تحميل رواية «في حي الزمالك» PDF
بقلم ايمان عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في شارع من شوارع إحدى أرقى الأحياء في مصر والأكثرهم هدوءاً، حي الزمالك، تسير هي وحيدة ليلاً. تتدندن بلحن أغنية ما للست أم كلثوم، وهي تضيف بضع كلمات من رأسها تماشياً مع اللحن، كونها لا تستطيع حفظ كلمات الأغاني. تمر من جانب شارع جانبي مظلم، فتسمع صوت آنين شخص يتألم قادماً من مكان ما، فتلفت حولها بحثاً عن مصدر الصوت. في أحد الأزقة المظلمة، يقف شاب كما يُطلق على أمثاله "شمام"، وقد قام بدفع شاب آخر نحو الحائط بقوة وهو يضغط على قفصه الصدري. على الأغلب هو يحاول سرقته، فلا تبدو الأمر كشجار قط. وقفت تراق...
رواية في حي الزمالك الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ايمان عادل
أكتر حاجة أخدتها جد في حياتي، أنس أنا قررت أتهور…”
“رحيم أوعى تكون بتفكر في اللي جيه في دماغي!!!” صاح أنس في وجهه ليحك رحيم جبهته بيده بينما يسأل بمزاح:
“أيه اللي جيه في دماغ طيب؟ أنت أصلًا دماغك قذرة فحدد من فضلك.”
“نفس اللي في دماغك وأنا بصراحة مش مقتنع ومش موافق.”
“أيه ده؟! أنت مالك أصلًا؟!!”
استنكر رحيم وهو ينكز أنس بخفه بينما صاح الآخر مُعترضًا ومحاولًا أن يُعيد رحيم إلى صوابه:
“ده كمين يسطا عشان تتقدملها، بتختفي بقى عشان تجري وراها وبتاع، فوق!!!”
“طب وايه المشكلة لما أتقدملها؟”
“شيت! يعني بتفكر تتقدملها فعلًا؟!”
“أنا مش عارف… أنا مش هقدر أبعد عنها ولا هقدر أشوفها مع حد غيري فأنا عايز أبقى جنبها بالطريقة اللي تريحها وتخليها مبسوطة، فين المشكلة مش فاهم؟”
“المشكلة انك هتقول نعمل فترة خطوبة عشان نتعرف على بعض اكتر بما أنك متعرفهاش كويس، فترة وهتزهق وعشان تحاول تخلع من الجوازة هتلاقي أهلها دبسوك في شبكة وعفش وأجهزة وترتيبات الهاني مون عقبال ما تحاول تفلفص ولا تفوق لنفسك هتلاقيك بقيت معاك عيلين وكرشك دلدل!!!”
فسر أنس وجهة نظرة وبالرغم من أن حديثه كان مشوب بالسخرية إلا أن تعابير وجهه كانت جادة تمامًا لينظر نحوه رحيم بإزدراء قبل أن يُردف الآتي:
“أنس أنا شاكك أن عندك fear of commitment ‘خوف من الإلتزام’ بس أنت شرحت الموضوع بأحقر طريقة ممكنه.”
“هو أنا أكيد عندي اه، بس أنا بكلمك بالعقل يا ابني ده كفاية أصلًا المشاكل اللي هتبقى بين عائلتك وعائلتها!”
كان أنس مُحقًا في تلك النقطة لكن رحيم لم يتفق معه، فرحيم يرى أن الأمور يجب أن تؤخذ ببساطة أكثر فلا داعي للتعقيدات لذا علق رحيم على حديثه مُردفًا:
“ليه كل ده؟ ما هو يمكن نعرف نتفاهم!”
“طبعًا لازم تقول كده، أنت مشوفتش هي ساكنة فين أو بيتهم عامل ازاي أو الشارع نفسه والمنطقة!”
“بس أنا هتجوز أفي لوحدها مش هتجوز كل الحاجات دي معاها وبعدين مالو بيتها يعني؟ ما هو زي أي بيت!”
تمتم رحيم مستنكرًا حديث أنس، فنظرة رحيم للزواج كانت أوربية بحتة حيث يظن أنه بعد عقد القران سيكون له حياة مستقلة تمامًا هو وأفنان بعيدًا عن عائلته وعائلتها وأنهم لن يذهبوا لزيارتهم سوى في الأعياد والمناسبات الرسمية لكن ذلك الوضع لا يتماشى مع المجتمع العربي بصورة عامة والمصري بصورة خاصة، فهو لن يقدر على عزل نفسه وأفنان بعيدًا عن الجميع وتدخلهم وتعليقاتهم والزيارات المتكررة بداعي وبدون.
“لا يا رحيم، بيت صغير في حارة مش زي قصر في الزمالك صدقني أنا مش قصدي أتكلم بطبقية زي ما أكيد باين من نبرتي وعارف أن أنتَ ممكن تحاول بكل طاقتك أنك تتجاهل الحاجات دي بس الحاجة إيڤلين هتوافق عالكلام ده؟”
سأل أنس سؤاله بوضوح ودون مراوغة وقد كان الحديث مُباغتًا لرحيم الذي بصق المياه التي في فمه وهو يسعل بقوة فلقد نسي تمامًا أمر والدته حينما كان يحلم بحياته الوردية برفقة أفنان، قهقه أنس بقوة على ردة فعل رحيم ليرمقه الآخر بحدة بينما يجذب المناديل الورقية ليجفف فمه ولحيته.
“ألحق جبنا في سيرة القط جيه ينط!”
“أيه؟!”
“أبوك بيتصل عليك.”
عقد رحيم حاجبيه قبل أن يسحب الهاتف من يد أنس ويُجيب على والده وقد كانت المُحادثة كالآتي:
‘بابي، خير في حاجة؟’
‘لو أنس جنبك روح أتكلم بعيد.’
حمحم رحيم قبل أن يستقيم من مقعده ويتجه نحو الحديقة الأمامية دون أن يتفوه بحرفًا واحد بينما كانت أعين أنس تراقبه بشك.
‘في حاجة حصلت ل Uncle فريد؟’
‘عرف أن أروى مش في المستشفى وقلب الدنيا.’
أعلن والده بنبرة جادة هادئة ليلعن رحيم أسفل أنفاسه لكنه حافظ على ربأطة جأشه وعاود السؤال بهدوء:
‘وبعدين؟ عرف يوصل لحاجة؟ وبعدين هو عرف منين أصلًا؟’
‘مراتة راحت تزور أروى ملقتهاش وطبعًا اتخانقت في المستشفى واتصلت بفريد وهو راحلها على هناك.’
‘لا لا ثواني بس، هي مامت أنس خرجت أمتى؟’
هنا بدأت نبرة رحيم تختلف قليلًا وقد كان واضحًا فيها الإضطراب لكنه سرعان ما حاول خفض صوته لكي لا يصل إلى الجالس بالداخل.
‘معرفش المهم دلوقتي أن أنت تفضل عندك شوية لحد ما الدنيا تهدأ وكمان عشان أنس لو رجع دلوقتي المشاكل هتكبر ونفسيته هتتعب زيادة.’
‘تمام يا بابي، شكرًا لحضرتك.. تصبح على خير.’
تنهد رحيم بضيق قبل أن يُخرج لفافة تبغ من العُلبة الفاخرة الموضوعة بإحدى جيوبه، ينفث الدخان بقوة وكأنه يحاول أن يُخرج همومه مع دخان السجائر، ازداد اضطراب مشاعره الآن.. هو حقًا يشعر بالحزن اتجاه أنس، المسئولية، والخوف هو حقًا يخاف فقدان صديقه أو رؤيته في حالة نفسية سيئة كما كان في الماضي.
“فريد عرف صح؟”
باغته أنس بسؤاله ليُغمض رحيم عيناه وهو يسب أسفل أنفاسة، لم يلتفت نحو أنس لكن الأخير تقدم بضع خطوات ليقف أمامه، يُدير رحيم وجهه نحو الجهة الآخرى متحاشيًا النظر إلى وجه أنس.
“رد عليا يا رحيم.”
“لا.”
“أومال uncle حامد بيكلمك في وقت متأخر زي ده ليه؟”
“أنس أنا حقيقي مش قادر أتكلم دلوقتي أنا مُرهق جدًا، تعالى ننام دلوقتي ونتكلم الصبح”
حاول رحيم الهروب من تساؤلات أنس وفضوله وقد نجح في ذلك حيث نبس أنس بقلة حيله:
“ماشي يا رحيم، على راحتك.”
في صباح اليوم التالي استيقظ رحيم على صوت رنين هاتفه وفي الوقت ذاته صوت جرس الباب، نهض بكسل وهو يتأفف متجهًا نحو الباب ليقوم بفتحه على الفور دون أن ينظر من الطارق، وقد كانت المفاجأة أنه وجد ناتالي تقف أمامه ومازال يبدو عليها بعضًا من آثار الثمالة، حك رحيم مؤخرة عنقه وهو يُردف بنبرة لا تخلو من التساؤلات:
“أوه ناتالي مرحبًا ما الذي جاء بكِ إلى هنا ‘Oh Natalie Hello, what brought you heree.؟!”
“صباح الخير رحيم، ألا تظن أن ذلك كان وقحًا قليلًا ‘Good morning Rahem, don’t you think thiw was a little bit rude’؟”
سألته بنبرة تجمع بين الجدية والسخرية في الوقت ذاته ليحمحم رحيم ويُدرك حقيقة كونه وقحًا بالفعل لذا حاول إصلاح الأمر قائلًا:
“أعتذر لم أقصد ذلك… أنا فقط… I am sorry, I didn’t mean.. I am jsut’..
“مين عالباب يا رحيم؟ يا فضحتي!!!”
تفوه أنس وهو يُغطي صدره العاري بإحدى الوسادات فور تحرك رحيم بعيدًا عن الباب فيفاجئ أنس بناتالي تُحملق به بتعجب.
“أنتي ازاي تدخلي على اتنين رجالة لوحديهم كده؟ الناس تقول علينا أيه؟”
سأل أنس بنبرة ساخرة خليعة لتنظر نحوه بتعجب وحيرة بينما رمقه رحيم بحده قبل أن ينظر نحوها وهو يُعيد خصلات شعره المُبعثرة نحو الخلف بقوة وهو لا يدري كيف يصوغ كلماته التي على وشك أن يتفوه بها بطريقة لائقة بينما طالعته هي بإندهاش شديد لأنه لم يعرض عليها أن تدلف إلى داخل المنزل بل على العكس تمامًا وقف أمام الباب وكأنه يمنعها من المرور.
“أعتذر ناتالي لا يمكنني إدخالكِ انتظريني في الحديقة الخلفية من فضلك سأبدل ثيابي وألحق بكِ I am sorry Natalie i can’t let you in, please wait for me in the backyard i will change my clothes and follow you.”
كانت كلمات رحيم نبيلة كالمعتاد فهو لا يستطيع السماح لها بالدخول وفي الوقت ذاته لن يقوى على طردها أو فعل شيء من هذا القبيل لكن ناتالي كانت فطنة كفاية لتستوعب ما يرمي إليه رحيم لذا منحته ابتسامة باردة وهي تنبس بالآتي:
“لا أنا سأغادر الآن وسأتصل بكَ لاحقًا لكي نقضي الليلة معًا ”No thank you, i’ll leave now & i will call you later to spend the night with you’.
“للأسف رحيم سيكون منشغلًا طوال اليوم ‘Unfortunately Rahem will be busy all dayy’.”
“حسنًا، وداعًا ‘Fine, Bye’.”
بصقت كلماتها بإستياء شديد قبل أن تجذب حقيبتها وتُغادر، لقد كان أنس وقحًا وقد تعمد فعل ذلك، رمقه رحيم بحده قبل أن يلحق بناتالي ليودعها ويقوم بإيصالها إلى سيارتها، عاد بعد بضع دقائق ليجد أنس قد تمدد على الأريكة وقد قام بتشغيل أحدى الأفلام على التلفاز.
“أيه يا ابني قلة الذوق دي؟”
“قلة ذوق اه، روح شوفلك حاجة تعملها يا رحيم وأبعد عني.. أنا بحاول بكل طاقتي أن مقومش أكسر الشاشة دي على دماغك.”
“طيب، أنا هنزل ال Basement ‘القبو’ أدور على كام حاجة كده.”
“ماشي يا أخويا، أتكل على الله.”
تركه رحيم واتجه نحو القبو والذي قد كسته الأتربة فلم تعد له أي ملامح، كان كبير نسبيًا وذو شرفه صغيرة ويمكنك الوصول للقبو عن طريق سُلم معدني قديم، خطى رحيم نحو الداخل بحظر وهو يبحث عن مصدر للإضاءة حتى وجد واحدًا بالفعل، تعجب رحيم من كون المكان بهذا السوء بالرغم من هوس والدته بالنظافة لكن ربما لا تهتم هي كثيرًا بهذا المكان فقد اعتبرته مقبرة جماعية لكل الذكريات التي لا قيمة لها؛ والتي أغلبها تنتمي لرحيم.
كان رحيم مُنتبهًا لخطواته وما تلمسه يده فبلا شك سيجد العديد من الحشرات الزاحفة هنا، بعد دقائق من العبث الذي لا جدوى منه وجد رحيم صندوقًا خشبيًا باللون الأزرق الداكن يعرفه جيدًا، ذلك الصندق يحوي أغلب صور المرحلة الجامعية خاصة رحيم وبضع صور لطفولته، ابتسامة واسعة شقت وجهه وقد لمعت عيناه من الحماس وهو يجذب الصندوق الثقيل نوعًا ما ويصعد نحو الأعلى، لم يجد أنس لذا توقع أنه ذهب لشراء بعض الأغراض أو ربما التسكع في الجوار، اتجه رحيم للجلوس في حجرته ومشاهدة الصور على ألحان أغاني أوروبية عريقة قد قام بتشغيلها على الحاسوب المُتنقل خاصته.
أمسك رحيم بعدة صور مُتجمعة سويًا جميعها تخص حياته الجامعية وبالتحديد السنة الأولى، كان يدرس رحيم في بريطانيا وقد كان أنس برفقته منذ اليوم الأول كما كان معاه منذ اليوم الأول في الروضة، ضحكة هادئة غادرت فم رحيم حينما نظر إلى أسلوبه في تمشيط شعره وذوقه في اختيار ملابسه فهي الآن مُضحكة للغاية لكن في وقتها كانت أكثر صيحات الموضة انتشارًا وكان رحيم وقتها من أوسم ثلاثة فتيان في كُليته فهو يمتاز بملامح عربية لا مثيل لها هناك بالإضافة إلا نكهة أوروبية لا تخفى عن الجميع كلون عيناه الخضراء مثلًا.
كانت ضحكات رحيم تنساب واحدة تلو الآخرى وهو ينظر إلى الصور وإلهي كم كان سعيدًا بمعطفه الأبيض الخاص بالجامعة حتى أن والده قد أمر بصنع واحدًا خصيصًا من أجله قد طُرز عليه أول حرفًا من اسمه، اسم والده واسم العائلة كذلك، بعد ثوانٍ اختفت ابتسامته حينما أمسك بأول صورة تظهر بها ناتالي، أميرة الجامعة، ذات الخصلات البُنية الداكنة المشوبه ببعض من اللون الذهبي والذي لم يعلم رحيم قط هل هذا لونًا طبيعي أم هي من قامت بصغبه لكن ذلك لم يُشكل فارقًا فهي بدت غاية في الجمال على أي حال، كانت ممشوقة القوام وتمتاز بساقين طويلتين جسدها كان أشبه بجسد عارضة أزياء ولم تكن تعمل هي في ذلك المجال حينها، عيناها خضراء مشوبه بالزرقة وليست كخاصة رحيم.
أخذ رحيم يُقلب الصور بين يديه حتى وصل إلى صورة له برفقة ناتالي كانت في أحدى حفلات الجامعة، ترتدي هي فستان باللون الوردي ورحيم يرتدي بذلة باللون الأسود ولقد كان أكثر نحافة من الآن، كانت ناتالي تقف بين أحضانه وتبتسم بينما يلف ذراعيه حولها ويبتسم ابتسامة واسعة، مازال يذكر شعوره في ذلك الوقت منذ أكثر من خمس سنوات، كيف كان سعيدًا في ذلك الوقت بل قد شعر بأنه يملك العالم أجمع، أموال لا نهاية لها، تفوق دراسي وشعبية عالية، وسامة يُحسد عليها وحبيبة مُبهرة مُخلصة يتمناها أي شخص… مُخلصة؟!
سأل رحيم نفسه بسخرية قبل أن يُمسك بالصورة بعنف وكاد أن يُمزقها لكنه سرعان ما تذكر كلمات أنس حول الإحتفاظ والذكريات حُلوها ومُرها فحتى وإن استطاع تمزيق الصورة التي في يده فكيف له أن يمحو تلك الذكريات من رأسه؟!!
“رحيم!”
صاح أنس فور اقتحامه لغرفة رحيم ليقفز الآخر من موضعه وهو يوبخ الآخر مُردفًا:
“خضتني يا بني آدم أنت! وبعدين أنت كنت فين؟”
“كنت بجيب أكل و… موبايلك رن و… أنا رديت بصراحة…”
تفوه أنس وهو يلهث بقوة لتضطرب معالم رحيم ظنًا منه أن المتصل والده وأن أنس قد علم بشأن ما حدث لكن ما قاله أنس كان عكس ذلك حيث كانت معالمه تجمع بين التوتر والأمل ربما.
“أتصلوا من المستشفى وعايزينا نروح دلوقتي.”
“خير إن شاء الله، Good news or bad news ‘أخبار جيدة أم سيئة’؟”
“مش عارف… المفروض Good news ‘أخبار جيدة’.”
أومئ رحيم بهدوء ووضع الصور الفوتوغرافية جانبًا واستقام على الفور لتبديل ثيابه وبعد مدة قصيرة نسبيًا وصل كلاهما إلى المستشفى، تسارعت نبضات قلب أنس كلما أقترب من حجرة شقيقته وقد رأى الطبيب على مرمى البصر يقف هناك بإنتظارهم وبالرغم من أنه يعلم أنه على وشك سماع أخبار سعيدة من المفترض إلا أنه شعر بقلبه على وشك التوقف من كثرة التوتر.
اقترب أنس بخطى بطيئة ليضع رحيم يده على كتف أنس وهو يمنحه ابتسامة صغيرة دافئة لعلها تجعله يهدأ قليلًا، رحب بهم الطبيب ثم أخبرهم بالمُستجدات في حالة أروى، وقد كان الأمر كالتالي: مؤشراتها الحيوية في تحسن وقد بدأت في تحريك يدها بحركات بسيطة وكذلك استطاعت فتح عينيها نسبيًا لكن بالطبع الرؤية ليست واضحة كليًا ربما لم تكن تطورات كبيرة لكنها مؤشر جيد على التحسن خاصة في حالة كحالتها تلك.
“أنس مُستعد تدخل؟”
سأله رحيم بعد أن منحه عناقًا صغير ليُبادله أنس ثم يفصل العناق وهو يتمتم:
“لا أنا خايف.. أنت.. هتستناني هنا صح؟”
“اه، متخافش أجمد كده أول لما تخرج هتلاقيني واقفلك هنا.”
“تمام.”
نبس أنس وكان على وشك الدخول إلى الحجرة لولا أن أوقفه صوت رحيم وهو ينصحه بالآتي:
“أنس خليك حاطت في بالك أن هي فاقت بس مش في كامل وعيها عشان متحطش توقعات عالية ماشي؟”
“عارف.. متقلقش..”
دلف أنس نحو الداخل ليجد شقيقته مُمدة على سريرها الأبيض كنقاء قلبها، كان وضعها يُشبه ما رأه سابقًا عدا أنها قامت بتحريك يدها حينما همس بإسمها وهو لا يدري هل قامت بتحريك أصابعها كردة فعل لسماع صوته أم أنها لم تسمعه وقامت بتحريك يدها من تلقاء نفسها لكن ذلك لم يُهم أنس في تلك اللحظة، فكل ما كان يشغله هو أن شقيقته تتحسن وقد أصبح تحسنها ملحوظًا، دنى من شقيقته ليُقبل يدها والتي بللتها العبرات التي انهمرت من عيناه بدون مُقدمات.
فتحت أروى عيناها نسبيًا وببطء شديد، أعين زائغة ورؤية مشوشة لكنها كانت خطوة إيجابية في طريقها نحو الشفاء، اعتدل أنس وأقترب من وجهها قليلًا علها تستطيع رؤيته بينما شعر بقلبه يكاد يقفز خارج صدره من شدة السعادة والفرح أما عن عقله فقد توقف عن العمل لحظيًا ولم يشعر بنفسه سوى وهو يُردد كلمات الحمد والشكر لله بإستمرار دون توقف بينما يُمسك بيد شقيقته برفق.
بالعودة إلى مصر ففي صباح ذلك اليوم وبمجرد أن استيقظ والد أفنان بدل ثيابه واتجه مباشرة نحو منزل شقيقتها ليوبخها ومن ثم يضع حدٍ لما حدث مع ريماس، لم يُفسر لزوجته أي شيء حيال ذلك الأمر فهو لا يريد أن ينتشر الخبر بين الجميع ففي النهاية ريماس مثل ابنتيه تمامًا، بعد ساعة تقريبًا كان والد أفنان يقف أمام منزل شقيقته.. يطرق الباب بهدوء عكس الغضب والضجيج الذي كان بداخله.
“ايوا… خالو؟”
“صباح الخير يا حبيبتي، ماما صاحية؟”
“هي… هي أفنان حكتلك حاجة؟”
سألت ريماس بتوتر شديد وهي تُقرب ثيابها من جسدها في محاولة لإخفاء الكدمات، لم يُعلق أحمد بكلمة بل ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يضع يده على كتفها بلطف بينما يطلب منها الآتي:
“ممكن تندهيلي ماما وتدخلي أوضتك؟”
“حاضر… اتفضل يا خالو.”
“صباح الخير يا أخويا يادي النور يادي النور.”
“صباح النور يا سميرة، أخبارك أيه؟ وجوزك أخباره أيه؟”
تحدث برسمية شديدة وبتعابير وجه جامدة بينما كانت الإبتسامة تزين وجه شقيقته لكنها سرعان ما أختفت حينما تفوه بإسمها لتسأله بقلق:
“خير يا أحمد؟ قلقتني أول ما تندهني بإسمي بعرف أن في مصيبة.”
“أنتي عارفة أن خطيب ريماس بيضربها؟”
سأل بنبرة هادئة مُحاولًا بدأ الحديث دون شجار، أجابته شقيقته بنبرة كاذبة واضحة مُردفة:
“أيه؟ مين اللي قالك الكلام الفارغ ده مفيش حاجة من الكلام ده حصلت.”
“أنا مش بسألك هو بيضربها ولا لا، أنا بسألك أنتي عارفة ولا لا.”
“وأنا بقولك بنتي محدش بيضربها… أيه أصلًا اللي جاب الفكرة دي في دماغك؟ أكيد المزغودة أفنان بنتك هو ده كلامها.”
تحدثت بنبرة هجومية لم تُحسن من وضع الحوار الذي يدور بينهم بل جعلت والد أفنان يستشيط غضبًا وهو يُوبخ شقيقته قائلًا:
“متدخليش بنتي في الكلام يا سميرة، أنا بسألك سؤال ومش عايز كذب! أنتي ازاي كده؟ أنتي بجد بني آدمة طبيعية يعني؟”
“مالك يا أحمد في أيه؟ دي أول مرة ترفع صوتك عليا من سنين في أيه مستاهل كل ده؟!”
“أيه مستاهل كل ده؟ يعني صحة وكرامة بنتك متستاهلش أني أتعصب وأكسر الشقة على دماغك أنتي وجوزك اللي محدش فيكوا واخد باله من بنتكوا!”
صاح بصوتًا مُرتفع والشرار يتطاير من عينيه على عكس طبيعته الهادئة في الأوقات العادية، كانت ريماس تراقب ما يحدث من بعيد بينما تنهمر دموعها في صمت وكانت تتمنى أن يستيقظ والدها لعله يستطيع نصرها وأن يكون في جانب خالها لكن ذلك لم يحدث نظرًا لكبر مساحة منزلهم فقد كانت غرفة والديها منعزلة في نهاية الشقة، كما أن والدها لم يكن ليأخذ ردة فعل قوية كخاصة خالها.
“هي اللي عصبته! وبعدين ما كل الستات بتضرب عادي في أيه يعني؟!”
“كل الستات بتضرب؟ مين كل الستات اللي بيتضربوا دول يا سميرة؟ وحتى لو ده السائد هل أنتي شايفة أن دي حاجة كويسة؟ أنتي مدركة أنتي بتقولي أيه؟ دي بنتك ضناكي المفروض متستحمليش عليها الهواء!”
كان يتحدث والد أفنان بصدمة شديدة فعلقه لا يقدر على استيعاب ما يسمعه، شقيقته تتفوه بذلك الحديث الفارغ وهي تتحدث عن ابنتها!
“أنت مكبر الموضوع! البت عصبته وهو مستحملش مجراش حاجة يعني وبعدين ما أبونا كان بيضرب أمنا ولا أنت نسيت؟”
“لا منستش وعشان كده من يوم ما أتجوزت وأنا خدت عهد على نفسي أن أيدي متتمدش على مراتي ولا على بناتي وتتقطع ايدي لو عملت حاجة زي كده، أنا شوفت تعامل أبونا الله يرحمه مع أمنا ربنا يديها الصحة وعشان مكررش المأساة دي تاني قررت أكسر الدايرة دي وأبقى مختلف وأحسن.”
“طبعًا ما أنت الملاك البرئ وأنا دايمًا الشيطان، ما هو أنت مشوفتش فرق المعاملة اللي بيني وبينك من وأحنا عيال!”
“سميرة بطلي تعيشي دور الضحية، لأن حتى لو اتظلمتي وأنتي طفلة فأنتي دلوقتي كبيرة ومسئولة عن كل تصرفاتك، وإن كان بابا الله يرحمه كان بيميزني عنك زمان فأنا كنت بدافع عنك طول الوقت ومصروفي كنت بجبلك بيه اللي نفسك فيه ومبجبش لنفسي حاجة، ومن ساعة ما بابا مات وماما بتدوس عليا وعلى حقوقي عشانك.”
“بقولك أيه خلاصة الموضوع ملكش دعوة بريماس، دي بنتي وأنا حرة فيها أطلع أنت منها.”
حاولت إنهاء الحديث عند ذلك الحد ظنًا منها أن شقيقها سيستسلم لكنه باغتها بسؤاله عن زوجها مُردفًا:
“جميل أوي الكلام ده، جوزك هنا؟”
“ملكش دعوة بجوزي ولا ببنتي واتفضل يا أحمد من غير مطرود.”
“لا يا خالو متمشيش، أنا هصحي بابا.”
“أنتي يا بت خدي هنا.”
“ازيك يا أبو حميد عامل أيه؟ منور.”
تحدث بودٍ شديد لكن الآخر لم يبادله الإسلوب ذاته فلقد كان الإستياء مُسيطرًا عليه بالفعل.
“بنورك يا سامح، معلش عايزك في كلمتين على إنفراد.”
“طبعًا يا أحمد تعالى نقعد في ال Living جوا.”
بعد مرور خمسة عشرة دقيقة تقريبًا كان أحمد قد سرد كل ما يعرفه لزوج شقيقته والذي كانت تعابير وجهه مزيج بين الدهشة والغضب لكن أحمد شعر بالإحباط والإستياء فقد كان يظن أن ردة فعله على ما يقول ستكون أكثر حدة.
“أنا هجيب الولد ده وأهزقه عاللي عمله، هو فاكر أن ملهاش أهل؟”
“وبعد ما تجيبه؟”
“هخليه يعتذرلها ويبوس رجليها كمان.”
“وبعدين يعني؟”
“وبعدين أيه مش فاهم؟”
“مش هتخليها تفسخ خطوبتها يعني؟ هو أنت بتفكر ازاي أنت ومراتك دي؟! أنتوا والله ما تستاهلوا تبقوا أب وأم، أنا ماشي.”
“استنى بس يا أحمد الكلام أخد وعطاء، المواضيع مش بتتاخد بالطريقة دي.”
“أبقى حلها أنت بطريقتك، أنا ماشي ولعلمك هاخد ريماس معايا تقعد مع أخواتها.”
“مش هقدر أقولك حاجة ما هي بنتك زي ما هي بنتي وهبقى مطمن عليها وهي مع بناتك، أنا هتكلم مع سميرة وهشوف حل في موضوع فريد ده.”
في عصر اليوم التالي عادت أفنان من الجامعة لتجد والدتها ترفع رأسها نحوها بشك بمجرد أن تخطو أفنان إلى داخل المنزل لتنظر نحوها أفنان برعب وهي تُردف:
“يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، في أيه يا ماما خير إن شاء الله؟”
“أنتي يا سوسة أنتي العقل المُدبر للكوارث اللي بتحصل كلها، عملتي أيه في أبوكي خلتيه ينزل على ملا وشه كده النهاردة؟”
“يووه! أنا عملت أيه؟ تلاقيه رايح لمراته التانية شكلك ضايقتيه يا رورو.”
داعبت أفنان والدتها مُتعمدة إثارة غيظها لتضع والدتها يدها على خصرها وضيقت أحدى عينيها وهي تُردف:
“خلصي يا أفنان وقولي عملتي أيه الجو ده مش هياكل معايا وبعدين مراته التانية مين ده لو لف العالم كله مش هيلاقي زيي هو أنتوا في حد يستحملكوا غيري أصلًا؟!”
“الله! طب ليه الغلط ده يا حجة؟ اللي حصل إن… لا مش هينفع أحكيلك، سيبيني بقى أدخل أغير ده أنا من تمانية ونص واقفة على رجلي في السكشن.”
“خلاص براحتك… طب بقولك أيه غيري هدومك وتعالي أقفي معايا في المطبخ شوية.”
“بس كده؟ من عنيا.”
علقت أفنان لتبتسم والدتها بنصر ثم تصطحبها إلى المطبخ، جلست أفنان على الطاولة الصغيرة التي توسطت المطبخ وهي تقوم ‘بتفصيص’ قروزن البازلاء التي أشترتها والدتها بينما تسرد لها كل ما حدث فلقد وضعتها والدتها في خانة اليك فلا أحد يستطيع مقاومة جلسة المطبخ برفقة والدته دون أن يتفوه بكل خباياه.
“بس يا ستي دي الحكاية من طق طق لسلامو عليكوا، فبابا غالبًا رايح يشوف حل للمشكلة دي مع عمتو بس يا ماما أوعي تفتني وتقولي أنك عرفتي.”
“متقلقيش سرك في بير.”
“سري في بير؟ أعتبره كده أتنشر بينك وبين خالتو وبين مية أربعة وسبعين آخرون.”
“بقولك أيه سيبي البسلة اللي بقالك ساعة بتعمليها دي وشوفيلك حاجة تانية تعمليها، أنا بتخنق لما يبقى في حد معايا في المطبخ.”
“والله؟ دلوقتي بقيت بتتخنقي يا ماما؟ طبعًا ما أنتي استفردتي بيا خلاص وعرفتي اللي عايزة تعرفيه! صحيح واقفة المطبخ ملهاش آمان.”
نبست أفنان بنبرة درامية مُبتذلة قبل أن تقهقه هي ووالدتها لكن يقطع صوت ضحكهم صوت باب المنزل وهو يُصفع بقوة، تنتفض أفنان من قوة الصوت ثم تستقيم من جلستها لتذهب لرؤية من تسبب في ذلك وقد توقعت أن والدها قد نسي شيئًا وعاد في الغالب لكنها على عكس توقعها لم تكن سوى ميرال.
“أبقي دغدغيلنا الباب المرة الجاية بقى عشان قفلتيه براحة أوي.”
“مش فايقه لهزارك خالص.”
“أيه ده في أيه؟ وشك مقلوب كده ليه؟”
“مفيش.”
“أقعدي هنا هو أيه اللي مفيش؟ ده شكله يوم نكد عالمي النهاردة.”
“قولتلك مفيش بطلي زن بقى وسيبيني في حالي!”
صاحرت ميرال في وجه شقيقتها لتجفل أفنان لثوانٍ من نبرة ميرال الغريبة تلك فهي بالعادة لا تتحدث إليها بتلك الطريقة.
“اسيبك في حالك؟ بقى أنا يا ميرال الكلب تفضحيني وتحكي لبابا على موضوع رحيم؟!”
“أيه؟ لا طبعًا… محصلش!”
“يا شيخة كفاية كذب ده أنتي كذابة كذب الإبل، بابا فتن عليكي.”
وبختها أفنان بحنق ممتزج بالسخرية لتُعلق شقيقتها بالسخرية ذاتها قائلة:
“ما شاء الله أحنا أسرة كلها بتفتن على بعضها، وبعدين أنا عملت كده عشان كنت خايفة عليكي وبعدين أحمدي ربنا ده أنا كده أمتصيت شوية من عصبية بابا.”
“ماشي في دي عندك حق، قوليلي بقى أيه اللي مزعلك وبعدين ثواني.. هو أنتي مش راجعة بدري شوية ولا أنا بتهيألي؟ اتخانقتي مع نوح صح؟”
“لا طبعًا، هو في اتنين مخطوبين هيتخانقوا في الأول كده؟!”
استنكرت ميرال حديث أفنان وهي تبتسم ساخرة لكن نبرتها لم تكن مُطمئنة كثيرًا بالنسبة لأفنان.
“متأكدة؟ أصل عادي ده في ناس بتتخانق وهما قاعدين في الكوشة.”
“بصراحة أصل المدير بتاع الشركة أتعصب عليا النهاردة ونوح كان معايا عالتليفون.. المدير كان مضغوط أصلًا وأتعصب علينا كلنا وبعدها أعتذر لكن نوح فضل متضايق ورأسه وألف سيف أني أسيب الشغل…”
“الله! ده عبيط ده ولا أيه؟ أحنا هنبتديها تحكمات من أولها يا سي نوح؟!”
“هو مش قصده هو خايف عليا… أكيد هو كمان مضغوط.”
“صح فعلًا، أصل الناس كلها مضغوطين وأنتي قاعدة بتلعبي بالية، ما أنتي كمان مضغوطة يا بني آدمة! مش من حق حد يطلع عصبيته عليكي! طب عالأقل المدير أعتذر الدور والباقي على نوح!”
“ما هو عشان كده مكنتش عايزة احكيلك عشان هتطلعي نوح غلطان في كل حاجة.”
“يا خبر أبيض على بنات العيلة اللي طلعوا بيعشقوا الرجالة التوكسيك، ده انتوا ربنا يشفيكوا والله.”
“نوح مش توكسيك ده أولًا، ثانيًا بقى مين بنات العيلة؟ ليه صيغة الجمع دي؟”
“لا مفيش حاجة سيبك أنتي متشغليش بالك.”
“هو ده صوت باب الشقة؟ هو كلكوا بتتعاملوا مع الباب بعنف ليه النهاردة؟ ده الباب لو بينطق كان سبلنا.”
علقت أفنان بسخرية لتقلب ميرال عيناها بتملل وهي تتمدد على السرير وهي تنبس بالآتي:
“طب قومي بسرعة افتحي، ماما شكلها بتصلي.”
“هقوم، هو ده يا بابا يا عم محمد بتاع الكشك طالع ياخد الخمسة جنيه بتاعته اللي عندي.”
“بابا حمدلله.. على سلامتك؟! متكوا… حمدلله على سلامتكوا، أهلًا يا ريماس ازيك؟”
تلعثمت أفنان في حديثها حينما وقعت عيناها على ريماس التي وقفت خلف والدها بخجلًا شديد، أخذت تنظر أفنان نحوهم ببلاهة بينما يحاول عقلها ترجمة ما يحدث.
“طب وسعي السكة خلينا ندخل.”
نبهها والدها حينما وجدها تقف كالصنن بصدمة لتفيق أفنان من شرودها وهي تُتمتم:
“اه لا مؤاخذه يا حج، اتفضلوا.”
“هي ميرال رجعت من برا؟”
“اه خدت إذن من الشغل، منورة يا ريماس.”
“شكرًا ربنا يخليكي.”
“اتفضلي اقعدي يا حبيبتي.”
قال والد أفنان لتذهب أفنان لتجللس فيضحك والدها بصوتًا خافت لتنظر نحوه أفنان بإندهاش لكن سرعان ما تستوعب أن جملته لم تكن موجهة إليها بل لريماس، يمتعض وجهها على الفور لأن والدها قد لقب ريماس ‘بحبيبته’ في حين أنه يدري أن أفنان شديدة الغيرة عليه وكذلك شعرت بالحنق لأن والدها لم يُخبرها بأنه سيُحضر ريماس برفقته إلى المنزل.
“ممكن تنادي رانيا وميرال؟”
“حاضر يا بابا من عيوني.”
“ماما بابا برا ومعاه ريماس.”
أعلنت أفنان لتُلقي والدتها الملعقة الساخنة التي كانت في يدها بعد أن أحرقت يديها بها عن طريق الخطأ نتيجة سماعها لما قالته أفنان لتُعلق بإستياء وسخرية:
“ما شاء الله على أخبارك اللي زي وشك يا ست أفنان، هو أبوكي كان قايلك أن هي هتيجي معاه؟”
“لا والله ابدًا، مجبش سيرة ده أنا حتى مندهشة زيي زيك، اخرجيلهم بقى عقبال ما أنادي ميرال.”
بعد أن انتهت التحيات المُبتذلة جلس جميعهم على الأرائك، كانت ريماس مُحرجة ومنكمشة على ذاتها على غير العادة بينما جلست أفنان مُتربعة على الكُرسي مُنتظرة سماع ما سيقوله والدها.
“ريماس هتنورنا كام يوم كده، هتقعد معاكوا في الأوضة طبعًا وهي جابت شوية هدوم معاها وكده.”
“تنور طبعًا البيت بيتها.”
“أنا عارفة… أنا عارفة أن وجودي مش حاجة لطيفة بالنسبالكوا بس صدقوني أنا مش هبقى ضيفة تقيلة خالص…”
“لا طبعًا يا حبيبتي متقوليش كده أنتي زيك زي أفنان وميرال وتقعدي زي ما أنتي عايزة، أسيبكوا أنا بقى وأقوم أشوف الأكل اللي عالنار.”
“طيب يا حبيبتي، وأنتوا يا بنات خدوا ريماس تغير وشوفوا هتضبطوا النومة ازاي.”
“حاضر يا بابا.”
“أفنان خدي عايزك.”
“اؤمرني يا حجوج.”
“براحة على ريماس ها، البنت مش هتستحمل جنانك.”
“أنا يا حاج؟ ده أنت ظالمني ده أنا نسمة، متخافش أنا هشيلها على كفوف الراحة… وأهبدها عالأرض.”
“نورتي بيتنا يا أخت ريماس، هقولك دلوقتي شوية قواعد كده هنمشي عليها طول فترة إقامتك الكريمة، اولًا أي أكل أمي هتعملوه هتاكليه وأنتي ساكتة حلو بقى وحش متفتحيش بوقك، وده مش استقصاد ليكي إطلاقًا هو أحنا بنضطر نعمل كده برضوا، زي ما أنتي شايفة دي أوضتنا اللي بقالك سنين مشوفتيهاش فيها سريرين واحد كبير وواحد صغيرة، هنام أنا وميرال عالكبير وأنتي نامي عالصغير.”
ألقت أفنان التعليمات على مسامع ريماس وميرال وقد كانت تنتظر من ريماس أن تُبدي اعتراضها لكن على عكس توقعاتها لم تتفوه ريماس سوى بكلمة واحدة وهي:
“حاضر.”
“يا سلام عالأدب والأخلاق يا سلام.”
“شوفتي؟ عشان تعرفي أني مؤدبة.”
“وماله، ميرال بقولك مشوفتيش تليفوني؟”
“أهو خدي.”
أمسكت أفنان بهاتفها لتجد العديد من الإشعارات فهي قد تركت الهاتف منذ مدة، كانت هناك العديد من الرسائل الخاصة ب ‘جروبات الدفعة’، لفت انتباهها اشعار من تطبيق ‘الإنستجرام’ لذا قامت أفنان بفتحه بدافع الفضول لتجد أن هناك طلب مُتابعة من أحدهم، لم تقرأ أفنان الإسم وقامت على الفور بالدخول إلى الحساب لتفقده نظرًا لأنه لم يكن خاصًا ‘Private’.
من الوهلة الأولى استطاعت أفنان أن تعرف أن تلك الفتاة ليست عربية.. ثيابها، المناطق التي تم إلتقاط الصور بها وملامحها بالطبع.. وبذكر ملامحها قامت أفنان بالتدقيق في ملامح الفتاة ولم تستغرق سوى بضع ثوانٍ ليقوم عقلها بترجمة الوضع لتصيح بعدها بحنق:
“وكمان عملالي فولو ريكويست ياختي!!!”
رواية في حي الزمالك الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ايمان عادل
“وكمان عملالي فولو ريكويست ياختي!!!”
صاحت بها أفنان بحنق لتجد ريماس وميرال يقفزان على السرير ورأسهم منكبة على هاتف أفنان.
لتُخفي الأخيرة الهاتف أسفل الوسادة وهي تُردف:
“في أيه أنتوا كمان؟ ما تدخلوا جوا التليفون أحسن!!!”
“مين اللي عملتلك فولو ها؟ مين؟ مين؟”
“هي دي محتاجة سؤال يعني؟ أكيد الإكس بتاعت الولد اللي بتحبه ده.”
شعرت أفنان بخناجر تطعن قلبها من شدة الغيظ.
لما تقوم تلك الحثالة بمتابعتها؟ ما الهدف وراء ذلك؟
أخذت أفنان تتجول بين الصور التي نشرتها الآخرى حتى وصلت إلا منشور يحتوي على صورتين لها برفقة رحيم.
وقد كانت تقف بين أحضانه.
لكن حينما نظرت أفنان إلى تاريخ الصورة لتجدها منذ أكثر من ثلاث سنوات.
لذا تنفست الصعداء كونها صورة قديمة.
بغض النظر عن التي أشارت لرحيم بها في السابق.
لم تدري أفنان ماذا تفعل؟ هل تقبل طلب المتابعة ام ترفضه؟
أخذت أفنان تفكر لبضع دقائق بينما تُدقق النظر إلى ملامح الفتاة.
جسدها الممشوق وعينيها الزرقاواتين.
المنافسة محسومة من قبل أن تبدأ.
فكيف لرحيم أن يترك فتاة كتلك وأن يذهب للزواج بأفنان؟
يالها من مُغفلة كانت تظن أن رحيم يراها جميلة.
يراها جميلة تبعًا لأيًا من مقاييس الجمال؟
“أفنان أنتي كويسة؟”
“اه أنا كويسة.”
تمتمت أفنان بنصف تركيز وهي مازالت متحيرة من أمرها في قصة طلب المتابعة تلك.
فهي لا تريد رفض المتابعة كي لا يكون أمر غيرتها أو غيظها مُفتضحًا.
ولكن إن قبلت فذلك يعني أنها ستسمح لدمية باربي تلك برؤية صورها والتجول فيها بإريحية شديدة.
“هو ممكن تخرجوا عشان أغير هدومي؟”
“أيه يا بنتي الهبل ده أحنا بنات زي بعض.”
علقت ميرال بسخرية.
وقد نسيت تمامًا كون ريماس الأبنة الوحيدة في أسرتها.
لذا لم تعتاد على مشاركة أحد في الغرفة.
لذا هي تتمتع بخصوصية عالية.
أو لنقول هذا هو الوضع الطبيعي.
على عكس ميرال وأفنان مثلًا.
نظرًا لأنه لا مجال عندهم لحصول كل واحدة على حجرة منفصلة.
على أي حال أقتنصت أفنان الفرصة لتدعم طلب ريماس وهي تُردف من بين أسنانها:
“لا لا ريماس عندها حق، يلا يا ألوان أنتي نستناها برا عقبال ما تغير براحتها.”
“أيه في أيه؟”
سألت ميرال ببلاهة.
بينما تدفعها أفنان نحو الخارج وحتى وصلوا إلى الشرفة.
تضع أفنان الوشاح على رأس ميرال بعشوائية.
وهي توبخها قائلة:
“عماله أشاورلك وأغمزلك بعيني والبعيدة كفيفة. كنت عايزه اقولك حاجة مينفعش أقولها قدام ريماس.”
“خير، حاجة في التليفون صح؟ رحيم بعتلك مسدچ؟”
سألت ميرال بحماس.
لكنه سرعان ما تحول إلى الخيبة حينما نفت أفنان بسخرية:
“ده اللي هو ازاي؟ ما أنا عملاله بلوك في كل حتة هيبعتلي مسدچ عاليوتيوب ولا أيه؟”
“أومال أيه طيب؟”
“ناتالي عملتي فولو.”
“أيه؟ هو مش أنتينال ده دواء باين؟”
سألت ميرال ببلاهة وهي تضحك.
لتنظر نحوها أفنان بإزدراء قبل أن تُردف بنفاذ صبر:
“أنتينال أيه؟! بقولك ناتالي، بصي والله وأعلم هي صاحبة رحيم، بس السؤال بقى هل يا ترى هي صاحبته بس ولا هما مرتبطين؟”
“أنتي بتسأليني أنا؟”
“لا مش بسألك أنتي يا ذكية أنا بتسأل في الدنيا. بصي هو كان متصور وهو حاضنها قبل كده وأنا مش عارفة بصراحة الحضن ده معناه أيه. لأن رحيم بيحضن أي كائن حي عمومًا.”
“ما هي طالما عملتلك فولو يبقى أكيد مش صاحبته وبس، اللي يخلي واحدة تقلب في ال Following list ‘قائمة المتابعة’ بتاعته يبقى أكيد مش مجرد صاحبه عادية.”
كانت وجهه نظر ميرال منطقية.
لذا ساد الصمت لثوانٍ بينما تفكر أفنان وهي تحك ذقنها بيديها.
قبل أن تؤكد على حديث ميرال قائلة:
“صح وجهه نظر برضوا.. بس دي صاروخ أوي يا ميرال بجد.”
“أفنان ثواني كده.. هو مش أنتي المفروض عاملة بلوك لرحيم؟ هي جابت الأكونت ازاي؟”
“نهاري أبيض هو أنا نسيت أعمله بلوك ولا أيه؟”
سألت أفنان نفسها وهي تصفع وجهها بيدها.
لتُعلق ميرال مستنكرة:
“أنتي بتسأليني أنا؟!”
“أصل أنا مش بفتح انستا كتير أساسًا.. يادي الوكسة!”
“بسيطة أدخلي أعمليله بلوك، عاملة حوار ليه؟”
“صح عندك حق.”
“بس أنا برضوا مش قادرة أشمعنا جابتني أنا من وسط كل البنات يعني؟ ما رحيم عامل فولو لبنات كتير غيري.”
“ما شاء الله هو أنتي كمان كنتي بتقلبي في ال Following list ‘قائمة المتابعة’ بتاعته؟”
سألت ميرال بخبث.
لتراوغها أفنان وهي تسألها:
“يا سلام وأنتي معملتيش كده مع نوح؟”
“عملت بس نوح خطيبي.”
“مكنش خطيبك يا ميرال بلاش استهبال، بقولك أيه ريماس خرجت روحوا ألعبوا سوا ولا شوفلكوا حاجة تعملوها عقبال ما أخلص موضوع رحيم ده.”
أومئت ميرال ورحلت لتجلس برفقة ريماس.
بينما أغتنمت أفنان تلك الفرصة لتختلس النظر إلى الصور التي نشرها رحيم قبل أن تقوم بحظره.
وهنا كانت الصدمة.
كاد ثغر أفنان يصل إلى الأرض وهي تنظر إلى المنشور الأخير الذي قام رحيم بنشره.
والذي كان يحوي صور الحفل وقد قام بالإشارة إلى أفنان بالصورة ‘عملها Tag’.
كانت الصورة الأولى صور مجمعة لكل المتدربين بينما يتوسطهم أفنان ورحيم.
والتي تليها كانت صورتها برفقة رحيم وحدهم.
مشاعر مختلطة أحتلت كيانها.
صدمة كونها لم تتوقع أن يفعل شيء كهذا.
وكذلك استياء لأنه قام بنشر صورتهما معًا.
لا عجب أن تلك ال ‘ناتالي’ استطاعت أن تجد حسابها بسهولة وأن تستشعر أن هناك شيء خاص بينها وبين رحيم.
لكن بعيدًا عن الغضب وبعد أن سكنت أفنان ابتسمت ابتسامة واسعة.
وهي تتأمل ملامح رحيم الرجولية والتي لا تخلو من الهدوء والنُبل.
بينما ألقت نظرة على وجهها وكيف أنها بدت أجمل بكثير وهي تقف بجانبه.
كيف لمعت عيناها وكيف اتسعت ابتسامتها.
كيف له أن يؤثر عليها كل ذلك التأثير بتلك السهولة؟
ويا إلهي على الفارق الملحوظ بينهما في الطول.
بالرغم أن أفنان ليست بقصيرة القامة إلا أن رحيم يفوقها طولًا.
وقد كان ذلك لطيفًا للغاية بالنسبة إليها.
فلطالما تمنت هي الزواج بشخصًا يفوقها في الطول.
استفاقت من شرودها حينما أخترق أذنها صوت والدها وهو يناديها.
لتعود للواقع على الفور وترمش لثوانٍ.
قبل أن تأخذ Screenshot ‘لقطة شاشة’ لصورتها برفقة رحيم.
ثم تقوم بحظره.
فهي لن تخاطر بثقة والدها مجددًا.
مرت الأيام بطيئة كما هي.
أسبوعًا كاملًا قد انتهى.
والذي لم يخلو بالطبع من شجار أفنان وريماس.
إلا أن ريماس كانت اكثر هدوءًا وطيبة من المعتاد.
فعلى ما يبدو أن ابتعادها عن والدتها وكلماتها السلبية يجعلها شخصًا أفضل.
حاولت والدة أفنان جاهدة أن تُعامل ريماس بلطف.
بالرغم من أنها تشعر بالإستياء من ناحيتها لأنها أعتادت أن تسخر من ابنتيها.
لكنها قررت تجاهل تلك الأمور مؤقتًا على الأقل من أجل زوجها الذي يُحب ريماس.
فمهما حدث هي مازالت ابنة شقيقته.
وفي تلك الأيام ايضًا تعمد والدها ألا يتحدث قط بشأن زوج ريماس المستقبلي.
ولم تذكر أفنان رحيم قط خلال تلك الأيام.
لكنه بالطبع لم يفارق رأسها.
لكن ابقاء رأسها منشغلًا بالجامعة وثرثرة ريماس وميرال جعلها تستطيع تخطي أمر رحيم نسبيًا.
وفي يوم الجمعة صباحًا استيقظت أفنان باكرًا واتجهت نحو الخارج.
لتجد والدتها، ووالدها وميرال يجلسون ويتحدثون بصوتٍ خافت وهم يقهقهون.
رمقتهم أفنان ببعض الشك قبل أن تذهب للجلوس على الأريكة وهي تُعق بإزدراء:
“خير متجمعين عند النبي ﷺ إن شاء الله، القاعدة دي مش مطمناني.”
“تعالي دي قاعدة آخرتها خير إن شاء الله.”
نبست والدتها وهي تبتسم ابتسامة واسعة.
لتتوتر أفنان.
لكنها تُخفي قلقها وتوترها كالمعتاد عن طريق التحدث بسخرية.
لذا علقت على حديث والدتها قائلة:
“استر يارب، نوح هيجي يتقدم تاني ولا أيه؟”
“أنتي عبيطة يا بت ما هو خطب ميرال خلاص.”
“أومال أيه طيب؟”
سألت بحيرة.
لتنظر نحوها والدتها بإبتسامة خبيثة.
بينما تدعي البراءة مُردفة:
“مفيش ده أنا بقول لأبوكي يعني عايزين نودي السجاد يتغسل ويتنضف ونغير نظام الصالة وكده.”
“وده ليه بقى؟ هو أحنا كام في الشهر العربي؟ يكونش رمضان يوم الجمعة وأنا معرفش؟”
“أنتي يا بت أنتي مبتعرفيش تتكلمي جد ابدًا؟ ولا يا سُكر مش رمضان، ده عشان أحنا هيجلنا ضيوف يوم الجمعة الجاية إن شاء الله ولازم الدنيا تبقى نضيفة ومتضبطة.”
“ضيوف من أني نوع يعني؟”
أدعت أفنان الغباء.
ليبتسم والدها ابتسامة جانبية.
فهو قد توقع ردة فعل أفنان تلك بل توقع أن تكون أكثر عصبيًا من الآن.
تنهدت زوجته بغيظ قبل أن تُردف:
“ميرال أختك ومخطوبة وبقولك جايلنا ضيوف هيكونوا جاين ليه ولمين مثلًا؟”
“لعم محمد بتاع الكشك؟”
“بت أنتي متستعبطيش واضبطي نفسك كده مش عايزة طوله لسان مع الناس متحرجنيش ها!”
“أحرجك مع مين وناس أيه؟ مين قال أصلًا أني هقعد مع حد؟ بابا هو أنت موافق عالكلام ده ولا أيه؟”
سألت أفنان عدة اسألة متتالية بإنفعال شديد.
لينظر نحوها والدها بهدوءه المعتاد.
وهو يقول:
“أوافق أو أرفض أيه بس يا حبيبتي مش لما الناس يجوا ونشوفهم الأول؟ مش يمكن العريس يعجبك.”
“لا طبعًا! انتوا بتقولوا أيه؟ أنا مبفكرش في موضوع الجواز ده أساسًا أنا لسه بدرس ومش فاضيه للمواضيع دي! حد قالكوا أني عايزة أتجوز؟ بتقترحوا حاجات من دماغكوا ليه؟!”
أنفعلت أفنان بشكلًا مبالغ فيه.
ليجفلوا جميعًا.
وبعد انتهاء أفنان من جملتها الطويلة تلك أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة.
لتنظر نحوها والدتها بحنق وهي تُردف مستنكرة:
“وأيه المشكلة ياختي إن شاء الله؟ ما يخطبك وتتجوزوا بعد ما تتخرجي عادي يعني كلها سنة ولا سنتين وتخلصي وبعدين يعني أيه مين قالكوا أني عايزة أتزوج؟ ما أكيد هتتجوزي ولا هتتكاثري بالتبرعم ولا أيه؟”
أنهت والدتها كلامها بحديث علمي ساخر.
ليهقهق جميعهم.
بينما ترمقهم أفنان بغيظ شديد قبل أن تنبس مُشددة على كل كلمة قائلة:
“أنا مش موافقة! مش.. مواف..قة..!”
“عنك ما وفقتي هما كده كده جايين.”
“يا بابا!!”
وجهت أفنان حديثها نحو والدها محاولة استعطافه.
لينظر نحوها بإبتسامة لطيفة.
وهو يُردف:
“ياستي قابليهم ولو معجبكيش العريس خلاص محدش هيجبرك على حاجة يعني، وبعدين أدي لنفسك فرصة مش يمكن تشوفيه مناسب؟”
تأفأفت أفنان بغيظ شديد.
وهي تضرب الأرض بقدمها عدة مرات متتالية.
بينما يقهقه الجميع من حولها.
تزفر بضيق قبل أن تُتمتم بقلة حيلة:
“خلاص بقى خلصنا، ماشي هتنيل أقابله وياريت ريماس متعرفش حاجة عن الموضوع ده!”
بالعودة إلى بريطانيا، وداخل أحدى الغرف في واحدة من أشهر المستشفيات.
فتحت أروى عيناها.
بينما جلس أنس إلى جانبها يتأملها بهدوء كما أعتاد أن يفعل في الأيام الماضية.
بينما بادلته النظرات بعينيها الغائمة.
وإن كانت الرؤية أصبحت أكثر وضوحًا الآن.
وللمرة الأولى منذ أن استعادت وعيها.
فتحت فمها لتنبس بشيئًا ما.
لم يكن حديثها مُرتبًا أو ذو جملة مُفيدة.
لكنها استطاعت أن تتفوه بحروف اسم شقيقها الحبيب.
“أنس…”
كان هذا ما استطاع أن يستوعب من حديثها.
خرجت حروف اسمه من فمه بصوتًا مبحوح أشبه بالحشرجة.
توقف أنس عن الحراك لثوانٍ.
وقد توقف عقله عن العمل.
نظر نحوها بأعين مُتسعة.
قبل أن تتجمع الدموع في عيناه سريعًا.
وهو يقترب منها ليغمر يدها بالقُبلات.
بينما يحمد الله كثيرًا أنه استطاع رؤية اليوم الذي تعود فيه شقيقته إلى الحياة.
“حمدلله على سلامتك يا أروى، أنتي مش متخيلة صوتك كان واحشني ازاي!!! عارفة أول مرة أعرف أن اسمي حلو كده كل ده عشان أنتي نطقتيه!”
نمت ابتسامة صغيرة على ثغرها بإرهاق.
بينما أمسك هو بيديها ليمنحها شعور بالأمان والحب.
قضى أنس أغلب اليوم برفقة شقيقته وبرفقة الأطباء يستفسر عن حالتها كل ساعة تقريبًا.
أما عن رحيم فأضطر إلى الذهاب إلى العمل لقضاء بعض الأمور.
حاول مهاتفة والده لكنه لم يُجيب ووالدته كذلك.
أثار الأمر ريبة رحيم قليلًا.
لكنه قرر تجاهل الأمر فهو ليس بحاجة للمزيد من التفكير.
أمسك رحيم بهاتفه وأخذ يتجول داخل الصور المحفوظة على هاتفه.
حتى مرت أمامه صور حفل التكريم.
ابتسم تلقائيًا وهو يتأمل الصور التي أُلتقطت لأفنان بواسطة المصور على غفلة ودون أن تنتبه.
كيف لتعبيراتها التلقائية الغير مقصودة أن تكون بهذا اللطف؟
وتعبيرات وجهها حينما تشعر بالملل أو الإعتراض مثلًا…
كيف لها أن تؤثر كل ذلك التأثير القوي على ذلك الشاب الذي قد اختلط بفتيات بعدد شعر رأسه وقد رأى مختلف الجنسيات، الشخصيات والجمال.
لكن لم تكن لأي واحدة منهم تلك الهالة الجذابة التي تحيط بأفنان.
لم يشعر رحيم برفقة واحدة منهم أنه قد وجد الإستقرار، الأمان والدفء.
لكن برفقة أفنان وفي خلال هذه المدة القصيرة شعر بأنه قد وجد الفتاة المناسبة التي قد ترتقي لمرتبة الزوجة بالنسبة إليه.
لكن ما يشغل باله هل تراه هي مناسبًا ليرتقي لمرتبة الزوج عندها؟
هل صفاته تلك تتوافق مع ما تتمناه هي؟!
شعر رحيم بالحيرة والشوق في الوقت ذاته.
يريد أن يعود إلى مصر كي يصارح والديه بحقيقة مشاعره تجاه أفنان وما ينوي فعله.
لكنه لا يستطيع ترك أنس وأروى وحدهما.
وبشكل خاص بعد معرفة والد أنس بأنه من قام بأخذها إلى بريطانيا.
فقد أصبح الأمر شبه مستحيلًا في الوقت الحالي.
لذا قرر أن يجد حلًا بديلًا بصورة مؤقتة.
في مساء ذلك اليوم عاد رحيم في وقتٍ متأخر نسبيًا.
دلف نحو الداخل ليُلقي بسترة بذلته الرسمية على الأريكة بتعب.
ثم يجلس ليُباغته صوت أنس وهو يُردف بحماس:
“رحيم مش هتصدق!!!”
“أيه ده أنت هنا؟ قول، خير إن شاء الله؟”
حاول رحيم أن يُظهر قدرًا من الإهتمام لحديث أنس.
بالرغم من كونه مشوش الذهن.
“أروى بقت تتكلم!!! هي طبعًا مش بتقول كلام مفهوم ومش بتكون جمل سليمة عشان لسه في الأول. بس المهم أنها بدأت تتحسن الحمدلله وكمان الدكتور قال ممكن نبدأ التأهيل النفسي والعلاج الطبيعي في الفترة الجاية.”
“كويس جدًا، الحمدلله أنها بقت بخير وإن شاء الله قريب تبقى قاعدة معانا ووسطنا.”
حاول رحيم التحدث بنبرة حماسية قدر الإمكان.
لكن إرهاقه كان طاغي على نبرته.
فمنذ أن جاء إلى بريطانيا وهو لا يستطيع النوم بشكل جيد.
فلقد اعتاد النوم في حجرته في منزله بمصر أو بمنزل أنس.
لكنه يشعر بالغربة هنا.
لاحظ أنس نبرة رحيم تلك فسأله بقلق:
“إن شاء الله، أنت كويس؟ شكلك مرهق أوي.”
“ده حقيقي، هدخل أخد Shower وأنام.”
“تمام.”
في فجر ذلك اليوم وبتوقيت بريطانيا.
كان رحيم مستيقظًا وجالسًا في حجرته.
حينما سمع صوت خطوات بطيئة في الخارج.
وكأن صاحبها يتعمد عدم كونه مسموعًا.
توجه رحيم نحو الخارج بتوجس.
وهو يحمل في يده عصا البيسبول الموجود في حجرته.
كان المكان مُظلم نسبيًا.
وكاد رحيم أن ينقض على رأس الشخص المجهول.
