبتسم نوح ابتسامة صغيرة ثم سرعان ما اختفت.
"أوعي تفتكري أن عشان هزرنا أني هعدي حوار الزفت اللي اسمه رحيم."
لم تعلق على ما قاله، وبالرغم من أنها تشعر بالحنق تجاه رحيم لما فعله، لكنها شعرت بضيق حينما سبه نوح، وهي لا تدري سبب ذلك.
"طب اتحرك بقى عشان نلحق نوصل قبل ما السمك ما يبرد."
في مقر الشركة، صعد رحيم إلى الطابق الثاني بعصبية شديدة بعد أن غادرت أفنان. لا يعلم سبب غضبه المبالغ فيه.. ما مشكلته بأن تركب السيارة برفقة ذلك نوح؟ لا يدري.. لكنه يشعر أنه ليس بالصواب أن يراها برفقة ذلك الشاب.
توجه نحو المكتب الذي يجمع جميع 'الدكاترة' الذين يقومون بعملية التدريب بحثا عن أنس، ليجدهم مجتمعين ويأكلون بطريقة عشوائية. يرمقهم رحيم بغضب وهو يردف:
"هو أنا مش قولت مشوفش المنظر ده جوا المكتب تاني!"
"مالك يا رحيم في أيه."
"اسمي دكتور رحيم!"
قال رحيم وهو يرفع إبهامه أمام 'دكتور' أيمن بنبرة تحذيرية.
"أنا عايز اعرف أيه المشكلة."
"المشكلة أن المنظر ده المفروض يبقى في الكافيه تنزلوا تاكلوا وتشربوا لكن مش في مكان الشغل!"
"أحنا أسفين يا سيدي."
"انتوا هيتخصملكوا على فكرة!"
"ده على أساس أيه."
سأل أحدهم بإنفعال ليقترب منه رحيم بحركة فجائية ثم يصفع يده على المكتب بجانب الآخر وهو يقول بغضب:
"على أساس أني رحيم حامد البكري!"
في تلك اللحظة اقتحم أنس الحجرة وهرول نحو رحيم وهو يحاول أن يدفعه برفق نحو الخارج.
"رحيم.. رحيم، اهدى بس تعالى برا."
"معلش يا جماعة حصل خير."
"لا مش معلش! سيبه يضرب دماغه في الحيط!"
قال رحيم قبل أن يغادر المكان نتيجة لجذب أنس له نحو الخارج. أخذه أنس إلى مكتبه.
"خد أشرب مياه."
"معدنية."
"مش وقته تناكة يا روح.. طنط."
أردف أنس بمزاح لينظر نحوه رحيم بحده ثم تظهر ابتسامة جانبية على وجهه.
"كنت أوڤر أوي."
"بصراحة اه! هو أيمن مستفز بصراحة بس الحوار مش مستاهل يعني!"
"لا مستاهل!"
أردف رحيم بعصبية ليرد عليه أنس بسؤال قائلا:
"كل ده عشان بياكل في المكتب بطريقة عشوائية مقززة يعني."
"بص If he is acting like an animal then he should be treated like one! 'إن كان سيتعامل كحيوان إذا يجب معاملته كواحد'."
"يا ابني عيب كده! هو حيوان اه بس عيب برضوا! أنت عمرك ما اتعاملت مع حد كده.. أيه اللي مقريفاك بقى."
"اللي أيه."
سأل رحيم بتعجب ليصفع نوح وجهه بيده ثم يقول:
"يا ابني هو أنت العربي بتاعك ميح خالص كده. قصدي أيه اللي مزمزاءك مخليك تقف للناس على الواحده كده."
"!!!"
نظر نحوه رحيم ببلاهة شديده ليقهقه أنس ثم يقول:
"لا أنت محتاج درس في اللغة! هبقى أعلمك، المهم قصدي أيه اللي معصبك كده مخليك ماشي تخبط في الناس كلها."
"لا متعلمنيش أفنان هتعلمني.. لا! أفنان لا!!!"
كان يتحدث رحيم بلطف ثم سرعان ما تذكر ما حدث ليمتعض وجهه.
"قول كده بقى.. أنت متخانق مع البت دي."
"اه متخانق ومسمهاش بت.. هي ليها اسم على فكرة."
"خلاص يا سيدي، عشان متخانق مع أفنان يعني."
"اه اتخانقت معاها، عشان الهانم بتقولي أنها مبتركبش العربية مع حد غريب وفي الآخر ألاقيها راكبة العربية مع الحيوان اللي اسمه نوح ده!"
تحدث رحيم بحنق قبل أن يخرج من إحدى جيوبه علبة سجائر فاخرة وقدّاحة.
"دكتور نوح.. ده انسان محترم أوي."
"أنس.. اعتبر نفسك مرفود."
"يعم بهزر معاك! بس الشهادة لله مشوفتش منه حاجة وحشة!"
"وأنا مالي تشوف ولا ماتشوفش!"
قال وهو يشعل لفافة التبغ ليهرول نحوه أنس ويأخذها من يده.
"أنت عبيط! مينفعش تدخن هنا، تعالى ننزل تحت، ولا أقولك تعالى نمشي من الشركة اصلا."
"يلا أنا مش طايق اقعد في المكان ده."
أردف رحيم وهو يزفر بضيق قبل أن يدس لفافة التبغ في جيبه مره آخرى.
"كنت هقولك تعالى نقعد في حتة كده تروق أعصابك بس احنا الصبح."
"اروق أعصابي أني اروح بار؟ أنت عبيط يا أنس."
"أنا مقولتش بار اصلا."
نظر نحوه رحيم بطرف عيناه قبل أن يقول ساخرا:
"على فكرة أنت صديق سيء خد بالك."
"متبقاش تكلمني تاني، عمتا، تعالى نروح البيت ونطلب غدا ونشوف حوار أفنان اللي مضايقاك ده."
وصل كلاهما إلى المنزل وقام أنس بطلب الغداء من إحدى المطاعم الشهيرة.
"يعني أنت مشكلتك أنها راكبة العربية مع نوح ولا أنها راكبة عربية مع راجل عمتا."
"الأتنين."
"طب ما هو.. هي تعرف نوح ده منين اصلا."
"وأنا هعرف منين يعني. كل اللي أعرفه أنه بيشرحلها في التدريب زيها زي أي حد."
أوضح رحيم بضيق ثم أخرج لفافة التبغ التي كان يحتفظ بها في جيبه ليشعلها ثم ينفث دخانها بضيق.
"لا بس من طريقتهم كده تحس أنها أكيد عارفاه."
"مش عارف بقى.. المهم أني اتخنقت معاهم!"
"يا غبي! بتتخانق ليه. أنت مالك اصلا."
سأله أنس بنبرة جدية ليلكمه رحيم بخفة في كتفه.
"احترم نفسك! وبعدين أنا مكنتش شايف قدامي وكنت متغاظ!"
"ألطم على وشي! هو أنت لحقت تحبها عشان تغير عليها."
"أحبها أيه بس أنت عبيط يا أنس. هو أنا لحقت أعرفها اصلا."
"طب ما تقول نفسك!"
"أنا بي اتضايقت أوي ومعرفش ليه.. المهم أني دلوقتي مضطر اصالحها.."
"ليه هو أنت عكيت أوي."
"اتعصبت عليها جامد وعليت صوتي قدام الناس.."
"مبدأيا، أنت محتاج تعتذرلوهم."
أومأ رحيم موافقا على ما يقوله أنس ثم انتبه لما قاله الآخر ليسأله مستفسرا:
"لا ثواني كده.. مين هم."
"يسطا صحصح معايا هيكون مين يعني. أمي. أكيد أفنان ونوح."
قال أنس بنفاذ صبر لينظر نحوه رحيم بتجهم ثم علق قائلا:
"ده على جثتي!"
أنا اعتذر. أنا هصالح أفنان بس.
أفنان بس إيه؟ ده أنت بوظت نص علاقاتك النهاردة.
اردف أنس بسخرية وهو يقهقه لينظر نحوه رحيم بإمتعاض ثم يضحك هو الآخر قائلاً:
أنا عمري ما كنت قليل الذوق بالشكل ده في حياتي.
أتفق. So دلوقتي إحنا محتاجينك تصالح أفنان، زمايلنا في الشغل، ونوح.
تحدث أنس بنبرة جادة وبصوت مسموع ثم خفض صوته حتى صار أقرب إلى الهمس حينما ذكر اسم نوح.
أهم حاجة أفنان.. ودي بقى أصعب واحدة فيهم دي ممكن تطلع Pocket knife تعورني بيها يا عم.
إيه؟ Pocket knife؟ اسمها مطواة يا سطا!
علق أنس ساخراً لينظر نحوه رحيم بإشمئزاز ثم يقول:
أنا بس محتاج أكل وبعدها نخطط بقى هصالح أفنان إزاي.
في منزل خالة أفنان، وصل نوح وأفنان أخيراً وهما يحملون عدة أكياس تحوي الطعام. فتحت لهم مريم الباب لتستقبلهم وهي تتمتم:
أخيراً! حمدلله عالسلامة.
فضوا الحاجة في السريع بقى عشان ميتة من الجوع.
قالت أفنان وهي تضع الأكياس على طاولة الطعام، بينما كانت ملامح وجهها طبيعية تماماً، بينما كان الضيق واضحاً على معالم نوح.
مالك يا واد في إيه؟ حصل حاجة في الشغل؟
سألت والدته لتزدرد أفنان ما في فمها ببطء قبل أن تجيب عوضاً عنه:
مفيش يا خالتو.. أنا وابنك شدينا مع بعض في الطريق.. العادي يعني.
نظر نحوها نوح بإبتسامة صغيرة لأنها أجابت بدلاً منه.
إيه ده مزعله ابني ليه يا أفنان؟
أنا يا خالتو.. ده يزعل بلد.. وبعدين بصراحة هو بيعمل حوارات على كل حاجة.
والله انتوا ظالمينه.
صدرت هذه الجملة من ميرال بالطبع لينظر نحوها نوح بإمتنان ثم يقول:
الوحيدة اللي بتنصفني في القاعدة دي.. هي وخالتو طبعاً.
يلا ناكل بقى ونبقى نرغي بعدين.
علقت مريم لتخرج ميرال من شرودها، فقد كانت تتأمل نوح بشكل واضح.
هاه؟ آه يلا.
يا بت أنتي منبقاش مفضوحة كده.
همست مريم في أذن ميرال وهي تضع الأطباق.
أنا عملت إيه؟
عملتي إيه في إيه؟ ده أنتي ناقصك ثانية كمان وتطلعيله صورة ٤×٦.
أردفت مريم بسخرية لتضربها ميرال بخفة وهي تقول:
دمك خفيف أوي ما شاء الله.
يلا يا بنات ابدأوا أكل.. أفنان سيبي تليفونك وقولي بسم الله يلا.
تومئ أفنان وهي تفعل شيئاً أخيراً في هاتفها قبل أن تغلقه. وما فعلته هو وضع رقم رحيم في القائمة السوداء ‘Black list‘، فهي لا تريد أن تتحدث إليه مجدداً ولا تريد أن تمنحه فرصة للاعتذار.
هي مش خالتو قالتلك سيبي التليفون؟
ما أنا سبته يا نوح هو أنت كفيف ولا إيه؟
سخرت منه أفنان لينظر نحوها بإمتعاض ثم يهمس قائلاً:
مسحوبة من لسانك.
عارف يا نوح لو خليتك في حالك ربنا هيكرمك.
هنا صمت نوح والجميع وانتبه كلاهما للطعام الذي أمامه لكن مريم كانت تنظر نحو أفنان من آن لآخر بلوم، فهي دائماً ما تقوم بإحراج شقيقها حتى ولو كان يمزح.
انتهت الليلة سريعاً وعادت أفنان برفقة والدتها وشقيقتها إلى منزلهم. اتجه نوح نحو غرفته فور أن عاد إلى المنزل مجدداً، بعد أن قام بإيصالهم إلى منزلهم بواسطة سيارته.
بقولك إيه يا نوح.. ما تفكك من أفنان.
إيه يا بنتي ده مش تخبطي قبل ما تدخلي! وبعدين أفكني منها إزاي يعني مش فاهم؟
يعني أفنان حبيبتي وعلى عيني وراسي بس هي مش مناسبة ليك.
وده ليه إن شاء الله؟
عشان انتوا تفكيركوا غير بعض خالص.. حتى مواصفات فتاة أحلامك نصها متنطبقش على شخصية أفنان.
تحدثت مريم بصدق وهي تجلس على سرير شقيقها.
طز في الصفات كلها.
أنت وأفنان على طول بتتخانقوا وكأنكوا مولودين فوق روس بعض.
طب ده اللي بيحبوا بعض بجد هما أكتر ناس بيتخانقوا، وبعدين مفيش أجمل من الخناقات اللي من النوع ده.
غلط يا نوح.. لما تحب حد المفروض تحس معاه بالإرتياح والتفاهم والمودة مش الخناق والزعيق وجو الروايات الرخيص ده.. الحب احتواء.. تشابه.. سكن.. هل أنت شايف أن أفنان سكن ليك؟
صمت نوح لثوانٍ وهو يفكر فيما قالته شقيقته، إن كلامها صحيح بنسبة كبيرة لكن كلامها وإن كان حقيقي لن يستطيع منعه من الإنجذاب نحو أفنان.
عندك ميرال مثلاً.. هادية، مش عنيدة، ومتفاهمة ومش معنى كده إنها معدومة الشخصية بالعكس هي ليها شخصية وأراء وطموح ولكنها أعقل وأهدى من أفنان.
يادي ميرال.. ليه كل ما نجيب سيرة أفنان تتكلمي عن ميرال؟
عشان ميرال هي الأنسب ليك!
وأنتي عرفتي منين؟ ليه بتحكمي أن في حد أنسب بالنسبالي من أفنان في حين أن أنا وأفنان لسه مدخلناش في علاقة أصلاً؟
عشان باين من الأول يا نوح! باين أنك لو ارتبطت بأفنان فالعلاقة دي هيبقى مصيرها الفشل!
أنت بتأڤوري أوي وبتكبري المواضيع، مكنتش كام كلمة سخيفة اللي قولناهم لبعض عشان تعملي التحليل العميق ده كله!
تقدر تقولي إيه اللي حصل خلاك أنت وأفنان تتخانقوا النهاردة؟
يعني بزمتك هي محكتلكيش؟
وحتى لو حكتلي أنا عايزة اسمع منك أنت.
واحد مغرور معانا في الشركة بيتخانق معاها عشان ركبت معايا العربية! اتجنن في دماغه!
سرد نوح ما حدث بإختصار بينما نظرت نحوه مريم بإنتباه.
وأنت عملت إيه؟
اتخانقت معاه طبعاً وخدت أفنان ومشيت.
شكل أفنان دي هتضيعلك مستقبلك!
تحدثت مريم بنبرة ساخرة لكن تحمل في طياتها بعض الجدية.
تضيعه يا ستي.. براحتها.
قضت أفنان اليوم التالي في منزلها حيث جلست هناك تراجع ما تم شرحه في الأيام السابقة في الصباح الباكر محاولة إبعاد رحيم وما حدث عن رأسها. أرسل لها نوح بضع رسائل يتناقش فيما حدث بالأمس أيضاً.
أفنان ينفع أعطلك؟
سألت ميرال فور اقتحامها للغرفة.
أرغي يا ست ميرال.
هو أنتي هتزعلي لو خرجت مع نوح؟
سألت ميرال بينما تعبث في أحد أغراضها متجاهلة النظر نحو أفنان مباشرة.
أكيد لا.. عادي يعني براحتكوا.
تحدثت أفنان بينما مازالت تنظر في الملاحظات الموضوعة أمامها، لكنها انتبهت لما قالته مجدداً لتردف:
لا ثواني كده.. هتتقابلوا ليه؟ هتتكلموا في إيه يعني؟
هتفرق معاكي؟
لا بس المهم متجيبوش سيرتي.
وهنجيب سيرتك ليه؟
عشان نوح مبيتكلمش غير عليا.
أردفت أفنان لتشعر ميرال بغصة في حلقها، تسأل نفسها داخلياً لما دائماً ما ينصب الإهتمام نحو أفنان وليس هي؟
لا مش هنتكلم عليكي يا محور الكون، هي الساعة بقت كام؟
تمانية ونص، وهتنزلوا إمتى بقى؟
سألت أفنان بنبرة أشبه إلى التحقيق لتجيبها ميرال بنبرة طفولية:
ملكيش دعوة.
أحسن مش عايزة أعرف.
أنتي مش نازلة الشغل ولا إيه؟
لا نازلة بس عندي ميتينج الساعة عشرة مش دلوقتي.
طب بصي.
كادت أفنان أن تتحدث لكن قاطعها صوت جرس الباب، لتنظر نحوها ميرال بتعجب وهي تسأل:
مين هيجي بدري كده؟
مش عارفة.. ممكن البواب يكون بيلم الزبالة؟
طب قومي شوفي.
لا أنا مش فاضية أنا هكوي، يلا اخلصي قبل ما ماما تصحى.
تأفأفت أفنان واتجهت نحو الخارج على مضض شديد. أخذت تبحث عن أقرب إسدال صلاة أو خمار لكنها لم تجده. يصدح صوت الجرس مجدداً، فتصيح أفنان بعصبية.
ثانية واحدة.
وجدت الإسدال أخيراً، لكنها عانت حتى استطاعت ارتدائه بصورة صحيحة. تفتح الباب لتجد الفراغ يصرخ في وجهها. أهي مزحة سخيفة من أبناء الجيران؟ اتجهت أفنان خطوتين نحو الخارج وكادت أن ترفع صوتها وهي تسب أبناء الجيران الذين لم يحظوا بالتربية قط لكن قدمها اصطدمت في شيء صلب. خفضت عيناها لترى ماهيته هذا الشيء.
‘أصيص‘ زرع تحوي زهور اللڤندر ذات اللون الأرجواني الساطع والرائحة المحببة للنفس. وقد ألفت الزهور بشريطة أحمر اللون وقد تم طيه على هيئة ‘فيونكة‘ ويحمل كارتاً صغيراً. حملت أفنان أصيص الزرع وهي تتأمل مظهره المبهج وتحاول أن تنزع الكارت منه.
‘To the sweetest girl in the whole world.. Afnan.‘
‘لألطف فتاة في العالم بأكمله..
لمعت عين أفنان وهي تنظر إلى ما كُتب بخط يد رائع وبحروف إنجليزية متشابكة. قبل أن يستوعب عقلها ما يحدث، وجدت هاتفها يُنير مُعلناً عن وصول رسالة على برنامج الواتس أب. كانت الرسالة من رقم مجهول:
"قبل ما تفكري ترمي الهدية أو ترفضيها، اعرفي إن دي هدية كاعتذار عن اللي حصل. أنا آسف جداً على اللي عملته ده. أنا مش عايزك تزعلي مني. جبتلك زهرة شبهك، مبهجة، ريحتها للنفس، ريحتها مميزة ومحبوبة من الكل زيك بالظبط."
- رحيم البكري.
أخذت أفنان تقرأ بأعين شبه دامعة، تلمع من السعادة، بينما تلمس الزهرة بيد مرتجفة. كيف تسبب في ثورة المشاعر تلك بفعله هذا؟ كيف استطاع أن يجعلها تنسى سبب الغضب والخصام بهذه السهولة؟
بقدر ما شعرت أفنان بالسعادة وكأن قلبها على وشك أن يطير خارج صدرها، إلا أنها شعرت بالقلق. بالقلق من مدى تأثيره عليها. آه، من موجة المشاعر تلك.
"إيه ده اللي في إيدك ده؟" سألت ميرال بفضول وهي تنظر نحو الزهور.
"لافندر..." همست أفنان وهي تقرب الزهرة من أنفها لتستنشق عبيرها.
"لأ، ما أنا واخدة بالي إنها لافندر. جبتيها منين يعني؟"
"رحيم..." أردفت أفنان، ثم اتجهت نحو السلم، لعله هو من أحضرها، ولعله لم يرحل بعد.
"لاقيتيه؟"
"لأ..."
"أومال عرفتي منين إنه هو؟"
"عشان هو بعتلي مسدچ. أنا أصلاً كنت عامله له بلوك. بس هو يعني عرف يوصلي، وهو أصلاً عرف البيت منين؟" تحدثت أفنان بعبارات متداخلة وجمل غير مفهومة. نظرت إليها ميرال ببلاهة ثم قالت:
"أنا مش فاهمة حاجة، بس لو رحيم اللي عمل كده، دي حركة جامدة أوي بجد."
"هو رحيم. محدش يعرف يعمل حاجة حلوة كده غيره."
"إيه ده إيه ده؟ ده أنتي عينيكي بتطلع قلوب."
"بس يا فيصيلة، روحي. روحي شوفي وراكي إيه." قالت أفنان وهي تدفع ميرال نحو غرفتهم. ضمت أصيص الزرع وهي تبتسم بلطف، ثم اتجهت نحو الشرفة التي توجد داخل حجرتها لتضع أزهارها في الداخل.
"هنسيب بقى مذاكرتنا وحياتنا ونقعد جنب الزرعة."
"طب بذمتك، لو نوح جابلك لبانة مش هتفضلي جنبها طول اليوم؟" سألت أفنان بخبث. كسا الحمرة وجه ميرال وتردف بتوتر:
"أنا نازلة. يلا باي."
ودعتها ميرال لتعود أفنان إلى الشرفة مجدداً، وهي تتأمل زهور اللافندر خاصتها وتفكر هل يجب عليها الرد على رسالته؟ أم تجاهلها حتى تقابله بالغد؟ قررت في النهاية أن تجعله يجلس على أعصابه حتى الغد. لكن ترى ما الثوب الذي سترتديه؟ قررت في النهاية ارتداء الثوب ذاته الذي ارتدته في أول مقابلة لهما في حي الزمالك.
في صباح اليوم التالي، قررت أفنان الذهاب باكراً، لعلها تصادف رحيم قبل تواجد الجميع. توجهت إلى الداخل، وبمجرد وقوفها قرب الاستقبال، تخللت أنفها رائحة عطره المميز. لذا اقتربت من الموظفة سائلة:
"هو دكتور رحيم وصل؟"
"آه، وقاعد في الكافتيريا."
"تمام، شكراً."
اتجهت إلى الكافتيريا بعد أن تأكدت أن مظهرها مرتب. كان يجلس على إحدى الطاولات بحيث يعطي ظهره لها. اقتربت منه بهدوء لتجلس في الكرسي المقابل لخاصته وتردف:
"أنت عارف إن فيه ناس بتقول إن الملكة كليوباترا كانت بتستخدم اللافندر كتير أوي."
انتفض رحيم من مقعده فور رؤيتها، بينما لمعت عيناه بقوة حينما رأى الثوب الذي ترتديه ولون الوشاح المميز. ابتسم بتوتر ثم قال:
"واضح إن كل الملكات بيحبوا اللافندر."
"يخربيت الفصلان. إيه التلزيق ده يا رحيم؟" سألت بازدراء، ثم قهقهت لرؤية تعبير وجهه المنصدم وهو يسأل قائلاً:
"أنا قولت إيه غلط؟"
"مقولتش مقولتش. عالعموم يعني شكراً يا سيدي عالهدية وخلاص، قبلت اعتذارك. بس لو اتكررت تاني يا رحيم، همسح بكرامتك الأسفلت." أردفت، لينظر نحوها بابتسامة لطيفة، ثم سرعان ما تختفي لتتحول تعابير وجهه إلى الازدراء مما قالته.
"ماشي يا ستي. هي مش هتتكرر تاني عشان مش من الأدب إني أرفع صوتي على حد ولا أتدخل في حاجة متخصنيش."
"أشطر كتكوت والله." قالت وهي تضحك، ليضحك هو الآخر وهو يعلق:
"كتكوت كتكوت. المهم إني شاطر."
"صح. المهم، أنا عندي سؤال كده، كفضول يعني."
"أكيد، اتفضلي."
"ليه مجبتش الورد في بوكيه؟ ليه أصيص زرع؟ مش بتنك، والله، بس بحاول أفهم وجهة النظر."
"عشان البوكيه يومين وهيدبل وهتنسيه. لكن الأصيص هترويه والورد هيفضل يكبر ومش هيدبل، وكمان هيفضل موجود قدام عينك. وهتفتكريني بيه." تحدث رحيم بصدق وهو ينظر إلى داخل عينيها، بينما تجنبت هي النظر إلى عينيه. نظراته تشعرها بالتوتر.
"وجهة نظر حلوة أوي. أجمل حاجة يا رحيم إنك بتعمل الحاجة بإحساس وتفكير عميق، مش بصورة عشوائية." تحدثت وهي تتجنب النظر إليه، لكنها لمحت ابتسامة كبيرة ارتسمت على وجهه. لذا وجهت نظرتها إليه. السعادة تزين وجهه وكأنه لم يسمع كلمات غزل كتلك من قبل.
"أنتي عارفة، من زمان مسمعتش حد بيقولي إني بعمل حاجة مميزة أو مختلفة. أنتي بس اللي بتقوليلي."
"بجد؟ ناس معندهاش نظر. عمتاً، متزعلش، كل لما تحتاج تسمع كلام إيجابي، أنا هقولك." قالت بلطف ممتزج بالحزن، تأثراً بما سرده رحيم. لتتسع ابتسامته ويعلق قائلاً:
"أنتي وجودك في حد ذاته طاقة إيجابية. بتعملي روح للمكان."
"أنا بعمل كل ده؟ عالعموم، أنت لسه مشوفتش حاجة، ده أنا هبهرك." علقت بمزاح وهي تقهقه، لكنه نظر نحوها بنظرة جادة وابتسامة صغيرة وهو يقول:
"وأنا واثق إنك هتبهريني."
"طب.. عن إذنك بقى.. هطلع عشان متأخرش." أردفت بارتباك وهي تلوح له، ثم غادرت المكان بعد أن أخذت نفساً عميقاً، مستنشقة رائحة عطره، وهي تفكر للمرة المليون: كيف يستطيع التأثير عليها بهذا الشكل؟
رواية في حي الزمالك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ايمان عادل
جلست أفنان تستمع إلى المحاضرة بسعادة شديدة وكانت الإبتسامة لا تفارق وجهها حتى لاحظ نوح ذلك وأمتعض وجهه لأنها تبتسم.
"دكتورة هو في سبب للإبتسام؟ ياريت تشاركينا يعني."
"حضرتك بتكلمني أنا؟" أجابت أفنان على السؤال بآخر وهي تدعي أنها لا تعرف أنها المقصودة.
"أظن أني ببصلك يبقى الكلام موجه ليكي."
"بس أنا متكلمتش يا دكتور ولا عملت حاجة.. أنا بس ابتسمت."
"مفيش داعي للإبتسام برضوا!"
"صدقة.. الإبتسام في وش الناس صدقة." هنا صمت نوح فلقد صدقت في ما قالته وقد كان واضحاً أمام الجميع أنه يفتعل شجار من لا سبب.
بعد نهاية الشرح كالعادة بدأ الجميع في التوجه إلى المعامل ككل مرة ما عدا أفنان حيث أوقفها نوح وهز يقول:
"بقولك أيه يا أفنان.. أنا هخليهم يغيرولك المجموعة بتاعتك عشان تبقي بعيد عن رحيم ده."
"نعم؟ على أساس أيه يعني؟" سألت أفنان بإستياء وهي ترفع إحدى حاجبيها.
"يعني أيه على أساس أيه؟"
"أنت مين معلش عشان تقرر بدالي؟ مين قالك أني عايزة اغير المجموعة بتاعتي؟!" سألت أفنان بإنفعال ثم أخذت نفساً عميق محاولة إستعادة هدوءها.
"يعني أنتي عجبك القاعدة مع الحيوان ده؟!"
"متغلطش يا نوح!!"
"أيه يا دكتورة مش هنيجي نشوف الشرح اللي ورانا؟" جاء صوت رحيم أشبه بعاصفة في ليلة هادئة.. ساد الصمت لثوانٍ، ينظر نوح نحوه بحدة في الوقت ذاته أخذ يتساءل هل سمعه رحيم وهو يسبه؟
"أنا آسفة يا دكتور رحيم.. أصل دكتور نوح كان بيشرحلي حاجة مفهمتهاش." أردفت بنبرة جادة وهي تنظر نحو نوح بحدة، يمتعض وجهه وينظر نحو رحيم بإزدراء لكن رحيم ينظر نحوه ببرود تام.
"طب يلا.." اتجه كلاهما نحو الخارج ثم توجهوا إلى المعمل، نظرت أفنان نحو رحيم لتجد ابتسامة جانبية قد ظهرت على وجهه.
"رحيم.. مدام إيڤلين عالتليفون." صدر صوت أنس من اللامكان وهو يهرول نحو رحيم ويتحدث بنبرة أقرب إلى الهمس وقد غلفها التوتر حتى أن أفنان لم تستطع سماع اسم المتصلة.
"نعم!!! Shit." لعن رحيم وهو يضغط على أسنانه لتنظر نحوه أفنان بقلق ثم تسأل:
"أيه يا رحيم في أيه؟"
"ضهرك كده يا عروسة.. يبقى يفهمك بعدين!" قال أنس لتنظر نحوه أفنان بإشمئزاز وهي تعلق ساخرة:
"عروسة؟ واقفين في موقف ميكروباصات أحنا يا أخ!!"
"أنس.. خلي حد تاني يشرحلهم العملي." تحدث رحيم بجدية ثم غادر الممر على الفور تاركاً أفنان بدون تفسير..
"نجيب مين مكان رحيم.. نجيب مين مكان رحيم.. خلاص عرفت." وقف أنس يفكر بصوتاً عالٍ لتنظر نحوه أفنان من الأسفل إلى الأعلى ثم تغادر المكان متجهة إلى المعمل في انتظار بديل رحيم.
جلست تنتظر برفقة الجميع حتى عاد أنس إلى الداخل وبرفقته.. نوح!!!
"الله يخربيتك يا أنس الزفت!" همست بصوتاً منخفض وهي تحاول التحكم في غضبها وعدم الذهاب إلى أنس ولكمه، لقد تصادمت مع نوح بسبب رحيم قبل بضع دقائق والآن تبدلت الأدوار ونوح هنا الآن.. مؤكد سيتعمد إحراجها كما يفعل على الدوام..
"يلا يا دكاترة كله يسيب اللي في أيده ويركز معايا."
بدأ نوح عملية الشرح وإجراء التجارب التي كان يفعلها بطريقة تختلف تماماً عن ما كان يقوم رحيم بفعلها.
"بس دكتور رحيم مشرحش دي كده." علق أحد الفتيان لينظر نحوه نوح بحدة ثم يردف:
"أنا اللي بشرح هنا دلوقتي لما يبقى يجي دكتور رحيم بتاعك يبقى يشرحلك بالطريقة اللي تعجبه!" هنا نظرت أفنان نحو نوح بمقت شديد، ليس من طبع نوح أن يتحدث بتلك الطريقة أو أن يتحدث عن شخصاً آخر بشكل عام، حاولت أفنان الالتزام بالصمت والهدوء طوال الوقت بالرغم من مضايقات نوح لها.
"يا دكتورة فتحي مخك! أنا شرحت الحتة دي أكتر من مرة وقولتها في الزفت النظري!! ولا أحنا بقينا مبنفهنش؟!" صرخ نوح في وجه أفنان لتجفل لثوانٍ ويتوقف الجميع عن ما يفعله وينظروا نحوهم.
"لو سمحت يا دكتور أتكلم معايا بإسلوب أحسن من كده!"
"أنتي هتعلميني أتكلم ازاي ولا أيه؟ لو مش عاجبك أتفضلي برا!" تحدث نوح بغيظ وهو يوبخها بصوتاً مرتفع.
"أنا طالعة أصلاً من غير ما تقول، وأسلوب حضرتك ده مش مقبول خالص!"
"تمام اتفضلي.. ويلا كل واحد يبص عاللي في أيده."
غادرت أفنان المكان بعصبية شديدة وقامت بصفع الباب بقوة ومن داخلها قد عزمت على شيء واحد.. ستقدم شكوى لإدارة التدريب.. ضد نوح!!
بمجرد خروج أفنان قابلها رحيم وهو ينظر نحوها بتساؤل لا يدري سبب مغادرتها باكراً وسبب الإستياء البادي على ملامحها.
"مالك يا أفنان حصل أيه؟ وأيه اللي مخرجك بدري كده؟ أنتوا خلصتوا؟"
"لا مخلصناش.. دكتور نوح طردني.. يعني هو أنا أصلاً كنت هطلع برا بس هو قالي لو مش عاجبك طريقتي اتفضلي برا.. وكل ده عشان بقوله يكلمني بأسلوب كويس لأنه بيحرجني قدام باقي الناس.."
"نعم!!! بيطردك ليه إن شاء الله؟ وازاي يكلمك كده؟ ده عبيط ده ولا أيه؟" سأل رحيم بإمتعاض وبنبرة غاضبة وهو يتوعد لنوح بداخله.
"أنا عايزة أقدم شكوى ضده.. عشان هو مش بيعامل الناس كلها زي بعض، بيعاملهم كلهم كويس ما عدا أنا وبيكلمني بأسلوب وحش قدام زمايلي."
"طبعاً من حقك.. تعالي معايا هدخلك للمسئول عن التدريبات هنا، هو هيحلك المشكلة دي Don’t worryy."
"ماشي يلا بينا." تبعت رحيم الذي سبقها بخطوة أو اثنتين، هو يعلم أنه من الذوق أن يجعلها تسير أمامه لكنه لم يفعل ببساطة لأنها لا تعرف الطريق إلى وجهتهم.. توقف رحيم أمام باب فخم على الأغلب ينتمي للمسؤول، فتح رحيم الباب دون أن يطرقه لتنظر نحوه أفنان بإندهاش وتسأل قائلة:
"هو مش المفروض تخبط؟ ذوقياً يعني."
"أتفضلي يا أفنان.." أردف وهو يفتح الباب على مصراعيه سامحاً لها بالدخول أولاً.. كان المكتب فارغاً.
"هو مش هنا؟"
"أستني بس.. أتفضلي أقعدي على الكرسي اللي قدام المكتب." قال بهدوء لتفعل وتجلس منتظرة منه أن يجلس في الكرسي المجاور لها لكنه ذهب بخطوات واثقة ليجلس على كرسي المكتب.
"مساء الخير يا دكتورة.."
"قوم يا رحيم مش وقته استظراف.. لو دخل صاحب المكتب هيعملك مشكلة!"
"مع حضرتك رحيم حامد البكري.. المسؤول عن التدريبات في الشركة." أعلن رحيم بنبرة هادئة لا تخلو من الثقة وهو يضع اللافته التي تحمل اسمه أمام أفنان مباشرة.
"أيه؟ طب ثواني كده.." سألت بإندهاش ثم حمحمت وهي تعتدل في جلستها وتبدأ في التحدث بنبرة شبه رسمية قائلة:
"يا فندم أنا جاية أقدم شكوى ضد دكتور نوح.. النهاردة أتكلم معايا بإشلوب وحش جداً قدام الناس كلها، وكمان بيتعود أحراجي وحصلت أكتر من مرة سواء في النظري أو النهاردة في العملي.."
"تمام يا دكتورة.. أنا هجيبه وهديله لفت نظر لو اتكررت هضطر أفصله خالص وأمنعه من أنه يجي يدي تدريبات هنا تاني.."
"شكراً جداً يا دكتور."
"عفواً أفنان، يلا فين ال Smile ‘الإبتسامة‘ الحلوة بتاعتك بقى؟"
"لو بتكلم واحدة في حضانة مش هتكلمها كده بجد." علقت أفنان وهي تضحك لينظر نحوها رحيم بلطف ويقول:
"أنتي ازاي Cheerful ‘مبهجة‘ وبتهزري كده حتى وأنتي زعلانة؟"
"أصل الدنيا في مواقف كتير وحشة لو وقفت عند كل موقف هعيش أكتر من نص حياتي مكتئبة." شرحت أفنان وجهة نظرها بصدق لينظر نحوها رحيم بتركيز مستمعاً لما تقوله ثم أومأ موافقاً على ما تقوله ثم علق قائلاً:
"عندك حق فعلاً.. بس مش كل حاجة بنقدر نتخطاها، زي ما نوح مش هيقدر يتخطى اللي هيحصل دلوقتي."
"هو أيه اللي هيحصل؟ هتعمل أيه؟"
"استني بقى و Watch & learn." شعرت أفنان بمزيج من الحماس والتوتر في انتظار ما سيفعله رحيم، ضغط على زر الهاتف الموضوع أمامه ليصدح في المكان صوت أنثوي يقول:
"ايوا يا دكتور رحيم."
"لو سمحتي ابعتيلي دكتور نوح." أردف لتتسع عينا أفنان وهي تشير إليه ب ‘لا‘ لكنه تجاهلها مكملاً:
"عايزه يجيلي حالا، ولو مخلصش شرح يسيب الشرح ويجي." أغلق الهاتف لتنظر نحوه أفنان بعبوس ثم تتنهد وهي تصفع جبينها بيديها.
"أنا لازم أمشي.."
"مش المفروض أكون هنا وأنت بتناقشه في اللي عمله."
"أناقشه؟" سأل رحيم بسخرية وقد ظهرت ابتسامة جانبية على ثغره.
"أومال أنت ناوي تعمل إيه؟"
"ما قولتلك Watch & learn 'شاهدي وتعلمي'." بمجرد أن أنهى رحيم كلمته سمع كلاهما صوت طرقات على الباب ليجيب رحيم سامحاً للطارق بالدخول وكما هو متوقع لقد كان نوح، الذي كان قد انتهى من عمله وجاء ليرى ما يريده رحيم.
توجه نوح نحو الداخل وبمجرد رؤيته لأفنان اعتلت ملامحه الدهشة قبل أن يرمقها بحدة.
"خير يا دكتور رحيم."
"اتفضل استريح يا دكتور نوح."
"من غير ما استريح ممكن أعرف حضرتك طلبتني ليه؟" سأل نوح بنفاذ صبر لينظر نحوه رحيم ببرود ويقول:
"أنت حر، على العموم طلبتك عشان دكتورة أفنان مقدمة ضدك شكوى."
