تحميل رواية «عودة الوصال» PDF
بقلم سارة ناصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رحلتُ أنا دون وداع لصداقتنا ، دون وداع برائتنا. رحلت دون شعور قلبي الصغير بأنه سيتأذي في رحيلك بعضُ الوقتْ. ورغم عُمر قلبي الصغير الا أنه كان به شعورا كان علي صعب فهمه! أيقنت انه حزين برحيلي دون إرادة مني ، أيقنت أنه يفتقد لهونا ولهو البرائه دون شعور مني. يحزن لرحيلي ويحزن أكثر لرحيلي من جارك و من تلك الشرفه التي شهدت الذكريات بيننا. يحزن لافتقاده سرعة نبضه عندما يراكِ ، وعندما توقفت كل الطرق لإرسال خطابات. يحزن هو لفراق الوقوف بشرفته كي يستطيع النظر إليكِ. ف مجرد نظره كانت تبقيه سعيدا لا يفكر ف...
رواية عودة الوصال الفصل الأول 1 - بقلم سارة ناصر
رحلـتُ أنا دون وداع لصداقتنـا ، دون وداع برائتنـا.
رحلـت دون شعور قلبي الصغير بأنـه سيتأذي في رحيلك بعضُ الوقتْ.
ورغـم عُمر قلبي الصغـير الا أنه كان به شعورا كان علي صعب فهمه!
أيقنـت انه حزين برحيلي دون إرادة مني ، أيقنت أنه يفتقد لهونـا ولهو البرائـه دون شعور منـي.
يحزن لرحيلي ويحزن أكثـر لرحيلي من جارك و من تلك الشرفه التي شهدت الذكريات بيننا.
يحزن لافتقاده سرعة نبضه عندما يراكِ ، وعندما توقفت كل الطرق لإرسال خطابات.
يحزن هو لفراق الوقوف بشرفته كي يستطيع النظر إليكِ.
فـ مجرد نظـره كانت تبقيه سعيدا لا يفكر في شيئ سوي عدم ردهـا علـيه!
تأذيت بالرحيل قليلًا لكن لم يدوم طويلاً حتي أنني كنت طـفل.
وكبر هذا القلب وذلك العمر وهو بعـيد عنها وعن مكان طفولته وبرائته..
حتي شاءت الأقدار لعودته لمكانه الأول ، الاول في مسكنه وسكينته وحبـه البرئ.
ليعود هو جارها وجار قلبها من جديد.
لكـن أبى عقله أن يظل قلبه يدق لها بعد طيلة هذه السنوات ، مقنعًا نفسـه بأنها ليس إلا سوي مجرد ذكريات بريـئه.
بالنسبه له خارجياََ عاد جارها فقط!
وبين صراع بينه وبين نفسه بأنها أصبحت عاديه مجرد فتاه تسمي جارته فقط و يربطه بها صله قرابه عاديه وبين عبثه الذي يخرج لها وكأن تربطهما علاقه قويه رغم البُعد!!
فـ هل سيقع في حبها من جديد أم سيظل هو يكن لها حباً دون أن يدري ؟!
وإن وُجد الحُب فكيف الفِرار مما ينتظرهما بمكانهما !!
"ولا ثانيه حتي ده الحج فاته برا بيتوضي الوقتي وانا خارج اتوضي كمان، قوم البس واتوضـى وتعالي ورايا يلا"
أومأ لـه شقيقه في صمـت.
فـترك "بسام" شقيقه ثم اتجه خارج الغرفه.
وجد والده يجلـس علي الاريـكه في صاله المنزل ينـظر بزاويـه محدده مـطولا فيبدو أنه شارداً.
انتفض هو بمكانه ثم تحدث قائلا بمرح:
"خضتنـي يا حج والله ، قطعتلي الخلـف ياراجـل."
ابتسم والده بسخـريه قائلا:
"ايه ياض شوفت عفريـت"
ثم تنهد قائلاً مره أخرى:
" غَسّـان صحي؟"
رد عليه "بسام" قائلاً بمـرح:
"حاجه شبه كده ياحامد ولله ، اه غسان جاي ورايا اهو وانا رايح اتوضى"
اتجه هو ناحيه المرحاض ليتوضأ أولاً.
دقائق بسيطـه حتي سمع والده يرد عليه بعد فتره من حديثه وكأنه كان لم ينتبه له أولاً!! :
"يعني انا أوحش من العفريت يا ابن الكلـ ـب طيب ماشي أما تتطـلعلـي"
خرج "غسـان" من الغرفه مرتديا ملابسه وعلي وجهه بعض قطرات المياه من أثر الوضوء في مرحاض الغرفه الخاص بـه.
فتحدث قائلا وهو في طريقه للخروج من غرفته:
"بتشتم مين يا "حامد" علي الصبح كده؟"
خرج "بسام" من المرحاض الذي كان يترك بابـه مفتوحاً تزامناً مع خروج شقيقه من غرفـته واستمع لما يقول والده فتحدث قائلاً بفـخر وهو يتجه اليهم ويمسك بالمنشفه في يديه:
"بيشتمني أنا يابو الغساسين"
نظر له شقيقه في صمت ثم تحدث قائلا ببرود:
" الـعــادي".
ضحك والدهم علي حديثه تحت نظرات "بسام" الحانقه لشقيقه.
خرجت هي من غرفتها علي أثُر صوتهم ثم اتجههت ناحيتهم في صاله المنزل وهي تسير ببطئ.
تحدثت قائله وهي تبتسـم لـهم:
"صباح الخير يا حبايبي."
قام "بسام" بالرد عليها قائلا:
"صباح الخير يا أمي تعالي شوفي جوزك قاعد بيشتمنى من اول ما صحيت وقارش ملحتي وجاي عليا وظالمني ومزعـلــ.."
قاطعه والده قائلا بحنق:
"بس ياض ده انا كنت بشتم نفسى حتي ، هو انا جيت جمبك؟"
ضحكت والدته علي حديثه ومزاح ولدهـا قائله بحنق زائف:
"بقولك ايه يا "حامد" متزعلش عيالي عشان مزعلش منك ."
رد عليها زوجها قائلاََ بابتسـامه واسـعه:
"وأنا أقدر برده علي زعلك يا أم غـسـان يا عسـل يا..."
قاطعه "غسـان" قائلاً:
"احنا واقفين يا حج ،. وكان في صلاه فجر كده واخد بالك انتَ ولا نسيت؟"
اعتلت ضحكات شقيقه ووالدته فتحدث والده بضجر زائف:
" جرا ايه يالا مراتي وام عيالي عندك مانع."
ابتسم "غسـان" ببرود حتي كاد ان يرد على حديثه فتحدث شقيقه قائلاً:
"معنـدوش مانع يحج يلا نصلـي عشان مُش هنخلـص النهارده أنـا عارف. "
خرج حديثا مضحكاََ ، فاعتلت ضحكتاتهم جميعاً وبالاخص والدتهم كانت تنظر لهم بحنـان يفيض من عينيـها وهم يتجهـوا معـاً كما اعتادا إلي باب المنزل يخرج كل منهم منه ، أخذت تنظر فالفراغ تبتسم وتدعي ربها ان يحمي لها هذه العائله ، ثم اتجهت ناحيه المرحاض حتي تتوضأ وتؤدي فرضها.
مر الوقت حتي تخطي النصـف ساعه وقفـو ثلاثتهم امام باب شقتهم جانب بعضهم.
يضع كـل منـهم يديه علي جيبه يبحثون علي المفتاح الخاص بشقتهـم.
نظر لهم "غسـان" ثم لوى فمه بتهكـم متحدثا ببرود:
"معايا المفتاح معايا عدوني بقا "
رد عليه والده "حامد" قائلاً:
"خلاص يا خويا متقلهاش بفخر كده، طب أنا وامك بتفضي جيوبي اول بأول ست نضيفه.؛لكن ده بقا مشكلته ايه؟ "قالها وهو يشيـر علي بسام ،نظر له الاخر فـ تحدث قائلا:
"أنا؟ والله يا حج انت ظالمني، ده انا نسيت عادى زي كل مره، بتحصـل ايه مبتنساش!! "
نظر له والده بسخـريه ، فافسحو هم المجال " لغسـان" ليفتح الباب ثم تحدث وهو يضع المفتاح في الباب قائلا:
"مش عارف من غيري كنتو هتعملو ايه ، ربنا يخليني. "
نظرو له بحنق زائف وهو يدلفو للداخل بعدما فتح غسـان باب شقتهم اغلق هو الباب علي الفور بعد دلوفهم الي الداخل.
اتجه "حـامد" يجلس علي الأريكة وهما بالخلف يسيران ورائه.
لفت انتباههم والدتهم التي تقوم بالتسىليم وهي تخرج من صلاتها.
فابتسمت لهم ثم تحدثت قائله:
" حرماً يا حبايبي ".
ردو عليها جميعهم في نفس واحد:
"جمـعاً ان شاء الله."
تحدث هي مره اخري قائله:
"شوفولي حل في البت اللي مش عاوزه تصحي جوه دي شكلها عاوزه غُس غُس يصحيها يديها علي دماغها"
تحدث "بسام" مردفـاً:
"غُس غُس تاني يا "دلال"! بتضيعي الهيبه علفـكره وغسـان هيزعل"
ردت عليه والدته قائلـه بسـخريه:
"اتنـيل يا خويا ."
فتحدث "غسان" قائلا بهدوء:
"هدي اعصابك يادلال مفيش حاجه مستاهله ،وانتِ تقولي اللي عايزاه"
ابتسمت له والدته ثم تحدث قائله:
"هاديه اهو يا حبيبي والله انت اللي ليا هنا يا ابني."
تحدث "حامد" بضجـر:
"ما هي هاديه اهيه يا خويا بلاش جو العشق الممنوع بقا ده"
اعتلت ضحكتاهم علي حديث والدهم فتحدثت دلال قائله:
"جرا ايه يا حامد ابنى وخايف عليا مش زي ناس ولا انت بقا بتغير عليا منهم؟ "
رد عليها "حامد" بضجر زائف ناظراً لـها بعتاب:
"قصدك ايه يا دلال مبخافش عليكي يعني ،. وبعدين اه بغير دا انتي الحب القديم والحب الجديد وحب المستـقـبـ.. "
قاطعه "غسـان" قائلاً:
" يحج خلاص بقا احنا واقفين انت بتنسي دايما النقطه دي "
نظر له والده بحنق تحت ضحكات كل من شقيقه ووالدته فاعتدل هو ثم تحدث قائلا بهدوء:
"انا داخل انام ، و وسام نايمه بلاش تصحوها عشان نايمه متأخر كانت بتذاكر "
ردت عليه "دلال" قائله بشفقه علي صغيرتها:
" كبدي يا بنتي ربنا ينجحك وينجح كل اللي زيك يارب"
ثم نظرت لاولادها فتحدث قائله مره اخري:
"طيب يا حبايبي تصبحو علي خـير استريحو علي قد ما تقدرو ورانا بكره ايام صعبه وبعده كمان عشان تبقو جاهزين."
أومأ لها غسـان بالموافقه فتحدث بسـام قائلا بابتسامه:
" ان شاء الله ، والله المستعان"
ابتسمت لهم وهي تنظر لهم وكل منهم يتجه الي غرفته بهدوء.
فبدأ "حامد "بالحديث من جديد قائلا بمشاكسـه:
"ها يا حجه كنا بنقول ايـه فكريني؟! "
اعتلت ضحكات زوجته قائله من بين ضحكاتها:
" والله يا خويا انت فايق"
ابتسم لها وهو يطيل النظر في ضحكتها وملامح وجهها التي كانت ومازالت تخطف قلبه حتي حينما مر العـمر عليهم ومازال حبـها كما هو لم يتغير به شيئاً كما انه يعشق كل تفصيله بـها مهما مر الزمان!!
تحدثت هي من جديد فانتبه لها:
" ادخل استريح انت كمان شويه، عما اجمع انا شويه حجات في الكراتين اللي هنا، واهو لسه أوضة وسام يدوبك اللي فيها حجات كتير هتتلم ولسه محدش جه جنبها قدامنا يومين نفضيها فيهم وكده يبقي لمينا العفش المهم الي ناخده معانا، مصمصت هي بشفتاها ثم تحدثت مره اخري: " انا عارفه قرار ازاله ايه ده الي طلع مره واحده. "
رد عليها زوجها بهدوء قائلا:
" نصيب يادلال الحمد لله ان جالنا قرار ان العماره مهدده للسقوط عشان ضعف البنايه عشان من زمان ، قدر من ربنا بدل ما تقع علينا"
اومأت له زوجته بهدوء ثم تحدثت قائله:
"مش القصـد يخـويا ، بس انت عارف يعني الموضوع جه فجأه كده والواحد اتلبخ ونقل العفش مش بالسـاهل بردك"
ابتسم لها حامد في هدوء فأردف قائلاً:
"الحمد لله اننا هنرجع عمارتنا وشقتنا القديمه والمكان هناك كان حلو والمسافه احتي لو بعيده بس مش اوي يعني، احنا بس اللي قطعنا عن هناك خالص ومروحناش بعد ما عزلنا متقلقيش علي العفش عارفك بتخافي علي عفشك اكتر من عيالنا."
شهقت هي شهقه عاليه نسبياََ ثم تحدثت قائله بعتاب:
"كده بردك ، يا حامد هو انا عندي اغلي منكم هو انا ليا أصلاََ الا انتم في الدنيا "
ابتسم على حديثها قائلا بمرح:
"وأنا معنديش أغلي منكم في حياتي "
تحدثت وهي تنظر له قائله بود:
"طب يلا ادخل نام شويه ارتاح كده قدامنا تعب الايام الجايه."
أومأ لها بالموافقه وهو ينهض من علي الأريكـه متجهاً الي طريـق غُرفـتـه.
« صبـاحاً بمنطقه تُعـد مشهوره نسيباََ لِطل مبانيها علي مياه البـحر وكورنيشـه الجَميـل ، كل عماره امامها كورنيش البـحر وأغلـب الشُرف فـي المباني تَتطُل علي هواء ونسيم البحر ومنظـره المُريـح للأعين والسَكـين للقَلـب.»
في إحـدي الطوابـق من ضمن هذه المبـانـى كانت هـي تقف بالشُرفه تنـظر بشرود للمنـظر المُحبب لقلـبها وروحـها عادةً ما تقف بهـا دائما وتسبـح في عالم خاص بهـا وبذكرياتـها مع فقيدها الراحـل والمؤلـمه أيضا في نفس ذات الوقت.
فاقت من شرودهـا عندما وجدت والدتها تتدلف من ورائها تنادي عليـها عده مرات حتي استفاقـت هي أخيـراََ من شرودها.
"صباح الخير يا "نيروز" ، خـيـر صـاحيه بدري ليه ؟ ، ده أنا كنت داخلالك اصحيكِ"
ردت عليـها " نيـروز" بابتسامه خفيفه قائله:
" صـباح النور ياماما "
نظرت هي لها تتفحصها ثم اردفت مره ثانيه:
"إيه ده انتي نازله الوقتي ولا ايـه؟ "
اجابتها والدتها قائله:
"اه راحه مشوار كده قبل الشغل ، فـكويس انك صاحيه كنت جايه اصحيكى عشان جميلـه بنت عمـك واقفه برا وبتسـأل عليـكي."
عقدت "نيروز" ما بين حاجبيها قائله:
"طب ليه قاعده برا مدخلتش ليه مش عادتها يعني!"
ردت عليها والدتها :
"معرفش اخرجي شوفيها وانا هنزل ومتنسيش تصحي ياسمين ماشي؟ وافطرو علي ما ٱجي"
اومأت لها " نيـروز" قائله:
"حاضر بس دي فيها كتير اوي عما تصحي "
ابتسمت لها والدتها ثم سارت في اتجاهها الي صاله منزلها وتتبعها نيروز من الخـلف.
وجدت "نيروز "؛ "جميـله "تجلس علي الاريكه بجانب باب المنزل المفتوح.
فتحدث "نيروز "بابتسامه عريـضه قائله:
"صبـاح النور يا چيـچي ثوانِ"
ولاحظت هي توترها البادى علي ملامح وجهها فاردفت قائله مجدداً وهي تقترب منها:
"ايه ده مالك ؟ "
قاطـع حديثهم عندما جاءت والده نيروز سُميه"وهي تحمل حقيبتها لتستعد للذهاب:
"أنا نازله ياولاد عاوزين حاجه؟"
ابتسـمت لها "جميـله "ثم تحدثت بهدوء قائله:
"متحرمش منك ياطنط سُمـيه"
ابتسمت لها "سُمـيه "فانتبهت لابنتها قائله:
"اه هاتيلنا انا وجميله وياسمين حاجه حلـوه زيك كده وانتِ راجعـه. "
اعتلت ضحكات كُل من والدتـها وجميله ابنة عمـها.
فتحدثت والدتها قائله:
"ماشي يا نُغَه يلا سلام متنسيش تصحي اختـك لاحسن دي ممكن تـنـام اليـوم كُلـه."
ابتسمت لها "نيروز" وهي ترى والدتها تخرج من الباب فتحدث قائله:
"متقلقيش هصحيها عندي طرق كتير للمهمه دي إدعـي تنجـح ."
رفعت يديها عاليا كإشاره للدعاء فضحكت كل منهم علي رده فعلها فتحدثت "جميله" موجهه أنظارها لنيـروز:
" هتنجح لو جيبتلها اللي بالي بـالكم"
قهقهت والده نيـروز علي حديث جميله وهي تغلق الباب خلفـها من الخارج.
كما اعتلت ضحكات كل منهما في الداخـل أيضاً ، ثوانِ واردفت "نيروز" بهـدء قائله:
" مالـك يا جميله بجد؟ وبعدين انتي نازله بدري اوي الجامعه كده ليه؟اه عندك الصُبح بدري بس مش أوي كده!! "
نظرت لها" جميله"بـ صمت ثم اخذت انفاسها بهدوء وتحدثت قائله:
"عـندي امتحان وخايـفه اوي من الماده دي، خايـفه لكل الي ذاكرته يكون اتمسـح واتنـسي هو مش اول امتحان بس الماده صعبه ."
تفهمـت الاخري حالتها دون ان تتفوه بأحرف علي تلك الكلمات لطالما هي جميله الأقرب لـها دائما بالرغم من عده عوائق تُنفي هذا واشدهم والدها ، نظرت نيروز لـها ثم اتجهت ناحيتها وهي تجلـس علي الأريـكه رَفعت ذراعيها تضُمـها بحنـان متحدثه بحب قائلـه:
"إنتِ عارفه انك قويه وكل مره بتقولي كده وبتعـدي معاكِ ، هتعدي واللهِ زي كل مره عدت فيـها متخـافيش"
ثم نظرت لها واضافـت بمرح مزيج بالسـخريه:
" هو صـحيح انا كنت تجاره ومتخرجه بقالي شويه حلوين و معرفش يعني ايه مذاكره من فتره بس هتعـدي ولله"
ابتسـمت جميله وهي باحضـانها علي كلماتها المرحه هي تعلم انها تقول هذه الكلمات حتي تخفـف من توترها فتحدثت بمـرح قائله:
"مش هخاف بعد الحضن والكلام الواثـق ده! "
ضحكت عليها الاخري بعدما نهضت جمـيله تقف وتتجهـز للخروج قائله وهي تنظر للاخري التي تقف أمامها:
"أنا بحبك اوي يا نيروز ، حقيقي لازم اجي كل يوم اخد الحضن بتاعك الي بيحسسني بالأمان لسـه."
ابتسمت لها الاخري بود قائله:
"أنا فخوره بيكى وللهِ وهترجعي مبسوطه، متأكده"
ابتسمت لها الاخرى بتأثر قائله:
"إن شاء الله "
نظرت لها "نيـروز" بـحب واردفت:
" في رعايه الله، وانا بقا هشوف قدري واصحي ياسمين"
ناجابتها" جميله" بمرح:
" لا ده موال طويل الله يكون فعونك ، سلام."
قالتها هي وهي تخرج من باب الشـقه مغلقه إياه خلفها وهي تبتسـم ، فتفاجأت هي بتلك التي تقـف على عتـبه شقتها تقوم بتنظيفـها بالصباح الباكر!!
فانتبهت الاخري لها قائله بسـخريه وحقـد دفيـن :
" أهلا أهلا بالضَـاكتورَه "
نظرت لها "جميـله" بصـمت ، فتحدثت الاخري مره ثانـيه :
"إيـه يا ختـي المرواح حلو عند السنيـوره بس؟! إلا ما بتيـجـي تشوفي عيـالي قصـدي اخواتك ..والله قربت انسـي انكم إخوات ياختـي!"
تحدث "جميـله" اخيراً بهدوء من تلك النبره التي تعرفها جيدا عن ظهر قلـب من زوجه والدها التي تُسمي "زينات"هذه!! :
"هبقي اجي ، اصلي عندي امتحانات اليومين دول ومش فاضيه".
نظرت لـها الأخري بسـخريه قائله:
"مـمـ ـم امتحانات ومـالو ياختـى ، معرفش يختي الواحد بيدخل حاجـه مش قدهـا ليـه؟! "
وكأن بحديثها هذا ضغطت علي جرح الاخري من ألـم وذكريات لا تريد ان تأتي علي عقلـها في هذا الوقت بالتحديد وقت أداء امتحان بكـليه هي لاتريدها ولا تريد دراستها حتي لو كانت في نظـر الجمـيع أفضل شيئ!!
فاقـت من شرودهـا علي حديث "زينات" زوجه والدها قائله مجدداً:
"يــلا عن إذنـك "،ثم أغلقت باب شقتها بقوه فانتفضت جميله من أثر غلـقها الباب بهذه الطريـقـه فاردفـت بخفـوت قائله وهى تهـبط علي الدرج للاسفـل :
"أعوذ بالله أنا كُنت نقصاكي ع الصبـح أنا !!"
استـيقظ جميـعهم لـيقـومو بنقل الاشياء علي قدم وسـاق في الاكياس والعُلب الكرتونيه الخـاصـه بذلـك.
تحدثـت "دلال "بتعـب وانهـاك واضـح :
" الحمـد لله أنجزنا كتير ربنا يعيـن،هروح احضرلكـم فطـار"
اتجهت تسير في طريقها لطرقه المطـبـخ اوقفـها في طريقـها ابنتها الوحيده والصغـري منهم "وسـام "التي استيقظـت من نومها.
تحدثت قائله لوالدتها بابتسـامه:
"صباح الخيـر يا ماما"
انتبهت لها والدتها التي ردت عليها بانهاك:
"صباح الخير اغسلي وشك وتعالي نحضر الفطار"
ردت عليها ابنتـها قائله:
"حاضر هتوضي واصلي واجي وراكِ فوريره علـطول"
اجابتها والدتها بحنق:
"اه ما انا غُلبت أصحي فيكي وانتي زي القتـ ـيله مبتصحيش "
تحدثت "وسـام" قائله بمرح:
يادلال ما أنا كنت بذاكر سهرانه ها وبتعـب"
ضحكت عليها والدتها لتلميحها قائله:
"ما أنا عرفت ايوه ادخلي ولما تخلصي تعالي ورايا"
اومأت لها" وسام "بابتسامه صغيره وهي تتجه ناحيه المرحاض.
كان يعمل هو وأولاده الاثنـان علي قدم وساق وبخـفه أنجـزو الكثـير حتى استطاعـو تجميع الاشيـاء الهامه التي يجب أخذها معهم عند الانتقال لسـكن ٱخـر حيث اتجهو الي كل غرفه منهم يأخذو منها كل الاشياء الخاصه والهامه والتى كانت اكثر الأشياء والأساس في الغُرف.
هم بالأسـاس ليس عليهم أن يجلبو كل أثاث منزلهم هذا ، منزلهم القديم كان ارقي وبه الاشياء الخاصه بهم منذ زمن حيث تَركو مكانهم دون اراده منهم لظروف عمـل والدهم !
تـحدث "حامد" بضجـر قائلاً:
"ما براحه ياض علي الحاجه لو أمك سمعتك وانت بترزع فيها كده ممكن تروح فيـها"
رد عليه "غسـان" قائلاً بثباتٍ :
" حاضـر هطبطبلك عليها."
ابتسم" شقيقه" ثم تحدث قائلا بهدوء:
"هانت يا جمـاعه يدوب اوضه وسام ونبقي خلصـنا كدهممكن بعد الغدا نبقي نعملها او بكره لسه قدامنا وقت يعني متقلقوش"
أومأ له والده وشقيقه بهـدوء ثم تحدث والدهم قائلا بهدوء:
"أنا عارف أنكم تعبتم الايام دي أوي وسايبين شغلكم ، مع اني مكنتش حابب كده واتفحتو شغـل والواد الي خلقه فمناخيره ده تعب بردو اوي اشار هو علي "غسـان" في اواخر حديثه ثم أكمل حديثه قائلاً: بس ايه؟ مش رجاله ؟ وفـ ضهري دايمًا؟؟ ربنا يخليكم ليا واتسند بيكم انتم ضهـري فا اهدو كده بقا وخليني اتسند عليكم عدل عشان ضهري واجعـني!."
ضحك" بسـام" علي حديث والده.
فتحدث غسـان ببرود قائلا:
"مش بايخه يا حج؟ احنا فضهرك اه بس قلشات بلاش لو بتحبنا."
اعتلت ضحكات "حامد" قائلاً :
جرا ايه ياض ده انا دمي خفيف وبقول نكت عسـل ، وبعدين انا عندي الا انتم احبهم"
دخلت الاخري بصينيه الطعام قائله بمرح:
"وأنا يا بوب مش بتحبـني يعني ولا انا بنت البطه السوده"
ابتسم له وهو يأخذ الطعام من أيديها قائلاً بمشاكسـه:
"طبعا يا حبيتي ده انتي الحب بتاعي اللي فيـهم سيبك من دول تعالي في حضني انتِ."
اتجهت هي مسرعه تحتضنه وهو يقدم لها زراعيه ضاحكه بملئ شدقيـها.
ابتسم "بسام" بهدوء قائلاً وهو يتجه ناحيه مائده الطعام:
" طيب يلا اقعدو ناكُـل الاكل ميستناش"
أومأو له جميعاً ثم جلسـو بعدما جاءت لهم والدتهم من المطبخ وجلسـت معهم هي الأخري.
فتحدث "غسـان" اخيرا بهدوء :
"أنا نقلـت ليكِ دروسك في سنتر تاني يا وسـام عشان طبعاً المسافه بعيده وكده كده بابا كان نقلك ورق المدرسه كمان. "
أومأت له بهدوء قائله بابتسامة صغيـره:
"تسلملي يا غُـس."
وعلى الرغم من انها حزينه انها ستودع مكان ذكرياتها ويعد مكان طفولتها فهي انتقلت من مسكنها الاخر عندما كانت طفله لاتدرك شيئا حينها كان غسان وبسـام مدركين انهم سينعزلو عن مكان طفولتهم وذكرياتهم ولمساتهم الأولي في كل شئ هناك لطالما كانو كباراََ بعض الشيئ ، هي حزينه انها ستودع صديقتها الوحيده علي الرغم من انها ليس لديها صداقات ولا علاقات كثيره ، ولكن تحمد ربها اخيرا يانها سوف ترحل ومعها عائلتها دون تفرقه اياََ منهم.
عبُس وجه "غسـان" قليلاً فتحدث" بسـام" بمرح قائلاً:
" ليه( غُس) ما كنتي ماشيه كويس"
ضحكو جميعا علي تعابير وجه "غسـان" فتحدث "غسـان"بابتسامه خبيثه :
"عادي اي حاجه منها حلـوه زيـها."
خرج الحديث منه كتهديداََ لم يلحظه سوي شقيقه فتحدث "بسام" قائلاً:
"يا سيدي يا سيدي ،بس مش مطمن بردو خدي بالك علي نفسك يا وسـام "
ابتسمت علي حديثه فتحدث والدهم قائلا بضجر زائف:
"جرا ايه ياض يبقي حد يقرب منها كده!!"
اجابته "دلال" ضاحكه:
" ايوه انت اقعد دلعلي فيها كده علطـول لحد ما هتتنفخ مننا"
اردفت "وسـام" قائله بعبوس وجه مضحك:
" ايه يا حجه انتي، هو انتِ امي ولا مرات أبويا ؟؟ "
اعتلت ضحكتاهم جميعاً دون استثنـاء علي حديثـها وتعابير وجهها الضاحـكـه.
بعد مرور وقت قليل انتهـت من الاختبـار الخاص بها خرجت هي وصديقتها من المدرج فتحدثت "فرح" صديقه جميـله قائله:
"كان امتحان غلس بس عدت ولله"
ردت عليها "جميله "قائله:
"ايوة بجد الحمد لله."
تحدثت فرح قائله مره اخري:
"طب ايه هتيجي نقعد شويه ولا هتروحي؟؟ معتش محاضرات النهارده ؟!"
اجابتها جميله قائله:
"لا هروح أنا لاحسن دماغي مصدعه ومش قادره ومنمتش من امبارح ونا قاعده بذاكـر."
أومأت لـها بتفهم كادت ان تتحدث هى فلاحظت نظرات احدهم لهما من علي بعدفتحدث فرح قائله:
"الله هو الواد ده بيبص علينا كده ليه؟."
التفتت جميله لتنظر محل انظار فرح فوجدته ينظر لها نظرات مطولـه ،فالتفتت هي وتحدثت قائله يغير اهتمام :
" سيبك منه تلاقيه بيشبه متشغليش بالك"
تحدث الاخري قائله:
" مشغلش بالي ازاي انتي مش شيفاه بيبص ازاي ،علفكره الواد ده اسمه "خالد" عارفاه انا من جروب الدفعه وكمان معـيد شوف ازاي!!"
تحدثت الاخري بغير اهتمام لحديث صديقتها:
" طيب انا هسيبك تفكري في المعيد وهروح أنا."
نظرت لها لاخري بهدوء قائله:
"ماشـي ، انا هروح انا اشوف باقي صحابنا فين و هروح بعدك علطول عشان ماما مسيبهاش لوحدها كتير ، بالسلامه انتِ."
ابتسمت لها الاخري بهدوء قائله:
" اتفقنا سلميلي عليهم ، باي أنا بـقا "
لوحت لها الاخري وهي تنظـر لها تختفي من أماها شيئاً فشئ.
دقائق بسيطه في حوالـي النصـف ساعـه ووصلت هي الي المبني التي تقطن به نظرا لقرابة المسافه بين جامعتها والمبني التي تسكـن به.
وصلت هي المبني متجهه لأعلي لتصـل للطابـق التي تسكـن به.
لاحظت حركات خافته من الشقه الرابعه بين شقته والدتها وشقتها وشقه عمها يوجد شقه اخري بجانب شقه عمـها لكن مغلقه من فتره كبيـره.
لاحظت هي الباب مفتوحا وحركات صغيره خافته تأتي من الداخل ثم رأت بواب العماره يخرج من الداخل وبيديه ادوات للنظافه استغربت هي الامر لكن لن تدعه بعقلها كثيرا.
تقدمت هي لشقتها تطرب بايها عده طرقات غير عابئه بالذي يحدث بجانبها.
ثوانِ وفتحت الباب لهـا "والدتـها "بابتسـامـه قائله:
" حمد لله على السلامه الامتحان كان عامل ايه؟"
دلفت "جميله" الي الداخل قائله:
" الحمد لله كويس عقبال الباقي ما يعدو كده."
تحدثت والدتها وهي تنظر لـها:
"ن شاءالله يادكتوره كلها اربع خمس سنين وتخلصـي."
ردت عليها ابنتها قائله بحنق زائف:
"بتفكريني ليه يا ست الكل سيبني ناسيه."
ضحكت علي حديثها ثم تحدثت قائله:
" نيروز جت تسال عليكِ بس انا قولتلها انك لسه مجتيش هتجيلك كمان شويه وهتجيب البت ياسمين معاها"
تحدثت "جميله "قائله بإدراك:
"ياسمين!! دي تلاقيها جايه لحازم مش ليـا"
لااردفت والدتها من بين ضحكاتها :
" الله ما تيجي براحتها مش مخطوبين"
ابتسمت قائله بمرح:
"والله ما أعرف شايفه ايه حلو في ابنك ياعايده"
ردت عليها "عايده"قائله بضجر زائف:
."وماله ابني يابت، "حازم الأكرمي" ده أجدع وأحلي محامي وزينة الشباب كمان"
اجابتها ابنتها قائله بسخريه:
"زينة الشباب اه قولتيلي!"
اجابتها الاخري بمرح:
"طب كويس بقا انه مش سامعك اهو جه من الشغل وقاعد جوه"
انتفضت" جميله "من مكانها ثم حركت راسها حركات مضحكه قائله بخوف زائف:
"ايه جوه؟ ازاي؟ استأذن انا طيب ، ســـلام "
ثم اتجهت سريعا نحو غرفتها لتقوم بتبديل ثيابها تحت نظرات والدتها الضاحكه.
وخلال دقائق وسمعت شخص ما يقوم برن جرس المنزل سمعته هي وهي بداخل غرفتها ثم خرجت لتفتح باب منزلها لتتفاجأ بشقيقتها تقف أمامها وتتحدث مردفه بتهكم قائله لها:
" ايه مبحلقه فيا كده ليه شكلي يخُض؟؟"
ردت عليها "جميلـه" بنفاد صبر وهي تترك الباب مفتوحا وتتوجه الي الداخل:
"وانا هبحلق فيكي ليـه وبعدين ان جيتي للحق شكلك يخض اه طالما جايه لهنا فعـاوزه ايه...؟"
نظرت لها" فريده "بحنق وهي تتدلف الي الداخل وتغلق الباب خلفها فانتبهت لزوجه والدها تخرج من المطبخ باتجاهها لهم فتحدث "فريده "بلؤم قائله :
"شايفه بنتك يا طنط بتقولي عاوزه ايه ناقص تتطردني. من بيت أبويـا؟!!"
تحدثت" عايده" قائله بأسف:
"هي متقصدش يابنتي تعالي اقعدي."
نظرت لها" جميله" ثم تحدثت قائله باستفزاز:
" لا أقصد.. ها يا فريده عاوزه ايه اصلك مش هتيجي عشان خاطر تشوفي جمال عيوني مثلاََ."
ابتسمت الاخري باصفرار قائله وهي تتجه تقف قباليتها :
" صح . جايه عشان اخد منك طقم كده البسه في خروجه مهمه مع اصحابـي"
تحدث "جميله" بسخريه:
"اه قولتيلي بقا!! ، خدي بالك خروجاتك كترت اليومين دول علفكرة، وشكـل ..بابا. .ميعرفش"
قالت اخر حديثها بخفوت وهي تنظر لشقيقتها.
ردت عليها الاخري بنفاذ صبر قائله:
"ايوه يعني هتديني الطقم اخرج بيه ولا انتي مش عاوزه تديني حاجه!!"
كان يخرج متجهاً اليـهم وهو يسمـع حديث شقيقاته.
فتحدث قائلاً:
" تخرجي فين يا فريده".
انتفضت هي علي أثر صوته فتحدثت بارتباك حاولت اخفاءه ببراعـه:
"خارجـه مع صحابي زهقانه شويـه"
تحدث "جميله "بخفوت قائله:
" اه صحابك قولتيلي ، طب تعالي ورايا اما نشوف اخرتها."
تحدث "حازم "قائلا لها بهدوء:
"تمام ياريت متتأخريش "
أوماأت له بصمت ثم سارت هي خلف شقيقتها متجهين معا الي غرفتها لتنقيه الثياب التي تريدها.
تحدثت "عايده" وهي ننظر باثرهم قائله:
" ربـنا يهديكم."
جاءات نبرته بهدوء قائلاً:
" طب انا نازل شويه عاوزه حاجه وانا جاي يا ماما؟"
اجابته قائله بابتسامه صغيره:
" عاوزاك تيجي بالسلامه يا حازم يا حبيبي"
ابتسم لها بهدوء وهو يسير باتجاه باب المنزل يخرج منه ، تاركاََ اياها جالسـه علي الأريكة تنظر في نقطه ما بالفراغ بشـرود.
فـي الشـقـه المجـاوره لهم صدح صوتها العـالي في المكان.
"قـوم يا "حسـن" قوم يخويا ده العصر قرب يأذن وتليفونك ده اللي مبيبطلش رن."
تملل هـو في فراشـه ثم قال لها بنعاس:
" ايه ياماما ماتسيبيني نايـم هتخسي يعني...!!"
لـوت شفتيها بتهكم متحدثه يسخـريه قائله:
" اه هخس يا روح أمك لما تكون راجعلي البيت وش الفجـر امبارح وأبوك يسألني عليك ومعرفش أرد يبقي هخس"
تحدث "حسن "قائلا بضجر:
" هو أنا صغير أنا عشان الحوارت اللي بتعملوها دي أنا دماغي ورمت منكم."
ردت زيـنات " بنفاذ صبر:
"بقولك ايه انت عارف ابوك وعاميله فقوم ولم الدور ولو شوفته قولـه اي حوار من حواراتك مش ناقصين نكـد ...قوم يلا انت لسه نايـم!!"
تحدث" حسن" بحنق مردفـاً:
" ما أنا قايم أهو وهغور من وشكـم عشان ترتاحو"
اجابته والدته بسخريه:
"اه تغور!!! ، تغور فين ياخويا دانت لاشغله ولا مشغـله غلبت فيك ومع ابوك عشانك ،. قــوم بـقا"
رد عليها بنفاذ صبـر قائلاً:
" اه بدأنا بقا ،طب عديني أدخل الحمام وكملى انتِ الاسطوانه المخروبه دي عشان مش ناقص أنـا يامـا ."
نظرت له بطـرف عينيـها نـظره ساخـره ثم نهضت واتجههـت خارج غرفـته.
انتبـهت لتلك التي تأتي من الخارج فقعدت هي حاجبيها ثم تحدث قائله:
"كنتـي فين يا بت؟"
ردت عليها" فريـده" قائله:
"كنت عند جمـيـله اختي هكون فين يعني!"
ردت عليها والدتها بغيظ:
" بس ماقوليش أختـي دي وبعدين مش قولتلك متحتكيش بيهم اوي ؟"
ردت عليها ابنتـها قائله بسخريه:
"الله مش أختـي، وبعدين هتلزق فيها من فراغ يعني هو انا بطيقهم اصلا ، انا بس كنت بجيب منها لبـس مصلحه يعني."
قلبت لها والدتها عينها بمـلل ثم تحدثـت قائله:
"طيب يا ختـي ورايا بقا نحضـر الغدا فـات أبوكـي جاي من بـرا ."
نظرت لها وهي تتجه الب المطـبـخ فردت عليها وهي تتقدم ورائها عدت خطـوات قائله:
" حاضر وراكـــــي."
توقف هي عندما سمعت عده دقات خافتـه علي باب منزلـهم كان قد خرج الاخر من غرفتـه فتوجهت هي أولاً تفتح الباب فتفاجأت بابنه عمـها تقف أمام البابتحدث" فريده "بتبرم قائله:
" هلا بالنيروز مش خـيـر؟."
اجابتها الاخري بهدوء قائلـه:
" اذيـك يا فريـده"
انتفضت هي عندما سمعته يأتي من وراء شقيقته قائلاً لها:
" طب ومفيش اذيـك لحسـن؟"
ارتبكت هي علي الفور فتحدثت قائله بهدوء:
" أهلا اذيـك يا حسـن ؟؟"
نظر لها الاخر بابتسـامه غير مريـحه بالنسبة لـها هي فتحدثت "فريده "قائله بمـلل:
" هـا مقولتيش جايـه في ايـه؟"
اجابتها الاخري بهدوء:
" كنت عاوزه أعرف عمو سليم موجود ولا لاء؟"
اجابتها هي قائله:
" لا مش هنا عاوزاه في حاجه؟"
اجابتها "نيروز" قائله بابتسامه صغيره:
" طيب شكرا انا كنت بس عاوزاه في حاجه كده بس اجيله قوقت تاني."
نظرت لها الاخـري بطرف عينيها فتحدث "حسـن " مردفـا بابتسـامه غير عاديه:
" طب ما تدخلي تستنيه جوا ولا بتخـافي!"
كان حديثه ساخرا يحاول أن يبث بها بعد القلق لطـالما رُفـض هو علي يـديها.
اجابته قائله بنبـره منخفـضه:
"شكرا اجيله وقت تاني عن اذنـكم."
وما إن التفـتت هي بظهرهـا حتي سمعت صوت صفعه الباب القويه فانتفضت هي من أثرصفعته!! بالطبع فريـده هي من صفعتـه!!.
اتـجهـت لبـاب شقتـها لتفتـحه تفاجأت هي بمن يفتـح من الداخـل!
نظرت لها ابنتـها باستغراب قائله:
" انتِ جيتي ياماما؟ انا نزلت وانتِ مش هنـا!"
اجابتها والدتها قائله بمرح:
" لا لسـه هنـاك ....اه جيت يا حبيتي كنت جوا بس دخلت المطبخ علطول وبعدين انتِ كنتِ فيـن كده؟"
اجابتـها" نيروز" بهدوء قائله وهي تتدلف داخلا تجلس علي الاريـكه:
" كنت عاوزه اتكلم مع عمو سليم في الموضوع بس ملقيتهوش؛بس انتِ ايه رايك تاني؟"
اجابتها والدتها قائله بعدما جاءت وجلسـت بجانبها:
"والله هو الموضوع يفرق معايا اوي لو انتي مُصره عليه وحاجه بتحبيها وقررتي اخيرا فيـها بدل القافله علي نفسـك فانا مش معارضـه ، وانا عاوزاكي مبسوطـه دايماََ"
ردت عليها "نيروز" بـحب :
"بحبـك أوي ياسمـسم."
ابتسمت لها والدتها بحب وضمتهاا آليها بحنان فانتبهوا هم لصوتها وهي تتجه اليـهم قائله بمـرح:
"ايه ده ومفيش بحبك لياسمـيـن؟"
ابتسـمت نيروز ابتسـامه عريضه قائله:
" لأ فـى طبعـاََ ، تعـالي في حضننا بس انتِ قافله علي نفسـك ليه متخانقه مع حازومـك؟ "
قالتها هي بمـرح في أخر حديثها.
فتحدثت "ياسمين" قائله بمرح هي الأخرى:
" لا مفيش؛وبعدين أنا مقدرش ازعل من حازومي أصلاً."
أ نظرت لها سُمـيه ثم أجابتها قائله:
" بس يابت متتكلميش بفخـر أوي كده دانا وافقت بس عشان عارفه انه بيحبك وبيخاف عليـكي ."
اعتلت ضحكات" ياسمين" قائله بسـخريه:
"اه بيحبني مش قادره اقولك ازاي !"
ابتسمت نيروز ثم قالت بـوِد:
"ربنا يخليكو لبعض ونفرح بيكم قريب بقـا.."
ابتسمت لها هي ثم تحدثت" موجهه انظارها لوالدتها:
"علفكره احنا بعد شويه كده وهنروح نقعد عند جميله شويـه . "
فاجابتـها والدتها بالموافقه تحت نظرات شقيقتها الخبيثه قائله:
" جميـله برده؟؟ ماشي هنمشيها جمـيله مع ان والله عيـب تبقي جميله بدقن كده!!"
اعتلت ضحكات والدتها وشقيقتها أيضاََ ، وقهقهت هي أكثر عندما وجدت شقيقتها تغير ملامح وجهها للعبوس بطريقه مضحكـه.
فـي المســاء وقفـو جميعهم بجانب بعضهما ينظروا لكـم الاكياس والعـلب الكرتونيه والحقائب الكبـيره تملأ المكـان.
تحدث" دلال "قائله بانهـاك:
" الحمد لله كده ببقي خلصـنا خالص وممكن نتحرك بكره بقا عادي."
اجابها "زوجها" بنبره مؤيـده قائلاً:
"بإذن الله وأنا اتصلت بالبواب يفتح الشقه هناك وينضفها وتتهوي عما نروحها بالرغم ان لسه فيه يوم بس خير البر عاجل طالما خلصـنا."
نـظر "بسام" للأكياس المترصصه أمامه ثم عاود النـظر إليهم وتحدث قائلاً يؤيد حديثهم هو الٱخر:
" يبقي نتوكل علي الله مادام كل حاجه تمام."
فأجابه شقيقه" غسـان" بنبره هادئه:
"تمام وانا كلمت ناس معارفي عشان يجيبو عربيتين ننقل بيهم الحاجه ونركب احنا فعربيتي."
أومأو له جميعاً بالموافقه بصمـت ثم تحدث "حامد" قائلاً بهدوء:
" والشـغـل تمـام ؟ عملتو ايه فالنقل؟"
رد عليـه" بسـام" بنبره فَرحـه قليلاً:
"أ ه لا ده أنا الدنيا ماشيه معايا عسـل أوي كده كده المستشفي تعتبر تقريباََ قريبه من هنـاك يعني هنزل براحتي بقا بدل ما كنت بنزل من هنا بساعتين ،ده لما كنت بباب هناك كان أرحمني والله ساعتها!"
ابتسمـو علي حديثـه ثم أردفت "دلال" قائله بفـخر:
"يحبيبي دكتور قد الدنيا يعني ربنا يسهلك كل حاجه معاك أومـال ايه!."
قهقه" بسـام" علي حديثها حينما اابتسـم الاخر علي حديثها المعتاد هذا.
فتحدث "حـامد "من جديد قائلاً بهدوء:
"وانتَ يا غـسـان عملت ايه في شغلك ؟ الطلب اتوافق ؟"
أجابه هو بنبره هادئه قليلاً:
"قدمت طلب وفي قريب من هناك فرع صغير من نفس الشركه الي شغـال فيـها ومستـني تليفون من الاداره بالموافقه أهو."
رد عليه والده قائلاً:
" ان شاء الله هيتوافق عليه وبقولك ايه ياض انا مش قلقان عليك بأمانه يعني ،انا عارف انك بتعرف تتصرف ."
ابتسم له الاخر ثم تحدث قائلا بفخـر:
"طبـعا اومال ايه ياحج متستقلـش بابـنك أنا مش قليل بردو " ، قال ٱخر حديثه بغمزه مرحـه.
فابتسـمو له جميعاً باتسـاع حتي عندمـا بادله شقيقه وشقيقته بنفس الغمزه فتحدث بسـام قائلا بمرح:
"أيوة ياعم مين قدك".
تحدثت "والدتهم "قائله :
" محدش قده طبعـاََ ،دا غســان الـبـدري" ونبـي عسـل ولايـقه كده ومحاسب قد الدنيـا كمـان."
اعتلـت ضحكاتـهم جميعاً عليـها وعلي طريقتها في الحديـث فتحدث "غـسان" قائلا من بين ضحكاته الهادئه :
"مصدقـك يادلال بكـلمه قد الدنيا دي "
فتحدث شقيقه قائلا بمرح:
"مش فاهم الدنيا عندك ايه عشان تعملي التشبيهات دي كلـها ولله. "
أجابته بابتسـامه عريضه ونبره خارجه منها بثقـه:
"-يعني هو في أكبر من الدنيا اللي خلقها ربنا ياواد ،ولا عشـان دكتور قد الدنيا بقـا هتتعمل عليـنا ".
اعتلت ضحكاتـهم جميعاً علي حديثـها فتحدث" بسام" من بين ضحكاته هو الاخر مردفاً:
"والله لو اتعملت علي الدنيا كلها مش هتعمل عليكِ انتِ يا دلال يا قمـر يا عسـل يا قشـطـ... "
قاطعه "والده" قائلا بضجر زائف:
"بس ياض دي مراتي أنا، يعني أنا بس اللي أقولها كده روح هاتلك واحده تقولها كده وابعد عن الحب بتـاعي "
ابتسمـت له هي بحنان وابتسـم كل منهم علي حديث والدهم ثوانِ وتحدث وسـام قائله:
"يا سلام يا سلام" ....
تنهدت ثم اردفت مره اخري بنبره أهدأ من قبل:
" والمكان هناك حلو علي كده بقا لاحسن أنا مش فاكره حاجه هناك قد كده!!."
اجابها والدها بهدوء قائلاً:
"_ المكان هناك هيعجبك وجمـيل وطبيعي متفتكريش انتِ جايه هنـا وانتي عندك يجي خمس سنين او اكتر بسـنه يعنـي ، سيبي الفكر لاخواتك كل طفولتهم هناك."
ابتسم" بسـام" قائلاً:
" اه والله فاكـر زمان وانا كنت بلعب واصحاب زمان أنا وأبو الغساسين .. أيام واللهِ "
مال شقيقه "غسـان" علي أذن الاخر فتحدث قائلا:
" صحـاب زمان اللي كنت بتتضرب منهم اه فاكرهم أنا.!"
نظـر له الاخر بحنق زائف ثم التفت له وتحدث قائلا بخفـوت:
"أسترر عليا يابو الغساسين ده أنا أخوك توأمك وحبيبك."
نظرت لهم والدتهم باستغراب ثم تحدثت قائله:
" جـرا ايه يواد انت وهو بتتوشوشو في ايه كده يا خويـا."
تحدث "بسام" مسـرعا:
" لا يا أمي مفيش حاجه كنت بقول يعني نوصل هناك بالسلامه ونعرف نتأقلم من تاني وكده."
أردف والدهم بغير اهتمام قائلا بهدوء:
"طيب بينا ندخل نستريح كلنا كده شويه ؛عشان بكره يوم صعب."
نظر له" غسـان" باستنكـار فتحدث والده قائلا بضجر:
"ايه ياض بتبصلي كده ليـه؟ تعالي اضربني تعال"
ضحك الاخرين عليه فتحدث" غسـان" قائلاً بهدوء:
"ودي تيجي بردو يا حج ازاي بس ،بس هنام ازاي في الكراكيب دي يعني!"
نظر له والده بصمت ثم تحدث قائلاً:
" معلش نستحمل الكام ساعه دول"
أومأ له الاخر ببرود ثم نهض من أمامهم تاركـاً كل منهم يتجه الي غرفه نومه أو ما أشبه بالغرفه!!
بعدما تم تجميع الاشيـاء واصبحت لا توحي بانها غرفـه ، ولكـن بالطبع يهـون كل ذلك عنـدما يري كل منهم وبالاخـص هو وشقيقه مكان مسكـنهم ووسكينتهم وذكريات طفولتهم والمكان الاول في كلل شيئ !!.
تجلـس هي بجانب الفراش في المستشفي تبـكي بصمـت مُممسكـه يد ى والدتها تدلكهـا بـحنـان.
تعلـم أن والدتها صاحبه مرض.
هي تركتها صباحاً كانت قادره إلي حدٍ مــا عندما نزلت هي من منزلـها متجـهه الي جامعتـها.
عادت وعندمـا عادت وجدت أن لا أحد بمنزلـها اتجهـت مسرعه إلـي مكـان المشـفي عندما قالت لها إحدي جيرانـها أن والدتها قـد تم نقلـها باقرب مَشـفي عندما طلب لها شقيقها الٱخر حاله الطوارئ "الاسـعاف".
فاقت هي منن شـرودها عندما وجدت والدتها تضم اصابع كفـها عده مرات فتحدثت هي بلهفـه قائله من بين دموعـها:
"مـا مـا سـمعاني؟! ،انا هنـا جمبـك فوقي عشـان خاطري أنا مليش غيرك إنتِ" وعـز" فحـياتـي مقدرش اعيش من غـيرك صدقيـني حـاولي متسيـبنـيش لو بتحبينى، انا جمبك مش هسيبك وعز بيحـاول عشـانك عشان تقدري من تاني ، عارفه...؟ حتي هو نزل يجيب لك العلاج ويدفع حساب المستـشفـي ، عشان قالولي هتقعدي هنا يوم ويمكن أكتر لو مفوقتيش، عشان خاطري فوقي أنا معرفش اقعد في البيت من غيرك."
فتـحت والدتـها عينيـها بتثـاقـل ثم أردفـت قائله ببطـئ:
"فـ ـرح ، متخــ ـافيش يـا فـرح أنـ.."
انتفضت هي ثم نهضت من جانب فراشـها بسـرعه قائله بلهفه:
"مش هخاف ..مش هخـاف بس فوقي بسرعه عشان خاطري ، انا خايفه اوي اول مره حالتك تسـوء وتتنقلـي مستشفي مكنش في دماغي سامحيني اني مفضلتش جمبـك ونزلت وسيبتك ومراجعتش علي علاجك !"
كانت تقول حديثتها بنبره متحشرجه خاب أملها عندما اغمضت والدتها أعينيها في نصف حديثـها.
تعلـم ان حاله والدتها كـانت مستقـره قليلاََ بالعلاج لكـن لن تكـن كذلك بعد هذا الحال عندما رأتها هي كذلك! ، فلم يمر ساعـات وها هي أصبحت والدتها شخص أخر بملامحهـا المُـرهـقه أكثر من قبـل !!
وهكـذا هـو المـرض يقـوم دون أدري علـم من أياً منــا ثم يضع الاحتمـلات المعـروفه لديـه ؛وهي انهـا سوف يأخذها منهم أم لا !! تحت صراعـات كثيره بين المريـض والمـرض الخبيـث ذلك ،لكـن الأمر أولاً وٱخرا بايدي الله وحده !، فـهو الشافي مغير الاقدار من اسواء حال لافضلها دائماً .!!
رواية عودة الوصال الفصل الثاني 2 - بقلم سارة ناصر
"انتوا هتفضلوا قاعدين على التليفونات كده كتير؟ وبعدين مش قلتم رايحين لجميلة؟ ولا هو التليفون لسّح دماغكم خلاص وبقيتوا نسيّتوا!"
ابتسمت لها "نيروز" قائلة:
"حاضر يا ماما، هنقوم نروح لها أهو ونسيب التليفون، ماشي."
تحدثت "ياسمين" قائلة بمرح:
"إيه يا سمسم، عاوزة تطردينا ليه؟"
نظرت لها والدتها ثم أردفت قائلة:
"أطردكم! والله أنا غلبت فيكي!"
ضحكت عليها الأخرى قائلة بهدوء:
"متقصديش يا سمسم، متتدايقيش كده."
تحدثت والدتها قائلة بهدوء:
"مش متدايقة، بس قوليلي، انتِ مش قولتي هتروحي لعمك عشان تقوليله؟"
نظر لها "نيروز" بصمت ثم عاودت النظر لشقيقتها فتنهدت وهي تأخذ أنفاسها بهدوء قائلة:
"أنا بصراحة كده خايفة أُفاتحه ويرفض، وأنا مش هقدر أتناقش معاه!"
أجابتها "والدتها" بحزم قائلة:
"متخافيش كده، أنا بنتي متخافش كده، هيوافق بس بعيدًا عن اللي جنب ودانه."
فأردفت "ياسمين" بمرح قائلة:
"بصي يا روز، أنا بصراحة كده مع سمية في اللي بتقوله، يعني عشان تقنعيه لازم يكون بعيد عنهم، ممكن يقتنع!"
ردت عليها الأخرى قائلة:
"طب وأنا هعرف منين يعني إنه مش في شقة طنط زينب؟"
أجابتها قائلة بهدوء:
"افهمي، انتِ تكلميه لما يكون عند طنط عايدة وجميلة."
أجابتها الأخرى بتفكير:
"آه، وأنا هاخد بالي إزاي؟"
"لأ، انتي سيبّي الحوار ده عليا!"
نظر لها "نيروز" بشك فتحدثت والدتهم قائلة بثبات:
"الواحد مبخافش إلا منك، والحوارات عليكي، ربنا يستر."
اعتلت ضحكات "نيروز" تزامناً مع رد شقيقتها على والدتها قائلة بفخر:
"متقلقيش خالص يا سمية، مبيجيبها إلا بنتِك ياسمين، وساعتها هكون قاعدة وهعرف أنا أتناقش معاه، اللي زي عمك ده عاوز حد زيي كيوت وبيعرف يرد من غير ما يكون عليه ذنب، يعني حد مترباش أوي يعني."
شهقت والدتها شهقة مسموعة قائلة بضجر:
"أنا مربيتكيش يا بت انتي؟!"
ردت عليها "ياسمين" قائلة بثبات:
"أنا قولت كده بذمتك يا سمسمة!، ربيتيني طبعًا بس مش أوي."
قالت آخر حديثها بغمزة مرحة مما جعلت والدتها تقذف عليها حذاءها المنزلي على سهوة، تأوّهت هي بصوت مكتوم وكانت تضحك "نيروز" على المشهد أمامها بمرح.
"كده بردو يا سمية؟ جت في وشي على فكرة، وحازم هيزعل عليا."
ضحكت شقيقتها عليها فتحدثت "والدتها" بضجر قائلة:
"خلصت فيكي كل الغلب، قومي يابنتي روحي مع اختك عند جميلة، يلا ربنا يهديِكِ."
تحدثت "نيروز" قائلة:
"آه يلا، وبعدين أنا رايحة لجميلة، هي رايحة عشان حازمها، تفرق!"
نظرت لها شقيقتها بحنق ثم تحدثت بثبات قائلة:
"صح، رايحة لحازمي مفيهاش حاجة عيب."
ثم نهضت هي من مكانها وأشارت لشقيقتها أن تتبعها بطريقة مضحكة وهي تخرج من الغرفة بأكملها تحت أنظار والدتها التي حركت رأسها يمينًا ويسارًا بمعنى "لا فائدة" وهي تنظر لابنتيها الأخريتين.
قهقهت "نيروز" عاليًا على حركات شقيقتها ورد فعل والدتها الآخر، ثوانٍ وقامت هي تجذب حجابها مستأذنة من والدتها وهي تخرج من الغرفة لتجد شقيقتها ليذهبا معًا لشقة عمهما.
***
خرجت من غرفتها تجلس بجانب والدتها بصالة منزلها على الأريكة، وجدت والدتها تجلس تشاهد أحد المسلسلات الشهيرة والقديمة بالتلفاز. توجهت إليها تجلس بجانبها بهدوء ثم تحدثت قائلة من بين ضحكاتها:
"لن أعيش في جلباب أبي!، تاني، لأ تاني إيه؟ قولي المرة الخامستاشر ألف إيه يا عايدة؟ معدتش ورانا إلا هو!"
اعتلت ضحكات والدتها وهي تنظر لها وهي تتحدث فتحدثت قائلة:
"إيه يا بت، بحب المسلسل ده، ده مفيش زيه أبدًا."
ابتسمت لها "جميلة" بهدوء قائلة:
"برغم إنه من زمان، بس تعرفي في كل مرة بشوفه فيها بتأثر، وبتأثر أكتر لما عبد الوهاب باباه كان عاوزه يشتغل معاه بالضغط، لكن هو سافر وبعد. زي ما تقولي كده بتفكرني بحكايتي بس مش بالضبط، بتفكرني لو كنت عاندت قصاد بابا ودخلت الحاجة اللي أنا بحبها وعاوزاها مش اللي هو حاببها وعاوزها!، بفكر لو كنت سافرت يا عايدة ودرست برا وسيبتكم زي عبد الوهاب كده كان هيحصل إيه يعني!"
قالت آخر حديثها بمرح مما جعل والدتها تبتسم بانكسار قائلة:
"عوض ربنا جميل صدقيني، يمكن لسه مجاش وقته ليكي بس هيجي وهتفتكري كلامي، محدش بيحب حاجة وتجيله، هي دي الدنيا، وبعدين تسافري فين وتسيبني لوحدي؟ أيهون عليكي؟"
ابتسمت "جميلة" ابتسامة خفيفة ثم أردفت قائلة بمرح:
"على أساس كنت هسافر يا عايدة وبابا هيعديها كده عادي."
ضحكت عليها والدتها ثم تحدثت:
"بردو الحرص واجب، لازم أقول كده، مضمنش!"
ابتسمت لها "جميلة" باتساع ثم انتبهت هي لتلك الدقات على باب شقتهما، فتحركت بهدوء تتجه ناحية الباب.
"لأ بجد منورين، أومال بقا لو الشقة مش قصاد الشقة كنتوا جيتوا امته؟"
تحدثت "جميلة" بسخرية وهي تردف تلك الكلمات مما جعل ياسمين تجيبها قائلة بمرح وهي تدفعها بهدوء:
"طب دخليني كده يحبيبتي عشان هبطت."
قالتها وهي تدخل من جوارها تحت نظرات شقيقتها فتبعتها شقيقتها بعدها ثم أغلقت الأخرى باب منزلها. اتجهت "ياسمين" أولاً تجلس بجانب زوجة عمها قائلة بثبات:
"إزيك يا حماتي يا حبيبتي."
ضحكت "عايدة" عليها وهي تقول حديثها بطريقتها الخاصة التي تجعل كل من يراها كذلك يضحك عليها.
"الحمد لله يا قلـب حماتك."
ابتسمت لها الأخرى باتساع تحت نظرات كل من "جميلة" و"نيروز" الضاحكة.
جلسوا جميعهم جانب بعضهما على الأريكة الطويلة. نظرت "نيروز" لـ "جميلة" بهدوء ثم تحدثت قائلة وهي توجه أنظارها لها:
"الامتحان كان تمام؟"
أومأت لها الأخرى توافقها بهدوء متحدثة:
"الحمد لله عدى، كان رخـم بس الدنيا تمام يعني."
تحدثت ياسمين بصوت مسموع قائلة:
"بقولك يا حمـــاتـي الـــ…"
"ريحي نفسك مش موجود، وطّي صوتك ووفريه."
نظرت لها بهدوء ثم اردفت قائلة بثبات:
"براحتي يا يا جميلة، أصل أنا واخوكي فرحنا وكتب كتابنا بعد شهر لو نسيتي يعني."
اعتلت ضحكاتهم جميعًا على حديثها فتحدثت "جميلة" قائلة:
"اشبعوا ببعض، مش ماسكين فيه هنا أوي يعني."
ابتسمت "نيروز" تزامنًا مع رد زوجة عمها وهي توجه أنظارها لشقيقتها الأخرى:
"واللهِ ما ليكم إلا بعض عشان تعلموا بعض الأدب، انتِ وهو."
"طالما هكون معاه يبقي أي حاجة بعد كده إيزي!"
نظروا لها جميعًا مبتسمين بقلة حيلة منها فتحدثت "نيروز" قائلة:
"إحنا غلبنا فيها يا جماعة، مبتقدرش تمسك لسانها ٣ ثواني على بعض."
ردت شقيقتها عليها وهي تنظر لها بحنق زائف:
"الله!! مش في بيت زوجي المستقبلي وقرة عيني يبقي نو بروبلم!"
اعتلت ضحكاتهم على حديثها تزامناً مع دخوله من الخارج مغلقًا الباب خلفه قائلاً بصوت مسموع:
"صوتك عالي ليه؟ كل الناس عرفت إني قرة عينيك!!"
ابتسمت له قائلة بثقة نابعة من حديثها:
"طب ما انتَ فعلاً قرة عيني، إيه الجديد؟ ما يعرفوا عادي."
ضحك هو على حديثها موجهًا أنظاره لوالدته مردفاً:
"بقيت بخاف على نفسي منها يا عايدة واللهِ."
ابتسمت والدته وهي تنظر لهم بحب قائلة بهدوء:
"بتحبك يالا، ربنا يهنيكم ببعض."
أردفت "نيروز" قائلة له:
"أنا رأيي متخافش على نفسك وانتَ مع ياسمين، ورأيى التاني تاخدها الوقتي ونخلص بسرعة، شهر كتير."
اعتلت ضحكاته على حديث ابن عمه، فنظرت ياسمين بحنق لشقيقتها ثم تصنعت هي الحزن منهم قائلة باقتضاب:
"تمام أوي."
تحدث "حازم" سريعًا وهو يقول بلهفة مصطنعة:
"نكد، نكد، غيروا الموضوع بسرعة."
قهقهت هي على حديثه، واعتلت ضحكاتهم جميعًا بنفس واحد، ثم مالت "جميلة" بجانب نيروز مستغلة انشغال حازم وياسمين بذهابهم للشرفة وانشغال والدتها بالتلفاز من جديد.
تحدثت بنبرة خافتة بجانب أذن الأخرى قائلة:
"عملتي إيه في موضوعك يا نيروز؟ كلمتي بابا؟"
نظرت لها الأخرى ثم أردفت قائلة بهدوء موجهة أنظارها لها:
"لسه، وبصراحة خايفة من رد فعله، أنا متوقعاه بس خايفة برده!"
نظرت لها "جميلة" بهدوء متفهمة حالتها، هي أفضل من يعلم تحكمات والدها وتفكيره الغريب كليًا بالنسبة لهم، خاصةً أنها تعلم أن معاملته لتلك النيروز ليست أفضل شيء بالنسبة لهن.
***
صدح صوته في الشقة المجاورة وهو يجلس بجانب زوجته ينظر لها ويحدثها بانفعال مردفاً:
"هو انتِ متقعديش في جو رايق أبدًا؟ ما قولتلك يا زينات، أنا خلاص بخلي مسئوليتي من ابنك، ده فاشل مش فالح في حاجة، إيه! كل شوية هقولك!"
ردت عليه "زينات" مردفة بغيظ مكتوم:
"طب ما تشوف له شغل تاني يا سليم، ولا انت مش هتهتم بابني زي ما بتهتم بالثانين؟!"