قبل أن يصرخ الآخر بهلع:
“هتعمل يخرب عقلك!!!”
“هو أنت!! You scared the shit out of me ‘لقد أخفتني حد اللعنة’!!! في حد يعمل كده؟!”
وبخه رحيم بقوة.
لينظر نحوه أنس بإمتعاض.
وهو يُردف:
“الحق عليا! أنا قولت أمشي براحة عشان متصحاش على صوتي.”
“تقوم تعمل زي ال thieves ‘السارقون’ كده؟!”
“مكنش قصدي بقول وبعدين أنت أيه اللي مصحيك دلوقتي؟”
سأله أنس.
وكاد رحيم أن يُجيبه لكنه قرر مراوغته.
“كنت.. ثواني أنت مالك؟ وأيه اللي مخلي شعرك ووشك مبلول كده؟”
“مش هقولك، أهو شغل عيال بشغل عيال بقى!”
تمتم أنس بغيظ.
ليتنهد رحيم ويسود الصمت لثوانٍ.
قبل أن يجيبه رحيم قائلًا:
“كنت بصلي الفجر.”
“وأنا كمان.”
ومجددًا ساد الصمت لثوانٍ.
كان يفكر فيها رحيم في مدى سعادته بأن صديقه كان يصلي.
وكيف أنه بدأ في الإبتعاد عن فعل أي مُحرمات.
قطع الصمت صوت أنس وهو يسأل رحيم الآتي:
“طب أنت كنت بتدعي بإيه؟”
“مش المفروض أني مقولش لحد؟”
سأل رحيم بنبرة طفولة.
ليُجيبه أنس بالنبرة ذاتها:
“اه.. بس أنا عندي فضول بصراحة، قول بقى بلاش رخامة.”
“كنت بدعي أن أفنان تبقى من نصيبي، حاجة عمري ما تخيلت أني هدعي بيها أصلًا..”
“وأنا دعيت أن ربنا يتم شفاء أروى على خير وتبقى كويسة. ودعيت أن ربنا ينتقم من فريد، وحاجة كمان مش مهمة..”
“أيه هي؟”
“لا مش هقولك مش هينفع.”
“انجز يلا أنا قولتلك لما سألتني.”
“دعيت أقابل واحدة كويسة وتحبني وتتقابلني بعيوبي هي وأهلها.”
تحدث أنس بهدوء وجدية.
وهو يتحاشى النظر نحو رحيم.
ليضع الآخر يده على كتفه وهو يُحمسه قائلًا:
“إن شاء الله هتلاقيها متقلقش، بس لو تحترم نفسك وتبطل صياعة شوية ربنا هيكرمك.”
“إن شاء الله، يلا ننام بقى عشان قدامنا يوم طويل بكرة إن شاء الله.”
في منزل أفنان، استيقظت في يوم الأحد صباحًا.
لتجد غرفتها فارغة لا وجود لريماس وميرال.
لذا اتجهت نحو الخارج لتجد والديها يجلسون لتناول الفطور.
لتُحييهم وتبتسم ثم تسأل والدها وهي تجلس:
“أومال ميرال وريماس فين؟”
“ريماس راحت الجامعة وهترجع من الجامعة على بيت عمتك وميرال راحت الشغل بدري ساعة عشان تعرف تستأذن عشان ناخدك تروحي تشوفي شقة أختك.”
“امم.. تمام حلو، هو نوح هيكون معانا؟”
“اه أكيد ما هو المفتاح معاه هو.”
“طيب.”
في مساء ذلك اليوم وبعد أن انتهت أفنان من أخذ جولة في منزل شقيقتها مستقبلًا.
ذهبت لتجلس في شرفة المنزل الواسعة.
والتي كانت تحوي ثلاثة كراسي وطاولة صغيرة.
جلست ميرال في الكرسي المقابل لها.
وهي تسألها بحماس:
“مقولتليش يا أفنان أيه رأيك في الشقة؟”
“حلوة جميلة ما شاء الله.”
“مش باين يعني من صوتك أومال لو كانت وحشة كنتي هتتكلمي ازاي؟”
“مش هعلق على حاجة عشان أنتي شغاله في هيئة الدفاع من ورايا باين.”
تمتمت أفنان بسخرية.
لتُعقد ميرال حاجبيها وتضم يديها أمام صدرها بضيق.
وهي تقول:
“لا لا قولي اللي عندك.”
“يعني بغض النظر أنكوا استعبطوني ومخدتونيش أول مرا روحتوا تشوفوا الشقة فيها بحجة إن ريماس قاعدة معانا ومش هينفع تروح ومش هينفع برضوا نسيبها لوحدها وبلعتها وقولت يا بت عديها مع أني كنت عايزة أرنك علقة يعني. أروح النهاردة ألاقي سي نوح عامل شغل في الشقة وألوان أنتي أصلًا مش بتحبيها ولا ذوقك؟”
“عادي يعني يا أفنان ذوقي أو ذوقه أحنا الأتنين واحد.”
كالعادة لم تستوعب ميرال مقصد أفنان.
وقامت بالدفاع عن نوح بسذاجتها المعتادة.
تنهدت أفنان بضيق.
وساد الصمت لبرهة.
“يا ميرال الألوان اللي هو مختارها كلها ملهاش علاقة بذوقك، ده مفيش لون يوحد ربنا من الألوان اللي أنتي بتحبيها!”
حاولت أفنان أن تصوغ الكلام إلى شقيقتها بأفضل طريقة ممكنه.
حرصًا على شعورها الذي لم يُلقي نوح له بالًا من الأساس.
لكن كالعادة لم يروق لها حديث أفنان.
لذا عقبت على حديثها قائلة:
“أنا شايفة أنها عجباني يا أفنان بصراحة ومش فاهمة وجه الإعتراض، عمتًا أحنا اتفقنا أن الأوضة بتاعتنا هنغير لون الحيطان للون اللي أنا اختاره.”
“لا كتر خير أمه الصراحة.”
همست أفنان بصوتٍ منخفض.
لكن ميرال استطاعت سماع ما قالته.
لتُعلق:
“يا بنتي نوح مرتبة مش كبير وأنتي عارفة أن عمو متوفي فنوح طبعًا بيساهم في مصروف البيت بشكل كبير. فهو طول الوقت اللي فات كان بيحاول يجهز الشقة واحدة واحدة فعشان كده مكنش في فرصة أني اختار معظم الحاجة وبصراحة الحاجة عجباني وأنا راضية بيها.”
“طيب يا حبيبتي ربنا يسعدك ويهديه.”
“ها يا أفنان أيه رأيك؟ مسمعناش صوتك من ساعة ما وصلنا يعني.”
ظهر نوح من اللامكان.
لتُبسمل أفنان بصوتٍ خافت.
قبل أن تبتسم ابتسامة مُزيفة.
وهي تُجيبه:
“حلوة ما شاء الله بس الألوان غامقة شوية يمكن.”
“يا سلام طب ما أنتي بتحبي الغوامق.”
“اه في ألوان غامقة بحبها فعلًا بس اللبس حاجة ولون دهان الحيطة حاجة تانية، وبعدين مش مهم أنا بحب أيه المهم أنت وميرال تحبوا أيه.”
“أيه يولاد مش هتمشوا ولا أيه؟”
“هنمشي يا بابا بس نوح هيوصلنا وهيتمشى شوية هو وميرال مش كده يا نوح؟”
أعلنت أفنان.
لينظر نحوها نوح بإندهاش.
نظرًا لأنه لم يتفوه بحرفًا يخص قضاء الوقت مع ميرال وحدهم.
رمقته أفنان بإبتسامة خبيثة ونظرات حارقة.
لذا شعر الأخير بالخوف وحمحم ثم أردف:
“اه ده بعد إذن حضرتك يا عمو، أنا كنت مزعل ميرال شوية وعايز أصالحها.”
“ماشي يا حبيبي بس الساعة تسعة ونصف تكونوا تحت البيت.”
“حاضر متقلقش.”
بعد عودة أفنان ووالديها إلى منزل.
جلست لإنهاء أحد التقارير المطلوبة للجامعة.
لكن قاطعها صوت طرقات خفيفة على باب الحجرة.
لتسمح للطارق بالدخول.
والذي كان والدها.
“محتاج حاجة يا حج؟”
“لا، كنت بطمن عليكي بس.. فاضية ندردش شوية؟”
“ولو مش فاضية أفضي نفسي لحضرتك مخصوص.”
“لا أنا مش هعطلك متقلقيش، صحيح أنتي مش ناوية تروحي تستلمي الشهادة بتاعتك؟”
“صحيح فكرتني أنا كنت ناسية الحوار ده خالص.”
“خلي نوح يوصلك بقى.”
“لا لا ملهاش لازمة، أصلًا نوح هيبقى في الجامعة أكيد أنا هخلص بدري في الكلية الخميس إن شاء الله وأعدي أجيب الشهادة وأروح.”
“تمام بس خليكي معايا عالتليفون عشان ابقى مطمن عليكي.”
“حاضر يا حبيبي.”
“أنتي واخده جنب من نوح ليه؟ حاسس أنك متغيره معاه بغض النظر أن أنتوا طول الوقت بتتخانقوا يعني.”
“عشان مينفعش أبقى ظاهرة في الصورة خالص يا بابا، أنا عايزة ابعد عن نوح بكل الطرق. أنا واثقة أن نوح كان جواه مشاعر ناحيتي في يوم من الأيام، معرفش المشاعر دي انتهت ولا لا بس أيًا كان أنا مش هسمح لنفسي أني أكون سبب في تعاسة أختي.”
“ربنا يكملك بعقلك يا أفنان، أنا حقيقي فخور بيكي وبالتطور اللي حصل في شخصيتك الفترة الأخيرة خاصة وقفتك جنب ريماس.”
“ريماس دي غلبانة وعبيطة والله مفهاش غير لسان، عمتو نافخاها عالفاضي وهي من جواها هشة ومُحطمة أصلًا.”
“أيوا ده حقيقي، ربنا يهدي الحال ويسامح سميرة عاللي عملته في بنتها.”
“يارب، طب هو دلوقتي يا بابا أنتوا المفروض هتعملوا أيه؟”
“المفروض أنها هتفسخ الخطوبة ده آخر كلام اتفقت مع جوز عمتك عليه بس يارب يصدق في كلامه.”
“يارب.”
في يوم الخميس انهت أفنان يومها الدراسي باكرًا.
واتجهت إلى الشركة مباشرة.
كانت ثياب أفنان منمقة.
وقد تأكدت من أن مظهرها مُرتب وأن وشاح رأسها في مكانه السليم.
وصلت أفنان إلى الشركة بعد مدة ليست بقصيرة.
كانت تشعر بقلبها يكاد يقفز من موضعه ويدها باردة وترتجف.
هي على وشك مقابلة رحيم بعد تلك المدة وبعد ما حدث.
أقتربت أفنان نحو موظف الإستقبال.
والذي ابتسم لها بلطف وعلى الأغلب قد تذكرها.
“مساء الخير، لو سمحت كنت عايزة استلم الشهادة بتاعت التدريب، أنا خلصته من شهر ونص تقريبًا.”
“للأسف دكتور رحيم ودكتور أنس مسافرين وهما اللي معاهم كل الورق والشهادات الخاصة بالتدريبات.”
“طيب معندكش فكرة هيرجعوا أمتى؟”
“لا معنديش أي فكرة للأسف.”
“تمام شكرًا لحضرتك.”
ألقت أفنان نظرة أخيرة على المكان قبل أن تتنهد ثم تغادر.
وبمجرد أن غادرت الشركة جاءها اتصال من رقم هاتف مجهول بالنسبة إليها.
أجابت على الفور وكان الحديث كالآتي:
“مرحبًا هل هذا رقم أفنانHello, is this Afnan’s numberr’؟”
“وكمان بتكلميني في التليفون!!!”
“معذرة؟ Sorry”
“نعم هذه أنا أفنان، وأنتِ ناتالي أليس كذلك؟ yes it’s me Afnan, and you are Natalie aren’t you.”
كانت لغة الفتاة المتحدثة لا تقارن بالإنجليزية خاصة أفنان.
لكن ذلك لم يهم أفنان كثيرًا فالوقت الحالي.
فهي ليست في إختبار لمدى قوة الإنجليزية خاصتها.
“إذًا أنتِ تعرفين بشأن ناتالي ‘ So you know about Nataliee’.”
“نعم أعرف، مهلًا هذا يعني أنكِ لستِ هي ‘ Yes i know about her, wait so you are not her’؟”
سألت أفنان ببلاهة.
لتقهقه الآخرى وتُجيبها:
“هذا صحيح، أنا ميا That’s true, i am Mia not Nat.”
“هو يوم أبيض من أوله، وعايزة أيه يعني؟”
“عايزة نتقابل.”
فتحت أفنان ثغرها بصدمة.
غير متوقعة أن تُجيبها الآخرى بالعربية.
لكنها فعلت بغض النظر عن لغتها العربية الركيكة.
التي سحقها قطار.
لكن تلك الأفعى مازالت قادرة على فهم العربية والتحدث بها.
“نعم ياختي نتقابل ليه؟ وفين أصلًا؟!”
“أود أن أخبركِ بشيء هام يخص رحيم، أرسلي لي موقعك الجغرافي وسأقلكِ بسيارتي I wanna tell you something Important related to Rahem, send me your location & i will pick you with my car.”
“حسنًا Okay.”
انتظرت أفنان بضع دقائق قبل أن تأتي الآخرى بسيارتها.
لترحب بأفنان بحرارة.
لتُقابل أفنان حماسها بفتور.
تُطالعها أفنان بعدم راحة.
وهي تسألها:
“عايزة أيه بقى؟!”
“اصعدي للسيارة ‘Get in the car’ أفنان مش هنتكلم في الشارع.”
“عايزة أيه خلصي، وبعدين تعرفيني منين أنتي عشان تقعدي معايا ولا عشان أركب معاكي عربية؟!”
تمتمت أفنان بإعتراض شديد.
وهي تدلف إلى داخل سيارتها الفخمة.
لتضحك الآخرى على أسلوب أفنان المُبهر بالنسبة إليها.
وهي تُفكر أن رحيم كان مُحقًا في اندهاشه بشأنها.
نظرت نحوها ميا لثوانٍ.
قبل أن تُجيبها بالآتي:
“أخبرني رحيم عنكِ كثيرًا ‘Rahem told me about you a lott’.”
“والله؟ وقالك أيه بقى إن شاء الله؟”
سألت أفنان.
لترمقها الآخرى بحيرة.
فأفنان تتحدث بسرعة شديدة.
وعربية ميا ليست جيدة كفاية لتفهمها.
لكنها استطاعت أن تستشف ما قالته أفنان من سياق الحديث.
لذا منحتها ابتسامة صغيرة.
وهي تُردف:
“لقد أخبرني الكثير من الأشياء الجيدة، على سبيل المثال كيف أن لكِ تأثيرًا سحريًا عليه He told me a lot of good things don’t worry, like how you have a magical effect over him!”
“هل قال ذلك حقًا Did he really say that؟”
سألت أفنان بلهفة.
وبأعين لامعة.
لتُطمئنها ميا مؤكدة على ما قالته قبل دقيقتين مُردفة:
“لقد فعل ولقد طلب مني ايضًا إخباركِ بأنه سيعود من بريطانيا في أقرب فرصة ممكنة Yes he did, he also asked me to tell you that he will be back as soon as possible.”
“يرجع بألف سلامة، بس ده يخصني بإيه؟”
“مش عارفة، ‘He just asked me to tell you this, he said you will understand لقد طلب مني رحيم قول أن أخبركِ بذلك، لقد قال أنكِ ستفهمين ما يقصده’.”
“هو رحيم قال كده بس؟ مفيش حاجة تانية؟”
“لا يمكنني إخباركِ I can’t tell you، بس هو هيجي يقولك كل حاجة، استنيه أفنان!”
كانت نبرة ميا جادة.
خاصة في جملتها الأخيرة.
لذا نظرت نحوها أفنان بإهتمام وفضول حارق.
وهي تسألها:
“كل حاجة؟ يعني أيه كل حاجة؟ أيه كل حاجة أصلًا؟ لا أنا كده فضولي هيموتني حرام عليكي!!”
“إنه سر لكن يمكنني إعطائكِ تلميحًا بسيط ‘It’s a secret but i can give you a small hintt’.”
“ايوا ايوا قولي!!!”
كانت تتحدث أفنان بحماس شديد.
وهي تُطالع الآخرى.
والتي قامت بإيقاف السيارة على أحدى جوانب الشارع.
وقبل أن تتفوه ميا بحرفًا واحد قاطعهم صوت رنين هاتف أفنان.
وقد كان المتصل والدتها.
والتي أخذت توبخها بصوتٍ مسموع نسبيًا.
لتضحك ميا بصوتٍ خافت.
تتنهد أفنان بضيق.
وهي تُجيب على والدتها قائلة:
“في ايه يا ماما هو مش العريس هيجي بكرة؟ أومال بتستعجلوني ليه؟! خلاص هرجع دلوقتي أهو كفاية صويت ودني أتخرمت!!”
“أنا أسفة بس أنا لازم أمشي دلوقتي، عمتًا هسجل رقمك يعني وشكرًا أنك وصلتيلي كلام رحيم.”
“أنا مبسوطة أننا أتكلمنا كمان، You’re welcome Afnan ‘على الرحب والسعة أفنان’.”
غادرت أفنان السيارة ولوحت لميا.
قبل أن تذهب للبحث عن سيارة أجرى كي تعود إلى المنزل.
بمجرد أن اطمأنت ميا أن أفنان قد وجدت المواصلة المناسبة.
قامت بمهاتفة رحيم.
وهي تُخبره بهلع:
“رحيم!!! I don’t know how to say this but i think Afnan is getting freaking married ‘لا أدري كيف أصوغ ذلك لكن أعتقد أن أفنان على وشك الزواج واللعنة’!!!”
بالإنتقال إلى بريطانيا، بعد أن انتهى رحيم من مكالمته مع ميا.
ذهب للإستحمام وترك هاتفه على الأريكة.
صدع صوت هاتفه في المكان.
ليذهب أنس لإلقاء نظرة سريعة على من المتصل.
وحينما وجده والد رحيم.
أجاب على الهاتف بدون تردد.
وقبل أن يُخبره بهويته وأنه أنس وليس رحيم.
سبقه حامد وهو يُحذره بجدية شديدة:
“رحيم! خليك عندك وأوعى ترجع، فريد عرف أنكوا سافرتوا أروى تتعالج برا. أنا مش عارف هو عرف الموضوع ده منين. المهم أن أنس مينفعش يرجع أنت مش متخيل المجنون ده عمل أيه!!”
“عمل أيه يا Uncle حامد؟”
“أنس!!!”
نطق حروف اسمه بصدمة.
ليسأله الآخر مجددًا:
“فريد عمل أيه لما عرف؟”
“أنس!!!”
نطق حروف اسمه بصدمة.
ليسأله الآخر مجددًا:
“فريد عمل أيه لما عرف؟”
“أنس ممكن أكلم رحيم من فضلك؟”
“لو سمحت يا Uncle ‘عمو’ عرفني فريد عمل أيه؟”
سأل أنس بنبرة حادة نسبيًا.
وقبل أن يُجيب حامد.
أنار هاتف أنس مُعلنًا عن اتصال أحدهم.
طلب أنس من حامد الإنتظار.
ليُجيب على الهاتف…
بعد بضع دقائق انتهى رحيم من الإستحمام وتوجه نحو الخارج.
بينما يقوم بتجفيف خصلات شعره المبتلة.
كان أنس يقف بالقرب من زجاج باب المنزل الشفاف.
فلم يرى رحيم تعبيرات وجهه بوضوح.
أقترب رحيم منه بضع خطوات.
وهو يُردف:
“أنس أنا عايز أقولك على حاجة.. أنا محتاج أرجع مصر ضروري وهجيلك تاني مش هتأخر عليك يعني.. متقلقش. وكمان هسيب Bodyguards ‘حراس’ عشانك أنت وأروى.”
أعلن رحيم بصوتٍ خافت نسبيًا.
فهو يشعر بالحرج كونه يُخبر أنس بذلك.
فهو لا يريد تركه وحيدًا هنا.
وفي الوقت ذاته عليه أن يعود من أجل إنهاء قصة أفنان تلك.
لم يُعلق أنس بحرفًا واحد.
ولم يستدير.
وحتى تعابير وجهه كانت جامدة كما هي.
أقترب رحيم منه أكثر.
ليضع يده على كتفه.
وهو يسأله بقلق:
“أنس أنت كويس؟”
“أنا هرجع مصر وفريد ده أنا مش هرحمه!”
يتبع..
رواية في حي الزمالك الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ايمان عادل
“أنس أنت كويس؟”“أنا هرجع مصر وفريد ده أنا مش هرحمه!”
كان الشرار يتطاير من أعين أنس وهو يتفوه بكلماته تلك، نبرته كانت حادة مليئة بالحقد والكراهية. ازدرد رحيم ما في فمه ببطء وهو يراقب تعابير وجه أنس المُرعبة، ولأول مرة يشعر رحيم بأنه لا يعرف أنس.
“ممكن تفهمني حصل أيه؟”“مفيش وقت للكلام، ومحدش هيقدر يوقفني المرة دي! مش هعمل خاطر لأي حد يا رحيم، فريد ده زودها أوي وجه وقت الحساب وهو حسابه تقيل معايا.”
“استنى هنا مش هسيبك تروح في حتة لوحدك من غير ما تفهمني!” صاح رحيم وهو يحاول جذب ذراع أنس لمنعه من الخروج، لكنه تفاجئ بأنس يدفعه بعيدًا حتى كاد رحيم أن يسقط أرضًا لولا أن استوعب أنس ما قد فعله ومد يده على الفور ليلحق برحيم.
“رحيم أنا أسف! أنت كويس؟”“أنا كويس، بس أنت مش كويس، في أيه؟!”
“فريد أتهجم على بيتي! كسر البيت وكان هيحرقه عشان كان فاكر أني فيه! عمرك شوفت أب.. لا.. عمرك شوفت بني آدم طبيعي بيعمل كده؟!”
بنبرة أقرب للصراخ بصق أنس كلماته بينما صدره يعلو ويهبط بقوة، قبل أن يقترب من زجاج المرآة الكبيرة ويلكمه بيده فيتناثر الزجاج في كل مكان بينما تتساقط قطرات الدماء الدافئة من يد أنس ومعها دموعه. أقترب منه رحيم ليعانقه. حاول أنس أن يفلت منه لكن رحيم شدد على العناق.
“أنا هحبسه! وحياة أغلى حاجة عندي لأحبسه!”
“هنحبسه وهيتعاقب وهنعمل كل اللي أنت عايزة بس الأمور مبتتحلش بالشكل ده! على الأقل يا أخي عشان أروى!” حاول رحيم تهدئته وقد نجح قليلًا حيث ارتخت معالم وجه أنس نسبيًا وهو يعقب على حديث رحيم قائلًا:
“ما هو عشان أروى يا رحيم، ولا أنت نسيت اللي حصل؟!”
“منستش يا أنس.. بس أنت لو سافرت دلوقتي مين هيفضل مع أروى؟ ماهو أكيد أنا مش هسيبك تسافر لوحدك يعني!”
“هناخدها معانا.”
“مش بمزاجنا لما الدكتور يسمحلنا بالسفر وكمان..” أردف رحيم لكن أنس قاطعه على الفور وهو يقول:
“أنا هروحله بكرة وهسأله لو ينفع ناخد أروى معانا.”
“طيب ممكن أقول حاجة وتسمعها من غير ما تتعصب؟” سأل رحيم بهدوء لينظر نحوه أنس بنصف تركيز. يأخذ رحيم نفسًا عميقًا قبل أن يتمتم متسائلًا:
“أفرض رجعنا مصر وخدنا أروى معانا هتبقى متطمن عليها هناك وفريد ممكن يوصلها في أي وقت؟”“ده على اعتبار أن فريد هيبقى حر طليق طبعًا مش في السجن أو جثة هامدة.” تفوه أنس ساخرًا لينظر نحوه رحيم بإمتقاض ثم يعقب على حديثه بحدة:
“أنس فوق! أنت مش هتضيع نفسك عشان واحد زي ده! قولتلك هنعمل فيه اللي أنت عايزه بس بالقانون من غير ما تودي نفسك في داهية!”
“أنا خارج.” جاء رد أنس باردًا مقتضبًا للغاية ليتنهد رحيم وهو يسأله:
“رايح فين؟”“أبعد عني يا رحيم أنا محتاج أبقى لوحدي.”
دفع أنس رحيم مجددًا ليبتعد رحيم عنه سامحًا له بالمغادرة. سار أنس بخطوات سريعة بينما تبعه رحيم بخطوات بطيئة وهو يراقبه في صمت، فهو يدري كم أن صاحبه عنيد ولن يقدر على منعه من المغادرة، لكنه من داخله يدعو الله ألا يرتكب الآخر فعلًا أحمق.
“ألو، عايزك تروح بيت دكتور أنس وتفرغلي الكاميرات بتاعت الڤيلا بكل هدوء كده ولو عرفت تجيب نسخة من تسجيلات كاميرات المراقبة اللي حوالين البيت كمان، عايز كل حاجة ممكن تثبت حادثة الاعتداء على بيته وياريت تعرفني كل تحركات فريد ومراتة.”
أنهى رحيم المكالمة قبل أن ينهض من على الأريكة ويُبدل ثيابه قبل أن يتجه نحو الخارج. أما عن أنس فقد ذهب ليفعل ما اعتاد على فعله في الشهور الماضية، تناول المشروبات الكحولية. توجه أنس إلى إحدى الحانات الشهيرة وبدأ في احتساء كل ما وقعت يده عليه، ونظرًا لأن أنس قد أكثر من الشرب في الآونة الأخيرة فلم يصل إلى مرحلة الثمالة سريعًا.
بعد حوالي ثلاثون دقيقة قابل أنس أحد أصدقائه القدامى في تلك الحانة والذي قام بدعوته إلى منزله للحصول على المزيد من ‘المرح’ هناك. لم تكن حالة أنس تسمح له بالرفض أو الموافقة بل أخذه صديقه هذا دون أن ينبس الآخر بحرف واحد.
كان منزل صديقه الكبير قد امتلأ بعدد لا بأس به من البشر، فتيان وشبابًا من سن السادسة عشرة وحتى الثلاثون وفتيات من سن الخامسة عشرة وحتى الخامسة والعشرون. العديد من المشروبات الكحولية والسجائر المحشوة وبعض الحبوب مجهولة الهوية، كان المكان أشبه بمجمع لكل ما هو مُحرم وضار بل وما يعاقب عليه القانون كذلك.
جلس أنس على إحدى الأرائك في الحديقة الخلفية وفي يده زجاجة خمر، يراقب ما يحدث من حوله بأعين زائغة وعقل شارد، عيناه لا ترى سوى خيالات لوالديه وشقيقته، وأذنه لا تسمع سوى صراخ أروى في ذلك اليوم، يوم الحادث… أصبح عقله كمسجل الموسيقى المُعطل لا يفعل شيء سوى إعادة الأحداث مرارًا وتكرارًا دون توقف! شعر أنس بألم لا يُحتمل في رأسه، ضغط على رأسه بكلتا يديه بكل ما أوتي من قوة بينما انهمرت الدموع من عينيه لا إراديًا.
استقام من مقعده وبقي يتحرك بتخبط بينما ازدادت حالته سوءًا وقل إدراكه بما حوله حتى اخترق أذنه صوت عالٍ صدح في المكان، صوت لم يبشر بالخير، أنوار زرقاء اختلط بالحمرة انعكست على المنزل… إنها الشرطة!!! وقف أنس بصعوبة وهو يرى الجميع يهرولون والأجساد تتخبط ببعضها البعض وهو لا يقوى على الحراك أو الكلام. عندما عاد عقله للاستيعاب كان حينما شعر بجسده يُجذب بقوة بواسطة رحيم!
“أتحرك يا أنس مفيش وقت!”
سحبه رحيم نحو الخارج رغمًا عنه قبل أن يُلقيه كالدمية داخل السيارة. دلف رحيم إلى السيارة من الجهة الأخرى ليقود السيارة على السرعة المسموح بها وإن كانت تحركاته عنيفة بعض الشيء. كان رحيم غاضبًا، بل كلمة غضب لا يمكنها وصف ما شعر به رحيم في تلك اللحظة أو كم الشرار الذي تطاير من عينيه وهو يقود، لكن لم يكن متجهًا نحو المنزل، بل إلى الشاطئ.
كان الصمت سائدًا في المكان، لا شيء سوى صوت الرياح الباردة التي أخذت تضرب السيارة لتحركها. توقف رحيم أمام المكان المنشود قبل أن يغادر السيارة ويتجه نحو الجهة الأخرى ويقوم بفتح الباب بقوة قبل أن يجذب أنس بعنف من خصلات شعره الطويلة نحو الخارج. تأوه أنس بشدة بينما لم يبالي رحيم وأكمل سحبه حتى وصلوا إلى الرمال وبالقرب من المياه، وحينها ألقى رحيم أنس على الرمال بلا مبالاة.
حاول أنس أن يستجمع قواه ويستقيم وقد نجح في ذلك بالرغم من كونه يسير مترنحًا. أقترب من رحيم بأعين باكية وهو يردف:
“رحيم أنا…”
وقبل أن يكمل أنس جملته قابلته قبضة رحيم ليسقط الآخر أرضًا بقوة بينما تعابير الصدمة بادية على وجهه. وضع يده يتحسس موضع اللكمة كرد فعل تلقائي بينما عاد رحيم إلى موضعه الثابت عدا أن خصلات شعره تبعثرت أثر حركته تلك.
“أنت بتضربني يا.. رحيم؟ حتى أنت..”“حتى أنا أيه؟ حتى أنا أيه رد عليا؟! أنت مدرك أنت كنت فين وبتعمل أيه؟ طب مدرك كان أيه اللي بيحصل حواليك واللي كان ممكن يحصلك؟!”
صاح رحيم بعدة تساؤلات غاضبة وهو يجذب أنس بقوة من ثيابه لينظر نحوه أنس بأعين محمرة وهو يهمس بتيه:
“أنا مش.. مش عارف حاجة!”
“أنا قولت كده برضوا.” تمتم رحيم بهدوء وساد الصمت لثوانٍ بينما يحك ذقنه بيده ويعيد خصلاته المبعثرة نحو الخلف بعصبية قبل أن يصيح بنبرة حازمة:
“قوم.. قوم معايا!”
جذبه رحيم من أذنيه كما تجذب الأم طفلها المذنب. أقترب رحيم من المياه الباردة قبل أن يدفع أنس نحوها فيسقط وتبتل ثيابه ووجهه. يشهق أنس من برودة المياه.
“فوقت؟ خلاص بقيت مدرك أنت فين؟”“رحيم أنا أسف..”“أسف؟ رجعت تشرب تاني بعد ما وعدتني أنا وأروى أنك تبطل القرف ده وتقولي أسف؟ رايح بيت فيه مخدرات وقاصرات وكان فرق ثواني ويتقبض عليك وتروح في داهية وتقولي أسف؟ يا أخي حرام عليك بقى!”
وبخه رحيم بقسوة لم يعتادها أنس منه، وحتى رحيم نفسه قد تعجب من ردة فعله العنيفة تلك، لكن في مثل هذه المواقف التعامل بلين ولطف ليس هو الحل المناسب، بل أحيانًا يجب أن نقسو على من نحب من أجل مصلحتهم كما يفعل رحيم في الوقت الحالي…
“أنت هتحاسبني ولا أيه؟ أنا حر على فكرة!! هو عشان قولتلك أسف هتبقى فاكر بقى إن ليك سلطة عليا؟! فوق أنا مش شغال عندك! كفاية نرجسية بقى وتسلط يا دكتور!”
هنا تلقى أنس صفعة على وجهه ساعدته على استرداد المزيد من وعيه. كان ثغره يكاد يصل إلى الأرض من شدة الصدمة. لم يتوقع أن يفعل رحيم ذلك مجددًا، رحيم الذي لم يرتفع صوته قط يعنف أحدهم وليس أي شخص بل أنس!
“آخر كلمتين عندي يا أنس ومفيش بعدهم، أنت لو الزفت اللي بتشربه ده دخل بوقك تاني أنت لا صاحبي ولا أعرفك أنت سامع!!”
“أنت مش حاسس بيا ومش فاهم أنا بمر بإيه! أنت زيك زيهم باصص عليا من برا ومش هتقول عني غير واحد صايع وإنسان زبالة! عمرك ما هتحس بالوجع اللي في قلبي ولا هتشوف الطفل اللي اتدفن جوايا قبل أوانه!”
بصق أنس كلماته بنبرة يفوح منها الحزن والخذلان. كانت دموعه تنهمر بقوة كما لم تفعل من قبل. كان جسده يرتجف نتيجة لبكائه ولكون الجو باردًا للغاية. نظر نحوه رحيم بنظرات هادئة قبل أن ينبس بالآتي:
“أنت مش الوحيد اللي عنده مشاكل يا أنس.”
“لا! متتكلمش عن حاجة أنت ممرتش بيها! أنت أبوك عمره ما ضربك يا رحيم! أبوك عمره ما كان مدمن وبيعنفك أنت وأمك وأختك! أبوك محاولش يقتلك يا رحيم!”
صاح أنس بإستياء حتى كادت أحباله الصوتية أن تتقطع. انتهى من جملته ليأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يكمل بنبرة منكسرة:
“أنت عمرك ما عشت سنين في الرعب والخوف والقلق من كل حاجة وأي حاجة.. متجيش تلومني دلوقتي عاللي أنا بقيت فيه.. روح لومه هو عاللي عمله فيا!!!”“لو كل واحد راح يشرب ويحاول ينهي حياته بالطريقة دي عشان اتعرض لـ trauma ‘صدمة’ عمر ما هيبقى في بشر طبيعين عالكوكب يا أنس، اللي أنت فيه ده مش هو الصح واللي بتعمله ده مش هو الحل!!”“أنا مش إنسان طبيعي ومبسوط كده بنفسي! سيبني بقى وروح شوف حياتك ملكش دعوة بيا!”
“أنس أنت أخويا وصاحبي الوحيد، وأنا مش هقدر أشوفك في الوضع ده وأفضل ساكت!” أردف رحيم بنبرة صادقة وهو ينظر نحو رفيقه بتأثر شديد. لم تؤثر جملة رحيم في أنس سوى أنها جعلته أكثر حساسية.
“أنا تعبت.. أنا بكرهه! أنا عايزه يموت يا رحيم ‘Maybe this will help relief the pain in here’ ربما سيساعد ذلك على تخفيف الألم هنا…”
تفوه أنس بصعوبة بالغة بينما جثى على ركبتيه وهو يضرب صدره بقوة حيث يقع قلبه. نظر نحوه رحيم بألم وأعين دامعة وهو لا يدري ماذا يفعل لكي ينقذ صديقه الوحيد من الضياع والهلاك الذي يشعر به! هل حقًا سجن أو موت والد أنس سيخلصه من ذلك العذاب؟! لا يدري لكنه سيحاول فعل أي شيء يجعل وضع صديقه أفضل.
“أنس أحنا هنرجع مصر بكرة ومعانا أروى وقبل ما شروق اليوم اللي بعده ما يجي، فريد هيكون في السجن.”
أعلن رحيم بهدوء وحزم قبل أن يجثو على قدميه ويقترب من أنس ليضمه إلى صدره بقوة فيجهش الأخير بالبكاء داخل أحضان صديقه فهذا هو المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالأمان، حينما يكون إلى جانب رحيم.
في مساء يوم الجمعة كان رحيم قد وصل إلى مصر وبرفقته أنس، أروى وطاقم طبي على أعلى مستوى لمتابعة حالة أروى التي بدأت تتحسن بالفعل، لكن لحسن الحظ أنها لم تكن مدركة لما يحدث وأنها لم تر بوضوح أعين أنس المنتفخة أو وجهه الشاحب.
“أنا هسيب bodyguards ‘حراس’ في المستشفى مع أروى ومعاك أنت كمان، وعلى فكرة أنا كلمتلك المحامي بتاعنا عشان نشوف هنعمل أيه في موضوع القضية ده.”
أعلن رحيم وهو ينظر إلى هاتفه حيث كان يراسل المحامي ليسأله عن الخطوات التي يجب عليهم اتباعها بشأن قضية والد أنس. نظر نحوه أنس بإرهاق وشرود وهو يهمس:
“أروى هتفرح أوي لما تعرف أنه اتسجن.”
“أكيد.”
“رحيم هو أنت كنت عايز ترجع مصر ليه؟” سأله أنس لينتبه له رحيم ويغلق الهاتف ويضعه في إحدى جيوبه قبل أن يجيبه كاذبًا:
“حاجة مش مهمة.. خلينا في موضوع uncle فريد الأول.”
“لا أكيد حاجة مهمة اللي كانت هتخليك عايز ترجع أو عايزنا نرجع.” راوغه رحيم لبضع دقائق لكن مع إصرار أنس لم يكن أمام رحيم حلًا سوى إخباره بالحقيقة.
“أفنان هتتجوز، أنا مش فاهم تفاصيل.. هي ميا بس قالتلي كده..”
“تتجوز ازاي يعني؟! هي مالها جرحها بيلم بسرعة كده ليه؟!”
“مش عارف أعمل أيه.. وهي أصلًا عملالي بلوك في كل حتة يعني حتى مش هعرف أكلمها.”
“أنا هقولك هنعمل أيه.. تعالى معايا عالعربية.” أردف أنس ليوافقه رحيم على الفور.
“حاضر.”
“رحيم بقولك أيه هو أنت عرفت مكاني منين؟”“ال location ‘الموقع’ بتاعك بيظهر عندي عالموبايل.”
“تمام، بتراقبني يعني.”
“حاجة زي كده، أبعد أنا هسوق.”
داخل غرفة أفنان، وقفت هي تنظر نحو انعكاسها في المرآة وهي تتنهد بضيق. كانت قد بدأت في ارتداء ثيابها وتبقى الوشاح فقط. اقتحمت ميرال الحجرة بحماس وهي تردف:
“أفنان ماما بتقولك اجهزي عشان الناس على وصول.”
“خلاص جهزت فاضلي الطرحة بس.”
“ماشي وابتسمي كده للحياة يا أفنان ده أنتي عروسة.”
“عروسة في عينك! أنا مش عروسة ولا زفت.. أنا مش هبقى عروسة غير لحد واحد بس ولو مجاش الحد ده فأنا هفضل قاعدة على قلبكوا مدى الحياة.”
تفوهت أفنان بحنق وهي تنظر نحو ميرال قبل أن تنهي كلماته بتلك الجملة بنبرة هادئة وواثقة. نظرت نحوها ميرال بدهشة شديدة فأفنان لم تتحدث عنها هي ورحيم بتلك الطريقة من قبل بل كانت تتهرب من ذكر اسمه من الأساس طوال الأيام الماضية ومنذ ما حدث في خطبة ميرال.
“هتبقي عروسة لحد واحد؟ يعني بتتكلمي عن الجواز منه أهو أومال ليه لما كنت بقول الجملة دي زمان كنتي بتمسكي في خناقي؟ هو جد جديد ولا أيه؟”“لا، محصلش حاجة جديدة.”
أجابت أفنان باختصار وهي تقوم بضبط وشاحها بالمرآة بينما تبتسم ابتسامة جانبية صغيرة حينما تذكرت الحديث الذي دار بينها وبين والدها حينما أخبرته بمقابلتها بميا ليخبرها هو بدوره أنه يتوقع أن يأتي رحيم ليزورهم في المنزل عما قريب، لكن في الوقت الحالي قد عقد اتفاقًا مع والدها أن تقابل ذلك الشاب الذي سيأتي للتقدم لخطبتها اليوم وأن تعامله هو وأهله بلطف ففي النهاية هم ضيوف في بيتهم بالإضافة إلى أنهم أقرباء والدتها من بعيد.
“وريني القمر يا أفنان، بسم الله ما شاء الله عندي عروستين زي القمر.”
“حبيبي يا بابا ربنا يخليك.”
“يلا خليكوا هنا وأنا ورانيا ونوح هنبقى برا وشوية وهخلي رانيا تيجي تجيبكوا عشان تسلموا.”
“نوح؟ يادي العكننة، ونوح يجي ليه بقى إن شاء الله؟!”
“جيه عشان ابن خالتك وفي مقام أخوكي وخطيب أختك، كل ده مش عاجبك يا ست أفنان؟!” أجابتها والدتها باستنكار والتي جاءت من اللامكان لينتفض ثلاثتهم ثم يبسملوا جميعًا.
“لازم يحشر نفسه في كل حاجة أو أنتوا اللي بتحشروه مش عارفة، ماما جرس الباب.”
“متحرجنيش يا أفنان أبوس إيديك.” قالت والدتها لتنظر نحوها أفنان بابتسامة ساخرة وهي تعقب على حديثها هامسة:
“متقلقيش يا ماما أنا والسيطرة تحت الأمور.”
أغلقت والدتهم الباب بعد خروجها وبعد دقيقة سمعت أفنان صوت باب المنزل وهو يفتح ثم يغلق قبل أن تسمع أفنان جمل ترحيبية متبادلة من الطرفين. كان حديثهم يدور بهدوء ونظرًا لابتعاد حجرة أفنان وشقيقتها عن منطقة الجلوس فلم تستطع أفنان سماع نصف الحديث الذي كان يدور في الخارج. بعد بضع دقائق فوجئت أفنان بباب الحجرة وهو يفتح حتى كادت أن تسقط هي أرضًا لاستنادها على الباب في محاولة لاستراق السمع.
“ميرال هتخرج تسلم وأنتي بعدها.”
“حاضر يا ماما أما نشوف آخرتها.”
“وأدي أفنان عروستنا وآخر العنقود.” قالت والدتها وهي تقوم بتقديم أفنان للجالسين مع ابتسامة كبيرة.
“عنقود أيه أحنا اتنين بس أصلًا!” همست أفنان ساخرة بينما ترسم على ثغرها ابتسامة مزيفة وهي ترحب بالضيوف.
كان قد حضر الشاب برفقة والديه وشقيقته والذي كان اسمه حسام، هذا ما عرفته أفنان حينما قاموا بتعريفها به. حسام تخرج في كلية الهندسة منذ ثلاثة سنوات تقريبًا ويعمل في إحدى الشركات وله أخت واحدة وتصغره بخمسة أعوام. وبعيدًا عن كون بال أفنان مشغولًا برحيم ففي ظروفًا أخرى كانت أفنان سترفض هذا الشاب على أي حال فهو لديه أختًا وحيدة وتصغره! هذه لعنة مجسدة بلا شك ومن نظرات الفتاة الحادة استطاعت أفنان أن تستشف أنها شديدة الغيرة على شقيقها.
“أخبارك أيه يا عروسة ابني؟”“الحمدلله يا طنط ربنا يخليكي.”
“طيب عشان نكون على نور يا أستاذ أحمد، أنا حسام ابني عنده شقة ملك في العمارة بتاعتنا في الهرم، الشقة كبيرة ٣ أوض وحمام ومطبخ.. أحنا مجهزين أوضتين منهم وجايبين كمان جزء من الأجهزة الكهربائية واللي تأمروا بيه مش هنختلف عليه.”
بدأ والده في إعلامهم بإمكانيات ابنه بينما لم تنتبه أفنان للحديث كثيرًا حيث كانت تتأمل الشاب. كان متوسط القامة ويميل إلى القصر وليس فارع الطول كرحيم. كانت خصلات شعره المموج تميل إلى الأشقر وليست سوداء كخاصة رحيم. لم يطلق العنان للحية وكان واضحًا أنه قد أزالها اليوم أو بالأمس لكن رحيم كان يمتلك لحية كثيفة ناعمة. حمحمت أفنان تحاول إخراج نفسها من شرودها فهي لم تدرك كم أنها تعقدت بتفكيرها بشأن رحيم بل ومقارنة ذلك الشاب به عن غير عمد.
“ما شاء الله ربنا يزيد ويبارك، بس خلينا بس نشوف الولاد بينهم قبول ولا لا والحاجات التانية دي هنتفق عليها كلها.”
“إن شاء الله هنتفق ما أحنا مش هنلاقي أغلى من بنتكوا ولا أعز من أبننا يعني.”
“وأنتي يا أفنان بقى ارتبطتي قبل كده؟” سألها حسام بغتة لتنظر نحوه ببغض التعجب من سؤاله بل ومن صيغته الصريحة لتجيبه ساخرة:
“لا، أمتى يا ابني أنا لسه في الكلية وكليتي مش بتديني وقت أعمل حاجة زي كده.”
“خلاص هانت بقى يا عروسة كلها سنة ولا اتنين وتخلصي الكلية دي خالص وتفضي لحسام بقى.” علقت والدته بضحكة مصطنعة لتعقد أفنان حاجبيها على الفور وهي تردف مستنكرة:
“لا مش فاهمة.”
“ماما تقصد أن بعد التخرج مش هيكون في دماغك حاجة غير بيتنا وولادنا في المستقبل إن شاء الله.”
“ما شاء الله ده أحنا بنط مراحل مرة واحدة، وبعدين لو حصل نصيب يعني هيكون وقتي مقسوم بين البيت والشغل أكيد مش هاجي على حاجة فيهم على حساب التانية.”
“الشغل؟”“اه الشغل ولا في اعتراض يا باشمهندس؟”“بصراحة اه، أنا محبش أن مراتي تشتغل، أنا الحمدلله مرتبي كويس وحتى لو كان نقص في الماديات في بداية حياتنا فبابا هيساعد معانا.”
تحدث الشاب بثقة شديدة وهو يعتدل في جلسته بينما طالعته أفنان بإزدراء ونظرات حارقة. تنتبه ميرال لها لذا تدعس على قدمها بخفة لتنبهها. ابتسمت أفنان ابتسامة متكلفة قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا ثم تعلق على حديثه بنبرة هادئة بينما كلماتها كانت أشبه بالطلقات النارية:
“لا أنت فاهم غلط خالص يا باشمهندس، أنا مش هشتغل عشان محتاجة فلوس أو عشان أساعد بيها في البيت، أنا هشتغل عشان أنا تعبت في الدراسة السنين دي كلها ودخلت مجال بحبه ومش هضحي بكل ده وأقعد في البيت ولو أنت فاكر إن الشغل عشان الفلوس بس فأنا قاعدة هنا في بيت أبويا معززة مكرمة واكلة شاربة نايمة ومع ذلك بنزل تدريب وهشتغل part time ‘نصف دوام’ الترم الجاي إن شاء الله.”
“خلاص يا ستي تشتغلي لحد أما ربنا يكرمنا ونخلف أظن وقتها مش هيبقى في اعتراض بقى إنك تقعدي في البيت.”
“باشمهندس حسام، رأيك أيه في موضوع الماجستير والدكتورة؟ يعني لو قررت أني أحضر ماجستير بس أو الإتنين يعني.” سألته أفنان بمراوغة وقد توقعت بالفعل إجابته لكنها أرادت أن تثبت لوالديها كم أنه شخص متعجرف وغير مناسب لها بتاتًا.
“بصراحة أنا شايف أنه تضييع وقت ومجهود وفلوس عالفاضي طالما أنتي مش جايلك تعيين أصلًا وبعدين بصراحة أنا شايف أن مجال الصيدلة ملهوش شغل أوي ولا ليه دور فعال يعني.”
“ده أنت لقطة!” همست أفنان ساخرة، وقبل أن تعلق على حديثه موبخة إياه سبقها نوح وهو يعقب على حديث حسام بحدة:
“بس أفنان شاطرة جدًا في الكلية وتقديراتها عالية ومش بعيد إنها تتعين وأنا بصفتي أخوها الكبير وجوز أختها قريبًا إن شاء الله وكمان أنا معيد عندها في الكلية وشايف إن مفيش حاجة تستاهل إنها تضيع كل ده عشانه.”
نظر الكل بدهشة نحو نوح وكانت دهشة أفنان تفوقهم جميعًا فنوح الذي لم يفوت فرصة لإغاظة أفنان والشجار معها بل وجرح كرامتها يُدافع عنها الآن أمام الجميع؟!! ابتسمت أفنان بنصر قبل أن تعطي نوح نظرة جانبية ذات مغزى وكأنها تصفع كفه بكفها ‘High five’.
“كلامك طبعًا يُحترم يا دكتور نوح وربنا يجعل اللي فيه الصالح، ما تقوم كده يا حسام تقف مع أفنان في البلكونة تتكلموا شوية.”
قاطع حديثه صوت رنين هاتف أفنان لتتوتر الأخيرة وهي تستوعب لتوها أنها لم تترك هاتفها في الغرفة. كان رقمًا مجهولًا لذا أغلقت أفنان المكالمة ولكن لم تمر بضع ثوانٍ قبل أن يصدح رنين الهاتف مجددًا ومجددًا. ترمقها والدتها بحدة ليزداد توتر أفنان وتحمحم قبل أن تعتذر منهم بأدب مردفة:
“معلش يا جماعة عن إذنكوا، في مكالمة ضرورية من الكلية.” تحججت أفنان واستقامت من موضعها دون انتظار رد أحد منهم.
“ألو؟ مين معايا؟”“أنا يا أفي، مش عارفة صوتي؟” سألها رحيم بنبرة مستاءة غير معتادة منه لتتفوه الأخرى باسمه بدهشة شديدة.
“رحيم؟!!!”“مستغربة أوي؟ ولا نسيتيني ولا أيه؟”“أيه الأوفر ده هنساك في كام يوم يعني؟ بقولك أيه أنا لازم اقفل دلوقتي الناس برا ومش هينفع أطول.”
قالت محاولة الهروب من التحدث إليه وإنهاء المكالمة بأقصى سرعة لكن جاءها رده سريع وحاد وهو يسألها مستنكرًا:
“والله خايفة على شعوره أوي كده؟ وشعوري مش فارق معاك؟!!”
“أفنان ماما بتستحلفلك وبتقولك انجزي!” أردفت ميرال بتوجس والتي جاءت من خلف أفنان لتنظر نحوها بذعر وهي تنبس:
“حاضر حاضر!!”“يا رحيم أديك سامع أنا لازم أقفل بجد!”
“أفنان أنتي لو مشرحتيش موضوع خطوبتك ده دلوقتي حالًا أنا هركب عربيتي وأجيلك! وأنس عارف العنوان By the way ‘بالمناسبة’.”
أفصح رحيم عن ما يجول في خاطره لتفتح أفنان عيناها على مصرعيها وهي تتحدث بانفعال لكنها خفضت صوتها قدر الإمكان وهي تقول:
“يخرب عقلك يا رحيم! أنت اتجننت تيجي فين؟!!”
“أفنان أنتي بجد هتتجوزي حد تاني؟ جاوبيني من فضلك!”
“حد تاني مين؟ وهو مين الأولاني أصلًا؟ رحيم أبوس إيدك مش عايزة فضايح لو سمحت أوعى تيجي! أنا هكلمك أفهمك كل حاجة لما يمشوا بس أقفل دلوقتي من فضلك.”
“ماشي يا أفي، قدامك لحد الساعة عشرة.”
“أنا أسفة جدًا يا جماعة بس كان في حاجة ضروري تبع الكلية.”
“أهو لسه متخطبناش والكلية وخداكي مني من أولها.” علق الشاب قاصدًا أن يلطف الأجواء أو أن يكون مضحكًا لكن الأمر جاء بنتيجة عكسية حيث نظرت نحوه أفنان بإبتسامة صفراء أقرب إلى الإزدراء.
نصف ساعة أخرى مملة انقضت في تلك الجلسة السخيفة، لم تجلس أفنان وحدها مع حسام وقد كان ذلك من حسن حظها وبمجرد أن غادروا زفرت أفنان براحة شديدة قبل أن تجلس على الأريكة بإريحية ويعود الجميع للجلوس مجددًا.
“ها أيه رأيكوا؟” سأل والد أفنان وهو يضحك فهو يعلم رأي أفنان بالفعل لكن باغته نوح وهو يردف:
“أنا شايفة مش مناسب خالص بصراحة.”
“ما تخليك محضر خير يا روحي.” عقبت ميرال على حديث نوح وقبل أن يدافع عن نفسه سبقته أفنان وهي تدافع عنه مضيفة:
“تصدقي نوح لأول مرة بيتكلم صح، أنا بصراحة مش حاسة الموضوع خالص.”
“طب نقرأ فاتحة وتقعدوا مع بعض مرة أو اتنين ولو مفيش قبول خلاص.”
“لا يا ماما مش عايزة، أنتوا ضغطوا عليا أقابلهم وأديني قابلتهم وبعدين ده عبيط ده عايزني بعد المرمطة السنين دي كلها في التعليم وبعد سحلة الكلية دي أني أقعد في البيت!! بجد دماغه مسوحاه ده أنتوا تحمدوا ربنا أني مقومتش قسمته اتنين.”
“يعني هو مقتدر ماديًا وعايز يريحك تقومي تعترضي؟ وبعدين أنتي عملتي كام حركة قليلة الذوق جدًا وحوار التليفون ده!”
“اه أعترض عشان ده مش قراره هو ولا حاجة تخصه أساسًا، أنا يوم ما هرتبط بشخص يا ماما هرتبط بواحد يشجعني أطور من نفسي ويساعدني، وموضوع التليفون ده أنا ذنبي أيه؟ مكالمة ضروري وجاتلي.”
“طبعًا لازم يكون بيشجعك وبيساعدك ويا سلام بقى لو يبقى عنده شركة أدوية، مش كده؟” سألها نوح بدون مقدمات لترمقه بحدة ثم تبتسم بخبث وهي تسأله بجدية:
“أيه ده يا نوح؟”“أيه في أيه؟” سأل بفزع وهو يلتفت حوله بينما نظرت نحوه هي بجدية قبل أن تردف:
“مفيش لاصلي استغربت لما لقيت مناخيرك فوشك أصلها على طول في حياتي.”
سخرت منه أفنان قبل أن تستقيم من موضعها وتتجه نحو المطبخ لتبحث عن شيئًا لتأكله وفي طريقها إلى هناك سمعت حديث والديها بالمصادفة وقد كان حديثهم كالآتي:
“ها أيه رأيك في العريس يا أحمد؟”“هتكلم مع أفنان بس الجواب باين من عنوانه.”
“قصدك أيه؟”“قصدي أنه مش مناسب ليها وأصلًا مش وقته موضوع جواز أفنان ده أنتي شايفة الظروف ضيقة ازاي وبعدين ميرال لسه محتاجة مصاريف كتير.”
“بقولك يا أحمد العريس جاهز وعمتًا هما مش هيختلفوا معانا في تقسيمة حاجة يعني اللي هنقدر عليه هنجيبه ونوح لسه قدامه شوية هو وميرال، ومش معنى أن أفنان اختلفت معاه في نقطة ولا اتنين أنهم مش هينفعوا لبعض.”
“طيب يا رانيا لما نخلص بس جهاز أختها نبقى نتكلم في الموضوع ده، أنا هخرج أقعد مع نوح وميرال عشان ميبقوش لوحدهم.”
“بابا تليفونك بيرن!” صاحت أفنان وهي تنادي والدها الذي ترك هاتفه فوق الثلاجة.
“طب شوفي مين.”
“مش عارفة رقم غريب.” أردفت بصياح أيضًا وهي تتجه نحو حجرة والديها لتعطي والدها هاتفه.
“خلاص قفل.”
“موبايلك أنتي بقى بيرن.” نبهها والدها إلى هاتفها المضيء الذي في يدها لتنظر نحو الرقم لثوانٍ ثم تعلق ببلاهة:
“سبحان الله ده نفس الرقم الغريب!”
“لا والله؟”“اه!”
“طب ردي طيب.” نبس والدها لتنظر نحوه بأطراف متجمدة وملامح متوترة قبل أن تجيب على الهاتف ليأتيها صوت رحيم للمرة الثانية وفي هذه المرة يردف بجدية شديدة:
“أفنان من فضلك هاتي Uncle أكلمه.”
“أونكل مين؟” سألته بغباء واضح ليضحك هو على الجانب الآخر بضحكته الساحرة تلك قبل أن يجيبها بنبرة جادة:
“أيه يا أفنان ركزي مالك؟ Uncle أحمد، Your dad ‘أباكِ’.”
“أونكل أحمد ده اللي هو أبويا؟”“خلاص لو مش عايزاه يتكلم من تليفونك قوليله يرد على تليفونه هو.”
“أنت.. عايز.. تكلم.. أبويا أنا؟” سألت أفنان باستنكار وعقلها لا يستطيع ترجمة ما يطلبه رحيم منها وقبل أن يتفوه بحرف واحد كانت قد سقطت هي فاقدة للوعي ليرتطم كلًا من الهاتف وجسدها بالأرض. جاء صوت رحيم ملهوفًا من داخل الهاتف قبل أن يغلق الخط.
“أفنان! أفنان أنتي كويسة؟ يا ميرال هاتي برفان بسرعة!!” صاح والدها وهو يحرك وجهها بلطف محاولًا جعلها تسترد وعيها. هرولت ميرال نحوه وهي تحمل العطر قبل أن تساعد والدها في حملها على السرير. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى فتحت أفنان عيناها لتُقابل نظرات القلق على وجه الجميع عدا نوح الذي كان في الخارج بالطبع.
“أنتي كويسة؟”“ها؟ اه.. أنا أصلي.. مأكلتش خالص من الصبح!”
“بابا تليفونك بيرن.”
“متردش!”
“مردش؟” سألها والدها بدهشة لتومئ له بنعم على الفور.
“هو في أيه يا بت أنتي شكلك عاملة مصيبة.” وبختها والدتها بشك لينظر نحوها زوجها ثم يقول:
“رانيا خدي ميرال واستنوا برا الأوضة لو سمحتوا.”
“في أيه بقى ممكن افهم؟ وموضوع مكالمة الكلية دي مش داخلة دماغي.”
“يا بابا بصراحة رحيم كلمني بس والله العظيم من رقم غريب ومكنتش أعرف أن هو أصلًا.” بدأت في سرد ما حدث لينظر نحوها والدها ببعض الشك ثم يتمتم:
“وبعدين؟”“وبعدين ولما عرفت إن هو وكنت عايزة أقفل فضل يقولي هو أنتي بجد هتتخطبي لحد تاني ولو مفهمتمنيش أنا هاجيلك تحت البيت دلوقتي فأنا قولتله هكلمك تاني عشان ميجيش ويعمل فضايح ودلوقتي هو اتصل بيا تاني وعايز يكلمك!”
“ماشي خليه يكلمني أما نشوف آخرتها معاه.” تفوه والدها وهو يزفر بضيق لتنظر نحوه أفنان بتوتر ثم تسأله:
“بجد؟ يعني بجد حضرتك موافق أنه يكلمك؟”“اه موافق كلميه وخليه يكلمني بس بشرط.”
“اشرط زي ما أنت عايز يا أحلى حجوج في الدنيا.” علقت وهي تنهال على والدها وتقبل وجنتيه ليقول من بين ضحكاته:
“هتخرجي برا ومش هتقعدي معايا وأنا بتكلم وهتخرجي تتعاملي عادي ومتقوليش لحد فيهم حاجة لحد أما أجيلك ماشي؟”“حاضر.” تمتمت أفنان بسعادة شديدة وعلى الفور قامت بمهاتفته رحيم والذي أجاب على الفور.
“ألو..”
“أفنان أنتي كويسة؟ أنا جايلك حالًا.”
“لا لا تيجي فين؟!! متجيش أنا كويسة.. أنا بس أغم عليا وفوقوني.”
“تاني يا أفنان؟ هو أنا بعملك هبوط في الدورة الدموية ولا أيه؟”“ما علينا من اللي بتقوله، أنت كنت عايز تكلم بابا صح؟”“اه من فضلك.”
“طيب هو معاك.. أتكلم عربي ها!” نبهته أفنان وهي تضحك بتوتر لينظر نحوها والدها بسخرية وهو يسألها:
“ليه هو بيتكلم أيه؟”“نص كلامه إنجليزي يا بابا تحس أنه خواجة كده.”
“ما شاء الله على مجايبك، هاتي التليفون وأتكلي على الله بقى.” سخر منها والدها بتعابيره الهادئة المعتادة لتبتسم هي بتوتر وتتمتم:
“حاضر..” انتظر والدها لثوانٍ حتى تغادر الحجرة قبل أن يضع الهاتف على أذنه وهو يرحب بالآخر.
“أهلًا يا ابني، رحيم مش كده؟”“اه يا Uncle أنا رحيم.. أنا مش عارف أفنان حكت لحضرتك أيه عني بس أنا عايز أخد من حضرتك ميعاد وأجي أقابلك Face to face ‘وجهًا لوجه’ ونتكلم في كل حاجة.”
تحدث رحيم دفعة واحدة وقد حاول أن تكون نبرته ثابتة على عكس التوتر الذي عصب بكيانه كاملًا. مرت ثوانٍ قليلة قبل أن يأتيه رد والد أفنان وقد مرت تلك الثواني كأعوام بالنسبة إليه.. لكن جاءه رد والدها لطيفًا لينًا وهو يردف:
“مفيش مشكلة طبعًا تنور في أي وقت يا ابني، بس أنا محتاج أعرف هل هتكون مجرد زيارة ولا ليها مُسمى؟”“هيكون ليها مُسمى طبعًا.. أنا جاي لحضرتك عشان أطلب أيد أفنان..” تفوه رحيم بنبرة جادة لا تخلو من السعادة الواضحة ومشوبة بالتوتر والقلق.