"نعم ياختي! مقدمة شكوى ضدي ليه إن شاء الله يا ست أفنان؟" سأل نوح بإمتعاض ليجيبه رحيم بنبرة أشبه بالصراخ يتخللها الغضب قائلاً:
"دكتور نوح! متنساش نفسك أنت في مكان محترم.. إيه الإسلوب اللي بتتكلم بيه ده؟ وبعدين اسمها دكتورة أفنان."
"أنا آسف يا دكتور رحيم، بس أنا حابب أعرف الشكوى اتقدمت ليه؟"
"الدكتورة اشتكت من أن حضرتك بتعاملها بإسلوب سخيف قدام زملائها ومش بس كده أنت كمان بتتعمد تحرجها قدامهم، رأيك إيه في الكلام ده؟"
"رأي أن ده محصلش وأن أفنان عندها أوهام في دماغها."
"قولتلك يا دكتور نوح تتكلم عن الدكتورة بإسلوب كويس ومسمهاش أفنان.. اسمها دكتورة أفنان، وبعدين يعني أنا دلوقتي لو جبت حد من المجموعة بتاعتها وسألتهم عن اللي هي حكته هيقولوا أنها بتكذب؟"
هنا توترت معالم نوح فهو يعلم جيداً أنه تعمد إحراج أفنان، لكنها ليست المرة الأولى التي يقدم فيها على شيء كهذا، فلقد كان يفعل ذلك مراراً في الجامعة ولم تكن لتجرؤ على تقديم شكوى ضده هناك، لكن وجود تلك الأفعى من وجهه نظره والتي يقصد بها رحيم قد جعلها تتشجع وتفعل شيء كهذا.
"طبعاً معندكش رد.. دكتور نوح أنا هكتفي بتحذيرك المرة دي لكن لو جالي أي شكاوي ضدك تاني هيكون ليا تصرف مش هيعجبك، وطبعاً حضرتك مدرك كويس معنى أن شركة زي شركة البكري تدي عنك review 'تقييم' وحش للشركات والمصانع التانية." تحدث رحيم بصوته الرخيم وبنبرة أشبه بالهدوء فهو في موضع قوة لذلك لاداعي للإستخدام الصوت العالي.
"طبعاً عارف يا دكتور.. ممكن أعرف أيه المطلوب مني دلوقتي؟"
"تعتذر لدكتورة أفنان." أعلن رحيم بهدوء لتتسع أعين نوح وهو يقول:
"نعم؟"
"مالك مستغرب ليه؟ مش أنت أحرجتها وعملتها وحش، يبقى هي تستحق منك أعتذار، وخد بالك أنا متساهل معاك وبقولك تعتذر هنا بدل ما أخليك تعتذر قدام المعمل كله."
"لا وعلى إيه؟ أنا أسف يا دكتورة، مطلوب مني حاجة تاني؟"
"لا يا دكتور تقدر تتفضل." هنا غادر نوح الغرفة بعد أن رمق أفنان بنظرة أخيرة، صفع الباب من خلفه ليبتسم رحيم ابتسامة جانبية.
"يلا قوليلي استفدتي إيه من اللي حصل؟"
"من إيه؟"
"اللي أنا عملته قدامك.. دي الطريقة ال professional اللي ممكن تهزقي بيها حد ضايقك وكله بالأدب والحدود بدل ما أنتي ماشية تبهدلي الناس غلط خالص."
"ما شاء الله بتعلمني حاجات قيمة برضوا."
"بغض النظر عن نبرة السخرية ولكن اللي بعلمهولك ده ضروري في الشغل والعلاقات الرسمية عمتا، و As you like 'كما تودين' عايزة تاخدي بنصحتي ماشي مش عايزة أنتي الخسرانة."
"تعجبني فيك نبرة الثقة اللي بتدي على سنه غرور دي."
"غرور.. غرور المهم أن عجبك حاجة.."
"طب.. أنا هروح بقى.. أشوفك بعد بكرة إن شاء الله وبجد Thank you عاللي عملته."
"بقيتي تحطي كلام English في النص أهو بعد ما كنتي بتتريقي." اردف رحيم بنبرة لطيفة وهو يضحك لتشعر أفنان بوجنتها تشتعل، هل حقاً أصبحت تقلده؟ إذن عليها أن تقلل مدة الجلوس برفقته.
"يلا سلام بقى." قالت بتوتر وغادرت على الفور بينما جلس يراقبها بعينيه حتى أختفت.
غادرت مقر الشركة لتجد نوح داخل سيارته ينظر نحوها بغضب ثم قام بفتح زجاج سيارته ويخرج رأسه منه ويقول:
"اتفضلي اركبي." لم ترد لكنه ذهبت لجهه الآخرى من السيارة لتفتح الباب وتجلس إلى جانبه.
"أنا مش مصدق أنك عملتي كده بجد يا أفنان!"
"مش مصدق إيه؟ أني اشتكيتك؟!" سألت أفنان بإندهاش بينما نظر نحوها نوح ببرود قبل أن يجيبها:
"مش مصدق أنك عايزة تضيعي مستقبلي!!"
"تصدق أول مرة أخد بالي من أنك بجح! يعني أنت عادي أنك تحرجني قدام الناس وتكلمني بالأسلوب ده وأنا بقى naughty ووحشة عشان أديت رد فعل؟!!! ومتستعبطتش وتقولي مخدتش بالي أني ضايقتك لأني حذرتك أكتر من مرة يا نوح بعد السكاشن في الكلية وكلمتك مرة واتنين واشتكيت لخالتو بس أنت الظاهر فاكر أنك كده روش وهتكسب إعجابي وهتلفت انتباهي لما تعمل الحركات القذرة دي!!!"
"ثواني بس.. إيه اللي أنتي بتقوليه ده؟!"
"أنا بقول الحقيقة اللي شايلاها في قلبي بقالي مدة! وخد بالك يا نوح طريقتك دي هتخليني بجد أقطع علاقتي بيك في مرة من المرات، واسمحلي أقولك أني مش طايقة أبص في وشك دلوقتي."
صاحت بعصبية مفصحة عن كل ما يجول في خاطرها ثم قامت بفتح باب السيارة وكانت على وشك المغادرة لكن أوقفها صوته وهو يقول:
"استني بس رايحة فين؟"
"رايحة في ستين داهية.. ملكش دعوة.."
"يا أفنان أركبي خلينا نمشي ونخلص."
"مش هتزفت." اردفت بصوت مرتفع وهي تبتعد عن السيارة وتقوم بطلب سيارة أجرى بواسطة التطبيق، انتظر نوح في مكانه حتى اطمئن أنها رحلت بسلام ليرحل هو من بعدها.
عادت أفنان إلى المنزل مستاءة، دلفت إلى الداخل دون إلقاء تحية على أسرتها بل توجهت مباشرة إلى حجرتها وصفعت الباب بقوة.
"مالها البت المجنونة دي؟!" سألت والدة أفنان لينظر نحوها زوجها ويقول:
"سيبيها يا رانيا.. شكلها متضايقة، لما أختها ترجع أكيد هتفضفض وهنعرف مالها."
"اسيبها براحتها؟ دي حتى مرمتش السلام وهي داخلة، أدي اخرة دلعك يا أستاذ أحمد." علقت والدتها بنبرة أقرب إلى المزاح لينظر نحوها زوجها بلطف ويقول:
"وإن مكنتش أدلع بناتي هدلع مين يعني؟"
"بناتك بس؟" سألت رانيا بغيظ طفولي ليقهقه أحمد ثم يردف بلطف:
"وأم البنات كمان، وبعدين أن مقولتش اسمك معاهم عشان أنتي ليكي دلع ومكانة خاصة."
"ايوا يا أخويا سبتني بالكلام."
جلست أفنان على سريرها تضحك على الحوار اللطيف بين والديها، ومن داخلها كانت تدعو الله أن يرزقها في المستقبل بزوج حنون، متفهم، رومانسي كوالدها، أخرجها من شرودها صوت إشعار من هاتفها، تمسكت بالهاتف وقد توقعت أن صاحب الرسالة نوح لكنه كان رحيم.
'ياريت في نهاية التدريب تكتبي عني Review 'تقييم' كويس بقى.'
'ده على أساس إيه بقى؟'
'على أساس أني جبتلك حقك النهاردة من اللي اسمه نوح ده.'
'ثواني بس.. هو ليه أنتوا الاتنين كل ما تجيبوا سيرة بعض تقولوا نفس الجملة؟ (اللي اسمه)، وبعدين اللي عملته النهاردة ده وجبك ودورك ولا إيه يا دكتور؟'
'اه طبعاً واجبي هو حد اعترض؟ وبعدين أنا مبقولش حاجة زي حد هو اللي بيقلدني.' أرسل رحيم لتقهقه أفنان على طفوليته، أحياناً تنسى أفنان أنه يكبر ببضع أعوام.
'أنت محتاج ترجع الحضانة تاني بجد.'
'حضانة؟' سأل وقد توقعت أفنان أنه لم يفهم معنى الكلمة لذا ترجمتها على الفور ثم أرسلت قائلة:
'ال Nursery أقصد.' كانت تتسأل من داخلها وكيف يستطيع والديه التواصل معه في حيث أن نصف لغته العربية في الحضيض.
'يارتني أرجع أيام ال Nursery أو أقولك يارتني أرجع أيام قبل ما أتولد اصلا.' علق رحيم وأرسل تعبيرات ساخرة لتبتسم وتجيبه:
'كلنا نفسنا يسطا والله..'
استمرت محادثات رحيم وأفنان على مدار أربعة أيام، كانت تقابل نوح في الشركة لكنه كان يتجاهلها فتفعل المثل.. لكن ذلك لم يشعرها بالراحة فحتى وإن كانت مستاءة منه أو من أي شخص فهي لا تحب أن تمر دون أن تلقي التحية لكن تجاهل نوح لها جعلهت تضطر إلى أن تعامله بالمثل، لم تسرد أفنان ما حدث لأسرتها با اكتفت بقولها أنها تشعر بالضغط لذلك يبدو عليها الإستياء..
وفي ليلة الخميس لم تذهب أفنان إلى منزل خالتها برفقة والدتها وشقيقتها كالمعتاد. قد تحججت بشعورها بالإرهاق والتعب، بالإضافة لظهور بعض أعراض الإنفلونزا عليها.
في بداية الأسبوع ذهبت أفنان إلى التدريب كالعادة، ولكن نوح لم يأتِ في ذلك اليوم. وبغض النظر عن غضبها، إلا أنها شعرت ببعض القلق، فليس من عادته أن يتغيب عن العمل.
بعد انتهاء الشرح النظري، اتجهت أفنان إلى المعمل لتقابل رحيم. بمجرد رؤيته، ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغر أفنان.
"النهاردة يا دكاترة هنشتغل شغل كتير أوي وهيبقى titrations 'معايرة' كتيرة أوي. وأكتر حد هيطلع الأرقام والشغل مضبوط هديله gift 'هدية' صغننه كده."
اتسعت ابتسامة أفنان حينما سمعت ما يقول، فهي تحب ذلك النوع من المنافسة الدراسية والذهنية. صبت تركيزها على ما يقوله رحيم طوال الشرح، وهي تتحرق شوقًا لمعرفة إن كانت هي من سيحصل على الجائزة الصغيرة أو لا.
"كده أنا عندي إجابتين صح وكل واحدة فيهم دقيقة جدًا. فخليني أقول أن أحسن شغل النهاردة عمله أفنان أحمد ومحمود." أعلن رحيم بعد مرور ساعتين تقريبًا.
لتصفق أفنان بحماس طفولي. فينظر نحوها رحيم وهو يضحك ثم يضيف:
"استنوا هروح أجيبلكوا ال gifts."
ذهب رحيم وعاد وهو يحمل اثنين من ألواح الشيكولاتة كبيرة الحجم، والتي كانت ذات اسم غير مألوف ويبدو عليها أنها باهظة الثمن. أخذت أفنان لوح الشيكولاتة وعلى وجهها ابتسامة واسعة.
"طب ما تيجوا نأخد Selfie كلنا بقى." اردف رحيم ليوافق الجميع ويشعر بأن قلبه يكاد يقفز من موضعه، سيظهر في صورة برفقة أفنان.
"معلش يا دكتور محمود ممكن تشوف حد برا يجي يصورنا." طلب رحيم.
ليومئ الفتى وينفذ ما قاله. اصطف الجميع إلى جانب بعضهم البعض، وفي المقدمة أفنان ومحمود حيث يمسكون بألواح الشيكولاتة، وفي المنتصف رحيم. كانت تقف أفنان على استحياء، وقد ابتعدت عن رحيم بمسافة كافية بحيث تكون أقرب إلى صف الفتيات. ينظر الجميع نحو الهاتف ويبتسموا، ويحاول رحيم جاهداً ألا ينظر نحو أفنان أثناء التقاط الصورة كي لا تفضح نظرته مشاعره المرتبكة.
"كده احنا خلصنا يا دكاترة. لو حد عنده أي سؤال يبعته عالجروب بتاعنا وأشوفكوا بعد بكرة إن شاء الله." قال رحيم.
ليودعه الجميع ويتجهوا نحو الخارج. فينتظر هو دقيقة ثم يتبعهم ويبحث عن أفنان.
"بسم الله الرحمن الرحيم. أنت بتطلع أمتى؟ خضتني!" تحدثت أفنان بعد أن شهقت برعب حينما ظهر رحيم من اللامكان وتحدث إليها.
"شوفتي ghost ولا إيه؟ وبعدين قولت أجي أوصلك."
"توصلني ازاي يعني؟" سألت أفنان بنبرة حادة وهي ترفع إحدى حاجبيها.
ليجيبها رحيم قائلاً:
"هوصلك لحد تحت."
"اه إذا كان كده ماشي." اردفت وهي تضحك ثم ابتعدت عنه قليلاً، تاركة مسافة كافية بينهم. توقفت لثوانٍ ثم سألت قائلة:
"هو مين اللي كلمتك من كام يوم دي وسيبتني ومشيت كده؟" سألت أفنان.
لتتوتر معالم رحيم ويقول:
"هاه؟ مش مهم."
"حاجة في الشغل يعني؟" سألت أفنان بفضول.
ليجيبها بصوت خافت:
"اه."
"حساك بتكدب بس ماشي. أنت حر يعني تحكي أو متحكيش." اردفت أفنان وهي ترفع كتفيها بلا مبالاة.
"يعني هو جملتك بتوحي بأنك متفاهمة الوضع لكن نبرتك بتوحي أنك زعلانة." قال رحيم وهو يحك مؤخرة عنقه.
لتنظر نحوه أفنان بتعابير وجه غير مفهومة قبل أن تقول بنبرة مرحة:
"يا عم مش فارقة. صحيح أنا في حاجة في التجربة بتاعت النهاردة عايزة أتأكد منها."
"طب ما قولتيش جوا ليه؟ ما أنا سألت، كنت عدت شرحها عشان تفهمي كويس."
"لا هي جزء من التجربة مش التجربة كلها. ما أنا فاهمة وحليت صح. بس بص." قالت وهي تمسك بدفتر الملاحظات خاصتها وتبحث عن الصفحة المقصودة.
"رحيم!!! Omg i missed you so much! 'يا إلهي لقد اشتقت إليك كثيرا!'" اخترق صوت أنثوي مسامع أفنان ورحيم. وقبل أن تستوعب ما يحدث، وجدت فتاة شابة تشبه إلى حد كبير دمية باربي تهرول نحو رحيم لتأخذه في عناق عميق.
رواية في حي الزمالك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ايمان عادل
عشر: ب&;ريق&; 🤎🦋&;
وقفت أفنان لثوان&; عقلها لا يستطيع ترجمة ما تراه وما قد حدث للتو&; وجدت نفسها تلقائيا&; تسير جهة المصعد بخطوات سريعة أشبه بالروبوت&; لكن وقبل أن تبتعد عنهم دفعت الفتاة التي تضم رحيم بقوة بواسطة كتفها حتى كاد كلا&; من رحيم والفتاة أن يسقطا ارضا&;.. حيث عاد رحيم بضع خطوات إلى الوراء.
&;ماشي يا ابن ال&; البكري.&; همست بالقرب من إذنه بحنق ثم اتجهت نحو المصعد مباشرة والذي كان قد وصل إلى الطابق حيث كان أحدهم داخله.
&;أفنان Wait &;انتظري&; .. معلش Excuse me &;اعذريني&; دقيقة.&; صدح صوت رحيم في المكان طالبا&; من أفنان الإنتظار ومعتذرا&; من الفتاة&; لكن أفنان تجاهلته ودلفت إلى داخل المصعد ليهرول رحيم ناحيتها وبمجرد أن وصل أمامها انغلق باب المصعد وهو يرى أفنان تنظر نحوه بوجه محتقن بينما نظر هو نحوها بلهفة وتوتر.
&;أيه يا رحيم.. where are you going&; &;إلي أين أنت ذاهب&;&;.&; سألت الفتاة ليزفر رحيم بضيق ويقول:
&;مش رايح! تعالي اتفضلي عندي في المكتب..&;
&;مالك يا رحيم&; أنت متضايق أنك شوفتني ولا أيه&;&; سألت بضيق وبلهجة مصرية م&;نهكة ليتمالك رحيم أعصابة ويبتسم بلطف ثم يردف:
&;لا طبعا&; أنتي منوراني..&;
&;مش باين عليك.. Who was that girl&; &;من كانت تلك الفتاة&;&;.&;
&;أفنان.. جايه تتدرب هنا في الشركة.&;
&;حلو.. بس are you sure she is just a trainee&; &;هل أنت واثق أنها متدربة فقط&;&;.&;
&;اه.. يعني أحنا صحاب نوعا&; ما..&;
&;صحاب بس&;&; سألت وهي تضم عينيها الخضراوين التي تشبه إلى حد كبير لون خاصة رحيم&; كانت نظراتها تحمل في طياتها الشك لتظهر ابتسامة جانبية على ثغر رحيم وهو يسألها:
&;عايزة توصلي لأيه&;&;
&;أصل يعني.. شكلها اتضايقت when we hugged &;حينما تعانقنا&;.&; اردفت وهي ت&;عدل من خصلات شعرها الشقراء القصيرة.
&;تفتكري&;&;
&;اه طبعا&; It was so obvious &;لقد كان الأمر واضحا&; للغاية&;.&; قالت ليبتسم رحيم ابتسامة واسعة&; بالطبع سيتعرض للتوبيخ من أفنان وسيبذل الكثير من الجهد لي&;صالحها لكن هناك جزء داخله سعيد بشعورها بال.. الغيرة&;!
&;مامي مقالتليش أنك جايه.&;
&;عارفة أنا كنت عايزاها تبقى Surprise &;مفاجأة&; بس شكلك مش مبسوط.&; قالت الفتاة بلطف لينظر نحوها رحيم وهو ي&;مثل الفرحة قائلا&;:
&;لا أنا اتفاجئت بصراحة.. بس كان ممكن اتفاجئ في البيت مش لازم الشركة يعني!&;
&;رحيم أنت ليه رخم كده&;&; سألته بغضب طفولي ليقلب عيناها ثم يقول بمزاح:
&;أفتكرتك أتعودتي على رخامتي&; Anyway &;على أي حال&; يلا نروح البيت.&;
&;يلا..&;
طوال الطريق كان رحيم شاردا&; ي&;فكر في أفنان ويتذكر تعابير وجهها الغاضبة فتظهر ابتسامة جانبية على شفتيه.
&;رحيم أنت سامعني&;&; سألته لتخرجه من شروده فيرمش مرتين ثم ي&;جيبها:
&;بصراحة لا..&;
&;كنت عارفة.. Wait &;انتظر&; مكالمة من London.&; قالت ليزفر رحيم براحة حيث ستنشغل هي في المكالمة بينما هو يعود إلى شروده&; وصل رحيم إلى المنزل بعد معاناة مع الطريق المزدحم&; فور توقف السيارة غادرها رحيم وذهب نحو الجهه الآخرى ليقوم بفتح الباب من أجلها.
&;شكرا&;&; صحيح جبتلك هدايا من London.&;
&;شكرا&; يا ستي&; يلا ادخلي.&;
بمجرد اقتراب رحيم والفتاة من الباب فتحته الخادمة من الداخل.
&;اتفضلي.. Ladies first &;السيدات اولا&;&;.&; قال رحيم بذوق لتدلف إلى الداخل و
&;اهلا&;.. Auntie &;خالتي&;.&;
&;اهلا&; ميا.. I missed you so much &;لقد اشتقت&; إليك&; كثيرا&;&;.&;
&;وأنا كمان حبيبتي&;.&; استمرت المحادثة بينهم والتي كانت معظمها باللغة الإنجليزية عوضا&; عن لغتهم العربية الضعيفة&; لم يهتم رحيم كثيرا&; بما يقال وفي نهاية الأمر استأذن من والدته ليصعد إلى غرفته لتبديل ثيابه والحصول على قسط من الراحة.
أما عن أفنان فغادرت مقر الشركة وهي تشعر بغضب غير مبرر وفضول يكاد يقتلها لمعرفة من تكون تلك الفتاة الشقراء.
&;وأنا مالي أنا يحضن واحدة ولا يتنيل!!&; وبخت نفسها بصوتا&; مرتفع نسبيا&; وهي تسير في الشارع لت&;درك أن هناك من ينظر نحوها بالطبع فهي تتحدث إلى ذاتها في الشارع!
&;منك لله يا رحيم الناس فكراني اتجننت!!!&;
عادت أفنان إلى منزلها بعد معاناة مع الطريق المزدحم والمواصلات العامة فلا يوجد نوح ليقوم بإيصالها بالسيارة إلى المنزل.
&;حمدلله عالسلامة.&; اردفت والدتها فور دخول أفنان.
&;الله يسلمك يا ماما.. بابا فين&;&;
&;عند جدتك.&; فور سماع أفنان زفرت بضيق ثم اردفت بسخرية:
&;يادي النيلة! يارب ميرجعش من هناك ضغطه ٧٠٠٠ بقى.&;
&;في النهاية هي أمه ودي صلة رحم يعني لازم يزورها..&;
&;ما أنا عارفة الكلام ده كله يا ماما أكيد.. أنا بس نفسي يبقى عندها شوية رحمة وحنية!&;
&;ربنا يهدي الحال.. مالك قالبه وشك ليه&;&;
&;مفيش المواصلات زحمة أوي..&;
&;أيه ده&; هو نوح موصلكيش&;&;
&;أنا ونوح مبنتكلمش يا ماما ده اولا&;&; ثانيا&; بقى هو مجاش النهاردة اساسا&;.. بصي كلمي خالتو اطمني عليه ومتقوليش أني أنا اللي قولتلك.&; قالت أفنان وهي ت&;حذر والدتها من إخبار خالتها أنها من تود الإطمئنان فهي لا تريد أن تضعف وتبادر هي بعمل مصالحة مع نوح.
&;ماشي حاضر.. أنتي قلقتيني عليه.&;
&;ماما أوعي تقعي بلسانك ها&;&;
&;أيه يأ أفنان أنتي شايفاني هبلة يعني&;!&; سألت والدتها بإستنكار لتنظر نحوها أفنان لثوان&;.
&;لا طبعا&; يا ماما العفو.&; قالت أفنان وهي تحاول ألا تضحك لتقذفها والدتها بنعالها المنزلي.
&;أنا عملت أيه طيب&;&; تجاهلتها والدتها بعد أن أصدرت تنهيدة ثم أمسكت بهاتفها وقامت بالإتصال بشقيقتها.. والدة نوح.
&;ألو ايوا يا حبيبتي ازيك عاملة أيه&;.. اه أحنا بخير الحمدلله&; نوح أخباره أيه&; أصل البت أفنان قالتلي أنه عيان..&; سمعت أفنان والدتها وهي تتحدث لتتسع عيناها ثم تصفع جبينها بيديها.
&;يالهوي عليا وعلى سنيني!!&; اردفت أفنان بصوتا&; منخفض وهي تنظر نحو والدتها بغيظ فت&;شير إليها والدتها بمعنى &;ادخلي جوا&; لتذهب أفنان إلى غرفتها وهي تصفع الأرض بقدمها بغضب طفولي&; تتجه نحو سريرها مباشرة وتتمدد وهي ت&;مسك بهاتفها وقبل أن تفتحه تجد الشاشة قد م&;ضاءة لتعلن عن وصول رسالة من رحيم..
&;طبعا&; أنتي قاعدة بتشتميني دلوقتي.. بس اديني فرصة اشرحلك..&; بعث رحيم بهذه الرسالة لأفنان لتنظر نحوها طويلا&; ويشعر هو على الجانب الآخر بالتوتر..
&;أشتمك ده في حالة أنك إنسان مهم وشاغل بالي وكده وده مش حقيقي ده اولا&;&; ثانيا&; بقى أنت مش هتشرحلي.. ده أنا هشرحك.&;
&;إن شاء الله قصدك هشرحلك بس نسيتي حرف ال L&; أرسل رحيم الرسالة ومن بعدها ملصق يحمل صورة قط يبكي&; تقهقه أفنان ثم تبعث له قائلة:
&;L? اسمه لام يا أهبل.&;
&;يا بنتي بلاش قلة أدب بقى وأديني فرصة أشرحلك!&;
&;ملوش داعي تشرحلي.. أنا اصلا&; مليش دعوة يكش تتجوزها عرفي أنا مالي.&; اردفت أفنان بغير اقتناع لكنها لم ت&;ريد أن يستشعر غضبها ولكنه قد فعل بالفعل وكي يزيد الطين بلة أرسلها لها الآتي:
&;والله&; طب مترجعيش تزعلي بقى وتعملي زي الأطفال وتسبيني وتمشي.&;
&;اجري ألعب بعيد ي&;لا هرش مياه.&;
&;فين&;&; سألها رحيم حيث لم يستطيع أن يستوعب ما قالته.
&;أوف&; أنت level &;مستوى&; الذكاء عندك بالسالب.&; أرسلت لي&;رسل لها رحيم م&;لصق لجروب صغير يضرب الآخر&; تبتسم أفنان ابتسامة جانبية ثم سرعان ما تختفي هذه الإبتسامة وت&;لقي بهاتفها بعيدا&; حتى تستطيع النوم.
استيقظت أفنان بعد ساعتين على صوت ميرال تتحدث في الهاتف بنبرة أقرب إلى الهمس&; فركت أفنان عيناها بكسل ونظرت نحو ميرال التي ارتبكت على الفور وأغلقت الخط.
&;أيه ده أيه الجو ده&;&;
&;اخيرا&; صحيتي&; يلا قومي عشان نتغدى.&;
&;مرام متصعيش عليا وقولي كنتي بتكلمي مين&;&;
&;أنا&; كنت بكلم صحابي.. صحبتي.. صاحبي..&; ارتبكت ميرال وبدأت تتفوه بأشياء لا معنى لها لتنظر نحوها أفنان بحاجب مرفوع لتزفر ميرال وتردف بتوتر:
&;نوح.. كنت بكلم نوح.&;
&;طب ومالك بتوشوشيه ليه&;&;
&;خوفت تضايقي.. عشان يعني أنا بكلمه وأنتوا متخانقين وكده.. بس أصل هو تعبان يعني فكنت بتطمن عليه وهو اعتذارلي عشان مخرجناش سوا زي ما كنا بنخطط&;&; فسرت ميرال بعبوس لتنظر نحوها أفنان بلطف وتعلق قائلة:
&;مش معقولة ال Baby Face &;وجه طفولي&; دي تبقى أختي الكبيرة.. لا هو استحالة أنك تكوني أختي اصلا&; بالهدوء واللطف ده&; عالعموم أنا مش زعلانة أكيد أنتي من حقك تكلمي نوح براحتك.&;
&;شكرا&; يا ستي.. بس عشان أنتوا زعلانين من بعض.&;
&;يا حبيبتي وأيه المشكلة&; أحنا ناس كبير وواعية حتى لو أنا وهو متخانقين فعلاقتك بيه ملهاش دعوة وهو في النهاية ابن خالتنا يعني.. وبعدين ما أنتي عارفة أنا ونوح مولودين فوق روس بعض وطول الوقت بنتخانق..&; تحدثت أفنان بصدق لتبتسم ميرال بسعادة.
&;بس أنا حاسه أنكوا مزودين العيار حابتين الفترة دي.&;
&;عشان نوح مش قادر يستوعب أني كبرت.. وبقيت أخد قرارات.. أخد ردود أفعال.. أتعرف على ناس&; هو لسه فاكرني العيلة اللي كانت بتلعب معاه في الشارع وبيضرب ولاد الجيران عشانها.&;
&;يضرب مين عشان مين&;! ده أنتي كنتي بتمسكي العيال تضربيهم.&;
&;خلاص متمسكيش في الكلمة كده متبقيش رخمة! وبعدين اللي بحكي عنه ده لما كنا صغيرين خالص.&; فور انتهاء أفنان من جملتها أقتحمت والدتهم الغرفة وهي توبخهم قائلة:
&;يلا يا أختي أنتي وهي مش هعمل الغدا لوحدي وأغرفه لوحدي ياريت يبقى في س&;نة من الأحمر!&;
&;حاضر يا ماما جايين وراكي.&; قالت أفنان وهي تستقيم من مقعدها وترتدي نعالها.
&;ماشي&; ومحدش يجي جنب أبوكوا خالص عشان هو لسه راجع من عند جدتكوا وعلى آخره.&;
&;حاضر يا ماما.. أي أوامر تاني&;&; سألت أفنان وهي تتنهد لتنظر نحوهل والدتها بجدية وتقول:
&;لا.. يلا اتفضلوا.&;
فور جلوسهم على طاولة الطعام كان الهدوء يسود المكان لا أحد يتحدث بينما كان التلفاز يعمل ولكن صوته كان بالكاد مسموع.. كان يظهر على والدهما الإستياء والإرهاق.
&;عارف يا بابا.. أنا عملالك مفاجأة.&; قالت ميرال لتقطع الصمت فينظر نحوها والدها بنصف انتباه وعلى وجهه شبح ابتسامة.
&;بجد&;&;
&;اه والله.. جبتلك علبة من الشيكولاتة اللي بتحبها اللي هي ferrero rocher.&;
&;يا حبيبتي أنا بحبها أوي فعلا&;.. بس دي غالية يا ميرال.&;
&;ما أنت طول عمرك يا حبيبي بتجبلنا الغالي كله وبعدين هو أنا عندي مين أغلى منك..&; اردفت ثم انتبهت لوالدتها التي تنظر نحوها بحدة وهي ترفع أحدى حاجبيها لتحمحم ميرال بتوتر وت&;عدل من جملتها قائلة:
&;أغلى منك أنت وماما طبعا&; ربنا يخليكوا ليا.. لينا.&;
&;ايوا كده اتعدلي&; وبعدين ثواني.. ال Ferrero وعرفنا مين اللي جابها أومال أيه الشيكولاتية الغريبة الكبيرة اللي في التلاجة دي&;&; سألت والدتها لينفي الجميع علاقته بلوح الشيكولاتة الم&;ريب ذلك عدا أفنان التي وجه ثلاثتهم نظرهم نحوها.
&;دي.. دي.. أحم.. شيكولاتة جايه من برا مصر مستوردة..&;
&;اه وسافرتي جبتيها يعني ولا أيه&;&; سألت والدتها ساخرة لتنظر نحوها أفنان نظره تعني &;هنهزر&;!&;
حمحمت أفنان وأجابت م&;فسرة:
&;الدكتور اللي بيدينا التدريب ادهالي.. زي مكافئة يعني عشان حليت صح بس.&;
&;غريبة محكتيش يعني&; ما أنتي بتحكيلي كل حاجة.&; علقت ميرال لتدعس أفنان على قدمها.
&;أيه يا جماعة مكبرين الموضوع ليه&; ديه حتة شيكولاتة يعني وبعدين أنا لسه وخداها النهاردة.&;
&;ماما أحنا هنروح عند خالتو الخميس ده صح&;&; سألت ميرال لتترك أفنان ملعقتها وتكاد تعلق لكن والدها يسبقها قائلا&;:
&;هو مش المفروض أنهم كانوا معزومين عندنا الجمعة دي&;&;
&;أصل نوح تعبان فكنت عايزة اطمن عليه يعني.. مش عارفة.. يمكن على يوم الخميس يبقى كويس ويجوا.&;
&;تمام.. حاولي أن هما اللي يجوا أنتوا اللي بتروحولهم على طول وكده عيب يعني بنتقل عليها.&;
&;ما أنت عارف أني أكيد مش بروح بإيدي فاضية.. أنا تقريبا&; باخد معايا اللي بناكله وبنشربه.&;
&;يا حبيبتي أنا عارف بس برضوا.. كده أحسن.&;
لم تشارك أفنان في الحوار الذي دار.. ففي كلا الحالتين هي لن تشعر بالراحة&; فلا يمكنها تجاهل نوح أثناء تواجده في منزلها ولا يمكنها تجاهله وهي في منزله بالإضافة إلى كونه مريض كذلك..
&;سرحانة في أيه&;&;
&;مفيش.. فكريني أحكيلك حاجة عن الشكولاته.&; أجابت أفنان بهمس وأنهت حديثها بإبتسامة لتبادلها ميرال وقد لمعت عيناها من الفضول.
في غرفتهم سردت أفنان ما حدث بإختصار لتنظر نحوها ميرال ويمكنها رؤية القلوب تخرج من عيناها.
&;ده عسول أوي يا أفنان.. أكيد عمل حوار الشيكولاتة دي عشانك.&;
&;اه عسول أوي بأمارة البت الشقراء اللي خدته في ثانية.&;
&;مش ممكن يكونوا صحاب&;&;
&;صحاب أيه بس&; بقولك خدته بالحضن.. رحيم كان جانبي وفي ثانية بقى جوا حضنها!!&;
&;طب وهو حضنها&;&;
&;يعني أيه&; يا بنتي بقولك حضنوا بعض!&;
&;يعني هو لف ايده حواليها ولا معملش حاجة ولا حاول يبعدها ولا أيه بالضبط&;&;
&;لا مش عارفة.. أصلي كنت متزرزرة وزقيتهم ومشيت.&;
&;كل ده وبتقولي مش غيرانة!&; علقت ميرال لتشعر أفنان بحرارة في وجهها وت&;ردف بتوتر:
&;لا طبعا&;! غيرانة أيه&; أيه الهبل ده&;!&;
&;يا شيخة اسكتي بقى ده أنتي نظراتك وأنتي بتحكي فضحاكي مبالك بقى رد فعلك كان ازاي وقتها!&;
&;شت! يعني تفتكري رحيم خد باله&; أكيد هيفهم غلط وأني كنت غيرانة وكده وده مش صح..&;
&;يا بنتي بقى! ده أنتي عنيكي بتطلع شرار وأنتي بتحكي!&;
&;ما أصل هو مستفز والله.. ثواني ثواني.. أيه ده&;!&; سألت أفنان بإستياء وهي تنظر إلى الصورة التي وضعها رحيم ك &;حالة&; على تطبيق الواتساب&; كانت صورته وإلى جانبه تلك الشقراء وقد وضعت يديها على كتفه وكتب تعليق أسفل الصورة قائلا&;:
&;You were missed &;لقد أفتقدك&;&;.&;
&;بصي الحيوان!!!!&;
&;أيه ده&; ده أمور أوي وشكله ابن ناس فعلا&;.&; قالت ميرال لتضربها أفنان بالوسادة وهي تردف بغضب:
&;وقته ده ها&; وقته&;&;
&;وأنتي مالك متضايقة ليه مش قولتي أنك مش غيرانة&;&;
&;أنا غلطانة أني بتكلم معاكي وهعمله بلوك!&; تحدثت أفنان بغضب وهي ت&;غلق الهاتف وتضعه جانبها وتتمدد على السرير وهي ت&;جبر نفسها على الخلود إلى النوم بينما قفز إلى عقلها سؤالا&; واحدا&;..
ما الذي جعلها غاضبة بهذا الشكل فور رؤية ما حدث اليوم والصورة الآن&; حاولت إنكار الإجابة التي تتردد في عقلها فمؤكد أنها لا تشعر بال.. الغيرة&;!!
في عصر اليوم التالي وبينما كانت أفنان تجلس تشاهد التلفاز أثناء &;تقميع البامية&; كمساعدة لوالدتها وصلتها رسالة من رحيم تحوي صورة وبداخلها نسبة مئوية مرتفعة لإختبار ما&; عقدت حاجبيها وهي تنظر إلى الصورة قبل أن تسأله:
&;أيه ده&;&;
&;اولا&;: صباح الخير&; ثانيا&;: ده IQ Test &;أختبار ذكاء&; شوفتي النسبة عالية ازاي&; عشان بتقولي بس أنه بال minus &;بالسالب&;.&;
&;على فكرة أنت نونة أوي.&;
&;نونة&;&; سأل ثم بعث لها بملصق القط الذي يبكي مجددا&;.
&;اه نونة.. ومتتكلمش معايا تاني بقى لو سمحت وبعدين ثواني.. صباح أيه&; أحنا العصر يا ابني!&;
&;مش أنتي قولتيلي مكلمكيش&; بتكملي كلام ليه بقى&; وبعدين اه صباح الخير.. ما أنا لسه صاحي&; كنت سهران طول الليل إمبارح.&;
أرسل متعمدا&; اثارة غيظها&; تنظر نحو الرسالة بإمتعاض وتهز أحدى قدميها بقوة لتنظر نحوها والدتها وتقول:
&;أيه مالك&; أتجننتي ولا أيه&;&;
&;أنا كويسة.&; قالت أفنان وهي ت&;لقي هاتفها بإهمال بعد أن قرأت الرسالة تاركة رحيم بدون رد.
&;هتيجي معايا عند خالتك تطمني على نوح صح&;&;
&;معرفش..&;
&;مفيش حاجة اسمها متعرفيش.. عيب يبقى ابن خالتك تعبان ومتطمنيش عليه.&;
&;ما هو يا ماما.. حاضر..&; قالت أفنان بضيق فوالدتها محقة لكن في الوقت ذاته نوح هو من أفتعل المشكلة لذا هو من يجب عليه البدء بعملية الص&;لح لا هي!
في صباح اليوم التالي حيث بدأت نسمات الخريف في مداعبة أوراق الأشجار الذابلة التي على وشك السقوط ذهبت أفنان إلى الشركة وبسبب تلك النسمات الخفيفة وسرعة قيادة السائق قد خرب مظهر حجاب أفنان لذا بمجرد وصولها إلى الشركة
توجهت أفنان مباشرة إلى دورة المياه..