نظر لها نظرة خالية من التعابير قائلاً بحده:
"قولتلِك، أنا غلبت أجيب له زفت شغل، أعمل إيه تاني؟ ده حتى مش فالح لا في تعليم ولا في أي حاجة، بقاله كتير بيسقط ده يا شيخة! اللي من سنة فاتحين بيوت. بس خليه بايظ كده ويبقى اللي بيسهر معاه للصبح دول ينفعوه ويجيبوا له شغل يصرف منه، ولا تكوني فاكراني نايم على ودني ومعرفش إنه بيسهر للصبح برا وبيعمل إيه!"
أجابته حانقة من حديثه على ولدها:
"وإيه يعني لما تجيب له شغل تاني وتالت؟ ولا الشغل بتاعك ميحلاش إلا مع ابن التانية بس؟"
أردف قائلاً بنفاد صبر:
"مش هنخلص!، حازم شخص مسئول وقريب هيفتح بيت وشغله من تخرجه ومجهوده ونفس شغلي، لكن وصل بتعبه هو ومش بيشتغل معايا، ده له شغله لوحده، لكن إحنا في نفس المكان ومع بعض! مش زي المحروس ابنك التاني!"
أردفت قائلة بغضب:
"وإيه يعني هو حسن ماله؟ مش فاهمه، ولا انت قلبت المحامي بتاع التاني؟.. ولا أقول ليه؟ ما انت محامي فعلاً!!"
"يــوه، انتِ الكلام لا بيودي ولا بيجيب معاكي، ما كلهم ولادي، هفرق بينهم ليه يا أنا. وبعدين ابنك بقا خلاص، سيبته للدنيا تعلمه، المهم هو بس يفوق ويرجع لنفسه!!"
أردف هذه الكلمات كلمة تتبع الأخرى ثم نهض من أمامها متجهًا ناحية غرفته تاركًا إياها جالسة وحدها تكبت غيظها من حديثه. لطالما هي المقربة له يأخذ برأيها الكثير في حياته، شخصيتها قوية اتجاهه لذلك لا يضع لها حدًا مثل الأخرى، الأخرى الزوجة الأولى وتلك هي الثانية عليها!! وهيهات أحيانًا من كل ثانٍ!! تفكر بغيظ وخبث محاولة إيجاد طريقة لتقرب ابنها من زوجها. تفكر بالطريقة التي ستجعل بها علاقة الآخر على الهامش مع والده!!.
***
دقائق وهي تحدثت بصوت منخفض بهاتفها جالسة بغرفتها كانت تتحدث بنبرة خافتة وأيضًا حاولت التحكم بها لتخرج رقيقة.
"ما أنا بقولك معرفتش أخرج النهارده، بس أوعدك أقابلك بكرة يا حبيبي."
صمتت ثوانٍ تستمع لرده ثم تحدثت قائلة مرة أخرى:
"حاضر، هقفل أنا عشان ممكن حد يدخل فأي لحظة."
كان الصمت سيد المكان حولها لثانية وهي تستمع لحديث الآخر، فعاودت هي الحديث مجددًا قائلة برقة:
"وفريدة بتحبك والله، يلا باي."
أغلقت المكالمة ثم وضعت الهاتف بجانب الفراش ونهضت متجهة للشرفة تبتسم ببلاهة على حديثه المعسول معها خلال دقائق. اختفت ابتسامتها تدريجيًا عندما وجدتـها تقف بالشرفة الجانبية للشقة التي بجانبها.
تحدثت هي قائلة باقتضاب:
"أهلاً."
ردت عليها الأخرى "ياسمين" بابتسامة صفراء:
"إيه ده فريدة!! واقفة لوحدك ليه كده؟ مش خايفة على نفسك من نفسك بذمتك؟"
نظرت لها الأخرى بغيظ مردفة:
"ويعني انتِ واقفة لوحدك ليه؟ مش عادتك، فين حبيب قلبك؟ تلاقيِك مش قادرة تتنفسي من غيره!"
ضحكت "ياسمين" باستفزاز قائلة من بين ضحكاتها:
"فعلاً تصدقي إني باخد شهيق وزفير بصعوبة حالياً، عقبالك."
نظرت لها "فريدة" بغيظ، تزامناً مع دخول شقيقها شرفته ممسكاً بصينية بها كوبين من المشروبات الساخنة موجهًا أنظاره لياسمين التي تقف بجانبه قائلاً وهو يعقد حاجبيه:
"بتكلمي نفسك؟"
نظرت مبتسمة وهي تتحدث قائلة:
"إزاي بس معقول؟ بص يمينك كده دي فريدة."
نظر بجانبه فوجدها تقف وهي تنظر بهدوء يظهر على ملامح وجهها الضيق، فتحدث هو قائلاً:
"فريدة!! تعالي يا فريدة اقعدي معانا شوية!"
أجابته شقيقته بهدوء وهي ترسم على ملامحها حزن زائف:
"لأ معلش مش هقدر، هدخل أنام. تصبح على خير."
نظرت "ياسمين" لها بخبث ثم تحدثت قائلة وهي تنظر للمشروب ثم عادت النظر لها:
"ريحتِـه."
علم حازم مقصدها حينما نظرت لها الأخرى بغيظ فتحدث هو قائلاً:
"بتقولي حاجة؟"
أجابته مسرعة بثبات:
"لأ، ده أنا بقول الشاي السخن دا ريحلي بطني."
ثوانٍ وسمعا صوت صفعة باب الشرفة القوي الدال على غيظ شقيقه الآخر.
نظر لها "حازم" بشك قائلاً:
"مش مرتاحلك، قولتي لها إيه؟ أنا عارف إنك مبتسكتيش! بالذات قصادها."
تصنعت هي البراءة قائلة بهدوء ممزوج بالمرح:
"أنا؟ طب ده أنا حتى طيبة أوي.. ظالمني أنتَ على فكرة!"
"آه ما أنا عارف!! هتقوليلي؟"
قالها هو بشك فنظرت له باستنكار ثم عاود النظر بعمق في عينيه وتنهد قائلاً:
"عارفة مشكلتي الحلوة في إيه؟"
"إيه؟"
أجابها قائلاً حينما سألته هي:
"في إني بحبك."
اعتلت ضحكاتها هي تزامناً معه وهو يطيل النظر بها وبضحكتها، عينيها، ملامح وجهها، كل ذلك يكفي لسلب روحه وعقله هو.
أجابته قائلة بفخر من بين ضحكاتها:
"ما أنا عارفة. عارف انت مشكلتي أنا بقا فين؟"
استجوبها بنظراته مبتسمًا معتقدًا بأنها ستغازله مثلما فعل هو لكنها صدمته حينما أردفت قائلة:
"في أختك يا حبيبي."
صُدم هو من ردها قائلاً بسخرية:
"وأنا اللي فاكرك هتثبتيني!"
نظرت له مبتسمة ثم أردفت بثقة:
"ما أنا قولت (يا حبيبي) في آخر كلامي."
اعتلت ضحكاته على حديثها:
"ماشي، تمشي حبيبي مش مشكلة."
ثم اعتدل في وقفته قائلاً بثبات:
"متنسيش بقا هنخرج نتغدى بكرة سوا."
صفقت هي بيديها بحماس كالطفلة وهي تتحدث قائلة:
"مش ناسيه خالص."
ابتسم لها بحب قائلاً:
"عارف إن انتِ محتاجة الخروجة دي وإنك تغيري جو."
ابتسمت له بحب، فراقب نظراتها، هو يعلم تمام العلم أنها حزينة ومهما حزنت هي لا يظهر عليها شيئًا قط، عادةً ما تتظاهر بالتماسك وبداخلها الكثير، تخفيه هي بمرحها الدائم!!
"إيه روحت فين؟ بقولك نيروز بتنادي عليا عشان نمشي، هشوفك بكرة بقا."
فاق من شروده عندما تحدثت هي بذلك، نظر لها بهدوء مردفاً:
"ماشي، تصبحي على خير، هبقى أكلمك."
أومأت له بهدوء وهي تتحرك من أمامه لخارج الشرفة.
***
يجلس وبجانبه شقيقه وبالجانب الآخر شقيقته. تحدث "بسام" قائلاً بهدوء:
"إيه يا أبو الغساسين؟ مقولتليش أخبار شغلك النقل اتوافق؟"
نظر له "غسان" بهدوء ثم تحدث بثبات قائلاً:
"آه، جالي من شوية تليفون من الإدارة وانتقلت هناك رسمي خلاص، هبدأ الشغل من أول الأسبوع الجاي بقا."
نظر له "بسام" بهدوء وهو يومئ له فتحدثت شقيقتهم قائلة بنعاس:
"طيب أنا داخلة أنام أنا، بكرة يوم ابن لذينة وأنا مِعدتش قادرة."
نظر لها "غسان" بحنان فأومأ لها بالموافقة فتحدث "بسام" هو الآخر مبتسمًا:
"ماشي يا حبيبتي تصبحي على خير."
نهضت "وسام" من جانبهم متجهة لغرفتها.
تحدث "بسام" قائلاً:
"مش واخد بالك إنها زعلانة؟"
أجابه "غسان" وهو ينظر بأثرها بعدما اختفت من أمامهم:
"عارف."
نظر له شقيقه باستغراب من أمرهما فتحدث الآخر مجددًا:
"بس هتروق، محتاجة وقت بس وهتبقى تمام، أنا عارف."
نظر له "بسام" بهدوء؛ هو يثق بحديث شقيقه لطالما كان ومازال "غسان" الأقرب لها أكثر، ويعلم كل تفاصيلها الصغيرة بمجرد أن تحزن يعلم هو قبلها!!
***
تدق باب غرفة والدتها ثم دلفت للداخل بعدما أذنت لها بهدوء. دخلت وهي تحمل الطعام وبجانبه كوبًا من المشروب الساخن ممسكة بيدها الأخرى علبة العلاج الخاص بالأخرى!
"يلا يا حنون عشان تفترسي الأكل ده، مش عاوزة يتبقى منه حاجة وبعدين تاخدي العلاج."
ابتسمت والدتها قائلة:
"متحرمش منك يا بنتي، متشغليش بالك بيا وادخلي ذاكري انتِ."
سكتت هي تأخذ أنفاسها ثم تحدثت مرة أخرى:
"شوفي مستقبلك يا بنتي، ده الأهم دلوقتي."
ابتسمت لها "فرح" بهدوء وهي تتجه لتجلس بجانبها على الفراش قائلة:
"بصي بقا يا حنان، انتِ متقوليش كده تاني، إنتِ أهم من أي حاجة صدقيني، وبعدين أنا لو هشوف مستقبلي فهيبقى عشانك، عشان أبقى أكبر دكتورة وأعالجك بإيدي دي،. وعشان أشوف نظرة الفخر في عينيكِ اللي أنا بشوفها دايما من غير ما أتريق عليكي تعملي كده."
نظرت لها والدتها بابتسامة هادئة وأخذت تطعم هي والدتها ببطء.
تحدثت "فرح" قائلة مرة أخرى بعد دقائق حينما انتهت والدتها من الطعام:
"حلو أوي كده، تمسكي بقا الكوباية دي يا ست الكل، وتاخدي بقا البرشام اللي في إيدي ده وهتبقي زي الفل بعد ما تنامي شوية."
نظرت لها والدتها بحنان قائلة وهي تأخذ من يديها العلاج:
"ربنا يصلح حالك يا بنتي ويصلح حال أخوكِ وتفضلوا سند لبعض حتى بعد ما أموت يارب."
أجابتها ابنتها بلهفة قائلة:
"لأ لأ متقوليش كده، بعد الشر، انتِ معانا أهو ومنورة حياتنا، من غيرك الحياة هتبقى ضلمة صدقيني، متقوليش كده تاني."
ابتسمت "حنان" لها في صمت ثم اعتدلت بجلستها بهدوء حتى أصبحت مسطحة على الفراش بمساعدة ابنتها، التي دثرتها جيدًا بالغطاء ثم خرجت من الغرفة بأكملها. وجدت شقيقها قد أتى من الخارج.
"حمدلله على السلامة يا عز، اتأخرت ليه؟"
أجابها قائلاً بهدوء:
"كنت بدفع تمن العربية اللي نقلت ماما البيت وجبت بقيت العلاج وجيت على طول."
ثم تحدث قائلاً مرة أخرى:
"هي نامت ولا لسه صاحية؟"
أجابته "فرح" قائلة بابتسامة منكسرة:
"أكلتها وأديتها العلاج ونامت."
اتجه ناحيتها ثم رفع ذراعيه يربت على كتفيها بحنان قائلاً:
"بصي من غير مقاطعة من كلامي ويتسمع بالحرف؛ أنا هظبط بين شغلي وهقدر أراعيها لما تكوني في جامعتك، متهمليش دراستك ولازم تنتظمي فيها كأن مفيش حاجة."
كادت أن تعترض على حديثه فتحدث مقاطعًا إياها:
"اسمعي اللي بقولك عليه، أنا مش موافقك إنك تقرري تقعدي من جامعتك كده من يوم وليلة وتهملي في كل حاجة، أنا قادر أراعيها كويس والوقت اللي مش هبقى فيه هنا هتقعدي انتِ معاها وهحاول آخد إجازة كمان."
اضطرت هي للرضوخ وموافقة شقيقها بحديثه، فإن تحدث هو الأكبر منها سنًا والأمر الناهي في بيتها فستضطر للرضوخ، لا يوجد أمامها خيار آخر!!
***
خارج مصر، تحديدًا دولة "قطر" في أحد المنازل ذو الطراز الحديث.
تجلس "ورده" وأمامها صغيرها صاحب الثلاثة أعوام "يامن" تُطعمه، وكان يجلس هو أمامها زوجها الذي يُسمى "بدر" ممسكًا ببعض الأوراق الخاصة بعمله يقرأ بها بعناية.
تحدثت "ورده" موجهة أنظارها لزوجها الجالس أمامها:
"فكرت في الموضوع اللي قولتلك عليه يا بدر."
انتبه هو لحديثها ثم تنظر لها متحدثًا بهدوء:
"انتِ عارفة رأيي كويس يا ورده."
نظرت له ثم أردفت قائلة:
"يعني إيه يا بدر؟ هتسيبني أنزل أنا ويامن مصر لوحدي وكمان فرح أختي مش هتحضره؟"
أجابها قائلاً بثبات:
"انتِ عارفة إني مقدرش أسيب شغلي وأنزل في الوقت ده، ومعاد فرح ياسمين أختك بصراحة كده مش مناسب معايا خالص."
نظرت له بحزن ثم أردفت قائلة:
"يعني مش هتبقى معايا؟"
نظر لها بضعف ثم تحرك باتجاهها يحمل صغيره ومد يده الأخرى يضمها له بحنان داخل أحضانه قائلاً:
"غصب عني يا حبيبتي، بس بعد ما تنزلي هحاول أنزل بعدك لو إجازة صغيرة ونقعد شوية هناك؛ لكن الوقتي مش هقدر صدقيني."
ابتسمت له قائلة بهدوء وهي تتحرك لتنظر له:
"هنزل أنا ويامن وأمرنا لله بس متتأخرش بعدنا، أنا نفسي تبقى معايا وأكون مبسوطة، انت متعرفش ماما وخواتي وحشوني أوي، ومستنيني أنزلهم بفارغ الصبر."
أجابها قائلاً بهدوء:
"معلش يا حبيتي أنا آسف بس ده مش بإرادتي، متزعليش هعوضك، وإن كان على الحجز فـ أقرب وقت هتكوني نازلة لمامتك واخواتك."
ابتسمت له بحنان فتحدث "يامن" الصغير وهو ينظر لهم مردفاً:
"أامـ ـن بيـحب ماما."
قالها هو بنبرة طفولية نابعة بكل براءة منه مع خروج بعض من حروف اسمه بطريقة خاطئة لصغر سنه، كما أنه طفل، بعيدًا كل البعد عن التجمعات لطالما هم خارج بلدهم ليس لديهم اختلاطات بأحد بالخارج.
ضحكوا هم عليه فتحدثت والدته من بين ضحكاتها قائلة:
"والله وماما بتحب يامن أوي."
ثم طبعت قبلة على خده بحنان بالغ. نظر والده للصغير بحنق مردفاً بحزن زائف:
"طب ويامن مش بيحب بابا؟"
نظر له الصغير بضعة ثوانٍ ثم اتجه براسه ناحية وجه الآخر وطبع قبلة صغيرة على خد والده.
ضحك والده عليه ثم نظر له بسعادة قائلاً بحنان:
"حبيب بابا."
اعتلت ضحكاتها هي عندما وجدت زوجها يقول جملته بطريقة مضحكة وهو يدلل صغيره، تحمد الله بنفسها على تلك العائلة الصغيرة. هي كل ما لديها الآن وهي بخارج بلدها وهي بوحشة غربتها!
***
عودة.
كانوا قد عادوا هم إلى منزلهم، دخلت كل منهم غرفتها منذ وقت قصير، اعتقدوا هم أن والدتهم قد غفت وجاء موعد نومها.
دخلت والدتهم غرفة "نيروز" فوجدت شقيقتها مازلت معها ولم تذهب لغرفتها.
تحدثت ياسمين قائلة وهي تنظر لوالدتها:
"لسه صاحية ليه يا ماما؟"
أجابتها والدتها وهي تتدلف داخل غرفة الأخرى:
"يعني هعرف أنام من غير ما تكونوا في البيت حتى لو أنتم جنبي؟ ده أنا لسه بقلق على أختكم وهي مع جوزها في السفر!، دي غريزة يا حبيبتي متسأليش."
نظرت لها "نيروز" مبتسمة قائلة:
"ربنا يخليكِ لينا يا ماما."
نظرت الأخرى لوالدتها ثم تحدثت قائلة:
"والله الواد يامنة وحشني أوي."
تحدث "نيروز" هي الأخرى قائلة بحزن:
"وحشني كلنا بجد."
نظرت لهم والدتهم قائلة:
"حبيب تيتة، هم لسه بيشوفوا الإجراءات وممكن تنزل قريب عشان فرح الأستاذة."
نظرت لها "نيروز" قائلة:
"يا ريت يا ماما بقا، دول وحشوني أوي."
تحدثت "ياسمين" قائلة بهدوء:
"إن شاء الله ييجوا بالسلامة، هبقى أسألها لما تكلمني هتيجي امتى بالظبط."
نظرت والدتها باستنكار. لاحظت الأخرى نظرات والدتها لها فتحدثت قائلة:
"إيه يا سمية بتبصيلي ليه؟؟؛ بتخوفيني؟"
أجابتها والدتها بحنق:
"عشان راجعين متأخر، وكمان في الأول والآخر بعد ما يكون بيت عمك، بيت خطيبك، مش كتب كتاب هو!!"
"خلاص متزعليش نجيب مأذون ونكتب الكتاب الوقتي إيه رأيك؟"
نظرت لها والدتها بحنق عندما أردفت ياسمين هذه الكلمات فضحكت شقيقتها عليها.
ثم تحدثت والدتها من جديد:
"يا حبيبتي اتهدي، مفيش بنت بتعمل كده؛ خليكِ هادية ومركزة زي نيروز مش هيجرالك حاجة!!"
أجابتها "ياسمين" قائلة بثبات:
"بصي.. طالما أنا بعمل كده، يبقي أكيد مؤكد بالتأكيد فيه حد بيعمل كده!!"
نظرت لها والدتها ثم حركت رأسها بيأس منها عندما ضحكت "نيروز" على حديث الأخرى.
ثوانٍ وتحدثت "نيروز" قائلة بسخرية:
"طب لو سمحتم ممكن أنام وتفضلوا أوضتي لو مفيهاش إزعاج يعني."
نهضت "ياسمين" على فجأة قائلة:
"-أنا كمان راحة أنام، بس هعمل حاجة قبل ما أنام."
عقدت والدتها حاجبيها وهي تنظر لها حتى تفاجأت بها وهي تضع قبلة عميقة على خد والدتها ثم تحدثت قائلة بمرح:
"هعمل كده، أومال فكراني هعمل إيه؟ مش معقول هرجع لحازم الوقتي الناس تقول عليا إيه! عيب ميصحش! دي خطوبة مش كتب كتاب!!"
قالت كلماتها ثم خرجت من الغرفة تاركة شقيقتها تبتسم على أفعالها، فتحدثت والدتها قائلة بقلة حيلة:
"ربنا يهديكِ يا بنتي."
***
في أحد المقاهي الليلية الشهيرة بسوء سمعة مكانها.
يجلسون متراصين على مقاعد بجانب بعضهم ومن جانب كل شخص منهم يخرج الآخر بالدخان من أنفه وفمه، حتى كان جميعهم يقومون بالتدخين بجميع أنواعه المدمرة للرئة والأخرى المدمرة للصحة بأكملها!!
تحدث أحد أصدقائه وهو ينفث دخان سيجارته بوجه الآخر الذي يجلس أمامه قائلاً موجهًا أنظاره له هو الآخر:
"جرى إيه يا بو علي؟ شايف مزاجك مش أحسن حاجة يعني مش خير يا صاحبي؟"
أجابه "حسن" قائلاً وهو يدخن هو الآخر:
"وهيجي منين الخير طول ما الحوارات من البيت!!"
رد عليه صديقه قائلاً:
"يا عم أنا أخدتها من قصرها وقعدت لوحدي في حتة على قدي كده، بلا وجع دماغ،. وأجيب فيها اللي على مزاجي صحاب وغيره، وقاعد ملك براحتي بدل عيشة النكد التانية دي."
تحدث "حسن" مؤيدًا لحديثه:
"والله عندك حق، الواحد بيبقى عامل دماغ وييجي أي حد يطيرها، خسارة."
تحدث "شريف" المنضم لمجموعتهم من وقت ليس طويل:
"حصل يا جماعة، بس الفلوس بقا دي المشكلة اللي الواحد بيقعد يفكر يجيبها إزاي والتخطيط ليها صعب بأمانة."
نظروا له جميعًا مؤيدين حديثه فتحدث صديق آخر لهم والذي يُسمى "آدم":
"بقولكم إيه، سيبكم بقا من الفصلان ده، وشوفوا الحتة الجديدة اللي معايا دي، حاجة كده من برا توديك في حتة غير الحتة، يعني دماغ فوق، عالية في السما."
قال أخر حديثه وهو يضحك بصوت مسموع ممسكًا بيده بعض الحبيبات هذه.
كانت أنظارهم جميعًا موجهة لتلك التي بيد الآخر، كاد يسيل لعابهم عليها وهم ينظرون نظرات كنظرات الأسد عندما يصطاد فريسته، مدوا أيديهم جميعهم له دون استثناء، مقنعين أنفسهم أن لا مانع من تجربة هذه الأشياء!!
غافلين عن النتيجة المؤذية لهذا الطريق، طريق نهايته معروفة، يعرفها الجميع عدا هم، عدا الذين يسلكون هذا الطريق، طريق من فاز هو من لم يسلكه من الأساس، أو من سلكه بالفعل ثم عاد من نِصفه، أو الذي أنقذ نفسه بعدما سار عدة خطوات به وأيقن جيدًا أنه ليس سوى طريقًا مؤذيًا، طريقًا يؤدي إلى الهلاك!!
رواية عودة الوصال الفصل الثالث 3 - بقلم سارة ناصر
في اليـوم التـالي مع اشراقة شمس صباح يوم جديد ، هـلَ بالخـير والبركـات.
وقـف كـلا.ً منهم "غـسان" بجانب شقيقه" بسام" ووالدهم يقف بالجهه الاخري أمامهم وبجانبه زوجته وابنته. كان ينظـر كلاً منهم بتمعن للعـلب الكرتونيه والحقائب الكبيره.
قلّـب "غسان" نظراته ثم نقلها ووجهها اليـهم وتحدث قائلاً بإقتـراح:
"كده كلو زي الفـل ، وهنادي الرجاله بتوع العربيتين النقل ينقلو معانا وهتتقضي بإذن الله"
نظـر له والده وشقيقه بهدوء ثم أردف "بسـام "قائلاً:
"حلو أوي بينا نشيل الشنط الكبيره والتقيله دي ، و العلب اللي فوق بعضها دي بابا يشيلها"
قال اخر حديثه مشيراً علي العُلب الكرتونيه المترصصه فوق بعضـها فقد كان وزنها ليس ثقيلاّ للغايـه.
فهمـت والدته مقصده ثم ابتسمت له بحنـان فاردفت قائله عندما وجدت الاثنان يبدأا في نقل الاشياء متوجهين ناحيه باب شقتهم:
"علي مهلـكم يا حبايبـي"
تحدث "حامد" قائلاً وهو ينـظر لها ولابنته:
"انتو تفضلو واقفين هنا علي ما كل حاجه تتنقل؛ وبصو بقا علي الحج الوقتي وهو بيشيل زي الاسد، بسيبولي الحاجات الخفيفه مفكرني عجزت، ده انا لسه شباب لا"
ضحكت كل من ابنته وزوجته فتحدثت "وسام"قائله من بين ضحكاتها:
"انت زي الاسد يابوب بجد"
ابتسم لها باتساع وهو يقول:
"طب بصي بقا يحبيبه بابا علي الاسد"
قالها متجهها لحمـل العلـب ثم استقام من جديد متوجهها لباب المنـزل.
هنـا وأردفت "وسام " بصوت عالـي نسـبياً:
"اللـــهم لا حـســد عـلـي بــابـا الأســد"
ضحـك عاليـا من علي بُعد كما اعتلت ضحكات والدتها ايضاً ، فابتسم هو باتسـاع مره اخري عندما سمـع صوت الاثنين معًـا وهم يحثونه علي التمـهل بنبـره حملـت الكثـير من الحنـان المتوزع بينهن!!
استـقامـت هي بعدما نهضت من فراشـها قَلقه من الأرق. نهضت بعدما كانت تجلس علي الفراش ثم توجهت "نيـروز" ناحيـة الشـُرفه وقامت بفتحها علي وسعـها حتي دخل نور الله. تهدأ أنفاسـها عندما يتخلل النور السـاطع غرفتها في الصـباح و يُداعب وجهها بعض ندبات الهـواء. ثم تُطـير بعض من خصلاتها البـُنـيه الكثـيفه. أخـذت نفسـاً عمـيقـا تَحـثُ نفسـها علي الثبـات. التفتت ثم توجهتت ناحية باب غُرفتـها تتدلف منه الي الخارج بالشقه متوجهه الي طرقه المرحـاض.
انتبـهت لتلك التي تقف بجانب السُـفره التي يوضع عليـها كوبـاً من الـمـاء وبجانبه عُلُبه يتضح انها من الدواء الخاص بالأخري!!
توجهتت ناحيه والدتها أولاً:
"صبـاح الخير يا ماما، بتعملي ايه كده وليه منزلتيش الشغـل!؟"
أجابتها "والدتها" بنبره حاولت أنت تخرج بثبات منـها:
"مش هنزل الشغل النهارده"
تحدثت "نيروز" بلهفـه:
"ليه هو انتٓ تعبانه؟ انتِ كويسـه؟"
اجابتها الاخري بإجهـاد:
"يا حبيتي أنا كويسه مفيش هبطانه بس عادي يعني"
لاحظـت هي علامات التـعب حتي ولو ذره مرسومه علي وجه والدتـها فتحدثت مره اخري بشك وهي تنظر لها:
"مالك ياماما انتِ شكلك مُجهد أوي ، وايه الدوا ده ، انا واخده بالي علفكرة!"
"يا بنتي قولتلك مفيش انا كويسه متوجعيش فقلبي، دا دوا ضغط يا حبيتي متقلقيش بقا!"
اجابتها "نيروز" بقله حيلها بعدما ردت عليها هي:
"خلاص ماشي ، بس تعالي اقعدي فأوضتك طيب متقفيش كده"
نـظرت لها والدتها بحنان ثم أردفت قائله:
"طيب يا روز روحي الحمام وفوقي كده ، وانا هصحي اختك تعمل فطار"
اعترضت هي قائله بهدوء:
"لا ادخلي انتِ وأنا هحضرلكم الفطار واجليكم"
ابتسمت لها والدتها باتسـاع:
"طيب يا بنتـي اللي يريحك"
"ماشي يا سمسم يلا صحيها وانا هظبط العمل واجي وراكي"
ثم غمزت لها بمرح في أخر حديثها حتي ابتسمت لها والدتها واومأت بالموافقه لها وهي تتجه ناحيه غرفه الاخري "ياسمين".
الصمـت سيـد المكـان لفتره وهـم يجلسـون علي مائده الطعـام ، علي الافطار في الصبـاح. كـسر هو الصمـت مُردفـاً بجمـود:
"والمحروس ابنك بقا نايم ولا لسه مجاش من أصله؟"
نظرت له "زينات" بحده ثم اردفت قائله محاوله التحكم بغيـظها:
"تلاقيه نايم متأخر ولا حاجه ، أنا هصحيه بعد ما تمشي"
"اه قولي انه لسه جاي وش الفجـر"
أجابته حانقه بعدما قال لها هذا:
"جرا ايه يا سليم ؟ حاطه في دماغك ليه ما كل الشباب كده بتحصل يعني!"
نظر لها "سليم "باستنـكار ثم اردف قائلاً بحده:
"هحط ابني اللي من دمي في دماغي ، شكلك دماغك تعبت!!"
نظرت له بغـيظ فتحدث هو بنبره أهدأ من قبل:
"يا زينـات ابنك متدلع وانتِ السبب ، لحد ما باظ ،. ولسه!"
نظرت له بغـضـب وكأنها تقول له إلي هنا وكـفي !!
"هو معدش ورانا ألا ابنك وابنك كل شويه ؟ بتعمل إنتَ كده فشقه الهانم التانيه؟ رُد !!"
إجابها بنفاذ صبـر قائلاً:
"مفيش فايده فيكِ ابداً "
تجاهلها هو ثم وجه أنـظاره لتلك التي تجلس وتتابع الموقف بصمـت فتحدثت قائلاً بنبره ابرد:
"انتِ ساكته ليه انتِ كمان ما تقولي حاجه ما هي كملت،وبعدين انتِ قاعده ليه ، انتي وراكي كليه ولا لأ "
وجههت" فريده" أنـظارها له بارتباك قائله:
"ااه راحـه الكليه ،، بس الضهر"
قلب عينيه بملل ثم استقام ونهض من المائده بصمت.
تحدثت "زينات " بعدما اختفي أثره موجهه أنـظارها لابنتها قائله بجمود:
"قومي يا بت شيلي الاطباق واغسليها لاحسن دمي اتحرق"
"يووه طيـب طيـب"
تجاهلتها الاخري ، حينما جاء هو من الداخل يحمل حقيبه عمـله وخرح من شقته بهدوء.
"كده كل حاجه بقت تحت رسمي نقفل بقا الشقه وبينا ننزل"
تحدث" غسـان" مردفاً بتلك الكلمات ،و كان شقيقه الاخر في الاسفل مع السائقين وكان هو بالاعلي مع والده وشقيقته ووالدته.
تحدث "حامد" مردفاً:
"توكلـنا علي الله ، يلا ننزل "
قالـها تزامناً وهم يتجهو خارج الشقه وقام الاخير بغلقها ثم هبط كلاً منهم إلي الأسـفل حيث تقطن السيارات.
توقف" غسـان" أمام سيارته فركب والده في الامام بجانب غسان، ووالدته وشقيقه وشقيقته بالخلف في سيارته. ركب هو اخيراً السياره بعدما أشار للسائقين بالتحرك.
تحدثت" والدته "قائله بهدوء:
"براحتك وانت ماشي يا غسـان"
تحدث "حامد" قائلاً وهو يمزح:
"هو يتسجر يعمل حركه مجنونه وانا قاعد جمبه كمان يلا ياض سمي الله واتوكل"
ابتسم علي حديث والده ثم اردف قائلاً:
"مقبوله منك يا حج حامد"
ثم غمز له بطرف عينيه بمرح فتحدث مجدااً مره أخري بتعالي:
"عارف انت يحج لو حد تاني قالي كده ..."
صمت قليلاً ثم أردف مرة أخري:
"بس يلا بقا الطيب أحسن"
ضحك" بسام" قائلاً:
"أنا عارف أنا الحد ده هيحصل فيه إيه "
نظر له شقيقه بخبث ثم ابتسـم كل منهم علي حديثـه فتحدثت" وسام":"
"يلا بينا نتحرك بقا انا زهقت."
أومأ لها شقيقها "غسان" يوافقها ثم ثوانِ وتحرك بالسياره ،حينما ردد كلاً منهم دعاء السفر مع بعضهم.
إلتفتت "وسام" تنظر إلي المبني نظره مطوله ثم حركت انظارها إلي الشرفه بجانبها. تنظر بشرود والدموع تتحجر في اعينها. نظر لها "غسـان" من المرٱه علم حالتها في الحال فتحدث قائلا بهدوء وهو يقود السياره:
"عارفين صُحابي اللي هنا هيوحشوني أوي ، بس أنا مش هستني هبقي أجي علطول كل فتره وهاخد وسام معايا"
اتسـعت ابتسامتها ثم حركت راسها تنظر له قائله بلهفه تسأله:
"بجد؟ هتبقي تجيبي هنا تاني؟"
هز رأسه بالموافقه لها بابتسامه صغيره تزين وجهه.
ابتسم" والده" حينما فـهم ما فعله ذلك الغسـان بلمسه بسيطه منه غير من حاله شقيقته!!
تحدثت" والدتهم " قائله:
"ان شاء الله علي خير يا حبايبي"
ابتسم له شقيقه يغمز له فنظر له الاخر في المرٱه وبادله نفس الغمزه.
كان يقف بـ غرفـته مرتديـاً حِله. ثم بعدها أخذ حقيبته وحفنة االاوراق التي توجد بظرف خاص بـها كانت والدته قد تكاد تتدخل له غرفتـه خرج هو تزامناً مع اتجاهها له بالأساس:
"ايه ده يا حازم مش هتفطر ولا ايه؟"
أجابها باستعجـال:
"معلش ياماما مش هعرف ، ورايا ناس مستنياني في المكتب. وبابا وراه قضيه في المحكمه ومستنيني"
ردت عليه "عايده" بتفهم قائله:
"خلاص ماشي يابني ، هستناك علي الغدا متتأخرش"
نظر لها ثم ابتسم قائلاً:
"بس انا هتغدي برا مع ياسمين ، تيجي معانا انتِ وجميله؟"
"لا يا حبيبي خلاص ، بس يعني ماله أكل البيت ما تيجو هنا احسن"
نظر لها ثم اردف قائلاً:
"هنشم شويه هوا وكده ، انا ماشي سلام انا بقا"
قال حديثه وهو يتجه سريعاً للباب يدلف منه الي الخارج تحت نظرات والدته لـه.
اتجهت "عايده" إلي غرفه ابنتها سريعاً ثم دلفت الي داخلها مناديه باسمها تلك التي تتسطح علي الفراش!!
"جميله بت يا جميله"
تمللمت الاخري بالفراش بقلق فجاءها صوت والدتها مره اخري قائله:
"يا بنتي قومي عشان الجامعه، قومي افطري والبسي يلا"
جاءها صوت "جميله" قائله بتثاؤب:
"حاضر حاضر ؛ ايه اللي دخلني طـب بس ياربي!"
اجابتها "والدتها" بابتسامه خفيفه وهي تقول:
"الحمد لله نصيب ومكتوب يا حبيتي،قومي بقا يلا"
خرجت والدتها من الغرفه تعد فطوراً لأخري بعد عده دقائق خرجت" جميله" من غرفتها مردتيه ملابسها:
"هو حازم خرج؟"
جاءها صوت والدتها بالموافقه قائله:
"اه. خرج قبل الفطار "
اتجهها معاً ناحيه السـفره الخاصه بالطعام ثم جلس كل منهم عليـها بهدوء يتناولن الطعام.
تحدثت "عايده" بتذكـر:
"اه متتأخريش علي الغدا عشان النهارده ابوكي هيتغدي معانا وحازم مش هنا، فحاولي كده عشان مسمعش كلام كده ولا كده يا بنتي"
اجابتها "جميله" بنبره حاولت الثبات:
"حاضر هاجي بدري ، اللي تعوزيه ياماما"
نظرت هي لابنتها نظره مطوله ، تعلم تمام العلم ان ابتنها تحـمل الكثير خاصـه من كثره تحكمات والدها سابقا والان أيضا ولكن ليس كقبل. تعلم تحكمات زوجـها عليـها منذ ان كانت ابنتها مُجرد طفـله. حتي أصبحت مشوهه نفسيـاً مهشمه داخليـاً تحاول الثبات أمام الجميع فقـط. لاسباب عديده كل ما تسبب بها هو ، هو زوجها "سليـم" ووالد "جميـله". لا تستطيع هي التحدث أو المحاوله لصده امام ابنائها. خاصه أن تلك التي تُسمي"عايده" شخصيه سلبيـه لا تستطيع المواجهه والدفاع عنهم أمامه امام زوجها خاصه هو لانـها مرغومـه علي أمرها.!!. قد خف الامر كثيراً عندما نضج الٱخر"حازم" أصبح قادراً علي اقناع والده ولو بقدر قليل. قادراً علي مواجهته بهدوء. وتلبيه كل ما تريده "جميله".
"والله يا بت يا روز الفول بتاعك ده حوار"
أجابتها "نيروز" بفخـر:
"طبعا ً ، عمايل ايدي بقا وكده"
ردت عليها "ياسمين" قائله بابتسامه عبثيه:
"أنا قصدي إنه حوار فكسـان وميتاكـلش متعميهلوش تاني بقا"
نظرت لها والدتها باستنكار خاصةً بعدما رأتها تجلس بأريحيه بعد تناولها الطعام وتضع قدماً فوق الاخري!!
تحدث "نيروز" قائله:
"بجد؟ ، دا انا مظبطاه حلو واللهِ"
جاءها صوتها قائله:
" ببت دا طعمه حلو بهزر معاكِ، وبعدين ياروز انتِ عمرك ما تعملي وحش في حياتك يا بنتي"
ابتسمت لها هي بهدوء فتحدثت "والدتها" قائله:
"انتِ با بت بجحه؟؟ دا بدل ما تشكريها؟؟ ده انتِ كنتي هتعملي الفطار بدالهاا!"
"بقولك ايه يا سُميـه أنا المفروض ارتاح عالاخر النهارده عشان خارجه مع حازومي علي الغدا"
نظرت لها والدتها ثم اردفت قائله:
"وانتِ قولتيلي بقا علي كده ولا عاوزه تقرطسيني يا حبيبه أمك؟"
"قولتلك"
"لاأ مقولتليش"
"ياوليـه قولتلك صدقيني"
"بت انتِ انا مسمعتكيش قولتيلي امته؟"
هنا وتحدثت" نيروز" بنفاذ صبر قائله:
"خــلاص "
ثوانِ واردفت مره اخري:
"ياسمين فعلاً قالتللك ياماما أنا كنت واقفه ساعتها، ممكن انتِ مخدتيش بالك"
عقدت والدتها حاجبها فتحدثت "ياسمين" مُردفه بمرح:
"اللي واخد عقلك يا سمسم مش كبرنا يا وحش ع الحاجات دي"
ثم قامت بارسال غمزه من عينيها وقُبلُه طائره. قهقهت شقيقتها علي حديثها ثم حركت راسها بمعني لا فائده.
أردفت "سُميه" تقول بقله حيله:
"يا بنتي يا حبيتي امسـكي لسانك واحترمي نفسك معايا شويه عيب كده!"
"طب بزمتك ما بتحبي جديد اومال تايهه ليه كده بقاا كده بقا كده!!"
قالت اخر حديثها وهي تتراقص بمرح أمام الاخري. فنهضت والدتها سريعاً لتتجه ناحيها بسـرعه مقرره الفتك بـها في الحال !!, فامسكتها "نيروز" بسـرعه فقامت الاخري تركض من الغرفه بأكملها وهي تضحك بصوت عالـي.
" اااه ، أنا مش فاهمه دي هتفتح بيت إزاي يارب!!"
ضحكت "نيروز"قائله:
"معلش يا ماما ، هي حره تفتح زي ما تفتح ، إحنا نعاملها بالحسني لحد ما تمشي من عندنا عشان هي مش بتاعتنا "
نظرت لها والدتها بصمت ثم ثوانِ وانفجرا كلاً منهم بالضحك عاليـاً عندما تذكروا الموقف منذ قليل!!
تحدثت هي من بين ضحكاتها:
"ربنا يهديكي يا بنتـي يارب "
كان قد مرت وقت عليـهم وهم علي الطريق. كان يتحدث"حامد" بالهاتف وهو ممسكاً به. و"وسام" تمـيل غافيه علي كـتف شقيقها"بسـام". "وبسـام"يميل علي كتـف والدته هو الاخر فثبات عميق.
نظر علي هذا الوضع من المرٱه فوجدهم كذلك ووالدته تجلس بالمنتصف تقم بقراءه القرٱن الكريم. تحدث "غسـان "قائلاً موجههاً أنظـاره لوالده الذي انتهي للتو من حديثه عبر للهاتف:
"كل حاجه تمام؟؟"
أومأ له والده يهز رأسه يجيبه بهدوء. فـعاود هو النظر الي المرٱ ه ثم تحدث قائلاً وهو ينظر بالمرٱه:
"صــحي الكـتاكيـت"
اغلقت "دلال" المصحف ثم أومأت له بهدوء. قامت بهز ابنها وابنتها عده هزات متتاليـه:
فتحدث "بسـام" بفزع:
"إيـه ؟ مــيـن؟ فــيــن!!!"
اعتلت ضحكاتهم عليه بهدوء ثم استفاق هو. حسناً استوعب الامر خلال ثوان فاردف مجدداً:
"صباح الخير يا أمي"
"صباح النور يا روح أمك ، هز اختك دي كده وصحيها "
فاقت الاخري خلال ثوانِ قائله:
"وصلـنا؟؟"
اجابها" والدها" بابتسامه:
"صباح الخير يا حبيتي، موصلناش بس يعني قولي قربنا او نص الوقت، متنسيش قبل ما تنزلي اشربي ميه لتاخدي برد "
نظر لهم "بسام" بحنق ثم اردف قائلاً بُسخريه:
"ناس صباح الخير يا حبييتي ، وناس صباح الخير يا روح امك"
ابتسمت شقيقه علي حديثه فتحدث "والده" قائلاً:
"ايـه ياض؟!، مش عاجبك!!، اوعي يكون مش عاجبـك!!!"
"لا لا ازاي عاجبني طبعاً"
اجابه والده:
"اه فكرت يعني "
تحدثات"دلال " قائله بدفاع عن ولدها:
"ما براحه يا حامد علي الواد ، مش كل الدلع للهانم"
نظر لها خو ثم تحدث" غسان" قائلاً موجههاً نظراته لوالده:
"واخد بالك يا حج دي غيره دي"
اجابه هو قائلاً:
"اه منا عارف امك بتحبني وبتغير عليا ومتستحملش اقول كلام حلو ألا ليـها ، حقك يا دلال أنا راجل دمي خفيف وبقول كلام حلو وممكن اتاخد منك فـ اي لحظه !، بس اقوللك ، والله ما اعرف اقول كلام عسـل ألا ليـكِ يا عسـل انتِ"
اعتلت ضحكاتها هي وابنائها علي حديثه. فتحدث "غسـان " قائلاً من بين ضحكاته وهو يحرك خُصلاته الي الخلف بقله حيله من والده:
"طب خلاص بقا يحج احنا علي طريق ها؟ طريق"
قهقه" والده" علي حديثه تزامناً مع حديث "وسام" لوالدتها:
"ايه يا مرات ابويا؟"
"بس يا بت انتِ تطولي ؟؟"
ضحكت" وسام" علي حديث شقيقها "غسـان" عندما اردف ذلك. تحدثت "والدتهم "قائله:
"هي العرييات ورانا علي الخط يا بني ولا ايه؟"
"ايوة يا ماما الدنيا مظبوطه متقلقيش"
ابتسمت له بسمه صغيره عندما استمعت الي حديثه ثم بدأت تفتح القرٱن الكريم مره اخري لتكمل ما بدأته بعدما قاطـعها أحدهم!!
مرت السـاعه وخـرجت هي وصديقتها من المحاضره الأولـي. نظرت "جميله" لصديقتها "فرح" ثم تحدثت بانهاك قائله:
"تـعالي يا فرح نجيب حاجه تتشـرب"
أومأت لها "فرح" بالاجابه بهدوء وهي تسير معـها. فـنظرت لها "جميله" بتأثر ورفعت يديها بتردد ثم وضعتها علي كتفيها بحنان قائله:
"متزعليش يا فرح والله مامتك هتبقي كويسه ان شاء الله ، متخافيش ، شيلي أي تفكير وحش من دماغك بس"
نظرت لها الاخري ثم تحدثت بحـزن بادي علي ملامح وجهها:
"الحـمد لله بس أنا خايفه ، خايفه اوي"
كانا قد وقفا هم امام المكان الخاص ببيع المشروبات ثم رفعت "جميله" يديها الاثنتان وضمت" فرح" باحضانها ثم ابتسـمت لها ابتسـامه تبثُ بها بعض الاطمئنان.
دقائق بسيـطه وجلبا كل منهم المشروب ثم قاما بالاتجاه إلي مكان بالقرب من المحاضره الثانيـه. دق هاتف "فرح" دقات تعلن بقدم رساله جديده من أحد ما. انتشلت هاتفها سريعا ثم فتحته ثوانِ وشهقت شهقه عاليه:
"يالهـوي ، «منه» بعتتلي ان الدكتور دخل الوقتي "
اجابتـها الاخري بهدوء تام قائله:
"وانتِ قلقانه ليـه. هو دخل قبل ميعاده يبقي بينا نروح يلا وندخل"
اتجهها معاً ناحيـه المدرج ثم وقفا امام البـاب. فدقت "جميله" الباب عده دقات ثم فتحته ودلـفت بهدوء وتتبعها الاخري.
أوقفها صوته قائلاً بصوت عالـياً:
"انت ِ يا ٱنسه انتِ وهـي ، يا أساتذه!!"
التفتت الاثنان معاً ثم أشارت"فرح"باصبعها عليـها هي و"جميله". فتحدث الدكتور الجامعي قائلاً :
"اه انتـم ، انتم ازاي تتدخلو من غير استئذان ايـه؟ سايبـه!!"
تحدثت "جميله" بهدوء دال علي استنكارها للموقف:
"حضرتك احنا خبطتنا علي الباب قبل ما ندخل؛ واحنا دخلنا والمحاضره مش في معادها دلوقتي يعني .!"
جاءهما صوته ساخراً:
"والله مش انتِ اللي هتقولليلي أجي في ميعادي ولا قبل ميعادي ياستاذه!!"
احمر وجه "جميله" من أحراجه لـها تزامنا مع فرك "فرح " ايديها بتوتر. كل هذا حينما اعتلت تهامسات الطلاب حولهم علي الموقف.
جاءهم صوته مجدداً؛
"اتفـضلوا برا محدش بيدخل بعدي ، وكرنيهاتكم هنا لو سمحتم يلا"
اخرجا الكارنيه الخاص بهن ثم توجهها ناحيته ووضعت كل منهنما الخاصه بها علي المكتب ثم دلفـا إلي خارج المدرج بأكمله.
"ايه الاحراج ده مش ممكن انا كنت فنص هدومي ، احنا عمرنا ما اتطردنا يا "جميله " قبل كده! ، لا احراج جداً بجد."
جاءها صوت "جميله" مردفـه :
"فعلا محرج اوي ، بس احنا مغلطـناش"
كادت ان تجببها الاخري فـ لاحظت هي خروج الطلاب من المحاضره باكملهم!!
"ايه ده دول خرجو!! ، خرجو بسرعه كده دي اكيد مكانتش شرح او حاجه!"
هزت "جميله" كتفيها بعدم علـم فلاحـظت "فرح" لهذا الذي يأتي متوجههاً ناحيتهم:
"ده جاي ؟"
نظرت جميلـه باتجاه نظرات الأخري فوجدته أمامها مردفاً :
"أهلاً بيكم ، أنا خالد زميلكم ومعيد هنا"
قال حديثه ثم وجه نظراته "لجمـيلـه يتفـحصها من رأسها لقدميها. فتحدثت "فرح " قائله بهدوء:
"اهلا بيـك"
أجابـها "خالد" قائلاً بثبات:
"فرح عارفك أنا من جروب الدفعه "
ابتسمت له بسمه صغيره فتحدث مجدداً وهو يوجـه نظراته للاخري:
"وانتِ اسمك ايه؟"
"جميله ليه؟ محتاج اسمي في حاجه ؟"
اجابته مستنكره من سؤالـه. فتحدث هو بخفوت:
"إسـم علي مُسـمي فعلاً "
جاءه صوتها قائله بجمود :
"نــعم؟! ، بتقول حاجه ؟."
"لا مفيش بقول اسمك ايه بالكامل؟"
"إسمـي!! ليه هتتطلعي بطاقه؟"
قالت حديثها بحده ثم نظرت "لفرح " الواقفه قائله يجمود:
"أنا ماشيه يا فرح لو انتِ مطوله يعني!"
قاطع الحديث بينهم قائلاً ببرود:
"لا مش بطاقه ، كنت بس هتكلم مع الدكتور ميعملش حاجه تأذي حد فيكم بالكارنيهات"
تحدثت" فرح" بلهـفه :
"لأ لا هي متقصدش بجد،. دا ياريت لو عملت كده هكون شاكره ليك جداً"
نظرت "جميله" بحده لـ الواقفه وتتحدث بثقه!! ثم وجههت أنظارها له وتحدثت قائله :
"لأ شكراً مش محتاجين ، احنا معملناش حاجه غلط عشان نتأذي"
ثم وجههت أنظارها لصديقتها واردفت مجدداً:
"أنا ماشيه سـلام يا فرح"
نظر لها "خالد" مستنكـراً من تعاملـها ثم وجه انظاره " لفرح" بعدما رحلت الاخري :
"مالها صاحبتك!!"
"مفيش عن إذنك هروح أشوفهـها"
قالت حديثها سريعاً ثم اتجهت خلف الاخري تاركه اياه يقف وحيداً ينظر بأثرهم محدثاً نفسـه بخفوت سـام:
"النيه مكانتش كده! بس ايه طلعتي بتخربشي لأ" وجميلـه "كمان!!"
"أيوه يا بـدر ؛ كل دا فالطريق ؟؟ تعالي بسرعه معتش عارفه اتصـرف عشان خاطري"
قالت حديثها ببكاء وهي ممسكه بهاتفها وتنظر "ليامِن" المسـطح علي فراشه الصغير يهذي بيبكي بصوت عال تاره ويهذي ببعض الكلمات الغير مفهومه تاره أخري من أثر ارتفاع درجه حرارته.
جاءها صوته قائلا بخـوف علي صغـيره:
"-أنا جاي جاي فالطريق متخافيش ، اعملي كامدات بس علي ما اجي"
"حاضر"
اغلقت الهاتف سريعاً ثم توجههت إلي المطبخ تجلب صحناً وبه قليل من الماء ثم توجهت سريعاً الي الغرفه مجدداً جالبه قطعه من القماش وجلست بجانب الصغير تتضع عليه القماش المبلل بالماء ودموعها تسقط منها علي خديها خوفاً من أن تفقده في وحدتها ووحشِتها.
"استـحمل يا يامن عشان خاطري، متوجعش قلبي عليـك يا حبيبي"
قالتها وهي تبكي وتنظر "ليامِن" الذي كان يبكي بصوت مسموع ووجهه محمراً من أثـر ارتفاع درجه حرارته الشديده !!
بعد مرور سـاعه أخري إلا عدة دقائق في سيارة "غـسـان" قاطـع هو حديثهم وشجارهم المـرح قائلاً:
"يلا حاولو تجهـزو عشان قربنا نوصـل"
أومأو له بالموافقـه فتحدث "حامد" قائلاً موجههاً حديثه لـ "وســام" :
"أبقي اشربي ميه يا حبيتي وفوقي كده قبل ما تنزلي عشان متاخديش برد"
ابتسـمت له باتســاع فتحدثت" زوجتـه" بضجر زائف حتي تثير حنق الاخري! :
"جرا ايه يا حج ماكفايه دلع فيها ياخويا بقا "
نظرت هي لوالدتها بحنق فاعتلت ضحكـات "غسـان" وشقيقه. فتحدث "غسـان " من بين ضحكاته :
" باين دي غيره تاني بردو يا حامد واخد بالك"
ابتسم والده له فجاءهم صوت "بسـام" بمرح:
"عصافير الحب الصغيرين واللهِ ، غيره ايه بقا ال لسه ، بس حاسبي يا دلال علاقتكم بقت علي الهامش بسبب البت دي خدي بالك"
رد عليه والده قائلاً:
"عصافير اه يا خويـا ، ومالو ده أنا وامك بقا بقالنا يجي ٣٠ سنـه مع بعض ولسه بغير عليها وبحب فيها وبعاكسـها كمان قدامكم أصل الحب والحنيه لما يتشافـو علي صغير هتطلعو انتـو كمان كل الحب والحنيه والتقدير ، في الـ٣٠ سنه دول كل يوم بحبها أكتر من الاول ، وكل يوم بيزيد إحترامي ليها أكتر ، وبعدين اسكت اسكت انت مش هتفهم ، ويا حبيبي علاقتي معاها عمرها ما هتبقي علي الهامش ألا لما أموت بس ، دأنا بحبكم ياض انت وهو وهي عشان انتم منها هي "
ابتسـمت هي بتأثر تزامناً مع تصفيق حار من "بسام " وشقيقته"وسام" وصوت صفاره من فم "غسـان " ظهرت بصوت عالـي منه.
تحدث" بسـام" قائلا بمزاح:
"دا إيه يا حج حامد الحلاوه والجمال ده؟"
ثم تحدث "غسـان" قائلا بمرح هو الاخر:
" عــال وعلي المظبوط ومش هقاطعك المرداي يحامد ولا هقولك حاجه!"
اعتلت ضحكاتهم جمـيعاً تزامناً مع قول "وسام" لوالدتها:
"مكسوفه يا مرات ابويا؟"
"انتِ ، بس يابوب طلعت جامد والله"
قهقه والداها قائلاً لهم جميعاً بتعالي:
"شكراً شكراً ، بصو واتعلمو بقا"
ابتسمو له جميعاً بحب ثم اعتدلو يتجهزوا بعدما اخبرهم "غسان" مره ثانيه بأنهم سيهبطـوا بعد قليل!!
هبـط هو وولده من سيارتـهم ثم وقفا أمامها قليلاً فبدأ " حـازم" الحديث قائلاً :
"هنطلع يالا ؟"
جاءه صوت "والده" قائلا دون ان ينظر له:
"اه يلا نطلع ونتغدي"
"انا طالع معاك بس مش هتغدي معاكم النهارده"
نظر له "سلـيم" يستجوبـه بعيناه فرد عليه الاخر قائلاً بهدوء:
"خارج شويه أنا وياسمين"
نظر له "سليم" بحنق ثم قلب عينيه قائلاً:
"عارفين إنها بنت عمك وخطيبتك وقريب هتبقي مراتك يا خويا بس بص بقا يا حبيبي الستات لما بتتدلع بيترسمو عليـنا وانت مش هتنفع كده بالشكـل ده "
"يابابا ياسمين مش كده خالص انا بحبها وهي بتحبني مش زي ما انت فاكر خالص"
كـاد ان يعترض "سلـيم" علي حديث ولده لكن قاطع حديثـه الاتي قدوم شاحنات كبيره ثم وقفت أمام المبني !! ثم هبط منها أشخاص قليله يقومون بفتح الابواب لها ، وهبوط اشخاص اخرين من السياره هنا وقد اتضحت الرؤيه له.
تحدث "سليم " قائلاً وهو ينظر من علي بُعد:
"ايه ده دول جاين ليه دول ، دول معزلين بقالهم زمن!!"
نظر" حازم" محل أنظار والده فوجـد "حامد" وزوجته ووالدته يتجهون ناحيه مدخل العماره نفس اتجاههم أيضا ً !
بدأ "سليم" بالتحدث بترحاب قائلاً:
" أهلا يا استاذ حامد العماره نورت"
اجابه "حامد " بهدوء وهو يقوم بالترحاب له هو الاخر.
" منوره باهلها والله" ثم وجعه انظاره "لحازم" قائلاً:
"اذيك يا بني "
جاءه صوته مجيباً اياه:
" اذيك يا عم حامد عامل ايه واخبار صُحابي ايه نورتم ولله "
"الحمد لله والله يا حبيبي ، اصحابك يا عم هناك اهم بينقلو الحاجه ، استأذنكم نطلع احنا عشان نفتح الشقه "
قال حديثه ثم اومأ لهم وذهب ليلحق بزوجته وابنته الذين سبقوه للأعلي!!
صعد" سليم" هو الاخر منزله في الأعلي وذهب" حازم" في اتجاه "غسان" "وبسام"اردف من ورائهم قائلاً بترحاب:
" ويلكـم باك يا ولاد الايـــه "
التفتو هم له ثم اتجه "غسـان" صديقه هو أولاً. وقام باحتضانه بسعاده:
"أبو الحزايم والله واحشني ياعم"
قام بسـام هو اللاخر باختضان حازم.
اردف" حازم" قائلاً بسعاده:
" حبايبي، جرا ايه يا عم غسان مانا بكلمك وبتواصل معاك علطول معرفتنيش ليه عشان نكون فانتظاركم يعم"
جاءه صوته قائلاً:
" جت فجأه يابو الحزايم ، تعال شيل معانا هتقف كتير ولا ايه ولا شكلك عاوزني اعلم علي قفاك زي زمان "
اعتلت ضحكاته هو شقيق الآخر ثم اتجها معاً للشاحنه الكبيره لييدأو في تنزيل وحمل الاشياء ونقلها لأعلي معاً هم والاخرين!!
بعد مرور وقت كانت هي بالأعلي بشقتها تفرك يديها وتذهب في اتجاههين عكس بعضهما وهي تتحدث قائله:
"ماشي يا حازم بقا تقولي البسي وجاي فالطريق ومقعدني ملطوعه ، ليه جاي من عُمان!!"
نظرت لها "جمـيله":
"يبنتي اقعدي خيلتي أمي ؛ الواحد جاي مخنوق من برا عافيه ، اتهدي يا حبيتي هيجي هيروح فين يعني!"
تحدثت" نيروز" قائله هي الاخري:
"انا دوخت منك ياياسمين ما تقعدي بقا الله"
نظرت لهم ثم اردفت بحنق قائله:
"اسكتي يا حبيتي انتِ وهي اسكتي بتعرفو ولا لأ.!"
انتبهو هم للاثنين يتوجهون اليهم بعدما جاءو من الشرفه ،فتحدثت " سُميه" قائله:
"روحي يا ياسمين اعملي عصير نعمل مع الناس دي الواجب يلا"
اجابتها "ياسمين" بضجر:
"ايه ياماما انتِ مش شايفاني لابسه !"
عقدت " جميله" حاجبيها قائله:
"ناس مين ياماما؟"
اجابتها "عايده" بهدوء:
"ما انتم قاعدين هنا مش عارفين اللي حصل ، الاستاذ حامد ومراته وعياله راجعين يسكنو فبيتهم من تاني ، دا حتي حازم ببنقل معاهم عفشهم اهو"
تحدثت "نيروز " بتسـاؤل:
"أبو غسان وبسام؟؟ ، عمو حامد عم بدر جوز ورده ؟؟"
"ايوه يا بت هم هو فيه غيرهم"
جاءهم صوت "ياسمين" مُردفه بتوعد:
"يعني حازم تحت وسايبني مستنيه هنا علي نار كده! ماشي يا حازم "
ضحكو علي حديثها فتحدثت "عايده "من بين ضحكاتها :
"ايوا يبت بينقل العفش من تحت هيروح فين يعني!"
تحدثت"سُميه" قائله:
"طيب انا هروخ اعمل العصير أنا"
ردت عليها" نيروز" قائله:
"خليكي يا ماما انا هقوم انا استريحي انتِ"
أومأت لها بالايجـاب تزامناً مع حديث " عايده " لهم قائله:
"طب انا همشي أنا عشان احضر الغدا لسليم ، تعالي يا جميله يلا عشان نتغدي "
اوماأت لها" جميله" بالموافقه ثم تحدثت قائله:
"هجيلك تاني يا روز بقا ، باي الوقتي"
أومأت لها "نيروز" وهي تهز راسها ثم اتجههت هي الي المطبخ تزامناً مع دلوف جميله ووالدتها الى الخارج!!
نـظرت "سُميه " باستنكار لـ"ياسمين " الواقفه أمامها لاحظت هي نظرات والدتها لها فأردفت قائله وهي تضحك:
"ما تحن يا جن ، متصبليش كده عشان بزعل يا سماسم ، اعمل ايه يعني اخرج وهدومي مبلولة مع حازم ميصحش!!"
حركت ودالدتها راسها بقله حيله من ابنتها قائله :
" الله يهديكِ الله يهديكِ يابنتي ربنا ميحوجنيش لحد أبداً "
"في دُعاء تاني احلي يا سُميه "
نظرت لها والدتها باستغراب. فتحدث الاخري قائله:
"فيه ربنا يخليلي حبييه قلبي وعيني وكبدي وكل حاجه ليا ياسمين كده يعني ، وبلاش الدعاء التاني ده اصل انا قاعده علي قلبك حتي لو روحت فين هفضل لازقالك زي اللبانه"
انهت حديثها ثم أرسلت قبله طائره لوادلتها بالهواء. مما جعلت الاخري تضـحك بحب علي أفعال ابنتها !!
هبـط هو وولده من سيارتـهم ثم وقفا أمامها قليلاً فبدأ " حـازم" الحديث قائلاً :
"هنطلع يالا ؟"
جاءه صوت "والده" قائلا دون ان ينظر له:
"اه يلا نطلع ونتغدي"
"انا طالع معاك بس مش هتغدي معاكم النهارده"
نظر له "سلـيم" يستجوبـه بعيناه فرد عليه الاخر قائلاً بهدوء:
"خارج شويه أنا وياسمين"
نظر له "سليم" بحنق ثم قلب عينيه قائلاً:
"عارفين إنها بنت عمك وخطيبتك وقريب هتبقي مراتك يا خويا بس بص بقا يا حبيبي الستات لما بتتدلع بيترسمو عليـنا وانت مش هتنفع كده بالشكـل ده "
"يابابا ياسمين مش كده خالص انا بحبها وهي بتحبني مش زي ما انت فاكر خالص"
كـاد ان يعترض "سلـيم" علي حديث ولده لكن قاطع حديثـه الاتي قدوم شاحنات كبيره ثم وقفت أمام المبني !! ثم هبط منها أشخاص قليله يقومون بفتح الابواب لها ، وهبوط اشخاص اخرين من السياره هنا وقد اتضحت الرؤيه له.
تحدث "سليم " قائلاً وهو ينظر من علي بُعد:
"ايه ده دول جاين ليه دول ، دول معزلين بقالهم زمن!!"
نظر" حازم" محل أنظار والده فوجـد "حامد" وزوجته ووالدته يتجهون ناحيه مدخل العماره نفس اتجاههم أيضا ً !
بدأ "سليم" بالتحدث بترحاب قائلاً:
" أهلا يا استاذ حامد العماره نورت"
اجابه "حامد " بهدوء وهو يقوم بالترحاب له هو الاخر.
" منوره باهلها والله" ثم وجعه انظاره "لحازم" قائلاً:
"اذيك يا بني "
جاءه صوته مجيباً اياه:
" اذيك يا عم حامد عامل ايه واخبار صُحابي ايه نورتم ولله "
"الحمد لله والله يا حبيبي ، اصحابك يا عم هناك اهم بينقلو الحاجه ، استأذنكم نطلع احنا عشان نفتح الشقه "
قال حديثه ثم اومأ لهم وذهب ليلحق بزوجته وابنته الذين سبقوه للأعلي!!
صعد" سليم" هو الاخر منزله في الأعلي وذهب" حازم" في اتجاه "غسان" "وبسام"اردف من ورائهم قائلاً بترحاب:
" ويلكـم باك يا ولاد الايـــه "
التفتو هم له ثم اتجه "غسـان" صديقه هو أولاً. وقام باحتضانه بسعاده:
"أبو الحزايم والله واحشني ياعم"
قام بسـام هو اللاخر باختضان حازم.
اردف" حازم" قائلاً بسعاده:
" حبايبي، جرا ايه يا عم غسان مانا بكلمك وبتواصل معاك علطول معرفتنيش ليه عشان نكون فانتظاركم يعم"
جاءه صوته قائلاً:
" جت فجأه يابو الحزايم ، تعال شيل معانا هتقف كتير ولا ايه ولا شكلك عاوزني اعلم علي قفاك زي زمان "
اعتلت ضحكاته هو شقيق الآخر ثم اتجها معاً للشاحنه الكبيره لييدأو في تنزيل وحمل الاشياء ونقلها لأعلي معاً هم والاخرين!!
بعد مرور وقت كانت هي بالأعلي بشقتها تفرك يديها وتذهب في اتجاههين عكس بعضهما وهي تتحدث قائله:
"ماشي يا حازم بقا تقولي البسي وجاي فالطريق ومقعدني ملطوعه ، ليه جاي من عُمان!!"
