تحميل رواية «عودة الوصال» PDF
بقلم سارة ناصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رحلتُ أنا دون وداع لصداقتنا ، دون وداع برائتنا. رحلت دون شعور قلبي الصغير بأنه سيتأذي في رحيلك بعضُ الوقتْ. ورغم عُمر قلبي الصغير الا أنه كان به شعورا كان علي صعب فهمه! أيقنت انه حزين برحيلي دون إرادة مني ، أيقنت أنه يفتقد لهونا ولهو البرائه دون شعور مني. يحزن لرحيلي ويحزن أكثر لرحيلي من جارك و من تلك الشرفه التي شهدت الذكريات بيننا. يحزن لافتقاده سرعة نبضه عندما يراكِ ، وعندما توقفت كل الطرق لإرسال خطابات. يحزن هو لفراق الوقوف بشرفته كي يستطيع النظر إليكِ. ف مجرد نظره كانت تبقيه سعيدا لا يفكر ف...
رواية عودة الوصال الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سارة ناصر
أيام قليلة مرت على الكل، وكان هو صاحب الخذلان الكبير، ومعه كانت هي التي شعرت بنفس ما يشعر به. وبالنهاية لا أحد يستطيع حزم موقفهما بمن هو الذي كان على صواب ومن الآخر الخطأ.
تعمد الصمت والتجاهل وكأن شيئًا لم يكن، وحذرهم "حامد" من فتح أي مواضيع تخصه حين أن يحكم عقله، وهي الأخرى كذلك. باتت ملامحه منطفئة، يحاول المرح مثل السابق ولكنه يفشل في بعض الأوقات وتخونه عيناه، وقدرته على الحديث تنعدم في بعض الأوقات. في حين لم يراها ولم ير طيفها منذ أن ألقى عليها كلمة الطلاق. لم ينعم براحة بعدها، وهي هي من نفس الحال. حتى أنه لم يستطع النوم في كل ليلة، حبيس الوجع وحبيس الألم مع ذاته. وكل مرة ينهر نفسه ويقرر عدم فتح شرفته. الاعتراف المؤلم الذي يعلن ضعفه الداخلي أنه يهاب رؤيتها ورؤية عينيها من الأساس. حتى أنه لم يتقابل مع عائلتها وشقيقتيها الاثنتين. فقط يأتي "بدر" بين وقت والآخر وكذلك "شادي".
أما اليوم فهو موعد سفر "بدر"، وهو المسؤول عن توصيله، حيث ستذهب معه "وردة" و"يامن" كي يودعوه عند المطار. أي اللحظة الأخيرة! ولأن اليوم جمعة لم يذهب إلى أي عمل بل بقى في المنزل حتى قدرته على المحاولة للصعود ناحية شقته انعدمت. وبقى في غرفته هنا حيث شقة والده.
بينما الآن وبعد الظهر أي صلاة الجمعة، اجتمعوا بشقة "حامد" على سفرة الغداء عدا هو. جاء ودخل ينفث دخان سيجارته في غرفته وحده. جلس الكل يترقب قدومه. ولم يبدأ أي منهم الطعام. تحركت أنظار الجميع حول بعضها. ونظرت "دلال" بترجٍّ ناحية "بسام" وهي تخبره بصوت منخفض:
"قوم يا بسام نادي أخوك يجي يتغدى. خليه يجي ياكل أي لقمة بدل ما كل يوم يا نشوفه صدفة على الغدا يا منشوفوش!"
أومأ "حامد" يؤيد، وقبل أن ينهض "بسام"، فتح "غسان" الغرفة بوجه مبتسم لهم فبادلوه الابتسامة. وتحرك يغسل يديه بالحوض الموجود بالطرق، وجففها وعاد يسحب مقعدًا يجلس بجانب شقيقه. حتى رفع عينيه ناحية والدته مهللًا بكثرة أصناف الطعام:
"إيه دا كله يا أم غسان. تسلم إيدك!"
توسعت بسمتها وأشارت له بلهفة، بينما قصدت فعل ما يفضله من الأصناف له هو خاصة:
"بالهنا والشفا. كل يا حبيبي!"
استمر الطعام بصمت من بين نظرات والده له ونظرات شقيقه وشقيقته وحتى والدته. وهو يشرد بالطبق يقلب به دون أدنى قدرة على تناوله، ولكنه على أية حال سيراضي والدته بتناوله حتى ولو شيئًا بسيطًا. جاب "بسام" بعينيه تفاصيله بيديه اليسرى، حيث المعلق بمعصمها إلى الآن سوار به حروف اسمها، ولم يخلع حتى دبلته السوداء من إصبعه.
"هتروح توصل "بدر" امته؟"
اختصر الرد دون أن ينظر:
"ساعة وأقل بالكتير!"
يعلم أنه محط للمراقبة من الجميع، ومن الأساس كان سينهض بعد دقائق. لذا نهض يبتسم مرددًا:
"الحمد لله!"
نظرت "دلال" نحو أطباقه التي حوله بحسرة. وبهذا الوقت أشفق عليه حتى هبطت دموعها أمامهم. زفر "حامد بضيق يحذرها من وجوده، فحاولت حكم دموعها على حاله. أخفض "حامد" نبرته قليلًا يخبره:
"مشوفتيش سمية عشان نعرف نيروز متابعتها التانية النهاردة زي ما كانت قايلالنا من فترة ولا اتغير؟"
نفت بنفس الصوت تخبره بأسى:
"هو أنا عرفت احط وشي فوشها. معرفش حاجة عنهم من ساعة اللي حصل!"
ضم شفتيه بشرود. ونهض "بسام" هو الآخر خلف شقيقه الذي دخل المطبخ منذ ما حدث يريد التخفيف عنه، ولكنه يعلم ما بداخله. لذا غسل يديه ودخل المطبخ يضرب كتفيه من الخلف يسأله بمرح:
"بتعمل ايه يا غس؟"
أجاب "غسان" وهو يذوب بالملعقة في الكوب مبتسمًا بمجاملة:
"لمون بالنعناع أعملك؟"
حرك رأسه بنعم وحماس، وساعده فوقف الاثنان بجانب بعضهما، وفتح "بسام" الحديث وهو يتذكر:
"تعرف إني شربت فرح الليمون بالنعناع ده أول ما عرفتها في المستشفى؟"
ترقبت ملامحه بابتسامة هادئة وواصل الآخر كي يشغل عقله:
"كل ما أنوي أقولها إني معجب أو أفتح معاها كلام حد ينطلي يبوظ الدنيا!"
ورد "غسان" بما لا يتوقعه الآخر عندما التفت يضع الملعقة على الطاولة وحمل كوبه مرددًا:
"وليه ده كله لما ممكن نكلم عز!"
صمت يرى ملامحه التي ابتهجت، ولكنه لم يقدر على ظهور ذلك أمامه خاصة في هذه الظروف. وعلم "غسان" ما يشعر به، لذا واصل يكمل بصدق:
"سيب الحوار ده عليا. هجمع أبوك وأمك ونقعد نفاتحهم. مع إنهم عارفين بس هافتحهم أنا واللي فيه الخير ربنا يقدمه!"
سمعت "وسام" حديثهما فترقبت ملامحها ببهجة وهي تبتسم، ثم غمزت لـ "بسام" الذي ابتسم باتساع حتى اقترب بوجهه يقبل خد "غسان" بصوت مسموع للدلالة على فرحه المكبوت. لم يكن يعلم أن هذه الفعلة ستخرج ضحكات شقيقه، والذي قال من بين ضحكاته يشاكسه:
"لولا إنك لسه بتقول فحوار فيه أنثى اسمها فرح كنت شكيت!"
شهق "بسام" بصوت مصدوم بطريقة زائفة تحت ضحكات "وسام" التي شملته بنظراتها. فابتسم وهو يخرج إلى الخارج وهم خلفه حتى جلس على المقعد يتجرع من هذا الكوب بخفة. وجلس بجانبه "بسام" يحاول فتح التلفاز بجانب "وسام" الذي تابعها "غسان" بصمت حتى مال يهمس:
"مش مبسوط من اللي بتعمليه حتى ولو علشاني!"
ارتبكت ملامحها واعتدلت تنظر له بتمعن. فحرك رأسه يتذكر عندما جاء سمعه صدفة ترجي "دلال" لها في الذهاب لـ "نيروز" ولكنها رفضت خوفًا على أن تجرح شقيقها. وأكمل بنبرة هادئة يحثها:
"خرجيني برا أي حسابات. وخلي علاقتك بيها كويسة وروحي شوفيها. أنا مش زعلان ولا هزعل. ومتنسيش إنها هتبقى أم اللي جاي من أخوكي يا وسام!"
حاولت "وسام" التبرير بحرج وهي تنظر بتردد:
"أنا مش قصدي والله بـ..."
وقطع هو جملتها بابتسامة صغيرة بعدما وقف:
"أنا فاهمك وحبيت أعرفك بس إني عقلي أكبر من اللي بتفكري فيه. اسمعي كلام أمك ومهما كان انتوا قريبين من بعض كأصحاب قبل ما كان يربطني بيها حاجة!"
وضعت بموقف محرج. لذا ابتلعت ريقها تومئ. واقترب "حامد" يفتح الباب الذي دق. حتى فتحه ووجد أمامه "بدر" و"وردة" وهو الذي كان يحمل "يامن". جاءت "وردة" لتعلمهم بطريقة غير مباشرة بأن صلة قربهم ستبقى كما كانت. رحب "حامد" وحمل الصغير. ولأول مرة ترى "وردة" "غسان" بعدما علمت خبر طلاقهم! وهو أيضًا. عانقت "دلال" بحب وقالت تخبرها بحنق طفيف:
"وحشتيني أوي يا طنط انتي ووسام. كدة متعديش!"
تاهت بالحديث وعانقتها وهي تأخذها معها ناحية المطبخ. فاقترب "غسان" يحث "يامن" على القدوم له حتى تقدم الصغير له. مع مداعبة "بسام" له. وعلى مقربة وقف "بدر" يبتسم له مرددًا بوداع:
"هتوحشني أوي يا عمي. خلي بالك من صحتك ونفسك كده. وإن شاء الله هبقى أكلمكم من وقت للتاني!"
"تروح وترجع بالسلامة يا بدر يا ابني. خلي بالك من نفسك انت ومتقلقش حبايبك هيبقوا في الحفظ والصون!"
ابتسم باتساع ونظر بإهتمام نحو "غسان" الذي كان يلاعب صغيره بمشاكسة غير عابئ بمن حوله. بينما مال "حامد" يهمس له:
"بقولك متعرفش نيروز راحة للدكتورة النهاردة ولا لأ؟"
حرك "بدر" رأسه بعلم وقال يخبره:
"آه رايحة بعد ما أمشي أنا ووردة هتروح مع ياسمين عشان تتابع هي كمان ومعاهم "حازم" وطنط سمية!"
حرك رأسه متفهمًا وخرجت "دلال".
بصينية صغيرة عليها حلوى، وخلفها "وردة" التي ابتسمت نصف ابتسامة لـ "غسان" الذي أومأ لها بعينيه دون حديث وحرك رأسه لـ "بدر" يسأله:
"أنا فاتحلك العربية تحت عشان الشنط!"
"آه نزلت، أنا اللي جيت أودعهم مع إني مبحبش كده ومرضتش أسلم على حد هناك حتى حازم!"
وعلى الرغم من أن هناك وقت، إلا أن نهض "غسان" يعطي الصغير قطعة حلوى بيديه ثم حمله بذراعه وقال يخبره:
"طب براحتكم، أنا سابق تحت وهاخد يامن!"
لم يعطيه أحد الرفض، بل معاملته مع الصغير تسعدهم. قبل "يامن" بحب وفتح الباب بعدما ارتدى حذاءه متحسسا جيب بنطاله على المفتاح حتى أغلق الباب خلفه ووقف ينتظر المصعد كي يهبط إلى أسفل.
***
بينما هي لا تصدق والدتها ولا حتى شقيقتها بأنها الآن خرجت أخيرًا، حيث ودعت "بدر" ولم تتركها "ياسمين" لتدخل مجددًا غرفتها. جاءت "سمية" من على بعد تحمل بين يديها دواءها وكوب من الماء تعطيه لها بهدوء تحت كلمات "ياسمين" التي تحاول بها التخفيف عنها رغم جهل الكل عن السبب، ولكن تركوها رغما عنهم كما تركوه هو وعائلته. أخذت "نيروز" الدواء بخواء، فمنذ هذا الوقت تسكن بطريقة مريبة. ومن ناحية أخرى لم تنعم بالنوم، فقط تنام على ظهرها كما حثتها الطبيبة، بينما النصائح الأخرى لم تفعل بها، وخاصة نفسيتها. نهضت "ياسمين" تبتسم وحثتهم قائلة:
"هدخل ألبس الطرحة بس عشان واضح معتش إلا أنا!"
كالعادة شاردة متشتتة بعالم آخر، أومأت لها "سمية" وتفحصت "نيروز" بعدما ارتدت ملابسها للخروج. ولكن ما عاق حديثها دقات "حامد" على الباب بعدما خرج من شقته و "بدر" و "وردة" كانا معه، حيث هبطا هذه المرة لأسفل.
اقتربت "سمية" من الباب تفتحه ولم تتفاجئ، بل ابتسمت. فسألها "حامد" عن حالها بلطف:
"إزيك يا مدام سمية وإزاي نيروز النهاردة عاملين إيه؟"
"كويسين الحمد لله، اتفضل!"
دخل بعد قولها الهادئ وهي تجامله. ناهيك عن ضيقها من الذي حدث وتكبته هي. دخل فوجدها على ذلك الحال حتى جلس يضع يديه على كتفيها مبتسمًا يسألها:
"إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟ كده برضه تقفلي على نفسك كل ده من غير ما حد يشوفك!"
لامس قلبها لطفه فابتسمت بتأثر. ترددت بنبرة ضعيفة تبرر:
"الحمد لله، معلش يا عمو كنت تعبانة شوية!"
نظر إلى قدمها فوجدها خفت قليلا، لذا ابتسم بتفهم ونهض يلتقط يديها بحنو وهو يحثها:
"طب يلا عشان هاجي معاكي عند الدكتورة!"
كادت أن ترفض، بينما رفضت "سمية" هذه المرة بجدية:
"لا ملوش لازمة تتعب نفسك، أنا معاها ومعايا حازم وياسمين برضه!"
التفت بوجهه ينظر لها بابتسامة هادئة وأسند "نيروز" حتى وقفت وقال ردًا على والدتها:
"مينفعش الكلام ده يا أم وردة، نيروز بنتي وغير كده، ده واجب عليا!"
صمتت تنظر ناحية "نيروز" التي استسلمت لحنوه ولطفه. أسندها برفق وهو يشير لها بأن تلحق به مع "ياسمين" و "حازم" وسيسابق هو معها. خرجت من الباب وقبل أن تخرج انحنى "حامد" عندما وجد محط أنظارها على حذاء معين من الواضح بأنها كانت سترتديه. لذا حاولت منعه بلهفة فقاطعها وهو يجعلها ترتدي بواسطة يديه حتى نهض يحاوط كتفيها ونظر نحو شحوب وجهها. ورغم أنه يعلم بأنها الطرف الذي أخطأ أكثر، إلا أنه اعتذر عن ما تشعره من تعب بحمل طفل ولده وهي بهذه الحالة مجبرة على تحمل كل ذلك:
"حقك على راسي يا بنتي!"
قاومت بأن لا تهبط دمعتها وابتلعت ريقها تعجز عن الرد. تريد أن تتأسف له هو. ليس مجبرا على كل ذلك. استغلت إغلاقه للباب وعدم استماع شقيقتها ووالدتها وسألته بنبرة خانتها وهي تدخل معه المصعد:
"هو غسان مش هيجي معايا عند الدكتورة؟"
ولأنها تغلق على نفسها أغلب الوقت أو كله، فلا تعلم هي كيف سيرحل "بدر" من الأساس. ألمه قلبه من اهتمامها. وسأل لما طلبت الانفصال لطالما تعاني كل ذلك. حاول التخفيف كي لا تنهك وقال كذبًا ينتهز أي فرصة وأمل للإصلاح:
"راح يوصل بدر المطار، بس قالي أجيلك المرة دي عشان هو مش هيعرف يجي!"
لم تركز معه إذا كان صادق أو غير ذلك، بل ما إن استمعت لعدم قدومه شردت بألم. لأيام لم تري وجهه وتعلم تمام العلم بأن حالته لا تختلف عن حالتها هي الأخرى. هبط بهما المصعد وهو يشملها بنظراته بخوف أبوي في هذه اللحظة ليس إلا. يود أن يشعرها بأنه مثل والدها وليس والده هو، لا يودها أن تراه الآن بهذه الصورة أبدًا.
***
وتزامنًا مع هبوطهم، انطلق "غسان" بسيارته الذي جلس بها بجانبه في الأمام "بدر" والخلف كانت "وردة" بينما ظل "يامن" على ساق "غسان" يرفض القدوم لوالديه. ترقب "غسان" حديث "بدر" في الهاتف وهو يودع "فاطمة" كما ودعها أمس هي وأولادها و"آدم" وحسم الجدل وقرر بأن لا يأتي أي منهم المبنى حين يرحل، ثم ليأتوا من بعد ذلك. وقرار قدوم زوجته معه وصغيرة لم يوافق عليه إلا بضغطها هي. أهبط الهاتف يغلقه ونظرت "وردة" ناحيته بحزن إلى أن تقابلت عيناهما معًا بالمرآة، فخرج صوت "بدر" يهرب من عينيها:
"خلي بالك منهم يا غسان، مرات أخوك وابن أخوك ياض!"
شاكسه بمرح، فضحك "غسان" يشير له بعينيه ثم ثبتها على الطريق مع قوله:
"فـ عينيا يا بدر من غير ما تقول، انت عارف!"
زفر بصوت، ود لو يفتح ذلك الحوار، ولكنه لا يعلم من أي نقطة سيبدأ. الآخر يراه متغير كليًا عن طبيعته معهم. ربما سكون الوجع. صاحت "وردة" تخفف من صمت الجو بالسكون المريب وقالت تشاكس صغيرها والآخر:
"مرتاح يا يامن كده يعني على رجل غسان؟"
ضحك "بدر" وهو يفتح كاميرا هاتفه يلتقط له بعض الصور كي ينفرد بها في غربته. ضحك الصغير عندما حاول "غسان" دغدغته وهو يحاول الوزن بين نظراته على الطريق ونظرات أخرى ناحية الآخر بلطف، بينما كان يلتقط "بدر" لهما الصور والفيديو. في حين تعالى صوت "وردة" تخفف عنه:
"يامن بيحبك أوي يا غسان، انت بتحب الأطفال أوي وإن شاء الله أنا واثقة إنك هتبقى أب حنين!"
فهم أنها تبدأ فتح حوار لا يوده من الأساس، لذا توسعت بسمته بمجاملة وهو يرد ببراعة يغلق أي محاولة تحاول فتحها:
"هو ييجي بس زي يامن وسيبي الباقي علينا!"
مدح في صغيرها بعيدًا عن هذا الموضوع المؤلم. وفهمت هي إشارة "بدر". دق هاتف "وردة" فرفعت تجيب بصوت هادئ:
"أيوة يا ماما.. نزلوا ولا لسه؟.. مين اللي جه؟"
صمتت تستمع إلى صوت والدتها فأجابت بتلقائية:
"كتر خيره عمو حامد، طيب تمام خلي بالك من نفسك ومنهم، واسندي نيروز كويس، وانتوا راجعين من عند الدكتورة حاولي تخرجيها في مكان كده مفتوح بعيدًا عن المقابر يا ماما أرجوكي!"
صمتت تستمع إلى حديثها الآخر وردد أخيرًا الطرف الآخر حيث والدتها بالموافقة ثم الوداع. أما هو فصب أنظاره على الطريق وعقله يركز على حديثها بتمعن. وشرد بتفكير، ناهيك عن القلق الذي دب بداخله من خطورة حالتها بحديث الأخرى العفوي. وبين مداهمة والأخرى حسم الأمر وتنحنح يسأل "وردة" وهو ينظر بالمرآة:
"هو في حاجة ولا إيه؟ هي تعبانة؟"
شعرت بقلقه ونظرة الخوف التي لازمت عينيه لذا تنهدت تطمئنه بتفسير:
"لأ هي راحت تكشف عشان ميعاد المتابعة النهاردة وماما معاها وعمو حامد راح ومعاهم حازم وياسمين عشان تتابع هي كمان!"
أغمض جفنيه وداهمه شعور سيء من ناحية أنه من يتوجب عليه الذهاب معها. لما لم يخبره أحد أو لم هي لم تخبره!
تسلل إليه شعور الضيق الذي حاول محوه سريعًا، كي لا يفكر بها، ولكنه يعلم أن الأمر بات صعبًا منذ فترة. هي لم ولن تفارق تفكيره.
***
منذ أن عادت معه إلى المنزل، وهي إلى حد ما تتجنب الحديث معه بحساسية، ولا تعلم لم. كل مرة تغلق على نفسها كي تذاكر بسبب امتحاناتها، بينما اليوم ظلت أيضًا تذاكر، حتى أنه يوم الجمعة. لم تهبط إلى والدته في الأسفل، ولم تسعفها نفسها ولا حتى الوقت بأن تجلس مع "فرح" شقيقته. يستنكر ذلك، والذي يريحه هو أنه لم يخطئ في حقها، ولا يعلم لم سبب ذلك.
ظن أنه يفضل بها كل شيء، وعند المعاشرة فهم طباعها، خاصة طبع التراكم والكبت، حتى وإن أخذت منه موقفًا أو شعرت بالضيق منه، تظل ساكنة هادئة إلى حين مواجهته. حمل "عز" صينية الغداء، ورغم أنه متأخر، إلا أنها لم تأكل، ولا حتى هو. تركهم وصعد، وإلى الآن لم تخرج من غرفة موضوع بها مكتب خاص لكتبها ومذاكرتها. دق الباب وهمهمت هي له بالدخول. تتعامل وكأن شيئًا لم يكن، بينما هي تحزن، ولا يعلم لم. ربما من الأحداث الأخيرة، ولكن سبب حزنها يجعلها ساكنة معه، إذن يوجد ثغرة ما.
اتسعت ابتسامته وهو يدخل، ثم أسند ما بيديه ووقف حتى سار يقترب منها وهو يلتقط يديها. نهضت "جميلة" تبتسم له، وقبل أي حديث أو سؤال، سألها هو بجدية هادئة مماثلة له تمامًا:
"أكلتي؟"
نفت "جميلة" بحركة رأسها، فنهرها بنظراته قائلًا:
"طب ليه؟"
بررت حينها بصدق وجدية:
"يدوب لحقت أطبخ ساعة الصلاة وروحت صليت وقعدت أذاكر!"
حاوط "عز" كتفيها يلومها بنبرته الهادئة وهو يوضح لها:
"ليه؟ مش أنا قولتلك قبل كده لما تحسي إن الوقت ضيق وفيه مذاكرة كتير قوليلي وأنا هقول لأمي تعمل حسابنا معاها؟"
بالأساس سبب حزنها هو كسرتها وكسرة حتى الهيئة أمام عينيه وعيني عائلته. تعلم تمام العلم أن بمنطقة كهذه إن خرج الحديث صدفة من فم والدته سينتشر، وبالأخرى مشاكل عائلتها التي لم تنتهِ، ونظرة "حنان" لها بالشفقة عليها، وبالأخص على ولدها! هربت بعينيها تبرر:
"مش حابة أتعبها معايا يا عز، وقولتلك ده قبل كده!"
تمعن تعابيرها بتفحص للحظات. وشرود في حين لاحظت هي نظراته فقالت بقليل من الارتباك:
"بتبصلي كده ليه؟"
"لحد امته؟"
سألها بتلقائية. فعقدت ما بين حاجبيها بغرابة تسأله:
"لحد امته إيه؟"
أخرج أنفاسه بتنهيدة مسموعة ونظر بعمق عينيها يخبرها بصراحة:
"لحد امته لما تزعلي تسكتي ومتواجهيش. إحنا اتفقناش على كده ومش فاهم بصراحة سبب زعلك، يعني لا أنا عملت لك حاجة ولا أمي ولا شوفت فرح زعلتك في حاجة. مش فاهمك يا جميلة، وده تاعبني لإنك مبتحاوليش تديني فرصة أفهم سبب زعلك!"
تفاجأت من طبيعة حديثه. ولمعت الدموع بعينيها مباشرة. تلومه بنبرة مختنقة:
"قصدك يعني إني مش حابة مامتك واختك يا عز؟ انت تعرف عني كده؟"
فهمته بالخطأ. وزفر هو بصوت عالٍ عندما رأى دموعها. شعر هو الآخر بالاختناق ونفى برأسه يمسح دمعتها التي هبطت وقال مصححًا:
"مش قصدي كده وانت عارفة. أنا بس مش عارف مالك من ساعة ما جينا من كام يوم من عند أهلك وانتي مقفلة على نفسك وبتردي على كله باختصار، مع إنك مبتغلطيش ولا أسلوبك وحش، بس ليه زعلانة؟ حد زعلك طيب من هنا؟"
فهمت حديثه ونظرت له بإستسلام. فسحب يديها برفق إلى خارج هذه الغرفة الكئيبة. بينما هي صمتت إلى أن خلعت سترتها تفرد شعرها عندما شعرت بسخونة وجهها من البكاء. وقف يطالعها بصمت وقال يحاصرها:
"أنا مستني أسمعك على فكرة. ليه زعلانة؟"
وصمت يكمل بتفسير عندما رآها تهرب بتمشيط خصلاتها أمام المرآة في غرفتهما:
"أنا عارف إنك زعلانة عشان طلاق نيروز وغسان. وزعلانة في نفس الوقت على أخواتك والحال. هي كلها حاجات تزعل، بس إحساسي بزعلك هنا مختلف ومش فاهم إيه حصل!"
لامس قلبها اهتمامه وحنوه. التفتت تترك المشط من بين يديها حتى وجدته يقف خلفها ينظر ناحية وجهها فقط. ابتلعت ريقها وزاغت عينيها بالدموع المفاجئة وانفجرت باكية تخبره بما تكبته:
"عشانك وعشان مامتك وحتى فرح.. اضطروا يشوفوا ويعيشوا مشاكل عيلة عمرها ما بتنتهي. عشان نظرة عين مامتك ليك وانت معايا يا عز بإن فرحتك ما لحقتش تكمل. هي مامتك وانت صعبان عليها. بس أنا اتضايقت أوي من نفسي وكرهت اني من العيلة دي بسبب المشاكل اللي مش بتقف. كفاية... يعني كفاية أول علاقتنا اتفرقنا بسبب ملناش ذنب فيه. ورجعنا رغم الماضي اللي بيوجع ده. أنا خايفة. خايفة يا عز متستحملنيش ولا مامتك تفضل كده معايا. أنا..."
وقبل أن تكمل أكثر، نظر بغير تصديق لما تكبته بأفكارها هي وحدها. دفعها بأحضانه ممرر يديه على ظهرها فبكت هي بصمت تحاول التبرير أكثر ولكنها بكت وفقط. أما هو فابتلع ريقه متنفسا بوجع لها وحدها. أصبحت العقبات هي الأخرى تسكن في داخلها رعبًا من الفراق. ابتلع ريقه بصعوبة وقال ينهرها بـ:
"تصدقي بالله؟ قولي آمنت بالله!"
خرجت تردد بصوت مبحوح:
"آمنت بالله"
"إنت هبلة وعبيطة. هتكلم عني الأول معاكي. عشان أنا جوزك واحنا مع بعض على الوحش والحلو. وصدقيني أنا مش هفرط فيكي بالساهل. اللي بيحب حد بيحبه بكل ما فيه وكل ما عنده. أنا عمري ما اتقلقت من أهلك ومشاكلهم عشان أنا كمان مريت بمشاكل صعبة منتهتش إلا قريب. بالنسبة للفرحة اللي مكملتش فبذمتك. بذمتك إحنا متجوزين كام يوم وخلاص؟"
صمت يداهمها وعلم كيف ينقذ الموقف ببراعة عندما ابتسمت تنفي بصمت فتابع يكمل:
"إحنا العمر إن شاء الله قدامنا طويل وهنفضل مع بعض وهنعوض كل حاجة وكل اللي شوفناه وحش في حياتنا. ومش هعتب عليكي في نظرتك لأمي. أصل معاكي عذرك لأنك بردو لسه مش فاهماها أوي. ولو فكرتي إنها زعلانة ومتدايقة منك تبقي مش عارفة حاجة. أم عز طيبة ولو شوفتي منها أي نظرة أو كلمة فوسط الكلام متدقيقيش هي مش قصدها والله. دي كل شوية تسألني عليكي. بس أنا زعلت في نفسي لما جت وقالتلي هو أنا زعلت مراتك فحاجة يبني. معرفتش أجاوب وطلعت الوقتي كنت ناوي أفتح الموضوع. يا عبيطة أمي بتحبك أوي وما صدقت اتجوزتك ده انتي كنتي بالنسبالنا أنا وهي أمنية كده يا أطولها يا مطولهاش. انتي مجتيش بالساهل يا جميلة. إزاي مش هنحبك ولا هنحب اللي يجي منك؟"
أثر حديثه بها والأكثر أنه غير الطريقة لأخرى فابتسمت وانقذ الوقت بتفسير لها حتى فهمت وأدركت. تظن الكل في البداية مثل زوجة أبيها في السابق وحتى والدها. رغمًا عنها تفقد بعض الثقة في طيبتهم! لم يتوقف إلى هنا بل أكمل ببسمة هادئة:
"متفكريش بالطريقة دي. أهلي بيحبوكي يا جميلة والله. وأنا عايزك تاخدي على الدنيا هنا ومتقفليش على نفسك. وبعدين أم عز من حبها فينا نفسها تشيل عيالنا. ما تيجي نرتب للحوار ده ونجيب عيال بقا عشان متزعلش مني. أنا عايز أرضي أمي عشان أخش الجنة يا ستي!"
تعالت ضحكاتها تتخلى عن الحرج. وتقدمت هذه المرة تردد بأسف وهي تضم نفسها داخل أحضانه:
"أنا آسفة يا عز. متزعلوش مني أنا حقيقي متلخبطة وجو الامتحانات ده بيلغبطني أكتر مع المشاكل دي. وزعلانة كمان عشان نيروز أوي!"
مرر يديه مرددًا بكلمات التفهم حتى أهبط رأسه يقبل قمة رأسها فابتسمت وأشرق وجهها من جديد بالإبتسامة الذي يعهدها منها عادة. في حين لم يمنع قوله من الخروج أمامها حينما قال بتأثر:
"أنا محظوظ بيكي أوي. دكتورة وحلوة وجميلة اسم وشكل وطيبة وهبلة وبنت حلال وغلبانة هعوز إيه تاني بقى."
أمسكت "جميلة" كفه بإحتواء وردت بصدق هذه المرة:
"خليني أقولك ان انا المحظوظة بيك. واحد غيرك يا عز لو خد باله اني زعلانة والزعل طال أهله غصب عني كان وداني عند أهلي من غير ما يفهمني."
لكن إنت وزنتها بينا، حقك عليا مش قصدي أكون قليلة الذوق معاك ومعاهم والله.
وأنا فاهم، ست الملاك اللي ملبستش أبيض من زمان عمر ما يطلع منها حركات خايبة مقصودة. وبعدين متقوليش واحد غيري، أنا بغير غيرة قاتلة هه!
حتى هول الوضع له، فنظرت له بإستنكار ضاحكة. إلى أن حاوط وجنتيها بيديه وقال بلين تعهده:
هو واحد بس عامة، عز الرجال!
أومأت بعينيها وقالت بنبرة هادئة عندما مال ينال من كتفها برفق، قبلة سطحية حانية:
دي حقيقة!
قبل كتفيها برفق، وبر لها، فابتسمت بإتساع، وأشار لها هذه المرة يخبرها:
طيب يلا عشان نتغدى، أنا مأكلتش عشان مستنيكي!
سارت معه تخرج ومن بين الطريق القصير ردت بهدوء توافق:
حاضر، بس ممكن أطلب منك طلب؟
شجعها بعينيه وهو يجلس أمام المقعد التي جلست عليه هي، فقالت تخبره لتأخذ منه الموافقة:
عايزة أروح أشوف نيروز النهاردة، وهاخد فرح معايا نروح فتاكسي لو خايف لما ارجع، مع ان حازم مش هسيبني ارجع لوحدي لو وافقت!
وافق "عز" وصمت للحظات يستمع حتي قال يوافق:
ماشي موافق، وحتى لو حازم سابك، كدة كدة هعدي عليكي بليل أخدك وأشوفه بردو، بس محتاجة فرح ضروري يعني؟
لم يغفل عن نظرات "بسام" وعلم أن عرق شقيقه دس به، حيث المراوغة وانتهاز الفرص. استغربت قوله وقالت:
أه عادي مفيش مشكلة، بدل ما تقعد لوحدها، أي نعم الجلسات قربت تخلص خالص وهي بقت أحسن بس لسه بخاف عليها!
لاحت ابتسامة متأثرة من حديثها، واستسلم أمام عينيها وطلبها وحديثها العفوي وردد بلين:
خلاص اللي تشوفيه، انت أدرى!!
بتتريق؟
انفلتت ضحكته العالية وقال ببراءة يوجه لها الطعام يحثها على تناوله:
لا مش بتريق، أنا بحب واحدة مقدرش أرفض ليها أي طلب!
شاكسته تجاريه وهي تبتلع ما بفمها:
وهي مين الواحدة دي!
واحدة بقا كدة. وقعتني فيها من زمان أوي، وعيشت أتمنى أبقى ضل ليها لحد ما بقيت، عرفتيها؟
عندما تتمعن النظر لضحكاته تتشتت بحب. أومأت بنعم دون حديث، فقال يشاكسها من بين نظراتها له:
ايه؟ وسيم؟
ضحكت "جميلة" توزع نظراتها في الأطباق تهرب من عينيه وسألته بمراوغة:
انت شايف ايه؟
عبث "عز" حينها معها وقال يلاعبها بالكلمات:
مش مهم أنا أشوف، المهم انت، بس انت بس!
استطاع أن يجعل خفقات قلبها تزداد فالخفاء. لم تستطع الرد ككل مره بل ابتسمت بحياء. وفاض من عينيها نظرات الحب الذي التقطها بأريحية والشئ الذي يتمناه هو دوام هذه اللحظة معها والذي ظل يتمناها إلى أن أصبحت حقيقة ملموسة واقعية بحياته التي تشاركه هي بها الٱن!
خرجت "نيروز" وقام "حامد" بسندها أولا، حتى أشار لـ "سمية" بالتوقف عنها. نهضت "ياسمين" من على المقعد التي كانت تجلس به بالخارج مع "حازم" وهتفت "سمية" تخبرهما:
تعالوا يلا، نيروز خلصت!
ومن ثم خرجت بعدها "نيروز" وقام "حامد" بمسك يديها. نظرت لها "ياسمين" بإهتمام إلى أن نظر لها "حامد" بإطمئنان فسارت نحو الداخل ووقف "حامد" يخبر "سمية" قائلا ببطلب:
ممكن اخد نيروز نقعد شوية برا فالهوا ونبقى نرجع أنا وهي البيت على مهلنا؟
كان سيجد الرفض منها بينما لحق الموقف عندما نظر نحو وجه "نيروز" الصامت فهمت هي نظرته وابتسمت تومأ بمجاملة تحت حديث "سمية" المضطر:
أنا مش عايزاها تجهد نفسها خصوصا بعد كلام الدكتورة، بس عارفة انها معاك فأمان، خلي بالك منها!
أشار نحو عينيه فتنفست بعمق، وهي تري ابنتها برفقة "حامد" يدخل معها المصعد حتي هبط. كانت ساكنة شاردة وتلك هي حالتها بعد انهيارها ٱخر مره بالبكاء. مشاعرها متخبطة ولولا أنها تجازف للمره الثانية بتركه لأجله قبلها هي لما رددتها! ولكن ما يتلقى على مسامع عقلها من قلبها سؤال لا تريد الجواب عليه لأنها تتردد. لما ودت الإنفصال من الأساس؟
هل إجابة بأنها تخلت لأجله مقنعة؟ أم انها ترواغ علي قلبها وعقلها؟
وهل يستطيع المرء المراوغة على قلبه؟ نفت بشرود والشوق له ولكلماته يزداد رغما عنها. تشفق علي حالها وكل شئ من بداية علاقتهما يلح عليها وعلى ذاكرتها. عقلها يراجع ويوسوس بأن منذ أن عرفته ولم تكتمل لهما فرحة واحدة! أحياناً، ينهرها قلبها بأنها مالت ناحيته وله هو دوناً عن البقية! لما هو؟ لم تقع في حب شخص لم يفعل لها شئ سئ وبنفس الوقت كان حلها الوحيد الفراق التي رأت هي بأنها أجبرت عليه بنفسها!
لم تنتبه من الأساس بأنها خرجت من المستشفي بأكملها ووقفت معه أمام إستراحة صغيرة بالحديقة الهادئة والهواء النقي وحتى منظر الورود والزرع التي تفضله. بات كل شئ عاديا، باهتاً في عينيها منذ أن فارقت. منذ ان فارقا بعضهما!
خرجت "نيروز". من شرودها وابتسمت بإمتنان عندما حثها على الجلوس. جلست وجلس هو بجانبها. لا يود فتح الجرح ولكنه يودها بأفضل حال! ولأنه يحكم بعقله وزوجته هي الٱخري تحكم بقلبها وعاطفتها كأم كانت لم ولن ستفضل رد فعله معها. يعلم بأن زوجته لا ترى سوى جرح ولدها وفقط على الرغم من أنها تود ظهور ذلك بالعكس تماما. عندما حثت "وسام" على رؤيتها ولكن فطرتها كأم لا تستطيع أن تخفيها او تغيرها. رد فعلها طبيعي للغاية!
شوفتي الدكتورة قالتلك ايه؟ قالتلك بتاخدي الدوا وتمام بس كله ميسواش حاجة قصاد حالتك النفسية. كل دا مأثر علي اللي فبطنك. انت عايزة تخسريه؟ مستعدة لكدة؟
داهما بلوم وعاطفة أبوية جياشة. نفت بصمت وهي تحرك رأسها بحزن مستسلم فعاد هو يهتف برفق:
يبقي لازم تاخدي بالك من نفسك أكتر من كدة!
أبتلعت ريقها وشعرت بندم صمتها وقالت ما تود قوله منذ أول مره اعتنى بها تاركاً أمرها وأمر ولده على الهامش:
هو ..حضرتك بتعمل معايا كدة ليه؟ مش زعلان مني؟
تفاجئ من قولها وابتسم بهدوء. وعلم ان هذا القول خرج بعد تردد. لذا ربت على كفها الدافئ وقال مفسراً.
"علشان انتي بنتي وبعيد عن ده كله أنا بحبك زي وسام بالظبط، هو ولو أبوكي الله يرحمه كان عايش ما كان عمل كده."
ابتسمت "نيروز" بتأثر، ولمعت عينيها من مجرد التخيل. استغل هو الفرصة وقال موضحًا أكثر:
"لو مثلًا بعاملك كأني حماكي، ما كنتش خبيت زعلي من موقفك. لكن دلوقتي أب، والأب سند قبل أي حاجة. مع إن لو كان سالم الله يرحمه موجود، فالمشاكل دي كنت هعرف رد فعله هيبقى عامل إزاي!"
رفعت عينيها وقرأ المسطور بها في رغبتها لسماع الآتي. تنهد يخرج أنفاسه ونبس بنبرة هادئة يسرد عليها ما هو صواب:
"لو أبوكي موجود، فموقف زي ده ما كانش قبل يقعدك عنده من غير ما يفهم إيه هي الحكاية. عمره ما يحب الخراب، وفي نفس الوقت كان هيعزز منك ومن كرامتك ويرفع راسك. ورجوعك لابني ما كانش هيبقى بالساهل. بس النقطة دي كانت هتقف على حاجة واحدة بس، في حالة إن ابني هو اللي قالك: 'مش عايزك وروحي عند أمك'. ساعتها كان الوضع هيبقى مختلف كده. بس دلوقتي أنا اتعاملت كأب وإنتي حكيتيلي اللي حصل. ولو عايزاني أقولك رأيي دلوقتي كأب وكموضعي في نفس مكان باباكي، أنا مش ممانع!"
حركت هي رأسها بإحترام تومئ. فقال بإسلوب هادئ حاني عليها:
"إنتي غلطتي، وغلطتك كبيرة كمان علشان مسكتيش وحاولتي تنقذي الموقف. إنتي بطبعك اخترتي الحل الأسهل في لحظتها، وفي نفس الوقت كان حل أصعب وأصعب بعدين. وكل ما بيعدي الوقت بتزيد صعوبته يا بنتي!"
أدمعت عينيها ووجدته يأخذ أنفاسه وواصل يكمل ما بدأه:
"مبررتيش موقفك مع إنه كان فاهم، بس كان عايز يشوف إنك متمسكة. كان محتاج طريقتك في إنك تتفادي الموقف وتنقديه، ومش عند أول مطب طلاق! أنا متأكد إنه حاول يبعد ومبدأش بكلمة طلاق، لإنه بيحبك أوي. بس زي أي راجل دمه حامي اتكسر من الموقف حتى لو مش قاصداه. أنا راجل، مش هقولك أنا أبوه في الوضع ده، بس خليني راجل واتحطيت مكانه. كنت هحس بوجع صعب أوي وهحس كمان إنه اتقلل مني بأي طريقة، سواء مقصودة أو مش مقصودة!"
وقاطعته هي تبرر بنبرتها الضعيفة:
"أنا بعدت عشان وجعه وصممت علشان كده. أنا ما كانش عندي أي استعداد أكمل معاه وأنا شايفه كلام في عينيه مقالهوش بس ظاهر. طلع مضغوط مني ومستحمل كتير. حسيت إني جاية عليه ودايسه جامد وأذيته وهو مش عارف يعمل إيه. قلتله طلقني، يطلقني لأنه مشافش حاجة كويسة من ساعة ما بقى معايا. بالعكس أنا جبتله مشاكل وهم زي ما جبتلكم كمان. أنا شخص محدش يستحق إنه يقرب مني. أنا عارفه إني لوحدي وكنت خايفة من اللحظة دي ودايمًا عندي رهبة من إنها تيجي. وجت. ولما جت حسيت إني وحشة أوي ومعرفتش أقوله ده ولا عرفت أبرر!"
وجد الإصرار بحديثها ومن بين دموعها التي تهبط، اختنقت نبرته عندما لامها مجددًا يرد عليها بـ:
"إنتي معرفتيش في اللحظة دي هو قد إيه بيحبك يا بنتي. قررتي قرار سريع وفاكرة إن القرار ده صعب عليكي وسهل عليه. أخدتي خطوة عشانه هو بس مفكرتيش إنك كده بتوجعيه مش بتنقذيه منك ومن أذاكي. أنا عمري ما سمعت إنه اتقل منك ومن مشاكلك. ولا عمري شوفت على وشه إنه زهقان من حياته معاكي زي ما قولتي. أنا ابني ما كانش بيعمل حاجة غير إنه بيخبي علشان بس ما نزعلش منك إحنا. بيعرف ينقذ الموقف كل مرة، بس المرة دي كانت بإيديكي إنتي والوضع اتغير. وعند الوضع اللي اتغير تحسي طاقته كـ بني آدم خلصت في الوقت الغلط، فما عرفش يصد ويعاند، مع إنه غالبًا بيعاند قصاد اللي يعارضه. بس أنا قولتهالك قبل كده."
وأضاف دون راحة بين حديثه وكلماته الموجعة لهما:
"قولتلك لو هو غلطان بيتأسف بأفعال بعد الكلمة، وعزة نفسه صعبة. وأنا في اللحظة دي متزعليش مني، بس أنا بقولك إني أبوه وعرفت وحسيت قد إيه صعبت عليه نفسه كام مرة. المرة الأولى والتانية اللي كان قعد يحاول معاكي تروحي وراه. عارفه كان واخدك ليه؟"
ابتلعت ريقها تنفي بجهل. فقال دفاعًا عن وجع "غسان" الذي كبته بعد هذه اللحظة التي كانت بينهما منذ عدة أيام:
"أخدك وراه بس إنتي رفضتي في الأول. يمكن غصب، بس هو مشافش غيرك في اللحظة دي. وعرفت إني مربي راجل لما فضل وراكي يقولك تعالي معايا ومكنتيش راضية. إنتي عارفه ابني بسام ما بيمدش إيده على حريم، لكن لو حلفتلك بإيه إنه لو كان هو في الوضع ده كان ضرب مراته قلم ورد فعله هيبقى خارج من أعصابه في الحالة دي. بس إحنا ما عندناش كده. وغسان صبر، مع إني كنت خايف ليعملها ومعملهاش ومأيدش الحركة دي. بس كل اللي كان همه إنك تروحي وراه قبل ما لسانك يخرج بتفاصيل باقي اللي حصل قدامهم!"
وكأنه يتحدث بدلًا عن ولده، نظر بعينيها يواجهها بهدوء وأكمل بحزن على حالهما:
"بالذات زهور وعيالها. لإنك كنتي ناوية خلاص تحكيلهم كل حاجة بسبب انهيارك على زينات. في اللحظة دي بس خاف عليكي وعلى سمعتك وعلى الكلام اللي كله كان عارف كان هيطلع إزاي وينتشر ويتنقل. دي واحدة مبقتش على بنت اختها وطلعت كلام وحش في حقها، وعليها هتسكت عندك؟ طب سامر اللي حصل بينه خناق هو وابني كان هيسكت؟ ساعتها لو كنتي كملتي الوضع كان هيتغير وكانوا هيعملوا المستحيل علشان بس يهربوا. وطالما حسن طلع فايق كانوا هيدبرولها بأي طريقة يجي ويقلبوا الدنيا علشان يلهوا حازم عن اللي حصل. بس اللي حصل إن حازم فاهم وعارف طباعهم وقالك روحي، واخد هو حقه بطريقته! بس لما روحتي وراه كنت خايف عليكي منه، بس اللي صبرني نظرة الوجع اللي زادت ساعتها في عينيه لما قفل الباب في وشنا وكسر الفازة على الأرض عشان ميخرجش ده عليكي. وكل الكلام اللي بينك وبينه ساعتها كان مسموع مننا برا!"
كانت دموعها تهبط، فرفع كفه يمسح وجهها برفق، وأضاف بنبرة منهزمة:
"بس إنتي يا نيروز مسكتيش وقولتيله أنا عملت إيه، وكأنك ما كنتيش هترتكبي جريمة في حق نفسك وإنتي عارفة شرهم. وبعد ده قولتيله يطلقك بتبرير شديد، وكأنك طالبة الطلاق منه ومغصوبة تبقي على ذمته. فاض بيه وحس قد إيه هو قليل وكل مادة بيقل ومترددش يقولك إنك طالق. مع إني متأكد إنها خارجة منه بصعوبة وعارف إنه تمنها غالي عليه وبيدفعه دلوقتي بسكوته اللي كبته جواه. أنا.. أنا ابني مكسور أوي يا نيروز!"
وبآخر خمس كلمات اختنقت نبرته ولمعت عينيه فقط. فتلهفت تنفي برأسها وأوضح الكثير. كثير ما كانت تغفل عنه، ولكنها تصر. تصر الآن على البعد لطالما علمت أكثر أنها تؤلمه في الحالتين معًا. وكان اعتذارها على ما لبس "حامد" من حالة:
"متزعليش مني يا عمو.. أنا.. أنا مش فاهمة ليه بيحصل معايا كل ده، بس الظاهر إني كده وهفضل كده. وبعده عني كان حل من زمان ومتنفذش ولا بان غير دلوقتي!"
قطعت له الأمل مجددًا بوجعها وليس بكبريائها هذه المرة. تنفس بعمق، وربت على ساقها بصمت، وقال يخبرها بما يتوجب عليه:
"أنا أبوكي يا بنتي، وأي إيه حصل مش عايزك تبصيلي من جهة تانية. ربنا يصلح الحال!"
قالها بحزن. حزن ظهر في كل تفصيلة في نبرته وملامح وجهه. وقف بائع عصير قصب فوقف يجلب لهما، حتى نظرت هي على بعد تشرد وكفها المبلل من دموعها تسنده بهذه اللحظة عند معدتها تطمئن على وجود صغيرها، تحث نفسها على التماسك لأجله. الشئ الوحيد المتبقي لها، بعد نظرة شقيقتها وشقيقتها وحتى والدتها لها بأنها الطرف المخطئ لطالما لا تود سرد شيء، وبعد كل ذلك عاهدوها على أن يبقوا معها ويساندوها دون رغبتهم في علم ما حدث وما حدث حدث في الماضي. تعلم أن حديثهم خادع لأنفسهم قبلها، ولكنها صمتت، وأصبح يتوجب عليها الصمت بعد كل ذلك.
قدم لها كوب بلاستيكي من العصير وود مشاكستها بعيدًا عن هذا الجو المؤلم وقال بمرح هادئ:
"امسكي اشربي على مهلك. عايز حفيدي يتغذى كده ويبقى نازل بخيره!"
ضحكت بخواء تجامله وأخذت من بين يديه الكوب وجلس هو، حتى تذكر حديث الطيبة التي غفلت هي عنه منخرطة بوجعها، ومن انتبه كان هو و"سمية" فقط التي ودت إخفاء هذا الخبر عن العين حين التأكيد:
"عايزين بعد أسبوعين نعمل الموجات فوق الصوتية اللي الدكتورة قالت عليها دي، لأن السونار زي ما بتقول مش بيظهر وفي أعراض مبكرة بتظهر، وهنتأكد من الموجات اللي بتقول عليها دي إذا كان في بطنك توأم ولا مجرد شكوك!"
تلهفت تضع يديها على معدتها. من بين ثرثرة الطبيبة لم تنتبه بسبب حالتها، لذا قالت بلهفة وجعته هو.
"بجد ممكن أبقى حامل توأم؟"
"أيوه احتمال، بس بنستنى أسبوعين على ما نشوف الحكاية دي زي ما قالت. تعرفي معرفتش إن دلال حامل في 3 توأم إلا في الشهر التالت. الوقتي ظهر حاجات والطب اتقدم أوي!"
نبرته لا تخلو من فرحته بما يظهر بأنه احتمال. أما هو فتذكر رؤية والدها في المنام على أذان الفجر وابتسم حينها. بينما هي كانت بعالم آخر. توسعت بسمتها تتخيل تأكيد هذا الخبر. فابتسم على حالها بشفقة. وحثها على أن تتجرع من الكوب بتمهل، حتى قرر أن بعد انتهائها سيرحلا.
---
توقفت السيارة قبل قليل وخرجت "ياسمين" منها تسندها "سمية" برفق. تعمدت عدم انتظار "حازم" بحنق منه ومن تجاهله وصعدت مع والدتها في المصعد. بينما حاول صف السيارة بإحدى الجوانب ولم يغفل عن إرسال شقيقته له رسالة بأنها قادمة كي تراهم، وبالأخص "نيروز".
دخلت "ياسمين" الشقة ومن بين الحديث العشوائي ترد عليها "سمية" بالمقتضب. تلك هي حالتها معها منذ أيام. وخمنت أنه بسبب أحوال "نيروز". ولكنها وقفت في منتصف الصالة تستغل غياب "حازم" ونهرت "والدتها" بغرابة:
"إيه يا ماما بتردي عليا بالقطارة كده ليه؟"
وكأن الأخرى قد فاض بها، خلعت عباءتها بضيق ووضعتها على المقعد وهي تتجه ناحيتها ووبختها بنبرة قوية:
"يعني مش عارفة إنتي اتزفتي عملتي إيه؟ فيه إيه يا ماما؟ كمان عاملة نفسك بريئة لحد دلوقتي!"
قوست "ياسمين" ما بين حاجبيها واقتربت ترفع نظراتها مع حاجبيها تردد لها بتساؤل جاد:
"لأ مش عارفة ومش هيبقى إنتي وحازم عليا. أنا مش ناقصة لو زعلتك في حاجة قوليلي. غير كده هاخد بعضي وأمشي من هنا لو مش مستحملاني أوي كده!"
تعتاد على فظاظتها لذا لم تتعجب. بل رمقتها "سمية" بحدة وقالت تسخر منها تزامناً مع دفع "حازم" الباب المفتوح كي يدخل منه:
"متبقيش عاملة العاملة وتعملي نفسك من بنها يا بنت بطني. قال إنتي وجوزي. ما أنا لو كنت ربيتك مكنتيش قولتي لفظ زي ده قدام الرجالة والشباب. أنا علمتك وربيتك على كده. ليه تخلي نظرات الكل عليكي باستغراب إن إزاي واحدة بنت محترمة تقول كده؟ والله جوزك عنده حق يتجاهلك وميردش عليكي مادام مش معترفة بغلطك. هو حد كان قالك تخرسي ومتدافعيش؟ مش تدافعي تدافعي وتيجي في الآخر تقللي من نفسك بكلمة زي دي قدام العين!"
كادت أن تسترسل قليلاً، ولكنها لاحظت وقوف "حازم" بصمت. فتعمدت الصمت وهي تتركهم حتى دخلت المطبخ بغيظ منها. ولأول مرة تشعر "ياسمين" بأن والدتها قد قللت منها أمامه هو خاصة. بينما صمت الآخر يتابع ملامحها وحتى الدمعة التي أبت بأن تهبط وهي تتدعي القوة والعناد أمام هذا التوبيخ المر. حركت عينيها تنظر له والعجيب لأمره هو بأنها عندما وجدت تجاهله ضغطت أكثر على الحال وهي من أصبحت تتجاهل. حاول السير ناحية الداخل بينما وقف عندما هتفت باسمه:
"حازم!"
لم يجيبها بل التفت ينظر بترقب. هادئ بارد، وغالباً فاتر. فخرج منها الحديث أخيراً وهي تواجهه بعد أيام تجاهل من الاثنين لبعضهما:
"إنت بتعاملني كده ليه؟"
وقف للحظات صامت حتى قذف المفتاح على الطاولة ورد باختصار:
"اسألي نفسك!"
"أنا معرفش إن ماما كمان زعلانة مني عشان كده. بس أنا صدقني مكنتش أقصد. وإنت بعدها دخلتي الأوضة وزعقت عشان أسكت وسكت من غير ما تلومني!"
اقترب "حازم" مع ملامح وجهه الجامدة وأشار على نفسه بإنفعال مكبوت يشهدها:
"أنا كان منظري إيه وسطهم وإنتي بتخرجي اللفظ ده من بؤك بلسانك؟ أنا هيتبص ليا إزاي من أهل أختي وجوزها، بلاش العيلة عشان كلهم عارفين اندفاعك. مع إن بتغاضى كل مرة وكتير بعديلك ردود فعلك اللي بتصغريني فيها قدامهم. قوليلي كده هل أنا مش قادر أحكمك؟ مش قادر أعلمك تقولي إيه ومقولتيش إيه؟ إنتي عارفة كويس إني عندي الطريقة اللي أسكتك بيها اللي باقي من عمرك. بس كل مرة بقول معلش غلطة وتعدي أختها ومحموقة عليها. قرايبنا ويستاهلوا الحرق وحقها تخاف بعد تهديدهم إنهم يسقطوها. بيقعد أعدي. بس هعديلك لحد إمتى؟ سيبك من اللي فات ده كله. هعديلك إزاي القرف اللي خرج من لسانك؟ ده كلام يطلع من واحدة متربية بنت ناس محترمين وعيلة محترمة. هي دي تربية أبوكي ليكي يا ياسينا؟"
والآن قد هبطت دمعتها على وجنتيها ورق قلبها بتبرير ضعيف تشرح له:
"أنا مش كده أنا مكنش قصدي خرجت مني من غير ما أقصد أنا خوفت على نفسي وعلى إخواتي. لكن مقصدتش أصغر منك قدام حد. ليه متقل مني وشايف إنك خليك وحش أوي كده في نظرهم وبالذات أهل اختك. أنا متربية يا حازم غصب عن عين أي حد ولو كنت تقصد تقول إني مش متربية فأنا مش هسكتلك على الكلمة دي. ولو صغرتك فقولتلك إني مكنتش أقصد وأسفة!"
وقفت "سمية" تنظر نحو اعترافها بالخطأ ومرواغتها من ناحية أخرى. ولو كانت تعلم أن "حازم" يقصد السوء بها وبتربيتها لاندفعت تأخذ حق ابنتها. ولكنها تعلم تمام العلم أنه يفهمها منذ الصغر. زفرت بصوت تدعي لها بالهداية. في حين حرك "حازم" رأسه بقلة حيلة يرد على حديثها بـ:
"وأنا هقول عليكي إنك مش متربية ليه؟ مش عارفك أنا ولا تكوني مش بنت عمي. بلاش دا كله أنا هتجوز واحدة مش متربية بذمتك؟ إنتي مجنونة ومندفعة وعايزة تهدي شوية وتعقلي عشان كده كتير وأه أنا زعلان وأسفك مش مقبول عشان أنا حاسس إني اتقلل مني ومن شكلي قدامهم ومش معدية معايا كده بالساهل يا بنت عمي!"
سخر وقصد بخبث معاقبتها رغم إنه يعلم أنها طيبة القلب لم تقصد فعلها لذلك. بينما من ناحية أخرى قصد وضع حد لهذا الأمر. ولولا صمت "غسان" من جهة ثالثة عليها لأجل "حازم" لما تركها توبخه بفظاظة كهذه. تركها وخرج يتجه ناحية شقة "عايدة" غالقا الباب خلفه. فابتلعت هي ريقها بصعوبة. تنظر بأثرة ونظرت تجاه والدتها تبرر لها مرة أخرى:
"أنا مكنش قصدي كل ده يا ماما. كل ده كان غصب عني!"
انهزمت "سمية" وخرجت تقترب حتى ضمتها ناحية صدرها تربت على ظهرها برفق وقالت تحثها:
"عارفة بس لازم تحكمي لسانك ده. ولازم تعرفي إن القوة مش في كل اللي بتعمليه. القوة الحقيقة هي إنك يبقى عندك قدرة على فلترة لسانك وقت الغضب. وبعدين حازم عنده حق وكلامه صح وكويس إنه اتكلم بدل ما يركن ويشيل منك والموضوع يكبر. ومادام مشي يبقى هيلين بعدين. ميمنعش ياخد وقته. إنتي ساعتها خلتيه في نص هدومه وأنا كمان. وقالك أهل اخته بردو اتحرج قدامهم. إنتي عارفة كلام الناس مبيخلص. أم عز آه طيبة وجدعة بس متضمنيش. وعز راجل مهما كان. حطي نفسك كده مكان جميلة ساعتها. مش هتحسي إنك اتحرجتي قدام أهل جوزك وهتخافي يفهموا غلط. اللي مطمني إن عايدة كلامها على عز كويس وإنه ابن حلال دماغه متروحش بعيد. بس كلامنا من غير ما يحس بيأثر على اللي حوالينا يا حبيبتي لازم نفكر قبل ما نقول الحاجة عشان كده بنكسر خواطر ناس تانية ملهاش ذنب. في عز ما يكون غيرهم يستاهلوا. بس يستاهلوا بتربيتك وأخلاقك مش أخلاقهم هم فهمتي!"
أومأت بصمت. فابتسمت "سمية" خلسة على طبعها. من الأساس تعلم أن من الصعب تغير طباع من طباع أشرس ما في فتياتها في العلن. بينما في الخفاء تعلم أن أشرسهن "نيروز" التي لا تترك الحق ولو بينها وبين نفسها وفقط حتى وإن لم تستطع رده من أحدهم. أحياناً تشعر بأن أصغرهن تلك التي بين ذراعيها صامتة بعد أن افتعلت جرماً بسب أحدهم سبة نابية كصغيرة والآن تعتذر عن ما بدر منها بمنتهى البراءة.
تلاشت ابتسامتها عندما سألتها "ياسمين" وهي تستند عليها برأسها:
"لسه متعرفيش ايه اللي حصل مع نيروز وخلى بينهم طلاق بالشكل ده؟"
"لأ. وكويس إنك مندفعتيش ولا روحتي تخبطي علي بابهم أول ما عرفتي. نحمد ربنا عند كدة. وخلينا ساكتين لحد ما يبان.
وان مبانش زي الوقتي ايه السبب يبقي كل شئ قسمة ونصيب وقريب يمشوا فالإجراءات.
انا مقداميش حل غير اني اراعي اختك كويس ونهتم بيها ونسندها فالوقت ده.
معنديش استعداد اخسرها واخسر صحتها ولا هي تخسر. مش عايزه ارجع لحال كنا فيه من سنين.
كفاية اوي ولو هي تبقي كويسة وحالتها متنتكسش قصاد اني مفهمش ايه اللي جرا فأنا موافقه.
يعز عليا بنتي تبقي مطلقه وهي لسه مكملتش كام شهر جواز والواحد مبيسلمش من كلام الناس.
بس دماغي بعد ما قعدت تودي وتجيب وبعد كلام عايدة ليا وهي بتصبرني مبقتش أشوف غير صحة بنتي رقم واحد.
وربنا يسهل ومبيجييش حاجة وحشة أبداً!"
خرجت تنظر بتأثر تجاهها بأعين لامعه مجبرة علي تحمل الوضع وداخلها يغلي قهراً على هذه الاحوال التي تغيرت بلمح البصر.
عانقتها "ياسمين" بقوة ورددت لها فخراً من تحمل كل ذلك ماضي وحاضر ومستقبل:
"أنا فخورة بيكي أوي يا سمية!"
ابتسمت إلى ان استمعت لٱخر حديثها فحررتها من بين ذراعيها تنهرها بمرح لنخفف عنها:
"سمية فعينك يا قليلة الأدب يا بت احترمي نفسك معايا بقا شوية. دا أنا حاطة ايدي على قلبي منك ومن تربيتك. ربنا يستر!!!"
ضحكت "ياسمين" بخفة، وخلفها تخفي حزنها من موقف "حازم". بينما غمزت تجاريها وقالت بغرور:
"تربية عمرك ما هتشوفي زيها بس الصبر. الصبر يا سمية. ان ما خليتهم ياخدو بتاري منك ومن كل اللي بتعمليه فيا مبقاش ٱنا."
قاطعتها "سمية" بسخرية وهي تتوجه ناحية الباب كي تفتحة:
"غلبانة يا عين سمية. دا هم اللي هيخلصوا القديم والجديد وهيعملوا كل حاجة كنتي بتعمليها فيها. سلف ودين كله سلف ودين الصبر انتي!!"
ابتسمت ولم ترد حين فتحت الباب بشعرها وعباءتها أمام أنظار "حامد" الذي رجع إلى الخلف مهبطاً رأسه قائلاً قبل أن يسير خطوه واحدة ناحية الشقة الجانبية التي تخصه:
"أمانتك يا أم وردة. من غير ولا خدش كمان. مرضية؟"
تحركت "سمية" خلف الباب وقالت بهدوء تجاري مرحة:
"مرضية. كتر خيرك تعبناك معانا!!"
ورد قبل ان يخرج المفتاح ليضعه في باب شقته:
"دا واجب. وحقها مننا!"
وبعد ذلك القول أغلق البابين بعدما دخلت "نيروز" وقبل انت تفر لغرفتها اندفعت "ياسمين" تعانقها بمشاكسة، وهي تردد بصوت عالٍ تنتهز فرصة وجودها قبل ان تغلق باب غرفتها عليها كالعادة:
"بص على الحلاوة حلاوة ..بذمتك يا ماما بذمتك الحمل مش مخليها زي العسل؟"
ترد لها كلماتها التي قالتها لها في بداية شهور حملها. ضحكت بخفة، وهي تدور بفعل يدي "ياسمين" التي تديريها بمرح. أوقفت بتعب، حتى تقدمت "سمية" تؤيد:
"طبعا. أومال إيه زي العسل انتوا الاتنين. ربنا يحميكم من العين. واسمعوا أما اقولكم بقا. في احتمال يكون فبطن نيروز توأم والله أعلم فإحنا نخبي كدة ونسكت لحد ما نتأكد من ثباته ٱكتر ووجودهم كمان فترة. العين بردك وحشة وكفاية اللي سمعناه من اللي كانت بتعمله زهور. أنا مش ناقصة. ومع انهم إتأخروا عن. انهم يلموا بعضهم ويمشوا ويشتروا حاجتهم ومحتاجتهم من مصر الا انهم بردو موجودين وعرفت من عايدة اللي كلمت زينات ومعرفش ليه قاعدين ومستنين ايه ربنا يبعدهم عننا هم وشرهم!!"
أومأوا لها وعلمت "ياسمين" بإختصار من "والدتها" ٱمر "نيروز". لذا احتضنتها "ياسمين" بحب وقالت تشاكسها بمرح:
"بقولك ايه بقا لو توٱم وأنا فبطني بنت هناسبك لو هتجيبي ولد ماشي."
ضحكت "سمية" ورددت "نيروز" تخبرها بإبتسامة هادئة:
"كدة. هتبقى بنتك أكبر منه!"
"يستي عادي. اكبر بقد ايه يعني شهر؟ شهرين؟ آخرهم كام مثلاً؟ تلاتة؟ مع انها متجيش كل ده بس اشطا يعني احنا عيلة مثقفه وأنا وجوزي أهم حاجة عندنا الأخلاق ودي مش هنلاقيها فعيالك فٱهم حاجة بعد كدة الحالة المادية!!"
ضحكت "نيروز" هذه المره بيأس منها بينما ابتسمت "سمية" وهي تشملهما بنظراتها وقالت بشرود حزين:
"عارفين؟ وردة وحشتني هي ويامن مع انهم راجعين. ما بالكم بقا لما يجوا يسافروا؟"
ظهر الحزن والتعلق بعينيها. فنهرتها "ياسمين" بضيق:
"يوه يا ماما. أنا بحاول أنسى تقومي تفكريني يا ولية!!!"
أيدت "نيروز" قولها بحزن بات رفيق لعدستيها وملامحها:
"أنا كمان بحاول انسى!"
زفر الثلاثة بصوت عالٍ. وابتلعت "نيروز" ريقها تضع يديها على معدتها بشرود بعدما قالت تخبرهم:
"أنا هدخل ارتاح!"
قطعت "سمية" سيرها عندما قالت بلهفة تمنع ما هي مقبلة عليه من الانخراط بالوجع:
"استني بس اعملك حاجة تاكليها وكوباية حاجة سخنة. خليكي قاعدة مع اختك علي ما أعملكم!!"
إستمرت في السير ترفض بنبره هادئة تفسر لها بحجة:
"لا هدخل ٱغير وأنام على ضهري ارتاح هسيب الباب مفتوح. مع اني مش عايزه أكل شبعانة!!"
"شبعانة ايه يا بنتي هو اللي انتي فيه دا حال؟"
لم ترد عليها وأغلقت الباب دون قفل خلفها وسهت "سمية" عن ندبها بعدما قررت الرضا ولكن رغماً عنها. وما يطمئن "ياسمين" أن رفيقة درب شقيقتها قادمة ولن تدعها تجلس بمفردها. سارت تخلع ملابسها الخاصة بالخروج حتي قررت بأن تقف تساعد والدتها او تنتظر فقط معها بالمطبخ كي ينتهيا معا بآعداد شطائر او وجبة صغيرة لهما وبالٱخص لشقيقتها!
لأكثر من ساعة تمر عندهما، وانتهى الطريق بعد وقت مر ووقفت معهما اللحظة عند لحظة الوداع بعد انتهاء الإجراءات. تعمد "غسان" قبل وقت قليل ترك "بدر مع ورود" و"يامن" كي يودعهما بما فيه الكفاية ووقف هو على بعد يجلس على احدى الاستراحات الأنيقه يعبث في هاتفه لا يعلم هو بأن هذا العبث لا يجلب له سوى الضياع. الضياع وفقط. صورة خلفيته الداخلية هي نفس الصورة الذي لم يغيرها صورة التقطت منه بعفوية عندما دفعها عليه بفستانها الأنيق يوم زفاف "حازم و"ياسمين". حينها وضعها ولم يغيرها. كانت تنظر لوجهه بمفاجأة والتقط الصورة علي فجأة بعبثه المعتاد!! اليوم الذي علم به بأنها يخطط لها كي تكون لشخص ٱخر غيره نفس اليوم الذي تقدم لخطبتها من دون رٱيها. يوم له ذكريات عديدة معه لذا لم يغير الصورة أبداً. كل تطبيق عليه ذكرى جيدة ومؤلمة. حتى صورة الملف الشخصي الذي وضعها عندما ابتاع لها الذهب بمحل المجوهرات.
عندما وضع يديها مع يديه علي محرك السيارة بشكل لطيف. نفس الصورة التي كانت على تطبيق الواتساب وضعها على برنامج الفيسبوك وبقية التطبيقات الٱخرى!! الذكريات تداهمه في كل مكان وقدرته على النسيان معدومة. صعب عليه التخطي وهما الإثنان بنفس الأماكن معاً. لامحال سيري كل منهما وجه الاخر ولو صدفة حتي وان جاهد كل طرف على عدم حدوث ذلك. غالباً ما تأتي لنا الفرص على طبق من ذهب رغم رغبتنا في عدم قدومها!
يريدنا ما لا نريده، وما نريده لا يريده. حتى الوقت لا يسعفنا والفرص لم تقف معنا دائمًا. على الأغلب يأتي كل شيء عندما نفقد الأمل بقدومه.
***
اعتلى صوت منظمة الطيران خاصة الطائرة التي تخصه وتخص موعده، لذا ترقب ورفع رأسه ووجد أن الآخر كان قد ينادي عليه منذ دقائق وهو شارد.
وقف يتقدم مع نظرات "وردة" التي زاغت بالدموع رغم أنه أوصاها على عدم فعل ذلك وللمرة التي لا تعلم عددها. ردت له بتحشرج:
"خلي بالك من نفسك يا بدر عشان خاطري!"
بهذه اللحظة أدرك مرارة الفراق. لمعت عينيه هو، هو الذي يقف ثابت مهما حدث يتحكم في مشاعره. بينما الآن وفي مكان عام تعلقت عينيه بها، وخاصة عندما أطال النظر بصغيره. حينها هبطت دمعته وحمله يضمه بعناق شديد ومختلف، مختلف جدًا. ابتلع ريقه وخلع جورب الصغير بين يديه يخفيه في جيبه حتى ألبسه حذاءه دون أن ينتبه له أحد. بينما التقط "غسان" ما فعله وشعر بمرارة الفراق رغمًا عنه. الموقف يعاد باختلاف المشاعر والوضع.
نزلت دموع "وردة" حينها، دفعها ذراع "بدر" وقال بنبرة ضعيفة خانته يهون عليها وهي بين ذراعه:
"خلاص بقا يا وردة، كفاية عشان خاطري. هو ده اللي كنت خايف منه، أنا قولتلك بلاش تيجي!!"
ابتلعت ريقها تنظر بأسف، فابتسم وهو يقبل صغيرة مرددًا مرة أخرى:
"خلي بالكم من نفسكم، هبقى معاكم على طول. هتوحشوني أوي بس أوعدكم إني مش هتأخر عليكم إن شاء الله."
خرجت عندما اعتلى الصوت ليعجلهم. عانقه "غسان" هذه المرة بتأثر، بينما لم يترك "بدر" "يامن" الذي حمله على ذراعه في منتصف العناق. خرج "غسان" يقطع حديثه المتأثر بـ:
"من غير ما تقول يا بدر، حبايبك معايا في أمان ومش هخليهم يحتاجوا حاجة. في عيني يا أبو يامن، هات يامن بقا!"
مد "غسان" ذراعه تحت دموع "وردة" التي تسقط أمامهم، بينما عانق هو صغيره بتأثر وابتلع غصة مريرة بحلقه. رغم أن غيره سينظر بأن الوضع يهول، ولكن هذه اللحظة قاسية عليه هو خاصة، أنه لم يتركهما من قبل. استنشق رائحته الذي يحفظها، وكل ذلك يتابعه "غسان" بوجع. هو الآخر استنشق رائحتها قبل الرحيل. هنا وعلم أنه كان بمثابة والدها الراحل، حاول تعويضها ولكن لما تخلت. ابتلع ريقه هو الآخر ورفع "يامن" رأسه يقبل وجنتي "بدر". ومازال ذراعي "غسان" معلقتان لطلب الصغير. فقال يقطع هذا الوداع وهو يحث "يامن":
"بوس بابا كمان يا يامن وقوله بحبك يلا!"
لبي الصغير قول "غسان" عندما قبله وقال بنبرة طفولية بريئة جاهلة عن القادم:
"بحبك يا بدر!"
مع نطق حرف الراء لام كالعادة. ضحك "بدر" والآن يشعر بأنه يفارق روحه. عندما حمله "غسان" وحثه على أن يشير له بكفه الصغير بالوداع، حينها امسك حقيبته وهرب من عيني "وردة" بعد الوداع. والتفت يشير بيديه يدخل أكثر. لم يلتفت بظهره تحت شهقة "وردة" الذي ميزها هو، ولكنه قاوم أي مشاعر ولم يلتفت. وصوت صغيرة يسمعه وهو يردد على مسامعه بطفولية جاهلة عن وجع اللحظة:
"باي يا بدر، باي."
"باي يا بابا!"
جملتان حثهما به "غسان" وأخرى حثته بها "وردة". فنال "غسان" من خده الممتلئ بحب وأعطاه هاتفه يعبث به. ونظر ناحية "وردة" مرددًا:
"متزعليش يا وردة، هيرجع لكم بسرعة إن شاء الله وساعتها هتقعدوا معانا كمان فترة قبل ما تمشوا. فكري فيها من ناحية تانية، خير صدقيني!!"
ابتسمت بلطف على مواساته وسارت معه ناحية الخارج، وكان "يامن" على ذراعه هو يحمله. بينما بالذراع الآخر تحسس جيب بنطاله كي يخرج مفتاحه. وبعد قليل وصل عند سيارته ووقف يحثها على الدخول أولًا. وقرر اختصار الطريق في العودة كي يرحل بسرعة. في حين جلست هي في الأمام وجلس هو وأغلقت الأبواب تحت كلماته الهادئة يحثها:
"عايزك بقا تفكري على مهلك كده عشان لما نقرب نوصل، أعزمك أنتِ ويامن فالمكان اللي هتختاريه!!"
شعرت بالحرج من ما ردده مضطرًا، أو هكذا توقعت. بينما بررت له بهدوء:
"ملوش لزوم يا غسان، متتعبش نفسك خلينا نوصل على البيت على طول. أنت تعبت معانا إنهاردة أوي!"
نفى وهو يتقدم بالسيارة يخرج من ركنها للطريق العام السريع وبدأ القيادة باستقامة وقال بتلقائية في الرد:
"ولا تعب ولا حاجة، مينفعش ترجعوا معايا من غير ما أعزمكم. فكري بس وأنا معاكي ولو مش عشان خاطر حد عشان خاطر يامن حتى!"
صمتت تومئ بحرج. بينما اندمج الصغير في الهاتف مع قيادة "غسان". وعندما فتح تطبيق الصور ووجد صورهما معًا أمام المرآة في شقتهما. حينها هي من أرسلت له هذه الصورة:
"روز!"
رددها بتلقائية. نظرت "وردة" وتحرجت من الموقف. في حين ابتسم "غسان" يحرك رأسه بنعم يؤكد سؤاله ببساطة. وجاب عينيه الصورة التي أخذت بعد وعد وحديث بإثبات منه هو شخصيًا على عدم قدرته على الفراق.
سخرية مؤلمة داهمت قلبه وعقله معا. الاثنان المنشغلان بالتفكير بها. أحدهما يحاول التبرير بسبب الشوق لها والعذاب بفراقها. والآخر ينهر كل ذلك وكل هذه المشاعر المختلة.
صب تركيزه على الطريق بينما عقله معها هي. لا يعلم هو بأن عقارب الساعة تمر بسرعة في بعدها، وخاصة بهذا الوقت. بينما داخله تمر بوجع والثانية بمثابة سنوات كثيرة ليس لها عدد. نام "يامن" على ساقه وغفل وترك الهاتف مفتوحًا على صوره وبعض صورها. لم يغفل هو عن وجود ملف خاص برقم سري لصورها وفيديوهاتهما المصورة بملابسها البيتية وخصلات شعرها المتروكة.
"الوقت عدى وسهيت عنه معلش، هاته يا غسان ينام على رجلي!"
أهدأ من سرعة السيارة ورفع ذراعه الآخر يحمله يوجهه ناحيتها حتى أخذته. ومدت يديها في الخلف تخرج من حقيبتها غطاء. فسألها "غسان" باهتمام:
"أقفلك الشباك خالص عشان ميتعبش، ولا هتتخني؟"
"لا كده تمام، وعشان بردو الجو مش برد أوي!"
نظر نحو إغلاقه فكان يغلق نصف غلقه. صمت يحرك عينيه ناحية الطريق. وسمع صوت دقات هاتفه. فأخفض عينيه ينظر حتى وجده شقيقه. التقطه وفتح الخط فوجد شقيقه يخبره دون مقدمات:
"إلحقني يا غسان، فرح موجودة عندنا في الشقة وجت تشوف أختك. سمعت إنها جاية من غير أخوها ولا أمها. قلبي مقلق من عز، معقول سابها كده؟"
ضحك على قول شقيقه وعلم أن هذا الاتصال ما هو إلا ليشغل عقله وفقط. شاكس بخفة وقال:
"ما تثبت ياض، مالك واقع كده ليه؟ تلاقيها جاية عادي تشوف أختك ما هما بقوا صحاب مش ملاحظ يعني!"
"لا ملاحظ، بس بقولك إيه، أعرف إزاي إنها واخدة بالها مني وكده أو معجبة؟ أنا الكلام طار من عقلي وقاعد في الأوضة دلوقتي وعايز أخرج أتكلم معاها بس مش عارف، ما تساعدني!"
"لا مليش فيه، اعتمد على نفسك بنفسك."
"وحياة أمك يا غسان لتساعدني، أنا خايف متكونش جاهزة وأترفد بطريقة أشيك المرادي، أنا مش حمل كل ده، ساعدني بقا بالله عليك!"
"ما أنا كلامي مبيعجبكش يا دكتور!"
"لا هيعجبني بس قول بس قبل ما تمشي بسرعة بقا يلا!"
"طب ركز معايا!"
لا يعلم هو أن الأخرى كانت قد انتبهت لحديثه. بينما انتهز "غسان" فرصة عدم قدومها أو رؤيتها في منزلهما وأخبره الآخر بأنه لم يرها منذ أيام. لذا أخذ نفسًا عميقًا وقال يحثه بدقة:
"انت هتخش عليها تقولها إذيك يا فرح عاملة إيه؟ كان نفسي أشوفك بس مقدرتش الأيام اللي فاتت أصل الدكتور مانعني من الحلو!"
كتبت "وردة" ضحكتها. بينما شهق "بسام" مستنكرًا يرفض بحرج:
"لا لا يا غسان أنا بتحرج أقول الكلام ده. شوفلي غيرها وبعدين لو قولتها يعني ده اللي هيبينلي."
"لو ضحكت واتكسفت وهربت بعينيها تبقي معجبة وواخدة بالها منك يا عاشق يا ولهان!"
صمت قليلاً ثم واصل يكمل وهو ينظر نحو الطريق:
"طيب بص..."
بما إنكم دكاترة، ارميلها علطول اللي هقولهولك ده.
صمت بسام بترقب، وأتاه صوته الجدي وكأنه لا يستخف بحاله بسخرية مضحكة بالنسبة لمن تجلس بجانبه.
"قولها إيه يا فروح، حبيبك مجروح ومحتاج عملية قلب مفتوح!"
لم يسمع سوى صوت إغلاق الخط، ولم تستطع وردة أن تكبت ضحكاتها أكثر. أما هو فابتسم بيأس تحت سماعه قولها الآتي:
"ده دكتور بسام شكله واقع أوي!"
وعلى الرغم من أن المكالمة جعلته يندمج، إلا أنه عاد ينخرط بين قوقعة أفكاره، ولا يعلم لما تذكر طريقتها المشابهة لطريقة وردة الهادئة عندما تستنكر حدوث شيء وتتأكد بمرح طفيف. أومأ لها بصمت فقط دون تفسير، مع ضحكة هادئة، واندامج في النظر والاستمرار في القيادة.
___________________________________
أغلق بسام الخط بضيق من سخافته، ووقف يفكر في طريقة، وترك الأمر يأتي كما يأتي. نظر لجسده في المرآة، والتقط تيشيرت بسيط يرتديه على ملابسه الفوقية التي تكشف كتفيه وذراعيه بمقدمة صدره. مشط خصلاته، ونظر نحو سرواله الرياضي المحكم من قدمه من أسفل، بينما مريح بعد ذلك. دس هاتفه بجيب بنطاله، وفتح الغرفة حتى وجد فرح تجلس برفقة وسام ووالدته في المطبخ، وحامد يغلق الخط مع فريدة التي كانت محرجة من فتح المحل بعدما علمت ما حدث، لكن حامد من شجعها. الآن حتى أخذ مصحفه وفتح الباب، وقبل أن يخرج نظر نحو محط أنظار ولده الذي تسمر مكانه. ضحك خلسة عليه وحرك رأسه بيأس، وارتدي حذاءه وخرج يغلق الباب خلفه. لاحظت وسام وقوفه فأشار لها بعينيه حتى نهضت تستأذن بحرج:
"معلش يا فرح، دقيقة وراجعالك. الظاهر ماما بتنادي!"
أومأت لها، بينما نظرت الأخرى بأثرها وجاب ذاكرتها وعقلها طيفه. وبين مداهمة والأخرى بينها وبين نفسها، نهرت نفسها، ولكنها لا تغفل عن رغبتها في أن تراه، فكلما ترى هيئته يتحسن مزاجها. ناهيك عن أنها لا تعلم لما تود رؤيته، ولكن تستشعر بخفة روحه على غيره حتى وإن لم يتعمد المرح، ولكنها تحبذ رؤية توتره المماثل لها تمامًا. تنحنح بحنجرته وأغمض عينيه بإستسلام يتذكر كلمات شقيقه، لا يوجد أمامه سواها. لم يكن يعلم بأن الآخر يسخر ويمزح ويجاريه، بينما هو قرر التنفيذ دون أي مسمى. وقف بعدما اقترب وأخرجها من شرودها عندما قال بابتسامة واسعة:
"إزيك يا فرح عاملة إيه؟ كان نفسي أشوفك بس مقدرتش الأيام اللي فاتت، أصل الدكتور مانعني من الحلو!!"
رددها دفعة واحدة دون راحة، يحفظ دون أن يفهم. برقت عدستيها من مفاجأة قوله، بينما ابتلع ريقه بتردد يود أن يختفي الآن. دعى على شقيقه بسره، والجم لسانه عن قول أي شيء بعد هذه الجملة. بينما هي احمر وجهها حرجًا، وحركت عينيها بمكان آخر ترد دون النظر له:
"شكرًا على المجاملة الحلوة دي يا بسام!"
هربت بعينيها، خجلت، إذن معجبة. وللمرة أخرى ينساق وراء حديث الآخر الذي كان يسخر به ليس إلا. ابتهجت ملامحه وجلس بجانبها ينظر نحو وجهها، فرفعت عينيها تنظر له بابتسامة لطيفة ووجد الحديث يخرج منه هو هذه المرة بتلقائية هائمة:
"ضحكتك ضيعت مني كل الكلام!"
ابتلعت فرح ريقها بارتباك، ونظرت بأرجاء أخرى غير عينيه، فقال مجددًا يحاصرها قبل قدوم أحدهم:
"فرح، هو إنتي جاهزة لخطوة ارتباط وجواز وكده ولا شايفة إن لسه بدري؟ أنا حابب أعرف عنك أكتر!"
شعرت بسخونة وجنتيها ورأسها عامة، لم تقدر على الرفض أو على الجواب. بينما من بين انتظاره وقبل أن تأتي لمح طيف والدته وهي تأتي من على بعد تصيح قائلة بحرارة:
"خدي بقا دوقي الرز بلبن ده وقوليلي رأيك. إنتي شربتي العصير ولا لأ؟"
أغمض بسام عينيه بنفاذ صبر ضاغطًا على فكه السفلي بضيق، مرددًا بخفوت بعدما تركهما ونهض:
"يا صــبـر أيــوب!!!!!"
تحرك ناحية الباب بملامح ظهر عليها الضيق، بينما كبتت وسام ضحكتها وإلتفت دلال برأسها تسأله باهتمام:
"رايح فين يا حبيبي؟"
"نازل!"
قالها مختصرًا، وأغلق الباب خلفه بضيق، متجهاً ناحية المصعد ضاغطًا على شفتيه بحنق. متى سينتهز الفرص؟ متى سيأخذ منها الرد ومعه عائلة مثل هذه!!!
___
وبنفس الطابق الذي وقف به، وقفت جميلة بالداخل قبل وقت منذ أن أتت وقررت فرح تركها لتجلس على راحتها. دقت باب غرفة نيروز لكنها لم تجد رد. في حين اقتربت سمية تحثها قائلة:
"كانت من شوية واكلة تلاقيها نامت شوية. تعالي نقعد على ما تصحي!"
خرجت ياسمين من الداخل تتوجه ناحية جميلة لتعانقها بترحيب، ثم هتفت بنبرة صادقة:
"وحشتيني يا حرباية!"
"وانتي كمان!"
بادلتها العناق بشوق، وجلستا الاثنان، فبدأت جميلة في السؤال عنها بلهفة:
"نيروز عاملة إيه دلوقتي؟ حالتها أحسن؟"
حينها ردت سمية تجيب بقلة حيلة تخبرها:
"نفس الحال مبيتغيرش، قافلة على نفسها على طول. يدوب النهاردة خرجنا شوية عشان تتابع عن الدكتورة هي وياسمين. المهم إنتي عاملة إيه وأخبار الامتحانات؟"
ابتسمت رغم حزنها على نيروز وعينيها لا تفارق غرفتها بانتظار. في حين أجابت على آخر حديثها بـ:
"الحمد لله قربت انتهي، بس دعواتك. هي ماما مجتش؟ أنا قايلالها اسبقيني على هنا عشان نقعد مع بعض!"
"تلاقيها بتلبخ في المطبخ، فأي هيصة. إنتي عارفه أمك تحب المطبخ قد عينيها هي ودلال!"
ضحكت بخفة على قول سمية. لاحظت جميلة صمت ياسمين فسألتها بمشاكسة:
"القيامة شكلها هتقوم مادام ساكتة كده!"
ومن ناحية أخرى قررت التخفيف عنها. تعلم جيدًا إلى مدى يصل حزنها بعمق على نيروز، ورغم أن فرق السن قليل بين ياسمين ونيروز، إلا أن الأولى تشعر بأن الثانية إبنتها. رفعت عينيها تبتسم برفق، فقالت سمية هذه المرة:
"على قولك يا جميلة. سكوتها غريب، بس كلامها لما يخرج بيعك الدنيا!"
ضحكت جميلة على لوم سمية التي نهضت تعد لها شيئًا. في حين نظرت جميلة تجاهها مرة أخرى وسألتها بقلق:
"أنا عارفه السكوت ده. إنتي متخانقة إنتي وحازم صح؟ قولي بصراحة!"
مطت شفتيها وأومأت بإستسلام. فحركت جميلة رأسها يأساً منها وقالت بدفاع مضحك كي تجعلها تضحك:
"وأنا مغمضة أكيد أكيد إنتي اللي غلطانة!"
مصمصت ياسمين شفتيها بتهكم، وقالت بإسلوب سوقي خائب منها:
"صحيح ما إنتي حرباية، حرباية بحق وحقيقي!!!"
تعالت ضحكتها، وقبل أن تهدأ وتفسر لها، فتح باب غرفة نيروز المتجهة في طريقها نحو المرحاض دون حتى التركيز عن من يجلس. نهضت جميلة بسرعة مع ياسمين وقطعت الأولى طريقها وهي تبتسم لها مرددة بتأثر:
"وحشتيني أوي، ومستنية أشوفك من ساعتها. إنتي كويسة؟"
لم تنتظر منها الرد، بل دفعتها برفق لتعانقها. فعانقتها نيروز وهي تبتسم ابتسامة باهتة مرددة لها بعد أن حررت نفسها من أحضان الأخرى:
"أنا كويسة متقلقيش. هدخل الحمام بس وهرجعلك!"
أومأت لها بتفحص وهي تشملها بعينيها. فنظرت تجاه ياسمين التي ظهر على ملامح وجهها الغيرة وهي تقلد نبرتها:
"وحشتيني.. هدخل الحمام وأرجعلك. إيه المحن ده؟ واحنا اللي عايزينها تقعد معانا إلا ما قالت هروح وأرجعلك زيك حتى!!"
رفعت جميلة رأسها بغرور، ودخلت غرفة نيروز.
"سر المهنة بقى وبعدين تعالي.. تعالي نقعد فوق راسها هنا عشان لما تيجي متعرفش تهرب يلا!"
وجدت "ياسمين" فكرة جيدة وسارت خلفها والاثنان ينتظران الآن قدوم الثالثة كما كانوا دائمًا. ثلاثة أجساد بروح واحدة، كثيرًا ما تشاركن مع بعضهن الوجع، حتى وإن كان الوجع يخص واحدة فقط، فقد اعتدن على أن يتشاركن به دومًا.
***
جلس "حامد" بالخارج على المقعد التي قدمته له "فريدة". فتح مصحفه قبل وقت، وخلفه مباشرة وجد "بسام" يتقدم ناحيته بحنق. التقط مقعدًا من الداخل وجلبه حتى جلس برفقة والده، الذي رفع رأسه يصدق وقال ساخرًا، شامتا به، غير غافل عن ما تفعله "وسام":
"إيه؟ مين قطع عليك اللحظة المرادي؟"
ذهل "بسام" من قوله وابتسم يحرك رأسه بحنق مرددًا:
"حب عمرك وأم عيالك!"
"دي تعمل اللي هي عايزاه، وبعدين الحال دا مبيفكركش بحاجة انت وأخوك؟"
تذكر على الفور قطع أي لحظة هو وشقيقه بينه وبين والدتهما. ضحك بخفة ونفى يمسح التهمة من عليه بالكذب:
"لا يا حج حامد، أنا كنت ومازلت مؤدب. ابنك غسان هو اللي كان بيقطع رزقك على طول معاها. دا أنا معجب بغزلك أوي والعجيب إن أمي بتتثبت. ما تعلمني وحياة عيالك وأم عيالك!"
البهجة بالنسبة له أنه يرى ولده يتعافى ويعود لسابق عهده. ابتسم بسعادة لأجله ورد عليه بتهكم:
"ببلاش كده؟"
وكان رده الأكثر لهفة عندما قال:
"قولي عايز إيه وأنا عينيا ليك!"
والغير متوقع كان رد والده المتأثر مع تنهيدة حارة متعبة:
"عايزك جنب أخوك الفترة دي. انت عارف هو موجوع إزاي وبيكابر. أنا مش عارف أعمله إيه يا بسام!"
وجد العجز في عينيه ونبرته. نظر بتأثر وابتسم يطمئنه كي لا يتعب من كبت التعب النفسي:
"متشيلش هم يا بابا. إن شاء الله هيبقي كويس وأنا جنبه متقلقش وبحاول أخفف عنه وألهيه. حتى بفكر أنقل عزالي وأروح أبِيت معاه في الأوضة في الأيام اللي ببقى فيها هنا!"
شرد "حامد" بتفكير وقال يستحسن فكرته:
"لو قدرت عليه اعمل كده!"
وقبل أن يتحدث بأي حرف يخرجه، وجد الاثنان صوت الدراجة البخارية بصوتها العالي. ترقبت أعينهما ناحية "آدم" المتسلق خلفه "يوسف" وأمامه "أدهم". أراد "آدم" مشاكسة "بسام" فسار عليه يزود من قوة الدفع بالدراجة ناحيته تحت ضحكات "حامد". وسرعان ما رجع "بسام" بمعقده إلى الخلف وهو يردد برهبة من جرأته ومعه الصغيران:
"إعقل يا مجنون انت، معاك عيال!"
"ماشي يا دكترة!"
غمز له "آدم" عقب قولها وأسند الدراجة البخارية ونهض من عليها حاملاً "أدهم" ليهبطه، وكذلك "يوسف". اندفع "أدهم" حيث الداخل، بينما وقف "يوسف" يرحب بهما ببراءة. ووقف "آدم" يرحب بـ "بسام" وعمه.
في حين اندفع "أدهم" يحتضن ساق "فريدة" وبخفة انحنت تحمله تعبر له عن شوقها بالعناق الصحيح بعد قوله العفوي:
"وحشتيني أوي يا فيفي!"
"وانت كمان أوي أوي يا دوما!"
توسعت بسمته وأخفضته بسعادة، وشعرت باقتراب خطوات "آدم" الذي استند على العمود، بينما هرول "أدهم" ناحية الخارج تزامنا مع قول "آدم" وهو يستند بكتفيه:
"ممكن أعرف بقا مش عارف أشوفك ليه بقالي كام يوم؟ دا أنا جيت النهاردة بالمكنة لوحدي حوالي ٣ مرات وكل ما أجي ألاقي المحل مقفول برجع!"
التفتت تنظر بوجهها باستنكار، تخفي اشتياقها هي الأخرى لكلماته الثابتة، في حين هتفت تغير مجرى الحديث:
"ودا من إيه إن شاء الله يعني؟"
أجاب هو ببساطة هادئة يخبرها بصدق:
"دا من حبي إن شاء الله يعني!"
ابتسمت "فريدة" بانهزام وانحنت تحمل مجموعة صناديق صغيرة وقالت بتعب:
"تعالى ساعدني"
انحنى "آدم" بعفوية يحمل معها ما كان بجانب ساقها، وحمله وقف يسير خلفها، تزامنا مع قوله الهادئ وهو يسير خلفها:
"حازم مفاتحكيش في حاجة كده ولا كده؟"
سمعته وأسندت ما بيديها ثم مسحت جبينها بإرهاق تجيبه بغير تركيز:
"لا هيقول إيه يعني!"
"كل خير!"
أسند هو الآخر ما بين يديه ونهض وجدها تتمعن النظر بتلك القلادة المعلقة بعنقه وتلقائيًا وضع يديه عليها فتنحت بحرج تخبره بهدوء:
"ع فكرة أنا قولتلك إنك حرام تلبسها مش فاكر؟"
أومأ وضم قلبها بين كفه وقال بعجز:
"مش قادر أقلعها، كنت مقرر أعمل حل أسهل، بس هتوافقي؟"
ترددت عينيها، كان يقرر فعل ذلك عند خطبتها ولكنها من عجلت الأمر بسؤالها. وجدته يكمل بحديث هادئ عميق:
"قولتلك قبل كده إن فيها صورة أمي، ومن الناحية التانية أنا، ومش عارف أقلعها بالسهولة دي، عشان كده هسيبها أمانة فرقتك انتي بس أوعديني تحافظي عليها!"
فرط بأغلى ما على قلبه لها؟ ابتلعت "فريدة" ريقها بتوتر ولم تفهم معنى حديثه ولكنه رفع ذراعه يخلعه من عنقه وتقدم تحت ثباتها يضعها في عنقها بجرأة. لم ترفض بل نظرت له بذهول وترددت الكلمات في الخروج وأنقذ موضعها عندما قال بابتسامة هادئة:
"أنا قولتلك قبل كده إني خوفت عليكي خوف غريب مجاليش غير ساعة ما حسيت إن أمي هتضيع مني. السلسلة دي غالية عليا أوي ومبقلعهاش خالص بس النهاردة قلعتها عشان حرام ألبسها أنا.. بس انتي الاختيار الصح والوحيد اللي هسيبها أمانة فرقبته. بس أنا عايز منك وعد متضيعهاش ولا تفرطي فيها. أنا كنت ناوي ألبسهالك لما أخطبك بس انتي استعجلتي بسؤالك ده!"
تأثرت من ثقته بها، في حين أن البعض كان يفقد بها الثقة، وهي من تفقد هي الأخرى بهم. بينما هو؟ كيف يستطيع فعل ذلك؟ أحكمت مسكها بكفها وهي تهبط عينيها تنظر لها ولقلبها بعدما ابتلعت ريقها تردد ببسمة هادئة أمام عينيه المراقبة لتفاصيل رد فعلها:
"أوعدك إن عمري ما هفرط فيها!"
هنا، رفع عينيه أكثر ينظر داخل عمق عينيها وقال قول صادق خرج منه بتأثر:
"اللي عينيهم حلوة صادقين!"
وكالعادة تعارض حتى وإن اقتنعت:
"مش دايما!"
"في عرف فريدة دايما!"
توسعت ابتسامتها ونهرته بحدة، تحاول الهروب بعينيها:
"بقيت جريء معايا أوي وأخدت عليها، أنا مش عاملة حسابي على كده، انت شكلك لعبي أوي يا آدم!"
وكان رده التلقائي عندما برر لها بصدق:
"كنت.. كنت والله، وتوبت ورجعت تاني بسببك انتي!"
زحفت الحمرة لوجنتيها، وتعلقت عينيها معه على الرغم من أنه حرك عينيه ينظر نحو "أدهم" الذي تمسك بقدمه، بينما هي تعلقت بوجهه. وهنا في هذه اللحظة شعرت بمدى تغيره أكثر وأكثر حتى ملامحه وإرهاق العمل يظهران عليه بشدة، وكذلك خشونة كفه ولونه الداكن الذي دكن عن قبل، لا تغفل عن هذه التفاصيل التي تزيدها ثقة بشاب مثله!
توقفت سيارة "شادي" بالخارج قبل قليل وسمع الاثنان صوته عندما حمل "يوسف" يدفعه في الهواء بمرحه الدائم تحت ضحكات "حامد" و"بسام". بينما اقترب "آدم" يخرج وهو يهلل بترحيب خبيث:
"شادي سيطرة.. منور المكان يا عم!!"
بعد وقت مرّ للإقتراب من الوصول للبلدة، وقفت السيارة أمام أحد المطاعم. هبط "غسان" حاملاً "يامن" على ذراعه وخلفه "وردة" تحمل حقيبتها وهي تسير صعوداً. حتى حثها على الجلوس ووضع "يامن" على المقعد بجانبها. وأراد التقاط صورة لهما كي يرسلها لـ "بدر" في اللاحق ليطمئنه. التقطها تحت حرج "وردة". وجلس يبتسم لها وهو يداعب "يامن" حتى أشار لها مردداً:
"شوفي تحبي تاكلي ايه وأطلبهولك انتي ويامن!"
أمسكت "القائمة" لتختار وجبة بسيطة كي ترحل بسرعة وكي لا تغرمه دفع أموال كثيرة بنفس الوقت. في حين ظل يلاعب "يامن" حتى انتهت وجاء النادل وأخبره "غسان" بلطف. وابتسمت هي على اهتمامه فقالت تشكره:
"أنا مش عارفة بس ليه حابب تتعب نفسك. شكراً يا غسان على اهتمامك وبعدين أنا مش غريبة يعني أنا اختك ولا ناسي إننا قد بعض في السن؟"
ضحك "غسان" بخفة وقال بعشم يخبرها:
"لا مش ناسي. بس يعني لو اختي وجوزها مسافر فأكيد هروق عليها هي وابنها عشان مزاجهم يتعدل. وعايز أطمنك وأقولك متخافيش في عدم وجود بدر. والحاجة التانية أي حاجة تحتاجيها تعالي قوليلي علطول وسيبي آدم في مسئوليته على ولاد فاطمة انتي عارفة الحمل زايد أوي!!"
أومأت بموافقة. وأمسك الصغير هاتفه. بينما سألته هي مما جعل سؤالها يثير انتباهه ورفع رأسه ينظر ناحيتها وهي تسأله:
"مبسوط يا غسان بعد القرار ده؟ او فاكر حتى إن نيروز مرتاحة كده؟"
تنفس بصوت مسموع يخرج تنهيدته وابتسم يخبرها برسمية في الرد:
"وحتى لو، دا نصيب يا وردة. كل شيء قسمة ونصيب. ربنا يصلح لها الحال أنا مشوفتش منها حاجة وحشة!!"
دفاعاً، يدافع، يجمل صورتها رغم وجعه الشديد. تأثرت "وردة" من حديثه وقالت تبرر له بحزن، مع وضع النادل الطلب:
"بس نيروز بتحبك يا غسان. وانت كمان بتحبها. حاولوا مرة أخيرة وافهموا من بعض الأسباب أكتر. مش سهل على أي حد فيكم يبعد وفي طفل بينكم لسه مجاش!"
انتظر إلى أن انتهى النادل من وضع الطعام. ورفع رأسه ينظر بصمت، وهو يحثها:
"كلي يلا وأكلي يامن"
استغربت من نهوضه لتأخذ راحتها حتى سألته بغرابة:
"انت مش هتاكل؟"
"لا بالهنا والشفا انتوا. أنا شبعان. براحتك انتي على ما أشرب سيجارة بره!!"
سار قبل أن تعترض بحرج. وتركها تأكل مع صغيرها. خرج يخرج كبته. نفث دخان سيجارته وهو يشرد بالطريق والناس. صمته هذا يأخذ منه الكثير. ابتلع ريقه ينظر بشاشة هاتفه. ثم عاد ينظر. هذا الجسد يعلمه جيداً. بهذه الملابس الأنيقة. خرجت من سيارتها تحمل الجاكيت الخاص بها على ذراعها وسارت بكعب حذائها تصعد حتى وجدته يستند على إحدى المقاعد. رمقها بطرف عينيه وطاقته في الترحيب بشخص ليست معه الآن ولكنها من تحدثت بلهفة وغير تصديق من رؤيته هنا:
"غسان! بتعمل ايه هنا؟"
ولم تكن سوى "إنجي" التي تطورت العلاقة بينهم في إطار العمل كأصدقاء. تعمد عدم تخطي الحدود حينها لأجل "نيروز" التي كانت تغتاظ منها. ابتسم ومد كفه بعدما مدت كفها وقال مرحباً:
"إزيك يا إنجي عاملة إيه؟!!"
صعدت وصعد معها مضطراً. فابتسمت تخبره بلطف:
"أنا كويسة وانت عامل ايه؟ بعد ما شادي أخدلك إجازة أسبوع والدنيا متكومة فوق دماغي. حتى صفا فرحها قرب وأخدت إجازة هي كمان ودي كانت الوحيدة اللي شاطرة زيك!!"
ابتسم بمجاملة حينها أشارت له بعدما جلست على إحدى الطاولات:
"أنا جاية هنا أنا وجوزي نتغدى. هو غدا عشا بس مش مشكلة مش بنشوف بعض تقريباً بسبب الشغل ولا عارفين نقعد مع بعض فقولنا نخرج ونغير الروتين. اقعد عشان أعرفكم على بعض!!"
رفض بحجة واستقام ينظر نحو شاشة هاتفه:
"لا مرة تانية بقا إن شاء الله. يلا عشان سايب أختي لوحدها!!"
وقفت تقطع الملل وأسندت الجاكيت على المقعد. وسارت تقف وهي تبتسم تحاصره بقولها:
"عرفني عليها طيب ولا انت مش حابب بقا؟!"
ضحك "غسان" ووضع هاتفه بجيب بنطاله ورفض قولها وأشار لها حتى سارت بجانبه. نظرت "وردة" بغرابة. وابتسمت حتى بدأ "غسان" يعرفهما:
"دي وردة أختي. ودي يا وردة إنجي مديرة الفرع اللي أنا شغال فيه!"
نهضت "وردة" ترحب بها تحت ترحيب "إنجي" التي اتسمت بالتواضع. وابتسمت تجاملها بطيبة بعدما عانقت "يامن" أيضاً بلطف:
"مبسوطة إني شوفتك. على فكرة انت عسولة جداً وعينيكي جميلة أوي!"
"شكراً، دا من ذوقك. وفرصة سعيدة!!"
ابتسمت لها بلطف. وأشارت لـ "غسان" بأنها ستعود ثم قالت:
"طب هستأذن أنا يا غسان. عايز حاجة؟"
"تسلمي. أنا موجود لو في حاجة!"
أومأت وعادت تحت جلوس "وردة" بعدما قبلت "إنجي" "يامن" بحب. جلس "غسان". واستنكرت "وردة" بداخلها طريقتها الهادئة. رفعت رأسها تخبره بلطف:
"عسولة إنجي!"
ابتسم نصف ابتسامة لم تصل.
لعينيه وقال يخبرها بصراحة رجل:
"أيوة هي حلوة وجسمها حلو!"
فتحت فمها بغير وعي تردد:
"ها!"
ضحك خلسة على رد فعلها، يعلم أنها خجولة أكثر من اللازم. ابتسمت على أي حال وأشارت للنادل بجمع بقية الطعام في علبة ونهضت تحمل "يامن" بعدما أخبرته:
"الحمدلله، هقوم أغسل إيدي أنا ويامن، وكفاية علينا كده وبالذات أنت، شكلك تعبت قوي وعايز تنام."
لم يرفضها بل ظل إلى أن أخرج الٱموال يدفع الحساب وانتظر قدومها من الداخل حتى عادت بعد دقائق تحمل الحقيبة وقالت بلطف:
"اتأخرنا عليك."
نفى برأسه وأعطاه العامل الأكياس وحمل الصغير منها بذراعه وسار يخرج وتعمد عدم النظر ناحية "انچي" كي لا تجعله يضطر على التعرف بزوجها ولن ينتهي الوقت حينها. وضع الأكياس في السيارة وركبت "وردة" بجانبه في الأمام ومعه "يامن" حتى انطلقت السيارة بعد دقائق في اتجاه المبنى.
***
بعدما عاد "حامد" من صلاة المغرب مع "ٱدم" و"بسام" و"شادي" ظلوا جالسين في محل الورد. ومن هذه النقطة قررت "وسام" التضحية مرة أخرى في الهبوط لمحل الورد للجلوس قليلاً معها "فرح" قبل وقت.
بينما في شقة "سمية"، واخيراً نهضت "ياسمين" تخرج في الصالة وتتركهم. أرادت أن تجذب الحديث بينها وبين "حازم" كي يلين، وتركت الفرصة لـ "جميلة" التي تنظر الآن بحسرة على "نيروز" الجالسة بشرود. وكلما تلمع عينيها تقوم بإنقاذ الوضع، بحثت عدستيها على أن قد اقترب الوقت للانفراد بالوجع من جديد، وحينها أهبطي أيتها الدموع متى ما تشائين.
كانت تتسطح على الفراش بظهرها تستند على وسادة إسفنجية تداهم نفسها بعدم الاقتراب من الشرفة كما عاهدت في الأيام الماضية حتى لا تتقابل الوجوه مجدداً. فحصتها "جميلة" بتمعن واقتربت تضع يديها على ساقها الممدد وبدأت قولها بـ:
"وبعدين يا نيروز؟ هتفضلي كده لحد امته؟ مش حاسة إنك كده بتضيعي نفسك وبتضيعي حملك بالبطيء!"
ركزت "نيروز" بعينيها عليها وأدمعت عينيها تنظر بقهر، في حين واصلت "جميلة" تكمل:
"اتكلمي قولي أي حاجة بس بلاش تسكتي كده علشان خاطري!"
ابتسمت لها بسمة باهتة وقالت بملامح شاحبة ونبرة ضعيفة:
"أقول إيه يا جميلة.. ما خلاص مهما قولت هفضل كده وعلى الحال ده. أنا مبقتش عايزة أي حاجة من الدنيا. كل ما بحتاج حاجة مش بتفضل معايا وبتروح بسرعة!"
وأشارت على نفسها وهي تهبط الدموع بغزارة:
"هو.. أنا مستاهلش؟"
تلهفت "جميلة" من تلك الحالة ودفعتها بين ذراعيها تردد بتبرير موجع متخوف من أفكارها المقهورة:
"لا.. لأ يا نيروز متقوليش كده. بلاش تقولي كده على نفسك. متعترضيش والله كل ده خير وربنا هيعوضك بحاجة كبيرة قوي صدقيني. إنتي تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا دي. طب أقولك على حاجة بقا؟"
رفعت "نيروز" كفها تمسح دموعها مع مساعدة "جميلة" وجدتها تترقب وسألت الأخرى بنظرة عينيها الضعيفة فرددت "جميلة" تجيب بنبرة صادقة:
"إنتي ربنا بيعوضك كمان دلوقتي. وعوض كبير عشان يا هبلة إنتي حامل. بصي كده غيرك مش طايل ده. يمكن حملك واللي في بطنك يبقى العوض ليكي عن كل حاجة شوفتيها في حياتك. فكري من ناحية تانية خالص!"
صمتت تستمع لكلمات الأخرى المتحمسة. نهضت تمسح دموعها والتفتت سريعاً تجذب قلم الكحل من على التسريحة وجلست باهتمام تجذب أنظارها:
"بصيلي بقا. بصيلي نروق عليكي ونحط كحل في عينك الجميلة دي!"
أشاحت "نيروز" بوجهها بعيداً وقالت ترفض بتعب:
"مش عايزة يا جميلة. مش وقته."
"لأ وقته ووقته أوي كمان. لازم تهتمي بنفسك كده وتكوني رقم واحد في حياتك!"
لمعت في عقلها فكرة خبيثة، ربما تود أن تحرك الأمل بها بدافع كانت قد جربته "جميلة" من قبل في غيرتها على "عز" ورغم أن الوضع يختلف ولكنها ستعلم إن كانت "نيروز" تكابر أو فقدت الأمل.
"وبعدين بصيلي كده. هو لازم نقعد نعيط عشان خلاص بقا بعد ما انفصلنا معتش حياة؟ لا فوقي كده وقومي وشوفي نفسك. مش يمكن هو عايش حياته وإنتي هنا بين أربع حيطان مع دموعك وبس؟"
أثارت انتباهها بحديثها وآلتفتت برأسها تنفي بوجع مرددة بإيجاز:
"غسان ميعملش كده. أكيد لسه موجوع ومفاقش."
فاندفعت الأخرى تنتهز هذا الحديث:
"أديكي قولتي لسه. فاهمة يعني إيه لسه؟ يعني بعد كده هيعيش حياته. ودا راجل كمان يعني هيقول أنا هتجوز. وبعدين إنتي إيه ضمنك ما يمكن عينيه على واحدة حلوة وخلاص عامل حسابه. الحياة يا روز مش بتقف عند الرجالة!"
انتظرت "جميلة" بفارغ الصبر ردها، بينما هي انتبهت بقهر لحدوث ذلك. ومن ناحية أخرى سمعت: فتاة أخرى جميلة أجمل منها تلفت انتباهه عنها بعدما كانت هي في المرتبة الأولى ولم يرى سواها. لا تعلم لما جاء على عقلها "انچي" رغم أن الآخر أقسم لها على أنها شخصية لطيفة بعيدة كل البعد عن ما في عقلها وهو أيضًا يتجنبها لأجلها ولكنها لم تقتنع متأكدة من فراغ عينيه كرجل له ماضي. وكان ردها الفاتر التي قصدت ظهوره:
"عادي غسان يعملها."
"وهو لما عادي مش هيبقي هو بطل يحاصر نفسه مع وجعه زيك كده. إنتي كمان بقا لازم تفوقي لنفسك. وكمان لما تمسكي نفسك ولو قدرتي تروحي تشتغلي وتصحي لحياتك محدش هامة حد. إنتي دلوقتي مش هامك حاجة غير اللي في بطنك صح؟"
سألتها ولا تعلم بأن الإجابة تطلبت شرود كبير. هو.. وتشتاق له هو وفقط. ولم ولن يملأ أحد مكان فراغه. تذكرت من جهة أخرى أول اجتماع من العائلة في شقتهم منذ أن جاءوا من سكنهم القديم. ورددت "نيروز" لشقيقته هو بأنها تتمنى إنجاب توأم في المستقبل. من المحتمل أن تتحقق الأمنية ولكنه ليس هنا ليس معها. نهرت مشاعرها ورفعت رأسها تكتم دموعها تجيب بعقلها رغم صراخ قلبها بعكس هذه الإجابة:
"صح."
تشتت "جميلة" منها ووضعت "نيروز" كفها على معدتها وهي تستمع الآن لأذان العشاء. فنهضت "جميلة" تسندها برفق وقالت:
"قومي نتوضى عشان نصلي يلا!"
استندت معها ونهضت والتقطت "جميلة" حجابها على ملابس الأخرى المنزلية ووضعته نظراً لوجود "حازم" بالخارج. فتحت الغرفة وسارا معاً ناحية المرحاض تحت تحرك الرؤوس ناحيتهما بحزن. فحركت "سمية" رأسها بخوف أظهرته لـ "عايدة" التي جلست بجانبها:
"شايفة؟ شايفة يا عايدة؟ أنا مرعوبة وخايفة.. خايفة ألاقيها سقطانة فمرة واحدة من حالها ده. يرضي مين ده بس يا عايدة؟ كل ما بقول هسكت ونعدي قلبي يوجعني تاني وتصعب عليا بنتي وحالها ده. ولا حد عبرني فيهم ولا قالي إيه كان حصل. ولا شوفت وش لـ دلال من يومها يرضيكي؟"
حركت "عايدة" رأسها بيأس وقالت تبرر لها سريعاً بصوت منخفض:
"يا سمية اسكتي."
تفي من بؤك، البت هتبقي كويسة، اسمعي مني. وبعدين بلاش تعتبي علي دلال، حالها من حالك بالظبط وكنت عندها امبارح وكل الحكاية انها مش عارفة تحط وشها فوشك لتخسروا بعض. فاستننوا لحد ما الدنيا تهدى كدة. بس هو ده بردو اللي اتفقنا عليه. هتقعدي تندبي لحد امته يا سمية؟
صمتت بإنهزام تلتقط الهاتف بحمقة كي تهاتف "وردة" لتعلم أين وصلت. في حين بعد اندماج "حازم" في التلفاز، زفر بصوت ورفع أكمامه كي يتوضأ، وهي بجانبه تحاول فتح أي حديث وبمتهي الغباء المضحك سألته:
"ايه ده؟ بتشمر عشان تتوضى؟"
كبت ضحكاته وإحتفظ بملامح صارمة يرد بسخرية:
"لا رايح اتمرن!!"
استغلت هي الحديث وردت بمراوغة تسأله:
"وفي التمرين ده بنات؟"
"أه فيه، حلوين وعينهم زرقا كمان، أصلي طهقت من الخضرا!!"
رددها ونهض مندفعا ناحية الطرقة. لمعت عينيها بالدموع وجلست تكبت كل ذلك وهي تنظر ناحية التلفاز بشرود. وجابت مسامعها صوت "سمية" في الهاتف:
"يعني انتي تحت يحبيبتي، طيب ماشي اطلعي يلا فاتك تعبانة. أول ما يروحوا يصلوا خدي بعضك واطلعي انتي تعبانه انتي والواد ومحتاجة ترتاحي!!"
ردت الٱخرى بأنها بالفعل ستصعد الٱن بعدما ودعت الفتيات ورحلت مع "يامن" وبيديها الٱخرى العلب مع حقيبتها. بينما تلهفت "ياسمين" بسعادة:
"بجد وردة ويامن جم يا سمية؟"
انكمشت ملامح "سمية" بضيق من ردها الجاهز باسمها هكذا. ونظرت تردد من بين ضحكة "عايدة" عليها:
"اه جم واحترمي نفسك معايا شوية!!"
بادلتها "ياسمين" الضيق وقبل ان تنهض واحدة منهن لتفتح الباب، اقترب "حازم" الذي كان سيهبط من الأساس وفتحه حتي اندفع "يامن" من على ذراع "وردة" يتجه ناحيته مرددا بلهفة طفولية:
"حازم"
ومرة ٱخرى ما نطق حرف الميم نون تعالت الضحكات. وتأثر "حازم" من تعلقه به بهذا الشكل. عانقة بحب شديد لا يتخيل بتلك اللحظة سوى أنه طفله. ترقبت الانظار وحملة بإعتدال وقال يخبرهم:
"هاخدوا يصلي معايا ونقعد شوية تحت!"
كانت "سمية" على وشك الرفض كي تطعمه بعادتها كجدة ولكنه وجد الموافقة من "وردة" فأغلق الباب. ونظرت "وردة" باهتمام حتى سألت "ياسمين":
"أومال فين اختك؟"
"مع جميلة بتساعدها تغسل عشان تفوق وبتتوضى فالحمام جوه!!"
أومأت وهي تتوجه ناحية الداخل كي تبدل ملابسها بإرهاق حتى تخرج لهم مجددا، مقررة الجلوس بين "نيروز"و"ياسمين"و"جميلة" ليخففن عن الأولى.
حبيسة غرفتها تتركهم يفعلون ما يشاءون، تنتظر فقط لحظة ذهابهم حتى يعود كل شئ كما كان. بينما هم قرر كل منهم المكوث حين أخذ الحق على الرغم من ان "حازم" حذرهم وحثهم على الذهاب ولكنهم يعلمون أنه يعلم بوجودهم ولم يقترب ليحثهم مرة أخرى قد قرر مع ذاته الصبر وان افتعل أي منهم شئ او جرم سيحاسب كل منهم. وعلى الرغم من أنه لا يعلم بماذا سيأخذ حقه منهم ليس لديه حيل كل ما يمتلكه هو التحذير كي يعود كل منهم مكان ما جاء. ليس بعقله أي فكرة للانتقام. وقدرته على أخذ حق بشر تختفي إذا ما مس أحدهم ضرر لـ زوجته وشقيقتيه ووالدته. أغلقت الإتصال بقلق فقد كانت تهاتفه لا تعلم هي بأنها أخبرته من بين الحديث أن "غسان" ليس هنا وهو جاء بالأسفل قبل وقت. لم تعطي بالا. كل ما يهمها هو عدم مجيئة وفقط.
مسامعهم بالخارج كانت قد جابها حديثها وصمتها وعدم اقترابها منهم. نوت النهوض كي تؤدي فرض العشاء. وبالفعل سارت "زينات" إلى أن فتحت الباب ووجدتهم مجتمعين بالصالة أمام شاشة تلفاز عريضة والأريكة ممتلئة بهم وعم الصمت بينهم ما ان خرجت. تعمدت عدم الاحتكاك بهم مثل الأيام السابقة ولكنها وقف عندما اخترق سمعها قول "زهور" وهي تجلس:
"جرا ايه يا زينات؟ هتفضلي مقاطعانا كدة زي الغرب؟ ما نشوفكيش ألا صدفة. ماله لسانك يختي معتش بيخاطب لسانا ليه؟"
كبرتي على اختك!
أغمضت جفنيها بضغط والتفتت تقترب ترد بهجوم، فقد فاض بها هي الأخرى:
"إنت ممشتيش ليه يا زهور؟ ممكن أفهم أسباب قعادك لسه مع إن حازم طردكم؟"
ذهلت "زهور" و"مروة" بينما صمتت "أسماء" بخوف تنتظر القادم وسكون "سامر" المريب وهو يمسك هاتفه:
"اتجرأتي أوي يا زينات! اطردينا انتي كمان يلا ما هو دا اللي ناقص! قوام بتنكري كل حاجة كده! مبتعديش الجمايل ولا ناسية الشقة دي اتكتبت بأسمك بسبب مين؟ دا انتي من غيري كان حازم وامه رموكي رمية الكلاب واخدوا منك بنتك والشقة وابنك التاني راخر! عويلة يا ختي طول عمرك!!"
تشنجت ملامح "زينات" واقتربت أكثر تشير بيديها:
"اللي راح خلاص يا زهور راح وانتهى! وأه أنا بنكر زي القطط! وعايزاكي تمشي بس مش بطردك! أنا كفاية عليا مشاكل لحد كدة شوية كمان وهتخسروني بنتي اللي خدت جنب مني من تاني ومش عارفه أشوفها بسببكم! نفس البيت ومش عارفه ألمحها وكله منك ومن عيالك! وحازم وامه واللي بتقولو عليهم دول هيرموني مش هيعملوا كدة عالأقل عايدة وقفت لابنك وهو عايز ياخد بنتي غصب وانتي ياللي خالتها وعمتها وزي أمها واقفة توافقي ابنك ولا كان همك بنتي ان كانت هتروح ولا مش هتروح! صحيح ما هو ضنا ومحدش هيحس بيه غير اللي خلفه! تقدري تقوليلي لو عملت كدة مع أي واحدة من بناتك كنتي هتعملي ايه؟"
داهمتها بأقوال كثيرة بعضها مندفعة وأخرى حزينة وقبل أن يندفع أي منهم رفع "سامر" رأسه ينظر لها وقال ساخرًا:
"عالهادي يخالتي براحة على نفسك! صحتك مش ببلاش!!"
تنفست بصوت مسموع وملامح الضجر تظهر في حين اندفعت "مروة" تردد بلؤم:
"ضنا ايه يا خالتو وبتاع ايه؟ الحق على أمي كانت عايزة تتستر على بنتك!"
وكان الاندفاع الصارخ بالكلمات منها دفاعًا عن ابنتها:
"أنا بنتي مش معيوبة سامعين!"
ضحك "سامر" بإستهزاء كما ضحكت "مروة" بينما تجاهلتها "زهور" وهي تهتف مشيرة بيديها بغير اهتمام:
"خليكي كدة خايبة طول عمرك مش فاهمة ايه بيحصل من قدامك ولا من ورا ضهرك! يا ولية محدش باقيلك حتي عيالك! اعقلي واهدي يا زينات وسيبيني اتصرف للمرة الٱخيرة!"
"ولا تتصرفي ولا واسيبك بقولك أهو يا زهور ملكيش دعوة بحياتي ولا بولادي ربنا يهديكي وياريت مره تانية تكفي الشر وتمشي انتي وهم أنا مبقتش عايزه اعيش غير على رضا ربنا وولادي غير كده لو هيجيلي مشاكل يبقى بناقص!!!"
ثم واصلت تكمل بتشنج قبل أن تلتقت:
"أنا مش لسه هقف معاكي وانتي بتدمري ابني المرة الجاية كفاية اللي هو فيه! أصله كان ناقص أعمال وقرف! أمنتك حياتي وبيتي وعيالي واسراري والاقيكي فالٱخر كنتي بتخططي عشان تعملي عمل لابني! ربنا يسامحك يا شيخة!"
وردت "مروة" بعد كل هذا الاندفاع رد ساخر فظ منها:
"هو الواضح ان الشيخ بقا انتي يا خالتي!"
ضحك الاثنان عليها وظلت "أسماء" تتابع ببسمة هادئة كي لا يندفع عليها أي منهم بينما كانت تترقب بخوف فردت "زينات" على قول ابنة شقيقتها:
"اه يا حبيبتي شيخة ومكونش شيخة ليه! عادي! قربت من ربنا وعيني اتفتحت علي الصح مش زيكم! ربنا يهديكي يا زهور وتفوقي قبل ما تتوجعي فحبايبك زيي! أنا مجربة التعب ومش عايزاكي فيه فوقي لنفسك ولعيالك! وقبل ما تيجي تعايريني او حتي تيجي تطلبي بنتي لابنك بالإجبار روحي حاولي تصلحي اللي خربتيه بين ابنك وطليقته! اللي مشوفتيش منها غير كل خير! لحد امته؟ لحد امته هتفضلي قوية وجبروت كدة؟"
وقفت "زهور" تهتف بصوت عالٍ مغتاظ:
"قصدك ايه يا زينات يعني أنا هخرب علي ابني! ابن بطني!"
حوار أثار ضيق "سامر" الذي تابع حديثهما عليه بصمت في حين نظرت "زينات" تؤكد بعدما اهتزت من نظرة "زهور" المحذرة بقول شئ أو أن تفشي أسرار:
"معرفش بقى! كل واحد وادرى بنفسه بس زي ما بتتحمقي على عيالك انا كمان ولادي خط أحمر وملكيش دعوة بيهم!!!"
إلتزمت "زهور" الصمت عندما رأت نظرة التهديد من "زينات" في حين وقف "سامر" مندفعًا ينهي هذا الجدال بـ:
"خـــلاص! خــلصنا بقــا!!"
أشار لوالدته بأن تجلس وجلست بالفعل بينما نظر تجاه "زينات" مرددًا بتهكم:
"يلا يخالتي شوفي انتي كنتي راحة تعملي ايه! الله يباركلك عندي صداع ولو قومت عليكم لا هعرف اخت من ام ولا خالة مشوا الدنيا بالحب كدة عشان انا دماغي تعبانة وزعلي وحش!!!"
تركته بعدما نظرت له بتقزز تحت التزام "أسماء" الصمت مع "مروة" بينما حدجت "زهور" ولدها بقوة فأشار لها بجانب عقله بضيق من تهويل الحديث!!!
___________________________________________
جاء الكل من الرجال من المسجد قبل قليل وجلسوا مع بعضهم في جو يحاول من به على جعله مبهج من أجل "غسان" الذي حاول الانسحاب من بينهم لأكثر من مرة ولكنهم في كل مرة يحاصروه بينما هو يشكل له محل الورد هذا عقدة من المفترض بأن يكون لها. هنا الكل عداها هي وهي التي يحق لها بأن تتواجد! تترك له كل شئ كل شئ! زفر بتنهيدة منهكة وحمل "يامن" على ساقه من "حازم".
بينما حاولت "فرح" المساعدة مع "فريدة" وانحنت من على بعد تلتقط بعض الورود وصناديق معينة ثم من بعدها شردت للحظات في حديثه ومقاطعة الكل له في كل مرة استطاعت فهم الوضع وتتأكد شكوكها في كل مره ولكنها ترتبك تتوتر!! أو ماشابه !! أمسكت دورق المياة تقوم بسقي الورد والزرع الٱخر بالداخل غافلة عن عينيه وارادته في النهوض رفع "بسام" رأسه تجاه "غسان" الذي كان يلاعب "يامن" ووكز كتفه مرددًا له بهمس:
"ساعدني بقا يا غسان! عايز اقوم بس مش عارف اقول ايه !! كل مرة حد يجي يفصلني !!"
حرك "غسان" رأسه يضحك بإستفزاز وقال بجرأة وهو يميل هامسًا:
"انت اللي معقدها على نفسك. أقولك؟ قول لـ شادي هو اللي هيساعدك!!"
شهق "بسام" بخوف زائف وضرب فمه بوجهه وقال ساخرًا بنفس الهمس يسخر من وقاحة "شادي" السريعة في التعرف على الفتيات:
"شادي؟ انت عاوزني أخد نصايح من شادي؟ دا بيدخل فالجد علطول وفرح دي إنسانة رقيقة جميلة مهذبه ومحترمة وبنت ناس طيبين!!!"
قالها بمرح فحرك "غسان" رأسه بقلة حيلة مع تحريك كتفيه ببساطة يتركه لعقله هنا ونهض بحزم ينظر له بتحدي فتجاهله "غسان" وسار الٱخر نحو الداخل!!
أما هي فكانت شاردة الذهن بابتسامة لطيفة، أكثر ما يسعدها هو اقتراب موعد انتهائها من الجلسات.
لاحظت انسحاب "وسام" لتذاكر، وتركتها تندمج. وعلى بعد كانت تعمل "فريدة" التي نظرت بتمعن ناحية "بسام" الذي وقف أمامها مقتربًا.
من موضع خلفها وقال يسألها بلطف:
"هبقي متطفل وعايز أعرف إيه سر الابتسامة دي؟"
خرجت "فرح" من شرودها على صوته فابتسمت بخجل، تلتفت برأسها ناحيته فوجدته يحرك رأسه بقصد ناحية الورد، يلتقط واحدة من ضمن الورود يستنشق رائحتها.
فأعتدلت تجيب بصراحة له:
"يعني سرحت شوية مع نفسي كده، وحسيت بفرحة إن الجلسات قربت تنتهي وساعتها هبتدي أخطط لمستقبلي من جديد وأكمل. أنا بحب كليتي أوي وده كان حلمي وعز تعب معايا وأنا كمان تعبت، فأنا مش عندي استعداد أأجل كتير. لازم أكمل والحمد لله طاقتي بترجع وهقدر. بس كده، ده كله سبب ابتسامتي!"
أُعجب بعقلها وإصرارها، وتفهم جيدًا هذه الفرحة التي تظهر عليها بالانتهاء من الجلسات النفسية، هو الآخر انتهى منها قبل فترة قليلة وعاش نفس الفرحة. ناهيك عن تغييره وعودته مع إعطاء فرصة لنفسه، لذا انتهى بينما من قبل كان يفتقر هذه الفرصة وأطال الجلوس والذهاب لذلك الطبيب.
ابتلع ريقه بهدوء وابتسم بإنجذاب، يصارحها:
"أنت أحلى حاجة فيكي إنك بتحلمي، حتى لو وقفتي فترة بس مبتبطليش يبقى عندك إصرار على إنك تحلمي وتحققي اللي كنتي بتتمنيه وبدأتيه ومكملش. بتمنالك التوفيق حقيقي!"
ابتسمت "فرح" باتساع وقالت بشكر:
"شكرًا!"
ظل يستنشق الورد كالمختل، وهي بلا رائحة. أخذ من الصندوق ذلك الورد الصناعي بالشكل فقط، وليس الآخر الموضوع ناحيتها.
كبتت ضحكتها عليه وقالت تنبهه:
"ع فكرة الورد اللي في إيدك ملهوش ريحة. ممكن أعرف بتشم فيه إيه؟"
ابتلع "بسام" ريقه بحرج ونهر نفسه، فالحال وقال مبرهنًا يبعد نفسه عن ذلك الموقف المحرج الذي وضع نفسه به:
"وأنا قاعد أشم وأشم. أنا لو بشم بودرة مش هشم كل ده!"
خرجت ضحكاتها العالية بصوت سمعه هو وتاه مرة أخرى. نهر نفسه بحرج وحرك عينيه وشعر بخفقات قلبه تزداد، وقرر إكمال ما بدأه في الأعلى قبل وقت وبدأ يهتف باسمها:
"فـرح!"
همهمت، وبهذه اللحظة ركزت في هتف اسمها. غريب؟ نفضت الأفكار من عقلها وحركت عينيها، وابتسامة وجهها الهادئة لم تفارقها.
هنا وهتف يبدأ بـ:
"كنت عايز أقولك إني معرفتش أسمع ردك على السؤال. عندك الرد؟ ولا مش حابة تردي؟"
وقبل أن تجيب تعمد "غسان" في أن يرفع صوته وهو يرحب بقدوم "عز" الذي أشار لـ "حنان" بأن تصعد هي وهو سيتجه نحو الشباب:
"عــز. تعالي يا عزوة تعالي اقعد!"
فتح "بسام" عينيه على وسعها، وللمرة التي لا يعرف عددها يقاطعه أحدهم. بينما قصد "غسان" فعل ذلك كي يبتعد شقيقه عنها.
اهتز ثبات "بسام" وقال بخفوت:
"عز؟ يالهوي عز جه؟ يا فضيحتك يا بسام!!!"
ابتلع ريقه، هو لم يغفل عن تركيز "عز" معه بقوة وتلك النظرات التي يواجهها بعينيه. حاول الابتعاد مستأذنًا بالانصراف، ولكنه قابل عيني "عز" الذي وجده يبتعد عن شقيقته متوجهًا نحو الخارج.
ابتسم له وهو يرحب به، بينما ركز "عز" بعينيه نحو "فرح" التي هربت منه مدعية الانشغال بسقي الزرع.
جلس معهم يتداخل من بين الحديث، ونهض "غسان" بتعب يستأذن للانصراف رغم رفض البعض، ولكنه تحجج بتعبه من قيادة السيارة لوقت طويل.
لذا انسحب وصعد معه "حازم" حاملاً "يامن" كي يعود به لوالدته لتبدل ملابسه وتطعمه.
وقفا ينتظران المصعد، ومن بين هذا كان سؤال "حازم" مباشر له بحزن على حاله هذا:
"انت كويس يا غسان؟"
التفت "غسان" برأسه منشغلاً في النظر نحو الصغير ورد رد كان يتوقعه الآخر:
"زي الفل يا صاحبي!"
وبجانبهما على المصعد الآخر وقف ينتظر شخص يخفي وجهه بوشاح رجالي غير الذي كان يرتديه كل مرة. نظر "غسان" بعشوائية ينتظر المصعد مع "حازم" وجاب عينيه وجود هيئة جسد على الأقرب يعلمه.
نظر بدقة، ولم يشغل عقله كثيرًا، حتى أنه لم يركز مع الآخر حيث كان يخفي وجه ولم يعقب. ربما عامل. صداع رأسه الآن هو المداهم له يريد الراحة ولم يحصل عليها ولن يحصل ويعلم هو ذلك.
فتح المصعد وصعد بهما، وخرجا الاثنان بعد ذلك حتى ودع "غسان" الصغير بقبلة على وجنتيه يشير له بالتحرك.
وأخرج مفتاحه يفتح الشقة تزامنا مع دقات "حازم" على الباب الذي فتح له بواسطة "وردة" هذه المرة الذي اندفع اتجاهها الصغير بعفوية مرددًا اسمها بحب.
ضحكت وهي تحتضنه، ودخل "حازم" مبتسمًا، ورحب بوجود "حنان" التي جاءت تواسي "سمية" وزيارة "عايدة" هي الأخرى.
في حين اندفعت "وردة" بسرعة ناحية الداخل وأهبطت "يامن" يسير حتى اندفعت "ياسمين" تقف وهي تلتقطه بعناق شديد تضمه بقوة شقية مرددة بحب ومشاكسة:
"حبيب قلب وكبد خالته واللي وحش خالته!!"
دغدغته أمام الضحكات حتى ضحكت "نيروز" هي الأخرى. وبكل لطافة اندفع "يامن" ناحية "نيروز" مرددًا وهو يحاول الصعود ناحيتها على الفراش:
"روز!"
ابتسمت وهي تلتقطه بعناق هادئ هي الأخرى. ضمته بحنان، تتخيل قدوم طفلها لتعطيهم كل شيء. كل شيء حتى ما افتقدته هي ستعطيه.
نظرن الثلاثة إلى بعضهن بإندماج، "نيروز" في العناق، بينما هي استنشقت رائحته بملابس "يامن" فلمعت عينيها بالدموع تتذكر عطره.
بينما هناك عطر أنثوي غريب وشقيقتها لا تضع عطر وهي تقدم على الخروج. لم تمنع قولها في أن يخرج عندما قالت بغرابة هادئة:
"يامن ريحته برفان حريمي يا وردة. هو إنتي بقيتي بتحطي مش كنتي بتقولي حرام؟"
نفت "وردة" بتلقائية وقالت تتخلى عن حساسية الموقف:
"دي ريحة غسان!"
عقدت ما بين حاجبيها وعارضت "ياسمين" كعادتها:
"فوقي يا بت بتقولك برفان حريمي. حريمي.. تقولي غسان!!!"
صمتت تعي قولها تحت ترقب "جميلة" هي الأخرى، بينما لم تهتم "نيروز" إلا عندما ثبتت عينيها بسرعة عندما تذكرت "وردة" ما حدث وقالت بعفوية وجهل:
"آه. دي واحدة كده اسمها انجي تقريبا رئيسة الشغل بتاع غسان. كانت هناك في المطعم وسلمت علينا وحضنت يامن يمكن عشان كده، لإن هو محضنش ولا راح لواحدة غيري وغير انجي دي."
إنچي مجددًا. برقت عينيها بغير وعي، والوحيدة التي تعلم كانت "جميلة".
نظرت بإهتمام نحو رد فعل "نيروز"، بينما صاحت "ياسمين" بإستنكار:
"قولتيلي واحدة وغسان آه. فينا من كده بقى. يلا فداهية!!"
حدجتها "جميلة" بتحذير، ونادت "سمية" على "وردة" و"ياسمين"، فانسحبا الاثنان بغرابة.
وبقت "جميلة" تتابع رد فعلها. كانت ساكنة تكتم الدموع بمقلتيها وفقط.
وقالت بخواء تحثها:
"ممكن تطفي النور يا جميلة وتاخدي يامن؟ مش قادرة وعايزة أنام!!"
كانت صادقة عندما دارت عينيها بتعب، وبيأس وافقت رغما عنها عندما وجدت الإنهاك بها.
بينما من جهة أخرى جيد أنها جلست وسطهن اليوم.
خرجت بعد دقائق وهي تلاعب "يامن" وأغلقت الغرفة وتركت تلك التي تشبثت بالغطاء تغمض عينيها بتعب.
وسقطت حينها الدموع التي كانت تكبتها، وشعور الدماء التي تغلي بعروقها تحاول مقاومته.
دافع الشراسة يلح عليها الآن بالأفكار. بماذا إن كانت ترتدي شيئًا ملفتا للانتباه؟ تشاركت رائحتها مع رائحته بملابس الصغير؟ هل هذا حقها؟
تصلبت ملامحها باستنكار واعتلى صوت ينهرها وينبهها بأنها الآن طُلقت منه. باتت منفصلة واختارت الفراق، فلماذا تحزن؟ لماذا تتعب في البعد؟ لماذا تشعر بالغيرة؟
الغيرة التي أوصلتها لرمي التهمة عليه في تخيلها بأنه تودد بالترحيب بها كثيرًا، وكان متلهفًا. رغم أنها تعلم بأنه لم ولن تظهر لهفته وحماسه سوى معها هي وفقط.
ابتلع "حسن" ريقه بصعوبة، وتنفس بصوت مكتوم مترقبًا قدوم أحدهم لهذا الطابق. في حين ما هي إلا لحظة من هذا الخوف الذي انتهى ما إن فتح "سامر" له الباب. نظر "سامر" بمفاجأة، بينما اندفع "حسن" ناحية الداخل يغلق الباب خلفه بصوت منخفض، حتى التفت يزيح ذلك الوشاح من على وجهه.
رفع رأسه وعاق نظراته وجودهم، لم يتفاجأ بل تقص عليه "زينات" كل شيء كمحاولة للتقرب منه، في حين لم تسرد عليه طلاق "نيروز" بقصد منها.
رفع عينيه ينظر اتجاههم، ولم يغفل عن عيني "أسماء"، المتلهفة لعودته، بينما هرب هو بعينيه منها كما هرب من قبل بعد فعل معين. في حين تعالى صوت "زهور" بحماس وهي تقترب:
"حمد الله على سلامة الغالي ابن الغالي!"
رفع رأسه ينظر بتفحص لهم، وسرعان ما كان رده عليها بفظاظة:
"إيه يا زهور!"
نزع الألقاب كما يعتاد بوقاحته. ابتسمت تحاول كسبه لصفها، فسوف ينفعها إن ظلت هنا لوقت ولم ترحل. اقترب "سامر" يبتسم، بينما هتفت "زهور" بطريقة زائفة:
"طول عمرك قليل الأدب كده يا واد. تعالى ادخل فحضن خالتك تعالى."
أسبل جفنيه لهم، في حين لم يتحرك ووجد نفسه بين ذراعي "زهور" تحتضنه. لم يبادلها العناق، بل خرج بفتور يبحث عنها. وبالفعل وجدها تخرج باندفاع ما إن سمعت صوته. حاولت تكذيب ذلك، ولكنها ضربت صدرها بخوف تصيح بحسرة:
"يا مصيبتي! إيه اللي جابك؟ إيه اللي جابك دلوقتي يا حسن!!!!"
اقترب يتجاهل "سامر" وجلس على الأريكة وأجاب دون النظر لها:
"إيه بيتي! كمان مش هعرف أجي بيتي؟"
وقفت "زينات" تنظر بخوف تهاب أن يسمعه أحدهم. في حين أراح "حسن" ظهره ينظر بتفحص وابتسم باتساع متهكم بالخفاء:
"إزيك يا بت يامروة. لسه جاية تجري ورا بدر ولا بطلتوا الشغلانة دي من زمان؟"
استطاع أن يجعلها تغتاظ، بينما اندفع "سامر" يجلس بجانبه وضرب صدره بخفة يحذره في الخفاء:
"اهدأ كده يابا وقول هديت، ماشي؟"
انفلتت ضحكات "حسن" في الخفاء، دومًا ما يتعمد تجاهل الأخرى "أسماء" كي لا يعطيها أمل بعدما أخذ ما أراده. بينما صاحت "زهور" بشقيقتها بصوت عالٍ تنهرها:
"ما تروحي يا ولية تعملي أكل لابنك فاته همدان وتعبان. انتي لسه واقفة؟!"
قصت عليه ما فعلوه مع شقيقته ومعها. ورغم حنقه من ما وصلت له "فريدة" إلا أنه فاق بغير رضا عن ما حدث وما وصلت له من التقدم على الانتحار بسببهم! رفع رأسه بخبث وقرر التقليل منها عندما أشار لـ "زهور" مرددًا:
"لأ، أنا عايزك تقومي تعملي انتي الأكل!"
تستند على عصاه، كيف ستفعلها؟ من يفعل هم فتياتها. شهقت "مروة" باستنكار وقالت بتعالي:
"انت عايز أمي تقف فالمطبخ تعملك أكل وتيجي تجيبهولك لحد رجلك؟ انت عبيط؟"
صمت "سامر" هو الآخر يريد أن يكسبه ناحية صفه في القادم. لذا حرك "حسن" كتفيه ببساطة وأشار بوقاحة يتلمس كتفيها وهو يدفعها لتنهض:
"وماله قومي انتي وهاتيهولي تحت رجلي. امك ست كبيرة برضو!"
نظرت له بصدمة، في حين حدجتها "زهور" و"سامر" بالموافقة، فنهضت تصيح بصوت مرتفع ترفض:
"دا عندك أمك الكلام ده؟ قال اعملك أكل واجبهولك لحد رجلك؟ متعودناش على الخدمة يا عينيا قوم انت أو خلي أمك تقوم ما هي متعودة!!!"
الغير متوقع هو الآتي. رغم ضجره من والدته ولكنها ساندته وبقت بجانبه في المستشفى ولم تتركه لحظة، وتأكد بأن إن حدث له شيء لم يجد سواها هي! نهض يمسك معصمها بغضب وصاح بصوت عالٍ ينهرها:
"يعني انتوا متعملوش وتوقفوا امي تعملكم وتجبهولكم لحد رجلكم صح؟ انتوا فاكريني ابن يوم فالدنيا دي ولا إيه؟ ولا فاكرين حتى إن أنا عبيط عشان معرفش دماغكم دي فيها إيه؟ ومش امي بس دا اختي كمان من ناحية تانية!"
واندفع يقترب من "سامر" بغضب:
"بقا عايز تتجوز اختي غصب ياض؟ خليتها عايزة ترمي نفسها عشان شوية ناس و**ة زيكم جايين يتحكموا فينا. لا بقا أنا عايزكم تفوقوا كده وتقولوا فوقنا عشان وديني لو حد فيكم اتصرف بدماغه تاني مش هتلاقوا غير حسن!!!"
ذهلت "زهور" وفتياتها وحتى "سامر" في حين تبدلت ملامح "زينات" للهفة. واقترب "سامر" بهذه اللحظة يقلب الموازين بحديثه:
"مع إن لو عرفت اللي حصل هتغير رأيك خالص وهتيجي تبوس رجلنا كمان عشان نساعدك!"
خفق قلب "زينات" بخوف وابتلعت ريقها تهاب القادم، بينما ابتسم "سامر" بخبث تحت تبدل ملامح "حسن" للتساؤل، فأجاب "سامر" بما جعله شاردًا مصدومًا:
"مش نيروز اتطلقت؟"
ابتسمت "مروة" بشر وكذلك "زهور" في حين اعتصر قلب "أسماء" ألمًا، تود انتهاز فرصتها التي ضاعت بسرها في الخفاء بينه! وقف "حسن" مدهوشًا من ذلك الخبر الذي ارتمى على مسامعه. ولم يصمت "سامر" إلى هنا بل أضاف بخبث يهول الأفكار بعقله:
"وبقا قدامك فرصة دلوقتي. بقا سهل أوي تكون ليك!!"
تعلم "مروة" أمر حملها وكذلك "زهور" بينما لم تتعمد أي منهم قول ذلك، فاندفعت "أسماء" بقوة تبرهن من احتراق ما بداخلها:
"بس حامل!!!!"
ابتلع "حسن" ريقه بصعوبة. ألا يكفي ذهابها لآخر حتى أصبحت حقه بل تحمل في رحمها جنينًا من عدوه؟ نفى بخفوت وتاه عقله مع ضرب "زينات" لوجنتيها بخوف وحسرة. فاندفعت "مروة" تخفي ذلك الأمر المعقد بـ:
"عادي. المهم انها مبقتش من نصيب غسان. أي نعم العدة هتطول بس هتبقي ليك يا حسن. فكر تعرف تاخدها ازاي لحد ما تولد وتخلص وتتجوزها وترتاح بقا بدل المشاكل اللي قايمة ومبتنامش دي!!!"
"بس خلاص. اسكتوا بقا حرام عليكم!!!"
صرخت "زينات" بهم كي يقف كل منهم عن ما يفعلانه. أما هو فتاه عقله وعلم أن ربما الانفصال كان بسبب ما فعله. أي وجوده الآن يشكل أكبر خطر لحياته! ولكن من ناحية أخرى كيف سيتركها بعدما حررت من ذمة آخر؟ كل هذا كان حقه هو. حديث بين نفسه مع مراقبة الكل بنظراتهم.
لم يتوقع أي منهم انسحابه بهدوء شديد ناحية غرفته المغلقة من فترة دون أن يتحدث بأي حرف لهم. هل ذهب ليرتب أفكاره أم سيفكر بتغيير الحياة لنمط آخر؟ ومن جهة أخرى كيف سيتركها بعدما جاءت له الفرصة على طبق من ذهب؟
وزعت النظرات بينهم وبين بعضهم بتفكير، فأومأ "سامر" لهم للدلالة على الصبر وسيأتي! بينما هتفت "زينات" بنبرة مرتفعة لهم جميعًا قبل أن تتوجه ناحية المطبخ تعد بنفسها شيئًا لولدها:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكم. ربنا ينتقم منكم. امشوا بقا. امشوا!!!"
هرولت بعيدًا عنهم بتقزز من أفعالهم التي باتت ظاهرة لها. تجمعت الدموع بعينيها من العجز. الآن هي ليست قادرة على فعل شيء وعودة الأخير بالنسبة لها تشكل رعبًا في حياتها الآن. ما تعلمه هو أنه يقيم بحجرة ما في مستشفى بسيطة. خرج وعاد ثم خرج للمنزل. الخوف الآن يشكل لها من جهتين. هل عاد ليلفظ أنفاسه الأخيرة على يد "غسان" أم أنه عاد ليسحب منها أموال كي يعود لما كان عليه؟ تهاب أفكاره بعد الآن وخاصة أن تعافيه وبدايته هذه غير مبشرة، هو من بيديه العودة لهذا الطريق أو لا. بينما يوجد جهة أخرى لا تفهمها. بماذا يفكر بعد علمه بما تعمدت عدم إخباره به؟ ماذا سيفعل بعدما علم خبر طلاق "نيروز"؟
بدل ملابسه لأخرى مريحة ووقف بمنتصف الحجرة يحاول غلق هاتفه بالكامل حتى قذفه على الأريكة. وقبل أن يتجه نحو الفراش، دخلت "دلال" من باب غرفته وهي تبتسم حاملة له كوب من الليمون بالنعناع.
التفت بوجهه يبتسم لها بهدوء. بينما جلست هي على الفراش تسند الكوب ورفعت ساقها تنتهز فرصة سكونه. وأشارت له قائلة وهي تشير على فخذها:
"تعالى!"
عرض ثمين إذن كي يذهب ليستند بكل ثقله على فخذها فتمرر يديها على خصلاته. حاصرته بذكاء. وعلم مخزاها وتعمدها للدخول دون حديث كي لا يهرب ويجعلها تهرب. ضحك "غسان" بخفة. وحرك رأسه بيأس. ثم قال وهو يتوجه:
"هاجي. بس خدي بالك انتي مبتعرفيش تحوري!"
شاكسته بضحكات هادئة وهي تعتدل فمال يستند مع قولها المرح:
"سيبنالك الحوارات انت وابوك!!"
ضحك بخفوت. وتوقف بالتدريج عندما شرد بسقف الغرفة أمام نظراتها هي وهي تمرر يديها بين خصلاته. فسألته تخرجه من شروده:
"عرفت ان نيروز كانت بتتابع النهاردة!"
علم رغبتها في فتح الحوار المهلك. بل والحوار المفتوح من الأساس بداخله ولم يغلق إلى الٱن. زفر بصوت يخرج أنفاسه وهمهم فقط. ثم قال بعدها يخبرها بنبرة هادئة:
"عرفت بس معرفتش أسأله تحت ومستنية يجي عشان أسأله!"
همهمت هي الٱخرى وسقطت بنظرة عينيها تنظر لخاصته بتمعن. وقبل أن تواجهه بالسؤال سألها هو بسرعة:
"ليه مروحتيلهاش وروحتي انتي معاها بدل ابويا؟"
الأصح هي من يحق لها الذهاب عن "حامد" ولكن بأي وجه؟ ومن ناحية أخرى تشعر بالضيق منها التي تحاول إخفاءه. كل ما يهمها هو ولدها.
"مفضتش بس!"
برهنت بحجة إلتقطها. وشعر بالحزن بداخله ولامها بطريقة غير مباشرة:
"فكرتك هتبقي مبسوطة عشان هتروحي تتابعي حاجة فرحت ابنك!"
ظهر الحزن في نبرته المختصرة فتلهفت تبرر بسرعة:
"لا والله يا غسان متفهمنيش غلط. أنا بس مش عارفه أوري وشي ليهم وحاسة ان نيروز مش هتقبلني أو حتي مكانتش هتقبل تخليني اروح. هي بتحب ابوك اوي وبترتاح معاه!"
ودافع عن طبيعة "نيروز". معها قائلاً بإيجاز ينبهها بنبرة هادئة:
"نيروز بتحبك ومفيش حاجة اسمها مش هتقبلك. عادي حماتها وراحة تتابعي معاها. وعايزك تروحي تشوفيهم عشان تعرفي ميعاد الكشف الجاي. محدش فيكم مضطر يروح معاها. أنا موجود!"
التقطت حساسيته. فحزنت عدستيها من موقفه ونظرت له بأسف. وقالت مندفعة:
"طب عشان خاطر امك حاول مره أخيرة كدة يمكن الحال يتصلح بينكم يابني!!!"
التزم الصمت وشعر بالضيق من فتحها لحوار لا يريده. بينما هي انتظرت إجابته. فغيرت مجرى الحديث عندما فقدت الأمل وقالت تخبره:
"أنا كمان بحبها وبحب اللي جاي منكم. بس فوق كده عشان قلبي موجوع عشانك يبني!!"
"معادتش فارقة تحبيها او متحبيهاش. اللي علينا نعمله وربنا يصلح الحال!!"
واعتدل في جلسته ينظر لها بعدما جلس بجانبها على الفراش يجيب على آخر جملتها:
"وأنا كويس. طمني قلبك وقوليله ميتوجعش!!"
نهض قاصداً تركها بالهروب وهذه المرة كي لا يضعها بموقف وقح منه لم يتعمد قولها لها بأن تخرج وتتركه. وبعدما عاهد على أن لا تفتح هذه الشرفة التي جلبت له الوجع من البداية فتحها كي يهرب من حديث والدته الثقيل. بعدما حمل علبة سجائره. وقال يخبرها بلطف. بعدما فتح الشرفة ليستطيع أخذ أنفاسه من ناحية أخرى:
"إعمليلي بس كوباية قهوة بإيديكي الحلوين دول لأن عندي صداع!"
إقتربت بعدما نهضت وقاطعت دخوله بجملتها المهتزة بخوف:
"بسّام قايل انك شربتها كتير اوي اليومين اللي فاتوا وانت بتتعب منها. بلاش واشرب الكوباية اللي جبتهالك!!"
وعارض "غسان" حينها بحزم. يولي لها ظهره:
"بسّام مش البخاري. أنا دماغي تعباني ومش قادر. أو متعمليش أنا هنزل أشرب واحدة على القهوة وٱجي!!!"
نظر بطرف عينيه ينتظر لهفتها البريئة كي تلبي له غرضه. وبالفعل قالت بسرعة تقطع هبوطة وسيره لأنها لا تضمن رجوعه بالوقت:
"خلاص هعملك هنا. بس تاخد بقا علاج ولا حاجة من عند بسّام!"
صمت "غسان" يخرج أنفاسه ودخل يشعل بالقداحة اللفافة بين شفتيه. نظر بشوق قاسٍ عليه ناحية شرفتها المغلقة والتي لم تفتح أيضا. ابتسم بسخرية مؤلمة. هذه الشرفة شهدت العديد من الذكريات بينهما. الأماكن تظل وتفي بإخلاص بينما الأشخاص يرحلون. حرك عينيه لأسفل حيث الشارع والطريق. واندفع بجسده للأمام كي يرى هل مازال والده يجلس أم نهض. لم يجد "عز" بالتأكيد صعد مع "فرح" لـ "حازم" ولهم. في حين بالفعل كان "ٱدم" يجلس مع صغار شقيقته وبجانبهم "فريدة" تتذوق الٱيس كريم. ومعهم "بسّام" و"حامد" الذي مازال يمسك مصحفه. واثنان من على بعد يتشاجران. من؟ هل عادت زوجته؟ "شادي" و"منة" التي عادت بمفردها مجددا لتطمئن على "نيروز". بينما تركها ورحل هو دون أن ينتظرها عند والدها. هل كان الشجار على رحيله بإهمال ليتركها مع والدها؟
حرك رأسه من ذلك العبث ونفث دخان سيجارته بشراهة. يحرك عينيه بعشوائية يحاول نفض التفكير بها. يسمع صوت من على بعد. صوت من شرفة خشبية مربعة بعد الشرفة الكبيرة الجانبية التي توجد بغرفتها. ورأس "عز" تخرج بجانب رأس "يامن" وهو يلاعبه. غسان من يستطيع رؤيتهما بينما هما لم يستطيعان بسبب الشرفة التي توجد حائل بالمنتصف.
"إتفضلي يا طنط!"
قدمت "وردة" الكوب لـ "حنان" التي ابتسمت لها بإمتنان. وعلى بعد كانت تقف "جميلة" بجانب "عز" تبتسم على مداعبته لـ "يامن". وبقت "ياسمين" تنظر ناحية التلفاز بغيظ من تجاهله لها وكأنها هواء. ابتسمت "عايدة" وحثت "فرح" الشاردة بسؤال "بسّام" لها. وقالت تشير لها:
"اشربي العصير يا فرح!"
حركت رأسها تنظر وأومأت فقط. في حين ابتسمت "جميلة". وهي تمد يديها بالكوب ناحية فم "يامن" كي يشرب برفق. تعلقت عينيه هو معها وقال متمنياً:
"تخيلي كدة معايا بتشربي وتأكلي ابننا؟"
ضحكت وهي ترفع رأسها تحرك كتفيها ببساطة. واستشعرت فتحه لذلك الحوار أكثر من مرة. أهبط الصغير حتى ركض ناحية "ياسمين" وتركهما.
نظر "عز" متفحصًا تقاسيمها وقال مجددًا ينتهز الفرصة:
"مش ممانعة يعني نخلف وانتِ بتدرسي؟"
كان سؤاله مرحًا يسحب وجهة نظرها بطريقة لطيفة، واستشفت هي ذلك وضحكت بتفهم وعقل:
"مفكرتش فيها دي بصراحة، بس أنا طبيعي هيبقى عندي خوف من إني معرفش أوزن بين مسؤولية البيت والدراسة والأطفال، بس مقتنعة إن ربنا لما بيجيب حاجة بنبقى قدها، عشان كده مقعدتش أقرر إنه لأ. ربنا يسهل يا عز، مالك ملهوف على الأطفال يعني؟"
شاكسته بآخر حديثها فضحك بخفة، ناهيك عن إعجابه بحديثها العاقل بالنسبة له. اقترب يميل كي يجيب على مشاكستها بمشاكسته:
"معقول يبقى قدامي فرصة أجيب أطفال منك يملوا علينا البيت ومبقاش ملهوف؟ أنا كان نفسي من زمان أوي أعمل بيت دافي وهادي بأسرة حلوة زيك كده مع اللي بحبها وتنفع تكون أم لولادي!"
ابتسمت "جميلة" بحياء يليق به، وشعرت بتلميحات كثيرة بين حديثه، فأومأت بعينيها وقالت بعمق:
"لا شك إنك رب أسرة حنين ويعتمد عليه، يا بخت ولادنا يا عز!!"
أصبحت قادرة على قول حديث مؤثر عميق، تأثر وابتسم باتساع وقال بمزاح:
"بقينا بنقول كلام حلو، وبنعجز بعد ما كنا بنتعجز!!"
"انت كلامك هيفضل طول عمره يأثر فيا ويعجزني عن الرد، أنا مبفهمش المفروض أقول إيه، بس أنا بحس إن الكلام العادي مبيبقاش عادي منك، كإني بسمعه لأول مرة حتى لو قولته قبل كده!"
اختصرت بجهل مشاعرها وابتسم على بساطتها الهادئة، حتى اقترب برأسه يقبل قمة رأسها تعبيرًا عن ردها التي عجزته به دون أن تدري، بينما لم يهتف هو مثلها!
أعين تراقب قبلته لها، وابتسم بسعادة على حنو زوج شقيقته، حتى حرك عينيه ناحية التلفاز بتصنع تجاهل ما تود "ياسمين" فعله، عندما همست لـ "يامن" بأن يقبل وجنتي "حازم". التقط بأذنه قولها وكبت ضحكته وحفظ ملامح وجهه بصرامة. بينما سمعها تهمس له مرة أخرى:
"وقوله ياسمين بتحبك!"
وأضافت:
"وقوله كمان عمر ما عيون زرقا تغلب عيون خضرا، كان تاه فيها وغرق الكداب الخاين قليل الأصل الغدار!"
التفت برأسه باندفاع يردد لها بجمود يحذرها:
"احترمي نفسك!"
تصنعت "ياسمين" البرود وأشارت بيديها بفظاظة تهتف بلامبالاة:
"والله محدش وجهلك كلام، ابن اختي وبكلمه في حاجة سر!"
نظر "حازم" بقلة حيلة من طبعها، وأضاف يستخدم نفس الطريقة:
"تمام، متدخلنيش في أسراركم بقى!"
اندفعت بغيظ جاد هذه المرة تشير له بعدما وقفت باندفاع:
"انت تطول أصلاً!"
أمسكت أسفل معدتها البارزة بوجع من شدة أعصابها وتأوهت، حتى انتبه هو بسرعة يتلمس جسدها بقلق، فدفعته عنها بكبرياء وقالت تحذره بشراسة:
"وسع كده، ابعد عني!"
وقف بذهول يتابع تغيرها المفاجئ، وانسحبت هي بمشاعر ضيقة من هرمونات الحمل وشعرت برغبتها في البكاء، فرحلت لغرفتها تتركه واقفًا بذهول تحت ضحكة "حنان" التي تابعت الوضع بينهما، تغفل عن أعين أخرى لمعت بالدموع! تركت "جميلة" "عز"، واقتربت تهمس لـ "حازم" برفق:
"معلش يا حازم، روح راضيها واركن زعلك على جنب دلوقتي وبعد كده براحتك، أصل الحمل مغير مزاجها ومخليها مش في أحسن حال!"
صمت بسكون ووقف ينظر عندما اقترب "عز" يجلس بجانب "فرح" وسألها حينها باهتمام:
"إيه يا فروحة، ساكتة وسرحانة في إيه؟"
نفت برأسها وهي توضح:
"لا مش سرحانة ولا حاجة!"
وكان سؤاله المراوغ بجدية يحاصرها به بحزم:
"وكنتي بتتكلمي في إيه انتي وبسام تحت محل الورد؟"
توترت كما توترت أنفاسها وابتلعت ريقها تبرر بتقطع:
"لا عادي مش بنتكلم في حاجة، كان بس بيكلم معايا في موضوع دراستي اللي وقفت!"
نظر بصبر من هذه المراوغة التي تبدأ من "بسام"، يعلم أنه ذاق الرفض على يديه ويقدر خوفه من أن يرفض مرة أخرى!! تعمد الصمت وتمنى بداخله بأن لا تشعر "فرح" بشيء بسبب محاولته في التقرب منها دون أي مسمى!!
تتحرك بعشوائية من بين دموعها التي تسيل باحتراق منذ أن استنشقت رائحته، يا هذه هل هذا سبب البكاء الأول؟ نفت وهي تنهض بإنهاك تنظر نحو شكلها بالمرآة، وبحالة غير حالتها هذه لقل وزنها، بينما لم يقل بل ازداد، وكان حملها معروفًا من زيادة مناطق معينة بجسدها، الآن تزداد أكثر بشكل منجذب!! ناهيك عن معدتها التي تظهر وكأنها امتلئت بالكثير من الطعام، رغم أنها تعتبر في بداية شهور الحمل. تنفست "نيروز" بصوت مسموع ومسحت وجهها بكفها، تمسك معدتها بيديها الأخرى وكأنها تربت على صغيرها، صغيرها الذي ظلم قبل أن يرى نور الحياة والدنيا!
أيام مرت وهي هي تشتاق لوجهه التي لم تراه منذ آخر ما قد رماه على مسامعها، ومن حينها لم ترى راحة. قلبها يعنفها من فراقه يخبرها بأنها من بدأت الوجع لذا فلتتحمل! ولكن هو، هل تحمل؟ أو يتحمل؟ أم سيتحمل؟ سارت "نيروز" برفق وبطء بمنامتها الهادئة ترفع فقط قبعة السترة على رأسها وحاولت فتح الشرفة التي تركتها مغلقة!!
فتحت بصوت هادئ تحاول تجنب النظر ناحية باقات الزرع التي بقيت وهشمت من حادث "فريدة"، لا تريد هذا السبب لتبكي الآن. هذه الباقات بمثابة شيء ثمين على قلبها الهش الذي يتعلق بالذكريات!! خطت أكثر وتلقائيًا حركت وجهها ناحية شرفته وانتفضت بخفة ما إن وجدت انه يحرك رأسه بنفس الدقيقة ينظر!!
تلاقت الأعين بحديث عجز عن الخروج. لم وجهها باهت؟ ولم وجهه باهت؟ لم يراها منطقية؟ هل هذا هو الوجع الذي يظهر على ملامحه؟ أسئلة كثيرة لم تخرج ولكنها ظهرت في العينين. في حين تحدثت القلوب بحديث غلبهما بصمت وكبت كل منهما جملته.
"اشتقت لك."
"اشتقت لك."
وماذا بعد؟ ارتجفت يديها بينما صمت هو بسكون مريب يبتلع الغصة المريرة التي وقفت بحلقه لمدة أيام لم يراها، وعندما رآها هل اعتقد بأن الشوق قد زال؟ بل ازداد برغبته الآن في الاندفاع ليأخذها في ضمته، وهي هي تريد احتواء ذراعيه! هيهات من كبريائه الذي جعله ينهر كل ذلك. بينما هي ارتجفت وكانت رجفتها بوجع وحاولت التحرك بصمت ناحية الداخل، ولكن أنفاسه العالية أوقفتها عن التحرك، عندما خرج صوته الهادئ يسألها بجدية:
"ليه مقولتليش إنك رايحة تتابعي النهاردة؟"
أبسط شيء كانت ترسل له رسالة حتى تخبره، حتى وإن لم تود رؤيته أو القدوم لقول ذلك بعد الانفصال، هكذا برر لذاته. سكنت للحظات وحركت عينيها ناحية ملامحه المجهولة عن أي مشاعر تعمد اخفاءها، وبررت هي الأخرى بنبرة مبحوحة من البكاء الذي أصبح أمر دائم معها:
"مجاش في بالي!"
كانت السخرية ظاهرة في نبرته حينما رد بتهكم يخبرها وهو يحرك عينيه أمامه يترك النظر لها:
"لا بعد كده يجي في بالك، مش هتقوليلي أبعد عن ابني اللي لسه مجاش كمان!!"
ابتلعت "نيروز" ريقها تبتلع سخريته بصمت، فأضاف بخواء:
"بعد كده أكون أول واحد يعرف ميعاد متابعتك!"
شعرت بفتوره ووجعها خواءه تجاه شيء منه، فقالت تلومه بقهر داخلي:
"انت حتى مش طايق اللي في بطني من قبل ما يجي!!"
وتحشرجت نبرتها وهي تسأله بنبرة خانتها:
"لحقت امته تكرهني؟"
صمت عند هذه الإجابة متحاشيًا.
نظر إليها ومرت لحظة ثم التفت برأسه يجيب بقسوة.
"لا بكرهك ولا بحبك، انت مبقتيش تهميني خلاص!"
تلقت صفعة. صفعة موجعة على قلبها، حادة، شفرة مزقت مشاعرها ثم نزفت داخلها. هل محق؟ لمعت عينيها وأجابت بغير وعي تنفي:
"انت كداب!"
نظر "غسان" لها بتفحص لفترة يشبع عينيه من رؤيتها مع أنفاسها المكتومة التي تصعد من قمة صدرها الذي يعلو ويهبط. وفاجئها مجددا بنفس قسوة الرد السابق:
"وحتى لو كداب عمري ما هوصل لكدبك وكدب كلامك وحتى مشاعرك!"
وأشار على نفسه بسخرية وكأنه لا يعي ما حدث:
"تصدقي اني صدقت كدبة إنك بتحبيني؟ و دخلت عليا وبلعتها مع لمون بالنعناع كمان!!!"
يتشنج وجهها كلما يسخر بوجع أكثر. سالت منها الدموع ورفعت رأسها تنفي بصدق:
"بس أنا مكدبتش، أنا بحبك!"
رفع هو عينيه يرمقها بتشكك ساخر، وسرعان ما حرك رأسه يخرج دخان سيجارته مرددا باختصار جامد عليها:
"وأنا لأ"
كلمتان حادتان عليها على قلبها. ابتلعت "نيروز" ريقها بألم، مرت يديها على معدتها وشهقت رغما عنها بتمزق، ورفعت رأسها تصارحه بتعب:
"أنا كان عندي حق لما قولتلك بلاش نخلف!"
التفت "غسان" بجسده ونظر بتمعن ناحية عينيها اللامعة، وخرجت نبرته الهادئة بفتوره المقصود وبهجوم بنفس الوقت:
"مكنش عندك أي حق، لإني مستعد وكنت مستعد للمسئولية دي وفرحان ليها أكتر من أي حاجة. اتضحك عليا وكنت مفكر اننا هنستقر ومش أي مشكلة هتبعدنا. بس اللي بعد وباع هو حر. أنا ليا اللي فبطنك دلوقتي وبس، ومش مستعد لما تخلفي يعيش في حياة ملوش ذنب فيها بأب وأم بعاد عن بعض!"
رفعت رأسها بدهشة وكأنها قاربت على فهمه وسألته بإندفاع خائف:
"يعني ايه؟"
لا تعلم بأنه يأذيها الٱن. تخطت مرحلة بأنها من وجعته والٱن يبحث عن كل الطرق ليوجعها بالحديث حتى وإن كان مجرد حديث. ألمه منها لم يزول ولكن كيف سيزول؟ برمي كلمات بمثابة نصل حاد. أخرج أنفاسه وأخرج اللفافة من بين شفتيه وقال بنبرة غمرها البرود الذي تحول للعكس على قلبها:
"يعني هتجوز!"
"ايه!!!"
كانت نبرتها مبحوحة مغمورة بالصدمة. في حين ابتسم ببساطة وهو يحرك رأسه يؤكد بهزة منها وفقط. فاندفعت هي وخرجت شراستها بغير وعي وهي تهتف:
"انت كداب، انت مش هتقدر تعمل كدة!"
أعطاها الأقسى في الرد عندما ابتسم بإتساع يقترب أكثر ناحية السور وحرك رأسه بتأكيد مصر وقال:
"ليه؟ مش راجل؟ وليا احتياجاتي؟ أكيد لازم اتجوز، أومال هفضل كده!"
وأضاف بسببه الذي جعلها تندفع بانفعال:
"وهعمل كدة عشان ابني يجي وسط أم وأب!"
الٱن تذكرت حديث "جميلة" بأنها هي من تنخرط بالوجع بمفردها. أخذت الحديث بمعني ٱخر تماما. إقتربت ترفع يديها وتشير له باندفاع منفعل:
"على جثتي لو ده حصل!! عايزني أخلف عشان تاخد اللي فبطني يعيش وسط أم مش أمه، انت مجنون؟ ولا اتجننت؟ مين هيوافقك على القرف ده؟ دا بعينك يا غسان فاهم؟ بعينك وساعتها محدش هيقفلك غيري أنا وبس!!!"
هل هذه فطرة الٱم التي لم توضع بها بشدة آلى الٱن أم أنها غلت الدماء بعروقها من حديثه في رغبته من الزواج بغيرها؟ ظل صامتا بشدة للحظات. فوجدها تندفع مرة أخرى بتسرع:
"مين اللي اتهبلت فمخها وعايزه تتجوزك؟ مين اللي وقعت فواحد عمره ما هيتعدل وعينه مش هتبطل تبص وتخون؟ ولا انت فاكرني عبيطة ونايمة على وداني ومش عارفه اللي داير من ورايا؟"
على الرغم من أنه لم يفهم معنى حديثها ولكنه صمت يشعر بالإنتشاء من هذا الإنفعال رغم قلقه عليها ولكن هذا افضل من الدموع والوجع. رفع عينيه يستمع بتجاهل وسرعان ما أكملت تسأله بحدة رغم كتم الدموع:
"إنچي صح؟"
سيتزوج من امرأه متزوجة! أومأ برأسه يؤكد بإستفزاز:
"ٱه"
"ويا ترى بقا حضنتها النهاردة زي يامن. وبرفانها لزق فيك ولا يامن هو اللي حضنها؟"
حاولت الثبات أكثر من اللازم بينما لم تعلم أنه تعمد من بداية هذه المقابلة أن يجعلها تقلل من كبريائها بطريقته في سحب الحديث المنفعل منها. لا يصدق أنها وصلت بأن تسأل هذا السؤال والٱن! اعتدل في جلسته ورفع ذراعيه كدلالة لفرد جسدة بتعب وقال يرد عليها بمنتهي الهدوء الشديد:
"احنا الإتنين حضناها!"
واعتدل يردد مرة أخرى بجدية يشير بسبابته:
"مع انها حاجة متخصكيش بس جاوبتك!"
ابتلعت ريقها بصعوبة وشعرت بإهانتها. كانت على وشك الخروج من الشرفة ولكنها وقفت تقترب على فجأة تود رد كرامتها وظنت أنها ستردها بقولها وهي ترفع يديها تشير ورددت بالمثل:
"أنا كمان هتجوز وهعيش حياتـ ..."
وقبل أن تكمل رفع "غسان" يديه بلمح البصر يمسك معصمها التي تشير به منذ ان بدأت حديث ودفعها ناحيته حتى اصطدمت أكثر بالسور. ابتلعت ريقها ورفعت عينيها تنظر ناحية وجهه المجهول بملامحه. وحينها مال يهمس عكس ما كان بداخله. فمنذ ان سمع جملتها شعر بقسوة حديثه الشديدة عندما ألقاه عليها دون مراعاة. والٱن تفعل المثل. تتزوج رجل غيره؟ كيف؟ كبت انفعاله وهمس بجانب أذنها ولفحت أنفاسه بشرتها بدفء:
"انت ناسية عدتك قد ايه؟"
هذا الهمس يؤثر بها لذا حاولت أن تتملص منه وابتعدت بوجهها تبتلع ريقها وحاولت الثبات بعناد وردت:
"لا مش ناسية!"
ترك معصمها ببطئ وحرك رأسه يرد بتأكيد صريح:
"وأنا أقدر بعد كلامك ده أعمل أقل ما عندي!"
حركت "نيروز" رأسها تستفهم بينما اعتدل يكمل مع ابتسامة صغيرة عبثية ليست هينة:
"أقدر أردك فثانية لا تعرفي تتجوزي ولا تعرفي تتطلقي. ايه رٱيك؟"
مؤذي وحديثه مؤذي! تحركت بعنفوان وتعالت نبرتها بصوت عال تتحداه:
"مش هوافقك على حاجة زي دي. نجوم السما أقربلك!!!"
"وانا قولت أقدر، يعني كل ده بمزاجي أنا. فمتلعبيش معايا بالكلام عشان متزعليش!"
إعتدلت بخوف ما ان رأت جديته في حديثه. لم تكن لديه نية واستطاع تهديدها بصراحة كبرى أمام عينيها التي تهزمة لكنه كابر! تحركت تدخل قبل أن ينوي فعلها مندفع هو وهي تعلم بأنه لم يكن كذلك إلا بقدرتها علي الآستفزاز. ندمت على قولها لحديث مشابه له في قدرتها على الزواج بل تضع نفسها بموقف ليس لديها يد به وهو. هو يسطتيع فعل ذلك وأكثر من ذلك! حرك عينيه صوب جسدها الذي تحرك باندفاع كي تخرج بعصبية غلبها قهرها ووجعها من حديثه السام. واتضح بأنها ليست وحدها من قادرة على أن تؤذي! هو الٱخر قادر على ذلك. علاقتهما سامة وكل منهم لا يعي اي قيمة للٱخر وبينهما طفل يظلم بسبب عقدهما.
سمع صوت إغلاق الشرفة فأخرج أنفاسه الثقيلة المتقتطعة. أزال القناع الظاهر بعدم اهتمامه بينما داخله يحترق. بالوجع والانفعال والشوق وكل المشاعر الذي لا يريد الشعور بها يشعر بها وزاد الضغط عليه بعد رؤيتها الٱن.
هل ظننت بأن نيران الشوق ستخمد؟ مختل.
ظن أن من فتحت الغرفة هي والدته لتأتي بذلك الكوب الذي طلبه منها ولم تجلبه إلى آلان، ولكنه فهم مكرها في التصنع بالنسيان. التفت فوجد "بسام" يقترب منه بابتسامة واسعة، وعلى الرغم من أنه الآن يسمع شجار "منة وشادي"، إلا أنه اتضح أن "بسام" تركهما ودخل له.
اقترب يتذكر ضحكتها الخافتة وهروبها من النظرات المتوجهة منه ناحية عدستيها، وتجاهل مقاطعته كالعادة. وهذه المرة كان من شقيقها "عز". أمسك كتفي "غسان" وداره بمرح في الشرفة، وأغمض عينيه بتيهة وقال بنبرة هائمة:
"يخربيت ضحكتها!"
وداره أكثر تحت ضحكة "غسان" على ما يفعله، وحرك رأسه بانتشاء يشرد وقال مجددًا يؤكد:
"لأ دا يخربيت ضحكتها بجد مش هزار!!"
نظر "غسان" خلفه وحوله بريبة، ورفع كفه يضربه على رأسه كي ينتبه. بينما أصر على فعل ما يفعله وتمسك أكثر وأخذ نفسًا عميقًا وردد بما جعل الآخر يدفعه عنه بقوة:
"بحبك يا فرح!"
انتفض "غسان" بريبة ودفعه عنه تحت قهقهة "بسام" العالية وهو يشاكسه بغمزة عين يسأله:
"ايه رأيك؟ انفع؟"
بينما سخر الآخر وهو يعتدل ليجلس على المقعد الخشبي، فجلس أمامه "بسام" وهو يسمعه يردد بتهكم:
"محسسني إنك محبتش قبل كده ولا قولت بحبك!"
على الرغم من أنه أحب "تاج" بصدق، إلا أنها كانت جريئة ولا تخجل بسهولة. تتخطى الحدود الذي لا يريدها عندما تحاول احتضانه أو مسك يديه بالاقتراب منه، وكان يرفض بحزم، مقرراً وقف كل ذلك إلى حين موعد عقد القران الذي رفضه والدها إلى يوم الزفاف. وبشخصية مثل شخصية "بسام" يود أخذ راحته وأخذ خطوة فعل ما يرد فعله بأريحية للبعد عن أي ذنب. بينما والدها رفض! وهي الأخرى كان مخدوع رغم أن مشاعره صادقة وعين العاشق تخدعه وتستر عيوب المعشوق. أخذ نفسًا عميقًا وسرد براحة في الحديث يوضح له:
"لا حسيت وحبيت كمان وحبيت أوي بس ملقتش قصاد ده حاجة مع إني كنت متمسك مكنتش باخد بالي إني مختلف ومش شبهها ولا هي شبهي. كنت معمي بحاول أرضي وبس مع إني مكنتش بتراضى! بس لما فوقت قولت ليه؟ ليه أفضل في مكان مش مقدرني؟ ليه مضطر استحمل وأنا كنت بتأذي؟ يمكن لو مكنتش اختفت كنت فضلت لسه مختوم على قفايا. وعيت وفوقت وحمدت ربنا إني لو كنت فضلت كنت هغير لأسلوب مش بتاعي وطريقة مش بتاعتي وحتى تربية مختلفة عن اللي اتربيتها!!"
تأثر "غسان" من حديثه فوجده يغير مجرى الحديث، ولكنه أكمل بنفس النهج:
"بس فرح حاجة مختلفة. معرفش ايه الحاجة اللي شدتني فيها. بس ممكن أقولك اعتراف كان عندك حق فيه وحتى دكتور عاصم. أنا خدت بالي منها فوقت صعب وفكرت إني معجب وبحب فضلت مع إني اتحذرت ابعد لحد ما أكون كويس. بس حسيت إني بحبها فوقت مش المفروض يحصل فيه كده. واتشتت في إني بحبها ولا بملي مكان غيرها بيها. بس إتأكدت إني حاسس بحاجة مختلفة محستهاش قبل كده أو حتى حسيتها بس مش بنفس الطريقة. يعني أول ما بشوفها بحس إن ملامحها مريحة للعين. لعيني أنا. بحس إني عايز أجري أقولها تيجي نقعد على الكورنيش ناكل ترمس ونشرب عصير قصب وأحكيلك مشاكلي."
ابتسم "غسان" على آخر حديثه فضحك "بسام" بسعادة على اندماجه وتشتيته، وأضاف يسأل بمشاعر جادة هذه المرة يخاف من حدوث رفض آخر:
"تفتكر عز هيوافق لو كلمناه؟"
ترقب الاثنان على فتح باب الغرفة بعصبية من "شادي" الذي فتحها يهرب من مواجهتها وصوته العالي مسموع وهو يردد بضيق:
"دي بقت حاجة تزهق يا شيخة. يخربيت الجواز واللي عايز يتجوز!!!"
كادت أن تدخل خلفه بينما وقف ينظر بضيق يحاول غلق الباب بوجهها وهو يشير لها برأسه بفظاظة:
"راحة فين يا برميل النكد؟ ابعدي. ابعدي بقا صبري قرب يخلص ولو خلص هتزعلي!!"
أمسكت "دلال" كتفيها برفق تحاول بعدها عن المكان، فوضعت يديها في خصرها وقالت بردح:
"يعني بعد كل ده أنا اللي طلعت نكدية؟!!"
عادتهم وأصبحت هذه عادتهم بعد الزواج. كبت "بسام" ضحكته وأبعدت "دلال" "منة" بعد رد "شادي":
"أه"
"واقسم بالله لعهرفك يا شادي والله العظيم لاجبلك أبويا يتفاهم معاك!!"
"هاته!"
أغلق الباب بوجهها ودخل يزفر بضيق تحت مراقبة "غسان" و"بسام". تهجمت ملامحه وانفلتت الضحكات عليه، فوقف يستند باستنكار يشير لـ "بسام" بتحذير:
"متتجوزش ياض"
نظر "بسام" على حاله وحال "غسان" الذي أكد له برأسه، فنهض يراقص حاجبيه يكيدهم:
"لا هتجوز. هتجوزها وشوفوا بقا ساعتها بسام وهو بيكسر القاعدة ولا هيبقي في نكد ولا غيره!"
نظر الاثنان إلى بعضهما ومن ثم تعالت الضحكات بسخرية من هذا الحال وهذا القول المضحك. اندمج معهم لطالما يرى شقيقه الآن يضحك يتلهى عن الوجع.
حملت الصينية من المطبخ ناحية غرفته هو وتعلم أنها محط للمراقبة الآن من شقيقتها وأولادها. اعتدلت "زينات" وحملت ما بيديها وفتحت الباب بعدما دقته دقة خافتة. دخلت تحاول وزن ما بيديها وسندته على الطاولة حتى أغلقت الباب خلفها واستدارت تنظر نحوه وهو يتسطح على الفراش ينظر على سقف الغرفة بشرود. حرك عينيه ناحية "والدته"، وما أعدته ونهض بالتدريج ينفي بنبرة هادئة جدية قليل ما تخرج دون سخرية أو سباب:
"مكنتش عايز أكل. أنا قولت كده عشان أكسر عينهم زي ما حاولوا يعملوا معاكي!"
شعرت بالسعادة تطوقها، وفهم هو تبدل ملامحها، لذا هرب بعينيه منها وأخرج أنفاسه الثقيلة من على صدره يشرد في ما سمعه من أمر خاص بها وبانفصالها منه. اقتربت "زينات" تجلس بجانبه ولأول مرة يعهد كل هذا اللين الشديد، وظهر في نبرتها وهي تحثه:
"بس أنا بقا قومت وعملت الأكل علشانك وعاوزاك تاكل وتمشي مطرح ما جيت. أنا مش مستعدة يجرالك حاجة أنا مرعوبة حد يجي يشوفك وتبقي ليلة ومش هتعدي يا حسن لو ده حصل!"
فاندفع برأسه يردد بجمود:
"عايزاني أعمل إيه ياما؟ أنا جاي بهرب من نفسي على هنا وهنا مش عايزني. لو مشيت.. همشي بس مش قبل ما آخد منك فلوس!!"
الآن فهمت تخبطه. الجلوس هنا مرفوض ومن ناحية أخرى إن هرب سيعود لطريق الضياع، ولكن كيف؟ حبست أنفاسها وهي تنفي بلهفة:
"لا والنبي يا حسن ارجع مطرح ما قعدتك وبلاش ترجع للي كنت فيه أبوس إيديك أنا مصدقت حرام عليك يبني. أنا نفسي تبقي كويس وتبدأ من جديد. مش شايف آدم اتغير إزاي؟ نفسي تبقى زيه!!"
لمعت عينيه بطريقة غريبة ربما سيبكي! حاصر نفسه وخرجت نبرته الضعيفة يبرر لها:
"آدم كان يستاهل الفرصة دي من زمان. لكن أنا لأ. هو كان جنبه ومازال جنبه ناس يسندوه. قوليلي كده مين فيكم سندني؟ مين فيكم وقف جنبي؟ بينا فرق السما والأرض. بتقارنيني بواحد مكنش ليه في أي حاجة وأنا اللي سحبته لكل ده. آدم مكنش شبهي من الأول ياما. أهله احسن مني بمراحل وكان عنده حاجات كتير تمنعه يروح للطريق ده. لكن أنا كل حاجة حواليا ودتني وهربتني ليه؟!"
نزلت دموعها وأمسكت كفه بلهفة توضح له بوجع:
"أنا جنبك يا حسن. أنا أمك وعمري ما هسيبك وهقف أساعدك لحد ما تكون كويس. انت لسه قدامك طريق ودنيا وحياة. متضيعش نفسك بدري عشان خاطري متوجعنيش فيك يا حسن. كفاية وجعي في أختك ووجعي غصب عني في أبوك!!"
"مبعرفش أهرب غير للكيف وبس!"
قالها مع سحب كفه من بين يديها وأكمل دون أن يعطيها الفرصة تسأله بحزم ومحاصرة:
"مقولتليش ليه إنها اتطلقت!"
دب بها القلق من نبرته، وابتلعت ريقها تفسر بخوف مكبوت:
"علشان خوفت عليك ومنك، وخوف من غسان عشان لو عرفت كنت هتجري تيجي ولو كان مسكك المرادي مش هضمن يسيبك حي!"
إعتدل يغلق سترته ولوى شفتيه بتهكم حتى نهض يقف وقال ساخراً:
"أومال لو عرفتي إنها اتطلقت بسببي!!"
شهقت رغم أنها لم تفهم إلى الآن سبب اندفاع "نيروز"، ولكنها الآن علمت، ووقفت أمامه بريبة وسألته بحسرة:
"ليه كده يبني!"
"حقي"
وببساطة أجاب فنفت تخبره بالحقيقة الموجعة بالنسبة له:
"لا مش حقك ولا عمرها كانت من حقك ولا من نصيبك، حرام عليك تخرب على واحدة عايزة تعيش حياتها بهدوء من غير مشاكل، حرام عليك عشان البت حامل وحياتها اتخربت بدري! نيروز متستحقش ده يا حسن، سيبك منها وتعالى أختارك واحدة أحسن منها بمراحل، اسمع بس كلامي وأجوزك ست ستها بس هي لأ، هي مش نصيبك ولا عمرها حبتك!"
إنفعل من كلماتها وإندفع يشير برمي اللوم عليها هي وعلى والده:
"كله بسببك انتي وهو، محبتنيش عشانكم وعشان كل اللي عملتوه فيا وفيها، انتوا اللي خليتوني كده لحد ما كرهت الدنيا وطلعت هي وكرهتني وحتى انتوا كرهتوها فيكم وفينا!"
وآقترب بحالة غير وعي يشير بيديه أكثر بإنفعال:
"قوليلي امته أنا كنت اتكره؟ امته اتحبيت من حد أصلاً؟"
ضحك بألم ينفي برأسه وقال بما وخر قلبها وشعرها بالندم:
"اكيد مش هتقولي عشان أنا بقيت كده بسببكم وبسببك انتي، طلعتيني كاره كل حاجة وكل واحد حواليا، طلعتيني أبقى كاره الخير لغيري ودايماً أقعد أقارن، خلتيني مريض مبحبش الحلو لغيري وأناني، عايزاها تحبني وأنا كده؟ بلاش ده، دا أنا حتى طلعت كاره بنتك وخلقتها، ليه أوصل لكل ده؟ ليه معرفش أخد صف اختي أو أشوف حصلها إيه؟ دا أنا مغصوب كل ما اشوفها مبقاش طايق أي حاجة ولا طايقها زي ما اتعودت، رجعيني بقا. رجعيني سوي عشان أبطل أذي وأبطل حتى أحبها وأحب حاجة مش بتاعتي!"
سالت دموعها بعزارة، ونفى برأسه بإستهزاء من رد فعلها وضعفها الآن، تلقي الآن حديث ليس أوانه. أم أنه يبرر شره وحقده بقلب الوضع عليها هي؟ إعتدل بوقفته وسار ناحية الباب ليفتحه فخرجت نبرتها الباكية تسأله بضعف:
"طب انت رايح فين دلوقتي؟"
تعمد تجاهلها ولم يرد، بل فتحه ووجدهم مجتمعين أمام باب الغرفة، طالعهم باستنكار وقال ساخراً منهم:
"اخدتوا راحتكم أوي في بيت مش بيتكم!"
رفع رأسه ينظر تجاههن وأشار بيديه بفظاظة:
"سمعتوا الكلام اللي قولته سري ولا سمعكم مجبش دي كمان؟"
ضحكت "مروة" عليه وقال "سامر" متهكماً:
"دمك خفيف يا أبو علي!"
سار بعدما رمقهم بتقزز، وتركه "سامر" يشعر بتشتته، يخمن بأنه سيعود مجدداً بعدما يفكر بالأمر، بينما سارت "أسماء" خلفه وقطعت طريقه تسأله بنبرة هادئة قليلة، فمنذ فترة كبيرة تنتظر فترة رجوعه فقط تتمنى لحظة واحدة لتراه كي تخرج ما بها من حديث يجهله الكل حتى وإن علموا أنها تكن له حباً، بينما لم يكن كذلك وفقط!
"رايح فين يا حسن؟"
رمقها بطرف عينيه وقال بخشونة يصدها بتبجح أمام الكل:
"وانت مال أمك وأهل أمك؟ هتصاحبيني؟"
آقترب "سامر"، بإنفعال يمسك ياقته بشرر وقال منفعلاً:
"ما تخف يا روح أمك بدل ما أعلمك الأدب!"
دفعه "حسن" عنه بقوة حتى عاد "سامر" إلى الخلف بينما ردد الأول بفظاظة دون حرج أمام الأعين:
"علمهم الأدب الأول يالاا وبعد كده تعالالي!!"
قصد "مروة" وبالأخرى الذي بينه وبينها سر كبير لا أحد يعلمه، وإنتهي بسبة اعتراض خرجت من بين شفتيه. فإندفعت "مروة" تردد بدفاع:
"إحنا محترمين غصب عن عينك يا مقرف انت!!"
"طب بعد إذن الاحترام قولي لأختك تحل عني عشان أنا مش شايفها أصلاً، وبالنسبالك يعني فمنصحكيش لسه بـ 'بدر'، الصراحة مراته أحلى منك دا فـ ريحي بقا!"
وقفت "زهور"، تنظر له بحزم وقالت توقفه عند حده:
"انت زودتها أوي يا بن زينات!"
"اسمعي نفسك بتقولي إيه وانتي واقفة فبيت مين!!"
رددها بسخرية، ولم يعطيهم الفرصة للرد بل أشار بيديه قائلاً:
"عيلة بتحب وجع الدماغ، أنا ماشي وسايبهالكم.. سلام!"
وأغلق الباب خلفه تاركهم ما بين الشعور بالقهر والكسرة والخذلان من "أسماء وزينات" وما بين مشاعر حقودة مغتاظة مكبوتة بانفعال تنتظر لحظة ضعفه واستسلامه! أما هو فلم يهاب بهذه اللحظة عندما اخذ أنفاسه وإقترب من شقة "سمية" يدقها ويدق جرسها، ود الآن الحديث معها بعد علمه بما حدث، ود التصرف بنفسه يتخلى عن تهديد الآخرين وشماتتهم، فتح الباب بواسطة "حازم" الذي ما إن نظر له تحولت ملامح وجهه للصدمة! بينما وقف "حسن" بسكون مريب تحت شهقات من بالداخل، وأخذ نفساً عميقاً يسأله بإسلوب رفيق كي يستطيع تحقيق ما أتي له:
"إزيك يا حازم!"
دفعه "حازم" بسرعة ناحية الداخل قبل ان يخرج "غسان" ونظر له بملامح متشنجة يسأله:
"انت كنت فين وجاي ليه هنا دلوقتي؟"
لم يغفل عن حديث "نيروز لـ 'زينات'" لذا توقع بأنه سبب الطلاق مثل المرة السابقة، ابتلع ريقه ونظر نحو ملامح "جميلة" المترقبة بتوتر ووقوف "عز" بغرابة يتابع، في حين ترك "حسن" شقيقه واقترب من "سمية" تحت فتح باب غرفة "ياسمين" التي خرجت منها ومع "وردة"، التي تحاول مراضاتها وأخيراً خرجت! تصلبت أجسادهم وهما يران شخص ليس من الجيد قدومه وبهذا الحال! رفعت "سمية" عينيها هي و"عايدة" تحت مراقبة "حنان" وتحرك هو أكثر تجاه الأولى يسألها برفق:
"أنا مش جاي أعمل حاجة ولا ناوي أذي، أنا عايز أشوف نيروز بس خمس دقايق!!!"
صمتت رغماً عنها وتفاجأت بـ "ياسمين" تقترب وهي تهدر بإنفعال به:
"انت جاي ليه؟ امشي اطلع بره!!!"
وأشارت بيديها تهدده:
"بـــره بدل ما أعرفهم إنك هنا!"
إقترب "حازم" ينظر له بينما كان هو على مشارف الترجي ليراها! في حين تعلقت عينيه بعيني "جميلة" وكأن الدماء قد حنت شملها بعينيها ولاحظ وجود "عز" فسألها يحاول محو مشاعر البغض والحقد:
"إزيك يا جميلة!"
لأول مرة تعهد منه اللين، ما يجعله يزداد بهذه المشاعر هو صد الآخرين له فيتوقف! لمعت عينيها بدموع غمرها الحزن على حاله، وكالعادة أرق ما في أشقائها كانت هي، هي الوحيدة التي ذهبت لوالدها كي تراه شوقاً، والآن شعرت بما يشعره رغم وجود مشاعر الضيق منها تجاهه، ابتلعت ريقها وجاهدت على خروج الحديث بينما لم تقدر، في حين سأل مجدداً عن "فريدة":
"فين فريدة؟"
استنكر الكل أسئلته، فخرجت نبرة "سمية" تجيبه بعقل:
"لو سمحت امشي يبني، الحال مش ناقص يتعوج، كفاية اللي جرا، امشي والله يصلح حالك بعيد عننا!"
إعتدل ينظر بعينيه هذه المرة.
نظرة الترجي كانت واضحة عندما أصر بقوله:
"خمس دقايق بس وأوعدكم همشي بعدها علطول!"
وقف "حازم" عاجزًا، متشتتًا، إن انفعل عليه الآن سينقلب الحال بشدة، وسيدخل الآخر الذي ينتظر عودته ورؤيته، رغمًا عنه يشعر بالخوف على شقيقه! وخاصة الآن عندما وجد على ملامحه التعب والتشتت لأول مرة بحياته!! ناهيك عن ملامحه وجسده اللذان يثيران للشفقة من كل عين تترصد له وتنظر ناحيته! وما الذي أوصله لهذا الحال؟!
"قولتلك امشي اطلع بره، إيه مبتسمعش!!!!"
وإقتربت "ياسمين" أكثر تشير له بفظاظة وتحذير:
"أختي لأ، ومش هسمحلك تقرب منها كفاية اللي هي فيه أوي!"
صمت "حازم" بعجز، والهموم تثقل دون أسباب محددة، في حين اقترب "عز" هذه المرة ينصحه بهدوء شديد دون أن يرفع نبرته، وعلم جيدًا موضع "حازم" الآن:
"إمشي يا حسن وبلاش مشاكل، نيروز مش مستعدة تقابل حد عشان تقابلك، الوضع مش أحسن حاجة، وسامع إن غسان مقرر ميسيبكش من ساعة آخر مرة كنت هنا يوم موت أبوك!"
بالطبع لا يعلم ما حدث بينهما، هل هذا ما يعلمه البعض؟ نظر بتمعن له وتشنجت ملامحه بكره للشبه الذي جاء له ودمر حياته أكثر ما كانت مدمرة!! الشبه الذي بينه وبين "شريف"؟
أحيانًا يكره الآخر الشبه بسبب هذه النظرات الذي يتلقاها منهم، خاصة "فريدة"، شعرت "جميلة" بما يحدث، فاقتربت تردد بترجي وهي تقف بجانب "عز":
"علشان خاطري يا حسن تمشي، أنا عارفة اني مليش خاطر عندك بس معلش اسمع كلامي المرة دي وحاول تقبلني!!"
الآن يرى شخصًا يتجاهله بأن يقبله، لا يعلم لماذا هي التي يشعر تجاهها بالحنو الآن! وليس آخر! فترك "حازم" ويبغض "فريدة" وهي لم يتواجه معها بشئ على الرغم من مشاعر الكره ولكنه لم يستطع أن يعانق والدته! لم يستطع مسامحتها، الآن يرى أن هذه ظلمت مثله تمامًا، لم تقدم على خطأ بحياتها مثل الأخرى ومثله ومع ذلك ظُلمت!! وحتى مشاعره تجاه "حازم" كانت غيرة وبغض، يكرهه لأنه المقرب من والده طوال حياته، يحترمه والده ويأخذ بقراره ويسير وراء رأيه، وكان هو المنقذ لشقيقته بما يحدث أمامه! ترقبت "فرح" بخوف، في حين انتظر الكل بالنظرات رد فعله أو حتى قوله بإجابته!!
ولكنه الآن يريد عناق، أي عناق لم يحصل عليه، لا يفهم هذه المشاعر ولكنه رفع ذراعيه يضم "جميلة" ناحيته ببطء، تصلب جسدها وهابت الأنظار بفقدان ثقة به، بينما لمعت عيني "حازم" بجهل لما شعر به الآن، ووقف "عز" ينظر بقلق داخلي قد دب به، لا يثق به هو الآخر ولكنه تركها عندما شعر بتراخي جسدها بين ذراعيه، همس لها بطلب لم يطلبه طوال حياته:
"أحضنيني يا جميلة!"
لم تلبي غرضه ولكنها لم ترفض ولم تحرر نفسها بين ذراعيه بل بقت وارتجفت أوصالها بتأثر عندما طلب منها بنفس الهمس الضعيف يترجاها:
"ضُميني عشان خاطري، أنا محتاج حضنك!"
لبت غرضه هذه المرة بغير وعي وضمته بذراعيها بشدة، فأسند رأسه على كتفيها، تأثرت "فرح" و"وردة" و"عايدة" و"حنان" من هذا المشهد ولمعت أعينهن بالدموع، في حين حبس هو دموعه كي لا تقع وتلاقت عيني "عز" و"حازم" بغير فهم من طرف وتشتت وتيهة من طرف آخر، أخرجها "حسن" من أحضانه بعدما همس لها بشكره، فخرجت تنظر له بتمعن، وإلتفت بوجهه يطلب من "سمية" مجددًا:
"خمس دقايق بس وأوعدك اني مش هعملها حاجة!"
"هو انت متخلف ولا عقلك تعبان؟ بقولك اختي مش هتقدر ومش مستعدة وملوش لازمة أصلًا، عايزها فإيه؟ ولا انت فاكر بقا اننا هنوافق بعد الشويتين دول!!!"
ماذا يريد؟ نظرة! أخذ أنفاسه واستجمع "حازم" نفسه وقال بعدما اعتدل يقترب منه:
"مينفعش يا حسن، امشي لإن كفاية مشاكل كده، روح عند أمك أو ارجع المستشفى بالمكان اللي كنت فيه، أنا مش عايز غسان يطولك ولا عايزك تطول نيروز فنفس الوقت!"
ابتلع "حسن" ريقه وحاول الإصرار قبل أن يرحل في حين رفع عينيه حتى كادت أن تخرج نبرة "عايدة" بنفس الطلب، بينما الغير متوقع هو فتح باب غرفة "نيروز"!!! وما أن وقعت عينيها عليه وهي تتمسك بالباب، فتحت فاهها بمفاجأة من وجوده، أما هو فألقى عينيه عليها بتفحص، حركت رأسها نفيًا، ووقفت متسمرة بمكانها بينما لم يعِ هو أن خطواته تقترب منها حتى بات قريبًا لها ولوقفتها وخلفه الكل يترقب، وأول شئ كان قد قاله هو اسمها:
"نيروز"
ماذا بعد؟ رفعت عينيها الساكنة ببوادر غضب شديد لم يظهر بعد، تخلت عن الخوف ما كانت تخاف عليه وتهابه قد رحل وتركها، الأصح هي من تركته، وهذه نقطة جديدة وسر لم تفصح عنه بأنها تخلت وتركته للمرة الثانية من أجل شر ذلك الذي وقف أمامها، وعلمت بأنها إن استمرت بهذه العلاقة فنهايتها هو موته! موت أحد الشباب على يد أهوج ومختل تارة وتارة أخرى شخص ساكن لا يريد إلا هي، هل هذا مرض أم نقص؟
تحدث مرة أخرى وأردف بإنهاك يتأسف:
"أنا آسف، أسفلك اني عملت كل ده ومشيت وسيبتك!"
هل الأسف على ندالته وتركه لها منهارة وهو بين ذراعيها بدماءه وثالثهما الرجل؟ هل يتأسف على ذلك وفقط؟ لم يتأسف على خراب حياتها الذي كان سببه؟ ابتلعت ريقها ونظر الكل بتمعن لها، بينما رجعت هي إلى الخلف بصمت تدخل فتخطي عتبة الباب، اقترب "حازم" و"عز" خوفًا من أن يغلق الباب ويحدث تهورًا ولكنها...
على فجأة رفعت "نيروز" ذراعيها ودفعته بعيدًا عنها بقوة، عنفوان شديد وهاجت أعصابها حتى التصق بالحائط ورفعت سوارها بشر شديد تهتف بإندفاع صارخ به:
"انـــت جـــاي ليه؟ ها؟ جاي ليه؟ جاي تخرب حياتي اللي اتخربت بسببك؟ أنا هقتلك، اقسم بالله هقتلك، أنا مبخافش منك، معتش بخاف منك سامع؟"
أين كان رد فعلها ذلك في المرة السابقة؟ أم أن حالتها بالمقابر لم تسعفها لشئ كهذا؟
حَبست أنفاس الكل بصدمة، بينما اقترب حازم وعز وهرولت سمية بخوف مع وردة للداخل أكثر. أما هو فبقى ساكنًا، ولمعت عينيه مرددًا بضعف أمامها:
"اعمليها، اعمليها يا نيروز وريحيني، أقسم بالله أنا اللي راضي أموت على إيدك واترحم من الدنيا دي، أنا مش عاوز حاجة منها غيرك، بس حتى انتي مش عايزاني!!"
تعالت أنفاسها وحاولت التحلي بالثبات بينما أكمل هو:
"قدامي فرص بس مش عايزها، ومش هشوفها غيرك بقبولك، عشان خاطري وافقي عليا وأنا هبدأ من جديد، أنا كرهت وكاره حياتي، انجذيني منها أبوس إيدك، أنا بحبك!!"
حالة اللاوعي مرة أخرى، أدمعت عينيها وتراخت يديها تنفي بوجع، وقالت بنبرة هشة ضعيفة:
"انت دمرتني، دمرت حياتي من قبل ما اتجوز غسان ومن بعدها، عاملي رعب مراحش، دايما ملازمني امته هتيجي وتاخده مني بالموت، أنا سيبته بسببك انت، واتقهرت بسببك انت بردو، ليه مش عايز تسيبني فحالي، أنا مبحبكش، مبحبكش إفهم بقا، وانت مش هتتغير عشان حد، اللي بيتغير بيتغير عشان نفسه وبس!!"
تعالت أنفاسه أسفل يديها التي تراخت وسرعان ما شددت بمسكها أسفل عنقه تحت صدمة الكل وجسدهم الذي تصلب، وأضافت تلك المرة بصوت عالٍ صارخ:
"انـــت عـــايز ايه؟ عــايز ايــه مني بقــا حرام عليك!!!!"
واقتربت بملامح متشنجة حتى تأوى من ضغط النصل الحاد على رقبته فاندفع حازم وعز يفصلانها تزامنا مع صراخها العالي:
"ملـــكش دعـــوة بحيـــاتي، ملكــش دعوة بيا، إبـــعد عــني!!!!"
توجع ولم يدفعها، كان مستسلمًا رغم شعوره بأن طبقة سطحية قد خُدشت قبل أن تتعمق. فصلها حازم بقوة تحت بكاء جميلة وفرح التي هابت المشهد، وانتفض الكل عندما صرخت نيروز بصوت عالٍ منهار كادت أن تقطع أحبالها الصوتية وهي تصرخ بعلو تحاول النيل منه. أما هو فاختنقت أنفاسه. اندفع الكل ناحيتها بينما تصمم هي فأحكم حازم فصلها عنها حتى رُفعت قدميها عن الأرض بسنتيمترات قليلة. واندفعت جميلة بهذه اللحظة تفتح الباب بسرعة وهي تحث حسن على الهروب قبل مجيء أحدهم.
بنفس ذات الوقت تعالت صراخها أكثر، وكان هو بداخل الغرفة ولم يتركه شادي وبسام. ومن بين الحديث الذي يتابعه بصمت اخترق سمعه صوتها. سمعه وحده. رفع غسان كفه يشير لهم بالصمت وترقبت ملامحه وهو يستمع حتى انتفض من على الفراش بسرعة البرق ما إن اخترق صراخها العالي الذي ازداد سمعه وربما سمعهم هذه المرة عندما انتفضوا بعدما هتف باسمها يخرج بسرعة من الغرفة ليتجه نحو شقتها:
"نيروز!!!!"
هتف إسمها بخوف وركض بسرعة ناحية باب الشقة تحت ركض البقية. بينما بهذه اللحظة خرج حسن يهرول على السلم سريعًا بعدما سحبته جميلة بخوف تحثه على الهروب. فتح غسان الباب بسرعة ولم ير أمامه سوى صراخها دخل مهرولًا ناحية الداخل وخلفه البقية حتى دلال ووسام ومنة. بينما في الداخل ظلت تصرخ نيروز بانهيار شديد تحاول دفع الكل ببكاء صوته عالٍ. وعجز حازم وعز وشقيقتيها وحتى النساء عن مواساتها. بينما هي تبكي بشدة وبكت ياسمين وردة من هذا المشهد الصعب. وجعت قلوبهم وهي تتحرك بعنفوان بين يدي سمية وياسمين وحازم. ووقف البقية بصمت عاجز مع خوف وملامح مصدومة. ركض ناحية الداخل وهي مازالت عند هذا الصراخ وقف مصدومًا وابتلع غصة مريرة بحلقه من انهيارها هذا. انهيار عصبي بمثابة موت قريب. أحيانًا ما ينتهي الانهيار بالموت. ابتلع غسان وصاح يهتف باسمها بخوف:
"نيــــــروز!"
اختنقت نبرته ووقف بسام بقلق وكل منهم لا يسمع الآخر بسبب صراخها وبكاءها الشديد. بينما هي تستمر في التحرك تحت حثهم على أن تهدأ ولم تفعل. تحرك بسرعة يعي ما يحدث وفتح الباب أكثر يشير لبسام وشادي ففهما على الفور. بينما هو هرول سريعًا يدفعهم عنها وهتف بخوف وتقطع يحاول سحبها داخل أحضانه:
"نيروز.. أنا هنا.. أنا جنبك متخافيش!!"
كان قوله مرتفعًا بينما سحب شادي وبسام الكل ناحية الخارج وانتهت بغلق شادي الغرفة. وحاول حازم منع ياسمين باندفاعها بخوف وكذلك فعل المثل عز مع جميلة. بينما جلست سمية تبكي بحيرة وهذه المرة احتوتها دلال بين ذراعيها تحت ركض البقية وهم يدخلون من باب الشقة أثر هذا الصراخ. من حامد وادم وفريدة وصغار شقيقة الثاني.
ضمها وهدأ الصراخ تدريجيًا عندما همس لها بضعف وعينيه تلمع من هذه الحالة التي لبستها. تعالت أنفاسها فردد مجددًا بكلمته الذي كررها كثيرًا:
"أنا هنا أنا جنبك متخافيش!!"
"أنا غسان، أنا معاكي أهو!"
كلماته خرجت بوجع. تلك المرة سالت الدموع منها وهي تئن بضعف وتشهق بتمزق حتى ربطت ذراعيها خلف ظهره بغير وعي الآن تشعر بأنها تحلم. بكت بصوت وفاض بها كل شيء الأشياء التي رحلت الآن معها عقلها يستعيد كل شيء حتى بكاءها في ذلك اليوم التي وعيت به أن والدها قد رحل. واليوم التي رددت له بأن يفارقها بالطلاق للمرة الأولى ثم بكت وعاد توسلها بخوف في أن لا يتركها وهو على فراش الموت بأيامه الأخيرة. ثم كلمة طلاقها التي رددت منه. الأركان تضيق حتى بخيالها وخيال عقلها الذي يعتبر حقيقية موجعة. شهقت وهي تتشبت بملابسه بألم فشدد هو وبكى هذه المرة عليه. سالت دموعه عندما سمعها للمرة الثانية في أوقات ضعفها تئن باسم والدها وكأنه البطل الحقيقي بحياتها لم يكن قبله ولم يأتي بعده. ثم باسمه هو مرارًا وتكرارًا. يعلم أن كل ذلك ثقل عليها بينما هو. ما الذي لديه. هتف بضعف وهو يضمها أكثر:
"أنا مش بعيد أنا أهو والله العظيم معاكي.. متخافيش!!"
وكأن كلماته تُسكنها تدريجيًا عندما ظل قرابة العشرة دقائق يهمس بنفس الهمس يحاول التماسك في عدم ظهور ضعفه. قلقه وخوفه جعله يركض لها كيف يستطيع العيش بدونها وهي. هي لم تهدأ إلا معه هو.
ولكن لما يوجع الاثنان نفسهما. يصر على الوجع كما تصر هي. ولأنها بحالة غير وعي كاملة همست قبل أن تذهب في سبات عميق وهي تستند على صدره:
"متسبنيش!"
كانت لديه القدرة رغمًا عنه في تركها. بعد ذلك لم تعي أي شيء وانتظمت في أنفاسها. بينما هو في حالته هذه يتخبط ولكن وجع كرامته يغلب. وأصبح يغلب بعدما يتخطى لها كل مرة في مثل هذه اللحظات. يتأكد من أنه عندما تعي ستستنكر كل ذلك وهو أيضًا لم يصر على أن يعودا. كانت لحظة انتماء. رد الأمان. وكيف الأمان بدون ذراعيه واحضانه الدافئة. كابر كما تكابر وستكابر. مرر يديه على خصلاتها وعانقها عناق أخير ومسح وجهه ببطء. يُعدل وضعية نومها على فراشها وفرد ساقيها برفق حتى التقط الغطاء ليضعه على جسدها. جسدها الذي ظهر أمامهم. وخصلاتها المكشوفة بأغلب الوقت. توقف سريعًا بقلق عندما لاحظ جرح قدمها.
جهل عن هذه العقبة وتقحصه بسرعة بأنامله إلى أن أغمض عينيه بتعب وخمن احتمالية سبب جرحها آنذاك. غصة مريرة بالحلق والقلب. تهلكه بأفعالها وأقوالها وجروحها ومع ذلك لا يستطيع كرهها. اعتدل برفع الغطاء على جسدها وساقيها المكشوفة. وثبت عينيه عند كفها الموضوع بتلقائية على معدتها البارزة بشكل ضئيل ليس ظاهرًا بشدة.
ابتسم غسان بوجع شديد وانحنى بإنهاك يقبل كفها ومعدتها التي تحمل بها طفله. ورفع الغطاء بعدها واستقام بكبرياء يقرر تركها الآن. تركها لعودة الحال مثل السابق. تاركًا دمعته التي هبطت على كفها. وفتح الباب بهدوء شديد ثم أغلقه خلفه بحرص. فاندفع الكل ينهض وسألت سمية بنفس وقت سؤال ياسمين:
"بقت كويسة؟"
أومأ غسان يشملهم بنظرته من تجمعهم هذا وقال يخبرهم باختصار هادئ:
"نامت"
قرروا تركها كي تنعم بالراحة. بينما وقف ينظر في الوجوه جيدًا ولاحظ وقوف البعض وجلوس آخرين بأعصاب مفقودة. فواصل بعدما حرك عينيه من على والده وثبتها ناحية سمية وياسمين وردة وسألهم بجدية شديدة:
"ايه اللي وصلها لكده؟"
تحولت النظرات نحو وجوه بعضهم والتزمت عايدة الصمت مع عز وعائلته وجميلة. بينما اقتربت فريدة.
تنتظر الرد مع "آدم" والبقية. نظر "بسام" نحوهم باهتمام وانتظار. ولأول مرة، صمتت تلك الشرسة. هنا، صمتت "ياسمين" من أجل "حازم" وشعرت به وبوجع موقفه. بينما لم يتحمل "غسان" الانتظار، بل واصل بنبرة أشد من السابق:
"أنا عايز رد على سؤالي، إيه اللي وصل نيروز للحالة دي؟!"
شعر "حامد" و"دلال" وشقيقه وحتى شقيقته بنبرته التي خرجت حادة عليهم بنظرة ثاقبة. بينما خرج صوت "ياسمين" تسأله بمتنتهي الهدوء والثبات بعدما رفعت يديها تمسح وجهها:
"بتسأل وعايز رد بمناسبة إيه؟"
"طليقتي!"
وكأن قوله لا ينقصه تبجح من كثرة تبجح الإجابة ذاتها. اغتاظت "ياسمين" من قوله وقالت هذه المرة بحدة:
"انت شايف إن ده سبب مقنع عشان تعرف؟"
علم أنها تراوغ. وبفطرة عقله بحث سريعا عن أضعف الموجودين كي يأتي بهم بالإجابة. لم يجد. وقعت عينيه على "فرح" بتلقائية التي سالت دموعها بشفقة عليها. وبضغط حاول انتهاز الفرص واقترب يسألها بجرأة أمام الكل:
"إنت كنتي موجودة؟"
الاثنان أصبحا يرتديان مثل بعضهما بعدما بدل "غسان" ملابسه. التفرقة هي أنها وجدته هو من خرج من غرفتها. ثبتت عينيها عليه بتوتر، فاقترب "عز" ينفي بخداع كي يخرجها من هذه الدائرة التي لا تنتهي:
"لأ، ما كانتش!"