فور دخولها كادت أن تصطدم بالفتاة ذات الشعر الأشقر والتي وقفت أمام المرآة التي و&;ضعت بالقرب من الباب لتقوم بتعديل أحمر الشفاه خاصتها&; نظرت نحوها أفنان بطرف عيناها بينما تقوم بضبط حجابها&; انتهت أفنان سريعا&; وغادرت متجهه نحو القاعة.
قابلت رحيم في طريقها وعلى الفور قامت بإشاحة نظرها عنه وأدرات وجهها نحو الجهه الآخرى محاولة تجاهله.
&;أيه ده أيه الحركات دي&; مش عيب كده&;&;
&;أخفى من وشي الساعة دي بدل ما أفرج عليك اللس يسوى واللي مايسواش!!&; اردفت أفنان بنفاذ صبر بينما وقفت تهز قدميها بغضب.
&;رجعنا تاني للكلام الغريب&; هو Special &;مميز&; اه بس أنا مش بفهم نصه!&;
&;مش فايقالك يا رحيم ويلا روح شوف ست باربي بتاعتك.&; قالت أفنان بحنق وهي ت&;شير بيدها لرحيم بالإبتعاد.
&;باربي&; اه قصدك على ميا يعني.&; سأل رحيم بتعجب وهو يقهقه.
&;اسمها أيه يا أخويا&;&;
&;م..ي..ا.. ميا!&;
&;اسم مايع زيها.&; علقت أفنان لينظر نحوها رحيم بنصف إبتسامة وهو يستفسر بإندهاش قائلا&;:
&;مايع&; يعني أيه مايع دي&;&;
&;مش عارف مايع&; هي مشتقة اصلا&; من كلمة موائع اللي هي المواد كده مش معروفلها حاجة كده مش مفهومة وخواصها بتتغير في وجود ضغط.. ملهاش ماسكة يعني زي البت الطرية دي!&; نظر نحوها رحيم بثغر مفتوح وأعين مضمومة يحاول إستيعاب وترجمة ما تقوله.
&;طب تعالي المكتب نتكلم.&;
&;مكتب أيه يا أبو مكتب&; أنت مجنون ي&;لا!&; اردفت أفنان بنبرة عالية نسبيا&; لتلفت رحيم حوله بتوتر ليرى إن كان احد ينظر إليهم أو قد سمعهم.
&;ششش هتعمليلي فضيحة!!! مش هنبقى لوحدنا اصلا&;! ميا هتبقى معانا.&;
&;لا والله&; وأنت عادة&; بقى بتقعد معاها في المكتب لوحدكوا&;&;
&;يا أفنان اخلصي بقى! بقولك أيه حصليني عالمكتب وانجزي قبل ما الدكتور ما يجي ويبدأ شرح.&; كادت أفنان أن تعترض لكن رحيم تركها وتوجه نحو مكتبه&; انتظرت أفنان دقيقتين حتى رأت تلك الفتاة تدلف إلى داخل مكتب رحيم فلحقت بها.
&;أفندم.. عايز أيه بقى&;&;
&;هي دي أفنان&; She is so pretty &;إنها جميلة للغاية&;.&; قالت الفتاة وكادت أفنان أن تعترض لكن حينما أنهت الفتاة جملتها ابتسمت أفنان بتكلف وشكرتها.
&;شكرا&;.. أنتي كمان.. ها عايز أيه يا دكتور رحيم&;&;
&;بصراحة أنا اللي عايزة أقول.. مش رحيم.&; نظرت أفنان بحيرة وشك نحو كلاهما لت&;كمل الفتاة حديثها قائلة:
&;أنا ورحيم Are just friends &;أصدقاء فقط&; وكمانi Hugged him &;لقد ضممته&; عشان كان واحشني بس.&; أوضحت الفتاة ما حدث لكن أفنان لم تبدو مقتنعة كثيرا&;&; نظرت نحو رحيم ليحمحم ثم يقول:
&;بصي أنتي فهمتي غلط ومشيتي وأنا ملحقتش أفهمك!&;
&;تفهمني أيه&; أنك بتحضن بنت غريبة&;&; سألت أفنان بإستياء لينظر رحيم نحو ميا بنظرة ذات مغزى فتذهب لتجلس على الأريكة البعيدة عن المكتب حتى يستطيع أفنان ورحيم التحدث براحة أكثر.
&;أولا&; هي اللي حضنتني وأنا حاولت أبعدها بس أنتي من العصبية مركزتيش&; ثانيا&; بقى هي صاحبتي وكمان قريبتي..&; حاول رحيم تفسير ما حدث لكن ملامح أفنان كان مازال الغضب مسيطر عليها فعلقت بضيق ممتزج بالدهشة قائلة:
&;وكل ده يديها الحق أنها تحضنك&; أنتوا الأحضان عادي في عيلتكوا يعني&;!!!&;
&;أفنان ميا عايشة في England &;إنجلترا&; طول حياتها ودي طريقتها في التعامل يعني.. الأحضان عادي بالنسبالها..&;
&;اه بس مش عادي بالنسبالنا! وشيء مش مقبول ومش صح!&;
&;عندك حق.. بس.. طيب متزعليش.&;
&;خلاص مش زعلانة.. وبعدين قريبتك منين&; دي شكلها أجنبية&;&; سألت أفنان بعدم إقتناع لتتوتر ملامح رحيم قليلا&; ويحاول تغير الموضوع قائلا&;:
&;ها&; هبقى أشرحلك الموضوع ده بعدين&; خلاص بقى مش زعلانة صح&;&;
&;خلاص..يلا أنا همشي بقى عشان النظري هيبدأ.&; قالت أفنان واستقامت لتغادر&; وفي طريقها إلى القاعة لحق بها رحيم وأوقفها صوته وهو يسألها قائلا&;:
&;صحيح نسيت اسألك عجبتك الشيكولاتة&;&;
&;لا.&; أجابت أفنان وهي ترفع كتفيها بلا مبالاة.
&;ليه هي وحشة&;&; سأل رحيم بحزن وبنبرة أقرب للصدمة.
&;مكلتهاش اصلا&;.&;
&;ايه ده ليه&;&;
&;عشان كنت متعصبة منك ومش طايقاك!&; قالت ليقهقه رحيم فتنظر نحوه بحده ثم قالت بسخرية:
&;وبعدين أيه يا عم الشيكولاتة دي&; بتسترخص وجايب ماركة مش معروفة طب هتلي كوفرتينا حتى!&; اتسعت أعين رحيم فور سماعه ما قالته لينظر نحوها بإزدراء ثم يردف:
&;اه يا جاهلة!!! ما هي مش معروفة هنا عشان هي مستوردة!!! جايبها من Englandd.&;
&;أحلف&;&;
&;والله!&;
&;يا ابن ال&; أكيد جايبلي شيكولاتة فيها خمرة&;!! عايزني اسكر يا رحيم!!&;
&;ششش بس هتفرجي الناس علينا!!! أنتي مجنونة! خمرة أيه وتسكري أيه&;! ديه حلال! هجيب شيكولاتة مش حلال ليه يعني&;!&;
&;وأنا أيه عرفني يعني&; ما أنت مش مضمون&; وبعدين متتعصبش عليا كده عشان غلط على صحتك.. يلاهوي الدكتور دخل.. يلا سلام.&; أنهت جملتها وهي تركض نحو باب القاعة بينما وقف رحيم يراقبها وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية&; منذ مدة طويلة لم يشعر بالسعادة عند التحدث إلى فتاة بتلك الطريقة.. والأهم أن أفنان ليست كأي فتاة آخرى.. بل هي مميزة!
فور عودة أفنان إلى المنزل في ذلك اليوم وجدت والدتها تتحدث في الهاتف إلى خالتها ومما سمعته أفنان قد استنتجت أنهم هم من سيذهبون لزيارة خالتها&; على ما يبدو أن نوح مازال مريضا&;.. شعرت أفنان بغصة في حلقها لأنها ستضطر إلى بدء الكلام مع نوح&; بعد ساعة تقريبا&; عادت ميرال من العمل وهي تحمل حقيبة صغيرة سوداء.
&;أيه ده&; جبتي أيه&;!&;
&;بسم الله الرحمن الرحيم خضتيني! ولما أنتي صاحية قاعدة في الضلمة ليه&;!!&; سألتها ميرال وهي تأخذ نفسها بصوتا&; عال&; من آثر الخوف.
&;مفيش كنت بفكر أنام شوية بس خلاص بقى.&;
&;بصي.. بصراحة كده أنا جبت حاجة صغننه كده لنوح.. مش عارفة هتعجبه ولا لا..&;
&;أي حاجة منك يا ميرال بتبقى مليانة حب وإهتمام وصدق مشاعر فمهما كانت هدية صغيرة أكيد هتعجبه إن شاء الله&; بس ثواني ده مش عيدميلاه.&;
&;أتمنى بجد.. كلامك حلو أوي على فكرة&; واه أنا عارفة هو عيدميلاه مش دلوقتي خلاص بس حبيت اشتريها وخلاص..&;
&;ده مش مجرد كلام.. دي الحقيقة يا قمري.&; قالت أفنان وفي تلك اللحظة قد أدركت أن عليها الإختفاء عن أنظار نوح الليلة وقد قطعت على نفسها عهد ألا ت&;فسد على شقيقتها ما تحاول فعله حتى وإن كان عن غير عمد..
في مساء تلك الليلة ارتدت ميرال ثوب بلون السماء الصافية ووشاح باللون الأبيض به بعض النقوش لم تضع مساحيق التجميل فلقد أخبرتها أفنان أنها تبدو أجمل بكثير من دون إضافة أي شيء إلى وجهها&; حتى تلك الهالات السوداء من الإرهاق قد زادتها جمالا&;&; تعمدت أفنان ألا ترتدي ثوب م&;لفت لتجعل شقيقتها ذات الإطلالة الأجمل.
&;يلا يا بنات انزلوا وأنا هحصلكوا عشان أبوكوا هيوصلنا.&;
&;حاضر يا ماما&; طبعا&; هتوقفينا ساعة هناك نجيب فاكهة.&;
&;اه طبعا&; مش ابن خالتك عيان ومحتاج يتغذى.&;
&;مكنش حتة دور برد يعني اللي عاملين عليه حوار كلكوا.&; علقت أفنان بسخرية لتضرب والدتها كتفها بخفة&; بعد ساعة ونصف تقريبا&; كانوا يجلسون داخل شقة خالتها&; لاحظ كلا&; من مريم وخالتهم مظهر ميرال المنمق هذا اليوم.
&;هو نوح فين&;&;
&;مريح شوية في أوضته.. تعالوا.&;
&;لا يا خالتو خليه مرتاح مش عايزين نزعجه..&; قالت أفنان في محاولة لعدم رؤية نوح والتحدث إليه لكن محاولتها فشلت حينما اردفت خالتها:
&;لا هو عارف أنكوا جايين&; مريم ادخلي لنوح خليه يقعد وبعدها خدي خالتك وبناتها عشان يسلموا عليه.&;
&;حاضر يا ماما.&; نفذت مريم ما طلبته والدتها&; بعد بضع دقائق عادت مريم إلى الخارج لتأخذ خالتها وبناتها.
&;ازيك يا نوح يا حبيبي عامل أيه دلوقتي&; سلامتك.&;
&;الله يسلمك يا خالتو ربنا يخليكي&; أنا كويس الحمدلله.. معلش تعبتكوا وخلتكوا تيجوا.&; أجابها نوح وهو ينقل نظره بين أفنان وميرال.
&;لا يا حبيبي متقولش كده.. طب ثواني وهجيلك تاني عشان مامتك بتنده عليا.&;
&;سلامتك.&; قالت أفناز بصوت خافت وهي ت&;شيح بنظرها عنه&; بينما جلست ميرال على كرسي و&;ضع جانب سريره وجلست مريم على طرف السرير بينما بقيت أفنان واقفة.
&;نوح.. بص.. أنا جبتلك حاجة..&;
&;أيه ده بجد&; جبتيلي أيه&;&; سأل نوح بحماس طفولي وهو يبتسم لتبادله ميرال الابتسام وتجيبه قائلة:
&;مج.. جبتلك مج جديد هدية.. عشان يعني أنا عارفة أنك بتحب الحاجات السخنة وكده وبما أنك عيان وبما أن الجو بدأ يبقى برد يعني..فقولت أجيبه.. وجبته لونه أسود عشان عارفة أنه لونك المفضل..&; فسرت ميرال وهي تتحدث بتوتر وتنظر إلى عين نوح من حين لآخر.. بينما نظر نحوها نوح بإبتسامة صافية ولأول مرة ترى مريم بريق داخل عين نوح مماثل للبريق الذي كان يلمع داخل أعين ميرال منذ سنوات&;
رواية في حي الزمالك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ايمان عادل
"الله ده حلو أوي! تسلم إيديك يا ميرال، تعبتي نفسك والله."
"تعب إيه بس! دي حاجة بسيطة."
"لا والله فرحت أوي، هبقى أخده معايا الجامعة والشغل بعد كده إن شاء الله." قال نوح لتتسع ابتسامة ميرال أكثر.
"يلا شد حيلك بقى وبطل مرقعة ودلع عشان ترجع لشغلك، ولا قاعدة البيت جت على هواك؟" سألته أفنان متعمدة إثارة غيظه لتحاول فتح حوار معه دون اللجوء إلى المعاتبات أو الاعتذارات المبتذلة من كلا الطرفين حول ما حدث ذلك اليوم.
"إيه وحشتك؟" سأل نوح، وبالرغم من كونها جملة عادية إلا أن وجه ميرال قد عبس، حيث شعرت في تلك اللحظة أن كلمة واحدة من فم أفنان حتى وإن كانت لاذعة قادرة على لفت انتباه نوح، وأن كل ما تبذله ميرال من جهد لا يساوي شيء أمام تأثير أفنان عليه.
"أعوذ بالله يا عم! هي دي أشكال توحشني برضوا! بقولكوا إيه، تعالوا نقعد برا عشان الجو هنا خانقة."
"يا بت لسّانك بينقط سم ليه كده!" سألها نوح بنبرة مزيج من الغيظ والسخرية، لتجيبه هي الأخرى بنبرة سخيفة قائلة:
"من كتر القاعدة معاك!"
"يا شيخة ده الحمدلله إن ميرال مش زيك! كان هيبقى الوضع صعب أوي!"
"يا شيخ الحمدلله إن مريم مش زيك، كان هيبقى الوضع صعب أوي." قلدت أفنان نبرة نوح بسخرية قبل أن تأخذ حقيبتها ومريم وميرال وتغادر الحجرة.
جلست أفنان على الأريكة أمام التلفاز وإلى جانبها ميرال ومريم، أما نوح فقد جلس على كرسي إلى جانبهم. كان يجول بنظره بين أفنان وميرال لتنتبه مريم لذلك وتنظر نحوه بحدة. بعد دقيقتين يصدر صوت إشعار من هاتف أفنان فتمسكه به وتظهر ابتسامة واسعة على ثغرها.
"بيوزعوا نكت في التليفون ولا إيه؟" سأل نوح ساخراً، لتنظر نحوه أفنان بازدراء وتقول:
"إيه يا واد الخفة دي! وبعدين خليك في حالك."
"سيبك منه يا أفنان، مترديش عليه." صدرت هذه الجملة من خالتها وهي تمنحها طبق البوشار.
"الشيكولاتة عجبتك؟" عاودت النظر إلى رسالة رحيم وقررت أن تجيبه هذه المرة:
"لسه مأكلتهاش والله."
"طب هتاكليها إمتى؟ عايز أعرف هتعجبك ولا لا."
"ليه الاهتمام الأوفر ده! هتعمل إيه يعني لو عجبتني؟"
"هجبلك علبة كاملة ليكي لوحدك.. وبعدين ثواني، هو إنتي بتردي متأخر ليه؟"
"علبة كاملة! لا يا عم مش للدرجة دي! أصل إحنا مش في البيت."
"سهرانة برا؟"
"إنت بتقول إيه! لا طبعاً، سهرانة مع ماما وأختي عند خالتي."
"وطنط اللي إنتي عندها دي.. عندها ولاد؟" قرأت أفنان الرسالة وأخذت تتققه من سخف جملة رحيم.
"طنط دي عندها بنت وولد."
"ولد كبير؟" سأل رحيم وهو يستخدم لفظة 'ولد' بدلاً من شاب، لتبتسم أفنان من لطفه. إنه حقاً أشبه بشخص ما مازال يتعلم كيفية نطق الكلمات، لكن أفنان توقفت عن الابتسام لثوانٍ وأدركت أنها لم تخبر رحيم قط بشأن صلتها بنوح. لم تجد سبباً منطقياً يمنعها من فعل ذلك، لكنها شعرت أنه من الأفضل ألا تخبره تجنباً لمزيد من الشجار، أو ربما ذلك سيتسبب في مزيد منه.. هي لا تدري.
"آه ولد كبير.. شاب."
"تمام.. خدي بالك منه بقى يعني.. Take care about yourself 'احرصي على سلامتك'."
"حاضر يا عمو رحيم."
"عسولة ما شاء الله عليكي." كانت هذه الرسالة الأخيرة حيث ترك هاتفه حينما سمع صوت طرقات على الباب وكانت الخادمة.
"رحيم بيه، مدام إيڤلين بتقول لحضرتك إن معاد العشاء فاضل عليه خمس دقايق." سمع رحيم ما قالته وقلب عينيه بتملل قبل أن يومئ لها بمعنى 'حسناً'.
"مساء الخير يا مامي.. فين بابي؟" سأل رحيم وهو يجذب الكرسي ليجلس في موضعه المعتاد.
"مساء النور، حامد جاي حالاً، كان معاه مكالمة شغل."
"هناكل إيه النهاردة؟" سأل رحيم بحماس طفولي وهو يشعر بزمجرة في معدته من الجوع، لكن والدته لم يبدو عليها الحماسة ذاتها حيث علقت بفتور قائلة:
"من أمتى وأنت بتسأل؟ you eat what's in your plate bm 'أنت تتناول ما يوضع في صحنك'." لم يعلق رحيم بل زفر بضيق وهو يهز قدميه بامتعاض.
"مساء الخير حبيبتي، مساء الخير يا رحيم." قال حامد فور قدومه قبل أن يقبل رأس زوجته ويجلس في مقعده.
"مساء الخير يا بابي." ساد الصمت بعد هذه الجملة ولا يوجد أي مصدر ضوضاء سوى الصوت الخافت لإصطدام شوكتهم بالأطباق. قطع صوت رحيم هذا الصوت وهو يسأل والدته قائلاً:
"مامي ممكن أسأل حضرتك سؤال؟"
"اتفضل."
"هو ليه إنتي وبابي مخلفتهوش غيري؟" سأل رحيم لتضطرب معالم والده قليلاً، بينما نظرت نحوه والدته بثبات وقالت:
"عشان كنا شايفين إننا اكتفينا بطفل واحد، نديله اهتمام ورعاية." أجابت ليزدرد رحيم ما في فمه ببطء وهو يفكر في أن ذلك كان أسوأ قرار قد اتخذوه يوماً. فبغض النظر عن عيوب كونه طفلاً وحيداً، كونه هو محط الاهتمام وموضوع أسفل عدسة مكبرة طوال الوقت هو أسوأ ما في الأمر، فلا يوجد شخص سواه يسلب جزءاً من اهتمام والديه المبالغ فيه.
"بس مش شايفة إنه قرار كان غلط؟"
"لا، أنا مباخدش قرارات غلط." أجابت والدته بنبرة صارمة لينظر نحوها رحيم بعدم اقتناع ويردف:
"آسف يا مامي.. بس مفيش حد مبيغلطش."
"أنا قراراتي كلها مدروسة."
"حتى ولو بيفضل برضوا في نسبة خطأ واردة."
"خلاص خلصنا! اقفل النقاش في الموضوع ده!!" أردفت والدتها بعصبية ليجفل رحيم لثوانٍ ثم ينظر لوالده الذي رمقه بنظرة ذات مغزى تعني 'خلاص اسكت دلوقتي'.
"أنا شبعت!" قال رحيم وهو يغادر مقعده بغضب وتنظر نحوه والدته بحدة ثم تردف بغضب قائلة:
"أحسن!" ابتلع رحيم ما في فمه وهو يصعد نحو غرفته، وكانت تقريباً تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها والدته بهذا الغضب، فمهما كانت مستاءة كانت دائماً محافظة على هدوئها قدر الإمكان.
أمسك رحيم بهاتفه وشعر بضيق فهو لا يزال جائعاً وبشدة لكن كرامته لن تسمح له بالنزول والحصول على الطعام الآن.
"أنا جعان أوي!!"
"طب ما تخلي مامتك تعملك أكل." أجابت أفنان ببساطة ليشعر رحيم بغصة في حلقه حينما قرأ الرسالة ثم أجابها قائلاً:
"مامي.. نايمة."
"مامي؟ مكذبتش لما قولت عليك توتو، مش الوقت بدري شوية عالنوم؟ عمتاً، حاول تعملك سندوتش جبنة ولا مش."
"أولاً أنا مش توتو.. ثانياً يعني إيه توتو؟ ثالثاً إيه مش دي؟ مش إيه؟" قهقهت أفنان بصوتها المسموع لينظر نحوها الجميع بشيء من الريبة. نظرت نحوها مرام بحاجب مرفوع قبل أن تستنتج أنه بالتأكيد لا شيء ولا أحد يمكنه أن يضحكها سوى رحيم.
"أسفة يا جماعة.. قريت ميم بيضحك بس." كذبت أفنان لتومئ الفتاتان بينما لم يبد نوح ردة فعل عدا تعابير وجه مستاءة.
"أولاً أنت توتو، ثانياً توتو دي يعني عيل ابن ناس طري كده، ثالثاً مش دي أكلة.. اللي هي جبنة قديمة أوي كده وطعمها حادق سنة، أنا بشرحلك إيه بجد؟" فسرت وأنهت جملتها بتعابير وجه تبكي من الضحك.
"هو إني أكون ابن ناس دي حاجة وحشة؟ وبعدين ما كلنا ولاد ناس يعني ولا إنتي سلالتك إيه؟"
"أنت طيب أوي يا رحيم بجد.. بحسك عامل زي العيل الصغير."
"طب دي حاجة حلوة ولا وحشة؟"
"مش عارفة.. ساعات بتبقى حاجة حلوة وساعات بتعصبني وببقى عايزة أضربك!"
"أعوذ بالله.. متعرفيش تكملي جملة حلوة أبداً! بس عالعموم شكراً يا دكتورة." نظرت أفنان نحو الرسالة وابتسمت على لطفه.
"طب ما تضحكينا معاكي يا أفنان، وبعدين ما تخلي عندك ذوق شوية، هو مش كلنا قاعدين مع بعض؟ محدش ماسك تليفونه غيرك." علق رحيم بازدراء لتنظر نحوه أفنان بغيظ وتردف:
"ما تهدى عليا شوية يا عم نوح في إيه؟"
"يا شيخة بس بقى، ترجع الدراسة بس وهوريكي!"
"ماشي وأنا كل لما أصلي هدعي رسالتك متتقبلش.. ها خالصين؟" قالت أفنان بنبرة واثقة لتتسع عينا نوح وينظر نحوها برعب قائلاً:
"يا ساتر!!! لا خلاص أنا آسف يا ستي.."
كله إلا الرسالة اللي طالع عين أهلي فيها!
"ايوا كده اضبط."
في غرفة رحيم، جلس رحيم ينتظر من أفنان ردًا على رسالته الأخيرة، لكن لم يصله رد ليشعر بامتعاض وهو يفكر في أن ربما وجودها برفقة ابن خالتها ذلك هو السبب في تأخر الرد.
"رحيم ممكن أدخل؟" سمع صوت والده في الخارج ليستقيم على الفور ويقول:
"طبعًا يا بابي اتفضل، خير في حاجة ولا أيه؟"
"لا مفيش حاجة.. مالك قلقت كده ليه؟"
"أصل حضرتك مبتدخلش أوضتي خالص، لما بتعوز حاجة بتقول للـ Maid 'الخادمة' تقولي."
"تصدق فعلًا.. بس أوضتك حلوة ومنظمة، ذوقك عالي زي."
"طالع لحضرتك طبعًا.. ها حضرتك عايز تكلمني في أيه؟"
"عايزك تنزل تكمل أكلك.. أنا عارف أنك مش عيل صغير عشان أقولك تعالى كل ومتتقمصش والكلام ده، بس أنا عارف أن طريقة مامتك ضايقتك فجيت أقولك متزعلش."
"لا عادي يا بابي أنا اتعودت.. بس حضرتك تعبت نفسك صدقني الموضوع مش مستاهل.." تحدث رحيم بنبرة يشوبها الحزن بينما ينظر نحوه والده بأسى وهو يربت على كتفه ثم يقول بنبرة جادة:
"أنا بس كنت عايز احكيلك على حاجة.. محدش يعرفها خالص تقريبًا.."
"أنا برضوا قولت أكيد في حاجة.. مامي مش بتتعصب كده أبدًا، أنا سألت سؤال غلط صح؟" سأل رحيم بفضول وانتباه شديد منتظرًا الإجابة.
"مش فكرة غلط.. هو بس جه على الجرح."
"جرح؟" عقد رحيم حاجبيه وهو ينتظر تفسيرًا من والده.
"آه.. أنا ومامتك يا رحيم كان نفسنا أننا نجبلك أخ.. كان نفسنا أننا نجيبك أصلًا، بص أنا ومامتك فضلنا كام سنة بنحاول نخلف أول ما اتجوزنا لكن كانت محاولات فاشلة عشان مامتك كان عندها مشكلة لحد ما المعجزة حصلت بفضل ربنا والعلاج وأنت جيت ومليت علينا دنيتنا.." سرد والده ما حدث بنبرة مهتزة بينما غلفت طبقة بلورية عيناه العسلية.
"أنا فعلًا أول مرة اسمع الموضوع ده.."
"الموضوع مخلصش هنا.. بعد كام سنة حاولنا نجبلك أخ أو أخت لكن المشكلة اللي عند مامتك كبرت لدرجة أنه بقى مستحيل تقريبًا أنها تخلف، حاولنا مرة بتدخل طبي لكن المحاولة منجحتش.. ولو كنا كررنا المحاولات والتدخلات الطبية تاني كان هيبقى في خطر على حياتها!"
"أنا.. حقيقي أسف.. لو كنت أعرف الكلام ده عمري ما كنت هسألها! بس هي عمرها ما حكتلي حاجة زي كده.."
"متقلقش أنت سألتها كتير زمان بس أنت مش فاكر." اردف والده وهو يقهقه بينما يكفكف الدموع التي كانت على وشك الهبوط من عيناه ليقترب منه رحيم ويضمه برفق.
"متزعلش يا بابي.. أنا موجود وهعوضك عن كل ال Babies 'الأطفال' اللي مجوش." قال رحيم بنبرة طفولية لينظر نحوه والده بابتسامة واسعة وهو يعلق قائلاً:
"صح فعلًا هتعوضني بس لما تجبلي تلات أو أربع أحفاد كده ألعب بيهم."
"يعني أنا أتدبس في تلات بيبيهات عشان حضرتك عايز تلعب؟ وبعدين أنا مالي أنا بالكلام ده.. أنا بقول أنا موجود أنا.. مجبتش سيرت أطفالي!!!" صاح رحيم بفزع نتيجة لمجرد تخيله بأنه قد تزوج وأصبح أب لطفل أو ربما أكثر!
"نبقى نتناقش في الموضوع بعدين."
"يبقى أحسن.." أردف رحيم لكنه سرعان ما تذكر شيئًا آخر فأضاف:
"بس بابي أنا عارف طبعًا أن اللي حضرتك بتحكيه ده تجربة صعبة أوي بس أنا مش متخيل أن مامي ممكن تنهار لأي سبب من الأسباب.."
"لا طبعًا ازاي؟ والدتك كانت منهارة جدًا وقتها، دي حتى فضلت لوقت طويل مقتنعة أني هتجوز عليها أو هسيبها أصلًا.." عقد رحيم حاجبيه وهو لا يصدق ما يسمعه، صمت لثوانٍ ثم سأل بفضول قائلاً:
"وأنت عمرك ما فكرت في ده؟"
"مستحيل يا رحيم، مستحيل أي ست في الكون تاخد مكان مامتك في قلبي أو حتى عقلي، إيڤلين هي أجمل ست شافتها عيني، وحتى لو مكناش خلفناك عمري ما كنت هسيبها.. كنت ممكن أتكفل بطفل لكن أجيب طفل من ست تانية.. لا!" تحدث والده بصدق وبنبرة مليئة بالحب، ليبتسم رحيم ابتسامة واسعة كبيرة ثم علق:
"أنا طول عمري عارف أنك بتحب مامي.. بس أول مرة أعرف أنك بتحبها أوي كده."
"اللي بينا أكبر من الحب، اللي بينا حب وعشرة ومشاركة في كل حاجة في الدنيا، أتمنى إنك في يوم من الأيام تقابل بنت تستحق وتحبها زي ما بحب إيڤلين وأكتر كمان!" فور أن أخترقت تلك الكلمات أذن رحيم أغمض عيناه لثوانٍ بينما قفزت إلى عقله على الفور فتاة واحدة فقط.. أفنان!
"سرحت في مين؟"
"قصدك سرحت في أيه؟"
"لا.. أقصد مين." اردف والده ثم ابتسم ابتسامة جانبية وهو يراقب تعابير وجه رحيم.
"موضوع كده.. هبقى أحكي لحضرتك بعدين."
"ماشي يا سيدي هستناك، وهخلي الـ Maid 'الخادمة' تطلعلك الأكل بعد ما إيڤلين تطلع الأوضة."
"شكرًا يا أعظم بابي في الدنيا." قال رحيم وهو يضم والده بلطف ليبادله الآخر ثم يستأذن ويغادر الحجرة.
في منزل أفنان، عادت هي وأسرتها إلى المنزل بعد قضاء الأمسية في بيت خالتها.
"كان باين أوي أنك بتكلمي رحيم."
"كان باين أوي أن عينيك بتطلع قلوب وأنتي بتدي المج لنوح." توترت ميرال بشدة حينما سمعت ما قالته أفنان حتى أنها جرحت أصبعها بواسطة 'دبوس' الطرحة خاصتها.
"أيه؟ قلوب؟ لا لا لا أنتي فاهمة غلط خالص!!!"
"أنتي ليه بتحسسيني أني بعمل معاكي تحقيق؟ يا عبيطة أنا أختك!!"
"ما هو أصل أنتي بتقولي حاجات غريبة.."
"غريبة آه، طب بس يا ميرال بس!" قالت أفنان بغيظ لتصمت ميرال ومعها أفنان لكن أفنان تتذكر أمرًا ما وتنتفض من مقعدها ثم تقول:
"لا مش خلاص.. أنا عايزة أقولك حاجة.. أنا متضايقة أوي."
"من نوح؟"
"يادي النيلة عن نوح محور الكون ده! لا مش نوح.. التدريب قرب يخلص.."
"طب ما هو أي حاجة بتخلص، وبعدين أيه الحلو يعني في مرمطة المواصلات والتركيز في الشرح والمذاكرة!"
"ميرال أنتي مستوى ذكائك بالسالب ارحميني!! مذاكرة أيه وشرح أيه؟ ما في داهية كل ده.. أنا بتكلم عن رحيم!"
"آه عشان مش هتشوفيه تاني وكده؟"
"أعوذ بالله يا شيخة.. إن شاء الله هشوفه تاني أكيد بس ازاي بقى؟"
"أنا هقولك جملة واحدة بس! 'إذا أحببت شيئًا بقوة فأطلق سراحه فإن عاد إليك فهو ملكك للأبد وإن لم يعد فهو ليس لك من البداية'." تحدثت ميرال بأداء مبالغ فيه وبنبرة جادة، لتقهقه أفنان بسخرية ثم تعلق على حديثها قائلة:
"يا سلام عالحكمة يا سلام، قاعدة مع أسامة منير ياربي!! وبعدين أطلق سراح أيه هو أنا خطفاه؟ وبعدين شيء! رحيم بقى شيء!"
"رحيم مين؟" اخترقت مسامعهم صوت والدتهم وهي تقتحم الغرفة لتتسع أعين كلتاهما وتكاد أفنان تفتح فمها لكن تخرسها ميرال وهي تجيب عن السؤال قائلة:
"رحيل يا ماما.. رحيل اللي كانت معايا في الكلية."
"مالها؟"
"خطوبتها الجمعة الجاية إن شاء الله." قالت ميرال لتنظر نحوها أفنان بدهشة لثانية ثم تحاول إخفاء الدهشة وتومئ مصدقة على كلام ميرال.
"عقبالكوا إن شاء الله، أنا كنت جايه أقولكوا متسهروش أوي عشان منتأخرش واحنا رايحين لجدتكوا."
"بس كده؟ من عنيا حاضر.. هاخد منوم." تحدثت أفنان بصوت مسموع في بداية الجملة ثم ختمتها بهمس لتضحك ميرال ضحكة مكتومة، تغادر والدتهم الحجرة لتزفر أفنان براحة ثم تقول:
"ياربي.. كنت هتقفش!"
"تتقفشي في أيه؟ ده اسم زي أي اسم."
"يا ستي بقى مش عايزة حوارات وبعدين انتي عارفة كل حاجة ماما بتعرفها بتحكيها لخالتو وطبعًا خالتو هتقول لمريم ونوح، اللي هو خطيبي في مخيلتهم!" قالت أفنان ثم أدركت ما اقترفته من خطأ حينما رأت عبوس وجه ميرال لتحمحم ثم تضيف:
"بس ده بعينهم طبعًا! كلنا عارفين نوح هيتجوز مين بس عمرنا ما نروح نقول!"
"إستحالة يا أفنان.. اللي بيشوفك مبيقدرش يشوف بعدك." تحدثت ميرال بابتسامة ممتزجة بالآسى، لتشعر أفنان بغصة في حلقها ثم تردف بمزاح قائلة:
"يا ساتر! أنا بخزق عنيهم ولا أيه؟"
"لا.. بس مش بيشوفوا أي بنت تانية." تحدثت ميرال بصيغة الجمع لكن أفنان كانت تعرف جيدًا أنها تقصد شخصًا واحدًا..
"إزاي يعني؟ طب بصي لنفسك في المراية وبصيلي. ده إنتي أحلى مليون مرة، كفاية إنك واخده حلاوة خالتي وماما، وكمان فيكي شبه من نوح أكتر مني. وبعدين بصي بشرتي وبشرتك، والله حرام منتجات الـ skin care اللي بخلص مصروفي عليها دي!"
"خلاص اقتنعت." تحدثت ميرال وهي تمسح دمعة كانت على وشك الهبوط من عينيها.
ضمّتها أفنان بلطف ثم ردفت بسخرية وهي تضغط على حرف الدال: "في حد يبقى زعلان وهو رايح يقابل الدكتورة ريماس بكرة إن شاء الله؟"
"متفكرنيش أبوس إيديك! وياريت بلاش مشاكل من فضلك!"
"مشاكل؟ أنا بعمل مشاكل؟ يالهوي عالظلم!!"
في صباح اليوم التالي، ارتدت أفنان ثيابها وهي تشعر بضيق لأنها تعلم ما سيؤول إليه يومها.
"يلا يا ميرال، ماما وبابا مستنيين تحت."
"بقولك إيه.. اطلبي أوبر."
"أشمعنا؟ بابا قال هنركب من الموقف."
"لا اطلبي أوبر وأنا هدفع! مش هسيب بابا يتمرمط في ميكروباصات، وخصوصًا إننا رايحين عند تيتة وعمتو." أوضحت ميرال بإصرار وهي تضبط وشاح الرأس خاصتها.
علقت أفنان قائلة: "ربنا يخليكي لينا يا ستي. هطلب بس انجزي."
بعد ساعة تقريبًا، كانوا داخل منزل عمتها. وبالرغم من عدم بعد المسافة، إلا أن الازدحام قد عطلهم قليلاً.
"إزيك يا تيتة، عاملة إيه؟ إزيك يا عمتو؟" سألت أفنان فور جلوسها.
لتجيب كلتاهما بـ "الحمد لله".
"إيه هو أنا شفافة بالنسبالك؟"
"لا مش شفافة أكيد، كنت هاجي أسلم عليكي.. لو صبر القاتل!"
"أفنان هدي الدنيا، اليوم لسه طويل." همست ميرال في أذن أفنان.
لتومئ أفنان بعد أن غادر فمها تنهيدة طويلة.
"أفنان قومي اغسلي فاكهة ليكوا، قومي قومي متتكسفيش، البيت بيتكوا."
"لا يا طنط أنا مش مكسوفة، وكمان شكراً. إحنا لسه واكلين من شوية، وبعدين أنا شايفة ريماس رجلها سليمة ما شاء الله، ما تقوم هي." أردفت أفنان بنبرة باردة وهي تحاول أن تداري الغيظ الذي داخلها.
لتنظر نحوها جدتها بحدة وتعلق قائلة: "وبعدين في طولة لسانك دي!"
"عيلة يا ماما، سيبك منها.. بقولك إيه يا أم ميرال مش تقوليلي مبروك."
"ألف مبروك يا ستي، بس على إيه؟"
"مش ريماس بنتي اتقدملها عريس وشكلنا كده هنوافق، أصله ميتعيبش بصراحة." قالت عمتها.
لتتسع أعين كل من أفنان وميرال. أليست ريماس صغيرة على أن تصبح زوجة؟ وماذا عن مستقبلها؟ إنها في سنتها الثالثة من كلية الطب! إنها مازالت في العشرين من عمرها كذلك! وهل هي مؤهلة من الأساس للزواج؟ هل ستكمل تعليمها أم سيجبرها على التوقف؟ وحتى وإن تركها تكمل الجامعة.. كيف ستستطيع التوفيق بين الدراسة والمنزل؟ وماذا عن العمل؟ ألن يدعها تعمل بعد تعب سبع سنوات؟
أسئلة كثيرة تبعثرت داخل عقل أفنان وهي تنظر بآسى نحو ريماس، وقد توقعت كيف ستكون نهاية ذلك الزواج.
