تحميل رواية «في حي الزمالك» PDF
بقلم ايمان عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في شارع من شوارع إحدى أرقى الأحياء في مصر والأكثرهم هدوءاً، حي الزمالك، تسير هي وحيدة ليلاً. تتدندن بلحن أغنية ما للست أم كلثوم، وهي تضيف بضع كلمات من رأسها تماشياً مع اللحن، كونها لا تستطيع حفظ كلمات الأغاني. تمر من جانب شارع جانبي مظلم، فتسمع صوت آنين شخص يتألم قادماً من مكان ما، فتلفت حولها بحثاً عن مصدر الصوت. في أحد الأزقة المظلمة، يقف شاب كما يُطلق على أمثاله "شمام"، وقد قام بدفع شاب آخر نحو الحائط بقوة وهو يضغط على قفصه الصدري. على الأغلب هو يحاول سرقته، فلا تبدو الأمر كشجار قط. وقفت تراق...
رواية في حي الزمالك الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ايمان عادل
"ميرال.." تمتم نوح بصدمة وبنبرة صوت مرتجفة بينما مازالت يده تتحسس موضع ضربة أفنان.
اقتربت ميرال وكانت الابتسامة تزين وجهها، لكن سرعان ما اختفت فور وقوفها أمامهم مباشرة وهي تستفسر عن الآتي:
"هو.. هو في حاجة ولا إيه؟ مالك يا نوح ماسك خدك ليه؟"
نظر نحوها نوح بفاه فارغ لبضع ثوانٍ وهو يحاول أن يعرف منذ متى وهي تقف بالقرب منهم، ويا ترى ما مدى ارتفاع نبرة صوتهم فيما دار بينه وبين أفنان من حديث.
"إنت.. إنت واقفة هنا.. من أمتى؟" كان يسأل نوح بتقطع وتلعثم شديد.
منحته ميرال ابتسامة غير مفهومة تنم عن الحيرة ثم تجيب على سؤاله بإجابة جعلته يهدأ نسبيًا:
"لسه جاية. في إيه بقى؟"
"مفيش.. تعالي نشوف.. نشوف الحاجات اللي اخترناها نشوف هنوصل لسعر كام مع الراجل."
حاول نوح تغيير الموضوع وهو يتحاشى النظر نحو أفنان. كان يظن بغباؤه أن أفنان ستجعل ما حدث قبل قليل يمر مرور الكرام، لكنه أدرك أنه مخطئ تمامًا حينما أردفت أفنان بحزم شديد:
"ميرال ممكن تنادي بابا. عايزاه في حاجة ضروري."
"هتقوليله إيه؟ إحنا محتاجينه جوه عشان العفش."
سأل نوح بتلعثم وبنظرات مرعبة لم تراها أفنان من قبل، لكنها لم تهتم. حنقها وغضبها لم يجعلها تصب تركيزها على أي شيء غير إخبار والدها بما حدث قبل قليل. طالعته بازدراء قبل أن تقول بنبرة لا تخلو من الانفعال:
"عايزة أقول كلمتين لأبويا! هتدخل كمان بيني وبين أبويا؟! حاجة عجيبة جدًا بجد!"
"في إيه يا أفنان؟" سألت ميرال بعدم استيعاب، وقبل أن تجيبها أفنان سبقها نوح وهو يقول:
"خلاص يا ميرال سيبيها. ممكن حضرتك تسمحيلنا نحجز بس وبعدين عمو هيخرج لك."
"صدقني مفيش داعي يا نوح." تمتمت أفنان بابتسامة جانبية ساخرة.
امتعض وجه ميرال قليلًا وهي تسألهم بحيرة:
"مفيش داعي لإيه؟ إنتوا مالكم بتتكلموا بألغاز كده ليه؟"
"مفيش يا ميمي. تعالي ندخل. سيبي أفنان عشان شكلها مش مضبوطة دلوقتي."
"هاجي معاكوا."
تمتمت أفنان بإصرار وهي تتجه نحو الداخل. ليبتلع نوح الغصة التي في حلقه متسببة في تحرك ما يسمى بتفاحة آدم. وبمجرد اقترابهم من باب المعرض، وجدت أفنان والدها يهرول نحو الخارج مسرعًا وقد ارتسمت علامات الهلع والرعب على وجهه. هرولت أفنان نحوه وهي تحاول أن تستفسر عن ما حدث.
"جدتك تعبت جامد بيقولوا غيبوبة سكر!"
"يا ساتر يارب. يلا يا عمو ع العربية بسرعة.. هي في أني مستشفى؟" سأل نوح بقلق لم تعرف أفنان هل سببه ما قاله والدها أم بسبب ما كانت تنوي هي قوله.
"هقولك العنوان لما نركب. يلا بسرعة."
"طب يا بابا متعرفش تفاصيل حصل إيه؟"
"مش عارف حاجة.. ربنا يستر.."
"متقلقش يا حبيبي إن شاء الله هتبقى كويسة."
كان نوح يقود بقلق متقمصًا دور البطل المغوار الشجاع. في الواقع لم يكن لتوتره أي علاقة بمرض جدة أفنان، بل كان القلق ينهش روحه نهشًا لأنه واثق تمامًا أن أمره سيفضح هذه المرة وأن أفنان ستخبر الجميع بما حدث وأنه سيخسر كل شيء لا محالة. فحتى وإن لم يصدقها أحد، فسيندلع شجار كبير بينها وبين ميرال وعلى أثره سيتفرق شمل الأسرة وستتخلل الضغينة قلب الأختين.
ياله من أحمق ثرثار لو استطاع فقط حبس كلماته داخل جوفه لما حدث ما سيحدث. زفر بضيق وهو يطالع أفنان في المرآة. كان يظن أنها سوف تتحاشى النظر نحوه، لكنها كانت ترمقه بنظرات حادة واثقة، فهي تعلم أنها على حق تمامًا.
وأثناء سير نوح بالسيارة، توقفت أخرى أمامهم فجأة وكاد نوح أن يصطدم بها ليجد نفسه يخرج رأسه من الشرفة ويسب السائق الذي أمامه بدون وعي.
"خلاص يا نوح يا ابني اهدى وركز في الطريق قدامك عايزين نوصل بخير."
"آه لو سمحت كفاية تيتا في المستشفى مش هنبقى كلنا." علقت أفنان متعمدة إثارة غيظه أكثر وأكثر.
بعد مدة ليست بطويلة توقفت السيارة أمام المستشفى ليترجل الجميع منها متجهين نحو الداخل. وفي أثناء ذلك، قامت أفنان بإبطاء خطواتها قليلًا كي تواكب سير نوح، والذي اقتربت منه قليلًا وهي تردف بتحدٍ شديد:
"أوعى تفتكر إن الموضوع عدى يا نوح. إنت بس حظك حلو إن تيتا تعبت.. اعتبره تأجيل حكم بالإعدام لكن مش إعفاء."
كان نوح يرتشف المياه من زجاجته، لكنه سعل على الفور حينما سمع ما قالته. منحته ابتسامة جانبية ساخرة قبل أن تتقدم لتواكب خطواتها خطوات شقيقتها، والتي كانت هادئة وساكنة بشكل مبالغ فيه. وضعت أفنان ذراعها حول رقبة شقيقته لتحيطها بلطف وهي تسألها:
"مالك؟ أكيد زعلانة عشان ملحقتش تجيبي العفش. متقلقيش كل حاجة بميعاد والنهاردة مكنش الميعاد."
"أنا بس.. زعلانة عشان تيتا وكده.."
"إن شاء الله هتقوم بالسلامة متقلقيش. تلاقيها بس لغبطت في الأكل ونسيت تاخد الأدوية بتاعتها."
في مساء ذلك اليوم، وبعد أن تأكدوا من سلامة جدتها، عاد الجميع إلى المنزل بعد أن قام نوح بإيصالهم. لم يضطر أحد للبقاء مع جدة أفنان لأن عمتها قد تكفلت بالأمر.
كانت أفنان تراسل رحيم بينما تتناول بعض المقرمشات، أما ميرال فجلست على سريرها تتأمل السماء من الشرفة في سكون تام.
"ميرال هو حصل حاجة ولا إيه؟ سكوتك النهاردة مش طبيعي."
"حاسة إني مرهقة شوية."
"من الشغل طبعًا ربنا يعينك."
"ياريته عالإرهاق الجسدي يا أفنان كان هيبقى للموضوع حل.. برشامة مسكنة والموضوع يخلص. لكن الإرهاق النفسي بناخدله إيه؟"
كانت تتحدث ميرال بشرود وهي تتحاشى النظر إلى عيون أفنان التي اقتربت لتجلس إلى جانبها. جذبتها أفنان في عناق دافئ لتنهمر دموع ميرال على الفور.
ساد الصمت لبرهة، فلم تجد أفنان ما تقوله، لكن بداخلها كانت تتوعد لنوح لما تسبب به من جراح في قلب شقيقتها.
مر يومان على ما حدث. كانت أفنان كلما حاولت التحدث إلى والدها وجدته منشغلًا بأمر جدتها. لم تتحدث بالطبع إلى والدتها، فهي تعلم أنها لن تصدقها على أي حال والوضع سيزداد اضطرابًا.
"أنا نازلة مع نوح عشان ندفع عربون العفش." أردفت ميرال بعد أن بدلت ثيابها.
رمقتها أفنان بصدمة وهي ترمش عدة مرات متتالية قبل أن تعلق بتلعثم قائلة:
"متأكدة؟ قصدي يعني متأكدة إن الحاجة عجباكي؟ لو مش مقتنعة أوي ممكن نأجل.."
كانت أفنان تحاول إيجاد حجة مقنعة لمنعها من فعل ذلك، لكن لم يبدو على ميرال الاقتناع بتاتًا، كما لم يبدو عليها الحماس تجاه الخطوة التي على وشك أن تقدم عليها.
"مفيش وقت.. مينفعش أجل تاني يا أفنان. إنتِ عارفة خلاص فاضل كام شهر ع الفرح.. إحنا اخترنا الأجهزة وناقص بابا يشوف مع نوح هنقسطها إزاي وأدينا هنجيب العفش أهو."
"طيب. خدي بالك من نفسك.. هو بابا فين؟"
"عند تيتا." أجابت ميرال وهي تتجه نحو باب المنزل لتتنهد أفنان بضيق.
كان نوح ينتظر ميرال أمام المعرض في الميعاد المتفق عليه. كان ينظر في ساعة يده حينما جاءت ميرال، تسير نحوه بخطوات بطيئة ونظرات عيناها لا تخلو من التردد وكأنها على وشك فعل كارثة ما.
"إيه يا ميمي ده؟ تأخير ٣ دقائق. بعد كده هدفعك غرامة."
حاول نوح ممازحتها لتبتسم هي له بهدوء قبل أن تتجه نحو الداخل. أخذت جولة أخيرة مع نوح في المعرض قبل أن يستقر كلاهما على الأثاث نفسه الذي وقع عليه الاختيار برفقة عائلتها.
توقفت ميرال عن السير فجأة وقفت تنظر إلى نوح داخل عيناه وهي تسأله بتعابير خاوية:
"نوح هو إنت بتحب الغوامق؟"
"مش أوي يعني. قصدك عشان لون الأنتريه يعني؟ ده عشان الفواتح بتتبهدل إنتِ أكيد عارفة."
"هو ده السبب بس يعني؟"
"آه. كمان الألوان لايقة مع لون الدهان وكده.." أجاب لتومئ هي في صمت.
منحها ابتسامة صغيرة ومن ثم أمسك بحقيبة يده السوداء الصغيرة وهو يخرج حزمة من المال ويقوم بالتأكد من المبلغ الذي بحوزته.
"نوح.." همست بصوت متجف ليرفع عيناها مانحًا إياها نظرة خاطفة قبل أن يردف بنبرة مبتذلة:
"قلب نوح."
"أنا مش هشتري."
وقعت الكلمة كالصاعقة على أذن نوح. صدرت ضحكة صغيرة منه بغير استيعاب دونًا منه أن ميرال تمزح، لكن حينما رفع عيناه ليواجه خاصتها أدرك أنها جادة.. جادة كما لم تكن من قبل. ابتلع الغصة التي في حلقه وهو يسألها مستنكرًا:
"إيه؟ بتقولي إيه؟ مش عاجبك الحاجة ولا إيه؟ لو كده نشوف حاجة تانية."
"لا عجباني بس مش هشتري.."
"ميرال إنتِ مدركة إنتِ بتقولي إيه؟ مش وقت دلع ده! إحنا هنتجوز كمان كام شهر يعني لازم نجيب الحاجة بسرعة."
"أنا مش هجيب الحاجة ومش هتجوز يا نوح. أنا حبيتك يا نوح.. حبيتك من كل قلبي.. بس أنا مش هقدر استحمل يوم كمان بالوضع اللي أنا فيه ده.."
مش هقدر استحمل أنك تبقى في حضني وقلبك وعقلك مع حد تاني. مش هقدر استحمل إهانات وزعيق وتهزيق على كل تصرف بعمله بقصد أو من غير قصد. أنا أسفة..
نبست ميرال بهدوء تام عكس العاصفة التي اعتصرت قلبها من الداخل، بينما تخلع خاتم الزواج من يدها المرتجفة، وينخلع معه قلبها. تمسكت بكف نوح وتضع بداخله الخاتم، ومن ثم ترحل.
ترحل تاركة إياه يقف بثغر فارغ، بقلب يشعر بالتحطم الحقيقي لأول مرة. شعور غريب يراوده، ثقل على قلبه لم يشعر به من قبل. ضحكة غير مفهومة صدرت منه تبعها صمت طويل، حرقة في عيناه. هل حقًا يبكي؟ نوح ذو الطبع البارد يبكي؟ ومن أجل من؟ ميرال؟ أم أنه يبكي رثاءً على حياته التي تزداد سوءًا في كل مرة يحاول إصلاحها.
لم يستطع أن يتبعها، أبت قدمه الحراك وهو يعلم جيدًا أنه لا يملك أي حق في التبرير أو محاولة إصلاح الأمر. وهل تصلح الأمور بهذه البساطة؟ هو لم يكسر كوبًا ولم يفسد مركب كيميائي، بل حطم قلب فتاة أحبته بصدق وحول حياة الفتاة التي أحبها إلى جحيم. لكن أكثر ما كان يشغل باله هو ما حدث لتنقلب أحوالها بهذا الشكل؟ أم ربما.. ربما سمعته وهو يتحدث إلى أفنان؟ مؤكد أنه لن يعرف الإجابة على هذا السؤال.
كان المشترون في المعرض والبائعين يطالعون نوح بشفقة ويتهامسون فيما بينهم. بالطبع يشفقون عليه، فمن يرى المشهد من بعيد سيرى الفتاة الجاحدة ذات القلب القاسي التي تترك زوجها المستقبلي أمام الجميع، وأين؟ في المكان الذي من المفترض بهم أن يشتروا ما يحتاجونه من أجل عشهم الصغير. لكن نوح استاء لتلك الفكرة، فهو يريد أن يصرخ في وجه الجميع أن ميرال لم تكن سوى ملاك، وهو فقط لم يستطع معرفة قيمتها، والآن على ما يبدو أنه خسر كل شيء.
كانت ميرال تسير بتيه في الشوارع، لا تدري أين هي ولا تدري ما وجهتها. لا ترى أمامها سوى طريق طويل مبهم مشوش بفعل الدموع التي انهمرت بقوة من عيناها. تشعر بنيران تحرق قلبها، يديها ترتجف وأناملها باردة بالرغم من حرارة الطقس. تسير لمدة لا بأس بها وهي تشعر بخدر تام في جسدها، فلا تشعر بأي تعب. كادت تكمل على هذا النحو حتى جاءها اتصال من شقيقتها الوحيدة.
"أيه يا ميرال اشتريتوا الحاجة؟"
"لا." صدرت الكلمة بنبرة أقرب للحشرجة، لكن أفنان لم تنتبه بسبب الضوضاء التي أحاطت بها، لذا سألت شقيقتها بصوت عالٍ لا يخلو من الضيق:
"ليه؟ علي صوتك شوية الدنيا دوشة مش سمعاكي."
"هو أنت فين؟" لم تكرر ميرال ما قالته، بل سألت أفنان عن موقعها وهي تدعو بداخلها أن تكون أفنان في مكان قريب، فميرال تشعر بالوحشة ووحده العناق خاصة أفنان هو ما يستطيع منحها شعور بالطمأنينة والدفء.
"كنت زهقانة في البيت لوحدي قولت انزل اجيب لبس للجهاز. بقولك أيه لو خلصتي ما تخلي نوح يوصلك عندي."
"ابعتيلي اللوكيشن طيب." نفذت أفنان ما طلبته ميرال، وانتهت المكالمة على هذا النحو. قامت ميرال بطلب سيارة أجرى وتوجهت نحو الموقع الجغرافي الذي أرسلته أفنان.
"ما لسه بدري. بقالي نص ساعة واقفة في الشمس مستنية ساعدتك.."
تذمرت أفنان فور رؤيتها لوجه شقيقتها. لم تلاحظ أفنان أثر البكاء على وجه شقيقتها لارتدائها نظارة شمسية. اقتربت ميرال قليلًا من أفنان وهي تخلص النظارة بواسطة يدها اليمنى، وقبل أن تستوعب أفنان عدم وجود خاتم الخطبة في يد ميرال، فتحت الأخيرة فمها لتردف بثبات تام:
"أنا سيبت نوح."
"عملتي أيه؟!" سألت أفنان بعدم استيعاب، مخها يأبى ترجمة ما تقوله ميرال، لتسألها مجددًا بعدم تصديق:
"ميرال أنتي مستوعبة أنتِ بتقولي أيه؟ أنتِ فاضل كام شهر على فرحك.. أحنا جهزنا معظم الحاجة تقريبًا.."
بالطبع لم تكن أفنان تحاول إقناع ميرال بالعودة إلى نوح إطلاقًا، لكن ذلك لم يمنع كون الأمر صادم بالنسبة إليها. فميرال التي تعشق الهواء الذي يستنشقه نوح، قد قررت بكامل إرادتها وكامل قواها العقلية أن تنهي علاقتها بنوح وأن تنهي فصل الخطبة البائس من تاريخ حياتها.
ساد الصمت لبرهة، قبل أن تأخذ ميرال نفسًا عميق وهي تحاول مسح دموعها التي انهمرت، وكي لا تمنعها الغصة التي في حلقها من التحدث. نظرت إلى داخل عين أفنان، ثم أردفت الآتي:
"نوح بيحبك يا أفنان.. مهما حاولت أشغله عنك ومهما حاولت أعمل نفسي عبيطة هو بيحبك! فاضل أقل من ٦ شهور على فرحنا ولسه بيتلغبط في اسمي وبيندهلي بإسمك! بيختار الألوان اللي بتحبيها وبيستخدم نفس ألفاظك في وصف الحاجة. بيسرح فيكي كل مرة بتتقابلوا! ده حتى وأحنا بنجيب الشبكة يا أفنان كان بيسألك عن رأيك وكأنك أنتِ اللي هتلبسيها.. أنا كنت غبية لما افتكرت أنه هيحبني.. هو عنده حق أنه يحبك، أنتي أحلى مني وشخصيتك أحسن.. شخصيتك على الأقل أنتي عندك شخصية، لكن أنا.."
كانت تتحدث ميرال بإنهيار شديد، نبرتها تنم عن صدق شعورها، الألم يفوح منها، والكلمات الصادرة من فمها كانت بمثابة خنجر يطعن قلبها وقلب أفنان في الوقت ذاته.
"ششش! بس يا ميرال اسكتي.. متكمليش!" صاحت أفنان وهي تضم شقيقتها بين ذراعيها في عناق قوي، بينما تجبر ميرال السكوت بإغلاق فمها بواسطة كتفها.
"أنتي أجمل واحدة في الدنيا يا ميرال، وأنتي مش عديمة الشخصية وأوعي تقولي كلامي زي ده تاني! هو اللي غبي ومعرفش يقدر قيمة الحاجة اللي معاه، وأنا وربنا لأجبلك حقك منه يا حبيبتي."
أردفت أفنان من بين دموعها وهي تشعر بقلبها يحترق من أجل شقيقتها. لم تجب ميرال على ما قالته أفنان، بل اكتفت بإخراج بعد الشهقات دلالة على بكائها. ولكن بدون أي سابق إنذار هدأ صوت بكائها. لم تستوعب أفنان ما حدث حتى شعرت بثقل شديد في جسد ميرال. لقد فقدت ميرال الوعي.
شهقت أفنان بقوة وهي تحاول حمل جسد ميرال، لكنها فشلت. لكن لحسن الحظ انتبهت لها فتاة تعمل في محل بقالة، هرولت نحوها لتساعدها على حمل جسد ميرال ووضعها على إحدى الكراسي. حاولت أفنان أن تضرب وجه شقيقتها بخفة، لكن الأمر لم يجدي نفعًا. ومن هول الموقف لم تستطع أفنان التفكير في أي حل آخر سوى الإمساك بالهاتف ومهاتفة أول رقم هاتف ظهر أمامها.
"رحيم.. ألو.. رحيم ألحقني." صرخت أفنان بمجرد أن أجاب هو من الجانب الآخر. لم تنتظر سماع صوته وتفوهت بجملتها المثيرة للفزع تلك، وكانت تنتظر أن يأتيها صوت رحيم من الجانب الآخر، لكن لم يكن هو من أجاب.
"أيوا يا أفنان أنا أنس.. رحيم بيسوق مش عارف يرد في حاجة ولا أيه؟"
"أنس ألحقني ميرال أغم عليها في الشارع.. مش عارفة اعمل ايه.."
"أنتوا فين طيب قوليلي بالضبط؟"
"هبعتلك اللوكيشن."
أنهت أفنان المكالمة وانتظرت مدة قصيرة حتى توقفت سيارة رحيم أمامهم، وفي ذلك الوقت كانت ميرال على وشك استرداد وعيها.
"أيه يا أفنان حصل أيه؟" سأل رحيم بجدية وقلق مناديًا أفنان بإسمها كاملًا وليس بلقبها المعتاد. استغرقت بضع ثوانٍ قبل أن تعلق دون الإجابة على سؤاله:
"مش وقته. هحكيلك لما نطمن عليها."
أدخلت أفنان ميرال إلى داخل السيارة بمساعدة الفتاة. شكرتها أفنان ودلفت إلى داخل السيارة سريعًا، ومعها رحيم. وبمجرد أن فعل كليهما، تحرك أنس بالسيارة مسرعًا وهو يردف متذمرًا من حظه السيء:
"يادي الوكسة هو مفيش مرة أوصلك أنتِ وميرال غير وهي فطسانة كده؟ بتعملي أيه في البت؟"
"بطل رغي وبص قدامك لا نترمي كلنا في المستشفى."
"بت أنتِ كلميني حلو. أنا ممكن اسيب الدريكسيون وأمسك في خناقك عادي ولا يهمني."
علق أنس بإزدراء على حديثها وهو يترك عجلة القيادة ويلتفت ليتحدث إليها. لتتسع أعين رحيم وهو يمسك عجلة القيادة بدلًا منه، بينما يوبخه بجدية قائلًا:
"أنس! مش وقته الهبل اللي بتعملوه ده. وسوق عدل بدل ما نموت كلنا."
"معنديش مشكلة عن نفسي."
بعد مدة ليست بطويلة توقف أنس أمام إحدى المستشفيات الخاصة والتي يعمل بها بضع من أصدقائه هو ورحيم. طمأنهم الطبيب وأخبرهم أنه فقدان في الوعي نتيجة انخفاض ضغط الدم والناتج عن إرهاق شديد وعدم تناولها الطعام لمدة طويلة. سبت أفنان نفسها في داخلها. كيف لها ألا تنتبه أن ميرال كانت بالكاد تأكل في اليومين الماضيين؟
"هو أيه اللي حصل لكل ده؟" سأل رحيم بقلق. وقبل أن تجيبه أفنان سبقها أنس، وكان توقعه صحيحًا بالفعل.
"أكيد بسبب سبع البورمبة بتاعها."
"ميرال فسخت خطوبتها على نوح من ساعتين.."
"هو مش المفروض They were getting married this year 'كانوا سيتزوجون في هذا العام'؟!"
"اه.. مفهمتش منها تفاصيل الموقف بالضبط.. هي قالتلي ووقعت مني. أنا قلقانة عليها أوي يا رحيم.."
على أد ما أنا عايزاها تفوق عشان اطمن عليها، على أد ما أنا خايفة من اللي هنقوله لبعض وحاسه قلبي واجعني أوي عليها من الكسرة اللي هي فيها.
"هو ممكن لما تفوق اقعد معاها في الكافتيريا بتاعت المستشفى نتكلم قبل ما أي حد تاني يكلمها في أي حاجة؟"
طلب أنس طلبه الغريب خرج أفنان من نوبة التأثر والحزن لتنظر نحوه بحنق وهي ترفع إحدى حاجبيها بإعتراض واضح بينما تسأل مستنكرة:
"وأنت هتقولها إيه بقى يا عم المصلح الإجتماعي أنت؟"
"خليكي في حالك، وكلمي باباكي قوليله أنها تعبت شوية وأنكوا معانا عشان ميقلقش."
"حاضر، لما نشوف آخرتها معاك." نفذت أفنان ما طلبته. وبعد بضع دقائق أخبرتهم الممرضة أن ميرال قد استيقظت وأنهم بإمكانهم الإطمئنان عليها.
"طيب ممكن بعد إذنك تاخديها وتنزليها الكافتيريا، لو هي تقدر تتحرك يعني."
"حاضر."
بعد خمسة دقائق كانت ميرال تجلس بحيرة على أحدى الكراسي بحديقة المستشفى، لا تتذكر ما حدث ولكنها توقعت بالفعل، ولكن لا تدري أين أفنان؟ ومن تنتظر الآن؟ لقد أخبرتها الممرضة أن تنتظر هنا.
"مساء الفل." صدرت هذه الجملة من أنس لتنتفض ميرال وهي تلتفت حولها بحثًا عن مصدر الصوت، منحها ابتسامة صغيرة وهو يذهب للجلوس أمامها.
"أنس؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟"
"إيه ده إيه الإحراج ده؟ أنا اللي انقذتك يا ستي، أغم عليكي مع أفنان وطبعًا عشان أنا شجاع جدًا ومغوار أفنان استعانت بيا عشان اجي ألحقك."
أعلن أنس بنبرة درامية متقمصًا دور البطل الشجاع لتبتسم ميرال ابتسامة صغيرة وهي تسأله:
"بيك ولا برحيم؟"
"متدخلنيش في تفاصيل دلوقتي، المهم مش هتحكيلي حصل إيه؟"
"بإختصار كده أنا كنت مخطوبة لنوح، ابن خالتي.. أنت أكيد عارفه.. كنت بحبه من زمان كان حلم حياتي من وأنا طفلة.. لما اتقدملي مكنتش مصدقة نفسي وكنت طايرة من الفرحة، مكنتش واخدة بالي أنه عمل كده غصب.. غصب على نفسه وخطبني مع أنه بيحب أفنان.."
كانت تسرد ميرال ما حدث بشرود، تتحاشى النظر إلى عيون أنس فهي متوقعة ردة فعله.. إما سيطالعها بشفقة أو بإزدراء بسبب حماقتها الواضحة.
"كملي، أنا سامعك."
تمتم أنس بإهتمام حقيقي وبنبرة لم تحمل في طياتها أيًا مما توقعته ميرال، لتأخذ ميرال نفس عميق ثم تتابع حديثها مفرغة كل ما في جعبتها.. ساد الصمت لبرهة بعد أن فرغت من حديثها قبل أن يقاطعها أنس وهو يسألها بسخرية:
"دي ستوكهولم سيندروم دي يا بنتي ولا إيه؟"
"دي شتمية؟" سألته ميرال بجدية.
"Stockholm Syndrome"
أعاد تكرار المصطلح بلغة إنجليزية صحيحة لتنظر نحوه ميرال بالبلاهة ذاتها ليقهقه قبل أن يتابع مفسرًا:
"لا، ده مرض نفسي.." عبس وجه ميرال وهي تعبث في يديها تتحسس موضع خاتم الخطبة لتتذكر على الفور أنه لم يعد هناك وجود للخاتم، حمحم أنس بضيق وهو يحك مؤخرة عنقه قبل أن يسألها بقليل من الذنب:
"إيه ده قلبتي وشك ليه؟ أنا مش قصدي حاجة.. استني هشرحلك المصطلح ده جيه منين.. بصي يا ستي كان يا مكان كان في مكان زمان اسمه ستوكهولم (منطقة في السويد) كان في بنات هناك بيشتغلوا في بنك، اتعرضوا للخطف من حرامية عملوا سطوا على البنك.. والبنات دول حبوا اللي خطفوهم ومن هنا جت فكرة إنك تحبي الشخص التوكسيك اللي بيأذيكي، دي طبعًا حالة مرضية لكن للأسف الناس صورتها على أنها حاجة رومانسية فظهر أمثالك بقى."
كان أنس يشرح المصطلح وفي الوقت ذاته كان يعصر قلب ميرال عصرًا حينما ازداد إدراكها لمدى حماقتها وأنها بالفعل كانت ترى الأمور من منظور قاصر للغاية.
منظور خاطئ تمامًا، منظور قد صوره المجتمع، الأفلام الهابطة والروايات الفاسدة على أنه الحب، الحب والكرامة لا يجتمعان.. يالها من سخافة.. فما معنى الحب دون كرامة؟ كيف للإنسان أن يحب أحد آخر قبل أن يحب نفسه؟ كيف للإنسان أن يحافظ على كرامة ومشاعر شخص آخر إن لم يحافظ على كرامة نفسه أولًا؟
رمشت ميرال عدة مرات متتالية وهي تخرج من شرودها، ومن ثم تطالع أنس بإبتسامة ساخرة وهي تهمس:
"ربنا يكرم أصلك."
"أنتِ زعلتي ولا إيه؟ أنا مش قصدي ازعلك.."
"لا مزعلتش ولا حاجة، وحتى لو زعلانة مش هيبقى منك هيبقى من نفسي.. أنا اللي وصلت نفسي للمرحلة دي."
"بقولك إيه يا ميرال أنا عازمك عند ال Psychiatrist (الطبيب/ة النفسية) بتاعتي."
"يااه عزومة ولا أروع بصراحة، وبعدين لا يا عم أنا عارفة أن الدكاترة النفسيين كشفهم غالي أوي."
"هي دي حقيقة، بس أنا عازمك."
"لا معلش مش هينفع."
"طب بصي أنا هدفعلك وأنتِ قسطي المبلغ على عشر سنين، كل سنة جنية ونص مثلًا.."
"اتفقنا.. طب أيه أنت مش هتحكيلي زعلان ليه؟"
سألت ميرال بتلقائية تامة ليحاول أنس اخفاء ضحكته ويحاول التحدث بجدية لا تتماشى مع حديثه الساخرة مردفًا:
"زعلان؟ بصي يا ستي أبويا كان مدمن، أمي كانت في مصحة للأمراض النفسية والعقلية وأختي كانت في غيبوبة بسبب أبويا، بس فزعلان شوية."
قهقهت ميرال على حديثه ظنًا منها أنه يمزح لكنها وجدت تعابير وجهه جادة تمامًا فيما عدا ابتسامة منكسرة ظهرت على جانبه فمه، اعتدلت في جلستها وهي تسأله بجدية:
"هو أنت بتتكلم جد؟"
"اه.. للأسف يعني." نبس أنس ببعض الحرج وهو يعدل من جلسته دلالة على عدم شعوره بالراحة، ضحكة ساخرة صدرت من ميرال قبل أن تتفوه مستنكرة:
"وأنا اللي كنت فاكرة إن مشكلتي هي أكبر مشكلة في الدنيا.."
"هي فعلًا أكبر مشكلة في الدنيا.. دنيتك أنتِ، مش معنى إن في ناس تانية بتعاني أو أنك بطريقة ما شايفاهم بيعانوا أكتر منك أنك تتفهي من مشكلتك، يعني أنا لو في وضع شبه بتاعك وسيبت البنت اللي بحبها لو بحبها بجد يعني هبقى منهار وفي نوبة اكتئاب."
"أنا بصراحة مش قادرة اتخيل نفسي مكانك.. حاسه قلبي مش هيستحمل الفكرة أصلًا.."
"بعد فترة بتتأقلمي مع الوضع مهما كان سيء.. بعد الشر عنك طبعًا ربنا ما يحطك في وضع زي ده."
"طيب وليه متحاولش تغير الوضع ده؟ أنا عارفة إن طبعًا الكلام من برا سهل.. أنس هو اللي أنت حكيته ده بجد؟"
كانت ميرال تتحدث بجدية تامة ولكنها عاودت السؤال بحيرة عما إن كان حديثه صادقًا أم لا، ضحكة رجولية عالية صدرت من أنس سمحت بظهور أسنانه البيضاء اللامعة وإن كانت ميرال في غير وضع وفي غير زمان لو قعت في حب ابتسامته تلك بدون جهد يذكر، بعد أن انتهى أنس من نوبة الضحك خاصته فرك عيناه قبل أن يحمحم ويردف بجدية:
"هاتي مصحف أحلفلك عليه لو مش مصدقاني."
"لا خلاص مصدقاك مصدقاك.. إيه ده أفنان ورحيم ومعاهم بابا.."
"اه ما أنا اللي قولتلهم يجيبوه."
"بابا ميعرفش حاجة صح؟ هقولهم إيه عن الدبلة اللي مش في إيدي؟"
"عادي أفنان شالتها في شنطتها لما أغم عليكي عشان خافت لحد يسرقها والناس بتساعدك."
"صح برافو عليك."
"إيه يا ميرال يا بنتي أنتِ كويسة؟"
"اه يا بابا متقلقش أنا بس مكنتش واكلة كويس." كذبت ميرال بنبرة مرهقة لكن من شدة قلق والدها لم ينتبه لكونها غير صادقة، زفر بضيق ومن ثم انتبه لشيء هام ليسألها الآتي:
"وفين نوح؟ ازاي يسيبك في الوضع ده؟"
"ما هو أصل.. هو ميعرفش.. أحنا كنا مع بعض وجاله شغل فجاءة ووصلني لأفنان و.. ومشي وكده."
"طيب يا بنتي، أنا هروح الحسابات وأجي ونروح البيت ترتاحي." أعلن والدها لتومئ له ميرال بصمت، يستقيم أنس من مقعده ويتبع والدها ورحيم ولكن قبل أن يذهب يلقي نظرة أخيرة نحوها وهو يهمس بصوت منخفض:
"أنا هقوم أشوفهم بقى.. متنسيش العزومة ها." ابتسم ميرال ابتسامة صغيرة وهي تومئ برأسها بـ‘نعم‘ ليبتسم أنس وهو يغمز لها بإحدى عينيه.
"عزومة إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.."
"هبقى اشرحلك بعدين.."
"ميرال ممكن تقوليلي إيه اللي خلاكي تاخدي القرار ده فجاءة.. ليه بعد ما استحملتي المدة دي قررتي تنهي كل حاجة؟ أنا مبسوطة وفخورة بيكي طبعًا بس عندي فضول."
"أنا سمعتكوا وأنتم بتتكلموا.. من الصدمة معرفتش أدي رد فعل.. فضلت تلات أيام مش بنام، مش عارفة أفكر.. مش عارفة أخد قرار.."
كانت ميرال تفسر ما حدث بحزن شديد، كانت أفنان تستمع إليها في ذهول واستياء قبل أن تسألها الآتي:
"ليه مقولتليش؟"
"كرامتي وجعتني أوي يا أفنان، فرق كبير أوي لما الحاجة تبقى محسوسة وبين لما تتقال بشكل صريح.. أنا تايهة ومتلخبطة ومش عارفة أعمل أيه.. أنا مش عارفة هقول لبابا ازاي.. والفلوس اللي دفعها في الجهاز والحاجة اللي اتجابت عالفاضي.. ولا ماما.."
"هتقوليلهم أيه يعني أيه؟ هتقوليلهم كل شيء قسمة ونصيب، والحاجة اللي اتجابت هنشيلها عندنا لحد أما يجي ابن الحلال اللي يستاهلك بجد، وماما وخالتو اكيد هيتصالحوا يعني، وبعدين أنت مش هتكملي في علاقة فاشلة عشان ماما وخالتو ميزعلوش."
"ياريت الموضوع كان بالسهولة اللي بتتكلمي بيها دي.. أنت عارفة ده حتى مفكرش يتصل بيا ولا حتى جري ورايا وحاول يلحقني.. سابني أمشي كأني ولا حاجة."
"بني آدم برأس.. ولا بلاش أشيل ذنب واحد زي ده. بصي يا ميرال يا حبيبتي، كل حاجة بتبقى صعبة في أولها.. ومع الوقت بنتخطى اللي حصل أو بنتعافى نسبيًا عالأقل. وبعدين ازاي تبقي زعلانة كده وماما عاملالنا صنية مكرونة بشاميل عالغداء؟"
قهقهت ميرال على سخافة شقيقتها لتستقيم أفنان وتضمها في عناقها الدافئ، تنهمر بسببه دموع ميرال مجددًا، لكن أفنان لا تطلب منها التوقف عن البكاء، بل تدعها تفرغ كل ما في جعبتها من حزن وطاقة سلبية. بعد ساعتين كانت ميرال تجلس برفقة أفنان ووالديها على طاولة الطعام، ووضع الطعام أمامهم وساد الصمت.
لم يأكل أحد ولم يتحدث أحد، وقد كان الوضع مريب بدرجة غير مفهومة. بالرغم من عدم معرفة والديهم بما حدث، إلا أن والدهم كان يعرف أن هناك خطبًا ما يتعلق بميرال. إن ابنته الكبرى منطفئة. زال بريق عيناها وغلف السواد أسفل عيناها بسرعة غير معقولة. كيف لم يلاحظ ذلك في الأيام الماضية؟ شعر بالخزي تجاه نفسه، لكن ماذا عساه يفعل؟ لقد كان منشغلًا بمرض والدته، العمل، المتجر، واخيرًا تجهيزات زواج ميرال.
"ما هو يا تتكلموا يا تاكلوا، مش معقول كده." أردفت رانيا والدتهم بفراغ صبر. حمحمت ميرال وقد فتحت ثغرها، لكن الكلمات قد غادرتها. منحت أفنان نبرة تطلب المساعدة لتتحدث أفنان بدلًا منها.
"ميرال سابت نوح."
"مش وقت هزارك البايخ ده يا أفنان! ولا.. أنت بتتكلمي جد؟ دبلتك فين يا ميرال؟" كانت والدة أفنان تظن أنها مجرد مزحة سخيفة من أفنان، لكن هدوء أفنان غير المعتاد قد أثبت عكس ذلك. لم يقبل عقل رانيا ما سمعته من ابنتها، ولكن جاء صوت زوجها حازمًا وهو يردف:
"اهدي شوية يا رانيا وخلينا نفهم!"
"نفهم أيه يا أحمد؟ الناس هتقول علينا أيه؟ وأختي هقولها أيه؟"
"رانيا أنا قولت اهدي من فضلك! خلينا نسمع منهم الأول.. بنتي أهم من أي حد ومن أي حاجة.. أختك سابت خطيبها ليه يا أفنان؟"
"عشان نوح بيحبني أنا يا بابا. كان طول الوقت بيلمح وحاولت أقولكوا أكتر من مرة وحذرت ميرال أكتر من مرة ومحدش سمع مني.. كنت بطلع أخت شريرة ووحشة. لحد ما البيه قرر أنه يصارحني ويقولي وش وبكل بجاحة أنه بيحبني وميرال سمعته. لا وأيه قالي في يوم كلكوا كنتوا فيه معايا ومعملش احترام ولا اعتبار لأي حد!"
بصقت أفنان كلماتها وهي تشعر بغصة في حلقها، بينما تجمعت الدموع في عيناها هي أيضًا. لقد كان الموقف غاية في الصعوبة والألم بالنسبة إليها كما الأمر بالنسبة لميرال. ساد الصمت لبرهة قبل أن تتابع أفنان حديثها وهي تخبرهم عن كل شيء وكل ما فعله نوح وتسبب فيه من ألم الفترات الماضية.
بعد الإنتهاء من حديثها وبعد مناقشات عديدة وجدال، اتخذت رانيا قرار بأن تبقي علاقتها بشقيقتها كما هي بعيدة تمامًا عن ما حدث بين ابنتها وابن شقيقتها. أعادت والدة أفنان "الشبكة" إلى شقيقتها وطلبت من ألا يتحدث نوح إلا ابنتيها مجددًا، بل وألا يتحدث إليها هي شخصيًا. وذلك الوغد الجبان لم يقوى على المواجهة ولم يقوى على الاعتذار.
كانت ميرال تحاول التعافي من أسوء فترات حياتها، وإن كان وجود نوح إلى جانبها يسبب لها ألمًا يفوق ألم بعده، لكن ذلك لم يمنع صعوبة إقناع نفسها بأن كل شيء قد انتهى وأن العش الذي أخذت تبنيه بمساعدته الشهور الماضية قد هدم قبل حتى أن تخطو قدمها داخله. ولم تستطع كبح نفسها من السؤال الذي لطالما سأله معظمنا في مثل هذه الأوقات:
"لماذا أنا؟ ولماذا على كل شيء أقع في أحبه أن يرحل عني بهذه القسوة؟ لماذا جاء من الإساس إن لم يكن مقدر له البقاء؟ لم على كل أحلامنا أن تندثر بهذه الطاقة ولم مقدر على الدوام ليسقف توقعاتنا أن يتحطم فوق رؤوسنا في كل مرة؟"
لكنها لم تجد قط جوابًا واحدًا يرضيها. ومرت الأيام ببطء شديد لم يكن يساعدها على تجاوزها سوى دعم عائلتها وإنشغالها بالعمل ورسالة أو اثنتين يرسلها ذلك المعتوه اللطيف الممدعو: أنس فريد. بعد أن أرسل إليها طلب صداقة على أحدى مواقع التواصل الإجتماعي.
ثلاثة أسابيع مرت منذ ما حدث. كانت أفنان منشغلة كثيرًا بشقيقتها ورحيم منشغلًا بعمله، لذا لم تقابله غير مرة واحدة في منزلها وكانت جلسة عائلية لطيفة. وفي الزيارة التي تليها جاء رحيم ومعه الخيرات كالمعتاد، لكن كان هناك شيء مختلف حوله. استطاعت أفنان أن تستشعر ذلك بسهولة. متوتر ربما، عقله منشغل بأمر ما. يود أن يخبرهم شيئًا يجول في خاطره؟
"هو بصراحة.. أنا كنت عايز أكلم حضرتك في حاجة.."
"اتفضل يا ابني. أنا سامعك."
"أنا أسف طبعًا يا Uncle لو الظرف مش مناسب بس كنت عايز اطلب من حضرتك طلب." تمتم رحيم في حرج، قاصدًا مرض والدة والد أفنان المتكرر وكذلك ما حدث مع ميرال منذ ثلاثة أسابيع فقط.
"تحت أمرك يا رحيم يا ابني."
"أنا عايز نكتب الكتاب.. أنا وأفنان يعني." تفوه رحيم ببعض التردد لتتسع أعين أفنان وهي تستقيم من مقعدها بفزع، بينما تسأله مستنكرة:
"أيه؟ عايز نعمل أيه؟ أنت يا ابني أنت مش المفروض.."
"ششش اسكتي شوية ممكن؟ ها يا Uncle حضرتك رأيك أيه؟" أردف رحيم متجاهلًا ردة فعلها المبالغ فيها والتي قد توقعها مسبقًا. وما كان يهمه أكثر الآن هو رد والدها.
"والله يا ابني اللي أنتوا تشوفوه. أنا عن نفسي يعني بقلق لما كتب الكتاب بيبقى قبل الفرح بمدة كبيرة عشان لو لقدر الله يعني.."
كان والد أفنان، وبالرغم من حبه الشديد لرحيم، إلا أنه كان يشعر بالقلق من انفصال رحيم عن أفنان بعد عقد قرانهم. ففي تلك الحالة ستصبح مطلقة من قبل أن تطأ قدمها عش الزوجية.
"متقلقش إن شاء الله مفيش حاجة زي كده هتحصل. عمتًا لو حضرتك قلقان أحنا ممكن نقدم ميعاد الفرح لو أفنان معندهاش مانع. أنا بس عايز اعمل كده عشان لما ننزل نجيب حاجات للشقة لو خرجنا حضرتك متقباش قلقان ومنبقاش بنعمل حاجة غلط برضوا."
قام رحيم بشرح وجهة نظره والتي كانت صحيحة تمامًا. أخذ والد أفنان يفكر لثوانٍ قبل أن يسأل أفنان عن رأيها:
"أنت أيه رأيك في الكلام ده يا أفنان؟"
"والله يعني يا بابا لو حضرتك موافق ورحيم موافق فأنا هضطر أني.."
"أرفض طبعًا، إيه التهريج ده؟"
"ده بجد؟"
"بجد إيه؟ أنت كمان؟ أنا عندي استعداد نكتب دلوقتي." أردفت أفنان بنبرة شبه جادة، لينظر نحوها رحيم بحيرة لثوانٍ قبل أن تنفجر هي على ردة فعله، ثم تضيف:
"أنا معنديش مشكلة يعني، بس الفرح يفضل في ميعاده. أنتوا عارفين إن دي آخر سنة ليا في الكلية وعايزاها تخلص على خير ومش عايزة حاجة تشغلني."
"ممكن نخلي كتب الكتاب بعد شهر أو شهرين من دلوقتي ونجهز البيت براحتنا ونتجوز بعد امتحاناتك على طول."
"طب ما هو كده برضوا مش هبقى فاضية لتجهيزات البيت."
"يا أفي، اختاري أي حاجة تعجبك وهما هيجيبوها ويعملوها زي ما أنتِ عايزة، يعني مش هتتعبي في حاجة. هاتيجي كل أسبوعين مثلًا تشوفي اللي اتعمل في البيت والحاجة اللي اتحطت وترجعي تذاكري عادي."
فسّر رحيم ما يدور في خاطره، لتمنحه أفنان ابتسامة صغيرة، لكنها لم تعلّق على ما قاله، بل نظرت إلى والدها أولًا، نظرة ذات مغزى تحاول الاستفهام عن رأيه. يسود الصمت لثوانٍ، بينما يحك والدها ذقنه بإبهامه مفكرًا، قبل أن ينظر نحو والدة أفنان ليسألها عن رأيها:
"إيه رأيك يا حجة؟"
"أنا عن نفسي مش ممانعة طالما هما مبسوطين وأنت راضي."
"خلاص يبقى لو والدك ووالدتك مش ممانعين يبقى على بركة الله."
انتفضت أفنان من مقعدها وهي تطلق زغرودة عالية، تهرول على أثرها شقيقتها نحوهم.
"خير يا جماعة، أفنان بتتخطب تاني ولا إيه؟"
"لا هتجوز!" فسّرت أفنان لتطالعها ميرال بعدم استيعاب، تتققه أفنان على رد فعلها ومن ثم تخبرها بإختصار بما حدث.
بعد بضع دقائق، استأذن رحيم ليجلس مع أفنان في الشرفة على مسافة ليست بعيدة عنهم لكي يثرثروا قليلًا.
"أنا عايزة أعرف بس فكرة كتب الكتاب دي جتلك مين."
"يعني إيه جتلي منين؟ ما أحنا أكيد هنكتب الكتاب يا أفي." تمتم رحيم دون أن يفهم قصدها، لتضحك ساخرة من سذاجته، قبل أن تقوم بإيضاح مقصدها قائلة:
"إيه يا رحيم الذكاء ده، ما أكيد يعني، قصدي أننا نكتب بدري."
"بصراحة أنس نبهني لحاجة، وده شيء غريب جدًا يعني، بس هو قالي إن مينفعش أفضل داخل خارج عليكوا هنا في البيت وأنا خطيبك بس، وعشان نتقابل برا لازم نستأذن Uncle أحمد وبيجي يوصلك وبيبقى فيه إحراج للكل وتعب، فلما نكتب الكتاب هنبقى بننزل لوحدنا عادي."
"يااه، الواد أنس ده ساعات ربنا بيفتحها عليه كده وبيقول حِكَم. هو ده بقى اللي أقنعك؟"
سألته أفنان ليومئ رحيم وهو يضحك، قبل أن يحمحم بحرج، لتستنتج أفنان أنه يريد أن يضيف شيئًا على ما قالته. صمت رحيم لبرهة قبل أن يقول بخجل واضح:
"بصراحة، He told me that i will be able to hold your hand and I always wanted to do that. لقد أخبرني أنه سيكون بإمكاني الإمساك بيدك، ولطالما أردت فعل ذلك."
"يالهوي، أنت سُكّر بجد." همست أفنان وهي تضحك، مشاركة رحيم الخجل ذاته، وبداخلها تدعو أن تمر الأيام سريعًا حتى يحين موعد اليوم المنتظر واللحظة المنتظرة حينما تصبح زوجته رسميًا.
أعلم رحيم والديه بما قرر فعله. كانت والدته معترضة بالفعل، فهي ما زال لديها بعض الأمل في إنهاء تلك العلاقة الفاشلة من وجهة نظرها، لكن ذلك لم يكن خيارًا بالنسبة لرحيم. لكن والدته أخبرته بأنه لا رجعة فيما ينوي فعله، ففي حالة أي خلاف سيحصل كلاهما على لقب مطلّق ومطلّقة.
بعد مرور أسبوعين، بدأ رحيم وأفنان في اختيار المسجد الذي سيتم فيه عقد القران، ترتيبات جلسة التصوير التي سيقومون بها بعد عقد القران، ثوب أفنان الذي أصر رحيم أن يتم تفصيله خصيصًا من أجلها. أما أنس، فكان مشغولًا مع أروى، التي رفضت أن تتحدث إليه، وقد حبست نفسها في حجرتها بعد أن علمت بوفاة والدها منذ أكثر من شهرين وإخفاء أنس الأمر عنها.
"يا أروى افتحي بقى، مش هقعد كل يوم أتحايل عليكي. يا أروى من فضلك بقى، بقالي يومين بنام جنب باب أوضتك وبرضوا مصعبتش عليكي. طيب طمنيني أنتِ بتاكلي ولا لأ؟ عندك أكل في التلاجة بتاعتك على فكرة ومايه."
لم تجب أروى على أخيها الذي يجلس على أرضية الرواق وهو ينتحب. لقد حاول كبح دموعه كثيرًا، لكن انتهى به الأمر يبكي كطفل فقد والدته. لم يجد أمامه حلًا سوى مهاتفة رحيم وميا لكي يأتوا لمساعدته على إقناع أروى بالخروج من قوقعتها والتحدث إليه.
"أروى أنا رحيم، معايا ميا ومامي. ممكن تفتحي من فضلك؟ بصي طيب، أنا هخلي أنس يمشي من هنا واطلعي أتكلمي معانا." كانت أروى تستمع إلى ما يقوله رحيم. اقتربت بالكرسي خاصتها لتنظر من خلال ثقب الباب، وبمجرد أن تأكدت من رحيل أنس، قامت بفتح الباب سامحة لميا ورحيم بالدخول إلى حجرتها.
"تعالي نقعد في الـ Balcony، الشرفة، نتكلم."
لم تعلق أروى واكتفت بالإيماء، قبل أن تحرك الكرسي خاصتها جهة الشرفة في منتصف الطابق. بدأ رحيم في الثرثرة محاولًا إقناعها بمسامحة أنس. فركت أروى عيناها المنتفخة من البكاء بتملل وهي تستمع إلى حديث رحيم بعدم اقتناع، قبل أن تردف:
"رحيم أنت عايزني أسامحه إزاي بعد ما خبى عليا كل ده؟"
"كان خايف عليكي يا أروى، مش خايف بس، مرعوب! أنس ما صدق إن ربنا كرمك وفوقتي وبقيتي تتكلمي وتتحركي. إزاي كنتِ متوقعة منه إنه يضحي بكل الحاجات دي ويخاطر ويقولك خبر زي ده؟"
"أنا بس، كان نفسي أشوفه لآخر مرة يا رحيم. أنا عارفة إنه دمرني، عايشني طفولة قاسية لسه تأثيرها مستمر عليا لحد النهاردة. خلاني متعقدة من الرجالة كلهم ورفضت ارتبط طول السنين اللي فاتت، وآخر حاجة كان هيموتني أنا وأنس بس. كنت عايزة أشوفه يمكن كان قلبي يتحرك ناحيته ولو لمرة واحدة، حتى أحس بشفقة ناحيته. لكن دلوقتي أنا هفضل طول عمري بكرهه."
"مش هقدر ألومك على أي حاجة يا أروى، لكن صدقيني أنتِ وأنس ملكوش غير بعض. وهو، يعني أنا مش المفروض أقول كده، بس بعد الحادثة بتاعتك أنس اتحول لشخص تاني. He became miserable, he did a lot of bad stuff. But at the end of the day he didn’t cause harm to anyone but himself. أصبح تعيس، لقد فعل الكثير من الأشياء السيئة، لكن في نهاية المطاف هو لم يؤذِ أحدًا غير نفسه."
كانت أروى غاية في الحساسية في تلك اللحظة، وكلمات رحيم تلك زادت حالتها سوءًا، فلقد شعرت بالذنب تجاه أخيها الأصغر، ربنا تحاملت عليه بشكل زائد، لكن في الوقت ذاته كان الأمر برمته غاية في الصعوبة كي يستوعبه عقلها.
"ده أنا كنت في رحمة ومعرفش. سيبت أنس يواجه كل ده لوحده وكنت أنا في عالم موازي أساسًا."
"مكنش عندك اختيار، ده قدر. يمكن ده الأحسن. أنتِ كنتِ دايمًا بتواجهي Uncle فريد، لكن أنس لأ، لحد أما جه اليوم اللي مكنش عنده حل تاني غير المواجهة."
"هو أنس فين؟" سألت أروى بشرود وكأنها لم تسمع ما قاله رحيم قبل ثوانٍ. ألتفت رحيم حوله بحثًا عن ميا، لكنه لم يجدها. ألقى نظرة مجددًا ليجد ميا تتحدث في الهاتف في حديقة المنزل.
"مش عارف. ميا، Can you tell Anas to come upstairs please؟ هل يمكنكِ أن تخبري أنس أن يصعد إلى الطابق العلوي من فضلك؟"
"Anas is gone. لقد رحل أنس."
صاحت ميا من حديقة المنزل، ليستقيم رحيم من مقعده بضيق، بينما اضطربت معالم أروى وقد بدأ الشعور بالذنب يسيطر عليها كليًا.
"متقلقيش، شوية وهيرجع." تمتم رحيم محاولًا طمأنة المسكينة، بينما في داخله يدعو ألا يكون ذلك الأحمق قد عزم على ارتكاب خطأ ما كالعودة إلى الشرب مثلًا أو القيادة بجنون، والأسوأ مقابلة إحدى هؤلاء الفتيات المقهورات!
على الجانب الآخر، كان أنس يقود سيارته بجنون، وبكل تأكيد قد ارتكب عدة مخالفات نتيجة تجاوزه للسرعة المسموح بها. قام بإيقاف السيارة أمام "الفيلا" المنشودة، ومن ثم دلف إلى الداخل مقتحمًا باب العيادة وهو يصيح في وجه الطبيبة بأعين محمرة ويد مرتعشة:
"أنا محتاج أتكلم معاكي دلوقتي حالًا!"
رواية في حي الزمالك الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ايمان عادل
"أنا محتاج أتكلم معاكي دلوقتي حالاً!"
"يا أستاذ مينفعش كده بعد إذنك اتفضل الدكتورة معاها حالة."
"سيبيه أحنا خلصنا خلاص، اتفضل استريح يا أنس ودقيقة وهكون معاك." اومئ لها أنس وذهب ليجلس على الأريكة البيضاء الموضوعة في أحد الأركان بينما كانت تتحدث هي مع الجالسة أمامها، ولكن أنس لم يستمع إلى حديثهم فلم يدري إن كانت مريضة أم مندوبة من إحدى شركات الأدوية.
"أنس.. تعالى هنا اتفضل." أخرجته من شروده وهي تشير إليه بأن يجلس أمامها.
"أنا أسف على قلة الذوق بتاعتي.. دلوقتي والمرة اللي فاتت لما مشيت فجأة، أنا بس كنت متضايق من نفسي عشان حكيت وأنا كنت واخد عهد على نفسي أني محكيش لحد حاجة.. بس أنا رجعت اتحطيت في ضغط تاني وفي أحداث كتير بتحصل في حياتي وحاسس أني نفسي مش مستعد لكل ده.."