نظرت لها "جمـيله":
"يبنتي اقعدي خيلتي أمي ؛ الواحد جاي مخنوق من برا عافيه ، اتهدي يا حبيتي هيجي هيروح فين يعني!"
تحدثت" نيروز" قائله هي الاخري:
"انا دوخت منك ياياسمين ما تقعدي بقا الله"
نظرت لهم ثم اردفت بحنق قائله:
"اسكتي يا حبيتي انتِ وهي اسكتي بتعرفو ولا لأ.!"
انتبهو هم للاثنين يتوجهون اليهم بعدما جاءو من الشرفه ،فتحدثت " سُميه" قائله:
"روحي يا ياسمين اعملي عصير نعمل مع الناس دي الواجب يلا"
اجابتها "ياسمين" بضجر:
"ايه ياماما انتِ مش شايفاني لابسه !"
عقدت " جميله" حاجبيها قائله:
"ناس مين ياماما؟"
اجابتها "عايده" بهدوء:
"ما انتم قاعدين هنا مش عارفين اللي حصل ، الاستاذ حامد ومراته وعياله راجعين يسكنو فبيتهم من تاني ، دا حتي حازم ببنقل معاهم عفشهم اهو"
تحدثت "نيروز " بتسـاؤل:
"أبو غسان وبسام؟؟ ، عمو حامد عم بدر جوز ورده ؟؟"
"ايوه يا بت هم هو فيه غيرهم"
جاءهم صوت "ياسمين" مُردفه بتوعد:
"يعني حازم تحت وسايبني مستنيه هنا علي نار كده! ماشي يا حازم "
ضحكو علي حديثها فتحدثت "عايده "من بين ضحكاتها :
"ايوا يبت بينقل العفش من تحت هيروح فين يعني!"
تحدثت"سُميه" قائله:
"طيب انا هروخ اعمل العصير أنا"
ردت عليها" نيروز" قائله:
"خليكي يا ماما انا هقوم انا استريحي انتِ"
أومأت لها بالايجـاب تزامناً مع حديث " عايده " لهم قائله:
"طب انا همشي أنا عشان احضر الغدا لسليم ، تعالي يا جميله يلا عشان نتغدي "
اوماأت لها" جميله" بالموافقه ثم تحدثت قائله:
"هجيلك تاني يا روز بقا ، باي الوقتي"
أومأت لها "نيروز" وهي تهز راسها ثم اتجههت هي الي المطبخ تزامناً مع دلوف جميله ووالدتها الى الخارج!!
نـظرت "سُميه " باستنكار لـ"ياسمين " الواقفه أمامها لاحظت هي نظرات والدتها لها فأردفت قائله وهي تضحك:
"ما تحن يا جن ، متصبليش كده عشان بزعل يا سماسم ، اعمل ايه يعني اخرج وهدومي مبلولة مع حازم ميصحش!!"
حركت ودالدتها راسها بقله حيله من ابنتها قائله :
" الله يهديكِ الله يهديكِ يابنتي ربنا ميحوجنيش لحد أبداً "
"في دُعاء تاني احلي يا سُميه "
نظرت لها والدتها باستغراب. فتحدث الاخري قائله:
"فيه ربنا يخليلي حبييه قلبي وعيني وكبدي وكل حاجه ليا ياسمين كده يعني ، وبلاش الدعاء التاني ده اصل انا قاعده علي قلبك حتي لو روحت فين هفضل لازقالك زي اللبانه"
انهت حديثها ثم أرسلت قبله طائره لوادلتها بالهواء. مما جعلت الاخري تضـحك بحب علي أفعال ابنتها !!
كان يقف بـ غرفـته مرتديـاً حِله. ثم بعدها أخذ حقيبته وحفنة االاوراق التي توجد بظرف خاص بـها كانت والدته قد تكاد تتدخل له غرفتـه خرج هو تزامناً مع اتجاهها له بالأساس:
"ايه ده يا حازم مش هتفطر ولا ايه؟"
أجابها باستعجـال:
"معلش ياماما مش هعرف ، ورايا ناس مستنياني في المكتب. وبابا وراه قضيه في المحكمه ومستنيني"
ردت عليه "عايده" بتفهم قائله:
"خلاص ماشي يابني ، هستناك علي الغدا متتأخرش"
نظر لها ثم ابتسم قائلاً:
"بس انا هتغدي برا مع ياسمين ، تيجي معانا انتِ وجميله؟"
"لا يا حبيبي خلاص ، بس يعني ماله أكل البيت ما تيجو هنا احسن"
نظر لها ثم اردف قائلاً:
"هنشم شويه هوا وكده ، انا ماشي سلام انا بقا"
قال حديثه وهو يتجه سريعاً للباب يدلف منه الي الخارج تحت نظرات والدته لـه.
اتجهت "عايده" إلي غرفه ابنتها سريعاً ثم دلفت الي داخلها مناديه باسمها تلك التي تتسطح علي الفراش!!
"جميله بت يا جميله"
تمللمت الاخري بالفراش بقلق فجاءها صوت والدتها مره اخري قائله:
"يا بنتي قومي عشان الجامعه، قومي افطري والبسي يلا"
جاءها صوت "جميله" قائله بتثاؤب:
"حاضر حاضر ؛ ايه اللي دخلني طـب بس ياربي!"
اجابتها "والدتها" بابتسامه خفيفه وهي تقول:
"الحمد لله نصيب ومكتوب يا حبيتي،قومي بقا يلا"
خرجت والدتها من الغرفه تعد فطوراً لأخري بعد عده دقائق خرجت" جميله" من غرفتها مردتيه ملابسها:
"هو حازم خرج؟"
جاءها صوت والدتها بالموافقه قائله:
"اه. خرج قبل الفطار "
اتجهها معاً ناحيه السـفره الخاصه بالطعام ثم جلس كل منهم عليـها بهدوء يتناولن الطعام.
تحدثت "عايده" بتذكـر:
"اه متتأخريش علي الغدا عشان النهارده ابوكي هيتغدي معانا وحازم مش هنا، فحاولي كده عشان مسمعش كلام كده ولا كده يا بنتي"
اجابتها "جميله" بنبره حاولت الثبات:
"حاضر هاجي بدري ، اللي تعوزيه ياماما"
نظرت هي لابنتها نظره مطوله ، تعلم تمام العلم ان ابتنها تحـمل الكثير خاصـه من كثره تحكمات والدها سابقا والان أيضا ولكن ليس كقبل. تعلم تحكمات زوجـها عليـها منذ ان كانت ابنتها مُجرد طفـله. حتي أصبحت مشوهه نفسيـاً مهشمه داخليـاً تحاول الثبات أمام الجميع فقـط. لاسباب عديده كل ما تسبب بها هو ، هو زوجها "سليـم" ووالد "جميـله". لا تستطيع هي التحدث أو المحاوله لصده امام ابنائها. خاصه أن تلك التي تُسمي"عايده" شخصيه سلبيـه لا تستطيع المواجهه والدفاع عنهم أمامه امام زوجها خاصه هو لانـها مرغومـه علي أمرها.!!. قد خف الامر كثيراً عندما نضج الٱخر"حازم" أصبح قادراً علي اقناع والده ولو بقدر قليل. قادراً علي مواجهته بهدوء. وتلبيه كل ما تريده "جميله".
"والله يا بت يا روز الفول بتاعك ده حوار"
أجابتها "نيروز" بفخـر:
"طبعا ً ، عمايل ايدي بقا وكده"
ردت عليها "ياسمين" قائله بابتسامه عبثيه:
"أنا قصدي إنه حوار فكسـان وميتاكـلش متعميهلوش تاني بقا"
نظرت لها والدتها باستنكار خاصةً بعدما رأتها تجلس بأريحيه بعد تناولها الطعام وتضع قدماً فوق الاخري!!
تحدث "نيروز" قائله:
"بجد؟ ، دا انا مظبطاه حلو واللهِ"
جاءها صوتها قائله:
" ببت دا طعمه حلو بهزر معاكِ، وبعدين ياروز انتِ عمرك ما تعملي وحش في حياتك يا بنتي"
ابتسمت لها هي بهدوء فتحدثت "والدتها" قائله:
"انتِ با بت بجحه؟؟ دا بدل ما تشكريها؟؟ ده انتِ كنتي هتعملي الفطار بدالهاا!"
"بقولك ايه يا سُميـه أنا المفروض ارتاح عالاخر النهارده عشان خارجه مع حازومي علي الغدا"
نظرت لها والدتها ثم اردفت قائله:
"وانتِ قولتيلي بقا علي كده ولا عاوزه تقرطسيني يا حبيبه أمك؟"
"قولتلك"
"لاأ مقولتليش"
"ياوليـه قولتلك صدقيني"
"بت انتِ انا مسمعتكيش قولتيلي امته؟"
هنا وتحدثت" نيروز" بنفاذ صبر قائله:
"خــلاص "
ثوانِ واردفت مره اخري:
"ياسمين فعلاً قالتللك ياماما أنا كنت واقفه ساعتها، ممكن انتِ مخدتيش بالك"
عقدت والدتها حاجبها فتحدثت "ياسمين" مُردفه بمرح:
"اللي واخد عقلك يا سمسم مش كبرنا يا وحش ع الحاجات دي"
ثم قامت بارسال غمزه من عينيها وقُبلُه طائره. قهقهت شقيقتها علي حديثها ثم حركت راسها بمعني لا فائده.
أردفت "سُميه" تقول بقله حيله:
"يا بنتي يا حبيتي امسـكي لسانك واحترمي نفسك معايا شويه عيب كده!"
"طب بزمتك ما بتحبي جديد اومال تايهه ليه كده بقاا كده بقا كده!!"
قالت اخر حديثها وهي تتراقص بمرح أمام الاخري. فنهضت والدتها سريعاً لتتجه ناحيها بسـرعه مقرره الفتك بـها في الحال !!, فامسكتها "نيروز" بسـرعه فقامت الاخري تركض من الغرفه بأكملها وهي تضحك بصوت عالـي.
" اااه ، أنا مش فاهمه دي هتفتح بيت إزاي يارب!!"
ضحكت "نيروز"قائله:
"معلش يا ماما ، هي حره تفتح زي ما تفتح ، إحنا نعاملها بالحسني لحد ما تمشي من عندنا عشان هي مش بتاعتنا "
نظرت لها والدتها بصمت ثم ثوانِ وانفجرا كلاً منهم بالضحك عاليـاً عندما تذكروا الموقف منذ قليل!!
تحدثت هي من بين ضحكاتها:
"ربنا يهديكي يا بنتـي يارب "
كان قد مرت وقت عليـهم وهم علي الطريق. كان يتحدث"حامد" بالهاتف وهو ممسكاً به. و"وسام" تمـيل غافيه علي كـتف شقيقها"بسـام". "وبسـام"يميل علي كتـف والدته هو الاخر فثبات عميق.
نظر علي هذا الوضع من المرٱه فوجدهم كذلك ووالدته تجلس بالمنتصف تقم بقراءه القرٱن الكريم. تحدث "غسـان "قائلاً موجههاً أنظـاره لوالده الذي انتهي للتو من حديثه عبر للهاتف:
"كل حاجه تمام؟؟"
أومأ له والده يهز رأسه يجيبه بهدوء. فـعاود هو النظر الي المرٱ ه ثم تحدث قائلاً وهو ينظر بالمرٱه:
"صــحي الكـتاكيـت"
اغلقت "دلال" المصحف ثم أومأت له بهدوء. قامت بهز ابنها وابنتها عده هزات متتاليـه:
فتحدث "بسـام" بفزع:
"إيـه ؟ مــيـن؟ فــيــن!!!"
اعتلت ضحكاتهم عليه بهدوء ثم استفاق هو. حسناً استوعب الامر خلال ثوان فاردف مجدداً:
"صباح الخير يا أمي"
"صباح النور يا روح أمك ، هز اختك دي كده وصحيها "
فاقت الاخري خلال ثوانِ قائله:
"وصلـنا؟؟"
اجابها" والدها" بابتسامه:
"صباح الخير يا حبيتي، موصلناش بس يعني قولي قربنا او نص الوقت، متنسيش قبل ما تنزلي اشربي ميه لتاخدي برد "
نظر لهم "بسام" بحنق ثم اردف قائلاً بُسخريه:
"ناس صباح الخير يا حبييتي ، وناس صباح الخير يا روح امك"
ابتسمت شقيقه علي حديثه فتحدث "والده" قائلاً:
"ايـه ياض؟!، مش عاجبك!!، اوعي يكون مش عاجبـك!!!"
"لا لا ازاي عاجبني طبعاً"
اجابه والده:
"اه فكرت يعني "
تحدثات"دلال " قائله بدفاع عن ولدها:
"ما براحه يا حامد علي الواد ، مش كل الدلع للهانم"
نظر لها خو ثم تحدث" غسان" قائلاً موجههاً نظراته لوالده:
"واخد بالك يا حج دي غيره دي"
اجابه هو قائلاً:
"اه منا عارف امك بتحبني وبتغير عليا ومتستحملش اقول كلام حلو ألا ليـها ، حقك يا دلال أنا راجل دمي خفيف وبقول كلام حلو وممكن اتاخد منك فـ اي لحظه !، بس اقوللك ، والله ما اعرف اقول كلام عسـل ألا ليـكِ يا عسـل انتِ"
اعتلت ضحكاتها هي وابنائها علي حديثه. فتحدث "غسـان " قائلاً من بين ضحكاته وهو يحرك خُصلاته الي الخلف بقله حيله من والده:
"طب خلاص بقا يحجاحنا علي طريق ها؟ طريق"
قهقه" والده" علي حديثه تزامناً مع حديث "وسام" لوالدتها:
"ايه يا مرات ابويا؟"
"بس يا بت انتِ تطولي ؟؟"
ضحكت" وسام" علي حديث شقيقها "غسـان" عندما اردف ذلك. تحدثت "والدتهم "قائله:
"هي العرييات ورانا علي الخط يا بني ولا ايه؟"
"ايوة يا ماما الدنيا مظبوطه متقلقيش"
ابتسمت له بسمه صغيره عندما استمعت الي حديثه ثم بدأت تفتح القرٱن الكريم مره اخري لتكمل ما بدأته بعدما قاطـعها أحدهم!!
مرت السـاعه وخـرجت هي وصديقتها من المحاضره الأولـي. نظرت "جميله" لصديقتها "فرح" ثم تحدثت بانهاك قائله:
"تـعالي يا فرح نجيب حاجه تتشـرب"
أومأت لها "فرح" بالاجابه بهدوء وهي تسير معـها. فـنظرت لها "جميله" بتأثر ورفعت يديها بتردد ثم وضعتها علي كتفيها بحنان قائله:
"متزعليش يا فرح والله مامتك هتبقي كويسه ان شاء الله ، متخافيش ، شيلي أي تفكير وحش من دماغك بس"
نظرت لها الاخري ثم تحدثت بحـزن بادي علي ملامح وجهها:
"الحـمد لله بس أنا خايفه ، خايفه اوي"
كانا قد وقفا هم امام المكان الخاص ببيع المشروبات ثم رفعت "جميله" يديها الاثنتان وضمت" فرح" باحضانها ثم ابتسـمت لها ابتسـامه تبثُ بها بعض الاطمئنان.
دقائق بسيـطه وجلبا كل منهم المشروب ثم قاما بالاتجاه إلي مكان بالقرب من المحاضره الثانيـه. دق هاتف "فرح" دقات تعلن بقدم رساله جديده من أحد ما. انتشلت هاتفها سريعا ثم فتحته ثوانِ وشهقت شهقه عاليه:
"يالهـوي ، «منه» بعتتلي ان الدكتور دخل الوقتي "
اجابتـها الاخري بهدوء تام قائله:
"وانتِ قلقانه ليـه. هو دخل قبل ميعاده يبقي بينا نروح يلا وندخل"
اتجهها معاً ناحيـه المدرج ثم وقفا امام البـاب. فدقت "جميله" الباب عده دقات ثم فتحته ودلـفت بهدوء وتتبعها الاخري.
أوقفها صوته قائلاً بصوت عالـياً:
"انت ِ يا ٱنسه انتِ وهـي ، يا أساتذه!!"
التفتت الاثنان معاً ثم أشارت"فرح"باصبعها عليـها هي و"جميله". فتحدث الدكتور الجامعي قائلاً :
"اه انتـم ، انتم ازاي تتدخلو من غير استئذان ايـه؟ سايبـه!!"
تحدثت "جميله" بهدوء دال علي استنكارها للموقف:
"حضرتك احنا خبطتنا علي الباب قبل ما ندخل؛ واحنا دخلنا والمحاضره مش في معادها دلوقتي يعني .!"
جاءهما صوته ساخراً:
"والله مش انتِ اللي هتقولليلي أجي في ميعادي ولا قبل ميعادي ياستاذه!!"
احمر وجه "جميله" من أحراجه لـها تزامنا مع فرك "فرح " ايديها بتوتر. كل هذا حينما اعتلت تهامسات الطلاب حولهم علي الموقف.
جاءهم صوته مجدداً؛
"اتفـضلوا برا محدش بيدخل بعدي ، وكرنيهاتكم هنا لو سمحتم يلا"
اخرجا الكارنيه الخاص بهن ثم توجهها ناحيته ووضعت كل منهنما الخاصه بها علي المكتب ثم دلفـا إلي خارج المدرج بأكمله.
"ايه الاحراج ده مش ممكن انا كنت فنص هدومي ، احنا عمرنا ما اتطردنا يا "جميله " قبل كده! ، لا احراج جداً بجد."
جاءها صوت "جميله" مردفـه :
"فعلا محرج اوي ، بس احنا مغلطـناش"
كادت ان تجببها الاخري فـ لاحظت هي خروج الطلاب من المحاضره باكملهم!!
"ايه ده دول خرجو!! ، خرجو بسرعه كده دي اكيد مكانتش شرح او حاجه!"
هزت "جميله" كتفيها بعدم علـم فلاحـظت "فرح" لهذا الذي يأتي متوجههاً ناحيتهم:
"ده جاي ؟"
نظرت جميلـه باتجاه نظرات الأخري فوجدته أمامها مردفاً :
"أهلاً بيكم ، أنا خالد زميلكم ومعيد هنا"
قال حديثه ثم وجه نظراته "لجمـيلـه يتفـحصها من رأسها لقدميها. فتحدثت "فرح " قائله بهدوء:
"اهلا بيـك"
أجابـها "خالد" قائلاً بثبات:
"فرح عارفك أنا من جروب الدفعه "
ابتسمت له بسمه صغيره فتحدث مجدداً وهو يوجـه نظراته للاخري:
"وانتِ اسمك ايه؟"
"جميله ليه؟ محتاج اسمي في حاجه ؟"
اجابته مستنكره من سؤالـه. فتحدث هو بخفوت:
"إسـم علي مُسـمي فعلاً "
جاءه صوتها قائله بجمود :
"نــعم؟! ، بتقول حاجه ؟."
"لا مفيش بقول اسمك ايه بالكامل؟"
"إسمـي!! ليه هتتطلعي بطاقه؟"
قالت حديثها بحده ثم نظرت "لفرح " الواقفه قائله يجمود:
"أنا ماشيه يا فرح لو انتِ مطوله يعني!"
قاطع الحديث بينهم قائلاً ببرود:
"لا مش بطاقه ، كنت بس هتكلم مع الدكتور ميعملش حاجه تأذي حد فيكم بالكارنيهات"
تحدثت" فرح" بلهـفه :
"لأ لا هي متقصدش بجد،. دا ياريت لو عملت كده هكون شاكره ليك جداً"
نظرت "جميله" بحده لـ الواقفه وتتحدث بثقه!! ثم وجههت أنظارها له وتحدثت قائله :
"لأ شكراً مش محتاجين ، احنا معملناش حاجه غلط عشان نتأذي"
ثم وجههت أنظارها لصديقتها واردفت مجدداً:
"أنا ماشيه سـلام يا فرح"
نظر لها "خالد" مستنكـراً من تعاملـها ثم وجه انظاره " لفرح" بعدما رحلت الاخري :
"مالها صاحبتك!!"
"مفيش عن إذنك هروح أشوفهـها"
قالت حديثها سريعاً ثم اتجهت خلف الاخري تاركه اياه يقف وحيداً ينظر بأثرهم محدثاً نفسـه بخفوت سـام:
"النيه مكانتش كده! بس ايه طلعتي بتخربشي لأ" وجميلـه "كمان!!"
"أيوه يا بـدر ؛ كل دا فالطريق ؟؟ تعالي بسرعه معتش عارفه اتصـرف عشان خاطري"
قالت حديثها ببكاء وهي ممسكه بهاتفها وتنظر "ليامِن" المسـطح علي فراشه الصغير يهذي بيبكي بصوت عال تاره ويهذي ببعض الكلمات الغير مفهومه تاره أخري من أثر ارتفاع درجه حرارته.
جاءها صوته قائلا بخـوف علي صغـيره:
"-أنا جاي جاي فالطريق متخافيش ، اعملي كامدات بس علي ما اجي"
"حاضر"
اغلقت الهاتف سريعاً ثم توجههت إلي المطبخ تجلب صحناً وبه قليل من الماء ثم توجهت سريعاً الي الغرفه مجدداً جالبه قطعه من القماش وجلست بجانب الصغير تتضع عليه القماش المبلل بالماء ودموعها تسقط منها علي خديها خوفاً من أن تفقده في وحدتها ووحشِتها.
"استـحمل يا يامن عشان خاطري، متوجعش قلبي عليـك يا حبيبي"
قالتها وهي تبكي وتنظر "ليامِن" الذي كان يبكي بصوت مسموع ووجهه محمراً من أثـر ارتفاع درجه حرارته الشديده !!
بعد مرور سـاعه أخري إلا عدة دقائق في سيارة "غـسـان" قاطـع هو حديثهم وشجارهم المـرح قائلاً:
"يلا حاولو تجهـزو عشان قربنا نوصـل"
أومأو له بالموافقـه فتحدث "حامد" قائلاً موجههاً حديثه لـ "وســام" :
"أبقي اشربي ميه يا حبيتي وفوقي كده قبل ما تنزلي عشان متاخديش برد"
ابتسـمت له باتســاع فتحدثت" زوجتـه" بضجر زائف حتي تثير حنق الاخري! :
"جرا ايه يا حج ماكفايه دلع فيها ياخويا بقا "
نظرت هي لوالدتها بحنق فاعتلت ضحكـات "غسـان" وشقيقه. فتحدث "غسـان " من بين ضحكاته :
" باين دي غيره تاني بردو يا حامد واخد بالك"
ابتسم والده له فجاءهم صوت "بسـام" بمرح:
"عصافير الحب الصغيرين واللهِ ، غيره ايه بقا ال لسه ، بس حاسبي يا دلال علاقتكم بقت علي الهامش بسبب البت دي خدي بالك"
رد عليه والده قائلاً:
"عصافير اه يا خويـا ، ومالو ده أنا وامك بقا بقالنا يجي ٣٠ سنـه مع بعض ولسه بغير عليها وبحب فيها وبعاكسـها كمان قدامكم أصل الحب والحنيه لما يتشافـو علي صغير هتطلعو انتـو كمان كل الحب والحنيه والتقدير ، في الـ٣٠ سنه دول كل يوم بحبها أكتر من الاول ، وكل يوم بيزيد إحترامي ليها أكتر ، وبعدين اسكت اسكت انت مش هتفهم ، ويا حبيبي علاقتي معاها عمرها ما هتبقي علي الهامش ألا لما أموت بس ، دأنا بحبكم ياض انت وهو وهي عشان انتم منها هي "
ابتسـمت هي بتأثر تزامناً مع تصفيق حار من "بسام " وشقيقته"وسام" وصوت صفاره من فم "غسـان " ظهرت بصوت عالـي منه.
تحدث" بسـام" قائلا بمزاح:
"دا إيه يا حج حامد الحلاوه والجمال ده؟"
ثم تحدث "غسـان" قائلا بمرح هو الاخر:
" عــال وعلي المظبوط ومش هقاطعك المرداي يحامد ولا هقولك حاجه!"
اعتلت ضحكاتهم جمـيعاً تزامناً مع قول "وسام" لوالدتها:
"مكسوف
رواية عودة الوصال الفصل الرابع 4 - بقلم سارة ناصر
قهقه "بسام" قائلاً من بين ضحكاته:
"كنت صايع قديم انت بس هي كل مرة كانت بتفكس لك"
تحدث الآخر بسخرية قائلاً:
"أنا محدش يقدر يفكس ليا ياض. وبعدين إحنا كنا صغيرين أوي. تخيل إني كنت فاكر إني بحبها حب خارق من أول ما وعينا وبقينا نلعب مع بعض لحد ما مشينا من هنا وإحنا عندنا 14 سنة، ووسام كان عندها خمس سنين!! كنا عيال مراهقة وباردة تصدق؟"
ضحك الآخر على طريقته في آخر حديثه:
"آه مصدق، بس كنا عيال جان وبرنس وحركات."
نظر له "غسان" بخبث مردفاً:
"طب متتكلمش كتير طيب، ليه الفضايح؟ برنس إيه بس ده أنت كنت بتتضرب من حسن أخو حازم اللي كان أصغر منك، يا عم اسكت اسكت. ولا إنت ونيروز كنتوا بتتضربوا منه كل علقة والتانية إيه عنب. وأنا بقا اللي خلفتكم ونسيتكم باين، كنت أدافع عنكم وأضربه ويرجع يجيلي مشاكل من أبو البارد التاني ده!"
تنحنح "بسام" ثم أردف قائلاً:
"طب طب سلام أنا بقا، لما تفقد الذاكرة هاجيلك تاني يابو الغساسين. وبعدين بقولك إيه، مش إنت أخويا وتوأمي وحبيبي، لازم تدافع عني. لكن هي بقا كان إيه، ما كان عندها أختها تتدافع عنها. دي أختها دي كان عليها في الضرب إيه سفاحة!! بس نيروز ووردة كانوا هاديين خالص."
اعتلت ضحكات الآخر فأردف "بسام" مرة أخرى:
"ياسمين دي صعبة. وهم هادين عنها كتير. أومال بدر ابن عمك وقع في شباك وردة إزاي! خطفته بهدوئها وهو هادي زيها كده، يعني الاتنين كانوا لبعض من زمان."
ابتسم "غسان" ثم أردف بحب قائلاً:
"أنا محدش واحشني إلا يامن حبيب عمه ده. بس هانت، كلمت بدر وقالي إنه نازل مع مامته قريب، بس بدر لا."
أومأ له الآخر بتفهم قائلاً:
"الله يعينه على شغله، مهندس وعلى أرض الواقع بيشتغل، أكيد مش فاضي. لكن الواد يامن ده بقا لو جه هحطه جوه قلبي وأقفل عليه بالمفتاح. قول بس يارب يفتكرني."
ضحك "غسان" على حديث الآخر فتحدث قائلاً بثقة:
"هو بيحبني وفاكرني. وإحنا توأم، يعني هيحبك إنت كمان، بس منظهرش إحنا الاتنين قدامه مرة واحدة، لاحسن يجيله إيرور ولا حاجة!"
قهقه الآخر على حديث شقيقه خاصة عندما قاله الآخر بطريقة ساخرة ومرحة في آن واحد. ولطالما أيضاً "بدر" ولد عمهم بمثابة أخ أكبر لهم، الأقرب لهم دائماً، وما زال فهم يعتبرونه شقيقهم على عكس شقيق "بدر" الآخر "آدم".
على الجانب الآخر بشقة "زينات" كانت جالسة على الأريكة تفكر في أمر ابنتها منذ قليل، التي ما إن أتت من الخارج دخلت سريعاً غرفتها ولم تظهر حتى الآن، لذا عقدت الأمر بأن تتجه لغرفتها.
دَلفت الغرفة سريعاً على فجأة فانتفضت الأخرى على إثر ظهور والدتها، فتحدثت "زينات" دون تمهيد:
"بردو مش هتقوليلي جاية وشكلك مخضوض كده ليه من برا؟ إيه اللي حصل يابت، قوليلي."
نظرت لها "فريدة" بارتباك ثم تحدثت قائلة:
"مفيش حاجة ياماما."
نظرت لها الأخرى بشك فاردفت "فريدة" من جديد:
"بـ بـقولك لو حازم يعني جرب يسألك مثلاً إني قولتلك هخرج مع صحابي، ابقي قوليله إني قولتلك. عشان النهاردة المحاضرة اتلغت وأنا خرجت مع أصحابي، يعني وهو وهو شافني!"
أجابتها والدتها بحنق:
"وده من إيه إن شاء الله! وهو ماله ابن عايدة! إن كنتي قايلةالي ولا لأ، ما يخليه فحاله وفحال المحروسة أخته!!"
صمتت لثوانٍ ثم أردفت قائلة:
"بس خدي هنا يابت. في إيه؟ أنا مش مرتاحة ليك."
"يوووه ياماما مفيش حاجة، قولتلك عادي يعني."
نظرت لها والدتها بشك وتمعن تستشف صدق كلماتها، ولكن نظرات غير مقتنعة بحديث الأخرى.
أردفت بنبرة متهكمة قليلاً وهي تنظر للأخرى:
"ماشي يا بنت بطني، مسيري هعرف، أصل مش عارفـاكي امبارح أنا."
قالت كلماتها كتهديد للأخرى، ثم خرجت من الغرفة بأكملها تحت ارتباك الأخرى المدفون بداخلها، والتي حاولت أن تخفيه هي ببراعة أمام الآخر.
رواية عودة الوصال الفصل الخامس 5 - بقلم سارة ناصر
« هل يعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة، شخص بلا أنياب أو مخالب !!
لــ "أنطون."
كانت جالسة على الأريكة في صالة منزلها شارده بعدما خرجت من غرفة ابنتها وحدثتها بحديثها الغامض المهدد بالنسبة للأخرى. انتبهت هي لتلك الرائحة المعروفة للآخر عندما ازدادت رائحته هو أكثر، كان قد أتى من الخارج وأغلق الباب خلفه. انتبهت هي على أثر دخوله للداخل.
نظرت له وهو يتجه ناحيتها. ثم أردفت قائلة وهي تلوي شفتيها بتهكم:
"مانا قولت بردو ريحة السجاير الفاقعة دي موجودة ازاي وانت مش هنا. أتاريك كنت قدام الباب يا عين أمك!!"
نظر لها بتعابير وجه خالية. ثم ثوانٍ وجلس بجانبها وحاوط ذراعاه كتفيها. ثم تحدث قائلاً بمشاكسة:
"مساء يا زينات مالك قالبه علينا كده ليه، إيه مدايقك كده؟"
أجابته قائلة بغيظ مكتوم:
"مبقتش عارفة إيه اللي بيدايقني غيرك انت والمحروسة اللي جوه دي."
"سيبك منها يا زوزو، دي بت هبلة أصلاً. شاطرة بس تقعد تتكبر وتترسم علينا وتعملنا فيها السفيرة عزيزة!!"
نظرت له والدته باستنكار. ثم أردفت قائلة:
"ولو مش السفيرة عزيزة تبقى هي عشان أنا أمها يا خويا، أومال إيه؟!"
نظر لها بابتسامة. ثم تحدث قائلاً بمرح:
"طبعاً يا زوزو، محدش يقدر يقول غير كده."
كانت قد خرجت من غرفتها متجهة إليهم. ثم جلست بجانبهم دون تفوه أي حرف. نظر لها كل من والدتها وشقيقها باستنكار. فتحدثت "فريدة" قائلة:
"بتبصلي كده ليه انت؟ وبعدين أنا أه فاكرة نفسي السفيرة عزيزة، ملكش فيه؟"
نظر لها "حسن" ببرود مردفاً:
"وده من إيه بقا؟ اقعدي في جنب بس كده، لاحسن دماغي مش ناقصاكي."
نظرت له ببرود. ثم أردفت قائلة بخبث:
"تمام، هقعد في جنب. على الأقل سفيرة مش زي ناس ريحتها سجاير، والله أعلم إيه تاني! وجايين عاملين علينا رجالة!"
نظر لها بشرر يتطاير من عينه. ثم نهض من مكانه على فجأة مردفاً بغضب:
"أنا هسكتلك وهعمل نفسي مسمعتش، عشان لو عملت نفسي سمعت محدش هينجدك من تحت إيدي، سامعة!"
كانت والدتهم تتابع الحوار بأكمله. فتحدثت هي أخيراً مردفة بصوت مسموع:
"خلصنا يا خويا انت وهي، موتوا بعض يلا! انت يا بت ما تقصري لسانك يا أختي معانا وطوليه برا على ولاد عايدة ولا على أي حد غير هنا. وانت يا خويا روح غير هدومك دي وحطها في الغسيل، بدل ما أبوك ييجي يقولي ريحة مش عارف إيه وابنك مش عارف إيه، أنا مش ناقصاكو!"
قالت حديثها في آخره ببرود. ثم قامت من أمامهم وتوجهت ناحية غرفتها. وتركتهم ينظرون بأثرها ببرود مماثل.
"أنا داخلة أوضتي، أصل بصراحة يا أبو علي مش طايقة الريحة. يا خي دا انت لو كنت اتجوزت نيروز بقا كانت هتيقك إزاي بس بالقرف ده!"
قالت حديثها باستفزاز. هي تعلم أنها ضغطت على جرح الآخر. تعلم أنها استثارت غضبه الآن، خاصة بالحوار الخاص بتلك نيروز. لكنه فاجأها برده البارد عليها. وكأنها ليست قائلة حديثاً كفيلاً بموتها تحت يده الآن. لكن هيهات لتلك المواد المخدرة! تغير من طباع الإنسان وتجعله شخصاً آخر غير الذي كان عليه. تجعله يثار غضبه عند نقطة معينة، ولكنه لم يحن موعد انفجاره حتى الآن!
"متقلقيش يا فريدة، هاجبهالك هنا في أقرب فرصة وهتعرفي بتموت في ريحتي إزاي! وخدي بالك، أنا مستني منك حاجة قد كده قد النملة، عشان ساعتها مش هعرف أنا هعمل فيكي إيه. يلا، خدتي من وقتي كتير. وعلفكرة يا فريدة، أنا بكرهك من زمان أوي عشان تبقي واعية بس."
قال آخر حديثه وهو يشير لها بيده. ثم تركها ودلف إلى غرفته ببرود هادئ يتنافى مع حديثها له منذ قليل.
تركها واقفة مستغربة من ردة فعله هو. لكن لم تظهر له ذلك. بل دبدبت بقدميها في الأرض بغيظ لتفوقه عليها في الحديث. هي تعتبر أنها بمنافسة معه! بالحديث. توجهت إلى غرفتها هي الأخرى. وهي غير رابحة. وبغيظ مكتوم منه.
دخلت "جميلة" منزلها بعدما كانت في الشقة المجاورة لـ "نيروز". دلفت هي إلى الداخل فوجدت والدتها تخرج من غرفة شقيقها الآخر.
نظرت هي إليها. ثم توجهت مردفة بهدوء:
"مساء الخير يا ماما. هو بابا هنا؟"
ابتسمت لها الأخرى ابتسامة صغيرة. وهي تردف قائلة:
"لا، نام يا حبيبتي. خير، في حاجة؟"
"لا عادي. بس نيروز كانت بتسأل عليه، هبقى أبعتلها ماسدج بقا. قولولي، هو حازم فين مش ظاهر يعني، وياسمين المفروض إنها جت معاه؟"
أجابتها "عايدة" قائلة:
"أخوكي دخل ينام. جه من برا من شوية."
أومأت لها "جميلة" وهي تهز رأسها بالإيجاب.
"ماشي. أنا هدخل أذاكر. ادعيلي يا عايدة بقا."
ابتسمت لها والدتها باتساع قائلة:
"ربنا يوفقك يا بنتي يارب وينجحك. وتبقي أشطر دكتورة بإذن الله."
ابتسمت هي لوالدتها بسمة صغيرة. بالطبع ليس هذا الدعاء ما كانت تريده هي من قبل ذلك! سارت هي متجهة إلى طريق غرفتها. تفكر ماذا لو كان ما تعيشه حلماً!
« أتعجب من نفسي. من تفاوت قدرة قلبي على التحمل. في بعض الأحيان أبدو قوياً. لا يقهرني شيء. أو حتى يتهمني بعض من حولي بالشدة التي تصل للقسوة. وفي أحيان أخرى تهزمني لمحة خذلان عابرة. تؤلمني وتزعزع ثقتي بنفسي. تكاد تعصف بي! أتأرجح بين شدة القوة وشدة الضعف. كأن بداخلي شخصين. أحدهما لا يبالي بأفعال البشر واثقاً بنفسه. وآخر تهزمه كلمة قاسية في موقف عابر أو سند انتظره ولم يجده. بداخلي اثنان يتنازعان. وبينهما أتمزق أنا في المنتصف.»
مرت نصف ساعة تقريباً. وهي تقف في شرفتها بمفردها. تستنشق بعض الهواء تارة. وتسقي الزرع بجانبها تارة. زرع والدها الراحل الذي كان يهتم به وهي معه. فـرت منها دمعة عابرة من عينيها. سقطت على خديها بصمت. صمت كاسر. صمت مؤذي يؤذي صاحبه. أمسكت كوبها. ثم ارتشفت منه بخواء. ومازال يوجد بأيديها. لا تعي ما تفعله هي الآن. شارده في كم ذكريات السند الراحل بالنسبة لها. دلفت شقيقتها الشرفة بهدوء من خلفها. انتبهت هي لذلك. التفتت لها. ثم ارتسمت على وجهها بسمة صغيرة. وهي تردف للأخرى بتساؤل:
"إيه يا ياسمين، منمتيش ليه؟ تعبانة؟"
تحركت شقيقتها إليها. ثم وقفت بجانبها. أصبحت وجهها بوجه الأخرى بعدما جلسا الاثنتين أمام بعضهما على الأريكة الصغيرة بالشرفة. ابتسمت هي لها. ثم أردفت بهدوء:
"مجاليش نوم. واقفة وسرحانة. انت في إيه؟ بتحبي؟"
اعتلت ضحكات الأخرى. ثم تحدثت بين ضحكاتها:
"أحب إيه بس. لا طبعاً. بس قاعدة بشم هوا عادي!"
من حقك تقوليلي.
نظرت لها "ياسمين" وهي تعقد حاجبيها بتساؤل، فتحدثت "نيروز" مرة أخرى مردفة:
"أنتِ قلتي لي إن عمو سليم موجود عند طنط عايدة النهاردة وكنت خلاص هروح، بس نايم دلوقتي."
أجابتها الأخرى بهدوء مماثل:
"هيصحى، مش هيفضل نايم على طول، متقلقيش يعني. ولو صحي هروح له وهاخدك معايا."
أومأت لها "نيروز" بالموافقة. نظرت لها شقيقتها بحنان ثم أردفت بثقة:
"شوفتي أنتِ دخلتيني في إيه وإيه، بس برضه متوهتش عن الموضوع الأساسي. متوهتش عن عينيكِ الدمعة اللي أنا شايفاها برغم الإضاءة الضعيفة."
ارتبكت هي بنسبة قليلة ثم أردفت بهدوء تحاول الثبات:
"لا عادي، مفيش حاجة."
"أصدقك؟"
نظرت لها "نيروز" بتردد ثم نهضت من مكانها والتفتت إلى جهة السور قائلة بتيهان للأخرى:
"ياسمين!!!"
تمتمت الأخرى لها كعلامة للدلالة على تكملة حديثها. حديث هي تعلم أنه سينبع من قلبها، لطالما تفوهت باسم الأخرى بشرود وهي تقف شارده بمكانها المفضل.
"هو... هو أنا ضعيفة؟ يعني أنا مش قوية كفاية إني آخد قرار من غير موافقة شخص غيري زي عمك مثلاً، اللي أنا عارفة إنه احتمال كبير جداً ميوافقش أصلاً إني أنزل اشتغل."
ابتسمت لها "ياسمين" بسمة ثقة. هي الآن تعلم أن شقيقتها تريد أن ترى بعد الأمان والثقة لها، حتى لا ترجع في قرار قد أخذته هي.
"أنتِ عارفة إنك جميلة قوي من جوه ومش ضعيفة. طب عارفة إنك محترمة؟ وهي اسمها محترمة. وجود عمك مش ضعف، وعاملة حساب لحاجات كتير قوي بعيد عن الضعف. متقوليش إنك ضعيفة دي أبداً، وأنا موجودة معاكي وفـ ضهرك، ماشي."
أومأت هي بابتسامة لها ثم أردفت قائلة حديث ينبع من أعماقها:
"بابا مغلطش لما كان بيقول لكِ دايماً إنكِ الولد اللي كان نفسه يخلفه. مغلطش لما قال لكِ إنكِ اللي هتبقي السند من بعده لينا."
ابتسمت لها الأخرى ابتسامة صغيرة دون أن تتفوه بأي حرف. فتنهدت "نيروز" ثم أخذت أنفاسها وهي تقول:
"بس تفتكري لو كان بابا موجود، كنا هنبقى كده؟ يعني عمك مكتفنا بتحكماته؟ أو خلينا نقول مكتفني أنا بالذات عشان أنا وماما رفضنا حسن يتجوزني. يعني لو كان وسطنا، كان هيوافق على حسن؟ وكان هيوافق إني أنزل اشتغل؟"
قالت آخر حديثها بلهفة، كمن ينتظر ليأخذ طلب الموافقة من والدته لتناول الحلوى.
ابتسمت لها هي ثم تنهدت قائلة من بين ابتسامتها العريضة:
"أولاً، ده عمره. يعني خلينا نقول مفيش حاجة اسمها لو كان عايش. بس أنا هقول لك، لو كان فعلاً معانا، مكنش هيرفض ليكِ حاجة أنتِ حباها وعايزاها. كان هيرفض في حالة واحدة بس، إلا إذا كانت فيها أذى ليكي. أما بقى بالنسبة لموضوع حسن، فبذمتك، حد يوافق على المتخلف ده؟"
اعتلت ضحكاتها على حديث شقيقتها، خاصة أنها كانت تقول آخر حديثها بمرح ممزوج بالسخرية. انتهت هي من ضحكاتها ثم تنهدت قائلة بتفكير:
"عندك حق. بس ساعات بفكر يعني، لو كان معانا ومكنش هيعرف يرفض طلب لعمو سليم، كنت هتجوز غصب؟"
"محدش يقدر يغصبك على حاجة أنتِ مش عاوزاها. وماما كانت عارفة كويس إنه لا بتاع جواز ولا مسؤولية، ولا كان هيحافظ عليكِ."
قالت "ياسمين" حديثها وهي تحتضن الأخرى بنظراتها، وكأنها تحميها من قساوة العالم الخارجي بنظرات عينيها الحنونة.
استشعرت "نيروز" نظرات شقيقتها الواثقة التي شجعتها على إكمال حديثها دون خوف.
"بس أنا بخاف. بخاف لحد دلوقتي أتقابل أنا وهو في مكان واحد. ساعات بتوتر أول ما بشوفه. بخاف من نظراته الغير مريحة دي. بخاف نفضل أنا وهو في مكان واحد في أي بيت من بيوت عمك."
أجابتها "ياسمين" بنبرة مليئة بالثبات:
"بصي، أنا مش عاوزاكي تخافي وأنا معاكي. عاوزاكي كده تقفي في وش أتخن تخين زي الأسد يا بت."
قالت آخر حديثها بمرح، حتى اعتلت ضحكات الأخرى. فتحدث "ياسمين" مردفة مرة أخرى:
"أنتِ متستغربيش أصلاً. الخوف ده شيء أساسي للكائنات اللي زي دي. يعني مثلاً، البطن اللي شالت أبونا مش نفس البطن اللي شالت عمك. ودي تربية زينات، يعني بطن غير بطن عايدة يا حبيبتي."
ابتسمت "نيروز" ثم تحدثت بخبث قائلة:
"طب وتربية عايدة؟"
"لأا، كله إلا تربية عايدة. دي تربية سكر وقمر وعسل وجمال وحاجات حلوة كتير كده."
نظرت لها هي ثم عدة ثوانٍ، وانفجر كلاهن على هذا الحوار الواثق النابع منها. ضحكات عالية، نقية، نظيفة، آمنة، خالية من النفوس الخبيثة.
تحدثت "ياسمين" مردفة بعدما توقفت أخيراً من ضحكاتها:
"ما تيجي نطلع نقعد مع ماما في الصالة. لسه بدري شوية على ميعاد النوم. وحازم نايم بدري أوي وأنا زهقانه بصراحة وفاضيالكم بقى."
أومأت لها شقيقتها بالموافقة وهي تبتسم على حديث الأخرى. تزامن مع تحركهما من خارج الشرفة بأكملها متجهتين إلى حيث تجلس والدتهم.
شيء ما يدفعني للبكاء، لكني أشفق على وسادة لم تعد تحتمل الدموع. لكنه كان شيئاً ثميناً، غالياً بالنسبة لي، شيئاً يجعلني لن أكف بكاءً على حاله. شيئاً يستنزف طاقتي ببطء. بكاء وحيد، صامت، كاسر، مؤذي، يتآكل كل شبر بداخلي.
كانت شهقات بكائها عالية مسموعة. تبكي من فرط تحملها لكل ذلك. تبكي قهراً على حال والدتها التي تسوء ولم تستطع أن تفعل لها شيئاً. حالتها أشبه بحالة الجالس مكانه على فراشه، لا يستطيع التحرك من الجاثوم. جاثوم عدو للحركة. فقط تستطيع أن تأخذ أنفاسها بصعوبة، هذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تفعله، ولكن يؤخذ بالنهاية بصعوبة.
جالسة على فراشها وصوت بكاؤها هو التردد الوحيد بينها وبين عقلها. تريد أن تنهض هي لترى مستقبلها الذي أهملت هي به. وصوت آخر يحثها على عدم القدرة والاستطاعة. يهيئ لها بأنها غير قادرة نفسياً على تلك الخطوة.
سمعت عدة دقات خافتة على باب غرفتها. هممت هي بصوت ضعيف لتأذن للطارق بالدخول. فتح شقيقها باب غرفتها ثم توجه ناحيتها وجلس بجانبها على الفراش. نظرت له هي عدة ثوانٍ بعينيها الحمراء من فرط البكاء. تجمعت الدموع بمقلتيها من جديد حتى أصبحت لا تقوى على الرؤية. بادلها هو بنظراته المشفقـة. بادلها بنظراته الحزينة المنكسرة. نظرات قليلة الحيلة. نظرات تقسم للأخرى بأنه يفعل ما بمقدوره هو. تجمعت الدموع بمقلتيه لكنه أبى أن تسقط أمام نظراتها الضعيفة تلك. رفض أن يبادلها الضعف بالضعف. رفع ذراعيه على كتفيها ثم ضمها بقوة فجأة بأحضانه. هنا، سمح لدموع عينيه بالسقوط. سمح بسقوط ثباته الزائف وهي بأحضانه.
بكت هي بأصوات مسموعة عالية. تمنت لو أن باستطاعتها الصراخ عالياً لتفرغ ما بها. همت بعده كلمات غير مفهومة من بين شهقاتها. أخذ يهدهدها هو، وهو يربت على ظهرها ودموعه تسقط على شعر الأخرى، حتى أصبحت خصلاتها كمن خارجة من دورق مليء بالماء الساخن للتو.
أصبحا على هذا الحال. مرت الدقائق عليهم، لم يعلما هم كم من الوقت ظلا هكذا. مسح هو وجهه من آثار دموعه المتبقية. ثم أخرجها من أحضانه بهدوء ورفع ذراعيه ممسكاً بمقدمة رأسها يقبلها. تحدثت هي أخيراً بعدما هدأت. تحدثت قائلة من بين شهقاتها التي أصبحت ضعيفة:
"أنا خايفة أوي يا عز. أنا... أنا مبقتش قادرة أشوفها بتتعذب كده."
"دي شعرها معتش فيه زي الأول!"
ابتسم لها بانكسار وهو يردف محاولا الثبات أمام أعينها:
"أنا واثق إنها هتبقى كويسة وهتعمل العملية وهتخرج وهتبقى تمام. أنا عارف إن صعب الوقت اللي إحنا فيه ده، حاجة عاملة زي محدش هيحس بكده غير اللي جرب. وجعها ده هتاخد عليه أجر كبير أوي وثواب. وإحنا أهو جنبها طول ما هي شايفانا كويسين وحلوين ممكن حالتها تتحسن. ومتنسيش إن حالتها النفسية مهمة. أنا عاوزك قوية عشان خاطري، عاوزك ميأثرش فيكي حاجة. اتفقنا؟"
هزت "فرح" رأسها بضعف بالإيجاب فخرج منها صوتها الضعيف وهي تقول:
"اتفقنا، بس أنا مش قادرة مش قادرة أعمل حاجة. أنا بتماسك قدامها بالعافية حاسة إني بعيدة ومش عارفة أعمل إيه. قلبي مش مرتاح، أعصابي مش مساعداني إني أعمل حاجة!"
لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيه متحدثا بيقين:
"دي ليها حل، كل حاجة وليها حل صدقيني. قومي صلي واتكلمي مع ربنا. ادعيه يشفيها ويقويها، ادعيه يصبرنا ويقوينا، ادعيه يقويكي ويجعلك قادرة، ادعيه يوفقك. ادعيه يدب فيكي الأمل والشغف عشان تقدري تذاكري وتنجحي. ربنا بيقول: 'وإذا سألَك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون'."
"مفيش أحن من ربنا علينا. وجه وقتك، جه وقت إنك تنتظمي بقى في صلاتك اللي أنتِ مش منتظمة فيها. بقول إنك كبيرة كفاية ومحدش يقولك كل شوية صلي ومتصليش، لكن ده فرض. ارجعي لربنا عشان يريح قلبك وقلوبنا كلنا. ربنا الأقرب ليكي دايما، أقرب ليكي من نفسك. ربنا بيقول يا فرح: 'ونحن أقرب إليه من حبل الوريد'."
"قريب جدا ليكِ. ودي حكمة، حكمة ربنا الجميلة. فكل شيء، خلاني أسمع صوتك وأنتِ بتنهاري. ربنا خلاكِ تنهاري ومبقتيش قادرة عشان ترجعي ليـه يا فرح. قربي منه، قربي من ربنا عشان ترتاحي. اتوسليه وادعيه واشكيله. ممكن الدعوة تستجاب منك عني ويشفيها ومتحتاجش لعمليات. اشكيله من كل اللي تاعب قلبك. الشكوى لغير الله مذلة يا فرح."
كانت تستمع إلى حديثه وهي تبكي بصمت تارة وتبتسم تارة. أنهى هو حديثه فابتسمت له هي بسمة هادئة ثم نهضت بعدما نهض هو. وقف أمامها ثم ربط على ذراعيها بانكسار وتوجه إلى خارج الغرفة. توجهت هي خلفه بلهفة متوجهة إلى طريقة المرحاض لتتوضأ وتبدأ في أول خطوات قربها من الخالق لعله يسكن ذلك القلب المتهالك! ولكن بالقرب منه يسكنه سكينة مليئة بالراحة ولن نحتاج بعدها شيئ!!
_________________________________
على الجانب الآخر كان يجلسون جميعهم على الأريكة بإنهاك واضح بعدما أنهوا تنظيم بعض الأشياء بمنزلهم. ظهر على "دلال" الإنهاك والتعب وهي تردف قائلة:
"هانت، الشقة تخلص كده على بعد بكرة إن شاء الله ولا حاجة."
إعتدل "حامد" في جلسته ثم رفع يديه وهو يربت على ظهرها بهدوء قائلا:
"كتر خيرك يا دلال، الواحد تعب. أومال لو أنتِ بقى الله يعينك."
ابتسمت له باتساع وهي تنظر له قائلة:
"ولا يهمك يا حبيبي، أيام وتعدي يا خويـا."
ابتسم "حامد" قائلا بمرح:
"إيه؟ قولي أخويا كده تاني دي والله طالعة منك زي العسل.."
قاطعه "غسان" كالعادة قائلا:
"إيه؟ أنت مكمل؟ يعني ناوي تكمل وبتحلف كمان؟ دي بتقول يا خويا إيه اللي فيها يعني. طب علق حتى على يا (حبيبي) مقنعة أكتر!!"
نظر له "والده" بحنق تزامنا مع ضحكات الآخرين جميعهم:
"أنت مالك يا أخي؟ مراتي بتتدخل ليه."
ابتسم هو لوالده باستفزاز فتحدث شقيقه الآخر "بسام" مردفا من بين ضحكاته:
"حقك يا حج بس راعي الجفاف اللي عندنا بقى، وكمان معانا أطفال."
قالها باستفزاز ليثير حنق الآخر فتحدثت "والدته" قائلة بابتسامة:
"ربنا يرزقكم يا حبايبي ببنت الحلال يارب."
"أنا مش طفلة، أنا كمان كام أسبوع وهبقى ١٩ سنة على فكرة."
قالت "وسام" حديثها بضجر فتحدث "بسام" قائلا بسخرية:
"يــاه كبيرة فعلا!"
نظرت له بحنق فتحدث "والدها" قائلا بفخر:
"حبيبة أبوها كبيرة وعاقلة وراسية مش زي ناس."
تحدثت "دلال" قائلة بتعالي:
"هو في زي ولادك ولا تربيتهم يا خويا."
أجابها بمرح قائلا:
"الصراحة لأ، أنتِ هتقوليلي؟"
نظرت له تستشف كلماته إن كانت ساخرة منها أم لا فتحدث هي أخيرا وهي تنهض:
"طب أنا راحة المطبخ وجايه وسعولي بقا."
تحركت هي إلى طريقة مطبخها ومن بعدها انسحب كل من "بسام" و"وسام" منصرفين بعدما استأذنت للدلوف إلى غرفتها لتنظيم كتبها الدراسية خاصة أنها ستبدأ دروسها بداية من الغد. حينها رد عليها "غسان" بأنه سيوصلها إلى حيث مكان السنتر الخاص بدروسها!!
نظر "حامد" إلى الآخر مردفا باستفزاز:
"إيه أنت كمان؟ مش ناوي تقوم؟"
أجابه "غسان" وهو يبتسم بخبث:
"لأ ازاي! ودي تيجي؟ أنا قاعد أسمع شعر الحج للحجة."
نظر له "والده" ثم أردف قائلا بتعالي:
"لا طرقنا من هنا... ولا أقولك! خليك واتعلم."
نظر له "غسان" وهو يردف قائلا:
"يبقى أنت مش عارفني بقا يا حامد. بس ومالو، مُعلم ومنك نتعلم."
اعتلت ضحكات والده وهو يمد يديه يربط على ذراع الآخر بحب تزامنا مع خروج "دلال" من المطبخ متجهة لهم وهي تحمل عدة أطباق وصينية متوسطة الحجم قليلا.
فتحدثت قائلة وهي توجه أنظارها لوالدها:
"قوم يا بني ودي الحاجات دي لـ "سمية" واشكرها كده على ما أقابلها بكرة."
"لازم يعني!!"
أجابته هي حينما سألها هو:
"أيوه طبعًا. أومال الحاجة تبات وتتأخر عندنا ميصحش."
لوي شفتيه ثم تحدث بسخرية:
"ليه حالفين عليها ماتبات برا بيتها!!" تنهد هو ثم أردف قائلا مرة أخرى:
"طيب هاتيهم."
ابتسمت له باتساع وهي تقدم له الأشياء ليحملها الآخر بانتظام وترتيب!!
_________________________________
كان يجلس ثلاثتهم على الأريكة بجانب بعضهم فأردفت "والدتهم" من بين حديثهم قائلة:
"أومال جميلة مجتش ليه؟"
أجابتها "نيروز" قائلة بهدوء:
"بتقول هتذاكر ولو فضت بعدها هتيجي."
تحدثت "ياسمين" بإشفاق:
"ربنا يعينها على طب دي. الواحد لما بيعمل حاجة غصب عنه مبيبقاش طايق نفسه مابالكم بحاجة ليها علاقة بالمستقبل!"
ردت عليها "سمية" بقناعة:
"ده نصيب يا حبيبتي. وبعدين حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب."
أومآ لها الاثنتين بتأييد حتى سمعا صوت دقات الباب الخافتة ورنة جرس المنزل.
تحدثت "نيروز" قائلة باقتراح:
"لتكون جميلة!! خليكم أنا هروح أفتح أنا."
نهضت هي من على الأريكة ثم توجهت عدة خطوات ناحية باب شقتها حتى فتحت الباب.
ظهر هو أمامها وهو يقول:
"مساء الخير. خدي الحاجات دي وقولي لمامتك شكرا على تعبها."
قال حديثه وهو يمد يده لها بالأشياء لتحملها.
هي استوعبت الأمر ثم اتجهت بجانب الباب سريعًا.
ثم وضعت على رأسها الحجاب بارتباك وعادت لتحمل منه الأشياء.
نظرت هي أرضًا وهي تحمل من بين يديه الأشياء قائلة بخفوت:
"لا شكر على واجب."
عقد ما بين حاجبيه قائلاً:
"إيه ده أنتِ بتتكلمي؟ طب ممكن تعلي صوتك مش سامع قولتي إيه بصراحة!"
رفعت رأسها تتطالعه ثم تحدثت قائلة بارتباك:
"لا شكر على واجب."
تحدثت والدتها من على بعد قائلة:
"مين يا نيروز وواقفه لسه ليه عندك؟"
التفتت هي تجيب والدتها قائلة بتوتر:
"ده... دا..."
قاطعها هو قائلاً وهو ينظر لها متحدثًا بخفوت:
"قولي لها غسان لو مش عارفة أنا مين فيهم."
قال حديثه لها بخفوت ثم قام بتعليّة رتم صوته يجيب والدتها قائلاً:
"ده أنا غسان."
نهضت سميّة من على الأريكة سريعًا متوجهة إليه مردفة:
"اتفضل يا بني، ميصحش تقف على الباب كده."
وزّع نظراته بينها وبين الأخرى ثم تحدث قائلاً بشكر:
"شكرًا، كنت جاي أديك الحاجة بتاعت الغدا وتسلم إيدك على تعبك."
ردت عليه هي وهي تنظر له:
"ولا تعب ولا حاجة تعبكم راحة يا حبيبي."
أومأ لها بابتسامة مكلفة ثم تحدث قائلاً بهدوء:
"عن إذنك."
قالها وهو يتحرك من أمامهم متجهًا إلى الناحية الأخرى حيث شقته هو.
أغلقت الأخرى باب منزلها ثم توجهت إلى الداخل في المطبخ لتضع الأشياء.
ثم خرجت مجددًا لهم وجلسا هم بجانب بعضهم من جديد.
فتحدثت ياسمين قائلة بمرح:
"ودول نفرق بينهم إزاي؟!"
أجابتها الأخرى بتأييد لحديثها:
"فعلاً، شبه بعض، أنا مكنتش عارفة أقول مين واتحرجت أوي."
تحدثت والدتها موجهة أنظارها لـ نيروز:
"والله يا عين أمك لو عارفة مين بالظبط ما كنتي قولتي، انتِ بتتكسفي من خيالك مش زي ناس."
ابتسمت لها نيروز بهدوء وهي تهز رأسها بالإيجاب تؤيد حديث الأخرى.
فتحدثت سميّة من جديد قائلة:
"قومي يا ياسمين هاتي لي كوباية ميه والعلاج."
أومأت لها الأخرى بالموافقة مبتسمة وهي تنهض من جانبهم تحت أنظارهم.
***
جلسا هما معًا بصالة المنزل بعدما انتظرت هي زوجها يأتي من الخارج.
كان يجلس بجانبها وهما يشاهدان صغيرهم يجلس أمامهم وهو يلعب بالألعاب الصغيرة الخاصة به.
تحدثت ورده بابتسامة قائلة بحنان:
"الحمد لله طالما فاق ولعب بالألعاب كده ومسهرني جنبه يبقى بقا تمام."
نظر لها بدر نظرات حانية ثم تنهد يأخذ أنفاسه وهو يقول:
"قولت لك إن شاء الله هيبقى كويس، كل الأطفال بتتعب كده يا حبيبتي."
"أيوه الحمد لله، بس غصب عني مببقاش قادرة أستحمل أشوفه بيتألم ويتوجع وأنا مش عارفة أعمله حاجة. عندي هوس من فكرة إنه يروح مني ويسيبني، أنا بحبه أوي. أنا أم لازم أقلق كل القلق ده. عارف الأمومة دي صعبة أوي. كنت بستغرب إزاي ماما بتقلق علينا كل القلق ده أنا وإخواتي وكانت بتخاف أوي ودايمًا مكتفانا حواليها. لما حد كان بيتعب كانت بتبقى شايلة الهم وتقِل كبير وتبقى ملبوخة في إنها تكشف وتتطبخ أكل صحي وتنظم العلاج وتعمل حاجات سخنة وتروح كشف إعادة. وواحدة تتعب وتروق والتانية كانت تستلم. أمي دي يتعمل لها تمثال، ست عظيمة بجد برغم إن بابا كان بيساعدها وحنين أوي معانا وعليها لكن هي بردو شالت واستحملت كتير. أنا بحبها أوي وخايفة عليها بردو نفس الخوف اللي كان عليا يا بدر. خصوصًا إنها تعبانة في قلبها، ودايمًا بقلق عليها ومبرضاش أقولها حاجة تزعلها أو أخليها تشيل الهم بمجرد إن عندي حاجة صعبة أنا مش مستحملاها."
طالعها بسِهام عينيه، كان ينصت لها باهتمام يدرك كل حرف تتفوه هي به.
تنهد ثم أخذ أنفاسه قائلاً:
"إن شاء الله هتبقى كويسة. الأم دي حاجة عظيمة في حياة أي إنسان. يعني أنا لما أمي راحت حسيت إن الحاجة اللي المفروض عايش عشان أخدمها راحت. وكان قبلها أبويا كان ميت وهي اللي شالت واستحملت. وقبل ما تمشي وصتني على آدم. أقنعته كتير يجي هنا معايا مرضاش. بقيت ببعت له فلوس يعيش بيها وأنزل له من فترة للتانية. بس بردو آدم بعيد عني وضايع وفي سكة غير اللي المفروض عاوزه يكون فيها. بس أنا بذلت كل جهدي عشان يطلع كويس لكن هو مصر. عايش بس على الفلوس اللي ببعتها له. مبيكلمنيش إلا كل فين وفين. بقينا بعاد عن بعض جدًا. الأم لما تموت غالبًا الأولاد بيتفرقوا لكن لما بتبقى موجودة بنبقى متجمعين على حسها وصوتها في الدنيا. بس أنا فشلت في آدم. جوايا صوت بيقولي إني كنت أناني ناحيته برغم إني عملت كل اللي بوسعي أعمله عشان يبقى بني آدم كويس وماشي مظبوط!!"
نظرت له والدموع تتجمع في مقلتيها.
رفعت ذراعيها تحاوطه بداخل أحضانها قائلة بثبات زائف، حتى تبث بعض الأمان للآخر:
"مسيره هيفوق ويرجع للصح. ادعي له يا بدر ادعي له دايمًا."
ربّتت على كتفيه بحنان حتى لاحظهما يامن.
ثم اتجه إليهم وصعد على قدم والدته ثم رفع يديه الصغيرتين يربّت على صدر والده بحنان بالغ وهو يقول بنبرته الطفولية:
"متـزعـلـش يا بـدي."
ومع خروج حروف اسم والده بطريقة خاطئة وطفولية ابتسم والده له، واعتلت ضحكات والدته.
فجذبه والده على قدميه ثم انحنى ووضع قبلة على خديه الممتلئ قليلاً وهو يدغدغه والآخر يضحك بصوت عالٍ بمرح، والأخرى تبتسم باتساع.
فتحدث بدر قائلاً من بين دغدغته لصغيره الضاحك:
"قولت كام مرة، ده حبيـب بـابـاه!!"
قالها هو بطريقة مرحة وهو يشاكس صغيره والأخرى تشاركهم بابتسامتها الواسعة الحنونة.
بنظرات تترجى بها الخالق بأن يديم عليها تلك العائلة الصغيرة!!
***
كانت تجلس بغرفتها تتحدث بخفوت في هاتفها الممسكة به بين يديها.
"أيوا يا شريف كنت فين كل ده برن عليك مش بترد!"
جاءها صوته وهو يجيبها قائلاً:
"معلش يا حبيبتي كنت في مشوار كده، وبعدين أنا قللت اتصالاتي بيك بعد اللي حصل في المطعم والرسالة اللي بعتيهالي أمشي عشان أخوك شافك."
"أيوه فعلاً شافني بس مخدش باله من حاجة العقربة خطيبته هي اللي شافتك يا شريف."
"شافتني إزاي! ودي مش هتقول لأخوكي ولا إيه؟"
"لا معتقدتش هي عاوزة تمسك عليا حاجة تتضغط عليا بيها فأي وقت، سيبك منها دلوقتي، قولي بقا أنا موحشتكش؟"
"طبعًا وحشتيني، مفكرتيش في الموضوع اللي قولته لك عليه؟"
"يا شريف أنت مبتنساش بجد؟ بس أوعدك هفكر، بس أنا خايفة أنا مقدرش أعمل كده ومحتاجة فرصة بس شوية."