رواية في حي الزمالك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ايمان عادل
"مش ريماس بنتي اتقدملها عريس وشكلنا كده هنوافق، أصله ميتعيبش بصراحة." قالت عمتها لتتسع أعين كلا من أفنان وميرال. لتنظر نحوهم والدتهم بنظرة ذات مغزى.
"مالكوا ساهمتوا كده ليه؟ ما تبركوا لبنت عمتكوا يا بت أنتي وهي!" قالت جدتها لتجفل أفنان لثوان وتهنئها ميرال على الفور بتلعثم.
"أ.. ألف مبروك يا ريماس."
"ألف مبروك على أيه! قصدي يعني.."
"أيه يا أفنان الغل مخليكي حتى مش عارفة تباركيلها!" علقت عمتها بإنفعال لتنظر نحوها أفنان بسخرية لثوان.
"غل؟ هغل على أيه بس؟ هي حاجة عدلة يعني! وأنتي يا ريماس موافقة؟" سألت أفنان بإزدراء ونبرة منفعلة بعض الشيء وهي تحاول التحكم في أعصابها علما بأن ذلك النقاش لن ينتهي على خير فعلى الأغلب سيضطر أحدهم إلى طلب النجدة لإنهاء ما على وشك أن يبدأ.
"بقولك عريس ميترفضش وبعدين أنا وأبوها وجدتها موافقين." كانت تتحدث عمتها بشغف بينما لم تبدو ريماس متحمسة كثيرا لما يقال. وكان يدور في ذهن أفنان سؤال هام.. إذا كان والدها ووالدتها وجدتها والجميع موافقون على ذلك الشاب.. إذا أين رأي ريماس في الأمر كله؟
"طب يا حبيبتي ربنا يتمملكوا على خير.. بس هي مش صغيرة شوية؟" سألت والدة أفنان بنبرة لطيفة لتجيبها عمتها بنبرة هجومية قائلة:
"لا يا حبيبتي مش صغيرة وبعدين أنا هستناها لما تبور زي بقيت بنات العيلة ولا أيه." كان من السهل تخمين مقصد عمتها بتلك الكلمات لتنكمش ميرال على نفسها. كانت كلمات العمة مثيرة لإستفزاز أفنان لذا علقت بدورها قائلة:
"لا يا طنط ارميها لأي حد وخلاص!"
"أرميها ده أيه يا مقصوفة الرقبة أنتي! ده عريس غني أوي وابن ناس كمان، تصدقي مبيقولش جملة عربي من غير ما يبرتم بكلمتين إنجليزي في النص، وطول بعرض ودقن ولبس غالي." هنا شعرت أفنان بإنقباض في قلبها. كم تصل نسبة حدوث ما تفكر فيه؟ واحدا إلى المليون؟ فمؤكد عمتها لا تقصد نفس الشخص الذي قفز إلى عقل أفنان. فمن بين بنات العالم كله لن يقع اختياره على ريماس ابنة عمتها أليس كذلك؟
"و.. واسمه أيه بقى العريس ده؟" سألت أفنان بإرتباك وبنبرة مهتزة غير مبررة. لتبتسم ريماس ابتسامة واسعة ثم تجيب قائلة:
"فريد." هنا تزفر أفنان براحة حينما تتأكد من أنه ليس رحيم. يالسخفها! لما سيقوم رحيم بطلب يد ريماس أو أي فتاة آخرى من الطبقة الإجتماعية ذاتها؟ فمؤكد رحيم حينما سيختار فتاة سيختار فتاة تشبهه..
"اسمه حلو.. عرفتيه منين بقى ولا دماغه عاملة ازاي؟" سألت أفنان بحسن نية لتنظر نحوها عمتها بطرف عيناها قبل أن تتمتم:
"تعرفه ده أيه؟ أنا بنتي محترمة مبتعرفش شباب يا حبيبتي الدور والباقي عالبنات التانية."
"لا إله إلا الله…" همست أفنان وهي تزفر بضيق قبل أن تضيف:
"والله يا طنط أنا مبقولش تصاحب ولاد، أنا بقول إنها لازم تبقى عارفة دماغ اللي قدمها وتبقى متعرفة عليه وكله بإحترام يعني!" وضحت أفنان وجهه نظرها وهي تتحدث ببطء محاولة التحكم في نبرتها بينما رسمت إبتسانة مصطنعة على ثغرها.
"وبعدين في مياصه بنات الإيام دي، ما كلنا اتجوزنا رجالة منعرفهاش وعيشنا عيشة زي الفل.. ده أنا يا بت لما كنت قدك كنت في بيت جوزي متستته ومعايا أبوكي." علقت جدتها بنبرة مزيج من الغيظ والإستهزاء لتبتسم أفنان ابتسامة جانبية متذكرة كم كان يعامل جدها جدتها بسوء وأنه لم يحبها قط كما كانت تتذكر في صغرها. أهذه كانت العيشة الهنيئة التي كانت تتحدث عنها جدتها؟
"اه طبعا يا تيتة.. المهم يا ريماس طب هو شافك فين ولا هو قريبك من ناحية باباكي؟" كانت تنظر ميرال نحو أفنان بإندهاش. فليس من عادة أفنان أن تبدي إهتماما بشئون عمتها أو ابنتها لذا هناك شيء خاطئ هنا إما ما تفعله أفنان هو بدافع الفضول لا أكثر أو أنها تهتم بحق بشأن ريماس وهذا الإحتمال مستبعد بنسبة تسعون بالمئة. صمتت ريماس لثوان وكأنها تفكر ولكن حينما فتح فمها لتجيب اخيرا قاطعتها والدتها لتجيب بدلا عنها قائلة بفخر:
"يعرف أبوها من شغله في الخليج."
"هو مش مصري؟"
"لا مصري بس طول حياته عايش برا مصر وأيه متريش الله أكبر من عين كل حسود وعنده بزنس كبير أوي."
لم يبدو حديث عمتها صائبا إلى درجة كبيرة بغض النظر عن كونها تظن أن أفنان قد تحسد ريماس على شيء كهذا. لكن.. كيف لشاب في بداية عقده الثالث أن يملك ثروة هائلة وأن يكون متحكما في أعمال خاصة بهذه العمر الصغيرة؟ هذا الحديث ينتمي إلى الروايات وليس إلى أرض الوقع. لذا هذا يعني أنه هناك إحتمالا لا ثالث لهما..
إما أن عمتها تهول الأمور كما تفعل عادة، رغبة في التظاهر بأنها أفضل من كل هي وكل من يخصها أو أن يكون ما تقوله صدق لكن هذا يعني شيئا واحدا.. أنه ليس شابا!!!!
"ما شاء الله يا عمتو عمل كل ده؟ وده عنده كام سنة على كده؟" هنا تغيرت معالم وجه ريماس وارتبكت قليلا. لكنها في النهاية أبدت حماس ظاهري وهي تجيب قائلة:
"تلاتة وتلاتين."
"!!!!!!" سعلت أفنان بعد أن ابتلعت ما ارتشفته من كوب الماء الذي أمامها بدلا من أن تبصقه في وجه عمتها من هول ما سمعتها قبل ثوان. مزيج من معالم الدهشة والتقزز قد ارتسمت على وجه أفنان ولكن ليست وحدها. بل شاركتها والدتها وشقيقتها كذلك!
"تلاتة وتلاتين سنة! العريس عنده تلاتة وتلاتين سنة!!!!" صاحت أفنان بصوتا مرتفع وهي تستقيم من مقعدها ثم تضع كلتها يديها أمام عينيها وتبدأ في عد فارق العمر على أصابع يديها.
"يعني أكبر منك بحوالي اتناشر أو تلاتشر سنه!!!! أنتي مجنونة يا ريماس! ده لو كان اتجوز بدري كان خلف واحدة في سنك يا بنتي!!"
"أفنان اقعدي وبلاش مشاكل! أحنا ملناش دعوة." همست ميرال في أذن أفنان لتنظر نحوها أفنان بإستنكار.
"اه يا حبيبتي أكبر منها بكام سنة فيها أيه يعني؟ ما الناس زمان كلها كانت بتتجوز بفرق سن كبير وبرضوا كانت عيشتهم زي الفل."
"منطقي.. منطقي جدا. أنه يبقى عنده بزنس خاص بيه لأن البيه قرب على نص التلاتينات!!" تحدثت أفنان بهدوء في بداية حديثها ثم أنهت حديثها بإنفعال.
"اقعدي يا بنت أحمد وقولي لبنت عمتك مبروك واحضنيها وأدعي ربنا تحصليها أنتي وأختك ولا هتفضلوا في بيت أبوكوا كتير." اردفت جدتها بنفاذ صبر وبنبرة أمرة حازمة لكن أفنان لم تبدي اهتماما كثيرا بما قالته بل أضافت الآتي بنبرة هادئة استفزازية:
"والله يا تيتة أني أقعد في بيت أبويا معززة مكرمة لحد ما يجيلي الشخص المناسب بجد أحسن أما أروح أتجوز أول واحد يجي، عشان هي مش بيعة وشرواه!"
"شايفه يا ست رانيا.. شايفة كلامك اللي مليتي بيه دماغ عيالك بوظهم ازاي؟ ما هو أنتي لو كنتي بتقرصي عليهم من صغرهم مكنش ده بقى حالهم!"
"مالها حالتها يا طنط؟ بنتي بتتكلم صح من وجهه نظرها ومن وجهه نظري أنا كمان.. وأظن أنها متعدتش على حرية ريماس في اختيار المناسب ليها، هي بس قالت وجهه نظرها." دافعت والدة أفنان عن بناتها وتربيتها لهم لكن بطريقة غاية في الأدب في الوقت ذاته.
"اه يا عيني عليك يا ابني.. الله يعينك على أهل بيتك." تمتمت جدتة أفنان بصوتا منخفض نسبيا. لكنه كان ما يزال مسموعا. لتبتلع والدتها الغصة التي في حلقها وهي تنظر نحو أفنان.
"ألف مبروك يا ريماس.. ويارب يبقى اختيارك صح."
"الله يبارك فيكي يا أفنان عقبالك." كاد الحديث أن يقف عند تلك النقطة لكن عمتها فضلت الثرثرة عن الصمت وتهدئة الأمور لذا أضافت:
"وريماس بنتي هتكمل تعليمها طبعا، بس من بيت جوزها بقى ما هو العريس مش هيستني خمس ولا أربع سنين يعني لحد اما تخلص جامعة."
"على خير يارب.. وأنتي هتعرفي توفقي بين الدراسة والبيت؟"
"ما هو هيساعدني."
"هيساعدك ازاي مش فاهمة؟ في شغل البيت يعني؟"
"يخيبك يا أفنان.. شغل بيت أيه يا بت؟ ده عنده خدامين وبعدين ما هو كمان دكتور زيها فهيساعدها في المذاكرة وكده." فسرت عمتها وهي تتحدث بحماس مفرط ورائحة الطمع تفوح من حديثها. الآن عرفت افنان سر أصرار عمتها على ذلك 'العريس'.
"اممم.. دكتور.."
"اه دكتور وكمان قالي أنه ممكن يفتحلي مستشفى." تكلمت ريماس بنبرة طفولية ساذجة وكأنها ستذهب مع أحدهم ليبتاع لها الحلوى لا أن يصبح شريكها طوال العمر.
"يااه معقول؟" سألت أفنان بإندهاش مزيف تفوح منه رائحة الإستهزاء.
"وأنتي قعدتي معاه بقى على كده؟"
"لسه.. يعني اتكلمنا عالفيس بوك، بس هقابله لما بابا يرجع من السفر إن شاء الله عشان هما هيجوا سوا." أجابت ريماس بحماس مفرط لتبتسم أفنان بصدق وليس بسخرية.
ساد الصمت لبضع دقائق قبل أن يقطعه صوت رنين هاتف أفنان الموضوع أعلى الطاولة التي أمامها لتهرول سريعا وتمسك به لتجده..
توترت معالم أفنان وهي تنظر إلى الاسم قبل أن تغلق المكالمة.
"مين؟" سألت ميرال بهمس، لتنظر نحوها أفنان بارتباك ثم تهمس هي الأخرى قائلة:
"بعدين هقولك."
أمسكت أفنان بهاتفها واتجهت مباشرة إلى محادثتها هي ورحيم لترسل له برسالة عتاب:
"أنت اتجننت؟ بتتصل ليه؟"
"أسف بالغلط." أرسل هذه الرسالة ومن بعدها أرسل لقطة مذعورة تختبئ خلف الحائط.
"هنستعبط؟ ده أنت رنيت لحد ما قرب يفصل."
"كنت عايز اسمع صوتك."
"خف مياصة شوية يا عم، أنا مش في البيت."
"أومال في الغيط؟" سأل رحيم بسخرية، لتنظر أفنان نحو الرسالة باشمئزاز من سخف دعابته.
"أتعلمتها منين دي يا ظريف؟ أكيد الواد الشمام اللي بتقعد معاه."
"قصدك على أنس؟ هو فعلا اللي علمهالي. المهم أنتي فين؟"
"طب بطل تقعد معاه وخليك ولد مؤدب كده، عند عمتو وتيته."
"شكلك مش مبسوطة. وبعدين ثواني، هو انتوا مش بتقعدوا في البيت عندكوا خالص ولا إيه؟"
"لا بنقعد، بس دي طقوس عائلية كده."
"إيه طقوس دي؟ بتحضروا أشباح ولا إيه؟" سأل رحيم ببلاهة، لتبتسم أفنان بسبب سخفه ثم تعلق قائلة:
"إيه يا ابني خفة الدم دي؟ قصدي يعني احنا عندنا عادة كده، الخميس عند خالتو والجمعة عند تيتا وعمتو."
"طب حلو أوي.. ولا أنتي مش بتحبيهم؟"
"بصراحة بحب خالتو أوي، لكن عمتو يعني.. علاقتنا مش أحسن حاجة."
"ليه كده!"
"مش هقولك."
"إيه ده في إيه؟ أنا عملت إيه؟" سأل وقد ألحق الرسالة بصورة لفأر صغير مندهش، لتبتسم أفنان باتساع غير منتبهة أن انظار الجميع قد وقعت عليها.
"عشان أنت مش بتحكيلي عنك خالص ولا عن عيلتك مع أنك عارف حاجات كتير عني."
"اولا: أنتي مسألتيش.. لو سألتي احتمال ما أجاوبش آه، بس لسه أنتي مسألتيش. ثانيا: بقى أنا معرفش حاجات كتير عنك."
"طيب أنت بتحب مين أكتر عيلة مامتك ولا باباك؟" سألت أفنان بفضول رغبة في معرفة المزيد عن حياة رحيم.
"مش عارف.."
"يعني إيه مش عارف؟"
"الموضوع complicated شوية.. أنا اتربيت وسط عيلة مامي ويمكن شوفت عيلة بابي مرات قليلة أوي، بس حسيت معاهم بإحساس مختلف.. دفء يمكن."
"مامي وبابي؟ ده أنت ابن ناس بجد بقى."
"هما باقي البشر ولاد إيه؟ مش ولاد ناس برضوا."
"مش قصدي يا ذكي.. هي جملة بتتقال كده.. بص اسكت اسكت، أنا هقفل بقى عشان العيلة كلها مركزة معايا وهيشكوا فيا." أرسلت قبل أن تغلق الهاتف سريعًا ثم تتمتم:
"تخيلوا يا جماعة بدأو يعملوا جروبات للمواد بتاعت الكلية من دلوقتي مع أن لسه شوية عالدراسة."
"لا وأنتي وش دراسة أوي يا أختي." همست عمتها بسخرية، لكن كلماتها اخترقت مسامع أفنان لترد دفاعًا عن ذاتها قائلة:
"اه طبعًا يا عمتو، ما أنا بطلع من الأوائل كل سنة."
في تلك اللحظة سمعوا صوت طرقات خفيفة على باب المنزل، وقد عرفت أفنان من طريقة الطرق أن هذا والدها، حيث أن له طريقة مميزة.
"مش معقول أي باب بخبط عليه في أي حتة ألاقيكي أنتي اللي بتفتحي."
"وأنت متضايق ولا إيه؟ وبعدين أنا عندي كام بابا يعني؟" مازحته أفنان بلطف، بينما نظرت نحوهم رياس بحدة بلا سبب.
"ازيك يا حمادة يا أخويا عامل إيه؟" رحبت عمتها بأكثر نبرة مزيفة في الوجود، لينظر نحوها أفنان ووالدتها وشقيقتها في اللحظة ذاتها.
"كويس الحمدلله.. يلا يا رانيا."
"على فين بس يا أخويا هو إحنا لحقنا نشوفك؟ ده أنت تحت من ساعة ما جبت مراتك وعيالك."
"معلش ورايا مشوار مهم الصبح بدري." فسر بنبرة هادئة جافة، ثم ذهب ليقبل رأس أمه ويأخذ زوجته وابنتيه ويتجه بصمت نحو الخارج.
"مشوار إيه اللي بابا رايحه ده؟" سألت ميرال ببلاهة وهي تتجه إلى خارج العمارة، لتنظر نحوها أفنان بضيق وتقول بنفاذ صبر:
"مشوار إيه أنتي كمان؟ أنتي عبيطة يا ميرال؟ ده قال كده بس عشان مش قادر يقعد معاهم.. نفسه مش قابلة الموضوع بعد المشاكل اللي حصلت آخر مرة وموضوع الفلوس." همهمت ميرال بتفهم، ثم اقتربت من أذن أفنان وقالت:
"تفتكري بابا هيفضل متجنبهم كتير؟"
"مظنش.. بابا قلبه طيب وبالرغم من كل حاجة هو مازال بيحبهم وكمان عشان صلة الرحم."
"يمكن، بس أنا حاسة أن بابا واخد موقف جامد المرة دي." قالت ميرال، لتتنهد أفنان ثم تعلق قائلة:
"ولسه.. العيلة دي مش ناوية تجيبها البر، ربنا يستر."
"يارب. صحيح هتشوفي رحيم بكرة؟" سألت ميرال بدون سبب وبصوت عالٍ نسبيًا، لتقترب منها أفنان على الفور وتضع يدها أعلى فم الأخرى لتجعلها تصمت.
"ششش وطي صوتك وطي صوتك!!!"
"أ..أوعي بوقي."
"أنتي هتودينا في داهية في مرة بسبب صوتك ده! آه هشوفه، ما هو أكيد هيبقى موجود بكرة في الشركة."
"طب سلميلي عليه."
"لا هسلملك على نوح." همست أفنان وأنهت كلامها بغمزة بعينيها اليمنى، لتضربها ميرال على كتفها بخفة.
فور عودتهم إلى المنزل خيم الهدوء على المكان، حيث جلس والد أفنان صامتًا يعبث في هاتفه، ثم جلس ليقرأ بضع صفحات من الصحف الخاصة به. عندما انتهى من القراءة جلست أفنان إلى جانبه وهي تسأله بحنان:
"أنت كويس يا بابا؟"
"الحمدلله يا حبيبتي رضا." قال بنبرة تفوح منها الحزن، لتسأله قائلة:
"هو حصل حاجة إحنا منعرفهاش؟"
"لا.. حاسس أني مرهق شوية متشغليش بالك أنتي."
"بتخبي عليا؟ هو مش إحنا صحاب يا عم أحمد ولا إيه؟"
"اه طبعًا يا عين أحمد، بس يا حبيبتي أنا مش عايز أشيلك الهم، كفاية عليكي اللي أنتي فيه والدراسة ومستقبلك. اه وخدي بالك أنا حاسك متغيرة كده وبقالك كتير مش بتحكيلي بتعملي إيه في يومك." تحدث بنبرة هادئة كالمعتاد، لكنه أنهى حديثه بنبرة مرحة، لتبتسم أفنان تلقائيًا بينما تتوتر معالم وجهها قليلاً.
"ها؟ أنا بس.. أصل في امتحان كده في آخر التدريب، فأنا بقضي اليوم بذاكر لما برجع.. لما برجع البيت قصدي يعني.."
"بس بس.. مالك اتوترتي كده ليه؟ شكل في حاجة.. بس عمتك مش هضغط عليكي.. أنا عارف أنك هتيجي وتحكيلي بنفسك."
"صح.. يلا تصبح على خير." أردفت أفنان، ثم استقامت من موضعها لتقبل رأس والدها ثم تتجه نحو غرفتها مباشرة، وقد ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها.
في صباح اليوم التالي ارتدت أفنان ثوبًا باللون السماوي بالإضافة إلى وشاح باللون الأزرق الداكن، وقد زين بنقوش بنفس لون الثوب.
اتجهت أفنان نحو الشركة وهي تهرول ظنًا منها أنها ستتأخر، لكن في نهاية الأمر وجدت نفسها قد وصلت باكرًا نسبيًا على موعدها. تسير إلى داخل الردهة ثم تتجه إلى الطابق المنشود، وبمجرد مغادرتها للمصعد سمعت صوتًا من خلفها يهمس قائلاً:
"أنتي عارفة أن دي أول مرة أحس فيها اللون ال Baby blue حلو أوي.. يمكن عشان اللون بيحلو بحلاوة الشخص اللي لابسه." انتفضت أفنان ثم التفتت على الفور بحثًا عن صاحب الصوت، لتجده رحيم، يقف مستندًا على باب مكتبه وفي يده فنجان من القهوة.
"بسم الله الرحمن الرحيم خضتني!!!"
"أنا عارف الكلام ال Romantic بيخض." تحدث رحيم بنبرة واثقة، لتنظر نحوه أفنان باستهزاء ثم تقول:
"إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنا اتخضيت عشان مفيش حد بيكلم حد فجأة كده. وبعدين إيه الواقفة دي؟ أنت معندكش شغل."
"أنا حر. هتحاسبيني على شغلي كمان يا دكتورة ولا إيه؟!"
"لا يا فندم هو أنا أقدر." اردفت وهي تبتسم ابتسامة ساخرة، ليُبادلها هو بواحدة لطيفة. يسود الصمت لدقائق قبل أن تقطعه هي بسؤال:
"صحيح أخبار صاحبتك الأجنبية دي إيه؟"
"أني واحدة؟"
"نهارك أبيض!!! هما كام واحدة؟" سألت أفنان بمزيج من الدهشة والاعتراض، ليُجيبها بكل برود:
"مش عارف.. I don’t count."
"اللي كانت معاك هنا يا رحيم!!! اللي حضنتك يا أخويا ولا أنت بتتحضن كل يوم من واحدة؟!!!"
"إيه؟ قولي تاني.."
"أقول إيه تاني؟" سألت بحماقة، لينظر إلى عينيها مباشرة ويُجيبها بنبرة هادئة:
"يا رحيم.."
تقريبًا أول مرة تناديني باسمي.
لا تسيبنيش كده، أنا مفطرتش وممكن أقع منك، أنا بحذرك.
مفطرتيش بجد؟ ليه طيب؟
لا والله مفطرتش بجد، افتكرت إني هتأخر فنزلت جري، وفي الآخر وصلت بدري زي ما أنت شايف.
تمام، المهم بقى أنتي كنتي بتسألي على ميا صح؟ عمتها هي راحت تقعد مع صاحبتها في الفيلا بتاعتها كام يوم ومن ساعتها مشوفتهاش في البيت.
ثواني بس.. هي قاعدة عندكوا في البيت؟
أيه المشكلة؟
أيه المشكلة! المشكلة إن في جحش قاعد في نفس البيت ومينفعش تبقى معاه!
دي شتيمة صح؟
لا هو ده حيوان، مزيج بين الحصان والحمار بيبقى عقيم المفروض و.. آه تعتبر شتيمة عمتها، بس مش ده موضوعنا دلوقتي!
حسيت برضوا، طب بصي هقولك حاجة، ادخلي دلوقتي عشان متتأخريش ونكمل كلام بعد المحاضرة.
ماشي يا أخويا.
أخوكي؟
دي شتيمة صح؟
لا هو ده حيوان، مزيج بين الحصان والحمار بيبقى عقيم المفروض و.. آه تعتبر شتيمة عمتها، بس مش ده موضوعنا دلوقتي!
حسيت برضوا، طب بصي هقولك حاجة، ادخلي دلوقتي عشان متتأخريش ونكمل كلام بعد المحاضرة.
ماشي يا أخويا.
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخوكي؟
أخ
رواية في حي الزمالك الفصل السادس عشر 16 - بقلم ايمان عادل
تأثير 🦋🤎
أخذت أفنان تتأمل الرسالة وقد ابتسمت ابتسامة واسعة حتى شعرت بألم في فكها. لم تستوعب هي كونها مراقبة من الجميع وخاصة نوح. أما عن رحيم فوقف خارج القاعة يتأمل وجه أفنان السعيد من خلال الفتحة الصغيرة في باب القاعة.
"خلاص خلصنا نرجع لشغلنا كله يبصلي هنا."
صدح صوت نوح الغاضب يرج أرجاء القاعة لتنتفض أفنان من موضعها وهي تنظر نحوه بإستياء لصراخه الغير مبرر. أكمل نوح الشرح لتبدأ أفنان في تناول فطورها بنهم بينما تحتسي المشروب المثلج. كان يشعر نوح بنيران تشتعل داخل قلبه فهو لم يرى أفنان سعيدة لهذه الدرجة عند حصولها على شيء ما من أحدهم.. أو ربما فعل فلقد كانت تحمل تعابير الوجه ذاتها حينما إبتاعها الدمية التي كانت تتمناها في عيد مولدها التاسع.
"كده أحنا خلصنا الشرح والمرة الجاية هنحل أسئلة عاللي شرحته ياريت كله يذاكر مفهوم."
سأل نوح بنفس النبرة الحادة ليومئ الجميع بينما لم تهتم أفنان لأن ترفع عيناها نحوه.
"اتفضلوا عالمعامل."
تحرك الجميع من موضعه وكان آخر من فعل هو أفنان كالعادة.
"حلو الدونتس مش كده. الله يرحم."
علق نوح بسخرية بينما تسير أفنان نحو الخارج. تقف وتستدير لتنظر نحوه بإزدراء.
"اه حلو. عايز أيه يعني؟"
"لا مفيش بقول يعني بعد ما كنا بنجيب سندوتشات فول بقى بيجلنا دونتس."
"مش فايقالك على فكرة. لخص!"
"متمشيش بعد العملي. هوصلك ونتكلم."
"بص يا نوح لو كلامك معجبنيش وحسيت فيه بذرة إهانة.. بعيدًا عن أني هسيبك وأمشي طبعًا.. بس همسح بكرامتك المنطقة الصناعية كلها تمام."
أردفت أفنان بنبرة جادة هي ترفع سبابتها في وجه نوح محذرة إياه. ابتسم نوح بسخرية غير مهتم بتهديدها.
اتجهت أفنان إلى القاعة وهي تبحث بعينيها عن رحيم لكنها لم تجده لذا اتجهت إلى داخل المعمل لتجد أنه ليس هناك كذلك. لكن سمعت فجاءة صوت نداء بهمس يشبه خاصة الذي يصدره الجميع عند النداء على قطة.
"بست.. بس بس."
إلتفتت أفنان لتجد رحيم يقف في أحد الممرات التي لم تنتبه لها من قبل. تبتسم ابتسامة واسعة وتتجه نحوه وهي تسأل:
"أول مرة أشوف الحتة دي والمكاتب.. وبعدين ثواني.. إيه بتبسبسلي ليه شايفني قطة؟"
"ما أنا لو نادهتك بإسمك والناس خدت بالها هتتخانقي معايا."
فسر رحيم لتنظر نحوه بإبتسامة واسعة قبل أن تقول:
"فاهمني أنت يا رحيم."
"بحاول بكل طاقتي والله.. عشان فعلاً حابب افهمك أكتر وأكتر."
"تصدق أول مرة أخد بالي من حاجة.."
"أيه هي؟"
سأل رحيم بحماس لتأخذ أفنان نفسها عميقاً ثم تقول بمزاح:
"أنك شاطر في الكيميا والكلام الحلو."
"وهو أنتي أصلاً بتديني فرصة؟ ده أنا كل لما أتكلم بتحرجيني!"
أردف رحيم بنبرة من طفح كيله لكن نبرته كانت أقرب إلى المزاح.
"مش بيبقى قصدي.."
أردفت لينظر نحوها رحيم بحاجب مرفوع لتحمحم وتعلق وهي تحاول ألا تبتسم قائلة:
"يعني مش طول الوقت بصراحة.. عموماً متزعلش يا سيدي حقك عليا."
"مبزعلش منك أصلاً."
"طيب خلاص كفاية سهوكة بقى عشان نفسي بتجذع."
اردفت أفنان حينما بدأت تشعر بالتوتر من كلمات رحيم الحلوة.
"بتج.. بت أيه؟"
"لا بقولك أيه مش وقته.. أنا هبقى أجمعلك مصطلحاتي كده في قاموس وتبقى تحفظهم مع نفسك بقى."
"فكرة حلوة بس مش أحلى من صاحبتها."
قال رحيم بصوت منخفض وبنبرة لعوب لتنظر نحوه أفنان من الأعلى إلى الأسفل ثم تتنهد وتغادر متجه نحو المعمل. كان المعظم قد توجه إلى الداخل بالفعل عدا أفنان التي اتجهت نحو الداخل ولحقها رحيم مباشرة. فنظر الجميع نحوهم بشك وقد رأت بعض الفتيات يهمسن. تتجاهل أفنان نظرات الجميع وتذهب لتجلس في مقعدها ومن داخلها تسب رحيم واليوم الذي رأته فيه في حي الزمالك!
"بس خلاص كفاية كلام يلا يا دكاترة عشان نشتغل."
"دلوقتي كفاية كلام."
تمتم فتى بصوت منخفض لكن رحيم استطاع سماعه. لذا استدار نحوه بغضب وصاح موبخاً إياه قائلاً:
"بتقول حاجة؟ سامعني."
"كنت بقول نبدأ شرح."
"لا هو أنا اللي أقول أمتى نبدأ مش أنت."
اردف رحيم بنبرة هجومية قليلاً لتنظر نحوه أفنان بنظرة مغزاها أن يهدأ ليصمت هو لثوانٍ ويأخذ نفسه عميق قبل أن يرخي عضلات وجهه.
"طيب دلوقتي أنا عايزكوا كده تفكروني أحنا خدنا أيه المرة اللي فاتت."
سأل رحيم ليبدأ الجميع في التحدث بعشوائية. غمض رحيم عيناه بإستياء ثم يقول:
"شباب شباب.. احنا مش في nursery 'حضانة' حد واحد بس يتكلم."
أنهى رحيم جملته وعلى الفور رفعت أفنان وفتى وفتاة أيديهم ليجيبوا. نظر رحيم طويلاً نحو أفنان لكنه في النهاية أشار للفتاة الآخرى لتجاوب بدلاً عنها.
أجابت الفتاة بدقة متذكرة كل ما أشار إليه رحيم في المرة السابقة لينظر نحوها ويبتسم ثم يردف:
"براڤو عليكي كل اللي قولتيه مضبوط. ده انتي طلعتي شاطرة اوي.. شكلك هتنافسي كويس على الجايزة اللي في آخر التدريب."
ابتسمت الفتاة ابتسامة واسعة. بالطبع فمن سيتم مدحة من شخصاً كرحيم يجب عليه أن يشعر بالإطراء. نظرت نحوه الفتاة وصدر منها ضحكة صغيرة ثم علقت قائلة:
"شكراً يا دكتور وبعدين ده بسبب مجهودك وشرحك يعني."
"دكتور رحيم. بعد إذنك هروح التواليت!"
استأذنت أفنان وهي تتحدث بنبرة حادة ثم اتجهت نحو الخارج غير منتظرة رداً من رحيم وأثناء سيرها دفعت الفتاة بخفة بواسطة كتفها.
"أيه ده حسبي!"
"معلش أصلي مشوفتكيش."
قالت أفنان بلا مبالاة وهي تتجه نحو الخارج وتصفع الباب بعصبية. اتجهت أفنان إلى دورة المياة لتقوم بغسل وجهها بالمياه الباردة علها تطفئ الغضب اللا مبرر الذي تملكها. نظرت إلى نفسها في المرآة وهي تهمس محدثة نفسها قائلة:
"أيه يا أفنان الجنان اللي أنتي فيه ده؟ كل ده عشان قال أنها هي اللي هتقفل الامتحان؟ طب وايه يعني ما في داهية المكافئة.."
حاولت أفنان أن تقنع ذاتها أن هذا هو سبب الغضب لا أن رحيم قد فضل فتاة أخرى عليها ووقف يمدحها أمام الجميع بل وأمامها هي شخصياً. فليس من حقها أن تغضب على أي حال.
جففت أفنان يديها بواسطة منديل ورقي وقامت بضبط وشاحها ثم اتجهت نحو الخارج. دلفت إلى المعمل لتجد أن الجميع يرتدون معاطفهم البيضاء بالفعل عدا هي.
"البالطو يا دكتور."
تحدث رحيم فجاءة من خلف أفنان لتنتفض من موضعها ثم تنظر نحوه بإستياء وتقول:
"هلبسه والله حاضر بس الصبر."
"أفنان! أتكلمي بطريقة أحسن من كده لو سمحتي."
وبخها رحيم لكن بنبرة منخفضة راغباً في عدم سماع أحد آخر. نعم لقد أغضبته نبرتها لكن هذا لا يعني أن يقوم بإحراجها أمام الجميع.
"أسفة.."
"خلاص حصل خير. يلا أقفي مكانك عشان نبدأ شغل."
أومئت أفنان ووقفت في موضعها ولأول مرة تقريباً تلوم نفسها على التحدث مع أحدهم بحدة. فرحيم ليس كأي شخص آخر فأخلاقه تلك تجبرها على احترامه.
سار الشرح والعمل بصورة سلسة وكان رحيم يعاملها بلطف هي وسائر المتدربين وتلقائياً قفز إلى عقلها كيف كان يعاملها نوح بحقارة أمام الجميع لمجرد أنه غاضب منها بل وبلا سبب أحياناً لكن ها هو رحيم يتعامل وكأن شيئاً لم يكن بالرغم من تحدث أفنان إليه بفظاظة.
"دكتورة أفنان! Watch out 'احذري' كنتي هتحرقي إيدك."
صاح رحيم فجاءة وهو يهرول نحوها.
"أنا.. أسفة سرحت بس.. دماغي مصدعة شوية."
قالت أفنان وهي تمسك برأسها لينظر نحوها رحيم بقلق ويسألها قائلاً:
"تحبي تاخدي Break 'راحة' ؟"
"لا أنا كويسة.."
"متأكدة؟"
كان القلق باديًا على نبرته لتبتسم أفنان ابتسامة صغيرة.
"اه.."
"عالعموم احنا مش هنطول النهاردة يا شباب كلكوا باين عليكوا الإرهاق."
تحدث رحيم بنبرة التعميم لكن أفنان كانت تعلم جيداً أنه قال ذلك فقط من أجلها.
"أحنا كده خلصنا وتقدروا تتفضلوا يا شباب."
قال رحيم بعد نصف ساعة تقريباً. غادر الجميع المكان بالفعل ومن ضمنهم أفنان فهي لم تشعر بأن مزاجها جيد للتحدث مع رحيم أو المزاح معه فعلى الأغلب ستتحدث بسخف وسينتهي الأمر بشجار ولكن ذلك لم يحدث مع نوح فلقد كان ينتظرها بالقرب من السلم. اتجهت ناحيته وهي تزفر بضيق قبل أن تقول بإرهاق:
"أيه رأيك نأجل كلامنا عشان بجد مش رايقة خالص."
"الكلام اللي هقوله مش هينفع يتأجل يا أفنان."
تحدث بنبرة جادة غير مبالياً بما تقوله أفنان.
"أرغي يا نوح ومتزعلش من أسلوبي اتفقنا؟"
"كده كده متعود على أسلوبك اللي زي الزفت متقلقيش."
اردف نوح لتنظر نحوه أفنان بحده وهي ترفع إحدى حاجبيها.
"لخص يا نوح بقولك مش رايقة!"
"هسألك سؤال وهسيبك تمشي.."
"أيه علاقتك برحيم يا أفنان؟"
"وأنت مالك يا نوح؟ ده يخصك في أيه يعني؟"
"أفنان لآخر مرة بسألك أيه علاقتك باللي اسمه رحيم ده،" سأل نوح بنبرة هجومية وهو يصيح.
"أيه آخر مرة يعني؟ هتعمل أيه مش فاهمة؟"
"أنتي بجد ساذجة لدرجة أنك فاكرة أن واحد زي رحيم ممكن يبصلك! فوقي لنفسك يا أفنان!"
"نوح حاسب على كلامك!" صاحت أفنان في وجهه وهي ترفع سبابتها محذرة إياه.
"غبية ومغفلة بجد.. ده آخره يتسلى بيكي شوية ويرميكي!"
"أنا استاهل ضرب الجزمة أني عملالك قيمة وواقفة أتكلم معاك،" قالت بوجه ممتعض ثم استدارت لترحل متجاهلة وجوده.
"احنا مش في فيلم عربي، ابن الباشا عمره ما هيحب بنت الجنايني يا أفنان، مش لازم أفسر هو هيبقى عايز منها أيه وبمجرد ما هياخده مش هيعبرها تاني، وأظن الوضع وقتها مش هيعجبك.. ولا أنتي ليكي رأي تاني؟" قال نوح بنبرة استفزازية وبصوت عالٍ نسبيًا، كادت أفنان أن ترحل لكنها عادت أدراجها ووقفت تنظر إلى داخل عين نوح قبل أن ترفع يديها وتصفعه. فتح نوح ثغره وأتسعت عيناه من الصدمة، غادرت أفنان المكان بخطوات واثقة وهي تتجه نحو الأسفل بواسطة السلم.
"عارف أنا كنت ناوي أتخانق معاك عشان بتتكلم على لساني وبتشوه صورتي قدام أفنان بس اعتقد أن القلم اللي خدته منها كان رد كافي."
"أنت أيه اللي دخلك حياتنا؟" سأل نوح بإستنكار وهو يركض نحو رحيم ويضم قبضته راغبًا في لكمه لكن قبضة رحيم كانت أسرع وأقوى.