لم يراها مسكينة ستصارحه. علم "عز" ما فكر به عقله لتوه. ونظر له بتمعن وأخرج نفسه من هذه المشكلة والعقبة وشقيقته أيضًا. أخرج "غسان" أنفاسه ينظر وتعمد الإصرار على عدم التحرك حين يعلم ماذا حدث. بينما اندفعت "ياسمين" تهتف له هو بالاخص بوقاحة:
"لأ.. إحنا بنام بدري!"
اهتزت الأنظار. وجلس "غسان" بتبجح يشير لها بفظاظة:
"وأنا بسهر، ومعاكم هنا للآخر ومش هتحرك إلا ما أعرف اللي حصلها ده سببه إيه!!!!"
التزم الجميع الصمت. في حين اقتربت "ياسمين" تهتف بحدة:
"متجيبش آخرك معانا بكده. مفيش حاجة حصلت وانت مالكش حق تسأل السؤال ده!!"
"أنا مليش آخر. أنا عايزكم انتوا تجيبوا آخركم وأنا اللي معاكم للآخر!!"
تحداها بنبرته وحديثه فانكمشت ملامحها بضيق. ولكن هذه المرة قبل أن يقترب "حازم" لينهي الوضع بهدوء، تدخل "حامد" بحزم وسار يقف يشير لـ"غسان":
"يلا يا غسان!"
نظر داخل عيني والده المحذرة. ولكنه أبى ذلك بقوله:
"مين فيكم اللي وصلها للحالة دي؟!"
تشكك بهم. وزع عينيه عليهم جميعًا. وخرج صوت "سمية" تنفي ذلك بـ:
"محدش يا ابني. هي كده مرة واحدة!"
يعلم أن هذه الحالة جاءت بسبب ما وليس بتلقائية. فنهض ووقف ينظر داخل عينيها وقال بصوت منخفض أعلن عن نفاذ صبره:
"الكذب حرام!!"
نهرته "دلال" بنظراتها. بينما اعتدل هو وقال يخيرها:
"ده كان حل أسهل. بس انتوا اللي اخترتوا الحل التاني. مع إن شكي بيبقى في محله بس نجرب وماله بس كده!!!!"
وما أن قالها اندفع ناحية الخارج متوجهًا بسرعة ناحية غرفته بشقة والده. وهابت الأنظار. بينما اندفع خلفه "شادي" و"بسام" و"عز" و"حازم" و"آدم" وحتى "حامد". أما هو، فخرج بهدوء بعدما التقط ما يريده من الداخل. قاطع سيره إلى الخارج وقوف "شادي" و"بسام" الذي سأله بقلق:
"إنت هتعمل إيه يا غسان؟"
وأضاف "شادي" بتحذير:
"متتهورش وارجع!"
وقف "حازم"، ولم يفهم ما الذي يحدث. بينما جابت عيني "عز" ما يخفيه بين كفيه. بينما دفعهما "غسان" بذراعه متوجهًا من الجانب الآخر ليخرج. ولكن كان قد أغلق "حامد" باب الشقة ووقف يضع ذراعه محذرًا بنظراته إياه:
"اعقل وادخل جوه وبلاش جنان!"
وهتف "عز" بعدها بمنتهى الهدوء وهو يضع كفه على كتفيه من الخلف:
"ارجع يا غسان اللي ناوي تعمله ده ملوش لازمة!"
هو الذي فهم ما الذي يمكن فعله برد فعله هذا وبالأخر "شادي". اندفع "غسان" يحاول فتح الباب بهمجية. ولكن أوقفه هذه المرة الكل عندما وقفت الشباب بجانب "حامد". كان يخطط للذهاب نحو "زينات" كي يثبتها ليعلم منها إن كان "حسن" موجود بالفعل أم لا. حاول دفعهم ولكن هذه المرة صرخ "بسام" به بصوت عال:
"قــــــولنـــا إعــقـل وارجـــع بقــا!!"
تعالت أنفاسه. وكل مرة صداع رأسه يزداد. زفر بصوت عال ضيق وضغط على فكه يضرب الباب بعصبية حتى وقفت تتعالى أنفاسه وشعر بهذه اللحظة أن الدماء تهبط من أنفه. تلهف "بسام". وترقبت الأعين في حين هرول الآخر يجلب له منشفة ورقية ليمسح بها. تزامنا مع قول "حامد" القلق والشباب تسند الباب معه وبجانبه:
"شفت آخره دا كله إيه!! أدي مناخيرك بتنزف!"
ارتجفت يدي "غسان" لأول مرة. شعر بالضعف حتى توازنه لم يعد يتحمل ثباته. سقطت المطواة من بين يديه التي يخفيها. وقبل أن يجلس بخواء على المقعد، دفعه "بسام" بين أحضانه بقوة. لم ولن يقبل أن يظهر الضعف أمامهم حتى ولو كانوا هم أقرباء. استسلم "غسان" بين ذراعي شقيقه وتنفس بصوت عال. وسمع "بسام" أنفاسه المختنقة الذي يكتمها كي لا يبكي. بينما هو يتذكر صراخها ومشهدها المؤلم. لم كل ذلك من البداية. شدد "بسام" من ضمه له وقال بصوت مختنق يكابر على أن لا يبكي هو الآخر:
"اجمد.. اجمد يا غسان ابوس إيدك. والنبي متعملش كده في نفسك. أنا مش متعود عليك!!!"
وأضاف بتحشرج قارب على سقوط دمعته معه:
"أصلب نفسك وحياة أغلى حاجة عندك!!!"
كلماته تتقطع. ووقف "حامد" بعجز ينظر إلى ذلك الانهيار الذي يحاول كبته. بينما فتح الباب ليخرج منه البقية رغم أنهم يتوجب عليهم الجلوس. ولكن هذه اللحظة صعبة. صعبة للغاية أمام أعينهم. وقف "شادي". ينظر بحسرة وفرد ذراعيه يضمهما بين أحضانه. بينما الآخر اختنقت أنفاسه بصعوبة وحاول التملص من بين ذراعيهما ولكنهما أصرا على احتواءه.
انسحب الكل بخفة. في الشقة الأخرى. ونظرت "جميلة" وشقيقتي "نيروز" عليها من على بعد. كانت "ياسمين" تقرر الرحيل نحو شقتها اليوم بعد هذا الوقت. بينما الآن لم ولن تتركها. سندها "حازم" ناحية غرفتها. وسندت "وردة" "سمية" هي الأخرى. ووقف "آدم" ينظر نحو ملامح "فريدة". بينما الصغار كانوا بالغرفة مع "يامن".
اقترب يسألها تزامنا مع رحيل "عايدة" مع "حنان" و"عز" و"جميلة" للشقة الأخرى حيث قبل الرحيل. اقترب "آدم" يسألها بترقب:
"مش هتروحي تنامي؟"
رفعت عينيها تنظر له بصمت وأومأت تؤكد برأسها. بينما هو طمئنها مجددًا:
"متخافيش!"
وبمواجهة ردت "فريدة" تحاصر نفسها كي لا تنفرد بالوجع وقالت بتحدي ووحدة عليه رغم أنه ليس لديه ذنب:
"مبخافش!"
"وأنا عايزك كده أصلا!"
رفعت عينيها فوجدته يبتسم بصدق. وخرج "أدهم" و"يوسف".
فمسك كفها واعتدل يغمز وهو يشير للقلادة المعلقة برقبتها:
"خلي بالك مني ومن أمي!"
استطاع أن يخفف عنها عندما ضحكت بخفة. تحرك رأسها بطاعة، وانحنت تقبل وجنتي "أدهم ويوسف"، واعتدلت مع قول "أدهم":
"باي يا فيفي!"
لم يعطيها الفرصة لترد بل قال يصارحها بلهفة طفل متعلق:
"أنا مش عايز أمشي ما تيجي تعيشي معانا!!"
"أيوة يلا تعالي"
قال "أدهم"، وأيده "يوسف" ببراءة، فضحكت بخفة. وقبل أن ترد عليهما أجابهم "آدم" بابتسامة واسعة:
"إن شاء الله قريب هتيجي تعيشي معانا، ولا إيه يا شاطرة؟"
عاندت ونظرت تتحداه بقولها:
"أنا مش شاطرة!"
"لا شاطرة، أشطر واحدة شوفتها وعرفت توقعني فيها وتشغل بالي بيها!"
نظرت بخجل فتحرك يشير بالوداع وهو يخرج، فخرجت هي بعدهم. ووقفت تودعهم بإشارة يديها ورحل بعدما غمز لها بمشاكسة. وقبل أن ترفع يديها لتدق الباب كان قد فتح وخرج منه "عز" التي ما إن وقعت عينيها عليه حاول الخروج بسرعة كي يتفادى النظر بعينيها التي تتهمه دون ذنب. خرج وخرجت "فرح" مع "جميلة" التي ابتسمت ببساطة، تحثها:
"خلي بالك من نفسك يا فريدة، هبقى أعدي عليكم بكرة أشوفكم وأشوف نيروز!"
عانقتها موافقة على حديثها وودعت "فرح" و"حنان" أمام عيني "عايدة". وانتظروا المصعد تحت وداع "جميلة" الباهت بالحزن على "نيروز". وخلال دقائق رحلوا. فرفعت رأسها لتجد وجه عايدة المبتسم وهي تحثها بحنو:
"ادخلي يا حبيبتي غيري على ما أعملك حاجة تاكليها عشان تنامي!"
ابتسمت "فريدة" توافق ودخلت حتى أغلقت الباب خلفها. بينما الشقة المجاورة، كان يتابع بها حين الصراخ عائلة "زهور"، بينما الآن كانت تتابع "زينات" صوت ابنتها وخافت الخروج كي لا تتسبب في مشاكل وعقد لابنتها مع "سامر" الذي لا يكف! رغم تحذير "حازم" لهم بالرحيل!
***
خرج من مرحاض غرفته بعد وقت، بعدما نصحه شقيقه أن يدخل للاغتسال كي يعي وكي تستطيع أنفه أن يأخذ الهواء براحة. كبرى. وقعت عينيه على "شادي" و"بسام" وحتى "حامد" الذي لم يترك الغرفة. تأفف بضيق، وفتح خزانته يلتقط تيشيرت كي يرتديه على جزئه العلوي المكشوف مرددًا:
"أنا كوس وعايز أنام، فاطلعوا بره يلا!"
فرد "بسام" جسده على الفراش بأريحية وقال بغير اهتمام لحديثه:
"أنا هنام هنا النهاردة، سريرك ده مريح بشكل ميتوصفش! أحسن من سريري وسرير المستشفى!"
ضحك "شادي" و"حامد"، بينما ارتدى هو ملابسه واقترب يدفع "بسام" من ذراعه كي يتسطح على الفراش مرددًا بلهجة أمره متعبة:
"أنا عندي صداع ومش فايق لكم!"
الآن وحرفيًا، يود الهروب منهم لوجعه. لا يصدق بأن تلك الحالة لبسته قبل وقت أمامهم، كلما يتذكر صراخها ومشهدها. عقله لا يكف عن التفكير عن احتمالية الأسباب رغم أنه يشعر أن شكه بمحله. وقف "شادي"، يخلع سترته وقال بابتسامة واسعة:
"وأنا كمان هنام هنا!"
رفع "غسان" رأسه وأشار له بوقاحة، وهو يلتقط الغطاء من بين أيديهم:
"حضن منة أحسن، منصحكش!"
ضحك بخفة، وتناسى أمر "حامد" بل مال يجلس ليشاكسه وقال بنبرة نسائية مدللة تثير للضحك:
"كده برضه يا سي غسان قوام نسيت اللي بينا، ولا ألف حضن من غيرك يبقوا زي حضنك انت يا قلبي!"
قهقه "بسام" بصوت عالٍ، ووجده "غسان" يميل فأنفلتت ضحكته بيأس. ووقف "حامد" ينهره من بين ضحكاته:
"آه يا رخيص!"
سند ظهره على الفراش بعدما ارتمى عليه، فاعتدل "غسان" ينظر على ضحكاتهم العالية وسرعان ما قطع كل ذلك نبرة "دلال" التي تعالت وهي ترحب:
"أهلاً وسهلا اتفضل يا أستاذ طارق، تعالى ادخل، ثواني هندهلك أبو غسان!"
عند هذا القول وفتح "بسام" عينيه يتذكر حديث "منة" واعتدل يتحدث بذهول له:
"دي جابتلك أبوها بجد؟!"
اعتدل "شادي" في نومته وجلس يشير بيديه بغير اهتمام وقال:
"عادي، من أول أسبوع جواز وهي بتجيبه، إسأل حامد اهو قدامك!"
ابتسم "حامد" وحثه وهو يشير بكفه:
"قوم يا شادي نسلم على الراجل ونشوف هترسى على إيه!"
أشار له بعجالة، وخرج وتركه يأتي بعده. بينما كانت "منة" برفقة "وسام" في غرفتها تنتظر هذه اللحظة. اعتدل "شادي" ينهض وحاول ارتداء سترته تحت ضحكات "بسام"، فاعتدل يحرك رأسه وهو يشير لهما:
"أيوه مجنونة، أنا مراتي مجنونة، وفي ثانية هنتصالح استنوا بس!"
ورتب خصلاته براوقة، واعتدل يواصل بمرح:
"عادي! بقيت متعود على كده خلاص!"
وأضاف بعدما التفت يتوجه ناحية الباب:
"أنا خارج!"
أخرج "غسان" أنفاسه وابتسم على عبثه وبروده في رد الفعل وحرك رأسه يشير لشقيقه ساخراً:
"محدش كان صدقني لما قولتله متستعجلش على الجواز. اتفضل شوف بقا!"
ضحك "بسام" بصوت عالٍ واعتدل يوضح له بنبرة مرحة:
"أنا شايف ان كدة بقا أحسن بكتير. بدل ما كانت حياته غريبة وهادية وكئيبة بقى فيها ونس دلوقتي مطلع عين أبوه!"
انصت "غسان" له وابتسم يجامله حتى اعتدل يسحب الغطاء عليه واستلقى بظهره يهمهم، فاعتدل "بسام" يفرد جسده بجانبه هو الآخر وفرد ذراعه يحتضن شقيقه بعفوية يشاكسه، فنفض "غسان" يديه وقال بضيق واضح:
"اتظبط بدل ما اظبطك."
خرجت ضحكة "بسام" وهو يشمله بعينيه بعدما شرد بسقف الغرفة بهدوء مريب، حاول بأن ينتهز فرصة خوفه عليها ويصلح بينهما كي يجد أمل رغم انه فقده، فسأله بتلقائية:
"زعلان؟"
لم يحرك "غسان" عينيه من مكان شروده، واستدعى كذبه كي يخرج وخرج بالفعل في قوله الذي التقط به الآخر أنه غير صادق بالمرة:
"مفيش سبب مقنع يخليك تزعل علي حد اختار انه يخسرك!"
وكأن الحديث أخذ محور آخر، وتعقل "بسام" حينها عندما رد عليه بعقلانية:
"في أسباب كتير تخلينا نزعل، إحنا بس اللي بنضحك علي نفسنا بالكلام ده، عينك بتقول عكس كل ده، ومع ذلك هقولك ان من اسباب زعلك هو الحب، الحب اللي بجد والعشم، لما تدي للي قدامك كتير ومتلاقيش وتفوق بتزعل أوي، بس انت ونيروز يا غسان حكاية مختلفة حكاية عدي عليها كتير، واما رجعت مقعدتش كام سنة يعني عشان تتجوزها، لا دا انت اتجوزتها وعيشتوا أيام عدت عليكم صعبة رغم ان ممكن تكون الايام قليلة بس مشاكل الحياة عدت عليكم بدري ورغم ان كان كل حاجه توصلكم زي ما وصلتوا الوقتي كدة بس محصلش، ليه متسألش نفسك جيت المره دي وبعدتوا ومكملتوش، لو مش شايف ان نيروز بتحبك وهتعاني من غيرك تبقي مبتشوفش يا غسان، في ناس كده ردود فعلهم بتبقي غصب عنهم وكلامهم وكمان مشاعرهم مش سهل تبان، بس اللي بيحب حد بيحبه كده، اعتقد ومتأكد مش معتقد كمان انك حبيتها بكل حاجة فيها ومركزتش على انها مثلاً صعبة ومش بتنسي الوحش اللي حصل فيها بسهولة، عادي طبع بني آدم بس بردو انت حبيتها على كده ومهما حصل فأكيد هي عدت لك كتير احنا كلنا بنغلط يا غسان محناش ملايكة!"
ابتسم "غسان" بتعب وأغمض جفنيه بإنهاك ثم فتحها عقب قوله:
"انت مش فاهم حاجة!"
"ومش مهم افهم ولا عايز أفهم، المهم انت اللي تفهم نفسك، عشان انا حاسس بيك وحاسس بتعبك وعارف ان التشتت اللي جواك ده بيرهق الواحد أوي، وعندي أسئلة كتير منهم ليه بتحاول تبين عكس اللي جواك؟"
وبغير وعي ظهرت نبرته الضعيفة يصارحه بما يشعره:
"علشان حبها عملي نقص جوايا!"
وأضاف يدير وجهه بإستسلام وأكمل بنفس النبرة الذي صارحة بها من قبل:
"حبها نقص مني من غير ما أحس!"
"حبها حتى بعد انفصالكم مخليك راجل متربي، نفتخر بيك، لإنك متكلمتش عنها ولا سبيت فغيابها حياتك معاها، رفضت تقول حتي اسبابك يا غسان اللي محدش عرفها لحد دلوقتي، حتى أهلها اللي من حقهم يعرفوا، مش هقولك احنا، لا هم.. هم اللي حقهم يعرفوا، بس انت مصمم على انك متتكلمش وعشان عارفك، سكوتك ده مش حاجة غير انك خايف عليها وبتحبها، يمكن أكون قلبت ردي علي كلامك بالنسبة للي حواليك. بس صدقني مش عارف ارد عليك بحاجة وانا مش عارف انت اتوجعت منها في ايه سبب لك نقص، مع ان اللي عنده نقص مبيقولش.. انت مش كدة ومتقولش على نفسك كده، انت بس محتاج ترتاح وتقلبها فدماغك أكتر!"
سخر "غسان" وهو يعتدل على جانبه الآخر يهرب من هذه المواجهة بجملته:
"محسسني ان انا اللي قولتلها مش عايزك وهطلقك!"
فالتفت هو الآخر على الجانب الآخر ورد برد هادئ يخبره:
"وانت محسسني انك مش غسان اللماح اللي جاييها من تحت أوي.. لأنك فهمت ان الست لو طلبت الطلاق تبقي عايزه كده والحكاية انتهت!!!"
ماذا عن نظرة الصدق التي كانت بعينيها حينها؟ ماذا عن اصرارها؟ الكل يراها مثل أي أنثى بينما هي بعقله ليست مثل أحدهن في طباعها! على أية حال الوضع لا يجلب له إلا الوجع وفقط! كيف يستطيع النوم بعدما رآها بحالتها هذه؟ قل كيف استطاع هو النوم في الايام الماضية؟ لم ولن يقدر على فعلها! وكل ذلك متعب له، عبء ثقيل على صدره وقلبه، ناهيك عن أعصابه المشتدة بآخر ما كان يريد فعله، إلى متى سينتظر؟
سمع نبرة "بسام" وهو يتحدث بتساؤل يترقب:
"غسا.. صاحي؟"
"لأ"
ضحك على رده، فحاول إخراجه من قوقعة أفكاره، وسأله بإهتمام:
"هتسمي ابنك ايه؟"
ابتسم على هذا السؤال، كان يودها هي من تطرحه عليه.
أعلن غسان جهله برده المختصر:
"معرفش!"
"طب تفتكر هي بنت ولا ولد؟"
زفر بصوت مسموع واحتار لبرهة يفكر في جنس مولود شقيقه القادم، أما غسان فأجاب بصراحة ويقين:
"كل اللي يجيبه ربنا حلو!"
أيد بسام بأفكاره وعاد يخبره بصدق ووضوح مغمور بثقته في ما يريده:
"بس أنا عارف انك بتحب البنات وعايزها بنت!"
"عادي!"
قال آخر مقتضب وتحمل الآخر انغلاقه في الردود وحاول مجددا، سحب الحديث منه وتشتيته:
"طب لو طلع ولد وأنا اتجوزت وخلفت بنت، هتوافق نناسب بعض؟"
من يطلب لمن؟ العروس للعريس! ضحك بخفة وقال بتبجح ينفي:
"لأ مش ناقصة هي!"
وأضاف ينبهه:
"مش موافق وحط قدام عينك دايما مثال حي لسليم وزينات فمش ناقصة!"
هل قصد حسن واختلاله العقلي؟ ابتسم بمرح على جملته، بينما أخذ يعيد مجرى الحديث بـ:
"طب لو خلـ..."
"أنا مش فايقلك على المسا وعندي صداع فإهدى كده بدل ما اطردك أنا مقعدك بمزاجي!"
نظر بضجر من خلف ظهره واعتدل يستعد للنوم، وكل منهم يعلم الآن الحقيقة المضحكة برحيل شادي ومنة وذهاب البقية للنوم تحت نصيحة حامد لدلال، بأن لا تتوجه لغرفة غسان، كي تتركه يستريح. شرد عقله بها وخفق قلبه بألم فأخرج أنفاسه بصوت عال يمسك رأسه بتعب يحاول أن يغفل فقط لوقت قليل، وقاطعه نبرة بسام المزعجة مجددا:
"أبو الغساسين ..صاحي؟"
انفعل غسان منه وفرد ساقه يدفعه من على الفراش حتى اندفع أرضا بطريقة مضحكة تحت ضحكات بسام المستفزة بصوته العالي وأخذ الغطاء بأكمله بجسده عندما اندفع على الأرض. اعتدل غسان يسحب الغطاء بعنفوان من حوله ثم فرده وأخذ كل المساحة الخاصة بفراشه وقال يحذره بضيق:
"نفسي تيجي كده جنبي تاني، خليك على الأرض بقى، ولو جدع تعالى!"
ما زال يستمر في الضحك كي يضحك، ولكنه اعتدل ينهض متوجها ناحية الأريكة يفردها أكثر وقال بغرور:
"أنا دكتور مبنامش على الأرض!"
تجاهله غسان واعتدل ينام مجددا، وتسطح الآخر على الأريكة يشرد بها لوقت، يتذكر كل مرة يقاطعه أحدهم عندما يصل إلى اللحظة الفارقة. لا يرد أن يتعمق أكثر في التفكير بها كي لا يحرم منها، فقط يتحلى بالصبر حين أن تكون له وللمرة الثالثة يهتف بـ:
"غسغس.. صاحـ.."
وقبل أن يكمل سمع سبة نابية خرجت من بين شفتي غسان، له خاصة. شهق بطريقة زائفة وقال يمازحه:
"الله يسامحك، كده كده الشتيمة بتلف تلف وترجع لابن صاحبها!"
ضحك غسان على قوله، ولامس قلبه كل محاولاته في أن يقيم معه وليست بهذه المرة فقط، رغم تبجحه وفظاظته الجدية ولكنه يتحمله. ابتسم بتأثر وتنفس بتنهيدة حارة يغمض عينيه وتشتت عقله، ولو شعر براحة قليلة فذلك لوجود توأم روحه بجانبه! لا يستطيع إنكار حقيقة بأنه صديقه وسنده الأول، كتفه بمثابة قلب نقي مهما حدث بينهما، وإن أنكر بالحديث فلا يستطيع أن ينكر الحقيقة الجدية بأن بسام بالفعل هو توأم الشكل وتوأم الروح!
عودتها له مرة أخرى أو عدم عودتها فهذا أصبح غير مهم لديه، واستطاع أن يجعلها تغفل عن ذلك بعدما أخذ منها المضمون في هذه المقابلة المهمة والذي جعل النيران تندلع بداخله وداخل عروقه الآن بعدما علم آخر خبر كان يتوقعه بهذه الظروف وكأن هذا ينقصه. بارع في إخفاء ذلك وفي ارتداء ثوب وقناع ليس له من الأساس. على الأقل ظهرت ابتسامة صغيرة الآن منتصرة على شفتيه بعد هذه المواجهة التي كانت بينه وبين آخر شخصية لا يتوقعها أبدا، باعتبار أنه لا يوجد بينهما أي تعارف من قبل. وبالنسبة له كانت هذه المقابلة لديه بمثابة كنز ثمين!
رواية عودة الوصال الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سارة ناصر
ظن أنه سيتعافى بعد رؤيتها آخر ما حدث. ظن أنه سيهدأ بعدما قبل كفها وعانقها حتى غفت بين ذراعيه. كل ذلك ذهب هباء، والغصة المريرة التي توجد بقلبه وحلقه لم يستطع أن يتخطاها حتى. بل تصر وهو يصر على الوجع! ما نهاية كل ذلك؟!
منذ اليوم التي كانت لا تكف به على الصراخ، هزم قلبه ولم يتعمد رؤيتها، فقط يطمئن من والدته وشقيقته ووالده. الذين لا يكفون على الزيارة لها. انصاعت "دلال" وأصبحت تزورهم بالفعل، ومن حين لآخر كانت تذهب "وسام" لها هي الأخرى. بينما هو عارض كل مشاعره مثل السابق وبقى بين نفسه وعمله ووجعه الذي لا ينتهي.
أما هي فحالها من نفس حاله. وعلى الرغم من أنها تتذكر عودة "حسن" وما حدث من انهيار لها ومنها، إلا أنها تصنعت عدم تذكر ذلك كي لا ينتهي بها المطاف وتتيقن من الحقيقة الموجعة. بأنها بالفعل لم تهدأ سوى بين ذراعيه. تتذكر قدومه، ولكن بعد ذلك تم محو كل شيء من ذاكرتها. ولكنها تأكدت بأن قلبها قد خانها بقول إحدى الكلمات له، كي يتصنع الكبرياء ولم يسأل عنها. هكذا أوصلها عقلها. تحمل تجاهه مشاعر متخبطة منذ مقابلتهما في الشرفة وقوله لمعلومات سيفعلها وخطط بالقادم جعلت الدماء تغلي بعروقها.
لا تستطيع هي الأخرى فهم ما يجري بداخلها. تريده ولا تريده. عودة حسن من جديد تشكل لها خوف، ولكن ليس منه بل خوف عليه هو، على "غسان" التي لأول مرة تشعر بمدى الخطر الذي يكنه للآخر. نهاية ذلك تهاب منها ولا تريد أن تخسره، حتى وإن باتت بعيدة، وإن اختارت هي البعد من الأساس.
سعلت بخفة وهي تتسطح على هذا الفراش التي لم تتركه. ليل نهار باتت هي عليه ولم تتركه، ولم تعد تحبذ الجلوس معهم بالخارج. رغم أن "ياسمين" رحلت أمس لشقتها، ولكنها ستعود مجددًا. بينما اليوم علمت أن "جميلة" ستأتي لها بمفردها. وقفت "فريدة" ترفع يديها كي تدق باب غرفتها، تحاول معها كي تجعلها تخرج. شجعوها بالخارج على فعل ذلك. وذهبت "سمية" إلى المطبخ ومعها "وردة". في حين أذنت "نيروز" بصوت خافت للطارق:
"أدخلي!"
فتحت "فريدة" الباب برفق وظهرت ابتسامة هادئة. اقتربت تقف حتى ابتسمت لها "نيروز". ابتسامة هادئة فقالت الأخرى وهي تجلس بجانبها على طرف الفراش:
"إيه يا روز؟ عاملة إيه النهاردة؟"
حركت "نيروز" رأسها ترد بنبرة هادئة:
"أنا كويسة الحمد لله."
شفقت حتى على نبرتها الضعيفة. نظرت نحو معدتها التي تضع عليها هي كفها كالعادة بتشبث، وكأنها تهاب صغيرها ورحيله مما تفعله. حركت "نيروز" عينيها نحوها فوجدت "فريدة" تنهض تحاول فتح شرفة مربعة صغيرة كي يطل منها الضوء ويدخل بها الهواء. وفتحت بتلقائية خزانتها تخرج لها ملابس هادئة ذات لون فاتح تعكس عليها حالتها كي تتحسن. والتفتت تبتسم تحت غرابة "نيروز"، وقالت تحثها:
"ممكن بقا تقومي معايا تغيري عشان تفوقي شوية؟ ويا سلام لو تيجي ننزل نقعد في محل الورد!"
محل الورد التي هي الأخرى تهاب التفكير به. إلى الآن تفكر لماذا ستتصرف بهذه التي أصبحت معضلة معها. لم تقبل هذه الهدية لطالما أصبحا منفصلين بعد الآن. شردت للحظات وخرجت بينما الأخرى تتابع باهتمام، ولكنها ابتسمت تجاربها برفض غير مباشر:
"تمام سيبيهم وهغير يا فريدة كمان شوية. بس معلش مش هقدر أنزل معاكي. انزلي انتي!"
ظلت للحظات تستمع وأرادت تركها كما تشاء وهي تربت على ساقيها الملابس وتحركت تحثها:
"ماشي هسيبك بس بمزاجي علفكرة. وكمان هنزل وياريت تيجي تفكي على نفسك شوية. هستناكي حتى لو مش موافقة!"
تركتها "فريدة" من بعد ذلك وخرجت تومئ لـ"وردة وسمية" التي حملت واحدة منهم صينية طعام صغيرة وأخرى دواءها. انصرفت تخرج من الباب كي تتجه نحو الأسفل. بينما اعتدلت "نيروز" أكثر بملامح خاوية تنظر بشرود وكأنها لا تستمع إلى قول والدتها:
"يلا يا حبيبتي بقا عشان تاكلي وتاخدي الدوا!"
ساعدتها "وردة" وهي تسحب الطاولة لها، فجلست "سمية" على طرف الفراش تحاول إطعامها مثل الصغيرة. ابتسمت لها باتساع تحثها أكثر وحاولت سلب تركيزها وهي تنظر نحو ملامحها. فتحدثت "وردة" بمشاكسة:
"شوف مين بتبص لمين! انتهزي انتي الفرصة يا روز وبصي لماما عشان تخلفي شبهها!"
ضحكت "سمية" بخفة، فابتسمت "نيروز" بانتباه، وسمعت قول والدتها:
"يختي تبص لمين؟ ما خلاص بقا راحت علينا. وبعدين هو في أحلى منها يعني؟ هي تبص لنفسها بس وتجيب عيال حلوين كده زيها، مع إنّي أشك بقا عشان محدش هيجيب زي جمال بناتي!"
عند هذا القول وضحكت "نيروز"، تنخرط مع الحديث وقالت لها بسخرية محببة:
"واثقة من نفسك أوي يا ماما."
"طبعًا. أومال إيه. ولو جينا للبص بقا فأنا مبصتش لحد غير أبوكم. الله يرحمه كان أجمل راجل تشوفه عيني ويحبه قلبي!"
تترحّموا عليه خاصة هي بحزن. وخرج صوت "وردة" تشاكسها بمرح:
"أيوه يا شقية عشان كده أنا وياسمين طالعين شبهه. ونيروز بقا اللي واخده منكم انتوا الاتنين!"
أيدت وهي تحرك رأسها ومازالت تطعمها، بينما واصلت بتفسير مرح يلوم من تطعمهما:
"بس بقا يا وردة متقوليش كده لاحسن نيروز بتزعل عشان شبهي أنا أكتر. كان نفسها تبقي شبه أبوها أصلها كانت تحبه أوي أكتر مني!"
نفت "نيروز" بلهفة تحت ضحكاتهم وقالت تبرر:
"متقوليش كده ياماما، محصلش الكلام ده."
"ولو حصل يعني فيها إيه؟ يعني هو أبوكي يا بت مكنش يتحب؟"
أتاهم الرد من "ياسمين"، التي جاءت ولم يشعر بها أحد. ردت هي عليها بتبجح:
"يا ولية احترمي نفسك بقا الراجل ميت وانتي عجزتي. كفاية شقاوة يا سمسم."
انتفضت "سمية" وضحكت "نيروز"، بينما لاحظت "وردة" قدومها منذ لحظات. فاندفعت "سمية" تردد بإندفاع حانق ناهيك عن بقية الضحكات:
"إنت بتطلعي منين؟ جيتي إمته؟"
"جيت من شوية مع حازم بس هو هناك عند عايدة وجيت أنا لقيتكم قاعدين تعاكسوا فالراجل وهو ميت. أومال لو حي يا سمسم كنتي عملتي إيه؟"
مش مكسوفة.
اقتربت تجلس بكيد بين "وردة" و"نيروز" بينما لوت "سمية" شفتيها بتهكم وقالت ساخرة:
"دا أهلاً وسهلاً انتي جيتي وفضيتي بقا!"
والمتوقع أنها ردحت لها تراقص لها حاجبيها مرددة وهي تستند على كتف "وردة":
"بيت أبويا يا ست سمية وأجي فالوقت اللي أنا عايزاه!"
ضحكت بيأس هذه المرة واقتربت تأكل مكان شقيقتها وهي من لحقت ما بالملعقة فضحكت "نيروز" على طفولتها التي لم تنتهي بعد ونظرت "سمية" لها بغيظ فرفعت "ياسمين" ذراعيها تحتوي "نيروز" و"وردة" وسألتهم بجدية مضحكة بسبب الطعام الذي لم يبتلع بعد في فمها:
"بقولكم إيه قولولي بصراحة أمكم صارحتكم قبل كده وقالتلكم إنها لقاني على باب جامع صح قولوا أه!!"
ضحكن الثلاثة عليها بحب ومن عفويتها التي لا تنتهي وحتى تلقائيتها ونفت شقيقتيها وأيدت "سمية" بيأس مع ضحكتها وهي تحرك رأسها بنعم، فضربت "ياسمين" ساقها بإنهزام وقالت:
"أنا كنت حاسة، كنت شاكة والله!"
وقفت "زينات" تضع الوشاح على كتفيها وحجاب رأسها علمت بأنها مطلوبة في الحديث مع "حازم" الذي حاصر "فريدة" قبل النزول وانتظر قدوم "جميلة" هي الأخرى خرجت من الغرفة تتحاشي النظر نحوهن وبالأخص شقيقتها وفتياتها وقاطع سيرها صوت "زهور" وهي تسألها بإستفهام:
"راحة فين يا زينات مش خير؟"
وردت بتأفف تلتقط المفتاح من على الطاولة:
"راحة مطرح ما راحة!"
أغلقت "زينات" الباب من خلفها ووقفت تنظر ناحية باب شقة "عايدة" حتى رفعت يديها تدق جرس المنزل إلى أن مرت لحظات وفتحت لها الباب بواسطة "فريدة" التي نظرت لها بصمت، فسألتها "زينات" بلهفة وهي تدخل:
"إزيك يا فريدة عاملة إيه؟"
اختصرت "فريدة" حينها الرد باقتضاب وهي تتركها حتى دخلت بعد قولها:
"كويسة!"
لما تتجنبها مجدداً؟ ألمها قلبها من بعد ابنتها عنها بالتدريج دخلت بخطوات تشرح مدى حزنها من الموقف ووجدت "حازم" يجلس وبجانبه "عايدة" ابتلعت ريقها وجلست فحرك رأسه ينظر تجاهها إلى أن مرت لحظات وحثته والدته على التمهل بينما لم يستطع اخفاء الحدة في نبرته رغم ان هذا القول ليس هو سبب رغبته في قدومها:
"أنا عايز أفهم اختك ممشيتش لحد دلوقتي ليه هي وعيالها؟"
تقطعت نبرتها منه ومن سؤاله تعجز عن حثهم على الرحيل حتى ابتلعت ريقها ورفعت عينيها برأسها تلتفت نحوه ثم قالت بما جعله يستنكر:
"معرفش!"
"يعني إيه معرفش دي؟ ممكن تعطيني تفسير واحد ليها؟ أنا كل حاجة حصلت كاتبها وكاتمها جوايا وبقول معلش متتكلمش بس انت متعرفيش أنا عاينالك إيه لحد دلوقتي!!"
ترقبت الأنظار واتجهت "فريدة" سريعاً تفتح الباب في حين واصل هو بنبره هادئة جادة:
"مش ده السبب اللي عايزك عشانه ولممكم ليه، بس قبل كل ده طالما حصل فرصة نقعد مع بعض كده من غير قرف اختك وعيالها فأنا من حقي أتكلم وأقولك وأحاسبك كمان عشان أنا فاض بيا وساكت!!"
هابت "عايدة" القادم وكان الطارق "جميلة" التي أتت مع "فرح" بمفردهما بسيب عمل "عز" وقفت بجانب شقيقتها واستمع الاثنان لحديث "حازم" الآخر:
"سيبك من إنك سكتي لأختك وعيالها، أنا عايز أفهم حاجة واحدة بس، ليه بتستغفليني وكملتي تستغفليني من أول ما نيمتيني على إن ابنك لسه في غيبوبته ومفوقش؟ كل شوية أسألك تكذبي، هو انت شايفاني إزاي؟"
ابتلعت "زينات" ريقها بقلق واعتدلت تأخذ أنفاسها وهي تبرر:
"أنا مقصدتش استغفلك ولا أكدب عشان حاجة غير إني خوفت على ابني يتأذي وانت عارف كويس مين ممكن يطوله لو عرف بس إنه بقى تمام، غير كده كنت ممكن أقول، بس أنا ابني بخاف عليه غصب عني ونفسي ياخد فرصة جديدة بمساعدتك أول واحد بس حتى انت مش مشجعني تاخد فرصة زي دي معايا!"
تحرك وحرك رأسه بأسى وانهزمت نبرته التي أظهرت مدى عجزه بهذا الوضع:
"ابنك اللي مش مساعد نفسه حتى ولا عاطي لنفسه فرصة، وكأن دماغه بقت متسستمة على إن ده هو الحال وحابب كده ولو فاق يرجع تاني، قوليلي انتي هو فيه كده، فيه حد عايز يبقى كده؟"
"حسن فعلاً متشتت يا حازم، حسن ابني ضايع ومحتاج اللي يقومه، انت مشوفتوش كان عامل إزاي!!"
كان قولها بنبرة باكية وخرت قلب "فريدة" و"عايدة" و"جميلة" التي أدمعت عينيهم، بينما هو أخذ نفساً عميقاً يخبرها بقوله:
"لو نفسه يبقى كويس عالأقل كان شال دماغه من نيروز بدل اللي حصلها منه آخر مرة لما كان موجود برضه بدون علم أي حد هنا، ولا انتي فاكراني مش عارف إنكم سامعين الصريخ وكل حاجة وبالك مهدأش إلا ما تابعتيه بيجري وبيهرب، لحد إمتى هيفضل كده ولحد إمتى هيهرب؟"
سالت دموعها شققة عليه وقالت بدفاع فطري:
"حسن معمي، مش شايف قدامه حاجة غير إنه ملوش دنيا وحياة، مقنع إنه بيحب نيروز وإنها هتكون ليه حتى لو إيه حصل، انت مش حاسس باللي أنا حاسة بيه، أنا مش قادرة أشوفه كده ولا قادرة أسلمه تسليم أهالي، أنا شايفة ابني ممرض، وممرض بنيروز أكتر من المرض اللي فيه من اللي بيدمنه!!"
تعالت أنفاسه تأثراً في الخفاء ولمعت عينيه وهو يتذكر تشتته بآخر مرة رفع رأسه وسألها وهو ينظر لها وكان سؤاله حازم مثله تماماً:
"وهو فين دلوقتي؟"
نفت "زينات" بنفس النبرة الباكية عندما تذكرت آخر مكالمة وآخر ما علمته من أخبار:
"معرفش، ومشي من المستشفى، حتى كان فايق يدوب بداية على إنه يتعافى، بهروبه اليومين اللي فاتوا فهمت إنه رجع للي كان فيه بعد تعب طويل، اللي مصبرني إنه هيرجع لأنه مش هيعرف يسد فلوس كيفه إلا مني زي كل مرة بياخد مني فلوس فيها ويمشي تاني!"
نزلت دمعة "جميلة" قهراً، والآن تتجمع العائلة!
رفعت "عايدة" عينيها تلومها بحسرة حزينة.
"ضيعتي ابنك يا زينات ولسه بتضيعيه. ليه مقولتيش من بدري؟"
يشعر أن الهموم تزداد والثقل والحمل كذلك. أخذ "حازم" أنفاسه ببطء وابتلع ريقه يتغاضى عن تصرفها وقال يحثها:
"على تليفون منك أول ما ييجي تعرفيني علطول وتسيبي الباقي عليا!"
أكدت برأسها بلهفة. أما هو فقرر أن يأخذ القرار الصحيح حتى وإن لم يقتنع بمدى إصرار شقيقه أن يصبح أفضل. جلست "جميلة" بجانب "فريدة" وبدأ "حازم" تغير هذا الحديث بقوله الآتي:
"أنا مجمعكم عشان فلوس وحق كل واحد!"
ترقبت العينين من الجميع. بينما "عايدة" و"زينات" كل واحدة منهما لم تكن لديها إرث خاص، إنهما قد طلقا منه قبل أن يموت وجرت الأمور بعدها. ركز عينيه على "زينات" وأعطاها ورقة ما أخرجها من حقيبته وقال يشرح لها الوضع:
"كمحامي قسمت كل حاجة بما يرضي الله. وحطيت فلوس فريدة في حساب في البنك تعمل به مشروع. أنا جهزتها فأنا اللي هكمله وأنا المسئول عنه. واللي معاكي دول رقم فلوس حسن اللي اتحطت بردو. بس مش لازم يفهم ده غير بعد ما أشوف هعمل إيه معاه. أنا وثقت فيكي وعرفتك اللي فيها عشان لو حصل أي حركة منك مش هتشوفي كويس. وعرفتك كل ده لأنك من حقك بردو تعرفي. وفلوسه دي إن شاء الله هيبقى منها علاجه الجاي ده لو أخد وخدنا معاه الفرصة. والباقي لما يفوق يبقي يشغلهم في حاجة. ده غير إنه قرب أوي يجيله إنذار من الجيش المتأخر عليه بسبب سقوطه في الجامعة فمصاريف كل حاجة موجودة بين إيدك!"
حركت رأسها بتفهم وطوت الورقة تنظر له بإمتنان واهتمامه جعلها تتأثر تعجز عن الرد. بينما تحدثت "فريدة" بلطف:
"ربنا يخليك لينا يا حازم وتفضل سندنا طول العمر!"
ابتسم لها بإتساع وابتسمت "جميلة" الذي نظر لها "حازم". وأكمل:
"وانتِ كمان يا جميلة فلوسك زي فريدة بالظبط فحساب ليكي. وانتِ ليكي كامل الحرية فيهم. ولو عايزة رأيي أرجح إنك تحفظيهم لحد ما تكوني مؤهلة إنك تفتحي عيادة وتعمليها إن شاء الله يا دكتورة!"
أدمعت عينيها تأثراً واقتربت تعانقه حتى احتواها بحب. تحت دعاء "عايدة" لهم. واقتربت "فريدة" هي الأخرى تدخل بذلك العناق. بينما ترددت "زينات" في الحديث ولكنها تحدثت وحسمت الأمر:
"أنا عارفة إني مليش حق أسأل سؤال زي ده بس من رقم الفلوس عرفت إن مش هم دول بس. إنت رجعت حق سمية وبناتها."
هذه المرة ابتسم ولم يشعر بالضيق. بل رد بنبرته الهادئة يخبرها:
"رجعت حق مراتي وأمها وأخواتها اللي كان أخده أبويا ورجعولهم مش كامل. أظن دا حقهم ولا إيه؟"
ابتسمت تؤكد. وأكدت "عايدة" بلهفة:
"طبعاً حقهم يا حبيبي. ربنا يصلح حالك ويوفقك في حياتك يارب وينصرك دايماً. وأشيل عيالك بقا!"
ضحك عليها كما ضحك البقية. وأشار ناحية عينيه وقال:
"من عيني يا عايدة. كلها كام شهر وتشتالي زي ما انتي عايزة!!"
وكان قول "زينات" السريع وهي تحاول النهوض:
"ربنا يقومها بألف سلامة!"
تعلقت عينيها بعيني "فريدة" التي نهضت هي الأخرى تستأذن كي تنصرف لأسفل حيث ينتظرها "حامد". وتقابل الاثنان عند باب الشقة. هنا وتجمعت الدموع بمقلتي "زينات" تسألها بحزن:
"زعلانة مني ليه يا فريدة؟ أنا مليش ذنب في حاجة والله العظيم!"
فتحت الباب وخرجا الاثنان. ونظرت "فريدة" لها بعدما أغلقت الباب وتأثرت بحزن والدتها فأجابت توضح لها:
"أنا مش زعلانة. أنا خايفة يا ماما. وانتي الوحيدة اللي أقدر أقولك إني خايفة. نفسي أحضنك وأنام في حضنك بس مش قادرة ومش عارفة أدخل البيت. قوليلهم يمشوا!!"
رفعت "زينات" ذراعيها تضمها بتشبت. فأرتمت الأخرى بين أحضانها تتنفس بعمق. تعلم أن المكان لا يستدعي لذلك التأثر ولكن تحدثت الأخرى تبرر لها بضعف:
"والله العظيم ما بيدي حاجة يا فريدة. انتي وحشاني أوي. ونفسي أبقى معاكي. قولتلهم يمشوا كمان بس معرفش إيه اللي مقعدهم. بس مسيرهم يمشوا. لكن والله غصب عني سامحيني!"
أم وابنتها ولم يقدرا على عيش حياة طبيعية. بسبب أشخاص لم تعرف معنى العقل. خرجت تومئ برأسها وتخلت عن أي شيء لترضيها وكأنها تشعر بالحزن الذي بداخلها. فتح باب شقتهم وخرجت "أسماء" بترقب بعد فترة مراقبة ولكن ليس لهم بل تريد وتنتظر عودة شخص ما من الخارج من الشقة المقابلة ولم يأتي إلى الآن فقررت الهبوط لشراء أي شيء بحجة كي تنتظره وتلحق به عندما يعود رغم أنها لا يوجد بينها وبينه أي حديث أو تعارف وهي من ستبدأ ترأى من هذا؟
"رايحة فين يا أسماء؟"
كذلك سألت "زينات" بينما رمقتها "فريدة" بحدة واستنكار. فنظرت لها الأخرى بصمت. وعادت تخفي توترها بقولها:
"رايحة الصيدلية اللي تحت أشتري حاجة. عايزة حاجة يا خالتو؟"
وقبل أن ترد "زينات" ردت "فريدة" بفظاظة عليها:
"لأ مش عايزة ولو هتعوز انتي وأهلك آخر ناس نعوز منهم حاجة. شوفي طريقك يلا بقا يختي!!"
اعتاظت "أسماء" منها ورمقتها بجمود وهي تتخطاها حتى هبط بها المصعد قبل لحظات. فوبختها "زينات" بقولها:
"ليه كدة يا فريدة؟ طب دي حتى طييبة عن أخواتها!"
سخرت منها "فريدة" وعدلت حجاب "والدتها" بعفوية وقالت بتهكم:
"ده انتِ اللي طيبة يا أم حسن!"
ضحكت بخفة على شراستها. لم تغفل عن أنها أخذت طبعها وطبع العائلة عامة. ابتسمت على ضحكتها فتنفست بعمق تزامناً مع والدتها لها:
"خدي بالك من نفسك!"
حركت رأسها وتحركت "زينات" تفتح الباب حتى أغلقته خلفها. وفتح باب شقة "عايدة" التي خرجت منه وتبعها "حازم" و"جميلة". فنظر لها "حازم" متفهماً وقال يخبرها:
"لما تفضي كدة تعاليلي عشان عايز أتكلم معاكي شوية!"
استغربت ولكنها أومأت وانتظرت المصعد كي يفتح. ودخلت "عايدة" الشقة المقابلة وهرولت "جميلة" تعانق "نيروز" ما أن رأتها تخرج من المرحاض مرتدية تلك الملابس الطويلة التي أخرجتها لها "فريدة" وساعدتها "وردة" بعد الطعام. ابتسمت واحتضنتها بحب. ورغم أنها تأتي لها دائماً إلا أن "نيروز" ردت عليها بنفس تأثر قولها:
"وانتِ كمان وحشتيني!!"
"يا محنكم!!"
ضحكوا على قول "ياسمين" التي تشعر بالغيرة. فضحك "حازم" الذي يأخذ موقف إلى الآن منها. تناست كل شيء عندما نظرت لضحكته فتجاهلها هو على الفور وعادت تحزن هي ثم نظرت له بضجر. تتخبط في مشاعرها ولكنها تعمدت تجاهله مثله تماماً. سحبوها كي تجلس وسطهم وبإستسلام جلست ناهيك عن خصلات شعرها التي تتركها أمام "حازم" بغير وعي بما وضعت "وردة" على رأسها الحجاب تنهرها. فشردت "نيروز" بتعب بماذا إن كان هنا ورآها كذلك أمام غريب. أمام غيرة. حتى غيرته تشتاق لها!
ابتلعت ريقها تنهر كل ذلك وترقبت كما ترقب الكل عندما تحدث "حازم" بصوت عال يلفت انتباههم:
"عايزكم فحاجة مهمة عدى عليها كتير بس ده حقكم ولازم تاخدوه وتعرفوا اللي حصل!!"
ترقبت الأعين من الجميع، حتى "ياسمين" التي جهلت عن ما فعله. أما الآن فتعمد سرد كل شئ عليهم وأخبارهم بمبالغ كل شخص منهم.
***
خرجت من غرفتها تنظر على وجودهم في الشقة بينما لم تجد أحد سوى "دلال" التي تجلس شاردة أمام التلفاز. اقتربت منها "وسام" تبتسم وسألت عن "يامن" الذي كان هنا قبل وقت قليل ولكنه هبط مع "حامد":
"أومال فين يامن وبابا راح فين كمان؟"
رفعت "دلال" رأسها تجيب وهي تنشغل بتقشير ما بيديها:
"نزلوا تحت يقعدوا في المحل!"
"وغسان لسه مجاش برضو؟"
سألتها "وسام" بإهتمام، فنفت "دلال" بيأس:
"لا، آخر مرة اتصلنا عليه عشان يلحق الغدا معانا، اديكي سمعتي ساعتها انه مش هيتغدى معانا وقالي متعمليش حسابي هتأخر شوية فالشغل. برن عليه تاني تليفونه مقفول!"
تنفست بهدوء واقتربت تجلس بجانبها وهي تطمئنها:
"متقلقيش ياماما، عادي يتأخر فالشغل. أكيد وراه حاجات كتيرة بعد الاجازة اللي خدها. الوقتي يرجع هيروح فين يعني!"
صمتت "دلال" تندمج في ما تفعله بحزن علي حاله، وندبت مجددا كالعادة:
"قولي هيروح فين بمنظره ده؟ دا معتش بياكل زي الناس ولا بقا يتكلم ويقعد معانا زي الأول. أنا قلبي موجوع عليه أوي يا وسام. مش عارفة هيفضل كده لحد امته. لا منه عايز يفضل كده ولا منه قادر يرجع وبيعاند. أنا تعبتله والله!"
انكمشت ملامحها بحزن لأجله، حتي هو معها لم يعد كما في السابق بسبب انفراده غالبا بالوجع. ربتت على كتفيها وأخرجت أنفاسها تواسيها:
"ان شاء الله هيبقى كويس ياماما متخافيش. هو هنا معانا والحمد لله انه ممشاش وكمان احنا جنبه!"
"دا ابني وانا عارفاه. هو لا عايزنا جنبه ولا عايز يكون هنا. هو عايزها هي. وهي داست علي قلبها واتجاحدت وبعدت عنه وقالتله يطلقها. أنا مش كارهاها بس كارهه اللي عملته فإبني. أنا حاسة ان غسان وقع المرادي بالجامد. انا مشوفتش اخوكي كده قبل كده. وده اللي تاعبني!"
أدمعت عينيها من حديثها وردت بعقل تهدأها:
"دا نصيب يا ماما و متعترضيش. وبعدين ان شاء الله غسان هيبقي تمام. وقوي وهيقدر يقف من تاني أو هو ماسك نفسه اصلا ومش مبين حاجة. اكيد دي قوة وهيكون كده بجد مش مجرد كلام. أنا كلمت نيروز وهي كمان شكلها تعبان ومرهق موجوعة ومعرفش ايه اللي وصلهم لكدة. بس أنا بدور على حل ليهم عشان يرجعوا ومش لاقيه. أنا كمان مش مبسوطالهم كده!"
توجب عليها الصمت بحسرة كي لا توتر ابنتها التي اقترب موعد أول امتحاناتها. ابتسمت لها بهدوء ونهضت بتعب في جسدها وقالت:
"قومي اعملك حاجة تشربيها وخشي ذاكري. ربنا معاكي يا بنتي وميضيعلكيش تعب أبدا يارب!"
ابتسمت بحب عليها ونهضت تقف معها بالمطبخ قليلا. تلك الوقفه التي تزيد من تحسن حالتها النفسية. ابتسمت وهي تستمع إليها وهي تدعى لها مجددا!
***
"وردة يا جدو!"
رددها "يامن" بطفولية وهو يحملها يوجهها له. ابتسم "حامد" بتأثر وحمله علي ساقه بداخل "محل الورد" وابتسم يقبل وجنتيه وقال بمشاكسة يدغدغه:
"حبيب جدو وقلب جدو من جوه. هاتلي حضن دافي يلا!"
عناق دافئ مجددا. عانقه الصغير بحب وهو يضحك تحت مراقبة "فرح" و"فريدة" لهذا المشهد اللطيف. وسرعان ما اندمجت "فريدة"، بينما اقتربت "فرح"، تداعب "يامن" من على بعد. فأشار لها "حامد" بالاقتراب حتى اقتربت تجلس بحرج. فقال هو يشاكسها بعاطفة أبوية:
"ايه القمر ده بقى؟"
طالعته "فرح" بخجل من مجاملته وابتسمت تجيبه بلباقة:
"شكرا يا عمو دا من ذوق حضرتك!"
توسعت بسمته وقال بصدق يصارحها:
"بس دي مش مجاملة خدي بالك. وعايز اقولك بقا ان عينيكي ورموشك حلوين وبيفكروني دايما بعيون دلال."
ضحكت من مشاكسته، ولكنها بالفعل تمتلك أعين جذابة مثل والدتها تماما. توردت وجنتيها بخجل وفركت يديها وتركتها تشاكس "يامن" مجددا. بينما هو سألها بجدية يهاب رفض ولده بالقادم:
"قوليلي بقا. مستعدة تتخطبي أو تتجوزي فالوقت ده ولا مش بتفكري في كدة؟ اصل واحدة زيك حلوه أكيد العرسان على بابها كتير ولا ايه؟"
تحرجت من طبيعة هذا الحديث، ولكنها رفعت عينيها تجيبه بهدوء تتخلى عن خجلها:
"أنا مرفضتش قبل كدة بصراحة. عز اللي بيرفض ومش بيوافق لأنه عارف الناس أكتر ومش شايف ان حد مناسب. ولو في ساعات برفض عشان ملقتش لسه الشخص المناسب. ولحد دلوقتي مركزه فاهدافي لاني لسه برضو ملقتش الشخص اللي يناسبني أو اللي أنا شايفاه يناسب وعز بردو. أصل عز بيغير أوي وما بيصدق يرفض!"
اكتملت بعفويتها في الاندماج في الحديث. ربما هذه العادة ما جذبته ناحيتها. تستحق. أومأ "حامد" ونظر لها بسعادة يحرك رأسه لأفكاره. فهي الأخرى شخصية لا تشبه "نيروز" تماما. وبعقلية وطباع مثل "دلال" ستفضل "فرح" بعفويتها واندماجها السريع في الحديث وليست منغلقة مثل الأخرى. ضحك بخفة وقال يجاريها:
"بس هو عنده حق فعلا. حقه يغير من اللي هيجي وياخد الجمال والعسل ده كله! بس قوليلي انت شايفة المناسب ده شخص عامل ازاي يعني عايزاه يكون ازاي؟"
لأول مره يسألها أحدهم بهذا الشكل تارك لها حرية التعبير لنفسها هي. ربما هذا عامل من العوامل التي كانت تعاني من فقدانها في البداية. أما الآن فبدأت تشعر بعد تعافيها بأنها مسئولة وليست كل المسئولية علي غيرها. ابتلعت ريقها وظلت برهه تفكر ثم بدأت تتحدث بهدوء لتجيبه بإختصار عفوي جدا:
"عايزاه يكون زي عز!"
جملة جعلته يبتسم فخرا واعجابا بها وبقولها اللطيف. توسعت بسمته وقال يؤيديها:
"فعلا عز ابن حلال أوي. بس تفتكري لسه في منه؟"
"معرفش ممكن يكون لسه في منه ولا لأ. بس أنا مش عايزه الا واحد زيه فحنيته وتفهمه وعقله. أنا عز دا بابايا وعيلتي كلها. نفسي في شخص يفهمني من غير ما اتكلم زيه كده. ويستحملني حتي لو عملت ايه. من كتر ما شايفاه مثلي الأعلى وعمل حاجات كتير أوي فأنا مش قادرة اتكلم واقول على اللي عمله واللي بعمله. أنا لو جالي وقت وبفقد كل حاجة فيه بيبقي هو السبب اللي هكمل عشانه. لازم امشي وأكمل الطريق اللي ببقى عارفه خلاص ان نهايته بتكون فخر بيا. بس الحقيقه أنا اللي ببقى فخورة بيه أوي. انت تعرف يا عمو؟ أنا لسه فاكره فرحته يوم نتيجة الثانوية العامة!!!!"
اندمجت أكثر وابتسم يشجعها ويجاريها وعقب ما توقفت ابتسمت تتذكر رد فعله. وصمتت تشرد بتأثر تحت نظراته التي تراقبها. وعلم أنها شخصية سهل أن ترضى. سهل أن تتعايش بينهم بمثل هذه الافكار والحديث. لا يصدق انها بخفة استطاعت ان تقوي علاقتها مع "وسام" ابنته. ضحك بينه وبين نفسه على "بسام" وقال بخفوت بينما نادت "فريدة" عليها:
"طول عمرك عينك على الفالحة يبن اللذينة!!"
قصد حينها جمال "تاج" ولكن كان جمالها خارجي وظاهري فقط!! لا غير. ابتسم بأسى على تجربته السابقة وتنفس بعمق يتمني سير الحال بهدوء كي يتم كل شي بمجرد مفاتحته لـ "عز" بعدما اتفق مع "بسام" و"غسان" وزوجته " على ذلك من بين الحديث دون أخذ ميعاد محدد لذلك.
***
أعلى المبنى في الطابق الثالث. دخلت هي غرفتها وتركتهم.
انفردت في ذكريات مرت عندما سلب منها عمها حقها ولم تأخذ حقها بالكامل. نزلت دمعتها تأثراً وشعرت بلوعة قلبها في الاشتياق له، على الرغم من أنها تقف في الشرفة الآن، ولكنها ترى أن شرفته مغلقة. ترى أين هو منذ عدة أيام. لم تعاني الآن وهي من اختارت كل ذلك.
مسحت دموعها وهي تنظر بعشوائية إلى أن تخلل سمعها صوت سيارته التي تحفظها عن ظهر قلب. أهبطت رأسها تنظر فوجدته يصف سيارته ومن ثم خرج منها بعد دقائق. تلك الهيئة الرسمية التي تراه بها في أغلب أوقات عمله. أحياناً تهلكها رغم أنه طبيعي، بينما هي تراه بعين لم يراه أحد بها. تحبس كل غزلها وكلماتها به إلى حين آخر، وبلحظة تاه منها وضاع الوقت وسلب منها هذا الحين.
خفق قلبها خفقة المشتاق ونظرت بتركيز فوجدت التخبط به وهو يقف ينظر على المحل الذي يذكره بها من على بعد، وحسم أمره وقرر الدخول ناحية المبنى.
محل الورد. منذ أن علمت ما فعله "حازم"، أول شيء جاء ببالها حينها أن هذه الأموال سترد لصاحبها، عندما ترد له حقه بذلك كي لا تأخذ منه شيئاً أصبح ليس من حقها، أو هكذا تظن بأن هذا شيء عادي كي يحدث. لم تشعر بأن كل ذلك يهلكها، حتى مظهره ورؤيته بعد غياب أيام يؤلمها ويهبط منها الدموع الآن.
أما هو، فنظر بتخبط بالفعل. لم تكذب نظرتها، ولكنه التفت وقبل أن يقترب من درج المبنى، وقف عندما وجدها تقترب منه. عقد "غسان" ما بين حاجبيه بغرابة، واستند على السيارة ما إن وجدها تشير له، ولم تكن سوى "أسماء" التي كانت تنظر بخوف حتى يراها أحد. ركز عينيه عليها بينما هي وقفت بتردد تبدأ الحديث بـ:
"أنا عارفة إنك مستغرب، بس ممكن خمس دقايق بس نتكلم فيهم."
تفحصها هو بنظراته، الوضع قد مراقب منها في الأعلى عندما فتحت عدستيها بصدمة من هذا المشهد التي تراه، وبغير وعي سارت بإندفاع تخرج، حتى أغلقت العباءة، وها هي تقرر الهبوط بعد أيام لم تر بها الطريق. ماذا ستبرر في الخارج كي تهبط؟ كيف ستهرب؟ لما تقف معه؟ ولم يستسلم لها وهو ينظر لها كذلك. فتحت الغرفة تحاول التماسك كي تعطيهم أي حجة لتهبط، بينما بداخلها مشاعر غريبة. ربما الآن تعلم قيمته بقلبها وقيمة حبه بهذه الغيرة.
"وأنا هضيع من وقتي خمس دقايق عشانك ليه؟ شخصية."
أشعل "غسان" اللفافة بين شفتيه وأمسكها وهو يردد قوله هذا، بينما هي تتوتر بالأساس. ابتلعت ريقها بخوف لم يختفِ بعد، ونظرت حولها بترقب، وعادت تترجاه بقولها:
"معلش تعالى على نفسك، اللي محتاجاك علشانه ضروري وهينفعك قبل مني صدقني يا غسان!"
تعمد الثبات بمكانه كي يزداد خوفها. أهذه طريقة لرد كل ما فعلوه بها؟ لا يهم. تفحص وجهها بإنتظار وقال يختصر:
"سامعك!"
فركت "أسماء" يديها ورفعت رأسها تقترب منه أكثر وهي تردد بصوت منخفض وكأن أحدهم يسمعها:
"مش هينفع هنا، تعالى نقعد فأي مكان!"
لم تتغير ملامح وجهه، بل نظر بهذا القرب بغرابة، وكأنها تخاف من أن يسمعها هذا التراب. نظر بتسلية وهمس بخشونة ينبهها:
"ويا ترى بالقرب ده، سامر أخوكي عارف اللي انتي بتعمليه وانتِ نازلة تستنيني؟"
انتبهت من قربها وابتعدت وهي تتحرك لتقف بجانبه تلتفت مرة أخرى، ومن ثم ثبتت عينيها بعينيه وقالت بصراحة:
"لا هو ميعرفش ومحدش يعرف علشان كده بقولك تعالي نمشي بعيد شوية عن هنا، ومش هتندمي!"
أغراه قولها والفضول يتآكل به كما القلق الذي توصل له بطبيعة تفكيره، بينما الجانب الآخر جعله يلتفت برأسه حتى ردد بحدة يهددها:
"انتِ عارفة لو طلعتي بتستخفي أنا هعمل فيكي ايه؟"
إعتدلت "أسماء" تقف أمامه ونفت برأسها بلهفة:
"والله العظيم ما بحور، ولو عرفت اللي جيالك عشانه هتشكرني!"
أخرج الدخان من أنفه واعتدل يخرج المفتاح مجيباً على قولها بفظاظة:
"مبشكرش ناقص!"
ابتلعت إهانته ونظرت مجدداً حتى وجدته يركز نظراته خلفها بتمعن واهتمام. تلك اللمعة الغريبة تظهر بعدستيه ولم يراها إلا هو وهي. هي التي سارت بهدوء شديد وبجانبها "جميلة" التي لا تفهم شيئاً، فقط تردد بأنها تود الهبوط لمحل الورد للجلوس. وماذا الآن؟ استندت عليها بطريقة طبيعية، واقتربت توكز الأخرى بأن تصمت. بينما هو راقبها وهي تقترب مع ابنة عمها من على بعد. اعتدل "غسان" بوقفته يملي عينيه المشتاقة لطلتها برؤيتها، وسرعان ما نهر نفسه وهو يحرك عينيه ناحية "أسماء" التي التفتت حولها أكثر من مرة، بينما "نيروز" اقتربت تنظر بإستنكار له عندما تصنع تجاهل قدومها واقترابها. بل حرك عينيه ناحية "أسماء" وقال يسألها بتأفف:
"عايزة نروح فين يعني؟"
وقبل أن ترد "أسماء"، سمعت خطواتها تقترب بل ووقفت الآن تأخذ أنفاسها ورفعت بنيتها الفاتحة تخبره من تحت فكها تتصنع البرود المماثل لما يفعله تماماً معها:
"عايزاك فموضوع مهم على إنفراد!"
كانت نظرة عينيه من على قرب كادت أن تكشف، بينما ابتلع "غسان" ريقه ينظر نحو ملامحها الهادئة وقبل أن يجيب وجدها تحدج الأخرى بإستنكار غريب وهي تطالعه بغيظ مخفي، حتى اقتربت "نيروز" أكثر ودفعتها بكتفيها بطريقة ليست واضحة فاندفعت الأخرى إلى الخلف منها. برقت عدستي "جميلة"، بينما لم يستطع "غسان" اخفاء بسمته، بل خرجت عندما سألها عن قرب:
"و ايه الموضوع المهم اللي لسه بيني وبينك؟"
أرادت تجاهله. واقتربت "نيروز" حينها من "أسماء" الصامته وهمست لها بصوت هادئ يحمل بين طياته الكثير:
"انتِ واقفة بتعملي ايه هنا مع جوزي؟"
من أين جاءت هذه الشراسة؟ زوجها؟ لم يسمع "غسان" ما قالته، بينما فضحتها الأخرى عندما تعالى صوتها بإندفاع مغتاظ من دفعها لها قبل قليل:
"جوزك مين؟ انتِ ناسية انك اتطلقتي؟ وبعدين انتي مالك واقفه ولا مش واقفة، هو أنا واقفة على دماغك؟"
الآن ستكتم دموع قهرها بقولها الأول واستماعها له. لاحظ تشنج عضلات وجهها بإخفاء بكاء منهار من الحقيقة الموجعة، وتصنعت الثبات وهي تجيبها بنبرة هادئة تهددها:
"هو فعلاً مش أنا اللي مالي، أحنا نجيب أخوكي وامك يشوفوكي واقفة فين ومع مين، ساعتها نبقى نراجع بقا ردك بعدين!!"
ابتلعت "أسماء" ريقها ووقفت "جميلة" تتابع بصمت، بينما واصلت "نيروز" بنبرة حادة ساكنة:
"وانسى إنّي اتطلقت أو منساش، ملكيش الحق إنك تقوليلي كدة سامعة؟ ولا اعيدلك تاني؟"
أخرجت "أسماء" أنفاسها بصوت عالٍ وشعرت بأنها ضغطت عليها الآن، لذا اقتربت تهمس أمام وجهها بكيد:
"لا مش سامعة، أنا شايفة، شايفة بس انك هتموتي عليه ومبقتيش طايلاه خلاص!!"
ذهلت "نيروز" من قولها فأطبقت سريعا على خصلاتها من خلف الحجاب وأمسكت بذراعها الآخر كتفها بعنف، حتى انتفضت "جميلة" ووقف "غسان" يتابع بإعجاب تحولها هذا من الغيرة.
بينما تأوهت الأخرى تردد لها بصوت عالٍ تحاول فصلها عنها:
"ابعدي عني.. سيبيني يا حيوانة انت!"
لم تتركها "نيروز"، وكأن هذه هي فرصتها لإخراج كبتها الذي بداخلها، بل حركتها بعنفوان تحت محاولة "جميلة" للفصل بينهما بقولها المرتفع:
"بس يا نيروز اسكتي. سيبيها مينفعش كدة، احنا في الشارع!"
لم تستمع لها بل تحاول جاهدة على أن تجعلها تقع، بينما أبت الأخرى وحاولت دفعها ببراعة من منتصف خصرها ناحية معدتها بعنفوان، فأمسك "غسان" ذراعها بقوة وفصلهما، ولم يترك يدها الذي حذرها بها بجمود معنفاً إياها:
"ايدك دي كانت راحة فين يا روح أمك؟"
ارتبكت نظراتها وحاولت التملص تحت صوت أنفاس "نيروز" العالية، بينما حاولت هي التبرير كي لا تخسر فرصتها، فحذرها مجدداً:
"لو ايدك اتمدت عليها هزعلك، سامعة؟"
حركت "أسماء" رأسها بطاعة، تحاول أن لا تخسر من وجدت به أمل المساعدة، ابتلعت ريقها وحرك معصمها بين قبضته، يتعمد التقليل منها عندما قال يرفع من شأن الأخرى:
"واتأسفيها."
برقت عدستي "نيروز"، فهي المنتصرة بالنهاية عندما قبضت على خصلاتها، وبالفعل سمعت اعتراضها وهي تحاول التملص بغيظ من بين يديه:
"مستحيل! أنا مغلطش فيها هي اللي بـ..."
بتر "غسان" هذه الجملة عندما ضغط على معصمها أكثر وواجهها بعينيه التي تهددها بقوله:
"اتأسفيلها بدل ما رد فعلي أنا اللي يزعلك بعدين!"
هل قصد أن يبيعها؟ أن يخبر شقيقها ووالدتها بأنها تنتظره؟ نظرت "أسماء" بخوف ورفعت عينيها ناحية "نيروز" التي تنظر بمفاجأة، وقالت بخفوت:
"أنا آسفة!"
هل كان الصوت منخفضاً؟ تراضت الأخرى من القول رغم أنها تبغضها، ولكنها صدمت مجدداً عندما اعتدل يشير لها بقوله يحثها أكثر:
"مش سامعك، علي صوتك!"
أمسكت معصمها بألم، ولمعت عينيها بالدموع عندما لبت غرضه مجدداً تتأسف بصوت أعلى أمام نظرات "جميلة" المذهولة، وقلل منها تعمداً كي يرفع من شأن "نيروز" أمام نفسها من قبلهم:
"أنا آسفة يا نيروز!"
هذا آخر رد فعل كان من قدرته فعله بهذا الحال الغير مفهوم، بينما قلبت "نيروز" عينيها بإستخفاف منها، ووقفت تنظر للصدمة التي لا تعرف عددها بهذا الوقت عندما ضغط على مفتاحه بالزر وحث الأخرى قائلاً رغم عنه بتأفف آخر لا يخلو من الثبات أمام عينيها التي تراقبه:
"اركبي على ما أجيلك!"
أومأت "أسماء" بطاعة، بينما رفعت "نيروز" رأسها تنظر له فوجدته يحرك رأسه ليطالعها، تقابلت الأعين بحديث مكبوت، ولمعت عينيها بغير وعي عندما سألته بتعب ظهر في نبرتها الملامة له:
"انت خارج معاها؟"
أوجعته نبرتها، ووقفت "جميلة" تتابع الوضع بحسرة، بينما هو تحسس جيبه بغير اهتمام واعتدل بوقفته يردد بفظاظة مقصودة:
"ملكش فيه!"
تحولت مئة وثمانون درجة الآن، عندما اقتربت تردد بتبجح، أخذته منه كما أخذت منه ردها الآتي بقولها المماثل لقوله من قبل:
"بيتك باللي فيه!"
شهقت "جميلة"، بينما لم تتحرك هي انش واحد حتى بعدما وجدته يقترب يميل منها وقال مردداً بإعجاب لامتزاج طباعها بطباعه وحتى الأقوال إلى الآن:
"حلوة منك أوي.. بس مني أشيك!"
شعرت "نيروز" حينها بأنه سيقبلها بكيد على إحدى وجنتيها كي يثبت لها سيطرته الموجودة إلى الآن حتى في الكلمات! دارت وجهها سريعاً بصدمة من جرأته بهذا المكان، بل وبعد الانفصال، بينما تعد هي بعدته! ولكنها لم ولن تسمح بذلك! ابتلعت ريقها واشمئز وجهها من ما فعله مع الأخرى بخروجه أمام عينيها بكل وقاحة!
"انت ازاي طلعت بالبجاحة دي؟ عادي كده وقدام عيني كمان؟"
انتهز "غسان" ضعف قولها واقترب أكثر، يردد لها بوقاحة يبعد عن محور الحديث:
"بصراحة عينك ميحصلش قدامها كده، متستحقش بحلاوتها تشوف ده، بس لو فاكرة ده مينفعش تشوفه عينك يبقي الجاي ايه؟"
اتسعت بنيتها بغير تصديق من وقاحته المبطنة، وشعر بالانتشاء عندما وجعها الآن، لمعت عينيها ودارت وجهها قبل أن تهبط، بينما تعالت نبرة "جميلة" تحثها على أن يبتعدا من هذا المكان:
"تعالي يا نيروز، يلا نمشي من هنا!"
نفت ونفضت يديها بوجع عندما دارت وجهها تنظر ناحية "أسماء" وهي تجلس بالأمام في المقعد بالسيارة. هذا مكانها هي، كيف تجلس به؟ كبتت مشاعرها وقالت بمنتهى الغرور التي تحاول ظهوره وظهور الثبات:
"مفيش فيها حاجة عدلة، عشان كده اتلميتوا على بعض!"
قصدت أن تظهر له بأنه مثلها لا يوجد به شيء جيد. نظر بهدوء لثباتها الذي يراه، ومن ثم حرك رأسه تجاه الأخرى التي تجلس بالسيارة. وقال بهمس قبل أن يرحل ويتركها:
"لأ حلوة!"
وردد بإستفزاز يطالعها من أعلاها لأسفلها حتى أكمل بما جعلها تنظر بصمت عاجز عن الرد:
"بس متحطيش نفسك في مقارنة معاها!"
بماذا يريد؟ ترك القول مفتوحاً بالسيئ والجيد، لم تفهم بعد الآن ماذا يقصد! الآن يلعب على نقاط كثيرة، يجذبها ناحيته بقول وينفرها منه بقول آخر حتى يجعلها مشتتة نفس التشتت التي وضعته هي به بين الفراق واللافراق! ابتلعت ريقها تعي أذيته في قول الحديث لها، ونزلت دمعتها التي فرت منها ومسحتها على الفور، حتى تمسكت بها يد "جميلة" التي واساتها بشفقة:
"متزعليش يا نيروز، سيبك منه، تعالي معايا، تعالي يلا نروح نقعد في المحل شوية!"
لم تسمع أي قول منها، بل سارت خطوتين وقبل أن تخطو أكثر، التفت بوجهها تنظر بألم ناحية سيارته الذي ركبها وانتظر حتى تدخل كي يسير بسيارته بعيداً عن هنا، وما إن وجدها تنظر، التفت بوجهه ببطء بعدما تقابلت أعينهما معاً، تابع دخولها المحل عقب ذلك بالمرآة مع "جميلة"، فدار السيارة بصمت وابتعد بها من أمام المبنى.
دخلت "نيروز" تحبس الدموع بمقلتيها وتصنعت في رسم ابتسامة هادئة عندما رأت وجه "حامد"، وهو يجلس كذلك، اقتربت ولفتت أنظاره بالداخل كما البقية عندما قالت وهي تقف أمامه:
"مساء الخير يا عمو!"
هل هذا صوتها؟ رفع "حامد" عينيه سريعاً من على المصحف ورمقها بلهفة وهو يشير لها بسعادة من هبوطها:
"مساء الخير يا قلب عمو، تعالي، تعالي اقعدي ارتاحي، أيوه كده انزلي واخرجي وشوفي الدنيا!"
رسمت ابتسامة حزينة على وجهها وجلست كما أشار، فوجدت "يامن" يترك "فرح" التي رحبت بها بحب، فبادلتها الأخرى الترحيب، بينما ركض الصغير يردد باسمها:
"روز!"
ضحكت بخفة وحاولت أن تحمله، بينما نصحتها "جميلة" برفق وهي تحمله لتضعه على قدمها بحرص:
"براحة يا نيروز، براحتك عشان حملك!"
امتن لها "حامد" بنظراته وتابع الحب الذي بينها وبين "نيروز" و"يامن" التي قبلته بحب وهي تعانقه، لا تعلم لما تشعر به في كل مرة بأنه صغيرها هي، أو أنه يمهد لها قدوم صغير مثل مشاكس تماماً، هل نسيت أن هذا الصغير من رائحة صغيرها هو الآخر؟ من نفس العائلة ونفس الدماء على الأغلب؟ أي رائحة الآخر به!
ابتلعت ريقها تنظر معه في الهاتف الخاص بـ "فرح" التي قدمته له بأغنية طفولية بريئة. ابتسمت بإتساع وهي تبادله حماسة البرئ كي لا ينفر منها.
أما "جميلة" فتركتها واقتربت من "فريدة" التي وقفت تنظم من على قرب وهي تتابع ما حدث. وانفلت كلمتها وهي تشاكسها قائلة بشفرة ما:
"ايه يا عروسة!"
استنكرت "فريدة" القول وسألت تتخلى عن فكرتها التي جاءت بعقلها:
"ايه عروسة دي؟"
طالعتها "جميلة" بشك والتقطت تصنعها الجهل ووكزتها قائلة بمزاح:
"يا بت!! بقى مش عارفة إن في كلام داير عليكي انتِ وٱدم؟ ولا انتِ فاكراني هبلة وبريالة بقا عشان مخدتش بالي من نظراته والبتاعة اللي شوفتها فإيده!"
صمتت "فريدة" تتخلى عن الحرج وهربت بعينيها بينما تعالت ضحكات "جميلة" وهي تكمل:
"أنا قعدت اقول فنفسي العيون دي مش غريبه عليا، وفنفس الوقت ملفتة وفريدة؟!"
عنفتها فريدة بنظراتها بينما مالت الٱخرى تقبل وجنتيها وقالت بصراحة تغازلها:
"عينيكِ لو وسط مليون أقدر أفرقها. تعرفي ليه؟"
سؤال ليس يحتاج لجواب الكل يعلم قرابة الشبه الكبير بينهما. أحياناً يظن أنهما توأمان على قرب الشبة بملامح الوجه الجميلة. ضحكت "فريدة", وردت تجيبها:
"مش محتاجة تفكير. بس هو بيشوفها فريدة من نوعها علي فكرة!"
شهقت "جميلة" من جرأتها وعادت ترد بيأس ضاحك منها:
"طول عمرك جريئة وهتودي نفسك فداهية والله!!"
عانقتها "فريدة" بفرحة هذه المرة، وبادلتها الأخرى العناق بسعادة لأجلها. وانتظرت الأولى لحظة حديث "حازم" بتوتر من الٱن عندما ربطت الأمور ببعضها!!. بينما وقفت "فرح" تلاعب "يامن" مع "نيروز", التي تبتسم بلطف. لم تشعر هي بأن دمعتها تتناقض مع كل ذلك وعقلها شارد بقوة به وبها.
الٱن وحرفياً تشعر بكي قلبها. مشاعرها تنهرها. لم لم تصر في ان تفاتحه في ذلك الموضوع التي قالته له؟ غبية. هكذا سبت نفسها. بينما لم تستطيع توقف التخيل. ألم ما يفعله بها يزداد. هل هي ألمته لهذا الحد؟
وان ألمته؟ لما لم يستخدم نفس السلاح التي ألمته به؟ بل يستخدم سلاح أقوى. غيرتها؟ لم تعرف هي بأن هذا الأمر كان صدفة وليس من تدبيرة هو. يالسخرية هذه المشاعر. العاشق لم تفضحه عيناه بل تفضحه غيرته المفرطة حتي وان حاول أخفاءها. الٱن يظهر كل ذلك منها. لم تكن تعرف بأنها تكن له حباً كثيراً كهذا. الوقت التي أصرت عليه هي بأن ينتهي بينهما بقول الفراق والإنفصال. يثبت لها بأنها تعي قيمته جيدا في غيابه!!
تبا لهذا القلب المتمسك بالخفاء. وان رددت لأحدهم بأنها تعاني الٱن فلن يصدقها أحد. حتى هو! فعلت أقسي شئ يمكن فعله بقلبها الضعيف تجاهه. بارعة في اخفاء اهتزازها أمامه وكل شئ. كيف يخرج مع غيرها؟ يبتسم؟ ينظر؟ وان جاءت هي للنظرات فهي تعلم أنه وقح يمكنه فعل أي شئ وهذا ما يحرق بداخلها شئ من جهة أخرى. دقائق قليلة شردت بهم بدموع وجعها من كل ذلك الضغط. بينما رفع "حامد" يديه يمسح وجهه برفق بعدما أشار للفتيات بالابتعاد عنها قليلا بعدما انتبهها حتى لشهقاتها المسموعة دون وعي منها. فاقت "نيروز" وانتفضت على يده الحانيه التي تمسح وجهها بتلهف يهدأ فزعها بقوله:
"اهدي يا حبيبتي متخافيش!!"
ثم أضاف يسألها بقلق وهو يوجه لها منشفة ورقية بيضاء:
"انتِ كويسة؟"
كيف ستجيب على هذا السؤال؟ سالت دموعها وهي تنفي برأسها وصارحته بإنهزام:
"لأ!"
تفاجئ من هذا الإستسلام الغريب. بينما وضع كفه يربت على كفها بحنو وقال وهو ينهض:
"طب قومي معايا. تعالي نتمشى شوية أنا وانتِ عند البحر وناخد يامن معانا ايه رٱيك؟"
حاصرها بقوله فإبتلعت ريقها توافقه ونهضت حتى عدلت من عباءتها أكثر ومن حجبها ورابط خصرها وإلتفتت برأسها تنظر فوجدت "جميلة" تعدل لها ملابسها أكثر من الخلف وواستها بهمسات هادئة مع "فريدة" وعلى ناحية ٱخرى ابتسمت لها "فرح" وهي تنظر لها ولحالها بحزن. فأشار لهم "حامد" بأنه سيأخذها وسيسير بها قليلا. وبالفعل قد سارت هي تتمسك بكفه بعدما قدمه لها فتمسكت به بحرج وكأنها الصغيرة التي تتشبت بيد والدها. ومن جانب ٱخر تمسك "يامن" بكف "حامد" وهو يسير لأجله بتمهل معها وخرج الثلاثة من المحل تحت نظراتهن المشفقة وترقبت عينيهما عندما نبست "فريدة" بتعب من حالها:
"نيروز بتتعذب من البعد ده وبتعذب نفسها واللي فبطنها معاها!"
ٱخرجت "جميلة" تنهيدة حارة وأجابتها بحسرة:
"اللي بينهم يستاهل اكتر من كده. بس نيروز مش حامل كل ده. وهو كمان مش سايبها تاخد نفسها. دا مش بيخرج كلمة منه ألا وبيبقي قاصد يتوهها ويخليها مش على بعضها. وهي بتتأثر عشان بتحبه وهو بيكابر فهي تكابر زيه. أنا تعبت من العلاقه دي أومال هي تعمل ايه!!!"
لم تفضل بأن تتدخل ولكن تلقائيتها جعلتها تتدخل حتى قالت تخبرهم بهدوء:
"يمكن عشان هي علاقه متعبة زي ما بتقولي فالوقت ده صح ليهم عشان يقدروا بعض أكتر!"
نظرت "فريدة" تجاه "فرح" بإنصات فنفت "جميلة" بحزن توضح لها:
"مش لما يبقي فيها رجوع! بالمنظر ده هيقفوا قصاد بعض على مين يوجع التاني ويعاند أكتر!"
قولها كان من خلال متابعتها المشهد بينهما قبل وقت. التزمت الاثنان الصمت. وجلست "جميلة" تخرج هاتفها كي تطلب رقم "عز" للإطمئنان عليه. فوكزتها "فريدة" بجرأة حتى قالت تخبرها تنتهز الفرصة:
"وخليه يطمني على ٱدم. أصل أنا رفضت اديله رقمي!"
ضحكت "فرح" عليها بينما ابتسمت "جميلة", تلبي غرضها بقولها له في الهاتف:
"واخبار ٱدم ايه يا عز؟ أصل في واحدة هنا بتسأل عليه وخايفة وقلقانة."
ضحك هو بمرح على الجانب الٱخر ونهض من أسفل السيارة يجفف يديه بملابس عمله ونظر تجاه "ٱدم" الذي يعمل وٱخبرها. بنبرة ضاحكة:
"زي الفل. بيشتغل عشان يعرف يتجوز الواحدة اللي بتسأل عليه!"
برقت عيني "فريدة" من قوله عندما سمعت نبرته في مكبر الصوت. ابتلعت ريقها وحينها قد إقترب "ٱدم" عندما ناداه "عز". وقال وهو يميل على الهاتف يردد بمشاكسة:
"طب وربنا أصيلة يا شاطرة. طلعتي ملهوفة عليا وبتسألي كمان!"
احمرت وجنتيها عندما سمعت ضحكته المساكشة لها وابتعدت دون رد. فضحكت "جميلة" تستفهم منه بهدوء:
"هتيجي امته؟ أنا وفرح عندنا زي ما عرفتك. ومستنين تيجي فأي وقت عشان نروح معاك."
"قربت اخلص. لما اخلص ان شاء الله هروح اغير واجيلكم اطمن علي غسان ونقعد شوية ونروح."
أومأت وكأنه يراها بينما تطلعت على ملابسها اليوم الذي أخرجها هو لها عاقداً العزم على ان تترك ارتداء الملابس السودء وستبدأ اليوم في ارتداء ملابس ٱخري ملونه. على الرغم من انها تذهب للاختبارات بملابس داكنه إلا أن اليوم أخذ هذا القرار قبل أن يرحل. هتفت بإسمه قائلة:
"عز"
"عيونه والله العظيم!"
قولي سامعاك.
ضحكت بخفة، وطالعت رداءها الأبيض وقالت تخبره:
"أنا سمعت كلامك على فكرة ولبست الدرايس الأبيض اللي طلعتهولي."
حتى نبرتها للآن يظهر بها الحياء. لامس قلبه قولها، وأتاها صوته الهادئ يسألها بمزاح عميق:
"يعني ست الملاك اللي بتطلع أحلى واحدة في الأبيض رجعت من تاني؟"
وأجابت بخجل طفيف تؤكد:
"آه، وعايزاك تيجي عشان تقولي انت أحلى واحدة شافتها عيني بتلبس ابيض بقى."
"تصدقي بالله؟"
"لا إله إلا الله."
"حرام جميل زيك يطلب الاهتمام، ده كدة كدة هيحصل."
ورغم أنها زادت في مشاعرها بطريقة غريبة، إلا أنها لا تستطيع التعبير سوى بهذه الغرابة الواضحة، وهو يحب ذلك. ضحكت بخفة. فسمعت صوته يحثها على الإغلاق من طرفها هي، كي يرى ما بيديه ومن يحدثه من شباب معه. لبت غرضه وأغلقت. ولم تغفل بأن حياتها تتغير كليًا على يديه هو. لم تنعم بأي شيء جيد سوى على يديه وبين يديه! كلمات الحب كلها لا توفي حق عز الرجال، تتأكد وتتأكد من ذلك!
لا يصدق ما سمعه باختصار منها. هل الخوف والقلق الذي داهمه ظهر عليه الآن؟ ابتلع غسان ريقه بصعوبة، ورفع عينيه بصمت دام لكثير بتعب. لم تقرر على أن تفارق أولاً كي يحدث كل ذلك؟ أخذ أنفاسه ورأى النادل يضع المشروبات، ففتح علبة سجائره يخرج اللفافة كي يشعلها وعقله منشغل بالكثير والكثير! حتى في بعدها تضغطه ويضغطه عقباتهما معًا.
بينما هي، رفعت عينيها بتوتر تنتظر أي رد منه، وعندما لم يتحدث أكدت عليه كي تتحدث باختصار أكثر هذه المرة:
"لو مش مصدقني أنا ممكن أثبتلك بالطريقة اللي تحبها، بس صدقني فعلاً اللي قولتهولك ده بجد. وسامر وأمي وحتى أختي مروة قعدوا يلعبوا في دماغه ويقولولوا إنها اتطلقت منك ومعدتش راجعالك وإنهم هيساعدوه زي ما قولتلك إنه يتجوزها!"
احتدت نظرة عينيه وهو يراقب تفاصيلها عند إخراج الحديث، يحاول استكشاف أي خداع بها. بينما بقى ثابتًا بسرعة ينتظر منها بقية الحديث الذي كان قد شرد عنه للحظات. استنكرت صمته الشديد، بينما واصلت هي تكمل بقلق من صمته واستشفت مدى الخطر التي أوقعت به نفسها وهي معه الآن!
"بس زي ما قولتلك هو مشي وهم قاعدين منتظرين وبيراهنوا إنه أكيد هيرجع تاني. شوية اتصلوا ورد وبعد كده تليفونه اتقفل ومنعرفش عنه حاجة. وقبل ما يمشي عرفنا إنه هو اللي أكيد كان سبب الصريخ من كام يوم من نيروز. أنا مقدرتش أبص بسرعة من أي شباك أشوفه هو ولا لأ، بس سمعت خالتي بتتكلم معاه في التليفون وبتترجاه ميجيش دلوقتي خالص عشان انت متعملهوش حاجة!"
أخرج دخان سيجارته بصبر، لا يعلم من أين أتى. حرك غسان رأسه وتأكد شكه بوجوده حينها. وما دب القلق بها هو حديثه بنبرته عندما قال:
"انت عارفة بعد كلامك ده إيه اللي ممكن يحصل؟"
وزعت أسماء نظراتها بخوف داخلي واندفعت تردد بشرطها:
"أنا عرفتك حاجة محدش عرف بيها ولا كان هيعرف، ولو عرفوا في البيت إني نزلت قولتلك حاجة زي دي هيموتوني. أنا شرطي بعد ما تعرف إنك متأذيش حسن ولا تيجي جنبه، بس تمنع تهوره واللي ممكن يحصل على حسب تفكير سامر!"
كتلة صبر لبسته الآن امرأة. وإن نهض وواجهها بلكمة ستقع أرضًا وسيلقى اللوم عليه. أخذ أنفاسه بصوت وخرجت سبة نابية من بين شفتيه سب بها حسن، وسامر، وحتى والدتها وشقيقتها. اتسعت عينيها من وقاحته، صمتت تكتم كل ذلك وأجاب هو على حديثها بـ:
"مش هتاخدي مني ضمان بده. أنا مبمشيش على شروط حد!"
"بس أنا عرفتك حاجة كانت هتضيع منك نيروز. أنا عارفة إنك متقدرش من غيرها، بلاش نضحك على بعض!"
تجرأت كي تثبت له بأنها ليست هينة. بينما ابتسم هو بإصفرار يقترب مستندًا على الطاولة وسألها بمنتهى السخرية:
"المفروض كده أخاف ولا أجيب ناس تخاف؟"
قلب عينيه باستخفاف، بينما هي علمت أنه يكشف ارتباكها المخفي. كيف وهي تفرك يديها؟ تركت يديها وأشارت له بتحذير، رغم ارتجافة يديها بعدما علمت أنه لا يوثق به أبدًا:
"أنا بحذرك لو جيت جنب حسن! انت شوف هتعمل إيه مع مراتك بعيد عنه!"
التقط غسان الخوف في عينيها عليه، وربط الحديث ببعضه، وسألها أوقح سؤال يمكن أن يسأله لها:
"اللي بينك وبين حسن وصل لحد فين؟"
انفرجت شفتيها بصدمة من جرأة السؤال، وابتلعت ريقها تسبه بتعنيف متوتر:
"انت.. قليل الأدب! أنا غلطانة إني فكرت أساعدك من الأول!"
كادت أن تنهض أسماء، بينما مد غسان ذراعه يدفع يديها حتى جلست مندفعة بتحريك المقعد قليلاً أثر دفعها. تجمدت تعابير وجهه ورد بنبرة كشفتها:
"تساعديني لوحدي؟ انت فاكراني مختوم على قفايا؟"
ما زال يمسك معصمها بيديه، تركه بإندفاع واعتدل يريح ظهره ومد يديه يخرج اللفافة من بين شفتيه وأكمل تحت ترقبها:
"انت جاية تقوليلي وليكي مصلحة من ده كله. هتقولي إيه هي؟ هسمعك، مش هتقولي يبقى شرطك ملوش قيمة عندي!"
حاصرها وخيرها تحت ضغط. رفعت عينيها تحاوطه بنظراتها للحظات، وقالت تهرب من نظرته باعترافها الذي لم يعيره اهتمام:
"أنا بحب حسن!"
لا تعلم سبب ضحكته التي خرجت فكتمها بقصد، ثم تغير كل ذلك عندما شهدها بلوم زائف:
"كده برضه تستخف بعقلي؟"
الآن تندم. ندم شديد بأنها اتخذت مثل ذلك القرار. جانبه الآخر لا يظهر إلا مع من يستحقون ذلك. هي كانت منهم. عنفته بشرر من تلك النظرات التي لم تريحها قط:
"قصدك إيه يعني؟"
"اللي بعده!"
أشار لها هو بيديه كي تأتي ببعد هذا القول. ماذا بعده؟ وماذا يريد؟ نهضت بعصبية تهتف بـ:
"ده كل اللي عندي وده أخري معاه. اللي بتحاول توصل ليه مش موجود ومحصلش من أصله!"
رفع غسان رأسه يشملها بنظراته وقال وهو يحرك رأسه نفيًا بعدم اقتناع من اندفاعها بمثل هذه الطريقة:
"مش مقتنع."
ونهض هو الآخر يضعها تحت تهديد وقال بعكس ما بداخله:
"وأنا ونيروز انفصلنا وكل واحد راح لحاله. تشوف حياتها عادي ربنا يصلح حالها. يعني ولا كأنك قولتيلي أي حاجة. مخسرتيش بس غير إني بإيدي أضيعك دلوقتي عند أهلك باللي سمعته. بس مش هعمل كده."
وواصل وهو يخرج الحساب يضعه على الطاولة مع قوله:
"ولا كأنك قولتيلي حاجة. ده باعتبار لو كنتي قولتي كل اللي عندك. لكن لو في حاجة مخبياها فأنا مش هقعد أتشرطلك وأهددك. لأ."
وأشار بيديه وهو يضع ما بيديه الأخرى بجيب بنطاله:
"مهمنيش."
سارت بجانبه بصمت وهي تسمع بقية حديثه عندما خرج من الباب:
"أما بقى لو افتكرتي حاجة فأنا في الخدمة!"
وغمز يكمل قائلاً بتسلية للفتك بأعصابها وأفكارها:
"عشان جدع."
لمح لها بشيء سلب منها تركيزها.
ركبت السيارة بجانبه بصمت.
بينما هو تركها وضرب بكل ما قاله هو لها عرض الحائط.
وخمن عودتها له في اللاحق بمثل هذه العودة.
عودتها له مرة أخرى أو عدم عودتها فهذا أصبح غير مهم لديه.
واستطاع أن يجعلها تغفل عن ذلك بعدما أخذ منها المضمون في هذه المقابلة المهمة والذي جعل النيران تندلع بداخله وداخل عروقه الآن بعدما علم آخر خبر كان يتوقعه بهذه الظروف.
وكأن هذا ينقصه.
بارع في إخفاء ذلك وفي ارتداء ثوب وقناع ليس له من الأساس.
على الأقل ظهرت ابتسامة صغيرة الآن منتصرة على شفتيه بعد هذه المواجهة التي كانت بينه وبين آخر شخصية لا يتوقعها أبداً.
باعتبار أنه لا يوجد بينهما أي تعارف من قبل.
وبالنسبة له كانت هذه المقابلة لديه بمثابة كنز ثمين.
ظنت الآخرى وقاربت على أن تقتنع بقوله الغير مبالي بـ "نيروز".
وحرك الأفكار والشكوك برأسها.
وسألت نفسها.
هل كل ما فعلته ذهب هباء؟
وإن قولها وحديثها له لم يفيده.
وجعله يضغطها بشيء هي من بدأته دون تفكير.
داعب الهواء بشرتها بملامحها الهادئة النقية.
حتى نظرة عينيها خاوية من أي شيء.
وبعد انفجار عقلها وشدة أعصابها أو حتى احتراقها لم تتحمل في النهاية بأن تظل كذلك وهي الآن مع والده.
بل استسلمت واخترق قلبها بسهم الندم.
الندم التي تشعره وشعرته منذ أن ردد لها كلمة الطلاق.
علمت أن عقلها وطبعها لا يعرف بسهولة.
وأنها لم ولن تستطيع أن تفارقه.
بينما وجدت أن هذا الصواب لا غيره وستصر على ذلك.
تيقنت بأنها معقدة به.
معقدة بحبه التي لا تستطيع أن تتركه وتترك مشاعرها.
ظنت أنه شيء سهل بإعتبار أنها تخلت بسهولة أو هكذا تصنعت بأنه بسهولة.
بينما من الداخل لم يكن كذلك أبداً.
جالت عينيها المبني من على بعد بعدما التفتت فوجدت "حامد" يلاعب "يامن" ومازال ينتظر منها بأن تتحدث.
ولكن عندما تركته ووقفت تنظر بمفردها.
تركها ربما هذا سيريح من نفسيتها قليلاً.
ابتسمت "نيروز" عندما وجدته ينظر لها باهتمام وكأنه يسألها بعينيه.
فأومأت تخبره بنبرة هادئة.
"نرجع المحل تاني!"
سألته ورفع هو رأسه يبتسم لها وهتف بلطف.
"نرجع وماله. بس بقيتي أحسن؟"
ابتسمت بتكلفة وهي تومأ له واقتربت تعود معه.
وبالفعل سارت بجانبه بخطوات هادئة إلى أن تخطى الثلاثة الطريق.
وتم التوجه بالقرب من ناحية المحل.
ودخلت خلف "حامد".
ولكنها قبل أن تدخل سمعت صوت سيارته تقف.
فالتفتت تنظر وتوجعت مرة أخرى ما أن رأتها بجانبه إلى الآن.
كتمت دموعها ونهرت نفسها على أن تلتفت ودخلت تنظر نحو الفتيات تتحمل هذا الوجع الذي احتلها.
لاحظت "جميلة" دموعها العالقة.
فيما تصنعت هي بالانشغال بأي شيء.
وعلى بعد رفع "حامد" رأسه ينظر له عندما دخل المحل.
فحثه على الاقتراب ليجلس.
"تعالى أقعد. اتأخرت ليه النهاردة؟"
"كان ورايا شغل كتير!"
هل يخدع والده؟
إن خدعه فكيف يستطيع أن يخدعها هي.
هي التي تابعت كل شيء.
ارتجفت يديها واعتدلت رغم الأنظار عليها.
ولكنها أبت أن تظهر هذا الضعف وقاطعت مسك "فريدة" للصينية وهي من أمسكتها كي تقدم لـ "حامد" الشاي.
وأخبرتها قائلة بهدوء تقطع عنها التوجه والاقتراب.
"سيبيه هوديه أنا."
تركته "فريدة" وانصاعت لها توافقها.
وحملته "نيروز" وخلفها الثلاثة يقفن يتابعن هذه التي اقتربت ووقفت تتحلى بثبات زائف وحتى البسمة المصطنعة.
وهي تميل لتعطي "حامد" الكوب بقولها.
"اتفضل الشاي يا عمو!"
تفحصها "غسان" بنظراته.
ولو تعلم هي بأن هذه النظرات ما هي إلا نظرات اشتياق.
وألم الهجر والبعد.
دار وجهه عنها يتصنع التجاهل وابتلع ريقه يسمع قوله والده لها بحب.
"تسلمي يا حبيبتي!"
ابتسمت ابتسامة وظهرت أنها باهتة رغما عنها واعتدلت تقف وهي تتمسك بالصينية.
تفحصته هذه المرة بعينيها.
بينما كان هو لا ينظر ناحيتها.
انتهزت الفرصة وانشغلت بتعب به هو.
عينيها عالق بها أسئلة كثيرة جداً.
التقطها "حامد" الذي نهض بخفة يشير لهن بتركهما معاً.
ربما يوجد هناك أمل.
أما هو فلاحظ خروجهن قليلاً بالخارج حتى الباب قد أغلق ولكن ليس بالكامل.
رفع رأسه ينظر ناحيتها فوجدها تتأمله.
ما بين نظرات لوم وعتاب وربما تقزز من ما فعله بجهلها عن ما يدبر لها من خلفها.
مسكينة.
تنهد يخرج أنفاسه ولاذ له تفحصها له بصمت مريب.
ولا تعلم كيف أصبح بهذا القرب عندما وقف أمامها.
فخرجت من هذا الشرود ويديها المتمسكة بالصينية ترتجف.
وسمعت قوله الساخر يسألها عن قرب.
"وحشتك؟"
ربما هذا السؤال ساخر جداً.
أو قصد بأن يظهره كذلك.
ما لا يعلمه بأنه خرج منه بإنهزام موجع للغاية.
أما قلبه وعقله فهما مشتتان الآن بما سمعه من الأخرى.
لا يثق بها ولا بعائلتها.
ولكنه بنفس الوقت كيف سيسمح في أن يفكر بها غيره لطلب الزواج حتى وليس الزواج بالفعل.
مشاعر صعبة تلبسه هو لا يريدها من الأساس.
ظن أنه سيتألم من البعد والآن تثقل الضغوط عليه وأغلبها منها ومن ما يفكر وما سمعه.
هل تركها للنهاية؟
أم سيردها كي لا يستطع أحدهم بمجرد التفكير لزواجها.
كيف؟
وهي تحمل صغيره بداخلها.
وعدتها طويلة.
ما الذي يمكن فعله مع ذلك الذي يتشبه بالرجال وهو بعيد كل البعد عنهم.
مشاعر متضاربة.
كما كانت مشاعرها تماماً وهي تستمع لسؤاله.
بما ستجيب؟
بنعم؟
مستحيل.
لوت "نيروز" شفتيها بإستنكار مؤلم وتعمدت القسوة والفتور في الرد عندما هتفت بـ.
"تبقى غلبان لو فكرت إنك وحشتني!"
اتسعت ابتسامته وداخلها عكسها تماماً.
ضغطت على أسنانها بتحمل لهذا.
بينما ردد هو على قولها بحديث متهكم.
"وأنا مش غلبان. انت اللي غلبانة وأوي كمان!"
صمتت وتحلت بالصمت.
فتحرك هو يسألها بنبرة جادة مجدداً.
"ايه الموضوع المهم اللي بيني وبينك وكنتي عايزاني فيه من شوية؟"
هل يتذكر إلى الآن؟
نهرت نفسها ورددت بأنه واجب التذكر عليه.
لم؟
ولم خرج معها وتركها ثم عاد يهتم.
"موضوع يخصك انت وانت المستفيد. لأن لو يخصني فأكيد مكنتش هرد عليك بعد ما مشيت وجيت بمزاجك. كنت استني ارد بمزاجي زي ما عملت بالظبط!"
جعلها تشعر بالضيق.
اعتدل بترقب وضغط على غيرتها بقوله الآتي.
"الحاجة اللي معايا مكنتش تقدر تستنى. لكن انت موجودة فأي وقت!"
هل هذا قول مستفز؟
أم إهانة.
اندفعت تردف بانفعال وهي تشير بالصينية التي بين يديها.
"يعني ايه موجودة فأي وقت دي؟ انت ضمنتني؟"
استطاع هو أخذ هذا الرد المنفعل منها كي يكمل الآتي.
إقترب يأخذ الصينية من بين يديها ليضعها على الطاولة واعتدل يرد عليها بنبرة هادئة جادة هذه المرة.
رفض بأن يخرج بها وجعه منها.
"شوفتي لما تحسي إن اللي قدامك ضامنك بعد ما تفوقي بتتدايقي ازاي. حسيتي بوجعي وأنا شايفك ضمناني فكل وقت وكل مرة ولا لسه محستيش؟"
وعارضت بقوة أشبه بنبرة باكية تخفي خلفها الانهيار.
"أنا مضمنتكش!!!"
"لا ضمنتيني. وأوي كمان لدرجة إنك فضلت تقولي طلقني وانت واثقة اني مش هعملها. واتصدمتي لما قولتهالك حتي لو كنتي عايزة ده!"
واجهها بالحقيقة الموجعة.
ابتلعت ريقها بإرتباك ظهر على ملامحها وحبست دموعها.
بينما تحشرجت نبرتها وهي تسأله بوجع.
واضعة كفها على وجهها والآخر على معدتها.
"انت عاوز ايه مني؟"
بينما نهر كل ذلك ورفض واعتلاه الكبرياء، تغيرت ردات فعله في كل مرة وعكس كل ذلك بـ:
"انت اللي عايزه مني مش أنا!"
لم تشعر بأن دمعتها قد هبطت وخانتها، بينما رفضت مثله الضعف وأكدت قوله قائلة بكبرياء أنثى:
"عندك حق."
وأضافت بعدما ابتلعت ريقها وجلست على المقعد تريح جسدها بمنتهى الثبات أمام بنيته الداكنة التي تراقبها بقوة:
"أنا اللي محتاجاك عشان بعد كده مبقاش محتاجة حاجة منك!"
لم يفهم "غسان" قولها ولكنه وقف ينتظر الآتي، أما هي فتنفست بصوت عالٍ تخيرة بكبرياء:
"يا تاخد تمن المحل يا تاخد المحل وميبقاش ليا فيه حاجة!"
هل تعمدت التقليل من شأنه؟ التزم الصمت وجلس يستند بانتظار، فأضافت سريعا تكمل وهي توضح:
"مهما كان دي كانت هدية بينا في يوم من الأيام، وعشان هدية كبيرة أوي كدة فأنا مش هقبل ده دلوقتي، فإختار!"
نفى "غسان" بشفتيه وغمز يرفض ذلك بـ:
"تؤ.. أنا مبخيرش ولا باخد فلوس هدايا من حد، أنا بشفق بس!"
عقدت ما بين حاجبيها وسألته تنفي ما جاء بعقلها:
"يعني ايه؟"
"يعني بشفق عليكي علشان انت عقلك تعبان.. فهسيب ليكي المحل ده تاكلي منه عيش بس مش عشانك، دا عشان اللي فبطنك وعشان ده أكل عيش ناس تانية معاكي هنا!"
اندفعت تقف وأشارت له بانفعال عمل على خروجه بكلماته:
"أنا مش محتاجة صدقة من حد."
ووقف هو الآخر ببطء ينفي بابتسامة هادئة ووضع كفه بجرأة على معدتها وقال:
"دي مش صدقة دي عشان اللي فبطنك، واللي مني، أكيد هيحتاج مصاريف غير اللي هساعدك بيها وملزومة بيها مني والنص التاني بتاع بنت عمك والباقي لبيت ابويا!"
كيف رتب لكل ذلك؟ ابتلعت ريقها وبعدت عن محور الحديث وهي تنفض يديه بعيدًا عن معدتها وقالت تحذره بإشمئزاز:
"ابعد ايدك دي عني!"
نفض يديه منها بهذه الطريقة بمثابة وجع آخر، وهو من جعلها تفعل ذلك، اعتلى صدره بانفاسه التي تخرج وتدخل واقترب أكثر منها. ووقفت هي تتحلى بالثبات حتى بعدما قال يخبرها:
"انتي ناسية انه حقي وانك فى عدتي؟"
ابتلعت "نيروز"، ريقها بطريقة ملحوظة، فاقترب هو أكثر حتى رجعت تصطدم في الطاولة وأكمل في جرأته عندما واصل بجملته الآتية:
"وحقي كمان أعمل أكتر من كدة!"
وازداد القرب وهي تقف بخوف، تتوتر ويظهر الارتباك على معالمها وأضاف مجددًا بهمس هذه المرة:
"زي اني أردك مثلا."
كادت أن تتعثر قدميها وتقع الطاولة خلفها بينما هو حاوط خصرها بذراعه ودفعها ناحيته أكثر حتى اعتدلت في وقفتها بخفقات قلب عالية، بينما لم يتركها هو وابتسم ابتسامة عبثية يسألها:
"ايه رأيك في حقوقي؟"
نفضت "نيروز" ذراعه وحاولت التملص وهي تدفعه بقوة مرددة بتعنيف:
"دا فـ أحلامك، ابعد.. ابعد عني وابعد ايدك المقرفة دي، اللي يخليك تخرج مع واحدة غيري يخليك تعمل الأكتر من كدة، بتحبها؟ هتتجوزها صح؟ ومسكت ايدها كمان؟"
اندفعت بأقوالها تسأله بنبرة قوية، نظر لها هو بتعجب واندفع إلى الخلف منها ومن دفعها له، فأحكم وقفته سريعا وهو يستمع لأسئلتها المندفعة التي ظهر بها الحدة والانفعال، لا يصدق أن بعد هذا الانفعال دموع، دموع غزيرة باستسلام بعدما جلست بخواء على المقعد تخفي وجهها وكلماتها المتقطعة تخرج بوجع له تظهر له بعد ألم الخفاء القليل التي لم تتحمله رغم قصر الوقت بشعور الغيرة هذه:
"انت بتعمل فيا كدة ليه؟ حرام عليك!! أنا مش حأمل كل ده.. مستحيل ارجعلك لو قصدت تعمل كل ده عشان ارجعلك واقولك الكلام ده.. انت مبتحسش ومعندكش دم. وخاين وكداب."
وحركت رأسها بقوة من بين هذه الدموع ونهرته قائلة بإندفاع آخر:
"انت كداب يا غسان!!!!"
كل هذا بنبرتها الباكية وهي تخفي وجهها أمام ذهوله واهتزاز ثباته ولم تتوقف الي هنا بل واصلت بنفس المشاعر والبكاء المؤلم:
"قاصد توجع قلبي بكل ده صح؟ قاصد تركبها معاك العربية عشان تحرق دمي بوجودها معاك!! اختارتها عني قدامها؟ فاكر لما خليتها تتأسفلي تبقي كدة رفعت راسي؟ طب لما مشيت معاها مفكرتش انا ممكن أحس بإيه؟ مفكرتش بعد ما خليتني أحبك بسهولة وخليتني بردو أبعد عشانك تقوم تعمل كل ده؟ ليه؟ ده أنا بعدت عشانك قبل مني خوفت عليك، عرفت انك كداب وعمرك ما حبيت فيا حاجه؟"
وجعته نبرتها ولومها التي مازالت الي الان تلقي عليه اللوم وتقلب كل الموازين عليه هو؟ لمعت عينيه وسألها بنفس اللوم عند قول عدم حبه لها فأشار بإنكسار ناحية معدتها بعينيه وقال بسكون مؤلم:
"وابني اللي فبطنك دا ايه يا نيروز؟ مش حب؟"
اندفعت تقف بانهيار أعصاب ونفت بأعين باكية حمراء:
"لأ مش حب، مفيش حاجة اسمها حامل منك يبقي انت بتحبني، ياما ناس سابوا بعض وهم لسه حوامل ومشوا او فضلوا ومبطلوش يأذوا فيهم زي ما انت بتحاول تأذي فيا كدة، مش كل حب بينتهي بجواز وعيال وخلفه، في حب انك متعرفش تشوف غيري، حب يعني تمسك حتى لو بان غير كده، انت عمرك ما فهمتني!!!!!!"
أرسلت له حجم كبير من التشتت، تجعله يندم؟ أتعاتب نفسها؟ ابتلع "غسان" ريقه بصعوبة وحرك عينيه اللامعة ناحيتها بإستسلام مؤلم وقال يرد على حديثها:
"اديكي قولتي بنفسك، حب يعني تمسك وانت اللي متمسكتش مش أنا، أنا فضلت متمسك وانت اللي مكنتيش عايزه كدة، لكن انا فعلا معرفتش أشوف غيرك ولا أذيتك
أنا أستاهل كل ده!
"انت خونتي الوعد والعهد قبل مني، قريب قولتيلي انك مستحيل تقدري تبعدي عشان ده!"
وانتهي قوله الساكن بإشارة يديه على معدتها، فتلقائياً تمسكت بمعدتها تتشبث ببكاء بها وكأنه يذكرها بما تلومه به وهو لها من الأساس.
"فاكره قولتيلي إيه؟ قولتيلي مستحيل تقدري تبعدي عشان حبل قربنا اتربط بالقوي، حتى قبلها وكأنك كنتي حاسة إن في حاجة هتحصل. مبتطلتيش تقوليلي أوعى تبعد عشان إحنا حلوين مع بعض. قولتيلي كمان متعملش حاجة تكون سبب البعد بينا. بس عارفه مين اللي عمل حاجة سببت البعد؟"
صمتت "نيروز" بإنهزام تستمع لوجعه وخفق قلبها من نبرته الموجعة عندما أشار بيتهمها بصدق تعلمه.
"انتِ."
وابتسم هو بإستهزاء من هذا الحال ورفع رأسه يرد ساخراً من ما فعلته به حتى مشاعره استهان بها.
"وياريتها حاجة واحدة بس عملتيها!"
مسحت دموعها التي تهبط إلى الآن ورددت بنبرة خاوية عندما وجدت كل اللوم يلقى عليها الآن دون قدرة منها على البراهين والتبرير.
"إحنا خلاص، مننفعش لبعض."
وقف "غسان" ثابتاً بسكون هادئ، فاعتدلت هي تتقدم إلى الأمام وطرف عباءتها يعلق بالطاولة، فرجعت إلى الخلف بإندفاع. ولحقها كفه الذي مسك كفها يدفعها برفق. تأوهت وهي تمسك معدتها بألم، فسألها بنبرة هادئة قلّقها حتى ظهرت لهفته رغماً عنه.
"إنتِ كويسة؟"
هربت بعينيها الباكية ونفت قائلة بإنهاك منه ومن هذه الظروف التي تجمعهم الاثنان وثالثهما الوجع بينهما.
"لا.. وابعد عني مش عايزة أشوفك، انت وجودك بيأذيني وبيتعبني. حس بيا. ولو عايزني أبقى كويسة أنا واللي في بطني، معتش تقرب مني حتى ولو بكلمة!"
حديث قالته رغماً عنها، ابتلعت ريقها تخفي اهتزاز كلماتها الباكية. أما هو فلا يعلم من أين أتى بهذه الطاعة أمام إنهاكها وقال يجاريها بنفس الإنهاك.
"ماشي يا نيروز اللي انتِ عايزاه."
وأضاف ينبهها لبداية هذا الحديث الذي كان قد خرج منها وبرر رغم أنه ليس من أنصار التبرير، ولكن أمام عينيها البريئة ينهزم وتتخبط طباعه وأقسى طبع لديه يلين أمامها ولها وحدها هي لـ "نيروز"، وفقط.
"وعشان تكوني عارفة أنا مش هرخص ولا هقلل من نفسي عشان أبقى قاصد أجيبها قدامك. أنا لو عايز أعمل كده مش هتعرفي تتلمي على أعصابك ساعتها حتى. عشان كده مش محتاج أقولك إن ده مش ترتيب مني!"
وجدت الصدق منه ولم تقتنع رغم شعورها بالقليل من الراحة وذكرته بقول كان قد قاله لها من قبل بقسوة.
"مبقاش يهمني."
حديثها من حديثه لها في الشرفة وواصلت تذكرة بسخرية موجعة.
"زيك."
حينها قد أكمل أنه لا يهمه سوى صغيره التي تحمله هي. أدمعت عينيها مجدداً عندما ردد بخفوت يصارحها.
"كنت كداب وقصدت أكون كداب ساعتها. مع إني بعرف أكدب يا نيروز!"
وأضاف يقترب ولبسته حالة الانهيار بمشاعره الموجعة.
"بس وأنا معاكي مبعرفش أكدب!"
التفتت واجهشت بالبكاء بصوت عالٍ من هذا الضغط. الاثنان عالقان بقوة وبالمنتصف المؤلم هناك توجد رغبة الرجوع ولكن يأبى الطرفان.
- هو يأبى بسبب كبريائه الذي هزمه وجعه منها.
- وهي تأبى بسبب رؤيتها لكل ذلك بعينيه، فكيف ستعود وهو معها كذلك؟ هل لم يستطع العودة كما كان معها من قبل؟
تلك هي العقبة الحقيقية الموجعة بالنسبة لنا جميعاً. لا نشعر بقيمة الشخص أو الشيء إلا عندما يُسلب منا. أحياناً يُسلب بمنتهى القسوة وأحياناً أخرى يُسلب بمنتهى الهدوء حتى لا نشعر بزواله إلا فجأة وبالتدريج تزداد المفاجأة!
حركت "نيروز" عينيها التي غمرتها الدموع والآن كشفت المشاعر واتضح السبب الذي يقف عائق رغم حب الاثنان الظاهر. وأجابت بنبرة مختنقة ترد على حديثه بتأييد هي الأخرى.
"أنا كمان مبعرفش أكدب. بس خلينا نكمل في اللف والدوران على بعض. خليك مكمل في كلامك وأنا كمان هصدق كدبك وهقول إنك فعلاً مبقاش يهمك أي حاجة غير اللي في بطني وإنك بطلت تحبني وقريب هتتجوز وهتنسى كل ده عشان راجل وليك احتياجاتك ومش هتقعد كده زيي. بس لو فكرت أعمل زيك حضرتك تردني؟ فلما تردني معرفش أتجوز غيرك ولا أعرف أطلق منك وأعيش للي في بطني أربيه وأخد بالي منه عشان متاخدوش مني لأم تانية غيري. صح؟ مش انت عايز كده؟ مش ده كلامك ليا؟"
لم تعطيه فرصة للرد بعد اندفاعها بكل ذلك بل أضافت بابتسامة مستهزءة بنفسها.
"ودا كذبك اللي أنا هصدقه يا غسان!"
لم يكن يعلم بأن كل حرف أردفه لها تدخره وتتذكره بمثل هذا الألم! ولكنه ردد لنفسه بأنها وجعته أيضاً لما لم يردد لها وعلى مسامعها بذلك مراراً وتكراراً. ظهرت لمعة عينيه وقال يسألها بسكون.
"نفس السؤال هسألهولك من تاني.. عارفه إيه هي مشكلتك؟"
اختنقت نبرتها وتوجعت بما فيه الكفاية من هذه المواجهة. وكشفت مشاعرها بحبها له وتحتسب شئ بسيط أمام ما كشفه لها كي تنظر بعين أخرى وليست عين المظلومة دائماً منه. ردت باختناق عليه وظهر حبها بقولها.
"هكدب زيك عشان عايزة أسمعك يا غسان. يمكن تكون المرة الأخيرة!"
جوابه فعلته هي بجملتها الأخيرة! ولكنه عاد يرد وصارحها حينها بـ.
"مشكلتك دايماً إنك مندفعة ومتسرعة. بس تسرعك ده في الآخر بيجيب ندمك بأقصى سرعة وساعتها بتعرفي كويس قد إيه انتِ كنتي غبية يا نيروز."
وأضاف "غسان" بصراحة ساكنة بعيدة كل البعد عن القصد بالسب.
"ومازلتِ!!"
شهقت بتلقائية بصوت خافت. وحركت عينيها بسكون وقبل أن ترد قاطعها هو ووضع إصبعه على شفتيها وداهمها بمحاصرته لسؤاله لها.
"قوليلي.. مندمنتيش على قرارك وعلى اللي عملتيه؟"
عجزت عن الرد حينها. بما ستصارح؟ على أية حال تعلمت من معلمها الكذب. نفت بخداع برأسها تنفي. فابتسم يفهم خداعها وقال.
"كدابة!"
"حتى ولو كذابة، فات أوانه الكلام ده!!"
وأضافت ترجع خطوة إلى الخلف عنه وسخرت منه بقولها الآتي.
"ولو كنت كذابة زي ما بتقول فأنا متعلمتوش غير منك!"
"أنا مكدبتش عليكي في حاجة ولا حتى عرفت أكدب. كل حاجة كانت صادقة مني ومعاكي. مش مشكلتي إنك كدابة وشايفة الكل زيك. انتِ فاكراني كداب في مشاعري وحبي زيك بالظبط!!"
"ونهاية دا كله إيه؟"
كان قولها مبحوح من كثرة البكاء وحتى قوله واتهامه لها تركته ولم ترد عليه. وكان رده عليها.
"انتِ اختارتي نهاية كل ده من شوية!"
قوست "نيروز" حاجبيها بعدم تركيز. فابتسم "غسان" بإنهاك ينبهها.
"مش بقولك متسرعة!"
انتظرت قوله الذي تلى هذا. قوله المنهزم عندما ذكرها بقولها بهدوء.
"نهايته بعدي عنك عشان وجودي بيأذيكي وبيتعبك ومش هقرب منك ولو بكلمة زي ما قولتي بالظبط!"
خفق قلبها بسرعة. هل ستحرم حتى من كلماته حتى ولو كانت سامة؟ ابتلعت ريقها بصعوبة وعقلها ينفي كل الأفكار التي جاءت بعقلها ولم يتركها بعدها بجواب. وحتى هو لم يكمل بقول أي شيء ليريح هذا العقل الذي على وشك الانفجار لسبب واحد فقط!! للتفكير به!!
ماذا فعل الهوى بهما؟
ماذا فعل الحب لاثنين؟ عجزت كل أمور الحياة المنطقية عن فهم ما يجري بهما، وفهم كل منهم للآخر على الرغم من وجود الحب.
ماذا فعل الشوق بعد كل ذلك؟ لم يفعل أي شيء سوى أنه جعلهما يكشفان مشاعرهما، بينما شيطان الحب موجود ولم يختفِ. الكبرياء أحيانًا يعتبره البعض شيطانًا.
هو يعتبر شيطانها، الكبرياء وهي كذلك. والاثنان عالقان وعجزا عن وجود الحل للمرة التي لا يعرف أي منهما عددها.
التفت "غسان" بجسده كي يفتح الباب أكثر، بينما هي وقفت تتابعه بأعين لامعة. لم تعد لديها قدرة على فعل أو قول شيء، ولكنها هتفت للمرة الأخيرة تصحح له:
"حتى لو قلت ده، فانت مش هتقدر تعمل ده. النصيب مخلي شققنا جنب بعض وربنا أراد إني أحمل منك. هتبعد إزاي؟"
وبمتتهى الخواء الموجع للاثنين، قال قبل أن يخرج من المحل:
"عادي هعملها طالما وجودي بيتعبك. مش فارقة كتير اللي اتقال.. اتقال وخرج خلاص!"
هنا قصد تركها على راحتها حين أن تضع حملها منه. ما الذي بيديه كي يمكن فعله؟ شهور عدتها طويلة وهذا ما يلهمه الصبر. حتى الصبر على "حسن" هو الآخر. ترك كل شيء إلى حين آخر ودخل المبنى بوجعه منها وفقط. وحتى هي هرولت لتصعد خلفه ناحية غرفتها قبل أن تأتي أي منهن لها تستجوبها من على بعد. لاحظ الكل خروجهما، فجاء "حامد"، معهن من على بعد وحينها دخلت "نيروز" مهرولة تنتظر المصعد الآخر كي تصعد. تحث نفسها على التماسك لآخر ذرة. حين فقط دخولها لغرفتها حينها ستنهار ويتيح لهذا الانهيار المكبوت بالخروج.
طالع "حامد" أثرهما بفقدان أمل وتمكن الحزن منه على حالهما، حتى ظهر على ملامحه التي رأتها "فريدة" و"فرح"، بينما صعدت "جميلة" تهرول خلف "نيروز". سمع أذان المغرب فأمسك "يامن" كي يأخذه معه وأخبرهما مردفًا:
"هروح أصلي. خلي بالكم أنتم على ما أرجع."
أومأت "فريدة" ودخلت "فرح" بعدها بحزن على ما حدث بجهل منهم، فالوضع وتعابير الوجه تشرح نفسها.
******
بعدما فتح "حازم" الباب، دفعت الكل من أمامها وهرولت ناحية غرفتها بسرعة فائقة ترفض أي شيء. انتهت بإغلاق الباب بقوة ترفض فتحه لأحد، تحت دقات "وردة" و"ياسمين" لها ووقوف "حازم" وهو ينظر بغير فهم. بينما خفق قلب "سمية" بخوف وجلست تضرب ركبتيها بحسرة من حالها الذي عاد وخافت حدوث أي انهيار بعده.
"ليه كده بس يا بنتي؟ ليه حرام عليكي؟ أنا تعبت خلاص، معتش فيا أعصاب لكل ده يعالم!!!"
واستها "عايدة"، بينما "نيروز" لم تتمكن من كبت أي شيء وظهرت دموعها وانهيارها بالحزن أمامهم، لذا ركضت مسرعة ناحية الداخل. دخلت "جميلة"، تهرول من الباب تتوجه ناحية غرفتها تدق هي الأخرى معهم بصوت عالٍ كمثل نبرتها في قولها الآتي بخوف:
"افتحي كده يا نيروز. بالله عليكي افتحي وريني نفسك. قولى لي طيب حصل إيه؟ عملك حاجة؟ ردي عليا عشان خاطري!"
استمرت "وردة" في أن تدق عليها الباب ولما تسمع أي واحدة منهن إلا صوت شهقاتها العالية بتمزق وصوت البكاء. بينما ترقبت أنظار "ياسمين" لقول "جميلة"، فاندفعت تسألها بنبرة ليست هينة بالمرة:
"هو مين ده؟ متقوليش إنه غسان؟ هي قابلته تحت؟"
أكدت "جميلة" شكوكها، فنظرت "ياسمين" بغضب ونهرتها قائلة:
"وسيبتيها معاه؟ انت مشوفتيش حالها من كام يوم كان عامل إزاي؟ هو احنا كنا ناقصين؟ انت بتفهمي ولا غبية ومبتفهميش؟"
تجمعت الدموع بمقلتيها من هذا الهجوم. واعتدلت "ياسمين"، أمام أعينهم كي تتوجه ناحية باب الشقة لتتجه ناحيته، بينما قاطع سيرها مسك "حازم" لمعصمها وهتف محذرًا لها:
"انت رايحة فين؟ ملكيش دعوة باللي حصل!"
حاولت دفعه عنها بعنفوان، وقالت بشراسة رغم إمساك جسدها من "عايدة":
"وسع كده. عايزني اسكت إزاي؟ لازم أروح أشوف هو عملها إيه وإيه اللي خلاها تيجي بالشكل ده وتقفل على نفسها وتقطع نفسها من العياط!"
أحكم "حازم" مسكها وقال محذرًا مرة أخرى عندما وجد "سمية" تنهض تمسح عينيها بعجالة، تبحث عن حجاب رأسها بعينيها:
"ملكيش دعوة قلتلك. انتِ آخر واحدة تتدخلي سامعة؟"
وأضاف يسحبها أكثر كي يدفعها لتجلس على المقعد تحت سيطرته:
"اقعدي ومتتحركيش من مكانك بدل ما رد فعلي ميعجبكيش. أمك هي اللي هتتصرف وانتِ هتفضلي هنا وأي حرف منك بعد كلامي ده مش هيحصل!"
كادت أن تتحدث، بينما احتدت عينيه ينهرها وهو يشير لها بكفه:
"بـــس اسكتي. ولا كلمة!"
تشنجت ملامحها بغيظ وضجر شديد، بينما انفردت "جميلة" بركن ما بنفسها تبكي من حديث "ياسمين" لها، وبالأخرى بسبب فقدان أملها بعدم فتح "نيروز" الباب. ولكن تحشرجت نبرة "وردة"، أمامهم عندما استمرت دون يأس في طرقها على باب حجرتها وقالت تحثها بلهفة:
"افتحيلي يا نيروز. افتحيلي أنا طيب عشان خاطري وبلاش تعيطي بالشكل ده. خافي على نفسك بالله عليكي ومتعمليش كده!"
ومن ثم بعد ذلك خرجت "سمية" وهي تضع حجابها على رأسها وخلفها "عايدة"، بينما بقى "حازم" معهن يحاول هو الآخر فرض أمره على زوجته ومساعدة "وردة" في أن تفتح "نيروز" لهم الباب.
"براحة بس يا سمية واستهدي بالله!"
رددتها "عايدة" بقلق من اندفاعها بهذا الشكل. تركتها "سمية" هذه المرة دون رد ورفعت يديها تدق باب شقة "حامد" حتى فتحت "دلال" الباب وتفاجأت من ملامح "سمية" التي سألتها بنبرة جاهدت بها الثبات:
"ابنك فين يا دلال؟"
تعلثم لسانها من هذا السؤال المندفع فأشارت لها فقط على الدخول. فدخلت "سمية" وخلفها "عايدة" واغلقت "دلال" الباب. وحينها ردت عليها بنبرة هادئة تسألها بقلق:
"فيه إيه يا سمية؟ إيه اللي حصل؟"
"اللي حصل إني عايزة أشوف ابنك آخره إيه في كل المواضيع دي. أنا ساكتة بقالي فترة وبقول يا ستي عدي. يستي يا ما بيحصل مشاكل وبتخلص. لكن إني أحاول أسند بنتي وأبعدها عن أي ضغط ويجي هو في لحظة يخليها منهارة وتروح تقفل على نفسها من تاني واحنا لسه من فترة كنا بنحتاس فيها وفحالها يبقى ده ميرضيش حد أبدا. أنا بنتي مش حمل كل ده يا دلال وابنك حتى مش مقدر ولا حاسس. ده حتى مش مقدر إنها حامل وسايباهالي بالشكل ده. أنا بقيت أخاف على إني أفوق في مرة ألاقيها سقطانة من اللي بتعمله في نفسها بسبب ابنك!"
داهمتها بأقوال كثيرة. وتفاجأت "دلال" من هجومها بمثل هذا الخوف. ماذا فعل الآخر بها؟ تعالت الأنفاس وكانت الساحة بمثابة كائنات تحارب فقط لأجل فلذات كبدها من خطر كائنات أخرى، أو لربما من خطر فريسة تود النيل من الأبناء. فطرة. فطرة.
ابتلعت "دلال" ريقها وحاولت على أن تهدأ الوضع بعدما خرجت "وسام" من غرفتها تستمع إلى كل ذلك. ووجدت نبرة "والدتها" تخرج وهي تحث "سمية" بقولها الهادئ:
"طب تعالي نقعد كده بس واستهدي بالله. وهناديلك غسان زي ما تحبي. تعالي اقعدي. تعالي يلا انتي وعايدة واستغفري ربنا كده مش عيالنا اللي هيوقعوا بينا يا سمية ويخسرونا بعض!"
اتجهت معها "سمية" و"عايدة" للجلوس وقالت الأولى تنفي قولها:
"مقولتش نخسر بعض يا دلال. بس أنا حقي إني أخاف على بنتي. زي ما حقك بالظبط تخافي على ابنك وتزعلي عليه وعلى زعله، ولا ده محصلش؟"
"لا حصل ومش هنكر. معاكي حق في كل كلامك ده. وأنا زعلت فعلاً. بس زعلي وزعلك ده أنا وانتي عارفين إنه ملوش أي تلاتين لازمة لأننا منعرفش لحد دلوقتي إيه اللي جرى بينهم. وتاني حاجة مينفعش زعلنا على عيالنا يأثر بينا وبعلاقتنا. انتي اختي يا سمية وبدل ما نقول ابني وبنتك الأصح نحاول نصلح بينهم لو في حل!"
زواج الجيران والأقارب من أكبر العقبات بهذا المجتمع! مشكلة وحلها صعب، بعد كونها عقبة كبيرة ومهما كانت المشكلة صغرى فتكبر هي مع الأطراف الذين حولهم.
أخرجت "سمية" أنفاسها واخفضت رأسها بعدما هبطت دموعها وصرحت لها بتعب:
"أنا عمري ما ازعل ولا اشيل منك يا دلال. أنا كل زعلي علي بنتي. نيروز مش كويسة وبتعاني وأنا عاجزة مش قادرة أعملها حاجة. محدش هيحس بيا غير لو اتحط فمكاني. انتِ اكيد حاسة بيا. بس انا شيلتي أكبر منك. ابنك راجل ومسئول وبإيده يعمل حاجات كتير انما بنتي ليها ماضي صعب بخاف منه يرجعلها. وكونها حامل دي مسئولية اكبر عليا وفي الأول وفي الٱخر بنت مهما حصل هي اللي بتضر بسبب نظرة الناس للحال. انا ليه اندم اني جوزتها مع ان ده الصح؟ طب هتزعلي لوقولتلك اني شايلة من ابنك عشان مجاش علطول يقولي انتي بنتك عملت واحد اتنين تلاته ساعتها لو بنتي غلطانه هقف فصفه وهفهمها غلطها بطريقتي. بس ميسبهاش كده يا دلال. ولا يسيبنا لدماغنا هو وهي!! أنا ليه اراجع نفسي واندم اني وافقت عليه؟ هو ده طيب اللي هيصونها؟ دا أنا قايلاله بعضمة لساني دي. ان انا عاطياك حته غالية من قلبي اوعي تفرط فيها بالساهل!!"
حكمت بفطرة الأم!! وبتلقائية تأخذ صف ابنتها! طبيعي إذن! حركت "دلال" رأسها بأسى ودافعت عن ولدها قائلة بنفس الحسرة:
"فكرك غسان يعني مبسوط؟ انا ابني مش كويس من ساعة اللي حصل وموجوعة عليه نفس وجعك على بنتك. بس قوليلي كده ازاي هنحكم عليهم واحنا مش فاهمين حاجة؟ أو ازاي بتندمي يا سمية وانتي مش عارفة اذا كان ابني غلطان ولا مش غلطان؟ وليه الندم وكل ده نصيب من الأول!!"
فاندفعت بعدها "سمية" تردد بنبرة باكية وبقوة تسألها بقهر:
"والطلاق اللي بينهم ده بردو بقا النصيب خلاص يا أم غسان؟"
كان رد "عايدة" هو الآتي عندما حاولت التدخل بعقل تهدأ من الاندفاع وتسكن من أوجاعهم:
"صلوا على النبي بس كده. ان شاء الله خير وربنا عمره ما بيجيب حاجة وحشه ولو وقفنا على رجل واحدة نقول خلاص اتطلقوا. وهم ليهم نصيب مع بعض بعدين يبقي ملوش لازمة. احنا دلوقتي ندعيلهم ولو حد دماغه لانت منهم يفهمنا ساعتها ايه اللي جرا ولو في حل أكيد هنحاوله والباقي ده من عند ربنا. اهدوا بس!"
وكان قولهما خلف بعضهما:
- "عليه أفضل الصلاة والسلام"
- "عليه الصلاة والسلام"
توقفن عن الحديث للحظات. بينما دقت "وسام" غرفة "غسان" فلم تسمع صوته ولكنها سمعت صوت الماء بالمرحاض في الداخل. لذا فتحت الغرفة واغلقتها خلفها تنتظر خروجة. وتحسبا لأي شئ اقتربت من المرحاض وقالت من خلف الباب تخبره كي يأخذ احتياطاته:
"غسان. أنا مستنياك هنا فالأوضة. خلص بسرعة واطلع!"
سمع قولها من الداخل وميز صوتها وهمهم يوافقها وكل شئ يداهمه حتي دقات الباب على المرحاض عندما كانت تعجله بتأفف. صوتها وهي تنهره في أغلب الأوقات بأنه مهمل يلقي ملابسة في كل مكان! ابتسم بسخرية. واكتفى بكل الطرق في أخذ الوجع منها. كل مره يتألم رغم انه يتوقع في كل مره بأنه هو من هزمها في الرد والوجع الذي يلقيه لها فتأخذه! الٱن سأل وبعد هذه المواجهة خصيصا..
- أي منهما وجعه أكبر؟
- من منهما تخطى لغيره الكثير وإلى الٱن يتحمل؟
- من منهما تمسك بالهوى ملبيا نظرية الحب؟
- من بهما خان الوعد أولا؟
- أي منهما تمسك بالوعود والعهود بينهما؟
- أي منهما كان قلبه متسع ليأخذ من الحب ومن جهة أخرى يأخذ شوكه؟
- من منهما المؤذي؟
- من منهما القادر إلى الٱن على الأذى؟
أمسك "غسان" رأسه بجوار أذنيه بكلا كفيه وسالت دماء أنفه مع المياه كالعادة من ضغطه النفسي. حاول أخذ أنفاسه وابتلع ريقه. واعتدل ينوي الوضوء قبل ان ينتهي حتي يرتدي ملابسه. قرارات كثيرة تجرى أمام عينه ربما سيقرر و سيكرر الرحيل مرة أخرى بأخذ قرار موجع على البعض ولكنه وجد ان هذا الصواب!! انتهى من ارتداء ملابسه وأمسك المنشفة يجفف خصلاته ووجه ووضعها حول رقبته بإهمال وفتح الباب حتى وجدها تقف خلف باب غرفته تستمع إلى الحديث بينهما في الخارج بقلق وتوتر من ان يتطور الوضع بينهم! قوس حاجبيه ورمقها بطرف عينيه وسألها بجدية:
"مالك واقفة كدة ليه؟ في ايه؟"
ابتلعت "وسام" ريقها وأخبرته بقلق:
"طنط سمية بره. وكانت جاية محموقة. بتقول نيروز قافلة علي نفسها من ساعة ما رجعت من تحت. انت كلمتها؟!"
يعلم انها أخرجت كبتها بالإنفعال والاقوال حين مواجهتهما معا. لذا لا يتأكد من حدوث انهيار. ورغم القلق الذي اعتراه الا أنه أجاب على سؤالها الأخير مختصرا:
"آه"
حركت عينيها بعشوائية. وهابت ان تسأله خاصة. بالفترة الأخيرة أصبح حساسا تجاه أي حديث يحمل معنيان!! ولكنها قتلت التردد وسألته مردفة بخوف:
"طب انت عملت فيها حاجة فعلا؟"
نظر لسؤالها بغير تصديق. بماذا يمكنه ان يفعل بها؟ أخرج أنفاسه وقذف المنشفة يسخر منها بسرعة بدلا من الاندهاش:
"انتِ عبيطة يا وسام؟ هعمل فيها ايه؟ محصلش حاجة بينا غير كلام!"
التزمت الصمت واتجه يمشط خصلاته أمام المرآة بغير اهتمام. وملامح وجهه تتشنج بغيظ من ما يصل لمسامعه من الخارج!
ترك المشط واقترب يفتح الباب غير مبالٍ برفض وسام بحرص. ولكنه خرج. وعندما فتح الباب ظهر أمام أعينهم.
وقفت سمية باندفاع وتلاقت الأعين بصمت. بينما هو رأى دموعها على وجهها فهدأ قليلاً يراعي حالتها. ترجته دلال بنظراتها، فنظر لها دون رد.
وسمع قول سمية:
"عايزاك في كلمتين يا غسان!"
ابتعدت دلال مع عايدة وسحبتها معها ناحية المطبخ. ووقفت وسام في الخلف. وقبل أن يرد عليها، التفت يشير لشقيقته بأمر هادئ:
"البسي حاجة عليكي وروحي شوفيها!"
وكان الاندفاع من سمية بغير وعي:
"مش لما تفتح لنا الأول؟ عملت إيه في بنتي؟"
ضغط على فكه بتحمل من تهمتها له. وتجاهلها وحرك رأسه مجددًا ورفع يديه يشير لها في التوجه لـ "نيروز". انسحبت وسام ترتدي خمار والدتها عليها حتى خرجت من الباب وأغلقت خلفها. بينما هو اقترب من الأريكة التي توجد بالصالة وأشار لها يتعمد احترامها رغماً عنها:
"اتفضلي!"
جلست سمية بتعب وجلس أمامها ينتظر قولها بصبر قرر التحلي به. ولم تنتظر هي قوله كي تبدأ الحديث بل بدأت هي تردد:
"نيروز جاية من تحت معيطة وجرت قفلت على نفسها ورفضت تفتح لحد. أنا عايزة أفهم إيه اللي بيحصل معاكم بالظبط وعملتلها إيه؟"
وقبل أن يباشر حتى بخروج نبرته للدفاع عن نفسه، انفجرت هي باكية بحرقة مرددة كلماته الآتية وكأن طاقة تحملها انتهت عند هذه النقطة:
"قدك هي قد عنادك ده يا ابني؟ حرام عليك البت حامل ومش هتحمل أي حاجة من دي. أنا تعبت واستحملت كتير. اش حال ما أنا فهماك الوضع وحكيالك واخدت منك وعد بعد كل ده إنك مش هتيجي عليها ولا هتوجعني فيها، بقا كده؟ ليه؟ ليه مجتش من أول خلاف بينكم تقولي نيروز بنتك يا ست سمية عملت وعملت وعملت؟ كنت هرفضك يا ابني؟ كنت هقولك لا مش عايزة أسمعك؟"
رفع غسان عينيه ينظر لنحيبها وتنهد يخرج أنفاسه يخبرها بما يراه ويقتنع به:
"مش كل مشكلة كانت تبقى بين الواحد ومراته تنفع تتقال. أظن في حاجة اسمها أسرار بيوت!"
إلى الآن دافع ويدافع عن صورتها بما فعلته حتى من أقرب الناس إليها. ومن ناحية أخرى لا يثق بها أن علمت فلربما تجبر ابنتها على الصلح وستجعلها تقدم على الاستمرار وهي الأخرى ترفض. ورأى الرفض بعينيها كيف سيجعلها معه رغماً عنها. اندفعت مرة أخرى تخبره بضعف وهي تمسح بكفها دموع عينيها:
"لا في حالات معينة لازم نعرف. أو طالما انتوا مش عاقلين كفاية يبقى تعرفونا الدنيا بينكم ماشية إزاي!"
صمت يرى اندفاعها وتسرعها بالحديث مثل ابنتها. سأل نفسه وأعطاها هي مبرر تحت مسمى الفطرة. وابتلع ريقه ورفع رأسه ينتظرها كي تنتهي بكل ما تريد قوله. وبالفعل واصلت تكمل بتعب آخر:
"أنا مش هسمح لحد يجي على بنتي. كفاية أوي اللي فيها ومش هشهدك على اللي حصلها عشان انت بنفسك شوفت اللي جرالها وهي مهدتش إلا معاك ساعتها. لو هتفضل تشد وترخي حتى بعد ما رميت عليها اليمين وتقابلها تزعلها بكلمة أنا اللي هقفلك يا غسان. عشان بنتي مبقتش ضامنها ولا ضامنة صحتها دي. دي ممكن تطب ساكتة مني فمرة واحدة من غير ما أحس. نيروز مش زيك ولا زي أخواتها وأنا معطتهاش ليك عشان تلعب بيها شوية وترجعها لي تعبانة ومعاها مسؤولية هي نفسها مش واعية ولحد دلوقتي بسبب طلاقك ليها!"
وتحمل هذه الكلمات أيضًا إلى أن انتهت. وقال بصبر شديد يخبرها:
"بنتك اللي طلبت الطلاق!"
وأضاف يدافع عن نفسه من أقوالها هذه:
"وأنا مش راجل لمؤاخذة عشان ألعب ببنات الناس. وانتِ قلتي إنك لحد دلوقتي متعرفيش اللي انتِ عايزة تعرفيه ووصل الحال لكده. فمتلومنيش على حاجة انتي مش فاهمة فيها مين الغلطان. ورجعت وقلتلك ده نصيب. بس مترجعيش انتي تقوليلي إني بأذيهالك ومرجعالك بمسؤولية أنا شيلت إيدي منها. أنا مش هخليها محتاجة حاجة ومخليتش إيدي من حاجة ومش محتاج أبررلك أكتر من كده!"
"وأنا مش عايزة كده. أنا عايزة بنتي بيتها يتصلح وميتخربش. بس مش جايلك عشان أقولك رجعها. أنا جايلك أقولك لو ناوي على الحال ده يبقى ترجع عنها وملكش دعوة بيها!"
اغتاظ من لهجتها واعتدل ينظر ناحيتها يسألها بإستخفاف:
"وانتِ شايفاني عملتلها إيه وانتِ عجزتي عن إنك تداويه؟ رجعت يوم زي ما حسن رجع وخلاها تصرخ ومحدش عرف يعملها حاجة؟ ولما سألت كله سكت ومقالش الحقيقة؟ طب ماهي معاكي أهيه واتأذت عرفتي تعمليلها إيه؟"
وأضاف يوقفها عن هذا الحد التي تخطه بالحديث دون فهم ما حدث فقط ترمي اللوم ثم التهم. وعند هذه التهم نفذ صبره:
"ولا انتِ فاكراني نايم على وداني؟"
حدقت به بعينيها وشعرت بالعجز عن الرد في هذا الموضوع. في حين عاد يكمل لها هو:
"كنتي هتوصلي بيها لحد فين؟ وهتوقفي حسن إزاي؟ اللي ميعرفش يوقفه عند حده السنين دي كلها مش هيعرف يوقفه دلوقتي. بس دي زي ما قولتي بنتك فقوليلي بقا كنتي هتعملي إيه؟"
"انت قصدك إيه؟ قصدك إني سايبة الأذى يطول بنتي وواقفة ساكتة؟"
نظر غسان بلامبالاة زائفة وأجاب حينها بما أنهى هذا الحوار:
"معرفش وميهمنيش أعرف. اللي يهمني واللي يهمك هي بنتك واللي في بطنها وأي أذى مش هسمح إنه يطولهم حتى ولو كان مين. ده بعد إني مبأذيهش ولا مسيتها بسوء زي ما جاية تقوليلي!!!"
وقفت حينها سمية بسكون وأخذت أنفاسها وهي ترى دلال تخرج بأكواب عصير. أهبطت سمية عينيها له وردت تحذره:
"وأنا مش محتاجة منك إنك تحميها. أنا أم وعارفة أقدر أحمي بنتي إزاي!"
"كنتي حميتيها من زمان. أو حتى من قريب!"
وجعها قوله الصريح دون حرج أو مراعاة. وجعلها تنظر في الأمر بجدية بعد شعور العجز. وربما بهذه اللحظة ورثت منها نيروز الكبرياء عندما قالت له قبل أن تسير:
"بنتي ملكش دعوة بيها. ابعد عنها ودا آخر كلام بيني وبينك في الموضوع ده!"
نهض غسان يقف أمام نظرات الآخرين. وقبل أن تسير قال يعاند قولها مصارحًا يلمح لحمل ابنتها منه:
"أنا وانتِ عارفين إن الكلام ده مش هيمشي بينا ولا هيحصل!"
"لأ هيحصل. وبنتي عندي وانت ملكش حاجة غير اللي في بطنها ومستغنين عن خدماتك لحد ما تولد ومسموحلك بعدها تيجي تشوفها وتشوف خلفتك!"
أرادت رد أي شيء شعرت به ابنتها. دفاع شديد بسبب ألم موضع قلبها على ابنتها. ظلمته الآن بهذا القول ومزال يحاصرها بعناده وهتف بـ:
"مبسمعش غير اللي على مزاجي وبس!"
تركها حينها وتخطاها مقتربًا من شرفة الصالة. بينما هي عاتبت دلال بعينيها وتركتها بعدما حبست الدموع بعينيها وخرجت دون حتى أن تنتظر عايدة التي نظرت بأسف لـ دلال الحزينة وقالت:
"معلش اعذريها يا دلال. اللي بيحصل برضه مش سهل عليكم ولا عليها. ادعي.. ادعي ربنا يصلح ويهدي الحال!"
أومأت لها بسكون وجلست بعدها توافق على انصرافها. حينها هبطت دموعها بحسرة على هذا الحال!
أما هو فوقف يتنفس بصوت عالٍ متعب. يرى الضغط من الكل يوجه إليه وهو هو المضطر على التحمل! كابر على هبوط أي دمعة منه وابتلع ريقه يتذكر أنه لم يقضي فرض المغرب. لذا أخرج أنفاسه بثقل واقترب يخرج حينها قابل بطريقة سكون والدته التي نظرت له بلهفة وعجزت عن قول أي حديث. لم تعد تعلم كيف ستتعامل الآن. رفعت عينيها الحزينة لعينيه التي تشبهها وابتلعت ريقها تلومه بتعب من حاله:
"كده برضو يا ابني؟ ليه دا كله من الأول بس!"
التفتت الرؤوس بسرعة ناحية الباب الذي فتح قبل أي رد من غسان ولم يكن سوى التوأم الآخر.
دخل "بسام" وأغلق الباب بقدميه من كثرة الأكياس الذي يحملها بين يديه، فقط ابتاع ما يحتاجه المنزل. رفع عينيه وهو يخلع حذاءه وابتسم باتساع.
"مساءكم زي العسل اللي أنا شاريهولكم بفلوسي وشقايا!"
استطاع شقيقه أن يجعله يضحك. هل يقوم بإذلالهم؟ ابتسمت "دلال" بيأس منه، وتركهما وهو يحول الأكياس. واقترب "غسان" يحمل معه ناحية المطبخ، فدخل الاثنان وهي تجلس في الصالة تحاول تماسك نفسها بكتم الدموع وخفت آثار بكاءها. بينما خرج الاثنان بعد دقائق واقترب "بسام" بحب يجلس بالقرب منها يستشعر صمتها، حتى أنها لم تنهض لتساعده. رفع أنامله يداعب وجنتيها المنكمشة فضحكت بيأس وراق لها اهتمامه في سؤاله المشاكس:
"مين اللي مزعلك يا أم غسان؟ وفين حب عمرك؟ ازاي سايبك زعلانة كده؟"
من كثرة ما كان يحمله لم ينتبه لمحل الورد إن كان مفتوحًا أو مغلقًا، بل صعد مباشرة. وقف "غسان" يتابع بسكون، بينما نفضت يديه مرددة:
"اسكت يا ولا. ابعد عني. خليكم طول عمركم كده محدش بيريح قلبي فيكم ربنا يسامحكم روحوا!"
استنكر رد فعلها المبالغ به، بل ونهضت تدخل المرحاض بعدما نظرت لـ"غسان" الواقف. فطالع هو شقيقه باستغراب، وقبل أن يسأله هرب "غسان" منه وأخبره بما يجعله يبتعد:
"فرح تحت!"
نهض باندفاع ونجحت خطة الآخر عندما ردد بلهفة:
"احلف!!!"
حرك رأسه يماشي قوله، فاعتدل سريعًا يرجع خصلاته ممراً يديه عليها وابتسم بانجذاب وسأله بحماس:
"ها شكلي حلو؟"
وإن لم يكن توأمه لنفى بفظاظة، فتعمد الثبات واعتدل يردد بتعالٍ زائف:
"انت عارف ردي!"
تحمس "بسام" أكثر، وقبل أن يسير بسرعة كي يخرج، نبهه "غسان" قائلاً:
"بس ريحتك بنج!"
أشار له بغير اهتمام واقترب يرتدي حذاءه تزامناً مع قوله غير المهتم:
"مش مهم. ما هي دكتورة بردو وفاهمة الدنيا."
وكانت عجلته ظاهرة بشدة عندما واصل يشير بيديه بحماس متلهف:
"سلام!!"
ابتسم على قوله وسمع صوت إغلاق باب الشقة، فتوجه "غسان" ناحية غرفته كي يصلي قبل أن تؤذن العشاء.
***
جلست بحيرة تتابع ملامح "حامد" من على بعد، وحتى "يامن" الذي غفى على ساقه، فأخذ يمرر كفه على خصلاته بحنان. شرد وبيديه الأخرى السبحة يسبح ويستغفر. يفكر بأن نهاية هذا الوجع ليست مرضية خاصة لولده الذي يرى به التغير الذي لم يراه من قبل. ومع ذلك مجبر على الصمت ليس بيديه حل أي شيء، وإن كان فالوضع كل فترة يسوء عن قبل! خرج "حامد" من شروده عندما وجدها تقترب وأشارت له بحنو لطيف:
"هات يامن عنك شوية يا عمو!"
ابتسم لـ "فرح"، ووافق فقد ألمته ساقه. أخذته منه وجلست على المقعد المريح الذي أمامه ووضعته على ساقها تهزها برفق. تابعها "حامد" فتنفست هي بعمق، ورفعت رأسها تحاول أن تهون عليه:
"أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه. ممكن مبعرفش أرتب كلامي أو أتكلم وأواسي. بس أنا شايفة إن كل ده من عند ربنا. وربنا مش بيجيب حاجة وحشة أبدًا وبيعوضنا!"
تأثر من قولها. واللطيف بأنها لم تعتبره كبير مقامًا، لذا لم تهون عليه بكلمات بعلمها وتصبره بها، بل تحدثت بتلقائية مريحة جعلته ولأول مرة منذ أن رآها يشعر بالراحة ناحيتها. ابتلع ريقه وابتسم ببشاشة ولم يقاطعها وتفاجأ من اندماجها عندما واصلت:
"تعرف؟ دكتور بسام ابن حضرتك كان ربنا بيطلعه في طريقي كل ما الدنيا تضيق بيا. ومكنش بيبطل في كل مرة يصبرني يفوقني ويفتح عيني عن إن كل اللي بيجرالنا هو ابتلاءات واختبارات من ربنا عشان نصبر عليها!"
لم تخجل من قول ذلك ورفعت رأسها تصارحه بابتسامة لطيفة:
"أنا ممتنة ليه جدًا على فكرة ومش ناسية ولا مرة كان موجود فيها..."
التزمت الصمت بخجل عندما وجدته يقف خلف "والده" هو أم لا. تمعنت النظر بنظام ملابسه والأكثر هي غمازته التي ميزته، فعلمت على الفور أنه هو وليس الآخر. التفت "حامد" برأسه وانتفض بمرح حتى قال:
"بسم الله الرحمن الرحيم. إيه؟ بتيجي على السيرة؟"
وقف "بسام" غير مبالٍ بأي قول، بل ظل ينظر لها بتيه ورد على والده بنفس التيه والقول المتشتت بها:
"يا سلام. لو أجي كل مرة على نفس السيرة من نفس الشخـ.."
قرصه والده بذراعه فانتفض بتأوّ، واعتدل بتنحنح بحنجرته وترك الأماكن وجذب مقعد يجلس بجانبه ومد يده يمررها على وجه "يامن" بينما نظر لها هو بحب وسألها باهتمام وهو مندمج:
"مساء الخير يا فرح. عاملة إيه؟"
أما هي فلم ترفع عينيها ناحيته، بل ردت وهي تنظر نحو وجه الصغير:
"الحمد لله وانت؟"
"أنا زي الفل. زي الفل أوي كمان عشان شوفتك!"
حينها مال بنفس الهيام يقبل وجنتي "يامن" على ساقها وتخلى عن حرجه، بل وصل معها الآن إلى أن يكشف طباعه المرحة أمامها باعتبارها ليست غريبة على قلبه! اعتدل مرة أخرى أمام عيني "حامد" التي تتابعه باهتمام. فلم ينظر "بسام" ناحيته ونظر ناحيتها وقال بجرأة يطلب منها:
"ممكن تبصيلي؟"
رفعت عينيها تقابل عينيه، فتعلقت عينيه بها وحركها سريعًا يهرب من هذا التأثر وقال بلباقة:
"أنا مبسوط إني كنت جنبك بطريقة ما فوقتك الصعب. ومبسوط أكتر إنك لسه فاكرة كل كلمة قولتها. أنا اللي ممتن ليكي لإنك في نفس الوقت ظهرتيلي في وقت صعب!"
رفع "حامد" حاجبيه يتابع هذا، ولاحظت "فريدة" ما يحدث بعد خروج الزبون وضحكت بخفة وغير تصديق من هذه العلاقة التي ظهرت من نظرات "بسام" واقترابه بمثل هذا الشغف دون حد أو حرج! بل على الأغلب تراه ساكن خجول في بعض الأوقات الأخرى! تابعت بحماس ما يحدث حتى من خجل "فرح" التي عجزت عن الرد، بينما صاح "حامد" يوقف كل ذلك بـ:
"كفاية.. كفاية يا حبيبي سيبها تقوم وتشيل الواد!"
حذره تحذير مبطن، فتلهف هو وقال يحثها:
"طب خليكي خليكي وأنا هشيله!"
"لا سيبه عادي أنا كمان عايزة أطلع عشان أشوف نيروز وجميلة!"
رفض وحمله من على ساقيها ووقف بحماس يشير لها:
"طب تعالي معايا وأنا اللي هشيله!"
شعرت "فرح" بالحرج ووافقته، بينما سعد هو وهو يتخطي "والده" الذي ضحك وتركه يذهب معها، فلو كان الآخر بمثل هذه الدرجة من بداية التعارف لما تركه يغلق عليه مصعد واحد معها!
ولكنه "بسام"!
خرجت معه "فرح" وراق لها هذا الاهتمام والحديث المبطن منه. التزم هو الصمت إلى أن صعد أول درجة من درج ما قبل البوابة الكبيرة الخاصة بالمبنى. فقابل البواب المعروف حتى ابتسم له بإتساع. وصعدت "فرح" بجانبه وقبل أن تخطو أكثر نادى عليها أحدهم عن قرب من خلفهما وبنفس الوقت قاطع به حديث "بسام" الذي كان سيخرج لها في الحين.
"فرح!"
هل سمع صوته؟ صوت "عز" الذي أصبح يشكل له رعباً؟ حرك شفتيه يميناً ويساراً وابتلع ريقه يهمس بخفوت لنفسه:
"يا مصيبتي، يا لهوي يا خرابي، انت مبتجيش تقفشني إلا في الأوقات دي، حبكت!"
ابتسمت ترحب بشقيقها، أما هو فلم يلتفت بجسده وظنه "عز" "غسان" لطالما يحمل "يامن" القريب منه.
"إذيك يا غسان"
اقترب "عز" ينظر ومعه "فرح" التي كادت أن تصحح له، بينما رفع الآخر رأسه وهو ينظر ثم قال يرد عليه بخداع:
"إذيك يا عزوة عامل إيه؟"
قال نفس رد شقيقه ليهرب من هذا الموقف المحرج الذي يقع به كل مرة أمام عينيه. ابتسم "عز" بخبث وطالع ملامحه جيداً، بينما ارتبك الآخر فتصنع أنه لم يكشفه وقال رداً عليه:
"الحمد لله، انت عامل إيه؟"
سار الثلاثة مع بعضهم ينتظرون المصعد ورد عليه "بسام" دون أن ينظر له داخل عينيه فانفلتت ضحكات "عز" وهو يهمس له بالقرب من موضع أذنه:
"أنا بعرف أفرق على فكرة، بيقولوا عليا لماح وانت."
شعر "بسام" بالحرج وأنقذ الموقف عندما قال بارتباك:
"كنت بهزر معاك يا عز، مش قابلها ولا إيه؟"
نفى "عز" برأسه وابتسم متعمداً، هز ثباته الزائف:
"لا إزاي دا انت حبيبي يا بسام، قابل هزارك طبعاً. لو هزار!"
تشرط بآخر جملته، فخرج "بسام" من المصعد وهم خلفه ومد يديه يدق الباب بهدوء، ومن فتحت له كانت "وسام" الذي تفاجئ من وجودها تنحنح يجلي حنجرته ودخل عندما سمح له ولـ"عز" الذي بحث عنها بعينيه أول شئ رحب بوالدتها وبالآخرين وحتى شقيقها، بينما لم يجدها والكل على ملامحه الهدوء. أخذت "وردة" صغيرها من "بسام" بعدما علم الكل أنه هو، وشكرته قائلة بامتنان:
"كتر خيرك يا بسام، شكراً!"
"على إيه، ادخلي حطيها على السرير بقا خليه ينام شكله لعب لما قال بس!"
ابتسمت بخفة وأكدت برأسها فتوجهت بعدها، بينما هو تقابلت عينيه مع "وسام" ومال يسألها بهمس:
"هو في إيه كده؟"
"تعالى أحكيلك!"
استأذنا للانصراف، بينما حرك "عز" عينيه فلم يجدها، حينها سأل "عايدة" باهتمام عنها:
"أومال فين جميلة؟"
"في الحمام وخارجة."
ابتسم يومأ وجلست "فرح" بجانب "ياسمين" التي صمتت بعجز من عدم فتح "نيروز" الباب. ولاحظ "عز" اقترابها، لحظة، ملامح وجهها لما بهتت فجأة وعينيها متعكرة.
شعر بالقلق واقترب، هي منه تتصنع اللاشئ وشاكسته كي يظهر الأمر طبيعي.
"حمدالله على السلامة!"
"الله يسلم جميلي!"
ابتسمت بحب على ما لقبها به، فنظرت بشرود. وقبل أن تنخرط، أمسك كفها يحركها معه حتى نهض بهدوء يبتعد ودخل شرفة الصالة. بها دارها بيديه برداءها الأبيض وقال يغازلها بما طلبته:
"أحلى واحدة تلبس أبيض، عاملة زي الملاك فيه!"
خجلت من قوله ولكنها لم تتحمس مثلما كان يتوقع. رفع كفه يمرره على حنايا وجهها وقال يسألها بقلق عندما لاحظ سكونها الغريب معه:
"مالك؟"
حاولت ألا تلمع الدموع بمقلتيها ودارت وجهها تنفي قبل أن تبكي:
"مفيش حاجة.. عادي!"
دار "عز" وجهها بيديه بقلق آخر قد زاد، وتفحصها بعينيه يردد بمفاجأة:
"كل الدموع المحبوسة دي ومفيش؟"
صمتت "جميلة" بعجز فسألها بحنو كي لا يضغطها:
"إيه اللي حصل طيب؟ في حاجة زعلتك؟ حد زعلك؟"
نفت تبتلع ريقها وقررت ألا تخبره شيئًا كهذا. ابتسمت ابتسامة صغيرة تخبره:
"لا مفيش، نيروز بس زعلت تاني وقابلت غسان تحت فالمحل ولما طلعت قفلت على نفسها ومش راضية تفتح لحد!"
هربت بعد ذلك بقولها رغم ترقبه لما قالته، ولكنها لديه العدد رقم واحد. لذا عندما لاحظ هروبها بعينيها قال يحاصرها بجدية:
"بس عينك بتقول إن ده مش السبب لوحده، احكيلي حصل إيه تاني وزعلانة من إيه بالظبط لأنك مبتعرفيش تلفي وتدوري يا جميلة!"
وجدت أنها ستنهزم أمام هذا الحنو التي لم ترَ مثله. تنفست الصعداء ووجدته مازال ينتظر قولها. بل هذه المرة دلك كفها بين كفه فنظرت له بإستسلام وقررت قص له ما حدث وأحزنها بهذه الطريقة رغما عنها.
"قومي خدي علاجك."
نظرت له "ياسمين" بطرف عينيها. إلى الآن ومنذ أيام لم يتهاون بعد وما فعلته اليوم زاد من حدته معها. رمقته بجمود والتزمت البرود ولكن كانت نبرة "حازم" عليها عندما قال ينبهها:
"إيه؟ أنا بكلم نفسي؟"
ودت الانفجار بوجهه في الحال عندما التفتت بكامل جسدها تحذره بشراسة، تتخلى عن استسلامها الذي لا يليق بها أبدًا:
"إنت مالك.. ملكش دعوة بيا ومتكلمنيش بالطريقة دي ولا ترفع صوتك عليا!"
تحلى بالقليل من الصبر وأمسك كفها يهدأها بتحذير كي لا تجلب لهما الأنظار:
"صوتك يوطى عشان في ناس حوالينا مش لازم يسمعوا جنانك!"
"أنا مش مجنونة.. وســع كدة!"
نهضت بعدها تتجه ناحية المرحاض بمفردها. وتابعت "سمية" ما يحدث بينهما لذا حركت رأسها بقلة حيلة من ابنتها وتقابلت عينيها مع عيني "حازم" الذي ابتسم لها بهدوء يطمئنها بعينيه وفقط.
"فـ حسيت إني غلطت إني سببتها كدة معاه وهي كانت نازلة معايا من الأول بس والله عمو حامد هو اللي قالنا، واعتقد غسان معملش فيها حاجة هي اللي نفسيتها مش كويسة!"
نزلت دمعتها بصمت وهي تكمل له ما قالته، بينما تعيد مرة أخرى بحزن:
"قامت ياسمين مزعقالي وقالتلي إنت مبتفهميش وغبية. حسيتها كانت هتهجم عليا من كتر الخوف على اختها. أنا بس مزعلتش منها على قد ما زعلت إني حسيت إني السبب فكل ده!!!"
رفع "عز" إبهامه يمسح دمعتها بحنو، وخرجت أنفاسه الدافئة يواسيها رغم ضيقه لأجلها ولكنه يتسم بالعقل في أغلب الأوقات:
"متزعليش هي مش قصدها بالظبط يا جميلة، وبعدين إنت مش السبب فحاجة، وعارف إني مش فإيدك تمنعيهم يشوفوا بعض، دي حاجة طبيعية ولازم لأنكم جنب بعض وجيران كمان وقرايب. الواحد بس لما بيتحمق عشان اخواته مبيشوفش قدامه!"
كلمات هادئة ساكنة لا تغير الوضع قليلا، ولكنه طمأنها لأنه عز. عز الرجال الخاص بها هي وحدها. أومأت برأسها فعاد هو يشاكسها بقوله:
"وبعدين صحيح مش إنت قولتيلي إن مرات اخوكي دي هبلة، متاخديش على كلامها يستي."
"بس يا عز متقولش على ياسمين كدة، أنا بحبها أوي ومش بعتبرها مرات اخويا، ياسمين اختي!"
ابتسم على لين قلبها وضم رأسها ناحية صدره وربت على ظهرها برفق، وقال قول عادة ما يفعل به، حمل كل الحقوق لنفسه رغم أنه ليس لديه ذنب بها وبفعلها:
"حقك عليا أنا، متزعليش بقى!"
اتسعت بسمتها منه وشاكسته بقولها أو بقوله هو الذي يردده على مسامعها دائما:
"هزعل إزاي، وإنت ضلي!"
ضحك "عز" هذه المرة بسعادة، والسعادة من قبلها شيء ومنذ أن أصبحت معه شيء آخر تماما. فرد ذراعيه لها وعانقته في حين قال هو:
"عندك حق، إزاي يبقي في زعل وأنا ضل جميلة!"
دخل "حازم" بضيق من مشهدهما ونبهه بحنق:
"العشا بتأذن يا روميو، يلا نتوضى عشان ننزل نصلي!"
ضحك "عز" على حديثه بصوت عال وحررها بخجلها من بين ذراعيه واقترب يشير له ضاحكا:
"إيه يا عم مراتي الله!!"
ابتسم "حازم" بهذه اللحظة بسعادة من سعادتها ولكن كيف لم يلاحظ عينيها التي تظهر عليها أثر بكاء. اقترب يمسك ذقنها يرفع وجهها له وسألها باستغراب غمره قلق:
"إنت معيطة؟"
وقف "عز" وتعمد عدم الحديث أما هي فإن نفت فلم يصدقها. توقع "حازم" السبب سريعا، فلثم وجهها بكفيه وقال بأسف حاني بدلا من الأخرى:
"أنا آسف يا جميلة، متزعليش منها، أنا هكلمها أنا عشانك، بس إنت عارفه إنه غصب، مش غريبة عليكي هي كدة علطول!"
وأضاف يرفض تبريره لها وقال يراضيها:
"بس ليكي عليا هعاتبهالك، البت دي غلطاتها كترت يا بت يا جميلة، اللي مصبرني عليها إنها حامل بس والله!!"
كان حديثه مرحا كي لا يجعل بينهما موقفا من لا شيء خرجت ضحكتها الخافتة وقالت تؤيد حديثه بمعارضة أخرى:
"لا متكلمهاش، أنا مش زعلانة منها، وربنا معاها الحمل مش سهل بردو!"
وشاكسها شقيقها آنذاك وهو يقرص وجنتيها برفق وقال:
"عقبالك!"
زحفت الحمرة لوجنتيها وابتسمت تجاريه بإيماءة بسيطة. فرد "عز" عليه هذه المرة:
"يارب يا حازوم، ادعيلنا بقا!"
طالعه "حازم" بضجر وتجاهله بغيرة طفيفة. ونظر بابتسامة واسعة ناحية شقيقته التي ضحكت بصوت عال عندما سمعت قول "عز" المرح لها:
"شوفتي بيحبني أوي حازم أخوكي ده!"
عمل الاثنان على التخفيف عنها وعلمت هي ذلك. خرجت ضحكتها عليهما بحب وهي تحاوطهما بنظراتها. وربما علم "عز" الآن أنه طبيعي ما يفعله لطالما يفعل بودار ذلك مع "بسام" بمجرد النظرات فقط.
انسحب الاثنان كي يقوما بالوضوء للصلاة. اتجهت "جميلة" لتجلس بجانب "فرح" وعينيها لا تفارق سكون غرفة "نيروز".
اقترب "عز" و"حازم" وكان الأول يهبط أكمامه. فتح الاثنان الباب وأشار لهما "عز" بالوداع مؤقتاً. تزامناً مع اغلاقه الباب، كان "بسام" يخرج من الباب الآخر ومعه "غسان". ابتسم له الاثنان واقترب "عز" يحتضنه بحرارة وقال:
"ازيك يا عم؟ فينك من زمان؟ واحشني. أنا كنت هجيلك علفكرة بعد الصلاة!"
ابتسم "غسان" له ورد عليه بنبرة هادئة:
"هنصلي مع بعض كمان يعزوة. وبعد الصلاة الحج حامد بيقول انه عايزك، فهتقعد معانا حبه كدة!"
وافق برضا واتجه معه تحت لهفة "بسام" الذي رافق "حازم" هو الآخر بعدما رحب بـ "غسان". وبعد قليل فتح المصعد لهم حتى دخلوا وهبط بهم لأسفل.
أخذت أنفاسها ببطء وحاولت الاستعداد كي تغلق محل الورد لتصعد. ولكن ما يجعلها تنتظر هو عودة "حامد" من المسجد. ظهرت ابتسامة بسيطة على شفتيها وهي تتذكر لهفتها وسعادتها ثم خجلها من كلماته في الهاتف. تعذبه بكل الطرق حتى بعدما حصل على موافقتها! وككل مرة تفكر به يظهر لها.
سمعت صوت دراجته البخارية وبلهفة واسعة أسرعت تقف على باب المحل فوجدته يقترب. هبط بعدما أوقف الدراجة ورفع رأسه يبتسم لها باتساع واقترب يغمز مردفاً:
"دا مساء أي حاجة فريدة من نوعها!"
ظهرت أسنانها من ابتسامتها الواسعة بشدة ورمشت بأهدابها تسأله باهتمام:
"عامل ايه؟"
"عامل مستعجل والله العظيم وعايز اتجوزك النهاردة قبل بكرة!"
حاولت تجاهل قوله وحركت رأسها سريعاً بجهة أخرى. فنظر نحوها وسألها بمشاكسة:
"المهم انا عامل ايه أنا وأمي معاكي؟"
تلقائياً رفعت يديها تتحسس قلادته وتنفست بصوت مسموع وأومأت برأسها تخبره:
"انت شايف ايه؟"
"أنا شايف اننا لازم نكون زي الفل طالما فرقبتك انت!"
كل مرة يثبتها بالأقوال. أحياناً تهاب هذه الأقوال ويلبسها الخوف من جديد. شردت للحظات واغمضت عينيها تحاول عدم تذكر ما جاء على ذاكرتها من ذكريات موجعة. إلى متى ستظل تداهمها هذه الذكريات؟
"فتحي عينك!"
انتفضت على قوله ونبرته الخشنة. حركت "فريدو" رأسها بعدما فتحت عينيها فوجدت بيديه وردة صغيرة بيضاء. قدمها لها "آدم" وأخذ أنفاسه بصوت مسموع وردد يخبرها بعمق:
"انتِ عاملة زي الوردة دي بالظبط، عارفه ليه؟"
نفت دون أن تردد أي حديث وابتلعت ريقها تأخذها منه بتردد من هذه المشاعر التي ظهرت بقوة وجدية عليه. وقالت تستفهم بابتسامة رقيقة:
"ليه؟"
يعلم هذا التشتت والخوف والمشاعر المرتبكة التي تلبسها منذ أن اعترف الاثنان لبعضهما. وتعمد قول الآتي بطريقته:
"علشان بيضة وحلوه زيك. وعشان مهما جه عليها حاجة بيبان. ولو مفيش بردو بيبان. والأهم إنها نضيفة أوي وشكلها مريح للعين والقلب. وليها طاقة لوحدها بتملى المكان. وقادرة تخطف الانظار ليها."
حينها سخرت من كلماته وقالت تسأله بتهكم:
"كل ده الوردة عملته؟"
نفي بشفتيه وقال ينفي بحديثه:
"لأ"
وأضاف "آدم" بصدق نابع من فؤاده أمام هذه الأعين التي تهلكه:
"كل ده فريدة اللي عملته!!"
وأشار على نفسه بأنامله وقال غامزاً لها بمرح:
"بس فالعبد لله!"
استنشقت الوردة ونظرت له بتعالي. ومن ثم إلتفت الاثنان برأسهما سريعاً عندما وجدا الشباب يقتربون بعجالة قبل أن تنتهي الصلاة. علم "آدم" فقال لها بنبرة سريعة وهو يرجع إلى الخلف كي يقابلهم:
"هروح أصلي وأرجعلك!"
أومأت ووجدت "حازم" يقترب منها باستنكار بعدما رمق "آدم" بغيظ وهتف بنبره جادة:
"ايه اللي موقفك كده؟"
"عادي كنت بشوف مين جه!"
حجة. نظر لها بعدم اقتناع وحثها على الدخول للداخل بنظرة عينيه. فوافقت بتوتر من عينيه ودخلت وهي تتمسك بالوردة. بينما رحل هو خلفهم ناحية المسجد القريب.
غريب وعجيب هذا الأمر. هي التي ترافق الزهور الآن تتفاجئ وتسعد ما إن يهديها أحدهم وردة. علمت أن الأصل ليس أبداً بقيمة الهدية بقدر قيمة الشخص ومعزته وغالباً حبه. حب. الآن وكأنه شئ غريب عليها رغم الاعتراف ولكنها تعيش مشاعر مختلفة لم تجربها من قبل.
من قبل كان خداع. احتياج. عرض. طلب. موافقة. كل ذلك تحت علاقة دون مسمى. ورغم أن ما بينهما الآن على مقربة من دون مسمى ولكن صدقه في الجدية لإكمال العلاقة بعلاقة شرعية ليست محرمة تصدقه. بل الأمر كان يقف فقط على الرفض أو الموافقة وهذا كان منها هي.
كانت تشعر بقلة شأنها. هل سيأتي أحدهم بعدما حدث لها حادثها وسيخيرها بالموافقة أو الرفض؟ لم يفعلها أحد سواه!
رفع من شأنها ولم يتعمد الحديث بشيء حساس كهذا.
وإن دخل منزلها من بابه فحينها سيحق له فتح هذه العقبة بلباقة عندما يكونا على مشارف الزواج. ما يؤلمها هو ألمه. أحياناً أخرى تفكر به وبمشاعره ولم تزداد هذه الفكرة سوى بعد سمعاها لكلماتهم السامة. كلمات خالتها وبنات خالتها وحتى "سامر". كل ذلك يتردد بقوة بين الحين والآخر وأهمهم من سيتحملها. من سيتحمل حادثها حتى وإن ظهر ذلك في القادم سيكون العكس تماماً. يحركون ثقتها التي تحركت من دون علمهم.
الكل يقتنع بأنها ذات قلب قوي لم ولن يؤثر بها شيء حتى حادثها.
أهذا لأنها تخطت؟ كيف وهي تتضح بأنها لم تتخطى. آخرهم عقبة انتحارها ومحاولتها على فعل ذلك بمنتهى الانهيار.
الحقيقة أن داخلها عكس ظاهرها، ما يوجد بداخل المرء ليس المرء الآخر تماماً بمخاوف وأفكار وأسرار لا يعلمها غيره.
"بقى هو واخد عقلك كل ده لدرجة إني دخلت وانت ولا هنا يا فوفو؟"
انتفضت فريدة بحسرة سريعة وفتحت عينيها باتساع. كيف يأتي إلى هنا؟ ابتلعت ريقها وحاولت أخذ أنفاسها، تحاول نسيان تكرار هذا المشهد في بداية عودته مع والدته وشقيقتيه. حاولت نهره بقوة وحدة كي لا يخمن بأنه استطاع أن يحرك هذا الثبات.
"انت جاي هنا ليه يا سامر؟ عايز إيه؟ امشي اطلع بره أحسنلك أو روحوا خالص أفضل زي ما حازم طردكم!"
وأضافت وهي تتحرك ونظرت بتقزز تشير له بكفها وقالت بتبجح:
"هو انتوا إيه؟ معندكوش ريحة الدم؟ مبتحسوش ولا بتتكسفوا؟"
نظر لها بتسلية واعتدل في حمل الأكياس الذي كان يهبط ليبتاعها من الأساس. وابتسم يستفزها بنفي:
"لأ مبنحسش ولا عندنا ريحة الدم، وبجحين كمان. بس قوليلي يعني هل هيبقي أكتر منك يا بت؟"
ابتلعت ريقها بارتباك خفي ووجدته يكمل وهو يعتدل أكثر كي يسير:
"أصل المفروض بعد اللي يحصل لواحدة زيك تجري تقفل على نفسها وتستخبى من وشوش الناس ونظراتهم ليها. ولا انت متعرفيش دلوقتي الواحد منا بيبص لواحدة زيك إزاي؟"
أثار انفعالها وحاولت كيده بنفس طريقته وقالت:
"أنا أشرف منك ومن عشرة زيك يا قذر انت. ولا ناسي انت كنت هتموت وتتجوزني إزاي.. وفي الآخر معرفتش حتى تتجوزني غصب يا مقرف!"
ضحك سامر ليثير حنقها وقهرها أكثر وغمز بوقاحة يخبرها:
"لا ما أنا رجعت افتكرت إن أنا مبعرفش آخد حاجة مستعملة، ومحيت حتة الطيبة اللي فيا. الحق عليا يا بت كنت عايز أتستر عليكي وأوقف لسان الناس اللي تعرف!"
اعتلت أنفاسها بقمة صدرها وسبته ثم قالت تعنفه:
"المستعملة دي تبقي أمك وأخواتك يا زبالة يا قذر!!"
اقترب سامر منها متحكماً بانفعاله. فرجعت هي خطوات إلى الخلف بينما ابتسم هو بإصفرار وقال بنبرة منخفضة:
"عاذرك.. اللي حصل فيكي مش شوية برضو. بس أقولك على حاجة؟"
صمت يرى اهتزازها وواصل يلعب بأعصابها أكثر متعمداً التقليل منها:
"يعني بسأل نفسي مين الحيوان اللي ياخد واحدة زيك غصب؟"
تفحصها بجرأة. فابتلعت فريدة ريقها بصعوبة وتجرأت في الرد تأخذ حقها بالتقليل منه:
"ميختلفش عن الحيوان اللي واقف قدامي بالظبط!"
صبر على سبابها المتواصل. ووقف ينظر على أنفاسها التي تصعد قمة صدرها وتخفضه بطريقة ملحوظة. ولوي شفتيه بسخرية وقال رداً على حديثها بـ:
"عموماً يا بخته ويا بخت اللي انت من بخته!"
وأضاف يشير لها قبل أن يلتفت ليخرج:
"مع إني متوقعش. أصل الراجل منا مهما قال وزاد، نظرته لواحدة *** مبتتغيرش!"
خرجت سبة نابية من بين شفتيها على الأرجح لم يسمعها بوضوح بعدما تعمد السرعة كي يخرج قبل قدوم أحدهم وقبل أن تهزمه هي بردها كالعادة. جلست فريدة بصمت تلفظ أنفاسها بسرعة. جيد أنه خرج وساء ما تركه من أثر!
دار عقلها وتجمعت دموعها بمقلتيها. متى ستنتهي من كل هذا؟ حديثه وكلماته بمثابة سهام حادة تجرحها، حتى وإن تظاهرت بأنها لا تبالي! عقلها يبالي.. قلبها يبالي.. كرامتها كانثى تبالي! رفعت كفها تجفف وجهها سريعاً ما أن سمعت صوت الشباب عن قرب هم وحامد. تصنعت الانشغال بأي شيء في حين وقف حامد ببتسم لهم من بين الحديث العشوائي. وراقب حديث عز مع غسان، الذي أشار لوالده بعينيه بعيداً عن بسام الذي كان يتحدث مع آدم وحازم.
"اسمح لي يا عز يا بني في كلمتين كده!"
حرك عز رأسه بانتباه وقال باحترام يوافقه:
"طبعاً يا حج حامد. أنت تقول اللي عايزه من غير استئذان!"
ابتسم حامد له واقترب عز يحمل مقعد له بذراعه كي يحثه على الجلوس. في حين انسحب غسان كي يصعد فلحقه بسام كي يترك والده يمسك زمام الأمور أولاً. ومن ثم سيبدأ هو. بينما وقف آدم مع حازم. في الداخل بعيداً عن فريدة التي انشغلت في تنظيم ما أمامها وبجانبها.
"اتفضل. خير إيه اللي حضرتك عايزني فيه؟"
ابتسم عز عقب ما ردده بلطف. بينما طالعه حامد وهو يسبح بسبحته. حرك رأسه يؤكد كلمته من بين جملته وقال مصارحاً:
"هو خير فعلاً اللي جايلك فيه إن شاء الله!"
وأضاف بعد ذلك بتفسير محرج:
"اللي يخليني محروج منك إني مخدتكش فوق عندي أكلمك بس حسبتها من ناحية تانية وقولت ميصحش أفاتحك فموضوع زي ده وأنا قاعد في بيتي وانت اللي عندي. عشان كده قولت نشيل الإحراج ده وأفاتحك هنا كإني مقابلك واحنا خارجين من الصلاة وبعدين أقولك. مفيش أحلى من كده!"
لم يفهم مبرراته ولكنه حرك رأسه بغير فهم وانتظره بعدما قال ببوادر قلق:
"ولا إحراج ولا حاجة. أنا مش فاهمك بس مفيش بينا الحاجات دي. أنا سامع حضرتك اتفضل!"
تنفس حامد بصوت مسموع واتسعت ابتسامته يخبره:
"أنا جايلك في خير، وطالبين القرب منك بالحلال إن شاء الله في أختك الدكتورة فرح!"
وابتلع ريقه فهو الآخر رغم ما يظهر عليه من وقار إلا أنه يهاب رفض ابنه:
"لـ ابني الدكتور بسام."
ترددت عيني عز بتشتت سريع ونظر بعشوائية. حتى ابتلع ريقه وقبل أن يجيب أسرع حامد وهو يكمل بقية حديثه:
"واحنا مش مستعجلين خالص، ومش مستني ردك دلوقتي. وعارف إن وسبق وطلبها ابني بس الطريقة ولا الظروف مكنوش قد كده. وعارف برضو إن غسان كان قالك من قبلها متوافقش عشان كان خايف على أختك وعلى أخوه لأن وقته هم الاتنين مكنوش فحالة كويسة تسمح للقرب ده. يمكن محدش فيهم كلمك الأول عشان منفكرش حاجات عدت. بس أنا اللي بكلمك دلوقتي باعتباري أبوه. وربنا يصلح الحال!"
وضح له نقاط مجهولة كان سيسألها لو لم يفاتحه أحدهما من جديد. صمت للحظات واعتدل بجلسته يوضح له هو الآخر بنبرة هادئة عاقلة:
"الحقيقة أنا مش متفاجئ، ولا عندي إحساس بالرفض وفنفس الوقت القبول مش كامل عندي. أنا فرح دي أغلى حاجة على قلبي وأمانة كبيرة أوي بين إيدي عشان كده معرفتش أقبل أي حد بيجيلها. وشهادة حق إن أولادك يا حج حامد..."
أنا أشهد بتربيتكم، لأنهم في وقت من الأوقات كانوا جنبي، والاتنين مش واحد. وحضرتك كمان مش ناسي إنك قولتلي أكتر خبر رجع ليا روحي من تاني يوم فرح غسان، ساعة كتب كتابي على مراتي. أنا لو قعدت أعد أصلكم وشهامتكم وجدعنتكم معايا مش هوفي حقكم، بس ده جواز وعلاقة ومش حاجة بتروح وبتيجي، دي حاجة دايمة!
ابتسم على لباقته في الحديث، ورغم قلقه إلا أنه انتظره للنهاية. فأكمل "عز"، بعدما أخذ أنفاسه ببطء:
"أنا كعز، وأعوذ بالله من كلمة أنا، مع حفظ غلاوتك ومقامك عندي، بشوف إن الحاجات دي عايزة تفكير وقعدة. بس بما إننا معاكم ومعاشرينكم من فترة كبيرة، فأنا معنديش كلام ينفع أقوله الوقت غير إني هكلم فرح أختي وهرد على حضرتك بعد ما أعرفها وأسمع ردها!"
ابتهجت ملامح "حامد" بينما سمعه يضيف مجدداً:
"إنك تكلمني دي حاجة على راسي، بس اعذرني أنا مش بإيدي موافقة أو قبول، لأن قبولي قبل ما أختي تعرف حاجة وبعده حاجة تانية. وحابب أعرفك إني موافق مبدئياً، بس نقط خوفي اللي بتقولي موافقش مش هقولها غير بعد ما نشوف النصيب هيودينا لحد فين. لو حصل نصيب إن شاء الله هكلمكم نتفق ونتكلم عن كل حاجة ساعتها، ولو محصلش هبلغكم بردو. واللي فيه الخير يقدمه ربنا!"
حينها سعد "حامد" من تعقله ورزانته، ومد كفه يردد ببهجة وهو يربت على كتفيه:
"عين العقل يا بني والله العظيم.. إن شاء الله يكون بينهم نصيب بأمر ربنا ونناسبك."
ابتسم "عز" بخفة وقال يرد له لطفه بالحديث:
"أنا اللي يشرفني أناسب ناس زيكم بأمانة!"
نهض "حامد"، بعدها فأسنده "عز" بمساعدة. حينها التفت ينادي "حازم" كي يخبره بأنه سيصعد. في حين رفع "حامد" رأسه فوجد الثلاثة يقفون بشرفة "غسان" ومعهم "دلال"، فضحك بخفة على انتظارهم للحظة الحاسمة وحرك رأسه بقلة حيلة منهم. في حين دخل المحل ووجد "فريدة" تستعد لإغلاقه. صعد "حازم" مع "عز" بعدما أشار لها بأن تصعد خلفه فوافقت. بينما ابتسم "ٱدم" لـ عمه وراقب سكونها الغريب بنظراته. ولكنه التفت يضع المقاعد بالداخل، ولاحظ انسحاب "حامد" للخارج وحثه قائلاً بعشم:
"ما تيجي تطلع معانا؟ انت مش سامعهم بينادوا عليك فوق؟"
تحرك "ٱدم" يرفع رأسه، فهتف "بسام" بصوت عال:
"تعالى اقعد شوية بيقولك غسان!"
سخر منه بعدما ضحك وقال ساخراً وهو يشير له بيديه بتساؤل بصوت مرتفع:
"طب هو إيه نظامه؟ مبيعرفش يتكلم ولا إيه؟"
وكان قول "غسان" له من بين ضحكات الآخرين، عندما رفع صوته يجيبه بتبجح:
"لأ بعرف يا روح أمك جنات!"
شهق "ٱدم"، ونظر حوله بريبة، واقترب يشهد على أفعال ولده:
"دا بيقول اسم أمي فالشارع يعمي!!!"
"الله يرحمها يا ابني، متزعلش تعالى اطلع خد حقك!"
كان قوله مرحاً بصوت ضاحك، فاعتدل "ٱدم" مع سكون الجو وقال يخبره:
"لا أنا هروح أنا عشان متأخرش على فاطمة."
وافقه "حامد" بيأس وأشار له بالوداع حتى لمحه يدخل المبنى. في حين اقترب هو يدخل فوجدها تقف تحمل أكواب معينة كي تأخذها لتصعد بها. حملهم منها، فارتبكت في الخفاء ترفع عينيها بمكان آخر. أما هو فخرج يسندهم على الرصيف، ووقف ينظر ناحيتها وهي تغلق الضوء، ثم سحبت الباب إلى الخارج كي تغلقه. تابعها باهتمام وسألها برفق من خلفها:
"مالك ساكتة ليه؟"
فأخبرته "فريدة" بهدوء شديد وهي توليه ظهرها:
"مفيش."
ومن ثم التفتت تنحني لتحمل الأكواب، ففرد يديه يقاطع فعلتها وقال قوله المعتاد ولكن بعمق:
"اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا!"
صمتت واعتدلت بخواء، تمنع سقوط دموعها وسألته بإندفاع أتى من ضغطها:
"هتبان على حقيقتك امتى يا ٱدم؟ هتمل مني امتى وتعايرني؟"
اتسعت عينيه من جملتها التي جعلته عاجزاً عن الرد لبرهة. أما هي فوقعت دمعتها وتحشرجت نبرتها بشدة وهي تسأله بقهر ظهر بتفاصيل حروفها عندما نطقتها. حرك رأسه بخفوت وتاه للحظة، يبادلها سؤالها بسؤال آخر:
"إيه اللي خلاكي تقولي كدة؟"
وقبل أن ترفع يديها لتزيل آثار دمعتها، مسحها هو بتأثر وقال يشعر بجرحها:
"أنا ببان على حقيقتي معاكي، ودلوقتي هي دي حقيقتي يا فريدة."
واعتدل يكمل بعدما ابتلع ريقه كي يبدأ وعوده:
"ولو مش عارفة إيه هي الحقيقة، فالحقيقة إني عمري ما هجرحك ولا هعايرك. مش همل منك يا فريدة. محدش بيمل من حاجة فريدة من نوعها، أول مرة أشوف زيها، أو أول مرة أبقى كدة معاها!"
وسألها بوجع أخذه منها:
"إنتِ ليه مش مصدقاني؟"
ونفت برأسها ترد بنبرة متألمة تصارحه بصدق تحلت به الآن:
"علشان مفيش كدة. مفيش كدة في مجتمعنا ده يا آدم. مفيش حد هيقبل بواحدة زيي اتداس عليها ومبقتش زي ما أي راجل بيعوز شريكته وحبيبته. مش ذنبي والله العظيم. والله ما ذنبي يا ٱدم، يا ريتني كنت مت قبل ما كل ده يحصل!"
وصارحته بمنتهى الألم:
"أنا خايفة أوي مع إني بحبك!"
لمعت عينيه منها ومن حديثها ومن وجعها الذي ظهر بكل انش ظهر في تقاسيم وجهها. تنفس بتقطع ونفى قولها بـ:
"لأ في يا فريدة. في حتى لو قليلين بس لسه فيه. أنا عارف إنه مش ذنبك، بس مش ذنبي كمان أحاسبك وأعايرك، مش من حقي. مستعد أحلفلك لو في يوم جيت عليكي ووجعتك بكدة، يبقى أبعد عنك ساعتها ومستاهلكيش يا بنت الحلال!"
وقفت تائهة وابتلعت ريقها ومازالت عالقة في كلماته قبل لحظات. ابتسمت ترد بدلاً عن الحديث بابتسامة هادئة وأومأت فقط. فنظر لها مطولاً وقال يسألها يشتت عنها تفكيرها هذا:
"عارفة إيه اللي بقى من أحلامي المستقبلية!"
رفعت "فريدة" عينيها تنظر بتساؤل، فوجدته يشير بيديه على دراجته البخارية وإلتفت برأسه يخبرها وكأنه حلم بعيد وقريب بنفس الوقت:
"إني آخدك ورايا هنا وأنتِ مراتي ونفضل نلف الدنيا كلها مع بعض!"
استطاع أن يجعلها تضحك بخفة، وسخرت منه من بين ضحكتها العالية:
"نلف كل الدنيا بـ دي؟"
"آه، أصل لما بتكوني معايا، أي حاجة مش ممكن تحصل بتحصل!"
أثّر بها قوله وعادت تبتسم بخجل. ورفعت عينيها تخفف من أجواء الوجع التي بدأت بها وقالت تمازحه وهي تذكره بحادثة ألمحت بـ:
"ونعمل أحسن حادثة ونتجبس إحنا الاتنين في سريرين جنب بعض في المستشفى الحكومي اللي على أول كوبري منطقتكم!!"
حينها غمز لها "آدم"، وقال بمرح وهو يميل مشيراً لها بقوله:
"وبنبقى أحلى us بين الواحد والواحدة!"
وضعت يديها على فمها تكتم صوت ضحكتها كي لا تخرج بصوت عالٍ. فضحك هو مثلها ولكن بصوت هادئ واقترب من الدراجة يركبها عندما اعتدلت هي ودارت بهدوء. فحملت هي الأكواب وأشارت له بيديها بحذر وهي تتمسك بما تمسكه:
"سلام!"
رفع عينيها الذي يعلقها بسوار في معصمه وقبلها بمشاكسة، وقال يشير لها هو الآخر:
"سلام يا صاحبة أحلى عيون حلوة مبتعرفش تكدب!"
وكالعادة أجابت وهي تلتفت لتسير:
"لأ بيعرفوا!"
وكان قوله المعهود وهو يسير بالدراجة أمام الطريق الترابي التي تسير عليه. وقبل أن تصعد الدرجة الأولى وقف وهتف بصوت مرتفع يخبرها بقوله المعتاد:
"طب عيني في عينك كده!"
بالوقت ذاته أخرج هاتفه وعلم أنها ستلبي غرضه. فالتفتت هي تنظر له بابتسامة واسعة، وإذا به كان قد التقط الصورة بسرعة فائقة. فنظرت بغير تصديق وغمز لها مردداً:
"استني بكرة موجز الأخبار بالدليل وفوق الصورة عنوان: شاهد شاب يقف أسفل بيت فتاة سرقت قلبه وصرح قلبه التي سلبته بأنه لن يتنازل عن حبها وسيظل متمسكاً بها لآخر العمر. المسروق منه قلبه بين قوسين آدم البدري. سلام!!!"
سمعت بعد ذلك ضحكته العالية مع فعل احتكاك بالأسفلت ومن ثم أشار بالوداع، وكل هذه الأصوات امتزجت مع صوت ضحكتها العالية بإعجاب وسعادة لما قاله للتو وبرع في قلب الموازين بكل سرعة!
***
السعادة في بدايتها تحتله الآن عندما سمع ماحدث بين "والده" وبين "عز". كان يجلس في غرفة "غسان" على فراشه وبجانبه "حامد" ومن الناحية الأخرى "غسان" وعلى طرف الفراش كانت "دلال" ومن الناحية الأخرى "وسام"، التي تلهفت تسأل والدها بفرحة:
"يعني قريب هزغرط يا بوب؟"
ضحك الثلاثة لها، بينما نظرت لها "دلال" بحدة تنهرها بسبب حساسية "غسان" من قولها خاصة بأنه الآن يطلق عليه مطلق والآخر مقبل على خطبة. لاحظ "غسان" نظراتها فمد ذراعه يقربها منه بحب، وقال يشاكسها:
"أيوه، زغرطي وعيشي حياتك وزيطي، بس زغروطة خطوبة بسام عندي مش زي زغروطة نتيجة الثانوية العامة!"
ختم قوله بغمزة عين، فرفعت رأسها بسعادة رغم توترها. وعلى الرغم من أن الغد بداية امتحانات من نوعية (الإحصاء والتربية الدينية والاقتصاد)، إلا أنها تشعر بتوتر قصد "غسان" إخراجها منه عندما تعمد الإصرار على أن تجلس قبل أن تنام مبكراً. نظر "بسام" بسعادة وردد بفرحة يترجاهم:
"دعواتكم تكمل على خير بقا عشان ساعتها هتبقى لا تسع الغرفة أجنحتي والله العظيم!"
شمله "غسان" بنظراته وهوي ضرب كتفيه بثقة وقال:
"أنا اللي بقولك أنا إنها هتوافق!"
"بجد؟"
رددها بلهفة، فضحك الكل عليه وكان رد "دلال" طبيعي منها حينما قالت:
"بجد أوي كمان، إنت مستقل بنفسك ولا إيه ياواد؟ دا أنت دكتور قد الدنيا!!"
هذا اللقب ترددته عادة، نظروا إلى بعضهم وانفجروا ضاحكين، وقال "بسام وغسان" بصوت واحد:
"قـــد الـــدنـــيـــا تـــانـــي!!"
خرجت ضحكاتها بصخب، ونظر لها "حامد" بسعادة، حتى اندمج معهم وأجابها "بسام" بنبرة بها أثر الضحك:
"طب ما هي دكتورة يا ماما!"
"مليش دعوة يا خويا، أنا ليا إن ابني دكتور وقد الدنيا كمان!!"
اقترب "بسام" يقبل وجنتيها بسعادة، حتى ابتسمت بحب رغم شدته في قبلته المرحة إلا أنها دفعته عنها أخيراً باشمئزاز زائف ونظرت تجاه "وسام" وحثتها قائلة:
"قومي يلا يا وسام عشان تنامي، عليكي بكرة امتحان بدري!"
لاحظ الاثنان توترها ووالدها أيضاً. وبعدما نهضت هتف "حامد" مردداً يقاطعها:
"استني!"
إلتفتت فأشار لها بأن تصعد على الفراش بجانبه. جلست بينه بلهفة، وبين "بسام" التي شاكسته بضربها له كالعادة. فضمها "حامد" بحنو، وسألها قائلاً:
"خايفة ليه؟"
وقبل أن تجيب هتف "بسام" بنبرة هادئة يحثها:
"مش عايزك تخافي طالما انتِ عاملة اللي عليكي. انتِ مش ذاكرتي المواد اللي ملهاش لازمة دي؟ عليكي إحصا ووطنية صح؟"
أومأت، فتدخل "غسان" يطمئنها مردداً:
"متخافيش هتعدي، متوتريش نفسك على دول، ركزي فالجاي وشيلي أي خوف من جواكي، ونامي بدري عشان أوصلك بكرة إن شاء الله أنا وبسام!"
ابتسمت "وسام" فوجدت قبلة "حامد" على جبينها هي الأسرع. ففركت هي كفيها، وحاولت النهوض تردد لهم:
"يلا تصبحوا على خير!"
ومن بين تحركها ربتت "دلال" على ظهرها، فأمسكت "وسام" كفها تقبله ونهضت مرددة بمرح تخبرها:
"بما إني مبعملهاش كتير، بس بلا أهو حسنات تقف معايا في امتحان بكرة!"
ضحكت عليها بخفة، وأشار لهم بمرح حتى خرجت من باب غرفتها. دعت لها "والدتها" في خروجها. بينما هتف "بسام" يخبرهم بثقة بها:
"أنا واثق فيها خدوا بالكم، ومتحمس أنا وشادي عشان نوفي بوعدنا، محدش هيزغرطلها إلا أنا وهو!!"
ابتسم "غسان" وسأله بطبيعته التي لا تغيب عن ملاحظة التفاصيل:
"هي إيديها بتترعش ليه؟"
"عادي يعني."
"عادي من التوتر ولا انت فاكر الناس كلها زيك باردة وبتنام وبتخرج وبتتفسح فثانوية عامة وٱخر حاجة تهمها المذاكرة؟!"
نظر إلى والده بذهول، وضحك بغير تصديق كما ضحك شقيقه ووالدته، فإستسلم لقوله بعدم قدرته الآن علي المعارضه او العناد والتبجح في الحديث:
"اللي تشوفه يا حج انت أدرى!"
وكزته دلال في ساقه وقالت تعنفه بمزاح:
"بيهزر معاك يواد، متقفش كدة اومال!"
صمتت ونهضت تشير لزوجها تحثه على النهوض وهتفت بصوت هادئ:
"تعالى يلا يحج عشان تنام وتاخد علاجك!"
"لأ مـ.."
هول بسام الوضع ونهض يشهق بصوت عال وقال يفخم رفضه:
"يا لهوي دا بيقولك لأ يا ماما.. بيرفض كلامك!!!"
نظر والده باستنكار له وتابع غسان في حين نظرت هي له بغير فهم ودارت رأسها ناحية حامد وأشارت علي نفسها بحزن:
"انت بتقولي لأ يا حامد؟"
حاول الدفاع عن نفسه وبرر سريعا، يحاول أن يجعلها تفهم الوضع:
"لا مش قصدي يا دلال، انا كان قصدي اني مش هنام جنبك الـ..."
شهق بسام مجددا وقال يفخم الوضع بمرح:
"مش عايز ينام جنبك... اللي أن سمعته ده بجد!"
اعتلت ضحكات غسان ونهض حامد ببطئ يمسكه من تلابيبه وقال بضجر من ما يحاول فعله بينهما:
"انت عاوز ايه بالظبط ياض؟ عايز ايه؟ احنا لسه فيها هكلم عز اقوله يصرف نظر عن الموضوع ده ونفضها سيرة!!!"
اندفع بسام يترجاه سريعا بنبرة أشبه بباكية زائفة:
"لأ خلاص، خلاص والله هتعدل!"
تركه بعدما رمقه بحدة، وحرك غسان رأسه بيأس منهما ومد يده يلتقط هاتفه، وسمع قول والده بتبرير:
"بقولك يا دلال روحي هاتي شنطة العلاج هنا، النهاردة هنام مع غسان!"
حرك غسان رأسه بإندفاع يترقب، بينما ابتسمت هي ولم تعارض، فقد قاربت علي فهم ما يفعله للتخفيف عن ولده، وافقت وخرجت بينما شاكسه بسام بقوله الآتي:
"الله يسهله يا عم.. الحج حامد بذات نفسه سايب حب عمره وجاي ينام جنبك، دا انت مش عادي بقا، دا احنا نتصور معاك!"
إعتدل غسان يستند بظهره علي خشب الفراش وقال يوضح:
"أنا مش عايزك تتعب نفسك يا بابا، نام مكانك عشان جسمك ميوجعكش متقلقش انا كويس!"
"لا مش كويس وأنا جنبك الليلة دي وهرقيك بقرٱن عشان تنام وترتاح، بسام قالي انك مبتعرفش تنام!"
سب شقيقه بسره، والتزم الصمت، ونهض يبتسم وقال مفسرا:
"لسه شوية على ما أنام، هخرج البلكونة أشرب سيجارة واقعد شوية وبعدين ارجع!"
نظر لشقيقه بجمود، فتحنح بحنجرته ووقف مكانه عندما قاطع حامد كل ذلك وقال:
"مش ضروري سجاير يا غسان، انت مبقتش تقعد دقيقين على بعض من غيرها، انت مكنتش كدة، ودا غلط عليك، مش يمكن دا اللي مش مخليك تعرف تنام؟!"
هل يرواغ والده معه؟ سبب أرقه معروف وواضح. لا ينام من ألم الهجر والفراق. لا يستطيع ان يغفل عينيه وهي ليست بين ذراعيه أو عالأقل يضم خصرها بذراع واحد والٱخر يحتضن به كتفيها كما اعتاد!! وان لم يكن مل ذلك فلم يستطع النوم بسبب ألم ما فعلته به كما يرى. أخذ أنفاسه ورد رد غير مقنع بل رد ليس له علاقه كي يستطيع الهرب من النظرات:
"أهو بقا!"
اقترب يفتح الشرفه بعدما التقط العلبه وأخذ معه هاتفه، وأغلقها خلفه مرة أخرى كي لا يدخل هواء للداخل ووالده هنا. جلس حامد على الفراش ووقف بسام ينظر بشققة. وإعتدل سريعا عندما رفع حامد عينيه له وهتف قائلا له:
"انت واقف عندك لسه بتعمل ايه؟"
"تفتكر هعرف أنام من الفرحة!"
"مش عايزك تعشم نفسك أوي وأنا بقولك كدة علشان بحبك وخايف عليك مش بحبطك!"
إقترب بسام يجلس بالقرب منه وابتسم يؤكد قوله موضحا له:
"أنا عارف ده يا بابا، بس بعيش فأي دور يخفف اللي غسان فيه، مع اني خايف اني اترفض بس فنفس الوقت حاسس اني لو وافقت فرحتي مش هتبقي كاملة طول ما اخويا مش مبسوط من جواه، حاسس بالذنب عايز القبول يجي بس ميجيش عشانه وعشان مشاعره!"
وكأنه يعي عندما رفع رأسه ببتسم لوالده وصارحة مرة أخرى بما جعل حامد يتأثر منه:
"متعودتش أفرح من غيره!"
وأضاف يخرج أنفاسه ظاهرا وجعه الداخلي:
"مربتنيش أفرح وأخويا زعلان!!"
رفع حامد كفه يفهم تبريره ومرر يديه علي خصلاته كصغير يصحح لوالده ما رآه كذبا يخرج منه بينما في الداخل عكس ذلك تماما:
"وأنا عارف ده، مش محتاج تبرر لأبوك اللي رباك، بس هي كدة الدنيا مش كل مرة معانا ولا كل مرة علينا، ولا بتقف عند مصيبة معينة، قدر الله وماشاء فعل، واخوك هيبقي بخير وهيتبسطلك، دا هو فرحانلك ومكلمني أكتر منك وكل شوية يقولي فاتحت عز ولا لسه!"
ابتسم بسام يأخذ أنفاسه وكي لا يتركه والده مع قوقعة أفكاره شاكسه بقوله المازح:
"لا بس البت فرح دي شكلها عينها منك وكاشفاك يا عبيط!"
"تفتكر؟"
وكان قول دلال الأسرع وهي تدخل بعلب الدواء وقالت بتكرار:
"وميفكرش ليه؟ هي تطول؟ دا انت دكتور قد الدنيا!"
ضرب رأسه بمرح وازدادت ضحكات حامد، عليها وهو يتابعها تخرج له الدواء، بينما ما ان لاحظ بسام خروج شقيقه، أسرع ناحية غرفته يجلب غطائه كي يشاركهم الغرفة، وجود والده معهما بالغرفة بمثابة كنز وشئ ثمين لا يتكرر كثيرا، بينما حتي ولو لم يشاركهما الفراش بجانبهما فسيتسطح على الأريكة كما اعتاد منذ ٱخر مرة طرده شقيقه من الفراش بعنف وعارض على نومه بعدها بقية الأيام بجانبه، فيوم على الأريكة وأيام أخرى بالمستشفي وهكذا. الٱن رب الأسرة السوي نفسيا معهم كيف ستفوتهم الفرصة الذهبية هذه!!!
سكون الشقة يخبره وهى داخل غرفتها حبيسة أن الكل قد رحل.
وبالفعل رحل عز مع فرح وجميلة قبل وقت، وكل ومل الكل من الدق على باب غرفتها وهي ترفض بأن تفتح، لذا ذهبت سمية لغرفتها، وكذلك ياسمين التي أبت الذهاب معه ناحية غرفته في شقة والدته هو. بل ظلت فظل معها وتجنب الحديث كله حتي في حق شقيقته مقررا عدم المواجهة الٱن بسبب حنقها واندفاعها الزائد عن الحد! بينما جلست وردة في غرفتها تتحدث مع بدر في الهاتف، وقد استيقظ الصغير بعد فترة من النوم الطويل، سيظل يجعلها مستيقظة طوال الليل لطالما قد غفى وفاق!!
علمت من السكون الرحيل يشبه تماما ذلك السكون الذي بداخلها بمنتهى الوجع عقب الرحيل، رحيله من جانبها. تسيل الدموع منها منذ ان صعدت بسرعة، غفت واستيقظت والٱن تبتلع غصة مريرة بحلقها مؤلمة وكل المواجهة وحديثهما يتردد في أذنها. باتت لا تعلم ما الفجوة التي حدثت بينهما بهذه السرعة، كيف؟ ومن أي سبب بالتحديد فكل الأسباب أمامها الٱن كثيرة.. كثيرة جدا. كيف كان سيصبح ثباتها ما ان رددت له بأنها بالفعل نادمة؟ ما يوجعها هو ثباته هذه المرة على المبدأ، أي أنها ضمنته كما قال تماما. وخرها قلبها ما ان استمعت لحديث أشبه بأنه سيرحل كي لا تراه بعد الٱن. حتي نظرته وتبححه ووقاحته في الحديث والنظرات ستحرم منها.
ولكنها لا تعلم ماذا يقصد بهذا الرحيل بالتحديد. هل رحيل حقيقي؟ أم رحيل مجازي كي يقصد عدم الظهور أمامها؟
مسحت بكفها دموعها. وقبل أن تندمج أكثر في هذه الأفكار الموجعة، خلعت سترتها عنها ووقفت تشعل ضوءًا خافتًا. حتى نظرت في المرآة لطيفها. لم تتغير كثيرًا، سوى فقط من ملامحها الباهتة والسواد الذي أسفل عينيها من الإرهاق. تلمست معدتها بألم من فقدان الكثير والكثير معها الآن. أمامها مشهد تخيلي من المفترض أن يحدث أو كان. عندما يأتي من الخلف، يضع كفه على معدتها بسعادة، يتشاركان الخطط المستقبلية لصغيرهما بكل حماس ولهفة. ينتظران لحظة وضعه. كل الكلمات التي تأتي منه في أنه يهابها ويخاف أن يمسها ضرر، وأنها العدد رقم واحد لديه. مر بزواجهما الكثير من المحن والعقبات. أقربهما عقبه تركت أثرًا في كتفيها أثر النصل الحاد الذي جاء بها وهي تفديه. أقربها جرح جانبه بنصل حاد أيضًا عندما كان يفدي ابنة عمها من يد شقيقها وخطرها.
تحملت ضغوطًا وثقلًا كبيرًا، ولكن ثقل وضغط فراقه إن وُضع بكفة ميزان، حتمًا سترتفع كفة فراقه وهجرِه من كثرة الألم والوجع. شهقت بتمزق وهي تمسح وجهها. والتفتت بوجهها تنظر ناحية الشرفة التي قللت من الظهور بها. وعادت تتمسك بمعدتها بلهفة. ما يوجد داخلها آخر شيء باقٍ لها.
وبسرعة سمعت صوت الصغير ببراءة وهو يدق على الباب مرددًا بنبرته الطفولية:
"روز!"
ما لا تعلمه أنها ستنهزم وستفتح لتعلقها به وتخيلها بأنه صغير، لربما سيشبه صغيرها في المستقبل. وما لا تعلمه بأنه مُرسل بتخطيط منه هو، من "غسان" الذي هاتف "بدر"، يخبره بذلك واثقًا بأنها ستفتح له. عندما علم بأنها رفضت أن تفتح للجميع. وانصتت "وردة" له ووقفت على بعد تنتظر. وابتهجت ملامحها ما إن سمعت الباب يُفتح بخفوت. فتوسعت ضحكة الصغير ببراءة مرة أخرى وهو يتلهف متوجهًا ناحية ساقيها يتمسك بهما:
"روز"
انحنت "نيروز" بحذر تقبله حتى ضمته مشددة بعناق. علّ عناقه هو سيريحها ويشعرها بالأمان قليلاً. هبطت دمعتها وهي تقبله بتأثر من وجنتيه. فرفع "يامن" كفه الصغير ببراءة يمسح وجهها. هل هذه الفعله موروثة؟
حنو الصغير وكل شيء حولها يذكرها به وبأدق تفاصيله. تركت الباب مفتوحًا واقتربت تجلس على الفراش وجذبت الغطاء بحرص وهي تضمه إلى صدرها حتى استند برأسه عليها وهو يتمسك بلعبته. فسألته هي بنبرة ضعيفة طفولية كي تصل لعقله:
"تِيجي ننام؟"
لم يجيبها ولكنها مررت يديها على رأسه بحنان. وجذبت الغطاء تربت على ظهره برفق. وشردت تتخيل لحظاتها القادمة مع صغيرها. ولكن هناك نقص بهذه اللحظات ما إن لم يشاركها هو حتى بمجرد المساعدة في حمله عنها. تتعلق بالمستقبل والمستقبل ليس به هو من الأساس. يخيب ظنها ورجاءها ثم تعود بخيبة كبيرة مرددة بحسرة: إنها بمفردها.
ابتلعت ريقها بوجع. مجبرة على تحمل كل ذلك. والغريب بأنه غفى بين أحضانها وسقطت اللعبة عليها وانتظمت أنفاسه فعلمت أنه نام.
لم تتركه بل ضمته أكثر لها ورفعت الغطاء أكثر عليها تحاول بأن تفعل المثل لتنام هي الأخرى. ولكن كيف النوم مطولاً ويحتلها ألم الهجر والفراق مثله تمامًا. تركتهما "وردة" لطالما اطمئنت وحاولت التوجه ناحية غرفتها كي تخبر زوجها بنجاح هذه المهمة المدبرة بعقل حدة الشباب.