"تمام، براحتك. هقفل أنا بقا عشان صحابي بيرنوا عليا عشان أروح لهم."
"ماشي يا حبيبي، باي."
أغلق هو الخط بعد حديثها ثم اتجهت هي إلى الدولاب تخرج منه ملابسها لتتجه إلى المرحاض من بعدها وهي شاردة بحديثه معها منذ قليل.
ليس على بالها بأنها قد خانت تلك الثقة الموضوعة بينها وبين عائلتها.
وقبل كل ذلك ثقتها بنفسها وعلاقتها بربها.
بأنها تفعل شيئًا محرمًا لها!!
مرت الساعات عليها وهي تجلس على مكتبها تفرك عينيها بإجهاد وتعب. دقت والدتها عليها الباب ثم دلفت بهدوء وبيديها بعض الشطائر وكوب من المشروب الساخن. ابتسمت لها "جميلة" وهي تتحدث قائلة:
"مساء الخير يا ماما. إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي؟"
وضعت "عايدة" الصينية التي بيديها على المكتب أمام الأخرى وهي تردف بهدوء:
"ما جاليش نوم يا حبيبتي. المهم كُلي دول كده، انتِ ما أكلتيش حاجة من بدري."
ابتسمت الأخرى بحب لها وهي تقول:
"ماشي يا عايدة. ده كُله من حنانك اللي مافيش منه ده."
قالت آخر حديثها بمرح، مما جعل ضحكات الأخرى ترتفع على حديثها. فتحدثت هي من بين ضحكاتها قائلة:
"الله يصلح حالك يا بنتي. كُلي بقى وأنا هدخل الأوضة. عاوزة حاجة مني؟"
هزت لها "جميلة" رأسها بالرفض، فابتسمت لها الأخرى بهدوء وهي تتحرك من أمامها خارج غرفة "جميلة". ابتسمت جميلة بحب في أثرها ثم أمسكت الشطائر تتناولها وهي تمسك بيديها الأخرى هاتفها لتقوم بإرسال رسالة تطمئن بها على صديقتها.
***
كانت "دلال" تجلس على فراشها وهي تتدلك قدميها بإنهاك مستعدة للذهاب إلى النوم لتنعم بساعات من الراحة، حتى تكون قادرة على العمل مجدداً في شقتها في الغد.
نظر لها "حامد" بإشفاق:
"كتر خيرك يا دلال. نامي وارتاحي. هبطي النهاردة."
أومأت له مبتسمة ثم تسطحت هي على الفراش. جذب هو الغطاء عليها ثم دثرها جيداً وهو بجانبها، حتى ذهبت هي بثبات عميق. ابتسم زوجها على حالها ثم ربّت على كتفها بحنان واستدار هو الآخر متسطحاً بجانبها مستعداً للخلود إلى النوم.
دلف هو إلى غرفة شقيقه فوجده متسطحاً على الفراش يتفحص هاتفه بملل. فتحدث "غسان" قائلاً له بتساؤل:
"انت صاحي ليه؟ انت مش نازل شغلك بكرة! وقالولك محتاجينك ومش هتتنهني بالإجازة؟"
نظر له "بسام" ثم أردف بمرح:
"ده ذل ولا إيه يا غس؟ عالعموم أه نازل بس مش لازم أصحى بدري عشان الطريق الطويل. أنا بقيت قريب منها خلاص يا سطا."
تحدث الآخر وهو يطالعه مردفاً بسخرية:
"ياسطا! في دكتور يقول ياسطــا؟"
"أه. أنا."
قالها ببساطة، فنظر له الآخر نظرة مطولة ثم خرج هو من غرفة الآخر وتركه، متوجهاً إلى غرفة شقيقته. دق هو الباب عدة دقات حتى سمحت له بالدخول. دلف هو إلى الداخل ثم جلس بجانبها وهو يطالعها.
"كنت عارف إني هاجي ألاقيكِ حمرا في بعضك كده!"
أجابته "وسام" بابتسامة زائفة:
"لا عادي مفيش حاجة."
"لأ ده فيه حاجات مش حاجة!" تنهد هو ثم أكمل قائلاً بهدوء وهو يضع يديه أسفل ذقنها.
"يا بت بصيلي!!"
رفعت رأسها ثم نظرت له وهي تبتسم ابتسامة صغيرة. فأردف هو مجدداً:
"أنا عارف إنك متلغبطة وحاسة إنك تايهة وكمان ثانوية عامة، يعني تغير الدروس والمدرسين مش أحسن حاجة. بس أنا بقولك إن إحنا لسه فالأول ومش عاوزك تفكري في حاجة تأثر على نفسيتك. كون إنك بتفكري في المكان اللي سبتيه ومتربية فيه من صغرك وصحابك مثلاً اللي سبتيهم ده مش سهل. واسأل مجرب وأنا بقا مجرب. بس انتِ هتتأقلمي وهتتكيفي على المكان والناس، ومع الوقت هتعرفي إن هنا أفضل من هناك كمان!"
تحدثت هي قائلة بنبرة متحشرجة قليلاً:
"مش زعلانة على قد ما أنا حاسة بغربة برغم إنكم معايا. يعني مكان غريب وجو غريب فمش متعودة، بس أنا والله لو فرحانة ففرحانة إني معاكم وإننا دايماً مع بعض!"
أجابها "غسان" مبتسماً:
"مش عاوزك تعلقي نفسك بحاجة من دلوقتي. سيبي الدنيا تمشي زي ما ربنا حاسبها وشوفي إيه اللي وراكي ومتديش فرصة للزعل يتمكن منك عشان تقدري تكملي من غير ما عقلك يتشغل بحاجة. وتحاولي تحطي تركيزك كله على مستقبلك، لأنه أهم حاجة دلوقتي. وتفكري بقى في اللي انتِ بتتمنيه وعاوزة توصليله. غير ده بتهيألي مفيش حاجة تفكري فيها!"
ابتسمت له ثم فرت منها دمعة كانت تكتمها بعينيها وهي تنصت له. فتحدثت قائلة من بين نبرتها المتحشرجة:
"أنا بحبك أوي يا غسان. مش عارفة من غيرك الدنيا هتهون عليا إزاي!"
ابتسم لها شقيقها قائلاً:
"مينفعش تشيلي هم وأنا موجود بنفسي جنبك. عيب والله!"
اعتلت ضحكاتها. فتحدث هو مرة أخرى مردفاً:
"يلا ارتاحي ومن بكرة تبدأي تشوفي مذاكرتك ومستقبلك بقى. خليكي زي الدكتور بسام. دحيحة. هو آه دكتور ودكتور أي كلام وشاكك فيه. بس دكتور قد الدنيا على رأي دلال."
قالها وهو يقلد والدته مثلما تقولها هي. فقهقهت الأخرى على حديثه المـرّح. فتحدثت هي قائلة بمرح:
"حاضـر. هعمل زيه مع إني أدبي بس هخترق قوانين العالم وأبقى دكتورة من أدبي."
"أدبي، علمي، أي حاجة مش فارقة كتير طالما عندك حلم وعاوزة تحققيه." غمز لها بمرح وهو يردف مجدداً:
"أنا واثق إنك هتتدخلي فنون جميلة وتبقي فنانة قد الدنيا زي ما بتحلمي. ودلال تقولك دا أنا بنتي فنانة قد الدنيا يا خويا."
اعتلت ضحكاتهم معاً على الحوار الدائر بينهم. ثم تحدثت "وسام" أخيراً بحب:
"شـكراً إنك دايماً جمبي. وفأي وقت بتحس بيا من غير ما أتكلم."
ابتسم لها ثم تحدث بثقة:
"أنا ضهرك دايماً طول ما بيجري في عروقنا لسه نفس الدم!"
ابتسمت له بحنان فانحنى هو ناحيتها ثم أخذها بأحضانه بهدوء. نهض هو بعدها ثم نظر لها وهي جالسة وأردف:
"يلا تصبحـي على ترويق شقـة."
ابتسمت هي له ثم ابتسمت مرة أخرى بأثره بحنان بعدما اختفى من أمامها وخرج من الغرفة بأكملها. رفعت عينيها إلى الأعلى كعلامة للدعاء إلى ربها، تشكره وتحمده على وجود مثل ذلك الأخ في حياتها ومثل تلك العائلة معها.
***
كانت هي متسطحة على فراشها بغرفتها وبجانبها شقيقتها. ينظر كل منهم لسقف الغرفة بشرود.
فتحدثت "ياسمين" قائلة بمرح:
"لا بس أنا منورة أوضتك النهاردة. إيه رأيك بقى هنام هنا علطول جنبك لحد ما أتجوّز."
تحدثت "نيروز" بحنق من الأخرى:
"بت أنا سمحتلك بس النهاردة عشان صعبتي عليا. معرفش هنام إزاي وانتِ جنبي؟"
"لا مانا مش قايمة أنا لازقة زي اللبانه المارميلا الكور."
نظرت لها شقيقتها ثم تحدثت مردفة بابتسامة:
"مش عاوزاكي تقومي. بهزر معاكي. بس ادخلي شوية ومتضايقنيش عليا المكان."
أجابتها "ياسمين" بمرح:
"يا ستي. اعتبريني أمك وخدّي حنان زيادة."
"ولا حنان ولا دلال. خشي يا بت شوية عشان مش عارفة أتنفس بجد."
ابتعدت عنها "ياسمين" بلهفة.
"مش عارفة تتنفسي إزاي؟ مقصدش والله، أنا فاكرة إن الحالة دي معادش بتجيلك."
ابتسمت لها "نيروز" بحنان قائلة:
"متخافيش، أنا بس مخنوقة عادي مش حاجة كبيرة يعني!"
"قطعتيلي الخلف، خدي بالك الله يسامحك."
اعتلت ضحكات "نيروز" ثم أردفت هي قائلة بهدوء:
"قوليلي أعمل إيه في عمك ده اللي قرر ينام وما يقومش يوم ما أفتحه."
"حظك بقى، بس استنيلك كمان يومين ولا حاجة."
نظرت لها هي ثم أردفت بقله حيلة:
"مش عارفة يا ياسمين، بس كنت عايزة أقوله بدري عشان لسه وقت للتقديم ووقت للمقابلة الشخصية. أنا شفت الإعلان كان بيقول خلال أسبوعين، وعدى منهم أيام وخايفة يكتمل العدد."
ربطت "ياسمين" على كتف الأخرى باطمئنان وهي تحدثها قائلة:
"متقلقيش، أنا هحاول أعمل حاجة كده لو عمك رفض أو لأ وعى معاكي في الحوار ده."
عقدت هي ما بين حاجبيها بتساؤل:
"هتعملي إيه؟"
"لا متاخديش في بالك، ونامي بقى عشان جالي صداع."
قالت حديثها بغموض، لم تهتم الأخرى بل حدثتها قائلة وهي تعتدل في نومتها على الفراش:
"تصبحي على خير، أو تصبحي على حازومك، أيهما أقرب يعني!"
"الاثنين خير بالنسبالي عموما."
اعتلت ضحكات الأخرى على حديث شقيقتها المعروف دائمًا، ثم سحبت الغطاء عليهن وهي تمد يديها تغلق إنارة المصباح الصغير الذي يوجد بجانب فراشها، مستعدة للنوم هي والأخرى التي بجانبها.
في أحد الأماكن الليلية كان يجلس جميعهم بجانب بعضهم يتحدثون بعدة أشياء ليس لها علاقة ببعضها. فتحدث "حسن" وهو ينفث دخان سيجارته:
"أبويا مديقها عليا أوي يا جدعان! ومبقاش في إيدي فلوس زي الأول."
نظر له "أدم" ثم أردف قائلاً:
"أنا بقى الفلوس حاضرة، بس العيشة ملل من غير أب يزهقني في عيشتي، عم إحمد ربنا!"
أجابه "حسن" بتهكم:
"انت مين قدك يا عم انت! ولا قد أخوك. ألا قولي صحيح عمك جه بيته القديم من جديد، مجتش تزوره يعني ولا حاجة ولا تشوف ولاد عمك؟"
"أزور مين بس! مش ناقص وجع دماغ، هم ليهم بدر حبيبهم. وبعدين أنا مبقتش أطيق ولاد عمي أساسًا، خصوصًا غسان بحس إنه قافش عليا حاجة دايمًا كده."
"غسان ده نفسي في مرة أعلم عليه، طول عمره كان بيجي عليا."
نظر له أدم ثم حدثه بنبرة تحذيرية:
"بلاش غسان يا حسن. ملكش دعوة بيه، البعد عنه غنيمة. ده متخشش معاه في حاجة وتكسب انت. انت أه كياد، بس متجيش فيه حاجة."
أجابه "حسن" بسخرية:
"مين هيشهد للعريس يا خويا؟ وبعدين أما أعرف أفرق بينهم بس الأول دلوقتي أبقى أتكلم."
تحدث "شريف" مقاطعًا حديثهم:
"شكلك اتسطلت يابا انت وهو! اسمها مين هيشهد للعروسة مش العريس. وبعدين مش هنقضي الحوار كله في مشاكلكم العائلية دي. قولي يا حسن اعرف يعني إن عندك إخوات ما تقلب منهم أي حاجة يعم وعيش وخلي عندك دماغ شغالة كده! متبقاش زي خبيتهم."
رد عليه "حسن" بتفكير:
"والله فكرة، بس الإخوات دول مش زي أي إخوات، دول إخوات متفرقين مع بعضنا كده. مش معقول يعني يا صاحبي مش هطيق إخواتي وأروح أجيب منهم فلوس!!"
"ومين قالك إنك تجيب؟ انت تاخد من غير ما يجبولك هم، يصاحبي شغلها، تكسب."
شرد "حسن" بحديث الآخر، أحقًا؟ يمكن أن يكون سارقًا؟ سارق لأموال أشقائه وبيته؟ أيصبح شخصًا غير آمن على نفسه وعلى أهل بيته؟
رواية عودة الوصال الفصل السادس 6 - بقلم سارة ناصر
أجمل ما في الأيام الماضية أنها مضت، وأجمل ما في الأيام الحاضرة أنها ستمضي، وأجمل ما في الأيام التي ستأتي أنها لم تأت بعد، وأجمل ما في الحياة أن هناك أمل يتجدد ولا ينتهي.
مرت ثلاثة أيام دون ذكر أحداث تذكر، حيث انتهت "دلال" من فراش شقتها وتنظيم كل أركانه حتى أصبح مرتباً، وعاد "بسام" إلى عمله من جديد، وكما جاء طلب التأكيد النهائي لعمل "غسان" بداية من الأسبوع القادم، وانتظمت "وسام" في دروسها وأصبحت منتظمة تذهب إلى السنتر التعليمي في المواعيد المحددة لها.
ظهر يوم الخميس، كانوا يجلسون على المائدة الخاصة بالطعام يتناول كل منهم وجبة الغداء. وجهت "دلال" أنظارها حيث زوجها الجالس بجانبها، ثم أردفت قائلة بهدوء:
"بقولك إيه يا حج، عاوزين نبقى نرد الواجب اللي سميه وعايدة عملوه ونعزمهم يوم."
ابتسم "حامد" وهو ينظر لها، ثم أردف من بين ابتسامته:
"كتر خيرهم أصحاب واجب، وكل واحدة جابت غدا يوم، كنت هقولك الموضوع ده. عمرك أطول من عمري يا أم غسان، عالعموم اعملي اللي يريحك، ولو محتاجة حاجة مفيش مشكلة."
"my mother اللي بتفهم في الأصول"
نظروا هم لبعضهم ثوان، ثم انفجروا ضاحكين على طرفة "بسام".
فتحدث "غسان" من بين ضحكاته:
"آه هو اللي بتفكروا فيه، سرسجة بالإنجليزي أيوه."
قالها وهو يهز رأسه بالتأكيد وهو ينظر لوالديه وشقيقته.
تحدثت هي بعدما تنهدت بعمق:
"انت بتألس عليا يا روح المازر؟"
ابتسم هو لها، ثم أردف قائلاً بمرح:
"لاعاش ولا كان يا أمي، طب دا أنا حتى عامل حسابي أخفضلك فلوس الكشف كل ما تيجي وهعاملك باحترام وحاجة محصلتش، ظلمانى انت!"
شهقت هي شهقة عالية، فتحدثت "وسام" قائلة:
"أصيل يا بن أمك وأبوك."
عدل هو من ياقته الوهمية بغرور، فنظر له "والده" بحنق زائف مردفاً:
"عاوز تكشف على مراتى بفلوس؟ آه يا قلبي ويا فلوسي اللي ضاعت في تعليمك ااه."
وضع يده على موضع قلبه وهو يتحدث بطريقة مضحكة.
"بس هو اللي تعب يا حج."
قالها "غسان" ببساطة وثبات، مما جعل الآخر يبتسم له مردفاً بمرح:
"أبو الغساسين يا مغسن يا مستغسن أخويا وربنا."
قالها بلحن وكنغمة بمزاج.
اعلنت ضحكاتهم على حديثه، وبعد دقائق نهض "غسان" ثم تنهد قائلاً بهدوء:
"أنا هغسل إيدي ونازل شوية، حد عاوز حاجة؟"
"سلامتك يا حبيبي خلي بالك من نفسك."
قالتها "والدته"، فابتسم هو لها بعدما أومأ له والده وشقيقته وبادلهم نفس الابتسامة، فتحرك هو في طريقه لطرقة المرحاض. جاءه صوت شقيقه قائلاً من على بعد:
"يخلي باله من نفسه، ده متخافش عليه ده يا دلال."
رد عليه "غسان" قائلاً وهو يقف بمكانه على بعد:
"عندي انياب أنا! وباكل بني آدمين! ما تهدي يا عم الدكتور بدل ما أقول على ماضيك المهين ده، ها أهدي واعقل!"
غمز في آخر حديثه موجهاً إلى الآخر، فالتقطها الآخر على الفور.
"إحم! كنا بنقول إيه يا دلال فكريني! ...آه افتكرت كمليلي بقا عملتي طشة الملوخيه ازاي!!"
اعلنت ضحكات الآخر هو وشقيقته، حتى ابتسم والدهم وبدأت والدتهم بالفعل في شرح تلك الطبخة له باستمتاع واندماج معه.
تقف منتظرة شقيقتها ليذهبا معاً إلى شقة عمهما بعد أن علما أنه يقطن بالفعل في شقة "عايدة"، ولا يوجد لديهم عواقب إذا لم تفتحه في الموضوع الخاص بـ "نيروز".
"كل ده يا ياسمين، خلصي يلا بقا."
نظرت لها "ياسمين" ثم اردفت قائلة ببرود:
"إيه كنت باخد شاور؟ أروح جايفة؟ اصبري البس، بلبس بسرعة، اطلعي وأنا وراكِ أهو."
نظرت لها "نيروز" بنفاذ صبر قائلة:
"أنا طالعة، أطلع شبشب من الجزامة مش عاوزة أفضل مستنية كتير بقا!"
اتجهت هي إلى حيث باب منزلها ثم فتحته ودلفت للخارج، ثم وقفت أمام البوكس المخصص للأحذية، على الرغم من قصر المسافة، لكنها أخذت تبحث عن شيء ترتديه هي والأخرى. انحنت للأسفل لتبحث بعمق، استمرت بالبحث قليلاً، ولكنها لم تجد الشيء المقصود. وجدت أخيراً حذاء، ولكنه كان حذاء طويل العنق. أمسكته ثم قذفته ورائها بنفاذ صبر لعدم عثورها على الذي تريده هي!
تزامناً مع خروجه أمام باب شقته هو، فتفاجأ بشيء ثقيل وطويل إلى حد ما يقذف في مقدمة رأسه، فتأوه بصوت مكتوم ومنخفض! لاحظت هي صوت همهمة خافتة من خلفها. التفتت وهي جالسة ثم رفعت أنظارها إلى ذلك الواقف، وما إن رفعت رأسها شهقت شهقة عالية وهي توزع أنظارها بين الذي يطالعها وبين الحذاء الذي وقع بجانب قدميه!
استقامت هي لتنهض سريعاً ثم أغلقت الأدراج والتفتت سريعاً. طالعته بأسف وهي تتحدث قائلة بلهفة:
"أنا! أنا آسفة، مكنتش أقصد!"
طالعها بنظراته وعينه مثبتة أمام أعينها بتعابير وجه خالية، فأخفضت أنظارها أرضاً وهي تتحدث مرة أخرى:
"أنا كنت بدور على، على الشبشب ولما ملقتوش جه فيك مكنتش أقصد."
تقدم "غسان" ناحيتها عدة خطوات ثم أردف قائلاً بثبات وهو ينظر خلفها:
"حصل خير."
ارتبكت هي من طريقته ومحل نظراتها الغريبة خلفها، فالتفتت تنظر محل أنظاره، فوجدت الشبشب الذي تريده موضوعاً على جزامة الأحذية من الأمام، ولكن كان بنفس لون المفرش! ولم تلحظه هي. وجهت أنظارها له فوجدته يوزع أنظاره بين الحذاء الموضوع خلفها والانظار الأخرى على قدميها الخالية من أية أحذية!
أشار بإصبعه أخيراً على الحذاء من خلفها:
"اللي بتدوري عليه هناك!!"
هزت رأسها له بحرج ثم التفتت سريعاً تجذبه أرضاً، ثم قامت بارتدائه بعدما هبط الآخر بهدوء على الدرج.
وجدت شقيقتها تخرج من باب منزلها. لاحظت ياسمين ظهر الآخر وهو يهبط الدرج، فقعدت حاجبيها وهي تنظر لـ "نيروز" التي كانت وجهها محمر ويظهر على ملامح وجهها التوتر!
"هو في حاجة؟"
"لا لا مفيش، يلا نروح لجميلة. أخيراً خلصتي، كلو بسببك."
قالتها بحنق من الأخرى، فعقدت "ياسمين" جبينها قائلة:
"سبب إيه مش فاهمه حاجة."
نظرت لها "نيروز" بتوتر، فبدأت بإمساك يدها تجذبها ليتجها معاً حيث شقة عمهما.
دقت "ياسمين" الباب عدة دقات، ثوان وفتح لهم "حازم" مبتسماً:
"أخيراً، أدخلوا يلا، بابا في الصالة اهو يا نيروز."
قالها وهو يوجه أنظاره للأخيرة، فدلف الاثنتين معاً إلى الداخل.
"أعمل إيه يا أبو الحزايم، نيروز اللي أخرتني، أقولها يلا يا بنتي عاوزة أقعد مع حازومي شوية تقول لي لا مش وقته!!"
حملقت "نيروز" لها بصدمة من حديثها، فتحدث "حازم" مردفاً بسخرية:
"آه هتقول لي مصدقك طبعاً."
ثم قام بغمز أعينه للآخر يشير لها بأنه يتفهم الأمر جيداً. نظرت "ياسمين" لشقيقتها وهي تبتسم، فبادلتها الأخرى نظراتها بحنق.
وهي تتجه إلى الأريكة التي توجد بصالة المنزل، فوجدوا "جميلة" ووالدها ووالدتها.
رحبت "جميلة" بهم بسعادة:
"أخيرًا، تعالوا تعالوا."
اتجهت "نيروز" تجلس بجانبها، وتبعها شقيقتها، والآخر خلفها. رفع "سليم" أنظاره من الأوراق التي توجد بيديه ببرود، ثم وجهها لـ"نيروز" مردفًا بجمود:
"مش خير. عاوزة تفاتحيني في إيه؟"
نظرت "نيروز" له، ثم أردفت قائلة بهدوء:
"كنت عاوز أستأذن حضرتك في حاجة كده."
"طب أنا هقوم أعمل لكم عصير! عما تتكلموا براحتكم."
أستأذنت "عايدة" بهدوء تاركة إياهم جالسين مع بعضهم.
"ها قولي عاوزة تقولي إيه؟ ولا عاوزاني لوحدي؟"
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه "ياسمين" وهي تردف قائلة:
"لأ لوحدكم إزاي يا عمي؟ ده مفيش حد غريب هنا." وجهت أنظارها لشقيقتها، ثم أردفت مرة أخرى: "اتكلمي يا روز."
قاطعته وقالت حديثها هي لعلمها بغاية الآخر في الاستفراد على الأخرى واستغلال هدوئها وضعفها في الرد عليه. ثم نظرت لشقيقتها تبث بها بعض الأمان والثقة.
تنهدت "نيروز" بعمق، ثم أردفت بثبات جاهدت أن يظهر عليها لتتحلى بالشجاعة كما حفزتها شقيقتها:
"كنت بستأذن حضرتك يا عمي، أنزل أشتغل في فرع تبع شركة منزلين ليها إعلان وكده، على إدارة حسابات بما إني تجارة، والمكان يعني قريب..."
قاطعها "سليم" قائلاً بحده:
"آه شغل! يعني عاوزة تنزلي تشتغلي وإنتِ مش محتاجة الشغل أصلاً. الستات ليها بيت جوزها في الآخر، لحد ما يجيلها نصيبها. وإنتِ إيه؟ جالك نصيبك؟ جالك حسن وإنتِ عملتي إيه؟ اتفرعنتي ورفضتي إنتِ وأمك!"
تحدث "حازم" بهدوء محاولاً تهدئة الوضع:
"يا بابا ده موضوع وده موضوع! ممكن تفهم منها الأول لحد الآخر بس."
تنهدت "ياسمين" قائلة بثبات:
"دا مش موضوع ودا موضوع، أصل يا عمي، دا موضوع واحد بس والتاني اتقفل خالص. أو اتقفل إيه لأ دا مات وملوش رجعة، معلش يعني."
قالتها وهي تبتسم ببرود استزف الآخر، فتحدث "سليم" بجمود:
"وهو لو كان أبوكِ كان عايش كان وافق تنزلي تشتغلي؟"
كانت تتابع الحوار وهي تحبس الدموع في عينيها، والأخرى تجلس بجانبها وتشعر بما تعانيه.
أردفت "ياسمين" تجيب الآخر:
"آه يا عمي لو كان عايش فعلاً، كان شغلها ومكانش عرض شغلها. أصل معلش يعني مش عيب ولا حرام وحاجة هتبقى مبسوطة فيها فـ ليه يمنع! ده الله يرحمه يعني. الفاتحة على روحه يا عمي ونبي يلا."
قالتها بابتسامة صفراء ظهرت له فقط، ترحموا عليه جميعًا بهدوء. صمت هو ثوانٍ، ثم أردف قائلاً مرة أخرى:
"بس أنا مش سالم! واللي ترفض راجل من دمها يتجوزها، هتطلع برا تعمل إيه؟"
صُدمت هي من رده، كانت خزانات دموعها ممتلئة على آخرها تنتظر لحظة الانفجار، كما صُدموا جميعًا من حديث الآخر. ونظرت "جميلة" له بخيبة أمل كما توقعت تمامًا.
تنهد "حازم" بقله حيلة منه قائلاً وهو يحاول التحكم في حديثه الخارج منه:
"إيه ده يا بابا مينفعش اللي بتقوله ده!! كلنا عارفين "نيروز" عاملة إزاي وتربيتها إزاي!!"
هنا، تحدثت تلك الوحيدة التي لم تصدم منه وتوقعت ردة فعله تمامًا، تحدثت "ياسمين" تجيب عمها قائلة بثبات:
"عندك حق يا عمي فعلاً. حضرتك مش زي بابا الله يرحمه، لأن مفيش زيه أبداً. وعشان مفيش زيه، مفيش بردو من تربيته لينا دلوقتي خالص!"
طالعها "سليم" بضجر، ثم وجه أنظاره للأخرى.
فتحدثت "نيروز" قائلة بنبرة متحشرجة:
"أنا هطلع برا شغل محترم يا عمي ومش هعمل حاجة غلط."
"سيبوني أفكر وهبقى أبلغكم بالقرار النهائي."
ردت عليه "ياسمين" تجيبه:
"براحتك يا عمي طبعاً. إحنا بس بنعرف حضرتك ونكبرك، عشان مثلاً لو هي نزلت تشتغل من غير ما تعرف متتضايقش وكده."
نظر لها بغيظ مردفاً بسخرية:
"لا كتر خيركم فعلاً!"
ابتسمت هي بهدوء، ثم وزعت نظراتها عليهم جميعًا. فتحدثت "نيروز" قائلة بهدوء:
"هستنى رأيك يا عمي. هستأذن أنا عن إذنكم."
نهضت هي من مكانها متجهة إلى حيث باب المنزل. جاءها صوت "جميلة" قائلة:
"استني يا روز، إنتِ قعدتي لسه!"
"معلش عندي صداع مرة تانية. باي."
قالتها سريعًا، ثم انصرفت خارجة من باب شقة عمها.
تحدث "حازم" محاولاً تلطف الجو:
"نيروز شاطرة فعلاً وتستاهل الشغل يا بابا. وأهو أحسن ليها من القافلة اللي على نفسها."
طالع "والده" ثم تحدث بسخرية لاحظتها الأخرى:
"امــ ــم فعلاً شاطرة زي أختها!!"
تفهمت "ياسمين" ما يرميه الآخر من حديث، فطالعته بنظراتها والابتسامة الباردة لا تفارق وجهها.
"أنا قايمة أرد على صحبتي عم إذنكم."
أومأوا هم "لجميلة" بالموافقة بعدما قامت من أمامهم. فنهض "والدها" هو الآخر تاركًا المكان بأكمله.
تحدث "حازم" بمرح:
"عايدة من كتر اندماجها مع الحوار نست العصير باين."
قهقهت "ياسمين" على حديثه، فتحدثت قائلة من بين ضحكاتها:
"والله أنا واثقة أنا حاضرة الموضوع بس فعلاً مش هتعرف تتدخل بسبب عمي كالعادة!"
طالعها مجددًا وهو يردف مجددًا:
"إيه الأسلوب في الإقناع المحترم القليل الذوق المنطقي المتناقض ده؟ ده إنتِ تبقي محامية مكاني بقا!"
قالها وهو يغمز لها بمرح، فابتسمت له قائلة بثقة:
"عجبتك!"
"ده إنتِ عجبتيني من زمان أوي والله."
ابتسمت له هي وهي تهندم كتفيها بوهمية بغرور مازح، فاعتلت ضحكاته هو عليها ثوانٍ، ثم تنهد قائلاً:
"قومي نشوف اختراع عصير عايدة ده."
نهضت هي معه، ثم اتجهوا إلى المطبخ معًا.
"إيه يا عايدة بتخترعي الذرة؟"
أجابته "والدته" بحنق زائف:
"ولا ذرة ولا بتاع يا واد، بس يعني لقيت مش أحسن حاجة مردتش أتدخل دلوقتي."
وزعت "ياسمين" نظراتها بينها وبين صينية الأكواب من العصائر.
"طب ما توريلي كده يا حماتي العصير ده بيقول إيه."
اعتلت ضحكاتهم على حديث تزامنًا مع تناولهما الكوبين معًا، متجهين معًا حيث الشرفة.
كانت تقرأ بمصحفها منذ قليل بعدما أغلقته هي ثم استقامت تنهض وهي تضعه على مكتبها الخاص.
خلعت حجابها بهدوء مريح ثم وضعته بجانب فراشها وخرجت من غرفتها متجهة إلى حيث غرفة والدتها.
دقت "فرح" الباب دقات خافتة حتى أذنت لها والدتها بالدخول.
دخلت هي إلى الداخل بهدوء وهي تبتسم لها ثم جلست بجانبها.
فتحت لها والدتها ذراعيها فانسحبت هي داخل أحضانها بهدوء، حتى يسكن قلبها السكينة الثانية بعدما اقتربت من ربها وقرأت ما تيسر من القرآن.
فرت منها دمعة صغيرة على خديها.
كادت أن تمد يديها تمسح أثرها سريعاً.
وجدت والدتها تضع يديها على وجهها ثم قامت بالمسح عليه تخفي آثار دمعتها.
ثم ضمتها بحنان وهي تقرأ عليها آيات صغيرة من القرآن الكريم.
تنهدت الأخرى براحة وبعد عدة دقائق خرجت "فرح" بهدوء من أحضانها وهي تنظر لوالدتها.
فابتسمت لها والدتها قائلة:
"قلبي بيحس بيكي، قلبي ده مربوط بده! ولما تعيطي ده بيتوجع أوي عندي يا فرح!"
قالتها وهي تشير موضع قلبها، فابتسمت "فرح" بانكسار قائلة:
"أنا كويسة متقلقيش! أنا بس خايفة أوي. بحس إن أنا اللي بتوجع بس وإنتِ مش قادرة من جلسات الكيماوي!"
طالعتها "حنان" بحب فتحدثت بلهفة بعدما تحدثت هي بذلك:
"بعد الشر عليكي من الوجع يا حبيبتي."
"أنا خايفة ياماما متسبنيش عشان خاطري! أوعديني إنك مش هتسيبني."
نظرت لها والدتها بقله حيلة فاردفت قائلة بهدوء:
"مقدرش أوعدك بحاجة مش في إيدي يا بنتي، بس أنا لسه جنبك يا فرح، لسه جنبك ومعاكي."
ابتسمت هي لوالدتها فاردفت قائلة محاولة تغيير مجرى الحديث:
"طب بقولك إيه يا حنون أنا هقوم أعملك حاجة وأجبلك أكل. متناميش بقى عشان أجبلك الحاجة وأجهز الغدا لعز عشان لما يجي بالمرة، وأخش أذاكر. هتدعيلي."
ابتسمت لها الأخرى بحنان بالغ وهي تقول:
"من كل قلبي! بدعيلك من كل قلبي يا بنتي."
اتسمعت ابتسامة "فرح" ثم استقامت تعتدل ونهضت هي خارجة من الغرفة.
"لقد هلكت تماماً ولكنني لا أعرف طريقاً آخر سوى الصمت، فكل شيء على ما يرام، عدا قلبي المتألم بفراق الأحبه، عدا قلبي المتهالك بفقدانك، فقل لي كيف يمكنني العيش بسلام من دونك!"
- كيف حالك يا أبي؟
"إني مازلت أراك أمام عيني ولم تغب عن بالي. وإني أجاهد الحياة والناس حتى أبقى بهذا الثبات وأن حاجتي لك بلغت مني مبلغاً لا يعلمه إلا الله. رحمك الله يا من رحلت إلى داراً خيراً من دارنا وحفظ الله قبرك بالنور والرضى وجعلك آمناً مطمئناً في قبرك."
أغلقت الدفتر الخاص بها بعدما كتبت هذه الكلمات المنكسرة.
أغلقته بشرود.
كان قد مر الوقت عليها وهي تقف شارده حزينة في كم الذكريات مع والدها الراحل.
هي تفتقده بكل معاني الكلمة من فقدان!
لطالما كان الأقرب لها من روحها.
لو كان هو بجانبها الآن لن تتعرض لمثل هذا الموقف مع من يسمى عمها، وكلامه الجارح المبطن الممزق لداخلها.
بكت بشهقات متقطعة.
بكت بكل ما لديها من مخزن هائل منه، مستغلة عدم وجود أحد معها في المنزل ووقوفها بعيداً في الشرفة.
كل شهقة تخرج منها يخرج معها تذكر أشياء عفى عليها الزمان ولكن محفورة بداخلها لا تستطيع نسيانها.
ذكريات متداخلة مع بعضها.
فكان هو بجانبها بكلماته التحفيزية لها في حياتها ودراستها.
تذكرت عندما كانت تحصل على درجات عالية في الاختبارات.
تذكرت ارتسامة ابتسامته العريضة لها.
نظرة الفخر في عينيه دون أن تبذل مجهود لطلبها منه!
كانت تبذل كل ما لديها من مجهود لتحصل على "الهندسة" كان حلمها عندما كان هو بجانبها.
حلمها وحلمه الاثنان يحلمان ويشردان كيف ستكون هي في المستقبل.
يتشاركان الحلم معاً بكل عزيمة.
تذكرت عندما شاء القدر وجاءت اللحظة التي غيرت من شأنها.
لحظة وفاته وهي بالشهادة الثانوية!
والأخرى كانت بعامها الثاني بالجامعة!
تذكرت عندما أهملت دراستها بغير مقدرتها وسوء أحوالها النفسية.
تركت حلمها بعد عناء من تشتيتها له!
تذكرت عندما حصلت على كلية "التجارة" بالرغم من تقديرات عالية بتخرجها منها.
لكنها تعيش قصة مؤلمة بضياع اثنين منها.
الأول كان هو.
والثاني هو وحلمه وحلمها.
هو الضائع منها بكل لحظة تعيشها!
أصبحت متيقنة بأن الفرحة لم تكن فرحة مكتملة يوماً ما بدونه!
والحزن لديها كاملاً متكاملاً به ومن دونه!
تذكرت عندما كانت غير قادرة على الوعي للحياة بدونه.
تذكرت انتكاستها ومرضها النفسي في فترات مزدحمة!
لم تكن تسع لذلك.
تذكرت كل شيء سيئ مر عليها من بعده.
معاملة عمها لها وزوجة عمها ومعايرتها المريضة لها هي وابنتها!
تذكرت شماتة من هم أقرب إليها!
أصبحت تعي من وقتها أنها ليست سوى كسر لظهرها من دونه! وضياع السند من خلفها.
كانت تبكي بصمت.
صمت مزق داخلها إلى أشلاء!
تركت العنان لدموع عينيها بالسقوط في صمت وهي تنظر إلى السماء.
فاقت من شرودها عندما سمعت صوت همهمة من جانبها.
التفتت تنظر لذلك الواقف وما كان إلا هو.
نظر لها وهو يقطب جبينه قائلاً:
"أنا آسف على التدخل بس هو أنتِ بتعيطي؟"
وضعت يديها على وجهها بارتباك، حرجاً لثوانٍ ثم أردفت:
"لا مفيش حاجة، آسفة ع الإزعاج."
عقد مابين حاجبيه وهو صامت فأردفت "نيروز" قائلة من جديد بتردد:
"و..و آسفة على موضوع الجزامة مكنش قصدي، عن إذنك!"
عقد "بسام" ما بين حاجبيه لعدم فهمه ما ترمي عليه هي!
لف أنظاره ليسألها من جديد.
لكنها كانت قد اختفت من أمامه تاركة الشرفة التي بجانبه!
هز كتفيه بقله حيلة لعدم علمه!
خرجت من الشرفة فوجدت والدتها بالشقة تقف من على بعد.
حدثتها هي من بعيد حتى لا تلاحظ احمرار عينيها:
"إنتِ جيتي من الشغل امته يا ماما؟"
التفتت "والدتها" تجيبها:
"لسه جايه يا حبيبتي بس كنت بحط الخضار في المطبخ. مادام إنتِ كنتي هنا أومال أختك فين؟"
"عند جميلة."
أومأت لها "سمية" بالإيجاب.
فعقدت "نيروز" العزم لتردف لها قائلة:
"بقولك أنا عاوزة أنزل أتمشى شوية كده مع نفسي محتاجة أقعد لوحدي شوية، موافقة؟"
اقتربت منها والدتها فأخفضت هي رأسها على الفور.
فمدت الأخرى يديها أسفل ذقنها ترفع وجهها أمام أنظارها.
فقعدت ما بين حاجبيها قائلة:
"إنتِ معيطة؟ ليه؟ إنتِ كنتي عند عمك؟"
أجابتها الأخرى بتردد لعلمها أن والدتها سوف تتمسك بها في الحال!!
"لأ!! قصدي ااه مخنوقة شوية فقولت أفك وعاوزة أنزل."
نظرت لها هي بتشكك ثم تحدثت قائلة بثبات:
"موافقة تنزلي رغم إني خايفة عليكي، بس ما تتأخريش عشان لينا قاعدة نعرف مالك وإيه اللي حصل!"
هزت "نيروز" رأسها لوالدتها بتردد ثم انسحبت من أمام أنظارها بهدوء.
نظرت الأخرى بأثرها شارده في تقلب حال ابنتها!!
"قد تشعر بالوحدة بين كثير يجلسون حولنا، وقد نشعر بالأنس بوجود شخص واحد! وكأن الأمر ليس متعلقاً بكثرة من حولك! بل كان متعلقاً بقلب من معك."
كانا يجلسان معاً بالخارج في الحديقة.
وأمامهما صغيرهما يلعب أمام أنظارهما.
نظرت له هي شارده مبتسمة.
لاحظ الآخر نظراتها لصغيرها فأردف قائلاً من بين ابتسامته:
"حاسة نفسيتك بقت أحسن؟"
التفتت له تطالعه بعينان يملؤها الدفء:
"آه ارتاحت شوية بعد ما خرجنا وشوفت الزرع."
قهقه "بدر" على حديثها قائلاً بسخرية:
"أعرف ناس تقولك ارتاحت لما شوفت البحر!! مش الزرع؟"
نظرت له هي مبتسمة وهي تقول:
"ما انت عارف إني بدوب فالورد والزرع! حساها چينات بقا من بابا الله يرحمه بس طالعة چينات متقسمة علينا كلنا! أنا وياسمين ونيروز متعودين على حب الزرع والورد وأي حاجة مبهجة! وفريدة من نوعها كده."
ابتسم لها بحب قائلاً من بين ابتسامته:
"كل الحب للورده الفريدة من نوعها. كفايه ان اسمك وردة كمان."
اعتلت ضحكاتها قائلة بغرور زائف وهي تطالعه:
"علفكرة كلنا فريدين من نوعنا يا بشمهندس! أنا وردة مش ورد! وياسمين اسمها أصلاً ياسمينا!! بس بنخفف الاسم لياسمين فالعادي. إحنا ناس متطورة."
قالتها بهدوء وهي ترمش بأهدابها بمرح فاعتلت ضحكاته هو وهو يؤكد حديثها:
"وأحلى وردة فى الورود كلها. عشان كده عاهدت نفسي إني مقطفش من الوردة اللي معايا وأحافظ عليها وأخلي بالي منها دايماً، زي ما وعدت باباك."
ابتسمت "وردة" بتأثر من كلماته:
"وكنت ومازلت قد الوعد يا بدر. عارف!! بابا وحشني أووي، جاي على بالي أوى الأيام دي ممكن عشان ذكري وفاته قربت!!"
"اكيد دايماً على بالك طول. الاب ما بيغيبش عن البال لحظة خصوصاً لو كان أب مثالي زي بابا سالم."
مد يديه يمسك يديها بين كفه العريض ونظر لها بعمق عيناها الخضرواتان مثل شقيقتها الأخرى!!:
"أنا حاسس بيك وعارف بتمرى بايه خصوصاً لما بتقرب ذكرى وفاته كل مرة بتبقي نفسيتك كده بسبب أنه توفي وانت مسافرة وبعيدة من غير ما تشوفيـه ولا تودعيه! بس عاوزك تعرفي أنه حاسس بينا وفرحان كمان بيك وأخواتك والاكيد أنه فرحان بيامـن اللي يلعب هناك ده زي ما إحنا فرحانين!!"
سألته بتشكك قائلة:
"تفتكر!!!"
"أفتكر أوى كمان!"
قالها بأسلوب مقنع ليرسل لها بعض الأمان وهي بجانبه وجانب قلبه المتأذي بحزنها الدفين!!
مر وقت قليل وهي تتحدث بهاتفها مع صديقتها بغرفتها:
"خلاص يا منه تمام صوريني نسخة وكمان لفرح معاكِ وعدي علينا وانا هنزلك أقابلك قدام العمارة."
أغلقت هي الهاتف بعدما أخبرتها صديقتها بالموافقة بالفعل ثم وضعته بجانب فراشها وخرجت من الغرفة بأكملها!!
مر الوقت عليهما وهما يقفا معاً بالشرفة يتحدثون بأمور مختلفة حتى تحدثت "ياسمين" قائلة:
"أنا لازم أقوم أمشي بقا بجد لان فات ماما جت من الشغل من زمان ونيروز بتعيط و ..."
قاطعها "حازم" مردفاً بسخرية:
"وايه؟ نيروز بتعيط؟ دا روتين يعني ولا إيه ده."
"لا طبعاً. مش روتين ولا طبيعي بس أنا عارفة أنها أكيد مشت تعيط من كلام عمي مرضتش أروح وراها عشان هتحبس دموعها في عينها ومش هتفك قدامي الوقتي وكان لازم أسيبها مع نفسها شوية!"
قالت حديثها بثبات هادئ فتفهم الآخر مردفاً بهدوء:
"مش محتاج أقولك يا ياسمين متحطيش كلام عمي في دماغك. انتِ عارفة هو بيقول كده ليه. عارف انه كلام جارح وصعب. بس ده في الأول ولآخر أبويـا!! عارفة يعني إيه؟ يعني مهما أذاني ومهما أذي اختي نفسياً وجه عليَ أمي، مقدرش أقطاعه ولا أقدر أعمل حاجة فيه تغضب ربنا!! بعامله بما يرضي الله لحد ما نتقابل عند رب كريم يعرف منه أنه غلط في حقنا وآذانا واحنا واقفين ناخد الحقوق وهي بترجع لأصحابها. مش بحامي عن كلامه لكن أنا بردو بقف في وشه وأقنعه على قد ما أقدر وبقيت أعمل اللي عاوزه من غير ما أخاف منه ولا من رد فعله! بس أنا عارف إن الكلام كسر نيروز. حقك على راسي."
نظرت له بتأثر عميق لما يحمله هو بداخله فأردفت قائلة بتفهم:
"أنا مبحطش في دماغي يا حازم على قد ما نيروز هي اللي بتتأثر. وعلى قد بردو ما أنا عارفة وفاهمة اللي انت فيه كويس. عارفة انك جواك كتير وشايل. بس لو ينفع أعوضك هعوضك زي ما انت معوضني عن حاجات كتير لكن أنا عارفة ان في حاجات معينة مبتنفعش تتعوض لكن بحاول وهحاول..... دك داء فحلاوتك روح."
قالت آخر حديثها بمرح حتى تخفف من ألم الآخر وتغير مجري الحديث المؤلم لهما.
قهقه هو على حديثها عالياً وهو يقول:
"وربنا ما حد حلو إلا انت ودمك!"
ابتسمت له باتساع وخجل ثم أشارت له بأيديها بمعني أنها سترحل ثم خرجت من الشرفة تاركة إياه يشرد بأثرها.
"لسـه بدري يا ياسو ما تقعدي شوية!"
قالت "جميلة" حديثها موجهة أنظارها "لياسمين".
فأجابتها "ياسمين" بمرح:
"قريب أوي هقعد براحتي يا چيچى. أقولك! وهبات كمان!!"
أجابتها الأخرى من بين ضحكاتها:
"دا هيخليكي جمبه ده مفيهاش جواز السنادي باين."
نظرت لها "ياسمين" بإصفرار قائلة:
"ومالو أنا بحب المخلل قد عينيه بالظبط."
"قصه حب عبيطة تجزع من المحن بجد."
قالت حديثها لتستفز الأخرى.
فاعتلت ضحكات "ياسمين" قائلة:
"بكره نشوف الجمال لما يحب!"
قالت حديثها بإرسال غمزة عينيها بمشاكسة للأخرى. ثوانٍ وارسلت قبلة طائرة أخرى لها ثم سارت متجهة سريعاً إلى باب المنزل تفتحه وهي تخرج منه!
جاء من الخارج منذ قليل ودخل جالساً بشرفته ممسكاً بهاتفه يتفحصه بملل حتى دخل عليه شقيقه "بسام" وهو يتحدث له قائلاً بلهفة بسيطة:
"بقولك يا غسان هات مفتاح العربية. أصل كلموني في المستشفى وفي حالة هناك مستعجلة."
انتبه له الآخر ثم التفت يطالعه وهو يردف قائلاً وهو يخرج المفاتيح من جيبه:
"خُد. وبراحتك وانت سايق."
"إشطا عليك يا ابو الغساسين. اعتبره حصل."
قالها وهو يخرج سريعاً من الشرفة دون الاستماع لرد الآخر.
نظر "غسان" باستنكار بأثره قائلاً بسخرية:
"دكتور من أنهو زاوية ده!!!"
تنهد بقله حيلة مبتسماً على حديثه وكأنه يقول بتنهيدته الضاحكة
"نعمة لا تضاهى بثمن."
كانت قد هبطت هي تقف أمام المبنى لتنتظر صديقتها التي ستأتي لها بالأوراق!!
"لو سمحتي ممكن تبعدي شوية؟"
نظرت له "جميلة" باستغراب قائلة:
"طب ما تتفضل المكان واسع!!"
أجابها "بسام" بهدوء:
"المكان واسع فعلاً. بس دي عربيتي اللي انتِ ساندة عليها!!"
نظرت له بحرج من هذا الموقف الذي وضعت هي به.
"أنا.. أنا مكنتش أعرف."
قالتها بحرج وهي تنظر أرضاً من فرط خجلها.
نظر لها بهدوء ثم أردف قائلاً ببساطة:
"ولا يهمك. بعد اذنك مرة تانيه طيب عشان انتِ لسه ساندة! وكده المريض هيفطس قبل ما أوصل."
ابتعدت بحرج آخر مضاعف لثباتها في المكان وعدم التحرك منه عندما أخبرها هو!! ابتعدت في ركن ما بعيداً. فركب هو السيارة ثم اختفى عن الأنظار سريعاً!
نظرت هي لتلك التي تقترب منها ولم تكن سوى صديقتها "منه" وهي تحمل الأوراق بيديها. اقتربت هي منها فتحدثت "جميلة" قائلة بحنق:
"كل ده يا استاذه منه؟ جايه من الهجرة؟"
أجابتها "منه" بثبات:
"انتِ شحاتة وبتتأمري يا بت!"
وبعدين عما صورت ليا وليك و لجميله ولباقي الشله وكل واحده عندها ظرف ومش عارفه تنزل قولت انزل أنا بقا وقرمط يضحى.
ابتسمت لها "جميله" مردفه بشكر:
"شكرا يا منون بنتعبك معانا والله."
"ولا يهمك يا ست جميله. أنا رايحه الوقتي لفرح أديلها النسخه بتاعتها وأطمن عليها وعلى مامتها بالمرة. هتيجي معايا؟ ولا لسه مقولتيش لباباكِ."
أجابتها "جميله" بأسف:
"للأسف لسه. بس هقوله ويارب يوافق وهبقى أروحلها و آخد أي حد معايا."
"إشطا. همشي عشان يدوب ألحق."
تحدثت "جميله" بلباقه:
"طب ما تطلعي تقعدي معايا شوية. وماما عاوزة تشوفك كمان."
طالعتها "منه" بحرج:
"معلش مرة تانية عشان الدنيا زحمة في المشاوير المرادي."
"ماشـي بجد هستناك."
ابتسمت الأخري قائله لها:
"إن شاء الله يالا سـلام أنا بقا."
قالتها وهي تشير للاخري وهي تتحرك من أمامها. بادلتها "جميله" نفس الإشارة وهي تومأ لها ثم تحركت تدخل المبنى تصعد الطابق الذي تقطن هي به.
***
كانا يجلسان في مقابلة بعضهما يتبادلاتان النظرات المحتده. والأكثر بتلك النظرات كانت "زينات". لكن الأخري كانت تبادلها نظراتها ببرود قاتم.
"مش خير بقا يا بنت سميه؟ قاعدة قبالي بقالك كتير ومنطقتييش. إيه اللي جابك عليكي يا ختي تتطلي! ده وشك انتِ واختك وامك ولا القمر!"
نظرت لها "ياسمين" ببرود ثم تنهدت قائله بثبات:
"والله هو من ناحية خير فهو بالنسبالي مش فارق. لكن عندك انتِ بقا الله أعلم بتهيألي مش خير لا!"
"ما تجيبي اللي عندك."
أجابتها "ياسمين" حينما قالت لها الأخرى ذلك:
"هجيب اللي عندي طبعاً! مستعجله على ايه بس. فريده طبعاً مش هنا من ساعة ما نزلت ومش هتحضر القاعدة اللذيذة دي!"
نظرت لها "زينات" بغيظ من مماطلتها في الحديث قائله:
"لا مش هنا وبقولك ايه خلصيني أنا مش فاضيالك."
"لا ده انتِ معلش يعني تفضلي وتركزيلى ده كلام مهم جداً!"
نظرت لها الأخرى بفضول. فابتسمت "ياسمين" باصفرار قائله:
"بنتك دلوقتي للأسف مبتروحش الكلية."
نظرت لها ببلاهة ممزوجة بالصدمة حاولت الثبات قائله:
"هو ايه ده يا بت انتِ؟ جايه تتبلي على بنتي في بيتي! وبعدين مبتروحش ازاي؟ هتزوغ مثلاً؟"
ابتسمت الأخري ببرود قائله بكيد:
"صح انتِ صح! يا بنت الايه يا مرات عمي عرفتي ازاي! لأ وكمان زودى بتخرج مع شباب وواضح انهم بينهم كميا جامدة اوي زي بنتك كده! أصلي بفهم لغة العيون والـ eye contact والحاجات دي! اكيد عارفه بقا بنات اليومين دول!"
وقعت الكلمات عليها كمن وقع عليه دلو من ماء بارد. لطالما هي بشخصيتها القوية ذات التأثير على زوجها. لكن حتماً زوجها لن يتهاون بشيء كهذا!
حاولت الثبات وجاهدت أن يخرج منها كما تريد:
"انتِ بتقولي ايه يا بت انتِ؟ أنا بنتي متربية أحسن تربية. وتربية متخليهاش تعمل كده! أنا عارفه بنتي كويس!"
أجابتها "ياسمين" بثبات وابتسامة عبثية متلاعبه على شفتيها تهز من ثقة الأخرى حتماً:
"لأ إزاي طبعاً! دي تعمل كده لو تربية حضرتك يعني. أوعي تزعلي ولا تشيلي فقلبك الأبيض اللي زي اللبن ده مني! معلش أنا صريحه! وانتِ أكيد عارفاني بقا!"
قالتها ببرود ساخر مستفز استفز الأخرى وجعلها تردف قائله بغضب:
"إحترمي نفسك يا بنت سميه. واعرفي انتِ بتقولي ايه ولا بتتكلمي مع مين!"
"مـ.ـمم هكون بتكلم مع مين تفتكري! اللي ربت واحدة ضايعة ماشية في غلط آخره وحش! ولا اللي ربت لمؤاخذة شـ ـمام كان عاوز قال إيه يتجوز أختي وهو ميقدرش يصرف عليها وعليه 3 جنيه على بعض! أصله بياخد المصروف لسـه من بابـاه ومامـاه!"
قالت حديثها بسخرية لاذعة مما جعلها تثير غضب الأخرى وهي تقول:
"اتكلمي كويس عن عيالي. أنا عيالي أحسن تربية فيكم انتِ فاهمة!"
"طبعاً! فاهمه معاكِ حق فالجزء الأول هم فعلاً عيال. ما هو مفيش حد ناضج بيعمل اللي بيعملوه ده! بس الجزء التانـي انتِ غلطانه فيه ليـه؟ لانك عارفه مين اللي مربي عياله كويس ومين العكس! باينه اوي!"
صمتت لثوانٍ. ثم جذبت هاتفها من جيب سترتها تفتحه أمام أعين الأخرى وهي تكمل حديثها بهدوء تلف أعصاب التي تجلس أمامها تبادلها نظرات حادة:
"أنا بقا أتصل على عمـي. ويشوف الحوار ده أصلك باين كده والله أعلم مش مقتنعة. قالأسهل نقنع عمي. واهو قريب في الشقة هنا جنبنا. وإن مردش نروحله عادي."
تفاجأت هي بزوجه عمها تنهض بسرعة ثم انتشلت الهاتف سريعاً من بين يديها قائله:
"انتِ بتعملي ايه عاوزه تقتلي بنتي على ايد عمك!! انتِ مجنونة!"
ردت عليها "ياسمين" ببراءة زائفة:
"أنا! حد الله بيني وبين القتل. وبين أي حرام مش زي ناس يعني أستغفر الله. عديني أتوضى وأصلي لسوء التفاهم ده. عديني."
قالت حديثها وهي تنهض فأوقفتها الأخرى قائله:
"استني هنا! انتِ عامله النمرة دي لايه؟ قولي وخلصيني."
"نمرة حقيقية تفرق! أما بقا عاوزه ايه؟ فانـا هقولك." تنهدت ثم أردفت مرة أخرى عندما وجدت الأخرى تنصت لها باهتمام:
"أنا عارفه ان عمي بيقتنع برأيك أوي ماشاء الله الطيور على أشكالها تقع بيقولوا. المهم! هتقنعيه بأي طريقة من طرقك الجميلة دي إن نيروز أختي تنزل تشتغل وانه مش خسران حاجة لو نزلت."
نظرت لها "زينات" ثم اردفت بتردد:
"ايوه بس انا هعرف منين انها كانت نازله تشتغل!"
"لا ما هو هيجي يقولك لوحده. ومش هقولك يعني هتقنعيه إزاي بدماغك الجميلة دي!"
قالت حديثها وهي تتجه تأخذ هاتفها من بين يدي الأخري متجهة حيث باب الشقة مردفة مرة أخرى:
"هستني رسالة منك انه وافق وفاتحتيه بالفعل في الموضوع وانه اقنتع برايك! قبل ما ينادي عليها هو طبعاً يقولها انه وافق! يومك ظريف زي أولادك المحترمين المتربين دول. يالا سـلام."
قالت حديثها ثم أغلقت الباب خلفها بعدما قالته وهي تقف على حافة الباب! تاركة الأخرى تستشيط غضباً!
***
كان قد مر الوقت بعدما نزلت هي من منزلها واتجهت إلي الوجهة التي عقدت العزم أن تذهب هي إليها. جلست تفرك يديها أمام الجالس أمامها بتوتر. طالعها هو بتمعن ثم تنهد قائلاً وهو يوجه أنظاره إليها قائلاً بهدوء:
"متوقعتش تجيلي تاني يا 'نيروز'. بس اللي متأكد منه إنك أكيد مقولتيش لمخلوق انك جايه هنا! و متأكد من كده زي ما انا متأكد انك قاعدة قدام عيني دلوقتي."
طالع هو حالتها وفركها الهادئ ليديها وانخفاض رأسها لأسفل.
دق قلبها سريعاً. ورفعت انظارها له بصدمة داخلية ومفاجأة بعلمه بما تفكر فيه هي!!
أيقنت هي من المفأجأة أنها أصبحت مكشوفة أمامه بعلمه لتفاصيلها الصغيرة!! حتى وإن غابت عنه لفترة!!
رواية عودة الوصال الفصل السابع 7 - بقلم سارة ناصر
"أما عن يوسف، "فأسرها في نفسه".
وأما يعقوب، "وتولي عنهم".
فأما مريم، "فلن أكلم اليوم إنسياً".
"وأما عنك أنت، فلا تبح لأحد عن ما في قلبك إلا لواحد، إلا لخالقك، وطبيبك من بعده، لعلك تشفى من ندباتك التي بداخلك."
كان قد مر الوقت بعدما نزلت هي من منزلها واتجهت إلى الوجهة التي عقدت العزم أن تذهب إليها. جلست تفرك يديها أمام الجالس أمامها بتوتر. طالعها هو بتمعن ثم تنهد قائلاً، وهو يوجه أنظاره إليها بهدوء:
"متوقعتش تجيلي تاني يا نيروز، بس اللي متأكد منه إنك أكيد مقولتيش لمخلوق إنك جايه هنا! ومتأكد من كده زي ما أنا متأكد إنك قاعدة قدام عيني دلوقتي."
طالع هو حالتها وفركها الهادئ ليديها وانخفاض رأسها لأسفل.
دق قلبها سريعاً. ورفعت أنظارها له بصدمة داخلية ومفاجأة بعلمه بما تفكر فيه هي! أيقنت هي من المفاجأة أنها أصبحت مكشوفة أمامه بعلمه لتفاصيلها الصغيرة، حتى وإن غابت عنه لفترة.
رفعت رأسها تطالعه، فنظر لها هو يطالبها بالحديث وإخراج ما بداخلها من شحنات سلبية تؤثر بها. حدقت به لثوانٍ ثم وجهت أنظارها على المكتب البعيد عنها قليلاً، وخاصة علقت أنظارها على تلك اللوحة الخشبية الصغيرة الملونة المستعلمة عن هوية الآخر، والذي كان مكتوباً عليها: "د/ عاصم أمين". أوقفت نظراتها وراجعت نفسها لبرهة: أحقاً هي إلى الآن لازالت مريضة ولن تتعافى؟
"لأ، مش اللي بتفكري فيه، انتِ مجرد إنسانة بتبدأي صح، مش لسه زي ما انتِ فاكرة."
طالعته بريبة وصدمة في آن واحد ثم أردفت قائلة محاولة الثبات:
"أنا جايه عشان تعبت، تعبت من إني مبعرفش أواجهه لحد دلوقتي. قالي كتير وزعلني وكسر فيا حاجات كتير، وأنا ليا طاقة وعند حد معين بنفجر. جايه مستغربة إني لحد دلوقتي ليه طاقتي مبتخلصش عنده! ليه مستحملة وساكتة؟ ليه ببان ضعيفة قدامه؟"
نظر لها "عاصم" بتعابير وجه خالية، فتنهد يأخذ أنفاسه قائلاً بهدوء:
"يمكن لأنك قولتي قبل كده في وسط الكلام إنه شبه باباكي."
أجابته "نيروز" بارتباك قائلة:
"أيوه بس عمي حاجة وبابا حاجة!"
"بس أنا مقولتش إنهم الاتنين نفس الشخص، أو ما أقنعتش نفسي بكده لمجرد الشبه زي ما عملتي. انتِ عارفة إنك بتثبتي لنفسك أن روحه موجودة معاكي، ومبتفكرش في عمك لمجرد الشبه بينه وبين باباكِ. عارفة إنك بتعملي كده لمجرد لو واجهتيه باباكِ يزعل. ده اللي بتقوليه لنفسك بصمت مع إنك مش مقتنعة بس عايزة تقتنعي إنه كويس وبيعاملك كويس عشان ميبقاش فرق بينه وبين باباكي وتحسي إنه لسه معاك فعلاً!"
طالعته بصمت وقلة حيلة من علمه لما يدور بداخلها، فتنهدت قائلة أخيراً:
"بس أنا مش مجنونة!"
"وأيه الجنون اللي في كده! انتِ مقتنعة من جواكِ إنك مجنونة؟"
فركت يديها تجيبه بتوتر:
"ساعات، لما بلاقي شخص بيهين فيا ويكسرني وساكتة! بالذات لو اللي قدامي مش بيعمل كده زي ياسمين. ياسمين علمتني إن دي حاجة غريبة لو أنا سكت عن حقي، فبعتبرها جنون مني!"
أجابها "عاصم" بتفهم لحالتها:
"بس ياسمين مش انتِ وانتِ مش ياسمين. خلينا نقول لما حد قالك حاجة زعلتك حسيتي بإيه؟ أو مثلاً كان امتى آخر مرة؟"
فركت يديها بتوتر قائلة وهي تنظر أرضاً:
"النهاردة قبل ما أجي بشوية."
طالعها هو بتمعن وهي تقص عليه ما حدث لها منذ قليل، ممسكاً دفتراً بيده صغير شكله مريحاً للأعصاب. دفتر كان خاصاً بها على شكل ورود كثيرة كما تحب هي، أحضره لها في جلساتها حتى تنتبه وتتفاعل معه عندما أخبرته أنها تعشق الورود في أول جلساتها من سنوات. فهي تعد حالة قديمة بالنسبة له وتأتي له على فترات، ومازال إلى الآن محتفظاً به، محتفظاً بدفترها الذي يدون به ما تقوله من ملاحظات.
مرت الساعة بعدما أتى هو من الخارج من عمله. كان يقف بالمطبخ يدندن بعض الألحان بطريقة مرحة، يجهز عدة شطائر وأكواب من العصائر المختلفة بطعمها. أخذ "بسام" يتجهز الطعام وهو يعده بانتظام وتلذذ. مرتدياً تلك "المريلة" الوردية الخاصة بالمطبخ على قميصه الأبيض المفتوح من أوله ثلاثة أزرار بإهمال من وقفته.
في الغرفة الجانبية كان يقف "غسان" ممسكاً بصندوق متوسط الحجم بيده، كان قد دخل به المنزل عندما هبط وعاد من جديد. خرج من غرفته متوجهاً حيث الغرفة الأخرى الخاصة "بشقيقته". دق الباب عدة دقات خافتة، فأذنت له هي بالدخول وهي تجلس بمكتبها تذاكر دروسها.
اتجه ناحيتها ثم جلس على المقعد أمامها، قائلاً لها بهدوء وهو يشير على المقعد الآخر الذي يوجد بجانبه:
"تعالى."
اتجـهت له بحماس من ذلك الصندوق الذي يوجد بيديه.
"افتحيه يلا."
أخذته منه عندما مد يده وأشار لها بأن تأخذه وتفتحه أمام نظراته.
فتحته بحماس لتجد به أشياء عديدة محببة لها. أولهم كانت عدة أقلام كثيرة مختلفة الألوان وأقلام تحديد ملونة، وأكثرها اللون الأصفر منه الذي تفضله هي. والثاني كان كوباً متوسط الحجم مرسوماً على واجهته أقلام خشبية وألوان ولوحات رمزية صغيرة، أشياء تشير إلى حلمها، وكان مكتوباً عليه باللون الأسود والأبيض معاً: "You can do It".