تحدث أنس بحرج شديد ولكنه حديثه كان صادق، كانت تنظر نحوه بملامح مرتخية وهدوء شديد قبل أن تردف بنبرة متفهمة:
"سمعاك يا أنس اتفضل، ابدأ من النقطة اللي تحب تتكلم عنها أو حاسس أنها عملالك ضغط."
"علاقتي أنا وأختي متوترة.. عرفت إن فريد أتوفى من أكتر من شهرين وأني خبيت عليها، كانت حابسه نفسها في أوضتها ومش عايزة تكلمني.. قبلت تخرج تكلم رحيم وميا اللي حكتلك عنهم قبل كده ومقبلتش تكلمني.. و.. البنت.. اللي.. أنا محكتش عنها صح؟"
كان حديث أنس مبعثر دلالة على التشوش والزحام داخل عقله، ابتسمت الطبيبة رغمًا عنها خاصة حينما ذكر 'الفتاة'، ابتسم هو الآخر وهو يعيد خصلات شعره الطويلة نحو الخلف قبل أن يحمحم وهو يعتدل في جلسته ثم يردف:
"دي بنت.. قابلتها صدفة أكتر من مرة، كل مرة كان القدر بيجمعنا بطريقة غريبة.. أنا بطبيعتي مش شخص رومانسي ومليش في النحنحة زي رحيم بس في حاجة في البنت دي مخلياني بتصرف تصرفات مش عقلانية تمامًا، المهم أنها كانت مخطوبة وده كان واقف عقبة في الطريق بس دلوقتي هي سابت خطيبها وبقالنا أسبوعين تقريبًا بنتكلم Chatting 'دردشة'.. أنا عارف أن ده غلط بس أنا مبسوط.."
"كويس أنك مدرك أن ده مش صح، البنت مشاعرها مضطربة جدًا دلوقتي بكل تأكيد ومحتاجة دعم كبير، وجودك جنبها في فترة زي دي ممكن يخلق عندها وهم أنها بتحبك أو على الأقل عندها مشاعر ناحيتك."
تفوهت الطبيبة بالكلام ذاته الذي تفوهت به أروى في محاولة لنصح أنس لكنه لم يقتنع، أمتعض وجه أنس على الفور وهو يعقب على حديث الطبيبة مستنكرًا:
"وهم؟"
"طبعًا يا أنس وهم، هي مش مؤهلة إطلاقًا في فترة زي دي أنها تدخل في علاقة جديدة.. وأنت شايف أنك مؤهل أنك تدخل في علاقة؟"
"في دي عندك حق.. ده السبب اللي خلاني أجي هنا من الأول.. أنا حاسس أني محتاج للحب، الأمان، الإهتمام بس لازم في المقابل أكون أنا كمان قادر أوفر للطرف التاني نفس الحاجات دي وأكتر.. مش عايز أكون أناني أو toxic 'سام/سيء'."
"طيب عايز تقول حاجة تاني ولا أكتفيت؟" كانت في تلك اللحظة تستخدم الطبيبة طريقة أشبه بالطعم الذي يلقيه الصائد للأسماك، هي تريد أن تحث أنس على الحديث والإنفتاح على ذكرياته وماضيه أكثر دون أن تطلب ذلك بشكل مباشر وقد نجحت بالفعل حيث قرر هو أن يقطع الصمت الذي طغى عالمكان بعد سؤاله وهو يردف:
"لما كنت صغير..."
أخذ أنس يروي بعد ذكرياته الحزينة المشوبة بقليل من الفرح وقد كان الجزء الإيجابي يقتصر على وجود أروى، رحيم وميا لكن أي شيء غير ذلك كان يعتبر جحيم بالنسبة إليه.
وعلى الرغم من أنه لم يكن يتعرض للتنمر في المدرسة ولم يكن فاشلًا من الناحية التعليمية بل كان متفوقًا على أقرانه إلا أنه كان يكره الذهاب إلى المدرسة فمهما فعل لم ير أحد قط أنه شخص جيد كفاية.. وبعد المزيد من الحديث والكثير من العبرات المنهمرة انتهت الجلسة وقد وعد أنس الطبيبة بزيارة قادمة، كان على وشك الرحيل لكنه توقف ليسألها سؤالًا كان يشغل باله كثيرًا:
"هو أنا هحتاج أخد أدوية؟"
"المرة الجاية هنحدد." أومئ لها أنس بلطف وقام بشكرها قبل أن يرحل عائدًا للمنزل، ولكن قبل أن يفعل مر على إحدى متاجر الحلوى الفاخرة وابتاع كل الأنواع التي تعشقها شقيقته غير مباليًا بالفاتورة الضخمة.
"أنا جيت!!" صاح أنس قاطعًا الهدوء المريب المخيم عالمكان لينتفض جميعهم، لم يهتم أنس كثيرًا وذهب نحو أروى والتي عانقته عناق قوي وهي تضربه في كتفه بخفة من شدة قلقها عليه.
"قلقت عليك أنت كنت فين؟"
"كنت بجيبلك دول، ها هتصالحيني بقى ولا إيه؟" ضحكة كبيرة صدرت من أروى ليقترب ود منها ويقبل جبينها وهو يمنحها الحلوى.
"خلاص هصالحك بس بشرط."
"شروطك أوامر.. هو أنا عندي كام أروى يعني؟"
"عايزين نزور مامي." همست أروى وهي تضيق عيناها بقلق من ردة فعل أنس، اقترب رحيم من أنس فهو لا يضمن ردة فعل صديقه الأحمق.. ساد الصمت لبرهة قبل أن يزفر أنس بضيق ومن ثم يسأل ساخرًا:
"مامي مين؟ أمنا؟ لا ثواني.. أنت تقصد عالست اللي رمتنا لفريد وسابته يطلع عقده النفسية علينا؟ ودي هنزورها ليه إن شاء الله؟"
"أنس اتكلم بأدب من فضلك، لو أنت مش عايز تزورها أنا هزورها."
"لا يا أروى، على جثتي الكلام ده.. مش هسمحلك ومش هسمح لأي حد يدخل الست دي حياتنا تاني أنت سامعة؟ وأنت يا ررحيم لو فكرت تخليها تشوفها من ورايا اعتبر إن ملكش صاحب."
صاح أنس مستنكرًا علي شقيقته، كانت نبرته حادة للدرجة التي جعلت أروى ترمش عدة مرات متتالية.. ترك أنس الحلوى التي ابتاعها من أجلها وكل أغراضه ما عدا هاتفه واتجه نحو الطابق العلوي.
كانت علامات الحزن ظاهرة على وجه أروى، زم رحيم شفتيه قبل أن يجلس على الأريكة بالقرب من كرسي أروى ليخبرها الآتي:
"معلش يا أروى متزعليش.. أنس برضوا ليه عذره.. أنا عارف إن أنتوا الإتنين عيشتوا في بيت واحد وإن أنتوا الإتنين Traumatized 'مصدوم/تعرض لصدمة' لكن أنس عانى جدًا في الفترة اللي كنت فيها في Coma 'غيبوبة'."
"أنا عارفة.. أنا مش زعلانة منه، أنا زعلانة من الوضع اللي أحنا فيه.. كان نفسي نكون أسرة طبيعية.."
"للأسف يا أروى دي مش حاجة أحنا بنقدر نختارها.." أومئت أروى بحزن مؤيدة كلام رحيم وهي تتنهد بحزن وبداخلها تفكر بأن أمامها مشوار طويل كي تعيد أنس إلى شخصيته القديمة، السعيدة المتسامحة.. المرحة.. لكن لا بأس فهي ستحاول مرارًا حتى تنجح.
بعد مرور أسبوعين آخرين كانت أفنان بدأت تجهز بشكلها الفعلي لليوم، ذهبت لمصممة الأزياء التي وكلها رحيم بتخصيص فستانها من أجل أفنان وواحد من أجل ميرال وإن كان أنس قد اتفق مع رحيم بشكل سري فيما بينهم أن يتكفل هو بثمن ثوب ميرال.
"ميرال أنت سمعاني؟ هتختاري أيه في الآخر؟ حاسه النبيتي هيبقى حلو أوي عليكي."
"ها؟ اه سمعاك.. النبيتي طبعًا.." أجابت ميرال بشرود تام وهي غير مدركة عما تتحدث أفنان من الأساس، رمقتها الأخيرة بشك وهي تضيق عيناها بينما تسألها بفضول:
"هو أنت بتعملي إيه؟"
"مفيش أنس كان بياخد رأي في بدلته وكنت باخد رأيه في لون الفستان." تمتمت ميرال لتتقوس شفتي أفنان لبرهة قبل أن تردف بحنق طفولي:
"يعني أنا بقالي أسبوعين دايخة معاكي على لون وقماشة للفستان وفي الآخر رايحة تسألي الواد التنح ده؟! عليه العوض."
"يا بنتي أيه ده مش كده طبعًا، ده هو بس عدى قدامه صورة فستان يعني فقال يقترح عليا."
بررت ميرال وهي تضحك ضحكة مشوبة بالتوتر والخجل ربما، أخذت أفنان نفسًا عميق قبل أن تجلس أمام ميرال وهي تردف بجدية:
"تمام.. مش شايفة أنك المفروض تخفي كلام مع أنس شوية؟"
"عندك حق.. هو بس أنت عارفة عشان تجهيزات كتب الكتاب.. وهو بينط مع رحيم في كل حتة بنروحها كلنا.."
مجددًا حاولت ميرال التبرير والتملص من المحادثة التي تجريها أفنان لكن الأخيرة لم تكن ساذجة لذا قررت أن تفصح عن ما تريد قوله بشكل مباشر:
"ميرال حبيبتي، أوعي توقعي في نفس الغلط مرتين.. مينفعش نتعافى من علاقة بعلاقة تانية."
"أنت قصدك على مين؟ أنس.. لا يا بنتي أحنا صحاب مش أكتر.."
أو أقل كمان من كده. بتلعثم شديد مقترن بضحكات متفرقة تنم عن التوتر قالت ميرال. رمقتها أفنان وهي تضيق عينيها بعدم اقتناع قبل أن تردف:
"ماشي يا ميرال، أنا قولت إن من واجبي كأخت أني انصحك وأنت وشوقك بقى."
أومئت ميرال بعبوس وهي تغلق الهاتف وتضعه جانبًا.
"ميرال بقولك أيه معلش دوري عالسلسلة الدهب بتاعتي كده في درج التسريحة، السلسلة اللي ماما كانت جايبهالي هدية في ثانوي."
"حاضر."
تمتمت ميرال بهدوء وشرعت تنفذ طلب شقيقتها.
وبينما كانت تبحث وجدت عن طريق المصادفة ذلك السلسال الفضي الذي ابتاعه نوح من أجلها وقد وضع إلى جانبه صورة تجمعهم حينما كانوا في السابعة من عمرهم تقريبًا. وقد خبئت ميرال تلك الصورة في السابق، لا تدر كيف وقعت أمامها الآن. شعرت برجفة تحتل كيانها وآلم شديد في صدرها وكأنها طعنت بألف خنجر. بأنامل مرتعشة أمسكت بالسلسال تتحسسه. رائحة نوح لم تفارقه بعد.
"ها لاقيتيها؟"
"بتكلميني؟ لا لسه.."
نبست ميرال بتلعثم لتعقد أفنان حاجبيها وتقترب منها لترى ما الخطب. فهي تستطيع تميز نبرة ميرال الحزينة والمتوترة بسهولة كبيرة.
"بقولك أيه رحيم كان عايز يعزمني أنا وأنت عالغداء. وكمان هيجيب أروى وميا.. وأنس طبعًا. بيقول عايزنا كلنا نتعرف على بعض وكده. أيه رأيك؟"
"مش حاسة أني قادرة أقابل حد.."
"خلاص اتفقنا هخليه يقابلني ونعدي عليكي ناخدك بعد الشغل."
تمتمت أفنان غير مبالية بما تقوله ميرال لتقلب الآخرى عيناها وهي تعلم أنه لا مفر. طالما أن أفنان قد وضعت خطة فلا مجال لتغيرها. وبالفعل تمت المقابلة ومر اليوم بسلام وإن كانت ميرال حاولت تجاهل أنس قدر الإمكان لكي لا يسئ أحد الجالسين فهمها. وقد مر اليوم بخير.
ومجددًا.. مرت الأيام بسرعة لا تصدق حتى وجدت أفنان نفسها داخل حجرة في أحد الفنادق والتي صمم رحيم خصيصًا أن يتم حجزها من أجلها. تجلس على الكرسي ذو اللون الذهبي الفاخر وأمامها عشرات من مستحضرات التجميل بينما تقوم خبيرة التجميل بوضع مساحيق التجميل من أجلها ومساعدتها في ارتداء الوشاح خاصتها.
بعد أن انتهت أفنان من التجهيزات وقفت ترمق نفسها في المرآة الطويلة والتي تعكس مظهرها كاملاً. ثوب باللون الأبيض المنطفئ 'Off white'، كان يشبه ثوب الأميرات. كان مصنوعًا من قماش أبيض غير مطرز مكسو من الأعلى بقماش 'الشيفون' ومزين بقطع صغيرة من 'اللولي' موضوع على قطعة من الستان في منتصف الجزء العلوي من الفستان. كانت مساحيق التجميل بالكاد ظاهرة فأفنان لم تحبذ الألوان الثقيلة وبالنسبة لرحيم فلم يكن ليمانع أن تكون على هيئتها الطبيعية تمامًا.
"ميرال أيه رأيك؟"
سألت أفنان بتوتر وهي تتبادل النظرات مع ميرال من خلال انعكاس كليهما في المرآة. تقترب منها ميرال وتضمها من الخلف وهي تهمس بنبرة اختلطت بالبكاء:
"زي القمر يا روح قلبي، أجمل عروسة شافتها عيني."
"يا جماعة حد يبعد ميرال دي هتخليني اعيط."
أردفت أفنان بمزاح موجهة حديثها إلى ميا، أروى ووالدتها ليقهقه الجميع. ومن تلتفت أفنان لتأخذ شقيقتها في عناق لطيف.
"ميرال ممكن تشوفي لو رحيم وأنس جهزوا عشان منتأخرش وكده، عايزين نلحق الشمس عشان ال Photosession 'جلسة التصوير'."
أومئت ميرال بتوتر خاصة حينما ذكرت أفنان اسم أنس في وجود شقيقته. حاولت ميرال تلطيف الأجواء والتخلص من الحرج وهي تطلب من أروى أن تهاتف أنس وتخبرهم بأنهم مستعدين للذهاب.
مرت عشرة دقائق قبل أن يطرق أحدهم باب الجناح. يتوتر الجميع ظنًا منهم أنه رحيم لكنه كان والد أفنان.
"بسم الله ما شاء الله، قمر يا أفنان ربنا يحميكي يا حبيبتي.. أحلى عروسة في الدنيا."
تمتم والد أفنان وهو يتأمل مظهر ابنته. يكفكف دموعه بمنديل ورقي قبل أن تهرول هي نحوه لتضمه في عناقها الدافئ.
"مع إنك لسه هتقعدي معايا شوية بس برضوا عقلي وقلبي مش متقبلين فكرة أنك كبرتي وخلاص هتبعدي عن حضني، العمر جري بيا أوي."
"يا حبيبي ربنا يديلك الصحة وطول العمر ويخليك لينا، أنت هتفضل الأصل وأول راجل في حياتي وأول حب في حياتي يا بابا."
كان المشهد مؤثر للغاية. اغرورقت عين الجميع بالدموع وبشكل خاص أروى التي شعرت بغصة في حلقها فهي لن تسمع كلمات حلوة كتلك من والدها ولن يقبل رأسها بهذا الحنان وبالطبع لن تحصل على عناق دافئ كهذا. والسبب في ذلك لا يرجع فقط لكون والدها لم يعد على قيد الحياة فلو كان كذلك ما كان الوضع ليتغير لأن شخصًا كفريد لا يستحق لقب أب من الأساس. حمحمت أروى وهي تحاول أن تمنع دموعها من الإنهمار بينما تردف بنبرة مرحة:
"مش كفاية عياط بقى ولا أيه؟ مش نشوف العرسان فين.. قصدي العريس.. رحيم."
تعمدت أروى قول ذلك وهي تغمز بإحدى عينيها نحو ميرال لتضحك الآخرى بتوتر وخجل. تمر دقيقة واحدة ثم يسمعوا طرقات على الباب مجددًا.
تتوتر أفنان على الفور وينظر نحوها والدها بينما يطمئنها قائلًا:
"هروح افتح الباب."
ذهب والدها بخطوات بطيئة مزيدًا الحماس في الأجواء. ينفتح الباب ببطء ليظهر من خلفه رحيم بقامته المهيبة وخصلات شعره المصففة بعناية. بدلة مهندمة أبرزت جسده الممشوق. كانت البذلة الرسمية خاصته سوداء تمامًا كلون لحيته.
زينت ابتسامة واسعة ثغرة لا تخلو من التوتر والإشتياق في الوقت ذاته. تلمع عيناه بقوة فور رؤيته لأفنان ويشعر بأن قلبه على وشك أن يغادر صدره من فرط الحماس.
يقترب منها رغبة في التخلص من تلك المسافات التي تفصل بينهم ومن شدة شوقه كان على وشك أن يضمها لولا أن هرول أنس سريعًا يضع ذراعه حاجزًا أمام رحيم الذي كان أشبه بالمسحور. صبغ وجه كلًا من أفنان ورحيم باللون الأحمر بينما رمق أنس رحيم بطرف عيناه قبل يتمتم ساخرًا:
"ثواني بس يا برنس بتعمل أيه! استنى أما تكتبوا الأول، مستعجل على أيه؟"
"صح.. أنا أسف.. بس أفي.. قصدي لما شوفتك يعني.."
تلعثم رحيم بشدة وهو يضحك بخجل بعد أن رفض عقله تكوين جملة ذات معنى. منح أفنان باقة الزهور لتأخذها منه بيد مرتجفة وهي تبتسم كاشفة عن أسنانها البيضاء تمامًا كحبات اللؤلؤ. بعيدًا عن ذلك الناب الذي قرر أن ينحني على السن المجاور له والذي لطالما كرهت أفنان شكله ولكن بالنسبة لرحيم كانت علامة مميزة في مظهر أفنان.
أما عن أفنان فكانت تطالع رحيم بحب حقيقي. قدر من الحب لم تكن تعلم يومًا بوجوده. لقد كانت تظن أن الحب خدعة. مشاعر ساذجة لا وجود لها على أرض الواقع بل هي من صنع كتاب الروايات وصانعي الأفلام ولكنها اليوم وفي تلك اللحظة تحديدًا أدركت صدق كلام الذين سبقوها في الغوص في بحار الحب والولع. فهي الآن على وشك أن تمنح كل شيء تملكه ويخصها من أجل أن تبقى بجانب ذلك الشاب الذي اختاره قلبها.
بعد بضع دقائق توجه الجميع إلى السيارات كي يذهبوا إلى المسجد الذي سيتم فيه عقد القران. من شدة السعادة لم تدرك أفنان ما يحدث من حولها حتى وجدت نفسها تجلس علي ذلك الكرسي المزين بالقماش الذهبي اللامع وإلى جانبها تصميمات لطيفة من الزهور والجميع يجلس أمامها وكل عالمها إلى جانبها. رحيم، يجلس إلى جانبها بينما يقوم بالتوقيع على عقد الزواج.
لقد وضع رقمًا خرافي كمؤخر صداق. صعق الجميع من الرقم الموضوع في العقد والذي لم يكن يعلمه والد أفنان من الأساس! نظرت أفنان نحو رحيم بدهشة لكنه منحها نظرة بمعنى 'لا تهتمي'. انتهت جميع الإجراءات حتى جاءت اللحظة الحاسمة. اللحظة الألطف من مراسم عقد القران وهي الدعاء للزوجين.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
أردف 'المأذون' ليردد الجميع خلفه ثلاثة مرات ومن تنطلق أصوات الزغاريد المغلفة بدموع السعادة من أفنان وأسرتها.
استقامت أفنان من مقعدها ورحيم فعل المثل في الوقت ذاته قبل أن يفتح ذراعيه بكل اشتياق وحنان لتهرول أفنان وتضمه في عناق قوي. لحظة وقف عندها الزمن وتلاشت كل الموجودات ولم يبقى أحد غيرها وغيره. تشبثت به بقوة وكأنه أكثر الأشياء ثباتًا في هذا العالم. يتنفس عطرها وتستمد قوتها من رجفة يديه. تنهمر دموع كلًا منهما فرحًا بتحقيق الحلم. لم يكن رحيم يدري يومًا أن للحلال مذاقًا خاصًا كهذا. مذاقًا حلوًا كهذا. مذاقًا لا يوجد مثيل له.
اقترب والد أفنان ليفصل العناق بغيرة أب يرى صغيرته تبتعد عن أحضانه. ألتفتت أفنان نحوه لتضم والدها في عناقها اللطيف تفصله أفنان بعد مدة وتقبل يد والدها ومن ثم رأسه وتنتقل بعدها إلى والدتها ويليها شقيقتها ومن ثم تتبادل أفنان العناق وتتلقى المباركة من العديد من الأشخاص لا تذكرهم هي. بالأحرى لم تكن تشعر بما يدور حولها فالسعادة قد سيطرت على كامل عقلها فأصبحت لا ترى شيء سوى رحيم. وبعض الفراشات المتطايرة من حولهم ونسمات الهواء العليلة التي تؤنسنا في أيام الصيف الحارة.
"أنا مش قادر أصدق.."
أخيرًا أنت لي. أنا عمري ما كنت سعيد كده في حياتي.
أنا بحبك أوي يا رحيم أوي بجد! أردفت أفنان بكل شجاعة، فلا شيء خاطئ في الصراخ بمدى حبها لرحيم الآن فهي أصبحت زوجته وبشكل رسمي. اقترب منها رحيم ليقبل جبينها بلطف ثم يضمها إلى صدره مجددًا بينما يتلقى التهنئة من الجميع.
خف نحنتك شوية يا عم ممس.
لا إله إلا الله، ده جوزي يا أنس رسمي ها جوزي، يعني يعمل اللي هو عايزه اطلع أنت منها.
وهو حد وجهلك كلام يا بت أنت؟ ما تلم مراتك يا عم رحيم!
لا ميغوركش الجزمة اللي بتلمع والفستان اللي بعشروميت ألف جنية أنا أساسًا تربية حواري!
بس أنتوا الإتنين! وبعدين أيه يا أنس ما أنا كتبت الكتاب أهو اعمل أيه أكتر من كده؟
تراعي مشاعري إني سينجل بائس، لحد أما ربنا يكرمني وأكمل نص ديني. تفوه أنس ممازحًا وحينما نطق جملته الأخيرة تلك وجه نظره نحو ميرال وهو يغمز بإحدى عينيه.
عند النظر نظرة واسعة حول المكان، كان الكل سعيدًا بغض النظر عن نظرات الحقد التي رمقت بها سميرة ابنة أخيها وزوجها. الغيظ يحرقها لأن ابنة شقيقها استطاعت أن تجعل شابًا كهذا يقع في حبها ويتزوجها بينما ابنتها والتي أكثر جمالًا من وجهة نظرها ومالًا لم تستطع أن تفعل المثل. لكن ريماس كانت مشاعرها عكس والدتها تمامًا، فهي شعرت بالفرحة من أجل أفنان بعيدًا عن الغيرة الأنثوية لكنها كانت في المجمل سعيدة.
وفي تلك اللحظات كان نوح واقفًا عند المدخل، على مسافة بعيدة من الجميع وقف يراقب أفنان، نظراتها لرحيم، السعادة الحقيقة المرتسمة على وجهها. عناقها الأول لرحيم وهو يلثم جبهتها بقبلة رقيقة، الحب الظاهر من خلال عيناها ورجفة يدها. ومن ثم تقع عيناه على ميرال التي بدت بحال أفضل من دونه بالرغم من التعاسة التي بدت داخل عيناها لكنه يعلم جيدًا أنه بالرغم من الألم أن ما فعلته كان صحيحًا. بتركه وحيدًا ذليلًا فهو لم يستحق قط واحدة منهم. يكره نوح الاعتراف بذلك لكنها الحقيقة، لقد خسر كلتيهما بغبائه.
لمح أنس يقترب من ميرال ويمنحها واحدة من الشيكولاتة التي يتم توزيعها، يثرثر بكلمة أو اثنتين فتقهقه هي بقوة حتى تغلق عيناها. يضم نوح قبضته بإستياء وينوي الذهاب للشجار لكنه سرعان ما يتذكر أنه لم تعد خاصته بعد الآن. يشعر بغصة في حلقه وآلم في رأسه. وشعور بالتيه يحتل كيانه.
نوح؟ مش أنت نوح اللي كان خطيب ميرال؟
أخرج نوح من شروده صوت فتاة لا يعرفها لكنه يذكر أنه رأها من قبل. انتفض نوح تلقائيًا ونظر نحوه نظرة خاطفة لم يلمح فيها سوى خصلات شعرها المصففة بعناية وثوبها اللطيف. توتر على الفور من كونها تعرفت عليه فهو لا يريد أن يعرف أحد بوجوده هنا. أجابها سريعًا مردفًا:
آه أنا… عن إذنك… هرب نوح على الفور قبل أن يكتشف أحد وجوده بينما وقفت هي تراقبه في حيرة. فلما فزع لتلك الدرجة؟ فحتى وإن كانت ميرال قد انفصلت عنه فهو سيبقى فردًا من أفراد عائلتها شأت أم أبت. هكذا كانت تفكر الفتاة.
بالعودة إلى أفنان ورحيم اقتربت والدة رحيم بسخط واضح وابتسامة لا تخلو من الغرور وهي تهنئ أفنان. بالطبع انتقلت لأفنان مشاعر سلبية وهي ترى تعابير وجه والدة زوجها.
خلاص بقيتي أفنان البكري رسمي، مبروك عرفتي تسيطري عليه وتنفذي اللي في دماغك.
أنا أفنان أحمد، وهفضل طول عمري أفنان أحمد أنا مش من عائلة البكري يا طنط. لم تتفوه والدة رحيم بكلمة أخرى بل نظرت إلى أفنان من الأعلى للأسفل ومن ثم ابتعدت عنها وذهبت بحثًا عن زوجها.
حبيبي في حاجة؟
لا مفيش طنط كانت بتباركلي.
مامي؟ ربنا يستر.. زعلتك طيب؟
متشغلش بالك.. تعالى نتصور مع العائلة عشان نلحق ال Photosession جلسة التصوير.
حاضر.
تمتم رحيم وذهب كلاهما لالتقاط بعض الصور وأثناء فعلهم ذلك اقترب من أفنان ورحيم إحدى أقارب والدها وابنها والتي لم تستطع أفنان قط أن تفهم قرابة تلك المرأة منهم لكنها كانت تراها أحيانًا في المناسبات الكبرى كتلك المناسبة على سبيل المثال. بعد أن هنئت أفنان اقترب ابنها والذي كان يبدو في الثلاثين من عمره تقريبًا أو ربما أكبر قليلًا من ذلك. مد يده ليصافح أفنان مباركًا لها لكن رحيم مد يده بدلًا منها وهو يضغط على يد ذلك الشاب بإمتعاض واضح حتى برزت عظام فكه. حاولت أفنان كتم ضحكاتها وكاد الموقف أن يمر بسلام لولا أن قرر ذلك الشاب المدعو تامر أن يزيد الطين بلة وهو يردف:
ما شاء الله كبرتي وبقيتي عروسة قمر يا أفنان، اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش وأنت…
لا لا معلش ثانية واحدة! بقيت عروسة أيه؟ أنت سامع بتقول أيه ولا الحر آثر عليك ولا أيه ده؟
خلاص يا رحيم معلش مش قصده…
مالك يا عريس ما تروق دي زي أختي الصغيرة يعني… أردف ممازحًا رحيم بطريقة سمجة ليضم رحيم قبضة يده بقوة بينما يحاول الحفاظ على هدوء أعصابه بقدر الإمكان بينما يقول:
قدامك 3 ثواني تمشي من قدامي بدل ما أخلي وشك والأسفلت حاجة واحدة.
كانت نبرة رحيم ونظراته مرعبة إلى حد كبير ليبتعد ذلك الشاب من أمامهم على الفور. رمقه رحيم وهو يرحل قبل أن يطالع أفنان بغيرة واضحة وهو يسألها بنفاذ صبر مردفًا:
مين ده أصلًا وبيقول عليكي قمر بصفته مين؟ وكنتِ ناوية تمدي ايدك تسلمي عليه؟ والله؟ ده أنا كنت بقف جنبك على بعد 10 متر!
خلاص بقى يا رحيم معلش حقك عليا، وبعدين ده تامر ده آخر مرة شوفته وأنا في ثانوية عامة باين.
ايوا أيه يعني؟ هو ثانوي ده كنتِ طفلة يعني ما أنت كنتِ كبيرة!
خلاص بقى هنقضي كتب الكتاب بنتخانق عشان واحد معرفش يقربلنا أيه أساسًا؟ علقت أفنان مستنكرة بنبرة لا تخلو من السخرية وهي تقهقه على وجه رحيم الذي ما يزال عابسًا. جذبته أفنان من ذراعه وتوجهت نحو أنس وميرال.
بمجرد أن انتهى الاحتفال ذهب هو وأفنان لجلسة التصوير وللمرة الأولى استطاع رحيم أن يضم أفنان أثناء التقاط الصور، يقبل جبينها ويلثم يدها بقبلات رقيقة كذلك. كانت الصور غاية في اللطف. شاركهم أنس وميرال في صورة أو اثنتين حيث كانت تقف ميرال إلى جانب أفنان وأنس إلى جانب رحيم.
ممكن أتصور معاكوا؟ سألت أروى بلطف ليومئ الجميع وهم يشجعوها على القدوم. بالطبع لم تستطع أروى النهوض بمفردها لذا هرول نحوها أنس وميرال ليساعدوها على النهوض. يحاوط أنس خصر شقيقته بلطف ولكن بقوة كافية في الوقت ذاته لكي لا تسقط بينما أمسكت ميرال بذراعها برقة.
شهرًا مر على زواج رحيم وأفنان وها هي أفنان عادت إلى الجامعة لكي تنهي عامها الأخير في كلية الصيدلة. أما عن ميرال فوجدت فرصة عمل في مكان أفضل وبراتب أعلى. مازالت ميرال تتحدث إلا أنس ولكن في حضور رحيم وأفنان وأما بالنسبة للمراسلات فلقد أخبرت أباها بأن أنس يراسلها فهي لم ترد تكرار ما حدث مع أفنان سابقًا.
وفي صباح أحد الأيام كان أنس جالسًا برفقة رحيم بينما يتناولون طعام الإفطار. كان أنس يثرثر حول ميرال كما اعتاد أن يفعل الأسابيع الماضية لكنه في كل مرة لم يكن يتحدث براحة تامة وكان يخفي معظم التفاصيل لكن هذه المرة أفرغ ما في جعبته وكان ذلك نتيجة تحدث ميرال عن نوح مجددًا وعن قدر الحب التي كانت تكنه من أجله ومما أصاب غيظ أنس وجعله لا يعي ماذا يقول.
أنا بجد مش قادر أصدق ازاي نوح ده انسان حقير كده. لا وبجح مش بس دمر ثقة ميرال بنفسها وحسسها أنها قليلة ومتتحبش مهما عاملت لا ده رايح البجح يقول لأفنان أنه بي…
لا لا ثواني.. رايح يقول لأفنان أنه ب.. أيه؟ سأل رحيم بإرتياب، ليبتلع أنس ما في فمه بصعوبة قبل أن يسأله:
هي أفنان نسيت تحكيلك ولا أيه؟
هو في حاجة كان المفروض تحكيهالي؟
معرفش أنا.. أنا مليش دعوة يا عم مدخلنيش في تفاصيل..
اخلص يا أنس!!
نوح قال لأفنان أنه بيحبها. سمع رحيم تلك الجملة وكان بإمكان أن أنس يرى الشرار يتطاير من عيناه.
بخطوات سريعة غادر رحيم المكان متجهًا إلى أفنان في الجامعة. كان من السهل أن يعبر إلى الداخل ولكنه استغرق بعض الوقت في البحث عنها واخيرًا وجدها تجلس على إحدى المقاعد برفقة اثنتين من زميلاتها الفتيات وفتى واحد.
صباح الخير، أفنان تعالي من فضلك محتاجين نتكلم ضروري.. تمتم رحيم بنبرة رسمية وبمجرد أن رأته أفنان ابتسمت ابتسامة واسعة وهي ترحب به قائلة:
رحيم؟ أيه المفاجأة الحلوة دي؟
يلا يا أفنان من فضلك بسرعة. اختفت ابتسامة أفنان على الفور حينما تخللت جملته تلك أذنها. شعرت بإنقباضة في قلبها. رحيم لا يبدو بخير وهي لا تعرف السبب.
استأذن رحيم من أصدقائها وسحبها برفق بعيدًا عنهم متجهًا نحو سيارته. قاد رحيم إلى خارج الجامعة متجهًا إلى أقرب مقهى.
ساد الصمت في المكان حتى توقف رحيم إلى جانب المقهى.
قبل أن يغادر كلاهما السيارة، سألته أفنان الآتي:
"إيه أنا مش فاهمة حاجة."
لم يجبها رحيم، بل أجاب على سؤالها بآخر بنبرة جادة مردفًا:
"نوح قالك إنه بيحبك."
هربت الدماء من وجه أفنان، بينما كان رحيم على العكس تمامًا، فقد كان وجهه محتقنًا بالدماء من شدة الغضب.
"انت مين اللي قالك.. مين اللي قال.."
"ردي عليا! نوح قالك أنه بيحبك."
كانت هذه المرة الأولى تقريبًا التي يعلو فيها صوت رحيم. انتفضت أفنان قليلًا قبل أن تبتلع الغصة التي في حلقها، ثم تطلب منه بهدوء الآتي:
"ممكن متعليش صوتك يا رحيم. الموضوع أصلًا مش مستاهل كل ده."
اتسعت عينا رحيم فور سماعه لجملة أفنان. رمقها بحدة بطرف عينيه وهو يسأل مستنكرًا قولها:
"مش مستاهل؟ واحد بيقول لمراتي إنه بيحبها ده موضوع مش مستاهل!"
"مكنتش لسه مراتك! وأنا ضربته وهزقته وعملت اللازم وعلاقتنا اتقطعت بيهم."
"اتقطعت؟ الواطي كان موجود في كتب الكتاب بتاعنا! أنت بتقولي إيه؟ وبعدين مكنتيش مراتي بس كنت خطيبتي، ولا هو عادي يقولك إنه بيحبك وأنت مخطوبة!"
"رحيم من فضلك ده مش أسلوب حوار! وبعدين أنا مقولتش إنه عادي، أنا قولتلك هزقته، أنت اللي مش عايز تقتنع.. وبعدين نوح مين اللي كان في كتب الكتاب؟ نوح مجاش أصلًا!"
"حوار؟ أنا مش فاهم برود الأعصاب اللي أنت فيه ده. ولا يا أفنان نوح جيه ومشي، أنا شوفته ومردتش أعلق بحاجة عشان خاطر ميرال كفاية اللي هي فيه."
كان هذا رد رحيم على الجزء الأول من حديث أفنان، والذي جعله استياءه يزداد، حيث أنها لم تصدقه حينما أخبرها بأن نوح كان هناك أثناء مراسم عقد القران. ساد الصمت لبرهة قبل أن يتابع رحيم بنبرة أكثر غضبًا قائلًا:
"وبعدين أنا بقى عايز أفهم، هو المفروض أنت تغيري وتتعصبي وتفقدي أعصابك وتقلّي أدبك عليا لما تشوفي بنت معايا، وأنا مش من حقي أدي أي رد فعل لما أعرف إن واحد بيقولك إنه بيحبك؟ ده اللي هو إزاي يعني؟ مع العلم أني عمري ما غلطت فيكي يا أفنان!"
بصق رحيم كلماته بعصبية شديدة دون أن يدرك ماذا يقول. لم يشعر رحيم بهذا القدر من الاستياء والغضب من قبل. هو لم يعرف قط الشعور الحقيقي للغيرة. ربما كان يغير في علاقاته السابقة، لكن الأمر مختلف الآن، فهي ليست مجرد فتاة يكن لها المشاعر، بل هي زوجته وحب حياته!
"أنا قليلة الأدب يا رحيم؟" سألت أفنان.
ليزفر هو بضيق شاعرًا بالذنب تجاه ما قاله، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تجمعت الدموع في عين أفنان دون إرادة منها، وهي تفتح باب السيارة وتغادرها.
يلحق بها رحيم على الفور وهو يردف:
"اركبي العربية يا أفنان العربية من فضلك."
"مش عايزة، هاخد تاكسي."
"أفنان بقولك اركبي لو سمحت، بلاش فضايح من فضلك." تمتم رحيم بصوت منخفض طالبًا منها العودة إلى السيارة بأدب، مراعيًا وجودهم في الشارع.
توجهت أفنان إلى السيارة باستياء شديد.
تدلف إلى الداخل وتقوم بصفع الباب بقوة متعمدة إثارة غيظ رحيم. رمقها بحدة وهو يعيد خصلات شعره المبعثرة نحو الخلف، ثم يقود السيارة متجهًا إلى منزل والديها.
"مساء الخير يا عمو."
"مساء الخير يا رحيم يا ابني، مالكوا في إيه؟"
"أنا وأفنان شدينا مع بعض شوية.."
أجاب رحيم بأدب وبإختصار شديد، فهو لا يريد أن يتدخل أي شخص بينه وبين أفنان. عقد والد أفنان حاجبيه قبل أن يسأل بإستياء:
"يا ستار يارب، أنتوا لحقتوا يا ولاد؟ شكلكوا اتحسدتوا."
"ولا حسد ولا حاجة، رحيم هو اللي بيحب يكبر المواضيع ويعمل حوار من مفيش."
"أفنان! عيب كده اتكلمي مع جوزك بأدب!"
كانت المرة الأولى التي تتعرض فيها أفنان للتوبيخ أمام أحد، ولم يكن أي أحد، بل كان رحيم! شعرت أفنان بوجهها يشتعل من الحمرة. تشعر بالدموع تتجمع في عينيها. لم تكن لتبكي من أجل ما حدث مع رحيم، لكن التعرض للنهر من والدها.. هذا سببًا كافيًا لقضاء الليلة في البكاء.
"خلاص يا عمو مفيش حاجة، أنا كده اطمنت إن أفنان معاكوا وهروح.."
"كتر خيرك يا ابني، معلش خدها على قد عقلها ما أنت أكيد عارف هي بتتطلع وتنزل على مفيش، وكمان متقلقش أنا هشد ودنها عشان مينفعش تتكلم بالإسلوب ده."
"متزعلهاش يا Uncle من فضلك.. حتى لو هتتكلم معاها متزعلهاش، أنا عارف إن أفنان مش قصدها، بس حضرتك عارف يعني مفيش اتنين مش بيحصل بينهم خلاف. أنا هستأذن بقى عشان الشغل."
"عليك نور يا ابني.. إذنك معاك يا حبيبي اتفضل."
غادر رحيم المنزل بهدوء، ليتنهد والد أفنان بضيق. لم يمر غير مدة قصيرة منذ عقد القران، وقد حدث الكثير من الجدال بين أفنان ورحيم. استقام والد أفنان من مقعده وتوجه إلى حجرتها، إلا أنه وكما توقع وجدها نائمة. وسيلة التعبير عن الحزن خاصتها.
عاد رحيم إلى منزله بعد أن فرغ من القيام ببعض الأعمال الضرورية. كان الضيق واضحًا على وجهه. بمجرد أن دلف إلى داخل المنزل وجد والدته في استقباله. اقترب رحيم بهدوء وألقى التحية على والدته، لكنها لم ترد التحية، بل اقتربت منه وهي تضع وجه رحيم بين يديها بلطف، بينما تسأله بقلق حقيقي:
"مالك يا رحيم؟ You look so sad."
"مفيش يا مامي أنا كويس.. كنت بوصل أفنان البيت وكان ورايا شغل كتير.. I am just exhausted don’t worry."
حاول رحيم أن يخفي الأمر، لكن لم يكن من الصعب على والدته أن تكتشف أو تتوقع السبب الحقيقي لحزن وضيق ابنها الوحيد. ابتعدت نحو الخلف خطوتين وهي تسأله بحنق، بينما تعقد ذراعيها أمام صدرها:
"طبعًا الهانم زعلتك صح؟ I told you hundred times she is not the right girl for you."
"مامي هو حضرتك شايفة إن وضعي يسمح أني أسمع كلام زي ده دلوقتي؟"
"ما هو عشان كده.. لازم نتكلم عشان أنت مش مبسوط معاها.. علاقة فاشلة!"
"عشان خلاف واحد حكمتي على علاقتنا بالفشل؟ مامي بعد إذنك أنا بجد مرهق جدًا ومعنديش أي طاقة للجدال، عن إذنك."
أردف رحيم بإستياء شديد، واستأذن والدته بأدب متجهًا إلى غرفته، عله يحظى ببعض الهدوء والسكينة، ولو أن هدوء المكان لن يؤثر كثيرًا على الضجيج والصخب في رأسه. لا يعلم كيف أصبحت علاقته بأفنان تسير على هذا النحو.
بعد مرور يومين، استيقظت أفنان، والتي كانت تنوي أن تبعث برسالة إلى رحيم لتحاول إصلاح ما حدث. وبينما كانت تبحث عن محادثة رحيم على تطبيق "واتس أب"، ولكن قبل أن تفعل، جاءها إشعار بأن رحيم قد نشر حالة على تطبيق شهير للصور. قامت أفنان بفتح الحالة بفضول شديد لتجد صورة لرحيم برفقة فتاة لا تعرفها، ولكن من ملامحها يبدو أنها مصرية. مصرية من الطبقة المخملية تمامًا كرحيم.
كان على ما يبدو من مظهر المكان حولهم أنهم يجلسون في مقهى ما. وفي الجزء السفلي من الصورة كُتبت العبارة الآتية:
"حديث لطيف مع صديقي المقرب 'Nice talk with my bestiee'."
شاهدت أفنان بأعين تستشيط غضبًا الحالة التي قام رحيم بإعادة نشرها، والتي أشارت إليه فيها تلك الفتاة التي تدعي ريم، والتي تأكدت أفنان أنها حقًا لا تعرفها ولم تراها من قبل. حتى أنها لم تكن حاضرة احتفال عقد القران.
قامت أفنان بالرد على تلك الحالة برسالة مقتضبة تطلب من رحيم أن يمر ليأخذها من الجامعة ليتناولوا الغداء سويًا في أي مطعم قريب من الجامعة. بمجرد أن قرأ رحيم الرسالة، أدرك بأنه هناك شجار على وشك أن ينشب بينهم. فا بالطبع أفنان لن تجعل أمر تلك الصورة يمر بسلام، بالرغم من أنه لا يرى أي شيء خاطئ في الأمر.
بعد ساعة ونصف تقريبًا، كانت أفنان تجلس داخل المقهى مع رحيم. وبعد جدل استمر لعشرة دقائق، كررت أفنان سؤالها مستنكرة:
"أيوا يعني مين دي عشان تحكيلها."
"قولتلك صاحبتي، أحنا صحاب يا أفي صحاب! كانت معايا في الجامعة برا بس هي مصرية عادي.. كنا قريبين من بعض، قابلتها صدفة وقعدنا أتكلمنا شوية، فين المشكلة؟"
كان رحيم يتحدث بهدوء أقرب إلى البرود، مما جعل شعور أفنان بالغيرة والغضب يزداد أضعافًا مضاعفة.
"هو أنت مش بتصاحب غير بنات بس؟ مبتعرفش تتعامل مع رجالة يعني؟"
تفوهت أفنان بحنق دون أن تعي ماذا تقول. حينما أدركت أن جملتها الأخيرة تحمل بعض الإهانة، قضمت على شفتيها وكادت أن تنبس بشيء ما، لكن رحيم سبقها وهو يردف بضيق حقيقي:
"بعيدًا عن العك اللي أنت بتقوليه، أفنان أنت لازم تقدري إن تربيتي وحياتي وكل حاجة غيرك، وأنا بجد بحاول أتغير وأعمل كل حاجة كويسة عشان أسعدك، بس أنت مش شايفة ده ومفيش حاجة بترضيكي."
"طالما بتعمل الحاجة بس عشان ترضيني يبقى عمرك ما هتتغير!"
لازم يبقى التغيير نابع من جواك وتبقى مدرك إن عندك مشكلة وعيوب ومحتاجة تتغير أو إنك بتعمل حاجة حرام أو غلط زيها ومحتاج تعدلها عشانك مش عشاني.
وأنت مش شايفة إن في حاجات محتاجة تعدليها برضوا؟ ولا المفروض إن أنا بس اللي اتغير؟ أنا بس اللي احاول عشان العلاقة تنجح؟
رحيم هو أنت شايف إن احنا هنقدر نكمل مع بعض؟
كان قلب أفنان ينفطر وهي تنطق بتلك الكلمات، لكن ذلك لا يقارن بما حدث في داخلها حينما ذم رحيم شفتيه وصمت دون أن يصرخ بنعم يمكننا. ساد الصمت لبرهة ولم ينبس أحد ببنت شفة ولكن قررت أفنان أن تتشجع وتأخذ الخطوة الأولى بأن تحاول خلع خاتم الزواج من يدها لكن يد رحيم الحنونة تقترب منها وهي تمنعها بلطف من فعل ذلك وهو يهمس بصوته الرخيم:
أفنان i think we need a break أعتقد بأننا بحاجة إلى هدنة/راحة.
أومئت موافقة على ما قاله وهي تنهض من الكرسي خاصتها ببطء وهي تشعر بثقل على كاهلها وكأن العالم كله يجثو فوقها. ساد الصمت طوال الطريق بينما كان رحيم يقود إلى منزل أفنان. عادت أفنان إلى المنزل في هدوء تام. لم تنبس بحرف واحد بل اتجهت إلى حجرتها وبدلت ثيابها وغاصت في نوم عميق دون أن تذرف دمعة واحدة. وكانت هذه طريقة أفنان في التعبير عن الحزن منذ أن كانت صغيرة. صمت تام على عكس الصخب المعتاد والخلود للنوم دون أن تبكي.
في صباح اليوم التالي، انقضت ميرال على سرير أفنان النائمة بسلام وهي تصيح بجانب أذنها قائلة:
أفنان ألحقي!
تنتفض أفنان بهلع حقيقي وهي تسأل بنبرة ناعسة وعقل نصف نائم:
أيه في أيه؟ حد يصحي حد كده؟
ألحقي رحيم.. رحيم عمل حادثة!
صرخت ميرال برعب حقيقي لتفتح أفنان عيناها على مصرعيها وهي تستقيم من سريرها بينما تترنح بقوة. تسأل ميرال بتلعثم وهي تشعر بقلبها على وشك التوقف قائلة:
أيه؟ أنت بتقولي أيه؟ عرفتي منين؟
أنس.. أنس منزل إن رحيم عمل حادثة..
رواية في حي الزمالك الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ايمان عادل
"أنس منزل ستوري."
"يعني هما في المستشفى ولا البيت ولا في إيه فهميني؟" سألت أفنان برعب حقيقي وهي تبحث عن شيء لترتديه، بينما أجابتها ميرال ببعض الهدوء:
"أنس كلم بابا وقاله إن الحالة مش خطيرة أوي وإنه رجع البيت بس في نفس الوقت تعبان جدًا."
"يعني مش خطيرة ولا تعبان جدًا؟ يالهوي عليا! طب اطلبي عربية بسرعة.. هتلاقي location متسجل عندك عالأبلكيشن."
"حاضر ألبسي أنتِ بس."
في خلال عشرة دقائق كانت أفنان قد بدلت ثيابها وفي انتظار السيارة. داخل السيارة أمسكت أفنان بهاتفها وهي تتفحص الحالة التي نشرها أنس والتي بالفعل كانت تحوي صورة ليد رحيم وقد وُضع فيها أحدى المغذيات التي تصل عن طريق الأوردة 'كنولا'.
ذهب ثلاثتهم إلى منزل رحيم. كانت والدة رحيم، ميا، وأنس في استقبالهم عند وصولهم إلى المنزل. بمجرد رؤية أنس لأفنان صاح في وجهها بنبرة درامية قائلاً:
"اطلعي شوفي الواد واللي حصله بسببك! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة!"
"أنس! معلش يا أفنان متزعليش منه. اتفضلوا أوضة رحيم فوق." وبخه والد رحيم. تجاهلت أفنان ما يقوله وانتظرت أن يرشدها أحدهم هي ووالدها إلى حجرة رحيم، بينما تركت ميرال في الطابق السفلي.
"رحيم! رحيم حصلك إيه؟"
سألت أفنان بفزع فور رؤيتها لجسد رحيم الممدد على سريره المكسو باللون الأسود. جسده كان مُغطى بالكامل فيما عدا يده التي وُضع عليها 'الكانولا'. كان وجهه شاحب للغاية والإرهاق بادٍ عليه بوضوح. بمجرد أن صاحت أفنان بقلق فتح رحيم عيناه ببطء شديد وبفزع فور رؤيتها تبكي، ليسألها بقلق:
"أفي؟ مالك يا حبيبي في إيه؟"
"رحيم أنت كويس؟ قولي إيه اللي حصل؟" سألته أفنان وهي تضمه بلهفة، ليضمها هو في المقابل دون أن يفهم ما الخطب. يوجه نظره نحو أنس ووالد أفنان بحيرة، لكنه لم يفهم أيضًا.
"اهدي بس.. أنا مش فاهم حاجة."
"أنت اللي مش فاهم؟ أنا اللي جاية عايزة أفهم عملت الحادثة إزاي؟"
سألت أفنان وهي تفحص رحيم بدقة بحثًا عن أي إصابة، بينما طالعها هو بحيرة شديدة قبل أن يسألها بعدم فهم مردفًا:
"حادثة إيه؟ أنا معملتش حادثة.. أنا عندي تسمم.. مين اللي قالك حادثة؟"
"تسمم؟ تسمم إيه؟" سألت أفنان بحيرة، ليتبادل رحيم النظرات مع أنس ويسود الصمت لبرهة.
بالعودة إلى الوراء ليلة واحدة.. بعد أن غادر رحيم منزل أفنان غاضبًا بعد ما حدث، هاتفه أنس وعلم بأن هناك شجارًا دار بين أفنان ورحيم، لذا قرر أن يأخذ رحيم لتناول العشاء في الخارج، لعل ذلك يساعده في تحسين نفسيته السيئة.
"أنس بقالنا ساعة بنلف بالعربية، فين ال restaurant اللي بتقول عليه ده؟"
سأل رحيم بنفاذ صبر، فهو يقود بحثًا عن ذلك المكان المزعوم منذ نصف ساعة. استغرق أنس دقيقة وهو ينظر حوله في كل مكان من خلال الشرفة، بينما يقول:
"ثواني بس.. هو كان واقف هنا."
"واقف هنا إزاي يعني؟ هو ال restaurant ده في مركب بتتحرك في النيل ولا إيه؟"
سأل رحيم بحيرة لكونهم بالقرب من أحد الأماكن المطلة على نهر النيل. تأفف رحيم بحنق لتأخر أنس في الإجابة عن سؤاله، وكاد أن يسب أنس، لكن الأخير قاطعه وهو يردف بحماس:
"بس هنا أهو."
"هنا إيه؟ أنت بتهزر أكيد صح؟"
"بهزر إيه يا راجل بس. أحنا دلوقتي هننزل ناكل بقى من العربية دي وبعدها هتنسى أفنان واللي جابوا أفنان والصنف كله عمتًا. احتمال تنسى أنت مين."
"لا طبعًا مستحيل أكل من الأكل ده! ده الراجل مش لابس جلوفز يا أنس!"
اعترض رحيم على اقتراح أنس ونبرته لا تخلو من التقزز. اتسعت أعين أنس وهو يضع يده أعلى فم رحيم، بينما يردف الآتي ساخرًا:
"بص اسكت جلوفز إيه؟ هيفتكرك بتشتمه يسطا! بس يا عم عزت عايزين إيه خمستاشر كبده وعشرين سدق بس في السريع الله يكرمك."
"أنس هو مصدر اللحمة دي إيه؟" سأل رحيم بإشمئزاز، لتضطرب معالم أنس ويسود الصمت لبرهة، قبل أن يجيبه أنس بنبرة ساخرة:
"بص هو في قطط وكلاب حوالين المكان فربنا يستر بقى."
"أنس أنا حاسس أني مش كويس…"
بالعودة إلى الحاضر، انتهى رحيم من سرد ما حدث لأفنان. فبمجرد تناول رحيم لقضمة أو اثنتين من الطعام شعر بألم شديد في معدته، ونتيجة لذلك قام أنس بإخذه إلى المستشفى، وهناك قاموا بإجراء 'غسيل معدة' من أجله، ومن ثم أخذه أنس إلى المنزل كي يحصل على قسط من الراحة، وقد أمر الطبيب بأن يقوم رحيم 'بتعليق محاليل' لتعويض ما فقده. رمقت أفنان أنس بحدة وغيظ شديد.
"يعني يا بني آدم أنت مش كفاية إنك جبتله تسمم، كمان بتكدب وكنت هتوقع قلبي!"
وبخت أفنان أنس، والتي كادت أن تعنفه من شدة الغيظ، لولا يد رحيم التي امتدت لتمسك بها. حاول أنس تبرير موقفه، ولكن كالمعتاد زاد الطين بلة حينما قال:
"ما أنا ملقتش حل تاني عشان تتكلموا وأنا السبب في الزعل بينكوا أصلًا."
"ليه أنت عملت إيه؟" سألت أفنان، لينظر رحيم نحو أنس بنظرة تعني 'لا تخبرها'، لكن أنس لم يفهم مقصد رحيم وقام بإخبار أفنان على أي حال، ليقوم رحيم بصفع جبهته.
"ما هو بصراحة أنا اللي فتنت وقولت موضوع نوح ده." اتسعت أعين أفنان وكادت أن تنقض على أنس بشراسة أكثر من المرة السابقة، ليفر الأخير هاربًا لولا أن أمسك بها رحيم.
"خلاص يا أفي معلش المسامح كريم."
"ثواني بس خد هنا.. هو حد كان يعرف الحوار اللي أنت عملته ده؟ وبعدين إزاي تنزل ستوري زي دي ما أكيد كله شافها وقلق؟!" سألت أفنان، ليُضيق أنس عيناه قبل أن يُعلق على ما قالته ساخرًا:
"ذكية أوي اسم الله عليكي، طبعًا كلهم كانوا عارفين الخطة بابا رحيم، باباكي وميرال وكله اتفق معايا.. وبالنسبة للستوري كنت عامل إن أنتِ وميرال بس اللي تشوفوها يا أم جهل."
"سيبني يا رحيم.. سيبني أقوم أفشفش دماغه! يا أخي حسبي الله ونعم الوكيل فيك والله عاللي عامله فينا ده! إلا عمرك ما عملت حاجة عدلة في حياتك!"
رفع أنس يده نحو أفنان وهو 'يشوح لها' بمعنى 'يا شيخة روحي'. أشار رحيم بيده لأنس بأن يغرب عن وجهها، ومن ثم عاود النظر نحو أفنان وهو يطلب منها الآتي بهدوء:
"سيبك منه يا أفي وتعالي نقعد تحت عايز أتكلم معاكي شوية."
"نتكلم تحت إيه بس؟ أنت قادر تنزل أصلًا؟"
"اه متشغليش بالك."
أردف رحيم وهو يطلب من والده مساعدته في خلع 'الكانيولا' من يده. في خلال بضع دقائق كانت أفنان تجلس أمام رحيم ويفصل بينهم طاولة صغيرة في الحديقة الخلفية للمنزل وبالقرب من حمام السباحة.
"عايز تتكلم في إيه؟ في الخلاف اللي حصل آخر مرة والكلام اللي أنا قولته صح؟" سألته أفنان بإحراج، ليرمقها رحيم بحنان قبل أن يردف بنبرة جادة لا تخلو من اللطف:
"مش عايز أتكلم عن حاجة معينة، أنا بس شايف أننا المفروض نقعد زي الناس المتحضرة والكبيرة وكل واحد يقول اللي بيزعله من التاني.. نحاول نحل المشاكل ولو مفيش حل.. لازم نخلق حلول ونحاول ده لو كنا حقيقي بنحب بعض."
"معنديش مانع.. ولو أني حاسه إن الكلام في المواضيع دي بيبقى صعب لأنها مواضيع حساسة شوية ولكن لو أنت شايف إن ده الحل تمام."