لم يصعد إلى الآن وعقله يتضارب بالأفكار والمشاهد. يجمع بين ردود الفعل والنظرات. ويحسم الأمر بعقله أولاً مع نفسه قبل أن يُفاتح به أحد. عبث "عز" بهاتفه قليلاً وعقله بمكان آخر. رفع عينيه ناحية باب غرفة شقيقته المغلق. يعلم أن "جميلة" معها بالداخل منذ أن عادوا من الخارج ولم يخرج لهما صوت. رفع رأسه بانتباه لخروج والدته من المرحاض بعدما استعدت الآن للخلود إلى النوم. اتسعت ابتسامتها بلهفة واقتربت تسأله:
"انت لسه مطلعتش؟ دا أنا فكرتك قفلت وطلعت!"
"بتطرديني يا أم عز يعني ولا إيه؟"
شاكسها "عز" بضحك. فضحكت "حنان" تنفي برأسها وقالت توضح:
"مش القصد يا واد. بس اكمني بس اتعودت خلاص على كدة!"
حرك رأسه بتفهم. واستقام يخبرها بهدوء:
"لأ لسه مطلعتش زي ما انتي شايفة. وجميلة جوه كمان مع فرح. بس أنا مستني عشان عايزكم فموضوع مهم."
قوست حاجبيها ونظرت بفضول امرأة لاق بسنها كثيرًا. فمد كفه كي تستند عليه وقال يحثها:
"تعالي!"
سار الاثنان معًا. بعدها ووقفا أمام باب غرفة "فرح" حينها رفع يديه يدق الباب دقات هادئة. فسمحت له "فرح وجميلة" من الداخل. وقتها فتح الباب وهو يقف بجانب والدته. وما إن فتحه دخل الاثنان ووقف "عز" ينظر بغير تصديق لما يفعلانه. وحرك رأسه يسألهما:
"انتوا بتعملوا ايه دلوقتي؟"
لاحظ مساحيق التجميل التي وضعتها "فرح" بترتيب على وجه "جميلة" مما أظهر جمال ملامحها برقة. ابتهجت ملامح "حنان" واقتربت تنظر بسعادة وقالت تصارحها ببهجة:
"ونبي زي القمر وأحلى!"
ضحكت "فرح" واقتربت تمسك كفه تسحبه ناحية الداخل أكثر وردت على سؤاله وهي تحرك رأسه ناحيتها هي بعدما كان ينظر ناحية "جميلة" التي شعرت بالحرج:
"انا لقيتها هادية ومكتومة كدة فقولت أفرفشها وأدلعها. إيه رأيك؟"
ابتسم بلطف. ونظر نحوها فوجدها تقف وهي ترمش بأهدابها وتجرأت تسأله أمامهما:
"شكلي حلو يا عز؟"
أكد برأسه ونظر نحو تقاسيم وجهها بتيهة وقال يصارحها بـ:
"أوي. شكلك حلو أوي!"
إحمرت وجنتيها أكثر وأضاف هو بصدق بعدها:
"بيه أو من غيره فإنتِ جميلة!"
صفقت "فرح" بحماس. وغمزت لهما بسعادة. وعدلت ياقتها الوهمية. فضحك هو عليها بخفة. وسرعان ما اعتدل يخبرها:
"طب اقعدي بقا عشان عايزكم فموضوع مهم!"
جلست "حنان" وهي تنتظر. فجلست "فرح" بغرابة. واعتدلت "جميلة" بحرج تخبره:
"طب أنا هطلع أنا عشان اغير وأخرج الهدوم من الغسالة.. هسيبكم مع بعض!"
أمسك "عز" مرفقها برفق. وابتسم يرفع عنها الحرج وأشار لها بلطف قائلاً:
"لأ. خليكي. انتِ مش غريبة يعني ولا إيه يا أم عز؟"
أشار لوالدته بعينيه وشقيقته. كان قد أخبرهم من قبل بحرجها الزائد الذي يضع حدودًا لا حدود بينهما. تلهفت حنان وهي تمسح على المنطقة الواسعة في الفراش وقالت:
"طبعًا. أومال إيه. تعالي يا جميلة اقعدي. انتِ لسه هتتحرجي مننا. إحنا بقينا عيلة خلاص. وسيبي العمايل. ما العمايل يختي مبتخلصش. في داهية اقعدي. اقعدي!"
ابتسمت بحرج. واقتربت بعد تشجيع "عز" لها.
جلست بجانب حنان، ومن الناحية الأخرى جلست فرح تنظر بغرابة.
قالت بقلق:
_"في إيه يا عز الرجال؟ مجمعنا ليه كده؟ هتتجوز عليها ولا إيه!"
وكزتها حنان بعدما شهقت جميلة، فضحك هو يؤكد وقال بشفرة:
_"هو مشروع جواز فعلاً، بس مش أنا، أنا خلاص خدت نصيبي الحلو من الدنيا!"
نظرت جميلة بخجل، فاندفعت فرح بعفوية:
_"أومال مين؟ أمك؟"
شهقت حنان وضربتها بخفة تنهرها تحت ضحكاتهم:
_"اختشي يا بت!"
عدل هو ملابسه أكثر من بين ضحكاتهم واقترب يجلس بالقرب منهم على طرف الفراش، وبدأ قوله بـ:
_"لا مش أمك، أنتِ متقدم لكِ عريس!"
ابتهجت ملامح حنان وتحمست جميلة لسماع الآتي، بينما نظرت بضيق وأشارت له بيديها تجاريه كالعادة:
_"وبعدين رفضته زي عادتك يعني؟"
_"لأ مرفضتش لإني حاسس إني هوافق أو موافق بس مش أوي يعني لإني محتاج أسمع رأيك الأول وبعد كده نشوف!"
واندفعت حنان بلهفة تردد بفرحة أم بحدوث هذا الموقف:
_"صحيح يا واد يا عز الكلام ده، عليه العين وصاحب مقام العريس دا ولا أي كلام!!"
وأضافت دون أن تعطيه الفرصة للتفسير:
_"أنا بنتي دكتورة ما تاخدش إلا دكتور زيها أو حاجة مقامها عالي كده، أنت عارف."
صمتت فرح تنظر على لهفة والدتها وترقبت جميلة، الآتي منه عندما اعتدل يفسر لهم:
_"دكتور يا أم عز متقلقيش ومحترم كمان وابن ناس!"
لا تعلم لما شعرت بالضيق، لربما ترى بوادر قبول في عينين شقيقها، بل رد فعله يختلف عن المرات السابقة. رفضت بعفوية كي تغلق هذا الحوار وقالت تصارحه:
_"لا مش مستعدة، مبفكرش في كده دلوقتي."
رد فعلها مختلف هي الأخرى، ولا تعلم هي بأن هذا الرفض كان طبيعي منها بسبب انشغال عقلها به، ولكن الآن لم يأتِ هو بعقلها ولا تعلم أيضًا. لم الرفض دون أن تعلم هويته، وكان رد فعل عز المتوقع:
_"خلاص براحتك، أنا مش هغصبك على حاجة، دي حريتك وليكي حقك في الرفض فيها أو القبول!"
كادت أن تتحدث حنان سريعا، تبرر لها بشيء ولكن كان حديث جميلة، المندفع قبلها، لربما أنقذت هي الوضع:
_"استنوا بس يا جماعة، إحنا منعرفش مين هو العريس ده يا عز، هي تعرفه طيب؟"
كانت تتوقع فرح بأنه سيرفض لذا لم تترقب، ولكنها حركت رأسها بإندفاع عندما قال بصدق:
_"آه نعرفه كلنا."
صمتت حنان تفكر، بينما هي اندفعت برأسها بمفاجأة. لا تعلم طبيب غيره! ابتلعت ريقها وشعرت بأن يديها ترتجف الآن. وسألته والدته بفضول شديد:
_"طب مين ده يا ابني؟ ما تقول أنت بتجري ريقنا وتسكت!"
ضحك عز على قولها وشمل شقيقته كي يرى رد فعلها بالتفصيل عندما قال ما صدمهم جميعًا:
_"دكتور بسام حامد البدري."
ذهلت جميلة واعتدلت حنان تضع صدمتها على جانب وقالت بفرح شديد:
_"بجد الكلام ده يا عز؟ دا يوم المنى لو حصل، أنت متعرفش أنا بعزه أوي إزاي، دا محترم أوي وابن ناس وجدع ووقف جنبنا كذا مرة هو وأخوه بردك!"
تركها تثرثر، وجاب عينيه ملامح وجه فرح، هو وجميلة. بينما هي تلقت صدمة كبيرة وكل الحديث من بدايته يرجع إلى ذاكرتها الآن. كان يحب طبيبة وهي لا تعلم عنه شيء، طيبة تسمى فرح؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، وحتى مهما كان متوقع منه إلا أنها سعدت وشعرت بالضيق بنفس ذات الوقت. لا تكن له حبًا، لكنه يلفت الأنظار إليه وهي كانت من ضمن الذين انتبهوا له ولشخصيته فوقعت بين إعجاب أقارب ومعارف. أخذت أنفاسها وخرجت نبرة عز وترك اللعب بأعصابها وتعمد اللين وهو يسألها مجددًا:
_"رأيك زي ما هو حتى بعد ما عرفتيه ولا لسه رافضة؟"
_"ترفض ده إيه؟ لا هتوافق طبعًا، اسكت أنت وهي."
نهر عز والدته بنظرته وقال بجدية يوضح:
_"لا يا ماما، ملناش دعوة غير الموافقة على الشخص مبدئيًا، بس، غير كده هي اللي بإيدها الباقي من غير ضغط ولا فرض!"
التزمت الصمت بحنق في الخفاء، ونظرت جميلة لها، وتفاجأ هو من ارتباكها عندما رفعت رأسها تصارحه بتشتت:
_"مش عارفة يا عز، أنا توهت."
وقبل أن يردد بحديث يطمئنها تدخلت جميلة تنصحها:
_"يبقى تصلي استخارة دلوقتي قبل ما تنامي، وبكرة نعرف رأيك، إذا كنتي مرتاحة أو مش مرتاحة، وأكيد هم مستنيين رد منك صح يا عز؟"
_"صح، وأنا كمان مع كلام جميلة، طالما تايهة يبقى نقوم ونسيبك تصلي استخارة وتنامي، ومحدش هيفرض عليكي حاجة متخافيش!"
استسلمت بتشتت توافق. فابتسم هو. تحت نظرات حنان الذي أشار لها عز. كي تخرج وتتركه معها. نهضت جميلة تسندها كي تترك لهم الخصوصية وخرج الاثنان في الخارج. أما هو فمد يديه يمررها على ظهرها برفق وقال يطمئنها بسؤال:
_"أنتِ خوفتي ليه كده يا فرح؟ لو مش عايزة من أصله يبقى بلاش، وسيبك من كلام أمك متحطيش فدماغك إنها فرصة وهتضيع دا جواز مش أي كلام، مستعدة عامة؟ يبقى تصلي زي ما جميلة قالت وهنتظر ردك بكرة، اتفقنا؟"
ابتسمت من حديثه الذي طمأنها واقتربت تحتضنه وبعدت عنها أي أفكار أو تشتت وقالت تصارحه بحب:
_"ربنا يخليك ليا يا عز، أنا بحبك أوي، وكنت لسه بقول لعمو حامد إني مش هقبل بواحد أقل منك، عايزاه زيك بالظبط!"
علم ما فعله حامد كي لا يضع نفسه بموضع محرج. تجاهل ذلك وابتسم بسبب سري على عفويتها في الحديث والاعتراف دون علم منها. وشاكسها سريعا عندما قال يسألها:
_"وتفتكري بسام زيي بقا؟"
_"أنت مفيش حد زيك أبدًا، مينفعش تسأل السؤال ده!"
نظر لها بتشكك واقترب بعدها يقبل قمة رأسها ونهض يعتدل وحثها مرة أخرى:
_"هسيبك تعملي اللي قولتلك عليه، وهطلع أنا بقى. تصبحي على خير!"
_"وأنت من أهل الخير."
رددتها بابتسامة واسعة وخرج من الغرفة بعدها. فلاحظ صعود جميلة وقبل أن يصعد قرر أن يذهب ليحث والدته بعدم الضغط عليها حين أن يأخذ منها أي رد. أما هي فجلست بتشتت وخفق قلبها بتوتر. فركت يديها ونظرت نحو الهاتف التي لم تنظر له منذ فترة. وما صدمها عندما فتحت الهاتف وجود رسائل منه هو شخصيًا!
Bassam El Badry
صاحية؟
أنا عارف إن فات عز كلمك وكان ممكن أفتح معاكي الموضوع ده أنا بس عملت حساب للرفض. أنا مش عايزك تتسرعي وعايزك تفكري كويس. أنا شايفك تنفي تبقي شريكة حياة وأم لولادي في المستقبل.
بس في نفس الوقت مش بضغط عليكي إنك تقبلي، بس لو في أي رفض بعد ما تفكري براحتك حابب تعرفيني هنا عشان أكون مهيأ لكده.
ثم وجدت بعدها رسالة يساعدها به كما اعتاد بمساعدتها دوماً بظهوره في وقت ضياعها.
"قبل ما أنهي الكلام ده دعاء الاستخارة اللي برجح إنك تعمليه، عشان لو مش متذكراه أو لو لسه هتدوري عليه، فـ إقرأيه من هنا."
تأثرت من رسالته دي ومررت عينيها على الدعاء تتذكره، قبل ما تنهض تتوضأ وتعود لقراءته مرة تانية.
"اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به."
واتسعت ابتسامتها أكتر لما قرأت التالي:
"وتصبي على خير، وأصبح أنا على قبولك يا فرح."
ارتجفت يديها بتخبط بما سترد، تفاعلت بالرمز قلب على كل الرسائل دي، وابتلعت ريقها تحاول تاخد أنفاسها، كما استشعرت سخونة وجهها وخديها، فنهضت تقرر الوضوء وفعل ما حثها عليه أكتر من شخص وآخرهم هو "بسام" المتمني لقبولها.
***
وعلى الجانب الآخر، أضاء هاتفه فـ إلتقطه وهو مسطح بنومته دي على الأريكة قبال فراش شقيقه اللي شاركه والده بيه. كان "غسان" بجانب "حامد" على الفراش، وعلى بعد منهم كان "بسام" اللي ابتسم ما إن وجد تفاعلها. ورفع رأسه ينادي شقيقه بـ:
"غسا.."
الغريب إنه مجابوش، ومن الواضح إن قراءة القرآن والأذكار عليه بواسطة والده اللي مسد على خصلاته كصغير تحت كفه الحاني اللي يمرره، قد غفى. وانتظمت أنفاسه بتعب، فـ ربّت "حامد" على رأسه بشفقة، وحرك رأسه بضجر تجاه الآخر وسبه قائلاً:
"اسكت يا زفت انت، إحنا ما صدقنا ينام ويرتاح، عايز إيه منه!"
كان صوته منخفض، فـ كبت "بسام" ضحكته وقال يتصنع الضيق:
"إيه التفرقة دي يا حج، ما أنا ابنك بردو حرام عليك!"
"قصرة، عايز إيه؟ أنا مش فايقلك وعايز أنام!"
أخرج "بسام" أنفاسه وأخبره بهيام شديد ظهر في نبرته المضحكة:
"كنت هقوله رياكت القلب الأحمر، معناه إنها بتحبني ولا بتحبني أوي؟"
والمتوقع من رد "حامد" إنه قال بنبرة معنفة:
"نام يا بن الكلب وراك شغل الصبح، وخف نححة شوية."
تنحنح "بسام" بحرج يجلي حنجرته ووافق "والده" بنبرة جادة زائفة:
"الله يعزك يا حج، ماشي اللي تشوفه."
وضع هاتفه على الطاولة بجانبه واراح ظهره يجلب الفراش، بينما ابتسم "والده" في الخفاء عليه وعلى كلماته المريحة. اعتدل هو الآخر يستعد للنوم فسأله "بسام":
"غسان نام فعلاً ولا إيه؟"
"آه نام عقبالك!"
ابتسم وقال يفخم بقدراته:
"بركاتك يا حج حامد، دا كل يوم كان يقعد يفرك فالسرير وميعرفش ينام ساعة واحدة على بعضها!"
تقطعت أنفاس "حامد" وقال بحزن شديد على حاله:
"اللي فيه يعمل أكتر من كده، أخوك تعبان!"
صمت ولم يجد رد، بل التزم "بسام" الصمت بنفس الحزن عليه، على توأم روحه! وعلم إن كل مشاعر الضيق اللي بداخله عشان شقيقه لا أكتر. سمع صوت أنفاس والده العالية، فعلم إنه قد غفى بعد شرود حزين متحسر على حال "غسان". أما هو فحتى لم يمسح دمعته اللي فرت منه شفقة وتعاطف لما تذكر الليالي اللي يقيم بها معه في الغرفة. حينها كان يتصنع هو النوم فيري أنفاس شقيقه تتقطع بهدوء وكفه يرفع مرة أخرى ليمسح عينيه ووجهه بتعب. وأوقات أخرى يستغل الآخر تصنعه في النوم فينهض ليصلي بعدما يفشل في قدرته على النوم فيسمع دعاءه في الصلاة بنبرة شملها الألم. ألم الهجر والفراق، كيف تغيب عنه هذه التفاصيل وهو توأمه توأم الروح!
***
خفق قلبها خفقات متتالية، عند هذا القرب اللي ضيع عقل الاثنين معاً. كان على وشك تقبيلها ولكنه تراجع سريعاً من تلقاء نفسه يحرك نفسه بعيداً عنها، وكأنه وعى ما يحدث أو ما كان سيقبل عليه هو، وهو من بدأ ذلك بنفسه وضيعها أمام أفعاله. شعرت بندمه الشديد الآن وسقطت دموعها خلف بعضها. والآن من كان يصدق إنها هي اللي وقفت ولم تعارض وهو اللي عارضها وعارض نفسه! والوضع الآن ليس شيئاً سوى أنه أصبح "حرب كرامة"!
رواية عودة الوصال الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سارة ناصر
- تاني حاجة أنا مش موجودة علطول للكتابة ..أنا بتعب جدا&; في كتابة أي بارت &; فأنا مش شايفة اني اتأخرت كفاية لنظام رسائل الواتباد ده &; اللي وضحتلي بمحتواها قد ايه انا مش ملتزمة عشان ألاقي حد يتشرط عليا ان البارت ينزل ومش بس كدة دا ينزل وكمان من غير أحداث وحشة وشديدة!! &; فمكانش قدامي حاجة غير اني أعدي وأضحك وأقول..:
_" طب ما تيجي حضرت&;ك تكتبي وتظبطي أحداثهم وتخليهم يموتوا من الفرحة عشان أنا واحدة نكدية😂🥰"
"عموما&; بحبكم وبحب أكتر اللي بيقدر الظروف وشكرا&;&;&; "
-قراءة سعيدة متنسوش الڤوت والمتابعة ورأيكم بكومنت-.
________________________________
&;أ&;ريد يديك&; لأحمل ق&;لبي&;- محمود درويش-
كان طلبه مع بداية هذا اليوم , وككل يوم يصبح ويمسي به يريد يديها ليحمل نفسه من الأساس &; م&;ستسلم بكل جوارحه وملبي أول لمشاعره عدا هذه المرة ..عدا هذه الأيام وما شعر بها &; هذا ما كان ومازال يريده منذ الب&;عد&; حتى وان عنف نفسه فلا محال يريدها&; ولكن كيف&; كيف&; وهي من أصرت ومازالت تصر &; ٱخر قول سمعه منها هو انها لا تريد رؤية وجهه ولا سماع حديثه &; وبين تخبط والٱخر إلا ان هذه الكلمات كسرت شئ مجددا&; داخله حتى انهت المقابلة ٱخر مره بذلك وحاولت التراجع في ما أردفته بطريقة ليست مباشرة مع وضع تبريرات بأنه كيف سيرحل كما قالت وهما بالأساس جيران ومن ثم أقارب&;&; &; على أية حال حمل الحديث على قلبه وصمت..حتى حديث والدتها له وكأنه من يأذيها يضغطه ولكنه لا يريد الاستسلام لما أمرته وكأنه ملزم وهو من ناحية أخرى يتوجب عليه الاقتراب مع التزامه بالحدود كي يرافقها عند متابعة حملها بطفله! ..
يمتن ويتأثر لما فعله والده أمس &; عندما تلى بعض آيات الذكر عليه ممرا&; يديه على خصلاته حتى غفى بالفعل &; أما غفوته وراحته لم تكن دائمة متواصلة &; بل نهض بعدها من الأرق كالعادة!! ومرارة الفراق والفقد شئ موجع موجع جدا&; عليه!
كما كانت مرارتها هى الأخرى&; &; فأحضان الصغير أمس بمثابة أحضان دافئة يغمرها الأمان عند لحظة التخيل &; تخيل لصغيرها القادم ! &; رغم انها لم تستطع هي الأخرى النوم وأصبحت متشتتة أكثر والشئ الوحيد الذي لا يفارقها هو الألم! &; ألم الفقد والفراق مثله تماما&; &; والإثنان على هذا الحال وبينهما الكبرياء والإصرار الممزوجان بالوجع الشديد ! وجع لم يجربه أي منهما من قبل !!..
_" خلصتي يا حبيبتي &;"
سألتها "دلال" وهي تدخل عليها غرفتها &; بينما الأخرى على وشك الدخول للاختبار بعد وقت ليس قليل &; لذا يظهر سكونها بتوترها الشديد &; إلتفتت"وسام" بعدما عقدت حجابها بشكل سليم ونظرت تبتسم تجامل والدتها التي نظرت لها بشفقة&; ومدت كفها تمسح وجهها برفق&; وسألتها تخفف عنها بنبرة قصدت بها غير الاهتمام كي لا تهول من الأمر أكثر مما هو لدى ابنتها :
_" مالك خايفة ليه كده &; ما طظ يا بت الحاجة اللي تخوف الواحدة كده..الله!!!"
ضحكت "وسام" بالفعل وكشفت ما تحاول فعله &; بينما بهذه اللحظة تجمعت الدموع بمقلتيها تنظر لجميع محاولاتهم في التخفيف عنها منذ صلاة الفجر مع بعضهم &; تلهفت "دلال" من دمعة ابنتها بينما نطقت "وسام" بتحشرج&; تخبرها بما تكنه وتهابه :
_" خايفة يا ماما &; خايفة أخذلكم ومحققش حلمي وحلمكم اللي حلمتوه عشاني معايا!!!"
مسحت "دلال " على وجهها برفق&; ودخل "حامد" مع "بسام " في هذه اللحظة &; والمرتديان ملابسهما الظاهرة لخروجهم معها &; بينما هتفت"دلال" تجيبها بإطمئنان :
_" متخافيش.. إنت&; بنتي وانا عارفة انك قدها وعارفة قد ايه انت&; تعبتي &; ويارب يحقق كل دعوة دعيتها ليكي فكل صلاة يا وسام يا بنتي يارب!"
ابتسمت على طريقتها وتفاجأت بالٱخران &; خاصة&; عند قول "بسام " لها بطريقة م&;ر&;ح&;ة&;:
_"يا بت يا هبلة كل دي وساوس من الشيطان &; متسببيش نفسك لأفكاره وخوفك ده &; اذكري ربنا علطول!"
أرسلت له قبلة طائرة لا تتوافق مع الوضع فضحك وردها لها بينما ابتسم "حامد" يقترب منها فسألته هي بلهفة&; م&;لامة:
_"برضو يا بابا &;&; مصمم لسه تيجي توصلني &;&;"
ورد "حامد" حينها بثقة&; :
_" طبعا&; مصمم &; لازم ٱجي اوصلك واقف معاكي لحد ما يدخلوكم من البوابة و .."
قاطعه "بسام" بضحك&; من هذه العادة :
_" متقولش هتستنى يا حج !! قول انك بطلت تعمل حركة الشعب المصري الأصيل في ثانوية. عامة مع ولاده دي!!"
ضحكت "دلال" وامتزجت ضحكاتها مع ضحكاتهم وبنفس نبرته رد "حامد" بنبرة ضاحكة أيضا&; ينفي برفق&; موضحا&; :
_" لا &; هستنى نخش فالإمتحانات الجد وهستناها &;و بالفطار ساعتها&;"
اعتلت ضحكاتهم أكثر وهذه المرة كانت ضحكة "غسان" أعلى وهو يدخل عند قوله هذا &; بعدما رتب نفسه وارتدى ملابسه &; ترقب الكل لسماعه اما هو فقال من بين نبرته الضاحكة :.
_" عادية من أب مصري&; مش ناسي أنا ساندوتشات الكبدة اللي كنت بتجييهالي انا وبسام وشادي فثانوية عامة!!"
تذكر "بسام" وانفجر ضاحكا&; يضرب كتف شقيقه بمرح&; وأيده وهو يتذكر أكثر:
_" أيوة تصدق فاتتني ازاي دي! &; دا الدفعة كلها داقت من ساندوتشاته والامتحان والعك اللي كنا بنعكه كان بيتنسى بسحر ساندوتشات أبوك!"
ضحكت "وسام " ومن بين الضحكات أردف "حامد " بحنق حاول فعله ولكنه خرج بفشل عندما نهرهم بضحك&; وهو يسبهم :
_" ايه مش عاجب الوقتي .&; بتتريقوا عليا يا ولاد الكلب&;!!"
حينها رفض "بسام " وكبت ضحكته وهو يحرك رأسه نفيا&; بينما وجدها "غسان", الطريقة التي سيعبر لها عن تأثره من ما فعله معه أمس عندما اقترب يقبل جبهته وقال بنبرة هادئة مبتسما&; بإتساع:
_" أي حاجة منك يا "حامد" حلوة &; ربنا يخليك لينا ويبارك في عمرك!"
شملتهم "دلال" بحب&; شديد تدعى بأن يحفظ الله لها عائلتها خاصة&; عندما عانق الكل "غسان" الذي كان مقترب بمزاج لائق دون صد فتشجع الكل لاحتضانه &; أدمعت عينيها ولاحظت اراتداء ملابس توأمها اليوم مثل بعضهم تماما&; &; رفع "حامد" رأسه وأشار لها بحب&; صادق:
_" ما تيجي يا أم العيال تشاركينا أكتر حضن بتحبيه!"
وكأنهم كعائلة يشعرون بالقادم له دون وعي! &; الٱن هذا العناق مختلف!
_" ايه يا حامد اللي بتقوله ده &; بعدين عيالك يزعلو ويقولوا بحب غسان أكتر واحد الله!!!!"
ضحكت وهي تلومه بينما بالفعل هي تفضل احتوائة الدائم لهم وذراعيه الملبيين لهم ولطاقتهم التي ت&;ستنزف أغلب الوقت &; أما هو فضحك بخفة&; وأرد أن يمازحهم كي يطمأنهم فهتف بمزاح&; لمسه الثقة في القول وكأنه يتأكد من ذلك :
_" لأ هي بتحب بسام معروفة يعني!"
ضربت "دلال" كتفه فابتسم يأخذها أسفل ذراعه بمشاكسة&; وكأنها أصغر منه للتو وليست والدته من الأساس &; إعتدلت بعدها وخفف هذا الجو الأسرى الممتلئ بالدفء والإنتماء ..خفف كل هذا منها ومن حدة توترها وخوفها من الاختبارات &; تحرك "بسام" مع "حامد" يستعدان للبحث عن حذائهما ومن ثم ارتداءه &; أما هي فوقفت تنظر حتى وجدت "غسان" يقترب متحدثا&; بهدوء :
_" جاهزة &;"
أومأت واعتلى صوت هاتفها بظهور رسالة &; كان بين كفها حينها فنظرت ووجدت الرسالة التي لا تعلم عددها من "نيروز", التي اهتمت لأمر اختبارها ولم تغفل عنه &; فقد حدثتها رسائل وقت الفجر وحثتها على انها ستنتظرها لتراها قبل الامتحان وقبل أن تهبط &; ليتلاقا أمام الشقق وستخبرها هي عندما تخرج &; في حين فكرت "وسام" بكل الطرق أن يسبق "غسان" كي لا يتقابلا مجددا&; أمام عيني "سمية" و"ياسمين" وتحدث المشاكل من جديد &;اهتزت عينيها خاصة&; ان شقيقها الٱخر ووالدها سبقا !! &; وهو الذي ظل ليرافقها لأسفل !
_" في حاجة معاكي ولا ايه&;"
سألها "غسان" بترقب&; عندما رأى شرودها أما هى فنفت سريعا&; ورددت بتبرير كاذب :
_" ..لا مفيش حاجة &; بس اسبق انت&; على ما أدخل الحمام وهنزل وراك علطول!"
نظر لعينيها التي تدور &; ولكنه حرك رأسه موافقا&; وابتسم بهدوء&; يوافقها حتى خرج خلف والدته التي خرجت &; تحسس جيبيه كالعادة وذهب ناحية باب الشقة حتى فتحه ولكنه تناسى أمر هاتفه فلم يكن بجيبه &; أغلقه دون ان يخرج واقترب من غرفته يجلبه &; أما "وسام" على الناحية الأخرى توقعت بأنه رحل لذا أرسلت لها بأنها ستخرج للتو من الباب &; اقتربت بالفعل ترتدي حذاءها كي تخرج ولم تضع في الحسبان ما حدث من صدفة !!
إلتقط "غسان" الهاتف وقاطع شروده بها قراره في خلع دبلته &; فلم يستطع فعلها إلى الٱن &; ولم يستطع من ناحية أخرى خلعها بسبب ما سمعه من قرار "حسن" المتشتت &; ان رٱه أحد بها من عائلتهم سينتهزون الفرص أكثر &; ومن جهة اخرى كيف سيرحل ويقرر الرحيل لأخذ قسط من الراحة لنفسيته وهي هنا وحدها بين هؤلاء!!! &; الوضع معقد ويضغطه حتى وان فارقها!!, ضم كفه بقوة&; ينهر مشاعره وزفر بصوت&; عال&; وخرج مرة أخرى&; حتى سمع شهقة "دلال" العالية وهي تضرب صدرها &; التفت يحرك رأسه فوجدها تحدق بحذاءه الذي دخل به &; بهذه اللحظة تناست كل أوجاعه واقتربت تنهره حتى رفعت صوتها ونهرته قائلة :
_" انت داخل بالجزمة على السجاد اللي انا لسة غسلاه قريب&;&;&;&;"
حاول التبرير بخفة&; &; فتشنج وجهها وندب بحنق&; تقطع أي فرصة :
_" ما انت&; لو بتغسله وبتتعب فيه وضهرك يتقطم ويتكسر عمرك ما هتعمل العمله دي &; روح ربنا يسامحك يا شيخ عالصبح!!"
شعر بأنها ستتحدث مجددا&; لذا فقد الأمل في ان يبرر وسار بخطوات&; ثابتة ناحية الباب حتى فتحه ومن ثم خرج وأغلقه بتلقائية &; وسرعان ما رفع عينيه ينظر وكالعادة عكس ما ظهر عليه ..تسارعت دقات قلبه عندما وجدها تعانق "وسام" على باب شقتها &; مبتسمة ابتسامة جميلة ولكن حزنها يظهر له وحده الٱن&; اختفت سريعا&; هذه الابتسامة ولاحظ ارتجافة يديها &; ابتلع ريقه والتفتت "وسام" تنظر بتوتر&; &; فحرك رأسه سريعا&; ولم ينسى&; ما قالته له من تركه لها وعدم رغبتها في رؤيه وجهه &; لم تتقابل عينيه معها بل تحرك وكي لا ينتظر المصعد هبط على الس&;لم بصمت&; شديد هادئ دون حتي ان ينس أي حرف لشقيقته!!
ما وجعها هو تجاهله التي رأته والذي قصده هذه المرة لأجلها وليس لدافع ما بداخله &; استشعرت ذلك ولمعت عينيها بدموع محبوسة &; وشردت عن حديث "وسام" لشقيقتيها فالداخل بعدما دخلت تتخطاها &; خرجت"وسام" بعجالة. مرة أخرى فابتسمت "نيروز" تراضيها وتترك المرارة التي شعرت بها ورددت بهدوء :
_" ربنا معاكي &; اهدي وركزي وبلاش توتري نفسك عشان تعرفي تحلي&; وان شاء الله خير!"
عانقتها مجددا&; وهذه المرة هبطتت عيني "وسام" ناحية معدتها التي بدأت تبرز بشكل ضئيل ملحوظ للبعض فقط &; شعرت بحسرة شقيقها بهذا الوقت وأومأت توافقها وف&;تح المصعد حتي دخلت به ..
أعين لامعة من جديد &; وما احتلها من مشاعر ترك بها الٱن وجع مضعف ولا تعلم لم&; &; &; أغلقت الباب ببطئ&; &; ولم تغفل عيني من بالداخل عن ما حدث خلاب ثوان&; فقط &; لاحظن لمعة عينيها فهربت بنظراتها وحاولت التوجه مرة أخرى ناحية غرفتها ولكن هتفت "س&;مية" تناديها :
_" نيروز!"
_" الفطار يا حبيبتي اقعدي يلا انت&; راحة فين!"
أخرجت نفسا&; عميقا&; متألما&; يشرح الكثير &; ومشاعرها تضطرب كلما تراه فقط حتى&; ولو بلمح البصر كانت قد لمحته هي &; فرت دمعتها وهي واقفة &; وكانت نظرات "سمية" حينها عاجزة ولكن من قبلها اقتربت كل من "ياسمين و وردة" &; وسألتها "ياسمين" سريعا&; بلهفة&; كبرى&; :
_" مالك يا نيروز &; في ايه &; انت&; تعبانة &;&;"
اليوم له حساسية أخرى&; غير عقبتها وخمنت "سمية" السبب الٱخر! &; غريب استيقاظ "ياسمين" مبكرا&; من الأساس &; ولكن اليوم مناسبة وذكرى&; لهن لن ينساها أحد منهن ! ..
_" لا أنا كويسة &; أنا بس متأثرة &; ما انت&; عارفة النهاردة ايه!"
لمعت عيني "ياسمين " هي الأخرى وأومأت في حين عانقت "وردة" "نيروز" باحتوائها وقالت :
_" النهاردة ذكرى وفاة بابا &; بس ده ميخلكيش تتعبي نفسك كده &; بحس ان فكل ذكرى ليه بيكون بينا هنا &; يرضيكي يكون بينا ووسطنا وانت&; بتعملي فنفسك كده &;!"
بررت وضع ربما مجازي ولكن الأخرى نفت بلهفة&; فابتسمت"سمية" تراضيها ومررت كفها على خصلاتها الب&;نية الفاتحة وقالت بما جعلها تترقب:
_" وردة عندها حق &; يلا بقى&; عشان نفطر ونقعد نجهز الصدقة اللي هنوزعها فالمقابر مع بعض النهاردة!"
هذه العادة دوما&; ما يواظبون عليها كل ذكرى وفاته ! &; أما الايام الأخرى فلا زيارات إلا قليل &; أما هي فكان الوضع مختلف كما الٱن تماما&; عندما ابتسمت بحماس&; ووافقت برأسها &; فشاكستها "ياسمين " قائلة :
_"اسكتي أمك عاملة رز بلبن هيجنني بقولها نفسي فيه راحت قايلالي لأ دا مش بتاعنا &; يرضيكي&;&; ده انا حامل وبتوحم حرام عليها ولية قادرة !"
شهقت "سمية" من كذبها وافتراءها&; حتى&; ضحكت "نيروز " فسحبتهما "وردة " ناحية سفرة الطعام تزامنا&; مع قول "نيروز" :
_" متزعليش. هجيبلك أنا !"
_" ايوة &; انت&; واسطة وبنتها وبتحبك لكن أنا جيباني من دار ايتام بس مش عايزة تعترف !"
ضحكت "سمية " بيأس&; وامتزجت ضحكاتهن معا&; وردت والدتها بقلة حيلة:
_"ربنا يهديك&;ي يا بنتي!"
استنكرت "نيروز" عدم وجود "حازم" معهم على مائدة الافطار &;فسألتها باستفهام&; :
_" أومال حازم فين &; مش هيفطر&;"
_"حازم مقموص مني بقاله يجي اسبوع &; وبيتجاهلني ما انتوا عارفين &; هو عند أمه عايدة خليها تأكله وتنفعه بقا !"
اسلوبها الفظ الغير مبالي جعل "سمية" تنظر لها بتعنيف&; وقبل ان توبخها تدخلت "وردة" تخبرها برفق :
_"حازم بيحبك والله&; يا ياسمين &; انت&; اللي شديدة أوي مينفعش كدة خليكي لينة شوية وجاري&;ه هو بردو معذور ومعاه حق !"
طالعتها بإنصات&; &; وعقب ما انتهت هتفت هي بنبرة مغتاظة من هرمونات حملها:
_" وأنا مبحبوش يعني &; طب ما انا اعترفت بغلطي وقولتله ٱسفة المفروض أعمله ايه تاني عشان يحن &; دا حتى مبيردش عليا لما بتكلم ومش مقدر حملي وتعبي &; أنا في غنى عن الضغط ده فالوقت ده &; وسيباه يجي من نفسه!"
_"بت انت&; متعيشيش الدور &; جوزك معاه حق يزعل ومش كلمة ٱسفة دي يختي اللي هتمشي الدنيا , هو قايم نايم خايف عليكي وعلى صحتك وساعة ما يسألك اكلتي شربتي اخدتي العلاج ..وشك بتلويه ومش بتردي عليه ودا حصل قدام عيني!"
وبختها "سمية " بذلك ولكنها لم تتركها تكمل أكثر بل اندفعت تردد بعناد&; :
_"يعني هفضل كل شوية أحاول اصالحه وهو ميردش ويهتم ويوم ما يهتم أرد عليه كويس&; فين كرامتي بقا ان شاء الله&;."
هنا وتدخلت "وردة " مرة أخرى تسألها بجدية&; :
_" وكرامته يا ياسمين يوم ما عملتي اللي عملتيه &; يا حبيتي في حب بينكم يخليكم تقعدوا تتعاتبوا بهدوء وطالما انتي غلطانة يبقي تعاتبي تاني مش معني ان أول مره اتواجهتوا وهو لسه زعلان يبقي خلاص انتهت ..مينفعش انتوا مش ب&;عاد انتوا متجوزين وعاقلين وحياتكم كلها مع بعض بلاش تراكموا الزعل وتتعاملوا كده من غير وضوح تاني غير اللي قبله&; اكيد كان فعزم زعله ساعتها !"
جاء على عقل "نيروز" مشاكلها معه &; هل كان يراكم &; أم مراكمته كانت كي يتخطى ويستمر معها بهدوء &; &; هل كان هناك ضغط&; تسال وتعلم بأنها ضغطته كثيرا&; بما فيه الكفاية ! &; تنفست بعمق&; &; كما صمتت "ياسمين" تتناول الطعام &; بينما حركت"سمية " رأسها بتعب&; منها متفوهة&; بـ:
_"هبلة وغلبانة..ما أنا برضو اللي جوزتك وانت&; مش عاقلة &; معرفش كان عقلي فين ساعتها ربنا يسامحني!"
_"مع المرحوم!"
شهقت "سمية" من وقاحتها في حين تعالت ضحكات "وردة" و"نيروز" بقوة&; &; فوبختها "سمية" بضيق&; منها :
_"ك&;لي وانت&; ساكتة &; لاحسن أنا بتقهر كده كل ما بتتكلمي واكتشف اني معرفتش أربي !"
_"ماشي!"
قالتها ببرود&; شديد &; وخلال لحظات تعالت ضحكة "وردة" عليها ثم من بعدها ضحكة"نيروز", التي قالت من بين ضحكتها :
_" مطيعة "
ضحكت "ياسمين" وقتها تراضي ضحكة "نيروز" وإشارة لها بحنو&; شديد على الأطباق ملقية ما سبق خلف ظهرها وقالت تحثها :
_" افطري وكلي كويس يلا !"
ابتسمت تومأ علي قولها بهدوء&; متتفسة براحة الٱن ولو شئ طفيف يغمرها بينهن كما اعتادن دائما&; &; مع بعضهن بم&;ر الأيام&; قبل الجيد الذي بها &; بل والم&;ر الدائم على الأغلب مع ولدى عائلة كعائلتهم تلك!! &; شملتهن "س&;مية" بنظراتها الم&;ريحة لهن &; اندمجت "نيروز" وبرغم ما بها حاولت مراضاة شقيقتها كي تبتسم وتنسى&; &; لا تعلم هى&; بأن هذا الوقت من يفترض عليها بأن ينسى&; كانت هى&; ولكن كيف&;&; هذا السؤال الذي يراودها بين الحين والٱخر!!.
____________________________________________
شعور الراحة الذي يغمرنا على فجأة &; ألطف ما يكون من بين ضغط الأيام وعقبات الماضي &; شعرت بإنشراح صدرها تجاهه ولا تنكر هي بأنها مالت له من قبل كشخصية وليس إلا &; راحتها واطمئنانها الٱن يساوي الكثير والكثير &; حتى حماسها الدخلي الموجود بها &; كي تخبر شقيقها بعد قليل &; غالبا&; تضحك على أقوال والدتها العفوية بأمور يتوجب عليها وبها الصبر &; بل والٱن لا ت&;صدق "حنان" ما تسمعه من ابنتها التي ترافقها في المطبخ بعد الافطار !! &; وكما كانت فرحتها كانت أيضا&; ظاهرة في نبرتها عندما قالت بغير تصديق:
_" والله الواحد ما مصدق اللي بتقوليه ده &; اللي يشوف وشك امبارح لونه اتخطف ازاي وبين ضحكتك النهاردة يقول سبحان الله !"
مصمت شفتيها ثم دعت لها بعفوية&; من هذا القبول :
_" ربنا يكملك بعقلك يا فرح !"
خرجت ضحكات "فرح" علي حديث والدتها واعتدلت تناولها ما بيديها مع ردها الذي خرج ممتزجا&; بضحكها :
_" عادي يا ماما &; حسيت براحة زي ما قولتلك &; وشوفت اني قادرة &; يمكن الأول مكنتش اقدر بس دلوقتي حاسة ان حياتي بتختلف &; أنا عايزة اتغير وبتغير فعلا&;!"
شعرت بتغير ابنتها وسعدت &; فأكملت لها الحديث قائلة بلهفة&; وهي تقف أمام حوض غسل الأطباق :
_" أنا قولتها امبارح &; الواد الدكتور ده محترم وهيراعي ربنا فيكي &; اسمعي كلام امك يا بت !"
حركت رأسها بقلة حيلة وضحكت وهي تتركها وقالت تزامنا&; مع خروجها :
_" طيب أنا طالعة أنا لـ "عز" لأنه كلمني من شوية وقولتله اني هطلعله!"
سمعت ثرثرة عادية تعتاد عليها &; ولكنها تجاهلت وخرجت من الباب تصعد على الدرج متجهة نحو شقة "عز" الذي كان يجلس بها في الصالة مع "جميلة" وهما يتناولان الطعام قبل خروجة للعمل &; ومن بين ذلك صوت التلفاز يمتزج بالجو وشعور الانتماء بينهما &; طالعته بسعادة&; وسألته بشغف&; على فجأة :
_" تفتكر فرح هتوافق &;"
حرك "عز" رأسه ناحيتها وقال بغير علم :
_" مش عارف &; وزي ما قولتلك برضو مش حابب أضغطها أنا مش ناسي هي كانت في ايه يا جميلة &; ومهما كان "بسام " كويس فأنا برضو قلقان&; خايف أوافق ويكون الاختيار غلط &; فاهمة &;".
شعرت بتخبطه بدلا&; من شقيقته فوضعت يدها تتلمس ذراعه بتفهم&; وقالت بعقل&; تطمئنه :
_" أنا حاسة بيك &; بس برضو عايزة أقولك ان ده طبيعي لأنك معاها علطول وكنت ومازلت قايم بدور الأب والأخ والصاحب كمان &; فعشان كده غلاوتها كبيرة ومقدرة إنك متعلق ولسه كمان مش هتستوعب انها لو وافقت هتدخل علي حياة تانية &; بس أنا رأيي ان ده بيحصل وكمان رأيي في "بسام" من حكم القرابة والجيرة فهو محترم أوي وبيوزن الٱمور بعقله &; يعني شايفاه عاقل يمكن مش علطول بس أغلب الاوقات محترم وبيستحمل وعارف ربنا قليل لما يطلع منه رد فعل &; أنا مش بعرف أفرق بينه وبين غسان بس خلاص بقيت أفهم من طريقة الكلام والتعامل!"
رفع ذراعه بابتسامة واسعه من محاولاتها في التخفيف عن مشاعره المتشتتة &; لم تستهين بما يشعره كما يفعل معها تماما&; &; لامس قلبه لين قلبها الدائم وتقدم يقبل قمة رأسها برفق&; وقال يؤيدها يبادلها العقل ليظهر لها مدى تأثير كلماتها حتي وان لم يذهب ما يكنه بهذا الوضع بسهولة&; :
_" وجهة نظر دكتورة برضو &; عالعموم اللي فيه الخير ربنا يقدمه وأنا مش هعارض &; أنا واثق انها بتتغير واتغيرت فمش هتاخد قرار سريع ان شاء الله!"
حركت رأسها تأييدا&; ونظر هو نحو وصلاتها السوداء المفرودة برقة&; خلف ظهرها وقال بإعجاب&; عهدته منه في حبه لخصلاتها :
_"عارفة&;."
أخذت "جميلة" دوره وقامت بتقليده وهي تميل مقتربه منه بمشاكسة&; :
_" لا مش عارفة بس هموت واعرف والله&; !!"
ضحك بقوة&; متعمقا&; النظر بها فضحكت هي عليه إلى ان انتهى وصارحها بعمق&; :
_" أنا بحب شعرك أوي!"
شاكسته بضحك&; وهي تبتلع ما بفمها ببطئ&; :
_"طب وأنا &;"
_"انت&; حب دلوقتي واللي جاي واللي لسة هيجي يا ج&;ميلة !!"
قالها بهدوء وبطئ &; وعينيه فاض منها ما يكنه من حب لها &; ابتسمت بحب&; وظهرت سعادتها بسبب رفق كلماته وسمع حينها الجرس فنهض كما انتهى أيضا&; من تناول الطعام &; حاولت النهوض كي تدخل لتستر نفسها ولكنه أوقفها بإشارة يديه يخبرها بجدية&; :
_" دي "فرح" مش حد غريب &; خليكي!"
اقترب يفتح الباب من بعدها وعندما فتحه وجد الابتسامة الواسعة على ملامحها تظهر &; دخلت عندما اقتربت تقبله على خده بمرح&; &; فضحك وهو يغلق الباب اما هي فدخلت تجلس بجانب "جميلة" والتقطت حبة زيتون &; تزامنا&; مع قول "جميلة" المتلهف :
_" ايه &; خير صح &;"
جلس "عز" وترقب سماع الٱتي منها &; أما هى فتخلت عن الحرج واعتدلت أكثر تنظر نحو "عز" وأخذت نفسا&; عميقا&; تخبره :
_" أنا..موافقة !"
ورغم جرأة ردها إلا أنه ابتسم بإتساع&; &; فابتهجت ملامح "جميلة" تسألها بغير تصديق:
_" بجد يا فرح &;&;&;"
صمتت تنظر نحو سكون "عز" الذي إعتدل &; فأومأت هي تفسر أكثر:
_" أنا مرتاحة وارتاحت أكتر &; وجاهزة &; بس ده ميجيش حاجة عند رأيك انت يا عز !"
اتسعت ابتسامته من ردها واقترب يرفع يديه يمررها علي خصلاتها وقال بحنان&; :
_" رأيي هو راحتك &; وراحتك راحتي يا فرح!"
عانقته سريعا&; &; تشعر بالحنان يحاوطها من جديد كلما اقترب يعانقها بحب&; وبر&; لها &; ابتسمت "جميلة" عليهما &; فردد "عز" بهدوء وهو يحتضنها :
_" خلاص هبلغهم ان شاء الله باتصال كمان شوية &; عما انزل الشغل كدة !"
شدد بعناقه وكأنه يشعر بضياعها بالتدريج &; بينما وقفت "جميلة" تقطع تأثر اللحظة كي لا يتحدثا بدموع&; أو لبكاء عما مضى&; :
_" هو انا قولتلكم قبل كدة اني بغير &;"
_" لا أنا بغير أكتر منك &; مش كفاية اخدتي أخويا وسكت!"
ضحكت علي ردها وضحك "عز" هو الٱخر فبرعت "جميلة" بردها عندما قالت :
_" عالعموم كله سلف ودين &; بكرة تشوفي وسام هتعمل فيكي ايه , انتي موصلتيش لـ ت&;من غيرتها علفكرة &;"
اندفعت برأسها تنظر &; فنظر "عز" بترقب&; بينما قالت هي بذكاء&; تطمئن نفسها:
_" لا علفكرة &; احنا صحاب مش هيحصل كده &; هي طيبة اوي معايا وميجيش منها ده !"
فضحكت "جميلة" بسخرية&; وصارحتها من تجربة حقيقية حدثت :
_", لا متتعشميش أوي &; ما هي بتحب نيروز وأوي &; وكانت بتغير لحد قريب أوي كمان ونيروز كانت بتاخد بالها بس بتعديها وتحتوي الموقف أيا&; كان&; فـ مش شرط يعني!!"
تدخل "عز" يردد بسخرية&; مضحكة ناهيك عن قلق الأخرى :
_" الا الغيرة يا فرو&;ح دي مفيهاش صحوبية وق&;رب &; الغالي غلاوته بتبان!"
ابتسمت وصمتت &; فضحكت "جميلة" تسخر منها :
_" طب مش قد القول بتتكلمي ليه عشان تلاقي رد زي ده يقلقك كده!"
وقفت "فرح " تبتسم بحب&; ورفعت ذراعيها تضمها تزامنا&; مع قولها الضاحك الذي ظهر به الحب :
_" يا بت أنا بحبك والله &;ده انت&; صحبتي ومرات أخويا &; وام عياله ان شاء الله &; اسباب كافية للحب اهو !"
ضحكت "جميلة" تبادلها العناق &; فنهض "عز" ينظر بساعة معصمه &; ووضع هاتفه بجيب بنطاله وقال يخبرهما :
_"حيث كدة بقا أنزل بدري شوية عشان في شغل من امبارح ومش فاضي &; انا كدة اتطمنت عليكم!"
ابتسما له الاثنان بينما تحركت "جميلة" تطلب منه:
_" طب النهاردة سنوية عمو سالم &; فـ عايزة أكون مع نيروز ومعاهم هناك زي ما قولتلك &; بس انت مدتنيش رد !"
ابتسم ببساطة&; وحرك رأسه يوافقها بهدوء:
_" روحي براحتك لو كده خشي البسي نركب مع بعض وانزلك هناك واروح على شغلي "
ابتسمت بحماس&; وأومأت وعندما شعر بردها الٱتي نفى بطريقته قائلا&; :
_" وبلاش تروحي يا فرح المرادي &; خليكي مش لازم يعني!"
_" ليه يا عز انا كنت عايزة اطمن علي نيروز من امبارح &; ووسام عليها امتحان النهاردة "
قالتها بضجر&; &;اما هو فقارن الوضع من جهة&; اخرى &; لذا كشف ذلك بجرأة&; :
_" روحي بس متحتكيش بيه كتير ومش عايز كلام كتير دلوقتي غير لما يكون في حاجة رسمي!"
خجلت من كلماته &; وابتسمت بعدها توافقه وهي تحرك رأسها &; وفرت سريعا&; كي ترتدي ملابسها في حين دخلت" جميلة" ترتدي ملابسها هي الأخرى &; اما "فرح" فتناست أمر "بسام" في ردها عليه بالقبول أو بالموافقة &; ولكنها استشعرت بأن بفعلتها تلك لن تشعر براحة ان فعلتها لذا تركت الوضع مفتوح تركته هو مع توتره &; ومن ناحية أخرى قارنت كل أقواله السابقة وعلمت أنه م&;عجب بها وأكثر لذا تركته يعيش لحظة السعادة بالقبول هذه المرحلة..
ولكن مهما أحبها وهي تعلم لم ولن تشعر بحبه اتجاهها إلا عندما تشعر بنفس ما يشعر به &; الا عندما تحبه وهذا لا تستطيع تحديده الٱن إذا كان بالفعل أو مجرد اعجاب!!
______________________________________________
تفكير&; ٱخر يرافقها بعد كل هذا الوقت وهذه الساعات التي تمر وحسمت أمرها من جديد على أن تقابله مقابلة&; أخرى&; بنفس الطريقة السابقة عله الم&;نقذ لحالتها وعقبتها لم تكن تعلم هى بأنها بذلك فتحت باب الخطر عليها وعلى من قررت الذهاب لمقابلته مرة أخرى!
_________________________________________
وبعد مرور وقت قليل&; &; جاء "حامد" في الأسفل والارتباك يحاوطه من أجل ابنته &; على أية حال فتح المصحف ليقرأ به &; والجو يمتزج ما بين مشاعر عديدة وعلى ب&;عد&; كانت هناك الشاردة بأمرها وحديث ذلك البغيض معها أمس بنفس المكان مما حرك بداخلها شكوك&; تجاه "ٱدم" حتى وان اثبت لها عكس ذلك !!
وفي شقة "س&;مية" &; اجتمعت "عايدة" معهن ودخلت "ياسمين" لترتدي ملابسها &; علمت من والدته انه ذهب للعمل قبل ساعات &; ولكن الٱن الكل يتجهز للذهاب ناحية المقابر &; وقفت "نيروز" بتشنج في ملامحها تمسك معدتها بألم طفيف &; حاولت أخذ أنفاسها ولكن من لاحظت كانت "سمية" التي تركت العلب من بين يديها واقتربت تربت علي كتفيها برفق&; قائلة :
_" أنا عارفة ان المغص لسه مبيسبكيش &;عشان كدة حجزت النهاردة وهنروح بعد ما نيجي من المقابر نطمن !"
حركت "نيروز" رأسها تنفي ذلك وقالت بابتسامة باهتة تطمئنها :
_" مكنش ليه لزوم يا ماما انا اتعودت على كده خلاص&; انا كويسة متقلقيش!"
_" لا دي حاجة متتعوديش عليها مش يمكن في حاجة لقدر الله &; اسكتي بس واسمعي الكلام وطاوعيني مش كفاية أكلك اللي بقى معدوم ده!!"
نظرت بقلة حيلة &; ودارت رأسها ناحية الباب &; فإقتربت "سمية" تفتح باب الشقة &; في حين تجهزت "وردة" واقتربت تبتسم لـ "نيروز" &; فسألتها "نيروز" وهى ترى "يامن" يسير بجانبها:
_" انت&; هتجيبي يامن معانا يا وردة &;"
_" لا مش حابة يكون موجود في مكان زي ده&; &;أنا هسيبه تحت مع فريدة وعمو حامد!"
أومأت وهبطت "نيروز" لمستوى الصغير تقبله بحنو&; فضحك بملئ شدقية &; وتزامنا&; مع ذلك فتحت "سمية" الباب لتجدها "دلال" التي ابتسمت لها وكأن لا يوجد بينهما مشاكل وعقبات &; ابتسمت "سمية" تجاملها ورحبت بها مرددة :
_" تعالي..تعالي ادخلي يا دلال!"
ترقبت "نيروز" بوجع&; &; فدخلت "دلال" تحمل بين يديها ع&;لبه واسعة وقالت بلهفة&;:
_" انا منسيتش النهاردة ايه يا س&;مية &; تعيشي وتفتكري يا حبيبتي!"
ابتسمت بتأثر&; وربتت على كفها فقدمت "دلال" لها ما تحمله وقالت بحب&; :
_" خدي شوية القرص دول معاكم &; انا عملتهم كده على قدي يعني ونساعد معاكي بحاجة وناخد الثواب!"
لمعت عيني "سمية" من تذكرها فرفعت ذراعها تحمل العلبة وقدمتها لـ "وردة" فعانقت "دلال" "س&;مية" وهتفت الثانية بتأثر&; :
_" متحرمش منك يا دلال &;. كتر خيرك يا حبيبتي!"
رأت "نيروز" ما فعلته فنهرتها "عايدة" بنظراتها لتتحدث مثلما تحدثت "وردة" وبالفعل اقتربت تشكرها بهدوء&; :
_" شكرا&; يا طنط !"
ابتسمت "دلال" بحسرة&; داخليه على حالها &; حتى الحزن ظهر في عينيها وملامحها &; اهبطت عينيها تنظر نحو معدتها وابتلعت ريقها بقهر&; كلما تتذكر&; أخذت أنفاسها ومررت يديها على ظهرها والحسرة جلعت الكلمات تهرب منها فرددت بفعلتها هذه وفقط,. خرجت "ياسمين" بعد قليل بعدما ارتدت ورحبت بـ "دلال" في حين اقتربت "نيروز" تفتح الباب واتسعت ابتسامتها أكثر عندما وجدتها "جميلة"&; وبجانبها "فرح" دخلت واحتضنت "نيروز" بتأثر&; وقالت بتحشرج&; :
_" ف&;كرك هنسى يعني &;"
ضحكت "نيروز" بخفة&; وعلمت "جميلة" انهم ذاهبون &; فأمسكت يدي "نيروز" تحاول سندها للخارج في حين كانت تسلم. "فرح" على "دلال" التي تلهفت لها ولرؤيتها &; حملت "وردة" ما بيديها وخرجت مع الصغير وأسندت "سمية" "ياسمين" معها للخارج &; وبقيت "عايدة" تأخذ حرصها لحماية الشقق او ما أن حدث شئ غير متوقع &; وكذلك بقت "دلال" &; التي عادت إلى شقتها وهبطن البقية لأسفل ينتظرن سيارة "حازم" الذي قال بأنه في طريقه للعودة!!
هبط المصعدين بهن &; وعلى مقربة&; كان هناك "حامد" يجلس ببشاشة&; بعدما أخبره "عز" أنه تمت الموافقة والقبول وسيتم الاتفاق على الزيارة عند رؤيته ! &; تلهفت ملامحه وود ان يخبر ولده ولكن هاتفه مغلق بسبب وجوده في العمل &; جاءت "فريدة" تقدم له كوب الشاي وقالت تخبره بهدوء&; مع ابتسامتها الصغيرة :
_" اتفضل يا عمو !"
_" تسلمي يا حبيبة عمو! ''
توسعت بسمتها من رفقه ولاحظ الأصوات التي تدخل عليه كي ينتظرن قدوم "حازم" &; فنهض سريعا&; يفسح مجال لهن وبالأخص لتجلس "نيروز" التي ابتسمت ترحب به :
_" اذيك يا عمو"
_" الحمدلله يا حبيبتي &; تعالي اقعدي ارتاحي "
جلست بتعب&; وامتنت له بالنظرات وكأنها تبحث عنه الٱن أن كان موجود او غير ذلك &; تجمعت الدموع بمقلتيها وهي تسمع حديثهم بغير وضوح&; بل الٱن تنخرط بالوجع عندما تذكرت مقابلتهما أمس هنا بل وتجاهله لها في الصباح بكل فتور &; فهي لم تغفل عن انها من تسببت في ذلك بقولها له في ان يتركها ويختفي من امام انظارها ! &; جاب سمعها قول "حامد" المبرر:
_" انا مش ناسي والله بس مش عارف مستعجلين ليه انا كنت مستني أروح العصر!"
وردت "سمية" بتفهم&; :
_" معلش كله زي بعضه أنا عارفه انك مش ناسي بس يلا حبه يروحوا كده وتبقى تروح براحتك بعدين &; أصل وردة ناوية تسيب "يامن" معاك !"
_" بس كدة من عينيا وفي عينيا حبيب جدو!"
فرد ذراعيه للصغير فحمله بين ذراعيه يقبله ويدغده تحت نظرات "وردة" السعيدة بذلك &; وقفت "جميلة" تحاول سب أغوار "فريدة" لتتحدث كي تبرر ما سبب سكونها الشديد ولكنها أبت مدعية باللاشئ ء أما هي فالشك يزداد ولا تستطيع التفكير بطريقة سوية &;مريحة لها وله &; بعد حديث ذلك البغيض لها أمس على الرغم من أن حديث "ٱدم" جعلها تشعر براحة ولكن بنفس الوقت لا تستطيع ان ت&;شفى فما الدواء &;&;
جابت مسامع الكل قدوم ووقوف سيارة "حازم" في الخارج فخرجت واحدة تلو الأخرى وهبط هو ليحمل الأكياس والعلب ليضعها في حقيبة السيارة في الخلف &; شمل بنظراته "ياسمين", التي كانت صامتة&; ناهيك أن اي حزن تحاول اخفاءه فيظهر له هو وحده &; فتح الأبواب وابتسم يحثهن :
_" يلا اركبوا "
جلست "نيروز" في الخلف بجانب "ياسمين" و"جميلة"و "وردة "وركبت "س&;مية" في الأمام وأشارت "فرح" من على بعد بأنها ستظل هنا مع "يامن"و",حامد"و"فريدة" ..فـ انطلقت السيارة بعد ذلك ابتسمت "فرح" بأثرهن وإلتفتت تنظر فوجدت السعادة على وجه "حامد" التي فهمت على الفور ما سببها ابتسمت بخجل&; فعاد يجلس مع "يامن" هو الٱخر &;ووقفت "فرح" تساعد "فريدة" في العمل! وكل منهما شاردة بأمور مصيرية تخصها!!
____________________________________________
ليس الهدوء هدوء الأيام والأحداث &; لم تر&; هدوء داخل عقلها بعد &;. تتوتر بأي وقت سيعود. &; عودته م&;نت&;ظرة منها ومن أخرى تحاول ان تدبر الوضع مع ٱخر وان علم أحدهم من عائلتها ما تخفيه من أقوال وأخبار ومقابلة ما مع من أرادت مساعدته ستكون هذه نهايتها &; ابتلعت "أسماء"ريقها والٱن تقف لتبدل ملابسها والشرود رفيقها هل بالفعل سيساعدها &;&; حاولت وأرسلت له رسائل تراسله علي برنامج الفيسبوك " الماسنجر" دون أن يكون صديق لتبجحه كما ترى هي أرسلت له طلبا&; ولم يوافق حتى رأى رسائلها ولم بجيبها ولم يرد عليها فقررت الهبوط مثل المرة السابقة &; الٱن تنظر نحو ساعة معصمها التي ارتدها على اي حال ستهبط تنتظر حتى ولو كثير كي تلحق به أن جاء مبكرا&; أو متأخرا&; &; انتهت من ارتداء ملابسها وحاولت أخذ أنفاسها قبل ان تخرج &; فتحت الغرفة ووجدت شقيقتها بالخارج تجلس بجانب والدتها &; عقدت "زهور" حاجبيها وسألتها بجدية&; :
_"راحة فين &;"
ارتبكت نظراتها وعلمت ان شقيقها نائم &; ووجدت ان هذا جيد الٱن &; اخذت أنفاسها وخرجت بكذبتها :
_" ما أنا قولتلك امبارح يا ماما اني بحاول اظبط مع واحدة صاحبتي هنا نتقابل ونخرج مع بعض شوية قبل ما نسافر!"
نظرت "مروة" ناحية التلفاز بتجاهل&; لها &; فهتفت "زهور" تردد لها بتبرير&; :
_" بس أنا مدتكيش ردي ولا قولتلك موافقة &; قولتي لاخوكي&;"
_" لأ.. انت&; عارفة انه هيقول لأ حتى قبل ما يسمع بقية كلامي!"
صمتت ترى توسلها الذي بان بعينيها وحركت رأسها بإهمال قائلة وهي تعيد النظر نحو شاشة التلفاز :
_" متتأخريش"
تلهفت وهي تحرك رأسها ونظرت "مروة" بأثرها بشك&; وصمتت تأتي بٱخرها ربما تنوي فعل شئ سيجلب الخطر لشقيقتها !! &; خرجت وأغلقت الباب خلفها تنوي الهبوط للجلوس على استراحة بعيدة قليلا&;. لتراقب قدومه ومن ناحية أخرى ستأتي برقمه من على أحد المواقع كي تحاول الاتصال به!! ..
_"انت&; مش شايفة ان اسماء مش مظبوطة &;&;"
سألتها "مروة"&; فحركت "زهور" رأسها ناحيتها بغرابة&; تسألها بجدية&; :
_" قصدك ايه &;"
_"قصدي ان صاحبة مين اللي تخرجلها واحنا بقالنا فترة بره &; البت بنتك دي مخبية حاجة وراها!"
اندفعت تتحرك أكثر , واعتدلت تسألها بجدية&; :
_"قصدك ايه يعني يا بت&; &; ما هي طول عمرها ساكته وهادية كده مع نفسها ومبتتكلمش &; اهدي يختي شوية مش على اختك كمان..إعقلي!"
نهرتها بطريقة تحذيريه فصمتت تنهض مقررة فعل ما تنويه &; اما الأخرى فنظرت بتفكير&; بٱثرها وعادت تنظر بشرود&; ٱخر &; والكل يفكر لغيره إما بمكر&; أو بوجع&; في جميع هذه الأحوال!!
____________________________________________
وجد اتصال بعدما ركب السيارة مستأذنا&; من العمل للخروج مبكرا&; أكثر كي يذهب حتى يأتي بشقيقته ! &; ركب "غسان" وزفر بملل&; حتى أخرج هاتفه يرى من هذا المتصل وعندما وجده رقم غير مسجل وضعه علي وضع الطيران &; ولمح بعينيه إشعار يخبره بأنها قامت بنشر منشور على برنامج الفيسبوك &; يعلم بأنها قليلة التفاعل &; لذا ضغط سريعا&; يرى ما قد نشرته وعندما ضغط عاد ي&;فعل ازالة وضع الطيران مجددا&; كي يري &; انتظر بأنفاس&; هادئة متلهفة&; حتى هو استنكر ذلك وكأنه م&;راهق لها !!&; وعندما قام بتحميل الصفحة وجد أمام عينيه الكلمات الأتية ..
_&; اليوم ذ&;كرى&; وفاة والدي &; &; رحلت يا أبي وتركتني وحدي أحارب هذه الحياة &; لقد كانت ومازالت ثقيلة بدونك &; قل لي متى الرحيل حتى أقابلك من جديد&;&;..رحلت وتركتني في عمر صغير لا أعلم فيه كيف رحلت ورحلت وتركتني في عمر كبير أعي جيدا&; ألم فقدانك به&; كما أعلم في كل مره وينتهى بي المطاف بيأس&; شديد عندما تخبرني جميع الحواس بأنك رحلت دون عودة!! &; اللهم ارحمه واغفر له واسكنه الجنة مع النبيين والصديقين والصالحين ادعوا لبابا حبيبي بالرحمة &;
اغمض "غسان" جفنيه بإنهزام&; ووجع &; حتى هي حرمته من مشاركة هذه اللحظة معها &; تقطعت أنفاسه ونسى&; ذكرى هذا اليوم بالنسبة&; لها &; قاوم أي شعور ودار السيارة سريعا&; كي يذهب لأخذ شقيقته ومن ثم ليستفسر بأي طريقة عنها وعن حالها الٱن &; قاطعه مجددا&; الاتصال ولكن شروده بها بهذا الوقت والأصوات التي تتعالى برأسه كانت أعلى من صوت هذه المكالمة!!
احتل صدره مشاعر عديدة تجاهها ماذا الٱن&; كيف هو حالها &; ماذا ان ذهبت للمقابر مجددا&; هل سيلحقها ذراعين غير ذراعيه لترتمي بهما&;&; &; أخرج أنفاسه بثقل&; وزفر بملل من الاتصالات المتكررة &; لذا فعل هاتفه على وضع الصامت كي لا يعيق افكاره شئ &; كل ومل من الفراق&; الٱن كل شئ يضيق به وأصبح يعي انه من دونها لا شئ ولكن بالنهاية يعود السؤال الذي يسأله له عقله
ماذا ستفعل&; وما فعلته هي بك لم ينتهي معك بعد !!&; بداية يومه تشتت .. اكتشاف أخبار يجهل عنها ونهايته شئ يجهله أيضا&;. &; وجهل عن جهل ٱخر يختلف!!!
_______________________________________
في محل الورد &; وبهذا الوقت أخذ "حامد" ي&;لاعب الصغير إلى ان غفى&; ولم يغفل عن سكون "فريدة" وملامحها الهادئة بشدة&; مريبة &; وجدها تعمل بالفعل وما ان لاحظت "فرح" ان الصغير قد غفى &; اقتربت تردد بتلقائية&; :
_" عن حضرتك يا عمو &; أكيد تعب رجلك&;هاته اشيله اطلعه فوق عند طنط على ما هم ييجوا "
وجدها فرصة جيدة ابتسم لها بموافقة&; وقدمه لها برفق&; فابتسمت وهي تحمله &; وأشارت له بالوداع المؤقت وبالفعل خرجت ولم تعلم هي بأن "دلال" ستصر على جلوسها بعد الٱن معها &; اقترب "حامد" يقف بجانبها وهي تعمل باندماج&; وسألها بهدوء دون مقدمات:
_"مش هتقوليلي مالك &;و ليه زعلانة وواخدة جنب كدة &;"
اعتبرها مثل ابنته ومن جهة أخرى أصبح من ضمن مخاوفه هو صمتها بعدما كانت ستقترفه بحق نفسها من جرم خطير ! &; تأثرت من حديثه وسؤاله وحتى اهتمامه &; وتركت الأشياء من بين يديها وقالت تبتسم بغصب :
_" أنا كويسة يا عمو الحمدلله!"
_" بس أنا مش حاسس كدة &; في حد ضايقك&; قوليلي والله لاجيبلك حقك علطول &; انت&; مستقلية بيا ولا ايه&;"
ضحكت "فريدة " بخفة&; ونفت برأسها &; فأمسك هو كفها برفق&; وسحبها خلفه حتى جلس وأشار لها بالجلوس &; شعر باختناقها لذا قال بهدوء بعدما أخذ انفاسه :
_" لازم تتكلمي عارفة ليه&;!"
أدمعت عينيها من طريقته لم تقايل يوم هذا الأسلوب ابدا&; من والدها الراحل &; سقطت دمعتها من كثرة الحمل &; فتفهم على الفور بأنها تكن الكثير بداخلها حتى بعدما فعلته &; نفت برأسها وقالت باختناق&; تنفي :
_" لأ "
تنهد وأخرج منشفة ورقيه يحثها على مسح عينيها &; وقال بلين&; شديد يخفف عنها :
_" أول حاجة مينفعش عيون حلوة زي عيونك دي تبكي&; عارفة ده ولا لأ !&;"
شعرت بأن الحديث معه مريح &; غمرها أمان عاطفة الأب والانتماء &; ربما هيئته وشكله ي&;دلان على ذلك بل ويحثها كل ذلك على الحديث بإجبار أمام سحر بساطته وقبوله&; غالبا&; ما تقتنع بأن الله يحبه كي يضع به كل ذلك القبول!! &; ابتلعت غصة مريرة بحلقها ونفت بألم&; واستطاع بأن يكشفه كي لا تكتم مجددا&; ويحدث ما لم يستطع أحدهم السيطرة عليه :
_" أنا معتش فيا حاجة حلوة &; بقيت بحس ان أي كلام حلو بيتقالي مش حقيقي &; كإنهم بيصبروني أو بيخففوا عني &; مبقتش أقدر اتكلم عشان بتوجع أوي من نظرة الشفقة اللي في عين أي حد بيبصلي !!"
حرك "حامد" عينيه ناحيتها وهو وحده من ظهر الصدق الٱن في نبرته الواثقة مرددا&; لها بثقة&; :
_" روحك حلوة ومقبولة قبل أي حاجة تانية مش حساها &; تعرفي&; أنا بحسد الواد ٱدم عليكي &; وخايف برضو فنفس الوقت &; أنا ببقى&; قاعد هنا وسامع العيال اللي خارجين بيتكلموا عليكي انك بت حلوة بقا وخسارة تقف تشتغل هنا وكلام محدش عارف أصله أيه &; بقول لنفسي انا لو مكان ٱدم كنت هعمل ايه &; &; القصة مش فالشكل ولا حتى فاللي حصل &; ولا كمان فالكلام الحلو المتزوق القصة فيكي انت&; وفنظرتك لنفسك&; لوشوفتي نفسك تستاهلي عمر ما حد هيحاول يزعلك ولا عمرك هتشوفي ان اللي حواليكي بيجاملوكي!"
صمتت بتأثر&; من كلماته &; وأخرجت أنفاسها الثقيلة وسألته بتردد&; ما لم تستطيع سؤاله لأخر باعتبارهم شباب حتى شقيقها :
_"مش عارفة ..أنا مبقتش فاهمة حاجات كتير مع اني كنت فاهمة الأول ..هو أنا فعلا&; بيتبص ليا اني وحشة&;&;هو كلهم دلوقتي بيبصولي بشكل تاني!..أنا خايفة من ده يا عمو عشان حتى ولو ده حقيقي انا مش هقدر اغير ده لكن "ٱدم "ملوش ذنب فكل ده مش عايزه اظلمه معايا !"
_"زي ما في الحلو يا بنتي في كمان الوحش والوحشين كتروا أوي &; بس برضو هرجع واقولك لو وثقتي فنفسك وغيرتي نظرتك مش هيفرق معاكي كلام الوحشين المؤذيين &; كل اللي يهمك هيبقي انتي واللي بتحبيهم &; خصوصا&; لو واحد زي ٱدم &; الواد ده غلبان وطيب أوي عامل زي غسان ابني بالظبط عشان كده بحبه الضعف أكتر من اني بحبه عشان ابن اخويا &; بس هو بيحبك ومهما اتعصب وانفعل أو اندفع فبيرجع تاني يهدى ولا كأن حاجة حصلت &; عينيه بتقول انه شاريكي أوي &; شاريكي من ساعة ما كبيتي الماية عليه من البلكونه&; شاريكي من قبل حتي ما يعرف انه هيشتريكي بكل ما عنده &; صحيح الإنسان بيتغير بس الطباع هي هي &; وطبعه لسه موجود &; طبع الطيبة واللين فيه عمره ما يروح أبدا&; &; ومهما حصله فهو عمره ما هيجي عليكي ولا هيقولك كلمة تزعلك &; اسمعي مني ولو حصل أي حاجة على ضامنتي يستي !"
وأضاف يوضح لها مره أخرى :
_" وانت&; مش وحشة &; العيون والعقول اللي بقت وحشة أوي..انت&; بيتبص ليكي من عين حلوه وعقل فاهم &; انك بنت جميلة ورقيقة بس الدنيا بس جت عليها شوية ورغم كل ده لسه برضو بنت قوية &; يعني فيكي كل المواصفات اللي أي واحد يتمناها علفكرة بقا &; بقولك ايه تيجي نفلسع ٱدم ونفكر فموضوعنا انا وانتي&;&;"
ضحك عند قولها ليخفف عنها وضحكت بخفة&; على ٱخر حديثه وخجلت من ٱخر ولكنها ٱخرجت أنفاسها ببطئ&; &; وقالت بإمتنان&; :
_" ش&;كرا&; يا عمو!"
_" مفيش شكرا&; وأنا مش عمو &; أنا ابوكي يا بنتي!"
تأثرت من حديثه فوجدته يربت على كفها برفق&; فابتسمت &; ووجدت سريعا&; "وسام" تهرول بخطواتها ناحية الداخل بعدما جاءت مع "غسان" التفت "حامد" وانتفض سريعا&; من على المقعد يقترب منها كي يعناقها وسألها بلهفة&; ومن خلفه تقف "فريدة" بتوتر لها :
_" طمنيني يا حبيبتي &; عملتي ايه&; حليتي كويس&;"
أومأت بسعادة&; وهي تبادله العناق ومن ثم عانقت من بعدها "فريدة" تزامنا&; مع ردها ودخول "غسان" من خلفها :
_" الحمد لله يا بابا حليت وعدت على خير !"
حمد ربه لأجل ملامحها هذه التي تشرح قولها &; فتنفس بعمق&; وحرك عينيه ناحية "غسان" الذي مسح بعينيه المكان بحثا&; عنها &; فسأله "والده" بضجر&; :
_" انا مش قولتلك ابقي عدي خدني وانت رايح لها !"
_"ما مش ملاهي هي!"
قالها بخفة&; فقلب "حامد" عينيه بسخاقة&; منه &; ولكن ترقب "غسان" الوضع وأخذ أنفاسه ببطئ&; يخرج بالسؤال الذي انتبه له والده بشدة&; :
_" نيروز كويسة &;"
إلتفت "حامد" برأسه تزامنا&; مع صعود "وسام" للأعلى &; وأخبرة بهدوء :
_" الحمدلله &; راحت المقابر معاهم عشان سنوية ابوها الله يرحمه!"
خفق قلبه بقلق&; وابتلع ريقه بتشتت&; وسمع قوله المتواصل الٱخر :
_" بس زمانهم جايين&; قربوا يعني!"
صمت ولم يجيبه وخرج من المحل دون أن يعطي والده رد &; قرر الرحيل لها كي يراقب ما يحدث من على بعد &; ذهابها لهناك ليس شئ محبب له &; توترت أنفاسه &;وقبل ان يقترب من السيارة لاحظ اقتراب سيارة "حازم" من على ب&;عد&; حتى جاءت ووقفت وهبط هو منها مسرعا&; لفتح الباب &; راقب الوضع من على ب&;عد باهتمام&; ينتظر ظهورها ولكن من هبطتت كانت "جميلة" مع "ياسمين" وقفط &; سار بطريقه لهم بخطوات&; ثابته غير عابئ بنظرات "ياسمين" الجامدة والتي أصرت "جميلة" على سحبها معها ناخية المحل كي لا تحدث مشاكل &; أما "حازم" فحث "نيروز" على الركوب في الأمام كي ترتاح أكثر وتبقى والدتها في الخلف لبت غرضه &; وهبطت ووقفت مستمرة عندما وجدته يقف ناظرا&; نحو "حازم" حتى هتف بـ :
_" اذيك يا حازم&;!"
صمت ثم واصل قبل أن ينتظر الرد منه حتي:
_" انت لسه رايح في حته معاهم ولا ايه &;"
وكان رد "حازم" عليه :
_" اه &; هتروح تكشف ومعاها مامتها ورا &; فهروح أوصلهم !"
تاه عند أول الجملة &; وحرك "غسان" رأسه سريعا&; ناحيتها وقررت "سمية" الهبوط كي ترى ماذا يريد !! &; وكان سؤاله الهادئ الذي يخفي خلفه قلقه عليها :
_" انت&; تعبانة &;"
توترت نظراتها وأملت عينيها من رؤيته &; فلم تجيب عليه &; بل ردت "سمية" هذه المرة بحزم&; عليه :
_" مفيش حاجة هي كويسة &; احنا رايحين نطمن وبس &; واظن كلامي معاك امبارح مكنش كده أبدا&; !!"
تجاهل "غسان" حديثها ورفع يديه يربت على كتف "حازم" قائلا&; له بهدوء:
_"طب روح انت يا حازم &; أنا هوصلهم !"
وقف "حازم" متشتتا&; كيف سيتركهم ويكسر قرار "سمية" في حين هو يريد أيضا&; تركهم مع بعضهم عل يوجد هناك أمل مخفي &; فاقتربت "سمية" تردد بحدة&; :
_" لا مش هتوصلنا &; شكرا&; مستغنين عن خدماتك لحد ما افهم منك في ايه بالظبط &; وانا قولتلك ملكش دعوة ببنتي لحد ما تولد!"
ضغط على فكه متحليا&; بالصبر ونظر نحو سيارته التي توجد بجانب سيارة "حازم" وأشار لـ "نيروز" بحزم&; :
_" اركبي !"
نفت "نيروز''برأسها تقطع ترددها وقالت بما جعله ينفعل أكثر :
_" ملكش دعوة بيا مش أنا قولتلك ده وانت قولت هتوافقني&;!"
علم ان قولها من خلف فؤادها&; فقط تكابر &; إقترب بجرأة&; يمسك كفها برفق. وأشار لـ "حازم" بأن يشغل "سمية" وقال ردا&; على قولها :
_" قولتي مليش دعوه بيكي لكن ليا دعوة بإبني !"
مجرد ملامسة كفه لكفها جعلها ترتبك &; حاولت الرفض وقالت وهي تقاوم. مشاعرها تحاول دفعه بعيدا&; عنها:
_" لا مش عايزاك تيجي معايا &; ملكش دعوة بيا &; حازم هيوصلني!"
وقف "غسان" ينظر تجاه "حازم" الذي يحاول تهدئة "سمية " وقال يحذرها بما في قدرته فعله الٱن :
_"طب اركبي بدل ما تندمي "
ترددت عينيها بظهور الخوف فواصل هو بعدما اقترب وقال بصوت&; هادئ يهددها بقول يعلم أنها ستهابه :
_" خليني اجي معاكي وانا ابو اللي في بطنك بدل ما اخليكي تيجي معايا وأنا جوزك!"
شهقت من جملته وابتلعت ريقها تنظر حولها وبالفعل وجدت والدتها تبتعد مع الٱخر &; لمعت عينيها بالدموع وقالت بتحشرج&; تعنفه عكس ما لبستها من حالة :
_"انت بتخيرني&;. هو أنا عبد&;ة عندك &;&; هو انت ايه&; كل حاجة لازم تكون بمزاجك &;."
وجد الدموع تتجمع في مقلتيها &; فأمسك كفها هذه المرة بلين وقال بنبرة مجهولة لم تستطع فهم معناها بالتحديد :
_"لو كل حاجة كانت بمزاجي مكنش دا بقا حالنا دلوقتي !"
وقفت بتيهة وأعصابها ليست قادرة علي خوض حرب كلمات أخرى معه أو حتى خوض حرب مشاعر سيئة مشحونة بينهما &; سحبها يسندها تحت مراقبة الأنظار &; وفتح الباب يحثها على الدخول &; دخلت وأسندها إلى النهاية غير غافلا&; عن ملابسها الضيقة التي ترتديها &; لم تكن لها من الأساس!!&; تنفس بهدوء&; ورفع ثوبها بعدما انحني يدفعه إلى الداخل أكثر حتى أغلق الباب &; وسار تجاه الناحية الأخرى وأغلق الباب بعدما ركب &; دار محرك السيارة يتحرك أما هي فشردت بالشرفة بمشاعر مختلطة ما بين الغيظ والغضب والحزن والحسرة و ...الشوق المرافق لهما هما الإثنان!!!
جاب عينيه تقاسيمها الحزينة &; وحتى جميع تفاصيلها وجسدها بالكامل وهي جالسة كذلك بخواء &; فحرك "غسان" رأسه ينظر بتركيز&; ناحية الطريق وقال دون ان ينظر لها :
_" راحة تكشفي قبل ميعادك ليه&; في حاجة تعباكي&;."
وأجابت"نيروز" وهي تكمل النظر ناحية الشرفة و قاومت على أن تخرج نبرتها بثبات&; دون اهتزاز :
_" بطني بتوجعني شوية!!"
واضافت بمنتهى الهدوء تقطع رده بقولها الذي اندهش منه:
_",واه عارفة انك مش خايف عليا وخايف على اللي في بطني &; فلو عندك غيرها قول !"
ورغم اندهاشه إلا أنه تعمد الصمت وتخطي هذا القول بتجاهل &; و نظر ناحية معدتها تلقائيا&; &; وابتلع ريقه ينعم بهذا القرب وهي بجانبه &; صمت لا يعي ماذا يردد ردا&; على قولها هذا بجهل منه &; لذا حرك رأسه ناحيتها وقال بتساؤل جاد:
_" لبس مين اللي انت&; لبساه ده &;"
حركت "نيروز" رأسها بإندفاع&; وجهل لسبب سؤاله هذا &; وسألته بسخرية مؤلمة :
_" وانت مالك بتسأل ليه &;"
_"ما أنا لو جاوبتك أنا مالي ليه بصراحة هتزعلي &; بس أنا هكتفي واقولك انه مينفعش يلتبس تاني !"
اغتاظت من قوله الوقح واندفعت بشراسة&; توبخه :
_" وانت مالك أصلا&; بحاجة زي دي &; انت ملكش دعوة بيا فاهم&;&;&;"
ابتسم "غسان". بعبث&; وركز بطريقه وقال بعد صمت دام :
_" عدتك عندي وأقول اللي أنا عايزه &; والبتاع ده معتش يتلبس تاني عشان مبين تفاصيل مينفعش تبان &;تحبي افسرلك أكتر&; عادي أنا معنديش مانع &; دا أنا بنتهـز أوي الف&;ـ...."
بترت قوله الجرئ وقالت بانفعال&; شديد تسبه :
_" انت بني ٱدم قليل الأدب ومشوفتش رباية فحياتك &; وهلبسه تاني وتالت ورابع &; أحسن ما اطلع اخد لبسي من مكان مش عايزه افتكر فيه أي حاجة!".
كان قولها بمثابة صفعه على قلبه تلقاها هو منها &; هل حقا&; كل ما عاشته معه لا ي&;فضل تذكره منها &;&; &; ابتسم بإستهزاء&; وقال ساخرا&; منها:
_" عايشة الدور أوي ومكملة ولسه عندك جبروت تكملي أكتر &; ومصدقة نفسك كمان &; لو عند القول ده فأنا محبتش أقولك مين فينا اللي المفروض يقول كده !!!"
واضاف بغير تصديق :
_" دا انت&; كإنك شايفة مني الويل ونسيتي في ثانية انك السبب فكل حاجة &; مش عايزه تفتكري معايا ايه &;. قوليلي كده حاجة واحدة وحشة عملتهالك تخليكي تكرهي تفكري فأيامنا سوا &;&;&;&;&;"
أذته بقولها وعلمت أنها أذته عجزت عن الرد &; وهبطت دموعها بسكون وهي تنظر ناحيته &; أما هو فعاد ينظر ناحية الطريق وقال بتهكم&; يكمل حديثه:
_" فاضية بتحبي المنظرة بكرامتك &; مع اني لو وقفت قصادك مش هتباني &; أنا لو كان عندي نص المنظرة بـ كرامتك اللي انت&; فرحانة بيها دي أنا كنت سيبتك من زمان &; بس معلش..أنا اللي حبيت &; ولما حبيت ضيعت ووقعت بسببك !!"
هبطتت دموعها أكثر وقالت بنبرة باكية وهي تنظر نحو ملامح وجه التي لم تتغير ر بعد:
_" انت هتبطل تإذيني بكلامك امته .&;&; هتبعد امتى عني بقا وتسيبني في حالي &;. انت حتى مش فاهم انا ليه بعدت وندمان على حبك ليا ندم قصدت تظهره علشان تكسرني &; أنا مستحقش حد يندم على ح&;بي &; انت اللي مفهمتنيش !!"
خبيرة في قلب الموازين علم هو ذلك &; عندما صف السيارة بأحد الجوانب تزامنا&; مع قوله المستهزء :
_"لو هصححلك كلامك فإنت&; اللي بتإذيني يا مدام &; بتإذي راجل ح&;بك ومش عارف يبطل يحبك !!"
ابتلعت ريقها بقهر&; وخرج هو من السيارة حتى إلتفت يخرجها &;. مدت كفها بعفوية&; تتمسك به كي تستطيع الخروج &; وعندما قدم لها كفه &; تشبتت به بقصد&; ولمعت عينيها فاحتواه هو بحنو&; ومشاعرهما تظهر ولكن الى الٱن سيد كل منهما الكبرياء &; أغلق الباب خلفها وضغط على زر ما في المفتاح &; وسار معها ومازال يمسك كفها بين كفه &; تابع بعينيه أما هي فحاولت سحب يديها منه فأصر هو ورفض وقال بصوت&; منخفض حاد دو النظر لها :
_" امشي ساكتة &; على ما نشوف ٱخرة اللي انت لابساه دا ايه &; عاجبك المنظر ده &;!!"
نظرت بذهول&; حوله عند ذلك الطريق فنفضت يديه بعنفوان&; فترقب بعض السائرين إلى أن فتح ذراعيه سريعا&; يحتضنها كي لا يثير الشكوك وينهض الكل عليه بإلقاء التهم &; اتسعت عينيها حتى انه بعد ذلك دخل من البوابة وهو يساندها حركت رأسها ناحية يديه الذي لم يخلع بها دبلته إلى الٱن &; انتظر المصعد بوجه جامد حتى دخل ودخلت معه وأ&;غلق عليهم &; وعلى فجأة وجدت نبرته الحادة تظهر وهو بحدجها بإنفعال من النظرات :
_" انت&; عارفة لو مكتتيش حامل انا كنت عملت فيكي ايه!!!!"
ابتعلت ريقها بتردد ولمسها الخوف منه &; وضعته بوضع محرج لأكثر من مرة &; ربما ترد كرامتها المقابلة بقدومه معها &; مرر عينيه ناحية ملابسها وأشار بتهكم&; وقصد ظهور الإشمئزاز بدلا&; من الغضب :
_" دا زفت لبس تخرجي بيه&;&;&;&;"
تقطع صوتها بارتباك وقالت تبرر وكأنها أعطته الحق في القول الٱن تحت سيطرته هذه التي أجبرها عليها :
_" أنا.. أنا مش شايفة انه فيه حاجة "
_"ومش شايفة انك ركبتيلي قرون معاه&;."
سألها بسخرية&; &; واقترب يهمس لها وضغط على نقطة تكرهها هى كي ينفرها من هذا الرداء :
_" علفكرة مطخنك ومخليكي تخينة أوي كمان!"
برع في حبك الكذب والخداع وهو يعلم أنها ليست كذلك &; نظرت بالمرٱه تلقائيا&; بأعين لامعة &; وابتلعت ريقها ترفع عينيها له بإستسلام حزين &; هذا السهم الذي و&;جه له الٱن منها بهذه النظرة الضعيفة &;تقابلت عينيه معها بهذا الق&;رب واقترب برأسه ينظر نحو لمعة عينيها أما هي لم تتحرك وسقطت دمعتها على وجهها بصمت&; شديد تهمس له بتقطع&; ولم تستطع الدفاع حينها أثر سيطرته وسيطرة مشاعرها تجاهه&; وبعفوية وغير وعي تناسى&; كل أمورهما وعقباتهما معا&; &; بل رفع يديه يمسح وجهها ودمعتها ومرر يديه على حنايا وجهها بلين لم تعهده منذ فترة كبيرة &; وحالة اللا وعي تلبس الإثنان الٱن تحت تأثر المشاعر التي أجبرت كل منهما على ذلك&; وبدأت هي تهتف بإسمه بتقطع مرتب&;ك خائف كي تكشف عن ما تكنه له وربما صدق ما تكنه يظهر بهذه اللحظات ولربما مرة أخرى ان كان صبر لجاء بكلمات الندم ولكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن :
_" غ&;ـسـان ..."
بتر كلماتها عندما هتف وغلبه شوقه وفاز على كبرياءه و قال بهمس&; مماثل لها وهو يقترب أكثر لم يكن يعلم حينها بأنه سيندم عقب لحظات من قولها:
_" نيروز..!"
تقطع قوله في الٱتي بعد ترديده لإسمها بهذه الطريقة التائهة :
_" انت&; ..وحشتيني!!!"
خفق قلبها خفقات متتالية &; عند هذا القرب الذي ضيع عقل الاثنان معا&; &; كان على وشك تقبيلها ولكنه تراجع سريعا&; من تلقاء نفسه يحرك نفسه بعيدا&; عنها وكأنه وعى ما يحدث أو ما كان سيقبل عليه هو وهو من بدٱ ذلك بنفسه وضيعها أمام أفعاله &; شعرت بندمه الشديد الٱن وسقطت دموعها خلف بعضها &; والٱن من كان ي&;صدق بأنها هي التي وقفت ولم تعارض وهو الذي عارضها وعارض نفسه !! والوضع الٱن ليس شئ سوى أنه أصبح "حرب كرامة"!!
أيرد كرامته من ترديدها لكلمات الطلاق في كل المرات &;&; أيرد أثر كلماتها المؤذية&;. لا يعلم أنه وضعها تحت تأثير شديد حتى ولو لم تكن تعي الٱن &; فقد رددت بوعي أو دون وعي وقاطعت صوت التعنيف الذي بداخلها وقالت ترد له كلمته رغم ابتعاده :
_" انت كمان وحشتني بس أنـ..."
كانت ستبرر &; بما ستبرر.&;&; نهرها الٱن الكبرياء وارادت تبرير لسكونها بما كان مقبل عليه &; هل ترد كرامتها مجددا&;. &;&; &; ليس هو من قاطع جملتها بل ف&;تح المصعد وخرج هذه المرة دون ان يمسك كفها &; بل سار بجانبها بصمت&; وصوت أنفاسهما يسمعه كل منهما الآخر &; وقف أمام غرفة الطبيبة وعلم أن موعدهما بعد دقائق &;. اقترب يسندها حتى تجلس &; وجهز أمور دفع الأموال وتركها جالسة بشرود حين يعود هو !!!
هذه المواجهة الحافلة بالمشاعر سرقت انتباهها منها وفكرت بخوف&; تلقائي ماذا ان كان بنيته ردها ورجوعها له حتي اقترب هكذا &;. نهرت نفسها وقالت بأنه يمكنه ردها بقوله مع نفسه دون حتى الاقتراب&;&; ام انه فعلها ومن ثم حاول ان يقترب بعد ذلك &;&;
وساوس في عقلها تشغلها بالقوة &; وما يريحها أنها تعلم مدى جرأته ووقاحته لذا لم تشك كثيرا&; باحتمالية وجود هذا الشرط&; رغم انها أصبحت تريده ولو ذرة ولكن بتشتت ٱخر يرافقها&; شردت كثيرا&; حتى وجدته يأتي وجلس بجانبها ينتظر بعدما فتح هاتفه ينظر نحو الرقم الذي يدق إلى الٱن زفر بصوت&; عال&; ولاحظت تأففه وانهزم ورد بعدما فتح الخط بنفاذ صبر :
_&;نعم !&;
هل هذا كان رده على رقم لم يعرفه&;. &; استمعت " نيروز" بترقب&; له وسمعته يردد مرة أخرى بصوت&; أهدأ :
_&;انا مش فاضيلك &; ومعنديش معاد محدد للرجوع !&;
هل تحدث بصيغة المؤنث&;. اندفعت برأسها سريعا&; عندما قال مجددا&; :
_&; انت&; حرة ..عايزة تخليكي مستنية خليكي &; سلام!&;
أغلق الخط وشعرت بالغيرة الٱن تتٱكل بها &; ابتلعت ريقها وحرك رأسه ينظر لها الٱن فوجدها تنظر ناحية الهاتف بتمعن&; ثم رفعت عينها تنظر له &; وقبل ان تنطق بحرف واحد ,حان دورها ونهض ثم نهضت هي فحركت رأسها ترفضه بكبرياء مره أخرى:
_" انت رايح فين&;. انت مش هتدخل معايا!"
ابتسم "غسان" بإتساع&; يستفزها وأشار ناحية عينيه وحاوط كتفيها هذه المره يجبرها على السير حتى فتح الباب ودخل الإثنان &; رحبت الطبيبة بهما &; وتسطحت هى على الفراش &;أما هو بقى على بعد هذه المرة يستمع فقط دون حديث&; ترقب لكل كلمات الطبيبة وعلى ردها المختصر &; وحتى على شرحها لمكان الألم .. وقف ينظر رغما&; عنه على السونار &; وتعالت دقات قلبه بمشاعر عديدة حتى ابتسم بتلقائية&; &; ربما هذه الابتسامة كانت ممزوجة بالوجع&; الٱن يري غيره بأن ليس من حقه رؤية هذا &; تود حرمانه من هذه اللحظة هي ووالدتها&;&;&;&; وقف ينظر نحو الشاشة الصغيرة ونحو وجهها وهي تتابع بلهفة&; وهذه المرة وعت جيدا&; جمال اللحظة وهو هنا &; هو معها يشاركها فرحة وجود صغيرهما ! &; ابتلع "غسان" ريقه بتوتر&; لأول مره يظهر عندما اتضح أكثر الجنين في السونار وربما هناك جنين ٱخر على وشك الظهور وهو يجهل عن ذلك!! &; ابتعد بالتدريج إلى ان انتهت الطبيبة تمليها على ان تأخذ حذرها أكثر كي لا تنحني او أن لا تحمل شئ ثقيل عليها والاخرى حالتها النفسية &; ابتسمت تشكرها وشكرها هو بإقتضاب&; دون دخول بتفاصيل &; ووقف ينظر نحوها وهي تعدل ملابسها أكثر &;كل مره تقع عينيه على هذه الملابس يضغط على فكه متحليا&; بالصبر &; خرج الاثنان بعد لحظات&; وكان هو صامت حينها!!
تفكيرة بما حدث أو الذي كان على وشك الحدوث في المصعد لا يفارقه بين ندم وبين ندم ٱخر ماذا ان جارى عقله وقلبه حينها تحت مسمي غير الوعي فقط كان سينعم بهذا القرب الذي حاول فعله بما بدأه من ظهور مشاعر مخفيه واتضح بأنها تقابله نفس المشاعر !!
_" اتغديتي&;"
نفت "نيروز" برأسها فسألها برفق&; وهو يدخل معها المصعد :
_" عايزة تروحي فين تتغدي&;"
أجابت حينها دون النظر لوجهه وقالت بصدق&; يعبر عن رغبتها في العودة لتنفرد بوجعها بمفردها :
_" مش عايزة &; عايزة أر&;و&;&;ح !"
لاحظ تعابير الألم على وجهها &; ربما تأثرت من خروجها &; وجعها الجسدي من الحمل سريع ! &; وافق دون التعبير بذلك&; واستمر الصمت بينهما إلى ان خرجا ووقفا الاثنان أمام السيارة &; طوال الطريق يحاول الوزن بين السير خلفها وأمامها كي لا يتمعن بجسدها أحد &; إلى أن وقف وأشار لها بالدخول فركبت &; وكذلك التفت يركب هو !!&; وسارت السيارة عقب لحظات&; &; وعقلها يضغط عليها بالتفكير من هذه التي هاتفته وتنتظره &; وقطعت هي الصمت بسؤالها الذي ظهر به غيرتها المندفعة بعد كل هذا :
_"وهي مين دي اللي مستنياك على ما ترجع &;!"
التزم "غسان" الصمت دون الرد عليها &; فرددت مرة أخرى بغيظ&; :
_"عرفت انك مؤذي وخاين!!"
التزم الصمت مرة أخرى وحديث الطبيبة قبل قليل عن تخبط مشاعرها وسرعة غضبها يعود لرأسه &; ورغم ان هذه طبيعتها الي انه اقنع نفسه بأنه من حملها &; اندفعت هذه المرة بشراسة&; تشير له بيديها بإنفعال&; :
_'' انت شايفني كلبة بهوهو عشان متردش عليا&;&;&;''
حرك رأسه بنعم&; يخفي بسمته الصفراء &; وواصل بالقيادة &; فتأثرت من تجاهله الذي أصبح أمره في الفترة الأخيرة &;. إلتفتت برأسها ناحية الشرقة ولمعت عينيها مجددا&; وهي تشرد &; نظرت نحو ساقيها ثم رفعت رأسها تنظر بالمرٱه نحو كتفيها وذراعيها ومقدمة صدرها &; هل ازاداد وزنها أكثر وأكثر &;&;&; هل أصبح يراها ثمينة &;&; حركت عينيها نحو واندفعت تدافع عن نفسها بقوله الذي مر عليه وقت كثير :
_" وعلفكرة أنا مش تخينة &; انت اللي اتعميت فنظرك !"
حاول اللعب على مشاعرها وقال بما جعلها ترتبك فالحال &; قول موجز مختصر تعهده منه :
_" خلاص يبقى&; انت&; بطل !"
اتسعت عينيها من قوله لها الان وبمثل هذه الطريقة &; ابتلعت ريقها تنظر نحو ملامحه فلم تتبدل &; فواصل هو يكمل :
_" أنا اختياراتي دايما&; مفيهاش غلطة ..لو مكنتيش حلوة مكنتش اختارتك!"
رمقها بطرف عينيه ووجد عينيها تتردد في النظر &; فابتسم بخبث&; على هذا التشتت الذي لعبه وفعله &; ورددت بما هو غير متوقع:
_" متتعبش نفسك ولا أي حاجة من دي دخلت عليا!"
_"مش مهم &; المهم تدخل علي غيرك &; وغيرك كتير !"
غلت الدماء بعروقها واعتدلت تهتف بأمر&; :
_" نزلني "
حرك رأسه بغير إهتمام ونفى قائلا&; بإيجاز&; :
_". لأ"
_"هو ايه اللي لأ &; بقولك نزلني حالا&; ..انت&; عايز تخطفني ولا ايه&;&;&;"
رددتها بإستهزاء&; ومن داخلها تحاول بشتى الطرق سحب الحديث منه بدلا&; من هذا التجاهل والسكون الذي يثير ضيقها &; حرك رأسه ناحيتها وأشار غامزا&; على. نهاية حديثها بقوله :
_" قولي انك نفسك في كده أسهل!"
_"متقدرش تعملها &;. دا غير ان انت ٱخر واحد نفسي أكون معاه !"
هذه المرة تقابلت عينهما معا&; وسألها بنبرة&;. جادة يزيد من توترها بهذه النظرات :
_" متأكدة &;"
صمتت بعجز&; وعندما وجدت عينيه تمر على ملابسها المحكمة من جديد هبوطا&; بعد ان كان ينظر داخل عدستيها &; إعتدلت تدير وجهها بعيدا&; ونهرته بسكون&; :
_" ياريت تلزم حدك ومتنساش انك غريب عني دلوقتي طالما معندكش النية &; فاحتـ..."
وكانت مقاطعته بمراوغة عندما قال بما جعلها تسكن بارتباك:
_" وماله &; نحط النية وابقى براحتي..أسهلي بردو ومن غير ذنوب!"
ضغطت على فكها من أسلوبه ونهرته على ما يفعله من بداية مقابلتهما :
_" أنا بعرفك انه حرام &; فمتتماداش لإني مش هسمحلك!"
_" ولبسك ده مش حرام &; ولا شعرك اللي انت&; فرحانة بيه وبتنسيله الحجاب ده مش حرام برضو&;&;"
قصدت ظهور الفتور رقم ضيقها وقالت تخبره كي يكف عن قول ما يثير ضيقها :
_" ربنا اللي هيحاسبني!"
_"وربنا هيحاسبني برضو لو محاسبتكيش!!"
قطع قدرتها على قول المزيد من الحديث &; ولكنها أبت ان ينتصر وقالت وهي تنظر ناحية الشرفة :
_" بص لنفسك الأول!"
تجاهل قولها واستمر في القيادة&; , أما هي فتراخت مجددا&; ما أن رأته يصف السيارة على أحد الجوانب أمام محل الورد &; توقف وهبط حتى التفت يفتح لها الباب &; عاندت سندها منه ونهضت بنفسها حتى أغلق هو الباب خلفه &; لاحظت وقوف والدتها في الأعلى تنتظر بعجالة عودتها &; فنظرت لها تومأ برأسها لها ولشقيقتيها الواقفتين بجانبها &; سارت تحاول البعد عنه واقتربت من محل الورد &; حتى دخلت ودخل هو بجانبها &; تلهفت "جميلة" واقتربت منها في حين وقف "حامد " يستفسر بقلق&; بان في عينيه فطمئنه سريعا&;..
فشملها هو بعينيه واقترب يهمس لها بأمر&; :
_" تطلعي حالا&; تغيري اللي انتي لابساه ده !"
_" ملكش فيه!"
ضحك "غسان" بإستهزاء&; ومال بجرأة يهمس لها بقوله مجددا&;:
_" بيتك باللي فيه!"
ص&;دمت من قوله واعتدل يخرج تحت نظرات "فريدة"و"جميلة"و"حامد"
خرج أكثر وقاطع وقوفه "والده" وعلم بأنه على وشك الخروج فسأله :
_" رايح فين&;"
_"مشوار سريع كدة وجاي!"
قصد قولها بصوت&; عال&; كي تستمع له &; أومأ "حامد" بغرابة&; بعدها خرج "غسان" فتحركت "نيروز" سريعا&; تنفي قول "جميلة":
_" لا خليكي أنا هطلع أنا &; وانت&; شوفي مالها فريدة!"
سارت بعجالة&; ترى إلى أين يذهب &; تريد التأكد من شكوكها بمن التي تنتظره &; هل هى نفسها &;&; &;. خرجت ورأته يقف ينتظر بتسلية&; حتى سألها أمام ارتباكها هذا :
_"راحة فين&;!"
ارتبكت بنظراتها ولم تترك الفرصة بل بحثت بعينيها عنها سريعا&; وقالت بغير اكتراث قصدت ظهوره وهي تبحث بعينيها بحرقة أعصاب داخلية:
_" طالعة!"
تعمد "غسان" محاصرتها &; فرفع كفه يشير لها على المدخل وقال بهدوء يواجهها حتى مال مقتربا&; يردد لها بلعب&; على وتر أعصابها وكشفه لما جاء بعقلها:
_" طب ..ما تطلعي!"
لفحت أنفاسه بشرتها فحاولت الإبتعاد وقد خمنت بما كشفه من مشاعرها وأحكمت نفسها مقررة الرحيل عندما همس مرة أخرى يعرض عليها بسخرية&; ماكرة منه :
_" ولا تحبي أوصلك&;"
سارت بإهتزاز&; ولعنت هذا القرار التي اخذته سريعا&; في مراقبته &; طالعها باهتمام&; وهي تدخل &; حتى حرك عينيه ناحية سيارته واقترب بعدما علم انها تنتظره هناك &; وقف يفتح السيارة فوجدها تقف بخفة&; تطالعه بقلق&; وقالت بتوتر&; شديد :
_" بسرعة قبل ما حد يشوفني !"
ركب هو أولا&; دون أن يرد عليها وبعده ركبت هي حتى انطلقت السيارة بعيدا&; خلال دقائق &; متجهة حيث المكان السابق الذي كان من قبل!! &; اثنان يراقبان الوضع ويا لانتظار هذه اللحظات الشرسة بين أربعة أطراف كل منهم يسير نحو مبتغاه أو لربما ثلاثة فقط والرابع سيتحلى بالسكون من على ب&;عد!
..
جاءت "فرح" مجددا&; وهبطت تجلس مع الفتيات , فحاولت "جميلة" التحدث ولكنها لم تأتي بأي شئ مفيد معها بتاتا&; &; ترقبت باهتمام عندما وجدتها تجيب على الهاتف بـ :
_&; حاضر يا حازم &; طالعة أهو &;
أغلقت "فريدة" الخط ونظرت تجاه "جميلة" حتى حثتها قائلة بنبرة هادئة:
_" حازم عايزني فوق عند مامتك &; أنا طالعة خدي بالك على ما أرجع!"
وافقت "جميلة" وخرجت "فريدة" بشرود&; بعدما أخبرت "حامد" &; وسارت بطريقها نحو الأعلى تزامنا&; مع قدوم "بسام" مسرعا&; ناحية الأعلى كي يطمئن على شقيقته عقب الامتحان &; لو يعلم ما ينتظره داخل المحل لفر سريعا&; ثم لوقف مرة أخرى من صعوبة الاختيار الٱن بينها وبين شقيقته !! &; وقفت بجانبه وابتسمت بلطف&; حتى سألها هو برفق&; :
_" أخبارك ايه &;"
_". الحمدلله كويسة!"
التزم الصمت بحرج&; &; ودخل المصعد معها &; حتى عم السكون بينهما إلى أن خرجت من المصعد بعدما ف&;تح وخرج هو الٱخر بعدها متجها&; ناحية شقتهم يفتح الباب &; كما دقت هي باب شقة "عايدة" .. ف&;تح لها الباب حتى دخلت فوجدته يجلس بالصالة على المقعد ينتظرها &; ابتسم "حازم" لها بحنو&; وأشار لها قائلا&; :
_" تعالي!"
سارت "عايدة" ناحية الداخل &; وإقتربت "فريدة" تبتسم برفق&; حتى جلست فمسد هو على ظهرها بحنان&; وقال يبدأ الحديث بـ :
_"أنا عارف اني قولتلك امبارح اني عايزك بس اتلهيت ومعرفتش اتكلم معاكي &;. أنا ٱسف اني نسيتك حقك عليا !"
حركت رأسها نفيا&; وقالت تطمئنه بهدوء&; م&;حب لطباعه معها :
_" بس أنا مزعلتش &; أنا عارفة ان الح&;مل كتير عليك وانت مش ملزم لكل ده !"
_"ملزم ليكي يا فريدة قبل أي حد &; انت&; بنتي &; وعشان بنتي جاي افتح معاكي موضوع مهم تلاقيكي انتي أصلا&; على علم بيه بس انا كان عندي شروط !"
ابتلعت ريقها تنتظر &; فإبتسم "حازم " بهدوء وأخذ أنفاسه ببطئ&; ثم قال يخبرها:
_"ولو مش عارفة &; فأنا الحج حامد وبدر طلبوكي مني لٱدم من فترة &; وٱدم نفسه كلمني وصارحني بكل حاجة حاسسها نحيتك!"
توترت نظراتها بإرتباك ماذا ان علم انها من اعترفت له بحبها أولا&;&; اتسعت عينها من قوله الٱتي التي سمعته منه بمنتهى البساطة عكس ما يجري بداخله من مشاعر واقوال لا يريد بها ضغطها :
_" وأنا خلاص عرفت انك بتحبيه يا فريدة &; كنت مطمن الأول عشان بتصديه بس بعد كده ملقتش منك غير ضحكتك وابتسامتك واستسلامك اللي مش عادي &; هو جه وغير ليا نظرتي &; أنا كنت خايف متقبليش تاني تتكلمي حتي مجرد الكلام مع أي راجل بس هو كسر ده وخلاني أخد بالي من حاجة محدش خد باله منها حتى انت&; &; انت&; من ساعة ما هو ظهر بقا عندك شغف وطاقة تنزلي تشتغلي في المحل &; كنتي الأول عكس كده وكنت زعلان وواقف مش عارف أعملك ايه &; حسيت بالعجز كتير ٱخرهم لما حاولتي تعملي اللي كنتي هتعمليه وترمي نفسك وجه هو وهو الوحيد اللي سمحتيله يقرب منك عني حتى&; !!"
صمتت تستمع بحرج شديد &;من كل هذه التفاصيل &; لمعت عينيها بشفقة&; على حالها فجأة &; فواصل هو يكمل بهدوء وعقل :
_" أنا قولت اني موافق يافريدة &; وعارف كمان انك موافقة &;بس هو كان عايز جواز علطول وأنا مرضتش أوافق على ده !"
نظرت بمفاجأة&; لهذا الخبر الذي أخبره به "ٱدم" وشقيقه&; ابتلعت ريقها تهاب قرب اللحظة هذه &; وتذكر "حازم" الٱن حديث"بسام"و"ٱدم" له :
_"أنا مش موافق تدخلي التجربة دي غير لما تروحي لدكتور نفسي الأول &; يشيل خوفك بالتدريج&; وأنا واثق انك قدها !"
خفق قلبها وابتلعت ريقها تنظر بتشتت &; هذا هو الحل بالفعل &;لما هي به ولم يزول إلى الٱن &; انتظر ردها بخوف. من رد فعلها الٱتي ولكنها قارنت كل وساوس أفكارها السامة وحديث الٱخرين المثبت داخلها المشكل لها خوف لم تتعافى منه ولم تتعافى من خوفها السابق &; المبهج له هو بأنه جاء بردها واخر ما كان بتوقعه هو الٱتي بسبب طبيعتها الحازمة :
_" أنا ..أنا موافقة يا حازم"
التفت برأسه يبتسم بإتساع&; واخفى غير التصديق وأمسك كتفيها بتأثر&; حتى قال بما أثر بها:
_" أنا فخور بيكي يا فريدة والله&; العظيم !"
نزلت دمعتها &; فشاكسها هو سريعا&; وهو يمسح وجهها وقال بما جعلها تنظر باهتمام&; :
_" متعيطيش بقى&; &; ده أنا حتى ناوي نعمل خطوبة بس عشان ٱدم يكون معاكي زينا واحنا جنبك في الخطوة دي !"
تلهفت بطريقة غريبة &; ربما هذا هو الحب التي جهلت عنه وعرفته على يد"ٱدم" فقط &; أما "حازم " فكان متشتتا&; إلى ان تدخل أكثر من شخص في العائلة يحدثونه بأن خطوة كهذه يفضل وجود "آدم " بجانبها كي يكون دافع قوي لاعطاء الفرصة لنفسها بعد وجود مسمى الح&;ب بينهما &; اتسعت ابتسامتها فواصل هو يفسر أكثر :
_" أنا مش عايزك تزعلي وتوطي راسك كده &; انت&; ترفعي راسك وتعرفي انك غالية على أي حد حتي ٱدم &; مين ٱدم ده أصلا&; &;&;"
مرح بٱخر حديثه &; وأكمل بجدية هذه المرة وراحة بعدما سمع صوت ضحكتها :
_"أنا مكنتش موافق تتخطبوا ولا يكون في حاجة بينكم غير لما موضوع الدكتور ده ينتهي &; بس وجوده جنبك هيفرق &; وهو عارف ده كمان !"
الغريب والملفت أن "ٱدم" احترم خصوصيتها ولم يخبرها قبل شقيقها على الرغم من انه امسك زمام الأمور مع "بسام " الذ. تواصل مع الطبيب "عاصم"&; جاب عقلها احترامه لهذه الحساسية الي ان تخبره هي بنفسها &; فوجدت "حازم" يقبل قمة رأسها تزامنا&; مع قوله :
_"أنا واثق انك قدها &; والنهاردة هكلم العيادة أحاول احجزلك &; هي قريبة من هنا ومش بعيد وأنا هبقى معاكي علطول زي ما قولتلك &; بس أهم حاجة تكوني انت&; جاهزه لكده &; وجاهزه كمان يكون في خطوبة بينك وبين ٱدم او حتى قراية فاتحة على الأقل !"
توسعت بسمتها وأمسكت كفه برفق&; وقالت بثقة&; في نفسها تتذكر كلمات "حامد" لها. :
_" أنا جاهزة وموافقة كمان &; ومتأكدة اني قدها عشان انت جنبي !!"
عاتقها بحب&; وشددت هي بعناقه تمتن له بالكثير &; تنفست بعمق&; ونهضت بعدها &; تخبره بأنها ستهبط وهناك أمل يتجدد &; بل هناك أمل لديها ي&;خلق على يدي ٱشخاص كانت ٱخر توقعاتها في يوم&; ما وجودهم بجانبها!!!
__________________________________________
الٱن النظرات تتقابل بسكون&; م&;ريب &; اللفافة الثالثة على التوالي بين شفتيه ينتظر منها الحديث وهي ترتبك ! &; لذا قطع هو الصمت وقال بنفاذ صبر :
_" هنصور بعض كده لحد امته &; "
ونظر "غسان" نحو ساعة معصمه وقال ساخرا&; من ضياع هذا الوقت :
_" مش فاضي &; ومش ورايا حاجة فإخلصي يلا !"
قوله لا يتوافق مع بعضه تماما&; &; أخذت "أسماء" أنفاسها ببطئ&; وبدأ التوتر يظهر على معالم وجهها عندما قالت تخبره :
_" أنا بس مش عارفة أبدأ منين &; بس اللي عارفاه واللي عرفته إنك هتساعدني صح&;&;"
رفع "غسان" عينيه وحرك كتفيه يخبرها بعدم اهتمام قصد ظهوره :
_" على حسب!"
وأضاف يظهر لها جانبه المخفي :
_" بس قولت أفضل معاكي للٱخر ووافقت من تاني أقابلك..بس للمرة التانية لو كل ده وراه إن هزعلك مني !"
ابتلعت ريقها تقاوم هذا الإرتباك وإعتدلت تتنفس بعمق&; ثم قالت تصارحه:
_" أنا قولتلك إني مش بحور عليك&; وهتعرف ده &; وكمان المرة الأولى جيت ليك عشان أساعدك الأول وبعد كده تساعدني &; لكن المرة دي جت عشان تساعدني أول حاجة لإني ببساطة عرفت ان مهمكش موضوع حسن اللي قولتهولك !"
أتقن الدور في تصنع الغير اهتمام &; لا تعلم هي بأن اخبارها أثرت معه وبعدما كان يقرر الذهاب كي يريح نفسيته في بلدة أخرى بعيدا&; عنهم لينفرد بذاته &; عاد مجددا&; ي&;جبر على الجلوس لترقب أي شئ سيحدث ! &; وسمعها تواصل مره اخرى:
_" المرة دي أنا واقعة فعرضك انت &; وواثقة إنك هتنقذني من كل ده !"
ٱخرج أنفاسه ببطئ&; وتجاهل كل ذلك بعدما اقترب على فهم هذا الخوف وصمت قليلا&; ثم سألها بجرأة&; وشك لما تحاول هي قوله :
_"انت&; قولتيلي علاقتك بـ "حسن" وصلت لحد فين &;&;"
علمت أنه يشك بحديثها وبهذه اللحظة تجمعت الدموع بمقلتيها وهي تخبره دون تمهيد :
_" أنا مكنتش أعرف أنك ناوي تاخد حقك منه بالعافية &; أنا لما جيت قولتلك ان هو بيلعب في دماغه اخواتي وامي فكرتك هترد نيروز وتسيبه &; أنا ممكن أضيع لو حسن جراله حاجة &; اللي صبرني إنه كل مره كان بيروح ويحاول مع نيروز هي كانت بترفضه فكنت بعرف إنه هيرجع &;. لحد ٱخر أجازة نزلتها .."
هبطت دمعتها &; فاهتز ثباته في الخفاء شفقة&; على ما قارب علي فهمه &; ولكنه تصنع الثبات وترقب باهتمام عندما واصلت هي بنبرة متحشرجة&; :
_" أنا بحبه من زمان أوي وهو كان عامل مش واخد باله &; كل اللي كان هامه هي نيروز وبس &; والمره الوحيدة اللي اخد باله مني فيها كان يوم رفضته فيه نيروز ورفض فيه عمي يطلبهاله تاني بعد كل الرفض ده &; خرج وأنا خرجت معاه ومرضيتش اسيبه &; وفـ لحظة ضعف حصل بينا حاجة مكنش لازم تحصل &; بس والله العظيم أنا كنت بحبه وكنت مستعده اعمله أي حاجة عشان ينسى وياخد باله مني أنا ,ساعتها قولت بعد الرفض ده هيشوفني حتى بعد ما سلمتله نفسي بس هو انكر كل ده وقالي انه حصل فلحظة ضعف بينا احنا الاتنين &; ساعتها انهارت ومعرفتش أبطل احبه &; وسافرت من تاني واللي صبرني اني كده كده كنت هرجع وهلاقيه زي ما هو عشان نيروز مستحيل كانت هتقبله &; وصبرت نفسي واتطمنت ان مهما روحت وجيت هيفضل هو كده وعلى الحال ده لا منه طايل قبول ولا منها هتوافقه هو وأهله.."
واكملت ببكاء&; دون أخذ راحة :
_" طول سفري كنت حابسة نفسي بفكر ازاي لازم ألاقي الحل في الاجازه الجاية &; والإجازة جت &; بس برضو مهتمش وكأنه نسى&; &;. حاولت كذا مره أقابله اكلمه تاني وتالت معرفتش بسبب هروبه منك &; وكنت بموت في اليوم كام مره لما عرفت انه في غيبوبة &; خوفت يروح عشان معرفتش اكرهه وخوفت يروح ويسبني كده بعد اللي حصل &; أنا اللي مصبر امي واخويا عليا ان مروة مش بتوافق على عرسان وانا اللي أصغر منها بس لو جه دوري كنت هعمل ايه او هعمل ايه ساعتها &; عشان كده مرعوبة ولسه مرعوبة ايدك تطوله ويروح أو هو يروح بسبب اللي بقا فيه &; ولو حد من أهلى كان عرف كنت موت في وقتها &; وانهارت ساعتها أول ما عرفت انه ممكن يتجوز عادي وأنا قدامه بقاله كتير والأحق بعد اللي حصل &; حاولت بكل الطرق امنعهم يلعبوا في دماغه وقولتله انها حامل منك فاتصدم ومردش ومشي من غير رد بس هم بيقولوا انه هيرجع !! "
كل هذه حقائق وأسرار تكشف لأول مره &; ورغم ذهوله إلا أنه بقى&; ساكنا&; &; وتغير كل شئ أشفق عليها بعدما لقبها بالغبية المختلة وسمعها تكمل بما جعله يصمت للحظات&; :
_" وعلشان كده جيت وكلمتك ولما سألتني وشكيت خوفت تفضحني &; بس لما قلبتها في دماغي عرفت انك الوحيد اللي تقدر تساعدني وانت مستفيد من نحية تانية !"
ابتلع "غسان" ريقه بصمت&; ورفع رأسه يزفر بصوت&; عال&; وقال يصارحها بقوله الٱتي :
_" دلوقتي فهمت ازاي "كما تدين تدان"&; أنا هبعد عن كل ده وهسألك سؤال واحد بس &; مصعبش عليكي البت الغلبانة اللي حصلها نفس اللي حصلك بالظبط واخواتك واهلك قاعدين بيرازوا فيها بالكلام &;&;&; اللي عرفته انك حتى مرفضتيش دا انت&; ساعدتيهم كمان ياخدوها غصب وهي بحالها ده &; عايزه مساعدة وعايزه حد يحس بيكي وانت&; أصلا&; معرفتيش تحسي بحد أو بواحدة زيك &;&;"
انفعل لـ "فريدة" التي ذاقت المرار أضعاف وحملت ذنب كل من حولها وهي&; هي المظلومة &; &; نزلت دمعتها وحاولت التبرير ولكنه واصل يكمل بتهكم&; :
_" مينفعش كمان أقولك "واحدة زيك" هي تجربتها أصعب منك واتظلمت عنك &; انت&; اصلا&; متظلمتيش &; انت&; غبية عشان محدش يثق ولا يحب واحد زي الـ *** ده !"
_" صدقني أنا بشفق على فريدة&; وحاسة بيها بس أمي واخواتي غير &; والله العظيم انا مكنتش بواققهم &; بس أنا فعلا&; استحق المساعدة أنا في أزمة كبيرة وعارفة انك دلوقتي مبقتش مستفيد أي حاجة بس أنا بطلب منك وبأمنك لو ناوي تساعدني بأقل حاجة انك متعملش حاجة لحسن وأنا هضطر أضحي بنفسي واقول لاخويا وامي عشان يجبروه يتجوزني &; أنا مبقتش ضامنة وقت تاني كفاية اللي صبرته عشان أوصل هنا وفي البيت ده بعد اللي حصل!!"
ربما قدومهم ليس بدون فائدة ! وهذا اتضح الٱن &; لوى "غسان". شفتيه بتهكم&; وقال ينبهها بسخرية:
_" واحد زي أخوكي بعقله الفلتان ده &; هيموتك فيها قبل ما تكملي باقي كلامك !"
استشعرت محاولته في التدخل &; اما هو فكان لا ينقص ضغطه ضغط كي يحمل هذا أيضا&; &; ومن ناحية أخرى استحسن ب&;عد "نيروز" عن هذا وسيبعدها أكثر عن أفكار الٱخر بما نوي فعله الٱن &; إعتدل "غسان" في جلسته وأخرج هاتفه يبحث عن رقمها وعندما وجد أرقام أخرى قد هاتفته دون تسجيلها وجه لها الهاتف مخبرا&; اياها :
_'' شوفي رقمك ايه فيهم وسجليه !"
إلتقطت "أسماء "الهاتف بأيدي ترتجف &; وتجرع من كوب القهوة أمامه &; وفتح فاهه بذهول&; ما ان وجدها هنا !! "نيروز"&;&; كيف جاءت &; وبلمح البصر وجدها تقف بتشنجح&; وصاحت بصوت&; مرتفع أمامه مما جعل الاخرى تنتفض
وهي ترى:
_" وكمان بتاخد رقمها &;&;&;&;&;"
وقف "غسان" بإندفاع&; وأمسك معصمها بحدة&; يهمس لها بصوت منخفض كي تعود الوجوه كما كانت من حولهم :
_" وطي صوتك!!! "
حاولت نفض يديه وحركت رأسها بإندفاع&; ناحية الٱخرى وهدرت بإنفعال&; بها :
_" انت&; ايه اللي مخليكي خارجة معاه &;&; ايه البجاحة دي!&;&; &; مش خايفة حتى أقول لأمك وأخوكي&;.&;&;"
أغمض "غسان" جفنيه ولاحظ خوف الآخرى &; فدفعها على المقعد بانفعال&; وقال باندفاع&; جامد:
_" أقـعدي .. ومسمعش منك ولا كلمة!!!!"
إندفعت تجلس بذهول&; من نبرته هذه &; اما هناك فكان طرف رابع أخذ مبتغاه ورحل ويا ليته ما رحل وما جاء من الأساس!! &; أخذ الدليل وهرب!!
رمقته "نيروز" بذهول&; أما هو فترقب قدومها وكيف لم يشك بعدما وجدها تخرج بعده بارتباك &;&; بالطبع راقبته وجاءت من خلفهما ومن خلفها شخص أخر لم يظهر بعد &; مدت "أسماء" يديها بارتباك لتعطيه هاتفه &; ونظرت له حينها بقلق&; فتلقت منه هزة رأس وايماءة عين تخبرها بأن وجود "نيروز", أمان ولم تضرها بشئ فقط مجرد حديث &; أكمل حديثه وكشف المستور وقال متجاهلا&; جلوس "نيروز" :
_" رقمي عندك وده رقمك &; أول ما هترني تتصلي إن حسن رجع هعرف علطول وسيبي الباقي عليا!"
اخبرها بطريقة ما بأن تسلم له "حسن"&; الكثير ينتظر عدوته لتسليمه &; فماذا سيحدث حينها &;&; &;&; خفق قلب "نيروز" بخوف&; عليه واندفعت بلهفة&; ممزوجة بالشراسة :
_" مال حسن بيك &; انت ناوي علي ايه &;&; &; انت&; عايزه منه ايه يا بتاعة انت&; &; جاية تقوليله ايـــه انطقـــي&;&;!!!"
أمسك يديها قبل ان تندفع فنفت "أسماء" بريبة&; وتبخرت قواها على ارداف الحديث &; اما هو فنهرها وهو يمسك كفيها بحزم&; :
_". بــس &; اسكـتي بقــا!!"
ابتلعت ريقها بقلق&; عليه غير واعيه لنهره وانفعاله عليها الٱن &; بل سمع الاثنان قول "أسماء" الخائف :
_" بس أوعدني انك مش هتعمله حاجة!"
واين سيذهب حقه &;&; &;قرر أخذ الحق ولكن كيف بعد الٱن&;&; بعد ما ينوي فعله &;&;&; حرك رأسه دون نطق حرف واحد يوضح لها بأنه يعدها &; وقال بما طمأنها :
_" حتى لو اخدت حقي فبرضو مش هيرضيني عشان هضطر اسيبه حي!!"
توسعت عيني "نيروز" بصدمة وابتلعت ريقها بخوف من خطر الكلمات وسمعته يواصل مجددا&; بـ
_" مشكلتك غطت &; وحظك ان اهم حاجة عندي حرمة البيت!"
_" يا حنين!!!"
قالتها "نيروز". بسخرية&; رغم خوفها &; فنظر لها "غسان" بحزم&; &; أما هي فحاولت النهوض وقالت تودعهم بعدما فهمت انه سيساعدها :
_" أنا هستأذن وهمشي أنا &; عن اذنكم !"
كاد أن يعارض كي تعود معه مثلما جاءت ولكن "نيروز" من شتته سريعا&; عندما ضغطت علي كفه تسأله وهي تتحرك تخفي قدرته علي رؤيتها وهي ذاهبة :
_" هو ايه اللي بيحصل هنا بالظبط &; انت بتعمل ايه وموافقها في ايه كده &;&; وحسن ايه اللي مش هتعمله حاجة انت مجنون&;&; انت واثق في مين&;&; مش خايف علي نفسك &;&;"
كانت أقوالها مندفعة ظهر بها الخوف الشديد عليه &; راق له خوفها ورهبتها التي كانت من قبل مصدر ضيق بالنسبة له &;. اتضح ان هذا البعد وضح طباع كل منهم ناحية الٱخر بالجيد قبل السئ &; قرر اللعب على وتر أعصابها وإحتوى كفها المتمسك بكفه وسيطر على مسكته حينها وقال وهو يميل بعبث&; :
_" متخافيش!"
نفضت يديه ودفعته بعصبية&; بعيدا&;. عنها وقالت تنهره برفض:
_" أنا مش خايفة , مين قالك اني خايفة&;!"
إعتدل "غسان" يخرج أنفاسه وقال بحزم&; يسألها:
_" انت&; ايه إللي جاييك ورايا &;"
مرر عينيه ناحية ملابسها التي لم تبدلها إلى الٱن وضغط على فكه بصبر&; &; وأمسك هاتفه يعبث به بتجاهل&; لها &; اما هي فبدلا&; من ان تهرب صارحته بأعين لامعة متخلية عن الكبرياء للمرة الثانية بهذا اليوم الملئ بالمفاجأت :
_" جيت عشان بحبك وبغير عليك يا غسان!"
لاحظ تحشرج نبرتها ونهر جانب اللين في قلبه الذي يقرر في كل مره ان يشفع لها ويغلبه بينما هذه المرة عارض وردد بحدة&; لم تكن منفعلة بل حدة فاترة بنفس ذات الوقت مما وخر قلبها :
_"انت&; ٱخر واحدة تقولي انك بتحبيني أو حبتيني &; أما الغيرة بتاعتك دي فـ ده أي كلام!"
_"حبي ليك بقا أي كلام &;&;"
غيرتها تعني حبها ! &; رفع عينيه ينظر نحو عينيها الحزينة المستسلمة &; ووافق برأسه ووضح أكثر بنبرة&; موجعة من الداخل :
_"أي كلام لإنك فاكرة انك كدة بتلعبي بيا &; ساعة بحبك وساعة مش عايزاك ووجودك بيإذيني &; فكراني ش&;وخش&;يخة في ايدك &;&;!"
وأضاف يبرر لها كذبا&; :
_'' وعشان تعرفي أنا نويت أبعد بعد كلامك ليا امبارح وبعدت فعلا&; بس زي ما قولتلك هبعد عنك لكن مش هبعد عن اللي في بطنك واللي ملزوم مني!"
علمت أنها ان اظهرت له ضعفها ينتهزه هو ويضغط من جهة أخرى عليها وعليه ويلبي للكبرياء غرضه &; لمعت عينيها وكان الاندفاع الجامد بقولها عندما تجرأت وسألته بسخرية من خداعه لها في ترديد هذه الكلمات:
_"واللي كان هيحصل النهاردة ده ايه &;&;&; واللي انت قولته ليا &;&;&;"
نهض بعدها بثبات&; اما من داخله قرر الهروب من هذه البوادر التي تعني بمقابلة أخرى موجعة ليس مستعد لها كفى أمس &;. ووجع أمس وألم كلماتها أمس &; قال حينها ردا&; عليها مما جعلها تشعر بالتقليل من نفسها منه ومن ما كانت قد فعلته من استسلام وصمت و..موافقه رغما&; عنها :
_"عادي &; راجل وضعفت &; بتحصل!"
لم تحدث إلا معها هى&; &; صمتت بعجز وشعرت بوجع كرامتها الٱن وكلما تتخلى تخسر وكلما تتمسك بها يتأزم الوضع &; شملها بعينيه فوجدها ساكنة &;. سار بهدوء وسارت بجانبه بعدما أشار لها برأسه ووقف الإثنان معا&; أمام السيارة &; فتحها بخواء&; وركبت دون حتى أن تعارض &; وحتى ان كانت افعالها قبل قليل توحي برغبتها في ان ت&;رد الا انها ان س&;ألت منه سترفض! ولا تعلم هي ماذا تريد بعد الٱن &; انطلقت السيارة وصمتت وظلت صامتة لكثير&;!!!
بينما هو فقد القدرة على فتح او خلق أي حديث &; فاستدعى الهدوء وقال بعد صمت دام :
_" ابقي اطلعي خدي هدومك من فوق!"
قصد حينها الملابس التي ترتديها وهى ليست لها من الأساس &; لمح لها مجددا&; وحينها أجابته بهدوء عكس طيبعة الاجابة نفسها :
_" ملكش دعوة بلبسي بعد النهاردة &; أنا ح&;رة &; اطلع مطلعش البس ملبسش ملكش فيه!"
فظهرت وقاحته وتبجحه عندما قال دون النظر إليها:
_", لا ليا فيه &; ليا كتير أوي كمان!"
صمتت ولم تعيره اهتمام &; إلى ان قصدت ان تؤلمه كما ألمها قبل قليل :
_". مش عايزة ولا هطلع عشان مش عايزه افتكر اي حاجة بيني وبينك &;. خليهالك اشبع بيها وبذكرياتها !!"
ابتسم بألم&; واتضحت مهاراتها عندما القت السهم المسموم وجاء به هو وظهر وجع قولها في نبرته عندما صارحها بنفس وجعها المخفي :
_" لو فاكرة اني قدرت اطلع فوق تبقي غلبانة !"
ترك القول مفتوح كعادته &; أصبحت لا تعلم ماذا يقصد &; لم يصعد كي لا يتذكر &;&; ام لم يصعد كي لا يستطيع الجلوس بمفرده من دونها &;&; وتذكر الذكريات بألم وليس بتقزز كما تدعي &; أما هي فكانت كاذبه تخدعه بعكس ما بداخلها وحتي ولو علم هو ذلك فيكفي وجع حديثها عليه !! سكنت إلى نهاية الطريق وهو كذلك وكالعادة يلبسهما العناد المؤدي لنهاية هذه العلاقة فقط هناك حل واحد بالنسبة له كان ينتظره منها ولم تفعل &; فقط ينتظر تغيرها وأسفها عن ما بدر منها وإلى الٱن تكابر رغم علمها بأنها من أخطأت !!!
___________________________________________
رحل "حامد" من "محل الورد" وبعد صلاة العصر&; قرر الذهاب للمقابر حيث زيارة صديق أيامه كما قال &; في حين بقت "جميلة" و",فريدة" مع بعضهما ومعهما "فرح" التي جلست على المقعد تنظر نحو شاشة هاتفها بإندماج&; &; وعلى مقربة&; تلهفت "جميلة" لسماع هذه الاخبار منها واضطرت لخروج ما بداخلها وقالت تصارحها بما لا تعلمه هي:
_" أنا واثقة انك قدها يا فريدة &; وعايزة كمان أقولك حاجة &; أنا كنت عند الدكتور ده &; مؤخرا&; بقيت ابطل اروح بسبب ضغط الامتحانات وايام الفرح والتجهيز &; بس مرواحي ليه فادني جدا&; وغير مني يمكن ساعتها عز مكنش فحياتي بس لما ظهر بقيت مسنوده منه أكتر وبقت كل حاجة تفرق بوجوده!"
لم تتصنع الآخرى المفاجأة كي لا تحزنها &; بل ابتسمت"فريدة" بحب&; وتأثرت هي من تأثرهما بهذه التربية السلبية التي أدت إلى اذى كل منهم بشكل مختلف &; وسرعان ما تحول الوضع سريعا&; للمراقبة ما ان دخل "بسام " وهو يحمل"يامن" الذي استيقظ عندما كان معهم وعندهم ومازال من وقتها &; رفعت "فرح" رأسها له ووكز كل من "فريدة و"جميلة", بعضهما بمزاح&; للمراقبة!!
اما"فرح" فخجلت بشدة &; وهو توتر هو الٱخر &; كان يهبط من الأساس بعدما اطمئن على شقيقته كي يرى والده ليخبره بعدما وجد انه قد هاتفه ولم يرد&; خفق قلبه بإرتباك وترك الصغير حتى التقطه "فريدة" في الخلف وجلس غير غافلا&; عن خجلها وقال بابتسامة هادئة يخفي خلفها توتر كبير :
_" اذيك يا فرح &;!"
ابتسمت ولاحظ احمرار وجنتيها بطريقة ملحوظة من خجل هذا الموقف &; بينما اجابت بنبرة هادئة مبتسمة تحاول بها الثبات:
_" الحمد لله وانت عامل ايه &;"
_"مش عارف &; يمكن أعرف بعد ردك!"
قصد قولها وقرر انهاء هذا التخبط بالوضوح &; تعلثمت نظراتها &; وسألها حينها وهو يقترب بجلسته أكثر :
_"عايز أعرف منك &; ممكن &;"
سألها عن حقه في العلم من الأساس &; حركت رأسها إيجابا&; فقط &; فعاد يسأل بارتباك&; وأتي بالرفض أولا&; كي لا يضع نفسه بموقف محرج :
_" رفضتي&;"
لحظات ما بعد السؤال بمثابة سنوات &; تنهد يخرج أنفاسه ورفع يديه يزيح خصلاته منتظرا&; ردها وقبل أن تجيب قطع عليهم لحظتهم كالعادة أحد ما &; ولم يكن سوى "غسان" الذي دخل وتركها تصعد &; ترقبت الأنظار ناحيته وعندما قطع هذه اللحظة زفر بصوت&; عال&; وقال يصبر نفسه بأسى&;:
_" يارب أنا تعبت!"
فهمت قوله وهذه المرة خرج مرحه بوضوح &; فانفلتت ضحكتها بحرج&; وتاه هو بها &; ولم يلقي بالا&; لشقيقه الذي جلس بتعمد&; يضرب ساقه بخفة&; وقال يسأله :
_''جيت امته &;!"
رفع "غسان" عينيه ناحية "فرح " الذي شعر بحرجها &;. وقبل ان تنهض نهض هو وهو يكبت ضحكاته وغمز له مشيرا&; بعينيه بأنه سينتظر الرد وصعوده في الاعلى ليشاركة ما هو مقبل عليه &; ولم يري "غسان" الا انها ستوافق !&; سعد من جديد وابتهجت ملامحة عندما وجده يخرج &; فثبتت "فرح " وعاد هو يسألها بخفة&; :
_", كنا بنقول ايه &;"
كاد ان يتحدث مجددا&; ولكنها من حاصرته الٱن واستدعت الشجاعة لتخبره رغم انه من المفترض ان يكون على علم ولكنها الظروف!! &; ردت تحاول الثبات ورفعت عينيها تنظر لعينيه التي تشابهها في طريقة رسمها :
_"كنت هقولك..إن أنا..مـوافقة !"
هذا القبول ومنها هي تحديدا&;. شئ اخر اندفع يقف بلهفة&; وسألها بغير تصديق:
_" بجد &;&;&;&;&;"
ابتسمت أكثر واتسعت بسمتها وهي تومأ بموافقة&; فجلس مجددا&; وقال يصارحها بصدق&; :
_"أنا أسعد واحد النهاردة يا فرح &; وهبقى&; أسعد واحد بعد النهاردة!!"..
نظر بساعة معصمه بعدها &; فنهضت هي بخجل&; ونهض هو الٱخر وقال يحترم حرجها :
_" المفروض يبقي عندي كلام كتير أوي أقوله &; بس أنا هحترم الأصول ومش هتكلم معاكي براحتي الا لما أدخل بيتكم من بابه الأول..بس عايز أقولك اني مبسوط أوي بقبولك !"
سعدت من كلماته اللطيفة وأومأت وقالت بخجل قبل ان تبتعد :
_" وأنا هستناك !"
تركته مع تأثير قولها واقتربت من الفتيات أما هو فلم يلتفت ظل يردد كلماتها الٱخيرة وخرج بغير وعي ليصعد بكل هذه اللهفة كي يخبرهم !!
_" أقسم بالله واقع فيكي من الدور العشرين يا فرح!''
ضحكت "فرح " على قول "فريدة" وكذلك "جميلة" بينما سألتها"فريدة" مرة أخرى بفضول&; :
_"قوليلي بقا انت&; بتحبيه &;"
_"لأ "
نفت بحرج&; فنظرت لها "فريدة" بتشكك&; أما "جميلة" فضحكت ورددت تخبرها :
_" شكلك عينك منه يا فرح ومتقوليش لأ &; عيب يعني أقول أي كلام&; دا أنا عارفاكي من زمان !"
هربت بعينيها وكبتت ضحكاتها وهي تنهرها بتنعنيف&; كي تصمت &; والثلاثة يشاكسن بعضهن بالنظرات إلى أن حاولت "فرح" أخذ حقها فرددت للٱخرى بكيد&; :
_''طب وٱدم نظامه ايه بقى&;&;!
هل اعتقدت أنها ستخجل مثلها &;&;&; ابتسمت "فريدة" باستفزاز. وراقصت حاجبيها بكيد أكثر وقالت تخبرها بجرأة&; :
_"لا ٱدم ده الحب والتوب بتاعي يا حبيبتي &; احنا بنعترف بالصراحة مش بنهرب زيك &; متستنيش مني أجيب ورا &; أنا معترفة اني بحبه كدة كدة يا حلوة!"
كممت "جميلة" فمها تحت ضحكات الأخرى وقالت بريبة&; زائفة وهي تنظر نحو مدخل المحل:
_" اسكتي الله يخربيتك هتفضحينا!!"
ضحكت "فرح" عليها وشردت في السؤال الفعلي&; هل تكن له حب&;ا&; هنا ورفضت بتأكيد&; هي لم تحبه &; ربما مشاعر انتباه له ولما يفعله من كلمات ومؤخرا&; من عبث&; التقطه على الفور من شقيقه&;!!!
________________________________________
_" يعني الدكتورة طمنتك بكدة بس !!"
تأففت من هذا السؤال المتكرر من والدتها وشقيقتيها &; كم من التساؤلات عليها وإليها بضغط&; &; نهضت "نيروز" وقالت بضيق&; واضح :
_" ايوة يا ماما &; مش فاهمة ليه القلق ده كله!"
صمتت "سمية" بحيرة&; منها واندفعت "ياسمين " تخبرها بحزم&; واضح:
_" انت&; مالك يا بت مش على بعضك ليه كده &;&; هو عمل فيكي ايه &;&; زعلك ولا ايه&;&;"
سألتها بترقب&; فزفرت "نيروز" بنفاذ صبر وإلتفتت برأسها تنفي قبل ان تسير ناحية غرفتها :
_"لأ معمليش حاجة &; أنا اللي عملت كل حاجة!"
كان قولها مبهم لحد&; كبير &; وهذا هو اليوم التي تخبطت به وقاربت علي فهم انها من اقبلت علي الوجع لها وله من البداية &; حتى يتغير معها بهذه الطريقة &;الٱن وفعليا&; أصبحت لا تستطيع الاقتراب أو الحصول على الحب في نظرة عينيه كالسابق وقول "أسماء " أمس يتردد في أذنها بأنها فقدت القدرة على التقرب منه أو الحصول عليه وكأنه فرصة ذهبية صعبة الحصول عليها بعد الٱن وبعد ما فعلته &; كل ما كان يهمه هو أسفها وتمسكها واعترافها بالندم وبالخطأ وهي أمام ذلك تلبس نفسها ثوب الكبرياء !! &; أغلقت الغرفة تحت غرابتهم وتجاهلت مناداة "وردة" عليها &; فقط اقتربت ناحية المرٱه بعدما أغلقت الباب ونظرت نحو ملابسها الضيقة التي أثارت حنقه اليوم &; تمعنت النظر بجسدها المحكم &; وابتسمت بسخرية&; على قوله الذي غازلها به بين حالته هذه &; وجاب عقلها قربه وتسمرها أمامه ومعه كالبلهاء &; وعندما قاربت علي الندم تحركت أفكارها على الفور عند أول هذا الخلاف!&; سقطت دموعها وتحسست معدتها بقهر&; ونظرت بالمرٱه تتأسف لصغيرها وكلماته بأنها ظلمته وظلمت صغيرها تترد في أذنها الٱن وبقوة :
_" أنا ..ٱسفة !"
هبطتت دموعها بغزارة &; فرفعت يديها تمسح وجهها ووضعت كحل بها الٱن يخفي كل ذلك &; ونظرت نحو دبلتها التي خلعتها ووضعتها أسفل المرٱه &; تخلت عن ما يربطه بها اسما&; كي تهرب من أفكارها أما الٱن فلا مفر من الهروب.
الٱن علم المخطئ انه مخطئ والشئ الذي يقف عائق بينها وبين أفكارها هو انها كيف ستطلب الرد &; تريد الرجوع ولا تريد بسبب كبريائه التي تراه يلازمه بأغلب الوقت &; لم ولن تقلل من شأنها تحت مسمى بأنها إمرأه كيف ستطلب من رجل ان ي&;رجعها لعصمته &;&;..
أكبر دليل لوصول نهاية هذه الأفكار هي انها استسلمت وظلت ساكنه أسفل يديه وتأثيره عليها &; كانت تود قدومه ولكنها تأبى&; ظاهيرا&; &; ظنت أنه سينسى تحت مسمى الغ&;لب واللين &; نست وغفت بأن اسمه وحده يعني "حدة". الشباب!!!
جاب سمعها صوته في الشرفة بمزاح&; بينه وبين شقيقه التقطه هي واقتربت تستمع &; اليوم أرادت ان لا تفارقه ووجع غيرتها يؤلمها وتركها مع عقلها دون توضيح بماذا يمكن ان يكون بينه وبين "أسماء" وفي المنتصف بينهما يخططون لـ "حسن" &;&;!
إلتقط سمعها جملة "سمية" من على الباب وهي تحثها :
_"يلا يا نيروز عشان الغدا &;. كله اتغدى من زمان مع عدا انت&; &; يلا يا حبيبتي عشان دواكي &; هروح اجهزه وغيري انت&; ...أنا عارفة انك سامعاني!!!"
لم تجيب بأي شئ وتركتها الأخرى متوجهة ناحية المطبخ &; ووقفت أمام الشرفة تحاول الاستماع لصوته &; الان تريد ان تفتح كي تستنشق الهواء وتراه حتى وان أذاها بأقواله...
..
وعلى الجانب الٱخر وقف "غسان" بالفعل يضحك بخفة&; على هيام الٱخر عندما أخبرهم جميعا&; بموافقة "فرح" &; وعلى فجأة ترقبت أنظاره عندما سأله بتلقائية :
_" امبارح كنت عايز أعرف منك انها لو عملتلي ريأكت قلب أحمر تبقى كده بتحبني ولا بتحبني أوي بس لقيتك نمت!"
نظر إليه "غسان" ساخرا&; وقال وهو يعتدل بوقفته :
_"يا إما مش عارفة ترد أو بتقفل معاك كلام &; والحالتين ب&;عاد عن الحب يا نحنوح!!"
_"وأنا كنت اتسايرت معاها أصلا&; عشان تقفل كلام &; اكيد مش عارفة ترد &; أصل انا كلامي يهبل مقولكش!"
ضحك "غسان" بخفة&; على غروره وحرك رأسه له بغير مبالاة يخبره :
_" اللي بيتكلم مبيعملش يا دكتور!"
ضحك "بسام" بخفة&; وسأله بتلقائية&; :
_" وانت بقا انهي واحد فيهم &; بتكلم ومبتعملش&; ولا بتعمل ومبتكلمش يا شقي!"
أخرج أنفاسه بهذه اللحظة وشرد يجيبه بعمق من تخبطه وتشتته :
_"أنا لا بقيت بعمل ولا بتكلم .. معتش عندي قدرة أصلا&; &; البركة فيك بقى&; وريني شطارتك وتعليمي فيك !!"
لاحظ دخول والدتهم بفرحة&; شديدة وبيديها صينية بها أكواب عصير أعدته لهما &; ابتسمت "دلال" باتساع&; ووضعت أمامهم الاكواب بحب&; وسعادة وقالت بلهفة أثر خبر قبول "فرح" :
_"بألف هنا يا حبايبي !"
امتن لها "غسان" بنظراته وشكرها "بسام " بمرح&; فتعمدت هي تركهما مع بعضهما عل يلهي الثاني الأول !! ..
_"بس أنا مبسوط عشانك يا بسام &; وعايزك تسامحني لو كنت عملت حاجة شايف فيها اني كنت صح وسابت أثر حساس لحد دلوقتي &; أنا كنت بفكر من نحية تانية مكنتش غلط !"
تأثر"بسام" من قوله الجاد فرد سريعا&; بلهفة&; :
_"متقولش كده يا غسان اللي راح راح &; خلينا الوقتي في فرحتنا &; ادعيلي اتجوزها عشان نناسبك زي ما قولتلك!"
مرح بٱخر حديثه فضحك "غسان" ينفي بصراحة&; :
_" بس أنا مش موافق لسه ولا هوافق بعدين !"
_"يعم مش عما يجوا الأول ويعرفوا يفرقوا مين بابا &; الله !!! &; وبعدين انت تطول أصلا&; يالا تناسب دكتور قد الدنيا &;&;"
ضحك "غسان" واشعل اللفافة وقتها ثم تجرع من الكوب &; إلى أن وجد سؤال شقيقه المفاجئ له :
_" ناوي علي ايه يا غسان&; أنا عرفت اللي حصل امبارح من وسام &;. بس قولت أجل كلامي معاك لوقت تاني !''
ونفى "غسان" حينها باختصار&; وهو ينفث دخان سيجارته:
_"مش ناوي على حاجة!"
_"طب وليه كل ده من الأول&; انت لو تفهمني اللي حصل واللي لحد الوقتي مش فاهمه صدقني هحاول ألاقي الحل!"
ابتسم بإستهزاء&; ونهض من على المقعد يستند على السور تزامنا&; مع كلماته :
_"الحل كان موجود الأول قدامها بس هى مختارتهوش&; فـ خلاص!"
سقطت دموعها بالداخل وقررت انهاء هذا الحوار الذي يظهر من وجعه في نبرته التي تستمع اليها الٱن&; فتحت الش&;رفة تقتل التردد وأخرجت أنفاسها تمسح وجهها وهي تخرج اما هو فلم يلتفت برأسه على الرغم من انه سمع الصوت &; إلا ان نهض "بسام" وقرر تركهما معا&; بمحاولة&; ..
جابت عينيها تقاسيم وجهه من الجانب &; وسقطت دمعتها وسألته بدون مقدمات مما جعله يدرك انها استمعت لهما:
_" كان ايه الحل اللي كان قدامي يا غسان ومختارتوش &; قولي!"
إبتلع هو ريقه بإهتزاز من هذه النبرة الذي يعلمها جيدا&; وقال بوجع ظاهر بوضوح مشيرا&; بغير اكتراث:
_"مبقاش مهم !"
_"مهم عندي!"
استنكر هذا الحديث وظنه تسرع يأتي ويذهب كالعادة &; وان لم يكن فإن عارضها وضغط على كبرياءها فسيحضر جزء شخصيتها الشرس في الحال وسينتهي هذا الوضع بلمح البصر &; ابتسم باستهزاء&; وحرك رأسه ينظر وردد بتهكم&; :
_" انت&; ايه اللي مطلعك دلوقتي&;&; جيالي ليه &;&;مش أنا بوجعك&;&;"
وأضاف يحثها وهو يحرك رأسه ينظر له ساخرا&; بقوله:
_" إبعدي يا مدام عشان أنا وجودي بيإذيكي زي كلامي &; وافتكري انك انت&; اللي جيتي وبدأتي المرادي !"
حذرها بقوله فوقفت ساكنة وإقتربت تنظر بتمعن في عينيه الداكنة وقالت باستسلام&; :
_"بس أنا جيت بمزاجي &; وعايزة أسمعك !"
_" وأنا بردو هبقي عايز أتكلم وأسمع بمزاجي!!"
فسألته بجهل&; متأثر وهي تتعمق النظر به :
_" يعني ايه &;"
_" يعني مش عايز أتكلم ومش هسمع !"
وجعها قوله الفاتر &; وعلى لسانها الٱن تريد كلمات الندم ولكنها تتراجع في كل مرة لطالما هذه النظرة موجودة إلى الٱن بعينيه ولم تزول!! &; ابتلعت ريقها وسألته وجارته بكلماته دون معارضة :
_" ليـه &;"
حرك "غسان " رأسه بقلة حيلة ساخرة للغاية وصارحها بوقتها بـ حقيقتها:
_"اللي ميسمعنيش في الأول ميستاهلش يسمعني دلوقتي &; واللي ميديش فرصه لنفسه يقدر ويفهم هيدي فرصة لغيره ازاي&;&;"
تعلقت عينيه بها وهذه المرة تجرأت تمحي أي رفض بداخلها وأمسكت كفه بتشبت&; حتى سقطت دمعتها على يديه وكلماتها المختنقة تخرج عندما هتفت :
_" أنا معطتش فرصة لنفسي عشانك &; والله العظيم ما كنت قادرة اشوف عينك وهي بتتهمني كل التهم دي حتى ولو كنت مصدق اني مستحيل أعمل كدة ..أنا..أنا اللي وجعني ساعتها انك فهمت كل حاجة وسكت ولومتني وظهرت ان أنا اللي عليا كل الغلط &; معرفتش اتصرف بحاجة غير اني اقولك تطلقني وتبعد عني &; أنا عارفة انك اتوجعت مني أوي عشان كده مقدرتش أكمل وأذيك &; خوفت عليك &; خوفت علي مشاعرك وخوفت ليطولك أذى تاني مني أو من حسن بعد اللي حصل &; وبعدت عشان متصممش تاخد حقك منه وتودي نفسك في داهية !!"
سقطت دموعها وهي تبرر وتركها تتمسك بكفه بصمت&; كاسر موجع للإثنان معا&; &; تقطعت أنفاسه وحرك رأسه بعيدا&; عنها يجيبها بفتور مؤلم له هذه المرة :
_" تبريراتك دي مشوفتيش فيها غير نفسك وبس &; حتى ب&;عدك كنتي هتبعديه عشان متضغطيش نفسك وانت&; شايفاني كدة معاكي مش عشاني !"
وصارحها وهو يميل كي تستمع له بأكثر طريقة صريحة موجعة وواضحة لها :
_" انت&; واحدة أنانيـة !"
وأضاف يفسر أكثر بإستهزاز&; غمره الشقاء :
_"مبتحبيش غير نفسك وبس &; ومبتخافيش غير على نفسك&; وجاية تبرري كلام فاضي ملوش أي تلاتين لازمة &; عشان وقتها كان بإيدك تعملي حاجات كتير وبأسهل طريقة كانت كلمة واحدة بس تنيم كل ده &; بس انت&; كابرتي واختارتي الأسهل واللي فنفس الوقت ميخسركيش حاجة ولا يأثر معاكي بحاجة ..وبمنتهى البساطة والجحود قولتيها ..قولتي طلقني أنا هبعد !!"
بكت هى&; تقسم له حينها بنبرة شديدة في البكاء:
_" والله العظيم ما كان سهل عليا &; والله&; صعب..صعب أوي ساعتها وبعدها "
بهذا الوقت خرجت ضحكته بوجع&; ان قارنه بكل الوجع الذي مر سيفوز &; ابتلع ريقه بعد هذه الضحكة الخفيفه المؤلمة وصارحها عقب ذلك :
_" ٱه ..فإنت&; جاية دلوقتي بعد ما اكتشفتي انه صعب وانك خلاص مش قادرة على كل ده صح&;&;&;"
وواصل بتعب&; يشرح أكثر ما فهمه :
_" جاية عشان&;ك !! &; عشان نفسك &; جاية للعبة اللي انت&; ماسكاها فإيدك وفاكره انك لو جبتيها شمال هتروح ولو جبتيها يمين بردو هتوافقك وتروح! &; ونسيتي اني مش لعبة واني واحد ح&;ب&;ك فعشان كده كان بعيديلك...مكنش مغفل.. مكنتش عبيط.&; بس برضو مقدرتيش كل ده..انت&; أصلا&; متستاهليش "
وكأن قدرته على قول كل الحديث جاءت الٱن &; &; بينما الٱن هي من توجه لها الألم منه &; نفت بلهفة&; &; وسالت دموعها حتى تشنجت ملامحها وسرعان ما وضعت كفها على معدتها عند قدوم هذا الألم المفاجئ الذي أصبح يرافقها بالفترة الٱخيرة &; ترقب سريعا&; وتمسك بكفها ينظر حتى عادت أنفاسه بعدما سرقتها. حين وقفت هي باعتدال وتحمل &; فانتظر بصمت&; وانفجر يسألها بوجع&; شديد :
_" انت&; ايه يا نيروز &;&;&; أنا نفسي أفهمك وأعرف انت&; ايه بالظبط&;&; مبتحسيش بيا&;&;&; تقربي وتبعدي بمزاجك وعايزه كل حاجة تمشي على هواكي انت&; مش أنا زي ما بتقولي &; فأنا مضطر اتحمل كل ده منك صح&;&;&; وبعد كل ده بتقولي انا اتحملت واتظلمت منك وانت اللي سيبتني ومتمسكتش &; مينفعش أقول أنا كمان انت&; ليه مش مضطرة تستحمليني زي ما أنا استحملتك &;&;"
المذهل ان هذا الضغط سقطت معه دمعته الوحيدة الخاوية وقال بما وخر قلبها:
_"انت&; عملتي كل حاجة وجيتي بكل برود ترميها عليا أنا وقولتي إني أذيتك مع اني معرفتش أعمل ده &; بقيت في نظر الكل حتى أهلك ان أنا اللي وحش وان أنا اللي بشد وبرخي وبلعب بيكي &; بس اللي محدش يعرفه إن أنا اللي وقفت عاجز وأنا بشوفك بتشدي وترخي وعايزاني معاكي فأي حاجة بتعمليها بمزاجك &; ماشية تلعبي بيا شوية كده وشوية كده وفكراني عبيط مش فاهم حاجة!!"
وأكمل حينها يخبرها بنبرة&; قاسية يظهر لها بأنها باتت شخص لا ي&;همه :
_"وأنا مش لعبة فإيد حد حتى انت&;!"
وأضاف أمام هذه المواجهة المؤلمة للمرة الثانية :
_" أنا خدت منك كل الوحش وحاولت أخده عشان أرميه فالبحر وتنسيه وتبطليه بس برضو م&;صرة تتمسكي بيه !"
صمتت تبكي بشهقات&; مزقت منه هو شخصيا&; وعاد يضغط بهذا الوجع وقال بما جعلها تقترب تتمسك بكلا كفيه معا&; بمتتهي اللهفة :
_"قوليلي ..مكانش فيا حاجة واحدة حلوة عرفتي تاخديها مني لما أنا وحش معاكي واخدتي مني كل الوحش كده&;&;&;&;"
بعدما تمسكت بيديه بلهفة&; نفت بانهيار في البكاء وقالت تصارحة :
_"أقسم بالله ما شوفت حاجة وحشة وأنا معاك &; بالعكس أنا اللي جيبتلك كل الوحش &; أنا معرفتش أخد منك الحلو عشان الوحش اللي جوايا كتير &; كتير أوي وغصب عني!"
اعترفت وهذه بوادر اعتراف &; ولكنه ليس كامل إلى الٱن سحب كفه بفتور&; قصده وعندما رفعت أناملها تمسح دمعته العالقة &; نفض يديها وعارض بهدوء&; وسكون ونفى برأسه قائلا&; بخواء&; :
_'' لأ يا نيروز!"
رفضها هذه المرة. كمن لدغتها حية &; بهذا الرفض الواضح &; هنا واستطاع رد كرامته على أكمل وجه &; فتحت فمها بذهول&; وأشارت على نفسها بغير وعى فأكد رغما&; عنه وقلبه يعنفه من هذا الرفض الٱن يريد ردها ولكنه كابر &; وليس كل ما تريده سيفعله في الحال &; أين ما. كان يريده &; وإلى الٱن أين ما يريده &;&; لم تتحدث بوضوح بعد ولم يطلب منها هذا ولن!! &; ابتلعت ريقها تمسح وجهها بشدة&; وحاصرته بنظرة عينيها الجامدة بعد هذا الرفض فقال هو بجدية&; هادئة عكس كل ما مر :
_" أنا راجل وعندي كرامة &; واللي عملتيه مش معدي معايا بالساهل كده !!"
وضغط على نفسه وعليها وقال بقسوة&; قبل أن يرحل من الشرفه ويتركها :
_" ولا هيعدي يا بنت الناس !!"
تركها بأنفاس&; عالية يصارع نفسه على البقاء &;وضعفها من ضعفه ! &; اختفى من أمام أنظارها ودخل المرحاض غالقا&; الباب خلفه ينزوي بوجع ٱخر فعلته حتى وإن لم تكن قاصدة هذه المرة &; اما هي فأجهشت في البكاء وهي تحاوط وجهها بكفيها تبكي بصمت&; ووجع &; وهذه المرة صدق الكبرياء معها عندما وجعها مستدعيا&; الكرامة تحت مسمي الرفض فكان رفيقها هو التعنيف بعد الٱن!!!!
ما بهما هما الإثنان صعب فهمه &; ما الذي يمكن فعله الٱن رغم وجود الرغبة في الرجعة &;&; &; تقطعت الأنفاس ومهما ش&;رح فلم يفهم سواهما والعجيب بأن كل منهم كان لا يفهم الٱخر والٱن قارب كل منهم على فهم الطرف الٱخر &; ألم الح&;ب يأتي بلمح البصر مثلما يأتي الحب تماما&; &; حتى يصلا إلى درجاته العالية &; ربما العشق وما بعده التخلي رغم صعوبة حدوثه &; من فرط هذه. المشاعر التي توجد تحت مسمى الحب يزداد شيطان الكبرياء بعد مدة التغاضي &; وان تغاضى أحدهم وظل يتغاضى&; فعند لحظة معينة وستنتهي هذه الطاقة التي كانت لديه والذي كان يتخطى لها بها &;وهكذا كان حاله حتى أنه الٱن ليس بقدرته ان ي&;رجع هذه الطاقة كما كانت من قبل والحل يجهل هو عنه ! كمان جهلت هي بعد الٱن بعدما رأت بأنها أظهرت له كل شئ والى الآن هو من رفض &; للمرة الثانية يرفضها اليوم &; وبطبيعة مثل طبيعة شخصيتها كانت سوف ترفض قدومها الثاني إليه كي لا تتلقى رفض ٱخر وتلقته بالنهاية!! &; في حين ان القدوم الثاني كان بمثابة شئ كبير عليها وعليه !!
__________________________________________
بعد هذا الوقت بقليل&; عادت بعد أن كانت ذاهبة تحت خدعة قامت بتأليفها لأهلها &; بعدما تركته أرادت السير بمفردها والشرود رفيقها ورجع إلى ذاكرتها كل شئ &; حتى اليوم الذي غير من كل هذا سر&;ا &; هى الٱخرى يعتبرها البعض مختلة ومن ناحية أخرى جاء السؤال ..أي حب هذا الذي يجعل المرء يقلل من نفسه سواء كانت هي أو غيرها من رجل وانثى&;&;&;&; أي حب استطاع ان ي&;فرط بأغلى ما لديها وعلى عقلها و&;ضعت الغشاوة وقد ع&;ميت العينين وقتها وإلى الٱن!!!!! &; كيف لم تستطع كرهه بعدما حدث معها ما حدث وانكر ذلك&;&; الأسرار تعود وهناك أسرار أخرى قد ك&;شفت للبعض والبعض الٱخر يجهل عنها!!
وقفت "أسماء" تطرق باب شقة "زينات" بإنتظار&; كي ي&;فتح لها الباب &; وما ان انتظرت لحظات فتح لها الباب بواسطة "مروة" التي نظرت لها "أسماء" بغرابة&; من ملابسها وسألتها قائلة وهي تدخل :
_" انت&; خارجة ولا ايه&;"
_" لا جاية يختي..جاية!"
طريقتها في قولها ليست مريحة تماما&; &; ولكنها تجاهلت &; فهذه شقيقتها وهذا طبعها ولم ولن يتغير &; رفعت عينيها ناحية الأريكة قبل أن تدخل فوجدت "سامر" م&;مسك بهاتف "مروة" يرى مقطع فيديو خمنت أنه كثير وبه أصوات عديدة ت&;عاد في كل مرة مما جعلها تترقب ان المقطع قصير &; وهذه "والدتها "&; التي تنظر بتمعن وملامح متشنجة &; ووقفت "مروة" بشر&; حتى على شقيقتها ..تتابع الوضع بفضول&; وانتظار &;أما "أسماء" فابتعلت ريقها وهي واقفة بمكانها وسألتهم بخوف&; :
_" هو ..في ايـه&;!"
لم يجيبها "سامر" الذي ما ان رفع رأسه تصنع ابتسامة هادئة وأعطى الهاتف لوالدته ونهض بهدوء مريب يقترب منها شئ فشئ وسألها بإبتسامة يخفي خلفها الكثير:
_" كتتي فين &;"
ترددت عينيها في النظر وابتعلت ريقها بصعوبة&; تحت مراقبة البقية وتقطعت نبرتها وهي تجيبه تحاول تخطي الخوف الذي دب بها :
_" كـ ..كـنت مع واحدة صحبتي فـ&;ـ..."
لم يتركها تكمل كلماتها الكاذبة هذه بل تحولت ملامح وجهه عما كانت قبل قليل وقطع بقية الجملة بصفعة شديدة على صفحة وجهها مما جعلها تشهق بصوت&; عال&; خائف &; سالت دموعها في الحال ولم يتوقف هو إلى هنا بل قبض على خصلاتها وهدر بإنفعال يوبخها بصوت&; عال وهو يقبض بشدة مما جعلها تئن بوجع مرتفع :
_"يعنــــي بتستغليـــنــي وكمان بتكدبـــي يا روح أمــــك!!"
حاولت التبرير ببكاء ونبرتها تهتز بألم&; وقالت بخوف&; متلهف مع نبرتها الباكية :
_" اسـتنــى&; بس ..استنــى ونبي ..هفهمك والله العظيم بس سيبنــي..سيبــني عشـان خاطري..ٱااه!!"
توجعت بٱخر كلماتها الباكية المتوسلة له عندما شدد من مسكته لها وخلفه الاثنتان صامتتين بترقب&; لما يفعله كالعادة &; فهتف من بين ضغطه على فكه وعندها صرخ بغضب&; يقطع هذا التوسل بـ :
_" تفهمــيــني إيــه &;&; تفهمــيني ايــه يا بت &; ايــه اللي موديكي للواد ده &;&;&; انطقي ايه اللي مخرجك معاه وانت&; هنا منيمانا على ودانا &;&;&; حصل بينكم ايـــه&;&;&;&; ردي!!!!"
نفت برأسها فصفعها مجددا&; صفعات متتالية ولم ينتظر منها الرد بل وقعت منه على الأرض واستمر في ضربها رغم الصراخ الذي أخرج "زينات " من الداخل وهي تهرول تحاول فصله عنها &; في حين ف&;تحت الشقق في الخارج دون التدخل &; فصرخت"زينات " به في الداخل :
_"ابعد ..ابعد عنها يا مفتري حرام عليك &; انت ايـه!&;&;&; مش مكفيك اللي عملته في بنتي يا ظالم &; روح ربنا ينتقم منك!!!"
حاولت بلهفة&; بعد هذه الكلمات اسنادها وب&;عده عنها حينها وقف يتنفس بصوت&; عال&; ورد بوقاحة بعد سبهم جميعا&; وخاض بشقيقته مثلما خاض بٱخربن وهنا قد تم محو أي صلة قرابة بهذا الدم حتى شقيقته الذي ظن بها السوء من مجرد صور ومقاطع فيديو :
_"هي وبنتك وصنف واحد ميتخيروش عن بعض &; ابعدي ..ابعدي بقولك &; قوميلي يا بت &; قوميلي قوليلي كنتي بتعيطيله ليـه &;&; عمل فيكي ايه انطقي&;&;&;"
حاول النيل منها بغضب&; أكثر فدفعته "زينات " بقوة&; وصرخت بشقيقتها وابنتها :
_" انتوا ايـــه&;&; ساكتين ليـــه&;&; سايبينه يموتها &;&;&;"
حركت"زهور" رأسها بقسوة&; ووجع ما رأته بالنسبة لها وأفكارها شئ ٱخر &; اما "مروة" فصمتت وكان بها ذرة من الخوف فقط ! على الرغم من انها السبب &; ابتعد "سامر" ٱثر دفع "زينات" له وأمسك مطفأة السجائر الدائرية الزجاجية المتوسطة الحجم&; وفتح باب الشقة بعنفوان&; فوجدهم مجتمعين &; نظر ناحية شقة "حامد" فوجده وقد جاء هو بعدما جاء من المقابر &; وحينها لم يجد "غسان" الذي كان بمرحاض غرفته &; صاح بانفعال أشبه بالصراخ وقال لـ والده يسأله عن "غسان" وقبلها قد وقعت عينيه على "بسام" الذي سحبه من تلابيبه بسرعة أمام شهقات الٱخرين وصرخ يعنفه :
_" انت مالك بأختي &;&;&; مالك بيها وعملتلها ايه&;&;&; انطق بدل ما وديني أموتك فيها !!!"
حاول "بسام" دفعه بانفعال&; مماثل ووقف "حازم" بغير فهم بحاول التدخل للفصل بينهما مع "حامد" وكان رد "بسام" المنفعل :
_"انت مجنون يعم انت&; &;&; وأنا مال أهلى بأختك!!!!"
وقبل أن يرفع يديه بغضب&; جاء "غسان" مسرعا&; من الداخل تزامنا&; مع هرولة "نيروز" بعدما كانت تبدل ملابسها بعد تناولها الطعام التي اعدته لها والدتها &; خرجت بركض&;. مع "ياسمين" وكانت "وردة" تتابع مع البقية &; وحينها تم صعود "فرح و"جميلة"و"فريدة" قبل وقت &; هرول "غسان" بسرعة&; يدفعه كي يفصله ويفصل شقيقه ودفعه حينها بعنفوان&; بعدما تلقى سبة نابية من بين شفتيه :
_" هو في ايه يا ناقص انت&;&;. ماسك اخويا كدة ليــه يالا&; انت عقلك فوت&;&;&;"
هاب الكل ما بعد الان &; وخفق قلب "نيروز" وهي تعدل من وضع الخمار كي تخرج أكثر مقتربة منهم &; في حين أمسك"سامر" تلابيب "غسان" بعنف&; واستطاع معرفة ما يدور :
_" اه .. يبقى انت&; اللي كنت مع أختي بقا&; مالك بيها &;&;&; ها &;&; مالك بيها انطق!!!"
سأله بعنف&; فدفعه "غسان" بعيدا&; عنه بقوة&; ببنما الٱخر يصر على مسكة هكذا &; ومن بين ذلك أسندت"زينات " "أسماء" التي وقفت بخوف&; ما ان سمعت قول "غسان" له :
_"ايدك يا روح ٱمك من عليا بدل ما أزعلك &;هو معتش الا اختك ولا ايــه!!"
نزلت دموع "دلال" من هذا الوضع ووقف الكل بغير فهم&; عندما اندفع"سامر" ناحية الداخل يلتقط الهاتف ومن ثم عاد مجددا&; يفتح المقطع أمام عينيه صارخا&; بـه بشدة&; :
_" ودا مـين ده &;&; خيالكم انتوا الاتنين &;&; ولا أنا معمي في نظري &;&;&;&;"
ثم أضاف يخيرة وزاد من ضغطه بقبضته علي المطفأة بين كفه تحت ذهول الكل من رؤية المقطع عند الاقتراب :
_" ما هو واحد منكم انتوا الاتنين&; والدكر يقول أنا !!"
إلتفت "غسان" برأسه ينظر لنظرة الشك في عينين "حامد وشقيقه" بغير تصديق&; منهم &; فرد ذراعه يدفه جسد شقيقه إلى الخلف &; ووقف أمامه هو بوضوح مما يعني بأنه هو &; شهق البعض &; في حين أشار له بفظاظة&; يهدده :
_" واللي عندك اعمله يا هفأ يلا!!"
ارتبكت "نيروز", وابتلعت ريقها بخوف&; مع جسدها الذي يرتعش ومهما حاولت كل من شقيقتيها ووالدتها سحبها إلى الداخل ترفض! &; اغتاظ "سامر". حتى رفع يديه يلكمه بوجهه بشرر&; وقال بإنفعال وغير وعي :
_" كانت بتعيطلك ليه &;&; كانت جيالك ليه .. عملت فأختي ايه يالاا!!!"
توجع ووضع يديه على وجهه ثم احتدت عينيه فرفع "غسان" يديه وبادله الضربة وحينها حاولت "أسماء" الحديث كي تبرر لهم ولنظراتهم&; شعرت بأنها أوقعته بمشكلة ليس لديه ذنب بها وكانت على مشارف القول عندما قالت ببكاء&; متألم :
_" لا يا سامر &; استني عشان خاطري .أنا هقولـ..."
اعتدل "غسان" يعنفها بعينيه كي لا تردد شئ الٱن وأشار بكفه كي تصمت فصمتت بعجز&; فإلتفت "سامر" يمسكها من خصلاتها أمام الكل وقال بغضب&; يستجوبها :
_" هتقولي ايه&;&;&; عمل فيكي ايه يا بت&;&;&; انطقي!!!"
نفت وهي تصرخ بوجع&; &; فإقترب "غسان" ومنعه ذراع "حامد" من التدخل فنفى وتدخل يدفعه عنها &; فنظر له "سامر" بذهول&; كما نظر البقية وقال بغير تصديق&; :
_" ده الموضوع شكله كبير وبجد بقى&;&;&;"
سأل بسخرية وقبل أن ينفعل "غسان" بمسكه لضربه اقتربت "نيروز" دفاعا&; عنه بسرعة تقف وصرخت بالٱخر بإنفعال&; تبرر له موضحة :
_" اختك هي اللي رامية نفسها عليه ورخيصة وعمالة تتلزق فيه من ساعة ما طلقني&; فروح لمها الأول بدل ما تيجي تظلم ناس ملهاش دعوه جاتكم القرف!!!"
اغتاظت "مروة" و"زهور", في حين دفعها "غسان" ناحية الداخل مقررا&; عدم الوقوف له والٱن ليس أمامه مبررات للقول &; ومن جهة أخرى لا يريد فضحها بل يريد مساعدتها &; عنف "غسان" "نيروز" بعينيه بتحذير&; &; فوجد نفسه ي&;مسك بطريقة عنيفة من "سامر " الذي هتف به بصوت مرتفع :
_" انت رايح فين يا حيلتها &; رايح فين..انت مش هتتحرك من الحته دي من غير ما أفهم ايه اللي فيها ومالك بأختي !!"
أمسكه مجددا&; بتسلط&; فإنفلتت أعصاب "غسان" حينها ونفذ الصبر الذي كان يتحلى به &; فرفع يديه يمسك ياقة قميصه ثم دفعه بقوة&; ناحية الحائط &; ملقيا&; عليه سبات نابية من بينها قوله المنفعل :
_" أنا ساكتلك بقالي كتير يا ناقص انت&; &; تعالالي بقى ناخد حق الكل منك !!!"
وأضاف وهو يحاول أن يوقعه أرضا&; تحت محاولة الكل بالفصل وتعالى الصراخ من النساء والتدخل من "حازم وبسام وحامد" :
_" اعمى أنا عشان أقرب من واحدة شايلة نفس الدم النجـ ـس اللي بيجري في عروق روح أمك يالاا&;بتهددني يا بن الـ *** &; اقسم بالله ما هسيبك ولا هسيب كلامك ليا ولمراتي اللي مكملتش حقي منك فيه يا ناقص!!"
حاول"سامر" دفعه من عليه اما هو فكل الضغط الذي به أخرجه الٱن بالضرب على الٱخر ورد فعله بهذه المرة كان مبالغ به من كبته &; كانت"مروة" تحاول سحب شقيقها بخوف&; من ناحية أخرى &; فمد "غسان" كفه يطبق على خصلاتها مما أثار ذهول "فرح " الواقفه هي و"وسام" والفتيات &; وصرخ بها بعنف يخرج بما يدخره لها :
_" وانت&; يا بنت الـناقصة بتزقي مراتي وهي حامل عشان توقعيها وتسقط يوم ما قولتي اللي قولتيـه &; فكراني هسكتلك ومش هعرف يا بنت الـ *** "
الآن كل السبات النابية تخرج منه &; تحت ذهول البعض &; سر وقعة "نيروز", كشف وهي بالفعل من دفعتها يومها &; صرخت"مروة" بألم من خصلاتها التي تشتد بمسكة الٱخرى وسبته هى الٱخرى كي يبتعد بينما لم يتركها وبتلقائية ازداد البعد سنتيمترات عن "سامر" التي غلت الدماء بعروقه ومن بين دفع "حازم" له وهو يحثه على الدخول استخدم المطفأه ودفعه بسرعة&; بذراعه كما دفع "حامد " الذي يحاول فصل "مروة" من بين يدي "غسان" و"بسام " الذي كان يدفع شقيقه &; وركض هذه الخطوات بسرعة&; حتى ضرب رأس "غسان"بها بعزم ما به و الذي تأوى بألم سريعا&; تحت خوف الكل وصراخ "دلال" بخوف&; شديد :
_" ابــــني!!!!"
ومن بعدها دفعت "نيروز", ذراع كل من "وردة"و"ياسمين"و",جميلة" ودفعت جسد "والدتها" وهي تصرخ بنبرة باكية منصدمة مهرولة ناحيته بهلع&;:
_" غــــســــان!!!"
ركضت ناحيته بخوف&; وبهذه اللحظة شعرت بالضياع &; اختفى الكل عداه بنظرتها هي &; وكأنها هي من أخذت هذه الصدمة برأسها &; بينما هو &; شعر بالدماء تهبط على جبهته وزاغت عينيه حتى بدأ توازنه يختل &; جلست "نيروز" تصرخ على الأرض فخارت قواه وجلس رغما&; عنه وارتطم جسده بالأرض بركبتيه حتى أخذته ببكاء&; بين ذراعيها &; صرخ الكل بأصوات&; عالية ووقف "سامر" بغير وعي ينظر نحوهم بغير تصديق لما فعله &; والأصوات تمتزج بين البكاء والصراخ &; في حين اندفع "بسام" يركض تجاه "سامر" حتى أوقعه أرضا&; وجثى فوقه شاعرا&; بهلع ضياع شقيقه &; وكأن الشخصيات تبدلت وهو من تطلب يأخذ الحق في هذه اللحظة &; عندما اعتلى الصراخ وكان صراخة هو الأعلى حتى ارتجفت الأجساد بخوف&; من هذا التحول الصادم:
_" عمـــلت ايــــه!&;&; عمــــلــت ايه لاخويـــا يا بن الكلـــب&;&;&; اقسم بعزة جلال الله ما هسيبك من ايدي !!!!"
هابت الأنظار &; وصرخت"نيروز" وعائلتها تحاول بعدها من هذا المكان &; في حين دفعتهم بعنفوان&; وصرخت تحرك جسده بين ذراعيها :
_" غســان!!!! بصلي عشان خاطري&; انا هنا !!! انا اهوو &; متروحش مني والنبي!!!! بالله عليك بصلي .. بصلي!!!"
سقطت دموع "جميلة " التي وقفت بتشنج تشعر بالضياع &; في حين وقع "حامد" بارادته يشيح بوجهه بعيدا&; عنه وعن مظهر الدماء التي أغرقت ملابس الٱخر &; والكل ملتف حول "غسان" الذي قاوم شعوره بأي طريقة &; يحاول التشبت بجسد أحدهم كي ينهض ولكن &; صدمة هذا الدماغ أثرت على حركته وجعلت الرؤية تتشوش أمام عينيه وكل الوجوه تتمثل بوجهها هى الٱن أمام عينيه &; استدعى القوة ولم يجدعها واستدعى النهوض ولم يجد سوى العجز &; فأطبق بأنامله على كفها الدافئ وهمس بتقطع قبل أن يغشي عليه ببطئ&; شديد:
_" متخافيـ ـش!"
كيف لا تهاب&; كيف بعد ان ثقلت رأسه على قمة صدرها الذي غرق بالدماء. دماءه ما ان وجدت هذا الثقل انتفضت تصرخ وحاولت كل منهن بعدها عنه كي يحمله"حازم" مع "بسام " الذي وعى الٱن أنه ترك شقيقه &; نهض بعدما أملى الآخر ضربا&; لم يستطع النهوض منه &; حاول حمله مع "حازم" بالهلع أما هي فصرخت تحاول دفعهم :
_" ســيبونــي &; ابعــدوا عني!!! "
وأضافت بألم&; وب&;حت نبرتها من كثرة هذا الصراخ الموجع :
_" عايزه أبقى معاه &; عايزه أشوفه حرام عليكم ..سيبوني!!!!!"
حاولت بعدهم أما هي فلبستها حالة انهيار وعادت تصرخ من سيوقف هذا الصراخ&; &; ضمتها "سمية " إلى صدرها &; في حين حمله "بسام " بسرعة&; وبقوة لا يعلم من أين أتت وبكثرة هذه الدماء &; ركضا به الاثنان ناحية الاسفل حيث المستشفي &; سقطت "دلال" وأ&;غشي عليها على عتبة باب شقتها &; فاقتربت "فرح " تراها بخوف&; مع "عايدة" &; بينما "حامد" حاول استجماع نفسه من قبل هذا وهبط على السلم ببطئ&; شديد من تجمد هذه الأعصاب التي تركته !!
ركضت "جميلة" وأذنيها تلتقط صراخ "نيروز" &; اقتربت من مرحاض شقتها &; الموجود به حقنة مهدئة ما أن تعرضت لنفس العقبه التي مضت وهي من جلبته حينها &; اقتربت تفتح الدرج بأيدي ترتجف ..
أحكمت "سمية" مسكها بدموعها التي تهبط والوضع موجع للكل&; أحكمت شقيقتيها من ناحية الآخرى &; حتى انحنت "فريدة" تمسك ساقيها كي تتوقف عن الحركة بعنف&; مع هذا الصراخ &; إلى ان اعدت "جميلة" الابرة ودستها سريعا&; بعروقها بأنفاس لاهثة ووجنتيها تسيل عليها الدموع !! ..
دقيقتين وتراخت هذه الأعصاب التي لا تستحق كل ذلك &; وسقطت كجسد خاوي لا يستطيع إعانة نفسه &; وكأنها وقعت نفس وقعته والفرق بأن نزيفها كان من الداخل قهرا&; &; لم تتوقف عن ذكر اسمه ببطئ&; وعينيها تدور بقوة تقاوم كل هذا لتقترب كي تراه &; ولكنه ليس هنا !! ليس موجود ككل مره ! ليس بأفضل حال كي يجعلها تطمئن &; من دونه كل شئ قاسي عليها &; وحدها تقاوم وتقاوم وتعلم بالنهاية أنها لم تستطيع من غيره ! &; لم تكف عن إرداف اسمه ببكاء&; وعينيها تهبط الدموع حتى غفت بعمق&; ولم تعي بشئ&; من حولها!!
أسندوها على الفراش ووضعت "جميلة"و"ياسمين" الغطاء عليها اما "وردة" فكانت تبكي بأحضان "سمية" وبينهما الصغير يبكي على بكاء والدته وعلى مشهد "نيروز"!!! &; اعتدلت "جميلة" ووقع كل شئ من يديها حتى وضعت كفيها على وجهها وهي تخرج تمزقت شهقاتها حتى جلست بصالة المنزل وقدرتها انعدمت ولم تجد الٱن سوى ذراعي "فريدة" التي قابلتها على الفور هامسة لها كي تغمرها بالٱمان !!!
..
_"فوقي يا ماما عشان خاطري "
قول متأثر شعرت به بالخوف والغربة بهذه اللحظة حتى واصلت تكمل بتوسل&; امتزجه القهر:
_"فوقي عشان نشوف غسان..أنا خايفة أوي يا ماما متسوبنيش!!"
رددت "وسام" كلماتها بتقطع وهي تتمسك بكفي "دلال" بخوف&; وقدرتها على الاستيعاب بالخطر تكاد تنعدم فقط تهاب وتخاف دون أدنى قدره على المحاولة للتحرك &; فعلت "فرح" ما يلزم فعله ولكن الآخرى غفت بعمق&; هي الأخرى بعدما فتحت عينيها تهتف باسم ولدها بخوف&; &; عدلت "فرح"و"عايدة" من وضعها &; واقتربت "فرح" تحتضن "وسام" ومسحت وجهها كي تستطيع اخراج الكلمات المواسية بثبات&; ولكن ضاع كل شئ منها وخرج التحشرج والبكاء وهي تحثها :
_" متخافيش... متخافيش يا وسام هيبقوا كويسين والله العظيم!!!"
ان كان هناك عنوان للوجع فحتما&; ستكون أسماء هاتين العائلتين &; وبلحظة&; ضاع كل ما هو م&;بهج وانقلب الوضع بخطر شديد &; وما بين اتهام وضحية كان الحديث وكانت الكلمات..
شخص اقدم على مساعدتها فـ ضاع بالمنتصف كما ي&;ضيعه كل مرة ويتعمد الصمود &; وهي &; هي التي تضطر على التحمل والصبر لكل هذا &; هذا ما تعايشة الٱن ..قد عايشت هذا من قبل ذلك. &; يوم ان افدى بنفسه لأجل ابنة عمها كي ينقذها من يد شقيقها &; هذه كانت مره أخرى باختلاف نقاط معينة
حاول أخذ الحق مع المحاولة في الحماية &; وياليته ما وافق على مقابلتها في هذا اليوم &; كل ما كان يهمه كان هى&; &; والخطر الذي كانت مقبله عليه بتدبير زواج وهي بعدته بل وهي من حقه هو !!, ظل الضغط إلى ان فارقت وما ان فارقت ازداد&; حتى محاولته في الهروب ليريح نفسيته قطعها حدث قدوم "حسن" وتدبيرة &; فأصبح عالق بين أمرها وبين الرحيل &; وبالنهاية تم اختيارها واختيار المساعدة &; ويا ليته ما سـاعد!!
____________________________________
انطلقت السيارة بسرعة قياسية والخوف رفيق الكل &; الٱن نزلت دموع "بسام" بخوف&; بعدما ابتل بنطاله بدماء شقيقه المستند برأسه وجسده بالكامل عليه لا حول له ولا قوة &; أخذ يدفعه بيديه والٱخر لا حياة لم تناديه أبدا&; &; جلس "حامد" في الأمام وعينيه يغمضها بقوة في كل مرة يعجز بها عن النظر فقط يغمض عينيه يذكر أيات قرأنية بعيد عن هذا الواقع الذي شعر به بالعجز الذي جعل دمعته تسقط ويديه ترتجف كما جسده بالكامل وجزء منه يعنفه بأن ينظر والآخر يعجز بالكامل وليس أصعب من ذلك شعور!!!
ورغم إقترابهم من المستشفي إلى ان من بين كلمات المتوسلة من "بسام" لـ "غسان" الذي كان بعالم ٱخر إلى ان اندفع "بسام" برأسه يصرخ بـ "حازم" بعجالة&; وشعور الرهبة يتٱكل به :
_" بـــســرعة !!! بــــســرعة يا حـــازم أبوس ايــدك &; هيروح مننا بالدم ده كله !!!!!"
صمت "حازم" يحاول التماسك وزاد من حدة السرعة أكثر &; بينما كفي الآخر رفعهما لمسح وجهه من الدموع والشهقات التي تخرج منه ولم يعي هو بأن دماء شقيقه جعلت وجهه يتلطخ بها بقوة&; حتى أهبط يديه يمررها على خصلات الٱخر بلهفة&; ومال يسند جبهته على جبهة "غسان" مرددا&; ببكاء&; وخر قلب "حازم"و"حامد" الذي كان يتصارع مع خوفه من الدماء كي لا يلتفت ويضيع بها هو هذه المره :
_" وحياة أغلى حاجة عندك ما تعمل كده يا غسان &; فوقلي عشان خاطري &; والله العظيم ما هقدر من غيرك !!"
هذه الكلمات تزيد من خوف "حامد" الذي بكى بصوت هذه المرة &; ومشاعره تنهره &; أما الٱخر فهو طبيب ويعلم جيدا&; مدى خطر هذه الصدمة الكبيرة والشديدة برأس الٱخر بكم هذه الدماء !! متخوفا&; من فكرة نزف دماء ٱخرى بخطر ولكن ليست من الخارج بل من الداخل!!!!
خفق قلبه بلوعة&; وسالت دموعه كصغير&; على مشارف فقد شقيقه وتوأم روحه &; مد يديه يحتوى كف "غسان" بين كفيه وأخذ يدلكهما وبين كفيهما الدماء الكافية لشرح مدى صعوبة هذه اللحظات &; شدد "غسان" من ضغطه على كفي شقيقه ببطئ&; وبالتدريج حتى دفعه "بسام " برفق&; وخوف&; &; وأهبط رأسه يسمع خفقات قلبه وانتظام أنفاسه !!!
هل ما سمعه صحيح.&; الأنفاس تتقطع&;&;&; أم أنه ي&;هيأ له&;&; &; صرخ مجددا&; ولم يعي حينها بأن السيارة قد توقفت من الأساس :
_" بسرعة!!!! بسرعة يا حازم بالله عليك مفيهوش نفس !!!"
هبط "حازم" من السيارة سريعا&; وصراخ "بسام " حينها جعل العربة المتنقلة تأتي من على بعد&; كي تنقل جسد "غسان" الذي حمله "بسام " للخارج مع "حازم" والٱخرين المتخصصين. &; تفحصوة بمهارة وهم يركضون بجانب العربة ناحية الداخل &; في حين اندفع "بسام" يركض خلفهم بسرعة &; ركض وكأنه الٱن يركض بساحة خالية من أي شئ بل وليست لها نهاية &; نهايتها شقيقه وشقيقه حاله غير معروف &; ترك كل شئ خلفه حتى "والده" الذي بكى بصوت&; وحينها لحقه "حازم" بذراعه يواسيه بعدما لمعت عينيه هو الٱخر واسنده يحاول بكل سرعة اللحاق بالٱخر رغم دقات هاتفه التي لا تتوقف بجيب بنطاله !!!
كيف لمطفأة دائرية متوسطة الحجم أن تفعل كل ذلك بكل هذه الدماء &; كانت ثقيلة تماما&; كالثقل الذي بداخله &; وكأن عقله وجسده أعلنوا الاستسلام لهذه الصدمة الذي تلقاها &; ضعف نفسيته بالفترة الأخيرة جعله هش يتظاهر بالعكس بينما بالواقع لايقوى على اي شئ &; ناهيك عن تأثر هذا الدماغ من قبل من بداية وقوع الرف الخشبي بثقله على رأسه يوم شجاره مع شقيقه ثم دفعه من "عارف" بنفس الرأس والمكان &; تلقى دفعات كثيرة بها جعل كل ذلك يؤثر على نزف دماء أنفه بالفترة الأخيرة والتي لا تتوقف عن النزيف كلما يشعر بالضغط!!! &; دفع "سامر" له وهو يركض له من على بعد بٱخر وأشد ما بداخله من قوة جعل الصدمة برأسه بهذة الدفعة قوية وعجز بها عن تحمل أي شئ !!!
وقف ينظر على اللافتة وشقيقه بالداخل &; لا يعلم أكانت حالته خطرة أو سي&;نقذ على الفور!!! &;ضياع لم يشعر به من قبل &; أسند رأسه وهبطت دموعه بغزارة للمرة الذي لا يعرف عددها &; يديه تلتصق أثر الدماء كما ان ملابسه كذلك &; وعقله ي&;راجع رغما&; عنه كل شئ &; كل شئ بينهما &; وكل شجار!! لا لن يصلا إلى هذه الخطورة وكل هذه الدماء بأي شجار قد سبق!!! &; دفع رأسه برفق&; وأغمض عينيه مشددا&; وأذنيه الٱن قد حضرت بصراخها &; صراخها العالي عليه والذي جعله يخرج من حالة الغير وعي عندما كان يبرك فوق الٱخر ليبرحه ضربا&; كي يرد الحق!!
جاء "حازم" و"حامد" الذي أشار له "حازم" بالجلوس وهو يسنده برفق&; وعلى أذنية يجيب على اتصال "عز" الذي كان يرافقه "ٱدم" واللذان علما المختصر ٱثر مهاتفة "جميلة" لزوجها بخوف&; !!&; كانا بالطريق فقط ينقصهم معرفة أي مستشفي يوجد !&; أخبرهم بصوت&; مختنق حتى أغلق الخط &; ووجد "حامد" يضم رأسه بين كفيه بوجع&; وعينيه تسيل منها الدموع التي تسقط على الأرض من أمامه وهو يقف أعلى منه يراه جالس بعجز&; فقط &; شفتيه تتحرك بلهفة&; وريبة بذكر&; وتوسل للخالق بأن لا يمس ولده ضرر!!!
_"يــــارب!!!"
هذا القول الذي خرج متمزق بشدة خرج منه هو وهو يرفع رأسه ورغم أنه متمزق إلا أن صوته كان مرتفع بما به الكفاية يعلن حسرته وخوفه لربه كي يشعر به يسمع توسله &; اغمض "بسام" عينيه بعد هذا القول المتوسل &; والدقائق تمر بمثابة سنوات&; &; حرك رأسه بتشتت&; وعينيه الحمراء من كثرة البكاء لمحت جلوس " والده" بكل هذا الإنكسار الذي يظهر في جلسته العاجزة عن فعل أي شئ سوى الدعاء &; قاوم "حامد" مشاعره كأب&; ونهض فأسنده "حازم" بلهفة&; كي لا يقع &; ولكن أشار له "حامد" بأن يتوقف عن فعل ذلك في حين اندفع "بسام" يقترب وهو ينظر بسكون&; فتلهف سريعا&; عندما وجد "حامد" يستعد للسير بعيد عنهم ! وربما عن هذا المكان &; اتسعت عيني "حازم" في حين اقترب "بسام" على فهم ما هو مقبل عليه لذا سأله رغم شكه الموجع :
_" رايح فين يا بابا!"
تحشرجت نبرته وصوت الهواتف يعتلى ولم يبالي أحد بعد الٱن &; ابتلع "حامد" ريقه وخرجت كلماته بأعجوبة&; يجيبه قبل ان يسير أكثر:
_" رايح ادور على جامع أصلي وأقعد فيه &; ولو اخوك فاق وبقى كويس هتعرف تلاقيني يا بسام!"
لم تعد لديه القدرة على الجلوس دون فعل أي شئ &; الٱن بيديه فعل شئ واحد فقط &; الصلاة والدعاء &; تركه"بسام " بعجز&; ولم يقدر هو الٱخر على ممانعته في حين ص&;دم "حازم" من هذا ولم يفسر أي شئ سوى أنها قوة &; وليس ضعف &; قوة وحب من الله له بهذا الوقت!!!! , ينهره كل شئ من الرحيل وترك ولده هكذا ولكنه يشعر باليقين بأن ما بيديه فعله وما بيدي الأطباء في الداخل ليس شئ أمام قدرة ربه !!!
هذه الدرجة من الإيمان في هذه الأوقات العصيبة يتمنى أن يصل إليها الكثير دون ان يصلوا لوجع اللحظة بالنسبة له هو وقلبه ينقسم نصفين &; نصف يريد الرحيل ونصف بالفطرة يأبى الرحيل بسبب خوفه على ولده..
ولكن حب الله يتسع له القلب &; وبعد الانقسام لنصفين يصبح قلب واحد لا يتسع إلا لله وحده لا يشاركه في حبه شئ ولا شخص&; ربما حينها تتحقق الأماني وتختفي المخاوف &; ليس ر&;بما ..مؤكد حدوث ذلك حتى وإن كان ليس في الامر نفسه!
رفض الجلوس ووقف بأعصاب مفقدوة وبجانبة "حازم" يشعر بالقلق الشديد &; يرفض هو الٱخر ان لا تسقط دموعه &; بين خوف وقلق ورهبة.. بمرور الوقت جاء بٱخر الطرقة "عز وٱدم" راكضين من النهاية وصولا&; لهما &; رمش "بسام" بأهدابه&; عدة مرات إلا ان وجد الاثنان ينهجان بأنفاس مسموعة أمامه سأل "عز" "حازم" عن الوضع في حين لم يتحمل "ٱدم" رؤية ابن عمه هكذا &; بل وصديقة المقرب منه بالفترة الأخيرة&; دفعه بين ذراعيه &; وضمه له وسقطت أرقام العمر بينهما واحتواه "ٱدم" الذي تماسك فلمعت عينيه فقط تحملا&; وهو يواسيه &; إلى ان تابع "عز" بشفقة&; مع "حازم", أما الٱخران فـ وكأن الدماء قد شعرت بوجع اللحظة فتوحدت على الألم ولحنه المتمثل بغصتهما المريرة مع قبضة قلوبهما على ثالثهم المفقود بالنسبة لهما الٱن &; هذا الاحتواء ينقصه لا محال &; ذراعى "ٱدم" بالنسبة لـ "بسام" لا توفي بالغرض &; لم ولن يأخذ مكان شقيقه ومواساته شخص مهما حدث &; ولكن أين هو الٱن وأين ذراعيه الملبيين له بوقت حزنه ..خوفه .. كسرته..حسرته..و قهره!!
وعلى فجأة&; فتح هذا الباب الحديث وخرج ممرض متلهف يخلع ما عليه مرددا&; بلهفة&; سريعة لهم دون إعطاءهم فرصة للسؤال :
_" عايزيـن متبـرع بالدم فصـ..."
اندفع "بسام" بسرعة يرد بلهفة&; ونفذ صبره بالخوف فقاطعه:
_" أنا ..أنا توأمه ومتماثل ..يعني نفس فصيلة الدم تعالى&; .. انا جاهز!!!!"
كاد أن يخبره الممرض مرة أخرى فأمسك"بسام"ذراعه بلهفة&; أشد من السابق وقال يصارحه بخبرة طبيب متفهم لذلك :
_" مبطعاطاش أي حاجة &; أنا سليم &; يلا بس مفيش وقت!"
من ي&;عجل من &;&; &; سار الإثنان معا&; ناحية ٱخر الطرقة بينما وقف "عز" والخوف رفيقه على رفيقه أو من اصبح كذلك &; وعقله لا يعي مدى خطورة الوضع كما يرى &; ابتلع ريقه وسأل "حازم" بخوف&; ظهر في نظرة عينيه:
_" هي الخبطة كانت جامدة أوي كده &;&;"
_" ياريته كان حدف اللي فإيده يا عز &; ده جه بسرعة من على بعد وجاب ٱخر ما عنده وضربه بغشومية!"
قالها بخوف&; متذكرا&; الدماء والمشهد الذي حدث في أقل من ثانية عجز بها الكل عن منعه بسبب ضيق الوقت بفعل هذه الفعله ! &; زفر "عز" بثقل&; وابتلع ريقه يخرج من جيب بنطاله هاتفه كي يجيب على "جميلة" الواقف على رأسها الٱن الفتيات وبالأخص "وسام" الباكية وبجانبها "ياسمين و وردة وفريدة وفرح" !!!
___________________________________
_" يعني ايه &; فاق ولا مفاقش يا عز&;!"
قالتها بخوف&; أمام الأنظار فأخبرهم على الطرف الأخر أنه إلى آلان بغرفة العمليات او ما شابه بالمسمى! &; لا يوجد قول بعد هذا القول &; أغلق الخط معها &; ونظرت ناحية "وسام" التي انهارت في البكاء &; بقت "عايدة" في الشقة الأخرى تضطر للجلوس بجانب "دلال" الغافية &; بينما "سمية" ظلت جالسه بداخل غرفة "نيروز" بمقعد أمام فراشها بعدما حاولت ان تبدل ملابسها الغارقة بالدماء من الجز العلوي!!!&; وخرها قلبها علي كل ما توصلت له بحياتها الصعبة &; منذ متى ذاقت الفرحة &;&; سألت نفسها وعلمت أن بدون الٱخر لا حياة لابنتها &; ولكن شك ما حدث يعلو بداخلها وقلبها الٱن يهاب مس أي ضرر بـ "غسان" الذي ومهما حدث تعتبره ولدها !!!
وعندما توصلت لاحتمالية ضياعه خفق قلبها وطردت هذا الوسواس بقلب مقهور على ابنتها وعلى "دلال" &; والأشد على ابنتها وما بداخلها منه &; سيذهب ويتركها كذلك &; &; سالت دموعها وأذنيها تسمع حديثهم في الخارج عن وضعه بالمستشفى&; &;بينما الأخرى إلى الٱن حتى وان كانت بعالم ٱخر فلم تكف بين حين وٱخر ان تنادي عليه بلوعة وخوف وكأنه بطلها في هذا الظلام التي تراه الٱن &; من بين كل هذا الظلام لا ترى سوى وجهه والدماء التي تغرق وجهه ورأسه وخصلاته التي دكن لونها أكثر وأكثر ٱثر هذه الدماء &; همست "نيروز" بإسمه الٱن فازداد بكاء "سمية" عندما أخبرته بهذا الهمس أنها تحمل جنينه فكيف يتركها &;كيف ينزف الدماء هكذا &; وكأنها تلومه على شئ له يد به !!
عجزت عن فهم معنى الحديث ولم تعلم حينها ان كانت تقصد الفراق بالانفصال أو الفراق الٱخر وهي لا تعي!! &; ما يؤلم قلبها على ابنتها هي فرحتها أيضا&; بحملها وعند حديث الطبيبه عن احتمالية وجود توأم وان الكيس الٱخر لا يظهر بوضوح! او لا يوجد منه بالأساس &;بينما الثاني يتأكد من وجوده&;وبالتفاصيل المتطورة كان سيظهر كل ذلك &; وابنتها لم تشاركه هذه الفرحة والسعادة!!
شهقات متتالية منها هى وكأنها تقاوم هذا الخيال كي تهبط على أرض الواقع &; ابتلعت "سمية" ريقها حتى أخذت أنفاسها والتفتت برأسها تنظر فوجدت "ياسمين" تدخل مع الفتيات &; نظرن عليها بسكون&; وشفقة&; وحتى وهي تنتفض الٱن بخفة&; وخوف وكأنها تشعر به &; وكأن هذا الخيال بمثابة واقع !!
هل كان على وشك الضياع &; الفقد &; الساعات تمر والأنفاس ت&;سرق &; وبين ساعة والآخرى لا يوجد سوى قلق وخوف &; خرج الأطباء أكثر من مرة ليخبروه عن حالته وهم بالداخل يحاولون انقاذ الوضع &; وعلى ناحية ٱخرى يقفون بالخارج ينتظرون &; كلمات الأطباء لم تطمئنهم أبدا&; ولم يجد بها أي منهم شئ يهم أو يشرح هذا الحال المعقد!!!..
أخرج "بسام" أنفاسه وشعر بالهبوط هو الٱخر &;س&;حبت منه الدماء ولم يضع شئ بفمه منذ وقتها &; جاء "عز" من الخارج حاملا&; كيس به طعام وعصائر له &; واقترب يحثه برفق&; كي يجلس:
_" اقعد يا بسام ارتاح , ك&;لك ل&;قمة واشرب العصير ده عشان متقعش من طولك..انت مسحوب منك دم مهما كان برضو ..متستهونش بـ ده !"
رفض ودار وجهه ناحية باب الغرفة وقال بأعين لامعه وصوت م&;نهك :
_" مش عايز حاجة &; مش هاخد حاجة غير لما اخويا يفوق ويبقي كويس!"
نظر "عز"نحو هذا الإصرار بيأس&; &; فحثه "ٱدم" بعد إشارة"عز" له :
_" ك&;ل واشرب بس أي حاجة يا "بسام" عشان متقعش من طولك &; محدش هيستحمل تكونوا انتوا الاتنين &; اسمع الكلام !"
رفض رغم شعورة بالانهاك &;وسقطت دمعته كطفل تاه من عائلته رغم معرفة الطريق ولكن الٱن هناك شئ هناك نصف ٱخر يفتقده :
_" أنا عايز أخويا وبس يا ٱدم ومش عايز حاجة تاني!"
تألم لأجله بلحظة صمت &; حيث ابتلع ريقه بقلة حيلة عن ما يمكنه فعله &; وقف "حازم " يجيب على اتصال"سمية وياسمين" في حين انتظروا بنفس الحال إلى أن تلهف الكل بسرعة&; ما ان خرج أحد الأطباء يخلع قفازه متنفسا&; بصوت&; متوسط في العلو وحينها تلهف "بسام " يسأله سريعا&; :
_" طمني يا دكتور &; ايه الجديد &; بقا كويس صح&;&;&;&;"
يتمني الجواب بنعم&; &; أخذ الطبيب أنفاسه وربت على كتف "بسام " موزعا&; نظراته بينهم جميعا&; ثم قال بتفسير&; :
_" الخبطة كانت شديدة للأسف&; احنا عملنا اللي علينا وانا عرفت ان حضرتك دكتور فأكيد هتبقى عارف ان الخبطة الشديدة في الدماغ ممكن تسبب التلف أو حدوث سكتة دماغية أو جلطات دموية وممكن ربنا ينجده ويطلع منها بصداع شديد بس هيستمر لفتره عوضا&; عن كل ده فاللي هيوضح كل ده الاشعة اللي اتعملت ولازم يفوق عشان في واحدة تانية لازم تتعمل &; لكن هو لسه مفاقش دلوقتي لأنه واخد مخدر عشان الجرح اتخيط وفي محاليل بسبب الدم !"
ابتلع ريقه بصعوبة&; وهو يستمع إليه &; وخفق قلبه خوفا&; عليه والانتظار أقسى ما يكون الٱن &; حادث شقيقته يتكرر أمام عينيه &; والٱن تلقى ما تلقته هي على يد أشخاص تجمعهم صلة قرابة ببعضهما وبينهما الدناءة التي لا تنتهي أبد&;ا &; دعى ربه أن تكون هذه النهاية مثل نهاية شقيقته بعدم حدوث شئ !!
وجلس بخواء&; على المقعد وسانده "عز"و"حازم" بينما وقف "ٱدم" بحسرة&; على كل هذا &; أذان المغرب قد سمعه الٱن ولم يقوى حتى على النهوض للرحيل ناحية مسجد ما !! &; بل نهض بمساعدتهم يبحث كل منهم عن مرحاض عام للوضوء ثم للصلاة بأي ركن في هذا المكان على القبلة الصحيحة وربما هناك من سيقف أمام بهذا الوقت كي يتولى أمر الدعاء الذي لا حيلة لهم إلا به!!!
____________________________________________
تحركت بتلقائية في نومتها هذه والكل يترقب لموعد نهوضها ووعيها مرة أخرى بخوف&; شديد منهم &; كانت "سمية" جالسة على طرف الفراش تمرر يديها على جسد "نيروز" برفق&; وخلفها "جميلة" و"ياسمين" &; وبقت "وردة" في الخارج مع "فريدة" وصغيرها &; وبالشقة الأخرى ذهبت "فرح" كي تظل مع "وسام" ووالدتها التي تبكي قهرا&; الآن بعجز&; وهي مسطحه على الفراش بعدما هربت منها أعصابها &; فقط تحاول مهاتفة "بسام" بايدي ترتجف ورقم "حامد" المغلق هو الٱخر &; وبين الشقتين بين الحين والٱخر تطمئن "عايدة", هنا وهناك !!!
بينما "نيروز" ضمت عينيها أمام متابعتهم هذه بترقب&; &; وهمست تنادي بإسمه مجددا&; إلى ان فتحت عينيها ٱخيرا&; تحاول استيعاب ما حدث &; حركت عينيها بتشوش&; ونظرت لهن حتى لـ "والدتها" التي تتابع بقلق&; وحسرة وعلى فجأة كأنه وعت الآن فإنتفضت بسرعة&; تردد باسمه بإرتفاع :
_" غسان!!!!"
اقتربت منها الفتيات حتى من دخل من الخارج لهن &; في حين بكت بإنهيار&; تحاول النهوض وهي تسأل عنه بلهفة&; :
_" غسان ..غسان فين يا ماما &; حصله ايه&;&;&; ردي عليا!!!!!"
صمتت "س&;مية" بعجز ولمعت عينيها بالدموع أما "نيروز" فإستفهمت بعينيها لهن ولم تجيبها أي منهن &; فنهضت مسرعة تسألهم بتقطع&; مرة أخرى امتزج بالتوسل في الرد :
_"جراله ايه&;&;&; ردي عليا يا ماما &; انت&; مش بتردي ليه &; هي مش بترد ليه يا وردة &;!"
وواصلت تسأل بترقب&; عكس دموعها التي تسقط منها بخوف&; :
_"مبتردوش عليا ليه يا ياسمين &;&;!"
وزعت نظراتها ببكاء&; واقتربت من "جميلة" بوجع&; تسألها بخوف&; ورهبة&; :
_" هو كويس صح&;&;&; صح يا جميلة &;&;&; كويس وهناك عند عمو حامد صح&;&; جاوبيني عشان خاطري!!"
الٱن هي من حاصرتهم ان اماءوا بنعم&; سيتدهور وضعها وان لم يكن هناك رد سترحل بنفسها &; تعلم بأن وضعه خطر وتحاول محو وانكار ذلك بكل خوف ولهفة &; تركتهم مسرعة في الركض ناحية الخارج غير عابئة بمناداتهم &; وقد علمن الٱن بأنها ستعلم لا محال &; تعصرت قدمها فسقطت وحمت نفسها سريعا&; قبل أن تسقط بقوة وتحاملت تفتح باب الشقة وما ان خرجت كي تلتفت لترفع يديها على الباب تدقه نظرت نحو دماءه على الأرض &; انصعقت وكأنها أول مره ترى هذا &; ..هذا المنظر يهئ لها الكثير!! وضعت يديها على أذنها بنفي&; ونفت بإنهيار&; صارخ بقوة :
_" لأا &; لأ !!!!!"
تجمعت الفتيات حولها ومعهم "سمية" التي حاولت ضمها في أحضانها وهي تحرك رأسها بلهفة&; فـ فتح باب شقة "حامد" التي خرجت منه "فرح" بفزع مع "وسام" التي انتفضت "نيروز" تمسك كتفيها بريبة&; وسألتها بهلع&; منهار :
_" غسان كويس &; مش كده &;&; مش كده يا وسام&;&;&;"
نفت "وسام " برأسها والتي علمت ٱخر الاخبار ولم تخبر "دلال" المسطحه على الفراش بالداخل &; نفت وأخبرتها بما جعلها تنصعق أكثر :
_" غسان فالمستشفى يا نيروز !"
نظرت عقب ذلك على الدماء &; نفت بلهفة ودفعت "وسام " بفزع&; &; حتى التفتت تنظر لهن :
_" انا لازم أروحله &; لازم!!!"
واضافت وهي تركض ناحية الس&;لم بهذه الهيئة :
_" مش هسيبه &; مش هقدر !!!"
أحكمت "ياسمين" و"فريدة" مسك ذراعيها برفض&; &; أقوى ردات فعل منهما بينما البقية عجزا من وجع هذا المشهد &; ف&;تح المصعد أمام هذا البكاء وظهر "شادي" الذي جاء بسرعة منذ ان اخبرته "وسام" بالهاتف ولم يفهم شئ &; خرج بفزع&; عندما سمع صوت صراخ "نيروز" وكانت بجانبه "منة" التي ركضت ترى "نيروز" بينما هرول "شادي" يفهم من "وسام" المختصر بخوف&; حينها أخبرته &; تزامنا&; مع سحبهن لـ "نيروز" التي صرخت كي يتركوها وتطلب منهم دقائق كثيرة كي تدخل وأبت عن ذلك &; أمام "شادي" الذي انتفض بقفزة&; تلقائية برهبة&; لرؤية الدماء أسفل حذاءه&; سارت القشعريرة بجسده وهو يسمع حديث "وسام" الباكي &; الٱن لا وقت للصدمات &; سألها عن اسم المستشفي وأخبرته بنبرة&; باكية &; إلى ان ركض ناحية المصعد حينها انتبه لعقبة صراخها هكذا وهي تحمل برحمها صغير صديقه!!! اتسعت عينيه وهو يحاول دفع الفتيات عنها برفق&; مرددا&; بخوف&; :
_" اهدي ..اهدي.."
نظرت وهذه المرة كان صراخها بوعى&; منها كي يتركوها. &; جاب عقلها هرولته فرددت له بنبرة&; باكية وهي تتوسله متعمقة النظر بعدستيه :
_" عايزة اشوفه لو بتحبه خدني معاك والنبي!!!"
لمعت عينيه قهرا&; على حال صديقه الذي لم يرى راحة بكل ذلك &; ولايعلم كيف وافق بحركة رأسه فرفضن الكل إلا هو عندما وقف ينظر ناحية "سمية " ونبس بنبرة&; هادئة :
_" متخافيش عليها &; يمكن لما تكون هناك جنبه تبقى أهدى!"