بعد عشرة دقائق تقريبًا غادر والدها الحجرة، كانوا جميعهم يثرثرون بينما كانت أفنان هادئة على غير العادة تنتظر خروج والدها على أحر من جمر وبمجرد أن فعل نظرت نحوه بلهفة وكادت أن تستقيم من مجلسها لولا أن منحها والدها نظرة بأن تجلس في موضعها كما هي. أقترب منهم والدها ونظر نحوهم بنظرة جادة قبل أن يفتح فمه مناديًا على زوجته بجدية:
“رانيا..” ألتفت جميعهم نحوه منتظرين ما سيأتي بعد ذلك. لم تكن نظرته ولا نبرته تلك مبشرة بالخير. أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يردف:
“ودي السجاجيد تتغسل تاني وابعتي هاتي طبق حلويات، أفنان جايلها عريس تاني.”
تسارعت نبضات قلب وكأنها خيول تركض في حلبة سباق. استقامت من موضعها تنظر نحو والدها بعدم تصديق قبل أن تبتسم ابتسامة واسعة بينما لمعت عيناها وتراقصت فرحًا في محجريهما. نظر جميعهم نحو والدها بإندهاش لا يقوى عقلهم على استيعاب ما يحدث لتقاطعهم أفنان وقد أطلقت زغرودة عالية اهتزت لها جدران المنزل!
رواية في حي الزمالك الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ايمان عادل
"رانيا.." ألتفت جميعهم نحوه منتظرين ما سيأتي بعد ذلك. لم تكن نظرته ولا نبرته تلك مبشرة بالخير. أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يردف:
"ودي السجاجيد تتغسل تاني وابعتي هاتي طبق حلويات. أفنان جايلها عريس تاني."
تسارعت نبضات قلب وكأنها خيول تركض في حلبة سباق. استقامت من موضعها تنظر نحو والدها بعدم تصديق قبل أن تبتسم ابتسامة واسعة بينما لمعت عيناها وتراقصت فرحًا في محجريهما. نظر جميعهم نحو والدها بإندهاش لا يقوى عقلهم على استيعاب ما يحدث لتقاطعهم أفنان وقد أطلقت زغرودة عالية اهتزت لها جدران المنزل!
نظر جميعهم نحو أفنان بحيرة وعدم فهم. ساد الصمت لثوانٍ بعد إطلاق أفنان للزغرودة قبل أن تنظر نحوها ميرال وتبادلها أفنان نظرات السعادة والحماس لتفهم ميرال على الفور ما يحدث. تقفز ميرال من موضعها لتأخذ أفنان في عناق كبير بينما تقفز كلتاهما بعشوائية.
"عريس أيه يا أحمد أنا مش فاهمة حاجة؟" سألت والدة أفنان بحيرة شديدة وخاصة بعد ردة فعل أفنان وميرال المبالغ فيها. ساد الصمت لثوانٍ بينما ينظر والد أفنان نحو نوح ثم أفنان التي أخذت تنظر نحوه بمعنى ‘لا’ كي لا يعلن الخبر أمام نوح لكن والدها فعل على أي حال مردفًا:
"محدش غريب نوح أخوها. بصراحة في دكتور متقدم لأفنان وعايز يجي يقعد ويكلمنا ونتعرف عليه."
"رحيم؟" سأل نوح بمزيج من الدهشة والإمتعاض فلم يكن من الصعب عليه توقع أن رحيم هو ذلك الشاب. فلو شخصًا آخر غيره ما كانت أفنان لتبدو بهذه السعادة. وعلى الفور قفز إلى رأس نوح كيف كانت أفنان مستاءة وغاضبة حينما جاء لطلب يدها بدلًا من ميرال وبسبب ردة فعلها السيئة تلك اضطر إلى تغير مجرى حياته تمامًا والتفوه بإسم ميرال بدلًا من أفنان.
"أنت تعرفه يا نوح؟" سألت والدة أفنان بإهتمام كونها تثق في رأي وحديث نوح لينظر نحو أفنان بإبتسامة جانبيه وهو يجيب خالته قائلًا:
"أعرفه بس.. أعرفه عز المعرفة طبعًا. ده يا خالتو اللي كان بيدرب أفنان في الشركة."
"هو ده اللي كان عايز.."
"مكنش عايز حاجة يا ماما. نوح وقتها قال كده عشان كانت متخانق معاه ومعايا!"
قاطعت أفنان حديثهم على الفور قبل أن يفتح ذلك الموضوع مجددًا وأمام والدها والذي بالطبع سأل الآتي:
"كان عايز أيه يا أفنان؟"
"مفيش حاجة يا بابا! ملكش دعوة بنوح ولا بأي حاجة هيقولها عمتنا. رحيم جاي وحضرتك هتشوفه وهتحكم عليه بنفسك."
"مبسوطة أوي يا أفنان؟" سألها نوح ساخرًا لتنظر نحوه بحده ثم تتنهد قبل أن تبدل تعبيرات وجهها بتعبيرات سخيفة لم تفعل شيئًا سوى أنها زادت من غيظ نوح وهي تتمتم:
"ومتبسطش ليه يا نوح؟ جالي اللي استحقه واللس يليق بيا. وبعدين يا نوح أنا مبسوطة وطايرة من الفرحة لو ناوي تنكد عليا يبقى خد بعضك وأمشي من هنا."
"أفنان عيب كده! مينفعش تكلمي ابن خالتك بالإسلوب ده!"
"خليها على راحتها يا عمو. بعد إذنكوا أنا لازم أمشي. وهسيبكوا تحتفلوا كعائلة مع بعض."
"نوح استنى." قالت ميرال وهي تذهب خلف نوح مسرعة بينما نظرت نحوها والدها بغضب وهي تسألها بإستياء:
"عاجبك كده؟"
"اه يا ماما عاجبني وسيبيني احتفل بقى على راحتي بعد إذنك ولو لمرة واحدة سيبوني اتبسط زي ما أنا عايزة."
"خلاص يا رانيا سيبيها ونبقى نتكلم بعدين. تعالي يا أفنان عايزك لوحدنا."
"حاضر يا بابا."
"دلوقتي سي الأفندي اتفق معايا أنه هيجي يزورنا الجمعة الجاية إن شاء الله."
"يووه! لسه هنستنى للجمعة الجاية؟ ما خير البر عاجله!!"
"أيه ده أيه ده الدلقة دي؟ احترمي وجودي طيب!"
"أنا أسفة يا بابا والله مش قصدي. الظاهر أني اتحمست شوية زيادة."
"شوية؟ ما علينا. هو قال هيجي نتعرف عليه ويعرفنا ظروفه وكده ولو اتفقنا هنحدد ميعاد لقراءة الفاتحة وشراء الشبكة إن شاء الله."
"ايوا ان شاء الله هنتفق يارب.."
بالإنتقال إلى منزل حامد البكري، جلس رحيم برفقة أنس وهو يشعر بعقله على وشك الإنفجار من فرط الحماس والقلق في وقت واحد.
"خلاص كلمت أبوها وأرتحت؟"
"ايوا! أنت مش متخيل أنا فرحان ازاي. أنا عمري ما فرحت بالشكل ده في حياتي!"
"أنا كمان أول مرة أشوفك مبسوط ومتوتر كده. بس في تفصيلة صغيرة لو مش هيضايق ساعدتك يعني أنبهك ليها."
"اتفضل يا أنس." علق رحيم بجدية منتظرًا ما سيقوله أنس بإهتمام لكن الآخر في المقابل لم ينبس سوى بكلمة واحدة:
"أمك!"
"ما تحترم نفسك يا حيوان أنت!" وبخه رحيم وهو ينظر نحوه بحنق ليقهقه أنس ثم يردف بنبرة حاول جاهدًا أن تكون جادة:
"لا والله ما بشتمك بس أمك فعلًا. أنت مكلمتهاش ولا هي ولا Uncle حامد."
"اه ما أنا عارف. بابي أكيد مش هيبقى عنده مشكلة لكن مامي هي اللي هتحتاج وقت."
"طيب مش شايف إن المفروض كنت تعرفهم قبل ما تدي ميعاد للراجل؟"
"أنس يا حبيبي أولًا. دي قاعدة تعارف وغالبًا مش هيبقى في اتفاقات كبيرة وحتى لو أنا كبير وأنا اللي هتجوز فأنا اللي هحدد مع أونكل أحنا هنتفق على أيه. ثانيًا بقى والأهم إن سواء ماما وبابا وافقوا أو موافقوش أنا هعمل اللي في دماغي وهتجوز أفنان."
"بس العند وحش يا رحيم. تليين الدماغ والإقناع هيبقى أحسن بكتير."
كان حديث أنس مقنعًا لكن الآوان قد فات على كل ذلك. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يفصح رحيم عن ما يدور في خاطره منذ مدة طويلة قائلًا:
"أنس أنا عمري ما قولت لمامي لا على حاجة ابدًا. طول الوقت بخاف على زعلها وبحترم مطالبها وبحاول دايمًا أكون الإبن المثالي اللي هي بتحلم بي وطبعًا كوني الإبن الوحيد ده بيزود الضغط عليا. فأنا طول عمري بنفذ أوامرها And i never broke the rules ‘ولم أخترق القواعد قط’ لكن في الموضوع ده تحديدًا محدش تاني ليه حكم ولا ليه قرار غيري أنا."
"استر يارب.. طب أنت ناوي تكلمها أمتى؟"
"النهاردة عالعشاء إن شاء الله."
"جميل أوي أنا هروح أتعشى في المستشفى مع أروى بقى."
"اه يا واطي!"
"هتسبني في وقت الجد."
"مش حوار، عارف لو أنت بتتخانق مع عيل والموضوع فيه عوق أنا مكنتش هحله لكن دي أمك يا رحيم ودي مشكلة أسرية مينفعش حد غريب يبقى قاعد فيها."
تفوه أنس بألفاظ بدت غريبة للغاية بالنسبة لرحيم الذي تجاهل معظم حديثه وعلق على جزء واحد وهو يقول:
"بس أنت مش غريب يا أنس!"
"يا سيدي أنا غريب، إيش فاهمك أنت!"
"خلاص براحتك بس متتحركش من غير حراس."
"يعم ده أنت اللي محتاج حراس مش أنا، عمومًا حاضر."
"حضر لك الخير، يلا اعتني بنفسك."
ودع رحيم أنس ثم وقف يراقبه من الشرفة ليتأكد من صعوده إلى السيارة بسلام برفقة الحرس، فهو لن يسمح بحدوث أي مكروه لأنس بسبب والده بالطبع، ذلك لم يكن ليغير شيئًا مقدرًا له لكن ليطمئن قلب رحيم. تنهد رحيم تنهيدة طويلة قبل أن يخرج علبة سجائر كان قد أخفاها في حجرته قبل رحيله إلى إنجلترا وبدأ في تدخين إحدى اللفافات وهو ينتظر بفارغ الصبر موعد العشاء كي يستطيع التحدث إلى والدته على انفراد، نظرًا لإنشغال والده في هذه الأمسية.
في موعد العشاء جلس رحيم يأكل في هدوء هو ووالدته. لم يتناول رحيم سوى القليل من الطعام فشعوره بالتحفز تجاه المحادثة التي ستدور بعد قليل جعله يفقد شهيته. لاحظت والدته بالطبع توتره ولغة جسده المضطربة، فهي في النهاية لن يصعب عليها فهم ابنها الوحيد.
بعد الانتهاء من العشاء استقام رحيم من موضعه وكان على وشك العودة لحجرته لإحضار شيء ما لكن أوقفه صوت والدته وهي تطلب منه البقاء قائلة:
"رحيم تعالى أقعد أنا عايزة أتكلم معاك شوية."
"أنا كمان عايز أتكلم مع حضرتك."
"أظن موضوعي أهم فهنبدأ بيه." تحدثت والدته بنبرتها الواثقة التي لا تخلو من الأمر ليبتسم رحيم بتكلف وهو يعدل على جملتها قائلاً:
"مفيش موضوع أهم من موضوعي، ولكن مفيش مشكلة ممكن أسمع حضرتك الأول."
"أنا جايبالك ٣ عرايس، هوريك صورتهم ونبذة عن كل واحدة فيهم واللي تعجبك هنروح نطلب إيديها، كلهم بنات عائلات كبيرة وليهم أصول أوروبية إن ما كانوش هما أصلهم أوروبيين، هي دي الزوجة اللي تليق بمكانتك ومستوى العيلة."
أعلنت والدته لينظر نحوها رحيم بصدمة. نظرت نحوه هي ببعض الحيرة متعجبة من ردة فعله. حمحم رحيم قبل أن يعقب على حديثها بثقة شديدة مردفًا:
"بس أنا اخترت خلاص يا مامي البنت اللي عايز أكمل معاها حياتي."
"اخترت؟ من نفسك كده؟ وتطلع مين بقى البنت دي؟ من عائلة مين يعني؟"
"لا ما هو حضرتك متعرفيش عائلتها، هي بنت بسيطة يعني."
"بسيطة؟ أنا لا أفهم، كن أكثر وضوحًا يا رحيم."
تحدثت والدته بنبرة لا تخلو من بعض الحده وهي تضع إحدى قدميها فوق الأخرى. تحاشى رحيم النظر نحو والدته وتابع حديثه:
"يعني بنت من أسرة متوسطة ماديًا، مش من عائلة كبيرة أو معروفة."
"ودي ناوي تعطف عليها يعني؟ تجيبها تشتغل عندنا ولا إيه؟"
"مامي من فضلك أنا بقولك أن دي البنت اللي أنا بحبها فياريت حضرتك تتكلمي عنها بمزيد من الإحترام/التقدير شوية من فضلك."
"أنت هتعلمني أتكلم إزاي يا رحيم؟"
"العفو، بس أنا برضوا مش هسمح لحضرتك أو لأي حد أنه يهينها، هو معنى أن البنت أقل منا ماديًا شوية أنها تشتغل خدامة عندنا؟"
"شوية؟ شوية يا رحيم؟ أنت عارف في مسافة قد إيه بين قصرنا في الزمالك وبين البيت اللي في الحارة اللي هي ساكنة فيها؟ عارف في كام ألف جنيه فرق بين مرتبك وبين مرتب باباها؟ أنت عارف إن عائلتها لو اشتغلوا كلهم مع بعض سنة كاملة مش هيجيبوا مرتب شهرين من اللي بتاخدهم؟"
صاحت والدته موبخة إياه، ضاربة بمكانة أفنان وعائلتها كاملة عرض الحائط. كان حديثها صادقًا من الناحية الواقعية لكنه صاغت الحديث بأقسى وأبشع الصور الممكنة، ولم يجعل حديثها الوضع أفضل بل ازداد الوضع سوءًا وبدأت الانفعال الشديد يظهر على نبرة رحيم ولغة جسده.
"ده حضرتك عارفة كل حاجة بقى!"
"أنت ساذج يا رحيم، هل كنت حقًا تعتقد أنه بإمكانك إخفاء أي شيء عني يا مغفل؟ أنا على علم بشأن كل نفس تلتقطه."
"كويس يعني حضرتك هتوفري عليا شرح التفاصيل."
"ليه دايمًا بتعند وبتغلبني يا رحيم؟ ليه متسمعش كلامي من أول مرة؟"
"بعند؟ حضرتك بجد شايفاني بعند!! أنا طول حياتي بسمع كلامك وبنفذ كل اللي حضرتك بتطلبيه لكن ده عمره ما كان كافي، لم تظني قط أنني جيد كفاية مهما فعلت/بذلت من مجهود."
"رحيم أنت هتتجوز بنت تليق بينا وباسم عيلتنا، ده آخر كلام عندي."
"تليق بينا وباسم عيلتنا وحضرتك تبقي عرفاها.. ناتالي كانت جميلة، ثرية، من عائلة معروفة وكنتِ تعرفينها وفي نهاية المطاف قامت بخيانتي أمي!!"
بصق رحيم كلماته بألم شديد وهو يتمنى لو أن يرق قلب والدته عليه ولو لمرة واحدة في حياتها، لكنه كان مخطئًا حيث لم يزده حديثها سوى عنادًا وإصرارًا على قرارها.
"أنت ابني الوحيد ولو اتجوزت البنت دي أنا هتبرأ منك."
"وأنا يا مامي لو متجوزتش أفنان فاعتبري أن ملكيش ابن، وحتى الشغل مع بابي هسيبه ومحدش هيعرفلي طريق."
"أنت بتهددني يا رحيم؟"
"لا، أنا بعرف حضرتك اللي هيحصل، وعمومًا أنا لو متجوزتش أفنان مش هتجوز غيرها.. أديني حرية الاختيار مرة في حياتي!"
"اسمحلك تختار لما أكون شايفة أن اختياراتك صح!"
"ده الاختيار الصح الوحيد في حياتي يا مامي ومش هتنازل عنه."
"ده أسوء اختيار أنت بتختاره في حياتك يا رحيم."
"يعني حضرتك كنتِ أسوء اختيار في حياة بابي؟" باغت والدته بالسؤال، استقامت من موضعها ولم تتردد ولو لثانية لأن تصفعه على وجهه. تلقى رحيم الصفعة بهدوء تام قبل أن يتجه نحو طاولة الطعام ليأخذ من أعلاها مفتاح السيارة وهاتفه ويتجه نحو الخارج دون أن ينبس ببنت شفة.
"رحيم استنى!"
"أنت لو خرجت من الباب ده دلوقتي سأتبرأ منك."
لم يبالي رحيم بما قالته والدته واتجه نحو الخارج. كان الشرار يتطاير من عينه وقد امتعض وجهه. لم يدر إلى أين يذهب وهو في هذه الحالة. أخذ رحيم يتنقل بين الشوارع بتيه راكبًا سيارته قبل أن يتوقف قرب إحدى مساجد الصلاة والذي لم يكن ذو مساحة كبيرة لكن المكان كان مريحًا للغاية بالنسبة إليه.
ذهب رحيم أولًا ليتوضأ ثم دلف إلى داخل المسجد ولم ينتبه لكم من الوقت لبث فيه. حينما وصل رحيم كانت الساعة الحادية عشر تقريبًا. قام رحيم بأداء فريضة العشاء ثم أخذ يرتل بعد الآيات ودون أن يستوعب غلبه النعاس ولم يستيقظ سوى على آذان صلاة الفجر ويد تقربت على كتفه. فتح عينيه في فزع ثم التفت إلى جانبه ليجد شيخًا متقدمًا في العمر يحدث قائلاً:
"قوم يا حبيبي أتوضى وتعالى صلي الفجر معانا جماعة."
"أنا إزاي نمت هنا؟! حاضر هقوم."
"عادي يا ابني، مفيش مكان هيبقى مريح ولا آمن أكتر من بيت ربنا." تمتم الشيخ ليمنحه رحيم ابتسامة صغيرة وهو يومئ مؤيدًا ما قاله. أدى رحيم الفريضة ولم يخلو دعائه قط من اسم أفنان.
لاحقًا اتجه رحيم إلى إحدى الفنادق ليقوم بحجز غرفة تحوي سريرين، واحدًا له والآخر لأنس. أنس! تذكر رحيم على الفور أنه لم يهاتف أنس ولم يخبره بما حدث وفي الغالب قد عاد الآخر إلى المنزل ليجده مشتعلًا بسبب ما حدث بين رحيم ووالدته. أخرج رحيم هاتفه من جيب بنطاله لينتبه أنه قد جعل هاتفه على وضع الصامت وأنه هناك عدة مكالمات بين أنس، والده وميا.
تنهد رحيم بضيق وهو يفكر في من عليه أن يحدث أولًا. بشكل مبدئي لقد استبعد والده فهو لا طاقة له لسماع المزيد من التوبيخ لليوم. لكن مهلًا، أنس وميا سيقومون بفعل الشيء ذاته لذا قرر رحيم أن يحصل على قسط من الراحة ويتجاهل اتصالاتهم المستمرة مؤقتًا حتى الصباح والذي لم يكن يبعد سوى بضع سويعات.
في ظهيرة اليوم التالي استيقظ رحيم على صوت طرقات هادئة على باب الغرفة وبالرغم من كون الطرقات هادئة إلا أن رحيم كان سريع الاستيقاظ في حالة وجود أي ضوضاء. استقام بإرهاق ليفتح الباب متوقعًا أن تكون خدمة الغرف لكن لم يكن توقعه في محله.
"كنت متأكدة أنك هنا." تمتمت ميا وهي تنظر إلى شعر رحيم المبعثر وثيابه الغير مرتبة والتي اضطر للنوم بها نظرًا لعدم وجود ثيابه معه. تثأب رحيم وهو ينظر نحوها قبل أن يردف بكسل بينما يحاول عقله استيعاب ما يحدث:
"ميا؟ أهلًا."
كنت على وشك مهاتفتك.
أنا أختصرت الوقت وجيت. ألن تدعني أدخل؟
مش هينفع نقعد هنا لوحدنا، هغسل وشي وأجيلك على تحت.
تمام. بالمناسبة أنا لست وحدي.
نبست لينظر نحوها رحيم بشك وقبل أن يفتح فمه ليتحدث بإستياء وضعت كلتا كفيها أمامه لتهدأته وهي تقول:
أهدأ. أنا قصدي أنس مش Auntie إيڤلين.
تمام.
بعد بضع دقائق اتجه رحيم إلى حيث يجلس أنس وميا. نظى نحوهم رحيم بنظرات باردة بينما بادله أنس نظرات مستاءة.
هو أنت يلا خنزير؟ تتخانق مع أمك وتسيبلها البيت ونفضل طول الليل ندور عليك وأنت نايم هنا في اللا لا لاند!
والله أنا مقولتش لحد يدور عليا ده أولاً، ثانياً أنا مغلطتش في موضوع مامي ده وأنا اتخنقت وكنت محتاج أقعد لوحدي شوية.
تحدث رحيم بحنق شديد غير مبالٍ بسخف كلماته. لم يعلّق أنس على جملته تلك لكن ميا فعلت حيث نبست بنبرتها الرقيقة المعتادة:
ماشي حقك تقعد لوحدك بس المفروض تطمنا، لقد كنا قلقين للغاية بشأنك.
لا ازاي نقلق وازاي يفرق معاه قلقنا؟ أصل رحيم بيه مقموص عشان "مامي" مش موافقة عالعروسة اللي هو شبطان فيها.
أتكلم عدل يا أنس وبلاش استفزاز يا إما والله هسيبك وأقوم!
لا وعلى أيه هقوم أنا. بس كنت عايز أفكرك إن كان في ميعاد بينا النهاردة الصبح بس الظاهر موضوع أفنان لحس عقلك وأبقى كمان روح الشركة اللي أنت ناسيها خالص دي.
بصق أنس حديثه بإمتعاض واضح قبل أن يرمق رحيم بنظرة نارية قبل أن يرحل. نظر رحيم نحو ميا بحيرة والتي أكتفت بالحمحمة وهي لا تدري ماذا تقول لكن سرعان ما تذكر رحيم ما يقصده أنس ليقفز من مقعده ويلحق به جاذبًا ذراعه بقوة كي يجعله يتوقف عن السير.
أنا أسف جدًا يا أنس أنا مش عارف ازاي مركزتش. موضوع مامي ده ملغبط دماغي عالآخر.
لا يا رحيم ولا يهمك، أنا كب اللي محتاجة تسجيلات الكاميرات ومش محتاج منك حاجة تاني.
يا أنس بقى. قولتلك أنا أسف. أنا هاجي معاك وهنروح نعمل المحضر مع بعض.
بجد؟ هل ستتركوني أنتم الإثنين وحيدة/بمفردي؟
ميا أحنا رايحين مكان مظنش أنك هتبقي Interested أنك تروحيه معانا.
ليه؟
أحنا رايحين القسم.
لاحقًا في ذلك اليوم كان قد انتهى أنس ورحيم من القيام بالإجراءات المطلوبة لطلب القبض على فريد، والد أنس. ونظرًا لفظاعة ما أرتكبه والد أنس الذي قام بتحطيم المنزل بل كان ينوي تحطيمه على رأس ابنه ولكن لحسن الحظ لم يكن أنس هناك.
بعد مرور يومان استيقظ أنس على خبر إلقاء القبض على والده والذي ضبط وهو يتعاطى المخدرات في منزله مما جعل وضعه القانوني أسوء بكثير.
رحيم.. اصحى يا رحيم.. رحيم!!!
أيه في أيه؟ ما مشكلتك؟
فريد اتقبض عليه قوم!!
بجد!!!
بجد. يلا قوم بقى خد Shower عشان ننزل نشتري البدل.
بدل لأيه؟ بدلة إعدام ليه ولا أيه؟ سأله رحيم بحماقة شديدة ليقهقه أنس بقوة قبل أن يجيبه ساخرًا:
بدلة إعدام أيه يلا يا أهبل أنت! البدلة اللي هتلبسها يوم الجمعة وأنت رايح لأفنان.
اه صح أفنان. طيب ما نطلب بدلة مخصوص من برا أحسن.
لا متضيعش عليا الشعور ده.
طول السنين اللي فاتت وأنت بتكبر قدام عيني، وأنا مستني اليوم اللي هجبلك بيه بدلة فرحك.
"أيه يالا الأوڤر ده؟ أنت نايم على فيلم رد قلبي ولا أيه؟"
"أيوا أنا أوڤر فعلًا، بس بجد عايز ننزل نعمل Shopping 'نتسوق' سوا، ولما تبقى تيجي تخطب يا سيدي نبقى نسافر نجيب بدل من برا."
"خلاص تمام."
"رحيم هو أنت هتفضل بتتجاهل مامتك وباباك كتير كده؟ أنا شايف أنك تحاول توصل معاهم لحل وسط."
"أنس من فضلك متجبش سيرة الموضوع ده خالص، أنا عايز أفضل مبسوط ومتحمس ليوم الجمعة إن شاء الله."
"على راحتك يا رحيم."
في مساء يوم الخميس، جلست أفنان لتناول الغداء برفقة عائلتها. كان التوتر قد نال من أفنان كما لم يفعل من قبل، أو ربما آخر مرة كان قد انتابتها نوبة الهلع تلك كانت في أيام الثانوية. كانت أفراد أسرتها تتحدث في مواضيع شتى أثناء تناولهم للطعام، بينما كانت أفنان صامتة شاردة، فهنالك الكثير من الضوضاء التي اتخذت موضعًا لها داخل رأس أفنان.
"أفنان أنتي معايا؟"
"ها بتكلموني؟"
"دي دماغها مش معانا خالص، سرحانة في العريس طبعًا، مع إني واثقة إن العريس اللي كنت جايباه أحسن بكتير."
"مفيش وجه مقارنة أصلًا يا ماما، المهم ميرال عايزة أقولك على حاجة."
"اه ست العروسة بقى هتبدأ تطلب وتتشرط."
"هو في الحقيقة هو مش طلب هو قرار، أنا مش عايزة نوح يبقى موجود بكرة إن شاء الله."
أعلنت أفنان بثبات شديد وهدوء، لتترك ميرال ملعقة الطعام وتشعر بغصة في حلقها. استطاعت أفنان أن تشعر بالحزن الذي أصاب شقيقتها لتفوهها بجملة كتلك، لكن ليس هناك ما يمكنها فعله بشأن ذلك، فهي لن تسمح بحضور نوح ونزعه ليوم مميز كالذي على وشك الحدوث.
"ليه بقى إن شاء الله مش قد المقام ولا مش قد المقام يا ست أفنان؟ ابن مين ده ولا بيشتغل أيه رحيم عشان متبقيش عايزة ابن خالتك يقعد معاه؟"
"بيشتغل أيه؟ هو مدير شركة، ابن مين ابن عائلة كبيرة أوي يا ماما، ومش دي الأسباب اللي تخليني ارفض مجي نوح، أنا ونوح متربين سوا وأنا عارفاه كويس، وهو توبنا من توبة عادي جدًا، وهو معيد في الجامعة وافتخر بيه قدام الكبير قبل الصغير."
حاولت أفنان توضيح وجهة نظرها، فهي ترفض وجود نوح ليس لأنها تخجل منه أو شيء من هذا القبيل كما تفكر والدتها، بل لأنه سيعمل تخريب الزيجة قبل أن تبدأ. لم يروق حديث أفنان بالنسبة لوالدتها التي سألتها مستنكرة:
"أومال في أيه بقى إن شاء الله؟"
"في إن دي قاعدة أسرية وحاجة خاصة بينا احنا بس ومش من المفترض إن حد تاني يعرف أو يكون موجود ده أولًا، ثانيًا بقى إن نوح مش بيحب رحيم ولأسباب شخصية بينهم هما ملهاش علاقة بيا في حاجة ومتأثرش على مستقبلي أنا ورحيم."
"خلاص بقى مستقبلك انتي ورحيم؟ طب حتى احترمي إن أبوكي قاعد معانا."
"ماما أنا مقولتش حاجة…"
"خلاص انتهينا، مش انتي مش عايزة يجي؟ خلاص مش هيجي ومش مهم تكسري بخاطري أنا وأختك."
"يووه بقى هو أنا مينفعش أعمل حاجة على مزاجي مرة." تذمرت أفنان وهي تِبعد الصحن من أمامها ثم تستقيم من مقعدها بضيق شديد تاركة طاولة الطعام. نظرت نحوها والدتها بإستياء وهي تِردف:
"أتشنجي كمان يا دكتورة يا متربية."
دلفت أفنان إلى حجرتها وأغلقت الباب سريعًا قبل أن تستمع للمزيد من التوبيخ، والتي لم تكن هي بحاجة إليه. كانت أفنان على وشك البكاء من شدة الغيظ لما دار في الحوار السابق، ولكن قبل أن تفعل، أخرجها من شرودها صوت طرقات والدها المميزة على باب الحجرة، قبل أن يفتح الباب بهدوء شديد ويِغلقه من بعده. تتحاشى أفنان النظر نحوه وتِخفض رأسها، ليقترب هو يجلس إلى جانبها ويضع يده أسفل ذقنها بحنان وهو يتمتم:
"بقى ينفع عروستي القمر دي تبقى زعلانة؟ وبعدين أيه يا ستي مش عايزة تكلي عشان تخسي وأهل العريس يقولوا إننا مجوعينك ولا أيه؟"
"لا أنا مش زعلانة يا حبيبي متقلقش."
"على بابا برضوا؟"
"ما هو يا بابا بصراحة يعني…"
"براحة يا أفنان، أتكلمي وعبري عن غضبك بهدوء وفكري في الكلام قبل ما تقوليه عشان متغلطيش."
"حاضر أنا أسفة، دلوقتي يا بابا أنا بسمع كلام حضرتك وماما طول الوقت ودايمًا بعمل خاطر لميرال ولكل الناس، بس لما يكون الموضوع يخصني أنا بس فمن حقي إني أمشي اليوم على مزاجي."
"صح أنتي عندك حق، رانيا زودتها شوية بس أنتي عارفة إنها بتعمل كده عشان هو ابن أختها الوحيدة بعد ما خالك أتوفى يعني."
"أنا عارفة يا بابا وعلى رأسي الكلام ده كله، بس نوح مش بيحب رحيم ولو جيه وقعد هيبوظ الجوازة وأنا ما صدقت المراكب تسير."
كانت أفنان صادقة في حديثها، فنوح ورحيم يمقتان بعضهم البعض بشدة، وعند حضور عائلة رحيم معه سيكون الوضع أسوء بكثير. فلقد أعتادت أفنان أن تلاحظ نيران الغيرة تشتعل في عين الاثنين كلما ذكرت أو تحدثت إلى أحد منهم أمام الآخر، وإن حدث ذلك بالغد فستؤذى مشاعر ميرال كثيرًا، وهذا ما لا تريده أفنان بالطبع.
"خلاص زي ما أنتي عايزة، أنا مش هسمح لحد يعمل أي حاجة مش على هواكي، بس راضي أمك وأختك بكلمتين معلشي، أنا عارف أن هما اللي غلطانين بس أهو هنعمل أيه بقى حكم القوي."
ضحكة هادئة صدرت من أفنان قبل أن تقترب من والدها لتضمه برفق ويِبادلاها العناق وهو يهمس:
"مش مصدق إن بناتي الصغيرين كبروا وخلاص هيتجوزوا ويسبوني."
"لا يا حبيبي متقولش كده هعيط… ده أنا ممكن أفركش كل حاجة عشانك."
"لا بعد الشر متقوليش الكلام ده وبعدين بزمتك انتي هتفركشي الجوازة عشاني؟"
"يا بابا أنا ممكن أعمل أي حاجة عشانك، مش أي حاجة أوي يعني."
"ماشي ياختي كِلي بعقلي حلاوة، المهم أنا هتكلم مع رانيا في موضوع نوح ده وأنتي طيبي خاطر أختك بكلمتين."
"حاضر يا حبيبي." تفوهت أفنان بلطف ليمنحها والدها ابتسامة صغيرة قبل أن يترك الحجرة لتصيح أفنان منادية على شقيقتها.
لم يستطع رحيم أن ينام في تلك الليلة من كثرة التوتر، وكذلك أفنان بالطبع، ولكن لكل منهم سببًا يختلف عن الآخر. فأفنان كانت تشعر بالتوتر حيال ما سيقوله رحيم وأسرته حينما يروا الحي الذي تقطن فيه، وحينما يعلموا بالفارق الكبير بينهم من حيث المستوى، لكن ما طمئن قلبها قليلًا هو أنها لم تكذب على رحيم قط بخصوص ذلك الشأن، بل جعلته يعرف منذ اليوم الأول أن عالمها يختلف تمامًا عن خاصته. والشيء الثاني الذي كان يقلقها هو عدم موافقة والدها لأي سبب من الأسباب.
رحيم كان يخشى السبب الآخير مثله مثل أفنان. فهو لا يعرف شخصية والدها ولا يعرف إن كان شخصًا عصبيًا حاد الطباع أم شخصًا لينًا وحنونًا. ايضًا ذهابه بدون مرافقة أحد أفراد عائلته جعله أشبه بالغصن الذي قُطع عن الشجرة، لكن لحسن الحظ أن أنس كان إلى جانبه منذ بداية الأمر، فبدونه لشعر رحيم بأنه يتيم حتى في وجود أبويه على قيد الحياة.
"يا عريس!!! اصحي يا عريس!!"
صاح أنس في أذن رحيم الذي انتفض من نومته، قبل أن يُلقي بكل ما هو جانبه على أنس بينما يوبخه قائلًا:
"بقى يا بني آدم أنت When i finally get to sleep 'حينما استطيع النوم اخيرًا' تصحيني بالطريقة دي؟!"
"يعم نوم أيه ما أنت نمت كتير في حياتك قبل كده، النهاردة أنت عريس."
"يارب، يارب بس الموضوع يكمل على خير وأبقى عريس فعلًا.. خلاص مفهاش نوم تاني منك لله."
بعد تناول كلاهما وجبة خفيفة من الطعام، توجه رحيم وأنس إلى 'الحلاق'، ولو أن المكان كان أقرب إلى ال 'Spa' حيث قام كلاهما بالحصول على جلسة 'سونة' والجلوس قليلًا في 'الچاكوزي' والحصول على قصة شعر جديدة، وبعد الإنتهاء من كل ذلك عاد كلاهما إلى الفندق مجددًا لإرتداء البذل الرسمية. كانت خاصة رحيم سوداء بالإضافة إلى قميص أسود اللون، بينما كانت خاصة أنس باللون الرمادي الداكن مع قميص أبيض كذلك. كان رحيم يبدو أقرب إلى عارض أزياء لإحدي المجلات الشهيرة عوضًا عن كونه شابًا مقدمًا على الزواج.
"بسم الله ما شاء الله، تصدق لو كان ليا بنت جوزتهالك."
"بنتك؟ Eww she would be too young for me 'صوت يعبر عن التقزز/ سوف تكون صغيرة في العمر مقارنة بي'."
"اه صح ده أنت كده هتبقى بيدوفيلي أيه القرف ده."
"بس تصدق يا أنس أنت كمان شكلك قمر أوي، تحس إنك بني آدم كده ليك قيمة."
علق رحيم بمزيج من اللطف والسخرية وهو ينظر نحو أنس، والذي تفوه ردًا على حديثه بإمتعاض:
"ولما أهينك يا رينبو بتزعل؟ يلا بقى عشان نلحق نعدي نجيب الحاجة قبل ما نروح عند عمو أبو أفنان."
"اه صح، يلا بينا."
بعد ساعة ونصف من تلك المحادثة، كان رحيم وأنس في طريقهما إلى منزل أفنان. كان أنس يقود نظرًا لأنه يتذكر أين يقع المنزل إلى حد كبير، لكنه كان يستعين بال 'GPS' من حين لآخر.
"هي أفنان ساكنة هنا؟"
"لا، مش هقولك هي ساكنة فين هسيبهالك مفاجأة، هو أنت غالبًا أصلًا متعرفش اسم المنطقة اللي هي ساكنة فيها يعني."
"تمام، مش مشكلة…"
أديني هعرف.
استغرق الطريق نصف ساعة أخرى قبل أن تتوقف السيارة في إحدى الحارات العشوائية الضيقة نسبيًا. كان رحيم ينظر إلى المكان من حوله بدهشة شديدة، هو لم يرَ مثل تلك المنازل أو مثل تلك المنطقة في حياته قط، ولربما لمح ما يشبهها في إحدى أفلام السينما.
"هي.. إف ساكنة هنا؟"
"آه، عايز تقنعني بقى إنك هتجيب طنط الحجة إيفيلين وأونكل حامد هنا؟"
"في الواقع.. مش عارف.. بس عادي يعني ما هو بيت زي أي بيت.."
حاول رحيم تكوين جملة مفيدة لكنه لم يستطع، حيث كان منشغلًا بمراقبة المكان من حوله بدهشة شديدة. وكان بعض من حوله يراقبونه أيضًا، فقد كانت السيارة خاصة رحيم غاية في الفخامة، ولم يكن لأحد من القاطنين في هذه المنطقة القدرة على امتلاك سيارة كتلك. كما كانت هيئة أنس ورحيم مختلفة بنسبة كبيرة عن المكان. قهقه أنس على تعبيرات وجه رحيم وهو يعلق ساخرًا:
"يا أخي ده أنت لسانك مش مطاوعك تقول الجملة حتى."
"خلاص بقى يا أنس متبقاش سخيف. بقولك إيه، متعرفش هي أنهي بلكونة في دول؟"
"وأنا هعرف منين يعني، هو أنا ساكن معاهم؟"
"استنى أنا هعرف لوحدي.. هي دي." كان رحيم ينظر بتمعن في كل الشرفات حتى وجد واحدة يظهر منها الأزهار التي قد ابتاعها لأفنان منذ مدة. ابتسم ابتسامة واسعة حينما أدرك كم اعتنت هي بالهدية خاصته، وتمنى لو أن تعطيه نصف الاهتمام والاعتناء الذي تمنحه هي للزهور.
"يلا بينا." أومأ رحيم بتوتر، وتقدم أنس ودلف إلى الداخل.
وضع رحيم يده على جرس الباب برفق. يده الحاملة لباقة الزهور ترتجف، وشعر بأن قدمه لم تعد قادرة على حمله بعد الآن. إنه على بعد خطوات من أمنية حياته. نظر نحوه أنس بطرف عينيه قبل أن يبتسم ابتسامة جانبية وهو يهمس:
"إيه يسطا هيغم عليك ولا إيه؟"
"غالبًا." نبس رحيم بصوت منخفض قبل أن يُفتح الباب بهدوء ليظهر من خلفه رجل ذو وجه بشوش وملامح يظهر عليها الطيبة والألفة. كان والد أفنان، والذي بمجرد أن رآهم ابتسم ابتسامة واسعة وهو يرحب بهم قائلًا:
"اتفضلوا يا حبايبي نورتوا."
وبالرغم من ابتسامة والد أفنان، إلا أن معالم وجهه تبدلت قليلًا حينما لاحظ أن رحيم وحده، أو بمعنى أدق بدون والديه.
"بنور حضرتك، Thank you 'شكرًا لك'." أردف رحيم بتوتر ملحوظ، ليدعس أنس على قدمه بسبب تحدثه بالإنجليزية. ليحمحم رحيم بإحراج لأنه قد فعل ذلك بسبب توتره وليس لأي سبب آخر. جلس رحيم على الأريكة إلى جانب أنس، ثم وضع باقة الزهور وعلبة الشيكولاتة الفاخرة أعلى الطاولة. ووضع أنس علبة 'الجاتو' التي كان يحملها هو، والتي استطاع والد أفنان أن يستشف بسهولة أنها باهظة الثمن.
"مكنش في داعي تكلفوا نفسكوا كده يا حبايبي."
"لا يا uncle دي حاجة بسيطة جدًا، مفيش حاجة تيجي من مقام أفنان."
"من مقامكوا مفيش حاجة تيجي من مقامكوا." صحح له أنس، ليومئ رحيم بطفولية مؤكدًا على حديثه. ليضحك والد أفنان بخفة، ثم يسود الصمت لثوانٍ.
"معلش عشان أنا مش عارف مين فيكم رحيم؟" سأل والد أفنان بمزاح قاطعًا الصمت المريب. لقهقه ثلاثتهم قبل أن يعلن رحيم عن نفسه.
"أنا رحيم يا Uncle."
"نورت يا رحيم يا ابني. أفنان حكتلي كتير عنك بس مشوفتش صورتك قبل كده.. ده أخوك مش كده؟"
"لا هو صاحبي وجاري من زمان.. متربين سوا زي الأخوات بالضبط."
"ربنا يخليكوا لبعض إن شاء الله. هو دكتور زيك برضو؟"
"آه هو خريج صيدلة برضو بس هو أغلب تركيزه في الشغل على جزء ال Human resources 'الموارد البشرية' أكتر من الجزء ال Technical 'الفني/التقني'."
"هو يقصد يعني إن أغلب شغلي ليه علاقة بالموظفين والشغل الإداري أكتر من الصيدلة."
"جميل ربنا يوفقكوا. الحاجة الساقعة يا رانيا." طلب والد أفنان، وبعد دقيقة واحدة كانت والدة أفنان قد أحضرت أطباق تحوي أنواع مختلفة من التحلية وأكواب من المشروبات الغازية.
"أهلاً بيكوا يا حبايبي نورتوا."
"أهلاً بحضرتك يا طنط."
"عن إذنكوا." استأذنت والدة أفنان واتجهت نحو الداخل، ولكن ليس نحو المطبخ هذه المرة، بل نحو غرفة أفنان والتي أخذت تراقب الأوضاع بالخارج بتوتر شديد عن طريق الثقب الخاص بمفتاح باب الحجرة.
"طيب يا رحيم كلمني عن نفسك شوية."
"هي أفنان مشرحتش لحضرتك وضعي؟"
"أدتني نبذة طبعًا بس أنا حابب اسمع منك."
قال والد أفنان، فهو حقًا بحاجة لسماع ما سيقوله رحيم، فهو قد توقع أن أفنان قد هولت من شأن رحيم، فهي منذ أن كانت صغيرة تهيم بأي شيء يُعجبها، ولربما تُكسبه قدرًا لا يستحقه. لكن هذه المرة لم تكن تبالغ حقًا في وصفها لرحيم، والذي كان على وشك أن يُعلم والدها بأشياء مبهرة لم تعلمها أفنان نفسها من قبل.
"تمام أنا هحكي لحضرتك عن نفسي كل التفاصيل اللي حضرتك هتحتاجها.. أولًا أنا منين.. أنا بابي مصري، مامي نص إنجليزية نص مصرية ولكن معظم حياتها كانت هناك طبعًا. أنا كمان اتولدت في إنجلترا وعشت معظم حياتي هناك لكن لما كبرت شوية بقيت بين هنا وهناك ولكن الاغلب هناك. أنا يعني معايا الجنسيتين، أنا نص ونص. بابي عنده مجموعة شركات ومصانع للأدوية وهو وارثها عن جدو الله يرحمه وأحنا لينا فيها النسبة الأكبر وبقيت العائلة عاملين توكيل لبابي بإدارة ممتلكاتهم ونصيبهم يعني.."
"عظيم جدًا ما شاء الله. أنت بقى شغال مع والدك في الشركة؟"
"يعني. أنا حاليًا ماسك إدارة فرع من فروع الشركة اللي أفنان كانت بتدرب فيه وكمان بتابع إدارة فرع من الفروع في لندن. أنا الحمدلله مرتاح ماديًا. يعني معايا عربيتين وعندي شقتين في مصر وبيت في England. وإن شاء الله هجيب ڤيلا ليا أنا وأفنان في المكان اللي هي تحبه وتختاره وأنا تحت أمر حضرتك في أي حاجة."
"ما شاء الله ربنا يزيدك من فضله. بس أنا عايزك تفهم يا رحيم يا ابني إن أحنا اه مستوانا مش عالي لكن أحنا راضيين والماديات حاجة متهمنيش أصلًا. أنا أهم حاجة بالنسبالي الأصل وراحة بنتي."
"طبعًا يا Uncle.. أنا مش قصدي حاجة صدقني. تقريبًا أنا كلامي وصل لحضرتك بطريقة غلط."
اضطربت معالم رحيم وحاول من تعديل جملته لكن التوتر تمكن منه، لذا ساعده أنس وحاول تصحيح مجرى الحديث بدلاً منه قائلًا:
"هو حضرتك رحيم مش قصده حاجة هو قصده بس أنه مستعد يعمل أي حاجة عشان بنت حضرتك وفي سبيل سعادتها."
"باين يا حبيبي أنا فاهم قصده أنا بس حبيت أنبهه للجزئية دي عشان الصورة تكون واضحة من الأول وأنتوا باين عليكوا شباب زي الفل ومتربيين كويس."
"شكرًا لحضرتك يا Uncle. بس أنا عايز أكون صريح مع حضرتك. أنا مش ملاك ومش قصدي حتى أبين إني ملاك. أنا إنسان فيا عيوب وفيا حاجات محتاجة تتعدل بس صدقني يا Uncle أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان أفنان. مستعد أتغير عشانها وأعدل من نفسي لحد أما أبقى الشخص اللي هي تتمنى أنه يكون أب لأطفالها."
"إن شاء الله يا حبيبي ربنا هيجعلكوا نصيب مع بعض لو خير ليكوا."
"طب إيه يا عمو مش هنقرأ الفاتحة؟" سأل أنس بغتة ليزداد توتر رحيم. تختفي ابتسامة والد أفنان ويحمحم وهو يتحاشى النظر نحوهم. قبل أن يسأل رحيم السؤال الذي كان يخشاه منذ أن خطت قدماه إلى داخل المنزل.
"رحيم هو أنت والدك ووالدتك مش معاك ليه النهاردة؟ عشان جلسة تعارف يعني ولا عشان حاجة تانية؟"
كان والد أفنان قد توقع الإجابة مسبقًا، لكنه أراد أن يسمعها من رحيم، أو لربما كانت لرحيم أسباب أخرى غير ما خطر على باله، لكن ذلك كان أمرًا مستبعدًا. فتح رحيم فمه قليلًا بصدمة وقد شعر بأن الكلمات قد غادرته. إلهي من سحب الأكسجين من المكان؟
"هو في الواقع.. أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه.. هو أنا فعلًا جاي النهاردة عشان تعارف وكده بس في نفس الوقت كنت عايز نقرأ فاتحة ونتفق.. يعني أصل بابي ومامي.."
"مش موافقين مش كده؟"
"لا هو حضرتك الوضع مش كده. هو بس الموضوع جه بسرعة عشان يعني رحيم عرف إن أفنان متقدم لها عريس فهو كان عايز ياخد خطوة بسرعة قبل ما هي ترتبط بشخص تاني فده مكنش مخلي عنده وقت كافي يتناقش مع أسرته في الموضوع."
حاول أنس التبرير بقدر الإمكان وتحسين موقف رحيم، لكن ذلك الحديث كله لم يُقنع والد أفنان الذي أخذ يُطالعهم في هدوء منتظرًا انتهاء حديثهم. بعد أن فرغ أنس من حديثه ابتسم والد أفنان بهدوء وهو يقول:
"طيب خليني أقول حاجة بس. طبعًا أنا مش بكذب اللي انتوا قولتوها وممكن يكون اللي قولتوها دي بعض الأسباب، لكن يا رحيم يا ابني أنا مش صعب عليا أني أتوقع أن أهلك مش موافقين عالجوازة عشان كده محدش فيهم جه معاك وده شيء أنا نوعًا ما كنت متوقعه لأن أفنان أدتني نبذة من الأول عن وضعك الاجتماعي ومستواك المادي."
"حضرتك أنا هقنعهم. أحنا لسه معانا وقت يعني أنا بس كنت عايز حضرتك تشوفني الأول وتسمع مني عشان تعرف أني مش بتسلى ولا بلعب ببنت حضرتك أنا مستجراش أصلًا أعمل حاجة زي كده. فلو حضرتك وافقت مبدئيًا النهاردة وأنا أوعدك إن الزيارة الجاية هجيب مامي وبابي. وحتى لو موفقوش."
أنا معنديش أي استعداد أخسر أفنان لأي سبب من الأسباب.
بص يا رحيم أنت باين عليك شاب كويس ومتربي وبتفهم في الأصول. أنا ارتاحتلك وفاتحلك بيتي تنور أنت وأهلك في أي وقت وتيجوا ونتقابل ونتفق لكن غير كده.. أنا أسف يا ابني أنا مقدرش أوافق وأهلك رافضيين. رضا أهلك عليك ومباركتهم في خطوة زي ديه أهم من أي حاجة حتى لو الحاجة دي هي أفنان بنتي.
رواية في حي الزمالك الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ايمان عادل
بص يا رحيم أنت باين عليك شاب كويس ومتربي وبتفهم في الأصول. أنا ارتاحتلك وفاتحلك بيتي تنور أنت وأهلك في أي وقت وتيجوا ونتقابل ونتفق لكن غير كده.. أنا أسف يا ابني أنا مقدرش أوافق وأهلك رافضيين.. رضا أهلك عليك ومباركتهم في خطوة زي ديه أهم من أي حاجة حتى لو الحاجة دي هي أفنان بنتي.
اضطربت معالم رحيم وهو يحاول إبتلاع الغصة في حلقه. شعر رحيم بالكون يتجمد من حوله ولم يدري ماذا يقول. نظر نحو أنس الذي بادله نبرات حيرة واستياء.
"أحنا كده أتطردنا ولا أيه؟" سأل أنس هامسا في أذن رحيم الذي بقى صامتا لدقيقة قبل أن يردف:
"أنا طبعًا مقدر لكل اللي حضرتك قولته.. وحضرتك يعني عندك حق في كل كلمة قولتها. وأنا أوعدك أني هحل مشاكلي مع بابي وما…"
"مع باباه ومامته.. هيحل المشكلة مع باباه ومامته وهنيجي كلنا سوا الزيارة الجاية إن شاء الله." نظر رحيم نحو أنس بدون استيعاب وهو يتسأل بداخله لماذا قاطع الأخير حديثه وعدله ليدعس أنس على قدمه بخفة.
"تنوروني يا حبيبي في أي وقت البيت بيتكوا. وأنا حبيتك جدًا يا رحيم يا ابني ومرحب بيك في أي وقت."
"شكرًا لحضرتك.. طيب هو ينفع أخد من حضرتك وعد." تمتم رحيم بإحراج ليبتسم والد أفنان وهو يقول:
"لو كان في استطاعتي فأكيد اتفضل."
"ممكن حضرتك متوافقش عالعريس اللي كان متقدم لأفنان؟ أنا مش هتأخر على حضرتك أنا إن شاء الله هاجي على طول عشان نقرأ الفاتحة ونجيب الشبكة."
تحدث رحيم بحماس شديد خاصة عند جزئية قراءة الفاتحة ليمنحه والده أفنان نظرات مطمئنة وهو ينبس بكلمة واحدة والتي أثلجت صدر رحيم:
"أوعدك."
"شكرًا جدًا لحضرتك.. إن شاء الله هكلم حضرتك تاني في أقرب وقت عشان نحدد ميعاد."
"تنور في أي وقت يا حبيبي."
"طيب يا عمو نستأذن أحنا بقى." أردف أنس وهو ينبه رحيم أن عليهم الرحيل فلقد انتهى الحديث عند هذا الحد ولا يوجد معنى لمكوثهم الآن.
"ليه يا حبيبي ما أنتوا مشرفينا."
"إن شاء الله هنقعد كتير كلنا الفترة الجاية لما يتم المراد." تمتم أنس بنبرة درامية قليلًا مستخدمًا لفظة قديمة للغاية لم يفهمها رحيم لكن فهمها والد أفنان بسهولة بالطبع.
"إن شاء الله."
ودع والد أفنان الشابان بلطف شديد وبمجرد أن أغلق باب المنزل بعد تأكد والد أفنان من رحيلهم نظر رحيم نحو أنس بحيرة وهو يقول:
"مراد مين؟ أنا مش فاهم حاجة!"
"بس اسكت."
"أنت بتسكتني جوا ليه؟ كل أما أقول جملة تعدل عليا!!"
"يا عم الراجل رافضك أصلًا من الأول تقوم قايله مامي وبابي؟ ده كده هيضربنا بالنار."
"فين المشكلة؟ مش فاهم."
"هي مش مشكلة ولكنها اختلاف ثقافات مش أكتر. الناس في المستوى ده هيبقوا شايفين إنك مايع أو مايص لمجرد أنك بتستخدم مصطلح أو لفظ غير دارج بالنسبالهم."
"بعيدًا عن جملة 'في المستوى ده' عشان طبقية جدًا. بس اللي أنت بتقوله ده سيء أوي.. دي Toxic masculinity 'ذكورة سامة'."
"بالضبط كده. بس أنت لوقلتلهم المصطلح ده برضوا هيفتكروك بتشتمهم."
"عالعموم مش مهم كل الكلام ده دلوقتي.. أنا حاسس بإحراج فظيع ومتضايق أوي. حتى أفنان مشوفتهاش النهاردة…"
"ما ده المتوقع يا رحيم. أنا قولتلك من الأول إن الموضوع مش هيمشي بس أنت اللي صممت إننا نيجي والحمدلله إن الراجل محترم ومطردناش."
"خلاص بقى متقعدش تلومني وبعدين أنا أصلًا أنا مش ندمان…"
أردف رحيم وهو على وشك أن يدلف داخل السيارة لكنه شعر بشيء صلب يرتطم بكتفه وقبل أن يسب من فعل ذلك وجد صوت 'بسبسة' من الأعلى. رفع عيناه ليرى أفنان تنظر نحوه من الشرفة وهي تختبأ بين الستائر.
"يا عيال يا معفنة ياللي بترموا حجارة عالناس!!" صاح أنس بصوت مرتفع نسبيًا ليقترب منه رحيم واضعًا يده على فم أنس كي يجبره على الصمت.
"بس اسكت دي أفي."
"أيه أفي دي؟"
"أفنان يا أنس أفنان!"
"طب ما تنده ولا ترن؟ بتحدف على قفانا طوب ولا مشابك ليه؟!"
"أنت غبي بجد. يلا…"
"يلا نمشي أركب."
نبس رحيم بحنق وهو يدفع أنس إلى داخل السيارة، قبل أن يرفع عينيه ليُلقي نظرة أخيرة على أفنان قبل أن يرحل. منحها ابتسامة منكسرة، لكن لم تستطع هي أن تبادله الابتسام حيث كانت دموعها تنهمر، لكنه لم يستطع رؤية ذلك بوضوح نظرًا لبعد المسافة. لوّح لها رحيم مودعًا إياها قبل أن يدلف إلى داخل السيارة.
بالعودة إلى منزل أفنان، جلس والدها بضع دقائق في انتظار خروج أفنان من حجرتها، لكنها لم تفعل، بل فعلت ميرال والتي دنت من والدها لتُخبره بأن شقيقتها قد أجهشت في البكاء في حجرتها بسبب سماعها لرفض والدها لزواجها من رحيم. تنهد والدها بضيق قبل أن يمنح ميرال ابتسامة حنونة مرهقة وهو يُردف:
"متقلقيش، أنا هدخل أتكلم معاها."
استقام من مقعده واتجه نحو غرفة أفنان، واستطاع سماع صوت بكائها حتى قبل أن يدلف إلى الحجرة. شعر بالألم يتسلل إلى قلبه، فلم تكن ابنته من الشخصيات سريعة البكاء. طرق الباب مرتين بطريقته المميزة لتقول أفنان بصوت مبحوح:
"اتفضل."
"عروستي القمر عاملة إيه؟"
"عروسة إيه بقى يا بابا؟"
"طبعًا عروسة وأحلى عروسة كمان." تفوه والدها بنبرته الحنونة المعتادة وهو يضع يده أسفل ذقنها ليرفع وجهها الذي خفضته هي لتظهر عيناه الباكية ووجنتها المحمرة.
"أنتي بتعيطي ليه يا عبيطة؟ عشان مقولتش أني موافق؟ ده أنا كده برفع قيمتك وببين قد إيه أنك غالية، وإن عمري ما هقبل أنه يكون متجوزك في الدرا ولا أنه ميقدرش يمشي جنبك وهو حاطط عينه في عين أي حد قصاده."
"أنا فاهمة يا بابا، وأنا عارفة أن حضرتك عندك حق، واللي عملته هو الصح، بس أنا..." تحدثت أفنان من بين شهقاتها ليُكمل والدها ما لم تستطع هي إكماله قائلًا:
"متضايقة. عارف أنك متضايقة، وأن كان نفسك كل حاجة تتم، بس صدقيني يا أفنان يا بنتي، الشخص اللي مش بيحارب عشان الحاجة ويتعب عشان يوصلها مبيحسش بقيمتها، وأنتي قيمتك غالية أوي يا حبيبتي."
"شكرًا يا بابا أنك بتعمل كل حاجة عشان مصلحتنا حتى لو إحنا مش فاهمين."
"أنا أهم حاجة عندي سعادتكوا يا نور عيني. المهم يلا قومي بقى عشان نشوف المحروس جايب إيه معاه."
"آه صح، هو جاب إيه؟" سألت بفضول ليضحك والدها ثم يُجيبها بسخرية:
"سي روميو جايبلك ورد وشيكولاتة وحلويات."
"أكيد مكلف، ما أنا عارفاه. ابن البكري بيحب المنظرة."
"البكري؟"
"آه، هو اسمه رحيم البكري، بس مش عارفة اسم باباه إيه، حاجة بحرف الـ ح كده..." نظر والد أفنان نحوها بحيرة وكأنه يحاول تذكر شيئًا ما، قبل أن تُباغته هي بسؤالها:
"هو حضرتك بتشبه عالاسم ولا إيه؟"
"حاسس أني سمعته قبل كده، اسم العيلة مميز."
"أكيد الاسم عدى على حضرتك في الجرايد أو أخبار رجال الأعمال أو المستثمرين مثلًا."
"ممكن، المهم يلا قومي اغسلي وشك وتعالي أقعدي معانا برا."
"حاضر."
داخل السيارة، جلس رحيم إلى جانب أنس في صمت. مازال يشعر بالضيق والإحباط لما حدث في مقابلة والد أفنان، وما زاد الطين بلة هو تلك الأغنية الحزينة التي تتحدث عن الفشل والتعاسة، والتي قام أنس بتشغيلها بصوت مرتفع وكأنه متعمد جعل حالة رحيم أسوأ.
"إيه يا عم القرف اللي أنت مشغله ده؟"
"آه لا مؤاخذة، الأغنية جت عالجرح. طب تحب أدورلك عن أغنية بتحكي عن واحد راح يتقدم لواحدة فأبوها طرده؟"
"طب تحب أنا أشغلك أغنية عن واحد اتعصب من صاحبه So he got rid of him 'تخلص منه'؟"
"لا خلاص، أنا آسف. قولي بقى أوصلك على فين؟"
"هو أنا كنت عايز أرجع عال Hotel 'الفندق' طبعًا، بس بيقولولي في مشكلة في الشركة ولازم أروح أشوفها ضروري."
"تمام، هاجي معاك، ولما نخلص هعدي عال مستشفى أشوف أروى."
"ماشي."
وصل رحيم إلى الشركة، وبمجرد أن دلف إلى الداخل انتبه الجميع له. فمنذ أن عاد من بريطانيا لم يحضر إلى الشركة تقريبًا، وقد كان الفضول يلتهم الجميع ليعرفوا سر الاختفاء المفاجئ لشخصية صارمة كرحيم. تركه أنس واتجه إلى مكتبه، بينما فعل رحيم المثل، ولكن قبل أن يفعل، اتجه إلى المساعدة الشخصية خاصته أولًا.
"دخليلي كل الورق اللي محتاج يتِمضي عال مكتب و reports 'تقارير' الشهر كله من فضلك." طلب رحيم من المساعدة خاصته التي أومأت بهدوء وهي تستقيم من مقعدها لتقوم بإحضار ما طلبه رحيم.
"ثواني، هو أنتي إيه اللي مقعدك لحد دلوقتي في الشركة؟ الساعة Almost 9 pm 'تقريبًا التاسعة مساءً'."
"ما هو يا فندم حضرتك في ضغط شغل جامد جدًا اليومين دول وحضرتك مكنتش هنا، فأوقات كنا بنقعد زيادة عن مواعيد العمل الرسمية، ومستر حامد قال إن هيبقى فيه Over time 'المقصود زيادة في الراتب نتيجة العمل لساعات أطول'."