"تحبي مين فينا اللي يبدأ؟"
"أنت." تمتمت بإندفاع دون ذرة تفكير، لتنمو ابتسامة صغيرة على ثغر رحيم. يعتدل في جلسته ممسكًا معدته بألم، قبل أن يردف الآتي:
"كنت عارف.. أولًا لازم تكوني عارفة أني بحبك.. بحبك فوق ما تتصوري ولكن الحب مش كافي لإستمرار العلاقة عشان كده عايز اقول حاجة.. أفي أنتِ أوقات كتير بتكوني اندفاعية، مش طول الوقت بتبقى حاجة وحشة ولكن أوقات الموضوع بيفلت منك.. مش بتبقى مدركة بتقولي إيه ولمين، طريقتك مع أختك غير صاحبتك غير مامتك وباباكي وغيري.. وغير زمايلك أو حد ماشي في الشارع."
"عندك حق."
"أنا ممكن اتقبل كونك شخصية عصبية وأننا نحاول نخليكي أهدى شوية لكن الغلط وإنك ممكن بدون قصد تقل أدبك عالطرف التاني أو أنك تعاملي حد بقلة ذوق.. دي تصرفات مش مقبولة إطلاقًا يا أفي."
حاول رحيم أن يتحدث بكل صراحة وفي الوقت ذاته كان يحاول قدر الإمكان تجنب جرح مشاعر الجالسة أمامه. لم تُعلق أفنان على ما قاله، بل نظرت إلى الأرضية وهي تعبث بأصابعها. تنهد رحيم من تصرفها الطفولي قبل أن يُتابع مردفًا:
"تاني حاجة هو إنك معترضة على معظم تصرفاتي واللي أنتِ كنتِ عارفة معظمها من قبل ما نرتبط بالمناسبة. أنا عندي استعداد أقلل تعامل مع البنات وأحط حدود بس لازم تكوني مدركة إن الموضوع مش بالسهولة دي!"
ممكن أحجم علاقتي بمعظم البنات، بس ميا بنت خالتي، وهي صديقتي المفضلة، وكمان أروى.
"أيوة يا رحيم، بس..."
"سيبيني أكمل يا أفي! أنا قولتلك هحاول أحجم علاقتي معاهم، وأصلًا بمجرد ما نتجوز أنا هنشغل بالبيت وشغلي وعلاقتي بيهم هتقل تدريجيًا. وبالنسبة لصحابي القدام هحاول أتجنبهم.. تمام كده؟"
حاول رحيم جاهدًا أن يرضي أفنان، وفي الوقت ذاته ألا يكون نذلًا مع أصدقائه. أن يغير نمط حياته وسلوكياته في التعامل مع من حوله ليس بالأمر الصعب، لكنه على أتم الاستعداد أن يحاول بكل طاقته من أجل أفنان، ولكن في المقابل يريد أن تفعل هي المثل من أجله كي يكون الأمر عادلًا ومريحًا بالنسبة إلى الطرفين.
"تمام.. طيب ممكن أقول حاجة بقى؟ إحنا آخر مرة اتخانقنا عشان خبيت عليك موضوع نوح صح؟ مع أنك طول الوقت بتخبي عليا.. مش منطق إنك تخبي عشان مقتنع إن ده للصالح العام، وأنا لما أعمل كده تعترض؟ ولا إيه؟ مع أني برضوا خبيت عليك عشان الموضوع ما يكبرش، وأديك لما عرفت كبرته وزعلت مني."
"مظبوط، عندك حق، بس موضوع نوح حساس ومختلف، وأنتِ عارفة ده كويس."
"موضوع نوح حساس، وموضوع رفض مامتك ليا مش حساس؟"
رأى رحيم شفتيه وهو يفكر، هي محقة ولا يملك ردًا مناسبًا لما تقوله. ساد الصمت لبرهة، بينما يحك رحيم أسفل ذقنه قبل أن يتمتم:
"ماشي تمام.. أيه تاني؟"
"أنت مش صريح يا رحيم، هي دي أكبر مشكلة بالنسبالي.. بتخبي.. بتلف وتدور.. مش بتعرفني حاجة، وأنا عايزك تشاركني، وده مش تفضل منك.. إحنا خلاص اتجوزنا، يعني لازم تشاركني في كل حاجة، حتى لو مش كل حاجة، على الأقل ٩٠% من حياتك، ولا أنت شايف أيه؟"
صارحت أفنان رحيم بما يغضبها منه منذ أن عرفته تقريبًا، وكان ما قالته هو مربط الفرس لنصف المشاجرات التي حدثت بينهم، عدم صراحة رحيم.. والتي لم تكن بالصفة التي يمكن تغييرها أو تعديلها بسهولة، وكان الدليل على ذلك هو رد رحيم تعقيبًا على حديثها، مردفًا:
"أفنان، أنا اتربيت عالخصوصية بدرجة مبالغ فيها.. اتربيت إن فيه حاجات مش بنتناقش فيها، وفيه مواضيع مش بنفتحها أصلًا.. أنا طول عمري طفل وحيد ومليش إخوات.. صحابي القريبين عددهم قليل.. مش متعود أشارك حد كل حاجة، ولا أحكي كل حاجة.. ده حتى أنس مش كل حاجة يعرفها، وإن كان هو أكتر واحد في الدنيا يعرف حاجات عني."
"طيب ما هو ده مينفعش دلوقتي.. أه طبعًا كل واحد ليه خصوصية، وفيه حاجات لازم الإنسان يحتفظ بيها لنفسه، لكن ده لما تكون تخصك لوحدك، مش تخصني معاك يا رحيم!"
"تمام، أنا هحاول أشتغل عالموضوع ده.. وأنتِ حاولي تشتغلي على ردودك وألفاظك يا أفي.. أنا مش هقبل أسمع منك كلام يحمل أي نوع من الإهانة.. أنا كرامتي رقم واحد عندي، ومش معنى إن عديت الموقف اللي فات إن أنا هسمح بحاجة زي دي تاني."
"أنا آسفة.. أنا عارفة إن ردي كان سيء أوي، أنا بس كنت غيرانة.."
"ده مش مبرر.. زي ما الغيرة مكنتش مبرر إني أنفعل عليكي بالطريقة اللي حصلت دي."
"أنا عارفة عشان كده بعتذر.. عارف، حتى بابا اتكلم معايا وغلطني، وفرحت جدًا لما عرفت إنك مردتش تحكي حاجة ليه عن اللي حصل بينا."
"ده الطبيعي يا أفي، وده النظام اللي ناوي نكمل بيه حياتنا إن شاء الله.. اللي يحصل بينا يفضل بينا.. حفاظًا على الحب والخصوصية بتاعتنا.. وأنا كمان آسف عشان زعلتك."
"طب إحنا كده خلاص اتصالحنا يعني؟"
سألت أفنان بحماس وسعادة حقيقية، سرعان ما اختفت حينما سمعت رد رحيم، والذي كان كالتالي:
"هو إحنا كنا متخاصمين أصلًا؟ ده خلاف، إحنا أكبر من كده.. بس أنا لسه عند نفس الرأي.. إحنا محتاجين نقعد يومين تلاتة منتكلمش.. نحاول نصفي ذهننا ونفكر في الكلام اللي اتقال النهاردة."
"حاضر.. بس.. ماهو أنتَ هتوحشني يا رحيم!"
تمتمت أفنان بعد أن قوست شفتيها، لتصدر ضحكة قوية من رحيم، ومن ثم يضع يده على معدته بألم، ثم يردف:
"وأنتِ كمان يا أفي.. من غير ما تزعلي، أنا مش بضحك عليكي، أنا بضحك عال reaction (رد فعل) حاسس إني بكلم بنت أختي بجد."
"بقولك أيه، أنا همشي.. وأنس ده همسكه أعجنه عالحركة اللي عملها هو وميرال!"
"أنا هتكفل بالموضوع ده don't worry (لا تقلق)."
أردف رحيم وهو يضحك بعفوية، لتنظر نحوه أفنان وهي ترفع إحدى حاجبيها، بينما تسأله:
"يعني اطمن إنك هتهزقه؟"
"بلا أدنى شك."
"أدنى شك؟ أنتَ كنت بايت في المستشفى ولا في الكتاب ولا فين؟"
سخرت منه أفنان، ليضرب رحيم كفيه ببعضهما وهو يتحدث مستنكرًا:
"هو أنا أتكلم عربي مش مفهوم مش عاجب؟ أتكلم English (إنجليزي) مش عاجب؟ أتكلم لغة عربية مش عاجب.. تحبي أتكلم معاكي بإيه؟ En français (بالفرنسية)."
"بتروش عليا عشان مثقف؟ على فكرة أنا كنت واخدة الفرنساوي لغة تانية في ثانوية عامة، لا وقفلته كمان."
"أنا تعبت والله.. بجد.. بقولك أيه يا أفي قومي روحي."
تمتم رحيم وهو يضحك، تبتسم أفنان في المقابل وهي تسأل داخلها كيف لضحكة رحيم أن تشعرها بهذا الدفء، كيف لضحكته تلك أن تضيء العالم من حولها، تجعل الفراشات تحلق وتنقل لها عدوى الضحك والابتسام.
بعد رحيل أفنان وتوديع رحيم لها ولوالدها وشقيقتها، جاء أنس ليجلس أمام رحيم، بينما يتناول من الفاكهة التي ابتاعها والد رحيم من أجله نظرًا لما أصاب معدته.
"بس أيه رأيك في الحركة الهندي اللي عملتها دي؟ خليتلك أفنان تيجي في ثواني.. أبقى أشكرني بعدين بقى."
تمتم أنس بثقة زائدة وهو يضحك، ليرمقه رحيم بطرف عينيه قبل أن يمسك بالطاولة مهددًا أنس الذي هرول مبتعدًا عنه، ليُمسك رحيم بزجاجة بلاستيكية ويقذفها على رأس أنس.
فور عودة أفنان إلى المنزل كانت السعادة تغمرها والطمأنينة كذلك، دلفت إلى حجرتها هي وميرال وهي تردف بسعادة وحماس:
"أنا مبسوطة أوي بكلامي مع رحيم النهاردة.. بغض النظر إننا متصالحناش فعليًا، وإن هو لسه شايف إننا محتاجين ناخد فترة هدنة كده من علاقتنا، وبغض النظر برضوا عن المقلب السخيف اللي عملتيه مع أنس، بس الحمدلله برضوا عرفنا نتكلم ونتفاهم."
"أممم حلو."
تمتمت ميرال بلا مبالاة، لتعقد أفنان حاجبيها باستياء وهي تعلق ساخرة:
"حلو؟ هو أنا بدوقك أكلة؟ أنا بحكيلك حاجة وبتناقش معاكي."
"أيوة يعني مستنية أقول أيه يا أفنان؟"
سألت ميرال بنفاذ صبر، لتنتبه أفنان لحدة نبرة ميرال، والتي لم تعتاد عليها من شقيقتها، لتحاول أفنان الاستفسار عن مشكلتها، مردفة:
"أيه ده في أيه؟ ميرال أنتِ كويسة؟"
"ياااه يا أفنان خدتي بالك إني مش كويسة أخيرًا؟"
"أنتِ بتتكلمي كده ليه؟ بتهزري ولا بتتكلمي جد؟"
"لا بتكلم جد.. هو أنتِ مش ملاحظة إن محدش مدي أي أهمية للي حصل بيني وبين نوح؟ محدش واخد باله أنا مجروحة إزاي؟ كله انشغل في كتب الكتاب بتاعك وخناقاتك الهايفة مع رحيم ومحدش خد باله مني!"
صُعقت أفنان من كلمات ميرال القاسية، وإن كانت مُحقة، لكن أفنان لم تتوقع قط أن تجري محادثة كتلك بينها وبين شقيقتها. شعور بالخزي أصاب أفنان وقررت أن تعتذر على الفور، لعل ذلك يشفع لها عند ميرال. صدرت الكلمات من أفنان مبعثرة.. حاولت تكوين جملة مفيدة لكنها فشلت في ذلك.
"أنا.. أنا آسفة أنا مش عارفة.."
ضحكت ميرال ساخرة من جملة أفنان، قبل أن تقاطعها بحدة وبنبرة أشبه بالصراخ قائلة:
"آسفة على أيه ولا أيه يا أفنان؟ الغلط مش غلطك لوحدك.. ماما نفسها مهتمة بمشاعر نوح أكتر مني! بابا مركز معاكي ومع جوازتك أكتر.. وأنتِ مشغولة مع رحيم وأنا فين طيب يا أفنان؟ محدش خد باله إني مثلت إني تخطيت الموضوع ودست على قلبي عشان أعرف أفرحلك؟ عشان أبقى أخت كويسة ومثالية.. بس أنا مش مثالية يا أفنان.. أنا إنسانة عادية ومن حقي أزعل، بس أنتوا سلبتوا مني الحق ده!"
اختلط الدمع بحديث ميرال وشاركتها شقيقتها البكاء. حاولت أفنان أن تقترب من شقيقتها كي تضمها، لكن ميرال ابتعدت عنها على الفور، لتحاول أفنان الاقتراب مجددًا وهي تهمس:
"أنا بجد آسفة أوي يا ميرال.. حقك عليا والله أنا إنسانة أنانية، أنتِ عندك حق.. متزعليش مني.."
لم تُعلق ميرال على ما قالته أفنان، بل تجاهلت حديثها تمامًا. ابتعدت عن أفنان وذهبت لإحضار منديل ورقي من أعلى الكمود، بينما تردف بجمود عكس نبرتها السابقة قائلة:
"أنا هروح لدكتورة نفسية يا أفنان.. الدكتورة اللي أنس بيتابع معاها.. بس مش هروح معاه طبعًا، كل واحد ليه ميعاد، هو بس هيعرفها إني رايحة.. وحتى أنس مش عايزة أتكلم معاه، كلامي معاه غلط.."
"اعملي اللي يريحك واللي تشوفيه صح يا حبيبتي."
"من النهاردة هعمل كده.. متشغليش بالك.. بس صحيح يا أفنان.. أخواتك وعائلتك ممكن يستحملوا حاجات في شخصيتك وعيوب الغريب ميقدرش يستحملها.. وبعيدًا عن إن رحيم رسميًا بقى جوزك، بس اجتماعيًا وشخصيًا هو لسه غريب."
بصقت ميرال كلماتها، وحينما سمعت أفنان الجملة الأخيرة شعرت وكأن أحدهم قام بسكب حاوية مياه باردة فوق رأسها. رحيم لن يتحملها؟ رحيم ما يزال غريبًا عنها؟ لأول مرة تشعر أفنان بسوء شخصيتها إلى هذا الحد. حرصها الزائد وخوفها الدائم من أن تجرح مشاعرها حولها إلى مسخ لا يهتم بمشاعر غيره.. هي الآن تفعل الشيء ذاته الذي كرهت نوح من أجله.
رحيم لن يتحمل ذلك طويلاً، ميرال لن تفعل، ولا أصدقاؤها وحتى والديها قد يصيبهم التعب والكلل منها.. ما الحل إذاً كي لا يحدث ذلك! هكذا كانت تتساءل بتعابير وجه هادئة على عكس العاصفة التي بداخلها.
في صباح اليوم التالي استيقظت أفنان قرب الساعة الحادية عشرة للذهاب إلى الجامعة ولم تجد ميرال في سريرها. غادرت حجرتها لتجد المنزل فارغاً لا وجود لأحد. كان طعام الفطور موضوعاً على الطاولة وبجانبه ورقة صغيرة كُتب فيها الآتي:
"صباح الخير يا أفنان، أنا رحت أقعد مع خالتك شوية، أبوكي في الشغل وهيخلص ويروح لجدتك، ميرال هتخلص شغل ورايحة مشوار."
قرأت أفنان الورقة بملل وكادت أن تجلس لتناول الفطور ثم شعرت بأن لا شهية لها لتناول الفطور وحيدة، لذا قامت بإعداد شطيرة أو اثنتين لتتناولهما في الجامعة. بدلت ثيابها وكانت على وشك إرسال رسالة لرحيم لتخبره بما تنوي فعله في يومها لكن سرعان ما تذكرت أمر البعد المؤقت لتزفر بضيق وتغادر المنزل على الفور.
كان اليوم بطيئاً مملّاً، حديثها مع ميرال من ليلة أمس مازال يشغل بالها. العديد من التجارب في الجامعة والوقوف في المعمل لساعات طويلة، يوم يمر بدون سماع صوت رحيم ولا عناق والدها الدافئ ومزاح والدتها في الصباح. لا يمكن لليوم أن يصبح أسوأ من ذلك أليس كذلك!
"مساء الخير يا دكاترة، أنا هكمل السكشن معاكم بدل دكتورة أسماء.. أظن كلكم عارفين أنا مين فمش هنضيع وقت في التعارف. كل واحد يقف قدام رقمه عشان نبدأ شغل."
أطلقت أفنان سبة بصوت منخفض، ألم يجدوا شخصاً آخر ليقوم بتدريسهم غير نوح! ذلك الوغد الذي ساهم بنسبة كبيرة في تدمير حياتها ونفسيتها!
تنهدت أفنان بقلة حيلة وهي تدعو بداخلها ألا يجعل منها أضحوكة أمام الجميع كما كان يفعل في السابق، لكن على عكس توقعاتها هو لم ينبس بحرف واحد معها، لم يقم بتوجيه أي كلمة لها بل ولم يرفع عينيه لتقابل خاصتها. انتهت أفنان من دوامها في الجامعة وعادت أدراجها إلى المنزل.
أما عن ميرال فبمجرد انتهاء دوامها في العمل استقلت سيارة متجهة إلى عنوان الطبيبة الذي منحها إياه أنس سابقاً قبل أن تتوقف عن التحدث إليه. وفي طريقها إلى هناك وجدت رسالة من أنس محتواها الآتي:
"أنا مش عارف مش عايزة تكلميني ليه. عموماً هتلاقي حجز باسمك عند الدكتورة والفلوس مدفوعة ولما تخلصي هتلاقي عربية تحت العيادة ده رقمها *** هتوصلك لحد البيت."
ابتسامة صغيرة نمت على وجهها وهي تقرأ الرسالة لكنها لم تجب عليها.
بعد مدة ليست بطويلة توقفت السيارة أمام 'الفيلا' المقصودة. دلفت ميرال إلى داخل المكان وهي تشعر بتوتر شديد لا تدري سببه لكن ربما لأنها لم تقم بزيارة طبيب نفسي من قبل وربما لكون زيارة الطبيب النفسي ليس بالأمر المنتشر في مجتمعنا، والذي لا يعترف بالمرض النفسي بل يطلق على المصابين بأمراض نفسية لقب 'مجانين/مجانين'.
"مساء الخير.. كان فيه حجز باسم ميرال أحمد."
"آه يا فندم، استريحي خمس دقائق وهدخلك للدكتورة."
"تقدري تتفضلي." أومأت ميرال للفتاة وشكرتها ومن ثم توجهت إلى الداخل. كانت تتأمل المكان بعينيها سريعاً لم تستطع ملاحظة الكثير سوى أن المكان غاية في الفخامة وأن ألوان الأثاث والحوائط مريحة للعين والنفس.
"مساء الخير.."
"مساء النور اتفضلي يا.. أستاذة ميرال مش كده؟"
"مظبوط.."
"اتفضلي استريحي.. ها تحبي نبدأ منين؟" تحدثت الطبيبة بلطفها المعتاد، منحتها ميرال ابتسامة صغيرة وهي تسألها بتوتر:
"لازم وأنا صغيرة وكده؟ مش عارفة أنا أول مرة آجي لدكتورة نفسية.. ده أصلاً كان اقتراح أنس.. هو.. أنس يعتبر أخو جوز أختي يعني وأنا كنت بمر بأزمة عاطفية كده وهو اقترح أني أجي هنا.. لولاه مكنتش عمري هفكر آجي.."
شعرت الطبيبة بميل ميرال للتحدث عن الأحداث الحديثة نسبياً في حياتها، لذا قررت أن تسألها عن علاقتها بأنس وشعورها تجاهه ولكن بطريقة غير مباشرة.
"يعني علاقتك بأنس محدودة؟ مش صحاب أو كده؟"
"لا مش بالظبط.. إحنا اتقابلنا كام مرة بحكم ترتيبات جواز أختي ودردشنا كام مرة بس أنا مرتحتش للموضوع.. كمان أفنان أختي بتقولي إني مش مستعدة أدخل في علاقة وإن انجذابي لأنس هو مجرد وهم لأني خارجة من علاقة فاشلة.. بس أنا أصلاً مش منجذبة لأنس هما فاهمين غلط.."
"كويس جداً إنك مدركة إنك مش مستعدة للدخول في علاقة حب دلوقتي. طيب حابة تتكلمي عن التجربة دي؟" كانت تسأل الطبيبة ميرال بينما تقوم بتدوين بعض الملاحظات في الدفتر الصغير الموضوع أمامها.
"هي عادي خطوبة.. اتخطبت لابن خالتي ومتربيين مع بعض وأنا بحبه من زمان.. كنا قربنا نتجوز بس حصل خلاف.. أصله طلع بيحب أختي.. عايز يتجوزني عشان يفضل قريب منها.."
"طب وده غير نظرتك نحو أختك؟ ولا خلاكي مدركة إن ملهاش ذنب؟"
"أنا عارفة إن ملهاش ذنب.. بس حسيت بالغيرة مش هنكر.."
"والغيرة دي عشان موضوع خطيبك بس ولا طول عمرك حاسة بالغيرة تجاه أفنان؟"
"لا.. طول عمري عادي وشايفة إن كله بيعاملني زي أفنان.. الفرق بس إن أفنان دمها خفيف و بتهزر و بتتكلم لكن أنا طبعي هادي فكانت بتاكل الجو يعني.. وعمري ما كنت بتضايق بس الفترة الأخيرة.."
"طيب وده كان بيزعلك؟ إنها بتلفت الأنظار؟"
"أوقات.. بس أنا عموماً مش بركز في الحاجات دي لحد أما حد نبهني.."
"مين الحد ده؟"
"خطيبي.. قصدي خطيبي سابقاً.. نوح كان دايماً يقولي هو ليه عمو أحمد مهتم بأفنان أكتر منك؟ ليه شكله مبسوط عشانها أكتر ما هو مبسوط عشانك؟ ليه أفنان بتكلم رحيم أكتر ما إحنا بنتكلم؟ أكيد هيعملوا فرح أحلى من بتاعنا.. كلام من النوع ده.."
"وأنت شايفة إن كلامه حقيقي؟"
"مش قادرة أحدد إن كان كلامه حقيقي وأنا مكنتش شايفة ولا هو اللي وهمني بكده.. بابا أقرب لأفنان مني.. وأنا أقرب لماما منها يمكن عشان تشابه الطباع والتفكير بيني أنا وماما.. بس نوح شككني في نفسي وفيهم.."
"طب وأنت اتكلمتي مع أفنان في اللي مضايقك؟"
"آه.. امبارح قولتلها إنها مش بتهتم بمشاعري.. مش بيفرق معاهم زعلي.. هي اتضايقت أوي وأنا حسيت بالذنب.."
"مشكلتك يا ميرال إن دايماً عندك شعور بالذنب وبالدونية كمان.. شايفة إن من حق الناس تزعلك عادي.. شايفة إنك تستحقي أقل من غيرك.. حتى لما خطيبك اتقدملك كنت منبهرة ومش متخيلة إنه ممكن يقبل أنه يتجوزك مع إن ده مش حقيقي.. أنت تستحقي شخص أحسن منه.. بس الأهم من الشخص ده ومن أي حد تاني هو إنك تعرفي قيمة نفسك.. أنت إنسانة جميلة وناجحة في شغلك ومتربية كويس لازم تعرفي قيمة نفسك وتحبيها ولما تعملي كده كل الناس هتحب وهتعرف قيمتك في المقابل."
كان حديث الطبيبة صادق تماماً. كل ما ينقص ميرال هو بعض الثقة واحترام الذات. أن تقتنع أن لها حقوق كما تنفذ هي واجباتها بل وتقدمها على طبق من ذهب للجميع. ابتسمت ميرال وهي تشكر الطبيبة على حديثها اللطيف وتعدها بزيارة أخرى عن قريب. رحلت ميرال من العيادة وهي تشعر بتحسن بنسبة لا بأس بها ولكن بالرغم من الحديث الذي دار بينها وبين الطبيبة إلا أنه الشعور بالذنب خالجها. فقد كانت قاسية للغاية مع أفنان ليلة أمس. كان بإمكانها أن تقوم بإيصال الفكرة ذاتها ولكن بكلمات أكثر رقة ربما.
أثناء عودة ميرال إلى المنزل قررت أن تبتاع بضع كيلوهات من الفاكهة التي تحبها هي وأفنان على سبيل إصلاح ما حدث بالأمس. في طريقها نحو باب المنزل استوقفها صوت أحدهم ينادي باسمها قائلاً:
"ميرال.. ميرال.. عاملة إيه؟"
توقفت ميرال كصنم حينما أدركت من يكون صاحب الصوت. التفتت ببطء نحو مصدر الصوت لترتسم ملامح الدهشة والإمتعاض في الوقت ذاته بينما تسأل بإستنكار:
"نوح؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ قصدي يعني مطلعتش ليه تطمن على خالتك وجوزها إيه اللي موقفك في الشارع؟"
"أنا كنت.. يعني كنت عايز أتكلم معاكي شوية.. وأصلاً خالتو مش فوق.. خالتو عندنا في البيت."
"نتكلم في إيه؟ مبقاش في حاجة نتكلم فيها. وبعدين أما أنت عارف إن مفيش حد فوق جاي ليه؟"
"أنا بس كنت عايز أعتذرلك عن اللي حصل مش أكتر.. صدقيني.." تمتم نوح بإحراج شديد وهو يحك مؤخرة عنقه بيده لتطلق ميرال ضحكة ساخرة عالية قبل أن تعلو وجهها نظرات الإزدراء وهي تردف:
"تعتذرلي؟ ياه يا نوح أنت لسه فاكر؟ وبعدين تعتذرلي على إيه ولا إيه؟ هو أنت دوست على رجلي ولا طرفت عيني؟ أنت كنت بتضحك عليا مفهمني أنك بتحبني وأنت جنبي عشان بتحب أختي! بتختار كل حاجة على ذوقها وبتتلخبط في اسمي وبتقولي يا أفنان. ده غير طبعاً الزعيق والتريقة وقلة القيمة.."
"أنا عارف إني إنسان سيء جداً.. سيء كلمة قليلة.. بس أنا يا ميرال بجد مفتقد وجودك أوي.. لما بعدتي عني أدركت إن عمر ما حد اهتم بيا ولا حبني زيك."
"قول كده يا نوح.. مش أنا اللي وحشاك.. أنت وحشاك إحساس إنك محبوب ومقبول عشان ترضي غرورك مش وحشك ميرال نفسها.. امشي يا نوح امشي بعد إذنك ومتضيعش حبة الود وصلة الرحم اللي بينا من فضلك."
"حاضر.."
همشي.. طيب قبل أما أمشي هسألك سؤال وتجاوبيني من فضلك.
اتفضل يا نوح.
هو في حاجة بينك وبين اللي اسمه أنس ده؟ سأل نوح بنبرة تفوح منها الغيرة ربما.
عقدت ميرال ذراعيها أمام صدرها وهي تسأله مستنكرة:
أفندم؟ أنت مالك أصلًا؟
ما هو مش معقول برضوا تكوني لسه سايباني معداش غير كام شهر وتحبي واحد تاني!
دي حاجة متخصكش يا نوح! ارتبط بأنس ارتبط بغيرة أنا حرة، ولا أنت فاكر أني هبكي على الأطلال بقى ومش هتجوز من بعدك؟
أنا آسف.. أنا ماشي.. سلام.
أردف نوح بإنكسار وهو يرحل مبتعدًا عن ناظري ميرال.
تنهدت ميرال تنهيدة طويلة قبل أن تدلف إلى مدخل البيت.
في مساء اليوم التالي وبينما يتناول رحيم الطعام برفقة والديه بهدوء سأله والده التالي:
رحيم أخبار بيتك أنت وأفنان إيه؟
سأل والد رحيم أثناء تناولهم الطعام ليبتلع رحيم ما يأكله ومن ثم يجيب قائلًا:
الحمدلله يا بابي، شغالين بس ببطء شوية لأن أفي عندها امتحانات الفترة دي.. تخلص ونشوف باقي الحاجة اللي ناقصة.
وهي الكليات العلمية امتحاناتها بتخلص؟ عالعموم مش مشكلة أنتوا لسه معاكم وقت يعني.
لو مستعجلين أوي ممكن تقعدوا معانا هنا.
صدرت هذه الجملة من والدة رحيم ليسعل رحيم بقوة، ومن ثم يحمحم بينما يردف:
معانا؟ نقعد مع مين يا مامي لا طبعًا!
ليه؟ القصر مش من مقام أفنان هانم ولا إيه؟
سألت والدة رحيم ساخرة قبل أن يحمحم رحيم ثم يعلق على حديث والدته موضحًا وجهة نظره بأدب قدر الإمكان:
لا طبعًا يا مامي حضرتك عارفة إن ده مش قصدي، أنا قصدي إني عايز privacy (خصوصية) ليا أنا ومراتي.. مش معقول أبقى عايز استقل وأكون أسرة لنفسي.. أقوم رايح أعيش مع أهلي.. مش منطق يعني.
وده رأيك أنت لوحدك ولا رأيها هي كمان؟
أنا وأفي رأينا واحد في حاجة زي كده، الموضوع ملوش علاقة بحضرتك أنت وبابي.. لو كانت أفنان طلبت حاجة مشابهة كنت هرفض برضوا.
أجاب رحيم على سؤال والدته.
كانت والدته تستمع إلى رده بهدوء حتى نبس بجملته الأخيرة لتضع الملعقة بعنف على الطاولة وهي تردف مستنكرة:
طبيعي ترفض! أومال هتروح تعيش معاهم في الحارة يعني؟
لا حضرتك فهمتيني غلط، أنا قصدي إننا نبقى ساكنين قريب من أهلها حتى لو في قصر، عشان كده أنا حبيت بيت التجمع.. استقلال وهدوء وفي نفس الوقت لو في أي حاجة بالعربية نكون عندكوا أو عند أسرتها.
أنت موافقه على الكلام ده يا حامد؟
سألت والدة أفنان في محاولة منها لجعل زوجها في صفها لكن محاولتها لم تنجح لأنه وكالمعتاد كان في صف رحيم، فوالد رحيم لن يوافق على أي شيء يزعج رحيم ولن يرفض أي شيء قد يسعده طالما أن الأمر ليس فيه أي ضرر.
أيڤ حبيبتي سيبي الولد على راحته، رحيم كبر ومن حقه يستقل.. وبعدين اشمعنا في الجواز عايزاه يقعد معاكي مع إنك كنت مشجعة استقلاله جدًا لما كان في England (انجلترا).
الوضع اتغير وهنا غير هناك، وبعدين أنا من حقي أتطمن على ابني وأكون واثقة إنها قادرة تسعده.
مامي لو أفنان مش هتعتعرف تسعدني ولا أنا هعرف أسعدها مكنتش هفكر للحظة أني ارتبط بيها.
وبعدين يا ايڤ عايزاهم يقعدوا معانا ازاي وأنت شخصيًا مكنتيش بتتحملي نقعد في بيت العائلة مع عائلتي أكتر من تلات أيام.
على فكرة يا حامد محدش مخلي الولد Stubborn (عنيد) كده غيرك!
مش جايب العند من حد غريب يا مامي صدقيني.
أردف رحيم ممازحًا وهو يحاول كتم ضحكاته كي لا يثير غضب والدته أكثر.
بعد مرور بضع أيام استيقظ رحيم من نومه وقد شعر بتحسن كبير قرر أن يذهب لمقابلة أفنان أو بالأحرى أن يفاجئها.
أما عن أفنان فبمجرد انتهاء دوامها في الجامعة جلست تثرثر قليلًا مع زملائها قبل أن تغادر.
بقولكوا إيه أنا هروح بقى عشان مصدعة ورجلي ورمت من الوقفة طول اليوم.
ماشي يا ست أفنان كل مرة نقول هنخرج بعد الكلية بتهربي مننا، خطيبك مستنيكي ولا إيه؟
يا ستي مش بهرب ولا حاجة وبعدين قولتلك مية مرة أنا مش مخطوبة أنا مكتوب كتابي.
خلاص ياستي هتدخلي الدبلة في عيني، وبقولك إيه خدي بالك وأنت ماشية لأن حالات الخطف كترت والتحرش كمان.
حاضر متقلقيش.. ربنا يستر ويحفظنا جميعًا.
أردفت أفنان قبل أن تلوح للجميع وتودعهم ثم تتجه نحو الخارج متجاهلة نوح القادم عكس اتجاهها.
كان ينوي إلقاء التحية لكن عندما أشاحت بنظرها بعيدًا عنه تراجع عن فكرته تلك وهو يسب نفسه داخليًا.
بقولك يا آنسة.. مش القمر في صيدلة؟ ممكن تقسيلي الضغط؟
همس رحيم بنبرة لعوب بالقرب من أفنان والتي كادت أن تلتفت وتضربه بصندوق الأدوات الثقيلة خاصتها لكن رحيم انتبه لحركتها وابتعد سريعًا وهو يصيح بفزع مردفًا:
أفي!!! ده أنا! منك لله يا أنس أنت واقتراحاتك اللي زي الزفت دي..
أخذ رحيم يسب اقتراح أنس بأن يفاجئ أفنان بتلك الطريقة وأن يقوم بمغازلتها بتلك الطريقة المبتذلة!
أنت مش هتبطل الحركات دي بقى؟ ولو كنت شوهت وشك الحلو ده دلوقتي كنت هتبقى مبسوط؟
سألته أفنان بحنق وهي تضربه بخفة في كتفه ليُمسك يدها بلطف ويُقبلها قبل أن يسألها بذات النبرة اللعوب:
وشي حلو؟ بجد؟
يا رحيم مش وقته… استغفر الله العظيم يارب، سيب إيدي يا عم إحنا في الشارع.
آه صح، بس إيه ده أنا جوزك على فكرة؟
لا ما هو الناس اللي في الشارع متعرفش، وبعدين إيه جوزي يعني؟ إحنا لسه معملناش فرح.
طب بمناسبة الفرح بقى.. بقولك إيه؟ اتفضلي.
أردف رحيم بلطف وهو يُخرج دعوة زفاف من جيب بدلته الرسمية.
تمسك أفنان ببطاقة الدعوة الفاخرة ذات التصميم المميز وهي تسأل رحيم بسخرية:
دعوة فرحنا دي ولا إيه؟
أنت عبيطة يا أفي؟ دعوة فرحنا ازاي يعني؟ لا ياستي إحنا معزومين على فرح وأنا بصراحة متحمس أوي أني أروح معاكي مع إني في العادة يعني مش بحب أوي جو الأفراح.
بغض النظر عن كلمة عبيطة، بس أنا مبسوطة أوي أننا هنروح، تقريبًا من الأسباب القليلة جدًا اللي كان نفسي ارتبط عشانها هو أننا نروح مناسبات مع بعض وكده.
أديني حققتلك أمنيتك أهو، أي أؤامر تانية؟
سألها رحيم بمزاح وهو يقوم بفتح باب السيارة من أجلها.
تدلف إلى الداخل بينما تتمتم بنبرة لطيفة:
ميؤمرش عليك ظالم يا حبيبي، بس هو فرح مين مقولتليش؟
ها؟ لازم؟
سأل رحيم بتوتر لتتحول أفنان إلى ‘دراكولا’ بلا مقدمات وهي تسأله بحدة:
ولا! إحنا مش اتفقنا منخبيش على بعض حاجة تاني؟
أيه ده أنا اتفقت؟ مش فاكر..
والله؟
خلاص خلاص.. طيب هتسمعي اللي هقوله في هدوء ولا هتفرجي علينا الناس؟
أنا يا حبيبي بفرج علينا الناس؟ عيب والله.. قول قول ميهمكش حاجة.
دي بنت من عائلة كبيرة أوي، مامتها تبقى صاحبة مامي وكانت مامي عايزاني اتجوزها.. المهم يعني أنها دلوقتي هتتجوز مهندس أعرفه ابن رجل أعمال برضوا.
ودي اسمها إيه الآنسة دي إن شاء الله؟
مش فاكر بصي في ال invitation (الدعوة)، أنا كل اللي فاكره إن مامتها اسمها بثينة.
بثينة؟ اسم قديم بس فخم تحسهم طالعين من قصر فعلًا، المهم أنا مش عارفة هلبس إيه في الفرح.. يا خبر أبيض ده بعد بكرة هلحق أضبط طقم إمتى؟
ودي تفوتني برضوا يا أفي بذمتك؟ أنا كلمت باباكي واستأذنت منه أننا نتغدى مع بعض ونروح نشوف dress (فستان) ليكي و Suit (بذلة) ليا، إيه رأيك بقى؟
بجد؟ يالهوي أنا بحبك أوي بجد ربنا يخليك ليا!
أردفت أفنان بحماس شديد وهي تصفق بكلتا يديها كالأطفال.
لم يعلق رحيم بل فضل أن يصمت ويتأمل كتلة الجمال واللطافة الجالسة إلى جانبه داخل السيارة، كيف لها أن تكون بهذا السحر؟ كيف لها أن تجعل السعادة تغمر قلبه لتلك الدرجة؟ كيف لإبتسامتها الحلوة تلك أن تجعل الفراشات تحلق والأزهار تتفتح والعصافير تغرد؟ كيف لها أن تجعله يغوص في بحار العشق إلى تلك الدرجة.. على ما يبدو أن أفنان حقًا تشكل خطرًا كبيرًا على قلب رحيم.
رواية في حي الزمالك الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ايمان عادل
رواية في حي الزمالك الفصل الرابع و الاربعون 44 - بقلم ايمان عادل
صَفْعَة 🦋✨🤎
“وه! هو ده الأتيلية؟” أردفت أفنان بإنبهار لتصدر ضحكة صغيرة من رحيم على ردة فعلها قبل أن يُجيبها قائلًا:
“اه هو، هنشوف فيه فستان ليكي وليهم branch ‘فرع’ رجالي هنشوف فيه suit ‘بذلة’ ليا.”
“أنتَ بجد بتخليني أروح أماكن عمري ما كنت هروحها ولا هعرف أنها موجودة… تجربة أي حاجة معاك مختلفة بكل المقاييس عن أي حد تاني، حتى المعاكسة الحقيرة اللي كانت من شوية دي.”
تمتمت أفنان بنظرة حالمة وهي تبتسم بلطف ليضحك رحيم وهو يُعيد خصلات شعره نحو الخلف بينما يُعلق على حديثها قائلًا:
“يااه أنتِ لسه فاكرة؟ المهم أنا مديهم خبر أننا جايين وهما جهزوا أكتر من dress ‘فستان’ من ال collection ‘المجموعة’ الجديد عشانك، ونفس ال size ‘مقاس’ بتاعك كمان.”
“وهما عرفوا مقاسي منين؟” سألت أفنان بمزيج من الجدية والسخرية وهي تستخدم عبارة من أحد الأفلام الكوميدية الشهيرة، يقلب رحيم عيناه بتملل وهو يُردف ساخرًا:
“أيه يا أفي الذكاء ده؟ أنا اللي قولتلهم أكيد.”
“وأنتَ عرفت مقاسي منين إن شاء الله؟” سألت أفنان وهي تُضيق عيناها بشك بينما تعقد ذراعيها أمام صدرها، ليصفع رحيم جبهته بيده بينما يهمس:
“صبرني يارب… استغفر الله العظيم.”
“بتقول حاجة يا رحيم؟”
“بستغفر ربنا يا حبيبتي بستغفر ربنا!” تمتم رحيم بنفاذ صبر وهو يُعيد خصلات شعره نحو الخلف قبل أن يُضيف:
“أفي حبيبي ركزي شوية، فستان الخطوبة أنا جبته معاكي وعرفت ال Size ‘مقاس’ بتاعك من الفساتين اللي جربتيها وقولت بدل ما نقعد ندور هنا على style و size نحاول نكسب وقت ونختصر.”
“طب ما كنا اختصرنا كل ده ولبست أي حاجة من عندي وخلاص.”
“مينفعش، مفيش حاجة عندك هتبقى مناسبة للمكان.” أجاب رحيم ببساطة شديدة لتعقد أفنان حاجبيها بإمتعاض وهي تقول بحنق بينما تضع يديها على خصرها:
“قصدك أني مبعرفش ألبس؟ ولا لبسي مش قد المقام؟”
“ليه؟ ليه بجد؟” سألها رحيم بإستياء شديد وهو يُخفي وجهه بكلتا يديه لترمقه بحيرة وهي تسأله:
“ليه أيه؟”
“ليه ال system ‘نظام’ بتاع دماغك بيترجم كل حاجة بطريقة سلبية ووحشة؟ أنتِ فعلًا معندكيش حاجة مناسبة، أنتِ مش عارفة شكل المكان أو ال style اللي الناس هتلبسه… واللي أحنا الإتنين المفروض نلبس زيه عشان نبقى زي الناس الموجودين…”
قام رحيم بتفسير وجهة نظره لأفنان والتي اسأت فهمها كالمعتاد، لم تُعلق أفنان على ما قاله رحيم ليمتعض وجهه لثوانٍ قبل أن يقترب من أفنان قليلًا وهو يسحب يدها الصغيرة بين كفيه وينظر إلى داخل عيناها قبل أن يُردف بهدوء:
“يا أفي أنا كل اللي عاوزه أنك تبقي أحلى من كل الموجودين وإن محدش يعلق على لبسك ويضايقك أو إن حد يحسسك إنك أقل منه.”
“مش ملاحظ أنك سطحي شوية يا رحيم؟ حتى لو شكلي بقى شبهم أكيد لما هفتح بوقي هيبان أني مش شبه الناس اللي هنبقى وسطهم… الناس اللي شبهك وشبه عائلتك.”
“ماشي يا أفي أنا نظرتي سطحية أنا موافق، بس الفئة اللي إحنا هنبقى وسطهم بيهتموا بالمظهر وده اللي بيفرق معاهم وأنا مش عايز حد يسمعك كلمة تضايقك ونضطر نعمل مشكلة!”
“أنا مش مقتنعة باللي أنتَ بتقوله ومش شايفة غير إنك محرج مني ومن لبسي وسط الناس دي.”
أردفت أفنان بإندفاع لكن حاولت قدر الإمكان ضبط نبرة صوتها كي لا تبدو حادة كثيرًا وكي لا يعلو صوتها على رحيم، تنهد هو بتعب فور سماع ما قالته قبل أن يُعلق على ما قالته بهدوء تام قائلًا:
“أفي أنا بجد مُرهق وأحنا راجعيين من فترة راحة أصلًا من الخناقات ومش حابب نتخانق تاني… لو أنتِ مصممة تلبسي حاجة من عندك ليكي كامل الحرية بس لو سمعتي تعليق معجبكيش أو حد بصلك بصة مش حلوة مترجعيش تزعلي.”
“وأنتَ وقتها مش هتدافع عني؟” سألت أفنان بدهشة وغيظ ليقلب رحيم عيناه بتملل قبل أن يُجيبها قائلًا:
“هدافع عنك أكيد، بس أنتِ اللي هتبقي اتسببتي في ده لنفسك.”
“أنا برضوا مش قادرة افهم وجهة النظر في اللي بتقوله!”
“وجهة النظر يا أفي إننا رايحين فرح لناس من Category ‘فئة/طبقة’ معينة وطبيعي الإنسان بيلبس حاجة مناسبة للمكان اللي هو فيه، فرح للطبقة المخملية فلازم نلبس حاجة قيمة، فرح في منطقة شعبية… هنلبس حاجة حلوة بس مش بنفس القيمة أو ال Style… رايحة job interview ‘مقابلة عمل’ هتلبسي حاجة حلوة ولكن Formal ‘رسمية’ ، بس… هو ده الموضوع بكل بساطة.”
قام رحيم بتفسير الأمر كاملًا بهدوء شديد ولطف كالمعتاد وكانت وجهة نظره مُقنعة إلى حدٍ كبير وكان يظن أن أفنان ستتفهم وجهة نظره وسينتهي الجدال عند هذا الحد لكن ذلك لم يحدث حيث زاد حديثه الطين بلة… لم تقتنع أفنان بحديثه ورمقته لبضع ثوانٍ قبل أن تسأله بإستنكار:
“يعني أنا بالوضع ده المفروض طول حياتي معاك هبقى مضطرة ألبس على مزاجك وأفضل أحط في مكياج وألبس حاجات معينة عشان يعجب؟ دي مش هتبقى عيشة دي يا رحيم!”
“أنا مقولتش كده، أنا بقول دي مناسبة معينة يا أفي وبعد ما تخلص اعملي اللي أنتِ عايزاه!”
“خلاص اختارلي أنتَ فستان وجزمة وطرحة وأنا هختارلك البدلة.”
“تمام مش هتفرق لأني كده كده لازم ابقى Matching ‘مطابق/متماثل’ معاكي.”
“الله! بجد؟”
“طبعًا، مش أنتِ حرم رحيم البكري لازم كل الناس تعرف ويبقى ظاهر علينا.”
“واو هتعرفني بقى عالطبقة المخملية وبعدين بقى واحدة تحبك وتحاول تخطفك مني وتروح موقعة خمرة عالفستان بتاعي عشان اروح الحمام اغسل الفستان وهي تستفرد بيك.”
قامت بالثرثرة عن السيناريو الدرامي خاصتها ليُطالعها رحيم بسخرية قبل أن يُعلق ممازحًا:
“مطبقة أنتِ على مسلسل تركي صح؟”
“هندي.”
“لا حول ولا قوة إلا بالله.. طيب يا أفي ممكن ندخل عشان الشمس وبشرتنا هتتأذي.”
“يااه هنبقى sun kissed ‘اكتسب لون بسبب أشعة الشمس’.” لم يُعلق رحيم على ما قالته بل أخذ يُحرك رأسه يمينًا ويسارًا وهو يبستم بسخرية.
بمجرد أن صعد درجات السُلم انتبه لأفنان التي تسير بخطوات بطيئة ولا تواكب خطواته السريعة، انتظر صعودها السُلم ليضع ذراعه على كتفها برفق وهو يقوم بفتح الباب سامحًا بها بالدخول أولًا، نسمات الهواء الباردة من مُكيف الهواء تضرب وجهها فتُصيبها بالإنتعاش بالإضافة إلى رجفة صغيرة.
كان المكان ذو طراز راقٍ وهادئ، ثلاثة أرائك متقابلة ولكن تفصلهم مسافة كبيرة و ‘استندات’ كبيرة تحمل عشرات الفساتين من مختلف الألوان والتصاميم وفي أحد أركان المكان هناك غرف تبديل الملابس مع إضاءة قوية بالقرب من المرايا المتعددة لكي تسمح للشخص الواقف أمامها من رؤية إنعكاسه بوضوح ورؤية جيدة.
“مساء الخير يا دكتور رحيم.”
“مساء النور، أفنان.. مراتي.”
“أهلًا وسهلًا يا هانم، الحاجات اللي حضرتك طلبتها كلها جاهزة هوفر لحضرتك بنت أو اتنين حالًا يكونوا assistants ‘مساعدين’ لأفنان هانم يساعدوها في القياس.”
“رحيم أنا اتخنقت ما تختار حاجة وتخلصني كلهم حلويين أوي أصلًا أنتَ بس اللي واخد دكتوراه في التحنيك وكل فستان تقولي مش حلو!”
“عشان أنا عايز حاجة معينة، وعايز كمان لون يبقى مناسب عشان هلبس cravat ‘ربطة عنق’ نفس اللون وبعدين ثواني بس يعني أيه الكلمة اللي قولتيها دي؟”
“يارب صبرني… مش وقت مراجعة قاموسي اللغوي دلوقتي، والله بدل الدوشة دي كنت نزلت جبت فستان من العتبة ولا الوكالة ولا حتى جبت قماش من الأزهر وفصلته عند طنط أم ابراهيم.”
“أفي… أفي please ‘من فضلك’ متفتحيش بوقك لحد أما نخلص، قال ننزل مش عارف فين… بتقولي أيه أنتِ؟”
“بقى يا جاهل مش عارف الوكالة والعتبة؟ طبعًا ما أمثالك بيضحك عليهم تدفع الشيء الفلاني من المحلات البراند والحاجة ممكن تتجاب بنص التمن أصلًا يلا ما علينا.”
بعد مرور نصف ساعة آخرى وجد رحيم ضالته أخيرًا، ثوب باللون الأحمر الداكن أو ما يُسمى ‘نبيتي’.
كان اللون مناسبًا تمامًا للون بشرة أفنان وقد أكسبها نضارة تفتقرها بشرتها خاصة عند ارتداء الألوان الباهتة حيث تظهر بشرتها باهتة كذلك، ابتسمت أفنان براحة عندما رأت تلك اللمعة المميزة في عين رحيم وقد استنتجت أن هذا هو التصميم الذي كان يبحث عنه منذ البداية.
كان الثوب فاخرًا بحق وقد استخدمت المصممة خامات باهظة الثمن، بدت أفنان مُختلفة تمامًا عن أي مرة ارتدت فيها فستانًا من قبل، كان الثوب فضفاض إلى درجة كبيرة وكان طويلًا بحيث يُغطي ساقيها والأرضية من بعدها.
“ها يا أفي هنشتري ده تمام؟”
“اه… حلو أوي مش كده؟”
“أي حاجة هتبقى حلوة عليكي.” أردف رحيم بنبرة لطيفة وهو يضع يده على خصر أفنان بلطف لترتجف الأخيرة وتبتعد عنه لتذهب لإحضار حقيبتها بينما تهمس بغيظ:
“يا كداب… يا كداب ده أنت خلتني أقيس كل حاجة هنا.”
“أفي حبيبي خدي مفتاح العربية في حد هيخرجلك ال dress تحطيه واستنيني في العربية مش هتأخر.” طلب منها رحيم بلطف وقد لمحت أفنان المحفظة الخاصة به في يده لذا أستوعبت أنه لا يُريد منها أن تعرف ثمن الثوب، أومئت له أفنان وهي تأخذ المفاتيح منه وتتجه نحو السيارة.
“اتأخرت عليكي؟”
“لا، كنت عايزة أقولك حاجة.. بص أنا مش هسألك أنتَ دفعت كام في الفستان عشان ملهاش لازمة نتخانق… بس يا رحيم من فضلك مش كل مناسبة هتخليني اشتري حاجة غالية كده، أنا مش بيفرق معايا الماديات وأنتَ عارف ده فملهاش لازمة تقعد تبعزق في فلوسك كده.”
باحت أفنان بما يجول في صدرها منذ فترة وبالرغم من أنها قامت بتنبيه رحيم إلى تلك المسألة من قبل إلا أنه تجاهل ما قالته حتى بعد نقاش دام لمدة طويلة وكانت تنتظر منه أن يبدأ في الجدال ليؤلم رأسها ورأسه هو شخصيًا لكن ما حدث عكس ما توقعت تمامًا فلقد نظر نحوها رحيم بهدوء شديد بينما أردف جملة مُختصرة تمامًا بلطف قائلًا:
“حاضر يا أفي.”
“بس كده؟”
“اه، مش أنتِ طلبتي مني حاجة؟ أنا بقولك حاضر هسمع كلامك، ملهاش لازمة نقعد نتناقش ساعة في الموضوع يعني.” قام رحيم بالإجابة على سؤالها وتوضيح وجهة نظره بإيجاز لتضحك أفنان بينما تُردف بمزاح:
“يا أخي ربنا يكتر من أمثالك والله.”
“تعالي نتغدى الأول وبعدين نشوف ال suit بتاعتي.”
“هتأكلني فين؟”
“عايزة تاكلي فين؟ بس أوعي تقولي كبده!”
“لا لا مش للدرجة دي، كنت هقول كشري بس خلاص اختار أنتَ.”
مر الوقت سريعًا بعد تناولهما وجبة الغداء، لم تستغرق أفنان الكثير من الوقت في اختيار بذلة من أجل رحيم، فبذلة سوداء برابطة عنق باللون الأحمر الداكن كانت جيدة كفاية بالنسبة لها.
“بصي أحنا تعبنا أوي النهاردة فمش هنقدر نلف أكتر من كده، هبعتلك عالبيت Heels ‘حذاء ذو كعب عالي’ على مقاسك وكمان شنطة صغيرة مش عارف بيبقى اسمها أيه والفستان مش محتاج accessories أظن كفاية الخاتم والدبلة.”
“أنا مبهورة بجد، ازاي مجهز كل حاجة كده؟ بتعمل حساب الحاجة قبل ما تخطر على بالي حتى.”
“حب بقى وحركات، وبالنسبة لل Makeup هبعتلك حد برضوا.”
“عقبال أما أتعبلك في فرحك يا رحيم يا ابني.”
“ابنك؟!! وبعدين ما هو فرحي هو فرحك ما هنتعب أحنا الإتنين في الترتيبات!”
“لا تقتل المتعة يا مسلم! بهزر يا عم! بقولك أيه روحني عشان أنت خنتقتني بصراحة.” أردفت أفنان بمزاح ليقهقه رحيم وهو يقوم بتشغيل السيارة قبل أن ينطلق نحو منزلها.
“بصي أعتذرلي لباباكي أنا مش هينفع أطلع معاكي النهاردة عشان ورايا شغل لازم يخلص.”
“هتروح الشركة بليل كده؟”
“هروح الشركة وهعدي عالمصنع كمان، السهرة هطول شوية النهاردة وأنس هيبقى معايا على فكرة لو عايزة تراقبيني ولا حاجة.”
“لا متقلقش أنا واثقة فيك، كده كده أنس فتان لو عملت حاجة هيقولي.” قلب رحيم عيناه بتملل لتضحك على تعبيراته قبل أن تقوم بتوديعه والدخول إلى المنزل.
“مساء الخير… أيه ده؟ ريماس عندنا؟!” سألت أفنان بدهشة بينما كادت أن تتعثر أثناء دخولها بسبب حملها للحقيبة الضخمة التي تحوي الثوب خاصتها.
“مفاجأة مش كده؟ كنت جايه اطمن على خالو عشان وحشني.” تمتمت ريماس بلطف وهي تُمسك بمعصم خالها لترمقهم أفنان بغيظ قبل أن تُردف بسخرية:
“متشوفيش وحش ياختي، منورة… هغير بسرعة وأجيلكوا، أنتي قاعدة شوية صح؟” استأذنت أفنان فهي لا تُريد من ريماس أن ترى ما تحمله أفنان فتذهب لإخبار والدتها، وأثناء توجه أفنان إلى الحجرة سمعت رد ريماس والذي كان كالتالي:
“يعني ساعة كده ولا حاجة.”
“تمام مش هتأخر.” دلفت أفنان إلى الحجرة لتجد ميرال جالسة على السرير بينما تقوم بتزيين أظافرها بطلاء الأظافر، وضعت أفنان أغراضها على السرير قبل أن تسألها ميرال بفضول:
“أيه ده؟ جثة دي ولا أيه؟”
“اه، جثة أنس يا ظريفة.”
“بعد الشر يا شيخة أيه ده؟! ده فستان سوارية صح؟”
“اه أنا ورحيم معزومين على فرح فهو قال يجبلي فستان يعني ويجيب لنفسه بدلة.”
“طب ما تفرجيني، ولا استني لما المونيكير ينشف عشان أعرف اتفرج براحتي.”
“استني لما ريماس تروح طيب حفاظًا على خصوصيتي يعني، وبعدين هو أنتِ أيه اللي مقعدك هنا لوحدك؟”
“ما أنتِ عارفة ماما وبابا بيتخنقوا من ريحة المونيكير وبعدين ريماس كانت عايزة بابا في موضوع فقولت اسيبهم على راحتهم يعني.”
“لا والله؟ موضوع أيه إن شاء الله؟ أنا هخرج أشوفهم.” قالت أفنان بحنق وغيظ وهي تتجه نحو الخارج وكان الحوار كالتالي:
“أنا يا خالو عايزاك تفهم ماما أني رافضة تمامًا ومش ناوية أكرر التجربة دي ابدًا، أنا كفاية عليا الدراسة وحضرتك عارف إن الطب مشواره طويل ومش عايزة حاجة تعطلني.”
“أنا معاكي في الكلام ده، بس مفيش مشكلة لو قعدتي مع الولد يمكن ترتاحيله.”