وجدها فكرة أفضل من بقاءها وسقوط جنينها من هذا الانهيار &; وقفت "سمية" بضياع&; في حين هرولت "جميلة " مع"ياسمين" يلتقطان العباءة الخاصة بها وحجاب رأسها &; حتى جعلوها ترتديهما برفق&; أما هي فلم ترى أي شئ سوى مشهده وهو بين ذراعيها &; التفت يضغط على المصعد لأجلها حتى فتح وود لو يركص بعجالة&; ولكنها من فرضت عليه هذا البطئ حتى سقطت دمعته دون أن يشعر &; تلهفت "منة" تمسح وجهه حتى هو لم يعي لها وهي تحثه على القوة &; بل أسندت "نيروز" هي هذه المرة ودخلت لترحل معهم حتى لا تتركه هكذا ولا تترك الآخرى أيضا&; بهذة الحالة!!..
فوقفت "وسام" بجسد متصلب جعلها تعجز عن الهرولة لارتداء ملابسها كي ترحل معه &; بل اسندتها "فرح" إلى الدخل وعادت كل منهن إلى مكانها مجددا&; والقلق يتٱكل وينهش بقلب "سمية" ومن الجهة الأخرى "دلال"!!!
____________________________________________
انتهوا وجلسوا وقسوة الإنتظار ترافقهم!! &; كل ومل من ان تهبط دموعه بغزارة&; وللمرة الذي لا يعرف عددها شعر بأنه صغير لا يتخطى الأربعة أعوام&; صغير ليس بيديه فعل شئ سوى البكاء &; وكأنه يدرك بهذا الحجم من العقل أن البكاء قادر على حل كل شئ &; قادر على إرجاع ما ف&;قد &; أو قادر على جلب السكينة وزوال الشقاء &; ياليته يغعل كل هذا &; ولكنه بهذة اللحظة صغير لا يفقه أي شئ &; لا يعلم من أين يفترض ان يحدث عكس ذلك ..والافتراض معروف جوابه &; حين دعى "عز" في الصلاة!
جسدة ينتفض بين الحين والٱخر وكأن مدركات الإحساس تشعر ببعضها معه ومع نصفه الٱخر بالداخل &; في الصباح أراد أن يعانق شقيقه بسبب هذه الغصة المريرة الذي لا يعلم سببها &; خمنها اليوم بأنه خوف من رفض "فرح" ولكنه عاد يفكر بأنه الٱن التوأم الأكثر شعورا&; بالٱخر وعن الٱخر
الٱخر&; وهل يشعر الٱخر الٱن بشئ&;&; أنفاسه ت&;سلب وهذا العقل يتعارك معه الٱن في الأحلام &; أحلام بمثابة حقيقة والأحداث تتداخل منذ أن جاء ورافقها في العمل إلى اعترافه لها عند منزل صديق عمره وأيامه &; إلى عقد القران ثم ليلة الزفاف ويومه بالكامل &; إلى كلماتها المعهودة التي تخفق قلبه في الخفاء معلنا&; عكس ذلك في العلن&; إلى يوم حادث شقيقته &; ثم رغبتها في الطلاق قبل ان يتزوجها حينها &; تأتي الأحداث بعدم ترتيبها حتى أنه جاء الٱن معه ذهابها إلى المقابر وشجارهما الموجع ثم الطلاق بالفعل..
وبعد كل هذا تداخلت معه الأحداث وأخبرته أنها تحمل برحمها صغير منه هو &; تسارعت دقات قلبه وضاعت أنفاسه ثم عادت &; ربما من السعادة بما يراه الٱن &; ضم عينيه بشدة&; موجعة وخرج صوته المبحوح يناديها &; يناديها وسط أحلامه الواقعية ! &; ومن حوله يترقبون &; وهلل الممرض يهتف بسرعة&; في الداخل بقلق&; وتخمين:
_" هو دا مؤشر كويس إنه هيفوق &; كده مش هيدخل في غيبوبة&;!!"
حرك الٱخر كتفية بجهل&; فلربما يحدث ذلك أو العكس وسيظل هكذا &; كان يحرك أنامله فقط وعينيه تشدد من ضمها فنظر الطبيب في الأشعة بين يديه وقارب على فهم ما يحدث &; ترقب الأطباء عندما فتح "غسان" عينيه ورمش بأهدابه عدة مرات ينظر نحو سقف هذه الغرفة المجهولة بالنسبة له &; حرك عينيه يمينا&; ويسارا&; &; فأشار أحدهم يلوح أمام عينيه كي يتأكد من أنه يرى وبالفعل تحركت عيني "غسان" له وحرك جسده بتعب&; وعينيه تدور مرة أخرى &;حرك ذراعه بغرابة&; هادئة &; وكل جسدة بخير عدا رأسه لذا حاول التحرك فأسندوه ليتسطح وإزالوا ما على وجهه من قبل بسبب انتظام أنفاسه ودقات قلبه &; فقط يشعر الٱن بأن رأسه ملتفه بشئ&; وبمنتصفها كان الجرح الذي خ&;يط &; نادى بإسم شقيقه بوعي&; الٱن وأسند رأسه على الوسادة بوجع&; وتاهت منه الأحداث لثوان&; فقط بهذا التعب الشديد!!
في حين بأن في الخارج جاء "شادي" راكضا&; بأقصى سرعة لهم وفي الخلف أسندت "منة" &; "نيروز" التي كانت تبكي إلى ان وصلت وهي ترى "شادي" يعانق "بسام" &; تركت هى "منة" وتوقفت تسأل "حازم" عنه بلهفة&; :
_" هو بقا كويس يا حازم&;! بقا كويس صح&;&;"
وكأن لا يوجد على لسانها سوى هذا السؤال التي لم ولن تقبل بإجابة الرفض أبدا&; &; جاراها "حازم " وهو يؤكد لها كي تهدأ وأسندها كي تجلس على المقعد جلست بخواء&; وهي تبحث عنه بعينيها بلهفة&; إلى ان وجدت وجه "بسام" &; حينها بكت وهي تنظر &;على الرغم من انها تعلم بأنه ليس هو إلا أنها ظلت تنظر تحاول ان تجبر هذا العقل الذي لا يطاوعها بأنه هو !
حركت رأسها نفيا&; لهذا الصوت وهذه الافكار وجلست تنتظر لا حول لها ولا قوة وبجانبها "منة" &; وضعت "نيروز" يديها على معدتها تلقائيا&; وشهقت بصوت&; عال&; والضياع رفيقها وبجانبها الأخرى تواسيها &; وكأن الٱخر يدرك الٱن مدى قسوة النتائج &; عندما وجد زوجة شقيقه أو التي كانت !! &; تضع يديها على حملها بتشبت&; وهي تنفي برأسها &; ابتلع "بسام" ريقه بخوف&; من التخيلات التي تأتي بعقله &; وانتفض سريعا&; ما ان وجد أحدهم يخرج &; اقتربت الشباب منه ثم هي عندما انتفضت بسرعة تسمع قول الطبيب :
_" الحمد لله هو يعتبر فاق ولكن لسه محتاج يتابع أكتر لأنه معرض يدخل في غيبوبة &; فهيتنقل دلوقتي لأوضه تانية &; لحد ما يفوق خالص ..ولحد ما نتيجة الاشعة تطلع ! عن إذنكم !"
لا يعلم أيسعد أم يحزن &; ولكن عند أول القول تلهف وحرك رأسه فوجد نفسه بين ذراعي الشباب يطمئنوه &; اما هي تركزت عينيها بلهفة&; علي الباب &; عندما ف&;تح الٱن وخرج منه على فراش متحرك بسرعة ومعه بعض الممرضات &; تلهفت تقترب بسرعة معهم ولكنه كان بعالم ٱخر &; تمسكت بكفه وهي تنحنى تتوسل له ببكاء&; &; ثم تمسكت به بكف والٱخر وضعته على معدتها وصرحت له ببكاء&; لا تريد حتى تركه:
_" متسيبناش يا غسان &; متسيبناش عشان خاطري&; فوق وبصلي ..أنا مش هقدر من غيرك !"
أحكمت مسكها "منة" ومن جهة أخرى "حازم" الذي لمعت عينيه من هذا الإصرار الذي بها رافضة ترك كفه الذي تمسك هو به وكأنه كلما يصبح على حافة الاندماج بالعالم الٱخر تأتي هي وتنقذه &; وبين واقع وخيال يتأرجح هو!
غيبوبة&;! الأمر معقد ولكن طريقة القول لا تعني بأنه سيقبل عليها &; هكذا أقنع نفسه وداخله يتٱكل بالألم &; إنهارت قواها وجلست وهي تنفي برأسها بحسرة&; تتمتم بينها وبين نفسها أو هي من اعتقدت أنها وحدها من تسمع كلماتها المتألمة هذه:
_"ميفعش تمشي وتسيبني &; مينفعش تبعد..احنا لسه مشوفناش ولادنا !!!"
وكأنه أمامها الٱن يستمع &; ولكنها وحدها يرافقها الوجع ومشهد الدماء!&; خرج طبيب ٱخر يعرف "بسام" على مستوى شخصي &; خرج من الغرفة واقترب من "بسام" يخبره بهدوء&; :
_" عايز حضرتك تجمد كدة &; إن شاء الله هيكون كويس بس الساعات دي تعدي على خير ..وكنت عايزك لو تعرف مين فيروز اللي بينادي عليها يستحسن تيجي تتكلم جنبه ..واضح قد ايه هي شخص مهم ومن جهة تانية قبل ما العقل يرفض الواقع وبين التردد ده لو تقعد تتكلم جنبه دا هيساعد أكتر انه يركز ويفوق لو مفاقش هو بعد شوية !!"
حركوا عينهم تجاه "نيروز" الجالسة ببكاء&; &; حرك "بسام" رأسه وقد رأي ان حديثه عملي أكثر! &; لذا ابتلع ريقه وقرر هو الإقتراب هذه المرة فنظرت ناحيته بسكون وهتفت بنبرة متقطعة :
_" مش هيسيبني ..مش هيسيبني صح &;&;"
هاجس الخوف من الفراق يداهمها الٱن &; على مشارف الدخول بحالة لم تلبسها منذ سنوات &; ابتلع ريقه بلهفة&; وانحنى يستند على ساقية أمامها وقال يحثها مثل الصغيرة :
_"مش هيسيبك يا نيروز ..متخافيش مش هيحصل..انت&; سامعاني صح&;&; انت&; عارفة انا بقول ايه &;&; عارفة أنا مين&;"
تجمعت الدموع بعينيها مجددا&; وتاهت وهي تومأ له &; فاعتدل أكثر يحثها برفق&; بعدما تأكد من وعيها:
_"طب بصي ..بعد شوية هندخلك ليه تشوفيه بس بلاش تعيطي ماشي&;&;.. إحنا عايزينك بس تتكلمي معاه كأنه سامعك عشان يفوق أسرع قبل ما يحصل حاجة &; موافقة &;&;&;"
تحركت رأسها بالموافقة بسرعة وابتلعت ريقها تردد بنعم&; &; فقصد حينها أن يظهر ابتسامته وطمئنها بقوله أمام النظرات:
_" مش هيسبيبك ولا هيسيب ابنكم كمان &; هيفوق..بس امسحي دموعك يلا وخليكي قوية هو مببحبش يشوفك كدة &; .بلاش تعيطي ..ماشي&;&;"
هون عليها ووافقت بخواء&; من الداخل ولهفة في الظاهر &; لهفة أخبرته أنها هشة ضعيفة ليس لديها قدرة لتحمل أي أذى&; &; حتى وإن كانت تعلم بأنه يعاملها كمن تختل عقليا&; ولكنها تنتظر &; تنتظر وفقط !! وتتمسك بأي أمل&; تتمسك بأي ملامح مشابهه بأي شئ يخبرها بأنه هنا وبخير !!
أغمض"بسام" عينيه بإنهاك&; بعدما وقف ونظر بٱخر هذه الطرقة فوجد "وسام" تركض وبجانبها "فرح" وخلفهما "جميلة و فريدة" وأحداهما تحمل بيدها كيس به ملابس &; نظر حوله فوجد أن "عز" قد اختفى قبل دقائق . واتضح بأنه هبط ينتظرهم بعدما أصروا على القدوم ! .. ركض يقابل شقيقته التي ركضت هي الأخرى له وعانق الاثنان بعضهما ببكاء&; في وسط الط&;رقة&; وخر قلوب من يقف الٱن ويتابعهم &; حتى "فرح" التي تلهفت لتراه كي تسانده ولو بمجرد كلمات وحروف!! &; بالتأكيد لها معني لديه هو &; احتوى "عز جميلة" برفق&; وإقتربت "فريدة" تقف بجانب "ٱدم" الذي شملها بعينيه اللامعة ووقف بجانب آخر بعيد عنهم .. بل وأخذ نفسه يسير إلى نهاية لا يعلمها وهي من سارت خلفه الٱن &; هو من يرى ان لا يصح ان تهبط دموعه أمامها &; ولكنه عندما رٱها ضعف أكثر وكأن حضورها يكشف ما بداخله من اختناق يريد البوح به &; ابتلع ريقه ووقف يلتفت برأسه وسألها بتعلثم&; :
_" جاية ورايا ليه &;"
إستمر في السير إلى ان هبط على الس&;لم يجلس على إحدي درجاته &; رأته يجلس عكس وقوفها وظهره موجه لها الٱن فهبطت بعض درجات معينة ووقفت أمامه تنظر بسكون &; وكل قدرتها على الاحتواء تبخرت من قبل بسبب ما حدث لها وكل موقف يتطلب منها به احتواء تصارع نفسها إلى أن يظهر كما ظهر الٱن ..
_" ممكن ترفع راسك وتبصلي&;"
تجاهل "ٱدم" قولها وضم رأسه بين كفيه بإنهاك&; ولمعت عينيه فتجرأت تفعل ما فعلته الٱن عند دفعت رأسه برفق&; أمام عينيها فنظر لها بأعين فاضت من كتم الدموع فسالت دمعته تزامنا&; مع قولها المتحشرج :
_" اللي عينيهم حلوة مينفعش يكتموا عياطهم برضو !"
تأثر من هذا القول فتحركت "فريدة", تجلس بجانبه وحثته بحزن&; :
_"عيط يا ٱدم &; أنا كمان عايزه أعيط.. تعالى نعيط يمكن نرتاح !"
ابتلع الغصة المريرة بحلقه وصارحها وهو ينظر داخل عدستيها:
_" مش عارف أخلي بالي يرتاح &; ومش مقتنع إني متأثر كل ده عليه ..انت&; متعرفيش احنا مكناش بنطيق بعض ازاي ..بس بسرعة قلب هو ده زي ما بيقلب كل حاجة وساعدني أشوفه زي بدر من غير ما أحس!!"
تقطعت أنفاسه وأنصتت له بوجع&; وعلمت أن دمعته فرت بسبب تراكمات كثيرة والٱن هذه العقبة من أوقعت هذا الجبل ! &; قررت الانصات أكثر وهذه اللحظة بمثابة شئ كبير معه وله والٱن وهي تلبي الاحتواء بأسهل طريقة عليه وله هو وحده !!
وعلى ب&;عد قرر "عز" الابتعاد بـ "جميلة" كي لا يتأفف أحدهم من الازدحام &; وجلس على استراحة بعيده معها ..وجلست"وسام" تضم "نيروز" ناحيتها وهي تربت عليها بين الحين والٱخر &; في حين وقفت "فرح" بتردد&; واقتربت في خطواتها أكثر حتى حرك عينيه لها بصمت&; والنظرة التي كانت تعهدها منه تبخرت وعلمت حينها أن شقيقه بمثابة شئ كبير كي يصبح هكذا ..
_" ممكن يكون كلامي بايخ أو مش مسموع ومش مهم &; بس انا عايزة أقولك إنه هيبقى كويس ..انت بس تفائل بـ ده&; تفائل بالخير عشان ربنا بيحب كدة يا بسام!"
نظر لخاصتها وقربها بمساندته يمثل له الكثير &; الٱن يغمره القليل من الراحة نصف ٱخر بجانبه ولكنه يفتقد النصف الحقيقي! &; ابتلع ريقه وخرجت الكلمات بصعوبة&; عندما قال :
_" ونعم بالله !"
هذا القول المختصر شكل لها دافع للاقتراب أكثر كي تحثه :
_" طب ..ممكن تقعد ترتاح &; علشان شكلك مرهق!"
تدقق في التفاصيل &; &; وبخفة&; أشارت له على المقعد فجلس ببطئ&; ورفع يديه يمررها على خصلاته بتعب&; &; وجدها تجلس بجانبه وإلتقطت الكيس من يد "حازم" الذي أشار لها ففهمت &; أخرجت ع&;لبة العصير وفتحتها برفق&; ومدت يديها تحثه مجددا&; :
_" ممكن تشرب عشان مينفعش متشربش ولا تاكل بعد ما اتسحب منك دم &;"
نفى ورفض وهو يحرك رأسه بمكان ٱخر :
_" مش عايز يا فرح"
توزعت عينيها بحرج&; عليهم ولأنها تفهم مدى خطورة ما يفعله إلا أنها حركت رأسها. تخبره:
_" انت دكتور وفاهم كويس ان اللي بتعمله ده غلط &; اشرب ولو حاجة بسيطة بس &; صدقني مش هيبقي كويس ابدا&; لو وقعت فجأة &; ممكن تاخد من ايدي بقا &;"
مدت يديها أكثر تقاوم هذا الحرج &; صمت ولم يستجيب &; فخرجت عفويتها بجدية&; غير قاصدة قولها :
_"طب بصلي هشربك أنا يلا !''
اتسعت عينيها ما ان وعت لما قالته بتلقائية من هذا الإصرار احمرت وجنتيها اما هو فإكتفى ببسمة صغيرة عليها متفهما&; ما حدث كادت أن تتعلثم في الحديث لتبرر وتحثه بنفس الوقت ولكنه حرك عينيه بتفهم&; ونظر ناحية يديها المرتجفة فأراد إنقاذ الوضع والتقطه من بين يديها &; وتلقائيا&; وقعت عينيه على محتوى العلبة فوجده المشروب المفضل لشقيقه &; لمعت عينيه مجددا&; وكأن كل شئ يراه هو به &;. أخرج أنفاسه بصوت&; وابتسم بوجع&; حتى رفع رأسه متمسكا&; به بشدة&; وقال يصارحها بما جعلها تشفق:
_" غسان بيحب الطعم ده أوي.. انا هسيبه معايا عشان لما يفوق يشربه من ايدي!"
دارت "فرح"وجهها سريعا&; من تأثرها بهذه الكلمات البسيطة .. لم تكن بسيطة لديه أبدا&; &; وعى أنه ينتظر بالمكان الخطأ ولكن الزياره هناك ممنوعة &; إلا لظروف خاصة مثلما ستفعل الأخرى &; أمسكت أحد الأكياس ونهضت تحثه بخجل :
_" جبنالك لبس عشان تغير من الدم &; روح أي حمام غيرهم واغسل وشك عشان تفوق أكتر .. اتفضل!"
رفع عينيه ناحيتها فوجدها تنظر له بابتسامة هادئة ووجنتيها حمراء منذ ان قالت قولها العفوي قبل قليل &; التقطها بإمتنان منها ونهض ينظر نحو شقيقته و"نيروز" وتنفس بعمق&; يوافق قولها &;و سار بعدما توقف يشكرها :
_" شكرا&; يا فرح "
نظرت له ببساطة&; هادئة تعني بها بأنها لم تفعل شئ &; واقتربت من" نيروز " تمرر يديها على رأسها برفق&; مواسية اياها بالنظرات وبعض الهمسات مع "وسام" التي توجب عليها الصمود &; وعلى الرغم من انها تهاب المستشفيات إلا أنها تقاوم وتصارع الٱن لأجله! &; جاءت ممرضة من على ب&;عد&; تقف فإقترب "حازم" ينظر بتساؤل إلى ان أخبرته هي قائلة :
_"حالته يعتبر مستقرة إلى حد&; ما بس عشان نساعد على ده أكتر&; عايزين اللي مطلوبة لزيارته لتنشيط تركيزه &; بس هي لوحدها بس لو سمحتم!"
أشار"حازم" لـ "نيروز" فنهضت بلهفة&; تسير بجانبها &; وجلست "فرح" بجانب "وسام", ووقف "حازم " ينتظر بخوف&; برع في إخفاءه كونه يخفي ويتحمل دائما&; -م&;جبرا&;-!!!.
_________________________________
&;&;أسميتك من جهلي
وطنا&;&;
ونسيت&; أن الأوطان
ت&;سلب.&;-محمود درويش-
شعرت الٱن بأنه ي&;سلب منها بالتدريج والٱن هي العاجزة !! &; وقفت أمام الغرفة بأنفاس مسموعة وفتحتها الممرضة &; فدخلت "نيروز" وأ&;غلق الباب تحت ترقب طبيب وبعض الممرضات في الخارج &; سارت ب&;خطى غريبة &; وجلست تحاول حبس الدموع &; ابتلعت ريقها بخوف&; وخفق قلبها بقوه !! رؤيته كذلك أصعب شئ لها &;. الٱن هو يعي بالفعل وعينيه مغمضة لا يقوى على فعلها وفتحها من كثرة هذا التشوش وألم الرأس &; انتظمت أنفاسه ونادت هى عليه قائلة برهبة&; وكأنها تستنجد به من ريبة وحدتها من دونه :
_" غسان !!"
ثم من بعدها مدت يديها تمسك كفه بتشبت&; &; ومجرد ما ان سمع الصوت عامة&; ترقب قبل أن يحدد من هو &; بالفعل يسمع &; يسمع ولكن من عزم الوجع لم يكررها ويفتح عينيه مجددا&; &; تنفس وشدد من مسكة يديها &; فتلهفت بإبتسامة وعلمت بأنه يعي لذا عقب هذه الابتسامة تمسكت بكفه أكثر وترجته قائلة بنبرة باكية :
_" فتح عينك عشان خاطري ..بصلي..أنا هنا ..أنا جنبك &; مش همشي من غيرك !!!'"
ابتلعت "نيروز" ريقها وسمعته يئن بألم&; فواصلت بإندماج متعب :
_"مش هعرف أمشي ألا بيك &; ومش هقدر أعيش من غيرك.. انت معاك حق ..أنا كدابة ..كدابة أوي والله&;!!!''
أسندت رأسها وهي تنحني على طرف الفراش وبكت وهي تسرد ولم تترك كفه الذي بين يديها:
_"كدبت لما عرفت اني اقدر ابعد عنك &; والله العظيم ما عرفت &; انت عملت فيا ايه&;&; خلتني اتعلق بيك ازاي &;&; وأنا كنت خايفة اوي لـ اقع في نفس الوجع من تاني&; بس انت وعدتني.. وعدتني انك مش هتمشي زيه وتسيبني..!!"
وواصلت تكمل دون إعطاء الفرصة لنفسها بل الٱن تجهش في البكاء وهي تكمل له ما تكنه بصدق :
_"انا عارفة انك قد الوعد &; حتى بعد ما طلقتني برضو فضلت ضامناك زي ما بتقول بس غصب عني والله العظيم &; ضمنتك عشان بحبك ومش قادرة اصدق ان ممكن نبعد..حتى بعد ما رفضتني..المرة دي كنت ناوية ابعد وأقطع أي أمل بعد الرفض ده &; المرادي اتوجعت أوي منك بس عرفت اني واجعاك.. "
يصارع من جهة ليطمئنها وهي تصارع لفعل أي شئ بيديها فعله &; حركت رأسها واقتربت تضع كفه على معدتها وقالت ببكاء&; ٱخر ليفعل ما بوسعه كي ينهض:
_"مينفعش تمشي وتسيب ده.. مش من حقك يا غسان&; أرجوك ماتسيبناش &; متسيبش ابني من غير أب &; انا مش هقدر على ده ولا اللي في بطني هيقدر "
وأضافت بمرارة وجع الفقد التي جربته من قبل وإلى الٱن تعاني منه :
_"الحياة من غير أب وحشة أوي &; وانت كنت ابويا اللي محدش عرف ياخد مكانة أرجوك متوجعنيش من تاني ولا تكرر الوجع على حد مني متمناش يحس اللي حسيته .. ولا انا عايزة احسه تاني يا غسان!"
فتح عينيه ببطئ&; وحرك ذراعه الٱخر فتلهفت بقوة تقترب &; حاول لمس وجهها الباكي ولكنه عجز فاقتربت تمسك يديه الأخرى بلهفة وهي تنظر ناحية وجهه الذي تراخى وهو يحاول أن يهتف بقول ما وخرجت منه بوعي لها رغم التقطع :
_" مش هسيبكم .. متخافيش يا نيروز!!.."
ابتسمت بلهفة وهي تمرر أناملها على وجهه فنظر بإهتزاز من هذا الألم وقاوم مجددا&; يحثها بتعب&; :
_" متعيطيش..!"
ثم طمئنها عليه كي تسكن من هذه اللهفة التي تتفحصه بها:
_" أنا كويس"
كلماته بمثابة دواء لداء لهذا الجرح الملتهب فآلتئم ٱثر كلماته على الفور &; ابتسم لها نصف ابتسامة &; فإقتربت أكثر تنظر نحو ملامحه مررت يديها على تقاسيم وجهه بحنو&; وهي توافقه بلهفة&; ثم رفعت كفه تقبل باطنه برفق&; &; هذه المرة هو من وضع كفه على معدتها يطمئنها أكثر بنظرة عينيه التي تحاوطها&; فمالت تهمس له بإختناق&; وهي تضع يديها على كفه الموضوع على معدتها :
_'' أنا وهو هنستناك والله&; بس انت قوم ..قوم بقى&;!"
فأكملت مصارحة بريبة من هول اللحظة والوضع:
_" أنا خايفة!"
حرك. رأسه يومأ وحالته تستقر نسبيا&; &; دخلت الممرضة بابتسامة تحثها وأشارت لها بالخروج &; تركت كفه وأسندته على معدته برفق&; حتى نهضت تزامنا&;. مع عينيه التي دارت مجددا&; فهتفت بإسمه حتى نظر لها بتشوش&; واخذ أنفاسه يحثها بينما لا يكف عن اعطاء الٱمان لها حتى وان كانت حالته كهذه :
_" متخافيش "
تركته بألم وخرجت بعدما أومأت وأشارت له وذهبت بنفسها لمكانهم حتى وصلت فوجدتهم مجتمعين وأخبر الطبيب "بسام" :
_"للأسف مينفعش يروح النهاردة &; لازم يقعد معانا تحت المتابعة ولو بقى كويس أكتر بكره يقدر يروح تحت مسئوليتكم&;لكن اطمنوا هو نوعا&; ما بقا كويس !"
عادت أنفاسه من جديد ونظر بلهفة&; ناحية "نيروز" التي اجاباتهم على تساؤلاتهم جميعا&; :
_"أه &; رد عليا و..كلمني!"
احتوتها "جميلة" فنظر "بسام" ناحية "عز" وأخبره :
_"خدهم يا" عز " روحهم وروح "نيروز" معاهم عشان مينفعش تقعد أكتر من كدة بالحال ده !"
وقف بعجز&; فلا يوجد هناك حل ٱخر غير هذا وهو المتماسك عنهم جميعا&; &; حرك رأسه &; واقترب من "حازم" كي يأخذ المفتاح منه &; في حين إقترب "بسام " من "نيروز" وطمأنها بـ :
_" انت&; شوفتي بنفسك هو فاق واتكلم معاكي ازاي &; لازم بقا دلوقتي تروحي عشان مينفعش تقعدي أكتر من كده &; وعشان أكيد ليكي علاج &; علفكرة غسان مش هيبقي مبسوط لو انت&; عاندتي وقعدتي وأهملتي فنفسك وفي ابنكم &; ولا ايـه &;"
لمرة أخرى يحدثها كصغيرة برفق&; متفهما&; حالتها &;. هبطتت دموعها مره أخرى ونبست برجاء&; :
_" بس أنا عايزة أبقى معاه &; مش عايزه أسيبه !"
تدخل"شادي " هو الٱخر ينقذ هذا الموقف بحديثه الهادئ رغم يديه وجسده الهارب منه أعصابه بالخوف الذي لم يستطيع أحد رؤيته سواها هي سوى "منة":
_" هو مش هيسيبك هو معاكي علطول &; بصي كده !"
ذكرها بذكاء&; عندما أشار بعينيه ناحية معدتها البارزة كي تنتبه بأنها تحمل صغيره &; صغير يجب مراعاته مثله تماما&; &; تلهفت وهي تتمسك بمعدتها وامتن "حازم" له بالنظرات فأومأ وأشار لـ "منة" كي تسندها &; فأسندتها "فرح" أولا&; وبقيت "منة" تنظر له بتمعن&; وشفقة &; حتى تمسكت بكفه وإقتربت منه حتى وقف الإثنان على بعد خطوات&; وسألته حينها بنبرة&; مهزوزة:
_"انت كويس يا شادي&;..أنا مش حابة أسيبك وانت كدة !"
_" كويـس متقلقـيش.."
وقبل أن يكمل كلماته وجدها تندفع بأحضانه &; تعلم بأن هذا العناق سيحتويه بما به الكفاية &; ابتلع ريقه ولمعت عينيه وهو يخرج أنفاسه الثقيلة من على صدره حتى رفع كفه يمرر يديه على خصلاتها برفق&; فهمست هي له بعدما خرجت من أحضانه :
_" أنا عارفة إنك قوي وبتستحمل وياما إستحملت !"
حرك رأسه سريعا&; قبل أن تهبط دموعه وقال بنبرة&; متحشرجة&; يصارحها وكأن هذا العناق كشفه الٱن وكشف ما يحاول كبته :
_" بس غسان غير &; غسان خ&;لي الوفي يا منة &; أقرب ليا من أخواتي اللي من دمي وسابوني ومشيوا &; غسان ضهري..وضهري الوقتي اتقطم ومش عارف أصلب طولي من غيره &; أنا حاسس اني جوه معاه وعقلي رايح مني عليه!"
مسحت دمعته برفق&; فإعتدل يخرج أنفاسه ببطئ&; وقبل أن تتحدث سحب كفها حتى أوقفها بجانب "نيروز" و"جميلة"و"فرح"و "فريدة" التي تركت "ٱدم" الواقف الٱن فقط أرسل لها ابتسامة صغيرة هادئة يطمئنها بها &; واقتربن من "نيروز" يحثونها على الرحيل حتى سارت بجسد&; خاوي والخطوات تترد وكلما ترفع رأسها تحركها بإهتزاز يشجعها "بسام" بعينيه &; فسارت باكية رغم&;ا عنها وجزء منها يأبى السير وتركه ولكنها م&;جبره ..م&;جبرة على فعل هذا !!
جلس "بسام" بتعب&; وابتلع ريقه يأخذ أنفاسه بهدوء&; ووجد "شادي" يمد كفه له وقال بنبرة&; هادئة يحثه :
_" قوم بينا يا بسام نروح لأبوك نشوفه فين دلوقتي!"
وكأن عقله لم يسع سوى شقيقه وحاله &; نهض بلهفة&; ينظر بخوف&; فوقف "شادي" بجوار "حازم"و"ٱدم" وردد مجددا&; يخبرهم:
_" احنا هنمشي وراجعين تاني &; بس على ما نرجع حاولوا تشوفو أوضة نقعد فيها من هنا لبكرة كده على ما نشوف الدنيا فيها ايـه!"
_"ماشي هشوف الحوار ده متشغلش بالك&; وطمنونا لو لقتوه في الجامع اللي تحت!"
وافقه "حازم" بذلك وحرك "ٱدم" رأسه بصمت&; هادئ &; إلا أن وقف "شادي" يتصنع الثبات رغم العكس وفرد ذراعه كي يستند عليه "بسام " وهتف بنبرة يحثه بها مجدد&;ا :
_" يلا بينا يا "بسام".
سارا معا&; برفق&; لنهاية هذه الطرقة حيث الس&;ل&;م وقلب كل منهما يتعلق بأحدهم وهو ه&;نا بحالة ي&;رثى&; لها &; أحدهم بالنسبة لهما شئ لا ي&;ع&;وض وفكرة ضياعه منهما فكرة صعبة ..صعبة لمجرد التخيل!
__________________________________
&;-" الله قد&;ر هذا&; والله كفيل&; به"
-" الله قد&;ر هذا&; والله كفيل&; به"
-" الله قد&;ر هذا&; والله كفيل&; به"
أخذ يرددها ببكاء&; بعد صلاته &; ودعاءه &;فر لمن بيديه كل الحلول &; لمن بيديه قلب الموازين من أشدها إلى ألطفها وأسهلها على المرء &; شعور العجز الذي لبسه حينها كان أصعب ما يكون &; لا يستطيع لمس ولده أو حتى الآقتراب منه &; إبتلع ريقه بعد ضياع هذا الوقت ولكنه مر عليه كسنوات&; كبيرة &; ورفيقه حينها كان الوجع والخوف..الخوف من الخسارة!!&; أخذ "حامد" أنفاسه بتقطع&; ومسح عينيه ورفع رأسه للمرة الذي لا يعرف عددها وهذه المرة باح بما بداخله دون تعديل منه وقال بخوف&; يترجى&; ربه :
_"يارب متخسرنيش في ولادي أبد&;ا &; يارب لو كان ابتلاء أنا راضي بس متوجعنيش فإبني &; الاختبار ده صعب عليا أوي يارب &; أنا راضي بس قلبي غاصب عليا الوجع والخوف&; يارب انت اللي عالم بحالي!&; متوجعنيش واحفظهولي يارب!!!"
بكى&; حينها كما لم يبكي من قبل &;. ووضع كفيه على وجهه كغريب وجاهل إلا عن شئ واحد يتٱكل به الٱن " عاطفة الإبوة" التي توجعه وجع ليس له مثيل!!&; كم صلاة صلاها وكم دعاء دعاه وكم ساعة لبثها ه&;نا وترك خلف ظهره الأمور تسير كما هي م&;دونه عند ربه &; وما بيديه فعله من ترجي بالدعاء لم يتٱخر عنه أبد&;ا &; وضع كفه على صدره يحاول أخذ أنفاسه ودعى مجدد&;ا من هذا التعب الذي لا يقوى على تحمله ولكنه ملزم كي لا يعترض &; ففكرة الاعتراض وحدها مرعبه لديه !! :
_"&;إن ثقلت الأيام والساعات على قلبي فهونها بلطفك يالله..
&;اللهم أرح قلبي بما أنت به أعلم وانزل في صدري برد&;ا وسلام&;ا وطمأنينة أبعدني عن كل مخاوفي وقوني بك حين يقل صبري.. ك&;ن عوني وأعني فلك الحمد في الحزن قبل الفرح وفي الضعف قبل القوه وفي الشدة قبل الرخاء!!"
هاب الإعتراض فدعى&; ودعى&; مجددا&; بهذه الساعة المتٱخرة من الليل بالنسبة للمسجد&; &; الذي يجلس به الٱن منفردا&; بذاته &; ابتلع ريقه ومسح وجهه مجددا&; يرفع عينيه فوجد ابن المسئول عن المسجد يقف ومال بلباقة&; يسأله عن حاله :
_" إذيك يا حج &; انت كويس&; قولي مالك يمكن أقدر أساعدك أصلك بقالك كتير على الحال ده وكنت عايز أقفل المسجد بس اتحرجت أجيلك اقولك امشي من بيت ربنا &; لو معاك مشكلة قولي وان شاء الله اقدر أساعدك!"
كان شاب عشريني بشوش الوجه &; وفي الحال جلس بجانبه ما ان وجده يحاول أخذ أنفاسه &; مال يأتي بكوب مياه من ما وضع بجانبه وأعطاه له برفق&; وهو يربت على كفه المجعد بقوله اللبق :
_" إتفضل اشرب .. اشرب على مهلك !"
أمسكها "حامد" منه بأعصاب متروكة &; فنفى الشاب ببساطة&; وابتسم ي&;قربها من فمه كي يساعده في التجرع منها فتجرع ببطئ&; حتى أخذ أنفاسه فسأله الٱخر مجددا&; :
_" أحسن &;"
حرك "حامد" رأسه بهدوء&; &; فجلس الٱخر بإعتدال&; ينتظر إجابته على أسئلته &; بينما نظر "حامد" لوجهه المريح وطلب منه بنبرة&; مختنقة :
_" أنا مش عايز منك حاجة يبني..أنا عايزك بس تدعي لابني يقوم بالسلامة. لعلك قريب من ربنا عني!"
_" احنا عباد الله كلنا يا حج &; ربنا يشفية ويعافيه ويقومه بألف سلامة سالم معافي يارب!"
ابتسم"حامد " له وزفر بصوت عال&; بإنهاك&;. فعاد الٱخر يسأله برفق&; :
_" قولي ..حضرتك أكلت&; ولا تحب اجيبلك تاكل حاجة &;"
_"الحمدلله يبني كتر خيرك !"
رددها بصعوبة&; فعاد الٱخر وكأنه يصر على فعل أي خير :
_" طب قولي حضرتك عنوان بيتك ايه&; قوم معايا أوصلك!''
كاد "حامد" أن يعارض كي يستجمع ذاته وينهض ولكنه إلتفت برأسه ينظر نحو هذه الخطوات السريعة &;فوجدهما هما &; اقترب "شادي" بسرعة&; يسأله بلهفة&; :
_" انت ..انت كويس &;"
حرك "حامد" رأسه إيجابا&; فوجد "بسام" يقف بجانبه بصمت&; وعيناه من تتحدث بالكثير &; حينها إنحني يعانق والده بوجع&; وهمس له بتحشرج&; تزامنا&; مع ضم "حامد" له :
_"أنا جاي لك زي ما قولتلي لو فاق هعرف مكانك &; عايز أقولك انه فاق بس لسه مش قادر أعرف هو بقى&; كويس ولا لأ ..أنا ..أنا ٱسف يا بابا !"
ربما هذا الأسف لأمور عديدة منها عدم إخباره بما يريده بالكامل &; ومنها تركه يذهب ! &; ضمه "حامد" كصغير متشتت لا يعلم ما هو الأمر أو جهل عن طريق ما وعلمه في النهاية &; أغمض "حامد", جفنيه ببطئ&; وشكر ربه علي هذا الخبر حتى وإن كان ليس كما يريده بالكامل. وأخذ أنفاسه ببطئ&; فآعتدل "بسام" بلهفة&; يخبره :
_" قوم بينا يلا. يلا نمشي ..تعالى عشان تروح وتاخد علاجك مينفعش تقعد كل ده من غيره !"
بالفعل شعر بالهبوط يحاوطه وغالب&;ا. تٱثير الضغط الذي ٱثر عليه بقوة من قبل &; نهض وحرك "بسام" رأسه ناحية الٱخر فوجده يبتسم ببشاشة&; &; أسند "شادي" "حامد" وابتسم هو الٱخر بإمتنان&; ما أن وجد الٱمر يشرح ذاته من مرافقة الشاب له &; فاقترب "بسام" يردد بإمتنان&; :
_" ش&;كر&;ا!"
_" الش&;كر لله أنا معملتش حاجة !"
حرك رأسه له بتفهم&; &; فإبتسم "حامد" قبل أن يرحل وسأله برفق&; :
_" متنساش تدعي تاني زي ما قولتلك يا اسمك ايه!&;"
_" إسمي "محمد" يا حج &;. وان شاء الله هيقوملكم بألف سلامة!!"
حرك رأسه بالإيجاب&; وربت على كتفيه يمتن حتى للمواساة بالكلمات &; وأسنده من الناحيتين "بسام" و"شادي" إلى أن خرجوا خارج المسجد &; فوقف "بسام " يحث "والده" بإصرار:
_" اركب مع شادي يوصلك البيت يا بابا &; لازم تاخد علاجك ولازم تكون معاهم هناك &; وصدقني غسان هيكون بخير ان شاء &; وابقى تعالى بكرة بس لو عايزه يبقي كويس بجد روح ومتهملش في صحتك!"
ورغم رغبته في الرفض إلا انه وافق بتعب&; مقررا&; المجئ مرة أخرى عقب ما ينتهي من ما عليه من واجبات! &; ركب مع "شادي" الذي تولى أمر توصيله وسارت السيارة بعدما أسنده الإثنان ليجلس بأريحية&; وهمس "حامد " بتعب&; له :
_" خلي بالك من نفسك&; خلي بالك من أخوك!"
يعتاد دائما&; على هذه الكلمات لذا لم يركز دائما&; &; بينما الٱن لمعت عيني "بسام " وهو يوافقه وانطلقت السيارة &; تزامنا&; مع عودة "بسام" إلى المستشفي حيث كان!!
________________________________________
وصلت وأوصلهن "عز" إلى المبنى وصعد معهن إلى أن وقف ينظر ناحية "جميلة" التي خرجت بعدما دخلت مع "نيروز" غرفتها &; والتي ظلت معها شقيقتيها ووالدتها &; في حين جلست "فريدة" بالصالة تحمل "يامن" بتشبت&; وهرولت "منة"مع "فرح" لرؤية "دلال"و"وسام" &; زفر بصوت&; عال&; وأغلق الإتصال مع "والدته" ونظر ناحية "جميلة" التي اقتربت تستعلم عن حاله فابتسم يطمئنها وقبل أن تتحدث قال هو أولا&; :
_"خليكي يا جميلة وخلى فرح معاكي &; أنا همشي أنا هشوفهم محتاجين ايه تاني وهروح عشان أمي متقعدش لوحدها في البيت!"
اقتربت تغلق سحاب سترته أكثر وقالت بنبرة هادئة مختنقة من كثرة البكاء :
_". خلي بالك من نفسك يا عز&; وابقى&; طمني!"
ابتسم يوافق بحركة رأسه وبحث عن شقيقته بعينيه فعلم أنها هناك لذا حثها مجددا&; بقلق&; :
_" وخلي بالك من فرح!"
خرجت الجملة منه وعلم جيدا&; من يأخذ انتباهه على من بالتحديد بينهما &; وافقت &; وفرد ذراعه يحتويها حتى عانقها برفق&; فبادلته العناق تحت عيني "فريدة" التي تحاول محوه من ذاكرتها &; فهذا يفعل ما كان يفعله بحركاته وكأن أصحاب الدماء المتشابهه يعرفون طريق واحد للحركات والتفاصيل &; وحتى الشبه الذي بينه دارت رأسها ودفنت رأسها في أحضان الصغير تهرب من رؤية هذا &; الذي يعانق شقيقتها حتى همس لها بإطمئنان :
_" ان شاء الله كل حاجة هتبقى تمام &; متخافيش!"
قبل وجنتيها بلين&; فابتسمت وودعته بهدوء&; حتى أغلقت الباب خلفها ووجدت "عايدة " تخرج من المطبخ بعدما أعدت طعام لـ "نيروز" كي تأخذ دواءها &; ابتسمت "جميلة" ولكنها جلست بجانب شقيقتها وبينهما الصغير في حين دخلت "عايدة" الغرفة عليهن فوجدتهن يبدلون ملابسها برفق&; إلى ان جلست "نيروز" بتعب&; وجلست خلفها "سمية" تمشط خصلاتها بحنو&; فإقتربت "عايدة" تزامنا&; مع دخول ابنتها وشقيقتها و"يامن" :
_" يلا بقا علشان تاكلي وتاخدي علاجك &; ولا ايه يا س&;مية ما تقولي حاجة!"
نهضت "سمية " ببطئ&; تؤكد بحركة رأسها &; فحملت "ياسمين", الصحن وجلست تحثها برفق&; كي تأكل فرفضت بهزة رأسها ان تأكل &; فنظرت والدتها بحسرة&; إلى ان اقترب "يامن" بعدما حثته "وردة" و"جميلة" &; ونهض يجلس على ساقها فحملته بسكون رغم انهاكها &; رفع حينها رأسه ببراءة&; يملي عليها ما أملته والدته عليه:
_" روز..ك&;لي!"
ضحكن عليه بخفة&; فابتسمت "نيروز",, له تجامله وقبلته حينها بحنو&; وهي تحرك رأسها بطاعة&; له &; كلما تتعمق النظر به ترى به تخيلاتها المستقبلية &; وأحيانا&; يحمل ملامح تشبه ملامح والده التي تشبه "غسان " هكذا رأت فلمعت عينيها وهي توافق &; فأطعمتها "ياسمين". بحنو&; هي مرة وهو مرة &; فنظر بسعادة&; من هذا وضحك بصوت&; عال&; فضحكن عليه مرة أخرى &; أردات "عايدة " تركهن فخرجت وخرجت بعدها "جميلة" و"فريدة" من الشقة بأكملها بعدما ودعوهن كي يتركوهن بأريحية وليغفى ما يريد ذلك بهذا الوقت ..
_" نامي بقا يا حبيبتي وارتاحي يلا!"
حثتها "والدتها" فأومأت بخواء&; &; ونهضت "ياسمين"و"وردة" لغرفهما &;. في حين نظرت "سمية" عليها بشفقة&; بعدما تناولت القليل واخذت الدواء &; ومازالت كذلك &; ابتسمت لـ "يامن" الذي ركض إلى الخارج بعفوية&; &; والتقطت الغطاء والتفتت تغلق الباب قليلا&; ثم اقتربت لتتسطح بجانب "نيروز" التي بكت بصمت&; ورغم انها تفاجأت من بقاء والدتها معها إلا انها حاولت اخفاء وجهها ولكن "سمية" ضمتها بهذه اللحظة ناحية صدرها ومررت كفها على ظهرها كصغيرة تهاب كابوس ٱخر ليأتي لها &; فإحتمت بذراعي "والدتها" التي همست لها رغم القهر :
_" اهدي يا حبيبتي &; متخافيش يا ضنايا!"
همست "نيروز" بضعف&; حينها وهي تستند على قمة صدر والدتها:
_"أنا خايفة أوي يا ماما &; خايفة وكل مره كنت بخاف فيها بلاقيه وبقوله اني خايفة فيحضني ويطمني &; هو فين المرادي&;&; فين يا ماما وأنا ليه سيبته&;!"
قالتها ببكاء&; فشددت والدتها من ضمها فشهقت شهقات متتالية &; إلى ان همست "سمية" بلهفة&;:
_"ان شاء الله هيقوم ويفوق ويبقي بخير &; نامي ..نامي يا حبيبتي وارتاحي!!"
_"مش عارفة ..مش قادرة!"
انهارت باكية مجددا&; وحاولت النهوض فنهضت "سمية" بلهفة&; تسألها بخوف&; :
_" قومتي ليه بس &;&; راحة فين دلوقتي يبنتي&;&;&;"
نهضت "نيروز" بوجع&; تتمسك بمعدتها ولبستها حالة صعبة ولكنها اكتفت تصارحها مما جعلها تفتح عينيها على وسعها :
_"هروحله تاني .. انا مكنتش عايزة أسيبه &; هم اللي ضغطوا عليا &; أنا مش هسيبه تاني يا ماما &; خليني أروحله عشان خاطري!!!"
تلهفت "سمية" حتى صدمت ونهضت تقطع خروجها وقالت بخوف&; تهدأها :
_" تروحي فين دلوقتي يبنتي &; انت&; اتهبلتي&;&; الوقت إتأخر &; نامي الله يهديكي &; نامي وبكرة هنروحله سوا !"
كانت تحدثها كصغيرة &; وكأن الكل يراها مختلة &; نفت برأسها وعندما شعرت بأن هناك خطر منها سيأتي بصراخ&; متواصل مثل هذه الحالة &; هتفت تنادي بصوت&; عال&; شقيقتيها :
_" يا وردة يـــا يـــاسمـــيــن!!"
نادت "سمية" بصوت&; عال&; بإستغاثة&; وليس معهن الأن رجل &; بينما نفت "نيروز" برأسها وبكت قبل ان تفعل ما تود فعله رغما&; عنها وقالت ببكاء&; تلومها :
_". بتناديهم ليه يا ماما &; حرام عليكي أنا عايزة امشي من هنا &; مشيني عشان خاطري!!!! "
الٱن شعرت بأن عقل ابنتها قد رحل وتركها &; هابت فعل أي شئ وابتلعت ريقها بهذه اللحظات الضيقة فدخلت "وردة" بسرعة وخلفها "ياسمين" ولكن أبت "نيروز" اقترابهما منها وقالت بنفي وهي تحرك رأسها :
_" متقربوش مني &; سيبوني..سيبـــوني بــقا!!"
وقفن بغير وعي لما تفعله وتردده &; ولكنها شعرت بضيق اللحظة &; ووضعت يديها تنفي صوت حاد أتي بأذنيها ربما بوادر إنهيار ومن لحقه كان جرس المنزل الذي قطع أفكارها الحادة &; ركضت "وردة" تفتح الباب بسرعة فوجدته "حامد" الذي نظر بخوف&;. من ملامح "وردة" التي قررت اخبارة الٱن عن ما يحدث &; في حين أمسكت "ياسمين" "نيروز" ولكنها دفعتها بضعف&; وجلست غير قادرة على النهوض وكل ما كانت ستفعله ذهب هباء امام القوة التي خارت وذهبت وتركتها وحيدة مثله تماما&;. بل هو من كان مصدر قوتها &; جلست بإنهيار على الأرض ودفنت رأسها على ركبتيها وجلست القرفصاء وحملت نفسها كل الذنب من البداية وأخذت تهتف بتكرار&; :
_" أنا السبب ..أنا السبب!!"
نظر الاثنتان لبعضهما بخوف&; وقبل ان تنحني "نيروز" دخل "حامد" بسرعة&; ووقف بخوف&; إلى ان صارع وحاول الجلوس رغم ألمه وضم رأسها دون أن تراه &;يملك ذراعين حانيتين تحتوي الكل مثله تماما&; لكنه ليس هو &; علمت من هو وبكت وهي تتوسله :
_" أنا عايزة أروحله يا عمو &; وديني ليه عشان خاطري!"
تلهف ونهض بإعتدال يسند كفها فنهضت بتعب&; معه وسقطت خصلاتها على عينيها فدفعها ناحية الخلف وقال كذبا&; يخدعها :
_" أنا ..أنا كنت عنده وقالي أروح عشان اخد بالي منك ومسبكيش &;. وقالي كمان لو حاولت تيجي قولها متجيش وتستنى&; على ما اجيلها أنا!"
نظرت بلهفة كطفلة تصدق أي تراهات تقال &; ابتلعت ربقها فحرك رأسه يؤكد مرة ومرة أخرى إلى أن تمسكت بكفه وقالت مره أخرى بتوسل&; :
_"طيب ..طيب خدني معاك متسبنيش هنا !"
كانت تقتنع بأنه سيرحل له مجددا&;. &;. لذا لم يرفض وفهم ما تفعله &; وسحبها معه فكادت ان تمنعه "سمية" بذهول&; إلا أنه رفع كفه يمنعها من الحديث وأشار لـ "وردة" تطمئنها &; وسارت معه "نيروز" ناحية الخارج حتى فتح الباب وأغلقه خلفه &; سارت معه ناحية باب شقته الذي فتحه بالمفتاح وهو يسندها معه بيده الأخرى فوققت تنظر بريبة&; حتى سحبها معه ناحية الداخل فوقفت تنظر بإستفهام&; فصارحها بإسلوبه الخاص :
_" مش هقدر اروح تاني &;. مينفعش اسيبك زي ما قالي ..بصي أنا هقولك على حل أحسن &; تيجي تنامي في أوضته وعلى سريره &;&;"
حاولت التشبت بأي شئ منه &; حركت رأسها بتردد ولكنه سحبها مجددا&; &; وقاطع هذا هرولة "وسام" له التي ارتمت بأحضانه ببكاء&; فطمأنها بلهفة&; ووجد "منة"و"فرح" يسندان "دلال" التي وقفت تسأله بنبرة باكية وكأنها تلومه عن عدم فعل شئ ليس لديه يد به :
_" فين ابني يا حامد &; مجيبتوش معاك ليه &;&; ابني ماله &;&; حصله إيه&;&;"
خرجت "وسام" واقترب هو منها كي يطمئنها باحتواءه وحث الاثنان على الذهاب بـ "نيروز", ناحية غرفته &; فاقتربن منها يسنداها إلى الداخل &; فدخلت وجلست على الفراش بحسرة&; وضمت كفيها ناحية وجهها بتعب&; &; فرددت "منة" وهي تحاول أن تجعلها تتسطح :
_"ارتاحي يا نيروز &; ريحي جسمك متعلميش في نفسك كدة انت&; حامل!"
تمددت على الفراش بمساعدتهن وأغمضت جفنيها بوجع&; &; فنظرت"وسام " بتعب&; من كل ذلك وخرجت وتركتهن &; فوقفت "فرح" تحث "منة" على النوم بجانبها &; وأطفأت النور ثم أغلقت الباب &; واقتربت مسرعة من غرفة "وسام " التي ذهبت إلى فراشها ترتجف والشهقات تكتمها &;. ولكن "فرح" أصرت حينها على عدم تركها وتسطحت بجانبها حتى اخذتها في أحضانها تطمئنها بقولها :
_"متعيطيش والله هيبقى&; كويس صدقيني!"
عانقتها لتطمئن في حنو&; ورفق &; وهذه اللحظة لديها تعني الكثير &; وجدت من تحتويها كأخت والأخرى كذلك والاثنان يتشبتان ببعضهما في حين أنها بالغرفة الأخرى عارضت أي شئ وظلت شاردة ببكاء&; ضائع كيف حاله &; وماذا حدث له الٱن &; ولما كل ذلك من البداية &;&;. أسئلة كثيرة ليس لها جواب &; ورفيقها الوجع الٱن وجدت هاتفه ي&;ضاء &; هل ترك كل شئ &; تحركت بلهفة&; تلتقطه بينما الأخرى ظلت تتابع من على بعد فقط &; ألا أن "نيروز" نهضت تتمسك به وعادت مجددا&; تفتحه بلهفة&; &; لم يغير أي شئ حتى صورتها معه بالخلفية الداخلية &; نزلت دمعتها وتفحصته سريعا&; ووجدت أنه لم يغير أي شئ حتى اسمها &; تشبتت به ونظرت نحو تقاسيمه وملامحه في الصورة التي كانت بها معه &; أول صورة أ&;خذت لهما بواسطته!! &; شردت كثيرا&; بكل ما مر عليها معه إلى أن دارت عينيها بتعب&; وغفت رغما&; عنها وبين يديها الهاتف واليد الأخرى وضعت علي معدتها &; اعتدلت "منة" تضع عليها الغطاء وتسطحت مرة أخرى بعدما مررت يديها تزيح خصلاتها برفق&; !! أخرجت هاتفها من كي تقوم بالاتصال على "شادي" لتطمئن منه ونهضت بعيدا&; كي لا تزعج "نيروز" في نومها &; وبعد دقائق قليلة خرج صوتها:
_&; ايه يا شادي &; عامل ايه دلوقتي&; وغسان اخباره ايه&;&;
على الجانب الاخر استند هو بجانب "بسام" على الفراش وعلى الٱخر كان هناك "حازم مع ٱدم" فرد يجيبها بهدوء:
_&; الحمد لله &; هو تحت المتابعة وربنا يسهل على بكرة الصبح &; خليكي انت&; معاهم وخلي بالك من أمي وأبويا وأختي يا منة!&;
تأثرت من قوله فقالت بإطمئنان&; :
_&;من غير ما تقول &; خلي بالك انت من نفسك &; تصبح على خير&;
أجابها بإقتضاب&; وأغلق الخط بمشاعر متخبطة لبسته أهمها الخوف &; إعتدل في جلسته ونظر نحو "بسام" الذي نظر بشرود نحو سقف الغرفة و"حازم" الذي يتحدث في الهاتف مع "ياسمين" وكذلك "ٱدم" الذي انهي المكالمة بعدما قال :
_" هيبقى بخير يا فاطمة متخافيش &; اقفلي بس علي نفسك كويس انت&; والعيال &; ومتفتحيش لحد خالص !&;
زفر بصوت&; مكتوم وأسند ظهره على الفراش بجانب "بسام" الذي خرج من شرودة ينظر له فوجده يبتسم متصنعا&; عدم التأثر وقال بخفة&; :
_" الجامد بيقوم من أصعبها حالة.. يبقى&; ايه&;"
ابتسم "بسام" على حديثه ورد بصوت&; هادئ يجيبه :
_" يبقي هيقوم!"
ٱكد برأسه له وأ&;غلقت الإضاءة &; واعتدل كل منهم ليتسطح على الفراش فخرج صوت "ٱدم" ينبههم :
_"الفجر مبقاش عليه كتير &; خليكم مركزين كدة عشان نروح نصلي!"
_____________________________________
الأوقات التي تمر &; تمر عليهم بصعوبة&; &; ببن وجع وألم وهجر وفراق وخطر وكلمات وهمسات هنا وهناك&; مرارة الففد والخوف من الفراق الأبدي يشكل لها هاجس صعب تخطيه &; الٱن هي عالقة &; مثلما عالق هو !!
هذا الأب الذي اضطر على التحمل &; اضطر على الذهاب والرحيل لترك ولده بين يدي ربه الذي لا يضيع عنده شئ! &; وهذه. أخرى بين وعي ولا وعي وقلب الأم يطرق عليها بالألم الشديد دون فهم أي شئ &; قطعة من روحها تضيع وهي عالقة مثل السابقين تماما&; &; شقيق بل وتوأم روح شعر بأن روحه تسلب منه بالبطئ &; بل هو من حدث معه كل هذا وليس النصف الٱخر منه ! &; وأخرى تتشتت لا يجب أن تتشت بمثل هذه الطريقة خاصة بأيام اختباراتها ولكنها قاومت وتقاوم!!
عائلتين مختلفتين إجتمعا على عقبات كلما تمر وتذهب يأتي غيرها وسببها ثابت أغلب الوقت&; الصباح يأتي ونور الله يظهر بقوة &; والحال أمس يختلف عن اليوم بكل جديد مخفي لهم ..
في هذه الساعة الم&;بكرة &; نهض بتعب&; وارتدى ثياب تخص الخروج وحاول أخذ أنفاسه ببطئ&; غير غافل عن بكاء "دلال" الذي لم يتوقف تارة تسكن وتارة تبكي &; ابتلع "حامد" ريقه وأخذ أنفاسه وهو يقترب حتى مال يجلس وواجهها للمرة الذي لا يعلم عددها :
_" كفاية عياط بقا يا دلال &; ارحمي نفسك انت&; من امبارح على الحال ده &; مش أنا طمنتك&;&; مش أنا طمنتك يا أم غسان وقولتلك كويس وهيطلع&;"
رددها بإهتزاز. هو الٱخر لا يثق بذلك &; تحركت عينيها الحمراء ناحيته وواجهته بوضوح مختنق :
_" قلبي بيوجعني أوي يا حامد غصب عني مش قادرة &;. مش مصدقاك ولا مصدقة كلامهم في التليفون &; بالله عليك تاخدني معاك وانت رايح!"
رفع ذراعه يحتويها وربت على ظهرها بحنو&; ورفض بحركة رأسه ثم قال بلين&; :
_"ملهاش لازمة يا أم غسان &; خليني أروح وهجببه معايا وأنا جاي!"
وكأنها صغيرة هي الأخرى ستصدق ذلك ! &; تلهفت بوجع&; واعتدلت تحاصره بقولها :
_" طب أوعدني . قولي انك هتعمل كدة &; أنا قلبي مش مصدقك يا حامد!'
زفر بتعب&; من هذا التعب الذي يوجه له منها &; وهو الأخر طاقته تنفذ!! &; لمعت عينيه بعجز&; وعجز عن اعطاء أي حل لها أو قول &; ووجد الطرق على باب الغرفة هو المنقذ &; حيث سمح للطارق بسرعة كي يهرب من هذه المواجهة واذ بها كانت "وسام", التي دخلت تنظر ومعها صينية طعام أعدتها "فرح" مع "منة" وهي من ساعدتهم في القليل &; وضعتها بخواء&; ووقفت تنظر داخل عيني والدها بمواجهة موجعة وقالت دون مقدمات:
_'', خدني معاك يا بابا !"
أخرج أنفاسه بيأس&; منهم وفقد قدرته على الحديث بل مرر كفه علي ذراعها ورفض برأسه دون نبس أي حرف فنزلت دمعتها وإلتفتت تنظر نحوه وهو يخرج من الغرفة بعجالة&; يتقدم نحو غرفة "غسان" التي ظلت بها "نيروز" وقف يراقب وخلفه "منة" و"فرح" يترقبان فسمع صوت شهقاتها الموجعة بينها وبين نفسها &; إلتفت برأسه ناحية"منة" &; وكأنها تفهمت معني نظراته فصارحته بحزن&; :
_" على الحال ده من امبارح بليل منامتش ربع ساعة على بعضها "
كل ذلك ضغط ..ضغط يوجه إليه من جميع النواحي &; تدخلت "فرح" بلهفة&; تحثه تخرجه من هذه الحالة :
_". أنا شايفة ان حضرتك تمشي يا عمو بسرعة قبل ما تحاول تستوعب وتطلع وتصر انها تيجي معاك &; وهي بحالها ده !!"
أومأ ووجدها فرصة جيدة سار يخرج حذاءه وارتداه سريعا&; ومد يديه يفتح الباب فوجد "سمية" تقف بجانب "ياسمين" وعلى الناحية الأخرى "وردة" وهي تمسك كف "يامن" الذي انحنى له "حامد" يطبع عليه قبلة صغيرة وحثهم على الدخول بلباقه حتى مد ذراعه يغلق الباب خلفهن وخلف دخولهن !!
وترك هذه التي بداخل غرفته تبكي منذ أمس لم تغفل لها عين براحة&; &; الٱن بغرفته تقتنع بأن الجميع نيام وهي وحدها من تستيقظ لتترقب! &; خفق قلبها خفقة المهجور والمتروك لعقله وبقلبه غير هذا القلب التي اعتادت على ان يرافق قلبها دائما&;. حتى في الخلاف&; &; حركت عينيها من على هاتفه ورفعت رأسها سريعا&; بلهفة&; ما ان وجدت "سمية" تقترب بسرعة كي تضمها بين ذراعيها بإحتواء&; من بين نظراتهم حتى "دلال" التي اقتربت وجلست على الفراش وحاولت هي الأخرى احتواءها بسبب صغير ولدها الذي لم يأتي بعد!!
_&; افتحي الباب يا وسام لطنط عايدة وجميلة وفربدة&;
رددتها "ياسمين" بتعب&; وهي تجلس على المقعد &; في حين حملت "منة" الصينية وهي تدخل ثم هتفت بصوت&; مرتفع كي تنتبه لها :
_" يلا يا نيروز لازم تاكلي حاجة عشان صحتك "
صمتت بخواء&; ومسحت عينيها بتعب&; وحاولت على أن تقاوم وتستدعي قوتها ونهضت تقترب ببطئ&; شديد وهي تتمسك بمعدتها بوجع&; حتى طلب منها :
_" ممكن تكلمي شادي يا منة &;&; خليه يطمني تاني عشان خاطري!"
ابتسمت ووافقت وأخرجت الهاتف تحت مراقبتهم ودخول "جميلة" التي عانقت "نيروز" بتساؤل عن حالها هي وشقيقتها فنظرت لهما بصمت&; وتحول السير من الغرفة ناحية الخارج &; فسحبت "دلال" ذراع "نيروز" برفق&; وطلبت منها :
_" اقعدي با بنتي انت&; حامل ..الواحد خايف ليجرالك حاجة بالمنظر ده..خافي على نفسك عشان خاطري احنا مش حمل خساير أبدا&;"
قالتها بتعب&; ونبرتها الم&;جهدة المرهقة تظهر &; فحثتها شقيقتها على أن تجلس لتستريح ولكنها أبت وترقبت بلهفة&; ما أن ف&;تخ الخط بين يدي "منة" التي أردف قائلة للطرف الٱخر :
_&;أيوة يا شادي &; طمنا وطمن نيروز .. غسان عامل ايه دلوقتي&;&;
_________________________________
_&; قرب يفوق يا منة &; هانت &; ادعوا بس يقدر يخرج معانا &;
هكذا رد "شادي". عليها والانتظار رفيق الكل الٱن &; حتى "بسام ", الذي وقف بلهفة&; ينتظر على الاستراحة حاله أفضل من أمس &; فقد توقف عن البكاء والٱن يتمنى ويترجى&; &; إقترب "حازم" يجلس بجانب"ٱدم" &; ومعهم الٱن "عز" الذي جاء بوقت مبكر جدا&; ودفع مصروفات المستشفي وصعد ليرافقهم &; واعتبرها رد &; رد لما قد دفعه منذ حادث شقيقته في محاولتها هي الأخرى في الانتحار &; جلس الشباب بجانب بعضهم ووضع ",ٱدم" يديه على كف "بسام" وابتسم يطمئنه وهو ينظر نحو ساعة معصم الٱخر :
_" هانت ويفوق وندخل نشوفه &;. وبإذن الله هيرجع معانا متخافش!"
لم يجيب بل امتن بالنظرات فتدخل "عز", هو الٱخر وكأنهم الٱن قد وعى عقلهم جميعا&; واستجمع كل منهم نفسه وشتاته عن أمس ووجع وصدمة أمس:
_" أنا واثق إنه هيبقي مصحصح &; غسان ده معلم يعم ومنه نتعلم &; ميقعش كدة لأ ..انت بس قول يارب وهيحصل اسمع من المعلم عز!"
ضحك "بسام " وأراد "حازم", التخفيف عنه فهتف هو الٱخر بمزاح&; خفيف:
_" هو بس يقوم بالسلامة ويعمل اللي هو عاوزه &; خلاص معتش هعارضه &; براحته..أصله طلع غالي أوي!"
اتسعت ابتسامتهم وأراد "ٱدم" مشاكسته فمال يردد بخبث&; :
_"ف&;و&;ق بقا يا عريس &; مينفعش تكشر وتحزن كده !''
عنفه "حازم" بضحك&; خفيف بينما تدخل "عز" وكأنه تذكر وانتهز الفرص:
_" أيوه صحيح &; ف&;ك بقا عشان لو فضلت كدة مفيهاش جواز من أختي خد بالك!"
ابتسم "بسام" ورفع رأسه يتحدث بدفاع&; :
_"خلاص يا معلم عز &; انت ما صدقت ولا ايه &; أنا تعبت أوي مع نفسي عشان أوصل للحظة دي &; بس انت شايف الظروف &; حقك عليا!"
من يتأسف لتأزم الوضع لمن الٱن&; &; عنفه "عز", بنظراته على أسفه وقبل ان يتحدث أي منهم &; جاءت ممرضة وهتفت بلباقة&; :
_" صباح الخير &;الأستاذ فاق وبقا كويس تقدروا تدخلوا تشوفوه!"
انتفض "بسام" وحمل العلبة بين يديه وابتسم بسعادة&; على هذا الخبر &; مما شجعوه بضرب&; خفيف كي يتقدم هو أولا&; ومن ثم هم خلفه &; سار بعجالة&; خلفها إلى أن وقف أمام الغرفة &; ففتحها بلهفة&; ودخل فوجده يستند بظهره على الفراش يمسك رأسه بتعب&; فهرول ناحيته بسرعة&; حتى رفع "غسان", رأسه ينظر وابتسم حينها يطمئنه &; فجلس "بسام" ونزلت دموعه رغما&; عنه وسبه على غير العادة عندما هتف بتحشرج&; وتقطع :
_" وقعت قلبي وسحبت دمي يا بن المجانين!"
ضحك"غسان" وانكمشت ملامحه بتعب&; سريعا&; من حركة رأسه فتلهف "بسام" واقترب يقبل قمة رأسه الموضوع عليه شاش&; &; فتأثر "غسان" ورفع أنامله برجفة&; من أثر التعب ومسح وجه شقيقه حتى طمئنه برفق&; :
_" أنا كويس يا بسام &; متخافش!"
_"خوفت يا غسان &; انت مينفعش تروح مني &; مينفعش أعيش من غيرك &; أنا روحي اتسحبت مني ودماغي تاهت &; حسيت ان في حاجة نقصاني &; نفسي مش عارف يخرج ويدخل لحد ما دخلت الباب ده وشوفتك وروحي ردت فيا من تاني &;. يارب يومي يبقي قبل يومك يا خويا"
لمعت عيني "غسان", من هذا وفرد ذراعه الٱخر الغير معلق به المحلول واحتواه كالعادة حتى عانقه "بسام " الذي شهق بضعف&; وصارحه :
_" أنا ضعيف..ضعيف من غير نصي التاني ..ضعيف من غيرك أوي يا غسان!"
_" هتوقع دموع أخوك يا بسام ..ومحدش قدر يعملها في العلن غيرها !"
نبرته المنهكة تظهر مع التعب &; ابتلع "غسان". ريقه بتعب&; بعدما ردد بذلك &; فنظر الٱخر له بشفقة&; من هذه النبرة التي من المفترض بأن تكون مزحة بينما هي وجع &; وجد بعينيه أسئلة كثيرة عنها وتذكر قدومها ولكن ليس بالكامل بسبب تشتيت عقله و أنفاسه &; ولكنه تصنع غير هذا وبدأ السؤال عن والدية وشقيقته :
_" امك وابوك عاملين ايه يا بسام &; ووسام &;&;&;"
سأل بقلق&; &; فرد الٱخر بهدوء&; :
_" كويسين &; المهم انت واحنا هنبقي بخير من بعدك!"
أخرج أنفاسه ببطئ&; وأمسك رأسه بإنهاك&; يتذكر هذه الحادثة من بدايتها وقرر وضع كل هذا على جانب مخفي وسأل عنها بخفقات قلب عالية ونظرة ألم ظهرت في ب&;نيتيه الداكنتين :
_"ونـيروز &; &; نيروز كويسة &; روحتها&;"
حرك "بسام "رأسه بنعم&; &; فدخل من الباب الشباب &; وهرول "شادي" بلهفة&; يجلس وخلفه "حازم"و"ٱدم"و",عز"&; وهتف "شادي", أولا&; :
_" قعدت أقولك ميفرقناش غير الموت &; وقعدت أستهون بالكلمة أوي ونسيت اني موتي بـ وجعك يا صاحبي &; حمد لله على السلامة!"
امتن بعينيه وهمهم بتعب&; دون نبس أي حرف لما هو به &; واقترب "ٱدم", يشاكسه بقوله :
_"مش متعود عليك كدة يا بن عمي &; عايزك تقوم وموافق بعدها نقطع وش بعض زي الأول !"
ضحك "غسان" ونفي بشفتيه وهتف بثبات&; يرفض:
_" تؤ &; مبقتش في حموتها خلاص &; عندي غيرك!"
هاب "حازم وبسام" هذا القول &; فردد الأول بهدوء يتخلى عن كل ذلك :
_" حمد لله على السلامة يا أبو الغساسيين &; حسك في الدنيا يا عم !"
فإقترب "عز" من بعدها وانحني يسحب المقعد بخفة&; وأشار بكفه وشاكسه هو الٱخر بغمزة شقية :
_" تصدق بالله &; أنا وحشتني كلمة "ع&;زوة" منك في الكام ساعة الت&;قال دول يا عم !"
رفع "غسان", كفه تحت ضحك الٱخرين وربت علي ساقه وقال يلمح له بما سيأتي في القادم بوضوح&; ولم يغفل:
_" أجدع ع&;زوة وأحسن من نناسبه!!"
غمز له عقب قولها &;. ودخل الطبيب حينها وهو بتمسك بأوراق طويلة واسعة فوقف الشباب بإهتمام&; وترقب هو عن حاله عندما قال الطبيب :
_" ألف حمد لله على السلامة يا أستاذ &; عايز أقولك ان ربنا بيحبك أوي عشان نجاك منها وعشان برضو ناسك دول مش هتلاقي زيهم ربنا يخليكم لبعض &; عايزك بقى&; تستعد كده وتلتزم في الأدوية وراحة كبيرة لمدة أسبوعين &; ي&;فضل ق&;عادك هنا خمس أيام على الأقل ولكن الواضح انك مش عايز كده ولا الدكتور بسام &; طبعا&; دي مسئولية عامة&; وانا واثق ان الدكتور هياخد باله منك &; وحمد الله على السلامة مرة تانية!"
اقترب عقب قولها يزيح عنه ما يعلق بيديه الٱخرى فشكره "غسان" &; والغير متوقع للبعض والمتوقع للآخرين معهم بأنه سيخرج حتى وإن لم يفضل هذا &; وواصل مجددا&; يشرح :
_"لازمك أشعة تانية ان شاء الله بعد أسبوع &; والصداع هيلازمك شوية دا أمر طبيعي &;. بس أنا عايزك بقا تشيل دماغك من أي حاجة تشغلها وتصفي نفسيتك وتكون رايق كدة من غير ضغوط عشان تروق أسرع!"
ترك "بسام " كل ذلك واقترب يسأله بقلق&; بعيدا&; عن الشباب وانشغالهم بـ "غسان":
_" أشعة تانية ليه يا دكتور ممكن أفهم&; هو ممكن يكون في حاجة ولا ايه&;"
_" دا احتياط يا دكتور &; وأنا مش عايز أقولك أه أو لأ &; في الأول وفي الٱخر دي هتبقى نتيجة للي حصل بعد فترة &; بس ان شاء الله خير متقلقش!"
شعر بالقلق رغما&; عنه وتركه الطبيب &; ولم يغفل "بسام" عن تصرف"حازم", في انهاء الوضع أمس دون حدوث محضر لذلك ! &; نظر "غسان", ناحية "بسام" الذي ابتسم له واقترب بينما نهض "حازم" مع "شادي" وقال الأول للثاني:
_" تعالى ننزل نظبط العربيات ونشوف هيقعد فين على ما يلبس ويقوم براحته وخليك معاه يا بسام &; وروح انت يا عز هات شنطة الهدوم من الأوضة اللي كنا فيها امبارح!"
وافق "عز" وخرج وخرج الإثنان ومعهم "ٱدم" الذي قابل لهفة "حامد" المتأثرة بعدم انتباهه لأي منهم بل دخل بهرولة&; ك&;برى من الباب ووقف ينظر وتلاقت الأعين بحديث&; م&;تعب ولم يخرج منه سوى التأثر عندما سبه السبة المعهودة :
_" كدة تعمل في أبوك كدة يا بن الكلب&;"
تأثر "غسان" من لهفته ولمعت عينيه حتى دار وجهه يخفي عينيه منه وحاول النهوض فاقترب "بسام" بسرعة يحاول إسناده يعلم ان توازنه سيختل لفترة ما بعد النهوض بدقائق او لربما ساعات &; أسنده من ذراعه &; فآقترب "حامد" يدفعه بأحضانه وبكى حينها بصوت&; ويقسمان هما ان هذا الضعف كان لا يخرج هكذا من والدهما الذي نبس بتمزق&; :
_"خوفت عليك يا بني &; خوفت أخسرك &; خسارة الضنا صعبة أوي ربنا ما يوريها لحد! &; الحمد لله ألف مرة علي سلامتك !"
ضمه بشدة ودفع ولده الٱخر كي يحتضنه &; فإحتوى الثلاثة بعضهم ودخل "عز" مع "ٱدم" على هذا المشهد المتأثر حيث أردف "ٱدم" حينها يقطع وجع هذه اللحظة بمشاعرهم المتضطربة :
_" طب وأنا يا عمي &; مليش نصيب&; ده أنا يتيم!!"
أخفى "عز" الاهتزاز وابتسم بتأثر يخرج ملابس "غسان", وأيد "ٱدم"في كلماته:
_", وأنا كمان يتيم !"
ضحك "حامد" ومسح عينيه بسرعة&; وفتح ذراعيه بلهفة&; في هذه اللحظة التي خرجت بها مشاعره بصدق&; وقال بضجر&; أولا&; :
_" طب ما أنا كمان يتيم "
وأضاف يشير بذراعيه ثانيا&; :
_" بس انتوا لأ طول ما أنا موجود &; تعالوا قربوا !"
نظر "عز" و"ٱدم" لبعضهما وكأن المزاح انقلب لٱمر جاد &; المتوقع هو اقتراب "ٱدم" أولا&; ولكنه ظل ومن اقترب أولا&; وأظهر رغبته في هذه اللحظة وهذا العناق كان "عز" فإقترب "ٱدم" مثله &; وشاهد "غسان" هذا الوضع بسعادة وكاد ان يختل توازنه وتخونه قدميه في الرجوع أو الاهتزاز ولكن شدد "بسام" من اسناده وعانقه بغير&; تصديق حتى قبل وجنتيه بفرح&; مع عناق الٱخران لـ "حامد" مسح "غسان" وجهه بتقزز&; وقال قول متكرر بالاخص لشقيقه وأفعاله المشكوك بها :
_", اتظبط يالا بدل ما اظبطك!''
ضحك و الأنفاس ت&;عاد للكل بعدما س&;لبت لساعات&; متواصلة &; دخل معه المرحاض الصغير وخلع عنه ملابسه الفوقية التي كانت تخص الداخل لخلع السترة حين غرفة العمليات&; ووجد قبعة مع الملابس فوضعها وهو يسنده مساعدا&; إياه في ان يرتدي حتى انتهى &; نفض يديه من على رأسه والٱخري التي سنده بخصره بها وضحك بقلة حيلة وهو ينظر له بتشك وقال رغم التعب الذي ظهر في نبرته الضاحكة:
_" وربنا لولا وجود أنثى اسمها "فرح" لكان الوضع يختلف &; دا بس اللي مطمني عليك!"
_"والله العظيم انا راجل وميشغلنيش غير الستات زي ما الفطرة بتقول &;. انت دماغك راحت فين يا غس!"
ضحك شقيقه على قوله وإستند هو بنفسه عليه وخرج معه فحمل"ٱدم", الكيس &;. واقترب"بسام " يعطي "غسان" علبة عصير الليمون بالنعناع وهتف يصارحه وهو ينظر بريبة&; خوفا&; من وجود "عز" وقال أمام عيني والده :
_"علفكرة العصير ده كان متقدملي بعرض ميترفضش وكانت هتشربني بإيدها بس أنا وقفت وشوحت بإيدي كدة وقولت أبدا&; &; محدش هيشربه غير غ&;س لما يفوق!"
ضحك "حامد" و"ٱدم" وتجرع "غسان", منه بالإجبار من "بسام " الذي تجرع هو الٱخر منه بلهفة&; وإقدام بعدما كان يرفض دخول أي طعام او شراب لفمه!!
_"هات الشنطة دي يا ٱدم واسنده مع بسام يلا!"
حثه "حامد", فوافق وتقدم يسند ذراعه الٱخر وسار "حامد" بترقب&; خلفهم والراحة تغمرة من جديد بعدما س&;لبت منه بقسوة&; بينما يقينه بأن كل شئ سيصبح على ما يرام لم ولن يذهب هباء!!
________________________________________
تلهف الكل وتلهفت معهم وكأن عقلها قد عاد لها الٱن &; نزلت الدموع ربما دموع السعادة &; لا تعلم هى&; ماذا ينتظرها منه! &; إرتدت رداء طويل جلبته لها "وسام" وجلست تنتظر بلهفة&; وبهذا الوقت وافقت نفسها على ان تأكل وتطعم ذلك الصغير الذي تعذب معها بما يكفي &; وكأنها لا تصدق وأذنيها تستمع إلى قول "دلال" :
_" الحمد لله &; الحمد لله يارب &; الف حمد وشكر ليك!"
عقبة استحقت الحمد والشكر ومرت بصعوبة عليها وعليهم &; نهضت "وردة" في المطبخ ومعها "منة" و"فرح", وجلست "جميلة" بجانب "نيروز", تواسيها بلهفة&; وبجانبهم "س&;مية" التي دفعت رأس "دلال" كي تستند على كتفيها &; وكأن الأعمار تشرح مدى القرب مهما مرت عليهما العقبات والمشاكل الموجوده إلى الٱن ..كتف الصديق قلب &; وشعرت بقلبها ووجعها على ولدها &; تماما&; كما تتألم لـ "نيروز" &; أغلقت "فريدة" الهاتف التي كانت تقرأ به وردها من القرٱن &; ونهضت تحاول مساعدة "وسام" بشئ&; حيث حثتها "دلال" على أن تنهض لترتب غرفة "غسان" كي تصبح جاهزة &; دخلت عليها ووقفت تمنعها برفق&; وقالت تحثها :
_" خليكي أنا هعمل أنا &; روحي انت&; ارتاحي عشان تكوني جاهزه تقابلبة وبعد كده تخشي تذاكري!"
وقفت تمتن لها بالنظرات فدفعتها "فريدة" برفق&; ومررت يديها على خصلات الأخرى بحنان&; لم تأخذه من قبل وبع&;رفها هي كان فاقد الشئ يعطيه! &; ابتلعت ريقها وأخذت أنفاسها ونصحتها كونها الأقوى على التماسك من بينهن :
_" انت&; أقوى من كدة علفكرة &; وقادرة تعدي كل ده &;. متفكريش فأي حاجة حصلت ومتقلقيش ولا حتى تخافي &; ركزي في مستقبلك وبس!"
حركت "وسام" رأسها بموافقة&; وسألتها هى الأخرى بإهتمام&; :
_" طب انت&; هتذاكري امته انت&; كمان &; انت&; عليكي امتحانات صح&;&;"
حركت "فريدة" رأسها بنعم&; والتفتت تعدل الفراش تزامنا&; مع ردها الموضح:
_" ٱه عندي طبعا&; &; وقريب ان شاء الله!"
_" هو انت&; في كلية ايه&;"
ضحكت "فريدة" بخفة&; وكأنها تذكرها بوجع&; لا تريد تذكره من بداية إذلالها بدخولها شئ ثمين كهذا وهي لم تريده:
_" كنت بقول جامعة خاصة لأي حد يسألني زي ما ماما عودتني وبريح دماغي من الشرح&; بس أنا في معهد خاص سنتين &; ودي التانية..التانية دي عيدتها تاني بس انا ناوية أنجح السنة دي ان شاء الله وبين وقت والتاني بتابع كل حاجة في المنهج اللي بينزل!"
لمعت عينيها من طريقتها في القول &;دخلت شئ خاص بإصرار والدها بعدما أهملت في دراستها &; وإصرار والدتها كان في كونه "خاص" وليس شئ ٱخر!
_"انت&; كمان قدها وقوية وهتنجحي &; أنا هنجح وحقق حلمي وانت&; كمان هتنجحي وتخلصي وتتجوزي الواد ٱدم!"
ضحكت بخفة&; عليها وغمزت تبادلها ذلك بتأكيد&;. &; لم تخرج حينها بل بقت لتساعدها وعندما مالت الأخرى اندفعت القلادة فأمسكتها بشرود&; وهي تبتسم برفق&; عليه وعلى أفعاله!
بينما في الخارج وضعت كل منهن حجابها وإقتربت "جميلة" تفتح الباب الذي كان ي&;د&;ق &; وما ان فتحته وجدتها أمامها .."حنان" والدة "عز" التي جاءت بنفسها &; ابتسمت "جميلة" بإتساع&; وحثتها على الدخول بلهفة&; فدخلت عل الفور ونهضت لها النساء الٱن كي يرحبن بها ..
في حين وقفت "نيروز" بشرفة الصالة تحاول أخذ أنفاسها وإلى الٱن هاتفه بين يديها لم تتركه الكثير والعديد من الرسائل من جميع التطبيقات لم تهتم لها بل كل ما كانت تشرد به هو صورهما معا&; وٱخرهم تلك الصورة الذي كان يحتضنها بذراعه بها من الخلف واضعا&; يديه على معدتها الصغيرة بفرحة وانتماء عائلة صغيرة ولم يكتمل كل هذا &; لم يدوم طويلا&;..
جاء لها في اشعار ٱخر ي&;ذكره بالرد على الرسالة التي أ&;رسلت له أمس مرسلها "أسماء" هو دونها كذلك&;! ابتعلت ريقها وضغطت تري فوجدت محتواها كالٱتي:-
&; والله العظيم انا ٱسفة &; معرفش إيه اللي حصل مرة واحدة &; بس صدقني أنا خايفة وخوفت عليك عشان كدة أرجوك أرجوك إبعد وأنا هقول على كل حاجة.. بلاش تدخل نفسك في مشاكل..أنا معرفش دلوقتي ايه حالك بس اتمنى تكون كويس وتبعد عن سامر..أنا ٱسفة إني جيت حكيتللك وورطك يا غسان &; انا دلوقتي مجبورة وان سابوني بعد كل الضرب ده فـ ده تمهيد انهم مش هيسبوني بعد كدة ألا ما اتكلم..أنا بس عايزاك تعرف اني مخونتش ولا لعبت بيك زي ما كنت شاكك &; مروة هي اللي صورتنا وجيت ورايا تراقبني!&; خلي بالك من نفسك وأنا ٱسفة تاني واتمني تكون كويس وتتقبل ٱسفي وتسامحني!&;
عقلها يتداخل بين أشياء كثيرة ولم تفهم أي شئ!&; بل رٱت أنها تخاف وتخاف على من &;..من حقها الخوف هي عليه بدلا&; منها .. تردد إسمه بكل سهولة وبساطة وكأن تربطهما علاقة صداقة قوية! أو لربما أكثر&;&; &; نفضت ذلك من عقلها ومهما ألقت عليه التهم وجها&; لوجه أو بينها وبين نفسها فهي بالنهاية علمت أنه لا يرى إلا سواها هى&; وفقط!! ولكن الغيرة تأبى&; والشيطان يلعب في الرأس بالأفكار التي لا تقتنع هى بها من الأساس..
انتفضت بخفة&; ما أن وجدت بجانبها "ياسمين" التي نظرت لها بتفحص&; فأخفت الهاتف هي بين يديها ولكن الأخيرة كانت قد ابتسمت وقالت بسخرية:
_" يعني تليفونه اللي هيكشفك لكن كل اللي عملتيه ميكشفكيش ولا يكشف حبك ليه &;&;"
هربت "نيروز". بعينيها وعادت الشكوك تصعد لرأس "ياسمين" التي سألتها بإندفاع&; بعدما هتفت :
_"طب ليه بعدتوا يا نيروز لما انتوا بتحبوا بعض ومش قادرة تسيبيه&; قوليلي ايه كان حصل لكل ده &; أو حتى انت&; كدة بأي حق وايه اللي احنا شوفناه ده بموضوعه مع أسماء.. انا مبقتش فاهمة!!!"
فهمت "نيروز" أقوالها وما تريد الأخرى بأن توضح لها شاعرة بضياع شقيقتها في المتتصف &; لا تود ان تعقد ولكنها حسمت الأمر من جهتان جهة توعي شقيقتها التي تستنزف بطاقتها ومشاعرها وجهة تريد لها الإستقرار ولكن التشتت رفيق الكل الٱن بما حدث من كلمات واتهام&;
دافعت عنه بإستماته ظهرت في القول وقالت رغم نبرتها الهادئة قول مختصر ينفي ما فكرت به الأخرى معها :
_"غ&;سان مش خاين يا ياسمين!"
_"مقولتش إنه خاين &; أنا بفو&;قك &; بعرفك إن في كتير مداري وده بان من الحوارات اللي حصلت &; أيا&; كان في ايه احنا منفهموش فأنت&; أختي وأنا خايفة عليكي وعارفة انك بتحبيه ولو شوفت زي ما شايفة دلوقتي انك مش قادرة من غيره هساعد وأنا مغمضه انكم ترجعوا زي ما كنتم &; بس غصب عني بدورى بصيت من نحية تانية &; وحطيت شكوك برا العاطفة وقولت وبقول لو في حاجة من اللي جت في دماغ الكل وسكتوا عنها فأنا مش هقبل انك تموتي نفسك عليه ! انت&; أهم عندي وراحتك أهم واللي في بطنك مهم عندنا كلنا..كل ده أهم من غسان عندي &; وأه أنا حكمت بالمنطق غيرك خالص وغير اللي انت&; حاساه !"
نظرت لها وهي تردد لها هذا الحديث بمنتهى&; الهدوء &; فرفعت عينيها الفاتحة بلونها في ضوء النهار هذا ولمعت وهي تصارحها بصدق&; :
_"مفيش حاجة بينه وبينها &; غسان مش كدة &; في حاجة بتحصل بس مش قادرة أفهم ايه هى&; لكن أنا متأكدة إنه ملوش ذنب ومعلمش حاجة!"
وهبطت الدموع بإستسلام وهي تصارح أكثر:
_"أنا مهما قدرت أقسى&; فأنا عارفه إنه أطيب ولين عني &; أكيد هم استغلوه عشان كده &; لكن والله غسان ميعملش كده!"
تقسم الٱن وتناست الحديث بهدوء كي تثبت لها بل دافعت بقوة ودموع &; ضمتها "ياسمين " بتشتت ومسحت وجهها بحنو&; وهي تربت علي ظهرها :
_" طب خلاص اهدي &; اهدي متعيطيش &; كل حاجة مسيرها هتبان!"
صمتت وسكنت &; وسحبتها معها "ياسمين" برفق&; حتى حثتها على الجلوس &; واقتربت"منة" مسرعة تخبرهم بعدما أغلقت الخط مع "شادي " :
_" إفتحوا الباب يا جماعة هم جم تحت!"
نهضت "نيروز" مسرعة وهي من اندفعت رغم الألم لتفتح الباب &; فتحته ووقفن النساء والفتيات في الخلف ينتظرن صعودهم وترقبت الأنظار إلى أن ف&;تح المصعد الٱن وخرج منه "حامد" و "بسام ', الذي قام بمسك ذراع "غسان" الملتف حول رأسه شاش أبيض كما ظهر على وجهه التعب &; اقتربوا منهم وقبل ان تتحرك "نيروز", بلهفة&; ركضت "وسام", تعانقه ببكاء&; وربطت كلا يديها خلف ظهره ولامته باكية :
_" أنا كنت هموت .. كنت هموت يا غسان&; متسبنيش تاني!"
مرر كفه على ظهرها وابتلع ريقه بصعوبة&; حتى دخل فاقتربت "دلال" تعانقه تحت الهمسات والحديث له على سلامته فكان ينظر بإمتنان&; فقط الي ان وجد "والدته" توزع القبلات الحانية بلهفة على وجهه وكفه التي تمسكت به فعانفها عناق مريح إستمر لدقائق وانتهى بقوله :
_" متخافيش يا ماما &; أنا كويس والله!"
تمسكت بيديه بلهفة أخرى ودخلت تسنده مع "حامد"و"بسام" ناحية غرفته فبقيت الفتيات ووقفت هي بحسرة&; تنظر بوجع &; حتى هي ح&;رمت من عناقه الٱن بسبب انفصالهما والٱن هي بكامل وعيها &; نظرت لها كل من "فريدة وجميلة" بشفقة&; مع "منة"وفرح" &; فأخذت"وردة" يد "س&;مية" ناحية شقتهم كي تعطي لها دواءها حتي لا تقع &; في حين أشارت بعينيها ناحية"ياسمين " كي تأتي بـ " نيروز" &; جلست "حنان" بصالة المنزل بعدما رحبت بنهوضه معهم حتى "سمية", و"عايدة" التي سارت بسرعة ناحية شقتها تعد طعام لولدها الذي لم يأكل ولم يأت منذ أمس &; جلست"فرح" بجانب"والدتها" وجلست"منة" هى الٱخرى في حين اندفعت "جميلة", ترى فوجدت "عز" يأتي مع "شادي وٱدم " و"حازم " الذي اقترب من "ياسمين" أولا&; يتفحص حالها بإهتمام. تمسك بكفها واحتواه برفق&; يسألها بلين:
_", انت&; كويسة&;"
حركت رأسها بنعم&; فحاوط كتفيها بعدما رحب بعينيه "بوالدة عز" وسحبها معه ناحية الخارج كانت تريد قطع هذا بسحب "نيروز", ولكنه جعلها تضيع مع تساؤلاته الكثيرة عن حملها ودواءها وصحتها في هذه الساعات التي حتما&; كانت قد اثرت عليها من قبل بالسلب!! ومنذ وقتها وهو يهاب ويخاف حدوث شئ &;. الٱن لكل رفيق رفيقه وكل حبيب مع حبيبه نظرت فوجدت "عز", هناك بجانب "جميلة" و"فرح " ووالدته و"منة" تحاول مشاكسة "شادي" الذي ابتسم اخيرا&; وتحول الوضع لشجار زائف تحت مسمي المرح تدخل به "عز", وعائلته بضحك&; وهى&;&; هي&; تقف بعيد الٱن &; وقبل أن تنهض"جميلة" المنتبهة لذلك خرجت"دلال" مسرعة ناحية المطبخ تجلب ما أعدته الفتيات من طعام صحي &; وخرج "حامد" مع "بسام" بقصد&; واقترب من "نيروز" واستطاع كشف ما تريده وقال :
_"عايزة تدخليله&;!"
كبتت الاختناق وتحشرجت نبرتها بألم&; وسألته هي بوجع&; غمره الندم :
_" و هو لسه عاوز يشوفني&;"
تألم "حامد" من هذا الحديث &; وتألم من جهة أخرى لوجع ولده الذي يراه إلى الٱن ملازما&; لعينيه &; حرك رأسه وقال بصدق&; يؤكد بثقة من رغبة ولده بذلك :
_" هو مش عايز يشوف غيرك يا نيروز!"
وكأن قوله يشرح الكثير &; تقدمت بنفسها ناحية باب الغرفة &;ورفعت يديها تدق الباب حتى همهم هو يأذن ففتحت "نيروز" الباب وأغلقته خلفها كأن هذا يحق لها ! &; بل اعتادت علي فعلها &; لم يعقب على ثقتها هذه به &; أهبط يديه من على رأسه ونظر بشوق لها &; وألم المواجهة لم يزول &; بل لم يلحق من الأساس مواجهة نفسه بعد كل هذا الألم من المواجهة الٱخيرة وبعد حديثه الذي أخرجه لها حتى وإن كان بقسوة فلم يغفل الٱن عن انه رفضها &;وهي علمت ذلك &;. وقف بأعين لامعة ومدت يديها بالهاتف تعطية إياه بأيدي ترتجف وكأن حديثها هرب ولم تجد سوى ذلك عندما حاصرها بنظرة عينيه هذه التي ت&;ربك وتحرك من ثباتها أمامه !
رفع "غسان" ذراعه يأخذه من. بين يديها وتمسك بيديها حينها وأبى&; تركها فإرتجفت أوصالها ولكنه سحب يديها لديه أكثر فتحركت إلى أن حثها برفق&; ناظرا&; نحو معدتها وجسدها :
_" أقعدي!"
سحبت "نيروز" يديها من بين كفه وإبتلعت ريقها وسألته ببكاء&; وكأن الحديث قد علم من أين الطريق الٱن :
_" انت كنت هتسيبني&; "
تعلم الجواب ولكنها سألته بخوف&; فهرب من هذه النظرة وقال مصارح&;ا بهدوء:
_" انت&; اللي سيبتي !"
قلب الوضع سريعا&; فسألت دموعها أكثر وخرجت كلمات الٱسف الٱن وهي تتمسك بكفه :
_" ٱنا ..أنا ٱسفة &; متزعلش مني عشان خاطري &; أنا عارفة اني اتسرعت وغلطت &; بس انت فارقلي ..انت غالي على قلبي وفراقك صعب أوي!"
ابتلع "غسان" ريقه بصعوبة&; وحاول الهروب من عينيها هذه وصمت غير راغبا&; بهذا &; وتعجب من أمرها الٱن بعدما ذاقت الرفض علي يديه مرتين والٱن تتمسك للمرة الثالثه وهو مشتت &; مشتت جد&;ا وما منع كبرباءها هو احتمالية ضياعه منها !!.
_" رد عليا &; متسبنيش لدماغي &; متعملش أكتر حاجة بتوجعني!"
لامته مجددا&; وطلبت منه الرد عليها في الحديث بدلا&; منها الفتور &; تركها تتمسك بكفه &; وابتعد عن كل ذلك وركز عينيه مجددا&; على ذلك الثوب الأسود الضيق الخاص بشقيقته وقال يسألها بضيق&; مجددا&; :
_" انت&; لابسة البتاع ده ليه وهو ضيق أوي كدة &;!"
نظرت تلقائيا&; بتفقد&; وعادت تنظر بحزن&; حتى رفعت عينيها تصارحه بالصدق:
_" أنا هنا من بليل مروحتش عند ماما!"
_"ليه&;"
سألها وكأنه يتمنى الإجابة وبالفعل تحققت أمنيته وصارحته حينها وهي تنظر داخل عينيه التي وجدت بها الحديث المحبوس:
_"كنت خايفة عليك &; كنت مستنياك هنا ترجع!"
عاد فاتر مجددا&; &; تعلقت عينيه مع عينيها للحظات&;. وكلما صارع نفسه على إظهار اللين والتخطي عنفه جزء بداخله ليس على ردها بل على المعامله والمسامحة !! أغمض عينيه يقطع هذه النظرات وحرك رأسه بعجز&; وقال عاجزا&; :
_" مش قادر يا نيروز!"
وأضاف بعدما فتح عدستيه يقابل عسليتيها :
_"انت&; وحشتيني بس وجعتيني!"
وصرح وهو يسحب كفه ليضعه على رأسه بإنهاك&; وقال :
_" مش قادر يا بنت الناس !"
هذا رفض ..رفضها للمرة الثالثة &; الٱن جرح كرامتها ينزف وتتصارع مع ذاتها &; ابتلعت ريقها بوجع&; وسألته تنهي هذا بـ :
_" يعني ايه&;"
_" معرفش!"
جواب حقيقي متشتت ضائع &; أجوبة كثيرة أمامه لا يريد قولها وفضل هذا بسلب حبه لها الذي ظهر بعينيه ولكن تحدثت الأعين حينها بحديث عاجز &; عجز عن الخروج صراحة&; &; شتتها قوله كانت تريد ما بإمكانه نهاية هذا من الرد ولم يجيب! ماذا الٱن&;! &; تعمد هذا كي لا تقع معه مجددا&;. بنفس الخطأ &; والحيرة تتٱكل بالإثنان مع&;ا &; نزلت دمعة حسرة على نفسها وذاتها وقالت تنهره بحدة&; وهي تدفعه بكتفيه بجدية&; تريد الرد بالحال:
_" اقولك يعني ايه أنا&;&; يعني بتعلقني بيك كمان بعد ما علقنني بيك في الأول &; بتشتتني صح &;&; بتضيعني وتضيع عقلي عشان ميبقاش مع غيرك &; عاوزني ومش عاوزني مش كدة &; شوفت مين إللي بقى بيشد ويرخي&;&; شوفت&;&;."
واضافت بإنهيار&; باكي عندما دفعت ذراعه الذي حاول ضمها كي تهدأ :
_" ما ترد !!!"
إختنقت نبرته حينها وتشنج وجه من التعب وقال يجيب بعجز لأول مرة :
_" مش عارف أرد يا نيروز &; ضيعتي مني كل الكلام زي ما ضيعتي طاقتي معاكي !"
نهضت فأمسك كفها كصغير&; يهاب ضياعها منه بنفس الوقت &; نظرت نحو هذا بضعف&; وقالت تصارحه بتعب&; :
_" أنا عارفة اني غلطت &; وممكن أعملك أي حاجة محتاجها الا اني إفضل غصب عنك يا غسان بعد الرفض &; أنا ست مينفعش أفرض نفسي على راجل مش عايزني &;. أنا عارفة اني وجعتك بس فاهمة برضو ان الأسف مبيعملش حاجة معاك !"
واضافت بتيهة تسأله بوجع&; من هذا:
_" أنا توهت مبقتش عارفة أعمل ايه &; أنا غبية وجبانة زي ما بتقول &; بس قولي انت المفروض أعمل ايه واحنا كدة &; أنا تعبت!!!"
تصارحه معترفة فذهب كل ما هو قاسي في الرد &;لذا ذهبت وقاحته وتبجحه وبقى ضياعه الذي ظهر وأظهره لها &; تعمد الصمت بسكون وأسند رأسه على خشب الفراش بتعب&; من ما يحدث معهما وخرج عن قدرة كل منهما &; ابتلعت هى ريقها وتركت كفه ومسحت دموعها ووجهها وقبل أن تسير أكثر &; هتف هو بما جعلها تتوجع مره أخرى ندما&; :
_" انت&; خلتيني تايه برضو التوهة دي &; ولـسة!! "
شعر بضيق أنفاسه ودموعه على وشك الهبوط &; أخفى وجهه منها ونظر تجاه ركن ٱخر فخانتها نفسها وركضت هذه الخطوات تعانقه &; دفعته بأحضانها كي يهدأ ولا يتعب &; وربتت على رأسه بحذر&; وبكت عندما وجدته يضم ظهرها بتشتب&; لينعم بهذة الراحة وهذا العناق الذي ح&;رم منه لفترة كبيرة &; شهقت بين أحضانه بينما هو تنفس بصوت&; مسموع يخرج طاقته السلبية ومازلت هي تمرر يديها على خصلاته بحذر&; تهمس له بأسفها فيصمت&; عاد الوعي لها وحاولت الإبتعاد بالتدريج بعدما توقفت عن البكاء ولكنه رفض هذا الب&;عد الذي جعله يتمسك بها بسكون&; &; ضاع ذلك بلحظة&; وتركها ونظر داخل عينيها ولبسه الكبرياء وأشار بيديه ناحية الباب بإنهاك:
_", قومي!"
وأضاف بوضوح&; أكثر رغم عدم رغبته بذلك :
_" امشي"
تقبلت رغم قسوة الكلمات عليها حاولت التماسك بقدر الإمكان &; وقررت عدم المحاولة الٱن. &; لا لن تتحمل رفض ٱخر &; وكأنها منبوذه ما ان ر&;فضت بشخص شكل لها جميع العالم &; وكان رفضه بقدر رفض من حولها &;. رفض العالم لها &;. رفض الوجوه &; رفض النظرات &;. وجعها &; ظلمها &; نفت بسكون&; تخرج الأصوات من عقلها وحركت عينيها ناحيته فوجدته يحرك رأسه بتعب&; جسدي &; فقررت الرحيل وخرجت من الغرفة بسرعة&; حتى أغلقتها خلفها &; لم تستطع رسم ابتسامة لهم بل نظرت بملامح خالية وسارت بخواء دون حديث ناحية شقة والدتها &; فدخلت "دلال" بلهفة&; تقدم له الطعام ودخل خلفها "حامد" و"بسام" و"عز" الذي سحبه معه "بسام", و"شادي" هو الاخر !!
وبقت "فريدة" بالخارج وظل بجانبها "ٱدم" الذي نظر لها متعلقا&; بها وبعينيها وأخذ أنفاسه ي&;ردد قبال نظرات "حنان" :
_"ش&;كر&;ا عشان كنتي جنبي!"
ابتسمت "فريدة" حينها بإتساع&; وهتفت بأعين فاض بها ما تكنه له من مشاعر:
_" هفضل جنبك علطول مش هسيبك!"
هذا القول بمثابة الكثير لديه &; خرج "بسام" ووقف يبتسم وقال بجهل لما يريده شقيقه :
_" تعالوا ادخلوا &; غسان عايز يقولكم حاجة!"
تحرجت "فرح" و"فريدة" بينما رحلت "جميلة" خلف "نيروز '' &; اقترب "بسام " هذه المرة يمد ذراعه لـ "حنان" كي يساعدها ويقوم بسندها &; فتلهفت وربتت بحنو&; على كتفه الصلب &; وهتفت بقول تلقائي من سيدة مثلها:
_" الله يصلح حالك يا بني ويوقف في طريقك ولاد الحلال !"
حرك رأسه ناحية "فرح"&; وهذا الخجل الذي لم يقابل مثله من قبل في علاقته السابقة &; كان يردد دائما&; مع نفسه ان الأنثى تعني حياء ولكنه لم يستطع ايجاد ذلك إلا الٱن &; لمعت عينيه بوميض الحب وقال بصوت&; منخفض وصل لـ "فرح" التي سارت بجانبه:
_"ربنا فعلا&; وقعني في ولاد الحلال خلاص يا أم عز !"
ضحكت والدتها بخفة&; فتنحنح هو يجلي حنجرته ودخل الغرفة ودخل الكل من بعده &; في حين كانت "دلال" تجلس على طرف الفراش تحثه على تناول الطعام وبالجهة الٱخرى "وسام" ووقف"حامد" بلباقة&; فجلست"حنان" ومدت يديها بعفوية&; طيبة ومررتها على ساق"غسان" الم&;مد وقالت :
_" ربنا يحميك يا بني من أي شر"
ابتسم لها ورفع عينيه بصعوبة&; ينظر نحو الوجوه المترقبة فبدأ يوضح قائلا&; في وجود"شادي" و"منة" أيضا&; :
_"أنا عارف إنه مش وقته بس المفروض ده كان يحصل وهيحصل ان شاء الله &; جاهزين بكرة يا عز انت وأم عز والعروسة عشان نيجيلكم بليل&;&;"
صمتت النظرات وبدأ "عز" يتحدث بالحديث الموجود في عيني "حامد " و"دلال":
_" انت مستعجل لايه يا غسان &; احنا معاكم فأي وقت وقولنا موافقين بس مش مهم أي حاجة ألا لما تكون بخير!"
_" غسان انت تعبان ومحتاج راحة !"
هكذا كان قول "بسام" رغم سعادته &; في حين التزمت "دلال" الصمت بعجز مع "حامد "حتى لا يثيران القيل والقال بٱخذ والدة الٱخر الموقف بحساسية&; فقط &; رد "غسان" عليهما وقال برغبة&; في حدوث ذلك :
_" ده اللي كان هيحصل وأنا اللي جيت ووقفت كل ده &; وبعدين راحة دي مخرجش كتير او مركبش العربية &; أو شغل لكن مش مشوار اتفاق شوية وراجعين &;قولت ايه يا حج حامد &;!"
توردت وجنتي"فرح" بخجل&; وتلهفت "فريدة " فوقفت بجانبها بسعادة&; وانهزم"حامد " دائما&; أمام رغبة ولده في اسعادهم &; وأمام سيطرته الغير مباشرة وضحك بخفة&; وقال موافقا&; :
_" ان شاء الله هيحصل لو هم موافقين ولو انت نفسك قد كلمتك ومش هتخرج عمال على بطال !'
ضحك "غسان" يوافقه &; فابتسمت"حنان" وعز" ونظرا لبعضهم فوافقت "حنان" برأسها على الموعد فقال "عز" بعدما رأي هذا :
_" يبقي على خير ان شاء الله هنستناكم !''
نهضت"وسام " ترى فرحة "دلال" ورغم انها سمحت لها بأن تفعلها ولكنها سألت والدها وأشقائها :
_"ينفع أزغرط &;"
حرك الكل رأسه وحمسها "غسان" كي لا يشعرها بشئ&; :
_"يلا يا باشا ورينا الإحتراف !"
حبس وجعه بعد كل ذلك وخرجت الزغاريد منها ومن "فريدة" التي عانقت"فرح " بعد ذلك وخرجت الفتيات وبقى "عز" يتابع بفرحة&; ومشاعر الانتماء تظهر بأمان بين هذه العائلة &; أسند "والدته" التي ودعتهم عندما قال هو:
_" هنستأذن احنا بقى&; عشان ترتاح! وعشان نجهز لبكرة!"
وافقوا وخرج "بسام" مسرعا&; خلفها فوجدها تقف بينهن &; تركوها وتقدم هو قبل أن يخرج "عز" وقال بسعادة&; بالغة :
_" أنا فرحان فرحة محدش فرحها في تاريخ الفرحانين يا فرح !"
توردت وجنتيها ورفعت عينيها تصارحه هي الٱخري بخجل&; :
_'' أنا كمان فرحت !"
_"لازم.. الفرحة كلها م&;شتقة من اسمك وعينيك&;"
تغزل بها وتاه &; وازدادت حمرة وجنتيها فضربه "عز" من الخلف ونظر لها بتعنيف&; ووقف ينهره :
_" نفسي تهدى بقى&; &; وتتخابث شوية &; مش كل مرة أقفشك وتقع في نفس الحاجة !"
مرح معه فضحك "بسام" بصمت&; وعانقه بسعادة&; حتى سلم على "حنان" التي حدثته بأنها ستنتظر كما قالت "فرح" من على أعتاب الباب بعد مرور هذه الدقائق :
_"هستناك!"
غمرته السعادة من جديد وبعد لحظات دخلوا المصعد فأغلق الباب بهيام&; وتراقص بذراعيه وهو مغمض العينين وتناسى أمر "فريدة" الواقفه مع "ٱدم" الذي قهقه بصوت&; عال&; فانتفض "بسام" بينما الٱخر لم يتركه لحرجة بل أمسك يديه وتراقص معه بدون موسيقي وهمس له قائلا&; :
_"خليك فاكر الرقصة دي لحد ما نرقصها مع بعض في فرحنا!''
عانقه "بسام" بحب&; وشدد من هذا العناق يمتن له لوقوفه بجانبه &; في السابق كان لا يشعر بشهامة العائلة ووجودها الٱن وجوده بمثابة الكثير خاصة&; بعد عدم وجود "بدر" الذي تعمد الجميع عدم اخباره &; وقف بعدما انتهى&;. وقال يخبره :
_" همشي عشان ترتاحوا &; وبلاش اجيب فاطمة النهاردة بقى &; على ما الحال يستقر ويرتاح وبكرة هنيجي من الصبح &; عاوز حاجة&;"
نفى بابتسامة هادئة وتقدمت "فريدة" خلف "ٱدم" وحركت رأسها ناحية "بسام" وقالت بلطف&; &;
_''مبروك يا دكتور بسام "
كان رد "بسام " عليها بأمنية يتمنى حدوثها لهما هو الٱخر :
_" عقبالكم!"
غمز له "ٱدم" وأشار ملوحا&; بيديه حتى خرج وخرجت معه وهو من دفع الباب كي يغلقه &; وقف يتابعها فوقفت هي بصمت&; وقبل ان تتجه لتدق باب شقة "عايدة " هتف هو بإسمها :
_" فريدة!"
التفتت برأسها تنظر وتعلقت عيناهما معا&; فقال بتمني صادق مقررا&; الحديث معها على المكشوف بوقت ٱخر :
_" عقبال ما تبقي من نصيبي!"
ضحكت بخفة&; وسألته بتخبط&; رغم ظهور المشاكسة في نبرتها :
_'' لسه م&;صر على رأيك&;''
_" م&;صر ولو مش م&;صر فأنا رأيي أمر مفروض &; إجباري يعني يا شاطرة ولا نسيتي&;!"
ذكرها بقول&; معهود معهما &; فضحكت وقالت بخداع&; :
_" نسيت ومش بكدب ها !!'
حذرته من تكرار الآتي منه &; فضحك واقترب ينظر داخل عدستيها وقال:
_" اللي عينيهم حلوة مبيعروفوش يكدبوا!!"
هذه المرة قالتها بشغف&; عندما نظرت أكثر تتحداه بسعادة&; :
_", لأ بيعرفوا"
_" طب عيني في عينك كده!"
هذا القول التي كانت تريده&; بالفعل كانت تنظر داخل عينيه فقالت بتيهة&; :
_", ما أنا عيني في عينك!"
_"ما هو دا اللي أنا عايزه ومش عايز غيره وربنا!"
ابتسمت "فريدة "بسعادة&; وخرجت من هذا التعلق ودقت جرس المنزل &; فتقدم ناحية المصعد وقبل أن ي&;فتح هتف بنبرة&; ضائعة :
_" خلي بالك مني ومن أمي!"
دخل المصعد تزامنا&; مع ضحكتها الخفيفة بعدما رٱت "ياسمين". الٱن تنظر بضجر&; فقد عاد الجفاء كما كان. &; دفعتها بغيظ&; ودخلت تزامنا&; مع خروجها وهي تخرج أنفاسها بضيق:
_" ادخلي يا ختي ادخلي وقولي لأخوكي ان أقسم بالله العظيم ما مكلماه ولا معبراه وهسيبه كمان لو فضل بالبرود ده!"
ذ&;هلت "فريدة" من هذا &; وقالت توقفها بمحاولة:
_" استني بس يا ياسمين &; في ايه فهميني طيب!"
_" خليه يفهمك &; اوعي!"
تركتها وسارت ناحية باب شقة والدتها &; إلى أن نظرت بتعجب&; فوجدت "حازم" يخرج بصمت&; فسألته هامسة ناهيك عن غضب وضيق الاخرى ومشاعرها المتضطربه :
_" هو في ايه يا حازم &; ايه اللي حصل!"
حرك رأسه بمعنى لا شئ وحثها على الدخول حتى أغلق الباب خلفها ونظر ناحية باب شقة "زينات" بنظرات متفحصة وعاد يقف بجانبها ينتظر بأن ي&;فتح له &; تجاهلته كما تجاهلها خاصة&;. عندما رددت له الأسف وقابلها بالبرود والصمت فإنفعلت!! &; ف&;تح الباب بواسطة "وردة" فسألها "ياسمين" بضجر&; :
_" ايه يا وردة كل ده على ما تفتحي &;&;''
_"ادخلي بس &; نيروز جت لوحدها ومش بترد علي حد &; ودخلت نامت زي القتيلة ! &; أنا خايفة!"
نظرت بقلق&; ودخلت فوجدت "سمية" تراقب ابنتها الغافية من على الباب &; بقلة حيلة حتى عادت تغلقه وسارت بمساندة"حازم " الٱن وجلست في الصالة بصمت&; لم تردد حينها سوى :
_''ربنا يريح قلبك يا نيروز &; يارب يكملك علي خير يا بنتي لأحسن بالشكل ده هتوقعي قلوبنا"
نزلت دمعتها بحسرة&; فركض "يامن", إليها ابتسمت تحمله فمسح على وجهها برفق&; وهتف ببراءة&; :
_" متزعليش يا تيتة!"
مخارج الحروف لم تعرف معه طريقها &; فضحكوا عليه ضحكات ممزوجة باليأس &; وابتسمت "ياسمين" حتى مالت تطبع قبله علي جبهتها وقالت تطمئنها :
_" متخافيش يا ماما &; سيبيها نايمة &; احسن من ماتكون صاحية ويحصل اللي حصل &; سيبيها وادخلي ارتاحي علي ما أنشر انا الهدوم دي وأنا واقفة ووردة هتعملك حاجة تاكليها !"
وافقت &; فتحدث "حازم" يرفض قولها برفق&; :
_" هتبقى كويسة ان شاء الله &; ارتاحي انت&; عشان متتعببش يا حماتي&; وسيبي يا ياسمين الهدوم هحاول انشرها انا &; عشان متقفي وتتعبي!"
_" ش&;كر&;ا مستغنية عن خدماتك!"
قالتها بسخرية&; وسارت وقبل ان تنحني حمل السلة الكبيرة هو متوجها&; بها ناحية الشرفة ووقف يسنده على مقعد واستند أمامها مربعا&; ذراعيه بانتظار ومراقبة إلى أن تنتهي &;. نظرت له بضيق&; وقالت بحنق&; :
_". مبحبش حد يبصلي ويراقبني كده كتير &; امشي لو سمحت اطلع بره &; ومتخافش مش هأذي اللي في بطني!"
_"انت&; كدابة. &;. انت&; عايزاني أقف هنا جنبك ومتحركش!"
إلتقطت الملابس لتقوم بنشرها ببطئ&; وهدوء أمام عينيه التي نطقت بالإشتياق قبل أن يتفوه بها صراحة&; وهو يضع كفه على كتفيها برفق&; وقال بلين&;.:
_"وحشتيني انت&; وعينيك&; الخضرا !"
سخرت ولوت شفتيها دون النظر له وهتفت تجيبه :
_" كان في عيون زرقا مقدرتش تتخطاها عشان طهقت من الخضرا ولا نسيت!!"
إقترب "حازم" أكثر ووضع يديه على معدتها البارزة وقال بإهتمام&; شديد :
_" انا غلطان وكدبت في دي &; متزعليش!"
شعر هو الٱخر بمدى سرعة انقلاب الحال &; تلهفت ولمعت عينيها تتأسف له بجدية&; :
_"أنا ٱسفة أنا كمان متزعلش مني&;"
ابتسم حينها بلين&; ودفعت نفسها بأحضانه وتركت ما بيدها حتى وقع منها &; شدد من هذا العناق الذي ح&;رم منه وحرم نفسه منه بارادته كي يعاقبها &; تنفست براحة&; فقبل قمة رأسها مررا&; يديه على ظهرها وقال بهدوء&;:
_"عيون زرقا ايه دي كمان يا هبلة &; أنا طول عمري بحب الٱخضر وبس!"
ضحكت وانهزمت بإستسلام وخرجت من أحضانه وقبل ان تتحدث مجددا&; فتحت عينيها ونظرت وهي تستند على السور وضربت رأسها بفزع&; :
_" يلهوي!! عباية ماما وقعت مني تحت!"
قدم رأسه للنظر فوجدها سقطت على شرفة شقة الجيران في الأسفل &; ضحك بخفة&; وقال وهو يعتدل :
_" هنزل أنا اجيبها من عندهم متقلقيش!"
ضحكت بتلقائية&; على هذا ومسحت ووجهها بغير تصديق ووجدته يخرج مسرعا&; ناحية باب الشقة وتركها تضحك كالمختلة تقوم بنشر البقية وشردت بهذا الحال الذي انقلب بسرعة إلى ان وجدته يطل بعد دقائق مع صغير ووالده ورفع رأسه يلوح بالعباءة وضحك يغمز لها &; فضحكت وهي تومأ بأنها هي وقالت بصوت مرتفع تسأله :
_"بسرعة &; عندك عيون زرقا تحت &;"
_" لأ مفيش &; في بني بس!"
رددها بضحك&; وضحك الرجل دون فهم أي شئ &; فحثته قائلة بمرح&; :
_" كويس ..طيب يلا تعالى &; بس دور كدة عندك ليكون في حاجة تانية واقعة من قبل كده!"
ارتفع صوته حينها بقهقهة&; وقال يصارحها بما وجده :
_" في شراب يامن فردة واحدة بس!"
إعتدلت "ياسمين" حينها وردت عليه بقولها الضاحك:
_''هاته أنا اللي كنت موقعاه بس خبيه وانت طالع عشان وردة كانت بتدور عليه وأنا قولتلها معرفش!"
ضحك "حازم" يحرك رأسه بيأس&; مع ضحكات الأخرين &; وعلى ب&;عد&;
كانت هي هناك تبكي بصمت على هذا الفراش التي انفردت بنفسها عليه ومعها الوجع من جديد &; رفضها &; هل كان الرفض صعب عليه مثل هذه الصعوبة &;&; &; سالت دموعها ولم تبغض ذلك منه بل أعطته كل الحق في فعل ذلك وأكثر ووجع ضميرها يقسو ,وفقدان الأمل يعود بقوة في فكرتها التي لم تستطع تصديقها بأنها بالفعل خسرته &; هي من خسرته وفعلت ذلك أولا&;&; يا لصعوبة مرارة الفقد بعد الفهم والندم. &; تشتاق وألم الهجر يضغط عليها &; كانت لا تود تركه &; كانت تود مرافقته دون العودة إلى هنا مجددا&; ولكنها عادت ..عادت لتبقى وحيدة من جديد ويرافقها الٱن مرارة ثلاث مرات الرفض وربما أكثر &; حاولت أخذ أنفاسها وإحتوت يديها الذي كان يتمسك بها بقوة يأبى تركها بقلبه ولكنه تركها بعقله في النهاية &; ولبسته الكرامة وتبدل الوضع بأسرع حال في ذلك بينهما!!!!
___________________________________
_"قومي ذاكري يا حبيبتي يلا"
هتفت بها "دلال" ووافقها"حامد", في القول بينما جلس "شادي"و"بسام" بجانب بعضهما واجتمع الكل في غرفة "غسان" &; بل ودخلت "منة" الٱن تعطي لهم أكواب الشاي التي أعدتها , وجلست بجانب "شادي" من الناحية الأخرى &; وقفت "وسام" توافق قول والدها وتحركت بعدما إنحنت تقبل رأس شقيقها &; وخرجت على الفور &; تأفف "غسان" من الاتصالات ونظر ناحية "شادي" يسأله بضيق:
_" انت قولتلهم في الشغل على اللي حصلي&;"
رفع "شادي"عينيه ولا مفر من الهروب الٱن&; حرك رأسه يؤكد فخرجت سبة نابية له ضحك عليها "بسام" بشماتة&; &; واتسعت عيني "منة" &; فضغط "حامد" على ساق"غسان", بتعنيف&; وقال ينهره :
_" انت مفيش نظر خالص ان في بنت معاكم أو حتى تحترم ابوك وأمك اللي قاعدين&;"
نظر بصمت&; وأغلق هاتفه وألقاه على جزء الفراش الخالي &; فتدخل "شادي" ببراءة&; يشهده:
_" شوفت ان ابنك قليل الأدب يا حامد&; عرفت دلوقتي مين مبوظ مين&;"
_" أنا ابني مبيبوظش ياض &; انت اللي بوظته أنا لسه عند كلامي!"
ضحك الجميع حتى "غسان" الذي فرد ظهره أكثر بتعب&; فنهضت "منة" تخفف من حدة توتر "وسام" كي تقدم على المذاكرة بشكل سليم &;في حين كانت نظرات الإتهام في الأعين له وعجز الجميع عن مراجعته أو لومه بمحاولة لفهم لما حدث &; أما هو فتهم ما يحدث وقال هربا&; منهم وهو يلتقط الغطاء:
_" أنا مش قادر لأي كلام ووجع دماغ &;أخرجوا بقا واطفو النور عشان عايز أنام !"
نظرت "دلال" بقلة حيلة ونظر "شادي" و"بسام" إلى بعضهما بينما ربت "حامد" على ساقه ما ان رأي التعب بصدق&; وقال يخبره:
_" أنا هقدر حالتك وهنسيبك ترتاح ونتكلم وقت تاني!"
أراد الإنفراد بذاته لينهرها بعد رفضه لها &; شعر بالعجز ووقف بالمتتصف ما بين يريد وما بين لا يريد بسبب وجع كرامته منها &; ابتلع غصة مريرة بحلقه &; ونهض "شادي" حينها بعدما خرج والدي "غسان" واقترب يقف وأردف يخبره:
_" أنا هوصل "منة" عند أبوها وهرجع عشان ابات معاك!"
_"لا متتعبش نفسك خليـك معاها أنا كويس!"
هتف بذلك فمال يهمس له بنفس سبته وردها له &; فضحك وهو يحرك رأسه واقترب "بسام" ضاحكا&; &; وأشار "شادي" بالوداع المؤقت &; وأغلق الباب خلفه !
ود لو يخرج شقيقه هو الٱخر ليبقي مع عقله وحده &; يفكر بضياع&;&; بل والجهة الأخرى كانت "سامر" وما فعله به &; أغمض عينيه يضع كل هذا على جانب &; واعتدل "بسام" يجلس بجانبه وسأله حينها بإختناق&;:
_"لو حاولت تخبي على خلق الله يا غسان هتخبي بس هتيجي عندي ومش هتعرف &; أنا عارف أفرق كويس بين تعبك ووجعك&; قولي مالك &; فيك ايه تاني زود عليك وجعك&; "
صمت "غسان" بقصد&; وغير رغبة في الحديث بل وبدون قدرة بينما سأل الٱخر مجددا&; بسبب حالته التي لا تسمح بكتم او كبت تعب نفسي ان ض&;غط سيؤثر عليه :
_" وجودها معاك من شويه هو اللي عمل فيك كده صح&; حصل حاجة زعلتك&;&;"
لمعت عينيه من هذا الوجع على نفسه وحرك رأسه بإستسلام&; وقال يصارحه بعجز :
_" أنا خلاص ..مبقتش قادر يا"بسام"&; مبقش زي الأول &; بس أنا بحبها ومش عارف..مش عارف أبطل أحبها!"
ضمه بين ذراعيه الجامدتين &; وتنفس شقيقه بعمق&; ولم يستطع قول شئ يواسي هذا التخبط والتشتت&; كي لا يجعله يتأثر بهذة الحالة &; علم ان هذه العلاقه استنزفت منه الكثير &; وجعلته هش كي يظهر ما بداخله هكذا بعد كبت دام لكثير !! &; ابتلع "غسان" ريقه وفضل ذراعي شقيقه الآن &; من عاش يحتوي يطلب الآن الاحتواء &; وكأن من حقه رد ذلك له حينما قال يطلب منه بنبرة مختنقة :
_" احضني يا "بسام" &; أحضن أخوك .."
وسقطت دموعه بإنهزام&; وهو يكمل بقية جملته له :
_"أخوك تعبان أوي!"
هذه الكلمات بمثابة معجزة ما ان تخرج من شقيقه بكل هذا الاستسلام &; شئ يثير الشفقة بعد الاندهاش كي تخرج من حدة الشباب! اين ذهبت الحدة &; وأين الشباب وفيما أفناه كي يبقي ويصبح عاجزا&; بمثل هذه الطريقة لا يقدر حتى على احتواء نفسه كما كان ! &; تأثر "بسام" من هذا وشدد بعناقه له يرسل له الأمان يرسل له الطاقة &; ويغمره بالطمأنينة &; يعطيه من روحه كونه نصفه الٱخر &; وان طلب قلبه سيهديه له &; بينما القلبان على وشك التدهور &; أو أحدهما على الأقل بينما الٱخر قارب على ايجاد الدواء! &; الٱن دماءه تجري بداخل الٱخر كما كانت تجري من قبل! لا شئ عجيب ولا شئ جديد عليهما &; هما دائما&; هكذا كجسد&; واحد بروح&; واحدة مهما حدث بينهما من شجار أدى لعقوبات وعقبات في يوم&; ما !!
_"بسم الله على أض&;ل&;عك و عليك أجمعك.. بسم الله عليك من كل&; ما ي&;حيط بك !"
أخذ يرددها وإستودع قلب شقيقه في حماية ربه ورحمته &; فغفى الٱخر بين ذراعيه بإستسلام &; استسلام محارب خاض معارك كثيرة &; والمعركة الذي توجب عليه الإنتصار بها كي يصل لها مجددا&; انهزم بها &; وانهزم منها بعدما كان ي&;جاهد لأجلها &; لأجل نيروز &; خسر هذه المعركة مع ذاته وأعلن الخسارة أمامها وهو مخذول فقط كلما يقع تنقده عيناها فضاع بين هذا وذلك وأ&;طلق عليه أمام عينيها التي أطلقت عليه بنفسها ونظرتها لقب .. المنتصر المهزوم"!!
رواية عودة الوصال الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سارة ناصر
خيبات هنا وهناك، هي وهو، وما بينهما هما الاثنان عجزا عن حله، وخرج الأمر عن الإرادة، وما الإرادة؟ غايتها الرجوع نادمة له بعدما علمت قيمته جيدا، كما كان يريد، ولكن وجع رجولته ظل ينهره ولم يتركه حتى أمام عينيها الباكية والمتوسلة بنظراتها دون حديث واضح بذلك، شعر بالضغوط والأحمال وثقلها، هي بمثابة ثقل كبير والأهم بأنه لم يثقل منها بضيق أو نفور، بل الٱن نفسه من تضغطه بحوار هام بين القلب والعقل.
أبى العقل ووافق القلب، وبين كلمات وحديث كان هو واقع بالمنتصف بينهما، والشوق قد هزمه عندما تمسك بها بقوة، رافضا تركها كي تخرج من أحضانه وبين ذراعيه، اتهامها الٱخير له بأنه من بيديه الأمر ويستهين به الٱن أثر به ووضع به الكثير من المشاعر المضطربه، وخُذل من نفسه التي خانته على عدم القدرة، فقد حاول ودخل معركة أخرى كي يراها مثل السابق وينسى، ولكن الأمر الٱن اختلف وأصبح عالق بين هل تريد الرجوع من تلقاء نفسها نادمة؟ أم ان من دون هذه العقبة التي كان بها على وشك الضياع كانت لم ولن ستخبره برغبتها هذه؟
ظل شقيقه معه ولم يتركه، بل غفى الاثنان بجانب بعضهما، وأحدهما يحاول الهرب من الوجع، والآخر بتمني بأن يأخذه منه كله ليصبح كما كان، لم يعتاد على هذا الضعف الذي رآه، وما جعله يغوص بنومه هو تعبه والمخدر الذي له أثر كما الدواء الذي به نسبة من المخدر.
بهذا الوقت خرجت "دلال"، من المطبخ بصينية عليها طعام بسيط وشراب له، وقفت تنظر فوجدت "بسام" يخرج من المرحاض العام متوجها ناحيتها وهتف مجددا يخبرها للمرة الثالثة اليوم:
"لسه نايم يا ماما والله، انت مستعجلة على ايه؟ سيبيه يرتاح وتعالي أكليني أنا، أنا عريس يا أم العريس!"
ضحكت بخفة، وأسندت ما بيديها على مقعد حتى انتهت من ضحكاتها وهتفت تسأله بقلق:
"بقاله كتير نايم يا بسام، دا ابوك صحى الصبح وبص عليه وراح وصل وسام هو وشادي الامتحان وجه تحت في المحل بعد ما طلع ولقاه لسه نايم برضو!"
"الدوا اللي بياخده فيه نسبة مخدر، بس هو قرب يصحى، وعلى ما يجي ياخده تاني هياخده على بالليل عشان يقدر ينام وميتعبش، متخافيش، اقعدي ارتاحي انتِ!"
جلست على الأريكة بحزن، وسرعان ما جلس بجانبها يأخذ راحتها بين يديه وقال يطمئنها برفق:
"أنا مش عايزك تخافي، الحمد لله والله ربنا ستر!"
"أخوك مش كويس يا بسام، مش كويس وقلبي بيوجعني عليه أوي، مش خبطة دماغ اللي هتداري اللي فيه عني، دا كل مادة بيسوء أكتر، ومش عارفه.. مش عارفه ايه اللي حصل لكل ده، مش شايف شكله بقا عامل ازاي وخس ونفسه مسدودة ومش بياكل!"
نبست بهذه الكلمات بإختناق، فأخفى الٱخر ما شعره ويشعره ومرر يديه على خصلاتها البيضاء بحنو، ثم ردد لها بنبرة هادئة آمنة:
"والله هيبقى كويس، ادعيله بس!"
ابتسمت على أي حال، ورفعت رأسها تنظر بفرحة ظهرت في عينيها وشاكسته قائلة:
"بس أنا مبسوطة أوي عشانك، متعتبش عليا، زعلي على أخوك غطى قدامك على فرحتي بس والله قلبي فرحانلك أوي يا بني!"
نفى برأسه وهتف بتفهم وهو يضحك:
"أنا فاهمك يست الكل متشيليش هم، المهم قوليلي بقا "فرح" عاجباكي؟"
نظرت "دلال" بضحك وضربت كتفيه بخفة وقالت بخبث أم في مثل هذه المواقف:
"يا خويا المهم تعجبك انتِ، قال تعجبني أنا قال!!"
"يا سوسة بقى عايزاني ماخدش بالي منك وانتِ ساحباها وراكي تشوفيها بتعرف تطبخ ولا لأ؟!"
نظرت "دلال" بضجر زائف وقالت ببراءة أمام وجهه الضاحك:
"الله مش بطمن على مستقبل ابني وحبيبي يا واد!"
"حقك يا حب عمر حامد، حقك!"
قالها "بسام"، بيأس منها فرفعت ذراعها تضمه بسعادة بالغة، فهذا الذي بين أحضانها دائما ما تشعر بالشفقة عليه وعلى قلبه المسكين، الذي يوقعه دائما في أناس ليس منهم أبدا، كم مرة تحمل الضغط بالتحمل تحت مسمى الحب، الذي كان يعطيه دون مقابل ولم يقابل يوما ما حب مثلما كان يحب، والاخرى التي كانت تستنزف طاقته وكل ما لديه من مشاعر ليذهب كل ذلك هباء، مسببه له عقبة انتهت بصعوبة شديدة ونهايتها كان عوض له، كان فرح بوجوده لها، لـ "فرح"، الذي بمجرد ما ان تقع عينيه عليها يشعر بمعنى اسمها في الحال، "صاحبة البهجة" هكذا أطلق عليها فجأة بعدما أخبره قلبه بذلك! سمعا صوت فتح الباب، ففي الغرفة الخاصة بـ "بسام" كان هناك "شادي" نائم، بينما من فتح غرفة "غسان" كان هو الذي تحامل على نفسه وقبل ان يلتفت أي منهما، ابتسم على مشهدهما وقال يشاكس والدته رغم ملامحه التي لا توحي بالمرح:
"احضني، احضنيه كمان، حبيب القلب ده أنا عارف!"
حركت رأسها بلهفة، ونهض "بسام" سريعا يمسك ذراعه بخفة، فسار الاثنان معا حتى جلس "غسان"، بجانبها فرفعت هي أناملها تمررها على لحيته الخفيفه بحنو، وقالت بتأثر حاني على قلبه بحالته هذه التي جعلتها تشفق عليه:
"اخص عليك يا واد، بقى أنا بحب واحد واسيب التاني؟ أنا بحبكم كلكم زي بعض بالتساوي، بكرة لما نيروز تخلف تعرف ده!"
كان قولها عفوي لدرجة كبيرة، اما هو فلم يظهر عليه معالم لذلك، بل ضحك وهو يحرك رأسه فقط تحت ابتسامة "بسام" الذي سحب الطاولة الصغيرة أكثر ووضع عليها صينيه الطعام وجلس يحث شقيقه برفق:
"معرفش ده غدا ولا فطار بالظبط، بس كل عشان تقدر تقف على رجلك وتصلب طولك كده عشان تقدر على ميعاد بالليل اللي انت أصريت عليه!"
أطعمته "دلال"، بلهفة كصغير ففتح فمه يراضيها ورفع عينيه ناحية شقيقه المبتسم والمتعمق لتعابير وجهه، فنظر حينها بعشوائية وسأل عنها باهتمام:
"وسام لسه مجتش؟"
"لأ، بس تصدق قربت، عمًا أقوم أسخن لها على ما تيجي أصل ما مبتحبش الأكل بارد.. خليك فوق دماغه يا واد يا بسام على ما ياكل كويس!"
وافقها فنهضت ناحية المطبخ، في حين اعتدل وتحرك "بسام"، يجلس بجانب "غسان" الذي ابتلع ما بفمه وقبل ان يستفسر أكثر داهمه "بسام" بسؤاله المهتم:
"بقيت أحسن دلوقتي؟"
علم أنه قصد نفسيته، فحرك رأسه بنعم، وغير مجرى الحديث عندما قال:
"أبوك واختك راحوا إزاي؟ مين وصلهم؟"
"شادي وصلهم ورجع نام!"
حرك رأسه موافقا، فسمع صوت دقات الباب، فنهض "بسام" يفتحه وبعد لحظات، وجد أمامه "سمية" وبجانبها "حازم" و"ياسمين" و"وردة" التي امسكت صغيرها، رحب بهم بلباقة وقال بحبور:
"ادخلوا اتفضلوا"
رفع "غسان" بينيتيه الداكنتين يطالع "سمية" التي اقتربت من مكان جلوسه هي وابنتها وابنتها الٱخرى و"يامن" الذي تعلق بعنق "بسام"، الٱن وعندما نظر نحو "غسان" الذي ابتسم له بإتساع يشير له تشتت مجددا تحت ضحكاتهم واختار الصغير هذه المرة "بسام" كونه لا يضع على رأسه شئ غريب بالنسبة لطفل، من شاش الذي اخفى أول خصلاته فغير قليلا من الشكل بينه وبين شقيقه المماثل له، تركه يداعبه بلطف.
سمعت قول "سمية"، وهي تجلس بجانبه:
"ألف حمد لله على السلامة يا بني، أن شاء الله عدوينك!"
امتن بعينيه فقط وبحث عنها للمرة التي لا يعرف عددها، يتمنى وجودها فلم يجدها. ابتسم على حديث "حازم" هو الآخر. ومن الجهة الأخرى، لاحظت "ياسمين" حالته هذه فأشفقت عليه، ولانت بقولها له وهي تقترب لتجلس على المقعد:
"سلامتك يا غسان!"
"الله يسلمك!"
كان الحديث عابر وكأن لا يوجد بينهما شيء. جاءت "دلال"، بلهفة، وسحبت "سمية" لتقف معها بالمطبخ كي تخبرها بالتدريج عن مناسبة "بسام" و"فرح" الليلة. ونهضت "ياسمين" بمحاولة في المساعدة، ورتبت الصالة بالمفروشات التي عدلتها على الطاولات والمقاعد الطويلة. في حين وقف "بسام" يلاعب "يامن"، ودخل معهما "حازم". بذلك الذي احتضن "بسام" الآن ما إن علم منه وقال بفرحة:
"ألف مبروك يا بسام، ربنا يتمم بخير يارب!"
"الله يبارك فيك يا حازم، طبعا انت مش محتاج أقولك تيجي، انت اخويا وقعدة الرجالة لازماك متنساش بقى ها!"
وافق بحماس وهو يشير على عينيه. ومجدداً، شاكس الصغير تحت مراقبة "غسان" الذي بدا وكأنه ينظر لهم، ولكن عقله الآن كان معها هي. يسأل نفسه لم لم تأتي وهو من جعلها تفعل ذلك برفضه المتكرر لها أمس. ولكنه انتهز فرصة جلوس "وردة" وهي تبتسم على صغيرها الذي يدلل منهم، وحمحم كي تنتبه، فنظرت بابتسامة لطيفة. وحينها سأل هو عنها:
"هي نيروز.. كويسة؟"
عينيه تتحدث بالكثير. وجدت السؤال الآخر الذي أبى ورفض خروجه لها: أي.. لم لم تأتي معكم؟ حركت "وردة" رأسها وتنفست بهدوء تجيبه:
"في أوضتها من امبارح."
نايمة طول الوقت. شوفتها قبل ما أجي بس لقيتها لسه نايمة فمرضتش أصحيها.
بررت له وراعت مشاعره ووضعت نفسها مكانه. ابتلع "غسان" ريقه وحرك رأسه دون قول أي شيء. فنهضت بسرعة هي ما إن نادت "دلال" عليها في المطبخ، وقبل أن تسير وقفت تنبهه بقلق:
"كنت عاوزة أقولك إن بدر عمال يسأل عليك وأنا بطمنه لأنك مش بترد. وأنا حسيته شك إن في حاجة. عشان كده لو قدرت ترد رد عليه بس اتحجج بأي حاجة ومتفتحش الكاميرا عشان ميقلقش وهو لوحده."
رسم ابتسامة صغيرة على شفتيه وهز رأسه لها باطمئنان وهو يقول:
"متقلقيش. أنا هتصرف."
تركته بعدها وذهبت في اتجاه المطبخ. أما هو فهاب انفرادها هذا بعد ما فعله وما ردده رغم عنها. أخرج أنفاسه بثقل. وخرج "شادي" من الغرفة حينها مقتربًا منه وهو يفرك عينيه بنعاس. جلس باندفاع بجانبه ومد يديه يتناول ما وُضع أمامه من طعام. وابتسم نصف ابتسامة وهو يتفحص وجهه وسأله حينها باهتمام:
"بقيت كويس عن امبارح؟"
"الحمد لله."
هتف بها "غسان" وهو يعتدل. فتقدم "حازم" و"بسام" الذي حمل "يامن", ووقف بحماس يخبرهم:
"فكرولي بقى ألبس إيه النهاردة ضروري!"
نظروا إلى بعضهم بتفكير لائق له. في حين لم يعطهم هو الفرصة بل سألهم مجددًا باهتمام:
"قولولي هو في الاتفاق عادي أجيب ورد؟"
تدخل "شادي" بعدما ابتلع ما بفمه و أخرج أنفاسه يحرك رأسه مؤيدًا:
"دخل الورد فأي حاجة وهم هيتبسطوا."
وكأن كل الكلمات الآن تشرحها هي وتوضح ما كانت ومازالت تفضله. ابتسم "غسان" بشرود وهو يسمع قول "حازم":
"ورد ورد. دوس يا عم انت خسران حاجة يعني!"
رفع "غسان" عينيه بهذه اللحظة وأكد قول "حازم", بمزاح خفيف صادق:
"عنده حق. المحل تحت انزل شوف اللي انت عايزه وخلي فريدة تظبطهولك!"
وافق بحماس وكان سيهبط في الحال ولكنه وجد "غسان" يستند كي يقف فأسنده مع "شادي" و"حازم" فدفعهم "غسان" برفق وقال بابتسامة باهتة تشرح ما بداخله من تشتت إلى الآن لم يزل:
"أنا قادر أمشي. خليكم!"
تركهم تحت ترقب وتنفس "شادي" بعمق وهو ينظر بأثره. فجلس "بسام" بحزن على حال شقيقه وحينها تدخل "حازم" يخفف عنه:
"روّق يا عريس!"
ابتسم "بسام" يراضيه واقترب "حازم" يساعد "ياسمين" كي يخفف عنها. في حين تحركت رأس "شادي" ناحية "بسام", وسأله بدون مقدمات:
"إيه العمل يا "بسام"؟ هنسيبهم كده كتير؟"
"مش عارف يا شادي. مش عارف ولا قادر أفهم هو عايز إيه بالظبط. بس أنا أما شوفتها خايفة عليه أوي كده قولت إن مينفعش اللي بيحصل بينهم ده ولازم حد يتدخل بدل عنادهم اللي حاطينه بينهم!"
قالها "بسام" بيأس. فنظر "شادي" حوله بريبة. ثم مال يقترب من أذن "بسام" يخبره بهمس:
"إنجي مديرة الفرع جاية كمان شوية ومعاها واحدة بتشتغل تحت إيد "غسان". جايين عشان يزوروه وأنا اللي اديتهم العنوان. ونيروز بتولع من "إنجي" دي. فأنا امبارح لما شوفتها خارجة عرفت إنه اتغاشم ومشّاها لأن بالخوف ده عمرها ما كانت هتمشي وتسيبه!"
قوس "بسام" حاجبيه بغير فهم وسأله عن مخزى هذا الحديث:
"يعني إيه؟"
نظر حوله مجددًا واقترب أكثر فاستمع "بسام" بإنصات له وهو يفسر:
"يغبي إفهم. هي مجتش أهو. وده دليل على اللي شاكك فيه. فإحنا دلوقتي هنلعب على غيرتها ونقربها أكتر منه في الكام يوم اللي قاعد فيهم طول الوقت هنا من غير شغل يمكن يتصالحوا. أنا بقى عايز دلوقتي نيروز تشوف إنجي وهي جاية. وعلى رهان لو مجتش جري تقعد لازقة فيه ومش هتسيبه وهتولع قدامه!"
وجدا أن المنطق والعقل لا يتماشى معهما. لذا قررا على الخطط باحتمال النجاح أو الفشل. شرد "بسام" بذلك ووجدها فكرة جيدة فسأله بجهل متردد:
"انت متأكد إنها لو جت مش هيحصل مشاكل؟ أنا سمعت إن إنجي دي open mind ومش شبهنا خالص يا شادي. ممكن نيروز تضايق من أي حركة كده ولا كده!"
ضرب "شادي" رأس "بسام" بخفة وقال بخبث ينبهه:
"ما تضايق ما هو ده اللي إحنا عايزينه يالا!"
ابتلع ريقه ونظر هو هذه المرة حوله خوفًا من ترقب شقيقه. وقال بخوف من التجربة:
"خايف ألعب يحصل حاجة نعجز عن تصليحها يا شادي!"
"يجدع متخافش. أنا بين الناس دي وعارف إنجي لما تشوفه هتعمل إيه. هي بتعتبره أخوها بس أخوك مبيرضاش يخليها تاخد عليه أوي عشان كان بيخاف على مشاعر نيروز. عارف بقى بطباع واحدة زي إنجي بنت الطبقة الهاي دي هتعمل إيه لما تشوف أخوك كده؟"
نظر "بسام" بجهل وسأله بنظرة عينيه بعدما قال:
"لا مش عارف. هتعمل إيه؟ وأنا خوفت ليه؟ ربنا يستر!"
"بسيطة. هتسلم عليه بعشم وهتقوم حاضناه. عايزين بقى نيروز تشوف ده!"
اتسعت عيني "بسام" وقال خوفًا من تدهور الوضع بهذه التساهلات الذي لا يحبذها:
"إحنا ناس غلابة يا شادي ومش متعودين على الكلام ده. يعم عيب ميصحش. هو هيصدها!"
ابتسم "شادي" بمكر وخرجت نبرته قائلاً بتهكم يجرأه أكثر:
"لا يا خويا مش صاددها المرادي. لو نيروز موجودة مش هيصدها. انت مش عارف غسان ولا إيه؟"
صمت بحيرة للحظات وانتظر "شادي" رأيه. فرفع "بسام" رأسه وسأله مما أبدى رأيه في الموافقة:
"طب ودي هنعملها إزاي؟ هنخلي نيروز تشوفها إزاي؟ دول كلهم هنا ما عدا هي!"
شرد "شادي" واعتدل يردد بتفكير عميق:
"هي واحدة بس اللي هتعرف تعمل ده. وسام أختك!"
ضم "بسام" شفتيه بقلة حيلة من هذا الثنائي الخبيث. وابتلع ريقه يردد برهبة زائفة:
"بص لو حصل أي حاجة واتكشفنا على إننا قاصدين نحطهم قصاد بعض قدامه. مليش فيه. اتحمل انت العواقب منه. أبيض؟"
أشار ملوحًا بيديه بغير اكتراث وعاد يمضغ الطعام بفمه تزامنا مع قوله الواثق:
"طب اقعد في جنب بقى. عشان أخوك ذات نفسه هيبقى عايز كده!"
ابتلع "بسام" ريقه ببطء. وحرك رأسه باستسلام ناطقًا بنبرة شاردة:
"خليني ساكت عشان مبناخدش من ثقتك دي غير الـ... ولا بلاش. ربنا يستر!"
ضحك "شادي" وهو يستمع إلى هذه.
عقب ما انتهي دس لقمة صغيرة بفم "بسام" بالإجبار كي يصمت وقال بسيطرة:
"ايوة اسكت، كل واسكت واتفرج على اللي هيحصل!"
"خذنا حلاوت الحب كله في يوم وليلة
أنا وحبيبي، أنا وحبيبي
ذوبنا عمر الحب كله في يوم وليلة
في يوم وليلة، ليلة، ليلة
خذنا حلاوة الحب كله في يوم وليلة
أنا وحبيبي، حبيبي، حبيبي
ذوبنا عمر الحب كله في يوم وليلة
عمري ما شفته ولا قابلته
وياما، ياما شاغلني طيفه
عمري ما شفته ولا قابلته
وياما، ياما شاغلني طيفه
عمري ما شفته ولا قابلته
وياما، ياما شاغلني طيفه"
صدحت الكلمات الخاصة بالأغنية لـ "وردة" من التسجيل الصوتي في محل الورد، والآن هي تقف وحدها تستمع بشرود وابتسامة هادئة تزين محياها. كلمات تخرج تصف شعور ووضع وحالة، ربما معه. وكالعادة كلما تفكر به يأتي، وهذه المرة جاء مقرراً قبل أن تفكر هي!! جاء بكل سرعة وخطف فؤادها وكأنه سرق منها شئ ثمين يستحيل. كما جاء الآن بهذه الساعة من خلفها تزامناً من صدوح بقية الكلمات.
"وفي يوم لقيته، لقيته هو
هو اللي كنت بتمنى أشوفه
نسيت الدنيا وجريت عليه
سبقني هو وفتح إيديه
نسيت الدنيا وجريت عليه
سبقني هو وفتح إيديه
لقينا روحنا على بحر شوق
نزلنا نشرب ودبنا فيه
ومين يصدق يجري ده كله
ونعيش سوا، ونعيش سوا العمر كله
في يوم وليلة، ليلة، ليلة، ليلة، ليلة.."
وقف "آدم" ينظر إلى شرودها بنظرات محبة متعمقة النظر بتلك التي غيرت حاله بلمح البصر. جاء من بين هذا الشرود ووجدها الآن وحدها. فاقت من شرودها على ركض "أدهم ويوسف" إليها متعلقين بساقها. انتفضت "فريدة" ونظرت وابتسمت بسعادة بالغة. انحنت تعانقهما بفرحة قدومهما وقبلت وجنتي كل منهما أمام عينيه الشغوفة بها. واقترب "آدم" حينها على القول المماثل لما قاله بالدقة واللحن الآن بنفسه:
"وفي يوم لقيته، لقيته هو، هو اللي كنت بتمنى أشوفه.."
تأثرت من لحن صوته العادي الذي تماشي مع الكلمات. فاقتربت أكثر وكأن الكلمات تشرح هذا الحال الذي يحدث بينهما وقالت بعمق، بعدما تعلقت بعينيه:
"نسيت الدنيا وجريت عليه، سبقني هو وفتح إيديه.."
غمز لها "آدم" بسرعة وخفة، فضحكت بخجل. أما هو فاقترب يؤكد برأسه وقال:
"ده بجد والله، أنا فاتحلك ايدي ولسه فاتحها وعمري ما هضمها من غيرك!"
كان الحياء رفيقها الآن. وجدت الصغيران يلعبان، فتحركت بعفوية تجلس، فجلس هو بجانبها وطالعها بصمت، إلى أن سألته هي:
"جيت امته؟"
"من كام دقيقة بس.."
فاطمة طلعت علطول وأنا جيت هنا لما لقيت المحل مفتوح.
حركت فريدة رأسها بهدوء شديد، وجابت عينيه تعابيرها الهادئة، واعتدل يتنفس بعمق. ثم حثها هو أولاً عن ما تريد قوله وتعجز أمام عينيه التي تحاوطها:
"اتكلمي يا فريدة أنا سامعك، قولي كل اللي انتِ عايزاه!"
ترددت عينيها في النظر نحو عدستيه وأخذت نفسًا عميقًا وقالت بأعين على وشك أن تلمع من هذا الحال الذي يلبسها:
"مش هتفهمني غلط، هتصدقني وتصدق خوفي."
حرك آدم رأسه بإطمئنان وهو يبتسم وعلم جيدًا كيف تتشتت وتهاب قربهما بخطوات قادمة. ابتلع ريقه وتنهد بالتدريج، يصارحها بقوله:
"مش هعرف أكدبك، اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكدبوا!"
"مش دايما."
عارضت كالعادة ولكن هذه المرة بخوف وجدية ظهرت له فصبر إلى أن واصلت هي مرة أخرى:
"أنا وافقت!"
تلهف وتعمد الصبر كي لا تخيب آماله رغم اعترافها وتركها تكمل بوضوح:
"بس خايفة لسه من حاجات كتيرة، لكن مش خايفة منك انتِ!"
قولها الأخير جعله يهتز تسارعت دقات قلبه وابتلع ريقه ينتظر حديثها الذي يخرج منها بصعوبة، ولكنها اعتادت على الوضوح مؤخرًا وقالتها دفعة واحدة على مسامعه وألقتها دون مقدمات:
"أنا لسه مش قادرة على خطوة الجواز، مش هقدر ومش عايزة اتسرع أظلمك بعقدي، عشان كده وافقت اتعالج منها عشاني وعشانك!"
سعد من هذا الخبر رغم أن حازم أخبره من قبل، ولكنه تلهف وسألها بما يتمنى حدوثه، وهذه النقطة لم يخبره بها شقيقها بل فضل سماعه منها هي شخصيًا:
"و..موافقة أكون جنبك وأنا خطيبك؟ أو حتى كاتبين كتاب عشان أتحرك معاكي براحتي من غير شروط؟"
هابت كلماته الأخيرة وأخفت الرهبة ولكنه التقطها على الفور، وابتلعت ريقها تنظر بتردد. ففهم خوفها وصارحها دون شفرات في القول وقال يبرهن ويبرر سريعًا بوضوح آخر:
"متخافيش، أنا مش هقرب منك من غير ما تكوني جاهزة ومؤهلة لده، حتى لو كتب كتاب، أنا بس عايز أحس إني جنبك وساندك، عايز أشاركك كل ده وأنا راضي على نفسي وأنا معاكي، لكن أنا راضي بيكي وعليكي والله العظيم!"
أقواله تؤثر بها دومًا مهما حاولت إخفاء التوتر من هذا، تفشل وفشلت عندما فركت يديها وابتلعت ريقها تهرب بعينيها ولكنها انهزمت ولم تقاوم حتى عادت تتعلق بعينيه وأكدت برأسها ثم هتفت بضياع من فقدان الثقة:
"أنا واثقة فيك بس مش واثقة في الأيام ولا عاطياها الأمان، غصب عني خايفة يكون بينا خطوة زي كتب كتاب وتسيبني، أنا مش ضامنة الدنيا ولا الظروف اللي حولتني وغيرتني بسرعة من غير ما أتوقع إن كل ده يحصل!"
"أنا هفضل جنبك وجنب خوفك لحد ما يغلب واحد فينا، ومتأكد إن أنا اللي هغلب خوفك عشان انتِ قوية وهتغلبيه معايا واحنا مع بعض!"
حاوطها بالكثير والكثير من الحروف الآمنة والأقوال الساكنة التي تخللت الراحة بداخلها ولها بسببها، أخذت أنفاسها وحركت رأسها بنعم وهي تبتسم بسمة هادئة لينة ورضخ قلبها بالقبول مع عينيها، فغمرته السعادة بعد اللهفة وهو يسألها بحماس:
"يعني أدوس وأكلم حازم ومامتك عن الخطوة دي؟"
"آه."
اتسعت ابتسامته أكثر بفرح واعتدل في جلسته بلهفة، وقال يسألها بقليل من القلق الذي هزمه سعادته:
"تفتكري حازم هيوافق ولا مش هيرضى ويخليها قراية فاتحة وخطوبة بس!"
نهضت فريدة تقف وقررت اللعب على أعصابه كعادتها عندما تصنعت البرود بلحظة وهتفت:
"معرفش، بس اللي حازم هيقوله أنا هوافق عليه!"
تهلكه بأفعالها حتى وإن كانت زائفة، ابتسم وحرك رأسه يرافقها وهو يسير بجانبها ووقف على فجأة، يسألها بعبث:
"بقولك إيه؟ ما تيجي نتقاسم الورد ده كله سوا!"
"إزاي؟"
رددتها بغير تصديق واستطاع بمراوغته أن يجعلها تندمج فضحك آدم وغمز واقترب يجيب على سؤالها بخفة:
"انتِ تاخدي الورد وأنا آخدك انتِ!"
ضحكت، بل وإن كان القول يقدر بابتسامة خجولة فلم تفعلها بل ضحكت وهي تضع يديها على فمها تكتم هذا الصوت وقالت قولها المعهود معه:
"انت مش واقعي على فكرة!"
"ما انتِ اللي عاملة زي الخيال، وفريدة من نوعك، حقي مكونش واقعي ولا مش من حقي؟"
نفت بكبرياء محبب له وهي تعطيه كتفيها وقالت وهي تحمل الصندوق:
"لأ."
"كدابة، انتِ عاطياني الحق من زمان، من ساعة ما ضربتيني بالقلم وكبيتي ماية عليا!"
ابتسمت بخجل وهي تعطيه ظهرها فاقترب ولبس ثوب الوقاحة حينها ومال يهمس بجانبها متذكرًا:
"بخصوص موضوع الماية بقا، أنا فاكر إني جيت أخبط عالباب، وحد فتحولي فببص لقيت خير اللهم اجعله بالخير وحلال جايلي فالطريق..."
شوفتك بترقصي ورا
اتسعت عينيها من وقاحته، فهربت بعدستيها دون رد. فضحك يشاكسها وفرض سيطرته الٱن أمام سيطرتها الزائفة التي تحاول فعلها معه، فيصمت بإرادته:
"أنا بعرف ألخبطك على فكرة، بس بحب أسكت واتفرج للٱخر!"
"مبتلخبطش!"
وعارضت به كالعادة، فضحك "ٱدم" بتشكك. وساعدها وهو يحمل معها ما وجد أمامه تزامناً مع قوله المراوغ العبثي:
"طب بلاش تتحديني، دا أنا شوفتك بعيني وانت بترقصي وكنت الصراحة لهلوبة.."
تركت الصندوق وتلك التي كانت تتحلى بالجرأه، تخلت عنها هذه الجرأه وسارت بخطى سريعة تهرب من حديثه. فجاء خلفها يقهقه بقوة جعلتها تكتم ضحكتها وسبته قائلة وهي تلتفت له متصنعة الضجر:
"علفكرة انت قليل الأدب!"
"الله، ما انت اللي بتضطريني لـ كدة. أنا بحاول أكون مؤدب، بس انت بتفكريني عبيط، مع ان مفيش "ٱدم" عبيط يا شاطرة."
ضغطها مجدداً يلمح لها بأن بيديه زمام أمور مشاعرها المخفية. ابتلعت ريقها وقالت بتبجح وهي تحرك رأسها تؤيد قولها الذي خرج للتو:
"لأ في."
"يا جدع، طب عيني في عينك كدة!!"
ضحكت بيأس من قوله المتشكك بمرح. ونظر الإثنان سريعاً على دخول الصغيران مهللين بقدوم "وسام" و"حامد". دخلت "وسام" بابتسامة هادئة فسألتها "فريدة" سريعاً وهي تقترب منها بلهفة:
"عملتي ايه يا ويسو، حليتي كويس؟"
"الحمد لله، عدت على خير، ادعيلي بقا اللي جاي حاجة تانية خالص!"
عانقتها تخفف توترها فابتسمت لها "وسام" براحة. وتدخل "ٱدم" حينها يطمئنها برفق:
"ربنا يوفقك يا وسام يا فخر البدري الجاي!"
ضحكت وشاكسها حينها بغمزة فغمزت له بمرح. واعتدلت كي تخرج، فاقترب "حامد" يخبرها:
"استني هنطلع مع بعض!"
ثم نظر ناحية "ٱدم" و"فريدة" وسألهما باهتمام:
"طالعين ولا قاعدين كمان شوية؟"
"شوية وجاي وراك يا عمي، بارك لـ بسام على ما اطلع!"
ضحك "حامد" وفهم مرواغته في رغبته في الجلوس معها. وقال بسخرية وهو يمسك كفي الصغيران كي يصعدا معه:
"ماشي يا خويا، متنامش ها!"
أشار "ٱدم" ناحية عينيه بمزاح، فضحك الكل عليه وخجلت هي قبال هذه النظرات المترصدة تجاهها. صعد "حامد" مع "وسام" والصغيران. وبقي هو يساعدها كي لا يتركها مع عقلها المؤذي الذي يضع برأسها الشكوك والخوف دائماً منه على الرغم من أنه يحاول الثبات واثبات عكس ذلك بالأفعال قبل الأقوال!
"أتيت ولكنني لم أصل، وجئت ولكنني لم أعد." - محمود درويش-
عالقة بالمنتصف، أهلكتها مشاعرها بقوة حتى منعتها نفسها من التقدم ناحية باب شقتهم مرة ثانية لحفظ ماء وجهها بعد ذلك الرفض التي تلقته على يديه. الٱن هي وحدها حبيسة الوجع والألم. ابتلعت "نيروز" ريقها وخلعت حجاب رأس الإسدال الخاص بالصلاة بعدما كانت تؤدي فرضها. نهضت تتنفس أو تحاول بمعنى أصح أخذ أنفاسها. جاب سمعها قبل وقت عائلتها وهم يقررون الذهاب له للإطمئنان عليه، فبقت تتصنع النوم لتهرب منه ومن رؤيته ومن نفسها التي تراودها الٱن. علمت أن "جميلة" لم تأتي اليوم بسبب تلك المناسبة التي عملتها منها بخصوص "فرح وبسام"!
تجمعت الدموع بمقلتيها ما إن خانتها نفسها في منتصف الليل أمس حين ارسلت له رسالة من عزم قلقها وضغطت علي نفسها تسأله بها:
"عامل ايه دلوقتي؟ كويس؟"
حينها لم يراها من الأساس. ابتلعت ريقها وهبطت دمعتها من فتورة حتى الٱن أو هكذا اعتقدت في حين أنه لم يعبث بهاتفه بإهتمام كي يرى! الٱن تحاول ازالة ثوب الكرامة كي تتوجه له مجدداً بإذن عقلها الذي رفض بكل الطرق بينما صاح الفؤاد بأنه يشعر بالرضا والقبول. قبول؟ أي قبول وهو من رفض لأكثر من مرتين؟ إعتلت الأصوات بعقلها ومررت كفها على معدتها تربت على صغيرها وكأنها تطمئن عليه وتطمئنه بنفس ذات الوقت. لمعت عينيها ما أن وجدت هذه الملامح الباهتة تقابلها في المرآه!! وضعت كحل أعين أسود اللون كي تخفي اجهاد عينيها المتعكرة بالدموع. وأخذت نفساً عميقاً وسألت صورتها الٱن وكأنها تقابل شخصين عكس بعضهما احداهما تريده والٱخرى تريده وتم محو الثالثة التي لا تريده!! وسألت هل هذه هي نهايتهما بعد رفضه؟ هل ما تراه بعينيه هي من أرادت رؤيته؟ أي أنه يظل يكن لها شئ أم انها تتخيل؟
قطع هذه الأصوات التي ظلت لدقائق صوت جرس المنزل. فإعتدلت ووعت الٱن لنفسها وهي تنظر نحو شكلها ووضعت حجاب رأسها بغير اكتراث جاف وخرجت من غرفتها تفتح الباب. وما ان فتحته وجدتها أمامها. وجدت "وسام" التي ابتسمت لها بحب واقتربت تعانقها برفق. فسألتها "نيروز", بنبرة هادئة حاولت اظهار اللهفة بها كما تريد ولكن خاب كل هذا منها ووجع فتورة ورفضه يؤثر بها حتى وان أقنعت نفسها بأن هذه هي النهاية.
"عملتي ايه النهاردة طمنيني؟"
تعمدت "وسام" اغلاق الباب وأمسكت يديها وهي تسير بجانبها ناحية غرفتها وقالت تزامناً مع ذلك تجيبها:
"الحمد لله عدت على خير. المهم انت، كويسه؟ بتاخدي علاجك؟"
أكدت "نيروز" لها ذلك وهي تدخل معها الغرفة. كادت أن تجلس ولكنها وجدت "وسام" تتقدم ناحية الشرفه وفتحتها ببطء ثم قالت تخفي الارتباك من كشف الامر:
"أيوة كده خلي نور ربنا يدخل!"
ابتسمت "نيروز" لها بإهتزاز. وكلما تقرر عدم التوجه ناحية الشرفة يأتي أحدهم ويجبرها!! تنفست بعمق ترفض نهوضها بداخل نفسها ورفعت عينيها ناحية "وسام" الواقفه تقوم بتجميع الستار بحركة هادئة:
"غسان كويس دلوقتي ولا لسه تعبان أوي؟"
"قومي بس نقف شوية في البلكونة ونتكلم براحتنا في الهوا ده!"
رددتها بمراوغة. فإنهزمت "نيروز", ونهضت ببطء حتى دخلت. نظرت "وسام" خلسة إلى ساعة معصمها بتوتر. برعت في اخفائه، فقد حثها "شادي" و"بسام", باقتراب موعد قدوم "انجي" ومن معها ناحية المبني. أين هم؟ أين تلك السيارة الييضاء الذي اخبرها بها الأول؟ انتظرت "نيروز", ردها وأشارت ناحية وجهها بإهتمام تسألها:
"انتي معايا؟ سرحانة في ايه؟"
"هـا."
خرجت من شرودها بهذه الكلمة وسرعان ما إعتدلت تستند على السور وأجابتها على سؤالها:
"الحمد لله كويس، أحسن، بس الصداع مبيسبهوش!"
نظرت بحزن على قولها وابتلعت ريقها وخانها قولها الموصي:
"خلي بالك منه!"
أشفقت "وسام" على قولها وصوتها بنبرتها في هتفها بهذه الطريقة. مطت ذراعها سريعاً ناحية الخارج كي تنظر "نيروز", بتلقائية. وبالفعل ركزت "نيروز" بعفوية ونظرت على الكورنيش من على بعد والهواء الٱن يداعب بشرتها وأوقع حجاب رأسها الناعم من على خصلاتها الممشطة التي مشطها لها والدتها. لمحت "وسام" السيارة تقف بسرعة. فحركت عينيها نحو "نيروز" التي لم تنتبه بعد. بل خرجت "انچي" من السيارة وبجانبها ا"صفا" صديقة "نيروز" من قبل وتقابلا في العمل. أما بقية فسيوزعون أنفسهم على الزيارة كما قرروا مع بعضهم. ترقبت "وسام" بشدة. في حين من بين النظرات الساكنة نظرت بسرعة ووقعت عينيها على ٱخر ما كانت تتوقعه. إتسعت عينيها من وجودها الٱن وبهذا المكان وتفاجأت من وجود الأخرى بجانبها. وقبل ان يصعدا لاحظا محل الورد!!
ابتلعت "نيروز" ريقها بغير وعي ونظرت بصدمة. صدمت من قدومها وعقلها أدرك ما سبب وجودها. بالتأكيد زيارة. ستزوره بمثل هذه الهيئة. ترتدي تنورة قصيرة وسترة وأسفلها قميص رسمي يظهر مقدمة صدرها. وأيضاً هذه الملابس الأنيقة تستر منها ولكن تكشف جزء من ساقيها. رسمة ملابسها هي التي تخص العمل. على الرغم من انه ليس خادش ولكنه يكشف القليل. القليل الذي بمثابة الكثير لدى "نيروز"!!!!
انتظرت "وسام" أي رد فعل. فوجدتها تغمض عينيها بشدة. ثم فتحتها فتصنعت الأخرى عدم الانتباه ولكنها وجدتها على فجأة تهتف بنبرة جاهدت على أن تظهر بها الثبات:
"ما تيجي نروح.. أنا مشوفتوش النهاردة!"
تصنعت "وسام" اللهفة ورحبت بالفكرة ببراءة:
"ماشي يلا!"
خرجت "نيروز" أولاً. وما جعلها تسرع دافع الغيرة من جديد. توقفت وما جعلها تقف هو دخول "إنجي" محل الورد. وقفت تحاول انتهاز الفرصة وفتحت خزانتها تأتي بثوب بيتي للاستقبال كان هنا. وبالفعل التقطته وخلعت ملابس الصلاة حتى ظهرت منامتها من أسفله. فوقفت "وسام" تساعدها إلى أن وجدتها ترتدي بعجالة. ورغم تشنج وجهها بالتعب ولكنها سألتها وهي تعقد الحجاب إلى الخلف:
"هو أنا شكلي مرهق يا وسام؟"
واجهتها بالفعل كان شكلها كذلك ولكن الأخرى احتوت الموقف بذكاء وقالت تشجعها:
"إنت حلوة يا روز كدة كدة. بس حطي أي حاجة خفيفة على وشك عشان تعبك ظاهر. إنت مش بتنامي ولا إيه؟"
لم ترد على السؤال بل وقفت تضع مرطب شفاه وردي ووضعت القليل من أحمر الشفاه على إصبعها ثم وضعته على كلا وجنتيها كي يخفي شحوب وجهها واعتدلت بسرعة تشير لها:
"يلا"
سارت خلفها بفرح من تحقق والنجاح الذي ظهر بخطتهم. فمن كانت تفقد الأمل الآن تريد أن تظهر بأفضل شكل. لا تدرك هي بأنه لم يستطع رؤية غيرها مهما فعلت. بل ورؤيته لها كانت بقلبه أولاً وليس عينيه! خرجا الاثنان. ودقت "وسام" الجرس ففتح لها الباب بواسطة "وردة" التي سعدت من رؤيتها ولاحظت ما فعلته بنفسها. وأدركت بالخطأ أنها عادت تريد الإصلاح!! رغم جهلهم جميعاً بالرفض الذي حدث عدا شعور "شادي" و"بسام". دخلت "نيروز" وابتسمت نصف ابتسامة صغيرة إلى أن قابلتها "فاطمة". التي خرجت من غرفة "غسان" للتو. ابتلعت ريقها تنظر بتفحص ما أن وجدتها تقترب مرحبة بها بحرارة:
"إزيك يا روز؟ عاملة إيه وأخبار صحتك؟"
أجابتها "نيروز" بإقتضاب. ورسمت ابتسامة هادئة وانحنت تقبل "جنة" وتعانقها هي و"يوسف وأدهم" اللذان يفضلونها كشخصية هادئة لينة رأوا منها الاهتمام والحب من قبل. اعتدلت بعد ذلك وانخرطت بينهم غير غافلة بغرفته المغلقة والآن هو ليس بالخارج معهم. لاحظ "شادي" ما حدث بالكامل من بداية دخولها ووكز "بسام" وقال هامساً وهو يميل ناحيته:
"بص يلا. بص وشوف عمك شادي ودماغ عمك شادي!"
طالع "بسام" بحنق. وهمس له هو الآخر:
"كده يبقى ليلتنا طين على دماغنا. ده شافتها من البلكونة عملت كل ده أومال لما تبقى قدامها هيحصل إيه؟"
"كل خير!"
رددها "شادي" بشرود. واستند يغمز لـ "وسام". فاقتربت "نيروز" بجرأة. من الغرفة ونظرت حولها بتفقد. ولم تجد شيئاً أو حجة لتظهر قدومها له. ابتلعت ريقها بتوتر. ووكز "شادي" "وسام" فتحركت تتمسك بـ علبة الدواء وكوب الماء. وقالت بصوت مرتفع كي تسمعها:
"حاضر يا شادي. جاية اهو. ثواني هدخل العلاج لـ غسان وجاية!"
قاطعتها "نيروز" سريعاً. وابتلعت ريقها بتوتر خوفاً من ظهور والدتها و"ياسمين" من الداخل وقالت:
"هاتيهم يا وسام. هدخلهم أنا عنك إنت!"
وافقت كما يخطط بالدقة وأخذتهم "نيروز" أمام الأعين المراقبة لذلك. ووقفت بأنفاس محبوسة تعدل حجابها أكثر ورفعت يديها تدق الباب بهدوء. لم يسمح لها بالدخول ولكنها اعتمدت الجرأة ودخلت بنفسها حتى فتحت الباب وأغلقته خلفها بتلقائية. رفعت عينيها تنظر فلم تجده. نظرت بعشوائية. وما لا يخطط له بأنه خرج من المرحاض الآن بعدما فتح الباب فانتفضت هي. والتفتت تنظر سريعاً فوقعت عينيه عليها كما نظرت هي!!
ما سبب خفقات هذا القلب التي تعالت وهو صاحب الرفض؟ لا ينكر بأنه شعر بالضيق عندما لم تأتي ولكن الآن شعر بشيء أو لربما لمحة بسيطة من السعادة. ومن وجودها. حرك "غسان" عينيه سريعاً عليها بالكامل كالعادة تسلب أنفاسه بأقل شيء ولكنها الآن من تعمدت إظهار ملامحها أكثر بل وذلك الثوب الذي لم يراها به من قبل. أما هي فلم تراه بملابس فوقية. بل خرج عاري الجزئين والصدر ووقف. لم تخجل بل اقتربت بكل سرعة تسنده بلهفة. قبل أن يقع أو يختل توازنه. ونظرت بعينيها أمام عينيه المراقبة ووجدت القميص ملقي على الأرض بإهمال تعلمه وتعهده منه!
رفض هو أن تنحني ومال بتعب. وهو يمسك رأسه يلتقطه. بعدما فرد ذراعه يرفض ما كانت تفعله. أمسكه "غسان" بكفه وتعلقت عينيه مع عسليتيها بعمق. فارتبكت ما أن وجدته يقدمه لها. بل الآن يردد لها بطريقة ما بأن تلبسه هذا بنفسها والآن!!
أراد إرباكها أكثر وأراد وعيها وهي الآن معه بغرفته وهو كذلك! لم تمانع وهذا ما جعله متعجباً. بل أخذته وأشارت له بهدوء قائلة:
"إفرد دراعك"
لبى غرضها وتنفس بسكون. فارْتَدى بواسطتها واقتربت خطوة لتغلق الأزرار. ما لا تعلمه أنه ملقي منذ أن جاء. هل سيرتدي قميصاً في المنزل بدلاً من تي شيرت مريح؟ هو من انتهز كل ذلك دون أن تنتبه وبلحظة سيلبسه الفتور بعدما تنتهي كالعادة! بدأت تغلق الأزرار ولم ترفع عينيها ناحيته. وكلما يتذكر ما أوصله عقله ناحيتها يحمي هذه الفكرة قائلاً لذاته بأنها لم ولن تفعل شيئًا كهذا!! تاه بتقاسيمها. فرفع يديه يمسك رأسه بتعب ولكنها توقفت بلهفة وأمسكت ذراعه تخبره:
"آسفة مخدتش بالي إني موقفاك. تعالى نقعد عشان ترتاح!"
سار معها بهدوء. وسندته أو هي من تعتقد بأنها فعلت. جلس على الفراش وجلست هي على طرفه. ومدت يديها تكمل ما بدأته بشرود حزين هذه المرة. مد يديه يمرر أنامله على وجهها كي يمسح نقطة حمراء لم تفرك. هو وحده من رآها ظاهرة عن قرب الآن. اعتقدته يعبث تحت مسمى ما سبق وأن انتبتها الإثنان ويتواجها سيردد بأنه رجل ولبسه الضعف مثل المرة السابقة!!
رفضت هذه المرة وابتعدت تقف بسرعة تهرب من أفعاله التي فهمتها بالخطأ. فنظر لها هو بغير فهم. إلى أن التقطت الدواء وكوب الماء له وهتفت:
"يلا عشان تاخد علاجك!"
قد أخذه قبل وقت!!
عقد "غسان" ما بين حاجبيه ونظر ناحية يديها وهي تمدها ناحيته، فالتقطه منها بغرابة. فحصه بنظرته ثم عاد يخبرها:
"أنا خدت علاجي، ده مش بتاعي، دا دوا الضغط بتاع أبويا!"
حركت "نيروز" رأسها بغير وعي، الآن هي من وضعت نفسها بوضع محرج معه، وهو سيفهم ذلك جاهلاً عن ما خطط. ابتلعت ريقها ووضحت باستغراب وهي تقترب:
"إزاي ده؟ وسام كانت جيالك بيه!"
"تلاقيها اتلخبطت!"
احمر وجهها من كشف أمرها بالتدريج، وابتلعت ريقها بتوتر، إلى أن اتسعت عينيها وهي تراه يخلع عنه القميص ثم التقط تيشيرته من على المقعد الذي بجانب الفراش. رمق رد فعلها بطرف عينه بخبث، ولكنها حاولت إحكام الوضع سريعاً وبررت دون مقدمات:
"أنا.. علفكرة أنا جيت أساعدهم وأسأل عليك من بعيد، كنت قاعدة برا بس لقيتها مشغولة فقولتلها عنك!"
ابتسم "غسان" على تعلثمها واعتدل يرفع رأسه وأجابها ببساطة، قصدها للتو:
"وفيها إيه لما تيجي بنفسك لوحدك؟ عادية يعني."
نظر لبرهة يرى تعابيرها فوجدها تترقب بعينيها أو لربما تسترق السمع للخارج وهي هنا معه. عقد ما بين حاجبيه وسألها:
"واقفة بعيد ليه؟ ما تقربي تقعدي!"
الآن لا تثق به، خافت الاقتراب ولكنها اقتربت كل ما لا يشك بها وجلست على المقعد أمامه. فنظر نحو وجنتيها الوردية وشفتيها وكحل عينيها الظاهر، وتنهد يخرج أنفاسه بصوت، ينعم بهذا القرب والبعد معاً. وسألها برفق:
"لسه بطنك بتوجعك؟"
"لأ."
نفت باقتضاب تتمسك بهذا البعد حتى لا ترفض مجدداً. رفضه بمثابة صفعات، وبدلاً من أن تبتعد قررت تخطي هذا بألم. ولكنه هو من اعتدل هذه المرة ومن اقترب يمد كفه أكثر ليدخل لها خصلاتها التي خرجت من الحجاب رغم أن عنها، وسحب بكفه الآخر رأسها ناحيته كي يتحكم بفعل ما قرره بخصلاتها. فانتفضت تقف بسرعة وقالت بتعلثم:
"اا.. غسان أنـ.."
فهم هذا الخوف، وتألم منه ومن رهبتها من الرفض وعلم أن الخوف ليس منه هو عندما تعمدت الاقتراب والابتعاد بنفس ذات الوقت. ولكنه طمأنها بحنو سريعاً:
"متخافيش، مش هتتكرر، مش هقرب."
فقدت الثقة بعبثه، بل منذ متى تثق بعبثه؟ ارتبكت من فهمه لها بل والذي تهابه هو استسلامها كما فعلت من قبل، وإن تركته هذه المرة ستقع كرامتها أرضاً أو لسابع أرض! لمعت عينيها من نفسها ومن مشاعرها المضطربة بسبب الحمل. تمسكت بمعدتها وتعلم أنه قصد اللين والحنو بعيداً عن موضوعهما الأصلي، فإن فتح سيعود فاترأ وستقلل من شأنها.
نهض هذه المرة بضعف وأراد أن يثبت لها صدقه ويترك هذا الخوف. نظرت ناحيته ونفت برأسها نهوضه ولكنه قاوم ونهض يسحب كفها. فتركته وأجلسها على المقعد ثم جلس أمامها وقال يحثها:
"ارتاحي."
حافظ على مسافة البعد، وكل مرة يهزمه شوقه في النظر إليها. تقاوم على عدم فتح أي حديث خاص بعقبتهما. لا تريد الابتعاد ولا حتى هو! وتبدل الحال في ذلك وأصبحت هي هو وهو هي! حاولت للمرة الأخيرة وعقدت العزم على أن هذا الأمر يجب أن يكون له نهاية. فهتفت أولاً أمام عينيه التي تحاوطها بدفء وانهزمت أمام حنوه:
"غسـان.."
بقي كما هو ينظر دون رد، ولكنه ينصت الآن. تاهت الكلمات منها ولمعت عينيها بالدموع وقررت الصمت دون وضوح وقالت تسأله عامة بدلاً من حديث آخر كانت ترغب في قوله:
"مسامحني؟"
هذه المختلة لو تعلم بأن أفعالها ودموعها يفعلان ذلك دون سؤال وإذن لظلت متمسكة. يريدها، بكل قوة وشغف يريدها من جديد، ولكنه تمتع بوقت يريح به نفسه ويجعل ذاته ترضى عنه بعدما حدث من هلاك لها بالداخل. ابتلع ريقه وتلك التي تسرق أنفاسه تفعلها وتسرقها الآن وعلم بعينيها أنها تفعل للمرة الأخيرة خوفاً من الرفض. ولكنها لم تتحدث كما كانت ترغب! صمت وعاد الفتور دون رد، فابتلعت غصة مريرة ومسحت عينيها سريعاً ما إن سمع الإثنان ترحيب "دلال" و "حامد" بصوتهما المرتفع كي يتجهز "غسان" لأي زيارة:
"اتفضوا، أهلاً، أهلاً وسهلاً، نورتونا والله."
قوس حاجبيه من هذا الترحيب. وفي الخارج انسحبت "سمية" لشقتها مع "وردة و ياسمين و حازم" وظل الصغير مع "بسام". ابتسمت "انچي" بسعادة من هذا الترحيب الحار. وكذلك "صفا" في حين اقترب "شادي" يرحب بهما تزامناً مع دخول والدي الآخر له:
"إزيكم يا باش محاسبين؟ إيه كل ده على ما تطلعوا؟"
أجابت "انچي" وهي تجلس على الأريكة بجانب "صفا" التي ابتسمت للصغير ومدت ذراعها له أمام "بسام":
"معلش بقا، كنا بنجيب الورد ده من تحت!"
ابتسم "شادي" بخبث وعاد ينظر ناحية "صفا" وقال:
"إزيك يا صفصف؟ عاملة إيه وفرحك إمتى بقا؟"
ضحكت بخفة وقررت إخباره أمام عيني "بسام" التي نظرت له "انچي" بلطف وقالت تخبره:
"واو، أنتم شبه بعض أوي مفيش أي فرق خالص!"
ابتسم "بسام" يجاملها وفي الداخل نظر "غسان" بعدم استيعاب بعدما اعتدل على الفراش وتساءل باستنكار:
"ومين عرفها المكان؟"
نظرت "دلال" بجهل وكذلك "حامد" الذي قال سريعاً:
"مش وقته، اجهز على ما أمك تخرج تعملهم حاجة في المطبخ، وأنا هفتح الباب أناديهم."
وافق برأسه وخرجت "دلال" في حين اقترب "حامد" ناحية الباب تزامناً مع نظرات "غسان" ناحيتها وناحية سكونها وهي تقف. نظر بتفحص فلم تتحدث بأي شيء، ولكنها الآن تحترق من الداخل! والآن رفعت عينيها تنظر فتقابلت عينيه معها ونظرت له وكأنها تلومه على حدوث ذلك أمامها وأمام فؤادها الضعيف!!
تعلقت عيناهما معاً بحديث عجز عن الخروج. أما هي الآن فهي مغتاظة. التفتت برأسها تنظر فوجدت "حامد" يشير بكفه وهو يحثهما:
"تعالوا اتفضلوا، تعالي يا بنتي متتكسفيش!"
دخلت "انچي" و"صفا" التي ابتسمت بحرج، وخلفهما "شادي" و"بسام" تركهما "حامد" وخرج يرى زوجته وما تعده مع ابنة أخيه وابنته. في حين اقتربت "صفا" أولاً تعانق "نيروز" التي كانت تقف وقالت بسعادة:
"وحشتيني يا روز، عاملة إيه؟"
أجابتها باطمئنان، فاعتدلت "صفا" تمد كفها ناحية "غسان" الذي ابتسم لها يجاملها وقالت بأسف:
"ألف سلامة عليك يا مستر غسان، إن شاء الله ترجع أحسن من الأول!"
ثم من بعدها اقتربت "انچي" هذه المرة تمد كفها بعدما رحبت بـ "نيروز" فمالت عليه تعانقه بعفوية من ذراعها وهي تتمسك بكفه. لم يمنعها حينها وأخفى تعابيره وهو ينظر ناحية "نيروز" التي اندفعت تدفعها برفق وهي تجلس بجانبه على الفراش تمنع هذا العناق الذي كان على وشك الحدوث وفصلتهما بجرأة وقالت بغيظ مخفي وثبات أظهرته:
"غسان جوزي مش بيحضن ستات يا مدام إنچي!!"
تحرجت "إنچي" وجلست أمام فرحة "شادي" و"بسام" بذلك من سير الخطة بنجاح. في حين ابتسمت لها "إنچي" وهتفت ببساطة:
"أه.."
Sorry يا نيروز، طمنيني عليكي، انتِ كمان كويسة؟
ابتسمت "نيروز" بإستفزاز، وجلست تستند بكوعها على ساقه وهو يجلس على الفراش وضغطت عليه بقوة وهي تجلس باعتدال حتى كتم تأوه بالوجع، وأومأت. فنظرت "نيروز" بتمعن وانتبهت سريعاً لملامح وجهها وحجم معدتها الصغير فسألتها بلهفة طيبة:
"ايه ده، انتِ حامل؟ ولا بطنك بتوجعك؟"
ترقبت "صفا" ما إن أكدت "نيروز" لها وكأنها تنتهز الفرصة:
"لأ حامل، عقبالك!"
"بجد، congratulations."
"مبروك يا روز، حقيقي فرحت أوي بجد!"
جاملتها وابتسمت لصديقتها بإمتنان. ووقف "شادي"، يراقب الوضع مع "بسام" الذي عاد قليلاً من هذه الحرب الكلامية التي تبدأ من "نيروز"، وتدخل "شادي" حينها يضع بصماته في الحديث والفعل:
"ايه ده يا انچي، ورد؟ تاعبة نفسك ليه بس وجايباله ورد؟"
بأي حق تجلب له باقة زهور؟ نظرت "نيروز" بغير تصديق وحركت رأسها ناحية "غسان" الساكن فقط يتابع ما يحدث بصبر. في حين اندفعت برأسها فوجدت "إنچي" تتمسك به ووضحت للآخر:
"آه، قابلني محل ورد تحت جميل أوي، فقولت أجيب وأنا طالعة. وبعدين مفيش حاجة تغلى على غسان، وتعبُه معانا في الشغل يساوي كتير أوي، ربنا يقومه بألف سلامة!"
صمتت "صفا" بتعقل، تبتسم فقط بحرج. في حين اندفعت "نيروز"، تخبرها بغرور تصدها:
"ومخدتيش بالك بقا إنه بتاعنا؟ أصل حروفنا موجودين في الإسم لو تاخدي بالك!"
ذهلت من هذا وقالت بتعجب:
"بجد؟"
أكدت "نيروز" برأسها. فنظرت "إنچي" لها وقالت بخفة وهي تبتسم ترجع خصلاتها إلى الخلف:
"حقيقي مكنتش أعرف، بس أكيد هتقبله مني مش هترجعه يعني، اتفضل وألف سلامة!"
وقبل أن يأخذه، أخذته "نيروز" وهي تحدجه بتحذير، وتجرأت أكثر تخبرها دون مراعاة:
"شكراً، مش عايز... مش بيقبل حاجات من النوع ده."
قابلت نظره الحادة التي أربكتها وادخر لها منذ أن جلست، فعادت تبرر:
"بس هاخده أنا عادي أحطه في شقتنا فوق!"
ضغط على فكه من تبجحها، وهاب "بسام" ذلك فتدخل بقوله:
"بسيطة، المهم شكراً عشان تعبتوا نفسكم والله!"
فتدخلت "صفا" ترد عليه هي هذه المرة:
"على ايه؟ مفيش تعب ولا حاجة!"
صمتت هي وحذرها "غسان" بعينيه. ثم عاد يأخذ أنفاسه يفتح الحديث ناحية "انچي"، موجهاً لها الأسف بنظرة عينيه:
"تسلمي يا إنچي، انتِ وصفا مكنش ليه لزوم تتعبوا نفسكم."
وأضاف بتفسير يخبرها أمام "شادي" والبقية:
"وأنا عارف أني خدت اجازات كتير في الفترة الأخيرة، ف أنا مقدر أن صعب أخد اجازة تاني، ابعتيلي بس كل الشغل وأنا هشتغل اونلاين من هنا على ما ربنا يسهل!"
رسمت ابتسامة هادئة أمامهم وهتفت تخبره بتفهم:
"كنت هقولك كده فعلاً، الشركة من غيرك تضيع، اتعودنا خلاص على مجهودك ووجودك، ولا ايه يا شادي؟"
جلس "شادي" على المقعد أمامها ووافق بقوة، يؤيد بخبث:
"طبعاً، انتوا عارفين "غسان" شاطر ومحبوب ازاي!"
استشاطت غيظاً الآن، وضعت الباقة بإهمال على طرف الفراش ونظرت بحدة، وتعمدت الصمت وهي تسمعه يتدخل معهما في الحديث بتساهل. فركت يديها بعصبية، وسمعت من بين الحديث قول "صفا" وهي تخبرهم:
"فرحي آخر الأسبوع الجاي إن شاء الله، طبعاً انتوا مش محتاجين عزومة، تجيبوا العيلة كلها وتيجوا!"
"ألف مبروك يا صفا، ربنا يسعدكم!"
هتف بها "غسان" بلباقة، وعاد يمسك رأسه بتعب. فنهضت "انچي" تخبره:
"هنستأذن احنا بقا، كفاية اطمنا عليك. خلي بالك من نفسك!"
اعتدل بسرعة، يقطع هذا بحديثه المعارض:
"استنوا انتوا راحين فين؟ ملحقتوش لسه!"
إستنكرت "نيروز"، الصامتة بنظراتها. فرفضت "انچي" بحجج. في حين خرجت بعدما تعمدت عدم الاقتراب لتودعه بل أشارت فقط له ولـ "نيروز" التي عانقت "صفا" وهي تسمعها تردد بعشم:
"متنسيش هستناكم في الفرح كلكم، وسمليلي على مامتك وأخواتك عشان مستعجلة، باي!"
أشارت "نيروز"، ملوحة لها وأشار "غسان" لـ "شادي" و"بسام"، ليتولى أمر خروجهما. في حين قاطعت "دلال" و"حامد" خروجهما بإصرار على تناول شئ في الداخل. وقفت هي بغيظ، وقد قررت الآن السير ناحية الخارج لتتركه. وقبل أن تسير أكثر، نهض هو يقف وسبقها مغلقاً باب الغرفة. فإتسعت عينيها برهبة، وابتلعت ريقها تنظر بتساؤل بعدما وقفت بمكانها بصدمة:
"انت بتعمل ايه؟"
انفعل "غسان" وهو يغلق القفل بالمفتاح كي لا تخرج، واقترب ناحيتها يمسك معصمها بغيظ، هادراً بها بصوت مرتفع قليلاً:
"انتِ ايه اللي انتِ عملتيه ده؟"
ابتلعت "نيروز" ريقها بخوف، ونفت برأسها تخرج حديثها بتقطع من مسكه لها بهذه الطريقة:
"مـ..معملتش حاجة..عملت.. ايه؟"
ضغط "غسان" على معصمها أكثر واقترب يدفع يديها بين قبضته وقال بنهرها بحدة:
"ايه شغل البجاحة بتاعك وقلة الذوق ده؟ انتِ مفيش اعتبار إن هم ضيوفنا حتى؟"
نظرت بارتباك وحاولت دفع يديه عنها، فعاد هو يفسر أكثر بجمود:
"دي ردود ينفع تترد عليها عشان تحرجيها كده؟ ردي؟ انتِ كده جامدة يعني ومحدش يقدر عليكي؟"
لمعت عيني "نيروز"، وكلما تحاول دفعه بقوة تهاب رأسه، فتستسلم. بكت بصوت مرتفع الآن ونهرته بمشاعر محترقة:
"آه محدش يقدر عليا.. انت خايف عليها وعلى مشاعرها ليه؟ مش خايف عليا وعلى شكلي؟ دي جاية تحضنك وجيبالك ورد!!! المفروض أعمل ايه ها؟"
سقطت دموعها بغزارة وقوة تحملها انفجرت الآن، بل تركته يتمسك بمعصمها ونهرته مجدداً ببكاء وكحل عينيها قد سال:
"انت كمان مش حاسس بيا؟ شوفت؟ مش حاسس باللي أنا ممكن أحسه ولا مقدر وجودي وهي بتعمل كل ده؟ بتقولك انك غالي عليها أوي لأ وكمان متقدرش تستغني عنك. المفروض ابقى عاملة ازاي وهي جيبالك الورد تعطيهولك في ايدك؟ و هي تجيبلك ورد بمناسبة."
ضغط على فكه السفلي وقال بجمود:
"انت غبية وقليلة الذوق وهتفضلي طول عمرك كده، ايه معداش عليكي الرد اللي يصد من غير بجاحة؟ مشوفتيهاش خالص؟"
نفض "غسان" يديها سريعًا ووقف ينظر بملامح متصلبة إلى أن واصل مجددًا ينهرها:
"موديانا فين تاني باللي انت بتعمليه؟ قوليلي كدة عشان أنا بشوف منك بالكوم وساكتلك للآخر لحد ما تجيبي آخرك بغباءك ده!!"
دفعته هي الآن من مقدمه صدره كي يبتعد من أمامها ونهرته بصوت مرتفع ترفض كل ذلك بـ:
"أنا مش غبية، انت اللي غبي وستين ألف غبي كمان، سامع؟"
وأشارت بانهيار بيديها تصده بعد كل هذا الصمت والاستسلام أمام رفضه:
"انت متستاهلش انت كمان. مستاهلش أحاول تاني عشانك. عشان انت انسان مبتحسش ولا عارف تحس وتقدر اني واحدة جيتلك أكتر من مرتين وبردو ماشي ترفض فيا. محستش بيا؟ مقدرتش شكلي في عينك هيبقي عامل ازاي حتى لو كنت قبلت. أنا كمان ست ومش هقبل علي نفسي كل ده. ولا هقعد افكرك كل شوية اني بحبك واني مقدرش اعيش من غيرك. المفروض كان من أول مرة قولت لا كنت بعدت بس انا اللي غبية عشان جيت وحاولت تاني وكمان عايزني أسكت وأحط جزمة قديمة فبؤي قدام القرف اللي بيحصل ده صح؟"
كانت تردد كلماتها ببكاء شديد مع صوتها المختنق التي تنهره به بقوة. وقف ساكنًا يتابع وينظر إلى أن انتهت فحرك رأسه بيأس منها وقدر حملها وقال بسكون مريب:
"مش عارف أقولك حاجة غير انك غبية وبس. وغباءك غطى على غيرتك بكتير كمان!!!"
نظرت بغير فهم وصمتت تمسح وجهها بعنف وأخرجت حديثها بإندفاع توضح له كل ما تخفيه:
"غيرتي اللي انت مش عاملها أي اعتبار من أول خروجك مع الهانم التانية اللي معرفش ايه بيجرا بينكم وساكتة. وماشية اكدب أي حد شاكك وأقول لا انت متعملش كده. وافضل واجي علي نفسي وأحاول تاني وأدافع وأنا تايهة ما بين حاجات كتيرة أوي. وقللت من نفسي كمان عشان بفضل وفضلت وأنا مش فاهمة أي حاجه بتحصل. كل حاجة ماشية بإرادتك انت ومزاجك..وانا اللي بتضطر استحمل وأفضل على الوضع ده. ولما أعترض بحاجة طبيعي تطلع مني تقول لا ومينفعش. هو ايه اللي مينفعش رد عليا؟ ايه ده اللي مينفعش؟ ولا هو حلال ليك بس وأنا اللي مجبرة أستحمل واتفرج وأنا ساكتة؟ عالأقل فهمني. فهم اللي مش عايزه تمشي ولا عايزة تسيب. فهمني ايه اللي بيحصل بدل ما أنا بقا بيتبصلي اني بجري وراك دلوقتي وانت ماشي مع غيري في عدتي!"
أخذ "غسان" أنفاسه بسكون وهو ينصت لها. رفع عينيه بيأس من كلماتها التي تندفع بها دائمًا. وإقترب يصحح لها ما جعلها تنظر له بذهول:
"ولا ضروري تفهمي. انت من امته بتفهمي اصلا؟"
وأضاف دون إعطائها الفرصة:
"عارفة ليه مش ضروري؟ عشان انت السبب دلوقتي فكل ده! انت اللي روحتي ونفذتي اللي في دماغك وقولتي لأمها واخوها مش كدة؟"
سألها بتهمة الآن هل هي من فعلت كل ذلك؟ كان لا يتأكد من ذلك ولكن بكلماتها الأخيرة المندفعة بحرقة جعلت الشك يزداد به على الرغم من أنه لا يصدق بها في أن تفعلها. لكنه لا يثق في شيطان الأنثى تحت مسمى الغيرة والكبرياء!! فتحت فاهها بغير تصديق وارتجفت يديها وهي ترفعها تشير نحو نفسها بلوم باكي:
"أنا؟ أنا السبب؟"
وأضافت وهي تبتسم بذهول ساخر من وجع اللحظة وقالت مجددًا أمام عينيه:
"أنا هروح أقولهم. أنا هعمل حركة مقرفة زي دي؟ انت بتتهمني؟ بتشك فيا يا غسان؟"
نظر بصمت وصحح لها يبرر ما يراه:
"مبشكش. أنا كل حاجة عملتيها قدامي بتقول انك عملتي كده. حتى لما جيتي تدافعي عني قدامه قولتي انها هي اللي بترمي نفسها عليا وان هي اللي جتلي وهناك في المطعم لما جيتي. جيتي وهددتيها بإنك هتقولي لأهلها!!!!"
تفحصها بعينيه فنزلت دموعها بغزارة من هذا التفكير الذي شكل لها وجع. نفت برأسها واقتربت ترد عليه بنبرة باكية معنفة أشبه بصارخة تحت ترقبهم في الخارج:
"انت متستاهلش سامع. متستاهلش أي حاجة بعملها عشانك دلوقتي!!! أنا اللي مشكتش فيك ولا رضيت اعملها جاي دلوقتي تعملها بكل بساطة؟"
وأمسكت ملابسه الفوقية بعنفوان منهار وقالت صارخة به مجددًا:
"أنا غلطانة من الأول عشان حبيتك ودافعت عنك.. ووقفت قدام رسالة المفروض كانت تشككني في نفسي حتى. وبرضو مرضتش أصدقها!!!"
شددت من مسكته أكثر وكأنها الآن قابلت منه ما قابل هو منها بنفس القوة المؤلمة بردود الأفعال الموجعة. بل وأكملت على نفس النهج بصراخ آخر:
"انت بتعمل فيا ليه كده هـا؟ بتعمل فيا كدة ليه حرام عليك!!!!"
أمسك هو كفيها بيديه كي تهدأ فحاولت نفض يديه بقوة وهي تبكي بصوت. ودفعته عنها هذه المرة بعنفوان ورفعت عينيها تمسح دموعها بسرعة ثم قالت تأبى الضعف:
"أنا برضو عمري ما هبررلك بعد كده. وانتهت خلاص. انــتهــت وكانت المفروض تنتهي من أول مره سمعت رفضي منك فيها!!"
شعر بنغزة في قلبه من هذا الضغط وأبى الجلوس بإنهاك بل طالعها وهي كذلك ولمرة أخرى تمسح وجهها بعنف أمام عينيه ونظرت هذه المرة نظرة إشمئزاز برعت في ظهورها وقالت وهي تبحث عن هاتفه بعينيها إلى أن وجدته فانحنت تحمله وأمسكت تعطيه له بعنف وقالت:
"شوف بنفسك مين السبب في كل ده منها هي نفسها شوف!! قبل حتى ما ترمي بلاك عليا. عشان أنا مش السبب في حاجة. ولو كنت السبب في اللي حصلك فأنا كنت موتت نفسي أهونلي عشان أرتاح بدل كل الوجع اللي اتوجعته عليك ساعتها!"
أمسك "غسان" الهاتف بسكون وزفر بصوت عال. ولم تعطه الفرصة بل قالت مرة أخرى ببكاء ظهر في نبرتها ومقلتيها من جديد:
"أنا عمري ما هعمل حاجة عارفة انها هتأذيك. انت ظالم ولأول مرة أشوفك ظالم معايا حتى ولو من حقك تحكم بكده بعد اللي شوفته!!!"
عاد الضعف الذي يؤثر به منها ولم تقف إلى هنا فقط بل أضافت باختناق تشرح أكثر وكأن قرارها على عدم التبرير تبخر:
"عشان كده قولتلك طلقني. قولتلك نسيب بعض بعد اللي حصل عشان طول ما أنا كنت هبقي معاك مكنتش هترضى على نفسك اللي شوفته حتى ولو حاولت تعدي ليا اللي حصل. مقدرتش أذيك. ومعرفتش اخليك تأذي نفسك قبل ما تكون معرض للأذى من غيرك. وقولت وجعي ووجع البعد أفضل بكتير من وجعك اللي مش هيسكت كراجل شاف مراته في وضع زي ده. وأه عارفه إنك مصدقني ومشكتش فيا. بس غصب عنك هتتوجع مني ومنك بسببي. قولت غلطانه ولسه بقول. بس دلوقتي خلاص بطلت وأنا من طريق وانت من طريق يا بن الناس!!"
أخذ أنفاسه التي تقطعت وحبستها الآن بمثل هذا الحزم الذي ظهر بجدية نبرتها. نظرت له نظرة أخيرة بوجع وبادلها نفس النظرة وهو صامت!
لم يتحدث بأي شيء وجدها تقترب من الباب بعدما التفتت وحثت نفسها على السكون. لم يفتح بسبب إغلاقه بالمفتاح. التفتت بجسدها وهتفت بنبرة آمرة صارمة:
"افتح!"
أمسك غسان رأسه بتعب وإنهاك للحظات، ومن ثم نظر ناحيتها. ما إن هتفت بذلك حتى رفض بحركة رأسه وهو يفتح هاتفه ينظر نحو الساعة. وهي معه، وقطعت هذا بصراخها عليه:
"بقولك افتح الباب، عايزة أمشي!"
هذه المرة اعتدل يحاول الاقتراب منها وهي واقفة انتظار. وألقى هاتفه على الفراش بغير اكتراث. ووقف مقابلًا لها ينظر لعدستيها بعمق. فدارت رأسها بسخرية شديدة وهتفت بما جعله يكشف أمامها:
"معتش حاجة من دي بتدخل عليا، مبقتش بتشتت عشان انت خلاص بقيت مكشوف قدامي في كل حاجة بتعملها، وبقا من حقي أشك واتهمك زي ما بتتهمني!"
وصرح هو حينها بنبرة مهزوزة صارع على ثباتها وقال بصدق يلومها:
"انت ليه مبتفهمنيش زي ما بفهمك يا نيروز؟"
خرجت منها ضحكة كمختلة، ضحكة متهكمة شرحت الكثير ونبست بنبرة ساخرة متألمة:
"أومال لو مكنتش بتفهمني كنت عملت إيه بقى؟"
تمسكت مجددًا في أشياء أخرى وتركت عواقبهما وعقباتهما. من جديد علم بأنها تقلب الوضع عليه، ولكنها محقة في بعض ما قالته والبعض الآخر ألقت عليه دون مراعاة كالعادة. رأى هذا وصمت يتخطى لها هذه المرة. ورغبته في الاقتراب لحّت عليه بعد وقت دام لكثير ينهره به الكبرياء. ربما جانبه السيء الذي برر له الآن الاقتراب بعد تهمته لها. وإلى الآن لم تعطيه جواب بمن الذي فعلها، ولكنه رأى الصدق في عينيها كما كان يراه. تقطعت أنفاسه واقترب أكثر، فرجعت إلى الخلف ونهرته بصوت مرتفع ما إن توقعت ما هو مقبل عليه:
"ارجع، متقربش مني، سامع!"
تمنى بسقوط الضغوط الآن من عليه وعليها. أنهك بما فيه الكفاية وما فعلته أصبح كثير وما فعله معها قبل الآن شكل لها رفض من تلقاء نفسها كانت محقة به. فأصبح لا يرى سوى نفسه تحت مسمى حب الذات وإرضائها، ثم إرضاء من برعت في إقناعه بأنها ظلمها كثيرًا. هولت من الوضع أكثر مما يجب وتماشى مع قولها متمنياً القرب. وأصبح عالقًا الآن أمام عينيها وأمام هذا الباب الذي أغلقه بالمفتاح كي لا تخرج قبل محاسبتها على ما فعلته. وما فعلته بعد ذلك أدى إلى ضعفه أمامها ورضخ عقله أمام ترهات بأنه الذي ظلم، وأنه الآن من توجب عليه المراضاة بدلًا من الوضع الذي كان عكس ذلك.
وجدت نفسها خلف الباب المغلق بأنفاس عالية. فقط كل ما فعلته هي ذراعها ويديها التي تشير له بها التراجع. واتسعت عينيها ما إن وجدته يقف الآن بسكون ينظر فقط بصمت. ولأول مرة يصمت أمام كلماتها المتتالية خلف بعضها بانهيار. بل صمت برغبته. صمت يريد التخطي من كثرة التعب بعلاقتهما هذه العالقة بفعل عناد أحدهم وكبرياء الآخر وأنانية الاثنان معًا.
رفعت نيروز من نبرة صوتها أكثر ونهرته وهي تشير بيديها بخوف:
"إبعد، متقربش مني وافتح الباب حالًا بدل ما أصوت وألمهم كلهم هنا!"
هاب حامد في الخارج الذي وقف يستمع إلى الصوت من جديد. ومعه بسام وشادي. أما فاطمة فكانت في الغرفة مع وسام، والأطفال. ابتلع غسان ريقه وقال يذكرها بما قد قاله لها قبل وقت:
"مش هكررها.. قولتلك مش هقرب ولا هعمل حاجة تجبرك!"
"انت كداب!"
صرخت بها بصوت عالٍ. فنفى برأسه وأقسم لأول مرة أمام عينيها التي هزمته بضعفها الظاهر التي تحاول هي محوه:
"والله مابعرف أكدب وأنا معاكي!"
ترددت عينيها بخوف وسالت دموعها بإستسلام تترجاه بعدستيها:
"طب افتح الباب"
حرك رأسه موافقًا وأشار لها بأنامله يصارحها بمكان تواجده بجيب بنطاله الرياضي. مما يعني هي التي تقترب لتأخذه هي. ابتلعت ريقها بخوف ومدت يديها غير راغبة في الرفض أو العناد كي لا يتطور الوضع. وانحنت تبحث عنه بجيبه. ورفعت رأسها بغير ثقة به تنظر نحوه وهي مازالت تبحث. فانحنى بهذه اللحظة غير ظاهرًا أي مشاعر كي لا تنصعق وقبل قمة رأسها بشوق هادئ. واعتدل مرة ثانية. هل وجدت الأسف في عينيه عن ما بدر منه؟ سهله لديه الأسف ولم يكن لديها كذلك. هبطت دمعتها بعدما تصلبت مكانها من فكرة خبثه في إظهار الندم منها بأفعاله يريدها تندم وتقارن. هكذا فكرت. وأخرجها من أفكارها وهو يخبرها بالمكان الصحيح:
"في الجيب التاني!"
مدت كفها المرتجف داخل جيبه الآخر ثم وأسرعت كي لا يفعل ما فعله مجددًا. صارع على عدم الاقتراب أو على عدم محاصرة ظهرها بذراعه الآخر وهو يقف كي يضمها إليه. بل أغمض جفنيه مشددًا عليهما بتعب ما إن وجدته. وإلتفتت مسرعة تضعه كي تفتح الباب تزامنا مع انتظارهم إن كان هناك صراخ آخر كي يتدخلوا. فتحته ووجدتهم أمامها ينظرون بتفحص. فحركت رأسها ناحيته تنظر له بوداع. ووضعت المفتاح على الطاولة بجانب الباب وسارت بسرعة كي تخرج من الشقة بأكملها. ولم يحاول أي منهم التدخل بالمناداة عليها. بل دفع بسام شادي بندم. فنظر له الآخر بصمت ينتظر وفقط. ولكن ماذا ينتظر بعد الآن؟
دخل حامد ومعه دلال بعدما سار غسان يجلس على الفراش واضعًا رأسه بين كفيه. دخل بسام مسرعًا ومعه شادي وسأل حامد حينها باستفسار:
"ارفع راسك يا غسان وكلمني!"
وسألته دلال بلوم متحسر هي الأخرى:
"كنت قافل الباب ليه يبني؟ بتعاندها ليه وهي بتزعق ومش عايزة تفضل؟"
لا تريد المكوث. قول والدته الأخير وجعه بحساسية كبيرة. حرك رأسه ينظر بأعين حمراء من كثرة الضغط. وكتم بها الدموع كي لا تهبط وزفر بصوت عالٍ ينظر ناحية شادي وواجهه بسؤال:
"جيبتهم ليه يا شادي؟ ورد عليا من غير تحوير!"
الآن ربط الأحداث ببعضها من بداية قدومها بشكل أنيق. لم تكن قادمة له من تلقاء نفسها. توتر بسام ودخلت وسام تاركة ابنة عمها مع صغارها هناك. جاءت هي تطمئن عليه بين الحين والآخر ودخلت على قول شادي الموضح له:
"هم اللي كانوا عايزين العنوان عشان يجولك!"
صمت غسان وتفحصهم بعينيه وسأل مجددًا بشك:
"ونيروز كانت عارفة إنهم جايين؟"
نظر الثلاثة إلى بعضهم بتردد. في حين وقف والديه بغير فهم ينظران. فصارحه ذلك الذي لا يستطيع حبك الكذب لوقت:
"أيوه"
ضغط على فكه ولم يحملهم ذنب. بل صارحوه بوجع آخر فقد تسبب في قدومها هو والبقية.
أغمض "غسان" عينيه بتعب ونظر بجدية يسألهم بإختصار جامد:
"ليه؟"
"عايزين نساعدكم ترجعوا لبعض يا غسان. نيروز بتحبك وكانت هتموت عشانك.. إسألهم كده. إسأل ابوك كمان اللي كان شاهد معانا لو مش مصدق. عايزينكم ترجعوا لبعض. وكفاية بقا تعب في نفسك وتعب ليها. انتوا مش حاسين بصعوبة اللي بتعملوه سواء كان عليك أو عليها وهي حامل. ماشيين تظلموا في بعض وكل الظلم رايح لابنكم اللي لسه مجاش. انت راضي على حالك كده؟"
نظر لصديقه بإنصات. صمت "بسام" ينظر مع "وسام" بندم. في حين لم يترك "حامد" قسوة هذه الكلمات بأن تظل طويلا. بل هتف هو هذه المرة لـ "شادي" ولهم:
"ولا نتدخل ولا منتدخلش. انتوا مش صغيرين عشان تعملوا كده. ولا هو صغير عشان يرجع بحاجة زي كدة. هو دلوقتي حر. ولو ضاعت منه وهو راضي براحته. ولو ضاعت منه وهو ندمان هيبقي هو اللي متحمل المسئولية دي!"
تعمد قول ذلك كي ينهر ما فعه قبل قليل والوضع الذي شرح نفسه لهم. رفعت "دلال" يديها تربت علي كتفيه بشفقة من حاله. اما هم فصمتوا كمذنبين. وحينها وقف "حامد" بحزم يخبرهم:
"يلا كل واحد يشوف هيلبس ايه عشان نجهز ونمشي كمان شوية!"
وافق "بسام". في حين ترقبت أنظار الكل عندما وقف "حامد" يردد بجدية لـ "غسان":
"أنا مقدر حالتك وده مش ضغط مني ليك. ولما نرجع من بره ليا قعدة معاك أفهم فيها اللي مفهمتوش. وأه دلوقتي شايفك عيل صغير قبل ما تتجدعن وترد عليا. ومش هتكبر عليا!"
لم يرد على والده كي لا يتطور الوضع وهم مقبلين على مناسبة!!. انسحب "حامد" بعدما أشار لـ "دلال" وخرج تاركهم. في حين نهض "شادي" بجانب "غسان" ينظر له. فقاطع الٱخر النظرات وهتف بصمت، غير قادر على الإنفعال بهذا الحال:
"معتش حد يتدخل في حاجة متخصوش. سامعين؟"
نظر ناحية "بسام" و"شادي" وحتى "وسام" التي اخبرته بخوفها أنها مذنبة مثلهما. تحركت الأعين ناحية بعضها. ورد "شادي" عليه:
"طب قوم شوف هتلبس ايه يلا!"
إقترب "بسام" وإلتفت ينظر على ما قد جلبه. وخيره قائلا:
"شوف هتلبس اي واحد فيهم!"
قميصان وبنطالان مشابهان لبعضهما باختلاف درجة لون القميص. رسم ابتسامة هادئة ينتظر جوابه. فنهض بمساندة "شادي" وقال بجفاء:
"أي حاجة"
راجع نفسه للحظة بحدة هذا الرد علي شقيقه الذي من المفترض بأن هذا اليوم يشكل له سعادة. وقف "غسان" أمامه وتراجع بلين عن ما فعله وضربه بكتفيه بمشاكسة:
"مش هدقق. المهم فرح متتلغبطش بينا يا عريس"
ضحك "شادي" وخرجت "وسام". في حين تحدث "بسام" من بين ضحكته المتحمسة:
"لاحظت انها مبتعرفش تفرق فعلا!"
"ده كده خطر أوي. لازم تفرق يا بيسو. دا موضوع مفيهوش هزار!"
ضحك "شادي", وهو يرددها. فتدخل "غسان" ناطقا وهو يضع يديه على شاش رأسه الملتفة بوضوح:
"لا متقلقش هتعرف تفرق النهاردة. هيبان زي الشمس مين هو!"
ضحكوا عليه بخفة. فشاركهم الضحك كي لا يحزن شقيقه عليه. واقترب من المرحاض كي يبدل ملابسه بعدما أخبره "شادي" أن "منة" و"والدها" سيأتيان بعد قدومهم من الخارج كي يزور "طارق" "غسان". اقترب "بسام" يحمل أحد الملابس وترك الٱخر له. واقترب من المرحاض في الخارج كما اقترب "غسان" يدخل مرحاض غرفته. ونهض "شادي", بعدهم يخرج في انتظارهم!!
"قوليلي طيب بتعيطي ليه؟ قالك حاجة هناك تزعلك؟ أنا قولت مش لازم تروحي وفجأة لقيت اختك بتقول انك هناك بعد ما جيت. طب ليه قومتي وروحتي ردي عليا متسيبنيش كده لدماغي وقلقي!!!"