"أنت اللي أيه بيدخلك بيني وبين أفنان؟"
"أفنان دي تخصني من قبل ما يجي اليوم الأسود اللي شافتك فيه!" صرخ نوح بتلك الكلمات بعد أن استقام وهو يترنح نسبيًا من آثر اللكمة، نظر نحوه برحيم بتسأول وهو يضم عيناه محاولًا فهم مقصد نوح من تلك الكلمات. استغل نوح تلك الثواني وركض نحو رحيم في محاولة للكمه ولكن قبل أن يصل إليه كانت الحراسة الخاصة برحيم تحول بينهم ويمسكون بنوح بقوة.
"بتتحامى في الأمن يا جبان! تعالالي هنا راجل لراجل."
"أنت عارف كويس يا نوح أني لو مسكتك محدش هيعرف يخلصك من ايدي ولكن أنا هسيبك احترامًا للمكان اللي احنا فيه واحترامًا لأفنان اللي أكيد مش هتبقى مبسوطة لما تعرف اللي حصل دلوقتي ده،" اردف رحيم ثم اتجه نحو المصعد وضغط على الزر، دلف إلى الداخل وقبل أن يغلق الباب بثوانٍ أضاف رحيم:
"خلاص سيبوه." اتجه رحيم إلى خارج الشركة مسرعًا بحثًا عن أفنان لكن لم يجدها في الأرجاء لذا توقع أنها قد رحلت بالفعل، ذهب رحيم لإحضار سيارته لعله يجدها أثناء قيادته حول الشركة.
أما عن أفنان فقد غادرت قبله بمدة قصيرة. تهرول في الشارع بأعين باكية ونبضات قلب متسارعة لا تصدق ما قاله نوح لها بالأعلى. لأول مرة تشعر أفنان بهذا الكم من الغضب تجاه نوح. تحاول كتم شهقاتها بصعوبة. تشعر وكأن العالم كله جاثمًا على صدرها حتى بات التنفس أمرًا مؤلمًا بالنسبة إليها.
"ازاي وصلنا لكده؟" همست لنفسها بصوت مكتوم، عقلها يأبى استيعاب ما قاله نوح قبل قليل. هل حقًا يتحدث عنها بتلك الطريقة؟ وكأنها فتاة ليل أو فتاة بلا كرامة وشرف. كيف لنوح الذي كان يدافع عنها في صغرهم أن يتحدث إليها بتلك الطريقة؟ لقد ترك نوح ندبة داخل قلب أفنان وآلاف الإعتذارات منه لن تستطيع أن تعيد الأمور إلى سابق عهدها.
قطع بكاءها صوت بوق سيارة عالٍ لتلتفت سريعًا وهي تنوي أن تسب أي كان قائد السيارة لكنها وجدته هو. رحيم. تمسح دموعها سريعًا ثم تقترب من السيارة لتسمع ما يود قوله.
"اركبي العربية نروح نقعد في حتة ونتكلم."
"مش هركب." قالت بنبرة حازمة ليأخذ نفس عميق ثم يردف:
"يلا يا أفنان please 'من فضلك'."
"قولتلك مش هركب يا رحيم وبجد معنديش ذرة طاقة للخناق والجدال دلوقتي."
"طيب بصي هطلبلك حد يجي يوصلك على مكان كافية مش بعيد أوي عن هنا وقابليني هناك تمام؟"
"تمام.." اردفت بقلة حيله فلا طاقة لها للجدال الآن. وقفت على جانب الطريق تنتظر وصول السيارة.
"بصي أنا حطيت location 'الموقع الجغرافي' الكافية، خدي بالك من نفسك ماشي؟" قال لتنظر نحوه بأعين فارغة وتكتفي بالإيماء. يعبس وجه رحيم فقد كان ينتظر منها أن تمازحه أو أن تسخر مما تقوله لكنها لم تفعل ذلك. لم تكن كعادتها.
وصلت السيارة بعد ثلاثة دقائق وتأكد رحيم من أن السائق يعرف الطريق جيدًا وتأكد من أنها مرتاحة داخل السيارة. انتظر انطلاق السيارة التي هي في داخلها أولًا ثم لحقها هو.
لم تستغرق الكثير من الوقت حتى وصلت إلى الوجهة التي اختارها رحيم. مقهى ومطعم فاخر وإن كان يبدو شبابيًا إلى درجة كبيرة لكنه مازال ذو ذوق رفيع وأسعار باهظة غالبًا.
فور توقف السيارة غادر رحيم خاصته واتجه نحو الآخرى ليفتح الباب لأفنان بنبل.
"شكرًا.. تسلم."
"عفوًا.. يلا؟"
"لا استنى ثواني أنا لسه مدفعتش."
"تدفعي أيه بس! انزلى، تقدر تتفضل حضرتك." سألها رحيم بسخرية واستنكار وهو يبتسم ابتسامة جانبية ثم يشير لأفنان بأن تبتعد عن السيارة.
"ايه طب فاهمني طيب؟"
"أنا اصلا طالب من ال App وعامل أن ال Payment 'طريقة الدفع' تبقى من ال credit card 'بطاقة الإئتمان'."
"اه.. تمام.."
"عارفة أنا زعلان أوي وأنتي مش بترخمي عليا ولا بتهزري معايا زي الأول.. أنا عايز أفنان القديمة."
"قديمة أيه يا ابني ما أنا كنت بهزر من ساعتين عادي،" علقت بسخرية وقد زين شبح ابتسامة ثغرها لينظر نحوها بإبتسامة واسعة ويقول:
"ايوا كده هو ده اللي أنا عايزة، يلا اتفضلي.. Ladies first 'السيدات اولًا'." دلفت أفنان نحو الداخل ليلفحها نسمات الهواء الباردة بسبب المكيف. تنظر بعيناها إلى الطاولات حتى تجد واحدة شبه منعزلة وتكفي لفردين فتتجه إلى هناك مباشرة.
سحب رحيم أحدى الكراسي نبلًا لأفنان بالجلوس لكنها ظنت أنه يسحبه لنفسه لذا ذهبت إلى الجهة الآخرى فوقف ينظر نحوها بدون استيعاب.
"في حاجة؟ ما تقعد." قالت ليقهقه بقوة ثم يجلس على مقعده، يمسك بقائمة الطعام والمشروبات ويسألها قائلًا:
"تحبي تشربي ايه؟ ولا أقولك ممكن ناكل أحسن."
"مليش نفس.."
"تاكلي grilled chicken 'دجاج مشوي' ولا steak 'لحم'؟" سأل رحيم متجاهلًا ما قالته لتنظر نحوه بإمتعاض وتردف:
"يا دكتور أنت مش سامعني ولا أيه؟ بقولك مليش نفس بجد…"
"بصي يا أفي كونك زعلانة ده شيء ملوش علاقة بالأكل.. أنا عارف كويس أحساس الجوع الرخم ده اللي بتحاولي تقاوميه لمجرد أنك المفروض زعلانة،" أوضح رحيم بنبرة واثقة وهادئة وكأنه قد أختبر كثيرًا الشعور الذي يتحدث عنه.
"أفي؟" سألت أفنان وهي تضم حاجبيها بإندهاش مع إبتسامة صغيرة زينت ثغرها.
"اه ده nickname 'اسم للتدليل' لإسم أفنان من تأليفي،" فسر لها رحيم لتبتسم ابتسامة بلهاء ثم تردف بنبرة مرتفعة:
"الله!!! ده حلو أوي بجد أول مرة حد يقوله."
"هو Style الدلع أوربي شوية يعني فمش هتلاقي حد بيقوله، بس هو لايق جدًا عليكي."
"جميل أوي بجد ومختلف.. المهم طب خلاص بقى سيبك من موضوع اسمي ده دلوقتي وقولي أنت جايبني هنا ليه؟" ابتسم رحيم ابتسامة واسعة عندما انتبه لوجه أفنان الذي كسته الحمرة وهي تحاول تغير مجرى الحديث. صمت لثوانٍ ثم حمحم وهو يقلب في قائمة الطعام قائلًا:
"ها Chicken 'دجاج' ولا Steak 'لحم'؟"
"أنت هتاكل أيه؟"
"اه عشان تجيبي زي وكده؟" سأل رحيم بسخرية وهو ينظر إلى قائمة الطعام لتنظر نحوه ببلاهة لثوانٍ قبل أن تجيبه قائلة:
"لا عشان اجيب عكسك."
"ياربي عالغلاسة! عمومًا، أنا هاكل Steak 'لحم' ياستي."
"تمام وأنا هاكل فراخ." أشار رحيم للنادل والذي أتى على الفور ليدون طلباتهم. اعتدل رحيم في جلسته ثم قال بنبرة هادئة وهو ينظر نحوها بدفء:
"بصي عشان أكون صريح معاكي.. أنا سمعت جزء كبير من الكلام اللي الحيوان اللي اسمه نوح ده قاله، وبصراحة كنت هتدخل لكن معملتش كده لسببين.. اولًا: احترامًا لخصوصيتك وأني المفروض مكنتش اسمع اصلًا، ثانيًا: عشان أنا واثق تمامًا أنك قادرة تجيبي حقك من غير أي مساعدة مني."
وضح رحيم بصدق ليظهر شبح ابتسامة على ثغر أفنان فقد راق لها كثيرًا الطريقة التي يفكر بها إن كان صادقًا بالطبع. فقد منحها شعورًا بالثقة بالنفس بإستخدامه لتلك الكلمات.
"شكرًا أنك إنسان متفهم.. لحد دلوقتي يعني." تحدثت بجدية في بداية جملتها ثم أنهت بسخرية ونصف ابتسامة.
"ليه متوقعة الأسوء مني؟"
"مش منك.."
بس إذا كان في ناس قريبة مني أوي وعشرة عمر وفي الآخر عملوا حركات مش تمام، هتيجي عليك أنت يا اللي لسه عرفاك من كام يوم. تحدثت بابتسامة مصطنعة، لكنه لم يتكبد عناء النظر إلى ثغرها، بل نظر إلى داخل عينيها التي ارتسمت داخلها كل تعابير الحزن والخيبة.
كلامك يعتبر منطقي لكنه مش صح مية في المية. وبعدين وثواني، وأنتي كنتي قريبة من نوح ده ليه؟ تعرفيه منين أساسًا؟ ليه بتتكلموا كأنكم تعرفوا بعض من سنين؟
بس بس اهدى كده. أنت سيرة نوح بتعفرتك ليه كده؟ سألت وهي تضحك، متناسية تمامًا الجو الدرامي الذي ساد قبل دقيقة واحدة.
بتعمل إيه؟ سأل بدون فهم، لتضحك ثم تصمت وهي تحاول أن ترتب أفكارها لكي تجد معنى مناسب للكلمة، ثم تفسر مردفة:
بتخليك متعصب مش على بعضك كده.
يا أفنان متتوهنيش أبوس إيديك. جوابي على سؤالي بس.
إيه أبوس إيديك دي؟ هو أنا والدتك؟ ما علينا، المهم يعني، أصل نوح يبقى قريبي. تحدثت بمزيج من الاستنكار والسخرية، مقتبسة جملة من فيلم كوميدي شهير، على الأغلب لم يشاهده رحيم من قبل.
نعم ياختي!
أعوذ بالله! أنت ليه قلبت من السبتية فجأة كده؟
قريبك إزاي يعني؟ لا فهميني، ها قولي.
يا ابني ثواني، ابلع ريقك كده واديني فرصة أجاوب الله. صمتت لثوانٍ وهي تتحاشى النظر إلى عينيه، لا تدري كيف تخبره بذلك. أخذت نفسًا عميقًا ثم أردفت:
نوح يبقى ابن خالتي.
نعم؟ أنت بتستهبلي؟ يعني اللي كنتِ سهرانة عنده في بيته ده كان نوح؟
صاح رحيم باستنكار ودهشة بنبرة صوت مرتفعة، لينظر الجميع نحوهم، ولا تعي أفنان بنفسها سوى وهي تدس قطعة من الخبز التي وُضع كمقبلات أمامهم في فم رحيم لكي يصمت. ودعنا نتفق على أمر ما، يمكننا أن نجد العديد من الفروقات بين الرجال لاختلاف المستوى الاجتماعي، التربوي، المادي، ولكن حينما يتعلق الأمر برجل آخر، يتحول الرجال جميعًا إلى صندوق نفايات ناطق.
هتفرج علينا المكان. وبعدين ثانية واحدة.. إيه كنت سهرانة عنده دي؟ الناس هتفهمنا غلط، منك لله يا أخي!! صاحت أفنان وهي توبخه بنبرة مرتفعة قليلًا. نظر نحوها باستياء ثم أضاف:
ومقولتيليش الموضوع ده ليه من بدري؟
عشان أنت مسألتش! وأساسًا هقولك ليه؟ أحنا مكناش قريبين من بعض أصلًا.
يعني دلوقتي بقينا قريبين؟ سأل لتصمت أفنان لثوانٍ، لا تعلم الإجابة، لذا أطلقت تنهيدة طويلة وهي تقول:
مش عارفة.
ساد الصمت لدقيقة تقريبًا، بينما شرد رحيم في الاتجاه الآخر.
شيء سيء أوي أن الشخصية الـ toxic (السامة) تبقى جزء من عيلتك. تحدث رحيم بنبرة صادقة وهو يتكئ على كرسيه مائلًا نحو الخلف، قبل أن يخرج علبة سوداء فاخرة من حوزته، لم تعرف أفنان ماهيتها، لكن حينما فتحها أدركت أنها ليست سوى علبة تحوي لفافات تبغ، لكنها باهظة الثمن، وكأنه من المحتم أن تكون الأدخنة التي ستقتحم رئة الأغنياء مختلفة عن خاصة العامة، ياله من هراء، فكلاهما مضر على أي حال.
مكنتش أعرف أنك بتدخن. علقت بخيبة وهي تعتدل في جلستها، ليشعل السيجارة بواسطة قداحته السوداء الصغيرة التي اتخذت هيئة سلاح ناري. يسحب نفسًا عميقًا قبل أن يتقدم بجسده نحوه للأمام ويقترب منها قليلًا، ثم يقول بنبرة جادة وهو ينظر إلى داخل عينيها العسلية:
لو عايزاني أبطل تدخين هبطل.
ارتبكت معالم أفنان من جملته وشعرت بنبضات قلبها تتسارع، قبل أن تحمحم ثم تردف:
أنت لو هتبطلها يبقى عشان نفسك.. صحتك مش عشاني يعني.
وأنا مش مستعد أبطلها غير عشانك. أعتقد أنتِ الدافع الوحيد اللي ممكن يخليني أعمل حاجة زي كده. قال بنبرة لطيفة وتعابير وجه معبرة عن ما في جوفه، قبل أن يأخذ نفسًا آخر من لفافته.
إيه ده في إيه؟ الموضوع كبر أوي.. أنا قولت كومنت واحد مش أكتر. علقت بتوتر وهي تضحك ضحكة غير مبررة، بينما تتحاشى النظر نحوه. لم يعلق بل صمت قليلًا وكأنه يفكر.
عارفة.. كان نفسي اتخانق معاه وأضربه بعد اللي قاله. وده عكس طبيعتي تمامًا، أنا شخص مسالم في العادة مش ضعف، ولكن بحس أن الأسلوب والطريقة الحيوانية في حل المشكلات هو شيء بشع. لكن عشانك النهاردة.. كنت مستعد أعمل حاجة عكس طبيعتي. هو أنتِ بتعملي فيا إيه؟ إزاي ليكي كل التأثير ده عليا؟
لم تدري أفنان بما تجيبه، وقد غادرتها كل الكلمات. كان ينظر بخضرواته إلى داخل عينيها، كانت نبرته صادقة وتعبيراته كذلك. كانت كلماته حلوة ونبرة صوته عذبة. لم تكن لتؤمن أفنان بفكرة "المثالية"، فلا يوجد شيء أو شخص في تلك الحياة يحمل كل الصفات المرغوبة ولا يحوي غلطة واحدة، ولكن هو..
كان مثاليًا.. وهذا أكثر ما يخيفها.
رواية في حي الزمالك الفصل السابع عشر 17 - بقلم ايمان عادل
"عارفة.. كان نفسي أتخانق معاه وأضربه بعد اللي قاله. وده عكس طبيعتي تمامًا. أنا شخص مسالم في العادة، مش ضعف ولكن بحس إن الأسلوب والطريقة الحيوانية في حل المشكلات هو شيء بشع. لكن عشانك النهاردة.. كنت مستعد أعمل حاجة عكس طبيعتي. هو أنتِ بتعملي فيا إيه؟ إزاي ليكي كل التأثير ده عليا؟"
قالت أفنان بتلعثم وهي تستقيم من مقعدها محاولة الهرب من الموقف برمته: "أنا.. أنا.. لازم أمشي أصل.."
"اقعدي يا أفنان مش هتمشي.." أردف وهو يجذبها بلطف من حقيبة يدها دون أن يلمسها. جلست وهي تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تلوح بيدها بحثًا عن الهواء.
"أنا عارف إنك شايفة إني متسرع، يمكن عندك حق. بس صدقيني ده معاكي أنتِ بس. معاكي بعمل كل حاجة عكس شخصيتي، كأنك سحرالي.. لا.. سحراني.."
"أنا.. أنا مش عارفة أقول إيه بجد.. مش عارفة أرد يعني على الكلام ده.. أنا.."
"أكيد مش متفاجئة.. أصل انبهاري بيكي كان باين من أول يوم شوفتك فيه. أنتِ مختلفة.. مختلفة عن كل الناس اللي قابلتها في حياتي. مختلفة بشكل جميل.." حاولت أفنان بكل طاقتها أن تتنفس بصورة طبيعية لكن كلمات رحيم لم تسمح لها. لم تكن تميل أفنان إلى الكلام الحلو والأحاديث الرومانسية، لم تشعر يومًا أنها في حاجة لسماع مثل تلك الكلمات، بل كانت تشعر بالتقزز من أفلام الحب وقصص العشق الدامية البائسة، لكن الآن.. هي لا تدري.. كيف تغير شعورها إلى تلك الدرجة؟ كيف استطاعت بضع كلمات من فم رحيم أن تؤدي إلى كل ذلك التخبط في مشاعرها؟
"رحيم أنا..." كادت أن تتحدث لكن قاطعها صوت هاتفها بأغنية إنجليزية شهيرة. تنظر إلى الهاتف ويمتعض وجهها قليلاً ليسألها رحيم بفضول: "ممكن أعرف مين؟ لو مش هتضايقي يعني.."
فتحت أفنان ثغرها لثوانٍ قبل أن تتنهد وتردف: "خدمة العملاء.." أجابت لينظر نحوها رحيم بشك، لذا تجنبت النظر نحوه ثم جعلت هاتفها على الوضع الصامت.
"كنا بنقول إيه؟"
قال رحيم بنبرة متفهمة: "كنتِ بتتهربي من الرد على كلامي.. بس عمتًا أنا مش قصدي أضغط عليكي نهائي، أنا بس كنت بقولك كلام كنت حاسس إني محتاج أقوله لكن مش مستني رد."
نظرت نحوه أفنان بابتسامة صافية وهي تتأمله داخليًا. كيف لشخص واحد أن يحمل كل هذا النبل واللباقة؟ مؤكد يمتلك الكثير من العيوب لكنها ليست ظاهرة بعد، لذا لا سبيل للمعرفة سوى البحث عنها أو الانتظار حتى تعلن عن نفسها. هكذا حدثت أفنان نفسها داخليًا قبل أن تفيق من شرودها لتجد أنها كانت تحدق في رحيم طوال تلك الثواني. نظرت نحوه بحرج وبوجنة مشتعلة ثم أردفت بتلعثم: "أنا.. امم.. كنت بفكر في حاجة فسرحت معلش."
قال بنبرة لعوب وهو يقهقه: "عادي ولا يهمك. ممكن تاخدي صورة لو حابة It will last longer ‘ستظل لمدة أطول‘."
نظرت نحوه باشمئزاز ثم تردف بسخرية: "دمك خفيف أوي ما شاء الله."
"كل الناس بتقولي كده. بمناسبة دمي خفيف وكده أنتي فصيلة دمك إيه؟" سأل رحيم بفضول لتنظر نحوه أفنان بتعابير وجه متسائلة وثغر مفتوح لثوانٍ قبل أن تعلق مردفة: "ده أغرب سؤال اتسألته في حياتي.. عمتًا يعني؟ معرفش."
"معقول في السن ده ومتعرفيش فصيلة دمك؟!!" سأل رحيم باستنكار وهو يسخر منها.
"تخيل! وبعدين بما إنك بتتفزلك كده قولي أنت فصيلة دمك إيه؟"
"أولًا أنا مش بعمل اللي بتقولي عليه ده. ثانيًا فصيلة دمي AB+"
أنصتت أفنان لإجابته بإنصات تام قبل أن تسترد وعيها وتقول بنبرة مازحة مشوبة ببعض الانفعال: "ثواني بس! أنا إيه اللي دخلني في الحوارات دي كلها يا عم؟ قاعدة مع أخصائي تحاليل ياربي!"
"ما أنا بتكلم جد مش عاجبك. بهزر مش عاجبك.. أعمل إيه طيب؟"
"اسكت خالص.." أجابته ليعبس وجهه لثوانٍ ثم يعلق بنبرة صادقة قائلاً: "ما أنا مش عايز اسكت.. وأنا معاكي بحس إني عايز أتكلم كتير أوي."
"يا عم رحيم أرحمني.." همست بها أفنان وهي تغطي وجهها بكفيها.
"من كلامي؟" سأل رحيم بمزيج من الإحراج والصدمة وهو يحمحم لتقهقه أفنان إلى مظهره ثم تجيبه قائلة: "أنا كنت هقول من كلامك الحلو.. بس بصراحة شكلك كان كيوت أوي وأنت مخضوض كده ياربي.."
"طب يا ستي شكرًا على التريقة عليا. وعلى فكرة حاجة حلوة أنك تحاولي تهزري وتضحكي بس برضوا هنتكلم في اللي مضايقك."
"يا عم مين قالك أني متضايقة؟ فكك متركزش."
"أنتي متعودة دايمًا تخبي مشاعرك كده؟" سأل رحيم لتتفاجئ أفنان ولا تجيب على الفور بل تصمت قليلاً وهي تنظر إلى الجهة الأخرى وكأنها تفكر قبل أن ترد على سؤاله بآخر: "عايز الصراحة؟"
"ياريت."
"بخاف يتقال عني إني أتنشن.. دايمًا باخد كل حاجة بهزار وبفوت.. متعودتش إني أقول كذا زعلني.. أصل زعلي مش هيفرق كده كده فهتعب نفسي وأحاول أفسر مشاعري ليه.."
"غريبة مع أنك بتتخانقي كتير يعني وبتفرغي طاقة الزعل دي."
"لا ما هو عشان في فرق بين المضايقة وبين الزعل.. أنت لو ضايقتني ولا رخمت عليا مش هرحمك. بس لما الموضوع بيبقى جرح مشاعر أو كسر خاطر مثلًا بيبقى الوضع مختلف."
"عشان كده بتتهربي من الكلام عن نوح؟"
ابتسمت أفنان بألم ثم أمسكت بكوب المياه لترتشف منه وتبتلع بصعوبة وساد الصمت لدقيقة قبل أن تقول: "أنت فاهمني يا رحيم.. بس يارب تفضل فاهمني للآخر." همست بهدوء وثبات لينظر نحوها وهو يضم حاجبيه ثم يسأل بفضول: "الآخر؟ فين الآخر؟"
"قصدي يعني بعد مدة، لما انبهارك بيا ينطفي والروتين يسيطر عالحوار وتبدأ تحصل مواقف تضايق وسوء تفاهم.. أتمنى ساعتها أنك تفهمني صح ومتفهمش تصرفي بطريقة غلط تضايقك.. أتمنى وقتها أنك متحكمش عليا من غير ما تعرف أسبابي.." تفوهت أفنان ببطء شديد وهي تفكر في كل حرف تتفوهه.
"أوعدك أني عمري ما هفهمك غلط."
"غشيم.. بتوعد بحاجة عمرك ما هتقدر تنفذها. لإننا كبشر بيحصل بينا سوء تفاهم كتير وكتير لما بنكون زعلانين أو متضايقين من الشخص اللي قدامنا بناخد الكلام بمنعطف تاني خالص. فأنت متقدرش توعدني أنك عمرك في حياتك ما هتفهمني غلط لأن ده وارد يحصل ولو بنسبة 1% مثلًا."
"أقتنعت.. خلاص أوعدك أني هحاول مفهمكيش غلط قدر الإمكان.."
"كده حلو.. اتفقنا." اردفت بنبرة طفولية وهي تبتسم لينظر نحوها بلطف. يسود الصمت لثوانٍ ثم تسأله: "هو أنت ليك صحاب؟ ولا هو البتاع اللي معانا في الشركة ده؟"
"بتاع مين؟ اه قصدك على أنس يعني.. لو سمحتي مبحبش حد يتريق عالكلب بتاعي." علق رحيم بنبرة جدية مستاءة وهو يلق دعابة ذكرت في أحد الأفلام العربية لتصمت أفنان لثوانٍ ظنًا أنه تضايق لكنها قهقهت حينما استوعبت أنه يمزح.
"مبحبوش الواد ده مش بستريحله."
"اه وأنتي تحبيه ليه أصلًا؟!" سأل رحيم باستنكار وهو يرفع إحدى حاجبيه لتنظر نحوه بازدراء ثم تقول بعصبية: "إيه يا رحيم العبط ده؟ أكيد مش قصدي أحبه بالمعنى الحرفي. أحنا ناقصين قرف يا عم الحج. أنا قصدي أني مش بتقبله بصراحة. المهم يعني ليك صحاب تانيين عدلين ولا لا؟"
"في صحاب تانيين.. بس let me tell you ‘دعيني أخبرك‘ بأن أنس ده أحسن واحد فيهم وأكتر واحد محترم."
"يالهوي! أنس ده أحسن واحد؟ أومال أوحش واحد عامل إزاي؟!" تحدثت أفنان باستنكار وبنبرة ساخرة ليقهقه رحيم ثم يقول: "حرام والله.. أنس يمكن يبان bad boy ‘فتى سيء‘ بس هو بجد من أجدع الناس اللي أعرفهم. باقي صحابي التانيين زي ما بقولوا صحاب… صحاب إيه؟"
"صحاب سوء يا ضنايا."
"أيوا هي دي." علق بإبتسامة واسعة قبل أن يضم حاجبيه باستغراب وقبل أن يفتح فمه ليستفسر قاطعته أفنان مفسرة: "ضنايا دي يعني ابني ولكن بطريقة شعبية. ونفسي أعرف أنت متربي في إني حارة من حواري لندن عالدوشة اللي أنت عاملها دي."
"لو قولتلك اسم المكان هتعرفيه؟"
"مكان إيه؟ ثواني.. أنا بتريق عليك!" قاطع حديثهم الساخر قدوم النادل بأطباق الطعام ليضع أمام كلٍ منهم طبقه وقبل أن يرحل النادل سأل رحيم قائلاً: "حضرتك تحب تاخد Drink ‘مشروب‘ مع الأكل يا فندم؟"
"اه ياريت."
"تحبوا حضراتكوا Soft drink ‘مشروب غير كحولي‘ ولا Hard drink ‘مشروب كحولي‘؟" سأل النادل لتعقد أفنان حاجبيها باستغراب وهي تتسأل متى أصبح وجود الخمور في المطاعم والمقاهي أمرًا عاديًا؟
تهجم وجه أفنان قليلًا، لكنه ارتخى حينما سألها رحيم مردفًا:
"أفنان تشربي بيبسي؟"
"ماشي، وأنت هتشرب إيه بقى؟" سألت وهي ترفع إحدى حاجبيها منتظرة رده على أحر من جمر، فلو فعل ما تفكر فيه وقام بطلب مشروب كحولي، فأقل ما ستفعله هو أن تحطم الطاولة على رأسه.
"أنا كمان هشرب زيها، thank you شكرًا لك."
"كنتي فاكرة إني هشرب خمرة مش كده؟" سألها رحيم بابتسامة جانبية على ثغره وهو يريح ظهره على الكرسي.
"كنت هضربك لو كنت عملت كده." أردفت أفنان بنبرة هادئة ولطيفة لا تتناسب قط مع ما تتلفظ به.
"يا مامي!! أنت مرعبة بجد!!"
"أيوا كده ناس تخاف متختشيش." قهقه رحيم على ما قالته قبل أن يوجه تركيزه نحو الطعام.
أخذت تراقبه أفنان وهو يمسك بالسكين في يمناه والشوكة في يسراه ويقوم بتقطيع اللحم إلى نسائل صغيرة ثم يأكلها برفق دون أن يلطخ فمه أو ثيابه. تأملت لطفه المبالغ فيه، بينما شعر هو بمراقبتها له، فحمحم ببعض الخجل ثم سألها:
"مبتأكليش ليه؟ الأكل مش عاجبك؟"
"لا حلو جدًا.. هو بس سخن."
"طب ما ده المطلوب ولا إيه؟" سألها رحيم باستغراب وهو يبتسم لتجيبه قائلة:
"لا ما هو أنا مش بعرف آكل أو أشرب حاجة وهي سخنة، بستنى تبرد شوية يعني." فسرت أفنان ثم أخذت اثنتين من البطاطا المقلية لتتناولها بنهم.
"وأنتي يا أفنان بقى ملكيش صحاب؟"
"ميرال ومريم." قالت وهي تضع قطعة الدجاج المشوي في فمها.
"دول صحابك؟"
"ميرال أختي ومريم بنت خالتي."
"طب والجامعة؟ المدرسة؟ الـ Neighbourhood 'الحي' وكده؟"
"ال أيه يا أخويا؟"
"قصدي يعني.. الناس اللي ساكنة جنبك وكده. الحي.."
"كنا صحاب زمان بس في ناس منهم عزلت وكده وناس بطلنا نتكلم. المدرسة كان ليا فيها صحاب بس كل واحد خد جنب بعد ما دخلنا الجامعة.. وفي الجامعة هما زمايل مرحلة مش أكتر.. بنبقى مع بعض في سكاشن، نذاكر سوا، بروچكت مثلًا لكن أكتر من كده لا." سردت أفنان بمرارة بينما تمر من أمام عينيها جميع ذكرياتها منذ الطفولة وحتى الآن.
"ده شيء محزن أوي.. أنا آسف ليكي.. بس at least 'على الأقل' في أختك وبنت خالتك دي."
"أنت بتحقد عليا عشان عندي أخت وأنت لا؟" سألته بنبرة طفولية متعمدة إثارة غيظه، لينظر نحوها بابتسامة جانبية ثم يعلق قائلاً:
"يمكن أكون كان نفسي في أخ أو أخت، لكنك مش هتقدري تغيظيني لأنك مجربتيش برضوا شعور أنك تبقي الابنة الوحيدة وكل الـ Attention 'الإهتمام' يكون ليكي."
"لا أقنعتني فعلًا." أردفت وهي تبتسم ليتبادلها الابتسام ثم يعاود كلاهما تناول الطعام. مرت بضع دقائق من الهدوء قبل أن يقطع هذا الهدوء الآتي..
"يا نهار أبيض عالصدف المهببة!!! قوم بسرعة قوم!!" صدح صوت أفنان فجأة، لينتفض رحيم من مقعده بذعر بينما يلتفت حوله بحثًا عن سبب خوفها وهو يسألها:
"أيه؟ في أيه؟"
"شايف جروب البنات اللي هيدخلوا دول.." قالت وهي تشير بيدها نحو الفتيات من خلال الزجاج الشفاف للمقهى.
"مالهم؟!"
"واحدة فيهم قريبتي ولو شافتني دلوقتي هيبقى حوار!!!"
"حرام عليكي! You scared me as hell! 'لقد أخفتيني حد اللعنة!' في أيه هو أحنا قاعدين في بار؟ ده كافيه عادي."
"بقولك قريبتي!! ولو شافتني هتعملي فضيحة في العيلة كلها!!" فسرت أفنان سريعًا وهي تلتفت حولها مسببة المزيد من التوتر لرحيم، ليردف بصوت مرتفع نسبيًا باستنكار:
"أنتي محسساني إننا ضاربين ورقة عرفي!!! يا بنتي أحنا قاعدين في مكان عام وسط الناس وأنا المدرب بتاعك في الشركة."
"مش وقته فزلكه وحياة أهلك، عايزين نخرج من هنا وبسرعة.. هو مفيش باب تاني؟"
"أكيد في بس هيبقى للناس اللي بتشتغل هنا.." بينما كان رحيم يشرح، كان الباب يفتح ويدلف إلى الداخل أصدقاء ريماس، لذا بدون سابق إنذار هرولت أفنان نحو المطبخ وهي تدفع رحيم إلى هناك بواسطة حقيبتها.
"لو سمحت ممكن تقولنا عالحساب بسرعة!"
"يا فندم ممنوع حضرتك تبقي هنا، انتظري برا وأحنا هنقولك الحساب." أردف أحد العاملين بالمقهى، لتنظر نحوه أفنان نحوه باستياء ثم تقول برجاء:
"مش هينفع انجزني بسرعة!!!"
"ثواني يا فندم.. الحساب أهو."
"حلو أوي، رحيم معلش حاسب وبعدين روح بسرعة الحمام ولا أي حتة المهم تختفي.. متبقاش ظاهر!! وانجز عشان خلاص داخلين!!!" أردفت بتلعثم وتوتر قبل أن تهرول لتعود إلى الطاولة قبل أن تدخل ريماس، ولحسن حظها أن الطاولة كانت في مكان بعيد عن الباب، لذا لم تلحظها ريماس على الفور، سوى حينما كانت تتجول بعينيها في المكان بحثًا عن طاولة فارغة.
"ايه ده أفنان أيه الصدف دي؟"
"ازيك يا ريماس أخبارك إيه؟ صدفة غريبة فعلًا.." تحدثت أفنان مع ابتسامة مزيفة، لتنظر نحوها ريماس بغرور ثم تردف بسخرية:
"مكنتش أعرف أنك بتقعدي في كافيهات وأماكن زي كده."
"معقول؟ مع أني على طول بقعد في كافيهات وعمري ما شوفتك يعني.." ردت أفنان كلماتها اللاذعة بكلمات مثلها، لتحمحم ريماس بإحراج ثم تعاود السؤال:
"وأنتي هنا لوحدك؟"
"اه."
"وبتاكلي طبقين؟ نفسك مفتوحة ما شاء الله!" علقت ريماس ساخرة وهي تنظر إلى عين أفنان بعدم تصديق، لتحمحم أفنان ثم تقول:
"لا أصل.. صاحبتي كانت هنا وقامت مشيت من شوية."
"امم.. وصاحبتك دي بقى بتشرب سجاير؟ مش غريبة دي؟!"
"هو ده تحقيق ولا إيه أنا مش فاهمة! وبعدين إيه عمرك ما شوفتي بنت بتشرب سجاير قبل كده؟!"
"وهي مشيت من غير ما تحاسب كده؟" سألت ريماس بخبث، لتتوتر أفنان لثوانٍ ثم تجيبها محاولة الحفاظ على هدوئها قائلة:
"اه ما هي حصلها ظروف طارئة وأنا هدفع لها."
"وأنتي معاكي فلوس بقى تدفعي ليكي وليها؟" بإستنكار وسخرية سألت ريماس، لتنظر نحوها أفنان بابتسامة مزيفة قبل أن تقول:
"اه يا حبيبتي خير ربنا كتير الحمدلله، تحبي أعزمك أنتي وصحابك كمان؟"
"لا شكرًا أصل بابا حبيبي لسه باعتلي مصروف كبير أوي فمش محتاجة حاجة من حد وخصوصًا أنتي يعني." أردفت ريماس وهي تعيد خصلات شعرها نحو الخلف بغرور، بينما تنظر نحو أفنان بابتسامة جانبية.
"طب بقولك إيه يا ريماس، على فكرة مفيش مكان فاضي فهتتحطوا waiting list 'قائمة انتظار' فالأحسن أنك تاخدي صحابك وتشوفلكوا مكان تاني بقى." نظرت نحوها ريماس بغيظ، وفي تلك اللحظة كانت إحدى الفتيات من رفاقها جاءت لتهمس لهم بأنه لا يوجد طاولة فارغة بالفعل عدا اثنتين وقد تم حجزهما مسبقًا.
"ماشي يا أفنان، همشي وكانت صدفة حلوة أوي أني قابلتك أنتي و.. صاحبتك."
"صدفة رائعة فعلًا." قالت أفنان بابتسامة مزيفة، قبل أن تستقيم من مقعدها وتقترب من ريماس وكأنها ستضمها، وقبل أن تفعل همست في أذنها قائلة بنبرة صارمة:
"لمي الدور يا ريماس بدل ما أعلمك الآدب قدام صحابك، أنا محترمة ومش راضية أحرجك." ابتعدت عنها أفنان ثم لوحت لها وهي تضيف:
"أشوفك يوم الجمعة يا حبيبتي إن شاء الله." مرت بضع دقائق بعد رحيل ريماس، ليعود رحيم نحو الطاولة مجددًا وهو يسأل:
"مشيت؟"
"اه." أجابت باختصار وهي تحاول أن تخفي إمارات الضيق التي كان حديث ريماس السخيف سببًا فيها.
"طب أيه يلا كملي أكلك."
"لا.. نفسي اتسدت خلاص، أنت حاسبت صح؟"
"اه خلاص، طيب بصي خدي الأكل ده Take away 'للمنزل'."
"لا مش عايزة.."
"اسمعي الكلام بقى بدل ما تطلع في دماغي أطلبلك meal 'وجبة' تانية." قال رحيم بنبرة مراوغة، لتبتسم أفنان ثم تعلق مردفة:
"لا خلاص مش ناقصة.. هاخده معايا ماشي وقولي دفعت كام بقى."
"ده ليه إن شاء الله؟ أنا عازمك."
"أنا مبتعزمش أنا، انجز وقول دفعت كام." سألته بنفاذ صبر، بينما نظر نحوها بهدوء تام قبل أن يردف:
"أفنان أنتي مش هتدفعي جنيه واحد طول ما أنتي معايا تمام؟"
"ده على أساس إيه بقى إن شاء الله؟!"
ماشية مع مكنة ATM.