والآخر دفتريـن من اللون الأزرق والأسود، بالإضافة إلى علبة ألوان خاصة برسمها الذي تعشقه. وكان آخر شيء موجوداً عبارة عن بوكس صغير الحجم بلاستيكي به عدة أوراق ملونة يوجد بها العديد من الرسائل اليومية التحفيزية لها. عرفته هي على الفور من مجرد شكله المألوف بالنسبة لها.
كان يطالعها بحنان واهتمام. رفعت أنظارها هي له بتأثر قائلة بنبرة متحشرجة:
"كل ده عشاني؟"
"وقليل عليكِ. أي حاجة تشتري بمال قارون كله! عجبوكِ؟"
أجابته بتأثر حيناً سألها:
"أوي، عجبوني أوي، وأنا بحبك أوي هات حضن."
"لأ، مراتي بتغير عليا."
قالها بمشاكسة، فضحكت هي بخفة قائلة باستنكار:
"دي يا ويلها اللي هتبقى مراتك يا غسان، خطافة الرجالة الحلوين دي، يا ويلها بقولك أهو من دلوقتي."
قهقه هو على حديثها قائلاً:
"بس يا بق. بصي بقا الحاجات دي بدل اللي تاهت وضاعت منك في العفش والبهدلة الأيام اللي فاتت. وكمان عشان تبدأي بنفس مفتوحة على نظافة كده!"
ابتسمت له بحب قائلة:
"طول عمري ببدأ صح في كل مرة بيكم!"
ابتسم هو لها بهدوء، فتفاجأوا هم بصوته مقترباً منهم وهو يدخل الغرفة على فجأة غير منتبهاً لهم.
"شيماءءءء، شيمااااءءء. جا جا جا، أشوشووو!"
أخذ يـدندن هذه الكلمات وهو يتقرقص، حاملاً الصينية بيده والسماعات في أذنيه.
كانا الاثنين يتابعانه باستمتاع جلي على وجوههم. كانا يشاهدان بمرح يكتمون ضحكاتهم حتى لا يقطعون ذلك المشهد المضحك أمامهم.
انتبه هو لصوت الضحكات الخافتة، ثم خلع سماعات الأذن بسرعة، واضعاً الطعام على الكرسي بجانبه. ووضع يديه بصدمة مصطنعة على صدره يخفيه ويخفي المريلة الخاصة بالمطبخ، قائلاً وهو يتصنع المفاجأة:
"غساااان! متفهمنيش غلط. أنا.."
أنا بيسـو اه بس راجل أوي.
قهقه الاثنين على حديثـه، فشاركهم هو الآخر الضحكات. حتى تحدث "غسان" من بين ضحكاته:
"كمـل فصلتننا معاك ليـه!"
ابتسم له بخفه، فاردفت "وسام" قائله:
"جرا ايه يا عم بيسو! وايه الاكل ده كمان!"
"أنا قولت بقا البت ثانويه عامه وغلبانه وشحاته ومكسوره وحزينة، ومكتئبه ومسكينه، وكمان جايه من برا من شويه من الدرس ولسه عليكى درس وحاجه اخر بهدله، فقولت اروق عليك واعطـف، وكلو بثوابه!"
قالها بمرح، فتحدثت الأخرى بحنق:
"طب وريلنا السندوتشات الجميله دي كده بتنادي علينا ليه."
تحدث "غسان" مردفًا، وهو يغمز له بطرف عينيه:
"عال وعـ المظبوط يا حنين!"
"أحنا نيجـى فيك ايه يا بو الغساسين يا مغسن يا معلم انت!"
قالها بمشاكسه وهو يغمز للاخر بمرح.
"لا أقنعتنى، وبقولك ايه انا عندي صداع أخد ايه ليـه!!"
قالها "غسان" بتساؤل للاخر، فرد عليه شقيقه قائلاً ببساطه:
"لا معرفش الصراحه!"
عقد "غسان" ما بين حاجبيه قائلاً بحنق:
"هو ايه ده اللى معرفش انت مش دكتور يا بارد انت!"
وضع "بسام" يده علي راسه ثم تحدث قائلا بجديه زائفه:
"أوبس! نسيت، دايما بسقط الحوار ده أنا، معلش عليا دي، قوم تعال معايا اديك برشامه تروق دماغك وتوديك فمكان غير المكان وحاجه ايه صنف جامد!"
عقد "غسان" ما بين حاجبيه متسائلاً باستنكار من بين ضحكات الاخري:
"انت ليه زانق نفسك فجو السرسجه والاجرام! انت دكتور ياض بجد؟"
"اه وربنا دكتور، تعالى أوريك البطاقه وصورتي منوره وحدقه فيها كده، تعالى أصورك صوره زيها."
اعتلت ضحكات " وسام" قائله:
"والله ما حد عارف انت دكتور ولا بلطجي ولا بتاع برشام ولا فوتغرافر، بس الاكيد! انك كل دول مع عدا دكتور!"
إعتلت ضحكاتهم جميعا دون استثناء على حديثها! وعلي حديث الاخر المشاكس لهم.
"ليـه قومتـى ومشيتى بعد الـلى حصل! رغم انه معاكـى كده علطول زي ما بتقولى؟"
وزعت "نيروز" أنظارها بينه وبين ركن ما بعيد بشرود وهي تقول بخيبه:
"عشـان أثبت ليه فعلا انى قادره، وبعرف أتصرف وانزل شغل عادى ومحدش يقدر يتكلم معايا كده!"
ابتسم "عاصم" ابتسامه صغيره قائلا بهدوء:
"يعنى ده رد فعل؟ ودايما هيبقى رد الفعل بتاعك بره زي جوه!"
صمتت لبـرهه تفكـر ما ردة فعلها تلك! ولماذا تتحدث وكأنها عاقبته عقاب شديد!
نظرت له قائله بخيبه أمل:
"مش عارفـه، بس أنا أنا معرفتش أعمل أقصى حاجه لرد فعلى معاه غير كده، تفتكر أنا بره هبقي كده مع العالم والناس!"
رد عليها قائلا بتفهم هادئ:
"من دراستى لشخصيتك انها دايما بتعكس رد الفعل خصوصا مع اللى بعرفوك وتعرفيهم. يعنى ممكن تتكلمى مع شخص من برا مش عارفك كويس زي اللى قريبين منك! تتكلمي عادى من غير ما تعملي كنترول لحد يكشفك أو يكذبك أو يقولك كلام صعب فى وسط كلامك او من غير ما تحسي قدامهم انك ضعيفه! أو مثلا شخص مش واخده منه مواقف مزعلاكى فهطلعى كل اللى فقلبك!"
قال حديثه بهدوء وهى تستمع إلى كل حرف يتفوه به بإهتمام. تنهدت تأخذ أنفاسها ببطئ قائله:
"أيوه بس ماما واخواتى دول قريبين منى ازاي مش هتعامل معاهم زي بره؟"
تنهد بعمق قائلا بتفهم:
"انت شخصيه بتشيل مواقف من غير ما تعرف انها مستخبيه جوه! خليـنا نقول ايـه بيخليكـى متتكلميش مع مامتك فى حاجه انتى عاوزه تشاركى حد فيها، أو مثلا مش دايما أو دايما أوي بتتكلمي مع أختك ياسمين على حاجه مزعلاكـى أو شخص! الفكـره انك معاهم على طبيعتك عادى لكن باستثناء حاجات مبتحبيش تشوفيها فيهم أو مواقف واسلوب بيزعلك مثلا حصل معاكى."
توترت ملامحها ثم هربت بنظراتها المثبته على وجهه و نظرت أرضا قائله بخفوت:
"هو فعلا فيه مواقف بس مش عارفه هل المواقف دى مخليانى مش على طبيعتي معاهم بقالي كتير ولا ايه!"
تحدث "عاصم" قائلا بثبات هادئ:
"طيب حابـه تحكى مواقف واساليب زي ايه؟"
هزت راسها بالايجاب وهي تنظر في مكان مثبت قائله بشرود ممزوج بالتذكر:
"أنا أنا بحبهم بس مش ببقي معاهم زى ما حابه أوي. يعنى مثلا ماما بحسها بتعاملنى دايما كأنى تعبانه أو مريضـه، خوفها عليـا مش مقنع ولا طبيعى مقارنة بياسمين وورده! بس الاكيد انها مش بتفرق بيـنا. بحس إنى صغيره أوى عشان طريقتها معايا بتحسسنى كأنى طفله وممكن أروح منها ومتلاقنيش! وهو نفس موضوع ياسمـين، مش بتكلم أوي معاها لانها دايما عاوزانى أبقى قويه من يوم وليله، بتحسسني إن. انا ضعيفه ممكن دايما تتكلم وترد عنى. أوقات بفكر انها كده بتمحى شخصيتي! لكن برجع وبقول أنها أختي وبتخاف عليا خاصة هي، هى بالنسبالى حاجه ثمينه غاليه اوى بابا سابها تسندنى، بس فكرة انها أختى وسندانى غير ما يكون بابا جمبي وساندني!"
وجه "عاصم" نظراته لهـا ثم همهم قائلا بنبره هادئه:
"باختصار اللى اتقال مش صح ومش غلط! واللى عاوز أوصله ليك إنك فعلا قادره تواجههى وقادره تردى، بس كارهه كده لانك من جوه بتخافى شخص يحس ويتكسر زي ما انت حسيتى، أو يستغربى اللى بيعملو كده بيعملو كده إزاي! بـصى انت باللى مريتي بيه بيخلى شخصيتك حاجه من اتنين يا قويه و مستقويه علي غيرك ومش سامحه لا حلو ولا وحش يحصل من شخص تجاهك ودى مش بتعرف تتغير بسهوله وبيحصلها عواقب، يا شخصيه استسلمت وبقت هاديه وبعيده عن اى مشاكل ولا كلام، لكن بردو شخصيه اتغيرت عن شخصيتها الحقيقيه، وليها يوم ترجع لنفسها، وانت بتفكيرك ومراجعتك لرد فعلك ورد فعل اللى حواليكى ده قرب أوى من تعافيكى ورجعولك لأصلك ونفسك لنيروز القديمه! وزودي كمان تفكيرك فى شغلك والاختلاط بالناس بعد فتره وبعد!"
استعمت "نيروز" لتلك الكلمات بانصات متفهمه حالتها الذي يعلم عنها هو أكثر منها. أخذت انفاسها بهدوء وهي تهز راسها بتفهم!
تحدث هو من جديد قائلا بلباقه:
"حاسس انك اكتفيتى ومبقتيش قادره تتكلمي أكتر!"
تحدث مره أخري عندما وجدها صامته للدلاله علي صدق حديثه:
"تمام. هتسناك تانى قريب، بشجعك على تقدمك في خطوات كتير خدتيها وفكرتى فيها، وكلعاده أنا اللى بشكرك انك خرجتي كل اللى فقلبك النهارده! مش غريبه عليك بقا أنا دكتور بشكر الناس بتاعتى وبحترمهم. الناس ها مش المرضى، عشان لو هتسألينى زي ما كنتي بتسألينى، انتـو مش مرضي، أو احنا باختصار مش مرضي نفسين، إحنا ضحاياهم! ضحايا لناس تانيه عندها خلل نفسى ممزوج بالمرض!"
ابتسمت له بامتنان قائله باحترام:
"شكـرا يا دكتور عاصم."
ابتسم لها بهدوء وهو ينظر بأثرها بعدما نهضت تخرج من الغرفـه بأكملها بعد تفرغـة كل هذه الندبات التى بداخلها!
بعد مرور وقت ليس كثيرا، كانت قد ٱتت من شقه زوجة عمها ثم جلست مع والدتها بصالة المنزل تنتظر شقيقتها.
"بردو ياماما تليفونها مقفول! انا قلقت!"
نظرت لها والدتها بريبه قائله:
"يا بنتي متوترنيش، هي ملحقتش تقعد برا كتير!"
وبعدين أنا نفسي أفهم إيه اللي حصل.
نظرت لها "ياسمين" قائلة بقلق:
"تعالي ونتكلم يا ماما، معلش. أنا داخلة جوه عمـ.."
قطعت حديثها عندما وجدت باب منزلهم يُفتح بواسطة "نيروز" وهي تدخل بهدوء.
انتبهت لها والدتها ثم تنفست بعمق قائلة:
"الحمد لله على السلامة يا حبيبتي."
نظرت "ياسمين" للأخرى ثم توجهت تقف قبالها بهدوء وتحدثت بجمود قائلة:
"كنتي فين؟ وليه قافلة تليفونك؟"
نظرت لها "نيروز" ثم صمتت لثوانٍ لتتنهد وتأخذ أنفاسها قائلة:
"قاعدة برا مع نفسي شوية."
"وده مبرر يخليكي تقفلي تليفونك وتقلقي عليكي أنا وماما؟"
ردت "نيروز" بنفاذ صبر عندما حدثتها الأخرى بذلك:
"هو أنا صغيرة يا ياسمين؟ وبعدين متقلقيش، أنا كويسة يا ستي."
عقدت "ياسمين" ما بين حاجبيها قائلة بنبرة منفعلة:
"هو في إيه؟ واخدة الموضوع ببساطة كده ليه؟"
هنا تحدثت "سمية" قائلة بهدوء:
"خلاص اقفلوا الموضوع، كفاية."
نظرت "ياسمين" لوالدتها ثم تحدثت قائلة بثبات حاد:
"لأ مش خلاص يا ماما، يعني إيه تقفل تليفونها وهي برا لوحدها؟"
"مش شايفة إنك كبرتي الموضوع يا ياسمين وعاوزة تتحكمي فيا؟"
تحدثت "نيروز" بتلك الكلمات بحدة موجهة حديثها للأخرى التي تطالعها بتعابير وجه متشنجة.
اقتربت منها شقيقتها وهي تنظر لها، بدلت نظراتها لحنان وهي تربت على كتفيها:
"نيروز، أنا خفت عليكي، مش بتحكم فيكي، افهميني."
نهضت "سمية" متوجهة إليهم تقف بجانبهم وهي تقول بهدوء:
"يا حبايبي، الكلام أخد وعطا، لكن اللي عملتوه ده شد وشخط بالهدوء، مينفعش الأسلوب ده."
وجهت "نيروز" نظراتها لـ "ياسمين" ثم تحدثت قائلة بأسف:
"معلش يا ياسمين، متزعليش مني، أنا بس مضغوطة شوية."
"أنا بحبك وبخاف عليكي، بس مقدرش أزعل منك مهما كان. تليفونك ده لو متفتحش تاني مرة وأنتي برا هكسر دماغك يا حبيبتي، ماشي؟ وخصوصًا إنك داخلة على شغل."
أجابتها "نيروز" بنبرة ضاحكة عندما قالت لها تلك الكلمات المرحة:
"اقعدي في جنب، مش لما عمك يوافق."
ابتسمت قائلة بثقة:
"هوافق إن شاء الله."
اقتربت منهم والدتهم أكثر ثم ضمتهم إليها بحنان:
"شفتوا لما بتبقوا هادين بتبقوا حلوين إزاي؟ تعالوا نقعد في البلكونة شوية."
ابتسمت الاثنتان معًا، ثم تحدثت "نيروز" قائلة وهي تخرج بهدوء من أحضان والدتها:
"هغير هدومي وهاجي وراكم."
أومأوا لها بالموافقة مع هزات رؤوسهم الهادئة وهما ينظران لها وهي تنسحب من أمام أنظارهم متوجهة حيث غرفتها.
________________________________________________
كانت قد هبطت شقيقتهم من المنزل ذاهبة إلى السنتر من فترة قليلة بعدما كانوا معها اليوم. كان يجلس الاثنان بجانب بعضهما في غرفة "غسان" يتحدثون مع بعضهم بأمور عدة.
تحدث "بسام" قائلاً للآخر:
"حاسس إنك أحسن؟"
وجه "غسان" نظراته له ثم تنهد متحدثًا بهدوء:
"آه، شوية. البرشامة سكنت الصداع. أوعى يا ضنا تكون مخدرات، مش مطمنالك إني أروح المجرم اللي كان نفسك فيه ده."
قهقه "بسام" على حديث شقيقه مردفًا بمرح من بين ضحكاته الرنانة:
"لأ مش مخدرات. هو الصداع ده من امتى ومكانه فين؟"
أشار له الآخر من مقدمة رأسه وما فوقه، فتوجه "بسام" يمسك رأس شقيقه يدلكها، ثم أبعد خصلاته السوداء الكثيفة. عقد ما بين حاجبيه عندما وجد ما بين تلك الخصلات في مقدمة رأسه متورمة قليلاً.
"دي خبطة وورمة؟ مخبوط في إيه؟"
عقد "غسان" ما بين حاجبيه متحدثًا بغير اهتمام:
"عادي، مش مهم. مش فاكر الصراحة."
تحدث "بسام" وهو يتجه ليخرج "دهان الرأس" من الدرج الموجود بغرفة شقيقه، كان قد وضعه هو بكل غرفة للاحتياط من قبل.
"المرهم ده حطه عليه. بقا في حد يتخبط وميفتكرش اتخبط في إيه؟"
نظر "غسان" له بصمت ثوانٍ وهو يأخذ منه الذي بيديه، ثم تحدث قائلاً بتذكر:
"افتكرت خلاص!"
"إيه؟"
نظر له "غسان" ثم تحدث قائلاً ببرود:
"لأ، هسيبك شوية مع فضولك."
تحدث الآخر بترجٍّ مرح:
"لأ، كلو إلا ده! لو سمحت متلعبش بولاد الناس، اتكلم وقول بسرعة، مش عارف آخد نفسي يا غسان."
اعتلت ضحكات "غسان" وهو يقول:
"امسك، حط المرهم ده وانت ساكت."
اتجه ليأخذه من بين يديه ليضع منه على رأس الآخر.
فتحدث "غسان" مجددًا بعد دقيقتين من انتهاء الآخر من وضع الدهان:
"البس الجاكيت عشان ننزل نتمشى شوية عقبال ما وسام تخلص الدرس وبعد كده نروح نجيبها."
تحدث "بسام" وهو ينظر له قائلاً بمرح:
"أيوه كده، دلعنا aí! فوريرة، هروح ألبس وننزل بدل الزهق ده."
أومأ له الآخر بابتسامة صغيرة على شفتيه وهو ينظر له بقله حيلة، والآخر ينسحب من الغرفة بلهفة.
________________________________________________
جلس ثلاثتهم بالشرفة كما قرروا منذ قليل. كانت أريكة كبيرة نوعًا ما، كانت تجلس والدتهم بالمنتصف بينهم وهي تستمع إلى حديث "ياسمين":
"وبس يا سمية، ده اللي حصل ومستنين عمي يناديها يديها الأوكي ونخلص، مع إن نعرفه إنها تنزل وخلاص، مش لازم يقرر هو يعني!"
أجابتها "نيروز" قائلة بنبرة ساخرة:
"آه، وميطقنيش بقى أكتر ما هو مش طايقني!"
تحدثت "سمية" بتعقل قائلة:
"خلاص، إحنا عملنا اللي علينا. وبعدين مش عاوزين مشاكل معاه. متنسوش إننا بنروح عند زينات جمعة آه وجمعة لأ، ونقعد على سفرة واحدة آه. مش هنروح الأسبوع ده، لكن اللي بعده ممكن يعمل مشكلة واحنا قاعدين عشان أي حاجة ويتلكك!"
تحدثت "ياسمين" بنفاذ صبر قائلة:
"مشاكل إيه يا ماما؟ ما أكتر من اللي المفروض نبقى فيها أصلاً؟ لما أخدنا ورثنا وبابا عايش بالرغم إنه طلع واخد أكتر من حقه! وهم ولدين بس آه مش من نفس الأم لكن الأب واحد! ولا لما بابا مات أخد هو من ورثنا تاني عشان إحنا بنات بس؟ آه حقه، بس برضه ده فيه ياخد أكتر من حقه! وإنتي محاولتيش تقولي لأ، ده حق بناتي، وتتكلمي؟ معملتيش كده، وخلع بحجة أي كلام كالعادة! لأ وكمان عشان يبقى الضمان صح، يقرر فجأة هو ومراته بعد مدة إنه يجوز حسن لنيروز عشان كل حاجة بتبقى فايدة والكلمة كمان تبقى كلمته هو ومراته! عمل كده عشان معرفش يسيطر على حازم بقربي مني!"
كان الاثنان يستمعان إلى الحديث وملامح وجههما بلا استثناء كساها الحزن.
تنهدت "سمية" تأخذ أنفاسها بهدوء قائلة:
"فالأول والآخر نفس دمه هو اللي بيجري في عروقكم! ومحدش بيختار أهله!"
همهمت "نيروز" لتتحدث قائلة:
"آه، محدش بيختار أهله، بس بتمنى لو كنا بعيد عن كل ده، مكنش لازم ده يبقى عمي ولا من أهلي. مش لازم يكون طالع بيكرهني كده! وأنا معملتلوش حاجة غير بس رفضت شخص مش حباه ومش عاوزاه! حقي! ليه بيكرهنا أوي كده وكمان إنتي يا ماما؟!"
"ولا يكرهنا ولا نكرهه، إحنا في حالنا وربنا يسترها علينا، مش محتاجين حاجة من حد. حبهم مش هينقصنا ولا يزودنا!"
صمتوا هم يستمعون إلى كلمات والدتهم، ثم ثوانٍ ودق جرس منزلهم عاليًا!
تحدثت ياسمين وهي تنهض تقف تخرج من الشرفة:
"راحة أشوف مين وأعمل شاي، بلاها سيرة النكد دي!"
أومأو لها بعدما ضحكوا على حديثها بخفة وهي تخرج من الشرفة أمام أنظارهم!!
"أن يلتقطك شخص حنون لا يجرؤ على ضياعك من يديه، أن تكون أنت كل الأشياء وأهمها في قلبه."
دق جرس منزلها فقعدت حاجبيها وهي تجلس بجانب صغيرها بصالة منزلهم، متسائلة من هذا الذي سيأتي لهم وزوجها يفتح المنزل بمفتاحه الخاص.
اتجهت تفتح الباب، ثوانٍ وفتحته ثم وجدت شخصاً يمسك بيديه الاثنتين بوكيه من الورد التي تعشقه هي ويضعه أمام وجهه حتى أصبح شخصاً مجهول الهوية.
"مفاجأة صح؟"
قالها وهو ينزل البوكيه من أمام وجهه، فابتسمت بسعادة وهي تتجه نحوه تحتضنه بحب قائلة:
"إيه الرومانسية دي يا باشمهندس بدري وايه الورد الجميل ده؟"
"ولسه بدرك محضرلك مفاجأة! وبعدين الورد للورد."
قالها وهو يدخل إلى داخل شقته ويسحبها خلفه من يديها ثم توجه إلى صغيره يحمله ووضع قبلة على خديه بمرح قائلاً:
"بدرك مش هيسيبك لوحدك تنزلي مصر، هنزل معاك!"
نظرت له بصدمة قائلة بلهفة ممزوجة بسعادة:
"بجد يا بدر! دي أحلى حاجة سمعتها دلوقتي."
تحدث بدر مردفاً بهدوء وهو يبتسم لها:
"آه بجد، لقيت مهندس رجع من إجازة وهيمسك شغلي لفترة."
"أنا بحبك بجد ومبسوطة أوي أوي الحمد لله يارب."
قالتها بلهفة وهي تحتضنهم الاثنان، فابتسم لها بحب وهو يضمها أكثر ليحتضنها هو وصغيره.
"جعان يا وردة."
قالها يامن وهو يخرج عنوة من أحضان والده.
فتحدث بدر بحنق:
"يخربيتك واد فصيل."
اعتلت ضحكاتها قائلة بمرح:
"حالا هناكل سوا يا حبيب وردة، إيه يا بدري سيبه يفصلنا ده حب العمر ده على فكرة."
نظر لها بضجر ثم تحدث بحنق واضح:
"بس أنا حب عمرك من قبله خدي بالك."
بدل حديثه للمرح ثم أرسل لها غمزة مشاكسة فابتسمت بخفة قائلة:
"حب العمر كله ليك لحد ما جه بقا حب العمر ليك وليه!!"
ابتسم لها بحنان بالغ وهو يضمها مرة ثانية ثم رفع يده وحاوط بها مقدمة رأسه واضعاً قبلة صغيرة، وفعل كالمثل مع صغيره.
قبل قليل أتت هي من الخارج ثم صعدت المبنى متجهة حيث شقتها تخرج المفتاح الخاص بها، انتبهت لتلك التي تدق جرس منزل عمها الراحل.
فتحدثت فريدة قائلة لتلك التي تدق الباب:
"هو في حاجة؟ عاوزاهم في إيه؟"
التفتت إليها دلال ثم ابتسمت قائلة:
"إزيك يا بنتي، انتي أكيد عارفاني صح؟"
عقدت هي ما بين حاجبيها قائلة بتبرم وهي تنظر للأخرى من أعلاها لأسفلها:
"آه، أكيد ما مرش كتير عشان أنساكم يعني يا..." قطعت حديثها ثم تحدثت مرة أخرى قائلة:
"معلش نسيت اسمك!"
قالتها بغير اهتمام، وبتعالي على الأخرى.
نظرت لها دلال، ثم ابتسمت بتكلفه قائلة:
"طنطك دلال يا بنتي اسمي دلال."
نظرت لها فريدة ثم تحدثت قائلة بغير اهتمام وهي تتدلف إلى الداخل:
"أهلاً!!"
ثوانٍ ثم دلفت إلى الداخل وصفعت الباب خلفها كعادتها، تعجبت الأخرى من طريقتها في الحديث وأسلوبها المبتذل، لم تشغل بالها كثيراً، فهي طيلة سنوات إقامتها في تلك الشقة كانت لا تربطها علاقة قوية بتلك التي تسمي "زينات" وأولادها، ليست قريبة منهم كـ "سمية" و"عايدة" وكذلك أولادهن.
كانت قد فُتح لها الباب منذ قليل، والأخرى دلفت إلى الداخل بشقتها، ثم اتجهت إلى غرفتها بعدما خلعت حجابها فقط، تفاجأت بمن يفتح الباب بسرعة فائقة متجهة نحوها على فجأة ولم تكن سوى والدتها "زينات".
وقفت أمامها وعينيها يتطاير منها الشرر، ناظرة للأخرى بتعابير وجه حادة متشنجة نوعاً ما، فتحدثت أخيراً بنبرة جامدة:
"انتِ كنتِ فين يا بت؟"
نظرت لها فريدة باستغراب قائلة بملل وهي تقلب عينيها:
"كنت في الكلية هكون فين يعني!"
ردت عليها والدتها بنبرة منفعلة وهي تتجه نحوها، ثم أمسكت خصلاتها السوداء قائلة بحدة وانفعال:
"لا يا روح أمك انتِ مكنتش لا في كلية ولا في هم أسود انتِ خارجة مع مين؟ مين الشملول انطقي!"
تأوهت هي من أثر إمساك الأخرى لخصلاتها قائلة بنبرة متحشرجة وصوت عالي نسبياً:
"آه شعري، إيه الكلام ده بس! واحد مين ده؟"
"ده الكلام الصح يا زبالة، انتِ عارفة لو أبوكي عرف هيحصل إيه فيكي ومش بعيد فيا."
قالت حديثها بانفعال ثم اشتدت من إمساكها لخصلاتها أكثر وهي تقول مجدداً:
"عارفة ولا مش عارفة؟ عاوزاه يقولي إيه يا بت؟ عاوزاه يقولي عايدة نفعت في تربيتها عنك ها؟ ولا يقولي إن جميلة الست الدكتورة محصلش منها زي ما حصل منك!!"
تأوهت وهي تبكي قائلة من بين بكائها بترجّي:
"خلاص، خلاص ونبي يا ماما، بس أمانة ما تقولي لبابا أرجوكي."
نظرت لها زينات بحدة قائلة وهي تترك خصلاتها:
"أقول إيه؟ أقول إنه معرفتش أربي مثلاً زيها؟ ولا أقوله إن خلاص واحدة ورا التانية جايين هيشمتوا فيا؟ انتِ تقعدي فترة هنا في البيت لا كليات ولا زفت إلا على الامتحانات فاهمة! حتى يا شيخة مش عارفة تستري على نفسك وانتي خارجة معاه ومخليّاهم يشوفوكي على الملأ، ده نيلة روحي وعلى اللي عاوزه خلف."
قالت حديثها ثم نظرت لها بازدراء، ورحلت من الغرفة بأكملها بعدما وجدت الأخرى تومئ لها بالإيجاب على أوامرها.
رحلت وتركت فريدة تقف مكانها بصدمة من معرفة الأخرى لشيء كهذا، ثوانٍ وخطر على بالها من أين يمكن لها أن تعلم، متذكرة ابنة عمها.
نظرت بشرر يتطاير من عينيها في الفراغ بشرود، قائله بشر:
"اقسم بالله ما هسيبك والله. لأخرب عليكى انتى وامك واختك كمان!".
توعدت لهما وبالأخص هي، بشرر وحقد حتى يحين موعد استرداد حقها، هي من وجهة نظرها.
"زي ما قولتلكوا بقا على ميعادنا يوم السبت إن شاء الله تنوروني."
ابتسمت سميه، قائله بحب:
"والله ما كان ليه لزوم تعملي كده يا دلال وتتتعبي نفسك."
"يا حبيبتي لا تعب ولا حاجة. ومتنسيش بقا تحاولي تاخدي إجازة من الشغل. اليوم بقا من أوله عندي."
ابتسمت سميه باتساع، قائله بامتنان:
"ماشي يا حبيبتي. كتر خيرك يا دلال."
ابتسمت لها دلال، ثم وجهت أنظارها للاثنتين وهما تجلسان بجانب بعضهما أمامها.
"هستناكم بقا يا حلوين."
أومأت لها نيروز بالإيجاب، وهي تبتسم، ثم تحدثت ياسمين بمرح، قائله:
"حاضر يا طنط من النجمة هنبقى عندك."
أعلت ضحكاتها وهي تجيبها، قائله:
"والله انت عسل. والواد حازم كمان معزوم ها!"
غمزت لها بعينيها في آخر حديثها، فابتسمت هي، قائله:
"لا ده أنا أجي أبـات بقا من الوقتي وأستناهم."
أعلت ضحكاتهم على حديثها، فتحدثت والدتها بحنق زائف:
"أنا غلبت في البنت دي يا دلال والله."
تحدثت نيروز بتأييد لحديث والدتها:
"متبديلهاش بوسام مثلا يا طنط؟"
ضحكت بخفة على حديثها، قائله بلباقة:
"دي بنتي يا حبيبتي، تيجي من غير ما أبدلها. ويبقوا بنتين عادي وتلاتة كمان."
ابتسموا جميعًا لها بحب، ثم اعتلت ضحكاتهم من بعدها، خاصة بعدما وجدوا ياسمين تنظر بنحنق لوالدتها وشقيقتها.
"طب أنا هستأذن أنا عشان لسه هروح لعايدة."
قالت حديثها وهي تستأذن منهن، فأومأوا لها بقله حيلة عندما عقدوا العزم أن تجلس مجددًا، ولكنها رفضت حتى تذهب للشقة الأخرى.
"على كورنيش البحر. كانا يجلسان سويا بمفردهما بصمت، كلا منهما شارد، وهو ينظر للبحر من أمامه."
وجه غسان أنظاره لشقيقه، ثم سأله بهدوء، قائلاً:
"انت كويس؟"
فاق بسام من شروده، ثم التفت بانظاره للآخر وهو يجيبه:
"مش عارف. ليه جايبني قدام البحر بتثبتني يعني؟"
ابتسم غسان بخفة، قائلاً بهدوء عاقل:
"إحنا توأم! بنحس ببعض. حاسس إنك مكبوت وانت بتبص للبحر كده، مالك؟"
تنهد هو يأخذ أنفاسه، قائلاً:
"مش مكبوت على قد ما افتكرت كسرتي. أو دايما في بالي إن قلبي اتكسر ومش عارف أتخطى، ممكن كده. انت رأيك إيه؟"
نظر له غسان بتمعن، قائلاً بثبات:
"رأيي انت عارفه، إننا دايما نزعل على ناس تستاهل."
"بس هي كانت تستاهل. أيوه كانت تستاهل أزعل، ولسه مش مقتنع إنها ممكن تبيع وأنا كنت شاري."
قلب غسان نظراته من على وجه الآخر، ثم وجهها ناحية البحر، قائلاً بشرود وهو يتنهد:
"اللي شاري مبيشتريش حد بيـاع."
نظر بسام لشقيقه بخيبة أمل من وجهة نظره الدائمة الثابتة تجاه موضوعه.
"ليه يا غسان. ليه أنا اترفض بالشكل ده. وليه أكون أعمى ومتفوقنيش. بندم لغاية النهارده على كل الحب اللي حبيته ليها، وكل الخوف اللي خوفته عليها. واحترامي ليها ولأهلها لحد ما تبقى ليا."
نظر له غسان وهو يخرج ما بداخله من كم الذكريات المؤلمة له. ثم تحدث قائلاً بهدوء:
"محدش بيخرج منها إلا ما يتعلم عليه. لازم تدفع ضريبة في دنيتك. أصلها مبـتعلمش حد ببلاش. وبعدين أنا أخويا مشوفوش كده تاني. مشوفوش مكسور كده ومبين ضعفه على حد، وبالذات لو الحد دا ميستاهلش."
كان يستمع إلى حديث شقيقه باهتمام، وهو يهز رأسه يؤيد حديثه. فهمه وهو يتحدث، قائلاً محاولاً تغير الموضوع:
"تعالى نقوم نتمشى عند السنتر تكون وسام خرجت."
أومأ له الآخر بهدوء، وهو ينهض واقفًا، يتجهز للسير مع شقيقه.
"والله ما هقبل أي أعذار، هتيجو يعني هتيجو كلكم."
هتفت دلال بتلك الكلمات أمام عايدة وابنتها وولدها.
تحدثت عايدة باحراج، قائله:
"والله تاعبة نفسك يا دلال، وواجبك وصل يا أختي من ساعة ما هلّـيتِ علينا في العمارة من تاني."
ابتسمت دلال باتساع، قائله:
"الله يخليكي يا حبيبتي. هستناكي بقا انتي وأستاذ سليم ولأولاد."
ابتسمت جميلة قائلة بشكر:
"شكرًا يا طنط، مع إن والله مش عاوزين نتعب حضرتك."
أجابتها الأخرى قائلة من بين ابتسامتها:
"يا بت ولا تعب ولا حاجة. هستناكي انتي ونيروز وياسمين بقا والبنات الحلوة دي."
ابتسموا جميعًا على حديثها، فتحدث حازم قائلاً بمزاح:
"ياسمين كمان! يا ما شاء الله. ده كده فل أوي."
أعلت ضحكاتهم جميعًا، فتحدثت دلال مردفة من بين ضحكاتها:
"بالله نفس الدماغ يا ابني. ربنا يخليكم لبعض ويتمم عليكم فرحتكم بخير."
ابتسموا لها جميعًا باتساع، فتحدثت هي مجددًا:
"هستأذن أنا معلش بقا عشان حامد فاته جه من برا والبت وسام زمانها على وصول."
أردفت عايدة قائلة باحترام:
"انتِ لسه قعدتي. كملي العصير بس!"
"معلش هقوم أنا. والعصير بقا انتو تكملوه عندي يوم السبت إن شاء الله."
قالتها وهي تنهض حتى تخرج من شقتها، فتبعها حازم ليقوم بإيصالها حتى باب شقتهم.
دقائق، ودلفت إلى شقتها، فوجدت زوجها جالسًا بصالة المنزل وحده.
"كنتي فين يا دلال، وفين ولادك البيت فاضي كده ليه!"
ابتسمت له وهي تتجه لتجلس بجانبه وهي تخلع حجاب رأسها:
"كنت عند الجماعة بعمل اللي قولتلك عليه. وغسان وبسام نزلوا من شوية ووسام في الدرس لسه."
ابتسم لها وهو يومأ لها بهدوء، قائلاً بمشاكسـة:
"وانتِ محلوية كده ليه النهارده بقا؟"
قهقهت على حديثه، قائلة بمرح:
"يعني أنا مش حلوة طول الوقت ولا إيه يا حاج!"
"وأحلى من الحلاوة يا أم غسان."
ابتسمت بخجل، وهي تنظر له بعينيه، قائلة:
"والله انت فايق. وفاكر نفسك لسه صغير على كلام الحب ده."
ابتسم لها قائلاً بمشاكسة:
"أنا فعلاً لسه صغير. وبفكر أجيب كمان توأم."
شهقت هي شهقة عالية، وهي تقول:
"لا يخويا استكفينا على كده. هما عيالك قليلين! بكرة يجيبولنا إحنا التوأم!"
اتسعت ابتسامته، وهو ينظر لها ولملامحها الهادئة الذي يحفظها هو عن ظهر قلب. ملامحها المفضلة له. كـنفس ملامح توأميه.
وصـلا إلى مكان السنتر المخصص لدروس شقيقتهم، ثم وقفا ينتظرانها حتى ظهرت هي من على بعد. اتجهت ناحيتهم بلهفة بعدما لاحظتهما.
"احلفو! انتو هنا بجد؟"
تحدث بسام يجيبها بمشاكسة:
"لأ لسه هناك."
نظرت له بحنق زائف ثم وجهت أنظارها لشقيقها الآخر قائلة:
"هتخرجني بقا؟"
نظر لها غسان بهدوء مردفاً:
"لأ، هو مش الخروج في الإجازة!"
"طب حسوا بيا طيب!"
قالتها بترجٍ زائف لتسيطر عليهما.
تحدث بسام مستسلماً أمامها موجهاً حديثه للآخر:
"خلاص يا غس، خرجها عشان متعيطش وتزروط الدنيا ومنديل ومناخير وقرف."
نظرت له بضجر من حديثه الساخر منها، فتحدث غسان قائلاً:
"نص ساعة بس عشان نروح والجو برد كمان مش هتقدرى!"
"أشطا عليك يابو الغساسين يا مغسن يا مستغسن."
قالها الاثنان بصوت واحد بوقت واحد مما جعل ضحكاتهم تتعالى جميعاً.
فتحدثت هي من بين ضحكاتها قائلة:
"طب يلا نروح على الكورنيش عاوزة أشوف منظر الغروب من هناك أوي."
أردف بسام حديثه المرح قائلاً:
"رخيص والطلب غالي! قصدي غالي والطلب رخيص."
نظر له غسان بحدة، فتحدث بسام قائلاً:
"خلاص أنا آسف يا غس مش هقولها تاني، بس حن يجن وخليك حنين وهادي كده."
ابتسم غسان بقله حيلة منه قائلاً:
"طب يلا خلينا نتحرك، أصل روح المجرم تطلع واحنا مش ناقصين!"
اعتلت ضحكاتهم وهما يسيران معاً، بعد عدة دقائق وصلوا إلى مكان فارغ ثم جلسوا به بجانب بعضهما.
"الجو برد أوي عضمي يا ناس."
قالتها وسام حديثها بصوت عالٍ نسبياً، فتحدث غسان قائلاً:
"مش قولتلك! يلا نروح لأن هتاخدي برد وانت مش متقلة."
ابتسمت له بحنان وهي تتجهز وترتدي حقيبتها ليستعدا إلى الذهاب معاً.
جاءهم صوته المفاجئ قائلاً بصوتاً عالياً:
"لأأ اا!"
نظروا له باستغراب فتحدث هو مجدداً:
"مش قبل ما نجيب آيس كريم."
وكزته شقيقته في كتفيه بضجر منه، تزامناً مع نظرة غسان الجامدة له.
"ايه يا غس هتتحول ولا ايه؟ أنا مش قصدي أخضكم والله. طب إيه؟ نروح؟ أنا بقول نروح وبلاش آيس كريم مبحبوش أصلاً. يلا يلا."
قالها وهو يهرول من أمامهم مع ضحكاتهم معاً على ردة فعله، فتوجه غسان لذلك الكشك الصغير الذي يوجد على قرب من مكانهم يجلب منه كما يريدان هما.
***
كانت تجلس مع والدتها في غرفتها وهي تتطعمها بهدوء.
فتحدثت هي قائلة بعدما انتهت من تطعيم والدتها:
"إن شاء الله هتبقي تمام ومش هترجعي الأكل ده، احنا اتصلنا على الدكتور وقالنا إنه طبيعي الترجيع عشان الكيماوي، فانتي زي الفل أصلاً يا حنان."
ابتسمت لها والدتها بحب قائلة:
"الحمد لله يا بنتي، راضية بقضاء ربنا، الحمد لله."
ابتسمت لها فرح ثم تحدثت قائلة:
"طب أنا هروح أحط الحاجات دي في المطبخ وأصلي وبعدين أذاكر، عاوزة حاجة مني؟"
أومأت لها حنان قائلة بحب:
"لأ يا حبيبتي، روحي انتِ ربنا معاكي، وأنا هنام."
ابتسمت لها ثم أومأت لها بالموافقة وهي تخرج من الغرفة إلى المطبخ ثم وضعت الأطباق وخرجت متوجهة إلى غرفتها فوجدت هاتفها يصدح عالياً بدقاته المعلنة عن اتصال ما في الغرفة، توجهت لتجيب على المتصل فوجدته رقم مجهول الهوية، ترددت في البداية أن لا تجيب ولكنها عقدت العزم أن تجيب على ذلك المجهول.
"ألــو!!"
جاءها صوت الآخر قائلاً:
"أهلاً، كنت فاكرك مش هتردي على أرقام غريبة! بس سهلتِ عليّ كتير!"
"ميـن معايا؟"
"هقولك، أنا بس عاوز خدمة صغيرة، عاوز أقرب من جميلة صحبتك أصلها عجبتني الصراحة، لأ وكمان بتخربش كده والنوع ده معداش عليا، قولتي إيه؟"
"انت مجنون! انت مين وإزاي بتتكلم عن جميلة كده!!"
"لأ مش مجنون، أنا خالد يا فرح ولسه متعرفنيش، أحسن لكِ تفكري فاللي بقولهولك عشان عندي حاجات كتيرة أعملها وهتخسرك كتير منهم، زي دلوقتي تليفونك بقى كله عندي بمجرد ردك على الاتصال ده! وزي مامتك المريضة دي مثلاً، لو معملتيش اللي قولتك عليه مش عاوز أقولك بقـ.."
صُدمت هي من رده ثم أغلقت الخط بأيدي مرتعشة بعدما قطعت حديثه، وهي في حالة صدمة، توقف عقلها عن التفكير لبرهة، أيقصد هاتفها؟ صورها؟ الفيديوهات الخاصة بها وبصديقتها؟ خاصة جميلة! ماذا يقصد بوالدتها! المريضة! صُدمت من فكرة تهديده لها من خلال والدتها المريضة!! وإن تحدثت عن الصدمة لها، فبسبب كلمة والدتها تهديده لها من خلالها الآن تعد هذه الصدمة الكبيرة، فبالنسبة لها كل شيء قد يهون إلا هي!!
رواية عودة الوصال الفصل الثامن 8 - بقلم سارة ناصر
أشعر وكأنني شخص مكتف من جميع أطرافي، وكأنني جسم بلا روح، تحركني ولا أستطيع سوى النظر بتلك العينين المتهالكتين، وكأنه جاثوم يكتم أنفاسي بتكتيف حركتي! فقط أستطيع التنفس بصعوبة، والنظر بعينين هلكت من فرط ما بها! وعندما تفتح لترى العالم، لا ترى سوى شيئًا كبيرًا مخيفًا، قابضًا للقلوب!! فقط تنظر وترى برغم ما بها، وما أن رأت لا تستطيع التحدث حتى بنظراتها الضعيفة!
جلست "فرح" في حالة صدمة من المكالمة الهاتفية لها منذ قليل، عندما صدمت هي من ردة عليها، أغلقت الخط بيدي مرتعشة، حالة صدمة توقف عقلها عن التفكير لبرهة من الزمن، أيقصد هاتفها؟ صورها؟ صور أصدقائها؟ الفيديوهات الخاصة بها وخاصة جميلة!! وماذا يقصد بوالدتها! المريضة! صدمت أكثر من فكرة تهديده لها عن طريق والدتها! فتلك هي الصدمة الحقيقية بالنسبة لها، فإن وضعت والدتها بكفة وجميع من في هذا العالم القاسي بكفه الأخرى حتمًا سوف تعلو تلك الكفة التي توجد بها والدتها!! بالنسبة لها كل شيء قد يهون وقد يتعوض عدا الأخرى عدا والدتها!!
الصمت الميت لأعصابها كان هو سيد المكان، حتى دق هاتفها من جديد، نظرت له نظرات مترددة، أخذت تفكر قليلاً قبل أن تلتقطه بأناملها المرتعشة، وما أن أخذته عزمت على الرد مرة أخرى لتزيل خوفها منه، لكن صدمها برده عليها الذي أصابها بمقتل وهو يقول:!!
"بتقفلي السكة في وشي يا فرح! ومالو هعديهالك، بس في حاجات تانية مش هعديها زي مثلا لو حد شم خبر بالمكالمة دي، صورك اللي كلها بقت عندي دي، هتبقى كلها متركبة على مواقع استغفر الله انتِ فاهمة بقا، كل ده هيحصل إن حد عرف بالمكالمة سواء من بيتك أو من حد من إدارة وأمن الجامعة!!"
أجابته بنبرة حاولت أن تخرج منها بثبات لكن فشلت محاولتها وخرجت نبرتها المرتبكة الممزوجة بالخوف وهي تبتلع ريقها:
"أنا . أنا عملتلك إيه حرام عليك!"
"عملتي يا حلوة بس أنا مش مكلمك عشان مثلاً مطينة سمعتي في الجامعة بين البنات، وإني مش محترم والكلام اللي منه. وأنا طبعًا كمعيد هاخد إجراء قانوني بس لا، أنا أصلاً مش جايلك عشان كده لا، أنا للأسف وللفرصة السعيدة برضه ملقتش حد ظروفه أطين منك عشان استغله وعشان الأوامر كده برضه!"
"قـ . قصدك إيه؟"
اعتلت ضحكاته المريضة وهو يجيبها بنبرة جامدة آمرة لها:
"قصدي يا حلوة إن قدامك وقت مش كبير وجميلة دي تبقى عندي، ماهو مفيش واحدة كلمتني كده زيها في الجامعة كلها برضه، وإن ده طبعًا يتنفذ بالحرف اللي هقولك تفاصيله بعدين على الرايق مش محتاج أقولك هيحصل إيه! هجرسك بين الجامعة كلها وأخلي اللي ما يشتري يتفرج، لأ وايه أعرف أوصل للوالدة المريضة دي اللي أي كلمتين هيتقالوا ليها هتطب ساكتة يا عيني، ولا لما الراجل بتاع بيتكم يعرف، وأزود شطة من عندي الدم هيغلي في عروقه والعرق هيطلع، أصل عرفت برضه إنه شاب، وأخوكي راجل البيت بعد ما مات الحج يا عيني!"
كانت تستمع إلى حديثه بأعين مفتوحة من أثر صدمتها، تسمع أنفاس محبوسة، جاهدت أن تجيبه بثبات وتتجرأ أكثر لعلها آخر محاولتها في تلك المكالمة الميتة لأي شابة تقع في موقف كهذا:
"بـ ـس أنا معمـلتش كده، إيه هتتبلي عليا؟"
"ياه ده أنا تفوقت حدود البلى على الناس، انتِ مش عارفة أصلي لحد دلوقتي ولا عارفة أنا مين ولا حتى بشتغل إيه! واه بتبلى ومش محتاج أقولك الكلام بين الناس بيتساقط، ده غير الصور الجميلة اللي هنتعمل وصورك لوحدك كمان يعني رفيقة الدرب مش هعملها كده هعينها للأحلى، يلا سلام خدتي أكتر من وقتك يا آنسة فرح، فكري كويس، وهكلمك تاني أعرفك الدنيا ماشية إزاي، واه أنا استغلالي فعلاً وضربت بيكِ عصفورين بحجر واحد!"
أغلق الخط بعد انتهائه من حديثه البارد الذي كان يردفه هو من بين ضحكاته الشيطانية!!
ولكن كان عليها هي هذا الحديث، وكأنه سكين يؤلمها، يؤلمها ببطء عند تفوهه بكل حرف يخرج من بين أسنانه الحادة وكأنها أنياب لوحش قرر الفتك بها في الحال!!
صدمة، هذا ما تعيشه الآن، رعشة يديها الملحوظة، ثباتها في مكانها إلى الآن لا تستطيع التحرك من التفكير بتلك العواقب المحسومة لديه!!. تجاهد البكاء، تجاهد أن تبكي ولكنها لم تفر منها أي دمعة إلى الآن! كان الأمر في البداية سهلاً، ولكن الآن أصبح أعسر من ذي قبل، أصبح الحال أعسر وأصعب مما كانت هي عليه، تلك التي لم تأخذ نصيبًا من اسمها يومًا!!
"كان وداع الحلم باردًا وكأنني لم أبذل له شيئًا"
نهض ليستقيم وهو يضع بعض من أوراق عديدة على جانب المكتب، وأوراق أخرى كانت بيديه، خرج "حازم" من غرفته ثم توجه ناحية باب المنزل، فوجد والده يقف بصالة المنزل ويبدو إنه كان متوجهًا لغرفته، قاطع "سليم" سيره ثم تحدث موجهًا أنظاره لحازم:
"خير انت نازل؟"
أجابه "حازم" بنبرة هادئة مقتضبة بعض الشيء:
"آه"
جاءه صوت الآخر بنبرة جامدة:
"اومال اختك فين؟"
تحرك "حازم" من أمامه ثم فتح باب المنزل تزامناً مع رده على والده وهو يقول:
"تقريبًا في أوضتها، أنا نازل أصور ورق من المكتبة وجاي، عن إذنك"
قال حديثه ثم أغلق الباب من خلفه بهدوء، تحرك "سليم" إلى غرفة ابنته ثم وقف أمامها ودق الباب دقات خافتة ثم فتح الباب بهدوء بعدما همهمت هي براحة للطارق لكن لم تتوقع أنه هو! والدها!. نظر "سليم" عليها فوجدها جالسة على الفراش الخاص بها ممسكة بهاتفها تبعث به بملل!! رفعت أنظارها عندما دلف هو إلى الداخل ثم تحدث قائلة بتساؤل:
"أيوه يا بابا في حاجة ولا إيه؟"
"آه فيه!"
قالها بحدة وهو ينظر لها بتعابير وجه خالية من أية انفعالات!! فنظرت له "جميلة" تستجوبه بعينيها!! بينما تحدث هو من جديد قائلاً بنبرة حادة:
"لما أدخل ألاقيكي قاعدة على السرير لأ وفـ ايدك التليفون كمان ولا همك مذاكرة ولا همك حاجة ولا كأنك في طب اللي أنا تعبت عشان تدخليها ويبقى اسمك دكتورة!"
ضاقت أنفاسها من كلماته وهي تجاهد نفسها ليخرج منها حديثها بثبات:
"أنا أول ما دخلت طب مكنتش قاعدة كده يا بابا! وأنا أكيد بذاكر وكنت بذاكر وأي حد بيذاكر بياخد راحة!!"
لوي شفتيه بتهكم وهو يجيبها قائلاً بسخرية:
"راحة!! الراحة دي لما تكوني في كلية أي كلام يا هانم مش كلية الطب!"
حبست الدموع في مقلتيها وكأن حديثه المألوف لها يؤلمها من الداخل كألم شخص يُذبح بسكين حادة، ولكن هذه المرة قطعت السكين آخر إنش بها، تحدثت بنبرة متحشرجة ممزوجة بجرأتها له:
"هو حضرتك يا بابا قاعد تقولي طب طب!! مفتكرتش طيب لما دخلتنهالي غصب عني؟! ولما ضربت بسقف طموحاتي الأرض، خليتني إنسانة بسعى لحاجة حلوة لناس كتير بس أنا مش حباها!! كنت فاكرة إن أي شخص النصيب والقدر هو اللي بيضيع منه حلمه مهما تعب! ولكن انت! انت اللي ضيعت مني حلمي ودخلتني حاجة مبحبهاش، حاجة ببقى قايمة كل يوم الصبح وأنا بتخيل نفسي رايحة للي كنت حاباه مش دي ده عشان أقدر أكمل! أنا كنت قادرة وجايبة الحلم بتاعي بس انت ضيعته، وكمان ضيعتني!"
كان يستمع إلى حديثها بتعابير وجه خالية، وما أن انتهت تحدث هو قائلاً بتهكم:
"اه وأنا القادر الظالم في حكايتك الفاضية دي!!"
نظرت له بخيبة أمل والدموع تسيل من عينيها تهبط وتهبط وكأنها شلالات من الماء لا يعرف لها طريقًا:
"إيه ظلمتني! لما من صغري كنت مجتهدة وبجيب أعلى الدرجات، بس انت مكنتش جنبي مكنتش بتشجعني، وكأنك كنت عاوز فوق أقصى اللي كنت بجيبه! بعمل اللي عليا دايماً، لكن بتحسسني إني منبوذة ومهما عملت برضه مش عاجبك! ولما أنقص ربع درجة كنت تضربني وتحبسني في أوضتي لوحدي بالأسبوع عشان أتعلم من الخطأ اللي هو حرف مكان حرف بس اللي مكنتش بشوفه عشان كنت بتكسرلي النضارة فكل مرة بتضربني على الغلط!! أنا مختارتش حاجة واحدة في حياتي، كل حياتي ماشية زي ما انت حابب أنا مجرد آلة انت اللي بتمشيها! متخيل إنك بتمشيني لحد دلوقتي! كل يوم الصبح وأنا نازلة!
بتمشيني زي ما حابب فكل مرة بفتح كتبي أذكر.
قالت حديثها بانهيار وهي تخرج ما بقلبها المتهالك. كانت تبتسم بسخرية على حالها تارة، وتبكي بانهيار شامل تارة أخرى.
نظر لها "سليم" بصمت ثم أردف قائلاً بنبرة عادية وكأن الأخرى كانت تتحدث عبثاً:
"إنتي كنتي عاوزاني أعمل إيه وإنتي جايبة مجموع طب إن شاء الله؟ أدخلك كلية الإعلام؟ إيه إعلام دي؟ بتأكل عيش؟ قوللي انطقي. ولا كنت أطبطب عليكي وأخدك في حضني وأقولك معلش ادخلي اللي عاوزاه وضيعي نفسك!"
"آه كان المفروض تعمل كده! حضنك اللي معرفش المفروض أحس بإيه وأنا جواه! تحسسني بحنانك! اللي عشت طول عمري محرومة منه وإنت عايش! طول عمرك جامد عليا عمرك ما كنت حنين! محاولتش تحتويني في مرة ولا تظهر حنيتك عليا! مخليني أمشي أدور على الحنية في كل الناس وإنت لسه موجود! مخليني أدور عليها في كل الوشوش وأنا بتمسك بمبادئي وأقول لأ مش هخون ثقتك ولا ثقة ماما وحازم فيا وأحافظ على نفسي وأفضل طول عمري محرومة من حنانك! إنت مش مخليني أمشي أدور على حنانك لوحدي لأ، مخلي فريدة تمشي تدور برضه على حنيتك! للأسف برغم إن شخصياتنا عكس بعض وإنها خدت حاجات كتير مخدتهاش أنا واتدلعـت أوي عشان الصغيرة بس برضه نقطة سودة في حياتنا إحنا الاتنين إننا إلى الآن بنمشي ندور ونقارن! ليه؟ ليه بتخليني أقارن وانتبه لحاجة مش عاوزة انتبه ليها؟ خلتني أبص لحنان عمو سالم لنيروز وياسمين وكمان وردة! خلتني أقارن نفسي بيهم بإحساس الحزن الممزوج بالغيرة من أقرب ناس ليا! ليه خلتني أعمل كده ليه؟"
كانت تتحدث بانهيار وهي تبكي بكاء لم يمر عليها قبل ذلك، وكأن دموع عينيها قالت لها الآن حانت اللحظة الحاسمة للهبوط بغزارة.
تنهد، يأخذ أنفاسه وهو يجيبها بجمود:
"أنا هسيبك. تعرفي مع نفسك إزاي تكلمي أبوكي بعد كده! شكلك نسيتي إنتي واقفة وبتتكلمي مع مين يا دكتورة جميلة!"
قال حديثه ثم خرج من الغرفة بانفعال وهو يزيح الباب بعصبية بالغة.
تركها! كما تركها بحزنها أوقات كثيرة، تركها منهارة بمكانها. ركعت على ركبتيها إلى الأرض ثم بكت بصوت عالٍ، تود الصراخ، ولو كان بإمكانها أن تفعل لفعلت! شهقات عالية، همهمات غير مفهومة تشرخ قلبها من الداخل تكسره للمرة التي لا تعرف ما عددها! ينزف قلبها من شدة قسوته اللعينة تلك.
هرولت "عايدة" التي استمعت لآخر حديثهم من بعيد. ركضت إليها وهي تتحامل على ألم قدميها، ثم جذبتها من جلستها على الأرض واتجهت بها ناحية الفراش وهي تحتضنها ببكاء صامت. شهقات الأخرى تمزق قلب والدتها بكل معاني الكلمة. احتضنتها بكل ما تملك من قوة وهي تضمها، وكأنها تفرغ بها جميع حنان العالم. لكن الأخرى لا تفكر إلا في شيء واحد، لما رحل وتركها؟ لم لم يشعر بها يوماً؟ أليست هي قطعة منه؟
أردفت "جميلة" من بين شهقاتها العالية بنبرة باكية منهارة:
"مشى يا ماما مشى وسابني منهارة. محسـ ـش بيا!! محضنيـ ـش زي ما كنت فاكرة!! ضرب بسقف طموحاتي الارض تانـ ـي!"
خرج الحديث متقطعاً من بين شهقات بكائها وهي تتشبث بوالدتها كمن هرب من وحش مخيف للتو.
أردفت الأخرى وهي تهدهدها، رابطة على ظهرها بحنان وهي تقول من بين بكائها الصامت الكاسر لداخلها:
"بس يا حبيبتي بس، بس يا ضنايا!!"
قالت حديثها كعادة أي أم. لكن تلك "عايدة" تعلم تمام العلم أن الآخر صنع من ابنتها مريضة، ومعقدة نفسياً، هشّم الكثير بها منذ أن كانت طفلة لا تفقه شيئاً.
"آآآه، أنـ ـا تعبـ ـت واللـ ـه تعبـ ـت أووى يا مـامـ ـا."
أردفت "جميلة" كلماتها الممزقة المتقطعة من شهقات بكائها. بكائها الحاد الممزق لقلوب من رآها كذلك.
ربطت الأخرى على ظهرها للمرة التي لا تعرف عددها، وهي تتلو عليها آيات من القرآن الكريم، كتاب الله. آياته المطمئنة الساكنية للقلوب لأي شخص محطم.
كان قد مر الوقت عليهم وهم بالخارج معاً. دلف ثلاثتهم إلى المبنى صاعدين الدرج. كانت "وسام" تصعد بجانبهم وهي تبتسم ببلاهة، فتحدثت قائلة وهي تنظر لهم:
"انبسطت أوي إنكم جيتولي وكمان انبسطت بالخروجة الصغيرة دي. والأكتر واتبسطت وانتوا معايا يا ولاد الحلوة."
ابتسمـا لها الاثنان بحب. فتحدث "بسام" من بين ابتسامته وهو يقول بمرح:
"إحنا لينا إلا ويسوو الرخمة."
نظرت له بحنق، ثم وجهت نظراتها لشقيقها الآخر، وكانت نظراتها له وكأنها تقول له خذ حقي الآن يا رجل!
ابتسم لها "غسان" بثقة، ثم وجه حديثه للآخر، مردفاً بنبرة تحذيرية:
"متشتمهاش ياض عشان مزعلكش!!"
"أخويا ابن أمي وأبويا."
قالتها "وسام" بمرح مشاكس لهم، فضحك الاثنان بخفة. حتى تحدث "بسام" بضجر مصطنع:
"حاسس إن أنا مش أخوكم ومنبوذ من العيلة القاسية دي!!"
نظرا له الاثنين باستفزاز، وكانت نظراتهم له مماثلة. وصلا هم إلى الطابق الذي يوجد به شقتهم. خاصة أنه الطابق الثالث، وليس من الضروري أن يصعد جميع من في ذلك الطابق في المصعد المتهالك قليلاً.
أخرج "غسان" المفتاح من جيب بنطاله، ثم بدأ في فتح باب شقتهم. حتى فتحه ودلف الاثنين أولاً إلى الداخل بهمجية! وكأنهم أطفال! ابتسم هو على شكلهم. وكاد أن يدلف إلى الداخل حتى وجدها تخرج من باب الشقة المجاورة له. خرجت واتجهت نحو جزامة الأحذية كالمرة السابقة. وجدها تبحث من جديد في نفس ذلك المكان من قبل. ابتعد هو سريعاً حتى لا يصطدم به شيئاً كالمرة السابقة. ثم تنحنح بحنجرته وهو يقف خلفها. إلتفتت له "نيروز" ثم وجدته. فطالعته بحرج طفيف وهي تتجه بزاوية ما بعدما وجدته يقترب منها أكثر. أقترب منها هو ثم جذب الحذاء المألوف له قبل ذلك، من على المفرش المماثل له فاللون مرة أخرى، ثم وضعه أرضاً وهو واقف بمكانه، ووجه أنظاره لها قائلاً بثقة وثبات:
"كده أحسن. عشان متدوريش كتير!"
تنهدت هي براحة تأخذ أنفاسها. ثم تحدث قائلة بخفوت ممزوج بالإستغراب من ردة فعله:
"شـ ـكـ ـرًا."
أومأ لها بصمت ثم توجه من جديد ناحية باب المنزل الخاص به. فالتفت لها من جديد مرة أخرى فوجدها تحدق باستغراب في الحذاء أرضاً، ويبدو على خديها الحمرة القليلة.
تحدث قائلاً وهو يجلي حنجرته قائلاً بتساؤل:
"بيدق جامد ليه؟"
رفعت أنظارها تطالعه بارتباك من دقات قلبها المتسارعة من فرط حرجها. ثم بدلت نظراتها للتساؤل وهي تردف قائلة بهدوء:
"هو. إيه؟"
"قلبـ ـك."
حملقت به بصدمة حينما قالها الآخر ببساطة. أحقاً يسمع دقات قلبها المتسارعة؟ أتلك الدقات عالية تسمع؟ فلو كانت دقات القلب تسمع فبالتأكيد لكشف الخائن وعرف السارق. وظهـ ـر العاشق.
لم ترد عليه هي، بل ظلت محدقة ببلاهة من طريقته الغريبة في الحديث. وعلمه لأشياء بديهية. ولكن مهلاً، بديهية لمن هم أقرب إليها فقط. أما هو؟
فاقت من شرودها عندما اختفى من أمام أنظارها وهو يدلف إلى داخل منزله بهدوء. ثم أغلق الباب وهو يستأذن بصوت خافت وهادئ حتى لا يسبب لها الإحراج. تنهدت تأخذ أنفاسها براحة وهي تعقد حاجبيها كلما تذكرت الحوار ثم أردفت قائلة بغير وعي:
'غريب أوي!!'
اتجـ ـهت إلى حيث شقة عمها ثم دقت الجرس دقة واحدة وهي تطرق الباب طرقتين خافتتين. ثوانٍ فـ ـتح لها الباب من قـ ـبل زوجة عمها.
"عايده" !
"ادخلي يا نيروز تعالي، ادخلي يا بنتي جايه في وقتك!!"
دلفت الأخرى إلى الداخل بهدوء وهي تعقد حاجبيها بتساءل لزوجة عمها، فأجابتها الأخرى قائلة من بين دموعها المتحجرة بعينيها:
"ادخلي يا بنتي لجميلة، شوفيها، دي متخانقة مع أبوها وأنا روحت لها وبعد كده قالت لي عاوزة أقعد لوحدي، فطلعت وقفتلت على نفسها، ومش عارفة أعملها حاجة."
كانت تقول حديثها بحسرة وحزن على ابنتها، فـ هرولت "نيروز" إلى الغرفة بلهفة عندما استمعت لحديث "عايدة"، دقت الباب دقات متتالية، ولم يأتيها رد. دقت مرة أخرى ولم يأتيها رد آخر. كادت أن تفتح الباب حتى وجدته مغلق من الداخل.
فزعت هي وجال بخاطرها أنها ليس سوى أن الأخرى فعلت شيئًا بنفسها. ولكنها تنفست الصعداء عندما سمعت صوت شهقاتها من الداخل. فأشارت لزوجة عمها بأن تذهب هي إلى غرفتها تستريح. ثم وجهت أنظارها إلى باب غرفة الأخرى بحزن وهي تتحدث قائلة بخفوت حتى لا يسمعها عمها:
"افتحي يا جميلة! ده أنا نيروز. مش هتفتحيني؟"
لم يأتيها رد سوى صوت شهقاتها العالية التي تعلو أكثر مع الوقت.