هتفت "سمية" بذلك أمام بكاء "نيروز" في أحضانها وحولها شقيقتها "ياسمين" و"وردة" التي كانت تعلم بأنها هناك. انهارت باكية ٱنذاك في أحضان تريد بها الراحة. شهقت بتمزق. وتعمدت "ياسمين", الحنو وهي تردد لها:
"طب كفاية عياط عشان خاطر نفسك حتى!"
استمرت في البكاء وأعلنت الإستسلام كصغيرة في أحضان والدتها الٱن. ربتت "وردة" على ساقها وكما مررت "سمية", يديها عليها برفق. مستغفرة بتعب من هذا الانهاك الذي لا ينتهي. لمعت عينيها بحسرة. وسرعان ما وجدت "نيروز", تندفع بقولها الباكي تترجاها هى وكأن الٱمر كله بين يديها:
"تعالي نمشي من هنا يا ماما. أنا عايزة ابعد وامشي من هنا!!!"
نظرت "سمية", بعجز. وقررت ان تجاربها بالحديث رغم اندهاشها وقالت:
"هنروح فين بس يا بنتي. هو احنا عندنا مكان تاني غير ده!!"
هابت رؤيته من جديد بعد نظرة الوداع. ابتلعت غصة مريرة بحلقها. وقبل أن تتحدث أكثر. تدخلت "ياسمين" بتفهم من ما رٱته من رغبة في ترك المكان لفترة:
"انا همشي أروح النهاردة بليل شقتي انا وحازم. وهاخدك معايا تريحي نفسيتك. ايه رأيك؟"
ترددت وهي تنظر بأعين تكاد لا ترى بها شئ من كثرة الدموع. حركت رأسها بغير علم لردها. فتدخلت "سمية" باندفاع:
"تروح معاكي فين يا بنتي. وعلاجها وأكلها ولبسها. انت حامل انت كمان ومش هتقدري على مسئوليتين. هي هنا معانا وهناخد بالنا منها وانت بتروحي وبتيجي علينا وبنطمن عليكي علطول!"
"ماما عندها حق يا ياسمين!"
هتفت بها "وردة". فصمتت "نيروز" بخواء في هذه اللحظة وكل ما يهمها هو الهروب. وكأنها اعتقدت انها ستهرب من ما تشعر به بمجرد تغير المكان. نظرت "ياسمين" بغير اقنتاع وأصرت قائلة:
"عادي. هنبقى مع بعض ولبسها وعلاجها مش حوار يعني. هي بس تيجي تريح نفسيتها شوية بعيد عن هنا!"
غمزت لوالدتها وفهمت بأن "نيروز", لن تلبث إلا قليل وستعود بعدم مقدرتها على الإقامة هناك. سكنت بحيرة. واعتدلت "نيروز", بتعب. تستند على ساق والدتها برأسها وتركتهم وعقلها بمكان ٱخر. فقط نبست بضياع قبل ان تدر عينيها بإنهاك:
"مشيني من هنا يا ماما!"
وكأنها أصبحت لا تريد سوى ذلك. وخلال دقائق كانت قد غفت من عزم الإنهاك. نظر الثلاثة إلل بعضهن بذهول من سرعة هذا الوضع. ونزلت دمعة "سمية" بقهر. وهي تعدل من وضعها أكثر ملتقطة الغطاء عليها. ونبست "وردة" بنبرة منخفضة تنبههم:
"سيبوها تنام. سيبوها احنا ما صدقنا!"
نهضت تتسلل ناحية الخارج. وخرجت "ياسمين" بشرود من هذا الحال. وتبعتهما "سمية" التي أغلقت الباب خلفها بحذر. وخرجت تجلس بينهما في الصالة ووضعت ييها على خدها بحسرة. وخانتها نفسها بقولها الذي خرج:
"مش عارفة هتفضلي كده لحد امتة يا بنتي!"
بقت الٱخرى في الداخل. وبرعت في الهروب من أي شئ الٱن بهذا النوم المفاجئ. ربما ستوبخها نفسها في القادم بينها وبين ذاتها الضعيفة!!
نظرت "ياسمين" و"وردة" إلى والدتهما بعدما رددت ذلك بحسرة. اعتدلت "ياسمين" تنظر بجهل لما يحدث وبدأت تردف حينها بغير فهم:
"أنا مبقتش فاهمة بيحصل إيه، وإيه اللي كان حصل من أصله ولا إيه اللي حصل دلوقتي. وإيه موضوع أسماء ده كمان اللي مخلي الواحد تايه. مبقتش عارفة بنتك مالها، شوية تدافع عنه وشوية عايزة تبعد. إحنا لازم نعرف بقا في إيه لأن الموضوع كده بيكبر أوي وبيخرج عن سيطرتنا!"
شردت كمخبر يريد تحليل الوضع بدقة. نظرتا لها الاثنتين، وابتسمت "وردة" على طريقتها وقالت بعد ذلك بنبرة جادة هادئة:
"اللي بيحصل واللي أنا فاهماه إن اختك متقدرش تعيش من غير غسان!"
"وأنا مش مرجعة بنتي يا وردة لواحد مشى مع غيرها ومقدرش حالتها ولا احترم أهلها وأهله!"
كان الحزم واضح بين كلمات "سمية" والتي بررت "ياسمين" لأول مرة:
"بس أنا مش شاكة في كدة، مع إن الموضوع يخلينا نشك في كدة. بس أنا بقول إن في حاجة تانية."
وتدخلت "وردة" دفاعًا عن "غسان" نفسه:
"وغسان ميعملش كده يا ماما برضه. أكيد في سوء تفاهم. الخيانة مش في دم بدر ولا غسان، أنا عارفاهم كويس!"
صمتت "سمية" بعجز وزفرت قائلة بقلة حيلة:
"من هنا لحد ما كل حاجة تبان ربنا يسهل. بس لو كان اللي بفكر فيه صح عمري ما هقبل ترجعله ولو قفولي الاتنين على دماغهم مش هيحصل!"
قولها يشرح الكثير من حزنها الذي قليل ما يظهر وحكمت بفطرة العقل الذي ترجم لها وفسر كل ذلك بشيء كان عكس ذلك. تثق به لكنها امرأة تعي جيدًا إلى أين يصل عبث أي رجل بعقله وفطرته.
***
حاله كان مدمر إلى حد كبير. يهاب الاقتراب من المبنى مجددًا بعدما فعل ما فعله بالآخر، ولكنه مجبور الآن. منذ أول أمس في المستشفى ومعه "والدته" وشقيقته. هبط الآن من سيارة الأجرة. وجهه مشوه أثر ضربات "بسام" بل وذراعه الآن قد كُسر مع تأثر ساقه. تضرر بكل النواحي بكل ألم. خدوش وجهه وكدمات أسفل عينيه ورأسه. جسده بالكامل مسه انفعال "بسام" ولم يفعل له "غسان" شيء سوى كدمتين بوجهه. نظر "سامر" بتعب وأعطت "زهور" الأموال للسائق وهبطت تسنده مع "مروة". سار أعرج يستند على عكاز حينها معهم. وأخفى الخوف الذي بداخله ببراعة. ونظر الآن ناحية "زهور" والدته وسألها بجدية بعدما وعى لكل شيء:
"بنتك فوق؟"
ترددت نظراتها وهابت قربه منها قبل فهم أي شيء، ولكنها علمت أن "زينات" ترافقها ولم تتركها أبدًا. ابتلعت ريقها وهي تومئ له وقالت موضحة:
"أيوة فوق. خالتك معاها وبتراعيها من ساعة اللي حصل. بس خلينا نطلع ونفهم اللي حصل بهدوء من غير ما نسمع حد بصوتنا عشان إحنا مش ناقصين!"
التزم الصمت بنفس الانفعال ولم يتغير. بل سار بمساندتهما. ونظر ناحية "مروة" بجمود دون أن يتفوه بأي حرف. وبنفس الحين وجد "آدم" و"فريدة" يلتفتان بعشوائية ينظران وهما واقفان ينتظران المصعد. تلقائيًا أخذوا بعضهم بخوف ناحية المصعد الآخر. وأما هو فابتلع ريقه وهو يتابع بعينيه عيني "آدم" التي وقعت عليه في الحال. احتل صدره مشاعر مندفعة تجاه حق "غسان" ورغم أنه أُخذ بواسطة "بسام" بهذا الشكل إلا أنه لم يقتنع مثل شبيهه بالطبع أيضًا. توترت أنفاس "فريدة" وقد سمعته يتحدث بحديث منخفض أشبه بسبات خلف بعضها متواصلة. وقبل أن يندفع ناحيته بسكون ليدب الرعب به، إذ بيدها الأخرى منعته وهي تتمسك بذراعه بترجٍ وبالأخرى تتمسك بباقة الورد الذي أوصى عليها "بسام" في الهاتف لهم. نظر "آدم" ناحيتها بجدية ونهرها كي تترك ذراعه فوجد التوسل بعينيها ثم قولها:
"عشان خاطري متروحش ليهم. ملكش دعوة. إحنا ما صدقنا!"
"ابعدي يا فريدة. متخافيش مش هعمل حاجة. سيبيني!"
قالها بجمود. ولم تتعمد تركه فسار بعدما وجد الإصرار وتركته أثر سيره عكس الاتجاه. ولكنها أُجبرت الآن على السير خلفه بخوف بعدما تركت على الأرض ما بيدها. وقبل أن يفتح المصعد لهما، وقف هو أمامه بكيد يغلقه ليصعد دون أشخاص مجددًا. فنظرت "مروة" بغيظ من تبجحه وهم بهذا الحال. وهتفت "زهور" بغل حينها أولاً:
"انت جاي ليه؟ عايز إيه دلوقتي؟"
"استني انتِ يامُه!"
أخفض "سامر" ذراعه يستند على العصا بعدما تولى الأمر بنفسه فوجد "آدم" يميل ناحيته متعمدًا الهمس بـ:
"هو انت علطول كده ساند جنحاتك على نسوان؟"
ثم نفى بشفتيه بأسة تمثيلي ومال أكثر يخبره بوضوح:
"طب حد قالك قبل كده إنك مش..راجل!!"
اغتاظ "سامر" من كلماته وتشنجت تعابير وجهه ولعب في الرد ببراعة في أخذ الحق بنفس اللحظة عندما وجد "فريدة" تتمسك بذراعه بخوف لم يراه من قبل بهذه الطريقة. لذا اندفع وألقى على نفسه جرم حينما قال بوقاحة:
"لا هو اللي مش راجل ده يبقى انت!"
ومال "سامر" يهمس بنفس الهمس الذي قابله منه:
"عشان قابل على نفسك ومكمل ومصدق نفسك مع واحدة لمؤاخذة.. مستعملة ..بواقي غيرك!"
سمعت "فريدة" قوله، فتركت ذراع "آدم" بفزع ممزوج بالكسرة من سماعها لهذا أمامه، أمام من تود الظهور أمامه بشكل لائق حتى وإن كان يعلم. ورغم تماسكها، ولكنها حبست الدموع بعينيها ونظرت بقهر أمام عيني "زهور" و"مروة" الشامته. واتسعت عينيها سريعًا ما إن وجدت "آدم" ينحني وسحب العصا الذي يستند عليه "سامر" بسرعة فائقة خفيفة وبلمح البصر من فعلته، فاختل توازنه ووقع أكثر قبل أن يتماسك بفعل دفع ساق "آدم" ووقف أمامه يضع قدمه بقوة على معدته ووجه طرف العصا أسفل رقبة الآخر الملقي على الأرض وانحنى برأسه تحت ركض البواب ووقوف "فريدة" بصدمة مع شقيقه ووالدة الآخر:
"البواقي دي تبقى أمك اللي واقفه دي يالا. والمستعملة دي أختك يا روح أمك يا ***"
تأوه "سامر" بصوت من ضغطه وجاء رجلان مع البواب. في حين انحنى "آدم" وهو يضغط عليه أكثر:
"وعهد الله الخطة الجاية لأقطعلك لسانك بإيدي يا و*** لو اتكلمت نص كلمة عليها بينك وبين نفسك حتى. سامعني يالا ولا مش سامع؟"
حرك "سامر" رأسه وعجز عن الرد باختناق تحت صراخ "مروة" و"زهور". ضغط أكثر وكأنه لا يرى بأنه هو من منعه عن الرد بما فعله. دفعه عنه "البواب" وانحنى الرجل الآخر يساعده على النهوض. في حين اقتربت "مروة" من "آدم" بإنفعال وصرخت به:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ. ربنا ياخدك"
أمسكتها "فريدة" بدفع "آدم" كتفيها ناحيتها كي ترد حقها. فأمسكت "فريدة" تلابيبها بقوة وتولت هي الأمر وهي تدفعها بشدة مرددة تشفي غليلها منه وغليل كسرتها:
"بتحسبني فيه؟ انتِ تعرفي ربنا أصلاً؟ يا قذرة انتِ. ربنا ياخدك انتِ وأهلك عشان نرتاح منكم ومن أمثالكم انتوا يا زبالة!!"
لم تتركها إلا باقتراب الرجل بسرعة بعدما وقف "سامر" تسنده "والدته". فوقف "آدم" يفصلها قبل أن يقترب الآخر يضع يديه عليها. دفعها برفق ناظرًا ناحية الأخرى بحدة.
عدلت "مروة" من ملابسها بأنفاس لاهثة. وأبعد "ٱدم" "فريدة" يوقفها قائلاً بجدية:
"خلاص."
نظر له "سلطان" المسئول عن بوابة الدخول والخروج بتعنيف، واقترب منه. في حين فُتح المصعد وساعدهم الرجل الآخر في الدخول. صاح "ٱدم" حينها يدب به الخوف:
"خد بالك دي مش محسوبة ها، والتاني مش سايبك لو في بطن أمك هيدخلك. إهرب بقا نصيحة مني!"
سمع قوله، ومن ثم أُغلق المصعد حينها. فتنفس "ٱدم" بصوت وهو يشملها بعينيه، وعاد يركز عينيه ناحية الآخر الذي نهره:
"كده برضه يبني؟ في حد يعمل كده في مكان زي ده؟ مش خايف حد يشوفك من السكان يبلغ عنك؟ أنا مش هقول لعمك المرادي. أنا عارف إن ياما في البيوت مشاكل، بس خلي بالك دي آخر مرة!"
نظر له "ٱدم" بإنصات، وتعمد احترامه في الرد عندما قال ظاهراً ضيقه:
"انت متعرفش يا عم سلطان الجدع ده عمل إيه. عالعموم حقك انت عليا لو كنت هجيبلك مصيبة."
ابتسم له الرجل ببشاشة، وربت على ذراعه، وسار بعيداً. تحت صوت أنفاس "فريدة" العالي وهي تتذكره يقلل منها، وكأن كل مرة يحدث بها ذلك تريد بعده النظر لعينيه كي تتأكد من تمسكه بها وعدم تأثره. وكأنه هو الآخر فهم ما تفكر به عندما تعلقت عينيها اللامعة مع نظرة عينيه الدافئة، حينما قال متخلياً عن الانفعال واستدعى اللين والأمان كي يظهر لها:
"لسه عايزك وهفضل عايزك ومحدش هيقدر يقنعني بحاجة تانية عكس كده. وأنا اللي سبقت وفتحت إيدي على رأي "وردة" وبس كده."
ابتسمت على نهاية قوله، ووجدته يضحك بخفة، وهو يكمل قوله بسؤال:
"وانت إيه الدنيا؟"
"مش عايزة منها غيرك."
هل حقاً تفوهت بهذا؟ تلهف قلبه حتى دق دقات متتالية من تأثره بالقول. واتسعت بسمته أكثر وهما يدخلان المصعد مع بعضهما، وشملها بعينيه اللينة، وقال رداً عليها:
"صادقة وعينك حلوة متكدبش!"
خجلت منه وامتنت لما فعله من دفاع لها. حتى كاد أن يقتل الآخر إن تُرك عليه دون أن يوقفه أحد. هل وصلت لهذه القيمة لديه؟ أصبحت يفعل معها ما كانت تتمناه يوماً ما؟ وبطلها كان هو، التي رأته خارقاً الآن على الرغم من وجود نقص بتسرعه وتهوره. رأته بعينين مُحبتين أخيراً. خرجت من المصعد وخرج معها. وقبل أن يقترب من شقة عمه، وقف يوصيها كالعادة:
"خلي بالك مني ومن أمي على ما آجي من المشوار ده!"
ردت "فريدة" هذه المرة بقول لم يعهده من قبل، قول لمحت له بأنها معه بأمان، وفسرت:
"صدقني كانوا معاك في أمان أكتر!"
"بس انت الأمان وانت الدار اللي هما عايزينها!"
تأثرت من قوله ولمعت عينيها، وقليل ما تضطرب هكذا. حاوطها بنظراته المطمئنة، وهتفت بشكر لا يخرج منها عادة:
"شكراً عشان دافعت عني!"
وأين الشكر السابق حين تقدم على الخطر لأجلها؟ الآن علم أن مكانته تغيرت وأصبحت تكن له مشاعر أكثر غير اعترافها. ضحك "ٱدم" بخفة، واقترب يسألها باستنكار:
"هو مش المفروض؟"
لبسها العناد في الأقوال كالعادة، ونظرت بتعالٍ تشاكِسه:
"لا مش المفروض لسه. إيه؟ خطبتني؟ اتجوزتني؟"
سألته "فريدة" مستنكرة ببسمة عبثية. فضحك بصوت عالٍ، ونفى برأسه غامزاً:
"لأ بس نفسي."
"نفسك إيه؟"
سألته وهي تدير ظهرها ناحيته كي تدق باب الشقة. فصاح هو وهو يلتفت مثلها يطرق الباب الآخر:
"نفسي أبقى معاكي طول الوقت."
تمنى لو يرى هذا الخجل الطفيف. التفت برأسه فوجدها تنظر له بخجل محبب له، وفاض الحب من عينيها الآن. فسعد وغير مجرى الحديث بـ:
"فاطمة هتجيلك تقعد معاكي هي والعيال على ما نيجي."
سألته بمشاكسة وهي تتمسك بالقلادة، وقالت بمزاح:
"أخلي بالي منها؟"
"كل اللي من حبيبك.. حبيبك. شوفي انت بقى."
" حبايبي من قبل ما تبقى انت!"
ضحك على جرأتها في الرد. وفُتح له الباب بواسطة "شادي" الذي سمعه وهو ينطق:
"في الحالتين حبيبك. ولا إيه؟"
تحرجت من الوضع الآن وهربت من النظرات المقابلة منه ومن الآخر، وقالت كذباً:
"لأ مش كده."
"اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا."
وجد الباب قد فُتح لها للتو فدخلت بسرعة، وأغلقته بوجههما. فنظر "شادي" بذهول، تحت ضحكات "ٱدم" الذي شرد بقوله المرح:
"غريب الحب مين فاهمه يا شادي يا سيطرة!"
اغتاظ "شادي" من قوله، ووجده يدخل متخطياً إياه حتى دخل وجلس بجانب شقيقته و"جنة" الذي مال يطبع قبلة على وجنتيها بحب، وسألها باهتمام عن صحتها:
"بقيتي حلوة؟"
حركت رأسها تؤكد ببراءة. فاعتدل ينظر ناحية "فاطمة" التي كانت تحدث توأميها بأدب كي يسكنوا عن الحركة، وقال موضحاً:
"ابقي اقعدي مع فريدة انتي والعيال بقا يا فاطمة زي ما قولتلك!"
"حاضر. على فكرة عمو حامد قالي أروح معاكم بس أنا معملتش حسابي، فقولتله فالخطوبة الكبيرة كلنا هنروح."
ابتسم لها وهو يحرك رأسه بتفهم. وسرعان ما وجد "حامد"، يخرج متجهزاً هو و"دلال" الذي اقترب منها "شادي"، وهو يفعل صفير بفمه ظاهراً لها الإعجاب وهو يديرها بمشاكسة منبهرًا:
"ده إيه الحلاوة والجمال ده كله يا جدعان!"
نظرت بسعادة لقوله. فنظر له "حامد" بضجر وتركه. واقترب من الآخرين، فوجد "ٱدم" يغمز له، ونهضت "فاطمة" بسعادة مرددة:
"ما شاء الله الله أكبر ربنا يحميكم ويكملها على خير يارب!"
احتضنها "حامد" بإنتماء وحب. كما عانقتها "دلال". فخرجت "وسام" تنظر بفرح. وفعل "شادي" المثل وهو ينظر، وقال بإعجاب هو الآخر:
"دا إيه العيلة الحلوة أوي دي؟"
رددها من على بعد.
غمزت له ووقفت فابتسم لها آدم وعانقتها فاطمة وجنة تزامناً مع قول آدم:
"ناقصك عريس بس يا وسام!"
"خليك في حالك يالا أنا مش مجوز بنتي انت مالك!"
ضحكوا من قوله الحانق ونظروا جميعاً على خروج بسام مع غسان من الغرفة. حينها تعالت الزغاريد من وسام وفاطمة وشعر الكل بالبهجة. واقترب الاثنان يسندا غسان بذراعهما ووقفا في المنتصف حتى اقتربت دلال بتأثر من هذه المناسبة لبسام. كما وقف حامد بفرحة. فوزع الآخر عينيه عليهم جميعاً وقال بمرح:
"ايه شكلي عريس؟"
أكدوا برأسهم فضحك بصوت عالٍ مع غسان الذي تابع بضحك. وتدخلت فاطمة تصارحه:
"طبعاً عريس وأجمل عريس كمان، ان شاء الله ربنا يتمم بخير ويجمعكم مع بعض قريب!"
ابتسم لها بامتنان. فتحرك شادي يرفع ذراعه كما اقترب آدم يعانق الاثنان معاً ومعه شادي. واقتربت وسام تفتح الباب فوجدته حازم، الذي دخل على هذا المشهد وتأثر ظاهراً المرح وهو يقترب:
"خدوني معاكم فالحضن ده!"
أشار له آدم فاقتربت وامتزجت الضحكات أمام النظرات المتأثرة. والآن من يعانق ساقهم من الأسفل كان يوسف وأدهم، انتهوا من ذلك سريعاً. واعتدل شادي بحماس:
"هنزل افتح العربية، واه أنا جبت الحلويات الصبح لما كنت برا وحطيتهم في العربية!"
لم يترك لهم فرصة للرد بل تحرك ناحية الأسفل. فتحدث حازم هو الآخر:
"وأنا هنزل، يلا يا حج حامد انت وام غسان"
أسندا بعضهما ناحية الخارج وخرجت فاطمة مع الصغار بجانب آدم الذي انتظر دخولها الشقة الأخرى. ووقف بسام ينحني يضع حذاء غسان أمام قدمه وهو يجعله يرتديهما. وارتداها غسان بالفعل. وشبك الاثنان ذراعهما ببعضهما وسارا معاً بعد هبوط شقيقتهم أيضاً. أغلق بسام الباب خلفه. وقد لاحظ وقوف غسان وهو ينظر بشرود لمكان الواقعة والحادثة بل ولشقة زينات، بملامح ظهر عليها كبت الانفعال لحين آخر هو نفسه يجهل عنه! سحبه بترقب خوفاً من التهور. ووقفا أمام المصعد ولكن الآخر عقله الآن قد سُلب منه منذ أن رحلت بعد أقولها الجامدة على قلبه الهش بحضورها وغيابها!! تعلقت عينيه على باب شقة سمية، وكان يتمنى بوجودها معه في هذه اللحظة التي ولو كان الأمر بينهما غير ذلك لكانت ستتواجد بالتأكيد!! هبط المصعد بهما مع انتظار السيارتين حتى يتوزعوا عليها بالتساوي لينطلقا ناحية منطقة سكن منزل عز!!!
في منزل عز الآن كان هناك بهجة، سعادة، شيء ما لا يتكرر معهم كثيراً. كانت فرح في الأعلى بشقة جميلة ترتدي ملابسها بمرافقتها ثم لتضع من مساحيق تجميل خفيفة أنيقة خاصة بعروس لم تهلك أشياءها بعد. بينما كان عز في الأسفل يساعد والدته وكذلك كانت جميلة قبل وقت لكنها سحبت فرح معها قبل قليل ليتجهزا. الآن انتهت من وضع القليل على وجهها وزينت عينيها بطريقة جذابة هادئة ووقفت تنظر لنفسها بالمرآة بسعادة. شعور بأن هناك شخص تقدم لخطبتها بل وكان يكن لها حب دون أن تدري يشعرها بأنها شخص مرغوب به أخيراً بعدما كانت تظن عكس ذلك. انتهت جميلة هي الأخرى ووقفت الآن أمام فرح بسعادة وأمسكت يديها تديرها بفرح وقالت بإعجاب ظهر بكل تفصيلة بها:
"ما شاء الله يا فرح انت جميلة أوي بجد!"
تأثرت وسعدت لصديقتها بنقاء فلمعت عينيها بطيبة. تأثرت منها فرح بنفسها لذا عانقتها على الفور بثوبها الطويل صاحب اللون السماوي الهادئ الذي امتزج مع لون بشرتها الخمرى الخفيف فأعطاها جمالاً لا يقارن وحده مع جمال أهدابها وعينيها السوداء الآن أو ما تقارب للسواد!! ضمتها بسعادة وردت هذه المرة بعمق:
"أنا وانتِ عارفين كويس مين الجميلة يا جميلة!"
ضحكت جميلة بخفة وخرجت من بين ذراعيها تعدل حجابها أكثر ومسحت أثر الكحل الباهت أسفل عينيها وهربت الكلمات منها كالعادة. وما أنقذها الآن هو صوت باب الشقة الذي أخبرهم بقدوم عز من الأسفل كي يبدل ملابسه لأخرى. اقترب بخطوات ثابتة، أو لربما مهزوزة من الداخل بسبب تلك الذي يراها هو صغيرة لا تصلح الآن للزواج، طفلة! كانت تلعب بلعبة على ساقها وكسرتها بنفسها فبكت فاستطاع هو مراضاتها كما يستطيع دائماً. الآن ماذا حدث؟ سمعا صوت دقاته على الباب كي يأذنا له بالدخول وبالفعل أذنت جميلة هذه المرة بمرح لتخفف عنهما تأثرهما:
"ادخل يا عز الرجال"
ضحك عز بخفة وفتح الباب بهدوء ودخل حتى رفع عينيه ووقعت عليهما. هل حقاً ما يراه بعدستيه سيراه آخرين؟ وجد بهما جمالاً. ربما هذا الجمال خلق في روحه هو كي يرى كل من حوله جميل! ابتسم بتأثر ومد كلا كفيه فتمسكت فرح باليمنى خاصته وتمسكت جميلة باليسرى، فدارهما بإنبهار نجح في إظهاره بالطريقة التي تسعد كل منهما وقال تزامناً مع التفاتهما:
"ده ايه الجمال والحلاوة دي كلها، أنا كده محظوظ أوي وهغير أوي أوي!!"
خجلت جميلة وتركت كفه أخيراً بسعادة. وتعمدت الرجوع خطوة إلى الخلف كي تأخذ فرح فرصتها منه أولاً حتى لا تشعر بالضيق أو لربما الغيرة! تمسك هو بكف فرح الآخر وسحبها ناحية أحضانه بتأثر وذهب الثبات وحل محله الاهتتزاز عندما قال وهو يمرر يديه على ظهرها الناعم أثر ثوبها:
"مش مصدق عيني يا فرح، وكل حاجة حواليا بتقولي إنك كبرت يا عز مع إنك لسه شاب. كل حاجة قالتلي إن بنتك كبرت وشوية شوية هتمشي منك لبيت وحياة تانية غيرك!"
لمعت عينيها بتأثر وضَمَّته هي هذه المرة بقوة وقالت بتحشرج:
"انت ابويا يا عز وهتفضل، محدش بيسيب أبوه.. بروحه، أنا بحبك أوي ونفسي أبقى معاك ما أمشيش، تعالى نرفضه!!!"
قالتها بجدية من هول اللحظة فضحكت جميلة مع عز الذي اعتدل ونظر إلى وجهها بذهول اختفى عندما قال بضحك:
"لو رفضته المرة دي هيروح ينتحر!"
"ليه هو انت كنت رفضته أولاني؟"
سألته فرح بإندماج ولم يتعمد الإخفاء ولكنه لم يوضح بل حرك رأسه بنعم. فتعجبت من ذلك وسرعان ما عادت تتحدث كما كانت:
"ربنا يخليك ليا يا عز، ولا أتحرم من وجودك جنبي!"
السعادة غمرته عكس الشقاء والكفاح بتعبه دوماً. بل تنفس بعمق واقترب يقبل رأسها بحنو وربت على ذراعها برفق وقال يحثها هروباً من تأثر آخر:
"عايزك تبقي واثقة من نفسك ومتقلقيش ولا تتوتري. محدش غريب فيهم وهو نفسه عاقل ومحترم وهيعرف يتعامل معاكي أنا متأكد. عايزك بقا تنزلي تشوفي مرات خالك وبنتها جم تحت بقالهم كتير ومستنين يشوفوكي"
وافقت بحماس واعتدلت حتى اقتربت من باب الغرفة وأشارت بكفها وهي تتمسك بثوبها بالآخر. فتدخلت جميلة تحثها بقلق:
"الـ dress طويل يا فرح خدي بالك وانتِ نازلة على ما تلبسي الهيلز ويرتفع، ولا أجي معاكي أصل خايفة تقعي وكل ده يطير واحنا تعبنا أوي في اللوك ده"
ضحك عز بيأس على جديتها فنفت فرح سريعاً وخرجت وبعد لحظات سمعا الإثنان صوت باب الشقة الذي أغلق. حرك عينيه صوب رداءها الوردي الجميل مثلها تماماً وكذلك وجهها الهادئ التي لم تضع عليه سوى مرطب شفاه وكحل أعين فقط. اقترب بنفسه يتفحصها بعينيه تحت خجلها هي الذي راق له وقال بحب قبال عدستيها الواسعة:
"حاز الجمال والحسن كله!"
وأضاف أمام تأثرها وسعادتها:
"آه يا حلو ويا مسليني!!"
ابتسمت بحياء ورفعت أناملها ترجع خصلاته التي هبطت على جانب جبهته. فحاوط ظهرها بذراعه ودخل في عناق يهرب به فيه من نفسه ومن ضغط ما يذكره بالماضي وخاصة الآن وهو فاقد الكثير ومتولي زمام الأمور وحده كالعادة، دون أب، دون سند، دون ظهر. كثيراً ما تكون هذه اللحظة في منازل كثيرة. القليل وجوده هو أنه بدونهم منذ الصغر. منذ أن كان لا يفقه شيئاً بهذه الحياة وتركه والده كما ترك إخوته من أم أخرى. وترك عن ترك اختلف مع الاثنان. أب اختار عائلة أخرى فقط لأن حبه لوالدته كان يعني الكثير، حب أثر عليه هو وعلى عائلته الأخرى!
شدد بهذا العناق القوي وقال من خلف ظهرها يسألها سؤال كان من المفترض بأن تسأله هي له، ولكنها جهلت وتوقعت أن تأثر اللحظة أثر عليه.
"زعلانة ليه؟"
"مش زعلانة."
أجابته وهي تخرج من أحضانه. فنظر بشك، وهبطت عيناه على ملابسه الموضوعة على المقعد. فعاد ينظر لها بشك وزفر بصوت هادئ وهتف بهدوء:
"بس أنا شايفك زعلانة، ولا أنا اللي مبقتش أشوف؟"
انهزمت أمام كلماته وحملت ملابسه وهي تنحني. وعادت تنظر بصمت وأخرجت ما تخفيه وقالت تفسر له:
"مفيش، فرح كانت متأثرة إن في لحظة زي دي مكانتش عارفة هتحس بإيه لما باباكم يكون موجود، أو لو كان موجود كانت هتبقى عاملة إزاي. زعلت لأنها مش مدركة فكرة وجوده أصلاً، وجاهلة عن الإحساس. بس أنا طمنتها إنك موجود وإنه عادي. أصل فكرتني برضو بنفس اللي حسيت بيه، بس الفرق إنه كان موجود ساعتها ومحسسنيش بحاجة. يمكن حالنا من حال بعض فحسيت بيها زي ما حست هي بالتوهان ده!"
وأضافت بإندماج أمام عينيه التي تتابعها:
"بس عارف؟ أنا اكتشفت إن المواساة دي أي كلام، والاحتواء الحقيقي مش هيطلع بصدق غير اللي مجرب وحاسس بمعاناة ومشاعر اللي قدامه. غير كده مفيش!"
الآن قد لمعت عيناه وكأنها تشعر بما قد فكر به. بينهما تواصل روحاني بفعل عقبات الحياة المشابهة، ولكنها ليست بالكامل. لمعت عينيها أمام صمته واحتوى صمته ليخفيه. ووافق ورحل وحل محله الاحتواء والاهتزاز:
"مبقتش عايز ولا عايزاكم تفكروا فاللي راح واللي ضاع يا جميلة. أنا هنا وأنا موجود. أنا أبو اللحظة."
وأضاف بتأثر يشير على جانبها من الحديث:
"أنا أب حتى من قبل ما ألاقيكي. أنا أبوكي."
"مع إنه وحشني أوي يا عز، بس انت أحسن منه!"
تطلب منها الكثير كي تخرج بالشق الثاني من الحديث. تفضل غير أباها وفعلتها من قبل وظلمه من فعل بها هذا. اقترب يرفع كفها وقبل باطنه بإحتواء. وكعادته حمل نفسه ذنب غيره وتأسف وتولى هو الأمر كي يأخذ منه الحق بقوله المتنازل لها وحدها:
"متزعليش، حقك عليا أنا."
اقترب هو عقب ذلك يقبل وجنتيها بحب، فبادلته القبلة على خده بإمتنان. فابتسم وأعطته الملابس وحثته تهرب من هذه اللحظات كما فعلها هو:
"هسيبك تغير، وهطلع أطلع جزمتك وجزمتي وامسحهم على ما تخلص!"
وافقها وخرجت وتركته يبدل ملابسه. كان قد اغتسل ولكنه رفض ارتداء ملابس أنيقة بعدما خلع عنه الأخرى وارتدى مرة أخرى بيته لأنه يعلم تمام العلم أن طلبات والدته لا تنتهي حتى وإن قامت الساعة! فصبر يأتي بآخرها إلى أن وجدها سكنت فصعد. خرجت "جميلة" تنحني تفتح خزانة الأحذية وقامت بجذب ما قررت التقاطه ومسحته بالفرشاة. وجلست على المقعد تنتظر. وخلال دقائق خرج هو وهو يمرر يديه على خصلاته كي ترتب وابتسم بسعادة. واقترب يجلس حتى انحنى يرتديه وأخرج هاتفه ووضع ذراعه وهو جالس على كتفيها وفتح كاميرا هاتفه يقوم بإلتقاط صورة للذكرى. فضحكت بملء شدقيها بفرح من اهتمامه التي غفلت هي عنه باعتبارها لا تفضل الصور. وسألته ما لم تسأله له:
"شكلي حلو في الفستان يا عز؟"
قال كلمة واحدة معتادة منه عندما نهض ونهضت معه:
"جميلة!"
"بتلعب بالكلام، جميلة فإيه يعني ما تلاقيك تقصد اسمي وإني مش جميلة ولا حاجة!"
ضحك على رغبتها في قلب الوضع وأغلق باب الشقة ووقف قبل أن يهبط وقال يذكرها بقول كان قد قاله في بداية علاقتهما:
"سر الخلطة شارح نفسه وبيقول إنك جميلة شكلاً وروحاً، ومصداقية اللي سماكي مش لاقيها في حد تاني!"
ضحكت بخفة، ربما سعادة الآن وعجز. وقالت بمشاكسة وهي تهبط على السلم بجانبه:
"بتعجزني أوي وكلامك حلو علطول."
"ده بس عشان معاكي."
ثبتها قوله ودخلت الآن الشقة معه. ورحبت بزوجة خاله الراحل وابنتها التي رأت منهم زيارة من قبل في شهر زواجها الأول بالحزن على وفاة والدها. اقتربت تدخل لـ "حنان" التي تعالت زغرودة منها في الحال مرة أخرى وقالت بلهفة تشاكسها أمام ولدها:
"زي القمر وعروسة برضو أومال إيه!"
ضحكت "جميلة" وردت عليها بمزاح:
"عروسة إيه بقا، ما خلاص يا طنط."
"لأ يختي عروسة لحد ما تشيلي أول عيل ولا إيه يا أم هاجر."
زحفت الحمرة إلى وجنتيها وأيدت زوجة خاله الأمر فضحك بقلة حيلة منهم. وتركته "جميلة" تدخل الغرفة لـ "فرح" وابنة خالها. وخلال لحظات، كان قد أجاب "عز" على اتصال يخبره بقدومهم. فأنهاه وحث والدته والأخرى:
"أجهزوا عشان قربوا يلا!"
وافقت "حنان" والأخرى. في حين اقترب هو ناحية الخارج يفتح بوابة المنزل من الأمام. ووقف ينتظر بضع دقائق إلى أن وجد السيارتين يتوقفان خلف بعضهما. ابتسم بإتساع واقترب ينتظر ما إن وقف ووجدها يهبطون من الاثنان. هبط "حامد" سانداً "دلال" ومعه "آدم".
وهبط بسام من الٱخرى مع غسان وأغلق شادي السيارة كما أغلق حازم. سار الكل ناحيته بعدما حمل شادي الأكياس والعلب مع حازم. عانق حامد عز ورحب الجميع به وقال بحرارة وهو يخرج الٱن من عناق بسام:
"اتفضلوا، تعالوا ادخلوا."
كان وجه بسام يشرح فرحته بهذه الخطوة الثمينة. لمعت عيناه بسعادة رآها غسان الذي سار بجانبه ودخل من الشقة هو والٱخرين وأولهم دلال التي تعانق النساء الٱن بحب، هي ووسام. وصاحت حينها حنان بفرحة:
"أهلا وسهلا، يادي النور يادي النور، دخلهم يا عز جوه وقعدهم يرتاحوا."
سار وساروا خلفه إلى غرفة الضيوف، بينما توقفت وسام فسحبتها زوجة خال فرح ناحية غرفتها كي تدخل لها. وبقت دلال معهن.
دخلوا الغرفة وجلس كل منهم مقابلين لبعضهما. فتحدث حامد أولا:
"مبسوطين اننا في بيتكم يا عز يا بني، وان شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير ليهم."
"دا شرف ليا وجودكم يا حج حامد والله العظيم، فوق دماغي."
ابتسم بسام بسعادة وصمت بارتباك جلى لمشاعره المتضطربة في هذه اللحظة. كان الحديث العشوائي إلى أن تحدث غسان بترقب:
"انت جدع يا عزوة وابن حلال، والجو الرسمي مش واكل معانا. خلينا نتكلم بوضوح وبراحة ونبدأ علطول من غير رسميات، ولا إيه يا حج حامد؟"
ابتسم الشباب بصمت لهذه اللحظة، وطالعه عز بتأييد وقال:
"طبعا يا غسان، احنا عيلة خلاص وعيلة من قبل كده، ربنا يعلم معزتكم عندي عاملة ازاي."
حينها رد حامد على حديث غسان وقال بنبرته الهادئة المبهجة:
"عندك حق، نبدأ في كلامنا ونتوكل على الله، ولا مستنين حد؟"
نفى برأسه، ونهض بإذن يوضح لهم بأنهم غير هذه النظرة الذين اعتقدوها:
"نبدأ علطول بإذن الله، وبما ان مفيش غريب بينا، فإحنا نجيب أم عز تشاركنا الاتفاق!"
قَبِل الكل هذه الفكرة، وقال آدم بشقاوة له:
"يعم البيت بيتها."
ضحكوا بخفة، ونظر بسام وتدخل بمرح لطيف عندما أيد آدم وقال:
"صحيح البيت بيتها يا معلم عز، والعيلة عيلتها كمان!"
ربت عز على كتفيه بإمتنان وهو يقف أمامه جلوسه، وسرعان ما تحرك يخرج إلى الخارج كي ينادي والدته، ولتتولى الاخرى أمر الضيافة. في حين تنفس بسام بتقطع، فتحدث شادي يشاكسه:
"ايه يا حلوة متوترة ليه؟"
ضحك الكل عليه، ونهره بسام بعينيه. فتدخل آدم يهدده من التدخل بأقوال حانقة للٱخر:
"ما تخف يا ..سيطرة."
التزم شادي الصمت بالإجبار، وسمعه غسان فضحك، ومن ثم مال يهمس بجانب بسام يطمئنه:
"متقلقش يا بسام، ولو خايف من الرفض من الموضوع اللي قولته سيبه عليا، وأنا هتصرف أنا وأبوك معاه."
تلهف من هذا الأمر الذي كان يريده وصارح به والده وشقيقه فقط دون علم أحد. اعتلت نبرة حامد يحثهم قبل دخول أحدهم:
"عايزكم تبقوا لبقين كده في الكلام، عز بيركز أوي واخته عنده كوم تاني وحقه بصراحة، فـ براحة."
كان قول حازم هو الأول عندما جاراه وطمئنه بقوله:
"متقلقش يا حج حامد، ان شاء الله خير."
دخل عز ساندا والدته بعد ذلك، ورحب الكل بها مرة أخرى. فجلست حنان بالجانب الآخر من بسام، التي مررت يديها برفق على ساقه وقالت بطيبة بسيطة:
"منورنا يا حبيبي!"
"دا نور حضرتك والله."
غالبا ما تعجب وتفرح بلباقته في الحديث معها. وجد السعادة في عينيها بقدومهم وحمد ربه على ذلك. انتظم الجلوس من جديد، ودخلت زوجة خال عز تضع بعد المأكولات والحلويات أولا، وابتسمت ترحب بهم وخرجت من جديد تجلس مع الفتيات. وجاءت دلال تجلس بفعل إشارة حامد بعدما وجد أن هناك امرأة ستشاركهم، فلا مانع من هذا.
بدأ حامد الحديث حينها بلباقة تليق برجل مثله، وهو يوزع نظراته عليهم جميعا، بالٱخص عائلة العروس المكونة من شقيقها ووالدتها فقط:
"بسم الله نبدأ بالأصول الأول، ولا إيه رأيكم؟"
ابتسم الجميع، وتدخل عز يجيبه بنفس اللباقة:
"حضرتك تاخد راحتك يا حج حامد، اتفضل كلنا سامعينك يا راجل يا محترم، واللي ميسمعش يسمع غصب عنه!"
غمز له غسان ضاحكا بخفة، ومهما كان داخله الٱن لا يريد ظهوره بهذه المناسبة من أجل شقيقه. ابتسم حامد يمتن له، وبدأ يتحدث مجددا بعدما ضحك بخفة محبة على تعظيم الآخر لمكانته:
"الله يصلح حالك يا بني، بص احنا نبدأ ونكون واضحين أكتر حتى ولو الٱمر شارح نفسه، بس نقولها تاني.. احنا بالصلاة على النبي كده جايين نطلب إيد الآنسة الدكتورة فرح لـ الدكتور بسام ابني، سبق وسمعنا القبول بس حابين نسمعه تاني بالتفصيل كمان عشان نتفق على كل حاجة بما يرضي الله!"
"عين العقل يا عمي."
رددها آدم، فأخذ عز أنفاسه وقال يعبر عن رأيه أولا:
"واحنا سبق فعلا وادينا القبول، ويشرفنا نناسب ناس زي حضراتكم، بس أنا هقولكم وهفضل لكثير اقولكم، إن انتوا عيلتي التانية حقيقي، بس عايزكم تعرفوا إن فرح دي غالية على قلبي أوي، واني افرط فيها دي مش حاجة سهلة عليا، عشان كده بأمنك أمانة يا بسام لو النصيب كمل طريقه معاكم متزعلهاش في يوم، عشان صدقني اختي وزعلي على اختي يكتر على أي حاجة شوفتوها مني، وأنا آسف لو التعبير خاني!"
تدخل بسام بسرعة ومباشرة يرد هو عن نفسه وقال بصدق:
"وأنا أوعدك اني هحافظ على أمانتك يا عز، وهحاول على قد ما أقدر مزعلهاش ولا هاجي عليها، هي كمان غالية وهتبقى غالية عندي وعند أهلي لو انت خايف من ده، ومهما كان دي وصية يا معلم عز، وصية الرسول اللي هنفذها ومش هتشوف مني غير كل خير والله!"
ابتسم عز بسعادة، وتدخلت حنان بعد هذا ورددت بصراحة:
"وهي كمان بنت حلال زيك بالظبط يا بسام والله، بس غلبانة، عشان كده بوصيك من قبل ما أي حاجة تتم تكون في عينك قبل أي حاجة."
"في عيني يا أم عز من غير ما تقولي!"
تدخل الشهود بالرأي الٱن واحد تلو الآخر، وبدأ شادي الذي هتف بمرح لهم:
"اضمن لكم بسام برقبتي، والله باشا ومحترم ومنشوفش منه العيبة أبدا."
ضحكوا على حديثه، وحركت دلال رأسها تؤكد ذلك بعفوية:
"متخافيش يا أم عز."
ابني بسام طيب وحنين، ما يتخيرش عن غسان. أنا ولادي كلهم متربين، ميطلعش منهم العيبة. والبركة في أبو غسان اللي رباهم إنهم رجالة يعتمد عليهم.
ابتسم حامد لها بحنو. وتدخل حازم يردد لـ عز بمزاح:
مش محتاج شهادتي يا عز. انت عارف لو كلمة منك طلعت كده ولا كده هاخد أختي فإيدي وأروح وأدخل دي في دي. عشان بسام ده غالي وحاجة تانية عندي.
قهقه الكل عليه. ونظر عز بريبة زائفة وهو ينفي بخوف مضحك. فتحدث آدم مثلهم:
ابن عمي يعني مش هقول حاجة غير إن كل الحلو هنعملهوله عشان هو يستاهل كل خير.
ردد الكل له بالتمني في اقتراب هذه اللحظة له هو الآخر. ولحظة إدراك له.. لـ غسان الذي تذكر تفاصيل هذا اليوم الذي بدأت معه المتاعب والعقبات والمشاعر الذي لم يندم يوما عليها. ولكن ذلك ذهب بلحظة غيرت من هذا الوضع. أخذ غسان أنفاسه وابتسم يحرك رأسه. وظهر التعب على تقاسيمه. ولم يتعمد أحد ضغطه كي تحدث كثيرا بسبب حالته. بل تدخل يقطع الحديث والضحكات العشوائية وقال بصدق نابع من فؤاده تجاه توأم روحه:
مش هبدألكم بأنه أخويا أو توأمي وكلام بيتقال في العادي في الأوقات دي. بس اللي عايز أقولهولك يا عز انت وأم عز. إن بسام أكتر واحد لين وهين. وبيعرف يحب بجد مش حب أي كلام. ولو حب ووعد إنه يصون صعب يخون. وصعب الحلو اللي جواه يختفي بسهولة حتى لو كل حاجة قالتله العكس. اللي زيه خلصوا من زمان. وبكل غرور بقولها بصفتي أخوه. إن يا بخت اللي يجاور بسام أخويا ويعاشره. ويناسبه كمان. واللي عندك يا عزوة قوله ولو راجل عارضني.
فرض أقواله بمرح. فضحك الكل بعلو. وتعلقت عيني بسام مع عيني شقيقه بسعادة بالغة. أخذها منه بعد جفاء كان ظهر رغم عنه بسبب حالته. وامتن له بتأثر. وقطع التأثر خاصتهم وتأثر والديهم قول عز الذي قال ضاحكا:
يعم أنا مصدقك ومش هعارض اللي تشوفه. أي حاجة منكم حلوة. انتوا كلكم اخواتي وربنا يشهد أنا بعزكم إزاي.
تنفس بعمق. كما ترقب البعض. وقال حامد بإهتمام:
نبدأ نتفق يعني وتنادي العروسة ونقرأ الفاتحة.
وافق برأسه بحماس. كما أيد الكل. فقال غسان أولا قبل أن يبدأوا:
عشان تبقي قراية الفاتحة صح فخلينا نتكلم الأول في موضوع عايز يقولهولك بسام بنفسه.
علم حامد وأشار لـ بسام بالتحدث مع موافقة عز بإقبال. فخرج صوت بسام بهدوء لبق:
أنا مش عارف فعلا هتوافقوني ولا لأ. بس أنا طالب إن الخطوبة تكون كتب كتاب علطول. أنا مش بتاع لعب ولا حاجة ولكن حابب آخد راحتي وأتكلم من غير حدود أو من غير ما أحس إني متكتف. مش عايز أحس إن في حاجة رابطاني. وفي الأول وفي الآخر احنا عيلة ومع بعض علطول. وبصراحة كده يا عز مش هستحمل رخامتك وتحكماتك. أنا راجل عارف ربنا ومش عايز أغضبه حتى في النظرات. ومش ناوي أتأخر في الجواز وده رأي أتمنى تقبل بيه بس مش بفرض عليك.
ورغم اندهاش البعض خاصة عز ووالدته. ولكنهم بصموا بانتظار. وتدخل غسان حينها يقطع صمت اللحظة بمرح:
أصله متربي يا عز وبيحب ياخد راحته بالحلال. قولت إيه.
قبل ما ترد يا عز يا بني. أنا عارف إنك حقك ترفض. بس خد مني كلمة أنا مرتاح لكده وموافق. ولو شايف إن المفروض أرفض فـ حالة تانية كنت رفضت بس كده أحسن. وربنا يسهل. والرأي رأيكم.
نظر عز ناحية والدته ورأى القبول بسعادة في عينيها. وتلهفت دلال لتسمع الرد. في حين أخرج عز قوله الغير متوقع:
وأنا موافق.
شهق البعض بفرح. وتعالت زغرودة دلال. وواصل عز بعدها بجدية:
أنا واثق فيك يا بسام. وهعطيهالك وأنا مغمض ووافقت عشان عارف إني مش هشوف منك وحش. بس اللي كنت خايف ومازلت هو إنك تيجي فمرة عليها أو تندفع تتعصب. وأنا شوفت عصبيتك قبل كده. بس رجعت قولت. أي راجل أعصابه بتقع منه. لكن اختي تكسر القاعدة دي يا دكتور وافهمني في دي عشان لو جاتلي في مرة مأذية منك مش هقدر أرجعهالك تاني. ومتزعلش مني.
حقك. حقك يا عز. بس أنا واعدك وبجدد وعدي تاني كمان.
ابتسم بفرح له ما إن ردد بذلك دون رد حاد. واستمر الوضع ببهجة بعدما قال من بين حديثهم السعيد بذلك:
والرأي في النهاية لـ فرح إن شاء الله. لكن احنا قابلين وقابلين بيك ابن لام عز وصاحب بيت كمان يا بسام تيجي فأي وقت.
السعادة تأخذ حقها معهم. عانق غسان شقيقه بسعادة. واعتدل الكل مرة أخرى ليأخذا فرصتهم في الاتفاق بعدما بارك كل منهم لـ بسام. واستمر الوضع بالاتفاق على أمور الزواج. بعدما استرقت هاجر السمع ودخلت تخبر فرح بما يريده بسام. فنظرت بخجل. وسألتها وسام بخوف من الرفض. ولكنها وجدت القبول بقولها الذي أسعدها هي وجميلة والبقية في الداخل:
لا موافقة.
تعالت زغرودة وسام وهاجر ووالدتها. وصدحت أغاني حينها في الغرفة. فظلوا يتراقصن مع بعضهن ببهجة وسعادة اللحظة تشعر بها فرح. وحتى جميلة. استمر الرقص بسعادة بالغة إلى أن وقفت فرح أمام عز الآن وهو يحثها على الدخول كما البقية. ناولتها جميلة ووالدة هاجر الصينية الموضوع عليها الأكواب. واحمر وجهها بتوتر. فتذكرت جميلة اليوم التي كانت به كذلك. حثها عز برفق. وسار معها وهم خلفها إلى أن دخلت عليهم الغرفة. ونظر الكل لها بترقب سعيد. وتعالت الزغاريد وهي تقترب تعطيهم الأكواب بلطف. ورحبت بهم إلى أن جاءت أمامه وأخذ هو منها الكوب وعينيه تتعلق بها الآن. أعطاها الباقة فخجلت هي أمام الأنظار. نهض غسان من جانبه بعدما غمز له ووكزه. فحثت دلال فرح بحماس:
اقعدي يا حبيبتي. اقعدي جنب عريسك.
نظرت حنان بسعادة وخجلت ابنتها. في حين جلست جميلة بجانب حازم بسعادة. فعانقها بحب. وشملهم عز بعينيه. ولأول مرة تغمره السعادة بمشاركة الكثير حوله. جلس غسان حينها بجانب شادي وتجرع من الكوب برفق. إلى أن بدأ حامد الحديث من جديد تحت صمت فرح بخجل وهي تتحاشى النظر إليه:
كده تم الاتفاق على كل حاجة. عايزين بقا نقرأ الفاتحة كلنا مع بعض ونشوف رأي العروسة فـ كتب الكتاب قبل كل ده الأول.
نظرت فرح بخجل شديد وتحولت النظرات إليها. فسألها بسام بلين وهو ينظر لها:
موافقة يا فرح ولا مش مستعدة للخطوة دي. لو لأ براحتك أنا مش هضغطك.
كانت تود وسام والآخرين قولها. ولكنهم انتظروا الرد منها من تلقاء نفسها. وتجرأت لترفع رأسها وحركتها بالقبول أمام أعينهم. فهلل الكل وتعالت الزغاريد من جديد. وبدأ الكل في قراءة الفاتحة بصمت وسكون. وعلى الرغم من هذا الخجل الذي جعلها لا تنظر له ولكنه الآن ينظر لها بتعمق لا يريده بأن ينتهي.
ٱمــيــن.
كان قولهم جميعا. واستمر الحديث بعشوائية لذيذة في الكلمات المريحة. وعاد القول بعد الاتفاق من قبل الذي كان ينتظر رأي فرح فقط. وتعالى صوت غسان يهلل بعد الموافقة:
خلاص يبقى الخطوبة وكتب الكتاب يوم الحد الجاي على خير إن شاء الله.
هل بعد أيام لازمة لأخذ الإجراءات وفقط. وافق الكل. وقرروا النهوض كي يتركوهما مع بعضهما بعدما وضع الرجال الأموال على الصينية. وآخرهم غسان الذي وضعها طبق العادات ونهض يبتسم بلطف. وقال لها قبل أن يخرج:
ألف مبروك يا فرح.
الله يبارك فيك.
هتفت بها بخجل. ونظر حوله فوجد نفسه الأخير ووسام من تتمسك بذراعه. فابتسم وأخبر شقيقه قبل يخرج:
بقولك.. احنا شوية برا وهنمشي وبراحتك بقى. عايز حاجة.
رفض بسام وحرك رأسه بهيام تجاه الأخرى. فضحك غسان بخفة. وسمع إصرار حنان ومن معها على الجلوس. ودعت وسام فرح بعناق. وخرجت وخلت الغرفة من الكل عداهما. عدا بسام وفرح.
قصة كان يرفضها البعض والبعض القلة يؤيدها. ولكنه أصر واستطاع تفسير مشاعره بطريقة صحيحة بعد كل هذا التعب والإنهاك. يحبها ولم يستطع الاعتراف بذلك مباشرة، منتظر سعادة القادم. كما انتظر بجهل وعوضه الله عن أذى علاقات ما قد رآها وعانى منها لفترة كبيرة. كل منا يوجد به ندبات كما كانت هي. وانتهى المطاف بإعطاء نفسها الفرصة كما أعطاها لنفسه وربما تحسن بمساعدتها هي دون أن تدري. كي يصبح سويا. يحدد ما به لأجلها هي. وهي وجدته هو. وكان هذا آخر ما توقعه يوم ما. من بداية رؤيته في المستشفى كطبيب عادي إلى أن علمت صلة القرابة بينه وبين صديقتها وتعمقت العلاقات أكثر وأكثر ولم تتوقع إلا بالنهاية عندما تفاجأت بعرضه الزواج وعلمت من شقيقها وليس منه هو. هو الذي شعر الآن بمعنى الأمان والحب و..الفرح!
أسند رأسه على الأريكة بتعب من ما حدث له قبل ساعات. الغضب يتملك منه والإنفعال ولكنه عجز ويعجز عن فعل أي شيء. ما يطمئنه هو حالة "غسان" التي بالتأكيد تأخره في فعل شيء. تنفس "سامر" بصوت مسموع وهو يشعل اللفافة بعنفوان من انهزامه. وصمت أمام هذه الشاشة بشرود.
جاءت "مروة" من على بعد. تضع صينية الطعام أمامه وجلست تترقب بجانب "زهور" التي جلست تتابع شاشة التلفاز وعقلها عالق عن ما يمكن فعله من ابنتها بعدما رأته.
نظر "سامر" بحدة ناحية "مروة" ونهرها بسرعة بنبرة جامدة:
"انت لسه هتقعدي؟ ما تقومي شوفي البرنسيسة صحت ولا لسه!"
وصرخ بها بصوت عالٍ ينهرها:
"قومي خبطي جامد على باب الأوضة بدل ما أكسره على دماغهم جوه!!"
نهضت "مروة" بخوف بعدما ابتلعت ريقها. فتحدثت "زهور" بضيق له:
"ما قولنا نصبر على ما الدنيا تهدى. مش ناقصين حد يرجع يموتك فيها بين إيدي وأنا مش عارفة أعملك حاجة. اختك وهنربيها لكن إحنا هنعمل إيه معاهم وانت بالشكل ده؟"
اغتاظ وأخرج اللفافة من فمه بعنف وأشار لها بانفعال في كلماته:
"وهنفضل مستنيين نربي بنتك امتى يا أمي؟ البنت دي وراها حاجة. ولازم أعرف إيه علاقتها باللي اسمه غسان ده. وكانت بتتشحتف وتعيطله ليه؟ مش يمكن خد غرضه منها وصرفها بعد ما طلق الهانم التانية؟ سيبني أتصرف عشان بنتك دي محتاجة إعادة تربية من أول وجديد!"
خاض بإبنته وصمتت عاجزة عن الرد.
رفعت "مروة" يديها تدق بقوة هذه المرة على غرفة "زينات" ولكن لا رد. ترقب "سامر" بغيظ ووقف يستند على عصاه أشبه بعكاز وطرق الباب بقوة وهو يردد عاليا:
"إفتحي يا بت. إفتحي أنا عارف إنك جوه مع خالتك وخايفة تطلعي. بس هتروحي مني فين..افتحي بقولك!!!!"
كان الترقب في الخارج. كما وضعت "أسماء" يديها على فمها بخوف وجسدها الآن بالكامل متضرر من أثر ضربه وهي الأخرى وجهها به آثار صفعاته القاسية دون محاولة للفهم. نزلت الدموع منها بخوف فاحتوتها "زينات" كما فعلت منذ أن حدث ما حدث. ضمتها وهي تحثها على الهدوء وقالت بلهفة من هذا الهلع:
"متخافيش. متخافيش اهدي, مش هخليه يقرب منك. بس اهدي!!"
حركت "أسماء" رأسها نفيًا بفزع وهي تضع كفها على فمها كي لا تخرج منها شهقاتها وانتفضت بسرعة برعب ما أن صرخ هو مجددًا:
"والله ما انت فالتة من إيدي يا أسماء. وخالتك اللي معاكي دي مش هتنفعك عشان تعرفي بس يا بت واديني واقفلك أهو!!!"
تركتها "زينات" بالتدريج حتى وقفت وهي تشير لها بأن تطمئن وهتفت بنبرة هادئة من خلف الباب:
"ارجع يا سامر عنها وملكش دعوة بيها أحسن ما أتصرف تصرف مش هيعجبك. كفاية أوي كنت هتموتها في إيدك حرام عليك ياشيخ!!!"
"لو فاكرة إنك هتقدري تشيليها مني تبقي غلطانة."
هتف بها بنبرة مرتفعة. فهابت "أسماء" أكثر ولمعت عينيها مجددًا. ولكن نبرة "زينات" المهددة خرجت عندما رددت:
"أقسم بالله العظيم لو إيدك اتمدت عليها من غير ما تحاول تفهم اللي حصل لأنادي غسان يطفحك الدم ويوديك قبرك بإيدك. ومتنساش إنه ليه حق عندك واللي عمله أخوه فيك ده هتعرف إنه أي كلام!"
استطاعت أن تربكه. ابتلع ربك وكابر بخروج الثبات من خلف الباب وهتف بتهكم:
"لا ده انت واثقة أوي بقا وبايعة ومش باقية!"
"آه. وده آخر كلام عندي. وقبل ما تفتح صدرك, بص على حسن اللي مش عارف يرجع ومقضي حياته هربان. فمتخلنيش أجبرك تهرب زي ابني يا سامر. ساعتها قلب أمك هيتوجع وهتتقي الله بقا هي واختك..ربنا يهديكم!"
زفرت "زهور" بصوت عالٍ وقالت وهي تلوي شفتيها بخيبة بها كما تظن:
"بقا كده يا زينات؟"
"أيوة. وخدي بالك إن اللي معايا دي ضناكي يا زهور وبنت بطنك اللي عايزة ابنك يموتها بغشوميته!!"
تاهت بين الكلمات والتزمت الصمت. فحاولت "مروة" التدخل برفق قليل ما يظهر عندما دقت على الباب تتوسل شقيقتها:
"طب افتحي يا أسماء أشوفك أنا."
انسحب "سامر" من هذا التهديد بداخل الغرفة الذي يقيم بها وتركها. تركها وخوفه قد تغلب عليه وقرر الصبر لحين آخر ووضع نفسه تحت ضغط الصمت والتحمل. في حين ما أن استمعت "أسماء" لذلك صاحت عاليا بصراخ لـ "مروة" بالأخص:
"مـ ـش عـ ـايزة أشــــوفك. ربـــنا يســـامحك على اللي عملتيــه. انــتِ السَــبب!!!!"
صمتت مضطرة وتحولت ملامحها للجمود ودقت الباب بعنف من هذا الصراخ وقالت بنبرة مرتفعة:
"ما انت اللي كدابة وشككتينا فيكي. وراحة لواحد الله أعلم دماغه بتفكر إزاي. وكمان بتعيطي وماشية تتلفتي حواليكي. المفروض أتصرف إزاي قوليلي كده؟ ده انت حتى سايبانا مش فاهمين حاجة لحد دلوقتي. وسامر ساكت بمزاجه. انت بتكتبي نهايتك يا أسماء بإيدك وسكوتك ده عشان تعرفي!!"
صمتت وسمعت صوت شهقاتها العالية بعد هذا. فاحتضنتها "زينات" بالداخل وهي تسبهم بالخارج ببغض. سارت "زهور" بصمت تقف خلف الباب وطلبت منها:
"طب افتحيلي يا زينات أشوف بنتي. والله ما هعمل حاجة بس بردي قلبي ده عليها. أنا مشوفتهاش ولا شوفت اللي جرا."
وقفت "زينات" تترك الأخرى بتشتت. أما "أسماء" فصمتت بإستسلام بعد كل هذه الدموع. فتحت لها بالفعل الباب بعدما تأكدت من خوف "سامر".
دخلت "زهور" وخلفها "مروة" واقتربت تنظر على وجه ابنتها المتضرر من الضرب. تنفست بعمق وجلست بجانبها على الفراش. فنظرت "أسماء" بخوف لها بينما هي سألتها سؤال واحد فقط:
"أنا عايزة أفهم حاجة واحدة بس. الواد غسان ده عملك حاجة عشان كده روحتيله؟ قرب منك؟ ضحك عليكي يا أسماء؟ ردي عليا من غير كدب!"
هابت اللحظة وابتلعت ريقها أمام الإجابة المنتظرة منها حتى من "زينات" التي ترقبت للوضع بفضول جاهل. حركت رأسها نفيًا وقالت بتقطع وهي تمسك جسدها بوجع:
"لأ..محصلـ ـش حاجة بينـ ـا."
إجابتها تطلبت منها الكثير. وأشفقت على نفسها ومن جهة أخرى على عائلتها إن كانت لم تفرط بنفسها لانفعلت تردد لهم بكيف يتشككون بها ولكن الآن الوضع صادق بسوء تفاهم فقط!
تمعنت النظر بها وصمتت ترفع كفها المجعد تمسح وجهها برفق. أتي من فطرتها حتى وإن كانت قوية وشديدة بخصالها. ارتجف جسد "أسماء" ولكنها وجدت "والدتها" تحث "مروة" بقولها الهادئ:
"قومي اسندي اختك تغسل وشها واعمليلها حاجة سخنة تشربها."
لبت أمرها وهي تسحبها. وعلم الكل ضعف "سامر". الٱن بهذه اللحظة فنهضت معها وهي تستند بوجع. جلست "زينات" تنظر لشقيقتها بلوم فطالعتها "زهور" بصمت وأخرجت الحديث منها تتذكر وقوف "فريدة" مع "ٱدم":
"برضو سايبة بنتك مع الواد اللي اسمه ٱدم يا زينات؟"
نظرت "زينات" بغيظ. ووجدت اليأس في تغير طباع شقيقتها فنهضت بإنفعال وهتفت تحذرها:
"انت مفيش فايدة فيكي ابدا. ملكيش دعوة ببنتي يا زهور أنا عارفة كويس هي متربية ازاي!"
ضحكت "زهور" بسخرية علة قولها ولا تعلم هي بأن الحال من ذاته. بل وحال ابنتها أقسى عليها لأنها سلمت نفسها بإرادتها! تشنجت ملامحها ما أن سمعت ضحكتها وخرجت من الغرفة تتركها حين أن تخرج ثم لتدخل من بعد ذلك وهتفت بنبرة معنفة:
"سيبي بنتي في حالها بقا حرام عليكم ربنا المنتقم وهو اللي هيجيب لبنتي حقها عن كل كلمة اتقالت وكل بصة اتقللت منها. ومش هقولك غير منك لربنا يا زهور انتي وعيالك!"
نظرت بأثرها بصمت. وقلبت عينيها ببرود. لم تتأثر بعد. بينما الأخرى اقتربت من الهاتف كي تطمئن على ابنتها كما كانت تفعل في الأوقات السابقة لعدم مقدرتها ترك "أسماء" والرحيل لها!!!
بهذا الوقت عادوا إلى المبنى من جديد. وصعد الكل الٱن وٱخر من خرج من المصعد كان "شادي" الذي أمسك ذراع "غسان". تعلقت عينيه من جديد على باب شقة والدتها الساكن. وأخرج أنفاسه بثقل. ورغبته الٱن تضغط عليه بالتوجه لها. ولكن بماذا سيتحدث؟ بالتأكيد منذ ٱخر حدث بينهما سترفضه ومن المحتمل سيتحول الوضع لبغض وصراخ. بعدما كانت هي التي تتمنى مسامحته. ابتسم بسخرية من قلبها للوضع بالكامل ظالم ومظلوم عليه هو على الرغم من أنه اخطأ في التعبير وظهر لها اتهام وشعرت بحساسية الموقف الصعبة بالنسبة لها لكن بالوقت ذاته كان هو بموضع شك معها ولم تشك! وقارنت الوضع بوجع وشعرت من جديد بوجع كرامتها كأنثى!!!
الٱن علم كيف تتوجع. ما فعله معها من تسرع وجعها. لأول مرة يتسرع وتذوقت هي مرارة كلمات وأقوال التسرع في حين بأن هذه كانت عادتها التي تفعلها معه دوما. تحمل. تحملت. سأل نفسه كالعادة ودخل من الباب وهاب الاقتراب من الرفض. وعلم جيداً مدى الخوف من الرفض الٱخر بعد الخطأ بينما في السابق ذاق الرفض دون ذنب! رفض بطلب الانفصال. هل مازال صاحب حق إلى الٱن؟!!
دخل من باب الشقة. وجلس بشرود معهم في الصالة لا يتشارك الحديث بل ما منعه من دخوله الغرفة هو انتظاره لمقابلة "طارق" كي يدخل بعد ذلك ويجلس دون ان يعيق اقامته مع الوجع شئ. ومجدداً يتعقد الوضع!! ونهر قلبه الٱن وسبه بأنه أبله. محى لها كل ما فعلته مقابل لحظة وقوفه أمامها وأمنيته في ان تظل بجانبه وهو بهذه الحالة المتعبة له نفسياً وجسدياً وما بعد رفضه شئ. من خلف فؤاده يخرج لها السئ وأبى الكبرياء على ان يخرج لها الجيد. ولكن الٱن فاض به. حتى وان كانت تنهكه فأصبح لا يريد شئ سواها!! تقطعت أنفاسه وتاه بعينيه يتذكر خوفها من قربه. وصفع بقلبه من كل هذا. الأمر بوجهة نظرة أصبح منه. عجز عن ان يتهمها بشئ بعد الندم والأسف. فأصبح يصارع نفسه وفقط بعدما كان يصارع الاثنان بعضهما والكبرياء سيدهم. وعندما تخلت هي عن شيطان الكبرياء كان قد لبسه بقوة وخرجت منه الكلمات بوضوح شديد وألقى كل ما كان يدخره وصبرت لم ترفض حينها!
والعجز الٱن لم يكن بشخص أمام شخص بل العجز كان من كل شخص بنفسه ولنفسه. ما بين شوق. ندم. قهر. حزن. حسرة. رغبة. ضياع. وجع. وغالباً وجع ضميرهما الاثنان معاً!! لم ينتبه على شئ سوى قول "شادي" والٱخرين:
"أتفضل يا حمايا. تعالى يا أبو "منة"!"
حينها قد دخل وكانت معه "منة" التي نظر لـ "شادي" بإشتياق ومشاكسة. وعانقته وهي تسأل عن حاله فلم تراه لساعات طويلة. دخل "طارق" وجلس بعدما سلم على "غسان" والٱخرين. وبعد هذه اللحظات انسحب "حازم" ومعه "ٱدم" كي يرى شقيقته ويرحل معها ويودع "فريدة" قبل الرحيل. وقرر الصبر على مفاتحة "حازم" على مايريده حين عودة شقيقه على الأقل!
توتر اللحظة وقف عندهما، وهو الآن عالق بتعابيرها وهي تهرب منه ومن تقاسيمه ونظرة عينيه. أخرج "بسام" أنفاسه بصوت مسموع وطلب منها برفق:
"بس أنا عايزك تبصيلي."
تسارعت دقات قلبها وارتجفت يديها من توترها. وابتلعت "فرح" ريقها بصعوبة، ما إن عاد ليكمل هو بقية طلبه:
"وعايز عينك تبصلي يا فرح."
حركت عينيها من على سجاّدة الأرض التي لم تترك النظر إليها، ورفعت عينيها الواسعة الملفتة بفتنة تنظر له داخل عدستيه الفاتحة. وعلمت من هذا التعمق أنه يملك عينين لونهما أفتح قليلاً من عدستي الآخر. ستأخذها إشارة. تاهت بعينيه للحظات كما حدث معه. فتنهد يخرج أنفاسه وقال بابتسامة عذبة زينت وجهه التي رأته لطيف عن قرب:
"أنا فرحان أوي يا فرح، وكنت عايز أقولك إنك فرح لأي حد بتكوني موجودة في حياته، وطوق نجاة من غير ما تاخدي بالك."
وأضاف يخرج منها أي رد:
"مصدقاني؟"
سألها بشغف، فحركت رأسها بغير وعي لكلماته وابتسمت بعذوبة بعدما قررت التحلي بالجرأة ونبست برقة:
"مش شايفة إنك بتعرف تكدب عشان مصدقكش!"
"وده مدح فيا ولا غرور منك؟"
قالها هو بنبرة ضاحكة، وجعلها تضحك وصارحته بقولها العفوي المرح بخفة:
"أنا مغرورة."
اقترب في جلوسه يقطع الفاصل ونظر بعينيها يصارحها بعمق:
"أنا مبحبش الغرور، بس حقك تتغري!"
تعلقت في عينيه بتيهة وسألته عن قرب بنبرة هادئة تستفسر:
"ليه؟"
"أصل عندك جوز عيون مش عند حد."
ابتسمت بخجل، فتنحنح هو بعدها يعتدل وسألها متمنيًا رؤية الصدق منها:
"مبسوطة؟"
"أيوة، زيك بالظبط!"
هل كانت سعادتها بقدر سعادته؟ عفويتها كشفتها وابتسم على أي حال بلطف. ونظر نحو ثوبها بهدوء حتى رفع عينيه بصدق يعبر عن رأيه:
"شكلك حلو أوي في الفستان!"
زحفت الحمرة لوجنتيها ورفعت رأسها بخجل. راق له وسألته بتلقائية هادئة:
"بجد؟"
"بجد جداً، ومش بعاكس على فكرة."
وابتسم عقب ذلك غير تارك فرصة لها وقال بإعجاب انهزم أمامه:
"وملامحك حلوة أوي كمان، أنا بحبها."
تخلى عن التوتر وقرر قول حديث معسول كي تندمج بدلاً من هذا الصمت. ولكنها توترت من قوله وأظهرت ضحكتها الخفيفة تسأله بتشكك:
"متأكد مش بتعاكس؟"
ضحك عالياً هذه المرة ووعى لما فعله، ولكنه سرعان ما اعتدل ومنع نفسه من الاعتراف وتركه للقادم. وقال بصدق يفسر لها:
"مبعرفش أعاكس، بس بعرف جداً أصارح وأقول الحقيقة. عشان كده عايز أعرفك إن مكانش بيشغلني فستان حلو أو ملامح واحدة حلوة تشدني. وكنت خاطب قبل كده ومحصلش نصيب. بس عايز أقولك تاني إنك أول واحدة تأثر فيا كده وتلفتني ليها في عز ما كنت بحاول أمنع ده عن نفسي وألتزم. عشان كده قررت قرار كتب الكتاب!"
لأول مرة تعلم أنه خاض تجربة قبلها. لم تتعمد السؤال وذهب الخجل منها بالتدريج واندجت تصارحه هي الأخرى بقولها:
"أنا كمان ممكن أصارحك بالحقيقة اللي عجبتني فيك. أنا بحب كلامك أوي وعقلك في الوقت الصح. وعلفكرة انت اللي طوق نجاة ليا في كل مرة كانت الدنيا بتتقفل في وشي كنت بلاقيك والاقي كلامك. انت شخص مريح أوي ودي لوحدها حاجة مش بتحصل كتير مع كل الناس."
دقت طبول السعادة المغمورة بالحب بداخله وابتهجت ملامحه وأشرقت بأقوالها الصادقة وقال رداً عليها هذه المرة:
"من حكمة ربنا إنه وقعنا في طريق بعض من الأول واحنا مش عاملين حساب لأي حاجة بتحصل. كله جه من ربنا وكل اللي بيجي من عنده مفيش أحسن منه. وأنتِ جيتيلي من عنده يا فرح، وكنتي طوق نجاه مني لنفسي."
ابتسمت بسعادة من حديثه وشعرت بالراحة تغمرها. فظل يطالعها من جديد بصمت وسألته بدون مقدمات:
"أفرق بينك وبين أخوك إزاي؟"
وكأنه يملك حيلة كي يخبرها. لم يفعل قولها سوى أنه ضحك بصوت عالٍ. فضحكت على ضحكاته وقال بنبرة امتزج بها الضحك:
"خلي عز يقولك، هو بيعرف."
"بس أنا عايزة أعرف منك انت."
لم تمنع ابتسامتها بأن تخرج، وتلقائيتها في الرد تسلب أنفاسه. ابتسم ورغم أن قولها ثبته بدون رد، ولكن أتاها الرد منه عقب لحظات وقال بوضوح دون مراعاة لحرجها:
"لما تحبيني هتعرفيني."
وياليتها ما سألت. ارتبكت واهتزت ملامحها ونظراتها. وقررت التجاهل عن هذا القول وابتسمت تجارية وعرضت عليه ما كان سيعرضه من الأساس:
"هتعرفني عن نفسك أكتر؟"
"قوليلي عايزة تعرفي إيه؟"
آعتدلت في جلوسها وتمسكت بباقة الورد بإهتمام ورفعت عينيها تجيبه:
"كل حاجة."
فسألها هو بمشاكسة مخفية أمام نظرات "عز" في الخارج هو و"جميلة"، التي وقفت بجانبه تحمل طبق صغير تأكل منه:
"طب وانتِ؟"
"عايز تعرف إيه عني؟"
تعمد "بسام" أن يقلد كلماتها وقال هو الآخر مثلها:
"كل حاجة."
ضحكت بخفة واندجت بالفعل قبال نظراتهم في الخارج.
شعر "عز" براحتها وسعادتها فتنهد يخرج أنفاسه.
عادت "جميلة" بعدما وضعت الأطباق في الداخل وطالعته وهو ينظر بشرود.
جلست "حنان" مع زوجة أخيها وابنتها.
وقفا الاثنان يشاهدان من على بعد اندماجهما وكأن مر وقت على علاقتهما معًا لظهور مثل هذه الراحة على وجه كل منهما.
فطغت السعادة على وجه "عز" الآن الذي حرك رأسه ناحية "جميلة" التي ابتسمت له بحب.
وخرج صوتها الهادئ وهي تهتف بعمقها الخاص في النظر ناحيته:
"مـبروك يا عز"
رفع أنامله يمسح ما بجانب فمها وهو يبتسم بإتساع.
فتلقائيًا مسحت على فمها بترقب.
وهتف هو بمشاكسة:
"عقبال عيالنا"
ضحكت "جميلة" وهي تحرك رأسها منه وقالت تجاريه بسؤال ضاحك:
"وهم فين دول؟!"
"مسيرهم يجوا"
ابتسمت بحياء واستندت بجانبه وقالت تندمج مع حديثه:
"هتبقى فرحان ساعتها الفرحة دي؟"
توقف عند هذا السؤال وأخذ أنفاسه ببطء ونظر لها مهتمًا بقولها حتى أجاب بتفسير أثر بها:
"أول أب هيحس بفرحة عياله من قبل ما يبقى عنده عيال، ولا هم هيبقوا حاجة تانية؟"
سألها بجدية، ففكرت قليلاً وهتفت بعدها بجهل:
"مش عارفة، بس لما أبقى أم وأبقى أب أكيد هنعرف!"
ضحك على تفكيرها بجدية ووضع يديه على كتفيها باحتواء.
فابتسمت بسعادة وسألها حينها باهتمام:
"امتحانك بعد بكرة؟"
أكدت برأسها فسحب كتفها ناحيته وقال يشجعها:
"أنا عارف أن الأيام دي ملخبطة أوي، بس انتِ قدها. اطلعي طيب ذاكري بما إن مفيش حاجة خلاص تتعمل."
نظرت ناحية المطبخ وقبل أن تتحدث بمعارضة التقطها هو على الفور وقال بجدية:
"الباقي بسيط، اطلعي انتِ وأنا هساعدهم وهاجر هنا بتعرف تعمل."
ابتسمت توافقه وأومأت برأسها حتى اقتربت من الباب وخرجت بعدما أشارت لهم بأنها ستصعد.
بينما سألت زوجة خاله باهتمام:
"مراتك راحة فين دلوقتي ياواد يا عز؟ كده تسيبنا وتطلع؟ ده أنا بحب قعدتها والله!"
علم بأن حديث النساء ليس له نهاية بشيء.
وقبل أن ترد "حنان"، رد "عز" في الحال يوضح لها بصد غير مباشر:
"مراتي عندها امتحانات يا مرات خالي ادعيلها ربنا يوفقها. لو مكنش وراها حاجة كانت فضلت تساعد لحد ما نخلص، بس انتِ فاهمة بقا الدكاترة حوارات المذاكرة بتاعتهم كبيرة ومبتخلصش."
التزمت الصمت بتفهم واقترب هو يحمل الأكواب.
فعارضته "هاجر" وتولت هي الأمر.
فعاد هو ينظر بترقب من على بعد وقصد عدم قطع هذه اللحظات مما يبدو أن الحديث الآن جاد وسارٍ بسلاسة هادئة بسيطة جعلتهما ينخرطان معًا.
***
الآن جلست على الفراش بخواء تنظر إلى الفراغ تمامًا مثل اللاشيء التي توصلت له.
مسحت دموعها بكفها برفق.
واستمعت الآن على الاتفاق في الخارج بين "سمية" وبينهم ومعهم كانت "فريدة" و"حازم" و"عايدة".
الكل الآن علم بأنها سترحل في استراحة للإقامة هناك مع "ياسمين" في شقتها.
تركتهم يتفقون ووالدتها تنزل عليها بالوصايا الخائفة.
وهي بالداخل والباب مفتوح لا تقوى حتى على التدخل بالحديث أو الرأي فرأيها معلوم.
ورغبتها في الرحيل قد ظهرت.
ولكن كيف ستهرب؟ وهي تريد الهروب واللاهروب بنفس الوقت.
سقطت دمعتها وهي تتذكر قربه التي كانت ستضعف أمامه وستخون.
بإمكانها محو هذه العقبة ولكنها كلما تقارن الوضع تقهر.
وكل ما فعله وما حدث من خروج مع الأخرى ودفاع عن من زارته يؤثر بها أمام فقط رفضه لها وكأن كل شيء يظهر لها الآن بأنها أصبحت غير مرغوب بها منه على الرغم من أنها رأت رغبته ولكنها أبت بعد اتهامه.
وبخفة ألقت كل شيء واختارت نفسها على الأقل.
تريده وتعلم أنها تريده ولكن بهذا الوقت بالتحديد لا تريد إظهار ذلك له بعدما حدث ما حدث.
وأبت الجلوس كي لا يتقابل وجهها مع وجهه بضعف منها وهو بهذا الحال الذي يؤلمها.
ارتدت ملابسها وعقدت الحجاب وجلست دون أن تخرج.
وجمعت والدتها بعض الملابس البيتية لها وبالأخرى أدويتها.
حركت "نيروز" رأسها ما إن دخلت "ياسمين" تحثها بلين:
"يلا يا روز عشان نمشي!"
وافقت ونظرت ناحية الحقيبة الموضوع بها ملابسها وسألت شقيقتها بنبرة خاوية:
"حطيتي اسدالي؟"
سألتها وتضع في حساباتها وجود "حازم" فكيف ستظهر أمامه؟
رفضت "ياسمين" والتقطت الآخر من على المقعد واستنشقته ولكنها تركته وفضلت وجود الآخر وقالت:
"في واحد على الحبل جوه عندك، سيبي ده عشان محتاج يتغسل!"
وافقت برأسها وقبل أن تقترب "ياسمين" من الشرفة قاطع ذلك مناداة "سمية" عليها.
فنظرت لها نظرة سريعة فهمتها وخرجت ترى ماذا تريد والدتها.
وبهذه اللحظة تولت "نيروز" الأمر رغم أنها لا ترغب في الخروج للشرفة ولكنها اقتربت كي تنتهي وترحل وتترك مكان اعتقدت أنه سبب الوجع.
عدلت حجابها أكثر وسارت بخطى بطيئة نسبيًا بسبب ألمها الجسدي الذي كان سببه ألمها النفسي.
ومدت يديها تفتح الشرفة.
بالوقت ذاته كان هنا، بجانبها حيث الشرفة الذي وقف بها يهرب من التجمع العائلي بعد رحيل "طارق" التي ودعته "منة" والتي تجلس أيضًا الآن معهم بالخارج ومعها "شادي" يتناولان العشاء معهم بعدما تناول "غسان" القليل واختفى يدخل غرفته، ممنوع من التدخين ولكنه فعلها الآن يخرج بها.
ضغطه أو هكذا يعتقد.
أخرج الدخان بحرقة تمامًا كمثل الذي يشعر به الآن بعدها.
ولأسئلة تتوجه له من الحال اللذي بينهما:
"الذنب ذنب من؟"
"هل كان ذنب الحب الذي جاء بدون أسباب؟"
"ذنب الفؤاد ومعذبه؟"
"من معذبه؟"
"نيروز؟"
أبى تصديق هذه الإجابة وعادت البراهين والتبرير يأخذ محله.
"تبكي على موت زرعه، كيف تأذي؟"
"كيف؟"
"تملك عدستان بريئتان أضعف من أن تؤذي!"
"تؤذي الفؤاد؟"
"فؤاد نطق باسمها وحدها وفوق حروفها كان شعار الحب."
"هل من يؤذي قادر على الأذى؟"
"بل من يحب بإمكانه الأذى."
نفى أسئلة كثيرة دفاعًا عنها وتقطعت أنفاسه وهو يغمض عينيه بوجع.
وجاب عقله حملها بصغير منه.
هل انتهى الحال بينهما كما قالت؟
الآن قد شرحت الكلمات الحال وصوت أغنية ما في الخلفية مع هذا الحال لتشرحه:
"وقفت ساعة الكون تبكي في بعدها
حتى الهوا مبقاش يغازل السما، مين كان سبب؟
وقفت دموعي في وقتها، ساعة الوداع
حتى أنا مبقيتش أنا، مين كان سبب؟"
فتح عينيه سريعًا على صوت فتح الشرفة بواسطتها.
وترقب وحرك رأسه وقتها شغفًا يتمنى بأن تكون هي.
خرجت هي تنظر بخوف من وجوده تسبق بقدم وتؤخر الأخرى إلى أن وقعت بفخ القدر ورأته الآن.
اهتز جسدها وهي تنظر وأول ما وقعت عليه عينيها كانت عينيه في هذا الضوء الخافت.
نظر بسكون وجاب عينيه ملابسها التي تظهر بأنها ستخرج في الحال.
قاومت وتحركت بسرعة تجلب ما خرجت لتلتقطه من على الحبل.
ولكنه اقترب ناحية شرفتها أكثر وأهبط يديه من رأسه بحركة عذبت قلبها شفقة عليه وعلى التعب الذي قاوم على أن لا يظهر أمام عينيها وظهر.
أدار عينيه وثبتها عليها وهو يناديها:
"نيروز!"
التقطه وعندما هتف باسمها تصنم جسدها وأجبرها على الوقوف.
رفعت رأسها تنظر ناحيته فوجدته يحاوطها بعينيه اللينة الساكنة وسألها باهتمام:
"انتِ خارجة؟"
لو يعلم هو بأنها اختارت الرحيل!
لمعت عينيها وهي تحرك رأسها بسكون تؤكد ذلك بهزة رأس مستسلمة للوجع والألم الظاهر الآن له. ولكنه لم يتوقف إلى هنا بل سألها مجدداً بنفس الاهتمام والترقب:
"رايحة فين؟"
وقفت بكل ما فيها تنهي المسألة
مشيت وروحي عندها، أنا كنت إيه من قبلها
والحبر دايب عالورق
صورنا لما حرقتها غريبة قلبي اللي إتحرق
نزلت دموعها وزاد ضغطها فقالت ببحة صوت مع أعين لامعة تصارحه بما اعتقدت أنه سيريحها:
"همشي، عايزة أبعد.. نفسي أرتاح!!"
هل حقاً تفوهت بذلك؟ ابتلع غصة مريرة وقفت بحلقه وتاهت الكلمات من الضياع حتى من ضياعها منه وكأن كلماتها له كانت جدية، حقيقة. حرك رأسه بعدم استيعاب أو هكذا أراد.
كان الوداع يشبه فراق الروح..
عينك رصاص وغريبة لما قتلني كان مسموح
لعيوني يبكوا، لكن مخوفتش وقتها من الموت
فضلت متعلق في حضن الوقت لما يفوت
كان الوداع يشبه فراق الروح
خرجت أنفاسه بصعوبة، وحرك رأسه أكثر يسألها بوجع، بان في عينيه المنهكة:
"مني؟"
تحشرجت نبرتها والتزمت السكون لفترة ومن ثم نبست بعدها:
"من كل حاجة حواليا، حتى من نفسي!"
بتقول عشان ترتاح
هتسيبني للأيام
ويهون عليا أنساك
وتسيب في نفسي وداع..
أهلكه كل شئ الآن. لمعت عينيه رغم أنها عنه، وصارحها حينها بوضوح، أشبه بشحوب قلبه:
"أنا كان قدامي أمشي برضو."
وأضاف "غسان" يقابل عينيها الضعيفة اللامعة التي هبطت دموعها أكثر عندما أكمل:
"بس اختارتك انت."
وانهزم بإستسلام ساخر للحال وأضاف يكمل:
"وقعدت."
وقفت بكل ما فيا أراضي في كبرها
كإنه ذنبي مش ذنبها، يا ريتني مت في وقتها
من إمتى دمعي كان فرق
كل اللي كان بيننا انتهى، رجعلي عمري اللي إتسرق.
سالت دموعها بغزارة. وتوقفت اللحظة هنا حيث الوداع عندما تحركت بالتدريج لتسير. ووقفت أثر نبرته الضائعة التي ظهرت في قوله المتعب رغم انه يعلم الجواب ولكن وجع فؤاده أجبره على السؤال للتأكد! :
"أنا هونت عليكي صح؟"
نفت "نيروز" برأسها بوجع، وفقدت القدرة على الحديث بهذه النفسية السيئة بقوة. ولكنه عاد يبتسم مع قوله الموجع:
"مع انك مهونتيش، ولا.. هتهوني!"
أمسك رأسه بتعب، وأجبر نفسه على عدم التوقف بل واصل وواصل أكثر عندما قال يسألها بنبرة ضعيفة:
"أنا عايز بس أعرف ازاي أحاسب قلبي اللي راحلك غصب عني وحن ولسه بيحن ومقلل مني قصادك أوي. عايز أعرف ازاي بنحاسب قلبنا على حاجة مختارتهاش انا بإرادتي!"
باين في عينك إني مش صعبان عليكي أكيد
طب ودعيني قبل أما تمشي ولو بحضن أخير
أنا كنت عارف من البداية إنك ما حبتينيش
وفضلت متعلق بحلم بعيد موصلنيش
وقفت بكل ما فيا أراضي في كبرها.
نطقت حينها بنبرة باكية ساكنة تجيبه بنفس الوجع:
"انت عمرك ما كنت قليل، انت كتير وكترت عليا وكل شوية بتكتر وأنا جنبك ظالمة لنفسي وليك. أما القلب فـ ده مبيتحاسبش لإن مش عليه سلطان يا غسان."
هل كان الحل الآن بالرحيل؟ تمسكت بالقماش بين يديها وطالعته بصمت، كما طالعها هو. ولا تعلم كيف أصبحت أمامه بهذه الناحية عندما وضعت المشبكين في العلبة. أمسك مرافقها برفق، ولم يسأل عن مكان رحيلها بل صمت وكأن كل ما يهمه بالامر هي. تشبثت بها الألم كصغير لا يود رحيلها. توترت من مسكه لها ولكنه اقترب يوصيها بهدوء. رأته هي فتور رغم الاهتمام:
"خلي بالك من نفسك."
تمسكت بكفه بضعف، وشعرت بفتوره رغم أنه عنه الذي قاوم على خروجه كي يثبت لعقله ما حدث. بل والآن هي وكأنها لم تستمع إلى قوله التي كررته هي الأخرى وهي تنظر بآعين لامعة لعدستيه ورأسه الملتف حولها الشاش بتعب:
"خلي بالك من نفسك يا غسان!"
سمع صوت المناداة عليها من "ياسمين". حاولت التملص ببطئ، ولكنها تصلبت ما إن وجدت الدماء تهبط من أنفه. شعر بما فوق فمه فترك مرفقها يتحسس ورفض رفع يديها ولكنها أبت ورفعت طرف حجابها تمسح كما فعلتها من قبل. كان يرفض ولكنه تركها الآن ونعم بهذا القرب. وعقب مسحها تحسست بيديها وجهه ومكان نزف الدماء برفق. وفعل معها المثل عندما مسح وجهها بكفه يزيل آثار دموعها العالقة على وجهها وأسفل عينيها وهمست هي، قبل أن تتحرك تخبره بألم:
"انا.. أنا همشي."
وكأنها جعلته يعي. نظر بوداع صامت ولم يتفوه بحرف بل لمعت عينيه في الخفاء وتركها تتحرك مثلما تشاء. عندما خرجت وتركته. ترك الآن كما يترك كل مرة. وعلم أنه الذي يفترض عليه التمسك وان فعل العكس لن يقابل مثلما أعطى. في جميع الأحوال. قرر الدخول أو الهروب بمعنى اصح في النوم الذي هرب به بدون ارادته عندما فعل الدواء مفعوله الآن وامتن هو للدواء بهذه اللحظة التي جعلته يهرب من وجعه ومن نفسه ومنها ومنهم في الخارج وبالاخص والده الذي انتظر كي يتحدث معه ولكن الآن ستتغير خطته وسيذهب القرار هباء!! والكلمات تعود شارحة الوضع.
فضلت متعلق في حضن الوقت لما يفوت
كان الوداع يشبه "فراق الروح"!
رواية عودة الوصال الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سارة ناصر
"بابا"
التقطه بدر على الفور باشتياق وضمه بلمعة عين صادقة مستنشقًا رائحته بحب، مغمضًا عينيه بإستسلام لجمال اللحظة بعدما ترك حقيبته تقع أرضًا خلفه. غير غافل عن وردة، التي انتفضت الآن تهرول واتسعت عينيها بصدمة ما إن وجدته. هل حقًا بدرها هنا؟ دخل وما زال يعانق صغيره بحب، ونزلت دمعته بتأثر من رد فعل يامن الذي فاجأه بذلك.
تعالت الكلمات بمفاجأة وسادت الفرحة بالكامل، وهي وحدها من تقف الآن في الخلف تحاول ربط الأحداث ببعضها. من عناق لآخر ومن حديث لآخر ومن قبلات لأخرى حتى وجدت نفسها الآن بمقابلته بعدما وقف الكل ينتظر رد فعل منها. فركت وردة عينيها بصدمة ويدها الآن ترتجف، ودفعتها من كتفيها ياسمين وفريدة تحت بسمة نيروز المتأثرة بذلك.
فاقتربت وردة تسأله بتقطع وما زال صغيرها على ذراعه:
"إن... أنت هنا بجد يا بدر؟ أنا مش بحلم صح؟"
سقطت دمعتها بتأثر. قبال هذه اللحظة لم يترك لها الفرصة كي تتحدث أكثر، بل دفعها بين أحضانه وبينهما الصغير يضحك بسعادة من عودة الانتماء من جديد بين عائلته الصغيرة. ضمها بشوق قبال نظراتهم وقال بنبرة أشبه بمختنقة:
"وحشتيني يا وردة، وحشتيني أوي أنت ويامن!"
رفعت وردة ذراعها تضم ظهره بإشتياق، وخرجت تضحك كالمختلة من بين الدموع تنظر لعائلتها، فأكدت سمية لها بعينيها بأن هذه اللحظة ليست حلم بل واقع تعيشه الآن. ابتسم بدر بإتساع وقد طالع شقيقه بعدما دخل بالحقيبة إلى الداخل وعاد مجددًا بسعادة يطالع وقوفه. أما هي فتلاقت عينيها مع نيروز التي تأثرت من نظراتها وأكدت لها هي الأخرى بحركة رأسها بأنها حقيقة.
تعبُه وإرهاقه جعل كل منهم لم يلبث كثير وقرروا تركه بعد وقت، وبعد حديث عشوائي قليل تاركين اللحظات هذه لأمس كي تأخذ اللحظات مجراها ببطء بعد قسط من الراحة. أما هي فهي الآن تعايش حقيقة ملموسة، لا تصدق أي شيء حتى وإن كانت الآن بين ذراعيه وبينهما صغيرهما. طالعتها شقيقتها وشقيقتها الأخرى بحب وسعادة، واستطاعت بحالتها أن تجعل نيروز تسعد وتشعر بالفرحة لأجل فرحتها ولهفتها بالكلمات المتقطعة غير الواضحة والغير مرتبة.
وعلمت أن عودته هي جبر من الله، ولم تعلم هي ما في الخفاء لها من جبر آخر بالتأكيد سيسعدها. ولكنها الآن تسعد بفكرة عودته من جديد لها، وكأن عودته تشرح الفرحة كلها، فرحتها بعودة البدر. بدر قد اكتمل الآن بسعادة. بدر أنار حياتها من جديد بوجوده. وكانت فرحتها بفرحة اكتمال البدر.
رواية عودة الوصال الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سارة ناصر
سعادتهم أمس كانت ليست مُنتظرة ، خاصةً العائلة و "وردة"التي سعدت لقدوم "بدر" المُفاجئ ، وحتى سعادة عائلتها الصغيرة ، سعادتهم كانت من أجل فرحتها الظاهرة على وجهها بقوةٍ ،. رُبما ما خفف عن "نيروز" هى رؤية شقيقتها كذلك! ، حتى "يامن"وضحكاته وسعادته كانت ظاهرة أيضـًا ، بات الصغير في أحضانها ٱمس ، كان بين ذراعي"نيروز", وهى من طلبت هذا بعد أن جلس معه والده بما فيه الكفاية يبث شوقه واشتياقـه ..
لا تُصدق ذاتها على قرارها وكلماتها الخائفة له في أن ببتعد ، بل كانت بين حين والٱخر تفتح خطابه تقرأ ما خطه قلمه لها هىٰ وحدها ، حتى الٱن في ضوء هذا النهار تقرأه مجدداً ، ووقعت دمعتها هذه المرة وهي تُفكر لكثيرٍ
يُعلقها بحروفٍ؟ يكتب كلمات بسيطة لم تكن عليها كذلك؟؟،ما معنى ٱخر كلماته ؟؟ ، مسحت وجهها برفقٍ وهي تفتح الدرج تضعه به حتى أغلقته مجدداً ، قبل ساعات خرج الصغير لوالديه بعدما استيقظ!! ، أما هى فجلست تعيد قراءة ما دونه دون ملل!! ، سمعت صوت "وردة" وهي تنادي عليها من على بُعدٍ :
_"نَـــيـروز"
_" نعم يا وردة جاية أهو!"
ترقبت حواسها ما ان نادت شقيقتها عليها وسرعان ما مسحت عينيها وهي ترد عليها من على بُعدٍ ، عدّلَت "نيروز" حجابها بترتيبٍ وخرجت من الغرفة بخطواتٍ هادئة تنظر حتى وجدت "بدر" يجلس على مائدة الطعام ومعه "يامن" يُلاعبه ، اقتربت تنظر حتى ابتسمت ما ان رفع "بدر" رأسه يبتسم لها وردد حينها بنبرةٍ هادئة لينة :
_" أقعدي يا روز عشان تتغدي يلا!"
هل ستجلس على مائدة الغداء وهو وحده عليها مع صغيره ووردة؟؟ أين البقية؟ ،جلست بصمتٍ إلى أن جلبت "وردة"ٱخر صحن وجلست تبتسم لها بإتساعٍ فسألتها "نيروز" باهتمام:
_" أومال فين ماما يا "وردة "وياسمين وحازم مش هنا ليه؟"
ابتسمت "وردة" بخفةٍ ورفعت رأسها تخبرها ما غفلت هي عنه بسبب استيقاظها المتأخر :
_" ياسمين كانت هنا الصبح ومشت عشان حازم جه من الشغل وهيتغدوا عند طنط عايدة ، وماما انتِ عارفة راحت تشوف موضوع الشغل ده عشان ترجعله تاني!"
حركت رأسها ببطئٍ وسرعان ما رفعت عينيها تبتسم بلطفٍ ما ان بارك لها "بدر" على حملها بتوأم :
_" ألف مبروك يا روز ، شدي حيلك كدة ، ربنا يقومك بالسلامة!"
ابتسمت وفهمت مقصده ، وبدأت في تناول الطعام ، تزامناً مع تناول الصغير بواسطة "بدر" الذي سَعِد قلبه تلقائياً لرجوع هذه اللحظة ، وبدأ هو الحديث بتلقائيةٍ يخبر "وردة" :
_"عايز أخلص وأروح لـ "غسان" ، لحد دلوقتي ميعرفش اني جيت ،وقولتلهم امبارح ميقولوش حاجة ألا ما أروحله أنا!"
غفل هو الٱخر عن طبيعة استيقاظة متأخرًا بسبب المخدر في الدواء لا يعلم من الأساس ما حدث له! ، تلاقت أعين "وردة"مع "نيروز", بتوترٍ ، إلى الٱن لم يخبره أحد بحادثة "غسان"، تركته "وردة" يعلم بمفرده ، وافقت "وردة" بنظراتها وغيرت مجرىٰ الحديث وهي تسأله بإهتمامٍ :
_"هى فاطمة جاية امته ؟"
_"هتيجي كمان شوية ، عشان تقعد معانا ونروح الخطوبة وكتب الكتاب من هنا مع بعض ان شاء الله!"
حركت رأسها مُبتسمة واستمرت "نيروز" في إكمال الطعام بشرودٍ ، إلى أن نهض "بدر" معلناً الحمد في الاكتفاء من تناول الطعام واقترب يغسل يديه في حين تلاقت أعين "وردة", المتوترة مع "نيروز", التي سألتها بصوتٍ منخفض:
_" هو لسـة ميعرفش؟"
نفت "وردة" برأسها فجاء "بدر" مستعدًا للخروج تجاه شقة "حامد", وانحنى يقبل وجنتي صغيره الذي مازال يأكل وقال مستأذناً بهدوء:
_" أنا ماشي !"
فتح باب الشقة تزامناً مع رد "وردة" المُختَصر عليه ، وما أن رفع رأسه وجدها تحمل أكياس بيديها تستعد للطرق على باب شقة خالتها ، تحاشى النظر اليها بصمتٍ ولاحظت "وردة" تأخيره في غلق الباب ، واتسعت عينيها ما أن استمعت إلى نبرتها المتصنعة بالرقةِ وهي تسأله عن حاله :
_" حمد لله على السلامة يا "بدر" ، عامل ايه؟!"
وقبل أن يُحرك ذراعه يغلق الباب وجد "وردة" تقترب تنظر بتفحصٍ وتصنعت الثبات أمام عينيها وكانت لأول مرة جامدة في الرد عندما ردت هي هذه المرة على "مروة" :
_" كويس طول ما انتِ بعيد عننا ، خليكِ في حالك!"
ابتسمت بإصفرار من ردها وتفحصت بعينيها "نيروز", الواقفة التي ترسل لها نظرات مشتعلة ، رأتها الٱن بعدما تذكرت من بين الحديث والمشاجرة بينها وبين "غسان" أنها من تعمدت أن تدفعها لتسقط ويسقط حملها!!، رفع "بدر" رأسه بغيظٍ ضاغطاً على فكة ما أن رأى استفزازها في نبس الكلمات الٱتية لـ "نيروز":
_"ايه ده ؟!، براحة على نفسك يا "روز" ،أصل يطق لك عرق ولا حاجة من كتر ما انتِ كاتمة في نفسك كدة!"
لم تصمت ٱنذاك بل أخذت تكمل بنفس الإستفزاز:
_" انتِ حامل يا حبيبتي مينفعش اللي بتعمليه ده ، بعدين جوزك يزعـ..."
وضعت "مروة" يديها على فمها بتذكرٍ برئ زائف متصنع وقالت بحزنٍ وارى خلفه الشماتة:
_" يقطعني جوزك ايـه بقى ما خلاص!!، قصدي طليقك !! "
وأضافت قبال تشنج ملامحها وترقب وضيق الأخران :
_" ألا قوليلي هو انتِ ازاي ساكتة كدة من بعد اللي حصل ، بعيدًا عن ان "أسماء" أختي يعني بس لو أنا مكانك هتصرف تصرف تاني خالـص ، ده غير انك يا حبة عيني مُطلقة وانتِ لسه مكملتيش كام شهر جواز على بعضهم ، هو في كدة ؟؟، ده حتى أنا سامعة كلام كدة في العمـ..."
بُتر هذا الحديث عندما هتفت "نيروز" بصوتٍ مرتفع توقف اردافها عن الحديث الذي حتمًا يجرح شئ ما بداخلها:
_" إخــــرسي!!"
_"ايـه؟ كلامي وجعك أوي؟"
هتفت بها "مروة" بنبرةٍ ضاحكة ، في حين حبست "نيروز", الدموع بعينيها وإقترب "بدر" حينها منها تحت نظرات "وردة" الانفعالية ، وهتف بهمسٍ أمام عينيها محذراً بشررٍ :
_" انتِ لو مختفتيش من وشي دلوقتي ، مش هيحصلك كويس!"
تصنعت الخوف بإستفزازٍ ووضعت يديها على قمة صدرها بتمثيلٍ درامي:
_" خَوفّتِني أوي!"
وعقب ترديدها لهذه الكلمات تمايلت تضع كفها على ذراعه وهتفت بنبرةٍ هامسة مثل همسه :
_". مع ان يعني شكلك ميخوفش خالص!"
نفض يديها بتقززٍ وقاوم على عدم رفع يديه على إمرأة في حين اقتربت "وردة" هذه المرة بانفعالٍ من جرأتها ومعها "نيروز" التي تولت الأمر بدلاً عن شقيقتها وهتفت بها بعنفوانٍ وهي تمسك خصلاتها من خلف الحجاب فجأةً :
_"هو انــــتِ يــا بــت مش لاقيــة حد يربيـكي؟؟؟؟"
تركها "بدر" تفعل ما تشاء منتظراً اللحظة الفارقة ، توجعت "مروة " من مسكها كذلك وحاولت دفعها عنها بعنفٍ إلا أن "نيروز" رفعت سِوارها أسفل رقبتها بتشنجٍ وحذرتها للمرة الأخيرة :
_" قسمًا بالله ما هيكفيني موتك سامعة؟؟، تاخدي بعضك وتخشي جوه ، وأنا وأختي مبنتكادش يا رخيـ ـصة ،وحسك عينك ألاقيكي بتتخطي حدودك في الكلام!"
ضغطت على سوارها أكثر وحدجتها بغضبٍ في حين طالع "بدر" ما تفعله بانتظارٍ , منتظراً لحظة انفعالها على "نيروز". كي يتدخل في اللحظة الفارقة حتى يُكتب مجبراً ، طالعتها "نيروز" بتقززٍ ولبستها طباعه هو في الحال عندما تذكرت موقف مشابه لذلك ، ضغطت أكثر تحت جسدها المرتجف وخوف "وردة" وهي تمسك ذراع "نيروز" بقلقٍ من تهورها ، بينما هتفت هى تحثها بنبرةٍ جادة على ما فعلته مع زوج شقيقتها من وقاحة في تخطي حدودها أمام عينيها:
_"إتأسفيلها!"
يُعاد المشهد بإختلاف الأشخاص! ، ابتلعت "مروة" ريقها بجبنٍ وهتفت بأهٍ متوجعة ثم حركت رأسها بخوفٍ ونظرت تردد بتقطعٍ ناحية "وردة":
_" أنا ٱسـ ـفة!"
ثم رددت بسرعة وهي تحاول دفع معدتها بالأكياس التس تتمسك بها بذراعها :
_" إبـعـ.."
قطع فعلتها مسك "بدر" لمعصمها بشدةٍ ضامًا أصابعها فوق بعضها لذا تجمعت الدموع بعينيها وهي تهتف في نبرةٍ مفزوعة:
_" ٱه.، ســـيب إيدي ، إيـــدي ، إبـــعد عنـــي!"
ضغط بعزم ما لديه وضغط أكثر فنزلت دمعتها بوجعٍ وكأنه يٱخذ حقه بذلك، حاولت التملص منه في حين رجعت "نيروز" إلى الخلف بالتدريج مع "وردة" وردد "بدر" حينها وهو يضغط على يديها:
_" ايدك دي وضلوعك كلها هكسرهالك لو اتماديتي تاني ، أنا سكوتي صبر ، ولما يقرب يخلص قولي على نفسك يا رحمان يا رحيم !"
ابتلعت ريقها بخوفٍ تحرك رأسها بطاعةٍ وما فعلته بغلها اعتقدت أنه سيمر بينما في الحين القادم لم ولن سيمر مرار الكِرام!! ،لم تجهل وجهلوا هم؟! ، تمسكت بالأكياس ، وما مر من حوار كان بصوتٍ مرتفع ولكن ليس بصراخ يجعل من بداخل الشقق يترقبون لذا لم يخرج أحدهم إلى الٱن ، أمسكت "وردة " "نيروز" بخوفٍ عليها من ما فعلته من انفعال جعل أعصابها تشتد والصغير في الداخل لم يخرج إلى الٱن ..
_" انتِ كويسة يا نيروز؟ "
سألتها "وردة" بقلقٍ وأكدت الأخرى برأسها رغم تشنج تقاسيمها بالتعب ، فأسندتها برفقٍ تزامناً مع قول "بدر" الهادئ وباب الشقة قد أُغلق الٱن ما ان فتحت"زهور" وأغلقته على الفور بإندفاع ابنتها ناحية الداخل بسرعة..
_" خلي بالك منها يا "وردة" ، ادخلوا يلا "
أومأت وانتظرهما يدخلان الشقة حتى أُغلقت بواسطة كف"نيروز" في حين إعتدل هو كي يرفع يديه يدق جرس شقة عمه , "حامد"!!
_______________________________
«هناك من يرَى الحبَّ حياة، وهناك من يراه كذبة، كلاهما صادق، فالأوَّل التَقى بروحه، والثاني فقدها »-محمود درويش-
بين الإلتقاء بروحه وبين فقدانها كانت الأفكار وكان الشرود ، فقدها ففقد نفسه ،وكأنها سَرقت منه أنفاسه عندما وقعت بين ذراعيه ولم تعيدها له إلى الٱن ، تنفس الصعداء وهو الآن يجلس على مائدة الطعام حيث الغداء ، رمق بطرف عينيه ضحكهم الخفيف وهمساتهم بين الحين والٱخر ، ولم يشارك إلا القليل ، وجد "حامد" يبتسم لهما الٱن ولـ "بسام" الذي هتف بحماسٍ مشاكس لـ "غسان"و"وسام" بالأخص:
_" أنا عايزاكم النهاردة تولعوا الدنيا ، مش عايز نبطل رقص!"
ضحكت "دلال". بخفةٍ وردت أولاً قبل أن يرد عليه أحدهما:
_"ربنا يسعدك يا حبيبي ، بس حاسب يا غسان علي نفسك النهاردة!"
وكأنها تحثه كصغير قادم على أذى لنفسه دون أن ينتبه ، إبتسم يجاريها بقوله الهادئ :
_" متخافيش"
وكأنها أصبحت كلمته المعهودة ، كل شئ يذكره بها ، أخذ "غسان" أنفاسه ببطئٍ ووزع نظراته بينهم حتى سأل "والدته" ما لم يسألها به أمس وتخطاه بإرادته :
_"مقولتليش ليه "نيروز" عملت ايه عند الدكتورة؟"
ترددت عينيها في النظر وترددت نظراتهم هم أيضًا ، حدجها بتمعن وفهمت معنى نظراته فوضحت سريعاً :
_" مقولتلكش اني رايحة عشان انت تعبان واللهِ يا بني بس قولت لما هاجي هقولك ، وكمان سُمـ.."
قاطع "غسان" قولها بسؤاله المتكرر غير راغباً في سماع أي تبريرات:
_" الدكتورة قالتلها ايـه ؟"
رمشت "دلال" بأهدابها بتردد امتزج بتوتر "وسام" وترقب"بسام" ولكن هذه المرة رد "حامد" عليه بثباتٍ مرسلاً له نظرة جادة من مقاطعته لوالدته أثناء الحديث:
_" قالتلها انها كويسة ونفس اللي بتقوله في متابعة عادية، انها تخلي بالها من نفسها وتبطل تحط نفسها تحت ضغط !"
وكأن حديثه الأخير شكل له وجع ، زفر بصوتٍ متوسط في العلو وسأل "والدته" مرة أخرى:
_" المرة الجاية إمته ؟"
لم يتعمد أحد قول خبر حملها بتوأم!! ، ابتلعت "دلال" ريقها بالتدريج وابتسمت تخبره دون تفسير:
_"ٱخر الإسبوع الجاي!"
حرك رأسه موافقًا قولها ، وسمع صوت الجرس ، فنهض هو أولاً يقطع نهوض أي منهم وأشار بكفه مردفًا :
_" خليكم هفتح أنا ،أنا كنت قايم أصلاً !".
تابع سيره بخطواتٍ متوسطة ناحية باب الشقـة ، والذي ما أن تحسس رأسه بوجعٍ مد كفه على الفور يفتح الباب ، فُتح الباب ورفع عينيه حتى وقعت على "بدر" الٱن!! ، صُدمت النظرات ، نظراته هو. بكيف ٱتى؟ وصُدم الٱخر برأسه الملتفة وملامحة المُرهَقة ، حرك "غسان" رأسه بعدم استيعاب والترقب كان في الداخل عندما سأله بتيهة :
_" بدر؟؟؟."
مد "غسان" ذراعه على الفور يعانقه بشوقٍ وهو يبتسم بينما الٱخر دخل في أحضانه يبادله العناق بهدوءٍ على غير العادة ولم يجيب بل خرج يرفع عينيه يسأله بقلقٍ طغى على شوقه وظهرت صدمته بقوله:
_" ايه اللي حصلك يا غسان ؟"
لم يعط فرصة للرد بل أمسك "بدر" ذراعه بلهفةٍ جادة وسأله مجدداً باهتمام:
_"مين عمل فيك كده ؟"
سحبه "غسان" ناحية الداخل فدخل معه "بدر" وجاء "حامد" بعدما غسل يديه هو و"بسام" حتى وجدوه الٱن يجلس وجلس "غسان", بجانبه وسأله حينها بنبرةٍ هادئة :
_" انت جيت ازاي يا "بدر" ومقولتليش ليه ، أنا مش فاهم حاجة!"
تحولت ملامح الٱخر بجديةٍ وعلم مراوغته فإلتفت برأسه ينظر نحوهم وسألهم بلوم:
_" محدش قالي ليه ان حصله كدة ؟؟ ومين اللي اتجرأ وعمل فيه كده ؟ حد يقولي طالما هو هيقعد يتوه فيا !!"
ارتبكت ملامح "دلال" الٱن ، تعلم تمام العلم أنه ساكن ويسكن إلى حين محدد ، إلى حين الأذى ان طال أحد منه ، وهو بمثابة شقيق أولادها الأكبر ، زفر "غسان" بصوتٍ ورد هو الٱخر في جدية يخبره:
_" محصلش حاجة يا "بدر" ، أنا كويس ،و دا حوار كده هبقى اقولك عليه بعدين!"
ضيق "بدر"عينيه بشكٍ ووجهها ناحية من علم أنه سيخبره رغم وقوف "حامد" :
_" ما ترد يا "بسام", ايه اللي حصل ومين اللي عمل فيه كده!"
عاد ينظر ناحية رأس "غسان" ومد يديه يتفقدها بتفحصٍ تأثرت منه "دلال"، بينما ابتلع "بسام" ريقه وأجابه حينها بنبرةٍ هادئة:
_"كانت خناقة بينه وبين" سامر" ، بس ربنا ستر الحمد لله ، وفاق منها وبقا كويس، متخافش!"
نظر بدهشةٍ ونهض بالتدريج ما أن رأى ملامح الٱخر المتعبة عندما تفقد جرح رأسه فأوجعه ، حرك رأسه بتشنجٍ فهاب "حامد" أي رد فعل لذا مد كفه على كتفيه وحثه قائلاً :
_" اقعد يا بدر ، الموضوع دا بقاله شوية ، والدنيا دلوقتي نايمة ، بلاش تقومها من تاني!"
على الرغم من أنه يعلم أن ولده صمته ليس عبثاً ولكنه قرر قول ذلك بشفرة في القول لـ "بدر" كي لا يسحب"غسان" نحو شجار أو عراك ٱخر مجهول ، بينما نبس "غسان" بهدوء عكس الطمأنينة التي بداخل" والده" ، نبس بقلةٍ في القول جعلت الارتباك المخفي سيدهم :
_"متستعجلش يا" بدر" ، قولي بس إنت جيت ازاي ؟."
هل يلعب بالكلمات كي يبث الرهبة في نفوس عائلته ؟ ، ضغط الٱخر على فكه بصبرٍ وأخذ أنفاسه مقرراً قص عليه ٱخر اخبار عمله ،في حين جلس "بسام" يشاركهم ،وساعدت "وسام" والدتها في حمل الأطباق وغسلها في الداخل ، وجلس "حامد" هو الٱخر معهم يشاركهم الحديث الذي يقصه "بدر" بالتفسيرِ ، تم حكم الوضع سريعًا قبل أن يتطور وربما ما يقصه مجهول الآن وفي القادم سوف يصبح معلوم لهم جميعًا ، رُبما شئ مُفرح!! ،وقبل ان بخبرهم "بدر" بٱخر أخباره أكثر ، هتف بقولـه الهادئ:
_" ٱدم جاي في الطريق دلوقتي وأنا قايل لـ حازم يبقى يعدي علينا هنا ، شوية ، عاوزكم بقا في موضوع مهم!"
استغرب "غسان" وعقد "بسام " ما بين حاجبيه في حين رد "حامد" سريعًا عليه :
_" خير يا بني؟"
_" خير ان شاء الله يعمي ،بس اسمعوني كويس فاللي هقوله ده!"
نوى اخبارهم بخطةٍ ما أشبه بقرار سريع ، اما ان تنجح أو تفشل ، ترقبت حواس الكل بقوةٍ خاصةً بعدما أثار فضولهم ، بينما بدأ الٱن في قول ما يريد فعله هو وشقيقه ومتردد لأن الأمر به احتمالية شيئان اما الرفض أو القبول!!!
_____________________________
«حتى لو لم يكن هناك أمل، فمن واجبنا أن نخلقه، بدون الأمل سنضيع.»
- محمود درويش-
رُبما هذا تفكيرها في بعض الأمور بسبب جلستها الأولى أمس!! ، أمل ولكن في أشياء تستحق ، مجازفة بأشياء تركتها دون مواجهة!!
نوت النهوض للذهاب ناحية شقة "والدتها" حاولت التحلي بالشجاعة والمواجهة للمخاوف كما هتف لها بذلك الطبيب أمس ، أغلقت "فريدة" باب شقة "عايدة" خلفها وبعقلها الأفكار تتضارب ، أشياء كثيرة تفكر بها ومن بينها المواجهة والمساعدة! ، ومشاعر البغض والكره تتملك منها تجاه "زهور" وأولادها ، ورغم أنها تتعاطف مع "أسماء" الا أنها لا تقتنع بكل هذا في النهاية ، واغتاظت لأجل "نيروز" حتى نوت التدخل لفهم أي شئ يدور وهو غير مفهوم! ، «سامر»نفسه يسرق أنفاسها ولكنها ستحاول هذه المرة على أن لا يهرب اللص بأنفاسها دون هزيمة ، ليست الهزيمة بالرد بل ستكون الهزيمة في غير المبالاة وعدم التأثر ، هكذا أقنعت نفسها كي تبدأ رحلة علاج صحيحة!!
الٱن لا تعلم لِمَ جاء على عقلها "حسن" شقيقها وسرعان ما هاجم ذاكرتها جرحه لها بالنصل الحاد في لحظة غير وعي ، لم تراه منذ فترة ، كانت تعاهد على كرهه ، ولمرة أخرى تنصت لحديث الطبيب بأن تعطي من حولها الفرصة بعد ان تعطي نفسها ، فرصة ان كان الشخص هذا يُقدر ، هل كل "أخ" يستحق أن يأخذ الفرصة من جديد خاصةً لو كان "حسن"؟! ، هذا ما سألته لنفسها!!
أخذت "فريدة" أنفاسها ببطئٍ ومسحت على وجهها براحةٍ حتى رفعت كفها الٱن تدق جرس الشقة ، وقفت تنتظر بضع دقائق وعلمت أن الخوف يتملكهم ما ان كان شخص من الشقة المقابلة !! ، وضعت هاتفها بمللٍ في جيب سترتها وابتسمت بخبثٍ ما إن سمعت صوت أنفاس من خلف شرفة الباب ، ربما هناك عيون تُراقِب من بالخارج ، ولكنها هتفت بثباتٍ لمن بالداخل :
_"متخافوش ، ده أنا "
قالتها بنبرة ليست هينة ، بل بها من التهديد المبطن ما يكفي ليظهر لمن فتحت الباب للتو ، فُتح لها الباب بواسطة "مروة" التي طالعتها بسكونٍ ونظرة العينين تشرح نفسها بمدى الكره الموجه لها الٱن ، تنفست "فريدة " بهدوءٍ وثبات وطالعتها بتمعن من بداية مسكها للسكين وقطع خضار ما بيديها و"مريلة" المطبخ التي ترتديها ، ابتسمت"فريدة" بتسليةٍ في حين لوت "مروة" شفتيها بتهكمٍ ورحبت بها بسخريةٍ مُردفة بتقطع يستفزها:
_" أهلاً وسهلاً ،ايه ده جاية بنفسك؟؟!"
تحلت "فريدة" بالصبر واقتربت تدخل من الباب وهي تدفعها بكبرياء من كتفيها لتخلو المساحة لها وهتفت بتعالي تجيبها :
_" قصدك جاية بيتي ، ايه مفيش دم خالص؟ ، اوعي كدة!"
دفعتها بعنفٍ مُستفز ، فنظرت لها "مروة" بغيظٍ ، وسارت "فريدة" بتعالي في صالة الشقة إلى أن وجدت "زهور " تهتف من خلفها وهي جالسة على الأريكة:
_" الله الله ، مش خير ؟"
دارت "فريدة" رأسها ببطئٍ وهي تقلب عينيها ورسمت ابتسامة صفراء مع ردها الذي امتزج به البرود:
_" وهيجي منين الخير طول ما انتم لسه هنا!"
_"قولي خير ايه بس اللي هيدخل بيتكم وانتِ ماشية على حل شعرك مع البيه!"
كانت هذه كلمات "مروة" التي ضحكت عليها "زهور" بخفةٍ تستفزها ، فأخذت "فريدة" نفسًا عميقا واقتربت من" مروة " تبتسم لها ورددت تجيبها بثباتٍ :
_" طب بس يا رخيصة "
انفعلت تعابير وجه "مروة" من تقطع الأخرى في سبها فإندفعت ترد لها سبتها قائلة :
_" انتِ اللي رخيصة وستين ألف رخيصة ، فوقي يا بنت دا انتِ خلاص مبقتيش نافعة ، شبكتك طارت ياعين أمك واللي انتِ مسكالي فيه ده بكرة يعايرك ويرميكي زي الكلبة ويقولك أنا خلاص مش عايزك !"
هذه الكلمات بمثابة سهام تصفع صفحة فؤادها الهش ، ولكنها هكذا مهما حدث ضعف من الداخل فتظهر الثبات والقوة! ، احياناً يكون هذا أكبر خطأ ، ضمت"فريدة" كفها قبال ابتسامتها المتسلية وضحك الأخرى على الكلمات وهي تؤيد ، في حين رفعت "فريدة" عينيها وهتف في جراءة وهي تقترب:
_"انتِ يا بت ناسية انك عانس وموقفة حياتك على واحد متجوز ، بلاش دي ، هقولك ..عارفة اللي بترمي نفسها زي الكلبة على راجل متجوز الرجالة بتقول عليها ايه ؟ ولا بلاش الرجالة تعالي أقولك في ودنك بيتقال عليكي ايه عشان دي حاجة مش ولا بُد!"
ضحكت "مروة" هذه المرة بإستفزاز. وتمايلت تجيبها بنفس الوقاحة:
_" وانتِ مال أهلك بالرجالة واللي بيقولوه "
تلميح مبطن ٱخر بالوقاحة فهمته الأخرى وصمتت تبتسم وهي تتمايل عليها مندفعة بردها الحاد :
_"أصل عندي منهم ، لكن انتِ متعرفيش يعني ايه نص راجل حتى!"
نهضت"زهور" بغيظٍ واقتربت تحذرها :
_" بت انتِ احترمي نفسك ، ايه ؟ هتقارني نفسك انتِ وأهلك بولادي؟؟ دا انتِ حتة حاجة كدة لا راحت ولا جت وجيبالنا الكلام بصياعتك ، اوعي يا بت تفكري نفسك حاجة ،. دا انتِ اللي زيك بعد عملتها السودة دي بنروح ندفنها حية!"
_"لا فوقيلي انتِ..أنا وأخواتي وأمي جزمة وتتحط فوق دماغكم كلكم هنا واحد واحد ، وابنك اللي انتِ محموقة عليه ده محصلش تُمن راجل في سوق الرجالة ، بلاش اقولك بنقول عليه ايه يا خالتي ، اما أنا بقا فأنا لحد دلوقتي بإيدي ابعتر كرامة كل واحدة فيكم على الأرض هنا "
واضافت قبال انفعالهم هذا من كلماتها :
_"ميدخلش عليكم اني هعيط واشكي وابكي ، ولا يفرق معايا أي حد هنا حتى انتِ ، اصل بصي.. تربية زينات وسليم هتستني مني إيه ؟؟!"
دفعت "فريدة" هذه الكلمات بحدةٍ عليهم واعتدلت في وقفتها ووضعت يديها سريعاً على أنفها بتقززٍ زائف وهتفت بنبرة تغيرت أثر وضع يديها على وجهها :
_" ده ايه القرف ده ، الشقة بقت ريحتها منتنة من ساعة ما انتم جيتوا فيها, مش هتمشوا بقا ؟؟"
اندفعت "زهور" بإنفعال من وقاحتها معها وهتفت بنبرةٍ عالية جعلت "زينات " تخرج من الغرفة أثر صوتها العالي مهرولة :
_" اللـــي بتعمــليـــه ده أخرته وحشة يا بنت زينات ، متفتحــيش صدرك أوي كدة عشــان متزعليش في الٱخــر ولا ناسية ٱخر مرة كنتي هتعملي ايه في نفــسـك!"
هل تذكرها بمحاولتها التي فشلت في الإنتحار؟ ، تحرك جسد "فريدة" من أثر الضحك الساخر وحركت رأسها تؤكد بإستفزاز:
_" هنسى ازاي بس.. إن ابنك معرفش يطولني ولحد دلوقتي بيتحسر على كده!"
تعمدت الغرور لتذكرهم بما كانوا يريدوه والٱن تتبدل الكلمات ؟ ، فتحت "زينات " عينيها على وسعها من هذه الطريقة التي تثير من انفعالهن ، وهرولت تقف بجانب ابنتها تزامناً مع رد "فريدة" الثاني التي أكملت به على ردها الأول بكيد وجراءة أخرى تتزايد مع الوقت وربما هذا ليس لصالحها أبداً في القادم :
_"ده لو وقفتوا انتوا كلكم كدة على دماغكم زي ما حصل مش هتطولوني برضه، وٱه شايفة النار اللي جواكم دي"
وكأن قدرتها على اخراج الحديث لم تحدث سوى أمامهن بل زاد الكيد مجدداً وهي تكمل :
_"بس انتوا عارفين بقا أنا و"ٱدم "بنحب بعض ومن نصيب بعض ، راجل كده وامه ست ميتة الله يرحمها مش واحدة من غير لمؤاخذة متشعوذة بتاعت أعمال ، واخته حاجة كدة زي العسل ، مش اتنين رُخاص وسـ.."
وضعت "زينات " يديها على فم ابنتها سريعاً تحدجها بقوةٍ وتحذيرٍ ، أما "فريدة" فلأول مرة تأخذ حقها في ترديد الكلمات بمثل هذه الجرأة والأريحية ، اقتربت "زهور" بغضبٍ تنتهز رد فعل "زينات " وقالت بصوتٍ عالٍ تنهرها :
_". ســامعة بنتك يا زينات ؟؟ سامعة بتقول ايــه ؟؟"
كانت "أسماء" تقف في الخلف على أعتاب باب الغرفة تتابع ،بينما استمرت"مروة" فيما تفعله وهتفت وهي تري "فريدة" تنفض يد "والدتها" من على فمها :
_"سيبيها يامه ما اللي حصل فيها مش شوية برضه!!! "
لمعت عيني "أسماء". من هذه المُعايرة ووقفت تتابع بصمتٍ واذ بيد "فريدة" كانت بالمرصاد عندما دفعت أي يد تحاول منعها ومنع اندفاعها وأمسكت "مروة" من خصلاتها فصرخت الأخيرة بوجعٍ وهى تردد:
_" ٱٱه!! شــــعري ، ســـيبي شـــعري يا مجنــــونة انـتِ!!!"
_"دا أنا هقلعلك شعـــرك ده ، هــقلعهولك من مكـــانه يا بت عشــان تبقي تفتكــريني كويس!!"
حاولت "زينات " منعها هي و"زهور" بصوتهما العالي ، في حين كانت "مروة" مُمسكة بسكين خاص بالمطبخ ،. فحاولت طعن الأخرى في معدتها به ومن راقب هذا كانت "أسماء " التي كانت قد اقتربت وركضت أكثر بسرعة قائفة تدفع "مروة " على الأرض والتقطت منها السكين بعنفوانٍ وغير تصديق! ، هل كانت ستطعنها حقًا؟. الصادم أنها كانت بوعيها !
إعتدلت "فريدة" وهس تفتح فمها بصدمةٍ من المشهد الٱن ومن ما كانت مقبلة عليه ، في حين أمسكتها "زينات " بذراع وبالذراع الأخر ضربت وجهها بحسرةٍ وخوف مرددة بعلوٍ صادم :
_" يالـــهوي؟؟ سكينة؟؟؟ هتموتي بنتي يا مـــروة؟؟؟؟"
دفعتها "أسماء" أكثر حتى وقعت الأخرى أرضاً وهي تتمسك بخصلاتها بوجعٍ وهتفت " أسماء" بصدمةٍ وهي تتمسك بالسكين تشير لها به :
_" انتِ اتجننتي؟؟؟ اتجننتي يا مروة ؟؟ عايزة تقتليها؟؟؟ هو احنا لسه فوقنا من المصيبة اللي اخوكي عملها!؟؟ انتوا ايه؟؟ حرام عليكم؟؟ هتفوقوا امته بقا؟؟؟"
كانت تعي جيدًا ما كانت مقبلة هى عليه! ، اخذت أنفاسها وهي تحاول النهوض قبال صدمة "زهور" ، ورُقب الوضع من "سامر" الٱن الذي كان يقف في الخلفية منذ بداية مسكها لخصلاتها استند على العكاز ، وسار بهدوءٍ يتوجه ناحيتهم حتى وقف يشاركهم المشهد الصادم الذي قطعه ببروده وهو ينظر ناحية "مروة " مردداً :
_" تصدقي يا "مروة" انك عجبتيني وتنفعي؟؟ ،بس كدة ؟ كده عايزة تموتي البت اللي اخوكي عايزها ؟!"
حركت"أسماء" رأسها بإندفاع لقوله ، في حين بصقت "فريدة" على وجهه بتقززٍ وهتفت ببحة صوت منفعلة مع أنفاسها العالية :
_'' دا بعينك وبعين أهلك يا مقرف انــت !!"
تمسكت "زينات " بكفيها كي لا تتوجه ناحيته ،في حين مسح "سامر" على وجهه وضحك بإستفزازٍ يغمز لها :
_"طب وايه اللي جايبك لحد هنا برجلك ؟ ايه ؟ عايزاني برضه؟"
تلاعب بالكلمات مجدداً الشئ وعكسه الإراده وعدم الإرادة حينما واصل يكمل لها قاصداً التقليل منها :
_" دا بس عشان صعبانة عليا ، لكن هرجع وافكرك باللي قولتهولك يا فوفّة!!'
وأضاف قبال النظرات والحواس المترقبة :
_" انتِ واحدة بواقي ، كَسّر يعني، متخصنيش!"
فتحت "زينات" عينيها على وسعها وصرخت به ٱنذاك تعنفه :
_" إخـــرس ، إخرس خالص, متقولـــش على بنتــي كدة سامع ؟؟؟"
ضحك "سامر" مع "مروة" التي استندت على والدتها لتنهض ونهضت بالفعل تراقب وما صدمها هو الأتى اندفاع "أسماء" بوجهه وهي تشير بالسكين بصراخها العالي المنفجر به وكأن طاقتها تنتهي مع انتهاء طاقة ٱخرين اتضح بأن حالتهم نفس حالتها وكلما يظهر رد فعل من عائلتها تُطعن بقلبها ، بماذا نظرة غيرهم ما ان كانت هذه نظرتهم بها , لطالما نفس الحال:
_"اســـكت ، اســـكت بقا حرام عليك ، انتوا ايــه؟؟انت نفسك ايه؟؟؟ ربنا ينتقم منك يا "سامر"!! جرب تحطني مكانها كدة ؟؟. جـــرب!!! ولا هو على بنات الناس بس ، افرض كان حصلي اللي حصلها ها؟؟؟؟ افرضوا كده كلكم ان أنا حصلي كده في يوم من الأيام وضيعت فيها ؟؟؟ كنت هتعمل ايه..؟؟ كنتوا هتعملوا ايــــه ردوا عليــا!!"
كان هذا الصراخ كافياً لصدمتهم ، وقفت "فريدة" تتابع هذا فحرك "سامر" رأسه يميناً ويسارًا ببطئٍ وعلى فجأة خرجت تشنجات وجهه وهو يندفع ممسكاً بخصلاتها المتروكة خلفها فآنتفض البقية ما أن أمسك كفها الممسك بالسكين ووضع كفها هي نفسها على رقبتها ببطئٍ. بواسطة يديه وهتف بفحيح يهمس همس يسمعه كل من يقف:
_" كنت هعمل حاجة شبه كده بالظبط ، كنت هقتلك ، وأشرب من دمك !"
ارتجفت أوصالها ووجه النصل أسفل رقبتها صاغطاً عليها بتهديد وهتف بصراخٍ هذه المرة تحت رعب وخوف البقية :
_" انــتِ شكلك كدة يا بت نفسك في نهايتك !!! جايــة والجرأة واخداكي تقفي وتبجحي وأنا لسه راكنلك حسابي من اللي حصل ومفهمتوش لحد دلوقتي!!! ، لا وكـــمان بتحطي نفسك مكان واحدة *** "
دفعت "فريدة" والدتها بحرقةٍ وانفعال من سبها منه ، وصرخت بصوتٍ عالٍ وهي تركض ناحيته ورفعت ساقها تضربه في قدمه المجروحه الملتفة بشاشٍ فوقع "سامر" على الفور أرضاً ووقعت السكين ، التي التقطها "فريدة" بإنفعالٍ شــديــد وحالة اللاوعي تلبسها، ووقعت تنحني تضع السكين على رقبته هذه المرة وهو يتأوه بوجعٍ وصرخت وكأن صراخها جاد هذه المرة :
_" هقــــتـــلك ، والله العظـــيم هقـــتــلك!!!!"
كان الدقات على الباب جامدة قوية وجرس المنزل الٱن مع الصراخ ركضت "زينات " تفتح الباب ما ان سمعت وفتحته حتى وجدت "حازم" يقف بفزعٍ و"ٱدم" الذي جاء الٱن وسمع صراخها و"بدر" الذي خرج مع "غسان"و"بسام" وبقية العائلة في الخلفية يترقبون بخوفٍ وصدمة !!
هرول"حازم" و"غسان"و"ٱدم" وتبعهم"بسام"و"بدر" تحت ترقب البقية وبكاء النساء ما ان رأوا هذا المشهد عند فتح الباب بالكامل ، وصرخ "حازم" بها هذه المرة وخاف الاقتراب لتفعل ما تود فعله به بالجدية وليس تهديد!!
_"سيــــبي اللي في إيــــدك!! ســــيبي اللي في إيــــدك يا فريـــدة ، هتضيعي نفسك !"
حينها كانت قد جلست وضغطت بالنصل بأيدي مرتجفة تنفي برأسها وضاع الوعي الٱن منها بالكامل ولكنها وصلت إلى مرحلة الثأر مهما كانت النتائج!!
لاحظ "غسان" رجفة يديها فإقترب بالتدريج يتابع بتشفي ما هو مسطح على الأرض يرتعش خوفاً وكل انش به فقد به الدفاع عن نفسه ، ابتسم بسخريةٍ ورفع عينيه ناحية "فريدة" التي بكت الٱن وحديثها الذي خرج مع بكاءها:
_" هموته!"
خفق قلب "عايدة "و"زينات " و"زهور"وخافت الفتيات ، في حين أشار لهم "ٱدم" بالتراجع واقترب هو يشير لها بكفية بلهفةٍ وخوف يحثها :
_" سيبي اللي في ايدك يا "فريدة "عشان خاطري ، سيبيه وأنا هاخدلك حقك ، قوليلي ، قوليلي بس ايه اللي حصل!!"
ابتلعت "نيروز" ريقها بخوف من الخارج لانها علمت ان "غسان" هنا الٱن وقفت بجانب"ياسمين"ووردة " ووالدتهن ليست هنا إلى الآن ، بل وكان هنا "فاطمة" التي ركضت ناحية الداخل ما ان حثها شقيقها بغلق الباب علي الاطفال كلهم كي لا يروا هذا المشهد!
نزلت دموعها بإنهيارٍ ورفعت رأسها تشمل "ٱدم" بنظراتها ثم عادت تنظر ناحية "سامر" و"مروة" التي تشعر بالفزع الٱن ، وهتف بنبرةٍ ضائعة تخبره:
_" بيقولولي انك بتضحك عليا وهتسيبني ، بيشتموني عشان مش كاملة "
هذه النبرة كافية لتعاطفهم بحسرةٍ على ما تتوصل له كل مرة !!
_"انت فعلاً. هتسيبني؟؟.. هتسـيبني يا ٱدم؟؟؟"
هذا الخوف جعل دموعهم تسقط ، دموع النساء والفتيات المستمعين لهذا ، حاول "حازم" الإقتراب ، ونفى "ٱدم" برأسه بلهفةٍ وصدق قوله عندما انحنى وهو يقترب وجلس بجانبها بمثل هذه اللحظة وهتف بنبرة ضاعت أمام ترديدها منه :
_" مستحيل ، مستحيل أسيبك ، هسيبك إزاي ، انتِ مصدقة ؟ مصدقاهم يا "فريدة"؟ دول بيضحكوا عليكي!! ،انتِ تصدقي فيا كدة ؟"
لاحظ تعابيرها المشتنجة فهتف مجدداً بلين يحاول احتواء طفلة التزمت العناد من بين البكاء وربما كان من بين اللاوعي مع الانهيار البطئ :
_"ده أنا ٱدم!"
حاول كبت أي دمع ، وابتلع ريقه بخوفٍ برع في اخفاءة ، وهتفت هى بضياع وكلمات أخرى تعاد منها كما كانت قد قالتها من قبل :
_" طب أنا ليه كدة ؟ ليه كدة يا ٱدم ، ليه الدنيا مش عايزة تسيبني في حالي، هو أنا عملت حاجة وحشة ؟"
سقطت دموع "زينات " وهي تضع يديها على وجهها بحسرةٍ كبرى بكا عليها البعض ، أما هو فلمعت عينيه لأجلها عندما عادت تكمل مجدداً وكل هذا قبال ضغطها على رقبته بقوة من النصل الحاد :
_"ليه محدش شايف اني مظلومة ، ليه مبيقولوش غصب عنها ، أنا نفسي انسى يا ٱدم، عايزة انسى"
هتف "ٱدم" في لهفة وهو يحاول الإقتراب أكثر:
_" أنا عارف ، أنا شايف انك معاكي حق ، أنا كفاية والله يا فريدة ، وهتنسي؛ وعد!"
وأضاف يبرر بوجعٍ :
_" انتِ هتسيبيني وأنا عايزك ؟ هتعملي كدة ؟، دا أنا مش هسيبك وهفضل جنبك ، كدة ؟ مصدقاهم ؟"
حاول تشتيتها وأشار له "غسان" بعينيه أن يسحب السكين من يديها وهي تشعر بالتيهة هكذا ، ولكنه استمر ما ان وجد ملامحها تنكمش بتعب وهي تضغط بالسكين أكثر نفت وهي تحرك رأسها دون النظر له كي لا يستغل أحدهم ما هى به :
_"لأ ، بس أنا خايفة!"
مد يده بهذه الحالة مع اقترب "حازم" من الجهة الأخرى ، وتلمس كفها برفقٍ وهو ينفي يحاول انقاذ الوضع قبال افعاله :
_" متخافيش ، مش احنا قولنا هنتغلب على خوفك سوا ؟؟ صح ؟؟''
حركت رأسها بلهفةٍ وسحب السكين وهو يدير ذراعه عليها من الأعلى فدفع "حازم" جسد "سامر" إلى بعد خطواتٍ ، فعادت الأنفاس بعدما سُرقت، ومن كان يصدق من كانت تأتي للمواجهة بكل قوة الٱن أصبحت هشة وكل مرة يظهر ضعفها قبال هذا ، نزلت دمعة "ٱدم" وبخفةٍ رغم انها انتبهت للهمسات والاقوال بالحمد ، إلا أنها إستندت برأسها على كتف من لا يحل لها الٱن ، استندت على كتف "ٱدم" وهو يجلس بجانبها وابتلعت ريقها حتى أغمضت عينيها تضمها بإنهاكٍ فإحتوى كفيها بين يديه وتحشرجت نبرته قائلاً :
_" أنا جنبك ، جنبك مش هسيبك والله!"
حاول سندها أمام نظرات البقية الذي أشار لهم بالبعد ، فاقترب"حازم" يسندها معه ناحية الخارج ، إلى أي شقة ستقابلهم وسارت هي معهما بخواءٍ ، التفت عائلة "سامر" حوله والٱن يتابع بعينيه من يقترب! ، ترك الكل الشقة وساروا خلف "فريدة" ومن معها في حين انتظر "غسان"و"بدر" فقط!! وفي الخارج رفضت "نيروز", التوجه معهم ناحية الداخل وسارت بخطوات بطيئة تراقبه بخوفٍ ، لمَ لازال هناك ؟!
انحنى "غسان" يدفع جسد "زهور" بفظاظةٍ فدرات رأسها تنظر باستفهامٍ فوجدته يحرك رأسه بإبتسامة عبثية وأشار. لها بحركة رٱسه مردداً بنبرة. ساكنة هادئة :
_" ابعدي!"
وقف "بدر" يراقب ما يفعله بإنتظار ، في حين اندفع "غسان" يمسكه من تلابيبه قبال خوف شقيقته عليه ، ودفعه ناحيته يقربه منه وهمس له جوار أذنه :
_" عايزك تِفَوَّق كدة عشان اللي مستنيك مش شوية!'
وأضاف يدفعه ناحيته أكثر مع ابتسامة عبثية وارت خلفها التهديد الغير هين بالمرة:
_"أنا سايبك اليومين دول عشان بس الرفق بالحيوان واجب!"
ابتلع "سامر " ريقه بخوفٍ ما ان وجد"غسان" يحاوط وجعه بكفه بعنفٍ وأكنل بثبات :
_"وأنا بفهم في الواجب"
طالعه الأخر بخوفٍ ظهر على تقاسيمه ، فصرخت "مروة" به :
_" انــت مــش شــايف اللي هو فيه ؟؟ انت ايه؟؟؟"
ضحك "غسان" بسخريةٍ وغمز لها ملقياً عليها كلمات تستفزها وهى هكذا :
_"لا ما أنا شايف اللي واقف ثابت مش زي اللي أعصابة سابت!"
لم يتفوه الأخر بحرف واحد بل جاء "بسام" مع"حامد" ينظر فوجد هذا الوضع الذي أكمله "غسان" بانفعال هذه المرة وهو يحركه بعنف:
_"انت شايف دماغي دي يالا ؟؟؟ متكفينيش عيلتك كلها وأنا باخد حقي!"
هل صفعه الٱن؟ ، صفعه على وجهه بقوةٍ ودفعه حتى ارتطمت رأسه بالأرضية فهتف بأهٍ متألمة تزامناً مع قول "غسان" المهدد بتشنجٍ :
_" ابقى صلي وادعي على روحك يا ناقص، بدل ما تعملها على روحك !"
لا يعلم "بسام " كيف كبت ضحكته في هذا الموقف الذي تطلب به الفصل بينه وبين شقيقه ، ولكنه انتظر مع بسمة صغيرة ليست هينة ما ان تذكر كيف جعله تائه خائف لمد ساعات متواصلة بما فعله بشقيقه ، واحتمالية موت شقيقه كانت كبيرة ، نهض "غسان" وضغط على كفه وهو يشير بعينيه له ببراءةٍ :
_" كان نفسي ادعيلك أنا كمان ، بالجنة ، بس النار هتبقى أدفالك يا سمرة!"
تركه ما ان وجدته يصرخ من ضغطه عليه بقدمة ، واعتدل يحرك رأسه ناحية شقيقته ونظر لها بإشمئزازٍ ما ان ربط المواضيع ببعضها في المتسبب الأول وحديث "فريدة" قبل قليل ، لم ينس هو ما فعلته مع "نيروز" في دفعها لها على السلم وهي حامل!! ، وبنفس التحذير هتف لها به :
_" وانتِ..اللي باقيلك عندي مبقاش كتير "
هل قص له "بدر" ما حدث ؟ ،استدار وما ان استدار وجدها تقف بخوف تتابعه ، وتلقائياً ما ان وجدتها "مروة" تلمست عنقها بغلٍ وهي تشملها بنظراتها ، خرج "حامد" و"بسام" ما ان وجدوه يلتفت ، وخرج "بدر" مشيراً لـ "نيروز" بأن تخرج فسار وتبعها "غسان" الذي وقف الآن على السُلم وهي أمامه تسير لتدخل خلفهم شقة "سمية" وقبل أن تخط لتدخل أكثر إلتفتت تنظر فوجدته قادم ووقف ما ان وقفت ، الٱن هو نفسه يريد الهرب من عينيها منذ اخر ما حدث من انهيار كان سيؤدي الي انهياره هو ، من خوفه عليها شملها فقط بنظرة مطمئنة ، وقاوم أي شئ حتى سار أكثر وهتف يسألها وهي تقف ما ان علم ان الكل هنا بشقة "سمية" مع "فريدة" :
_" ممكن أدخل ؟"
ابتلعت "نيروز"ريقها والٱن تبحث عن التهكم والسخرية في نبرته ولم تجدها ، منذ متى يستأذن بلباقةٍ هكذا ؟ ، أفسحت له المجال ما ان علمت ماذا يقصد على الفور ، فسار وشملها حينها بعينيه بإهتمامٍ ،فدخل وتبعته هىٰ حتى وجدهم مجتمعين كل جماعة بمكان..
"فريدة" التي تجلس بين ذراعي "حازم" وأمامها "ٱدم" يمسك الكوب بين يديه وهو ينحني يطلب منها الٱن برفقٍ :
_" اشربي كمان يا "فريدة" ، اشربي عشان تاخدي نفَسِّك!"
هرولت "نيروز" ناحية الغرفة الذي يبكي بها "يامن" ما ان تخلل اذنها صوته و"وردة" تركته مع صغار شقيقة زوجها في الداخل تحاول تهدأتهم ، بينما وقف "بسام " ينظر بمتابعةٍ للوضع هو و"بدر" مع زوجته، وعلى بعدٍ وقف"غسان" يترقب نهاية هذا الوضع المُحمل بضياع لـ "فريدة" ! ، جلست"دلال" بجانب"عايدة " وخرجت"نيروز" وهي تحمل "يامن" تحاول احتواءه برفقٍ وهي تمرر كفها على رأسه ووقفت بشرفة الصالة على بعدٍ وأخذت تردد له بحنانٍ مُراقب من أنظار أخرى على بعد تتابع كل تفصيلة تفعلها :
_" خلاص ، خلاص يا حبيبي متعيطش!! "
قدرتها على الاحتواء باتت أضعف الٱن هي من تشعر بأنها تود الاحتواء أخذته بعناقٍ عميق متنفسة بعمق بين أحضانه وهي تضمه إلى صدرها بأعين لامعة متأثرة ، والٱن هي تفتقد !! لا تعلم ماذا تفتقد..
بينما على بعد. احتوى "بدر" كفي "وردة" الباردتين بحنانٍ ما ان شاهدت المشهد بإحتمالية ما كانت ستفعله "فريدة"! ، حاوطها بذراعه وسحبها معه ناحية الغرفة ما ان شعر بتصلب جسدها ، اقترب "بسام" ينظر لحالة "فريدة" وانحنى يسألها حينها برفقٍ:
_" أحسن ؟"
تركت "فريدة" الكوب وهى تومأ له ، ناولته حينها لـ "زينات " التي كانت تستند عليها من الجهة الأخرى غير "حازم" وإعتدلت أكثر تومأ برأسها مع ابتسامة هادئة حاولت بها الثبات ، شملها "ٱدم" بنظراته بقلقٍ ، في حين أشار "حامد" لـ"دلال" فنهضت مع "وسام", ناحية الخارج وقابلت في طريقها "أسماء"تقف من على بعد تتابع كل هذا بتوترٍ منذ ان خرجت تتركهم من الشقة..
لا تعلم لمَ نظرت لها بحدةٍ بالغة ، ربما هي السبب فيما حدث لولدها ، تخطت هذا وخرجت مع "حامد"و"وسام" ، في حين طالع "غسان" ما تفعله "نيروز"في الداخل ، الٱن يراقب وضع "حازم" ورد فعله ،بينما ترك كل هذا
وبعدما حاول ان يمنع نفسه في عدم الاقتراب منها ، اقترب ، وهزمته نفسه وتخطى أعتاب الشرفة ودخل فإنتفضت هي بخفةٍ ورفعت عينيها تنظر وما ان رأته هو اندفع الصغير ببكاءٍ ناحية ذراعي "غسان" ، كان يريده بكل ارادة وكأنه وجد به أمان والده, تأثرت من فعلته واقترب "غسان" يمد ذراعيه له فحمله حتى ضمه بحنانٍ وهو يربت على ظهره الصغير مقبلاً كفه البرئ فهدأ تدريجياً معه وهي الٱن تطالعهما الإثنان بإهتمامٍ وشرودٍ ، هل كان من المفترض أن يحمل صغارها هكذا في المستقبل ؟
مشاهد متتالية في عقلها ، وخيالها يرسم لها وضعه هكذا في المستقبل مع صغارها ، لم يغيب عن عقلها كلماته الاخيرة في خطابه تود السؤال ، تود التوضيح ولكنها رفضت فعل ذلك كي لا تفتح مواجهة أخرى لا تريدها من الأساس ، وبين نظرات وشرود كان هو ينظر إليها بتمعنٍ وتفحص وكأنه يراها لأول مرة! ، ونبس هو على فجأة دون مقدمات يسألها :
_" ايدك بتترعش ليه؟"
ضمت يديها على الفور بمفاجأةٍ هل انتبه؟! ،ابتلعت ريقها بترددٍ ولأنه هاب فعل شئ أو الآقتراب سند الصغير على ذراع ومد بالأخر كفه كأنه يسألها بحريةٍ ما ان تضع كفها بين كفه الدافئ ، هل تريد؟ أم لا تريد ، مد كفه ، فطالعت بُنيتيه برغبةٍ في فعلها ولكن ٱخر ما حدث بينهما هو الفراق بكل أشكاله ، كانت تعلم بأنه هنا ، بأنه حولها في كل مكان ، هابت كلماته في الخطاب برحيله فتلقائياّ رفعت كفيها الإثنان ناحيته فبادر بإحتوائهما بدفء كفه وضم كفيها له كي يشعرها بالٱمان ، غمرها الدفء وسارت الرجفة بيديها وسقطت دمعتها من هذا فمنذ ما فعلت ما فعلته مع "مروة" ويدها على هذا الحال ، وكأنه يفهم كل شئ تمر هي به دون حديث فسألها مجدداً وهو يدلك كفيها بحنوٍ :
_"خايفة من ايه؟"
لم تخف منه ، وعلم هو ذلك ، حتى ترديدها لحديث مشابه لهذا أمس بأن لا يقترب كان من خوفها من نفسها هي، من ضعفها ، لكنها الٱن تود احتواءه لضعفها وليس استغلاله ، هل رأت صدق ذلك في عدستيه ، حركت رأسها بجهلٍ وسحبت كفها بعد لحظاتٍ وهي تبتسم بتكلفةٍ وكأنها تشكره ،ولكن منذ متى شكرته على هذا ؟ بل كان ذلك حق من حقوقها رأته هي كذلك!!
_"مش خايفة!"
حاولت الإنسحاب بالتدريج عقب قولها الساكن هذا ، وخرجت وتركته في خيبة مماثلة لخيبتها ، وخرجت حتى انتبهت الٱن لوجودها ، اغتاظت من الداخل وحاولت تجاهل وجودها واقتربت من "فريدة" فطمأنتها "فريدة" بعينيها ونظرت إليهم تخبرهم :
_". بقيت كويسة ، الحمد لله ، متعطلوش نفسكم عشاني !"
هل قصدت المناسبة وتنسيقهم من ملابس انيقة تناسب هذا ؟. ، صمتت "ياسمين" تتابع لهفة "حازم" الذي ضم رأسها ناحية صدره بشرودٍ وقرر محاسبتهم إلى حين انتهاء المناسبة بدلاً من ان يحدث شئ سئ ، نهض بعدما ربت على كفها وقال :
_" ارتاحي شوية مكانك ، على ما أشوف عم حامد وبدر كان عايزنا في ايه !"
أومأت بإبتسامةٍ هادئة فوقف "بسام " بابتسامة هادئة يتفهم ما فعله من صبر وعقل لأجله ، سار بعدما شملها بعينيه لمرات عديدة ، وسار معه "بسام" يحاول احتواءه برفقٍ ، ونهضت "عايدة" تهرول تحاول فعل أي شئ لتطعمها طعام صحي لتجرى الدماء بعدما توقفت معها بمثل هذا الفزع والرهبة!
وبخفةٍ وقفت "زينات" على بُعدٍ بجانب"أسماء" تطمئنها بعدما رأت بعينيها الخوف من التقدم ، أو هكذا فعل القدر كي يجعل الٱن عيني "ٱدم" تتعلق بعيني "فريدة" التي لمعت بقوةٍ ، هل أخفت الانهيار بالبكاء أمامهم عداه ؟ ، وبتلقائيةٍ حاولت الدفاع عن نفسها بسرعة أمام عينيه اللامعة وهتفت تخبره:
_" أنا مش وحشة يا ٱدم ، أنا مش كدة!"
راقبت "نيروز" الوضع بأعين لامعة وخرج "غسان" الٱن من الغرفة ، تزامناً مع تحريك "ٱدم" لرٱسه بتمسكٍ وقال بلينٍ يجاوبها :
_" أنا عارف ، عارف يا فريدة ،شيلي كل ده من دماغك ، متفكريش فأي حاجة خالص من اللي حصلت ؛ ممكن ؟"
لا يعلم كيف خرج ضياعها الٱن بمثل هذا الخوف من الإقبال على خطر ٱخر ، إلى متى ستتظاهر بالقوة؟ ، تشبتت بعينيه وقالت تطلب منه :
_"أنا عايزة أبعد عن هنا يا ٱدم ، عايزة ارتاح ، نفسي لما أبدأ صح مرجعش تاني ، هتبعدني عن هنا صح؟ انت مش هتقولي لا زيهم ، انت هتسمع كلامي ، هتوديني مكان غير ده صح ؟"
سألته كصغيرة ، تتشبت بوالدها برغبتها في جواب معين ،ضاع قبال هذا وأخذ أنفاسه يمسح وجهه ووخرت قلبه بنبرتها في عدم ثقتها المخفية به في ان يتركها ، خافت ضياعه بسببهم؟ مسح وجهه بوجعٍ وحرك رأسه بنعمٍ ، ولا يعلم على ما وافق هو ، ولكنه وافقها أمام نظرات "زينات" التي صمتت مجبرة على هذا ، وما بعد ذلك نهض هو ،وأشار لـ "زينات" بجديةٍ يخبرها :
_" تعالي معايا "
عقدت ما بين حاجبيها بغرابةٍ وتحاول الٱن التشبت بإبنتها في حين كانت قد تاهت أنظار"فريدة" بعينيها , ولكن أومأت له ما ان فهمت معنى نظراتها قبال نظرته لـ "زينات" بأن الأمر هام!! ، إعتدلت لتسير وقبل ان تسير أوصت "أسماء" قائلة بقلقٍ :
_" خلي بالك منها يا أسماء!"
خرجت التوصية بثقة هذه المرة من جلوسها معها كل هذه المده ، وافقت الأخرى وهي تجلس بجانب "فريدة". التي تحركت عينيها ناحية "أسماء" والتي لأول مرة يظهر حنوها وهي تمرر يديها على كفي "فريدة" وهتفت بتٱثرٍ خرج بنبرتها المتحشرجة وهي تتأسف لها :
_"أنا..أنا أسفة، أسفالك يا فريدة ، حقك عليا وعلى راسي أنا ، متزعليش."
وأضافت عند رجفة يديها :
_".متخافيش!"
هذا الأمر يثير غرابة "نيروز" أكثر ، "نيروز", التي توقفت بعدما كانت تنوي الاقتراب بعد رحيل "زينات", و"ٱدم" الذي ودعها بنظرة مؤقته إلى حين العودة ، وقفت "نيروز" تنظر بأعين متسعة ما ان وجدت "فريدة" تستسلم ببكاءٍ وغير وعي لأحضان "أسماء"ولا تعلم لمَ وكيف استسلمت هكذا ،
تركتهما وراقبت نظرات "غسان" ناحية "أسماء" وكذلك راقبت "أسماء" بتفحصٍ ، بل تجلس الٱن بخصلاتها المتروكة خلفها وملابس بيتيه لا تليق بأن ترتديها قبال غريب عنها ، من كان الغريب الٱن وبهذه اللحظة؟ هو؟ ، قلبت عينيها بضجرٍ برعت في كبته وراقبته مجدداً فوجدته ينظر ناحيتها وكأن لا يوجد بالشقة إلا هىٰ ،. ارتبكت من نظراته ما ان خمنت انه استطاع أن يكشفها بتعابيرها هذه ، وتنحنحت بحنجرتها في حين ما جعلها تغتاظ أكثر هو تحريك "أسماء" رأسها ناحية "غسان" وكأنها تعي الٱن ما حدث وما يحدث ولأول مرة تراه بعد حادثه الأخير فهتفت بضعفٍ وأسف له :
_" أنا ٱسفة يا غسان!"
هل وجودها ليس لا بد منه الٱن؟ اخذت "نيروز" أنفاسها بمتابعةٍ في حين وجدته يحرك رأسه لها بصمتٍ فسألته الأخرى مجدداً تحاول الإطمئنان:
_" انت كويس دلوقتي؟ انا بعتلك كتير أطمن عليك بس انت مش بترد"
هل جاءتها الجرأة لتردد هذا قبالها؟ ، اختنقت أنفاس "نيروز" وسارت تترك المكان بأعين لامعة ، لم تستطع الٱن الرد ككل مره ، كونها من بادرت بالفراق مرة أخرى بعد الانهيار ، الٱن مشاعر مضطربة وهى نفسها تحترق بالداخل ومُنعت من المصارحة بذلك ، لم يجيبها ،بل تابعها وهي تقترب من المطبخ حتى دخلته وهنا سمحت لدموعها بالهبوط وهي تضع يديها على فمها ، لمَ كل هذا ؟؟ ، ما الذي تشعر به لتبكي هكذا بسهولة؟ لمَ لم تستطع الرد أو الصد على الرغم من ان غيرها سيرى ان محتوى الحديث عادياً ولكنه لم يكن كذلك عليها ، خاصةً بعد وضعها المشكوك به وهي بينهما في المنتصف ، تذكرها دائماً بما تهاونت به ومع ذلك تركها لعقلها كما تردد له! ما نهاية هذا ؟!
حاولت "نيروز" أخذ أنفاسها وضمت يديها بشدةٍ تحاول اخراج مشاعرها المكبوته ، ربما انفعال او اندفاع او تسرع لم يخرج هذه المرة ، وتقطعت أنفاسها بشهقةٍ خفيفة وهي تستند على الحائط وانتفضت ما ان وجدته يرفع الستار الٱن بعدما ترك "يامن" على الأريكة بالخارج عقب ما غفى على ذراعه.
اتسعت عينيها بسرعة وهي ترفع يديها تحاول مسح وجهها بإندفاعٍ كي لا يراها ووقف ينظر بضعفٍ قبال هذا ، ولكنها ترددت ما ان وجدته وارتبكت تتصنع بفعل أي شئ بعد قولها المتعلثم :
_" محتاج حاجة من هنا؟"
لم تسعفها الحركة بل توقفت تنظر لعينيه ما ان وجدته يتابعها ونفى وهتف بدون مقدمات يبرر لها :
_"مفيش أي حاجة من اللي انتِ فهمتيها دي ، أنا مش شايف غيرِك!"
سكنت تحاول الهروب من عينيه وتبريراته ولكنه أضاف بعمقٍ أكثر :
_"ومش راغب حد ألا انتِ!"
وأضاف أمام هروبها بنبرة هادئة ليست مجبرة على الرد منها عليه:
_"ولو هتقولي كداب ، فهرجع أقولك اني مبعرفش أكدب وأنا معاكي ، أنا مبقولش كدة عشان أستغل أي حاجة ، أنا ببرر لك انتِ بس يا نيروز !"
لم تفعل سوى أنها أومأت وتوقفت عن حركة رأسها ما ان وضح مصارحاً اياها بصدقٍ لها وحدها :
_"و عُمر ما "غسان"حاول يبرر لحد الا نيروز!"
سالت دمعة منها مجدداً ودموعها من جعلته يأتي خلفها كاشفاً مشاعرها ، ابتلع ريقه وصارحها بما لم يصارحها به من قبل بالأقوال :
_" بس أنا مبحبكيش تعيطي"
مسحت وجهها مجدداً دون ان تعطيه رد وحاولت السير بهروبٍ ٱخر ناحية الخارج ، فقاطعها وهو يقف أمامها ونبس بنبرةٍ هينة:
_" استني"
سحب مرفقها معه أمام موضع الصنبور الذي فتحه ومد يديه يمسح وجهها بحنوٍ وعينيها الٱن تحتضن عينيه وهو منشغل بمسح وجهها إلى أن انتهى، وجففه حينها بكم ما يرتديه ناحية ذراعه بخفةٍ ، حاولت الرفض ولكنه مسح على وجهها برفقٍ كصغيرة تلطخ وجهها ٱثر شئ عالق ، وابتسم بخفةٍ يمسح عينيها بأنامله وردد ما يجعلها تتصنم قبال حروف تخرج منه ليس الا :
_" أستاهل يحصل فيا أي حاجة لو كنت سبب عياطك كل شوية!"
وتمسك بمرفقها أكثر ومازال يمسح وجهها بإندماج وكرر قوله مجدداً قبال عدستيها التي تغيرت مع الضوء فأصبح القول عسليتيها الٱن بدلاً من بُنيتها الفاتحة :
_'' أي حاجة "
وقبل ان يردد قوله المعهود بدموعها وجد"ياسمين" تدخل وتوقفت بسرعة عند هذا المشهد فانتفضت "نيروز" بينما طالعها هو بسكونٍ وأكمل مسح وجه الأخرى وكأن شئ لم يكن وتوقع قولها عندما هتفت بسخريةٍ منه :
_" وده اسمه ايه ان شاء الله؟؟"
وضعت بموقف لا تحسد عليه ، حاولت الفِرار ولكنه من قطع الطريق ورفع رأسه ينظر لخضراوتيها فحركت له رأسها بإستنكارٍ وتجرأت تقترب حتى فصلت يديه الٱن عند يدي شقيقتها وقالت بجمودٍ :
_" معتش ليك دعوة بيها يا بني ٱدم انتَ"
ظهرت ابتسامة عبثية على وجه "غسان" وسألها حينها بسخرية مشابهة في كلماتها :
_" قدها يا بني ٱدمة انتِ ؟"
_"وقدك وقد اللي يتشددلك كمان من البني أدمين!!"
أراد تخطي أقوالها واعتدل ينظر بثباتٍ حتى أشار بعينيه ناحية "نيروز" التي تترقب بخوفٍ وجاوبها بصدقٍ فظ في الطريقة:
_"خاطرها غالي عندي ، عشان كده هعديلك!"
رفعت"ياسمين" شفتيها في استنكارٍ وردحت بفظاظةٍ أمام قوله وهي تضع يديها بمتصف خصرها :
_" لا والله ؟ ، تصدق خوفت منك؟"
انفلت ضحكة "نيروز" على طريقتها ، وبهذا الوضع والٱن خرجت ضحكة خافتة حاولت منعها ، ولكنه انتبه فإبتسم باتساع وكأنه يشكرها بتعالي الٱن ، عندما اعتدل وقبل ان يسير رد عليها بثباتٍ :
_"نعديها برضو عشانها ، أصلها ضحكت!"
وقبل أن يسير إعتدل يبرهن لها بعبثٍ :
_" وأنا نقطة ضعفي ضحكتها!"
غمز بٱخر قوله وعاد يسلب منها فؤادها بأقواله هذه حتى بوضع كهذا ، سار بعدها يخرج ورفع الستار تزامناً مع قول "ياسمين" المستنكر :
_" مجنون ده ولا ايه؟!"
خرج بعدها ناحية الخارج وهما من خلفه ، فوجد "بدر" يدخل بصغيرة ناحية الغرفة ، ثم وضعه مع والدته وعاد مجدداً ينظر لـ "غسان" بغرابةٍ ، فأغلق الهاتف واقترب يمسك ذراعه كي يعجله وقال :
_" طالما طلعت هنا، فـ يلا بينا عشان مستنينا هناك "
وافق"غسان" برأسه وإلتفت ينظر لها نظرة أخيرة ، فهربت بعينيها سريعًا بمكان ٱخر ، وبخفةٍ خرج الاثنان من الباب ، فإقتربت "نيروز" من "فريدة"و"أسماء" التي تجلس بجانبها تحتويها بالكلمات ، وقاطع هذا قول"نيروز" المندفع وهي تطالع ملابسها وخصلاتها :
_" هو انتِ يا حبيبتي مش شايفة ان في رجالة داخلة وخارجة؟ ما تستري نفسك وتحطي حاجة على شعرك ده!"
من ينصح من الٱن؟! ، راقبت "ياسمين " الوضع بإستنكارٍ، فبررت"أسماء" سريعاً :
_'' مكنتش أقصد ، أنا بس لما خوفت جريت من اللي حصل ومكنتش عاملة حسابي!"
قلبت "نيروز" عينيها بمللٍ وجلست بجانب"فريدة " من الجهة الأخرى ودفعتها هي بداخل أحضانها ، فتعجبت الأخرى من هذا الإندفاع ، هل هذه غيرة من جميع الجهات ، صمتت وهي تمرر يديها على ظهر "فريدة" وأخذت تردد عليها كلمات مواسية ، في حين خرج صوت"ياسمين" بفظاظةٍ لـ "أسماء":
_"طب ايه ، انتِ قاعدة كتير؟"
لم تردد هذا من فراغ ، لا تضمنها بكل الطرق ، من ٱخر ما فعلته في تخبئة الهواتف منهن! ،هل هذا خوف مخفي ؟، اهتزت نظرات "أسماء" وابتلعت ريقها بخوفٍ تصارحها بحرج :
_" أنا مستنية خالتي بس ، لو روحت هناك «سامر» مش هيسيبني بعد كل ده!"
خرجت "وردة" من غرفتها على هذه الجملة ، واقتربت تقف وهي تتلمس ذراع "ياسمين " التي وقبل ان تسألها عن حالها أومأت لها "وردة" بإطمئنان وأشارت لها بالجلوس ، فجلست"ياسمين" بتأففٍ جوار "أسماء" مرددة بتبجحٍ :
_'' أما نشوف أخرتها!"
بينما آقتربت "وردة" هذه المرة تفتح الباب للطارق بعدما حاولت التغاضي لأقوال شقيقتيها معاً حتى النظرات والأخرى تعد في منزلهما!، اقتربت لتفتح حيث كانت "عايدة" التي ذهبت لتعد لها طعام صحي سريع كي تستطيع ان تجمع قواها!!!
_____________________________
في شقة "حامد" اجتمعوا على المقاعد حول بعضهم في غرفة الصالون ، استمر الحديث الهادئ العشوائي لفترةٍ ، خاصةً "حازم" الذي كان الٱن في أشد كبته للإنفعال حتى لا يثور الٱن وبهذا الوقت ، شرد "ٱدم" وحالته لا تختلف عنه هو الٱخر , وجلست "زينات" بعدم فهم واستيعاب للذي يحدث ، أخذت تفرك بيديها بتوترٍ لا تعلم لمَ ، ولكن ما قطع كل هذا هو "حازم" الذي خرجت نبرته المتساءله :
_" خير يا حج حامد ؟ ، في ايه يا"بدر"، حد يطمني عشان بدأت أقلق!"
الٱن يشعر بالارتباك حقًا ، "ٱدم" الذي احتواه "بسام " بنظراته بأن الأمر سيمر ، أخذ "حامد" أنفاسه وبدأ الحديث هو أولاً برفقٍ عليه حينما قال:
_"خير ان شاء الله يا حازم يا بني ، بص من غير ما نخش في مواضيع كتير ، أنا هقولك على اللي فيها "
أخذ أنفاسه وترقبت الحواس من الشباب جميعاً حتى "غسان" الذي انتظر حديث "والده" الذي بدأ به مجدداً :
_" احنا كنا طالبين منك فريدة لٱدم صح؟"
تحركت النظرات ناحيته فحرك "حازم" رأسه موافقاً وخرجت كلمته التي جعلت "زينات " تتساءل بعدها :
_" حصل"
_" أنا معرفتش ولا خدت رأي في الموضوع ده ليه يا حازم!!"
سألته بنبرتها الهادئة ، فزفر أنفاسه يوضح لها بهدوء هو الٱخر :
_" كنت مستني كل حاجة تتم رسمي ؛ متوقعتش يكون عندك رفض ، انتِ رافضة أصلاً ؟"
سألها وتعمد سؤالها الٱن أمامهم ، ورغم تفاجئ الكل من سؤاله إلا أنها نفت برأسها وكانت تتوقع شئ كهذا ، لذا التزمت الصمت ما ان وجدت بعينيه حديث مكتوم سيخرج لها ولا تعلم متى! ، واصل "حامد" من جديد يخفف من هذا بقوله:
_"حقك ان كل حاجة كانت هتمشي رسمي ، حتى" بدر" رجع هو كمان وكنا قاصدين نمشي بالأصول ، بس اللي حصل واللي كنا متفقين عليه قبل كل ده مبقاش كدة دلوقتي!"
بدأت التساؤلات تزداد داخل "حازم " ، وهنا أكمل"بدر" بقية الحديث قبال قلقه هذا :
_" أنا لما جيت فعلاً ، على كتب كتاب بسام ، ٱدم كلمني وجيت النهاردة الصبح عشان أعرف عمي وولاده إننا نفاتحك النهاردة في كتب كتاب آدم وفريدة زيهم وأهو خطوة نقربهم أكتر في عز ما ده كويس ليها وليه برضه، بـس المـ..."
هل تلقى مفاجأة؟؟ ، ترقبت حواس "ٱدم" بقلق ، فحرك "حازم " رأسه بإستيعابٍ بطئ وخرج منه الحديث قبال توتر البعض وصدمة "زينات" وقاطعه :
_" كتب كتاب؟؟، هو احنا لسه شبكناهم لما هنقول كتب كتاب؟ ، أنا وافقت من الأول عشان وجوده جنبها فارق لكن غير كده كنت هصبر لحد ما اشوف انها جاهزه للجواز من أصله ولا لأ ، وٱدم عارف بنفسة هي بتمر بإيه!!"
تدخل بعده بهذا الجو المتوتر "غسان" ، وحديثه الذي ردده الٱن على مسامعه :
_"بس اسمع للٱخر يا حازم وأحكم ، إحنا بنقولك كنا بنخطط اننا نفاتح معاك الكلام ده قبل ما يحصل اللي حصل ، لكن بعد اللي حصل فإنت لازم تفكر معانا كويس لإن بعد كل ده إحنا برضه لسه عند رأينا ومتمسكين بيه أكتر وهنوضحلك اللي فيها ، انت مشوفتش أختك عملت ايه واللي عرف يشيلها من كل ده كان مين ؟؟ "
هل قصد وجود "ٱدم" بجانبها ، هذا ما جاء على عقل "حازم " بخوف عليها يهرب من هذه الفكرة وجاءوا هم يحاصروه ، ولكنه يهاب هذه النقطة ،. عكس المرة السابقة كان يتردد ومصر على رأية ولكن هذه المرة بـ "فريدة" تختلف يتخلى عن مبادئ كثيرة لأجل سلامتها وجاء التردد والتشتت منهم الان ماذا يفعل ، كان يحرك رأسه بإستيعاب ولكنه بطئ تهرب الكلمات والٱراء ، وحينها أكمل "بسام" :
_"بص يا حازم، أختك فعلاً محتاجة ٱدم جنبها ، أنا عارف ان صعب عليك وعارف ان لو حد عنده مشاكل نفسية بيبقي في صبر ومش بندخله في علاقات وكلام من ده بس فريدة شايفة وجود ٱدم جنبها حاجة مهمة ، دا غير انها خايفة يسيبها ، هي بتحاول عشان نفسها وعشانه ، هو أداها فرصة تفكر في نفسها ، وخد بالك انها لو هتتقدم خطوة لقدام فاللي بيحصل هنا بيرجعها لورا من تاني ، انت شايف ان كده بتبدأ صح؟ مينفعش كل الضغوط دي عليها وهي هنا ، فإحنا بنقول تكتب الكتاب وتبقى معاه لإن واضح ان المكان هنا بيخليها تنتكس وهي نفسها مش واعية ، احنا مبنقولش الموضوع في جواز فعلي والجانب ده ، فاهمني؟!"
فتح عينيه على وسعها كما فتحت "زينات" أيضاً عينيها وهتفت تسألهم بخوفٍ من قبلهم خوف متلهف على ابنتها :
_" انت تقصد ايه ؟ تقصد ان بنتي هتبعد بعيد عني؟"
الٱن تم ظهور الإرادة في عقد القران والبعد بها ناحية منزل ٱخر ، منزل" ٱدم"، ابتلع "ٱدم" ريقه بإرتباك ينتظر أي شئ وتدخل "حامد" ينقذ الوضع كي يعطيه حريته :
_" انت من حقك يبني تقول لا وتقول أيوة ، دي أختك ومحدش هيخاف عليها قدك "
وأضاف قبال شروده وخوفه من ان الوضع ظاهراً عكس الباطن :
_"بس لو هتخاف عليها هتفكر من نحية تانية ،المكان ده بيرجعها لورا علطول زي ما" بسام "بيقول ، وأنا شايف ان جودهم أو عدم وجودهم فهي هنا مبتتقدمش خطوة لقدام ولما غسان خد باله قرر ينزلها تشتغل في محل الود بس بعد كده عرف ان ده مش حاجة قصاد أي حاجة مش متوقعة ممكن تظهر منها ، أختك عندها حاجة عاملة زي الكتمان على حسب ما فهمت مهما حصل مش هتبين انها ضعيفة من جوه ، كل حاجة بتظهرها العكس ،بدليل لما كانت عايزة تنتحر والنهاردة مين كان يصدق انها هتعمل كده ؟"
لمعت عينيه الٱن بالدموع من تداخل الأفكار الهذ الحد الموضوع معقد؟ ، رفع "غسان" ذراعه يحتوية ومرر كفه على كتفيه بإحتواء وحثه بالثبات في نظرته ، فحاول الثبات مخفياً الضعف وأبدى تردده في الاعتراض بقوله :
_" أيوة بس أنا خايف ، خايف عليها ، دا كتب كتاب وبيت تاني وحياة معرفش واخاف تقدر عليها أو متقدرش!"
بدأت كلمات "ٱدم" تخرج الٱن بدفاعٍ وصدق :
_" مش مطلوب منها أي حاجة ، أنا مش واخدها نتجوز ونفتح بيت لسه ومش هعمل كده غير لما تفوق وتبقي كويسة ، أنا مش عايزك تخاف يا حازم ،أنا كمان مش هضحط عليك أنا برضه خايف بس خايف وبقيت خايف وهي هنا ، إحنا ما صدقنا اتقبلت موضوع الدكتور ده إزاي ، وأنا اوعدك انها معايا في أمان والله العظيم ، ولو حصل حاجة حقك تعمل فيا ما بدالك !'
والآن ظهر خوفه أكثر وهو يتذكر كلماتها فقال بضعفٍ له قبال انصاتهم بشفقةٍ:
_"قبل ما اجي مشيتكم وقالت انها بقت تمام بس هي غير كده ، مجرد ما مشيتوا وشافتني لوحدي قدامها قالتلي انها خايفة، قالتلي انها عايزة تبعد عن المكان هنا ، انا حسيت انها عطتني مسئولية كبيرة لما قالتلي ان محدش هيسمع كلامها غيري وإني مش هقولها لا وأنا ببعدها عن هنا ، هي متعرفش هبعدها عن هنا فين ولا عرفت باللي بيحصل هنا دلوقتي بس أنا مقدرتش أوعدها وهي بتقولي انت مش هتعمل زيهم وتقولي لا ، بصيت لها وسكت عشان مش بإيدي أوافق أو ارفض ،بس أنا عايزها معايا يا حازم ، أنا خايف عليها زيك بالظبط عشان كدة فاهم انك مش هتقول لا "
هل ظهر الترجي في عينيه؟ ، وضع "حازم " يديه على رأسه بتعبٍ وتمت محاصرته من قبل الظروف الٱن ، أخذ أنفاسه بعمقٍ ، ونظر ناحية"زينات " التي بكت بصمت وحرقة الٱن وتعلقت عينيها بعيني "ٱدم"فوعدها بصراحة:
_" أوعدك اني مش هاجي عليها ، والله ما هأذيها ، بنتك معايا في ٱمان متخافيش !"
وأضاف يوزع نظراته بينهما :
_" وهعيدلك تاني إنها في أمان ، ومش هحكم حركتها ،. براحتها لو حبت ترجع ولما تحس انها تمام ترجع ، مش مجبرة تفضل معايا كدة من غير ما تمشي كل حاجة زي ما انت عايز ، ولو هي مش عايزة وحابة تفضل هخليها ، انا أهم حاجة عندي راحتها!"
يعدها الٱن ، ولم يتوقع منها الٱتي عندما شعرت بمدي الخطر القادم بدون توقع من ما تفعله ابنتها ، لذا رفعت رأسها تردد بنبرةٍ باكية ناحيته وناحية"حازم" :
_" أنا موافقة "
هل وافقت للتو قبله؟ ، نظر لها "حازم " بتشتتٍ ومسح وجهه للمرة الذي لا يعرف عددها وما جاء بعقله الٱن كثير وكثير ، الأمر ليس على عائلتها فقط! ، الٱمر أكبر بكثيرٍ ، لمعت عينيه وهبطت دمعته وهو يسأل "ٱدم" ظاهراً الضعف والخوف قبالهم دون خرج ، بل خرج رغمًا عنه الٱن :
_" ٱضمنك يا ٱدم ؟ أضمنك ومخافش عليها وهى معاك؟"
هذا السؤال بمثابة أسئلة كثيرة ، أخذ منها معاني محددة فقط وحرك رأسه بصدقٍ نابع من فؤادة وقال بصراحةٍ :
_" أمان ، أمان والله يا حازم"
رفع "غسان" يديه يمسح وجه "حازم" وضرب كتفيه يحثه على القوة. وقال بإبتسامة هادئة مرحة :
_" أمان يعم ، مالك ريشة كده ليه ، اجمد كدة !"
ابتلع ريقة وهو يبتسم ابتسامة باهتة ، وقال بتحشرجٍ جعل بسمة "ٱدم" تتسع كما البقية :
_" على الله"
ضحك "بدر" بخفةٍ وعانق عمه و"ٱدم" الذي ابتسم بإتساعٍ ، فنظر "حازم" ناحية "زينات" فوجدها تحرك رأسها بنعمٍ ، ولكنه الٱن قبل أن تستمر الجلسة معهم أكثر نهض كي يمهد هذا الموضوع لـ "فريدة" وقال بعدما نهض:
_" أنا هستأذن أنا ، قوم تعالى معانا يا ٱدم!"
نهض "ٱدم" يعدل سترته ورغم قلقه من رفض "فريدة" ولكنه يثق بها وكيف أتت هذه الثقة؟ لا يعلم جواب هذا السؤال! ، ولكنه نهض معه ومع "زينات" تحت نظرات البقية ، فزفر "حامد" بصوتٍ مسموع وظهرت نظراته المشفقة عليهم وعلى حالهم ، فإلتفت "بسام" بسعادة هذه المرة يخبرهم:
_" يلا كل واحد يشوف هيلبس ايه!"
أراد "غسان" التخفيف عنه وعن ما يجري في هذا اليوم بالنسبة له فغمز له بمشاكشةٍ وقال بنبرةٍ ضاحكة بخفةٍ :
_" ماشي يا عريس!"
بادله الضحكات ، ونهض "بدر" بعدما شاكسهم في الحديث كي ينصرف ليتجهز هو الٱخر!!
______________________________
منذ الصباح الباكر وهي تنظم الشقة معهن ، رتبت الكثير من الغرف وصالة المنزل ومدخله وحتى الطعام في المطبخ ساعدت به ، أُنهكت "جميلة" بما فيه الكفاية ، فردت مفرش الأريكة بتعديلٍ وإعتدلت تمسح عرق وجهها بتعبٍ قبال "حنان" التي تحمل الأطباق وهي تتجه بهم ناحية المطبخ ، وزوجة خال "عز" التي خرجت للتو من الغرفة تحمل صينية كبيرة ليس عليها شئ ، وابنتها التي كانت تطوي ملابس ما بطبق غسيل كبير ، خرج "عز" منذ قليل يبتاع بعض الحلويات والطعام الذي سيقدم لهم ، في حين خرجت "فرح" الان من المرحاض تضع منشفة ما على رأسها وشهقت ما أن وجدت "جميلة" تكنس الٱن ، اتجهت ناحيتها ونهرتها قائلة بلوم:
_" كدة برضو يا جميلة ؟ هو. ده اللي خلصتي وهتسبقيني على فوق عشان نجهز سوا؟"
_" معلش يا فرح ، أنا والله طلعت بس طنط ميرفت قالتلي أنزل عشان في شوية حاجات مخلصتش لسه!"
كان هذا رد "جميلة" الذي جعل "فرح". تطالع زوجة خالها بضجر من على بعدٍ ، فإعتدلت أكثر وسحبت منها ما بيديها وقالت تحثها من جديد :
_" طب يلا سيبي اللي في ايدك يلا عشان نطلع ، هنتأخر كدة"
أومأت لها "جميلة" فنادتها من على بُعد "حنان" فنظرت لها "جميلة" بأسفٍ وقالت تخبرها :
_" طب بصي المفتاح فوق في الشقة ، اطلعي على ما أكلم مامتك وهاجي وراكي على طول "
وجدت أن هذا الحل كي لا يضيع الوقت ، وبعدما انتهت "هاجر" دخلت غرفة "فرح " لتبدل ثيابها ، في حين وافقت "فرح" "جميلة" بقولها السريع :
_" حاضر ، بس متتأخريش!"
هزت "جميلة" رأسها توافقها ، وتزامناً مع سير "فرح" ناحية الخارج وهي ترتدي عباءتها المفتوحة فوق بيجامة بيتية ارتدتها ، سارت "جميلة" ناحية المطبخ بإنهاكٍ فوجدت "حنان" وزوجة شقيقها الراحل فدخلت أكثر تجيب على نداءها :
_" نعم يا طنط "
_" خلاص يا حبيتي ، تسلمي ، كنت بس عايزاكي تدوقي الأكل ناقص ملح ولا لأ بس أم هاجر فيها الخير جت وداقته "
هتفت بها "حنان" فإبتسمت لها "جميلة" وهي تضع ما بيديها تركنها على الحائط ، فتحدثت "حنان" للأخرى بعجالةٍ :
_" خليكي قبال الأكل كدة يا ميرفت على ما اجي !"
تركتها وكأنها تذكرت شئ فهرولت تستند ناحية الخارج ، وقبل أن تخرج "جميلة" خلفها لتصعد ، قاطعها نداء"ميرفت " وهي تناديها قائلة :
_" خدي يا جميلة راحة فين كدة ؟"
إلتفتت "جميلة" تبتسم لها نصف ابتسامة وجاوبتها حينها بصراحة:
_" هطلع عشان اجهز ، حضرتك عايزة حاجة مني؟"
_" ويصح برضه تطلعي ولسه الشغل هنا مخلصش ؟"
سألتها بنبرةٍ ضاحكة سمجة ، فإبتلعت "جميلة" ريقها وردت توضح لها وهي تنظر ناحية المطبخ في الداخل وناحية الشقة في الخارج :
_" أيوة بس ..أنا مش شايفة ان لسه فاضل حاجة تتعمل ، احنا شغالين من الصبح!"
سحبت "ميرفت " يد "جميلة" في جراءة وجعلتها تقف أمام الطعام الموضوع على النار ، وحثتها قائلة قبل أن تخرج ولم تعطيها الفرصة في الرد :
_" معلش وماله ، خدي بالك من الأكل ده على ما أروح ألبس واجي!"
هل تتهرب؟، تذكرت كل ما كانت تفعله معها منذ الصباح ، كلما تكلفها "حنان" بشئ تتظاهر بأنها تفعله وتكلف "جميلة" به فتعود "حنان" من على بعد فتنتبه لها "ميرفت". وتعود تتولى الأمر فتأتي الأخرى على وضع ما طلبته من زوجة أخيها وهي لم تفعل هذا من الأساس !
لمعت عيني"جميلة" من هذا ولم تعطها الأخرى الفرصة في الرد بل سارت بسرعة ناحية الخارج وتركتها ، فذوبت "جميلة" الملعقة في الاناء بشرودٍ حزين مُجبر على الصمت!! ، هل كان لها أن تتزوج في منزل عائلة هكذا بمنطقة أكثر شعبية عنهم ؟ لم يأتي إلى عقلها هذا بل سقطت دمعتها ما ان تذكرت قولها لـ "عز" في بداية علاقتهما بأنها تهاب الرد لأخذ حقها مقابل احراج أحدهم وجرحه ! ، هل لا تفرق الٱن بين الحق والواجب؟ ،صمتت كي لا تحدث عقبات ومشاكل والكل الٱن ذهب عداها هى!! تقف ومازالت تقف!! لتخدم!!
سقطت دمعتها بشفقةٍ على حالها ، ومسحتها سريعًا ما ان وجدت صوت "عز" الٱن وهو يغلق الهاتف حاملاً بيديه أكياس يدخل بها الان ناحية المطبخ، أغلق هاتفه وسند الأكياس بذهولٍ وهو يناديها :
_" جميلة!"
لم تلتفت بل ظلت كما هي تهمهم فقط كي لا يرى عينيها فيكشفها كما يكشفها كل مرة ، ولكنه أدار كتفيها هذه المرة بإستغرابٍ تزامناً مع سؤاله:
_"انتِ لسه مطلعتيش لحد دلوقتي تلبســ..."
توقف عن إكمال الحديث ما ان وجد عينيها حمراء بخفةٍ ليس هكذا بل وجنتيها البيضاء الذي يظهر عليها أقل تعابير توحي بالبكاء ، هربت بعينيها فسألها بقلقٍ :
_" انتِ معيطة ؟"
حركت رأسها نفياً وأرادت البعد عن محور الحديث وهي تطالعه وتطالع الأكياس:
_" لا مفيش حاجة ،انت اتٱخرت ليه؟"
رفع "عز" أنامله يدفع ذقنها للأعلى كي تقابل عينيه وقبل ان يسألها مجدداً هرولت زوجة خاله من الخارج وهي تعقد حجابها بسرعة ودخلت تردد بنبرة. تمثيلية تحاول تدفعها من مكان ما أمام الطعام:
_" كدة يا حبيبتي توققي وتعطلي نفسك ، ما قولتلك سيبيهالي واطلعي البسي!"
اتسعت عينيها من هذا ولم تترك لها الفرصة للرد بل ابتسمت لـ "عز" الواقف وهتفت بترحيبٍ :
_" حمدلله على السلامة يا حبيبي ، انت جيت امته؟!"
أمسكت منها الملعقة ، لتقف هي وهي تعدل حجابها بتوترٍ ، قبال نظرات "عز" المستنكرة لصدمة زوجته ،فتظاهرت "جميلة" بلاشئ وسألته برفقٍ :
_" مش يلا عشان تلبس؟"
نظر مطولاً ناحية الأخرى وحرك رأسه موافقاً ، فأمسكت ذراعه تخرج من هنا معه ناحية الخارج فقابل هو "والدته" التي ابتسمت ترحب بحديث عشوائي عن المشتريات حينها ودعها مؤقتاً ليصعد وانتظرته هى على عتبة باب الشقة ، فجاء لها مبتسماً حتى يصعدا معاً ، صعدا الإثنان ومد يديه يفتح الباب مع سؤاله لها :
_" هي فرح هنا ؟"
_" ٱه"
لمَ ردها مقتضب هكذا ، انتظرتها "فرح" على الأريكة احتراماً لخصوصية غرفتها ولم تدخل الا عندما تنتظرها لتصعد ، فنهضت بلهفةٍ تسألها :
_" ايه يا جميلة كل ده ؟ ، أنا مش ٱخر مرة سيباكي ومخلصة كل حاجة؟ ايه اللي جد ؟"
ٱتي بتفكيره الكثير وهي تبرر لها بأي شئ ، فابتسم هو ما أن تحدثت "فرح" لـ "عز" بمشاكسةٍ :
_"اللي واخده عقلك يا عز الرجال!"
_" واقفة جنبك اهي"
رددها بتلقائيةٍ فابتسمت"جميلة" وبدأت تمسك كف "فرح" تسحبها خلفها بسرعة مع قولها الذي ظهر به العجالة :
_" يلا بسرعة يا فرح ، اتأخرنا !"
أخذتها بسرعة ناحية الغرفة التي وضعت بها ملابسهما هما الاثنان ونقلت ملابسه هو في غرفة أخرى كان قد توجه لها الٱن وذهنه منشغل بسبب بكاءها والتي اقتنعت هى بأنها هربت منه وشتته!!
_______________________________
جلست بينهم الٱن تستمع إلى القرار بتيهةٍ ، إبتلعت ريقها من فكرة عقد القران ومن ثم الذهاب معه هو وشقيقته ولم تأتي إلى هنا مادامت لا تريد هى ذلك!
ترقب "ٱدم" الذي ظهر التوسل بعينيه كما ترقبت والدتها وكل الفتيات الٱن وحتى "سُمية" التي عادت من الخارج وقصت لها "وردة" كل ما حدث ، رفعت "فريدة" رأسها وابتلعت ريقها تجاوبهم بنبرةٍ بطيئة :
_" أنا موافقة!"
شهقت الفتيات بفرح ، خاصةً "فاطمة" التي خرجت منها زغرودة الٱن عالية جعلت "ٱدم" يبتسم بإتساعٍ ، فعانقتها "زينات" بتأثرٍ قبال النظرات وأمسك "حازم" كفيها بينما هى الٱن عينيها تتعلق مع عينيه هو وكأنها تعاهده وتشهده على ثقتها !! ، فأغمض عينيه يومأ بسعادةٍ وإطمئنانٍ وعاد "حازم" يحثها برفقٍ :
_"طب قومي يلا براحتك ، شوفي هتلبسي ايه عشان نمشي!"
وافقت برأسها ونهضت فأسندتها "زينات"و"أسماء" ناحية الخارج ، فحمل "ٱدم" "جنة" هذه المرة يديرها بسعادة بالغة من القبول ذاته ،. فعانقه "بدر" بتأثرٍ من هذا وتمسك به من الأسفل الصغار ومعهم "يامن"، لحظة عناق الإخوة شئ مؤثر الٱن قبال نظراتهم ، لمعت عيني "وردة". من هذا حتى بعدما عانقتهم"فاطمة" بحبٍ وهتفت في سعادة لهم :
_" ربنا يسعدكم ويسعد قلوبكم ومشوفش فيكم حاجة وحشة أبدًا!"
عانقها "بدر" بذراعه يضمها ناحيته ومعهم "ٱدم" الذي سمع المباركات من حوله بسعادةٍ ، فسارت "ياسمين" مع "حازم" إلى أن وقف يشير لهم بالخروج وخرج معها ليبدل ثيابه كما ذهبت هى الأخرى ، وتبقى هم ، فإعتدل " بدر" يحثهم :
_" طب خشي يا فاطمة عشان تغيري لعيالك ، وانت يا ٱدم روح يلا عشان تلحق تلبس وترجع!"
وافق برأسه وإعتدل يبتسم بإتساعٍ يودعهم ويودعها هي و أولادها ، وبدأ هو في الرحيل ناحية منزله ، في حين دخل"بدر" ليتجهز هو و"وردة" وصغيرهما ، وبقت "نيروز" مع "سمية" الٱن، فطالعتها "والدتها" بشففةٍ ورغم أنها تعلم الجواب الا انها سألتها:
_" مش هتيجي برضه ؟"
_" لأ ، أنا أصلاً مش قادرة فهدخل أنام "
تركتها قبل أن تضغط عليها ، وسارت"نيروز" ناحية غرفتها ومن ثم أغلقتها خلفها ، فزفرت "سمية " بقلة حيلة من هذا الوضع ، وسارت بخطى بطيئة متحسرة ناحية غرفتها كي تبدل ملابسها هى الأخرى !!
_________________________________
الٱن تم تفعيل وضع كلمات "الست " الذي قام بتشغيلها "غسان" وهو يرتدي مع شقيقه ، مشاعر مختلطة تهاجمه وهو؟ هو الٱن يقرر قرارات كثيرة يود بها الفرار من هنا حيث اقتنع انه المتسبب الأول في أذيتها كل سيرحل؟ هل سيبتعد عن مكان الوجع ليتركه كما كانت قد فعلت هى؟ وما شأن خطابة الثاني الذي ألقاه بشرفتها قبل ان يدخل شقيقه عليه الغرفة ليرتديا معاً ملابسهما؟.
«غصبت روحي على الهجران.. وانت هواك يجري ف دمي
وفضلت أفكر فى النسيان.. لما بقى النسيان همي
لو خطر حبك فى بالي.. والا زار طيفك خيالي
حاولت أهرب م الافكار..اللى تشعلل نار حبي
وفضلت وانا بالي محتار.. فى الحب بين عقلي وقلبي
وكان هجري عشان أنساك.. واودع قلبك القاسي
لقيت روحي فى عز جفاك.. بافكر فيك وانا ناسي
صعبان عليّ جفاك.. بعد اللى شفته فى حبك
مش قادر انسى رضاك.. أيام ودادك وقربك»
..وكأن الكلمات تتوافق معه، انصاته بشرود في هذا الشكل جعل شقيقه يصمت ويكف عن المشاكسة كي لا ينادي على وجعه بمواجهة كلمات حتماً سيكون لها تأثير الٱن عليه ..
«لكن اعمل ايه ..وانا قلبي لسه صعبان عليه
صعبان عليه إنه اتمنى ..جنة قربك
ونال مراده واتهنى .. بنعيم حبك
ورجعت تسقيه من صدك .. كاس الهجران
وتفوت عليه أيام بعدك .. سهد وحرمان
وقلت أراضيه وأنسى هواك .. واودع قلبك القاسي
وقلت أقدر فى يوم أسلاك.. وأفضي م الهوى كاسي
لقيت روحي في عز جفاك.. بافكر فيك وانا ناسي
ياما حاولت أنساك.. وأنسى ليالي هواك
وانسى الجمال اللى شفته.. في الوجود وياك,»..
إرتدى "بسام" ثياب لائقة أنيقة ،. والٱن يضع ٱخر اللمسات بالعطر في غرفة "غسان" الذي جاء من خلفه يرتدي السترة فوق القميص ، ومد يديه يلتقط المشط كي يمشط خصلاته بحذرٍ ، فانتشلها منه "بسام" بشقاوةٍ وهو يغمز له وهتف بمرحٍ يخفف عنه :
_" أنا الأول ، أنا العريس"
ابتسم "غسان" وتلمس رأسه بحسرةٍ مضحكة وهو يحرك رأسه بلامبالاة إلى أن مد "بسام" يديه بالمشط يمشط خصلات شقيقه برفقٍ ورتبها بيديه وهو يربت على جرح رأسه بترتيبٍ انتظر أمامه "غسان" بإبتسامة هادئة ، وعقب ما انتهى وضع على رأسه قبعة احتياطية إلى ان يصل هناك ، انتهى الإثنان الٱن وسمع "غسان" صوت الجرس الذي لا يتوقف أبداً بإزعاج فعلم أنه "شادي" لذا أشار له بغير اكتراث يخبره :
_" لا ده شادي ، عادي"
ضحك "بسام" بخفةٍ, فطالعه "غسان" بعمقٍ وهتف من تأثر اللحظة :
_" دلوقتي بس بعرف فرحة كل واحد فينا للتاني بتبقى عاملة ازاي ، أنا فرحانلك أوي يا بسام ، انت صبرت وعانيت كتير وربنا بيعوضك ، ألف مبروك يا دكتور!"
ضم رأسه حينها ناحيته بتأثرٍ وربت بكفه على رأسه المستندة على كتفيه ، فتنفس "بسام " بأريحيةٍ وهتف بمرحٍ يقطع تأثر اللحظة هي هذا الوقت:
_"سيبك انت، ده انت عليك حضن!"
دخل "شادي" على هذا القول بعدما فتح الباب بإندفاعٍ فنفضه "غسان" بعد هذا القول من عليه وأمسكه من تلابيبه بتشككٍ يسأله بأعين ضيقة :
_" ولا ؟؟ انت مظبوط ؟؟"
_"وربنا مظبوط ، ده أنا رايح اكتب كتابي اهو ،. أكتر حاجة تثبتلك اني تمام!"
قالها بضحكٍ على وضع "شادي" الٱن وهو يضع يديه على فمه بمفاجأةٍ من هذا المشهد والذي كان دوماً يوضع بموضع "بسام" به أما الان فضرب صدره بحسرةٍ وهو يقترب ولام "غسان" بحزنٍ :
_"بتخوني؟ ومع مين ؟ مع أخويا ؟ توأمك؟،و في حضنك؟"
أمسك موضع قلبه الٱن بتمثيلٍ ، فضحك "بسام" واقتربت "غسان" يبث شوقه له بعناقٍ أخوى سحبه به ناحيته برفقٍ ، فعناقهما "غسان" هما الاثنان بذراعيه وهو يضحك بخفةٍ على حديث "شادي"!!
بينما في الخارج جاءت "جنة" تُرى ثيابها الانيقة لـ "حامد" الذي حملها على ساقة مقبلاً إحدى وجنتيها بحنوٍ بالغ ومسح على وجهها مردداً بحبٍ :
_" عسل يا حبيبة جدو ، بقيتي فين بقا في القرٱن ؟ بتحفظي ولا لأ ، أنا عايزك شطورة مش زي البايظين التانين دول!"
ضحكت "جنة" ببراءة على كلماته وهتفت في حماس:
_" لا أنا رجعت احفظ من أول تاني عشان غيرت المكتب يا جدو"
بادلها"حامد" الحماس بنفس براءتها وقال يسألها بعد تشجيعه لها :
_" ده ايه الشطارة دي كلها ، طب بقيتي في سورة ايه دلوقتي!'
_" القدر"
ابتسم بإتساعٍ وسألها بترقبٍ ما ان كانت تفهم معنى الكلمات أم لا :
_" وعارفة معنى السورة ايه ؟ "
رفعت عينيها البريئة تنظر بصمت وسكون ونفت بضحكٍ خفيف ، فعدل جلستها على ساقه ومسح على خصلاتها وتعمد سؤالها برفقٍ :
_" طب سمعي يلا لجدو "
_« أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ , وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ،سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ»صدق الله العظيم "
قبل جبينها برفقٍ وابتسم بسعادةٍ يردد :
_" برافوا عليكِ يا حبيبة جدو ، شطورة، أشطر واحدة"
سعدت من مجرد هذه الكلمات ولكنه أراد توعيتها أكثر وقال يقص عليها بحديث مناسب لأطفالٍ :
_" عارفة السورة دي معناها ايه ؟ احكيلك.؟"
نظرت "جنة" بحماسٍ وحركت رأسها تؤكد وبقبولٍ فإبتسم "حامد" أخذاً انفاسه ببطئ. وخرج حديثه الهادئ بعقلٍ :
_"السورة دي بتتكلم عن ليلة عظيمة في شهر رمضان اللي احنا بنصوم فيه "
ترقبت حواسها وسألت بطفوليةٍ :
_" طب وليه هي سورة عظيمة يا جدو ؟"
_'عشان هي أعظم الليالي في الشهر الكريم ، اللي هو شهر الصيام ، وسيدنا محمد قال .. صلي عليه الأول !"
ابتسمت "جنة" وهي تردد بنبرتها الهادئة :
_" عليه الصلاة والسلام "
_" أجمل جنة ، كده نكمل بقا ، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من قام ليلة القدر ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه "
_'' كده يعني ربنا هيغفر لينا كل حاجة وحشة عملناها في ليلة القدر صح يا جدو."
_" اللي ربنا راضي عنهم وعن عبادتهم بيغفر ليهم طبعاً ، يارب نكون منهم ، قولي ٱمين"
_" ٱمين بس هي ليه اسمها ليلة القدر؟"
سألته بإهتمامٍ فأجاب بترحابٍ ليزيدها أكثر بالمعرفة :
_"لأنها تُقدر فيها الأرزاق والٱجال والأعمال بتاعتنا وعشان هي ليها قيمة وقدر ومنزلة عند الله سبحانة وتعالى، ووصانا الرسول اننا نترقبها ونستناها في الوتر من العشرة الأواخر في رمضان "
فسألته سؤال ٱخر ضحك منه على طريقتها في طرح الأسئلة :
_" يعني ايه الوتر يا جدو .؟"
قبل"حامد "وجنتيها بفخر واعتدل يرد عليها بتفهمٍ :
_" الوتر يا چنچونة يعني الليالي الفردية. يعني يوم ٢٠ الليلة بيكون بعدها ايه ؟ ٢١ صح؟"
عدت "جنة " على أصابعها بإنتباه وردت في اندماج :
_"أيوة يعني كدة ليلة ٢١ و٢٣ و٢٥ و٢٧ صح؟"
_"صح شطورة يا حبيبة جدو ، نكمل بقى .. ربنا بيقول انا أنزلناه في ليلة القدر، يعني بداية تنزيل القرٱن بتاع ربنا على سيدنا محمد نزل في ليلة القدر أول حاجة وبعد كدة فضل ينزل شوية بشوية، ولما قال ليلة القدر خير من ألف شهر يعني الليلة الواحدة عن ربنا أفضل من شهر كامل ، وقال كمان ان الملائكة بتنزل فيها بس بأمر من ربنا ، والليلة بتخلص حتى مطلع الفجر "
صمتت تنظر بفهمٍ وابتسمت له فقال مجدداً :
_" والرسول قالنا اننا ندعي في ليلة القدر ونقول ، اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنا "
صفقت بحماسٍ وقالت وهي تهبط من على ساقه:
_" هكتبها في الكراسة عشان ابقى افتكر اقولها لما رمضان يجي وليلة القدر "
تأثر من هذا فضمها بعناقٍ مرراً يديه المجعدة على خصلاتها ، فجاءت"دلال" تبتسم له بحبٍ فطالعها هو بنفس الحب وهو يتمسك بيديها بعدما قبلت الصغيرة ، وهتف بمشاكسةٍ ضاحكة جعلت ضحكتها تظهر:
_"ده يخربيت حلاوتك يا أم غسان!"
_" يوه يا حامد ، ما تبطل يا راجل ، جايلك احفاد توأم في الطريق ، اختشي بقا"
ضحك على قولها وخرجت الصغيرة من باب الشقة لتتجه ناحية والدتها هناك في حين سحب "حامد" زوجته ناحية غرفة"غسان" الذي كان يحتضهم مجدداً بحبٍ بعد حديث مشاكس مرح شبابي بينهم ، والذي دخل "حامد" عليهم الٱن وهو يهتف بهذا الوضع :
_" وأنا مليش نصيب يولاد الكلب ولا ايه؟!"
أشار له "شادي" وهو بضحك بصوتٍ فدخل "حامد" بينهم ودخلت "دلال" حينها وهي تسحب "منة" معها ، فخرج "بسام" يتوجه أولاً ناحية "والدته" التي أدمعت عينيها الٱن بتأثرٍ وهتفت وهو يلتقط كفها ليقبله :
_"ربنا يفرحك يا بني ، ويتم الفرحة دي عليكم بخير يارب!"
إحتضنته حينها بعاطفة أمومة ، ووقف "حامد" ينتظر فأمسك "بسام" كفيه يقلبهما ومد ذراعه يضم والده ناحيته بعناق عميق هذه المرة ، ودخلت "وسام" مهرولة بعدما انتهت للتو ودارت حول نفسها بفستانها تسألهم :
_" ها ايه رأيكم؟"
_" أحلى واحدة هناك وهنا وفي كل مكان"
نظرت بحبٍ ناحية "غسان" الذي اقترب يمسح ما أسفل عينيها بحنوٍ ودارها مجدداً بسعادة أظهرها وكأنه يرى أن من حقهم رؤية هذا به ، بل ليس لديهم ذنب بما يشعر به من وجع ، وتزامناً مع مسكه ليديها كي يديريها هتف "شادي"و"بسام" بنفس الوقت :
_" عسـل"
ابتسمت تتصنع الخجل ، واقتربت تعانق "بسام" بتأثرٍ ومن ثم نظرت لها "منة" بإعجابٍ وخرجت من أحضانها تخبرها بصدقٍ :
_" زي القمر يا ويسو!"
تلقت منها قبلة طائرة قبال الحديث العشوائي الٱن والمتأثر بين ثلاثتهم و"حامد" ، فأمسكت "وسام" يد "والدتها"كي يخرجا معاً ناحية الخارج ، وهتف "حامد" حينها يخبرهم :
_" يلا بينا"
إلتقط "غسان" هاتفه يضعه بجيبه بعدما ارتدى ساعة معصمه التي قد ابتاعتها هى له ، وشرد ذهنه بها لا يعلم هو ستأتي أم لا ، ولم تعطي جواب لـ شقيقته نافع كي لا تأخذ منها موقف ، فُتح باب الشقة وخرج أخرهم "شادي", و"منه" التي تتأبط ذراعه فغمز لها مشاكساً رداءها الرقيق وخصلاتها القصيرة وحتى عينيها :
_" احلى أم عيون قناصة ممكن تشوفها عيني"
ابتسمت بخجلٍ وخرجت فمد "غسان" يديه وهو يبتسم على مشاكسته وأغلق الباب خلفهم ، وقابلوا على السُلم الٱن أمام الشُقق ، خرجت "فاطمة" مع الصغار ، وابتسم "حامد" بسعادة لهم ، في حين خرجت"فريدة" الٱن مع "حازم" و"ياسمين"و"زينات" التي لابد من حضورها الٱن وتركت "أسماء" في شقة "عايدة" بإذن منها كي لا تعود لخطر شقيقها ، وقف الكل والأصوات تتعالى حتى بعد تجهيز "وردة"و"سمية" بحث "غسان" عنها بعينيه ولم يجدها ولكنه اقنع نفسه الٱن بأنها ستأتي لا محال ربما تأخرت وستتجهز!! ، وقف "حازم" ينظر ناحية "فريدة" وتصلب جسدها بين الحين والأخر وحتي عجالتها في الرحيل للمناسبة ولكنها تندمج تدريجياً مع الفتيات الٱن ،
فصاح عالياً يخبرهم بتفسيرٍ :
_" أنا هاخد مراتي وأمي وأختي وأمها معايا "
وأكمل عليه قول "بدر" بتفسيرٍ أخر :
_" وأنا مأجر العربية ، ومعايا. وردة وأختي وعيالها وحماتي وشادي معاه الباقي في عربيته ومعاهم عربية "غسان " اللي هيسوقها "بسام " في حد كدة ناقص؟"
رفض الكل فبدأ البعض في الإنسحاب في المصعدين وأمسك "بدر" يد "سمية" ورافقت "وردة" "فاطمة" والصغار ناحية الأسفل مقررين انتظار قدوم "ٱدم", حتى يرحلوا ، في حين هبط "غسان" الٱن بشرودٍ على السُلم واعتقد بأن انتظارهم ليس لـ "ٱدم",, فقط ربما لها هي وهي تتجهز ، هكذا أقنع عقله بأنها ستأتي!! ، هبط لأسفل حيث السيارات ومعه شقيقته الٱن ترافقه ناهيك عن هبوط البقية الٱن، والبعض منهم يحاول فتح أي حديث لتندمج "فريدة" والتي اندمجت بالفعل تحاول ابعاد أي تفكير سلبي عن عقلها ، وحتى "حازم" الذي لا يقتنع الى الٱن بل لا يعي أن شقيقته سيصبح من حقها الرحيل مع "ٱدم" وفاطمة بعيداً. عن مكان الوجع ، هل ستنتهي إلى هنا وهكذا ؟ ، الغريب انها لم تهاب هذه الفكرة بثقةٍ منه ولكنها بالفعل نفذت طاقتها قبال هذا المكان وما يجري به وما جرى من قبل سنوات منذ ان وعت على هذه الحياة ، فمتى الراحة ؟ وهل الراحة ستكون معه هو ؟ أسئلة تسألها عقول غير عقلها المسكين الذي يسأل فقط السؤال الأول!
________________________________
وضعت اللمسات الأخيرة الٱن بعد أن انتهت "فرح"بفستانها الهادئ الأبيض ، وحجاب رأسها الذي كان من نفس اللون ، وإرتدت "جميلة" فستان من نفس لون حلة "عز", فستان بيج متداخل به لون أسود ببساطةٍ مع حجاب عقدته بتنسيقٍ ،. انتهت من وضع مساحيق تجميل خفيفة وطالعتها "فرح" ما ان انتهت ، فإلتفتت "جميلة" تنظر بإعجابٍ للمرة التي لا تعرف عددها واقتربت تعانقها مجدداً. بتأثرٍ ، وهتفت تصارحها بصدقٍ :
_" شكلك حلو أوي يا فرح ، والميكاب اللي عملتيه لنفسك تحفة!"
ابتسمت بسعادةٍ وهي تنهض بمساعدتها ونظرت لمظهرها أمام المرٱة بفرحةٍ ، فطالعت "جميلة" فرحتها بسعادةٍ ، وردت لها قولها المتأثر :
_" انتِ كمان جميلة أوي ، تعالي نخرج نشوف عز ، عشان يقول رأيه!"
وافقتها وانحنت ترتدي حذاءها ذو الكعب المتوسط مثل الأخرى ، واعتدل الإثنان وفتحت "جميلة" الغرفة لتجد "عز" الٱن يقف مستنداً على المقعد واضعاً الهاتف على أذنه وهو يُحدث "غسان وبسام" يعلم منهما تفاصيل جديدة صدمته ، على الرغم من أن "ٱدم" أخبره قبل قليل باعتباره أصبح صديقاً له هو الٱخر والعمل! انهى المكالمة بنبرةٍ مبتسمة هادئة غمرتها السعادة من أجلهم ، ووضع هاتفه بجيب بنطاله القماشي الخاص بالحلة ، ورفع رأسه حتى عاق نظراته وقوفهما الٱن بجمالٍ رٱه هو بهم ، ابتلع ريقه بابتسامة متسعة واقتربت "فرح" تسأله بلهفةٍ :
_" ايه رأيك بقى؟"
مشاعر كثيرة تواجهه لا يود فعل ما حدث المرة السابقة بقول حديث متأثر ، سيهرب منه بعناق فقط الٱن عندما ضمها مردداً بصراحةٍ :
_" حلوة أوي يا فرح ، ربنا يحميكِ!"
لم يجد قول يعبر له عن تأثره أكثر من الدعاء لها ، ضمته بحبٍ وأشارت بكفها ناحية "جميلة" التي تقدمت وحينها سألته بمشاكسةٍ تحاول ان تظهر له بأنها بخير :
_" شكلي حلو يا عز؟!"
دائماً ما تردد هذا السؤال ، حاولت "فرح" تركهما مع بعضهما بهذه اللحظة خاصةً بعدما شعرت بثقل "جميلة" ولا تعلم السبب ، فهتفت أولاً قبل ان يجيب :
_'' طب بصوا, هسبق أنا عشان زمان البنات اللي عزمتهم جم ، هستناكم ، متتأخروش"
قبل أن تعترض "جميلة" وجدتها تغلق الباب وهي تتمسك بطرف ثوبها ،. فإلتفت "عز" برأسه وسألها بما جعلها تضحك :
_" مش ملاحظة ان البت فرح تخنت شوية؟"
هل سألها بهذه الطريقة لتضحك؟ ، ضحكت بخفةٍ وأجابته بجديةٍ :
_" فعلاً ، النفسية الحلوة حاجة مهمة برضه ، وهي شكلها فرحانة أوي ،. ربنا يديم فرحتها دي ويخليك لينا يا عز !"