"على أساس أنه من الذوق والنبُل أن مينفعش أنك كبنوتة كده تدفعي في وجودي." تحدث رحيم بنبرة لطيفة هادئة يحاول كسب إقناع أفنان دون بذل جهد في الجدال، لكنها لم تقتنع وجادلته قائلة:
"والله اللي أعرفه أن لندن اللي أنت متربي في حواريها دي كل واحد بيدفع حسابه لنفسه، ولا رأيك إيه يا دكتور؟"
"دي حقيقة فعلًا، لكن أنا في النهاية شاب عربي مصري يا أفنان. وبعدين الكلام اللي بتقوليه ده مع أي حد تاني ما عدا انتي." فسر رحيم كلمات لطيفة حتى لا يثير غضب أفنان وحتى يستطيع إقناعها دون الخوض في جدال طويل.
"بس أصل أنت مش فاهمني برضوا.. أنا مبرتحش نفسي لما حد بيدفعلي!"
"معلش تعالي على نفسك المرة دي، يلا نمشي بقى." تحدث بنبرة ودودة وهو يمنحها الحقيبة التي تحوي بقية طعامها، لتنظر نحوه وقد ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغرها مردفة:
"يلا يا سيدي."
غادروا المطعم بسعادة وكان كل شيء على ما يرام، لكن أثناء سيرهم نحو سيارة رحيم توقف رحيم لثوانٍ وكأنه قد تذكر أمرًا ما.
"وقفت ليه؟ في حاجة؟"
"لا.. بس كنت ناسي موبايلي Silent (وضع صامت)."
"أنت مستني مكالمة معينة من حد؟" سألت أفنان وهي تشعر بغيظ غير مبرر.
"لا بس.. معلش ثواني.." نظر رحيم نحو الهاتف باضطراب وقد ضم حاجبيه، انتقل الاضطراب بالفعل إلى أفنان وهي تراقب تعابير وجهه. كان رحيم ينظر إلى سجل المكالمات والذي أظهر أنه لم يجب على عشرة مكالمات فائتة، أكثرهم كان أنس، وقبل أن يحاول رحيم أن يتصل به، كان قد سبقه أنس وفعل تلك الخطوة.
"ألو.." وقبل أن يتفوه رحيم بحرف آخر قاطعه صوت أنس الجاد وهو يخبره بالآتي بذعر:
"رحيم، مامتك اتصلت بيك كذا مرة وأنت مش بترد عليها.. حاول تكلمها بسرعة عشان هي متعصبة وقالت لو معرفتش توصلك هتروحلك عالشركة.. فحاول تتصرف وبسرعة!"
استمع رحيم إلى ما قاله أنس ثم أغلق الخط دون أن ينبس ببنت شفة. تنهد تنهيدة طويلة ثم نظر نحو أفنان بضيق مردفًا الآتي:
"أفنان أنا لازم أمشي دلوقتي."
"أيه؟ ليه؟ حصل حاجة؟"
"لا.. بس في شغل طلعلي كده مهم ولازم أمشي حالا.. بس متقلقيش هطلبلك عربية توصلك لحد البيت." أردف رحيم باختصار شديد دون توضيح، ليظهر الضيق على وجه أفنان وتتعلق قائلة:
"لا شكرًا مش محتاجة توصيلة.. أنا هعرف أروح لوحدي."
"يا أفنان من فضلك! اسمعي الكلام ومتجادليش!" تحدث رحيم بنبرة تميل إلى الحدة، لتنظر نحوه أفنان بتجهم ثم تردف:
"لا أنت تكلمني بإسلوب أحسن من كده يا رحيم! نبرتك دي متنفعش معايا!"
"يا أفنان بجد مش وقته اللي أنتي بتعمليه ده.. أنا بطلب عربية أهو.. لو سمحتي روحي دلوقتي وأنا هفهمك كل حاجة بعدين.. أوعدك."
وقفت أفنان صامتة وهي تعقد حاجبيها وتهز إحدى قدميها بغضب واستياء، والآن بعد أن كانت تشعر بالغضب تجاه نوح وحده، أصبح الضيق والغضب منقسمًا بين رحيم ونوح.. فأحدهم قد استخدم كلمات جارحة وقد أهان كرامتها، والآخر يتحول في ثانية إلى شخص غامض دون وجود أسباب واضحة.. انتظرت بالفعل قدوم السيارة ليس لأنها تنصاع لما يقوله بل لأن موقعها الآن بعيد المنزل لذا كانت ستضطر في جميع الأحوال أن تطلب سيارة أجرة.
"بصي أنا مش عارف ال Location (موقع جغرافي) بتاع البيت عندك بس لما تركبي العربية حطيه تمام. وطمنيني عليكي لما توصلي please (من فضلك)."
لم تجبه أفنان بل نظرت نحو الجهة الأخرى وهي تزفر بضيق منتظرة قدوم السيارة، وبالفعل خلال دقيقتين جاءت السيارة، يفتح لها رحيم الباب بنبل فتتحاشى النظر نحوه. يعبس وجهه لتعاملها لكن من داخله يعلم جيدًا أن لها كامل الحق في ذلك. يلوح لها مودعًا فور تحرك السيارة لتتجاهل أفنان ذلك أيضًا.
يقود رحيم سيارته بأقصى سرعة عائدًا إلى الشركة مجددًا محاولًا الوصول قبل والدته، بينما يحاول أن يهاتفها في الوقت ذاته عله يمنعها من الذهاب إلى الشركة والتحدث في المنزل عوضًا عن ذلك. أما عن أفنان فجلست داخل السيارة تستمع إلى بعض الموسيقى الصاخبة علها تفرغ طاقة الغضب التي تملكتها.
بعد مرور ساعة ونصف تقريبًا وصلت أفنان إلى منزلها، تنهدت تنهيدة طويلة محاولة أن ترخي تعابير وجهها متخلصة من مشاعرها السلبية قبل أن تدلف إلى الداخل. تفتح أفنان باب المنزل بهدوء تام وهي تخطو نحو الداخل بخطوات بطيئة لتجد والدتها في وجهها مباشرة وهي تقول بنبرة حادة:
"ما لسه بدري يا أفنان هانم!!"
أردفت والدتها بنبرة متعضة لا تبشر بالخير وقد ضمت كلتا ذراعيها إلى صدرها باعتراض مشكلة علامة X، بينما يجلس من خلفها على الأريكة نوح بوجنة محمرة وأنف دامي.
رواية في حي الزمالك الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ايمان عادل
"ما لسه بدري يا أفنان هانم!!"
أردفت والدتها بنبرة متعضة لا تبشر بالخير وقد ضمت كلتا ذراعيها إلى صدرها بإعتراض مشكلة علامة X بينما يجلس من خلفها على الأريكة نوح بوجنة محمرة وأنف دامي.
"نوح.." همست أفنان بها وهي تضع يدها على وجهها وكأنها تمسح وجهها بعنف ثم تخطو خطوة واحدة نحو الداخل وهي تردف:
"هو.. في.. في أيه أنا مش فاهمة حاجة وبعدين مين اللي عمل في وشك كده؟!"
"يعني مش عارفة في أيه؟"
"لا معرفش!!"
"وكمان مش عارفة مين اللي عمل في وشه كده؟" هنا ازدردت أفنان ما في فمها برعب وهي تهز رأسها بالنفي.
"أفنان أنتي مديرك في التدريب حاول يتحرش بيكي؟" كان سؤال والدتها بمثابة صاعقة لها، لم يستطع عقل أفنان أن يترجم الكلمات التي تفوهت بها والدتها! بل من أين جاءت بتلك الفكرة من الأساس؟ مؤكد أنه نوح من سيكون غيره! لكن.. كيف لنوح أن يكذب كذبة كتلك؟ مؤكد أنه فقد عقله!!!
"أيه من الكداب اللي قالك كده؟ و..و اه أنا كده فهمت.. البيه طبعاً هو اللي ضحك عليكي وفهمك كده!" تحدثت أفنان بمزيج من العصبية والتوتر وهي تحاول أن تبعد تلك الإشاعات عن رحيم، مشيرة بأصابع الإتهام نحو نوح.
"أفنان أتكلمي عن ابن خالتك كويس." وبختها والدتها على الفور لتنظر نحوها أفنان بعدم تصديق وهي تحاول التحكم في إنفعالها قائلة:
"يعني أنتي عايزاني اسيبه يتبلى على شخص محترم ومعملش حاجة وماسكه في أسلوبي في الكلام؟!"
"وهو نوح هيكدب ليه اصلا؟" سألت والدتها بإستنكار لتزفر أفنان بقوة ثم تردف:
"ما هو قدامك أسئليه!"
"نوح أيه معنى الكلام اللي أفنان بتقوله ده؟"
"خالتو أنتي عارفة أني مش من طبعي الكدب صح؟" هنا ضحكت أفنان بسخرية لينظر ثلاثتهم نحوها بإمتعاض.
"والله وأنا كمان مبكدبش، يا ماما الدكتور بتاعي في التدريب ده شخص محترم وبيتعامل معانا كلنا بحدود وبإسلوب كويس وعمره ما بصلي بصة مش تمام ولا قالي حاجة."
"طب وأما الراجل كويس ليه يا نوح يا ابني بتقول عليه كده؟"
"الراجل اللي بتقولي عليه محترم ده اتخانق معايا وضربنا بعض! وكل ده عشانك!" صاح نوح بغضب في وجه أفنان وهو يشدد على كلمة 'عشانك' لتعبس ميرال الجالسة على الأريكة وهي تشعر بغصه في حلقها.
"تقدر تقولي هو عملي أيه؟ وضربك ليه؟" سألت أفنان بإنفعال مثله تماماً، ازداد غضبه من وصفها لما لحدث ليسألها بإستنكار قائلاً:
"أيه ضربني دي؟ اسمها ضربنا بعض!! وبعدين هو نظراته ليكي مش تمام!"
"وأنت عرفت منين أن نظراته مش تمام يا عم المفتش كرومبو؟"
"أفنان اتكلمي مع نوح حلو!!" صدر هذا الدفاع من قِبل ميرال لتنظر نحوها أفنان بحده بطرف عيناها وهي تقول:
"أركني أنتي يا ميرال دلوقتي من فضلك."
"عرفت عشان أنا شاب زي زيه وأفهم نظراته كويس."
"اممم معقول؟ غريبة مع أنك مش بتبقى موجود معايا وقت ما الدكتور بيشرح لنا." علقت أفنان وهي تنظر نحو نوح بتحدي، فبكثرة الحديث ستفتضح أمره فالكذب لن يطول.
"هو أنت بتجادلي كتير ليه أنا عايز افهم؟" سأل نوح بإستنكار وإمتعاض لتنظر نحوه أفنان بحده وهي تستقيم من مقعدها قائلة:
"أنت متتكلمش معايا بالإسلوب ده! ولو الحكاية هتبقى كده يبقى تحكيلهم اللي حصل النهاردة كله أيه رأيك؟"
"أنا همشي يا خالتو! وأنتي هتعرفي بعدين أن كلامي صح!"
"ايوا ايوا اهرب من المواجهة، عالعموم يلا بالسلامة مش عايزين كدابين هنا!" أردفت أفنان وهي تفتح باب المنزل لنوح وكأنها تقوم بطرده، ينظر نحوها بغضب قبل أن يأخذ أغراضه ويرحل لتغلق أفنان الباب بقوة من خلفه، فور رحيله هرولت أفنان إلى غرفتها مباشرة وقد أغلقت باب الحجرة من خلفها تحاول تجنب الشجار مع والدتها أو على الأقل تأجيله لبعض الوقت فحتمًا ستقوم والدتها بتوبيخها.
"هو أنتي ليه عملتي كده؟" سألت ميرال بغضب ولكن بنبرة صوت أهدى من خاصة أفنان بعد أن أقتحمت الغرفة بينما تخلع أفنان وشاحها، تنظر نحوها أفنان ببرود ثم تردف بصوتها المنخفض:
"وطي صوتك وأدخلي وأقفلي الباب وراكي لو سمحتي."
"من فضلك بلاش الهدوء المستفز ده وفهميني!"
"أفهمك أيه؟"
"اللي عملتيه ده! ازاي بتكلمي نوح كده وكمان بتكدبيه؟!"
"طب ما هو كداب فعلاً!" أجابت أفنان بسهولة وهي تبتسم ابتسامة ساخرة.
"وأنتي عرفتي منين؟ وبعدين حتى لو بيكدب مينفعش كده تصغريه قدامنا وقدام ماما وتحرجيه!"
"يا سلام؟ يعني أسيبه يتبلى على إنسان محترم وكويس عشان يعجب سيدتك يعني ولا أيه؟!"
"هو أنتي بجد أنتي واثقة من نية واحد غريب عننا وبتكدبي ابن خالتك اللي متربي معانا؟!" أنا مش قادرة استوعب!" تحدثت ميرال بمزيج من الصدمة والعتاب لتنظر نحوها أفنان بطرف عيناها وقد ارتسمت على ثغرها إبتسامة جانبية وهي تقول بنبرة ساخرة:
"سبحان الله يا ميرال طول عمري أعرف أنك درستي تجارة بس أول مرة أعرف أنك درستي حقوق، في أيه يا ميرال وهو كان وكلك محامي دفاع عنه ولا أيه؟!"
"هو أنتي بتتكلمي كده ليه يا أفنان؟" سألت ميرال بعتاب وقد عبس وجهها وكسته الحمرة من الغضب، لتنظر نحوها أفنان بالنظرات ذاتها لكن أكثر حدة وهي ترد على سؤالها بآخر بنبرة مستنكرة:
"أنتي مش سامعة نفسك يا ميرال!"
"لا مش سامعه نفسي، وشايفة أنك كبرتي الموضوع عالفاضي! وبعدين بتدافعي عن الدكتور ازاي وبتكدبي نوح ازاي وهو وشه بايظ كده؟ طب ده حتى في دليل مادي على صدق كلامه.." تحدثت ميرال ببعض الإنفعال لكن بالرغم من ذلك مازالت نبرتها أكثر هدوءًا من خاصة أفنان.
"أيه علاقة اللي في وشه باللي هو بيقوله؟"
"ما هو أكيد نوح مضربش نفسه.."
"نوح.. نوح.. نوح.. كل حاجة نوح، كل الدفاع عن نوح.. أنا قرفت وزهقت!!" صاحت أفنان بتلك الكلمات وهي تشعر بأنها على وشك الإنفجار من شدة الغضب.
"طالما هو مش عاجبك أوي كده خلاص ابعدي عنه!" تفوهت ميرال بتلك الكلمات بدون قصد لكن سرعان ما أدركت ما قالته لتعض على شفتها بندم بينما أمسكت أفنان بوشاحها وحقيبتها وكانت على وشك مغادرة الغرفة وهي تردف بإستياء:
"هغور في داهية! وأوعي بقى متتكلميش معايا ولا ليكي دعوة بيا!"
"أنا بجد مش قادرة أفهم هو انتي بتتخانقي معايا ليه؟" سألت ميرال بنبرة أشبه بالنحيب للتتوقف أفنان لثوانٍ وتأخذ نفس عميق قبل أن تلتفت لتواجه شقيقتها وهي تنظر نحوها بآسى ثم تردف:
"مش بتخانق يا ميرال بس انا يومي كان زي الزفت بجد.. وانتي حتى مفكرتيش تسأليني عاملة أيه ولا حصل معايا أيه؟ مسألتنيش ليه بقول على نوح كداب؟ كل اللي همك تطلعي نوح مش غلطان! على فكرة مش هتاخدي كأس التميز عشان بتدافعي عنه!"
"خلاص حقك عليا متزعليش.. أنا فعلاً أڤورت في الدفاع عنه وكان لازم اسمع منك الأول.. بس أصلي لما بشوف نوح.." سرعان ما تراجعت ميرال عن دفاعها وأدركت أنها اخطئت في حق شقيقتها لذا حاولت إصلاح الموقف.
"بتتلغبطي ودماغك بتلف.. عارفة عارفة."
"ده حقيقي.. فبجد متزعليش ويلا احكيلي حصل معاكي أيه؟"
"بسم الله الرحمن الرحيم كده.. أنا قبلت ريماس النهاردة!"
"مين؟ قابلتيها فين إن شاء الله؟" خرجت شهقة من ميرال وهي تحاول استيعاب ما تقوله أفنان، تنظر نحوها أفنان بإرهاق وهي تعيد خصلات شعرها نحو الخلف قبل أن تبدأ في سرد ما حدث:
"بصي أنا كده بحكي من ورا لقدام فخليني أحكي كويس من الأول.. مبدئياً كده أنا ونوح اتخنقنا مع بعض."
"اه ما أنا كنت قاعدة!"
"لا يا ذكية مش قصدي دلوقتي.. قصدي أن القلم اللي علم على وشه ده كان مني أنا!"
"نعم ياختي!!! أنتي أتجننتي!!"
"شش بس! هتسمعي محافظة الجيزة كلها؟ في أيه؟ اصبري عليا واسمعيني للآخر!!"
"سكت."
"هو قالي كلام جارح وهان كرامتي وشرفي!" لم تجد ميرال رداً أو تعليقاً على ما تسرده أفنان لذا حاولت جاهدة أن تصمت وتستمع حتى النهاية.
"المهم يعني ضربته بالقلم بس باقي الخرشمة اللي في وشه دي أنا مليش علاقة بيها!! معقول يكون…" فسرت أفنان حديثها لكن في نهاية جملتها اتسعت عيناها حينما قفز رحيم إلى عقلها.
"يكون مين؟"
"رحيم!!"
"قولي كده بقى! رحيم داخل في الموضوع، أتاريكي جايه على نوح جامد وبتطرديه وحركات."
"لا مش دي الفكرة.. بس أنا فعلياً مكنتش أعرف أن رحيم ضرب نوح.. ده على اعتبار أن رحيم هو اللي ضربه طبعاً.. بس مش أكيد يعني.."
"ده مجرد احتمال"، حاولت أفنان إبعاد الشبهات عن رحيم، أو محاولة إقناع نفسها بأنه ليس من فعله، بالرغم من أنه لا أحد غيره قد يضرب نوح.
"مظنش في حد تاني ممكن يضرب نوح غيره."
"يا شيخة ده نوح بقى ملطشة وكل الناس بتضربه، بس هو المنطق بيقول أن رحيم ضربه، بس السؤال بقى ضربه ليه؟"
"أنتي بتسأليني أنا؟ طب ما تسأليه."
"ما أحنا كنا سوا ومجبش سيرة الحوار ده خالص"، تحدثت أفنان بثقة وبصوت عالٍ نسبيًا، لكنها سرعان ما خفضت صوتها في نهاية الجملة.
"كنتوا إيه؟"
"ما هو أصل... أنا ورحيم روحنا قعدنا في كافيه بعد التدريب."
"أنتي بتستهبلي يا أفنان!!!"
"هي مش دي بس المشكلة.. أصلي.. أصلي قبلت ريماس هناك."
"يا نهار مش فايت!!!" شهقت ميرال فور سماعها لما تقوله أفنان، فلقد كان كم كبير من المعلومات السيئة في آن واحد.
"في حاجة يا ميرال؟"
"لا يا ماما مفيش حاجة، بنهزر بنهزر"، أردفت أفنان بصوتها العالي وهي تكتم فم ميرال بيدها.
"في إيه يا ميرال هتفضحيني!!"
"ريماس شافتك أنتي ورحيم؟"
"لا ما هو قام.. بس هي شافت السجاير وطبقه فشكت طبعًا، بس أنا توهت يعني."
"كمان سجاير؟" سألت ميرال بأعين متسعة لتنظر نحوها أفنان بإمتعاض وهي ترفد:
"وهو أنا بقولك مخدرات! اه هو بيشرب سجاير."
"وهو مش أنتي كنتي بتقولي عمري ما هرتبط بواحد بيشرب سجاير ولا كل الكلام ده راح في الهوا لما شوفتي سي رحيم بتاعك ده؟" قالت ميرال وهي تعيد على أفنان حديثها في السابق مقلدة نبرة صوتها بسخرية، تبتسم أفنان ابتسامة جانبية ثم تعلق بتوتر قائلة:
"مين قال أني هرتبط بيه أصلًا؟ وبعدين هو قالي أنه مستعد يبطلها عشاني."
"بجد قالك كده؟"
"اه بجد.. بس اليوم ممشيش حلو عشان البيه فجأة مشي وسابني."
"مشي وسابك في المطعم يعني؟" سألت ميرال بإستنكار وهي تقوم بتجهيز العديد من الكلمات الغاضبة التي كانت تنوي جمعها في جملة أو اثنتين لتعبر عن ضيقها من الموقف السيء الذي وضع رحيم شقيقتها الوحيدة به، لكن رد أفنان جاء عكس توقعها.
"لا حاسبنا وخرجنا وطلبلي عربية وسلم عليت وبعدها مشي وسابني."
"والله؟ كده اسمها مشي وسابني؟ أومال لو كان مشي ودبسك في الحساب كنتي هتقوليها إزاي؟"
"يا بنتي بجد اتضيقت جامد.. هو بيبقى كويس وفجاءة بتجيله مكالمة أو حد بيقوله حاجة ووشه بيقلب وأسلوبه بيتغير وبيستأذن ويمشي."
"أكيد بتحصله ظروف تخليه يعمل كده."
"عارفة ومش معترضة، بس اعتراضي أنه عمره ما فسر في إيه ولا في وقتها ولا بعدها وبحس أنه مخبي حاجة مش عارفة…"
"والله أنا اللي مش عارفة أنتي إزاي عايشة في الدراما دي كلها لوحدك.. ده أنا دماغي لفت بعد ما سمعت يوم واحد بس من حياتك، أومال لو أنا اللي عيشاها هيجرالي إيه؟!"
"عشان تعرفي بس أني بعاني جامد."
"خلاص يا أوڤر.. تعالي بقى نخرج ونشوف هنصالحك أنتي وماما على بعض إزاي."
"ماشي ياختي."
بالعودة إلى رحيم الذي حاول الاتصال بوالدته مرارًا لكنها لم تجب، لذا اتجه نحو الشركة مباشرة بعد أن ترك أفنان، كان يقود بسرعة كافية لإيصاله في وقت قياسي لكن دون أن يكسر حدود السرعة المعروفة. بمجرد أن وطأت قدماه أرض الشركة قد علم بأن الكارثة قد حدثت بالفعل! لقد وصلت والدته إلى الشركة قبله. امتعض وجهه قليلًا وهو يحاول أن يقوم بتهيئه نفسه لسماع موجة التوبيخ التي ستغمره في خلال دقائق، اقترب من موظفة الاستقبال التي وقفت في انضباط زائد وتحدثت في نبرة رسمية مردفة:
"مدام إيڤلين وصلت يا فندم."
"عارف.. هي فين؟"
"منتظرة حضرتك في مكتبك." فور سماع رحيم للكلمة اتسعت عيناه بشدة وهو يصفع نفسه داخليًا، يحاول أن يزيح عن باله كم الأشياء التي قد تراها والدته بالداخل فتزيد حصته من التوبيخ لليوم!!
هرول رحيم نحو السلم فلا وقت لانتظار المصعد، وصل إلى الطابق حيث يقع مكتبه، لكن عكس ما توقع كان المكتب مغلقًا، بينما يقف أنس بالقرب من الباب وعلى وجهه ابتسامة مميزة قبل أن يردف بنبرة مرتفعة قليلًا وكأنه يتعمد أن يسمع شخصًا ما:
"أهلاً يا دكتور رحيم، مدام إيڤلين موجودة في مكتبي لأني قولتلها أن مكتبك بيتنضف زي ما طلبت قبل ال lunch break."
"شكرًا يا دكتور، أنا هدخل أرحب بيها بنفسي دلوقتي." تحدث رحيم برسمية وهو ينظر نحو أنس بإمتنان لإنقاذه، كانت والدة رحيم تجلس على الأريكة البيضاء داخل مكتب أنس القريب من خاصه نوح، تجلس معتدلة وقد وضعت إحدى قدميها على الأخرى وبثياب رسمية فاخرة وخصلات شعر مرتبة، طرق رحيم باب المكتب مرتين قبل أن يدخل وقد رسم على وجهه ابتسامة صغيرة قبل أن يحي والدته قائلاً:
"أهلاً بحضرتك يا مامي، الشركة نورت."
"كنت فين؟ And why your phone is silent 'ولماذا هاتفك في الوضع الصامت'؟"
"هو أنس مقالش لحضرتك؟ أنا كنت في ال Lunch break وقبلها كنت في session فعشان كده كان التليفون Silentt."
"قالي، كنت بتتغدى مع مين؟"
"لوحدي."
"لوحدك؟ Are you sure 'هل أنت متأكد'؟" سألت بشك وهي تحاول العبث بأعصاب رحيم، لكنه أومأ بثبات قبل أن يجلس بجانبها وينظر نحوها بهدوء قبل أن يسألها برسمية شديدة:
"الشركة نورت بوجود حضرتك طبعًا، لكن ممكن أعرف سر حضورك الكريم؟"
"أظن أني من حقي أجي في أي وقت من سبب أو من غير سبب، وبعدين قولت أشوفك بتعمل إيه؟ بقيت راجل فعلًا وأد المسئولية ولا لا."
"وكل الفترة اللي فاتت دي مأثبتتش لحضرتك يعني؟"
"أتكلم معايا بإسلوب أحسن من كده."
"مامي.. من فضلك أنا بجد مرهق جدًا وورايا شغل كتير أوي وبجد مش قادر آخد محاضرة في الأخلاق دلوقتي."
"أنت شايف كده يعني؟ تمام حسابك معايا في البيت."
"يا مامي حضرتك زعلتي ليه بس؟ أنا عندي كام إيڤيلين قمر زيك كده؟ هي واحدة بس." أردف رحيم بنبرة حنونة وهو يحاول إصلاح الأمر فورًا تجنبًا لحدوث أي شجار بينهم، دنا من والدته ليقبل رأسها.
"أنت فاكر الكلمتين دول هيأثروا فيا وكده؟"
"يا مامي بقى.. ده أنا ابنك حبيبك الوحيد مش معقول المعاملة دي.." تحدث رحيم بنبرة مازحة وهو يحاول أن يستميل قلب والدته لتبتسم هي الأخرى وتقول:
"خلاص هسامحك المرة دي وبس."
"أنا أصلًا مش هضايقك تاني.. إن شاء الله يعني." تحدث رحيم بنبرة واثقة في بداية حديثه ثم ختم كلامه بالمشيئة فهو لا يدري إن كان سيصدق في قوله أم لا.
"اتفقنا.. you know how to fix things 'أنت تعرف كيفية إصلاح الأمور' زي حامد بالظبط."
"زي ما بيقولوا هذا الشبل من ذاك الأسد، المهم حضرتك تحبي تاخدي Tour 'جولة' في الشركة؟" استعان رحيم بالجملة الشهيرة التي تقال في مثل هذه المواقف ثم قرر أن يأخذ والدته في جولة لينسيها أمر دخول مكتبه.
"ياريت."
"أتفضلي." أشار بيده نبلاً نحو الخارج سامحًا لوالدته بالخروج أولًا ثم تبعها هو، لم تدوم الجولة كثيرًا قبل أن تخبره والدته أنها ستعود إلى المنزل وستكون في انتظاره على العشاء، يصعد رحيم إلى المكتب مجددًا بعد تأكده من ركوب والدته سيارتها الفارهة.
"أف I was almost caught 'لقد كنت على وشك أن يمسك بي' وجود مامي هنا النهاردة مش صدفة.." تحدث رحيم بإرهاق فور رؤيته لأنس قبل أن يجلس على الأريكة وهو يزفر بتعب.
"أمك جايبه مرشدين يا عم رحيم ولا إيه؟" سأل أنس بنبرة تليق بتاجر مخدرات لا بموظف في شركة لتتسع أعين رحيم على الفور ويقول بإنفعال:
"أيه ده أيه ده؟ أيه ال language 'لغة' وال tone 'نبرة' اللي بتتكلم بيها دي؟ ده أنا كنت لسه هقولك Thank you 'شكرًا لك' بس خلاص مش هقول حاجة!!"
"خلاص يا عم حقك على دماغي.. مامي بتاعت حضرتك جايبه ناس يفتنوا عليك ويقولولها خط سيرك.. والحاجات ال Naughty 'السيئة' اللي بتعملها.. حلو كده؟" سخر أنس من حديث رحيم الذي نظر نحوه بإزدراء في البداية لكن سرعان ما تغيرت تعبيرات وجهه إلى الجدية وهو يقول:
"بعيدًا عن الإستظراف بس اه.. وكارثة بجد لو عرفت حوار أفنان ده!!"
"ليه بقى؟"
"عشان مامي مش هتسمحلي أقرب من بنت مش على ذوقها ولا اختيارها وبصراحة مش عارف ردة فعلها هتبقى إيه."
"بس قولي هو موضوع أمك ده بس اللي مضايقاك ولا في حاجة تانية حصلت؟"
"أصل.."
أصلي بصراحة سبت أفنان فجأة كده واستأذنت من غير ما أشرحلها موقفي، وهي زعلت جامد من الحوار.
"It's not the first time" ليست المرة الأولى اللي أعمل فيها الحركة الحقيرة دي.
تحدث رحيم وهو ينظر إلى الجهة الأخرى، يعبث في خصلات شعره الناعمة متحاشيًا النظر إلى تعابير وجه أنس التي ستكون مليئة بالتوبيخ واللوم.
وبالفعل بدأت جرعة "التهزيق" بمجرد أن فتح أنس فمه.
"طب وأنت بتعمل كده ليه يا عيل يا خنزير؟"
"ما هو أنا مش عايز أحكيلها عن مامي.. عن طريقتنا مع بعض.. يعني أنت فاهم الوضع."
"فاهم بس مش شايف فين المشكلة؟ مش لازم تحكيلها قصة حياتك يعني، ممكن تقولها مثلًا ماما عايزاني ضروري، ماما تعبانة، خالتو جاية تزورنا، أي حاجة بدل السكوت ده عشان الحاجات دي بتخلي البنات مخها يودي ويجيب!"
"عندك حق.. تصدق أول مرة آخد بالي إنك بتفهم!"
"بغض النظر عن قلة أدبك، بس قولي هتصالحها إزاي بقى يا فالح؟"
"مش عارف.. ده هي أصلًا لسه مخذولة من حد جدًا قريب منها، جيت أنا كملت عليها."
تحدث رحيم بنبرة مزيج من الشعور بالذنب والضيق عندما تذكر نوح.
"فاضلها تتخذل مرة كمان وتفتح مصنع خذل ونسيج هه."
أردف أنس بأكثر نبرة سمجة في الوجود.
لينظر نحوه رحيم باشمئزاز قبل أن يذهب إلى مكتبه ويرفع سماعة الهاتف الخاص بالشركة ويتحدث إلى المساعدة خاصته قائلًا:
"بقولك إيه.. أنا عايز إنذار بالرفد يجيلي المكتب حالًا ومتكتبش فيه اسم الموظف."
"لا يا رحيم وحياة أمك أنا كنت بهزر!!!"
"أنا هعلمك تستخف دمك بعد كده."
"خلاص أسف والله، المهم يا فالح ناوي تصالحها إزاي؟"
"ما هو أنا مش هينفع أبعت ورد.."
"آه فعلًا كليشيه أوي بصراحة!"
"كليشيه إيه؟ فهمك أنت في الذوق والرومانسية يا معفن؟ مش دي الفكرة أصلًا.. الفكرة إني بعتلها ورد قبل كده."
"عملت إيه يا خويا؟"
"زي ما أنت سامع، بقولك إيه.. أنا غلطان إني بتكلم معاك أصلًا."
أردف رحيم بضيق.
وقف أنس ينظر نحوه بابتسامة مستفزة.
ليأخذ رحيم نفسًا عميقًا ثم يضيف:
"أنس بقولك إيه.. غور من وشي دلوقتي."
"أصلًا كده كده كنت ماشي عشان مونيكا مستنياني عالعشاء…"
"لا لا خد هنا استنى…"
أوقفه رحيم.
ليستدير أنس نحوه بسخرية وهو يقول بمزاح:
"طبعًا يا واطي أول ما عرفت إن السبوبة فيها بنات قولتلي أرجع تاني."
"مونيكا دي بتاعت الوفد الأجنبي اللي كانت هنا من شهر؟"
سأل رحيم بهدوء وبتعابير وجه مرتخية.
"آه هي."
قال أنس بثقة ولكنه سرعان ما أدرك الخطأ الذي وقع فيه.
ليقف وهو يغمض عينيه بقوة بينما يصفع نفسه داخليًا.
وقبل أن يفتح عينيه كان رحيم يقف بالقرب منه بسرعة البرق وهو يجذبه من بدلته الرسمية وكأنه قد قبض على لص.
"وأنت بتيجي بقى تشتغل ولا تشقط يا حيوان!!"
"من غير قلة قيمة.. وبعدين على فكرة أصلًا هي اللي شقطتني!"
"وفخور أوي؟ أنا كام مرة قولتلك ملكش دعوة بأي بنت من اللي بنتعامل معاهم في إطار الشغل؟"
"أعتقد ألف واحد وخمسين مرة دلوقتي بقوا اتنين وخمسين."
أجاب أنس بسخرية.
لينظر نحوه رحيم بتجهم وهو يتحدث بجدية قائلًا:
"مش عارف ليه أنت مش مقتنع إني ممكن أرفدك بجد وأضيع مستقبلك وإن صحوبيتنا مش هتفرق معايا."
"آخر مرة وحياة أمك بقى…"
"أنس Style 'أسلوب' حياتك غلط خالص ومش مقبول أبدًا، وأحسن لك تتغير من نفسك دلوقتي بدل ما تتضبط غصب عنك وهيكون وقتها الأوان فات."
كانت تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها رحيم بهذه الجدية مع أنس.
الذي أومأ بخجل وهو يبتلع ريقه بصعوبة.
"تقدر تتفضل."
غادر أنس المكتب.
ليجلس رحيم على كرسيه وهو يزفر بضيق.
لقد كان اليوم مرهقًا بحق.
كاد أن يتصل بميا فهي الوحيدة التي تستطيع مساعدته في مثل هذه المواقف كما أنها مستمعة جيدة.
لكن سرعان ما تراجع رحيم عن الفكرة أو لنقول أنه قرر تأجيلها لصباح اليوم التالي.
فهو بحاجة إلى راحة بعد كل الأحداث التي مر بها اليوم.
في صباح اليوم التالي لم يذهب رحيم إلى الشركة.
وعوضًا عن ذلك قرر مهاتفة ميا وأنس ليأتوا لمنزله ليقضوا اليوم سويًا.
"طيب يا ميا now you know all the details 'أنت الآن على دراية بكامل التفاصيل'، المفروض أصالحها إزاي بقى؟"
"بصراحة You don't deserve my advice 'أنت لا تستحق نصيحتي'، بس Anyway 'على أي حال' مفيش أجمل من Message 'رسالة' لطيفة وهدية حلوة."
تحدثت ميا بثقة وهي تحاول لنطق الكلمات بالعربية.
فبالرغم من أنها تفهم أغلب الكلمات إلا أنها سيئة في نطقها.
"أنا متفق في حوار المسدچ أما الهدية لا، هتطمع بقى وتاخد على كده وهتندم أنت قدام!"
بمجرد أن تفوه أنس بتلك الكلمات، نظر نحوه ميا ورحيم باشمئزاز.
قبل أن يعلق رحيم على حديثه مردفًا:
"دكتور أنس ابقى عرفني يعني لو أنا بصرف من جيبك أو حاجة! وبعدين تتعود براحتها أنت مالك أنت!!"
"الله الله!! هي بقت كده؟ شكلك وقعت على بوزك يا ابن البكري."
"تاني؟ الطريقة السوقية دي تاني؟"
"هي دي طريقتي مش عاجبك شوفلك صاحب تاني، المهم.. اسمع اقتراحي.. أنا شايف إنك تخش تبعت مسدچ كده وتعتذر وتنكشها ومتقعدش تتسهوك لأن أفنان دي بلطجية ومش هتحب الجو ده! ادخلها بداخلة ثقة كده وكلام جامد هتتصالح عادي جدًا."
"لا لا رحيم Don't listen to him!! 'لا تستمع إليه'!!"
"أومال يسمع نصايحك المايصة دي؟!"
سأل أنس باستنكار وسخرية.
بينما نظرت نحوه ميا وهي تضيق عينيها بشك.
فهي لم تفهم ما قاله بالمعنى الحرفي لكنها استشفت أنه معترض ويسخر منها.
قلب رحيم عينيه من جدالهم الطفولي.
في النهاية انتهى الأمر برحيم واقعًا في حيرة كبيرة.
هل ينفذ نصيحة ميا أم أنس؟
كلام كلاهما مقنع إلى حد كبير بالنسبة إليه.
بعد دقائق من الصمت استقام رحيم من مجلسه وهو يردف بابتسامة بلهاء غير مفهومة:
"شكرًا يا شباب عالنصيحة، أنا خلاص عرفت أنا هعمل إيه.. ساعة وهرجعلكوا."
نظر كلًا من ميا وأنس نحو بعضهما البعض.
بينما يدعي كلاهما من داخله ألا يفسد رحيم ما هو مقبل على فعله.
في مساء ذلك اليوم في منزل أفنان.
وفي أثناء مشاهدتها لفيلم مرعب برفقة شقيقتها بينما يتناولون التسالي.
اخترق صوت إشعار الهاتف الصاخب أذن أفنان.
لتقفز من موضعها في رعب وهي تبتسم، فلقد كان تركيزها كاملًا متوجهًا نحو المشهد المرعب الذي يحدث وصوت الهاتف قد أفزعها.
تفتح أفنان الهاتف بحثًا عن الإشعار.
ولكنها عن طريق الخطأ قامت بفتح الرسالة على تطبيق الواتساب.
وقد كانت الرسالة مرفقة بصورة وقد كتب فيها الآتي..
"مساء الخير يا أشطر دكتورة،
بصي بقى أنا عارف إنك زعلانة مني بس أحنا هنتصالح دلوقتي أمين.
أنا بس حبيت أقولك.. اه وأنا جبتلك البوكس ده ومش هقولك جواه إيه عشان تتفاجئي لما تفتحيه بنفسك..
بس لو موافقتيش إنك تاخديه مني هضطر إني أحاول أقنعك قدام المعمل كله..
فكري كده وأنا تحت أمرك في اللي تختاريه.