"طب افتحي لي عشان خاطري. أنا اللي محتاجة لحضنك مش انتِ. انتِ أقرب حد ليا افتحي لي لو بتحبيني ومش عاوزاني أمشي مخذولة. لو بتحبيني! افتحي."
قالت حديثها وهي تبكي بصمت. استشفته الأخرى من الداخل واستسلمت أمامها. اتجهت "جميلة" لتفتح الباب من الداخل وهي تنظر للأخرى بعينيها الباكيتين. ثوانٍ
وارتمت "جميلة" بأحضان "نيروز" بقوة، وهي تسمح لانهيار ذاتها للمرة التي لا تعرف عددها إلى الآن. مرت الدقائق وهما يحتضنان بعضهما وكل منهم يخرج كل ما لديه من بكاء. كانا الاثنتان يحتضنان بعضهما كمن يتقاسمان الألم حتى لا يحمله أحد منهم بمفرده.
وكأن بكائهما وشهقاتهما العالية تقول بأعلى الأصوات لديها:
"تبًا لتلك القلوب التي تجرح دون أن يشعر بها أصحابها إلا بعد حين."
دخل إلى المبنى الذي يقطن به حتى وجد "شقيقه" الآخر يصعد بتثاقل على الدرج بخطوات غير موزونة. فأسرع له على الفور ثم صعد بسرعة سانداً إياه وتحدث بلهفة واضحة قائلاً:
"حسن مالك يا حسن أنت كويس؟"
نظر له شقيقه بأعين متثاقلة ثم أردف يهمهم قائلاً بنبرة تائهة:
"انت مالك؟ ابعد عني ملكش دعوة."
رد عليه "حازم" بنبرة منفعلة قليلاً:
"يا خي فوق بقا من اللي انت فيه ده!" تنهد قائلاً بنبرة أهدأ من ذي قبل بعد ثوانٍ:
"حاضر هبعد بس لما أوصلك الشقة الأول في حالتك دي!!"
نظر له "حسن" بصمت ثم بدأ هو بمساندته حتى وصلا إلى الطابق الخاص بهم ثم ترك أخيه يستند على الحائط بجانب باب شقتهم ويسنده هو أيضاً من الناحية الأخرى ثم مد يده ليرن الجرس ومن بعدها دق الباب عدة دقات متتالية خلف بعضها حتى أنها كانت عالية نسبياً!
ثوانٍ وفتحت لهم "زينات" التي ما أن رأت حاله ابنها شهقت شهقة عالية لتمد يدها تتلمسه كمحاولة الاطمئنان عليه قائلة بلهفة وخوف واضح:
"حسن يا ابني! حصـلك ايه يا حسن رد عليا!!"
وجهت أنظارها الحادة لهذا الذي يقف بجانبه ثم نظرت له نظرة حادة قائلة بجمود:
"عملتله ايه عملت لابني ايه؟!"
لم يهتم لها هو ثم أسند شقيقه إلى داخل شقته الآخر، متجاهلاً حديثها حتى أسنده على الأريكة التي توجد بالصالة ومن بعدها التفت هو ينظر من ورائه ليجدها مازالت تنظر له نظرات حادة تخرج شرر من أعينها وتعابير وجهها المتشنجة!
تحدث هو بهدوء ممزوج بالبرود محاولاً التحكم بأعصابه:
"أنا مش محتاج أقولك إني معملتش لابنك حاجة ده هو اللي عامل في نفسه."
نظرت له بحده ثم تحدثت بنبرة منفعلة عالية قائلة وهي تجيبه على حديثه:
"انت تبعد عن ابني وملكش دعوة بيه فاهم! سيبوه في حاله أنا عارفة إنك بتكرهه تلاقي أمك اللي مكرهالك فيه، مكرهالك في ولادي."
رد عليها "حازم" بثبات:
"ابنك أنا لو سيبته لحاله أصلاً، هيروح خالص."
ثم أشار على شقيقه وهو مسطح على الأريكة غافل الأعين.
ليردف قائلاً مرة أخرى:
"ايه مش واخده بالك! وأه معلش أنا أمي مبتكرهنيش في حد لأن ببساطة مربتنيش على كده زي ما حسن وفريدة طالعين ماشاء الله يعني العين عليهم جامدة."
نظرت له بازدراء بعد حديثه لينتبهوا هم لتلك التي تتجه إليهم مسرعة من أثر الصوت والفوضى في منزلهم وما أن رأت شقيقها متسطح على الأريكة ويبدو عليه التعب والإنهاك!
فتحدثت "فريدة" باستغراب مما يجول حولها قائلة بلهفة:
"فيه إيه يا ماما وماله حسن نايم كده ليه؟"
لم تتفوه والدتها بكلمة بل ظلت تنظر لهذا الذي يقف أمامهم فتحدث "حازم" قائلاً بسخرية وهو ينظر لشقيقته:
"لا مفيش، أصلي مليش دعوة زي ما أمك بتقول وابقى خلي بالك من أخونا بقا."
توقف هو عن الحديث ثوانٍ ليكمل قائلاً بسخرية:
"قصدي أخوكي."
ثم تركهم ورحل من الشقة بأكملها تحت نظرات شقيقته المستغربة لعدم فهمها الحوار الذي دار بينهم. ونظرات أخرى مشتعلة حانقة غاضبة من تلك التي تسمى زوجة والده!
اتجـه هو ناحية شقته ثم أخرج المفتاح وهو يضعه بغير اهتمام. ودلف إلى الداخل ثم صفع الباب من خلفه كردة فعل لكبت أعصابه على الأخرى. دلف إلى الداخل كان المكان هادئاً إلى حد ما. انتبه هو لصوت همهمات وشهقات من غرفة شقيقته. عقد حاجبيه وهو يتجه إلى الغرفة. فوجدها تبكي والأخرى تجلس بجانبها بحزن. اتجه بلهفة إلى الداخل وهو ينظر لها قائلاً بخوف لاهف:
"جميلة! مالك يا جميلة!"
رفعت "جميلة" أنظارها تطالع. صدم هو عندما رأى عيناها الحمراء الداكنة المتورمة! نظرت له والدموع تهبط على خديها بصمت. اتجه لها هو سريعاً ثم جذبها إلى أحضانه بقوة وهو يهدهدها رابطاً على ظهرها بقوة فتحدث قائلاً لها بصوته المختنق المتحشرج:
"اهدئ يا حبيبتي. اهدئي يا جميلة. بسم الله. بسم الله!!"
قالها وهو الآخر مختنق بنبرته وهي تبكي بانهيار في أحضانه. وكأن دموع عينيها كانت مخزونة إلى وقت محدد وحان لذلك اليوم بالانفجار. نظرت لهم الأخرى بأعينها المكتوم بها الدموع. انسحبت "نيروز" بهدوء من الغرفة تاركة لهم المساحة الكافية لأخذ راحتهم في البكاء وإخراج ما بداخلهم. انسحب متوجهاً إلى باب المنزل تدلف من خارجاً حيث شقتها هي.
ظلت الأخرى تبكي بأحضان شقيقها والآخر يضمها بقوة بأحضانه رابطاً على ظهرها بود.
تحدث "حازم" وهو يخرجها من بين أحضانه ليجلسها على فراشها بهدوء:
"مالك يا جميلة؟ مالك إيه اللي حصل لك؟"
طالعته والدموع تهبط منها بغزارة ثم تحدثت بين شهقاتها المتقطعة الممزقة لقلب الآخر حتماً:
"ليه بيعمل فينا كده ليه؟ أنا تعبت يا حازم أنا لسه محتاجاه والله العظيم غصب عني بس مهما حصل أنا محتاجاه."
صمتت من بين حديثها لشهقاتها المتقطعة ثم عاودت الحديث مرة أخرى ببكاء:
"حتى. حتى لو انت بتحاول تملي مكانه. بس بردو لسه مكانه فاضي. لسه فاضي والله العظيم."
ومحدش هيقدر يملاه غيره!
قالت كلماتها بانهيار، إحساس المهانه والكسرة كان يظهر في كل حرف كانت تخرجه هي من بين حديثها. حروف وكلمات خرجت من هذا القلب المتهالك مباشرة.
فهم هو مخزي كلماتها وحديثها. نظر لها بخزي، نظرات خائبة الأمل والرجاء من الآخر. هز رأسه بمعنى الاطمئنان لها وهو يأخذها بأحضانِه وخرج منه حديثه المتحشرج وهو يقول:
"أهدى، أهدي يا جميلة خلاص! بصيلي، محدش بياخد كل حاجة في دنيتنا دي. مش عاوزك تهلكي كل تفكيرك في المواضيع دي. مش كل الوقت شاغلة نفسك بـ دا. آه هو صعب بس انتِ قوية وقادرة تتحملي. انتِ عارفة لما تفكري بتوصلي نفسك ولنفسيتك لـ إيه! كلنا عندنا طباع وخصال موجودة فينا وثابتة كمان، يعني الأمل ميت إنها تتغير! هو كده مش هيتغير طباعه الجامدة ثابتة. ويمكن تتغير! الله أعلم! بس أنا عاوزك ترمي ورا ضهرك. فكري بشكل إيجابي في حياتك. أنا جنبك، أنا وماما. وكمان ياسمين. ونيروز، كلنا هنا معاكي! ومنقدرش نسيبك!"
نظرت له تطالعه بأعين حمراء من كثرة البكاء وهي تخرج من أحضانه! فهزت رأسها بهدوء لحديثه وهي تردف قائلة بخفوت:
"حاضر"
استقام هو ثم انحنى مرة أخرى ليطبع على مقدمة رأسها قبلة حانية بهدوء تزامناً مع حديثه لها قائلاً:
"ارتاحي يا جميلة. نامي وارتاحي الوقتي"
دثرها جيداً بالغطاء وهي تعتدل لتتسطح على الفراش. ثم انتهى وخرج من الغرفة، غالقا الباب خلفه بهدوء. خرج بعدم اقتناع لحديثه معها منذ قليل! يفكر متى سينتهون هم من هذا العذاب النفسي!! يفكر ماذا لو كان الآخر حنوناً معهم. بالطبع لن يحدث كل ذلك!
***
كان يجلس هو وشقيقه ووالديه بصالة المنزل أمام التلفاز يشاهدونه. والأخرى في غرفتها التي ما إن أتت من الخارج دخلت لتذاكر دروسها!!
تحدث "حامد" وهو يوجه أنظاره لأولاده قائلاً بحنق:
"وإنتو بقا هتفضلوا قاعدينلي كتير كده! عاوز أتغزل في مراتي لو سمحتم."
طالعته هي بخجل، تزامناً مع نظرات أولاده الضجرة له!!
"مش كبرنا يا حج على الغزل والبتاع ده!"
قالتها "دلال" بخجل وهي تنظر له، رامشة بأهدابها!!
جاءهم صوته وهو يجيبها قائلاً:
"كبرنا ده إيه يا أم غسان يا عسل! طب والله انتِ اللي يشوفك ويشوف بنتك يقول إن انتِ الصغيرة! ده انتِ لسه بخيرك ولسه عسل زي ما انتِ."
ابتسمت له هي بحب، مع نظرات الاشمئزاز لكل من "بسام" و"غسان".
وجه "حامد" أنظاره المستفزة لهم حتى يثير حنقهم أكثر وأكثر.
"جرا إيه ياض انت وهو! إنتو مش شايفين إن فيه رومانسية هنا! كل واحد ياخد بعضه ويختفي من هنا يلا!"
نظر له "غسان" وهو يتحدث قائلاً له بثبات ممزوج بالسخرية:
"الرومانسية بتاعتك دي عفى عليها الزمن يا حامد!"
بدل "بسام" نظراته للهيام وهو يدرف قائلاً:
"طب ونبي لتقولها تاني كده (يا ام غسان!) بدوب هنا والله!"
نظرت لهم "والدتهم" بخجل، والآخرون تعلو ضحكاتهم بقله حيلة من الآخر!! خرجت "وسام" من غرفتها وهي تقف أمامهم بصمت وبشعرها الغير مرتب. تمسك القلم بيديها ثم تثاءبت وهي تضع يدها على فمها قائلة لهم بينما هم ينظرون إليها ببلاهة!:
"معلش يا جماعة بس أين يذهب الإنسان حينما يشعر أن جميع الأماكن لا تناسبه!"
قالت حديثها بجدية مرحة مضحكة وهي تحك رأسها بتفكير!! تجعل من يراها تتحدث كذلك بذلك المنظر يضحك عليها!
طالعها "حامد" بتمعن، ثم أردف قائلاً بتلقائية وهو يفرد ذراعيه لها:
"لـحضن أبـــوه"
ابتسمت باتساع وهي تتجه مسرعة له، تدخل بين ذراعيه، لتستكين بين أحضانه براحة وهي تتحدث قائلة بمرح:
"البوب حبيبي وحبيبنا كلنا وعم الناس والله"
اعتلت ضحكاتهم جميعاً عليها، فـتحدث "بسام" من بين ضحكاته بمرح قائلاً:
"حاسس إنك عاوزة تاخدي دش كده عشان شكلك مرعب بصراحة!"
نظرت له بحنق، فـتحدث "غسان" قائلاً بمشاكسة ماكرة للآخر:
"طب ما تبص انت يا دكتور! متخلنيش أقول ثانوية عامة كانت ريحتك بتطلع عليا إزاي!"
قهقه جميعهم على حديثه، تزامناً مع النظرات الحانقة من الآخر لشقيقه!
تحدث "غسان" بعد دقائق قائلاً:
"أنا داخل البلكونة شوية"
أومأو له جميعاً بالإيجاب تزامناً مع ذهاب الآخر مجدداً لغرفتها. فأصبح والداه وهو بمفردهم، فـتحدث "بسام" قائلاً بتساؤل مـرُح:
"إيه يا كتكايت الحب مش ناوين تطيروا إنتو كمان!"
"بس ياض"
"رايحين ننام يا حبيبي تصبح على خير انت بقا"
أردف كل من والده ووالدته مع الترتيب حديثهم، ثم اتجها معاً إلى حيث غرفتهم، والآخر يضع يديه على كتفيها بحب بالغ وهما يستندان بعضهما براحة إلى الغرفة.
نظر هو بأثرهم بحنان، ثم نظر حوله بريبة مصطنعة وتحدث قائلاً براحة وهو يجلس بأريحيه على الأريكة قائلاً بخبث:
"حلو أوي. كده الواحد يفتح إم بي سي 3 على رواقه!!"
***
"تطمئنني عينيك بأن كل شئ على ما يرام حتى وإن احترق العالم فأنت هنا وأنت عالمي."
ينظر كل منهم لسقف الغرفة وهما مـسطـحان على الفراش بجانب بعضهما. التفت هو برأسه لها يطالعها بعد وقت مر عليهما وهما كذلك. وجدها شارده ويبدو من نظرة عينيها التائهه للأعلى أن بها بعض الحزن. الذي استشفه هو. تنهد يأخذ أنفاسه وهو يتحدث قائلاً:
"سرحان في إيه يا جميلة؟ بتحبني زياده على حـبك ليا ولا إيه؟"
التفتت له تطالعه وهي تبتسم بخفة على حديثه. فتحدثت "ورده" قائلة بهدوء من بين ابتسامتها الواسعة:
"كده كده بحبك. ومبسوطة كمان أوي إنك هتنزل معانا مصر"
ابتسم لها تزامناً مع تنهيدته الواثقة وهو يردف قائلاً:
"بس حاسس إنك مش مبسوطة أوي. فيكِ إيه يا ورده!"
صمتت لثوانٍ ثم اردفت قائلة بهدوء:
"هو انتِ عارفني كده إزاي!!"
"أصلك ورده! والورد مبيلفش ويدور. لو حزين بيدبل علطول ويبان عليه! ولو مبسوط بيبقى مـبهج والأنظار كلها عليه!"
قالها وهو يعتدل على الفراش يجلس عليه وهو يطالعها بسهام عينيه الحنونة!!
ابتسمت له باتساع وتأثر، وهي الأخرى تعتدل جالسة بجانبه. طالعها هو مجدداً بنظراته يطالبها بإخراج ما بها!
نظرت له بتردد ثم تنهدت، تأخذ أنفاسها قائلة:
"كنت بكلم ياسمين وقالتلي إن نيروز مش متظبطة ومش أحسن حاجة يعني مبقتش زي ما كانت بقت بتتزهق كتير ومش بتقعد دايماً معاهم. تفتكر بترجع لنقطة الصفر؟"
جاءها نبرته الهادئة في الحديث وهو يقول:
"هو أنا ممكن أقولك حاجة ملهاش علاقة بالسؤال. وهي إن نيروز دايماً بتخافوا عليها وتعاملوها بطريقة زيادة عن المألوف شوية. يا حبيبتي كل واحد وليه طاقة معينة. وأنا شايف إن مش لازم كل شوية تبينوا قلقكم عليها لأن كده أصلاً مش بيخليها تتقدم لقدام. وعلفكرة هي كويسة وقوية كمان بس محتاجة تدي لنفسها الفرصة مش حد غيرها خالص. عشان لما تبدأ تبدأ صح من تاني! كلنا بيجيلنا وقت بننهار باختلاف المدة اللي بتقعد عندنا كل شخص وعلى حسب قوة تحمله. ونيروز شخصية إن شاء الله تستحمل. عاوزك متشيليش هم كل حاجة على قلبك. وأنا محتاجك تفكري في كل حاجة بنظرة تانية غير المعتادة عندك! عشان تعرفي تعيشي وتتحملي"
كانت تستمع إلى حديثه باهتمام. فتنفست بعمق ثم تحدثت قائلة بهدوء:
"مش عارفة يا بدر! صدقيني نيروز بتتحمل كتير بس عند نقطة معينة وبتنفجر لما طاقتها بتخلص بتبقى شخص تاني. حاسة من كلام ياسمين إنها خلاص على آخرها!"
وكمان عمي، أنا كل شوية بفكر في كلام عمي ليها لما ياسمين قالتلي هو قالها إيه. قالها كلام محدش يستحمله، الغريبة إنها ساكتة على طول، مدتش رد فعل. دي حاجة تقلقني، هو أخ مش دايماً بتدي رد فعل، بس المرادي قال كلام صعب، وأنا وياسمين، وهي اللي عرفناه، يعني لما ماما عرفت معرفتش هو قالها إيه. متخيل تكون شايلة كل ده وساكتة.
"أنا حاسس لما ترجعي وتروحلهم الدنيا هتتحسن لما يشوفوكي. صدقيني كل حاجة هتبقى تمام، والأجواء هتتغير كده من الكبت للفرحة لما تروحلهم بعد غياب. بالنسبة لعمك، فأنا مش حابب أتكلم بحاجة تخصه، لأن انتي عارفة."
قال حديثه وهو ينظر لها بعمق عينيها الخضراء، وهو يمسك يديها يدلكها بحنان بالغ. ابتسمت هي له وهي تنسحب داخل أحضانه الدافئة. فتنهد هو بعمق يأخذ أنفاسه بشرود.
جاءه صوتها بعد دقائق وهي تتحدث قائلة بثقة:
"أنا متأكدة إنك أنت كمان شايل في قلبك وساكت، مش هتحكيلي أي حاجة."
تنهد يأخذ أنفاسه وهي في أحضانه ثم تحدث قائلاً:
"شيل هم الأخوات ده صعب على فكرة، حاسس بيكي. أنا كمان مش أحسن حاجة. آدم بقاله كتير مبيكلمنيش، ومكمل في طريق هلاكه لنفسه برضه! حتى مراحش لعمي يزوره، ولا حتى أختي راحتلهم لسه. بس أختي أنا مقدر إنها مش بتعرف تخرج عشان البيت وجوزها وحماتها. أنا من الآخر يا وردة حاسس إننا متفككين كده، أو مش عارف."
خرجت من أحضانه بهدوء وهي تبتسم قائلة، محاولة بث الأمان له:
"إيه رأيك لما ننزل نحاول نلم الشمل ونعمل حاجة مختلفة ونتجمع كلنا؟ حاسة إن هيبقى فيه فرق، ولا إيه رأيك؟ متأكدة إن كل حاجة هتبقى تمام. وأختك ظروفها معروفة. حتى آدم في جانب كويس غير إنه طيب، صدقيني هيبقى تمام. أنت أحلى أخ بجد وأحلى حبيب وأحلى أب يا بشمهندس."
ابتسم لها بحنان وهو يومئ لها بالإيجاب تأييداً لحديثها، ثم طبع قبلة على خديها بخفة. فتحدثت هي من جديد بعد ثوانٍ قائلة وهي تسمع صوت بكاء "يامن" من الغرفة الجانبية:
"شفت أهو كده كملت، هروح أشوفه يمكن ييجي يحكيلنا أحزانه هو كمان."
اعتلت ضحكاته على حديثها وهو ينظر بأثرها عندما هبطت من على الفراش متجهة ناحية باب الغرفة تخرج منه بقلة حيلة.
***
كان قد مر الوقت وكانت هي تجلس شارده في حالة ابنتها تفكر بها وبانهيارها بأحضانها منذ وقت مر. انتبهت له وهو يدلف إلى داخل الغرفة بعدما أتى من غرفة المكتب الخاصة به. نظر لها ثم تحدث بغير اهتمام وهو يقول:
"صاحية ليه؟"
نظرت له "عايدة" بصمت ثم أردفت قائلة باقتضاب:
"مفيش!"
قلب عينيه بملل وهو يتجه ناحية المرحاض الداخلي بالغرفة. فقاطعت هي سيره بنبرتها الآمرة:
"استـنـى!"
التفت لها يطالعها بتساؤل. نظرت له بتردد. كادت أن تواجهه مدافعة عن ابنتها، يحترق قلبها عليها، ولكنها لا تستطيع المواجهة.
تحدثت قائلة بتردد محاولة تغير ما كانت تنوي قوله:
"إحنا معزومين بعد بكرة يوم السبت عند دلال واستاذ حامد."
"مش فاضي ورايا شغل."
قالها باقتضاب. فتحدثت هي مرة أخرى قائلة بهدوء:
"لازم نعمل الواجب طالما اتعزمنا."
"وأنا قولتلك يا عايدة إني مش فاضي، روحي انتي."
قالها وهو يتجه مرة ثانية إلى المرحاض. فتحدث قائلاً مرة أخرى وهو يدلف إلى الداخل:
"وقومي طلعيلي هدوم البسها عشان رايح لزينات."
نظرت له وهو يغلق الباب خلفه. نظرات معاتبة. خائبة الرجا والأمل من تصرفاته الدائمة معها ومع أولادها.
***
"يعني مش هتقوليلي إيه قافل مزاجك؟"
نظرت "نيروز" لشقيقتها قائلة بهدوء وهي تبتسم بسمة صغيرة متكلفة:
"عادي يا ياسمين مفيش حاجة."
نظرت لها "ياسمين" ثم تحدثت قائلة وهي تطالعها بتمعن:
"أنا حازم قالي، وعارفة إنك زعلانة عشان جميلة. نفسي مرة أسألك وتجاوبيني إيه مزعلك بجد."
"مش حابة أتقل عليكي."
قالتها "نيروز" بتلقائية. فتحدثت الأخرى قائلة:
"والدموع المحبوسة في عينك دي مش ناويه تنزل وأنا موجودة جنبك عادي، ولا انتي هتعيطي خلاص؟"
هربت هي بانظارها وهي تنظر لأي مكان غير عينين الأخرى. نهضت "ياسمين" تقف ثم تحدثت قائلة بتفهم لحالتها:
"هسيبك تقعدي مع نفسك زي ما انتي عايزة، بس أنا موجودة في أي وقت ونفسي نتشارك الزعل سوا."
رفعت "نيروز" أنظارها تطالع أثرها وهي تذهب من أمامها بعدما قالت حديثها وذهبت.
استقامت لتقف متوجهة حيث مكانها المفضل في الشرفة.
دلفت إلى داخل الشرفة ثم وقفت، رفعت رأسها بأسى وهي تنظر إلى السماء بشرود.
وفي تلك اللحظة كان الآخر يقف نفس وقفتها تلك في الشرفة الجانبية لها. نظرت هي بعينها العسليتين إلى السماء، تنظر بتمعن وكأنها هي من تحتضن السماء بأعينها.
"في معلومة بتقول اللي بيبص للسما كتير يا إما بيحب يا إما فقد شخص غالي عليه."
التفتت منتفضة حينما جاءها صوته. التفتت تنظر لهذا الواقف فوجدته يقف نفس وقفتها وهو ينظر إلى السماء وكأنه لم يقل شيئاً قبل عدة ثوانٍ.
خرج منها صوتها الخافت وهي تقول بتردد:
"بس أنا مش.. بحب."
قالتها ببطء خافت لتجيبه على حديثه. فالتفت هو بأنظاره لها يطالعها. فـتنهد غسان يأخذ أنفاسه ببطء وهو يردف قائلاً:
"سابك غالي عليكي."
نظرت له بصمت وهي تهز رأسها بالإيجاب. فجاءها صوته وهو يجلي حنجرته قائلاً بثبات:
"عارفة أحلى حاجة ربنا قالها إيه عن الموت؟"
نظرت له بصمت، ولكنه ممزوج بالفضول. جذبها حديثه. هزت رأسها بتساؤل له دون وعي. فنظر هو لها من جديد قائلاً بعقلانية:
"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۚ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ."
جاءه صوتها وهي تجيبه قائلة بتأثر:
"صدق الله العظيم."
"الدنيا دي محدش بيديم فيها للتاني. فبنِموت عشان نبقى لبعض ومع بعض في الآخر طول الوقت، فاهمة حاجة؟"
توترت حينما فهمت إلى ما هو يرمي لها بحديثه. تسارعت دقات قلبها بسرعة وهي تفرك بيديها بهدوء. فـتحدث "غسان" من جديد قائلاً مرة أخرى بتساؤل:
"قلبك بيدق جامد ليه؟"
نظرت إلى الجهة الأخرى بحرج ثم صمتت لثوانٍ. وأردفت مرة أخرى بتساؤل لإرادتها بأن تعلم من صاحب تلك المقولة تحديداً، أهو أم توأمه الآخر، أصبحت لا تفهم شيئاً؟!:
"هو.. هو انت مين؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة لاحت على شفتيه بالطبع لن تراها هي بوضوح لظلام المكان من حولهم، أو بمعنى أصح تلك الإضاءة الضعيفة.
"عاوزة تعرفي أوي؟"
نهرت نفسها لتسرعها وهي تسأله ذلك السؤال. بالطبع كانت تريد أن تعلم من هو صاحب تلك الكلمات الهينة، أهو نفسه من رمت حذائها ليصطدم برأسه، والذي اعتذرت له أكثر من مرة، أم الآخر؟ أم من؟
"عن اذنك."
قالتها سريعاً بخجل وهي تتجه ناحية باب الشرفة تخرج منه. وقبل أن تضع قدميها خارجها جاءها صوته وهو يجيبها قائلاً:
"لو عاوزة تعرفي فأنا اللي دماغه لسه وارمة من جزمتك! أنا غسان المبطوح منك!!"
ابتسمت تلقائياً وهي تخرج من الشرفة، حتى تحولت البسمة إلى ضحكة خافتة وهي تتذكر ذلك الموقف معه.
اعتدل في وقفته هو الآخر وهو يمسك زجاجة المياه الباردة ليشرب منها.
كعادته، فهو يعشق شرب المياه المثلجة الباردة في كل الأجواء، حتى وإن كانت غير مناسبة، وخاصة في ليالي الشتاء القارصة.
***
"صديق السوء دائمًا يدعوك للفساد، فبعض الأصدقاء في الحقيقة هم أعداء، ولكن يا ليتنا نشعر قبل فوات الأوان!"
"مش شايف يا شريف إنك زودت قوي على حسن وخلّيته يتقل في الشرب؟ ده ماشي، مش شايف قدامه!"
وقف آدم بهذه الكلمات وهو ينظر للآخر بتمعن وترقب.
نظر له شريف بغير اهتمام وهو يتحدث قائلاً:
"أنا عزمت وهو داس قوي، يعني مليش فيه! ولا أنت قلبك رهيف وخايف؟ وبعدين ما كلنا في الهوا سوا، مالك!"
نظر له آدم بقلة حيلة وهو يردف قائلاً:
"آه كلنا في الهوا سوا، بس أنت موصلتش لمرحلة حسن يا شريف! وبعدين ده بيجرّب وبيشرب أي حاجة وخلاص من غير ما يعرف. ده مبيقولش لأ، يعني متضغطش قوي في العزومة عليه!"
"متقلقش عليه يا خويا، هو أصلاً مسطول لوحده!"
قال شريف حديثه بتهكم وهو ينظر للآخر.
تنهد آدم بقلة حيلة ثم صمت هو الآخر، لا يعلم ماذا يجيب من تصرفات صديقه.
***
مر الوقت وذهب هو إلى شقته حيث زوجته الثانية.
تحدث سليم قائلاً وهو يجلس بجانب زوجته على الفراش:
"حسن جه من بره؟"
نظرت له زينات بتردد وهي تتحدث قائلة:
"آه، آه يا خويا جه ونايم كمان من بدري جوه. في حاجة ولا إيه؟"
بالطبع سألته هذا السؤال ترقبًا وخوفًا من أن الآخر قد قال لوالده شيئًا مما حدث مهما منذ وقت.
"لا مفيش."
تحدثت هي قائلة من جديد تحاول سب أغواره لموضوع ما:
"مالك كده سرحان؟ بتفكر في إيه؟"
أجابها قائلاً بهدوء:
"متشغليش بالك."
نظرت له زينات بخبث قائلة:
"مشغلش بالي إزاي بس يا خويا؟ قول لي إيه شاغلك؟ يكونش البت ياسمين ولا نيروز عندهم حاجة!"
قالت حديثها بمكر حتى تجعله يأتي بحديث معين هي تريده أولاً بالأساس.
"فكرتيني بالمحروسة، قال إيه عاوزة تنزل تشتغل ولسه مدتهاش موافقة لحد دلوقتي."
ردت عليه زينات، قائلة بهدوء مصطنع عكس ما يجري بداخلها:
"وماله يا سليم؟ ما تنزل تشتغل. إحنا يعني خسرانين! خليها يا خويا تغور والرجل تخف عند بنتك. ما هو دي تروح لـ دي وبنتي في النص وحيدة! سيبها مش خسران أنت حاجة. ده إحنا ممكن نبقى كسبانين، يمكن العروسة تحن وتوافق على حسن من تاني، الله أعلم!"
فكر هو بحديثها وأنساق وراء ما كانت تريد هي من البداية. رد عليها قائلاً بتفكير:
"تفتكري؟"
بالطبع كبتت الحقد والغل بداخلها وهي تجيبه بـ:
"ومفتكرش ليه؟ اسكت خلي نخلص!"
"طيب هبقى أقولها تنزل."
قالها بغير اهتمام مما جعل الأخرى تبتسم بانتصار وغِلّ بان واحد.
"قايمة راحة المطبخ وجاية تاني أعملك شاي؟"
نظر لها وهي تستقيم ناهضة، ثم تحدث قائلاً:
"لا مش عاوز."
خرجت وهي ممسكة بهاتفها إلى خارج الغرفة، ثم فتحت صفحة الرسائل الخاصة بها وضغطت على الصفحة الخاصة لـ "ياسمين".
دقيقتان ثم أرسلت لها رسالة محتواها:
"بداية لموافقة عمك. مبروك من برا قلبي."
أرسلت الرسالة ثم أغلقت الهاتف بغل وهي تتجه مرة أخرى إلى الغرفة تكبت حقدها من جديد.
***
كانت جالسة تبعث بهاتفها بغرفتها بملل، تقوم بإرسال رسائل لـ "حازم" تارة وتتصفح هاتفها تارة.
جاءها إشعار يعلن عن قدوم رسالة ما.
نظرت هي إلى مرسل الرسالة فوجدتها زوجة عمها.
فتحت الرسالة ثم قامت بقراءتها بسرعة.
سريعًا ما لاحت على شفتيها ابتسامة الانتصار المتلذذة.
ثم قامت هي بالضغط على لوحة المفاتيح الإلكترونية لتقوم بالرد على محتوى رسالة الأخرى:
"أكيد هتبقى من برا القلب، أنت للصدفة الحلوة معندكيش قلب أصلاً يا مرات عمي."
ضغطت بالإرسال بعدما وضعت رمزًا تعبيريًا كقبلة لتثير حنق الأخرى.
ثم وضعت الهاتف تحت الوسادة على الفراش وهي تبتسم بانتصار وكأنها انتصرت في معركة للتو.
***
مر الوقت عليه وهو يقف في الشرفة.
عقد العزم أن يخرج هو منها.
دلف غسان بخطوات بطيئة إلى خارجها متوجهًا حيث صالة منزلهم.
فوجد شقيقه يجلس بأريحية على الأريكة الطويلة التي توجد بالصالة.
كان الآخر مندمجًا في مشاهدة التلفاز أمامه.
فاتجه غسان ليجلس بجانب شقيقه بسام.
ثم التفت له ووجه أنظاره للآخر.
"خش لى كده شوية ونيم الكنبة دي خلينا ننام عليها."
قال غسان حديثه للآخر وهو يجذب الغطاء بيديه من المقعد الذي بجانبه بذراعيه فقط.
انتبه له بسام ثم نظر له مبتسمًا وهو يقول:
"أشطا، ويلا اتفرج معايا."
فرد الآخر الغطاء عليهما بعدما تسطحا على الأريكة بوضعية النوم.
"إيه ده يالا!"
هتف بها غسان باستنكار للآخر وهو ينظر لشاشة التلفاز.
"دي دورا."
قالها ببساطة وهو يحرك كتفيه باللامبالاة مثبتًا أنظاره على شاشة التلفاز من أمامه.
"العــامــيــه!!!"
هتف بها غسان بصوت عالٍ نسبيًا بملامحه المستنكرة الممزوجة بالسخرية من شقيقه.
هز له بسام رأسه بمعنى التأكيد لسؤال شقيقه المستنكر.
نظر له غسان بصمت بتعابير وجهه الخالية، ثم ثوانٍ ومد يده للآخر وهو يحدثه بلهجة آمرة:
"هــات الـريمـوت."
"ولو مجبتوش يابو الغساسين!"
قالها بسام بمراوغة وهو يبتسم بعبثية للآخر.
ابتسم له غسان ببرود وهو يهتف قائلاً بثبات:
"بـراحتك."
عقد الآخر ما بين حاجبيه بتساؤل وهو يرى شقيقه يهتف تلك الكلمة.
وسرعان ما قام على فجأة ثم جلس فوقه ببرود وكتم أنفاس الآخر وقام بربط يديه باحتراف وهو يأخذ من بين يديه عنوة.
كان يتحرك بسام بعنف وهو يهتف بهلع للآخر:
"خلاص، خلاص أنا آسف يا غس والله."
"وقتك خلص، ابدأ ضرب منين؟ انطــق!"
نظر بسام لشقيقه بتعابير وجه ضاحكة ممزوجة بالخوف، فتحدث الآخر بترجّي:
"ونـبى لا، خلاص، خلاص يا بو الغساسين بقا."
في تلك اللحظة كان قد خرج والدهم من الغرفة متجهًا حيث المطبخ حتى يأتي بزجاجة مياه.
توقف حينما رأى ذلك المنظر من أمامه، شاهقًا شهقة عالية نسبيًا مردفًا بـ:
"آه يا رخاص يا ولاد الكلب!! ... بتعمل إيه يازبالة أنت وهو!!"
نظرا له الاثنان بتعابير وجه مصدومة، فتحدث بسام سريعًا محاولاً شرح الموقف:
"بابا!! متفهمناش غلط!"
هزه غسان بقوة وهو يبرك فوقه يتحدث معنفًا شقيقه:
"انت متخلف!"
"انت كده بتثبتلي إنك غبي!"
"بثبت له إيه يا زبالة يا رخيص انت وهو!"
نظر الاثنان لبعضهما ثم وجهوا نظراتهم لوالدهم، ثم ثوانٍ وانفجرا كلاهما بالضحك عالياً.
"بتضحك؟ بعت نفسك بكام يا دكتور يا رخيص؟"
قالها "حامد" باشمئزاز معنّفاً "بسام".
ابتعد "غسان" عن شقيقه بسرعة عندما انتفض الآخر مدافعاً عن نفسه وهو يقول:
"والله يا حج ما في حاجة، انت ظالمنا، افهمنا بس."
"اخرس يا كلب، يعني دكتور وكمان رخيص يا كلب!"
قهقه "غسان" عالياً، خاصةً أنه يعلم أن والده يمزح بالجدية الزائفة فقط لإثارة حنقهم.
وجهوا جميعاً نظراتهم لبعضهم بصمت لمدة دقيقة، ثم ما أن انتهت تلك النظرات وانفجر الجميع بالضحك عالياً، تزامناً مع برك "بسام" أرضاً من فرط ضحكاته العالية الرنانة.
تحدث "بسام" من بين ضحكاته وهو يقول بحب مازحاً:
"وربنا يا حامد دماغك دي! إيه بس دمك زي العسل."
هندم والده ملابسه ثم عدّل من وضعية ياقته الوهمية بغرور وهو يهتف بـ:
"منا عارف يا ضنايا دمى خفيف مش يلطش زيكم!"
ضحك الاثنان عليه بخفة وهو يقف أمامهم، وكانت ضحكات ممزوجة بحب العائلة السوية القوية. عائلة بذلت قصارى جهدها ليحصد مالكها زرعها النقي النظيف كنتيجة لزرعه بعد تعب وبذل الجهد.
ظلوا ينظرون لبعضهم بالضحكات المرحة وهم يتحدثون مع بعضهم بمشاكسات ضاحكة كلاهما، يتبادلون جميع النظرات الجيدة الدائمة مهما مر العمر، ولكن النظرة الدائمة لهم تكمن دائماً بدفء الحب.
رواية عودة الوصال الفصل التاسع 9 - بقلم سارة ناصر
جاء اليوم التالي وكان يوم عطلة، نهاية الأسبوع يوم الجمعة. في وقت ما بعد أداء الصلاة تحديداً، بعدما خرج الثلاثة من المسجد، كانوا يسيرون بجانب بعضهم. أمامهم كورنيش البحر والمقاعد التي في بعضها أشخاص وأخرى فارغة، والهواء الخفيف المنعش للروح مع ذلك المنظر الذي يقوم بتطاير خصلات شعر كل منهم. تأمل كل منهم تفاصيل المكان، والبعض غارق بالذكريات.
تنهد "حازم" يأخذ أنفاسه بعمق ثم أردف بتذكر قائلاً بابتسامته الصغيرة:
"فاكرين لما كنا بنستنى بعض اليوم ده وكل جمعة كنا بنجرب مسجد مختلف؟"
وجه الاثنان نظراتهم له، فتحدث "غسان" قائلاً بتذكر:
"أيام ما تتنساش يا صاحبي!"
ابتسم الآخر له بود، ثم جاءهم صوت "بسام" وهو يجيب الأول قائلاً:
"طبعاً فاكرين يابو الحزايم، وأدينا فضينا اهو بقا من الأيام اللي فاتت وننزل نعمل الذكريات دي كل شوية بقا، إحنا ورانا إيه يعني؟"
ابتسموا بخفة على حديثه، فتحدث "غسان" قائلاً بسخرية من حديث الآخر:
"ورانا إيه؟ المستشفى والعيانين بتوعك بيبكوا في الزاوية."
اعتلت ضحكات الاثنين معاً على حديثه، فتحدث "حازم" من بين ضحكاته مردفاً بمرح:
"جرا إيه يا أبو الغساسين، ما تسيبه يا صاحبي يشم نفسه."
"بغض النظر بجد عن إننا فضينا، بس كانت أيام جميلة. وكمان أخوك حسن يا حازم لما كان بييجي معانا بالغصب منك عشان يصلي."
قال "بسام" حديثه بمرح خفيف، فابتسم "حازم" مردفاً:
"مشكلتنا اللي مش مقتنعين إنها طبيعية وبنزعل منها، إننا بنكبر. ياريتنا فضلنا صغيرين، مكنش حصل حاجات كتير. وحسن الله يهديه بقا."
فهم الاثنان ما يرمي إليه الآخر حديثه، الذي يردفه بحزن خفيف حتى وإن جاهد ألا يظهر في نبرته.
"كل حاجة وليها رجعة. قولي بقا عامل إيه في المحاماة والشغل!"
قالها "غسان" لتغيير مجرى الحديث، فتحدث "حازم" قائلاً بمرح:
"محاماة تحرق الدم."
"أومال لو شفتوا الكشف والحالات اللي تجيب النقطة عندي هتقولوا إيه!"
"طب بس، أومال لو شفتوا انتوا المقابلات الشخصية ولا المحاسيب الجدد اللي بتعامل معاهم. أنا بطلع عين أمي، ولسه هيطلع من أول يوم الحد في المكان الجديد."
نظر كل منهم إلى بعضهم بصمت لمدة ثانيتين، ومن بعدها انفجر جميعهم بالضحك على حالهما وحديث كل منهم الممزوج بالسخرية والتعليق على الآخر. فتحدث "بسام" من بين ضحكاته وبنبرة جاهد أن تخرج ثابتة من كثرة الضحك:
"ثانية يا جماعة، لا لا مينفعش. حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب."
قالها بنبرة مليئة بالضحك. فتحدث "غسان" يجيبه من بين ضحكاته:
"أبو العمل على اللي اختاره يا حبيب أخوك!"
قهقه ثانية لكل منهم على حديث الآخر الساخر، في جو يملؤه النفوس المحبة الناضجة، والباقية لكل منهم.
"والله زمان يا رجالة."
قالها "حازم" بحب وهو ينظر إليهم، بنظراته المحبة المرحبة، وكأنها نظرات ترحب بهم في كل مرة ينظر فيها إليهم.
---
تقف هي تنظر لشقيقتها بنفاذ صبر وهي تقف أمام المرآة تقوم بضبط حجابها للاستعداد للخروج، ووالدتهم تجلس أمامهم. قلبت "نيروز" نظراتها الموحية بنفاذ صبرها ووجهتها إلى والدتها، ثم عقدت ما بين حاجبيها عندما وجدت الأخرى يظهر على ملامحها الإجهاد.
"مالك يا ماما! شكلك مرهق كده ليه؟"
ابتسمت "سمية" ابتسامة صغيرة مكلفة وهي تردف قائلة بهدوء يبث للآخرى بعض الاطمئنان:
"أنا كويسة يا حبيتي متقلقيش. هبطانة بس شوية. خلوا بالكم أنتم من بعض ومن جميلة، هونوا عليها كده يا حبايبي."
"إحنا خارجين أساساً مش عشان نجيب لبس وحاجات ناقصة للفرح. أنا قولت كده عشان هي تيجي وتخرج وتفك عن نفسها."
أردفت "ياسمين" حديثها وهي تقف أمام المرآة تتطلع على مظهرها، فأومأت لها والدتها وشقيقتها تأييداً على حديثها.
نظرت "نيروز" لوالدتها قائلة مرة أخرى باقتراح:
"طب بقولك يا ماما أنا هقعد معاكي عادي. أصل شكلك هبطانة وأنا خايفة عليكي. أو بصي تعالي معانا ونكشف ونشوفك مالك بالمرة!!"
"خلاص يا نيروز أنا قولتلك يا بنتي هبطانة عادي مش حاجة. المهم إنتي متسبيش اختك لوحدها، خليكي معاها. وأنا هاخد علاجي اهو وهبقى كويسة متقلقيش!"
نظرت "نيروز" بتمعن لوالدتها وهي تردف كلماتها، ثم اضطرت في النهاية إلى الرضوخ لعرض والدتها. فنظرت لهم "ياسمين" وهي تلتفت برأسها إليهم، ثم أردفت قائلة بهدوء ثابت محاولة تغيير مجرى ذلك الحديث:
"روزي روحي شوفي جميلة خلصت ولا إيه، وأنا خلاص هلبس الجاكيت بس وأجيب الشنطة ووراكي أهو."
نظرت لها "نيروز" بحدة قائلة بتهكم:
"طيب ياريت متتأخريش عشان زهقت."
قالت حديثها ثم اتجهت خارج الغرفة. تأكدت "ياسمين" من خروج شقيقتها من الشقة بالكامل بعدما انتظرت بضعة دقائق، ثم اتجهت تجلس قبال والدتها وهي تردف قائلة بعدما أخذت أنفاسها بهدوء:
"إنتي شكلك تعبان فعلاً يا ماما ولازم نروح دكتور لأن كده مش هينفع. إنتي؟ إنتي مش بتاخدي علاجك؟"
جاءها صوت والدتها وهي تردف قائلة بهدوء:
"يا حبيتي باخده والله، بس معتش بيأثر زي الأول."
"طيب إعملي حسابك إننا هنروح نكشف لأن كده مينفعش. أنا حتى خلاص قربت أشك إن نيروز عرفت أو قربت تعرف وبقت شاكة فينا كأننا مخبين آثار. وبعدين بصراحة بقا يا سمية هتعرف ومسيرها تعرف!"
تحدثت "سمية" بلهفة واضحة من نبرتها، مسرعة تجيب على حديث الأخرى:
"لأ.. لأ متقوليلهاش حاجة يا يبنتي مش لازم ما إنتي عارفة!"
نظرت الأخرى لوالدتها بقله حيلة وهي تومأ لها بنعم، ترسم آلاف السيناريوهات في مخيلتها للحظة الحاسمة، وعلم شقيقتها بحقيقة مرض والدتها. مرض هي تهاب اسمه فقط. مرض توفى منه والدها الراحل أيضاً، التي ما إن عانت بعد غيابه لفترات، وأصبح كل مخاوفها الفراق ورحيل الأحباب من جانبها. أصبحت لديها وكأنها فوبيا الفقدان، خوف من فقدان أي شخص ما متعلقة به.
---
خرج من غرفته بعدما تجهز للخروج من منزله. اتجه بخطوات ليست ببطئه وليست بسرعة ليفتح باب المنزل. جاءه صوتها، صوت والدته "زينات" وهي تتحدث قائلة بغير اهتمام وبنبرة خافتة متهكمة بعض الشيء:
"وده رايح فين ده!"
نظر لها وهو يقف بمكانه ثم أردف "حسن" قائلاً بنبرة عادية ممزوجة بالسخرية الطفيفة:
"رايح أصلي الجمعة، إيه؟ مصليش؟"
لوت فمها بسخرية وهي تعلو ضحكاتها المستفزة قائلة بسخرية لازعة:
"جمعة إيه يا عين أمك! قول العصر بقا دول صلوها من زمان واتولد ناس ومات ناس وانت نايم زي السطيحة!"
نفخ "حسن" بنفاذ صبر قائلاً بتشنج:
"بقولك إيه ياما أنا مش فايقلك، أنا خارج، عايزة إيه من الآخر!"
"وأنا هعوز منك إيه يا روح أمك، سكة السلامة يا حبيبي."
تركها بعدما قالت حديثها، ثم فتح باب شقته ودلف منه للخارج بعدما صفع الباب خلفه.
اتجه عدة خطوات حتى لفت انتباهه تلك التي تقف أمام شقة والده وشقيقته، بجانبها يقفان بجانب بعضهما ويبدو أنهما ينتظران شخص ما.
لاحت نصف ابتسامة عبثية على شفتيه وهو يتجه أكثر لهم، ثم وجه نظراته نحو "نيروز" وهو يردف قائلاً بتلاعب:
"على الفين العزم."
"إن شاء الله من غير ما تقولي لي يا خطيبتي."
"رايحين مشوار يا حسن، وبعدين هي مش خطيبتك وخلصنا من الحوار ده!"
قالت جميلة حديثها قبل أن ترد الأخرى عليه.
نظر هو لشقيقته ثم أردف قائلاً بسخرية وبنبرة باردة:
"وانت بقا حامي حمى الديار وبتدافعي عنها؟ وبعدين انت مالك؟ أه لسه خطيبتي واركنيني فجنب كده يلا."
نظرت له جميلة بحدة وكادت أن ترد على حديثه، حتى بدأت نيروز بالتحدث قائلة بجمود:
"أنا مش خطيبتك يا حسن، أنا رفضتك افهم ده لو سمحت واحترمه."
"لا خطيبتي يا نيروز، واوعي تفتكري إني سايبك كده لحالك، لا مش عشان رفضتيني مثلاً. اسكت تؤ، فوقي!!"
نظرت له نيروز بارتباك، ثم حاولت أن تجيبه وأن تتحلى ببعض الشجاعة كما حفزتها شقيقتها. تحدثت مردفة بثبات مصطنع:
"لأ، موضوعنا خلص من زمان وأنا مش عاوزاك، من فضلك ابعد وشوف نصيبك في حتة تانية."
نظر لها بحنق وهي تردف تلك الكلمات التي تثير حنقه. وما أن انتهت، اعتلت نبرة جميلة وهي تحدث الآخر قائلة:
"سمعت يا حسن؟ شوف بقا انت كنت رايح فين بعد إذنك عشان الموضوع ما يكبرش!"
"موضوع إيه ده اللي يكبر يا جميلة؟ بتكلمي مين كده؟"
قالت ياسمين حديثها وهي تخرج من باب شقتها تغلقه خلفها، ثم اتجهت إليهم بخطوات ثابتة.
نظر لها حسن وهو يقلب عينيه بملل، ثم أردف قائلاً لها ببرود:
"موضوعي أنا ونيروز يا سوسو."
نظرت له ياسمين باشمئزاز وهي تردف قائلة بانفعال طفيف مكتوم:
"موضوعك أه قلت لي؟ لا يا حسونة، انت تشيل الموضوع ده من دماغك أصلاً. أقولك، هو أصلاً مفيش موضوع!"
قالت حديثها وشقيقتها تبتلع ريقها بترقب لما سيأتي، هي تعلم أن هذا المستفز وشقيقتها لا يتوافقان مع بعضهما. أما الأخرى فكانت تنظر لشقيقها بتشفٍ من رد ابنة عمها تلك العنيدة تجاهه.
نظر حسن لياسمين ببرود مماثل وهو يردف قائلاً:
"لا مش هشيله من دماغي، ده هو أساساً في دماغي يا سوسو ومطلعش منه خالص!"
نفخت جميلة ثم أردفت قائلة، قاطعة رد الأخرى، ثم تحدثت بنفاذ صبر:
"ما قالت لك يا حسن، أنا مش عاوزاك، رفضتك، مش حباك! خلي عندك كرامة، طالما رفضتك يبقى خلاص خلصنا وحافظ على اللي اتبقى منك!"
تشنجت ملامحه من حديث شقيقته وهو ينظر لها بشرر، خاصة بعدما ابتسمت الأخرى بانتصار التي كانت تحدثه من قبلها. أردف قائلاً بنبرة منفعلة وهو يتجه مسرعاً نحوها يجذبها من معصمها وهو يضربها على وجهها ضربات متتالية تزامناً مع قوله الصارخ بها:
"مين ده اللي معندوش كرامة يا بت؟ تعالي أوريكي مين اللي عنده ومين اللي معندوش!!"
حملقت نيروز بصدمة، ثم وضعت يديها على وجهها والدموع تهبط من عينيها بصمت، وحالة صدمة من ذلك المشهد لا تعرف كيف تتصرف فيه. والأخرى تتجه مسرعة تفصل بينهما وهي تصرخ بصوت عالٍ بانفعال، لاكمة إياه من ظهره:
"ابعد! ابعد عنها يا حيوان!"
اتجهت نيروز مسرعة تدق شقة والدة جميلة عالياً. ثوانٍ، وما أن خرجت عايدة مسرعة وهي تنظر لذلك المنظر من أمامها، شهقت عالياً عندما رأت الآخر يمسك شقيقته ويتلفت ينظر لمن فتح ذلك الباب. فاتجهت مسرعة تدفعه بعيداً عنها وهي تأخذ ابنتها بين أحضانها قائلة بلهفة صارخة بقله حيلة وغضب:
"عملت إيه؟ عملت إيه في بنتي، حرام عليك!"
نظر لهم بتشفٍ، والآخرون يحدقونه بنظرات مشمئزة. فخرجت "زينات" من شقتها مسرعة بعدما سمعت تلك الأصوات العالية، خاصة أن شقتها تقرب أكثر لوقائع تلك المشكلة. نظرت لهم وهم أمامها، ثم توقعت هي جيداً ما الذي حدث عندما نظرت لابنها ونظراته لهم، والأخرى تجلس على الأرض بأحضان والدتها وشكلها وهيئتها المبعثرة وشعرها المتشعت الخارج من حجابها بإهمال نتيجة ضربة الآخر لها.
نظرت عايدة بحدة لـ "زينات" وهي تردف قائلة بجمود:
"شيلي ابنك عن بنتي يا زينات، ولو مد إيده عليها تاني أنا هقطعاله بنفسي. أنا ممكن اسكت عن أي حاجة إلا إهانة بنتي من ناس زيكم، فاهمة!"
ابتسمت الأخرى بتشفٍ واضح وهي تردف قائلة بنبرة باردة ولكنها حملت الكثير من الحقد:
"تلاقي الدكتورة دي هي اللي مش متربية وعاملة حاجة كده ولا كده، خلتيه يتعصب عليها!"
كانت جميلة تشهق شهقات عالية، وما أن سمعت حديث الأخرى عنها، خرجت من أحضان والدتها عنوة، ولكنها ما زالت جالسة على الأرض وهي تتحدث قائلة باندفاع من بين دموعها:
"أنا متربية غصب عن عين أي حد!"
ابتسمت زينات بسخرية، والآخر بدلها نفس النظرات وهو يردف قائلاً بتحذير:
"ابقي فكري كويس قبل ما تتكلمي معايا، أصل شكلي هربيك من أول وجديد يا زبالة!"
"هي برضه اللي زبالة يا عرة الرجالة؟"
قالت ياسمين حديثها سريعاً بصراخ وهي تتجه نحوه تلكمه بقدميها في مقدمة معدته، حتى تأوه هو تزامناً مع قولها العالي المنفعل:
"إيه؟ جاي تستقوى على واحدة وعامل راجل عليها وانت متعرفش عن الرجولة حاجة!!"
ضربها على وجهها سريعاً، ثم دفعها بعيداً عنه بقوة حتى اصطدمت بباب شقتها هي، وهي تتأوه من ألم ظهرها نتيجة دفعته القوية، حتى وقعت مسطحة على الأرض.
شهقوا جميعاً بلا استثناء من الذي يحدث أمامهم من أول ضربها له حتى نهاية سقوطها أرضاً. نهضت هي سريعاً تقف من جديد وهي تصرخ به مجدداً تحت صدمتهم بعدم التصرف بما يحدث!!
"أنا هوريك يا حسن، والله لا أوريك بدل ما انت فارد جناحاتك على أختك وأختي يا راجل!"
نظر لها بسخرية لاذعة دون أن يتفوه بحرف، ثم اعتلت ضحكاته المريضة وكذلك والدته بعدما رأته يضحك كذلك. خرجت "سمية" سريعاً من شقتها بعدما سمعت صوت صراخ ابنتها العالي، ثم اتجهت مسرعة إلى "نيروز" التي كانت تبكي بصمت تأخذها بأحضانها وهي ترى نتائج الذي حدث باستغراب.
ثم تحدثت قائلة بلهفة وخوف وهي تنظر لبناتها ولجميلة الجالسة بأحضان والدتها مرة أخرى وهي تشهق عالياً:
"فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟"
لم يأتها رد سوى من "زينات" وهي تجيبها قائلة بتعالٍ وغِل واضح من نبرتها:
"فيه إن بنتك مش متربية ولا عاملة حساب لحد، إن كان هي ولا السنيورة بنت عايدة!"
قالت حديثها وهي تمط شفتيها بمسخرة قائلة مرة أخرى بسخرية:
"بنات آخر زمن!"
ضحك الآخر وهو يؤيدها بحديثها قائلاً:
"بنات آخر زمن فعلاً، ده لو كانوا بنات أصلاً. وبقولك إيه يا بت انت، لو إيدك دي اتمدت عليا تاني هزعلك، أنا سبتك بمزاجي فاهمة؟"
اندفعت نحوه مرة أخرى وهي تصرخ عالياً بغضب جامح وهي تقوم بعضه بأسنانها في كتفه الأيمن بقوة من أثر غيظها وهي تقول بتشفٍ:
"وريني هتعمل فيا إيه يا راجل، والله ما هسيبك!"
قالت حديثها بعناد تزامناً مع فعلتها القوية له في كتفه. صرخ هو بها عالياً حتى دفعها بقوة تحت الصراخ العالي للنساء والبكاء من معظمهن! وانتبه لهم بعض سكان المبنى، ولكن ليس لهم التدخل بسبب ذلك الـ "سليم" وتعامله السيء معهم!!
دفعها بعيداً، ثم اتجه نحوها مرة أخرى ليقوم بضربها. قاطع فعله صعود عدة أقدام على السلم وليس صراخ النساء من حوله وبكائهم!
وصل ثلاثتهم إليهم، ثم وقف أمامهم كلا من "حازم" و"غسان" و"بسام".
نظر لهم حازم بصدمة وهو يردف قائلاً بتساؤل:
"فيه إيه بيحصل هنا؟"
اتجهت نحوه ياسمين سريعاً تقف بجانبه، فنظر هو بصدمة لهيئتها ووجهها المحمر، ثم وجه نظراته لشقيقته التي بأحضان والدته والأخرى التي تبكي بصمت بأحضان والدتها.
و"زينات" التى تتطالعه بشماته. وجه انظاره الاخيره الى "ياسمين" ثم نظر لهم بحده قائلا بانفعال:
" قولت في ايييه بيحصل هنا؟"
ردت عليه "ياسمين" قائله بهدوء يتنافي مع شده اعصابها:
"فيه إن حسن مد ايده عليا ومد ايده علي جميله اختـكـم زي ما انت شايف"
نظر له "حسن" ببرود قاتم فتحدث "حازم" قائلا بجمود حاد:
" الكلام ده حصل؟"
نظر له "حسن" بـ صمت ثم تحدث قائلا بسخـريه ممزوجه بالبرود:
"اه حصل هتعمل ايه يعني!!"
سرعان ما اندفع "حازم" نحوه بسرعه ليلكمه في وجهه وهو صارخا به بانفعال حاد:
" يبجاحتك يا اخي بتمد ايدك علي اختك وعلي بنت عمك وكمان خطيبتـي يا زبـ ـاله! ده أنا هعرفك قيمتك من أول وجديد يا كلـ ـب"
اندفع "غسـان" وشقيقه نحوهم بسرعه يحاولون تهدئته والفصـال بينهم حتي فصلوهم عن بعضهم اخيرا.
فتتحدث "حسن" بانفاس مسموعه قائلا:
" ايه محموق عشان مديت ايدي علي اختك اللي مش متربيه ولا عارفه تتكلم معايا ولا محموق عشان خطيبتك الي مدت ايدها عليا ومش متربيه بردو"
صرخت "ياسمين" عاليا وهي تندفع ناحيته قائله بغضب:
" اخرس يا حـ ـيوان انا اشرف منك ومن عشره زيك ومتربيه احسن من تربيتك العـ ـره"
كادت أن تضربه في وجهه فابعدتها والدتها بسرعه عنه صارخه بها قائله:
" ابعدي! قولتلك ابعدي عنه في راجل يجيب لك حقك!"
نظر "حازم" لـ "ياسمين" بحده ثم اردف لها قائلا بجمود:
" خدي مامتـك واختك وادخلي جوا .... يـــــــــلا"
إنتفضت هي علي ٱثر صوته لتلبي أوامره وهي تفتح باب شقتهم وتدلف به هي وشقيقتها ووالدتها الي الداخل بهدوء.
فتحدثت "زينات" قائله وهي تنظر" لحازم" بشرر مستغله الموقف:
" ابقي قول لحماتك تربي بنتها اصله...."
قاطعها هو قائلا:
" بقولك ايه انت! ياسمين متربيه أحسن من تربيتك للعيل اللي بيمد ايده علي الأضعف منه وبيستقوي عليهم ..ما ده اخره!!"
نظر له "حسن" بملل ثم إردف قائلا بسخريه:
" وانت بقا متربي يا حازم؟"
صمت عن حديثه لبرهه ثم واصل مجددا:
" اوعي تفكر إني هسيب حقي و إنها تمد ايدها عليا ولا هسيب نيروز لحد غيري كمـان! وهعرف كل واحد مقامه كويس هنـا سامع!!"
اندفع "حازم" نحوه بغضب وشرر لاكما إياه في وجهه مره اخري قائلا بغضب:
" انا ال هعرفك قيمتك وهربيك أحسن تربيـه يـا زبــ ـاله وربـنا لاوريك"
اتجه " بسـام" سريعا يفصل بينهم قائلا بصوت مسموع عاليا:
" خلاص يا حازم خلاص يا حسن عيب اللى بتعمله ده! عيب كده يا حسن دا حازم أخوك و أكبر منك احترمه! اتفضل ادخل انت ووالداتك شقتكم لحد ما الأوضاع تهدي"
رد عليه " حسـن" بسخريه قائلا وهو يدفعه بعيدا عنه بقوه:
" وانت بقا اللي هتعلمني ايه العيب وايه الأدب يا محترم! ملكش دعوه !!"
كاد الاخر أن يرد عليـه حتي انتبه هو لشقيقه يتجه اليه قبله هو!!
فاتجه نحوه " غسـان" يقف أمامه ببرود تام ثم اردف قائلا بنبره هادئه وكأن لم يحدث شيئا:
" هو فعلا محترم يا حسن بس تفتكر انا زيه؟"
نظر له اللٱخر بصمت ففاجئه "غسان" بلكمه قويه في وجهه من الناحيه الاخري بعدما أردف حديثه ليتأوه هو بصوت مسموع! فرفع يديه يتحسس بأصابعه مكان ضربه هذا الغـسـان! هذا الذي يعد عدوه منذ طفولته.
شهقت "جميله" وعايده بصوت مسموع حتي شهقت والدة الاخر أيضا من مفاجأه ضرب "غسـان" لهذا المستفز!! بسبب طريقته التي لم تكن ظريفه مع شقيقه التوأم.! فأكمل "غسـان" حديثه قائلا بنبره واثقه نابعه من حديثه:
" فــ بلاش اللي مني عشان متزعلش مني يا بو علـي"
نظر له الاخر بشررر يتطاير من عينيه بعدما اتجه الاخرين يمـسكون "بغسـان" بعيدا! عن هذا المسـ ـتفز الهمجـ ـي!! نظر "حسن" له بشرر مردفا بصوت جهوري:
" ايـ ــه تلات رجاله على راجل واحد! دي رجوله يعنى!"
ابتسم "غسان" بسخريه وهو ينظر للاخر قائلا بثبات ساخر:
" ٣ رجاله على ايه! راجل! مفتكرش يا بو على!"
" ايوه راجل غصب عن عين أي حد إيه مش مالى عينك ولا ايه؟"
قال "حسن" حديثه بانفعال! فرد عليه "غسان" قائلا ببرود مصطنع:
" لا مش مالى عينى بصراحه هتملاها ليه! هناسبك؟ ولا هتجوزك؟ طب بص كده يا بسام شوفه كده مالى عينك ده يا حبيب اخوك!!"
قال "غسان" حديثه بسخريه من الاخر وهو يشير فى اخر حديثه لشقيقه!! والاخر يكتم ضحكاته على حديث شقيقه!
فـكان ينظر "حازم" و "بسام" للمشهد أمامهم بصمت وتمعن للاخر!
فبدل "غسان" نظراته للحده قائلا مره اخرى وهو ينظر له هو ووالدته:
" روح اتعلم تبقى راجل! ويـــلا هوينـــا من هــنا"
ثم وجه نظراته لـ "زينات" قائلا مره اخري بحده
"يــــــلا"
" يلا يا حسن يلا يلا خلينا نمشي من هنا بدل الهم ده"
اردف قائلا مره اخرى عندما وجد الاخري تجذب ابنها وتتجه به ناحيه شقتها.
" ايوه كده خدى الحيله للى ليكى وربيه من تانى ياأم الناقص...قصدي يا ام حسن !!"
نظر الاثنان له بحنق وشرر يتطاير من أعينهم ثم دلفو داخل شقتهم صافعين الباب من خلفهم بقوه!! نظر "حازم" بأسف لهم وهو يردف قائلا بحرج:
" حقكو عليا من اللى حصل ده كله"
ابتسم له "بسام" قائلا بهدوء:
" حصل خير يا حازم متزعلش انت نفسك و ربنا يهديه"
" متتأسفس يا صاحبي! كده تعادل! ولو إن أخوك ناقص بصراحه ويستاهل اكتر من ده!"
قال "غسان" حديثه بهدوء وثبات للاخر! فتحدث "حازم" قائلا مره أخري:
" حقك عليا من تانى يا صاحبي!"
" انت اخونا ياحازم خلاص ال حصل حصل"
ابتسم لهم بامتنان وبادلوه نفس بسمته! وكل منهم يتجه حيث شقته بهدوء وكأن لم يحدث شيئا! خاصه عندما دلفت حازم داخل الشقه بعد والدته وشقيقته! عندما ٱشار لهم قبل قليل بان ينسحبو بهدوء عند المشاده الحاده بين"غسان" وشقيقه! دلف الى داخل شقتهم ثم أغلق الباب خلفه! بعدما ابتسم بامتنان للٱخرين وتأسف لهم مرات اخرى! اغلق الباب تزامنا مع دلوف الاثنين إلى شقتهم بهدوء بعد تلك التى تسمى بالعـارـكة!!