حرك رأسه موافقاً واقترب يمسك كفها بحنوٍ بين راحته وسألها بمراوغةٍ :
_" طب مش عايزة اجابتي على سؤالك ولا نسيتي؟"
بالفعل لم يجيب على سؤالها ، حركت رأسها برغبة في سماع الرد وابتسمت بإتساعٍ فأخذ نفساً عميقاً يكرر قول كان قد قاله لها من قبل :
_" حاز الجمال والحُسن كله"
تزامناً مع هذا رفع يديه الأخرى يشير عليها بالكامل ودارها برداءها فإقتربت تحتضنه براحةٍ ولمعت عينيها بتأثرٍ فمرر يديه على ظهرها برفقٍ حتى خرجت تبتسم بإتساعٍ وكأن التساؤلات أجمعها تأتى منه حينما سألها مجدداً :
_" طب مش عايزة خبر يفرحك ؟"
قرأ الإجابة في عينيها فجاوبها وهو يسحب كفها ناحية باب الشقة:
_"كتب كتاب ٱدم وفريدة النهاردة مع فرح وبسام!"
_" بــجد؟؟؟"
سألته بإندفاعٍ وبدون أن يُفسر لها حرك رأسه وهو يضحك بخفةٍ، فشعرت بالسعادة جاهلة عن سرعة هذا الحدث وما بعده ! ، أغلق الباب ، وجاب مسامعهما الٱن الأصوات المداخلة وصوت السيارت التي تفعل صوت يوحي بالفرحة والبهجة ووقوفهم خلف بعضهم الٱن بعدما جاء المأذون بواسطة "بسام " ، انتفضت "جميلة" بسعادة وتمسكت بكفة بتلقائيةٍ تخبره بفرحةٍ :
_" دول جم خلاص!"
تلهفت لتراهم وترك كفها كي تهبط وهبط وهو يضحك بخفةٍ على اندفاعها وفرحتها التي زادت بعد الخبر التي تلقته منه من أجل شقيقتها ، هبط بسرعة ليستقبلهم وفي الداخل حيث منزل "حنان" أتت المعازيم من الطرفين ولكن طرف العروس كان أكثر عن "بسام" وأصدقاءه وبعض من الأقارب ، تمسك "بسام" بباقة الورد وبجانبه عائلته والكل يهبط الٱن ، واقتربت "جميلة" بفرحة تدخل بين ذراعي "حازم" بسعادةٍ وحينها ضمت "فريدة",و",عايدة" وهتفت بتحشرجٍ لهم:
_", وحشتوني أوي"
ربما رد فعلها أتي من مشاعرها التي داهمتهما فرغم احتواء "عز" ولكن منذ الموقف الذي حدث شعرت بأنها غريبة هنا ما ان حدث ما فعلته زوجة خاله وهو ليس موجود ، ضمتها "عايدة" بحبٍ هي و"فريدة", ودخل "حازم" مع الشباب والرجال في حين توقفت "ياسمين" بين هذا التزاحم ووضعت يديها في خصرها تسألها:
_" نسيتيني يابت ؟ نسيتيني ياحرباية؟ "
شهقت "جميلة" وهي تطالعها هكذا ومعها "وردة" التي تركت صغيرها مع والده وضحكت على قول شقيقتها ، فإندفعت "جميلة", تعانقهم بحبٍ ومعهم "وسام" و"منة" وبالأخرى "فاطمة" كنوع من الذوق ، وهتفت بصدقٍ تخبرها :
_", والله أبداً ، كنت بدور عليكم ، وحشتوني أوي ،كان نفسي اجيلك امبارح يا ياسمين لما عرفت انك حامل في بنت بس مفضتش خالص متزعليش مني!"
أعطتها العذر وسحبتهم من يدهم ناحية الداخل ، ومع هذا التزاحم جلست النساء بركنٍ والرجال والشباب بركن ٱخر ناحية سفرة وطاولة أخرى جلس عليها المأذون بعد ترحيب "عز" لهم ، وفي جهة أخرى قررت الفتيات وخاصةً "ياسمين" قص مختصر ما حدث من عقد قران وما بعده لـ "جميلة" التي تساءلت من قبل هذا:
_" أومال فين نيروز ؟ فين نيروز يا طنط سمية !"
إلتقت برأسها تزيد من ارتفاع صوتها كي تسمع من الأصوات المتداخلة ، فنفت "سمية" برأسها ومالت تخبرها بأسفٍ :
_" مقدرتش تيجي يا حبيتي، قالتلي انها تعبانة وعايزة ترتاح!"
شعرت بالحزن لأجلها وجابت عينيها سبب عدم القدوم بتلقائية ، هو ؟ هو الذي يجلس وبان على عينيه الشرود وكأنه يبحث عنها في الوجوه الٱن على الرغم من أنه قارب على فهم انها لم ولن تأتي! ، هل تُركت هناك وحدها ؟ انتشله من هذا حث "حامد" له بأن يخرج بطاقته كشاهد هو والأخرين ، وعلى جهة أخرى تعالت الهمسات بسعادة بين "منة"و"فرح" وهي تبارك لها ثم عادت لتجلس بجانب الفتيات مع "جميلة"..
"فرح"؟! الآن يبحث عنها هو بعينيه وعم الصمت على فجأةٍ بعدما بدأت خطبة عقد القران ، والكل الٱن يستمع بفرحٍ وعيناه تتقابل مع عينيها من على بعدٍ أصوات خارجية وداخلية وعيناه لا تتزحزح من عليها ما ان هتف المأذون ببشاشةٍ وهو يشير له على "عز" :
_«إيدك في ايده يا عريس!»
مد "بسام" كفه بمشاعر مختلطة سعيدة وتمسك بكف "عز" الٱن وفوق يديهما المنديل القماشي ويد المأذون والشهود المراقبين للوضع ، لكثرتهم انسحب "ٱدم" بخفةٍ ما ان شعر بشرودها وتقابلت عينيه معها وهو يشير لها بأن تتبعه وبالفعل تجرأت "فريدة" ونهضت تتركهم حتى تقف معه في الخارج ،في حين بدأ المأذون يردد كلماته وما بين سعادة وتوتر كان هو وكانت هى ، والوضع يقوم بالتصوير منهم جميعاً بلحظةٍ بهجةٍ ، نهضت"فرح" لتقوم بالجلوس بجانب"عز" حتى تقوم بالإمضاء قبل هذا ومن بين هذا خفق قلبها بمشاعر غريبة ما ان ردد "بسام " من بين الحديث خلف المأذون :
_« ..واني استخرت الله تعالى وقبلت ورضيت الزواج بموكلتك الٱنسة البكر الرشيد "فرح صالح الشرقاوي" على كتاب الله وسنة رسولة وعلى الصداق المسمى بيننا زواجاً شرعياً صحيحاً ، وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين!».
وما بعد هذه الكلمة ارتباك ، ارتباك منه ومنها ومن النظرات بالفرحة والسعادة والبهجة وقول المأذون وهو يسحب المنديل القماشي مردداً بعلوٍ :
_" بــاركَ الله لكــما وبـــاركَ عليكــما وجمــع بينكما في خــير!"
رددها المأذون ومعه أصوات كثيرة بصوت عالٍ ، جعلت "عز" ينهض بابتسامة واسعة، والزغاريد تعلو بقوةٍ كبرى في أرجاء المنزل المزدحم بالأقارب والأصدقاء والمعارف ، شعر بأن الفرحة تغمره الٱن وأصوات الزغاريد في علوٍ هو نفسه لا يسمع مباركة الشباب له وهو يعانقهم الٱن حتى توقف "عز" بتأثرٍ يعانق "فرح" التي لمعت عينيها من توتر اللحظة ، داخلها يتضارب بمشاعر هادئة وعكسها، تلاقت عينيها معه وهو يعانق "والده"و"شقيقه" الٱن والكل يعانق ويحتضن بعضه وهى تركت له اللحظة التي من المفترض من حقها واقتربت من "والدته"ووالدتها " تحتضنهم أولاً ومن ثم بقية النساء والفتيات والأصدقاء وخاصةً تأثر "جميلة" لها الٱن وسعادة "وسام ", البالغة بذلك!!
بينما على بعد خارج باب الشقة ، وقف هو ينتظرها حتى خرجت له "فريدة" بخوفٍ ، لم تكن تعلم ان الوضع هكذا ، حبست الدموع في عينيها ونادته بتقطعٍ :
_" ٱدم .."
لم تستطع إكمال البقية ، ابتلع غصة مريرة بحلقه وهو يراها تفرك كفيها وكأنه قارب على فهم على ما يجري داخلها فإقترب يطمئنها :
_" متخافيش يا فريدة، أنا معاكي ، عمري ما هسيبك ، انتِ موافقة صح ؟ لسه موافقة ؟ ، ردي متخافيش!"
حركت"فريدة "رأسها بنعمٍ وعجزت على أن تظهر مخاوفها فظهر لين نبرته حينما قال بأمانٍ :
_" وأنا وعد مني مش هأذيكي ، وهخليكي معايا على راحتك ، أنا عارف انك معندكيش القدرة ولا الطاقة تشوفي بيتكم من تاني بكل اللي فيه ، وعارف إنك نفسك تبدأي صح وفي نفس الوقت عايزة تواجهي كل ده ، بس أنا مش هغصبك على حاجة ، ليكي كل الحرية حابة تيجي معايا تعالي حابة تفضلي هناك افضلي ، بس أنا عايز أقولك انك معايا في أمان، أمان هحاول اظهرهولك بكل الطرق ومش هقرب ولا هعمل حاجة طول ما انتِ مش جاهزه ولا مستعدة لسه ، أنا فاهمك يا فريدة ، ونفسي في راحتك وسعادتك وبس"
نزلت دمعتها الٱن بتشتتٍ وهو وحده من تظهر له الضعف حينما قالت وكأن لا يوجد على عقلها سوى هذه الكلمات:
_" مش عايزة ارجع هناك يا ٱدم ، مش عايزة ، أنا تعبانة أوي ، متسبنيـش!"
ما هذه اللمعة التي ظهرت في عدستيه وما هذا التعلق الذي يظهر منها ، نفى برأسه بلهفةٍ وقال يطمئنها وكأنها طفلة لا تتخطي السبعة أعوام:
_" مش هسيبك والله أنا جنبك، انتِ خايفة من ايه!!"
ما تهاب منه الٱن صعب، صعب قوله ، ولكنه برر لها كل مخاوفها في أقواله السابقة ، ابتلعت ريقهاولأن نفسيتها هشه انتفضت ما ان استمعت للتصفيق ما ان انتهي عقد القران في الداخل تزامناً مع ذلك ، فمد يديه سريعاً أمامه تحسباً لوقوعها ولكنها استندت وعجزت وهي تشدد من ضم عينيها !!
وكأنه فهم الٱن ما جاء على ذاكرتها فاقتربت يخرجها من أفكارها وهتف بهمسٍ كي تستمع إليه مع هذه الأصوات:
_"متخافيش ، انتِ المفروض في عقد الجواز بِكر يا فريدة ، وطالما أنا عارف كل حاجة خلاص "
هل هابت قول شئ غير هذا في عقد القران المفاجئ؟ ، فتحت عينيها بمفاجأةٍ من قوله وكشفه لما جاء بعقلها ، فإبتلعت ريقها تود تصديق هذا وقد حرك رأسه يؤكد قوله بابتسامة بسيطة هادئة ، حينها قطع أي خوف بنبرته الحانية وهو يحثها بمشاكسةٍ:
_" مش يلا بقا ، دا احنا اللي علينا الدور يا .. شاطرة!"
انفلت منها ابتسامة هادئة صغيرة ولم تمنع عنادها في ان يظهر حينما قالت:
_" متقوليش يا شاطرة"
ضحك بخفةٍ ، ووافق برأسه دون أن يعاند هذه المرة ، فأشار لها بهدوء مع ضحكته ، واقتربت حينها تدخل وهو خلفها ، وقتها كان يبحث عنها "حازم" والبقية ، وما ان ظهرت سحبها شقيقها ناحية الطاولة حتى جلس وهو يحثها برفقٍ مواسياً اياها بكلمات لينة أشبة بكلمات الٱخر..
وأشار له "بدر" هو الأخر ليأتي ، واجتمع الجميع مرة أخرى حتى ساد الصمت ، وسيتم عقد القران المفاجئ بكل سرعة الٱن ، تمسك "ٱدم" بيد "حازم" بعدما أخرج بطاقته وبطاقة "فريدة" وبدأ في فعل ما فعله في البداية وهي الٱن يحتلها توتر ، توتر غريب يسكن ما ان يطمئنها هو بعينيه ، في حين وقف "بسام" بجانب"غسان"و"شادي"و"عز" ، وكلما يحاوطها بعينيه وهي مع الفتيات على بعد تهرب منه بخجلٍ ، الٱن هى أصبحت حلال له ، سيطالعها كما يريد ، وكزه "والده" فإنتفض يخرج من شروده بها يستفهم منه بضجرٍ ، فأخرج سريعاً بطاقته كشاهدٍ عند ترديد "حازم" الكلمات خلف المأذون :
_"بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، أما بعد إني إستخرت الله تعالى وزوجتك موكلتى الأنسه البكر الرشيد " فريدة سليم محمد أحمد الأكرمي"،لنفسك زواجاً شرعياً صحيحاً على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمي بيننا ، وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين"
ارتبكت بخوفٍ من الكلمات ذاتها ولكن نظرات الفتيات المشجعة لها وحتى ابتسامة "زينات " المحفزة لها جعلتها تبتسم بإهتزازٍ وهي تسمعه يردد وعينيه لا تفارق عينيها الٱن :
_"واني استخرت الله تعالى وقبلت ورضيت الزواج بموكلتك الٱنسة البكر الرشيد "فريدة سليم محمد أحمد الأكرمي" على كتاب الله وسنة رسولة وعلى الصداق المسمى بيننا زواجاً شرعياً صحيحاً ، وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين!».
خفق قلبها ما أن تبسم "ٱدم" لها بسعادة وغمز لها بخفةٍ وحدها من لاحظتها فضحكت عليه بتخفيفٍ وسمعت الأصوات تتعالي مما بث في داخلها فرحة غريبة، بل الأصوات أعلى من قبل ، أعلى من عقد القران السابق بتهليلٍ لأصدقاءه هو و"عز" في ورشة العمل :
_" بـــارك الله لــهما وبارك عليــهما وجمع بينهما في خــير!"
انفلت ضحكتها بسعادةٍ ما ان وجدته يلتفت بسرعة يعانق الشباب بفرحٍ شديد ، حتى شقيقه الذي يبارك له ،. أما هي فوجدت نفسها بين عناق "حازم"ومن ثم هرولة "زينات" و"عايدة" لها كي يحتضنوها ومن ثم الفتيات بفرحة شديدة ، شديدة جدا مع الزغاريد والأغاني التي صدحت بعلوٍ الٱن!!
اقتربت مع الأغاني "فرح" و"بسام" وهما يجلسان على المقعدين بجانب بعضهما واتجهت "وسام" تحمل الذهب الذي ابتاعه لكي ترتديه هي بواسطة اعطاءه له من شقيقته واحد تلو الاخر ، مد "بسام" يديه يضعه كي تضع "فرح كفها الأيسر بين راحته ، ارتجفت يديها بحرجٍ وهي تطالع عينيه الشغوفة بها فمال قبل ان يلتقط دبلتها من شقيقته وهمس بحبٍ يصارحها :
_" أنا فرحان أوي يا فرح ، فرحان أوي يا وصية رسول الله"
تأثرت من لقبه ، ولاحظت أنه يُسمي رقمها هكذا على الهاتف ، ابتلعت ريقها وهو يبتسم باتساع قبال تصوير "غسان"و"شادي" ونظرات الكل المترقبة ، وجعلها ترتدي الدبلة بواسطته فتعالت الزغاريد بفرحةٍ كبيرة، وعقب ذلك ارتدت الخاتمين والسوار الرقيق على معصمها ، فابتسمت بسعادةٍ ،. وانتشل القلادة يشير لها بأن تلتفت فالتفت حتى جعلها ترتدي بواسطة يديه من فوق الحجاب والرداء ، فضحكت بخفةٍ تهمس له بعفوية :
_" ايدك بتترعش يا دوكّ"
_"كأنها أول مرة معاكي يا فرح ،أصل انتِ أول مرة فكل حاجة حلوة حصلتلي!"
هذه المرة ارتجفت يديها من غزله العميق ، ابتلعت ريقها وهي تأخذ دبلته من يد "وسام" التي تعالت زغروده منها الٱن، ففرد "بسام" كفه الأيسر، التي أمسكته هى بيديها الباردة وكأنه يردها لها فسألها بهمسٍ عابث كي تسمعه:
_" ده انتِ ايدك متلجة يا دكتورة بقا !"
وأجابته بنفس عبثه وهي تضحك بخجلٍ مُحَبب ولكنه صادق ما ان قالت بمرح :
_" اصلها أول مرة ، أول مرة أتخطب لـ بسام !"
ضحك "بسام" بصوتٍ عالٍ وارتدى الدبلة بواسطتها حينها زفرت أنفاسها من هذا ، ولكنها خجلت ما ان وجدته يرفع كفه كي يقرب رأسها فقبل قمتها ببرٍ ورفقٍ أمام الأعين والذي صاح الشباب له بتهليلٍ وحماس ، فإحمرت وجنتيها وهي تنظر له بتعلقٍ في عينيه..
لحظات سعيدة يتمنى الكل استمرارها، الكل يتابع، الكل ينظر حتى بعد الأغاني التي تتعالى بعد أغنية ارتداء الذهب بتنسيقٍ من ما فعل هذا ، وقفت "فريدة" بجانبه ، وهو الٱن لا يصدق الذي حدث ،. لا يصدق بأنها أصبحت على اسمه هو ، التفتت بعدما صفقت لهما ،فوجدته يطالعها بتعمقٍ ، فابتسمت بخجلٍ ، كل مايريده الٱن هو عناق ولكنه توقف عن فعلها كي لا تهابه ، يقدر جيداً ما حدث لذا يتعمد الحنو والصبر ، مد "ٱدم" يديه يمسك كفها بين راحته ورفعه ناحية شفتيه يقبله وهمس على مقربةٍ منها :
_" نسيت أقولك إنك طالعة حلوة أوي ، أحلى واحدة في عيني!"
أجملهم كانت هى، وكأن الله يعوضه بكل شئ ، ابتلعت "فريدة" ريقها بخجلٍ وسحبت كفها منه بالتدريج تنظر حولها وعادت تسأله بإهتزازٍ :
_"مبسوط ؟"
ابتسم "ٱدم" بعذوبة وكل الأصوات حوله ولكنه لا يسمع سوى خفقات قلبه ولا يرى إلا عينيها الٱن ووجهها المرتبك بابتسامتها المهزوزة والضعف الذي يُرفَض ان يظهر لأحد عداه هو :
_"فوق مما تتخيلي ، لو حد كان قالي من فترة ان كل ده هيحصل مكنتش هصدق ، بس ساعتها كنت هتمنى ، هتمنى بس انك تكوني من نصيبي ، أنا..بحبك!"
اعترافه الأخير لها وكأنه يعترف لأول مرة ، لمعت عينيها وابتسمت بإتساعٍ ، وراقبهما "حازم" ما ان رأهم هكذا زفر أنفاسه براحةٍ ومد ذراعه ناحية "ياسمين" التي ابتسمت له بحبٍ تطمئنه بعينيها الخضراء الذي لم يجد الأمان والدفء الا بها ، انشغل الكل بالطعام الذي وُزِع عليهم بالتساوي ، ووقف "غسان" يراقب وحده من على بعد كل منهم!!
وحده؟، هل هذه النهاية ، وحده الآن يراقب هذه المشاعر بين كل طرف والأخر ، ما يحتله الٱن مشاعر تلح عليه بالذهاب من هنا ولكن لا يعلم إلى أين ، ابتلع ريقه من فكرة عدم وجودها ، فكرة انها ليست هنا تشكل له فتور في كل شئ ، بالتأكيد ان كانت هنا لشئ ما اختلف ، لامتلئ هذا الركن الفارغ بالداخل والخارج ..
اختنقت أنفاسه وحاول ان يشغل عقله وهو يطالع الصور الذي التقطها "لوالديه" معاً ، أقصى ما كان يتمناه هو قصة مشابهة لقصة والده ووالدته، حب يدوم,, انتماء يظهر ، احتواء يسود ، وأطفال تأتي على هذا بكل طريقة سوية يمكن فعلها ويمكن ظهورها ، كل خططه تتبخر وتذهب هباء أمام رغبته ، ومهما انشغل عقله فيعود في كل مرة يفكر بها هي وهي وحدها!، ترك العلبة التي بين يديه والأطباق و انسحب بخفةٍ دون ان ينتبه له أحد مع صدوح الأغاني من جديد بعد تناول الطعام والحلوى!
نهض "بسام" يمسك كفي "فرح" كي يتراقص معها بهدوءٍ دون اندفاع أمام الكلمات والتصفيق واندمجت هي قبال الانظار الفَرِحة ، وجلوس "عز", الٱن وهو يغلق هاتفه بعدما قام بالتصوير ، إلتفت برأسه فوجد" جميلة" مندمجة بالتمايل من كفتيها فقط وانسحب الشباب والرجال للجلوس على المقاعد في الخارج وقبل ان ينهض سمع قول "زوجة" خاله لـ "والدته" التي تجلس بجانبه:
_" يختي البت مرات ابنك دي مش عاقلة ليه كدة ، شوف شوفي بترقص ازاي وفي شباب!"
لم تتراقص بتمايل لكل هذا ، عقد ما بين حاجبيه من أقوالها ، والتفت برأسه ينظر ناحية الشباب فوجدهم ناحية الخارج ومن هنا كان هو فقط و"حازم" المنشغل بـ "ياسمين" وهو يحذرها من الحركة!! وعلى بعد كان "ٱدم" مع "فريدة " منشغلاً بها ، اعتدل "عز"يسألها بحدةٍ بالغة ظهرت في نبرته ونظراته :
_"بتقولي حاجة يا مرات خالي ؟ سامعك بتجيبي سيرة مراتي ، كانت زعلتك في حاجة ؟"
تشنج وجهه فإعتدلت تصمت بمفاجأة من سماعه لهذا ، فقلب عينيه بجمودٍ ناحية "والدته" التي تصمت لها دون دفاع ، ونهض يقف قبالها وانحني يهمس لها بهدوءٍ :
_" شيليها من دماغك ، ولو كنتي فاكرة انها غلبانة مش هتعرف ترد فأنا موجود يا أم هاجر وأدرى بمراتي ، أصل عيب ، عيب أوي اسمعك. تقولي كده عن مراتي ، قدري كنت غبي مفهمتش وحصلت مشكلة ؟. ..ولا انتِ عايزة كدة!"
هل لعب على المكشوف الٱن شهقت "ميرفت" بتمثيل وردت بصوتٍ عالٍ ليسمعها :
_" اخص عليك يا واد يا عز ، بقا كدة، تصدق عني كده ؟"
نظر لها بسكونٍ فعادت تبرر بدراما لم يستشفها حينها :
_" دا أنا خوفت عليها ,ما هي زي هاجر بنتي برضه ، طب تصدق اني قولتلها تخفف الروج شوية وتقعد مترقصش الا ما الرجالة تطلع عشان عيب ، مردتش عليا ولا عملتلي اعتبار واستعجلت برضه ، بس معذورة فرحانة باختها بردك!!'
تلقائياً نظر ناحية شفتيها ، وإعتدل يتركها دون رد كي لا ينفعل بعد كم هذا الصبر ، واقترب يراقب "جميلة" التي وقفت بركن تتابعهم وتصفق واقتربت بعفويةٍ ناحيته تسأله من وقوفه هكذا:
_"مالك يا عز ، واقف ليه كده؟"
نظر ناحيتها مطولاً ، فرفعت يديها على شفتيها تلقائياً ، وسألته بتلقائيةٍ :
_" في حاجة عليا ولا ايه؟"
_"هو البتاع اللي على بؤك ده مبيتخففش ؟"
سألها فعقدت ما بين حاجبيها وسرعان ما ابتسمت تشاكسة بضحكة خفيفة:
_" بتاع ايه يا عز ، انت بتهزر؟ دا لون شفايفي أصلاً !"
صمت يبتسم ورمش بأهدابة يعي انه انساق خلف كلمات للايقاع بينهما ابتسم ببساطةٍ يومأ لها متنفساً بعمقٍ في حين استشعرت هى صمته فسألته بقلقٍ وترقب:
_" لو مدايق ممكن امسحه عادي ، مكنتش شايفة انه مُلفت !"
حرك رأسه مبتسماً يراضيها وقال بتبريرٍ :
_''لا مش ملفت ولا حاجة ، أنا اللي مش مركز معلش!"
راضاها بنظرة وبحركة رأسه ونظر بضيقٍ ناحية الأخرى ، وعاد يشير لها بلاشئ حتى خرج مع الرجال والشباب وأشار لـ "ٱدم" حينها كي يخرج معه بجديةٍ ففهم الأخر ، وتساءل "حامد" في الخارج بإستغرابٍ يسألهم ويسأل "بدر" و"شادي" اللذان كانا مرافقان لـ "غسان" :
_" أومال غسان راح فين؟"
_"مش عارف ، تلاقيه في الحمام ولا حاجة ، هيظهر دلوقتي متقلقش ، هو بس الدنيا زحمة "
هكذا برر "شادي" وأيده "بدر" الذي حمل "يامن" يلاعبه ، ولا يعلم هو ان الٱخر قد رحل من هنا ، جلس معهما "عز" بحديث عشوائي بين الشباب والرجال وتركهم في الداخل يتراقصون على الأغاني بسعادةٍ وبهجة!!
___________________________________
«لا أستطيع الذهابَ إليك، ولا أستطيع الرجوع إليّ، تمرّدَ قلبي عليّ»-مُقتبس-
_« الخطاب الثاني»
_« هجرك شئ موجع جدًا ، ولكنها الأيام ، مهما كثرت الوجوه ومهما تلاقت عيني مع عينيّ غيرك فلم ولن ترى سواكِ ، سوى "نيروز" ، أتى على قلبي الوداع ، كنت أريد قولها وجه لوجه ولكنني علمت الٱن أنني أضعف ما يكون أمام عينيكِ البريئة ، فـ وداعاً رغم انني لا احب الوداع وأريدك ان تعلمي أن ما بقلبي لكِ شئ فوق الكلمات ،شئ هزم الأحرف ، حتى وان لم أكن ظالماً فلكِ ومعكِ كنت أنا الظالم ، من المستحيل ان تُلَقبي بالظالمة وانتِ تملكين عينين بريئتين ، أُجبر قلبي على الفراق ويلعنني سرًا وجهراً ، ومن اجل "نيروز" سيُفعَل المستحيل »
« من : ابن البدري
إلى: بنت الأكرميّ»
تقرأ الكلمات عندما وجدت الخطاب قبل ساعات هل ما تقرأه لمرات عديدة صحيح؟ الٱن تتسطح على الفراش بأرقٍ ، تقرأ خطابه سرًا للمرة التي لا تعرف عددها ، سؤالها يتٱكل بها ، بما عن الرحيل؟ ، هل شعر ما تشعر به الٱن عندما رحلت وتركته ؟. ولكنه كان يعلم إلى أين رحلت هىٰ ، وبالنهاية عادت! ،تمسكت "نيروز" بهاتفها ما أن وجدت الرسائل تُرسل ، فتحته وهي تعتدل وابتسمت بتأثر من بين دموعها ، عندما ارسلت لها "جميلة" و"ياسمين" و"وردة". على المجموعة التي تجمعهم صور "فرح", مع "بسام" وفيديو تصويري فتحته وهي تشاهد بسعادةٍ ورأت "فريدة" مع "ٱدم" فشعرت بالفرحة لأجلهم ، وعقب ما انتهت أغلقت الهاتف تضعه بمكانه ونهضت تنظر ناحية وجهها بالمرٱة ، ومعدتها البارزة قليلاً ، لحظة ؟ لا يعلم أنها تحمل برحمها اثنان؟ ، سالت دمعتها من عجزها ولم تسطع قول ذلك له ،. تقطعت أنفاسها ومسحت وجهها بالمنشفة، وأخذت أريحيتها لطالما لا يوجد أحد هنا ، تأثرت من مهاتفة والدتها لها أكثر من ثلاثة مرات لتطمئن عليها وهي وحدها ..
هل حقاً تهاب تركها وحدها ، هي نفسها أصبحت لا تهاب أي شئ بعدما تركها هو في البداية أو هى من بادرت وتركته! ،أخذت أنفاسها بعمقٍ ، ولو تعلم ما يُخطط لها لفرت هاربة وهي وحدها الٱن ، فالأخرى راقبت ذهابهما وقررت التوجه ناحيتها وهي وحدها لتأخذ حقها من ما فعلته معها في الصباح من تثبيتها بالسوار؟ ، جهلت عن ذلك ، وتداخلت الأمور مع بعضها بما حدث ، ولكن النسيان صعب بالنسبة لـ "مروة" ! ..
مشطت "نيروز" خصلاتها بترتيبٍ وتمسكت بصورة السونار التي طلبتها لتحتفظ بها وبكل ما تملك تريد بعد عقلها عن هذا الشئ التي قرأته وأثر بها، لا يعلم توأمها ؟ الٱن تنظر ناحية الصورةوالنقطين يظهران بوضوح ، كلما تظهر لها يخفق قلبها بسعادةٍ بالغة !
على جهة أخرى أو بالأسفل بمعنى أصح توقفت سيارته الذي قادها وهو على هذا الحال ،ورفع رأسه بقلقٍ ينظر ناحية الشرفة الخاصة بها فوجدها مغلقة ، ألقى "غسان" اللفافة أرضاً ، واقترب من الداخل بعدما اغلق السيارة ، ودخل المصعد الٱن كي يصعد وعقله منشغل بها ، هو نفسه لم يتوصل بعقله سوى للقلق وهي وحدها ، هاب وخاف فرحل، وبعدما عاهد على عدم الإقتراب الٱن وجد نفسه ينهزم وهو يقف أمام شقة "والدتها" يقف يصارع عقله وقلبه ، بأن يدق الباب ام لا ؟، أخذ أنفاسه وتوقف يستمع إلى أي حركة بخوفٍ عليها وعلى صحتها الغير مضمونة بالمرة ، وبعدما وضع القبعة قرر وضع يديه على جرس المنزل بترقبٍ !
وفي الداخل انتفضت ما أن استمعت لهذا ،فوضعت الحجاب بإهمال على مقدمة رأسها فقط و تركته على ذراعيها وهي تخرج من الغرفة ، توقعت عودة أي من شقيقتيها ؟ أو حتى والدتها لقلقها عليها ؟ ، مدت يديها تفتح الباب ببطئٍ وطلت برأسها تنظر واتسعت عينيها ما ان وجدته هو يقف ! ما ان وجدت "غسان"! ، الذي تفحصها سريعاً ، حتى فتحت الباب واعتدلت تنظر بغير وعي من وجوده الٱن وتركه لهم هناك ، هل هنا حقاً أم انها تتخيله من كثرة التفكير به وبخطابه وكلماته ، إعتدل بوقفته بعدما ابتلعت ريقها تسأله بعدم استيعاب:
_" انت ..انت ازاي هنا ؟"
وبخفةٍ في حركته دخل من "غسان" من مساحة الباب الذي أغلقه بكفه ببطئٍ مع عينيه التي لا تفارق عينيها حينها فقط جاوب بصراحة بعدما أكد برأسه يردد بصدقٍ و لين :
_" جيت عشانِك!"
نظرت "نيروز" ناحية الباب وناحية قوله بإرتباكٍ ، فسارت تبتعد عنه بقليلٍ يعدما وقع حجابها على كتفيها وهتفت وهى تهرب منه. بعينيها :
_" من فضلك امشي يا غسان"
تستسمحه بهدوء فوقف مكانه يطالعها بشغف وشوق ، وتعلقت عينيه بها ولم يظهر العبث بل ظهر الهدوء وهو يهتف في ثبات صريح :
_" المرادي مش عايز أبقى صاحب فضل!"
رفعت "نيروز" رأسها تنظر له بسكونٍ ولمعت عينيها وهي تخبره بتحشرجٍ :
_" لو سمحت امشي ، مينفعش اللي بيحصل ده ، وأنا..أنا معنديش طاقة لكلام ومواجهة تانية بيني وبينك ، أنا بقولهالك وبكل صراحة أنا خايفة على نفسي وعلى اللي في بطني ، فممكن تمشي؟"
لما تهرب بعينيها منه ، هل تردد بكلمات عكس ما تريد من داخلها ، اقترب أكثر منها بخطوات هادئة ساكنة ورفع يديه يدير وجهها ناحيته حينها ارتجفت أوصالها ما ان سمعته يردد بنبرةٍ غريبة يطالبها بالصراحة:
_" أمشي؟ انتِ عايزة كدة فعلاً يا نيروز؟ "
تلاقت الأعين بحديث غلبه الشوق ووجدته يضيف باختناق قبال نظراتها :
_" قوليلي انك مش عايزاني هنا. وأنا همشي ، انا جاي خايف عليكي وانتِ لوحدك وخالفت وعدي اني ابعد ، أنا ٱسف بس انتِ أهم وعلشانك يتخلف ألف وعد!"
نزلت دمعتها فمسحتها بكفها قبال عينيه الضعيفة بنظرتها وانهزمت قبال كلماته فسكنت تنفي برأسها بخفةٍ وكأنه علم رغبتها في ان لا ينتبه لذلك فسألها يغير مجرى هذا الحديث واستمعت الى سؤاله الثاني بإهتمام :
_" ليه مجتيش؟"
اهتزت عدستيها وهي تأخذ أنفاسها وأجابت بتهيةٍ منه وهو يقترب:
_" مش مهم وجودي ، عدم وجودي أفضل"
_"مع ان وجودك أهم حاجة عندي"
هل يتلاعب بالكلمات مجدداً ، حركت رأسها بمكانٍ ٱخر غيره ، وكلما حاولت نهره ليخرج عجزت ، بل الٱن أرادت أن يجلس معها ، لم تخاف وهي وحدها ولكن عندما أتي رغبت في أن يظل هنا ، احتضنت نظراتها عدستيه بعد هذا القول ، فجاب عينيه جرح كتفيها الذي تلمسه بأنامله بحنوٍ فإهتزت نظراتها بتوترٍ وتركته بسرعةٍ قبل ان تندم من ضعفها أمامه وجلست على المقعد بصمتٍ مريب ، فوقف أمامها يحاول خلق أي حديث فسألها باهتمام:
_" اتعشيتي؟"
رفعت "نيروز" رأسها ترفض بخفةٍ ، فإقترب يقف أمامها وسألها حينها بنبرةٍ حانية :
_" طب عاوزه تاكلي ايه؟"
نهضت , بالتدريج تقابل وجهه ومعالمه المتساءلة ، ورفضت بإبتسامة هادئة تجيبه بإختصارٍ :
_" شكراً ، أنا مش جعانة!"
تقطع له أي أمل ، حاولت السير أكثر بعيداً عنه وما جعلها لم تنتبه حافة الطاولة التي اصطدمت بها قدميها من العجالة في البعد ، فتأوهت بصوتٍ وهي تمسك قدميها بوجعٍ جعله ينحنى بقلقٍ ولهفة يتلمس ساقها ، هل يعاهد القدر معها على ان تقف بمكانها ، جلست تمسك ساقها بوجعٍ فمرر يديه عليها برفقٍ وسألها تزامناً مع ذلك :
_" بتهربي مني ليه يا نيروز؟"
مازالت تستمر في الهروب تحاول التملص تحاول ان لا تتقابل عدستيها معه ولكنه باغتها بقوله الٱخر :
_" من امته وانتِ بتهربي مني؟"
طالعت أنامله التي تدلك قدمها ، ورفعت رأسها في صدق ظهر للحظة وقالت تصارحه :
_" مش عايزة حبي ليك يخليني أتنازل"
كلماتها كانت قاسية عليه. لكنه قرر في ان يتخطى فاحتوى كفها بين يديه وتمسك به بتشبتٍ يسألها بلهفةٍ :
_' انتِ مصدقة اني ممكن أخونك؟ أنا هعمل كدة ؟"
_"مش مهم أنا أصدق ، أنا مصدقتش في الأول وبعد كده خليتني أشك مع اني مقدرتش أعملها ، المهم كل اللي حواليا ، المهم هم وهما بيبصوا على اللي حاصل على انك ماشي مع غيري وبتحب فيها وضيعت نفسك عشانها وكنت هتموت بسببها وتسيبني!"
اعترافات بين الأحرف على وشك الخروج ؟ ،ابتلع "غسان" ريقه بصعوبةٍ وإعتدل يتمسك بكفيها يبرر لها بصدقه :
_"أنا مش مهم عندي الا انتِ ، وانتِ مش مصدقة فيا كدة يا نيروز "
تجمعت الدموع بمقلتيها واستندت عليه لتقف فوقف ولم يترك يديها وهتف مجدداً بما لم يهتف به من قبل :
_" أنا عمر ما في واحدة غيرك شدتني ليها من ساعة ما انتِ ظهرتي في حياتي ،وأنا مموتش نفسي عشانها ، أنا عملت كل حاجة وبعملها عشانِك انتِ ، أنا بحاول أساعدها عشان واقعة في مشكلة خافت تقولها لحد ، ولما لقيتني قدامها قالتهالي عشان أحميكِ واحميها ، يمكن مفيش حاجة واضحة الوقتي بس اللي اعرفه ان كل حاجة بعدين هتبان وساعتها هتتأكدي من اللي انتِ حاسة بيه وهتثبتي كلامك للي يهمك انهم فاهمين غلط "
زادت لمساته على كفيها وهو يوضح لها مواصلاً كلماته بـ :
_"مع ان أنا ميهمنيش غيرك انتِ وبس!"
تطلب منه الكثير كي يبرهن لها دون توضيح بالتفصيل ، شعرت بحدوث الكثير ، كما شعرت بصدق كلماته ،فسالت دموعها الذي مسحها هو بقلقٍ وخوف من الانهيار فقال سريعاً ولأول مرة تهتز نبرته قبال وعيها :
_" متعيطيش ، خلاص ، أنا همشي أهو ، همشي زي ما قولتيلي وهسيبك قبل ما يحصل حاجة!'
ترك كفيها وبان صدقه وخوفه من الأتي ، وعندما شعرت بسيره بجديةٍ هتفت ببكاءٍ من خلف ظهره توقفه. ولأول مرة يظهر الرجاء :
_" متمشيش ،أنا مش عايزاك تمشي يا غسان!"
افتقد هذا الاحتياج والتمسك منذ فترة كبيرة ، وقف بخفقات قلب عالية ، وابتلع ريقه وهو يلتقت ينظر بعمقٍ لعدستيها ، فإقتربت توضح له اكثر بضعفٍ :
_" متسبنيش ، انت كتبتلي انك هتمشي زي ما أنا عايزة ، بس أنا كدابة لما قولتلك تسيبني وتبعد عني !"
خرجت منها بصدقٍ وما جعله يخرج تبريراته الأخيرة التي كانت تعلم بأن هناك ثمة شئ صعب عليها فهمه ولكنه بعيد كل البعد عن الخيانة ، اقترب يمسح وجهها برفقٍ ولمرة أخرى خاف اخذها بعناقٍ بعد ٱخر مرة انهارت بها بين ذراعيه طالع عسليتيها بصمتٍ دام إلى أن مسحت دموعها بلهفةٍ تصارحه وهي تتذكر كلمات الخطاب :
_" أنا خوفت تمشي وتسيبني ، خوفت تمشي من هنا تاني ، كلنا محتاجينك حتى ولو هتمشي بسببي بس في غيري من غيرك هيتعبوا أوي!"
شردت لشقيقته واختباراتها ووالديه وشقيقه ، لمعت عينيه قبال هذا وفسر أكثر لها :
_"أنا حسيت اني واجعك وأذيكي ، حتى بعد ما قولتيلي ده ، أنا مش عايز أخسرك ولا أخسر اللي في بطنك ، ففكرت اني أمشي شوية بعيد ارتاح وترتاحي يا نيروز"
_" مفيش راحة وانت مش موجود ، أنا بضحك علي نفسي بس لسه مش هقدر أرجع وأنا مش فاهمة الحكاية كلها ايه! ، بس متمشيش يا غسان"
شتته قولها وابتلع غصة مريرة بحلقه ، مسح وجهها وهو يتلمس حنايا وجهها وأخذ أنفاسه بعمقٍ وهو يطالع تقاسيمها التي تنطق بصدق كل حرف أدرفته للتو ، حتى هو نفسيته ضعيفة أصبح لا يتحمل أقل الأشياء ، اختنقت أنفاسه وطلب منه مصرحاً برجاء صادق هتف بصدقه كل انش طالباً منها ذلك بقوة والاحتياج يظهر راغباً في بعض من الراحة:
_" ممكن أحضنك؟"
لم تهاب ضعفها هذه المرة كون كلماتها كانت بوعيٍ ، فأكدت برأسها ورغم تردده في الخوف من الانهيار ، إلا أنها شجعته كثيراً بنظرتها الراضية ، فدخل بين ذراعيها وعانقته حينها برفقٍ وضمت ظهره ناحيتها فضم هو الأخر ظهرها وأغمض عينيه متنفساً بعمقٍ بين أحضانها ورائحتها ، عناق مريح بقبولها هذا ما افتقده لفترة كبيرة ، تنفس بأريحيةٍ وهمس بصدقٍ نابع من فؤادة :
_" وحشتيني أوي!"
ابتلعت ريقها بتوترٍ وتمسكت بسترته تغمض عينيها بتعبٍ ولم تردد له المثل ، بل تركته هكذا بكبرياء من ما فعله ، فلم يخرج واستمر حالهما هكذا ، إلى ان هتفت تناديه بتحشرجٍ :
_" غسان".
همهم وهو يعتدل ناظراً لها فرفعت يديها تمسح وجهها وطلبت منه بقلقٍ :
_" ممكن تمشي ؟ ، لو حد جه وشافك هنا هيفكروا فيا غلط ، كفاية أوي اللي حصل ، فممكن ؟"
وافق دون جدال ولم يبرهن لها بأن وجوده شئ طبيعي بعدما فعل ما فعله قبل فترة ، وما أخذه من عناقٍ جعله يستعيد ذاته من جهة أخرى ، وقبل ان يلتفت ييلبي غرضها سمع صوت اندفاع فتح باب الشقة في الخارج وصوت دقات الباب بهدوءٍ مريب جعلها تنظر ناحيته كما نظر هو وكأنه يتساءل ،. أشارت بكفها وسارت ولكنه قدم لها حجابها فإرتدته على خصلاتها ليخفيها كما أخفى كتفيها وأشارت له بقلقٍ بأنها هي من ستفتح الباب ، وقف في الخلف وقاطع تقدمه ناحيتها تقدمها هى أولاً بإصرارٍ ، فوقف بجانبها في الداخل دون ان يراه الطارق ، والتي فتحت له الباب الٱن وما ان فتحت وجدت أمامها "مروة" تبتسم بإصفرارٍ ناطقة بترحيبٍ ليس هين :
_" أهلاً ، والله بركة انك فتحتي لقبرك برجلك ، مادام مفيش حد هنا ، تعالي بقا نصفي حسابنا سوا ونشوف بطنك دي بتقول ايه!"
دخلت بلمح البصر ودفعتها بيديها من مقدمة صدرها فوقعت "نيروز" أرضاً على ظهرها حينها انطلقت صرخة عالية بوجعٍ منها ، وكل هذا بأقل وقت ممكن جعل"غسان" ينتبه ولم يلحقها ، فإقتربت بلهفةٍ ينحني أرضاً مردداً :
_" نيروز"
اتسعت عيني "مروة" من وجوده ، وقبل أن تسرع ناحية الخارج ، مد ساقه يغلق الباب بخفةٍ ونهض ناحيتها بإنفعالٍ يمسك خصلاتها واضعاً يديه على فمها قبل ان تصرخ بنجدةٍ وهتف وهو يحرك رأسها ممسكاً بخصلاتها بقوةٍ :
_" جابتك الجرأة لحد هــنا ، جابتك تجيلها وتمدي ايدك عليها ، انــت عقلك راح فين يا بــت ؟؟ قسماً بالله ما هسيبك سليمة يا بنت ال***"
ومالم تتوقعه "نيروز" التي استندت ببكاءٍ ووجعٍ هو ضربه لها على صحفة وجهها بقوةٍ بعدما خرجت منه سبه نابية لها جعلتها تحاول التملص منه وهي تردد بنبرة تغيرت من كتمه لأنفاسها :
_"ابعد عني ، سيبني بدل ما أصوت وألــم عليـ..."
توقفت كلماتها بخوفٍ ما أن شدد من مسكه لخصلاتها فتأوهت ،بوجعٍ ونزلت دموعها وهو يدفعها ناحية أسفل مردداً بصراخٍ ناحية "نيروز" الجالسة أرضاً بوجع ظهرها :
_" إضـــربيــــها ، خــُدي حــقــك!!!"
بين الوجع والألم تاهت حتى عن حديثه وتنفيذه فوجدته يصرخ بها مجدداً :
_" يــــلا !"
حاولت الأخرى ضربه أو ضرب "نيروز" كي تتملص بمثل هذا التصنم من"نيروز", ولكنه لوى ذراعها وكسره ، فأطلقت صرخة قوية جعلت"زهور " تحاول الدق على الباب ، بينما الأخرى سمعت صوت كسر عظمة ذراعها ومن حينها وهي تصرخ ببكاءٍ فدفعها على الأرض بتقززٍ ، وفتح الباب يصرخ بالأخرى بصوتٍ عالٍ :
_" خــُديها بــدل ما تحفــري مكانهــا هنا عشــان تدفــنيها!!!"
انحنت بخوفٍ تسحبها وهي تسندها لتنهض معها ومن يراقب من خلف باب"عايدة" كانت "أسماء" التي هابت الخروج ، صفع الباب بوجههم ، قبال بكاء "نيروز" بحسرةٍ من سرعة حدوث هذا ، فأخذ "غسان" أنفاسه وانحنى يفرد ذراعيه كي يحملها، لم تتفاجئ من فعلته ، بل ما تعيشه الٱن حسرة وضعف من تداخل كل شئ بقوة عليها ، فرد ذراعيه حتى استقام يحملها وهمس برفقٍ حتى لفحت أنفاسه وجهها التي تخفية بكفيها وهي تبكي:
_" متعيطيش ، انا معاكي أهو ، والله لهردلك حقك ، مش هسيبه كده "
دخل غرفتها يضعها برفقٍ على الفراش حتى جلس بجانبها ينتشل يديها من على وجهها ومسح وجهها بكفيه حتى ضم رأسها ناحية صدره بخوفٍ من الانهيار ، وهمس بتكرارٍ :
_" خلاص ، خلاص ، إهدي ، اهدي يا نيروز"
أمسك بكفه الأخر رأسه هو بوجعٍ من هذا الثقل, فوجدها تستند عليه بخوفٍ وما أنقذ الانهيار هذه المرة هو ، واحضانه حينها نبست برهبةٍ من الخوف ذاته :
_" متسبـ ـنيش ، متسبــنـيـ ـش يا غسان ، متمشيـ ـش!!"
ضمها أكثر ناحيته والتقط الغطاء يدثرها به جيداً ، و مسح على وجهها برفقٍ وهو يهمس لها :
_" مش هسيبك يا نيروز ، أنا جنبك ، متخافيش!"
أخذت أنفاسها ببطئٍ لفترةٍ إلى ان وعت جيداً فشددت من ضم عينيها بتعبٍ مع تمرير يديه على خصلاتها مردداً ٱيات من القرٱن كي تهدأ وتسكن ، تمسكت بكفه بتشبتٍ وتعالى صوت هاتفه فجأة فتركه يدق حينها اعتدلت تحثه قائلة بنبرةٍ مختنقة :
_" رد على.. التليفون"
_" مش مهم "
اعتدلت في جلستها وعاد يحتوي كفيها بين يديه ، فأخذت أنفاسها بالتدريجٍ حتى ان قمة صدرها تعلو وتهبط ، رجعت خصلاتها إلى الخلف بواسطة يديه ، فنوت إخباره الٱن وهي تسحب كفه تضعه على معدتها وهابت حدوث شئ من وقعتها ، فوجدته يطالع حركتها بإبتسامة تلقائية خرجت منه بشرودٍ من هذا الخوف الذي وضع بها بالفطرة ، وٱمس كانت طفلة لا تفقه هي شئ !
ابتلعت "نيروز" ريقها وشعر هو بأنها تريد قول شئ فصبر لنهاية هذا بشغفٍ مع عينيه التي تُمَرر عليها ، ولكنها من بادرت هذه المرة بمسك كفه وأخبرته حينها بنبرة هادئة بطيئة :
_" اللي هنا مش واحد بس منك !"
لم يستوعب القول ولكنها لم تترك له الفرصة للرد أو السؤال بل واصلت تخبره:
_" انا حامل في توأم!"
استمع إلى بداية القول بإبتسامة صغيرة ، اختفت سريعاً ما أن انصت للنهاية وابتلع ريقه بصعوبة وهو يضع يديه بسرعة على معدتها:
_" بجد ؟ ، بجد يا نيروز؟؟؟؟"
سعادتها الٱن بصدمته هذه ! لم تسعد بهذه الطريقة ما ان صدم البقية ،،أكدت برأسها وقبل ان تنتظره في ان يطلب تفسير ، مال يحتضنها بسعادة وتأثر ولمعت عينيه حينها ، فرفعت يديها بترددٍ تمررها ناحية ظهره ،. والتقطت بالأخرى ، الصورة الورقية بالسونار ، والذي ما ان خرج قدمتها له وهي تهتف بمشاعر متخلطة :
_"بُص ..شوف!"
أمسكها بأيدي ترتجف من سعادة الخبر ومفاجأته ، ونظر بعمقٍ للورقة الذي نظر بها لفترة لم يعلم عددها متعمقاً بها النظر ثم طواها ببطئٍ ووضعها في جيبه بتأثرٍ وعاد يردد بسعادةٍ :
_"أول مرة احس اني فرحان من زمان أوي ، قلبي فرحان أوي يا نيروز"
ابتسمت من رد فعله المتأثر ، فمسح على وجهها برفقٍ وحاول النهوض وتركها وقال يخبرها :
_" هعملك حاجة تشربيها "
حاولت النهوض بوجعٍ فأسندها إلى ان جلست على الفراش بإعتدال ، وسألته بجديةٍ وكأن من حقها ان يُفعل ذلك لها :
_" هتعمل ايه ؟"
_" لمون بالنعناع "
فسألته باستنكارٍ زائف وهي تطالع وجهه :
_" لسه بتشربه ؟"
أكد "غسان" برأسه وهتف بصراحةٍ خرجت في نبرته العميقة لها :
_" ٱه ، بس ملوش طعم من غيرك"
انخفضت رأسها بهروبٍ من كلماته كي لا تضعف أمامه ، فإعتدل ينسحب ناحية الخارج واضعاً يديه بجيبه الذي وضع به الورقة المتمسك بها الٱن بجيبه وكأنه يتمسك بكنز ثمين ، يخاف ويهاب الهروب منه وبنفس الوقت لا يصدقه ، لا يصدق وجوده بل وقدوم هذا الكنز المُفرح بعد أشهر ، بل كنزان اثنان وليس واحد. فقط!!
_______________________________
مبيردش..شكله مشى بالعربية ، خلاص هوصلكم أنا اركب يلا يا حج"
هتف "شادي", بهذه الكلمات والكل يقف الٱن بالخارج بعد رحيل المعازيم ، ركب "حامد"و"دلال" مع "شادي" و"منة"و"وسام" ،فركب "بدر" السيارة الذي قام بتأجيرها وركبت معه "فاطمة" و"وردة" والصغار كي يتوجه بهم ناحية الملاهي كما تم الوعد ، سابقاً كي يأتي خلفهم "ٱدم"و",فريدة", التي تقف مع الفتيات الٱن ،. ووقف "حازم" يوصي "ٱدم" بعد عدم قدرته على الذهاب معم :
_"خلي بالك منها يا ٱدم ، أنا عارف انها معاك في أمان ، بس حاولوا متتأخروش أوي ، أنا اتكلمت معاها وعرفت انها مش قابلة ترجع البيت هناك ، مش عارف هسيبها مترجعش ازاي بس معاك فريدة أمانة عندك ، حافظ عليها هي مسئولة منك فاوعدني انك قد الأمانة والمسئولية دي!"
_" قدها والله يا حازم ، انت فاهم الدنيا ماشية ازاي ، أنا واعدك احافظ عليها ، وانت عارف اني مش هاجي عليها ولا هجبرها تعمل حاجة غصب أو حاجة هي مش جاهزه ليها ، أنا معاها للٱخر حتى لو بقت كويسة وطلبت احسن فرح ، هيحصل ، أنا أتمنى أعمل كل حاجة تريحها بس!"
عانقه بتأثرٍ وكأنه يفهم ما يحتله من مشاعر ، ربت علي ظهره قبال نظرات"فرح "و"بسام " الذي نوى الخروج معها ولكنها اندفعت برأسها بعفويةٍ تطلب منه :
_" بسام ، أنا عايزة أروح معاهم الملاهي ، تيجي نروح ، موافق؟"
اندفع برأسه و حرك رأسه يوافقها بلهفةٍ وقال بترحاب للفكرة:
_"ده أنا اجي أوي "
ضحكت بخفةٍ فأمسك كفها يسحبها برفقٍ وتمسكت هي به بترحابٍ حتى ركب سيارة جلبها "عز " لفترة ، وأشارت "فرح ", ناحية"فريدة", فإقتربت مع اقتراب "بسام ", وهو يخبره :
_" يلا هنيجي معاكم ، تعالى يلا "
ابتسم "حازم" يشير لهم ، بعدما اقترب يعانق"فريدة"مع عناق"زينات" وهي توصيها بأعين لامعة :
_" خلي بالك من نفسك يا فريدة!"
وافقت برأسها ودخلت بعدما ودعت الكل حتى الفتيات ، فإقترب"حازم" يودع"جميلة" مع "عايدة" حتى عاد يركب سيارته مع "والدته" و"ياسمين"
وتجهزت السيارات حتى انطلق منها ما انطلق وتجهز البقية لينطلق خلف ما انطلق ، تحت نظرات "عز" المراقبة لهم وبالأخص السيارة التي تركب بها "فرح" بعدما أشار لها بالوداع مع والدته بعدما أوصى"بسام" عليها ، خلى المكان ، وظهرت تعابير الانهاك على وجه "جميلة" التي دخلت من قبله الان فقابلت "ميرفت" في طريقها والتي عجلتها بيديها تشير لها :
_" يلا قوام شيلي الاطباق والكوبايات دي ، والكراسي ، مفيش حد يسـاعد الا انتِ هنـ .."
_" اطلعي فوق يا جميلة!"
هتف بها "عز" الذي لاحظ تعابير "جميلة" وقول الأخرى الفظ ، والذي اقترب رغم وقوف "جميلة" وهتف لها :
_", لما نيجي نقول لحد يساعد مبنشاورلوش كأنه خدام هنا ، ثم ان مراتي زي ما انتِ شايفة كده ، تعبانة من الصبح ، ومحدش قالك يا مرات خالي تشيلي وتعملي حاجة، كل حاجة هنا أنا اللي هعملها بنفسي ، حتى اسإلي ام عز مش حاجة جديدة عليا ، متتعبيش نفسك انتِ ، لإن مراتي مش خدامة مراتي بنت أصول بتساعد مش أكتر ولا أقل !"
نظرت له بصمتٍ وحرج ، واحمر وجهها حرجاً قبال النظرات ، فجاءت"هاجر" من الخارج تخبرها:
_" علفكرة عز وقف التاكسي يا ماما زي ما قولتيله ، انتِ مستنية لسه ليه ، هو في حاجة ؟"
صدمة "جميلة " منها بل كانت ستجعلها تفعل كل شئ هذه المرة وتردها وترحل دون أن تعلم ، ابتلعت ريقها بصعوبةٍ و هي تراقب النظرات ، فإعتدلت تترك ما بيديها بحرجٍ قبال النظرات التي حاصرتها وودعت"حنان" بفتور وهي تتمسك بالحقيبة مع ابنتها التي خرجت معها ناحية الخارج الٱن!!
طالعته "جميلة" بتأثرٍ ما إن وجدته يخلع سترته ينحني كي يبدأ في تنظيف المكان ، فآندفعت ناحيته تنوى المساعدة:
_" خليني أساعدك"
_"انتِ تعبتي أوي النهاردة يا جميلة ، خليكي ، أنا عارف ان ضهرك تاعبك من ساعة ٱخر مرة قولتيلي فيها ، أنا قايلك متجهديش نفسك معاهم بس الظاهر اني سيبتك ونسيبت اعمل حسابي انك للأسف مع ميرفت!"
ابتسمت بخفةٍ ، وإعتدلت بتعبٍ ،وقبل ان تنحني تلهفت "حنان" تخبرها بسرعة :
_" خليكي يا حبيبتي، معلش مكنتش أعرف النهاردة ان ضهرك بيوجعك ، حقك عليا أنا ، تعالي ادهنهولك عشان يروق ومتعمليش حاجة!"
رفضت بحرجٍ فرفع "عز" عنها هذا مردداً :
_" خليكي يا أم عز ، هي هتطلع تغير وترتاح وهبقى ادهنه أنا ليها عشان تغطيه وتنام علطول ،وبالشفا ان شاء الله!"
هل فعل هذا ليرفع عنها الحرج؟ ، بل زادها حرج بعدما ابتسمت لها واستأذنت لتنصرف بعينيها حتى صعدت على السُلم بتعبٍ ، قبال نظرة "عز" الذي لام بها"والدته" :
_" كده يا أم عز ؟ هو ده اللي هتاخدي بالك ؟ أنا مش قولتلك انها مبتبلعهاش وما بتصدق تعمل اي حاجة عشان توقعنا فبعض أو تتعبها ؟ انتِ كنتي فين مع كل اللي بيحصل ده ."
_" والله يا بني ما خدت بالي ، متزعلش حقك عليا أنا "
حرك رأسه بقلة حيلة ، وحمل الاكواب وهو يبرر لها بأريحية من عدم وجود أي أشخاص غيرهما :
_" مش أنا اللي زعلان ، بس مرات أخوكي شكلها مش عايزة تسيب مراتي في حالها ، هي مش ناوية تنسى بقا ؟ مش ناوية تقتنع انه نصيب "
نظرت بحزنٍ قبال كلماته وحاولت مساعدته هى الأخرى بعدما قال من على بعد وهو يعود لها مجدداً :
_"مش عايزك تزعلي مني بس لو حصل وجت وطلع منها اي حاجة أنا هتصرف بنفسي ، عشان جميلة بنت ناس مستحقش كل ده ، بنات الناس مش خدامين عندنا يا أم عز ،. فهميها كدة ، جميلة لو بتعمل فهي بتساعد احترام ليكي وحب ليا مش عشان ده اللي المفروض ، لو هنتكلم على المفروض فهو ان كل واحد ميحطش ايده في حاجة غير في شقته وحاجته وبس ، بس هي متربية وغلبانه ومش بتاعت عوق ، أنا بس بحط فرح مكانها كده ، من كل اللي حصل ده ، مكنتش هقبل بكل ده انه يحصل ، حاولي تفهميها بالحسنىٰ وبالهداوة!"
حركت رأسها له بطاعةٍ وربتت على كتفيه بإحتواء قائلة :
_" متزعلش يا ضنايا حقك عليا انا والله!"
_"مش زعلان بس انتِ فاهمة اللي فيها وعارفة ان جميلة غلبانة وعانت فحياتها إزاي , انا قايم معاها بدورين وأكترهم الأب ، ولو أنا أب مش هسمح ان بنتي يتقلل منها بأي شكل ، انا عاملك خاطر يا أمي بس غير كده لا "
ربتت على كتفيه بأسفٍ فابتسم يراضيها بيأسٍ من نقاء قلبها الذي يتخطى ما لا يفضل تخطيه ، ابتسم بتكلفةٍ وعاد يندمج في تنظيم المكان معها مقرراً منعها من المساعدة بعد دقائق كي يراضيها وكي لا تُنهك مجدداً ، ولمرات أخرى تشرح وضعه بكفاحة مُجبراً من جميع النواحي ، ولين قلبه كفاية لكل من حوله ، فصدق من لقبه بـ "عز الرجال"!
____________________________
انتظرته حتى تمددت على الفراش ، عقلها يراجع كل ما حدث ، لا تريد الندم بعدما أظهرت له تمسكها واحتياجها له كي لا يرحل ، واعطته الحق في أن يعلم خبر حملها بتوأم ، هذا التعلثم التي رٱته به بسبب سعادته بهذا واحتفاظه بالورقة كأن هذا الدليل سيختفي منه مثل كل فرحة ستختفي ، كل ذلك يؤثر بها قبل أن ان يؤثر به ، تلمست ظهرها بألمٍ أثر وقوعها ، وحمدت ربها بأنه كان موجود هنا ، ولولا وجوده لسقط حملها على يد تلك التي توجه لها البغض والكره دون أسباب ، ماذا فعلت "نيروز", لها من الأساس ، بل هم من بدأوا كل شئ أولاً !!
سمعت صوت دقات هاتفها على المقعد بجانب الباب وقبل ان تستند لتنهض بوجعها الجسدي ، جاء هو حاملاً صينية صغيرة عيها شطائر أعدها مع كوبين وانتشل الهاتف ينظر فوجده رقم "والدتها" بالمُسمى الذي رٱه فعلم أنها هى، أسند ما بيديه على الطاولة واقترب يجلس بجانبها موجهاً لها الهاتف وحثها حينها برفق:
_" ردي"
أخذته منه بأيدي ترتجف لترى وما ان رأت ضغطت على الشاشة ناحية الإجابة وبدأ في الرد على "والدتها", لتطمئنها ، بينما هو شرد لقليلٍ فيما يجري بينهما ، ليس غبياً ليفهم ان كل شئ أصبح على ما يرام الٱن ، بل لانت وجارته وأظهرت له تمسكها ولكنها وضعت شرطها بينهما بإصرار ، وما جعلها تفعل كل ذلك معه هو تبريره الصادق على عدم وجود شئ ظاهراً لها فقط بأن هناك مشكلة حتماً ستعلمها في القادم ! ، فسكنت بصبرٍ عليه مقابل عدم رحيلة ، تجاري عقلها لأجله ولأجل قلبها المسكين المتعلق به مهما حدث!
سمع ردها المختصر في الهاتف فتركها تتحدث وحمل الشطيرة يطعمها ما ان أخفضت الهاتف من على أذنيها ، توقفت تنظر لبُنيته للحظة قبل أن تتناول منه ، ولم ترفض أن تتناول منه بل بدأت في أن تأكل من يديه حتى حملتها منه هى بنفسها ، بحث بعينيه عن كيس الدواء ، بالتأكيد تأخذ دواء وسيكون هنا!! ، إلتقطه على مقعد ما وعاد ينظر لمحتوياته حتى قرأ ما بعد الطعام ، فأخرج من العُلبة ما يتطلب ووجه لها فأخذته تتجرع من كوب الليمون بالنعناع ، راقب تعابيرها وعينيه لا تفارق تقاسيمها ، حتى بعدما خلع القبعة عنه بتعبٍ وهو يتلمس رأسه والتي سألته حينها بمشاعر ظهرت :
_" بتوجعك؟"
كان ينفي أي شئ ولكن أمام عينيها لا يجيد الكذب ، فخرج صدقه وهو يحرك رأسه بصراحةٍ يؤكد وجعه ، وموعد أشعته وذهابه لتغيره على الجرح قد اقترب ، فنظرت بأعين لامعة على ما يحدث لهم ، منذ البداية ، منذ بداية ارتباطهما وعقد قرانها ، بل أول يوم كان به عقد القران بدأت المشاكل تظهر ومنذ وقتها وهي تتأذى وهو يتأذى أيضاً متى الراحة؟. ، إلتقطت كوبه توجهه له بحنوٍ تحثه كي يشرب منه ، وتعلقت عينيه مجدداً بعينيها يود مصارحتها ولكنه خائف! ، ولكن ما فعلته هىٰ الٱن جعله في صدمة عندما سألته بمنتهى الهدوء بدون سابق انذار لهذا بعدما نادته قائلة :
_" غسان"
نظر "غسان"في ترقب وانتظار فواصلت تسأله بإندفاعٍ:
_" انت ردتني؟"
تاهت الكلمات وحاصرته ، فماذا ان ردد بنعمٍ ؟ أو ماذا ان قال لها لا؟ ، انتظرت الجواب بترقبٍ فوجدته يأخذ أنفاسه بتنهيدةٍ حارة وسألها بترقبٍ وقتها يستشف رد فعلها :
_" دا لو حصل هتزعلي؟"
سمع صوتها وهي تبتلع ريقها ، وتركت ما بيديها وسندته وهي تمط ذراعها ناحية الطاولة ، وجاوبته بسؤال وليس بجواب:
_" انت عملتها ؟"
ابتلع"غسان" غصته وانهزم أمام عينيها بلمعة عين صادقة منه ، ما لم يستطع ان يفعل عكس ذلك بكل عواقبهما معاً ، فمنذ طلبها في الشرفة ، ومنذ أول أسف رفضه ، قام بفعلها بعدها ، حتى بعدما جاءت له بعدما جاء من المستشفي ورفض مثل المرة الأولى كان لكبرياءه ، كان لعدم مسامحته ولكن ليس لعدم ردها ، فرَّق قلبه لها حتى بأصعب أوقاته وفعلها دون أن يبدي لأحد انه فعلها ، فعلها وترك الظروف والأيام تظهر ذلك ، ونظر برضا لفؤاده وذاته بأنها معه ، بأنها في عصمته ، بأنها حقاً له من جديد ، وعاد بعد انهيارها يفكر بتركها مجدداً من كثرة الخوف:
_"مقدرتش أرفضك قدام نفسي أول مرة لما جيتي وواجهتك بكلامي ، مهانش عليا أنام وانا رافضك ، ساعتها كنت مستني بس أشوف في عنيكي انك عاوزاني من تاني، بس مقدرتش اعرفك ولا أظهر ليكي اني عايزك من وجعي منك أول مرة ، لو مكونتش شايف انك عايزاني مكنتش عملتها وغصبتك قدام نفسي ، بس لما شوفت تعبك قررت أسيبك لما قربت أصدق اني واجعك أوي وقربي بيإذيكي!"
برر لها بإختناقٍ ضعيف قبال دموعها التي سالت من نبرته وحديثه ، ورفعت عينيها تنظر بسكون ما ان وجدته يسألها بضعفٍ :
_" هو أنا قربي بيأذيكي يا نيروز ؟ ، أنا بوجعك ؟"
هي من جعلته يصل إلى أن يسأل هذا السؤال ، مسحت وجهها ورأت احتمالية البعد ما إن رددت بنعمٍ يأذي ، ولكن الجواب كان عكس ذلك ، كان عكس ذلك بكل تفصيلة بها تتطالب بثباته بجانبها، عندما مالت بإندفاعٍ ترتمي بين ذراعيه فرفع ذراعيه يضمها ناحيته وهو يسمع نبرتها الباكية الصادقة :
_" لأ ، أنا اللي كدابة ، وأنا كمان اللي بأذي نفسي ، لو مكناش بعدنا مكنش حصل كل ده ، ولو مكنتش ردتني ألا بعد ما تعبت امبارح مكنتش هسامحك ، عشان بعدها كان من حقي أرفض ، متسبنيش يا غسان ، متسبنيش عشان وانت مش موجود أنا اللي بأذي نفسي!"
ربت على ظهرها وأخرج أنفاسه بتقطعٍ ، فتحركت ترفع يديها تتلمس جرحه برفقٍ وبالكف الأخر تمسح وجهها بمساعدته وبهذا القرب ناحيته وهو يحاوط ظهرها بذراعه الأخر ، مال مقترباً منها فإتسعت عينيها ما ان وجدت أنفاسه تلفح بشرتها من الجانب ، لمَ لم تستطع البُعد الٱن ؟ وجدته يمرر يديه على خصلاتها يمشطها ببطئٍ حينها قام بتقبيل رقبتها ناحية كتفيها فرفعت رأسها تبتعد تقابل عينيه ، التي نظرت لها ولرفضها الخائف بتنازلها وهي الٱن مازالت عالقة بين أمور لا تفهمها بوضوح ، أخرج أنفاسه بثقلٍ ونفى برأسه يشرح لها بنظراته بأنه لم يكن سيقربها إلا بإرادتها بعدما يحدث ما تريد وضوحه بشرطها وحقها لثم وجهها بيديه واقترب يقبل قمة رأسها برفقٍ مردداّ بأسفٍ على كل ما بدر منه خاصةً أمس والذنب الذي حمله لنفسه:
_" أنا ٱسف"
ابتسمت بتعبٍ. تحرك عينيها وطلبت منه بعد لحظاتٍ :
_" ممكن تمشي ؟ ماما جاية في الطريق"
_" ما تيجي ، انتِ مراتي!"
في البداية عندما وضحت له بأن يرحل لم يرفض ولم يوضح ، ولكنها نظرت بجدية الٱن وخرجت نبرتها بصراحة ردًا عليه :
_" بس ممكن يحصل مشكلة لو ماما جت ولقيتك هنا ، هى كمان فاهمة غلط مع انها واثقة فيك ، بس خافت ، وخافت على كرامتي أكتر ، وأنا اديتها الحق في ده ، لو جيت تبررلها دلوقتي مش هتقتنع ، انت بتعرف تضحك عليا أنا بس عشان بحبك!"
تفاجئ من قولها الجاد الأخير ، فنظر بتشككٍ وابتسم ابتسامة عبثية وقال يفرض سيطرته :
_" طب ما أنا عرف اضحك عليها برضه ، ايه رأيك؟"
لا لن تجاري عبثه الٱن ، ما حدث لم يصل لهذه النقطة التي كانت بينهما ، هل عادت نصف عودة فقط؟ ، حركت رأسها تؤكد للجزء الذي يظهر بكبرياء أنثى ، وحركت رأسها تجيب على سؤاله بسخرية:
_" ليه ؟ ،هى نيروز !!"
نفى "غسان" برأسه وابتسم ببساطةٍ يردد مصارحاً اياها بصدقٍ :
_" لأ ، مفيش حد زي نيروز!"
_"بتعرف تكدب!"
قالتها بتهكمٍ منه وهي تقلب عينيها فطالعها بالكامل وقال محركاً رأسه بنفيٍ :
_" معاكي لا"
سألته بجديةٍ قائلة له بتلقائيةٍ :
_'' ليه ؟"
طالعها بتفحصٍ من البداية إلى النهاية حينها حاول الإقتراب لعناق ٱخر عبثي ولكنها رجعت خطوة إلى الخلف فابتسم بخبثٍ ووقف يحرك عينيه عليها بجراءةٍ ورد على سؤالها بـ :
_" هحتفظ بالإجابة لنفسي!"
الٱن تعلم أنه "غسان" بعبثه ووقاحته وجرأته ،. توردت وجنتيها فسار تدريجياً ينظر ناحية المرٱه لها ، فنهضت بعدما جمعت قواها قليلاً ، وسارت نحو الخارج معه بعدما التفت ، تلمس جيبه بمفتاحه وهاتفه وقبل أن يقترب من الباب يخرج قبل أن يأتي أحدهم بخوفها وهو هنا ، نظر لها بسكونٍ كما نظرت هىٰ ، وودعته بعينيها فطلب منها ببراءةٍ زائفة :
_" ممكن تيجي تحضنيني ؟"
هى من تأتي له ؟ رأت العبث في عينيه ، في البداية كان طلبه صادق بينما الٱن عبثي من الدرجة الأولى ، أخفت هى بسمتها وهتفت بتهكمٍ جاد لتصده بحزمٍ وعينيها بنظرتها كافية لنهره :
_" لأ مش ممكن "
حرك "غسان" رأسه بإقتناعٍ وإقترب تزامناً مع قوله الهادئ الذي امتزج به الثبات الذي فرضه عليها ما أن قال بجراءةٍ وهو يقترب:
_"عندك حق!، اللي عايز حاجة بيروح ياخدها بنفسه!".
بعدما قاومت ان تظهر الحزم ضاع هباء قبال عناقه الذي شدد به من ضمها الٱن ناحيته ، وبعد رفضها في أن لا تبادله العناق بتعالي من نفسها عليه لعدم التفسير ولكنها ربطت كلتا يديها معاً خلف ظهره وسألته بخوفٍ من كلمات رحيله التي تهابها إلى الٱن :
_" مش هتمشي وتسيبني؟"
همس قبال همسها له ببحة صوتها من الإنهاك ، وردد بكلمات تعكس مدى عدم تصديقه بأنه وصل إلى هذه اللحظة الٱن :
_"لا ، مش همشي واسيبكم انتوا التلاتة!"
هل قصد توأمه؟ وهى؟ ، اتسعت بسمتها بسعادةٍ من طريقة اجابته ومحتوى كلماتها الذي أثر بها ، وتلقائياً خرجت تضع كفها على معدتها ،فوضع هو يديه بجيب سترته يتمسك بالصورة ، وكل منهما يتمسك بما يمكنه التمسك به لحين مؤقت ، فأخرج أنفاسه وأشارت له هى بالوداع فسار بعدما ارتدى حذاءه وفتح الباب وخرج بعدما ابتسم ابتسامة اتسعت وهو يطالعها بالكامل تبادله الإبتسامة رغماً عنها !
أغلق الباب خلفه وتركها بمشاعر مختلفة كثيرة تداهمها ما بين هل فعلت الصواب أم الخطأ ، ما يجعلها راضية هو توقفها عن مجاراته ،. لم تتعامل بطبيعتها بقوة ، جعلته إلى الٱن يشعر بأن هناك شئ عالق بعدما تم محو الأشياء البقية ، وعلم ما الذي ظل عالق ، ولم يتعمد الطمع أو الضغط أو حتى العتاب بل أعطاها الحق في فعل ما تريد مقابل عناق ، عناق فقط وجد به الراحة والأمان بعدما افتقدها لفترة! وكذلك كانت هى ،. لكن العناق لم يكن عناق واحد فقط بل أكثر ، وكأن اليوم بهذه اللحظات ستسجل في الذكريات لتعود له تذكره بعودة الأمان والانتماء والاحتواء له بعدما افتقده وحينما افتقده ظهر الاحتياج على معالمه مردداً هو. وفؤادة بأنه لا يريد إلا هىٰ ، لا يريد سوى "نيروز", التي رُفع لها شعار بموضع فؤاده يعلن بأنها المالكة الوحيدة له كما كتب لها في خطابة التي عادت تحفظ كل حرف به مثل الطفولة ، كل حرف وبإمكانها العد بكم عدد نقاط الحروف في خطابه الأخير!!
هذه المرة ضاع العتاب ، في كل مرة كان الحديث يخرج بانهيار ووجع ، هذه المرة ظهر الوجع ولكن ضاعت الكلمات المؤلمة قبال انهاكه وتعبه مع تعبها وانهاكها ، كل منهما انهى ما لدية بأكثر من. مواجهة ، ولكن هنا تبقى شئ تركته هى ، تركت أسفها بوضوح من ما حدث وما فعلته في البداية إلي حين ما تتفهم ما الذي يجري من خلف ظهرها جيداً !! ، حينها ستسقط قناع البرود وسيذهب الثبات التي تتحلى به أمامه كي لا تُقلل من شأنها وكي لا تقنعه بأن الأمر مر مرور الكرام !
_______________________________
بعد مرور ساعتين منذ ٱخر رحيل لهم :
هل هذا صراخ ؟ صراخ شديد بمختلف الأشخاص والألعاب ، هناك على لعبة هادئة تمر إلى الأمام والخلف كان يجلس "بدر" مع "وردة". ومعهما صغيرهما بضحكٍ وسعادة وبهجة وكذلك من الجهة الأخرى كانت بجانبهم" فاطمة" مع الصغار ، والضحكات تعلو بصخبٍ الٱن..
وعلى بُعد قليل وقفت ",فريدة" بعد صراخ صرخته و بعدما هبطت من لعبة جريئة كانت تركبها معه ومعهما"فرح"و"بسام " ، انفلت ضحكات"فريدة", بسعادةٍ امتزجت بالخوف فضحك"ٱدم" عليها ما ان تمسكت بيديه كي لا يختل توازنها وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_"مكنتش أعرف انك خواف أوي كدة يا ٱدم !"
_" دا. بس عشان خايف عليكي ، لكن أنا مبخافش ، هو في راجل بيخاف؟"
قالها بضحكٍ خفيف ، فسحبت يديه أكثر بتحدي أمام أجرأ لعبة ، وقالت بنبرةٍ ليست هينة :
_" طب تعالى نركب المقص والشواية ..عشان تثبتلي يلا !"
اتسعت عيني "ٱدم" بفزعٍ ، وابتلع ريقه يتابع هروب "بسام" وهو يسحب "فرح" بعيداً عن جنونها مع الأصوات المتداخلة ، فوافق رغمًا عنه ، وما يجعله يوافق أي شئ هو رؤيتها وهي تندمج بقوة معهم ، والصراخ الشديد الذي خرج مع خروج طاقتها السلبية ، صراخ هنا وصراخ هنا وأصوات متداخلة منذ وقت وضحكات عالية ، في لعبة أطفال الٱن وضع بها "بدر" الصغار وهو يقوم بتصوريهم تحت سعادة "وردة" التي تمسكت بذراعه تطلب منه:
_" صورني يا بدري ، بس طلعها حلوة!"
_" هتطلع حلوة أكيد ، وردة فيها!"
ابتسمت بإتساعٍ وجلست على الإستراحة تنظر له وخلفها الشجرة الأنيقة ، فقام بتصوريها ، وأشار لشقيقته كي تجلس بجانبها ليقوم بتصوريهما معًا فجلست "فاطمة" وعينيها تراقب الأطفال ، ومن ثم نهضت تدير بالها عليهم ومعهم "يامن" ،. في حين نهضت "وردة" تنظر ناحية الصورة بسعادةٍ ولاحظت ظهور خضراوتيها بلمعان في الإضاءة والذي نظر إلى الصورة مطولاّ بشرود وابتسامة هادئة جعلتها تنتبه لها فابتسمت بتأثرٍ وشاكسته وهي تضرب ذراعه بخفةٍ :
_'' وكأنك منبهر يعني!"
_" دي حقيقة!"
رددها وهو يضع هاتفه بجيب بنطاله ، فأمسكت كفه تسأله بمشاعر متأثرة:
_" يعني انت بتشوفني حلوة؟"
_"مبشوفش حد حلو ألا انتِ يا أم يامِن"
ظهرت أسنانها في ابتسامتها السعيدة وقالت بأعين لامعة وإلى الٱن لا تصدق وجوده :
_" وحشتني أوي يا بدر ، أنا لسه مش مصدقة انك هنا معانا ، أوعى تمشي تاني"
حاوط "بدر" كتفيها محركاً رأسه يطالعها بعمقٍ ، ويخفي لها خبر بالتأكيد سيسعدها ولكنه انتظر الوقت المناسب ، ابتسم بسعادةٍ وسحبها لينظرا ناحية الصغار ،
وعلى بعدٍ قليل ، اندفعت "فرح" وهي تنهج وجلست بسعادةٍ بالغة على الإستراحة وصارحته بدون مقدمات:
_" أنا فرحانة أوي يا بسام بجد ، أحلى يوم في حياتي النهاردة"
اتسعت ابتسامته بسعادةٍ بالغة وأخرج أنفاسه يبادلها الحماس بقوله :
_" وأنا كمان ، بس ده عشان معاكي يا فرح ، ربنا يعيني وأقدر أفرحك علطول وانتِ معايا "
تعلقت عينيها بعينيه فإقترب يغازلها في جراءة وهي تتابعه بابتسامة عذبة :
_" حد قالك قبل كده ان عينيكي ورموشك قتالين؟"
رمشت "فرح " بأهدابها بسعادةٍ امتزجت بالخجل وأكدت برأسها تصارحه فسأل بمشاكسةٍ :
_ مين ده طيب اللي بص لحاجتي؟"
ضحكت على قوله واقتربت تتصنع الجرأة كي يستمع لها في هذه الأصوات وهتفت تجيبه بمصارحةٍ :
_" دكتور بسام حامد البدري"
برعت في ردها ، ففرد كفه إلى أن قتلت التردد ووضعت كفها بين راحته فإحتواه بحبٍ وقال يسألها :
_" حيث كدة ، فدكتور بسام حامد البدري عايز يقولك حاجة مهمة في قلب الملاهي دي ، حاجة أول مرة هتطلع هنا ، بس عايز أقولها هنا عشان لما نجيب عيالنا في المستقبل افتكر علطول!"
كان مرحاً في حديثه ولكنها استشعرت العمق به ، ارتجف كفها بين راحته وابتلعت ريقها في انتظار فخفق قلبه خفقات متتالية عند هذا الإعتراف الذي حان وقته ، ضاعت منه فرصته في ترديد كلمات ولكنه تركها لحين ٱخر واستمتع بهذه اللحظات بينهما إلى جاء الاعتراف طالباً منه الخروج في الحال ، أصبحت رأسه جوار أذنها وهمس حينها برفقٍ وصدق:
_" أنا بحبك يا فَرح"
ارتجفت يديها أكثر وظهرت حمرة وجنتيها بكثرةٍ ، هربت بعينيها منه واهتزت من التوتر ذاته من هذا الإعتراف ، فوجدته يتمسك بكفها وأضاف :
_" الكلمة دي خدت مني كتير أوي ،أول ما شوفتك وشوفت عينيكي وقعت في سحرها وأنا ومش واخد بالي ، وكنت بقول دي مجرد أوهام ، منعت نفسي كتير مفكرش فيكي أو متشدش ليكي بس معرفش ليه.. معرفش ليه انتِ بالذات ومعرفش ليه ربنا اختارك تكوني سبب في تغيري واني أخرج من كل اللي حابس نفسي فيه ، كنت في ضلمة وجيتي انتِ تنوريها من غير ما تعملي حاجة ،مكنتش فاهم كلمة ان القلوب مش عليها سلطان ، بس أنا قلبي فعلاً اتحرك ليكِ غصب وكأنه عارف هو رايح فين ولمين في عز ما كان موجوع ومش جاهز لأي حاجة ، انتِ طوق النجاة يا فرح ، انتِ وصية رسول الله ، ٱوعدك اني عمري ما هوجعك ولا هأذيكي وهعاملك بما يرضي الله , ربنا يباركلي فيكِ !"
تقطعت أنفاسها من هذا التخبط ولمعت عينيها من هروب الحديث ، فنزلت دمعتها بعجزٍ تجيبه :
_" مش عارفة أرد أقول إيه ، بس انت عوض ، عوض ربنا الحلو ، مش حاسة ان في زيك كتير يا بسام ، شكل ربنا بيحبني أوي ،. ربنا يخليك ليـا "
لم ولن تعترف إلا عندما تشعر بها صراحةً وأُعجب بهذا بقوةٍ ، فرفع يديه يقبل باطن كفها برفقٍ ، وسألها بمرحٍ بعدما مد المنديل الورقي يمسح ما أسفل عينيها بحنوٍ :
_" بقولك ايه ، هو أنا ليه مخدتش حضن كتب الكتاب ، هو مش من حقي برضه؟"
سحبت يدها بخجلٍ وهربت منه بعدستيها فضحكٍ يشاكسها بمرحٍ :
_"بحبك وانتِ بتتكسفي ، يعني كسوفك ده بيشجعني ٱكتر ٱكون قليل الأدب وأخد حضن زي ما أنا عاوز!"
علمت أنه من صنف الرجال ، مرح ، عبث ، وقاحة ! ، زحفت الحمرة لوجنتيها وحدجته بمفاجأةٍ لدرجة الشك بأنه التوأم الٱخر ، وكأنه فهم ما يجري ما بداخلها فنفى بحركة رأسه يخبرها بضحكٍ :
_", لا ده أنا بسام عادي وقليل الأدب أه ، بس في المداري ، مش بجح أنا الا مع اللي بحبهم وبس!"
انفلت ضحكات "فرح " وهي تضع يديها على فمها تكتم هذا وصرحت بضحكٍ :
_'' مكنش باين "
_"كل حاجة مسيرها تبان ، بس ايه ؟ مش هاخد حضن كتب الكتاب ولا ايه؟"
نفت برأسها بحرجٍ ودق هاتفها من التأخير برقم"عز" فتفهم على الفور وقال وهو ينهض هو الٱخر :
_', أنا عارف اننا اتأخرنا ،. بس خلاص هنمشي اهو ، مترديش أنا هكلمه انا"
أخرج هاتفه يطلب رقم "عز" ،. وجاءت "وردة"و"بدر" والصغار من على بعدٍ ، واقترب "بدر" بقوله وهو يضرب كتف "بسام " بترقبٍ :
_" ايه يا معلم ، مش هنمشي بقا ؟"
_" أيوة يلا ،يلا نادي ٱدم عشان اتأخرنا على المعلم عز وتحكماته !"
رددها "بسام " بمرحٍ وهو يضع الهاتف بإنتظار على أذنه ، فضحك الكل بخفةٍ عداها هي عندما ابتسمت بدفاعٍ عن شقيقها قائلة له:
_"عز لا يا بسام ،عز براحته "
تفاجئ "بدر", من دفاعها ، فضحك "بسام" يشير على عينيه وقال بمرح:
_" براحته هو واخته وعيلته كلها ، بس كده ، احنا أوامر ماشية على الأرض!"
ابتسمت بخجل وهي تؤكد برأسها وألقت العلبة التي كان بها الطعام من بداية ما جاءوا ، وضعتها في الصندوق بجوارها تحت ضحكات "فاطمة" و",وردة", وركض الصغار حولهم في انتظار "ٱدم"و",فريدة"!!
واللذان جاءا من على بعد الٱن وصوت ضحكاتهما كان عالياً تتخبط أجسادهما ببعضهما بدوار من كم اللعب ، ضحكت "فريدة" بقوةٍ وهي تستند عليه وأمسكت رأسها بتعبٍ تردد له بنبرة تغيرت من أثر الضحك :
_", هموت ، أنا مش شايفة ، مش شايقة قدامي!"
حاول "ٱدم" سندها وهو يضحك غير غافلاً بأن هذا الضحك كان من المفترض ان يخرج صراخ أو بكاء او ماشابه ، توقف عن الضحك تدريجياً بعدما هتف يطمئنها :
_" أنا شايف ، أنا ساندك أهو "
ضحكات هستيرية منها هي وحدها ولو رٱها غير من يفهم حالتها لأقسم انها لم ترى في حياتها سوى السعادة ، أدمعت عينيها من كثرة الضحك فمسح وجهها برفقٍ وتوقف ينظر بشفقةٍ عليها وقرر تركها تفعل ما تشاء فسألها بجديةٍ وهو يبتسم مع سيرهما ناحية البقية :
_" مبسوطة يا فريدة!"
_" أوي ، كان على قلبي تقل وبيروح "
هل قصدت الضغوط ؟ ، ابتسم "ٱدم" ما ان انتهت فدق هاتفها للمرة التي لا تعلم عددها فضحكت بخفةٍ تخرج هاتفها وهي تخبره بتفسيرٍ :
_"حازم كلمني أكتر من عشرين مرة يطمن عليا هو وماما !"
_"معلش بيطمنوا عليكي"
احتوى استنكارها بهذا فدارت عينيها بتعبٍ وهي تحرك رأسها له وفقدت القدرة على الرد ، واقتربت منهم معه ، فإبتسم يحثهم قبل ان يتحدث أحد :
_", يلا بينا "
وافقوا وأسند هو "فريدة" من جهة ومن جهة أخرى أسندتها "وردة" بغرابةٍ ، وسار البقية ناحية الخارج مقررين الرحيل ، كي يوصل "فرح" "بسام" و"ٱدم "و"فريدة" لمنزل الأول كما قرر "بدر", توصيل "فاطمة" والصغار للمنزل قبل عودته للمبنى مع "وردة" وصغيرهما !!
_______________________________
جاء والديه وأخبرهم حينها أنه شعر بالتعب فرحل ، ودخل لم يترك الفرصة للحديث بل دخل يأخذ دواءه وذهب في سبات عميق لم يذهب به من قبل حتى ان "والدته" طالعته من على بعدٍ أكثر من مرة فوجدته على هذا الحال!
بينما في شقة "سُمية" لم تعود "ياسمين"و"حازم"، بل عادت بعدما أوصلها الثاني بمفردها ، وعندما دخلت وجدت "نيروز" نائمة! ، لم يزورها النوم هى نفسها منذ ان جاءت من العمل وسمعت ما سمعته ، التزمت الصمت بعجزٍ وانتهت من صلاة قيام الليل وهى جالسة وجلست تستغفر حتى زارها البكاء ولم تعي أن "نيروز" خرجت الٱن من غرفتها ناحية المرحاض فوجدتها هكذا ، آقتربت وعندما شعرت بها "سُمية"مسحت وجهها سريعاً وأشارت لها بكفها تحثها على الإقتراب :
_" تعالي يا حبيبتي، انتي صحيتي!"
حركت "نيروز" رأسها تؤكد وارتدت هي الأخرى خمار عليها تحسباً لجلوس "بدر", ولكنه لم يأتي بعد ، وعند سؤال "والدتها" أجابتها :
_"أيوة ، قولت استناكي على ما تيجي بس النوم غلبني ، قوليلي انتِ.. بتعيطي ليه ؟"
رفعت"نيروز" أناملها برفقٍ تمسح وجه "والدتها" فابتسمت تخرج عن محور الحديث وصدمتها ما ان سألتها بمفاجأةٍ للأخرى :
_" انتِ اللي هتقوليلي ومش هتكدبي على أمك ، غسان كان بيعمل ايه هنا؟"
لا تعلم لمَ وجدت الحدة في نبرتها ، نظرت لها بعدم تصديق وحاولت الهروب بنفيٍ وقالت :
_" مـكنش هنا ، مـ مـين قال انه كان هنا ؟"
نظرت لعدستيها الذي بان بهما الكذب ، فإعتدلت "سُمية" تخبرها بمحاصرة:
_" طاقيته في أوضتك هى اللي قالت ، أنا عايزة أفهم ايه اللي بيحصل، فهميني ، فهمي أمك يا نيروز، عشان أنا دماغي مبقتش فيا من كل حاجة بتحصل هنا !"
لمعت عينيها ومازال الخوف مستمر فخرج خداعها لها مجدداً تخبرها :
_" دي ..دي مش بتاعته دي بتاعت يامن!"
هل يرتدي"يامن" هذا الحجم من القبعات ؟ بإمكانها اخفاء رأسه كلها! ،تحلت "سُمية" بالصبر وسألتها بجمودٍ عن شيئه الٱخر :
_"والساعة اللي لقيتها في المطبخ ، بتاعت يامن برضه؟"
هل خلعها عندما كان يفعل لها الطعام والشراب ؟ ،هناك كوبين في غرفتها كيف سهت عن هذا وهي تكذب ، لم تتوقف "سمية" إلى هنا بل ترجتها قائلة :
_" فهميني!"
ما الذي ستفهمها إياه؟ ليس لديها تبريرات ،وهى وحدها من تصدقه ، لمعت عينيها حتى هبطت منها الدموع وهي تردد بنبرةٍ متحشرجة :
_" أنا نفسي مش فاهمة ، مش فاهمة حاجة يا ماما ، الحاجة الوحيدة اللي فاهماها إنه مش خاين ، ولما جه قالي انه بيساعدها في حاجة مش عارف يقولها بس مسير كل حاجة تبان وهنفهم ، فصدقته عشان هو مش كداب ولا خاين ، أنا مبقتش قادرة يا ماما، أنا نفسي أرتاح بقا ،نفسي ارتاح من كل ده،أنا بحبه ومش عارفة أتأقلم من غيره ، صدقيه عشان خاطري ،صدقيه وصدقيني لإني مرضتش أرجع ألا ما أفهم واتشرطت عليه وأصريت على ده حتى بعد ما صدقته فمصدنيش وسابني على راحتي ، ومعرفش هو جه ازاي!"
لم تعطها الفرصة بل زاد بكاءها بحرقةٍ فضمتها "سمية" بقوةٍ وهي تسمتها تكمل بنفس النبرة الباكية :
_" مش عارفة ازاي جه وسابكم ، بس لما جه مترددش أخاف افتح وأشوف مين ، وفتحتله ودخل عشان ربنا كان باعته ليا ياماما ، مروة كانت ناوية تسقطني النهاردة ولما جت .. ولما جت.."
ازدادت شهقاتها ولم تستطع ان تكمل ، فربتت عليها"سمية" بأيدي ترتعش من صدمة ما قالته ، فوجدتها تكمل بعدما شهقت بوجع :
_" ولما جت ، مكنتش تعرف انه هنا وكإنها كانت بتراقبنا وعارفه اني لوحدي ، دخلت وزقتني علطول على ضهري ، فقفل هو الباب وضربها لحد ما قعدت تصرخ ومكانتش بتبطل فسابها لحد ما عمتي جت تاخدها ، من ساعتها وهو معايا ، وشالني وحطني على السرير من كتر الوجع ، أنا صعبت عليا نفسي اوي يا ماما ، خوفت أوي أضيع اللي في بطني بسبب اني مش عارفه ادافع عن نفسي وهو مش هنا ، أنا لحد دلوقتي مش مستوعبة ان ربنا نجاني منها وبعته ليا "
ضمتها بخوفٍ وسالت دموعها وهي تتلو عليها ٱيات الذكر من نبرتها الخائفة ، صدمة تعيشها الٱن بهذه الكلمات ، وشأن "غسان" وعودته التي كانت ليست هينة عليها ، الٱن تبدل كل شئ ، ولأنها تعلم ان ابنتها لا تتهاون بسهولةٍ عاد موضوعها يتعلق بذهنها بتشتتٍ..
_" اهدي ، اهدي خلاص يا ضنايا ، أنا السبب ..أنا اللي سيبتك لوحدك ، متزعليش مني ، ربنا يسامحني يبنتي!!"
نفت "نيروز", في أن تحملها الذنب وسكنت تدريجياً في هذه الأحضان التي تشكل لها الراحة ، مسحت وجهها بالخمار وأغمضت عينيها بإنهاكٍ ، فنهضت "سمية" تسندها بلهفةٍ:
_" تعالي ، تعالي يا نيروز أدخلك عشان تنامي ، تعالي ارتاحي يلا يا حبيبتي والصباح رباح!"
وافقت وهي تنسحب معها مستندة عليها بتعبٍ ما بعد البكاء ، هابت حدوث شئ لها فلم تتعمد ضغطها وهي من قصت لها بمفردها الٱن ، دخلت بها الغرفة ، ودثرتها جيداً بالغطاء حتى انتهت وعند الخروج ابتسمت بتأثر لبقية الشطائر والكوبين الفارغين. ، لم تغفل عن الإهمال الذي حدث في المطبخ من مجرد أشياء بسيطة قد فعلها هو ! ، حملت هذا بشفقةٍ على حالها وأغلفت باب الغرفة خلفها ، فوجدت "بدر" يفتح الباب بهدوء بمفتاح "وردة" و"يامن" يغفو على ذراعه الٱن ، ابتسمت "وردة" بمفاجأة وهتفت تسألها :
_" الله ، انتِ لسه صاحية يا ماما "
_"أيوة يا حبيبتي ، كنت بصلي وبعمل شوية حاجات كدة واطمنت على نيروز ، هدخل أنام بقا ، ما تجيبوا يامن معايا !"
عرضت عليهم كما عرضت من قبل ، يحبها الصغير جداً ، لم ترفض لها طلب ، بل واففت برأسها كي لا تحزنها فابتسم "بدر" يعطيه لها حتى دخلت "وردة" تضعه معها في غرفتها وهي تسألها عن "نيروز"، فدخل هو يبدل ثيابه لأخرى مريحة من هذا اليوم الشاق بكل الأحداث التي حدثت به ، متذكراً أخر ما قاله "لٱدم" في ان يحافظ على "فريدة" أكثر من أي شئ!، فحتى "حازم" لا يكف عن الاتصال عليه وعليهم!
________________________________
غسلت وجهها بتهيةٍ ولاحظت سكون المكان فدخلت الأطفال لتنام ومن تقف تساندها كانت "فاطمة" بعدما قدمت لها عباءة مريحة ترتديها ،فدخلت قبل وقت تبدلها وتركت خصلاتها الطولية خلفها عند النوم مثلما تفعل ، وعت قليلاً وابتسمت لـ "فاطمة" بإمتنانٍ ، فسارت معها ناحية الصالة إلى أن وقفا الإثنان فشكرتها "فريدة" قائلة بحرجٍ :
_"شكراً يا فاطمة ،بتعبك معايا !"
_"على ايه يا فوفّة ، انتِ اختي يا حبيبتي ، ومن النهاردة ده بيتك واحنا اللي مقاسمينك فيه ، حتى ولو هتحبي ترجعي تاني فأنا برضه هبقي عاوزاكي معانا هنا ، ده العيال بيحبوكي أوي بالذات دوما !"
رددت كلماتها بصدقٍ فعانقتها "فريدة" بتأثرٍ ولم تسألها سؤالها المحرج ، بل التزمت الصمت وسألتها سؤال ٱخر مهتم :
_"أومال ٱدم راح فين؟"
ابتسمت بشقاوةٍ على اهتمامها وبحثها عنه هكذا فجاوبتها :
_"ٱدم فوق على السطح، كل يوم بيبقى يحب يقعد شوية كده مع نفسه قبل النوم ، هتلاقيه نازل دلوقــ.."
وقبل أن تكمل سمعت صوت شجار ما بين "أدهم ويوسف" فضغطت على فكها كانت تعتقدهما نيام ، نظرت ناحيتها بأسفٍ وقالت بنبرةٍ سريعة تخبرها :
_" شكلهم بيتخانقوا على مكان النوم ، معلش يا فريدة هشوفهم وأرجعلك!"
حركت رأسها موافقة، وتركت المنشفة وهي تنظر بشرودٍ ، فتلمست خصلاتها بتلقائيةٍ وانتفضت بخفةٍ ما ان وجدت المفتاح يفتح الباب من الخارج ولم يكن سوى هو ، دخل ثم رفع رأسه وهو يغلق الباب بقدمه ، فتوقف يطالعها بتمعنٍ لبرهة ، أصبحت حلال له رؤيتها هكذا ، فلا مانع من نظرة؟. خاصةً خصلاتها الملفتة بقوة ، لم تخجل بطبعها ، لم تشعر بالحرج منه بل ابتسمت له فقط !!
فإقترب "ٱدم" يسألها برفقٍ :
_" مرتاحة؟"
حركت "فريدة" رأسها بنعمٍ وعادت تنظر بتيهةٍ ، فأمسك يديه يسحبها برفقٍ وفتح غرفته يدخل بها إلى ان دخلت تنظر بتخبطٍ وقطع هذا بقوله:
_" هسيبك تنامي هنا في أوضتي وهنام أنا بره في الأوضة التانية!"
سحبها لتجلس على المقعد ، وجلس هو بجانبها فبدأت الكلمات تخرج منها بتخبطٍ :
_" انا كان المفروض أخاف ، بس معاك أنا مش خايفة ، بس أنا ..أنا تايهة أوي!"
ابتعلت ريقها بتوترٍ بعد هذه الكلمات ، فإحتوى كفيها بين راحته ونبس بنبرةٍ هادئه امتلأت بالٱمان :
_", أنا مش عايزك تايهة ،أنا عايزك مطمنة يا فريدة ، وهعملك كل اللي انتِ عايزاه ، حابة تفضلي هخليكي ومش حابة هرجعك برضه ، أي حاجة تطلبيها تحصل قصاد انك تكوني مرتاحة ومطمنة ،أنا عايزك تبدأي صح عايزك تبقي كويسة وإحنا مع بعض وأنا مش هسيبك ، أنا زيك وهحاول معاكي أنا كمان "
تشبتت بكفه هذه المرة ، فأضاف من جديد بوضوحٍ من مخاوفها :
_" محتاجك تشيلي من دماغك حاجات كتير انتِ حطاها وهي ملهاش لازمة ، سيبك من الماضي واللي حصل فيه ، وركزي ، بس ركزي بس على اللي بيحبوكي ومحتاجينك كويسة ، أنا مقدر خوفك ومقدر انك اتاخدتي بسرعة كدة من غير ما تبقي ٱهدى أو أحسن ، بس لو محتاجة اني أقولك اني مش فارق معايا اللي حصل ، فأنا بقولك ان ٱنا ناسي أصلاً ، وأنك أحلى البنات في عيني وهتفضلي أجملهم ، يمكن انتِ شايفه العكس وخايفة اوي من دلوقتي ومن اللي جاي ، بس أوعدك اني مش هحسسك بالخوف ده أبداً ، وعايزك تعرفي ان كل واحد فينا غلط وبيصلح غلطته بأي تمن ، وأنا شاهد ان غلطتك كملت من غير ذنب ، وظُلمك انتِ نفسك بتدفعي فيه تمن كبير بنفسيتك وصحتك ، اللي بيتاخد منك بيتاخد مني بالظبط ، ولو شايفة ان اللي راح ده فارق معايا كٱدم تبقي لسه متعرفيش ٱدم الجديد ، ٱدم. بعد ما حب فريدة!"
هبطت دموعها خلف بعضها تحت تأثر من كلماته ، فمسح هو وجهها برفقٍ وردًا على تأثره خرجت منها نبرتها الباكية :
_"انا معرفش ليه ماسكة فيك أوي كدة ومعرش امته حبيتك ، ومش عارفة برضه ازاي بخاف تسيبني ،. متبسبنيش يا ٱدم !"
كان يتردد في اخذها بعناقٍ بسببها هي ، حاول الإقتراب فصدته بتشنجٍ لم يصدم بل وجدها تغمض عينيها وهي تضغط على كفه بين يديها وكأنه لم ينتبه للتو ، قُرب كهذا غير قرب وعناق شقيقها منها لم تستطع ، توقف عن الاقتراب ليحتضنها ولأول مرة يواسي دمعته في ان لا تهبط بشفقةً عليها
فتحت عينيها ومسحت وجهها وهي تبتلع ريقها ونظرت بمفاجأة لما فعلته أظافرها دخل كفه فهتفت بأسفٍ ولهفة :
_" أنا ٱسفة ..أنا ٱسفة والله مكنتش أقصد ،مـ.."
بتر جملتها عندما أشار لها بمعني لا شئ والتقط كفها الأخر يقبله برفقٍ وهتف بصدقٍ :
_" انتِ تعملي اللي انتِ عايزاه يا فريدة من غير ما تتأسفي ، تاخدي ايدي التانية كمان ؟"
شاكسها بٱخر حديثه فأنفلت ضحكاتها بعفويةٍ واستخدمت كلماته تشاكسه :
_" قلبك جاييك بقا ؟"
_"طبعاً ، دا جايبني من. زمان كمان ، تصدقي نفسي في شوية ماية يترشوا عليا ونرجع نتخانق تاني وتضربيني بالقلم فأمسك فيكي ، ما تيجي نعيده يا شاطرة ؟!"
انفلتت ضحكتها مره أخرى والتي سمعتها "فاطمة" فرجعت بإطمئنان ، بينما هو تعمق في ضحكتها فهربت تعاند بطبعها وقالت :
_" أنا مش نفسي"
شاكسها "ٱدم" بمرحٍ وهو يضرب وجنتيها بخفةٍ مردداً بنبرةٍ ضاحكة:
_''يا بت ؟ دا حتى اللي عينيهم حلوة مببعرفوش يكدبوا "
_" لا بيعرفوا"
قالتها مجدداً بإصرار في العناد كانت تود مقابلة الٱعين كي تخرج له مخاوفها بهذه الطريقة ولم تفشل في فعلها ، بل هتف قائلاً بما توقعته هىٰ :
_"طب عيني في عينك كدة!"
تعلقت الأعين بحديث مكشوف ومشاعر مختلفة ، فإزدادت لمعتها وهي تصارحه :
_", متسبنيش يا ٱدم ، خليك هنا ،. أنا بيجيلي كوابيس"
أخبره "حازم" ولكنه رسم قرار في ان يخبرها بأنه سيرحل من الغرفة بدلاً من أن يفرض الجلوس والآقامة معها! ، ومقابل هذا وافق ونهض يسندها ناحية الفراش وأشار لها بأن تتمد، فتسطحت بتعبٍ وسألته بتشبتٍ :
_" هتمشي؟"
_" أنا جنبك ، مش هسيبك!"
سحب الأريكة بعدما أهبط شفتيه يقبل جبينها بحنوٍ، ودثرها بالغطاء جيداً فنظرت بتوترٍ وهابت نومه بجوارها.ولكنه تسطح على الأريكة ما أن أغلق الضوء ، وفردها بتنسيقٍ حتى جعلها فراش والتقط الغطاء وهتف بهمسٍ:
_" تصبحي على خير يا شاطرة"
من كان يصدق هكذا ؟ من كان يصدق وجودها معه وقبول شقيقها بهذا ، علم أنها تتأذى كثيراً كي تصل إلى هذه. المرحلة! ، ابتسمت بتوترٍ وصارحته بمخاوفها الأخرى:
_" هو ممكن تفتح النور ؟ انا بقيت بخاف من الضلمة"
فتح الضوء الصغير بسرعة ، وهو يمد ذراعه وسألها بنبرةٍ لينة رغم انه لا يحبذ الضوء :
_" كدة كويس؟"
_" أيوة "
اتسعت ابتسامته براحةٍ وزفر بإرتياحٍ يصارحها هو الأخر من مخاوفه:
_" تعرفي ان أنا كمان كنت بخاف ، بس كنت بخاف أبقى لوحدي ؟ "
حركت رأسها وهي تتحرك على جانبها في هذا الضوء كي تنظر له عندما شعرت بأنه سيقص عليها أكثر ، وضع كفه خلف رأسه ونظر للسقف وعاد يكمل بشرودٍ بعدما همهمت بانتظار:
_" كان عندي رُعب من فكرة اني اموت لوحدي هنا ، من زمان ، من ساعة ما كنت بضيع نفسي بنفسي ، أختي مكنتش بتيجي ألا فين وفين وبدر كده كده كان مسافر وامي وابويا ميتين ، أصعب حاجة ممكن يحسها البني ٱدم انه بحس انه لوحده رغم وجود ناس كتير حواليه ، لما يحس ان في مكان فاضي هربان منه مش لاقيه ، ساعتها قولت دا عقلي ونقص ديني ففوقت وقعدت أنب نفسي وأقول ايه اللي أنا بعمله وبضيع فيه نفسي ده ، خوفي من الوحده كان مخلي أصحابي هنا علطول. ، حتى حسن ، مع انها أيام متمناش ترجع تاني بس أيامي هنا مع حسن مهما حصل منه فبرضه هقول انه مجاش زيه ، دا بس لو يفوق ، لو يسمع كلامي ويفوق من اللي هو فيه كل حاجة ساعتها هتتغير يا فريدة !"
التزمت الصمت وحبست دموعها في مقلتيها ، فبعد عن هذا المحور من الحديث الذي يشكل لها ذكريات سيئة وعاد يكمل في أصل الحوار :
_", لما قربت من ربنا ارتاحت وحسيت ان المكان الفاضي اللي جوايا بتملي ، وبيتملى نور وإيمان ، ففوقت عن حاجات كتيرة ، بس عمري ما هنسى الماضي ده حتى ولو اتعافيت منه ، أيام المصحة نفسها كانت عاملة زي الموت ، وقتها كنت الحال وعكسه لحد ما فكرت اني اتجننت وعقلي فوت ومبقتش عاقل خلاص ، لحد أجمل لحظة مبتكررش كتير. ,لما أمي جت في الحلم مرتين ليا ، كنت بقولها تاخدني معاها مكنتش بترضى ، ساعتها قالتلي انت لسه قدامك كتير ، لسه اختباراتك كتير وعوضك من ربنا كبير يا ٱدم ، بحب أصدق أي حلم هي فيه يا فريدة حتى ولو وحش!"
تمسكت بالقلادة وهي تبتسم وهبطت دمعتها مع دمعته وهو يكمل ما لم تعلمه :
_"واحنا صغيرين لما كنا بنلعب مع بعض وحسن كان يجي يضربك ويقولك لا متجيش ولا متعمليش كانت بتقوله سيبها يا حسن ، اختك دي بكرة تمشي وتتجوز وتقعد تعيط كدة عليها ، بس هي راحت بدري أوي ، راحت قبل ما تشوف الدنيا عملت ايه فكل واحد فينا ، بس كانت بتحبك أوي انتِ وملامحك ، هي أه مكانتش بترتاح لأمك بس كانت بتقول عليكي ست البنات عشان حلوة زي فاطمة ولما تشوفك بتفكريها بجمالها وملامحها الصغيرة !"
اتسعت ابتسامتها وذاكرتها لا تستطيع جمع الذكريات هذه لصغر سنها ، وضحكت بخفةٍ ما ان استمعت لجزء والدتها ووالدته ، فصرحّت هى بتمني له :
_" ياريت زمان يرجع يا ٱدم ، كنا غيرنا كلنا حاجات كتيرة أوي فيه!"
_"لو رجع هختار أعيش كل تجربة حلوة ووحشة عيشتها ، عشان أوصل للي وصلت ليه ، عشان أكون قاعد معاكي دلوقتي في نفس المكان!"
كانت كلماته صادقة ، شعر بسؤالها قبل ان يخرج ولولا تجربته في الماضى لما قبل كل ذلك بحدوثه..
_"كل حاجة حصلت خليتني ناضج كفاية ، وخلتني عاقل واعي لحد عند عنييكي ، هنا وكل حاجة بتروح وبحس ساعتها اننا لسه صغيرين بنلعب مع بعض زي ما كنا!"
فأضاف يسألها بترقبٍ يحاول سحب الكتمان منها ليخرج:
_", وانتِ ؟"
مسحت وجهها وأخذت أنفاسها تصارحه بصدقٍ :
_"انت عارف ان لو اختارت ارجع هرجع بس هغير حاجات كتير ، أنا حتى لو كان بإيدي امنع بابا وماما يتجوزوا كنت عملتها ، ساعتها هتنتهي الحكاية ، لكن لو محصلش ، فإنت هتعرف برضه أنا هحتاج أغير ايه حصل ، مكنتش هسمع كلام واحد كل شغلته انه كان جاي ينتقم ، مكنتش همشي ورا حاجة مش راضية ربنا من الأول ، مكنتش سيبت الكره بيني وبين اخواتي وبنات عمي يكبر ، يمكن لو كانوا جنبي مكتش خدت قرارات كتير غلط ،بس انا اتحرمت من كتير اوي ولقيت نفسي بدور على الصح وكل حاجة حواليا غلط ، فجيت أختار أصغر غلط ، بس طلع أكبر غلط ممكن تشوفه أي بنت ، بدأت بظلمي لنفسي وبعد كده اتجاب فيا ظلم كل واحد كان عمله في حياته ، بس برجع وبقول ان ربنا قدر كل ده وقادر يخليني كويسة من تاني ، مش هقول كويسة زي ما كنت عشان أنا وعيت لقيت نفسي مش كويسة فكل حاجة بتحصل حواليا بس ساعتها افتكرت ان ده العادي!!"
اندمجت في الكلمات قبال تأثره فلمعت عينيه في الخفاء وتركها تأتي بكل ما لديها ولكنها توقفت تزفر انفاسها بصوتٍ عالٍ وخيرته بمرحٍ اعتمدته كي لا تكون اللحظة لحظة تأثر وحزن:
_" عاوزاك تحكيلي حدوتة قبل ما أنام !"
اندفع يضحك بخفةٍ وحرك ساقة بإندماج وحرك رأسه ضاحكاً موافقاً طلبها:
_"وأحلى حدوتة ممكن تسمعيها"
سألته "فريدة" بضحكةٍ خفيفة تشك بقوله:
_", يعني هتحكي؟"
حرك "ٱدم" رأسه موافقاً ، فعادت تسأله بآندماجٍ :
_",طب هتحكي ايه؟"
وضع يديه خلفه رأسه من جديد، وتنهد بصوتٍ يستعد وبدأ يسرد بعمقٍ متذكراً خصلاتها الطويلة:
_"هحكي حدوته سارقها من ديزني!"
شهقت بصوتٍ زائف وانفلتت ضحكتها على قوله وترقبت الأتي بحماس وكأن روح الطفلة التي بداخلها والتي افتقدت هذه الأشياء في طفولتها تعود الٱن معه بدور ما يفعله، فسمعته يفسر أكثر بنبرةٍ توحي بقص قصة جدية حقيقة! بإستمتاع :
_"سرقتها من روبانزل ، في يوم وقعت في واحدة شعرها طويل وجميل زيها ، بس مكانش أصفر كان إسود ، بنت جميلة وحلوة بس كان مقفول عليها ومكانتش فاهمة حاجات كتير كانت مفتقداها ، ولما خرجت ، خرجت تقابل يوجين اللي وقع في طريقها ، كان برضه عنده ماضي وحش بس مع الوقت هي غيرته ، ولما شافها وشاف البهجة اللي في روحها وجمالها وقع فيها ، وحس لأول مرة انه مرغوب فيه ، لأنه كان تايه وكان برضه محدش بيحبه، المهم بقا ان البت روبانزل ام شعر اسود ناعم دي مكانتش عارفة انها أميرة وانها حاجة كبيرة أوي ، وانها اتخطفت وهي صغيرة واتظلمت من غير ما تفهم في ايه بيحصل ، فالبت الأميرة اللي شعرها هيجنني دي تعبت وعانت في حياتها زي ما ماضي الواد يوجين ده كان وحش بس اتغير والحياة بتتغير عشان هم مع بعض!"
ابتسمت بل وضحكت من سرده ، وهتفت تخبره بنبرةٍ ضاحكة:
_", انت مبتعرفش تحكي حواديت خالص!"
_ صح ، احكيلي انتِ يمكن تكوني بتعرفي!"
ضحكت "فريدة" بسخريةٍ واعتدلت تسحب الغطاء أكثر وأخبرته قائلة :
_" بلاش ، حواديتي كلها مأسوية ، مش وردية أبداً",
همهم بصوتٍ مندمج مع الكلمات وترقب ما ان عادت تراجع نفسها وقالت بتردد:
_" بس ممكن اقولك حدوته قصيرة أوي من كام كلمة بس ، موافق؟ ولا بلاش؟!"
ينتظر بكل لهفة أي حرف كي يخرج منها ، ترقب بلهفةٍ وصاح يحثها بحماسٍ :
_" لا موافق أوي ، احكي يلا "
أخذت"فريدة", أنفاسها بعمقٍ وراحة وقررت قول الأتي على انها قصة قصيرة مكونة من كلمات صغيرة فقط ربما جملة:
_" جمًع الله فيك الصاحب والحبيب والحياة والأمان وكل حاجة حلوة يا ٱدم!"
هل حقاً تفوهت بذلك؟ ، أجمل قصة قصيرة كان قد استمع لها ، ترددت أنفاسه وابتسم بسعادةٍ وضم الغطاء أكثر وشعر ان ثمة فراشات تحلق فوق رأسه تشاركه جمال اللحظة ، أما هى، فقد علمت جيداً ماذا فعلت به الٱن ، جعلته يحلق عالياً ، عالياً جداً ، فإبتسمت وخرجت أنفاسهما براحةٍ ، فكل منهما يعايش لحظات لم يعايشها من قبل ، أخذ الكثير في هذا اليوم من بدايته لنهايته ، شعر هو لأول مرة بأنه صاحب حظ جيد كي يحدث له كل هذا فينتهي المطاف بوجودها معه هنا ، فكما شبهها ترى هي نفسها ، ترى نفسها مفقودة من ذاتها وأكمل التشبية لها بأنها أميرة ، فاجتمع القولان ببعضهما عند نقطة معينة وأصبحت " الأميرة المفقودة"
رواية عودة الوصال الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سارة ناصر
«إذا كان لا بُدّ من حلم فليكُن مثلنا و بسيطًا.»- محمود درويش-
بماذا كانت تحلم هىٰ؟ أو بماذا كانت تتمنىٰ من الأساس! ، كانت تطمع في حنان الأب والأم ، كانت تطمع في معاملة وتربية سوية ، احتواء كي لا تشعر بالإحتياج ولكن ماذا كانت النهاية؟ ، إلاما توصلت هىٰ؟ مسكينة؟ "مسكينة"
ضاعت قبال حقوق رٱها غيرها بأن من المفترض عليها أن تُأخذ ، تجرعت من كأس تحت مسمىٰ الثأر ، هل كان عليها أن تتحمل ليحدث كل هذا ؟ هل كان هين ضياع شئ ثمين مسبباً لها عقبة في كل شئ ، هل كان عليها أن ترىٰ مستقبلها بحاضرها ، لم تكن تعلم أن الماضي شئ موجع إلى هذا الحل!
ولكنه هنا ، هنا بجانبها ، أنفاسهما تخرج وتدخل بغرفة واحدة ، لا تعلم كيف أعطته الثقة حتى تأمنه وتنام هكذا ؟ ، يبدو أنه توصل لمكانة كبيرة بداخلها صعب حدوثها بهذا الوقت ولكنه إستثنائي!
وأما عنه فلا يُصدق ما توصلت إليه في الليلة الماضية ، تشنج جسدها هتفها بتعلثمٍ بأسماء غريبة ، تصلبها ، وصعوبة أخذ أنفاسها وحتى بكاءها وهي مغلقة الأعين في عالم آخر ، عالم قاسي ، وحشي عليها هى وحدها من ترى هذا ، تذكر كيف احتواها وأخذها بهذه الحالة بين ذراعيه ملقياً عليها كلمات متلهفة كي تسكن ، كلمات مطمئنة ، تطمئن بها هى وقلبها ، فسكنت ما ان وجدت أحدهم يحتويها بسرعة ملقياً على مسامعها بأن ما تراه ليس حقيقة بل خيال ، خيال عقلها من حادثة وعقبات لم تمر بالأكل بعد في داخلها ، كلما يأتي على ذاكرته ما حدث في وقت معين من هذه الليلة يغمض عينيه مقرراً بأن لا يتذكر ولكن خوفها جعله هو نفسه خائف ، خائف من كل شئ حوله حتى الإقتراب ليحتويها!
«قبل ســاعــات طويــلة»
كان "ٱدم" مستيقظاً ٱنذاك ينتظر أذان الفجر ، واضعاً ذراعه خلف رأسه شارداً بسقف الغرفة ولاحت شبه ابتسامة عذبة ما أن تذكر كلماتها الأخيرة له قبل أن تخلد إلى النوم ، أنفاسها المتتظمة توحي له بالكثير ، تخبره بأنه بطل قصتها ، بأنه بات الرجل الذي سيعيدها إلى نفسها بعدما فقدتها ،وعلم انها مادامت معه فقد بقى القليل على ذلك!! ، كما بقى القليل على ٱذان الفجر وسينهض مع الصغار كي يذهبوا معاً ناحية المسجد !
ولكنه لم يكن يعلم أنه سيخرج من شروده على هتفها بكلمات غير مرتبة وتحرك الفراش بإنتباه وهي تئن بضعفٍ ، صرخة مكتومة سمعها للتو فإنتفض من مكانه وهب واقفاً بسرعة نازعاً الغطاء ،واقترب من الفراش بسرعة ما ان وجدها تنفي برأسها تحاول التملص من أحدهم في كابوسها ، وقد خرج أنين البكاء بوجعٍ وهي تضم نفسها تنفي بحركة رأسها بهستريةٍ ، جعلته يدفعها سريعاً بخوفٍ بين أحضانه وهى تهتف بتقطعٍ وهذا ما استطاع تفسيره من بين الكلمات التي كانت تهتف بها :
_" لأ..لأ... امشي ، ابعد عني ..، سيبني.. سيبوني ، ســـيبونـــي بقــا!!!"
اختنقت أنفاس "ٱدم" بخوفٍ وضم جسدها ناحيته محتضناً اياها بخوفٍ وهتف في لهفةٍ بعد بحة صوتها في كلماتها الأخيرة :
_" مفيش حاجة من دي ، مفيش حاجة من اللي بتشوفيها دي يا فريدة ، فوقي...أنا جنبك أهو ..أنا ٱدم ، إهدي عشان خاطري!"
أخذت الرجاء يسلك طريقه معها وهتف مجدداً. بلهفةٍ :
_" أنا هنا ، أنا معاكِ!!"
ترجاها ونزلت دمعته من حركاتها وهي تحاول التملص وهو يحاول حكم الحركة التي تفعلها بعنفوانٍ ، همس مجدداً جوار أذنها ونزلت دمعته على وجهها:
_" والله العظيم مافي حاجة من دي بتحصل ، إنتِ هنا أهو انتِ معايا وكويسة ، انتِ في حضني انا ، متخافيـش يا فريــدة!!"
هدأت حركتها تدريجياً واستمر بكاءها بشهقات كان يحاول بكل ارداة أن يواسيها بأحضانه الدافئة ، أخفاها بين ذراعيه وهو بجانبها على الفراش إلى أن سكنت وهبطت دموعها وجسدها ينتفض الٱن بين الحين والآخر ، فحاول هو أخذ أنفاسه مردداً بتحشرجٍ وهو يشدد من ضمها :
_" أنا هنا يا فريدة ، أنا ٱدم! ،مش هسيبك!!"
سقطت دموعه واسترسل سريعاً بآيات قرٱنية ما أن رأى تجاوبها في السكون وبعد قليل كان قد تراخي جسدها واعتدل بحركته حتى أسند رأسها ناحية قمة صدرة الصلب عنها فوجدها تتشبت في ملابسه الفوقية وبيديها الأخرى تمسكت بكفه الدافئ وتوقف البكاء عن قولها المتوسل بتخديرٍ تام وعينيها المغلقة التي فُتحت بقلةٍ ثم تراخت وأُغلقتها ما أن قالت :
_"أوعى تمشي ، أوعى تسيبنـ ـي!"
كانت كلماتها متقطعة كافية لسقوط دمعة أخرى من عينه وبمجرد قول هذه الكلمات تراخت أعصابها بإستسلام للنوم بسكونٍ غريب عكس ما كان يحدث قبل هذا ، سقطت كفها وتركت كفه ، فإلتقطه سريعًا يقبله بأسفٍ وداخله حرقة ما. يحدث وما حدث تتآكل به ، ومهما تخيل فلم ولن يصل إلى ما كان قد رٱه حينها بهذا الكابوس الذي شَحُبَ وجهها منه! ، مرر يديه على كتفيها يغمرها بالدفء ، حتى كفيها ، وترك أنفاسها تلفح جسده ومن بينها شهقات لا إرادية تخرج منه فتصطدم بجسده مع الأنفاس ، سمع ٱذان الفجر ووجدها تحاول التحرك ، فأعتدل يعدل نومتها وأمسك شعرها المتروك يضعه خلفها على الوسادة بعدما عقده عقدة متروكة معلقة كي لا ينساب ويسبب لها ضيق ومن ثم سحب حينها الغطاء يدثرها به جيداً..
حاول أخذ أنفاسه وتقابل مع صورته في المرٱه ، هل ما يشعر به صحيح؟ ، رفع كفه يمسح وجهه ونظر ناحيتها يترقب وجدها كما هى في سكون ، فدخل المرحاض الذي يوجد بالغرفة يتوضأ واستغرق القليل حتى خرج يتجه ناحيتها ومسح على وجهها بكفه المبلل بالمياه مردداً ٱيات ذكر قصيرة إلى أن دق الباب دقات ناعمة وسمع قول "ٱدهم" الذي وقف بجانبه "يوسف" حينها حثتهما "والدتهما" بأن يدقا عليه الباب دون فتحه إلى ان يجيب ويفتح لهم ",ٱدم"! :
_"يلا يا خالو عشان نصلي!"
وجاء قول "يوسف المتساءل وهو يضع أذنه على الباب بطريقة طفولية:
_" انت صاحي يا خالو ؟"
وقفا الإثنان وابتسما بسرعة ما أن وجدا "ٱدم" يفتح الباب وهو يهبط أكمامه مبتسماً لهما بإتساعٍ ، وخرج بعدما مد يديه يغلق الباب وانحني يقبل وجنتي كل منهما فصاح "أدهم" بلهفةٍ :
_" هي فيفي لسه نايمة ؟"
حرك "ٱدم" رأسه بنعمٍ فسحب "يوسف" كفه باهتمام وحثه قائلاً :
_"طب يلا بقىٰ!"
حينها تذكر حماسهما وضحك على شجارهما مع بعضهما ثم عناقهما الطفولي والأسف الذي يخرج من "أدهم" دوماً ، هاب تركها ولكنه حينها أخبر شقيقته في أن تترقب من على بُعد أن حدث شئ غريب!
«بينما الٱن»
فاق من هذا الشرود عند هزات متتالية بواسطة "أدهم" منه فقال حينها بضجرٍ عند انتباهه حينها ما أن خرج :
_" يوه بقا يا خالو ، انت مش بترد عليا ليه ، بقولك فيفي مصحتش ليه!."
حرك "ٱدم" رأسه ناحيته بإنتباهٍ جعل ",فاطمة", تأتي من على بعد وهي تضع الأطباق على الطاولة:
_" بطل تزهق في خالك يا أدهم وإهدى شوية بقا ربنا يهديك!"
_"سيبيه يا فاطمة ، هو بيسأل عن فريدة ، معرفش ضرتي معاها ولا ايه ده "
فأمسكه بعنفٍ من تلابيبه وأكمل بمرحٍ :
_"جرا ايه يا عم مالك بيها؟؟"
قالها "أدم" وهو يشاكسة مدغدغاً إياه بضحكٍ فضحك الٱخر بقوةٍ مع "يوسف", الذي فعل معه الأخر المثل وأقترب يراضي "جنة ", بفعل المثل فضحكوا قبال نظرات"فاطمة" السعيدة وهى تضحك بخفةٍ عليهم ، ونظرت ناحية باب الغرفة المغلقة ، فقد أخبرها شقيقها أنه تركها إلى أن تستيقظ بمفردها، نهض"ٱدم" قبل أن يتناول شئ وأخبر "فاطمة " قائلاً قبال نظرات الصغار :
_" افطروا انتوا يا فاطمة ، على ما اشوفها واجي ، ولو صحت هجيبها ناكل سوا!"
_" خلاص روح واحنا هنستناكم يلا"
حثته شقيقته بقبولٍ فابتسم واقترب من الغرفة حتى وقف يرفع يديه يدقها فلم يجد رد ، فقرر فتحها ليدخل ، دخل وابتسم بسعادةٍ ما ان وجدها تجلس على سجادة الصلاة تؤدي فرضها التي تأخرت منه ، سلمت حينها وهو يقف فٱغلق الباب خلفه واقترب يقف ، فإلتفتت تبتسم له بحرجٍ ما ان نبس بنبرةٍ لينة :
_" صباح أي حاجة فريدة من نوعها!"
انفلتت ضحكتها برقةٍ أو هكذا خرجت منها بعفويةٍ فوضعت يديها على فمها سريعاً تكتم ضحكتها ونظرت له تحاول الهروب من ما فعلته وسألته :
_" مش هتروح الشغل ؟"
_" هروح بس تعالي نفطر الأول سوا معاهم بره ، دول مستنين على نار ، بالذات أدهم حبيب قلبك !"
قال الٱخير بضجرٍ زائف كي يخرج منها المرح والعناد وكل الطباع الذي يراها من ثوبها هي وحدها حتى يجتمع بها كل هذا مع خفة روحها ، ابتسمت حتى أصبحت البسمة ضحكة وشاكسته تقاوم حرجها :
_" ده انت بتغير بقا؟"
غمز وهو يقترب وأزاح حجاب رأسها من اسدال الصلاة التي وضعته لها شقيقته في الغرفة :
_" حقي يا شاطرة !"
خجلت من فعلته وقليل ما تتورد وجنتيها ، تركته خلفها تفرده وسألته باهتمام غير غافلة بأن خصلاتها كانت معقودة على غير العادة :
_"ليه مصحتنيش أصلي الفجر؟"
اهتزت ملامحه ، ما ذا ان قال انه احتواها وقتها بين أحضانه عند كابوسها ؟ ،ولكنها أنقذته من تخبط الرد ما أن سألته وهي تضم أناملها متذكرة العقدة الذي ربطها براحةٍ :
_" ٱدم ، أنا جالي كابوس بليل صح ؟"
تلاقت عينيه معها وانهزم محركاً رأسه بنعمٍ فابتسمت له بإهتزازٍ وتلقائياً علمت انه احتواها فرددت بتقطعٍ وظهر الأسف من ما بدر منها من صدمة :
_" انا ٱسفة ..أنا مبقدرش أتحكم في ده عشان كدة طلبت منك تفضل هنا معايا في الأوضة ونمت وقتها وأنا عاطياك الأمان ، أنا عارفه انه مش سهل عليك يخرج مني أي كلمة في حالة زي دي ولا حتى مضطر تشوفني بالضغط ده وأنا على ذمـ.."
قاطع قولها عندما رفع كفه يزيل خصلاتها من الأمام على جبهتها وقال بإبتسامة عذبة :
_" كل ده أي كلام ، أنا مش فارق معايا كلامك ده وانتِ بتحكمي بكدة ، بس أنا قلبي أبيض وهنسى كلامك يا شاطرة! "
كلمات قليلة ولكنها حتماً تؤثر بها ، فابتسمت له "فريدة", بإمتنانٍ ورمشت بأهدابها تشكره :
"_شُـكرًا "
هل سيكون القول في محلة الٱن ، ضحك وغمز لها بمشاكسةٍ وردد بمكر يثبت لها التغير الذي حدث عندما انتظر قولها بالرد بعد قوله:
_ "هو مش المفروض ولا ايه؟؟"
_"لا خطبتني؟ اتجـ."
قطعت هى كلماتها وتوقفت بمفاجأةٍ أمام خبثه وهو متعمد تركها تكمل ما تشاء إلى أن تعى ،. فضربت جبينها وقالت بإستسلام لا يليق بشخصيتها :
_" ٱيوة صح ، ده انت اتجوزتني خلاص واتدبست فيك!"
قهقه "ٱدم" عالياً على خفتها وأشار بنبرته الضاحكة مع نظرة عينيه :
_"طب مش يلا ، دا انتِ مجوعة عيلة بحالها دلوقتي!"
إعتدلت ترفع طرف الإسدال الطويل حتى لا تتعرقل وأشارت بلهفةٍ من قوله :
_" أيوة يلا ، أنا كمان جوعت!"
خرجا معاً وهلل الصغار بسعادةٍ ما ان وجدها تقبل عليهم ، فضحك علي تصفيقهم بحبٍ ، حينها عانقت "فاطمة" بلطفٍ وقالت بحرجٍ :
_" معلش يا «فاطمة»معرفتش أقوم نعمل الأكل سوا ، النوم خدني ، بس بعد كدة لازم تصحيني أعمل معاكي!"
أوصتها وقبل أن ترد الأخرى بشئ للرفض ، تذكرت كلمات "ٱدم" في ان لا تشعرها بأنها غريبة أو ضيفة بهذه الأشياء وغيرها ، لذا ابتسمت وحركت رأسها موافقة وهتفت :
_" اتفقنا ، بس يلا اقعدي بسم الله يلا !"
جلست بجانب "أدهم" و"يوسف" حينها كانت بينهما في المنتصف بعدما قبلت وجنتي "جنة" بحبٍ ، وكأن الكيد يعرف طريقه مبكراً مع "أدهم", الذي ضحك بصوتٍ وقال بنبرةٍ ضاحكة لـ "ٱدم", الجالس في مقابلتهم :
_"فيفي قعدت جنبنا يا خالو و انت لأا !! "
فضحك "ٱدم" وضرب كفه بكفه الٱخر ناظراً نحو شقيقته مردداً بنبرةٍ ضاحكة:
_" اللهم طولك يا روح!، ما تشوفي ابنك يا فاطمة!!"
انفلت الضحكات حتى "ٱدم" الذي حرك رأسه بنفاذ صبر لـ "فاطمة" التي أشارت له في ان يتحمل تترجاه بدراما تمثيلية ، وقطع هذا صوت "يوسف" المتساءل :
_"هو انتِ ليه يا فيفي ملبستيش فستان فرح ليه ؟ ،مش انتِ وخالو اتجوزتوا ماما قالتلي كدة عشان قولتلها هى هتنام معانا ليه!"
ضحكت "فريدة" بخفةٍ قبال ابتسامة "ٱدم" الذي رد عليه بسؤال ٱخر يبعد عن أصل الحوار :
_" يعني انت عايزها تلبس فستان فرح؟"
_" أه وانت تلبس بدلة عريس ومنعملش الفرح في البيت زي امبارح عشان كان زحمة أوي والجو حار "
قالها "أدهم", بتأفف بدلاً من رد شقيقه ، فضحكت "فاطمة" وردت"فريدة" حينها تحكم الموقف بـ :
_" الفرح هيبقى محتاج أرجع بيتنا تاني عشان فستان الفرح والفرح ، لكن لو مفيش هفضل قاعدة هنا ، بس هو انتم عايزيني امشي ولا ايه ؟"
نفى الثلاثة الٱن بلهفة وصاحوا عالياً بنبرةٍ واحدة :
_" لأ خــلاص!!"
غمزت لهم قبال نظرات "ٱدم", المبتسمة بتفحصٌ لتقاسيمها الهادئة ، لا يعلم ماذا تقصد ولكنها احتوت الموقف بهدوء كي لا يُفتح مجدداً مسبباً لها حرج وله هو الٱخر ، بدأ كل منهم في تناول الطعام بعد قول "فاطمة" لهم وهي تتصنع الحزم كي يكفوا عن الثرثرة :
_" سموا الله وكلوا يلا ، بلاش كلام كتير على الأكل عشان تبقوا شُطار!"
____________________________
جلسة كهذه في حضرتهم بعدما حدث ما حدث أمس تجعلها تنظر نظرة مختلفة جداً عن ما بقت هى عليه ، هل حقاً كانت ابنتها على مشارف الخطر وحدها ؟ لخطة سقوط حملها ؟.، كلما تفكر "سُمية" في ذلك تحاول نفض الأفكار من عقلها وهي تفكر بشئ ٱخر ، يخص "نيروز" أيضاً ، انهاكها جعلها تجلس لم تفعل شئ بل من فعلت كانت "وردة" التي أعدت الطعام على المائدة ورتبته في جلوس"سُمية" بشرودٍ حيث لم يكن متواجد على المقاعد إلا هىٰ وأفكارها وشرودها بمواضيع كثيرة مختلفة ..
جاءت "وردة" بٱخر صحن ونادت وهي في طريقها للجلوس ، نادت علي زوجها كي يخرج من الغرفة حيث انتهى اعداد الطعام الٱن :
_" يــــلا يا "بـــدر" ، هات"يامن"وتعالىٰ الفطار جِهز!"
نادته ونادت صغيرها الذي توجه لوالديه في الصباح الباكر بعدما كان يقيم مع جدته ، خرجت "سُمية" من شرودها وهي تبتسم لابنتها الكبرى التي وقفت تطالعها بغرابةٍ وسألتها بقلقٍ :
_" مالك يا ماما ، انتِ كويسة ؟شايفاكي سرحانة كتير أوي ، هو في حاجة تاني ولا ايه ؟"
نفت "سُمية" ببساطةٍ وخرج "بدر" ممسكاً بكف ",يامن", بجانبه تزامناً مع قول "سمية" :
_" مفيش حاجة يا حبيبتي ، شوية مشاغل بعدين هبقى اتكلم معاكي فيها ، المهم ادخلي صحي «نيروز» عشان تاكل وتاخد علاجها !"
وافقت "وردة" واقتربت من غرفة "نيروز", فسمعت "بدر" يلقي تحية الصباح على ",سمية":
_"صباح الخير "
_" صباح النور يا حبيبي!"
دخلت "وردة" الغرفة فقررت "سُمية" ان تسأله بإهتمام :
_" هي "وردة" لسه متعرفش الحكاية اللي قولتلي عليها دي؟"
ما سر سعادته هذه ؟ الٱن سيجيب. ، أخذ"بدر" أنفاسه بالتدريج وفسر لها بهدوءٍ :
_" مكنتش متأكد بنسبة كبيرة ، بس استنيت عشان معلقهاش في حاجة ممكن متحصلش ، بس هم اختاروني النهاردة من ضمن مجموعة كبيرة وخلاص رست على هنا لفترة ، لسه جايلي المكالمة دلوقتي!"
ابتسمت بتٱثر وفرحة كبرىٰ ، حينما عشمها ترددت في السعادة ولكن الٱن ، الٱن تعايش فرحة كبرىٰ ، وبالنسبة لـ "وردة" ستصبح فرحة كبيرة جداً ، ابتسمت بإتساعٍ ولمعت عينيها وهي تنظر لـ "يامن" فإستشف "بدر" نظراتها وطالعها بسعادةٍ ، إلى أن خرجت "وردة", برفقة "نيروز" التي تقدمت مرددة ببحة صوت من أثر النوم :
_" صباخ الخير"
حينها تم الرد عليها وجلست فأشارت لها"سُمية"لتجلس بجانبها ومررت يديها على ظهرها برفقٍ تحثها على تناول الطعام ، فجلست بعدما قبلت "يامن" واستمر الطعام بينهم ، حينها ابتسمت "وردة" راغبة في خلق أي مشاكسة لتخفف عن "نيروز" بعدما اخبرتها "سمية" فيما حدث لها أمس وقدوم "غسان" وحثتها على ان لا تُذكر شقيقتها بذلك! وان لا تخبر "ياسمين"
_"كُلي كويس يا روز ، كانوا بيقوا للحامل كلي يا حبيبتي انتِ بتاكلي لاتنين ، لكن دلوقتي بنقولك كلي يا روز عشان انتِ بتاكلي لـ تلاتة !"
حينها انفلتت ضحكتها بعد هذا القول الذي جعل "بدر", ينظر لها بتعاطف من ان قالت هذه الكلمات بنقاء ، ذهب حقها في انجاب ٱخر ، وضاع منها في شبابها شئ ثمين لا يُقدر بثمن لكن الله قدر هذا وهو يقتنع وراضٍ على قضائه ، صمت قبال ضحكة "سمية" العالية هذه المرة، وضحك "نيروز" التي قالت من بين ضحكتها :
_"تصدقي يا "وردة" مكتش مركزة أوي فالجملة دي ، وأنا أقول مالي بجوع بسرعة ليه ، دا أنا حتى لسه في الأول وتعبانة أوي ، الحمل ده متعب!"
ابتسمت لها "وردة", وقالت في لطف ومشاعر صادقة :
_", معلش يا روز ، هى بتبقى كدة بس كله يهون قصاد اللحظة اللي هتيجي وانتِ شايلاهم على إيدك ، بس بعد كده بقا مش هضحك عليكي ، وبصراحة كدة انتِ لازم تاخدي جرعة قوة وطاقة عشان انتِ توأم !"
انفلت ضحكتها بتعبٍ من هذا واستمرت في تناول الطعام بعدما هتفت "سمية" بعاطفة أمومة :
_"ربنا يقومك بالسلامة يا نيروز ..ويقويكي يا بنتي!"
قال "ٱمين " وقالت مثله هى وشقيقتها ووالدتهما وبعد مرور دقائق ، نهضت "سُمية" تعلن الحمد بالإكتفاء وجلبت دواء "نيروز" التي ابتسمت لها بتأثر وهي تأخذه بعدما انتهت هى الأخرى من الطعام ، نهض "بدر" يقف في الشرفة حاملاً صغيرة يلاعبه بعيداً عن "وردة" التي تولت أمر غسل الصحون بعدما نهضت وسارت "نيروز" تحمل معها البقية حتى وقفت فرفضت الأخرى وتوقفت "نيروز", بإصرار وقطعها مناداة "سمية" من على بُعدٍ :
_" خــــدي يا "نـــيــروز" ، تعالـــي عايزاكي!"
تحركت لتخرج في طريقتها ناحية الأريكة التي تجلس عليها"سُمية" ابتسمت لها في خفةٍ ومسدت على الجزء الخالي حتى تجلس ، فجلست "نيروز" تنظر إليها بإهتمام حتى بدأ قول "والدتها" التي مهدت به :
_" اقعدي عايزاكي ، عايزة اتكلم معاكي!"
نظرت ناحية "نيروز" فوجدت ملامحها تهتز ما ان علمت ان ما حدث أمس له بقية معها ، فواصلت الأخرى :
_" موضوع غسان بتاع امبارح اللي مكملتهوش معاكي عشان حالتك مكانتش عجباني ، أما بقى موضوع مروة ده فأنا عايزاكي تنسي وتحمدي ربنا كدة يا حبيبتي انه نجاكي منها وبعتلك "غسان" اللي وجوده كان حاجة مضيقاني بس رجعت أقلبها وقولت هي تدابير ربنا فمش هتكلم!"
كلمات تُوجه إليها من "والدتها" تبث بها بعض القلق الٱن ، رفعت عينيها لها فوجدتها تتنهد بصوتٍ وأكملت :
_"انا خايفة عليكي يا "نيروز " انتِ بنتي ومن حقي أخاف عليكي وأحكم عليكِ كمان تعملي ايه ومتعملش ايه ، أنا أمك وأدرى بمصلحتك يا بنتي!"
هابت "نيروز" هذه الكلمات هل ستردد لها بتركه ؟ أم ماذا تريد؟ ، تعلثمت نظراتها وعجزت عن الحديث فأرادت أي دفاع عنه وعن نفسها حتىٰ :
_"أنا مش فاهمة تقصدي ايه يا ماما بس.. أنا مغلطتش في حاجة..و" غسـان" مغصبنيش أرجع لو انتِ فاكرة كدة ولا هو خـ..ـ.."
_" اسمعيني للٱخر يا "نيروز"، أنا مش مستنياه يغصبك من أصله ، بس أنا أم ومن حقي أخاف ومن حقي كمان أطلب اني أفهم اللي بيحصل ، خلينا نقول مش عايز يقولك على اللي في دماغه..بس أنا عايزاه يجي يقولي أنا ويفهمني كل حاجة من الألف للياء ، انتِ مش لعبة ترجعي ومترجعيش ، مش لعبه مع نفسك ومعاه ، واللي حصل الأيام اللي فاتت دي يخليني أقول لا بنتي مش راجعة ألا ما أفهم اللي بيحصل ، ايه اللي يضمنلي انك مش ضعيفة قصاد حبه فهتسكتي قدامه ، وأنا هنا مبقولش انه كداب ولا استغلالي أنا هنا بعرفه وبعرف الكل ان بنتي قيمتها كبيرة وانتِ كمان لازم تعرفي ده!"
وأضافت قبال خوف"نيروز", وارتباكها من الحديث :
_"داخل خارج ردك مردكيش ، أنا هنا مستنياه فأي وقت يجي يقولي انه مش مع غيرك ، وان بنتي متسابتش عشان واحدة تانية زي ما طالع ، ومستنية برضه أعرف طلاق ايه اللي انتِ طلبتيه وراح موافقك علطول من غير ما يعمل حساب للكبار اللي بينكم ، أنا ساكتة بقالي كتير ومش معنى اني ساكتة يبقى هعدي حاجات مينفعش اني أعديها باعتبار اني أبوكي وأمك يا نيروز!"
تقطعت أنفاسها قبال كل حرف وأخفت عليها الٱن بٱنه ردها بالقول ، فإبتلعت "نيروز" ريقها بتردد وهتفت بنبرةٍ ضائعة :
_" أنا مفهمتش يا ماما ايه حصل وبيحصل لحد دلوقتي بس أنا واثقة فيه وبالنسبة لموضوع الطلاق فـ دي حاجة هقولهالك لأول مرة ..لآن أنا اللي كنت غلطانة ساعتها واتسرعت وبعد كدة كل حاجة جت على بعضها !"
نظرت لها "والدتها" بجديةٍ وربتت على كتفيها ولكن خرجت نبرتها الجامدة رغمًا عنها وهي ترد عليها بـ :
_" حتى ولو كنتي انتِ اللي غلطانة فأنا مستنية أفهم منك ومنه اللي حصل ، ولو كنتي فعلاً غلطانة فـ ده موضوع تاني لوحده لإني قولتله ان بنتي غلطت تيجي تقولي يا ست سمية بنتك عملت وسوت ساعتها هقف معاه عليكي وهعرفك غلطك بالطريقة اللي ترضيه وفي نفس الوقت متقللش منك ، لكن ده سمع الكلمتين دول من هنا ومردش قال لا أه ولا لأ!"
لمعت عينيها دفاعاً واندفاعاً بصدقٍ تلقائي وٱخرجت الحقيقة بكلماتها :
_"مردش عشان كان هامه شكلي قدامكم ، وعشان أهله ميرموش اللوم عليا بالذات طنط دلال، هو كان خايف عليا ولسه!"
كان قولها صريح استشفت منه "سمية" بعض الصدق ولكنها تريد دليل يريح قلبها والحرقة التي بداخلها لأجلها ، ناهيك عن اندفاعها الغريب الذي شكَّل لها استنكارٍ فهابت الٱتي عندما جاب عقلها تواجده معها بغرفتها ٱمس وأشيائة الذي تركها فصاحت بقلقٍ وهتفت تلمح لها ما ان كان ردها بالفعل!:
_" غسان ردك هنا امبارح يا نيروز ؟"
فهمت مقصدها وتذكرت ما فعلته من رفض قبال قراره في عدم الاقتراب فصاحت في دفاعٍ ٱخر تردد بلهفةٍ :
_" لأ..لا مردنيش بكدة ، هو احترم اني مش موافقة على كدة غير لما افهم كل حاجة وأنا كنت رافضة ، فمصدش رفضي ولا حتى اتضايق منه !!"
وأضافت تبرر لها أكثر كي تصدقها بقولها الذي سبق هذا:
_" ووالله العظيم كلامي ده مش كدب هو عمل كدة فعلاً عشاني بس أنا اللي مكنش عندي الطاقة أفهم حد حاجة ولا اتكلم، حتى عمو حامد عرف باللي حصل في الأول ولو كان هو غلطان كان خد حقي منه قدامكم كمان ، وانتِ عارفة !"
ثقتها بوالده شديدة ، طالعتها "والدتها" بصمتٍ إلى أن هتفت "سمية"أخيراً وهي تخرج أنفاسها:
_"وحامد ليه مقاليش على اللي حصل ، وايه اللي كان جرا منك قبال انهم يخبوا على الموضوع كده ، انتِ مخبية على أمك ايه يا نيروز؟؟"
تعلقت عينيها بعينيها المحاصرة لها ، وعلمت أنها حاصرت نفسها كي تقص عليها ما كان قد حدث منها دفاعاً عنه واتسعت عينيها ما ان حثتها "والدتها" بقولها المواصل الأخير:
_"اتكلمي وقوليلي ، أصل مدافعتك عنه خلتني أشك في بنت بطني انها بتداري عليه قدامي ، قوليلي ايه اللي حصل منك يا نيروز لو كان حصل زي ما الكلام بيقول !"
طالعها "نيروز" بترقبٍ وما أن جاب شكها بها اندفعت تمسكها من كفها موضحة لها :
_" والله ما حصل يا ماما هو فعلاً سكت ومرضاش يتكلم عشاني وعشان شكلي ، بس أنا هحكيلك على اللي حصل مني عشان تصدقيني ، انتِ عارفة اني مبقدرش ٱكدب قدامك!"
انتظرتها بينما هى هابت رد الفعل على ما كانت فعلته ، ما يشفع لها عندها ان "والدتها" تعاملها معاملة خاصة بعد فراق وفقد والدها لذا تحنو عليها في أشياء كثيرة ولكن ماذا عن هذه المرة!! ، أخذت "نيروز" نفساً عميقاً رغم الخوف وقالت:
_"حاضر ، هحكيلك كل حاجة"
ترقبت أنظار "سُمية" التي اندمجت قبال بداية حديث ابنتها ، وارتباكها هذا بعلمها لكل تفاصيل ابنتها يوحي لها بأن هناك أمر ما قد فعلته هىٰ حتى يظهر الندم في عدستيها هكذا ممزوجاً بالخوف!
..
في حين توجهت "وردة" بكوب لبن ناحية الشرفة حتى تعطية لـ "يامن" وما أن دخلت وجدت "بدر" يقذقه للأعلى والٱخر يضحك بصخبٍ عالياً ، ضحكت على ضحكاته وقدمت له الكوب وهي تردد بنبرة ضاحكة عليه:
_" خد اشرب يا حبيب ماما يلا"
تجرع بواسطتها بعدما توقف عن الضحك وانتهى ففعل اللبن له شارب أبيض ضحكت هى عليه بخفةٍ وهي تمسحه له بيديها بعدما ضحك عليه"والده"، وعندما حاولت التحرك وهي تشملهم بسعادة لتخرج ، أمسك "بدر" مرفقها يقطع هذا وقال بنبرته الهادئة :
_" عايز احكيلك على حاجة ، استني!"
_"في ايه يا بدر.؟"
هابت طريقته ، هذه الطريقة مشابهة لما كان سيفعله فهفتت في شك سريعاً :
_" مش عارفة ليه خوفت ، بس بالله عليك ما تقول انك هتمشي تاني ، الطريقة دي بتفكرني لما كنت هتمشي ومش عارف تقولي"
ضحك "بدر" عليها وأشار لها بالجلوس فجلس وصغيره على ساقه وهي بجانبه ، فنفى قولها بنبرةٍ ضاحكة وقال يخبرها :
_" لا هو مش كدة بالظبط ، بس هي حاجة مخلياني فرحان أوي ، وحاجة كمان كان المفروض اقولها بعد ما جيت بس استنيت أتأكد عشان معشمكيش!"
تحمست "وردة" من كلماته خاصةً ان السعادة تظهر على وجهه بقوة الٱن ،فتلهفت تردد له بحماس:
_" طب قول بسرعة مستني ايه ، انت شوقتني أوي!"
تنفس "بدر"الصعداء وإعتدل في جلسته يرتب الحديث أولاً ثم بدأ في السرد عليها بهدوءٍ لا يخلو من ابتسامته الهادئة التي تأسرها :
_"الشغل هناك خلص مع عمالة تانية في ٱخر مشروع ، بس لما جيت أنزل تاني جه عقد للشركة مع شركة تانية وانتِ عارفة الشغل بره تبع ناس مش مصريين بس جه مشاريع في مصر هنا ، حوالي ٣ مشاريع فكان الطلب من الشركتين مهندسين معينين وياخدوا بالألوية ، قدمت اسمي قبل ما أنزل وهم عارفين مجهودي وفي نفس الوقت المشاريع هتبقى في بلدي بس مكنتش ضامن لأنهم قالوا إنهم هياخدوا ناس معينة ،. والشراكة دي مبتحصلش غير كل كام سنة ، والنهاردة عرفت اني من ضمن المهندسين دول وهشتغل هنا "
اتسعت عينها وامسكت كفه بغير تصديق بل الٱن تلمع عينيها بوميض غريب مرددة بذهول:
_" بجد؟؟ بجد يا بدر؟؟ قول انك مش بتهزر ؟"
ابتسم بتأثر قبال هذا وأضاف بما جعلها أشد سعادة :
_ " لا مش بهزر دي حقيقة يا وردة ، وفي كلام كمان على ان ال٣ مشاريع دول هياخدوا كام سنة ، فأنا بظبط الورق عشان معتش أسافر خلاص ألا ما العقد ينتهي هنا على حسب ما يخلص الشغل ، بس بالمتوسط حوالي ٣ سنين ، قولتلهم هنا كلهم ان ممكن ده يحصل كانوا مش مصدقين وبيدعوا انه يحصل حتى فاطمة وٱدم والعيلة بس جت عندك وقولت لو محصلش مش هفتح الموضوع وهخليهم ميقولوش إن كان في حاجة من دي من أصله بس أنا نفسي مش مصدق اللي بيحصل دلوقتي، ساعتها افتكرت أمنيتك اللي بتتحقق ، وفرحت عشان عارف انك هتفرحي!"
هذه مفاجأة كبرىٰ لم تخطر على بالها قط ، سالت دموعها واندفعت تعانقه بسعادةٍ بالغة ، تأثر هو منها وهو يربت على ظهرها برفقٍ فخرجت تردد بنبرةٍ باكية وبنفس الوقت تبتسم بسعادةٍ :
_" أنا اقسم بالله ما مصدقة ، الحمدلله يارب ، أنا كل اللي كان نفسي فيه اني أفضل جنب ماما واخواتي ، وكنت بتحسب للحظة اللي هفارقهم فيها وٱودعهم وأرجع ابقى لوحدي تاني ، أنا بحبك أوي يا بدر؛ ومش عارفة أقولك أنا مبسوطة قد ايه!!!"
صمت هو قبال هذا التٱثر وقدم رأسها ناحيته يقبل قمتها ، وقال يشاركها هذه الفرحة بسعادة من أجل سعادتها هذه :
_" أنا كمان مبسوط أوي ، ومبسوط ٱكتر عشان انتِ مبسوطة ، ومامتك عارفة علفكرة وكانت قالتلي في الأول انها على كدة عايزة تروح تنضف الشقة هناك قولتلها لما اتأكد وأعرف الأول ووردة تعرف هنروح سوا علطول نعمل ده !"
تحركت بحماسٍ غريب وحركت رأسها بالإيجاب تردد له بلهفةٍ كبرى :
_" أيوة ، أيوة يا بدر ، احنا لازم ننضف الشقة ونقعد هناك ، وابقى اجي كل شوية لماما زي ما ياسمين بتعمل ، صح؟"
كصغيرة لا تستطع تصديق أشياء مُفرحة ستستمر ، سألته بغير تصديق فحرك رأسه وهو يضحك فعانقته مجدداً ، فدخل الصغير بينهما يفصلهما بغيرةٍ حتى ضحكت هي عليه وحملته تقبله بحبٍ ، فضمهما بذراعه متنفساً بأريحيةٍ وهما جواره ، فهذا شئ ليس له بديل أبداً!!!
..
بينما على بُعدٍ تبدلت ملامح "سُمية" قبل قليل للصدمة ، بل لا تصدق ما فعلته "نيروز", من اندفاع وسوء تصرف حينها عند هذه العقبة ، صمتت قبال تبريرات ضعيفة ودموع صامتة ووجدت نفسها تردد بتيهةٍ من ما سمعته للتو:
_" أنا لو مكنش واقف بيني وبينه موضوع أسماء ده كنت خدتك من ايدك طلعتك فوق شقتك وجيبته أقوله حقك على راسي من اللي بنتي عملته!"
من الظاهر أن ندمها وحده لا يفكي فتندمها "والدتها " أكثر !!
_" انتِ عارفة انتِ عملتي ايه قصاد راجل نحمد ربنا انه طلع ابن اصول ومفهمش الدنيا غلط حتى ولو كان واثق فيكي؟ ، طول عمري أقول عليكي متسرعة بس عمري ما توقعت انك تعملي حاجة زي دي يا نيروز ، ألف بركة على كدة ان دلال متعرفش والا كان فاتها وهي بتتكلم معايا ترميلي كلمتين في وسط الكلام معرفش أنام منهم ومن زعلي عليكي ، بقا في حد يعمل كده ؟ "
سالت دموعها أكثر من هذا التأنيب ، فحركت "سمية" رأسها بإستيعاب لما فعله من شئ كان واجب عليه فعله وإلا كانت قد ضاعت سمعتها ما ان علم جزء من هذه العائلة!! ، لا تنكر بأن قيمته ارتفعت في نظرها ولكن هناك موضوع عالق ، ابتلعت ريقها قبال دموع الأخرى وواصلت تكمل:
_" وأنا أقول ليه مش عارف يتكلم معايا رد قصاد رد ، ليه بيقفل الكلام!! ، لا دا كان بيرد يهاجمني قصاد اني مدخلوش في نقطة معينة من الكلام ميرضاش ولا يعرف يبررلي فيها ، كلامي معاه ساعتها كان على انه الظالم من وجعي عليكي ، لو ده فعلاً كدة فأنا محتاجاه يجي يا نيروز يفهمني الباقي عشان نشوف اخرة ده إيه ،لو فهمني هحب على راسه من ظلمي ليه ومن اللي عمله !"
حنت عليها في ٱخر حديثها لكنها مسحت وجهها توضح لها بصدق:
_" متزعليش مني ياماما عشان خاطري ، والله العظيم أنا ندمت وقولتله اني غلطانة بس ساعتها حصل حاجات كتيرة ضيعت كل ده "
انهزمت "سمية" أمام الضعف وضمتها ناحية صدرها تقديراً لحالتها هذه وهتفت في تحشرجٍ ومازال الإصرار رفيقها :
_" هتعدي يا نيروز ، كل ده هيعدي ، بس غسان يجي هنا قدامي انتِ وهو!"
خرجت توافقها بلهفة كي لا تنهرها مجدداً وكي ترسم نهاية لكل هذا ، ابتلعت ريقها ونظرت لها بإطمئنانٌ فوافقت الأخرى بنظرة عينيها إلى ان اندفعت "وردة" بهرولة من داخل الشرفة وانحنت تعانق "سمية" و"نيروز", معاً في مفاجأة وقالت بسعادةٍ :
_"أنا مبسوطة أوي يا ماما ، مبسوطة يا نيروز أوي؛"
ابتسموا في فرحة وسعادة وواصلت "وردة" مجدداً :
_" فرحانة اني هفضل هنا ومش هسافر!!"
ضحك "بدر" على رد فعلها من خلفها واتسعت ابتسامة"نيروز", التي علمت من قبل وزارتها السعادة من أجل ذلك ، فتأثرت وهي تعانقها وبادلتها السعادة قائلة:
_" أنا كمان فرحانة انك هتفضلي ، كنا كلنا مبسوطين ومستنين بس نتأكد ، والنهاردة ماما قررت تسيب معايا "يامن"وتروح معاكي تنضفوا الشقة !"
هزت "سمية" رأسها تؤكد فوافقت "وردة" بحماسٍ :
_" أنا كمان قولت لـ "بدر" كدة ، بس خايفة أوي التراب هيبقي كتير"
_" معلش يا حبيبتي ، كل ده هيروح بسرعة ، انتِ حاجتك لسه جديدة وكأنك عروسة ، انتي قعدتي هنا أصلاً ولا لحقتي؟ متخافيش كله بيروح فثانية وهترجع شقة نضيفة ، بس ايد على ايد تساعد وناخد طنطك عايدة معانا تساعد عشان اخواتك حوامل مش هيقدروا "
وافقت برأسها وهرولت ناحية المطبخ تطفئ على ما كانت تشعله وتناست ، في حين تعالت الضحكات على خفتها وسعادتها البالغة بذلك! ، فحمل "بدر" "يامن" على كتفية بمرحٍ واخبرهم مستأذناً :
_" هروح أنا ويامن لعمي شوية أستنى غُس على ما يجي من الكشف هو وبسام ، هطمن عليه وهرجع ، عايزين حاجة ؟"
لم يخبرها أنه سيذهب اليوم للكشف! ، هل فعل ذلك كي يخفف عنها القلق؟، ترقبت حواسها ونهضت تندفع ولكن تابعت"سمية " خروج"بدر" وصغيرة ، وهتفت ناحية "نيروز" بـ :
_" اقعدي يا نيروز!"
أرادت احتواء الموقف بسرعة وبسرعة بديهة علمت رفض والدتها مبدأياً ، فقالت ترفض الجلوس مغيرة محور ما كانت تريده :
_" أنا هدخل وكمان شوية هقوم البس وانزل افتح المحل اقعد فيه!!"
وافقت"سمية" ورأتها حيلة جيدة لها كي تخفف عن نفسها ، فسارت ابنتها ناحية غرفتها قبال نهوض"سمية " كي تخبر "وردة"بأنهما بعد ساعات قليلة سيتوجب عليهما الذهاب ناحية شقتها لتنظيفها واعادة ترتيبها من جديد ومن جهة أخرى للإطمئنان على "فريدة" والتي علمت ان "زينات " ستذهب لها مع "أسماء" ومن خلفهم سيذهب "حازم"و"ياسمين"!!
_________________________
جلس "حامد" في شقته حاملاً المصحف يقرأ به ،. إلى حين عودة أولاده من الخارج , أما "وسام" فهي تذاكر بغرفتها حيث امتحانها الٱخر غداً ، رفع أنامله يقرأ الصفحة الثانية وصوت "غسالة" الملابس يعلو من على بُعدٍ ، حينها جاءت "دلال" مُسرعة من الداخل وهي تحمل بيديها بعض من ملابس "غسان"وأخرى لـ "بسام", ، فوقفت أمامه بعدما نادته :
_" حامد!"
رفع رأسه تدريجياً فوجدها منشغله وهي تخلي الملابس من الأشياء التي بها ، فسألته تزامناً مع ذلك :
_" معندكش حاجة هتتغسل بالمرة مع اللبس ده؟"
أغلق المصحف بعدما صدّق ، وابتسم وهو يضعه بجانبه وطالع عينيها برفضٍ هادئ وقال برفق:
_" لا يا دلال ، مفيش ، روحي انتِ بـ دول ربنا يعينك!"
أخرجت علبة سجائر وقداحة من سترة"غسان" ووضعتها أمامه على الطاولة ومن ثم ورقة مطوية ،فتٱكل بها الفضول وهي تتساءل بصوتٍ عالٍ :
_" ايه الورقة دي!"
_"منعرفش يا "دلال" ، ما تسيبي الحاجة مكانها بدل ما يجي يتكلم ويقول ويزيد!، هو احنا ناقصين!"
طالعته بضجرٍ وأسندت ما بيديها بإصرار حتى تفتح الورقة أمام عينيه ونظراته بقلة حيلة منها ومن طبعها ، وخلال ثوانٍ اتسعت عينيها وهي تطالع الورقة مبتلعة ريقها ، وحركت عينيها ناحيته سريعاً كي تخبره:
_" دي صورة بسونار حمل نيروز ، وصلتله ازاي الصورة دي!!"
تفاجأت من أنه يعلم في حين ، حرك "حامد", رأسه يخبرها بثقةٍ :
_" أنا قايلك انه مسيره هيعرف ، و"نيروز" مش هتستحمل تخبي عليه حاجة زي دي ، بس كويس إنه عرف!"
_" أيوة بس امته ، دا معانا علطول ومقابلهاش ولا حتى جت امبارح خطوبة ابنك!"
سألته بحيرةٍ ، فإبتسم ببساطةٍ يجيبها بما قد شك به :
_"ابنك مشى امبارح بدري على هنا وسابنا ، عرفت انه رجع يشوفها مجتش ليه ، مع اني قايله يسيبها في حالها وميقربش منها عشان ميتعبهاش بس معرفش ايه اللي حصل ، الظاهر انها قالتله وعرفّتُه !"
اتسعت ابتسامتها بمجرد علمها بأنه علم ، وضحكت بخفةٍ تشير له وهي تطوى الورقة من جديد :
_" والله بركة إنه عرف ، انت متعرفش كونه مكنش عارف كان مزعلني قد ايه، يلا ربنا يقومها بالسلامة ويهديها ويهدي ابنك ونشوف أخرة وجع القلب ده ايه!"
راضاها بنظرةٍ وتعمد عدم الرد كي لا تندب من جديد!، فإعتدلت تضع الورقة بجانب الأشياء التي وضعتها على المقعد واقتربت مرة أخرى ناحية الداخل ، في حين نهض هو ما أن سمع جرس الشقة ، وسار ناحيته إلى أن فتحه فوجد "بدر"و"يامن"، فضحك بخفةٍ ما ان صاح الصغير بنبرةٍ طفولية متحمسة! :
_" جدو!"
حمله"حامد" مقبلاً وجنتيه بحبٍ ودخل به مع "بدر", الذي تساءل بإهتمام:
_" لسه مرجعوش ولا ايه ؟"
_" لا لسة ، بس الحمد لله بسام طمني ان بسيطة يعني ومجتش في حاجة!'
ابتسم من هذا ، هذا جيد اذن !, سار الإثنان ناحية المقاعد حتى جلس "بدر" بجانبه وسمعه يسأله بإهتمام:
_" كلمت ٱدم ؟"
_" أيوة كلمته ، وراح الشغل من شوية ، الدنيا مستقرة يعني الحمد لله!"
لم تُترك الفرصة للرد عليه ما ان فتح "بسام " باب الشقة وبجانبه"غسان" والاثنان يحملان بعض المشتريات في أكياس ، وضعها "غسان" على الأرض ودخل في ضيقٍ من الأخر الذي دفعه يدخل بكفه وحمل هو الأكياس ناحية المطبخ ، فدخل "غسان" يجلس تحت ترقبهم وسؤال "بدر":
_" طمني ، الاشاعة كويسة ؟"
حمل منه "يامن" مقبلاً اياه من وجنتيه وجلس يضعه على ساقه وهو يؤكد بقوله المختصر :
_" الحمد لله"
جاء "بسام" من الداخل وأشار بيديه بغيظٍ منه يشهدهم :
_"لا ما تكمل ، كمل وقول ان السجاير سبب من اسباب ضغط الدم العالي عندك ، وشوية شوية مناخيرك تنزف ومـ.."
بتر هذا القول قول "غسان" المنفعل من ثرثرته طوال الطريق من بدايته لنهايته :
_" ما خلاص يا بسام ،مش هنغني!"
_" لا مش خلاص ، أنا جاي أقول لأبوك عشان يشهد عليك ، قاعد بقوله طول الطريق يبطل الأذية لنفسه وهو ولا هنا "
ضغط على فكه وضحك "بدر" بخفةٍ على شجارهما ، كانا هكذا وهما صغار ومازالا ، راقب "حامد" الوضع بهدوء تاركهما ينتهيا بينما رد "غسان" على قول الأخير بسخرية:
_" صغير أنا !!"
نظر "بسام" بيأسٍ وغيظ بٱنٍ واحد ، في حين خرج صوت "حامد" الٱن :
_"لما تكون بتعاند وخلاص تبقى صغير ، اخوك خايف عليك، وحكاية مناخيرك اللي بتنزف دي مقلقة الواحد ، مفيهاش حاجة لو رجعت تبطل تاني زي ما كنت ، مفيش حاجة بتتحل لما كل مرة تشرب فيها وانت دمك محروق أو زعلان ، دا اسمه عبط!"
جارى "والده" والتزم الصمت كي بتجادلان ، فإندفع "بسام" يٱخذ "يامن" منه مردداً بحنق :
_" وهات ده كمان ، ملكش نصيب فيه ،يلا من هنا"
اخذه منه بالفعل، فضحك الكل عليه حتى "غسان" الذي انفلتت ضحكاته وأشار له بعينيه قائلاً :
_" ما بلاش نخليه يختار عشان متخسرش!"
_"أنا بموت في الخسارة, ملكش فيه!"
_"بيتك باللي فيه يا حبيب أخوك!"
رددها "غسان " بإيجاز ، فنظر "بدر" بضحكٍ ناحية "حامد" و"بسام "، فرفع "حامد" كفه يشير بقلة حيلة :
_"مش غريبة عليكم يعني، أنا معرفتش أربي!"
هتف بها بسخريةٍ فقبل ان يرد عليه هو ،عاق نظراته الصورة الذي مد يديه يلتقطها مع ضحك الكل عليه ، ففتح "غسان" الصورة حتى طالع "حامد" بشكٍ وقال بتهكمٍ ضاحك :
_" حلوة أوي الخصوصة في بيتك يا حامد!"
ضحك "والده" وابتسم في حنو ففهم الٱخر النظرة التي أُرسلت بسعادةٍ ، فإبتسم ونهض يخبرهم :
_" أنا داخل أغير هدومي!''
فناداه "بدر" بعدما وجده يتجه ناحية الغرفة :
_" تعالىٰ تاني "
_" لأ"
لم يتفاجئ "بدر" من رده الفظ بل ضحك كما ضحك الاخرين ، ودق "هاتف" "بسام " بجيبه ، فمد يديه يلتقطه حتى انسحب في الشرفة وأجاب حينها عليها:
_« ايه ده ، انتِ بنفسك بترني عليا؟ أنا وحشتك ولا ايه يا دكتورة فرح »
مازحها بهذا اللقب بشقاوةٍ ، فابتسمت بخجلٍ على الناحية الأخرى وأجابته بنفس طريقته:
_"مش القصد يا دكتور بسام حامد البدري!"
ضحك بخفةٍ وانتظرها تتحدث ما ان شعر بذلك فأخبرته قائلة :
_« كنت برن عليك أقولك اني جاية أنا و"جميلة" كمان شوية ، هشوفك؟»
ابتهجت ملامحه بسعادة وشاكسها بسؤاله :
_« على حسب والله ، لو عايزة تشوفيني هكلم مدير أعمالي وأرد عليكي!»
ضحكت عالياً هذة المرة وسألته تذكرة بسخريةٍ :
_« هو ده اللي مبتحبش الغرور؟!»
اتسعت ابتسامته بأريحيةٍ وتنفس بعمقٍ يخبرها بمشاكسةٍ :
_" انتِ غير ، بحب فيكِ أي حاجة مكنتش بحبها فأي حد !"
في كل مرة لم تجيب عليه يستمر الصمت هكذا بينهما بخجلٍ فتفهمه وقال بلينٍ :
_« يلا متتأخريش ، هستناكِ ، زي ما استنيتك كتير!»
..
_«ماشي باي»
كان قولها مبتسم ببلاهة ، قبال نظرات "جميلة" التي ضحكت تدفع ذراعها بمرحٍ قائلة :
_" يلهوي يا فرح , دا بيسحب منك الكلام وانتِ طوبة!، ايه ده يبت ما تتلحلحي!!"
طالعتها "فرح" بضحكٍ ثم قال بسخريةٍ امتزجت بنبرتها الضاحكة:
_"وقال يعني انتِ اللي كنتي مقضياها كلام حب وموب مع عز ، اتلهي!"
انحنت "جميلة" ترتدي الحذاء ، ثم وقفت مجدداً تستند عليها وقالت بجديةٍ هذه المرة تنصحها :
_" ما أنا بقولك علشان كدة فعلاً ،. أنا مبعرفش أرد على الكلام الحلو ، وهو عارف ده ، فبقى يقول هو كل حاجة من غير ما يستنى مني أرد وأقول كلمة تنصفه ، هي حاجة حلوة بس أنا بحس اني هادرة حق من حقوقه ، ما هو بتحب برضه ويتقال فيه كل الكلام الحلو!"
مرحت معها ، وخرجت تغلق باب الشقة وبجانبها "فرح" التي ضحكت بقوةٍ تشاكسها :
_" انتِ بتتغزلي في أخويا وهو مش موجود؟"
كان هناك في العمل برفقة "ٱدم", ضحكت "جميلة" وهى تؤكد ثم اعتدلت وهي تهبط على السُلم بجانبها وبدأت حديثها بـ :
_" بقولك ايه ، فكيها على الواد شوية يستي ، دا انتِ قادرة معقولة محضنكيش حضن كتب الكتاب ، أنا مش مصدقة ، دا لما كتبت كتابي أنا وعز أول حاجة عملها راح قال لـ "حازم" ممكن احضنها ، راح قايله لأ ، فطنشه وحضني ، انتِ بقى ايه ؟ منشفاها على الواد ليه؟"
عدلت ياقتها الوهمية ، وهي تخرج من البوابة معها وقالت بتعالي:
_" التُقل صانعة يا بت!"
ضحكت "جميلة" عليها بيأسٍ وهي تشير لسيارة أجره ،في حين قالت بتهكمٍ لها:
_" خليكي عند كلامك ده ، عشان لما يوقعك ويخليكي تحبيه مش هتقولي كدة خالص ، وافتكري كلامي ده!"
توقفت عن هذا القول ، الٱن لا تستطيع تحديد ما تشعر به تجاهه ولكنها تفضل وجوده ، شردت بكيف ستعلم أنها تكن له حب؟. بل وكيف ستعترف حينها ، بمجرد هذه التخيلات ساد الارتباك والتوتر وهي تدخل بجانبها السيارة ، وفاقت بعد دقائق على رسالة من "بسام" محتواها :
_« أنا نازل أصلي وهبقى في المحل ، ابقي عدي عليا هناك بقىٰ ، في حاجة نسيت ٱخدها منك هبقى أقولك عليها!»
هل قصد العناق؟. اندفعت برأسها تخبر "جميلة" بتلقائية بعدما ابتسمت على مراوغته التي تظهر معها وحدها شئ فشئ :
_" ابقي فكريني نعدي على محل الورد عشان هنسى واطلع "
تحركت رأس "جميلة" من ناحية الشرفة الصغيرة ، ثم نظرت ناحيتها تخبرها بابتسامة هادئة :
_" لا مش هتنسي ولا حاجة ، نيروز أخر مرة مكلماني كانت بتقول انها هتقوم تلبس عشان نازلة تفتحه ، فـ على ما نروح هتلاقيها نزلت!"
وافقت برأسها وردت عليه حينها بموافقة مختصرة ، وأغلقت الهاتف من جديد. , وثمة ابتسامة غريبة تزين محياها ، مجرد الذهاب لرؤيته شئ غريب أول مرة تشعر به ، بل تذهب راغبة في رؤيته وهو حلال لها ، دون ان تتخبط في أي شئ ، التخبط الوحيد الذي بداخلها الٱن هو عدم استطاعتها بتحديد ما تكنه له!!
_________________________
وبخفةٍ بدَّل "بسام" ملابسه لأخرى مريحة شابهت ملابس"غسان" الذي بدلها كي يهبط معه ناحية الأسفل لصلاة الظهر أولاً مع "والده" و"بدر" وبسام"
لا تعلم هىٰ بأنها ستهبط وقد كان قرارها قبل قراراهم ، ولكن هناك صدفة ستجمعهما من جديد منذ ٱخر مقابلة ، هى تريد ذلك من الأساس لتخبره بما تريد والدتها !! ، بينما الٱن ثمة ابتسامة واسعة تزين محياها ما ان خرجت الشرقة تلتقط حجاب ما لترتديه على العباءة السوداء التي ارتدتها للتو ، وجدته يضع ورقة ، رُبما "خطاب ثالث" في عُلبة مشابك الملابس!
إلتقطه"نيروز" ودخلت بلهفةٍ كي تقرأه ، ولكنها انتظرت لترتدي الحجاب أولاً كي تقرأه على مهلٍ ، وبالفعل عقدت حجابها ووضعت مرطب شفاه وبشرة وكحل أعين ، ثم اعتدلت تنظر برضا لنفسها والتقطت الورقة بحماسٍ هادئ كي تفتحها وتقرأها وقد بدأت في فتحها الٱن بالتدريج ...
-« الــخطــاب الثــالــث!»
_« أخبريني ما حيلة المشتاق؟
ما حيلة من اعتاد عناق به من الطمأنينةِ ما يكفي ؟ ، أنفاس بداخله تعرف طريق الراحة ومنذ ان سُلبت ضاعت من جديد كما ضاعت من قبل، هلّا أعدتي لي أنفاسي وراحتي وطمأنينتي من جديد؟ ،فأمس لا يكفيني يا مالكة الفؤاد!!»
-« من : ابن البدري
إلى: بنت الأكرمي»
هذا الخطاب وضعه في الصباح الباكر ولكنها لم تراه سوى الٱن , توردت وجنتيها من كلماته وحروفه التي ما ان خرجت تؤثر بها ، وجه لوجه أو كتابةً !! ، ودخل من نقطة تفضلها هى ، نقطة الكتابة بالفصحى ،بينما في الطفولة لم تكن الكلمات هكذا ، هل ستتركه بدون رد مثل أيام الذكريات؟.
اتسعت ابتسامتها من هذا وطوت الورقة بتيهةٍ مُحببة ، ووضعتها في الدرج حتى حاولت أخذ أنفاسها والتقطت الهاتف لتخرج من الغرفة ..
وما ان خرجت بعدما فتحت الباب سمعت قول "زينات" لــ "سمية"و"عايدة"و"وردة" :
_" لا معلش مفيش مشكلة لو سبقتكم أنا ، أصل عملت حسابي أروح واخد أسماء ، واقفة برا ، ابقوا تعالوا انتوا براحتكم ، وأنا هكون اطمنت عليها وهطلع اساعدكم ، يلا محتاجين حاجة ؟"
رفضت "سمية" في لباقةٍ قائلة :
_" لا كتر خيرك ، توصلي بالسلامة!"
_" مع السلامة ، ان شاء الله هنحصلكم علطول !"
قالتها "عايدة " فودعتهم "زينات " التي ودعت "وردة" هى الأخرى ، فسارت "نيروز", لهم أكثر وقطعت أي حديث بقولها :
_" أنا نازلة المحل يا ماما "
نهضت "سُمية" لتستعد حتى تخرج بعد قليل، وأومأت لـ "نيروز" بابتسامة هادئة :
_" ماشي ، خلي بالك من نفسك!"
وافقتها وحثتها "عايدة" و"وردة" بالمثل ، ففتحت باب شقتها لتخرج وأغلقته خلفها ، حينها وجدت "أسماء ", تنتظر مع "زينات " ،وهي ترتدي ملابس من ملابس "فريدة" وهما الاثنان يحملان حقائب مما يبدو أنها أشياء "فريدة" من كتبها وملابسها وكل شئ يخصها تحتاجة هىٰ ، ابتسمت "زينات " لـ "نيروز", فبادلتها البسمة بمجاملةٍ ، وقررت عدم ركوب المصعد معهما ، فقدت الثقة بكل من يتبع "مروة"!!
سارت "نيروز" لتهبط على السلم ، فهبطت وسارت برفقٍ أكثر ناحية الخارج إلى ان قوست حاجببها بغرابةٍ من فتح الباب ، فظهرت أكثر حتى وجدت "بسام" يجلس مع "والده" في الخارج ومعهم "يامن" اتضح ان "بدر", قد صعد ، تزامناً مع هبوطها ، خفق قلبها وبحثت عنه بعينيها أكثر من مرة ولكنه لم يكن جالساً معهم ، اقتربت أكثر حتى ابتسم "حامد" بإتساعٍ وقال بترحيبٍ :
_" وأنا بقول الشارع ماله نور وبقا عسل أوي كده ليه هو والمحل؟"
نظرت بخجلٍ حتى توردت وجنتيها في حين تحدث "بسام" قائلاً بلطفٍ:
_"ألف مبروك على التوأم يا نيروز "
_'' الله يبارك فيك ، عقبالك انت وفرح!"
رددتها بإبتسامة واسعة نقية ، واقتربت تدخل إلى الداخل بخيبة أمل من عدم وجوده ، استأذنت لتدخل ، وتخطت الباب واقتربت ولكنها عقدت ما بين حاجبيها ما ان وجد نفس الملابس الذي يرتديها "بسام " ، يرتديها هو وهو ينحني ناحية باقات الورد معطياً ظهره لها ، عادت بسمتها من جديد والتي أخفتها هىٰ وقبل أن تتحدث بشئ من خلفه وجدته يتحدث دون أن يلتفت:
_"تصدقي ان الورد قالي إنك هنا؟"
هل هذا عبث؟ ، ضحكت رغم انها تود الحزم معه ، ووجدته يلتفت ما ان قال هذه الكلمات وإعتدل يشلمها بنظراته المشتاقة ، بينما هى تعلقت بعدستيه التي تمر عليها بتمعنٍ حينها علمت ما ان قال بعبثٍ ٱخر :
_"بس مقاليش إنك لابسة نفس العباية السمرا اللي خلتني أقع و أقولك بحبك!"
أرادت الهروب من عبثه ووجد "حامد"من الخارج بسمته هذه معها هو وولده الٱخر ،في حين قبل أن تلتفت لتتركه قاطع سيرها بقوله المتساءل :
_"نازلة عشاني ؟"
_"لأ"
نفت هذا أمام هدوء ملامحه فابتسم "غسان" وقال بكذبٍ ، فـ فيما بعد سيوضح لها الصراحة :
_" وأنا كنت همشي بس هستنى عشانك!"
أرادت التلاعب به ، فتحركت وباغتته بسؤال في أصل ما قاله :
_"مبقاش لازم أوي عندك ، بقيت تعرف تستنى من غيري وكنت هتمشي!!"
قصدت تأقلمه ؟ رددتها بخداع ، تعلم مدى انهاكه المشابه لها في هجره ! ، تنهد "غسان" بصوتٍ متوسط في العلو ، ونبس بنبرةٍ هادئة صادقة :
_" بقدر استنى بصبر كل حاجة إلا انتِ ، عشان معاكي مبعرفش اقعد راكز وأنا عارف انك هنا "
هل يعاهد على أن تتأثر ، تنحنحت "نيروز" بحنجرتها قليلاً فوجدته يكمل وهو يسحب بأنامله حجابها ناحية مقدمة صدرها أكثر ، وأكمل على قوله الأخير بصدقٍ أكثر يكشفه :
_" نيروز بتيجي وبتجيب الشغف معاها"
هذه الجملة بمثابة الكثير ، عدلت حجابها ناحية ما أراد ستره منها يبدو أن حملها زاد في وزنها القليل ، ابتسمت تراضيه وهتفت بحديث أشبه بـ حديثه من قبل :
_" تعرف؟ ، ببقى عايزة أصدقك حتى لو بتعرف تلعب بالكلام "
إعتدل "غسان" وهتف بعيداً عن العبث وأجاب بصدقٍ :
_" وأنا برتاح لما بتصدقيني!"
واقترب قبال عينيها وجسدها الذي تصلب ورفع ذراعه مردداً بهمسٍ راغباً في أخذها بعناقٍ جعل عيني شقيقه تتسع من على بعد وهو يوكز والده :
_"ومحتاج أرتاح أكتر!"
ابتسامة شغوفة لينة زينت محياها فجعلتها تبادله العناق بذراع واحد واختفى كل ذلك بصدمةٍ ما ان حاولت التملص وهي تردد بتعلثمٍ :
_" غسان ..باباك وأخوك بيبصوا علينا ..ابعد.. مينفعش كدة!!"
ابتسم ووجهها لهما الٱن في الخارج فكيف الفرار؟ ، لم يتركها بل مازال الٱن يعانقها وهمس بعبثٍ محركاً رأسه ناحية أذنها :
_" خلاص تعالي نروح مكان تاني ، عشان ميشوفوناش !"
دفعته "نيروز"عنها بإرتباك جلى على ملامحها ، وتوترت نظراتها فلعب على ذلك مواصلاً قوله بـوقاحةٍ مبطنة:
_" مع ان أنا عادي ، يبصوا ميبصوش، أنا ليا اللي في حضني وبس!!"
طالعته بضيقٍ ، وشعرت بسخونةٍ وجهها من هذا الموقف ففرت هاربة من أمامه هامسة بقولها :
_" بني ٱدم قليل الأدب! "
اختفت خلف رف خشبي ناحية الورود، فوجدته خلفها مردداً بمشاكسةٍ:
_" هنا أحسن ، محدش هيشوفنا''
برقت عدستيها ولم تنتبه للخداع في نظرته بل ظل واقف أمامها لم يقترب وضحك من هذا التوتر حتى ساعدها في الإطمئنان ما أن نبس يغيؤ مجرى هذا الحديث بـ :
_" كنت نازل عشان اصلي الضهر وكنت هطلع تاني بس وسام قالتلي انك نازلة فنزلت وقولت هستناكي!"
وأضاف وهو يلتقط العلبة من على المقعد فمط ذراعه يجلبها تزامناً مع قوله الصادق وهو يصحح لها ثاني قول قاله لها بعدما رٱها :
_" أنا اللي جيت عشانك!"
اعتراف ٱخر لها ، ابتسمت "نيروز" وإقتربت تخلع عنه القبعة فتوقف عن فتح ما بيدي تلمست جرحه عند هذا القرب وطالعته بعينيها تتساءل بقلقٍ :
_"عملت ايه النهاردة ، غيرت على الجرح؟"
رأى ترقبها بخوف فأمسك يديها برفقٍ وقال يطمئنها :
_" ٱه ، مفيش حاجة الحمد لله!"
خرجت أنفاسها بأريحيةٍ ، فترك مرفقها وإعتدل من جديد يفتح العلبة وقص عليها مبدأياً :
_"وأنا خارج النهاردة من المستشفىٰ جبت دول!"
نظرت بإهتمام ناحية ما بيديه فوجدته يخرج جوربان صغيران ، مشابهان لبعضهما باختلاف الألوان ، جوارب رُضّع صغيرة جداً ، في حجم إصبع صغير من كفها وكفه ، لمعت عينيها تأثراً وتلمستهما بسعادةٍ ، فبحركة صغيرة بسيطة جعلتها تبتهج كثيراً الٱن ، فرددت بنبرة متأثرة مختنقة :
_" شكلهم حلو أوي يا غسان!"
هي كذلك دائماً ، يراها تسعد في أقل الأشياء ، ترضى بأبسطهم ولكن الٱن شئ ٱخر ، وجدها تتمسك بهما بتشبت ، أصبحت الان من حق توأمها القادم ، واندفعت في أحضانه بنفسها هذه المرة وقالت بتعلثمٍ :
_" انت مش عارف أنا فرحانة بيهم دلوقتي قد ايه ، مش قادرة استوعب إن دي أول حاجة تيجي ليهم ، أنا حبيتهم أوي!"
ضمها بسعادةٍ من هذا وتنفس بعمقٍ يمرر يديه على ظهرها ،. فخرجت تضحك من بين الدموع كالمختلة ، ولم تلق بالاً لما بيديه الٱن ، تفحصتهم وهي ترتبهم وسرق منها انتباهها عندما ٱخرج جورب لها هى الٱن :
_" قولت ساعتها لازم أجيب لأم العيال ، زي ما جبت للعيال ، وملقتش حاجة. شبهك غير ده ، كله ورد زي ما انتِ بتحبيه "
التقطه منه بفرحةٍ ورفعت عينيها بتأثرٍ ، فطالعها بصمتٍ وسكون إلى ان عادت تسأله بتلقائيةٍ وكأن سؤالها جاد :
_" طب وانت ؟"
ضحك "غسان" بخفةٍ وضم رأسها ناحيته مردداً بنبرةٍ ضاحكة خفيفة:
_" لا أنا هديتي انتم ، يعني مهما أجيب مش هجيب زي اللي ربنا جابهولي، عيني مش هتتملى خلاص، انتِ وهما حاجة كبيرة أوي ، بس معرفتش افرح بيها لوحدي"
اتسعت بسمتها بسعادة ، تعايش مشاعر أول مرة تعيشها الٱن ، فوجدته بضحك بخفةٍ مجدداً. وهو يسرد عليها:
_" لما روحت اجيب شراب صغير، جبت واحد بس الأول ، وجبت بتاعك, ومشيت نحية العربية لـ "بسام" وفوسط الطريق رجعت تاني وافتكرت انهم اتنين مش واحد ، ساعتها قولت للراجل هاتلي كمان واحد يا حج أصلهم توأم "
ضحكت من سرده وتلمست معدتها بحبٍ ، وربما تخبط ، فوجدها تحتفظ بهم في العلبة من جديد ، ورفعت رأسها تمتن له ، فإقترب بوجهه يقبل إحدى وجنتيها بخفةٍ وغمز قائلاً بعبثٍ قاصداً طريقة الامتنان:
_" بتبقى كدة"
واقترب بحيث ليربكها فإتسعت عينيها ما ان وجدت وجهته وهو يردد بخبث:
_" أو كدة"
ابتعدت بسرعة ، فضحك "غسان " عليها والسعادة زارته الٱن ما ان وجدتها تتشبت بالعلبة ، ارتدى قبعته من جديد ، فتخبطت ما ان قررت قول الٱتي له من أرادة "سُمية" , وجدها تتردد ، فإنتظر حتى نادته قائلة :
_", غسان ، عايزة احكيلك على حاجة وأطلب منك طلب ، بس أوعدني انك هتنفذه !"
الٱن علمت ان احتمالية رفضه لما تريدة والدتها كبيرة ، تحركت أنظاره بترقبٍ وحثها قائلاً :
_"طب قولي الأول ..وأنا سامعك!"
وضعت العلبة على المعقد وسحب يديها لتجلس فجلست بترددٍ قبال نظراته عندما جلس بجانبها هو الٱخر ، وقررت حينها قص ما حدث عليه كي يتفهم موقف" والدتها " منه ومن العقبات الأخيرة ! ..
..
جاءت "فرح"في الخارج هى و"جميلة" ، رحب "حامد" بها بسعادةٍ وأشار لها في المساحة الخالية بجانبه :
_" اقعدي يا حبيبتي ، منورين المكان كله !"
جلست "فرح" بجانبه ، في حين ابتسمت "جميلة" له بإمتنان وقالت في لباقةٍ :
_" تسلم يا عمو ، ده من ذوق حضرتك"
واضافت تتساءل من عدم وجود"نيروز" ، فلم تظهر إلى الٱن :
_"هي نيروز فين؟"
انشغل "بسام" بالنظر ناحية "فرح" التي تهرب منه بتلاعبٍ في حين ضحك "حامد" على هذا وهو ينهض وقال يخبرها :
_"نيروز جوه ، بتتكلم مع غسان ،سيبتهم مع بعض يمكن خير ، بس أنا طالع، دلوقتي أنا ويامن ، تيجي شوية وبعدين تنزلي ولا تخليكي ؟"
ورغم القلق ولكنها اقتربت مبتسمة ووافقت قائلة بترحاب لكلماته:
_" لا هاجي ، يلا بينا"
طالعهما "بسام" وهما يسيران معاً ناحية الأعلى ومهم الصغير ، بينما "فرح", حاولت النهوض ولكنه أمسك مرفقها وهو يبتسم بمكر:
_" لا انتِ راحة فين ، دا أنا لسه عندي كلام مقولتوش!"
كبتت "فرح"ضحكتها عليه وتعلقت عينيها بعينيه فإحتوى كفها مع خجلها هذا ونبست هى بنبرةٍ هادئة :
_"ايه اللي بيني وبينك يا دكتور بسام؟"
_"بيني وبينك كلام وأحضان مخدتهاش!"
قالها بمرحٍ واعتدل يترك كفها ، فابتسمت بخجلٍ وقالت تقاوم حرجها :
_"انت طلعت مش سهل بالمرة!"
خرجت ضحكاته على كلماتها العفوية ، وحرك رأسه ناحيتها يردد بنبرةٍ ضاحكة' :
_" انتِ اللي قاسية أوي ، بس عشانك أستحمل"
ابتسمت في اعجابٍ ، ونظرت له بصمت من هروب الحديث ، فنهض يلتقط كفها برفقٍ وقال يحثها بحماسٍ:
_"تعالي أجيبلك ورد!"
نهضت "فرح" بالتدريج وضحكت على طريقته في قولها فسحبها معه ناحية الداخل أكثر ووقف الإثنان ينظران على الزهور ، ابتسمت بإعجابٍ ما ان إلتقط وردة معينة هادئة تشبه ملامحها الهادئة وقال وهو يقدمها لها :
_" أحلى وردة ليكِ انتِ وبس ، ومتقوليش لحد"
رددها بمرحٍ فأخذتها ضاحكة وهتفت تجيبه بمرحٍ مشابه:
_" مقبولة منك ، وسرك في بير"
أخرجت هاتفها تقوم بتصويرها قبال عينيه ، فعدل من وضع القبعة ، وحثها قائلاً بإبتسامة واسعة :
_" يلا نتصور!"
رحبت بفكرته فقاوم الحرج الذي يريد ان يمحيه شئ فشئ ورفع ذراعه يحاوط كتفيها حتى تلتقط الصورة فأخذتها بخجل وهى تحاول التقاط صور أخرى للذكرىٰ ونبس من بين هذا :
_"دا جمال عينك مقوي قلبك ومخليكي تتصوري من غير فلتر!"
فصارحته بنبرتها الهادئة وهي تطالع الصور :
_" أصل أنا بحب ملامحي أوي!"
_"وأنا كمان بحب ملامحك أوي ، ونفسي في روتين رموشك!"
قهقت عالياً وهي تطالعه بإعجابٍ من كلماته ، وضحكت قبال ضحكته على ضحكاتها وصارحته ما أن تعلقت عينيها بعنينيه :
_" بس انت عينك حلوة ورموشك كمان!"
عدل "بسام "قبعته بغرور وظهرت غمازته وهو يغمز مع ضحكته وردد بمشاكسةٍ :
_" دا أنا مراتي معجبة بقىٰ !"
زحفت الحمرة لوجنتي "فرح" دون أن تجيبه وطالع جلوس شقيقه من على بُعدٍ ، فأرادت الهروب بقولها :
_"هو ممكن أروح أسلم على نيروز ؟"
لم تكن تعلم بأن هناك أمر مهم ستتم مقاطعته بواسطتها ، وافق وسار معها مقترباً منهما، فلاحظت "نيروز", حينها والتي توقفت لتسمع رده ولكنها قطعت هذا ، ما ان وقفت تقترب منها بترحابٍ وعانقتها تبارك لها :
_" ألف مبروك يا فرح ، ربنا يتمم بخير ويسعدكم!"
بادلتها الترحاب قبال وقوف "غسان" بعدما نهض، حينها لم تكن ملامحه مثل السابق، بل ما فعلته هي جعلته يُحاصر بموقف ليس جيد مع والدتها ؟ ماذا ان رفض؟ ماذا ان قبل هذا ؟، ضغط على فكه بشرودٍ ، فإلتفتت "فرح", تنظر ووجدت الإثنان مشابهان لبعضهما لحد كبير في الملابس حتى لون القبعة كان واحد ، علم "بسام" تخبطها فتركها بمرحٍ ، ولكنها عادت تنشغل بالحديث مع "نيروز" التي تأسفت على عدم قدومها للمناسبة ، فسار الٱخران للٱمام أكثر وسأله "بسام" وقتها :
_" مالك يا غُس ، سرحان بتفكر في ايه ؟"
لاحظ دقات هاتفه بجيب بنطاله ، فأخرجه تزامناً مع اقتراب "نيروز'' التي تابعت ملامحه بقلقٍ ، ولكنه زفر بضيق ولم يجيب فأرادت احتواءه بسؤالها :
_" مش بترد ليه؟"
نظرت ناحية الهاتف فوجدت ٱخر اسم كان تتوقعه "انجي!"؟؟, تبدلت ملامحها لأخرى وهي تسأله بجديةٍ :
_" ,ودي بترن عليك ليه ؟"
_" معرفش"
كان قوله صادق ، فصمتت بضيقٍ مخفي قبال صمته هذا ، فلم يبدي لها أي ضيق إلى الٱن كل ما فعله أنه صمت وسكن ! ، وبعيد عن هذا المحور خرج سؤال عفوي من "فرح" لهما:
_",هو انتوا ليه بتلبسوا زي بعض؟!"
هل هذا ضيق ؟ ضحك "بسام" بصوتٍ عالٍ ، فإبتسم "غسان" يجيبها بهدوء مازحًا:
_" وانتِ ليه مش عارفة تفرفي لحد دلوقتي؟ أنا لو مكان بسام هرمي طوبتي من الجوازة دي!"
وكزته "نيروز" تنهره حتى يصمت ، ولكن "فرح" كانت قد ضحكت على قوله مع "بسام " فضحكت وهي تتحدث من جديد :
_"علفكرة من حقي أتلغبط ، أكيد نيروز كانت بتتلغبط يعني!"
حركت "نيروز" رأسها بخفةٍ وضحكت وهي تصارحها بصدقٍ :
_"في الأول ، مقعدتش فترة كبيرة اتلغبط، بس متقلقيش هتعرفي تفرقي أكيد!"
ابتسم"غسان" على ردها ، فضحك "بسام" مردداً بمزاحٍ وهو يقترب منها :
_" هتعرف اكيد ، محدش غيري عينه بتطلع قلوب هنا ألا أنا "
ضحكت من مزاحه ووجدته يقترب مردداً لها بصوتٍ منخفض:
_" أنا مش زنان ، بس ليا حاجة عندك مخدتهاش من ساعة كتب الكتاب ، ممكن تجيبهالي بقا!"
حركت "نيروز" رأسها ناحية "غسان" بابتسامة هادئة تاركة "فرح " وخجلها في حين ابتسم"غسان" يهمس لـ"نيروز". :
_" دا بيستأذن !"
_" أومال انت فاكره قليل الأدب زيك؟"
نظر لها بعبثٍ وقبل أن يرد نظروا ناحية الخارج وترقبت ملامح الأربعة ما ان وجدوا سيارة فخمة تتوقف في الخارج ، هذه السيارة ليست غريبة عليه!
انتظر الأربعة خروج أحدهم منها ، وبالفعل هبطت ",انچي" أولاً واعتدلت تنظر ناحية الداخل وهي تقترب ، فوقف "غسان"و"بسام" بمفاجأة من قدومها لا يعلم اي منهما بما ينتظرهما من مفاجأة أخرى ، دخلت المحل عليهم وابتسمت بإتساعٍ قائلة :
_" مساء النور ، اذيكم عاملين ايه؟"
اقتربت ترحب بـ "نيروز", التي رحبت بها بفتور ، ورحبت بـ"غسان" الذي مد كفه يسلم عليها وقال :
_" اذيك يا انجي!"
كانت تعلم منذ الزيارة الأولى أن "بسام " لا يسلم بيديه ، فرحبت به بعينيها كما فعل هو ، واقتربت من" فرح" ترحب بها بلباقةٍ !! ،واعتدلت مرة أخرى قبال انتظارهم بسبب قدومها ، وهتفت تخبرهم ونظراتها كانت تتوجه ناحية "غسان" :
_"معقول ما شوفتش اني رنيت عليك يا غسان، كنت هعرفك اني جاية أنا وواحدة صحبتي, كنا عايزين نشتري ورد !"
فسألت "نيروز", مستكنرة تحت ترقب "بسام " من تواجد"إنچي" قبال غيظ "نيروز" منذ ٱخر مرة:
_" وهي فين صاحبتك دي؟"
_" قاعدة في العربية ، هي مش صحبتي يعني ،بس جوزي كان بيشتغل تحت ايد باباها الله يرحمه، هو مات قريب للأسف فإحنا رايحين المقابر ليه وجبتها تشتري ورد عشان سألتني تجيبه منين!"
فسرت لهم بالتفصيل ،فرد "بسام "و",فرح", معاً بٱنٍ. واحد :
_", البقاء لله!"
ابتسمت لهم "انجي", بمجاملةٍ ، وأضاف"غسان" حينها قبال صمت "نيروز":
_" البقاء لله وحده ، طب ناديها تيجي تختار اللي عايزاه"
خرجت لتناديها من السيارة ، فنظرت "فرح" تستفهم منه وأخبرها أنها صديقة "غسان"في العمل ، بينما التزمت"نيروز", الصمت تتابع ما يحدث ، ووجهت له نظرة غريبة ، لم يلق بالاً لها بل وقف ينتظر وهو أول من انتبه لقدومها معها حينها!!
كيف يحدث هذا ؟؟ نظر بذهولٍ من ضيق هذه الدنيا حتى تأتي بهذه المفاجأة ، حرك رأسه سريعاً ناحية "بسام " فوجده منشغل بـ "فرح" وقبل ان يحثه للدخول كي لا يراها ، دخلت هي معها ورُفعت الرؤوس ، واتسعت عيني "بسام " حينها ، هل حقاً ما يراه صحيح ، "تاج" هنا ؟؟، سرقت الأنفاس ما ان وقفت بصدمةٍ من وجودهم هنا ، هى الأخرى لم تأتي هنا من قبل ، خطبتها على"بسام", كانت في السكن القديم !
طالعت "نيروز"و"فرح", سكونهم بصدمتهم هذه بعدما هتف "بسام" بغير تصديق ذاهلاً :
_" تاج!!!"
كما هى على حالها ، ملامحها حادة وعينيها تتقلب بتعالي عليهم الٱن ، أخفت صدمتها ورسمت ابتسامة صغيرة تحرك رٱسها بنعمٍ وأول شئ انتبهت له هو وقوفه بجانب "فرح" التي تذكرت انها رأتها في المستشفي معه من قبل ، كما تذكرت "تاج" شخصها وهيئتها هذه ، اهبطت نظراتها بشك ناحية ايديهم ووجد خاتم الزواج والدبلة بكف الاثنان، من الأساس لم يكن سيقف مقترباً من انثى هكذا إلا إذا كانت تخصه وقفت "انچي" بغرابةٍ ، وتابع "غسان" بانفعال كبته ما ان مدت يديها ناحية "بسام" قائلة بسخرية مخفية:
_"دا الدنيا صغيرة أوي يا دكتور بسام ، اذيك؟"
وقفت "فرح" تنظر بإستغرابٍ ، فقد رأتها تفرق بل وتقترب بعشم لترحب به ! من هي؟ ، وزع "بسام" نظراته بينها وبين كفها ، ولأول مرة تندفع "فرح", دفاعاً عنه كي تزيل عنه الحرج ولم تكن تعلم بأنها كالبلهاء لا تعلم شئ بينهما سوى انه كان يرتبط بأخرى ولم يحدث نصيب:
_" سورى ، بس بسام مش بيسلم !"
رفعت "تاج" حاجبها الأيسر بسخريةٍ ومدت كفها ناحية "فرح" وهتفت:
_" يبقي نسلم عليكي انتِ ، أهلاً ، انتِ مراته صح؟"
مدت "فرح" كفها ترحب بها مع ابتسامة مهزوزة وأكدت بحركة رأسها قبال نظرة "بسام" ناحية "غسان", الٱن وكأنه يطلب منه النجدة ، وقبل ان يهتف "غسان" بشئٍ ، سألتها "فرح":
_" ٱه مراته ، حضرتك مين ؟ انتِ تعرفيه؟"
ابتسمت "تاج" بإتساعٍ ليس هين وحركت خصلاتها إلى الخلف وقبل أن تتساءل"انجي", عن ما يحدث أجابتها "تاج" إجابة بمقتل دون حرج:
_"الا أعرفه ، هو دكتور بسام مقالكيش انه كان خاطب ولا ايه؟"
اتسعت عيني"نيروز " و"انچي" ما أن قاربا على فهم ما يحدث بينما "فرح" أرادت تكذيب ذلك بمشاعر متناقضة وأجابتها تبتعد عن محور الشك:
_" لا قالي ، بس ايه دخل حضرتك ممكن أفهم!"
_" طبعاً ، أنا بقا اللي كان خاطبها!"
حركت "فرح" رأسها بإندفاعٌ ناحيته ، لم ساكن. هكذا. ؟ هل مازال يتأثر؟، خفق قلبها بحسرةٍ في حين أول مرة تعلم بها "انچي", هذا، ولكن كانت نبرة"غسان" العالية ما ان هتف بحزمٍ لها :
_" عايزة ايه يا تاج؟ "
تحركت "تاج" ناحيته وجاب عينيها "نيروز", وتمسكها بذراعه كي لا ينفعل ، بينما هي وقفت تبتسم ومدت كفها تحت نظراتها التهديديه له :
_"أهلاً أهلاً بـ "غسان البدري"!!"
طالع "غسان", كفها بثباتٍ ورفض رفع كفه ليسلم فرفع عينيه ناحيتها مردداً :
_", ايدي نضيفة!"
اتسعت عيني "نيروز". من هذه الإهانة ناهيك عن صدمة "فرح" وهي تقف بعالم غير هذا في حين سألها "غسان" بنفاذ صبر :
_" خير؟ عايزة ايه ؟"
_" عايزة ورد ، بصراحة انچي قالتلي انه محل تحفة أوي وانك زميلها في الشغل وعملت المحل ده لمراتك ، مكنتش أعرف انه انتَ ، مراتك مين ، انت بتاع جواز ؟ بتعرف تحب ؟"
ما هذه السخرية التي توجه لها مع اهانة مبطنة ، حركت "نيروز" رأسها بعدم استيعابٍ ، ووجدتها تكمل وهي تقترب منها :
_" هو بجد انتِ مراته ؟ "
سألتها بجديةٍ ، فنظرت "نيروز", ناحية وجه المتشنج وعادت تنظر ناحيتها ولأخر ثانية وٱخر فرصة تحاول الايقاع بينهم جميعاً ما ان تذكرت كل شئ ٱخرهم طردها من المستشقي بواسطة تهديده !! :
_" اللي أعرفه ان اللي زي غسان ده ، قلبه في ايده ، مبيعرفش يحب ،دا كان مقضيها ، هو انت مقولتلهاش ولا ايه ؟"
اقترب "بسام " ولأول مرة ترى "فرح" بها فظاظته عندما أشار لها مردداً :
_". اطلعي برا يا تاج ، بره بالذوق بعد إذنك يلا بدل ما تطلعي بالعافية!!"
اقتربت "إنچي" تحاول سحب ذراعها بينما رفضت الأخرى ونظرت ناحية "غسان" الذي صمت بتحملٍ ، فاستغلت هذا قبال الٱخر وهتفت بغلٍ :
_" لو رجع بيا الزمن كنت بوظتلك كل حاجة في حياتك قصاد اللي عملته معايا ٱخر مرة وطردك ليا من المستشفى عشان اخوك ، وإعرف اني لما سكت، سكت عشان خاطر اللي راح ،. انت أكتر واحد أنا بكرهه في حياتي ، حتى لو كان من غير أسباب دلوقتي في أسباب كتير تخليني أكرهك وأكره الخير ليك "
تحمل إلى نهاية هذا الحوار الذي يزيد من انفعاله فاندفعت "نيروز" دفاعاً عنه وهتفت بصوتٍ مرتفع تنهرها :
_" انتِ مين يا بتاعة انتِ عشان تتكلمي معاه بالإسلوب ده ؟؟."
_"أنا اللي كان بيجري وراها يا حبيبتي ومفهم ٱخوه اني خاينة عشان يطلع الملاك البرئ قدامه !"
لا تكف عن اخذها دور الضحية في حين بأنها كانت قد كشفت ماذا تفعل الٱن، خفق قلب "فرح" بحسرةٍ ونظرت ناحيته بوجع تسأله :
_"هي دي كانت خطيبتك بجد يا بسام.؟"
من حقها الشك ومن حقها كان الاستنكار فقد كان أعمى البصر حينما وقع عليها الإختيار ومن ثم الحب ، توصلت بعقلها لكثيرٍ وشعرت بالتيهة والقلة، بينما هو طالعها بصمتٍ وصدمة ظهورها بسرعة كهذه لم تزول بعد!!
اتسعت عيني "نيروز" بصدمة من كلماتها ،في حين أرسلت له "تاج" نظرة خبيثة تخبره بأن بإمكانها خراب حياته الٱن ، لم تتوقع الٱتي عندما أمسك خصلاتها بقوةٍ جعل"فرح"و"نيروز", تنتفض وقال بنبرةٍ حادة :
_" بجري ورا مين يا رخيصة يا *** ، ده أنا سكت عشان اتستر عليكي واشيل اخويا من قرفك وبرضه عايشة الدور ومكملة، اعترفتي بلسانك برضه انك خاينة وخونتيه و جاية دلوقتي تهدديني بكلام فاضي، مين فينا اللي كان مقضيها ؟؟"
لم يتوقف إلي هنا بل زاد اندفاعه بالضغط أكثر أمام الخوف وهتف من جديد:
_" واحدة زيك محتاجة تتربي من أول جديد ، عشان المرحوم معرفش يربيكي!!"
توجعت واقتربت "إنچي", تفصلهما قبال صمت"بسام " المريب ،في حين صرخت به هى :
_" سيبني يا حيوان،. بقولك سيبني !!"
_" سيبها يا غسان من فضلك ، سيبها وهاخدها وامشي ، وعد !"
لم يلق بالاً لـ "إنچي" فنظرت "فرح" بضياعٍ ما ان وجدته يضغط على مسكته أكثر مردداً بغضبٍ :
_" انتِ اللي جيتي بنفسك ، فاكرة أخر مرة ؟؟ أخر مرة؟؟"
اتسعت عينيها ما ان شعرت بقوله الٱخر القادم بالخطر ، وجدته يحركها بقوةٍ رغم فصل "نيروز" و"انجي", بمحاولة.:
_" اخر مرة مكنتش عايز أسيبك ومنجدكيش من ايدي غيره ، غير بسام اللي انتِ ظلمتيه ومكملة ومصدقة نفسك ،مشالكيش غير أخويا يا رخيصة يا اللي حاولتي توقعي بينا ، بكذبك وقرفك ومهما عرفتي مش هتعرفي توقعينا ، فانتِ جاية دلوقتي واستغليتي الفرصة وعايزة تخربي عليه وعليا ، لا دأنا أموتك فيها وأدفنك هنا يا *** "
وأكمل محركاً عينيه بإنفعالٍ ناحية أي شئ يمكنه المسك به:
_" ننفذ اللي متنفذش ، تعالي نعلم عليكي علامة ولا أجدعها دكتور تجميل يعرف يصلح اللي هبوظهولك!"
حاولت فصله أو ركله ونزلت دموعها ٱنذاك بخوفٍ بعدم رفعت يديها تحاول صفعه ولكنه كبل يديها بعدما حاولت "نيروز" دفعها عنه كي لا يتهور
لم تستطع"انچي" فصله وحتى "نيروز" بينما اقترب "بسام" أمام دموع "فرح" وهتف يفصل شقيقه عنها حتى وقفت بينهما بصعوبةٍ صارخًا به:
_" سيبها يا غسان ،خليها تمشي زي ما كانت!"
_" تـــاني؟؟؟؟"
هتف به هذا بصراخٍ دخلت عليه "جميلة". بمفردها بعدما ودعت "والدتها" والبقية حتى يرحلوا ناحية منزل "بدر"، اتسعت عينيها من هذا المشهد واقتربت تقف بغير فهم ، بينما دفعه "بسام " عنها وحرك رأسه يوافق قوله :
_' ٱه تاني، اللي فيه طبع مبيتغيرش ، وهي هتفضل كده للأسف ، وأنا كمان هفضل عند أصلي ومش هقلل من بنات الناس ، فخليها تمشي ، كده كده كلامها المرادي مش فارقلي ولا حتى وجودها!"
ترك "غسان" خصلاتها بفعل يد "بسام " فنزلت دموع "تاج" وهي تتمسك برأسها ، خرجت أنفاسه بعلوٍ وهتف بها بإنفعال لأجل شقيقه وحديثه بقرار تركها :
_" امـــشي اطلعـــي بره"
كانت ستتحدث ولكن هرولت "إنچي" تسحبها بسرعة ناحية الخارج حتى خرجت معها ، فإقتربت "جميلة" بقلقٍ ناحية "نيروز" حتى تفهم منها ، بينما طالع "غسان" "بسام" بتمعن وطالع دموع "فرح" فأشار له ناحيتها كي يقترب ، وقبل أن يلتفت لها وجدها تركض كي تخرج ناحية الخارج ، فهرول "بسام", يقطع طريقها منادياً :
_" فرح ، استني يا فرح "
كانت ترفض التوقف ولكنه وقف على عتبة الباب يقطع خروجها وسألها بضعفٍ أمام عينيها الباكية من ما حدث بلمح البصر :
_" رايحة فين ؟"
_" همشي يا بسام ، من فضلك سيبني أمشي !"
قالتها بنبرة باكية ، فاقترب سريعاً يتمسك بكفها أمام متابعة "غسان" من على بعدٍ بقلقٍ له :
_" متمشيش يا فرح ، مش هسيبك تمشي وانتِ معيطة كدة!"
حاولت ترك كفه فتمسك بهما بإصرارٍ وطلب منها مصرحاً برجاءٍ :
_" عشان خاطري أنا خليكي ، أنا هفهمك اللي انتِ فاهماه غلط ، تعالي معايا فوق الأول ،. تعالي اغسلي وشك!"
حاولت الرفض ، ولكنها وجدت الرجاء في عينيه ، فقالت ببكاءٍ :
_" مش عايزة أفهم حاجة ، أنا عايزة أروَّح , سيبني أمشي!"