♥"
رواية في حي الزمالك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ايمان عادل
"مساء الخير يا أشطر دكتورة.
بصي بقى أنا عارف أنك زعلانة مني بس أحنا هنتصالح دلوقتي أمين. أنا بس حبيت أقولك.. اه وأنا جبتلك البوكس ده ومش هقولك جواه أيه عشان تتفاجئ لما تفتحيه بنفسك.. بس لو موافقتيش أنك تاخديه مني هضطر أني أحاول أقنعك قدام المعمل كله.. ففكري كده وأنا تحت أمرك في اللي تختاريه."
نظرت أفنان إلى هاتف بصدمة وبثغر مفتوح قبل أن تبتسم ابتسامة واسعة ثم بدأت تضحك بطريقة هيستيرية لتترك ميرال طبق البوشار الذي كان في يدها وهي تنظر نحو أفنان بخوف ثم تسألها بجدية قائلة:
"أفنان أنتي اتلبستي ولا أيه؟"
لم تجبها أفنان واكتفت بتحريك رأسها بـ 'لا'.
"رحيم بعتلي مسدچ يصالحني.."
"وهو قايلك فيها نكت ولا أيه؟ مالك سخسختي على نفسك كده؟" علقت ميرال بحنق وهي تنظر نحو وجه شقيقتها وعيناها التي على وشك أن تشع قلوب حمراء.
"لا هو بيصالحني عادي وبيقولي أنه جابلي هدية.."
"مازلت مش لاقيه حاجة بتضحك في الموضوع!"
"ما أصل هو طريقته ضحكتني أوي! أكيد حد غششه الكلام ده. أصل ده مش أسلوب رحيم في الكلام أنا عارفة طريقته كويس.. أكيد أنس الزفت!"
"يا نهار أبيض! مين أنس ده كمان إن شاء الله؟" سألتها ميرال بإستنكار وقد اتسعت عيناها بصدمة.
"ده.. ده دكتور في الشركة برضوا.. وصاحب رحيم يعني."
"ما شاء الله وهو أنتي كمان بقيتي عارفة صحاب رحيم؟"
"يا بنتي مش بشوفهم مع بعض في الشركة.."
"طب وريني المسدچ والهدية."
"ماشي بس هو عمتًا مش باين أيه الهدية عشان هي محطوطة في بوكس هدايا."
"ده سرسجي أوي يا أفنان أيه ده؟" أردفت ميرال بنبرتها الهادئة المعتادة وتعابير وجه مشمئزة لتقهقه أفنان ثم تعلق قائلة:
"لا لا هو مش كده في الحقيقة خالص!! واضح أن أنس محفظة جملتين يقولهم بس هو بجد أسلوبه بيضحك أوي.. بس أنا برضوا لسه متضايقة منه!"
"عشان مشي وسابك؟"
"عشان خبى عليا موضوع نوح.. مكنش ينفع يعمل حاجة زي دي! أنا طبعًا متضايقة عشان ضربه في العموم وكمان اتضايقت أكتر عشان مجاش يحكي من نفسه وأتدبست أنا في حوار نوح لما جيه هنا!!"
"طب هتعاتبيه ولا هتعملي أيه يعني؟"
"مش عارفة بس غالبًا هتخانق معاه عشان الحوار ده. مش كفاية أني متعصبة منه من الأساس!" أجابتها أفنان بإنفعال بتنظر نحوها ميرال بعدم تأثر وهي تضم كلتا عينيها ثم تقول:
"متأفوريش عشان أنتي عارفة كويس أنكوا هتتصالحوا."
"دي حقيقة فعلًا بس لازم أعمل جو إثارة وساسبنس وبتاع."
"هسميكي بعد كده أفنان حوارات!"
"تصدقي وتؤمني بالله."
"لا إله إلا الله."
"محدش بيعمل حوارات أكتر من سي نوح بتاعك ده."
"ملكيش دعوة بنوح وخليكي في الواد التوتو اللي اسمه رحيم ده."
"فكراني هتخانق معاكي؟ لا مش هتخانق عارفة ليه؟ عشان هو توتو فعلًا."
"كويس أنك عارفة."
"طيب نوقف الحوار ده هنا كده. أنا هدخل أنام بقى عشان مش قادرة وأنتي متسهريش أوي عشان عندك شغل الصبح."
"ماشي يا أختي تصبحي على خير."
"وأنتي من أهله." بمجرد أن ذهبت أفنان لتخلد إلى النوم فتح باب غرفة والديها ليخرج منها والدها ويسير بخطوات هادئة ويذهب للجلوس بجانب ميرال. يقبل رأسها ثم يسألها قائلاً:
"حبيبة بابا سهرانة بتعمل أيه؟"
"بتفرج عالتلفزيون.. أفنان سابتني ومكملتش الفيلم معايا."
"ولا تزعلي نفسك نكمله احنا سوا."
"حبيبي ربنا يخليك. بس مش عايزاك تسهر عشان متصدعش بكرة في الشغل."
"لا متغشليش بالك بيا. أنا لما كنت في سنك كنت بطبق وبصحى اروح الشغل عادي جدًا."
"ربنا يديك الصحة وطول العمر يا حبيبي يارب."
"تسلمي يا حبيبتي. بقولك يا ميرال عايز اسألك على حاجة كده."
"اتفضل طبعًا. خير إن شاء الله؟" سألت ميرال بقلق وقد اعتدلت في جلستها وهي تنظر نحو والدها بجدية.
"كل خير يا حبيبتي. أنا بس عايز اطمن على أفنان أختك."
"مالها أفنان بس؟"
"حالها مش عاجبني.. حاسس أنها متغيرة وبقالها فترة مش بتحكيلي كل حاجة زي الأول وواضح أن في مشاكل بينها وبين ابن خالتك بس مردتش أعلق عالموضوع قدام رانيا عشان أنتي عارفة أنها بتضايق لما بقول حاجة عن ولاد أختها."
"هما فعلًا متخانقين. بس شغل عيال يعني متشغلش بالك يا حبيبي."
"طيب كويس طمنتي قلبي.. أهم حاجة أنها تبقى بتتكلم معاكي وبتفضفضوا لبعض. أنا كده مطمن عليكوا الحمدلله ماهو أنا مش هعيش ليكوا العمر كله بس أنتوا ربنا يديكوا طول العمر لازم تفضلوا في ضهر بعض دايمًا في الصغيرة قبل الكبيرة."
"أيه الكلام ده بس يا بابا؟ ربنا يخليك لينا أنت وماما وتفضلوا أنتوا ضهرنا وسندنا دايمًا." هنا اقترب منها والدها ليضمها برفق ثم يقبل رأسها مجددًا.
"ريحتي قلبي. أنا دلوقتي هقوم أنام وأنتي كمان نامي عشان تعرفي تصحي للشغل."
"حاضر يا حبيبي. تصبح على خير."
في صباح اليوم التالي استيقظت أفنان بنشاط على غير العادة فلقد كانت متشوقة لرؤية الهدية والتحدث إلى رحيم ولكن حماسها قد ازداد أكثر للشجار الذي ستفتعله بسبب لكمه لنوح. ارتدت ثيابها سريعًا ثم تناولت فطورها واتجهت نحو الشركة مباشرة. وقفت بالقرب من الباب لثوانٍ وهي تأخذ نفس عميق قبل أن تدلف نحو الداخل وهي تدعو بداخلها أن يمر اليوم بسلام وأن تنهي مشكلة رحيم وألا ترى نوح اليوم...
"دكتور رحيم وصل؟" سألت موظفة الإستقبال والتي أخبرتها أن رحيم قد وصل بالفعل وأنه يجلس في 'الكافتيريا' الخاصة بالشركة. ابتسمت أفنان بإنتصار فهذا المكان هو الأنسب للحديث بعيد عن أعين باقي الطلاب. اتجهت إلى هناك مباشرة لتجده يجلس على أحدى الطاولات وأمامه قدح من القهوة وأحد أنوع المخبوزات التي لم تعرفها أفنان بينما يعبث. اقتربت منه حتى أصبحت تقف أمامه مباشرة ثم سألته بنبرة ساخرة وهي تضحك قائلة:
"يا ترى مين اللي غششك الكام كلمة العربي اللي كتبتهم صح في المسدچ؟"
"الناس الطبيعية لما بيشوفوا بعض الصبح بيقولوا Good morning 'صباح الخير'." أجاب بهدوء وبنبرة جادة وهو يغلق هاتفه ويرفع عيناه الخضراء ليقابل خاصتها.
"معلش هو أنا كده. بحب ادخل في الموضوع على طول!" علقت بإقتضاب وهي تسحب الكرسي لتجلس أمامه.
"تشربي أيه؟"
"فطرت قبل ما أجي."
"قهوة؟ لا أنتي لسه صغيرة عالقهوة هطلبلك عصير مانجو." سألها متجاهل إجابتها تمامًا ثم في النهاية أتخذ القرار بدلًا منها.
"مانجو؟" سألت أفنان بسخرية وهي تضحك لينظر نحوها بعبوس ثم يقول:
"هي اسمها كده بال English 'اللغة الإنجليزية' على فكرة."
"ما أنا عارفة على فكرة" قلدت نبرته بسخرية ثم صمتت لثوانٍ وبعدها أضافت:
"بغض النظر عن الإستظراف في حوار القهوة ده بس اشطا اطلبلي مانجا."
"طيب تحبي تشوفي الهدية الأول ولا نتكلم ونتصالح الأول؟" سألها بلطف لتنظر نحوه أفنان وهي تفكر في كيفية تمكنه من تغير تعبيرات وجهه عدة مرات في الدقيقة ذاتها. أخذت نفس عميق قبل أن تستعد للشجار وهي تقول بعصبية:
"أحب أديك بالجزمة على دماغك عشان أنت مقولتليش أن أنت ونوح ضربتوا بعض!!!" هنا تهجم وجه رحيم قليلًا وقد اضطربت ملامحه. أخذ نفس عميق قبل أن يقول بنبرة مستفزة بينما ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه قائلاً:
"لا هو أحنا مضربناش بعض.. هو أنا ضربته!"
"مش فارقة كتير!" عقبت أفنان وهي تقلب عيناها بتملل ليعلق بإستنكار قائلاً:
"لا تفرق طبعًا! أنا مضربتش. وبعدين هو اللي إنسان مستفز!"
"وهو احنا من أمتى بنضرب الناس اللي بتستفزنا؟!" سألته أفنان بإنفعال ثم هدأت حينما أدركت ما قالته. نظر نحوها رحيم بسخرية ثم علق قائلاً:
"أولًا بلاش أنتي تعلقي على النقطة دي! ثانيًا مش أنا اللي بدأت خناق هو اللي جيه يضربني الأول!"
"يعني هو جيه ضربك من تلقاء نفسه كده؟ يعني عايز تفهمني أن أنت مسخفتش عليه بالكلام ولا استفزيته؟"
"أنا مش فاهم هو فارق معاكي أوي كده ليه؟ خايفة عليه مني يعني ولا أيه مش فاهم!!"
"فارق معايا أني مش عايزة شكلك يبقى وحش وأن حد يغلطك مثلًا! فارق معايا أن ميحصلش مشاكل بسببي!"
فارق معايا عشان نوح ده ابن خالتي. وضحت أفنان بصدق لترتخي معالم رحيم قليلاً ثم يسألها بنبرة لطيفة قائلاً:
"ابن خالتك وبس؟"
"وأخويا كمان ومتربين سوا واللي حصل ده ضايقني جداً، سواء منك أو منه!"
"أنا آسف... متزعليش مني بس أنا الدم غلي في عروقي بعد ما سمعت الكلام اللي قالهولك وصدقيني لولا أنك باقية عليه عشان قريبك أنا كنت وريته الوش التاني!" تحولت نبرة رحيم من النبرة الهادئة التي بدأ بها حديثه إلى نبرة حادة ممتلئة بالغضب حينما تفوه بجملته الأخيرة.
"ايوا كده أنت كده رحيم اللي أنا أعرفه... أو معرفهوش مش متأكدة."
"أنتي بتبقى ماشية حلو وبعدين الكلام بيبوظ منك."
"حسيت فعلاً المهم متعرفش نوح جاي النهاردة ولا لأ؟" سألته بتعابير وجه جادة لينظر نحوها طويلاً ثم يمرر يده على خصلات شعره الناعمة بإستياء وهو يقول:
"والله أنتي لو قاصدة تعصبيني مش هتعملي كده."
"أنا عملت أيه؟"
"والله عالعموم مش هيجي خالص الأسبوع ده عشان بيخلص حاجات لل Master بتاعه."
"يلا أحسن عشان نخلص شوية من حواراته دي!" قالت بدون إدراك لينظر نحوها رحيم بأعين متسعة وهو يسألها بغضب:
"ثواني بس... حوارات أيه؟ هو أتعرضلك تاني؟"
"لا ما هو أصل..."
"أصل أيه! Spit it out."
"أصل هو جيه البيت يوميها عشان كده عرفت أنك ضربته."
"لا wait ثواني كده... هو جيه البيت عشان يقولك أني ضربته؟"
"لا جيه البيت يشتكي لماما أن الدكتور اللي في التدريب ضربه..." قالت أفنان وهي تضم عيناها بعد أن ارادت أن تصفع نفسها لأنها أخبرته بما حدث، ضم رحيم حاجبيه بإقتضاب وإمتعض وجهه بعد أن سمع ما قالته وعلق على ما قالته بإنفعال مردفاً:
"ولما أقولك هرفده وهخرب بيته بترجعي تزعلي!! يعني هو بجد بيعمل مشاكل بينك وبين طنط مامتك وفي الآخر تقوليلي أنك still مهتمه بيه عشان هو ابن خالتك!!!" صفعت أفنان جبتها وهي تتنهد بضيق قبل أن تجبر نفسها على رسم إبتسامة صغيرة على ثغرها وتقول:
"بقولك أيه... مش هتوريني الهدية بقى؟"
"هوريكي الهدية، وعلى فكرة لما سيبتك المرة اللي فاتت واضطريت أمشي بسرعة كان بسبب أن في زيارة فجائية لحد مهم هنا في الشركة وفعلاً مكنش ينفع مرجعش على هنا، أنا عارف أني اللي عملته قلة ذوق بس صدقيني غصب عني."
"خلاص سامحتك بس لو سمحت متتكررش... أنت بس عرفني أو أديني نبذة عن السبب وأنا بجد هحترم الموضوع لكن لما بتقرر تمشي فجاءة كده أو وشك بيقلب بدون مقدمات أنا حقيقي بتضايق.
"خلاص وعد مش هتكرر تاني إن شاء الله..." ابتسمت أفنان بسعادة كبيرة حينما قدم المشيئة كما تفعل هي وهي تدعو بداخلها أن يكون قد فعل تأثراً بها وبطريقة حديثها في العموم.
"يلا افتحي ال Box بتاعك." سحبت أفنان الصندوق من يده بحماس شديد والذي كان متوسط الحجم، فتحته بسرعة شديدة لتجد بداخله ما يقرب من الخمسة كتب كانت جميعها متنوعة بين الكيمياء والأدوية ومعلومات عن علم الصيدلة بشكل عام، برقت عين أفنان فور رؤيتها للهدية لتقفز من موضعها بسعادة وهي تردف بصوتها عالٍ:
"الله!!! دول حلويين أوي بجد!! والكتاب ده كان نفسي فيه جداً بس كان غالي شوية بصراحة فكنت مستنية أحوش! ربنا يخليك ليا بجد!!!"
كانت نبرة أفنان صادقة وقد لمعت عيناها بشدة، جلس رحيم في مقعده يتأملها إنها أجمل من أجمل لوحة فنية رآها يوماً بل إنها أجمل ما وقعت عليه عيناه، لم يهتم رحيم لإرتفاع صوتها ولم يهتم لرؤية أحدهم لما يحدث فهو لن يفسد عليها طريقة تعبيرها عن سعادتها بأي شكل من الأشكال.
حينما قالت جملتها الأخيرة 'ربنا يخليك ليا' شعر رحيم بنبض قوي في قلبه، ابتسم لا إرادي وهو يعيد تكرار الجملة داخل عقله... هل هي سعيدة حقاً بأنه إلى جوارها؟ هل هي حقاً تتمنى أن يظل بجانبها؟
حينما أدركت أفنان ما قالته وفعلته أشتعلت وجنتها بالحمرة لتحمحم بإحراج ثم تعاود الجلوس في مقعدها بينما مازال ثغرها مزين بإبتسامة واسعة.
"أنا فضحت الدنيا وغالباً كل اللي معدي من هنا بص علينا..."
"مش مهم، المهم أنك مبسوطة." تحدث بصدق لتتسع إبتسامتها أكثر ثم تحمحم وتقول بنبرة أهدأ:
"أنت حقيقي كلفت نفسك أوي والموضوع مكنش مستاهل يعني... أنا مش هقدر أقبل الهدية دي..."
"بس بلاش هبل please ، فداكي أي حاجة المهم أشوفك بتضحكي وفرحانة..."
"كفاية يا علي!!!"
"علي مين؟!!!"
"ديه حتة من فيلم! لا ياريت تذاكر الأفلام كويس عشان لما أقول مشهد من فيلم تبقى معايا عالخط."
"خضتيني بجد! أنا قولت مش كفاية نوح، هيبقى نوح وعلي!!!" علق رحيم بضيق لتقهقه أفنان بقوة على ردة فعله ثم تمتمت مردفة:
"بهزر يا سيدي بهزر! أيه ده يا نهار أبيض أحنا اتأخرنا عالتدريب!"
"صحيح! أنا نسيت خالص أحنا هنا بنعمل أيه!"
طب يلا اطلعي وأنا هحصلك عشان متبقيش متضايقة.
تمام، أشوفك في العملي بقى… باي.
بعد انتهاء اليوم، عادت أفنان إلى المنزل. إضاءته ظهرت خافتة من الخارج، لذا توقعت أفنان أنه لا أحد بالداخل أو أن من في الداخل نائمون. قامت باستغلال الأمر ودلفت إلى الداخل بهدوء شديد، تحسباً لوجود والدها أو والدتها. كانت تتعامل مع الهدية كأنها ممنوعات يتم تهريبها. بخطوات خفيفة وسرعة، اتجهت نحو غرفتها هي وميرال لتضع الصندوق في الداخل. بدلت أفنان ثيابها سريعاً وقررت أخذ قيلولة بعد أن خبأت الصندوق في خزانة ثيابها.
بعد ساعتين ونصف، استيقظت أفنان على صوت والدها وهو يتحدث بالهاتف. غادرت غرفتها بهدوء واتجهت نحوه.
"والله حمدلله على سلامته… طب مقولتيش ليه كنت روحت خدته من المطار؟ لا العربية لسه متصلحتش، بس كنت هاخد تاكسي يعني… عالعموم حصل خير… المهم ألف مبروك وربنا يتمم بخير… اه أكيد طبعاً هنيجي إن شاء الله… تمام هضبط مع رانيا والبنات… ماشي مع السلامة…"
سمعت أفنان تلك الجمل المتقطعة أثناء تحدث والدها بالهاتف. من الصوت الطفيف الذي صدر من الهاتف، استطاعت أن تميز صوت عمتها الوحيدة.
"خير يا بابا، في حاجة؟" سألت أفنان.
خرجت تنهيدة طويلة من والدها، ثم جاهد ليبتسم وأجابها قائلاً:
"بنت عمتك جالها عريس، أنتي أكيد عرفتي… المهم، جوز عمتك راجع من السفر هو والعريس وهنتجمع كلنا في بيت عمتك عشان نقرأ الفاتحة ونتفق. وهي كانت بتقولي يعني عشان أفضي نفسي."
"شكلك مش مبسوط…" علقت أفنان وهي تأكل قطعة شيكولاتة على الطاولة. لا تعلم خاصة من، لكنها تناولتها على أي حال.
"ربنا يتمملها على خير لو ليها خير في الجوازة دي، ولو شر ربنا يبعده عنها…"
"الحوار مش مريحني بصراحة، بس أنت عارف طبعاً لما حد فينا بيتكلم ولا بيحاول ينصح بيبقى رد الفعل عامل ازاي…"
"عارف، وأنا والله يا بنتي عموماً اللي فيه الخير يقدمه ربنا… المهم أنتي فضي نفسك يوم الجمعة عشان نروح لعمتك."
"حاضر يا بابا، بإذن الله."
"هي ميرال لسه مجتش؟" سألت أفنان والدها.
نظر إلى الساعة المعلقة على الحائط ثم أجابها قائلاً:
"لا لسه… كلمتني قالتلي هتجيب حاجات بعد الشغل."
"طب تمام… أنا هروح أساعد ماما في الأكل."
"ماشي يا حبيبتي."
"بابا… عايز أقولك على حاجة كده…"
"وأنا عايز اسمع." قال والدها بلطف.
ابتسمت له بتوتر ثم ذهبت لتجلس على الأريكة، وجلس هو على الكرسي المقابل لها.
"أنا جالي هدية النهاردة."
"اه البوكس اللي كنتي ماشية بتتسحبي بيه ده."
"أيه ده! أنت كنت موجود؟!"
"اه كنت واخد إذن من الشغل، رجعت اجيب حاجة. فكراني نايم على ودني يا بت أنتي ولا أيه؟ ها مين اللي جابلك الهدية بقى؟ نوح؟"
"لا نوح أيه وبتاع أيه… بصراحة هو الدكتور اللي بيشرحلي في التدريب." أجابت والدها وهي تتحاشى النظر داخل عينيه، بينما تعبث في أصابعها.
"وجابلك هدية بمناسبة أيه؟"
"جابلي كتب في الكيمياء وعلم الصيدلة والأدوية…" أردفت أفنان، لتضطرب معالم والدها قليلاً. فما قالته هو آخر ما توقع أن تكون الهدية.
"بمناسبة أيه؟ بمناسبة أن حصل بينا سوء تفاهم يعني… أنت عارف يا بابا أني بتخانق مع الناس كلها تقريباً وهو افتكر اني اتضايقت وكده ف… يعني." أجابت أفنان بتلعثم وبنبرة صوت خافتة.
"اممم وبعدين؟"
"أنا طبعاً مكنتش عايزة أقبل منه الهدية دي وكده لأن الموضوع مش مستاهل وكمان الكتب دي غالية، بس هو أصر عليا…"
"تمام عموماً يشكر يعني… في حاجة تاني؟"
"لا خلاص." قالت أفنان وهي تبتسم ابتسامة صغيرة.
"خليكي عارفة يا أفنان أني بثق فيكي ومديكي الأمان. أتمنى متخونيش الثقة دي، ومهما حصل أنا جنبك وفي ضهرك، فياريت متخبيش عليا حاجة ابداً."
"حاضر يا حبيبي… أنا هقوم بقى." همست قبل أن تتجه نحو المطبخ لمساعدة والدتها. ومن داخلها شعرت بالذنب لأنها لم تخبر والدها بالحقيقة كاملة، ولا تدري لما فعلت ذلك. شعرت بنغزة في قلبها لفعلها ذلك، وما زاد الطينة بلة هو كلماته الأخيرة. لذا قررت أنها ستخبره بكل ما حدث في الفترة الماضية، ولكنها ستؤجل الموضوع قليلاً.
"أيه ده! الله أكل!!"
"بسم الله الرحمن الرحيم! بيطلعوا أمتى دول؟ جيتي أمتى؟"
"لسه داخلة حالاً… جبت حاجات حلوة أوي، تعالي أفرجك."
"بعد الأكل طيب عشان خلاص هنغرف."
بعد أن انتهوا من تناول الطعام وذهبت الفتاتان إلى غرفتهما، أخذت ميرال الحقائب لتري المشتريات لشقيقتها.
"حلويين أوي مبروك عليكي! بس مكنتش أعرف أنك بتحبي اللون الأزرق للدرجة يعني." علقت أفنان لغرض ما في رأسها. فلم تكن ميرال من محبي ذلك اللون للدرجة التي تجعلها تشتري فستاناً وكنزة باللون ذاته مع اختلاف الدرجة قليلاً، لكنها فعلت ذلك ببساطة لأن نوح يحب ذلك اللون، بل يعشقه. لم تستطع أفنان أن تلوم شقيقتها على فعل ذلك، فلو كانت في موضعها لفعلت المثل.
"اولاً ده زهري مش أزرق. ثانياً تغير يعني، ما أحنا معظم لبسنا ألوانه مكررة، ده أنتي لوحدك عندك بتاع ٣ طرح كافية مثلاً." أجابت ميرال بهدوء، ثم سخرت من شقيقتها في نهاية الجملة.
"صحيح، استني أوريكي رحيم جابلي أيه."
"ايوا وريني أنا متحمسة أوي!!!" كانت تتحدث ميرال بحماس وهي تصفق في يدها. وازداد الحماس حينما رأت الصندوق الأسود الفاخر المزين بخطوط ذهبية عشوائية، لكن بمجرد أن فتحت أفنان الصندوق، ذهب الحماس وتبدل بخيبة ربما أو تعابير غير مفهومة.
"كتب؟!"
"اه كتب عن الكيمياء والصيدلة والحاجات دي يعني."
"يعني يوم ما يجيلك هدية من شاب قمر كده تبقى كتب!!! الدح وصل بيكي لكدة!"
"كل واحد حسب اهتمامه والحاجات اللي بيحبها بقى!"
"على رأيك، المهم أن الهدية عجباكي وأنك مبسوطة."
"اه الحمدلله… بقولك أيه هو نوح كلمك؟"
"لا."
"تمام… صحيح عمتك كلمت بابا عشان عمو جيه من السفر هو وعريس ريماس عشان يقعدوا يتقفوا وكده."
"طب كويس ربنا يتمم بخير، بس ياريت يا أفنان تمسكي لسانك ومتعلقيش على أي حاجة، خليكي في حالك مش ناقصين وجع دماغ." أردفت ميرال وهي تحاول جاهدة لإقناع أفنان، التي فقط نظرت نحوها طويلاً ثم علقت قائلة:
"أنتي عارفة أني مبقدرش، بس هحاول على أد ما أقدر."
"ماشي ياختي."
مر الأسبوع بسلام، وقد صدق رحيم، فنوح لم يأتي قط طوال أيام التدريب لهذا الأسبوع. كانت الأوضاع مستقرة بينها وبين رحيم. وفي يوم الخميس، لم تذهب أفنان وأسرتها عند خالتها كالمعتاد، فلقد ذهبوا إلى زفاف إحدى فتيات العائلة من جهة والد نوح ومريم. وفي صباح يوم الجمعة، استيقظت أفنان باكراً. فتحت عينيها بكسل، وفي اللحظة ذاتها أنار هاتفها برسالة من رحيم، لتنتفض من موضعها وهي تمسك بالهاتف لتقرأ محتوى الرسالة.
"صباح الخير… أتمنى يومك يبقى لطيف… قوليلي أيه خططك لليوم؟"
قرأت الرسالة عدة مرات وهي تتوقف عند أمنيته أن تقضي يوماً لطيفاً. آه لو يومها يكون بلطف رسالته تلك!
"صباح النور… أيه اللي مصحيك بدري كده؟ أنا معزومة عند عمتي عالغدا أنا وماما وبابا وميرال."
"لطيف جداً Enjoy 'استمتعي'… أنا نزلت أجري شوية الصبح ودلوقتي بتمرن."
قرأت أفنان الرسالة ثم غادرت المحادثة لثوانٍ لتجد أنه قد أنزل حالة 'Story/status' تحوي صورته وهو يرتدي 'تي شيرت' قطني بدون أكمام، وقد ظهرت عضلات ذراعيه وجزء من عضلات صدره، بالإضافة إلى ذقنه المهذبة وخصلات شعره الناعمة المبعثرة الذي جعلت مظهره أجمل بإضعاف. شهقت أفنان بصدمة بينما تتأمل صورته، قبل أن تقول:
"استغفر الله العظيم يارب!!!"
ثم أغلقت الصورة على الفور، لتستيقظ ميرال بفزع وهي تسألها:
"في أيه عالصبح؟"
"صورة لرحيم… بس صورة مش زي أي صورة!!!"
"مش لابس هدوم ولا أيه؟!" سألت ميرال وهي تقفز من سريرها لخاصة أفنان بسرعة البرق.
"أيه ده قلة الأدب دي؟!"
لا بس في الچيم وشعره مبلول كده وحركات وعضلات وبتاع.
فسرت أفنان وهي تغمز بإحدى عينيها، بينما نظرت نحوها ميرال ببلاهة قبل أن تقول:
"وريني طيب."
"لا مش هينفع أنتي أختي وهو شرفي."
"أفنان متقعديش كتير عالسوشيال ميديا عشان بقيتي تقولي حاجات غريبة."
"ده تريند يا بنتي بس أنتي اللي مش واخده بالك. عموما كويس أنك صحيتي عشان نقوم نجهز لبسنا ونساعد ماما لحد ما بابا ينزل يصلي ويجي نفطر كلنا."
"هو أحنا هنروح لعمتك أمتى؟"
"هنفطر وننزل عشان هما عايزيننا من بدري."
"أفنان انتوا صحيتوا؟"
"اه يا ماما اتفضلي."
"كويس إنكوا صحيتوا عشان عايزة أقول كلمتين وياريت يتنفذوا سمعاني يا ست أفنان؟"
"طبعًا يا ماما تحت أمرك."
أردفت أفنان بنبرة درامية لتنظر نحوها والدتها بعدم إقتناع وهي تضم عيناها ثم تكمل التعليمات قائلة:
"محدش يعلق بحاجة النهاردة خالص! ملكوش دعوة بعمتكوا ولا جدتكوا ولا العريس ولا الكلام ده، أحنا ملناش دعوة أحنا مجرد ضيوف هناخد واجبنا ونقرأ الفاتحة ونتكل على الله فياريت نتجنب المشاكل قدر الإمكان وخاصة أنتي يا سوسة."
"سوسة؟ الله يكرم أصلك يا ماما، عالعموم حاضر يا حبيبتي."
"طبعًا أنتي بتاخديني على أد عقلي أنا عارفة، يلا ربنا يستر."
في تمام الساعة الثانية ظهرًا كانوا قد وصلوا إلى منزل عمتها وقد بدأت مراسم الإستعداد لإستقبال العريس المنتظر، مثل وضع المفارش البيضاء ناصعة البياض، وضع الشيكولاتة الفاخرة التي احضرها والد ريماس، تناولوا الغداء الذي أعدته عمتها والذي كان أقرب للوليمة منه إلى الغداء العادي فلقد طبخت ما يقرب من الخمسة أصناف ونوعان من الطيور.
"بناتك كبروا يا أحمد ما شاء الله بقوا عرايس حلويين."
"ربنا يخليك، اه البنات كبروا وكبرونا معاهم."
"متقولش كده أحنا لسه شباب، صحيح أنا جبت للبنات هدية بسيطة كده يارب تعجبهم."
"ربنا يخليك مكنش في داعي تتعب نفسك."
"اه فكريني يا رانيا أبقى أوريكي طقم الدهب اللي جابهولي الحج من برا."
"مبروك عليكي يا حبيبتي تتهني بيهم."
أجابت رانيا بإبتسامة مصطنعة، في الحقيقة هي لا تهتم بالماديات وتلك الأشياء فهي يكفيها وجود زوجها وبناتها الأثنتين إلى جانبها.
"يلا يا ماما ناكل بسرعة عشان ألحق ألبس واجهز."
"تعبان يا عروسة من حقك تتشرطي ده اليوم يومك."
أردفت جدتها لتبتسم لها ريماس وترسل قبلة في الهواء، بينما تقلب أفنان عيناها بتملل.
بعد مرور ساعة تقريبًا كان الجميع انتهى من تناول الطعام وقد بدأت ريماس في ارتداء ثوبها الجديد والذي كان باللون الأحمر الداكن وقد وضعت أحمر شفاه باللون ذاته وقد تركت خصلات شعرها لتنسدل على ظهرها كانت تبدو جميلة للغاية.
"قمر ما شاء الله."
اردفت أفنان وهي تنظر نحو ريماس بإبتسامة واسعة بينما تقوم بضبط ثوب الأخيرة، لتبادلها ريماس الإبتسام، قطع المشهد اللطيف صوت عمتها وهي تقرأ المعوذتين بصوتها الواضح وتشير بعلامة الكف 'بتخمس' بالقرب من أفنان وميرال، تنظر نحوها أفنان بحنق ثم تذهب لتجلس على السرير وقد قررت ألا تساعد ريماس مجددًا وألا تعلق بأي شيء.
صدح صوت جرس الباب في الخارج لتتوتر الأجواء قليلًا، تتجه والدة ريماس نحو الخارج لتقوم بإسدال الستائر التي تفصل بين الممر والغرف والمكان حيث سيجلس الرجال.
"ادخلي جوا يا ريماس يلا ومحدش يطلع صوت بقى."
نفذت أفنان ما قالته والدتها، ثم سمعوا جميعًا صوت الباب وهو يفتح ثم صوت ترحيب.
كانت الفتيات ثلاثتهن يجلسن في غرفة ريماس ومعهم والدتهم وعمتهم حيث جلس الرجال فقط في الخارج وجدتهم.
"يا ماما عايزه اشوفه، هبص بسرعة من ورا الستارة مش هياخد باله!!"
ترجت ريماس والدتها كطفلة تريد الحلوى وقد رسمت وجه جرو، لتنظر نحوها والدتها وعلامات الإعتراض مرسمة على وجهها لكن في النهاية استسلمت وقالت لريماس الآتي:
"ماشي بس لو شافك هقطم رقبتك أنتي سامعة."
"ماشي ماشي."
ذهبت ريماس بخطوات خفيفة لتنظر من خلف الستارة ثم تعود نحو الغرفة وهي تبتسم ابتسامة واسعة ثم تشير لأفنان وميرال أن يأتوا لينظروا هما أيضًا.
كان الشاب والذي يدعى فريد يجلس بجانب والد ريماس، كان ذو وجه حسن، بشر قمحية وعيون سوداء وشارب كثيف منحه هيبة وكان يبدو من هيئته أنه طويل القامة، كان جسده وسطًا بين النحافة والسمنة وكان أقرب قليلًا للسمنة وبالرغم من أنه قريب من منتصف الثلاثينات إلا أنه بدا أصغر في العمر.
عادت الفتيات كلهن إلى الغرفة مجددًا بينما يحاولون سماع الحوار الذي يدور في الخارج لكنهم فشلوا في ذلك، بعد مدة قصيرة جاءهم صوت والد ريماس وهو يقول:
"تعالي يا عروسة سلمي على عريسك."
خرجت ريماس بتوتر نحو الخارج وقد ألقت التحية على الشاب الوسيم الجالس وقد رسمت إبتسامة لطيفة على ثغرها، مر اللقاء بسلام وقد تم الإتفاق بشكل جيد، جلس الجميع سويًا بعد رحيل فريد ليبدأو في إلقاء الحديث عن اليوم وكيف جرى.
"يعني كده يا بابا أنا هتخطب سنة صح؟"
"إن شاء الله أقل من السنة وهتكوني في بيتك."
أجابها والدها لتبتسم والدتها إبتسامة واسعة من الأذن للأذن فلقد كانت تتمنى طوال حياتها أن تتزوج فتاتها قبل فتيات شقيقها أحمد، ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقطعه صوت عمتهم وهي تقول بنبرة ثعبانية:
"وأنتي يا ميرال مش ناوية تخلينا نفرح بيكي يا حبيبتي؟ ده العمر بيجري يعني.."
نظرت ميرال بذهول وصدمة نحو عمتها وهي لا تجد ردًا على كلماتها الجارحة لذا اكتفت بالصمت لكن ذلك لم يرضِ أفنان التي دافعت عن شقيقتها بإندفاع قائلة:
"والله يا طنط ميرال بيجلها عرسان كتير بس هي اللي بترفض."
"ليه يا حبيبتي شايفالك شوفه ولا إيه؟"
"لا يا عمتو مش كده.."
أجابت ميرال بتوتر وتلعثم وكان الحزن باديًا على ملامحها لتنكزها أفنان بلطف وتكمل الإجابة بدلًا عنها قائلة:
"ما هو يا طنط هي مش بيعة عشان اللي جاي معاه قرشيين يجي يحمل ويشيل عشان احنا بني آدمين مش بهايم، الشخص اللي بيتقدم ده لازم نشوف فكره وثقافته ونشوف مناسب ولا لا."
"وهو الفكر والثقافة هيصرفوا عليكوا ولا هيعشوكوا بالليل."
"الفكر والثقافة والتفاهم هيخلي لما ميبقاش في عشاء في البيت هيبقى في أفكار إزاي نجيب عشاء، هيبقى في رضا وقناعة، هيبقى في حب وود يخلينا نتحمل الظروف الصعبة عشان بعض أما بقى لو اعتمادنا كان على الفلوس فوقت ما الفلوس تختفي الجوازة هتبقى فركش."
وضحت أفنان وجهة نظرها بهدوء وبآدب وفي الآن ذاته قد أظهرت كم أن عمتها مخطئة في تحليلها وحكمها على الأمور، امتعض كلًا من عمتها وجدتها التي لم تتفوه بحرف بل اكتفت بإصدار صوتها بفمها 'مسم'.
"الله ينور عليكي يا حبيبتي."
علق والدها بفخر وهو ينظر نحوها بسعادة فلقد شعر أن ما بذله في التربية وصنع فكر لأبنته لم يضيع هباءً.
"اه طبعًا ماهي عمرها ما هتتفرعن كده غير لما أنت اللي تبقى مقويها."
صاحت عمتها بغيظ وإندفاع لينظر نحوها شقيقها بهدوء تام ثم يقول:
"بناتي ولازم أقويهم وأدعمهم أومال أبقى أب إزاي لو معملتش كده."
"ماهو كده يا أخويا هيفضلوا قاعدين جنبك طول العمر."
"ينور ويشرفوا... بيتهم وبيت أبوهم ومفتحولهم طول العمر وعلى قد ما نفسي أفرح بيهم على قد ما نفسي يفضلوا في حضني طول العمر."
أجابها أحمد وهو يضم ابنتيه الجالستين إلى جانبه واحدة في الجانب الأيمن والآخرى في الأيسر.
"ماشي يا أخويا..."