بعد عدة دقائق مرت دلـفت والدتها إلى الغرفه وهى توقظها من نومها بعنـف قائله بصوت عالى نسبيا:
" قـومى! قــومى يا ٱخرة صـبـرى! شوفى أخوكـه حصلـه ايه! قومى يابت!!"
تململت "فريده" بانزعاج وهى تعتدل لتنهض جالسه على الفراش بنفاد صبره قائله بعدما انتاب حديث الاخرى الفضول الطفيف بها:
"ايـه يا مـاما خير ايه الـ حصل؟"
"يابت بقولك قومى جيبي تلج من الفريزر وتعالى على الصاله بسرعه !"
قالـت "زينات"حديثـها ثم اتجهت خارجه من الغرفه تاركه الأخرى يظهر على ملامح وجهها الاستغراب!! خرجت متجهه إلى الاريـكه الذي يجلس عليها "حسن" بصالة المنزل.
" عينى عليك يا بنى!!"
قالتها وهى تتجه اليه ناظره له بشفقه! نظر لها الاخر وهو يردف قائلا بغضب دفيـن:
" وعهد الله ما هعدى ال حصل ده! بكره تشوفى"
انتبه هو لشقيقته وهى تتجه نحوهم ببطئ ثم مدت يديها بالكيس الذي يوجد به مكعبات الثلج تزامنا مع حديثها:
" ايه ده يا حسونه مين علم عليك كده! اخصص بجد !"
نظر لها بشرر مردفا بغضب:
" انت مالك خليك فحالك! وهاتى الزفت ده"
نظرت له بضجر ثم بدلت نظراتها للإصفرار وهى تبتسم بتشفى! ثم تركتهم واتجهت مرة اخري إلى غرفتها وكأن ذلك المسطح على الاريكه باجهاد ليس شقيقها!!
اخذت "زينات" المكعبات الثلجيه منه ثم وضعتها على وجهه بملامح وجه متشنجه!! تأوه هو عندما وضعت والدته الثلج على مكان ضربة "غسان" فى.
الجهة اليسرى من وجهه مردفاً بصوت متألم:
"آه ما براحة يا ما، الله، بتوجع"
لوت "زينات" فمها بتهكم مردفة باشفاق بادٍ من نبرتها:
"الله ما هي لازم توجع يا عين أمك، ده أنت واخد بونيتين وجعوني أنا فوشي من صوتهم يا حبيبي، ولا البونيه التانية، تتقطع إيده ابن دلال اللي عمل فيك كده، هو والتاني اللي ما يتسمى أخوك!"
أردف "حسن" قائلاً بتوعد وهو ينظر لنقطة ما في الفراغ:
"آه لو أعرف مين في الاتنين اللي عمل فيا كده، نقول إيه، توأم ياما توأم، ومتلخبط أنا، لولا كده كنت هتصرف تصرف تاني!"
لوت "والدته" فمها بتهكم متحدثة بسخرية:
"اتنيل يا خويا كده!"
أردفت مرة أخرى عندما نظرت له وأشفقت على حاله وشكله:
"طب آه لو أعرف اسمه ولا مين اللي عمل كده، هدعي عليه ليل نهار"
"مفيش غيره، غسان.. وأقولك يا ما ادعي على الاتنين وخلاص!"
نظرت له "والدته" ثم أردفت قائلة بتفكير وهي تضع إصبعها تحكه بمقدمة رأسها:
"والله فكرة يا واد، ربنا يهديهم ولاد دلال الاتنين، إن كان ده ولا ده! واللي ما يتسمى معاهم!"
ابتسم ابتسامة انتصار وكأنه فاز للتو عليهم!
لا يعلم أن حديثه هو ووالدته ليس مثيراً للانتصار، بل كان مثيراً للضحك الساخر منهم وبقوة!
"يامن كده غلط! لازم تلم ألعابك بعد ما تلعب ماشي"
قالتها "ورده" بلطف لصغيرها، كانت جالسة وزوجها كان بالداخل، وما أن أردفت تلك الكلمات خرج من الغرفة متجهاً إليهم بابتسامة واسعة، نظرت هي له ثم أردفت قائلة بمشاكسة:
"مش خير يا بدري، إيه مفرحك كده!"
نظر لها "بدر" ثم أردف قائلاً بمكر:
"عادي، مفيش حاجة، غير كمان يومين بس هننزل مصر!"
كانت تستمع إلى حديثه بملامح وجه عادية حتى سمعت آخر حديثه فابتسمت بفرحة قائلة بلهفة:
"بتهزر؟ بجد؟ لا بسرعة كده إزاي؟"
نظر لها بابتسامة صغيرة ثم عدل من ياقته الوهمية قائلاً بغرور زائف:
"آه بجد، هو أنا أي حد ولا إيه؟"
"إزاي ده، ده أنت أحلى حد في الحدات كلهم!"
قهقه بقوة على حديثها، وهو يقترب من صغيره يحمله بين يديه بحب، والأخرى تبتسم باتساع على منظرهم معاً حتى اتجه لها يأخذها بين أحضانه، فأردف يامن قائلاً بتلقائية:
"جوعان يا ورده!"
نظرت له والدته ثم نظرت لزوجها، ثوانٍ وانفجرا بالضحك بقوة! فأردف "بدر"، بضجر من صغيره:
"يخربيت فصلانك ياض! إيه! مبتجوعش إلا في الأحضان!"
ضحكت "ورده" بخفة على حديث الآخر مردفة بمرح:
"ده أصلاً أصلاً حبيب ورده"
ابتسم الصغير "يامن" باتساع عندما وجد والدته تشاكسه بحديثها المرح وهي تنظر له وتضع يديها على خديه بحب تدغدغه!
نظر لهم "بدر" بحب، مردفاً بعناد:
"حبيب ورده مين! كلنا عارفين إن ده حبيــب بــا بــااه"
قهقه "يامن" بقوة على تلك الكلمات من والده، كلمته المعتادة مع دغدغته في معدته، ضحكوا على ضحكته الرنانة الطفولية التي تسلب عقل من يراه حتى وإن كان لا يعشق الأطفال!
خرج "يامن" من ضحكاته أخيراً، مردفاً بنبرة طفولية تلقائية:
"يامن شطور"
ضحكت "والدته" بخفة عندما أدرف هو تلك الكلمات، أيقنت أنه يريد تلك الكلمات الملحنة مثل الأغنية التي ترميها على ماسمعه! والآخر أدرك ذلك أيضاً. ابتسم كلا من "بدر"، و"ورده"
مردفين بصوت واحد بنبرة هادئة، يلحنون للآخر ما يريد قائلين بنفس واحد وصوت واحد في آن واحد:
(يــــامــــن الــــشــــطــــور
بــيـــخــــلــص الفــــطــــور
ويــشــرب اللــبــن
ويشــرب الـلـبن
ويــجرى عـلى النــوم
زي مـيــن يا ولاد زي الــ الشــطــور)
ابتسم "يامن" بحماس وهو يضرب كفيه معاً يصفق بهما بسعادة، ضحك عليه والده ووالدته بخفة مقبلين خديه معاً بجوانبه المختلفة في وقت واحد بحب فاض ووسع كل شيء من حولهما!
"يخف ثقل الأيام بهم! بالأصدقاء، كلمة نراها كثيراً ولكن لا يعمل بها إلا القليل! الصديق قريب، أن يكون حنوناً، لطيفاً، يزال واقفاً رغم ما بي، يزال يتحمل ما بداخلي وما بدر مني، هذا هو الصديق، أن يكون قوتي بأيام ضعفي، وأن يكون مسكني وسكينتي في وقت لا يوجد أحد بجانبي! السند وقت لا سند لي، الظهر حينما يكسر ظهري، الحب الدافئ حينما يخذلني أحدهم، الحضن الحاني حين يقسو عليا كل ما في هذا العالم! فـ الصديق قريب، والقريب صديق."
مر الوقت وكانت هي تقف تنتظر ابنة عمها على باب شقتها هي وشقيقتها!
تحدثت "نيروز" قائلة بهدوء:
"تفتكري هتيجي وتنزل معانا؟ ولا هتطلع تقول لا مش جايه؟"
نظرت لها "ياسمين" مردفة بثقة:
"هتيجي، عشان بتحبك، جميلة عمرها ما تسيبك أبداً بالذات!"
ابتسمت "نيروز" وكادت أن تجيب الأخرى، فانتبهت "لجميلة" تتجه إليهم بهدوء بعدما عدلت من مظهرها وحجابها مرة أخرى، اتجهت وهي ترسم ابتسامة، ولكنها كانت ابتسامة منكسرة لا يعرفها سواهم!
تحدث "نيروز" وهي تنظر لها قائلة بلهفة:
"جميلة انتي كويسة صح؟"
"الحمد لله، مش هتنزلو؟ يلا"
نظرت لها "ياسمين" ثم أردفت بمرح حتى تخفف من ألمها:
"إحنا أسود مبيأثرش فينا حاجة، يلا بينا"
ابتسموا بخفة على حديثها وهن يتجهن معاً ناحية الدرج يهبطن من عليه للأسفل إلى حيث وجهتهم!
"لينصر الأخ أخاه ظالماً أو مظلوماً، وإن كان ظالماً فلينهه، وإن كان مظلوماً فلينصره"
"مقتبس"
كان جالساً على المقعد في غرفته وبجانبه شقيقه يرتشف كلا منهم الشاي، بعدما دخلا إلى شقتهما، نظر "بسام" إلى "غسان" بتردد وهو يردف قائلاً بمرح:
"مالك يا غس؟!"
نظر له الآخر بحدة خاصة، إنه ليس وقت ذلك المرح الآن، فأردف الآخر مرة أخرى:
"متضايق صح؟"
قالها ولم يأتِ من الآخر رد، فأخرج "بسام" هاتفه من جيب بنطاله ثم فتحه على وضع المكالمة ووضعه على أذنيه بجدية! عقد الآخر مابين حاجبيه ثم أردف "غسان" قائلاً باستنكار:
"بتعمل إيه ياض!"
نظر له "بسام" وهو يردف قائلاً بجدية مصطنعة:
"بتصلك بالراجل بتاع (بيو بيو أحمد محسن بيو بيو) عشان يعملك فيديو من بتوعه وتفرفش كده ومتبقاش متضايق!"
نظر له "غسان" بصمت ثم ثوانٍ وانفجر الآخر بالضحك، فتحدث "غسان" وهو يكتم ضحكاته قائلاً:
"ع فكرة مبتضحكش!"
"والله كذاب، ده أنت كاتم الضحك، بص بص هتموت وتضحك!"
ثوانٍ وضحك "غسان" بخفة على حديث الآخر وبقلة حيلة منه، نظر "بسام" لشقيقه ثم أردف قائلاً بعقلانية متردداً من ردة فعل الآخر، بالفعل هو كان يهيأ لذلك العتاب بالضحك حتى لا يثار غضب الآخر:
"بعيداً عن الهزار، ليه عملت كده يا غسان!"
نظر له "غسان" ثم أردف قائلاً بثبات:
"وأنت، عاوزني أعمل إيه مش فاهم! أسيبه يتكلم معاك بالطريقة دي! ولا أقفله ساكت وهو فارد جنحاته عـ الاضعف منه!"
"لا طبعاً متسكتش، بس تتحكم في دراعك، مكنش ليه لزوم ضربك ليه وأخوه كان موجود..!"
أجابه "غسان" بحدة:
"أنا مش مستني حازم يجيبلي حقي يا بسام سامعني! وبعدين دي تربية ناقصة يعني مينفعش معاه إلا كده وأبو كده كمان، افهم ده كويس فاهم؟!"
ده واللي زيه مش عاوز معاملتك المحترمة دي! ده عيل حيلة أمه! عارف يعني إيه؟ ولا بلاش نزود!
نظر "بسام" لشقيقه وهو يومأ له بقلة حيلة محاولاً تغير مجري الحديث. هو يعلم جيداً أن لا فائدة من إقناعه بوجهة نظر أخرى.
"أمك نايمة ولا دارية باللي حصل ده كله، والبت وسام برضه في أوضتها وبعيد عن الصوت والسلم، وأبوك مش هنا، والجو هادي خالص والدنيا هوس هوس وأنا وأنت يا حبيبي يا حبيبي!"
نظر "غسان" له بريبة مصطنعة خاصة عندما قام الآخر بإرسال غمزة وقبلة طائرة له.
فأردف قائلاً باستنكار:
"ما تتظبط ياض!"
نظر له الآخر وهو يضحك بخفة على كلمات شقيقه. فتحدث "بسام" عندما انتهى من ضحكاته قائلاً:
"بس أبوك اتأخر، هيكون راح فين كده؟"
"أنا عارف هو راح فين، هييجي أكيد مش هيتأخر أوي متشغلش بالك. قوم إعملي كوباية شاي."
"ما هو في إيدك اهو يا معلم!"
أردفها "بسام" بجدية مصطنعة محاولاً تقليد مشهد تمثيلي.
"اهو، اعمل شاي عشان الكوباية اتكسرت!"
"ما الكوباية في إيدك اهي يا معلم."
"اهيي، روح اعمل شاي بقا!"
"ماشي، هي نصيبها كده!"
قهقه كلاهما عالياً عندما أردفوا تلك الكلمات، خاصة أنها معروفة من المقطع الشهير بالفيديوهات. فتحدث "بسام" قائلاً من بين ضحكاته العالية:
"والله إحنا تافهين!"
نظر له الآخر مردفاً بنبرة ضاحكة:
"البركة فيك، عديتني يا شيخ وأنا طول عمري كاريزما!"
"يا عم محدش واخد منها حاجة، اديني ٣ دقايق أعملك أحلى كوباية شاي بدل اللي اتعملت من غير ضمير دي يا معلم."
قالها سريعاً بنبرة ضاحكة وهو يهرول خارج الغرفة بمرح، مما جعل الآخر يبتسم بقلة حيلة منه. لكنه يعلم تمام العلم أنه يفعل كل ذلك كي يخفف من غضب وضجر الآخر من ذلك الموقف قبل ما يقرب ساعة. أخذ يفكر مرة أخرى في الموضوع هذا، وكيف ذلك المستفز يجرؤ على معاملة شقيقه وشقيق الآخر كذلك. كيف يجرؤ على ضربه لفتيات من دمه هو! كيف له أنه كان يريد الزواج من تلك الخجولة البريئة، كيف لذلك المتخلف الارتباط بتلك التي يعرف أنها عانت كثيراً ولن تتحمل شخص مثل الآخر!
___________________________________________________
"أتأسف لك يا صديقي عن كل من خذلوك يوماً، أتأسف كثيراً بالنيابة عن من أحزنوك، أتأسف وأتأسف حتى يُشفى قلبك من الخذلان!"
بعد مرور ساعة وأكثر على ما يقرب، انتهت "ياسمين" من شراء عدة أشياء خاصة بها. خرج ثلاثتهم من المول وكانوا يسيرون بجانب بعضهن، حتى وجدوا منطقة ما فارغة للجلوس فيها على كورنيش البحر كان قريباً بنسبة ما من المبنى الخاص بسكنهم. تحدثت "ياسمين"، وهي توجه أنظارها لهن قائلة بإنهاك:
"تعالوا نقعد هنا، ونشم شوية هوا كده أصل هبطت!"
أومأوا لها تزامناً مع اتجاههن معاً للجلوس في تلك البقعة الفارغة. نظرت "نيروز" لـ "جميلة" فوجدتها تائهة شارده، خاصة أنها لم تتحدث كثيراً. فتحدثت "نيروز" قائلة بهدوء وأسف موجهة أنظارها وحديثها للأخرى:
"أنا آسفة يا جميلة لو كان اللي حصل ده بسببى لما حسن شافني، ممكن أكون أنا السبب في كل ده بس متزعليش نفسك ومتزعليش مني و...."
قاطعتها "جميلة" بهدوء وبابتسامة صغيرة قائلة بكسرة:
"متحمليش نفسك ذنب انتِ ملكيش يد فيه يا روز، انتِ ملكيش دعوة بحاجة، أنا بس هاخد وقت صغير وهبقى عادي ما انتِ عارفاني متعودة! بس صدقيني انتِ ملكيش دعوة مش انتِ اللي روحتي اتجوزتي على أمي، ولا انتِ اللي خلفتي واحد أقل ما يقال عنه راجل ولا انتِ اللي معرفتيش تربية. أنا اللي بتأسف ليكِ على فكرة إنك مستحمـلانا لحد دلوقتي وانتِ مش مجبرة على ده منه!"
أدمعت عيني "نيروز" وكذلك الأخرى بتأثر من حديثها. فرفعت "نيروز" ذراعها تحتضنها من الناحية الأخرى، خاصة أن جميلة كانت تجلس بالمنتصف. كان ذلك تحت نظرات "ياسمين" المتأثرة. كانت تنظر بتفهم لعلاقتهم القوية المترابطة وكأنهما توأمان بروح واحدة وإن لم تلدهما نفس البطن، وإن كانا من رحمين مختلفين! دوماً كشخص واحد يتقاسمان كل شيء مع بعضهما البعض، وكان للألم النصيب الأكبر من المشاركة معاً به. تنهدت "ياسمين" بعمق وهي تأخذ ببطء وهي تتحدث قائلة:
"هتأثر كده وهعيط، وازروط الدنيا بقا."
ضحكت "نيروز" و"جميلة" بخفة. فرفعت "ياسمين" ذراعها هي الأخرى لتحتضن "جميلة" بحب. فأصبح ثلاثتهم يحتضن بعضهن وكأنهن شخص واحد بثلاثة أجساد وروح واحدة، يتقاسم كل منهن ألمه للآخر!
___________________________________________________
"أمان العائلة، الأمان الأول والأخير، أول ما نشعر به من أمان كان في هذا الركن الدافئ منها!"
كانت والدتهم تضع لهم الطعام على المائدة، بعدما نهضت من نومها وجاء والدهم من الخارج. كانت تعد الغداء برغم تأخير موعده، ولكنهم جميعاً كانوا يجلسون على المائدة دون استثناء قبال بعضهم. انتهت وضع الطعام ثم جلست بجانبهم هي وابنتها. فبدأ "بسام" بالحديث قائلاً بمشاكسة لوالده:
"مقولتليش يعني كنت فين يا حجوج بعد صلاة الجمعة أتأخرت يعني."
نظر له "حامد" بصمت ثم وزع نظراته بتردد على الجالسين، خاصة هي زوجته. فأردف قائلاً بهدوء وجدية متردده عكس طبيعته:
"كنت في المقابر عند "سلمى" بزورها.. وبرضه أبويا وأمي كمان."
نظروا له بصمت بعدما أردف كلماته، ثم بدأوا بالرحمة عليهم. وقد أدمعت عيني "دلال" عندما جاءت سيرة "سلمى" ابنتها! نظروا لها باشفاق على حالتها، وخاصة نظرات "غسان" المهتمة منذ بداية الحديث. كان ينظر بتمعن لكل تفصيلة كانت تفعلها والدته، هو يعلم أنها تتأثر كثيراً بهذه السيرة، وأن شقيقته لن تغيب عن بالها يوماً. تنحنح هو قائلاً ومحاولاً تغير مجري الحديث مردفاً بمرح مشاكس لوالدته:
"الأكل حلو أوي يا دلال، بس مسكر أوي!"
عقدوا جميعاً ما بين حاجبيهم، فنظرت له والدته تستجوبه بعينيها. فتحدث هو من جديد قائلاً بثبات:
"عشان حطيتي إيدك الحلوة فيه يا جميل."
ضحكوا جميعاً بخفة. فتحدثت "دلال" قائلة بحب:
"بالهنا والشفا على قلبك يا حبيبي."
ثم أردفت قائلة مرة أخرى بتذكر:
"واه، طب إعملوا حسابكم العزومة بكرة إن شاء الله."
تحدثت "بسام" مردفاً بتلقائية:
"بإذن الله. بس هو انتِ عازمة أم حسن معاهم؟"
"لا مليش كلام معاها قد كده وانت عارف بتسأل ليه؟"
نظر لها "بسام" وهو يردف قائلاً بتلقائية:
"أصل حصلت مشكلة جامدة النهارده."
نظر له "والده" يستجوبه، فنظر هو لشقيقه فوجد "غسان" يحدجه بحدة. فأردف "بسام" قائلاً بتردد:
"بس خلاص يعني المشكلة اتحلت."
"لا قول عشان أنا فضولي مش هيكفي يا بيسو."
قالتها "وسام" بمرح. فنظر له "والده" مردفاً بجدية ممزوجة بالمرح، هو يعلم أن هناك خطب ما!
"اه طب يا ولاد الكلب قولولي حصل ايه كده يلا حالا!"
قالها بهدوء يتنافى مع طبيعة حديثه. تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه وهو يستقيم واقفًا بجانب المائدة قائلاً بنبرة حملت التوعد:
"قول بقا انت يا بسام عما أغسل إيدي أصلها مفيش فايدة فيها بتتوسخ على طول!"
كان يرمي بحديثه بتوعد للآخر. ابتلع الآخر ريقه بخوف مصطنع قائلاً:
"مصر تعرف يعني يا حج؟"
"أيوه يلا واروي فضول البت بنتي الغلبانة دي كمان."
ابتسموا بخفة عندما قال حديثه بمرح. فاتجه "غسان" ناحية الحوض ليغتسل، فاردفت "والدته" من على بعد قائلة:
"لحقت تاكل يا بني؟"
"الحمد لله يا حبيبتي شبعت!"
قالها غسان من على بعد وهو يبتسم لوالدته. والآخر بدأ بالفعل بقص ما حدث اليوم من أحداث لوالده وشقيقته، والأخيرة تستمع له بحماس طغى على ملامحها.
***
كانت تجلس بجانب زوجها بعدما أتى من الخارج، وتفكر هل تقص عليه ما حدث اليوم وتضع البهارات الخاصة بها في كل حديثها أم تؤجل ذلك عندما يكونوا مجتمعين معًا جميعهم، وتستطيع أن تتشفر بهم أمامهم وأمام نظراتهم. أخذت تفكر في ذلك الحوار جيدًا وترتب له، فقاطع شرودها مناداة زوجها عليها عدة مرات حتى انتبهت هي وهي تجيبه قائلة بـ:
"ها! في حاجة يا سليم؟"
"مالك مش مركزة ليه سرحانة في إيه!"
قالها باستغراب، فاجابته هي قائلة بدفاع:
"لا لا مفيش حاجة، بفكر في الواد حسن أصله أصله تعبان."
أجابها "سليم" ببرود قائلاً:
"وده ماله المحروس؟"
"ومالك بتقولها من غير اهتمام كده ليه، ولا كأنه ابنك يعني."
"ابني. ابني يا زينات بس لما يتظبط هيبقي ابني، افهمي."
قالها بنفاذ صبر. فاردفت هي بغضب وحقد بادٍ في نبرتها:
"لا مش هفهم يا سليم، طول ما انت واخد التاني تحت جناحك والدنيا ماشية وعند ابني لأ!"
"أنا قولتلك ابنك مفيش منه رجا لا في تعليم ولا شغل ولا قرف، إيه مبتفهميش خالص!"
قال حدثه بصوت عالٍ نسييًا، ثم اتجه يقف من مكانه إلى باب شقته يخرج منه بنفاذ صبر، صافعًا الباب من خلفه. والأخرى تجلس وكأن شيئًا لم يكن، وهي تفكر بعلاقته بابنها. تقسم بتفكيرها لهلاك الآخر وتعزيز ابنها عنه. تفكر وكأنها أفعى سامة، ليست فقط بلدغها، بل بتفكيرها وكيفية التغلب على فريستها.
***
"هيلووو يا حبايب عاملين إيه!"
"بتأسف لأن حاسة إن البارت صغير واتأخرت عما نزلته كمان، بس كله من الامتحانات منها لله."
"انچوي وقولولي رأيكم في البارت واعملولي نجمة حلوة كده زيكم."
"وإن شاء الله البارت ده ليه جزء تاني لأن الأحداث فيهم كتير شوية."
"مش هطول في نزوله، هنزله بسرعة ومش هتأخر بإذن الله."
"ليس الضعف ضعف البنيان بل ضعف العقل، ضعف الحكم، ضعف التصرف"
كانت "فرح" تتجهز للخروج إلى حيث ذاهب والدتها للكشف على حالتها والحكم النهائي بوالدتها. كانت تلبسها ملابسها بهدوء وتمشط لها شعرها وهي شاردة الذهن. والآخر كان يجلس أرضًا يقوم بتلبيس حذاء والدته الطبي في قدميها. وقع المشط الخاص بتسريح خصلات الشعر منها للمرة التي لا تعرف عددها بسبب رعشة يديها الغير ملحوظة للكل. نظر شقيقها لها بتمعن ثم أردف قائلاً بتساؤل يحمل بعض اللهفة:
"مالك يا فرح، دي عاشر مرة توقعي المشط من إيديكي ومش المشط بس، مالك انت تعبانة؟"
نظرت له بارتباك وملامح وجه متوترة، وهو مازال ينظر لها ينتظر ردها. ووالدتها تلتفت تنظر لها بتساؤل من عينيها. جاؤهم صوتها الهادئ قليلاً وهي تقول:
"لأ، لأ مفيش شوية إجهاد بس تلاقيني، تلاقيني منمتش كويس!"
نظرت لها "حنان" بحب وهي تردف قائلة:
"طيب خليكي هنا يا حبيبتي ارتاحي وعز أهو معايا!"
"لا لا أنا هاجي عادي."
نظر لها "عز" بتمعن وليديها المرتعشة وملامح وجهها المحمرة قليلاً، واستغراب من تصرفاتها من بداية يومهم. فتحدث قائلاً محاولاً التخفيف عنها:
"طيب خليكِ، هعملك ليمون تشربه يهدي أعصابك لأنك بتترعشي لو مش حاسة بنفسك!"
ابتسمت له نصف ابتسامة مكلفة. ثم نهض ليستقيم من جلسته وخرج من الغرفة بأكملها ناحية المطبخ حيث ما عقد العزم.
نظرت لها "والدتها" وهي تجذبها من معصمها لتقف أمامها وهي تردف قائلة بصوت ضعيف:
"مالك يا فرح؟ أنا مش عارفاكي من امبارح أنا أمك! فيكِ إيه يا ضنايا؟"
جاهدت هي أن ترسم ابتسامة واسعة مريحة على وجهها وهي تردف بثبات جاهدت أن يخرج منها:
"أنا كويسة يا حنون، بس متوترة تلاقيني عشانك أو عشان الامتحانات قربت، بس كل حاجة بتعدي متقلقيش عليا!"
"متوجعنيش في قلبي يا بنتي، لو بتحبي أمك، متشيليش هم، انتِ لسه صغيرة! ماشي؟"
أومأت لها "فرح" وهي تهز رأسها بالإيجاب بضعف لتعود شاردة الذهن من جديد. قاطع شرودها عندما دخل هو من جديد عليها. ثم اتجه ناحيتها وهو يرفع الكوب على فمها لترتشف منه. قاطعت فعلته هي وهي تمد يديها المرتعشة تأخذه من بين يديه، لكنه أبعد يديه قائلاً بهدوء:
"لأ! اشربي وهو فـ إيدي كده، عشان رعشة إيديكي."
ابتسمت له بحب وكذلك الأخرى وهي ترتشف ببطء، حتى انتهت وهي تردف قائلة بود:
"شكرًا يا عز."
نظر لها بحدة وهو يردف قائلاً:
"شكرًا إيه ده يا نغة؟ ده أنا كنت بشيلك على إيدي دي فرق ٦ سنين مش قليل، كنت بأكلك وأشربك وكمان كنت بنيمك جنبي وفحضني."
ابتسمت بخفة وكذلك "والدته" وهي تنظر لهم بحب قائلة:
"ربنا يخليكم لبعض يا حبايب قلبي!"
***
"بس يا حامد وده كل اللي حصل باختصار يعني!"
قالها "غسان" وهو ينظر له والآخرين بجانبهم أيضاً يجلسون بجانب بعضهم، بعدما أكمل "غسان" الجزء الأخير والآخر قص عليهم كل ما في البداية.
نظر "حامد" إليه وهو يردف قائلاً:
"بعقلانية: هو طبعاً كويس إنكم تدخلتم تهدوا الموضوع، لكن متتورطش نفسك تاني بدراعك يا غسان!"
قالها بلطف لنصيحة ابنه، ولكنه يعلم تمام العلم أنه ليس إلا تصرفاً واجب فعله، خاصة بعد دفعه لأخيه! هو يعلم أن نقطة ضعف ولده هي العائلة، ولا يقبل عليها أي شيء ولو ذرة.
نظر له "غسان" بتعمق وهو يردف قائلاً بجمود:
"اللي يغلط في حد من عيلة البدري لازم ياخد جزاته، وبعدين ده غير القرف اللي كان بيعمله مع أهل بيته!"
"حصل خير يا جماعة."
قالها "بسام"، فأيده "حامد" مردفاً بتفهم:
"حصل خير فعلاً، بس لازم تتحكم في أعصابك ودراعك بعد كده، دول جيران مهما كان."
"لا من ناحية الأعصاب فهو تلاجة!!"
أردف بها "بسام"، فنظر له شقيقه بحدة. قاطعهم صوت "والدتهم" وهي تردف قائلة:
"مهما كان دول جيران وكمان قرايب."
أجابتها "وسام" مردفة:
"جيران إيه يا ماما، ده شكله بني آدم مستفز أساساً!"
قاطعهم صوت "غسان" وهو يرف قائلاً بهدوء:
"أنا قايم البلكونة أنا."
أومأوا له جميعاً بصمت، وخاصة أنهم يعلمون أن تلك هي وقفته المفضلة، وأن في ذلك الوقت يريد هو الاختلاء بنفسه قليلاً. وكذلك استأذن الآخر للذهاب إلى المستشفى لأمور علم بها في الحال. والأخرى ذهبت إلى غرفتها، وكذلك والديها.
***
عادت "جميلة" و"نيروز" إلى المنزل، وصعدتا على الدرج بهدوء حتى وصلتا إلى الطابق الخاص بهن. عقدت "جميلة" العزم بأن يجلسا معها فترة، فأرادتا أن لا يزعجاها خاصة بعد حالتها تلك. دقت "جميلة" الباب عدة دقات وهما الاثنتان خلفها. دقائق بسيطة وفُتح لهن الباب بواسطة "حازم" الذي ابتسم لشقيقته قائلاً:
"حمد لله على السلامة يا چيچي."
ابتسمت له هي وهي تتدلف إلى الداخل وهما من خلفها، فتحدث هو من جديد قائلاً:
"كويس يا روز إنك جيتي، كان بابا بيسأل عليكي وكان عايزني أناديكي، بس مقولتش يعني إنك مش موجودة!"
ابتسمت هي له وهي تتدلف إلى الأريكة في الصالة. أما الأخرى فعقدت ما بين حاجبيها لتجاهله إياها، ليست من طبيعته بأن يعتبرها مثل الهامش ولا ينظر لها ولا يشاكسها بحديثه كعادته. دخلت "جميلة" و"نيروز" بالداخل حيث يجلس عمها. والأخرى دلفت الشرفة مع "حازم" بصمت بعدما أردف لها بأن تأتي معه إلى الشرفة باقتضاب.
نظرت "نيروز" لذلك الجالس أمامها وكعادته بيديه بعض الأوراق. انتبه "سليم" لها فترك ما بيديه وهو يعتدل في جلسته قائلاً بنبرة جادة:
"عاوزك عشان موضوع الشغل."
استمعت له باهتمام بعدما دق قلبها بتسارع وهي تنظر له بتعمق، تطالب بالمزيد بعينيها العسليتين. نظر لها ببرود وهو يردف قائلاً باقتضاب:
"أنا موافق!"
ابتسمت هي باتساع وكذلك الأخرى بفرحة، فأردفت "نيروز" بسعادة:
"شكراً يا عمي."
نظر لها بغير اهتمام وهو يواصل حديثه مرة أخرى قائلاً:
"انزلي واشتغلي الشغل اللي انتِ عايزاه، بس خليكي واخده بالك إن عيني عليكي، ويا ريت ميحصلش من تصرفاتك الغبية دي حاجة وتعرفي الحدود بينك وبين اللي برا البيت كويس، لأنك مبتعرفيش تتصرفي وممكن تفضحيني برا، وأي حد يضحك عليكي. مش محتاج أقولك خلي بالك من نفسك ومن أفعالك برا بيتي عشان أي حاجة هتحصل منك هتبقى وشي أنا، مفهوم؟"
تجمعت الدموع بمقلتيها، لم تستطع أن تكمل سعادتها بموافقته، ولكن كلماته اللعينة تلك في كل مرة تشرخ بداخلها شرخاً وتكسر بداخلها كسراً لا تعرف كم عدده. نظرت له بصمت وعدم وضوح لدموعها المتحجرة بعينيها التي تأبى أن تهبط أمامه هو خاصة. تريد أن تهاجمه، تصده، تقف له، لكنها تعلم جيداً أن تحدثت بحرف واحد معترضة سوف ينهي ذلك الحوار بعدم عملها. أما "جميلة" فنظرت لوالدها نظرات عدم رضا، نظرات خزي منه، نظرة حملت كل معاني الكلمة من خذلان! نظرات خائبة الرجاء بأن هو سيظل هو لا فائدة منه! لا تغير لطباعه الحادة! لا لين لتعامله وقلبه القاسي أبداً!
جاهدت "نيروز" أن تتحدث بنبرة جادة ثابتة ولكنها خرجت مهزوزة وهي تردف قائلة:
"حاضر يا عمي، عن إذنك."
نهضت هي بسرعة حتى لم تلحق بها الأخرى وخرجت من الشقة بأكملها. نظرت "جميلة" لوالدها نظرات معاتبة دفينة، تحمل بداخلها كره له ولكن لا تستطيع قول ذلك، تنهَر نفسها لتفكيرها بذلك الأمر، ألا أنه والدها كيف ذلك! لكنها فاض بها الكيل الآن وأصبحت تعي جيداً أن هذا لا يستحق تلك الكلمة التي تناديه بها دوماً "أبي"!
***
كانت "ياسمين" تقف بالشرفة بصمت إلى الآن تنتظر معاتبته لها، ولكن بدأت هي بالحديث أولاً على فجأة وبتلقائية:
"حازم، أنا آسفة!"
أجابها وما زال ينظر أمامه ولم يوجه نظراته لها وهو يردف باقتضاب:
"على إيه؟"
"اللي حصل النهارده."
وجه نظراته لها وهو يردف قائلاً بهدوء:
"ليه يا ياسمينا؟"
حسناً، هي الآن أيقنت جيداً أنه يعاتبها ويحزن جيداً لمناداته لاسمها الحقيقي دون أدنى تحريف به، عادة ما يردفه لها عندما يكون غاضباً منها.
"انت زعلان مني عشان اللي حصل النهارده مني صح؟"
نظر لها بصمت وهو يردف قائلاً بعقلانية وعتاب:
"أنا مش زعلان منك على قد ما زعلان منكِ. أنتِ غلطتي وصغرتيني وأنا واقف. مينفعش تضربيه ولا تعملي فيه حاجة وأنا موجود، أقطعاله. لكن أنتِ عملتي إيه؟ اتسرعتي وروحي مديتي إيديكِ عليه وأنا موجود وكمان وأنا مش موجود. تغاضيت وبتغاضى عن تسرعك بدراعك، بس كفاية كده، ده مش صح ليكِ خالص. لازم تتحكمي بأعصابك وتفكري كويس قبل ما تعملي الحاجة. عارف إنك بتدافعي عنك وعن جميلة، بس ده مش عاوز حد زيك يمد دراعه عليه لأنه كده كده دراعه أقوى منك. حواء اتخلقت من ضلع آدم يا ياسمين."
نظرت له بتفهم ونظراتها المتأسفة. هي تعلم أنها أخطأت بحقه عندما وضعته على الهامش وتصرفت هي.
"أنا آسفة، متزعلش مني. أنا بس حاولت آخد حق ليا وحق غيري مسؤول مني وأنت مش موجود. بس فعلاً معملتش حساب إنك مش موجود بس هترجع. مقصدتش أقلل منك، بس كلامه وتصرفاته عصبتني وحرقت دمي وغلط فيا كأني واحدة جاية من الشارع وأنا تربيتي معروفة كويس هي إيه. وبعدين أنا بقول آسفة دي مش بقولها لكثير يا حازم. هن يا جن بقى. سكوتك دا بيوترني. تعال عاتبني علطول يا حازم متسيبش التراكمات تخلق حاجز ما بينا عشان خاطري!"
ابتسم أخيراً لها بحب وهو يردف قائلاً:
"مقدرش أزعل منكِ، بس بوعيكِ على اللي حصل واللي هيحصل. متزعليش أنتِ وأنا أكيد هجيبلك حقك منه."
"أسدد أسدد جيبلي حقي حالا بالا بالا بقا يلا أنا وجميلة. بجد جميلة متستاهلش اللي حصل ده، حاسة إنها مكسورة وزعلانة قوي ومش عارفة تقول لمين إن أخوها اللي من دمها جه عليها. متخيل؟"
"أنا عارف وحاسس بيها. جميلة مبقتش قادرة وطاقتها خلصت من اللي حواليها وبالذات أبويا اللي المفروض هي تروحله تشكيله أول واحد من اللي حصل، لكن لكِ أن تتخيلي إن محدش قاله حاجة عن الموضوع أصلاً. ولو عرف لو حصل إيه مش هياخد صف جميلة أبداً حتى لو ميتة في إيد حسن. ضعيف، ضعيف قدام مرات أبويا. ست خربت حياتنا وأنا واعي عليها. أبويا يتجوزها بعد ما أمي خلفتني علطول عشان أصلاً زينات بنت عم أبويا وأبوكِ نقطة سودة فعيلة الأكرمي. جوزها مبخلفش فجدي الله يسامحه يطلقها منه ويجوزها حد من الاتنين. يا بختك بأبوكِ. راجل أصيل حب أمك حب ميتوصفش. لكن أبويا عند أول مطب باع أمي واتجوزها عليها. لأ وإيه يحبها أكتر منها. وأمي تستحمل عشاني وكملت وخلفت جميلة بعد ما التانية حملت في حسن زي ما جدك حكم."
حاسس إني المفروض مكنتش أوعى على كل ده ولا أفهمه. ولا مضطر أستحمل. بس هي الدنيا!
نظرت له بتأثر وهي تربط على كتفه بحنان، مع مراعاة المسافة بينهم. لكنها فعلت ذلك دون وعي منها. ابتسم لها بحب، فاردفت هي بتأثر:
"انت قوي واستحملت كتير يا حازم. مفيش غيرك يقف جمب مامتك وجميلة. انتوا حلوين أوي مع بعض وربنا هيراضيكم ويطبطب على قلوبكم."
نظر لها بعمق عينيها وهو يجيبها بنبرة متحشرجة:
"كلامك كله دوا لجروحي. بحس معاك مشاكلي بتتبخر وإن ليها حل تتحل في ثواني. قوللي بتعملي إيه فيا؟"
"لا مبعملش ده، سر المهنة وعيونها!"
ابتسم لها قائلاً بتلقائية:
"طب قول لي لسر عيون المهنة إني بحبهم وبييهونوا عليا كل حاجة!"
ابتسمت له بخجل، فانتبهوا هم لتلك التي تتدلف عليهم الشرفة بملامح وجه متشنجة. نظر لها شقيقها بتعمق وهو يردف قائلاً:
"إيه يا جميلة مالك؟"
أجابتهم قائلة وهي توزع أنظارها عليهم:
"بابا وافق على شغل روز."
"طب ودي حاجة تخليكِ عاملة كده؟ مش فاهم!"
نظرت "ياسمين" باستغراب من أمرها، فأجابته "جميلة" قائلة:
"ما بابا حط بصمته في الكلام، ومشت زعلانة أوي!"
بدلت "ياسمين" نظراتها للحدة، وكل ما خطر ببالها أن ليس سوى زوجة عمها من فعلت هذا!!
"قالها إيه؟"
قالها "حازم" و"ياسمين" في آن واحد، فنظروا إلى بعضهم. ولكن ليس الأمر مثيراً للمرح الآن. صمتت "جميلة" لا تعرف ماذا تجيب حتى لا تثير الموضوع للضجة أكثر.
خرجوا جميعاً بلا استثناء إلى الصالة حيث يجلس الآخر، فتحدث "حازم" بتساؤل:
"إيه يا بابا؟ إيه اللي حصل مع نيروز؟"
لم ينظر له والده بل تحدث قائلاً بغير اهتمام:
"مفيش. وافقت على الشغل."
"بس يا عمي!"
نظر لها "سليم" بسخرية قائلاً بتهكم:
"آه بس! هعملها إيه يعني؟"
نظرت "ياسمين" له بتعمق، ثم ثوانٍ واستأذنت تخرج من أمامهم من باب الشقة تحت نظراتهم المستنكرة من والدهم في هذا الموضوع.
***
كانت جالسة بأحضان والدتها تبكي بين الحين والآخر دون علم والدتها بسبب بكائها، ولكن أحضانها كفيلة بأن تسكنها. تحدثت "سمية" قائلة بخوف:
"مالك يا حبيبتي؟ مالك؟ إيه اللي حصل؟ من ساعة ما جيتي وأنتِ بتعيطي! المفروض تفرحي إنه وافق! طيب قالك إيه؟ إيه اللي حصل؟"
خرجت "نيروز" من أحضان والدتها وهي تردف قائلة بنبرة متحشرجة:
"مقالش يا ماما. أنا بس بحب أرتاح في حضنك. فيها حاجة دي؟"
نظرت لها والدتها بتعمق وهي تردف قائلة بحدة لم تعهدها الأخرى من قبل:
"قولي قالك إيه، لأن كده كتير. معتش ينفع اللي بيحصل ده!"
نظرت لوالدتها بتمعن وهي تنهض واقفة تزامناً مع قولها:
"قولتلك يا ماما مفيش حاجة. أنا هروح أتوضى وأصلي وأقف في البلكونة شوية."
قالتها سريعاً لتهرب من نظرات والدتها وهي تخرج من الغرفة بأكملها. نظرت والدتها بأثرها بتشكك من أمرها، وهي تفكر في شيء ما. تفكر بمواجهة عمها هذا الذي لا يكف عن إيذاء ابنتها نفسياً. فقامت لتنهض ترتدي حجابها وتذهب حيث عقدت العزم.
***
"لن أسمح لأي شخص مهما كان بأذيتك. لن أسمح لهم بكسر آخر ما يوجد بك. لن أسمح لهم بالاقتراب من تلك الملاك. قطعة من قلبي. وجزء لا يتجزأ من كل شيء. أنتِ كل شيء!"
تجلس هي أمامهم تشرب من مشروب الشاي باستمتاع وبرود. وهم الاثنين أمامها يطالعاها بحقد وشرر. حتى تحدثت "زينات" قائلة بنفاذ صبر:
"أنتِ جيتي وشربتي الشاي وبقالك مدة قاعدة. إيه؟ عايزة عشا بالمرة؟"
نظرت لها "ياسمين" بابتسامة صفراء وهي تردف قائلة ببرود:
"ومتعشاش ليه؟ مش بيت عمي؟ بس تصدقي أنا جعانة فعلاً. قومي إعمليلي عشا!"
نظرت لها بحدة، فتحدثت "فريدة" قائلة بتعالٍ ونبرة غاضبة دفينة بها:
"ما تقصري! وتقولي جاية ليه من الآخر؟ ولا مكفاكيش اللي حصل منك المرة اللي فاتت! وبعدين مش غريبة منك تيجي وتقعدي كل ده وكمان تشربي وعايزة تاكلي؟"
نظرت "ياسمين" للكأس الذي بيديها وهي تردف قائلة دون النظر إليهم:
"غريبة صح؟ تصدقي! ده مريب كمان! فعلاً محدش ضامن إنه يشرب ميه حتى من عندكوا. بس أقولك يا صفرا أنتِ عادي فدا روز حبيبة قلبي!"
أجابتها "زينات" بنبرة ساخرة:
"ومالها ست روز بتاعتك إن شاء الله؟ مش أنتِ اتفقتي على حاجة وعلى ما أظن حصلت؟ فيه إيه تاني؟"
كانت "فريدة" تستمع لهم بعدم فهم، فجاءهم صوتها وهي تردف قائلة بثبات:
"صح. بس بصمتك أنا حساها وشماها في الحوار. حطيتي بصمتك وشعللتيها صح؟"
"وأنا هقول إيه؟ ده أنا اللي هتضر مش انتوا!"
نهضت "ياسمين" على فجأة وهي تردف بحدة جامدة لهن وبصوت تحذيري:
"تمام أوي! أقسماً بربي اللي ما بحلف بيه كذب. لو ما شلتوا أختي من دماغكم وبطلتوا تفكير الحرابي اللي انتوا فيه ده، لكون متصرفة تصرف مش هيعجبكم! سامعين!! آه، ابقى قابلي في حتة فيها إضاءة حلوة عشان أعرف أصورك كويس يا فوفه. أوكيه؟"
ابتلعت "فريدة" ريقها بخوف من حديث الأخرى ونبرتها التحذيرية، أما "زينات" فأردفت بتشنج قائلة محاولة الثبات:
"إحنا كنا ماشيين كويس، ليه الغدر؟"
"الحرابى ما بيتأمنش ليها معلش! ممكن تلدغ في أي لحظة! بس على مين، أنا أكبر من حربايتين زيكوا ولدغتي متجيش جنبكم حاجة، ماشي؟ سلام."
قالتها وهي تتجه خارجة من الشقة بأكملها، صافعة الباب خلفها، والاثنان خلفها يبتلعان ريقهما من كثرة ارتباكهما من حديث الأخرى الموحي بالدمار القادم. هم يعلمون أن تلك الـ "ياسمين" ليست هينة أبداً.
***
في المشفى، كان "عز" يقف أمام الطبيب الجديد الخاص بالجراحة والعمليات اللازمة في تلك المشفى، والذي تولى حالة والدته بعدما سلمها الطبيب الآخر له للعملية الجراحية. وبجانبه شقيقته التي يظهر على هيئتها الإجهاد وملامح وجهها المصفّرة.
تحدث الطبيب قائلاً بهدوء وهم جميعاً أمامه ناظراً على التحليلات الخاصة بها:
"فيه تحسن، لكن هنحتاج نعمل عملية استئصال مادام ينفع يتشال وعشان مينتشرتش برضه. ومتقلقوش، الأعراض دي عادي. استأذنك بس يا أستاذ عز تاخد والدة حضرتك وتعمل أشعة أخيرة عشان العملية، عند الأوضة اللي هناك دي عشان. وطبعاً الوالدة بعد ما تعمل الأشعة اللازمة للعملية هتضطر تقعد هنا كام يوم على ميعاد العملية، لو حضرتك جاهز."
نظر له "عز" وهو يردف قائلاً بخوف وبدقات قلبه المتسارعة! هو يعلم أن سوف يأتي ذلك اليوم لتلك العملية لا محال:
"شكراً يا دكتور."
ابتسم الطبيب مردفاً بهدوء:
"اسمي بسام. وبعدين مفيش شكر، دا واجبي. بالشفاء إن شاء الله وربنا يخليهالك ويبارك في عمرها!"
ابتسم له "عز" بامتنان وهو يتجه بوالدته ببطء ناحية الغرفة المحددة للأشعة وهو في عالم آخر، ووالدته تطمئنه وتبتسم راضية أينما حدث. وبعدما أشار لشقيقته بأن تظل مكانها هي.
وضعت "فرح" يديها على رأسها بإجهاد وصدمة، غير قادرة على النطق مما أرتَمى على مسامعها وكأنه الشئ الوحيد الذي كان ينقص لسقوطها.
خاصة، إنها تداهم تلك البقعة السوداء منذ بداية اليوم، ولكن استسلمت لها بالنهاية ووقعت ترتطم أرضاً بقوة.
هرول "بسام" يصيح بالممرضين عالياً وهو يحملها أرضاً متجهًا بها ناحية الغرفة الخاصة بالكشف. دخل بها إلى الغرفة وبجانبه الممرضة الخاصة به "عبير"، ثم سطحها على الفراش وهو يحقن بها الإبرة الطبية بعدما انتهى من كشفه. نظر هو إلى الممرضة قائلاً بلهفة:
"مدام عبير، معلش هاتيلي كمان حقنة من جوه!"
أومأت له الممرضة سريعاً وهي تتجه إلى الخارج، فاصطدمت بـ "عز" وهو يدور بالمكان يبحث عنها. انتبهت له "عبير" وهي تسأله:
"حضرتك بتدور على اللي كانت هنا؟"
"أيوه!"
"هي وقعت من طولها وهي جوا دلوقتي و..."
لم يستمع لها هو، بل أسند والدته التي شهقت عالياً على المسند وهو يتجه للداخل بلهفة بعدما قاطع حديث الأخرى غير عابئ بمناداة والدته عليه.
"فرح، فرح مالها يا دكتور؟"
قالها بلهفة وهو يصيح عالياً. فوقف أمامه "بسام" وهو يردف قائلاً بهدوء متفهماً لحالته:
"اهدوا يا أستاذ عز، اهدوا. هو بس تعب أو ضغط نفسي من اللي سمعته، واضح إنها ضعيفة. هتبقى كويسة إن شاء الله، بس هي محتاجة تبات النهاردة في المستشفى وجنبها الممرضين يتابعوها."
تحدث "عز" بلهفة وبنبرة متحشرجة:
"طب، طب هي هتفوق امتى؟ وهتفضل كده كتير ولا إيه؟ طمني يا دكتور!"
"هدّي نفسك يا أستاذ عز. مجرد ضغط نفسي بس، هتبقى كويسة بس تاخد مجموعة العلاج وتخرج وتبقى كويسة. زائد إن جسمها ضعيف ومأكلتش تقريباً بقالها فترة. هي بتعاني من مرض معين؟"
"لا لا خالص، هي كويسة الحمد لله بس، بس نفسيتها مش أحسن حاجة عشان والدتي."
قالها "عز" بلهفة. فانتبه "بسام" لتلك التي تتدلف الغرفة وبيديها العلاج الخاص بالأخرى ويدها الأخرى تسند والدة "عز". تحدثت الممرضة تشرح له قائلة:
"والله يا دكتور، أصرت تدخل تتطمن على بنتها وكانت قالبة الدنيا."
ابتسم "بسام" مردفاً باحترام:
"أم عز، تعمل اللي على كيفها. اتفضلي قعديها مفيش مشكلة، بس أرجو عدم الإزعاج عشان المريضة، وخمس دقايق ولازم تخرجوا. وطبعاً أوضة مدام حنان جاهزة في الدور اللي فوق."
أومأت له بانكسار تزامناً مع اتجاه "عز" لها يجلسها على المقعد أمام ابنتها وهي تتحدث قائلة بنبرة باكية:
"يا حبيتي، أنا كنت حاسة إنها تعبانة وفيها حاجة. كنت حاسة... آه يا بنتي!"
اتجه "بسام" يحقن بها الإبرة التي بيديه قائلاً للأخرى بتفهم:
"مفيش داعي للقلق ده كله يا مدام، ده ضغط نفسي بتحصل بس. العلاج ده تروح يا أستاذ عز تجيبه من الصيدلية في المستشفى في الدور اللي تحت."
قالها وهو يتجه ناحية المكتب يدون بعض الأدوية على الورقة بسرعة. فأخذها الآخر وهو ينظر له بامتنان صادق، ثم أسرع على الفور خارج الغرفة ليسمح لدمع عينيه المكتوم بالهبوط غير عابئ بمن يراه كذلك. اتجه يهرول سريعاً ناحية الجهة التي يوجد بها العلاج بلهفة شارداً في حل معضلتين، والدته وشقيقته.
***
خرجت هي متجهة ناحية شقة شقيق زوجها تدق الباب دقات خافتة نسبياً، ففتح لها "سليم" ولحسن الحظ.
نظرت له بشرر يتطاير من عينيها قائلة بجمود ولكن بصوت غير ملفت:
"قلت إيه لبنتي يا سليم مخليها مش مبطلة عياط؟ هو كل مرة؟ خد بالك أنا معتش هسكتلك، مش عشان رفضت اتجوز واحد زيك بعد موت جوزي تعمل كده فيهم، فاهم؟"
نظر لها ببرود وهو يردف قائلاً بثبات:
"وانتِ جاية تخوفيني بالبوقين دول يا سمية؟ بنتك مين دي اللي تسلك في شغل من غير مشاكل لغبائها وتصرفاتها؟"
"لا لحد هنا ومش هسكتلك، كفاية بقا دايس فيهم بمرضك النفسي ومكمل. انت إيه؟ خلي في قلبك شوية رحمة يا أخويا، هتتحاسب على كل ده، وهتتحاسب باللي بتعمله ببنتك يا ظالم. انت راجل ظالم ومفترى وملكش إلا حد ظالم يقهر فيك زيك!"
قالتها بجمود. أخذ هو يتطلع حوله خوفاً من أن يكون أحد يتصنت عليهم. فنظر لها بحده مردفاً:
"قلبك جمد عشان تعملي اللي بتعمليه ده؟ اتجرأتي أكتر من اللازم يا سمية!"
نظرت له هي مردفة بصوت عادي كالسابق ولكن بحده جامدة:
"سيب بنتي في حالها يا سليم وارحمها عشان ربنا يرحمك، كفاية اللي هي شافته."
قالتها وهي تتجه إلى حيث شقتها تفتحها لتدلف منها إلى الداخل، فاغلق هو الباب بقوة يصفعه قبل أن تغلقه هي.
***
"اذكر أنني نمت بعد انهيار مفزع، فاستيقظت شخص لا أعرفه."
بعد مرور وقت كانت تجلس بغرفتها وحدها بعدما دخل عليها والدتها وشقيقتها مطمئنين على حالها بهدوء، ولكن لا يعلم أي منهم ما فعلته والدتها منذ وقت. تجلس بمفردها وبعدما أدت فروضها والتدرع إلى الله بالدعاء تشكو وتخرج له ما بداخلها.
هي الآن شاردة الذهن وهي تتجه ناحية الدفتر الخاص بالمذكرات والظرف الذي يوجد به أشياء عدة من طفولتها البريئة. تبتسم تارة، وتتشنج ملامحها من البكاء تارة. أخذت المذكرات الخاصة بها وفتحت منها صفحات معينة، وكانت الأولى يكتب بها وهي تقرأ ما بها بصوت متحشرج:
* "النهاردة بابا جالي أول يوم في الثانوي واستناني لما خرجت، وروحنا أحسن مطعم بعدها وجابلي أنا وماما وإخواتي حاجات كتيرة أوي بنحبها، وقالي قد إيه هو مبسوط إن أنا بكبر وبنجح وبوصل ببطء للي بحلم بيه."
ابتسمت بسمة منكسرة، ولكن هي كانت تعيد على تلك الجمل والكلمات بعدما توفي، فأصبحت بعد كل جملة تكتبها تدون أسفلها الشعور العكسي لها عندما توفي هو وتركها وحيدة. كان أسفل تلك الجملة وبالتاريخ أيضاً:
* "مكنتش أعرف إنه هيسيبني في آخر الرحلة، متوقعتش إنه هيمشي قبل ما أحقق اللي كنا بنحلم بيه سوا!"
طالعت تلك الجملة الحزينة بدموع عينيها المحبوسة. فتحت صفحة أخرى غير تلك لتجد بها:
* "فوقت لقيتو مش موجود عرفت إنه راح وسابني وأنا مش واعية. من وقتها حاسة إن قلبي مكسور وضهري مقطوم. من وقتها إحساس الأمان هرب ومرجعش تاني!"
طالعت تلك الجملة بأسى وهي تنظر على التي بأسفلها بخيبة أمل كبيرة:
* "ولسة قلبي مكسور لحد النهارده، لسه ضهري مقطوم، ولسه الأمان اللي اتبخر مرجعش تاني من وقتها!"
طالعتها بكسرة وهي تهبط دموعها ببطء على خديها دون صوت. ففتحت عدة صفحات أخرى قبل ذلك، وكانت الصفحة تحتوي بجملة مكتوبة بمربع أحمر ويوجد تحتها "سلسة على شكل وردة" معلقة بتغليف أسفل الجملة التي كانت تحتوي بـ:
* "النهاردة غسان شوحلي للمرة اللي مش عارفة عددها جوابات في البلكونة، بس المرادي كان فيها سلسلة على شكل وردة جميلة أوي وحظي إن بحب الورد جداً. حسيت إن لحد هنا ولازم أقول لبابا عشان حاسة إني بعمل حاجة وحشة من وراه!"
نظرت مجدداً على الكتابات الموجودة أسفل تلك الفراشة المكتوب به:
* "قولت لبابا، ضحك وقالي الطفولة جميلة، بس انتِ أجمل عشان مخبتيش عليا. قالي أشوحاله تاني في بلكونته ولو هو جابها تاني لبلكونتي ساعتها آخدها أعينها للذكريات. وقولتله كمان إنه طول الوقت بيجيبلي جوابات من البلكونة بس بقرأها وأشوحها تاني زي ما كانت من غير رد. مضربنيش لأنه عمره ما عملها، بس قالي لو خوفتي يبقى بتعملي حاجة غلط. بس أنا عمري ما خوفت لما كان بيشوح الجوابات، كنت أقرأها وأشوحها تاني مكانها، بس كنت حاسة إن همي على بطني أوي لما كان بيحط في الظرف شوكولاتة بالفراولة وكنت باخدها آكلها ومرجعهاش مع الظرف. قولتله كده ضحك عليا أوي ومن غير ما يتكلم أخدني فحضنه وطبطب عليا وقالي هتتمني ترجعي للأيام دي تاني!!"
أغلقت الدفتر الخاص بها وهي تبتسم وفي نفس الوقت تبكي بصمت عند تذكرها لكم هذه الذكريات. اتجهت لتضعه مكانه ثم لتتجه ناحية الشرفة تجلس بها قليلاً.
حل المساء بعد وقت ليس ببعيد.
في شقه "حامد" كان هو يجلس بجانب زوجته على الفراش، ينظر لها باهتمام وحب خاصة. بعد ذلك الحوار الذي فتح على الغداء.
انتبهت هي لنظراته، فابتسمت له بخفة وهي تتحدث قائلة بخجل:
"مالك يا حج؟ بتبصلي كده ليه؟"
ابتسم لها يشاكسها بكلماته المرحة دائما الهينة على قلبها في كل مرة يتحدث بها:
"بحب أبصلك، وبحب ملامحك، وكمان بحب ابص لولادي عشان ملامحهم نفس ملامحك الحلوة دي!!"
ابتسمت باتساع وهي تطالعه بنظراتها المحبة الحنونة قائلة بخجل ممزوج بالمرح:
"جرا إيه يا حج؟ هو إحنا لسه صغيرين يا خويا على الكلام الحلو اللي بتقولهولي كل مرة ده!"
"اه صغيرين، ده أنا اللي حبيتك من بدري واتجوزت صغير، بالك إنت لو كنا استنينا شوية مكناش جبنا عيال طويلة وهبلة كده!"
إعتلت ضحكاتها على حديثه، فتحدث هو قائلاً بهدوء:
"عارف إنك زعلانة وبتتوجعي، عارف إنك لسه متعافتيش من موت سلمى هنا، برغم سنها الصغير اللي ماتت بيه من زمان، بس عارف إن قلب الأم ملوش وقت ويداوي وبيفضل يوجع، بس ده قضاء وحكمة من ربنا. خلفنا ٣ توأم هي اللي اتولدت ضعيفة وفضلت ضعيفة لحد ما راحت عند اللي أعز مني ومنك ومستحملتش اللي كانت فيه. عوضنا ببنت جميلة بعد مدة كبيرة وكانت وسام. وسام يا دلال اللي رفضتي تسميها سلمى عشان ميحصلش اللي حصل، بس ده أي كلام، لأننا في امتحان من ربنا لازم الصبر والشكر ليه مهما حصل، كله خير من عنده! وسلمى دي هتشفع لينا أنا وإنت وهندخل الجنة على إيديها تعرفي كده ولا لأ؟ أوعي تيأسي رحمة ربنا كبيرة أوي وتسع كل شيء من حوالينا متخيلة؟!"
كانت تبتسم على حديثه تارة وتبكي تارة أخرى. فتحدثت هي أخيراً من بين شهقاتها الضعيفة ودموع عينيها الصامتة، وهو يربت على كتفيها بحنان يأخذها بأحضانه بهدوء وهي الأخرى تردف بـ:
"أنا عارفة، عارفة إنه الحمد لله قضاء وقدر من ربنا، وراضية، بس قلبي، قلب الأم، قلبي بيوجعني جواه نار على فراقها حتى معاشتش معانا الفترة اللي تخليني أعمل كده! بس دي بنتي، تعبت فيها وروحي فيها بخاف، كنت خايفة أجي هنا مع إن عشت هنا كتير بعد ما ماتت، بس بفتكر غصب عني كل اللي حصل من موتها لكل حاجة بعدها."
نظر لها باشفاق وهو يربت على ظهرها بحنان قائلاً بنبرة متحشرجة:
"عارف إنك مكنتيش عاوزة تيجي هنا، وعارف إنك خايفة تيجي، بس ده مش صح، إحنا هنا بعد موتها بكتير، متسبيش نفسك لتفكيرك عشان تعرفي تعيشي يا دلال! وسلمى الأمر لله."
ابتسمت بانكسار وهي تجيبه قائلة:
"الحمد لله راضية، عارفة إني ساعات بقول حاجات مش لازم تتقال، بس ربنا قادر يطمن قلبي ويهديه، بس الواحد بيفكر الوحش اللي في المكان قبل الحلو غصب عني!"
"ربنا يرحمها برحمته، ويجمعنا بيها في الجنة."
ابتسمت له بحب صادق وهي تتنفس بعمق بين أحضانه الدافئة، وكلماته الهينة التي دوماً تخفف عنها ثقل الحياة والأيام.
***
كان هو على الجانب الآخر يقف بالشرفة يبعث بهاتفه بملل واضح، ولكن الأهم أنه يمسك تلك الزجاجة المثلجة من المياه يتجرع منها على فترات وهو يقف والهواء يداعب خصلاته السوداء ويطيرها. ابتسم حينما تذكر شقيقه وما فعله معه قبل أن يذهب إلى عمله.
بنفس ذلك الوقت كانت هي تقف بالجانب الآخر في الشرفة الجانبية له، لكن تلك المرة كان مصباح الشرفة لديه مفتوحاً وينير المكان بعض الشيء، لكن هي لم تنتبه له. تنفست بعمق وراحة كبرى بأصوات مسموعة وهي تفرد ذراعيها للهواء المنعش الذي يداعب وجهها. بالطبع كانت ترتدي "غطاء رأس خاص بالبيجامة التي كانت ترتديها هي"، فلم يداعبها الهواء ككل مرة من حيث خصلاتها.
انتبه هو لها وهي تتنفس بعمق مغمضة العينين، فتنفس بعمق يتنحنح قائلاً:
"ده حماس؟ ولا طهق من الدنيا؟"
انتفضت كما تنتفض كل مرة على صوته المتنحنح، ثم التفتت منتفضة على صوته تنظر له قائلة بتلقائية:
"بسم الله."
إبتسم "غسان" على تلقائيتها وهو يردف قائلاً بثبات:
"بتخوفي؟"
"لا مش قصدي بس. بس اتخضيت!"
قالتها "نيروز" بملامح وجه محرجة ظهرت عليها بوضوح، فتحدث هو يجيبها قائلاً:
"عادي، أومال لو اتخضيتي وكمان اتخبطتي بجزمة طويلة كعبها عالي في راسك!"
قالها بثبات لا يتماشى مع طبيعة حديثه. فهمت هي ما يرمي إليه بحديثه، فابتسمت بحرج قاتل وملامح وجهها المحمرة. فواصل هو من جديد قائلاً وهو يوجه نظراته للبحر الذي أمامه على بعد:
"عارفة إن عندي صداع لحد دلوقتي من جزمتك الدبابة القتالة دي!"
هربت بنظراته سريعاً بحرج، ثم تحدثت قائلة بتوتر:
"حقيقي أنا مكنتش أقصد، بس ثواني اجيبلك برشام ليه هيروقه بسرعة؟!"
لم تعطيه الفرصة للرد بل هرولت سريعاً من أمام أنظاره تختبئ من حرجها منه. فوجد هو شقيقه يتسحب بهدوء من ورائه، فاردف قائلاً بثبات وهو ناظراً أمامه:
"حاسس بيك ورايا متحاولش، وبعدين بزمتك ده شكل حد يخض!"
إعتلت ضحكات "بسام" وهو يتجه ناحيته يقف بجانبه، قائلاً بمرح:
"ما هو وحياتك نفس الشكل!"