“لا يا خالو مش عايزة…”
“ايوا جدعة، أصلًا أنا ضد الجواز والإرتباط في سن صغير.” صاحت أفنان مُفصحة عن رأيها الذي لم يطلب أحد سماعه، ارتسمت معالم الدهشة على وجه ريماس وهي تُضيق عيناها بينما تسأل أفنان بسخرية:
“ضد أيه يا حبيبتي؟ بالنسبة إنك اتجوزتي وأحنا من سن بعض عادي؟”
“لا ما هو… أنا قبل ما أقابل رحيم كنت ضد الموضوع ده وحواري أنا ورحيم ليه ظروف خاصة وفعلًا أنا أجلت الجواز لحد لما أخلص بعيدًا عن كتب الكتاب يعني.”
“بغض النظر عن اللي أنتِ بتقوليه ده بس أنا فعلًا مشواري في الطب طويل لسه امتياز وماچيستير ودكتوراه… مش حابه حاجة تعطلني خاصة إنها جوازة تبع ماما وبابا تاني يعني غالبًا الموضوع هيفشل قبل ما يبدأ.”
“لا في دي معاكي حق بصراحة.”
أكدت ريماس على ما قالته أفنان وهذه المرة الأولى تقريبًا التي تشاركها فيها الرأي ذاته، طالعهم والد أفنان بحنان قبل أن يُعلق وهو يمازح أفنان متعمدًا إثارة غيظها قائلًا:
“ما بس بقى يا بوتجاز أنتِ أديني فرصة أكلم بنت عمتك.”
“يااه يا بابا… للدرجة دي وجودي تقيل على حضرتك؟” سألت أفنان بنبرة درامية وهي تضع يدها فوق موضع قلبها ليرمقها والدها لبرهة وهو يضحك قبل أن يُجيبها قائلًا:
“اه، قومي اعمليلنا كوبيتين شاي بقى لو سمحتي.”
“ياااه يا بابا هي دي بقت كل علاقتك بيا؟ كوبيتين شاي؟ مكنش العشم يا حجوج والله.”
“لا لا مفيش داعي للشاي يا خالو أنا لازم أروح عشان ماما متقلقش عليا… مبسوطة أني شوفتك يا أفنان.”
“وأنا كمان، أبقي كرري الزيارة.” ودعت أفنان ريماس وبعد رحيلها ذهبت لتجلس على الأريكة المقابلة للكرسي الذي يجلس عليه والدها، ابتسم والدها بلطف حينما لاحظ عبوس وجهها فهو يدري تمامًا سبب ذلك العبوس… ابنته الصغرى تشعر بالغيرة لتحدثه مع ريماس ومزاحه معها لذا قرر أن يُصلح الأمر قائلًا:
“أيه يا حبيبة بابا مش هتحكيلي عملتي أيه مع رحيم النهاردة؟ وجبتي أيه؟ شوفت معاكي حاجة فرجيني بقى.”
“ثواني وأكون جبت الحاجة.” أردفت أفنان بحماس وهي تهرول نحو الغرفة لتُحضر الثوب الجديد خاصتها والحذاء وسط قهقه والدها على ردة فعلها تلك.
في صباح يوم الزفاف، استيقظت أفنان باكرًا لتستعد ليومها الطويل لتجد ميرال تقف أمام المرأة بينما تقوم بإرتداء وشاح رأسها.
“أنتِ رايحة فين؟”
“عندي شغل وهخلص وهروح للدكتورة عندي جلسة النهاردة.”
“هتروحي مع أنس برضوا؟”
“لا أنا مالي بأنس يا أفنان؟! هو بيحجزلي والعيادة بتكلمني تأكد عليا الميعاد بس، وبعدين قولتلك أنا مش بتكلم معاه خلاص.”
أجابت ميرال بطريقة هجومية وبنبرة حادة نسبيًا لتعقد أفنان حاجبيها قبل أن تقول:
“ماشي ياستي تمام أنا مقولتش حاجة، خدي بالك بس من نفسك، بس ثواني أيه ده؟! يعني مش هتشوفيني لما ألبس الفستان الجديد وأخلص الميك أب وكده؟”
“أبقي ابعتيلي صور وبعدين لو خلصتوا الفرح بدري أبقي كلميني لو كنت لسه مروحتش عدوا عليا بالعربية نروح سوا.”
“خلاص اتفقنا، خدي بالك من نفسك.” أردفت أفنان بلطف وهي تستقيم من مقعدها وتذهب لمعانقة شقيقتها.
بعد بضع دقائق رحلت ميرال لتبدأ أفنان في التجهيزات ومن ثم انتظار خبيرة التجميل التي قام رحيم بإرسالها من أجلها كي تأتي لمساعدتها في لف الوشاح ووضع مساحيق التجميل.
في المساء وتحديدًا في الساعة السادسة، دلفت ميرال إلى داخل العيادة ليُصيبها التوتر مجددًا لكن حالتها كانت أفضل من المرة الأولى، اقتربت من المساعدة لتتأكد من وجود اسمها في قائمة الحالات التي ستُقابلهم الطبيبة اليوم، وقفت بالقرب من المكتب بذهن شارد قليلًا فلم تنتبه إلى الواقف إلى جانبها إلا حينما قال:
“أيه ده ميرال أيه الصدفة الحلوة دي؟”
“صدفة؟”
“اه يا محاسن الصدف أحنا الإتنين عندنا جلسة النهاردة مع الدكتورة!”
“صدفة؟ أنتَ بتستهبل ومرتب المواعيد صح؟”
“بستهبل؟ عيب يا أستاذة ميرال والله! هو أنا بلعب معاكي في الشارع ولا أيه؟ وأيه بتستهبل دي كمان؟ ده لفظ يطلع من بنت مؤدبة كده؟ أكيد من كتر القاعدة مع أفنان!”
تجهم وجه ميرال وقوست شفتيها بعبوس وقليلًا من الصدمة، أخذت تعبث في أصابع يدها المتشابكة بينما يحاول أنس جاهدًا أن يكتم ضحكاته قبل أن يُردف بينما يحك مؤخرة عنقه:
“بصراحة بستهبل اه.. كنت عايز أشوفك حتى لو مش هنتكلم.”
“على فكرة أنت رخم والله العظيم!”
“أستاذة ميرال الدكتورة في انتظارك.”
“تمام حاضر.” أردفت ميرال بلطف وهو توجه نظرها نحو المساعدة قبل أن ترمق أنس بنظرات حادة وإن بدت لطيفة بالنسبة لأنس ليقهقه هو بينما يُعلق بحزن مُصطنع:
“طب مش هتقوليلي مع السلامة طيب؟”
“بقولك أيه.. متمشيش استناني.”
“هستناكي.” تمتم أنس مع ابتسامة كبيرة بلهاء ارتسمت على وجهه وبمجرد أن غابت على انظاره قام أنس بتغطيه وجهه بكلتا يديه وهو مازال يضحك من السعادة، كيف لجملة بسيطة منها أن تجعله يفقد عقله إلى تلك الدرجة؟
دلفت ميرال إلى الداخل لتُرحب بها الطبيبة بإبتسامة لطيفة وبعد ذلك تجلس ميرال أمامها على الكرسي، لم تدرِ ميرال كيف تبدأ الحديث واستطاعت الطبيبة فهم ذلك بسهولة من لغة جسدها مثل عبثها في أصابعها حركة قدمها المتتابعة، ثغرها الفارغ وكأنها فقدت الكلمات كلها.
“أنا ملاحظة إن باين عليكي إنك أحسن من المرة اللي فاتت، يمكن لسه متوترة شوية وقلقانة بس في تحسن ولا أيه رأيك؟”
“فعلًا، حتى أني كنت مبسوطة أني جاية لحضرتك وكان في دماغي كلام كتير بس لما دخلت… حسيت أني نسيت، وكلام أنس ومقابلته لغبطة دماغي أكتر.”
أجابت ميرال بعدم راحة وهي تضحك ضحكات متوترة بينما تعبث بأصابعها، كانت تستمع إليها الطبيبة بتعابير وجه هادئة حتى سمعت الجملة الأخيرة لتسأل ميرال بدهشة:
“هو أنس برا؟”
“اه، بيقول عنده جلسة… بس أنا مش مصدقه بصراحة حاسه أنه عامل كده قاصد.”
“لا لا هو عنده جلسة النهاردة فعلًا، بس هو جاي بدري شوية عن ميعاده… المهم قوليلي أيه اللي حصل من وقت الجلسة الأولى؟”
“مفيش جديد… أنا وأفنان شبه اتصالحنا، متكلمناش في الموضوع بشكل مباشر… حضرتك عارفة علاقة الأخوات مش بتبقى رسمية في الحاجات اللي زي دي؛ يعني جبتلها الفاكهة اللي بتحبها وهي روقت مع ماما الشقة بدالي كده يعني.”
“طب وأنتِ شعورك أيه؟ حاسة إنك خلاص مش متضايقة ولا حاسه بغيرة ولا بتحاولي تتأقلمي مع الوضع وخلاص؟”
“أنا عايشة طول عمر بتأقلم على أي حاجة… لدرجة أني فقدت القدرة على اتخاذ القرارات أصلًا لأن كل حاجة الدنيا والظروف بتفرضها عليا، يمكن أول قرار أخدته بمزاجي وبعد تفكير طويل هو انفصالي عن نوح…”
“جميل، يمكن أول قرار أخدتيه كان صعب جدًا وقاسي بس كان اختيار مضبوط تمامًا، بالمناسبة أنتِ بطلتي تتعاملي معاه تمامًا صح؟”
“اه، يعني معملتش بلوك أو كده بس بطلنا نتكلم، ومبقتش أشوف أي حاجة بينزلها، بطلت أزور خالتو بقيت بس بكلمها في التليفون وكانت كل حاجة تمام لحد ما… لحد أما اتقابلنا صدفة…”
“صدفة؟” سألت الطبيبة بإهتمام وهي تراقب لغة جسد ميرال عند تحدثها عن نوح.
“مش صدفة أوي.. هو جيه تحت البيت بيقول كان عايز يقابل ماما وبابا ويسلم عليهم… حاول يتكلم معايا بس أنا قفلت معاه في الكلام وطلعت.”
“طيب وحسيتي بإيه وقتها؟”
“حسيت أني مخضوضة… اتخدت كده ومكنتش عارفة اعمل أيه، كان نفسي الأرض تنشق وتبلعني وكنت حاسة أني هضعف عشان بجد أنا مفتقده وجوده… حتى لو كان وجوده كان مُزيف بس قررت أني أواجه وأدوس على قلبي وروحت هزقته وطلبت من أنه يمشي.”
“أنا مبسوطة منك جدًا يا ميرال وفخورة بيكي كمان.”
“بجد؟ حضرتك فخورة بيا؟ يعني أنا اتصرفت صح؟” سألت ميرال بحماس طفولي واضح، لم يكن من الصعب على الطبيبة أن تجد الطريقة المناسبة وأن تختار الكلمات المناسبة لتحفيذ ميرال ومساعدتها على التحسن…
ببساطة ميرال تفتقر إلى الدعم، الإهتمام والحب… إن استطاعت الطبيبة أن توفر تلك المشاعر لبعض الوقت ستتحسن حالة ميرال ولكن الأكثر أهمية من ذلك هو أن تساعدها على تقبل ذاتها، أن تُحب نفسها وأن ترضى بكامل عيوبها قبل مميزاتها ثم تحاول العمل على إصلاحها، يجب أن تساعدها على إدراك أنها ليست بحاجة دائمة إلى دعم خارجي بل يكفي أن تدعم نفسها بنفسها.
“بصراحة عشان مكدبش أنا حسيت بالذنب شوية، أنا على طول بحس بالذنب تجاه أي حد وأي حاجة بقولها حتى لو اللي بقوله هو الحق… بس أنا خفت أوي أضعف وأرجع تاني لنقطة الصفر فكان الحل الوحيد أني أتكلم معاه بحزم وأدوس على جرحي…”
أكملت ميرال الإفصاح عما يجول في خاطرها وقد أخبرت الطبيبة بكل ما تشعر به وبعد نقاش استمر لساعة تقريبًا طمئنت الطبيبة ميرال بأنها ليست بحاجة إلى أدوية بكل تأكيد بل يكفي القدوم على فترات من أجل الجلسات بالإضافة إلى بعض النصائح التي أخبرتها بها الطبيبة وبعض الممارسات الصغيرة التي ستساعدها على تصفية ذهنها والتخلص من الطاقة السلبية والغضب.
غادرت حجرة الطبيبة لتجد أنس جالسًا في الخارج يرتدي سماعة الأذن خاصتها وكان شاردًا وكأنه يُفكر تفكيرًا عميق، شعرت ميرال بالفضول نحو ما يجول في خاطره في ذلك الوقت وتمنت لو بإمكانها مساعدته على حل مشكلته ولكن وضع أنس غاية في التعقيد لسوء الحظ… أقتربت ميرال قليلًا لتقف أمامه وهي تلوح بذراعه ليخرج من شروده ويرمش مرتين قبل أن ينزع سماعات أذنه اللاسلكية وهو يُردف:
“كويس متأخرتيش أوي.”
“متأخرتش؟ أنا تقريبًا قعدت ساعة ونص أو أكتر… أنتَ مش مدرك للوقت ولا أيه؟”
“لا… مُدرك بس يعني سرحت شوية مع الأغاني، المهم كنتي عايزاني في أيه؟”
“بص يا سيدي دي أول دفعة من أقساط فلوس الدكتورة.”
“هتدفعيلي أول جنية ونص ولا أيه؟” سأل أنس ممازحًا وهو يضحك لتُبتسم ابتسامة صغيرة وهي تُخرج ظرفًا صغير من حقيبة يدها ذو لون وردي لطيف وقد دون عليه الآتي:
‘أول قسط بتاريخ ../../.. إلى أنس بيه’
قهقه أنس بشدة فور قراءته لما كُتب قبل أن يقوم بفتح الظرف بهدوء ليجد مئتان جنيهًا على ورقتين كل واحد بمئة، عقد حاجبية لثوانٍ قبل أن يُردف:
“حتة بمتين جنيه مرة واحدة؟”
“حتة؟ لا حتتين.”
“طب بصي تجنبًا للخناق ووجع الدماغ أنا هاخد مية والشهر الجاي هاخد المية التانية.”
“لا ما هو بالوضع ده هيبقى قسط لمدى الحياة بقى.”
“هنبقى نكتبهم في القايمة متشغليش بالك.”
“أيه؟”
“أيه؟”
“أنتَ! بتقول أيه؟”
“بقولك فلوس الكشف مش غالية أوي زي ما أنتِ فاكرة فأنا هاخد دي بس والظرف وخلي التانية معاكي يلا سلام.”
قام أنس بتعديل ما قاله على الفور وهو يبتسم ابتسامة جانبية قبل أن يأخذ الظرف وورقة واحدة ويترك الثانية بجانب ميرال ثم يستقيم من مقعده على الفور ويدلف إلى حجرة الطبيبة تاركًا ميرال بثغرٍ فارغ من الحيرة وعدم الإستيعاب.
اقترب أنس من باب الحجرة وهو يطرق على الباب بطريقة أقرب للقرع على الطبول قبل أن يفتح الباب ويدلف إلى الداخل ليجد الطبيبة قد استقامت من مقعدها بحيرة ولكن بمجرد رؤيته تنهدت قبل أن تقول:
“كان لازم أتوقع إن ده أنتَ.”
“أنا قولت بدل ما العيادة كئيبة أعمل جو وبتاع.”
قال أنس ساخرًا وهو يُغلق الباب من خلفه ثم يقترب ليجلس من الكرسي الذي أمام المكتب خاصتها، جلست الطبيبة وهي تسأله لائمة:
“هو ده يا أنس اللي اتفقنا عليه؟”
“أيه ده أحنا اتفقنا على حاجة؟ مش فاكر… اه قصدك موضوع ميرال؟”
راوغ أنس في حديثه لتُضيق الطبيبة عيناها لبرهة قبل أن تقوم بإرخاء تعبيرات وجهها وهي تسأله بنبرة جادة:
“مش أنتَ اتفقت معايا إنك هتبعد عنها خالص لحد ما أنتوا الإتنين تكونوا مستقرين نفسيين وبعدها تشوف إذا كنت فعلًا منجذب ليها ولا ده مجرد وهم في دماغك ودماغها.”
“لا ثواني.. هي قالتلك إنها منجذبة ليا؟” سأل أنس بعد أن انتفض من موضعه لتبتسم الطبيبة ابتسامة صغيرة بينما تقوم بشبك أصابع يديها أمامها بينما تُردف بمراوغة:
“أنا مجبتش سيرتها أصلًا أنا بقول أنتَ منجذب ليها.”
بتلعبي بالجمل والألفاظ؟ أما أنتوا يا دكاترة عليكوا حاجات.”
“مش كفاية هزار ونبدأ الجلسلة ولا أيه؟”
“يلا…”
بالإنتقال إلى رحيم وأفنان، كان رحيم قد حضر أمام منزل أفنان في الموعد المتفق عليه، كان يجلس داخل السيارة في انتظارها ولحسن الحظ لم تتأخر أفنان على غير العادة ودلفت إلى السيارة في الموعد المتفق عليه، بمجرد أن رأها رحيم لمعت عيناه بشدة وهو يقول بإنبهار واضح:
“أنا… مش عارف أقول أيه! أفي You look gorgeous ‘تبدين فائقة الجمال’.”
“يووه متكسفنيش يا سي رحيم.” تمتمت أفنان بنبرة مُصطنعة وهي تضحك بينما تضرب كتف رحيم بخفة لينظر نحوها بإزدراء لدقيقة قبل أن يُردف بنبرته اللطيفة الهادئة المُعتادة:
“بعيدًا عن اللي بتقوليه، بس بجد يا أفي كل مرة بشوفك فيها بتبقي أحلى من المرة اللي قبلها وحقيقي مش عارف أما أنتِ قمر كده دلوقتي أومال بال Wedding dress ‘فستان الزفاف’ شكلك هيبقى عامل ازاي؟”
“هسيبك لخيالك بقى، طبعًا أنتَ زعلان عشان مقولتش أنك شكلك حلو… يا أخي حسبي الله ونعم الوكيل! أنت زي القمر في كل حالاتك مش محتاجة كلام يعني.” تمتمت أفنان بجدية لقهقه رحيم بصوتٍ عالٍ بينما يهمس مُردفًا:
“مش طبيعية والله!”
“يلا نتحرك بقى عشان منتأخرش عالفرح.” أومئ رحيم وقام بتدوير السيارة ومن ثم انطلق إفى وجهته.
بعد ساعة توقفت السيارة أمام المكان المنشود، قصر فخم ولكنه لا يُشبه خاصة والدي رحيم فهذا القصر كان يبدو عتيقًا قليلًا في حين أن قصر والدي رحيم قد تم تعديله ليُصبح ذو تصميم مُعاصر وحديث، ازداد معدلات نبضات قلب أفنان بمجرد أن تجولت عيناها في المكان ولمحت الحضور المتوجهون نحو الداخل.
“يلا يا حبيبي؟”
“يلا…”
أمسك رحيم بيد أفنان برفق وهو يُربت عليها مرتين قبل أن يُقبل يدها بحنان ثم يقوم بشبك أصابعها بأصابعه، يُصبغ وجهها باللون الأحمر وارتجفت أناملها ليبتسم رحيم تلقائيًا قبل أن يُردف:
“متقلقيش يا أفي، كل حاجة هتبقى كويسة… أنتِ أحلى واحدة في المكان وأشيك واحدة في المكان كله، خليكي واثقة من نفسك.”
أومئت له أفنان وهي تبتسم ابتسامة صغيرة، فلقد قرأ أفكارها فلقد شعرت بالتوتر والقلق بمجرد أن شاهدت القصر من الخارج فماذا سيحدث لها إن دلفت إلى الداخل؟ تخشى أن تتعرض للسخرية، تخشى أن تلفت فتاة غيرها نظر رحيم، تخشى أن تسمع كلماتٍ قاسية عن كونها لا تليق به… لم تكن أفنان قليلة الثقة بالنفس عادةً بل كانت دومًا تشعر بأنها الأفضل لكن في هذا الموضع وهذا المكان تشعر بالعكس تمامًا.
“هي مامتك جوا؟”
“اه، هي وبابي من جوا من ساعة تقريبًا… كمان ميا موجودة.”
“الله الله! وست ناتالي كمان؟” سألت أفنان بحنق وهي ترفع أحدى حاجبيها ليضحك رحيم قبل أن يُجيبها مُردفًا:
“لا طبعًا يا حبيبي، ناتالي أيه اللي هيجبها هنا؟ هي تعرفهم منين أصلًا؟”
“طب واشمعنا ميا؟”
“يا أفي ركزي معايا شوية… ميا من العائلة، قريبتي أنا قولتلك قبل كده.”
“ماشي خلاص.”
“بصي لو حد عرض عليكي أي Drink ‘مشروب’ أشكريهم وارفضي بأدب، وأنا هبقى اجبلك حاجة تشربيها تمام؟”
“ليه؟”
“عشان في الغالب أي مشروب هيتقدم هيبقى فيه Alcohol ‘كحول’ وأكيد أحنا مش بنشرب يعني فهجبلك أنا أي Soft drink ‘مشروب غازي’.”
“يخربيت النجاسة من أولها…”
“بنسوار يا هانم.” تمتم رحيم فور رؤيته للسيدة بثينة وهو ينحني ليُقبل يدها بلطف ثم يُصافح يد زوجها ونجلها، قبل أن يُشير إلى أفنان وهو يُردف:
“أفنان، مراتي.” صافحت أفنان يد السيدة بُثينة بلطف وهي تحاول أن تُخفي التوتر، ابتسمت الآخرى ولكن ابتسامة متكلفة قليلًا وهي تقول:
“فرد جديد انضم لعائلة البكري، مبروك… عرفت تختار.”
“ميرسي لذوق حضرتك.”
“نورتي يا مدام أفنان.” وكاد ابنها الشاب أن يقترب من أفنان ليُقبل يدها لولا أن تحركت يد رحيم سريعًا وهو يُشير له بأن يتوقف قبل أن يُفسر بأدب وهو يحاول أن يُخفي غيرته قائلًا:
“عذرًا ‘Sorry’ مراتي مش بتسلم على حد غريب.” بدت نبرة رحيم حادة قليلًا ليحمحم الشاب بإحراج وهو يقول بنبرة هادئة:
“تمام، مفيش مشكلة… اتفضلوا.”
توجه رحيم وأفنان نحو الداخل، كانت أفنان تتابع المكان بإنبهار شديد حاولة جاهدة أن تُخفيه، كان المكان أشبه بقصور الأميرات من أفلام الكرتون والحضور كانوا يُشبهون كثيرًا الممثلين والممثلات، نوعية من البشر لم تتعامل أفنان معهم من قبل ومن سذاجتها في السابق في فترة التدريب كانت تظن أن الطلاب برفقتها من طينة آخرى إذًا ماذا عن هؤلاء؟!
“تعالي نسلم على مامي وبابي.”
“يلا.” في طريقهم إلى والدي رحيم قابل رحيم العديد من أصدقاء والده ليُلقي عليهم التحية بأدب ورسمية بينما كانت تكتفي أفنان بالإبتسام بلطف.
“أهلًا حبيبي، ازيك يا أفنان عاملة أيه؟”
“الحمدلله بخير، حضرتك عامل أيه وحضرتك يا طنط؟”
سألتهم أفنان بأدب ولطف ولكن كان صوتها مرتفع قليلًا بسبب الموسيقى التي تُعيق عملية السمع، بمجرد أن تفوهت أفنان بكلماتها تلك أتسعت أعين والدة رحيم ومن ثم اقتربت قليلًا من أفنان وهي توبخها بنبرة حادة ولكن بصوت منخفض مُردفة:
“طنط؟ أيه طنط دي؟! وبعدين وطي صوتك وأنتِ بتتكلمي مش عايزين فضايح مش كفاية إن باين أوي إنك مش شبهنا، من فضلك متحرجيش ابني وسط الناس.”
عبس وجه أفنان على الفور وصُبغ وجهها بالحمرة لشعورها بالإحراج الشديد مما قالته والدة رحيم، في تلك اللحظة تحولت معالم وجه رحيم من الهدوء إلى الإستياء الشديد وهو يُعلق على حديثه والدته قائلًا بحنق:
“مامي لو حقيقي مش عايزة فضايح يبقى متتكلميش مع مراتي بالإسلوب ده، أفنان تعمل اللي هي عايزاه وتتكلم بالإسلوب اللي يعجبها وأنا فخور بيها وعمري ما هتحرج منها ابدًا.”
“رحيم! I missed you so much buddy ‘اشتقتُ لكَ كثيرًا يا صاحبي’.” أردفت ميا بحماس شديد والتي ظهرت من اللامكان لتقطع حديثها الجدي وهي تفتح كلتا ذراعيها على استعداد لإحتضان رحيم، هرولت أفنان سريعًا لتحتضنها هي بدلًا من رحيم.
“أيه يا ميا يا حبيبتي رايحة فين يا ماما؟ وأنتِ كمان وحشتيني أنا ورحيم جوزي، ها جوزي أنا… جدًا بجد.”
قهقه رحيم بشدة على ما قالته أفنان، كانت أفنان على وشك أن تُضيف شيئًا ما لكن حينما تخللت أذنها صوت ضحكات رحيم ورأت ملامح وجهه اللطيفة فقدت كل كلماتها وأخذت تتأمله في هدوء، بادلها النظرات اللطيفة لبضع ثوانٍ قبل أن يوجه نظره نحو ميا وهو يسألها:
“ازيك يا ميا عاملة أيه؟”
“ممكن أرد عادي يا أفنان ولا أيه؟”
“اه عادي طالما في مسافة بينكوا وأنا واقفة يبقى رد عادي.”
“أيه ده؟ هي دي بقى العروسة اللي كانوا عايزينك تتجوزها؟!”
“مالها؟ مش حلوة؟”
“مش حلوة أيه يا راجل دي صاروخ! أنا لو مكانك كنت اتجوزتها أحنا هنهزر!” تحدثت أفنان بنبرة مزيج بين الجدية والسخرية وهي تقهقه لينظر نحوها رحيم بريبة وهو يسألها مستنكرًا:
“أنتِ بتقولي أيه؟ أيه الرعب ده؟” تجاهلت أفنان ما قاله وتابعت تأمل العروس بينما تُثرثر في أذن رحيم بنبرة أقرب إلى الهمس قائلة:
“بس مش فستانها مفتوح شوية وقصير شوية برضوا… مفتوح كتير بصراحة، مفيش حد لابس حاجة حشمة غيري ده حتى ست ميا لابسة 5 سنتي قماش بس.”
“عشان أنتِ غير أي حد هنا يا حبيبي.”
“رحيم أفنان Stop whispering to each others ‘توقفوا عن الهمس لبعضكم البعض’ وبعدين أنتوا مش هترقصوا ولا أيه؟ كل ال Couples ‘الأزواج’ بيرقصوا مع بعض.”
“مش بعرف أرقص ومتحاولش تعلمني دلوقتي عشان أحنا مش في فيلم عربي قديم، ههرس رجلك بالكعب وهيبقى شكلنا متخلف.”
قهقه رحيم على ما قالته قبل أن يُردف:
“خلاص يا أفي على راحتك، بس على فكرة أحنا هناخد Dancing classes ‘دروس رقص’ قبل فرحنا إن شاء الله.”
“طب خلاص رحيم، Come and dance with me ‘تعال وارقص معي’.”
تمتمت ميا بحزن مصطنع وهي تضع يدها أعلى ذراع رحيم لتقترب منها أفنان وهي تُزيح يدها عن رحيم ببعض العنف بينما تُطالعها بنظرات حادة وابتسامة مُصطنعة دبت الرعب في قلبها بينما تسألها مُردفة:
“يعمل أيه يا حبيبتي؟”
“خلاص خلاص أنا أسفة… I was just joking ‘لقد كنت أمزح فقط’.” قالت ميا وهي تضع يدها أمام وجهها وكأنها تُعلن استسلامها لترمقها أفنان بطرف عيناها وهي تبتسم ابتسانة جانبية قبل أن تقول:
“خلاص سامحتك، بقولك يا رحيم ما تيجي نتصور صورتين كده.” طلبت أفنان من رحيم ليومئ لها ويذهب كلاهما لإلتقاط بعض الصور معًا وقد تبعتهم ميا لتقوم هي بإلتقاط الصور من أجلهم.
على الجانب الآخر وداخل ‘ڤيلا’ تبعد عن مكان حفل الزفاف بمسافة كافية كان يجلس أنس على أحر من جمر داخل منزله في انتظار شقيقته والتي عاد من الخارج ليُفاجئ بأنها غادرت المنزل وحدها ودون أن تُخبره، لم تكن وحيدة تمامًا ولكنها بدون أنس وبدون حراسة فقط برفقة سائق السيارة…
كان أنس يتحرك ذهابًا وإيابًا بحركات متتابعة دون توقف، عقله لا يكاد ينفك عن وضع سيناريوهات جميعها تفوق بعضها سوءًا ورعبًا… شقيقته شعرت بالتعب الشديد وتم نقلها إلى المستشفى وحالتها خطرة فلم يستطع أحد إخباره، ذهبت للشراء شيء وحدها وتعرضت للتحرش أو المضايقة وذهبت إلى قسم الشرطة، ذهبت للتمشية وقام أحدهم بإختطافها… ولربما قرر أحد رجال الأعمال المنافسين للراحل والدهم أن ينتقم وقد قرر إيذاء أروى…
لكن كل تلك الفرضيات اندثرت بمجرد رؤية أنس لشقيقته التي دلفت إلى الداخل بهدوء وبصحة جيدة، لم تكن بحاجة إلى استخدام المفتاح لفتح الباب لأن أنس تركه مفتوحًا بالفعل.
“أروى روحتي فين؟ من الصبح قلقان عليكي ومش بتردي كمان عالتليفون.”
صاح أنس بإستياء شديد ناجم عن القلق الذي شعر به منذ أن استيقظ، ضم شقيقته بقوة وهو يحمد الله بداخله أنها بخير، فصلت أروى العناق برفق وهي تُردف بينما تضحك:
“في أيه يا أنس؟ كنت في مشوار عادي.. أنا مش صغيرة يعني أنا أختك الكبيرة.”
“مشوار أيه؟ أيه ده؟” كان يسأل أنس بهدوء قبل أن يُلاحظ شيء غريب ليسألها مجددًا، اضطربت معالم أروى بينما ابتسمت ابتسامة مزيفة وهي تُجيب على سؤاله بسؤال:
“هو أيه؟”
“ال Scarf ‘وشاح’ ده جبتيه منين؟”
“يعني أيه منين؟ من الدولاب عادي.” أردفت أروى بنبرة بلهاء مصطنعة، ازداد الغضب على وجه أنس وهو يأخذ نفس عميق قبل أن يُعيد جملتها بنبرة ساخرة ثم يُضيف:
“من الدولاب عادي؟ والله؟ وال perfume ‘عطر’ اللي أنتِ حطاها دي عادي برضوا؟”
“أيه يا أنس المشكلة؟ ده perfume ‘عطر’ حريمي!” أجابته بنبرة حادة قليلًا ليأخذ أنس نفسًا عميق ثم يضرب قبضة يده بالطاولة وهو يصيح بحنق:
“عارف إنها حريمي، وممكن أقولك اسم ال brand ولون الإزازاة لو تحبي… بصي يا أروى أنا هحاول متعصبش وهحاول أقنع نفسي إني فاهم غلط عشان معملش مشكلة دلوقتي.”
“لا يا أنس أنتَ فاهم صح، أنا كنت عند مامي.”
“برضوا يا أروى؟ برضوا بتتصرفي من دماغك وبتروحي عند الست دي؟ أنتِ أيه مش عملالي أي اعتبار خالص؟ مش فارق معاكي زعلي ولا عصبيتي؟ كل اللي فارق معاكي إنك تعملي اللي في دماغك وبس! أنا تعبت يا أروى تعبت!”
صاح أنس بغضب حقيقي ومن ثم اتجه نحو الطاولة التي تتوسط المكان ليقوم بإلقاء ما عليها بعصبية شديدة لترتجف أروى بسبب نبرة صوته المُرتفعة وتحركاته العصبية المتتابعة والتي لم تعتد أروى أن تصدر من أنس قط بل كان والدهم من يقوم بمثل هذه التصرفات…. قررت أروى أن تحاول جعل أنس يتوقف عند حده وهي تصيح في المقابل مُردفة:
“أنس! متعليش صوتك عليا أنا أختك الكبيرة! أنا مغلطتش فحاجة أنا بزور أمي… وحشة أو حلوة هي هتفضل مامتنا ومفيش حاجة في الدنيا هتقدر تغير حقيقة إننا أولادها!”
“أمنا؟ الست المجنونة دي أمك أنتِ لوحدك يا أروى مش أمي، ناقص تقوليلي تعالى نعمل كولدير مياه على روح الخمورجي أبونا!”
بصق أنس كلماته بحنق شديد وهو يُشيح بيديه أمام أروى التي أفلتت أحدى العكازين من يدها ورفعت ذراعها في الهواء ليهوي كفها على وجه أنس… يسود الصمت للحظات وكأن الزمن توقف وقد تجمدت كل الموجودات… صُعقت أروى من ردة فعلها التلقائية التي لم تقصدها بينما انهمرت دمعة من أحدى عيني أنس قبل أن يهرول نحو الباب بحنق وصدمة…
حاولت أروى الإمساك بذراعه لكنه أفلت منها وقبل أن يصل إلى باب المنزل سقط أرضًا مُغشيًا عليه بينما اتخذت قطرات الدماء الدافئة طريقها نحو فمه…
رواية في حي الزمالك الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ايمان عادل
“أفي تعالي نخرج نقف برا شوية، I need some fresh air ‘أحتاج إلى بعض الهواء النقي’.”
“تعالى أنا كمان اتخنقت.”
أردفت أفنان بلطف وهي تُمسك بيد رحيم ثم ذهب ليستأذن من والديه ويتجهوا نحو الخارج.
زفر رحيم بضيق فور وقوفهم في الحديقة.
لتقترب منه أفنان وهي تسأله:
“مالك يا رحيم؟ شكلك مش مبسوط… أفتكرتك هتبقى فرحان باليوم يعني ومنسجم مع الجو.”
“بصراحة يا أفي I am tired of pretending ‘لقد تعبت من التظاهر’ لازم جوا أتعامل بلطف طول الوقت وأتكلم برسمية واختار كلماتي بعناية وحرص.”
تحدث رحيم بصدق وهو بضيق.
وضعت أفنان يدها الآخرى على ذراع رحيم بلطف وهي تُردف:
“أنا لاحظت كده برضوا، بس مستواك الإجتماعي والبيزنس بتاع باباك مخليك مجبر عالوضع ده، بس معايا أنا ومع أهلي مش محتاج أنك تبقى شخص غير نفسك ومش محتاج تتكلم برسمية ولا طريقة معينة.”
“أنا عارف، دي أحلى حاجة في علاقتنا… أفي أنا عايز اعتذرلك عن الكلام اللي مامي قالته جوا ومبسوط جدًا منك أنك سيطرتي على نفسك عشان الموضوع ميكبرش وصدقيني سواء كنتِ رديتي أو لا أنا كنت هجيبلك حقك.”
قال رحيم بلطف شديد وهو يبتسم لتبتسم له أفنان في المقابل وقد شعرت بقيمة ما فعلته حينما أشاد رحيم بتصرفها.
أخذت نفسٍ عميق قبل أن تُردف:
“ولا يهمك يا رحيم أنت ملكش ذنب أصلًا، عمومًا مهما كان كلامها وحش أو جارح أنا مش هرد عليها وهحترم إنها مامتك بالرغم من كل شيء وبرضوا ست كبيرة أد أمي يعني.”
“حبيبي فخور بيكي بجد، أشطر بنت في الدنيا بتحاول تتحكم في ال Anger issues ‘مشاكل الغضب/مشكلة التحكم في الغضب’.”
“حبيبي بس… رحيم هو أنتَ شايف اننا هنعرف نكمل حياتنا بالوضع ده؟”
انساب السؤال من فم أفنان دون تفكير ليتنهد رحيم تنهيده طويلة وهو يُغمض عيناه بإستياء لبرهة قبل أن يُجيب على سؤالها بسؤالًا آخر قائلًا:
“فين الوضع ده؟ أو أيه الوضع مش فاهم؟
“يعني الإختلاف اللي بيننا… أنا مش شبه الناس اللي جوا دول واللي أنت متعود عليهم أو بمعنى تاني أدق اللي أنتَ منهم حتى لو أنتَ حاسس بخنقة من اللي حصل جوا بس ده اللي أنت اتربيت عليه.”
“قولتلك ولا أنا شبهم يا أفنان ده أنا كنت لسه بشتكيلك منهم، وبعدين أنا مش فاهم أنتِ ليه عايزة مع أول موقف تستسلمي؟ ليه لسه عايشة في وهم الطبقية اللي في دماغك ده؟”
“مش وهم يا رحيم، صدقني مش وهم!”
“لا وهم، أنتِ عايزة تقنعي نفسك وخلاص إن علاقتنا مصيرها هو الفشل لإختلاف المستوى المادي مع أني في المقابل بروح حفلات زي دي، بروح مطاعم وفنادق مش أي حد يعرف يدخلها بس في نفس الوقت عادي اتعزم عالعشاء في بيت بسيط في منطقة بسيطة، بيت دافي وأكله معمول بحب، عادي أتعامل مع مديرين شركات عالمية وأجانب وعادي أتعامل مع ناس بسيطة وطلاب وناس لسه بتبدأ حياتها، ده حتى يا أفي عربية الكبده اللي السندوتش فيها بتلاتة جنيه تقريبًا أكلت منها تقوليلي هنعرف نكمل ولا لا؟”
“ما هو أنت لو عارف تتأقلم أنا مش عارفة!”
“أنا مطلبتش منك تتأقلمي على حاجة أصلًا ولا أنتِ حاولتي! أفي هو أنتِ من ساعة ما عرفتيني أو من ساعة ما ارتبطنا شوفتيني كام مرة روحت حفلة زي دي؟”
“تقريبًا مرة واحدة من كام شهر.”
“طيب أهو يعني مش فاضي أنا أروح مناسبات زي دي كل شوية هيبقى الموضوع على فترات، زي ما أنا هروح معاكي مناسبات عائلية لطيفة كده على فترات.”
“يااه متخيلاك جاي تقضي معانا العيد ونازل تصلي بالجلابية… وأنت طويل كده هتبقى شبه مسرحية العيال كبرت.”
“على فكرة دمك مش خفيف… أيه ده ثواني… أروى بتتصل.”
“في حاجة ولا أيه؟”
سألت أفنان بفضول بينما اضطربت معالم وجه رحيم فليس من عادة أروى أن تهاتفه هي تكتفي بمراسلته فقط حينما تُريد إخباره بشيء دون معرفة أنس.
نظر رحيم نحو أفنان لبرهة وهو يُردف:
“مش عارف… هرد أشوف في أيه.”
أجاب رحيم على الهاتف ولم تستطع أفنان سماع ما يُقال من الجانب الآخر كل ما سمعته هو صوت بكاء أروى ونحيبها وتوتر معالم رحيم الذي قال ببعض الإنفعال كي يُجبر الأخيرة على الهدوء وإيقاف نوبة الهلع تلك:
“خلاص يا أروى بطلي عياط! أهدي شوية أنا جايلك حالًا نزلي دماغه براحه لتحت كده عقبال ما أجيلك.”
أغلق رحيم المكالمة وهو يجذب ذراع أفنان بلطف بينما يقوم بفتح باب السيارة من أجلها ومن ثم يذهب للجلوس في مقعده وينطلق بأقصى سرعة نحو منزل أنس والذي لم يبعد كثيرًا عن موقعهم.
لم يتفوه رحيم بحرفٍ واحد طوال الطريق ولم تسأله أفنان عن أي شيء فلقد استنتجت ما حدث ولم تُرد أن تُثرثر وتُزيد من توتره وضغطه النفسي.
“أفنان معلش انزلي معايا عشان لو احتجتك تسندي أروى ولا حاجة.”
“حاضر، بس هو أنتَ هتعرف تشيل أنس لوحدك؟”
“اه متقلقيش.”
غادر كلاهما السيارة مهرولين نحو الداخل وكما توقع رحيم، أروى تجلس على الأرضية تبكي بإنهيار وهي ممسكة برأس أنس بين أحضانها وهو تحاول أن تقوم بإيقاف نذيف أنفه.
“هو هيبقى كويس متقلقيش.”
“بس هو أول مرة يحصل معاه كده… وكمان He is bleeding ‘إنه ينزف’ بسببي أنا ضربته بالقلم…”
تمتمت أروى من بين دموعها لكن رحيم لم يُعلق على جملتها وقام بفحص أنس سريعًا قبل أن يحاول حمله.
أما عن أفنان فنظرت نحو أروى بحزن ولكنها حاولت أن تُخفف عنها قليلًا قائلة:
“لا مش أول مرة تحصله… بس متقلقيش هو هيبقى كويس إن شاء الله… قومي معايا.”
حاولت أفنان مساعدة أروى على النهوض كونها مازالت لا تتحرك بكامل قوتها فهي لم تتعافى تمامًا من آثار الحادث.
تركهم رحيم لبرهة وهرول نحو أحد الحراس في الخارج طالبًا منه مساعدته في حمل أنس ووضعه في السيارة.
بعد نصف ساعة تقريبًا كان أربعتهم داخل المستشفى، أنس تم حجزه في حجرة وقد تم تعليق أحد المحاليل من أجله بينما جلس ثلاثتهم في منطقة الإنتظار.
“أنتَ ازاي يا رحيم متقوليش إن أنس حصل معاه كده قبل كده؟!”
سألت أروى بإستياء شديد ليتنهد رحيم قبل أن يُجيبها قائلًا:
“مكنش في داعي يا أروى صدقيني، أنتِ وقتها أصلًا مكنتيش في حالة تسمح أني أحكيلك حاجة زي كده.”
“يعني هو دلوقتي مريض ضغط ومش بياخد أدويته صح؟ يعني الدم مش من القلم؟”
“لا، ده عرض من أعراض الضغط العالي جدًا، بصي هو المفروض كان يستمر على الأدوية فترة وأنتِ عارفة أخوكي أكيد معملش كده وأدي نتيجة العند بتاعه، بس متقلقيش أنس هيبقى كويس إن شاء الله.”
“أيوا متقلقيش يا حبيبتي أنس ده عامل زي القطط بسبع أرواح!”
علقت أفنان بسخرية وهي تحاول طمئنة أروى لكن جملتها لم تكن مفهومة بالنسبة لأروى ورحيم ليُطالعها كلاهما بعدم فهم.
قلبت أفنان عيناها بتملل وهي تهمس:
“مفيش فايدة في العيال التوتو دي بجد.”
“أفنان ميرال بتتصل على تليفوني.”
تمتم رحيم بهدوء لتأخذ أفنان الهاتف من يده وتُجيب على شقيقتها وكانت المحادثة كالتالي:
‘أيه يا بنتي بقالي ساعة بتصل عليكي ومش بتردي عليا… أنتوا فين؟’
‘أتنشن بيه تعب وروحنا بيه المستشفى.’
‘أيه؟ مش فاهمة… ثواني قصدك أنس؟ هو كان معاكوا في الفرح أصلًا؟ أيه اللي حصل؟’
‘ثواني ثواني أبلعي ريقك كده، لا مكنش معانا هو تعب في البيت مع أروى وأحنا خدناه عالمستشفى.’
‘طب ممكن تبعتيلي العنوان؟’
‘حاضر ياختي.’
أنهت أفنان المكالمة بعد إرسال الموقع لميرال وذهبت لتقوم بإعلامهم أن ميرال قادمة.
أخبرتها أروى بأنه لا يوجد داعي لذلك لكن أفنان أخبرتها أن ميرال في طريقها إليهم بالفعل.
“أيه يا جماعة أيه اللي حصل؟ أنس فين؟
“بس بس أهدي شوية في أيه؟
“حصله زي المرة اللي فاتت ولا أيه؟
“لا Wait ‘انتظروا’ كده هو كلكوا عارفيين حوار أنه تعب قبل كده وأنا لا؟
“هو حرفيًا تعب في بيتنا، كان معزوم عندنا هو ورحيم وعمو أبو رحيم… وأخوكي ياختي كان رايح الحمام وفطس في الطريق.”
تمتمت أفنان وهي تسرد ما حدث بالإضافة إلى عباراتها الساخرة المعتادة.
عقدت أروى حاجبيها بحيرة قبل أن تسأل ميرال بعدم فهم:
“هي بتقول أيه؟
“سيبك منها، وأنتِ يا أفنان كفاية رغي مش شايفانا قاعدين على أعصابنا.”
“وأنتِ قاعدة على أعصابك ليه أنتِ مالك أصلًا؟”
سألت أفنان بخبث لتضطرب معالم ميرال وتكاد تُجيب ولكن لا تجد الكلمات المناسبة وقبل أن تنبس بحرفٍ واحد وجدت الممرضة تقترب منهم لتخبرهم بأن أنس قد استيقظ ويمكنهم رؤيته.
بمجرد أن أخبرتهم الممرضة تبادل رحيم، ميرال وأروى النظرات فكلاهما يسأل الآخر بعيناه من سيذهب لرؤية أنس أولًا، لكن رحيم كان قد اتخذ القرار بالفعل… هو سيدلف إلى حجرة أنس أولًا.
“أنا هدخل ٱشوف أنس ومش هتأخر.”
أومئ الجميع بينما جلست أروى على الكرسي تبكي بقلة حيلة، فشعور الذنب لا يُفارقها.
دلف رحيم إلى غرفة أنس بعد أن قام بالطرق على الباب بأدب أولًا، بمجرد أن خطى أول خطوة نحو الداخل وجد أنس الممدد على الفراش وقد اتصلت ‘الكانيولا’ بأوردة يده، عيناه شاردتان بينما يتأمل سقف الغرفة ولكن حينما اقترب رحيم أكثر أدرك أنه ليس فقط شاردًا بل يبكي كذلك.
“أنس… أنتَ كويس؟”
لم يتلقى رحيم ردًا على ما قاله لذا اقترب من أنس على الفور وهو يضمه إلى صدره في عناقٍ قوي.
“أنا أسف حقك عليا أنا… أنا غلطان أنا أنشغلت عنك الفترة اللي فاتت أنا أسف…”
“أنا… تعبان… تعبان أوي يا رحيم…”
تمتم أنس بصعوبة محاولًا جمع كلماته بينما أخذت دموعه تنهمر أكثر فأكثر.
“طيب بص أنا هعملك أي حاجة أنتَ عايزها بس اهدأ please ‘من فضلك’.”
أردف رحيم بنبرته الحنونة المعتادة وهو يضم صديقه الوحيد وأخيه الصغير.
كانت تصدر الشهقات من أنس بين الحين والآخر حتى سكن قليلًا ليفصل رحيم العناق ثم يسأله:
“احكيلي بقى أيه اللي حصل؟ اتخانقت مع أروى؟”
“يعني هي محكتش ليك أنت والقطة بتاعتك؟”
“يادي النيلة عالقطط والكلاب وحديقة الحيوان اللي أنتَ عايش فيها دي! لا محكتش هي بتعيط من ساعة ما جينا كل اللي اعرفه يعني أنه She slapped you ‘لقد صفعتك’ وبعدين your nose started bleeding ‘بدأ أنفك ينزف’.”
“أروى كانت عند مرات فريد، أنا لما روحت البيت هي مكنتش هناك وكنت قاعد هموت من القلق عليها… رجعت الهانم بعد شوية وهي حاطه على رقبتها ال Scarf ‘الوشاح’ بتاع ما… بتاع مرات فريد، وريحة البيرفيوم بتاعها في هدوم أروى.”
“طبعًا أنتَ اتخانقت معاها عشان كانت بتزور مامتها وطبعًا كنت منفعل جدًا وغلطت فيها أو في مامتك فأروى أتعصبت وضربتك مش كده؟”
“طب ما هي حكتلك أهو أومال بتخليني أحرق بنزين وأحكيلك من الأول ليه يا سمج؟”
“يا بني محكتش حاجة! أنا اللي حطيت Scenario ‘نص سينيمائي’ للي حصل، أنا أعرفك بقالي أكتر من 20 سنة يا أنس فطبيعي أكون متوقع رد فعلك في موقف زي ده.”
تمتم رحيم بثقة شديدة وهو يُعيد خصلات شعره نحو الخلف قبل أن يذهب لجذب الكرسي ويجلس بجانب أنس.
لم يُعلق أنس على ما قاله رحيم وعاد للشرود لكن قرر رحيم أن يُخبره بشيء يُعيد إليه حماسه وجزء من سعادته.
“على فكرة في حد برا مستني يطمن عليك وهيموت من القلق.”
“حد؟ أوعى تقول! مونيكا؟!”
استفسر أنس بحماس وهو يغمز بإحدى عينيه ليرمقه رحيم بإشمئزاز وهو يضرب كتفه بخفة قبل أن يقول بإستنكار شديد:
“مونيكا مين يا حيوان؟! لا حد أنضف وأجمل من كده بكتير، حد أنتَ مهتم بيه بجد مش بتلعب.”
“الدادة بتاعتك ولا مين؟”
“يا أنس هو أنت مهتم ومعجب بالدادة بتاعتي؟ أنت مجنون يا ابني ما تركز!”
وبخه رحيم مجددًا ليعقد أنس حاجبيه وهو يحاول أن يُفكر في هوية الشخص قبل أن يتمتم بحماس:
“استنى… أكيد لا! أكيد مش…”
“ميرال.”
“ميرال برا؟ عايزة تشوفني؟ قلقانة يعني؟”
سأل أنس بلهفة وهو يعتدل في جلسته وينزع المحاليل من يده متسببًا في حدوث نزيف بسيط في يده.
أمسك رحيم بيده محاولًا منعه لكن لم يستطع.
“أيه يا أنس اللي بتعمله ده؟! أنتَ مجنون!”
“هي مش هينفع تدخل عندي هنا الأوضة ومش هترضى تدخل هنا أصلًا، فأنا بقى هخرج اطمنها بنفسي.”
أردف أنس وهو يستقيم من جلسته ويقوم بهندمة ثيابه وتعديل خصلات شعره قبل أن يتكأ على رحيم ويذهب نحو الخارج لشعوره بعدم إتزان أثناء سيره.
“أنس!!!”
نبست ميرال بقلق فور رؤيتها لأنس لتستقيم من مقعدها على الفور وتذهب في اتجاهه.
“أنتَ كويس؟ أيه اللي قومك وأيه الدم ده؟”
سألته ميرال بتشوش ليرمقه أنس بنظرات مُريبة لثوانٍ قبل أن يُردف بنبرة درامية مُبتذلة:
“الشوق، الشوق هو اللي قومني.”
ضحكت ميرال بخجل وهي تُخفي ثغرها بيدها بينما رمق رحيم أنس بإزدراء وهو يسأله الآتي بإستنكار:
“وبتقول عني أنا مسهوك؟ أيه يا ابني القرف ده؟”
“خليك في حالك أنتَ يا رحيم، يا وعدي عالضحكة يا وعدي.”
علق أنس على حديث رحيم بينما لم يُبعد عيناه عن ميرال التي أشاحت بنظرها بعيًدا عنه.
في تلك الأثناء كانت أفنان عائدة من دورة المياه برفقة أروى وبمجرد أن رأت أنس الواقف إلى جانب رحيم أمام ميرال وهي تقول الآتي بصوت مرتفع نسبيًا:
“أيه ده؟ أنتَ فوقت يا عم الملزق؟ حمدلله عالسلامة بوظت علينا السهرة كالمعتاد منك لله.”
“مين اللي جاب البت دي هنا؟ وبعدين أيه الشياكة دي؟ تصدقي مكنتش هعرفك لولا إنك فتحتي بوقك لو كنتِ اتخرستي كده مكنتش هعرفك.”
“بس متهبلش في الكلام عشان دي مراتي وممكن اضربك عشانها عادي.”
“يااه يا رحيم! أنا عمري ما تخيلت إن الجواز يغيرك كده وكل ده وأنتوا كاتبين الكتاب بس أومال بعد الفرح هتعمل فينا أيه؟ يلا بكرة نقعد جنب الحيطة ونسمع الزيطة!”
“لا يمكن تكون بني آدم طبيعي والله! عامل زي خالتي اللتاتة!”
“أنس… I truly apologize for what i did ‘أنا حقًا أعتذر على ما فعلته’.”
همست أروى وهي تقترب من أنس بخطوات بطيئة لتقوم بتحويل مسار الحديث من السخرية والمزاح إلى الجدية.
ساد الصمت لبرهة قبل أن يجذب أنس شقيقته في عناق لطيف بينما يُداعب خصلات شعرها الناعمة قبل أن يقول:
“أنا كمان أسف، أنا أتكلمت معاكي بقلة آدب متزعليش مني… أنا بس خايف عليكي.”
“أنا عارفة أنتَ ليك كل الحق، أنا بس كنت عايزه أشوفها… أنتَ مش متخيل هي فرحت ازاي وهتفرح ازاي لو قبلت أنك تشوفها… صدقني يا أنس…”
كادت أروى أن تُتابع حديثها الغامض بالنسبة لميرال وأفنان وكادت أن تُكمل محاولاتها في إقناعه لولا تدخل رحيم ليوقفها بلطف وأدب قائلًا:
“أروى… أروى please ‘من فضلك’ الكلام ده مش وقته خالص ولا مكانه، هنشوف الموضوع ده بعدين تمام؟”
أومئت أروى في هدوء وساد الصمت لبعض الوقت وفي تلك الأثناء كان الفضول ينهش ميرال نهشًا لتعرف من يقصدون بحديثهم المُبهم؟ لقد نسيت تمامًا أمر والدته ولم يخطر على بالها قط أن الحديث يخصها بل ظنت أنهم يتحدثون عن فتاة كانت حبيبة أنس في السابق ربما…
“طيب يا أفي أنتِ أكيد محتاجة تروحي أنتِ وميرال، هوصلهم يا أنس بسرعة وأرجعلك تاني.”
“لا أنا مش هبات هنا… هشتري محاليل أو أي أدوية الدكتور كتبها وهروح… وصلنا كلنا مع بعض بقى بعد إذنك.”
أعلن أنس بنبرة مستاءة فهو يكره المكوث في المستشفى أكثر من أي شخص آخر، فرائحة الطرقات، رؤية الفراش الأبيض، اطمئنان الطبيب والممرضة كل بضع ساعات أمور تُصيبه بالإشمئزاز والضيق وتذكره بذلك الحادث البغيض والذي اضطر بسببه أن يمكث في المستشفى لمدة طويلة نسبيًا.
“تمام اللي يريحك، خليك هنا هروح أشوف الدكتور وأقفل الحساب وأجيلكوا تاني.”
“تمام.”
تمتم أنس بهدوء قبل أن يوجه نظره نحو ميرال الجالسة إلى جواره مع ترك مسافة كبيرة بينهم، تأمل وجهها لثوانٍ قبل أن ينبس بنبرة جادة هادئة غير مُعتادة مُردفًا:
“أنا أسف عشان اتخضيتي…”
قال جملته لترمقه أفنان بنظرات نارية مُرعبة ليحمحم أنس برعب ثم يقول بتعديل جملته على الفور قائلًا:
“أحم… قصدي أسف عشان اتخضيتوا كلكوا يعني، هي أختك هتتحول علينا ولا أيه؟”
“غالبًا اه.”
أردفت ميرال وهي تضحك لترمق أفنان أنس بإزدراء قبل أن توجه حديثها لأروى قائلة:
“ما تيجي تقعدي جنب أخوكي يا أروى… لا الناحية دي مش الناحية التانية.”
طلبت أفنان من أروى الجلوس إلى جانب أنس من جهة ميرال بحيث تمنع رؤيتهم لبعضهم البعض.
“يااه على قطع الأرزاق! أعوذ بالله بجد!”
“يا مصبر الوحش عالجحش…”
همست أفنان بصوتٍ منخفض ومن بعد جملتها تلك ساد الصمت في ما عدا همس بسيط بين أروى وأنس، بعد مدة قصيرة عاد رحيم وهو يُشير إليهم بأن يحضروا إليه في نهاية الممر كي يذهبوا يغادروا جميعًا المكان.
“دفعت كام؟”
“بس يا أنس بطل هبل، من أمتى في بينا كده؟”
“لا يا عم لا تخصمهم من المرتب ولا حاجة.”
“وهو أنتَ محتاج المرتب أصلًا؟”
سأله رحيم بسخرية ليضحك أنس ثم يُردف:
“لا، بس الحق حق برضوا، صحيح بقولك أيه هي العربية هتكفينا؟”
“اه ما أنا اللي هسوق وأنتَ جنبي قدام والبنات كلهم ورا مع بعض.”