"تمام، بعد ما تجيبي الحاجات اللي طلبتها تقدري تتفضلي."
"تحت أمرك يا فندم."
جلس رحيم على المكتب خاصته بضيق وهو ينزع ربطة عنقه باستياء، ثم يعيد خصلات شعره نحو الخلف. عشرة دقائق تقريبًا مرت قبل أن يسمع رحيم طرقات هادئة على الباب. يسمح للمساعدة بالدخول وهو يعبث في أحد الأوراق التي أمامه، بينما يُعلق دون رفع عينيه نحوها:
"حطيهم عال مكتب واتفضلي."
"طب ينفع متفضلش وأقعد معاك شوية؟" صدر هذا السؤال بغتة من صوت رجولي يعرفه رحيم جيدًا، بالتزامن مع ملاحظة رحيم أن اليد التي وضعت الأوراق هي يد رجل وليست يد مساعدته.
"بابي؟ أهلًا بحضرتك، اتفضل طبعًا." نبس رحيم بمزيج من الدهشة والتوتر وهو يستقيم من مقعده على كرسي المدير، مشيرًا لوالده بأن يجلس مكانه كنوعًا من الأدب والذوق. ابتسم والده تلقائيًا من فعلة رحيم تلك وهو يشعر بالفخر كونه استطاع تربية ابن بهذه السلوكيات.
"خليك مستريح يا رحيم، ده مكانك."
"العفو يا بابي، حضرتك اتفضل وأنا هقعد عال كرسي اللي قصاد حضرتك."
"طب أنا عندي حل وسط، أحنا نقعد عال Couch 'الأريكة' اللي هناك دي."
"تمام اتفضل." نبس رحيم وهو يُشير إلى والده ليجلس الإثنين على الأريكة. تسلل التوتر إلى قلب رحيم وهو ينتظر سماع ما سيقوله والده بقلق.
"خليني أدخل في الكلام على طول، أظن أنت عارف أنا جاي لحد هنا عشان أتكلم في إيه."
"عارف طبعًا..."
"طيب، بعيدًا عن اعترضي أو موافقتي على البنت والجوازة بشكل عام، مش شايف إنك كان المفروض ترجعلي أنا الأول يا رحيم في موضوع زي ده قبل ما تاخد أي خطوة؟"
سأله والده بنبرة تحمل في طياتها اللوم، لكنه لم يكن حادًا كذلك. اضطربت ملامح رحيم أكثر وهو يحك مؤخرة رأسه، بينما يُردف:
"حضرتك عندك حق، أنا غلطت، بس أنا لو كنت عرفتك اللي بخططله كنت هتقولي استنى وكنت هتقولي أنك هتكلم مامي بهدوء وهتحاول توصل معاها لحل، وده هياخد وقت طويل، ده في حالة أنك قدرت تقنعها أساسًا، وأنا مكنش عندي أي استعداد استنى لما البنت تروح من إيدي."
"ولما روحت لوحدك كانت إيه النتيجة؟"
"مش فارقة النتيجة دلوقتي يا بابي، لأني لسه هحاول تاني وتالت وعاشر لحد ما اللي أنا بطمح ليه يحصل."
"بتحبها أوي كده؟ شايف إن الجوازة دي تستحق المخاطرة بكرامتك وكرامتنا وإنك تخسر رضا أمك؟"
سأل والده بنبرة جادة ليسود الصمت لثوانٍ، حيث كان يحاول رحيم ترتيب الحديث في رأسه أولًا قبل أن يُجيب على سؤال والده. أخذ رحيم نفسًا عميقًا ثم نبس بالآتي بكل صدق:
"بابي، أنا عمري في حياتي أبدًا ما أعمل أي حاجة تمس كرامتنا بسوء، أما عن جزء المخاطرة بقى، فإيه المانع أني أخاطر زي ما حضرتك خاطرت زمان يا بابي واتجوزت مامي بالرغم من رفض عائلة حضرتك للموضوع ورغبتهم في إنك تتجوز بنت من بنات عائلة البكري؟"
صمت والد رحيم وقد ذم شفتيه، فرحيم محق بهذا الشأن. فلم يتردد حامد منذ أكثر من عشرين عامًا في الوقوف أمام كل أفراد عائلته وليس أبويه فقط من أجل الزواج من إيفلين، والتي كانت تختلف عنهم كثيرًا من حيث التربية والتعليم، بل من ناحية العادات، التقاليد، والجنسية كذلك، حتى وإن كانت العائلتين متقاربتين من ناحية المستوى المادي.
"بابي، أنا كنت تايه.. كنت تايه ولاقيت نفسي لما لاقيت أفنان، يمكن أنا معرفهاش كويس."
يمكن أحنا محتاجين نعرف بعض أكتر، ويمكن يحصل بينا مشاكل وخناقات، لكن كل ده مش هيغير رأي في موضوع طلب إيدها للزواج.
أنت عندك حق في كل كلمة قولتها، بس صدقني يا رحيم أنت هتتعب جدًا لاختلاف المستوى والتربية، ده الموضوع مش سهل زي ما أنت متخيل. أنا تعبت كتير لحد ما وصلت للتفاهم اللي بيني وبين والدتك.
أنا وأفنان مدركين ده كويس يا بابي، أحنا مش صغيرين، وأحنا عندنا رغبة إننا نحاول، فياريت تدولنا فرصتنا.
على راحتك يا رحيم، طالما ده اللي أنت بتتمناه، فأنا عمري ما همنع عنك حاجة أنت نفسك توصلها، وهتمنالك كل خير وهقف في صفك وأدعمك. أنت ابني الوحيد، ولكن هفكرك أنت اللي هتتحمل نتيجة كل حاجة لوحدك في الآخر.
عارف حضرتك متقلقش، شكرًا جدًا يا بابي، أنا حقيقي محتاجلك تقف جنبي في الوقت ده أكتر من أي وقت تاني.
أوعدك أني مش هخذلك يا ابني. ألف مبروك يا رحيم.
نبس والده بنبرة حنونة وهو يقربه إليه ليضمه بقوة. لقد مر وقت طويل منذ أن ضم رحيم والده بهذا الشكل. كان الأمر برمته يأخذ منحنى عاطفي مؤثر. لحظة لا تتكرر كثيرًا بين الأب وابنه في هذا الزمان. لكن بالطبع تم قطع المشهد حينما صدح في المكان صوت حذاء أنثوي وصوت مستاء يتحدث بإستنكار متسائلًا:
ألف مبروك على إيه يا حامد؟ أنت موافق على المهزلة دي؟
بعدين يا إيڤلين.
إيه يا رحيم مش هتسلم عليا؟
لا طبعًا مقدرش. أهلًا بحضرتك يا مامي.
إيه مش ناوي ترجع البيت ولا إيه؟ يبدو الأمر وكأنك تستمتع بالبقاء بعيدًا عن المنزل وكأنك شخص بلا مأوى/مشرد.
لا، محتاج أفضل لوحدي أحسن ليا وللكل. ده أولًا. ثانيًا، أنا أمكث في فندق. الأشخاص الذين لا مأوى لهم/المشردين لا يمكنهم تحمل تكلفة البقاء في فندق أمي.
سخر رحيم في نهاية جملته من حديث والدته، ولكنه حاول جاهدًا الحفاظ على نبرته الهادئة، ففي النهاية هو يتحدث إلى والدته.
واللي أنت بتعمله ده آخره إيه؟
آخره أني هتجوز أفي يا مامي.
شايف آخرة دلالك ليه يا حامد؟ بقى بعد السنين دي كلها تعصاني يا دكتور رحيم عشان بنت مالهاش قيمة زي دي، آخر تشتغل خدامة عندنا!
بعد إذن حضرتك!
إيڤلين! استنى أنت يا رحيم. مش من حقك ابدًا أنك تتكلمي عن البنت أو عن أي حد بالطريقة المهينة دي ابدًا! وبعدين دلال إيه اللي بتتكلمي عليه يا هانم وأنتي طول عمرك معيشه الولد في ضغط وقلق من إن تعليماتك لازم تتنفذ بالحرف؟ وبعدين لو كنت أنا غلطت في حاجة تبقى في أني سيبتك تربي الولد بالأسلوب ده!
صاح والد رحيم بإنفعال شديد للمرة الأولى في حياته تقريبًا. فالطالما كانت والد رحيم يلجأ إلى النقاش الهادئ والدبلوماسي، لكن الكيل قد طفح به حينما تعلق الأمر بابنه الوحيد. أخذت تطالعه زوجته بنظرات تنم عن عدم الرضا والسخط ولا تخلو من الإندهاش كذلك، فهي لم تتوقع قط أن تسمع مثل تلك الكلمات من زوجها.
كان رحيم يراقب ما يحدث بشعور كبير من الذنب في أنه جعل الحوار بين والديه يحتد بهذا الشكل، لكن لم تكن بيده حيلة، فما حدث ليس عن قصد، وهو ما زال معه كامل الحق في اختيار فتاة أحلامه والدفاع عنها. وكم تمنى أن تسير الأمور بوتيرة هادئة وأكثر بهجة، لكن كل ما يتمناه المرء يدركه.
أنت بتكلمني أنا يا حامد بالأسلوب ده؟ وعشان مين؟ عشان واحدة ابنك ميعرفهاش غير من كام شهر؟
افهمي بقى يا إيڤلين! أنا بتكلم عشان ابني.. ابني اللي يخصني اللي حتة مني مش عشان البنت أو غيرها!
نبس حامد بإنفعال شديد وهو يمسك رأسه بألم نتيجة ارتفاع ضغط دمه في الغالب. أقترب منه رحيم بلهفة وقلق بينما يحاول معرفة بماذا يشعر بالضبط، ولكن قبل أن يسأله باغته أحدهم بسؤال آخر:
رحيم أنا هطلب طاجن مكرونة وعلبة كشري، أجبلك معايا؟
سأل أنس ببلاهة شديدة لينظر ثلاثتهم نحوه بحيرة وعدم فهم. حمحم أنس بإحراج وقد تحول وجهه إلى لون ثمرة الطماطم وهو يعتذر منهم على الفور قائلًا:
أنا أسف جدًا، شكلي جيت في وقت غلط.
خد هنا يا أنس! لقد خيبت ظني حقًا. بقى تطاوع رحيم وتساعده في الكارثة اللي عايز يعملها دي؟
الله! وأنا مالي يا Auntie؟ وبعدين حضرتك وعمو مكبرين الموضوع جدًا. يعني إيه المشكلة أنه أعجب ببنت وعايز يتجوزها في الحلال؟ مش أحسن ما يضرب ورقتين عرفي ولا يشرب سجاير محشية؟
أنت بتقول إيه؟ أنس اخرس!
أنا بتكلم جد والله. يعني هو عايز يعمل حاجة ترضي ربنا أولًا وتتوافق مع العادات والتقاليد بتاعت المكان اللي أحنا فيه، وهو عرض على حضرتك الموضوع بهدوء وأنتي رفضتي، ولمح لحضرتك قبل كده برضوا يا عمو والنتيجة كانت صفر. فمحدش يلومه دلوقتي أنه اتصرف من دماغه وراح نفذ لوحده.
نظر رحيم نحو أنس بإمتنان شديد لدفاعه عنه بتلك الإستماتة، بينما استنكرت والدة رحيم ما قاله أنس. حمحم حامد ببعض الحرج وهو يتمتم:
أنت عندك حق فعلًا يا أنس. أحنا غلطنا. رحيم حدد معاد مع والد البنت دي وهنروح معاك ونطلب إيدها زي ما الأصول بتقول.
حامد أنت لو عملت كده أنا..
أنتي إيه؟ هتعملي إيه؟ فوقي بقى يا إيڤلين رحيم مش صغير ومحدش واصي عليه. هتتبسطي لما يتجوز من وراكي؟ ولا هتتبسطي أكتر لما ميتجوزش خالص ويفضل طول حياته تعيس؟ أنتي نسيتي الحالة اللي كان فيها لما ساب ناتالي؟
ما شاء الله. موضوع ناتالي ده وراك وراك، يخربيت الذل.
أنا كنت لسه بشكر فيك، فأخرس من فضلك.
قال رحيم من بين أسنانه، لكن أنس لم يعلق، حيث قاطعتهم والدة رحيم وهي تقول بكل جدية:
روح معاه يا حامد، بس من النهاردة يا رحيم انسى إن ليك أم!
كليشيه أوي الحركة دي يا إيڤو والله. يعني روحي لمستوى أعلى شوية، يعني مثلًا روحي أعرضي عليها فلوس عشان تسيب رحيم.. أو مثلًا سيبيهم يتخطبوا وبعدين طلعي عينيها كده يعني.
علق أنس بحديث ساخر كالمعتاد، لكن ملامحه كانت جادة تمامًا. نظر رحيم نحو أنس بحدة وهو يسأله:
أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟
حامد سأكون في انتظار بالخارج.
بصقت كلماتها وغادرت المكان، لينظر والد رحيم نحوه بإبتسامة جاهد لرسمها على فمه وهو يردف:
متقلقش. أوعدك أن كل اللي أنت عايزه هيحصل، بس أديني وقت أحسم الموضوع مع والدتك.
تمام يا حبيبي.
أظن أنا دافعت عنك وضبطك عالآخر. قدرني بقى.
مسمعش صوتك لحد بكرة الصبح. ويلا نروح لإن الوقت اتأخر وأكيد مفيش زيارة لأروى دلوقتي.
اه صح. طيب يلا.
مر أسبوع آخر ولم يحدث جديد. ما زال رحيم يمكث في الفندق ولم يأتيه الخبر اليقين من والده، ولم يتحدث هو إلى أفنان، والتي قضت أيامها بصعوبة تحاول جاهدة تشتيت نفسها بالجامعة وصب تركيزها في المذاكرة، لكن الأمر لم يكن سهلًا بتاتًا.
يعني دلوقتي عدى أسبوع ويوم والبيه لسه متصلش.
في إيه يا أفنان؟ هو لحق؟ وبعدين عقبال يا بنتي ما يقنع أهله، أنتي فاكرة كل الأهالي كويسين مع ولادهم وبيقتنعوا بسرعة زي ماما وبابا ولا إيه؟
وهي ماما بتقتنع أصلًا أنتي كمان؟ أو هي بتقتنع اه بس بتشتمني في سرها.
المهم سيبك من الكلام ده كله. حلو الطقم ده ولا مش أد كده؟
سألت ميرال أفنان وهي تتأمل ثيابها أمام المرآة.
اه حلو. أنا من بدري عايزة أسألك رايحة فين وبنسى.
هكون رايحة فين مثلًا؟ خارجة مع خطيبي.
أجابتها ميرال وهي تشير بيدها على خاتم الخطبة بطريقة مبتذلة، لتقلب أفنان عينيها بتملل وهي تعلق ساخرة:
خطيبك؟ طيب ياختي ربنا يوفقكوا. نازلين عادي ولا هتشوفوا حاجة ليها علاقة بالشقة؟
لا هنخرج نتغدى وكده وهنبص على محلات الموبيليا عشان لو في موديل عاجبنا نبقى نعمل زيه.
طيب كويس. استمتعي.
بالفعل جاء نوح لإصطحاب ميرال ليقضوا بعض الوقت سويًا. بدأوا أولًا بالتجول بين محلات الموبيليا، وبعد أن شعروا بالإرهاق قرروا الذهاب لتناول الغداء. كان نوح لطيفًا هادئًا في ذلك اليوم على غير المعتاد، مما جعل ميرال تشعر بالسعادة والسكينة، لكن ذلك لم يدوم طويلًا، فبمجرد جلوسهم في إحدى المطاعم باغتها نوح بسؤاله الآتي:
إلا قوليلي يا ميرال. الشملول جه أتقدم بقى ولا ألغى المعاد؟
لا ملغاش حاجة.
"بس أيه؟" سأل نوح باهتمام واضح.
تنهدت ميرال بضيق وأردفت: "هقولك بس متقولش لأفنان إني قولتلِك."
"خلصي يا ميرال، أكيد مش هقولها، شايفاني عيل صغير؟" تذمر نوح بضيق.
أخذت ميرال تنظر إليه بحيرة. كيف لنبرته ونظراته أن تتحول بتلك السرعة؟ ولماذا يسألها بكل هذا الاهتمام المبالغ فيه؟ أخرجه من شرودها صوت نوح وهو يسمعها بعضًا من توقعاته للسيناريو الذي حدث، بنبرة انتصار مردفًا:
"أنا هتوقع.. أهله مش موافقين صح؟ أو شايفينكوا طمعانين طبعًا ومش قد المقام."
"لا، هو مش ده اللي حصل. وبعدين مالك بتقولها بشماتة ليه كده؟" ذمت ميرال شفتيها بعد أن سألته مستنكرة نبرته تلك.
بدلًا من الاعتذار، ابتسم ابتسامة جانبية وهو ينبس بالآتي:
"مش شماتة، أنا بس مبسوط إن كان عندي حق واللي قولته هو اللي حصل."
"يعني أنت مش فارق معاك مشاعر أفنان اللي هي أختك وزعلها؟ وكل اللي فارق معاك إن كلامك يطلع صح؟ وبعدين أنا مش فاهمة أنت حاطط أفنان في دماغك كده ليه يا نوح؟ ما تسيبها في حالها شوية."
"فيه إيه يا ميرال؟ هو كل مرة هتيجي سيرة أفنان هنتخانق فيها؟" تسأل نوح بنبرة حادة وصوت مرتفع نسبيًا.
تصدم ميرال من نبرته، لكنها تجيبه بنبرة منفعلة كذلك وهي تقول:
"اسأل نفسك. وبعدين أصلك مش شايف أنت بتتكلم إزاي! وبعدين هو مفيش سيرة غير سيرة أفنان نتكلم فيها؟ مفيش مرة قعدنا فيها إلا لو اتكلمنا عنها. إيه مفيش مواضيع تانية ولا ناس تانية في حياتنا؟ ده أنت مريم أختك مبتجبش سيرتها كده!"
"أنتي الكلام معاكي بقى صعب أوي يا ميرال."
"ده على أساس إننا بنتكلم كتير أوي يعني." سخرت ميرال وهي تعقد كلتا يديها أمام صدرها.
زفر نوح بضيق قبل أن يتراجع سريعًا ويحاول إصلاح الأمر ويقول:
"طيب.. خلاص حقك عليا، متزعليش."
"خلاص مش زعلانة، أنا عايزة أروح."
"طيب تعالي، هوصلك."
"لا مش عايزة! أنا هروح لوحدي."
"بلاش عند بقى يا ميرال ويلا، هطلب الحساب ونقوم."
"قولتلك مش عايزة أوصلك، أنا همشي لوحدي."
"ما خلاص يا ميرال قولت! ما تسمعي الكلام ولا إنتي هتعملي إن ليكي شخصية عليا!"
بصق نوح كلماته القاسية في لحظة غضب. شعرت ميرال وكأن أحدهم قد سكب "جردل" مياه مثلجة فوق رأسها. نظرت لي نحو نوح بانكسار وصدمة وهي تسأله مستنكرة:
"يعني أنت شايف إني مليش شخصية يا نوح؟"
"أنا مقولتش كده.."
لم تسمح له ميرال بالتفوه بحرف آخر واستقامت من مقعدها بعد أن جذبت حقيبتها مهرولة نحو الخارج. حينما حاول نوح استيعاب ما يحدث، كانت ميرال قد غادرت بالفعل. حاول اللحاق بها لكنها كانت داخل سيارة الأجرة "تاكسي" بالفعل. وقف يضرب كفيه ببعضهم وهو لا يدري ما العمل. فماذا سيحدث له إن سردت ميرال ما حدث لوالديها، والأسوأ لو علمت أفنان بالحوار الذي دار بينهما.
أخذت ميرال تنظر من شرفة سيارة الأجرة إلى الطريق بشرود. لا وجهة محددة تنوي الوصول إليها. دموعها تنهمر في صمت وألم شديد يجتاح رأسها. يصدح صوت هاتفها بالاتصالات المتكررة من نوح لكنها لا تجيب، فلا طاقة لها للشجار ولا تود سماع صوته قط في الوقت الحالي. في نهاية الأمر، وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا، طلبت من السائق أن يتوقف بالقرب من النيل. منحت السائق أمواله وغادرت السيارة.
وقفت تستند على السور المعدني الصدئ في بعض البقع وهي تتأمل مياه النيل السوداء والتي اكتسبت لمعة نتيجة لانعكاس ضوء القمر عليها، بينما تتساءل بداخلها متى ستلمع هي مثل تلك المياه والتي من دون القمر لكانت منطفئة كئيبة المنظر. ولكن ترى هل نوح هو قمرها الذي سيساعدها على التلألؤ أم هو سحابة سوداء ستحجب الضوء عنها؟
بالانتقال إلى مقر شركة البكري، جلس رحيم ينهي عمله بعد رحيل معظم الموظفين تقريبًا. كان يخرج بعض الأوراق من إحدى الأدراج حتى وقعت أمامه شهادة تحوي اسم أفنان والتي لم تأتِ لاستلامها قط. ابتسامة صغيرة زينت ثغره وهو يتأمل اسمها، بينما تقفز إلى ذاكرته المواقف اللطيفة التي جمعتهم سويًا.
"إيه ده؟ أنا جيت في وقت مش مناسب ولا إيه؟"
"يا ابني هو أنت محدش علمك إن من الأدب إننا نخبط على الباب قبل ما ندخل؟"
"لا محدش علمني. وبعدين الحق عليا، كنت جاي أقولك خبر عدل بدل ما أنت قاعد تحب في شهادة التقدير كده."
"خبر إيه ده إن شاء الله؟"
"الحاج أبوك اتصل بيا بما إن حضرتك عامل الموبايل Silent "صامت" كالعادة وبيقولك نخلص ونروح على البيت عندكوا نتعشى معاه عشان عايز يكلمك في موضوع أفنان."
"تمام، بس هي مامي هتكون هناك؟ عشان لو هناك مش هروح."
"لا بيقول إنه في البيت لوحده. معرفش خلص عليها بقى ولا إيه.. عالبركة عمتا."
"احترم نفسك بعد الشر عنها. عمومًا أنا هخلص الورق اللي في إيدي ونتحرك سوا."
"تمام."
بعد نصف ساعة، غادر رحيم وأنس مقر الشركة، لكن رحيم كان يسبق أنس ببضع خطوات حيث وقف يثرثر قليلاً مع أفراد الأمن.
"لا..لا.. Oh shit "تبًا"!!"
همس رحيم من بين أسنانه حينما رأى المرآة التي تتكئ على سيارة أنس. كانت ملامحها متوترة ويديها ترتجف بقوة بينما تنهمر دموعها بلا سبب واضح. بمجرد أن لمحت أنس، هرولت نحوه وهي تسأله بينما تحاول أن تمسك بيده:
"أنس!! أنس، فريد فين؟ رد عليا! أنا مش عارفة أوصله."
"متلمسنيش! معرفش هو فين، روحي دوري عليه بعيد عني."
صاح أنس باستنكار وهو يرفع كلتا ذراعيه كي يمنعها من لمسه ثم يعود نحو الخلف بضع خطوات. اقتربت هي منه مجددًا وهي تحاول التحدث من بين دموعها التي تنهمر بغزارة مردفة بترجّي:
"أنس أنا مليش في الدنيا غير فريد، مينفعش تعمل معايا كده، حرام عليك. قولي هو فين بس وأنا أوعدك همشي."
"حرام عليا أنا؟ حرام عليا أنا يا ما.. حتى لساني مش مطاوعني أناديلك باللقب ده عشان أنتِ متستحقيهوش أساسًا!"
"طيب على الأقل قولي أروى فين طيب؟ أنا عايزة أشوفها.. أختك فين؟"
"أروى؟ أنتِ لسه فاكرة إن ليكي بنت اسمها أروى؟ أنسيها وأنسيني. مش أنتِ مردتيش تشهدي إن فريد كان هو السبب في اللي حصلنا؟ خلاص انسي بقى إنك خلفتي من الأساس."
"أنس أبوس إيدك متعملش فيا كده يا ابني.."
"أنا مش ابنك!" صرخ أنس في وجهها بقوة وهو يدفعها بعيدًا عنه حتى كادت أن تسقط لولا أن رحيم أمسك بها برفق بينما يصيح موبخًا أنس:
"أنس أنت اتجننت! أنت إزاي تزقها كده؟"
"اه اتجننت وخليها معاك بقى طالما خايف عليها كده، أنا ماشي." بصق أنس كلماته قبل أن يدلف إلى داخل سيارته، تاركًا والدته منهارة من البكاء ورحيم يقف في حيرة من أمره.
تحرك أنس لمسافة قصيرة بالسيارة قبل أن يتوقف بالقرب من أفراد الأمن عند البوابة الخارجية للشركة ثم يفتح الشرفة التي بجانبه وهو يردف بصوت مسموع:
"الست اللي جوا دي لو حد سمحلها بالدخول تاني للشركة اعتبروا نفسكم مرفودين."
"أنا آسف حقك عليا.." كان هذا آخر ما سمعه أنس قبل أن يرحل تاركًا المكان بأكمله.
كان يقود بسرعة جنونية غير مهتم بكم المخالفات التي سيحصل عليها في الغالب، وبالطبع غير مهتم بما قد يصيبه في حالة وقوع حادث، فغضبه واستياءه جعله لا يفكر بمنطقية. أخذ يتنقل بين الشوارع دون وجهة محددة حتى انتهى به المطاف بالتوقف بالقرب من النيل.
أوقف السيارة فجأة وبقوة حتى تسببت في صوت مزعج ليلتفت الجميع نحوه، لكنه لم يأبه بأحد. غادر سيارته صافعًا الباب بقوة قبل أن يركل إطار السيارة عدة مرات باستياء شديد. لم ينتبه لتلك التي تتأمل فعله بفضول، فهو لم يكن في حالة تسمح له بالانتباه لما حوله. أعاد خصلات شعره نحو الخلف وهو يذهب للاتكاء على السور المعدني الصلب.
لفحته نسمات الهواء الباردة وتخللت خصلات شعره البنية. ألحان الست تسللت إلى أذنه والتي كانت صادرة من إحدى عربات "الحمص" التي توقفت بالقرب منه. كانت الألحان تجمع بين الحزن.. الشوق..
لم يستطع كبح دموعه من الإنهمار بغزارة، فلقد كانت الأجواء مناسبة للبكاء. وقد احتمل هو كثيرًا بحيث لم يعد يستطيع فعل ذلك مجددًا.
مرت دقيقتين تقريبًا وما زال أنس يبكي بشرود، حتى انتبه حينما سمع صوت شهقات تصدر بالقرب منه. كانت التي بجانبه تحاول كتم شهقاتها قدر الإمكان، لكن يبدو أنها حاولت كثيرًا حتى فقدت السيطرة على نفسها. ابتسم أنس ساخرًا وهو يكفكف دموعه، فلقد تحول المكان من مكان رومانسي لطيف إلى ساحة للبكاء والعويل منه ومن غيره.
"منديل يا بيه؟"
سألت فتاة تبدو في الثامنة من عمرها وهي تتقدم إلى أنس بكيس مناديل صغير. كان أنس على وشك أن يرفض، لكن هيئة الفتاة ذات الملامح البريئة والوجه المنهك جعلته يغير رأيه على الفور. منحها ابتسامة صغيرة وهو يأخذ منها اثنين ويمنحها ورقة مالية تفوق ثمن ما أخذه بكثير. نظرت نحوه الفتاة بامتنان شديد وهي تدعو له بكل ما جاء في خاطرها:
"ربنا يوسع رزقك يا بيه، ربنا يكرمك، يارب يرزقك ببنت الحلال..."
كان هذا آخر ما سمعه أنس من الدعاء، ولم يهتم لسماع الباقي. أن يرزق بإبنة الحلال، هذا هو ما يحتاجه في الوقت الحالي بالفعل. أن يجد من تشاركه همومه وتشاركه همومها، لعلهم يساعدون بعضهم البعض في تخطي الأحزان والبحث عن السلام النفسي.
"منديل؟"
سأل أنس الواقفة على بعد خطوات منه والتي كانت تبكي قبل قليل. كانت تنوي الرفض ظنًا منها أنه بائع أو أحد الشحاذين، لكنها رفعت رأسها لتقابل عيناه العسلية اللامعة. تأخذ المنديل من يده وتُشيح بنظرها سريعًا بعيدًا عنه، بينما لم يستطيع هو أن يفعل المثل، بل أخذ يتأمل ملامحها الهادئة ووشاح رأسها ذو التصميم اللطيف. عيناها المنتفخة من البكاء، وتلك البشرة الخمرية. مهلًا، لقد رأى تلك الملامح من قبل، لكن لا يذكر أين. كان على وشك أن يسألها، لكن سرعان ما أدرك أنه يتعدى على مساحتها الشخصية، لذا هم بالإبتعاد عنها والنظر إلى الجهة الأخرى.
بعد بضع دقائق، كان أنس يحاول إختلاس النظرات نحوها فقط للتأكد من رحيلها من عدمه، ليجد أنها قد فعلت المثل معه. ولكن بمجرد أن استوعبت هي أنه رآها وهي تنظر نحوه، همت بالرحيل مبتعدة عن المكان بسرعة. وحينما عاود هو النظر نحوها، وجد أنها اختفت وكأنها لم تكن.
"ودي بني آدمه دي ولا جنية ولا نداهة؟ وبعدين نداهة إيه دي اللي بتوقف عالنيل؟ مش كانت بتبقى في الترعة باين؟"
همس إلى نفسه بمزيج من السخرية والدهشة. من تلك الفتاة التي جعلته يتناسى همومه وما حدث اليوم بهذه السرعة.
بعد مرور ساعة تقريبًا، كانت ميرال قد عادت سالمة إلى منزلها. دلفت إلى حجرتها سريعًا وهي تحاول تجنب والديها قدر الإمكان كي لا يلاحظ أحد عيناها المنتفخة المحمرة. استطاعت بالفعل اجتياز الأمر بنجاح، لكنها لم تستطع الفرار من شباك أفنان التي أردفت بمجرد دخولها إلى الحجرة:
"إيه يا ميرال، أنتي كنتي فين كل ده؟ بكلمك من بدري مش بتردي وسي زفت ده كمان مش بيرد عليا."
"مفيش أصل..."
"أنتي معيطة؟"
سألتها أفنان بقلق فور رؤيتها لوجه ميرال، لتقترب منها ميرال وتضع يدها على فمها وهي تردف بنبرة أقرب إلى الهمس:
"وطي صوتك يا أفنان، مفيش حاجة..."
"عملك إيه الحيوان ده وأنا أكسرلك دماغه! انطقي زعقلك ولا عمل إيه؟"
"مفيش، شدينا مع بعض شوية في الكلام عشان أنا كنت مصممة على حاجة يعني. في الآخر سبته ومشيت."
"ميرال متكدبيش عليا لو سمحتي، أنتي مش محتاجة تداري عليه في حاجة، هو ماسك عليكي ذلة يا بنتي ولا إيه؟"
تحدثت أفنان بحنق وهي تفكر كيف ستنتقم من نوح لإحزانه لشقيقتها لتلك الدرجة.
"آه يا أفنان، ذلة! قلبي، قلبي اللي بيحبه ومشاعري اللي كلها متوجهة ليه بتذلني وبتخليني استحمل سخافته وخناقاته عشان أنا بحبه ومش متخيلة حياتي من غيره..."
أفصحت ميرال عما تشعر به ويجول في خاطرها بنبرة أقرب إلى البكاء.
"وعليكي من ده كله بإيه يا بنتي؟ دوسي على قلبك ودوسي عليه هو شخصيًا وصوني نفسك وكرامتك! يا ميرال أنتي غالية أوي والله وتستحقي واحد أحسن منه مليون مرة، وقولتلك قبل كده أحنا لسه عالبر يعني لو حصل حاجة هترميله الشبكة في وشه ويا دار ما دخلك شر."
"ما هو أنتي شايفة الموضوع بالسهولة دي عشان أنتي مش مكاني ومش حاسة باللي أنا حاسه بيه.. يعني رحيم لو زعلك ولا عمل حاجة هتسبيه بكل سهولة؟"
باغتتها ميرال بالسؤال لتصمت أفنان وقد أمتعض وجهها. ميرال محقة في تلك النقطة، فإنهاء العلاقات ليس بالأمر السهل، لكن أفنان لم تكن لتسمح لرحيم بفعل ما يفعله نوح. حمحمت أفنان قبل أن تحاول تصحيح مسار الحديث على النحو التالي:
"ماشي يا حبيبتي، أنتي عندك حق الموضوع مش سهل فعلًا. بس أنا قصدي يا ميرال إنك لازم تاخدي موقف وأوعي تحسسيه إنك باقية عليه مهما عمل عشان ده هيخليه يسوء فيها يا حبيبتي."
"حاضر يا أفنان، حاضر."
"حضرلك الخير. بقولك إيه، معاكي مناديل؟ مناديلي خلصت ومكسلة أجيب من برا."
"ها؟ آه معايا.. أصلي اشتريت كيس وكده.. وأنا جايه. كان في بنت بتبيع."
أجابت ميرال بتلعثم شديد وهي تسرد تفاصيل لم تسأل أفنان عنها، لتقهقه الأخيرة وهي تعلق ساخرة:
"في إيه يا ميرال، أنا بطلب منك منديل مش بقولك أحكيلي قصة حياة كيس المناديل."
"تصدقي أنك إنسانة رخمة بجد والله."
في منزل حامد البكري، دلف رحيم إلى داخل المنزل بضيق وهو ما يزال يحاول مهاتفة أنس والذي لم يُجب مجددًا. استقبلته المربية خاصته ذات الوجه البشوش وهي تردف:
"حمدلله عالسلامة يا ابني. حامد بيه مستني حضرتك عالسفرة جوا عشان تتعشوا سوا."
"تمام يا دادة، شكرًا."
تمتم رحيم بإبتسامة صغيرة حاول جاهدًا أن يرسمها على ثغره قبل أن يتجه لغرفته ليبدل ثيابه ثم يعود للطابق السفلي لتناول العشاء برفقة والده.
"بعتذر إني اتأخرت على حضرتك يا بابي، بس كان في ضغط شغل جامد النهاردة."
"ولا يهمك. الله، أومال فين أنس؟"
"شوية وهيجي..."
كذب رحيم وهو يتنهد بضيق.
"تمام، يوصل بالسلامة. طيب خلينا نتكلم وأحنا بناكل."
"اتفضل."
"طبعًا أنت كنت متضايق الأيام اللي فاتت وفاكر أني نسيت موضوعك، بس ده محصلش طبعًا. في الواقع الأيام اللي فاتت كانت كابوس بالنسبالي.. نقاشات وجدالات وخناق بيني أنا وإيڤلين محصلش من سنين، أو تقريبًا محصلش بالحدة دي قبل كده."
"أنا أسف إني خليت حضرتك أنت ومامي في الوضع ده..."
"أنا مش بقولك كده عشان تعتذر، أنا بوصلك بس إني واقف في ضهرك. المهم أني توصلت لحل."
"بجد؟ يعني مامي وافقت؟"
"لا. لكن هتوافق."
"أمتى طيب؟"
سأل رحيم بخيبة أمل ووجه عابس، ليقهقه والده على تعبيراته الطفولية الذي اعتاد أن يفعلها منذ أن كان صغيرًا.
"أنا وأنت وأنس طبعًا هنروح لوالد البنت وهنتفق معاه. بمعنى تاني، هنحط إيڤلين قدام الأمر الواقع."
"لا ما هو في مشكلتين.. أولًا أنا وأنس اتخانقنا تقريبًا وأنا مش هينفع أروح من غيره. ثانيًا، هنحط مامي قدام الأمر الواقع إزاي؟ دي عارفة مكان بيت أفنان، يعني ممكن تيجي يومها وتبوظ كل حاجة."
"طيب وهو فين أنس دلوقتي؟ خليه يجي وأنا هصالحكوا على بعض زي ما كنت بعمل زمان وتبقى المشكلة أتحلت، وسيب موضوع إيڤلين ده دلوقتي."
"لا ما هو.. أنا مش عارف برضوا هو فين..."
"إيه اللي حصل لكل ده؟"
"مامت أنس جت الشركة النهاردة.. وهو طبعًا اتخانق معاها وكان هيوقعها غصب عنه وأنا لحقتها وزعقت فيه وهو اتضايق مني وسابني ومشي.."
"طبعًا هو حس إنك واقف ضده. نظره سطحية، لكن نظرًا للوضع الحساس اللي هو فيه فأنا عذره. المهم هي راحت على فين دلوقتي؟"
"أنا وصلتها لحد بيت Uncle فريد وطلبت من ال Maids (الخدم) اللي هناك إنهم يهتموا بيها بس."
"كويس جدًا. عالعموم متقلقش من موضوع أنس، أنا هوصله وهجيبه لأن وجوده هيبقى مهم جدًا معانا وأحنا رايحين."
"بابي هو حضرتك بتتكلم بجد؟ يعني أحنا فعلًا هنروح نطلب إيد أفنان؟"
سأله رحيم بلهفة شديدة، لينظر نحوه والده بإبتسامة صغيرة وهو يسأله بثقة زائدة:
"هو أنا عمري قولتلك حاجة ومنفذتهاش؟"
"لا..."
"خلاص يبقى أتصل بوالد البنت وحدد معاه معاد، وكمان خلي حد يكلم الجواهرجي اللي بنتعامل معاه عشان يجهز أغلى شبكة عنده."
رواية في حي الزمالك الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ايمان عادل
أل&;م&;اس&;🤎&;🦋
&;خلاص يبقى أتصل بوالد البنت وحدد معاه معاد وكمان خلي حد يكلم الجواهرجي اللي بنتعامل معاه عشان يجهز أغلى شبكة عنده.&;
أعلن والد رحيم لتتسع أعين رحيم بحماس شديد تلم يجد التعليق المناسب على حديث والده لذا استقام من مقعده وانقض على والده في عناق حار لي&;بادله الآخر العناق وهو يقهقه على طفولية ابنه.
&;أنا هكلم أنس وهحل المشكلة وأنت شوف بقى هنقابل والد البنت أمتى&; ياريت يبقى Weekend &;عطلة نهاية الأسبوع&; عشان أنا عندي Meetings &;اجتماعات&; طول الأسبوع الجاي.&;
&;يووه! يعني لسه هنستنى للأسبوع الجاي&;&;&; تذمر رحيم بغضب طفولي وهو ي&;عيد خصلات شعره نحو الخلف لي&;طالعه والده بضحكة ساخرة وهو يسأله بإستنكار:
&;مستعجل أوي&; أومال لو قالك سنتين خطوبة هتعمل أيه&;&;
&;سنتين أيه لا طبع&;ا كتير أوي&; هي بس تخلص جامعة ونتجوز على طول إن شاء الله.&;
&;أنت بتقرر لوحدك&; مش تسمع منها الأول&; مش يمكن هي عايزة تطول فترة الخطوبة شوية عشان تتعرفوا على بعض أكتر&;&; سأل والده ولقد كان م&;حق&;ا لكن ذلك لم يخطر على بال رحيم بتات&;ا فهو يظن أن أفنان تمتلك الحماس ذاته بشأن إتمام زواجهم في أقرب فرصة ممكنه.
&;اه صح.. حضرتك عندك حق.&;
&;متسبقش الأحداث أحنا هنروح عند الناس ونشوف هما في نيتهم أيه ومش هنختلف معاهم يعني.&;
&;تمام حضرتك عندك حق..&;
في عشية اليوم التالي جلست أفنان برفقة أبويها وشقيقتها لتناول طعام الغداء لكن قاطع ما يفعلونه صوت رنين هاتف والدها لتستقيم أفنان على الفور باحثة عنه&; ضحكة ساخرة تصدر من ثلاثتهم على ما فعلته أفنان وكيف بدت ملهوفة.
&;مين يا أفنان&;&;
&;بابا!! بابا رحيم بيتصل!&; تفوهت أفنان بمزيج من الحماس والتوتر لكن باغتها سؤال&;ا من والدها جعل الدماء تهرب من وجهها وقد كأن سؤاله الآتي:
&;أنتي حافظه رقمه&;&;
&;أيه&; لا.. ده التطبيق اللي بيجيب اسم اللي بيتصل&; يلا يا بابا قوم رد عليه.&;
&;طب ما تستني يا بنتي ياكل ويكمله.&; علقت والدتها لتتأفف أفنان وهي تقول:
&;يووه.. هو الأكل هيطير يعني&;&;
&;يعني وهو سي رحيم بتاعك ده هيطير&;&;
&;خلاص يا رانيا خلاص يا أفنان&; هاتي أنا هرد عليه.&;
أخذ والدها الهاتف من يدها وغادر طاولة الطعام متجه&;ا نحو الشرفة ليتحدث بالداخل بعد أن أغلق الباب من وراءه&; استقامت أفنان من مقعدها مجدد&;ا وهي تتسلل بخطى هادئة محاولة التصنت على والدها ومعرفة الحوار الذي يدور بينه وبين رحيم لكن بعد المسافة النسبي وصوت والدها الهادئ لم ي&;مكنها سوى من سماع همهمه غير مفهومة.
&;يا بنتي ودنك دي اللي هيخش فيها السيخ المحمي من التصنت! حرام وعيب كده اقعدي بقى.&; وبختها والدتها لتقلب أفنان عيناها بتملل بينما علقت ميرال ببعض الفضول:
&;يا ماما ما تسيبيها تسمع عايزين نعرف.&;
&;بس يا بنت أنتي كمان&; تعالي أقعدي يا أفنان ولما أحمد يخلص هيجي يحكلنا كل حاجة.&; قالت والدتها لكن أفنان لم ت&;نفذ بل ظلت واقفة في موضعها وبمجرد أن لمحت طرف والدها أقتربت منه وهي تسأله بتوتر:
&;ها يا بابا طمني&;&;
&;مش عارف أقولك أيه..&;
&;حصل حاجة ولا أيه&; أهله مش موافقين&; ولا هو غير رأيه ولا في أيه&; يا بابا متخبيش عني!!!&;
&;للأسف&; هيجوا يوم الجمعة يا ستي&; جهزي يا رانيا عشاء حلو بقى يومها عشان نعمل الواجب مع الناس.&;
تفوه والدها بنبرة حزينة في البداية لكن أنهى حديثه بنبرة مرحة لتقفز أفنان في موضعها ثم تنقض على والدها لتضمه بقوة وت&;لثم وجنتيه ورأسه بالقبل.
&;حرام عليك يا بابا وقعت قلبي!&;
&;لا وأنتي لسه قلبك هيقع ياختي.&;
&;طيب يعني هو جاي مع مامته وباباه ولا أيه&;&;
&;هو قالي أنه هيجي مع باباه وأخوه ولا صاحبه ده اللي اسمه أنس.&;
&;أنس تاني&; الواد ده عامل زي القراده لازق في رحيم في كل حتة.&; تمتمت أفنان بصوت&; منخفض&; لم يستطع والدها تفسير ما تقوله لكن فهم أنها م&;عترضة لذا علق عليها ساخر&;ا:
&;أنتي على طول معترضة على كل الناس كده&; ده شاب لذيذ أوي وشكله محترم برضوا.&;
&;ما علينا&; عايزين نبدأ ترويق بقى وكده.&;
&;هنروق وهنعمل كل حاجة أنتي عايزاها وأنا هساعد معاكوا فأي حاجة تحتاجوها بس الأول خدي الفلوس دي وأنزلي أنتي وميرال هاتوا فستان جديد ليكي.. أي فستان يعجبك ولو الفلوس مكفتش خدي من ميرال وأنا هبقى أديها تاني.&;
&;ربنا يخليك يا حبيبي شكر&;ا&; بس ده كتير أوي يا بابا.&;
&;هو أول&;ا مفيش حاجة تغلى عليكي&; ثاني&;ا بقى رحيم قالي أنه لو اتفقنا مع باباه ممكن نقرأ الفاتحة وننزل نشتري الشبكة.&;
حالما سمعت أفنان ما قاله والده شعرت بنبضات قلبها تتزايد بقوة ووجنتها على وشك الإشتعال من فرط الحماس والصدمة في الوقت ذاته&; عقلها يأبى استيعاب أنها حق&;ا على بعض خطوات من أن تكون في علاقة رسمية ذات مسمى بينها وبين رحيم.. ومجدد&;ا وبدون وعي أطلقت أفنان زغرودة عالية ليقهقه ثلاثتهم على تصرفاتها الغير م&;عتادة مؤخر&;ا.
&;أظن بقى لازم خالتك تبقى معانا&; مش معقول هننزل نشتري الشبكة من غير خالتك.&;
&;يختاي يا ماما ملحقتش أفرح حرام عليكي&; خالتو مين اللي هتيجي معانا&; هو أحنا رايحين الصاغة اللي تحت بيتنا&; أكيد يا ماما هنجيب دهب من حتة بعيد وهما هيخدونا معاهم بالعربية مثل&;ا فمينفعش نفرض عليهم إن ناس تانية تيجي معانا وبعدين أفردي مثل&;ا عزمونا عالعشاء ولا عملنا حاجة بعدها&;&;
&;أفنان عندها حق في النقطة دي&; أنا عارف أنك فرحانة وبتحبي تشاركي أختك فرحتك أنا كمان طاير من الفرحة ونفسي نشارك الحبايب كلهم بس استني لما القاعدة تتم على خير ونبقى نقعد شهرين تلاتة نحتفل بالخطوبة يا ستي.&; أردف والد أفنان مؤيد حديثها ليتجهم وجه والدتها ثم تقول بغضب طفولي:
&;ماشي بس خليك عارف يا أحمد أنك كل مرة بتيجي عليا عشان خاطر بناتك.&;
&;أنا أقدر برضوا يا رورو&; طب أيه رأيك بقى إن أنا وأنتي هننزل نتمشى ونجبلك طقم جديد ما هو أنتي أم العروسة برضوا ومن حقك تدلعي.&;
&;أيوا يا ست ماما بابا بيدلعك أهو عشان ميبقاش ليكي حجة.. ولا أيه يا ميرال معمولة Silent &;على وضع الصامت&; ليه كده&;&;
&;مفيش نوح بيكلمني.&; تمتمت ميرال بنصف انتباه وهي تقرأ الرسائل التي أرسلها نوح وقبل أن ت&;جيبه كان قد هاتفها بالفعل&; استقامت ميرال من مقعدها بحماس لتقلب أفنان عينيها بعدم رضا وهي تزفر بضيق.
بعد مرور بضع دقائق عادت ميرال للجلوس وعلى وجهها ابتسامة واسعة وهي ت&;ردف:
&;بابا ممكن بعد إذنك نوح يعدي علينا بعد بكرة آخر النهار نخرج&; وهياخد ماما وأفنان معانا كمان وأهو بالمرة نشوف اللبس الجديد.&;
&;ماشي مفيش مشكلة.&;
أردف والدها لتتسع ابتسامة ميرال في حماس طفولي&; زمت أفنان شفتيها وهي ت&;فكر هل نوح لا ي&;طيق قضاء وقته مع ميرال وحدهم&; بغض النظر عن كون جلوسهم وحدهم أمر&;ا صائب أم خطأ&; لكنه لا يحاول حتى قضاء الوقت معها ومنحها بعض الإهتمام دون أن ي&;قحم أفنان بينهم&; ودت أفنان أن تعترض على ما قيل لكنها علمت أن ذلك لن ي&;جدي نفع&;ا بل سيتسبب في شجار بينها وبين والدتها وشقيقتها.
&;سلام عليكوا&; ازيك يا خالتو.. ازيك يا أفنان&; ازاي القمر اللي زعلان مني&;&;
&;أيه ده أنتوا زعلانين من بعض&;&; سألت والدة أفنان ببعض الدهشة لتتسع أعين ميرال ثم ت&;خفي وجهها بيدها.
&;أيه ده هي ميرال محكتش&; أصيله يا ميرال والله هتبقي زوجة صالحة بتداري أسرار بيتك وكده.&; علق نوح بنبرة ساخرة ممازح&;ا ميرال لتنظر نحوه أفنان بإزدراء وكأنها على وشك التقيؤ.
&;أيه يا ميرال أنتي لسه زعلانة بجد ولا أيه&; ما تفكي التكشيرة الوحشة دي ده أنا حتى جايبلك هدية.&;
&;بجد&;&; سألت ميرال بحماس شديد وقد ارتسمت ملامح السعادة على وجهها وذلك ليس بسبب شراءه هدية من أجلها فميرال لا تهتم كثير&;ا بالماديات بل ما جعلها سعيدة هو أنه قرر فعل شيء لمصالحتها.
&;جبتلك دي.&; تمتم وهو ي&;خرج من أحدى جيوبه ع&;ليه قطيفة حمراء صغيرة&; منحها لميرال والتي أخذتها منه على استحياء لتفتحها على الفور فتجد بداخلها سلسال فضي يحمل حرف ال N وقد تشابك مع حرف ال M&; أي الحرف الأول من اسمها واسمه باللغة الإنجليزية&; لمعت عين ميرال وهي تتأمل الهدية بينما ينظر نحوها نوح بإبتسامة صغيرة.
&;كليشية أوي.&; تمتمت أفنان لتضربها والدتها بخفة وهي ت&;ردف:
&;ربنا يخليكوا لبعض يا حبيبي تعيش وتجبلها.&;
&;ربنا يخليكي يا خالتو&; ها يلا بينا&;&; تمتم نوح قبل أن يدلف داخل السيارة و
بعد مرور ثلاثة ساعات تقريب&;ا من السير المتواصل والتجول داخل المحلات وجدت أفنان ما تبحث عنه&; ثوب فضفاض باللون الأرجواني الزاهي يزينه حزام&;ا من اللون ذاته بالقرب من منطقة الخصر ووشاح للرأس يحوي أشكال&;ا عشوائية رقيقة مزيج من لون الفستان وبضع ألوان آخرى.
&;أنا تعبت من اللف أنا هستناكوا عند العربية&; وبالمرة أحط الفستان عشان ميتبهدلش مني.&; نبست أفنان وهي تتنهد بتعب&; أومئ كل من والدتها وشقيقتها أما نوح فقرر مرافقتها وهو يقول:
&;هقف معاكي عشان محدش يضايقك.&;
&;يا عم أتنيل هو حد يقدر.&; همست أفنان ساخرة وهي تتجه نحو السيارة لتستند عليها بينما تنظر إلى داخل الحقيبة بإبتسامة واسعة بلهاء وهي تتخيل ردة فعل رحيم حينما يراها في هذا الثوب في ليلة الجمعة لكن اخرجها من تخيلاتها صوت نوح الهادئ والذي لا يخلو من الإستياء الواضح قائل&;ا:
&;عمري ما شوفتك فرحانة ولا متحمسة لحاجة بالشكل ده قبل كده&; حتى لمعت عينيك دي أول مرة أشوفها.&;
&;طب الحمدلله&; مش دي حاجة المفروض تفرحك يعني ولا أيه&;&;
&;طبع&;ا تفرحني&; ولازم تفرحك أنتي كمان ما هو مش هتفرحي ازاي وأنتي هيبقى معاكي ڤيلا وعربية وهتاخدي لقب أفنان هانم&; مش هو ده اللي كنت&; بتسعي ليه من الأول&; مش حتة م&;عيد كحيان بياخدله كام آلف آخر الشر.&;
بصق نوح كلماته القاسية بنبرة مزيج من الإنكسار والغرور والك&;بر في آن واحد&; امتعض وجه أفنان فور&;ا قبل أن تفتح ثغرها لتوبخ نوح لكن الأمر استغرق بضع ثوان&; وهي تحاول الحفاظ على رباطة جئشها لكن انتهى بها الأمر وهي تنفجر في وجه نوح موبخة إياه قائلة:
&;أنت ازاي بتفكر كده&; بتحسب الأمور ازاي&; من أمتى وأنا نظرتي مادية للأمور يا دكتور يا محترم&; أنا طول عمري بدور عالإحترام&; الأمان والتقدير في الطرف التاني وأنا عمري ما لاقيتهم غير من رحيم.. خد بالك رحيم مش انسان ساذج ولو أنا كنت طمعانة فيه ولا حاطه عيني على فلوسه كان هيقفشني من أول مرة لأن رحيم ياما اتحط في مواقف زي دي&; والمعيد الكحيان اللي أنت بتقول عليه ده مينفعنيش ولا عمره كان هينفعني سواء في وجود رحيم أو عدمه.&;
&;ليه بقى&; فيا أيه غلط&; فهميني!&; سأل نوح م&;ستنكر&;ا لتنظر نحوه أفنان بغضب شديد بينما يحاول عقلها استيعاب تلك المحادثة التي تجري الآن..أجابته أفنان بنبرة أقرب إلى الصراخ قائلة:
&;فيك أن أنت خطيب أختي! فوق بقى يا نوح فوق! أنت واعي لنفسك ولا الك&;بر والغرور والأنانية عموك ولا أيه&;&;
&;أنتي! أنتي عميتيني!&;
&;وأنا كنت وعدتك بإيه أصل&;ا ولا عمري قولتلك أيه&; أنت انسان مريض يا نوح وأحسنلك تبعد عن أختي يأما والله هتشوف مني وش مش هيعجبك أنت فاهم! شكل وحشك أوي القلم اللي خدته مني قبل كده.&; لم يكن حديث أفنان مجرد تهديد فهي قد اكتفت من هراء نوح ولن تسمح له بجرح شقيقتها واحزانها مرة آخرى.
&;في أيه&; أنتوا كويسين&;&; سألت ميرال بشك فور عودتها إليهم بغتة لتنظر نحوها أفنان بصدمة وثغر مفتوح وهي لا تدري ماذا عساها تقول..
&;أحنا كويسين جد&;ا يا روحي&; أفنان بس كانت بتعاتبني عشان زعلتك وأنا وعدتها أني عمري ما هزعلك تاني ابد&;ا.. أنتي الحاجة الوحيدة اللي هتبقى مهمة في حياتي بعد كده أنتي وبس.&;
تبدلت نبرة نوح على الفور وهو يتمتم بتلك الكلمات الم&;زيفة&; نظرت نحوه ميرال بعدم فهم وإن كانت قد رسمت ابتسامة على شفتيها بينما أخذت ت&;طالعه أفنان بنظرات حارقة وبوجه م&;متعض وهي لا تكاد ت&;صدق أذنيها كيف استطاع نوح أن ي&;بدل نبرته بتلك السرعة وتعابير وجهه ايض&;ا&; عقلها يأبى استيعاب أن ذلك الشخص البشع الذي أمامها هو نفسه ابن خالتها الذي قضت معه طفولتها ومراهقتها بل وجزء من شبابها كيف له أن يكون بهذا السوء&; بهذه الأنانية! كيف يسمح لنفسه بجرح شقيقتها والكذب عليها بل والزواج منها فقط لإثارة غيظ أفنان لأنها لم توافق على زواجها منه.
&;أنا تعبانة وعايزة أروح&; كمان ورايا جامعة بكرة الصبح بدري.&;
&;أنا كمان تعبت من اللف وعندي شغل الصبح.&;
&;خلاص يلا هوصلكوا عشان منتأخرش أكتر من كده.&;
ساد الصمت طوال الطريق عدا من بعض المحادثات الخفيفة بين ميرال ونوح والتي لم تشارك أفنان بها فلقد كان عقلها منشغل&;ا بالمحادثة التي جرت اليوم بينها وبين نوح وهي ت&;فكر هل يجب عليها اخبار ميرال&; أم أنها لن ت&;صدقها.. وماذا عن والدها على سبيل المثال&; ربما مريم شقيقة نوح&;
&;ياريت تبقى تجيب مريم يوم الجمعة بدري يا نوح عشان تحضر معانا قراية الفاتحة&; وصلها وبعدين روح عشان دي قاعدة ناس كبيرة.&; أردفت أفنان فجاءة لتقطع الصمت لينظر جميعهم نحوها بإندهاش&; تدعس ميرال الجالسة جانبها على قدمها لكن أفنان لم ت&;بد&; ردة فعل&; رمقها نوح بحدة في المرآة وهو ي&;ردف من بين أسنانه:
&;أصل&;ا أنا مشغول يوم الجمعة&; على العموم هجبهالك تبات عندكوا من الخميس.&;
&;اه يبقى أحسن برضوا.&;
بمجرد وصولهم إلى المنزل دلفت أفنان إلى حجرتها بعد أن ألقت التحية على والدها وأخبرته أنها ستذهب لإرتداء الثوب الجديد كي يراه عليها.
&;أنتي يا بنتي مفيش فايدة في قلة الذوق بتاعتك دي&;&; بإستنكار تفوهت ميرال فور دخولها إلى حجرتها هي وشقيقتها&; ساد الصمت لبرهة قبل أن ت&;جيبها أفنان ببرود:
&;لا مفيش.&;
&;نفسي افهم نوح عملك أيه عشان كل ده&; وبعدين يعني نوح وخالتو ميجوش ومريم تيجي&;&;
&;اه&; عشان مريم طول عمرها أختنا التالتة وهتزعل جد&;ا لو مجتش.. خالتو وماما أصل&;ا لو اتجمعوا مع بعض احتمال يبوظوا الجوازة فملهاش لازمة خالص خالتو تيجي وطبع&;ا نوح ولا أنا ولا رحيم بنطيقه.&;
&;يا بنتي أنتي ازاي بتفكري كده&; عيب جد&;ا مريم تيجي وخالتو لا مينفعش!&;
&;خلاص يبقى الإتنين ميجوش&; ميرال أنا مش عايزة وجع دماغ أبوس إيدك.&; حاولت أفنان إنهاء الم&;حادثة وقد نجحت في ذلك بالفعل.
في صباح يوم الجمعة&; اليوم المنتظر&; وقف رحيم أمام مرآة دورة المياه الخاصة بحجرته وهو ي&;مسك بمكينة الحلاقة الكهربائية ليقوم بتهذيب خصلات ذقنه التي ازدادت طول&;ا عن المعتاد&; قاطعه عن ما يفعله صوت طرقات على باب الحجرة لذا غادر دورة المياه وذهب ليفتح الباب ليجد أنس واقف&;ا أمامه وفي يده بذلة رسمية وفي اليد الآخر حقيبة ظهر يحملها في يده بدل&;ا من كتفه.
&;اخير&;ا شرفت&;&;
&;لو مش عاجبك هاخد حاجتي وأمشي عادي ولا يهمني.&;
&;وأهون عليك تمشي ومتبقاش معايا في يوم مهم زي ده&; ده أنت الوحيد اللي وقف معايا لما روحنا ل Uncle أحمد المرة اللي فاتت.&;
تبدلت نبرة رحيم على الفور في محاولة لإقناع أنس بالعدول عن فكرة الرحيل ولم يستغرق سوى بضع ثوان&; قبل أن يقتنع أنس وي&;ردف:
&;طب كويس أنك عارف يا أخويا&; على الله يطمر فيك بس.&;
&;في أيه يا أنس يا أوڤر هو أنا عمري سيبتك في حاجة&; ما أنا على طول بقف جنبك مكنش موقف اختلفنا فيها وحتى مكنش فيه خلاف أصل&;ا أنت&;&;
&;قفل السيرة دي يا رحيم من فضلك&; اه على فكرة أروى عرفت أن أنت هتخطب أنا حكيتلها كل حاجة تقريب&;ا.. هي لسه مش بتقول جمل مفيدة ويمكن وعيها مرجعش بالكامل بس الدكتور قالي أنها سمعاني كويس.&;
&;ربنا يقومها بالسلامة&; Don&;t worry i am keeping her in my prayers all the time &;لا تقلق&; إنها في دعائي/صلاتي طوال الوقت&;.&;
&;بسم الله ما شاء الله&; لتحميل أدعية بصوت الشيخ رحيم اضغط الرقم ١.&; علق أنس ساخر&;ا وهو يقهقه ليرمقه رحيم بطرف عيناه وهو ينبس بإزدراء:
&;تصدق أني غلطان أني بتكلم معاك أساس&;ا.&;
&;خلاص أسف&; بقولك أيه هنروح بعربيتي زي المرة اللي فاتت&;&;
&;لا&; بعربية بابي عشان أكبر وال Driver &;السائق&; هو اللي هيسوق.&;
&;والسواق بتاعكوا هيعرف يروح&; وبعدين ده أحنا مش محتاجين عربية الإزاز بتاعها فاميه &;أسود غير شفاف&; عشان أبوك ميشوفش الطريق ده أحنا محتاجين نديله منوم.&;
&;بلاش أوڤر يا أنس بقى&; أنت عارف إن بابي زي ما بيقولوا&; مش عارف بس في جملة كده معناها إنه راح كذا حتة كتير يعني.&;
&;ابن بلد&;&;
&;اه هي دي.&;
&;ده ربنا يستر في مقابلة النهاردة&; ده أنا المفروض اشتغل مترجم فوري عندكوا تخيل أنت وأبوك تكلموا الراجل English وأنا أقعد اترجم كلمة كلمة.&;
&;عارف يا أنس if you earn one 1euro each time you translate what we say to people you would become a millionaire &;إذا ربحت يورو واحد في كل مرة تترجم فيها ما نقوله للناس فإنك ستصبح مليونير&;ا&;.&;
&;تصدق فكرة حلوة&; هعتمدها.. بقولك أيه أحلق هنا بقى عشان هدخل أخد Shower وألبس.&;
&;هتلبس من دلوقتي ليه&;&;
&;اه يا سافل يا رينبو! أومال هقعد بالفنلة الحمالات ولا أيه&;!&; نبس أنس بنبرة درامية وهو ي&;شدد على ثيابها لي&;طالعه رحيم بإشمئزاز ثم يقذفه بإحدى الزجاجات البلاستيكية التي أمامه وهو ي&;ردف موبخ&;ا إياه:
&;أيه ده أنت بتقول أيه حيوان أنت! أنا قصدي هتلبس البدلة من دلوقتي ليه&; لسه بدري أوي.&;
&;عندك حق&; بس أنا هسبقك عشان هجيب ال Chocolate والحلويات وبوكية الورد وكده.&;
&;ايوا صحيح.. طيب please &;من فضلك&; عايز حاجات تكون ال Quality &;الجودة&; بتاعتها أحلر وأعلى من المرة اللي فاتت وأغلى كمان لو ينفع.&;
&;مظنش أفنان وأهلها أكلوا في حياتهم حاجة زي اللي جبناها قبل كده عشان يكونوا منتظرين حاجة أحسن المرة دي.&;
&;حتى ولو وأنا أصل&;ا مش قصدي أني أجيبهم عشان أبينلهم أنا معايا فلوس أد أيه أنا عايز أجيب بس حاجة من مقامهم بالنسبالي.&;
&;يااه كبرت يا رحيم وبقيت تقول حكم&; لسه فاكر وأنا بشيلك في حضني وأنت صغير وبغيرلك هدومك.&; تمتم أنس وهو يقترب من رحيم ويضع كلتا كفيه على وجه رحيم ليقلب الأخير عيناه بتملل وهو ي&;بعد يديه بينما ي&;علق ساخر&;ا:
&;أنس أول&;ا أنت مخلفتنيش ونستني&; ثاني&;ا بقى أنا أكبر منك أساس&;ا.&;
&;بهزر معاك متبقاش س&;مج كده&; بقولك أيه هي أفنان ملهاش أخت&; أم بنت عمة بنت خالة تجوزهالي&;&;
&;أم&;!! أم&;!! أنت مش طبيعي والله! وغور بقى استحمى ولا شوف هتعمل أيه متجننيش!&; صاح رحيم في وجه أنس وهو يدفعه بعيد&;ا حتى كاد الأخير أن يسقط لولا أنه تماسك في اللحظة الأخيرة&; قهقه أنس وهو يسحب ثيابه ويتجه إلى دورة المياه صافع&;ا الباب في وجه رحيم.