قهقه "غسان"، عالياً، يومئ له بالإيجاب. ثوانٍ وهلت هي من الشرفة الجانبية، لكن وقفت للحظة ما إن رأت الاثنين يقفان بجانب بعضهما وبالأخص هما الاثنان يرتديان نفس الملابس، يقومان بشرائها معاً ويفعلان ما يسمى بالـ Matching. وقفت تفتح فاها وهي تنظر بملامح وجه متوترة. كان الآخر يبتسم على ردة فعلها، أما شقيقه فكان يقف غير واعٍ لما يحدث. عقدت العزم بأن لا يصح أن تقف كثيراً دون التصرف. اتجهت بالعلبة توجهها وهي تقف على مقربة منهم، ثم مدت يديها بها إليه ولكن لسوء حظها، أنها مدت يديها لـ"بسام" فأخذها هو بغير فهم للذي يحدث. فتحدث "غسان" قائلاً بهدوء من بين ابتسامته:
"مش دا أنا اللى محتاجه! بس عادي أنا وهو واحد!"
ابتسمت بحرج قائلة وهي تتجه بعيداً عنهم خطوة للوراء:
"معلش، أنا بس مش عارفة أفرق، عن إذنكم."
اتجهت مسرعة إلى الداخل وعلى ملامح وجهها الابتسامة المكتومة على ردة فعلها الحمقاء! ولكن كيف تفرق هي؟ هي معذورة!!
ابتسم هو لشقيقه والاخر ينظر بتمعن لعلبة العلاج بين يديه!
"وليه يعني ما إحنا عندنا."
ابتسم "غسان" لشقيقه يشاكسه قائلاً بتبجح:
"أصل أنا بجح وبحب اللي عندهم!!"
"يا جدع!"
قالها "بسام" بسخرية، فتحدث الآخر بجدية:
"خش، خش نروح لامك وابوك نشوفهم مختفيين فين!"
اتجهوا ناحية الغرفة فوجدوا والدهم يحتضن شقيقتهم ووالدتهم. فاتجه "بسام" سريعاً يقف أمامهم كالطفل وهو يتحدث قائلاً:
"يعني من لقى حبايبه نسي أصحابه؟ ولانا مليش نصيب في الأحضان دي؟"
قهقهت "وسام" عليه فابتسم والده بخفة ووالدته أيضاً، فاتجه هو سريعاً عندما أشار به والده بذراعه يجلس بجانبهم!
فتحدثت "دلال" قائلة:
"إحنا ينولنا الشرف واحنا بنحضن الدكتور بتاعنا اللي قد الدنيا ده."
ابتسم هو متحدثاً بمرح:
"عارفين يا جماعة مشكلتي في إيه؟"
جاءهم صوتهم جميعاً وهم يردفون بـ:
"إيه؟"
كان الآخر ينظر لهم من خارج الغرفة بحب طغى على ملامحه قاطع دخوله ذلك المشهد وهو يقف يتطلع إليهم، بينما واصل "بسام".
الآخر حديثه قائلاً:
"مشكلتي أن دلال لسه ما قالتش لعم سلطان البواب إني دكتور قد الدنيا!"
اعتلت ضحكاتهم على حديثه، فأكمل والده يجيبه قائلاً:
"لأ إزاي دي تفوتها برضه؟ طبعاً قلت له أمك قالت لي أقوله إنك دكتور قد الدنيا وأنا ما أكسرش كلمة لمراتي أبداً!"
اعتلت ضحكتهم على حديثه، بينما كاد أن يواصل حامد حديثه من جديد، فانتبه هو للآخر غسان واقفاً على بعد منهم يبتسم بشرود!
"يخربيت أبوك قطعت لي الخلف ياض واقف كده ليه؟"
قهقه غسان عليه وهو يدلف إلى الداخل، قائلاً بتبجح مرح:
"قطعت لك الخلف إيه؟ ناوي تخلف كمان؟"
شهقت والدته شهقة مصطنعة، فأكمل والده حديثه وهو يقول:
"وماله ما يجيبش تاني قطاطيط حلوين ليه؟ ولا إيه رأيك يا ويسو؟"
نظرت وسام لوالدها وهي تردف بلهفة:
"أيوه يا بابا، أنا عاوزة... عاوزة بنتين توأم."
ابتسمت والدتهم بسخرية بالطبع من كبر سنها، فأردف بسام قائلاً باقتراح:
"فيه حل أحسن، إحنا نجوز غسان ويجيب لنا التوأم دول!"
أردفت دلال ترد على حديث الآخر بتعالٍ:
"ده يوم المنى لما يتجوز ويخلف بنات قمر شبه كده، ده أي واحدة تتمناه، ده محاسب ق..."
قاطعوها جميعاً دون استثناء وهم يردفون بصوت واحد وكان بنبرتهم العالية:
"محاسب قد الدنيا!"
قهقهت هي عالياً وهم أيضاً، لرديفهم معاً تلك الجملة المعتادة منها!
انتهت وسام من ضحكاتها بصعوبة وهي ترد قائلة:
"طيب يا عيلة يا بنت الحلوة، أنا كان نفسي أقعد أكتر معاكم بس أستأذنكم، ثانوية عامة عاوزاني في كلمتين! مش هوصيك يا بوب على البنتين التوأم بقا!"
قالت حدثها وهي تتجه مسرعة خارج الغرفة، فتحدث والدها بمشاكسة:
"والله البت دي بتفهم، إحنا نجيب توأم للبت الغلبانة اللي ملهاش إخوات دي!"
ضحكوا بخفة على حديثه الذي أردفه بمرح، فاتجه غسان يجلس بجانب والدته من الناحية الفارغة، والأخرى تنظر له بحب يفيض من عينيها وهي تربط على كتفيه بحنان!
"ده أنت متخرمش على الآخر يا بو علي، بقا حرمة تعمل فيك كل ده؟"
قالها شريف بسخرية منه، فتحدث حسن قائلاً وهو يجيبه:
"لا وأنت الصادق، كان فيه تيران عليا، حرمة مين اللي تعلم عليا!"
نظر له آدم بإشفاق وهو يلومه قائلاً:
"أنا قلت لك يا حسن غسان لأ، وبعدين بصراحة ميضربكش في وشك ضربة زي دي إلا غسان، أخوه ما يعملهاش لأ، وأنا قلت لك البعد عنه غنيمة بس أنت فارش جناحاتك أوي، البس بقا!"
أجابه حسن قائلاً بنفاذ صبر:
"ونبي يا خويا بلاش تقطع فيا، أعمل إيه يعني وبعدين سيبني في حالي، أنا مغلول ومحروق دمي ومش عارف آخد حقي إزاي وأنت رايح تقطع فيا، نقطني بسكاتك!"
نهض آدم ومازالت سيجارته بيديه، قائلاً بهدوء:
"أنا سيبها لك أهو مخضرة وماشي، يكش أنت بس تعقل، لاحسن المرة الجاية مش محتاج أقولك مش هيبقى في جسمك حتة سليمة منه، ده عوء ولبط ولا تعرف هو بيفكر في إيه، فخلي بالك بقا يا خويا وأنا حذرتك وأنت حر. سلام، هطير أنا!"
قالها سريعاً وهو يتجه خارج المقهى الليلي بأكمله، نظر حسن بأثره بشرود، خاصة أن آدم صديق حسن المقرب منذ الطفولة مهما حدث كانا بجانب بعضهما، برغم طريقهم الهالك لكلا منهما، نظر له شريف بخبث وهو يردف قائلاً:
"طب واللي يقول لك تاخد حقك بحرفنة إزاي يا بو علي!"
نظر له حسن بعدم فهم وهو يردف قائلاً بتساؤل:
"قصدك إيه؟ مش فاهم."
اتجه شريف يجلس بجانبه وهو يربط على كتفيه، فتأوه الآخر قائلاً وهو يصيح به:
"آه ما تحاسب يا عم، اللي ما تتسمي عضانى ومتعور هنا."
"لامؤاخذة يا صاحبي، دا أنت حالتك صعبة."
"طب كمل كنت بتقول إيه؟"
نظر له شريف بمكر، خاصة أن خططه بدأت أن تسلك طريقها بوضوح في كل شيء.
"هقولك! تروح القسم بشكلك ده وترفع عليه قضية، تعمله محضر يعني، تعدي، عدم تعرض أي بتنجان بحيث تكون خدت حقك كده ولو هه يعني ومتسيبش اللي متبقي منك على الأرض كده!"
نظر حسن أمامه بشرود وهو يردف قائلاً محاولاً عدم الاستسلام لكتلة شره والانسياق وراء خيره:
"أيوه بس، بس ده ابن عم آدم وكمان قريبنا، وإن كان كده هطلع ضامن نفسي مية مية يعني إنه يتعلم عليه! لا لا فكك."
"يا عم اسمع بس، محضر يتفتح يتجاب من بيته في ثانية، في شهود معاك على التعدي، يبقى خلاص أنت اللي كسبان كده والدليل أهو في وشك، ولو عاوز كمان تدبس البت اياها اللي علمت عليك يبقى دوس، وأخوك بردك!"
قالها شريف بأسلوب إقناعي كي يقع الآخر بشباكه!!
"لأ هحبس أخويا إزاي! ومينفعش أرفع قضية على أخويا، بعدين ده محامي وأبويا محامي يعني لا مش ظابطة خالص."
"خلاص يا عم بلاش أخوك، وقع اللي أنت محروق دمك منه وخلاص، وبعدين أنت حر، أنا همي على مصلحتك بردك."
نظر له الآخر بشرود، وليس سوى ذرة للانسياق وراء كتلة شر الآخر وتلبية ما يريد الفساد به! شارد الذهن يفكر جيداً، بنظراته التي تحولت للحدة لاسترداد حقه، بالتفكير في ذلك "المحضر لعدم التعرض!!"
رواية عودة الوصال الفصل العاشر 10 - بقلم سارة ناصر
في بعض الأحيان قد تمر بك أقدار صعبة ومؤلمة، وقد تكون طويلة. قد تبكي أو تتألم أو تشعر باختناق. تيقن أنك إن رضيت عوضك الله. لا تفكر في كيفية الفرج، فإن الله إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه بشكل لا يخطر على البال.
جاء اليوم التالي يوم "السبت"، بعدما انتهى يوم عيد الإسبوع ومروره بسلام على البعض منهم فقط. كان هو واقفاً يتفحص حالتها التي أصبحت مسؤولة منه لعدم وجود الطبيب المخصص لحالتها إلى الآن. كانت هي مسطحة على الفراش شارده، ويبدو على ملامح وجهها الإرهاق. نظر لها "بسام" وهو يردف قائلاً بهدوء:
"لأ الحمد لله، في تحسن أهوو. خلي بالك من صحتها بقا يا أستاذ عز."
نظر له "عز" الواقف بجانب فراش شقيقته بامتنان وهو يردف قائلاً بشكر:
"شكراً ليك يادكتور بسام. والله فرح دي في عيني، أنا قلبي وقع لما وقعت هي!"
ابتسم له الآخر وهو يردف قائلاً باحترام:
"ربنا يخليكم لبعض. بس هنستنى الجهاز ده يخلص. وتقعد شوية وتقدر تتحرك بعد كده، مش هوصيكم على الغذا والعلاج يتخد بانتظام!"
كانت هي تتمسك بكف شقيقها الواقف بجانب فراشها. فأومأ هو لحديث "بسام". فتحدثت "فرح" بضعف وهي تنظر له:
"عايزة أخلص بقا. أرجوك يا عز متكدبش عليا، ماما كويسة صح؟"
ابتسم لها "عز" وهو يومئ لها بالإيجاب. فتحدث "بسام" قائلاً بعقلانية:
"أنا بفضل يا آنسة فرح متطلعيش ليها إلا ما حالتك تتحسن عشان حالتها النفسية المجهزة للعملية وعشان متقلقش عليكي وتخاف. ده كله في مصلحة الحالة النفسية للمريض."
نظرت له وهي تهز رأسها بالإيجاب، ثم وزعت أنظارها بإجهاد على سقف الغرفة. نظر لها "بسام" بتفهم لحالتها تلك. فتنحنح مشيراً للآخر أن يتبعه خارج الغرفة. خرج هو أولاً. أما "عز" فابتسم لها بانكسار وهو ينحني ليطبع قبلة حانية على مقدمة رأسها، مربتاً على حجابها وهو يدخل به بعض من خصلاتها السوداء الخارجة منه بإهمال. انتهى، ثم اتجه ليخرج من الغرفة بأكملها وهو يغلق الباب من خلفه. حتى وجد الآخر يقف بانتظاره وهو مرتدي البالطو الأبيض الخاص بالطب. نظر له "بسام" وهو يحاول أن يحفزه قائلاً محاولاً طمأنة الآخر وبث بعض الأمان به، خاصة أن حالته قد سلبت مشاعر الآخر المنعطفة اتجاهه وهو يضع نفسه مكانه. وخاصة مرة أخرى بعدما عرف أنه هو المسؤول الوحيد بعد موت والده.
"إطمن يا أستاذ عز، ولا نقولك يا عز بقا، إحنا بقينا صحاب يا راجل!"
ابتسم الآخر باحترام وهو يردف قائلاً بحرج:
"إزاي يا دكتور، العين متعلاش عن الحاجب. قولي يا عز!"
"لا طبعاً، أستاذ عز أوي كمان. وبعدين كلنا هنا واحد وزي بعض، مفيش فرق بينا. أنا عاوزك تطمن وإن شاء الله والدتك هتبقى بخير. ولو مش جاهز أنا أخليهم..."
قاطعه "عز" قائلاً بامتنان:
"الحمد لله أنا جاهز، وكل حاجة تمام وربنا ساترنا. بس الحسابات بتاعت المستشفى تديني فرصة بس. يوم كمان وكل حاجة تبقى جاهزة."
ابتسم "بسام" بتفهم وهو يردف قائلاً بعاطفة واحترام للآخر:
"هتكلم مع إدارة الحسابات قبل ما أمشي. شد حيلك يا بطل وربنا يبارك لك فعمرهم ويخليهم ليك الاتنين."
ابتسم له "عز" وهو يهز رأسه بالإيجاب ناظراً بأثر الآخر وهو يختفي من أمامه شيئاً فشيئاً. أما الآخر، فكان متعاطفاً مع حالته، خاصة أن تلك المستشفى الذي يعمل بها مشفى باهظة الثمن، عادة ما يأتي إليها ذوات الطبقات العالية وفوق المتوسطة، وغالباً ما يجد أصحاب الأسلوب المتعجرف المتعالي. والذين يريدون إجراء عمليات نظيفة لا يوجد لها أدنى شك في نجاحها، غافلين أن النتيجة من الله سبحانه وتعالى. ولكن من الواضح أن ذلك الـ "عز" واضعاً حياة والدته بالكفتين بالميزان ولا من شيء آخر ينافسها. فبالنسبة له حياتها أهم من أي شيء.
اتجه "بسام" بعدما خلع معطفه الطبي بمكتبه وبعدما حدث الإدارة الخاصة بالحسابات بعد دقائق من الوقت كان أمام المستشفى، يركب السيارة ذاهباً بها إلى حيث منزله بعدما انتهى ولو لوقت من حالاته تلك، واستأذن للخروج.
---
"بردو مش هتقولي قايم بدري كده ورايح على فين؟ دي القيامة هتقوم!"
أردفت "زينات" بتلك الكلمات وهي تجلس بغرفة والدها ناظرة له وهو يقف أمام المرآة يعدل من مظهره النظيف وكأنه ذاهب إلى مؤتمر مهماً للتو.
تحدث "حسن" الواقف أمام المرآة قائلاً بغير اهتمام لحديثها:
"ناوليني كده يا زوزو الچاكيت اللي وراكي!"
نظرت له بنفاذ صبر وهي تجذب الچاكيت الخاص به ثم نهضت متجهة ناحيته تلبسه إياه. أخرج هو صفارة من فمه بمزاج رائق وهو يقول:
"برنس. برنس والله."
عقدت هي ما بين حاجبيها قائلة باستنكار ممزوج بالفضول:
"مش مطمنالك يا بن بطني!"
"هتشوف!"
قالها سريعاً وهو يخرج من الغرفة بخفة صافعاً الباب خلفه، وتركها هي جالسة شارده، وهي تنظر لنقطة ما في الفراغ بشرود من حالته تلك. أما هو، فخرج من المنزل بأكمله صافعاً الباب خلفه كعادته، وهو يهبط من على الدرج حتى وصل إلى حيث أمام المبنى الخاص بسكنه. ينظر باحثاً عن ذلك الذي حدثه من قليل. قاطع بحثه قدوم "بسام" وهو يدلف إلى الداخل من جانبه. انتبه له الآخر، ثم نظر له بحده. أما "بسام" فلم يعيره أي اهتمام وهو يمر من جانبه. نظر "حسن" لذلك الذي يتجه له من على بعد ولكن به شيء غريب. فتحدث قائلاً بعدما اقترب الآخر يقف أمامه:
"يا صباح اللي بتغني. لابس الكمامة ليه يا شوشو؟"
نظر له "شريف" وهو يحاول إخفاء ذلك الارتباك مجيباً بثبات زائف:
"متشغلش بالك، عندي بس شوية برد. المهم يالا عشان متأخرش!"
أومأ له الآخر بالاستغراب وهو يتجه ماشياً أمامه. أما "شريف" فأخذ يبحث بأنظاره عن أن شخص ما قد رآه أم لا. أخذ أنفاسه عندما وجد الآخر بمفرده وليس خلفه شخص آخر.
---
كانوا هم جميعاً مجتمعين بشقة "حامد" حيث الميعاد الخاص "بالعزومة".
كان يجلس كلا منهم جميعاً مع بعضهم بصالة المنزل باستثناء "بسام" الذي خرج لعمله من الصباح الباكر. ولكن هم جالسين بجو مرح مع بعضهم عدا النساء. "دلال" و"سمية" و"عايدة" كانوا هم في المطبخ.
سمعوا هم دقات الباب العالية بعض الشيء. فاتجه "غسان" يفتح الباب فوجده شقيقه وهو يدفعه ببطء قائلاً بلهفة وصوت مسموع:
"عديني يا غسان عديني. ده الجو نار واحنا في الشتا يراجل!! إيه ده وجسمي بينز عرق زي الفنان باسم سمرة ومش قادر دخلني. دخلني!!"
قالها بتلقائية ودفع واحدة. أما الآخر فكان يقف يستمع له بتعابير وجه متشنجة ولكنها كانت فقط من كتم ضحكاته. أما هم بالداخل فلا يختلفون عن حالة "غسان". دلف "بسام" للداخل بحالة صدمة من تفوهه لمثل هذا الحديث وهم بالداخل يكتمون ضحكاتهم. فـأردف "غسان" بقلة حيلة وهو يغلق الباب ببطء قائلاً بخفوت بالكاد يسمعه هو فقط:
"يا بن الهبلة!!"
أما الآخر فابتسم بحرج وهو ينظر لهم جميعاً بتوتر قائلاً وهو يتنحنح بحرج:
"أحم! منورين يا جماعة!"
قالها ثم اتجه إلى الداخل بسرعة. فاعتلت ضحكات "حامد" وشقيقته "وسام". أما "حازم" و"ياسمين" فاعتلت ضحكاتهم معه بمرح. "ونيروز" و"جميلة" يكتمن ضحكاتهم بأعجوبة. جاءهم نبرة "حامد" الضاحكة وهو يردف قائلاً بمرح لهم جميعاً:
"ولا كأن في حاجة حصلت. دكتور ودمه خفيف عادي! بتحصل!"
ضحكوا جميعاً بخفة على حديثه. حتى "غسان" قهقه على حديث والده بعدما جلس بجانبهم من جديد. والآخرين أفلتت ضحكاتهم بعد كتمها لمدة. لفت نظره ضحكتها الخافتة البطيئة البسيطة وهو ينظر لها غير قاصداً النظر لها تحديداً. فوبخ نفسه.
وهو ينظر بالجهة الأخرى قائلاً بمرح:
"والله منورنا يا بو الحزايم أنت والعيلة الكريمة، إيه يا عم ما تسرع في معاد الفرح بقا خلينا نفرح ونهيص."
ابتسم "حازم" وهو يردف قائلاً بمزاح لـ "ياسمين":
"عاجبك كده! أهو الناس مستعجلة أكتر ما احنا مستعجلين!!"
ضحك كلاهما على حديثه فأردف "حامد" بمشاكسة في آخر حديثه:
"الله يصلح حالكم يا بني، أنت واخد واحدة بميت راجل وأجمل البنات حافظ عليها وبعدين هي بردو تتجوز وتسيب الجمال ده كله، ما لازم متستعجلش!"
ابتسمت "نيروز" بخجل خاصة بعد إشارة الآخر لها، فابتسمت "ياسمين" قائلة بتأييد:
"الله ينور عليك يا عمو قوله إني مقدرش أبعد عنها."
ضحك "حامد" قائلاً لها بمرح:
"عمو ده إيه ده بقا؟ قوليلي حامد أنا لسه صغنن."
علت ضحكاتهم الرنانة على حديث الآخر، فأردف "غسان" قائلاً:
"آه قعدتوا مع حامد! اشربو بقا!!"
علت ضحكاتهم على حديثه، فبعد ثوانٍ، أردف "حامد" بنبرة جادة هادئة بعض الشيء:
"طب ما تقولولي كده دراستكم عاملة إيه وشغلكم كلكم بالدور أصل اليوم طويل وأنا بزهق من غير حباية القلب دلال ما تكون معايا!"
قال آخر حديثه بمرح، فضحكوا بخفة على حديثه، حتى بعدما انسحب "بسام" بهدوء يجلس بجانب شقيقه.
ابتسم "حازم" مردفاً:
"الحمد لله الدنيا ماشية في المحاماة برغم إني ساعات ببقى عاوز أسيب الشغلانة أصلاً."
ابتسموا جميعاً، فأجابه "حامد" بعقلانية:
"ربنا يرزقك يا بني، ساعات بيجي علينا وقت نبقى عاوزين نهرب من كل حاجة ونسيبها بس بردو مبنقدرش عشان من غيرها منعرفش نعيش ونتعامل أو عشان مينفعش تتساب أصلاً."
أومأوا له يؤيدون حديثه، فأشار "حامد" بإصبعه بمرح على تلك الجالسة بجانبه وليس سوى "ياسمين":
"أنا؟ أنا زي ما أنتم عارفين خريجة ألسن بس مشتغلتش، أو بصراحة مش بفكر الوقتي، أو مبفكرش خالص خالص أنا مش حامل شغل وفرهدة، البركة في الباش محامي حازمنا."
ضحكوا على حديثها المرح، خاصة أنها تتماشى مع طبيعة "حامد" المرحة، فأشار لها بإصبعه كتشجيع بمزاح، فجاءهم صوت "وسام" المردف بمرح:
"وربنا أنتِ ياسمين جدعة جداً ودوغري جداً."
ابتسمت لها الأخرى وهي تردف قائلة بتعالٍ زائف:
"لا دا أنا أعجبك قوي!!"
ضحكوا بخفة، خاصة شقيقتها وهي تنظر لها بحب وابتسامتها الواسعة، وللصدفة للمرة الثانية تقع أنظار "غسان" عليها وعلى بسمتها الرقيقة الهادئة، هرب بنظراته سريعاً عندما جاءهم صوت "حامد" قائلاً وهو يوجه حديثه للأخرى:
"أوقات النصيب يا بنتي مببقاش بالشغل الحلو اللي مفيش منه، يعني إن شاء الله تبقي زوجة صالحة وقادرة على فتح بيت وتربية ولاد وتنجحي في ده!!"
أومأوا له جميعاً بالإيجاب وهم يهزون رؤوسهم بتأييد لحديثه، فتحدث "حامد" من جديد مردفاً وهو يوجه أنظاره للأخرى التي بجانب شقيقتها وكانت "نيروز":
"وأنتِ يا روز زي ما بيقولوا عليكِ، وللحقيقة أنتِ فعلاً روز."
ابتسمت بخجل وهي تردف قائلة متحلية بالثبات كمثل السابقين:
"أنا خريجة تجارة إنجلش قسم محاسبة، بس يعني مكنتش بفكر في الشغل لحاجات كتير شغلتني، بس حبيت آخد الخطوة وأنزل أشتغل وبإذن الله هعمل إنترفيو بكرة في فرع صغير كده تابع لشركة مش كبيرة أوي يعني، وإن شاء الله أتقبل!"
انتهت من حديثها لتجد الآخرين يبتسمون لها بلطف، فتحدث "حامد" قائلاً:
"وأفضل قرار أخدتيه، فاكر إنك شاطرة ومتمكنة وإن شاء الله تبقي في منصب عالي قريب يليق بيكي!"
ابتسمت له بامتنان، فأشار هو بإصبعه للأخرى بمشاكسة والتي بجانبها، وما أن رأت الدور الذي جاء لفرصة حديثها ارتبكت لعدم حديثها عن شيء لا تحبه هي كثيراً. ابتسمت "جميلة" بارتباك ثم تنفست بعمق وهي تردف قائلة بهدوء:
"أنا! أنا وبعد الشر عنكم في كلية طب بشري، صحيح لسه متحددش قسم إيه! بس يعني مش فارقة كتير، وبصراحة كان حلمي من البداية مش دي هتستغربوا لأن المفروض أحلم بطب ومتجيش بس لأ مش كده العكس خالص بس الحمد لله بحاول أتأقلم على كده رغم إنها صعبة بس بحاول!"
قالت حديثها ثم ابتسمت بسمة مكلفة. فابتسم لها "حامد" مردفاً بعقلانية:
"أنتِ بس مش حاسة بحلاوة اللي أنتِ فيه، عما تتخرجي وتشتغلي وتحسي إنك بتعملي شغلك وفي نفس الوقت حاجة بتاخدي عليها ثواب وبتداوي جروح ناس تعبانة مسؤوليتها هتبقى في رقبتك بعد ربنا طبعاً، دي حاجة جميلة ومش هتحسي بيها إلا ما تجربيها!"
ابتسمت له، فخرج صوت "بسام" أخيراً وهو يردف بهزيمة محرجة:
"أنا دكتور وجايلك من المستقبل وبقولك إن كلامه صح جداً، ده غير أرواح الناس الحلوة وضحكتهم وهم بيشكرك كأنك عملتي معجزة مع إنها بتبقى من عند ربنا، آه هي مهنة جميلة بس متععبة مش هكدب!!"
ابتسمت له بامتنان، وقد دب بها ولو ذرة أمل من حديثهم هذا، هذا الذي كانت تريده منذ زمن مضى، أن يقف بجانبها والدها ويحفزها ولو بذرة!
تنحنح "حامد" من جديد وهو يشير على ابنته قائلاً بسخرية لهم:
"أقدم لكم آخر العنقود، آه أنا عارف كل سنتوفة في البيت ده لأني الراجل الجامد هنا طبعاً، بس أهو أدينا بنتسلى."
ضحكوا بخفة عليه، فنظرت "وسام" لهم وهي تردف قائلة:
"أيوه بقا سيبوني أخرج كل المكتوم في قلبي المسكين بقا."
ضحك جميعهم على حديثها فأردف "غسان" قائلاً لها بمشاكسة:
"طب إمسك المايك وقول يا جميل."
قالها وهو يقذف شيئاً وهمياً في الهواء، فانتبهت له وهي تأخذ الهواء بيديها قائلة بمرح وهي تبدأ الحديث:
"أنا وسام حامد غسان البدري، إنسانة بسيطة وفي ثانوية عامة، ومدشملة و....."
قاطعها "بسام" قائلاً لها بمرح:
"ما تخلصي يا حاجة!!"
نظرت له هي بحنق زائف وكادت أن تكمل، فقاطعها "والدها" قائلاً للآخر:
"بس يا واد سيب حبيبة قلب أبوها تعمل اللي هي عاوزاه."
ضحك جميعهم على حديثه، ولكن هناك من لم يلمس حديثه قلبها المتهالك بمعاملة والدها القاسية مقارنة به!!
تحلت هي بالشجاعة من جديد خاصة أنها تتميز بالجرأة والثقة بشخصيتها كما تعلمت كثيراً من شقيقها "غسان"، فكانت تتحدث من أول الجلسة تلك بمرح ولكن ليس متعدياً للحدود!!
ابتسمت بثقة وهي تردف قائلة بمرح:
"خلينا نكمل، المهم أنا ثانوية عامة مطلعة عيني بس ثانكس جود لسه مغيرتش حلمي ولا يأست عشان معايا وجمبي ناس دعماني، وأخيراً نفسي أدخل كلية الفنون الجميلة، ممكن البعض منكم يشوفها مش مقياس لكلية قمة لواحدة في ثانوية عامة بس لأ غلط، الحلم جميل أوي، واللي بيحلم بيه بيبقى حاطط كل أمله فيه، فادعولي بيليزز."
قالتها بمرح، ولكنهم جميعاً ابتسموا لها وهم يقومون بالدعاء لها، وكانت أول من تحدثت "جميلة" وهي تردف قائلة بهدوء:
"الله ينور عليكي بجد خليكي متمسكة بحلمك واوعي تتنازلي عنه أبداً، وأنا شايفاكي هتقدري إن شاء الله وهتبقي فنانة كبيرة أياً كان القسم اللي حابة تدخلي فيه يعني!"
ابتسموا جميعاً لها، والأخرى أومأت لها بامتنان. نظر "حازم" لشقيقته بحب وهو ينظر لها وكأنه يتأسف لها ويحتضنها بنظراته. أما "نيروز" فابتسمت لها وهي تربت على كتفيها بحنان. أثار حديثها انتباه "بسام" خاصة حديثها الذي من قبل ذلك، أيقن هو أنها لا تحبذ كلية الطب هذه التي تدرس بها، فنظر لها بتعاطف وهو يومأ لها بإحترام على حديثها.
قاطعه صوت والده وهو يحدثه قائلاً:
"دورك يا دكتورنا!"
نظر بسام، بطبيعته الخجولة، حوله وهو يأخذ أنفاسه قائلاً بتفهم:
"بغض النظر عن إني مش فاهم بنعمل كده ليه واحنا على الأغلب عارفين بعض، بس ومالو! المرة اللي فاتت قولت قول يا دكتورنا، لكن دلوقتي بقولك يلا ياض لاشقك!!"
ضحكوا جميعاً بخفة على حديثه، فتنحنح بسام قائلاً:
"إحم، مادام كده تمام! أنا دخلت كلية الطب وكنت حابب أدخل ده، مش هنكر إن الواحد لما بيحب حاجة وتجيله بتبقى إحساس كويس، بس مبيبقاش واخد باله من المدعكة اللي بعد كده. اتخرجت من قسم الجراحة برغم إن كان قلبي رهيف من جانب الدم والجروح، وكنت حاسس إني بحلم غلط وحاجة مش متفقة معايا، بس اتعودت وحبيت شغلي جداً، وحبيت الحالات اللي عندي وكمان اتعلقت بالبعض، لأن منهم أطفال كتير مصابين بالكانسر في المستشفى. بس إحساس إنك محبوب وسطهم حلو أوي، وإحساس إنك بتعمل حاجة فيها جزاء كبير من الحسنات أحلى وأحلى. اشتغلت أول ما اتخرجت في مستشفى للتدريب واتبهدلت بس مزهقتش وكملت، وبعدها اشتغلت في مستشفى عادية جداً. ودلوقتي بقيت معروف إلى حد ما، وبقيت في مستشفى تعتبر خاصة شوية وشاملة من كل حاجة برضه! اللي عايز أقوله إن الواحد قادر فعلاً يحفز نفسه بنفسه حتى لو بيلاقي إحباطات من كل اللي حواليه. وبرضه الحياة مش واقفة على حاجة معينة، كلنا لها في الآخر، ومبت ومشيش إلا من عند ربنا، واللي مقدره ومكتوب إنه يحصل فعلاً بيحصل. حتى لو ابتلاءات ولمدة كبيرة لازم نستحمل ونصبر. ونرضي عشان نتراضي. صعبة مقولة حب ما تعمل حتي تعمل ما تحب. صعب إننا نعمل بيها أوي، بس سهلة تتقال من أي شخص حتى لو جاهل ومش فاهم الواحد بيمر بإيه. بس مادام ربنا اختار لينا حاجة يبقى إحنا قدها ولازم نعمل بيها!"
انتهى من حديثه، فصفقت له شقيقته أولاً، ومن بعدها جميعهم قاموا بالتصفيق له. أما غسان، فمال على أذنه قائلاً بخفوت:
"ده إحنا طلعنا عال اوي."
ابتسم له قائلاً بفخر زائف:
"طول عمري!!"
جاءه صوت حازم وهو يردف قائلاً:
"الله ينور عليك يا بسام، لخصت حاجات كتير كلنا ممكن بنعاني منها!"
أومأ له الآخر بود، فتحدثت شقيقته الأخرى قائلة:
"من صدق دكتور قد الدنيا!!"
ضحكوا جميعاً، وبالأخص من يعرف حقيقة تلك الكلمة. فنظر حامد لمن بقي قائلاً بتهكم زائف:
"وختامه مسك!!"
نظر له غسان مردفاً بثبات:
"ده أكيد، بلا شك!!"
"اشجيني!"
"أنا يا جماعة دخلت كلية تجارة إنجلش برضه واتخرجت بتقدير كويس، مع إن الصراحة كنت منفض ومش بتاع مذاكرة زي حبيب أخوه اللي كان دحيح. اشتغلت تبع شركة الهدي ومسكت حاجات كتير فيها عشان المدير الرئيسي بتاعها صاحبي، وقبل ده كان بيشوف إني بعرف أتصرف في حاجات كتير، وليا نظرة! فمسكت قسم إدارة الحسابات والمحاسبين، فكلهم بقوا تحت إدارتي. مسؤولية صعبة، بس بحبها وبحب النظام فيها أوي، واتنقلت تبع فرع ليها هنا صغير عشان السكن، ومن أول بكرة همسك المقابلات الشخصية للمحاسبين الجدد، وزي برضه ما كنت ماسك في الشركة الأم! برغم إنها صغيرة وصاحبها تعب على ما عملها، بس ناجحة وشغالة!"
ابتسموا له جميعاً بفخر، خاصة أهل بيته، هم يعلمون جيداً كيف يحب عمله وكيف بذل جهداً به. أما هي، فأثار حديثه الفضول والانتباه لتلك الشركة بالنسبة لها، فقعدت العزم أن تجيبه على حديثه، ولكن تراجعت حينما قال هو أنه متولي زمام أمور تعيين الموظفين، فحرجت أن يقوم بفهمها بالطريقة الخطأ. فقاطع تفكيرها صوت حامد وهو يردف قائلاً بمرح:
"ما إحنا حلوين أهو! الله يبارك فيكم ويبارك لكم كلكم في رزقكم وتبقوا أحسن ناس في الدنيا يا حبايبي!"
ابتسموا له بتأثر، خاصة أنه فعل بطريقته الخاصة أن يخرج كلا منهم ما موجود بداخله، حتى ولو كانت بطريقة غير مباشرة. وبعد دقائق، استأذن الفتيات جميعاً للدلوف إلى المطبخ لمساعدة النساء في تحضير الغداء، وأصبح الرجال جالسين معاً، وهم يشاكسون بعضهم بالحديث بأريحية من جديد.
***
"أنا يا جماعة دخلت كلية تجارة إنجلش برضه واتخرجت بتقدير كويس، مع إن الصراحة كنت منفض ومش بتاع مذاكرة زي حبيب أخوه اللي كان دحيح. اشتغلت تبع شركة الهدي ومسكت حاجات كتير فيها عشان المدير الرئيسي بتاعها صاحبي، وقبل ده كان بيشوف إني بعرف أتصرف في حاجات كتير، وليا نظرة. فمسكت قسم إدارة الحسابات والمحاسبين، فكلهم بقوا تحت إدارتي. مسؤولية صعبة، بس بحبها وبحب النظام فيها أوي، واتنقلت تبع فرع ليها هنا صغير عشان السكن، ومن أول بكرة همسك المقابلات الشخصية للمحاسبين الجدد، وزي برضه ما كنت ماسك في الشركة الأم. برغم إنها صغيرة وصاحبها تعب على ما عملها، بس ناجحة وشغالة!"
ابتسموا له جميعاً بفخر، خاصة أهل بيته، هم يعلمون جيداً كيف يحب عمله وكيف بذل جهداً به. أما هي، فأثار حديثه الفضول والانتباه لتلك الشركة بالنسبة لها، فقعدت العزم أن تجيبه على حديثه، ولكن تراجعت حينما قال هو أنه متولي زمام أمور تعيين الموظفين. فحرجت أن يقوم بفهمها بالطريقة الخطأ. فقاطع تفكيرها صوت حامد وهو يردف قائلاً بمرح:
"ما إحنا حلوين أهو! الله يبارك فيكم ويبارك لكم كلكم في رزقكم وتبقوا أحسن ناس في الدنيا يا حبايبي!"
ابتسموا له بتأثر، خاصة أنه فعل بطريقته الخاصة أن يخرج كلا منهم ما موجود بداخله، حتى ولو كانت بطريقة غير مباشرة. وبعد دقائق، استأذن الفتيات جميعاً للدلوف إلى المطبخ لمساعدة النساء في تحضير الغداء، وأصبح الرجال جالسين معاً، وهم يشاكسون بعضهم بالحديث بأريحية من جديد.
"وحشتني يا شريف، موحشتكش؟ بكلمك بقالي كتير وانت منفضلي، من ساعة ما بطلت أنزل وأقابلك ومن ساعة ما قولتلك هفكر في الموضوع اللي قولتلي عليه. أنا بحبك يا شريف والله، بتعمل كده ليه!"
"وفكرتي! أنا كمان بحبك على فكرة، بس انتِ غير، لأن لو بتحبيني هتوافقي من غير الوقت ده كله، ولا انتِ مبقتيش تثقي فيا؟"
"لا والله، أنا بحبك وواثقة فيك. أنا نفسي أخرج من البيت فعلاً ومرجعش تاني وأعيش معاك طول عمري، بس! بس أنا مش عندي القدرة ولا الجرأة أعمل كده، انت عارف إن حازم وبابا ممكن يقتلوني لو عملت حاجة زي دي ويجيبوني في لحظة!"
"انتِ هتبقي في حمايتي! ومراتي وأنا مش أي حد والسلام!"
"طب ما يا شريف راجع نفسك وتعالى اتقدم، ما يمكن بابا يوافق، أنا هخلي ماما تحاول معاه. انت معارض الفكرة دي تماماً، وكأن عليك تار نواحينا. حاول تدخل من الباب وساعتها هقف معاك ضدهم، وهقنعهم بوجهة نظرك اللي مش عايز تيجي عشانها. إيه يعني على باب الله، ما كلنا على بابه يا شريف. أرجوك فكر في اللي بقوله ليك عشاني!"
"أنا الموضوع ده اتفتح كتير قبل كده وانتِ عرفتي رأيي. بتحبيني وعايزاني، وحباني يبقى اعملي اللي اتفقنا أنا وانتِ عليه، غير كده مفيش، عشان انتِ عارفة اللي فيها. وسلام عشان ورايا حاجة مهمة!"
واخيراً قاطع شرودها مناداة والدتها عليها وهي تصيح باسمها: "علياء! بالمنزل!!"
وعلى الجانب الآخر، بعدما أغلق الخط بمكالمته معها، اتجه من جديد حيث في الداخل. دق الباب ثم دلف بخطوات بطيئة واثقة مرة أخرى، ثم جلس بهدوء تام من جديد على المقعد بجانب صديقه "حسن" وهو يتابع الحوار جيداً. ويردف الضابط الجالس على المكتب أمامهم باقتضاب:
"تمام! الاستدعاء هيكون خلال ساعات من دلوقتي تقدر تتحرك. ولما نستدعي المدعو إليه تقدر تيجي من تاني!"
وجه "حسن" أنظاره للجالس بجانبه، وليس سوى "شريف"، حتى وجده يؤيد الحديث برأسه وكأنه يقول: "كل شيء الآن على ما يرام إلى اللحظة الحاسمة!". أكد له بنظراته. فوجه "حسن" أنظاره من جديد ناحية الضابط "أحمد" ثم أخذ أنفاسه ببطء وهو يتنهد قائلاً بتبجيل:
"تشكر يا أحمد بيه. مع السلامة إحنا."
قالها وهو يوكز الآخر الذي بجانبه بأن ينهضا بسرعة، ثم تحركا ناحية الباب يخرجا منه بعدما أومأ لهما الضابط هذا بتكلفه وهو يهز رأسه لهم بتشكك من أمرهم وهيأتهم. بالطبع مر عليه كثيراً، خاصة أن متعاطي المواد المخدرة يعرفون من مجرد شكلهم حتى وإن نظفوا هيئتهم.
خرجا هما من القسم الخاص بالشرطة وهما يسيران بجانب بعضهما. نظر "شريف" إلى الآخر وهو يردف قائلاً، محاولاً الفتك بنقاط ضعف وقوة الآخر حتى يسيطر عليه تماماً:
"جرا إيه! يا... كتكوت يا صغنن يا مبلول!"
عقد الآخر ما بين حاجبيه وهو يردف قائلاً بتشنج:
"تقصد إيه يا شريف؟ قب وخليك دوغري!"
"ما إنت اللي خايف وحاسس إنك مش على بعضك كده، إيه!"
نظر له "حسن" بتشنج ثم أردف قائلاً بنبرة رخيمة توحي بعدها بغلق تلك التلميحات:
"أنا مبخافش من حد يا شريف، وحقي هاخده تالت ومتلت. واسكت بقا!"
قالها سريعاً ثم اتجه يسير من أمامه والآخر ورائه. نظر "شريف" من أمامه لظله بشرود وهو يتحامل على أعصابه لعدم الفتك بالذي أمامه الآن.
مر الوقت والآن حان موعد الغداء. ولكن الفتيات كن يجلسن معاً بالشرفة التي توجد بركن ما في صالة المنزل، شرفة أخرى تماماً! جلسن بها بعدما قمن بالمساعدة مع النساء في عدة أشياء بسيطة. كن يتحدثن بأمور عدة مختلفة الأنواع. خرج الحديث من "وسام" بمرح وهي تردف قائلة لتلك التي اعتادت عليها كثيراً:
"بجد يا ياسمين إنت طلعتي حوار ولله وبت جامدة كده!"
ابتسم جميعهن على حديثها، فأردفت "ياسمين" قائلة بغرور زائف:
"لا ده أنا أعجبك أوي يا بت يا ويسو!"
ضحكن عليها بخفة، فأردفت "نيروز" على فجأة وهي توجه حديثها للأولى:
"علفكرة إنتِ اللي جبتيه لنفسك. أنا حذرتك بلاش ياسمين، بس شكلك بتحبي تصعبيها على نفسك."
إعتلت ضحكاتهم على حديثها، فأيدت "جميلة" حديث الأخرى قائلة:
"أدعم كلام البت روز جامد يا وسام."
نظرت "ياسمين" لهن بضجر زائف وهي تردف قائلة:
"سيبك منهم الهبل دول! علفكرة أنا بريئة جداً وطيبة وبنت ناس والله!"
نظرت كلا من "جميلة" و"نيروز" لها بشك وكلا منهن أردفت قائلة بنبرة واحدة في وقت واحد:
"لا يا شيـــــخه!!"
"أه والله هكدب ليـه؟!"
قالتها "ياسمين" بلحن محاولة تقليد أغنية ما معينة. فأردفت "وسام" سريعاً بمرح وتساؤل مازح:
"عشان مبقتش تحبني؟!"
قهقه جميعهن على الحوار الدائر. وبعد دقيقة، جال بخاطر "ياسمين" سؤال تقاوم فضولها عليه منذ أن بدأت الجلسة تلك. فأردفت قائلة أخيراً باستسلام:
"مبدهاش بقا يا بت يا ويسو، أنا فى حاجة شغلاني!!"
"ايــه؟!"
أرفوها جميعا معها في وقت واحد. فأجابتهم هي قائلة وبالأخص وجهت حديثها لـ "وسام" مردفة بتساؤل:
"قوليلي بتفرقي إزاي بين أخواتك دول؟ أو يعني بتعرفيهم من بعض إزاي؟ لاحسن الموضوع ده شاغلني مع أي توأم بشوفهم بصراحة!"
حركت "جميلة" رأسها بقلة حيلة من تصرفات الأخرى. أما "نيروز" فأثار الحديث انتباهها وبشدة، خاصة أنها تريد أن تعلم هي الأخرى بسبب ما رأته الأيام السابقة. ابتسمت "وسام" باتساع وهي تجيبهم قائلة بأريحية:
"هتصدقوني لو قولت لكم معرفش، بس أنا وعيت يعني على إني عرفتهم كده! بس في فروق كتيرة الواحد يفرق بينهم فيها. زي مثلاً الشعر! غسان شعره لونه أسود ودقنه خفيفة سودة كده وعنيه بني عادي. أما بقا دكتور بيسو فـ ده شعره بني أصلاً ودقنه نفس اللون بس عينيه تحسيها عسلي كده. ده من حيث الشكل ممكن تكونوا خدتوا بالكم بس مش عارفين ده مين وده مين، لكن الملامح واحدة!"
"بجد أنا لو عندي كده هتلغبط أووي."
ابتسمت لها "وسام" وهي تردف قائلة مرة أخرى:
"بتهيألك يا ياسو. أنا أصلاً مش بشوفهم شبه بعض، هتستغربوا بس هو كده والله. وحتى في الطباع وطريقة الكلام وعامتاً الشخصيات مش زي بعض، هو بس الماتشينج بتاعهم يودي الواحد فدوامة، عارفة!"
ضحكو على حديثها بخفة. فأردفت "نيروز" قائلة:
"علفكرة الماتشينج ده أحلى حاجة! نفسي أخلف توأم وألبسهم زي بعض أوي، مش هسيب يوم ملبسوش فيه زي بعض!"
ابتسمت الأخرى لها بحب لحديثها وهي تردف قائلة مرة أخرى:
"يا سلام يا سلام! موضوع التوأم أحياناً ميبقاش إلا فالشكل بس. لكن ساعات الطباع غير، اسألوني أنا يا عيال! هقولكم! يعني غسان حنين أوي من جوه وأهم حاجة عنده إحنا بالنسباله. لكن هو محدش يعرف عنه حاجة، بيحب يتصرف هو مع نفسه كده ساكت، لكن عارف كل سنتة معانا هنا أو برا. ذكي شوية فنفس الوقت ومعرفش أخبى عليه حاجة أبداً عشان بيقفشني. أه هو هادي من برا وأعصابه مبتتأثرش بسرعة، بس قلبه والعياذ بالله. أما بقا بسام، فهو بجد شخصية كده مرحة ودمه خفيف وبيهون عليا أي حاجة وبيموتني من الضحك برده. أه ميبانش كده خالص برا بس طيبته وحنيته باينة من برا ومن جوه بجد. عاقل جداً في الأمور الجد وبيعرف يوزنها، بس حزنه صعب أوي ومبيشاركش فيه حد، ولابيبان عليه الانهيار خالص. (زي كده كله تحت السيطرة يابرو بس أصلاً أنا من جوه منهار). ولو شارك حد ولو ذرة يبقي غسان عشان هو اللي بيقفشنا زي ما قولت لكم!"
استمعوا لها جميعهم بحب من حديثها عن أشقائها. فأول من أردفت كانت "جميلة" وهي تقول من بين ابتسامتها:
"ربنا يخليكم لبعض ويبارك فيكم."
ابتسمت لها بامتنان وهي تومأ لها برأسها. والآخرين يبتسمن لها أيضاً باتساع. بعد ثوانٍ، أردفت "ياسمين" قائلة باقتراح خاصة أنهم بوقت العصر:
"تعالو نشوفهم يلا ونجهز معاهم الأكل!"
أومأ لها وهن ينهضن من أماكنهن ناحية المطبخ. وبعد دقائق بسيطة، كن بالمطبخ يعدون الأطباق الخاصة بالغداء، وبعض منهن بالخارج يضع المفرش الكبير على المائدة الكبيرة بالمساعدة. كانت "نيروز" و "وسام" وأشقائها بالخارج يعدون تلك السفرة بمفرشها والأخري معهم.
نظرت "وسام" لشقيقها وهي تردف قائلة له:
"بسام تعالى معايا نجيب كراسي كمان من الأوضة."
أومأ لها وهو يسير بجانبها. أما هو فنظر للآخر وهو يتجه لها قائلاً بنبرة عادية لكنها تحمل مشاكسة مدفونة:
"ممكن المفرش اللي في إيديك لو مش ناويه تتمسكي بيه أكتر!"
ابتسمت "نيروز" بحرج وهي تردف قائلة:
"معلش أصل يعني كنت عايزة أفرشه قصاد وسام بس هي مشت."
ابتسم لها "غسان" مردفاً بثبات يتنافى مع طبيعة حديثه وهو يأخذ طرفه الأول منها والطرفين الآخرين معها بيديها:
"ضحكت عليكي! دي مش بتاعت شغل وحط وهات! دي مشت وهتشيل الغلبان كراسي السفرة لوحده وضحكت عليكي!"
صمت هو لبرهة ثم واصل حديثه مرة أخرى قائلاً بابتسامة صغيرة:
"تعيشي وتاخدي غيرها!!"
ابتسمت بحرج وهي تقوم بفرد المفرش بمساعدته هو الآخر، فأردفت قائلة بإعجاب طفيف وهي تنظر للمفرش بعدما افترش على السفرة بمنظره الجميل الواسع:
"جميل أوي كده!"
نظر هو على المفرش من جديد برسومات الورد التي كانت تزينه، فابتسم بسمة جانبية احتلت شفتيه وهو يراها تنظر على الورد بإعجاب. تذكر هو كم كانت في الطفولة تفضل الورد كثيراً، لا لم تكن تفضله، بل كانت تعشقه! خرج من شروده سريعاً، محاولاً تجاهلها وتجاهل تلك الذكريات وهو يتجه إلى الغرفة حيث شقيقه بعيداً عنها ومحاولاً تجنبها ولو ذرة! ومن ثم ليجلب معه المزيد من المقاعد! أما هي فاتجهت سريعاً ناحية المطبخ لتبدأ في تقديم الطعام على السفرة معهم!
"هتروح على مين على مين؟ على يامن الشطور."
قالتها "ورده" بدلال وهي تمسك بالملعقة بيديها وتحاول أن تطعم صغيرها على الغداء وهم يجلسون على المائدة. نظرت هي لزوجها وهي تردف قائلة من جديد:
"ع فكرة ماما النهارده معزومة عند عمو حامد وطنط دلال."
ابتسم لها "بدر" وهو يردف قائلاً بهدوء:
"غسان قالي وأنا كنت بكلمه. وبعد ما نخلص هيرن علينا فيديو كول عشان خاطر يامن، وكمان نكلم العيلة هناك. هو يعني مكلمني قبل ما يحطوا الغدا فاتهم دلوقتي بيتغدوا لسه."
"حاضر. هخلص وأقوم ألبس وألبس يامن عشان نكلمهم! وبعدها أشوف بقى الشنط وأحاول أجهزها من دلوقتي معتش وقت أظن!!"
جاءته نبرته الهادئة وهو يردف قائلاً يحبها:
"ربنا يعينك يا حبيبتي. هي فترة السفر دي بتبقى صعبة، بس هتعدي بسرعة. وأنا هساعدك المهم مننساش الحاجات المهمة بس!"
نظرت له بغضب مصطنع وهي تردف قائلة موزعة نظراتها بينهم هم الاثنان:
"والله الأستاذ يامن مش سايب حتة مش مبهدلها في الشقة هنا، فلو حابب تعرف فين الحاجات المهمة اللي مش هننساها أسأله عنها أحسن!"
قهقه على حديثها، فنظر له صغيره ثم ضحك مثل والده. فأردف "بدر" قائلاً بمشاكسة:
"طب ينفع حد زيك يتعصب وهو أم القمر أبو ضحكة جنان هو وأبوه ده بزمتك؟"
"لا طبعاً مينفعش. بس قوم بقى يا حبيبي حضّر انت وأبو ضحكة جنان الشنطة ونضّف الشقة واغسل الأطباق وطبق الهدوم و..."
قاطعها هو قائلاً بسرعة:
"خلاص خلاص أنا أسفلك يا ستي. هعرفلك ابن الكلب ده مقامه متقلقيش."
نظرت له وهي تحاول كتم ضحكاتها قائلة:
"لو جيت جنب ابني هزعل وأجيب ناس تزعل. صح يا يامن؟"
نظرت إليه في آخر حديثها، فأومأ لها "يامن" بالرفض حتى وإن كان لا يفهم معنى الحوار الدائر. فنظرت هي له بغضب مصطنع وهي تردف قائلة:
"يا ابن الـ...!"
قهقه "بدر" على صغيره وعلى ردة فعلها، مبتسماً بحب بعدها وهو يربت على وجنة صغيره الجالس بجانبه بتشجيع قائلاً:
"جدع ياض!! جدع يا حبيب أبوك انت!"
مرت ساعة ودقائق بسيطة حتى انتهوا هم من الطعام، ثم اجتمعوا يجلسون في جو مليء بالبهجة جميعهم حتى كانت النساء معهم أيضاً. كان كل منهم يتحدث مع الآخر والأصوات العالية نسبياً تملأ المكان وكأنه يوجد في ذلك البيت شخص ما يتزوج! قاطعتهم "وسام" عالياً وهي تردف قائلة باقتراح:
"ما تيجوا نلعب."
نظروا لها جميعاً بإعجاب، فنظرت لها "دلال" وهي تعقد حاجبيها قائلة بصوت حاد:
"يا بت عيب هو إحنا صغيرين؟ منقدرش عيب إحنا كبار."
"مش زي ما فهمتي يا ماما أكيد تقصد لعب تانية صح يا وسام؟"
نظرت له "وسام" قائلة بمرح:
"صح يا بسام قولها قولها. فكراني هقوم ألعب معاها فتحي يا ورده!!"
قهقهوا جميعاً على حديثها فأردفت هي من جديد قائلة باقتراح:
"قصدي نلعب لعبة زي مثلاً (لو كنت حاجة أو أنا إيه بالنسبالك اللي يختار ساعتها!) فاهمني!"
أومأ لها البعض بنعم والبعض لا يفهم معنى حديثها! فجاءهم صوت "نيروز" قائلة:
"أيوه عارفة اللعبة دي. هي يعني زي مثلاً لو كنت شعور أو بلد أو لون، شهر كده يعني أو الواحد يقول غيره بالنسباله عنده إيه. صح؟"
ابتسمت لها الأخرى وهي تومئ قائلة مؤيديها:
"الله ينور عليكي يا بت يا روز!"
نظر لها "حامد" وهو يردف قائلاً بمزاح لابنته يشجعها على الأخذ بخطوة:
"شجعيني يا حبيبة بابا بقا يالا!!"
"بص كل واحد يقول وجهة نظره في التاني. أكيد كلنا هنا إخوات مع بعضنا وعيلة يعني وعارفين بعض ولو بذرة. وأنا عملت ورق بالأسماء وهخليك يا بوب تختار كل ورقتين واللي في الورقتين يقولوا لبعض اللعبة وعشان منطولش ومنزهقش يعني هتختار منه حوالي أربع مرات وخلاص. ها؟ تاخد البرطمان!"
"يلاا"
قالوها جميعاً كتشجيع لاقتراحها هذا فناولت والدها البرطمان الخاص بالورق والأسماء، فبدأ هو بالبسملة والاختيار كونه أول وأكبر شخص بهم وأكبر مكانة! اختار هو ورقتين أولاً، وهم ينظرون بترقب، فأردف هو قائلاً بعد فتحه للورق:
"سبحان الله حازم وياسمين. إيه الحظ ده بقا؟"
ابتسموا جميعاً له، فتنهد "حازم" مردفاً بهدوء:
"بصراحة لعبة عايزة شخص جامد. بس وماله إحنا قدها! أسأل أنا ولا هي اللي تسأل؟"
كان النساء والفتيات صوتهم الأقوى في قولهم "هي". فابتسمت هي باتساع قائلة:
"ماشي أنا هسأل يا بو الحزايم بناء على طلب الجماهير! قولي مثلاً لو كنت شعور كنت هبقى إيه؟"
تنفس هو بعمق وهو يردف قائلاً بنبرة صادقة حاملة للمشاعر:
"خلينا متفقين لو كنتي شعور كنتي هتبقي الاطمئنان. عشان معاكي بحس إني مطمن وإن كل حاجة ليها حل مهما كان حجم المشكلة. معاكي بحس إني متأمن والمشاكل مش هتطولني طول ما أنا معاكي. هو شعور غريب والمفروض مثلاً يبقى انتي اللي تحسي بكده بحكم إنك البنت. بس لأ. هو فعلاً إن أنا اللي بطمن وأنا معاكي!"
صفقوا له جميعاً دون استثناء حتى خرجت صوت صافرة من فم "غسان" توحي بجمال حديثه. أما هي فابتسمت بخجل واضح، والآخرين يبتسمون بحب ويقومون لهم بالدعاء. فجاءتهم نبرة "حامد" المشاكسة وهو يقول:
"طلعت جامد زي حامد ياض!"
"بنتعلم منك بقا!"
قالها "حازم" بخفة، فابتسم له الآخر وهو يفعل المثل كالمرة السابقة للمرة الثانية!
"جميله ومدام سميه!"
ابتسموا جميعا لغرابة مثل هذا الاختيار. فتحدثت سميه سريعا وهي تقول:
"بالمناسبه ياجماعه جميله اصلًا بالنسبالى بنتى زي روز وياسمين وورده بالظبط. بس حابه اني هسألها أنا وأقولها لو كنتي حاجه فهبقى بالنسبالك ايه؟"
ابتسمت جميله باتساع لحديثها عليها. فأخذت أنفاسها ببطء وهي تردف قائله:
"فهمت تقصدي ايه. بس انتي بالنسبالي أم زي ماما بالظبط متختلفيش عنها. وخلينا نبعد بقا عن الحاجة المعتادة لمرات العم الحرباية وغيره. بس لأ طنط سميه لو هتبقى حاجة بالنسبالي فهي فعلا أمي وبيتي وأماني ومأمني التاني. وام أخواتي اللي متعلقة بيهم أكتر من أي حاجة روز وياسمين واخيراً. ورده!"
ابتسموا جميعا بتأثر. خاصة سميه التي كانت ولحسن الحظ تجلس بجانبها. فأخذتها بأحضانها كعاطفة أم حنونة تماماً. أما عايده فابتسمت بامتنان لسميه وهي تنظر لها.
"خلاص يا جماعه هتأثر كده!!!"
قالتها ياسمين بمرح. فأيدتها وسام قائله:
"صح يا ياسو والله. قلبي رهيف. يلا يا بوب اللي بعدو بقا؟"
أومأ لها والدها وهو يأخذ الورقتين للمرة الثالثة. فأردف قائلا بعدما انتهى:
"وسام وروزا!!"
ابتسمت وسام وهي تردف قائله سريعا:
"أنا اللي هسألك ماشي؟"
أومأت لها نيروز. فاردفت الأخرى من جديد:
"بما إن مش عارفين بعض أوي من زمان عشان كنا بعيد عن هنا واتنقلت من هنا بدري وكمان مكنتش باجي فالمناسبات اوي. فمش هقولك لو كنتي ايه. هسألك مثلاً شيفاني ازاي من الشوية اللي عرفنا بعض فيهم؟"
"ارتحتلك اوي. وحبيتك. وأنا لما بحب حد بشبهه بالورده. انتي حلوة وبطريقة كده خلتيني آخد على الجو هنا بسرعة. بغض النظر عن إني سمعت يعني. إنك مش بتاعت شغل وهربتي وسيبتيني!!"
ابتسم غسان لها وهي تردف ذلك الحديث. فنظرت هي اتجاهه وجدته ينظر لها. هربت سريعا بانظارها. أما هو فلم يهرب بانظاره بل ثبتها عليها وكأنه يقول لها بنظراته "لم تكوني هينة كما يظهر أبداً!!"
شهقت وسام ببرائة زائفة وهي تردف قائله:
"أنا؟ ده أنا طيبة ومطاوعة جداً!!"
ضحكوا عليها بخفة. فبدأ حامد من جديد وللمرة الأخيرة. ولكن عقد العزم بأن يختاروا أربعة ورقات وليس اثنان.
"غسان ودلال وحامد وبسام. الله ده العيلة كلها هنا بقا؟"
ضحكوا بخفة. فأردف غسان قائلا بمكر:
"طبعاً معروفة هتختار مين يحجلك؟"
"طبعاً. هختار حب العمر. وسند الدنيا. والحاجة الحلوة اللي فيها."
أردف بسام قائلا بتلقائية:
"أنا يا حج صح؟"
ضحكوا جميعا عليه. فأجابه والده قائلا:
"لأ. انتي حب العمر انتي. انتي جاي من حب العمر ياض!"
"احم خلاص بتأسف لك. المايك معاك!"
ابتسم الآخر من جديد وهو ينظر لزوجته قائلا بنبرة جادة:
"من غير ما تسألي يا أم غسان فأنا اللي هجاوب."
ابتسمت هي بخجل ممزوج بالحب. فأردفت قائله بتساؤل:
"طب أنا حابة أعرف لو كنت مثلاً بلد كنت هبقي ايه زي ما العيال دول بيقولوا هه؟"
"مصر. في بلاد أحسن من مصر متفهميش دي غلط. بس مصر من احتوائها. لام الدنيا. لترابط الناس فيها. لاعطائها للكل شعور الأمان. ولانتماء حتي لو مش منها. بتحب كل الناس. هادية ومش هادية. فيها حاجات كتير جميلة! حصل لها حاجات زمان وضاع منها اللي ضاع ولسه ثابتة. قوية وبتستحمل كتير. فيها حاجات كتير حلوة أوي زيك. مش في غيرها! انتي أغنية (فيها حاجة حلوة!!)"
أدمعت عينيها من التأثر بحديثه وبخجل واضح من الجالسين. أما هم فكل منهم صفقوا بحرارة مشجعين إياه بمشاكسة. وأخرج غسان صفارة إعجاب كالعادة وهو يغمز بعينيه له! وبعد دقائق. حان دور الشقيقان الٱن. فأردف بسام سريعا:
"قولي يا غسان وأنا هجاوب!"
ابتسم له الآخر باعجاب وهو يجيبه قائلا:
"قدها!"
"وقدوود!"
"طيب لو كنت أي حاجة بالنسبالك هبقي ايه. سهل أهو."
تنفس بسام بعمق وهو يجيبه قائلا والانظار عليه:
"عمرك ما كنت أي حاجة. بالعكس انت كل حاجة. بس لو كنت أهم حاجة كنت هتبقى الدوا للداء برغم إني ببقى عارف أوصف الدوا للداء. بس انت بتداوي جروحي في ثانية أسرع من أي حاجة. دايماً في ضهري. شايل همي حتى لو أنا بقيت مسئول ومش محتاج ده! واخد بالك دايماً مني. خوفك عليا مشوفتوش قبل كده. حتى لو مش بيبان أوي بس بيبان وبشوفه في عينيك علطول! عندك استعداد تيجي على أي حد جه عليا عشان أنا أبقى مرتاح. والبركة في مخترع الدوا ده أمك وابوك عشان جابوا وربوا أخ بالعالم والدنيا كلها!"
ابتسم غسان بتأثر وهو يربت على كتف شقيقه الذي يجلس بجانبه. أما هم فابتسموا له باتساع. ثم قاموا بالدعاء له هو وشقيقه!
وانتهوا هم من تلك اللعبة. حتى قام غسان بمهاتفة بدر مكالمة فيديو كول والعائلة جميعها تحدث بعضها بحب. ظهر يامن في الشاشة وهو يبتسم لهم جميعا. فضحك غسان وهو يشاكسه باستمتاع. وبعد نصف ساعة تقريباً. أغلقوا المكالمة بعدما حدثهم ورده وحدثهم بدر كثيرا. وخاصة عندما علموا الميعاد المحدد لنزولهم مصر بالتحديد. عادوا يجلسون مع بعضهم مرة ثانية بهدوء. حتى حل المساء في قدوم المغرب. قاموا بالوضوء جميعا. حتى يقوم بهم بسام جماعة. فسمعوا صوت دقات الباب العالية أولا قبل أن يؤدوا فرضهم. فاتجه غسان ووالده وشقيقه وحازم معا. ليقوموا بفتح الباب لذلك الهمجي! والاخرين يقفون جميعهم ورائه بالصالة. فتح غسان الباب. فوجد مندوبا. يوجد معه عدة أظرف. نظر له غسان باستغراب وهو يسأله قائلا:
"ايوه؟"
"ده بيت أستاذ (غسان حامد غسان البدري؟)"
"آه أنا!"
"طيب اتفضل معايا. ده ظرف من شخص عاملك محضر. وفي شاويش تحت مستنيك عشان في أمر لضبط حضورك في القسم دلوقتي!"
عقد ما بين حاجبيه باستنكار. أما والده وشقيقه وحازم نظروا بعد فهم لهذا الذي ارتمي على مسامعهم! أما والدته في الداخل شهقت شهقة عالية بصدمة. والاخرين ينظرون ببلاهة. وبعض منهم يسند والدته يجلسها بهدوء رابطين على كتفيها وظهرها بصمت! وكأن كل ما يعم المكان هو الصمت الصادم من هذه العقبة التي أتت لهم على فجأة!!!