أومئ أنس وتوجه الجميع نحو السيارة، ساد الصمت طوال الطريق فيما عدا بعض الجمل الهزلية من أنس وربما سب قائد السيارة المجاورة لهم مرة أو اثنتين.
كان أنس يختلس النظرات نحو ميرال التي أخرجت ذراعها خارج الشرفة بطفولية مستقبلة نسمات الهواء الباردة ليبتسم أنس من فعلتها تلك.
“حمدلله عالسلامة وصلنا، الأجرة ورا يا أساتذة.”
تمتم أنس ساخرًا فور توقف السيارة أمام منزل أفنان لترمقهم بإزدراء قبل أن تُردف بسخافة:
“أنس دمك تقيل على فكرة متهزرش تاني، رحيم أبقى طمني عليك لما توصل ماشي؟”
“حاضر متقلقيش.”
“حمدلله على سلامتك يا أنس، شكرًا على التوصيله يا رحيم.”
همست ميرال بصوتٍ خجول بالكاد مسموع قبل أن تغادر السيارة.
غادر رحيم السيارة كذلك وانتظر في الخارج حتى صعود أفنان إلى المنزل وتلويحها له من الشرفة، لوح لها في المقابل ثم دلف إلى داخل السيارة مجددًا.
“لا حركة لطيفة أبقى فكرني أعملها لما ارتبط إن شاء الله.”
علق أنس بسخرية وهي ينظر نحو أروى التي غالبها النعاس وغفت في المقعد الخلفي.
“مش هتلحق تنسى، أنتَ أصلًا شكلك واقع فمش هتاخد وقت طويل.”
“أنا واقع طبعًا بس دكتور مسك قالتلي إني لازم استنى شوية وهي كمان محتاجة تتعافى من اللي حصل معاها.”
“شكل الدكتورة دي بتفهم، ياريت تحاول تتكلم معاها عن مشكلتك مع مامتك وباباك.”
“بحاول بس… الكلام في الموضوع ده بيوجعني أوي وبيخليني مخنوق وكأن مفيش أكسجين في المكان كله… بس هحاول المرة دي اتكلم عن الموضوع ده أكتر شوية كمان.”
“على فكرة يا أنس بعيدًا عن أي هزار أو رخامة بس أنا حقيقي فخور بيك وفخور بإنك بتحارب عشان تكون انسان أحسن، وعشان بتحاول تصلح علاقتك بربنا وبأختك وبتحاول تركز في شغلك.”
“لولا وقفتك جنبي يا صاحبي عمري ما كنت هعرف أعمل حاجة من دي لوحدي.”
أردف أنس بنبرة جادة وهو يضع يده على كتف رحيم لترتسم ابتسامة لطيفة على ثغر الأخير قبل أن يعاود القيادة.
بعد مرور يومان وفي تمام الساعة الرابعة والنصف غادرت ميرال مقر عملها، كانت تسير بكسل لشعورها بالإرهاق من العمل ولأنها لم تحظى بنومٍ جيد ليلة أمس، كانت تسير بخطواتها الهادئة والتي تسبب في إيقافها صوت أحدهم مناديًا اسمها…
“ميرال…”
“أنتَ تاني؟ أيه يا نوح هتفضل تنطلي في كل حتة ولا أيه؟ أنا مش عايزة فضايح في مكان شغلي.”
“خلاص وجودي معاكي بقى فضايح؟ أنا جاي بس أتكلم معاكي فين الفضايح دي؟”
سأل نوح بإستنكار وحزن في الوقت ذاته، ساد الصمت لثانية قبل أن تُجيبه ميرال بنبرة شبه درامية قائلة:
“وأنتَ تيجي تتكلم معايا بصفتك مين أصلًا يا نوح؟ بقولك أيه أنا لسه مخلصه شغل وتعبانة ومش شايفه قدامي لو سمحت أمشي من هنا.”
“يا ميرال أنا لسه بحبك صدقيني… اللي حصل ده كان غلطة وأنا بجد ندمان ومفتقد وجودك جنبي جدًا… أنا مستعد أصلح غلطي وأعتذرلك قدام الناس كلها بس ترجعيلي…”
“أنا قولتهالك قبل كده يا نوح… أنت اللي زيك ميعرفش يعني أيه حب أصلًا ولو مبطلتش تبعتلي في مسدجات وتظهر قدامي كده صدقني رد فعلي مش هيعجبك.”
“يا ميرال طيب أديني فرصة واحدة أخيرة وأوعدك مش هزعلك أبدًا.”
“طيب يا نوح أنا هقولهالك بطريقة تفهمها… لو أنتَ آخر راجل على الأرض يا نوح مش هتجوزك ولا هرجعلك أنتَ سامع؟”
بصقت ميرال كلماتها بكل برود وقسوة ليشعر نوح بصدمة وكأن أحدهم قام بسكب ماء مثلج على رأسه، لا يُصدق التحول الكبير الذي طرأ على شخصية ميرال في خلال بضعة أسابيع… هي لم تكن كذلك ولم تكن تتحدث بهذه النبرة…
“ماشي يا ميرال اللي يريحك… أهم حاجة تبقي مرتاحة مش مهم أي حاجة تانية، عن إذنك…”
لم تُعلق ميرال على ما قاله فقط أكتفت بالإلتفات للجهة الآخرى والذهاب بعيدًا عنه، كانت تحاول جاهدة ألا تنهار، ألا تبكي أثناء سيرها في الشارع، ألا تُظهر ضعفها… كانت تسير بملامح باردة بينما في داخلها يشتعل، تشعر بأنها بحاجة إلى التحدث لأحدهم وذلك الشخص ربما يكون أنس ولكنها لن تفعل لأنها بالفعل قد اتخذت قرارًا في السابق بألا تتحدث إليه إلا في أضيق الحدود وحينما تكون مضطرة… في النهاية لم تجد شخصًا أنسب من شقيقتها ونصفها الآخر أفنان.
“ألو… أيوا يا أفنان أنا خلصت شغل أنتِ لسه في الكلية ولا روحتي؟ طب كويس أوي شوفيلنا بقى كافية نتقابل فيه ولا أي حتة ناكل فيها.”
أنهت ميرال المكالمة بعد الإتفاق مع أفنان على المطعم المناسب لكي يتناولوا وجبة الغداء سويًا.
بعد ساعة تقريبًا كانت ميرال تجلس داخل المطعم في انتظار أفنان.
“معلش يا بنتي اتأخرت عليكي لما كلمتيني كنت خلصت بس المعيد فضل مقعدنا شوية لحد أما ناخد الغياب.”
“نوح؟”
“لا، مجبتش سيرة نوح أصلًا! ده معيد تاني، وحتى لو نوح مالك اتخضيتي كده ليه؟”
“أصل… بصراحة في حاجة كده حصلت مقولتلكيش عليها…”
همست ميرال بإضطراب وهي تشبك أصابع يدها سويًا لترمقها أفنان بشك وقلق وهي تسألها بتوجس:
“حاجة ليها علاقة بنوح؟ ضايقك ولا أيه؟”
“حاول يكلمني أكتر من مرة… مرة قابلته تحت البيت عندنا والنهاردة جالي عند الشغل ده غير المسدجات اللي كان بيبعتها الفترة اللي فاتت وكنت بمسحها عشان متأثرش أو أحن…”
“الكلام ده حصل أمتى؟ ده أنا الواد ده هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليه من اللي هعمله فيه!”
“أهدي يا أفنان لو سمحتِ، الموضوع مش مستاهل كل العصبية دي… أهو عشان كده مكنتش راضية أقولك…”
“مش مستاهل أيه يا ميرال بس ارحميني! البني آدم ده مش بس جرح مشاعرك ده كان هيدمر علاقتي أنا وأنتِ ببعض! كان بيكدب وبيألف مواقف وبيعمل مشاكل بيني أنا وماما وبيني أنا ورحيم! والبيه كان طول الوقت بيقل منك ومحسسك أنه بيعطف عليكي وإنه كويس إنه قبل بيكِ وأنتِ في الآخر تقوليلي مش مستاهل!”
انفعلت أفنان بدون قصد لكن فكرة أن يجرح نوح مشاعر ميرال ويحاول أن يُفسد حياتها مجددًا أمر جعل الغضب يشتعل داخل قلب أفنان.
قوست ميرال شفتيها قبل أن تقول بحزن شديد:
“أنا بس مش عايزة مشاكل يا أفنان… يعني ليه الأمور مش بتتاخد ببساطة؟ ليه كل حاجة معقدة ومحتاجة تفكير وجدال ليه الإنسان مش بيقتنع باللي حصل ويسلم أمره لربنا كده ويحاول يكمل حياته بهدوء؟”
“عشان أحنا في العالم الواقعي مش في المدينة الفاضلة، الناس بترفض تتقبل الوضع اللي اتفرض عليها حتى لو هما كانوا السبب فيه من البداية… نوح مش قادر يتقبل فكرة أنه اترفض مني واتساب منك بعدها.”
عقبت أفنان على ما قالته بميرال قبل أن تفصل حديثها بإرتشاف كوب المياه الذي أمامها وأخذ نفس عميق ثم تابعت حديثها قائلة:
“نوح فاكر إن كل الناس تحت أمره وكل الناس رهن إشارة منه، هو أتربى على كده زي ما كتير من أمهات بتربي ابنها على إنه ميعبوش حاجة والبنات هتترمى تحت رجليه وهو ميساوش تلاتة قرش أصلًا وحتى لو يسوى فمفيش أي بني آدم الناس كلها هتحبه أو تتقبله بس نوح بقى مش عايز يقتنع بالفكرة دي.”
“عندك حق… أنا مشكلتي دلوقتي مش في كل ده، مشكلتي إني كل لما بحس أني اتحسنت وبدأت أنشغل في حاجة تانية غيره بيظهر قدامي فجاءة ويهد كل حاجة أنا بنيتها… عارفة يا أفنان أنا مكنتش مدركة كم الآذى اللي بيسببهولي نوح غير لما بعدت عنه وبقيت شايفة الصورة من برا زيك ولاقيت إن كان عندك حق طول الفترة اللي فاتت أنا بس اللي كنت مُغيبة وساذجة.”
“مفيش داعي للكلام ده دلوقتي وبدل ما تلومي نفسك عاللي فات خليكي فخورة بنفسك إنك قدرتي تقاومي مشاعرك وعرفتي تاخدي القرار الصح وفي الوقت المناسب.”
قالت أفنان بنبرة لطيفة وهي تحاول تشجيع ميرال ورفع روحها المعنوية لتبتسم ميرال ابتسامة منكسرة صغيرة قبل أن تنبس بالآتي:
“الحمدلله على كل حال، أنا بس عايزاكي تكلمي نوح وتقوليله يبطل يكلمني بس من غير مشاكل يا أفنان من فضلك.”
“هو أنا بتاعت مشاكل برضوا؟! عيب عليكي، ها هتعزميني على أكل أيه بقى؟”
سألت أفنان شقيقتها ممازحة إياها لكي تقوم بتلطيف الأجواء قليلًا بينما داخلها كان مشتعلًا من الغيظ بسبب نوح وكذلك كان عقلها منشغلًا فيما عليها فعله لردع نوح عن حماقاته التي يرتكبها تلك.
وبالرغم من أن أفنان لا تطيق وجود أنس بجوارها أو بجوار رحيم لكنها تمنت لو أنه تقدم لخطبة ميرال لكي يستطيع أن يُبرح نوح ضربًا ويمنعه منعًا باتًا من الإقتراب من شقيقتها لكن في النهاية طردت أفنان تلك الفكرة من رأسها فهي ليست بحاجة إلى مساعدة من أحد كي تُنهي ذلك الموضوع فهي وحدها كافية.
بعد مرور يومان من تلك المحادثة بين ميرال وأفنان قابلت أفنان رحيم بعد انتهاء دوامها من الجامعة وقد اتفق معها أن يمر عليها لتناول الغداء سويًا ثم يقوم بإيصالها إلى المنزل قبل أن يعود إلى عمله مجددًا.
وبمجرد أن قابلته أفنان وتبادل كلاهما التحية وأثناء جلوسها إلى جانبه في السيارة قررت أن تُفاتحه في الأمر الذي شغل بالها منذ يومان.
“رحيم لو سمحت أنا عايزة أروح أقابل نوح.”
“ليه؟ حصل حاجة؟”
“بيضايق ميرال، كل شوية يحاول يكلمها وهي مكنتش بتقولي وبيحاول يرجعلها وقارفها في عيشتها وهي قالتله أكتر من مرة يبعد بس هو برضوا مصمم يحاول!”
“طيب ما تقولي لمامتك أو باباكي وهما يتدخلوا، أو أحذره أنا تتكلمي أنتِ ليه؟”
“محدش بيعرف يتفاهم مع نوح غيري، أنا بعرف أمشي كلمتي عليه وحتى لو الكبار اتدخلوا مش هيسمع كلامهم وأنتَ لو اتدخلت المشكلة هتكبر أكتر.”
“مش مقتنع بس ماشي براحتك، بس هاجي معاكي.”
“خلاص ماشي اتفقنا.”
أردفت أفنان بسعادة وساد الصمت لثوانٍ قبل أن يدنو منها رحيم نظرًا لفارق الطول بينهم ومن ثم يُقبل جبينها بلطف لتضحك أفنان وقد شعرت بوجهها يشتعل من الحُمرة قبل أن تسأله بخجل:
“أيه ده في أيه؟”
“مفيش، مبسوط عشان قولتيلي قبل ما تروحي تكلميه أو تقابليه.”
“طبيعي أقولك قبلها مش أنت زوجي قرة عيني؟ وبعدين من آخر مشكلة بينا وأنتَ بقيت بتحكيلي معظم الحاجات اللي بتحصل معاك وبطلت تخبي، فأنا كمان قولت اشتغل على عيوبي عشان تبقى علاقتنا سوية أكتر ولا أيه؟”
“أنا مش مصدق نفسي أني بسمع الكلام الحلو ده، أفي أنتِ عظيمة بجد ومكافأة ليكي عشان الكلام الحلو ده هجبلك كل اللي نفسك فيه النهاردة أي حاجة تخطر على بالك هجبهالك.”
أعلن رحيم بسعادة شديدة وهو يقوم بالإستعداد للإنطلاق بالسيارة بينما ظلت أفنان تراقب تحركاته وتعابير وجهه اللطيفة أثناء قيادته.
في مساء اليوم التالي كانت تنتظر أفنان داخل سيارة رحيم أمام منزل خالتها عودة نوح من العمل، كانت أفنان على علم بمواعيد عودته منذ خطبته هو وميرال وبالفعل لم يتأخر عن الموعد المتوقع.
بمجرد أن رأت أفنان سيارته تتقدم نحو منزل خالتها غادرت السيارة، قام نوح بصف سيارته ومن ثم غادرها بهدوء دون أن ينتبه لوجود أفنان ولكنها تحىكت سريعًا بحيث تقف في مواجهته وأمام المدخل مانعه إياه من دخول المنزل وهي تُردف بنبرة حادة وجادة:
“أنت ياض أقسم بالله لو مبعدتش عن أختي هسود عليك عيشتك يا نوح الكلب أنتَ!”
“أفنان! في أيه؟ أنتِ اتجننتي ولا أيه؟! ازاي تتكلمي معايا كده؟ وأيه اللي جابك هنا أصلًا؟”
سأل نوح بدهشة وفزع فهو لم ينتبه لوجودها وقد صُدم كذلك من حدة حديثها وإن كان قد اعتاد عليها في السابق لكن هذه المرة كانت نبرتها تحوي في طياتها غضب حقيقي؛ غضب لم يراه نوح في عيناها من قبل وذلك منطقي تمامًا فالأمر هنا لا يخصها بل يخص شقيقتها الوحيدة، والتي بالرغم من أنها تكبر أفنان إلى أن أفنان دائمًا تشعر بالمسئولية تجاهها وتشعر بأن عليها حمايتها طوال الوقت.
“أنا مش جايه أرغي أنا قولت اللي عندي، وياريت بقى تروح تتعالج عشان أنتِ بني آدم مريض ومفيش واحدة هتبقل بيك عالوضع ده!”
صاحت أفنان في وجهه بنبرة تحذيرية، كانت كلماتها قاسية وإن كانت واقعية تمامًا… كانت تنتظر منه أن يصيح في المقابل أو يقوم بتوبيخها لكن ما فعله عكس ذلك تمامًا حيث طالعها بإنكسار وبأعين مليئة بالحزن قبل أن يُردف بآسى:
“حاضر، حاضر يا أفنان هروح… ممكن تسيبيني اطلع بيتي بقى؟”
كان نوح على وشك الصعود ولكن أوقفه صوت أفنان مجددًا وقد كانت نبرتها أكثر هدوءًا هذه المرة وهي تُردف:
“سيبها في حالها يا نوح، كفاية تدمير في حياتها ومشاعرها خليك انسان كويس ولو لمرة واحدة.”
“على فكرة أنا اتغيرت صدقيني وأنا مش قصدي أزعل ميرال بس أنتِ السبب يا أفنان! أنتِ جرحتي مشاعري ورفضتيني بطريقة قاسية…”
تفوه نوح بنبرة درامية وملامح حزينة ولكن ذلك كله لم يؤثر على أفنان بل زاد من حنقها، حكت أفنان جبينها بيدها وهي تتأفف قبل أن تُعلق على حديثه بنبرة قاسية:
“بطل الوهم اللي في دماغك ده يا نوح! أنا قولتلك أكتر من مرة بطريقة غير مباشرة ومباشرة وأنتَ مكنتش راضي تتقبل الكلام وبعدين اللي أنتَ بتقوله ده ملهوش لازمة، أنا خلاص اتجوزت وجوزي في العربية مستني إشارة مني لو الكلام ضايقني هينزل والموضوع هيكبر.”
“ربنا يخليهولك العيل الطري بتاع مامي وبابي اللي أنتِ متجوزاه ده، ده أنتِ أرجل منه يا أفنان!”
أردف نوح بنبرة ساخرة محاولًا إثارة غضب وغيظ أفنان لكن في الواقع حديثه لم يفعل أي شيء سوى أن يُزيد من حبها لرحيم وزيادة إقتناعها بشخصه فهي لم تُخطئ قط في اختيارها رحيم كشريك حياة بدلًا من الأخرق نوح، ضحكت أفنان ساخرة من ما قاله قبل أن تُعلق أفنان على حديثه بنبرة واثقة:
“أنتَ فاكر أني هتضايق يعني؟ طب ما العيال الطري ده هو الراجل اللي حبيته واللي اخترته، بني آدم محترم وبيحترم مشاعر الناس اللي حواليه وبيتقبل الرفض والنقاش والآراء عادي مش انسان أناني ومتكبر وشايف نفسه أحسن من الناس! وأنا مش أرجل منه ولا حاجة أنا بس بسترجل مع الناس اللي بتتمرقع وبتقل أدبها لكن معاه؛ مع جوزي فأنا بنت عادي ورقيقة وكل حاجة.”
بصقت أفنان كلماتها الحادة في وجه نوح والذي سرعان ما اضطربت مشاعره فحديث أفنان كأن أشبه بطعنات الخنجر في قلبه، لم يجد الكلمات المناسبة للرد على ما قالته وساد الصمت لبرهة قبل أن تُكمل أفنان حديثها مُردفة:
“بص عشان منضيعش وقت أنا الكلمتين اللي عندي قولتهم وعلى فكرة ميرال قريب ربنا هيكرمها بإنسان أحسن منك مية مرة وكلنا هنبقى مبسوطين وعايشين حياتنا وأنتَ هتفضل زي ما أنتَ لوحدك.”
أغمض نوح عيناه لثوانٍ بعد جملة أفنان الأخيرة لقد كانت كلماتها تلك أقسى كلمات سمعها نوح يومًا، هل حقًا سيظل وحيدًا؟ ألن تقبل به أي فتاة؟ هل هو حقًا مريض ويحتاج إلى العلاج النفسي أم أنها قالت ذلك فقط لتؤلمه؟
تركته أفنان غارقًا في همومه واتجهت نحو السيارة لتدلف إلى داخلها بكل هدوء، رمقها رحيم في فضول وهو ينتظر داخل السيارة… ساد الصمت لبرهة وكاد رحيم أن يسألها عن ما حدث لكن أفنان سبقته وهي تتحدث بنبرة مرحة غير متوقعة قائلة:
“بقولك أيه أنا نفسي في شاورما.”
“من عيوني يا أفي اشتريلك المحل كله لو عايزه، عملتي أيه بقى؟ احكيلي.”
“يعني مسمعتش صوتي من عندك؟ ده أنا صوتي سمع محافظة الجيزة كلها.”
علقت أفنان بسخرية شديدة وهي تبتسم ابتسامة جانبية.
“عايز اسمع منك، عايز اتناقش معاكي في اللي قولتيه واللي حصل ولا مش عايزة؟”
سأل رحيم بلطف فهو لا يريد أن يضغط على حبيبته خاصة في مثل هذا الموضوع الحساس ولكن جاءه ردٍ غير متوقع بتاتًا من أفنان حيث طالعته بنظرات جادة قبل أن تُجيب على سؤاله قائلة:
“لا عايزة طبعًا، بس أنا مبعرفش أفكر ولا أتكلم وأنا جعانة.”
نظر نحوها رحيم لبرهة بحيرة قبل أن ينفجر ضاحكًا على قوله وهو يهز رأسه للجانبين بينما يهمس:
“أقسم أنكِ لستِ طبيعية يا حبيبتي I swear you’re abnormal babee!’.”
بعد انتهاء جولة أفنان ورحيم عادت أفنان إلى المنزل وقد غمرتها سعادة كبيرة، دلفت أفنان إلى المنزل لتجد والديها يجلسان على الأريكة بينما يشاهدان أحدى البرامج الإخبارية على التلفاز.
“العواف، وحشتوني أوي حاسه بقالي كتير مش بقعد معاكوا.”
“والله؟ لسه فاكرة إن ليكي أم وأب؟ ده أنتِ رحيم شغل وقتك خالص وكل ده ولسه أنتِ معانا في البيت أومال لما تروحي بيتك مش هتسألي فينا؟”
“يااه يا رانيا أنتِ شايله كل ده في قلبك وساكتة؟ أيه يا ماما الأوفر ده؟ ما أنا وشي في وشك طول اليوم عالعموم حقك عليا ياستي وجبتلكوا عشاء معايا كمان متقوميش تعملي حاجة.”
“شكرًا يا ستي، خشي شوفي أختك من ساعة ما جت من الشغل وهي قاعدة لوحدها.”
“استر يارب.”
نبست أفنان وهي تنزع وشاح رأسها بينما تتوجه نحو غرفتها هي وميرال، طرقت باب الغرفة بهدوء لكن لم تجد إجابة لذا قررت إقتحام الغرفة وهي تقوم بفتح الباب بقوة لتنتفض ميرال من مجلسها.
“في حد يخش على حد كده؟”
“ما أنا بخبط وأنتِ مش بتردي، مشغولة في أيه بقى؟ فرجيني.”
سألت أفنان بفضول وهي تحاول جذب هاتف ميرال متعمدة إثارة غيظها لتبتعد الأخيرة عنها وهي تقول:
“ها؟ أوعي سيبي الموبايل… مفيش حاجة، ده أنا كنت بتطمن على أنس عادي يعني.”
“هو مش أنتِ كنتِ قايلة إنك هتبطلي كلام مع أنس؟ ليه جيتي جري أول لما عرفتي أنه تعب؟ وليه بتطمني عليه دلوقتي؟”
سألت أفنان بنبرة هادئة ولكن جادة وهي تجلس أمام ميرال لتضطرب معالم الأخيرة وتحاول إجابتها لكن الكلمات لم تُسعفها فأخذت تُلعثم قائلة:
“أصل… يعني قولت من الأصول… هو أنتِ بتحققي معايا يا أفنان ولا أيه؟ من أمتى وأحنا في بينا كده؟”
كانت نبرة ميرال هجومية بعض الشيء في نهاية حديثها لكن أفنان تفهمت اندفاع شقيقتها لذا أمسكت بيدها بحنان وهي تنظر إلى داخل عيناها بينما تقول بصدق ولُطف لم تعهده ميرال منها:
“أنا مش قصدي يا ميرال والله… حقك عليا، أنا بس مش عايزاكي تغلطي نفس غلطتي تعلقي نفسك بواحد بصورة غير رسمية وتفضلي مخبية على بابا وماما وتبقي بتعملي حاجة غلط وحرام… أنا مش شيخة ولا أحسن واحدة في الدنيا بالعكس أنا بغلط كتير وأنا آخر واحدة تتكلم عن الموضوع ده بس عشان أنا بحبك وخايفة عليكي مش عايزاكي تعملي نفس عملتي.”
“طب… أعمل أيه دلوقتي؟”
سألت ميرال بحيرة شديدة لتأخذ أفنان نفس عميق وتُفكر لبرهة قبل أن تُجيب على سؤالها بإجابة مقنعة مُردفة:
“حاولي متتكلميش معاه خالص ولو حاول يكلمك قوليلي أنا هقول لرحيم يتكلم معاه، افتكري يا مرمر إن ‘من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه’، والعوض ده أشكاله كتير يعني مثلًا ممكن أنس يطلع انسان كويس فيجي يطلبك على سنة الله ورسوله أو ربنا يرزقك بواحد أحسن منه أو ممكن ربنا يكرمك في حاجة تانية غير موضوع الجواز أصلًا… بصي أنا نصحتك وأنتِ فكري وأعملي اللي يريحك.”
“شكرًا يا أفنان، شكرًا إنك موجودة… أنا بحبك أوي بجد…”
قالت ميرال وهي تنقض على أفنان لتعانقها عناق قوي ومن ثم تُمسك بهاتفها وتحذف محادثتها هي وأنس دون أن تقرأ رسالته الأخيرة…
رواية في حي الزمالك الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ايمان عادل
أخذ أنس يتجول ذهابًا وإيابًا في حجرة رحيم في انتظار رد ميرال على ما أرسله لكن الرد تأخر. خمس دقائق… عشر… خمس عشر… عشرون… ساعة ونصف ومازالت لا تُجيب بالرغم من أنها متاحة الآن.
أي أن الهاتف في يدها وهي داخل التطبيق على الأرجح، لكنها لم تُجب على رسالته. وهنا يوجد احتمالين لا ثالث لهما. أولًا أنها منشغلة كثيرًا وقائمة الرسائل خاصتها مزدحمة، فضاعت محادثة أنس في الوسط. أو أنها قرأت ما كتبه أنس من الخارج ولم يروق لها ما قاله فقررت تجاهله.
"مالك يا أنس رايح جاي كده ليه؟ دوختني يا أخي حرام عليك!"
"وأنت شوفتني ازاي وأنت لسه داخل؟ ولا بتبص من عقب الباب ولا أيه؟" سأل أنس بنبرة درامية وهو يغمز بإحدى عينيه لرحيم. ليقلب الأخير عيناه بتملل قبل أن يُجيب على أسئلته بازدراء قائلًا:
"لا يا ظريف، كنت تحت في ال backyard وشوفت خيالك وأنت رايح جاي في الأوضة."
"بعت لميرال مسدج، أحنا كنا بنتكلم يعني هي كانت بتطمن عليا. وبعدين بعت مسدج Risky ‘خطيرة/ مجازفة’ جدًا وكنت مستني الرد بس هي مردتش عليا. ما تسأل أفنان عليها شوفها كويسة ولا أيه؟"
"لو في حاجة أكيد أفنان كانت هتقولي يعني… بقولك أيه سيبك من موضوع ميرال وقولي هتروح للدكتورة بتاعتك أمتى؟"
"عندي جلسة بكرة إن شاء الله."
"طيب كويس جدًا، هي كان اسمها أيه صحيح؟ قصدي الدكتورة… كان اسم غريب كده؟"
"مسك."
"أيوا صح… اسمها حلو بس غريب برضوا." تمتم رحيم وهو يضحك. لينظر نحوه أنس بنظرة حالمة قبل أن يُردف بمبالغة ودرامية زائدة:
"في الحقيقة يعني هي اسمها حلو وهي شخصيًا قمر بصراحة بسم الله ما شاء الله، الله أكبر ربنا يحميها لشبابها."
"خلاص بس بالع راديو؟! وبعدين قال يعني بعد كل اللي قولته ده مبقتش معاكسة كده."
"متدخلنيش في تفاصيل دلوقتي."
"يعني من الآخر ميرال ولا مسك؟" سأل رحيم وقد توقع الإجابة بالفعل لكنه أراد أن يراقب ردة فعل أنس. ففي حالة شعور رحيم بصدق مشاعر أنس تجاه ميرال لن يتردد في مساعدته على الوصول إليها بالطريقة الصحيحة الحلال.
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يُجيبه أنس بصدق وبنبرة لطيفة مرحة مُردفًا:
"هو مبدئيًا اسم ميرال مينفعش يتحط في جملة واحدة مع اسم أي بنت تانية. تاني حاجة بقى مسك متنفعش لأن مش من آداب المهنة أصلًا إن يكون في علاقة بينها وبين المريض يا جاهل."
"أنا عارف طبعًا بس حبيت أتأكد إن أنتَ عارف."
أنهى رحيم هذه المحادثة على هذا النحو قبل أن يطلب من أنس أن يرافقه إلى عش الزوجية الخاص به هو وأفنان كي يساعده على إنجاز بعض الأعمال.
***
في عصر اليوم التالي ذهب أنس في الموعد المحدد لجلسته مع الطبيبة النفسية خاصته هو وميرال. دلف نحو الداخل بصخبه المعتاد والذي لم يعد يُفاجئ الطبيبة أو من يعمل العيادة.
"دكتورتنا عاملة أيه النهاردة؟"
"الحمدلله يا أنس بخير وأنتَ؟ اتفضل استريح."
رحبت به بلطف قبل أن يُجيبها أنس بمزاحة وغزله المعتاد ومن ثم يسألها حول الآتي:
"يريح قلبك يا غالية، هو أنتِ معاد جلستك الجاية مع ميرال أمتى؟ وهي بتتحسن ولا لا؟"
"أظن حد بثقافتك وفكرك أكيد عارف إن ممنوع تمامًا أقول أي معلومة ليها علاقة بأي مريض."
رفضت الطبيبة مسك الإجابة عن سؤاله بأدب وبطريقة غير مباشرة. تنهد أنس بضيق ومن ثم أزاح خصلات شعره التي ازدادت طولًا مؤخرًا بينما يُردف بنبرة حنونة مشوبة بالحزن:
"أنا بس عايز اطمن عليها وهي مش عايزة ترد عليا ومش عارف اعمل أيه؟!"
"طيب هنشوف الموضوع ده بعدين، أنتَ كنت قولتلي عالواتساب إنك حابب تتكلم في موضوع مهم معايا… خير؟"
"أنا تعبت. لا مش تعبير مجازي هو أنا اتنقلت المستشفى فعلًا، ضغط عالي وحصلي نزيف… مش ده المهم؛ المهم إن ده حصل بسبب خناقة بيني وبين أروى أختي…"
"ألف سلامة عليك، بس مش غريبة شوية حكاية الخناقة؟ اللي فهمته منك إن علاقتك بأختك مستقرة وتمام بل إنك بتحبها وبتخاف عليها جدًا."
"ده حقيقي بس اللي حصل إنها راحت تزورها…"
لم يصعب على الطبيبة تخمين هوية المرأة التي يتحدث عنها أنس، والدته والتي يرفض حتى أن يُفصح عن اسمها ويرفض أن يضع أي كلمة مشتقة من كلمة ‘أم’ حينما يتحدث عنها. ساد الصمت لبرهة قبل أن يُضيف أنس:
"مش عارف أنا قولتلك ولا لا بس هي كانت بتتعالج في مصحة من بعد الحادثة اللي حصلت والمشاكل اللي كانت بينا وبعد موت فريد حالتها بقت اسوء بكتير لكن أنا مهتمتش بصراحة…"
"ممكن تحكي من الأول يا أنس؟" سألته بإهتمام وتركيز واضح. ليُطالعها بحيرة وقد اختلط عليه الأمر فسألها بتردد:
"أعيد كلامي تاني؟"
"مش قصدي… قصدي من أول المشكلة، فين العقدة أو النقطة السوداء اللي بدأت كل ده؟"
"مبدئيًا أنا علاقتي بأمي وأبويا وحشة جدًا…"
"ده بسبب أيه؟"
"فريد ومراته اتجوزوا عن حب، الإتنين كانوا من عائلة مرموقة وكل حاجة كانت كويسة إلا إن فريد كان بيحب الستات، سكير، عصبي وعنيف طبعًا الكلام ده مكنش واضح أوي قبل الجواز أو كانوا معتقدين انه طيش شباب، بكرة يتجوز ويعقل."
"واللي حصل عكس كده طبعًا، صح؟"
كان سؤال الطبيبة أقرب إلى كونه جملة مؤكده أكثر من كونه سؤالًا، فلقد سمعت مئات القصص المماثلة، حيث تؤمن شريحة كبيرة من المجتمع أن الزواج هو الحل للذكور التالفة…
يشرب الخمر، ذو علاقات متعددة، لديه مشاكل في التحكم في الغضب، يعشق العنف، سارق، مرتشي، ولربما كان يعامل والديه بأقذر الطرق الممكنة، ولكن الحل لكل ذلك هو الزواج وإنجاب أطفال…
فبدلًا من جعل فردًا أو اثنين يعانون، فلنضاعف ذلك العدد ولنقوم بتكوين أسرة من جدران هشة، أرضية مشوهة، أثاث تالف… ونتيجة لتلك التجربة المريرة ينشأ مئات الأشخاص الغير أسوياء لتبدأ معاناتهم مع التشوه النفسي…. ويضطرون إلى البحث عن علاج لآفات لم يكن لهم أي ذنب في ظهورها من البداية تمامًا كأنس وأروى…
"بقى لعنة! من ساعة ما وعيت عالدنيا وهو بيضربها وبيضربني أنا وأختي… طول ما هو في البيت مش عايز يسمع دوشة مش عايز يسمع صوت لعبنا وهزارنا وإلا هنتعاقب، في الوقت ده هي كانت بتاخدنا وتودينا عند رحيم… مامته وباباه كانوا شبه متبنيني أنا وأروى، قضيت معاه معظم فترة طفولتي واتربينا سوا وكبرنا سوا…"
"وبعدين؟"
"لما كبرت حاولت أقنعها تتطلق منه إلا أنها كانت بتحبه ومكنتش اتخيل حياتها من غيره… معرفش بقى دي Stockholm Syndrome ‘متلازمة ستوكهولم’ ولا أيه؟ المهم إنه هي مكنتش مدركة إنها مريضة ومحتاجة علاج وهو كمان كان انسان مريض!"
"دي حقيقة هما الإتنين كانوا في حاجة لعلاج نفسي، طيب وأنتَ شايف إن وجودك مع عائلة رحيم كان ليه تأثير عامل ازاي عليك؟"
"خلاني انسان سوي بنسبة، وبنسبة تانية خلوني عندي قلق مستمر وضغط… خلوني مش قادر أخد خطوة الإرتباط بصورة رسمية بقى عندي Fear of commitment ‘خوف من الإلتزام’، خلوني خايف من التعامل مع الأطفال… حاسس أني مشوه من جوا بس أنا من جوايا انسان نضيف بجد بس نفسي أكون طبيعي زي أي حد تاني… عايز أبقى كويس لنفسي وكويس عشان رحيم، عشان أروى وعشان… عشان ميرال، عشان أليق بيها…"
"يعني أنتِ مش شايف إن الجواز مثلًا وحش أو إنه عبارة عن قيود أو كده؟"
"هو قيود للطرفين طبعًا بس في المقابل أنتِ بتلاقي حد تشاركيه كل حاجة الحلو والوحش، بتلاقي حد مستنيكي آخر ليل، بتلاقي حضن حنين وكل ده في إطار سليم مش حرام ولا عيب… أنا مُدرك إن علاقة فريد ومراته كانت غلط ومش ساوية بس مفهومي للجواز مش علاقتهم ببعض لو ده اللي تقصديه يعني."
"أنا فخورة بيك جدًا يا أنس على فكرة."
"هو أيه حوار الفخر المنتشر ده؟ محسساني أني حمحلاح… أنتِ فخورة بيا، أروى فخورة بيا ورحيم كمان، أيه الإنجاز طيب اللي عملته؟"
"بغض النظر عن إنك مش بتعرف تكمل 10 دقائق على بعض بتتكلم جد بس ما علينا يعني، أنا بتكلم بجد أنا حقيقي فخورة بيك وده لكذا سبب…"
"سمعيني."
"أولًا أنك أدركت إن عندك مشكلة وقررت تدور عليها في المكان الصح وده نص طريق رحلة العلاج أصلًا، ثانيًا أنك انسان صريح؛ صريح مع نفسك ومعايا، ثالثًا أنك مش سايب نفسك تنجرف وراء التيار أنتِ عشت طفولة صعبة وشوفت تصرفات سيئة جدًا من باباك الله يرحمه بس في نفس الوقت حاولت تمنع نفسك من أنك تتصرف زيه…"
"معاكي حق بس… أنا مش عارف لما ابقى مكانه، زوج وأب هكون بتصرف ازاي… مرعوب من أني أكون نسخة تانية من فريد حتى لو غصب عني…"
"دي حاجة واردة فعلًا، وعشان كده أنا هنا بساعدك عشان نحاول نغير طريقة تفكيرك ونعدل أفكارك المشوهة وعشان نعمل كده لازم تبقى مصدق من جواك أنك انسان كويس وإن عندك القدرة على التغير للأحسن."
"أنا بحاول صدقيني… مش فاكر قولتلك قبل كده ولا لا بس أنا كنت بشرب خمرة في وقت من الأوقات، كنت فاكر أني بهرب من الواقع لكن في الحقيقة أنا كنت معيش نفسي في جحيم وقرف… مكنتش بفكر في حاجة وقتها لحد أما رحيم فوقني وفي مرة من المرات قالي أني بحول نفسي لنسخة من فريد وأني مش بس هخسر آخرتي ده أنا كمان هخسر دنيتي وكل اللي حواليا هيبعدوا عني وهو أولهم لو مبتطلتش عك…"
"والكلام ده فرق معاك؟ وكان أيه رد فعلك؟"
"الكلام فوقني… صدمني ووجعني بس فوقني، أدركت بشاعة اللي كنت بعمله وقررت من وقتها أوقف شرب وقررت أقرب من ربنا وأحاول أبقى انسان أحسن…"
"وقدرت تعمل ده؟"
"الحمدلله، مكنش الموضوع صعب أوي لأني مكنتش واصل لمرحلة إدمان الكحوليات يعني، وكنت بروح زي Group therapy كده للناس اللي أقلعت عن الخمور وده ساعدني جدًا."
"جميل جدًا ورحيم كان بيشرب زيك؟"
"لا، رحيم آخره سجائر وحتى دي بطلها من ساعة ما أفنان دخلت حياته ويلا بقى يا شباب نسيب كل برامج الإقلاع عن التدخين وندور على كتكوتة تساعدنا على ده."
"هو مش عيب إن حد يساعدك على فكرة ممكن يكون تأثير حد أنتَ بتحبه عليك أقوى من تأثر دكتور أو أخصائي مثلًا، المهم عايزاك تكلمني أكتر عن علاقتك برحيم أكبر منك بكام سنة وعرفته ازاي وكده؟"
"بصي يا ست الكل… أنا فتحت عني لاقيت اتنين؛ رحيم وأروى… وأنا صغير كنت مقتنع أنه أخويا شقيقي وهو كمان كان مقتنع بكده لحد لما كبرنا شوية، رحيم أكبر مني بسنتين وباباه وفريد كانوا صحاب جدًا وبطبيعة العائلات المخملية العائلة كاملة بتبقى صحاب فمامته ومرات فريد بقوا صحاب وبالتابعية أنا ورحيم…"
أجاب أنس على سؤاله وهو يعبث في خصلات شعره قبل أن يُرخي جسده على الكرسي وقد كان من الواضح من لغة جسده أنه يسترجع بعض الذكريات وقد ارتسمت ابتسامة لطيفة على ثغره ولمعت عيناه بينما أضاف الآتي:
"كنا دايمًا مع بعض في نفس المدرسة ونفس الجامعة ونفس الشغل وفرق السن ده عشان بسيط مكنش بيأثر، كان بيقعد يذاكرلي عادي عشان هو كان دايمًا شاطر أوي وبيجيب تقديرات حلوة."
أكمل أنس سرد كل شيء حول علاقته برحيم وحتى الآن وقد أفصح أنس عن شيء كان يرفض الاعتراف به ولكن يشعر بالغيرة لوجود أفنان برفقة رحيم.
"بصي مش عايزك تفهميني غلط والجملة ممكن تبان غريبة… بس ده العادي كده كده في مجتمعنا مش من حق الراجل أو الشاب يعني أنه يعبر عن مشاعره، عمومًا أنا نص الخناقات بتاعتي مع أفنان كان بسبب أني حاسس إنها واخدة رحيم مني…"
تنهد أنس بعد جملته تلك قبل أن يقترب من المكتب الخاص بالطبيب ويأخذ قطعة من الشيكولاتة الموضوعة أمامها ويقوم بتناولها بينما يُتابع حديثه بجدية شديدة قائلًا:
"أنا ورحيم أخوات وصحاب من سنين وهو معايا طول الوقت وفجأة حسيت أنه اتاخد مني وكمان كنت شايف إن في بنات كتير أحسن وأحلى من أفنان وأنها متستحقش تبقى معاه بس مع الوقت عرفت أنه فعلًا بيحبها واكتشفت أنها انسانة كويسة وبتحبه ومش طمعانة فيه."
"دي مشاعر طبيعية جدًا بس لازم نوظفها صح، لما بنت أختها بتتخطب مثلًا بتحس أنها غيرانة لأنها بتبقى فاكرة إن خطيبها هيشغل كل وقتها وهياخد مكانتها في قلبه، لما حد والدته متوفية مثلًا وباباه بيقرر يتجوز تاني بيبقى برضوا حاسس بغيرة وغضب لأنه خايف الست دي تشغله عنهم أو إنها تاخد مكان والدتهم اللي اتوفت وأنتَ حالتك مختلفتش عن الأمثلة دي، وأنتَ عشان انسان عاقل قدرت تتحكم في المشاعر دي ولما شوفت إن صاحبك أو أخوك مبسوط فرحت عشانه وتفهمت الموضوع لأنه مهما حب أفنان أو أي واحدة تانية أو حتى لو بقى ليه صديق تاني غيرك فأنت ليك مكانة ووضع خاص في قلبه."
"شكرًا جدًا يا دكتورة، حقيقي قرار أني أجي هنا كان أكتر قرار صح أخدته في آخر عشر سنين بعض قرار أني اضرب نوح يعني."
تمتم أنس وهو يضحك قبل أن يُتابع حديثه مع الطبيبة خاصته وقد عاود الحديث عن علاقته بوالدته قائلًا:
"عارفة يا دكتورة، أنا نفسي أسامحها… وزي أي انسان كان نفسي يبقى ليا أم طبيعية حضن حنين اترمي فيه واشتكيلها وقت ضعفي بس ده محصلش مش بس عشان علاقتها المريضة بفريد بس عشان هي بعد الحادثة فضلت تلومني… كانت شايفة إن أنا السبب عشان اتخنقت مع فريد يومها مش عشان هو كان طاير بالعربية وهو متنيل شارب وضارب… مش قادر أسامحها عالشعور اللي هي خلتني أحس بيه الشهور اللي فاتت…"
"ليك كامل الحق في الغضب، والشعور بالنفور تجاهها طبعًا الناس شايفة إنك قاسي لأن المفروض مهما عمل والدك أو والدتك لازم تتقبل ومتعترضش وتسامح وده مش صح طبعًا لكن برضوا في نقطة… والدتك مريضة نفسيًا يا أنس وقد تكون مريضة عقليًا كمان أنا معنديش دراية كافية بالحالة بتاعتها، ده مش مبرر للي عملته ولا بقولك كده عشان تسامحها لكن حط في عين الإعتبار إن هي مضطربة ودماغها مش ماشية بنفس ال System ‘نظام’ بتاعنا."
"أنا عارف بس مش قادر… يمكن المرة الوحيدة اللي هقبل أشوفها فيها واحضنها هو يوم وفاتها لكن دلوقتي أنا مش قادر…"
"خد وقتك، سيب نفسك لحد لما تحاول تتعافى وتتأقلم مع الندوب اللي سببتها التجربة المريرة دي بس متنساش تستفاد من كل اللي حصل عشان متبقاش التجربة عدت عالفاضي، وأنا أظن لو خليت أروى تساعدك في موضوع مامتك هيبقى الوضع أفضل وأسهل بالنسبالك."
"هحاول… شكرًا يا مسك… يا دكتورة."
***
في ذلك اليوم شعر أنس بتحسن شديد لكونه قد أفصح عن ما يجول في خاطره ويؤلم قلبه منذ مدة طويلة والأهم من ذلك أنه لم يتعرض للنقد، السخرية أو اللوم بل كانت الطبيبة مستمعة جيدة… في واقع الأمر هي لم تقدم له حلول فعلية لكن الأهم من ذلك أنها ساعدته على إيجاد حلولًا لمشكلاته بنفسه، ساعدته على تحسين الطريقة التي يُفكر بها وساعدته على تقبل نفسه وتقبل التجربة المريرة التي مر بها ومساعدته على محو الندوب التي خلفتها.
***
في مساء اليوم التالي كانت أفنان تجلس في حجرتها وهي تحاول إنهاء ‘شييت’ الكيمياء الصيدلية لتقتحم عليها والدتها الحجرة وهي تُردف بهدوء:
"أفنان تعالي مريم بنت خالتك عايزاكي برا."
"مريم؟ طب خليها تدخل هنا يا ماما لو سمحتِ عشان مش هعرف أسيب اللي في ايدي."
"حاضر، بس خفي عليها شوية ها."
"هي قالتلك حاجة ولا أيه؟ عمومًا حاضر."
شعرت أفنان ببعض الغرابة تجاه ما قالته والدتها ولكن قررت أن تُنفذ مطلبها في هدوء وبالفعل بمجرد أن لمحت أفنان طيف مريم رحبت بها بلطف شديد.
"ازيك يا مريوم وحشتيني جدًا أيه الأخبار؟"
"هو أنتِ عملتِ أيه في نوح؟"
"عملت في أيه ازاي يعني مش فاهمة؟ هو نوح حصله حاجة؟"
"نوح نفسيته متدمرة يا أفنان من وقت ما هو وميرال انفصلوا، واللي عرفته منه أنه حاول كتير يرجع لها بس أنتِ دايمًا كنتِ بتحرضيها إنها ترفض وتتخانق معاه وتجرح كرامته… أنتِ مش متخيلة البيت من بعد اللي حصل بقل عامل ازاي، علاقة ماما ونوح بقت كلها مشاكل بسبب الموضوع ده…"
كانت مريم تتحدث من موضوع هجوم وإن كانت نبرة صوتها لم ترتفع كثيرًا لكن نبرتها تلك كانت كافية لإثارة غضب أفنان وكادت أن تنفعل لولا أن تذكرت ما قالته والدتها. أخذت أفنان نفس عميق قبل أن تُردف بنبرة لا تخلو من الحدة:
"بصي يا مريم عشان العشرة وأحنا متربين مع بعض وعشان الدم اللي بينا أنا مش هرد عالهبل اللي أنتِ بتقوليه وهعذرك لأنك أخته وطبيعي تبقي خايفة على مشاعره وعايزاه مبسوط بس خليكي فاكرة إن أنتِ شخصيًا كنتِ رافضة علاقته بميرال من الأول."
أردفت أفنان وساد الصمت لبرهة. لم تُعلق مريم على ما قالته أفنان لذا تابعت الأخيرة حديثها قائلة:
"أما بالنسبة لعلاقة خالتو بنوح فأنا أسفة بس دي حاجة متخصناش واحده ابنها غلط وهي واخدة رد فعل بالطريقة اللي هي شايفاها مناسبة، وياريت يا مريم تبطلوا ترموا اللوم على حد تاني لما تغلطوا عشان محدش ليه ذنب."
"ماشي دي حقيقة أنا كنت رافضة في الأول بس اتضح بعد كده أنه بيحبها فعلًا وكانوا هيتجوزوا لولا اللي أنتِ كنتِ دايمًا بتعمليه كان زمان أخويا دلوقتي في بيته ومبسوط مع مراته."
"أنا مش مصدقاكي يا مريم بجد! ده أنتِ نفسك عديتِ بتجربة شبه دي وكنتِ في علاقة توكسيك برضوا… على العموم يا مريم ميرال اتخطت نوح خلاص وأنا اتجوزت رحيم، فياريت بقى تحاولي تقنعي نوح أنه يشيل ميرال من دماغه عشان منخسرش بعض كلنا، وتاني بكررها يا مريم بطلوا ترموا اللوم عليا."
"يا أفنان أنا… أنا شايفة أخويا بيتعذب ولا عارف يركز في شغل ولا الماچيستير بتاعه ولا عارف يعيش حياته… مش قادرة أشوفه كده وأفضل ساكته…"
"اطلبي منه يروح لدكتور نفسي، حاولي تقنعيه ده هيبقى أحسن حل لينا كلنا… نوح ممكن يكون من جواه انسان كويس، ممكن يتحسن لما يتابع مع دكتور ويغير طريقة تفكيره."
"يعني لو ده حصل واقتنع… تفتكري ميرال ممكن توافق ترجع له؟"
سألت مريم بلهفة وكأن أفنان قد قامت بإلقاء حبل النجاة من أجلها لكن في الواقع لم يزيدها ردها غير إحباطًا، حيث نظرت نحوها أفنان بنظرة جامدة قبل أن تُردف بجدية لم تعهدها مريم قائلة:
"لا، أنا قولتلك موضوع ميرال ونوح ده انتهى وياريت تمسحوه من دماغكوا خالص! هو ممكن يبقى كويس لنفسه، كويس ليكوا، أو كويس للبنت اللي هيقابلها بعد كده ويكمل معاها حياته لكن غير كده انسي."
"ماشي يا أفنان، وأسفة لو كلامي ضايقك."
"ولا يهمك يا مريم أنا عارفة الواحد بيندفع ازاي لما الموضوع يتعلق بإخواته، بس أنتِ لو بتحبي أخوكي بجد وبتخافي عليه ساعديه يتغير للأحسن مش تطبليله على غلطاته… وخليكي عارفة أني بحبك جدًا وزعلانة أننا بعدنا عن بعض من ساعة اللي حصل."
"كل حاجة هترجع زي ما كانت إن شاء الله، فرحتك هتلم شمل العائلة من تاني."
"يارب."
انتهاء الحديث عند ذلك الحد، قررت مريم أن ترحل قبل أن تعود ميرال من الخارج فهي مازالت تشعر بحساسية تجاه علاقتهما منذ ما حدث ونظرًا لآخر الأحداث فلقد ازداد الوضع سوءًا، ودعت أفنان مريم بلطف بعد أنا عانقتها وذكرتها مجددًا بأن تُقنع نوح بأمر الطبيب وبالفعل قد شعرت مريم بالإقتناع النسبي في مسألة الطبيب تلك لكنها لم تدرِ كيف عليها اقناع نوح بفعل ذلك…
***
مع نهاية الأسبوع التالي غادرت أفنان مقر الكلية خاصتها بإرهاق شديد، محاضرتين ودرسًا عملي في يوم واحد… كانت الساعة تقريبًا الخامسة مساءًا وقد أوشكت الشمس على المغيب أجل… تلك هي الشتاء.
كادت أفنان أن تسلك طريقها المعتاد لولا أن لمحت سيارة فاخرة للغاية تقف بالقرب من باب الجامعة، لم تهتم أفنان كثيرًا ولو أن بداخلها بعض الفضول لمعرفة من صاحب تلك السيارة أي من يقدر على امتلاك سيارة من هذا الطراز وقبل أن تُكمل اسئلتها الداخلية غادر السيارة شاب ذو بنية جسدية قوية وعضلات أخفاها جاهدًا بإرتداء تلك البذلة الرسمية، توقف أمام أفنان مباشرة وكادت أن تتخطاه وتسير في الإتجاه الآخر لولا أن تفوه بالآتي موجهًا حديثه إليها:
"دكتورة أفنان… اتفضلي معايا."
"مين حضرتك؟ اتفضل فين؟" سألت أفنان بفزع واضح ولكن حاولت جاهدة أن تُخفيه. رمقها الشاب بهدوء قبل أن يُجيبها برسمية تامة مُردفًا:
"إيڤيلين هانم منتظرة حضرتك في العربية."
"طنط إيڤيلين؟!! حاضر…" نبست أفنان وقد تمنت في تلك اللحظة لو أن تنشق الأرض وتبتلعها داخلها على أن تخوض محادثة مع والدة رحيم، وما زاد الطين بلة هو كونها ستتحدث مع والدة رحيم بمفردها تمامًا!
"اصعدي السيارة ‘Get in the car’." تمتمت والدة رحيم فور أن قام الشاب بفتح الباب من أجل أفنان، أومئت الأخيرة وهي تدلف إلى داخل السيارة ثم تُتمتم بنبرة مشوبة بالتوتر:
"ازيك يا طنط لا ثواني… ازيك يا Auntie."
"هعمل نفسي مش واخدة بالي من نبرة السخرية في كلامك."
"أنا مش قصدي أي سخرية إطلاقًا أنا بس فاكرة من المرة اللي فاتت إن حضرتك اتضايقتي فقولت أقول الكلمة اللي تريح حضرتك، أبقى كده غلطانة؟"
"من أول يوم شوفتك فيه وعرفت إنك مش سهلة، لكن أنا كمان مش سهلة ومش بزهق يا أفنان."
"ولا أنا بزهق… منكرش أني استغربت شوية إن حضرتك طلبتِ تشوفيني بس أنا متوقعة الحوار اللي هيدور بينا."
"بصي يا أفنان If you think it’s too late then you’re wrong… I can ruin everything if i want to ‘إذا كنتِ تظنين بأن الآوان قد فات فأنتِ مخطئة… مازال بإمكاني إفساد كل شيء إن أردت ذلك’."
"حضرتك برضوا لسه فهماني غلط، I am no the type of person that would give up on something they love, and i love your son with every piece of my heart and i will never let anything or anyone get in between ‘أنا لستُ من النوع الذي سيتخلى عن شيء يُحبه، وأنا أحب ابنكِ من كل قلبي ولن أسمح أبدًا لأي شيء أو أي شخص بالتدخل بيني وبينه’."
"كلام جميل، طلعتِ مثقفة وبتفهمي كمان بس أتمنى إنك تبقى قادرة تفهمي معنى الكلام مش بس تترجميه، طيب خلينا نغير قواعد اللعبة… أنا هقبل بيكي كفرد من أفراد عائلة البكري لكن صدقيني يا أفنان لو خطر على بالك في يوم تزعلي ابني أو لو مقدرتيش توفري له السعادة اللي هو يستحقها أنا هدمرك أنتِ وأي حد تبعك، He is my only son ‘هو ابني الوحيد’ ومعنديش حاجة أغلى منه."
"طالما هو ابن حضرتك الوحيد ومعندكيش حاجة أغلى منه يبقى ياريت يا طنط تعامليه عالأساس ده وأديله حب واهتمام ودلع… حضرتك كبرتيه قبل آوانة وخليتيه دايمًا زعلان وحاسس إن ناقصه حاجة أعتقد حضن منك وكلمة حلوة هيفرقوا معاه أوي وهيوفروا ليه السعادة اللي حضرتك فاكرة إن أنا مش هعرف أوفرها ليه، رحيم محتاج حنان الأم وحبها بعيدًا عن مشاعره تجاهي فياريت حضرتك تقريبه منك وتحسسيه بحبك ولو لمرة واحدة يمكن بعدها حضرتك تقدري تحبيني وتتقبليني ولو عالسعادة فأنا مستعدة اضحي بأي حاجة في سبيل سعادة رحيم زي ما أنا واثقة أنه هيعمل معايا نفس الحاجة."
"أنا عمري ما كنت قاسية على رحيم، أنا بس كنت بشد عليه عشان عايزاه يطلع راجل يُعتمد عليه… وده اللي حصل بالفعل وكان رحيم بينفذ أي طلب بطلبه منه وأول مرة عصى أوامري كانت بسببك أنتِ، ظهورك في حياته لغبطه وخلاه يتصرف تصرفات غير عقلانية تمامًا."