في السادسة والنصف&; في منزل في أفنان تجلس هي أمام المرآة بعد أنت انتهت من ارتداء ثوبها الجديد.. أخذت تنظر أفنان إلى ثوبها الهادئ والمائل إلى البساطة إلى حد&; كبير وهي ت&;فكر بأنه ربما بحاجة إلى بعض اللمسات النهائية الأخيرة ولكن ماذا سترتدي من ال&;حلي خاصتها&; أخذت ت&;فكر طويل&;ا حتى تذكرت السلسال الذي أهداها إياه رحيم&; فلا بأس أن ترتديه اليوم بعد ما أصبح الأمر م&;علن&;ا أليس كذلك&;
أخرجت أفنان الع&;لبة التي قد خبأتها في أحد الأدراج ومن ثم أخذت السلسال لترتديه بخفة وكم جعل مظهرها النهائي م&;بهر&;ا للغاية.
&;أيه القمر ده بس&; أحلى عروسة في الدنيا.&;
&;حبيبتي والله يا ميرو&; بس شايفة الحبوب اللي طلعت في وشي&; ولا كأني بعيد سن المراهقة من الأول.. معرفش بشرتي عرفت منين إن النهاردة قراية فاتحتي!&;
&;خلاص داريها بالميك أب معلش وأكيد مش هتبقى باينة أوي في الصور.&;
&;تفتكري&;&;
&;اه بس متكتريش بقى عشان بابا بيتضايق.&;
&;حاضر.&;
&;بنات خلصتوا لبس&; مريم بنت خالتك وصلت.&;
&;خليها تدخل يا بابا.&; صاحت أفنان من الداخل ليبتسم والد أفنان وهو ي&;خبر مريم بأنها بإمكانها الدخول&; أقتحمت مريم الحجرة وهي ت&;طلق زغرودة عالية بينما تضم أفنان بقوة.
&;ألف مبروك&; عيشت وشوفت أفنان اللي مخوفة نص شباب الجيزة بتحب وتتخطب يا ناس!!&;
&;ما شاء الله سمعتي سبقاني!&;
&;عايزين نشوفه بقى اللي شقلب كيانك وغيرك أوي كده.&;
&;هتشوفيه هتشوفيه متقلقيش&; هو خلاص على وصول أصل&;ا&;&; قالت أفنان بتلعثم وهي تضحك ضحكات متقطعة في منتصف حديثها.
&;أفنان رحيم كلمني وبيقول أنهم على وصول فخليكوا جاهزين&; مريم معلش ممكن تساعدي خالتك في المطبخ&; وأنتي يا ميرال خليكي مع أفنان عشان لما تخرجوا تسلموا سوا.&;
&;حاضر يا عمو من عنيا.&;
&;حاضر يا بابا.&;
&;أنتي وشك قلب ألوان ليه كده&;&; سألت مريم وهي تضحك لتأخذ أفنان نفس عميق ثم ت&;جيبها قائلة:
&;متوترة أوي بجد.. مش عارفة أهله هيتعاملوا ازاي وهيحصل أيه..&;
&;متقلقيش إن شاء الله المقابلة هتعدي على خير.&;
&;يارب..&; همست أفنان وهي ترفع كفيها وت&;قربهما من بعضهما البعض تعبير&;ا عن الدعاء.
بعد بضع دقائق سمعت أفنان صوت جرس الباب يصدح في المكان ليزداد توترها ومن بعدها تسمع صوت الباب وهو ي&;فتح.
&;مساء الخير.&; تسلل صوت رجولي رخيم إلى أذن أفنان&; صوت&;ا غير مألوف.. ليس صوت والدها ولا رحيم وبالطبع ليس أنس لذا استنتجت أنه والد رحيم&; أخذت أفنان ت&;دقق السمع لتعرف عدد الزوار وقد كانوا ثلاثة ولا آثر لصوت حذاء أنثوي.. أين والدته إذن&;!
&;تقريب&;ا مامته مش معاه..&; همست أفنان لميرال وهي تحاول النظر من خلال الث&;قب الخاص بمفتاح باب الحجرة لكنها لم ترى بوضوح وجاءها صوت والدها الم&;حبب إلى قلبها وهو ي&;رحب بالضيوف:
&;أهل&;ا وسهل&;ا اتفضلوا نورتونا.&;
&;أهل&;ا بيك يا أستاذ أحمد.&;
&;ازيك يا رحيم يا ابني&; ازيك يا أنس.&;
&;الحمد لله بخير.&;
&;تحبوا تشربوا أيه&; ساقع ولا سخن ولا تحبوا نتعشى الأول&;&; عرض والد أفنان عليهم جميع الخيارات في محاولة منه لتلطيف الأجواء لي&;جيبه رحيم على الفور:
&;بص يا Uncle أحنا هنعمل كل اللي حضرتك تطلبه وهناكل ونشرب وكل حاجة بس نتفق الأول.&;
&;ما أحنا هنتفق بإذن الله مفيش داعي للإستعجال.&;
&;خير البر عاجله يا عم أحمد.&; تمتم أنس بإريحية شديدة ليدعس رحيم على قدمه بخفة&; ساد الصمت لبرهة قبل أن يبدأ والد رحيم حديثه كالتالي:
&;طيب خليني ابدأ كلامي بعيد&;ا عن المقدمات المبتذلة..&;
&;هو أبوك هيخطب ولا أيه&;&; علق أنس ساخر&;ا ليقرصه رحيم بخفة.
&;رحيم جيه طبع&;ا أتكلم مع حضرتك قبل كده ولظروف عائلية خاصة مقدرتش أنا ووالدته أننا نيجي الزيارة اللي فاتت وللأسف والدته مسافرة المرة دي كمان لكن هتقابل حضرتكوا قريب.. المهم إن رحيم كان لوحده مع أنس.. رحيم حكالي عن رد حضرتك المرة اللي فاتت وأنا حقيقي حابب أشكر حضرتك أنك موافقتش لأن اللي حضرتك عملته هو الأصول واللي خلاني مترددش لحظة أني أجي مع رحيم النهاردة عشان نطلب أيد الآنسة أفنان بنت حضرتك.&;
تحدث والد رحيم بصدق شديد بينما كان والد أفنان يستمع إليه في هدوء شديد مع ابتسامة صغيرة قبل أن ي&;علق على حديثه قائل&;ا:
&;ده شرف لينا يا دكتور حامد.&;
&;الشرف لينا أحنا يا أستاذ أحمد أننا نمد فرع عيلتنا عشان يناسب ناس بأخلاقكوا وأصلكوا&; لحظة هو أنا شوفت حضرتك قبل كده&;&;
&;ربنا يبارك لحضرتك يا دكتور حامد&; اه هو أنا برضوا كنت بشبه على اسم حضرتك ولما شوفتك النهاردة اتأكدت.. حضرتك كنت بتخلص ورق للشركة وكان معصلج شوية وأنا اللي خلصته لحضرتك.&;
&;بجد&; سامحني مكنتش فاكر بالضبط لأن حضرتك عارف ال Business بتاعي بيخليني أشوف ناس كتير طول الوقت.&;
&;مفهوم طبع&;ا ربنا يزيد حضرتك.&;
&;طيب نرجع لموضوعنا&; أحنا تحت أمرك في أي طلبات وكل حاجة الآنسة أفنان تطلبها هتتنفذ.&;
&;العفو يا دكتور حامد احنا ملناش أي طلبات.. أنا كل اللي عايزة أن رحيم يحافظ على بنتي ويسعدها وميزعلهاش ابد&;ا غير كده صفر عالشمال.&;
نبس والد أفنان بصدق وبالرغم أن مثل تلك الجمل ت&;ستخدم عادة كشعارات وكعبارات م&;بتزلة إلا أن والد أفنان كان صادق&;ا فهو لا يهتم بالماديات إطلاق&;ا بل كل ما يريده هو الإطمئنان على ابنتيه قبل أن يرحل عن هذه الدنيا.
&;متقلقش ابد&;ا يا عمو.. أفنان في عيني وفي قلبي&; وأنا عندي استعداد أموت ولا أني أزعلها في يوم.&;
&;بعد الشر عنك يا حبيبي&; القصد أننا مش هنختلف في أي حاجة والتقسيمة برضوا مش هتفرق.&;
&;طيب يا uncle زي ما قولت لحضرتك أنا عندي ڤيلا في الزمالك مش بعيد أوي عن هنا يعني.. الڤيلا جاهزة بس هنجيب الأوضة بتاعتنا وأوضة لل Babies &;الأطفال&; ولو أفنان مثل&;ا عايزه تغير أي حاجة في ال decorations &;الديكور&; أو ال&; اسمها أيه يا أنس..&;&; أنهى رحيم حديثه بسؤال بنبرة طفولية ليخمن أنس الكلمة التي يقصدها رحيم:
&;الأثاث&;&;
&;اه هي دي.&;
&;طب وأحنا كده هنجيب أيه يا ابني&; مينفعش منجبش حاجة.&; أردف والد أفنان وهو يعتدل في جلسته لي&;علق رحيم على حديثه على الفور:
&;لا يا Uncle أنا بس عايز أفنان تيجي بهدومها بس أو حتى من غير&;&;
&;قصده أن هو ممكن يتكفل بالهدوم وبكل حاجة هي ممكن تحتاجها!&; صحح أنس سريع&;ا جملة رحيم التي بدت م&;ريبة إلى حد&; كبير كي لا ي&;سئ والد أفنان فهمه فذلك الأحمق ذو اللغة العربية الرديئة يتسبب في وضع نفسه في مواقف حرجه.
&;وبعدين يا حضرتك عارف يا أستاذ أحمد إن في الأصل العريس هو اللي بيجيب الجهاز كله ولكن عشان ظروف المعيشة الصعبة الناس بتقسم الحاجة بينها بس بما إننا عندنا المقدرة أننا نجهز كل حاجة فمفيش داعي إن حضرتك تكلف نفسك.&;
&;يبقى على بركة الله&; يا رانيا تعالى قدمي الحاجة الحلوة.&;
توجهت والدة أفنان نحو الخارج وبرفقتها مريم لتقديم الحلوى والمشروبات وقامت بإلقاء التحية على الجالسين قبل أن ي&;قاطع والد أفنان التعارف وهو يقول:
&;مش هتندهي العروسة تسلم على خطيبها وحماها ولا أيه&; عايزين نقرأ الفاتحة.&;
&;حاضر من عنيا.&; استغرقت والدة أفنان دقيقتين تقريب&;ا لت&;حضرها من الحجرة.
&;تعالي يا عروسة سلمي على عريسك وحماك&;.&;
نبس والدها بنبرة ودودة وهنا انقسم المكان لشقين&; شق يخص مشاعر رحيم والآخر لأفنان ولنبدأ برحيم أول&;ا.. بمجرد أن أقتحمت تلك الكلمات أذنه أعتدل في جلسته وشدد يديه على معطف بذلته الرسمية ببعض التوتر يشعر بنبضات قلبه تتسارع وكأنها خيول&;ا عربية أصيلة في سباق وقد أوشكت على كسر حواجز النهاية.. عيناه تلمعان كما لم تفعلا من قبل..
وقعت عيناه عليها&; تلك التي سحرته منذ اليوم في الأول في ذلك الزقاق الم&;ظلم.. الفتاة الجسورة ذات الرأس الصلب التي استطاعت أن ت&;وقعه في شباك الغرام والحب الذي كان قد أقسم لنفسه أنه لن يخطوه مرة آخرى فأصبح عليه كفارة للقسم الآن&; الإبتسامة الرقيقة ذاتها والح&;فرة في وجنتها والبشرة الشاحبة حتى تلك الحبوب الم&;حمرة التي حاولت إخفائها جاهدة بمساحيق التجميل وتمنى رحيم لو لم تجعل تلك الأشياء تمس بشرتها الطبيعية الم&;حببة إلى قلبه.
أما عن أفنان فمبجرد أن فتحت باب الغرفة أقتحمت أنفها رائحة عطر رحيم الثقيل التي تسرقها إلى عالم&; آخر&; تسير بخطوات بطيئة وبأقدام م&;رتعشة&; تتأمل عيناها على إستحياء ذلك الشاب الوسيم ذو البذلة الرسمية التي أضفت عليه المزيد من الوسامة&; ملامحه الرجولية الهادئة ولحيته الم&;هذبه حديث&;ا على ما يبدو&; لا تدري ماذا تفعل.. أقتربت لتقف إلى جانب والدها الذي استقام من جلسته.
استقام رحيم من مقعده في الم&;قابل وهو ي&;عدل من بذلته ويمد يده ليصافح التي أمامه والتي أرتبكت لتنقل عدوى الإرتباك للذي أمامها في&;عيد يديه إلى موضعها بتوتر م&;تذكر&;ا أنها لا ت&;صافح أي ذكر أجنبي عنها&; يضع يده أمام قلبه كتحية لها مع إنحناءه بسيطة لتبتسم له في خجل ممتزج بالإمتنان.
&;أهل&;ا بحضرتك يا عمو..&;
&;عمو بس&; مفيش ازيك يا رحيم&;&; سأل أنس م&;تعمد&;ا زيادة خجل الأثنين لتضحك أفنان وقد ص&;بغ وجهها بالح&;مرة وهي ت&;تمتم:
&;ازيك يا رحيم.&;
&;بقيت كويس.. دلوقتي بقيت كويس.&; تفوه رحيم بنبرة حالمة وهو يتأمل أفنان بمشاعر مفضوحة&; حمحم والد أفنان بغيرة ليفيق رحيم من شروده في عين أفنان ويعاود الجلوس&; يقطع الصمت الم&;ريب صوت والد أفنان الحنون وهو يقول:
&;طيب يا رانيا مش تجيبي ميرال تسلم عالضيوف عشان نقرأ الفاتحة بقى.&;
&;حاضر يا حج.&;
&;مين ميرال&;&; سأل أنس هامس&;ا ليهمس له رحيم في الم&;قابل دون أن يبعد ناظريه عن أفنان:
&;أخت أفنان.&;
&;اه صحيح دي ليها أخت.&; تمتم أنس حينما تذكر تلك المرة حينما مرضت شقيقتها في عملها واضطر أنس للذهاب لإحضارهم ومن ثم إيصالهم إلى المنزل.
رفع أنس عيناه نحوها ثم أخفضها ثم رفعها سريع&;ا مجدد&;ا&; مشاعر مختلطة عصفت بقلبه في تلك اللحظة ونسمة هواء باردة لفحت وجهه&; قشعريرة غلفت جسده وهو يفكر كيف للصدفة أو القدر ربما أن يجمعه بتلك الفتاة التي رأها منذ أسبوع&;ا واحد&;ا.. كانت تبكي بإنهيار والآن هي تقف إلى جانب أفنان وتبتسم ابتسامة واسعة&;! كان على وشك أن يقترب منها يسألها عن اسمها أو ربما يجثو على ركبتيه ويطلب الزواج منها لولا أن لوحت بيدها فظهر ذلك الخاتم الذهب الذي حاوط بإصبعها البنصر فكان بمثابة خنجر يطعن في قلبه!
لم تنتبه ميرال له كثير&;ا فلم تكن لت&;دقق في ملامح أي شخص أمامها وخاصة إن كان شاب&;ا&; جلست إلى جانب والدها ووالدتها بينما وقفت أفنان بحيرة لا تدري أين تجلس.
&;أنس تعالى جنبي وخلي أفنان تقعد جنب رحيم.&; طلب والد رحيم لتتسع ابتسامة رحيم على الفور وتتوتر معالم أفنان أكثر لتخطو ببطء لتجلس إلى جانب رحيم وقد ص&;بغ وجهها باللون الأحمر.
&;معلش استنوا ثواني..&; أردفت ميرال ثم هرولت نحو الحجرة لت&;حضر قالب خشبي م&;زين بالورود قد ن&;قش عليه عبارة &;قرينا الفاتحة&; وقد ن&;قش عليه كذلك الحرف الأول من اسم رحيم والأول من اسم أفنان باللغة الإنجليزية&; لمعت عين أفنان بسعادة وتفاجئ قبل أن تنقض على شقيقتها وهي تضمها غير مهتمة بمن حولها.
&;ده حلو أوي يا ميرال بجد! أنتي مقولتليش أنك هتجبيها.&;
&;قولت أعملها مفاجأة&; يلا بقى اقعدي عشان نقرأ الفاتحة.&;
عاودت الجلوس إلى جانب رحيم مع ترك مسافة مناسبة بينهم بالطبع&; بدأو جميع&;ا في قراءة الفاتحة&; والتي كان الجميع يتلوها في صلاتهم يومي&;ا لكن تلك المرة كانت ذا اثر م&;ختلف على قلوب الجميع وبشكل&;ا خاص أفنان ورحيم&; كان رحيم يختلس بعد النظرات نحو أفنان أثناء القراءة لت&;لاحظ هي فتبتسم خجل&;ا.
&;أنت&; عارفة أننا بنقرأ الفاتحة كل يوم ١٧ مرة&; بس المرة ال ١٨ ليها شعور م&;ختلف!&;
همس رحيم لتضحك أفنان بخفوت وهي تضع يدها أمام ثغرها بخجل ويتأمل ضحكتها هو في صمت وكأنها أجمل ما خ&;لق في الكون وأثمن ما وقعت عليه عيناه.. قاطع اللحظات الرومانسية صوت أنس وهو يحمحم لينتبه رحيم أنه أطال النظر إليها&; يأخذ نفس&; عميق ثم ي&;ردف:
&;طيب لو حضراتكوا معندكوش مانع ممكن ننزل نختار الشبكة.&;
&;د.. دلوقتي&;&; سألت أفنان بتلعثم شديد بالرغم من أنها كانت تعلم نيتهم في فعل ذلك من قبل مجيئهم اليوم لكن سماعها للجملة قد جعلها تضطرب كثير&;ا.
&;مش عايزة ننزل النهاردة&;&;
&;لا عادي أنا بسأل بس..&;
&;طيب نخلي العشاء قبل ولا بعد الشراء&;&; سألت والدة أفنان بود لي&;جيبها والد رحيم:
&;نشتري وبعدها نتعشى&; مش لازم تتعبوا نفسكوا أحنا هنتعشى برا.&;
&;لا لا مينفعش ده رانيا محضرة أكل كتير أوي عشانكوا.&;
&;طيب خلاص طالما الهانم أتكرمت وعملت عشاء فلازم نتعشى.&;
&;طيب هنروح كلنا بعربية Uncle حامد مش لازم حضرتك تتعب نفسك وتسوق.&;
&;وهي العربية هتكفي يا ابني&;&; سألت رانيا بعدم اقتناع ليمنحها رحيم ابتسامة حنونة وهي ي&;جيبها قائل&;ا:
&;العربية فيها ٣ كنبة يا Auntie متقلقيش.&;
&;ما هو كده مش هيبقى في كمان ليا يا أنا يا السواق بقى.&;
&;طيب خلاص ممكن نخلي السواق يروح وهسوق أنا وخلاص.&;
&;تمام ده حل كويس.&;
بعد بضع دقائق كان جميعهم داخل السيارة ولسوء الحظ لم تستطع أفنان الجلوس إلى جانب رحيم فلقد كان جالس&;ا إلى جانب أنس في الأمام.
&;ده طلع قمر أوي يا أفنان عندك حق بصراحة!&;
&;بت لمي نفسك أنا بغير!!&;
&;خلاص ياختي أنا أسفة.&;
&;وأنتي يا ميرال سرحانة في أيه&;&;
&;نوح.&; انساب الإسم من فم ميرال دون تفكير ليرمقها كل&;ا من أفنان ومريم بإبتسامة خبيثة.
توقفت السيارة أمام محل مجوهرات فاخر يحوي كل أنواع المجوهرات تقريب&;ا بمختلف أنواعها لكن كان يطغى على المكان المجوهرات الماسية والذهب الأبيض&; غادروا جميعهم السيارة وسار رحيم بخطوات بطيئة في انتظار أفنان لتصبح إلى جانبه وبمجرد أن فعلت سألته بصوت&; منخفض:
&;رحيم هي مامتك مجتش ليه&;&;
&;هقولك بعدين&; متركزيش في أي حاجة دلوقتي غيرنا.&;
&;صح عندك حق أنا مالي بأمك أصل&;ا.&;
&;أيه رأيك في ده&; أو ده&;&; كان رحيم ي&;شير إلى عدة خواتم في وقت&; واحد لي&;زيد من حيرة أفنان&; كانت مشاعرها مختلطة وكانت هذه أصعب مرة قد و&;ضعت فيها في موضع الإختيار فهي لا تقوم بشراء زوج من الجوارب بل تشتري خاتم الزواج الذي سترتديه طوال العمر إن شاء المولى عز وجل كما أنه باهظ الثمن بل ثمنه يفوق كل الأشياء التي ابتاعتها في حياتها كلها.
&;أنا مش عارفة.. أنا احترت.. اختارلي أنت حاجة واللي هتختاره لو المقاس مضبوط هناخده.&;
&;ده حلو أوي وم&;ختلف.. زيك.&; تمتم رحيم بصوت&; مسموع لكنه همس في الكلمة الأخيرة&; ي&;زين ثغرها ابتسامة صغيرة بينما يمنحها &;الجواهرجي&; الخاتم الذي اختاره رحيم.. خاتم من الألماس يحوي ثلاثة فصوص فص كبير في المنتصف يحاوطه فصين أصغر في الحجم من اليمين واليسار.. كانت الفصوص دائرية بما يسمح بإرتداء &;دبلة&; من الذهب أسفلها&; على أي حال كان رحيم سيكتفي فقط بخاتم الزواج لكن أنس قام بتنبيهه أن خواتم الزواج الماسية ليست منتشرة في مصر والوطن العربي وأن الم&;تعارف عليه هو &;الدبلة&; المصنوعة من الذهب لذا قرر رحيم شراء الإثنين من أجل أفنان فلا شيء ثمين مقارنة بها عنده.
&;حلو أوي بجد.. ربنا يخليك يا رحيم بجد.&;
&;تعيش وتجبلها يا حبيبي.&; تمتمت والدتها قبل أن ت&;طلق زغرودة عالية وت&;شاركها مريم&; ت&;زيين ابتسامة واسعة ثغر رحيم وأفنان بينما ي&;قهقه والد رحيم من ل&;طف الموقف والأجواء الم&;بهجة التي قد افتقدها منذ زمن بعيد.
&;ألف مبروك.&;
&;عقبالك يا أنس وأخلص منكوا أنتوا الإتنين مرة واحدة.&;
&;إن شاء الله يا Uncle&;&; نبس أنس بإبتسامة يشوبها بعض الحزن وقد رفع عيناه نحو ميرال بيأس.
&;كده يا حامد بيه Total الحساب ٧٨ ألف جنية و ٩٠٠ ده طبع&;ا بعد الخصم علشان حضرتك Special cliten &;عميل مميز&;.&; أعلن الرجل ببساطة شديدة وأخرج رحيم بطاقته الإئتمانية بكل سهولة وهو يسأل أفنان:
&;أفي مش عايزة تزودي حاجة تانية&; أي حاجة أنتي عايزاها.&; ساد الصمت لبرهة ولم ت&;جيبه أفنان فلقد كان عقلها يحاول ترجمة الرقم الذي قاله البائع قبل قليل&; كيف لرحيم أن يبتاع لها شيئ&;ا باهظ الثمن بتلك الدرجة الرهيبة بل ولم يبدو عليه التأثر عند سماع المبلغ وكأنه سيقون بدفع بضع جنيهات فقط.
&;أفي أنا بكلمك أنتي سمعاني&;&;
&;سمعاك سمعاك.. وبعدين أعوز أيه بس بالرقم اللي أتقال ده&;!! ده أنت هتقسط فيه طول حياتك!&; ضحك رحيم ساخر&;ا على ما قالته فلقد كانت جملتها تنم عن كم هائل من السذاجة التي لم يعهدها في أفنان.
&;أنتي بتقولي أيه بس يا أفي&; وبعدين مفيش حاجة تغلى عليكي.&;
&;ايوا يا رحيم بس ده تمنه غالي أوي مش الأحسن كنت جبت دبلة ومحبس والموضوع أتلم في ٧٠٠٠ ولا ٨٠٠٠ جنية!&;
&;لو أنتي بتحبي الGold &;الذهب&; يعني ممكن نجيب برضوا بس الرقم اللي أنتي قولتيه قليل أوي وطالما أنا قادر اجيب حاجة قيمة أكتر يبقى ليه لا&;&;
&;أما أنتوا يا أغنياء عليكوا حاجات.&; همست أفنان ساخرة لكن رحيم استطاع سماع ما تقوله ليضحك ضحكة هادئة كانت كفيلة بجعل أفنان تذوب لولا أن نبهتها مريم أنها أطالت التحديق لذا حمحمت أفنان وهي تسأل رحيم الآتي:
&;طيب رحيم هو أحنا من هنجبلك دبلة&;&;
&;رحيم مش بيلبس خواتم اصل&;ا مش بيحبها.&; أجاب أنس سريع&;ا لتلتفت أفنان نحو رحيم بنبرة نارية م&;تسائلة ليحمحم رحيم بتوتر وهو يقول:
&;بس هلبس طبع&;ا الدبلة بتاعت أفي&; بس أنا مظنش أن هيبقى عنده خواتم فضة هنا.&;
&;طب خلاص أنا هجبلك أنا الدبلة هي أصل&;ا بتبقى هدية من العروسة.&;
&;الله هدية من أفي!&;
&;أيه السعادة دي&; دي دبلة تمنها ميزدش عن ٢٥٠ جنية شوف أنت دافع كام قصادها.&;
&;ما هي مش بالفلوس يا أفي&; هي بغلاوة الشخص اللي بيقدم الهدية مهما كانت بسيطة.&;
&;لا لا يا رحيم تو ماتش مشاعر ورومانسية في يوم يوم واحد أنا كده ممكن أفطس منك.&;
&;عندك حق والله يا أفنان&; ما كفاية نحنحة بقى ده عمو أحمد فاضله ثانية ويجي يضربك.&;
قاطع محادثتهم أو لنقل شجارهم البسيط صوت رنين هاتف أنس&; نظر إلى الرقم لكنه لم ي&;جيب بل جعل الهاتف على وضع الهزاز ومن ثم وضعه في جيب بنطاله ولكن بعد مدة قصيرة دق هاتفه مجدد&;ا وتجاهل الأمر مجدد&;ا لكن هاتفه استمر في الرنين خمسة مرات على التوالي تقريب&;ا&; اضطربت معالم وجهه حيث يبدو أن الأمر جاد.. ابتعد عن الجميع وغادر المكان لي&;جيب على الإتصال الطارئ على ما يبدو.. لم تستغرق المكالمة سوى دقيقة واحد ز&;ف فيها الخبر كالصاعقة على أذن أنس&; أنهى المكالمة بعد أن تفوه بكلمة واحدة تقريب&;ا ثم ابتسم ابتسامة واسعة وهو يغلق الهاتف ومن ثم دلف إلى الداخل وعاود الوقوف إلى جانب رحيم وكأن شيئا لم يكن.
&;كنت فين يا أنس&;&;
&;كان معايا مكالمة.. مش يلا ولا أيه&;&;
&;اه يلا.. هي الشبكة المفروض تكون مع مين&;&; سأل رحيم بحيرة وبادلته أفنان تعبيرات الوجه ذاتها لت&;جيب والدتها عن السؤال م&;ردفة:
&;مش هتفرق يا حبايبي&; خليها عندك يا رحيم وجيبها معاك يوم الخطوبة.&;
&;أيه ده ثواني.. بابا أحنا متفقناش على ميعاد الخطوبة!&;
&;اه عشان أنا طلبت أننا نأجلها لأجازة نص السنة عشان تكوني خلصتي امتحانات.&; أجاب والد أفنان ببساطة شديدة ليعبس وجه رحيم على الفور&; تومئ أفنان بعد سماعها للإجابة ثم تعاود السؤال مجدد&;ا:
&;ايوا صح.. طب وهنعملها فين&;&;
&;يا حبيبتي لما نتفق على ميعادها هنبقى نتفق هنعملها فين.&; أردف والدها مجدد&;ا ويسود الصمت مرة آخرى لكن يقطعه رحيم وهو يسأل
&;أنس أنت كويس&;&;
&;اه&; هستناكوا في العربية تمام&;&;
&;تمام.&;
انتهى رحيم من عملية الشراء وأخذ الع&;لبة وتوجه إلى السيارة التي كان أنس يجلس بداخلها صامت&;ا على غير الم&;عتاد&; توقع رحيم منه أن يتذمر لتأخرهم لكنه لم ي&;علق ايض&;ا&; بداخل السيارة كان الجميع يثرثرون في مواضيع شتى وقد حاول رحيم فتح حوارات جانبية مع أنس ولكنه كان يكتفي بقول كلمة أو اثنتين على الأكثر وفجاءة أثناء انشغالهم بالحديث وضحك الفتيات دعس أنس على مكبح السيارة بقوة شديدة وفجاءة ولولا أنه يرتدي حزام الأمان لكان رأسه ارتطم بقوة في عجلة القيادة..
شهقات صدرت من الجميع ولم ي&;علق أنس بحرف&;ا واحد بل قاد السيارة بالقرب من أحد الأرصفة وتوقف ليأخذ نفس عميق قبل أن يشعر بسخونة بالقرب من أنفه.. قرب سبابته من أنفه ليستشعر وجود سائل دافئ لزج يسيل من أنفه.
&;أنس أنت كويس&;&;
&;ممكن تسوق مكاني&;&;
&;ممكن&; حطلي بس ال Location بتاع المكان.&; اومئ أنس وهو يضع منديل&;ا ورقي&;ا بالقرب من أنفه سريع&;ا لكي لا ي&;لاحظ أحد أنفه الدامي&; غادر السيارة وقام بتبديل المقعد مع رحيم ومن ثم اعتذر على الفور من الجميع بحجة أنه شرد أثناء القيادة وكاد يصطدم بالسيارة التي كانت أمامه.
&;يلا اتفضلوا يا جماعة أنتوا مش حد غريب.&; تمتم والد أفنان بلطف وهو يدعوهم إلى الجلوس إلى طاولة الطعام&; جلس والد أفنان على رأس المائدة وعلى يمينه والد رحيم إلى جانبه رحيم ثم أنس وعلى الجهة الآخر جلست الفتيات ووالدة أفنان.
استقامت والدة أفنان وبدأت في وضع الطعام في الأطباق والذي كان متنوع&;ا بين أطباق مصرية شهيرة أو عربية بشكل عام مثل الملفوف&; الدجاج المشوي&; الأرز وطاجن المعكرونة.
&;رحيم هو أنت بتاكل أيه من الحاجات دي&;&;
&;مش عارف.. أي حاجة أنا هدوق كله.&;
&;أيوا أنا عايزاك تدوق أكلي وتقول رأيك بصراحة وخد بالك بقى أفنان هي اللي عاملة البانية والسلطة والباقي أنا وميرال.&; داعبت والدة أفنان رحيم والتي بدأت تعتاد عليه وقد كان رحيم لطيف&;ا يضحك على م&;زاحها وي&;حاول اجراء محادثات مع الجميع&; لقد كان منزل زوجته المستقبلية م&;بهج&;ا ودافئ&;ا كذلك على عكس قصره الكبير الواسع حيث يقطن مع والديه.
&;أنس أنت مش بتاكل ليه الأكل مش عاجبك&;&;
&;لا لا ده حلو أوي تسلم ايديك..&;
&;حلو أيه أنت ممدتش ايدك أصل&;ا&; استنى.&; علقت ميرال بعبوس ومن ثم استقامت لتضع المزيد من الطعام في صحن أنس والذي حاول جاهد&;ا أن ي&;قنعها بألا تفعل لكنه استسلم لها في النهاية&; وبينما كانت تفعل ميرال شعرت بأن ملامح أنس مألوفة بالنسبة إليها لا بل هي واثقة أنها رأته في مكان ما لكن لا تتذكر أين وكانت على وشك أن تسأله لولا أن سبقها هو بسؤال والدها عن مكان دورة المياه.
&;عمو هو ممكن بعد إذنك اروح ال Toilet &;دورة المياه&;.&;
&;اه طبع&;ا يا حبيبي اتفضل&; آخر الطرقة دي.. استنى هقوم معاك.&;
&;لا لا مفيش داعي أنا هعرف أروح.&; أردف أنس وهو يستقيم من مقعده بصعوبة غير ملحوظة&; أخء يسير بخطى بطيئة حتى وصل إلى دورة المياه.
&;ميرال معلش ممكن تجيبي مياه من المطبخ&;&;
&;حاضر يا بابا من عنيا.&;
قالت ميرال ومن ثم غادرت الطاولة وذهبت لإحضار المياه وهي في طريقها إلى الداخل كادت أن تصطدم بأنس الذي غادر دورة المياه للتو&; وقفت هي في موضعها بصدمة وتوقعت أن يبتعد هو لكنه لم يفعل بل ظل ينظر إليها بأعين غائمة لثوان&; قبل أن ي&;غلق عسليتاه ويختل توازنه ومن ثم يسقط ارض&;ا&;
رواية في حي الزمالك الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ايمان عادل
"حاضر يا بابا من عنيا."
قالت ميرال ومن ثم غادرت الطاولة وذهبت لإحضار المياه. وهي في طريقها إلى الداخل كادت أن تصطدم بأنس الذي غادر دورة المياه للتو. وقفت هي في موضعها بصدمة وتوقعت أن يبتعد هو، لكنه لم يفعل بل ظل ينظر إليها بأعين غائمة لثوانٍ قبل أن يغمض عينيه ويختل توازنه ومن ثم يسقط أرضًا.
"يلاهوي! أنس!!" صاحت ميرال التي احتضنت رأس أنس وجزء من نصفه العلوي بين ذراعيها كي تحمي رأسه من الاصطدام، لكن باقي جسده قد ارتطم بالأرضية بقوة.
"حد يلحقني!!" هرول الجميع نحو ميرال نتيجة لصراخها والصوت المرتفع الذي تسبب فيه سقوط أنس. جاء رحيم وأفنان ووالدها مهرولين نحو ميرال والتي كان أنس بين ذراعيها، ولولا أنهم يعرفون ميرال جيدًا وكون أنس فاقدًا للوعي لأساء الجميع فهم المشهد.
"إيه اللي حصل؟" سأل رحيم بفزع فور رؤيته لصديقه الفاقد للوعي بين ذراعي ميرال. نظرت نحوه ميرال بأعين دامعة وهي تجيبه بتلعثم:
"معرفش.. معرفش هو وقع فجأة كده.. هو عايش طيب ولا إيه؟"
"رحيم هو حصله كده قبل كده؟" سألت أفنان ليجيبها رحيم بثبات نسبي:
"مش عارف.. ميرال معلش ابعدي كده.."
أمسك رحيم بأنس بدلًا من ميرال التي استقامت وذهبت لتقف إلى جانب أفنان. بدأ رحيم في ضرب أنس ضربات خفيفة على وجهه بأيدي مرتعشة في محاولة منه لجعله يسترد وعيه لكنه لم يستجب. تنهد رحيم ثم صاح قائلًا:
"بابي.. تعالى شيل أنس معايا."
في خلال دقائق كان رحيم في داخل السيارة برفقة والده وأنس الفاقد للوعي ووالد أفنان بعد أن تركوا الفتيات على أحر من جمر في المنزل. قاد والد رحيم السيارة بينما جلس رحيم في المقعد الخلفي وقد أسند رأس أنس على قدمه وأخذ يضغط على أنفه ضغطات قوية. ولم يستغرق الأمر سوى بضع ثوانٍ قبل أن يستجيب أنس ويفتح عينيه ببطء ثم يعاود إغلاقهما مجددًا.
"أنس أنت شايفني؟ طب لو سامعني حاول تفتح عينك." سأل رحيم وبالفعل استجاب أنس لمطلبه وحاول أن يفتح عينيه مجددًا.
"بسرعة شوية يا بابي من فضلك!" طلب رحيم من والده الإسراع وهو يشعر بقلبه على وشك أن يغادر قفصه الصدري من شدة قلقه على صديقه. لطالما كان أنس مهملًا في صحته وقد وبخه رحيم عدة مرات بسبب ذلك. وبالرغم من توقع رحيم لحدوث ذلك يومًا ما إلا أنه شعر بالهلع والاستياء في الوقت ذاته.
بعد مدة ليست بطويلة توقفت السيارة أمام إحدى المستشفيات الخاصة. استغرق الطبيب بضع دقائق بالداخل بينما كان رحيم ينتظر في الخارج وقد توقع بالفعل ما سيقوله الطبيب لكنه أراد أن يطمئن.
"خير يا دكتور؟ طمنا من فضلك." استفسر والد أفنان فور رؤيته للطبيب يغادر الحجرة حيث وُضع أنس. أقترب رحيم من الطبيب كذلك والذي أردف بإيجاز:
"المريض ضغطه كان عالي جدًا اتخطى الـ 200 وده اللي سببله الإغماء. أحنا علقناله محاليل والمفروض أن ضغطه هينزل وأنا برضوا هكتبله على أدوية للضغط ياريت يلتزم بيها وطبعًا لازم يتابع مع دكتور."
"تمام شكرًا لحضرتك." تمتم رحيم وهو يعيد خصلات شعره نحو الخلف بقوة بينما يزفر بضيق. هناك شيئًا خاطئ يحدث مع صديقه الوحيد وهو لم ينتبه لإنشغاله بالاحتفال مع أفنان. ياله من شخص أناني وأحمق! سب رحيم نفسه قبل أن يستأذن الطبيب في رؤية أنس.
دلف رحيم إلى داخل الحجرة ليرى صديقه النائم على الفراش بينما اتصل بذراعه محاليل طبية. سحب رحيم الكرسي الذي وُضع في الحجرة وقربه من السرير. انتبه أنس لوجود رحيم فقام بفتح عينيه وحاول الجلوس لكن رحيم ربت على كتفه وهو يردف:
"خليك زي ما أنت متتعبش نفسك."
"أنا بقيت كويس."
"إيه اللي حصل يا أنس؟ أنت فيك حاجة مش مضبوطة." سأله رحيم بهدوء على عكس مشاعره القلقة المضطربة. قلب أنس عينيه بتملل وهو يجيبه ساخرًا:
"لا لماح أوي اسم الله عليك."
"يا ابني هو أنت مبتعرفش تتكلم زي الناس المحترمة؟ قولي في إيه؟"
"مفيش. فريد مات." نبس أنس بهدوء شديد قبل أن يبدأ في نوبة من الضحك الهستيري. طالعه رحيم بنظرات هادئة وهو ينتظر أن يفرغ أنس من نوبة الضحك خاصته كي يخبره أن ذلك النوع من المزاح غير مقبول. بعد مرور دقيقة تقريبًا توقف أنس عن الضحك وهو يفرك عينيه التي امتلأت بالدموع من فرط الضحك.
"بتبصلي كده ليه؟" سأل أنس وهو يطالع رحيم الذي تجمد الدم في عروقه. نظر رحيم نحو أنس لبرهة قبل أن يسأل بتقطع وبنبرة مرتعشة:
"أنس.. هو أنت.. بتتكلم جد؟ أنس؟"
"هي الحاجات دي فيها هزار؟ جاله جلطة ومات من تلات ساعات كده.. جاله جلطة بعد ما عرف أني حبسته ورفعت عليه قواضي.. أنت ساكت ليه؟" كان أنس يتحدث بثبات شديد وهو ينظر إلى داخل أعين رحيم. لم يعلق رحيم على حديث أنس بل استقام من مقعده وجذب أنس في عناق قوي. وفي تلك اللحظة انفجر أنس في البكاء وهو يردف بصوت مبحوح:
"أنا بكرهه يا رحيم.. بكرهه.. أنا.. أنا مبسوط أنه مات! لا.. أنا مش مبسوط." كانت الشهقات تتخلل حديث أنس المبعثر. شدد رحيم على العناق أكثر وهو يلعن نفسه أسفل أنفاسه. كيف لم يلاحظ اضطراب أنس من بعد اجراءه لتلك المكالمة؟ كيف كان أناني للدرجة التي جعلته لم ينتبه قط لصديقه.
"أنا جنبك يا أنس.. أنا جنبك.."
"أروى.. أروى هتفرح أوي.."
"ششش! بس يا أنس كفاية."
مرت بضع دقائق من الصمت وقد سكن أنس قليلًا وانتظمت أنفاسه داخل أحضان رحيم. ابتعد الأخير قليلًا حينما أدرك أن أنس قد غفى. وضع رأسه على الوسادة وعدل من نومته قبل أن يغادر الحجرة. كان والده ووالد أفنان ينتظرون في الخارج على أحر من جمر ينتظرون خروج رحيم كي يطمئنهم على صحة أنس.
تقدم رحيم منهم بخطوات بطيئة وقد غلفت الصدمة والحزن تعابير وجهه. كان حامد قد جلس على إحدى الكراسي إلى جانب والد أفنان لكنه استقام فور رؤيته لتعابير وجه رحيم. اقترب رحيم بهدوء وهو يردف:
"بابي.. Uncle فريد.. تعيش أنت.."
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. إنا لله وإنا إليه راجعون." تمتم والد أفنان بحزن شديد بالرغم من عدم معرفته لوالد أنس لكنه إنسان وقد رحل عن عالمنا.
"لا إله إلا الله.. ده حصل إمتى الكلام ده؟ إزاي محدش يبلغني؟!"
"أنا لسه عارف من أنس دلوقتي.. هو ده السبب اللي تعبه ووصله للحالة دي." قال رحيم وهو يتحاشى النظر نحوهم حيث كانت الدموع قد تجمعت داخل عينيه تأثرًا بوضع صديقه. ساد الصمت البرهة قبل أن يعاود والده السؤال مجددًا:
"طيب هو فين فريد دلوقتي؟ هيتدفن إمتى وأيه الإجراءات اللي المفروض تتم؟"
"أنا مش عارف أي حاجة وأنس نام."
"نام؟" سأل حامد بتعجب ليتنهد رحيم قبل أن يجيبه بنبرة خالية من الحياة:
"اه.. تأثير الخبر مكنش هين عليه يا بابي. على العموم أنا هكلم المحامي بتاع أنس وأخليه يشوف النظام إيه."
"تمام."
"أنا آسف جدًا يا عمو عاللي حصل ده وأن حضرتك اضطريت تيجي معانا هنا وكده.. بس الظروف.."
"على إيه يا ابني بس؟ ده قضاء ربنا أهم حاجة أن أنس يقوم بالسلامة وتخلصوا الإجراءات المطلوبة."
"إن شاء الله.. أنا هكلم السواق يوصل حضرتك للبيت."
"مفيش داعي أنا هعرف أروح لوحدي."
"لا لا مش هينفع." أصر رحيم على موقفه وبالفعل جعل السائق يحضر لإيصال والد أفنان إلى المنزل بينما بقي هو في المستشفى برفقة والده وهما يفكرون فيما عليهم فعله في الخطوات التالية.
بالعودة إلى منزل أفنان وقبل وصول والدهم، جلست ميرال على الأريكة في صدمة وتوتر كلما تذكرت ما حدث قبل قليل. وجلست إلى جوارها أفنان التي بادلتها نفس الشعور وإن كان شعور ميرال يختلف لأنها رأت ما حدث لأنس أمام عينيها.
"يعني أنا مش فاهمة برضوا إيه اللي حصل؟ يعني أنتي لقيتيه عالأرض وبعدين خدتيه في حضنك ولا إيه؟ ولا هو مثلًا اشتكى من حاجة في الأول؟"
"تاني يا أفنان؟ هنعيد نفس القصة من أولها تاني؟ قولتلك أنا كنت رايحة.. كنت رايحة أجيب حاجة.. لقيتو خارج في وشي فجأة من الحمام بصلي ثانيتين قبل ما يقع من طوله فجأة.. وأنا كنت قريبة منه يعني فحاولت ألحقه بسرعة عشان دماغه متتخبطش في الأرض."
سردت ميرال ما حدث للمرة العاشرة تقريبًا وفي كل مرة يزداد خجلها مما حدث. وكانت أفنان تعلم ذلك جيدًا ولم تتوقف عن مضايقتها حيث علقت أفنان على حديثها قائلة:
"يا حنينة!"
"أفنان أنتي شايفة الموضوع يستحمل هزار أو استظراف يعني؟"
"أنا مقولتش حاجة على فكرة. أنتي اتصرفتي تصرف طبيعي وتلقائي جدًا.. هو مكنش صح يعني اللي حصل أكيد بس أنتي مكنش قصدك حاجة غلط."
"ايوا طبعًا مكنش قصدي.. مريم.. بت يا مريم!" صاحت ميرال على غير العادة حينما انتبهت لوجود مريم والتي بالطبع ستنقل كل ما حدث الآن لأخيها. جاءت مريم والتي كانت تتناول الطعام في المطبخ وهي تسأل بقلق:
"في حاجة ولا إيه؟"
"أوعي تقولي لنوح عاللي حصل!"
هو أصلًا ما حصلش حاجة يعني.. بس أصل نوح هيعملي حوار.
"قصدك على الكتكت اللي فطس مننا ده؟ لا متقلقيش." علقت مريم ساخرة لتقلب ميرال عينيها بتملل وهي تتمتم:
"طيب.."
بعد مرور مدة من الوقت تسلل إلى أذن أفنان صوت خطوات والدها المميزة لتقفز من موضعها لتفتح الباب من قبل أن يطرقه.
"حمدلله عالسلامة يا بابا.. ها طمني إيه اللي حصل؟"
"يا بنتي ادي أبوكي فرصة ياخد نفسه ويرتاح من السلم." وبختها والدتها لتتنهد أفنان وهي تبدأ حديثها بصوت مسموع ثم تنهيه بهمس مردفة:
"حاضر يا ماما.. ها يا بابا قولي."
"مفيش يا دكتورة ضغطه كان عالي جدًا وهو اللي سبّبله الإغماء كده."
"طب وإيه اللي رفعله ضغطه أوي كده؟"
"أصل.. والد أنس في ذمة الله.. الخبر جاله وهو معانا النهاردة.."
"لا حول ولا قوة إلا بالله.."
"يعني باباه مات وهو فضل عادي قاعد معانا وبيكمل شراء الشبكة؟ لا وراجع يتعشى عادي؟ غريبة دي.." تسألت ميرال بحيرة لتنظر نحوها أفنان بنظرات تأييد قبل أن تعلق بنبرة لا تخلو من السخرية:
"تصدقي يا ميرال أول مرة تقولي حاجة صح في حياتك."
"الله أعلى وأعلم بقى ممكن من الصدمة مقدرش يدي رد فعل على طول.. يمكن مكنش عايز ينكد على رحيم ويبوظ اليوم."
"حتى لو يا عمو مش منطق برضوا." أردفت مريم لت تعلق أفنان مؤيدة لحديثها قائلة:
"أكيد في حاجة غلط.."
"ملناش دعوة بقى.. عمتًا احنا هنروح وهنعمل الواجب وهنعزي ميخصناش حاجة أكتر من كده."
"طيب بابا هو ينفع أبقى أكلم رحيم أطمن عليهم؟"
"ينفع، بس بلاش رغي واستعباط ها."
"حاضر يا بابا." أردفت أفنان بآدب وهدوء وبمجرد أن دلف والدها إلى حجرته قفزت في موضعها بحماس لأن والدها سمح لها أخيرًا بمهاتفه رحيم وهذه المرة هي لن تفعل ذلك سرًا.
"خليكوا هنا بقى هدخل أتكلم في التليفون وأجيلكوا."
"ماشي يا ستي الله يسهلك." قالت مريم بمزاح وهي تغمز بإحدى عينيها لتنظر نحوها أفنان بازدراء وهي تردف ساخرة:
"ما هو النبر ده اللي جايبنا ورا.. الراجل مات ياستي."
أغلقت أفنان باب الحجرة وسط ضحكات مريم وميرال، ذهبت لتتمدد على السرير ومن ثم هاتفت رحيم والذي أجاب على الفور وقبل أن ينبس بحرف سبقته أفنان وهي تطمئن عليه بلهفة:
"إيه يا رحيم طمني عليكوا أنتوا تمام؟ اه صحيح البقاء لله."
"ونعم بالله، أنس كويس.. نايم يعني.. وأنا وبابي بنشوف إيه الإجراءات المطلوبة."
"إيه ده أنا عطلتك ولا إيه؟ أنا أسفة خلاص روح شوف اللي وراك."
"لا ولا يهمك.. تمام هخلص وهكلمك.. Uncle أحمد وصل صح؟"
"اه وصل من شوية."
"تمام حمدلله على سلامته." أنهت أفنان المكالمة سريعًا فمؤكد أن رحيم منشغلًا بإنهاء ما يعجز صديقه عن إنجازه نظرًا لصدمته بوفاة والده وحالته الصحية المتوعكة حاليًا.
في صباح اليوم التالي أخذت ميرال تبحث عن شيء مناسب لترتديه أثناء ذهابها إلى العمل وفي الوقت ذاته تريد ثوبًا أنيق خاصة وأن نوح ينوي زيارتهم اليوم هو وخالتها، بعد تفكير طويل قررت ميرال ارتداء الثوب ذاته من ليلة أمس.. أمسكت ميرال بالثوب وهي تتفحص كونه نظيف ومن ثم قربته من أنفها لكي تستنشق رائحته، مرت بضع ثوان وهي في ذهول شديد من الرائحة.. فتلك الرائحة لا تخصها بل بمعنى أدق هنالك رائحة عطر آخر اختلطت بخاصتها.. عطر رجولي ثقيل.. رائحة عطر أنس على سبيل المثال!!!
"يا نهار أبيض عليا وعلى سنيني! أفنان اصحي كده.." صاحت ميرال وهي تحرك جسد أفنان بخفة لتوقظها.
"صباح الخير يا ميرال.. في إيه بتندبي ليه عالصبح؟"
"شمي ريحة الفستان ده كده!" أخذت أفنان الثوب بأعين نصف مغلقة وقربته من أنفها ثم أردفت:
"ماله؟ ما ريحته جميلة أهو."
"جميلة إيه بس! دي ريحة اسمه إيه ده اللي كان مع رحيم!"
"وريني كده.. اه صح، هي الريحة لحقت تلزق فيكي في الثانيتين دول؟"
"مش عارفة إيه ده؟!! اعمل إيه أنا دلوقتي متأخرة عالزفت الشغل ومش لاقية حاجة تانية ألبسها.."
"ألبسيه وخلاص وحطي برفان من بتاعنا يا ميرال، وبعدين ما هو ورحيم كانوا مستحمين بالبرفان تقريبًا أما جيوبنا الأنفية كانت بتصوت إمبارح."
"طيب افرضي حد شمها وعلق."
"في إيه يا ميرال الأوفر ده؟ الريحة مش نفاذة للدرجة يعني."
"طيب خلاص." تمتمت ميرال وفي الوقت ذاته دلفت مريم إلى الحجرة وهي تسير بأعين ناعسة وعقل يعمل بنصف كفاءة.
"كويس أنك صحيتني عشان أكلم رحيم أشوفهم هيعملوا إيه في الدفنة وكده.. وهشوف بابا لو رايح هروح معاه."
"ما شاء الله يا أفنان على حظك، أنا أعرف لما واحدة بتتخطب جديد خطيبها بياخدها مثلًا أول فرح بيجي في العيلة بعدها.. بياخدها تجمع عائلي.. لكن أول مرة أشوف واحدة بتروح مع خطيبها عزاء."
"ما بلاش سخافة ما أنتي عندك نوح أهو معندوش حالة وفاة بس معيشك في كآبة وقرف من ساعة ما اتخطبتوا."
"أفنان أنتي ملاحظة أنك بتتكلمي عن أخويا ولا الموضوع مش واصلك؟" اقتحمت مريم الحوار وهي تسأل باستنكار لت طالعها أفنان بسخرية وهي تسأل في المقابل:
"طب أنا راضية ذمتك أخوكي ده حد يرتبط بيه؟"
"بصراحة لا."
"أهو شوفتي."
"دمكوا تقيل أوي على فكرة أنتوا الاتنين، يلا أنا هنزل بقى عشان متأخرش."
وهنا انتهى الحوار بمغادرة ميرال للحجرة وعودة مريم للنوم بينما بقيت أفنان جالسة في حجرتها كما هي لكن سرعان ما تذكرت أن رحيم قد ترك علبة 'الشبكة' خاصتها هنا حينما حدث ما حدث.. توجهت أفنان نحو الخارج لتحضر العلبة الفاخرة، فتحتها ببطء وحذر وهي تتأمل ما في داخلها.. ذلك الخاتم اللامع الذي سيربطها برحيم إلى الأبد، لقد بدا الخاتم جميلًا لكن لا شيء أجمل منه في الواقع وكل ما يأتي من طرفه يكتسب بعضًا من جماله.
"بتعملي إيه يا أفنان؟"
"بسم الله الرحمن الرحيم خضتيني يا ماما!"
"خضتك ده إيه ما أنا بتكلم عادي أنتي اللي سرحانة."
"بتفرج ع الشبكة اللي رحيم نسيها هنا.."
"كويس عشان لما خالتك وعمتك وجدتك يجو يتفرجوا عليها."
"بصي.. اعملي اللي أنتي عايزاه أنا معنديش طاقة أجادل بصراحة، أنا هروح أحضر الفطار." أردفت أفنان في هدوء تام غير معتاد فبعد الأحداث الغريبة من ليلة أمس لا طاقة لها للشجار.
بعد مرور ساعة أخرى وبالإنتقال إلى المستشفى فتح رحيم عيناه ببطء شديد وبمجرد أن حاول أن يتحرك احتل جسده الألم في مواضع متفرقة من جسده فالنوم على تلك الأريكة غير مريح بتاتًا.
"أنس! أنت رايح فين؟"
"رايح استلم الجثمان.. كلمتهم عشان يجهزوا المدفن، عايز كل حاجة تخلص بسرعة."
"طيب أروى.. هنقول لأروى؟"
"لا طبعًا.. حالتها متسمحش بخبر زي ده ولو أنه مش هيفرق معاها كتير لكن ظروفها الصحية تحتم عليا أني أخبي عليها في الوقت الحالي."
"طيب.. مامتك يا أنس عرفت؟"
"مش مهتم أعرف بس أكيد الخبر وصلها."
كان أنس يتحدث بجمود.. نظرات عيناه شاردة خالية من الحياة وكأنه إنسان آلي وليس بشري من لحم ودم أو ربما كان أقرب إلى الجثة الخالية من الروح.. نظر نحوه رحيم بآسى شديد.. لا يصدق كيف تبدل الحال بصديقه من السعادة الغامرة بالأمس إلى هذا الوضع المحزن الآن.
بالرغم من أن رحيم يثق تمامًا في مدى كره أنس لوالده إلا أن الأمر لا يزال صادمًا خاصة وأن سبب الوفاة يتعلق بأنس وشقيقته بشكل غير مباشر.
"اتكتب في التقرير الطبي سبب الوفاة؟"
"جلطة، مستحملش أني رفعت عليه قضية وحبسته.. كان فاكر أني هسيبه حر طليق وهو كان هيموتني أنا وأختي البجح."
"أنس! الميت له حرمه!" وبخه رحيم باندفاع لينظر نحوه أنس بطرف عيناه قبل أن يعلق على جملته ببرود تام قائلاً باستنكار:
"والعايش ملوش؟ عالعموم بلاش نتكلم في حاجة دلوقتي يا رحيم، معنديش أي طاقة."
"عندك حق.. أظن المفروض نتحرك دلوقتي هيبقى قدامنا يوم طويل."
"جدًا، وياريت تكلم المحامي عايزين نعمل إعلام وراثة في أسرع وقت." كان رحيم ينظر إلى أنس بحيرة وحزن شديد، فهو لا يصدق أن أحدهم قد علم منذ وقت قصير بأن والده قد توفى يهتم كثيرًا بإجراءات الميراث..
بالطبع هو حقه تمامًا، لكن من المفترض أن يكون الحزن قد أخذ منه نصيبًا لا بأس به. نظرًا لوضع أنس وعلاقته بوالده، فالأمر منطقي تمامًا.
"اللي أنت عايزه كله هنعمله، المهم هي مامتك وصلها الخبر؟"
"أكيد وصلها وزمانها جايه تنوح وتصدعني بإني السبب." قال أنس وهو يتجه إلى خارج الحجرة، لكنه سمع تأفف رحيم لذا توقف واستدار ليواجه رحيم وهو يردف بنفاذ صبر:
"لو مش عاجبك كلامي ممكن تمشي على فكرة."
"عاجبني ومفتحتش بوقي على فكرة، يلا خلينا نمشي." اختار رحيم عدم الجدال، فهو يعلم أن أنس ليس في وعيه تمامًا وغير مدرك لما يقوله ويفعله.
بعد مدة ليست بطويلة، وصل رحيم برفقة أنس ووالده إلى المستشفى حيث يوجد جثمان والده. كان أنس يسير بثبات شديد حتى وصلا إلى المكان حيث يُحفظ الموتى قبل أخذهم لدفنهم.
"المحامي مستني عشان تخلص تصاريح الدفن."
"عايز اشوفه الأول."
"هدخل معاك."
"لا، محتاج أكون لوحدي من فضلك.. استناني برا."
أومأ رحيم بإستسلام قبل أن يربت على كتف صديقه ثم يغادر، تاركًا إياه وحيدًا داخل المشرحة. بمجرد أن دلف إلى الداخل، شعر بانقباض شديد في قلبه. كانت المشرحة باردة للغاية، كمشاعر أنس تجاه والده. جاء الممرض ليُخرج الجثمان كي يراه أنس. رجفة قوية اجتاحت سائر بدنه، تسببت في انتشار شعيرات جسده. تسارعت نبضات قلبه حينما أخرج الممرض الجثمان. طلب منه أنس أن يتركه وحيدًا لبعض الوقت، لكن الأخير أخبره بأن ذلك غير مسموح، لكنه سيكتفي بالوقوف بعيدًا بالقرب من الباب.
بأنامل مرتعشة وباردة كالثلج، كتعابير وجه أنس، أبعد الملاءة البيضاء عن وجه أبيه لينكسف له. ذلك الوجه الذي يشبه خاصته، عدا من بعض التجاعيد. الخصلات البنية ذاتها، لكن الفارق أنها اختلطت ببعض الشيبة. يتأمل أنس ملامح الرجل الذي تسبب في تعاسته منذ اليوم الأول، وقد نمت على ثغره ابتسامة ساخرة ونظرات لا تخلو من الشماتة ربما. لم تكن تلك الخصلة من خصال أنس قط، لكنه لا يدري لماذا خالج ذلك الشعور صدره.