إقترب "غسان" حينها فحركت رأسها تخفي دموعها ولكنه حثها قائلاً موجهاً المفتاح لـ "بسام" :
_" اسمعي كلامه يا فرح ، ده مجرد سوء تفاهم وجه وقته يفهمك كل حاجة ، روحي معاه ، متخافيش"
رفضت هذا بإصرار وإزدات دموعها أمام مسك "بسام " ليديها برجاء ،في حين حثها "غسان" مجدداً محاولاً احتواء الموقف:
_" اطلعي معاه ومتقلقيش على ضمانتي!"
ترددت في الموافقة ، وسالت دموعها ، بينما أعطى مفتاح شقته لـ "بسام ", ووضح :
_" خدها يا بسام واطلعوا الشقة بعيد عن ابوك وامك والهيصة ، واتكلموا سوا براحة ها؟"
التقط المفتاح من شقيقه بسرعة ، بينما هى صمتت قبال هذا بترددٍ ٱخر وتلاقت عينيها مع عيني"جميلة" بعدما فهمت المختصر ، فحثتها بعينيها على أن تعطية فرصة للفهم ، فلم تحاول التملص من يديه بل تمسكت بها وحركت رأسها توافق بإنهزامٍ ، فسار معها برفقٍ محاولاً اخراج منشفة ورقية لمسح وجهها ، وإلتفت "غسان" حينها وأشار ناحية "نيروز" قائلاً :
_" هاتيها وتعالي عشان هقفل المحل !"
تمسكت بيد "جميلة" توافق واقتربت تحمل العلبة وسارت ناحية الخارج معها، ووقف هو يسحب الباب بعدما أغلق الإضاءة ، فأغلق الباب مشيراً نحوهما بهدوء:
_" يلا "
__________________
جلوس "والدتها" معها في الغرفة بمفردهما شئ يحسن من نفسيتها ومزاجها ، طالعتها "فريدة" بأريحية وهي تجلس بجانبها على الفراش تستند برأسها على كتف "زينات" التي تمرر يديها على خصلاتها برفقٍ ، الصمت يسود بينهما وكل فترة تتحدث احداهما إلى ان سألتها "زينات" بهدوء:
_" مرتاحة يا فريدة ؟، مرتاحة هنا مع ٱدم؟ "
_" تفتكري لو مش مرتاحة كنت قعدت ووثقت اني اقعد ؟"
هتفت بها "فريدة" بجديةٍ واعتدلت تنظر ناحية وجه "زينات" التي ابتسمت تنفي هذا وواصلت "فريدة" تكمل حينها:
_"أنا تعبانة أوي يا ماما ، حاسة ان خلاص مش فاضلي كتير وهنفجر بأي طريقة أي كان هي إيه ، حسيت ان حتى وجودي هناك بكل المصايب دي تقل عليكي وعلى حازم نفسه ، بقيت بشوف اني ظالمة ، ظالماكم معايا وظالمة نفسي ، حتى ٱدم ، ظهوره على انه غريب وانه يفضل متمسك بيا بعد رفضي ليه كتير اوي وبعد أسباب كتير تقوله اني منفعهوش كراجل شرقي دمه حامي عند السبب اللي كله عارفه ، معرفش امته وازاي وثقت فيه ومعرفش ليه قدامه بستسلم ومعرفش برضه ليه عاطياه الٱمان أكتر من أي حد ،يمكن الحاجة الوحيدة اللي قربت افهمها ان ربنا حط فيه كل حاجة حلوة عيني بس اللي تشوفها وتتعلق بيها فأقصر فترة ممكن تحصل ، نجدني من نفسي ، لو مش موجود كنت موت وقتها فكل اللي حاولت أعمله وهو لحقه!"
اندفعت "زينات" تضمها بقوةٍ وهتفت بنبرةٍ مختقة قبال كلماتها المنكسرة :
_" بعد الشر عليكي يا حبيبة قلبي، بعيد الشر عنك من الموت ان شاء الله كل اللي يكرهك وانتِ لا "
ابتسمت بسخريةٍ واستندت عليها من جديد وبدأت تسرد بوجعٍ يظهر فقط عند أحضان أم تكشف ما بداخل من انجبتها:
_" الموت حق ، عمري ما شوفته شر من ساعة اللي حصل وانا مش خايفة اني أموت ، بس دلوقتي في حاجات كتير بتتغير ، بس لما بدأت اغير نظرتي لنفسي وليهم خذلوني من تاني ووجعوني ووجعوا أعصابي ، وخلوني أنهار بحاجة مصدقتش انها ممكن تحصل ، أنا خوفت يا ماما, خوفت أوي ومكنتش بخاف في الأول ، بس مخوفتش أرجع ، أنا كل اللي عاوزاه واللي بقيت عاوزاه أوي ، اني أبدأ من جديد حياة تانية مختلفة نضيفة حتى لو مش هقدر أعيش حياة طبيعية دلوقتي بس واثقة انها هتيجي ومبقتش بفكر في حاجة زيادة عن كدة!!!!"
مررت "زينات" يديها على ظهر ابنتها بشفقةٍ وزفرت أنفاسها في تقطع وهتفت بتأثر من كلماتها المقهورة:
_" ربنا يريح قلبك يا فريدة ، ويسعده ويهدي لك حالك !"
ابتسمت "فريدة", ناحيتها ومدت يديها تتمسك بكف "والدتها", حتى قبلته وأخبرتها حينها بطلبٍ :
_"علفكرة أنا هبقى ارجع أبص عليكم بس مش هقدر أقعد ، وانتِ كمان متغيبيش عني ، تعالي علطول هنا وهاتي أسماء ،أنا مش ناسية انها انقذتني من الموت ، معرفش ليه حنيت ليها بس هي انقذت حياتي ودي حاجة كبيرة أوي!"
لم تعطها الفرصة للرد بل سألتها قائلة مجدداً :
_" هى بره صح؟"
_"ٱه ، قاعدة مع فاطمة والعيال ، هقوم أناديها عشان نرتبلك لبسك وحاجتك. خليكي مرتاحة انتِ !"
رفضت "فريدة" هذا ونهضت من على الفراش تخبرها :
_"لا هعمل معاكم ، بس دخليها يلا "
وافقت "زينات" بسعادةٍ من هذا ، وتقدمت "زينات" ناحية باب الغرفة تناديها من على بعد فتركت لهم "فاطمة" الخصوصية بهذا ، واقتربت ناحية غرفتها مع الأطفال ، فدخلت "أسماء" بترددٍ ، ووجدت حينها اغرب شئ ،. "فريدة" التي اندفعت تعانقها وشكرتها دون مقدمات:
_" شكراً يا أسماء ، لو قعدت أقولك شكراً من هنا لبكرة مش هوفيكي حقك"
دفاعها عنها أمس وانقاذها من طعنها بالسكين شكل لها ثقة ، سعدت "أسماء" منها واقتربت "زينات" تخرج ملابسها من الحقائب ، في حين نظرت لها "أسماء" بملامح شاحبه قليلاً وقتلت التردد، وأعلنت سببها المجهول بالقدوم إليها كي تراها وهتفت تخبرها :
_"ده كان اللي المفروض يحصل يا فريدة "
وأضافت قبال بسمة الأخرى بملامح مرتبكة :
_" ممكن بعد ما نخلص أقعد معاكي لوحدنا أحكيلك حاجة ؟"
أكدت "فريدة" برأسها بعشمٍ وربتت على كتفيها بذلك ، فنادت "زينات " "أسماء", و خرجت "فريدة" تفتح باب الشقة ما ان سمعت الجرس ، يبدو أن "سمية", و"عايدة " و"وردة" و"بدر", قد جاءوا للإطمئنان عليها ثم الصعود لأعلى حيث تنظيف الشقة!!!
__________________________
بكلمات متخبطة منه كي يبرر تخبطتت هى وتاهت أكثر قبال جلوسه بجانبها على الأريكة في صالة شقة "غسان" ،سالت دموعها منها أكثر أمامه بشفقةٍ على حالها معه وحاله هو الٱخر بعد علمها وبعدما رٱته يقف هكذا ، ولكن بعدما انتهى من شرح المختصر بوضوح ، تاه أمام عدستيها وردد بما ردد به الكثير:
_"متعيطيش يا فرح ، متعمليش كدة ، متحسسنيش اني ظلمتك ، والله العظيم أنا نسيت كل ده لما شوفتك ولما حبيتك!"
رفعت "فرح" كفها تمسح وجهها وخرجت منها لكلمات بهذا الوقت بتوضيح بعد هذا الصمت :
_" انت مشوفتش هى بتبصلك ازاي، مخدتش بالك كنت انت عامل إزاي لما شوفتها ، انت لسه بتحبها يا بسام ، شكلها كانت حاجة كبيرة عندك والا مكنتش اتجمدت كدة مكانك ، أنا كان وضعي ايه ساعتها ، انا مستحقش كده ولا توقعت اني اتحط في الموقف ده ، أنا قلبي مش جاهز لكده أبداً !"
رفض "بسام " بلهفةٍ من كلماتها الضعيفة أمامه، وأخذ أنفاسه بسرعة وبرر أكثر بنبرةٍ سريعة :
_" صدقيني يا فرح ، أنا مش كداب ، أنا فعلاً كنت بحبها وقولتلك ده قبل كده ، بس كل ده راح ولما راح مش هنكر انه راح بسهولة ، انا اتضحك عليا منها ، دي خدعتني ووقعتني في أخويا ودمرتلي حياتي ونفسيتي من قبل دا كله ، بعد ما كانت حاجة كبيرة نزلت من نظري من قبل ما اعترف بيني وبين نفسي إن قلبي ده دق ليكي انتِ فوسط كل ده "
ترددت عينيها كما تردد عقلها ، ولا يوجد أمامها سوى البكاء على حرج الموقف وحسرته عليها بهذا الإنكسار ، ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وفركت يديها بضغطٍ أمام ٱنظاره فتلمس كفها مقترباً مصارحاً إياها:
_"ٱنا عاوزك انتِ وبحبك انتِ ، ومفيش في قلبي غيرك، انتِ ليه مش مصدقاني؟"
لم يكن يتوقع ان الضعف سيجعلها تهتف الٱتي ببكاءٍ عندما هتفت بتعبٍ :
_" مصدقاك بس خايفة!"
طالعت عينيه الصادقة ، وسألت نفسها لما كل هذا الوجع الذي بداخلها ، لمَ الضيق ، ولمَ الحزن؟ ، تقطعت أنفاسها من جديد وسألته بخوفٍ وتحشرجٍ :
_" انت بتنساني بيها ؟ ، بتنساني بيها يا بسام ؟ متحسسنيش اني سد خانة ، أنا اطمنتلك وارتاحت ليك ، احلف انك مش شايفني بديل أو مش شايفني زيها ، عشان هتبقى حاجة كبيرة اوي لو كنت بتعمل كده ، ولو فعلاً انت بتعمل كده سيبني أنا أضعف من اني استحمل أكون سد خانة!"
ما هذه الكلمات ؟ ألهذا الحد ما شعرته سئ؟ ، لمعت عدستيه واقترب يمسك كفيها وأقسم قبال عدستيها اللامعة :
_" وأقسم بالله العظيم انتِ ما سد خانة ، انتِ دلوقتي الخانة الأولى ،ومفيش ليكِ بديل ، واللي في قلبي ليكِ مكانش ولا هيكون زي اللي راح مني لحد "
ارتجفت يديها من تبريراته الصادقة وسرق انتباهها كما الضعف منها عندما عاد يكمل بتعبٍ :
_'' أسيب مين يا فرح؟ أسيبك ؟ بعد كل ده ؟ أنا تعبت أوي بسبب اني مكنتش قادر أحدد اللي أنا فيه بسبب عقلي اللي اتشغل بيكِ وخلاني تايه ، بس فجأة عرفت اني بحبك انتِ ،أنا مش عايز اتوجع تاني يا فرح بس مستعد أحلفلك ان الوجع لو منك انتِ أنا راضيه!، بس ليه ده كله ، أنا محتاجك في حياتي عشان بحبك!"
فمال يرفع ذراعه أكثر أمام شهقتها التي خرجت وقال بنبرةٍ موجعة:
_" بالله عليكِ خليكي مطمنالي ومرتحالي يا فرح ، والله العظيم أنا محستش بالفرحة دي ألا معاكِ ، هخدعك ازاي؟ انا كمان أضعف من إني أخدع حد كان طوق نجاة ليا ومازال ، انتِ متعرفيش مكانتك عاملة ازاي عندي ، بس أنا متأكد ان لما تحبيني هتعرفي !"
ابتلعت ريقها والاعترافات تحت بكاء منها ، وحساسية الموقف تتٱكل بها من الداخل:
_" بس أنا حسيت احساس وحش أوي بسام ، اتمنيت الأرض تنشق وتبلعني ، وقعدت اكذب نفسي ان ده محصلش ، عشان مش عايزة أخسرك ، أنا بحب وجودك معايا، وكلامك وأسلوبك وكل حاجة ، انت الحاجة الوحيدة اللي حسستني اني مرغوب فيا زيادة عن اللزوم ، لما حكيتلي أول مرة من غير تفاصيل متوقعتش انها تكون كدة ، انت معيبتش فيها قدامي لدرجة اني شكيت انك سبب الإنفصال ، أنا زعلانة عشانك أكتر ما زعلانة عشاني وعشان موقفي ، مش عارفة ..مش عارفة أعبرلك أنا حاسة بإيه، بس أنا توهت ، توهت وحسيت بحاجة وحشة محسيتش بيها قبل كده!"
هذا التخبط وهذا البكاء وهذه الكلمات تؤثر به بقوة ، ابتلع "بسام" ريقه بصعوبة من هذه الاعترافات المتواصلة منها واقترب بالتدريج يفتح ذراعيه على مصرعيهما يعانقها مردداً بإختناقٍ مقترباً ليبادر هو بأخذها بين ذراعيه:
_" أنا ٱسف ، أنا ٱسف انك اتحطيتي في الموقف ده ، ليكِ حق عندي خديه بالطريقة اللي تحبيها ، الا انك تمشي !"
هل قصد الفراق؟ ، حاوط ظهرها ووسط جسدها لأول مرة، لم تنتبه للخجل من كونها بين أحضانه الٱن ، بل وجدته يعانقها بأسفٍ فتوقفت عن البكاء وترددت في رفع يديها حتى تربت على رأسه وخصلاته بعدما سقطت قبعته بجانبها ، ولكن تم قتل التردد ومررت يديها على رأسه بتلقائيةٍ وخرجت أنفاسها بتنهيدةٍ حارة ما أن هتف من جديد:
_" أنا مخدتكيش بسهولة يا فرح ، ملقتكيش بسرعة عشان أسيبك بسرعة!"
أسندت رأسها على كتفه لأول مرة تشعر بالطمأنينة هكذا بوجوده وبأنفاسه التي على مقربة منها ، أغمضت عينيها تحاول تخطي هذا الموقف، وابتلعت ريقها ما ان وعت أكثر وقالت بتقطع وارتباك :
_" طب ..طب أنا عايزة أقوم "
هل تحاول الهرب من هذا العناق الذي وجد به الٱمان؟، اتسعت عينيها ما ان وجدته مُصر على ضمها قائلاً بنبرة رجولية هادئة :
_" أنا مش عايز!"
_"عيب كده "
ضحك على قولها المهتز فحرك رأسها لتستند على كتفيه وربت على ظهرها بأسفٍ مردداً بنبرةٍ منخفضة ساخرة:
_" بيقولوا ان مدام فرح مراتي!"
تودرت وجنتيها وسكنت بتيهةٍ فوجدته يصارحها بمشاكسةٍ :
_" تصدقي ان حضن الكتاب لما بيتأخر ببقى ليه طعم تاني ؟"
هتف بها مع ملامحها التي اهتزت ، فضحك بخفةٍ وهو يعتدل ، وإزال أثار الدموع مع اعترافه الصادق الذي خرج:
_" كنت فاكر ان حضن غسان هو بيت الراحة والأمان واني مش هلاقي حضن ارتاح فيه كدة ، بس حضنك اثبتلي العكس النهاردة!"
ثمة ابتسامة صغيرة رقيقة زينت وجهها ، فنظر ناحيتها بحبٍ وهتفت هى بهروبٍ منه :
_"أول مرة حد يقولي اني مصدر راحة وأمان ليه!"
وحده من يشعرها بأن لا يوجد مثلها، ابتلعت ريقها عقب قوله هذا وأكمل هو:
_" عشان أول مرة تحضني واحد قلبه بيحبك!"
ابتلعت ريقها وابتسمت بلطفٍ من هذا فشاكسها يخفف عنها ما تشعره:
_"بعد الصبر جبر صحيح ، لو كنت أعرف ان لازم يحصل كده عشان ٱخد الحضن كنت اتصرفت!"
انفلتت ضحكتها على قوله ، وتشككت وهي تسأله باستنكارٍ :
_" للدرجادي ؟"
حرك رأسه يؤكد ، وأغلق سحاب سترته باهتمام وانحنى يلتقط القبعة ومن ثم ارتداها ولكن خرجت خصلاته من جزء فارغ فمدت يديها بعفوية تدفعها ناحية الداخل برفقٍ ، حينها ابتسم لها وقال يشير لها على موضع قلبه :
_"والله العظيم ما حد معشش هنا غيرك!"
لا تعلم أتضحك من قوله أم تبتسم ، صمتت بعجز أمام هذا فلثم وجهها بين كفيه وإقترب يقبل قمتها وهتف ببرٍ :
_" انتِ أمانة عز عندي ، ومعاهد على إني مجرحكيش ولا أوجعك ، انتِ وصية رسول الله يا فرح ، وأنا طمعان في الجنة وعاقل كفاية انفذ الوصية عشان الٱخرة ، ٱنا مش شاري من الدنيا غيرك !"
لمعت عينيها بتأثرٍ من كلماته ، ولأول مرة تجد الاطمئنان معه هنا ، ابتلعت ريقها وترددت في الإقتراب لتعبر له عن ردها ولكنه سألها بشكٍ :
_" حضن ولا ايه ؟"
ضحكت بخجل وحركت رأسها بعفوية كانت ستفعل هذا حقاً ، لم يقترب هذه المرة بل فرد ذراعيه لها بعدما عدل قبعته فإقتربت بنفسها داخل ذراعيه تقاوم الحرج وهتفت بإهتزازٍ :
_" أنا اللي ٱسفة ليك من كل حاجة وحشة شوفتها ، أتمنى أكون حاجة حلوة في حياتك ومتحولش للعكس!"
تنفس بأريحية وسعادة من بداية هذا الحديث وهي تقاوم به ما تشعر به ،اتسعت ابتسامته أكثر ما أن هتفت هى من جديد تذكره :
_" الرحلة اللي انتِ قولتلي ان الحلو فيها مسيره جاي ، كان حلوها معيون لحد ما انت تيجي يا بسام !"
وخرجت من بين سعادته هذه وتعلقت عينيه بعينيها وهى تكمل بتلقائيةٍ :
_" كفاية اني مطمنة وأنا معاك ، وكفاية اني شوفت حد أخيراً شبه عز في تصرفاته ، شكراً "
تلاشت بسمته بقولها الأخير وأمسك موضع قلبه الٱخير بدراما تمثيلية وقال:
_" ٱه ، قلبي ، بقا بعد كل الجمال ده تقولي شكراً ؟؟؟"
ضحكت بعلوٍ وهي تعدل حجابها بتوترٍ وسألته :
_" طب أقول ايه ؟"
ابتسم بلينٍ وتقدم يخبرها بنبرةٍ هادئة تبدلت سريعاً بجديةٍ :
_" اللي عايزك تقوليه ، انتِ هتقوليه بنفسك، مش مستعجل ''
هل قصد اعترافها؟ ، ابتلعت ريقها وفهمت مخزى حديثه وفاقت على قوله:
_"مش يلا ننزل ، عشان تلحقي تشوفي أمي و وسام ؟"
وافقت برأسها ولولا حنانه ولينه لاختلف الأمر ، ولكنه اتضح بأنه بارع في احتواءها ، سارت معه وانحنت ترتدي حذاءها ببطئٍ فإنتظرها بعدما ارتدى حذاءه ، ونهضت بعدها تخرج من الباب ، وأغلقه خلفهما ملتقطاً المفتاح ، ووقف يسير على باب الشقة التي تخصهما في المستقبل غامزاً لها بمشاكسةٍ :
_" عشة حبنا "
_"اخدت بالي!"
ضحكت "فرح"وهي تحرك رأسها تضامناً ، فضحك على قولها مردداً بتمنى:
_" طب اللهم عجل!"
تجاهلت قوله بحرجٍ ودخلت معه المصعد ، ووقتها دق هاتفه بجيب بنطاله ، فوجده "غسان" الذي أراد الإطمئنان وقد قرر بالفعل الإجابة عليه ليخبره بأنه سيهبط لشقة والديه!
________________________
_«ماشي ، متتكلمش بقا فاللي حصل قدامهم ، كويس انها عدت على خير»
كانت جملة "غسان" الذي هتف بها ومن ثم سمع رد شقيقه بالموافقة وأغلق الهاتف ، الٱن التفت ينظر فوجدها تجلس مع "جميلة" كما هىٰ تمعن النظر ناحيتها بشرودٍ فلو كانت أخرى لتشككت به بعد حديث "تاج"، كل الأمور توحي لها بالشك ولم تفعلها ولكن ما طلبته منه شئ ثقيل عليه !!
كانوا في شقة "سمية" ، لذا رفعت "جميلة", أنظارها ناحيته فوجدته ينظر ناحية "نيروز" ومن أجل ذلك حاولت النهوض بعدما حثتها بنبرةٍ منخفضة :
_" بيبصلك بقاله فترة ، شكله عايز يتكلم معاكي ، أنا هدخل جوه على ما تشوفي هو عايز ايه ، وهرجع كمان شوية، خدي راحتك!"
تركتها. "جميلة", وانسحبت ناحية غرفة "نيروز" تقف في شرفتها قليلاً تاركه لهما المساحة الخاصة بعدما فهمت المختصر من رفيقة دربها ، نهضت "نيروز" هذه المرة وتعلثمت نظراتها ما أن وجدته يحرك عينيه بعيداً عنها بعدما كان شارداً بها ، الٱن ولأول مرة يهرب غير راغباً في رفض طلبها على الرغم من أنه مجبر ولكنه رأى شئ ٱخر رأي انها جعلته يحاصر ، ومحت شخصيته ، وجعلته صغير أمام معلمة ستلقي عليه بعد الأسئلة وبعد التوبيخ وهو يقف أمامها ؟ ، التزم الصمت كي لا يضغطها ولم يفتح الموضوع مرة أخرى ، ٱخر مرة كانت تنتظر الرد ، وهذه المرة أيضاً عندما اقتربت وسألته أولاً باهتمام:
_" بسام وفرح تمام؟"
أكد برأسه وكلما ينظر بمكان ٱخر تجعله ينظر ناحيتها وكانت هذه المرة مختلفة عندما سألته بمواجهة:
_"طب مرديتش عليا ليه فاللي قولتهولك!"
لا يريد شجار ٱخر ، ليس لديه طاقة ، خرج رده مقتضباً فرأته هي فاتراً عندما ردد :
_" بعدين!"
تخبط هرومانتها جعلتها تأخذ رده كما تريد ولمعت عينيها من أسلوبه الذي تغير كما رأت هىٰ ، وحركت رأسه ناحيتها تواجهه بقولها:
_"انت مش موافق صح ؟ مش موافق تقابلها وتشوفها هى عايزة ايه وتحكيلها ؟ مش كدة ؟؟."
ضغط "غسان" على فكه بتحملٍ وقبل أن يلتفت قاطعته بمحاصرة أخرى :
_" رد ، اديني أي رد ، قول حتى انك مش موافق ، مترجعش تسيبني لدماغي تاني ، انت ليه بتعمل معايا كدة ؟؟"
_"أنا مش عايز أواجهك باللي عملتيه يا نيروز,كفاية اللي راح مني قصادك في الفترة اللي فاتت ، مش عايز أرد وأقولك انك حطتيني في موقف بايخ مع مامتك ، هو أنا عيل صغير ؟؟"
رمقته بعينيها الزائغة الضعيفة قبال كلماته التي كانت تتوقعها منه ، ولكنها وقفت تصارحه بردها المبرهن السريع :
_" لا مش كدة ،انت ليه شايف الموضوع كده ، هي عايزة تفهم بس نهاية ده كله ايه!"
زفر "غسان" أنفاسه بضيقٍ ظهر على معالم وجهه واعتدل يرد بجدية عليها:
_" انتِ نفسك فهمتي نهاية ده كله ايه ؟ ، هى موقفه ايه بينا يا نيروز ، أنا لو عايزك في بيتي هاخدك ومش هيهمني أي كلام ، بس سكت عشان شايف انه عادي من حقها ، بس مكنش من حقك تحطيني قدامها كده ، هو انتِ فاكراه شغل انترفيو ؟؟ ولا فاكراني في مدرسة هروح للمديرة توقفني قدامها تسألني كام سؤال وتديني العقاب وأمشي ؟ مش شايفة انك بتصغريني كدة ؟؟"
واجهها بكلماته الجامدة مثل ملامحه التي تبدلت تحاصرها بحروفه كما تود فعلها معه ، تقطعت أنفاسها بيأسٍ وتعب من كم هذا التعقيد وردت دفاعاً عن كل شئ أمامها :
_" لا مش شايفة اني بصغرك ، هي اللي شايفة اني بصغر نفسي قصادك ومعاك طالما قابلة بوضع زي ده من غير ما أفهم!"
فإندفع بهجومٍ يسألها بغيظٍ من أفكار والدتها :
_" وهو انتِ رجعتي ؟؟"
تخطى قولهاا المتسرع من قبل هذا وخرجت نبرته المختصرة دفاعاً عن كبريائه مرة أخرى:
_" أنا غصبتك ترجعي؟ ولا سيبتك على راحتك وقولتلك كل حاجة هتبان في وقتها ، وانتِ مصدقة وموافقة ، انتِ موقفة اللي بينا وبتكبري نفسك وقولت حقك ومشوفتش انك بتصغريني بكده وعدت "
لمعت عينيها من عجزها في الرد وقليل ما ترى استسلامه عندما قابل عينيها يصرّح بعجز من الظروف هو الٱخر :
_" أنا تعبت يا نيروز,!"
لم يتوقع بأنها ستتركه ولم تضغط عليه كما فعلت الٱن عندما فردت ذراعيها على وسعهما تحثه على احتوائه وهي من بادرت هذه المرة ، فلم يتردد ثانية إلا وقد كان بين ذراعيها الحانيتين عليه من هذا الضغط وسمعها تصرّح هى الأخرى :
_" أنا كمان تعبت ، عشان كدة حاسة بيك أوي!"
أخرج أنفاسه بثقلٍ وابتسمت تتخطى له كما تخطى لها وقالت :
_" أول مرة ترفضلي طلب ومقولتهاش صريحة انك مش عاوز تنفذ اللي قولته ، أنا مش زعلانة علفكرة أنا دافعت عنك مما فيه الكفاية بكل صراحة بس هى عايزة تبرير لموضوع أسماء مع انها اقتنعت انك مش ممكن تعمل كده ، بس هي شايفة انه حق انها تعمل كده ، ودي أمي يا غسان ، مقدرش أعمل لها حاجة ولا حتى أرفض وأهاجم !"
_" وانتِ لو مش فيكي خير في مامتك مش هيبقى فيكي خير في أي حاجة من بعدها يا نيروز ، أنا فاهمك عشان كده سكت قبال اني متكلمش ونرجع للي كان ، بس أنا مش هيبقي عندي كلام لو وقفت قصادها ، أنا قادر أعمل غير كده ، وحتي اللي بيني وبينك كان صعب يروح !"
ابتسمت من قوله الأول العقلاني وسألته بإبتسامة هادئة محاولة تغير هذا الحديث بسبب الانهاك التي وجدته به وخوف نزف دماء أنفه يهاجمها على الرغم من انه ذهب للكشف :
_" كان ايه اللي بيني وبينك على كدة يا بن البدري !"
هل هذه مراوغة ؟، أخرج الكلمات الجادة الصادقة يصارحها بها على ردها
أخذ أنفاسه بتقطع عقب قوله هذا وعاد يُكمل بصدقٍ امتزج بتقاسيمه التي تُظهر لها مدى صراحة كلماته:
_" اللي بيني وبينك قلوب ميحكمهاش عقل "
كانت قد تعلقت عينيه بعينيها وبها نظرة افتقدتها منذ الكثير حينما صرّح بضعف :
_"أنا من غيرك تايه وعامل زي العيل الصغير ، انتِ بنخليني ضعيف أوي ، وأنا مبحبش أكون كده!"
اقترب منها أكثر مع هذه الكلمات وطريقته في قولها تخبرها بأنها قادمة على شئ رفضته من قبل ، لا لم ترى به هذه الارداة من قبل بينما هذه المرة مختلفة ، هل سترفضه مجدداً بعدما هتف في ضعف من قربها:
_" أنا مش عايز حاجة ولا طمعان غير في قُربك!"
ابتلعت ريقها وضاع ثباتها أمام كلماته وأنفاسه وهو يقترب عند هذا القول ، ولكنها هتفت بإسمه بتقطعٍ ولم يلق بالاً لها، مشاعره الثائرة في ارداته بردها وقربها تلح عليه الٱن عندما شعر بأن الثقل يشتد ولم يجد سوى قربها ليزيل كل ذلك مقابل الراحة الذي يفتقدها ، كان قد قرر عدم ضغطها بينما رؤيتها هكذا بعيده عنه بمكان وهو بمكان ٱخر رغم الرجعة بالقول شئ غريب ، شئ ضغطه من جديد ، نفذت طاقته من كل هذا ، يريد رجوع حياته بشكل طبيعي كما كانت من قبل ، أما هي؟ فكانت تشعر بما يشعر به ولكن قرارها أهم شئ وخوفها من شكلها في نظر والدتها بعد حديثها معها شئ مهم،. ولكنها وضعت بمقارنة بين ثلاث ، هو وحبه ، وهي وكرامتها ووالدتها وقرارها وحكمها ، فأي منهم ستختار ؟ أنفاسه التي على مقربة منها وحتى لمساته على حنايا وجهها تدق لها بإنذار خطر ، انذار ستتخلى به عن قرارها التي وضعته وسيذهب هباء أمام ضعفهما ! ، ولكنها خافت رفضه !!!
الرفض لم يٱت منها ، وعادت أنفاسها بعدما سُرقت ، وخافت رفضه ولكن من خرجت تناديها كانت "جميلة" والتي وقفت بحرجٍ من هذا القرب التي قطعته ، فتحرك بالتدريج ينظر وزفر ببطئٍ بوعي كامل بأنه رأى القبول في عينيها وبنفس ذات الوقت وجد الرفض المتردد، وعند رؤية الرفض كان تلقائياً سيبتعد ويرحل!
_"أيوة يا جميلة ، تعالي"
نادتها وهي تنظر ناحية عينيه فإعتدل يخبرها بإيجازٍ :
_" شوفيها وهاتيها وتعالي عشان نتغدى هناك!'
لم يسمح لها بالرد بل سار مباشرةً ناحية الباب يفتحه ، فعلمت أن هذا إصرار منه ، فأشارت لها "نيروز", لتأتي ، وأتت بالفعل ، وخرجت معه تغلق الباب خلفها الٱن ، وفتح هو باب شقة "والده" بالمفتاح ، وعقب ما فتحه وجد "فرح" تساعد "دلال" في حمل الاطباق على المائدة مع "وسام" التي ابتهجت ملامحها وهي تسرع لترحب بـ "نيروز وجميلة " والذي صاح"حامد " لهما في لطف أمام قبول "دلال" رغم غرابتها من قدوم "نيروز", بعدما كانت تهرب من مقابلتها :
_" ولاد حلال ، يلا اقعدوا الأكل هيبرد ، بالهنا والشفا !"
ابتسمت "دلال" تعانق "جميلة" بترحابٍ وعانقت"نيروز" التي جلست معهم بجانبه بعدما غسل يديه وجاء من جديد مع "بسام "و"فرح" التي أُجبرت على تناول الغداء معهم ، جلس "بسام " بجانبها هو الأخر ، والتزمت "جميلة" الصمت بحرجٍ إلى أن سألت "نيروز" شقيقته :
_" ايه اخبار مذاكرة المادة الجاية ، كويسة ؟"
ابتسمت "وسام" بتعبٍ أخفته وتحت مسمى المرح وردت:
_" الحمد لله ، بس ادعيلي ، وكلكم كده تدعولي واحد واحد!"
ابتسموا جميعاً ملبين غرضها بالدعاء ، فتقابلت نظرات"نيروز" معه بصمتٍ إلى أن قطعه فحثها بنبرةٍ هادئة :
_" كُلي!"
تتناول بالفعل بقلةٍ ، وجدته يبتسم وكأن لم يحدث شئ، والدقائق تمر بينهما ، والنظرات توجه لهما بفهم من أطراف ومن أطراف أخرى بغير فهم ، المستنكر لهما أنهما بنفسهما لا يفهما ما هما به، ورأى كل منهما أن وجود الأخر بجانبه يكفي لمرور مُر الأيام! ، حتى وان بقى هناك أمور عالقة ولكن بمجرد وجود الفؤاد جوار الفؤاد سيكفيهما لوضع مؤقت!.
_"منورانا النهاردة يا "فرح" واللهِ انتِ وجميلة!'
هتفت بها"دلال" ولم تلق بالاً أنها وضعت "نيروز" بوضع محرج الٱن! ، امتنت لها "فرح " بنظراتها بحرجٍ قبال نظرات"بسام" ناحية شقيقه بترقبٍ ، حينها طالع"غسان" والدته بسكونٍ غريب ارتبكت منه على الفور ولم تفهم حينها ماذا فعلت فمال "حامد" بضيق منها يخبرها عن ما فعلته من احراج رغمًا عنها ، وقبل ان تحاول انقاذ ما فعلته بتلقائية لأن "فرح", اول مرة تأتي بعد عقد قرانهما وخطبتها عليه ، وقتها نهضت "نيروز" ترسم ابتسامة صغيرة وصرَّحت :
_"الحمد لله !"
التزم هو الصمت قبال النظرات المتردده المترصدة ناحيته ، ولكنه نهض بعد وقتٍ ، ووجدها في الداخل تقف في المطبخ تحاول غسل الأكواب بشرودٍ، امسك مرفقها وسحبها قليلاً وقال رافضاً :
_" متعمليش حاجة يا نيروز!"
_"متخافش أنا مش تعبانة ، سيبني أساعد شكلها تعبت النهاردة في الأكل ده كله!"
لم يجد قدرة على العبث الٱن بل صارحها شاعراً بما شعرته :
_" متزعليش، حقك عليا !''
هل تأسف لذنب غير ذنبه للتو ، هربت من عينيه واهتزت ملامحها وطالعت وجهه وهو يحاول التبرير:
_"هى متقصدش اللي حصل ، انتِ عارفاها من قبل كده أنها بتتسرع ,اعتبريها زي مامتك!"
_" مزعلتش أنا فاهمة ان ده طبعها واتعودت ، أنا مكنتش عايزة ٱجي بس مرضتش أرفضك وجيت عشانك ، أنا بخاف وانا بتعامل وبتكلم معاها يا غسان عشان بحس انها بتحبك أوي وبتغير عليك مني !"
دخل "حامد" عند هذا القول ودفع "غسان", عنها بمرحٍ ورفع يديه يربت على كتفيها مردداً بعقل:
_" حتىى لو بتغير ، ما دي فطرة فيكم برضه ولا ايه؟ مش عايزك تحطي الموقف في دماغك ، انتِ مكانك عندنا زي ما هو ، وهي بتحبك والله ومتقصدش ، طب دي لسه بتقولي تعالي ننزل نجيب هدية لنيروز عشان من ساعة ما عرفت انك حامل في توأم وهي بتفكر ، ستات يستي وبتطلع منهم حاجات فجأة هبلة كدة ! "
اقتربت تعانقه بتأثرٍ قبال نظرة "غسان" الممتنة السعيدة بما فعله "والده "، ربت على ظهرها برفقٍ وأسف لما شعرته ، ولمعت عينيها تأثراً ، أصبحت تتأثر من اقل الأشياء ، ولكن من تدخل كان "غسان" الذي قال بمرحٍ طفيف:
_" طب مليش مكان في الحضن الأبوي ده ؟"
_"لأ ملكش مكان ، أب وبنته ، عايز تتحشر ليه؟ لزقة ؟"
راقبت "جميلة" هذا بفرحٍ لأجل احتواء "نيروز" السريع منهما ، دخلت حينها عليهم بالأطباق وتبعها "فرح" و"بسام" و"وسام" التي شهقت بمشاكسةٍ عندما علمت ما حدث :
_"يلهوي .؟ ابويا بيتاخد مني؟"
أخرجها "حامد " من عناقه ونظر ناحية "نيروز", مستسلماً رافعاً كلا كفية يصارحها :
_" حريمنا كلهم بيغيروا "
اعتلت ضحكات الكل على كلماته وبادر بفعل المثل وعانق "فرح" بعاطفة ابوه ببطئٍ وهو يقترب منها ، خجلت منه قليلاً ولكنها ضحكت ما ان همس لها بمزاح :
_" شوفي بقا ، بسام ده نسمة ، اديه وقته وتاخدوا على بعض وساعتها هتندمي انك وافقتي عليه ، وألف مبروك!"
خرجت من أحضانه تضحك بخفة ، هل هناك المزيد يخفيه عليها"بسام"؟ ألا يكفي ما ظهر من مرواغة ؟ ، بدأت "جميلة" في غسل الأطباق وجاءت "دلال" معها في حين سمعه "بسام" فآقترب يردد بضجر:
_" ما ترفع راسي يعم الحج قدام الجماعة شوية ، خليني ابن مطيع بار بوالديه عارف ربنا بيصلي بيحب واحدة اسمها فرح ، دكتور ودمه خفيف ، أي حاجة من النوع ده!"
_" صدقت يا حبيبي وهي هتلاقي زيك فين بس ولا انت هتلاقي في عقلها فين ، ربنا يسعدكم كلكم يا حبايبي!"
نظرت "نيروز", لها بإبتسامة ووجدت الأسف في عينيها ، فأبعدت الأخرى "جميلة" ورفضت فخرجوا معاً ناحية الصالة بعد قرار الرحيل, حينها أخبرت "جميلة" "نيروز" :
_" احنا لازم نمشي يا نيروز عشان لسه هنعدي على فريدة نشوفها ، عايزة حاجة ؟ خلي بالك من نفسك!"
ودعتها بعناقٍ وهي تنفي سؤالها وعانقتهما "وسام " بوداع بعدما ودعا في الداخل والدتها ، فهتف "بسام " متدخلاً :
_"طب استنوا هاجي أوصلكم "
كادت أن ترفض أي منهما في حين لم يعطهم هو الفرصة بل دخل سريعاً ناحية الداخل يلتقط المفتاح من غرفة شقيقه ، الذي وقف مع"نيروز" منسحباً معها ناحية الشرفة ، حينها طالعته بسكونٍ وحاولت ان تخبره بأن يتوجب عليها الرحيل:
_" غسان ، أنا لازم أمشي!"
سألها بإستفهامٍ محركاً رأسه ناحيتها عاقدً كلا حاجبيه:
_" تروحي فين؟"
_" هرجع شقة ماما ، على ما يرجعوا"
حاولت الإنصراف من هنا ولكنه رفض صراحةً وأخبرها بهدوء وهو يأخذ أنفاسه:
_" لا مش هتقعدي لوحدك ، اقعدي هنا على ما هم ييجوا"
وجدت إصراره في حديثه ، على الرغم من انها تهاب عودة والدتها وهي هنا معه ،ولكنها رفضت ان تردد ذلك كي لا يُضغط من جديد ، اعتدل يرفع أكمامه وأشار لها قائلاً. :
_" تعالي خشي صلي وارتاحي في الأوضة ، على ما انزل أصلي العصر وأرجع"
اهتزت عدستيها فعلم ما تريد قوله على الرغم من أنها تسير معه ناحية الغرفة وتوقفت ما ان حثها برفق وخمن من التعامل معها أمامهم وقبولها معه بالحديث والوقوف والاقتراب بعد الهروب:
_" متقلقيش يا نيروز ، هم خلاص عرفوا اني رديتك!"
_" بس ماما متعرفش انك رديتني وانت بعيد ، ومقولتلهاش عشان بعد ما قالت كلامها مكنتش عارفه هتقول ايه ، قولتلها اننا اتفقتا نرجع بس مش هيردني في بيته ألا ما افهم كل حاجة !"
كل منهما كانت تقصد ردة بشكل مختلف ، وتعلقت هي ما بين الفعل والقول ، وافقت على القول بينما الأخرى تشككت بأنها ردها بالفعل فرفضت ذلك ، وما ان رفضت اعتقدت ان الرجعة رُفضت من الاثنان ، قول وفعل .
_" متقلقيش ، اللي حصل انك رجعتي بس حبيتي تاخدي وقتك وترتاحي وده اللي هيتقال لأنه جزء من الحقيقة!"
وافقت، وقررت قول ذلك لوالدتها عندما تسألها من جديد ، وبالفعل هذه هي الحقيقة ، ليست حجة!! ، حركت رأسها موافقة ، وفتح هو الغرفة ، تحت متابعة "حامد" و"دلال" من على بعد والتي شعرت بالسعادة ما ان رأت هذا واستمعت له ، تحركت عينيها براحةٍ ناحية "حامد", الذي ابتسم لها يؤكد أن ذلك حقيقة وهو يهبط أكمامه مقرراً انتظار خروجه من الداخل كي يهبطا ليصليا معاً في المسجد!!
____________________________
بعض صلاة العصر الأصوات تتداخل ، و"حازم" جاء قبل وقت كبير مع "ياسمين" لزيارة ", فريدة"، ولكن ما حدث قبل وقت هو اجتماعهم على مائدة طعام كبيرة فعلتها "فاطمة" بخفةٍ ، لوجبة الغداء ، من حيث "سمية" التي هبطت بعد ما نظفت ورتبت البعض مع "وردة"و",عايدة" وصعدت لهم "ياسمين" تحاول مساعدتهم في أقل الأشياء بحذرٍ ،. عندما هبطن جميعاً جلسوا قبل وقت على الطعام. وتم تناوله بالفعل ولكن لم يكن "ٱدم" هنا ولم يأت بسبب العمل ، بينما اتفق "عز"مع "جميلة" وشقيقته في الصباح قبل أن يرحل بأنه عندما سيعود من العمل سيعود مع "ٱدم" ناحية منزله كي ينتظرهما ويرحلا معه!
ولكن صعدن النساء والفتيات مرة أخرى ، وصعدت معهن "فاطمة" بعدما انتهت بمساعدة "أسماء" لها في المطبخ ، بينما الٱن "حازم" يجلس برفقة "بدر" على مقعدين مريحين في ركن من الصالة ، تارك شقيقته تجلس بأريحية مع "زينات"و"أسماء" من جديد!
_"يعني انتِ عندك امتحان فعلاً بكرة؟"
سألتها "أسماء" فأكدت "فريدة"بهدوء ووضحت:
_" أه ، كنت مذاكرة اللي متقرر فيها قبل ما كل حاجة تتلخبط بس هذاكر تاني بليل وأراجع بقا !"
علمت "زينات" كل ذلك من قبل ، واستشعرت تأخرها عن الصعود فنهضت تضع حجاب رأسها وأخبرتهما وهي تتركهما بمفردهما :
_" هطلع أعملهم شاي ولا عصير وأطلعه أشوف لو محتاجين مساعدة!"
وافق الإثنان وتابعتها النظرات منهما بعدما خرجت وأغلقت الباب خلفها ، فإعتدلت "فريدة" ترجع خصلاتها إلى الخلف وإعتدلت مرة أخرى تسأل "أسماء" بهدوء :
_" قوليلي بقا ، كنتي عايزة تقوليلي ايه واحنا لوحدنا؟"
ابتلعت "أسماء" ريقها بترددٍ كلما يأتي تريد قتله وأخبارها في الحال ، وجودها وحدها هكذا يشكل لها تعب ، طاقة تحمل كبتها انفجرت تريد مشاركة أحدهم ما بها! ، أخرجت أنفاسها بثقلٍ واعتدلت هى الأخرى تفرك يديها وبدأت حينها تتحدث بمقدمةٍ لما ستسرده :
_" أنا حسيت اني عايزة أقولك ، انتِ الوحيدة اللي هتحسي بالوجع اللي أنا فيه يا "فريدة"، أنا لو مش عايزة أحكي فهيبقي عشان مجرحكيش وتزعلي وممكن كمان تتصدمي، بس أنا واقعة في مشكلة كبيرة أوي أوي من زمان واللي هقولهولك ده ليه علاقة بموضوع "غسان" واللي حصل بسببي لما سامر راح ضربه!"
تزايد الشك في رأس "فريدة", وهابت تصديق الشك الخاص بـ "غسان" من أجل "نيروز" ولكنها حثتها أولاً بدلاً من اظهار الخوف:
_'' اتكلمي يا أسماء ، انتِ قلقتيني ، متخافيش احكي وأنا هسمعك!"
أغمضت "أسماء" عينيها تخفي الخوف وحاولت ٱخذ أنفاسها وأخرجت قنبلتها الأولى تمهيداً للأتي فيما بعد فنادتها بإسمها أولاً بنبرةٍ ضعيفة:
_" فريدة.."
ترقبت حواس الأخرى بتوتر من لمعة عينيها هذا وخوفها وهي تتذكر ما لم تريد تذكره عندما سملت نفسها له :
_"أنا..أنا سلّمت نفسي لأخوكي حسن و..ضاع مني اللي ضاع منك !"
لم تجد تشبيهاً ٱخر بقدرتها على اختيار الكلمات إلا هكذا ، اتسعت عيني "فريدة" بعدم استيعابٍ فنزلت دموع الأخرى وهي تسترسل :
_"الكلام ده من فترة كبيرة مش دلوقتي ، أنا ضعفت قصاده وسلمت نفسي ليه في لحظة ضعف مننا احنا الاتنين ، كل ده كان عشان بحبه بس مكنش شايفني ، وبمجرد ما اللي نيروز كانت بتعمله معاه ، جه في يوم وحصل اللي حصل ده بس بعد كده انكر وبعد من تاني مش شايفني وقالي أنا مأجبركتيش على حاجة! ولا ضربتك على إيدك ، حسيت ساعتها كإني اتضربت على دماغي ، واتقهرت لإن أنا اللي عملت كده في نفسي ، ساعتها مشيت تاني بس كنت خايفة ، والمرة دي مرعوبة امشي وأنا على نفس الحال ، انتِ عارفة ان سامر مش هيسبني عايشة لو عرف كل ده ، ومروة امي رمت طوبتها في الجواز ومحدش داخل دماغها ، وأنا اللي بعد كل ده هتجبر اتجوز ومستناش زيها ، ساعتها مش هقدر يا فريدة ، أنا خايفة أوي ومش لاقية أي حل ، وان كنت قدرت أخبي فدلوقتي معتش نافع ده كله"
ونزلت دموعها بكثرةٍ وهي تكمل تحت صدمة "فريدة" الكبيرة ودمعتها التي سقطت بغير وعي لما تسمعه :
_" حسن لما رجع ونيروز مطلقة ، سامر وأمي واختي قالوله انها اتطلقت وانها تحل ليه. , ساعتها قولتله انها حامل ومش هينفع عشان لو الفرصة دي لحد فالمفروض تكون ليا أنا بعد ما ضيعت نفسي معاه وضيعني ، بعدها مشى من غير حتى ما يرد بس كان متشتت ومش عارف يرد ولا يقرر. ،فقالوا انه هيرجع ، واللي خلاني متأكدة ان عقله مش هيبقي فيه يرجع يفكر ويقرر كل همه الشرب والمزاج اللي علاه على الكل ،بس لما خوفت ان ده يحصل روحت قولت لـ "غسان" يساعدني مكنتش عاملة حسابي اقوله غير أنه ياخد باله من نيروز ويردها لو عايزها عشان حسن وأهلي ناويين على نية مش خير ، طلع كل ده ملوش لازمة معاه ودبست نفسي قصاده ، أو أنا اللي كنت شايفة من الأول لأنه كشفني وحكيتله عشان مكنش في ايدي حاجة ، وقتها قال انه هيساعدني ومستني بس رجوع "حسن" عشان يتصرف ويشيلني من كل ده قبل ما أهلي يعرفوا ويموتوني! ، لإن حسيت ان رصيدي من الستر خلاص خلص وهيعرفوا !"
الأن فهمت كل شئ ودموعها تهبط بالمثل ، رغم اختلاف حالتهما ولكنها شعرت بمدى ما يمكنها أن تشعره ، وقهرت ما ان وعت جيداً أن ما فعله "حسن" يُرَد بها الٱن ورُدَّ من قبل!! ، رفعت "فريدة" ذراعيها تلقائياً بإندفاعٍ تضمها ناحية أحضانها وخرجت الشهقات منا لاثنان و مازالت الأخرى تستمر:
_" والله العظيم أنا تعبانة أوي يا فريدة وندمانة ، وكل مرة كانوا بيجوا عليكي فيها كنت بتقهر وبزعل عشانك وقفت أصده كذا مرة ، وكان هيموتني من الضرب ، ساعة موضوع المأذون موافقتش ومرضتش بس خوفني واتضطريت انفذ اللي قالي عليه ، كنت حاطة نفسي مكانك وخوفت عليكي بس لما وقفلي عرفت اني بخاف على نفسي أكتر من أي حاجة!!!"
نزلت دموعهما هما الإثنان وصمتت "فريدة" قبال هذه الكلمات بسكون وهي تبكي ، فقدت حيلتها في كل شئ ، الٱن تشعر بها بقوةٍ ، ضمتها بحنانٍ واحتواء! ،والأخرى تبكي بصمتٍ فحثتها لأول مرة بلهفة:
_" اهدي ..اهدي يا أسماء ، كل ده هيتحل ، ان شاء الله ليه حل ، انتِ قولتي انك حكيتي لـ غسا ن؟؟"
أكدت برأسها من بين هذا البكاء ، فزفرت "فريدة" أنفاسها وردت عليها بنبرتها الضعيفة :
_"ان شاء الله هيبقي في حل ، هيساعدك ، انا واثقة ، وأنا كمان هحاول مش هسيبك !"
أخفت بغضها لـ "حسن ", للمرة التي لا تعرف عددها ،والتزمت الصمت وهي تحثها على الهدوء!، انتفضت ما ان سمعت صوت دقات باب الغرفة ، فمسحت "فريدة", دموعها بسرعة هى والأخرى وهمهمت بالدخول ، وما ان فتحت "جميلة" هرولت بسرعة تعانقها بشوقٍ ، ضمتها تخبرها :
_" وحشتيني!"
علمت ما توصلت له كي تقيم هنا ، فنظرت ناحية "أسماء " ترحب بها بفتورٍ ، وجاءت "فرح" بعدما رحبت بالأخرى وعانقت ",فريدة" بلطفٍ ، فإلتزمت "أسماء", الصمت ، وترقبت "جميلة" وجودهما والنظرات ، فسألتها :
_" أومال فين ماما والباقي؟"
_", فوق "
ردت بذلك، بينما "جميلة" كانت تود احتواء شقيقتها بمفردهما ، فوضعت هذا لحين ٱخر واستشعرت حديث ما يجري بينها وبين الأخرى فإعتدلت تخبرها:
_" طيب أنا هطلع أنا وفرح نبص عليهم كده وهنرجع تاني!"
وافقت "فريدة" برأسها فخرجتا الإثنان ،وأُغلق باب الغرفة خلفهما ، فعادت "أسماء" تنظر ناحية"فريدة" بأسفٍ ونطقت بوجعٍ :
_" أنا ٱسفة يا فريدة ٱسفة عشان ضغطت عليكِ في وقت زي ده ، وٱسفة عشان وجعتك ، بس صدقيني انا تعبانة أوي واللهِ وانتِ كمان مهونتيش بسرعة ألا ما ضغطوني!"
_" انسي يا أسماء اللي حصل ، أنا دلوقتي بحاول أعيش حياة جديدة صح وببدأ من الأول ، مش عايزة افتكر أي حاجة ، انا هنسي قصاد الكلام ده وهنسي عشان انتِ شيلتيني من الموت بإيد أختك ، أنا قريبة زي ما كنت في الأول ، أنا اختك وهسمعك في أي وقت وقبلاكي وحاسة كمان بيكِ أوي ، وهساعد مع أي شخص حاول يساعدك عشا نلاقي حل ، طول ما في وقت أكيد في حل ، ومش هسمح ان حد يإذيكي!"
نهضت "أسماء" تدخل بين أحضانها بتأثرٍ وقالت بتحشرجٍ :
_" أنا ..أنا مش عارفة أقولك ايه يا فريدة ، كان نفسي اكسب حد يحبني ويفهمني ، ولما قررت اجي مدورتش على حد غيرك يكون كده ويعرف سري ده! ، أنا والله بحبك وانتِ غالية عندي بس كنت مجبورة سامحيني!"
ضمتها الأخرى تعلن لها بأنها محت كل ذلك وأخفت "فريدة "شفقتها ووجعها ورأت انها بحالة أصعب ، من وجع ضميرها واستطاعها تحمل كل هذا بينما الخطأ كان عليها من البداية عندما قبلت هذا على نفسها مقابل شخص ضائع ضعيف!! ، لم يستمر الوقت كثيراً بمثل هذه الأحضان بل سمعت صوت ضحكات الشباب في الخارج وخاصةً ضحكة "ٱدم", وهو يقترب حتى سمعت صوت دقات الباب بهدوء وهو يتوقف ، إعتدلت "أسماء" واخبرتها سريعاً وهي تتوجه ناحية الباب:
_" هطلعلهم أنا "
فتحت الباب فوجدها هى تقابله حتى تخرج ، اخفض رأسه سامحاً لها بالخروج فدخل هو غالقاً الباب خلفه لوجود "شقيقه وعز" من على بعد أمام الباب ، ابتسم لها بحنوٍ فإقترب مع قولها له وهي تحاول اخفاء ما حدث :
_", حمد لله على السلامة ، هخرج اجهزلك الغدا ، متغديتش صح؟"
رفض "ٱدم" ببسمة هادئة وأخبرها :
_"لأ ، أكلت ساندوتس بس ، أم عز كانت عملاهم لينا على وقت الغدا!
طالعت ملابس عمله ، فإقترب ورفع كف يديه يقرب رأسها كي يقبل جبتهما بحنوٍ تركته يفعلها ، ورأى دموعها عن قرب ولكنه قصد انتظارها كي تأتي له هي كما تفعل ، وكما فعل من قبل، فهي ان سألها لم تصارحه ، أخفى القلق وجاراها بما تحاول فعله ، واقترب يخرج من الخزانة ملابس فتفاجئ بوضع ملابسها هناك ، فضحك يمرح معها وهو يعطيها ظهره مخفياً قلقه من إخفاء حالها أمامه :
_" دا انتِ مطولة بقا؟"
انفلتت ضحكتها على كلماته واقتربت تلتفت وسألته :
_" عايزني أمشي؟"
حمل "ٱدم", الملابس ولم يرفض هذا بلهفةٍ بل خرج رده البارع كي لا تعتقد بأنه سيجيرها:
_" عايز راحتك!"
اتسعت ابتسامتها من هذا فرفعت أناملها تزيل ما على جبهته ربما شحم قد جف ، ابتسم قبال هذا واعتدلت هىٰ مرة أخرى تحثه:
_"طب ادخل غير ، وانا هطلع احط ليك الغدا انت وعز بالمرة !''
وافق وكل ما يرغب به أن يحتضنها تعبيراً عن أشياء كثيرة ، فكرة خوفها من أي قرب سوى تلمس الأيدي تشكل له تصلب في بعض الاوقات الذي يتطلب بها التعبير عن ما يشعر به ، عناق أو محاوطة كتفيها هذا يكفي ولكنها لا تقدر على فعلها ، لكنه يتفهم جيداً ما فعله ، انتظر يراقب ما ان كانت ستخرج هكذا ، ولكنها عقدت حجاب اسدالها بترتيبٍ ونظرت برضا في المرٱه ، فغمز لها من على بُعد قبل أن يدخل المرحاض:
_"حلوة فأي حاجة ، حتى لو هتلبسي شوال"
قهقهت على قوله ، هو وحده من يستطع اخراجها من هذه الحالة ، ضحك على طريقة ضحكها ، فبدأ هى بالخروج ناحية الخارج ، وأومٱت ترحب من على بعد برأسها ، وعلى الرغم من ان شقيقها جلس معها قبل وقت ولكنه تركها مع الفتيات بأريحيةٍ ، طالع "حازم", بسمتها الشاردة من على بعد وتنفس بعمقٍ من هذا ، ولم ينس هو الحق الذي تركه فكلما ينوي فعل شئ يحدث شئ ، وما منعه هذه المرة ان "ياسمين", استطاعت الهائة ومنعه ولكنه لم يكن غبياً ، بل يفكر جيداً بطريقة تجبرهم على الرحيل ومن ضمن أسباب تأخره عن فعل شئ هو كتابة الشقة بإسم "زينات" ، زينات التي ما ان فعلت وقالت لهم ان يرحلوا لا يحدث جديد ، وتنجح الأخرى في تركيبها ذنب الندم ووجع الضمير تحت مسمى أنها من ساعدتها في ان تملك هذه الشقه كحق!!
_________________________
الوقت يَمُر ويمر وهى هُنا معه بنفس الغرفة ، أقنعها بعد عناء على أن تُريح جسدها هنا على الفراش حتي لا تتعب ، وبالفعل جلست "نيروز", بأريحية تريح ظهرها بينما هو جاءت له رسائل عمل لم يعمله اليوم! ، ولكن كيف بهذا الوقت هذا ما يحاول فهمه وهو يجلس على الطاولة يحاول فحص حسابات معينة بها أخطاء ، وكل هذا بسبب تركه نصف ما عليه لٱخرين! ، ولكنه استطاع حل هذه المشكلة مع مراسلة "شادي" له هو و"إنچي" بعدما حاولت أن تتأسف له عن ما حدث ، ابتسمت تنظر ناحيته وهو بهذا الإنهاك فسألته من بعدٍ تعرض عليه بخبرة أنها نفس المجال وما منعها هو بداية الزاوج ومن ثم الحمل تحت مسمى الظروف:
_"تحب أجي أساعدك ؟"
رفض بحركة رأسه ممسكاً ورقة معينة ينظر بها بتركيزٍ حتى تركها ورفع رأسه مبتسماً ورد في حنوٍ من هذا التعب الذي يظهر على ملامحها :
_" لأ ، أنا خلصت خلاص, كانت مشكلة واتحلت!"
_"مهم ومن غيرك يتسوحوا بقا ؟"
هل هذه مشاكسة؟ ضحك بخفةٍ وأكد بغرورٍ وإستوضح:
_" عندك شك ؟"
نفت "نيروز". بصدقٍ والتقطت الغطاء أكثر بتعبٍ تضعه على ساقيها وهتفت تخبره :
_" بصراحة لأ ، نفسي أبقى أسرع زيك في الحسابات ، بحس ان عندك سرعة بديهة وشاطر أوي في الرياضة !"
ابتسم دون رد ما ان وجد شئ ٱخر مرسل له فصب عينيه بتركيزٍ مرة أخرى استمر لوقتٍ حتى قارب على الانتهاء فتابعها بعينيه من على بُعدٍ فوجدها تنظر في الفراغ!
أغلق "غسان" ما بيديه ونهض يخلع سترته حتى جلس بجوارها يشير أمام وجهها فإنتبهت على الفور بعد هذا الصمت والشرود ، ابتسمت له بإهتزازٍ وسألها أمام اهتزازها هذا :
_" سرحانة في ايه؟"
هل حقاً ستخبره بما جاء على عقلها ؟ ، اتسعت ابتسامتها وأخبرته بلمحة من السعادة:
_"كنت بفكر في الشرابات اللي جبتها ليهم ، خلوني أفكر هما ممكن يكونوا ايه ؟ تفتكر انت هما ايه؟"
ماذا الحماس الطفيف الذي زارها للتو بين الحروف ، ضحك "غسان" بخفة وقال برضا وهو يعتدل :
_" انا راضي بأي حاجة تيجي ، المهم تقومي كويسة انتِ وهما!"
طالعته بسكون وانصات فعاد يتحدث مجدداً بعقلٍ :
_"مش فارق معايا ان كانوا ولاد ولا بنات ، أنا بحمد ربنا انه رزقني بخلفة جاية غيري مش طايلها ،وبحمده تاني عشان بدل الواحد اتنين ، هاجي اتمنى كمان يبقوا ايه ؟ تصدقي الإنسان بطبعه طماع ؟ حتى لو بيقول أنا راضي ومش عايز؟، أنا راضي فعلاً ومش عايز غير سلامتكم بس كونهم توٱم مخليني متلخبط مش عارف حتى اتمني يبقوا ايه؟ سيبيها لله!"
رمشت "نيروز" بأهدابها تتابع قوله، وضحكت بخفةٍ على ٱخر كلماته ، وأخبرته بتذكرٍ:
_"أنا فاكرة أول ما رجعتوا هنا ، واتعزمنا عندكم، ومعرفتش أفرق بينك وبين بسام ،بس عجبني اللبس اللي شبه بعض فيه وحبيت قربكم ، ساعتها كنا بنسأل وسام ازاي بتفرق بينكم وانتم حتى وانتوا كبار لسه شبه بعض عكس حالات تانية ، بس قالتلنا ان كل واحد فيكم مختلف وانها مش بتشوفكم شبه بعض ، مفهمتش كلامها ألا ما قربت منك وحبيتك بس فاكرة ان ساعتها اتمنيت أمنية وقولتهالها من قبل ما أعرف اني هقع فيك!"
ثمة ابتسامة عذبة تزين وجهه الٱن قبال هذا الشرود والذكريات ، تنفست بعمقٍ وانتظرها تكمل دون مقاطعة فأكملت :
_" ساعتها اتمنيت يا غسان ، ان لما أخلف اخلف توأم!"
ربما تخرج منها الكلمات بهذا الوقت عكس كل وقت تلتزم به الصمت أمامه ، ولكنها تعلمت من فترة ضياعه ان لا ضمان لهذه الأيام لتخفي شئ بداخلها !!
_" خدت اللي اتمنيته ويارب يكمل على خير ، وخدت كمان أكتر من كده ، لما لقيتك بتحبني وبعد كده اتجوزنا رغم ان كل حاجة في طريقنا كانت بتقول لأ ، مش هنقدر نكمل من المشاكل ، ساعة أغلط وساعة تغلط وساعة الظروف هى اللي تغلط بس مكنتش اتوقع ان الأيام خاينة وهتخونا عشان تبعدنا أوي كده بعد ما كل واحد قال للتاني إن مهما حصل مش هنوصل لكده ، بس أنا صدقت ان زي ما المستحيل ممكن يتحقق في الحلو ، ممكن برضه يحصل في الوحش ، ماتفاجأتش عشان أنا طول عمري مش ضامنة الدنيا ، كنت عارفة انها فانية بس عارف لما تكون فاكر كل حاجة وردي وبعد كده يضيع منك حاجة غالية تفوقك وتعرفك ان نظرتك غلط وان مفيش حاجة دايمة ؟"
حرك رأسه يجاري كلماتها بصمتٍ وسكون ، أما هى فأكملت وافتقدت كلماتها المحبوسة في ان تخرج بعد جلوسها أغلب الوقت بمفردها عقب هجره :
_" ده بالظبط كان إحساسي ، كنت فاكرة ان اللي فإيدي وقدام عيني عمره ما هيروح بس لما ابويا راح مني بقت كل حاجة عادي تحصل من بعده ، اتضربت على راسي أفوق ، وفوقت ، ورجعت أصدق تاني اني هلاقي الراحة الدايمة بوجودك ، واتضحك عليا من الدنيا والأيام والظروف!"
مد"غسان" ذراعه يحتوي كتفيها مقربها منه بحنوٍ فإستندت عليه وهي تخرج أنفاسها بتعبٍ وصرّخت بخوفٍ جعله يعود متذكراً أمر هام يخصها ! نفس الأمر الذي لمح له به شقيقه اليوم وهما معاً فكان يخص عودتها للطبيب النفسي! :
_" ممكن متسبنيش تاني يا غسان ؟ ، حتى ولو قولتلك سيبني؟ أنا اتعلمت الكدب وبقيت بكدب وأقولك سيبني أنا هقدر من غيرك عادي بس دي مش حقيقة !"
فصارحها بكلمات تطيب جرحها من الداخل وقال وهو يستند بذقنه على قمة رأسها :
_" انتِ كمان مبتعرفيش تكدبي معايا يا "نيروز"، اللي بيحب مبيكدبش!"
وأضاف وهو يتحرك ناظراً لعسليتيها بعدما رفعت رأسها تطالعه :
_"عينيهم بتتكلم وبتقول الحقيقة ، بتقول متسبنيش زي ما عينيكِ قالت!"
طالعته بتقاسيم لينة ظهرت له لين ، فإنحنى يطبع قبلة على ثغرها واعتدل من جديد ، حينها التفتت بحرج تلتقط الدواء ما ان شعرت بأنه يمد ذراعه للبحث عنه ، قدمته له ونهضت تخبره وهي تنظر نحو ساعة الحائط فالساعات مرت :
_" أنا لازم أمشي!"
_"لسه محدش جه يا نيروز"
رفضت ذلك وتذكرت رسالة"وردة" لها :
_"لا هم قربوا ، هروح استناهم هناك "
_" لوحدك ؟"
هاب ذلك منذ أخر مرة فعلت بها "مروة" ما فعلته ، فترددت عينيها في النظر ، ولكنها وجدته يلتقط السترة واحترم رغبتها في عدم البقاء هنا أكثر وقال:
_", هاجي استناهم معاكي ، ولما ييجوا همشي!"
لم ترفض هذا بل وافقت والخوف عاد يتٱكل بها وهي تتذكر ما فعلته "مروة" ، خرج معها بعدما ارتدى سترته ووضعت هى حجاب رأسها بترتيبٍ ،وجدا الشقة في حالة سكون، فخرج الإثنان من باب الشقة تزامناً مع المفاجأة ، خروج "مروة و"زهور" من المصعد ، والأولى تضع حامل ذراعي لما فعله معها هو أمس ، ابتلعت "نيروز", ريقها بتوتر وامسكت ذراعه تحاول منعه قبل أن يقرر فعل شئ ..
وما يحدث الأن أن هناك نظرات حقودة تتوجه ناحية الإثنان بغلٍ ، ولكن دفعت "زهور" ابنتها بصمتٍ وهي تفتح الباب فدخلت بالإجبار لأن والدتها فعلت هذا والتفتت" زهور" مرة أخرى تسأل "نيروز" :
_" بنتي فين ؟"
لم تجيبها بل نظرت لها بصمت فقط وقبل ان تتحدث مرة أخرى رد "غسان" عليها هذه المرة :
_" عجايب!!هي بنتك ولا بنتها ؟"
اندفعت "زهور" بفظاظةٍ في الرد :
_"و انت مالك ، ايه كان دخلَّك؟"
وازداد اندفاعها بسرعة وهي توجه حديثها لـ "نيروز":
_"وبعدين ماشية معاه ليه يا بت هو مش طلقتك برضه؟"
تسلى "غسان" بها في نظراته، وقال بجديةٍ امتزج بها الحزم والسخرية معاً :
_"بقولك ايه يا ولية انتِ ، لو فاكرة ان اللي هيبعدني عنك سنك ده ، فأحب أقولك إن أنا لعبتي الأرقام ، بشيل واحط وأزود وأنقص ، ومفيش مانع لو مسحته كله قصاد إني أعلم عليكِ علامة حلوة كدة .. ايه رأيك؟"
قرأت وقاحته بانفعال عندما أكمل بكلمة واحدة:
_" ما تيجي"
إعتدل "غسان" متصنعاً البراءة وهو يتساءل بندم زائف لـ "نيروز،":
_'' هو أنا باخد رأيها ليه؟ انتِ شايفاها شخصية؟؟"
نفت "نيروز" برأسها تقاوم الخوف فضحك بإستفزاز يؤكد :
_" وأنا كمان "
تضايقت "زهور" من هذا التقليل ، ووجهت نظرة حادة ناحيتها فأشار لها "غسان" أمام وجهها :
_"عينك يا أم سمرة!"
قلبت عينيها بإنفعالٍ واندفعت تردد له بغيظٍ :
_", انت فاكر نفسك ايه ، آخر واحد منك على الأرض؟؟؟"
علم ان الاستفزاز هى الطريقة الوحيدة التي تخرج غضبها فلعب على هذا وهو يحاوط كتفي "نيروز" مردداً بنبرةٍ ضاحكة يستفزها أكثر:
_" طب ما أنا فعلاً مليش بديل ولا حتى في التوكيل!"
وضعت"نيروز" يديها على فمها تكتم ضحكتها ، فإشمئزت "زهور" بنظراتها ،فحاول التحرك مع الأخرى ولكنهم وقفوا بغرابةٍ بعدما سمعوا صوت أقدام كثيرة تصعد بركض على السُلم ، فانتظر يرى ما هذا معهما ، وتفاجئ الٱن بالٱتي!!
مجموعة شباب يظهر على ملامحهم الشر ، بجروح وجههم ومهلاً المطواه التي في يد كل منهم وانفاسهم العالية و..لم يتركوا لهم الفرصة في ان يتطلعوا أكثر بل صاح أولهم بخشونةٍ وهو يقترب مشيرا ً له كونه الرجل الوحيد بينهما أمامهم :
_" دا الدور اللي ساكن فيه حسن الأكرمي؟"
هابت منهم "نيروز", وابتلعت ريقها برهبة من مظهرهم هذا ،و نظرت "زهور", بغرابةٍ ، فتقدم "غسان", يجاريهم بشكٍ من هذه المظاهر :
_"هو يا باشا ، انت تعرف مكانه ؟"
صاح أخر بنبرةٍ سوقية:
_" نعرف مكانه منين ، احنا لينا فلوس عنده ، خد كيفه وهرب من غير ما يسد ، وادانا العنوان ضمان عشان لو مرجعش ، واحنا راجعين ناخد اللي لينا ذوق أو عافية ، فين شقته!"
طالع آخرهم وقوف "زهور " و"نيروز" الذي نظر ناحيتها بوقاحةٍ ، فأشار له "غسان" ناطقاً :
_" عينك يا حدق ، عشان مروحكش من غيرهم !"
ضحك عليه وحك رقبته بتسليةٍ يرد بسخريةٍ :
_", دا انت شبح أهو وبتتكلم، أومال مبتنطقش ليه وتقول أبو علي فين خلينا نطير ورانا مصالح!"
طالعه "غسان" بتفحصٍ ، ودخلت"نيروز", الشقة بفعل إشارته ، فعاد يسأل أكبرهم :
_" ما تخلصنا يا برنس ، فين أم دي شقة ، خلينا ناخد اللي لينا بالذوق ونتكل!"
انتظر "غسان" وقد جاءت له فرصة من ذهب الٱن ، حرك عينيه ناحية "زهور" التي انسحبت بجبنٍ ، ففضل هذا ، وعاد ينظر ناحية قول الأخير مردداً :
_" طب لو قولتلك سيبك من اللي ليك وأنا هعطيهولك وزيادة!"
تشكك أحدهم وإقترب يستفهم منه بسرعة بديهة :
_" مصلحة ؟"
حرك "غسان", رأسه يؤكد ، وقال بصوتٍ متوسط حتى لا يصل لشقة "سامر" و",نيروز" :
_" مصلحة أه!"
_"ببقى تخرج اللي في دماغك ، وان عرف يدخل دماغنا نقول ٱمين ,ٱمين ؟؟!"
ردد البقية بتسليةٍ بعد قول زعيمهم يلمحون له :
_" ٱمــين!"
تحسس "غسان" جيب بنطاله بتسليةٍ مشابهة لهم واعتدل يخرج مفتاح محل الورد وقال يشير لهم :
_" تعالوا معايا "
أمسكه أولهم من معصمه وقال بضحكةٍ خبيثة :
_"عقلنا مش مقاس أي حوار هتحاول تعمله ، نضمن الأول ان حقنا هناخده ونبقى نشوف ، الكلام ببلاش!!"
نفض "غسان" يديه وشملهم بنظراته مردداً يجاري طريقتهم :
_"تاخدوه الوقتي ، ولا تستنوا تفهموا وتاخدوا بزيادة ، أنا مش خسران يا معلمة ، أنا دماغي مقاس دماغكم وأكبر ، هتحترمها هنعمر مع بعض في المصلحة مش هيحصل اقولك فين شقة حسن وتاخك غرضك وتمشي بس ساعتها هتمشي وانت خسران ، والرأي رأي المعلمين ، دا عرض وخسران اللي يرفضه مني !"
صمت الخمسة أمام كلماته بتفكيرٍ ونظروا حول بعضهم ثم عادوا يحركون رأسهم بإقتناع مرددين معاً:
_"اشترينا "
حرك "غسان" رأسه بإعجابٍ وغمز وهو يلتفت:
_"عجبتوني!"
وأضاف وهو يفتح باب شقة "والده" :
_" دقيقة اجيب حاجة وأرجع!"
دخل تحت ترقبهم ، فإستمرت بينهم الهمسات لدقائق ما ان عاد مجدداً بعدما وضع المطواه في جيبه تحسباً لشئ ، عاد يدق جرس شقة "سمية", ففتحت"نيروز،" بعد انتظارها بتوتر ، وحثها قائلاً وهو يسحبها ناحية الشقة الأخرى مردداً:
_"خليكي هنا متتحركيش ، شوية وراجع!"
حاولت مقاطعته بخوفٍ ولكنه لم يترك لها الفرصة :
_" استنـ .."
مد يديه يغلق الباب كما أغلق باب شقة "والدتها" ، وإعتدل يُنبههم بعدما كانوا يتحدثون مع بعضهم :
_" مش بينا يلا ؟"
كان صوتهم واحد وهم يقتربون من السُلم معه بفضولٍ :
_" بيــــنا مدام جــــيــنا!!"
____________________
قبل وقت رحلت "سمية" و"عايدة" و"وردة" بوداعٍ مؤقت لهم مع "بدر" بعدما ودع شقيقه وكان معه "بسام" الذي انتظر معهم مقرراً الذهاب بعد وقت للعمل لأنه سيقيم به الليلة ، وأخذ "عز" "جميلة"و"فرح" قبل قليل ليرحلوا بعد وداع "جميلة" لشقيقتها ، بينما انتظرت "ياسمين" مع انتظار "حازم" الذي قرر الانتظار حتى يوصل "زينات" و"أسماء" ..
جلسوا مع بعضهم وحان. وقت الوداع الأخر ، بعدما نهضت "زينات" تعانق"فريدة" التي كانت تحاول اخفاء ما بداخلها ، وهتف تحثها :
_" خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، هبقى اكلمك"
_" حاضر"
عانقت من بعدها "أسماء" فسار الإثنان ناحية باب الشقة يرتديان حذاءهما في حين وقفت "ياسمين" تودع فاطمة وودعت "فريدة" الٱن بمرح عندما احتضنتها وقالت :
_' خلي بالك من نفسك يا بت ، وابقي طمنيني هببتي ايه في امتحان بكره"
حركت رأسها توافقها وسارت "ياسمين" هى الأخرى ترتدي حذاءها قبال نظرات "ٱدم" الذي تابع كل هذا وهو يقف ، وأخرهم عناق "حازم" المتأثر لـ "فريدة"عندما ضمها ونصحها :
_"ادخلي ذاكري وارتاحي ومتضغطيش نفسك أوي ، وان شاء الله بكرة لو لحقت أوصلك هجيلك!"
_" وأنا بعمل ايه يا حازوم ؟ قرطاس؟ أنا اللي هوصلها يعم ، انت شغلك مفيهوش أعذار ، ودي مسئوليتي خلاص ، اطمن "
امتن له بعينيه وودعه بعناق أخوي صادق وخرح يهتف :
_" خلي بالك من الأمانة يا ٱدم"
أشار "ٱدم" ناحية عينيه بمرحٍ وقال :
_" في جوه عيني والله"
ابتسم "حازم" وربت على ظهره ، ثم طبع قبلة على جبهة "فريدة" فأشارت له بالوداع وهو يقترب ليخرج من الباب ، فأغلقه خلفه ووجد سكون المكان مما يبدو الأطفال في غرفتهم الٱن وشقيقته معهم ! ، انتظر حديثها فإبتسمت له براحةٍ ، حينها اعتدل يشير لها:
_"خشي ذاكري عشان تنامي بدري!"
_"هعمل كده!"
سار ناحية الغرفة بعدما حرك رأسه ودخل الإثنان ، فإقتربت من الطاولة تجلس بعدما أخرجت قبل وقت كتبها , بينما هو دخل المرحاض ، فضاع ذهنها بكثيرٍ وتركت القلم، ولمعت عينيها تحاول عدم تذكر شئ الٱن ، موضوع "أسماء" شكل لها ألم تحاول اخفاءه ، وعادت تشرد بنقطة أخرى من. تواجد "ٱدم" ، "ٱدم" الصديق المُقرب لـ"حسن"، زاد شكها من فكرة علمه لما فعله شقيقها مع "أسماء" ، غريب تحاشي نظرة ناحية ابنة خالتها بتهربٍ وحدها من استشفته الٱن كونها تعلمه تمام العلم! ، قاطع هو شرودها عندما خرج واضعاً المنشفة على رقبته , فنظرت له مطولاً ، وانتظرها مطولاً هو الأخر كي تقص له بمفردها ما جعلها تبكي! ، نهضت "فريدة" تقترب منه وقطعت أي تردد فقالت :
_"ٱدم ، أنا عايز أعرف منك حاجة!"
ذُهل لأنها لم تعطه الفرصة للرد بل وجد عينيها تجتمع بها الدموع العالقة وسألته بإختناقٍ:
_" انت عارف اللي حصل بين حسن وأسماء ؟"
قالت جملتها بوضوح ، قررت عدم المراوغة ، أما هو فوقفت بدهشةٍ من داخله برع في عدم ظهورها ، حاصرته هى الٱن ، ولا مفر ، اعتدل يتنحنح ، حتى هو ! لا يريد تذكر هذة العقبة!! ، ولكنه لم يتصنع الكذب ، بل حرك رأسه بصدقٍ وهتف مختصراً مستسلماً :
_" ايوة"
حركت رأسها بوعيٍ ونزلت دمعتها مع حديثها:
_" كنت عارفة!"
لم يستطع كشف ما تشعر به ولكنه بدأ يردد كي يرضي ضميره قبال هذه الدموع المنكسرة :
_"مكنتش معاه ولا أعرف الا بعد ما حصل والله يا فريدة!"
تشبتت بكفه وطلبت منه برجاءٍ تحاول سحب اي معلومات تفيدها :
_" طب ممكن تحكيلي ؟"
تقطعت أنفاسه ، ومسح وجهها بما في يديه بقلقٍ وأضاف مفسراً بعدما أومأ وسحبها ناحية الفراش لتجلس على طرفه وجلس هو أمامها :
_" وقتها جه بعد اللي حصل وحكالي ، واتخانقت معاه وقاطعته اسبوعين، بس واللهِ يا فريدة ما كنت اعرف من قبلها ،لو دا كان حصل كنت حاولت أمنعه وأنصحه ،بس هو كان دايماً بيقولي إنها بتجري وراه ، وفوسط اللي كنا فيه كنت فايق اقوله حاجة واحدة ..قولتله اخطبها يا حسن دي بنت خالتك ومش هتلاقي أقرب من كدة وانسى بقا اللي انت بتفكر فيه ،بس هو عاند وأصر وقالي وقتها ان نيروز ليه هو وبس ، جاريته وخدته على قد عقله وحاولت مسيبلوش وقت دماغه توسوس له يقرب من بنت خالتك تاني لحد ما هي مشت فسيبته ، وجه قالي ساعتها انها كلمته ومنهارة عشان عرفت انها مبقتش بنت بنوت ، فضلت وراه وقولتله اكتب عليها يا حسن ، حرام عليك بنات الناس معبرش ليا كلمة ، ونسيانه خلّاني أنسىٰ لان مكنش هامه ، بس لما هي رجعت أنا افتكرت وافتكرت بعد ما اتغيرت للأحسن فكوني بشوفها بتفكرني وبتحسسني بالذنب مع اني حاولت انجدها بأي حل ومنفعش!"
سالت دموعها بشفقةٍ عليها بين شقيقها التي تسقط منه الدناءة ، وصرّحت بضعفٍ :
_" انت عارف أنا موجوعة ليه ؟ عشان حاسة بيها ، وموجوعة أكتر عشان كل ده اترد فيا أنا ، بص كده حواليا ؟ بص؟ هتلاقي كل واحد منهم عمل شر في حياته اتاخد حقه مني أنا ، وٱنا أقسم بالله ما ليا ذنب!!"
رددت الأخير بنبرةٍ باكية منكسرة جعلته يدفعها بسرعة ناحية ذراعيه لم ترفض هذا ، ورغم رهبتها بقربه ولكنها أرادت الإحتواء بعدما برعت في الإخفاء ، حينها اختنقت نبرته وتأسف أمام هذا الضعف بتشبتٍ بها ومنها:
_" أنا ٱسف، أسف لك من كل الدنيا"
بكت بين ذراعيه ولم ترد استمرار هذا ، حاولت الاعتدال وسألته وهي تمسح وجهها :
_" انت تعرف فين حسن ؟ بتكلمه؟!"
_" معرفش عنه حاجة ، حاولت أوصله ومعرفتش ، ودورت أنا وحازم قريب وملقنهوش! ، كل الأماكن اللي ممكن يكون فيها مكنش فيهم حتى المكان اللي فضل اتبلغ عنه واتشمع!"
فسألته بقلق بعيد عن هذا :
_" انت لسه بتروح؟ بتروح تقعد معاهم ؟!"
وجد الخوف في عينها ونبرتها ،. فنظر بإطمئنانٍ وقال:
_" لأ ، مبقاش ليا علاقة بحد ،ولا بقيت أروح هناك ، انا بطلت يا فريدة حتى السجاير مبقتش تدخل بوقي!، بطلت عشان عايز كده وعشان لو كنت فضلت كنت هموت ، أنا اللي خايف عشان كدة دورت ، خايف على حسن اللي ربنا بيكتبله عمر جديد في كل مرة بيفوق منها من الهباب اللي بياخده!!"
عادت أنفاسها لها ، وأومأت بحركة رأسها ، وقررت إغلاق الحديث من هذا الحوار والمحور ، بينما سحب هو كفها برفقٍ يحثها كي تبعد عن الضعط :
_" أقعدي ذاكري يلا "
وافقت برأسها وهي تجلس ، ووجدته مازال واقفاً فرفعت رأسها تنظر بتساؤل فعاد يصرح من جديد :
_" لسه عند رأي ، شكلك وحش وانتِ معيطة!"
_" محدش طلب رأيك!"
اندفع "ٱدم" يرد بسرعة وضحك قبل ان ترد هي:
_" ما أنا قولتلك ، رأي أمر مفروض إجباري يعني يا شاطرة!"
ضحك أكثر ما ان قالتها معه مقلدة نبرته بسخريةٍ ، وأكملت قبله :
_" عايز عيني في عينك كمان؟"
هتف بتمني وهو ينحني قبال المكتب دافعاً خصلاتها من على كتفيها ناحية الخلف:
_" يـــاريـــت!"
تعلقت عينيه مع عينيها ووضع كفه على كفها المسند ، واقترب يقبل قمة رأسها ببرٍ ، وإعتدل من جديد يخبرها :
_" اتجدعني بقا ، أنا خارج أشتري شوية حاجات للبيت وهاخد أدهم ويوسف عايزة حاجة اجبهالك وأنا جاي غير الأيس كريم بالڤانيليا؟"
ابتسمت تنفي وقالت ما توده :
_" عايزة قلم رصاص اسنان عشان بتاعي ضاع!"
وافقها برأسه وإعتدل ينظر ناحية شكله في المرٱه ممشطاً خصلاته إلى الخلف وقال بمشاكسةٍ :
_"وأنا اللي مفكرك هتحبي فيا وتقولي عايزة سلامتك يا أدم!"
وأضاف وهو يعتدل واضعاً الأموال في جيبه ومن الناحية الأخرى الهاتف :
_" أو مثلاً مثلاً يعني ، تقوليلي الحدوته اللي قولتهالي امبارح قبل ما أنام!"
ضحكت "فريدة " بخفةٍ ، ووعدته وهي تنظر له بصدقٍ :
_", وعد هقولهالك تاني قبل النوم!"
_"يعني وعد ؟"
سألها بمرراغةٍ فضحكت وهي تؤكد ذلك برأسها ، فخرجت ضحكاته بعلوٍ على الحوار ، وأشار لها مودعاً اياها وداع مؤقت ، وكلما يتوصل لفكرة أنها هنا معه تشاركه نفس الغرفة والمكان ، يبتهج هو وملامحه ، وانتظارها هنا بعد كل صعب يمر عليه في اليوم ، شئ قيمته فاقت القول!
_" اسنان سبعة ها !"
______________________
خرجت بعدما دقت عليها "وردة" الهاتف تخبرها بأنهم قد عادوا ، فأخذت "يامن" بعدما استيقظ من نومه في شقة "حامد"، كانت تنتظر عودته بقلق وإلى الان لم يأت ، دخلت الشقة بتوترٍ ، وسار "يامن" ناحية والديه بعدما أهبطته ، والٱن تقابل نظرات "سُمية" بجدية والباب مفتوح ، لم تمنع سؤالها في أن يخرج أمام "بدر", لابنتها عندما سألتها :
_"رايحة عند غسان ليه يا نيروز ، هو ده كلامي معاكي؟"
نظرت "وردة", بإنتباهٍ مع "بدر" الذي نظر ناحية "نيروز", فوجدها تبرر سريعاً بتعلثم :
_" روحت عشان خايفة يحصل زي ما حصل امبارح ، وهو قالي تعالي فروحت "
صمتت تومأ لها ببوادر اقتناعٍ من هذه الحجة الصادقة ، في حين وجدت شقيقتها تنسحب مع "بدر" وظلت هىٰ أمام والدتها والتي قبل أن تسألها وجدته ينظر من على بُعد يطمئن ما ان عادوا أم لا ، جاء بعدما كان يغلق المحل عليه معهم حتى لا يعلم أحد ، إلتفتت "نيروز" تنظر ، ولم يرض السير وتركها هكذا بفظاظةٍ بعدما وقفت تقترب وحثته :
_" خش يا بني ، تعالى عاوزاك!"
نظر "غسان" لها بصمتٍ ودخل ملبياً غرضها حتى وقف أمامها بتساؤل جعل "نيروز", ترتبك من أمورٍ كثيرة وتاهت عن ما كان يهبط لأجله وركزت عينيها ناحية "والدتها" التي سألته بمواجهةٍ واتضح وقتها انها ليست غبية :
_" انت رديت بنتي ؟"
حرك عينيه ناحية "نيروز", وناحيتها موزعاً نظراته بالتساوي بينهما وحرك رأسه وخرج صدقه ما ان قال تحت ارتباك "نيروز" :
_" أيوة رديتها "
أخرجت "سمية" أنفاسها بالتدريجٍ ووضحت له :
_" محتاجة أفهم كل حاجة ، وعايزه أفهم عشان أفهمك ان بنتي مش لعبة تروح وتيجي بمزاجك وبمزاجها هى كمان !"
ارتبكت "نيروز" منها ، في حين اعتدل هو شاعرًا بالضيق من هذا الاسلوب وصرّح في جراءة :
_" وانتُ شايفاني كنت داخل بيتك ألعب ببنات الناس ؟ ، بنتك مراتي وحامل مني ، وقادر أخدها حالاً وأبعد عن أي صداع !"
_"انت شايف انك كدة جاي تصلح اللي حصل ؟"
سألته "سمية" بلومٍ ، فإعتدل "غسان" يخبرها مواجهاً اياها بالحقيقة:
_"أنا مجيتش ، انتِ اللي ناديتي عليا ،و مفيش حاجة باظت عشان اصلحها.,انتِ حاطاني في وضع الخاين وعديتها وقولت حقك ، بس معلش حقك ميجيش على كرامتي ، انتِ بتحكمي عليا وأنا اللي فايدي أحكم دلوقتي وأطلب مراتي في بيتي من تاني!! "
حاصرته من أسلوبه بغيظٍ وإقتربت تردد بتساؤل :
_" يعني ايه ؟ واذا قولتلك انها مش طالعة من بيتي ألا ما أفهم اللي من حقها تفهمه! هتعمل ايه؟"
_"قولي براحتك ، انتِ ليكي احترامك ، بس لو هتقولي قولي أي حاجة إلا انك تفرضي عليا ، عشان لو بتفرضي عليا أنا ساعتها همشي وهاخدها معايا"
حرك "غسان" عينيه بعد قوله ناحية "نيروز" التي ترجته بنظراتها على ان يجاريها ،فتقدمت "سمية" بانفعالٍ تفسر له :
_" لا هفرض ، هفرض لما أكون سامعة كلام طالع على بنتي انها اتطلقت عشان جوزها ماشي مع واحده تانية بيخونها ، كلام الناس مبيقفش ، انت ايه رايك في ده ؟ سمعت ده قبل كده ؟"
لم يتوقع شئ كهذا ، نظر ناحيتها بتمعن ، وعاد ينظر ناحية"نيروز " التي سقطت دموعها منها أمام هذه المواجهة والكلمات ، بينما تابع كلماتها بكلماته الجدية الٱتية :
_" مسمعتش ، ولو سمعت حقها هيرجع من اللي قال عليها كده ، لو كان الكلام فيه عيبه عليها هي نفسها مكنتيش هتلاقيني واقف قصادك لحد دلوقتي ، دا لو الكلام ده فعلاً طلع فهو طلع والعيب فيه عليا وانتِ عايزة تقولي كده عشان شاكة ، بس أنا معنديش كلام أقوله غير اللي نيروز قالتهولك ،كل حاجة مسيرها تبان في وقتها وأنا مش هغصب بنتك ترجع، بنتك عندك بس انتِ بتحطيني في موقف بايخ هيخليني أمشي وأقولها اختاري وأنا مش عايز أخيرها عشانك مش عشاني!!"
لم يتعمد فعلها بل صمت كي لا يتوجع من جديد وما ان استشعرت ان والدتها ستواجهة بكلمات أقوى قبال هذا العناد ، هتفت هي بصوت مرتفع:
_" بــس ، بــس بقا ، حرام عليكم أنا مش لعبة من مجرد كلام منك ومنها ، أنا اخدت قراري ، وليا شخصية حاولوا تقدروها ، أنا مش راجعة غير ما افهم وانت قولت قريب كل حاجة هفهمها، ليه اللي بيحصل ده!!!"
اندفع يصارحها بأن الخطأ ليس من وجهته:
_' وأنا مرفضتش ، امك اللي استعجلت ولما جت تواجهني واجهتني على اني خاين!"
وتابع وهو ينظر ناحية وجه "سمية":
_" انا لو خاين هسيب بنتك على ذمتي ليه ؟ ، ولو خاين كانت بنتك هتوافق ترجع وتستنىٰ ؟؟"
_"معرفش أنا خوفي من حبها ليك ، انه يعميها ويخليها متشوفش اللي ظاهر"
رددتها "سمية" بهدوء وصراحة ، فسأل "غسان" بنبرةٍ أهدأ من جديد:
_" وايه ده اللي ظاهر ؟"
طالعته بصمت ، تردد شكها به ولكن فطرتها كأم جعلتها تهاب ابنتها وضغطها من جديد ، لمعت عينيها قبال كلماته الذي استمر يسردها على والدتها:
_" مش هتردي ؟ ، انتِ لما اديتيني بنتك اديتيهاني وانتِ واثقة فيا ، أنا دلوقتي مش شايف الثقة دي ، ومش حابب أخد منك بنتك وانتِ بتبصيلي البصة دي ! مع ان حقي أخدها وأمشي حالاً !!"
هل يجعلها تشعر بالندم في تلاعبه بالكلمات أم أن كلماته كانت صادقة؟ ، استشعرت بأنه سيرحل كي لا تتطور المواجهة بينهما ، ووقفت هى عالقة من جديد ما بين الركض خلفه أو الوقوف احتراماً لوالدتها وقرارها الذي رٱه البعض صحيح حتى ترفع من شأنها قبال أي شئ ،. ورؤيتها لهذه العقبة تختلف عنها !!
_" أنا مصدقاك يا غسان ، أنا مٱمنه ليك، استنىٰ!"
أخرج"غسان" أنفاسه بثقلٍ ورسم ابتسامة زائفة يعظم شأن والدتها أمام عينيها كي لا يتم إلايقاع بينهما بعقبة ستسمى بسببه ، فاقترب يربت على ذراعها وقال بعقلٍ :
_" أنا عارف ده ومصدقه يا نيروز ، ومستني علي أساسه وأنا مطمن ، بس دي أمك برضه ، لو مش راضية على حاجة يبقي بلاش منها ، وعشان كده ان كنت هعاند واخدك وان كنت هقدر أقنعك واخليكي تختاريني فأنا مش هعمل ده ، قصاد انك تسمعي كلام أمك لحد ما ترجع تثق فيا تاني "
وأضاف قبل أن يلتفت ويرحل يلمح بقولة ناحية والدتها هى :
_" مش هاخدك يا نيروز وهي مش مٱمنالي وشاكة فيا!"
سكتت "سمية ", بإنهزامٍ أمام كلماته ، بل التفت الٱن ورأت رغبة ابنتها في ان تقيم معه ماحية أي قرار كانت تود فعله قبال هذا الحزن الذي اخفاه مع الضغط ، لم تسعفها قدمها ولكنه وقف موجهاً وجهه ناحية والدتها وصارحها قبل أن يرحل من الشقة بأكملها :
_" وعالعموم بفكرك انها قربت أوي ، وحقك للمرة التانية ، انتِ فوق دماغي عشان خاطر نيروز ، مراتي..اللي ٱنا هسيبها بمزاجي وماشي!، ومش هوريها وشي غير لما يحصل اللي يثبتلك العكس"
اتسعت عيني "نيروز". بينما والدتها سألت هل هذا تهكم وسخرية مبطنة بين طيات الحديث؟، نادت "نيروز" عليه بتعلقٍ فإلتفت ينظر بسكونٍ حينها ركضت ترسل له شغف وطاقة من جديد ما ان اندفعت تعانقه ببكاءٍ وتحشرجت نبرتها من الضغط التي رٱته به ، فرفع ذراعيه يبادلها العناق قبال صبر "سمية"، ولكنها همست له بإختناقٍ :
_" متمشيش ، أنا هاجي معاك!"
تخلت عن مبدأ من مبادئها ما أن رأت ما يعانيه ، ابتلع ريقه بصعوبةٍ من هذا الضعف وربت على ظهرها مردداً بهدوءٍ :
_" خليكِ يا نيروز!"
تعلقت عينيه بعينيها بضعفٍ ونفت هذا بخوفٍ من رحيلة ، لكنه لم يفعل هذا بل سيفعله بطريقة أخرى لم يتعمد رؤيتها في القادم إلي حين اللحظة الفاصلة ولكنها لم تفهم هذا ، فهمته رحيل وفقط ، وجد رفضها ، فهمس لها من جديد بوعد وهو يمسح وجهها ضاغطاً نفسه كي لا تختاره قبال والدتها لا يريد هذا من الأساس ، وهذا شئ ليس جيد لديه حتى وان نصفته ، فخذلان الأخرى موجع حتى وان ظلمته!! :
_" أوعدك ان كل حاجة قربت خلاص ، متعيطيش واصبري!"
مسح وجهها برفقٍ ، فتراخت يديها واهبطتها تتمسك بكفه متشبته به متساءلة :
_" مش هتمشي من هنا ؟"
رفض "غسان" هذا بحركة رأسه والتفت يرحل ، لمعت عينيها من رحيله منكسراً هكذا ولم تستطع فعل شئ وتلقائياً فقدت القدرة على أي مواجهة قآقتربت من غرفتها بشرود حزين لأجله تاركه والدتها تقف عالقة بين سؤالين ، هل هو صاحب عقل ليس هين كي يشعرها بالندم ؟. أم أنها ظلمته هذه المرة بغير وعي بسبب فطرتها!!..
أما هو فخرج يجبر نفسه على الصبر ، الصبر في كل شئ ، فقد تحمل لكثيرٍ ، واستطاع بعد هذا الحديث أن يتحكم في أقواله معها كي لا يصبح الوضع أسوء مما هو تاركاً بصمات كلماته على الإثنان, والشئ الذي يبرع به دوماً ما ان كان أذى أو غيره ، هو أنه يترك غيره لعقله يفكر كيفما يشاء وينفذ هو ما يشاء!! ، وان خرج بصيدٍ ثمين في هذا اليوم بعد احتواءها وعناقها ، هو خطته مع الشباب بعرض مغرى مجهول! ، وعلم أن مادام أعلمهم موضع المبني والطابق بعد هروبه بالكيف ، خمن بل وتأكد من رجوعه ، بالتأكيد سينفذ ما معه وسيعود لجلب الأموال مع خطة أخرى ستسرع هذا ،, اذن "حسن" هنا "حسن "عاد, "حسن" اقترب موعد سقوطه في الفخ !! ، فـ عودة هؤلاء الشباب بدون تدبير ليضعهم القدر أمام "حدة الشباب" ..جعلته معهم " يدبر مكيدة!!"
رواية عودة الوصال الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سارة ناصر
«لديّ ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنّه الجميع فارغًا، لكنّه يغصُّ بالغائبين.» - محمود درويش-
أيام قليلة مرت وجاء يوم نهاية الأسبوع ، يوم "الجمعة"، أي ثلاثة أيام مرت منذ ٱخر مواجهة بينه وبين "والدتها" وبينها هىٰ ،وبالأصح هو لم يدخل معها في مواجهة في ٱخر شئ حدث ، بل كانت تريد مراضاته بأي شكل لأنها وجدت مدى الضغط الذي يعانيه مع نفسه بسبب العقبات والظروف فكان قرارها النهائي حتى وإن كان متسرع هو أنها تذهب معه ، كانت تريده ولكنه أصر على بقاءها كي يرضي نفسه أمامها عندما ينفذ ما خطط له! و ليرضيها هى ويرضي رغبتها ، هذه المرة لم يكن سامحاً بأن تضغط نفسها من أجله وتمحي قرار صحيح كان من حقها ، وبالنهاية رضا والدتها كان من أجلها هىٰ كي لا يحاصرها بضغطٍ بين الإثنان خوفاً من الأنهيار والتعب والضغط الذي كان يمر به هو الآخر!!
لذا هو لم يُريها وجهه في الأيام الماضية ، وعلمت هى ذلك لم تضغط في ان تراه أو تتواجه معه، صدقته عندما وعدها بأنه لن يرحل وهذا شئ كبير ، فحتى ان كانت لا تراه ، فوجوده هنا شئ ليس له بديل ولا مثيل! لكن لديها من الأسباب ما تجعلها تحزن من ما فعله واستطاع فعله من عدم رؤيته لها مُجبراً ذاته على ذلك كما أُجبرت هىٰ ،حتى اختبارات "وسام" كانت تطمئن عليها بالهاتف أو تذهب "وسام" لها لمراعاة حالتها الصحية وبٱخر مرة ذاقت بها الإحراج على يد والدتهما !!
ولكن اليوم هو يوم اجتماع العائلة بنداء من شقة "عايدة" ، بسبب أن لأول مرة ستأتي "فريدة" اليوم لزيارتهم قبل موعد العشاء ومن ثم العشاء والجلوس قليلاً ثم الرحيل! ، وكي تستطع من جهة أخرى الجلوس بأريحية مع العائلة ووالدتها ، وفعل "حازم" هذا مقرراً هو ووالدته، ودعا البقية كونهم عائلة واحدة تحت مسمى الترابط من كل جهة!!
وهذا "حازم" الذي منع نفسه بضغطٍ على أن لا يتهور لأخذ حق "فريدة" ، فقرر اليوم الإتفاق مع "زينات" على الوقوف معه أمامهم وطردهم بكل هدوء صراحةً أمام الجميع عل هذه الطريقة هي الأخيرة قبل أي تهور!!..
دخل "غسان" على شقيقه الٱن غرفته وهو يتجهز ، فتح الباب فجأة جعل الٱخر ينتفض ثم زفر بصوتٍ وهتف بضيقٍ وهو يترك مشط الرأس:
_"نفسي في مرة تاخد بالك ان في باب بيخبطوا عليه قبل ما يدخلوا،ولا هو شغل قلة ذوق وخلاص؟!"
قلب "بسام" عينيه بعدها وهو يغلق سحاب السترة بضيقٍ ، فإقترب "غسان" بتبجحٍ يفتح خزانته وتفحص بها باهتمام بحاثاً عن جلباب أبيض حتى يلحق الصلاة به ، اتسعت عيني "بسام" من إهماله المعتاد بل الملابس وقعت أرضاً فشهق ابحنقٍ مردداً بصوتٍ مرتفع له:
_" انت بتدور على ايه يا متخلف انت؟؟ ايه اللي انت بتعمله ده الهدوم كلها وقعت على الأرض!"
استمر "غسان" في البحث حتى التقطها وهو يخبره بإيجازٍ متفحصا.ً ما بيديه وأخرجها :
_" بدور على عباية بيضة عشان أصلي الجمعة بيها "
_" يعني فاتحها عابر سبيل انا بقى؟؟ متخدهاش سيبها أنا هلبسها !"
حاول "بسام" على أن لا يضحك مع مشاكسته هذه ، فأخذها "غسان" وفردها يرى ما ان كانت منكمشة أم لا ، فوجدها مرتبة ، فخلع ملابسه الذي خرج بها من مرحاض غرفته وارتدى عباءة الٱخر أمامه تزامناً مع قوله الموضح :
_" متحورش عليا ، انت مش معزوم عند حماتك ومراتك؟؟ ولابس ومتشيك عشان هتروح تصلي مع "عز" هناك وتخرج تتغدا معاهم؟ عايز ايه مني بقا ؟؟"
قوس "بسام " ما بين حاجبيه بضيقٍ وأخبره بتأففٍ :
_" عايز شوية احترام وذوق لما تيجي تاخد حاجة غيرك ، وبعدين انت مش لبسك اللي زي ده فوق ، بتاخد من عندي ليه ؟ وياريتك بترجعه مكانه!!، معتش تاخد حاجة من عندي ، اطلع هات لبسك من فوق!"
تراخت ملامح "غسان" بهدوء وهو يهندم ما يرتديه متوجهاً أمام المرٱه كي يمشط خصلاته ورد حينها باختصار استشف به الأخر لمحة من الثقل والضغط :
_" مش عايز أطلع فوق!"
حاول التخفيف عنه خاصةً أنه يعلم ٱخر ما حدث بينه وبين "سُمية" بقص"غسان" مختصر ما حدث لـ "حامد" الذي ضغط عليه ، طالعه "بسام" بابتسامة واسعة ثم ضرب ذراعه بخفةٍ وقال بحنقٍ زائف :
_" خلاص يا عم متزقش ، خد اللي انت عايزة ، ما انت من ساعة ما نزلت وانت ماشي تلبس في حاجتي جت على المرادي ، المهم تلم كل ده بعد ما تخلص عشان ممدش ايدي عليك! "
ترك "غسان" المشط ورفع رأسه ينظر تجاه شقيقه وهتف بنبرةٍ هادئة :
_" مش فاضي ،لمهم انت"
_"وراك ايه ان شاء الله ؟ ، لا بقولك ايه؟ انا مبحبش الإهمال ده ، أنا بحب كل حاجة تكون منظمة ، وبص بقا انا رجعت فكلامي و...خد هنا ، مش النهاردة فرح صاحبتكم في الشغل انت وشادي وبتقول انك رايح بليل، ابقى قابلني لو خدت حاجة من عندي!"
بل باغته "غسان" بسؤالٍ ٱخر بغرابةٍ ملقياً نهره على جانب، حيث ان "صفا" قامت بدعوتهم جميعاً حتى شقيقه وزوجته:
_" هو انت مش رايح انت وفرح؟"
اعتلى كتفي"بسام " في حيرةٍ وهتف بتخبطٍ :
_" مش عارف ، لو انت روحت أنا هاجي، عشان محروج!"
هل هذا شرط ليخرجه من ما هو به؟ ، تنفس "غسان" بعمقٍ وإعتدل يحرك جسده ناحيته وطالع عيني الٱخر بثباتٍ مردداً :
_" احتمال كبير أروح ، صفا غطت كتير عليا في الشغل قبل كده وتعبت مكاني في وسط الظروف اللي مكانتش بتسمح اني اروح ،أو حتى أروح بس امشي بدري ، وبعيداً عن ده كله أنا مش شايف انك متروحش ، بالعكس يعني انت تروح وتروق على نفسك انت وفرح هو وحد واخد منها حاجة!!!"
هتف بذلك وهو يعتدل مجدداً ناظراً نحو هيأته في المرٱه مرتباً نفسه وترقبت حواسه ما أن رد الٱخر عليه بثقلٍ وتخبطٍ على جزئه هو و"فرح" معاً :
_" مش عارف ..فرح دي شغلانتها شغلانة معايا يا غسان ، أنا مش فاهم ايه بيحصل من ساعة موضوع" تاج " ولما طلعت اتكلم معاها فهمت وانتهى الموضوع بهدوء بس بعد كده حاسس انها مش عارفة تتكلم معايا ، وفـ نفس الوقت مش قادر أفتح أنا الموضوع تاني وأفهم إذا كانت زعلانة لسه ولا لأ عشان مجرحهاش!!"
تحدث بتهيةٍ من ما شعر به من تناقض لما تشعره الأخرى رغم تفهمها ، فهم "غسان" ما يحتله من مشاعر ، فزفر بعمقٍ وهذا ما كان يريد أن يخرجه به من بداية مشاعره اتجاهها الضغط لأنها لا تساعد نفسها!! :
_" الموقف مش سهل عليها ، وخليك فاهم انها بنت ، يعني حساسيتها في الموضوع مش زي حساسيتك انت من نحيته دلوقتي ، انت خلاص فهمت وعرفت وفوقت ، لكن هى لسه بتستوعب الكلام اللي حكيته ليها ، لما ردت ردت وفهمت عشان حست باللي انت عانيته ، ومن الآخر كده هي تايهة معاك عشان مش عارفة هي بتحبك ولا معجبة بيك لسه ، لو هى عرفت الإجابة هتعرف تنكلم وتتحرك عن كدة، بس انت دايماً مستعجل ، ومتلهوج ،سيب الحوار ياخد وقته يا "بسام"ومتفتحوش تاني عشان انت عملت اللي عليك ، اعمل بس اللي عليك من نحية تانية ، اثبت لها أكتر انك بتحبها هى وان مفيش في دماغك وقلبك غيرها وان «تاج» دي محطة في حياتك وعدتها!"
ظهر الإقتناع على ملامح وجهه بالتدريج ، فزفر بتعبٍ يخرج أنفاسه محركاً رأسه بالإيجاب وسأله من جديد :
_" طب ايه ، مش هتيجي عشان اتبسط أنا وفرح؟، أنا ٱه بتاع مصلحتي بس وافق بقا عشان انا محروج أروح من غيرك!"
ضحك "غسان" بخفةٍ والتقط زجاجة العطر مردداً بنبرةٍ ضاحكة خفيفة:
_" هاجي ، بس مش هروح بدري ، هروح في الٱخر كده شوية وامشي!"
_"احسن برضه عشان أخرج مع فرح بعدها "
استنشق "غسان" العطر بإعجاب وأغلقه بالغطاء ، مردداً بفرضٍ :
_" البتاع ده ريحته حلوة ، يلزمني!"
لم يترك له "غسان" الفرصة بل حمله بين كفه واقترب يخرج من الغرفة ، تحت مناداة "بسام" بضيقٍ :
_" أنا لسه شاريه ، طب استنى أحط منه ، رشة بس.!"
وأضاف وهو يشير بيديه بحسرةٍ :
_"طب تفة طيب"
لم يعيره الٱخر اهتمام ، بل دخل "غسان" يضعه بخزانته والتقط هاتفه ثم نظر بالمرٱه لنفسه برضا وحمل الخطاب قاتلاً التردد حتى يضعه في الشرفة ، فهذا أول خطاب بعدما رحل وتركها مقرراً على ان لا يتواجها من قبل أن تتضح الأمور ، حتى الثقل الذي بداخله تمنى زواله في الحال وتمنى رؤيتها ولكنه تعمد عدم رؤية والدتها هى الأخرى كي لا يتضخم الموضوع ويصبح عجز مرة أخرى ، بل تعمد الصبر لأجل "نيروز"!!
مقابل هذا كان وقوف "حامد" بعدما رحل "بسام" مودعاً البقية حتى يذهب ناحية منزل"عز" ليصلي معه ومن ثم الغداء والجلوس معهم فترة ثم العودة وهي معه هى والعائلة كي يجتمعا على العشاء ، في حين وقف "حامد" مرتدياً جلبابه منادياً بصوتٍ عالٍ على "غسان" في الداخل :
_" يلا يا "غســـان"، عايز ألحق اقعد في الجامع قبل الخطبة بشوية!"
احتوى سبحته بين كفه وانتظر بصبرٍ قليل ولده ليخرج ، في حين جاءت "دلال" بطبق يوحي بتقشير حبات "البطاطس " به واقتربت تجلس على الأريكة أمام انظار "حامد" الذي سألها بإهتمام :
_" مروحتيش لـ "نيروز" تبصي عليها النهاردة يا دلال ولا ايه؟"
_"لأ"
نفت سريعاً وهي تنظر نحو شاشة التلفاز ، فقوس"حامد "ما بين حاجبيه بتساؤل واستوضح وهو يقترب:
_" ليه ؟"
تحركت عينيها ناحيته وأخرجت أنفاسها ببطئٍ ووضحت :
_"سألت كذا مرة وقالولي نايمة ومعرفتش اشوفها اليومين اللي فاتوا بسبب كده برضه، بيني وبينك حسيت انها مش عايزة تقابلني من اللي حصل مني. ٱخر مرة ، بس والله ما خدت بالي يا "حامد' ، أنا هقصدها ازاي بس !"
قالتهاا بقلة حيلة وحزن استشفه زوجها وسمعه "غسان" الذي خرج واقترب على قول "والده" لها :
_" مش هتبقى قاصدة تشوفك ليه بس يا "دلال" ، متظلمهاش البنت بتاخد مثبتات بتهبطها وبتنام بسببها كتير، وبعدين هي عرفت انك متقصديش والموضوع عدى وانتهى ملوش لازمة تفكري بدماغك اللي بتسوحك وتسوحنا دي!"
تحولت ملامحها للضيق ونهرته قائلة بضجرٍ وهي تشير له :
_" قصدك ايه يعني يا "حامد"؛ قصدك ان أنا دماغي تعبانة ؟؟"
حرك "حامد" رأسه بيأسٍ منها واعتدل بوقفته مردداً بهمسٍ أولاً:
_" الله يهديكِ ، يلا يبني!"
هتف بٱخرها بعلوٍ. جعل"غسان" يترقب ما أن بررت "دلال", لـه سريعاً بلهفةٍ كي لا يفهم بالخطأ :
_" أنا حاولت أشوف نيروز يا غسان واللهِ ، بس مبعرفش اشوفها بسبب نومها المتلخبط ده ، وٱخر مرة سمية حكتلي على اللي حصل ومعرفتش أرد ولا أصد ، بقى حد يقول لست في مقام أمه انا هاخد مراتي غصب عنك ملكيش دعوة ؟؟ بقى ده كلام ؟"
هل هولت من الوضع ؟؟ اتسعت عيني "حامد" من كلماتها فرد يهدأ هذا بقوله الحانق منها وهى تسرد :
_" ابنك مقالش كدة يا دلال "
_"أهو اللي حكيتهولي بقا بيقولي كده ، مع اني رديت وقولتلها بكل هدوء انه جوزها والواحد ما صدق الحال يتصلح بينهم ومتوقفيش الدنيا وخليها تمشي وكلام من النوع ده بس هى دماغها ناشفة!"
هذا ما كان لا يريده من البداية ، عدم تدخل أي شخص بينهما حتى لا يتأزم الوضع! ، أخرج "غسان" أنفاسه بسكونٍ وبعد فترة من الترقب والإنصات ، هتف بنبرة هادئة لها :
_"مقولتش هاخدها غصب بالطريقة دي ولا نفذت ، أنا سايبها تاخد راحتها عند امها عشان هى عايزة كده ، ملوش لزوم الكلمتين اللي قولتيهم هناك مش هيعملوا حاجة ، أنا عارف أنا بعمل ايه والدنيا ماشية ازاي بينا ، وأمها أنا فاهمها كويس!"
طالعته و طالعت الكلمات التي تخرج منه بهدوء ، وقررت التحمل دون رد حتى انه سبق يخرج حذاءه بعد قوله :
_" يلا يا حج عشان منتأخرش ، حازم مستنى بره هو وبدر!"
تلاقت عيني "والده " مع "دلال" التي نظرت بعلمٍ لما فعله من تجاهل ، ضَجر وجهها وشهدت زوجها في حزنٍ على ولدها :
_"شايف ابنك يا حامد ؟؟،ابنك بيطنشني !! ، ولا بيطنشني ايه؟.. دا بياخدني على قد عقلي كمان!!، هو. انا كنت قولتله ايه يعني ، ما أنا بحاول اصلح هو حد يكره؟؟"
ضم شفتيه بضيقٍ واضح وأخرج أنفاسه يضرب كفن بكفه الٱخر وعدل من ثيابه أكثر مخرجاً يديه قبل أن يفعل بها ما فعله وهتف في يأسٍ :
_" نفسي في مرة تحكمي عقلك ده وتختاري كلامك قبل ما تقوليه ، ربنا يهديكِ !"
نظرت في حزنٍ من قوله وندبت قليلاً ومازال يسمعها إلى أن أغلق باب الشقة خلفه محركاً رأسه منها ، انتظره "غسان" في الخارج وهو يحمل"يامن" وخرج معهم "بدر"و"حازم " بينما "غسان" لم يحاول البحث بعينيه عنها في الداخل بسبب والدتها ، بل دعى صبره ليخرج رغم شوقه ، فهو لم يراها في الأيام الماضية وهى علمت هذا ، فرفعت من شأنها دون أن تحاول زيارته بعد ٱخر مرة حدث بها ما حدث من والدته هى الأخرى!!
_________________________
بينما هى في الداخل لم تحاول الجلوس معهم مثل السابق ، بل منذ ٱخر مرة لم تتناقش بعدها مع والدتها ، فكرت في الوضع قليلاً ولم تعط الفرصة لأحدهم بل هى الٱن في الإنتظار كما وعدها ناهيك عن انها تتوعد له بينها وبين نفسها ، كيف يتحمل هذا القرار ؟ ولما أخذه؟ كان بإمكانه رؤيتها دون أن تصعد معه ، هل فعل ذلك من أجل والدتها؟ تاهت من ما فعله وشعرت بالحزن من قدرته على البُعد مرة ثانية خاصةً بعد سعادتها التي لم تكتمل عندما أخذ يردد أنه من دونها لا شئ! ، ليس فراق بمعنى الكلمة ولكن بأي وقت هى تريده بجانبها؟ ، في الأونة الأخيرة رأته يحاول من أجلها بحديث جاد عاقل مُقدر لها فكانت تسعد من أجل هذا وتتصنع التجاهل هي بتفهم ما فعله ،بينما في الأيام الماضية حساسيتها بحملها جعلتها تشعر بالضيق من هذا ، فقطعت أي أمل للحديث عنه مع عائتلها حتى تبعد عن الجدال!
نهضت قبل قليل ما ان استمعت لصوت اغلاق شرفته لكنها تصنعت تجاهل هذا ووقفت أمام المرٱه تمشط خصلاتها بعدما اغتسلت حتى تفوق أكثر ، أصوات هنا وهناك في الخارج ما بين جمع ملابس "وردة"و"بدر", بعدما انتهوا من تنظيف وترتيب كل شئ قي الشقة من أكبر شئ إلى أقل شئ ، واليوم هو يوم الرحيل بعد العشاء!! ، إرتدت سترة منامتها وإلتفتت ترى من فتح هذا الباب عليها فوجدتها "وردة" التي ابتسمت لها بإتساعٍ وهتفت تحثها بلين تجاري ما تفعله شقيقتها من جهة أخرى :
_" ايه يا روز ، ما تيجي تقعدي معانا بره ، ولا هتفضلي لوحدك هنا كده علطول؟"
_" تعبانة والله يا وردة وهبطانة ، هصلي وهنام تاني "
هتفت بهذة الجملة وهي تضع المشط على "تسريحة أمامها " والتقطت ملابس الصلاة ترتديها وبعدما أخرجت رأسها من فتحتها وجدت "وردة" أمامها ومن ثم رفعت كفيها تحاوط ذراعي "نيروز" التي حاولت الهروب ولكن تمسكت بها "وردة" بحنوٍ وقالت :
_"ليه الهروب يا نيروز ،. ما تقولي انك زعلانة أسهل ، ماما والله العظيم عمرها ما هتضرك !"
حاصرتها أمام نظراتها بخضرواتيها ، فأخذت"نيروز " أنفاسها وردت بعد لحظاتٍ بنبرةٍ صادقة لما تشعر به فقد كتمت لأيام وشقيقتها هذه تهزمها دائماً بعقلها ورزانتها :
_" إفهميني يا "وردة"، انتِ اللي هتفهميني ، أنا مش زعلانة من ماما ، أنا تعبت من إن كل حاجة جاية عليا وهم كمان جم عليا ووقفوني قصادهم تايهة ، مكنش لازم ده يحصل ، أنا نفسي أرتاح بقى ، وقولت لماما اني واثقة انه مش خاين ولا كداب بس هي لما جت تواجه هاجمته غصب عنها من غير ما تحس فهو خد الموضوع على كرامته وفضل تلت أيام بعيد مفكرش حتى يسأل عليا وانتِ بنفسك شاهدة أنا كنت في ايه امبارح لما تعبت ، أنا مستحقش كل ده منه ولا منها ، محدش قدر حالتي وتعبي وضغطي!!"
واسترسلت بعدما أخذت أنفاسها أمام متابعة الأخرى لها :
_" وعلفكرة أنا لما قولتله هاجي معاك كنت واثقة انه هيرفض عشان أنا فاهماه كويس وعارفه ان عمره ما هيحطني تحت ضغط ويخليني اختار ، ومكنتش هقلل من ماما قدامه وقدام نفسي ، بس أنا تعبت من كل ده ، أنا مش واقفه في صف حد غير نفسي واللي في بطني ، قوليلي يا وردة هو أنا مستاهلش أعيش مرتاحة بقا ؟ ردي على سؤالي يمكن محدش فاهمني وانت اللي ممكن تفهمي تعبي وضغطي من كل ده!"
لمعت عينيها عند قولها الأخير ، وعلى الأعتاب تقف هناك "سمية" مع"ياسمين " تاركين الاحتواء لـ "وردة" التي تحترم "نيروز", عقلها واحتواءها وصبرها عليها إلى النهاية ، بينما هي بالفعل تلهفت لأجل هذه الكسرة والحزن فرفعت يديها الحانية ترجع خصلاتها البُنية إلى الخلف ورددت بإحتواء غمره الدفء والمواساة :
_"لا والله العظيم تستاهلي بس بعد الصبر جبر يا هبلة ، طب أنا كمان واثقة ان غسان مش وحش بس ماما حكمت بإنك هتحكمي بقلبك ، وهى زعلانة لإن في كلام خرج في العمارة عن أنه سابك عشان بيخونك فلما ترجعي وكل حاجة تبقى زي ما كانت من غير ما هي تفهم هتبقى حاجة مزعلاها عليكي هي عايزة ترفع راسك وتقدرك يمكن الطريقة شديدة بس ما ده يمكن يعلمه. ان بعدين مش سهل يعمل حاجة زي دي من غير ما يفكر فيكي وفي انك بنت ناس ، أنا عارفة ان الحمل ملغبطك أوي وانك تايهة ، أنا ٱسفة ليكي من كل ده ، متزعليش عشان خاطري وخاطر يامن واطلعي اقعدي معانا بقا!"
ابتسمت على احتواءها ودخلت بين أحضانها بعدما فردت ",وردة" ذراعيها وهتفت بجانب أذنها تخبرها بمزاحٍ خفيف رداً على تجاهله لها :
_" وبعدين مسألش عليكي ازاي بس يا عبيطة ، دا كل يوم باعتلك بوسة مع يامن وحضن كمان ، انتِ فاهمة اكيد انه مقربش عشان متضعفيش وتعملي حاجة غصب عنك وتختاريه عن ماما ، بصراحة هو كبر في نظري أوي ونظر ماما كمان بعد ما فهمنا دا بوضوح من اللي عمله ومن بدر ، بس ماما مش معلقة على النقطة دي هي بس معترضة بالخوف على حقك بحكم العقل بس سيبي كل حاجة للظروف أنا واثقة ان كل حاجة ربنا هيحلها فوقتها!"
سكنت قبال هذه الأقول واحتفظت بوجع على ما قالته من حديث خرج عليها وعلى انفصالها ، ورفعت يديها تحاوط ظهر شقيقتها بتشبت ، كل ما تريده هى في هذا الوقت هو الاحتواء ، لاحظت اقتراب "ياسمين " ووالدتهن فهتفت الأولى بمرحٍ تدخل بينهما :
_"بعيداً عن الكلام اللي وردة قالته وكان محشور جوايا ، وعن اني سكت وعديتلك انك نخيتي وجريتيي زي الطرية تحضنيه وتقوليله هاجي معاك وتنحنحي ، بس أنا مش عايزاكي تبصي لنفسك عن انك قليلة والراحة كتيرة عليكي ، أنا مش مع غسان ولا معاكي أنا مع الصبر عشان لو هو صح كل حاجة هتبان ، وأنا معملتكيش على كدة يا بت انتِ ، هو ايه اللي مقررة قرار ورجعتي فيه عشان صعب عليكي ؟"
سألتها بمشاكسةٍ ولم ترض لومها بشدةٍ بل تركتها بسبب ضغطها هذا فدخلت بينهما ولم تجيب "نيروز" سوى بـ :
_" مرجعتش في قراري على قد ما حسيت انه محتاجني ، أنا لما احتاجه بلاقيه من غير ما أطلب منه ده ، بس المرة دي توهت أوي ومش عارفه أعبر قد ايه أنا كنت واقفه تايهة مش عارفة أعمل ايه ، مشوفتش غير اني من حقي أفرح واعيش في استقرار زي أي بنت أو ست مع جوزها ، أو حتى واحدة وحامل ومحتاجة جوزها معاها في اللحظات اللي مش بتكرر خصوصاً لو أول مرة ، أنا مبلحقش أفرح بحاجة ولا أرتاح ، غلط صح أنا مبقتش عايزة غير الراحة ودي مش بلقاها غير معاه !"
العجز الٱن رفيقهن بعدما رأوا الاستسلام منها ، من مَن كانت لا تفعل هذا معه إلا بصعوبةٍ ، بينما أفعاله تبرر لها أن كل هذا ليس له معني مقابل وجودها بجواره ، ومازال الأمر عالق!! ، اعتدلت تخرج من بين أحضانهما بعدما اقتربت "سمية " تمسح على وجهها برفقٍ وخرجت كلماتها بعقلٍ :
_" انتِ بنتي وٱخر حاجة ممكن أعملها هي اني أخرب عليكِ ، كل اللي حصل مني ده كان حق يحصل يمكن الطريقة صعبة بس ده هيعلمه بعدين ان انتِ وراكي سند وأهل يقفوا ليه فأي حاجة ، أنا لو كنت شاكة فبعد اختباري بالكلام ليه خلاني أقول انه ميعملش حاجة بس حتى الإحتياط واجب من كل حاجة ، انتي هنا معززة مكرمة ، وهو جوزك مقدرش أقول اني همنعه ،. لو قولت كده قدامه يبقي عشان بعلي من قيمتك وهو عارف ده ، وعارف كمان انه من حقك تفهمي كل حاجة بتحصل من قدامك ومن وراكي عشان كده سايبك بمزاجه ، جوزك بيخاف يظلم يا نيروز وده اللي عرفته ومادام كده يبقي المتسخبي هيبان ٱنا مش عايزاكي تضغطي نفسك ولا حتى أجبرتك تقعدي هنا بالقوة ، أنا بس شايفة ان ده الصح يحصل لحد وقت معين ، هو انتي مش مرتاحة هنا ؟ مش مرتاحة مع امك يا نيروز ومع اخواتك؟"
لمعت عينيها من كلماتها الهادئة ونفت برأسها بلهفةٍ تبرر لها العكس بهدوءٍ وهي تراها تمسح عينيها بكفها المجعد وهتفت بشفقةٍ من ضغطها النفسي التي تراه مما جعلها تستسلم وتتخلى عن كل شئ من أجل ذاتها وخوفها على صغارها قبله :
_"متعيطيش بقى ، متوجعيش في امك ، أنا واللهِ ما كارهاه ولا واقفة ضده ، أنا عايزة مصلحتك يا بنتي واللهِ ، والكلام اللي الواحد سمعه ده مشقلب كياني عليكي أنا قلبي بيقيد نار لو سمعت كلمة واحدة على بناتي من حقي أخاف وغصب عني أقف أدافع عنك قصاده حتي ولو بالقوة، انتِ مش قليلة! "
نزلت دموعها أمامهن وهي توضح لوالدتها بكسرةٍ وتذكرٍ لما أخرجته عليها "زينات", من حديث قبل :
_" وكلام الناس كان امته بيقف ياماما ، انتِ اكتر واحدة عارفة انتِ واخواتي أنا كان بيطلع عليا ايه وليه ، مترحمتش من حد هنا ، وسيرتي كانت على كل لسان بإني مجنونة وبتعالج في عقلي ومحتاجة السرايا الصفرا ، يعني هي أول مرة؟؟ أنا دوقت المُر من كل حاجة عشان كدة مبقتش بتفاجئ ومبقتش عايزة اتصدم ولا حتى عايزة أبرر لحد ، أنا لو هخاف فهخاف على حياتي وعلى اللي في بطني ، ملهمش أي ذنب في كل ده ومش عايزة أقرر قرار غلط أو متأخر معاكم ويطلعوا من غير ما يلاقوا أبوهم جنبهم ويتقال بإني ظلمته ونهيت الحكاية بظلم تاني ليه وليهم من قبل ما ييجوا الدنيا ، أنا مش هسمح بـ ده ، أنا في حياتي حاجات جديدة عايزاها تكمل بس متبقاش زي تجربتي في الحياة اللي مكانتش عادلة معايا وصبرت فيها لحد ما لقيت عوضي في غسان لما جه حسسني بالأمان حتى ولو حياتنا حصل فيها الصعب بس هو مبيفشلش يحسسني إني مطمنة وأنا معاه! ، هو كتير عليا اللي بطلبه ده يا ماما؟"
ضمت "سمية "رأسها والتزمت الصمت كي لا تنهار باكية منها أكثر ، بل دخلت"نيروز" في أحضانها وبكت بصمتٍ وهى تكمل لهم :
_" أنا كل حاجة مأثرة عليا ، بُعده ووجعي والظروف ، حتى بعد كل ده شوفت في عين مامته ان أنا السبب في كل حاجة بتحصله ، حسيت انها مبقتش بتحبني من تاني يا ماما ، أنا أضعف من ان حد يتهمني اتهام أنا فوقت منه أو حتى مليش ذنب فيه ، أنا ليه كل حاجة بتضيع مني بعد ما كانت في ايدي!"
مررت "ياسمين" كفها على وجهها تمسحه في حين كبتت "وردة" الدموع وهي تمرر يديها على ظهرها بينما شددت "سُمية" من عناقها بقوةٍ وتأسفت لما فعلته الحياة معها:
_" حقك على قلبي يا ضنايا ، والله قلبي ما اتمرض من قليل يا نيروز ، متزعليش ، ان شاالله كل اللي فيكي يجي فيا أنا قصاد انك تكوني كويسة ومتحسيش بكسرة النفس دي ، متوجعيش امك عشان خاطري!"
فخرج صوت "ياسمين" المتحشرج لها وهى تراها تهبط الدموع بغزارةٍ :
_" وجعك من وجعنا يا بنت سالم ، كفاية بقا ابوس ايدك ، يارب عمتك زهور تموت قصاد الدموع دي ، يلا بقا "
ضحكت"نيروز" من بين الدموع وهي تعتدل ثم وكزت كتف"ياسمين" بحب وهي تمسح وجهها ، فضحكتا الاثنان أيضاً وأضافت "وردة" :
_" متعيطيش بقا يا روز ، ده أنا همشي النهاردة أنا ويامن حبيبك ، هتودعينا كدة بالدموع دي؟"
ابتسمت"نيروز", وهي تدفع كتفيها بضجرٍ زائف وهتفت :
_" بس متقوليش وداع ، انتِ لازم تبقي هنا علطول ، أنا خلاص مقدرش أعيش من غيرك انتِ ويامن ، تروحي النهاردة وتيجي بكرة ماشي؟."
أكدت برأسها وهي تشير بعينيها ، فرفعت "ياسمين" ذراعيها تضمهما ناحيتها بسعادةٍ من هذه اللحظة ودخلت معهما "سُمية" التي هتفت بتمنى:
_" ربنا يسعدكم كلكم ويقومكم بالسلامة ، ومشوفش فيكم كلكم الوحش أبداً عشان مش هستحمل!"
_" لا بتستحملي يا سمسم ، عشان عاملة كشري النهاردة ، حد يعمل كشري النهاردة؟ الجمعة ؟ عيد الاسبوع يا شيخة!"
ضحكن على قول "ياسمين" ، فخرج صوت"وردة" تخبرها :
_"أنا اللي عملته عشان "روز " نفسها فيه وبدر كمان بيحبه!"
فأضافت "ياسمين" بضجر وهي تطالعهن :
_" طب وأنا مالي ، يعني اجيلك يا ولية على كشري ؟ ، دا أنا أروح اتغدى عند عايدة بقى "
كانت الضحكات تخرج بخفةٍ وبايعت "سمية" بقولها بمرحٍ مشيرة لها ، ومن ثم خرجت نبرة "وردة", الهادئة بقولها وهي تحثهن :
_" طب يلا بقا عشان نصلي ونحط الغدا على ما "بدر "ييجي هو "ويامن"!"
_________________________
_« "الصلاة" إنها آخر ما يفقد العبد من دينه، فليس بعد ضياعها، والتفريط فيها، ومن أجل هذا فإنها أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة فإن قبلت قبل سائر العمل، وإن ردت رد سائر العمل.»
هذه الكلمات لم تخرج سوى من الخطيب على المنبر في مسجد بالقرب من منزل "عز"الذي جلس يستمع بإنصاتٍ وإهتمام جوار "بسام" الٱن والذي أكمل أمام أنظاره وانصاته كلمات أخرى من الخطيب يكمل بها ما انهاه بقوله الأول والذي كان يعد بدء ختام الخطبة حتى يؤديا الصلاة:
_«لا يقبل الله من تاركها صومًا ولا حجًا، ولا صدقة، ولا جهادا، ولا أي عمل من الأعمال حتى يؤديها. ،هي فواتح الخير وخواتمه يفتتح المسلم بالصلاة نهارا، ويختم بها يومه، يفتتحها بتكبير الله، ويختمها بالتسليم على عباد الله، صلة بين العبد وربه، لذة ومناجاة تتقاصر دونها جميع الملذات، نور في الوجه والقلب، صلاح للبدن والروح، يطهر القلوب، تكفر السيئات، تنهى عن الفحشاء والمنكر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)»
_«يتدبر المصلي في صلاته قرآنا، ويرفع إلى مولاه دعائه، ويخشع لربه في مناجاته.، مؤمنون مفلحون، في صلاتهم خاشعون، إذا قاموا إلى الصلاة أقبلوا على ربهم، وخفضوا أبصارهم، ونظروا في مواضع سجودهم، قد علموا أن الله قبل وجوههم، فهم إلى غير ربهم لا يلتفتون.»
لم يستمر كثيراً في القاء النصائح على هذا النحو بل أكمل ينهي هذا بـ :
_«إنها الصلاة -عباد الله- التي توفي صلى الله عليه وسلم، وهو يوصي بها، فلنحرص على أدائها بخشوع وطمأنينة ،تقبل الله منا ومنكم صلاتنا، وأعمالنا، وقيامنا وصيامنا.،اللهم اغفر لنا وارحمنا...»
رُفع الأذان ثانيةً ومن ثم قوله في ان يستيقموا لٱداء الصلاة ، نهض "عز" أولاً ومد كفه كي يدفع "بسام" ليقف فإستند عليه مبتسماً بخفةٍ ونهض معه ووقف الإثنان بجوار بعضهما مع بداية التكبير!! ، وبدأ الإمام في الصلاة بخشوعٍ ..
لم يكن يتوقع هو أنه سيرافق شقيقها في صلاة كهذه ويوم كهذا وهو زوجها يحق له الدخول في منزلها والجلوس معها بأريحية دون شروط! ،لحظات لا تقدر بثمن وبعد رفض كثير من نفسه قبل من غيره يُعَوَض هو الٱن !
بينما الٱخر ذكرها في دعاءه في السجود الأخير المطول ، بأن يوفقها الله في الاختبارت التي كانت نهايتها أمس. ، يقدر خوفها وتوترها كونها ٱخر سنة دراسية بينما الإثنان البقية في خارج الجامعة! ، يظهر على ملامحها الإرتباك أمامه وهو دائماً ينجح في أن يطمئنها وما بعد هذا الدعاء جاء على عقله فجأة أن يدعو الله بأن يرزقها بحملٍ كون التوتر ساد معها بعد حديث زوجة خاله لها ، وعلى الرغم من انها عرضت عليه أن يذهبا لطبيبٍ ولكنه اقنعها بأن ما بهما ليس شئ يدعي القلق في حين أن الفترة لم تكن طويلة لقولٍ كهذا !!
حركا الاثنان رأسهما بعدما سلم الإمام ، وعقب ما انتهيا سلما على بعضهما بحبورٍ وهتف "بسام" بنبرة هادئة بشوشة مازحاً باللقب :
_"تقبل الله يا معلم عز"
رد عليه "عز" بإبتسامة واسعة ونهض الإثنان إلى خارج المسجد بعدما ارتديا حذاءهما ، وسارا بجانب بعضهما الٱن وبدأ "عز" بقوله:
_" منورنا النهاردة يا بسام، مش قادر أقولك أم عز مبسوطة بيك قد ايه !"
ضحك "بسام" بخفةٍ ورد عليه بلباقةٍ :
_"ٱنا اللي مبسوط واللهِ عشان حماتي أم عز وابنها المعلم عز! واخته فرح مراتي!"
تعالت ضحكات "عز" بمرحٍ على طريقته وسأله دون النظر إليه ، سؤال كان لا يتوقعه منه "بسام" :
_" مرتاح مع" فرح" يا بسام؟"
كان يرى أن هذا السؤال سيسأل بالعكس عندما يلقيه شقيقها عليها ، ترددت عينيه في النظر نحوه ولكنه نظر يخفي دهشته وقال بوضوحٍ مصرّحاً :
_" أنا الحمدلله مرتاح يا عز ، الأهم تكون هى مرتاحة وقابلاني، أنا بحبها!"
ٱخر تصريح كان جرئ منه ، لذا حرك "عز" رأسه ينظر ناحيته فوجد الصدق بان في عينيه ، لذا تنهد يواصل هو :
_" و انت كمان مهم ترتاح معاها برضه ، فرح مبتعتدمش على نفسها في حاجة معينة، لو سابت نفسها ليك تقرر ليها وتتولى مسئوليتها بقبولها تبقى بتحبك ,بعدين يمكن تحس ان مسئوليتها معاك كبيرة ، مش عارف ده صح ولا غلط ، بس هي ما تعودتش تعمل حاجة كبيرة من أولها لٱخرها ، هتحسها صغيرة علطول مهما كبرت، معرفش ده كان المفروض اتعافت منه أو لا بس دي كانت التربية اللي خدت طريقها معانا ، انا بس عايزك فاهم الدنيا عشان لو حصل حاجة وانت مش فاهم تبقى تبدأ انت تساعدها فاللي انت عايزها تعمله، فرح بسيطة أوي وطيبة خلي بالك منها يا بسام ، معنديش أغلى منها "
تأثر من كلماته وحرك رأسه تلقائياً يوافق كلماته وهتف في صدقٍ :
_'' فرح أمانة ، وأمانتك في الحفظ الصون"
ربت "عز" على كتفيه بإمتنانٍ وأدخل المفتاح الٱن في البوابة حتى فتحها ودخل الآثنان معاً إلى أن وقفا أمام باب الشقه المفتوح ، فأخفض"بسام " رأسه تحسباً لشئ متحنحاً بحنجرته إلى ان حثه "عز" بصوتٍ عالٍ :
_" تعالى يا"بسام "ادخل"
ترقبت "فرح " من الداخل فنهضت تتحرك بجوار باب الغرفه ومعها "جميلة" في الداخل والتي شجعتها على أن تتحدث معه بوضوحٍ وأريحية ، عدّلت حجابها بلهفةٍ وسألتها :
_" شكلي حلو يا جميلة!"
طالعتها "جميلة " بتسليةٍ وحركت رأسها ضاحكة مرددة بنعمٍ :
_" زي العسل يا فروحة والله ، بس ايه الحماس ده كله!"
قلبت عينيها بإستخفافٍ ، وقبل أن تخرج أشارت لها بعجالةٍ ثم فتحت الباب فوجدته يرحب بـ "حنان" والدتها بحبورٍ ومن ثم زوجة خالها التي جاءت لتساعد والداتها في طهي الطعام ومنذ ان جاءت تحاول "جميلة" عن ان لا تختلط بها!
خرجت"فرح" بخطواتٍ حاولت جاهدة على أن تظهر ثابته بفستانها الأسود الهادئ الطويل المميز ، الذي أظهر قوامها وربطة خصرها بتنسيقٍ جعل عينيه تقع عليها وهي تقترب بخجلٍ أمامهم ومدت يديها فرحب بها ببهجةٍ وهمس من بين انشغال الآخرين وانسحاب "عز" ناحية "جميلة" ورحيل الاخرتين ناحية المطبخ:
_"وحشتيني والله!"
توردت وجنتيها وجلست معه على المقعد الطويل ، وابتسمت بحرج وقاومته ما ان قالت تبادله هذا :
_". وانت كمان!"
ابتهجت ملامحه ، وقال بمشاكسةٍ :
_" أومال مش باين يعني ، دا أنا طلع روحي عقبال لما رديتي عليا في التليفون ، دا انتِ تقيلة تقل بس يلا علينا الإستحمال!"
هربت من عينيه وطالعت ملابسه بإعجابٍ فسرق انتباهها من جديد مردداً بمرحٍ :
_" بس ايه الماتشينج ده ، فستان اسود وعيون سودة برموش قتالين، تفتكري أنا قادر أقاوم كل ده؟"
ضحكت"فرح" بسعادة من قوله ونظرت له بشكٍ وأخبرته :
_" بتقول كلام حلو أوي ، مكانش لايق عليك لحد ما عرفتك!"
_"أي حاجة في الحب بقت تليق ما دام انتِ هنا ، معايا!"
تعلقت عينيها بعينيه ، فتنفس هو بعمقٍ وهو يمسح ما تلطخ به أعلى رمشها برفقٍ :
_" بصي ، أنا مش عارف اللي أنا حاسه صح ولا لأ ، بس أنا حاسس انك متغيرة من ساعة الموضوع اللي كان حصل ، ممكن تتكلمي؟ أنا هسمع وهفهم وهصبر للٱخر!"
لم يكن سيفعل هذا إلا من حديث"عز", له قبل قليلٍ ، هو من يبدأ الخطوة لتفعلها هي؟ ابتلعت ريقها ونظرت مطولاً له بلهفةٍ وردت :
_" واللهِ لأ ، أنا مش متغيرة عشان زعلانة ، أنا خوفت بس!"
ابتسم "بسام" ابتسامة جذابة هادئة زينت وجهه وهو يسألها بشغفٍ :
_" طب ممكن أفهم خايفة ليه ومن ايه ؟"
تقطعت أنفاسها ووجدت الإنتظار في عينيه بقبولٍ فبدأت توضح بتوترٍ :
_" خوفت تفتكرني زيها أو ثقتك فيا تكون مهزوزة ، اللي حصللك مش سهل ، أنا فعلاً زعلت عشانك بس خوفت على نفسي لتفكر الكل زيها بالذات أنا ، خوفت اتكلم معاك بعدها أعك الدنيا وأقول الكلام ده بعفوية تبوظ أي حاجة بينا وتفهمني غلط ، بس انت مبتفشلش تثبتلي ان طريقتك بتطمني!"
أخذ نفساً عميقاً قبال هذا الحديث الذي كان يتوقعه لم يتفاجئ هو منه وقرر قول الاتي بوضوح وصدق :
_"أولاً أنا عمري ما فكرت أتسرع وأفهمك غلط ، انتِ بالذات بحس ان بالي طويل معاكي أوي ومستعد أصبر علشانك وعليكِ لكتير ومش هبقى متدايق ، ثانياً بقا أنا عمري ما فكرت ان ثقتي فيكِ تتهز عارفة ليه ؟"
نفت برأسها وقرأ المسطور في عينيها فوضع كفه على كفها مصرحّاً:
_"عشان أول ما مسكت الإيد دي أشوف كدماتها في المستشفي أول مرة ،حسيت انك مختلفة عنهم ، حسيت انك شبهى عايشة مش فاهمة ليه بيحصلك كده ، أنا لو اللي حصل خلى ثقتي تتهز في الكل وخلاني اتقفل من أي علاقة ، فهو جه عندك وكل ده راح وقلبي ده دق ليكِ من غير ما أعرف أنا وعقلي فبقيت كل ما بشوفك استغرب وأسأل نفسي أنا ليه مرتاحلك ليه بقعد اتكلم معاكي براحة وليه ربنا بيبعتنا لبعض في وقت ضيقة وأنا معرفكيش لسه!"
طالعت أقواله بتأثر ، فسألته بتهيةٍ وهي تنظر لعدستيه :
_" وعرفت ليه ؟"
_"عرفت ليه ، بس معرفتش بسهولة ، عشان كده لما حسيت انك هتضيعي مني اتحسرت وقولت ازاي هتروح بسهولة وأنا مخدتاهش بسهولة!"
هو الٱخر بارع في ان يعجزها أمام أقواله ، ابتسمت بعذوبةٍ ، فبادلها البسمة بحبٍ وغيرت هى مجرى هذا بقولها:
_" هنروح الفرح صح؟"
أكد برأسه ضاحكاً مشاكساً. اياها:
_" آه هنروح ، بس أنا نفسي نروح على فرحنا علطول!"
ضحكت بعلوٍ هذه.المرة وضربت كفه بعفويةٍ جعلته يضحك عليها ، وعادت تردد بنبرة بها أثر الضحك :
_" عموماً يعني أنا معايا لبسي هجيبه ألبس عند وسام عشان مش هقدر أحضر العشا بيه ممكن يتوسخ قبل الفرح!"
ورغم حرجها بالقول ولكنها لم تجد حلاً ٱخر غير هذا حرك رأسه مؤيداً وقبل ان يردد شئ ، وجد "حنان" تقترب وقالت بلهفة:
_" يلا يا فرح ، يلا يا بسام ياحبيبي الغدا جهز جوه تعالوا يلا!"
أشارت لهما بحماسٍ ، فنهض معها ناحية الداخل أكثر ،قبال وضع "عز" المقاعد بجانب بعضها وحمل "جميلة" الطبق من المطبخ فتقابلت عينيها مع عيني "ميرفت " التي ابتسمت لها مرددة بسماجةٍ :
_" كدة برضه تاخدي جنب مني يا جميلة ، مكنتش جملة قولتها تخليكي تتقفلي مني كل ده ،يا حبيتي أنا خايفة على مصلحتك ، عشان كده قولتلك اكشفي ، عادي بتحصل عند بعض العرايس ولو في حاجة بتتلحق قبل ما تكبر ، الواد عز غلبان ميستاهلش كل ده ، فكري فاللي بقولك عليه انتي بقالك فترة مش قليلة برضه!"
نزلت الكلمات عليها بقوةٍ ، اعتصرت قلبها دون أن تحاول الرد عليها ، لمعت عينيها خوفاً من تصريحاتها وحاولت التبرير بتقطعٍ وكأنها تعطيها الحق في أن تقرر لها :
_" احنا مش بقالنا كتير يا طنط ، وعز مش متدايق من ده ، حضرتك ممكن تدعيلنا وان شاء الله خير"
_" يا ختي في حاجة اسمها خدوا بالأسباب ، وانتِ حلوة وجميلة بس لو عندك حاجة تمنع مش هيفيد جمالك ده بحاجة قصاد ان الراجل هيبقي عايز يخلف ، افرضي عندك اللي يمنع لقدر الله تفتكري عز هيفضل موافق كتير متروحيش لدكتور ؟ الرجالة يا حبيبتي مجانين و غداريين مش ثابتين على مبدأ وحبهم مش ثابت بالذات في الحاجات دي!"
ارتجفت يديها واستطاعت أن تلعب في عقلها بشيطانها ، حتى وان لم تكن قاصده ان توقع بينهما ولكنها ثرثارة تتدخل بأشياء لا تعنيها ، وما أثر بها جعلها تهتف بعدم استيعاب وكان قولها مسموع:
_" غداريين!!"
_" أيوة غداريين أومال ايه ، الحلاوة والحب مش كل حاجة بكرة يزهق من كل ده ويقولك احنا مش هنجيب حتت عيل بقا ولا ايه ، وٱه لو انتِ اللي عندك المشكلة في ثانية وعلطول هتلاقي ليكي ضرتك متعرفيش جت منين، عشان كده بقولك الحقي نفسك وشوفي ان كان العيب والتأخير ده من عندك تلحقيه!"
ثرثرت في الكثير وتدخلت أكثر فيما لا يعنيها ، دب القلق في "جميلة" وابتلعت ريقها تسألها بخوفٍ وكأن الأخرى استطاعت السيطرة على عقلها:
_"يعني عز ممكن يتخلى عني ويسيبني لو العيب من عندي؟"
_" آه يا ختي ، وساعتها هيبقى حقه ، بس انتِ بشطارتك تتجدعني وتعملي اللي عليكي وان محصلش زي ما بقولك تروحي تطمني ، في دكتورة حلوة أوي لو عايزة تروحي قوليلي وأنا هبقى آجي معاكي!"
تركتها وخرجت بعدما بثت بداخلها رهبة جعلتها تقف لمدةٍ حتى جاء "عز" يستفهم بإستغرابٍ :
_" مالك يا جميلة واقفة كدة ليه، ليه مجتيش؟"
انتفضت بخفةٍ وما ان وجدته و ابتلعت غصتها بمرارةٍ وحركت رأسها تبتسم بإهتزازٍ وردت :
_" مفيش ، أنا دوخت بس فوقفت شوية!"
_" طب انتِ كويسة دلوقتي؟ "
اقترب منها يسألها بقلقٍ وهو يأخذ منها الطبق فأومت برأسها بابتسامة صغيرة جعلته يشير لها بأن تسير بجانبه ناحية الخارج وبالفعل سارت معه إلى أن وقفا الإثنان أمام مائدة الطعام ،تعلقت عينيها بتوترٍ مع عيني "ميرفت"،في حين أشارت "حنان" لهما بعدما رحبت "جميلة" بعينيها بـ "بسام" :
_" اقعدي ، اقعد يا عز ، واقفين ليه؟"
سحب لها "عز" مقعد بجانب"فرح" وأشار لها بالجلوس بعدما وضع الطبق وجلس هو بجانبها متفحصاً النظر ناحية وجهها ، بدأت في تناول الطعام تحت حديثهم العشوائي وخروج صوت "ميرفت" التي قالت:
_"منورنا يا دكتور بسام النهاردة والله ، شد حيلك بقا عايزين نفرح ونعمل الفرح!"
ابتسم لها "بسام" نصف إبتسامة محركاً رأسه وهو يردد:
_" ان شاء الله عن قريب ، دعواتك!"
لم تتوقف إلى هُنا بل خرجت ثرثرتها المعتادة ولكن هذه المرة ضغطت على جرح أحدهم :
_"ان شاء الله يا بني ربنا يتمم بخير ، وميحصلش حاجة وحشة أبداً يوميها زي فرح عز ، الواحد مقلق واللهِ ، بس انت شكلك قدمك حلو علينا ووشك فيه الخير والبركة كدة!!"
هل قصدت زفاف "عز وجميلة"؟!، توقف الطعام في فم "جميلة" وسعلت بخفةٍ أمام أنظار "عز" الذي ترقب الوضع وتحمل بسبب وجود "بسام" ، تحولت النظرات إليهم بوجه بعضهم ، في حين ناولها هو كوب لتشرب منه ، فلم تستطع الجلوس أكثر ، حينها لم تتناول شئ ، فرفضت بهدوء ونهضت تزامناً مع قولها المتحشرج :
_"معلش هستأذن أنا ، الظاهر ان معدتي تعبانة شوية!"
_"ألف بركة لتكوني حامل"
ضغط"عز" على فكه بصبر اقترب موعد نفاذه ، وصمت بسكون قبال نظرات "فرح" المغتاظة ناحية زوجة خالها ، في حين تلهفت و تدخلت "حنان" بلهفةٍ. وهي ترفع رأسها ناحيتها :
_"طب قومتي ليه ، اقعدي اشربي الشوربة واعصري لمون عليها ، اقعدي اعملهالك أنا عشان تروقي!"
رفضت بإبتسامة شاحبة وتحركت حينها لم يجبرها هو ، بل تركها تسير وترحل أمام خوف "فرح" من هذا السكون ، فبعده تعلم أنه ليس خير أبداً مادام صمت شقيقها هكذا أمام أمر كبير ، استمر في تناول الطعام وحاول "بسام" التخفيف من هذا الوضع عندما تدخل وقال:
_"ما تيجوا النهاردة معانا الفرح بعد العَشا يا عز!"
ابتسم "عز" له وابتلع ما بفمه وجاوبه بوضوح محركاً عينيه بحدةٍ من على والدته و"ميرفت". :
_" أنا عن نفسي النهاردة اجازتي بحاول استغلها وارتاح ، اتبسط انت وفرح ، وخلي بالك منها!"
وافقه ونظر ناحيتها فوجدها تنظر بتردد ناحيته وناحية الأخرى ، فإكتفى "بسام" بهذا ونهض مردداً :
_". الحمد لله ، تسلم ايديكم على الأكل!"
_" اقعد يا بني هو انت لسه أكلت؟"
رفض بلباقةٍ وسار بعدما نهضت "فرح" هى الأخرى لتريه مكان الإغتسال بابتسامتها الهادئة ، وبقى "عز" على المائدة مع والدته وزوجة خاله التي نظرت ناحية سكونه الغريب بغرابةٍ. فهو حتى لم يتبادل الحديث بشغف مع"بسام" ، خرج "بسام" ليجلس مع "فرح" بركن بعيد عن هذا ، ونهضت المائدة ومن عليها منهم ومن الأطباق الذي حملها "عز" معهم حتى غسل يديه بصمتٍ وسأل من بعيدٍ بصوتٍ عالٍ :
_" هو المفروض نكون هناك على امته كدة يا بسام؟"
أجابه "بسام" من على بُعدٍ بنفس مستوى الصوت :
_" كمان شوية كده هتلاقي حازم بيرن لوحده أصلاً!"
قدمت له "والدتها" الحلوى بعد هذا ، فشكرها بإمتنانٍ وقرر فتح أي حديث معها للتخفيف من الوضع..
في حين ، اقترب "عز" ليصعد بسكون,تركهم وصعد بشرودٍ حتى فتح الباب ودخل و وجد باب الغرفة مغلق ، حاول فتحه ببطئٍ فوجدها تضع يدها على وجهها وتبكي بصمتٍ وتخرج منها الشهقات اقترب يجلس وانتفضت ما ان شعرت به يضع يديه على وجهها ، فمسحت وجهها سريعاً بارتباكٍ وسألته بتحشرجٍ :
_" طلعت وسيبتهم ليه؟"
مسح "عز" وجهها بسكونه وباغتها بسؤالٍ ٱخر في هدوء ورزانة محاولاً سحب الحديث منها :
_" بتعيطي ليه يا جميلة ؟"
سالت منها دموعها من كل هذا ووضعت يديها تخفي وجهها مرة أخرى أمامه لمدة دقائق ، صمت أمام هذا لفترة ورفع وجهها ناحيته مردداً:
_"بصيلي هنا ، واتكلمي معايا ومتعيطيش"
حينها خرجت نبرتها الباكية وهي تحاول الابتعاد عنه وحثته قائلة :
_" انزل يا عز، خليك قاعد معاهم وأنا هاجي وراك !"
ضغط على مرفقها وهي تحاول التملص ووجدت الجدية عكس الحنو عندما واجهها بسؤاله:
_" اتعدلي وقوليلي ميرفت قالتلك ايه ؟"
_"مقالتش"
كلما تحاول النهوض يحكم من حركتها ، لانت تعابيرة وهو يمسح وجهها وسألها بهدوء :
_" قالتلك ايـه يا جميلة ردي عليا"
حاصرها بهذا فسكنت ووقفت فوقف هو عندما رددت في لهفةٍ ممزوجة بالاختناق:
_" عز..أنا عايزة أروح أكشف نشوف ايه معطل الحمل!"
رفعت رأسها تطالعه ما أن وجدته هادئ إلى هذا الحد ، ابتلع ريقه متسائلاً محاول سلب اغوارها :
_"يعني هى اللي قالتلك كدة تاني؟"
ترددت عينيها في النظر ونهضت أمامه تمسح وجهها ووضحت:
_" حتى ولو قالتلي ، انا عايزة أطمن !"
تعلقت عينيها مع عينيه وهو لا يزال يطالعها بتمعنٍ ،أخذ أنفاسه بعمق ووقف أمام ٱنظارها فنظرت له تكتم البكاء ولم تستطع كبت ما حدث بداخلها بل انفجرت باكية تردد من جديد:
_" عايزة اروح اطمن يا عز عشان خاطري ، أنا مش مستعدة أتفاجئ ان عندي حاجة تمنع ده ، وبعدين اتوجع لما تسيبني عشان خاطر كده ، انت هتسيبني؟ صح؟ هتسيبني لو كنت مبخلفش؟؟"
سألته بخوفٍ شديد لأول مرة يرى رهبتها هذه ، فتقدم يرفع ذراعيه سريعاً يضمها إلى أن تشبتت به باكية :
_" انت ساكت ليه ؟ رد عليا ، أنا وشي وحش عليك مش كدة؟؟ هم خايفين يحصل حاجة في فرح "فرح" عشان اللي حصل في فرحنا ؟؟ أنا فقر يا عز مش كدة ؟؟ وشي وحش وعليكم عشان كده خايفين مني ومن الفرح؟؟"
ضغط على فكه بتحملٍ فتوقفت عن البكاء وهي تخرج من بين ذراعيه تنتظر الجواب وحينها خرجت نبرته وهو يردد بسكونٍ :
_" لو بتسأليني كل ده ومستنية مني اجابة غير اللي انتِ بتسمعيها مني كل مرة تبقي ظلمتيني بعد ما ظلمتي نفسك وسمحتي ان حد يلعب في دماغك ويخوفك , لحقتي بسرعة تخافي ليكون عندك حاجة ؟ ليه متأكدة انك انتِ السبب ما يمكن يا ستي أنا السبب والعلة ، ساعتها أخاف لتسيبيني بقا وثقتي فيكي وفي حبك تقل عشان مش ضامن هتفضلي معايا ولا لأ!!"
احتوى. الموقف سريعاً وغيره لٱخر مما جعلها تنظر بدهشةٍ وتلهفت تتمسك بيديه مرددة :
_" مستحيل اسيبك ، مش هقدر ,بس ..بس انا حاسة ان كل ده من عندي أنا"
_" ليه ميكونش شيطان ؟، أنا مش رايح لدكاترة يا جميلة ، عشان ببساطة لسه بدري وده رزق ربنا بيقسمه ولسه مجاش ميعادنا.، خليكي راضية وواثقه من نفسك!"
تجمعت الدموع بمقلتيها وسحب يديها خلفه مردداً بحزمٍ :
_'', تعالي معايا!!"
انسحبت بفعل كفه المصر على عدم تركها ، فتح باب الشقة وهبط حتى تركه مفتوحاً ، ووصل الٱن إلى الشقة في الأسفل. ، دخل منها وهو يسحبها خلفه بهدوءٍ ، فقاطع سيره "ميرفت" وهو يسألها بإندفاع مع وقوف "فرح"و"بسام", بإندفاع من بكاء "جميلة" :
_" انتِ قولتي لمراتي ايه ؟"
ترددت عينيها بخوفٍ ، حاولت "جميلة" التملص من بين يديه ولكنه رفض تركها فوقت "بسام" و"فرح" بترقبٍ ، أمام "حنان" التي نظرت بخوفٍ فتقطعت نبرة "ميرفت" وهي تبرر :
_" مـ ..مقولتلهاش حاجة !"
فاض به الٱن عندما ترك يديها صارخاً على فجأةٍ وهو يشير بكفه أمام وجهها :
_" يــعني ملعبتيش في دماغها في موضوع الخلفه.؟؟ محاولتيش تقللي منها على السفرة وانتي بتبيني ان قدمها نحس؟؟؟ مجتيش عليها كذا مرة وانتي فاكراها خدامة؟؟ محاولتيش توقعي بينا بكلامك اللي زي السم؟؟؟ مضحكتيش عليها قدامنا وانتِ بتخليها تغطي عليكي والإسم انك انتِ اللي تعبتي؟؟؟؟"
اتسعت عيني "جميلة" من أين يعلم؟، هابت "فرح " الآتي ، فصرخ بها مجدداً :
_" أنا عايز أفهم حاجة واحدة بس؟ ليه عايزة تخربي عليا وعلى حياتي؟؟؟"..
حاولت "حنان" التدخل ، فنزلت دموع "ميرفت" وهي تبرر بخوفٍ من صراخه عليها :
_" مكنش قصدي يا عـ .."
_" لا قصدك ، وبقولك ايه ، أنا اللي فيا مكفيني وزيادة ، واللي ضاع مني قصاد شريف معتش منه أقف بيه قصادك ، قسماً بربي اللي ما بحلف بيه كدب لو هوبتي بكلمة نحيتها ، ساعتها هتشوفي وشي التاني ،. عشان أنا ساكتلك ومعبي من زمان !!!"
هاجمها بهذه الكلمات ، فهرولت ترتدي عباءتها كي ترحل ، في حين لمعت عيني"حنان" وهي تهدأه :
_" مش كدة يا عز ، مش بالطريقة دي يا بني!"
وجه لها نظرة حادة ، جعلت "بسام " يقترب ممكساً ذراعه ناحية المقعد ليجلس ، تحت بكاء"جميلة " من تدهور الوضع ، فعانقتها "فرح" بإحتواء ، جعل "عز" ينظر بضياع ، هو الٱخر لا يتحمل حدوث شئ أو ضغط بحياته يكفي ما مر ،لم يجد الراحة والآستقرار إلا بعد عناء، اقتربت "جميلة" مسرعة من الداخل كي توقفها حتي لا ترحل منهارة هكذا فأوقفها نداء "عز":
_", ايــاكي تــدخلي وراها ، امشي إطلعي فــوق!!"
توقفت بخوفٍ من لهجته الٱمره ، فوجدته يعتدل ساحباً يديها خلفه مردداً بجديةٍ :
_" يلا اطلعي عشان تلبسي بقولك!"
توقفت عن ذرف الدمع ، ووجدت طريقته جامدة عليها لأول مرة ، حثتها "فرح" بخوفٍ وسحبتها معها للأعلى ، في حين احتوى "بسام" الٱخر وردد في هدوء:
_" اهدى يا عز ، مالك اخدت كل حاجة على أعصابك كدة ليه؟"
لم يجيبه بل أخرج لفافة ودخنها بحرقةٍ بعدما أشعلها ، ووجدها الٱن تهرول ناحية الخارج وهي تحمل حقيبتها ،وخلفها "والدته" تحاول أن توقفها ، راقبهما بسكونٍ جعل "بسام" يحاول التدخل ليوقفها ولكنها توقفت تأبى الحديث وأشارت لسيارة أجرة حتى ركبت بها ، فأسند "بسام" "حنان" ناحية الداخل برفقٍ ، ودخلت عليه وجدته يجلس هكذا ، فنظرت له بلومٍ والتزمت الصمت من غضبه الذي خرج ما أن أقسم أمامها عندما شعر بأنها ستدافع عنها وهى من دعتها ! :
_" عليا الطلاق كلمة زيادة هسيبلك أم البيت ده وهمشي!"
تعلم انفعاله لذا سكنت تدعي له بالهداية واقتربت تدخل إلى الداخل تتركه ، خوفاً من الاقتراب منه وهو هكذا حتى لا يتأزم الوضع!!
_" صلي على النبي يا معلم عز ايه اللي جرالك يا عم ، فين صبرك وعقلك ؟"
خفف عنه "بسام" بهذا فنظر له "عز" مبتسماً بسخريةٍ وخرج صوته :
_"الإنسان ليه طاقة ، مش هفضل صبور طول الوقت أنا ، وبعدين دي مش أول مرة انت مش غريب ، ولا غريب على انك تعرف ان حياتي مش ناقصة خراب ، انا براعي ربنا في مراتي عشان ألاقيك مراعي ربنا في فرح ، عايزني اسكت واسيبها تتكسر وتتهان ويترد فيا؟؟، صدقني أنا صبرت كتير ، بس متوصلش للدرجة اللي تلعب في دماغ واحدة غلبانة هتتأثر منها في ثانية، هو إحنا عيال؟؟ مالها بحياتي؟؟ ما أنا حر يا ٱخي أنا ومراتي!"
لم يفهم أشياء كثيرة ولكنه علم ان الٱخر أخرج الحديث بوقت منفعل ، ربت على كتفيه يحثه برفقٍ حتى مرت الدقائق ووجدها تهبط مع "فرح" مرتدية ملابسها لذا سألها "بسام " باهتمام:
_"ايه يا فرح ، هنمشي دلوقتي ؟"
جاءت نحوه وهمست بصوت منخفض:
_" من الأفضل نمشي بدري الوقتي ، بدل ما يحصل مشكلة وعز كدة ، عز لما بيدايق حط جنبه ناس تلهيه بدل ما يبوظ الدنيا ، وجميلة وماما مش قد حمقته!"
تفهم هذا ، فإلتفت حتى وجد "عز" ينهض مقترباً من "جميلة" التي حبست الدموع في عينيها محملة ذاتها الذنب ، وما ان وجدته يقترب نهضت تسأله:
_" هي فين مامتك يا عز اكيد زعلانة كل ده بسببي أنا ياريتني ما اتكلمت أنا ٱسفة !"
رفع أنامله يمسح وجهها بضيقٍ وقال بجديةٍ :
_" انتِ مغلطتيش مع حد عشان تتأسفي وأنا قولتلك ده قبل كده ، متتأسفيش على حاجة معملتيهاش تاني ، سامعة؟"
حركت "جميلة" رأسها تومأ فوجدت الضيق منها بعدستيه فسألته بحزنٍ :
_" طب انت ليه زعلان مني ، أنا عملت ايه؟"
أهبط يديه وأخرج اللفافة يطفأها ثم قال باختصار:
_" لينا بيت نقعد نتكلم فيه بوضوح يا جميلة ، مش محتاج أقولك اني متدايق عشان سمحتي ليها تلعب في دماغك زي الشيطان وتقنعك بحاجة العاقل ميصدقهاش ، اش حال ما انتِ دكتورة ومتعلمة وفاهمة؟؟ هو ده بقا التعليم اللي بيفتح الدماغ؟؟؟''
سكنت بحزن وخزيٍ فالأخرى جعلتها تندفع بحرقة على ذاتها ، لمعت عينيها وكادت أن تتحدث فأشار هو لـ "بسام " يقطع هذا عنهما حتى لا يصبح فاتراً فتحزن منه. وهو أمام حزنها لا يرى به ثبات!! :
_" معاك العربية يا بسام ولا اتصل بتاكسي؟"
رفض"بسام ", هذا وابتسم يخبره :
_" لا معايا عربية ، خش انت استعجل أم عز وراضيها وأنا هروح أشغلها على ما تيجوا"
وافقه ووقف "عز" يشير لـ "فرح" في ان تعجل والدتها بينما هو التقط الجاكيت من على المقعد وارتداه ثم اقترب يخرج حذاء والدته كما اعتاد على تلك الفعله ، انتظرها تأتي كي يلبسها اياه ، فحتي بوقت غضبه يزال الود معه ، نظرت "جميلة" ناحيته بسكونٍ وابتلعت ريقها بقلقٍ فهو أول مرة يتعامل هكذا معها وأمامها ، يبدو أن كل شجار هادئ بينهما من قبل والذي كان يخص العمل الخاص به مع الزبائن كان يعلم به انه المخطئ لذا كان يصبر ويصمت محاولاً أن يرضيها بينما الٱن هى من انساقت وراء كلمات مبطنة من إحداهن جعلت الدماء تغلي بعروقها تفكيراً وقلقاً وليس انفعالاً!!!
_______________________
بعد مرور وقت ليس قليل وقفت في المطبخ تغسل الأطباق الٱن بعدما أصرت على أن تحث"فريدة" كي تدخل تبدل ثيابها بعد الغداء المتأخر، وقفت "فاطمة" ترتب المطبخ والأطباق وتركت صغارها يرتدون ملابسهم التي أخرجتها لهم ، في حين بين هذا الشرود خرجت "فريدة" متجهزة وهتفت من خلفها :
_" مش كنتي سيبتيني أساعدك ؟ ، أنا زعلت علفكرة!"
إلتفتت "فاطمة", تنظر لها وهى تضحك وأخبرتها قائلة :
_" عادي يا فوفة انتِ كنتي الفطار أنا الغدا ، الأيام جاية كتير ، المهم قوليلي ايه الحلاوة دي!"
ابتسمت "فريدة", تغمز لها وقالت بشقاوةٍ :
_" أقل حاجة عندنا يا ست فاطمة!"
ضحكت "فاطمة" بصوتٍ عالٍ ، وخلعت عنها مريول المطبخ ، وخرج صوتها وهي تحثها :
_"طب اطلعي نادي ٱدم من فوق ، أصل بينسى نفسه لو قعد على السطح ، ناديه بقا على ما ألبس!"
واففت برأسها ، من الأساس كانت ستسألها ، اعتدلت "فريدة" وسارت ناحية الباب حتى ارتدت حذاء خفيف وصعدت على الدرج بخفةٍ ، حتى وصلت إلى السطح ، فتحت الباب ودخلت تبحث عنه بعينيها إلى أن وقفت واتسعت عينيها من ما رٱته للتو! ، هل هذا "كلب" ؟ ، هرولت بعيداً بعدما التفتت بخوفٍ ووقفت بسرعة ما أن ناداها "آدم" بصوتٍ عالٍ وهو يضحك:
_" خدي هنا، استني!"
ابتلعت "فريدة" ريقها ، فتركه وتقدم ناحيتها ، ووكز كتفيها تلتفت ، فإلتفتت بخوفٍ تحت ضحكاته وسألته بغير تصديق وهي تشير بإصبعها نحو الكلب المربوط فهى لأول تصعد السطح منذ ان جاءت :
_"هو ده بجد؟؟؟"
_" لأ بهزار "
سحب "ٱدم" يديها ناحيته أكثر ، فرفضت ولكنه هتف بنبرةٍ مطمئنة :
_" متخافيش"
ارتجفت يديها بطريقة ملحوطة وانتفضت ما أن وجدت الكلب ينبح من مكانه ، سحب لها مقعداً لتجلس بجانبه وهو معها أمام الكلب المربوط ، فأمسكت بيديه بتشتبتٍ وقالت بخوفٍ رافضة الجلوس :
_" أنا عايزة أقوم ، أنا بخاف منهم يا ٱدم"
احتوى هو كفها بحنوٍ منتهزًا الفرصة ، فنظرت له بغيظٍ جعله يضحك وهي تنظر على الكلب من على بُعد ، ورفعت عينيها له وسألته :
_" هو ده هنا من امته ؟و ليه مقولتليش؟"
أخرج أنفاسه بصوتٍ ووضع ذراعه على كتفيها برفقٍ ووضح:
_"من ساعة ما خرجت من المصحة وأنا جايبه، لما بخرج بليل واسيب وفاطمة في البيت هي والعيال بحطه تحت ، بس ٱدهم ويوسف وجنة بيخافوا منه عشان كده هتلاقيهم مبيتكلموش عنه،ولا بيهوبوا السطح ده وبيني وبينك أحسن عشان محدش يتشغل بيه ويتجرأ"
نظرت برهبةٍ من على بُعد ، وتعمق النظر بهذا الخوف الذي كان لا يظهر إلا بصعوبةٍ أمامه ، رحلت للطيب النفسي مرتين في الأيام الماضية كما اختباراتها أيضاً، يجد هناك تحسن وضوء في ٱخر النفق ، حركت رأسها فوجدته ينظر لها هكذا ، فخرج صوته وهو ينهض ساحباً كفها :
_" تعالي ، هقربك منه ، متخافيش مش بيعض"
رفضت ووقفت تتسمر في مكانها وقالت بلهفة:
_" لا ، لا أنا مش عايزة أتعرف عليه ، أنا بخاف منهم"
_"مش عيب كدة ؟، بتخافي وانتِ معايا يا شاطرة ، بقا دا كلام يتقال لحامي حمى الدار ؟"
ضحكت "فريدة" من كلماته وردت بنبرة بها أثر الضحك :
_" آه بخاف ، سيبني بقا ، عايزة انزل!"
تعمد عدم تركها وتمسك بكفها يسحبها بجراءةٍ يحثها بها :
_" تعالي بس ومتخافيش ، خليكي واثقه فيا"
ابتلعت "فريدة" ريقها بترددٍ واقتربت معه بأيدي ترتجف فأشار لها بأن تنحني إلى أن انحنت ومد كفها ناحيته يعرفها عليه بسكونٍ جعل الكلب يقترب منها فأغمضت عينيها سريعاً وكأنها تهرب من هذا ، مررت كفها على رأسه بفعل يديه هو فوجدت الكلب يقترب منها برفقٍ ففتحت عينيها تبتسم من هذا ، و اعتدلت في جلستها تنظر بعمقٍ إلى أن خرج صوته يخبرها بهدوء وهو معها :
_" بصي ، ده آخر حاجة ممكن يخاف منها البني ٱدم ، أنا بخاف من البشر أكتر منه ، تصدقي ده بقى؟"
وجدت الحديث يحمل محمل الجدية معه ، فحركت "فريدة" رأسها بتصديقٍ وهي تتلمس ما أمامها بخوفٍ يزول تدريجياً ، ورفعت عدستيها تتقابل معه ما ان أكمل:
_" أنا بقعد معاه هنا كتير ، بحكيله عنك من أول ما حبيتك ، عمره ما طلع سري أول ما اعترفت اني حاسس نحيتك بمشاعر ، وعمره ما خذلني لما كنت بوكله مهمة إنه يحمي البيت عشان محدش يدخله وأنا مش هنا !"
ابتسمت "فريدة" بتأثرٍ من هذا فوجدته يحاوط كتفيها وهو يطالعه بشرودٍ إلى أن سألته بإهتمام :
_"طب هو اسمه ايه ؟"
_" مسمتوش ، ملهوش إسم!"
أجابها بصراحةٍ فإعتدلت في جلستها تحك ذقنها بتفكير وقالت بإندفاعٍ تقترح:
_" سامر..سميه "سامر" ، ايه رآيك ؟"
ضحك "ٱدم" عالياً بصوتٍ جعلها تضحك وهي تسمعه يردد بنبرة ضاحكة :
_", كدة تظلمي الكلب يا شاطرة؟؟، وبعدين دا دكر مش عيب تشبهيه بسامر ؟"
قرأت وقاحته وضحكت بخفةٍ وهي تقتنع ، فمسح على وجهها وسألها بحنوٍ :
_" ما تسميه انتِ ؟"
نظرت "فريدة "بتفكيرٍ ، ونظرت نحو الكلب مطولاً ، وكأن الإلهام جاء لها ما أن قالت بنبرة هادئة شاردة :
_" أمان ، ايه رايك في اسم "أمان"!"
أُعجب بإقتراحها ، ونظر ناحيته بصمتٍ الى ان عاد ينظر داخل عدستيها وقال بحبٍ:
_" مبروك عليكِ صداقة أمان!!"
اتسعت بسمتها ونظرت ناحية الكلب بشرودٍ ، ونظر هو ناحيتها بشرودٍ ، أخذت أنفاسها ببطئٍ وهي تفكر بأمور كثيرة أهمها ما ستفعله الٱن عندما وقفت تعتدل فوقف هو بجانبها مبتسماً ، وأشار لها:
_'' مش يلا ؟"
_" استنى ، كنت عاوزة أعمل حاجة مهمة ، بجهز نفسي ليها وهنفذها زي ما قالي"
عقد ما بين حاجبيه وسألها باهتمام:
_" هو مين ده ؟"
لم تجيبه بل أغمضت عينيها للحظاتٍ وفتحتها تأخذ أنفاسها ، حتى اتسعت عينيه ما ان وجدها تندفع لعناقه هو بإندفاع شديد ، هذا منها هي تعد مفاجأة كبرى ، وجد نفسه يندفع إلى الخلف فتشبتت به حتى رفع ذراعيه يضم ظهرها بسعادةٍ من هذا التطور الذي كان له يد به ، ووجدها تردد بإختناقٍ عندما حثها الطبيب على عدم التفكير بشئ سلبي عندما تكون مقبلة على عناق كهذا :
_" أنا عارفة إن ممكن أكون أوفر عشان مش بقدر أعمل ده ولا أبدأ بيه، بس أنا بقالي جلستين بحاول"
تشبت بعناقها كما تشبتت به وتنفس بعمقٍ وهو يهمس جوار أذنها:
_"وأنا فخور بيكِ وبمحاولاتك يا شاطرة ! فخور بيكِ وبحبك"
وأضاف بمزاحٍ :
_" ويبقى ابن أمان اللي يقول عليكي أوفر "
هل قصد السب بطريقة أخرى، ، ضحكت بصوتٍ مسموع جعله يضحك ورفض إخراجها من أحضانه ، وعلم ان هذه خطوة جريئة منها ، اعتدل يقبل قمة رأسها وهتف من جديد :
_"هو انتِ اوفر بس في حاجة واحدة ..في حلاوتك "
_", ودي حاجة حلوة ولا وحشة؟"
سألته بشكِ فضحك بخفةٍ وهو يضع يديه على كتفيها بمشاكسة:
_"دي حاجة فريدة ، مفيش منها اتنين!"
ابتسمت بخجلٍ وطالعته بحبٍ وهو يتأكد من طعام الكلب وعقدة ربطته ، واستقام مجدداً ينظر لها فوجدها تطالعه هكذا ، فمد يديه حتى تمسكت بها لتخرج من الغرفة على هذا السطح ، فوقف في المنتصف وابتسم يحثها :
_" نفسي أجيب تسجيل واسنده هنا وأشغل نور صغير ونرقص سوا لحد الفجر!"
هل يتمنى بعبثٍ ،. ضحكت "فريدة" بخفةٍ وتعلقت عينيها بعينيه وسألته بمشاكسةٍ:
_" هنرقص على أغنية ايه؟"
_"ٱه لو لعبت يا زهر"
تعالت ضحكتها واستشفت وقاحته وهو يشاكسها بمراوغةٍ :
_" أومال انتِ فاكراني هقولك ايه يا شاطرة ، أنا عايزك انتِ ترقصي، مليش أنا في جو الرومانسية الهادي ده!"
ابتسمت بخجلٍ ونفت قوله برأسها وضربت كتفيه قبل أن تسير اولاً ناحية الخارج :
_" بتحلم"
طالع جسدها الذي اختفى من أمامه وردد بغير تصديقٍ لنفسه:
_" ما أنا كنت بحلم من قبل كده ، وعايش دلوقتي في حلمي ، عادي الصبر طيب!"
خرج بعدها فوجدها تهبط على الدرج وهي تبتسم بإتساعٍ ، فهبط خلفها غالقاً باب السطح ، فوصلت هى ووجدتهم منتظرين في الأسفل ، ابتسمت تسألهم بمرحٍ :
_" اتأخرنا عليكم ولا ايه؟"
تأفف"ٱدهم", بحنقٍ وقال:
_''أيوة ، يلا نمشي بقا ، هو كل ده فوق؟؟"
_"ما تتك على الصبر ياض "
قالها "ٱدم", الذي انحنى يحمله بمشاكسةٍ مخففاً من ضيقه فضحك بإستسلام يترجاه بتركه وأغلقت حينها "فاطمة" الباب وهي تضحك بيأس منهم ، فأمسكت "فريدة", يد "جنة" و"يوسف" خلف "ٱدم وأدهم" ومعهم "فاطمة "، ليستعدوا في ركوب مواصلة توصلهم ناحية المبنىٰ!
________________________
-«الخطاب الرابع»
_«أصبحتُ على وشك فقدان عقلي من ما يحدث معنا ، أولاً كانت العقبة واحدة وثانياً ازدادت العقبة بعقبة أخرى ، واليوم كل منا يريد الٱخر
والأمر عالق وبعدما كان عالق بيننا توصلنا إلى حل لهذا ، وفي النهاية كان الحل غير مرضياً لأحدهم! , ماذا علىّ أن أفعل!
فكل ما أُريده هو انتِ ، ان كان يُرضيكِ هذا الفراق العالق فهو لا يرضيني!!
أنا أُريدك ، ولا أريد سواكِ,بينما اختفائي شئ لا بد من حدوثه من أجلك وأجل سلامِك نفسياً وان توجب الأسف ، فأنا هُنا أتأسف لكِ!!
وأنا على وشك فهم سبب اختفاءك عني ، ولكن ما تهابينه من ضعف أمامي ليس هو الحل، ولا أريدك أن تعارضي قرار من حملتلكِ..
أتمنىٰ أن يختفي كل هذا عندما أراكِ ثانيةً، فقدرتي على تحمل الهجر قد تم محوها وهربت!! ، مثل هروب كل حروف اللغة مختصراً القول بـ أمنية واحدة أريد" عودة الوصال" من جديد ، كما أنني حائر بسؤال واحد فقط ان بحثتي جيداً ستجدينه أمامكِ بطريقة ما ، وداعاً رغم أنني لا أحب الوداع»
-«من: غسان بن البدري
إلى:نيروز بنت الأكرمي»
قرأت خطابه عندما خرجت الشُرفة بعد الإنتهاء من الغداء والجلوس معهن قليلاً ، ولكنهم ذهبوا لمساعدة "عايدة" في اعداد وطبخ طعام العشاء للعائلة وبقت هى برغبتها هنا ، تمسكت بالورقة بتشبتٍ وشعرت بنفس الضياع الذي يشعره ، ولكن ماذا عليها أن تفعل هى الأخرى ، تقطعت أنفاسها من كلماته ووجدت رسائل تعلو على هاتفها ، وجدتها "وسام" التي سألتها عن موعد ذهابها فأخبرتها أنها ستذهب بعد قليلٍ ، ووجدت "جميلة" مرسلة لها بأنها هناك لدى والدتها قبل وقت ليس قليل كي تأتي لها في حين عاق نظرها إشعار من صفحته هو يخبرها بأنه قبل وقت كبير نشر منشور على إحدى برامج التواصل الإجتماعي ،. ضغطت عليه ولم تكن تعلم أن هذا هو السؤال الذي حيرّه في خطابه ، وخفق قلبها بتأثرٍ عندما قرٱت سؤاله للعامة بطريقة مجهولة :
_«كيف السَبيل إلى وصالها مُجدداً؟!»
لمعت عينيها من التشتت ووجددت الكثير من التفاعلات ولكنه ينتظر تفاعلها هى!، لم تفعلها وأغلقت الهاتف تهرب من هذا ، لم تكن تعلم بأنها تهرب وهو ٱتٍ لها على الناحية الأخرى بعدما علم أنها بحالة ليست جيدة منه بقص "وردة" المختصر على "وسام" ، شقيقتها الكبرى تساعدها في الخفاء مع أخذ التحفظات ، هى الأخرى لا تصدق بـ "غسان" هذا واحترمت احترامه لوالدتها بعدم القدوم وهى هنا حتى لا يحدث شجار ، ٱتى لها بعدما علم من "وسام" الوضع وهى بمفردها! ، ولكنها اعتقدت أن القادم أحد أفراد عائلتها..
وقف "غسان" بعدما بدل ملابسه لأخرى رياضية بيتيه من بنطال وسترة بيضاء اللون أظهرته بقوامه من الأعلى وهو يقف ينتظر بأن تفتح له الباب بعدما دق الجرس!! ، بينما هى سارت هكذا ناحية الباب تفتحه وفتحته بتلقائيةٍ وما أن وقع نظرها عليه بعد هذه الغيبة التي استمرت ثلاث أيام وقفت بصمتٍ ، صمت جعله يترقب ، ابتلعت ريقها ببطئٍ وتعلقت عينيها معه بحديث ولوم عجزت عن خروجه ، بينما هو لم يحاول الدخول رأي حديث مكتوم وخرج ما أن تركت الباب بكفها ونهرته بلومٍ وهى تلتفت قاصدة الفتور ليشعر بما شعرته :
_" لسه فاكر ، هان عليك؟؟"
هذا التخبط الذي بها وزاد من حملها جعله يقف ناظراً نحو عدستيها بشوقٍ ، في حين اعتدل ليدخل وبخفةٍ منه أغلق الباب بقدمه بدون صوت ، وهى لازالت تنظر نحو عدستيه حتى بعدما تنفس ورد بنبرته الهادئة عليها:
_" مش ده اللي عايزك تفهميه يا نيروز!"
_"عايزني افهم من غيابك ايه؟ بعد ما جريت أقولك أنا هاجي معاك ، انت فاكرني زعلانة عشان سيبتني؟ ، أنا زعلانة عشان بعدت عادي ومجربتش حتى تحاول تشوفني وتطمن عليا بنفسك ، احنا لما كنا بُعاد كنا بنشوف بعض صدفة عن كدة، وأنا قولتلك اني محتاجاك"
لمعت عينيها وهي تواصل وما جعلها تتألم منه الٱتي عندما واجهته بما لا يعلمه هو ولا عائلته :
_" امبارح روحت للدكتورة عشان كنت تعبانة ومحدش كان عارف وقصدت منعرفش حد بره شقتنا دي ، كنت محتاجاك معايا لو كنت مهتم وبتسأل، انت مش حاسس بالوجع اللي أنا فيه لما كل شوية أروح مكان زي ده من غيرك ، هو أنا مش من حقي أفرح معاك بكدة؟"
ابتلع غصة مريرة من كلماتها واقترب يبرهن لها بلهفةٍ ممسكاً كفيها بين يديه:
_" مكنتش أعرف انك روحتي ، انتِ كويسة دلوقتي؟؟ لسه تعبانة!"
تملصت بكفيها من يديه ، وواجهته بسخريةٍ :
_" بتسألني بعد ايه يا غسان؟ انت كان بإيدك تبعد وتنفذ اللي احنا عايزينه بس مش عني ،. متبعدش عني ، هو ايه الصعب في اني أقولك أنا محتاجاك ، المدة مكانتش كبيرة ، بس عليا حاجة تانية وأنا بالوضع ده ، هو ليه محدش حاسس باللي أنا فيه! ، حياتنا ليه واقفة على حاجات أنا معرفهاش وصابرة!"
هو الٱخر طاقته نفذت من هذا ، مسح دموعها بأنامله ولم يجد أمامه سوى الأسف عن ما تشعر هى به ، فهمس على مقربة منها وهو يدفعها برفقٍ داخل عناق يريحه ويريحها :
_" أنا ٱسف ، حقك عليا ، لو عايزة تقولي أنا السبب فأنا السبب يا نيروز ، امسحي كل ده فيا أنا ، أنا كمان عايزك وعايز أرتاح، وقصاد ده ساكت عشان لو ده حصل بإجبار حد من عندك مش هتبقي مبسوطة ولا أنا هبقى مرتاح ،. مع انه حقي يا بنت الناس!"
تشبتت بسترته وقالت بنبرةٍ باكية تخبره من كم هذا الضغط:
_" أنا تعبت وزهقت يا غسان ، تعبت أوي ونفسي أمشي وأسيب الدنيا كلها بحالها ، عايزة أهرب من كل ده ، عايزة أهرب مني، ليه مينفعش الواحد يهرب من نفسه وحاله وأيامه ويروح لمكان تاني ، يروح لنفسه التانية!"
تشبت بها هو الٱخر وهو يربت على ظهرها بلهفةٍ وهمس بإختناقٍ رداً عليها:
_" أنا نفسك التانية ، أنا يا نيروز ، إهربي منك ومني عليا أنا "
هاب انهيارها ، فإختنقت وهي تشهق تدريجياً حتى توقفت وهو الٱن يحتويها ممراً يديه على ظهرها بمواساةٍ ، وإعتدلت تخرج من بين ذراعيه وكلما يشعر بأنها ستتعثر وتسقط يحاول سندها بعناقٍ ، هشة ضعيفة هى الأخرى لذا لم يترك ذراعها وهو يسندها حتى وهى تقف ، ولكنها لم تترك له الفرصه في أن يسألها عن حالها وتوازنها بل سألته هىٰ بتشبتٍ :
_" أوعدني ان كل ده هينتهي قريب ، أوعدني ان اللي احنا فيه هيخلص عشان أنا مبقتش قاردة استحمل!"
خرجت نبرته المستسلمة لقولها وقال رغم التبرير في إجابته:
_" مع ان علشانك يتخلف الألف وعد بس أوعدك إن كل ده هيخلص وقريب!"
أسندها بينما هى تحاول مسح وجهها ، ولكنه سار بها ناحية المرحاض وفتح الصنبور يغسل وجهها ممراً يديه على خصلاتها ، ممسكاً كلا كفيها كصغيرة لطختهما ، اعتدل يقف رغم سترته التي ابتلت من الماء ، فنهضت معه بتعبٍ ناحية غرفتها .. جلست هى على الفراش تتحاشى النظر له بعقابٍ على ما فعله من فراق أجبر نفسه عليه كما أجبرها ، فتح خزانتها باحثاً عن أي ملابس ترتديها ولكنها وقفت تقترب ببطئٍ والتقطت هى الملابس واخبرته بإيجازٍ :
_" هغير أنا ، اطلع بره"
ورغم حدة كلماتها ولكنه تصنع بعدم الإنتباه واقترب يلتقط ملابسها مردداً :
_" هساعدك بسرعة"
كادت أن تلتقط ثيابها منه ولكنه رواغ بالحركة وبدأ في فتح سحاب سترة بيجامتها عنها ، ووضعه على الفراش بينما التقطت هى منه البيجامة الأخرى التي سترتديها ، سحبتها منه بجديةٍ ورحلت ممكسة بعباءة الاستقبال وتركته في الغرفة وحده كي ترتدي في غرفة أخرى، تركته يقف ينظر نحو أثرها بتفحصٍ منتظراً بقلق من شعورة بأنها ليست متزنة جسدياً ولكن تلك هى حالتها منذ التعب النفسي والجسدي معاً! ، فتح الشرفة وخلع سترته يضعها قليلاً في الخارج حتى تجف من المياه التي ابتلتها وعاد مجدداً بملابسه الداخلية الفوقية التي التصقت عليه وكشفت عن كتفيه وذراعيه ومقدمة صدره والتي ما ان عادت بعد دقائق نظرت بغرابةٍ وهي تدخل فطالعها بتمعنٍ في حين قالت هى بسخرية:
_"انت كل مرة هتقلع حاجة وتسيبها وتجيبلي الكلام صح ؟"
لم تتوقع رده العبثي وهو يتوجه إليها مع ابتسامة شقت وجهه:
_" تذكار ، بسيبلك حاجة من ريحتي"
قلبت عينيها من عليه تحاول الحزم على الرغم من انها تود الضحك ، اقتربت وهي تتقدم لتمشيط خصلاتها وقبل أن تقف أكمل "غسان" وهو يشير ناحية معدتها :
_"مع ان ميجيش حاجة قصاد دول!"
وضعت"نيروز". يديها على أسفل معدتها ببسمة شاردة جعلته يبتسم ما أن نجح في إخراجها من هذه الحالة ولكنها أخفتها سريعاً ، وتركت تمشيط خصلاتها وهي تفتح الخزانة ، وأخرجت قبعته وساعته معاً وقدمتها له مردفة :
_" امسك نسيت دول المرة اللي فاتت"
صُدمت ما أن أخذهما منها متلسماً يديها وهو يردد بمشاكسةٍ:
_" ومين قالك اني نسيتهم؟"
أمسكهما بكفها الذي لم يتركه على الرغم من أنها حاولت الإبتعاد ولكنه وضع يديه الأخرى على كتفيها مقربها منه وقال عن حزنها من ابتعاده :
_" متزعليش!"
محاولاته في التخفيف عنها لا تفشل ولكنها تأخذ موقف ، هل ستسصمت ؟، ازال المنشفة من على جانب رأسها وجفف خصلاتها بحنوٍ ملاحظاً خفة شعرها بعدما كان ثقيل في البداية ، هل فعل الضغط النفسي هذا ؟ مع الحمل؟، لم يرد مشاكستها بذلك كي لا تحزن ولكنه ابتسم بعذوبةٍ مستمراً في تجفيف شعرها في حين طالعته بأعين لا معة وصارحته :
_" شعري خف صح؟، مبقاش حلو زي الأول !"
وجد الدموع بمقلتيها ، شئ كهذا لدى الأنثى يعد ثمين ، إلتقط المشط يفرده خلفها لأنه لا يجيد التمشيط ، ولكنه مشطه فقط وهتف بنبرةٍ صادقة يُبعدم عن بعضه بكل خصلة والأخرى :
_" كل حاجة في نيروز حلوة زيها"
التزمت الصمت ومسحت وجهها وتركته بإستسلام يفعل ما يفعله ولكنه واصل مجدداً بصدقٍ ٱخر :
_" أنا مبحبش فيكي شكلك وشعرك بس عشان أزعل وأتأثر ، أنا اللي بحبه فيكِ عمره ما بيتغير"
ترك "غسان" المشط وأشار ناحية موضع قلبها وهي تلتفت وقال يرفع من معنوياتها التي وجدها تهبط :
_"أنا بحب ده ، ده اللي عمره ما بيتغير مهما حاولتي "
رفضت هذا وصرّحت من التشتت وقالت بضياعٍ :
_" مبحبوش عشان مبيمشيش ورا دماغي، بيخليني أمشي وراه حتى ولو مجبورة ،. زي بالظبط لما وافقتك وقولتلك اني محتاجاك مع اني معرفتش لسه أي حاجة تخليني أعمل كده!"
لم تكمل بسبب تشنج وجهه ألماً قد أخفاه ، إلى الٱن يؤلمه جرح رأسه؟ ،تلمست رأسه بحنوٍ بكلا يديها فربط كلا ذراعيه خلف ظهرها واقترب يقبل جبهتها وخرج رده منه :
_"وأنا مش موقف بينا اللي انتِ موقفاه عشان نرجع ،أنا عايزك بس مش عايز أحطك تحت ضغط، أنا مبقتش قادر زيي زيك على الحِمل ده ، نفسي كل ده يروح وأطلع فوق ألاقيكي زي ما كُنا ، عايز أعيش مرتاح وأكمل اللي باقي معاكي في جو دافي بواحد وواحدة مستنين عيالهم ييجوا ، أنا كمان مش طالب كتير يا نيروز!"
غفل الإثنان بهذه اللحظة عن صوت الباب الذي أُغلق في الخارج ، في حين تعلقت عينيها بعينيه ورددت باختناقٍ هى الأخرى :
_" أنا كمان نفسي أعيش مرتاحة ,أنا مش عايزة أعيش بدماغي دي كتير يا غسان ، أنا بتوجع أوي لما احس ان كل ده بدايته كانت من عندي أنا ، مبحسش براحة وأنا بفتكر وبقول لو مكنش حصل مكناش زمانا هنا دلوقتي ، عايزين نرجع زي اللي كنا فيه ومش عارفين!"
احتضنها مجدداً على هذا الحال متنفساً بين أحضانها بعمقٍ فأمسكت بمؤخرة رأسه بحذرٍ رابتة على كتفيه من الخلف بأسفٍ ، وتلمست خصلاته بحذر وهمست تخبره بإنتباهٍ :
_" بس انت لسه بتحاول تضحك عليا زي ما بتعمل ومفكرني هنسى إنك بعدت ونسيت ان في واحدة هنا قالتلك متسبنيش ، نسيت انك سايب حتى واحدة حامل في ولادك!"
كاد أن يُبرهن انه يسأل وسأل من دون علمها ولكنها هى من انتفضت ما أن وجدت شقيقتها تدخل من باب الغرفة وهتفت تلقائيةٍ :
_"بت يا نـيروز اصحي ، جميـلة جـت تقعد معاكــ....."
كل ما في الأمر من صدمة وخوف أن شقيقتها هى شقيقتها "ياسمين"، التي اتسعت عينيها ما أن وجدته يعانقها هكذا وملابسه الفوقية لم تكن عليه ، نظرت بصدمةٍ ووُضعت "نيروز", بموضع تحسد عليه الٱن عندما حاولت الابتعاد عنه بإرتباكٍ في حين أسند هو ظهره على الخزانة الخشبية بأريحيةٍ وخرجت ابتسامته المتسلية وهو يطالعها ما ان هتفت "ياسمين", بدهشةٍ لهما :
_" يخربيت أبوكم!!!!"
جاءت "جميلة" سريعاً لتنظر ما سبب هذه الكلمات وهي بحالتها هذه ونظرت بحرجٍ ما ان فهمت ما رأته الأخرى ، حاولت "نيروز" التبرير بخوفٍ مرددة تشير لها وهي تتقدم اتجاهها:
_" ياسمين انتِ فاهمـة غلط واللهِ ، أنـ..."
لم تترك لها الفرصة إلى أن تكمل بل توجهت ناحيته وأشارت بيديها بانفعالٍ له وعليه :
_" انت ايه البجاحة اللي انت فيها دي ، بــتعمل ايه هنا مع اختي ؟؟؟"
طالعها "غسان" بصمتٍ وأمسك المشط يمشط خصلاته بحذرٍ واستفزها قوله المستفز ما أن رد بإبتسامة امتزجت بحديثه الجرئ وكأنه يضع ذهولها على الهامش بل وهو واقف في غرفة شقيقتها ! :
_"واحد وجاي يشوف مراته ، تفتكري انتِ بعمل ايه؟"
اتسعت عيني "نيروز" من رده كما نظرت "جميلة" بدهشةٍ في حين واصل وهو يكمل تمشيط خصلاته غير ملقياً اهتمام لوقوفها بانفعال أمامه هكذا :
_" وبعدين هو في حد يدخل على حد كده ، افرضي كنت مثلاً حاضنها أو ..ببوسها!"
حركت "نيروز" رأسها نفياً بخوفٍ من رد فعلها في حين هدرت به "ياسمين" بإنفعال مغتاظٍ.:
_" وأنا لسه هستنى لما أشوف ، ما أنا شوفت خلاص !!!"
حرك هو رأسه موافقاً وأشار بكفه ناحية "نيروز" الواقفة بصمتٍ وارتباك:
_" المدام دي مراتي ، وحامل مني ، جوزها أنا "
أشار "غسان" على نفسه في حين هتفت هي بتهكمٍ وهي تحدج شقيقتها بحدة ثم عادت تردد له بنفس الحدة :
_"جوزها بس قليل الأدب ومش محترم "
_''واللهِ دي بقا وجهات نظر ، إسألي غيرك كده هتلاقيني ملاك برئ!"
نظر بتسليةٍ وهو يتقدم ناحية الشرفة ملتقطاً منها سترته ووصل إلى مسامعه صوتها الساخر منه بشعبيةٍ وهي تردد :
_" حوش حوش جناحاتك مضيقة علينا الأوضه مش عارفه أتنفس!"
إرتدي"غسان" السترة وهو يخرج فوجدها تعنف شقيقتها بجمودٍ :
_" انتِ ايه اللي خلاكي تفتحيله ، وايه الهدوء اللي انتِ فيه ده؟ ساكتاله ليه ؟"
وقف "غسان" في المنتصف ملقياً عليها رده المختصر :
_" ملكيش دعوة ، هتدخلي كمان بين واحد ومراته ؟"
_"ٱه هتدخل لما تكون جاي تضحك عليها بكلمتين عشان توافق وترجعلك من غير ما توضح وتبرر يبقي هتدخل ، انت فاكر نفسك مين عشان تبقى داخل خارج كده وكإنها هيصة ، حتى ولو مراتك في حاجة اسمها خصوصية البيت!"
اندفعت بهذه الكلمات عليه ، وعلى الرغم من انها تضعه بموضع محرج إلا أنه وقف منصتاً ،. إلى أن ردت "نيروز", بصوتٍ عالٍ :
_" بس خلاص كفاية ، ايــه؟؟؟ ، أنا اللي فتحتله ازاي مش هيحترم البيت وأنا اللي دخلته!!"
دافعت عنه لتمحي موضعه المحرج ، فطالعت هى شقيقتها بغيظٍ وصرخت بها عالياً :
_" مبتعرفيش تقوليه اطلع بره مفيش حد هنا ، معندكيش لسان ولا ايه؟"
بادلتها "نيروز" الصراخ وهي تبرر لها حتى تنتبه :
_", انتِ بتقولي ايه؟؟، ده جـــوزي يا "ياسميـــن" ، جوزي انتِ ليه مش مستــوعبة؟؟"
_'' يا جماعة اهدوا ، بس بقا ، كفاية "
هتفت"جميلة " بذلك وانسحب "غسان" من هذا قبل أن يحدث شجار بينهما فيصبح هو المتسبب به ، لمعت عينيها وهي تراه يرحل بعد هذا الموقف مغلقاً الباب خلفه ، فنهرت شقيقتها بنبرةٍ باكية :
_"هو انتوا محدش هيبطل يتدخل في حياتي بقا؟؟؟ حرام عليكم!!!"
اقتربت "جميلة" من خلفها تحتضن "نيروز", بإحتواءٍ ، في حين وقفت "ياسمين", تتنفس بعلوٍ وقررت الرحيل ولكن قبل هذا هتفت بصوتٍ هادئ مغتاظ :
_" انتِ اللي حرام عليكي نفسك ، شوية بقرار وشوية بقرار تاني وكل ده مبيتعبش غيرك انتِ ، جياباه يشتتك بين حــاجتين؟؟ منتدخلش ايه؟؟ انتِ فاهمة انتِ بتعملي ايه اصلاً؟؟؟"
بكت في أحضان "جميلة " ولم ترد عليها سوى بـ :
_" فاهمة أو مش فاهمة دي حياتي وأنا حرة فيها ، انتِ أحرجتيه قدامي وقدام جميلة ،. هو كان لازم تقوليله كدة بالطريقة دي؟؟؟"
حركت "ياسمين" رأسها نفياً. بيأس وكل منهما ترى الموضوع من جهة معينة لذا رددت قبل أن ترحل :
_"انتِ للأسف مش فاهماني يا نيروز ، بس أنا هسكت وهعديها ومش هقول لحد على اللي حصل على الله تحكمي عقلك شوية وتثبتي على قرار"
تركتها بعد ذلك، ورحلت حتى سمعتا الإثنان صوت إغلاق باب الشقة ، فواستها "جميلة" بشفقةٍ وهتفت بإختناقٍ :
_" خلاص بقا يا "نيروز" ، بالله عليكي متعيطيش أنا أصلاً على ٱخرى وعايزة أعيط!!!"
استمعت "نيروز" إلى نبرتها الضعيفة التي على وشك البكاء فخرجت سريعاً تستفهم منها فوجدت دمعتها الوحيدة تفر منها فتشبتت "نيروز" بها بقلقٍ عليها ومسحت وجهها سريعاً ملقية ما حدث مقابل ما رأته برفيقة دربها!!
_" مالك ، مالك يا جميلة، ايه اللي حصل؟"
بالأساس كانت ستأتي لتقص عليها ما يحدث معها حتى تشارك أحدهم الثقل ، سحبتها تجلس وانتظرتها تتحدث ، وبالفعل قررت "جميلة",, أن تتحدث معها وبدأت بضعف قائلة بإختناقٍ :
_" أنا نفسي معرفش ايه اللي حصل فجأة !"
ومن ثم وجدت الترقب وهي تحثها بلينٍ :
_", طب ، اهدي واحكيلي براحة ومتعيطيش !"
هكذا هو الحال ، حزن مقابل حزن احتواء مقابل مواساة وكل منا يعاني ، لم يكن أحدهم بمفرده يعاني ، بينما الحياة مليئة بالأسرار كما الاسرار التي ستخرجها لها "جميلة" من بداية ما فعلته "ميرفت", إلى النهاية وضيق"عز" منها ٱخذاً موقف صعب منها وتجنبه لها!!
________________________
كان التجمع هناك بشقة "عايدة"، والتي جلس بها الٱن "حازم" جوار "بسام" و"عز" و"بدر" ومعهم "حامد" وعلموا أن "ٱدم"وعائلته على وصولٍ ،في حين كانت النساء في المطبخ وبعد صلاة العصر كان هذا التجمع ، يبدو أن "غسان" ضاع عليه فرضه فذهب ليصلي ثم ليأتي منتظراً قدوم "شادي" كما أخبره "حازم" أمس بأن يأتي هو و"منة" ، الكل هُنا عداه "هو" !!
اقتربت "زينات" بعدما تركت "أسماء" معهم تساعدهم ووقفت على مقربةٍ منهم وهي تسمع صوت "حازم" موضحاً لـ "حامد" :
_" متخافش يا حج حامد أنا هروح أوصيهم بالحسنى يمشوا ، أنا مش عايز مشاكل وكل ما يكون ليا حق بحاول أخذه بس محدش بيسكت ويوقف لحد هنا "
_" يا بني أنا بقولك توكل على الله وخليك عاقل بلاش نعيده تاني ويحصل زي ما حصل لـ "غسان"، اه انت ليك حق عندهم بس دي اخر مرة هتقولها ليهم إنهم يلموا حاجتهم ويمشوا بقا ، وأم حسن جاية معاك عليهم مفيش موقف محرج أكتر من كدة ، على الله يحسوا بس!"
وافق برأسه ، وتدخل "بسام" يؤيد مع "بدر"وعز" بإيجازٍ ، فنهض "حازم " مشيراً نحو "زينات " ووقف الشباب تحسباً لشئ حتى يأتوا معه ، سار "حازم ", أولاً ناحية الباب فوجد جرسه يعلو ، فتح الباب وأول ما وجدها تندفع هى "فريدة" التي عانقته سريعاً وخلفها"ٱدم", المبتسم مع "شقيقته"وأولادها ، عانقها بتأثرٍ فخرجت تعانق"والدتها " بحبٍ وسألتهما:
_"رايحين فين؟"
_"ادخلي يا "فريدة " على ما نيجي ،مش هنتأخر!"
هتف "حازم" بذلك ورغم غرابتها ولكنها وافقت وهي تدخل مع "فاطمة " الذي رحب بها "بدر", هى والأطفال ، أغلق "حازم " الباب خلفه ووقف "ٱدم" يخمن ما يحدث عندما دق"حازم" جرس الشقة ووقف الكل في انتظارٍ ، ففتحت له "مروة" بذراعها المكسور الذي تفاجئ منه البعض فرددت بفظاظةٍ وهي تضع يديها بمنتصف خصرها أمامهم جميعاً :
_" يــا نعـــم؟"
اشمئز "عز"من طريقتها الوقحة ووقف "بسام" ينظر بمتابعة مع "بدر" بينما ترقب"ٱدم" من على بعد بصمت غريب ربما سيتضح فيما بعد لما يصمت هكذا!! ، دخل "حازم" من الباب والكل يتابع بترقبٍ ما أن سأل:
_"أمك وأخوكِ فين ؟؟"
_"مش هنـــا"
إندفع "حازم" بعدها مقترباً بإنفعالٍ صارخاً :
_" أومـــال فيــن ما تردي ، انتِ لسه هتحكــي معايــا!"
هابت تحوله هذا فنظرت بترددٍ نحو وقوفهم حولها وهي الأنثى الوحيدة بينهم ، نظرت بتمعنٍ وردت عليه بتأفف تخفي خوفها وراء هذا :
_"في المستشفي بيغير على جروحه وجبس ضلوعه اللي كسرهاله عديم الرحمة اللي قدامك"
ضغط "بسام" على أسفل فكه وأشار لها ملوحاً :
_" اتكلمي عدل يا بت انتِ "
هل هذا أقصى شئ منه أمام امرأه ، لو لم تكن هكذا وامرأه لاختلف الوضع منه ، ولكنها اندفعت بحرقةٍ وهي تشير بذراعها له أمام الكل مما جعل الكل ينصدم:
_" عدل ايه بعد ما كسرتلي دراعي ، حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفيكم كلكم!"
وقبل أن يندفع بشئٍ وجدت "غسان" يدخل من الباب ملقياً الرد دون أخذ الفرصة من الجميع :
_"لا مش هو ، دا أنا اللي كسرتهولك يا حلوة، تعالي خدي حقك مني يلا!"
طالعتهما ببغضٍ وإقترب "غسان" بسخرية يخبر "حازم" :
_"انت جاي تكلم مين يا متر ؟؟ دي حاولت تسقط مراتي تاني ، هى الأشكال دي ينفع معاها الإحترام ؟ دا أقل حاجة تخرج من الشقة دي وانت هاينها !!"
تفاجئ "حازم" من هذا مع "عز"و"بسام"في حين لم ينصدم "ٱدم" ولا "بدر" الذي علم من "وردة"، فآقترب "حازم", يمسك ذراعها الأخر بعنفٍ وهتف بغضبٍ :
_"الكلام ده حصل فعلاً ؟؟؟"
توجعت من ذلك ففصله"عز" عنها بهدوءٍ وخرجت نبرته الهادئة وهو يسألها :
_" اخوكِ وأمك جايين على امته اخلصي!؟"
تعجبت من دفاعه وإلى الٱن تصبر على ما يمكن شقيقها فعله بمعلومة "عز" يجهل عنها بالطبع مع العائلة ، ولأنها استنكرت احتواءه وتضامنه معهم علمت أن بسبب هذا لا يعلم ..لا تعلم بأنه يكره شقيقه ويبغضه ولم يختلف الوضع كثيراً ، لذا رددت بشفرةٍ قارب على فهمها الكل عداه هو :
_"انت مالك محموق أوي كدة ليه؟ ، أومال لو عرفت اللي فيها؟؟"
هذا القول جعل القلق يسري بـ "حازم" الذي نظر للكل ،وتحولت الوجوه بالنظرات حول بعضها ، في حين لم يفهم"عز" ما يحدث ولم يلق بالاً بل خرجت نبرته:
_" اللي فيها انك تعقلي كده وانتِ واقفة وسط ستة رجالة ،و فـ كل الحالات انتِ خسرانة حتى ولو أخوكي رجع!"
هل هذا تهديد؟؟، ابتسمت بسخريةٍ فإندفع "ٱدم" يلقي رده بوقاحة:
_"وهيفضلوا ستة برضه ، أصل من غير لمؤاخذة سامر ده مش.. راجل ، طب دا حتي انتِ أرجل منه وقلبك جايبك تقفي كدة وسطنا وتبجحي لكن هو معتقدش هيبقي جرئ كدة زيك يا سيد الرجالة!"
قرأت إهانته في التقليل منها ووجهت له نظرة حادة وخرج قولها الوقح الذي استفز الكل :
_"معتش ألا انت تتكلم ، يعني انت اللي فاكر نفسك راجل لما تروح تاخدلي واخدة بواقي غيرك على رأي سـ.."
وبخفةٍ تقدم منها "ٱدم" بعدما هتف بسبةٍ في طريقه لها وعلى فجأه وجدته يمسكها من تلابيبها مقرراً صفعها بآنفعالٍ بعدما صرخ :
_"اخرسي يا بنت الـ**، اياكي تجيبي سيرة مراتي على لسانك. ، فريدة دي أشرف منك ومن اللي زيك يا و*** دا انتِ اللي بواقي يا مره يا ***"
سبات نابية خلف بعضها وقحة بشدةٍ جعلتها تنفلت لم تأت الصفعه كاملة ووقف "بدر", يفصله عنها في حين حاول "حازم" التقدم فمنعه "عز" ، أمام وقوف "غسان" وهو يضحك بخفةٍ وكأن الوضع مسلي ، بل أشعل اللفافة بتسلية وسحب مقعد ليجلس واضعاً ساق فوق ساق وهو يسمع قول "بسام " شقيقه لهم :
_" بس يا جماعة ، مهما كان دي حرمة في بيتها لوحدها واحنا رجالة اللي هيتقال في حقنا مش هيبقي كويس ، استنوا اخوها يجي وابقوا شوفوا الحق "
_"مش لما يبقى بيتها أصلاً "
هذا القول خرج سريعاً من "زينات " التي لم تتدخل من البداية ، تصاعدت أنفاس "مروة" بقمة صدرها وسمعت ضحكته الخفيفة عندما التفت الكل ينظر له وهو يجلس هكذا :
_" طب اقسم بالله العظيم صعبانة عليا ، يعني بتتحرجي وبتاخدي في وشك ومفكرة انك بتهددينا مع ان اللي عندي ليكي انتِ واخوكي وأمك قادر يجلطكم وانتوا واقفين ويخليكم تسحبوا كلامكم اللي بتقولوه ، بس يلا الصبر حلو!"
مد "غسان" يديه على طولٍ ناحية "عز" الواقف وقدم له اللفافة مردداً بابتسامة ليست هينة :
_" تاخد نفس يا عزوة؟"
لم يمنع "عز" هذا بل التقط اللفافة وجلس بجانبه بصبرٍ وهو يخفي بسمته ، في حين عادت الأنظار ناحيتها وهي تصرخ بـ "غسان" بحقدٍ:
_" انا مبخافش ولا بتهدد يا قذر انتَ سامع؟؟ ويكون في علمك انت سيرتك انت ومراتك بقت على كل لسان هنا في العمارة بسببي أنا ولو دكر وريني هتعمل ايــه !"
هل خرج الحديث منها أولاً ، سبها له مرتين في كفة ميزان والكفة الأخرى التي اخفت هذا محتوى الحديث الٱخر ، نهض "غسان" بالتدريجٍ وهاب الكل تهورة في حين خافت هى اقترابه منها عندما هتف بسكونٍ مريب وهى تتراجع إلى الخلف:
_" قولتيلي لو دكر هعمل ايه ،. وقولتيلي ان أنا قذر ، السؤال والإجابة في كلامك انتِ وأنا عليا التنفيذ ، تعاليلي بقا"
اتسعت عينيها من جراءته ، هذه المرة جاءت الصفعه على صفحة وجهها مما جعلها تصرخ مع صراخه الذي خرج وهو يمسك ذراعها يحركها منه بعنفٍ مع محاولة فصله عنها منهم :
_"إلا مراتي يا روح امك ، إلا مراتي وكلامك عليها ، وأقسم بربي أنا اللي حايشك عني انك ولية ، حتة بت لا راحت ولا جــت قادر ابعتر سمعتك على الأرض وأخلى العمارة الطويلة العريضة دي تبيع وتشتري في سمعتك ، تيجي أوريكي ؟؟"
أراد تخويفها والتقطت التهديد والجدية ، ولكنه بهذا الوقت أراد تخويفها أكثر وبدأ بهذا عندما دفعهم عنه وسحب يديها خلفه مردداً بصوتٍ عالٍ :
_", تعالى أفضحك وأجرسك قدام اللي طلعتي عليا كلام قدامهم ، تعالي أوقع سمعتك على التراب، عشان اللي يقتلك يبقى أخوكِي ، وساعتها مش هخسر ، لا دا أنا هقف واتفرج!"