"عشان أنا من مستوى مختلف يعني؟ طيب ممكن اسأل حضرتك سؤال؟ دلوقتي لو رحيم كانت ارتبط بواحده من العائلات الكبيرة اللي متعوده عالرفاهية الآوفر ومعندهاش استعداد تستحمل الظروف الصعبة وبعدها لقدر الله حصل أي ظروف ورحيم أفلس تفتكري بقى البنت دي هتفضل معاه؟"
سألت أفنان مبراوغة وهي واثقة تمام الثقة من أن والدة رحيم لن تجد الرد المناسب على ما قالته لذا ساد الصمت لبرهة فقررت أفنان أن تُهاجم مجددًا وتستخدم سلاحًا آخر بأن تقوم بإلقاء الكرة في ملعب والدة رحيم حيث أردفت أفنان بنبرة بريئة وإن كانت تحوي في داخلها خبث خفي:
"طيب ولو حضرتك كنتِ فقيرة أنا أسفة يعني أو من مستوى متوسط وكان أهل Uncle حامد رفضوا حضرتك كان هيبقى عادي؟ ولا حضرتك كنتِ هتبقي شايفة إن دي طبقية وإن المفروض يدوا حضرتك فرصة لأنك بتحبيه بجد؟"
قوست والدة رحيم شفتيها وحاولت جاهدة إخفاء زهولها من دهاء أفنان فتلك الفتاة تعرف كيف تصوغ كلماتها جيدًا، فكرت إيڤيلين لوهلة بأن رحيم قد أخبرها برفض عائلة زوجها علاقتهما بالفعل ولكنها أشاحت بتلك الفكرة بعيدًا عن رأسها فهي لم تُقص ذلك الأمر على رحيم من قبل ولكن كيف خطرت تلك الجمل على بال الجالسة أمامها، خيم الصمت على المكان لدقيقة ونصف تقريبًا قبل أن تُردف:
"كنت هحاول أتفهم موقفهم وهقدر خوف عائلته عليه وكنت هبطل أنانية."
"أنا أسفة بس حضرتك مش بتقولي الحقيقة، لأن حضرتك لو فعلًا بتحبي Uncle حامد كنتِ هتحاولي بكل الطرق أنك تبقي معاه وهتبقي على استعداد إنك تحاربي الدنيا كلها علشانه وأتوقع إن ده حصل فعلًا لأنه مش سهل إن عائلة مصرية عريقة وقديمة تتقبل إن ابنهم يتجوز بنت انجليزية وهيبقوا قلقانين من اختلاف الثقافات والعادات، حتى لو حضرتك نصك مصري والنص التاني انجليزي في النهاية حضرتك اتربيتي برا."
"بصي يا أفنان بعيدًا عن إنك بتكدبيني بس مش مشكلة، I will make a deal with you ‘سأعقد معكِ اتفاقًا’."
"اتفضلي."
"أنا هعمل هدنة معاكي، مش هضايقك وهحاول اتقبل وجودك عشان بس سعادة ابني الوحيد لكن لو في يوم من الأيام زعلتيه أو فكرتي إنك تبعديه عني أو عن حامد i will surprise with my ability to turn your life into hell ‘سأفاجئكِ بقدرتي على تحويل حياتك إلى جحيم’."
"تمام معنديش مشكلة، Deal."
تمتمت أفنان وهي تحاول أن تبدو نبرتها واثقة قد المستطاع على عكس ما تشعر به داخليًا، هي على وشك خوض معركة والأمر لن يكون سهلًا لكنها على استعداد لتحمل كل العواقب والمخاطر فقط من أجل رحيم، بإنتهاء جملة أفنان قامت بفتح باب السيارة وقد غادرتها دون أن تنبس والدة رحيم ببنت شفة بل اكتفت بمراقبتها وهي تبتعد.
***
بعد أن تركت أفنان والدة رحيم اتجهت إلى منزلها مباشرة وشيء واحد فقط يشغل بالها… هل عليها إخبار رحيم بالمحادثة التي جرت بينها وبين والدته أم أن ذلك سيزيد الأمر سوءًا؟ ولربما تظن والدة رحيم أن أفنان تقوم بتحديها أو تقوم بشن هجومًا مفاجئ عليها… لم تصل أفنان إلى قرارٍ حاسم بل قررت أن تسأل والدتها وميرال عن رأيهما…
***
بعد أسبوع تقريبًا على محادثة أفنان ووالدة رحيم قررت الأخيرة أن تُفاجئ رحيم وأن تذهب إلى مقر عمله في الشركة التي شهدت قصة حبهما اللطيفة، كان رجال الأمن ومعظم موظفو الشركة يذكرون أفنان منذ أن كانت متدربة في الشركة فلقد كانت دائمًا ما تلفت الأنظار لسلوكها الغير متوقع على غير المعتاد من باقي الطلاب.
"إلا قولي يا رحيم… هي فين الشهادة بتاعتي يا شركة نصابة؟ الناس كلها خدت شهادتها ما عدا أنا! أيه الظلم ده؟!"
"بقى بزمتك تبقى الشركة وصاحب الشركة تحت أمرك وملك ايديكي وأنتِ كل اللي همك الشهادة؟ يا ستي اطبعلك مليون شهادة ولا تضايقي نفسك."
"أحم لا أحرجتني بكلامك الحلو كده مليش حجة بصراحة."
"أي خدمة، صحيح أنا أحتمال أسافر… أنتِ أول حد يعرف على فكرة الموضوع ده."
"مسافر؟ ليه؟ هتقعد كام يوم طيب؟ متغبش عني…"
"بس بس هتعيطي ولا أيه؟ ده هو أسبوع واحد بس."
"ما هو أسبوع ده كتير يا رحيم، وأنتَ هتوحشني أوي أنا اتعودت على وجودك وأني بشوفك كل يومين تقريبًا."
"حقك عليا بجد، بس أحنا بنفتح فرع جديد للشركة برا ولازم أكون موجود في الإفتتاح حتى بابي ومامي هيسافروا معايا… كان نفسي أخدك بس أنا عارف إن أسرتك مش هتوافق بس مش مشكلة تتعوض بعد الفرح إن شاء الله أي سفر شغل هاخدك معايا."
"إن شاء الله يا حبيبي، صحيح هو أحنا هنسافر فين في الهوني مول."
"هوني مول؟ اسمه Honeymoon ‘شهر العسل’ يا أفي!"
"يا سيدي مش هتفرق، هنروح بقى العين السخنة ولا نروح اسكندرية زي الحج متولي كده."
"نعمل جولة في Europe ‘أوروبا’ أيه رأيك؟"
"جولة؟ جولة؟ أيه يا ابني الإفتراء ده!"
"خلاص بلاش جولة اختاري بلد أو اتنين عايزة تزوريهم ونسافر بعد الفرح على طول بإذن الله."
"اتفقنا هبقى ابص كده في الدول لأن بعيد عنك الجغرافيا عندي ضايعة خالص ممكن أقولك اسم دولة تبقى في القطب الشمالي مثلًا."
"يارب صبرني… ما علينا، كنت عايز أقولك على حاجة على فكرة…" أردف رحيم بنبرة هادئة لتعقد أفنان حاجبيها وهي تُتمتم بنبرة لا تخلو من الشك:
"أشجيني يا حبيب قلبي."
"أنا كلمت ناتالي امبارح وقبل ما تقلبي وشك عليا بس سيبيني أكمل من فضلك."
"سمعاك يا حبيبي سمعاك، المايك مع حضرتك."
"كلمتها وقولتلها إن علاقتي بيها غلط وإن أنا خدت قرار بقطع العلاقة دي نهائيًا مينفعش يبقى في وجود لل Ex في حياتي، أنا أصلًا الحمدلله اتغيرت للأحسن وقابلتك وحاسس أني بدأت استقر ومش مستعد أضحي بكل ده عشان خاطر أي حد أو أي حاجة."
"يا نهار أبيض!! أنا مش مصدقة… هو أنا سامعة غلط ولا فاهمة غلط… أنتَ بتتكلم بجد؟"
"أسمعك المكالمة طيب ولا أيه؟"
"ليه هو أنتَ مسجلها؟"
"لا بتريق عليكِ أكيد… عشان تعرفي بس أني مستعد أعمل أي حاجة عشانك."
تفوه رحيم بنبرة حنونة لتشرد أفنان لثوانٍ قبل أن تسأله بنبرة درامية مستخدمة عبارة شهيرة من أحد الأفلام الرومانسية قائلة:
"أي حاجة أي حاجة؟"
"لا ما هو مفيش شلال هنا أنط منه… انجزي، بس قولي حاجة عقلانية يعني."
علق رحيم على جملتها وهو يضحك لتبتسم لبرهة قبل أن ترسم ملامح جادة على وجهها وهي تقول بنبرة حادة:
"أقطع علاقتك بالكلب اللي اسمه أنس ده!"
"لا حول ولا قوة إلا بالله… يبقى الواحد قاعد في حاله تجيبه سيرته وبقلة أدب كمان، بقولك أيه لو مطلقتش البت دي حالًا لا أنا صاحبي ولا أعرفك يا رحيم!"
"لا بقولكوا أيه… مامي قدامها عشر دقايق وتوصل عشان في Meeting مهم ومش عايز دوشة."
"أمك!!! " صرخ أنس وأفنان في آن واحد قبل أن تستقيم أفنان من مقعدها وهي تُضيف بهلع:
"تصدق النهاردة عيد ميلاد بابا يا دوبك ألحق أجيبله تورتة لأن المحلات بتقفل الساعة عشرة."
"أفي الساعة لسه أربعة."
"وأنا نسيت العربية جوا المفاتيح ولازم أنزل أجبهم بسرعة."
"أنتَ بتقول أيه؟"
"يلا سلام."
رحل الإثنين على الفور من أمام رحيم، عاود الجلوس على الكرسي خاصته وهو يضحك متذكرًا ما حدث قبل قليل ولكن سرعان ما تلاشت ضحكته وتحولت إلى ابتسامة رسمية فور رؤيته لوالدته التي دلفت نحو الداخل بخطواتها الواثقة المعتادة، رحب بها رحيم على الفور مُقبلًا يدها ومن ثم ذهب كلاهما للجلوس على الأريكة فليس من الأدب أن يجلس رحيم على كرسي الإدارة في وجود والدته أمامه.
"المكتب نور يا مامي، حضرتك كويسة؟"
"اه يا حبيبي Don’t worry ‘لا تقلق’."
عقد رحيم حاجبيه لثوانٍ جراء تفوه والدته لكلمة ‘حبيبي’ فوالدته لم تعتد على تدليله بهذا الشكل، ابتسم لثوانٍ وهو يُردف:
"يعني حضرتك بخير؟ الحمدلله… أنس وأفنان كانوا هنا من شوية كان نفسهم يقابلوا حضرتك بس كانوا مستعجلين بقى تتعوض إن شاء الله."
"أنا كنت جاية عشان… Just forget about it ‘فقط انسى الأمر’."
"مامي… هو ممكن حضرتك وأفنان تقعدوا مع بعض؟ أنا حقيقي نفسي علاقتكوا تبقى كويسة، أنتوا الإتنين أغلى حاجة عندي وصدقيني يا مامي أفنان انسانة كويسة بجد وحضرتك طبعًا ست الكل ومفيش زيك… أنتوا بس مش عارفين تفهموا بعض بس لو حاولتوا هتنجحوا صدقيني…"
"حاضر يا رحيم هحاول Cause i just want to see you happy ‘لأنني فقط أريد أن أكون سعيدًا’."
"ربنا يخليكي ليا يا مامي، أنا بحبك جدًا بجد."
أردف رحيم بنبرة صادقة حنونة وبحماس طفلًا صغير وهو يعانق والدته بقوة، ابتسمت والدته ابتسامة واسعة وهي تضم ابنها الوحيد في المقابل، شعرت بعيناها تدمع تلقائيًا فهي لا تذكر متى كانت المرة الأخيرة التي أخبرها فيها رحيم أنه يحبها… ربما حينما كان في الصف الخامس؟ السادس على الأكثر؟ فمنذ ذلك الحين كبرت الفجوة بينهما وأصبحت علاقته بوالدته علاقة رسمية تمامًا تكاد تخلو من المشاعر.
"أنا كمان بحبك… يلا خليني امشي i don’t want to interrupt you from doing your job ‘لا أريد مقاطعتك عن اداء عملك’."
أومئ رحيم بلطف وهت يستقيم من مقعده ويقوم بإغلاق أحد أزرار معطف بذلته الرسمية ومن ثم يودع والدته ويصطحبها نحو المرآب لتستقل سيارتها ويتأكد من انطلاقها بسلام.
***
صعد رحيم مجددًا إلى الطابق حيث يوجد المكتب خاصته ليلمح أنس يسير مترنحًا في الممر وفي يظه كوبًا من القهوة، اقترب منه رحيم بخطوات مسرعة وهو يجذبه من معطف بذلته الرسمية بينما يسأله مستنكرًا:
"خد هنا أنت روحت فين؟ ومالك مش على بعضك ليه؟ بقيت بتسكر من البن ولا أيه مش فاهم؟!"
"خلعت بس لما شوفت طنط أمك نزلت رجعت تاني، ولا مش بسكر يا ظريف أنا دايخ فتلاقيني بتطوح يمين وشمال كده."
فسر أنس وهو يرتشف من كوب القهوة الكبير خاصته بينما يحاول الحفاظ على توازنه كي لا يسقط. رمقه رحيم بإزدراء قبل أن يقول مستنكرًا:
"طنط وأمك ازاي يعني في نفس الجملة؟! وأما أنتَ دايخ يا حيوان وعارف إنك متنيل تعبان ومريض ضغط عالي بتشرب قهوة ليه؟ عايز تموت نفسك ولا بتحاول تعمل أيه؟"
"أيه يا رحيم الأوڤر ده؟ مش لدرجة أموت يعني ممكن أفطس منكوا ويغم عليا مثلًا بس مش موت."
"يارب صبرني عالصداقة دي… على فكرة ميرال مش هنا عشان تلحقك، فأنا عن نفسي هسيبك مرمي في الأرض عادي."
قال رحيم بنفاذ صبر متعمدًا إثارة غيظ أنس وبالفعل رمقه الأخير بإزدراء بطرف عيناه قبل أن يسأله بنبرة درامية مُردفًا:
"أيه يا ابني الجحود ده؟ وبعدين حتى لو أنتَ سبتني عارف في كام بنت في الشركة هتيجي تلحقني؟"
"مفيش فايدة فيك بجد! بعيدًا بقى عن الهزار، حضرتك خلص الكوباية اللي في ايدك دي ومش عايز ألمح وشك في ال Hall ‘ردهة’ هنا، روح على مكتبك وبطل استعباط يا أنس أنتَ بقالك مدة بتتهرب من الشغل وأنا سايبك بمزاجي بس مرة كمان يا أنس ومش هسمي عليك وهرفدك."
"لا يا عم وعلى أيه؟ ده الواحد لسه بيبدأ حياته وعايز يفتح بيت."
أردف أنس بنبرة ساخرة ولكن لسبب ما استشعر رحيم لمحة من الجدية في حديثه ليعقد حاجبيه على الفور بينما يسأله مستنكرًا أثناء دخوله إلى مكتبه مُردفًا:
"بيت؟ هي كانت ال Risky message ‘رسالة مُجازفة’ ولا كانت proposal ‘عرض زواج’ ولا حكايتك أيه؟! فهمني!"
"مش عارف بقى…" همس أنس بصوتٍ منخفض وكأنه طفلًا قد تلفظ بكلمة سيئة ويخشى عقاب والدته.
"مش عارف ازاي يعني؟ يا ابني أنتَ عبيط؟ مش أنت اللي باعتلها ال Message ‘رسالة’ أومال مين اللي هيعرف نانا الله يرحمها؟"
"يمكن ليه لا؟"
"طب أمشي من وشي يا أنس دلوقتي."
تمتم رحيم وهو يقذف أنس بإحدى الملفات ليهرول الأخير مبتعدًا عنه متجهًا نحو الباب وقبل أن يُمسك بالنقبض ليقوم بفتحه توقف لبرهة وهو ينظر نحو رحيم بنفاذ صبر بينما يصيح بنبرة طفولية:
"كنت بقولها حقيقة مشاعري ارتحت؟"
"كنت واثق!" صاح رحيم وهو يصفع المكتب بيده بينما يبتسم بإنتصار قبل أن ينظر نحو أنس بفضول شديد في انتظار أن يُريه أنس الرسالة التي أرسلها…
رواية في حي الزمالك الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ايمان عادل
"أنت بتقولها إنك بتحبها!"
"مقولتش حرفي. أنا براوغ بس هي مفهومة..."
"طب اقرأ كده اللي أنت كاتبه."
طلب رحيم من أنس بنفاذ صبر وهو يضغط على أسنانه بغيظ شديد لينظر نحوه أنس بهلع وهو يسأله:
"كله؟"
"أي حتة يا حبيبي اتفضل."
"بقولك أيه يا ميرو هو الجو حر؟ أصلي حاسس أني بدوب فيك..."
قرأ أنس ما أرسله إلى ميرال بخوف تحت نظرات رحيم الحارقة قبل أن يضربه رحيم في كتفه وهو يسأله مستنكرًا:
"طب في حد عاقل يبعت لحد يقوله كده؟"
"اه... أيه المشكلة يعني؟ قولتلها إن أنا بحبها حصل أيه الدنيا خربت مثلًا؟"
"بطل قمص زي العيال الصغيرة واسمع... المشكلة يا أنس إنه مينفعش، وقبل ما تبصلي البصة دي سيبني اشرحلك... ميرال مش من نوع البنات اللي ممكن ترد عليك تقولك إنها كمان بتحبك، ميرال مش من النوع اللي بيحب الملاوعة لو أنت بتحبها فعلًا روحت اطلب ايديها."
كانت وجهة نظر رحيم صادقة وقد راق ما قاله لأنس، فهو على حق لأنه حتى وإن كانت ميرال تهيم به عشقًا فما كانت لتخبره بذلك أو حتى تجيب على حديثه بأنها تحبه هي أيضًا... ابتسم أنس لبرهة قبل أن يطالع رحيم بحماس وهو يتمتم:
"يا ولا يا خبرة أنت! أنا بقول بقى نكلم أفنان تيجي تشوف جوزها اللي عنده خبرة في تفكير البنات وشخصياتهم... وبعدين يعم الذكي ما أنا أكيد نفسي أتجوزها يعني بس الموضوع مش سهل وأنت عارف ده كويس!"
"طبعًا عارف... أنا مريت باللي بتقوله من كام شهر أنا مش جاي من الفضاء يعني."
"أنا وضعي مختلف عنك يا رحيم وظروفي مختلفة وأنت فاهم قصدي أكيد..."
نبس أنس بنبرة تحمل في طياتها الحزن والخذلان... فهو يعلم أن وضعه مقعد لكن في الوقت ذاته هو ليس له أي ذنب فيما حدث فلقد كانت معظم الأحداث مفروضة عليه وليست بأختياره... وضع رحيم يده على كتف أنس بلطف قبل أن يقول بنبرة مستفزة بغرض تشجيعه:
"أنس يا حبيبي، لو فاكر إن حد فينا سليم ومش معقد تبقى مغفل كلنا عندنا عقد بس درجتها بتختلف من شخص للتاني ومن تجربة للتانية."
"بقولك أيه بطل رغي بقى وفكك من التنمية البشرية دي وقولي أنا أعمل أيه في عيشتي؟"
"محتاج تهدأ كده وتاخد وقتك، تكمل علاجك وهي كمان تخلص الجلسات بتاعتها وبعدها تروح زي الشاطر وأنا وبابا في إيدك وعلبة Chocolate 'شيكولاتة' حلوة كده وتطلب ايديها بس كده."
"مش هيوافق... باباها مش هيوافق."
نبس أنس بإندفاع وبنبرة يفوح منها الحزن.
"مش هيوافق ليه؟ ده بيحبك جدًا وأنت بتتعامل معاه بإحترام جدًا على غير العادة يعني."
سخر رحيم من أنس ليقلب الأخير عيناه بتملل ومن ثم يعيد خصلات شعره نحو الخلف بينما يعلق بجدية وحزن قائلًا الآتي:
"هيرفض لما يعرف حقيقتي... لما يعرف كل حاجة عن فريد وعن علاقتي بأنس ومراته!"
"أنس اصحى! أنت أنس... اللي بتتكلم عليه فريد! متأكد أنه بن مش Alcohol؟"
علق رحيم ساخرًا من تلعثم أنس وتبديله للأسماء ليقذفه أنس بعلبة المناديل الورقية وهو يصيح بغيظ:
"خلاص اتلغبطت متبقاش تنح زي نوح كده! اللي اقصده إن مفيش أي واحد عاقل هيرضى يجوزني بنته يا رحيم وأنا مش ناقص إحباط ورفض ووجع قلب اللي فيا مكفيني."
"طب أيه دخل نوح في كلامنا دلوقتي؟ هو ممكن يتردد لكن أظن إنك تقول الحقيقة ومتخبيش حاجة وتعرفه إنك بتحاول تأهل نفسك لتكوين أسرة وتبقى مسئول عن بيت ولو ضبطت نفسك وشغلك الفترة اللي جاية أظن إنك ممكن تكسب Point عنده ولا أنت شايف أيه؟"
"مش عارف... مفيش في إيدي حاجة اعملها غير اللي أنت قولته والدعاء طبعًا..."
"براڤو عليك، ودلوقتي ممكن ندخل الإجتماع حضرتك؟ وأكد عليا هتسافر معايا ولا لا؟"
"هسافر واسيب أروى لمين يعني؟"
"خلاص خليها تيجي معانا أيه المشكلة يعني؟"
اقترح رحيم حلًا على أنس ليومئ الأخير قبل أن يعلق بنبرة استفزازية:
"طيب يلا بطل لكاعة بقى أنت بتعطلنا على فكرة، مش طريقة شغل دي ابدًا."
"يارب ارحمني... I don’t wanna go to the jail 'لا أريد الذهاب إلى السجن' ولو روحت ميبقاش بسبب أنس يعني!"
تمتم رحيم بسخرية وهو يتحدث من بين أسنانه قبل أن يستقيم من مقعده ويسحب أنس من ذراعه كما تسحب الأطفال نحو الخارج ليتجه كلاهما إلى قاعة الإجتماعات.
بعد مرور شهر ونصف كان رحيم يجلس برفقة أفنان ليلًا داخل الشرفة بعد أن تناول الغداء برفقة والديها، اسند رحيم رأسه على الكرسي بينما يرتشف من كوب الشاي الذي أعدته والدة أفنان وقد أضافت إليه ثلاثة أعواد من النعناع الطازج، بدت على ملامح وجه رحيم سعادة وارتخاء لم تراهم أفنان من قبل لتنظر نحوه وهي تبتسم بينما تعلق بلطف قائلة:
"مالك يا رحيم؟ أيه الإنبساط ده أول مرة تشرب شاي ولا أيه؟"
"لا مش أول مرة طبعًا، بس أنا طول عمري بشرب قهوة على عكس معظم الناس في England 'انجلترا' ممكن أكون شربته مرتين تلاتة تقريبًا بس أول مرة أشربه وهو محطوط عليه Fresh mintss 'نعناع طازج'."
أجاب رحيم على سؤال أفنان ومازالت تعابير السعادة بادية على وجهه لتضحك أفنان ضحكة مكتومة قبل أن تعقب على جملته ساخرة:
"فريش مينتس؟ يااه مع إن الواحد كان فاكره نعناع بلدي عادي يعني."
"دمك خفيف أوي، بقولك أيه ما تيجي معايا بكرة البيت بتاعنا عشان تشوفي آخر التطورات وكده."
"اه يا قليل الأدب! عايز تاخدني البيت لوحدنا يا رحيم أنت اتجننت!!"
صاحت أفنان بصوت مرتفع ونبرة درامية ليضع رحيم أحدى قطع الكعك في فمها كي تصمت بينما يردف بنبرة أقرب إلى الهمس:
"صه!"
بس هتفضحيني هو أنت دايمًا عندك سوء ظن كده؟ وبعدين عادي نروح لوحدنا أحنا متجوزين.
وعالعموم خلاص هاتي ميرال معاكي لو عايزة. أظن كده تمام ولا إيه؟
"اه طبعًا اجيب ميرال عشان تجيب الواد الصايع صاحبك وتشربونا حاجة أنا والبت الغلبانة. لا يا أستاذ رحيم أنت فاهمني غلط خالص!"
"أنا حاسس إن اتضحك عليا في الجوازة دي بجد. لا اتدبست حقيقي…"
نبس رحيم من بين أسنانه وهو يحك ذقنه بواسطة سبابته.
سمعت أفنان ما قاله لترفع إحدى حاجبيها وهي تسأله بنبرة تحذيرية:
"بتقول حاجة يا حبيبي؟"
"لا بكح… بقولك إيه بصي كده على صور الـ Hotel اللي بعتهالك عالواتساب عايز اعرف رأيك. مش عايزين نأخر حجز الفرح."
"من دلوقتي؟ مش لسه بدري شوية ولا إيه؟"
"الفنادق الكبيرة بتكون محجوزة طول السنة تقريبًا وعشان نعرف نحجز هيطلع عينا فلازم نحاول ننجز. عمومًا لما بابي يرجع من السفر هنعمل قاعدة عائلية معاكوا كده ونختار يوم الفرح."
"اتفقنا. وأنا برضوا هحاول أعرف كده من الدكاترة في الكلية الترم التاني ممكن يخلص على أمتى عشان منحجزش الفرح ويطلع عندي تاني يوم امتحان كيمياء ولا ميكرو مثلًا."
"لا لا متقلقيش هعمل حسابي يا حبيبي."
أومئت أفنان وهي تبتسم قبل أن يسود الصمت لبرهة بينما يكمل رحيم كوب الشاي خاصته.
قطع الصمت فجأة صوت رحيم وقد اختلط صوته بخاصة أفنان بينما يردف كلاهما في اللحظة ذاتها:
"عايز أقولك على حاجة"
قهقه كلاهما بقوة قبل أن يعلق كلاهما في الثانية ذاتها مجددًا قائلين:
"قول أنت الأول…"
"قولي أنت الأول…"
ضحك كلاهما مرة آخرى قبل أن تشير أفنان نحوه بأن يصمت قبل أن تعلق هي بمزيج من الجدية والسخرية:
"لا لا، بص رحيم قول أنت الأول ماشي؟"
"لا ladies first 'السيدات أولًا' قولي يلا."
نبس رحيم وساد الصمت لثوان. وكادت أفنان أن تتفوه بجملتها وفعل رحيم المثل لتختلط جملة كلًا منهما مع الآخر. وكان ما قيل كالتالي:
"نوح بعتلي Message 'رسالة'."
"أنا قابلت طنط إيڤيلين مامتك!"
"أيه؟!"
"أيه أنت؟!"
"ثواني بس… مامي؟ أنت شوفتي مامي واتكلمت معاها أمتى ومقولتليش ليه؟ وقولتلوا ايه؟"
سأل رحيم عدة اسئلة في دقيقة واحدة وكانت نبرته مزيج من الإستياء والقلق في الوقت ذاته فهو يعرف كيف تدير والدته الحوار.
"ثواني بس… أنا مش هينفع أقولك أتكلمنا في إيه لأنه سر… بس أحنا اتقابلنا من شهر تقريبًا وأنا فضلت مترددة أقولك ولا لا عشان الحوار اللي حصل بينا يعني كان سر وهي أكيد مكنتش عايزاك تعرف. المهم بإختصار أنا وهي لاقينا طريقة نتفاهم بيها."
"تمام جميل… أتمنى بس إن هي متكونش زعلتك ولا أنت زعلتيها… خلاص أنا مش هضغط عليكي عشان تحكي بس أنا مبسوط إنك عرفتيني حتى لو متأخر شوية يعني."
"أنا كمان مبسوطة إنك قولتلي على موضوع نوح. بس ثواني فين المسدچ بقى وريني؟"
"تعالي."
قال رحيم لتقوم أفنان بتحريك الكرسي خاصتها بحيث تقترب أكثر من رحيم وتجلس إلى جانبه وهي تأخذ هاتفه لتقرأ ما قاله نوح بينما تنبس:
"أنا مش فاهمة هو لسه ليه عين يتكلم؟"
"أفي Never judge a book by its cover 'لا تحكمي على الكتاب من غلافه' كملي الكلام للآخر وتجاهلي العبث اللي في الأول ده."
"حاضر. لما نشوف."
تمتمت أفنان بصوت منخفض بينما تعاود قراءة الرسالة ومن ثم رفعت رأسها لتواجه رحيم بينما تطلعه بحيرة والتي كان سببها ما قاله نوح. لم يهتم رحيم كثيرًا بردة فعلها أو بتعليقها على الرسالة لأنه في تلك الأثناء كان قد غاص في جمال عيناها وقد ثمل من فرط حبه لها. ابتسم ابتسامة جانبية صغيرة ثم أردف بنبرة يفوح منها الحب:
"أنت عارفة إنك أجمل بنت شوفتها في حياتي؟ لحد النهاردة مش عارف أنا عملت إيه حلو في حياتي عشان استحق إنك تكوني من نصيبي…"
صبغ وجه أفنان بالحمرة وارتجفت أناملها على الفور قبل أن تضطرب معالم وجهها ومن ثم تنبس بالآتي:
"أنا… هقوم بقى… ماما بتنده عليا تقريبًا…"
ضحك رحيم بصوت عالٍ بينما يراقب أفنان التي تغادر كرسيها بتوتر واضح حتى كادت أن تسقط بالقرب منه لولا أن أمسك بيدها وذراعها ليساعدها على إعادة توازنها وبمجرد أن فعل هربت هي نحو الداخل بحثًا عن والدتها.
في تلك الأثناء كانت ميرال تجلس داخل حجرتها تشاهد إحدى الأفلام الرومانسية الكئيبة القديمة في زمن ما قبل إنتاج الأفلام الملونة حيث كانت فقط باللونين الأبيض والأسود. قاطع مشاهدتها صوت إشعار من هاتفها معلنًا عن وصول رسالة جديدة وكانت من رقم تعرفه ميرال عز المعرفة بالرغم من أنها قد حذفت سابقًا اسم صاحب الرقم. وقد كانت الرسالة كالتالي:
"ميرال أنا عارف إنها حركة سخيفة إني أقولك اللي عايز اقوله في رسالة مش في مكالمة… أنا بس كنت عايز أقولك أسف. أسف على كل حاجة وحشة وكل وجع سببته ليكي… أسف أني كنت أخ ندل. قريب بشع وخطيب سيء… عارف إن الأسف ملوش أي معنى دلوقتي بس أنا مفيش في ايدي حاجة تانية أعملها… أنا حتى معنديش الجراءة إني أكلمك وأقولك الكلمتين دول… المهم أنا بدأت اتابع مع دكتور وطلعت انسان مريض فعلاً زي ما أفنان قالت. نرجسي. مغرور وأناني… كل ده مش مهم دلوقتي المهم إنك لازم تعرفي إني فعلاً حبيتك ولكن أدركت ده متأخر جدًا بعد ما خسرتك…
عالعموم أنا هناقش الماچيستير بتاعي الأسبوع اللي جاي وأتمنى أني أشوفك في الحفلة وأحس بوجودك جنبي… وده هيكون آخر طلب اطلبه منك في حياتي أوعدك…"
نوح… (في حالة إنك مسحتي رقمي…)
طالعت ميرال الهاتف بصدمة وقد شعرت بعقلها قد توقف عن العمل لمدة من الزمن. نوح يحاول مجددًا التحدث إليها… يعتذر منها مرة آخرى… يخبرها بأنه ذهب للمتابعة مع طبيب نفسي… وفي النهاية يدعوها إلى حفل مناقشته للدراسات العليا!
هل يحاول استدراجها واستعطافها بتلك الطريقة؟ هل يستخدم المشاعر والعواطف لأنه يعلم أنها نقطة ضعف ميرال على عكس أفنان… أم أنه يشعر بالذنب تجاهها بحق؟ هل هو يشتاق إليها ويحبها حبًا حقيقيًا أم أنه يفكر على هذا النحو لأنه قد فقدها؟
لم تدرك ميرال كيف مر الأسبوع بهذه السرعة ووجدت نفسها في موضع اتخاذ القرار. هل تذهب إلى حفل نوح لتوديعه وحذف كل شيء يتعلق به من ذاكرتها وقلبها، أم تأخذ قرار بعدم الذهاب لتتجنب رؤيته كي لا تشعر بالحنين أو بالآسى من أجله.
لم تصل إلى قرار ولم يكن بإمكانها أن تسأل أي شخص عن ذلك، فهي لم تخبر أحداً قط بشأن تلك الرسالة. حتى شقيقتها الوحيدة لم تكن على علم بتلك الرسالة. في نهاية المطاف قررت أن تسأل الطبيبة مسك عن رأيها في ميعاد الجلسة، والتي تسبق الحفل بيوم واحد.
"مساء الخير يا دكتورة."
"مساء الخير يا ميرال اتفضلي. إيه الإبتسامة الجميلة دي، شكلك مبسوطة."
"اه الحمدلله أنا كويسة ربنا يخليكي. هو بس في حاجة صغيرة كده حصلت، بس غير كده أنا كويسة."
"خير إن شاء الله. احكيلي. حاجة ليها علاقة بأنس ولا إيه؟"
سألت الطبيبة بنبرتها اللطيفة المعتادة، وكانت ميرال تستمع بهدوء. ولكن بمجرد ذكر اسم أنس، انفعلت ميرال قليلاً وهي تنفي حديث الطبيبة عن أنس، فهو ليس بالشخص الذي قد يقوم بجرحها قط.
"أنس؟ لا لا أنس عمره ما يعمل حاجة تزعلني. ده نوح. نوح بعتلي رسالة، عايزني أروح أحضر مناقشة الماجيستير بتاعته."
"طيب وأنتِ حسيتي بإيه لما وصلتك المسدج؟ يعني فكرتي في إيه؟ قررتِ إيه؟"
"أنا اتخضيت طبعاً اتصدمت. حسيت بمشاعر متضاربة طبعاً، بس المشاعر دي مفهاش أي حب أو حنين. أنا بس كنت بفكر إني أروح أودعه. أشوفه لآخر مرة كشخص كنت مرتبطة بيه ورسمة حياتي معاه، ومن بعدها هيبقى ابن خالتي وبس."
"يعني أخدتي قرارك خلاص؟"
"لا برضوا. ما أنا بفكر برضوا في إني مروحش وأتجنب إني أشوفه أصلاً. مش عايزة أديله أمل كداب إننا ممكن نرجع، وده استحالة يحصل."
"بصي يا ميرال أنا مش هقدر أقولك تعملي إيه ومتعمليش إيه. في النهاية ده قرارك. لكن اللي أقدر أقوله من كلامك ومن الجلسات الأخيرة إنك خلاص تخطيتي نوح. مبقاش ليه وجود جوا قلبك ولا عقلك. أنتِ كل الحكاية إنك كنتِ متعودة على وجوده وإنه جزء من حياتك، وكنتِ دايمًا بتراعي مشاعره، فكونك مش عايزة تروحي محسسك بالذنب شوية من ناحيته."
"كلامك مضبوط. هو فعلًا نوح مبقاش فارق معايا بنفس الصورة بتاعت زمان، وعادي جدًا قدرت أعيش حياتي من غيره، وأنا اللي كنت ساذجة وفاكرة إني هموت لو بعد عني. ومش بس كده. ده كمان يعني. بقيت قادرة أتخيل حياتي مع شخص تاني."
أعلنت ميرال وأنهت جملتها بنبرة خجولة وحالمة، بينما تعبث في أصابع يدها. لم يكن صعبًا على مسك تخمين هوية الشخص الذي تقصده ميرال، فمن عساه يكون غير.
"هو أنس بقى كويس؟" سألت ميرال لتتسع ابتسامة مسك وتأخذ نفس عميق قبل أن تجيبها بلطف قائلة:
"أنتِ عارفة إن مينفعش أقولك حاجة زي كده صح؟ بس مع ذلك بتسألي برضوا."
"أنا مش عايزة تفاصيل عن حالته. أنا بس عايزة أطمن إنه بيتحسن وقرب يوصل."
"بيتحسن يا ميرال وقرب يوصل، متقلقيش."
أكتفت الطبيبة بهذه الجملة البسيطة بحيث لا تفصح عن أي شيء يخص أنس، وفي الوقت ذاته تطمئن قلب ميرال الذي كان من الواضح أنه بدأ يميل إلى أنس وبصورة واضحة.
"الحمدلله. شكرًا بجد. اه هو ينفع أحكيلك حاجة كمان حصلت ملغبطاني خالص؟ ليها علاقة بالشغل يعني وكده."
"اتفضلي أنا سمعاكي."
أردفت الطبيبة بلطف لتبدأ ميرال في سرد ما يجول في خاطرها. وبعد نصف ساعة كانت الجلسة قد انتهت بالفعل، وحينما كانت ميرال على وشك الرحيل توقفت لتسأل الطبيبة عن موعد الجلسة القادمة.
"الجلسة اللي جايه هتبقى كمان شهر برضوا؟ ولا أسبوعين زي الأول؟"
"خلاص يا ميرال، مبقاش في جلسات تاني. أنا شايفة إنك اتحسنت جدًا واتخطيت التجربة اللي كانت عامالك مشكلة، وقدرتي تفهمي نفسك أكتر وتصححي وجهة نظرك في حاجات كتير."
"بجد؟ يعني خلاص كده؟ بس. يعني مش هشوف حضرتك تاني؟ ده أنا اعتبرت إنك صاحبتي."
كانت ميرال تتحدث بعاطفة شديدة والحزن قد احتل مكانًا داخل عينيها. وبالرغم من أنها سعيدة بإنتهاء الجلسات والشفاء، إلا أنها اعتبرت مسك صديقة لها في الآونة الأخيرة، فهي تعلم كل شيء تقريبًا عن ميرال، وهي كذلك مستمعة جيدة بحكم طبيعة عملها بالطبع.
"بصي ده رقمي الشخصي، تقدري تكلميني في أي وقت. وبرضوا معاكي رقم العيادة لو حسيتِ في أي وقت إنك مش كويسة تعالي."
أومأت ميرال بسعادة شديدة قبل أن تودع الطبيبة وتتجه نحو الخارج لتصطدم بأنس الذي كان على وشك اقتحام المكتب. بتلقائية شديدة ابتعدت ميرال على الفور وهي تضع حقيبتها كحاجز بينها وبين الجسد الذي اصطدمت به، والتي لم تكن تدرك أن صاحبه هو أنس.
"يا نهار أبيض. حقك عليا يا ميرال أنا مخدتش بالي بجد. أنا متأسف جدًا."
اعتذر أنس بتلعثم شديد وهو يسب نفسه داخليًا، فهو حقًا لم يتعمد فعل ذلك. كما أنه خشي أن يترك ذلك الموقف الصغير الغير مقصود صورة سلبية لدى ميرال حول أنس. حاولت ميرال إنهاء الموقف سريعًا وقد قبلت اعتذار أنس وهي تردف:
"حصل خير. أبقى بس خلي بالك وبص قدامك وأنت ماشي بعد كده."
"حاضر بس أنا والله مكنتش قاصد بجد."
"خلاص حصل خير أنا مصدقاك من غير حلفان. عن إذنك بقى عشان لازم أمشي."
"طب استني ثواني هطلبلك عربية توصلك."
"مفيش داعي صدقني."
"عشان تطلعي من هنا على الشارع هتمشي حتة كبيرة والمنطقة هنا هادية. أديني دقيقة واحدة وياستي ولا هكلمك ولا هزر معاكي."
أصر أنس على عرضه وما كان لميرال غير أن توافق. أومئت له بإستسلام وذهبت للجلوس على أحد الكراسي وهي تتحاشى النظر نحوه بل وتحاول إقناع ذاتها بأنه ليس موجودًا على الإطلاق، لكن رائحة عطره الثقيلة لم تساعدها على ذلك. مرت ثلاثة دقائق قبل أن يشير إليها أنس بالذهاب.
اصطحبها أنس إلى الخارج وتأكد من ركوبها السيارة بأمان قبل أن يعود نحو الداخل كي يبدأ جلسته مع الطبيبة، والتي كان عقله نصف شارد خلالها، فلقد كان يتابع الخريطة من الحين للآخر في التطبيق ليرى كم من الوقت تبقى كي تصل ميرال إلى المنزل.
وبعد مدة ليست بطويلة توقفت السيارة أمام المنزل، وحينما سألت ميرال السائق عن ثمن الرحلة أخبرها بأنه تم دفع الحساب من خلال البطاقة الائتمانية المسجلة على حساب أنس على التطبيق. شكرت ميرال السائق وغادرت السيارة وهي تبتسم ابتسامة لطيفة وهي تسترجع كل ما حدث بينها وبين أنس قبل قليل.
في صباح اليوم الموعود، يوم المناقشة. استيقظت ميرال باكرًا في ذلك اليوم واستعدت إلى الذهاب لعملها وقد قامت بإختيار ثوب مناسب، فستانًا باللون الأسود ومن الأعلى وشاح بألوان زاهية متداخلة ومتناسقة. وعلى عكس العادة وضعت ميرال بعضًا من مساحيق التجميل على غير العادة. ألقت نظرة أخيرة على مظهرها في المرآة قبل أن ترحل متجهة إلى مقر عملها دون أن تخبر أحدًا بوجهتها بعد ذلك.
في تمام الثالثة والنصف كانت ميرال داخل مقر كلية الصيدلة وهي تبحث عن القاعة المنشودة. سألت أحد العاملين وقد أرشدها إلى المكان. كانت المناقشة على وشك البدء وقد اتخذ الجميع أماكنهم، بينما وقفت ميرال بحيرة لا تدرك أين تجلس. في النهاية قررت الجلوس في آخر القاعة كي لا يراها نوح.
مر الوقت ببطء شديد بينما كانت ميرال تستمع إلى ما يحدث من عرض ومناقشات، فهي لم تحب قط أي شيء يتعلق بالكيمياء. بالإضافة إلا أن مجال دراستها وعملها يبعد كل البعد عن ما يتم عرضه الآن. بعد مرور فترة زمنية لم تستطع ميرال تقديرها انتهى نوح من المناقشة وتم قبول الرسالة خاصته، لتستقيم ميرال من مقعدها مع ابتسامة واسعة.
أخذت ميرال تسير نحو الخارج، وبالقرب من باب القاعة في نهاية المكان وقفت ميرال وهي تصفق بحرارة كسائر الحاضرين، عدا أنها كانت تختلف عنهم في أن عيناها لمعت بدموع لم تدر هي سببها. رمقته ميرال مع ابتسامة متألمة.
تأملت ملامحه التي أحبتها لسنوات وأخذت تبتسم على حركاته العفوية التي اعتادت أن تراقبه وهو يفعل، قبل أن تتنهد تنهيدة قوية تنم عن ألم دفين داخلها، قبل أن تردف أخيرًا بصوت يكاد يكون مسموع ومع ابتسامة صغيرة:
"مع السلامة يا نوح."
ومع انتهاء جملتها تلك استدارت لتغادر القاعة، وقد أدركت الآن وفقط الآن أنها لم تعد تكن أي مشاعر تجاه نوح، وقد أغلقت تلك الصفحة من كتاب حياتها، بل وقامت بحرقها ونثر رمادها بعيدًا عنها.
غادرت ميرال القاعة متوجهة نحو الخارج لتلفحها نسمات هواء باردة، بالرغم من أن الوقت مازال مبكرًا نسبيًا، إلا أن برد الشتاء لا يميز بين النهار والليل. ارتجف جسدها وبصورة تلقائية وجدت نفسها تحيط نفسها بذراعيها علها تحصل على بعض الدفء. وقبل أن تخطو خطوة واحدة مبتعدة عن الأرصفة وجدت سيارة تتجه نحوها بجنون وقد توقفت أمامها تمامًا.
شهقت برعب وكادت أن تسب السائق، ولكنه قام بفتح الباب على الفور. وقد ظنت ميرال أنه سيعتذر لها بلا شك، لكنه لم يفعل بل قال الآتي:
"الجميل مش عايز توصيله؟ لو وافقتي في Offer 'عرض' توصيله وكوباية Hot chocolate 'كاكاو ساخن' والچاكيت بتاعي عشان بالوضع ده هتاخدي دور برد."
"أنس!"
"عيون أنس. يلا خدي عشان تعرفي إن أنا Gentle man 'رجل نبيل' بس."
تمتم أنس وهو يغمز بإحدى عينيه بينما يعيد خصلات شعره نحو الخلف. عقدت ميرال حاجبيها وعبس وجهها بينما تسأل مستنكرة:
"أنتِ بتعمل إيه هنا؟ أنا. أحنا مينفعش نتكلم أنا قولتلك قبل كده."
"ها؟ بتكلميني أنا؟ أيه ده ازيك عاملة إيه يا ميرال؟ معلش مشوفتكيش خالص."
"نعم؟ أنتِ بتقول أيه؟ بطل استعباط يا أنس!"
"أنا بتكلم في ال Airpods 'سماعة لا سلكية' يا بنتي!"
بكلم رحيم.
"بتقول لرحيم الجميل عايز توصيلة؟ وبتكلمه بصيغة المؤنث؟!"
سألت ميرال بتعابير وجه مضطربة والحيرة ظاهرة في نبرتها. انتبه أنس لمدى حمق ما قاله.
"عيد تكوين جملته بطريقة صحيحة هذا المرة قائلاً:
"ها لا لا، أنا بكلم أروى... مقولتش رحيم أنت اللي قولتي رحيم."
"يا سلام، عايز أيه يا أنس؟"
"رحيم كلمني وقالي اجيله واستنى هنا بالعربية عشان هاخده مشوار هو وأفنان."
"رحيم وأفنان هنا؟!!" سألت ميرال بصدمة وعدم استيعاب وهي تلتفت نحو مدخل القاعة ليومئ أنس ثم يخبِرها الآتي:
"كانوا بيحضروا مناقشة ماچيستير دكتور نوح كله، طيب هما الإتنين دكاترة صيدلانين وممكن يحبوا يسمعوا الرغي اللي بيتقال جوا ده، أنت أيه اللي جابك هنا مش قادر افهم؟!"
سأل أنس بنبرة تجمع بين المزاح والحنق. كان وجهه ممتعضاً وقد فاحت رائحة الغيرة منه. ضحكت ميرال تلقائياً على حديثه وقد وصلها شعوره، لكن ضحكتها تلك جعلت أنس يستاء لذا زم شفتيه لثانية قبل أن يتمتم بضيق:
"أنا بسأل سؤال مقولتش نكتة على فكرة."
"طب هو أنتوا رايحين فين؟" سألت ميرال في محاولة منها لتغير الموضوع كي يزول غضب أنس، لكن جملتها بطريقة ما زادت من استياءه حيث قال مستنكراً وبتعابير وجه ممتعضة:
"أنتوا اسمها أحنا... ولا هنسيبك لقيطة هنا ولا أيه؟ مش عايزة تيجي معانا خلاص أحسن."
"لحظة واحدة براحة! أديني فرصة طيب."
"النهاردة يا ستي عيد ميلاد أروى وأحنا خارجين نتعشى كلنا برا مع بعض وأنتِ معزومة طبعاً."
"طيب هي أروى هتتبسط لما تشوفني يعني؟"
"هو في حد عاقل مش هيتبسط لما يشوفك؟ وبعدين هي بتحبك... كلنا كلنا بنحبك."
أجابها أنس بتلقائية ومن ثم أدرك ما قاله لذا تلعثم قليلاً ومن ثم أشاح بنظره بعيداً عنها وشرع يبحث عن علبة السجائر في أحد جيوبه، ولكن توقف عندما خطر على باله أن ميرال ستشعر بالضيق من كونه مدخناً لذا تخلى عن الفكرة.
"أنا كمان بحبها أوي... بس مش كنت قولت على موضوع العيد ميلاد ده عشان أجي بحاجة شيك؟"
"أشيك من كده؟ لا ده كده زي الفل أوي، ولو قصدك على ميكب أب يعني أو كده فصدقيني شكلك كده أحلى."
أردف أنس بنبرة لطيفة وهو يتأمل ملامح ميرال، لتحمحم الأخيرة بخجل شديد ثم تسأل الآتي في محاولة منها للهرب مما قاله:
"هو أفنان ورحيم اتأخروا ليه؟ ممكن ترن عليهم؟"
"بتتهربي من الكلام معايا يعني؟"
"أنتِ عارف إن كلامنا غلط وبتكابر."
"عندك حق، بس أنا ناوي اخليه صح قريب إن شاء الله." نبس أنس وهو يغمز بإحدى عيناه قبل أن يبتسم كلاهما في توتر.
"أهم جم أهم."
"يا أهلًا وسهلًا بميرال هانم اللي جاية المناقشة في الخباثة من غير ما تقول."
"طب ما أنت كمان مقولتيش!"
"يا ست المناقشة في كليتنا وحاجة ليها علاقة بدراستي واللي بيناقش ابن خالتي وفي كذا حد مم الدفعة حضر أصلاً فوجودي منطقي نسبياً، لكن أنتِ أيه بقى؟"
"بقول أيه كملوا خناق في العربية عشان أروى لوحدها في الكافية بدل ما حد يضايقها واضطر أني أدغدغ الكافية على دماغه وكده."
تحدث أنس بنبرة مزيج من الجدية والمزاح. قهقه ثلاثتهم وهو يدلفون إلى السيارة، بينما وقف أنس لثوانٍ يستنشق بعض الهواء. وفي تلك اللحظة وفور انتهاء نوح من المناقشة هرول نحو الخارج بحثاً عن ميرال، والتي لمح طيفها أثناء تحدثه، وحينما وصل إليها بالفعل وجدها تدلف إلى داخل سيارة أنس الفاخرة برفقة رحيم وأفنان.
اقترب بضع خطوات ليجد ميرال وقد زين وجهها الذي أحبه ابتسامتها، والتي ليست مميزة ولكنها دافئة، حنونة تبعث الإطمئنان والسعادة في النفس. تنهد نوح بإنكسار وهو يحاول ابتلاع الغصة التي في حلقة والوغز في قلبه، وقد أدرك أنه قد خسرها، خسرها للأبد. وليست الخسارة وحدها ما يؤلمه، بل كونه واثقاً بأن هناك شخصاً آخر جدير بها على وشك الحصول عليها.
رأه أنس وقد أدرك نوح ذلك. رمقه أنس بإبتسامة جانبية صغيرة واثقة ونظرات تفصح عن الثقة، فأنس هو من فاز في نهاية المطاف. كان نوح يطالعه بإشمئزاز وغضب.
"يلا يا أنس هنتأخر على أروى."
"حاضر يا ميرال."
تمتم أنس بصوت مرتفع متعمدًا أن تخترق جملته أذن ميرال. رمق أنس نوح للمرة الأخيرة بإزدراء قبل أن يدلف داخل السيارة، وبمجرد أن انطلق أنس سألت ميرال بفضول واستياء شديد أفنان الجالسة إلى جانبها قائلة:
"أنا عايزة أعرف أنتِ جيتي ليه؟ ورحيم كمان؟"
"المفروض أنا اللي اسأل السؤال ده! أيه اللي جابك أصلاً؟ مش قادرة افهم."
"والله أنا اللي مش فاهم أنتوا التلاتة أيه اللي وداكوا تحضروا مناقشة الواد السمج ده؟!"
"نوح بعت مسدچ لرحيم طلب منه إننا نحضر، واعتذر عن اللي حصل، هو برضوا عك شوية في الكلام في الأول بس في النهاية يعني عزمنا عالمناقشة النهاردة وبما إننا دكاترة أصلاً جينا، حضرتك بقى بتعملي دبلومة في الصيدلة ولا أيه؟"
"نوح بعتلي أنا كمان، طلب مني إن أنا أجي وطلب السماح، وأنا جيت عشان يعني، تبقى آخر مرة أشوفه فيها من منطلق نوح اللي كنت بحبه من النهاردة مبقاش في غير نوح ابن خالتي وعلاقتنا رسمية وبس، ممكن بقى نغير الموضوع؟"
كان أنس عاقداً حاجبيه وهو يزفر بضيق بينما يستمع إلى الشق الأول من حديث ميرال، لكن حينما أنهت حديثها وقد فهم أنها أخيراً قد تجاوزت نوح وللأبد ابتسم تلقائياً ابتسامة واسعة ليرمقه رحيم بطرف عيناه قبل أن يبتسم ابتسامة جانبية.
"بقولكوا أيه هو كله جاب هدية لأروى طبعاً عشان عارفين أنه عيد ميلادها وأنا مكنتش أعرف ومجبتش حاجة، شكلي هيبقى أيه دلوقتي؟"
"متشغليش بالك أنا عامل حسابي."
"عامل حسابك ازاي يعني؟ فاتح محل هدايا في جيب البنطلون؟"
"لا في كم الچاكيته يا ظريفة، وبعدين أنا وجهتلك كلام أساساً يا حشاشية أنتِ! أنا بكلم ميرال."
"أنس كلم أفنان عدل!"
"وأنتِ خفي على أنس شوية في أيه؟"
"يسلم فمك يا ميرال يا بنتي."
"بنتك؟ Daughter zone؟
جديدة دي ولا creepy غريبة كمان. علق رحيم ساخرًا ليطالعه أنس بازدراء قبل أن ينظر إلى ميرال في المرآة ويتابع حديثه قائلًا:
"بصي أنا جبت هدية عارف إن أروى بتحبها وهي حاجة مش مكلفة أوي يعني وجبتها على اسمك ونبقى نتحاسب بطريقتنا أنا وأنت بعدين."
"إحنا كده هنصفي حسابنا عالمعاش بقى."
"معاش ده القلب عمره ما عاش قبل ما يقابل الوش السمّح ده. عالعموم ياستي أحنا ورانا إيه؟ مفيش بين الخيرين حساب."
"لا وأنت ذوق أوي ياض. وبعدين خف نحنحة ما أختي يا إما هتلاقي حتة قلم يا أنس من حيث لا تدري ولو مش مصدق اسأل نوح."
"لا ثواني كده… أنت ضربتي نوح قبل كده؟"
"آه مرتين ليه؟"
"ما شاء الله. الواد متعلم عليه من كل الناس مفيش كده بجد… كرامته في اللا لا لاند."
سخر أنس وهو يضحك لتضحك معه أفنان بينما امتعض وجه ميرال من حديثهم المستمر حول نوح، ولم يكن سبب ضيقها أنها لا تريد منهم أن يذكروه بالسوء بل لأنها لا تريد سماع اسمه أو أي شيء يتعلق به مجددًا.
"يا جماعة من فضلكوا قولت نغير السيرة دي." طلبت منهم ميرال ليومئ أفنان وأنس ويسود الصمت لثوانٍ قبل أن يقوم أنس بتشغيل أغنية رومانسية قديمة للعندليب بينما يطالع ميرال من خلال انعكاس المرآة من وقت لآخر.
بعد أربعون دقيقة تقريبًا توقفت السيارة أمام مطعم ومقهى فاخر في منطقة 'مصر الجديدة'. ترجل الجميع من السيارة وهو يحضرون الهدايا خاصتهم من صندوق السيارة، بينما وقفت ميرال تتابعهم بضيق لأنها لم تبتاع شيئًا من أجل أروى.
"بصي يا ميرال دي سلسلة فضة مكتوب عليها اسم أروى بالحروف الفرعوني. هي مهووسة بالحاجات دي وأي حاجة ليها علاقة بالآثار أو الحاجات الشعبية مثلها وكده فالسلسلة دي هتعجبها جدًا ومتقلقيش هقولك تمنها وهاخده منك."
"خلاص اتفقنا… شكرًا أوي إنك فكرت في الموضوع ده وافتكرت يعني أني مجبتش حاجة وكده يعني…"
"ده أنا اللي لازم أشكرك إنك جيتي معايا… قصدي يعني أروى هتتبسط أوي هي بتحبك جدًا."
"مش يلا ندخل؟ الجو… الجو برد."
همست ميرال وهي تنسحب مبتعدة عن أنس دون أن تعلق على ما قاله، ليبتسم هو ابتسامة جانبية ثم يتبعها نحو الداخل. كانت أروى تجلس على طاولة في أحد الأركان وهي ترتدي فستانها باللون الأخضر الداكن وتعبث في خصلات شعرها بتملل وهي تشاهد بعد حالات أصدقائها من الخارج.
"مفاجأة 'Surprise'." صاح أنس وهو يقترب من الطاولة حيث تجلس أروى والتي انتفضت عندما سمعت صوته. وقبل أن تدرك ما يحدث، قام أنس ورحيم باستخدام زينة عيد الميلاد التي تنفجر مسببة تناثر أشرطة قصيرة ملونة في كل مكان.