تحسس بيده وجه ويد الجسد الخالي من الروح الممدد أمامه، وكاد أنس أن يفتح ثغره للتفوه ببعض الكلمات الذي كانت حبيسة صدره لوقت طويل، لكن الكلمات حُشرت في فمه كخناجر طاعنة، فلم يصدر منه سوى صوت أقرب للحشرجة، قبل أن يشعر بحرارة في عينيه تليها عبرات دافئة تنهمر على وجهه وهو يتمتم بضعف:
"كان نفسي تبقى أب كويس.. كان نفسي أكون زعلان عليك دلوقتي مش شمتان فيك.. شايف يا فريد شايف ازاي أنا بقيت قوي دلوقتي وقادر أعمل فيك اللي أنا عاوزه وأنت مجرد جثة.. جثة من غير روح متقدرش حتى تاخد نفس! كل الناس بيحسوا أن ضهرهم اتكسر لما أبوهم بيموت، لكن أنا الوحيد اللي حاسس أني اتحررت. اتحررت من سجن أنت حبستني فيه سنين!"
كان أنس يتحدث من بين شهقاته. لا يستطيع كبح نفسه الآن عن البوح بكل ما يجول في خاطره وكل ما يشعر به. أخذ نفس عميق وهو يكفكف دموعه بعنف، قبل أن يتابع:
"دلوقتي أنت هتمشي وهنرتاح من قرفك ومشاكلك. ومراتك.. أمي هرميها في المصحة اللي كانت فيها من سنين وكل الفلوس هتبقى ليا أنا وأروى هنتمتع بيها وهشتغل وهكبر وحقق كل اللي نفسي فيه وهساعد الناس وهعمل كل حاجة كويسة منعتني منها. وأنت مش هتلاقي حتى اللي يترحم عليك!"
كان أنس يبصق كلماته تلك، والتي لم يقوى يومًا على قولها بصوت مسموع. فلو فعل، لم يكن والده ليتردد في تحطيم فكه أو قطع لسانه، فقد كان مخبولًا. وبالرغم من قسوة حديث أنس، إلا أن ذلك لم يمنع كونه يشعر بالحزن والإنكسار. فهو لم يعرف يومًا معنى الأبوة، وحتى عند موته، لم يستطع أنس أن يشعر بالآسى سوى لكونه لم يحظ بأب جيد يومًا. فليس حزنه يتعلق بفريد لشخصه. ألقى أنس نظرة أخيرة عليه قبل أن يغطي وجهه بالملاءة البيضاء للمرة الأخيرة، قبل أن يهمس:
"مع السلامة يا.. بابا."
كان رحيم ينتظر أنس في الخارج على أحر من جمر. وكما توقع، لقد جاء أنس بزوج من الأعين المحمرة والخصلات المبعثرة. سحبه رحيم في عناق قوي، لكن أنس لم يبكي، لكن في الوقت ذاته لم يفصل العناق، فهو بحاجة إلى الدعم النفسي. بعد مدة كافية، فصل رحيم العناق وهو يردف:
"يلا عشان نخلص الإجراءات.. لسه اليوم طويل. هنصلي الجنازة وبعدها ندفن وبعدين العزاء بليل."
"عايز العزاء في قاعة كبيرة، حاجة تليق بفريد."
"بابي ضبط الموضوع متقلقش خالص، المهم بس مش عايزين نتأخر عشان متسبش أروى لوحدها، هي دلوقتي بقت مدركة للوضع حواليها."
"حاضر."
قطع الصمت السائد صوت هاتف رحيم، وقد كان المتصل والده. أجاب رحيم على الفور، وقد كانت المكالمة عبارة عن جملة واحدة، أو هي أقرب إلى الأمر:
"خد أنس واتحركوا من عندك بسرعة، مرات فريد عرفت بالخبر وهي على وصول."
كانت الرسالة واضحة تمامًا. لم ينبس رحيم بحرف واحد وأغلق الخط، قبل أن يأخذ أنس للتحرك من أمام المشرحة.
بعد مدة لا بأس بها من الوقت، كان كل شيء قد تم على أكمل وجه. رافقهم والد أفنان لأداء صلاة الجنازة وما يلي ذلك، ثم عاد إلى المنزل بعد أن اتفق معهم على العودة في المساء برفقة ابنته لأداء واجب العزاء. حاول رحيم إقناع أنس بالعودة إلى المنزل أو الفندق للحصول على قسط من الراحة، لكنه رفض، وانتهى به الأمر وقد غفى على المقعد الخلفي في سيارة والد رحيم.
في ذلك الوقت، هاتفت أفنان رحيم، وكانت الساعة تقريبًا الخامسة والنصف، وكانت المحادثة كالآتي:
"ازيك يا رحيم أنت كويس؟ وأنس عامل أيه دلوقتي؟"
"أحنا كويسين الحمدلله، أنس نايم في العربية برا وأنا قاعد في Cafe بشرب قهوة."
"ربنا يعينكوا والله أكيد مرهقين أوي.. ده أنتوا محتاجين تناموا سنة بعد كل ده."
"إن شاء الله هنام ونستريح ونعمل كل حاجة نفسنا فيها بس اليوم ده يخلص على خير."
"إن شاء الله."
"أفي أنا بجد أسف.. كان نفسي نحتفل باليوم بطريقة أحسن من كده لكن أنس بيه كان له رأي تاني و Uncle فريد طبعًا منقدرش نقول حاجة ده أمر الله." أردف رحيم بحرج، لتبتسم أفنان لطفه وتُعلق على حديثه قائلة:
"مش مهم كل ده قدر يعني، المهم أنه كويس دلوقتي.. وبعدين لو اليوم كان مشي حلو كان هيبقى في حاجة غريبة، أصل أنا مينفعش يعدي عليا يوم كويس من أوله لآخره."
"الأيام الحلوة جاية كتير إن شاء الله Don't worry 'لا تقلق'."
"إن شاء الله المهم بس أنك متسيبش أنس خالص في الظروف ديه."
"لا اسيبه أيه بس ده أخويا شقي زي ما بيقول." تفوه رحيم محاولًا تقليد نبرة أنس، لتنفجر أفنان ضاحكة دون إرادة منها، قبل أن تردف بنبرة مرحة نسبيًا:
"بجد أنس ده سرسج أوي معرفش أنتوا الأتنين صحاب ازاي بصراحة بس جدع."
"سرسجي دي يعني صايع صح؟" سأل رحيم بنبرة طفل صغير مازال يتعلم الكلام، لتعاود أفنان الضحك وهي تؤكد حديثه قائلة:
"اه، صايع.. بيئة.. شوارعي حاجة في الرينچ ده."
"عادي، الفكرة بس إن أنس بيتعامل مع كل الناس وكل الطبقات وكان بينزل يسهر في الشارع مشرد يعني، لكن أنا مامي عمرها ما كانت بتوافق أني اعمل كده."
"أنت فعلًا مختلف أوي عن كل الشباب اللي شوفتهم في حياتي، أنا عمتًا مليش اختلاط بالجنس الآخر غير بابا ونوح بس تقريبًا وابن عمتي اللي مشوفتوش يجي من خمس ست سنين كده بس عمتًا الولاد اللي كنت بشوفهم في الدروس والجامعة مختلفين خالص عنك." تحدثت أفنان بصدق شديد، وقد شعرت بالسعادة تغمر قلبها لأنها أصبح بإمكانها التحدث مع رحيم بإريحية أكثر دون إخفاء الأمر عن والديها.
"ودي حاجة حلوة ولا وحشة؟"
"حلوة، يا عم الحج أي حاجة منك حلوة بس الفكرة إنها مختلفة.. أكيد الناس بتحكم عليك وبتسخف عليك عشان طريقتك."
"مش عارف متعرضتش لمواقف زي دي كتير عمتًا يعني ال community اللي أنا فيها معظمها أجانب أو عرب متربيين برا فمعظمهم شبهي."
"قولتلي، يلا خير خير.. أنا هقوم بقى عشان اجهز وهقابلك في العزاء إن شاء الله."
"يااه مكان Romantic 'رومانسي' جدًا." تمتم رحيم ساخرًا، لتُجيبه هي أيضًا بالسخرية ذاتها في بداية حديثه، لكنها أنهته بعبارة. وإن كانت ساخرة، ولكن نبرتها كانت حادة قليلًا:
"أهو اللي موجود، ويلا اقفل بقى وكفاية نحنحة ده احنا عندنا حالة وفاة اتق الله!"
"صح أنا أسف، خدي بالك من نفسك."
"وأنت كمان، مع السلامة."
أنهت أفنان المكالمة مع رحيم واستقامت من مقعدها واتجهت نحو خزانة الملابس. طالعتها ميرال ببعض الإرهاق وهي تسألها:
"بتعملي أيه يا أفنان؟"
"بشوف حاجة سوداء ألبسها عشان أروح العزاء."
"أجي معاكي؟"
"هو فسحة؟ ولا أقولك تعالي معايا أنا معرفش حد هناك وهبقى قاعدة لوحدي."
"طيب أوعي بقى من عند الدولاب وأنا هطلع حاجة نلبسها." قالت ميرال لتنفذ أفنان ما قالته وتبتعد.
بعد ساعة تقريبًا، كانت تجلس أفنان وشقيقتها ووالدها داخل السيارة التي أرسلها رحيم من أجلهم لتوصلهم إلى المسجد حيث العزاء. ابتسمت أفنان ابتسامة صغيرة لتلك الفكرة.
فكرة أن رحيم يتذكرها ويهتم بشأنها حتى في أصعب الأوقات وأكثر ضغطًا، فبالرغم من انشغاله مع أنس والتجهيزات إلا أنه لم ينسى أفنان.
"البقاء لله." تمتمت أفنان فور رؤيتها لرحيم وأنس الواقفين في الخارج لاستقبال القادمين لأداء العزاء. قامت أفنان بالتعزية وتلتها ميرال. كانت ميرال تنظر بمزيج من الشفقة والآسى نحو أنس الذي وقف كالجماد. وأي شخص آخر كان ليقول أنه إنسان بارد المشاعر لا يهمه فراق والده، لكن لسبب مجهول شعرت هي بكم الحزن والهم الذي غلف قلبه. هي لا تعرفه جيدًا لكنها تتمنى لو بإمكانها التخفيف من حزنه ومن حزن جميع من تعرض للفقد.
توجهت أفنان برفقة ميرال للجلوس في القاعة المخصصة للنساء. انبهرت أفنان من هيئة النساء هناك. بعضهن يضعن مساحيق التجميل ويرتدين ثياب سوداء اللون لكنها تليق أكثر بالذهب إلى حفل أو قضاء أمسية لطيفة وليس الذهاب لتقضية واجب العزاء.
"أيه المجتمع ده؟" سألت أفنان ميرال ساخرة وهي تحاول تجنب حقيقة أن الجميع يحدقون بهم بتعجب، فقد بدت هيئتهما مختلفة كثيرا عن من حولهم وكأنهم مخلوقات فضائية.
"أڤ.. Hello 'مرحبًا'." اخترق صوت أنثوي رقيق مسامع أفنان، ومن اسم التدليل المستخدم استطاعت أفنان توقع صاحبة الصوت، ومن سواها؟ ميا.
"ميا! ليكي واحشة والله.. أنتي تعرفي أنس؟"
"بس يا أفنان وطي صوتك أيه الفضايح دي!" وبخت ميرال أفنان وهي تضربها بخفة، لتتجاهلها أفنان وتذهب للترحيب بميا وضمها.
"أعرفه أيه بس؟ He is my best friend 'إنه صديقي المقرب'."
"أيه ده بجد؟ طب وكنتِ تعرفي المرحوم؟"
"أجل بكل تأكيد 'Yes of course'."
قاطع الهدوء السائد في المكان عدا من صوت قراءة القرآن العذب صوت بكاء هو أقرب للنواح قادم من جهة المكان المخصص للنساء. انتفض أنس باستياء شديد، فهو لا يكره شيئًا في حياته أكثر من العويل والنحيب.
"في أيه مين اللي بيصوت كده؟"
"فريد مات يا أنس!! أنت اللي موته حرام عليك!" صرخت والدة أنس التي ظهرت من اللامكان والتي اتضح أنها صاحبة صوت البكاء المرتفع. جذبت أنس من ثيابه بقوة لينظر نحوها هو بجمود تام وهو يحاول إبعاد يدها بهدوء تحت أنظار الجميع.
"أنا عمري ما هسامحك! أنت السبب أني جوزي وحبيبي يروح مني.. منك لله!!!"
"متسامحنيش."
"فين أختك تيجي تشوف اللي بتعمله؟ فين بنتي ولا هتاخدها مني هي كمان؟"
"خلاص خلاص اهدي يا طنط.. وحدي الله." تمتمت ميرال بتوتر شديد وهي تحاول بمساعدة أفنان وميا إبعاد والدة أنس عنه.
"لا إله إلا الله.. منك لله يا أنس.. منك لله."
كان أنس يراقب ما يحدث بتحفز شديد وكاد أن يفقد أعصابه وينقض على والدته بعنف كما يفتك الوحش بفريسته، لولا أن تدخل رحيم وقام بإبعاده من المكان كله. أجبره رحيم على السير بعيدا حتى وصلا إلى خارج المسجد.
"اهدأ يا أنس.. She’s mentally ill and you know it 'إنها مريضة نفسيًا وأنت تعلم ذلك' متاخدش على كلامها."
"جايه تفضحني في العزاء وسط الناس! بتدعي عليا.. بتدعي عليا أنا؟! أنا مخي مش قادر يستوعب المهزلة دي." صاح أنس مستنكرًا فعلتها، ليحاول رحيم تهدئته مردفًا:
"خلاص بقى أفنان وميرال خدوه بعيد. خلي اليوم يعدي على خير وبعدين صفوا حسابكوا سوا."
"ماشي. معاك سيجارة؟" سأل أنس بنفاذ صبر، ليحمحم رحيم وهو يشيح بنظرة بعيدا عن رحيم قبل أن يهمس:
"لا.. أصل أفنان مش بتحب التدخين."
"ولا بلاش… استغفر الله العظيم يارب. امشي من وشي يا رحيم لو سمحت."
بعد مرور ساعة تقريبا وبعد أن هدأت الأجواء، حان موعد رحيل أفنان. أشارت إلى رحيم بهدوء ليتبعها نحو الخارج ويودعها هي ووالدها وميرال واللذان ذهبا إلى السيارة، بينما وقفت أفنان تثرثر مع رحيم لثوان قليلة.
"أفي أنا أسف طبعًا أننا مش عارفين نعرف الناس بموضوع قراءة الفاتحة دلوقتي.. الوضع حساس طبعًا. I am so sorry.. promise i will make it up to you 'أنا أعتذر بشدة.. لكن أعدك سأعوضك عن ذلك'."
"يا رحيم بجد مفيش داعي للاعتذار خالص وبعدين كده كده أنا قربت ابدأ امتحانات وهبقى مشغولة أوي ومفيش وقت للاحتفال أساسًا.. أنا بس هعرف خالتو وتيتة وكده بس لحد ما نحدد الخطوبة إن شاء الله."
"إن شاء الله يا حبيبي." شعرت أفنان بنبضات قلبها تتضاعف حينما قال هو لفظة "حبيبي". شعرت بوجنتها تشتعل حمرة وحاولت تغير مجرى الحديث.
وبعد مرور بضع دقائق وتبادل العبارات القصيرة ودع رحيم أفنان وهو ينظر نحوها بمزيج من الحب والإرهاق، فهو لم يحصل على قسط كافي من النوم منذ أن وصلهما الخبر. كانت أفنان تنظر نحوه بحنان وهي تتمنى لو بإمكانها أن تخفف عنه آلمه، لكن كلاهما لم يدركا وجود تلك المرأة الشقراء داخل السيارة على الجانب الآخر من الطريق وهي تراقبهما بسخط شديد. فكيف لفتاها الوحيد أن ينوي الزواج من فتاة كتلك؟!!
لقد وصلت والدة رحيم إلى ساحة المعركة، ولكن لحسن الحظ لقد تحركت السيارة التي تحوي بداخلها أفنان ووالدها وشقيقتها قبل أن تهاجمهم والدة رحيم بسم لسانها.
"أهلًا بحضرتك يا مامي."
"ازاي محدش يبلغني بخبر زي ده؟" بعبارات لائمة وبعربية قد سحقها القطار وبخته والدته. زفر رحيم بإرهاق شديد وهو يجيبها بآدبه المعتاد:
"عشان كل حاجة حصلت بسرعة يا مامي. وبعدين خلاص حضرتك عرفتي وجيتِ.. على فكرة مامت أنس هنا."
"تمام."
فور عودة أفنان وميرال المنزل هاتف نوح ميرال بعد أن علم بالأحداث كلها عن طريق شقيقته مريم التي عادت إلى المنزل في صباح اليوم. لم تكن تعلم مريم بذهاب ميرال إلى العزاء برفقة أفنان ووالدها، ولكنها توقعت ذلك ونقلت توقعها إلى نوح.
"أيه يا ميرال بكلمك من بدري مش بتردي عليا ليه إن شاء الله؟"
"أيه ده في أيه متعصب عليه؟ كنت برا البيت والتليفون كان صوته واطي." سألته ميرال بنبرة حنونة في محاولة منها لامتصاص غضبه، لكن الأمر لم يزده سوى غضبا فوق غضبه وهو يسألها بحنق:
"كنتِ في عزاء أبو الواد الصايع ده صح؟"
"أولًا هو مش صايع. ثانيًا اه كنت في العزاء مع بابا وأفنان فين المشكلة؟"
"فين المشكلة؟ أنتي بجد بتسألي؟ أنتي تروحي العزاء ده بتاع أيه يعني إن شاء الله؟ قريبك ولا صاحبك ولا أخوكي وأنا معرفش؟"
"هو أيه الأسلوب اللي بتتكلم بيه ده يا نوح؟ أنا عمري ما حد قالي أنت رايحة فين وجايه منين غير بابا ومحدش ليه الحق أصلًا. وأنا بقولك كنت مع بابا وأفنان هو أنا كنت لوحدي يعني؟"
"ياستي أنا خايف عليكي وغيران عليكي وهو ده أسلوبي لو مش عاجبك خلاص!"
"يا نوح بطل تتكلم بالإسلوب ده من فضلك.." تحدثت ميرال ببعض الانفعال بينما شعرت أنها على وشك البكاء، فنوح يوبخها بنبرة حادة وهي لم تخطئ في أي شيء وكل ذلك الشجار لمجرد ذهابها، فماذا إن علم بما حدث مع أنس.. انقضت أفنان على ميرال لتسحب منها الهاتف وتحدث نوح بدلًا منها. أمسكت أفنان الهاتف وسألت نوح بنبرة مستنكرة:
"أنت يالا عامل غاغة ليه ومصدعنا؟ عايز تتقمص اتقمص وغور في داهية مش ناقصين!"
"أنتي ازاي تتكلمي…" لم تدعه أفنان ينهي جملته وأنهت المكالمة، ثم نظرت نحو ميرال بعتاب وهي تردف:
"أنا مش عارفة المفروض أقول أيه. أنتي هيجي يوم وهتتعبي من قرفه وهتدركي إن الحب مش كل حاجة وأتمنى أن اليوم ده يجي قريب وميبقاش فات الآوان." تحدثت أفنان بهدوء شديد وحاولت قدر الإمكان انتقاء كلماتها، فهي لا تريد جرح مشاعر شقيقتها في النهاية. يكفي ما فعله بها ذلك الأخرق. أنهت أفنان جملتها وغادرت الحجرة تاركة ميرال تنفرد بحزنها ودموعها المنهمرة.
في منطقة بعيدة نسبيًا وبعد مرور مدة زمنية ليست بقصيرة عاد أنس ورحيم إلى الفندق، فلقد فضل رحيم تجنب والدته تمامًا فهو لم ينم منذ ليلة أمس ولا طاقة له للشجار. تمدد أنس بثيابه كاملة على السرير وألقى رحيم بجسده إلى جانبه. أغمض أنس عيناه بإرهاق شديد وهو يشعر بآلم شديد يجتاح رأسه وكأن أحدهم قد حطم رأسه بمطرقة معدنية. كان الصمت يغلف المكان قبل أن يقطعه أنس وهو يسأل رحيم:
"هو أيه اللي حصل عند أفنان في البيت؟ أنا مش فاكر حاجة.. آخر حاجة فاكرها أني كنت في الحمام وخرجت لاقيت أخت أفنان في وشي."
"لاقيتها في وشك وبس؟" سأل رحيم وهو يحاول كتم ضحكاته، ليطالعه أنس بحنق وهو يسأله:
"اه وبس.. أيه اللي بيضحك يعني مش فاهم؟"
"أنس هو literally 'حرفيًا' أنت كنت واقع في حضن البنت. قابلتها في وشك أيه بس."
"بنت مين؟!" سأل أنس وهو ينتفض بإنتباه شديد ويقترب من رحيم ليكون في مواجهته.
"أكيد مش أفنان يعني. أنا قصدي ميرال.. ميرال أخت أفنان." نبس رحيم بتوتر قبل أن يصيح أنس بصدمة:
"يا خبر أسود!!!" قال أنس وهو يستقيم من السرير كمن لدغ من حية وهو يضرب كفيه ببعضهم البعض بينما يسب أسفل أنفاسه. ألم يجد شخصا أفضل ليفقد الوعي في أحضانه بدلًا من الفتاة التي يشعر بالإنجذاب نحوها؟!
ما نوع التعويذة السحرية اللي أُلقيت عليه لينال كل هذا الحظ السيء؟
"إيه يا هادي، اهدأ. ما أنت كنت تعبان، هو أنت كنت قاصد يعني؟ وبعدين هي لحقتك عشان كانت خايفة راسك تتفتح لو اتخبطت في الأرض."
"كانت سابتها تتفتح أحسن! ياربي عالإحراج.. أودي وشي منها فين بعد كده؟"
"وأنت هتشوفها تاني فين أصلًا؟ آخرك يعني هتشوفها في الخطوبة وابقى اعمل نفسك مش واخد بالك منها."
"لا طبعًا مش هينفع، إيه قلة الذوق دي؟ صحيح أنت هتعمل الخطوبة إمتى؟"
سأل أنس ليُصدم رحيم من سؤاله الأخير، فلقد كان رحيم ينوي تأجيل الخطبة لمدة كافية بسبب ما حدث. ظل رحيم صامتًا لبرهة لينظر نحوه أنس بتعجب منتظرًا رده.
"مش عارف.. Probably after 3 months or maybe more, I don’t know. في الغالب بعد ثلاثة أشهر أو ربما أكثر من ذلك، لا أدري."
"أنت أكيد مش ناوي تأجل عشان موضوع فريد صح؟ ملكش دعوة بيا ولا بيه."
"مش هينفع يا أنس.. قبل ما تتخانق معايا كده كده أنا مستني أفنان تخلص الترم ده وبعدها نعمل ال Engagement party (حفلة الخطبة) في الإجازة."
"تمام يا رحيم على راحتك."
مر شهر ونصف على ليلة العزاء تلك.. لم ترى أفنان رحيم سوى مرة واحدة في زيارة إلى منزلهم لم تستمر أكثر من ساعة ونصف حيث جاء بناءً على طلب والدها كي يأخذ 'الشبكة' ويبقيها في حوزته.. مازال أنس يحاول التعافي من تلك الليلة ومن الأحداث الصعبة التي مر بها.. بدأت حالة أروى في التحسن التدريجي وبدأت في جلسات العلاج الطبيعي كي تسترد قدرتها على التحرك مجددًا ومازال أنس لم يعلمها بوفاة والدهما أو خروج والدتها من مستشفى الأمراض النفسية والعقلية.
عاود رحيم الإختفاء النسبي خاصته مجددًا لكن أفنان لم تملك الرفاهية للشجار، فلقد كانت منشغلة في اختبارات الجامعة والتي حرص نوح على جعلها أكثر صعوبة بقدر الإمكان وفي الوقت ذاته كان حريصًا على أن يبتاع الكثير من الأشياء من أجل عش الزوجية الخاص به هو وميرال بالرغم من أنه قد اتفق مع والدها في السابق أن يقوموا بتجهيز المنزل على مهل إلا أنه بعد خبر ارتباط أفنان صار في موضوع المنافسة مع رحيم.
في صباح اليوم الأخير لإختبارات أفنان، استيقظت هي بحماس مفرط بالرغم من عدم حصولها على قسط من الراحة سوى لثلاثة ساعات ونصف تقريبًا.. فلقد قضت الليل بأكمله في المذاكرة.. لم يكن حماسها مقتصرًا على كونها ستُنهي اختباراتها اخيرًا بعد شهور من العذاب بل لأن رحيم كان سيقضي اليوم في منزلهم وسيتناولون الغداء سويًا.
في تمام الحادية عشر أنهت أفنان الإختبار واتجهت مباشرة إلى المنزل كي تساعد والدتها في تجهيز الغداء والتأكد من نظافة المنزل ولكن في طريقها استوقفها رسالة وصلت إلى هاتفها وكان محتواها كالتالي:
"هل تظنين حقًا أنه يحبك وأنه يخبرك بكل شيء؟ إذاً عليكِ أن تسأليه عن محادثتنا ليلة أمس."
رواية في حي الزمالك الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ايمان عادل
في تمام الحادية عشر أنهت أفنان الاختبار واتجهت مباشرة إلى المنزل كي تساعد والدتها في تجهيز الغداء والتأكد من نظافة المنزل، ولكن في طريقها استوقفها رسالة وصلت إلى هاتفها وكان محتواها كالتالي:
"هل تظنين حقًا أنه يحبك وأنه يخبرك بكل شيء؟ إذا عليك أن تسأليه عن محادثتنا ليلة أمس."
تعلقت عين أفنان بالهاتف لبضع ثوانٍ بينما يحاول عقلها استيعاب ما قد قرأته، رحيم قضى ليلته يتحدث إليها.. من تكون هي من الأساس وتشكل في مشاعر رحيم تجاهها؟
على الفور هاتفت أفنان رحيم لكنه لم يجيب، حاولت أفنان مهاتفته مجددًا لكنه لم يجب كذلك، في المحاولة الثالثة أجاب رحيم بصوت ناعس:
"أفي.. Good morning 'صباح الخير'."
"صباح النور."
"عارفة يا أفي، مفيش حاجة ألطف من أني أصحى من النوم على صوتك."
تفوه رحيم بكلمات معسولة وبنبرة تذيب الحجر، لكن توتر أفنان وغضبها من تلك الرسالة لم يجعلها تنتبه لما يقوله، لذا تجاهلت حديثه وسألته الأسئلة الآتية بشك:
"كل ده نوم؟ كنت سهران ولا إيه؟"
"يعني."
"يعني إيه يعني؟ يا آه يا لا." علقت أفنان على حديثه بحنق واضح، ليتعجب رحيم فمنذ بدء المحادثة لم يتفوه بحرف واحد قد يزعجها، لذا سألها بقلق:
"أفي أنتِ كويسة؟ صوتك مش مضبوط."
"مفيش.. أنا بس عايزة أعرف أنت نمت امبارح إمتى؟"
"بس كده؟ طيب يا ستي أنا نمت يعني nearly 3 AM 'ما يقرب من الثالثة صباحًا'."
"كنت بتخلص شغل ولا سهران مع أنس عادي؟"
"أنا مش فاهم سر الأسئلة الكتير دي.. عمومًا كان معايا مكالمة.. بنت كانت زميلتي في الجامعة، كانت بتسألني على حاجات ليها علاقة بال Master 'ماجيستير' هنا في مصر."
"آه وهي زميلتك وبس؟" كانت رائحة الغيرة تفوح من حديث أفنان، وقد أسعد ذلك رحيم، لكن في الوقت ذاته شعر بالتوتر يتخلل قلبه ليجيبها بتلعثم:
"لا.. قصدي حاليًا آه بس.. أنا مش فاهم حاجة، هو في إيه؟"
"ممكن تجاوب على أسئلتي من فضلك؟"
"طيب.. إيه رأيك نتقابل ونتكلم في الموضوع ده براحتنا؟"
"كلم بابا استأذنه، مع السلامة."
زفر رحيم بضيق وهو يعيد خصلات شعره نحو الخلف، لا يدري ما خطب أفنان، لكن يبدو أن هناك شيء ما يزعجها.. ولماذا قامت بفتح تحقيق معه بشأن سهره ليلة أمس، بل ومن أين علمت ذلك من الأساس؟ فلقد غفت باكرًا ليلة أمس من أجل الاستيقاظ في موعد الاختبار.
بعد عشرة دقائق تقريبًا هاتف رحيم والدها وظل يقنعه لمدة لا بأس بها أن يصطحب أفنان للجلوس في إحدى المقاهي العامة، وقد وافق والدها بعد أن وضع عدة شروط.
في الخامسة والنصف وبعد أن استيقظت أفنان من القيلولة أو الغيبوبة، فلا قيلولة تستمر لخمس ساعات، والتي حصلت عليها بعد عودتها من الجامعة.
بدلت ثيابها سريعًا إلى ثياب أنيقة، فبالرغم من غضبها إلا أنها أرادت أن تبدو بمظهر مرتب يليق بزوجها المستقبلي.
"أفنان أنتِ جهزتي؟"
"آه يا حبيبي خلاص هنزل أهو."
"طب تعالي أتكلم معاكي شوية."
"حاضر."
"أنا مش هطول عليكي عشان متتأخريش على رحيم، بصي يا حبيبة بابا أنا عايز بس أنبهك لحاجة صغيرة، أنتي ورحيم مخطوبين أو في حكم المخطوبين آه بس مش متجوزين."
تفوه والدها لتنظر نحوه أفنان بتعابير وجه خالية، قبل أن تطالع والدها في بلاهة وهي تردف:
"أيوه أنا ما أنا عارفة أكيد.. لا ثواني أنا مش فاهمة حاجة."
"يعني مينفعش مثلًا مثلًا أنه يمسك إيدك ولا يمشي قريب منك ولا الهبل اللي بيتعمل ده!" كان نبرة والدها تحوي في طياتها الغيرة والاستياء فقط من التفكير فيما يقوله، ضحكت أفنان ضحكة صغيرة قبل أن تقول بجدية:
"لا طبعًا يا بابا هو لو فكر يعمل كده هكسرله إيده عامة."
"وكمان ميصحش تسهروا تتكلموا لوقت متأخر ولا تعملولي فيها حليم وشادية، أظن أنتي فهماني، كل سنة ولا سنة ونص وتتجوزوا إن شاء الله ابقوا حبوا في بعض براحتكوا."
"تحت أمرك يا حبيبي.. حاجة تاني؟"
"لا سلامتك، آه أنا هعدي عليكي بالعربية أروحك."
"تمام."
في تمام السادسة والنصف كانت السيارة تنتظرها أسفل المنزل كي تصطحبها إلى المطعم حيث ينتظرها رحيم الذي أوشك دوامه على أن ينتهي، وصلت أفنان إلى المكان في خلال ساعة تقريبًا، كان مطعم فاخرًا كالمعتاد، جاء رحيم وعلى وجهه ابتسامة مشرقة حينما رأى أفنان، في حين أنها قابلته بوجه متجهم، عقد حاجبيه وهو يردف:
"مساء الخير أفي، Why are you looking so mad 'لماذا أنتِ غاضبة لهذه الدرجة'؟"
"مين البنت اللي كنت بتكلمها إمبارح؟ اسمها إيه؟ وتعرفها منين؟ وليه كلمتها أصلًا.. وليه هي بعتتلي Message 'رسالة' زي دي؟" سألته أفنان عدة أسئلة متتالية دون أن تترك ولو ثوانٍ بين السؤال والذي يليه.
"لحظة لحظة.. First of all calm down 'قبل كل شيء.. اهدأي'، وبعدين ثواني.. Message 'رسالة' إيه؟"
حاول رحيم تهدئتها، لكن في المقابل أخذت أفنان تحرك قدمها بحركات متتالية دلالة على التوتر، أخذت نفسًا عميق قبل أن تردف:
"جاوب على أسئلتي أنا الأول."
"حاضر، أنا مش هتضايق من أسلوبك الهجومي اللي بتتكلمي بيه عشان أنا مقدر أنك غيرانة، ولكن من فضلك افتكري إن لما أنس جه قالي أنه شافك قاعدة مع نوح أنا متعصبتش وجيت كلمتك بهدوء."
"أولًا أنا مش غيرانة أساسًا أنا بس بسأل.. ثانيًا بقى أنت وقتها مكنتش خطيبي ومكنش في علاقة تجمعنا فمكنش من حقك تغير."
"مش مضبوط، الكلام ده كله مش مضبوط.. أنتِ غيرانة، It's so obvious 'إن الأمر واضح للغاية' أصلًا، وبعدين أحنا آه مكناش مرتبطين بس I had feelings for you at the time 'لكنني كنت أكن المشاعر تجاهكِ في ذلك الوقت'."
"بقولك إيه متاخدنيش في دوكة وفهمني كل حاجة من طقطق لسلامو عليكوا." قالت أفنان بغيظ شديد، لينظر نحوها رحيم بثغر مفتوح وقد ضيق عيناه تعبيرًا عن عدم فهمه لكل ما قالته تقريبًا، عدى أن يفهمها كل شيء.
"طيب البنت اللي كنت بكلمها اسمها ناتالي، وناتالي دي كانت زميلتي في الجامعة.. هي اتصلت بيا امبارح زي ما قولتلك عشان بتسألني على إجراءات تحضير ال Master 'رسالة الماجستير' في مصر، اللي أنا مش فاهمة بقى أنتِ عرفتي منين؟ كلمتيني ولاقيتيني مشغول؟ بس مش منطق لأنك المفروض نمتي من بدري."
"ثواني ثواني.. أنا حاسه أنك قاطع حتة كده في النص.. قولي علاقتك بيها إيه تاني كده؟ ومن غير كدب وتحوير."
"حاضر.. طيب من غير عصبية ولا خناق.. She is my ex girlfriend 'إنها خليلتي/حبيبتي السابقة'."
"كنت مصاحبها!! سهران تتكلم مع واحدة كنت مصاحبها يا رحيم! لا لحظة واحدة كده عشان لو اللي في بالي طلع صح هيبقى سواد عليك.. هي دي اللي كنت حاضنها في الصورة؟!!"
صاحت أفنان بإنفعال شديد وهي تشعر بالنيران تحرق قلبها، لم تدرك أفنان أين هي وبرفقة من، كل ما تعرفه هو أنها غاضبة وبشدة، رمقها رحيم بحدة نسبيًا وهو يردف بحنق:
"أفنان! وطي صوتك أحنا في مكان عام! You can't talk to me in that tone 'لا يمكنك التحدث إلي بهذه النبرة'!"
"ماشي أنا آسفة، فهمني بقى." اعتذرت أفنان على الفور عن غير اقتناع وهي تعقد كلتا يديها أمام صدرها، ليتنهد رحيم وهو يسألها:
"افهمك إيه؟ I told you everything, and now it's your turn 'لقد أخبرتك بكل شيء والآن حان دورك'."
"في رسالة اتبعتتلي امبارح بليل.. بس أنا شوفتها وقت لما كلمتك، اتقالي فيها أنك كنت سهران تحب في التليفون مع واحدة وأنك مش بتحبني." تمتمت أفنان بنبرة هادئة عكس التي كانت تتحدث بها قبل قليل، وقد بدا أنها قد تأثرت كثيرًا بما كتب في تلك الرسالة، زفر رحيم في ضيق قبل أن يردف بجدية:
"وريني ال Message من فضلك، عايز أشوف الرقم كمان."
"تعرف الرقم؟"
"لا، اللي باعت ال Message مش ساذج للدرجة، بس أنا هعرف ده رقم مين.. عالعموم متشغليش بالك باللي اتكتب، ده كله مش صح."
"مشغلش بالي إزاي يعني؟"
"أفي، حبيبي.. This is staged 'هذا مرتب'، الأمر واضح جدًا، حد عايز يوقع بينا."
حد عارف أني كنت بكلم ناتالي امبارح.. حد عارف أني غالبًا مش هحكيلك عنها.. حد زي ناتالي نفسها أو..
"أو مين؟" استفسرت أفنان وقد عقدت حاجبيها ليزفر رحيم بضيق شديد قبل أن يهمس:
"مامي.."
"أمك؟ وهي هتعوز توقع بينا ليه؟ هي مش موافقة عالجوازة صح؟ أنا قلبي اتقبض برضه من وقت ما عرفت أنها عايشة.." عادت أفنان لإنفعالها وقول كلمات غير مناسبة تمامًا. اضطربت معالم رحيم مجددًا وهو يردف مستنكرًا:
"أفندم؟"
"قصدي يعني أنك لما جيت مع باباك وأنس بس افتكرت أنها بعد الشر يعني متوفية لكن لما عرفت أنها عايشة ومجتش قلقت."
"هي كانت مسافرة أصلًا وقتها."
"وهو ده السبب يعني؟ مش أنها مش موافقة مثلًا؟" سألت أفنان بغتة ليحمحم رحيم وهو يتحرك في مقعده بعدم راحة، يتحاشى النظر إلى عينيها فهو لن يقاوم رغبته في الإفصاح عن كل ما يدور في خاطره إن قام بعمل تواصل بصري معها.
"بص في عيني ورد عليا يا رحيم من فضلك."
"أفي أنتِ عايزة تضايقي نفسك وخلاص؟" سألها رحيم بضيق لتجاوب على سؤاله بسؤال كذلك:
"أنت ليه مش صريح معايا؟"
"أنا صريح، الفكرة إن مش طول الوقت ينفع أحكيلك كل حاجة.. أوقات بتبقى حاجات متهمكيش أصلًا."
"متهمنيش ازاي يعني؟ وبعدين من المفترض أننا هنتجوز يعني هنبقى واحد.. يبقى تخبي عليا ليه؟"
"لا يا أفي مش هنبقى واحد، هنفضل اتنين عادي.. كل واحد هيفضل ليه شخصيته وأسراره وحاجات خاصة مش بيشاركها مع حد."
"أنا أول مرة أعرف إن الجدال معاك مُرهق أوي بالشكل ده." تحدثت أفنان بنبرة جادة وهي تزفر بضيق وكانت تنتظر أن يرد رحيم فعلًا على ما قالته لكنه بدلًا من ذلك ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يُخرج قلم من جيب معطفه و"نوتة" صغيرة ليدون فيها أرقام ما، وما إن نظرت أفنان طويلًا حتى أدركت أنها ليست مجرد أرقام بل تاريخ.
"هو أنت سايبني أهاتي مع نفسي وبتكتب إيه؟"
"تاريخ النهاردة.. أول خناقة أو argument (جدال) يعني من أول ما ارتبطنا." تمتم رحيم مع ابتسامة جانبية جذابة كاشفًا عن أسنانه لتشرد أفنان في وجهه الذي كان شبيه باللوحات الزيتية فائقة الجمال.
"رحيم أنت.. أنت بتلخبطني.." نبست أفنان بصدق وبدون تفكير، فرحيم دائمًا ما يجعلها مشتتة، لُطفه المبالغ فيه حتى أثناء تلك المواقف السيئة بينهم تجعلها تذوب في حُبه أكثر وأكثر.
قاطع شرودها في التفكير في الجالس أمامها صوت رنين هاتفه، على الفور انتفضت أفنان وهي تحاول اختلاس النظر نحو المتصل، حرك رحيم رأسه مرتين يمينًا ويسارًا بإستياء وهو يقلب الهاتف تجاهها لكي يسمح لها برؤية المتصل والذي استشفت أفنان أنه كان أنس فما كان رحيم ليطلق اسم "My little bro" (أخي الأصغر) على شخصًا آخر غير أنس.
"ألو.. اه أنا مع أفي، ده صوت أروى؟ سلم عليها وقولها أني هاجي أطمن عليها لما أخلص مع أفي.. تمام مع السلامة."
"نهارك أبيض! بتتغزل في بنت تانية عيني عينك؟! يا بجحتك يا رحيم.. يا نيلة بختك يا أفنان!!" بنبرة درامية ثرثرت أفنان بهذه الترهات وما كان على رحيم فعل شيء سوى أنه قام بحشر قطعة من الخبز في فم أفنان لكي تصمت لبعض الوقت.
"بس بقى شوية!! دي أخت أنس، ضحكة إحنا متربين سوا وهي تعبانة شوية وأنا هروح المستشفى أزورها!"
"إيه ده بجد؟ ألف سلامة عليها.. أنا آسفة مكنتش أعرف.."
"حصل خير يا أفي حصل خير.."
بالإنتقال إلى مكان آخر.. داخل حجرة كبيرة ومُتطورة داخل إحدى كُبرى المستشفيات في مصر يجلس أنس على الأريكة في انتظار استيقاظ شقيقته من قيلولتها وفي الوقت ذاته كان أنس يعبث في الأوراق التي أمامه، كان يُحاول رسم تلك الملامح التي يتذكرها والتي قفزت إلى عقله بصورة لا إرادية.. حينما أدرك أنس لمن تنتمي تلك الملامح قام بتشويه الرسمة بصورة عشوائية بواسطة القلم، فلا يجب عليه الإنخراط وراء تلك المشاعر الهوجاء.. أجل لقد كان الأمر برمته رومانسيًا.. مقابلتهم بالقرب من النيل، ومن ثم إنقاذها له في المنزل أو بالآحرى سقوطه بين أحضانها..
أليس ذلك المشهد غاية في الرومانسية بل ويليق بأفلام السبعينيات؟ بالطبع مع فارق أن البطل هو الذي من المفترض أن يحمل البطلة وليس العكس ولكن على أي حال لقد أفسد كل ذلك خاتم الزواج الذهبي الأحمق الذي ترتديه حول إصباعها ويا تُرى لمن يعود ذلك الخاتم..
مهلًا.. لقد تذكر أنس لمن ينتمي وكاد أن يُفرغ ما في معدته من شدة التقزز.. نوح؟ هذا الملاك اللطيف ينوي الزواج من كتلة اللزاجة تلك؟
هو لا ينكر أن نوح إنسان ناجح على المستوى العملي لكنه يملك شخصية من أسوء الشخصيات التي قابلها أنس في حياته يومًا، وهو واثق أنه سيء جدًا في التعامل مع النساء وبشكل خاص فتاة كميرال.
"أنس.. أنت.. كويس؟"
"اه يا حبيبتي.. صباح الفل، معلش مخدتش بالي أنك صحيتي." قال أنس بعد أن فاق من شروده وقد رسم ابتسم بلطف ليتُبادله أروى الإبتسام وهي تُردف:
"ولا.. يهمك، شكلك مشغول."
"لا.. يعني، في كام حاجة كده ساحلة دماغي."
"بتحب؟" سألت أروى لتضطرب معالم أنس وهو يضحك ضحكة بلهاء مُستنكرًا ما قالته بينما يُردف بتلعثم:
"لا لا طبعًا، أحب إيه بس؟ هو أنا بتاع الكلام ده برضه؟" ساد الصمت لثانية بعد تلك الجملة قبل أن يُضيف أنس:
"بصراحة أنا واقع جامد." ضحكات لطيفة مُنهكة صدرت من أروى وهي تُغلق عيناها ببعض الألم كردة فعل على جملة أنس، فلقد كانت تعلم أنه يكذب وكانت تنوي مصارحته بذلك لكنه عدل جملته من تلقاء نفسه دون أي جهد منها.
شرد أنس لثوانٍ في ضحكة شقيقته الرنانة التي أدخلت الدفء على قلبه بعد ليالي الزمهرير الطويلة، ابتسامة ملائكية زينت ثغرها وبالرغم من إمارات التعب والمرض التي ماتزال بادية عليها بنسبة إلا أنه كان يراها أجمل فتاة في هذا الكون بأكمله.
"احكيلي.. كل حاجة."
"مفيش حاجة تتحكي، ولا أقولك.. أنا بحب بنت، أجمل بنت في الدنيا.. رقيقة وعينيها عسلي كده وشعرها طويل.. واسمها أروى." تمتم أنس بلطف وهو يضحك لتبتسم أروى وهي تحاول أن تضربه بخفة لكن لا تقوى على ذلك، تنظر نحوه ببعض الغيظ وهي تتمتم:
"أنا بتكلم بجد."
"بعدين بعدين هبقى أحكيلك."
"أنس.. هو.. مامي.. ليه مجتش تشوفني؟ ولا بابي كمان.." سألت أروى بغتة ولا يدري أنس لما خطر ذلك السؤال على رأسها؟ أو ربما لأنه من الطبيعي أن يكون الوالدين إلى جانب ابنتهما في ظروفها كتلك.. هذا بالطبع إن كان الأم والأب أشخاص طبيعية سوية.. وكيف يكون والدهما شخصًا سوي وهو من تسبب في ذلك من الأساس؟
لا يدري أنس مقدار ما تتذكره أروى عن يوم الحادث المؤسف.. ولا يدري كيف سيخبرها بأمر رحيل والدهما عن الحياة؟ فمهما طال إخفاء الأمر سيصلها الخبر يومًا ما.. حتى أن هناك بعض الإجراءات الخاصة بالميراث ونقل الملكية مُعطلة لعدم قدرة أروى على الحضور وإنهاء الإجراءات بنفسها، فحالتها النفسية والجسدية لا تؤهلها لذلك.
"طب ثواني وجايلك، نبقى نشوف الموضوع ده." غادر الحجرة وذهب للقاء الطبيب وبعض من أفراد الطاقم الطبي المسئول عنها قبل أن يعود وهو يُردف:
"حبيبي اجهزي بقى عشان هنبدأ تدريبات المشي تاني." أمتعضت تعابير وجهها قليلًا، فإن تلك التدريبات مؤلمة كثيرًا وبحاجة إلى الكثير من الجهد لكن وجود شقيقها إلى جانبها يساعدها على تحمل الألم بل ويقوم بتحميسها على المضي قدمًا.
بعد مرور ساعتين تقريبًا جاء رحيم ليقضي بعض الوقت برفقتهم في المستشفى، وفي أثناء رحيلهم تمتم رحيم:
"ما شاء الله أروى اتحسنت."
"اه الحمدلله، بس لسه المشوار طويل يعني.."
"متقلقش كل حاجة بتعدي.."
"علينا، بتعدي علينا حرفيًا، مالك شكلك متضايق."
"لا مفيش، مرهق بس." تمتم رحيم وهو يُخرج علبة السجائر من أحدى جيوبه ويقوم بإشعال واحده ليرمقه أنس بسخرية وهو يُردف:
"الله! ما أنت بتشرب سجاير أهو، أومال لما كنت بسأل قبل كده كنت بتعملي حوار ليه؟"
"مش وقته سخافة."
"هات دي كده.. أنت بتشربها وأنت مضغوط أو متوتر، قولي أيه اللي حصل أسهل." قال أنس وهو يجذب لفافة التبغ من يد رحيم ويُدخنها هو بدلًا منه.
"أنا جعان، تعالى نرجع عالبيت عندك ونطلب حاجة ناكلها." اقترح رحيم ووافق أنس على الفور واتجه كلاهما إلى منزل أنس الذي انتهى من توضيبه حديثًا بعدما حدث في السابق بسبب والده.
فور ذهابهم إلى المنزل، جلس رحيم في هدوء شديد بينما يسترجع أحداث اليوم وبما فيها شجاره مع أفنان أثناء تناولهم وجبة الغداء، وبالرغم من أن الحديث لم يشتد بينهم لمدة طويلة إلا أنه أدرك أنه ربما يوجد بعض الجوانب من شخصية أفنان التي لم يراها من قبل وكذلك الوضع نفسه عنده..
هو قد اعتاد على أفنان المنفعلة المتسرعة ولكن الوضع قد اختلف قليلًا الآن كما أنه لم يراها مستاءة إلى تلك الدرجة، الدرجة التي لا تجعلها تنتبه إلى من تتحدث وأين.
فهو لم يعد شخصًا غريبًا عنها يمكنها توبيخه طوال الوقت دون وعي منها. هو أصبح شريك حياتها بشكل أو بآخر. كذلك، لقد أخطأ حين أجاب على مكالمة ناتالي، فهي لم يعد لها وجود في حياته. لكنه لم تكن في نيته أي شيء سيء، هو فقط يعتبرها مجرد مرحلة عابرة وصديقة قديمة ربما.
وبلا شك، هو مخطئ في إخفاء بعض الأمور عنها، لكنه اعتاد على أن إخفاء بعض الأمور قد يكون مفيدًا في معظم الحالات. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لأفنان، لذا من الواجب عليه أن يغير تلك الخصلة.
بعد تفكير عميق، توصل رحيم إلى أنه بالرغم من الخلاف الذي حدث اليوم والذي في الغالب قد يتكرر مجددًا، فهو لا مشكلة عنده في محاولة الوصول إلى وجهة نظر مشتركة أو على الأقل إلى نقطة التقاء بدلًا من قضاء الوقت في الشعور بالاستياء والشجار. فهو يحب أفنان وعلى استعداد للتضحية بكل شيء يملك من أجلها، وهو يأمل أن تفعل المثل. فقد تعب من تقديم الكثير من المشاعر، الاهتمام، التضحية، والحب للجميع، ومن ثم يحصل على لا شيء في المقابل.
"إيه يا اسطا يا ابني أنت.. فقدت النطق ولا إيه؟" سأل أنس رحيم وهو يلوح بيده أمام وجهه. فلقد كان يتحدث إلى رحيم منذ دقيقتين تقريبًا، ولكن الآخر كان شاردًا تمامًا، حتى أنه لم يجب على عبارة أنس، بل سأله سؤالًا لا علاقة له بما كان يقوله أنس.
"أنس.. أنت شايف الاختلاف في العلاقة حاجة حلوة ولا وحشة؟"
"إيه السؤال المريب ده! فوق يا اسطا أنت قاعد معايا مش مع أسامة منير." سخر أنس من رحيم ليقذفه الأخير بزجاجة مياه بلاستيكية وهو يصيح بغيظ:
"تصدق أنا غلطان! غور يلا."
"بص بص بتيجي عليا ازاي أكمني يتيم وأمي في مستشفى المجانين وأختي عيانة." تفوه أنس بنبرة درامية وهو يعيد خصلات شعره نحو الخلف. لينظر نحوه رحيم بازدراء وهو يعلق ساخرًا:
"إيه ده إيه ده في إيه! أنت هتشحت عليا يا ابني!"
"بص بصراحة أنا الأول كنت شايف الاختلاف حاجة وحشة، ومن غير ذكاء يعني أنت بتسأل عشانك أنت وأفنان. أنا في الأول كنت شايف أنك تاخد واحدة شبهك.. شبهنا. وبعدين أدركت إن التماثل شيء ممل، حتى ولو كان مبهر في الأول أننا شبه بعض، لكن في الواقع إن الاختلافات دي عاملة زي البهارات كده للعلاقة، بتخلي دايمًا في تجديد ومغامرة وخناق.. حتى الخناق أوقات بيكون ليه متعة مختلفة."
"ولو فرضًا إن كلامك صح، مش هاجي برضوا بعد فترة وهزهق من الاختلافات اللي بينا وأحس أني مرهق."
"بص هي العلاقات كلها تزهق وتقرف والواحد أصلًا مستحمل نفسه بالعافية، بس عمومًا يعني اللي أقصده إن يبقى اختلاف في بعض الحاجات مش اختلاف جذري وتام في كل حاجة يخليكوا بتتخانقوا كل 3 ثواني.. قولي بقى اتخانقتوا ليه؟"
"في الواقع What Happens between me and Afnan stays between me and Afnan."
قال رحيم بجدية مع ابتسامة صغيرة. ليُبادله أنس الابتسام وهو يردف:
"عجبتني، بس خليني أتوقع برضوا.. حاجة ليها علاقة بالنس.."
"بالبنات يا أنس! اسمها بالبنات يا حبيبي." قاطع رحيم أنس وهو يستخدم مصطلحًا أرقى بكثير مما كان أنس على وشك أن يستخدمه.
"تاء مربوطة، حاجة ليها علاقة بتاء مربوطة."
"هو آه بس مش دي بس المشكلة، المشكلة أنها نوعًا ما عرفت أن مامي مكنتش موافقة عليها.. الموضوع كله ملغبط أنا مش فاهم حاجة.. أنا محتاج أكلم ناتالي."
"نعم يا أخويا! بقى بعد ما قريت الفاتحة وجايب شبكة ب almost ٨٠ ألف جنيه تقولي هتكلم ناتالي!"
"أنت مش فاهم حاجة يا بني آدم أنت، هعمل مكالمة وهاجي أشرحلك كل حاجة."
"ها فاهمني بقى."
"طيب ببساطة كده، ناتالي عرفت بطريقة ما أني هخطب أفنان وقررت تيجي تكلمني بأي حجة.. لما قفلت المكالمة معايا اتصلت بمامي تقولها أن هي ازاي مصدومة أني تخطيتها تمامًا وأني بحب واحدة غيرها. مامي اتفقت معاها أنها تبعت مسدج لأفنان تقول فيها بقى أني مش بحبها وأني سهران أحب في واحدة في التليفون."
"دماغ شيطاني بصحيح!"
"أنا تعبت من الدراما بصراحة، عايز ارتاح شوية."
"لا انشف كده أحنا لسه في أول السكة وأنت كنت عارف أن ده هيحصل من الأول."
"الجملة اللي أنت بتقولها دي هي آخر حاجة أنا محتاج اسمعها دلوقتي. صحيح.. أنت هتقول لأروى أمتى على كل حاجة؟ أنت مأجل الموضوع بقالك كتير وهي من حقها تعرف وعشان كمان تشوفوا الدنيا هتمشي ازاي."
"حاضر.."
يومين بس..
في صباح اليوم التالي، اتصل والد رحيم به وطلب منه الحضور على الغداء في المنزل برفقة والدته. ابتلع رحيم الغصة التي في حلقه ووافق، تجنبًا لحدوث أي جدال.
وفي مساء ذلك اليوم، وصل رحيم إلى المنزل في الموعد المحدد. كانت طاولة الطعام قد جُهزت بالفعل ووالديه جالسين بانتظاره.
"مساء الخير."
"أنت في الموعد الصحيح." أردفت والدته بنبرة هادئة.
ليقترب منها رحيم ليُقبّل يديها، ومن ثم يذهب لتقبيل رأس والده قبل أن يذهب للجلوس في مقعده، بينما يُعلق والده بابتسامة واسعة:
"رحيم متربي على الالتزام من صغره."
"الالتزام بالمواعيد وخرق القوانين التانية."
"في مقولة كده قرأتها حلوة أوي بتقول 'القوانين خُلقت لتُخترق'."
قال رحيم بنبرة واثقة ليقهقه والده، بينما تتـ ـطـ ـالعه والدته بغيظ شديد. ساد الصمت لبرهة من الوقت، فيما عدا صوت الملاعق والسكاكين، قبل أن تُقرر والدة رحيم أن تكسر حواجز الصمت وتباغته بطلبها الغير متوقع:
"رحيم، أنا عايزة أقابل خطيبتك وعائلتها. مش معقول أكون بقالي شهر ونص في مصر ومقابلتهمش لسه."
"مامي لو..."
"متقلقش، أنا بس عايزة أشوفهم ونحدد ميعاد الـ Engagement party، مش كده يا حامد؟"
"تمام، هشوفهم فاضيين أمتى ونروح نزورهم أو نتفق على مكان برا."
"هنا، عايزاهم يزورونا هنا، it will be more comfortable than the restaurant."
"مامي أنا فاهم حضرتك بتحاولي تعملي أيه كويس، عالعموم أنا معنديش مشكلة ابدًا وحضرتك لازم تكوني واثقة أني هتجوز أفنان بأي حال من الأحوال إن شاء الله فأي محاولات هتبقى useless."
"تفتكر."
"لو حضرتك مش مقتنعة اسألي ناتالي كده."
تعمد رحيم إلقاء تلك العبارة في وسط جدالهم لكي يُرسل إلى والدته رسالة غير مباشرة بأنه علم بأمر ناتالي. تبدلت معالم وجه والدته على الفور قبل أن تُحمحم وهي تستقيم من مقعدها، بينما تنبس بالآتي:
"يوم الجمعة مناسب. Tell them that we will be waiting for them."
"أيه موضوع ناتالي ده؟ مش كانت سيرة البنت دي اتقفلت خالص؟"
"إيڤيلين هانم كان ليها رأي تاني يا حامد بيه، ولكن مش مشكلة أنا حليت الموضوع."
بالعودة إلى منزل أفنان، جلست الأسرة كلها تتناول الطعام برفقة نوح وأسرته. كانت تتخلل الثرثرة تناولهم للطعام مع بعض الضحكات العابرة، بينما جلست أفنان شاردة تفكر في رحيم وما حدث. لقد كان واضحًا الإستياء والتيه على معالم وجهها.
"أيه يا أفنان هو النكد بدأ من دلوقتي؟ ده أنتوا لسه بدري عليكوا." سألها نوح متعمدًا إثارة غيظها، ليمتعض وجهها وهي تُعلق مستنكرة:
"أعوذ بالله نكد أيه؟ أنا دماغي مشغولة باللي هببته في الإمتحانات."
"لا يا شيخة، هحاول أصدقك."
"إن شاء الله عنك ما صدقت!" همست أفنان من بين أسنانها وهي تُحرك قدمها بعشوائية نحو الأعلى والأسفل.
وضعت ميرال يدها على ركبة أفنان وهي تُردف:
"حرام عليكي اتوترت!!"
كادت أفنان أن تتشاجر هي وشقيقتها، لكن قاطع ما يحدث صوت رنين هاتف والدها، والذي بالمصادفة كان إلى جانبه.
"مين يا أحمد؟"
"ده حامد، والد رحيم."
"خير إن شاء الله، أنتي عارفة بيتصل ليه؟"
"لا مش عارفة رحيم مجابش سيرة لحاجة."
قالت أفنان بتوتر، لينظر نحوها نوح بإبتسامة ساخرة. مرت دقيقتين تقريبًا قبل أن يعود والدها ويجلس إلى مقعده، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامته الدافئة المعتادة، وهو يُعلن الآتي:
"مفيش حاجة أنتوا قلقانين كده ليه؟ ده والدة رحيم رجعت من السفر وهما عازمينا عالغداء عندهم في البيت يوم الجمعة إن شاء الله."
"عازمينا؟ في بيتهم؟!"
"اه فين المشكلة؟ مش ماما وبابا عزموهم مرتين تقريبًا عالعشاء الدور عليهم بقى." تمتمت ميرال بسهولة.
لم يُدرك أحدهم ما تُدركه أفنان، وقد تعجب الجميع من تعبيرات وجهها، والذي هربت منه الدماء فور سماعها لجملة والدها. فلا أحد منه يعلم أن والدته ترفض هذه الزيجة.
"العروسة شكلها مش مبسوطة.."
"ها؟ بتكلمني يا نوح؟"
"اه بكلمك، مش لسه بدري عالتوهان ده ولا أيه؟"
"يا نوح قولتلك مية مرة شوفلك دكتور تجميل."
"وده ليه إن شاء الله؟"
"عشان مناخيرك دي اللي كل شوية ألاقيها في حياتي، حطها في وشك بقى."
تجهم وجه الجميع، وقد كان الإحراج واضحًا على معالم نوح. حمحمت والدته وحاولت تلطيف الأجواء والتطرق إلى موضوع آخر، لذا وجهت حديثها لوالد أفنان وهي تسأله:
"طيب يا أحمد هنجيب الأجهزة أمتى؟"
"أيه وجه الإستعجال مش أحنا اتفقنا على سنتين؟"
"أصل نوح بيشطب حاجات في الشقة وممكن بعدها نبدأ نجيب الحاجة.. أنت عارف التجار بيغلوا جامد."
"اه أنا عارف، بس أنتي عارفة أن خطوبة أفنان هتبقى قريب وهتحتاج مصريف."
"اه في دي عندك حق، بس يعني أحنا ممكن نجيب حاجة حاجة على مهلنا يعني بس نبدأ."
"بس يا عمو أنا عايز نقلل المدة تبقى سنة ونص بدل سنتين.. ولو في أي حاجة أنا عندي استعداد أشيل عن حضرتك المهم أن أنا وميرال نبقى في بيت واحد."
"بعد إذن الحب، أنت يا نوح هتجيب منين؟ أنت أصلًا وراك هم كبير.. متستعجلش وتدبس نفسك في حاجة أنت مش قدها."
علقت أفنان ساخرة. لقد كان حديثها منطقيًا، لكن أسلوبها لم يكن الأفضل، فلقد كان في حديثها سخرية واضحة من نوح، والذي انتهز الفرصة لجلب رحيم إلى الحديث مجددًا وهو يُعلق:
"طبعًا ما أنتي خطيبك يقدر يشتري اللي هو عايزه من بكرة الصبح."
"أعوذ بالله! أنت شاغل نفسك بخطيبي ليه؟ وبعدين رحيم مش حرامي واللي هيشتريه هيفرق معاه برضوا لأن زي ما أنت بتجيب أغلى وأحسن حاجة على حسب مرتبك هو هيعمل نفس الكلام فبرضوا هيتكلف جامد."
"صحيح يا رانيا أحنا مشوفناش الشبكة قبل ما ياخدها."
"البت أفنان معاها صورة، هو عمتًا جايب دبلة وخاتم."
"بس؟ مش بتقولوا أنه مرتاح؟" سألت خالة أفنان بتعجب، وكادت أفنان أن تُجيبها لولا أن سبقتها مريم وهي تقول:
"لا يا ماما ما أنا قولتلك ده خاتم ألماظ."
"اه صحيح بسم الله ما شاء الله."