"يعني أنت يا خالو مش عاجبك العريس؟ ده معنى كلامك؟"
سألت ريماس بتوتر وهي تنظر إلى والد أفنان ليبتسم لها بدفء ثم يردف بصوت منخفض وبنبرة مازحة:
"هبقى أقولك لما مامتك تقوم."
"ماشي اتفقنا.."
قالت ريماس وهي تضحك ثم تصمت لثوانٍ قبل أن تضيف بصوت مسموع ونبرة تحدي:
"إلا قوليلي يا أفنان أخبارها إيه صاحبتك اللي كنتي قاعدة معاها في الكافية دي؟"
رواية في حي الزمالك الفصل العشرون 20 - بقلم ايمان عادل
"إلا قوليلي يا أفنان أخبارها أيه صاحبتك اللي كنتي قاعدة معاها في الكافية دي؟" سألت ريماس فجأة بنبرة خبيثة وقد ارتسمت ابتسامة سمجة على وجهها. نظرت نحوها أفنان بصدمة وقد فتحت ثغرها لثوانٍ قبل أن تحمحم ثم تجيبها بثبات قدر الإمكان:
"الحمدلله كويسة، بتسلم عليكي." سخرت منها أفنان في نهاية الجملة.
"ابقى خد بالك يا خالو أفنان بتصاحب مين؟ أصل صاحبتها دي بتشرب سجاير." قالت ريماس بخبث وهي تبتسم ابتسامة جانبية لتتسع أعين أفنان وهي تسبها أسفل أنفاسها قبل أن تعلق على ما قالته ريماس وتحاول إصلاح الوضع بسرعة مردفة:
"لا هي مش بتشرب سجاير…"
"أومال أيه…" قاطعتها ريماس بطفولية لتنظر نحوها أفنان بحده ثم تردف:
"متقاطعنيش أنا لسه مخلصتش كلامي!" كانت نبرة أفنان عنيفة لدرجة أن الجميع التفتوا نحوها. أغلقت عيناها لثوانٍ وهي تحاول أن تهدأ مجدداً وتكمل حديثها بتفسير منطقي:
"هي مش بتشرب في العموم بس أصل يا حرام بعيد عنك يعني إن شاء الله كان متقدملها واحد وكانت الدنيا ماشية كويس وهي حبته وفجأة قبل الفرح بإسبوعين فسخ الخطوبة من غير سبب وخد حاجته وسافر."
"أعوذ بالله أيه الفال الوحش ده!!!" قالت عمتها بفزع لتبتسم أفنان بانتصار، فقد تحقق غرضها من الجملة أن تثرثر عمتها في الحديث فينشغل الجميع عن أمر صديقة أفنان الوهمية والمقهى. لكن من داخلها كانت تعلم أن والدها لن يفوت تفصيلة كتلك وأنه سيسألها بكل تأكيد وقد تضطر إلى الكذب بسبب تلك الحرباء التي تسمى ريماس. والتي كانت تشعر أفنان منذ دقائق أنها قد تكون إنسانة جيدة من الداخل، لكن ما فعلته الآن جعل أفنان تتراجع عن تلك الفكرة تماماً. كان والد أفنان هادئاً طوال الحوار الذي دار ولم يتفوه بحرف واحد مما جعل القلق يتسرب إلى قلب أفنان. لكن والدها حسم الصمت أخيراً وقال:
"رانيا يلا أنتي والبنات عشان نروح."
"ليه بس يا أخويا ما لسه بدري أقعدوا اتعشوا معانا." علقت عمتها بنبرة مزيفة. يتحاشى والدها النظر نحو شقيقتها ثم يردف برسمية:
"لا ربنا يخليكي كفاية كده، نسيبكوا بقى تحتفلوا بالمناسبة السعيدة دي كأسرة مع بعضكوا."
"كلك ذوق يا أحمد والله." قال زوج عمتها ليبتسم له والد أفنان ويصافحه بود.
"باي يا خالو وهستناك تكلمني اتفقنا؟" أردفت ريماس بحماس طفولي لتنظر نحوها أفنان بطرف عيناها بحدة وازدادت تعبيرات وجهها حدة حينما سمعت رد والدها.
"اتفقنا يا حبيبتي."
بمجرد أن غادروا منزل عمتها تقدمت أفنان بضع خطوات بحيث تواكب خطوات والدها وهي تقول بغيظ:
"من أمتى يا بابا وأنت بتقول حبيبتي دي لحد غير أنا وميرال وماما؟!"
"أيه؟" سأل والدها بعدم فهم لتتسارع خطوات أفنان حتى تقف إلى جانبه تماماً وتقول:
"حضرتك دلوقتي لسه قايل لريماس حبيبتي، وهي مش حبيبتك أصلاً!!!"
"يالهوي عالغيرة!! ده رانيا مش بتغير عليا كده!"
"مليش دعوة بماما أنا! أنا ليا دعوة أنك بابايا أنا لوحدي!!" أردفت أفنان لتنكزها ميرال بخفة لتحمحم أفنان ثم تعدل جملتها قائلة:
"بابايا أنا وميرال يعني."
"عارف يا أحمد ساعات بحس أن ميرال خدت التربية كلها وأني سقطت أربي أفنان." علقت والدتها بنبر ساخرة ليقهقه والدها بقوة ثم تنظر أفنان نحو والدتها وهي ترفع كتفيها بلامبالاة وتقول:
"والله دي مش مشكلتي، دي مشكلتك أنتي يا ماما تحمليها." أقتربت منها والدتها لتقرصها في خديها بقوة وسط ضحكات والدها وميرال.
فور عودتهم إلى المنزل جلست أفنان تثرثر بأحداث فيلم ما لميرال بينما كانت الأخيرة منشغلة بهاتفها بطريقة غير معهودة، تضحك ضحكات واسعة تغلق الهاتف لثوانٍ ثم تعيد فتحه مجدداً.
"ميرال أنتي سمعاني؟"
"همم بتكلميني؟" همهمت ميرال والتي لم تستمع لحديث أفنان الذي استمر لعشرة دقائق تقريباً لتضم أفنان عيناها بشك ثم تنقض على ميرال كأسد ينقض على فريسته وهي تسحب منها الهاتف ثم تركض بعيداً.
"يا رخمة أنتي هاتي!!" صرخت ميرال وهي تركض خلف أفنان بينما تقهقه الأخيرة. خرجت والدتهم من حجرتها وهي تردف بغضب:
"أنتوا اتجننتوا يا عيال ولا أيه؟ ده أنتوا معملتوش كده وأنتم عيال!!"
"سيبيهم يا رانيا أخوات وبيهزروا مع بعض."
"هاتي بقى!!" صاحت ميرال فور أن تبعت أفنان إلى داخل حجرتهم، تنظر أفنان إلى المحادثة ثم تشهق وتقول:
"يا كلبة! وأسألك نوح كلمك ولا لا تقولي لا مكلمنيش وأنتوا مقضينها رغي!!"
"هاتي بقى يا رخمة! وبعدين ملكيش دعوة بتفتشي في تليفوني ليه أصلاً!!"
"هي بقت كده يا ميرال؟!"
"اه مش الصبح مردتيش تديني التليفون وقعدتي تقوليلي أني شرفك وهو أختك وحاجات كده!!"
"ششش بس بس أنتي بتقولي أيه ده أنتي عملتي خلط في الأنواع حرام عليكي، وبعدين دي حاجة ودي حاجة يا نادر."
"يا سلام هو بمزاجك يعني؟!"
"اه بمزاجي يعني." قلدت أفنان نبرة ميرال بسخرية ثم تمتمت:
"استني استني ده نزل أستوري."
"طب ما تشوفيها من عندك بقى وبلاش رخامة."
"لا ما هو أنا ونوح عاملين لبعض Hide من الإستوري عشان أحنا متخانقين، وبعدين ثواني انتوا بتتكلموا عالإنستجرام ليه؟ من قلة الأبلكيشنز التانية يعني؟!"
"أيه ده جو أطفال أوي اللي بتعملوه ده، وبعدين ملكيش دعوة نتكلم فين، اسكتي بقى خلينا نشوف منزل أيه."
"أكيد طبعاً منزل صورته مع بنت." أردفت أفنان متعمدة إثارة غيظ ميرال وبالفعل نجحت في ذلك حيث ضربتها ميرال بكتفها بخفة وغضب طفولي. أمسكت ميرال بالهاتف وذهبت بعيداً عن أفنان لتفتح الصورة ببطء شديد وتوتر.
"يا ستي افتحيها وخلصينا أيه جو نبيل الحلفاوي ده!!" علقت أفنان بإستهزاء لكن ميرال لم تجبها بل ظلت تتأمل الهاتف بنظرات لم تعهدها أفنان وكأن عيناها على وشك أن تشع قلوباً حمراء.
"في أيه؟ بتسبلي للموبايل ليه؟ هي دي آخرتها يا ميرال تحبي شاشة؟!"
"بصي منزل أيه!!!!" صرخت ميرال بحماس وبنبرة غير معهودة لتغلق أفنان عينيها بقوة وهي تضع كلتا يديها على آذنيها بسبب اختراق صوت ميرال لطبلة آذنها بقوة.
"أوباااا!!!" قالت أفنان فور رؤيتها صورة نوح وهو يجلس في مكتبه بينما يمسك في يديه ‘المج’ الجديد الذي أهدته إياه ميرال.
"أفنان بصي!!! ده مش بس متصور بالمج بتاعي ده حط الصورة دي عشان جاله سؤال بيقول ورينا صورة آخر هدية جبهالك حد عزيز عليك! يعني هو شايفني حد عزيز عليه!!"
تحدثت ميرال بسعادة لا مثيل لها وقد لمعت عيناها ببريق لم تراه أفنان من قبل لكن قرأت عنه كثيراً في الروايات. اتسع حدقة العين واللمعة في عين البطلة دائماً. لكن بقدر السعادة التي شعرت بها أفنان لرؤية شقيقتها في تلك الحالة إلا أن قلقها قد ازداد أيضاً فماذا إن كان مصير شقيقتها هو ذاته مصير بطلة الرواية التي ينتهي بها الحال بقلب مكسور. هل حقاً يعني نوح أن ميرال شخص عزيز على قلبه؟ هل يدرك حجم ما فعله بالنسبة لميرال التي تنتظر منه ولو إشارة واحدة. أم أنه يقصد أنها عزيزة عليه كما الحال مع مريم!
"طبعاً أنتي حد عزيز عليه وعلى الناس كلها وأي واحد في الكون ده كله يتمنى أنه يتعامل معاكي وأنك تحبيه."
"بجد يا أفنان؟" سألت ميرال بنبرة أقرب إلى الهمس وهي تتحاشى النظر إلى عين أفنان بينما تعبث بأصابع يدها.
"عندك شك في كده؟"
"أصل يعني ساعات بحس أني مش مميزة.. سواء شكلاً أو شخصية، يعني أنتي مثلاً شخصيتك قوية ودمك خفيف فبتحذبي أي حد بيتعامل معاكي، مريم مثلاً أحلى مني شكلاً وكمان شاطرة في شغلها، ده حتى ريماس تعليمها وأسلوب كلامها بيخلي الجنس الخشن ينجذب ليها."
"الجنس الخشن ازاي يعني؟"
"عكس الناعم."
"اسكتي يا ميرال اسكتي الله يرضى عليكي عشان أنتي بتقولي أي كلام أصلاً، مبدئياً كده أنتي أجمل واحدة فينا ومش بقول كده مجاملة أو عشان أنتي أختي، وهقولك كام سبب عشان متفتكريش أني بقول كده وخلاص، أولاً أنتي أرق مني بكتير..
كملامح وشك أو نبرة صوتك يعني بجد رقيقة جداً وكيوت، ثانياً شاطرة جداً ومميزة في شغلك يعني عايزة أيه أكتر من أنك عرفتي تشتغلي في مجالك على طول الحمدلله، ثالثاً أنك شخصية متفاهمة ومتسامحة على عكسي مثلاً.." صمتت أفنان لثوانٍ وهي تبتلع ريقها ثم تكمل:
"يعني أنا مثلاً مش بعرف أنسى ولا أسامح غير بصعوبة كبيرة، وكمان مبقدرش أتقبل وجهات النظر أوي أنتي عارفاني طبعاً.."
كل دي مميزات عندك انتي بس ومش عند أي واحدة فينا. وكمان يا ميرال، كل واحد فينا ليه شخصية مميزة، حتى الناس أمثال ريماس بيبقى عندهم مميزات للأسف يعني. بس الفكرة أن مش كلنا بنقدر نُظهر الجانب الجميل ده من شخصيتنا، لكن انتي بتقدرِ.
انتهت أفنان وهي تأخذ نفس عميق بعد أن تحدثت لمدة طويلة بصورة متواصلة. لم تعلّق ميرال على ما قالته أفنان، بل نظرت نحوها بحب وحنان وقد لمعت عيناها بالدموع قبل أن تهم لتضم أفنان بقوة في عناق دافئ وهي تتمتم:
"أنا بحبك أوي بجد! معرفش حياتي كانت هتبقى عاملة إزاي من غيرك، ربنا يخلينا لبعض."
"وأنا كمان بحبك أوي. أوعي بقى هتفطسيني، وبعدين سيبيني أنام بقى عشان عندي تدريب الصبح إن شاء الله." أردفت أفنان وهي تبتعد عن ميرال وتذهب إلى سريرها. أمسكت بهاتفها لتقوم بضبط المنبه كي تستيقظ في ميعاد التدريب، لكن قبل أن تغلق الهاتف، جاءتها رسالة من رحيم محتواها الآتي:
"عندي Meeting (اجتماع) مهم بكرة، احتمال حد تاني يشرحلكوا. هحاول أتصرف وأشوفك قبل ما تمشي. يلا Goodnight."
قرأت الرسالة لكنها لم تجب، بل زفرت بضيق وهي تتمتم:
"يادي النكد."
"حصل إيه؟"
"رحيم مش هيدخلنا بكرة عشان قال إيه عنده ميتينج وزفت!"
"طب ما الراجل مشغول، ولا هو هيسيب شغله ويقعد جنبك يعني! المهم مقولتليش أرد على نوح أقوله إيه؟"
"في إيه بالظبط؟"
"عالصورة اللي هو منزلها."
"وتردي ليه؟ هو وجهلك كلام أساسًا؟ ده منزل صورة عادي، أتقل يا ميرال."
"بقالي أكتر من اتنين وعشرين سنة تقلانة يا أفنان، أتقل إيه أكتر من كده!!!"
"طب خلاص، أبقي اعملي reply (رد) بكرة مش دلوقتي."
"ماشي، تصبحي على خير."
"وأنتي من أهله."
في صباح اليوم التالي، اتجهت أفنان للشركة كالمعتاد. وقد صدق رحيم فيما قاله، فمن قام بعملية الشرح للجزء النظري هو شخص آخر غيره وغير نوح، والجزء العملي كذلك. وفي ذلك الوقت، كان رحيم يجلس بالفعل في أحد الاجتماعات الهامة من أجل الشركة. وبينما كان أحد الموظفين يقوم بشرح مخططات ما على البروجكتور، كان عقل رحيم في مكان آخر... شعر بحزن مفاجئ حينما أدرك شيئًا ما، وهو أن مدة التدريب على وشك الانتهاء!!!
هذا يعني أنه لن يرى أفنان مجددًا! فقد كان السبيل الوحيد للتحدث إليها ورؤيتها هو تدريب الشركة، لكن الآن هي ستختفي من أمام ناظريه. ستعود إلى الجامعة وسوف تنساه تمامًا وكأنه لم يكن، ولعلها تقابل فتى في مثل عمرها أو يكبرها بعام أو اثنين وتقع في غرامه!
"أيه رأي حضرتك يا دكتور رحيم..."
"رحيم؟"
"أنا متأسف جدًا... ممكن تعيد آخر جزء تاني؟ أنا بس مرهق شوية ففصلت."
"طبعًا يا دكتور رحيم، كنت بقول..." أعاد ما كان يقوله مجددًا ليحاول رحيم جاهدًا أن ينتبه هذه المرة.
"أنت دماغك مسافرة خالص النهاردة، الناس كلها خدت بالها." وبخه أنس بعد انتهاء الاجتماع وهو يجلس أمام رحيم الذي كان جالسًا على مكتبه وقد أعاد ظهره نحو الخلف على الكرسي بينما يعيد خصلات شعره الناعمة نحو الخلف.
"أيه ده، أنت خدت بالك؟"
"خدت بالي؟ مصر كلها خدت بالها يا اسطا. القطة منكدة عليك ولا إيه؟" سأل أنس باستنكار وبنبرة ساخرة لينظر نحوه رحيم باشمئزاز ثم يردف بانفعال:
"قطة؟ ما تحسن ألفاظك يا حيوان أنت!"
"وهو أنا شتمتها!!"
"لا بس الطريقة اللي بتستخدم بيها الكلمة دي مش بتبقى محترمة وأنا مقبلش أنك تقول عليها كده!!"
"ششش بس اسكت، أيه ده في إيه يا عم، هتديني درس في الأخلاق؟!"
"حقك على أهلي. الزفتة اللي اسمها أفنان زعلتك في حاجة؟" سأل أنس بنفاذ صبر وهو يزفر بضيق.
لينظر نحوه رحيم بحده قبل أن يقذفه بعلبة المناديل الورقية والتي كانت موضوعة داخل علبة سوداء فاخرة. تآوه أنس حينما اصطدمت بكتفه.
"هي دي الأخلاق والرجولة؟ بتضربني عشان ست أفنان؟"
"أنت ليه محسسني أنك مراتي وأني بخونك؟ ما تنشف كده يا أنس وكفاية دراما بليز."
"أنا ماشي سلام."
"كابتن مش ملاحظ أننا في شركة وشغل وممكن أخصملك باقي اليوم لو مشيت وكده؟"
"ياه يا رحيم ده أنا بهزر معاك يا أخي..." قاطع حديثهم رنين هاتف أنس. ليخرجه من جيب بنطاله وينظر طويلًا إلى اسم المتصل. توترت ملامحه ولا يجيب، بل يعيد الهاتف مجددًا إلى جيبه.
لكن ينظر نحوه رحيم بشك وهو يسأله:
"مين اللي بيتصل بيك يا أنس؟"
"ها؟ محدش... دي تيتا."
"تيتا الله يرحمها بتتصل بيك ازاي يعني؟ ماتصعش عليا يا أنس وقولي مين بيكلمك."
"طب من غير تهزيق ماشي."
"على حسب... اخلص!"
"مونيكا." اعترف أنس وهي يمسك بيد الكرسي خاصته إستعدادًا لأن يركض من المكان في أي ثانية.
"تاني يا أنس؟ هو أنت مبتحرمش يا ابني؟"
"المرة دي بتكلمني عشان الشغل والله." أقسم أنس بنبرة طفل يجلس في جلسة إعتراف أمام والدته والتي تمسك بفردة من 'الشبشب' في يدها كتهديد.
"وأما هو كده مردتش عليها ليه؟"
"ما هو أنت قولتلي مكلمهاش فقولت مردش قدامك عشان متعمليش حوار وأنا مصدع أساسًا."
"أنس حبيبي... You have 3 seconds to run وإلا هزعلك."
حينما سمع أنس ما قاله رحيم ورأى الغضب الكامن داخل عيناه، استقام من مقعده بكل هدوء قبل أن يهرول نحو الخارج. في طريقه اصطدم بأحدهم. لم يرى رحيم من حتى سمع صوت شجار:
"ما تفتح يا أعمى أنت!!"
"أفنان؟" همس رحيم وهو يستقيم من مقعده ويتجه مسرعًا نحو الخارج.
"صاحبك الأعمى ده كان هيخبط فيا لولا أني صديته لا وكمان مش عاجبه أني بقوله يعتذر!" صاحت أفنان بغضب شديد وهي تنظر نحو أنس بحده. ليأتي رحيم ويقف بالقرب منهم ويردف بلطف:
"أنا بعتذر بالنيابة عنه. وأنت يا بني آدم ما تفتح!"
"لا مش قابلة الإعتذار أنا عايزاه هو اللي يعتذر عشان هو اللي غلط مش أنت."
"ما خلاص بقى أنتي عاملة حوار على أيه وهو أنا ضربتك بالنار يعني؟" علق أنس بإستنكار ليزداد غضب أفنان أكثر وهي تضم قبضتها بقوة وتحاول التماسك كي لا ترتكب جريمة.
"خلاص حقك عليا أنا متزعليش. سيبك منه!" أردف رحيم بنبرة لطيفة وهو يقف حاجزًا بين أفنان وأنس. لتنظر نحوه أفنان لثوانٍ قبل أن ترتخي معالم وجهها الغاضبة وتردف بهدوء:
"ازيك يا دكتور رحيم عامل أيه؟"
"دي ملبوسة يا عم أيه الجنان ده!" قال أنس بإندهاش وهو ينظر إلى الفتاة الرقيقة التي تتحدث إلى رحيم والتي كانت أشبه برجال العصابات قبل دقيقة.
"أنا كويس الحمدلله أنتي أخبارك أيه؟" سألها رحيم بنفس النبرة الهادئة ذاتها، بينما يشير بيديه الموضوعة خلف ظهره لأنس بأن يرحل. فهو يعلم جيدًا أنه إن تفوه أنس بحرف آخر فلن تتردد أفنان في قتله في التو واللحظة.
"كويسة أو كنت كويسة يعني قبل ما بيه يخبطني ويعكنن مزاجي."
"هو أكيد مش قصده يخبطك هو مشافكيش أكيد."
"ليه إن شاء الله هو أنا شفافة؟"
"لا عشان أنا قولتله أنه قدامه ٣ ثواني ويمشي من قدامي وإلا مش عارف هيكون رد فعلي أيه... عمل حاجة يعني في الشغل عصبتني فهو خرج بسرعة ومخدش باله بس هي دي كل الحكاية."
"عارف يا رحيم لو الناس كلها بتتكلم بهدوء وذوق زيك كده الحياة هتبقى أحلى بكتير. خلاص هسامحه المرة دي عشان خاطرك بس المرة الجاية وحياة أمي ما هحله!" كان ينظر نحوها رحيم بإنبهار وخجل. فهو لم يتوقع أن تغازله بالطبع إن اعتبرنا أن تلك مغازلة. لكن انتهى به الأمر وهو يضم حاجبيه بإندهاش وعدم فهم. كيف لتلك الفتاة أن تتحدث بنبرتين مختلفتين تمامًا في الجملة ذاتها وكأنها تتحول إلى شخص آخر.
"خلاص سيبك منه بقى وركزي معايا. بصي أنا عايزك تذاكري كويس وتراجعي على كل الشرح القديم ولو في حاجة خش فاهماها اسأليني تمام؟"
"تمام بس ليه يعني؟ ده لسه بدري على إمتحان الكورس."
"بدري؟"
"اه."
"طب بصي في ال Date في الموبايل كده." نفذت ما طلبه لتنظر نحو هاتفها ثم تنظر نحوه ببلاهة.
"ف أيه بقى؟"
"التدريب خلاص قرب يخلص..." تحدث رحيم بنبرة أقرب للهمس وقد فاح منها الحزن. لتنظر نحوه أفنان طويلًا وقد شعرت بغصة في حلقها قبل أن تعلق بنبرة مرحة:
"معقول؟ الوقت عدى بسرعة أوي... يعني التدريب كان لطيف أوي فمحستش بالأيام وهي بتجري."
"ده أحلى تدريب أحنا عملناه هنا في الشركة... وأكيد هنعمل تدريبات تاني السنة اللي جايه تاني إن شاء الله وطبعًا هنبلغكوا لأن أنتوا أولى الناس بالتدريب عشان احنا Already أتعملنا معاكوا وعرفناكوا." أومئت أفنان وهي تنظر نحوه ببلاهة وهي لا تدري لما تحولت نبرته إلى تلك الرسمية الشديدة بعد أن كان يتحدث بنبرة دافئة وهو ينظر إلى داخل عينيها. ابتلعت أفنان الغصة التي في حلقها لترد على ما قاله برسمية ايضًا مردفة:
"تمام يا دكتور رحيم شكرًا لحضرتك. بعد إذنك."
سارت مبتعدة عنه لخطوات سريعة بينما زفر هو بضيق قبل أن يعود إلى مكتبه ويغلق الباب بقوة.
فور مغادرة أفنان لمقر الشركة هاتفها رحيم، فهو لم يخاطر بإضاعة المزيد من الوقت دون تفسير لما فعله. أجابت أفنان على الهاتف ببرود تام.
"نعم."
"أنا عارف أن تصرفاتي مش مفهومة. بصي وأحنا فوق وبنتكلم في واحدة من مديرين الشركة وجروب من البنات اللي بيتدربوا كانوا ماشيين من وراكي وأنا كان لازم اتكلم بالطريقة الرسمية دي عشان محدش يفهم غلط وأنتي تضايقي." حاول رحيم تفسير ما حدث وكانت نبرته صادقة. لكن أفنان لم تتأثر كثيرًا بما يقوله وأجابته بإقتضاب:
"مش متضايقة ولا حاجة."
"والله؟ ده صوت واحدة مش متضايقة؟"
"والله أنا أدرى بصوتي منك يعني."
"عالعموم أنا قولت أشرحلك عشان متزعليش و Sorry لو كنتي اتضايقتي.. هقفل بقى عشان عندي Meeting."
"سلام." أردفت بفتور قبل أن تغلق الخط دون انتظار رد منه. لا تدري لما يشعرها رحيم بالإضطراب. فهو يكون لطيف في اوقات كثيرة ثم فجأة تتحول نبرته إلى نبرة باردة الأمر الذي يزعجها كثيرًا. لكن في الوقت ذاته هو سريع الإدراك حينما يخطئ ويعمل سريعًا إلى إصلاح الموقف والإعتذار.
في طريق عودة أفنان إلى المنزل وادخل عربة الأجرة 'الميكروباص'. كان السائق قد أشعل مشغل الأغاني على أغنية تنتمي لفترة التسعينيات. أغنية من النوعية التي تعيدك خلال ثوانٍ إلى تجمع عائلي في أحد شواطئ المصايف المصرية الأصيلة. وهنا تذكرت أفنان على الفور كيف كانت تلهو برفقة نوح ومريم وميرال شقيقتها. كانوا جميعهم صغار ولم تخلق بينهم أية مشاكل. لكن الآن فقد انقطعت علاقتها بنوح تقريبًا بعده مرور تلك السنوات. أختفى أخاها وصديقها المقرب. والأحمق لم يحاول حتى إصلاح الأمر. تنهيدة عميقة صدرت من أفنان بحزن وهي تستمع إلى كلمات الأغنية بحنين شديد إلى الماضي.
في مساء ذلك اليوم جلست أفنان في حجرتها لتدرس قليلًا وتحاول إسترجاع المعلومات التي تعلمتها منذ بداية التدريب. لتقتحم ميرال الحجرة فور عودتها من العمل بعنف أشبه بطريقة أفراد مكافحة المخدرات.
"أفنان عرفتي اللي حصل؟"
"بسم الله الرحمن الرحيم أنتي طلعتي أمتى؟ وبعدين لا معرفتش في أيه عالمسا؟"
"ريماس حددت معاد الخطوبة... هيبقى الأسبوع اللي بعد الجاي." زفت ميرال الخبر لأفنان لتتسع عينيها وتترك ما في يدها وتنظر نحوها وتردف بإستنكار:
"يا ربي عالإستعجال!!"
معرفش دماغهم فيها إيه بجد. يعني هيلحقوا إمتى يحجزوا قاعة وتجيب فستان وميك أب؟ لا ثواني... هيجيبوا الشبكة إمتى أساسًا؟
"بيقولوا لبابا إن الواد اللي متقدم ده صاحب باباه عنده محل مجوهرات كبير، فهيروحوا يشتروا منه."
"طب كويس، ربنا يوفقهم بقى في اللي بيعملوه ده لو كان خير يعني..."
"أكيد خير، هو الجواز بقى شر إمتى؟"
"أكيد مبتكلمش عن الجواز في حد ذاته يا ميرال، صباح الفل. ولا حتى بتكلم عن طريقة الجواز دي في العموم، ما عادي جدًا إن حد يتقدملي عن طريق بابا أو ماما ونتقابل ونتكلم ونتعرف ومش لازم نبقى لوحدنا خالص، لا نبقى في مكان عام ومعانا أهلنا. اللي بتكلم فيه إن بأي منطق إنها تتخطب لواحد متكلمتش معاه كلمتين على بعض، لا قدام أهلها ولا من وراهم حتى!" فسرت أفنان وجهة نظرها ببعض الانفعال لتنظر نحوها ميرال بعدم اقتناع وتردف:
"أنتي عايزة تفهميني إنك خايفة أوي على ريماس يعني؟"
"بغض النظر عن ريماس كريماس، لكنها في النهاية بنت زينا وإنسانة برضوا. هي إنسانة مستفزة آه، بس إنسانة."
"سيبك من ريماس والحوارات دي. مالك ضاربة بوز ليه؟"
"عشان حاجتين ليهم علاقة برحيم."
"إيه ده معقول؟ سألتك وجاوبتي على طول من غير ما أقعد أقولك لا بجد مالك وفضفضي والحاجات دي. أحييكي إنك مبتحرقيش بنزين كتير والله." علقت ميرال بمزيج من الدهشة والسخرية. لم تعلق أفنان على حديثها بل بدأت تسرد سبب ضيقها.
"بصي أولًا رحيم طريقته بتتغير معايا قدام الناس، أو يعني زي ما قولتلك قبل كده ممكن مثلًا يجيله مكالمة فيقلب وشه ويكلمني ببرود، وأنا الموضوع ده بيضايقني جدًا جدًا."
"شكله هيطلع توكسيك ولا إيه؟"
"معرفش... المهم ده سبب. السبب التاني إن التدريب خلاص بيخلص وإني مش هشوف رحيم تاني."
"ليه هو مهاجر ولا إيه؟" سخرت ميرال من أفنان بالإضافة إلى ضحكة صغيرة سمجة.
"هنستظرف؟ هنستظرف." كررت أفنان كلمتها بصيغة السؤال مرة وبصيغة التأكيد مرة أخرى بنبرة ساخرة وهي تلقي الوسادة على ميرال ثم تضيف:
"التدريب هيخلص وأنا هرجع الكلية تاني بعد الإجازة، هنتقابل فين بقى إن شاء الله؟ عند أمي."
"مش عارفة... لو ليكوا نصيب تتقابلوا هتتقابلوا."
"خلاص كده؟"
"آه أومال أنتي فاكرة إيه." علقت ميرال بجملة مقتبسة من إحدى الأفلام الكوميدية.
"طب شوفي طيب نوتفيكشن المسدچات اللي بتجيلك من نوح."
"يا سلام لو كل واحد يخليه في حاله بجد." تمتمت ميرال وهي تمسك بهاتفها، وفي الوقت ذاته كانت تمسك أفنان بهاتفها أيضًا وتبحث عن شيء ما بتركيز شديد.
"بحاول أدور على أكونت رحيم عالفيس بوك بس مش عارفة أوصله... أنا أصلًا معرفش اسمه رحيم إيه ولا أعرف كاتب اسمه إزاي. كل واحد بيكتب اسمه بالإنجليزي بطريقة غير التاني."
"ابقي اسأليه."
"إيه العبط ده؟ لا طبعًا."
"خلاص لو بيلبس ID (بطاقة تعريف الهوية) شوفي اسمه باباه أو عيلته."
"لا برضوا مش بيلبس ID، بس مش مشكلة هحاول أتصرف في الحوار ده." أردفت أفنان وهي تلقي الهاتف بعيدًا وتعيد الإمساك بالأوراق التي أمامها لتنظر نحوها ميرال بتملل ثم تقترح الآتي:
"بقولك إيه ما تسيبك من المذاكرة دي وتعالي ننزل نتمشى شوية."
"ننزل نتمشى فين؟ وبعدين أنتي معاكي فلوس أصلًا؟"
"هنتمشى فين مثلًا؟ هو إحنا لينا غيرها... الزمالك طبعًا، وبعدين معايا فلوس ملكيش أنتي دعوة."
"طب ماشي، هقوم أشوف هلبس إيه."
"شوفيلي معاكي طيب."
"ينفع ألبس البلوزة الزهري بتاعتك؟" صمتت ميرال لثوانٍ وهي تنظر نحو أفنان ببلاهة.
"خلاص لو مش عايزة بلاش."
"لا ليه يعني... عادي أكيد. أنا هلبس البلوزة البني والطرحة الكافية."
"ما شاء الله مبدلين مع بعض، هنجيب للناس حول." علقت أفنان بسخرية وهي تنظر طويلًا إلى الثياب. كادت أن تبدل رأيها لكن في النهاية قررت ارتداء ثياب ميرال على سبيل التغيير.
"قولتي لماما إننا نازلين؟"
"آه، قولتلها أول ما جيت."
"ما شاء الله ده أنتي مخططة من بدري."
"حاجة شبه كده. يلا بقى عشان نلحق نرجع."
غادرت كلتاهما المنزل واتجهتا إلى حي الزمالك ليجلسوا داخل مقهى لطيف سويًا.
"هناكل ولا نشرب؟"
"أنا عن نفسي هشرب Ice coffee (قهوة مثلجة)، وأنتي؟"
"هطلب عصير مانجا." أشارت ميرال للنادل ليأتي ويأخذ طلبهم. بعد مرور بضع دقائق فوجئت أفنان بأحدهم يسحب الكرسي ويجلس أمامهم على الطاولة.
"إيه ده؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟!" صاحت أفنان بصوتها مرتفع فور جلوس نوح على الكرسي وقبل أن يتفوه بحرف واحد أمسكت بحقيبتها واستقامت من مقعدها وهي تضيف:
"أنا ماشية!"
"أهدي بس وأقعدي ومتفرجيش الناس علينا!" بالنبرة المرتفعة ذاتها تحدث نوح بحده، بينما حاولت ميرال أن تجذب ساعد أفنان لتحثها على الجلوس مجددًا لكن الأمر لم يجدي نفعًا بل ازداد سوءًا.
"أنت متتكلمش معايا بصيغة الأمر، أنت سامعني! وأنتي سيبي دراعي أنتي كمان!!"
"طيب لو سمحتي من فضلك وطي صوتك يا أفنان وأقعدي نتكلم زي الناس الكبيرة العاقلة، ممكن."
"وأنتي طبعًا كنتي متفقة معاه يا ست هانم صح!" وبخت أفنان ميرال التي نظرت نحوها بقلة حيلة وشعور بالذنب، ثم نظرت نوح الذي نظر لها بنظرة تعني 'سيبك منها'. ساد الصمت لبضع ثوانٍ بينما يتأمل نوح أفنان وقد انتبه أنها ترتدي اللون الزهري، لونه المفضل! لاحظت ميرال لمعة عيناه تلك فشعرت بغصة في حلقها قبل أن تحمحم وتقول:
"نوح اتفق معايا إني أعمل كده عشان هو عارف إنك هترفضى تقابليه. أنا مش قصدي أزعلك أو أضايقك أكيد."
"للدرجة دي مش طايقة تشوفيني؟"
"أومال كنت فاكر إيه؟ أنت مدرك للي أنت عملته وقولته ولا أنت مبتفهمش ولا إيه؟!"
"مبفهمش... وحمار وغبي وأكتر من كده كمان لو تحبي. أنا عارف إني غلطت غلطة كبيرة بس أنتي متعرفيش أنا ليه عملت كده!"
"مفيش أي مبرر للقرف اللي أنت قولته ده يا نوح. وأنا عمري ما هنسالك الكلام اللي أنت قولته ده... أنت جرحت كرامتي وأهنت شرفي، وحاجة متطلعش من واحد جاي من الشارع مش من ابن خالتي وأخويا اللي متربيين سوا!!"
كانت نبرة الخذلان والعتاب تغلف حديث أفنان. كانت كلماتها كالسهام التي تخترق قلب نوح فقد تضاعف شعوره بالندم، لكن أسوأ جزء في حديثها هي كلمة 'أخويا'. كانت ميرال تجلس في منتصف العتاب ولا تدري ماذا تقول لذا اكتفت بالصمت ومراقبة الوضع.
"أنا مدرك لكل ده كويس... بس برضوا أنتي..." حاول نوح أن يجد مبررًا لما فعله لكن أفنان قاطعته على الفور بحده مردفة:
"مش عايزة مبررات لأن مفيش أي مبرر للي حصل ده."
"أنا خايف عليكي منه! وشايف اللي أنتي بتعمليه ده غلط ومؤذي ليكي."
"وأنت بصفتك إيه تدخل في حياتي وتصرفاتي يا نوح؟ أنا كبيرة كفاية إني أبقى مدركة للوضع اللي أنا فيه ولتصرفاتي. أنا مش العيلة الصغيرة اللي كنت بتدافع عنها لما حد ياخد منها الحاجة الحلوة. أنا خلاص دخلت في العشرينات، أنت مدرك؟"
"أنا آسف."
"أسفك مش مقبول يا نوح... أنت خزلتني." اتسعت أعين نوح بعد جملتها الأخيرة... فهو يعلم أنه مخطئ وبشدة لكن شعوره بأنه قد خذلها يحرق قلبه.
"طب أعمل إيه عشان تسامحيني؟"
"معرفش. ما هو أنا غالبًا مش هسامحك أصلًا." تفوهت أفنان ليضرب نوح جبينه ويزفر بضيق لتقاطع ميرال ما يحدث بنبرة هادئة محاولة تلطيف الأجواء:
"بقولكوا إيه أنا هقوم أضبط الطرحة. أرجع ألاقيكوا اتصالحوا."
"ماشي، متتأخريش لحسن أختك ممكن تضربني." علق نوح بنبرة ساخرة لتقهقه ميرال فتنظر نحوهم أفنان بجدية ثم تقول:
"ها برضوا مش راضية تصالحيني." أردف نوح بنبرة حنونة يحاول استمالة قلب أفنان بينما يبدل مكانه ليجلس على كرسي ميرال بحيث يصبح أقرب من أفنان. تشيح أفنان بنظرها بعيدًا عنه وتنظر نحو الخارج من خلال الشرفة الزجاجية الكبيرة للمقهى لتجد شاب وفتاة يسيرون بالقرب من المقهى وفجأة توقف الشاب واقترب قليلًا من شرفة المقهى من الخارج ليتأمل أفنان ونوح بحدة قبل أن يبتعد عن المكان سريعًا...