"أروى القمر كل سنة وأنتِ طيبة."
تمتمت أفنان وهي تأخذ أروى في عناق لطيف، ومن ثم تبعتها ميرال التي فعلت المثل، لتردف أروى بسعادة غامرة:
"إيه ده وميرال كمان؟ شكرًا بجد. You all really made my day 'لقد جعلتوا يومي سعيدًا/ أسعدتم يومي حقًا'."
"طب مفيش حضن لأخوكي حبيبك اللي كلف ولم الناس دي وكده؟"
"أحلى حضن في الدنيا لأحلى أخ صغير شقي."
بعد أن فصل أنس العناق، أشار للنادل بيده بأن يحضر قالب الكعك والذي كان متوسط الحجم وقد وضع عليه صورة قديمة تعود إلى وقت طفولة أنس وأروى، حيث كان يقف إلى جانبها وهو يحتضنها على أحد شواطئ إنجلترا وكان عمرهم في ذلك الوقت يتراوح بين الخامسة والثامنة تقريبًا، فأنس لا يذكر أعمارهم بالتحديد في ذلك الوقت.
"يا إلهي هذا لطيف للغاية 'Omg this is so cute'. شكرًا بجد يا أنس."
"أي خدمة ياستي. هخليهم يشيلوها دلوقتي نتعشى الأول وبعدين نجيبها عشان نغني وتتمني أمنية والحاجات دي."
"تمام اتفقنا."
بعد نصف ساعة تقريبًا جلس جميعهم يثرثرون في مواضيع عشوائية وسط صوت ضحكاتهم الساخرة وصخب أنس المعتاد. لكن ميرال كانت تختلف عنهم قليلًا، فقد جلست في هدوء شديد… هدوء يزيد عن هدوئها المعتاد. لاحظ الجميع ذلك لكن لم يعلق أحد حتى فعلت أروى.
"مالك يا ميرال زعلانة ليه؟" سألت أروى باهتمام شديد وهي تضع يدها على كتف ميرال بلطف، ليبتسم أنس تلقائيًا من حركتها اللطيفة تلك. ابتسمت ميرال ابتسامة صغيرة مشوبة بالحزن وهي تجيبها قائلة:
"مفيش حاجة مشا مشاكل في الشغل بس…"
"ليه بس حصل إيه؟"
"كان في مشكلة في الشغل والمدير اتخانق معانا كلنا وشبه هزقنا يعني وفي الآخر قال إنه هيضطر يمشي ناس مننا ولسه مش عارفين مين اللي هيمشي…"
أفصحت ميرال عن سبب حزنها لتضطرب معالم أنس على الفور قبل أن يصفع الطاولة بيده وهو يسأل بغضب حقيقي:
"ده مين الحيوان ده؟ يهزق مين ده عبيط ده ولا إيه؟ أديني اسم الشركة واسم مديرك ده وأنا هفرجه ومتشيليش أي هم أنا هشوفلك شغل في شركة تانية."
"مفيش داعي صدقني… خلاص متعصبش نفسك أنت تعبان. أنا خلاص مش زعلانة أصلًا وهشوف شغل في مكان تاني."
"وأنا مش هتهد بقى غير لما أخليه يعتذرلك أنتِ وزمايلك وبعدها هجبلك شغل في مكان أحسن."
"هتعملنا فيها جدع بقى وتقعد تذلنا وتقرفنا." أدرفت أفنان لتخرجهم من الأجواء الجادة للحوار، ليغمض أنس عيناه ويضم قبضته بإستياء قبل أن يعقب على جملتها الساخرة قائلًا:
"يا بنتي حد وجهلك كلمة؟ أنا جيت جنبك دلوقتي؟ رد عليا يا بت أنتِ!"
"الحقيقة لا. بس مش مقتنعة أنك هتعمل حاجة بصراحة حاسة أنك بوق كده!"
"هتشوفي."
بعد نصف ساعة أخرى قاطع حديث أفنان وأروى صوت رنين هاتف أفنان والذي كان بالقرب من رحيم، ليمسك بهاتفه ليرى من المتصل، ولم يكن يفعل ذلك بدافع الفضول بل لأن أفنان قد سمحت له في السابق بالرد على هاتفها والعبث به كما يشاء.
"أفي موبايلك بيرن… ريماس؟ مين ريماس؟"
"بنت عمتي حكتلك عنها قبل كده. سيبك منها أعمله صامت… صحيح نسيت أقولك يا بت يا ميرال مش ريماس اتقدم لها عريس تاني وكلت دماغ بابا برضوا. لا وخطيبها القديم بيحاول يرجع لها تاني تلاقيها بتكلمني عشان كده."
"فريد؟" سألت ميرال ليسعل أنس ويبصق الماء الذي في فمه، ليتحرك جميعهم مبتعدين عنهم، بينما تصيح أفنان:
"يا أخي جتك القرف!"
"فريد مين؟" سألت أروى باهتمام، بينما تطالع أنس بطرف عيناها والذي كان يسحب أحد المناديل الورقية ويجفف بها وجهه ولحيته. حاولت ميرال أن تشيح بنظرها بعيدًا عن أنس وتجيب على سؤال أروى قائلة:
"ده اسم خطيب بنت عمتي… كان خطيبها يعني."
"وملقوش اسم أوحش من كده؟ إيه القرف ده؟"
صاح أنس بإستياء حقيقي لتعقد كلًّا من أفنان وميرال حاجبيهما، قبل أن تسأله ميرال بتردد الآتي:
"هو مش… هو مش أنت اسمك… أنس فريد؟"
"أيوا اسمي أنس زفت!"
أجاب أنس بحنق وهو يضع الكوب أعلى الطاولة بقوة حتى كاد الكوب أن ينكسر، لكن أروى رمقته بحدة وقامت بـ 'قرص' في ذراعه ليتأوه أنس وهو يعتذر بنبرة طفولية قائلًا:
"خلاص أسف… مكنش قصدي."
"أهو ألطف نسخة وأكتر نسخة pure 'نقية' ممكن تقابلوها من أنس وهو قاعد مع أروى."
"لا أنا مش لطيف أنا رخم وعصبي." تمتم أنس بنبرة طفولية أكدت ما قاله رحيم قبل ثوانٍ. ساد الصمت لبرهة قبل أن تعلق أفنان مردفة:
"بصراحة رحيم عنده حق. دي المرة الوحيدة اللي ممكن أحس إني طايقاك فيها."
"أنا بقى عمري ما طيقتك ولا هطيقك ومتتكلميش معايا تاني يا بت أنتِ."
"بقولكوا إيه؟ عشان تبطلوا رخامة على بعض… تيجوا نلعب بدل ما أحنا قاعدين كده؟" اقترحت ميرال لتتسع ابتسامة أنس قبل أن يردف:
"أنا موافق على أي حاجة هتقوليها. بصي أحنا نلعب صراحة ونسأل بعض عن حاجات محرجة بقى اللي هو أنتِ بتحبي حد؟ هو أنتِ صاحبت قبل كده؟ صفات فتاة أحلامك إيه؟ بتحبني بنسبة كام في المية والحاجات الكليشيه دي. بس عارفة ناقصنا حاجة عشان نكمل المشهد المبتذل ده."
"أيه هي بقى؟" سألت ميرال وقد كانت تنتظر منه أن يتحدث بجدية، لكنه في المقابل قال الآتي:
"أزازة بيرة من الخضراء دي عشان نلفها."
"أنس please shut your mouth we ain't doing this bullshit 'من فضلك أغلق فمك نحن لن نفعل هذا الهراء'."
"خلاص أسف مش هفتح بوقي تاني. أصلًا محدش طايقني في القاعدة دي أنا هقوم أمشي ولا أقولك… هاتي التورتة نطفيها وهرميلك الهدية بتاعتك وهمشي."
"جبتلي هدية إيه؟ حاجة حلوة زيك كده؟"
"شوفتوا نبرتها اتحولت إزاي؟ عمومًا جبتلك هدية خلت حسابي في البنك ينزل نزلة محترمة كده."
"طب فين الهدية؟ مش شايفة معاك حاجة."
"طب نغني الأول ونطفي الشمع وخلي هديتي آخر هدية فيهم كلهم ماشي؟"
أومأت أروى بحماس شديد وهي تطلب من النادل أن يحضر الكعكة من أجلهم. وبعد الغناء والتقاط بعض الصور، منح ثلاثتهم الهدايا التي أحضروها من أجل أروى، بينما انتظر أنس ليكون الأخير.
"يلا طفينا الشمع وهما وروني الهدايا بتاعتهم فين هديتك بقى؟"
"هوريهالك تعالي برا."
"برا ليه؟ جبتلها طيارة ولا إيه؟" سألت أفنان بنبرة لا تخلو من السخرية، ليطالعها أنس بازدراء وهو يجيبها مستنكرًا:
"طيارة!!!"
"ليه هو أنا حرامي؟"
"انس الساعة اللي في إيدك دي أصلية؟" سألته أفنان بخبث وهي تضيق عيناها لتنتقل عين أنس إلى ساعة يده تلقائياً قبل أن يجيبها بغرور شديد:
"آه طبعاً أصلية، بس ليه؟"
"طب هي بكام؟"
"حوالي مية ألف جنية مصري، ليه؟" سأل أنس بفضول وهو يقوم بضبط موضع الساعة حول معصم يده لتنظر نحوه أفنان بهدوء لثوانٍ قبل أن تصيح في وجهه مردفة:
"يعني لابس ساعة بمية ألف يا مفتري وعايز تقنعني إنك مش حرامي! قولي إزاي يعني؟"
"طب قبل ما تكلميني أنا عارفة البدلة اللي رحيم لابسها دي بكام؟ أو الجزمة مثلاً؟ بلاش كل ده... الساعة اللي هو لابسها، لكن صدقيني يا أفنان يا بنتي مش هي دي السعادة الحقيقية، أحنا آه لابسين لبس يخلينا نشتري بتمنه شقة هنا في المنطقة بس ده مش معناه إن حياتنا سعيدة."
"يااه حياة الأغنياء دي صعبة بشكل."
"ياستي هتبص لينا في حياتنا ليه؟ ما أنتِ شوية وهتبقي من الأغنياء معانا أنتِ وأختك."
"طب أنا هبقى غنية معاكم عشان اتجوزت رحيم، ميرال نظامها إيه بقى؟" سألت أفنان بمراوغة وقد فهمت مقصد أنس من جملته تلك. حمحم أنس وهو يعتدل في جلسته ويقوم بتعديل ثيابه بثقة شديدة بينما يتمتم بالآتي:
"مش يمكن ربنا يكرمها بعريس كده يبقى غني... ابن حلال ومؤدب جداً وبار بوالديه وعمر السيجارة ولا الكاس ما لمسوا إيده ومحترم... محترم أوي وجذاب جداً كل البنات هتموت عليه... فيما عدا هي تقريباً..."
"ممكن كفاية رغي ورخامة على بعض ونقوم نشوف الهدية بتاعتي؟"
"يلا." تمتم أنس وهو يستقيم ببطء لتجذب أروى ذراعه بقوة وهي تسحبه نحو الخارج بحماس شديد.
وكانت المفاجأة هي سيارة من أحدث طراز لهذا العام كانت باللون الأسود، لون أروى المفضل. منحها أنس المفتاح والذي قام بربط شريط من الستان باللون الأحمر أعلاه على هيئة 'فيونكة'. لتهرول أروى نحوه وهي تضمه في عناق لطيف وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة من فرط الحماس والسعادة.
"عربية زيرو موديل السنة يا أنس؟"
سأل رحيم ببعض الدهشة وهو يبعد أنس عن أروى قليلاً. ليبتسم أنس ابتسامة صغيرة بينما مازالت عيناه تتابع شقيقته الوحيدة وهي تفحص السيارة بسعادة كبيرة بينما يعلق على ما قاله رحيم قائلاً:
"آه عادي، متغلاش على أروى حبيبتي."
"أكيد طبعاً متغلاش عليها بس أنت معاك فلوس كفاية عشان تجيب عربية زي دي؟"
"آه، أنا روحت للمحامي وبدأ في الإجراءات بتاعت نقل الملكية... أصلًا أروى عملتلي توكيل بصورة مؤقتة يعني لحد أما تحس إنها في حالة تسمحلها تمسك معايا إدارة المصنع والشركات."
"ربنا يوفقكوا أنا واثق فيكوا أنتوا الإتنين." قال رحيم وهو يضع يده على كتف أنس بلطف. قاطع المشهد صوت أروى وهي تصيح مردفة:
"أنس تعالى معايا نجرب العربية."
"لا يا قطة استني بقى لما نسترجع السواقة مع بعض تاني عشان بقالك كتير مش بتسوقي بدل ما تجرحي العربية ده أنا دافع فيها دم قلبي! دم قلب فريد... مش مهم المهم في دم في الموضوع!"
مرت ساعة أخرى قبل أن يقرر الجميع العودة إلى المنزل. قام أنس بإيصال أفنان وميرال إلى منزلهم ثم قام بإيصال رحيم إلى منزله. كان اليوم غاية في اللطف بالنسبة إلى الجميع وبالنسبة إلى ميرال تحديدًا، فقد شعرت في هذا اليوم أن هناك شيء في داخلها قد تحرك تجاه أنس وأن مشاعرها نحوه قد اتخذت منعطفًا خطرًا لم يخطر على بالها قط.
بعد مرور شهر ونصف بدأت التجهيزات الحقيقية في منزل أفنان ورحيم حيث بدأت أفنان في نقل بعض متعلقاتها الشخصية إلى المنزل وقد قام رحيم بوضع بعض الأثاث الذي ابتاعه في المكان المخصص له.
"أفي تعالي عايز أوريكي حاجة." قال رحيم وهو يسحبها نحو الطابق العلوي لتسأله أفنان بقلق:
"فوق؟"
"آه، في أوضتنا..." أجابها رحيم لتنظر نحوه أفنان بوجه مصفر قبل أن تخبره بأنها ستعلم والديها أولاً.
"بابا ماما هطلع مع رحيم نشوف حاجة في الدور اللي فوق وهننزل على طول."
"ماشي بس متتأخروش."
"حاضر." تمتمت أفنان ومن ثم صعدت إلى رحيم مجدداً ليخبرها الآتي:
"بصي هي خلاص تعتبر جهزت أصلًا ناقص بس نحط اللبس بتاعنا وال Make up 'مساحيق التجميل' وأي حاجة related 'متعلق' بيكي و... هو أنتِ متصنمة كده ليه؟ تعالي مش هخطفك، ما مامتك وباباكي وميرال وأنس موجودين يعني."
أومأت أفنان مع ابتسامة صغيرة وصعدت إلى الطابق العلوي برفقته وهي تشعر بنبضات قلبها تزداد سرعة، فهي لم تدلف إلى تلك الغرفة برفقة رحيم غير مرة واحدة تقريباً حينما كان المكان فارغاً، لكن الآن لقد وضع رحيم معظم الأثاث مما زادها توتراً. دلفت أفنان إلى الحجرة بأرجل مرتجفة لتفاجئ بمدى رقي وفخامة الأثاث الذي ابتاعه رحيم.
"بسم الله ما شاء الله... الحاجة تحفة يا رحيم! أنا عارفة إننا كنا مختارين معظم الحاجة مع بعض بس شكلهم على الحقيقة أحلى كتير من الصور..."
"بصي هنا ال fitting room 'حجرة القياس/الثياب' عشان اللبس بتاعنا، وده ال Bathroom 'دورة المياه' بتاعنا برضوا... وممكن تبصي عال Balcony 'الشرفة' أنا مخطط إننا إن شاء الله نحط فيها نباتات كتير من اللي هي بتدي ريحة حلوة... نزرع Mints 'نعناع'؟"
"نزرع منزرعش ليه؟ ده أنت النعناع لحس مخك المفروض ينزل جدول بجد... المهم كل حاجة فوق الروعة بجد..."
"طيب عايز أوريكي حاجة كمان بس wait 'انتظري' غمضي عينك."
"ماشي بس من غير استعباط ها!"
"مفيش ثقة أبداً؟"
سأل رحيم وهو يقبل وجنة أفنان لتضربه في كتفه وهي تنتفض مبتعدة عنه. فتحت عيناها على الفور وكادت أن تعاود ضربه لكن لفت نظرها تلك الصورة الكبيرة نسبياً المعلقة على الحائط والتي كانت عبارة عن الصورة التي جمعت أفنان ورحيم في نهاية التدريب وقد وضعها رحيم في إطار فخم وقام بتعليقها على الحائط المقابل للفراش خاصتهم.
"دي حلوة أوي يا رحيم بجد... تحفة!"
"مبسوط أوي إنها عجبتك... عارفة كمان هنا هنحط صورة كمان بس هنحط صورة من صور الفرح إن شاء الله."
"أيوا إن شاء الله... تعالى ننزل تحت بقى عشان كمان نتفق مع بابا هنيجي نفرش الحاجة إمتى."
"تمام يا حبيبي."
بعد مرور أسبوعان وعلى حسب الاتفاق بدأت عملية نقل جميع الأغراض وما تبقى من الأجهزة نحو عش الزوجية خاصة أفنان ورحيم. وفي أحد الأيام اقترح أنس أن يساعد هو ورحيم الرجال في نقل الأجهزة.
"أنا مش فاهم بجد يا أنس أحنا ليه بنتعب نفسنا كده؟ ما ممكن نطلب ناس يعملوا كل ده بكل بساطة يعني." أردف رحيم بحنق وهو يحمل أحد الصناديق الكبيرة نسبياً.
"يا ابني أنت!"
لازم تتعب في الحاجة وتتمرمط كده عشان تحس بقيمتها وبعدين ما نص الحاجة جت ومحدش فينا شال قشاية لازم بقى دلوقتي نتحرك كده ونسيب ذكريات حلوة في المكان ووقت التجهيزات.
"يعني عشان اسيب ذكرى حلوة يجيلي الغضروف وأروح الفرح على نقالة يعني؟"
"دمك بقى تقيل أوي خف قاعدة مع أفنان ده لمصلحتك يعني."
"أخف قاعدة معاها اه حاضر… أنس أحنا فرحنا بعد عشر أيام تقريبًا، أنت معانا عالكوكب ولا في عالم موازي ولا أيه؟"
"صح نسيت، مبدأيًا عيالكوا دول أنا اللي هربيهم مش هسيب البت السمجة دي هي اللي تربي العيال دول هيطلعوا لسانهم طويل."
"لا وأنت ما شاء الله ونعم الأدب والأخلاق الصراحة، بقولك أيه أنت وأفنان خفوا كلام على بعض عشان بجد بدأت اتضايق والهزار كده بقى سخيف."
"ماشي خلاص متزعلش، ها قولي بقى كلمتها في اللي اتفقنا عليه؟"
"هو أيه اللي اتفقنا عليه؟"
"مش أنت قولتلي هتقول لأفنان إن أنا معجب بميرال وتسألها كده هل باباها ممكن يوافق ولا لا."
"ياربي… أنا أسف للغاية أنا اتشغلت بتجهيزات الفرح ونسيت أقولها… لا تقلق هما جايين كمان يومين عشان ينقلوا حاجتها هنا لما أشوفها هتكلم معاها."
"ينقلوا حاجتها هنا؟ اسمها يجيبوا العزال يا حبيبي، ده بتبقى هيصة بقى وزغاريط وبتاع أنا لازم أجي وش عشان اتفرج."
"هو أحنا المفروض بنيجي؟"
"اه بنيجي بنشيل معاهم وكده، وهخلي أروى تيجي هتتبسط أوي هتقولك واو شرقي وتقعد تندهش بقى وكده من الثقافة الشرقية والمصرية."
"متخيل بصراحة، عمتًا ماشي هعدي عليكوا بالعربية يومها ونيجي كلنا مع بعض."
أومئ أنس بسعادة وقد اتفق مع رحيم عالموعد المحدد حيث في ذلك اليوم ستنقل أفنان بعض الأغراض التي ابتاعها والدها ووالدتها من أجلها منذ زمن بعيد من قبل حتى أن يظهر رحيم في حياتها بالإضافة إلا نقل حقائب ثيابها وأدوات الطهي والأطباق خاصتها.
"ميرال معلش طلعي معايا الشنطة دي فوق… مريم بصي الكرتونة اللي مكتوب عليها احذر دي جواها الكاسات والكوبايات حسبي تقع منك…"
كانت أفنان تطلب منهم مساعدتها وتخبرهم بمحتوى كل حقيبة وكل صندوق، وبينما كانت تفعل ذلك جاءها صوت عمتها وهي تردف بصوت منخفض:
"خدوا بالكوا يا حبايبي وأنتوا بتفرشوا الحاجة لحاجة تتكسر كده ولا كده أفنان تعمل مشكلة ولا تقولك حسدناها."
"عيب الكلام ده والله يا عمتو، فداكوا أي حاجة كده كده في أي فرش لازم في حاجات بتتكسر وحاجات بتضيع ده عادي يعني."
"كلك ذوق يا بنت أخويا، بس ما هو برضوا الحسد مذكور في القرآن."
"مش معترضة أكيد، بس مش كل حاجة هتحصل هنقول حسد ما يمكن الحاجة مش متقفلة كويس أو وقعت من إيد حد فينا غصب عنه مش مشكلة يعني المهم محدش يتعور."
قامت أفنان بإيجاد الرد المناسب على ما قالته عمتها، بينما طالعتها مريم بعدم اقتناع قبل أن تعلق بالآتي بنبرة ساخرة:
"بتقولي كده وأنت لما فردة شراب تضيع بتعملي مناحة عليها يا أوفر."
"دي حقيقة فعلًا، بس مش معقول تكونوا جايين من بيتكوا وسايبين كل حاجة وراكوا وجايين تهيصوا وتفرشوا معايا وهتخانق عشان طبق اتخدش ولا فنجان اتكسر ده حتى عيب يعني."
"اه طبعًا ما تلاقي سي رحيم هو اللي جايب الحاجة وهيجبلك غيرهم على طول، ربنا يزيد ويبارك يعني."
"لا يا عمتو، كل الحاجات اللي جت النهاردة دي من فلوس وتعب أبويا وميرال كمان عشان في كام حاجة اشترتهم هي من مرتبها ورحيم محطش جنية واحد فيهم… في حاجات ماما كانت مشترياها ليا أنا وميرال من زمان من قبل ما يبقى في رحيم أصلًا في حياتي."
تحدثت أفنان بنبرة لا تخلو من الحدة ولكنها حاولت الحفاظ على أدبها وذوقها بقدر الإمكان وفي تلك الأثناء لم تنتبه هي لذلك الذي يقف من بعيد ويستمع إلى حديثها بسعادة عارمة وفخر شديد فأخيرًا لقد تدربت أفنان على السيطرة على غضبها وإنفعالاتها ولقد أدركت أن بإمكانها الدفاع عن وجهة نظرها دون المساس بإحترام الآخرين أو كرامتهم، حمحم رحيم قبل أن يردف بنبرة ودودة دون أن يخطو خطوة واحدة نحو الداخل:
"مساء الخير… ممكن أدخل؟"
"ثواني يا رحيم… لو حد خالع رأسه يغطيها… خلاص تعالى يا رحيم."
تمتمت أفنان وانتظرت من جميعهم أن يضعوا الحجاب على رؤوسهم وقد فعلت المثل قبل أن تسمح له بالدخول، وبالرغم من أنه لا مشكلة الآن أن تجلس أمامه بدون وشاح الرأس خاصتها لأنهم قاموا بعقد القران بالفعل إلا أنها فضلت أن تفعل ذلك بعد الزفاف كي يكون للأمر رونقًا خاص.
"تسلم ايديكوا معلش أنا وأفنان تعبناكوا معانا."
"لا يا حبيبي مفيش تعب ولا حاجة." قالت والدة أفنان بنبرة لطيفة وهي تقوم بوضع الكؤوس الزجاجية في المكان المخصص لها.
"طيب أنا جبت الغداء معايا أنتوا أكيد مرهقين جدًا… اتفضلوا في الجنينة نتغدى كلنا مع بعض."
عرض رحيم عليهم بلطف شديد ليوافقه الجميع على الفور فلقد كانوا يتضورون جوعًا نتيجة المجهود الكبير المبذول، توجهت أفنان نحو الخارج أولًا لتجد أن رحيم قد طلب منهم إعداد الطاولة وقد قام بإحضار أصناف عدة من الطعام وبكميات وفيرة تكفي الجميع وقد تفيض، طالعته أفنان بإمتنان شديد وحب وهي تسأل نفسها ماذا فعلت كي يكافئها الله برجل بهذا اللطف والكرم؟
فهو فقط لا يكتفي بسكب جرعات الحب والإعتناء عليها فقط بل يفيض على سائر العائلة وكل شخص تحبه أو تفضله أفنان.
"أفي ممكن لو خلصتي أكل تيجي ثواني؟" طلب منها رحيم حينما لاحظ أنها على وشك الإنتهاء من تناول طعامها.
"حاضر يا حبيبي ثواني."
تمتمت أفنان بتلقائية شديدة ولم تدرك أنها استخدمت لفظة حبيبي إلا عندما وجدت الجميع يحدق بها، حمحمت هي بحرج واستقامت من مقعدها على الفور وهي تحمد الله بداخلها أن والدها لم يسمعها فابالرغم من كون رحيم زوجها شرعًا إلا أنها تخشى على مشاعر والدها وتحترمه.
"أفي بصي أنا عايز اتكلم معاكي في موضوع."
"خير يا حبيبي إن شاء الله."
"طيب هقولك بس مش عايز عصبية ولا تضايق عشان الموضوع ليه علاقة بأنس وحاجة بجد مش هزار."
تحدث رحيم بنبرة جادة لتعقد أفنان حاجبيها وقد شعرت بالقلق يتسرب إلى داخل قلبها، أمسكت بيد رحيم بلطف وهي تسأله بإضطراب:
"قلقتني يا رحيم خير في أيه؟"
"أنس معجب بميرال…"
"عايز يصيع مع أختي الواد الصايع ده؟ قوله أحنا بنتنا متربية و…" كادت أفنان أن تبدأ في موشح لسب أنس ووضع سيناريوهات درامية خيالية لكن رحيم لم يمنحها الفرصة حيث قاطع حديثها قائلًا جملة واحدة صريحة وحازمة:
"عايز يكلم باباكي ويتقدملها."
"أيه؟"
"أنس؟ أنس عايز يتقدم رسمي؟ لا ثواني... أنس مين؟ أنس بتاعنا؟" سألت أفنان عدة مرات متتالية وبكلمات متكررة ليقهقه رحيم بقوة قبل أن يؤكد على ما قاله في السابق مردفاً:
"آه شوفتي بقى إنك دايماً بتستعجلي. بصي أنس عنده استعداد إنه يحكي لباباكي على كل حاجة وهيبقى صريح جداً معاه وأنس كمان خلاص اتعالج من المشاكل اللي كان مسببها علاقته بباباه الله يرحمه ومامته وهو شاطر جداً في شغله وحقيقي بيحب ميرال."
"مش عارفة... يعني مش عارفة بابا هيوافق ولا لا بس أظن لو بابا عرف كل حاجة وحس إن أنس عايزها في الحلال بجد ممكن يوافق... هو أصلاً بابا بيحب أنس وبيستجدعه جداً خاصة بعد موضوع شغل ميرال ده وواقفته جنبك وجنبنا في تجهيز البيت والحاجة."
"خلاص يبقى بعد ما نرجع من ال Honeymoon 'شهر العسل' هاجي أنا وبابي وأنس عشان نتكلم مع Uncle أحمد."
"تمام اتفقنا، وأنا هحاول يعني أقنع بابا إنه انسان كويس، أينعم هو بالنسبالي صديق سوء وعيل سخيف بس جدع وبيوقف جنبك واحترم نفسه الفترة الأخيرة."
"ربنا يخليكي ليا يا أفي بجد، لو عرفتي تقنعيه فعلاً هجبلك هدية كبيرة أوي وجميلة زيك كده."
"ولو معرفتش مش هتجبلي هدية يعني؟" سألته أفنان بتدلل ومراوغة وهي تعلم الإجابة عن سؤالها بالفعل لكنها أرادت أن تسمع إجابته وقد كانت كما توقعت هي:
"لا طبعاً، هجبلك هدية أحلى منها بتهزري ولا إيه، أنت بس شاوري عالحاجة اللي تعجبك وأنا اجبهالك In a blink of an eye 'في غمضة عين'. أنا عندي كام أفي يعني؟"
"ربنا يخليك ليا يا رحيم ونفضل دايمًا بنحب ونحترم بعض طول العمر، عارف أنا مدركة إن حياتنا مش هتبقى سهلة عشان الإختلاف الكبير اللي بينا ولأن الجواز نفسه صعب بس أنا مستعدة ابذل كل طاقتي عشان نتفاهم وعشان نبقى مبسوطين ومستعدة إن أنا أضحي بحاجات لأن أنت كمان بتضحي كتير عشاني."
"أنت عارفة يا أفنان أنا عيشت طول حياتي عندي كل حاجة بحلم بيها وقبل ما أحلم بحاجة ولا أتمناها كانت عائلتي بتوفرها عشاني لكن دايمًا كان في حاجة ناقصة... كان قلبي مش حاسس بمعنى السعادة الحقيقية... مكنتش حاسس بمعنى الدفء والحب والإهتمام، مكنتش لاقي حد يحبني بدون مقابل... يحبني زي ما أنا... لكن لما قابلتك يا أفي كل ده اتغير ولاقيت الجزء اللي كان ضايع مني لما لاقيتك وحبيتك..."
"أنا بجد مش لاقيه رد عالكلام الحلو ده... مش عارفة هل في رد ممكن يكون مناسب أصلاً ولا لا... انا معنديش حاجة أقولها غير الحمدلله... الحمدلله إن ربنا رزقني بيك وعوضني بيك عن أي حاجة وحشة شوفتها في حياتي و..."
قاطع الحوار اللطيف الذي كان يدور بينهم صوت رنين هاتفها، أخرجت أفنان الهاتف من أحد جيوبها لكنها لم تنظر نحو اسم المتصل فلقد كانت منشغلة في تأمل لون أعين رحيم في أشعة الشمس. لاحظ رحيم ما يحدث ليقهقه بقوة قبل أن يقول ببطء شديد وهو يحاول إخفاء ابتسامته:
"أفي... تليفونك بيرن... مامي."
"ثواني معلش." استأذنت أفنان منه وذهبت لتجيب على الهاتف ثم عادت بعد بضع دقائق.
"في حاجة ولا إيه؟"
"لا، طنط كانت بتكلمني عشان البروڤة بتاعت الفستان ما أنت عارف إنها صممت إنها تبقى معايا وأنا بختار لا وكمان صممت إنه يتفصل عشاني مخصوص ومشتريش حاجة جاهزة."
"أنا عارف إن الموضوع غريب شوية وإن هي بتدخل في تفاصيل كتير... بس..." حاول رحيم أن يجد الكلمات المناسبة لكنه لم يستطع فتلك زوجته وتلك والدته وهو في المنتصف بينهما وكل ما يمكنه فعله هو الدعاء بأن يستطيع الإثنين التفاهم.
"عادي يعني لحد دلوقتي هي بتدخل في حاجات أو بتقترح حاجات أنا معنديش مشكلة في مشاركتها يعني... المهم متشغلش بالك أنا وهي هنعرف نتفاهم مع بعض."
"ربنا يستر... صحيح مش ناوية برضوا تخليني أشوف ال design 'التصميم' بتاع الفستان؟"
"لا طبعاً مينفعش، هتشوفوا يوم الفرح إن شاء الله وكده كده أنا محجبة يعني الفستان مش هيبقى مفتوح مثلاً ولا شفاف ولا أي حاجة."
"أنا واثق من كده... I just can’t wait for our weeding day 'أنا فقط لا يسعني الإنتظار ليوم زفافنا'."
أردف رحيم بنبرة هادئة تحوي في طياتها مخزونًا من العشق والهيام، طالعته أفنان لثوانٍ لتتعانق عيناه الخضراء مع البنية خاصتها ومن ثم فصلت أفنان التواصل البصري وهي تحمحم بخجل قبل أن تتركه واقفًا وحيدًا وهي تقول أثناء رحيلها:
"أنا كمان على فكرة."
تبسم رحيم على ما قالته وعلى ردة فعلها بشكل عام بينما وقف يتأمل خطواتها وهي تبتعد عنه ومن داخله يدعو الله أن تمر الأيام سريعًا كي يحين موعد زفافهم لتقترب هي منه مجددًا... تقترب للدرجة التي لا تترك مجال للفراق أو الرحيل... حينما يحين ذلك اليوم ستصبح خاصته ولكي يصبح قلبه وعقله ملكًا لها لليوم الأخير في حياة كلًا منهما...
رواية في حي الزمالك الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ايمان عادل
قبل الزفاف بسبعة أيام بالضبط، يركض رحيم داخل طرقات أحد المستشفيات الخاصة وهو يبحث عن رقم الحجرة التي أخبرته بها موظفة الاستقبال، أو يبحث عن زوجته الحبيبة. مرت دقيقتان من البحث قبل أن يجدها تستند على الحائط، تنهمر دموعها بغزارة بينما كانت شاردة تمامًا.
"خير يا أفي، إيه اللي حصل؟" سأل رحيم.
لتنتفض أفنان من موضعها وتطالعه لثوانٍ وكأنها تستوعب ما يحدث وما يقوله، قبل أن تجيبه من وسط دموعها:
"بابا يا رحيم... بابا تعبان أوي."
"إيه اللي حصل؟ فهميني طيب. الدكتور قال إيه؟"
"معرفش... معرفش حاجة غير إنه ضغطه على فجأة... اتخانق مع تيتا وعمتو عالورث تاني وموضوع المحل، وفي الآخر تعب وجابوه على هنا ومش فاهمين حاجة..."
حاولت أفنان التفسير من وسط دموعها، ليحتضنها رحيم في محاولة لتهدئتها. وأثناء ذلك، لمح رحيم أنس يتجول في الردهة، وحينما رآه رحيم أشار نحوه واقترب إليه.
"خلاص أهدي، مفيش حاجة... أنس روح حاول تفهم حاجة من الدكتور طيب."
"حاضر." تمتم أنس وهو يعود أدراجه بحثًا عن الطبيب المسؤول.
ليعود بعد بضع دقائق، ويسأله رحيم:
"قالك إيه؟"
لم يجبه أنس، بل أشار إليه أن يبتعد عن أفنان ويقترب منه في منتصف الردهة كي لا تسمع أفنان ما سيقوله.
"حمَاك ناوي يفرفر قبل الفرح... يادي النيلة، ده أنا لسه مفتحتوش في حواري أنا وميرال... يا ميلة بختك يا أنس... ملحقتش تتهنى يا أنس..."
"يا ابني بطل ندب بقى وقولي الدكتور قال إيه!" تمتم رحيم بنفاذ صبر.
ليأخذ أنس نفسًا عميقًا قبل أن يسرد ما قاله الطبيب دفعة واحدة دون فاصل:
"الضغط، زيي يعني، لا بهزر طبعًا. وضعه أخطر شوية عشان السن وكده، المفروض يبعد عن أي حاجة تعصبه وأي ضغط، وكمان يلتزم بالأدوية طبعًا، والحمد لله أنه اتلحق في الوقت المناسب بدل ما كانت حالته تسوء ونطلعها رخصة وكده، هه."
"يا ابني اتكلم جد مرة في حياتك بقى، هو الوضع مستحمل هزار واستظراف؟"
"خلاص آسف، يعم الحق عليا، بحاول أفرّفك بدل ما تزعل وتقع مننا أنت كمان!"
"بص، أنا كل اللي عايزه منك أنك تخرس خالص، ممكن؟ وبعدين لحظة واحدة، أنت إيه اللي جابك هنا من الأساس؟"
"بتهزر ولا إيه؟ أنا تخصص نقل العيانيين في العيلة دي. لما عمو وقع وكده، ميرال كلمتني قالتلي سي أنس ألحقنا يا سي أنس، وأنا روحتلهم طيارة طبعًا عشان أنا شهم جدًا."
"طيب يا عم البطل، شكرًا، مع إن ميرال كان أسهلها تطلب عربية بالـ App، بس يلا حظك!"
"أعوذ بالله! يا ناس يا شر، كفاية قر... هوب هوب، إلحق مراتك رايحة تتخانق!"
كان أنس يتحدث بسخريته المعتادة، ولكن سرعان ما تحولت نبرته فور رؤيته لأفنان، التي استقامت من مقعدها بأعين مشتعلة من الغضب وهي تتجه بحركة سريعة نحو امرأة في منتصف العمر، والأخرى متقدمة في السن، والذي لم يعرف أنس هويتهم، لكنه كان على ثقة بأن أفنان على وشك الانقضاض عليهم كما ينقض الأسد على فريسته.
"إنتوا إيه اللي جابكوا هنا؟ أنا قولت مش عايزة أشوف وشكوا، ابعدوا عن أبويا وسيبونا في حالنا بقى، مش كفاية اللي حصله بسببكوا!"
"أفنان أهدي من فضلك، أنا آسف يا جماعة، هي مش قصدها..."
تمتم رحيم وهو يحاول أن يجعل أفنان تهدأ قليلًا، وهو يحاول أن يضمها بلطف، لكنها دفعته بعيدًا عنها وهي تصيح في وجههم بنبرة صارمة وحادة:
"لا قصدي ومش عايزة أشوف وش حد فيكوا في الفرح، ولو جيتوا أنا هطردكوا بنفسي!"
ارتسمت معالم الصدمة والدهشة على وجه عمتها وجدتها، فهم كانوا قد توقعوا ردة فعل أفنان، لكن لم يتوقعوا أن تكون بهذه الحدة والقسوة. رمقتهم أفنان باحتقار قبل أن تردف جملتها الأخيرة:
"لو أبويا جراله حاجة، أنا عمري ما هسامحكوا!"
تركتهم أفنان وذهبت لتجلس بعيدًا عنها. ودعهم رحيم وهو يعتذر مجددًا قبل أن يذهب للجلوس إلى جانب أفنان، والتي قامت بتغطية وجهها بكلتا يديها، بينما تنهمر دموعها بغزارة وهي تحاول كتم شهقاتها. ضمها رحيم إلى صدره بحنان وهو يحاول طمئنتها قائلًا التالي:
"أفي حبيبي، الدكتور طمنا، باباكي هيبقى كويس إن شاء الله، متقلقيش..."
"دي مش أول مرة يتعب جامد بسببهم... وأبويا بيكبر يا رحيم وشايل الهم بسببهم من ساعة ما جدو اتوفى، واخدين ورثة ومخلينه يشتغل في المحل بتاعه غير شغله الحكومي ومش عايزين يخلوه ياخد تمن تعبه، متخيل؟"
"لا حول ولا قوة إلا بالله... أنا مش عارف أقول إيه... I am so sorryy، أنا آسف للغاية."
"أنا خايفة أوي على بابا يا رحيم، مش كل مرة الموضوع هيعدي على خير... أنا مش هقدر أعيش من غيره يا رحيم، مش هقدر أشوفه تعبان..."
"إن شاء الله هيبقى كويس، متقلقيش. إحنا هنهتم بيه وهنفضل جنبه لحد ما يتحسن ويبقى زي الفل عشان الفرح كمان بإذن الله."
"يارب يا رحيم... أنا هقوم أشوفه." أردفت بوهن وهي تبعد ذراع رحيم عنها بلطف، ومن ثم تستقيم من مقعدها وتتجه نحو غرفة والدها، والذي قد استيقظ بالفعل.
كانت ميرال تجلس إلى يمين والدها على الأريكة، ووالدتها تجلس على يساره إلى جانبه على الفراش. بمجرد أن رأت أفنان والدها، انهمرت دموعها أكثر، قبل أن تطلب منهم أن يتركوها وحدها مع والدها لبعض الوقت. نفذت شقيقتها ووالدتها طلبها. جثت أفنان على ركبتيها وهي تمسك بيد والدها بحنان، بينما تردف من وسط دموعها:
"بابا حبيبي، أنا جنبك أهو، متقلقش... إحنا كلنا جنبك يا حبيبي، وأنت هتبقى زي الفل."
"أنا كويس يا حبيبتي... متقلقيش عليا... هما شوية تعب صغيرين كده..."
"متتعبش نفسك بالكلام يا حبيبي، أصلًا الدكتور طمنا وقال هتبقى زي الفل وهنقدر نروح بكرة إن شاء الله."
"طيب يا حبيبتي، قومي روحي أنتِ وميرال عشان الوقت اتأخر ورانيا هتبات معايا هنا... مينفعش أعطلك في الأيام دي خالص..."
"تولع أي حاجة في الدنيا يا بابا، المهم أنت. أنا هخليني جنبك مش هسيبك."
"يا حبيبتي، مش قادر عالمهادنة، اسمعي الكلام. خدي أختك وروحي، وإن شاء الله عقبال ما تصحوا الصبح هكون جيت أنا ورانيا."
أومأت أفنان بإستسلام، فهي لا تريد أن تكثر من الجدال، خاصة في حالة والدها تلك. وبالفعل عادت أفنان إلى المنزل برفقة ميرال، وجلسوا في انتظار قدوم المندوب الذي سيرسل إليهم الفستان، خاصة أفنان، ولربما عن طريق المصادفة ألتقى بالمندوب الذي سيرسل الفستان، خاصة ميرال، والذي تعهد رحيم دفع ثمنه هو وثوب والدتها وبذلة والدها.
بالفعل عارض الجميع عرض رحيم ذلك، لكنهم اضطروا إلى الموافقة بعد الإلحاح الشديد من والد رحيم. وقد وافق الجميع، ولكن بعد أن وضعت أفنان شرطًا لذلك الأمر، وهو أن يختار كلٌّ منهم الثوب لنفسه، أي لن يفرض رحيم أو عائلته لون أو تصميم الثوب، يكفي أنه سيكون من أحد المتاجر الشهيرة.
"أفنان تعالي بسرعة، الفستان وصل!" صاحت ميرال من الخارج.
لتهرول نحو أفنان، فتجدها تقف وهي مرتدية 'إسدال' الصلاة وتحمل في يدها صندوقًا ضخمًا يكاد يسقط من يدها بسبب ثقله. أخذته منها أفنان على الفور، ومن ثم اتجهت إلى حجرتها على الفور بحماس شديد.
"بصي يا ميرال حلو إزاي؟ تحفة بجد!"
"كان نفسي بابا يفتحه معايا..."
"متزعليش يا حبيبتي، هو بكرة إن شاء الله هيوصل البيت بالسلامة ونقيس أنا وأنت الفساتين عشان يشوفها علينا."
ابتسمت أفنان بإنكسار وهي تضع الثوب على سريرها. ظلت أفنان مستيقظة طوال الليل تراسل رحيم بين الحين والآخر، وبعد انتهاء محادثتها معه أخذت تبكي تارة وتتأمل سقف حجرتها في سكينة تارة أخرى.
بعد معاناة شديدة مع الأرق، استطاعت أن تنام مع مطلع الشمس. ولم يمر غير بضع ساعات قبل أن تستيقظ على صوت باب المنزل، لتنتفض من سريرها مهرولة نحو الخارج لكي تستقبل والدها. ضمته أفنان في عناق لطيف قبل أن تنحني قليلاً لتقبل يد والدها.
"نورت البيت يا حبيبي، بجد البيت كان وحش أوي من غيرك أنت وماما... مكنتش عارفة أنام..."
"أومال هتعملي إيه بقى لما تبقي بتباتي في بيتك الجديد كمان كام يوم؟"
"والله مش عارفة يا ماما، بحاول مفكرش في الموضوع ده بدل ما تلاقيني مروحة معاكوا بعد الفرح أساساً."
"أنا موافق، مش قادر أتخيل بصراحة إن بعد أكتر من عشرين سنة عايشة في حضني فجأة كده هتسيبيني وتروحي بيت تاني."
"يا بابا بلاش الكلام ده بجد عشان أنا تكة وهعيط، وبجد ممكن ألغي الفرح عادي عشان خاطرك." تمتمت أفنان بنبرة درامية حزينة، لترمقها والدتها بازدراء قبل أن تقول ساخرة:
"بعد إذن المشاعر المرهفة يعني، هو مش أنتوا كاتبين الكتاب ولا أنا بقى يجيلي تهيؤات؟"
"آه صح، طب خلاص نجيب رحيم يعيش معانا، نأجرله الكنبة دي بألف جنيه في الشهر."
"مش كتير شوية؟"
"لا ما هو هياخد الكنبة بالفطار، ده غير إن يا ماما مرتبه كبير بقى فهنصب عليه."
"ما شاء الله عالتربية، أنا مش عارفة وأنا بربي ميرال كنت فين بصراحة."
"بتجيبوا في سيرتي ليه؟ صباح الفل يا حبايبي وحمدلله عالسلامة."
"الله يسلمك، يلا نفطر بقى عشان تروحوا تشوفوا بيتك يا أفنان، لو ناقص حاجة عايزة تتظبط فيه، تفرشي المكياج بتاعك، تظبطي حاجتك في الدولاب كده يعني."
"حاضر يا ماما، تعالي يا ست أفنان نحضر الفطار سوا، ولا هتخلعي زي كل مرة؟"
"لا هاجي يا ستي، ما كلها كام يوم وهسيبكوا تحضروا الفطار براحتكوا، وهبقى بفطر أنا مع رحيم قرة عيني."
أخذت أفنان وميرال يمازحون بعضهما البعض، بينما غمرت ضحكاتهما المنزل. ابتسم أحمد كرد فعل على ما تفعله ابنتيه قبل أن يردف لزوجته:
"الحمدلله على نعمة البيت ونعمة صوت البنات ونعمة إننا مع بعض ومش ناقصين حد."
"الحمدلله يا حبيبي، ربنا يخليك لينا ويباركلنا في عمرك... عارف يا أحمد عايزة أقولك حاجة بس من غير ما تتريق عليا."
"أنا عمري عملت كده؟"
"بصراحة لا، المهم... حاسة إن البت ميرال ربنا هيكرمها ورا أفنان على طول... حاسة إن فرحتها وعوضها هي كمان هيكون قريب إن شاء الله..."
"يارب يا رانيا، أنا كل لما افتكر اللي حصل قلبي بيوجعني عليها أوي، بس صدقيني العوض لما بيجي بيكون أضعاف أضعاف الحزن اللي الواحد عاشه، وهي إن شاء الله ربنا هيعوضها..."
لا تدري أفنان كيف مرت الأيام بتلك السرعة، ولكنها بدون مقدمات وجدت نفسها تجلس على الكرسي الدوار داخل جناح فاخر داخل الفندق حيث سيقام الزفاف. تقوم أخصائية التجميل بوضع مساحيق التجميل على وجهها، وفتاة أخرى تقوم بضبط وشاح الرأس من أجلها ووضع التاج، بينما في الخلفية تقف ميرال، مريم، أروى واثنتين من صديقات أفنان، بينما يقومون بالرقص على أنغام الأغنيات، بينما يستعدون هم أيضاً من أجل الزفاف الذي بقي عليه ثلاث ساعات فقط.
"أحلى حاجة إن كل حاجة هنا في مكان واحد، يعني رحيم مش هيتأخر بقى عقبال ما يجيبك من الكوافير والجو القديم ده."
"بصراحة آه، بس ربنا يستر ومنتأخرش عشان رحيم محتاج وقت ممكن يقعد ساعتين يضبط في شعره مثلاً أو الجرافتة مش مضبوطة كده يعني."
"متقلقيش أنس هيستعجله." تمتمت أروى وهي تضحك، لتبتسم لها أفنان ويسود الصمت لبعض الوقت قبل أن تقطعه أفنان وهي تقول لميرال:
"بقولك إيه عشان تبقي عاملة حسابك، أنا لو لمحت عمتك ولا تيتا في الفرح هسيب الكوشة وهنزل أنط في كرشهم!"
هو بابا معزمهمش صح؟
معرفش…
ميرال أنتِ بتكدبي؟
بصي اللي أعرفه إن بابا بعتلهم كرت دعوة بس معرفش بقى هما هيجوا ولا لا.
برضوا بابا عمل اللي في دماغه!
أنتِ عندك حق تضايقي وهو برضوا ليه حق يعزم مامته وأخته مش هيعزمهم ازاي يعني؟ مينفعش حتى لو هما أسوء ناس في الدنيا!
خلاص Change the subject girls قوموا بتغير الموضوع يا فتيات مفيش داعي أفنان تضايق في يوم زي ده!
صح فعلًا عندك حق، يلا بقى خلصي عشان الفوتجرافر تلحق تاخدلنا كام صورة هنا قبل ما تنزلي تحت مع رحيم.
حاضر.
تمتمت أفنان بحماس جزئي وقد ابتسمت لفكرة أن رحيم قد عقد اتفاق مع مصورة فتاة لأنه لن يسمح برجل غريب أن يدلف إلى الجناح الخاص بها.
في تمام الساعة الخامسة كانت أفنان تقف في زاوية الحجرة في انتظار رحيم ليدلف إلا الحجرة ليقوموا بتصوير اللحظات الأولى حينما يراها أو بما يسمى حديثًا ب First look.
بمجرد أن خطى رحيم خطوته الأولى نحو الداخل أقتحمت رائحة عطره المحببة أنف أفنان لتبتسم تلقائيًا. إنهالت الزغاريد من الفتيات من حولها ووالدتها وخالتها التي صعدت حديثًا إلى الحجرة. أقترب رحيم نحو أفنان في خطوات متوترة وكأنها المرة الأولى التي يراها فيها شعور اللهفة ذاته، القلق، الإنجذاب ونبضات القلب المتسارعة…
"أفي… هنعمل جو suspense تشويق وكده؟"
سأل رحيم وهو يقهقه بتوتر واضح لتضحك أفنان في المقابل بينما كلما حاول رحيم أن يتحرك بحيث يكون مقابل لها تتحرك نحو الجانب الآخر.
"وبعدين بقى؟"
سأل رحيم بمراوغة وهو يسحبها نحوه لتتعثر بسبب ثوبها الطويل وتسقط بين ذراعيه لتصفق أروى بحماس شديد وهي تضحك.
أشاحت أفنان بنظرها بعيدًا عن رحيم بخجل ليلمسك هو بذقنها برقة ليرفع وجهها ليكون مقابلًا لخاصته قبل أن يبتعد عنها قليلًا فاصلًا العناق ليسعه تأملها بصورة أفضل. استغرق دقيقة كاملة تقريبًا وهو يتأمل وجهها البشوش وابتسامتها الناعمة اللطيفة، وتلك الحفرة في وجنتها التي زادتها جمالًا…
بشرتها التي تميل إلى الشحوب والتي كستها طبقة ليست بثقيلة من مساحيق التجميل وغطاء الرأس المزينة من الأعلى بتاج يليق بها فهي بالفعل ملكة. أمسك رحيم بيدها ليقبلها برقة بينما امتلئت عيناه بالدموع دون إرادة منه ليحدث الشيء ذاته معها. يقترب منها رحيم ويحني رأسه قليلًا ليقبل جبينها ثم يضمها في عناق لطيف تنهمر فيه دموعها.
"أنا مش مصدقة إن اليوم ده جيه…"
"أحبك بشدة I love you so much أفي"
بعد عشرة دقائق تقريبًا كان الجميع غادر الحجرة وقد اتجهوا إلى المكان حيث ستتم جلسة التصوير الخاصة بأفنان ورحيم والتي استمرت لوقت لا بأس به قبل أن تنتهي الجلسة ويحين موعد الزفاف في السابعة مساءً. وكعادة كل الأزواج لقد تأخر أفنان ورحيم لمدة نصف ساعة تقريبًا عن الموعد المحدد.
في مدخل الردهة التي تنتهي بها قاعة الزفاف تتشبث أفنان بذراع والدها بقوة وهي تخطو خطوتها الأولى نحو جهة قاعة الزفاف. آلات التصوير موجهة نحوها والجميع قد إلتفوا من حولها مما زاد من توترها. انتقل شعورها لوالدها على الفور ليضع يده فوق يدها مطمئنًا إياها وهو يتذكر اليوم الأول لها في الروضة حيث كانت خائفة بالصورة ذاتها وقد قبل رأسها في ذلك اليوم وقادها بحنان نحو الفصل الدراسي خاصتها واليوم ايضًا سيقبل رأسها لكن هذه المرة هو يقودها نحو حياتها الجديدة، نحو عش الزوجية ونحو الشاب الذي أحبه قلبها وقد وجد فيه والدها الشخص الصالح لإبنته.
ينتظر رحيم بالقرب من مدخل القاعة الواسعة ذات اللون الذهبي الفاخر. يقوم بضبط بذلته وقد كانت ابتسامته من الأذن للأذن. أخذ نفسًا عميق وقد شعر بحرارة في عيناه مسببة في لامعة وبريق واضح. أقترب والد أفنان منه بخطوات بطيئة بينما غلف المكان من حولها صوت الزغاريد ومن ثم صوت العازفين لتبدأ الزفة بمجرد أن يتناول رحيم ذراع أفنان بين خاصته بدلًا من والدها.
قبل رحيم رأسها قبل أن يمسك بكلتا يديها ويقبلهما بعفوية وحنان شديد دون أن يهتم لمن حولهم ومن يلتقط لهم الصور فمنذ أن وقعت عيناه عليها وهو يشعر بأن العالم من حوله قد اندثر. لا وجود للبشر، لا وجود للجماد، لا وجود لأي شيء فلا شيء يراه وينبض قلبه من أجله سواها هي، هي وحدها…
دنى رحيم من أفنان قليلًا نظر لفارق الطول بينهما واقترب من أذنها وهو يقول الآتي بصوت مرتفع نسبيًا كي تستطيع سماعه وسط الصخب:
"عارفة يا أفي حتى في أجمل أحلامي عمري ما كنت هتخيل إن أنا أتجوز واحدة بالجمال ده، مش قصدي جمال الشكل جمال الروح، جمال الشكل بيختلف من شخص للتاني وبدرجات متفاوتة لكن جمال الروح غير وأنا عمري ما هلاقي حد روحه جميلة زيك."
"بحبك، بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي، وعلى فكرة أنا مسمعتش نص الجملة بتاعتك بسبب الدوشة."
تمتمت أفنان برومانسية في بداية حديثها ومن ثم ختمت جملته بالسخرية وهي تضحك قبل أن تفصل ذراعها عن رحيم وتقف في الإتجاه المقابل له لتلمسك بيده ليبدأ كلاهما في الرقص وبعد دقيقة ينضم إليهم أنس وميرال ومن ثم يتبعهم بعض أفراد العائلة والأصدقاء لترتسم الإبتسامات الواسعة على ثغر الجميع وسط صوت الطبول والزغاريد.
بعد بضع دقائق دلف الجميع إلى داخل القاعة على أنغام أحدى الأغنيات الشهيرة، ومن ثم تبعها صوت أغنية رومانسية ليبدأ رحيم وأفنان في رقص رقصتهم الأولى معًا.
وضع رحيم يده على خصر أفنان بينما وضعت هي كلتا يديها على كتفه بخجل بينما تبتسم ابتسامة واسعة بينما انهمرت عليها كلمات الغزل من رحيم.
"طنط إيڤيلين شكلها حلو أوي النهاردة ما شاء الله، والحج أبوك برضوا قمر بسم الله ما شاء الله عايزة أقولك من يوم الخطوبة وصحابي كلهم عايزين يخطبوه!"
تمتمت أفنان بصوت مرتفع نسبيًا ولكنه كان بالكاد مسموع بالنسبة لرحيم.
"أنتِ بتقولي أيه بجد؟"
سألها رحيم وهو يضحك بقوة قبل أن يضيف:
"صحابك محتاجين يتعالجوا بجد… Daddy issues دي ولا أيه؟"
"دادي إيشوز أيه يعم رحيم ده أنتَ باباك ما شاء الله يعني شكله أصغر منك شخصيًا."
"عارفة الموضوع بجد بيضحك أوي إن الناس فاكرة إننا بنتكلم في حاجة جد ومهمة And we are actually saying random stufff ونحن في الواقع نقول أشياء عشوائية."
"ضحك بجد، بص أنس واقف مخنوق ازاي عايزنا نخلص رقص عشان الأغاني الدوشة تشتغل والبيه يرقص هو وصحابكوا."
"خدت بالي، He is so excited إنه متحمس للغاية زي ما أنتِ شايفة."