مرت الأيام سريعة بالنسبة لأفنان، وكلما اقترب وقت المقابلة كلما شعرت أفنان بإنقباضه في قلبها وألم في معدتها. وتقريبًا المرة الأخيرة التي شعرت فيها بالشعور ذاته كان وقت اختبارات الثانوية العامة، وربما وقت اختبار نهاية التدريب.
جاء اليوم الموعود. ارتدى الجميع أفضل ثيابهم وكانوا يشعرون ببعض الحماس، لكن أفنان.. كانت تشعر بأن قلبها على وشك مغادرة صدرها. كان من الواضح أن ذلك المكان الذي يقطن به رحيم هو مخصص للطبقة المخملية، وأن كل شيء سيكون باهظ الثمن لدرجة لا تصدق. الأجواء كلها ستكون مُـ ـغـ ـلفة بالتوتر.
لم تكن أفنان من النوعية التي تهتم بالمظاهر والأموال، ولكن بداخلها كانت واثقة أن والدته قد أصرت على ذهابهم لزيارة منزلهم كي تقوم بإيصال رسالة إلى أفنان بكم هي ضئيلة وعديمة القيمة هي وأسرتها مقارنة برحيم وعائلته.
كانت السيارة التي أرسلها رحيم من أجلهم تسير داخل شوارع فخمة لم تزورها أفنان من قبل في حي الزمالك. كانت القصور و 'الڤلل' تنتشر في المكان ومن حولها مئات الأشجار والمساحات الخضراء، وأخيرًا توقفت السيارة أمام.. قصر! رحيم يسكن في قصر!
"هولي شييت!!" تمتم أفنان وهي تصفع نفسها داخليًا، بينما اقتربت منها ميرال لتهمس لها:
"هو خطيبك ساكن في القصر بتاع كرتون سندريلا ليه؟"
"إن شاء الله ده مكان غلط وهو مش ساكن هنا ولا حاجة.."
"لا هو، رحيم واقف عالباب أهو، ولابس بدلة هو أحنا هنتعشى في قاعة مؤتمرات ولا أيه؟" سألت ميرال ساخرة، لتقهقه أفنان بصوت منخفض، بينما تُجيبها:
"هو ده لبس الأغنياء."
"وطوا صوتكوا وبطلوا فضايح ها!" حذرت والدة أفنان ابنتيها، لتنظر أفنان نحوها وتُشير إلى أنها ستغلق فمه.
"أحنا هندخل بعلبة الحلويات دي؟"
"مالها إن شاء الله أنتي عارفة مدفوع فيها كام دي؟ دي أغلى علبة حلويات اشتريناها في حياتنا أساسًا، على الله يطمر." قالت أفنان بنبرة هجومية، لتضربها ميرال بخفة وهي تسألها بإعتراض:
"يا بنتي هو أنتي داخلة حرب؟ أنتي رايحة تقابلي أهل خطيبك."
"أنتي مش فاهمة حاجة.."
"هي حرب فعلًا."
توقفت السيارة أخيرًا بعد أن قطعت مسافة لا بأس بها داخل الممر المؤدي إلى المنزل، والذي انتشرت أنواع الأشجار والورود المختلفة من حوله.
"تصدقي أنا عرفت رحيم ساكن فين.. حديقة الأزهر."
"أيه يا بت الخفة دي؟"
"اتفضلوا.. نورتوا المكان.. أهلًا بحضرتك يا Uncle أهلًا بحضرتك يا Auntie."
"مفيش أهلًا يا أفنان؟"
"كنت لسه هرحب بيكي أنتي وميرال والله.. اتفضلوا."
"أهلًا أهلًا أستاذ أحمد، المكان نور.. اتفضلوا."
"دادة خدي منهم الحاجة وشوفي يشربوا أيه."
جاءت المربية خاصة رحيم ونفذت ما طُلب منها. ذهبوا جميعهم ليجلسوا في ‘الصالون‘. كان المكان غاية في الأناقة ولو أنه اتخذ طابع عتيق قليلًا، وكأن المكان أشبه بمتحف أوروبي. كانت الأرائك والمقاعد باللون الذهبي بالإضافة إلى نقوش رقيقة على القماش. جلست أفنان على إحدى المقاعد بينما جلس والديها وميرال على الأريكة. جلس رحيم ووالده أمامهم، ولكن لم يكن هناك وجود لوالدته.
"إيڤيلين نازلة حالًا." أردف والد رحيم ببعض الرسمية لترتسم ابتسامة جانبية على فم أفنان. فما توقعته كان صحيحًا تمامًا، والدته لن تستقبلهم مباشرة، فهي ستنتظر لبعض الوقت لتقوم بدخول سينمائي درامي. مرت بضع دقائق من الترحيبات والعبارات المبتذلة قبل أن يتخلل أذنهم صوت كعب حذاء أنثوي ورائحة عطر أنثوية اختلطت مع خاصة رحيم ووالده.
رفعت أفنان عيناها جهة الباب الذي اقتحمته امرأة في بداية عقدها الخامس. شقراء ترتدي ثوبًا باللون الأحمر القاتم كشف جزء بسيط من ساقيها الرشيقتين. بغرور تام وبخطوات واثقة اقتربت لتمُد يدها وتسلم على والدة أفنان وشقيقتها. أما عن والد أفنان فقد وضع يده أمام صدره باحترام شديد ليعلمها بأنه لا يسلم. في النهاية رفعت عيناها التي تشبه خاصة رحيم لتمنح أفنان ابتسامة غير مريحة بتاتًا قبل أن تقترب من أفنان لتضمها في عناق جاف بارد، وفي الوقت نفسه تهمس في أذنيها بنبرة وإن كانت تبدو ودودة، إلا أن أفنان لم ترتح لنبرتها بتاتًا.
"مرحبًا بكِ في عائلتنا ‘Welcome to our family‘."
"شكرًا.."
منحت أفنان ابتسامة صفراء ومن ثم ذهبت لتجلس، تضع قدمًا فوق الأخرى وتجلس بثقة وتحدٍ واضح. توترت أفنان أكثر ولاحظ رحيم ذلك، ولكن لم يدرِ ما العمل في ذلك الموقف.
"أنتم بقى أفنان؟" سألت والدة رحيم باستهزاء لترمقها والدة أفنان بحدة، لكن ميرال تضع يدها أعلى يد والدتها لتجعلها تهدأ.
"آه يا مامي هي دي أفنان مراتي المستقبلية ودي أختها الكبيرة ومامتها وباباها."
"أهلًا وسهلًا." رحبت بهم بنبرة زائفة وبلغة عربية شبه سليمة. قاطع الأجواء المتوترة قدوم إحدى الخدم والتي قامت بتقديم المشروبات لهم.
"طيب يا أستاذ أحمد طبعًا أحنا مأجلين موضوع الخطوبة ده مؤقتًا عشان الظرف بتاع والد أنس وكده، لكن دلوقتي أظن مفيش داعي للتأجيل."
"آه طبعًا.. بس برضوا مش لازم نستعجل أوي يعني أسبوعين تلاتة كده نرتب حالنا."
"متشيلش هم أي حاجة، أحنا هنتكفل بكل حاجة ليها علاقة بالخطوبة والفرح متشغلش بالك.. أهم حاجة عروستنا وعريسنا يتفقوا ويشوفوا اللي هما عايزينه."
تحدث والد رحيم بلطف شديد وبنبرة هادئة، لكن زوجته اقتحمت حديثه بنبرة غير مريحة وهي تسأل بسخرية قائلة:
"أيه يا حامد هو مش في مصر برضوا بتكون الحفلة دي عالعروسة؟"
"وهي دي الحاجة الوحيدة اللي عرفتيها من مصر ياختي." همست أفنان من بين أسنانها وهي تبتسم ابتسامة زائفة قبل أن يعلق على حديثها والد أفنان مؤكدًا ما قالته:
"فعلًا الخطوبة عالعروسة، معندناش أي مشكلة طبعًا."
"وناوين تعملو ال Engagement party ‘حفلة الخطبة‘ فين بقى؟ أني Hotel ‘فندق‘ يعني؟"
"مامي بتسأل حضرتك.." كاد رحيم أن يقوم بترجمة ما قالته والدته، لكن والدة أفنان قاطعته وهي تتحدث بابتسامة زائفة بعد أن وضعت إحدى قدميها فوق الأخرى تمامًا كوالدة رحيم، مردفة:
"أنا بفهم إنجليزي يا حبيبي، ولا أحنا مش هنعمل ال engagement party ‘حفلة الخطبة‘ في أوتيل يا مدام إيڤلين، بما إن الخطوبة علينا أحنا فأحنا هنعملها في المكان اللي نختاره واللي على قد إمكانيتنا."
"والمكان اللي تختاروه ده اللي هو فين؟ في الحارة بتاعتكوا؟" سألت بازدراء ليكسو الغضب تعابير وجه أفنان، لكن والدتها تمنحها نظرة مطمئنة قبل أن تعلق بنبرة واثقة متعمدة إثارة غيظ المرأة التي أمامها:
"والله نعمله في الحارة ولا فوق السطوح أحنا حريين في اختيار المكان وساعة الليلة الكبيرة أنتوا كمان حريين في اختيار المكان واللي مش عاجبه ميجيش."
"مامي متقصدش يا طنط.. عمومًا المكان اللي حضرتك هتختاريه أنتي و Uncle أحمد أحنا موافقين بيه.. ها نخلي الخطوبة أمتى؟" سأل رحيم، لكن لم يُجب أحد من جهة أفنان. حمحم والد رحيم ببعض الحرج وهو يقترح عليهم الآتي:
"الشهر الجاي مناسب؟"
"بعد ٣ أسابيع.. يوم ٢٣ في الشهر.. يوم عيد ميلاد رحيم.."
قالت أفنان فجأة مقاطعة حديثهم، لينظر جميعهم نحوها. ابتسامة مشوبة بالدهشة ترتسم على ثغر رحيم وبريق يزين خضراواته. هو لم يكن يدري أن أفنان تعرف تاريخ ميلاده ولم يتوقع أن تهتم لفعل شيء بهذه الرومانسية. حمحمت هي بإحراج حينما أدركت ما اقترفته. تواصل بصري مع رحيم جعل الفرشات الحمقاء تحلق بأجنحتها داخل معدتها. كم كانت تسخر هي من ذلك التعبير قبل أن تقابل رحيم، لكن الآن باتت تعرف معنى ذلك الوصف المبتذل الذي يتم استخدامه على الدوام في الروايات الرومانسية.
"أحنا معندناش مشكلة، يوم ميلاد رحيم يوم مميز جدًا بالنسبالنا وبكده هيبقى مميز أكتر كمان.. أنا بقول نكمل كلامنا عالعشاء.. السفرة جاهزة اتفضلوا." أعلن والد رحيم مع ابتسامة واسعة محاولًا أن يعمل على تلطيف الأجواء التي عكر صفوها زوجته العزيزة.
"مكنتش عارف أنك تعرفي ميعاد عيد ميلادي.. مكنتش متوقع أنك هتركزي أصلًا في حاجة زي كده."
"عيب عليك يا رحيم أنا عارفة كل حاجة.. أنا حافظة كل تفاصيلك وحركاتك من اللي شوفته معاك طول المدة اللي فاتت، وعلى فكرة مش معنى أني أبدو جامدة ودايمًا بتريق عالحبيبة أني مش رومانسية.. لا أنا زيي زي كل البنات عادي عندي حتة دلع ورومانسية كده مدكناها للحبايب."
جلس جميعهم ليتناولوا العشاء وسط بعض العبارات البسيطة التي تبادلها والد أفنان ووالد رحيم. كان رحيم يتأمل كل تحركات أفنان البسيطة. ابتسامتها الصغيرة، أناملها المرتجفة، ردة فعلها على ما يُقال. كل تلك التفاصيل الصغيرة كانت تُدفئ قلبه. كانت تجعله يغرق أكثر وأكثر في بحر العشق الذي كان قد أقسم أن يبتعد عنه.
"مش بتاكل ليه يا رحيم؟"
"باكل أهو.. أنا بس مش مصدق أنك هنا.. في بيتنا وقاعدة معايا على ترابيزة واحدة قدامهم كلهم، مفيش حاجة نخبيها."
"ولا أنا.. حقيقي الحاجة لما بتتعمل صح وبالأصول بيبقى إحساسها أحلى بكتير."
"اتفق."
بعد انتهاءهم من تناول الطعام استأذن رحيم في أن يأخذ أفنان وميرال في جولة حول المنزل. في الحديقة الأمامية والخلفية وربما سيتناولون الحلوى بالقرب من حمام السباحة. فور أن استقاموا من مقعدهم وقبل مغادرتهم للردهة لاحظت أفنان العديد من الصور الفوتوغرافية. صورة تجمع والد ووالدة رحيم في زفافهم، صورة كبيرة لكل منهم بمفرده وصورة في المنتصف لرحيم في الغالب في يوم تخرجه من الجامعة. وأعلى الكومود الذهبي عدة صور صغيرة لرحيم.
"ده أنت وأنت صغير؟"
"أنتم شايفين إيه؟" سألها بمراوغة وهو يمسك بالصورة التي تقصدها بين يديه. تجذب الصورة من يده وهي تردف:
"بلاش رخامة! شعرك باين في الصورة أفتح من دلوقتي.. شكلك كان أجنبي خالص، يا ترى أنا كنت بعمل إيه في الوقت ده من حياتي."
"كنتي زيجوت يا أفي! حبيبي أنا كان عندي في الصورة دي أربع سنين تقريبًا يعني أنتم مكنتيش اتولدتي أصلًا." قال رحيم ساخرًا من حديثها وهو يضحك لتشاركه الضحك، ومن ثم تنتقل لصورة أخرى لرحيم وهو في سن الثانية تقريبًا.
"يالهوي بتهزر! ده أنتم! كان عندك خدود جميلة أوي."
"يا أفي أنا معنديش أخوات والله فأي صورة بيبي هتبقى أنا، ما عدا دول." أردف رحيم وهو يشير إلى صورتين، إحداهما لرحيم وأنس والأخرى لرحيم وأنس وأروى.
"ده أنس صح؟" صدر هذا السؤال من ميرال التي كانت تقف بالقرب منهم ليومئ رحيم بالإيجاب، ثم يضيف:
"واللي جنبه أروى أخته اللي قولتلك أنها تعبانة."
"أيه ده هو أنس ليه أخت؟ مكنتش أعرف مشوفناهاش في العزاء." تفوهت ميرال ببعض الدهشة لترمقها أفنان بسخرية وهي تعلق على جملتها قائلة:
"ده على أساس أنه ابن أختك هتبقى عارفة عنه كل حاجة."
"أصل.."
هي كانت عاملة حادثة ومش بتتحرك لسه فمكنش ينفع تيجي.
"ربنا يقومها بالسلامة."
"عيلة مخلعة ربنا يشفيهم والله هي تعبانة ومش بتتحرك وأنس كان بيفطس عندنا في البيت."
"أيه يا أفنان أنتي بتدعيلهم ولا بتذليهم؟"
"مش قصدي بجد."
"أفي.. أنا بعتذر جدًا عن الحوار اللي دار من شوية.. أنا هعتذر من مامتك وباباكي برضوا.. بجد حقك عليا أنا كنت بحاول أخليكي تتجانبي مامي عشان كده بس صدقيني اللي حصل مش هيتكرر تاني."
كان رحيم يتحدث بصدق شديد ولو أن نبرته كان مشوبة بالحرج والتوتر.. كان يحك مؤخرة عنقه كثيرًا أثناء تحدثه.. وصل شعوره إلى أفنان والتي على الفور حاولت طمئنته وهي تقول بلطف:
"متعتذرش عن حاجة أنت مش السبب فيها.. أحنا لسه في أول السكة والطريق طويل وأنا كنت عارفة أن ده هيحصل من الأول.. ده حتى كليشيه أوي في كل الأفلام والمسلسلات."
"صدقيني أنا عندي استعداد أقف في وش أي حد عشانك.. المهم متزعليش بس."
"مش زعلانة."
مر ما تبقى من الزيارة في سلام تام تقريبًا.. في أثناء توديع رحيم لأفنان وأسرتها اعتذر منهم مرارًا هو ووالده عما قيل في الداخل وقد كان والد أفنان مهذبًا ومتسامحًا كثيرًا ليقبل اعتذارهم.. وبمجرد أن تأكد رحيم من تحرك السيارة بسلام دلف إلى داخل المنزل بغضب شديد وكأنه أشبه بعاصفة على وشك أن تبتلع كل شيء بداخلها.. كانت والدته تجلس في ثبات شديد بالداخل في انتظار قدومه.
"مامي! هو ده اللي حضرتك اتفقت عليه معايا أنا وبابي؟ بتحرجيني قدام الناس؟ بتحريجي الناس في بيتنا؟ ليه؟ ليه كل ده حرام عليكي!"
"لما تتكلم معايا تتكلم معايا بأدب يا ولد."
"أنا اتخنقت بجد! I am tired of this shit mum 'لقد تعبت من هذا الهراء يا أمي'."
"رحيم خلاص أنا هتصرف معاها."
"لو هتعملي كده في الخطوبة يا مامي يبقى الأحسن إن حضرتك متجيش."
بصق رحيم كلماته بقسوة لم يعهدها.. صدمت كلماته والديه.. أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته متجهًا نحو الخارج غير مباليًا بنداء والده.. كان رحيم يشعر بقلبه على وشك مغادرة صدره من كثرة الضيق.. لم يرغب في حياته أن يتحدث إلى والدته بتلك الطريقة البشعة لكن لم يكن أمامه خيار آخر من وجهه نظره.. تحرك بالسيارة وصولًا إلى منزل أنس والذي قرر المكوث فيه حتى موعد الخطبة.
مر أسبوعان على تلك المقابلة بين أسرة رحيم وأسرة أفنان وقد بدأ الجميع في الإستعداد من أجل خفلة الخطبة.. وفي يوم من منتصف الأسبوع هاتف نوح ميرال يطلب منها أن تقابله للذهاب لإحدى معارض الأثاث ليبدأو في اختيار بشكل مبدأي ما يريدون.
"مش لسه بدري يا بنتي عالكلام ده؟ أنا مش فاهم نوح مستعجل ليه كده."
"ما تسيبهم يا أحمد عايزين نفرح بيهم."
"نفرح بيهم يا رانيا بس بالعقل.. أنا قولتله أننا هنبقى مشغولين دلوقتي مع أفنان وهو أصلًا ظروفه مش أحسن حاجة."
"لا ما أنا عرفت أن كان في قرشين كده في البنك من الفلوس اللي كان أبوه سايبهم ليه."
"يا ستي ربنا يزيد ويبارك بس ليه يزنق نفسه برضو.. عالعموم انزلوا شوفوا العفش اللي أنتوا عايزينه وناخد فكرة عن الأسعار برضو."
"تمام يا بابا ربنا يخليك."
في مغرب اليوم التالي قابل نوح ميرال واتجهوا نحو منطقة بها العديد من معارض الأثاث.. كان الأمر مرهق بعض الشيء لكن حماس ميرال جعل الأمر يسير بشكل جيد.
"نوح بس ده حلو أوي."
"بس لونه فاتح أوي مش هيتبهدل مننا؟"
"اه صح.."
"طب بصي.. أيه رأيك في ده يا أفنان؟" سأل نوح بحماس شديد وهو يشير إلى أحدى الآرائك.. نظرت نحوه ميرال بجمود وهي تبتلع الغصة التي في حلقها ثم تردف:
"أنا ميرال.. أنا ميرال يا نوح…"
رواية في حي الزمالك الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ايمان عادل
"طب بصي.. أيه رأيك في ده يا أفنان؟" سأل نوح بحماس شديد وهو يشير إلى إحدى الآرائك.
نظرت نحوه ميرال بجمود وهي تبتلع الغصة التي في حلقها ثم تردف:
"أنا ميرال.. أنا ميرال يا نوح.."
طالعها نوح بذهول وثغر خاوي يكاد يصل إلى الأرض من شدة الصدمة. ازدرد ما في فمه بصعوبة وهو يدعو بداخله أن تنشق الأرض وتبتلعه. هو لم يقصد حقاً، لم يقصد ذكر اسم أفنان ولم ينوي قط أن يحزن ميرال.
"أنا.. احم.. أنا آسف جداً، أنا اتلغبط بس عشان أنت كنت بتكلميني عن خطوبة أفنان من شوية ف.." كان يتحدث نوح بتلعثم شديد وهو لا يعلم ماذا عليه أن يقول لكي يصلح ذلك الموقف. فهذه المرة هو لن يستطيع 'قلب الترابيزة' كما يفعل في كل مرة.
"لا عادي حصل خير، بس لما تعرف أنت مع مين وبتكلم مين أبقى تعالى كلمني." بصقت ميرال كلماتها بإنكسار شديد وهي تحاول مغادرة المكان سريعاً قبل أن تنهمر دموعها أمامه.
وقف نوح مصدوماً لثوانٍ قبل أن يتبعها سريعاً وهو يحاول جذب ذراعها، لكنها تصيح مبتعدة عنه قائلة:
"متلمسنيش أنت اتجننت!"
"أنا آسف.. أنا آسف مش قصدي، ميرال أنت بجد هتسبيني وتمشي عشان ذلة لسان؟ قولتلك مكنش قصدي اتلغبطت! وبعدين أنا مقولتش اسم حد غريب ولا اسم بنت بكلمها عليكي مثلاً! ده اسم أفنان أختك.. اللي هي بنت خالتي، ما أنا ساعات بتلغبط وبقولك يا مريم، أيه اللي حصل المرة دي يعني؟"
"أنت عارف الفرق كويس يا نوح، بطل تستغباني ها!" علقت ميرال وهي تبتسم بإنكسار.
احكم نوح قبضة يده وامتعضت تعابير وجهه وهو يلقي باللوم عليها قائلاً:
"وأنت بطلي تكبري المواضيع."
"طيب روحني من فضلك."
"لا يا ميرال مفيش مرواح، أحنا هنكمل اليوم عادي."
"كمله مع نفسك بقى." تمتمت وهي تشير إلى سيارة أجرى وتدلف بداخلها سريعاً تحت أنظار نوح المندهشة.
لعن أسفل أنفاسه بغضب وهو يسب حظه السيء ويسب اليوم الذي قرر فيه أن يتقدم لخطبها وسب أفنان التي من وجهة نظره هي سبب كل المتاعب التي يعيشها.
عادت ميرال إلى المنزل باكراً عما توقعوا. كان ثلاثتهم يتناولون الطعام حينما جائت هي. ألقت التحية على والديها وشقيقتها بهدوء شديد قبل أن تدلف إلى كهفها أو بمعنى آخر حجرتها هي وأفنان دون أن تتفوه بحرف آخر.
"أفنان.. قومي شوفي أختك فيها أيه."
"حاضر يا ماما."
استقامت أفنان من مقعدها واتجهت نحو الغرفة. وقبل حتى أن تدلف إلى الداخل استطاعت سماع صوت شهقات ميرال المكتومة. كما توقعت تماماً، فالطالما كانت ميرال تفعل ذلك من الصغر. كلما أحزنها أحد عادت إلى الحجرة وأخفت وجهها في الوسادة، سامحة لعبراتها بالهطول ومحاولة إخفاء صوت نحيبها بواسطة الوسادة.
"ميرو.. أيه اللي حصل؟ أنت كويسة؟ قوليلي مين زعلك وأنا أكسرهولك." سألت أفنان وهي تقترب من شقيقتها بهدوء قبل أن تجذبها لترفعها عن الوسادة كي ترى وجهها. أعين ووجه محمر ودموع تنهمر بغزارة.
بمجرد أن رأت أفنان شقيقتها على هذا الحال جذبتها في عناق قوي وهي تشعر بقلبها يحترق من أجل شقيقتها الوحيدة.
"بس يا حبيبتي اهدي.. كل حاجة هتبقى كويسة، أنا هجبلك حقك من اللي زعلك.. حقك عليا أنا." كانت تتمتم أفنان بتلك الكلمات بصدق شديد، فهي لن تتردد في تحطيم من قام بإيصال شقيقتها إلى تلك الحالة والتي لم تبذل مجهوداً لتعرف من هو.
"نوح زعلك في أيه؟ قوليلي بس وأنا هخلي بابا يمرمط بكرامته البلاط."
"مفيش.. احنا بس شدينا مع بعض، أنا بس اتحسست زيادة عن اللزوم وهو اتضايق.."
"ميرال للمرة المليون أنا بقولك مفيش أي حاجة تجبرك تكملي في علاقة زي دي ولكن خدي بالك يا ميرال لو كملتي فأنت المسئولة مترجعيش تشتكي لما تنفصلوا ويبقى بينكوا عيل ولا اتنين."
صكت أفنان كلماتها والتي قد تبدو قاسية ولكنها فعالة. فوضع ميرال يحتاج إلى الحزم وليس الحنان.
ساد الصمت لبعض الوقت بينما تفكر ميرال فيما قالته أفنان. فعلى هذه الحال ستعود ميرال إلى منزل والديها غاضبة كل بضعة أيام. وماذا إن حظت بطفل منه؟ كيف سيكون وضعه حينما يرى شجار والديه المستمر. ولكن في الوقت ذاته هي لا تستطيع تخيل حياتها بدون نوح. لا يمكنها تخيل زوج آخر مكانه.
"أنا هنام شوية، لو ماما وبابا سألوكي قوليلهم شديت مع نوح عادي."
"حاضر." تمتمت أفنان وهي تقبل شقيقتها ومن ثم تتجه نحو الخارج.
كان القلق بادياً على وجه والديها. منحتهم هي ابتسامة صغيرة وهي تطمئنهم. لكن لم يبدو على والدها الإقتناع بما تقول. لذا بمجرد انتهائهم من العشاء طلب منها والد أن تعد له قدحاً من الشاي وأن تجلس معه بالشرفة.
"أيه اللي حصل مع ميرال؟ أنا عارف أنك مش عايزة تحكي قدام ماما."
"بص يا بابا بصراحة نوح بيزعل ميرال كتير أوي وهي بتخبي عليكوا."
"بيزعلها ازاي؟ وأيه اللي مخليها تخبي علينا أصلاً؟" سأل والدها بقلق حقيقي.
لتبتلع أفنان الغصة التي في حلقها وهي تجيبه مردفة:
"عشان هي بتحبه يا بابا.. عشان هي كبرت مشافتش غيره قدامها."
"أنا هتكلم معاها، أنت عارفة أني عمري ما أجبرت واحدة فيكوا على حاجة.. أنا هنصحها وهي حرة."
"لا يا بابا! أجبرها.. أجبرها تسيبه.. أنا مش هينفع أشوفها بتدمر حياتها واسكت.. لو حضرتك مش هتاخد ردة فعل أنا هضطر اتصرف." بإنفعال شديد قالت أفنان كلماتها قبل أن تستقيم تاركة المكان ومتجهة نحو حجرتها تحت أنظار والدها المستاءة.
في صباح اليوم التالي توجهت أفنان إلى الجامعة لإنهاء بعض الأوراق والاستفسار عن موعد ظهور نتيجة الفصل الدراسي الثاني. وفي أثناء زيارتها للجامعة توجهت إلى المكتب حيث يجلس نوح. ولحسن الحظ كان نوح فقط من يجلس في الداخل، لذا استطاعت توبيخه كما يحلو لها. وبمجرد أن رأت وجهه اقتربت قليلاً وهي تصيح:
"أنت يا بني آدم أنت! لو مبطلتش تزعل أختي هتشوف مني وش عمرك ما شوفته يا نوح.. هدمرك! صدقني هعمل أي حاجة ممكن اعملها وهخلي حياتك سواد."
"أيه الجنان ده يا أفنان! أحنا في الكلية!" أردف نوح بحنق وبصوت منخفض نسبياً وهو يستقيم ليغلق الباب.
تنظر نحوه بوعيد وهي ترفد مستنكرة:
"هو أنت لسه شوفت جنان؟"
"هو في أيه بس اهدي عليا! هي ميرال حكيتلك أيه بالضبط؟" سألها ببرود نسبي وهو يحاول امتصاص غضبها. لكن ذلك لم يفيد في أي شيء، بل جعلها تغضب أكثر لتتعلق قائلة:
"مش هتفرق، أنا وصلتلك الرسالة.. أحسنلك تفسخ الخطوبة دي يا نوح وتريح وتستريح."
"أنا بحب ميرال ومش هسيبها." أردف نوح بحزم متعمد إثارة غيرة أفنان. وبالطبع لم ينجح، فلقد أثار غيظها وليس غيرتها. فأفنان لا تهتم بنوح بتاتاً، بل كل ما يهمها هو شقيقتها الوحيدة.
"أنت كداب! أنت مبتحبش ميرال ولا حتى بتحبني.. أنت مبتحبش غير نفسك يا نوح، أنا ماشية." بصقت أفنان كلماتها القاسية والصادقة في الوقت ذاته قبل أن تذهب تاركة نوح يصرخ بحنق موبخاً إياها.
عادت أفنان إلى المنزل وقد أحضرت أنواع مختلفة من الحلوى من أجل شقيقتها. ولكن بمجرد أن دلفت استقامت ميرال من مقعدها بإستياء وقد عقدت كلتا ذراعيها أمام صدرها.
"مالك يا ميرال في أيه؟"
"أنت روحتي لنوح الكلية؟" سألت ميرال بنبرة أشبه بالتحقيق.
لتتنهد أفنان ثم تردف ساخرة:
"كنت رايحة اخلص ورق وعديت عليه اه، هو لحق حكالك."
"أفنان أنت روحتي تتخانقي مع ابن خالتك في الجامعة قدام الناس؟ أنا مش متخيلة قلة الأدب توصل بيكي لكده!" وبختها والدتها.
لتتسع أعين أفنان بينما تطالع والدتها وشقيقتها بصدمة كبيرة ثم تقول بإستياء:
"ماما ده كداب! مكنش في حد غيرنا أصلاً! أحنا كنا في المكتب.. مكتب بيبقى فيه أكتر من معيد مع بعض وأحنا اتخانقنا اه بس مكنش في حد."
"يعني كنتي قاعدة معاه لوحدك؟"
"شوفي أنا بتكلم في أيه وأنت بتتكلمي في أيه؟ مالك يا ميرال أنا أفنان.. أختك.. فوقي!"
"أختي اللي بتحاول تفرق بيني وبين الشخص اللي بحبه؟" بصقت ميرال كلماتها الصادمة والتي سقطت كالصاعقة على رأس أفنان.
شعرت الأخيرة بالمكان يدور من حولها. نبضات قلبها تتسارع وتشعر بالغضب يحتل كيانها كاملاً.
"أنا يا ميرال؟ أنا! حرام عليكي والله العظيم.. حرام عليكي.. من النهاردة أنا مليش علاقة بنوح ولا بعلاقتكوا ببعض.. أولعوا ببعض يا ميرال."
قالت أفنان بنبرة يفوح منها الخذلان وهي تقذف بحقيبة الحلوى على الأريكة، بينما امتلئت عيناها للدموع وهو شيء ليس بالهين، فليس من عادة أفنان البكاء أثناء الشجار.
دلفت أفنان إلى الحجرة ودفنت وجهها بالوسادة مطلقة العنان لشهقاتها. لقد استطاع ذلك الوغد التفرقة بينها وبين شقيقتها! وليس ذلك فحسب، بل استطاع معرفة الطرق التي تناسب ميرال ليقنعها بوجهة نظره وليشعرها بالذنب بل ويقلبها ضد أفنان.
لا تدري كيف فعل ذلك بهذه السرعة والاحترافية. لقد استطاع جعل ميرال تنقلب ضدها في ثوانٍ، وليست ميرال فقط بل ووالدتها كذلك.
لم تغادر أفنان حجرتها في ذلك اليوم، لم تتناول الطعام ولم تستقم من سريرها سوى لأداء الفروض والذهاب لدورة المياه. ولسوء الحظ قد تأخر والدها في العمل ومن ثم ذهب للمتجر لذا عاد متأخرًا فلم يدر بما حدث.
في مساء اليوم التالي جاء رحيم لإصطحاب أفنان ووالدها وميرال للذهاب لرؤية إحدى المقاهي التي تطل على نهر النيل والتي قاموا بحجزها مسبقًا لإقامة حفل الخطبة. كان المكان متوسط المساحة ولكنه يكفي لعائلة أفنان والتي ليست بكبيرة وعائلة رحيم التي لن يأتي معظمها. منذ أن رأى رحيم أفنان شعر بأنها ليست على ما يرام ولكنه لم ينبس بحرف لوجود والدها وميرال.
"أفي بصي، هما عايزين ال... اسمها إيه اللي بنقعد عليها."
"الكوشة."
"آه، نحطها هنا عشان كل الناس يبقوا شايفنا وكده." أردف رحيم وهو يشير إلى منطقة ما، لتتمتم أفنان بذهن شارد:
"آه حلو."
"أنت مش مركزة معايا خالص."
"متخانقة مع نوح وميرال."
"البني آدم ده لو زعلك تاني ولا جيه جنبك أنا بجد هزعله." قال رحيم بنبرة حادة وقد تجهم وجهه لتنظر نحوه أفنان بأعين متسعة وهي تعلق بسخرية:
"يا ماما أنتِ هتتحول ولا إيه؟"
"أنا عملت إيه؟"
"تعبيرات وشك كده وأنتِ بتتكلمي عن نوح. المهم خلينا في اللي إحنا فيه، المكان هنا هيكفي صح؟"
"أفي Baby 'حبيبتي'، أنا معظم صحابي في England 'إنجلترا' مش هيقدروا يحضروا وعائلتي كمان معظمها مش هنا فالمكان هيكفينا متقلقيش."
"تمام، حلو أوي."
بعد مرور ساعة تقريبًا انتهى رحيم وأفنان من الترتيبات وذهبوا جميعًا لتناول الطعام في إحدى مطاعم الوجبات السريعة.
"الأكل على حسابي يا رحيم عشان أنا في مقام بابا ها."
"مش هقدر أكسر لحضرتك كلمة يا Uncle 'عمو'." أردف رحيم بلطف مع ابتسامة صغيرة. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقطعه صوت حمحمة ميرال ومن ثم قالت:
"عن إذنكم أنا هخرج أتكلم في التليفون."
"خديني معاكي يا ميرال أقوم أطلب الأكل."
بعد ابتعاد كلاهما وجه رحيم نظره لأفنان وهو يسألها بنبرة هادئة ولكن لا تخلو من بعض الحماس:
"أفي إحنا هننزل نجيب الفستان إمتى؟"
"مين إحنا؟ أنا هنزل مع ميرال ومريم." أجابته ببساطة وهي تضحك فلم تتوقع قط أن يطلب منها رحيم مرافقتها لشراء الفستان.
"مينفعش آجي معاكي؟"
"ينفع بس كنت عايزك تتفاجئي."
"ما أنا هتفاجئ برضوا بس عايز أختار معاكي الفستان برضوا. وبعدين على الأقل أقابلك أديلك ال Credit card 'البطاقة الائتمانية' بتاعتي تجيبي اللي أنتِ نفسك فيه."
"شكرًا يا رحيم بس كل حاجة في الخطوبة المفروض عالعروسة أنت عارف."
"آه أنا عارف بس خدي بالك بقى أنا سألت وعرفت إن عادي أجيبلك أنا الفستان كهدية يعني."
"ربنا يخليك ليا، بس الفكرة أني مش هبقى مرتاحة وأنتِ كل شوية تكلف نفسك عشاني وتدفع في آلافات. وبعدين أنا في المقابل مش هعرف أعمل معاك نفس الحاجة."
أردفت أفنان بصدق شديد وهي تعبث في أصابعها، كانت تتحاشى النظر إلى رحيم ولكن بعد أن أنهت جملتها رفعت عينيها لتُقابل خاصته، توترت معالمها بينما نبس هو بلطف:
"قولي تاني كده."
"هننهزر! أعيد الجملة كلها من الأول؟" أردفت أفنان بحنق شديد ليقهقه رحيم ثم يوضح مقصده قائلًا:
"لا، أول تلات كلمات بس."
"يا رحيم مش وقته، ربنا يخليك ليا مبسوط كده؟"
"أهو أنا كده مبسوط أكتر من مليون هدية، المهم مقولتيش برضوا هننزل إمتى؟"
"بص هو نوح جايلنا يوم الخميس وأنا مش طايقة أشوف وشه أساسًا فممكن ننزل الخميس."
"طب ما كده ميرال مش هتعرف تيجي معانا."
"لا ما هو بص أنا هاخد مريم، أخت نوح وميرال تيجي معانا شوية ولما البيه يشرف تبقى تروح."
"متأكدة أنك هتبقي مرتاحة كده؟ مش عايز العلاقة بينك أنتِ وميرال تتوتر أكتر."
"متقلقش يا رحيم الإخوات مهما زعلوا من بعض بيرجعوا تاني، ده الناس الطبيعية يعني."
"خلاص على راحتك، بس لو البتاع ده زعلك تاني أنا مش هسكتله."
في مساء تلك الليلة وبعد أن عادوا إلى المنزل، جلست أفنان تعبث في الحاسوب المتنقل خاصتها متجاهلة ميرال تمامًا كما فعلت طوال اليوم وبالأمس أيضًا. كادت ميرال تنفجر من شدة الاستياء والغيظ، فلم تعتد هي الخصام مع أفنان لتلك المدة، والتي أجل ليست بطويلة لكن بالنسبة إليهم إنها كذلك، ففي كل الشجارات السابقة كان ينتهي الأمر بينهم في خلال سويعات.
"هتفضلي مخصماني لحد إمتى؟"
"إيه مخصماكي دي؟ هو إحنا في تالتة أول ولا إيه؟"
"بلاش استظراف بقى، أنا مش فاهمة مين اللي المفروض يبقى زعلان من مين بصراحة؟"
"ميرال حلي عن دماغي أنا مشغولة بترتيبات الخطوبة دلوقتي." تمتمت أفنان بلا مبالاة دون حتى أن ترفع عينيها عن الحاسوب. ساد الصمت لبرهة قبل أن تسألها ميرال الآتي:
"طيب إحنا هننزل نجيب الفستان إمتى؟"
"الخميس إن شاء الله، وعشان تبقي عارفة أنا اتفقت مع رحيم عالميعاد ده ومش هغيره."
"إزاي؟ ما أنتِ عارفة إن نوح بيجي الخميس يا أفنان، ولا أنتِ يعني بتقوليلي مجيش معاكي بس بالذوق؟"
"تفتكري؟ أنا لو مش عايزكي تيجي هقولك متجيش يا ميرال، أنا بقولك أحنا اتفقنا عالميعاد وهنتقابل عالساعة خمسة إن شاء الله يعني قبل ما الشملول ما يجي."
"طيب يا أفنان، وعلى فكرة أنا لسه زعلانة منك."
"ازعلي." قالت أفنان بلا مبالاة وهي تستقيم من مقعدها تاركة الغرفة وذاهبة للجلوس في مكانٍ آخر.
في مغرب يوم الخميس أحضر رحيم سيارة لتصطحب أفنان وميرال ومريم. بعد ساعة ونصف تقريبًا كانت السيارة قد توقفت داخل مرآب إحدى المجمعات التجارية 'Mall' والذي اعتادت أفنان على التسكع فيه برفقة شقيقتها أو أصدقائها القدامى لكنها لم تكن قط تشتري أي ثياب منه وبالطبع لم تشتري فساتين السهرة والتي بالطبع سعرها يبلغ أضعاف الثياب العادية.
"تعالى المكان ده في Dresses 'فساتين' حلوة أوي، أنا شوفت ال Collection 'مجموعة التصاميم' قبل ما أجي."
"بجد؟ مقولتش يعني."
"مش لازم أقول كل حاجة، المهم يلا نبدأ بقى ولا إيه؟"
"يلا بينا." تمتمت أفنان بحماس شديد بينما لمعت عيناها وهي تتأمل الفساتين الكثيرة التي أمامها، كلها باهظة الثمن، أغلبها ذو ذوق رفيع، ألوان بهجة. بعد مرور بضع دقائق من التأمل وجدت أفنان ثلاثة فساتين قد أعجبوها لذا أشارت لرحيم كي يقف إلى جانبها ليساعدها في الاختيار.
"أيه رأيك في ده؟ أو ده؟"
"كلهم حلوين، كلهم هيبقوا حلوين عليكي. ممكن تشوفي ال pink 'زهري' ده؟"
"تمام."
بعد خمسة دقائق تقريبًا توجهت أفنان نحو الخارج وهي ترتدي الفستان وقد وضعت وشاحها ليغطي رقبتها وشعرها. نظر رحيم نحوها بإنبهار لبعض ثوانٍ، فقد كان الثوب جميلًا بحق لكن سرعان ما تبدلت معالم وجهه وهو يردف:
"هو حلو أوي بس، ممكن نشوف حاجة تانية."
"ليه؟ ده عاجبني."
سألته أفنان بعبوس ونبرة لا تخلو من التعجب وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة. جاءها رد رحيم سريعًا يحمل بي طياته نيران الغيرة ولكن في الوقت ذاته استطاع التحكم في نبرة صوته لتبدو هادئة قدر الإمكان مردفًا:
"طيب وبالنسبة للحتة اللي باينة من رجلك دي أيه؟ مش من ضمن الحجاب يعني؟!"
"أيه ده مخدتش بالي."
"بصي ممكن نشوف design 'تصميم' قريب منه بس يبقى ولا شفاف ولا قصير." علق رحيم لتقلب أفنان عينيها ثم أردفت:
"دي حاجة صعب نلاقيها في المحلات اللي أنتِ مدخلهلنا دي يا رحيم."
"ولا صعب ولا حاجة، أنتِ اقعدي زي ال princess 'الأميرة' كده وأنا هختار كام فستان وأخليهم يحطوهم في ال fitting room 'غرفة القياس'."
"تمام ماشي." تمتمت أفنان ليمنحها رحيم ابتسامة صغيرة قبل أن يستقيم من مقعده. اقتربت منها مريم وهمست في أذنها بخبث:
"بقى ده اللي كنتي بتقولي أنا لما ارتبط لو قالي حاجة هتخانق معاه وعمري ما هسيبه يعلق على حاجة."
"دي نقرة ودي نقرة يا مريوم، وبعدين الأسلوب بيفرق وكمان هو بيتكلم صح."
هو مش متحكم يعني أو قاصد يضايقني، هو فعلًا الفستان مش مناسب لواحدة محجبة."
أجابتها أفنان بصدق وهي تضحك، وبداخلها شعرت بسعادة كبيرة لا تدري سببها. ربما لأنها لم تر هذا الجانب الغيور من رحيم من قبل. ربما، لكن هذا لا يهم، المهم هو السعادة التي تشعر بها حينما تكون إلى جانبه بغض النظر عن السبب.
"ماشي ياختي."
بعد مرور بضع دقائق، أشار رحيم لأفنان أن تذهب إلى غرفة تبديل الملابس. وبالفعل بدأت في تجربة الفساتين التي وقع عليها اختيار رحيم. ارتدت أفنان إحدى الفساتين واتجهت نحو الخارج لتسأل رحيم عن رأيه:
"رحيم بص ده."
"يا الله! You look like a princess 'تبدين كالأميرة'."
"بجد حلو؟ يعني مش أشوف واحد تاني؟"
"براحتك طبعًا، حتى لو هتجربي الـ Store 'المتجر' كله، بس أنا شايف ده حلو أوي."
"خلاص طالما عجبك يبقى نشتريه.. هو سعره كام؟"
"أفي Sweetie, don’t worry about this 'حلوتي، لا تقلق بشأن هذا'."
فور عودة رحيم إلى المنزل، وجد أنس هناك جالسًا على سريره. اقترب منهم رحيم ليتمدد بجانبه وهو يسأله:
"إيه يا أنس، كنت فين طول اليوم؟"
"كنت بعمل Shopping."
"يا ندل نزلت تشتري الـ Suit 'البدلة' من غيري؟"
"لا طبعًا، نزلت أجيب حاجة تانية.. بس مش هقولك إيه هي، هخليها مفاجأة."
"لا قولي مفيش أسرار بينا."
"يعني في أسرار بينك أنت وأفنان عادي وأنا وأنت لا؟" سخر منه أنس ليقلب رحيم عينيه بتملل. تنهد أنس قبل أن يردف:
"طيب Fine 'حسنًا'.. كنت بشتري فستان لأروى."
"هي هتقدر تيجي؟"
"مش عارف.. لسه مقولتلهاش أصلًا، مستني أتأكد من الدكتور."
"هتبسط أوي لو جت بجد.. هحس إن كل حاجة رجعت زي زمان.."
"ما عدا إن طنط إيڤيلين هتخوفنا زي زمان عادي." علق أنس ساخرًا ليقذفه رحيم بإحدى الوسادات.
مرت الأيام بسرعة لا تصدق، ولم تدر أفنان لما على اللحظات السعيدة أن تنقضي بهذه السرعة. فلقد كانت الأيام التي تسبق حفل الخطبة من أجمل الأيام التي مرت عليها من وقت ولادتها تقريبًا. بعيدًا عن ما حدث بينها وبين ميرال، وبعيدًا عن شجار أفنان مع والدتها وأختها وابنة خالتها كل خمس ثوانٍ لأسباب تافهة تعزي إلى التوتر والقلق من اليوم الموعود.
استيقظت أفنان في ذلك اليوم باكرًا عن المعتاد، هذا إذا افترضنا أن النوم لخمسة ساعات فقط يُحسب نومًا. كان اليوم هو يوم الجمعة. غادرت أفنان حجرتها وذهبت إلى 'الراديو' لتقوم برفع صوت القرآن قليلًا، والذي لم يكن صوته ينقطع من منزلهم من الأساس. أشعلت عودًا من 'البخور' وذهبت للجلوس في الشرفة لاحتساء كوبٍ من الشاي ومحاولة تصفية ذهنها قليلًا.
"صباح الفل يا عروسة، ياخوفي بتاع الدي چي يشغل أغنية مش على هواكي تقومي تضربيه."
"صباح الخير يا مامتي، وبعدين إيه الكلام ده؟ عيب كده.. من أمتى وأنا بتخانق مع الناس؟"
"لا طبعًا عمرك، ده أنتِ الهدوء والأدب كله فيكي. المهم عايزاكي النهاردة تبقي مبسوطة وتنسي أي حاجة وأي حد ممكن يزعلك، سواء حد من عائلة أبوكي، مشاكلك مع نوح وميرال، حماتك."
"حماتي؟ ده حماتي دي لوحدها كفيلة توتر وتضايق بلد. وبعدين إيه حماتي دي؟ تحسي الكلمة مش راكبة على طنط كاميرون دياز دي."
"سيبيهالي أنا، خليكي في رحيم وأختك وصحابك."
"حاضر."
أردفت أفنان بإبتسامة صغيرة لتضمها والدها في حنان وهي تقبل وجنتيها ورأسها قبل متفرقة بينما تتمتم:
"مش مصدقة أن كتكوتي الصغيرة كبرت وبقت عروسة. الحمدلله أني عيشت لحد أما شوفت اليوم ده."
"حبيبتي يا مامتي ربنا يخليكي لينا يارب ويديلك الصحة وطول العمر وتشيلي ولاد ولادنا. وبعدين إيه يا حجة رانيا الأوفر ده هو أنتي عندك ٩٠ سنة؟"
"تصدقي الحق عليا أني بقولك حاجة."
"خدي هنا يا ماما رايحة فين؟"
"هروح اصحي أحمد." أجابتها والدتها لتومئ أفنان وتعاود تأمل السماء لولا أن قاطعها صوت إشعار من هاتفها معلنًا عن وصول رسالة على تطبيق 'الواتساب'، وكما توقعت لقد كان المرسل رحيم.
"صباح الخير على عيون أحلى أفي الدنيا، نفسي الوقت يعدي بسرعة Cause i can’t wait to see you tonight 'لأني ليس بوسعي الإنتظار كي اراكي الليلة'."
قرأت أفنان الرسالة بإبتسامة واسعة زينت ثغرها بينما كانت نبضات قلبها تتسارع. كيف له أن يكون بهذا اللطف؟
"صباح الفل، أنا كمان متحمسة جدًا لليوم، بس متوترة برضوا.. إن شاء الله اليوم يعدي كويس ونتبسط."
أرسلت الرسالة ومن ثم تركت هاتفها وذهبت للبحث عن شيء تأكله مؤقتًا لحين عودة والدها من صلاة الجمعة كي يتناولوا الفطار جميعًا سويًا.
في تمام الساعة الرابعة والنصف، وقف رحيم أمام مرآة حجرته الكبيرة والتي تعكس صورته كليًا، أي يستطيع رؤية نفسه بشكل كامل من خلالها، وفي تلك اللحظة جاءه صوت طرقات على باب الحجرة.
"اتفضل يا أنس."
"أنا مش أنس، ينفع اتفضل ولا مش هتسمحلي؟"
"اتفضلي طبعًا يا مامي."
"تبدو وسيمًا للغاية 'You look so handsome'، كان نفسي أكون مبسوطة في يوم زي ده أكتر من كده."
"مامي حضرتك ممكن تبقي مبسوطة، وتحتفلي أن ابنك الوحيد found his soulmate 'وجد توأم روحه'، لكن حضرتك مصممة تضايقي نفسك." قال رحيم ببرود تام وهو يقوم بتعديل رابطة عنقه أمام المرآة.
"أنت شايف إن لما ابني الوحيد يعصى أمري ده شيء ميضايقش؟"
"لا يا مامي، عشان أنا مش باخد أوامر من حد، أنا كبير كفاية أني أخد قراراتي بنفسي من غير ما أرجع لحد."
"أنت اتغيرت جدًا يا رحيم." تفوهت والدته بحزن شديد ليسود الصمت لبعض الوقت قبل أن يعلق رحيم على حديثها بشرود قائلًا:
"فعلًا، وأظن حضرتك المفروض تسألي نفسك مين السبب في ده. على أي حال هذا ليس الوقت المناسب لمثل هذه المحادثة Anyway that’s not the right time to have this conversationn."
"الليلة ليلة هنا وسرور.. وكوبيات في صواني بتدور.." صاح أنس بصوت عالٍ وهو يغني ألحان أغنية شعبية قديمة كانت تنشد في الأفراح. ساد الصمت لبضع ثوانٍ. تعبيرات أنس المصدومة وهو يحمحم بإحراج ونظرة والده رحيم المندهشة ورحيم الذي يود صفع نفسه داخليًا من حماقة صديقه التي لا تناسب الأجواء المتوترة التي غلفت الأجواء قبل بضع ثوانٍ.
"أنا شكلي جيت في وقت غير ملائم."
"تعالى يا أنس ادخل، في حاجة ولا إيه؟"
"لا كنت جاي أشوفك خلصت ولا لسه وأقولك أني جبت الورد وأروى ومستنيناك تحت."
"تمام أنا خلصت ونازل حالًا."
"تعالي يا إيڤيلين يا قمر أنتِ أقولك كلمتين." أردف أنس وهو يصطحب والدة رحيم نحو الخارج ومن ثم يغمز لرحيم بإحدى عينيه بمعنى أنه سيتدبر أمرها.
بالإنتقال إلى منزل أفنان، ارتدت أفنان فستان الخطبة خاصتها والذي ابتاعه رحيم من أجلها. كان الفستان باللون 'البيچ' يغطي ساقيها بالكامل وتكاد تصل إلى الأرضية ولكن بسبب الحذاء ذو الكعب العالي كان طول الفستان مناسبًا. كان الجزء السفلي من الفستان مصنوع من خامة 'التل' والجزء العلوي من 'الستان' وقد زين بتصميم لورود رقيقة بها لمعة بسيطة. جاءت صديقة مريم المقربة والتي كانت خبيرة في وضع مساحيق التجميل لذا قامت بضبط وشاح أفنان ووضع مساحيق التجميل من أجلها مع حرصها على اختيار 'لوك' رقيق.
"شكلي حلو؟ حاسه شكلي غريب بالميك أب."
"قمر يا روحي أنتي بس عشان مش متعودة."
"ميرال إيه رأيك؟ إيه ده بتعيطي ليه؟"
"مش مصدقة أنك كبرتي وبقيتي عروسة." أردفت ميرال من بين دموعها وهي تحاول كفكفتها سريعًا كي لا تفسد مظهرها.
"يا روحي.. بس بقى الميك أب بتاعنا هيبوظ أحنا دافعين فلوس."
"استني رحيم بعتلي مسدج.. بيقول أنه تحت البيت، يلاهوي أنا متوترة أوي بجد.."
"متتوتريش ياستي مفيش حاجة، أحنا هنركب معاكوا عشان الـ photo session 'جلسة التصوير' صح؟"
"اه، بس مش هينفع أنتوا الإتنين تركبوا معانا.."
أنس هيبقى قدام غالب غالبا وأنا ورحيم ورا فمش هينفع.
"طب هقولك على حاجة حلوة، خليكي أنت مع رحيم وأنا ومريم هنركب مع نوح."
"نوح هيجي معانا هناك ليه إن شاء الله؟"
"مش وقته سخافة على فكرة، هيجي عشان هو خطيبي وابن خالتنا مثلا."
"أوف.. اعملوا اللي تعملوه." تذمرت أفنان وهي تغادر الحجرة لتقابل والديها ليبدأ كلاهما بالثناء على مظهرها البهج واللطيف، لقد بدت وكأنها هاربة من إحدى الأفلام الكارتونية للأميرات.
"أفنان، مش محتاج أكرر التعليمات تاني أنت عارفة."
"عارفة يا بابا يا حبيبي متقلقش، دي صور للخطوبة يعني لازم حدود لما نبقى نكتب الكتاب نبقى نتصور صور الفرح براحتنا."
"براڤو عليكي."
بمجرد أن غادرت أفنان مدخل العمارة ووسط أصوات الزغاريد التي أتت من المنزل وربما مجاملة من إحدى الجيران، فتح باب سيارة رحيم في الوقت ذاته فتح نوح باب سيارته. اقتربت أفنان بخطى متوترة من رحيم والذي عدل بذلته وأغلق إحدى أزرارها بينما ينظر نحوها بثغر مفتوح وأعين منبهرة. لم يكن يعلم أنه يمكن لبشرية أن تكون بمثل هذا الجمال والبهاء.
"أنت ساكت ليه؟ شكلي مش حلو ولا إيه؟"
"شش أفي، مش عايز أضيع اللحظات دي في الكلام، عايز اتأملك وبس."
"يعم النحنوح هنتأخر والشمس هتروح مش هتلحق تتصور صور عدلة!"
"اه يلا فعلا نتحرك." أردفت أفنان وهي تنظر نحو نوح بإزدراء قبل أن تدلف إلى داخل سيارة رحيم لتكون تلك المرة الأولى تقريبا التي تكون أفنان داخل سيارته. جلست بعيدا عنه بمسافة كافية والفضل يعود للفستان خاصتها الذي شغل بعض المساحة.
"مرحبًا 'Hello' أنا أروى أخت أنس."
"يا روحي عالقمر، أنا مكنتش أعرف إن أنس ليه أخت حلوة كده.. أصل أحنا بنصطبح بخلقته دي يعني على طول."
"ومالها خلقتي ياختي؟ ما تلم خطيبتك يا رحيم."
"إيه يلمني ده؟ شايفني متبعثرة؟!"
"لا بص أنا ممكن أقلب العربية بينا عادي ولا يهمني." صاح أنس متذمرا بينما ضحك رحيم بخفة على العبث الذي يحدث، لكن وجه أروى قد تجهم قليلا لما قاله أنس.
توقفت السيارة أمام إحدى القصور القديمة والتي تعد مزار سياحي وكان هذا المكان الذي وقع عليه اختيارهم لجلسة التصوير. دلف الجميع إلا الداخل وبدأ أفنان ورحيم في التجول برفقة المصورة لتلتقط لهم بضع صور.
"ما شاء الله مجايبك كلها بنات، مفيش فايدة."
"هتتبسطي يعني لما يكون ولد اللي بيصورنا؟"
"أنا مقولتش كده، أنا بقول أن كل محيطك وكل حاجة بتعملها داخل فيها بنات."
"مش لسه بدري على فقرة النكد دي ولا إيه يا حبايبي؟ افردوا وشكوا كده واتصوروا خلينا نخلص." صاح نوح متذمرا ليومئ كلاهما ويعاودوا الإبتسام. وبالإنتقال إلى وضعيات مختلفة من الصور والتي كانت في جميعها المسافة بين أفنان ورحيم كافية وبالطبع لم يلمسها فيها. أمسك رحيم يد أفنان وكان على وشك وضع يده الآخرى على كتفها لولا أن انتفضت هي مبتعدة وهي تصيح:
"إيه ده إيه ده؟ بتعمل إيه؟ ايدك لتوحشك يا حبيبي!!"
"إيه يا أفي؟"
"أحنا مش اتفقنا مفيش لمس؟ اتصور من بعيد يا حبيبي مش لازم تلزيق عشان تبقى الصور حلوة."
"تمام As you like 'كما تحبين'."
وصل أفنان ورحيم إلى المكان المنشود، تتسارع نبضات قلبها وتحكم قبضة يدها على ذراعه في توتر شديد. تشعر بأنها على وشك فقدان الوعي لكن رائحة رحيم الفواحة جعلتها تفيق. صوت الزغاريد مختلطا بصوت الموسيقى يتخلل أذنيها. يقترب منهم الجميع ليرحبوا بهم وتسلم أفنان على الجميع ولكن بعقل نصف شارد. بدا الأمر وكأنه حلم، حلما جميل تمنت أفنان ألا تستيقظ منه أبدا. لقد كان المكان مزدحم أكثر مما توقعت ولكن ذلك الأمر لم يزعجها مطلقا بل أسعدها لأن معظم أصدقاء طفولتها الذي قامت بدعوتهم قد حضروا وهذا ما لم تكن تتوقعه هي، بالإضافة إلى عدة أشخاص كان من السهل استنتاج أنهم من جهة رحيم.
بعد مرور بعض الوقت من الرقص واللهو جاء موعد ارتداء خواتم الخطبة. كان الجميع متشوقون لرؤية ما ابتاعه رحيم لأفنان وبالطبع كانت نظرات الغيرة والحقد تشع من عمت أفنان وجدتها ناهيك عن ريماس التي كانت تحاول جاهدة أن تبدو سعيدة من أجل أفنان لكن بداخلها كانت تشعر ببعض الغيرة.
بأيد مرتعشة قليلا اخرج رحيم خاتم الزواج ليضعه بإصبع أفنان. تتلامس يداهم فترتجف يدها وقشعريرة تسري في سائر جسدها. تبعد يدها قليلا في توتر وهي تقوم بضبط الخاتم قبل أن تفعل المثل وتقوم بإلباسه خاتمه بأنامل متجمدة وعلى وجهها ابتسامة واسعة وزوج من الأعين اللامعة ولكن قاطع هو ما تفعل وهو يردف:
"أفي عايز أقولك على حاجة."
"نعم؟ على صوتك شوية الدنيا دوشة." صاحت أفنان وهي تقترب من رحيم قليلا ليعيد هو ما قاله مجددا.
"بقولك عايز اقولك على حاجة مهمه.."
"وده وقته؟ قول يا سيدي."
"بحبك." تمتم رحيم ببطء وهو ينظر إلى داخل عين أفنان. ابتسمت هي بخجل شديد وهي تشعر بوجهها يشتعل وقد صبغ بالحمرة. أخذت نفس عميق قبل أن تردف:
"أنا كمان.. بحبك."
"مبروك يا ولاد، ألف مبروك يا حبايبي."
"الله يبارك في حضرتك يا عمو."
"مبارك 'congratulations' أفنان، أتمنى أنك تكوني كويسة في تقدير الفرص وتقدري تستغلي فرصة جوازك من رحيم كويس."
"مامي!" همس رحيم من بين أسنانه لكن والدته تجاهلته وتابعت توجيه حديثها لأفنان مردفة:
"احضرت هدية صغيرة من أجلك 'i brought you a little giftt'."
تفوهت والدة رحيم قبل أن تشير إلى المساعدة خاصتها التي ترافقها في معظم الأماكن. فهمت الفتاة مقصد والدة رحيم لتقترب منها وتخرج علبة زرقاء من القطيفة من حقيبة صغيرة. تمسك والدة رحيم العلبة وتناولها لأفنان تحت أنظار الجميع. بيد مرتعشة أمسكت أفنان العلبة. فتحتها ببطء لتجد بداخلها سلسال وسوار وخاتم من الذهب. فتحت أفنان ثغرها وهي تتأمل الهدية باهظة الثمن بدهشة شديدة.
"دي هدية مني ليكي، هدية صغيرة.. 'أنا في العادة لا ارتدي أشياء مصنوعة من الذهب لكن الأشخاص مثلك في العادة يفعلون' I don’t usually wear stuff that made of gold but people like you probably do."
تحدثت والدة رحيم بثقة شديدة وبنظرات متحدة. ابتلعت أفنان الغصة التي في حلقها وهي تشكر والدة رحيم بتكلف قبل أن تمنح العلبة لوالدتها كي تضعها في حقيبتها. حاول رحيم إخفاء ملامح الإستياء والغضب كي لا تتوتر الأجواء أكثر لكن بداخله كان ينوي الشجار مع والدته فور عودتهم إلى المنزل.
كان البعض يرمقون أفنان بحسد، انبهار ولربما تمنت فتاة أو اثنتين أن يكونا في موضع أفنان لكن لم يدر أحد منهم حقيقة الوضع وكيف أن تلك الهدية ليست سوى للإهانة واستصغار أفنان.
"أفنان بقولك أيه.. قومي بقى نهيص شوية.. يلا يا رحيم." أردفت مريم في محاولة منها لتلطيف الأجواء بعد ما فعلته والدة رحيم.
"لا هو غالبا رحيم مش عارف الأغاني دي، أكيد أنس الصايع عارفهم.. إلا هو فين؟ وفين ميرال؟"
"معرفش هتلاقيهم جايين دلوقتي، قومي يلا."
استقامت أفنان من المقعد المخصص لها هي ورحيم ليقترب منها صديقاتها ويبدأون في تحيتها ومن ثم سحبها لتشاركهم الرقص والإحتفال. كانت تعبيرات وجه أفنان ولغة جسدها تنم عن سعادة حقيقية. كان رحيم يراقبها بوجه مبتسم سعيد وإن كان يشعر بالغيرة من فكرة رؤية أحد لها وهي بهذه الحالة، ومن فكرة أن يراها أحد بنفس الجمال. أن ينظر نحوها شخص ما كنوح مثلما يفعل الآن ليرمقه رحيم بحده فيلاحظ نوح فيمنح رحيم ابتسامة ساخرة قبل أن يدير وجهه للجهة الآخرى.
"ألف مبروك يا حبيبة عمتو." جاء هذا الصوت من وسط الفتيات. استطاعت أفنان تميز صاحبة الصوت بالفعل لذا ابتعدت قليلا عن صديقاتها وهي تعلق على حديث عمتها قائلة:
"الله يبارك فيكي يا عمتو، شكرا."
"عشت وشوفتك بتتخطبي يا أفنان، والله الواحد فرحان إن عدوة الرجالة وأم لسان طويل لقت راجل.. مبروك." علقت جدة أفنان ساخرة لتبتسم أفنان ابتسامة مزيفة وهي تردف:
"الله يبارك في حضرتك يا تيتا، أهو النصيب لما بيجي الدنيا كلها بتمشي."
"طب مش هيجي يسلم علينا والله ولا أنتي بقى مستعرة مننا؟"
"إيه يا عمتو الكلام ده ازاي يعني؟ ثواني."
"رحيم.. تعالى سلم على عمتي وتيتا وبنت عمتي، عدي أي كومنت سخيف هيقولوه." منحته أفنان التعليمات بينما يتوجهوا نحو عمتها وجدتها. رمقها رحيم بطرف عيناه وهو يسألها:
"حاضر، شكلك متضايقة.."
بسبب مامي.
"لا أنا زي الفل، معكش بوق مايه أبلع الكلمتين السم اللي لسه سمعاهم." قهقه رحيم على حديثها الساخر وإن كان شعر بالضيق لفكرة أن يحزنها أحدهم بحديثه.
"مساء الخير، أهلًا بحضراتكوا."
"أهلا يا حبيبي.. اسم الله، عريسك قمر يا أفنان."
"شكرًا.. ده من ذوق حضرتك."
"ألف مبروك يا ابني، هو ده بقى يا ست أفنان اللي كنت بترفضي العرسان عشانه؟"
"أحم.. اه يا تيته، رحيم."
"مبروك يا أفنان فرحتلك أوي بجد، ربنا يتمم على خير.. مش هو ده اللي كان واقفلك في خطوبة مير؟" لم تدعها أفنان تكمل الجملة بل سحبتها في عناق قوي كي تجعلها تصمت، ضحك رحيم على ردة فعل أفنان وإن كان لم يسمع ما قالته الأخرى بشكل واضح.
"بقولك أيه يا ريماس تعالي كده نهيص كلنا ها واقفلي بوقك ده شوية."
تمتمت أفنان وهي تسحبها بعيدًا، عادت أجواء الاحتفال كما كانت وسط سعادة الجميع لكن بعد مدة شعرت ميرال بالإرهاق لذا قررت أن تذهب إلى الخارج قليلًا وبعيدًا عن الجميع لتحدى بلحظة من الهدوء، بالفعل فعلت ذلك وفي طريقها قابلت أنس الذي وقف يدخن لفافة تبغ.
"ازيك يا أنس عامل أيه دلوقتي؟" بمجرد أن جاءه صوت ميرال انتفض من مكانه، فلقد كان شاردًا وأفاق من شروده على صوتها، رفع عيناه نحوها بدهشة كبيرة وهو يلقي بلفافة التبغ أرضًا ثم يجيب على سؤالها بسؤال لم يعقل كلماته:
"أنا دلوقتي ولا قبل دقيقة؟"
"مالك يا ابني أنت تعبت تاني ولا أيه؟" سألته ميرال وهي تضحك على تعبيراته الغريبة وحديثه الغير مفهوم.
"أروى متعرفش بوفاة فريد.. بابا يعني فمتجبيش سيرة قدامها من فضلك."
"ازاي يعني متعرفش؟"
"حالتها الصحية مكنتش تسمح أني أبلغها بخبر زي ده! أنا عارف أن الموضوع Weird ‘غريب’ بس.." قاطع حديث أنس صوت اصطدام الكرسي المتحرك بشيء ما يتبعه صوت شقيقته وهي تصيح مردفة:
"أيه ده؟ Watch out ‘احترس’."
"أنا أسف مخدتش بالي." جاء صوت نوح معتذرًا محاولًا إعادة الكرسي لموضعه والتأكد من سلامة الفتاة الجالسة عليه لكن الآوان قد فات لذلك حيث هرول أنس نحوه وهو يقترب منه ويطالعه بحده قائلًا:
"ما تفتح يا أعمى أنت!"
"ما تهدى على نفسك يا عم أنس قولنا مشوفتهاش!"
"لا أنت تتكلم معايا بإسلوب أحسن من كده بدل ما أطربق المكان كله على دماغك."
"أتكلم على قدك يا بابا، مبقاش إلا عيل خرع زيك يكلمني كده!" تفوه نوح وهو يدفع أنس بعيدًا من صدره.
"خرع؟ لا بقولك أيه ميغركش البدلة النضيفة دي، أنا أساسًا شوارعي."
"أنس بس خلاص محصلش حاجة.." نبست أروى محاولة إنهاء الشجار لكن لم ينتبه أنس لما تقوله فلقد أعماه غضبه.
"وأنت كنت واقفة معاه بتعملي أيه أنت كمان؟" صاح نوح متسائلًا موجهًا حديثه إلى ميرال والتي توترت ملامحها كثيرًا وهي تجيبه بتلعثم قائلة:
"مفيش أصل.." تمتمت ميرال قبل أن تستدير وتبتعد عنه متجهة نحو الخارج لرؤية نوح بهذه الحالة قد دب الرعب في قلبها، فهي لم تراه بهذا الغضب من قبل.. اتجه نوح نحوها بخطى سريعة وهو يجذبها من ذراعها قائلًا بحده:
"خدي هنا."
"سيب ايدي يا نوح أنت اتجننت ولا أيه؟"
"لا لا أنا تمام، أنتِ كويسة؟"
"أهو الحمدلله.. صحيح أنا عرفت أن ليك أخت، هي مجتش ولا أيه؟"
"لا لا جت، هجيبها وأجي ثواني." نبس أنس بتوتر قبل أن يهرول نحو أروى ثم يردف بحماس:
"أروى في حد عايز يسلم عليكي."
"حد مين؟"
"أخت.. أخت أفنان."
"قولتلي بقى، ماشي خدني ليها." قالت أروى بحماس ليومئ أنس ويدفع الكرسي نحو ميرال والتي وقفت بإبتسامة واسعة تنتظر اقترابهم.
"ميرال دي أروى أختي، أروى دي ميرال أخت أفنان."
"أهلًا بيكي يا قمر وألف سلامة عليكي." تمتمت ميرال بلطف شديد، لتبتسم لها أروى وهي تقول:
"الله يسلمك تسلمي، ما شاء الله أنتي وأفنان زي القمر.. بس مش شبه بعض أوي."
لكن سرعان ما تبدلت ملامح أروى وتلاشت ابتسامتها نسبيًا حينما لاحظت خاتم الخطبة في يد ميرال، هل فقد شقيقها عقله؟ يقع في حب فتاة على وشك الزواج من شخص آخر؟ على ما يبدو أنها قد غابت عنه لمدة طويلة تكفي لجعله لا يقوى على التفكير بشكل سليم.
"أنتي وأنس بقى نسخة من بعض."
"كل الناس بيقولوا كده مع أني أكبر منه بشوية صغيرين كده يعني."
"ربنا يخليكوا لبعض، مبسوطة أوي أني قابلتك بجد نورتينا والبقا.." كادت ميرال أن تتفوه بشيء لا يجب عليها التفوه به لذا قاطعها أنس على الفور وهو يطلب منها الآتي:
"بقولك أيه يا ميرال معلش ممكن أقولك كلمة؟"
"اه طبعًا.. بعد إذنك يا أروى." استأذنت ميرال بآدب وهي تحاول اخفاء شعور القلق الذي تسرب إلى داخلها، وبمجرد أن ابتعدت بمسافة كافية هي وأنس عن أروى قام بشرح سبب فعلته تلك قائلاً:
"هو أنت محدش رباك أن ايدك متتمدش على واحدة وصوتك ميعلاش عليها؟" تسأل أنس ساخرًا وهو يجذب ذراع نوح بقوة ليجبره على ترك ذراع ميرال.
"مبقاش إلا واحد صايع زيك ابن المدمن هو اللي هيعلمني الآدب." بمجرد أن تخللت تلك الكلمات المهينة أذن أنس هرول نحو نوح ولم يتمالك نفسه بل شرع يلكم نوح بقوة في وجهه ليسقط الآخر أرضًا على آثر تلك اللكمة، يقترب أنس من نوح الذي أمسك أنفه بألم وكاد أن يحاول التحرك لولا أنس الذي ركله في قدمه، أنحنى أنس على ركبتيه وهو يقترب من المدد أرضًا ليباغته نوح بلكمه لم تكون قوية كفاية لكنها كانت كفيلة بجعل أنس يستشيط غضبًا ويلكمه مجددًا.
"أنس.. أنس Stop this shit please ‘أوقف هذا الهراء من فضلك’." صاحت أروى في هلع حقيقي بينما اغرورقت عيناها بالدموع، لم يكن أنس يستمع لما تقوله من الأساس لكن ميرال اقتربت منه وجذبه من معطف بدلته وهي تصيح:
"أنس لا لا! بس كفاية!! خلاص سيبه.. نوح أنت كويس؟ حرام عليك يا أنس!"
"بجد والله؟ بتطمني عليه بعد كل اللي حصل؟ حرام عليا أنا؟ تصدق أنك تستاهلي فعلًا أنه يمشيكي في الشارع معيطة بسببه ويحرجك قدام الناس." بصق أنس كلماته بحنق شديد قبل أن يعيد خصلات شعره نحو الخلف ومن ثم يعيد ضبط ثيابه ويتوجه نحو الداخل وقد رسم ابتسامة زائفة على وجهه وكأن شيئًا لم يكن.
دفع أنس الكرسي بأروى وتوجه نحو الداخل برفقتها، كان الصمت سائدًا بينهما لم تنبس أروى ببنت شفه واكتفت بالبكاء أما أنس فقد أخفى مشاعره داخله كما يفعل دائمًا، لمحهم رحيم بطرف عيناه واستشعر بأن هناك شيء خاطئ.
"أفي ثواني وجاي."
"في حاجة ولا أيه؟ وفين ميرال؟"
"مش عارف.. هروح أشوف في أيه." تركها رحيم في حيرة واتجه نحو أنس وبمجرد أن اقترب ازداد قلقه وهو يسأل:
"أنس أنت كويس؟ أروى بتعيطي ليه؟ ‘هل أنت بخير’ Are you okay؟"
"اتخانق.. مع واحد برا وضربوا بعض.." همست أروى بضعف وضيق شديد ليقلب أنس عيناه، رمقه رحيم بصدمة وحدة وقبل أن يتفوه رحيم بحرف واحد جاءه صوت أنثوى بالقرب من مدخل المكان ونظرًا لكون الموسيقى هادئة في تلك اللحظة كان الصوت مسموع نسبيًا:
"مبارك لك عزيزي رحيم Congratulations Rahim, my darlingg."
رواية في حي الزمالك الفصل الأربعون 40 - بقلم ايمان عادل
"مبارك لك عزيزي رحيم."
"الله! قابل يا معلم!" همس أنس في أذن رحيم.
استقامت أفنان من مقعدها واقتربت، بينما ارتسمت معالم الصدمة والغضب على وجهها.
على الفور، تحرك رحيم نحو ناتالي باستياء شديد. كانت ترتدي ثوبًا باللون الأحمر كاشفًا عن ساقيها كاملة تقريبًا، وقد كان منزوع الأكمام كذلك، وتركت خصلات شعرها الشقراء منسدلة على كتفيها. كان مظهرها ملفتًا للأنظار لدرجة كبيرة، بل صارخًا!
"ماذا تفعلين هنا ناتالي؟ هل فقدت عقلك؟"
سألها رحيم بنبرة أقرب إلى الصراخ، نبرة لم تعتد ناتالي أن تسمعها من رحيم. لكنها لم تتأثر كثيرًا، والفضل في ذلك يرجع غالبًا إلى زجاجة الكحول التي تجرعتها كاملة قبل قدومها إلى هنا. رمقت رحيم بابتسامة سمجة وهي تردف الآتي، بينما تحاول وضع يديها في وجه رحيم، لكنه ابتعد على الفور:
"لقد جئت هنا لأهنئك."
"يجب عليك الذهاب من هنا الآن."
تمتم رحيم من بين أسنانه محاولًا تمالك أعصابه. وفجأة، جاءت أفنان لتقف إلى جانبه وهي تنظر نحوه بابتسامة تحمل في طياتها الوعيد والغضب، بينما تتفوه بالآتي:
"الله الله! مقلتليش ليه يا حبيبي أنك عازم الحرباية دي هنا؟"
"رحيم مرحبًا، مرحبًا ناتالي. لما لا نذهب لنتحدث بعيدًا لدقيقة." صدرت هذه الجملة من ميا، التي ظهرت من اللامكان، فلم تتذكر أفنان رؤيتها اليوم. نظر نحوها رحيم بامتنان شديد وهو ينبس بالآتي:
"أيوا ميا، خديها من فضلك."
أومأت ميا وهي تسحب ناتالي بعيدًا، بينما تتحرك الأخيرة بصعوبة. زفر رحيم بضيق، ثم التفت ليواجه أفنان، التي كانت ملامحها أكثر هدوءًا مما توقع.
"أفي صدقيني أنا مكنتش أعرف.. حقيقي أنا.."
حاول رحيم إصلاح الموقف سريعًا، والذي لم يكن خطأه على أي حال، بينما يصطحب أفنان للجلوس على المقاعد المخصصة لهم. لكن أفنان علقت بجملة لا تمت بصلة لما يحدث، حيث علقت مردفة:
"بقولك أيه أنا جعانة، ينفع نطلب حاجة ناكلها؟"
"اه أكيد.. أي شيء تريده."
"حلو، نشوف المنيو بقى." تمتمت بجدية. لينظر نحوها رحيم ويهز رأسه بضيق، عيناه بتعجب، بينما غادرت تنهيدة شفتيه قبل أن يسأله بجدية، محاولًا التأكد من سلامة قواها العقلية، قائلًا:
"أفي أنتِ كويسة؟"
"اه.. بقولك أيه مشوفتش ميرال؟"
"مش عارف.. هخلي أنس يشوفها.. أمهليني دقيقة وسأعود إليك."
"تمام يا حبيبي."
استقام رحيم من مقعده واتجه نحو أنس، الذي كان يقف بجوار أروى. اقترب رحيم من أنس وجذبه بعيدًا عن أروى قليلًا وهو يسأله:
"أنس هو حصل أيه؟"
"أنت عملت أيه في حوار ناتالي الزفتة دي؟"
"معرفش زي ما أنت شوفت ميا خدتها برا.. معرفش حاجة.."
"ربنا يستر، الحركات دي متجيش غير من أمك بصراحة، بس مش وقته.. عدي اليوم على خير وبعدين ابقى شوف حل للمشكلة دي."
"أفنان مش هتعدي الحوار ده بسهولة وهندخل في مشاكل ملهاش لازمة.. لو بس مامي تسيبني افرح يوم وأمشي الدنيا زي ما أنا عايز.."
تذمر رحيم وهو يعيد خصلات شعره نحو الخلف، التي كانت مرتبة، ولكنها حركة لا إرادية يفعلها دائمًا. وضع أنس يده على كتفه وهو يطمئنه قائلًا:
"خلاص بقى افرد وشك كده وكل حاجة هتبقى كويسة."
أومأ رحيم وكان على وشك العودة لأفنان، لولا أنه لاحظ كدمة في وجه أنس، ليسأله بقلق:
"أنس هو أنت وشك.. محمر كده ليه؟"
"مكسوف منك." علق أنس ساخرًا وهو يتحسس موضع الضربة بيده، ليُشيح رحيم بيده وهو يفحص وجهه، بينما يُردف بنبرة جادة:
"لا، أنا اتحدث بجدية. أيه اللي حصل؟"
"أنا ونوح ضربنا بعض، أنا شلفطت وشه يعني بس هو عرف يضربني برضوا ابن ال..."
أردف أنس بحنق وكاد أن يسب نوح، لكن قاطعه رحيم وهو يوبخه بضيق شديد، قائلًا:
"اعمل فيك أيه يا أخي؟ هو اليوم ناقص يا أنس؟ ناقص؟"
"ده خبط أروى كان هيوقعها من عالكرسي، وبيعايرني بأبويا! لا والبيه كمان بيمد ايده على أخت أفنان!"
كان رحيم يستمع إلى مبررات أنس بعدم اقتناع، لكن فور أن أدرك ما يقوله أنس، شعر بنيران الغضب تشتعل بداخله، ليعلق مستنكرًا:
"ده اتجنن ده ولا أيه؟ لو مش عارف الأدب نعلمه."
"لا يا أخويا الطيب أحسن، أنا قومت بالواجب بشكل مؤقت.. لكن لو شوفت وشه تاني بعد الخطوبة دي مش هحله!"
"أنا اه مش بحب العنف وشغل الغجر ده، بس المرة دي معاك حق."
"بصراحة يوم سيء من أوله.. اه مش يوم عيد ميلادك؟ لازم يبقى كده طبعًا.. أوبا ألحق أفنان واقفة مع ميا وناتالي!!"
كان أنس يتحدث بسخرية في بداية حديثه، لكنه اتخذ منحنى جادًا حينما لاحظ تقدم أفنان من ناتالي وميا. لقد استغلت ذهاب رحيم للثرثرة مع أنس كي تذهب للشجار مع الفتاة على الأرجح. وقد جرت المحادثة كالآتي:
"بقولك أيه يا قطة أنا عارفة أنك فهماني.. لو لم تبتعدي عن خطيبي سأجعلك تشاهدين النجوم في عز الضهر."
"هل فقدت عقلك؟ كيف تجرؤين على التحدث إلي بتلك الطريقة؟"
"لا بقولك أيه أنا كل ده محترماك، لكن صدقيني لو مبعدتيش عن رحيم، هوريكي أيام أسود من قرن الخروب، أنتِ يا بت يا مايعة أنتِ ترجميلها اللي بقوله."
بصقت أفنان جملتها بتحذير حقيقي، قبل أن توجه حديثها لميا، التي كانت ملامح الذعر مرسومة على وجهها تمامًا كناتالي. رمقتهم أفنان بحدة من الأعلى للأسفل، قبل أن تتجه نحو الداخل عائدة إلى مجلسها، وقد رسمت على وجهها ابتسامة مزيفة. ولكن قبل أن تفعل، قابلها رحيم في منتصف الطريق والهلع بادٍ على وجهه، فلقد كان يتوقع أن ينقلب حفل الخطبة إلى مسرح جريمة.
"بقولك أيه، مش هنتصور تاني ولا أنت زهقت من الصور ولا أيه؟"
"مزهقتش طبعًا.."
"مشوفتش ميرال؟" كررت أفنان السؤال مجددًا، ولكن في هذه المرة كان رحيم يعرف الإجابة، لكنه لم يدر هل يجب عليه أن يخبرها بما حدث في الخارج أم لا.
"لا.. مش عارف."
اضطربت معالم رحيم قليلًا، لأنه يعرف أنها على الأغلب برفقة نوح، الذي تشاجر مع أنس قبل قليل، والذي قام أنس بتشويه وجهه في الغالب. وإذا علمت أفنان بما حدث، فقد ينشب شجار بين الجميع.
"طيب أنا هروح أشوفها."
"ما تخليكي معايا هنا."
"هشوفها بسرعة وأجي." تمتمت أفنان وهي تسحب فستانها كي تستطيع السير بسهولة. كان رحيم يراقبها وهي تبتعد، بينما يزفر بضيق.
بالانتقال إلى الخارج، وقفت ميرال بالقرب من نوح، الذي كان يقف بصعوبة، بينما كان يعيد رأسه نحو الخلف محاولًا جعل النزيف يتوقف. رمق ميرال بحدة ولوم، وهو يسألها مستنكرًا:
"مبسوطة كده؟ كله ده بسببك على فكرة."
"أنا ذنبي أيه يا نوح طيب؟ خد حط المنديل ده على مناخيرك." نبست من بين دموعها وهي تمنح نوح منديلًا ورقيًا وتحاول تقريبه من أنفه، لكنه في المقابل يُشيح بيديها بعيدًا عنه وهو يصرخ:
"أوعي ايدك، ابعدي عني."
"يا نوح والله أنا مليش ذنب، أنتوا الأتنين اتعصبتوا على بعض وكلمتوا بعض وحش.."
قاطع جملة ميرال قدوم أفنان، التي كانت تسير نحوهم ببطء. ولكن بمجرد ما رأت ما حدث، هرولت نحوهم وهي تستفسر بقلق:
"هو في أيه؟ يا خبر أبيض أيه اللي في وشك ده يا نوح؟"
"مفيش حاجة أنا كويس.." تمتم نوح وهو يحاول إخفاء ابتسامته كي لا تظهر سعادته لاهتمام أفنان به.
"كويس أيه بس؟ ارفع وشك وريني في أيه؟"
قالت أفنان وهي تحاول فحص وجه نوح دون أن تلمسه، ولكن المسافة بينهم كانت قليلة. جاء رحيم من اللامكان ليقف في المنتصف بينهم، فتبتعد أفنان نحو الخلف تلقائيًا. ينظر نحوهم رحيم بدهشة مصطنعة وهو يستفهم قائلًا:
"ماله يا أفنان حصل أيه؟"
"مناخيره بتجيب دم.."
معرفش في إيه
"طيب Stay away 'ابقي بعيد' أنا هتصرف." تمتم رحيم بهدوء لا يتناسب مع نظرة عيناه الحارقة قبل أن تمنحه أفنان المناديل الورقية وتبتعد ليقترب هو من نوح ونظرًا لفارق الطول بينهم يجذبه رحيم ببعض العنف ثم يدس المناديل الورقة في أنفه ويضغط عليها قليلاً لكي يوقف النزيف.
"ما تبراحه يا عم أنت."
"وأنت استرجل ها." همس رحيم من بين أسنانه وهو مازال يضغط بقوة على أنف نوح ليبتعد عنه الأخير قليلاً ويهمس هو أيضًا بخبث وتهديد:
"على فكرة أنا ممكن أقول لأفنان وأولع الدنيا بس أنا عايز الليلة تتلم."
"بتتحامى في أفنان؟ Seriously 'بجدية'؟ لو عايز تقولها قولها بس قبل ما تعمل كده فكر لثواني هي هتكون في صف مين فينا."
كان رحيم يراوغ محاولاً الضغط على نوح. رمقه نوح بسخرية وهو يعلق بثقة:
"أكيد أنا. متنساش أني ابن خالتها وفي مقام أخوها ومش بس كده لا أنا خطيب أختها كمان."
"وأنا جوزها المستقبلي وحبيبها. واللي اتضرب ده أخويا واللي حصل ده مش هيعدي بالساهل بس أنا مش عايز ابوظ اليوم أكتر ما هو بايظ."
قال رحيم من بين أسنانه. طالعتهم أفنان بشك وحيرة وهي تشعر بأن الأجواء بينهم مشتعلة لتقترب على الفور منهم وهي تستفسر بعد ارتياح:
"هو أنتوا بترغوا في إيه؟ نوح الدم وقف؟ وبعدين أيه اللي عمل في وشك كده؟"
"اتخانق مع واحد كان بيعاكس ميرال." كذب رحيم لكي لا تزداد المشكلة. أومئت أفنان بهدوء قبل أن تسأل مستنكرة:
"ده بجد؟ أومال أنت بتنوحي ليه؟"
"أصلي خفت على نوح أوي وحسيت بالذنب.."
"طب بطلي عياط خلاص.. وأنت خليهم يجيبولك تلجة من جوا عشان وشك ميورمش أكتر من كده."
عاد الجميع إلى الداخل وألتقط المصور بعض الصور لهم وسار الأمر بطريقة جيدة. وفي وقت متأخر من تلك الليلة وفور عودة أفنان إلى المنزل وبعد انتهاء هذا اليوم المرهق، ألقت بجسدها على السرير بإهمال ثم أمسكت هاتفها وهي تدعو بداخلها ألا يكون رحيم قد أرسل إليها رسالة فهي تريد أن تسبقه وبالفعل تحققت دعوتها.
"مش عارفة هتشوف المسدچ أمتى بس كنت عايزة أقولك، إنك أجمل صدفة في حياتي وإني بجد مش مصدقة أن القدر جمعنا ببعض وقدرنا نوصل للي وصلناله.. أحنا وصلنا لنص السكة سوا ودلوقتي قصة حبنا بقى يشهد عليها العائلة والصحاب ومش قادرة استنى اليوم ابقى فيه Yours 'لك' رسمي ويبقى ربنا والشهود وكل الحضور شاهدين على قصة حبنا."
في صباح اليوم التالي وبمجرد أن استيقظت أفنان استشعرت خاتم الخطبة في يدها. ابتسامة واسعة ارتسمت على وجهها. فهي لا تكاد تصدق أن هذا قد حدث بالفعل. لقد أصبحت علاقتها برحيم شبه رسمية يكفي فقط أن يعقد قرانهم ويصبح كلًا منهما جزءًا من الآخر. تنصهر الحواجز بينهم فيذوب كليهما ليصبحا كيانًا واحدًا. اتسعت ابتسامتها أكثر لتلك الفكرة وشعرت بدغدغة في معدتها. أهذا هو طعم السعادة التي يحكي عنها الجميع؟ ربما.
أمسكت بهاتفها وأرسلت عدة رسائل لرحيم لا تحوي شيء سوى اسمه أو بعض الوجوه المرسومة تحاول تنبيهه لكن على ما يبدو أنه مازال نائمًا.
"صباح الخير على عيون أحلى أفي."
"صباح الفل عالفل. طبعًا اليوم امبارح كان رائع.. ومعرفناش نحتفل بعيد عيد ميلادك في وسط الخطوبة والدوشة والخناقات واللغبطة دي. فقولت نخرج النهاردة يعني لو فاضي."
"أنا افتكرتك نسيتي أصلًا.." تمتم رحيم بنبرة ناعسة زادت صوته الرجولي جمالًا فوق جماله. ابتسمت أفنان لا إراديًا وهي تردف مستنكرة:
"انسى ازاي يعني وأنا أساسًا اللي اخترت اليوم عشان هو يوم عيد ميلادك؟"
"في دي عندك حق بصراحة. ها هتودينا فين النهاردة؟"
"بعتلك location 'موقع جغرافي' بتاع مكان حلو كده تعالى على هناك."
"تمام حاضر."
وصل رحيم إلى المكان المتفق عليه. مقهى ومطعم في منطقة 'مدينة نصر'. تعجب رحيم قليلاً من اختيار المكان فهو عادة ما يرافق أفنان إلى أي مقهى أو مطعم في الزمالك أو بالقرب من مقر الشركة في السابق. دلف رحيم إلى الداخل وأخذ يبحث بعيناه عنها حتى وجدها تقف بالقرب من طاولة صغيرة تكفي لفرديين قد زينتها بالورود الحمراء المجففة والتي تناثرت عليها بالإضافة إلى شموع حمراء اللون كذلك. وعلى أحدى أطراف الطاولة وضعت صندوق هدايا باللون الأسود متوسط الحجم.
ابتسامة واسعة زينت ثغر رحيم. سعادة غامرة احتلت كيانه فهو لم يظن ولو لوهلة أن أفنان قد تفعل شيء كهذا فهي كما يبدو له ليست من النوع الرومانسي بتاتًا. وهو الذي أحضر لها باقة من الورد فقط.
"أفي.."
"رحيم.. كل سنة وأنت طيب!" أردفت بسعادة شديدة وهي تمنحه الهدية بينما كانت عيناها تلمع من فرط الحماس. كم تمنى لو يستطيع أن يمنحها عناقًا دافئًا يعبر عن امتنانه وسعادته ولكن لا بأس في الانتظار قليلاً حتى تصبح خاصته وحلاله بشكل رسمي.
"أفي You didn’t have to do this 'لم يكن عليك فعل هذا'."
"عيب يا رحيم متقولش كده أحنا أهل."
"أنت بتقولي أيه بجد؟" سأل رحيم وهو يقهقه قبل أن ينتبه أنه لم يمنح أفنان باقة الزهور لذا مد ذراعه مانحًا إياها الباقة.
"الله! حلو أوي بجد.. بيتنا بقى كله ورد. على فكرة أنا بحتفظ بيه حتى لما بيدبل بشيله عندي. وبعدين يا رحيم ده عيد ميلادك أنت يعني مينفعش أنت تجبلي حاجة."
"دي حاجة بسيطة يا أفي."
"لا مش بسيطة ولا حاجة. الحاجات اللي من وجهة نظرك دي صغيرة بتكلف جامد وأحنا محتاجين كل قرش عشان الجواز وكده." قالت أفنان بنبرة جادة ليضحك هو لبرهة ثم تعود ملامحه الهاظئة مجددًا وهو يتفوه بالآتي:
"حاضر. صحيح عايزين نروح نشوف البيت بتاعنا. ولو مش عجبك نشوف مكان تاني."
رمقته أفنان بتعابير بلهاء ليعقد حاجبيه متعجبًا منها وقبل أن ينطق بحرف سبقته هي بنبرة درامية بينما تضيق عيناها قائلة:
"نروح البيت؟ وتشربني حاجة صفراء والكلام ده؟ لا يا رحيم أنا أسفة العنوان غلط."
"أيه يا أفي اللي أنت بتقوليه ده؟ مين قالك أن كل الكحوليات لونها أصفر أصلًا؟ في ألوان تانية كتير السينيما بس هي اللي مصدرة الفكرة دي."
أوضح رحيم وهو يضحك ساخرًا من حديثها، فما تقوله كان يحدث في بداية الألفينات أو ربما قبل ذلك فلم تعد الفتيات ساذجة. صمتت هي لبرهة قبل أن تعلق بصوت خفيض مردفة:
"ما طبعًا ما أنت خبرة بقى."
"أفي.. أفي بس شوية.. أحنا هنروح مع أسرتك عشان نشوف البيت وكده. هحدد ميعاد ما Uncle أحمد وهشوف مواعيد الشغل وكده."
"تمام ظلمتك كالمعتاد. المهم مش هتفتح الهدية بقى؟" أومئ لها رحيم قبل أن يناوله الصندوق فيأخذه منها بحماس شديد. يفتح الصندوق ليجد بداخله علبة طويلة سوداء من القطيفة. توقع رحيم ما بداخلها واتسعت ابتسامته. لقد كان سلسال من الفضة يحوي الحرف الأول من اسم أفنان متداخل مع الحرف الأول من اسم رحيم.
"تحفة يا أفي بجد. Wait 'انتظري..'." تمتم رحيم وهو يفتح الزر الثالث من قميصه لتشيح أفنان بنظرها بعيدًا عنه على الفوى. ومن ثم مد يديه حول عنقه لينزع السلسال الذي يرتديه ويضع مكانه خاصة أفنان.
"شكلها حلو أوي عليك. المهم في هدية تانية عبيطة كده بس بصراحة مكنتش عارفة أجبلك أيه."
تمتمت أفنان وهي تخرج الهدية الأخرى من العلبة والتي كانت 'مج' حراري، باللون الأسود وقد نُقش عليه اسم رحيم. لم ينبس بحرف بل أخذ يتأمل هديتها الثانية اللطيفة بينما تابعت هي حديثها:
"أنا كنت بلاحظ أيام التدريب أنك على طول بتشرب قهوة أو نسكافية أو حاجات سخنة يعني فقولت اجبهولك.. بصراحة أنت كل الحاجات اللي بتجيبها غالية وأنا مكنتش هعرف اجبلك حاجة بنفس ال Quality 'الجودة' فكرت لجبلك لبس وبعدين افتكرت أنك بسم الله ما شاء الله مكررتش ولا طقم من يوم ما قابلتك يعني فقولت مش هيبقى ليها لازمة."
"أفي كام مرة هقولك أن الهدية مش بتمنها؟ الهدية بغلاوة الشخص اللي جابها أنت لو جبتيلي لبانة هتبسط صدقيني."
"والله أنت بتحرجني بأخلاقك دي. المهم مش هنطلب ولا أيه؟ أنا واقعة من الجوع. صحيح أحنا مش هنتأخر أوي وبابا أصلًا عند واحد صاحبه قريب من هنا فهيعدي عليا يروحني معاه."
"تمام يا حبيبي."
بعد مرور يومان هاتف رحيم والدها واتفق معه على القدوم لتناول الغداء في منزل أفنان ومن ثم يذهب جميعهم لرؤية المنزل. كان كل شيء يسير على ما يرام حتى جاء اتصال من نوح لأفنان أو بمعنى أدق كانت ميرال تتحدث إلى نوح في الهاتف وقد طلب منها أن تقوم بفتح مكبر الصوت وقد جرى الحديث كالتالي:
"أيه يا ست أفنان عاملة إيه؟ مسمعناش صوتك من وقت الخطوبة."
"مفيش مشغولة مع رحيم والترتيبات وكده." أجابت أفنان بلا مبالاة. ساد الصمت لبرهة قبل أن يعلق نوح على حديثها ساخرًا:
"والله؟ ربنا يوفقكوا.."
ياريت بس تأجلوا الفرح لحد ما وشي يخف ولا ناويين تضربوني تاني في الفرح ولا إيه؟
أيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
مش فاهمة إيه؟ آه هو البيه لسه مفهمك أني اتخانقت مع واحد في الشارع؟ كدب عليكي يعني ومقالكيش أن أنا وأنس ضربنا بعض.. ضربني بمعنى أصح.
سأل نوح بدهشة مصطنعة، فهو واثق من أن رحيم لم يخبرها وأراد إثارة الأمر بطريقة تجعلها تشعر بالغضب تجاه رحيم. نجحت خطته بالفعل، فلقد سألت أفنان بإنفعال شديد:
أيه الهبل ده؟ أنت بتألف ولا إيه؟ وبعدين رحيم هيكدب عليا ليه أصلًا؟
والله لما تشوفيه اسأليه. بس واضح أنه شخص أناني بيفرق معاه اللي منه وبس، وميفرقش معاه عائلتك ولا منظرك قدام الناس.
كان نوح يدس السم في حديثه متعمدًا إثارة غيظ وغضب أفنان. حاولت هي الحفاظ على رباطة جأشها، لذا تمتمت بلا مبالاة مصطنعة:
أنا مش هعلق ولا هقول حاجة غير لما أسمع من رحيم.
رحيم لو كان عايز يقولك كان قالك من بدري.
لقد كان نوح محقًا تلك المرة، فرحيم يخفي العديد من الأشياء عن أفنان، ولقد تسببت تلك الخصلة في العديد من الجدالات وسوء التفاهم بينها وبين رحيم. زفرت أفنان بضيق وساد الصمت لبرهة، قبل أن تنبس بالآتي:
اطلع منها أنت يا شعلة، وكل حاجة هتبقى كويسة.
هطلع منها يا أفنان، بس ياريت تبقى تتكلمي معاه في موضوع أنه بيخبي ده. مظنش دي أول مرة يخبي عنك حاجة.
بصق نوح كلماته اللاذعة، لتلقي أفنان بالهاتف في يد ميرال وتبتعد عنها، تاركة الحجرة بأكملها. أنهت ميرال المكالمة وتبعت أفنان نحو الخارج وهي تردف:
عشان تعرفي أنك طول الوقت بتظلمي نوح. وأنس هو اللي غلطان أصلًا، وطبعًا رحيم خد صفه.
مش عشان موقف حصل رحيم غلطان فيه يبقى نوح كان صح طول الوقت. وبقولك إيه يا ميرال، أنتِ وخطيبك السكر ده تبعدوا عن رحيم خالص.
حاولت أفنان إنهاء الحوار بينها وبين ميرال، فزيادة الحديث في هذا الأمر قد يزيد من حدة النقاش. كذلك لم ترد أفنان أن تثير الجدل بينها وبين رحيم، ولم ترد كذلك أن تبدأ الشجار، لذا قررت الانتظار حتى قدوم رحيم إلى منزلهم لكي تسأله بهدوء قدر الإمكان عما حدث. ستحاول جاهدة أن تخفي الغضب والإستياء نحو ما حدث. وبالفعل جاء موعد زيارة رحيم. استقبله والد أفنان على الباب مرحبًا به.
مساء الخير. أهلًا بحضرتك يا Uncle.
أهلًا بيك يا حبيبي اتفضل. برضوا كلفت نفسك؟ لا مش هينفع كده يا رحيم يا ابني.
دي حاجة بسيطة مش من مقامكوا.
ازيك يا رحيم عامل إيه؟ أيه ده الله جايبلنا جاتوه؟
لا تورتة بالفراولة. أنتِ قولتي قبل كده أنك بتحبيها.
يا نهار أبيض ده أنا بعشقها. أحلى حاجة ممكن الواحد ياكلها بجد.
ضحك رحيم وهو يراقب تعبيرات وجه أفنان وهي تتحدث بحب وشغف عن الكعكة، وكم تمنى رحيم لو تظهر له مقدار قليل من هذا الحب. بعد تبادل بعض الجمل بينهم، طلبت أفنان من رحيم أن يجلسوا في الشرفة لكي يتحدثوا قليلًا.
رحيم كنت عايزة اسألك على حاجة.
خير.. أنا مكنتش مرتاح برضوا للقعدة في الـ Balcony (الشرفة).
هو في حاجة حصلت في الخطوبة أنا معرفهاش؟
سألت أفنان بمراوغة وهي تراقب تعابير وجه رحيم، لكن عكس ما توقعت، لم يتوتر بتاتًا، بل حافظ على تعابير وجهه الهادئة المعتادة وهو يعلق على حديثها بثقة شديدة:
مش فاهم السؤال. لو عندك سؤال صريح عن موقف معين قوليه.
وأما أنت بتحب الصراحة أوي كده مش صريح معايا ليه؟
في إيه يا أفي؟
من غير لف ودوران يا رحيم أنت عارف قصدي.
حصل Miss understanding (سوء تفاهم) بين أنس ونوح.
تمتم بهدوء شديد، وقد طفح كيل أفنان عند تلك النقطة من هدوء رحيم المبالغ فيه، والذي قد وصل إلى مرحلة البرود بالنسبة إليها، لتستقيم من مقعدها بإنفعال وهي تسأله بتأنيب:
سوء تفاهم؟ دول ضربوا بعض! أنس ضرب نوح وأنت مقولتليش؟
اقعدي يا أفنان من فضلك. اسمعيني.. مكنش في أي داعي أني أقولك.
اتسعت أعين أفنان جراء سماع تلك الجملة بعد أن جلست في مقعدها، لكن جلوسها لم يغير أي شيء في ثورتها، حيث عاودت الجدال مجددًا بإستياء شديد، وقد تفوهت بجملة كانت تدور في عقلها منذ بداية العلاقة بينهم:
مش من حقك تقرر أيه اللي ليه داعي وأيه اللي ملوش يا رحيم! أنت ازاي تخبي عليا حاجة زي كده أصلًا؟ شكلك ناسي أنه قريبي.
واللي اتخانق معاه ده يبقى أخويا يا أفنان. فاهمة يعني إيه أخويا؟ وبعدين لو كنت قولتلك إمبارح كنتِ هتعملي إيه؟ هتضربي أنس مثلًا؟ مكنش في لازمة نبوظ اليوم.
نبوظ اليوم؟ اليوم باظ يا رحيم.. سواء من كلام مامتك ولا عمتي وتيتا. وطبعًا الزيارة الغير متوقعة من الست هانم بتاعتك، ومينفعش اليوم يخلص عادي طبعًا لازم نختمه بخناقة لنوح وأنس! الجوازة باينة من أولها..
أنتِ بتلوميني أنا ليه؟ أنا ذنبي إيه في كل ده؟
أنا مقولتش أنه ذنبك.. بس دي مامتك وده صاحبك. ودي كانت صاحبتك ولا إيه؟
هو أنتِ بتتكلمي بجد؟ طب اللي حضرتك متعرفيهوش إن مامتي دي أنا وقفت قصادها علشانك. وصاحبي ده اتشتم واتهانت كرامته واتعاير بحاجة هو ملوش ذنب فيها، كل ده دفاعًا عن أخته وأختك. والبنت اللي بتتكلمي عنها أنا طردتها من المكان وأصلًا مليش علاقة بيها. وفعلًا عندك حق، الجوازة باينة من أولها. عن إذنك.
بصق رحيم كلماته بخذلان شديد وبضيق واضح. استقام من مقعده مغادرًا المكان ومتجهًا نحو باب المنزل، لكن استوقفه صوت والدة أفنان وهي تسأله:
على فين يا رحيم يا ابني؟
أنا مضطر أمشي بعد إذن حضرتك.. واعتذري لـ Uncle أحمد بالنيابة عني.
يا رحيم استنى.. يا رحيم..
في إيه اللي حصل يا بنتي؟
أفنان أنتِ كويسة؟ سألت ميرال وهي تجذب ذراع أفنان برفق، لكن أفنان أشاحت بيدها بعيدًا عنها ثم صاحت بإستياء شديد:
ابعدي عني بقى. يارب تبقي مبسوطة أنتِ ونوح يا ميرال!
نظرت نحوها ميرال بصدمة، قبل أن تطالع ميرال والدتها بالحيرة ذاتها. دلفت أفنان إلى حجرتها وأخذت تلقي بالإغراض خاصتها على الأرضية بعنف، ومن شدة غيظها وضيقها لم تستطع أن تبكي. أبت عيناها أن تذرف الدمع، لذا ذهبت لتتمدد على السرير محاولة النوم وتخطي ما حدث.
قاد رحيم عائدًا إلى منزل أنس. كان يقود رحيم بإستياء شديد لا يصدق المحادثة التي جرت بينه وبين أفنان. انتبه رحيم لما فعله وأنه يعد قلة احترام لوالد أفنان، فلقد غادر دون أن يخبره، لذا اتصل به رحيم ليعتذر منه ويخبره بإختصار بأن هناك خلاف بين أفنان ورحيم. وصل رحيم إلى منزل أنس وطرق الباب، لكن الأخير لم يجب. انتظر رحيم لبضع ثوانٍ، لكن لم يجد ردًا، لذا قرر أن يستخدم النسخة التي منحها إياه أنس من قبل.
دلف رحيم بهدوء وهو يبحث عن أنس، لكن لم يجده، لكنه لمح طيفه يتحرك في الحديقة الخلفية.
ممكن بعد إذنك تأكدي الحجز مع الدكتورة؟ بكرة الساعة ٨.. تمام مناسب جدًا..
أنتِ فين بدور عليك.. بتكلم مين؟
مفيش مش بكلم حد. أنتِ جيت إمتى؟ حاول أنس تشتيت رحيم، لكن الآخر قلب عيناه بتملل وهو يسأله مجددًا بإصرار:
لا أنا مش أطرش على فكرة. أنتِ كنت بتحجز مع دكتور! أنت تعبت تاني ولا إيه؟ شكلك وقفت أدوية الضغط.. قولتلك مية مرة يا أنس..
بس بس في إيه البلاعة دي! أديني فرصة أرد.. أيه بالع راديو؟
قولي طيب تعبان فيك إيه؟
مفيش مش تعبان قولت. وبعدين خد هنا هو أنتِ بتتصنت عليا ياض؟
بتصنت إيه بس؟ ده أنت صوتك جايب آخر الكومباوند!
لا في دي عندك حق بصراحة. مفيش أنا كنت بحجز عند psychiatrist (طبيب نفسي).
أوه.. بجد؟ سأل رحيم بنبرة لا تخلو من الإنبهار، ليومئ أنس بإبتسامة صغيرة قبل أن يقوم بإيضاح الأمر بصدق قائلًا:
اه.. أنا عارف أني مش طبيعي. يعني مش مريض أوي بس شوية عقد نفسية على كلاكيع على طفولة مشوهة كده.. أنا عايز احب وادخل في علاقة جد يا رحيم وحرام أظلم انسانة معايا وادخل معاها في علاقة وأنا مش سوي.. فلازم أصلح ده قبل ما أدور عالحب يعني.
أنس أنت أجمل انسان شوفته في حياتي بجد. ربنا يكملك بعقلك.
هو أنت ليك مزاج تطلع فيزا لكندا ولا إيه؟ أنت مش مضبوط ياض.
أنا مش هرد عليك. عشان مش قادر ادخل في Argument (جدال) تاني بصراحة.
ليه في إيه؟ ثواني كده..
"أنت مش كنت هتاخد أفنان وأهلها تشوفوا البيت؟"
"عرفت عن خناقتك أنت ونوح قبل ما تبص كده. أنا محكتلهاش اللي حصل، وهو طبعًا قالها وأكيد زود كلام من عنده، واتخانقنا ونزلت من عندهم."
سرد رحيم ما حدث بإختصار، ليمتعض وجه أنس ليزفر بضيق ثم يعلق ساخرًا:
"نوح ده محتاج يتنفي بجد. وجوده خطر وقرف على البشرية."
"أنا مقدر غضبها عشان هو ابن خالتها، بس أنت بردوا أخويا."
"بص والله وأعلم مش ده اللي فارق مع أفنان. غالبًا اللي فارق معاها أنك مش صريح يا رحيم. أنت بتخبي كل حاجة عنها من منطلق أن الحاجة مش مهمة أو هتضايقها، فأحنا منقولهاش خالص. وده مينفعش يا رحيم. أفنان دي مش واحدة عابرة في حياتك ولا واحدة صاحبتك. دي خطيبتك ومراتك المستقبلية لو الجوازة الشؤم دي تمت على خير يعني."
"عندك حق. بس رد فعل أفنان كان سيء أوي. أنا أول أحس أني متضايق منها كده بجد، وأحساسي ده نفسه مضايقني جدًا."
"عادي يا رحيم، هي دي فائدة فترة الخطوبة. تتعرفوا على بعض أكتر وتتخانقوا وتشوفوا رد فعلكوا وقت الغضب والزعل والبعد، مش مجرد وقت لللڤلڤة وبس."
"عندك حق. عمًتًا أنا هسيب الموضوع يهدى يومين وبعدين هروحلها ونتكلم."
في مساء اليوم التالي جاء موعد زيارة الطبيبة، والتي قد قام أنس في السابق بحجزه. كان يقود السيارة بتوتر غير معهود. وصل أنس إلى العيادة في إحدى أحياء منطقة مصر الجديدة، داخل إحدى الشوارع الهادئة، وتحديدًا داخل ‘ڤيلا’ صغيرة كانت عيادة الطبيبة المنشودة. انتظر أنس قليلًا بالداخل حتى سمحت له المساعدة بالدخول.
"مساء الخير."
"مساء الخير يا أنس اتفضل."
"طيب مبدئياً أنا متوتر وحاسس أني مش مرتاح، وبعيدًا عن أني جاي بمزاجي ولكن الوضع كله مريب بالنسبالي."
"ده طبيعي جدًا، خاصة لأول مرة تزور فيها طبيب نفسي. أنا عايزاك تاخد نفس عميق و Relax خالص. أنا النهاردة مش هقول حاجة خالص، أنا عايزة اسمع منك بس."
"المفروض أحكي من أول فين؟ يعني من قدام لورا ولا من ورا لقدام؟"
"من النص لو حابب. لو عايز تبدأ من أول ما دخلت هنا براحتك."
"هحاول أقول اللي يجي في دماغي."
نبس أنس بتوتر وهي يعبث بأعصابه، متجنبًا النظر إلى زوج الأعين الخضراء المشوبة بالصفرة والتي تنظر إليه بإهتمام وتفحص شديد.
"طبعًا حضرتك.. عرفاني. أنا أخو أروى اللي بتابع معاكي. معرفش هي حكتلك أيه أو هي فاكرة أيه أصلًا. أنا أنس."
بدأ أنس في سرد بعض المعلومات البديهية عن نفسه. كانت الطبيبة تستمع إليه في هدوء، وربما تمازحه بكلمة أو اثنتين، ومن ثم ساد الصمت لبرهة قبل أن يبدأ أنس حديثه عن النقطة الأكثر إيلامًا. عند النقطة التي لم يظن قط أنه قد يذكرها لأحد غير رحيم.
"فريد.. يعني أبويا البيولوچي.. أبويا اللي في البطاقة بالإسم. مات من قريب. بيقولوا أني كنت السبب في موته. مع أنه مات بجلطة وحضرتك دكتورة وعارفة. الجلطات أسبابها كتير، لكن والدتي أصرت أني السبب. أنا السبب بعيدًا عن كل الأسباب زي السن، التدخين، الشرب، الإدمان وأي عوامل تانية ممكن تكون دمرته. اختارتني أنا عشان أشيل مسئولية موته. أيوا فريد كان مدمن."
بصق أنس كلماته بصدق وحنق في الوقت ذاته. غضب كبير كان يفوح من كلماته المبعثرة وجمله المتقطعة. كان يتخلل حديثه عدة زفرات من الغضب والاستياء، بينما كانت الأخيرة تستمع إلى كل ما يقوله في هدوء تام وسكينة، عدا بعض الإماءات وتدوين ملاحظة أو اثنتين.
"فريد.. فريد مش بس آذى نفسه يا دكتور لا.. فريد آذاني وآذى أختي الوحيدة وحتى أمي اللي أنا بكرهها. أحنا كنا مسافرين.. من سنة وكام شهر تقريبًا. كنا في الڤيلا بتاعتنا في الساحل. كان سايق العربية. هو قدام وجنبه أمي وأنا وأختي. أروى راكبين ورا. كان سايق على سرعة جنونية كان شارب ومبلبع من الهباب اللي كان بياخده. كان في حالة مش طبيعية، وقبلها كنت متخانق أنا وهو. صوتنا علي في الطريق وكان بيزعق ومتعصب. كان بيبصلي في المراية بغضب شديد واحتقار. فجاءة كل حاجة سكتت."
غلف الصمت المكان بمجرد أن شعر أنس بحرارة تكسو وجنته. انهمرت دموعه دون إرادته. كفكف دموعه سريعًا قبل أن يتابع:
"لحظة وقف عندها الزمن. معرفش ده حصل ازاي، بس أنا فجاءة بقيت مقلوب جوا العربية. دم نازل من رأسي وآلم فظيع في جسمي كله. وأروى.. أروى مكنتش جنبي كانت مرمية عالأرض غرقانة في دمها. أنا.. بعد إذنك أنا لازم أمشي."
استأذن أنس قبل أن يستقيم من مقعده على الفور مغادرًا المكان قبل أن تستطيع الأخيرة اللحاق به أو التفوه بكلمة. لقد أباح بما يدور في عقله ويحرق قلبه، ولم يتوقع أن يفعل. وربما شعر بالإستياء من نفسه لأنه فعل، فلقد تعهد لنفسه بعدم فضح مشاعره أو النبش في طيات الماضي التي يحاول جاهدًا أن يمحيها.
بعد مرور يومان من الهدوء بين جميع الأطراف، لم تتحدث أفنان إلى رحيم ولم يفعل هو المثل. في تمام الساعة التاسعة كان رحيم داخل مكتبه بالشركة ينهي بعض الأوراق الخاصة بصفقة هامة. جالسًا على المكتب خاصته مرتديًا بذلة رمادية اللون، وفي يد يمسك ببعض الأوراق، في الأخرى ‘المج’ الخاص بأفنان وداخله قهوته. طرقت المساعدة خاصته الباب لتخبره بوجود ضيفة في الخارج تطلب مقابلته. زفر رحيم بضيق شديد. مؤكد أنها ناتالي وربما ميا.
"رحيم ينفع ادخل؟"
سألت أفنان بنبرة خجولة وهي تعبث في خاتم الزواج خاصتها. انتفض رحيم من مقعده على الفور بلهفة شديدة وهو يردف الآتي موجهًا نصف حديثه لأفنان والنصف الآخر للمساعدة.
"أفي! اتفضلي طبعًا.. خلاص تقدري أنتِ تتفضلي."
"وحشتني.. قصدي وحشني كلامنا مع بعض. أو يعني.. رحيم أنا أسفة. أنا أسفة بجد عشان اتعصبت عليك وأسفة عشان مش بركز أنا بقول أيه وبتصرف ازاي، بس أنت بجد مش عارف أي حاجة ليها علاقة بنوح بتوترني ازاي."
كان لرحيم ردة فعل مختلفة على كل كلمة تفوهت بها أفنان. كان يود التعليق على ما تقوله، لكنها لم تسمح له حيث أنها استرسلت في حديثها غير تاركة مجال للمقاطعة. تزايدت نبضات قلبه واتسعت ابتسامته حينما اخبرته بتلعثم وخجل أنها قد اشتاقت له. أو لوجوده أو لحديثهم. أيًا كانت الصيغة التي تحاول إيصال الأمر بها، فقد وصلت بالفعل إلى داخل قلب رحيم وكأن هناك رابط بينهم. لقد تفوهت بما كان على وشك أن يقول. أنه اشتاق إليها. كان كل شيء على ما يرام حتى ذكرت اسم ذلك الوغد، وهنا شعر رحيم بنفسه يضغط تلقائيًا على أسنانه لتصبح عظام فكه أكثر وضوحًا.
"أنا خلاص مش زعلان منك. مش زعلان منك من قبل ما تقولي ولا حرف. الزعل كله راح لما مهنتش عليكي، ولو مكنتيش جيتي كنت هجيلك أنا عشان مش فارقة مين يصالح مين، المهم أننا نتصالح."
"ربنا يخليك ليا بجد. عارف الحمدلله أن أنا وأنت عكس بعض. تخيل لو أحنا الإتنين لاسعين زيي كده؟ كانت هتبقى كارثة."
"ده حقيقي فعلًا. المهم بقولك أيه Uncle و Auntie في البيت؟"
"مش عارفة بابا فين، بس ماما في البيت اه."
"طب يلا بينا نروح نشوف البيت. وناخد ميرال كمان معانا."
"أيه الجنان ده؟ أنت مش عندك شغل؟"
سألته أفنان وهي تضحك. ليصمت لبرهة متأملًا ضحكتها قبل أن يردف:
"اه صح. طيب بصي. اسبقيني عالبيت وأنا ساعة وهحصلك إن شاء الله."
"تمام اللي تشوفه."
في مساء ذلك اليوم اصطحبهم رحيم إلى المنزل المنشود. عش الزوجية الذي من المفترض أن تستقر بداخله حكاية الحب التي نمت بين عصفورين من سلالتين مختلفتين تمامًا، لكن شاء القدر بطريقة ما أن يجتمعا. كان أغرب شعور شعرت به أفنان يومها، حماس يعصف بفؤادها. نبضات قلب تتسارع وأرجل ترتجف.
أنامل باردة وسعادة ممزوجة بقلق واضطراب.
كان المنزل يقع في التجمع الخامس، في 'كمباوند'. كان المنزل، أو بمعنى أدق 'الفيلا'، تتكون من طابقين وحديقة أمامية وخلفية. كان المكان ذو ألوان هادئة بلون الكراميل، والذي قد غلفه الخضرة من جميع الجوانب بأنواع مختلفة من الأشجار والورود، ولكنها كانت بحاجة إلى التقليم والترتيب.
"العمال هيظبطوا الزرع وكل حاجة، متقلقيش. هو بس في عيب واحد هو إن الـ Pool لسه مش جاهز."
"بول إيه يا رحيم؟ هنعطل الجوازة عشان حمام سباحة؟ هو أنت متجوز رانيا علواني؟ أنا مبعرفش أعوم أساساً!" سخرت أفنان ليقهقه رحيم قبل أن يشرح وجهة نظره قائلاً:
"بس هو شكله هيبقى حلو أوي. تعالوا اتفضلوا نشوف باقي البيت."
"المكان هنا حلو أوي. بس كنت فاكرة أننا هنسكن في الزمالك قريب من بيتنا يعني وكده وقريب من بيتكوا برضوا."
"أنا عندي شقة هناك، بس المكان هنا أوسع. ممكن نبقى نوضب الإتنين ونقعد شوية هنا وشوية هناك."
"ما بدل البعزقة دي يا ابني نساعد حد مش عارف يتجوز وأهو ربنا يكرمنا في الجوازة."
"عندك حق. خلاص وعد نشوف حد محتاج مساعدة بجد ونتكفل بمصاريف جوازه."
"بجد؟"
"بجد." تمتم رحيم لتشعر أفنان بسعادة غامرة، فماذا أفضل من بدء حياة جديدة بفعل الخير؟
أكمل الجميع جولتهم وتم الاتفاق فيما بينهم على بعض الأشياء، ومن ثم قام رحيم بإيصالهم إلى المنزل مجدداً.
بعد مرور شهر على ما حدث، عادت الأمور إلى الاستقرار النسبي مجدداً. رحيم وأفنان بدأوا في النقاش حول حياتهم المستقبلية وما ينون فعله في المنزل، خاصة بعد الذهاب ورؤيته. سمح الطبيب لأروى بإكمال فترة التأهيل والعلاج في المنزل، لذا عاد رحيم للمكوث في منزل والديه مغادراً منزل أنس.
لم يكرر أنس الذهاب إلى الطبيبة وحاول تناسي الأمر تماماً. عاود نوح الثرثرة حول تقديم موعد زفافه على ميرال، وفي إحدى الأيام اصطحب نوح والدي أفنان وميرال وأفنان للذهاب لرؤية أثاث المنزل والاتفاق عليه قبل أن يأتي هو بمفرده مجدداً لشراءه ونقله إلى عش الزوجية.
وفي أثناء تجولهم شعرت أفنان بالإرهاق، لذا قررت الانتظار بجانب السيارة أمام إحدى المعارض لحين انتهاء أسرتها من اختيار الأثاث. ولكن أثناء وقوفها فوجئت بنوح الذي غادر المعرض واقترب ليقف أمامها. عقدت حاجبيها وهي تسأله بتعجب:
"في حاجة ولا إيه؟"
"عايز أتكلم معاكي شوية."
"عايز إيه يا نوح؟ خلص."
"إيه الأسلوب ده؟ وبعدين إيه المشكلة لما نقف ونتكلم، هو مش أنا قريبك برضوا ولا إيه؟"
"المشكلة إن مفيش كلام بينا، والمشكلة إني مخطوبة ورحيم هيتضايق جداً من كلامنا مع بعض."
"يا خسارة وأنا اللي كنت فاكرة Open minded 'منفتح'."
"هو ده مفهومك عن التفتح؟ ربنا يعينك عالمهلبية اللي في دماغك. عموماً رحيم مش متضايق أكيد إني بتكلم مع ابن خالتي في المطلق طالما بحدود وآدب. رحيم متضايق منك لشخصك، وهو عنده حق عموماً."
"وماله شخصي بقى إن شاء الله؟"
"متلفش وتدور يا نوح، عايز إيه؟ وانجز قبل ما ميرال ما تيجي." سألته أفنان ليأخذ نفساً عميقاً قبل أن يفصح عما يدور في خاطره منذ زمن بعيد:
"أفنان أنا هقولها بصراحة ووضوح.. أنا بحبك. بحبك وعايز اتجوزك يا أفنان.. أفنان دبلتي المفروض تكون في إيدك أنت. مكان الخاتم ده، أنا كنت جاي اتقدملك أنت مش ميرال، لكن أنت احرجتيني ولاقتني بقول اسمها عشان اخرج من الموقف الزفت اللي اتحطيت فيه ده.. أفنان أنا مش قادر اتصور حياتي من غيرك.. ولكن لو اضطريت هكمل في الجوازة، هتجوز ميرال عشان ملهاش ذنب قلبها يتكسر وعشان على الأقل أقدر ألمحك حتى ولو من بعيد."
كانت أفنان تستمع إليه بنصف عقل، الصدمة جعلت عقلها يتشتت. نيران الغضب تشتعل داخل قلبها وتتمنى لو بإمكانها دفن نوح حياً الآن. ما هذه الكارثة التي حلت على رأسها؟ ذلك الوغد الوقح يتفوه بكلماته تلك بكل صراحة وجرأة دون حياء أو خجل من فعلته تلك. لا تدري أفنان كيف لتلك السمية أن تتجسد في شخص واحد؟ لم تجب أفنان. هربت كل الكلمات الغاضبة من فمها. عجز لسانها عن الحركة وحشرت الكلمات في جوفها. لم تستطع فعل شيء سوى أن ترفع يديها عالياً وتهوي بكف قوي على وجنة نوح. ابتعد بضع خطوات للوراء على أثره.