بعد انتهاء الرقصة الأولى بدأت أحدى الأغنيات الشعبية ليهرول الجميع نحو ساحة الرقص ويقترب أنس ليقف بين أفنان ورحيم بينما اقتربت ميرال وبعض أصدقائها هي وأفنان ليسحبوا أفنان إلى الجانب الخاص بهم.
بعد مرور خمسة عشرة دقيقة تقريبًا وبينما كان الجميع منشغلًا في الرقص على أنغام أغنيات لم تعرفها أروى ولم تسمع عنها من قبل قررت أن تتجه إلى خارج القاعة لإلتقاط بعض الصور. وبينما كانت تفعل لمحت بطرف عيناها شاب وسيم يرتدي بذلة باللون الرمادي الداكن وقد قام بتصفيف شعره الشبه مموج بعناية. لم تعيره أي انتباه وتابعت إلتقاط الصور كما كانت تفعل لكن بعد دقيقة وجدته يقترب نحوه والحيرة بادية على وجهه قبل أن يسألها بحرج:
"بقولك لو سمحتي هو ده فرح أفنان ورحيم؟ أنا مش عارف اسم القاعة أصلًا…"
"اه هو."
أجابته ببساطة مع ابتسامة صغيرة وهي تشير نحو مدخل القاعة وبداخلها تتسأل من يكون ذلك الشاب فهو لا يبدو من النوع المألوف فهي تعرف معظم أصدقاء أنس ورحيم وذلك الشاب ليس واحد منهم.
"شكرًا جدًا وأسف عالإزعاج بس أنا مش عارف حد هنا خالص."
"مش أنت عارف العروسة أو العريس؟"
"اه، بس مش لاقي حد من عائلتي.. بس خلاص شكلي هلاقي عائلة."
أردف وهو يغمز بإحدى عينيه وقبل أن يتفوه بحرف آخر وجد من يجذبه من بذلته الرسمية نحو الخلف بعنف وهو يسأل بنبرة حادة:
"مالك بيها يا نجم؟!"
"أنس أنتَ اتجننت! Leave him اتركه."
"يا فندم أنا كنت بسألها على اسم العريس والعروسة عشان تايه حضرتك متعصب ليه؟ هو خطيب حضرتك؟"
"لا لا مش مخطوبين، He is my little brother إنه أخي الأصغر."
"طيب أنا أسف لو حضرتك اتضايقت وأسف لو ضايقتك بسؤالي، بعد إذنكوا."
تحدث الشاب بأدب والذي لم تعرف أروى اسمه لكنها بقيت تشمله بإهتمام شديد بينما رمقها أنس بحدة قبل أن يصيح بنبرة درامية مردفًا:
"بت أنتِ لو شوفتك واقفة مع حد تاني هاكلك حتة علقة!"
خليكي جنبي أو جنب ميرال.
"أنا مش فاهمة الجملة بس حاسة إنك بتقلل احترام مني، صح؟"
"الحمدلله إنك مش فاهمة الكلام بالضبط عشان كنت أنت اللي هتاكليني علقة. عالعموم يلا ادخلي متوقفيش هنا لوحدك."
قامت أروى بقرص ذراع أنس بكامل قوتها قبل أن تدلف إلى الداخل بغيظ شديد. ذهبت لتجلس على الطاولة خاصتهم بينما شرعت تبحث بعيناها عن ذلك الشاب الذي رأته في الخارج لكنها لم تجده.
في تلك الأثناء ذهبت أفنان للجلوس على 'الكوشة' وتبعها رحيم لعلهم يحصلوا على بعض الراحة لبضع دقائق. وبينما كانوا يتهامسون فيما بينهم اقترب والد رحيم من مجلسهم وهو يقوم بتهنئتهم مردفاً:
"ألف مبروك يا حبايبي. بصراحة يا أفنان أنا محتاج أشكرك إنك خليتينا نعيش يوم زي ده وخليتي رحيم ابني ياخد خطوة زي الجواز."
"هي أجبرتني يا بابي فعلاً ملحقتش أفكر." تمتم رحيم ممازحاً.
لترفع أفنان إحدى حاجبيها بإعتراض وهي تسأله بنبرة حادة مخيفة:
"والله؟ تحب أقوم أمشي وأسيبلك الفرح؟"
"ياااه يا أفي بهزر بهزر وبعدين على فكرة بقى هشوف أي بنت تانية تكمل معايا الفرح."
"طب بذمتك هتلاقي حد في حلاوتي؟ هتلاقي حد يرخم عليك زيي؟ طب هتلاقي حد يلحقك وقت ما تتث..."
أردفت أفنان وكادت أن تسرد المزيد من التفاصيل، ولكن قبل أن تكمل جملتها وضع رحيم يده فوق ثغرها وهو يمنعها من إكمال الكلمة بينما يردف من بين أسنانه بصوت منخفض نسبياً:
"صه بس خلاص! إيه هتفضحي الدنيا على طول كده؟ ده سر بينا!"
"بس بس ابلع ريقك عشان طنط أمك جاية لا وبتضحك... استرها علينا يارب..."
"أمي تبدين كالملكة اليوم Mum you look like a queen today."
تمتم رحيم وهو يستقيم ليقترب من والدته ويقبل يدها بلطف لتبتسم له في المقابل وتعانقه لثوانٍ قبل أن تفصل العناق وتتحرك خطوتين بحيث تقف أمام أفنان مباشرة، والتي ازدردت ما في فمها بتوتر وهي تنتظر ما ستقوله أو تفعله والدة رحيم.
"أفنان بما إنك قدام الناس كلها بقيتِ مرات رحيم وبقيتِ فرض من عائلة البكري وأسرتنا..."
أطلقت والدة رحيم تنهيدة صغيرة في المنتصف قبل أن تتابع حديثها. وتلك الثواني البسيطة التي مرت كانت بمثابة أعوام بالنسبة لأفنان التي اضطربت معالمها على الفور بينما حاولت أن تحافظ على ابتسامتها اللطيفة قدر الإمكان.
"دي هدية بسيطة مني ليكي. This ring was my great grandmother's 'كان هذا الخاتم لجدتي الكبرى'."
"واو! ده قيم جداً ما شاء الله!"
"بالظبط. الخاتم ده العائلة بتاعتي كانت بتتوارثه... يعني كل أم بتديه لبنتها يوم فرحها و As you know i only have one child and i don't have any daughters 'وكما تعرفين ليس لدي غير ابن واحد فقط وليس لدي أيه أبناء فتيات'."
ابتسمت أفنان ابتسامة واسعة وهي تستمع لما تقوله والدة رحيم وقد توقعت ما ستقوله بعد ذلك. ساد الصمت لبرهة قبل أن تتابع:
"ودلوقتي You are my daughter in law 'أصبحتِ زوجة ابني/ في مقام ابنتي' الخاتم ده دلوقتي بقى بتاعك يا أفنان."
تمتمت والدة رحيم وهي تضع الخاتم في يد أفنان، والذي انبهرت أفنان لكونه يناسب مقاس أصبعها، والذي اتضح بأن والدة رحيم قد طلبت من الصائغ ان يضبط مقاسه على مقاس أصابع أفنان.
اتسعت ابتسامة رحيم لما حدث ولقد امتزجت سعادته بالدهشة، فهو لم يعلم أي شيء حول ذلك الخاتم وقد انبهر كثيراً بمدى لطف ما فعلته والدته. وأكثر ما أسعد قلبه هو تحسن العلاقة بين أفنان ووالدته، فواحدة منهم قلبه والآخرى روحه. هو يعلم أن العلاقة لن تدوم على هذا الحال طويلاً، فطباع والدته حادة للغاية، لكن على الأقل هي لم تفسد هذا اليوم المميز ولم تعكر صفو الأجواء.
في ذلك الوقت كان نوح يقف بالقرب من باب القاعة بتردد شديد لا يدري هل يدلف إلى الداخل أم أن وجوده غير مرحب به. ولكن خالته أصرت إصراراً شديداً على حضوره ورحيم قام بإرسال بطاقة دعوة تحمل اسمه تحديداً.
تجول بعيناه داخل المكان دون أن يخطو خطوة واحدة نحو الداخل. وفي تلك الأثناء كان رحيم يقبل يد أفنان ومن ثم يعانقها عناقاً لطيفاً. أشاح نوح بوجهه عنهم بإستياء ليلمح ميرال التي وقفت تراقب أنس الذي يرقص بحركات جنونية بينما لمعت عيناها واتسعت ابتسامتها. أطلق نوح سبة. لقد أرتكب أخطاء جسيمة والآن قد خسر عائلته بأكملها وبقي ها هنا وحيداً بائساً كحيوان أجرب.
وبينما كان نوح منخرطاً في تفكيره العميق الحزين كانت هناك فتاة تسير نحو الخارج والتي لم تراه كما يراها وقد اصطدمت به بينما كانت تحمل كوباً من المياه الباردة والتي انسكبت بعد قطراتها على بذلة نوح ليصيح على الفور وهو ينتفض بإستياء شديد:
"ما تحاسبي يا بنتي البدلة! بصي قدامك وأنتِ ماشية مش معقول كده."
صاح نوح للفتاة التي كانت تميل برأسها نحو الأسفل وكأنها تبحث عن شيء ما، وبالفعل كان ذلك صحيحاً حيث اعتذرت على الفور منه وهي تفسر الأمر:
"أنا أسفة جداً بجد... النضارة بتاعتي وقعت مني وخايفة تكون اتكسرت ولا حد داس عليها... وبعدين الموضوع مش مستاهل العصبية دي كلها."
"حقك عليا يا ستي... استني طيب هدور معاكي بدل ما تخبطي في حد تاني!"
"لا شكراً مش عايزة اتعب حضرتك." تحدثت الفتاة بأدب بالرغم من سخافة ما قاله نوح. أدرك حماقته على الفور بسبب نبرتها اللطيفة ليقوم بتعديل نبرته وهو يصر على مساعدتها مردفاً:
"مفيش تعب ولا حاجة... أهي لاقيتها... هي دي؟"
"ايوا هي... الحمدلله طلعت سليمة..."
تمتمت الفتاة بعد أن قامت بتنظيف النظارات الطبية خاصتها. وبمجرد أن ارتدتها وأزاحت خصلات شعرها المبعثرة نحو الخلف خالج نوح شعور بأنها مألوفة بالنسبة إليه ليسألها على الفور وقد عقد حاجبيه:
"أنا شوفتك فين قبل كده؟"
لم تجبه على الفور بل طالعته لثوانٍ وقد أصبحت رؤيتها أوضح قبل أن تردف بحماس واضح لكونها تذكرت:
"دكتور نوح صح؟"
"أنتِ عرفاني صح؟ أيوا أنا شوفتك قبل كده فعلاً... بس مش قادر أفتكر فين..."
"شوفتك في كتب كتاب أفنان وطبعاً في الخطوبة بتاعتك أنتِ وميرال..."
"ايوا صح... بس كان شعرك أطول من كده صح؟"
"اه ما أنا قصيته على سبيل التغيير يعني وعشان فرح أفنان وكده."
"هو أنتِ تقربيلها إيه؟ من عائلة عمو أحمد صح؟" سأل نوح بفضول وهو يضع كلتا يديه في جيوبه لت يومئ ريماس بـ 'نعم' ثم تقول:
"اه أنا بنت أخته..."
"اسمك فيه حرف الراء كده صح؟"
"ريماس... اسمي ريماس..."
"اتشرفت بيكي..."
"الشرف ليا أنا... إيه ده؟!! آسر!" كانت تتحدث ريماس بهدوء ولكنها بدون سابق انذار وهي تهرول نحو شاب ذو قامة طويلة لتأخذه في عناقٍ حار.
أمتعض وجه نوح على الفور وهو يسب حظه داخلياً. وجدها تفصل العناق عن ذلك الشاب والذي قام بعدها بتقبيل رأسها ليهمس نوح بإستياء شديد:
"يعني يوم ما بنت تعجبني بعد حوار ميرال تطلع مرتبطة في الآخر؟!"
"دكتور نوح أعرفك... باشمهندس آسر أخويا الكبير... آسر ده دكتور نوح ابن أخت طنط رانيا."
"اتشرفت بحضرتك."
كان كلاهما يتصافحان بينما كانت تتباعهم عيون أروى والتي كانت تظن مثل نوح في البداية بأن ذلك الشاب هو حبيب أو زوج ريماس المستقبلي. وقد كان وجهها عابس هي أيضاً لأنه الشاب الوحيد الذي قام بلفت نظرها منذ أن عادت إلى مصر.
"معلش يا دكتور نوح عن إذن حضرتك ثواني." استأذن آسر بأدب ليسحب ريماس بعيداً عن نوح وهو يسألها بغيرة أخوية:
"مين ده عشان توقفي تتكلمي معاه كده؟"
"والله أحنا وقفنا نتكلم صدفة يعني... مكنتش شايفة من غير النضارة ومش لابسه اللينسيز فخبطت فيه واعتذرتله وبس طلعنا نعرف بعض عشان قابلته في خطوبته على ميرال قبل كده."
"إيه ده؟!"
مقولتيش إنه خطيب ميرال يعني.
ما هما فسخوا الخطوبة قبل الفرح بكام شهر بس مش عارفة تفاصيل بصراحة.
طب وجاي هنا ليه؟ أيه البجاحة دي؟ عالعموم ملناش دعوة. المهم إنك متقفيش معاه تاني من فضلك ماشي.
حاضر.
ريماس بقولك أيه. هي مين البنت اللي واقفة هناك دي؟ اللي لابسه فستان ستان.
أخت صاحب العريس. بتسأل ليه؟ مش أحنا قولنا مش هنوقف نتكلم مع حد ولا الكلام ده عليا أنا بس ولا أيه.
وهو أنت شوفتيني وقفت معاها؟ أنا بسأل بس.
طيب شاطر.
بعد بضع دقائق آخرى شعر أنس بالإرهاق من كثرة الرقص والتحرك بعشوائية في كل مكان. وقف ليلتقط أنفاسه ليلمح مجموعة من الفتيات واللاتي يعرفهن أنس ورحيم من خلال تعاملاتهم مع العديد من الشركات الشهيرة. ولكن كانت تجمعهن علاقات ودودة غير رسمية مع أنس ورحيم وميا.
حبايب قلب أنوسة من جوا. قال أنس وهو يفتح ذراعيه استعدادًا لإستقبال صديقاته هو ورحيم المقبلات نحوه. ولكن بمجرد أن لمح ميرال التي ترمقه بنظرات حادة كالصقر الذي على وشك أن يلتهم فريسته قام بضم ذراعيه على الفور ومن ثم قام بتمثيل أنه يقوم بإدلالهم على طاولتهم بدل أدب وبراءة.
الترابيزة هناك أهي يا بنات لو حد محتاج أي حاجة أنا مش هنا محدش يكلمني.
والله.
في حاجة يا آنسة ميرال؟ البنات تايهين وبساعدهم باخد ثواب يا ستي.
بالفساتين اللي هما لابسينها دي متأكد إنك بتاخد ثواب برضوا.
سألت ميرال مستنكرة وهي تطالع ثياب الفتيات بإزدراء واضح. فلقد كانت ملابسهم فاضحة بالنسبة إلى ميرال والتي لم تعتاد أن ترى فتيات ترتدين مثل هذه الثياب غير في الأفلام السينمائية ولم يسبق لها كذلك التعامل مع تلك الفئة من المجتمع.
أو ذنوب مش متأكد بصراحة. ويلا متقفيش معايا عشان مينفعش نقف نتكلم، بس خدي بالك الوضع ده مؤقت بعد كده هفضل أرغي معاكي براحتي عادي ومحدش هيعرف يقولي نص كلمة.
كان حديث أنس ساخرًا في البداية لكنه تحدث بنبرة جادة لا تخلو من اللطف في نهاية حديثه وهو يغمز بأحدى عينيه لتبتسم ميرال دون إرادة منها لتخفي ابتسامتها على الفور بيديها وهي تسير مبتعدة عنه. أطلق أنس تنهيدة طويلة وهو يفكر في الطريقة المناسبة لتنفيذ خطته.
بعد نصف ساعة آخرى قرر أنس أن يخطو خطوته المتهورة ويذهب للتحدث مع والد أفنان وميرال والذي كان جالسًا على أحد الطاولات. ذهب أنس للجلوس على الكرسي الذي إلى جانبه ومن ثم قام بتقريبه من والد ميرال أكثر كي يستطيع سماعه بوضوح نظرًا لكون الموسيقى صاخبة.
بقول لحضرتك يا عمو أحمد. هو أنا عارف إن الوقت مش مناسب وكده عشان الفرح. بس أنا. أنا عايز أزور حضرتك ضروري بعد الفرح.
تنور يا حبيبي طبعًا ده بيتك. بس هو في سبب محدد للزيارة ولا عايز تنورنا عادي.
بصراحة يا عمو يعني حضرتك عارف إن أنا أهلي ماتوا وكده. يعني عايز أزور حضرتك أنا وأروى أختي وأونكل حامد بابا رحيم.
نظر والد أفنان نحو أنس بحيرة. لقد فهم تقريبًا ما ينوي قوله لكنه أراد أن يسمعها واضحة وصريحة من فم أنس. اضطربت معالم أنس قليلًا وهو يحك مؤخرة عنقه قبل أن يتابع مردفًا:
يعني. أنا عايز أطلب إيد ميرال من حضرتك. أنا عارف إننا يعني منعرفش بعض كويس بس هنتعرف في فترة الخطوبة لو حضرتك تكرمت ووافقت يعني.
أعتلت الدهشة معالم والد أفنان بعض الشيء فهو لم يتوقع أن يتجرأ أنس ويطلب ذلك بطريقة مباشرة. ابتسامة صغيرة زينت ثغر والد أفنان وهو يضع يده في حنان أعلى كتف أنس ليطمئنه قائلًا:
البيت مفتوح أي وقت تنورونا فيه يا ابني.
كانت جملة والد أفنان بسيطة. مختصرة ولكنها كانت حنونة يشع منها الدفء. تنفس أنس الصعداء وهو يبتسم ابتسامة كبيرة قبل أن يسحب والد أفنان وميرال في عناق لطيف. فلقد شعر أنس بحنان الأب من بضع كلمات بسيطة تفوه بها والد أفنان. فكلمة "ابني" وحدها كانت كفيلة بجعل الجروح التي في قلب أنس تلتئم.
بعد مرور بضع دقائق آخرى وبينما كانت أفنان تتجول في قاعة الزفاف لتقوم بإلقاء التحية على الحضور. وأثناء ذلك لمحت أفنان بعيناها عمتها وجدتها يدلفون إلى داخل القاعة. عقدت أفنان حاجبيها بإستياء شديد وهي تسير نحوهم بخطوات غاضبة واسعة بينما تردف:
أنتوا أيه اللي جابكوا هنا؟ كمان ليكوا عين.
عيب يا أفنان يا بنتي الكلام ده ولا أنت محدش علمك العيب والأصول.
أنا عشان عارفة العيب والأصول يا عمتو مش هقولكوا اطلعوا برا مع إن ده حقي لأن ده فرحي. بس والله العظيم لو حد كلم بابا نص كلمة وزعلوا في حاجة لهسيب الكوشة والفرح وهخلي اللي ما يشتري يتفرج.
خلاص يا أفي خلاص أهدي شوية. ميرال معلش خدي أفنان كده خليها تشرب عصير ولا حاجة.
أنا بعتذر عن اللي حصل بس حضرتك لازم تبقي مقدرة إن اللي حصل مع باباها مش بسيط برضوا. أنا عمتها مش هتدخل في مشاكل عائلية أكيد بس من فضلك ده فرحها وأنا مش هسمح لحد أنه يزعلها في يوم زي ده.
وأحنا يا ابني محدش فينا جاي يزعلها ولا يبوظ اليوم. دي في الآخر حفيدتي يعني.
لو كده يبقى أهلًا بحضراتكوا وتنوروا طبعًا. أنس معلش شوفلهم مكان يقعدوا فيه. يبقى بعيد عن بابا أفنان أهم حاجة.
حاضر هشوفلهم مكان يقعدوا فيه. خدامين أبوكوا أحنا بقى.
بتقول حاجة يا أنس.
مفتحتش بوقي.
بعد أن قال أنس جملته تركه رحيم وتوجه نحو أفنان الجالسة في الموضع المخصص لها هي ورحيم. اقترب منها ليجلس إلى جانبها وهو يمسك يديها بينما يقول:
ممكن تهدي شوية لو سمحت. مفيش داعي للعصبية دي كلها. يلا وريني الضحكة الحلوة.
يا رحيم هما مستفزين بجد. يعني ريماس جت وأنا معترضتش وقولت هي ملهاش ذنب في حاجة تيجي على عيني وعلى رأسي. لكن هما لا.
أردفت أفنان بضيق شديد وغضب ولكن رحيم عاود التحدث بنبرة هادئة وحنونة كي يمتص غضبها.
خلاص معلش أنت عندك حق. بس هما خلاص هنا واللي حصل حصل مش هتبوظ اليوم عشانهم.
حاضر.
بعد عشرة دقائق كان الجميع على استعداد إلى الفقرة المحببة لدى الجميع في حفلات الزفاف "البوفيه". كان المكان مزدحمًا والجميع يحملون في أيديهم أطباق ممتلئة من الخيرات. وفي تلك الأثناء وقفت ميرال في منتصف القاعة وهي تمسك بطبق فارغ في يد وبالآخرى تمسك بذيل فستانها الطويل.
مالك واقفة كده ليه. سأل أنس الذي ظهر من اللامكان لتنتفض ميرال لثانية قبل أن تجيبه من بين أنفاسها المتسارعة:
مش عارفة. مش عارفة اجيب أكل وخايفة حد يوقع حاجة عالفستان بصراحة.
طيب خليكي واقفة هنا. هاتي الطبق ده وأنا دقيقتين بالضبط وهكون عندك. معرفش أنت بتاكلي أيه بس هعملك تشكيلة يعني.
أومئت ميرال بإمتنان وخجل وهي تمنح الصحن لأنس. منحها ابتسامة صغيرة قبل أن يرحل من أمام عيناها. وفي تلك اللحظة كانت ميرال تعبث في هاتفها ولكنها شعرت بأحدهم يقترب منها فرفعت وجهها ظنًا أنه أنس يود أن يغازلها مجددًا قبل رحيله. لكنها فوجئت بكونه نوح.
ميرال. عاملة أيه. ألف مبروك وعقبالك.
أنا الحمدلله. شكرًا.
عفوًا. طب أنت عارفة إن. إن شكلك حلو أوي النهاردة. قصدي يعني لون الفستان ولفة الطرحة. المكياج بتاعك كده يعني.
حاول نوح أن يغازل ميرال بنبرته اللطيفة ولكن عكس ما توقع تمامًا لم تقبل ميرال مغازلته بل علقت على ما قاله بجفاف تام مردفة:
اه عارفة كل الناس قالتلي كده النهاردة.
أنا جييت. هو أيه ده. أمسك الطبق ده كده.
كان أنس يقول بحماس لكن سرعان ما تحولت سعادته إلى استياء لرؤيته لنوح الواقف أمام ميرال. اقترب أنس من نوح وكأنه على وشك أن يدفعه لتضع ميرال يدها بين كليهما بينما تردف:
أنس. أنس. مفيش حاجة كان بيقول مبروك.
أمسك بس الطبق ده قولتلك. وأنت بقى واقف معاها ليه يالا إن شاء الله. عايز منها أيه. ليك عين تقف تتكلم معاها. يا بجحتك يا أخي.
وأنت مالك اقف معاها ولا مقفش دخلك أيه أصلًا. بنت خالتي وبكلمها هاخد الإذن منك.
صاح نوح بالمقابل وهو يسأل في نهاية حديثه بإستنكار متعمدًا إثارة غيظ أنس. لكن ذلك لم يحدث حيث طالعه أنس ببرود تام قبل أن يقول بثقة شديدة وهو يعيد خصلات شعره نحو الخلف:
اه هتاخد الإذن مني.
ليه أنت مفكر نفسك مين يعني.
خطيبها.
تلفظ أنس بثقة شديدة وهو يضع أحدى يديه في جيب بنطاله. أعتلت الدهشة معالم كلًا من نوح وميرال فميرال شخصيًا لا تعلم ما الذي يتحدث عنه أنس.
خطيبها ازاي يعني. أنت بتحور يالا عمو أحمد مش هيجوز بنته لعيل صايع زيك.
لم نفسك عشان معملهاش معاك.
ولو مش مصدقني تقدر تروح تسأل عمو أحمد بنفسك وشوف هيقولك إيه.
تحدث أنس بثقة شديدة، فهو واثق من أن نوح لن يسأل والد ميرال عن صدق حديثه.
أمتعض وجه نوح بشدة وهو يضم قبضته، وكاد أن يقدم على خطوة متهورة ولكنه تراجع في النهاية، فلا فائدة مما سيفعله، بل سيزداد الأمر سوءًا بإفساده لحفل زفاف أفنان، كما أن ذلك لن يغير حقيقة كون ميرال تبغضه.
"يلا هوينا بقى يا نوح وروح كل جاتوه." تمتم أنس بنبرة مستفزة.
طالعه نوح من الأعلى إلى الأسفل ثم رحل مبتعدًا عنه وعن ميرال.
"أنا عايزة افهم بقى إيه موضوع خطيبي ده؟!"
سألت ميرال بنبرة جادة وهي تعقد كلتا ذراعيها أمام صدرها باعتراض، في انتظار تفسير من أنس، ولكنه تجاهلها تمامًا وهو يتحدث بشأن شيء آخر، مشيرًا إلى قاعة الزفاف المجاورة لهم قائلًا:
"بقولك إيه يا ميرال، أنا سمعت إن في مأذون في القاعة اللي جمبنا، ما تيجي منخليهوش يمشي... يطلع بمصلاحتين بدل مصلحة واحدة، وأهو البحر يحب الزيادة."
"إيه؟ أنت بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟!"
سألت ميرال بعدم استيعاب، فعقلها لا يستطيع ترجمة ما يقوله أنس، وإن كانت قد فهمت ما يرمي إليه، ولكنها قامت بتكذيب نفسها. ولكنه قرر أن يفصح عن الأمر بصراحة ووضوح، حيث قام بالإعتراف بمشاعره تجاهها قائلًا:
"بقول... إن أنا بحبك وعايز اتجوزك، وبقول إن أنا طلبت إيدك بشكل مبدأي من عمو أحمد!"
"أنت... أنت بتتكلم جد؟ الحاجات دي مفهاش... مفهاش هزار يا أنس..."
"وأنا عمري ما اتكلمت جد زي دلوقتي! أنا كنت ضايع يا ميرال، وأنت كمان كنت ضايعة، ولاقينا نفسنا لما لاقينا بعض..."
"أنا... أفنان... أفنان بتنادي عليا... عن إذنك..." نبست ميرال بتلعثم شديد وهي تسير بخطوات مسرعة مبتعدة عن أنس ومتجهة نحو أفنان، بينما كانت تختلس النظرات نحو أنس لترى إن كان مازال يراقبها أم لا، وكانت الإجابة نعم، فهو لم يزيح عيناه عنها حتى تأكد من أنها ذهبت للتحدث مع أفنان.
ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغر أنس وهو يتذكر ما حدث قبل قليل، ردة فعل ميرال اللطيفة وصدمتها من حديث أنس، وكذلك بريق السعادة والأمل الذي رآه في عيناها حينما تسللت كلماته إلى أذنها.
بعد مرور المزيد من الوقت، والذي مر سريعًا، كان حفل الزفاف قد انتهى، وكانت الساعة تقرب للثانية عشرة بعد منتصف الليل. رحل معظم الحضور فيما عدا أسرة رحيم وأفنان.
"يلا يا عريس عشان نوصلك للبيت." أردف أنس وهو يشير لرحيم بأن يعطيه مفاتيح السيارة، لكن رحيم لم يفعل ذلك وعلق على ما قاله مردفًا:
"لا مفيش داعي، أنا هسوق العربية، كفاية عليكوا لحد كده، أنتوا تعبتوا معايا أوي النهاردة."
"إيه ده يعني مش هنوصلك يا أفنان لحد البيت؟"
سألت ميرال بوجه عابس وأعين دامعة، فعقلها لا يستطيع استيعاب كون أفنان لن تعود برفقتها إلى المنزل كي تشاركها الثرثرة في الطريق، ومن ثم الذهاب للنوم في حجرتهم الصغيرة الدافئة.
"معلش يا ميرو متزعليش... طب خلاص يا رحيم، خليهم يوصلونا لحد البيت من برا ونبقى نكمل أحنا باقية المدخل بالعربية عشان محدش يزعل."
"تمام، أنا بس مكنتش عايز أتعبهم."
في النهاية توجه الجميع إلى منزل رحيم وأفنان. السيارات تسير إلى جانب بعضها البعض... سيارة رحيم يليها سيارة أنس... سيارة والد رحيم، وثلاث سيارات لأصدقاء رحيم وأنس. كانت السيارات تقوم بعمل نغمات بواسطة 'كلاكس' السيارة، بالإضافة إلى صوت الأغاني الصاخب الذي صدر من السيارات.
توقفت السيارات بالقرب من مدخل المنزل، ولكن من الخارج، بحيث سيكمل أفنان ورحيم التحرك بسيارتهم إلى داخل بضعة أمتار كي يصلوا إلى باب المنزل.
"ألف شكر يا رجالة، نجاملكوا في الأفراح إن شاء الله، وعقبالكوا كلكوا لما تتدبسوا نفس التدبيسة... بس أنا الأول إن شاء الله يعني."
صاح أنس وهو يشكر أصدقائه بنبرة درامية، قبل أن ينهي حديثه بابتسامة جانبية صغيرة وهو ينظر نحو ميرال، التي ضحكت ضحكة رقيقة وهي تشيح بنظرها بعيدًا عنه.
"بابا حبيبي... مامتي... هتوحشوني أوي بجد..."
همست أفنان وهي تعانق والديها في الوقت ذاته، واستمر الوضع على هذا الحال لبضع ثوانٍ، قبل أن يفصل والدها ذلك العناق الجماعي ويسحب أفنان وحدها في عناق دافئ... حنون... قوي. تتساقط دموعه بغزارة... تلك الدموع التي تسمى دموع الفرحة.
فهو سعيد، بل يكاد يحلق من كثرة السعادة، فابنته الحبيبة... صغيرته قد أصبحت عروسًا، وها هو قد انتهى من أداء رسالته. فلقد قام بتربيتها... منحها الحب والحنان... قام بمرافقتها في مسيرتها التعليمية حتى أنهتها، والآن ها هو قد قام بإيصالها إلى عش الزوجية خاصتها.
"خدي بالك من نفسك يا حبيبتي... هتوحشيني أوي يا حبيبتي، هتوحشيني أوي يا نور عيني... أنا مش عارف أنت كبرتي كده أمتى؟ أنا فاكر لما كنت بتخافي تمشي في الشارع غير وأنت ماسكة فيا، معرفش كبرتي كده أمتى..."
"خلاص بقى يا أحمد، متخليهاش تعيط... ربنا يكتبلهم السعادة ويخليهم لبعض ويرزقهم بالذرية الصالحة يارب..."
نبست والدة أفنان، والتي كانت تبكي بدورها، ولكنها حاولت جاهدة أن تتماسك كي لا يزداد الوضع حساسية. وفي تلك الأثناء، كان والد رحيم يعانقه، ومن ثم والدته. لم تبكي والدة رحيم ولم تدمع عيناها، وكانت ظاهريًا جامدة إلا حد كبير، إلا أن داخلها كان يشتعل لشعورها بأن صغيرها قد كبر وأنه سيبتعد عن عيناها وستكون له حياته الخاصة.
"خدوا بالكوا على بعض يا حبيبي، وأنت يا أفنان يا حبيبتي لو رحيم زعلك في حاجة عرفيني بس وشوفي أنا هعمل فيه إيه."
"ربنا يخليك يا أونكل، متقلقش، رحيم بيخاف على زعلي أكتر من أي حد في الدنيا."
قالت أفنان، ليعانقها رحيم من جانبها لتبتسم، قبل أن توجه نظرها إلى ميرال، التي وقفت في هدوء شديد بينما تبكي في صمت. اقتربت منها أفنان وهي تسحبها في عناق قوي، بينما تهمس:
"إيه يا ميرو مش هتسلمي عليا؟"
"هتوحشيني أوي... مش قادرة أصدق إنك مش هترجعي معايا النهاردة، وإني هروح ألاقي سريرك فاضي... هصحى الصبح في هدوء من غير ما ترخمي عليا وتقعدي تزعقي عشان مش لاقية البندانة بتاعتك وعشان لبست جزمتك..."
"أنا مش هتأخر عليكي صدقيني، وهزوركوا كل يوم، كده كده رحيم هيبقى في الشغل، وعارفة أول لما نرجع من السفر أول حد هشوفه هيبقى أنتوا... وكمان يا عبيطة احتمال تيجي تسكني جنبي قريب، ولا إيه يا أنس؟"
"نسكن في المكان اللي هي بتحلم بيه، إن شاء الله عالقمر، هي تؤمرني بس."
"خدي بالك من نفسك." كانت هذه آخر جملة تقولها ميرال، قبل أن تعانقها أفنان مجددًا، ثم تودعها وتودع الجميع، وتدلف إلى داخل السيارة مجددًا.
بعد بضعة أمتار، توقفت السيارة أمام المنزل، لتأخذ أفنان نفسًا عميقًا، ثم تزفره بتوتر واضح. منحها رحيم ابتسامة لطيفة، قبل أن يمسك بيدها بحنان شديد، ثم يطبع عليها قبلة رقيقة، قبل أن يهمس:
"مرحبًا بكِ في قصركِ أميرتي Welcome to your palace my princesss."
ابتسمت أفنان بخجل واضح، وهي تنظر إلى داخل عيناه الخضراء، والتي بدت داكنة بسبب الإضاءة الضعيفة نسبيًا. غادر كلاهما السيارة على الفور، بعد أن قام رحيم بفتح الباب من أجل أفنان بنبل.
"الله! أنت اللي حطيت الورد ده كده؟ شكله تحفة بجد، كأننا طالعين من كرتون فعلًا."
تمتمت أفنان بإنبهار واضح، وهي تنظر إلى بتلات الأزهار ذات اللون الأحمر الداكن المنثورة على مدخل المنزل. لم تتلق ردًا من رحيم على ما قالته، ففي تلك اللحظات، كان رحيم يستعد لحمل أفنان بين ذراعيه، لتصرخ هي على الفور بفزع، قبل أن يتحول خوفها إلى ضحكات متقطعة.
فور صعودهم إلى الحجرة، جلست أفنان على الكرسي الموضوع أمام المرآة، وهي تحاول نزع حجابها، الذي تم تثبيته بالعديد من 'دبابيس الطرح'. كانت تفعل ذلك بتوتر وحيرة. كان يراقبها رحيم وعلى وجهه ابتسامة واسعة، وهو يتأمل حركاتها اللطيفة. وفي النهاية، قرر أن يستقيم ويقترب منها، وهو يردف بنبرة مرحة:
"أساعدك؟"
"ياريت بدل ما أنت قاعد متنح كده."
"مفيش فايدة فيكي يا أفي بجد."
ساعدها رحيم على نزع وشاح رأسها، ولأول مرة يرى خصلات شعرها السوداء بوضوح. استقامت أفنان من مقعدها لتواجه رحيم مباشرة، فتشعر بالحمرة تعتلي وجهها، قبل أن ترجع بضع خطوات نحو الوراء، لتترك مسافة كافية بينهم، بينما تنزع رابطة الشعر خاصتها، لتترك خصلات شعرها تنسدل، وإن لم تفعل بطريقة ساحرة ودرامية كالأفلام، فلقد التوت خصلات شعرها وتموجت نسبيًا نتيجة ضغط وشاح الرأس والرابطة عليها والرطوبة كذلك.
"كان نفسي أعملك فيها رابنزل بقى، بس شعري كمكم من الطرحة تقريبًا... يا خسارة الفلوس اللي اتدفعت في شعري والله."
"صه أفي!"
دعينا نستمتع بهذه اللحظة.
تمتم رحيم وهو يقترب منها، ثم يجذبها في عناق لطيف إلى صدره. شعرت أفنان بالهواء يختفي من المكان، ساد الصمت لبرهة قبل أن تفصل أفنان العناق وتشهق شهقة طويلة، محاولة الحصول على قدر كافٍ من الأكسجين لتملأ بها رئتها.
"يا إلهي OMG أنت كويسة؟"
"كنت هفطس… بس ربنا ستر!"
"مش معقول يا أفي، والله كل ما أحاول أبقى Romantic 'رومانسي' تبوظ المشهد كده."
"بقولك إيه، أبعد كده أنا هروح أغير هدومي وأقعد آكل لقمة لأني هموت من الجوع بجد." أعلنت أفنان وهي تدفع رحيم بعيدًا عنها، بينما تذهب نحو خزانة الملابس وتسحب بيجاما من الحرير، ثم تذهب نحو دورة المياه، تاركة رحيم واقفًا في صدمة، قبل أن يعيد خصلات شعره نحو الخلف، بينما يبتسم ابتسامة جانبية، ثم يتمتم:
"لقد تزوجت من امرأة مجنونة I got married to an insane woman!"
في ظهر اليوم التالي، استيقظت أفنان بكسل لتجد أن رحيم ليس إلى جانبها. غادرت الحجرة وتوجهت نحو الطابق السفلي لتلمح رحيم يقف بالقرب من طاولة الطعام، وقد قام بإعداد الفطور من أجلها. كانت أفنان تسير بهدوء، ولم يكن رحيم لينتبه لصوت خطواتها لولا أنها تثأبت بصوت عالٍ. لينتفض رحيم بهلع، ويده بالقرب من موضع قلبه، وهو يردف:
"بسم الله… خضتيني يا أفي!"
"صباح الفل والشربات على أجمل إنتاج مشترك ما بين مصر وإنجلترا. صباح الفل على أجمد Handsome man عالكوكب والكواكب المجاورة."
"أحلى Morning في حياتي. صباح الخير يا أفي… كنت ناوي أطلع الفطار ليكي في السرير، بس أنت سبقتيني وصحيتي لوحدك."
"لا يا حبيبي، ولا يهمك… لا ثواني كده… هو ده الفطار؟!"
"اه… مش عاجبك ولا إيه؟"
"لانشون… جبنة رومي… جبنة اسطنبولي… جبنة فلامنك… جبنة برادفورد."
"برادفورد إيه يا أفي؟! ريكفورد قصدك!"
"متغيرش الموضوع، فين الحمام؟ الحمام فين؟!"
"حمام في الفطار؟!"
"اه حمام وفراخ مشوية وفطير وعسل!"
"ليه عايزانا نقضي ال Honeymoon في وحدة غسيل المعدة؟!" سأل رحيم باستنكار شديد، لتطالعه أفنان بضيق وهي تقول:
"يا رحيم غسيل معدة إيه؟ كل العرسان بيفطروا كده، وبعدين اسم الله يا أخويا على فطار الإنجليزي اللي بتاكلوا فيه سجق على بيض مع فاصوليا بيضاء بصلصة… حد ياكل فاصوليا على الفطار؟!"
"على فكرة ده حلو جداً، أنت مجربتيهوش عشان تقولي إنه وحش. وبعدين ما أنت بتاكلي فول وطعمية وبتنجان وبصل الصبح، طب بذمتك دي حاجات متوجعش القولون؟"
"بس خلاص، الأكل ده أذواق."
"صح، براڤو عليكي."
"وفي ناس ذوقها يقرف، ما علينا… بقولك إيه صحيح، ماما هتيجي هي وميرال وغالباً خالتو يطمنوا عليا ويشوفونا قبل ما نسافر وكده."
"أوه، طب ده شيء لطيف أوي بجد! معقول وحشتيهم للدرجة دي في يوم واحد بس، فا عايزين يشوفوكي؟ طب هييجوا أمتى؟"
"وحشتهم مين يا رحيم؟ دي طقوس يا حبيبي، عادات وتقاليد عجيبة كده إن لازم الأهل يجوا تاني يوم… غالباً عالمغرب كده إن شاء الله."
"بجد؟ مش عارف، أصل مامي مقلتش إنها جاية، هتستنى عادي لما نرجع من السفر."
"صراع الحضارات والثقافات بقى. الست والدتك دي رايقة ومحترمة الصراحة."
تمتمت أفنان، وقد كانت تتحدث بجدية هذه المرة، فوالدة رحيم لا تشغل بالها بالكثير من الأشياء مثل والدتها على سبيل المثال. مر اليوم سريعاً، وكذلك زيارة أسرة أفنان، وفي مساء تلك الليلة كانت أفنان تقوم بتوضيب الحقائب استعداداً للسفر برفقة رحيم إلى 'شهر العسل'.
"أفي متحطيش لبس كتير، أحنا هنشتري حاجات كتير من هناك."
"يااه على حياة الأغنياء والمرفهين!"
"يا بنتي أنت خلاص بقيت في ال List 'قائمة' الأغنياء والمرفهين عادي!"
"صح عندك حق! عموماً، أنا اخترتلك لبس على ذوقي… بهزر طبعاً، أنت كنت مطقم القمصان والتي شيرتات على البناطيل وأنا خدتهم على الشنطة زي ما هما… أنت مش متخيل أنا متحمسة إزاي أشوف شكلك باللبس الكاچول من يوم ما عرفتك وأنت بتلبس بدل بس."
"ما أنت عارفة يا حبيبي، شغلي بيخليني أعتمد على اللبس ال Formal 'رسمي'، بس خلاص هخليكي تشوفيني بالكاچوال شهر كامل."
"يا سلام عالدلع يا سلام… بقولك إيه، هو إحنا المفروض نتحرك على الساعة كام إن شاء الله؟"
"الطيارة الساعة ٧، وإحنا المفروض نكون هناك من قبلها بـ ٣ ساعات على الأقل، فهنتحرك من هنا على الساعة ٢٢ ونص."
"طب كويس، هلحق أنام براحتي شوية."
"لا ما هو بصي… هقترح عليكي حاجة، تيجي نصحى بدري شوية عن ميعادنا ونروح مشوار صغير كده قبل ما نروح المطار؟" عرض عليها رحيم بحماس شديد، لتسأله أفنان ممازحة:
"هنروح نزور أنس ولا إيه؟ ما هو في الوقت المتأخر اللي هننزل فيه ده هتبقى الناس كلها نايمة في بيتها إلا الواد الصايع ده!"
"الواد الصايع اللي طلب إيد أختك من باباكي امبارح؟ اللي هو في خلال سنة أو سنتين هيكون جوز أختك المفروض؟"
"متدخلنيش في تفاصيل دلوقتي! هتوديني فين؟"
"هتعرفي لما نروح. تعالي نكمل تحضير الشنط."
في تمام الواحدة صباحاً، كانت أفنان تجلس أعلى سيارة رحيم من الخارج، تمسك بكوب 'حمص الشام' الحار. يستند رحيم على السيارة إلى جانبها، يقف في حيرة من أمره، يتأمل القمر تارة ويتأمل أفنان تارة، وهو لا يدري أيُّهما القمر الحقيقي.
"القمر شكله حلو أوي النهاردة… ملحوظة صغيرة، القمر ده أنتِ. بجد شكلك قمر بالطقم ده."
"كنت لسه هقولك نفس الكلام بس سبقتيني. الجو حلو أوي ومريح للنفس حقيقي… الهواء الساقع… القمر… النيل… وأنتِ."
"لا أنتِ كده هتخليني أقولك بحبك بصوت عالي في وسط الشارع وأفضحك على فكرة!"
قالت أفنان وهي تقوم بتهديد رحيم، ليضحك هو بقوة حتى تختفي عيناه، قبل أن يردف بمراوغة وهو يطبع قبلة على يديها:
"وفيها إيه؟ ما أنتِ مراتي حلالي وروح قلبي."
"طب ما تشغلنا حاجة للست كده نسمعها واحنا بنتفرج على القمر عشان شوية وهنتحرك عالمطار."
أومأ رحيم بلطف وذهب لتنفيذ ما طلبته، وجلس كلاهما في هدوء يشاهدان القمر، بينما تتخلل الأجواء نسمات الهواء الباردة وصوت ألحان أغنية الست.
في الوقت ذاته، كانت تجلس أروى في حجرتها وهي ممسكة بهاتفها، تعبث في حساب أفنان بحثاً عن حساب ذلك الشاب الذي قابلته في الزفاف، آسر! ذلك الشاب صاحب خصلات الشعر المموجة وذو اللحية الكثيفة، وبالطبع لم تنسى أروى مظهر عيناه التي كانت في لون يقع بين اللون الأخضر والبني الزاهي.
"وجدته Found it!!!" صاحت أروى لنفسها بحماس شديد وهي تعتدل في جلستها، لتتفاجأ بصوت أنس الذي ظهر من اللامكان، وهو يسألها:
"هو إيه ده؟!"
"أنت مالك؟ وبعدين من امتى وأنت بتدخل أوضتي من غير ما تخبط على الباب؟"
"أروى أنا بقالي نص ساعة بخبط، ده كان فاضل ثانية والباب يتدغدغ!"
"ولو أنا برضه مسمحتش أنك تدخل!"
"لاقيتي إيه يا أروى يا سوسة ياللي بتحاولي تتوهمي عالموضوع؟ أنا عارف إن أنا قليل الذوق عشان دخلت ومستنتش أنك تقوليلي، وبرضه عارف إنك بتغلوشي عالموضوع عشان مسألكيش."
"طالما أنت عارف Why you keep asking me 'لماذا تستمر في سؤالي؟'"
"ما علينا، هسيبك دلوقتي بمزاجي عشان عارف إنك كده كده هتيجي تحكيلي بنفسك. المهم بصي كده على صور البيت ده."
قال أنس وهو يمنح أروى الجهاز اللوحي خاصته كي تشاهد صور المنزل. كان المنزل ذو تصميم مبهر وعلى ما يبدو أن مساحته كبيرة كذلك.
"تحفة! ده هنا في مصر؟"
"اه في مصر ومش بعيد عن المنطقة هنا… بصراحة يعني، كنت بفكر أشتريه عشان لما… عشان لما آخد خطوة الجواز وكده…"
"مبروك! البيت شكله تحفة بصراحة ومشفتش زيه قبل كده هنا… شوف سعره كام وأشتريه على طول متستناش… المهم يعجبها هي…"
"ولازم يعجبك أنت كمان على فكرة، أنت هتيجي تعيشي معايا لما أتجوز، وأكيد ميرال مش هترفض حاجة زي كده، هي بتحبك وهي برضه عارفة أنت إيه بالنسبة ليا!"
"لا طبعاً يا حبيبي مش هينفع!"
ده هيبقى بيتك أنت وهي وهتبدأو حياتكوا مع بعض مينفعش يبقى في طرف تالت معاكوا. وبعدين ما أنت بتقول البيت قريب من هنا وأنا متعودة عالقاعدة لوحدي عادي ما أنا كنت بدرس في مدينة تانية لما كنا برا ولا أنت نسيت؟
"مش هينفع يا أروى مش هقدر أبعد عنك ولا هكون متطمن عليكي. عمومًا أنا مش باخد رأيك أنا بقولك ولما فعلًا أقعد مع عمو أحمد عشان الإتفاقات هقوله عالموضوع ده."
تحدث أنس بنبرة أقرب إلى الصياح وكأنه يحاول أن يحسم الجدل الدائر بينه وبين شقيقته لكنها اعترضت بنبرة حادة هي أيضًا في البداية قبل أن تتابع بنبرة أكثر هدوءًا:
"لا يا أنس من فضلك! أنا هعيش هنا في بيتك القديم وأنت هتعيش في الجديد مع ميرال وكل يوم هبقى أكلمك يا سيدي وسيب حراسة عالبيت زي ما أنت عايز لكن مش هقبل أني أكون عبء عليك وعلى ميرال…"
أطلقت أروى تنهيدة قوية وهي تنظر إلى تعبيرات أنس المتألمة حيث لم يبدو عليه الاقتناع بما يقوله لكنها لم تهتم وتابعت حديثها مردفة:
"ده غير إن ميرال حتى لو قالت إنها موافقة عشان بتحبك فهي من جواها مش هتكون مرتاحة أنتوا هتبقوا عرسان من حقكوا تعيشوا سنكوا تخرجوا وتسافروا وتقعدوا براحتكوا ويبقى ليكوا الخصوصية بتاعتكوا أنا هبوظ كل ده…"
"أنا حاسس أني هبقى أناني أوي لو سيبتك خاصة بعد كل حاجة حصلت الحادثة وموت فريد والست اللي أحنا سايبنها في البيت التاني مع الدكاترة…"
"أنا اللي هبقى أنانية بجد لو وقفت في طريق سعادتك يا أنس وبعدين مش يمكن أنا كمان أتجوز Or do you think i will stay single forever 'أو هل تعتقد بأنني سأبقى عزباء إلى الأبد'؟"
كانت أروى تتحدث بنبرة جادة وهادئة في بداية حديثها قبل أن تنهيه بإسلوب ساخر بالرغم من أنها كانت تتحدث بشيء من الصدق فهي لا تنوي البقاء وحدها للأبد فهي تنوي العودة إلى العمل والإنشغال به حتى يجمعها القدر بشخصًا تحبه ويكون جيد كفاية لتبدأ معه حياتها.
في مساء الليلة التالية كانت تتجول أفنان في شوارع لندن الهادئة كثيرًا مقارنة بشوارع القاهرة، تحمل في يدها عدة حقائب تحوي الأشياء التي ابتاعتها هي ورحيم بينما يمسك بيدها في حنان واضح وكلما لمح بعيناه طفلًا صغير يسير برفقة والديه لا ينفك يفكر في كيف سيكون مظهر طفله أو طفلته هو وأفنان، فماذا لو أخذ الطفل لون بشرتها وابتسامتها الساحرة وتلك الحفرة في وجنتيها مع لون عيناه؟ خصلات شعر سوداء داكنة ستناسبه تمامًا ولربما كانت ملامح الطفل تميل إلى الملامح الغربية كجدته!
"عارف يا رحيم أنا عمري ما تخيلت إننا نعيش اللي أحنا عايشينه ده دلوقتي، أنا وأنت يجمعنا بيت ونبقى بنحب بعض… بصراحة لما شوفتك وأتعاملت معاك قولت الواد ده لعبي وبتاع بنات وملوش في الجواز بس أنت فاجئتني بصراحة!"
تحدثت أفنان معه بصراحة بينما كانت تقهقه بقوة، تبسم هو لثوانٍ كاشفًا عن أسنانه قبل أن يردف:
"بصراحة أنا نفسي مكنتش متخيل! مش هقولك إن أنا كنت ناوي ألعب يعني لا بس مكنتش متخيل إن أنا ممكن أحب بنت لدرجة إن أنا أتهور وأروح اطلب ايديها وأعاند أهلي عشانها والدراما اللي حصلت أنت عارفة يعني."
"وأي دراما الصراحة حاجة رائعة يعني! أنا بس خايفة لتندم في يوم من الأيام إنك اختارتني…"
"عمري يا أفي! أنت الحاجة الوحيدة الصح اللي اختارتها في حياتي… عارف إن حياتنا مش هتبقى سهلة ومش هتبقى وردي، عارف إن في اختلافات بينا وممكن في أوقات نشد مع بعض ونختلف وممكن نتخانق كمان لكن صدقيني يا أفي حياة صعبة معاكي أحسن بالنسبالي مليون مرة من حياة سهلة مع غيرك."
كانت تستمع أفنان إلى كلمات رحيم الحنونة مع ابتسامة واسعة وهي تعلم يقينًا من داخلها أن حياتها برفقة رحيم ستزداد صعوبة وأن الحياة ليست وردية كما تصورها الأفلام الرومانسية والروايات ولكن طالما أنها برفقة رحيم لن تهتم لأي شخص أو أي شيء وما دامت حياتهم ملونة بالحب، المودة والرحمة فإمكانهم تذليل كل العقبات…
بعد مرور ثلاثة سنوات كانت تجلس أفنان إلى جانب رحيم داخل سيارته الجديدة بينما يتجولون في شوارع الزمالك الهادئة ليلاً، توقف رحيم بالسيارة بالقرب من 'كورنيش النيل' ومن ثم قام بتوجيه نظره نحو زوجته الحبيبة بينما يقول:
"أفي تعرفي إن زي النهاردة من خمس سنين كنت قاعد مع ال HR 'موظف الموارد البشرية' بنضبط الأسئلة بتاعت Form 'استمارة' التدريب؟ زي دلوقتي من سنين كان القدر بيرتب الطريق اللي هنقابل فيه بعض… وأدي التدريب بتاع السنة دي خلاص قرب يبدأ."
"الوقت عدى بسرعة أوي… مكنش سهل، كان مليان مغامرة وخناق… عياط… حب وحرب عشان نوصل لبعض بس الحمدلله في النهاية قدرنا نبقى مع بعض والقمر ده بقى معانا."
أردفت أفنان بنبرة حنونة جادة وهي تطالع عين الرجل الذي أحبته وقد ختمت جملتها وهي تشير بحديثها إلى طفلها الصغير الذي أوشك على إكمال عامه الأول بينما تقبل يده الصغير الناعمة.
"يارب طول العمر مع بعض يا حبيبي، المهم عايز أشوف ال schedule 'جدول المواعيد' بتاعي عشان أشوف هبدأ شرح معاهم أمتى."
تمتم رحيم بينما يداعب صغيره لترمقه أفنان بحده وهي ترفع إحدى حاجبيها بينما تسأله مستنكرة:
"تعمل إيه يا حبيبي؟ لا أنسى أنا اللي هشرح ولا فاكرني هستنى تروح التدريب وتلاقي بنت مجنونة كده تقعد تتخانق معاك وفي الآخر تحبها؟"
"هو بصراحة You have a got point you’re actually crazy 'لديك وجهة نظر جيدة/صحيحة أنت بالفعل مجنونة' بس من وسط كل العاقلين والمجانين أنت بس يا أفي اللي مليتي قلبي وعيني."
"بتحاول تثبتني بالكلام وفاكر إن الشويتين دول هياكلوا معايا؟ براڤو عليك أنا اتثبت فعلًا!"
"أنت Abnormal 'غير طبيعية' بجد!"
"حبيبي أنت بدأت تنسى؟ ما أنت لسه قايل من دقيقة إن أنا مجنونة… ما علينا بقولك أيه أنا من الصبح مش عارفة أوصل لميرال هتجنن."
"جربي تكلميها تاني ممكن مسمعتش الموبايل، خليكي هنا هنزل اجيب حاجة نشربها وأجي تاني."
أعلن رحيم لتومئ أفنان بهدوء ومن ثم تمسك بهاتفها لتحاول الإتصال بميرال مجددًا لكنها لم تجب، عقدت أفنان بحاجبيها بإستياء شديد وفي تلك الأثناء كان صغيرها 'يحيى' قد بدأ في البكاء.
"استنى بس يا حبيب مامي أما اشوف خالتو ميرال مش بترد عليا ليه." تمتمت أفنان وهي تتأفف بضجر ليدلف رحيم إلى داخل السيارة وهو يناولها علبة العصير بينما يقول:
"لو مش بترد كلمي أنس."
"سندت على حيطة مايلة، هو أنس بيسمع أصلًا ولا بيرد عالتليفون؟ ده عايش في اللا لاند وأكيد العيال عمالين يصوتوا ومطلعين عينهم… ربنا يكون في عونهم بصراحة خلفة التؤام صعبة جدًا!"
"خلاص بلاش أنس، كلمي أروى اسأليها يمكن هي كلمتهم ولا حاجة."
"يا حبيب قلب رمش عيني ركز شوية… أروى مين اللي هكلمها؟ أكلم البنت في ال Honeymoon أقولها أخوكي النوغة مش بيرد علينا ليه؟"
علقت أفنان ساخرة ليرمقها رحيم بغيظ شديد وقبل أن يتفوه بحرف واحد وجدت أفنان شخص قد ظهر من اللامكان وهو يصطدم بزجاج السيارة لتمسك أفنان بصغيرها برعب شديد وهي تنظر إلى ذلك الفتى الذي يترنح يمينًا ويسارًا وفي يده سكين حاد بينما يردف بنبرة متقطعة يصعب فهمها:
"انزل يالا أنت وهي وطلع اللي معاك…"
"أنت تاني؟"
"لا سيبهولي أنا بقى المرة دي يا أفي!"
صاح رحيم وهو ينزع ساعة يده بينما يزيح أكمام قميصه كاشفًا عن ذراعيه وهو يغادر السيارة متجهًا نحو السارق المشرد كي يبرحه ضربًا…
"بابي بقى شجاع أوي يا يحيى، ده عرف ياخد ال pocketknife 'مطواة' من عمو الحرامي…"