اتسعت عينيها بخوفٍ ورفضت بهستيرية وهي تحرك رأسها ووقفت مكانها تحاول التملص في حين كاد أن يتحدث"حازم", بمفاجأة ولكن طمأنه قول "بسام " على الرغم من انه شعر بالضيق من ما يفعله شقيقه الذي نفذ صبره:
_" مش هيعملها يا حازم ،ارجـع !"
ترك "غسان" كفها بعد هذا ودفعها حتى سقطت على الأرض في تشفي من "آدم" ومنه ، فوقف"بدر" يقطع هذا البكاء منها وهو يسألها أمام خوف "زينات " قبل قليل من ما كان سيحدث :
_" ردي علينا وقوللنا هم جايين امته بدل ما نستنى وتضيعي مننا بالشكل ده ، كله لأجل مصلحتك وانتِ حره! "
ظهر قولها الباكي وهي توزع نظراتها الخائفة بين "غسان"و"ٱدم" ورددت في تقطع :
_"مــعرفــش ،. معرفش هيجوا امته بس هم خارجين من زمان يعني قربوا لو مش هيروحوا مكان تــاني!!"
استشفوا الخوف فسار "بدر", أولاً وهو يشير لهم بحزمٍ ولم يخرج إلا عندما أشار لـ "ٱدم وغسان" أولاً فسار الإثنان ناحية الخارج ومن ثم البقية ، فأخذت "زينات " مفتاح شقتها بذكاءٍ حتى عندما يعودوا ويرفضوا فتح الباب تفتحه هىٰ!!
وقف "غسان" على أعتاب باب الشقة مع "ٱدم" ، فدخل "حازم" يكبت كل هذا لوقت معين ودخل بعده "بسام" في حين أشار "بدر" لـ"غسان وٱدم" :
_"ادخلوا يلا!"
_"جايين وراك"
هتف "ٱدم" بذلك فوقف "غسان" يتفحص هاتفه ودق الهاتف على أحدهم ورد أمام الٱخر دون أن يأخذ فرصة الترحيب ، فالأمر مُدبر ، ألقى كلمات مُنبهة دون ذكرها وأغلق الخط بعدها أمامه ، فسأله "ٱدم", بترقبٍ :
_"ايه الدنيا؟!"
_" تابعت معاهم وبيقولوا انهم مستنين وهيتصرفوا يجيبوه وييجوا"
وكأنه تناسى ما كان به فسأله بقلق من عدم سير الخطة كما هي مرسومة!:
_" وهو موافقهم وجاي؟"
طالعه "غسان" وهو يلقي عليه السؤال فبادله الإجابة بوضوحٍ وثبات:
_" والله يجي بمزاجه يجي مربوط يجي ميت ..لازم يجي!"
وصمت بغرابةٍ قبال سؤاله وكأنه لم يجرب هذا من قبل ،. ذلك الذي وقف أمانه فسأله "غسان"مجدداً وهو يرى شكه :
_" وكأنك مش عارف الكيف بيضيع العقل إزاي ، وبيذل ما كان مين يروح بياعه يجري وراه!"
صمت "ٱدم" أمام قوله ووقف ينظر بشرودٍ في حين فُتح باب شقة "سُمية" والتي خرجت منه "نيروز" مع "جميلة"، وقعت عينيه عليها فاقتربت منه أمامهما ونظرت بأسفٍ لما فعلته شقيقتها فقطع أي حديث سيخرج أمامهما وأشار لها قائلاً بهدوء:
_"يلا ندخل!"
بالفعل دخل "ٱدم" و"جميلة"، فطالعته "فريدة" من على بعدٍ واقتربت تسأله باهتمامٍ :
_"كنت فين!"
_" كنت واقف شوية مع غسان بره!"
دخل معها ناحية الداخل وجلس على الأريكة فجلست هى بجانبه، واقتربت "نيروز", من"جميلة", تواسيها مجدداً وكان آخر قولها بهمسٍ وهما يقفان معاً على مقربة من الشرفة التي توجد بالصالة أمام متابعة "عز" لها بحرصٍ :
_" متزعليش يا جميلة ، متحطيش في دماغك اللي حصل ده ، وصدقيني الحمل ده نصيب ورزق من ربنا وفي لحظة غير متوقعة هتلاقيكي مصدومة ان ازاي ده حصل ، وبعدين زي ما رديت وقولتلك مرات خال عز دي عايزة الحرق وموضوع انها بتدايقك في الرايحة والجاية وراه إن ، وانتِ بتقولي عندها بنت ، اتجدعني كمان يا خايبة مش بدل ما تاخدي بالك انها غيرانه وعايزاه لبنتها ، خافي على جوزك يا جميلة ومتتصرفيش من دماغك ولا تتسرعي زيي ومتسمحيش لواحدة زي دي تبوظلك دماغك وحياتك ، عز بيحبك ورد فعله طبيعي على فكرة!"
ألقت عليها "نيروز"هذه الكلمات من قبل وترددها مجدداً كي تنصحها وتزامناً مع استماعها تلاقت عينيها مع عينيه وهو يتابعها بإهتمامٍ ، فحركت رأسها ناحية"نيروز", وأومأت برأسها وخرجت نبرتها بيأسٍ :
_"معرفش يا نيروز ، معرفتش اتصرف، أنا زي ما بقولك الكلام وجعني وخلاني افكر واتخيل الوحش بسبب طريقتها ، وهو احرجها وهي مشت زعلانة وخايفة مامت عز تزعل وتاخد موقف مني وتقول اني جاية أوقع وأخر بالدنيا !"
_"بطلي عبط يا جميلة ، مامت عز ميحقلهاش تعمل كده أصلاً ، انتِ اللي متقلل منها في بيتها وانتِ اللي معاها ومرات ابنها ، وهي اللي ضيفه ، انتِ مرات ابنها مش هتبقِّي حد على زعل ابنها ، متحمليش نفسك ذنب انتِ مش غلطانة فيه ، فكري كويس بس فإنك تراضي عز عشان هو رفع من راسك وانتِ روحتي تمشي ورا كلام واحدة في نيتها توقع بينكم أو توتر علاقتكم ببعض ودي البداية، هو طبيعي يزعل وطبيعي اللي عمله معاها لأن بعد كده هتيجي تقولك وتتجرأ بكلام يشكك في عز بعد ما تتمكن من دماغك ، وهو ده اللي مزعله انك مشيتي وراها معمية من غير تفكير! فـ أومال بعدين ايه هيحصل!!!"
تاهت بعقلها وزفرت أنفاسها بتعبٍ وحركت رأسها توافق مراضاته في القادم لا تعلم ما ينتظرهما هما الإثنان ؟ ، جاءت "فريدة" بعدما انتبهت لهما حينما نهض "ٱدم" ليجلس مع الشباب فعانقتهما بتأثرٍ وقالت بصدق :
_" وحشتوني أوي أوي!"
_" انتِ كمان وحشتيني يا فريدة، متزعليش مني كنت ناوية ازورك امبارح بس حصل حاجة غصبتني مجيش "
كان هذا قول "نيروز" التي تعمدت عدم قول أنها زارها التعب وذهبت للطبيبة ، حركت "فريدة" رأسها بمعنى لا شئ وتقدمت تقبل وجنتي "نيروز", بمرحٍ وهتفت تمزح معها :
_" نيروز براحتها ، أنا مش زعلانة ، هو حد يزعل منك برضه؟"
هل امتزجت كلماتها وطريقتها بطريقته؟ ، ضحكتا الإثنان عليها وعلى كلماتها ، في حين على بُعدٌ كان اثنان منهما بلا عقل ، أحدهم معها وهى تنظر له بأسفٍ على ما اقترفته بحقها وحقه وكان "عز وجميلة" والأخرى تنظر بأسفٍ أقل من الأسف الأول عن ما فعلتها شقيقتها به وكان "غسان ونيروز"!
نهض "بسام" يدخل الشرفة مع "فرح" و"ياسمين" اللاتان يلعبان مع الصغار في مرحٍ وخفةٍ فشاركها هذا وهو يقف بجانبها فتعمدت "ياسمين" تركهما كي تدخل لتراهن في المطبخ إلى أين توصلن ولم تغفل عن نظرات "غسان" التي تحاشت النظر إليه وهي تراجع عقلها ..
وما جعل "نيروز", تترقب أنه وقف في ركن ما يجيب على هاتفه وما لا تستطع تصديقه أن "ٱسماء" خرجت من الغرفة الٱن ونظرت إليه وهو يتحدث في الهاتف فآقتربت منه وهو ينهي المكالمة كي تعلم ماذا عليها أن تفعل وهي تعلم أن مساعدته لها ستنفذ اليوم ، غلت الدماء بعروقها وهي تتابعهما ،. في حين تابعت "فريدة" هذا ومنعت نفسها من التوضيح لا تتوقع رد فعل "نيروز"!! ،
_«كمان شوية هشاورلك تنزلي ابقي تعالي ورايا عشان لو سامر كان رجع وطلع انتِ اللي هتيجيبه وتنزليه ، لكن لو مرجعش أنا هتصرف وألحقه!»
_«يعني سامر هيعرف؟»
سألته "أسماء" بخوفٍ ، هل تسأل الٱن؟ كيف وهو مملي عليها ما سيفعله لأن الأمر يتطلب موافقة منها ، نظر بإستنكارٍ ورد بجدية:
_ « لازم يعرف عشان بعد اللي هيحصل ، انت ِ مش هتكوني تحت ايده ، لو هوب نحيتك أنا هقفله متخافيش»
حركت "أسماء" رأسها بموافقة ، ونظرت له بإمتنانٍ ولانت نبرتها وهي تشكره:
_" أنا مش عارفة اقولك ايه يا غسان بجد ، أكيد كلمة شكراً قليلة ، أنا عارفة ان حياتك متوقفة وبايظة بسببي بس أنا ملقيتش المساعدة غير فيك ومكنتش متعشمة تساعدني بس ربنا وقعك في طريقي ، يمكن نيروز هتعرف مع اللي هيعرف بس أنا لولا خوفي كنت كلمتها أنا !"
تابعت من على بُعد كل هذا ، هل يبتسم الٱن ؟ ، اتجهت "نيروز" بسرعة ناحيته ودفعتها بذراعها ببطئٍ وهي تسألها بإستنكارٍ :
_"هو في حاجة يا حبيبتي؟ ، أصل شايفاكي من بعيد واخدة راحتك وبتتكلمي بعشم ،وبتبتسموا لبعض ما شاء الله والله أكبر ابتسامته هتاكل من وشه حتة زيك كدة "
لم تترك الفرصة للرد بل تلمست ذراع "غسان" بضغطٍ تقرصه بتهديد وهى تلتفت وأكملت وهي تنهره بعينيها:
_"مش كدة يا غسان ولا انت ايه رآيك؟؟"
نظر "غسان" لها وهو يسحب ذراعها ناحيته بجدية وتحذير ، في حين خرج. أسف "أسماء" بشفقة عليها من ما تعاني به بسببها هى ولم تفهم "نيروز", سبب الأسف بوضوح حينها :
_", أنا ٱسفة يا نيروز "
تركتها وهي تبتسم نصف ابتسامه لم تصل لعينيها ورحلت تحت تعجب "نيروز" ودفعها له بعنفٍ وهو يمسك ذراعها ورددت بآنفعالٍ مرتفع:
_" ابعد عني كدة ، انت ايه البرود والبجاحة اللي انت فيها دي ، واقف معاها قصاد عيني وبتلطف كمان؟؟؟، هو انت فاكرني ايه مبحسش؟ معنديش زفت مشاعر!؟ مش معنى اني واقفت أصبر أشوف نهاية ده كله ايه تبقى تسوق فيها انت وهي ، قدامهم ، عارف يعني ايه قدامهم يعني قدام ناس لسه شاكين وأنا في نظرهم قليلة !"
نهجت بعد هذه الأقوال المندفعة التي ترقب لها من على بُعد بعض الأنظار وكانت من بينم أنظار "حامد" و"بدر", و"عز"،"جميلة". "فريدة" ،و"حازم"!!
_"وطـــي صـــوتِك!!"
أشارت بيديها أمامه ،. تلك الحركة التي تزيد من انفعاله ، هدرت بعنادٍ :
_" لا مش موطـ.."
بتر هذا القول بتشنجٍ عندما قبض على مرفقها وقبل أن تشير بذراعها الٱخر سحبها لداخل أول غرفة تقابله فأشار لهم "حامد", بالتراجع كي لا يكبر الموضوع بتضخمٍ ، في حين حاولت دفعه عنها في الداخل وقدر حرقتها هذه لذا صمت وسكن وهو يسمعها تردد مجدداً :
_" انا نفسي أفهم حاجة واحدة بس ، هو انت ايه, انت ايه وفاكرني معاك ايه ؟؟"..
تصاعدت أنفاسها بمقدمة وصدرها وهي تنهج من جديد ، فإقترب يمسك كفيها برفقٍ ونبس بلينٍ يبعدها عن هذا الضغط بدلاً. من أن يحدث انهيار :
_" اهدي!"
حتى قدرتها على تحمل أي شئ ضاعت ، أخفت وجهها بتعبٍ وقاومت على عدم البكاء أمامه ، حثت نفسها على الهدوء بدلاً من أن تؤذي صغارها بشئ ليس لديها مقدرة على منعه ، فخرجت نبرتها الأهدأ وهي تلومه:
_", أهدى إزاي ، ممكن تقولي طريقة أهدى بيها يا أستاذ غسان يا برئ؟؟عشان ٱنا عبيطة وغريبة أوي لما أشوفك في الموقف ده ومتضايقش؟"
سخرت منه ومن الوضع ، فجارى هذا واقترب يمسك ذراعيها مردداً :
_" أنا عندي الطريقة!"
هل يعبث الٱن ؟ ، اقترب منها محاوطاً ظهرها واحتضنها بإحتواءٍ فحاولت التملص منه بضيقٍ قبل ان يقترب أكثر ودفعته بعنفوانٍ. مرددة بصوتٍ أعلى :
_" أوعىٰ كدة ، هو انت ايه ؟ ما بتصدق؟؟؟"
ضغط على فكه متحملاً هذا الإنفعال وسرعته ، ووقف متيقناً بأنه فشل في هذه اللحظة بأن يلهيها ، رجع إلى الخلف خطوتين ما أن دفعته مرة ثانية بغيظٍ حتى تستطع الخروج مُردفة قبل أن تترك له الغرفة:
_", إبـعد عني قولتلــلك.. الله!!!"
إلى متى سيتحمل هذا ، تركها تخرج مغمضاً عينيه بثقل وما يجعله يصبر هو اقتراب النهاية لكل هذا ، خرجت بضيقٍ. منه ، ووجدت الفتيات بوجهها فإبتسمت بطريقة زائفة لهم ووجدت "منة" تندفع في عناق لها ومن خلفها خرج هو فوجد "شادي" يقترب منه بعناقٍ مَرِح بعدما جاءوا من الخارج ،
عادوا من جديد وخرجت النساء بعد انتهاء الطعام وبين الجلوس ومع الوقت نهض "حامد" مردداً لهم بأنه سيؤدي فرض المغرب هنا جماعة فذهب الكل ليتوضأ وقرروا بأن من يقف إمام هو "بسام"، فسعدت "فرح" من هذا كونه يحفظ الكثير من القرٱن الذي قرأه معها من قبل ناصحاً اياها بذكره عند تعب والدتها ، وقف في المقدمة وفي موضع الصالة الواسع وكان الرجال أولاً خلفه ثم النساء والفتيات..
_«الـلّٰــه أكــــبــر»
بدأت الصلاة وكل منهم يفكر بشئ في حياته، الشئ الوحيد المستمر بينهم هو الإستمرار رغم ما يجري من متاعب معهم ، هو هنا يدعو الله بأن كل ذلك يزول لأنه فقد قدرة التحمل والصبر وأن تتقبل ما هو قادم وان يحفظ له صغاره خوفاً عليهما وعليها ، والٱخر يدعو بصلاح حياته وهدوء أيامها وهداية زوجته وعقلها وأن يكرمهم ، وٱخر يدعو بأن تتسحن حالتها وأن تصبح قادرة على أي شئ معه أو بدونه ، وٱخر يدعو بالصبر والرضا والطمأنينة على قلبها لأنها فقدت قدرة الانجاب مجدداً ، وٱخر يدعو بزوال العقبات والعيش في راحة فيكفي ضياع عمله بالتدريج وأصبح أقل من ذي قبل بسيب بصمة والده في المهنة والسُمعة التي خرجت عليه ولكنه لازال يستمر!! ، من دعا لهم جميعاً. كان رجل صاحب قلب طيب لين يذكر أولاده أولاً في صلاته ثم ابنته التي تهاب اختباراتها ذهبت لبعض منها فيما مضى وتبقي الأكثر! ، هي نفسها تناجي ربها الٱن وبجانبها أخرى تدعو الله بالهداية لنفسها كي ترتدي الحجاب ولم تكن سوى "منة" التي دعت لـ "شادي"
فكان سبب اختفاءه ليس هين حينما علم أن شقيقه قُبض عليه في الخارج وكان حزيناً لأجله مهما فعل به ، وهي بجانبه تحاول مواساته وتشفق عليه كلما ترى بأنه يمرح دائماً ولم يعط للحزن حقه مما يجعله يضغط بإنهاكٍ بينه وبين نفسه! ،وأخرى بجانبها تدعو بالرزق والصلاح لأطفالها وأن يديمها الله ويعينها على تربيتهم بدون أب!!، حتى هذه مسئولية صعبة!!
_«الســـلام عليكُم ورحـمـة الله ، الســلام عليكـم ورحــمة الله»
تم التسليم والمدح بصوت "بسام" الذي نهض بعدما رد عليهم فنهضت"فرح" خلفه تقف معه مع نهوض الكل وإعداد السفرة والتجهيز لها ما ان قالت "عايدة" :
_" يلا هنحط الأكل يا بنات!"
تقدمت الفتيات وقبل أن تسير "فرح" قاطعها"بسام " بعدما دخل الشرفة وهي خلفه ، فكادت أن تخرج ما ان استمعت لقول "عايدة", ووالدتها تؤيد قولها مع النساء ، امسك مرفقها بحنوٍ وسألها بابتسامة واسعة :
_" استني .. كنتي عايزة تقولي ايه؟"
ابتسمت "فرح" بخجلٍ ولم تمنع قولها بإجابتها وصارحته وهي تبادله التمسك بيديه:
_"كنت عاوزة أقولك ان صوتك مريح في القرٱن أوي ، كنت فرحانة وأنا بصلي وراك "
_" عقبال يوم فرحنا لما تصلي ورايا كدة واحنا بنبدأ حياتنا بالبركة دي مع بعض!"
نظرت بحياءٍ وتركت كفه في حين طالع عينيها بشغفٍ وقال:
_"قسماً بالله هموت وأعرف روتين رموشك ايه "
خرجت ضحكتها بخفةٍ وتركته تخرج وقابلت "عز" الذي دخل بفضولٍ ينظر فنظر "بسام " إليه رافعاً كفيه بمشاكسةٍ وقال:
_"وربنا مراتي وحقي ، ملكش كلمة عليا ، خلاص معتش هستخبى منك!"
أشار له "عز" بسخرية وضحك وهو يردد :
_'' قال يعني وانت كنت بتعرف تستخبى أوي اتلهى يا بسام ، أنا لو هضمن حاجة في العبط ده هضمن انك مش هتعرف تخون أختي!"
ضحك "بسام " بعلوٍ وقبل أن يشعل "عز" اللفافة التقطها "بسام " منه وقال بسخرية منه ومن حال شقيقه :
_" هو أنا هلاقيها منك ولا من غسان ، ما تهدى يا معلم ، العشا لسه بيتحط وبنقول بسم الله!"
ابتسم "عز" محركًا رأسه بغير اكتراث واعتدل ينظر بشرودٍ ناحية السور وهتف:
_" اهو أي حاجة الواحد بيطلع فيها الهم، كتر خير الدنيا انها وقفت معايا على كده!"
استشعر ثقله وأراد احتواءه ولكن عجز عن هذا خوفاً من ان يتدخل فيما لا يعنيه بينه وبين زوجته فإلتزم الصمت محرجاً من الموقف ودخلت "جميلة" حينها فضرب"بسام " كتفيه بإنتباه وخرج من الشرفة ،تزامناً مع تقدم "جميلة" وهي تنظر له ورددت بترددٍ :
_" العشا جهز يا عز ، يلا عشان ناكُل"
_"طيب"
رده المختصر هذا جعلها تقترب منه وهي ترفع رأسه ناحيتها وقالت بأسفٍ:
_" متزعلش مني يا عز عشان خاطري ، والله العظيم أنا مقصدتش أسمع كلامها أنا خوفت بس ، بس بعد كده مش همشي ورا كلام حد والله ، متزعلش!"
كلما تردد أي شئ بلهفةٍ شديدة يتأثر هو ،. خاصةً عندما لا يكون لديها ذنب وتتأسف ، هذا سبب له وجع وضيق ، وعلم أن بسبب أفعال والدها وتربيته معها جعلها هكذا تهاب وتخاف أقل الأشياء وتحاول اصلاحها بالأسف منذ ان كانت صغيرة لا تفقه شئ ، تعلقت عينيه بعينيها اللامعة بضعف أمام ضعفها وابتلع غصته هاتفاً بصوتٍ هادئ :
_"أنا زعلان عليكي يا بنت الحلال مش منك ، زعلان عشان انتِ اقوى من ان اي حد يأثر عليكي التأثير ده، أنا عايزك قوية مش عايزك ضعيفة ، الضعف مش لا يق عليكِ ، عايز لما امشي أروح هنا ولا هنا أكون واثق ان سايب مراتي قوية عمر ما حد يأثر عليها ولا يعرف يجي عليها في غيابي، عشان مهما يحصل يتعرف ان المعلم عز سايب في بيته ست بمية راجل ، مش عايز الاستسلام السريع يبقى من توبك يا جميلة ، أنا بتعب لما بشوفك كده!"
سقطت دمعتها وهي تنظر به بأسفٍ ، فتمسكت بكفه إلى أن تشبت به فنطقت هى :
_"أنا قوية بيك يا عز ، قوية بيك انت، أوعى تزعل مني في يوم وتبعد أنا ضعيفة من غيرك ومش خايفة أقول كده لأي حد يقابلني ، انت غيرتني وخلتني أبص للدنيا بعينك ، عينك اللي بتشوف كل حاجة جميلة زي قلبك ، عمري ما عرفت اني استاهل كل حاجة حلوة إلا ما قابلتك!، أنا مش مستعدة انك تسيبني أو أخسرك "
مسح وجعها بكفه الخشن واحتضنها بإحتواءٍ فابتسمت من بين تأثرها وقاومت على عدم البكاء الٱن فوجدته يربت على ظهرها مردداً :
_" حتى عز وقلب عز مشافوش غيرك انتِ وقلبك وعرفت برضه ان كل حاجة حلوة متعانة ليا فيكِ ، انتِ حلو الأيام يا جميلة عشان كدة مش عايزك تبقي كدة تسمعي كلام أي حد ماشي من غير تفكير!"
حركت رأسها بتأثرٍ وابتلعت ريقها تعانقه من جديد ما أن هتف بجوار أذنها قائلاً يذكرها :
_طب هو أنا مش قايلك قبل كدة ؟"
سألته وهى على وضعها بنبرةٍ هادئة :
_" قولتلي ايه طيب ؟"
_" ان كل واحد هيفضل في ضمة التاني!"
ابتسمت بسعادة من جملته ، هل عاد لها مجدداً ؟ لا تعلم هى ما يخبئه القدر لهما فيما بعد ، ضمها بتشبتٍ. وهو يبتسم ، فكلما تعمد القسوة يلين سريعاً بسبب ما عاشته في طفولتها لم تجد حنان قط وهو عاهد على أن يعوضها !
انتفضت ما أن وجدت"شادي" يهبط الزجاجة من على فمه وهتف بمرحٍ وهو يدق المقعد:
_" يا روميو ، ما تـ يلا العشا مستنيك مش وقته!"
اعتدلت "جميلة", بخجلٍ وخرجت من الشرفة في حين ضحك "عز" علي كلماته واقترب الاثنان معاً ناحية الخارج حتى يجلس كل منهم على سفرة الطعام الذي إجتمع عليها الجميع وبدأ كل منهم في تناول الطعام "العشاء" في حين تعمدت "نيروز", الجلوس بجوار والدتها و"جميلة" بينما هو طالعها بصمتٍ وجلست "أسماء" بجوار "زينات" وصاحت "عايدة" في لباقةٍ :
_" متجمعين دايماً في الفرح ان شاء الله"
رد الكل عليها بإبتسامات وحديث مُمتن! ، واستمرت الجلسة هكذا بحديث عشوائي ونظرات مجهولة ، ونظرات أخرى بعالم ٱخر مع "بسام"و"فرح" التي ضحكت بخفةٍ عندما مال يهمس لها :
_"تصدقي بالله ، جوزك بيطبخ أحسن من كده!"
على الرغم من ان الطعام له مذاق جيد ولكنه حاول مشاكستها فضحكت وهي تسأله بمرح :
_" يعني هتساعدني وتطبخ معايا ؟"
أكد برأسه بإبتسامة و في سعادة وهي تكمل تناول الطعام أمام نظرات "عز" لسعادتها هذه هو ووالدته ، وعاد ينظر فوجد "جميلة" منشغلة بالحديث مع "نيروز"، ووقعت عينيه على "غسان" الذي كان يتابع الثانية، بينما كان "ٱدم" منشغلاً بالصغار بحثهم على تناول الطعام بسكون دون مشاجرة وساعده "بدر" في هذا هو و"،فاطمة" التي ابتسمت بحب ناحية "وردة", وهي تحاول اطعام صغيرها فأخذته "سمية" تطعمه بدلاً عنها كي تسطع أن تأكل ابنتها..
وخلال وقت قصير انسحب كل منهم واحد تلو الٱخر إلى أن نهضت الفتيات والنساء بالنهاية يحملن الصحون والأطباق ناحية المطبخ ، وعاد الشباب و"حامد". يجلسون في تجمع الصالة بالمقاعد الملتفة حول بعضها ، خرجت "وردة" بصينية عليها مشروب "شاي" لمن يفضله بعد الطعام و"نيروز" التي حملت صينية العصائر و"فرح", التي حملت أطباق الحلويات مع " جميلة" وزجاجة المياة بكوبها مع "منة" ،قدمن هذا وخلفهن البقية ، فأخذ "بسام" منها حلوى مرددا ً بمرواغةٍ :
_" حلويات شايلة حلويات والله "
ابتسمت "فرح" بخجلٍ وآعتدلت في حين تقدمت "نيروز" بالعصائر نحو "غسان" فوجدته يتعمد اختيار الطعم الذي يسبب له حساسية بجسده ، فمنعت هذا بحزمٍ وقدمت له ٱخر مرددة :
_" خاف علي نفسك شوية!"
هل هذه سخرية مع حزم ؟. ، تركته واعتدلت بعد ذلك تدخل المطبخ ، في حين دق هاتفه فنهض يجيب عليه مع مراقبة "ٱدم" له وهو ينتظر الإشارة فهو ان هبط سيذهب لجلب شئ أوشخص متفق عليه بتدبيرٍ مع "غسان" فراقبه مع "أسماء" التي تنتظر هى الأخرى وما ان أشار لها "غسان", عدلت حجابها تنظر ما ان يراقبها أحدهم أم لا وانسحبت بهدوء ناحية الخارج وخلفها "ٱدم" مع "غسان"ومن بين انشغال البقية خرج الثلاثة.!!
خرجت "نيروز" تبحث عنه بعينيها ولم تجده ، فوقفت مع "جميلة" في حين بحثت "فريدة" هى الأخرى عن "أسماء" ولم تجدها فتوقعت أنها رحلت الشقة الأخرى لجلب شئ بعدما علمت أن سامر ووالدته لم يكونا موجودان إلى الٱن يبدوا أنهم خرجا معاً قليلاً في الخارج والعودة لم تكن مباشرة بعد الكشف ، فبحثت هى الأخرى عن "ٱدم", بين الرجال ولم تجده!!!
_____________________
«كل شيء هنا يزدهر إلا أنا.»- أورويل-
عداه هو لا يزدهر ابداً ، غير قادراً على الازدهار! ، ضاع عقله هباء قبال أشياء كثيرة أخرى وعى عليها ، وأخرى هو من فعلها وكان السبب بها ، ماذا بعد؟
الٱن مصطلح "مدمن",قليل على شخصٍ مثله. شخص ان كانت وافقته الحياة في تربية سوية كان المحتمل بأن لا يكون هكذا ، حتى هو نفسه غير قادراً على أن يُفكر بفكرة التحسن، طاقته مستنزفة وهو من استنزفها بنفسه
ثم يسأل نفسه ، ماذا علىّ أن أفعل؟، ماذا بعد؟ ماذا بعد التحسن والتغيُّر؟
لم يجد هنا أي شخص بجانبه كسند ، وهو من فعل ذلك وجعلهم ينفرون منه، ٱخر مرة شعر بها بالخذلان لم يستطع حتى ان يتقبل احتواء والدته! ، لم يتقبل أي شئ على الرغم من أنه كان يريد ضمة ، أو عناق!
ما أقسىٰ أن يضيع المرء ويكون هو سبب ضياعه وهلاكه، ما أقسىٰ أن يكون المرء شاعراً باقتراب الموت بعدما سقط في الهاوية ولا يستطع فعل شئ ولم يجد من ينصفه وينقذه!!
يتلفت الٱن حوله بريبةٍ ، يحك أنفه ورقبته يحك ذراعيه بفقدان الانتشاء ، زاغت عينيه وهو ينتظر ، لا يعلم هو أن هذا الإنتظار جاء به أحدهم من خلفه ووجد من بعدها الظلام في الشئ الذي لبسه في رأسه رغماً عنه بواسطة أحدهم في هذا الشارع الجانبي المخفي ، وجد نفسه يُكتف بسرعة ويُحمل حتى وُضع داخل سيارة سوداء سارت بعدها بسرعة قياسية ما أن هتف زعيمهم لمن يتبعه من سائق السيارة وصديقهم في الخلف :
_" إطلـع بسرعة!!"
يحاول التملص تخرج منه سبات بذيئه كي يتركوه ولكن ضربه أحدهم بإحترافيةٍ ضربة فقد الوعي بها لفترة قصيرة جدًا بعدما هتف بصراخٍ ، صراخ جعلهم يفعلون هذا حتى لا يُكشَفوا :
_"انتـــوا مــين ، سيـبوني ، سيبــوني يا ولاد الكلب وديني لأعرفكم يا ***"
لا يعلم هو أنهم هم نفسهم الذي ينتظرهم ؟ ، أين عقله كي يربط الأحداث ببعضها؟، انطلقت السيارة في هذا الظلام قبل أن يتم فضحهم بواسطة حنجرته التي بُخت وهدأت بإستسلام وبالتدريج لفقدان الوعي المؤقت هذا ، ومن ثم أخرج من بعدها أكبرهم مقاماً هاتفه ليطلب رقم "غسان" في الحال يخبره بأن الخطة بدايتها قد تمت بنجاح ينقصهم الإنتظار منهم في داخل محل الورد!!
_« مساءك خطط ونفذ ، واتنفذ يا كبير!، حصل و راكبين طيارة وجايين في السريع»
ظهر الصدق بالتنفيذ في كلماته السوقية العشوائية ما ان سمعها "غسان" على الجانب الٱخر وعلى مقربة كانت تجلس "أسماء", تفرك يديها بتوتر تنتظر قدوم "ٱدم" بما كلفه به "غسان" الذي أغلق الخط واضعاً الهاتف في جيبيه ناظراً نحو الباب المغلق ، جاب عينيه جلوسها هكذا ولكنها وقفت سريعاً تقترب وهتفت في توترٍ :
_" أنا ..أنا خايفة ، أوعى تكون عملت في حسن حاجة "
في الأونة الأخيرة بعدما كان يدخن بين الحين والأخر أصبح يدخن بشراهة مقنعاً ذاته بأن هكذا يتم تخفيف الضغوط!! ، اقتناع ليس في محله اذن؟، أشعل اللفافة ناظراً لها بتمعنٍ وهتف بجديةٍ يجيبها :
_"لسه معملتش!"
برقت عدستيها ولم تمنع سؤالها بأن يخرج ما أن هتف ذلك أمام خوفها:
_" يعني انت هتأذيه؟ انت مش وعدتني انك مش هتأذيه؟"
_" انتِ عارفة إيه أكتر حاجة أنا بكرهها؟"
سألها بهذا وهو ينظر إليها بتهكمٍ ، فحركت "أسماء" رأسها بتساؤل جعله يجيبها وهو ينسق الورد :
_" إن حد يقول حاجة على لساني أنا مقولتهاش!"
ابتلعت ريقها وهي تنظر في موضع ما يفعله بتنسيقٍ في حين أضاف وهو يعتدل ملتفتاً لها :
_" زي ما انتِ عملتي بالظبط ، وأنا غرضي أساعدك ، ولو كان بإيدي أساعدك من غير ما حد يعرف كنت هعملها بس انتِ فاهمة حاجة زي دي لازم تتشهر ،لكن أنك تتشرطي عليا وتقولي حاجة أنا موعدتش بيها كده بقا نزعل من بعض ونجيب كمان ناس نزعل!!"
_"أيوة بس انت فإيدك تموته وأنا من حقي أخاف ، من عايزة الأذى يطوله ،. في ايه هتجوزهولي وفي ايه ناوي على الشر ليه!"
اقترب "غسان", بالتدريج يفتح الباب بزاويةٍ ثم هتف وهو ملتفتاً بظهره يعطيها الجواب الذي وترها أكثر وهو ينظر ناحية الخارج:
_" وماله ، تبقي أرملة , ٱخر واحدة تكوني أرملة ولا ايه؟!"
ترددت عينيها في النظر ناحيته وسالت دموعها منها في محاولة لإخفاء وجهها فعندما إلتفت ينظر لها نظر بسكونٍ غريب قطعه اختراق أذنيه لصوت السيارة ومن بها في متابعة لمراقبة المارة حتى يهبطوا ناحية الداخل في حمله سريعاً ، وجد "غسان", الرسالة ففتح الباب ينظر ووجدهم يهرولون بحمل "حسن" ناحية الداخل هم الخمسة أمام عيني "أسماء", التي هرولت تهتف بخوفٍ :
_" حسن!!!"
انحنت سريعاً تتفقده بخوفٍ وأعين باكية ، في حين طالعها الشباب بتفحصٍ سرقه منهم "غسان" الذي فتح أحد الأدراج موجهاً لأحدهم الحبل قائلاً بإيجاز:
_" أربطه "
حمله إثنان ووقف زعيمهم برفقة "غسان" وربطه اثنان ٱخرين، وفي محاولة من قبل هذا لأخذه من بين ذراعيها فهتفت هي بخوفٍ :
_" انتوا هتعملوا ايه؟؟ هتعملوا ايه ابعدوا عنه!!!"
تم سحبه منها عنوة فبكت بخوفٍ حتى رد عليها من يقف بجانب "غسان":
_" اللي زي ده دمه متعكر يا قطة ان فاق متعرفيش هيعمل ايه ، و مالك محموقة عليه كده ليه؟ ده يبيعك بسرنجة مش بحقنه حتىٰ!!"..
_"كلامك معايا هنا يا معلمة ، ركز "
أدار له "غسان", وجهه كي ينظر له ويتركها ، في حين نهضت هي تقف برهبةٍ تتابع بوجع ما يحدث وتم ربط "حسن", على مقعد خشبي ورأسه تميل بسبب فقدان الوعي ، فاقترب "غسان" منها وطلب منها :
_" دلوقتي بقا افتحي تليفونك كلمي سامر "
أخرجته "أسماء" بخوفٍ وموافقة ، ومن ثم رفعت رأسها تسأله بتقطعٍ:
_"طـ ..طـب أقوله ايـه؟"
أشار لها "غسان" بأنامله ووضح ملاحظاً رجفة يديها التي جعلته يأخذ الهاتف من بين يديها يضعه أمام وجهها:
_" الأول خدي نَفَسِّك ده كده وهدي أعصابك دي خالص!"
حاولت أخذ أنفاسها والخوف لايزال رفيقها ، ارتجافة يديها هذه ذكرته بخوف "نيروز" ورعشتها المماثلة ، راقبها بتفحصٍ تحت انتظارها فتابع كلماته بـ :
_" انت هتسأليه الأول هو فين لو لسه بره هتصرف ، ولو فوق هتقوليله ينزلك بأي طريقة، خوفيه قوليله انك كنتي هتتخطفي وانتِ بره ينزلك.. أي حاجة تيجي في دماغك بس لو شغل العوء أنا مش هحبه وهنزعل!"
حركت رأسها توافق فضغط على الاتصال وأعطى حينها جرس الانتظار، والكل يترقب ،. فهناك اثنين سيجلبونه ان كان قادم أو اثنين أخريين ان كان في الأعلى سينتظرانه في الخارج كي يأتي بنفس الطريقة التي أتى بها "حسن"..
_«أسماء بنفسها؟؟ لسه فاكراني يا بت؟ لسه فاكرة ان عندك أخ مش ناسي اللي عملتيه ومستني لحظة رجوعك عشان يموتك ، يا انا يا انتِ يا أسماء ، استـنـ.."
من بداية المكالمة وهتف هذا بغيظٍ ، لأنه لم يراها منذ ما حدث الذي حدث , بترت قوله وعلى الرغم من ان نبرتها خائفة بطبيعة الموقف إلا انها برعت في حبكها أكثر وهي تسأله بريبةٍ :
_" انت فين يا سامر ، رد عليا بسرعة والنبي؟؟"
على الناحية الأخرى نظر نحو والدته بغرابةٍ وهتف يجيبها بإستنكارٍ من خوفها وأنفاسها الذي يسمعها :
_« أنا داخل على العمارة أهـو انتِ بتتكلـ..."
هذا جيد وأسهل إذن؟ ، قطع "غسان" الخط وأشار بيده بسرعة فخرج اثنان ينتظرانه فهتفت هى بسرعة تنبههم :
_" ماما معاه"
خرج إثنين أخريين ، وأُغلق الباب بسرعة ، بينما هى جلست على المقعد بخوفٍ ملازم لها لا يتركها أبدًا ، سُرقت أنفاسها ما أن استمعت لحركة في الخارج ، فكانوا يكتفون "سامر" ويكممون فم "زهور", مكتفين حركتها هى الأخرى فخرجت نبرة "سامر", المتقطعة من الحركة حينها قد وقع عكازه:
_" انت مين ياض انت وهو ، سيبني يالا سيب امي ، لو توريني وشك عليا النعمة لأقتلك ، سيبونــي بقولــكــم!"
دخلوا بهما في الداخل وأخرى تحاول الصراخ ولكن فمها مُكمم بربطٍ ، جلبا مقعدين وأجلساهما ، وقذف"غسان" حبل لربط "سامر " وسأله أحدهم :
_" طب والحرمة دي !"
_" أديك قولت حرمة ، عضمها على قدها حرام نربطها ، بس لو غدرت وصوتت هنغطيها ونصوت عليها كلنا !"
قال هذا فلم يقتنع زعيمهم وأقنعه بقوله وهو يشير له :
_" با برنس دي من صنف الحريم ، إعمل حسابك على كيدهم وحنجرتهم، سيبهالي أنا هتصرف!"
كيف كانت نبرته الزائفة بريئة! ، تصنع الطيبة وتم ربط "سامر", الذي وجد أن الصوت مألوف ، صوت "غسان" الذي ابتسم بخبثٍ ما أن كُشفت الوجوه واتسعت عيني "زهور" التي كانت تهاب الصبر منه كل هذا ، كما خاف "سامر" وتم تحريك النظرات ناحية"أسماء " الذي نظر لها "سامر", بغضبٍ محاولاً التحرك بالمقعد ولكنه عجز عن النهوض والحركة وهتف بدون عجز في القول :
_'' ٱه يا بنت الكلب يا زبالة ، بتبيعي أخوكي وأمك يا بنت الكلـ ـب!"
معه نسخة أعطاها له "غسان" لذا دخل منها "ٱدم", برفقة المأذون الذي اتسعت عينيه على الرغم من انه يعلم لمحة بسيطة لأن الزواج مفاجئ لستر إحداهن! ، ابتلعت "أسماء" ريقها بتوترٍ واقترب "غسان" ملقياً اللفافة أرضاً وانحنى يرحب به بحرارة:
_" حمد لله على السلامة يا سمرة!"
وأضاف بضحكٍ وهو يشير بذراعه ناحية المشتل بأكمله :
_" محل الورد دِبل بوجودك ، معتم المكان كله يا حبيبي"
تشنجت ملامح وجهه ولاحظ الكل رفع رأس "حسن" بتشوشٍ وجلوس الخمسة شباب بسكون يدخنون سجائرهم بإستمتاع وكأنه أحد العروض المعتادة بالنسبة لهم ولعملهم بهذا دوماً ، اقترب"ٱدم" ينظر بتشفي في حين هتف"سامر "بشرر:
_" هتدفعوا تمن اللي بتعملوه ده غالي ، ورب النار ما هسيبكم ، سامعيـــن؟؟"
نظر "غسان" وهو يضحك ناحية وجه "ٱدم" الضاحك ، ثم اندفع يمسكه من تلابيبه بعنف مردداً بحدةٍ مفاجئة فاجأت "سامر ", والبقية بعد هذا السكون الذي كان به :
_"ده أنا اللي هدفعك تمن كل حاجة وهقهرك ، عايزك تتك على الصبر كده وتاخد صدمتك عشان أخونك فيها وأخد حقي منك ، انا ليا حق عندك زي ما الجدع ده ليه حقوق مش حق واحد ولا ايـه يا بن البدري؟!"
سأل "ٱدم" فأكد بتسليةٍ واقترب يمسك خصلاته ببطئٍ ملتفاً حوله وأكمل هو:
_"لا حقوق دي ايه يا بن عمي ، أنا فريدة دي حقها ميكفهوش حاجة ،بس أنا هتسلىٰ!"
تلقى غمزة وترقبت ملامح الكل عندما خرجت نبرة"حسن " بسكون وهو ينظر نحوهم :
_", انتوا عايزين مني ايه؟ ، جايبني هنا ليه؟"
سأل مستسلماً بوجعٍ جعل"أسماء", تقترب منه فطالعها بتمعنٍ وهرب من عينها وكلما تحاول"زهور" التحدث تفشل ، تشنج وجه "سامر" وهو يهتف محاولاً التحرك:
_"ما تفكوني ، فكوني وهعرف أبوكم يعني ايه تعملوا فيا أنا كده!"
ضرب "غسان" صدره بإستفزازٍ وهتف ببسمة ساخرة :
_" مش ترحب بـ أبو على وتهدى كدة ؟ ، أبو على اللي عايز تجوزه مراتي يا جدع"
خفق قلب "حسن" من ترديده بأنها عادت زوجته ، ابتلع ريقه ونظر بمتابعةٍ في حين سأل "سامر" بإنفعالٍ :
_" انت بتبيع وتشتري فينا يالا انت؟؟ بتبيع فينا وتجيبنا هنا عشان الشويتين دول ؟"
إعتدل "غسان" مبتسماً واقترب من الناحية الأخرى لـ "حسن", وهو يجيب على قول "سامر":
_"أنا لا بعتكم ولا اشتريتكم تجارة الحيوانات أنا مليش فيها!!"
ضغط الإثنان على فكهما وتابع الخمسة شباب بتسليةٍ، في حين وقف "المأذون" بخوفٍ ، فأضاف "ٱدم", وهو يقترب بخوف أخفاه على"حسن" من تهور "غسان"الذي انحنى يهدده:
_" انت بقا يا أبو على حوارك حوار ، مش عارف هتلاقيها مني ولا من سامر بعد ما يعرف اللي انت عملته في أخته "
اخترق سمعهم كلماته ، فنظر "سامر" بإستفهامٍ قبال توتر "حسن" من هذا الخبر بينما نطق "سامر" بإستنكار:
_" عمل في اختي ايه؟ اختي مين وعمل ايه؟ حد يفهمني، أنا مش فاهم حاجة من مـ** أبوكم!! "
سحب"غسان" مقعد وجلس أمامهما وأمام متابعتهم حتى أخرج لفافة يشعلها وهو يبدأ الحديث مفسرًا بثبات يثير ضيقهم وهم هكذا بحالهما محكومين بعدم الحركة :
_" حقك يا سمرة تفهم ، عايزك بقا تفتح صدرك كدة وتستقبل المفاجأة دي!"
ترقب في حين تملك الخوف من "أسماء" ونهض"غسان" مرة أخرى ينهي دور الخمسة شباب مخرجاً من الدرج بجانبهم حفنة من بقية حسابهم ، أعطاه لكبيرهم ورحب به بيديه ثم احتضنه بعشمٍ متبادل وهتف :
_" دورك كدة خلص انت ورجالة ، منجلكش في حاجة وحشة يا معلم صابر"
_" عينينا ليك يا برنس ، رقمي معاك لو احتجتنا في أي وقت ، رقبتنا تسد "
ابتسم له "غسان" وسار"ٱدم" يفتح لهم الباب فخرجوا جماعة بعدما أشاروا له مرددين:
_" سلام يا برنس!"
حرك"غسان" رأسه بالوداع ، وأخرجهم دون إكمال العرض كي لا يتم فضح"أسماء", أمامهم ، ودعهم "ٱدم" بقبول حتى ركبوا السيارة ومنظرهم هكذا يثير الريبة من تلقاء نفسه لم يضع "ٱدم" في الحسبان وقوف "بدر" الان مع الشباب في الشرفة وفي هذا الضوء الذي ٱنار وقف يودع مناظر كان قد ابتعد عنهم؟. ، برقت عينيه ودب به القلق قبال التفات "آدم" برٱسه بريبة كي لا يراه أحد ثم دخل من جديد داخل محل الورد غالقاً الباب خلفه..
وجد "غسان" يجلس فإقترب يسحب مقعد للمأذون ليجلس بعدما حثه "غسان" :
_" قعد عم الشيخ يا ٱدم ، وجع المفاصل ده صعب أوي!"
ثم نظر نحو وجه "سامر" الذي عليه ٱثار ضرب شقيقه "بسام", وساقه الملتفة كما ذراعه وسأله بجديةٍ وكأن الأمر جاد:
_"مترشحلي مرهم كويس لوجع المفاصل يا سمرة"
_"هو حد كان قالك ان أنا دكتور ؟"
ضحك "ٱدم" يرد مع ضحكات "غسان" ، فنبس بتسلية:
_" ده انت تتحط على الجرح يطيب يا سمّور"
اغتاظ "سامر" من هذا وتعالت نبرته ينهي هذة الثرثرة الغير مفيدة بالنسبة له:
_"قُصره ، ما تخلصونا بقى!!"
اعتدل "غسان" وتنفس بعمقٍ وهو يشير ناحية "أسماء" التي جاءت بتردد تجلس على بُعد قليل بجانبه ، وبدأ حينها "غسان" موضحاً له:
_" عندك حق ، أنا كمان مبحبش الهري في الفاضي ، دماغك عجبتني يا سمرة زي ما دماغي عجبتك وخدتها على خوانة كده بس نركن ده على جنب ونقولك على اللي فيها ، بس صلي الأول كده علي النبي!"
هل يفتك بأعصابه ، رد "ٱدم" على ٱخر قوله بالصلاة على الحبيب ، والغريب أن "حسن" رد بنفاذ صبر هو الٱخر ، فأكمل "غسان" :
_" أنا هرميهالك بقا في وشك وانت خد الوضع اللي يعجبك ، شايف المأذون المحترم اللي هناك ده ؟ جايبينه يصلح غلطة حصلت بين حسن ابن خالتك وأسماء أختك عشان لمؤاخذه أختك مدام وهتبقى مدام لحسن الأكرمي بعد شوية !"
اتسعت عيني "حسن" بصدمة في حين احمر وجه "زهور" وكأنها للتو ستقبل على صرع! أو تشنجات مقبلة على الموت ، في حين ابتلع "سامر" ريقه بعد استيعاب وهو يرمش بأهدبه مردداً بصدمةٍ وتقطع:
_"انت بتخرف بتقول ايه؟؟؟"
رد عليه"ٱدم" هذه المرة ناهيك عن الدق على الباب في محاولة للإستماع في الداخل ، هل الشباب هنا في الخارج؟. :
_"زي ما سمعت كدة ،. حسن اللي قاعد متكتف قدامك ده ضيع شرف اختك أسماء ، ولمؤاخذة تاني عشان الحق ، كل ده برضا اختك ، فانت دلوقتي هتتفك وايدك هتتحط في إيده عشان تتستر على أختك ،وتجوزهاله وبعد كده نشوف مراتي فريدة كانت حرقاك أوي كدة ليه!"
تلقى صدمة أخرى بزواجها منه غير الخطأ التي ارتكبته شقيقته ، نظر "غسان" ناحية الباب ، ضاغطاً على فكه السفلي ناظراً نحو "ٱدم" معتقداً بأنه ناداهم بينما نظر له الأخر برفض وخرج صراخ "حسن" رافضاً :
_"ده على جثتـــي يا حيلة امك انت وهو!"
_" وماله ، ننفذلك طلبك يا ناقص!"
وقف "ٱدم" في المنتصف بعد أن وجه له "غسان" لكمة في وجه"حسن" وهو يصرخ به :
_" هتحط ايدك في ايده يا ناقص يا بن الناقص لإما وحياة اللي خلقك وخلقني وخلق الدنيا دي لاموتك قبل ما تقول انك موافق!!!"
هاب هذا الإنفعال فحرك رأسه ناحيتها ووجد دموعها تسيل بغزارةٍ وكسرة ما ان استمعت لسباب شقيقها لها ونظرات "زهور" بقهرٍ من هذه المصيبة الكبرى لها..
ترقبت الأنظار ناحية الباب في حين فك "ٱدم" رباط "سامر"ومن ثم"حسن ", وكل منهما في صدمته والأقوال في الخارج تعلو من الشباب واحد تلو الٱخر حتى أن جميع الفتيات هبطن ما ان لاحظن تأخيرهن وبقت في الأعلى "دلال" و"وسام" و"عايدة " بينما هبطت "حنان" معهن ومع "سمية"و"فتياتها .. هذا التجمع يثير الأنظار بعد ان "غسان" انتشل المفتاح من ميدالية والده ليعطيه لٱدم ، وخوف "نيروز" جعلها تضيع وضاعت فكرة بأن بإمكانها انقاذ هذا بالصعود وجلب المفتاح الخاص بها!! وما سمعوه من أقوال أثارت صدمتهم والٱن تربط الأمور ببعضهما مع شقيقتيها وعائلتها وتهاب أن يحدث له شئ!..
_« افـتــح يا غســـان ، افـــتــح يا ٱدم"
كان الأول قول "حامد" وتلاه قول ," بسام وبدر" بقلق:
_" بلا ش تتهوروا وتودوا نفسكم في داهية ، افتحولنا نساعدكم ونتصرف معاكم!"
_" يا غســان رد ، متجيش جنب حسن وحياة اغلى حاجة عندك!"
هذه كانت جملة "زينات ",كما هتف "حازم" بهذا ، بينما "عز" لم يعط الوقت للرجاء بل حاول دفع الباب في حين لم يلق "غسان", اهتمام لهذا الخوف بل جلس على طاولة خشبية ووضع "سامر" يديه بيد"حسن" والإثنان ينظران بصدمةٍ بينما اقتربت "أسماء" ببكاءٌ تزيل ما على فم والدتها التي بصقت على وجهها بقهرٍ وهتفت بإختناقٍ من الصدمة :
_" لا انتِ بنتي ولا أعرفك ليوم الدين ، ابعدي عني!"
انهارت باكية ولم تبتعد في حين خانت القوة وخان الجبروت"زهور", فنزلت دموعها قهراّ على هذه الطامة الكبرىٰ بالنسبة لهم ، وفُتح الباب أخيراً بواسطة "حازم" و"عز" و"بسام"و"بدر" وتوقف الكل على المشهد واخر قول قاله المأذون بعدما اقتربت "أسماء" بنداءه لتفعل ما يتوجب فعله بترديد الموافقة..وبعد هذا ..
_« بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير »
نهض المأذون سريعاً يهرب من هذا ، أشبه بهرولةٍ من بين الزحام ، ووقف "غسان", ينظر نحو النظرات في بكاء "نيروز" وخوفها وترقب الكل بقلقٍ، وقبل أن تضيع الفرصة أخرج مطوته من. جيبه وفتحها أمام وجه "حسن" بسرعة فائقة ودفعه ناحية الحائط مما أدى إلى ركض البقية ، دفعه بساقة أولاً ركلة ثم ركلة أخرى وصفعه والأخر جسده يطلب الجرعة وعند الجرح بالمطواة وهو يصرخ :
_" إنــت عارف ٱنا ساكــت وصابر عشان اللحظة دي بقالـــي قد ايـــه ، دكر اللي يشيلك من تحت ايدي؛"
على الناحية الأخرى أمسك"سامر" خصلات"ٱسماء" من أسفل الحجاب صارخا بها بعنف :
_" يلا يا فاجرة يا رخيصة ، ضيعتي نفسك ووقعتي راسنا في الأرض يا بنت الكلب يا زبالة .."
اندفع الشباب ناحية"غسان" وحاولوا منعه مع كل هذا الضرب بينما وضعت "نيروز", يديها على أذنها برهبةٍ واحتوتها "جميلة" وهي تبكي معها لأجلها ، بينما صاح "حازم" بترجي وأعين ضعيفة لامعة لأول مرة :
_", أبوس ايدك كفاية ، كفاية يا غسان عشان خاطر أغلى حاجة عندك، أنا محتاج أخويا ، محتاج حسن هوديه مصحة يتعالج ، جارييني المرة دي ولو مش قادر متخادش حقك تعالي خده مني ٱنا"
تلمس كتفيه من الخلف وهو يلكم الٱخر بوجهه ، اخترق أذنه الترجي ولم يرد أن تتلاقى عينيه مع عيني "حازم " كي لا ينهزم، أداره "حازم", بقوة وأمسكه من تلابيبه وضاعت قدرته على التحمل بعد ما رٱه في حياته التي تمر بشريطها أمامه الٱن وهتف وهو يحركه ومحركاً كفه بالنصل الحاد ناحية وجهه يحثه على ضربه هو وجرحه هو مما جعل "ياسمين " تركض بخوف:
_", خد حقك مني ٱنا ، اضربني ٱنا يا غسان ، أنا عارف انه حقك بس خليه مني ٱنا وحياة نيروز عندك"
كان قد سقط "حسن", أرضاً لا حول له ولا قوة ينزف الدماء من أنفه ووجهه ، لمعت عيني "غسان", من هذا الضعف وعلم ",حازم", أن الراحه انعدمت من قاموسة وحياته حيث انه شعر بأن خبر موت والده على يد شريف لم يختبئ بعدما علم من "مروة" هذا بين الحديث! ، استسلم للحياة وٱخر ما بيديه فعله هو الترجي ومساعدة من لم يساعده في حياته وجاءت له الفرصة كي لا يُلام أو يُحاسب! ، سقطت المطواه من يد "غسان " وهو ينهج بصوتٍ عالٍ
لا يعلم لمَ كان عليه أن يحتضنه بقوة في هذا الموقف ، دفعه بين ذراعيه وضمه ضمة شديدة شاعراً بما شعره من قلة أمام عينيه وأمام الحق
لمعت الأعين من هذا وهرولت "ياسمين" و", فريدة" و"ٱدم", و"بسام" يفصلان "سامر" عن "أسماء" بعدما وقعت فحاول سحبها بذل ناحية الخارج وهو يعرج ، في حين وقفتا "نيروز وجميلة" على بُعد في احضان بعضهما توقفا عن البكاء ولكن خوفهم منعهم من التقدم خطوة ومشهد ", حازم"وغسان'' جعل "حامد", يقترب بشفقةً هو و"بدر", يُبعدان "حازم" عن الأنظار حتى لا يُكسر أكثر من هكذا ، وردد "بدر" بأنه سيتولى أمر الاتصال بفرقة ما قد جاءت من قبل لـ "ٱدم" فيما يخص المصحة فيما بعد!
الٱن "حسن". يتوجع بين عناق "زينات", له وهي تتفقد وجهه تمسحه بمنديل قماشي ، لم يفقد الوعي وان كان ضُرب أكثر لـ فقده وفقد نفسه!! كما يفقدها في كل مرة ، انسحبت "زهور", وكسرتها بما فعلته ابنتها جعلتها تائهة ضائعة لا تريد أولا تفعل شئ سوى أنها سارت تترك كل شئ بعقل قد ضاع وصعدت! تترك كل هذا رغم مناداة "أسماء" عليها وهي تنزف الدماء من أنفها :
_" متسبنيش يا ماما ، والله العظيم أنا ندمانة ، استني خديني معاكي!"
وأضافت بإنهيارٍ :
_" انا عايزاكي انتِ دلوقتي مش عايزه غيرك واللهِ..!"
هكذا هى الحياة ، ما نريده لا يريدنا على الرغم من أن والدتها لو كانت تعي لبقت تحتويها ولكنها مقهورة مصدومة حتى انها تركت "سامر" ، في حين انها شعرت وكأنها صغيرة لا تود شئ سوى أحضان والدتها فقط واحتواءها علّ نيران قلبها تهدأ !!
وما ان وعت تركتهم وهي تركض ناحية "زينات" التي تعانق "حسن" مسحت بأكمامها وجهها بوهنٍ وحاولت اسناده معها ولكنها ضعيفة لم تقدر ، فجاءت "فريدة", تساندها ، مع خروج "سامر" من بين هذا التجمع واستطاع ان يفلت من عقاب "غسان" الذي تأثر من موقف "حازم"، اسنده ",غسان" لهم وصعدوا به وطمأن"بدر","حازم" بأنه سيصعد بـ "حسن" ،. واقترب "عز", من "جميلة" التي تركت "نيروز", وركضت نحو "عز", برهبة من كل هذا
ركض ٱخر مجازياً ولكن ليس منها هى بل ركض قلبه تجاهها وهو يتفحصها بنظراته بقلقٍ ولازالت تضع يديها على اذنها تغمض أعينها خوفاً من الإنهيار ومعها وبجانبها "سمية"و"وردة" ، ابتعدا الإثنان ما ان اقتربت بلهفةٍ ورفع كفيه يزيل يديها المرتجفة مبتلعاً ريقه وهو يدفعها ناحيته واضعاً ذراعيه عليها من الخلف ، احتضنها بإحتواءٍ وردد بإختناقٍ :
_"متخافيش!"
استستلمت لعناقه لم يعد لديها القدرة على البكاء بل صمتت بجسد متصلب من رهبة الوضع ولم تتفوه بحرف ، في حين قد خلى المكان وصعد من صعد وبقى هو وهى معاً ، وخلفهم "فرح", التي خرجت من بين ذراعي "بسام" ولأول مرة كانت تهاب مس ضرر بـ "بسام" الذي ابتسم وهو يحثها بعيداً عن التوتر:
_" تعالي معايا فوق يلا ،متخافيش "
توقفت تنظر له فأراد حثنها على شئ بعيداً عن كل هذا :
_"، تعالي نسيب كل ده .. يلا عشان نلبس ونروح الفرح!"
تاهت نظراتها ووافقت برأسها وردد هذا يبعد عن أفكارها السوء ، في حين صعد الكل وبقت هى بمكانها تتمسك بأسفل معدتها بإنهاكٍ وان كان في الخارج تجمع من المارة فقط اختفى، شعر بالقلق فرفعت "نيروز", رأسها بأعين لامعة تخبره:
_" مش قادرة ، مش قادرة أمشي يا غسان ، أعصابي مش فيا "
طالعها "غسان" بقلقٍ وسحب مقعد سريعاً حتى جلست عليه بفعل حركته ، والتقط زجاجة المياة يمسح وجهها برفقٍ فأخذت أنفاسها بالتدريج ودلك هو ساقيها بحنوٍ مع كفيها وقدميها ليغمرهما الدفء من جديد ، تعلقت عينيها بعينيه إلى أن شعرت بالتحسن وقبل أن ينحنى للإستعداد في حملها فرفضت هذا بإبتسامة هادئة شاحبة :
_'' خـ ..خـلاص!"
استجمعت قواها ونهضت ، فاعتدل ينظر بتمعن ووجدها تشير له بأنها قادرة ، خرجت بمساندته وأغلق المحل رغم فسخ الباب وتركه في فوضى هكذا ، وعند مدخل العمارة حاول أن يحثها في ان توافقه ليحملها برضا ولكنها أشارت له على المصعد فدخلا الإثنان كي يصعدا ناحية الطابق الثالث!!
الطابق الثالث الذي كان به في شقة ", عايدة" جلوس "حازم" برفقة ",جميلة", التي كانت تدواى جروح "حسن" الذي كان معهم بنصف تركيز فقط ومعهم "أسماء", التي تداوى جروحها "منة" ، وفي الخارج أسند "شادي" ",دلال", ناحية شقتها بعدما رحل "حامد" مع "وسام", ناصحاً "بسام", بإبعاد "فرح" عن المكان وارتداء الملابس للرحيل من هنا بعداً عن الضغط..
قررت "سمية", الرحيل ناحية شقتها مع ",فاطمة", وصغارها لتبعدهم عن هذه المشاهد ، وانتظرت على أحر من الجمر صعود "نيروز", هى و",وردة"و"ياسمين"* التي دخلت من الباب الٱن بعدما تركت "حازم" مؤقتاً للإطمئنان على عائلتها ، كمان كانت"فريدة" تجلس في إحدي غرف شقة "عايدة " بعداً عن كل هذا كما نصحها الطبيب بعدم محاصرة نفسها أمام شئ لا ترغبه شئ يزيد من حدتها النفسية وعلم "ٱدم", هذا فرافقها وخرجت برفقته من مرحاض الغرفة بعدما توضأت وحثها كي تطمئن :
_" صلي..صلي يلا يا فريدة وشيلي من دماغك أي حاجة!"
وافقت وبعدت عن عقلها كل شئ بالصلاة وهو معه رافضاً تركها كي لا تفعل شئ غير متوقع فـ هو إلى الٱن لا يثق بتهورها الذي يخرج بدون إرادة منها!!
____________________
خرجت من المصعد برفقته ومن ركض عليها خارج الشقة كانت شقيقتيها ووقوف "فاطمة", في الخلف بقلق عليه وعليها ، عانقتها "ياسمين"و",وردة" ودخلت فوجدت "سمية", تمسك كفيها بخوف وسحبتها لتجلس ، فجلست أمام أنظاره وهو يطلب من " وردة" :
_" هاتيلها كوباية عصير لمون تهدي أعصابها يا وردة معلش!"
وافقت بلهفة وهي تهرول ناحية المطبخ تاركة الصغير يتعلق بساق"غسان" فابتسم وهو ينحني وحمله ملقياً أي كبت للآنفعال خلف ظهره واقترب منها سانداً على قدميه أمامها وقَرّب الصغير أمام الأنظار فقبلها "يامن" من وجنتيها ،ضحكت "فاطمة" عليه ، كما ابتسمت "نيروز"و"سمية" و", ياسمين" التي نظرت اتجاه "غسان", بعقل يُندمها كما تراجع "سمية" عقلها خلسة، بينما تعلقت عينيه مع عينيها وجاءت"وردة" فحمل "غسان" الكوب وقربه من فمها لتتجرع منه ، تجرعت منه على مهلٍ وتمسكت بخوفٍ في ملابسها ناحية معدتها كانت تهاب كانت تخاف الانهيار ، هابت وخافت عليهما ، إلى متى ستظل خطراً عليهما هكذا ؟ هل هذا سيكون السبب في تقبل العلاج فيما بعد؟؟
نهض وشعر بالحرج ما ان أعطاه لـ "وردة" الذي يحترمها ،. كان على عقله يعطيه بفظاظةٍ لـ "ياسمين" ولكنه رأي أنه ليس وقته ولكن ما هو غير متوقع أن "ياسمين" قاطعت طريقه وهتفت بهدوء:
_" عنك هوديها أنا "
اخذتها منه في حين عاد هو فوجدها تبتسم وبعد البسمة ضحكة مع "يامن" والصغار الذين خرجوا لها بواسطة ", فاطمة"، تلاقت عينيه معها وقبل ان يردد بشئ وجد الاتصالات والرسائل يبدو أن "بسام" يطلبه و"شادي" ووالدته والكل قَلِق عليه الٱن!! ، كان حينها قد انحنى ينظر باهتمام وقبّل "يامن", على مقربة منها فوجدت الإتصال الأخر من والدته بالمسمى التي فهمته منه ، فتفهمت الأمر وقالت :
_" روح طمنهم عليك ، أنا بقيت كويسة خلاص متقلقش"
قبل أن يجيب بأي رفض هادئ وجد "حامد" على أعتاب الباب يدخل وابتسم باتساع لـ "نيروز" التي نهضت له خصيصاً وعانقته بحبٍ وقال يحاول بعدها عن هذا المكان من الضغط خوفاً عليها:
_" متخافيش يا حبيبتي ، متوتريش نفسك ونفسيتك عشانك وعشان حبايب جدهم"..
جملة "والده" أثرت به وهو يقف يتابع وترقبت حواسه ما أن هتف من جديد موزعاً أنظاره عليها:
_" انتِ مش هتروحي فرح صفا صاحبتك ولا ايه؟"
_"كنت هروح بس مش عارفة دلوقتي شكلي مش هروح لإن ياسمين كانت هتيجي معايا و أكيد مش هتقدر تسببت حازم كدة!"
قالتها ببحة صوت ففهمت "سمية" ما تفعله لذا رددت سريعاً توافق أفكاره في حين كانت قد اختفت "ياسمين" من الانظار مما يعني ذهابها لرؤية زوجها وهي توزع السير بين الشقتين للإطمئنان عليه وعليهن :
_"لا يا حببتي سيبك من ياسمين ، خشي البسي انتِ وأنا هاجي معاكي ، أهو تفكي عن نفسك وتشوفي الدنيا "
خافت عليها لتنحصر بعد هذا الخوف التي كانت هى به قبل قليل ،. ترددت عينيها فقال "حامد " مؤيداً :
_"صح ، وخليكي يا مدام سمية متتعبيش نفسك، فرح راحة وبسام كمان تروح معاهم عادي!"
لمَ لم يردد "غسان" ولمَ يقرر والده لزوجته وهو يقف هكذا ؟ ، شعر بأن والده يفعل هذا كي لا يتواجه مع "سمية" بطريقة أخرى الٱن بين هذه العقبات ،وافقت "نيروز", بعدما وجدت التشجيع منهن ، نظرت ناحيته بوداع قبل ان تدخل المرحاض ، بينما هو مد ذراعه لـ ",حامد" الذي, التفت وهو يحث ",فاطمة", لتأتي هناك في شقته هي والصغار وانسحب "غسان" ناحية عائلته وشقة والده ليطمئنهم ويرتدي ملابسه هو الآخر..
خرجت "نيروز" بعد دقائق من المرحاض بعدما استجمعت قواها أكثر وعندما دخلت الغرفة خرجت مجدداً في وجود انتظار "وردة", ووالدتها لتراها بالملابس فقوسا حاجبيهما بغرابةٍ متساءلين معاً :
_" ملبستيش ليه؟"
ارتبكت نظرات "نيروز" ووضحت :
_" لبس الخروج ده فوق والدريسات كمان ، أنا مش هعرف أروح الفرح بلبس حد من هنا"
فسألتها "وردة", بمساعدةٍ :
_"طب لو معاكي المفتاح نطلع نجيب حاجة تلبسيها مش مشكلة "
بالفعل المفتاح بين يديها فرأته "والدتها" و"وردة", فعدلت "نيروز". حجابها واخبرتهما وهي تسير ناحية الباب :
_" ما أنا هطلع ، طالعه اهو "
_" استني أختك هتيجي معاكي"
انحنت "وردة" تحمل "يامن", عندما جاء لها بلعبة مكسورة وهو على مشارف البكاء فراضته بتيهةٍ وهي وتنظر ناحية"نيروز" واضافت بتضامن مع قول "والدتها ":
_" أيوة استني عشان أساعدك تلبسي بالمرة"
رفضت هذا وهي تبتسم على "يامن", وقالت وهي تفتح الباب :
_" لا خليكي انتي شوفي يامن، متقلقوش ، هجيب اللي هلبسه وهرجع علطول!"
أغلقت الباب فعادت شقيقتها تحاول ارضاء الصغير بضيق فضحكت"سمية ", بخفةٍ ناهيك عن حزنها لما يحدث وما قصدت تبتعد عنه هي وعائلتها خوفاً عليها وعلى قلبها الذي يتأثر بتعبٍ ، بينما خرجت "نيروز", تنتظر المصعد وحاولت تحاشي النظر ناحية شقة "عايدة ", ومن فكرة وجود"حسن", ومن كل ما حدث ، لا تعلم بأنها ستستطيع النسيان بالفعل ولكن ليس من تلقاء نفسها ، بل هو ما سينسيها هذا بعد زوال العقبات التي كانت تقف تُرى ماذا بعد, ما المُنتظر بعد كل هذا ؟
______________________
_"بس ايه النشاط ده كله ، كنت فاكرك هتقولي استنى شوية!"
شاكسه "بسام" بخبث بعدما علم أن "نيروز" قادمة ، قلب "غسان" عينيه ونهض يفتح الخزانة بعدما غسل وجهه ويديه وخرج من المرحاض بالمنشفة :
_" خف شوية"
التقط حنقه لأنه كُشف ، فضحك "شادي". عالياً من الخارج وهو يردد بصوتٍ عالٍ لها:.
_". طب والله فستان عسل وطويل ومحترم"
_", انت قصدك ان أنا مش محترمة ؟."
سألته "منة" بهذا فقلب عينيه بنفاذ صبر وقبل أن ينقذ نفسه أنقذه "غسان" بضيق من شجارهما الدائم :
_", بقولك ايه يا شادي ، خد مراتك واسبق بعربيتك وأحنا وراك"
هتف بها عالياً ، ونظر "حامد", لهما من الخارج و"شادي" يوافق هذا مشيراً له بالوداع المؤقت فخرجت "منة" معه من باب الشقة ، في حين أخذ يبحث هو في الخزانة عن أي شئ يرتديه وقطع هذا دخول "دلال" بكوب مشروبه المفضل اعتقاداً انه يشعر بالهبوط من ما حدث ، الوضع مضحك إذن ، وقبل أن تردد له بأخذه التقطه "بسام" وتجرع من على الفور بغيظٍ
وكل منهم يشعر بالفرحة بسبب وضوح كل شئ وظهور "غسان" بأن ليس عليه أي حرج أو ذنب ، لم يتعمد أي منهم أن يجادله سوى أن "حامد", قد سأله بضجر وعلم أن رحيلة عن المبني بعيداً عن وجوده و"حسن وسامر", هنا شئ جيد إذن وبمحله :
_" انت بتدعبس في ايه يبني ؟"
بحث "غسان" ووضع يديه على رأسه بتعبٍ متحسساً جيبه بضيقٍ وأخبرهم وهو يلقي المنشفة:
_"هطلع اجيب لبسي وأرجع!"
تركه "بسام" وقال بصوتٍ عالٍ وهو يمسح فمه بمنديل ورقي بطريقة بريئة زائفة متصنعاً الرقة المبالغ بها :
_" متتأخرش بس!"
ثم نظر ناحية "والدته" تزامناً مع صوت إغلاق باب الشقة خلف "غسان" وهتف بنفس التصنع وهو يرمش بأهدابه في مرح:
_" اthanks Mom"
نظرت له "والدته "بضجرٍ من ما ردده بجهلٍ منها ، فضحك "حامد" بصوتٍ عالٍ ما ان قالت:
_" النبي عربي يخويا"
ثم نظرت دلال" ناحية "زوجها" وهتفت بتساؤلٍ:
_" قال سناكس قال ، ألا هي ايه الـ سناكس دي يا حامد؟؟"
ضحك"حامد" و"بسام" بقوةٍ في حين أجابها "حامد" وهو يجاريها :
_" يعني أكلة خفيفة كدة عالماشي يا دلال ، سيبك منه وتعالي أما اقولك"
_"هو مش لسه متعشي ، ده ايه ده يا خويا بطنه مخرومة ولا ايه؟؟؟"
مصممت شفتيها وهي تردد كلماتها هذه فخرجت ضحكات "حامد" عليها وهي تخرج وقابلت هى في طريقها "فرح" التي تجهزت بمساعدة "وسام" والتي لم تستطع الذهاب معهم بسبب المذاكرة ومن جهة أخرى تود تركهما مع بعضهما رغم شعور الغيرة الذي يتملكها ، انبهرت بأناقتها وقبلتها بحبٍ وانتماء ، وخرج "بسام" حينها واضعاً يديه على موضع قلبه متصنعاً التعب وهو يردد :
_" ٱه ، قلبي ، دكتور بسام جاله هبوط من كتر حلاوتها"
تعالت الضحكات عليه فإقترب منها وتركه والديه منشغلين ببعضهما ، فتمسك "بسام", بكفها وهي تشعر بالخجل هكذا وإقترب يردد بابتسامة عذبة :
_" أنا عايز أعرف حاجة واحدة بس ..هو في جمال بعد جمالك ده ؟"
نفت برأسها بغرورٍ فضحك وهو يقبل جبتها برفقٍ وهتف بلينٍ :
_" ربنا يحميكِ ويباركلي فيكِ يا فرح"
ابتسمت ورتبت خصلاته بتنسيقٍ ، فنظر هو لـ "وسام" الواقفة وغمز لها مردداً بكيدٍ :
_" يلا يا سنجل يا فقيرة يا ثانوية عامة!"
قهقت "فرح" عالياً كما ضحكت "وسام" بقوةٍ فآقتربت منهما وعنفته بنظراتها تهدده :
_" والله ؟، يعني هي بقت كدة ؟"
نفي "بسام" برأسه ورفع ذراعيه يضمها كما ضم بالذراع الٱخر ", فرح" في حبٍ واحتواء ، وعقب هذا اعتدل الإثنان مستعدين للخروج ولانتظار "غسان" أمام الشقق في الخارج بعد أن يخبرا "عز"و"والدته", انهما سيرحلا!!!
____________________
قبل قليل وضع "غسان", المفتاح في الباب ودخل حتى أغلقه خلفه ، وحينها انتفضت "نيروز", في الداخل وبرقت عدستيها بتلقائيةٍ وهي تخمن ، كيف يأتي وهى قررت الارتداء هنا مباشرة كي تنجز الوقت بعدما خلعت عباءتها وسترتها وحجابها ؟! ، بينما هو اقترب يفتح الباب الذي كان مغلق ولكن ليس بالكامل وما أن دفعه وجدها تنظر بانتظار ، هل ما رآه صحيح ؟هل هى حقاً هنا؟؟
ابتلعت "نيروز" ريقها بإهتزازٍ فإبتسم هو رغم المفاجأة وأخبرها وهو يتقدم ناحيتها:
_" أنا كمان جيت عشان ٱخد هدومي والبس!"
علمت أنه سيذهب للمناسبة كيف وهو صديق لها في العمل كما كانت هي صديقة لها من قبل العمل ، وأضافت هى على قوله بعدما سقطت "الشماعة" من يديها قبل ان تستطع التحكم في مسكها من مفاجأة قدومه :
_" وأنا "
تعلقت الأعين بحديثٍ مكشوف وخُفقت القلوب وتركها هى من تبدأ الحديث رغم أنه يود أ ن يُنهي كل هذا بينهما فسألها بعدما فتح خزانته :
_"بقيتي أحسن ؟"
أخرج ثياب ووضعها على المقعد كما انتشل ما وقع منها على الأرض قبل أن تنحنى وعندما اعتدل يضعه بجانب ثيابه باغتته هى بأقوالها المندفعة بهدوء شديد وأعين لامعة بتأثرٍ :
_" كنت تحكيلي أنا كنت ممكن أفهم كل حاجة وأقدر من غير ما تضغط نفسك كده ومن غير ما تطلع نفسك وحش في نظرهم!"
تلمس "غسان" وجهها يلحق الدموع قبل أن تهبط ولكنها هبطت فمسحها بكفه الحاني وخرجت نبرته بلينٍ وهو يبتسم :
_" كفاية اني مش وحش في نظرِك انتِ "
_" دا مش كفاية عندي ، أنا ببقى عايزة أقول لكل الناس ان انت مفيش زيك وانك مش وحش ولا حتى خاين!"
أثر به قولها فرفع كفها يقبل باطنه برفقٍ وسقطت دمعتها الثانية وظهر أسفها في كل شئ ، كل شئ كانت قد اقترفته بحق ذاتها وحقه ، كل ألم تسببت به لنفسها وله ، كل وجع طال الاثنان معاً :
_" أنا عارفة إن كلمة آسفة قليلة عليك أوي ، بس ٱنا آسفة ، آسفة أووي من كل حاجة وحشة حسيت وبتحس بيها سواء كانت بسببي أو بسبب غيري"
ابتلع"غسان" ريقه بتخبط من كلماتها العميقة وأردف رداً على كلماتها الأولى:
_"أنا ممكن مقبلش الأسف من أي حد في الدنيا إلا انتِ يا نيروز ، هى دي كانت الكلمة اللي كنت عاوزها في الأول تبرد نار قلبي وترد كرامتي اللي وقعت في عيني قدام نفسي، بس أنا عايز ننسى كل ده ، ننسى اللي فات واللي حصل واللي بيحصل!'
سكنت هى بعجز عن قول الكثير ، ولكنها سألته بأعين ضعيفة متساءلة بها بشفقةٍ :
_" هو اللي حصل النهاردة ده بجد؟؛ أسماء فعلاً عملت كدة ؟ عشان كدة مكنتش عارف تتكلم؟"
لم يؤكد ولم يرفض وقف هكذا إلى أن بادرت بأخذه هو بين ذراعيها الحانيتين ودفعت رأسه بحنوٍ ليستند على كتفيها وهتفت بتحشرجٍ :
_"انت عارف ان كان ممكن يحصلك حاجة النهاردة ؟ أنا خوفت أوي ،. خوفت تتأذى قبل ما خوفت برضه تضيع نفسك ، خوفت تسيبني ، مكانش قدامي غير الخوف وصورتك وانت بدمك في حضني مراحتش طول ما أنا واقفة ، ومرواحك للمستشفى وتعبي في بُعدك في كام ساعة بس ، هو قلبك بيطاوعك تعرض نفسك للخطر إزاي ؟ محستش ان في وراك تلاتة من غيرك مش هيقدروا ؟"
هل قصدت نفسها وتوأمها؟، لمعت عينيها وسقطت الدموع ، أولاً كانت تهاجم بلوم مندفع الٱن ذهب الإندفاع هباء قبال هذا الاحتواء وهو الذي كان بين أحضانها بإحتياج لهذه الراحة والتي لم يحصل عليها بمثل هذا القبول والرضا منذ فترة كبيرة!! ، أخذ "غسان", أنفاسه بعمقٍ فأخرجته تنظر له بانتظار للرد ولكنه نظر نحو عدستيها اللامعة ووضع كفه على معدتها ناظراً لها بأسفٍ لم يخرج ، ولكنها هى من ابتلعت ريقها ومدت ذراعها تتحسس جرح رأسه وواصلت:
_" ده انت حتى راسك لسه مرجعتش زي الأول ، ليه كدة ؟"
_"عشانِك ، عملت كل ده عشانِك انتِ في الأول ، نار قلبي متطفتش في كل مرة كنت بسيب الحق ، حتى المرادي مخدتوش كله وسيبته مضطر زي ما ببقى مضطر أحاول و اتصرف وبعد كده بضطر برضه أتنازل ، بس أنا مقدرتش أتنازل لما سمعت أنهم عايزين حسن يتجوزك بعد طلاقنا "
ولأول مرة يظهر ضعفه بهذا الشكل أمام عدستيها التي تتابعه بتأثرٍ عندما سألها بتعلق:
_"هو ينفع انتِ تكوني لغيري ؟"
ورغم صدمتها ولكنها رفضت بضعفٍ وردها على سؤاله كان بالرفض ، مسحت وجهها وحاولت أخذ أنفاسها وهو يشملها بنظراته وردت بصدقٍ شديد تصارحه :
_" أنا عمري ما كنت هقبل أكون لحد غير ليك، الوحيد اللي قررت أكون ليه بعد ما بعدنا كان اللي في بطني ، ساعتها عرفت انهم اتنين وقولت هعيش ليهم وبس ، بس خوفت ..خوفت أوي أكون السبب في انهم يحسوا انهم من غير أب ، احساس وحش قريب للإحساس اللي بحسه ومراحش غير بوجودك ، وعرفت وقتها ان أنا محتاجاك قبلهم حتىٰ!"
_"وأنا مش شايف حاجة غيركم ، لما اتجوزتك كنت خلاص بعرف انك عقلتيني وهتخليني مسئول ولما بقيتي حامل أقصى أمنية كانت ان أنا أعيش في بيت دافي يتبني واحدة واحدة ووسط أسرة مكنتش أتخيل في يوم إني هعملها بعد كل ده ، بس حتى الظروف وقفت بينا وضيعت مني شغفي وأحلامي"
تعلقت عينيها بعينيه وهتفت في صدق وهي تتشبت بكفه تثبت له :
_" بس أنا هنا ، أنا معاك ورجعتلك تاني ، خلينا نحلم ونتمنى ونستنى تاني وننسى كل ده!"
فخرجت ابتسامة صغيرة له بعد كل هذا التعب ما أن هتف هو مؤكداً متشبتاً بكفها هو الٱخر:
_"دا كان كفاية عندي وكل حاجة بترجعلي تاني بشغف عشان زي ما قولتلك ، نيروز بتيجي وبتجيب الشغف معاها و كفاية انك عرفتي كل حاجة، كفاية اني ارتاحت وانتِ كمان عقلك ارتاح"
ابتسمت له بإهتزاز وهو يعانقها مجدداً ومن ثم كانت قد التقطت ثيابها وتمسكت بهما تزامناً مع خلعه لسترته بإنهاكٍ سقط منها قطعة ملابس مجدداً ربما كان رُباط خصر الفستان الذي التقطه وقاطع دخولها المرحاض وقوفه أمامها بعدما توجه يعطيه لها مردداً بعينيه التي لا تفارق عينيها :
_" وقع منك"
اقترب هو أكثر فرجعت إلى الخلف تضع له مساحة يقف بها ولكنه كان يستدعي العبث في هذه اللحظة ، فسقطت منها جميع الملابس ووقف هو قبالها مبتسماً بعذوبة وسأل بمراوغة :
_"هو ممكن تيجي تحضنيني تاني؟"
توقف مكانه هذه المرة منتظراً نظرت نحو ثيابها ونحو هاتفه الذي كان قد وضعه على الطاولة بجانب الفراش ، يضئ برسائل الٱن ، ولكنه لم يلق بالاً له ووقف ينتظرها تأتي ، ولكن هى من سألت نفسها هل سترفض ويأتي هو أم تأتي هى وتقطع تحديه ولعبه بتوترها ! ، فهم تخبطها بخبثٍ منها فتقدم هو وقال قوله الذي قاله من قبل:
_" وماله ، هسهل عليكِ الرد وهاجي أنا"
اتسعت عينيها ما أن وجدت نفسها تُضم منه ممراً يديه على كتفيها بخصلاتها وظهرها ، إقترب يقبل وجنتيها وقبل أن يكون على وشك تقبيلها مرة أخرى تصاعد صوت الهاتف وعلم أنه "بسام", فهتفت هى تنبهه :
_" تليفونك بيرن"
_"مش مهم"
ابتسم مع رده ببساطةٍ فإعتدلت تنظر له بلمحة من التوتر استشفها ما أن اقترب ونبهته ولكنه لم يستمع بل سألها هامساً وأنفاسه تلفح بشرتها :
_" عاوز أقولك حاجة "
ثم اعتدل ينظر بعبثٍ وأخذ أنفاسه ما أن سألته بإستفسارٍ وفضول :
_", ايه ؟"
ابتسم "غسان" ناظراً ناحيتها وأرجع خصلاتها ناحية الخلف مردداً ولم تستطع هى كشف العبث المخفي ٱنذاك :
_"دلوقتي هعلمك"
قوست"نيروز" حاجبيها بإستفهامٍ غريب وابتلعت ريقها وصعدت بعدستيها تطالع عدستيه متساءلة:
_" تعلمني ايه مش فاهمة؟"
ابتسم "غسان" بتسليةٍ وسحبها ناحيته نابساً بنبرةٍ هامسة جوار أذنها :
_" هعلمك حركة غامضة بحبها أوي "
ضحكت بخفةٍ على طريقته وسألته بإستفسارٍ وهي تطالع عدستيه:
_" ايه هىٰ؟"
ظهرت بسمته اللينة على شفتيه وابتلع ريقه متنهداً وهتف بلينٍ مطالعاً عسليتيها ببنيتيه الداكنتين :
_"هنختفي ومش هنرد على حد لمدة محدش يعرفها غيري أنا وانتِ واللي خالقنا "
ابتسمت بخفةٍ واهتزت نظراتها وبعيداً عن الرفض ووجود بوادر القبول أخبرته أن بما توقعت أنه غفل عنه :
_" طب والفـرح"
ضحك "غسان" بخفةٍ ومشط خصلاتها برفقٍ بواسطة يديه وكرر قوله :
_" مش مهم برضه "
اتسعت ابتسامتها أمام عينيه الشغوفة بها وهو لا يفارق تقاسيمها حتى بعدما إقترب يتلمس جرح كتفيها الظاهر وقبله فضاع الإرتباك قبال سؤاله لها وهو يضع خوفها ورفضها السابق أمامه ، في حين احترم تخبطها الذي يراه فـ لذا سأل ولم يمنع سؤاله في الخروج وهو على مقربةٍ وهاب حينها حدوث شئ رغماً عنها فتعي وتنهار!! :
_" موافقة أقرب؟"
ابتسمت بحرجٍ وتعلقت عينيها بعدستيه ما أن حاوطت ظهره تعانقه بعدما حركت رأسها بموافقة :
_" آه"
ابتسمت بحبٍ فبادلها السعادة والقبول ، شعرت به يقترب أكثر وكلما حاولت اخفاء الارتباك يتصاعد حتى أنها هتفت بتقطعٍ بعد القبول تذكر نفسها وتذكره :
_" بس مـاما مــ..."
قاطع "غسان" هذا القول بإبتسامة عبثية جريئة مثل رده:
_" اللي عارف أمك يقولها "
إنفلتت ضحكتها العالية على قوله ، منذ كثير أفتقد هذه الضحكة النقية ، جلست تستريح وجلس جوارها على الفراش وهى تضحك هكذا ورددت وهي تنظر له:
_" مفيش فايدة فيك ، لسه قليل الأدب زي ما انت ومش هتتغير"
ارجع خصلة من شعرها خلف أذنها وضحك بصوتٍ عالٍ ومال يشاكسها :
_"طب مش عايزة تعرفي بالمرة الست قالت اية؟"
ابتسمت تستند برأسها على كتفيه وهتفت بنبرةٍ عميقة :
_" أنا وحشتني الست وكلام الست واللي بيثبتني بكلام الست"
فرفعت عسليتيها تطلب الرد منه وهي تنظر لعينيه ورأسه العالية عنها :
_"قولي قالتلك تقولي ايـه!"
أخفض "غسان" رأسه يهمس جوار أذنيها بلينٍ لم تعهده قبل فترة طويلة ،لين تعلم أن ما بعده هو الإستسلام لمشاعرهما هما الإثنان :
_"والمساءُ الَذي تَهادىٰ إلينَا ، ثُم أَصغىٰ والحُبُ فِى مُقلتَيّنَا ، لِسؤالٍ عَن الهَوىٰ وجَواب وحديِث يذوبُ فى شَفَتينا قد أطَال الوُقُوف حِين دعاني ليلمّ الأشواقِ عَن أجفاني فأدن مني وخُد إليكَ حَنانِي ثُم أغمِض عَينَيكَ حتَىٰ تَرانِي ، وليَكن لَيّلنا طويلاً فَكثير اللقاء كانَ قليلاً!.."
همس هو بهذه الكلمات وكأنه يقصد بالفعل كل حرف أردفه هل قصد هذا المساء وهم به معاً الٱن من جديد؟:
_" ثبتني يا بن البدري !"
ابتسم "غسان" بهدوء قبال هذه الجملة ، لم يستمع إليها منذ كثير ، ولكنه بادلها جملتها بكلمة أخرى صادقة ظهر بها الشوق والإشتياق الذي لا يفارق ظهوره على تقاسيمه أمام عسليتيها :
_"وحشتــيــني!"
ابتلعت "نيروز" ريقها بالتدريج واحتضنت عينيها عينيه ولم يفارق أي منهما تقاسيم الٱخر حتى بعدما هتفت تجيبه بصدق نابع من فؤادها له :
_"و انت كمان وحشتني أوي!"
اقترب وكان على وشك تقبيلها ..يتراقص قلبه كلما تعطيه القبول ، لذا لبت النداء وأوفت بقول القبول حتى رُفعت راية الاستسلام تحت مُسمى الحب والرفق منه ، عادت تعهد منه كل شئ حاني عليها وعلى قلبها برفقه وحرصه ولينه وحنوه، وتُرك هاتفه في الخلفية يُدَق والكلمات الخاصة بالأغنية تكمل نفسها بعدما أرضى مشاعره الثائرة بحبها وشغفه ناحيتها كما كانت هىٰ ..
-«فتعال احبك الآن اكثر
ياحبيبي طاب الهوى ماعلينا
لو حملنا الايام فى راحتينا
صدفه اهدت الوجود الينا
واتاحت لقاءنا فالتقينا
فى بحار تئن فيها الرياح
ضاع فيها المجداف والملاح
كم اذل الفراق منا لقاء
كل ليل اذا التقينا صباح
ياحبيب قدّ طال فيه سهادي
وغريب مسافر بفؤادي
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر
فتعال احبك الآن اكثر
سهر الشوق فى العيون الجميلة
حلم آثر الهوى ان يطيله
وحديث فى الحب ان لم نقله
اوشك الصمت حولنا ان يقوله
ياحبيبي وانت خمري وكأسي
ومنى خاطري وبهجه انسي
فيك صمتي وفيك نطقي وهمسي
وغدي فى هواك يسبق امسي
هل فى ليلتي خيال الندامى
والنواسي عانق الخياما
وتساقوا من خاطر الاحلام
واحبو واسكروا الاياما...»
ضاع كل شئ وعاد مجدداً ، ما يربطهما حبل وصال عُقد عقدة ليست سهلة التراخى فكيف الفرار من الوِصال وعقدته وحبله ؟، غمرتهما السعادة والسكينة من جديد مع المودة والرحمة وعاد بينما ما كان يتمناه منذ الفراق ، عاد ما كان يتمناه في آخر خطاب أيضاً وتحققت أمنيته الذي أرسلها لها كتابةً في خطابه اليوم : " عودة الوصال" من جديد!!!
_____________________
_« مبيردش ، معرفش ايه كل ده ، دا احنا اتأخرنا وهو ولا هنا!»
رددها "بسام" بحنقٍ وهو يحاول مراراً وتكراراً ، في حين وقف "بدر" معهم في الخارج حاملاً الصغير يفكر بشرود ، ٱخر ما يعلمه هو صعود "نيروز"، من زوجته ، تلمست "فرح" ذراع "بسام" وحثته قائلة :
_", طب انت ممكن تطلع تشوفه !"
حرك رأسه ايجاباً كان سيفعل هذا ، ولكن من خرجت من شقة "سمية", بجوار ",والدتها" كانت "وردة" التي تساءلت بإستفهامٍ :
_"مشوفتوش نيروز ، هي لسه منزلتش؟؟"
توقف "بسام" عن طلب المصعد عند هذا القول وأغمض عينيه واستطاع ربط الأمور ببعضها فتراجع عن الصعود ووقف ينظر لـ "بدر"الذي فهم هو الٱخر ، فأمسك "بسام"ذراع "فرح" وأخرج مفتاح السيارة من جيبه فقد كان معه وأخبرها بعجالةٍ :
_"طب تعالي يلا نسبق احنا"
_" استني بس طب وغسان .. ونيروز اللي بتقول هتيجي!"
سحبها معه ناحية الأسفل أمام الضحكات وقال بلهفةٍ وهو يهبط متناسياً الهبوط بالمصعد :
_" هقولك بعدين ، بس يلا بس !"
تحركت الأنظار بعد اختفاءهما ، في حين كانت قد ودعتهم "جميلة", بعدما انتهت لترحل مع "عز" ووالدته كما رحل "ٱدم" مع ", فريدة", خوفاً من الجلوس أكثر على حالة "فريدة" ورحلت معه بالطبع شقيقته وصغارها ..
_" خد أكله يا بدر على ما اطلع أشوف نيروز إتأخرت ليه!"
اندفعت بقول هذا دون تفكير بينما توقفت "سُمية", ببوادر فهم عن ما يجري دون ان تنتبه ، رفع "بدر" ذراعه يوقفها وأخبرهما بصوتٍ هادئ :
_" خليكي يا وردة ، هي مع غسان فوق، سيبيهم مع بعض لعله خير!"
تفهمت سريعاً وأخذت أنفاسها بفرحةٍ من هذا فحملت منه صغيرها ودخلت ، بينما هو وقف ينتظر دخول "سمية" أولاً أخرجها هو من شرودها وتوترها بقوله الهادئ :
_"أظن كل حاجة واضحة زي الشمس يا حماتي ، ملوش لازوم نفتح الكلام تاني ، سيبيهم بقا الله يصلح حالهم!"
وافقت برأسها وخرجت أنفاسها ببطئٍ وهي تدخل في حين دخل هو فوجد "يامن" يأكل و"وردة", تلبسه الحذاء فهتف يسألها أمام حزن والدتها المخفي برحيلهم:
_" خلصتي يا وردة ؟ هما دول كل الشنط ؟"
ٱكدت برأسها فحملهم وأمسكت هى يد صغيرها ووقفت فلمعت عيني "سمية", بعد هذا التعلق ولكن ما يسعدها أنهم هنا بنفس البلدة وعلى مقربة من هنا :
_" خلي بالك من نفسك ومن "يامن" أكليه كويس وتقلي بليل هناك في برد عن هنا ، وان مقدرتيش تكملي رص الهدوم سيبيها أنا جاية بكرة أنا وياسمين"
وافقت بأعين لامعة وحملت "يامن" تقدمه لـ "والدتها" بدلاً من أن تنحني فعانقته "سمية ". كما ضمت ابنتها في هذا العناق ورددت ما ان نزل الصغير يمسك كف والدته:
_" في رعاية الله يحبيبتي ، ابقي طمنيني لما توصلي، لا إله إلا الله!"
_" محمد رسول الله يا ماما ، متنسيش تطمنيني انتِ كمان على نيروز وحازم "
وافقت برأسها وقبل أن يخرج الصغير توقف ملتفتاً يشير بكفه الصغير ببراءة ناحية جدته :
_" باي يا تيتة"
ضحكتا الإثنتان عليه وبادلته "سُمية" الوداع بحبٍ وحماس مماثل لحماس فرحته البريئة بالخروج :
_"باي يا قلب تيتة "
أغلقت باب الشقة خلفهما وهبطا هما لـ "بدر" الذي سبق بحمل الحقائب ،في حين التفتت"سمية " ونزلت دمعتها بفقد ، فقد كانت الشقة خاوية لم تكن هكذا من قبل ، ما يجعل لها بكاء ودموع في الأعلى ومن يخفف كل هذا مع زوجها في الشقة الأخرى والتي كانت تمرح بمشاكسة دائمة فقدت هذا بتواصل بعدما تزوجت وابتعدت قليلاً ، وفقد ٱخر لإبنتها وفرحتها الأولىٰ وأعقلهن!! ، دخلت تأخذ الدواء وابتلعت ريقها بوجع ففقيدها الأول في كل شئ فحتى وجعه لم يزول بعد ، كيف وقد كان ومازال هو حبيب أيامها..
على أية حال مر اليوم بأحداثه وقهره ووجعه وكل شئ ، وبين احتواء والٱخر لم تترك "زينات" " أسماء", واحتوتها كما لم تترك "ياسمين" زوجها "حازم" وباشرت "عايدة" واهتمت بالجميع حتى "حسن" مع ", زينات" التي لم تهمله ، وٱخرون في الشقة الأخرى إلى الٱن في صدمتهم وتشاركهم الثالثة بصدمة مماثلة بعدما علمت!!
واثنان في الأعلى على ٱخر حال لهما ، تغمرهما الطمأنينة من جديد واجتمعا بعد فراق كبير لم يحدث من قبل بمثل هذه المدة ، وجمعهما القدر صدفةً في شقتهما كي يعودا كما كانا هما من قبل ، فبدايتهما منذ فترة كانت وجع، فراق، شجار ، حزن، قهر حسرة، ونهايتهما الأخيرة بنهاية اليوم كانا معاً من جديد
رواية عودة الوصال الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سارة ناصر
لم تهبط هي لأسفل منذ وقتها، بل بقيت هي وعائلتها الصغيرة هم من صعدوا لها. هو فقط من هبط بإعتبار العمل ورؤيته لعائلته والجلوس معهم. والوقت الأكثر والأكبر كان معها هي.
منذ يومين تحاول تنظيف الشقة من الأتربة الكثيرة وغسل الملابس وجمع الأطعمة التي كانت منذ فترة كبيرة، ومن ساعدها في كل هذا كانت والدتها. قاربت على الانتهاء من كل ذلك. اليوم عدا أشياء بسيطة قررت فعلها ثم الهبوط لأول مرة بعد الأحداث الأخيرة. فهو الآن هو الآخر ذهب إلى عمله اليوم لأول مرة بعد جرح رأسه وحادثه، ومن ثم وهو قادم سيذهب ليأخذ "وسام" بعد إنهاء الاختبار.
بينما منذ وقت ليس قليل جداً، كانت هناك أخرى قد أنهت آخر اختبار وانصرف هو من العمل ليأخذها من أمام المعهد الخاص بتعليمها. فمنذ أن فعل ما فعله لم يقترب أي شخص منها بنظرة. وهذا جعل رأسها مرفوعة بشموخ وثقة أعطاها لها "آدم". وبعد هذا الاختبار كان موعد الجلسة، فأخذها معه والآن هو في لحظة الانتظار. لم يجرب هذا لأول مرة. قد اعتاد، ولكن في أذنيه يتردد حديثه مع الطبيب بما يخص حالتها. الجدير بالذكر أنه عامل مهم جداً، وما يسعده حقاً أنها لم تكن في انتكاسة تهاب منها الرجال وصنفهم وحتى قربهم، بل تهاب الأشكال. تهاب عقلها وهو يراجع المشهد، بينما إن وثقت بأحدهم سيتغير الوضع تماماً. وهذا ما فعلته معه، سمحت له بأن يبادر بالعناق واللمسات السطحية البسيطة الحانية. كما أن كوابيسها أصبحت مرة كل يومين أو مرة كل ثلاثة أيام وهذا يعد عامل جيد جداً. بعد أنها منذ يومان لم يحدث لها هذا وشعر بالطمأنينة. كما شعرت هي بالسعادة من أجل ذلك، ولكنها لم تفتح معه هذا المحور من الحديث كونها لا تتأكد من نفسها بأنها ستستمر هكذا أن ستعود مجدداً.
"عودة إلى ما بعد نهاية إحدى الجلسات"
يسأل ويترقب ويود أن يفهم أشياء كثيرة يهاب منها كما يهاب تهورها وأفعالها المفاجئة. إلى أن توصل لحديث عميق وكثير يحمل بين طياته تفاصيل عجز عن فهم بعضها وفهم البعض الآخر. ومهما عجز، فعجزه عن رغبته في أن يقدم لها أسرع حل ممكن يقسو عليه.
ليس بيده شيء سوى المواساة والاحتواء والمساعدة. هل يدرك ما أهمية كل هذا لها؟
"لا، إن شاء الله هتتحسن وهتبقى كويسة. حضرتك فاهم كويس إن اللي حصلها مش سهل. يمكن اللي مخليها متماسكة شوية إنها كانت بشخصية قوية ومش ضعيفة تستسلم بسرعة. ده غير إن عنادها كان له عامل مهم أوي. هي من نفسها أصلاً بتحاول، فلما بنلاقيها تحاول مع نفسها كده، حتى بنعرف إن الحالة هتتحسن وبسرعة كمان، لإن عندها حافز تكون كويسة وليس العكس."
توقف "آدم" قبال الطبيب يستمع إلى بداية حديثه، وعقب ما انتهى شرد وجاب نهاية شروده بسؤاله المهتم والارتباك خلفية لكل هذا لديه:
"طب هى الحالات اللي زي دي بتتعالج مدة كبيرة؟ بتفضل كده على طول؟"
"الحالات اللي زي دي بيجي فيها الشخص فاقد ثقته بنفسه وفاقد الشغف في إنه يحاول تاني، وبياخد خوفه ويقعد على جنب. فريدة حالة نادرة. خدت خوفها وفي الأول حاولت تشيله بس معرفتش، ففضلت بيه واستمرت تخفيه وتتعامل على إنها مش خايفة، بس هي الحقيقة كانت خايفة. شخصية متحكمة في أعصابها، عدى اللي حصل في الآخر ده من كتر الكتمان اللي إن شاء الله بتكلم معاها فيه وبقولها تعمل إيه عند لحظات معينة. وبخصوص الدوا اللي بتاخده، فده مش مضر وقريب هيتوقف. ده للاحتياط، متقلقش. وأنا طبعاً فهمت علاقتكم واصلة لحد فين، بس أكيد أنت فاهم الوضع وبأكدلك تاني إنها واثقة ومأمنة ليك، بس سيب الخطوة تيجي هي منها بذات نفسها. هي شبه قادرة ولكن مش قادرة بالكامل، في لسه نوع من أنواع التردد، رغم إن الخوف بيتشال تدريجياً معاك. علشان كده التذبذب ده علاجه إنها تعرف تاخد القرار ده وتحسم الأمر وتطمن خالص. علاجها مش في إنها مش قادرة على القرب، علاجها في إنها خايفة بس بتكتم ده بطريقة غلط بتأثر عليها وبتخليها تندفع بأشياء وأفعال غير منطقية وصادمة بالنسبة للي حواليها. أنا اتكلمت كتير طبعاً ومتأسف، بس ده حقك تفهم، وإن شاء الله خير وهتبقى كويسة عن قريب. أنا واثق من ده."
أقوال متتالية أردفها الطبيب خلف بعضها كلمة تلو الأخرى، وهو يستمع بإنصات وتفهم. أشياء عديدة يجهل عنها وأخرى يفهمها، ولكن الحديث أشبه بطمئنة عليه وعلى قلبه المسكين الذي يتلهف لكل رد فعل تفعله هي دون إرادة منها.
حرك "آدم" رأسه حينها بتذكر، وما أخرجه من شروده: "الآن". هزات متتالية من "فريدة" بكتفيه منها، فنظر سريعاً ووقف بلهفة. ولكنها هي من هتفت أولاً بضجر من عدم انتباهه لها:
"إيه؟ سرحان في إيه كل ده؟ بتحب عليا ولا إيه؟"
كان الضيق ظاهر على تقاسيمها، فخرجت ضحكته بخفة، ووكز ذراعها بمزاح غامزاً بقوله:
"بقى تصدقي فيا كده يا شاطرة؟"
"آه عادي، وليه لأ؟ ما أنت قلبك واسع!"
ابتسمت "فريدة" بسخرية قبال هذا القول الذي خرج منها، ولكنه الجم هذا بخفة منه عندما حول القول لغزل مازحاً بقوله:
"قلبي واسع آه، بس على مقاسك أنت يا شاطرة!"
رمشت بأهدابها بمرح، ووكزت ذراعه بمزاح وهي تعنفه:
"عجبتني، ومتقوليش يا شاطرة!"
ضحك "آدم" مرة أخرى وسار معها ناحية الخارج بعدما ضحكت على ضحكاته. هبطا معاً، في حين نظر هو لها وسأل سؤاله برفق:
"الجلسة كانت كويسة؟"
أكدت "فريدة" ذلك برأسها وطالعته تصرح له:
"آه، كنت متلخبطة من الامتحان بس دخلت وشيلت من دماغي كل ده وارتحت شوية. أنت استنيت كتير، تعبتك صح؟ أكيد القعدة كانت ملل من الانتظار وتضايقت أنا عارفة!"
ابتسم هو بلين، وسارا معاً بإندماج، وخرج صوته رداً على سؤالها:
"أنا أحسن وقت بقضيه وأنا معاك، واللي أحسن منه وأنا بستناكي عشان تبقي معايا."
هذا القول يحمل معاني كثيرة متأثرة تؤثر بها هي أمام عينيه التي تراقب تعابيرها. أخذت نفساً عميقاً وتأبطت ذراعه بحركة مازحة، فضحك بخفة وشاكسته ملاحظة ثقله كما كانت تشعر بالثقل هي الأخرى من آخر الأحداث، ولكنها بارعة دائماً في الإخفاء:
"انجزني يعم، حسسني إني مراتك كده. وبعدين مالك مش في المود ليه؟"
"زعلان منك."
لم تتوقع هذا الرد الصريح المفاجئ منه. نظرت بمفاجأة. هل يبتعد عن سرد ما بداخله أم إن ما يردده صحيح؟
"مني أنا؟"
توقف عند كورنيش البحر، ووقفت هي بجانبه وهي تراه يؤكد برأسه، فإنتظرت الحديث منه، ولكنه صمت متأملاً ملامحها بشرود. وبدأت هي حينها تردد له بغرابة:
"طب احكيلي!"
"احكيلي انت الأول، مش في المود أنت كمان ليه وبتحاولي تداري؟"
كان قوله واضحاً، أراد به استغلال الوضع وإخراج الحديث منها. أخرجت "فريدة" أنفاسها بثقل وشرود، وهو وحده من يجعلها تتحدث بسرعة دون مراوغة في أن ترفض ما بها. ابتلعت ريقها وسألته في شك:
"بس أنت استغلالي أوي، مش كده برضه؟"
رفع "آدم" كتفيه ببساطة، وصرّح بنفس البساطة أمام عدستيها الداكنة:
"علطول بصراحة، بس المرة دي عندي اللي مزعلني بجد مش أي كلام. بس خلينا نوزعها بالعدل ونبتدي بيك الأول!"
طالعت كلماته بإقتناع، وأشارت ناحية البحر بمرح، مما يعلن بأنها وافقت طلبه:
"بس نرمي اللي مزعلنا هنا ونمشي علطول، موافق؟"
رددت هذا لأنها رأت ثقله بالفعل. ضحك "آدم" وهو يحرك رأسه ملتقطاً خبثها وهتف بكشف لها:
"موافق يا شاطرة، بس خليكي عارفة إنك واقفة قدام واحد جايبها من تحت أوي!"
طالعته محاولة كبت ضحكتها بعدما فهمت كشفه لها وسألته ببراءة:
"يعني إيه بقا؟"
"يعني أنت كمان استغلالية، لما حسيتي إني زعلان منك بجد انتهزتي الفرصة عشان ننهي كل حاجة هنا. بس وماله، أنا موافق، بس بعد ما أقولك تعطيني سبب مقنع يخليكي تعملي اللي عملتيه وأنا هعديها. اتفقنا؟"
"مش فاهمة أنا عملت إيه، بس اتفقنا!"
فأشار بكفه وهو يطالع المياه من أمامه وردد بترحاب يحثها:
"زعلانة من إيه يا شاطرة؟"
نظرت له "فريدة" بغيظ من اللقب الذي يردده لها دائماً. في حين تبدل كل هذا سريعاً وجلس الاثنان بجوار بعضهما على الكورنيش وانتظرها بفارغ الصبر بعدما انحنى يلتقط حقيبتها التي وقعت ووضعها بجانبهما منتظراً سردها، وأخيراً بدأت هي بهدوء شديد:
"بص!"
عشان أبدأ صح قررت أشيل أي ماضي مأثر فيا بس بالتدريج، هو ده لسه محصلش بالكامل.
بس عند موضوع "حسن"، حاولت أعطيه فرصة مرة واتنين. حتى بعد ما "أسماء" حكتلي، حسيت إني رجعت أقرف منه ومن سيرته زي ما كان.
بس رجعت، ولأن العلاج النفسي خلاني أفكر من منظور تاني، فكرت فيه من ناحية تانية. ساعتها خرج تعاطفي معاه اللي كان اختفى.
ولحد آخر حاجة حصلت، خوفت فعلاً لـ "غسان" يعمل فيه حاجة. ساعتها كنت زعلانة على حاله وحال ماما اللي مش كويسة أبداً، وهي شايفاه محبوس في الأوضة لحد ما ييجوا ياخدوه المصحة.
عياطها وهي بتقولي إن "حازم" مانعها تدخل، خلاني أعيط وأحس إن فعلاً فيه حد مني بيعاني ومأذي في نفسه زي ما أنا اتأذيت.
لمعت عينيها وهي تسرد، وعند قولها الأخير قاومت بقوة على أن لا تسقط دمعتها، محفزة نفسها على القوة وهي تكمل:
"أنا "حسن" أخويا صعبان عليا أوي يا "آدم". أنا عارفة إنه وحش، حتى كان وحش في حقي. بس أنا شايفة الموت مقرب منه أوي. أنت عارف ده لو بالشكل ده، وواحد تاني كنت هتعاطف معاه برضه. حتى "أسماء" مستغربة أوي، هي إزاي قدرت تستنى كل ده؟ وإزاي لسه بشوف في عينيها حب ليه رغم إنه عمره ما نصفها وكل حاجة بتقول ليها إنه مش كويس. هو في حب بيعمل كده؟ في حب بيخلي الواحد قليل ومكسور في نفس الوقت؟"
اندمج وأنصت هو باهتمام، ولكنه لم يتوقع ختامها بحديثها الأخير عليه، حينما رددت وعدستيها تعانق عدستيه في ضوء الشمس والنهار والهواء بينهما يشاركهما اللحظة:
"أنا خوفت أوي لتكون أنت معايا زي أسماء كده مع حسن. خوفت لتكون حاسس إنك قليل ومكسور بس مضطر تحبني عشان ده غصب عنك!"
تعلقت عدستيه معها بصمت واهتمام، وتنهد بصوت، وخرجت نبرته المطمئنة لها:
"أنا مش مضطر أحبك غصب عني. أنا حبيتك من قبل ما أعرف أي حاجة تخصك. اللي بيحب بجد مفيش حاجة بتفرق معاه ولا بتأثر عليه قد اللي بيحبها. أنا مقتنع إن الراجل بيحب مرة واحدة بس في حياته، حب واحد صادق. وأنت كنت ومازلت الحب ده. كل حاجة كانت قبلك كانت أي كلام. حتى لما كنت بشوفك وببص ليك بصة الإعجاب، كنت برجع لورا تاني عشان خاطر صحوبيتي أنا وحسن. أنا كان في إيدي أدخل أكلمك، بس اللي بيني وبين حسن مكنش بقلة الأصل دي. برغم إننا عملنا حاجات كتيرة تبين قد إيه إحنا كنا وحشين، بس عند كل واحد والتاني كنا بنقف، وهي دي النقطة التانية اللي عايز أرد عليك فيها!"
ابتسمت بتأثر قبال استرساله وهو يكمل:
"لأن أنا كمان خايف على حسن وبفكر ليه وحاسس باللي هو حاسس بيه، بس اللي مصبرني إنه هيدخل على خطوة نضيفة. هيتعب فيها أوي وهيحس إن الموت بيقرب، بس ده مش هيبقى حقيقة عشان ده اللي هيبقى الصح ليه. ساعتها مش هيعرف إن ده الصح لحد ما يفوق. أكتر حاجة تصبرك دلوقتي هي إنه أخيراً هيبقى كويس لأول مرة في حياته، كويس بصحته وجسمه وعقله اللي راح قصاد شوية حاجات الموت في مقارنة معاها، وغالباً هو اللي بيفوز."
طمأنتها كلماته التي كانت بمثابة الدفء في جو قارص في البرودة. تلك هي علاقتهما! ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تحرك رأسها. وقبل أن تسأله، رد بجواب السؤال بالتفسير وكأن الإثنين يقرأان أفكار بعضهما للتو:
"أنا برضه كنت حاسس بتناقض، كنت بموت في اليوم ألف مرة. وأنا هناك قولت إني عمري ما هخرج على رجلي من كتر التعب ده. المصحة دي متعبة، بس على قد ما هي كده، على قد ما بتخرج منها ناس جداد من تاني. ناس داخلين بأمل ميت وبعد كده بتلاقيهم خارجين بأمل اتزرع فيهم من تاني. إحساس إني تعبان وعايز أتعاطى حلو ووحش للمدمن. هو وحش عامة، بس المدمن بيشوفه حاجة تانية. كنت بحس إنه بيخلي دماغي في مكان تاني بعيد عن دوشة العالم والناس والحوارات. وكنت بحس إنه وحش أوي لدرجة إن دموعي كانت بتنزل مني وأنا بتعاطى ساعتها وبفكر المرة التانية هتبقى امتى أو نهاية ده كله إيه. وكنت بسأل: يا ترى هقدر أخلي كل ده يسيبني وميقربش مني تاني، ولا أنا اللي هسيب كل ده وأروح فيها في مرة من المرات. أنا كنت ميت يا "فريدة" وقمت من الموت تاني، ونفسي حسن يقوم منه هو كمان."
سقطت منها دمعة وحيدة على معاناته، فرفع يديه يمسح أثرها بابتسامة نقية بسيطة وتنهد مخرجاً أنفاسه وهو يقول بسخرية محببة:
"دموعك خانتك يا شاطرة."
"عشانك يا مستفز."
رددتها بتحشرج مع اللقب الأخير الذي كان معهوداً منها في بداية ظهوره معها في محل الورد. ضحك بخفة، ورفع ذراعه على كتفيها ونظرا الإثنين ناحية المياه. لم يتحدث بعدها بل انتظرها تكمل. وعندما شعرت بصمته سألته بتشكك واختناق لا يليق بها:
"يعني أرمي كل ده دلوقتي وأسيب كل حاجة على ربنا؟"
"مش ده اتفاقك؟ ولا أنت بقى بتخمي؟"
ضحكت على حديثه وأغمضت عينيها لثوانٍ، ثم فتحتها تحرك رأسها إيجاباً وهتفت وكأن الأمر جاد:
"رميت كل حاجة. يلا دورك. بعد ما عرفت زعلك على حسن، لسه في زعل تاني مني معرفتوش؟ احكيلي!"
ابتسم يحرك رأسه بموافقة، وطالع عينيها مردداً دون مقدمات:
"سمعتك النهاردة وأنت بتتكلمي مع "حازم" الصبح. قولتيله يجيبلك مرهم وعطيتيه اسمه. إزاي أخوك يجيبلك حاجة وأنت ملزمة مني؟ أنا قولتلك أي حاجة تحتاجيها تقوليلي أو تكتبيلي في ورقة أجيبها وأنا راجع. أنت قللتي مني النهاردة قصادي وقصادك من غير حتى ما تاخدي بالك. هو أنا شلت منك حاجة قبل كده ورفضت أجيبلك اللي محتاجاه؟"
ابتلعت ريقها بإهتزاز. فهذا دهان تجميل لإخفاء الأثر الخاص بالجروح، تستخدمه على الدوام لجرح ساقها الذي كان قد فعله "حسن". ولأن له علاقة بالتجميل وإخفاء الأثر، هذا يجعله باهظ الثمن، ولم ترض تكلفته بذلك أمام مصروفات مسئوليته بشقيقته وصغارها والمنزل ومتطلباته!
"اعطيني سبب مقنع يخليكي تعملي كده!"
سألها هكذا يستجوبها أمام صمتها لشعوره. هذا أمامها، فواصل يكمل واضعاً براهين أمامه:
"هو أنت بتتكسفي مني؟ مش مستوعبة مثلاً إنك ملزمة مني وإني مسئول عنك وعن اللي محتاجاه؟ متحسسنيش إني مقصر يا فريدة!"
استوضح بجدية، وحرك رأسه يحمسها على الرد، فابتلعت ريقها تبرر له:
"لا والله مش مقصر خالص. أنا مكنتش أعرف إنك هتزعل أوي كده. أنا مش مكسوفة أطلب. أنا بس قدرت الظروف. فـ وأنا بكلمه بيقول إنه هيعدي يجيب علاج لياسمين، فقولتله يجيبلي المرهم ده وهاخده منه النهاردة لما نروح هناك بالمرة."
بس دا كل اللي حصل.
لم تتردد أنه باهظ الثمن، فنظر لها بشك وأخرج أنفاسه يستعلم منها:
_ يعني إيه المرهم ده؟ بتاع إيه يعني؟ حاجة عيب عشان متقوليش؟
ابتسمت أمام سخريته منها، ووكزت ذراعه تجيبه بنبرة ضاحكة بخفة:
_ لا مش حاجة عيب يا مؤدب.. ده بتاع خدوش كده فهو بيشيل الأثر!
رفع حاجبه الأيسر في غرابة، ولم يرض الضغط عليها لذا حرك رأسه بمكان آخر، فراضته هي بلين:
_ أنا آسفة، مقصدتش والله أحطك في الموقف ده قدامي وقدام نفسك. بعد كده هقولك حاضر. أنا والله صعب عليا المصاريف الأخيرة بسبب تعب جنة وكشفها وعلاجها، هي عندها السكر من زمان.
_ آه، واخداه وراثة من عيلة أبوها. مبناخدش منه حاجة عدلة أبدًا!
ردد الأخير بسخرية. نظرت في أسف وتنهدت تخرج أنفاسها، وسألته من جديد وكأنها تنتهز فرصة سكونه هكذا دون عناد قبالها، فهذا لا يتكرر دائمًا:
_ طب أنت زعلان من "فاطمة" ليه؟ أنا سمعتكم الصبح ومرضتش أتدخل بينكم!
_ عقليها بقى. دي عايزة تنزل تشتغل وتتمرمط في صيدلية وترجع من شفتها نص الليل كمان.
علمت أن الكل يشعر بمدى زيادة المصروفات. وعلى الرغم من أن "بدر" يساعد بالكثير، إلا أن شقيقته تشعر بالحرج من كل هذا. تنفست "فريدة" بعمق وحثته بهدوء:
_ طب ما تخليها تشتغل يا آدم وتوافق. أنا عارفة إنك متضايق عشان هي حاسة إن مسئوليتهم كتير عليك، بس خليها تخرج وتشوف الدنيا وتتعامل مع الناس. مش يمكن يشوفها واحد ابن حلال وتتجوز ويعوضها عن كل ده!
أخرج "آدم" أنفاسه بثقل، ملقيًا الحجر في المياه شارداً مع خروج قوله الهادئ بتوضيح لها:
_ معتقدش كل ده يحصل. فاطمة هتخاف تخش في علاقة من تاني. أنا اللي مزعلني إنها لسه صغيرة ومتجوزة صغير ومعاشتش حياتها. من حقها برضه تتبسط بس اتظلمت بدري أوي وأنا مش ضاغط عليها براحتها. وجودها معايا مش مزعلني ولا مسئوليتها هي وعيالها مضيقاني. بالعكس ربنا بيرزقني برزقهم وعشانهم وعشانك فـ فيه بركة. ماليين عليا البيت ومبسوط بوجودهم وبوجودك معاهم. أنا كنت خايف لتتدايقي منهم عشان كده "بدر" هيكلم واحد يجي يعمل فاصل ديكور بينهم وبينا ويبقى المطبخ مشترك، بس أنا قلت له هسألك الأول عشان حقك برضه!
انقلب الحوار بآخره لآخر، فنبست بغير تصديق تاركة بداية حديثه سريعًا:
_ أنت بتتكلم بجد يا آدم؟ هتدايق منهم؟ ده أنا مبسوطة عشان وسطهم وواخدة راحتي كمان. أنا بحبهم أوي وهما مهما اتدلعوا بس بيخافوا منك في وقت الجد أنت وبدر. ودا مخليهم منضبطين شوية وهم مش جايين عليا ولا على خصوصيتي، ما أنت عارف إن الأوضة كبيرة وبعيد عنهم شوية وكمان بدر لسه مغير أثاث البيت لما أنت خرجت من المصحة على حسب ما بتقول. كفاية تكاليف لحد كده. أنا مش متضايقة والله ومعتش تفتح الموضوع ده بقى عشان مزعلش وأمشي وأتقمص هه!
ضحك من آخر قولها بخفة، وشعر بالسعادة من كلماتها العاقلة والحق التي تركته بحب منها دون مقابل. تنفس بأريحية وسألها وهو ينهض معها ليسيران مجددًا:
_ هو أنت ممكن تمشي تاني فعلاً؟
هل هذا خوف بعد الاعتياد على وجودها معه؟ ابتلع ريقه، وعلى الرغم من أنه يريد راحتها، ولكنها كانت تفهم كل ذلك ووضحت ردها بصدق امتزج بابتسامة واسعة:
_ أنا خدت نصيبي خلاص ووجودي معاك كأنه أحسن فرح في الدنيا. مبقتش عايزة أرجع. بس المرة دي مش عشان الخوف عشان أنا فعلاً بتغير وعايزة حياتي تتغير على حسب التغير اللي حصل برضا مني حتى ولو كان هيحصل بأي شكل من الأشكال غير اللي حصل. بس أنا فعلاً مش حاسة إني قاعدة معاك قعدة مؤقتة يا آدم. أنا قاعدة في مكان فيه راحتي مع أماني اللي هو أنت. مش عايزة حاجة تاني بعد كده وأي كلام بيتقال بخصوص فرح أو غيره منهم فأنا برفض ده بطريقة غير مباشرة عشان حتى ميتصدموش إني مش راجعة بعد ما بقيت معاك.
خفق قلبه في سعادة بالغة. كلماتها جعلته يبتهج بشكل كبير. ورغم بهجته إلا أن رده خرج في لهفة وصدق:
_ أنا مبسوط عشان لقيتي أخيرًا راحتك فين وقدرتي تحدديها، بس أنا عايز أعملك أحسن فرح في الدنيا. أنت تستاهلي ده، أنت مش قليلة. أنا كنت عامل حسابي قبل ما حاجة تحصل إن فرحي يبقى مع بسام وفرح زي عز وشادي كده. إيه رأيك؟
_ لو رفضت هتزعل؟
نظر إلى عدستيها متابعًا بلين دون رفض، فأكملت هي بتفسير:
_ يمكن حتى تبريري ميقنعكش، بس أنا مش عايزة أخطط لحاجة قدام. أنا مرتاحة كده ومن غير أسباب هي دي حياتي خلاص معاك. أكيد نفسي أفرح، بس وقتها ممكن ألبس فستان حلو ونشارك فرح وبسام الفرحة معاهم عادي، بس مش هوقف نفسي على حاجات قصاد إني مستنية أعمل فرح زي إني استنى أشهر ده وأعرف الكل وأرتب وأخطط. أنا مش عايزة ده. عايزة أستغل طاقتي ومجهودي في الجلسات عشان أكون أحسن بسرعة وأرتاح بقى. فـ أنا خلاص دي حياتي معاك وأنا راضية بكده أوي ومرتاحة كمان.
ابتسم يراضيها تاركًا كل شيء لوقته، وحرك رأسه موافقًا وأشار ناحية سيارة أجرة لتقف ووقفت بالفعل، والآن قد قررا الذهاب لزيارة "والدتها" وشقيقها. فإنطلقت السيارة ناحية مبنى سكن عائلة الأكرمي والبدري بعد أن هتف بنبرة مشاكسة:
_ مكان راحتك هو راحتي. واللي أنت عايزه أنا هعمله. بس تعالي نسيب كل حاجة تمشي زي ما هي مكتوبة إنها تحصل.
هزت رأسها بهدوء، وأخذت نفسًا عميقًا ولبت قوله حينما قال مشيرًا لها:
_ اركبي يلا!
وافقته "فريدة" ولم تفتح الحوار ثانية، بل انشغلت في قص ما حثه عليها الطبيب في أن تفعله بحماس كطقوس. كما اعتادت تشاركه ليخرج هو منها الحديث بسلاسة مبادلاً إياها الحماس والشغف كي تستمر هكذا.. كي تذهب إليه هو دائمًا وحده حتى تقابل في كل مرة نفس الشغف والاهتمام ناحيتها دون نقص! ربما هذا ما يجذبها ناحيته أكثر. هو من يبادلها الاهتمام بقوة كأول مرة وصعاب حياته وعقباتها ومسئولياته لا تغنيه عنها ولا تلهيه.
_____________________
_ يا ماما اقعدي بقى. أنا هكمل أنا. أنا كويسة والله ومتعبتش من حاجة متخافيش!
هكذا رددت "نيروز" كلماتها لـ "سمية" التي كانت تنظف المطبخ والأطباق وتشارك في الطعام التي بدأ بطهيه "نيروز". فمنذ وقتها وهي من تصعد لتساعدها في ترتيب الشقة وتنظيفها وطهي الطعام برفقتها كي تخفف عنها هذا الحمل!
تركتها "والدتها" تردد كما تشاء وعارضت بالنهاية وهي تضع الطبق بموضعه بجوار الأطباق الأخرى في الأعلى:
_ خلاص يا "نيروز" بقى الله. متتعببش في قلبي. كتر خيرك على كده أنا هكمل وأنزل عشان "وردة" جاية هي و"بدر" وهسيبك بقى تكملي براحتك الحاجات البسيطة دي. بس انزلي بقى النهاردة مينفعش كده. دا أنت مدخلتيش لحماتك بيت من ساعة ما رجعتي لـ "غسان". هو متكلمش معاكي في الموضوع ده ولا إيه؟
زفرت "نيروز" بصوت مسموع وردت في صراحة ولمحة من الاستسلام للسؤال:
_ لأ لإني منزلتش تحت خالص. عمو حامد اللي طلع هو وبسام ووسام وفرح برضه. وأنا فضلت ملبوخة في الشقة ومعرفتش أنزل. وبصراحة أنا اللي قصدتها عشان خايفة متتقبلنيش من تاني!
تفاجأت "والدتها" من هذا فإعتدلت تنظر لها بجدية وهتفت بعقل:
_ دلال طيبة يا "نيروز" أنتِ اللي مش عارفة تكسبيها. هي زي أي أم هتحبك وتبقى معاكي زي الفل طول ما ابنها عشرة على عشرة ومزاجه كويس غير كده لأ. دي حاجة مزروعة فينا كده. بس سيبهالي إن زعلتك قوليلي وأنا هتصرف. هو أنتِ كنتي عملتي إيه يعني؟؟؟
دفاعها الأخير كان بتلقائية وفطرة وفعلت هي ما قالته بقولها دون أن تنتبه. ضحكت "نيروز" على دفاعها هكذا ثم قالت وهي تنظر بتفحص ناحية الطعام على الموقد:
_ طول عمرك شرسة يا سمسم..
بس أنا مش عايزة أكسب ولا أخسر، أنا عايزة أرتاح وبس.
هي بصتلي كتير بعد الموضوع اللي حكيتلك عنه وحاولت تتأسف بس مخدتش فرصتها.
بس أنا بتكلم عني أنا، مش مستعدة أتحرج وأتحط في الموقف ده من تاني.
"غسان" بينلي من وسط الكلام إنها مش هتعملها وإن كل حاجة خلاص بقت تمام، بس أنا متعشمش.
أنزل وأتلهي!
سكنت قبال هذا وهي تبتسم بشرود نحو احتواءه لها ومراضاته عن ما فعلته والدتها.
لاحظت انتهاء "غسالة الملابس" ففتحتها والتقطت ما أمامها، تضع به الملابس كي تتوجه بها ناحية الشرفة.
وقبل أن تنحني لتفعل هذا، وجدته يفتح الباب من على بعد، حاملاً متطلبات المنزل بأكياس بين يديه.
ابتسمت له من على بعد، مع تحريك "سمية" برأسها تنظر.
فوجدته يقترب ملقياً التحية بهدوء، واضعاً الأكياس على الرخام، في حين رحبت به "سمية":
"حمد لله على السلامة يا بني!"
لم تترك له فرصة للرد، بل اعتدلت تضع حجابها الذي كان على كتفيها ورددت بعجالة، تتركهما معاً:
"أنا نازلة يا نيروز، متنسيش اللي قولتهولك."
ثم نظرت ناحية "غسان" الواقف وحثته برفق:
"ابقى شيل لها السبت يا غسان وإسنده على الترابيزة في البلكونة وهي هتنشر، عشان بس متشيليش حاجة تقيلة وتتعب!"
هابت أن تحمل شيئاً ثقيلاً. ما أن وجدت منه الموافقة انصرفت على الفور وأغلقت الباب خلفها.
فأقترب ينحني ليحمل السلة، فسألته هي ببشاشة:
"وسام عملت إيه في الامتحان؟ هي مطلعتش معاك ليه؟"
سارت خلفه ناحية الشرفة إلى أن أسنده لها برفق، ووقف يهندم من ملابسه مردداً بإبتسامة هادئة:
"بتقول إنه كويس وحلت. هي دخلت تتغدى وهتغير وتجيلك!"
تنفست "نيروز" بعمق وعدلت من وضع حجابها في الشرفة، بينما هو وقف ينظر إليها بتمعن.
شعر بالراحة كون زار وجهها الحياة من جديد بعدما كان شاحب.
التقطت قطعة الملابس الأولى لتقوم بنشرها أمام عينيه، وضحكت بصوت متوسط تسأله بسبب تأمله لها:
"أبيض وأسود ولا ألوان!"
هل تردد نفس كلماته؟ ضحك بخفة وقوس حاجبيه مردداً بمشاكسة:
"الكلام ده يخصني على فكرة!"
هتف "غسان" بذلك بمزاح، فتعالت ضحكتها ورددت في استنكار:
"عادي، أنا آخد منك اللي أنا عايزاه، إحنا تلاتة يا حبيبي وانت واحد بس!"
منذ وقتها لم يتحدث معها حديث هادئ عميق، بل قرر تناسي كل شيء مقابل الاستقرار من جديد.
ابتسم وعقله لا يغيب عنه الموضوع الذي يخص علاجها. ولكنه قرر الصمت وضحك بخفة، يشير نحو عينيه بمرح، مردداً:
"خدوا عيني كمان، بس تبقوا كويسين!"
ناولها وتلتقط هي منه إلى أن سألته بجدية بإندفاع دون تفكير:
"لسه قادر تبقى مبسوط معايا زي الأول يا غسان؟"
هذا التخبط الذي بداخلها جعلها تسأله هذا السؤال بقليل من الخوف. التفتت تنظر فوجدته ينظر.
فتنهد هو بصوت مسموع، وأقترب يقف بجانبها أكثر، وقال بعقل وتفهم لتخبطها وهو يعدل حجابها ببطء تزامناً مع كلماته:
"مبسوط معاك هنا زي أول مرة. مفيش حاجة اتغيرت. الفرحة بس هي اللي زادت واحنا الاتنين فرحانين وبنستناهم يجوا وسطنا يفرحوا معانا. أنا مكنتش عايز حاجة من الدنيا غير كده. أنا كنت ميت زي ما كانت الشقة دي ميتة من غيرك وانت مش فيها. أنا كنت بخاف أطلع هنا لوحدي عشان لما مبلاقكيش بتخنق أوي وبتدايق وبقول إيه اللي وصلنا لكده. لحد آخر مرة طلعت وكنت طالع على عيني وراح كل ده لما لقيتك وراح كمان لما رجعتك."
قربها من جديد كان أكثر شيء يفرحه. ابتسمت بتأثر رغم حياءها، فمسح على رأسها بحنو، ودعا في لحظة صدق وجدية:
"ربنا يخليكي ليا يا "نيروز" ويديكي القوة عشان تكملي اللي باقي على خير وتقومي بالسلامة انتِ وهما. أنا مبقاش في إيدي حاجة غالية قدكم. انتوا أهم حاجة بالنسبالي!"
وأضاف أمام عدستيها اللامعة بسعادة من سكون الوضع وزوال الوجع:
"معرفتش طعم الخوف إلا معاكي وزاد إلا لما بقيتي حامل. خلي بالك من نفسك عشاني وعشانك وعشان اللي جايين!"
ربما ظهر الخوف الآن وبقوة، ففكرة تعبها تلح على عقله، وكل حرف يخرج منه يضع له تحسبات كثيرة بسبب حالتها الغير مستقرة بذلك الانهيار المفاجئ والمنهك له ولها. ابتسمت بإتساع، وردت بحب:
"اطمن يا بن البدري، أنا وهما بخير طول ما إحنا معاك!"
رد "غسان" بابتسامته الواسعة وهو يعطيها الملابس لتنشرها، فحولت هي الوضع لمرح حينما نظرت له بغيظ وهي تعتدل لتضع الثياب على الحبل، وتزامناً مع ذلك هتفت بحنق:
"اسكت أنا مضايقة، موضوع الفرح ده مزعلني أوي!"
فهم مغزى حديثها، فضحك وهو يستند على السور مردداً بما غفل عن قوله لها بتوضيح:
"ما بسام اتصرف!"
نظرت له متسائلة بعدستيها، فضحك وهو يفسر أكثر:
"ما هو راح وقف قدام صفا مرتين، مرة وفرح معاه ومرة لوحده!"
اتسعت عينيها لثوانٍ وهي تلتفت، ثم ضحكت بقوة وهي تحرك رأسها بعدم استيعاب مضحك:
"ده بجد؟"
أكد "غسان" برأسه وهو يعطيها القطعة القماشية، نابساً بنبرة بها أثر الضحك:
"ما الجيش قالك اتصرف. بس هي سألته في وسط الزحمة في المرة التانية عنك باعتبار إنها كانت فاكرة أنا بس. هو اتصرف وقالها إن الحمل تاعبك وانت قاعدة بعيد."
انتهت من نشر الملابس التي كانت قليلة، وحركت رأسها عند هذا القول ضاحكة، فضحك هو الآخر مستمعاً لنبرتها الضاحكة وهي تتحدث:
"ده إيه الدماغ دي!"
"أنا كنت بعمل الحاجات اللي زي دي عشان هو كان بيخاف. بس المرة دي الدماغ دماغ "بسام". دي دماغ شيطان دي بس لو اشتغلت من غير ما يقولي لا عيب ولا معرفش إيه. بس كويس إنه عمل كده عشان لو كان قعد يرن لحد الصبح مكنتش هرد!"
أصبحا معاً في المطبخ تحاول توزيع الطعام كي يتناولا معاً وسط هذه الضحكات من الاثنان. حركت رأسها ناحيته فوجدته يعطيها الأطباق بشرود آخر قطعة، وهى تحثه:
"طب ادخل غير هدومك عشان نتغدى يلا."
وافق مبتسماً، وخلال ثوانٍ اختفى من أمامها. فرتبت هي الأطباق بشرود. وتصاعدت في رأسها الأفكار والخوف من جديد. لم تفعل عن ما يصمت فيه من حق أمام "سامر"!! تهاب فعله شيء. وعلى الرغم من أنها لم تهبط لأسفل إلا أنها تهاب مرة أخرى النزول بسبب "حسن" وحالته.
ترصصت الأطباق على الطاولة وبعد قليل خرج "غسان" بملابسه البيتية الرياضية المريحة واقترب منها فابتسمت تطالع ماذا يرتدي. وجلس فجلس بجانبها مشاكسًا إياها بعبث. اشتاقت له منذ الكثير.
"بس إيه الحلاوة دي كلها! أول مرة أعرف إن الحمل بيحلي أوي كدة!"
ضحكت "نيروز" بخفة وناولته الملعقة وهي تردد بسخرية منه:
"بتلعب بالكلام لعب كده!"
"محصلش، انت طالعة حلوة فعلاً!"
ابتسمت بحياء. راقه ما أن تابعها بتفحص وهو يردد ذلك بإعجاب. وسرعان ما ابتسمت باتساع وهي تبتلع ما بفمها وردت:
"تعرف ماما بتقول اللي بتبقى حلوة في الحمل بتجيب بنت. تفتكر هيبقوا بنتين؟"
اتسعت ابتسامته بخفة وتضامن برأسه قائلاً بمرح:
"ده ياريت، هو في أحلى من البنات! وأهو نحقق أمنية حامد ودلال عشان كان عايز يجيب بنتين توأم هو كمان!"
تعالت ضحكتها ونظرت له بشك تجاريه ونبست من جديد:
"انت بتاخدني على قد عقلي كتير. هو ده منظر واحدة حلوة في الحمل؟ إيه؟ مش ملاحظ إني تخنت؟"
"ما هي دي الحلاوة كلها!"
غمز بقوله فضحكت من جديد واستمرت في تناول الطعام معه في حين ابتسم هو براحة وتفاجئ بقولها الهادئ بما أنه دعا سيرة والده في الحديث قبل قليل:
"عارف يا غسان.. أنا كل يوم بحب عمو حامد أكتر من اليوم اللي قبله. مكنتش متخيلة إني هلاقي الحب ده كله فيه حتى ولو وقفت قصادك. بيتعمد يعدل لأنه فعلاً قدر يخليني أشوف إنه شايفني بنته مش عشان مرات ابنه. أنا بابا وحشني أوي يا غسان وكل مرة بيوحشني فيها بشوفه في باباك. أنا بحبه أوي وبخاف عليه كمان وكنت بتضايق لما كان بيزعل عشاني وكان من ضمن خوفي إنه يتضغط يزعل عشاني ويحصل زي ما كان حصل. يارب يفضل معانا طول العمر ويشوف أحفاده ويلعب معاهم ويعلمهم اللي هو اتعلمه وعلمه ليكم. أنا مطمنة عشان هو موجود ومطمنة عشان انت هنا معايا. متسبنيش تاني!"
اهتزت ابتسامته ورفع يديه يربت على ذراعها مبتلعًا ما بفمه بتأثر من كلماتها ورد بعد ذلك في نبرة هادئة:
"مش هنسيبك أنا وهو. أنا رغم البعد بس كنت مطمن عشان هو هنا معاكي ومعايا. وخصوصاً معاك وواخد باله منك. متخافيش!"
ابتسمت "نيروز" باطمئنان وعادت تردف من جديد أمام عدستيه:
"بس أنا خايفة لسه. خايفة أوي عشان سكوتك على سامر، وإنك سايبه كده دي حاجة مقلقاني. أرجوك كفاية لحد كده. أنا نفسي نعيش في هدوء. وما صدقت. أنا لسه مفوقتش لحد دلوقتي من صدمة راسك. علشان خاطري اوعى تعمل أي حاجة."
هو الآخر ترك الحق الأخير واختارها هي مؤخراً. أخرج أنفاسه أمام ترقبها فابتسم يطمئنها برفق:
"هو كفاية عليه صدمته في أخته. مع إن ده مش حقي بس مـ..."
قطع هذا صوت جرس الشقة بعلو فنهض سريعاً في اتجاهه يفتحه وما أن فتحه وجد شقيقته ووالدته لأول مرة تصعد منذ أن كان هو هنا معها ابتسم باتساع وشاكسهما بمرح ما أن قال وهو يغلق الباب خلفهما:
"يعني داخلين بإيديكم فاضية كده؟ مفيش كيس جوافة يا أم غسان من الفريزر اللي تحت أو أي حاجة وانتِ جاية كده؟ داخلة بنورك وبس ولا إيه؟"
ضحكت "وسام" بخفة وتعالى صوت دلال بلهفة:
"اللي انت عاوزه أجبهولك يا حبيبي هو أنا هشيل منك حاجة برضك؟ إخص عليك!"
ثم توجهت ناحية "نيروز", التي خرجت ترحب بهما بعناق للإثنان تزامناً مع قولها التي نهرت به "غسان":
"يعني هي ضيفة؟ حضرتك تيجي في الوقت اللي انت عايزه يا طنط ومن غير حاجة سيبك منه هو بيهزر عشان أكيد مطلعتيش هنا من زمان!"
تأثر من دفاعها على الرغم من أنها لم تنس ما فعلته معها إلا أنها احترمت صعودها وتحدثت بلباقة جعلت "دلال" تأخذ رأسها بين كفيها وقبلت قمتها بأسف وبدون مقدمات أمام نظراتهم وصدمة "نيروز" هتفت هي بأسف:
"أنا عارفة إنك مشغولة في الشقة وعارفة كمان إنهم طلعوا مع عدا أنا. انتِ عارفة مبحبش الإسانسيرات ودوركم في العالي عني. بس أنا طالعة أقولك إني آسفة ومحقوقة ليكي من اللي حصل مني. والله يا بنتي التعبير خاني مع الطريقة. لكن انتِ مكانتك زي ما هي عندي عمرها تتغير أبداً. ده انتِ زي وسام بالظبط والله!"
شعر "غسان" بالراحة ونظر بعشوائية إلى أن وجد "وسام" تغمز له بسعادة في حين خرج صوت "نيروز" وهي تدخل بين ذراعيها:
"مش عارفة أرد أقولك إيه يا طنط. بس مجية حضرتك على راسي. أنا خلاص مش زعلانة. شكراً إنك جيتي عشاني."
عانقتها "دلال" بحب جعل "غسان" يتنهد فوجد نفسه يعانق من "وسام" التي حركته قائلة بمرح:
"تعالى في حضني أنا يا غسان."
حاوطها بذراعيه وهو يضحك بخفة في حين اقتربت "دلال" من المطبخ وهي تحث "نيروز" بحماس:
"يلا أنا هغسل الحاجات دي وانتِ روحي البسي عبايتك عشان تنزلي تقعدي معانا تحت. دي فرحة كمان بسام هيعدي عليها وهو راجع من الشغل وهتيجي تقعد معانا. يلا قربي عشان ننزل."
سعادتها بهذا الحماس جعلتها تدخل بعدما حفزها "غسان" وجعلتها لم ترفض ذهابها ناحية المطبخ في حين اقترب هو يسحب كف والدته برفق يبعدها عن المطبخ وقال موضحاً:
"متعمليش حاجة. سيبيهم وأنا لما أطلع هظبطهم مع نيروز."
كان قد سحبها مقرراً عدم إلزامها بفعل شيء فوقفت في الصالة بيأس منه ووجدته يبتسم بخفة من ما فعلته ملتقطاً كفيها يقبلهما بإمتنان موضحاً:
"مكنتش عايز أتدخل بينكم عشان محدش يزعل. بس انتِ غالية عندي أوي يا أم غسان. وشكراً عشان رديتيها وجبرتي بخاطرها من تاني."
لها يد بما فعلته و"حامد", أيضاً هو من حفزها على فعل ذلك. سعدت من إقباله عليها هكذا بفرحة لأبسط شيء كانت قد فعلته. فأخذته بين ذراعيها تضرب ظهره بمرح قائلة:
"هو أنا يا واد حما ولا ضرة؟ ده أنا أم. أمك وأمها كمان واللي بيني وبين سمية ميخلينيش أعمل حاجة تزعل نيروز عشان هي زي بنتي برضه. ربنا يقومها بالسلامة وتجيب عيال شبهك انت بس!"
شاكسته في آخر حديثها ونظرت بغرور كونه يشبهها. فضحك عالياً أمام ضحكات "وسام" وهي تردد لها بخبث في محاولة للإيقاع بينها وبينه:
"جرا إيه يا ماما. هي نيروز وحشة ولا إيه؟ انتِ تقصدي إيه؟"
شهقت "دلال" وضربت صدرها تنهرها بحزم:
"يخربيتك بت! هتقوليني كلام مقولتوش؟ أنا أقصد يعني إنهم يجوا شبه أبوهم هو في أحلى من كده يعني؟"
ضحكت "وسام" بقوة فهي تردد الشيء وعكسه. كما ضحك هو محركاً رأسه يراضيها ويجاري قولها مع خروج "نيروز" من الغرفة:
"أنا عايزهم فعلاً شبهك يا دلال. انتِ مفيش بعد حلاوتك!"
يستطع سرقة عقلها بمجرد حديث معسول تعلم بأنه حديث ولكنه يجعلها سعيدة به. وهذا ما يميزه عن غيره. يتلاعب بالحديث خاصة مع صنفهن هن!
جاءت "نيروز" على هذا القول وهتفت بمرح هي الأخرى وهي تسير معهم ناحية الباب:
_عمو حامد بيقولي برضه بصي لـ ام غسان كتير عشان عايزيهم شبهها وأنا بسمع كلامه!
رددتها بضحك وتأبطت في ذراع "غسان" الذي أغلق الباب خلفه مبتسمًا بأريحية من عودة العلاقات حتى لا تدوم كثيرًا بحزنهم من بعضهم دون تدخل، بينما صاحت "وسام" بضجر:
_ يعني محدش نصفني حتى ولا قال ان عايزينهم يبقوا شبه عمتهم! هو انتوا خايفين ابقى حرباية ولا إيه؟
نفت "نيروز" ذلك برأسها بخفة وهي تبتسم، فردت "دلال" بضيق منها:
_أيوة احنا قاصدين! لو في منك اتنين تبقى بلوة!
فتدخل "غسان" يفصل هذا بقوله المازح:
_هم بس يجوا شبهها! احنا نطول!
فتراقصت هي بحاجبيها وهي تدخل المصعد وأكملت بمزاح قبال الضحكات خاصة وهي تنظر لوالدتها:
_ انا حرباية فعلا ليه الشك؟ بس الا مع ولاد حبايب عمري!
________________________
_يا يا سمين" قولتلك محدش يعبره! سيبوه يصرخ مع نفسه واياكي تفتحي بالمفتاح اللي معاكي وتضعفي قدامهم! أنا سايبه معاكي عشان عارف انك مش هترجعي لورا وتوافقيهم! أنا في الطريق وقربت خلاص! خدي انتي فريدة بعيد عن صريخه واقعدي في الأوضة مع امي وابعدي "زينات" من عند الباب!!!
تلك هي حالته منذ يوم واحد وعى به واحتياجه للجرعة يذهب ويعود وعقله هرب منه! كان هذا حديث "حازم" بحزم لاق به وهو يتحدث مع "ياسمين" في الهاتف حتى أنه من عجالته أغلق الخط ما إن وافقت على الفور! تنهدت بصوت مسموع وهي ترى "زينات" تجلس أمام الغرفة هكذا ببكاء وبين أحضانها "فريدة" التي أتت من الخارج مع "آدم" قبل وقت.
تقابلت أعين "ياسمين" مع "آدم" وأشارت له بخفة بأن يبعد "فريدة" فاقترب بإهتزاز ينحني هاتفا بصوت هادئ:
_قومي معايا جوه يا فريدة! قومي وقومي مامتك! هانت والله وكل ده هيروح ويعدي!
كيف؟ الأوراق والإجراءات تطلبت وقت واليوم موعد قدوم فريق المصحة! الذي كان يتصرف "حازم" بمصروفاتها الباهظة في الثمن لأنها كانت خاصة تخص فريق ما وليست حكومية مخففة بسبب الإهمال! لذا أخذ من نصيبه في الإرث النصف ودفع معه النصف كما قرر البدء في أوراق متطلبات الجيش الذي تأخر عنه بطلب الجامعة في الدراسة!
نهضت معه "فريدة" التي نزلت دمعتها وأسندت "زينات" التي ابتلعت غصتها بفزع على الرغم من أنها ليست أول مرة تسمع بها صراخه وسبابه وتهشيمه لكل شيء أمامه! مرددًا الآن وبصراخ منهار مهشمًا الكوب الزجاجي:
_ خـــرجـــوني من هـــنا! افتحـــولي أبوس إيــديكم أنا مش قـــادر والله ما قــادر! افتحــيلي يامه! افتحــيلي بــقا ابوس رجلك!!
في كل مرة يردد بها الحديث سواء كان بسباب أو برجاء بعد الاستسلام تهبط منها الدموع بغزارة! عاندت نفسها ودخلت الغرفة مع "فريدة" و"آدم" في حين كانت تقف "أسماء" بقهر على حاله! تقف بجوار الباب تشهق وهو الآخر من الداخل يشهق ويصل إلى مسامعها شهقاتها في كل مرة! بينما هذه المرة ضاع كبرياؤه وتوسلها ببكاء ظهر في نبرته أمام شفقة من كانت تكرهه بشدة! أمام تعاطف "ياسمين" التي لمعت عينيها وهي تتمسك بالمفتاح:
_افتحيلي الباب يا" أسماء"! خرجيني من هنا! أنا بموت! بموت ومش قادر والله!
استند "حسن" بظهره على الباب بإنهيار مختنقًا يحك كل انش به بفقدان وشهقات لم يتوقع أي منهم بأنها ستخرج منه هكذا في يوم من الأيام! بينما هي في الخارج وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها وخرجت نبرتها الباكية تتوسله:
_والنبي استحمل يا "حسن"! استحمل!!
أسند "حسن" رأسه على الباب مرتجفًا! بينما هي نزلت دموعها بقهر آخر جعل "ياسمين" تبادر بعناقها فشـهقت بتمزق بين ذراعيها إلى أن دخل "بدر" تاركًا زوجته وصغيره في الشقة الأخرى ودخل معه "غسان" تاركًا "نيروز" مع عائلته! استمع إلى بكائه فصمت محاولًا أخذ أنفاسه ووجد "آدم" يخرج يشاركهم الوقوف منتظرًا قدوم "حازم"..
استمر يدفع الباب برأسه وقدميه بإنهيار! وكل منهم يستمع إلى أمنيته في الموت مقابل عدم شعوره بذلك! قاوم أي مشاعر بغض وهو دائمًا ما يملك من بينهم قلب ضعيف قبال أي أمر يتطلب به ذلك! فاقترب "غسان" بتردد ناحية "أسماء" وحثها قائلاً:
_ ادخلي اعمليله أي أكل ياكله مع المهدئ!
وافقت بلهفة ودخلت سريعا المطبخ في قدوم "حازم" من الخارج مندفعًا ناحية الداخل فالتفتت الرؤوس ناحيته وهو يسند الأكياس على الطاولة ناظرًا نحوهم في تفحص مستمعًا لصوت دفعه للباب بعنفوان صارخًا بعنف هذه المرة:
_خرجوني من هنا! خرجوني يا ولاد الـ ـكلب! والله لاعرفكـم! هموتكم سامعين! هموتكم كلكم لما أخرج!
التفت "حازم" إليهم ونظر تجاه "بدر" الذي أخبره بنبرة جادة هادئة:
_ المفروض ييجوا النهاردة! أنا ظبطت كل حاجة زي ما قولتلك! معلش هانت أنا عارف انها صعبة عليك!
ابتلع "حازم" ريقه بوجع وهو يستمع إلى بكائه المنهزم في الداخل! فإلتقط يد "ياسمين" يأخذ منها المفتاح وردد بعدما أومأ له:
_ أنا هدخل اشوفه وهخرج! خلي حد يعمله أكل على ما أديه العلاج ده!
قد كلفها "غسان" بذلك من قبل! فأومأوا له بموافقة! ولم يتحمل أي من الداخل الجلوس أكثر بل خرجن! فنظر "آدم" ناحية "فريدة" واقترب يقف بجانبها ليطمئنها بعدما يأس من بعدها عن هنا هي ووالدتها ووالدة "حازم"..
وضع المفتاح في الباب فترقب "حسن" من الداخل بلهفة! ولكن خاب كل ذلك قبال دخول "حازم" سريعا! ومن ثم أغلق الباب من جديد! نظر بأعين لامعة لحاله بعد أن استند ليقف وهتف بصراخ ممسكًا له من قميصه بعنف:
_انت بتعمل فيا كدة ليه ها! بتعمل فيا كدة ليه رد عليا! حابسني هنا ليه! انت مالك بيا! مالك بحياتي..خرجني من هنا حالا! بدل ما اقتلك..يــــلا!!!
ابتلع ريقه بوجع ونفى برأسه مستسلمًا لـمـسـكـتـه بهكذا وقال معارضًا ما يحثه به:
_مش هينفع! المرة دي مش هينفع!!
صمت "حازم" أمام ذلك بإستسلام لمسكته هذه وسمعه يردد بصراخ آخر مما جعل دمعته تسقط:
_أنــا بكرهــك! بكــرهك وعمري في حياتي ما حبيتك ولا هحبــك!
سقطت دمعة "حازم" بسكون وكسرة وسأله بوجع يجاري أقواله عل هذا يلهي تهوره:
_ليـه يا حسن! أنا عملتلك ايه وحش في حياتك يخليك تكرهني!
سكنت حركته بألم في جميع أنحاء جسده الهش الضعيف وجلس بخواء.
على الفراش داعيًا، كل شيء بداخله. حتى أنه هو الآخر سقطت دموعه خلف بعضها وهو يردد باستسلام جعل دموع والدته وشقيقته تسقط في الخارج:
"من غير سبب، بكرهك من غير سبب واحد يخليني أكرهك عشانه. أنا كمان معرفش أنا بكرهك ليه بس لقيت نفسي كده قدامك!"
"بس أنا عمري ما كرهتك!"
كل الأقوال تتردد بدموع طالعة "حسن"، بأعين حمراء من الاحتياج وحرك رأسه بوعي لما يستمع له يؤكد:
"ما أنا عارف، عارف إن انت أحسن مني، عشان كده هتسيبني أمشي صح؟"
سأله بلهفة، فنفى "حازم" برأسه مما جعله يتمسك بكفه باستسلام يترجاه:
"أبوس إيدك تمشيني من هنا، خرجني ورحمة أبوك. أنا عارف إن انت كنت بتحبه، عارف إن هو كمان كان بيحبك أكتر مني، عشان خاطره مشيني. أنا مش هنفع، مش هنفع في أي حاجة. مليش حياة تانية، مش هنفع فيها. أنا كده كده ميت، أبوك كان معاه حق، أنا فاشل مليش لازمة في الحياة دي، مشيني وانت مش هتشوف وشي تاني وعد!"
هذا التوسل يزيد من حدة الوجع بداخله. أكثر تنهد يتحشرج، وأخرج صوتًا مختنقًا وهو يجيبه بإنهاك:
"حتى ولو انت مش عايز الحياة، بس هي عايزاك. أنا مش آسف يا حسن بس مش هخرجك من هنا!"
تحولت تعابيره وتمسك بقطعة زجاج هشمها على الأرض واقترب باندفاع هستيري يهدده ولم يدرك أنه يجرح يديه هو بضغطه هذا على النصل الذي بين يديه:
"انت هتخرجني وحالًا! عشان هموتك لو محصلش سامعني؟ قوم افتح الباب!"
هل هذا خوف؟ هاب الكل في الخارج هذا الخطر الظاهر والقادم في نبرته. بينما بقى "حازم" كما هو على حاله ينظر له بصمت. ونزلت دموعه يجاري قوله باستسلام شديد ومن كان يقوى أصبح لا يقوى حتى لإخراج الكلمات بثبات لم يعد معهود بعد:
"مش خايف من الموت، موتني. أنا كمان تعبت من الدنيا دي. احنا الاتنين واحد، بس كل واحد اختار طريق شكل عن التاني. انت هربت من كل حاجة وأنا فضلت استحمل لحد ما خلاص مبقتش قادر. وانت كمان مبقتش قادر من الهروب ومن اللي بتعمله!"
وكأن الجدية وضعت بنبرته. هل يحثه على قتله؟ سمعه يسترسل مجددًا بجملة أثارت انفعاله وتشنج تقاسيمه الباهتة:
"احنا نهايتنا واحدة يا حسن!"
"لا مش واحدة، مش واحدة متقولش كده في وشي!"
فاقترب يمسك رأسه بعنف وهو يردد له ذلك ماسحًا وجهه بعنفوان قاسٍ وهو يكمل ملقيًا القطعة الحادة على الأرض بانفعال:
"احنا مش واحد ولا نهايتنا واحدة ومتقارنش. أنا مش زيك ولا انت زيي. أنا أبويا عمره ما نصفني انت ابوك نصفك وخدك تحت ايده وحبك اكتر مني. انت أمك "عايدة" وأنا امي "زينات". يعني الوقت اللي امك كانت بتقولك فيه معلش استحمل امي كانت بتقولي معلش متخليهوش احسن منك. ومتخليش حد احسن منك. انت اختك حبيتك قربت منك صاحبتك انا اختي كرهتني. انت جنبك ناس بتحبك، ناس مصبرينك على البلا اللي وعينا عليه. انت حياتك أحسن وناجح لكن أنا مليش لازمة مفيش حد بيحبني محدش قابلني. انت بتقارن ايه؟ بتقارن نفسك بمين؟ انت خدت كل حاجة حتى بنت عمك اللي حبيتها حبتك هي كمان ووافقت من غير ما يتكسر قلبك أكتر من ألف مرة بالرفض. خدت بنت عمك لكن أنا لا مخدتهاش ومحبتنيش. انت خدت كل حاجة، كل حاجة خدتها وأنا هنا مخدتش ولا أي حاجة حتى الحب والقبول مخدتوش!"
يردد باندفاع، وتارة أخرى ببكاء ثم صراخ ثم بكاء ثم انفعال وتعابيره تختلف بلمح البصر من الاحتياج. فاندفع الآخر يحاول أخذه بعناق، قائلًا بضعف يبرر له بتعب:
"أنا آسف!"
استند "حسن" برأسه مستسلمًا على كتف شقيقه مرددًا بنبرة باكية:
"مش مستني أسف من حد، مش مستني حد يعملي مقام ولا اعتبار. المكان ده مش مكاني. مش مكاني ولما كنت برجع كنت ببقى طماع في حضن، طمعان وبتعشم ان حد يحتويني ويفهمني ويقولي حقك عليا من الدنيا كلها. انت خدت مني كتير أوي، خدت مني كل حاجة وأنا بشوفك بتاخد وأنا لأ. انا عايز أموت، عايز أمشي من حياتي دي كلها. مش عايز حاجة من حد. مش عايزكم زي ما انتوا مش عايزيني!"
ضمه "حازم" بوجع وهمس باختناق يظهر له احتياجه له بصدق:
"بس أنا عايزك، عايز يكون ليا أخ في كتفي بجد مش اسم وخلاص. بس انت عندك حق أنا خدت فعلاً كل حاجة منك ولسه عايز أخويا منك!"
فتشبثت بيديه المرتجفة التي ترتعش ونسح عليهما بأسف من ما فعلته ما الحياة والعقبات التي جعلته شخصًا كهذا الذي عليه:
"حقك عليا أنا، حقك على قلب وعين أخوك. بس عشان خاطري، أعطي نفسك فرصة يا "حسن". اعمـ..."
"أنا عايز الموت ياخدني من الموت اللي انا فيه ده. عايز ارتاح واريحكم مني بقى. أنا مش بتاع فرص. أنا معنديش حياة افهم بقى يا أخي!!!"
انحنى على الأرض لا حول له ولا قوة. بعدما ردد هذا مقاطعًا حديثه الباكي له ببكاء متبادل من الاثنان، انحنى "حازم" معه رافضًا إخراجه من بين ذراعيه وكأنه يعوضه الآن في هذه اللحظات التي انقطعت. ما أن نهض يفتح الباب لـ "أسماء" التي دخلت وأغلق هو الباب خلفها متعمداً تركها معه في هذه اللحظة علها تبرع في احتوائه. وقف ينتظر في الخارج وأغلق بالمفتاح عليها بعدما انحنى يلتقط الزجاج المتهشم خوفًا من تهوره، كما وقف من أجل نفس السبب.
ربما الانهيار والبكاء به تخدير مؤقت للإحتياج جعله يسكن. بينما هي اقتربت تنحني ووضعت الصينية على الأرضية بجواره. فنظر لها بخواء إلى أن اقتربت في جراءة تمسح وجهه بتعب وتوسلته بوجع:
"كفاية اللي بتعمله في نفسك ده علشان خاطري. انت تستاهل تكون أحسن من كدة والله!!"
ابتلع "حسن" ريقه بسكون وأخفض يديها من على وجهه ناطقًا بفتور وكأنه يعي الآن ما قبل هيسيرية أخرى تأتي وتعود بعدم انتظام واضح:
"امشي!"
نزلت دمعتها بخواء ولعنت قلبها الذي يقلل منها أمامه بعجز عن المنع وأردفت:
"بس انا مش عايزة أمشي. مش عايزة اسيبك يا "حسن"!"
اعتدل يجلس القرفصاء سانداً رأسه بين كفيه المرتجفين كجسده وهتف بتقطع:
"لازم تمشي. انت ملكيش نصيب معايا. أنا مش عايزك جنبي. أنا ميت. هتفضلي مع واحد ميت؟"
اعتدلت "أسماء" تجلس بجانبه نفس الجلسة وهتفت بضعف هي الأخرى قبال عدستيه الحمراء التي تنقلب بين حين والآخر بعقله الذي يذهب منه ويعود وكأنه مختل للتو:
"تصدق؟"
أنا كمان محدش اختارني ويوم ما اخترت اخترتك انت وأنا عامية. حتى ولو اختيار غلط بس معتش ينفع أمشي. انت مش هتموت يا حسن، مش هتموت عشان أنا قلبي المهزأ ده لسه متعلق بيك وبيحبك ومقلل مني أوي. أنا كمان أهلي مكانوش حلوين في حقي زي ما حصلك. انت عارف لما عرفوا؟ اتخلوا عني وسامر كمان بعتلي رسالة وجعتني أوي بصوته ومروة كمان. اتخلوا عني يا حسن وهيمشوا ومش عايزيني معاهم، اتبروا مني واختاروا شكلهم. هو أنا مستاهلش حد يختارني؟ أنا اخترتك، يمكن الوحيدة اللي اخترتك كانت أنا زي ما بتقول، بس أنا ملقتش حد واحد يختارني زي ما انت لقيت. يا بختك يا حسن!
فكان الجفاء واضح رغم وصول الانهيار له والذي وجده بنبرتها. رد بفتور:
"مش عايزك تختاريني!"
أخفى وجهه بتعب. فاعتدلت، تحركت رأسها بتفهم، تجاريه. وأخذت أنفاسها بهدوء، تمسح على وجهها. فتصاعدت الأفكار في رأسه قبل قليل وتصنع أي شيء بين حالته الذي يرثى لها الآن، بين وعي ولا وعي، وبين عقل ولا عقل. حركت رأسها ما إن وجدته يقترب هامساً، كي لا يسمعه أحدهم:
"خرجيني من هنا بأي طريقة وأنا هعملك كل اللي انت عايزاه!"
لا يعلم بأنه يوجعها هكذا. دناءته لم تنتهي بعد، حتى وإن كان في أضعف حالاته. بل أكملت معه إلى الآن. حتى بعدما وجد منها الارتباك واختار بحقارته الاقتراب ليضعفها قبال تأثرها. فرفع يديه يزيح حجابها، ممرراً يديه على خصلاتها ببطء، هبوطاً ناحية عنقها. فارتجفت يديها وهي ترفع يديها تبعده عنها. فلم يبتعد، حتى بعدما همس وكأنه يقتنع بأنه يتقن الدور جيداً. فكيف يتقن الدور وهو بهذا الحال؟ ومردداً لها ما سبق قوله من رفض:
"أنا كمان بحبك، بس خرجيني من الشقة دي وتعالي معايا نهرب من هنا ومش هسيبك بعدها!"
بأي وجه يردد الحديث وقبل قليل كان عكسه؟ هذا الاستسلام الذي كان منها جعله يتطاول أكثر، وكأنه برع في حبك الخدعة. منتهزاً الفرصة حتى لا تضيع. اقترب وأنفاسه الدافئة تلفح عنقها النابض بقوة من الخوف والارتباك. فجحظت عينيها ما إن وعى وانتفضت تنهض سريعاً، تهرول ناحية الباب لتدقه. بادر مسرعاً بمسك كلا كفيها مقترباً بترجٍّ هذه المرة، مردداً بلهفة:
"استني يا أسماء، استني عشان خاطري. اسمعي كلامي لو بتحبيني. حاولي تخرجيني من هنا ابوس ايدك، وأنا هعملك كل حاجة انتي عايزاها والله العظيم، مش هسيبك!"
هل يقسم ويردد ويوعد مع هذه الحالة؟ يديها ترتجف من جديد وهو ما زال يهمس كي لا يسمعه أحدهم. ينتهز آخر ذرة عقل كادت أن ترحل وتتركه. ابتلعت ريقها ونزلت دموعها وهي ترد له الهمس بهمس آخر مفسرة به له:
"أنا عشان بحبك مش هقدر أعمل كده يا حسن!"
تغيرت تعابيره وهم بالخارج يترقبون. حرك رأسه بشحوب، وردد بتقطع:
"يعني إيه؟"
واندفع ناحيتها يتمسك بها، يعنف، صارخاً بها بإنهيار:
"هقتلك! والله العظيم لأقتلك لو مخرجتونيش من هنا، سامعة؟"
جحظت عينيها بمجرد ما رأته يحاول التهجم عليها بشراسة. فبكت بخوف، إلى أن اندفع حازم بسرعة يفتح الباب مع البقية. فدخل غسان وآدم يفصلونه عنها، فنهضت من على الفراش بفعل إسناد حازم لها بسرعة فائقة، دافعاً إياها ناحية الخارج.
"ابعدوا عني، خرجوني من هنا!"
أغلق حازم الغرفة بتعب. في حين ارتمت أسماء بين أحضان زينات وفريدة. واقتربت ياسمين، تبادر بأخذه بين ذراعيها كي تعطيه قوة ليتحمل من بين انهكه التي تراه. ابتلع غسان ريقه والتفت بسرعة بوجهه ما إن وجد جميلة تدخل مندفعة ناحية حازم ما إن رأته هكذا بين ذراع زوجته. ودخل عز ببطء بعدها متفهماً الوضع. فوقف بجوار غسان، بعدما رحب به وسأل حينها بصوت منخفض:
"مجوش لسه ياخدوه؟"
رفض غسان برأسه. وقد سمع حينها صوت فتح باب شقتهم. فاندفع ناحية الخارج كي يمنعها من الدخول. وبالفعل وجدها تخرج بمفردها من الشقة، مما يعني أنها ردت بأنها ستذهب إلى والدتها ولكنها كذبت.
وجدته يقف هكذا وانتفضت بفزع ما إن سمعت صوت صراخ حسن بقوة، ودفعه للباب بإنهيار، جعلها ترجع خطوتين إلى الخلف. فتقدم منها سريعاً خوفاً من أن تنهار وتاهت بنظراتها ناحيته. فتقدم غسان يحثها برفق، ممسكاً بكفها:
"ادخلي جوه يا نيروز، بلاش تروحي هناك!"
ابتلعت ريقها وفسرت له بخوف على رفيقة دربها من الحزن:
"بس جميلة قالتلي إنها طالعة على السلم وهتستناني هنا."
"بلاش عشان خاطري، تعالي نمشي أنا مش مستعد أتوجه فيكي، واللي بيحصلك غصب عنك!"
ظهر خوفه وبان في عدستيه وهو يراقبها. فتقدمت تمنع دموعها في أن تهبط وسألته بضياع:
"طب.. طب هو ليه بيصرخ؟ ليه بيعيط؟"
ابتلع غصة مريرة ضاغطاً على فكه بصبر، حتى صيغة السؤال خرجت منها بتلقائية ورهبة من هول الصوت والصراخ. هل تخاف عليه؟ نفض هذا من عقله لأن لا يليق به التفكير بها هكذا، أو حتى هي لا يليق بها خوفها عليه! أدركت ما فعلته فأمسكت بكفه سريعاً تبرر له من بين هذا الخوف:
"غسان أنا مش خايفة، خليني أدخل، أكيد جميلة مش كويسة كده!"
وقبل أن يرفض اندفعت تنادي القوة والتحمل ودخلت من الباب سريعاً بركض ناحيتها. إلى أن وجدتها بالفعل تحاول الهروب لتبكي عن بعد. فقابلتها ذراعي نيروز قبل ذراعي عز الذي اندفع وتراجع هو الآخر ما إن رآها هكذا معها!
وقفتا الاثنتان بمنتصف الصالة وهتفت جميلة من بين الدموع:
"مكنتش أعرف، مكنتش أعرف إني هخاف عشانه قوي كده يا نيروز. أنا عايزة أدخله، عايزة أحضنه، هو أكيد عايز حضن زي المرة اللي فاتت، عايز حد يضمه وهو كده زي آخر مرة كنت هربته فيها من جوزك. أنا خايفة على أخويا، خايفة على حسن يا نيروز. غصب عني!"
الآن تتحدث الدماء. نفس الدماء التي تجري في عروقهما. يتحدث اللقب. تتحدث الأسماء التي تحمل نفس اسم الأب! ضمتها نيروز بوجع، جعل فريدة تتقدم منهما ليحتوي الثلاثة بعضهن في منتصف الصالة.
جاء بسام هو الآخر ولم يتعمد تخطي الشقة. خاصة عندما اقترب غسان ليخرج لهما هو وفرح، وطلب من فرح برجاء:
"فرح ممكن أطلب منك طلب بسرعة؟"
سألها أولاً ووصل إلى مسامع الاثنان الصراخ. ففهم بسام الذي يملك قلباً حمولاً أكثر في هذه الأشياء باعتباره طبيباً. ابتلعت ريقها بتوتر ونظرت ناحية بسام الذي نظر لها هو الآخر، فردت بإهتزاز رغم القبول:
"اتفضل!"
"عايزك تدخلي تجيبي نيروز من جوه بأي طريقة. أنا خايف يحصل لها انهيار عصبي ومش هتصدقني ولا هتوافق تيجي وتسيب جميلة. قوليلها إن أبويا عايزها وهي هتيجي!"
هتف ذلك منتظراً الرد بلهفة. فحركت رأسها بموافقة، ثم دفع بسام ذراعها برفق يحفزها على فعلها:
"يلا ادخلي يا فرح."
دخلت هي آنذاك. فاستند غسان بالخارج بصمت، مع بسام الذي توقف ينظر بشفقة ناحية شقيقه. علم أن الحمل والثقل كثير، والضغط يظهر في عدستيه. طبيب يعلم جيداً أن الانهيار وحده سهل أن يؤدي إلى الموت فجأة، وهي الأخرى تحمل في رحمها اثنين، والخوف عليها وعلى من بها شيء صعب، ليس هيناً بالنسبة له.
"متخافش يا غسان، انت بس اتجدعن زي ما قولتلك وفاتحها هتتقبل، كل حاجة هتمشي والله!"
أخرج غسان أنفاسه بثقل ينتظر وهتف في جدية رداً على شقيقه:
"مش عارف يا بسام، مش عارف ده هيحصل لحد امتى. أنا خايف أوي، خايف عليها وعلى اللي في بطنها وخايف كمان أفتح الموضوع تتحمق ويحصل اللي بيحصلها ده. أنا مش عارف أعيش حياتي طبيعي معاها. كل حاجة بعملها وبقولها بحط لحالتها دي حساب قدام عيني."
وأضاف بتيهة وعقله يراجع حالتها بكل الأوقات في ما قبل الانهيار:
"كل حاجة!"
قصد أشياء كثيرة.
اقترب "بسام" يعانقه بإحتواء، فما يشعره لم يتحمله شخص آخر. يعلم أنه لو وُضع بموضع شقيقه لما تحمل كل ذلك. ربت "غسان" على ظهره مبتسمًا واعتدل سريعا ما إن وجدها تخرج مع "فرح" بأعين لامعة وسألت حينها بإستفسار سريع:
"هو عمو حامد عايزني؟"
لم يجيبها "غسان" بل ظل يتابعها ورد على سؤالها "بسام" ساحبا باب شقة "عايدة" يغلقه وهو هكذا في الخارج:
"آه المفروض بيقولوا يعني."
صمتت تأخذ أنفاسها وهي تحرك رأسها دون رد ولكنه رأى حزنها ففعله ضيق وترجم هكذا كي يخفف من حدة الوضع بمرح يلهيها وقال:
"هو انت مش عايزة تروحي للحج ولا ايه؟ بقى ده كلام؟ دا احنا نقوله بقى ونوقع الدنيا في بعضها عشان دي اكتر حاجة مسلية بالنسبة ليا حتى اسألي غسان!!"
تعمد المرح فضحكت "فرح" بخفة لتخفف عنها ورغم انها تود الجلوس مع "جميلة", ولكنها تعلم ان "عز", بجوارها. ابتسم "غسان" على قول شقيقه فخرج حديث "نيروز" المبرر بابتسامة صغيرة:
"لا مش قصدي كدة، بس مفيش حد بيفرق بين أب وبنته، خليك عارف كده!"
رفع حاجبيه بدهشة وضحك بخفة يلهيها أكثر وهو يشير ناحية "غسان" غامزا:
"تصدق ان شادي عنده حق؟ ده في غساسين كتير فعلا والوضع ميطمنش!"
ضحك "غسان" بخفة ورفع ذراعه يحاوط كتفيها يسحبها ناحية الباب خلف شقيقه و"فرح". ففتح "بسام" الباب ليدخل ومن ثم هم. نظرت "نيروز" بإهتمام فتوقفت ودخل "بسام" يخبر والده بالمختصر وانصرفت "فرح" ناحية المطبخ لـ "دلال". في حين مد هو يديه يمسح وجهها برفق مشاكسا اياها بسؤاله:
"هو انت عينك بتجيب الدموع دي كلها منين يا نيروز؟"
نظرت نحو سؤاله بسكون وهى تراضيه بابتسامة هادئة كملامحها ولكنه واصل يكمل بنبرة عميقة قبال عسليتيها:
"خسارة والله، وألف خسارة لما عيون حلوة زي عينيك دي تبكي!"
رفعت هى يديها تٌرجع خصلاته إلى الخلف ورددت بقلة حيلة منهكة من الظروف:
"مليش حيله ألا هو. شكلي اتعودت على البكا، اتعودت مريحش عيني!"
ابتسمت وجلست بجواره تحرك كتفيها بجهل فمسح آثار دموعها وهي تبتسم له بحنو وحثها مرددا بجدية هادئة:
"طب متعيطيش تاني عشان انا بقيت خِرع وبعيط لما بشوف حد بيعيط قدامي وباخده في حضني علطول نعيط سوا."
التقطت المزاح والعبث في قوله فضحكت بإستسلام له ولأقواله وعنفته بسخرية:
"عارفاك حنين، دراعاتك وحضنك يسدوا لأي حد!"
"لأي حد اسمه "نيروز سالم محمد احمد الأكرمي" بس!"
طالعته بحب فاض من عينيها فربت على ظهرها برفق علها تهدأ من الداخل وقال عارضا عليها بصوت منخفض:
"ايه رآيك نلبس كمان شوية وننزل نخرج بعيد عن كل ده؟ وابقى أنا وانت بس!"
ورغم التردد ولكنها صمتت إلى ان عاد يفسر لها بهدوء:
"أنا عارف انك مش متعودة على الخروج علطول، بس أنا فعلا مخرجتش معاك خروجة رايقة كده من زمان بعيد عن الدوشة والناس!"
ابتسمت تراضيه ولانه ردد انه بعد وقت وافقت حتى لا تترك "جميلة", الآن وحركت رأسها بقبول قائلة:
"موافقة بس هتوديني فين؟"
"اليوم بتاعك من أول الطبخة اللي اختارتيها لحد المكان اللي هنروح فيه سوا، انت عايزة نروح فين؟"
سألها محاولا التخفيف عنها فإبتسمت "نيروز" تجيبه بتهكم محبب له:
"عرض ميتفوتش وغريب أوي عشان منك وهتسيبني اختار براحتي، مع انك قولتلي قبل كده انك مبتحبش تمشي ورا حد وانت مش فاهم رايح فين!"
ضحك "غسان" ضاما رأسها بقوة بين ذراعه بمشاكسة وردد بنبرة ضاحكة:
"صح بس انت مش حد يا رزقة!"
إعتدلت "نيروز" بعدها تنظر ناحيته بمشاعر مختلطة. التقطت ما يفعله من أجلها فعدلت حجابها أكثر واقتربت هى تقبل قمة رأسه هو في مفاجأة منه وأكملت بحديثها الآتي:
"أنا بحبك أوي يا غسان، شكرا.. عشان كل حاجة بتعملها وعملتها عشاني. أنا عارفة انك مضغوط بسببي وعارفة كمان انك قصدت تبعدني عن هناك. أنا آسفة انك مضطر تستحمل كل ده. أنا عمري في حياتي ما هلاقي حد يستحملني قد ما انت استحملتني. بس انا مش عارفة اردلك كل ده ازاي؟"
تخبطت في النهاية وصرخت بما في داخل فؤادها وعقلها أمام عينيه التي لا تفارقها. حتى انه تنهد مبتسما وخرج رده عليها بهدوء:
"مفيش حاجة بتحصل معاك وببقى عايز منها مقابل ولا مستني منك ترديها. أنا كل اللي عايزه منك انك تكوني مبسوطة ومرتاحة وكويسة بس انا مش شايفك كويسة حاليا!"
لمح لها كي يفتح معها ذلك الموضوع. في حين ابتسمت بتلقائية تجيبه برفض:
"ازاي ده؟ ده أنا كويسة عشان معاك انت!"
استندت حينها على كتفيه وضيعت منه بوادر البدء في محور ما كان يريده. أخرج أنفاسه وخرج "حامد" وخلفه "بسام" الذي حمل بين يديه شئ ما. واقترب يجلس بحماس. في حين اقترب "حامد" يجلس بين "غسان"و"نيروز". حتى ضحكت "نيروز" عاليا مع ضجر "غسان" وهو يتزحزح قليلا مرددا لوالده بضيق:
"يعني الدنيا ضاقت في وشك يعني يا حامد؟"
"انت مالك يالا انت؟ عايز اقعد جنب بنتي الله، فيها حاجة دي؟"
سأله "والده" بمشاكسة فنهض يجيب على مضض:
"لأ مفيهاش!"
جلس حينها بجوار "بسام" بعدما قام ببعض التفاصيل الخاصة بالفيلم الذين سيشاهدونه. في حين ابتسمت "نيروز" لـ "حامد" عندما اعتدل يربت على ساقها مرددا بتساؤل:
"انت كويسة؟ اخدتي علاجك؟"
أكدت برأسها ووجدت "فرح" تخرج بأطباق طعام خفيف وضعته على الطاولة أمامهم حتى كادت أن تجلس بجوار "بسام" فأشار لها "حامد":
"لأ، تعالي هنا وسيبك منه!"
نظر "غسان" بضحك ناحية "بسام".
الذي تلاشت بسمته وأجبر على الرد ما إن نظر له والده مستفسرًا بتهديد وتحذير:
"ماشي.. اللي تشوفه يا my father يا غالي!"
"شوف الواد كل ما حد يقوله حاجة اليومين دول يرجع يعوج لسانه. أنا مش قايلالك يا ولا النبي عربي. أوعى تكوني يا فرح لسانك معوج زيه كدة. لاحسن يختي أنا علمي على قدي كدة آه!"
رددتها "دلال" وهي تضع الأكواب بجوارهم قبال ضحكاتهم جميعًا بصوت عالٍ. وقبل أن يردد "حامد" مشيرًا لها لتجلس بجانبهن هناك، صاح "غسان" باستفزاز قصده:
"لا تعالي هنا يا دلال وسطنا، وسط حبايبك!"
وافقت بلهفة. عرض مغرٍ إذن ما لم تراه معها. جلست بالمنتصف فسند توأمها كل منهما ذراعه عليها بحب. فمالت تهمس هي جوار أذن "بسام" بفضول:
"الأ هي إيه ماي فريزر دي يا ولا؟"
همس هو الآخر بجاريها محاولًا كبت ضحكاته:
"يعني الفريزر بتاع التلاجة. بصي بقا عشان نتفرج على الفيلم!"
نظرت نحو شاشة الصالة بتركيز، كما نظروا هم. وقطع تركيزهم في النظر نحو بداية الفيلم صوت "دلال" بتهكم وهي تطالع "حامد":
"يعني شايفاك مرتاح عندك يا حج يعني ولا إيه؟"
تعالت الضحكات من جديد، وتشفى الاثنان بوالدهما. في حين نظر لهما "حامد" باستفزاز وعاد يجيبها ببراعة جعلتها تصمت بحرج وخجل لا يليق بسيدة في عمرها:
"هتصدقيني لو قولتلك من غيرك مفيش راحة يا أم غسان؟"
ضحكت بحرج أمامهم واعتدلت تخبره بنبرة خجولة لم يصدقها البعض:
"يوم بقا متكسفنيش قدام العيال يا حامد! بعدين لما نبقى لوحدنا!"
قهقه عاليًا مع ولديه و"نيروز" و"فرح" وردد بنبرة بها أثر الضحك:
"عندك حق دول لسه صغيرين على الكلام ده!"
حركت رأسها توافقه واستندت عليهما من جديد بين ضحكاتهما على والديهما. في حين كانت هناك ضحكات من "نيروز" والأكثر من "فرح" التي شعرت لأول مرة بمعنى الدفء الأسري في الترابط والانتماء. في حين كان قد نظر لها "بسام" متفهمًا ما شعرت به بسعادة منه. والأخرى التي قاربت على فهم أن ما يحدث حدث لأجلها هي. فتلاقت عينيها مع عينيه وهو يتابع شرودها فأشار ناحية الشاشة فضحكت وهي توافق. بينما صاح "حامد" عاليًا لهما:
"بص قدامك ياض انت وهو. ركزوا في الفيلم!"
الوقت يمر في الشقة الأخرى. بين صراخ في حين وآخر سكون. كان "حازم" مع "ياسمين" في غرفته. وظلت "عايدة" في الصالة تجلس وبجوارها "زينات" و"أسماء". وعلى بعد كانت "فريدة" تجلس مستندة برأسها عليه تأبى الرحيل إلا عندما يرحل شقيقها. كما قررت "جميلة" التي كانت برفقة "عز". وعلى مقربة وقف "بدر" ينهي المكالمة وأرسل حينها رسالة لـ "حازم" يبشره باقتراب موعد قدوم فريق المصحة.
وبجوار هذه الشقة، في الشقة الأخرى شقة "زينات". تم جمع الملابس في الحقائب بواسطة "مروة" و"سامر" الذي وكزها بعنف. كما خرجت نبرته بخشونة كي تسرع وردد:
"ما تخلصي يا بت يلا. خلينا نمشي من المخروبة دي!"
قرر قبل يومان الرحيل تاركًا كل شيء خلفه. قرر الهروب حتى من عقاب "غسان" وخوفًا من صمت "حازم" المريب. وهروبًا من نظرات لا يريدها بسبب ما فعلته شقيقته. صدمة كبرى يعيشها هو وبقية عائلته! "عار" يراه لا يختفي ولا يزول.
وليست كالعادة هناك تبكي في ركن بضعف ما بعد الجبروت الذي تبخر على الفور وهتفت للمرة التي لا تعلم عددها لهما وهي ترى جحودهما في الرحيل بدون شقيقتهما:
"أنا قولتهالك وهقولهالك تاني. مش ماشية من غير بنتي يا "سامر". حتى ولو كنت بقولها مش عايزاكي بس أنا مش هقدر أمشي من غيرها. انت سامع؟ مش همشي إلا بـ "أسماء"!!"
تشنجت تعابيره ووقف أمامها مشيرًا لها بنبرة جامدة مرتفعة:
"هو انتي؟ إيه؟ انتي مش واعية ياما؟ مش واعية إن بنتك وقعت راسنا في التراب. ولا فاكرة إن كل حاجة هتستخبى؟ فاكرة إن كل ده هيستخبى ومحدش هيعرف اللي فيها؟ أنا مش محتاج بربع جنيه. في داهية هي واللي غلطت معاه. أنا ماشي وانت وبنتك هتيجي معايا نمشي من هنا كفاية أوي لحد كدة. لو حصل حاجة زيادة سمعتنا هتبقى في الأرض وانت فاهمة كويس السمعة تفرق معانا في إيه. دي رخيصة وفاجرة. عايزاها تعمل إيه؟ تختارك؟ ادي دقني لو اختارتك. دي خلاص عيارها فلت ومبقتش منا!!"
وقفت "مروة" تتابع بصمت. في حين تعالى نحيب "زهور" بقهر وهي تصر على قدوم ابنتها معها:
"مش همشي من غيرها يا "سامر". دي بنتي. انت اتجننت؟"
نظر إلى هذا الإصرار بتأفف. فاندفعت "مروة" تصرخ بها بصوت مرتفع تنبهها:
"بنقولك مش هتختارك ياما. مش عايزانا. خلاص راحت علينا. دي اتكتب كتابها. يعني اتجوزته. وريني بقا هتعرفي تاخديها منهم إزاي؟"
كان سهل عليهما التخلي. بينما هي كان بها فطرة الطبيعة. كانت بها عاطفة الأمومة التي جعلتها تندفع بحرقة. ووقفت تردد بنبرة معارضة مرة أخرى:
"لأ. هتختارني أنا أمها محدش هيخاف عليها ويحبها قدي أنا!"
هل فاقت بوقت الضياع؟ هل وعيت الآن بعدما تركتها؟ على الرغم من ان ابنتها كانت تريدها. أخرج "سامر" اللفافة من بين شفتيه ببغض وحذرها بشر ظهر في عينيه الحادة:
"لو رجعتلنا هقتلها. هدفنها حية عشان تعرف غلطها. وريني بقا اللي هتعرفي تعمليه!!"
اندفعت بصدمة وكأنها لا تعي مدى خطر أولادها الذي كان منها هي. أمسكتهما هما الاثنان بهستيرية وبكت بصوت تحركهما بعنف:
"دي اختكم. اختكم. فوقوا بقا!!!"
تركتهما فاستندت سريعًا على عكازها وأشارت لهما وهي تمسح وجهها بعنف:
"أنا هنا اللي أقول إيه يحصل وإيه ميحصلش. بنتي لازم ترجع معانا وهتطلق منه. تبقى اتجوزت في الإجازة واتطلقت ومهاش نصيب مع ابن خالتها وده اللي هيتقال. مفهوم؟"
التفتت "زهور" بعد هذا الحزم لتذهب بعدما أخبرتهما بنبرة جادة:
"أنا رايحة أجيب بنتي. انتوا خليكم كدة."
مش نافعيني بأي حاجة غير الهم وخلاص.
_ يعني انت مش رايحة للهم برجلك؟ استني يامه واقعدي واستهدي بالله!
نظرت إليه بإشمئزاز وهي تلتفت وقلبت عينيها من عليه ومن ثم التفتت من جديد تخرج من الغرفة حتى فتحت الباب بعنف جعل الإثنان يسيران خلفها في ترقب.
وقفت هي أولا تدق الباب بقوة ومن ثم جرس الشقة والذي فتحها لها "بدر" الآن متفاجئا بوجودهم، رجع إلى الخلف ودخلت هي فنهض الجميع حتى "حازم" الذي خرج للتو من الغرفة مع زوجته، ووقفت "أسماء" في خوف خلف "زينات" التي سألت شقيقتها بنبرة جامدة ماسحة وجهها بشموخ تصنعته أمامهم:
_ خير؟ جاية ليه يا "زهور" انت وولادك؟ جاية تتبلي وتعملي مشكلة في مين المرة دي؟
رفعت "زهور" رأسها تشملهم بثبات وأخرجت أنفاسها تجيبها بهدوء:
_ انا لا جاية اتبلى ولا جاية اعمل مشاكل، انا جاية عايزة بنتي عشان نمشي من هنا ونرتاح ونريحكم!
ابتلعت "أسماء" ريقها بخوف، في حين تقدم "حازم" منهم وراقبت "فريدة" الوضع مع "جميلة" و"عز" و"آدم"، فاقترب "حازم" يفسر لها بنبرة هادئة:
_ وايه اللي مخليكي واثقة انك جاية ومتأكدة انها هتوافق تيجي معاك؟
كان هذا السؤال الذي جعل قلبها يخفق بسرعة من كان من المحتمل ان يحدث، تلاقت عيني "سامر" معها وهو يحدجها بشر وتلقى من "فريدة" نظرات حاقدة جعلته يبتسم لها وهي تتمسك بذراع "آدم" هكذا.
_ بنتك مش هتمشي من هنا يا "زينات"، بنتك هتفضل مع خالتها وجوزها!
كان حديث "زينات" بحزم منها، فإندفعت "مروة" بغيظ تعاند قولها لمجرد الحقد والبغض على الرغم من أنها كانت تردد عكس ذلك قبل قليل بينما الطريقة تزيد من حرقتها فتجعلها تريد المنافسة بالأقوال:
_ جوزها ايه يا أم جوزها، انتوا مصدقين نفسكم ولا ايه؟
اغتاظت ملامح "فريدة" من طريقتها فصرخت بها رغم امساك "آدم" لها:
_ اتكلمي مع أمي عدل يا زبالة انت!
نظرت لها "مروة" بحدة، فإبتسم "سامر" وهو يراه يتمسك بها كذلك فصاح في وقاحة قبل ان تأخذ "مروة" فرصتها بالرد على سب الأخرى لها:
_ اهدي بس يا فوفو ليطق لك عرق ويحصلك حاجة، صحيح كلمة صباحية مباركة هتبقى متأخرة شوية يا عروسة بس انا بفهم في الواجب وبقولهالك أهو انت وعريسك!
وقبل ان يندفع نحوه "آدم" زاد في وقاحته ما ان أكمل له بجراءة:
_ قولي بقا يا آدم، احساسك ايه وهي مش بنت أي...
ففتحت الأعين بصدمة جعلت "آدم" يندفع نحو راكضا جاذبا عصا "زهور" منها ودفعه أرضا باركا فوقه بصراخ عال:
_ اخرس يا بن الـ** يا قذر، عليا النعمة لاموتك، هموتك واعرفك انا ازاي تقول على مراتي كدة يا بن الكلب..!!!
تركوه يلكمه في وجهه ولم يتدخل أحد، مما جعل "زهور" تنحني تدفعه من عليه وصاحت "مروة" في خوف ناحية "فريدة":
_ مبسوطة؟ ما هو ده اللي بيبسطك أنا عارفة، تخلي الرجالة تموت بعضها عشانك وانت اللي بتروحي تتلزقي فيهم من الأول خلي اللي ما يشتري يتفرج ويعرف قرفك وانت اللي كنت بتروحي لسامر بنفسك الأول يا بت!!
اقترب "حازم" سريعا يمسك ذراعها بقوة وعنف قبل تدخل "ياسمين" في حين حركت "فريدة" رأسها بهلع من ما استمعت له للتو، بل من استمع كان "آدم" الذي تركه بسرعة ونهض من فوقه بصدمة لما رددته الأخرى الذي حاول بها الآندفاع ناحيتها ليضربها في حين تعالى صراخ "فريدة" وهي تخرج بالحقائق التي لم تخرج بوضوح من قبل:
_ أنا أنا أنا اللي بتلزق زيك في الرجالة أنا اللي رخيصة ولا انت دا اخوكي هو اللي كان بيحاول يقرب مني في كل مرة كان بيجي فيها هنا، كان بيتحرش بيا زي القذر، كان بينتهز كل ده عشان مكنتش بقدر اتكلم عشان ميتقلبش الموضوع عليا!!!
لأول مرة تبرر لها وهي هكذا واقفه بمكانها وهبطت منها الدموع بكسرة قبال صدمة "آدم" مع الجميع وفتح الشقق الأخرى وخروج الكل منها، في حين التقط "آدم" العصاه وضربه بها بقوة من آخر ظهره مرددا بانفعال:
_ موتك هيبقى على ايدي، والله ما هيبقى على ايد حد تاني غيري، تعالالي!!!
انحنى يتمسك به من تلابيبه وسحبه خلفه رغم الصراخ. سحبه ناحية الخارج مقررا بفضحه بأي شئ ليترك له علامة سوداء في حياته، لكم وجهه مجددا قبال الصراخ المتألم منه، كرامته ووجعه كرجل منع أي شخص من التدخل في حين اقترب "غسان" وشقيقه ووالده في صدمة من هذا واقترب "بدر" من بين التجمع وبكاء "زهور" وصراخ "مروة" وكبل "بدر" جسد شقيقه مع "عز" في هذه اللحظة عندما شعرا أنه سيسحبه خلقه على السلم أمام جميع السكان بفضح وضرب حتى يلقيه!!! ما الذي أوصله لهذا العنف؟ تسطح جسد "سامر" على الأرض بضعف وهو يتوجع بصوت وسحب "آدم" ناحية الداخل معهما وأغلقا باب الغرفة خلفه!!
مع بكاء "فريدة" وهي تركض ناحية الغرفة تود رؤيته في الحال بكسرة، في حين وقفت "جميلة" بتيهة لحقتها ذراعي "والدتها" و"نيروز" بينما اندفعت "زهور" ببكاء ناحية الداخل تصرخ بهم مجددا:
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم، ربنا ينتقم منكم يا بعده!!
طالعها "حازم" بسخرية وطالع جسد "سامر" التي تسنده "مروة" أمام الجميع وبدأ يفسر لها بوجع:
_ انا راضي ربنا ينتقم مني ومن أي حد هنا لو كان ظلمكم، بس مش داخلة عقل أي حد، انتوا جيتوا وجبتوا الفقر والهم معاكم، رجعتوا وجع كان اتقفل عليه وعملتوا اللي ميتعملش، قللتوا من اختي ووجعتوها ودمرتوها، أنا مش عارف لسه في ايه تاني يتعمل منكم؟
كان حديثه جامد حاد بينما الكلمات نفسها موجعة مؤلمة وهو من يتحمل الأثر النفسي بالسلب عما يفعلوه في كل مرة به أو بأي من أفراد عائلته! نزلت دموعها هي الأخرى وهي تطالبه:
_ احنا مش عايزين حاجة، احنا هنمشي، بس عاوزه بنتي معايا!
ترقبت الأنظار وفتحت الغرفة ليخرج منها "بدر" و"عز" بمفردهما وبقت معه "فريدة" في الداخل، فتعالى صوت "غسان" يخبرها بثبات مختصرا غاية هذه الوقفة والإجتماع!
حقك بس خيريها الأول قدام الكل وان اختارتك خديها وامشي مع انه مش حقك عشان هي دلوقتي بقت في عصمة واحد ولو مختارتكيش مش هتاخديها وهتمشوا برضه!
حاصرها بقوله الذي صدم منه الكل، فترددت عينيها في النظر كما كانت "مروة" التي وقفت خلفها وهي تسند "سامر" الذي نظر ببغض.
ابتلعت "زهور" ريقها بخوف ونظرت ناحية "أسماء" ونطقت برهبة من الرفض:
_ هو انت مش هتيجي يا "أسماء"؟ مش هتختاري أمك؟
طالعت "أسماء" بخوفها "سامر" الذي وجه لها نظرات بمثابة سهام حادة، كما كانت نظرات الإشمئزاز من "مروة" لها.
علمت أن نهايتها حتماً ستكون عندهما.
نظرت نحو "زينات" بأعين لامعة.
فـنظرت لها الأخرى نظرة أمان جعلتها تنطق بما جعل قلب والدتها يهوى أرضاً:
_ أنا.. أنا هفضل هنا.. مع خالتي و.. حـ.. حسن!
اختارت "حسن" مجدداً.
بينما قلبها هذه المرة لم يختاره بعدما شعرت بما شعرت به معه في الداخل.
لكنها لا تريد أن تلقى بحتفها.
صدمت "زهور" ونزلت دموعها وهي تقترب منها بوجع متلمسة ذراعها:
_ أنا أمك... أنا اللي أمك مش هم. أنا اللي هخاف عليكي وهحبك!
_ بس أنا مشوفتش ده. أنا خايفة!
ما جعلها تصدم أكثر هو رجوعها خطوتين إلى الخلف.
فضمتها "زينات" سريعاً مع خروج نبرة "مروة" بغل:
_ ما هو ده أخرك تختاري ناس قليلة الأصل زيك. بكرة خالتك دي ترميكي وابنها يطلقك ويقولك أنا مش عايزك أنا عايز "نيروز"!
هابت "نيروز" هذا ونظرت لها بحدة صارخة بها من ذكر اسمها هكذا بحديث لا يصح أمام زوجها وأهله:
_ إخرسي. متجيبيش سيرتي على لسانك!
ضحكت "مروة" بإستفزاز.
وسرعان ما أشار لها "غسان" على ذراعها الآخر أمام الجميع وهتف بتساؤل جاد:
_ شكلك عايزة الشمال زي اليمين ولا انتي ايه رأيك؟
ابتلعت ريقها تتحاشى النظر إليه.
ووجدت "أسماء" حينها تدافع عن "نيروز" قائلة:
_ مليكيش دعوة بـ "نيروز" يا "مروة" سبيها في حالها. ملهاش ذنب أنا اللي مش عايزة اجي معاكم!
_ يلا يا قليلة ياللي مش هتعيشي غير قليلة. واحدة اتحاول يتنسى بيها واحدة تانية وبيتخيلها هي. هنستنى منك ايه يختي؟ انتي رخيصة وهتفضلي طول عمرك باصة لنفسك كده زي ما هم بيبصولك كده..
وقبل أن يندفع "غسان" بحرقة لما يقال بحق "نيروز"، التفتت "زهور" تصفعها على وجهها.
فصمتت وهي تنظر لها بصدمة كما صدم البعض.
وصرخت بها لما رددته لشقيقتها أمام الغرباء:
_ اخرسي. اخرسي خالص سامعة؟
برقت عدستيها.
فنزلت دموع "أسماء" وهي تشهد والدتها قائلة:
_ عرفتي ليه مختارتكوش؟ امشوا. امشوا بقا. أنا راضية ابص لنفسي كده ويبصولي كده قصاد اني مبقاش وسطكم من تاني بالمنظر ده. انتوا عايزين تموتوني وبتضحكوا عليا!
رفضت "زهور" ذلك بلهفة.
فأكد "سامر" بتقطع وهو يتألم ممسكاً جسده ورقبته:
_ صح.. برافو عليكي. انتي فعلاً هتيجي تموتي. مبروك عليكي اللي اشتروكي من غير تمن. ومبروك.. علينا عشان بعناكي!
اعتصر قلب "زهور" ألماً.
فقبل أن يتم طردهم بواسطة "حازم" و"غسان" و"بدر"، أكمل لها بنفس التقطع أمام الدموع مما جعل حديثه مثيراً للانتظار والاستماع بكره له:
_ مبروك يا بت معاشرتك لناس شبهك. عايزاني أقولك.. والنبي لتيجي معانا؟ لا بصي كده حواليكي انتي في المكان الصح أوي..
ورفع ذراعه السالم من الأذى والوجع وأشار بنفس التقطع:
_ مكان فيه واحدة هناك شبهك الفرق انها مش مع اللي غلطت معاه. وواحدة تانية بعدت جوزها عن أبوه لحد ما دخل السجن ومحاولش حتى يخرجه ويترافع عنه.. لحد ما سابه..
ولم يتوقف رغم انفعال البعض.
بل حاول من بين وجع جسده وتقطع نبرته وأنفاسه العالية.
وأخرج بالقنبلة التي كانت صعبة حادة كشفرة على قلوب الكل وخاصة من كان لا يعلم.
خاصة مرة أخرى على قلب كل من "عز وجميلة" ومعهم "فرح":
_ لحد ما سابه.. ومات في الآخر. ومش بس كده... دا مات مقتول على ايد أخو برضه واحدة هنا اتجوزت أخو قاتل أبوها. ولا إيه يا "جميلة"؟ هو مش أخو جوزك برضه اسمه "شريف الشرقاوي" على حسب ما سمعت مين اللي اتقتل على ايده المتر الكبير بتاع.. العيلة؟
صدمة بمثابة ماس كهربائي يسري بجسد من كان لا يعلم.
نظر "عز" بضياع بعدما اتسعت عينيه فـب صدمة وعدم استيعاب!
ضياع لم يكن بعده ضياع.
هل كان الأمر غير متوقع؟ ومن شقيقه؟
نزلت دمعة "جميلة" وهي تحرك رأسها بفزع من ما سمعته للتو.
كما نظرت "فرح" بصدمة ناحية "بسام" الذي كان يعلم هو الآخر ذلك.
فـطالعت "نيروز" وجه "غسان" الذي هرب بعينيه من الكل خاصة هي.
ما أن سألت "جميلة" برهبة وهي تتقدم تضع يديها على وجهها بعدك استيعاب:
_ انت بتقول إيه؟ مـ.. مات مقتول ازاي؟ مقتول!!!! مات مقتول؟ مات مقتول؟
تكرر الكلمات وكأنها لا تصدق.
سالت الدموع وكان هذا ما نقص عدم معرفته من العائلة.
الصدمة جعلت السكون والتصلب في الأجساد.
فحرك "سامر" رأسه بوجع واندفع يجلس على الأرض من كثرة الوجع الذي لا يتحمله ومن جبروته.
أخرج كل هذا وهو هكذا بحالة ليست هينة وكلماته المتقطعة فهمها الكل!
مشاهد متتالية أمام عينيه.
هل فعل شئ في حياته ليحدث كل ذلك له؟
ود لو تنشق الأرض وتبتلعه.
فاق على صراخ "فريدة" التي كانت تستمع من خلف الباب التي فتحته للتو بإندفاع.
هل قاتل أباها هو نفسه من اغتصبها؟
_ انـــت كـــداب. كـــداب يا "ســــامر". مماتش مقتول. مماتش مقتول. مش" شـــريف" اللي قتله. مش هـــو صح يا "حازم". مش كدة؟ رد عليا بسرعة مش هو. بابا مماتش مقتول.. مماتش مقتول صح؟ مات موتة ربنا زي ما قولتنـا اكيد. رد عليا والنبي يا "حازم"!!
حركته بعنف وألم.
ألم ينتهي ما فعله "شريف" بها إلى ما فعله معها وفقط؟
هل قتل أباها أيضا بعد كل الحق الذي رده بأبشع الطرق؟
نزلت دموع "حازم" وهو يتحرك بعنف من ذراعي "فريدة" الذي سحبها "آدم" عنوة.
فاقتربت "جميلة" تمسك رأسه بلهفة متسائلة بأعين باكية وهي تلثم وجهه:
_ حازم.. رد يا "حازم". رد علينا عشان خاطري. متوقعش قلوبنا أكتر من كدة. الكلام ده صح؟ رد والنبي عشان خاطري أنا رد. عشان خاطر حياتي رد!
مرات عديدة تتكرر.
وهذه المرة لم توافقها الحياة أيضاً.
ظنت الراحة وأن بحثت فلن تجدها بقاموسها!
لأول مرة يعجز "عز" عن التدخل.
في حين خرج رد "حازم" مختصراً ببكاء لم يحاول حتى اخفاءه.
فقد استنزف طريق حياته وعقباتها طاقته ومحاولاته حتى على اخفاء ما به.
فإلى متى؟
_ مكنش عايز ارد عشان حياتك متبوظش يا جميلة!
هبطت يديها المرتجفة بصدمة وكأنها أُصيبت بالشلل المتوقف عن الحركة.
فسألت بعدها "فرح" بضعف والغير تصديق رفيقهن:
_ شريف؟ أخويا هو اللي عمل كدة؟
أكد برأسه بمحاصرة.
فسقطت القلوب في الهاوية بسكون تحت بسمة "مروة" المتشفية.
وبكاء البعض.
لمعت عينيها تنفي هذا بلهفة وهي تنظر نحو سكون "عز" شقيقها بقهر.
ورددت وهي تندفع ناحيته:
_ لأ.. لأ يا "عز" مش اخونا اللي عمل كده مش أخـ..
بتر "عز" قولها ضاغطاً على مرفقها بقوة ومنع هذا بقوله:
_ متقوليش أخونا. متقوليهاش تاني. أوعي تقوليها!!!
تألمت من مسكته بوجع.
واحتوت حالته هذه عندما ضمته سريعاً بين ذراعيها وهي تبكي بصوت تخرج منها الشهقات أمام شحوب الوجوه.
وقفت "جميلة" تنظر بعجز قبال "حازم" الذي ردد لهم بصوت عالٍ:
_ امشوا اطلعوا بره. بره من هنا. من العمارة كلها حالا. لإما هقدم فيكم بلاغ يودي اللي زيكم ورا الشمس. يلا من هـنا!!!!
توقفت "زهور" ببكاء وهي تنظر نحو "أسماء" بخذلان.
في حين توجع "سامر".
وهو يستند على شقيقته فوجد "غسان" يناديه:
_يعني انت هتخربها وتمشي من غير ما نودعك يا روح امك؟ دا انت سلمت على دماغي وانا لسه مردتلكش السلام!
جحظت عيني "نيروز" وهي تهرول من بين دموعها تسحب ذراعيه بعيدا عنه بترجي:
_عشان خاطري لا ارجع والنبي يا "غسان"، والنبي بلاش أنا خايفة خايفة عليك متقربش ارجوك هم سابوا الحق ربنا هينتقم منهم سيبك منه ومنهم عشان خاطري!
حاول "سامر" الخروج بينما عارض "غسان" هذا بتشنج وهو يهتف عاليا ناظرا له:
_بنسكتلك وانت برضه مفيش فايدة في روح امك استفادت ايه كده ها. استفادت ايه لما وجعت بكلامك كل اللي واقفين وجعتهم على واحد مات وشبع موت من غير ما يفكروا هو مات ازاي وجعت واحد ومراته عايزين يعيشوا في هدوء وبالعافية رجعوا من تاني عشان اللي لي بينهم مكنش بيقول انهم هيرجعوا قولي بقا سبب واحد يخليك تعمل كل ده غير انك واحد ***
تشنجات تعابيره توحي بحرقته عليهم وكأنه وعى أنه يلومه فردد بتهكم أمامه وأمامهم له:
_أنا بلومك ليه يا و** دا قليل الاصل ممنوع عتابه عشان عويل في حضوره وغيابه وغيابك عن الدنيا كلها هيكون على يد**ي يا ***
كانت سبته سبه نابية لاقت على شخص الآخر بقوة. تمسكت به "نيروز" بترجي على الرغم من ان والدتها وشقيقتها يسحبونها من جواره ولكنها رفضت وهي تتمسك بكفه بتوسل حتى بعدما حاول التملص منها وهو يكمل:
_دا ينعل أبو حقي اللي سيبتهولك بس حق كسرتهم مش هسيبهالك يا أنا يا انت يا سامر. يا انا يا انــت!
كان هو من بينهم من تدارك العقل والوعي. هل قصد للتو كسرة "حازم وعز وجميلة وفرح وفريدة" هما الاخرتان؟ تمسكت"نيروز" بسترته بترجي أمام سكون الكل وتركه "بدر" من قبل يجيب على الاتصال بعيدا عنهم في الشرفة مجيبا علي الفرقة التي اقتربت بقوة! لاخذ "حسن". استند "حازم" بضعف على الحائط مخفيا وجهه بين كفيه ناظرا نحو الأعلى والأصوات في الخلفية لم تخرجه عن صمته الذي خرج بقوله الباكي بقلة حيلة:
_يارب. يارب انا تعبت أوي والله!
والآن ليس لديه شئ ليتماسك قليل الحيلة ليس بيديه أي شئ كما وقف "عز", بمنتصف الصالة عقله من يركض بمكان آخر غير هذا المكان متحاشيا النظر نحوهم وبجانبه"فرح". حاول "غسان", التملص منها ونجح في ذلك عندما سحب ذراع "حازم", بقوة مرددا له بعنف وهو يحركه بعنفوان:
_فـــوق يا "حـازم". فـــوق يالا. فـــوق بقولك!
لم يجد منه أي قوة فبحث بعينيه مطالعا ضعف الكل. فمد يديه سريعا يخنق "سامر" بإنفعال جعل "آدم" يركض ليكمل بقية الحق منه. وقع "سامر" أرضا متلقيا ضرباتهم بصراخ. صراخ لم يجعل أي منهم يتدخل بل استمرا هكذا ومن حاول التدخل كان سكان العمارة بفصلهما عنه وهم بالداخل تائهين بالبكاء والاحتواء وصراخ "حسن" من جديد.
صراخ هنا وصراخ هناك وصراخ آخر مكتوم. ولم ينتهي كل ذلك إلا بإدخال "غسان وآدم", الشقة عنوة وآغلاقها عليهم بواسطة "بدر" الذي تدخل مع السكان.
_خلاص بقا. اهدوا.
وقف "حامد" على بعد بأعصاب متروكة. آخذا ابنته بين ذراعيه ومعه زوجته. جلست الفتيات بصمت. عدا "نيروز" التي اندفعت ناحيته ببكاء متلمسة رأسه فسحبها بأنفاس عالية لتجلس بجوارهم بعدما عارض وخرج من الغرفة لأجلها!
توجهت النظرات نحوه هو نحو "حازم" لا يعلم أيرى بهم لوم ام شفقة ولكنه صمت ولم يجد جواره سوى "ياسمين" التي عانقته تحثه على الصمود وقد هبطت دموعها على حاله هو!
من وقفا كانا هما "فريدة وجميلة" التي لم تتوقف عن البكاء. والتي اقتربت من "حازم" مع شقيقتها التي هتفت بتساؤل:
_ليه؟ ليه خبيت علينا الوجع ده كله؟ ليه يا حازم؟
توقف قبال هذا السؤال وهما ينتظرانه. فحرك رأسه بوجع. مرددا بإختناق:
_عشان ميحصلش اللي حصل ده. عشانكم. عشانك يا فريدة كنت عارف انك مش هتقدري تستحملي الصدمة. حتى انت يا جميلة خبيت عشانك انت وعز. وعشان حياتكم مع بعض!
_واستحملت ده كله لوحدك يبني؟ اتحملت كل ده ياضنايا؟ كل ده مخبيه في قلبك وساكت؟
كان هذا سؤال "عايدة" التي نزلت دمعتها بوجع عليه. فحرك عينيه بعيدا عنهم وظهر الضعف أمام الكل. فعانقته سريعا بعاطفة جعلته ينهار بين ذراعيها التي احتوته كما احتوت شقيقته و"فريدة" التي ارتمت بين ذراعي "ٱدم" الذي ربت علي ظهرها بتعب هاتفا:
_خلاص يا "فريدة". متعلميش كدة فيا وفي نفسك ارجوكي!
"عز"..هو وحده من وقف هكذا بأطراف باردة وأخيرا قد لمعت عينيه التي هربت من رؤيتها ما ان خرجت "جميلة" من بين ذراعيهم واقتربت منه هو. كانت تتوقع بأنه سيأخذها في عناق. ولكنه وقف هكذا هاربا من عدستيها أمام الجميع وتحرك ليرحل حاملا كل التعب ولكنها وقفت أمامه فحاصرته وطالبته بالنظر ناحيتها بحكم عدستيها اللامعة الذي نظر هو لهما وهتف بأسف وضعف دون مقدمات وذهبت منه كل التبريرات. بل هو حقا لا يملك تبرير واحد!
_أنا آسف يا "جميلة". آسف من كل حاجة. وعايزك تعرفي ان انت الوحيدة اللي حبيتها وهفضل أحبها مهما حصل. بس المرة دي مش قادر.. مش قادر ولازم امشي يا بنت الناس..
ماذا قصد؟ اتسعت عينيها الباكية و ارتجف جسدها بالكامل وهي تطالعه بغير تصديق ووجع ورددت في تقطع وخوف:
_ عز!! ..انت بتقول ايه يا عز؟ متمشيش وتسيبني. متعملش كدة عشان خاطري!
ماذا التشبت الذي جعل عينيه تلمع بكسرة؟ ابتلع غصة مريرة بحلقه وضاع كل شئ منه. ضاعت هى الأخرى منه ولأول مرة لا يستطع التمسك..تمسكت بذراعيه بتشبت قبال بكاء شقيقته فأهبط يديها مرددا بأسف مجددا:
_مش قادر..مش قادر أبص في عين حد. مش قادر ابص في عينك. أنا آسف!
تركها بعدها مقتربا من الباب متحكما في دموعه كي لا تهبط قد سقط الجبل هو الآخر. مسح الدمعة قبل ان تسقط ومن كان حمولا ضاعت طاقته في هذه المرة الآن ينتظر فقط لحظة انفراده بذاته ليخرج كل ذلك بأي طريقة! كــسىرت عينيه بطريقة بشعة! لم يقوى أحد على منعه. ولكنها فقدت القدرة على الركض خلفه فجلست على الأرض ببكاء تناديه من خلفه:
_ متمشيش يا "عز". متسبنيش. أنا بحبك والله العظيم. بحبك ومش هقدر من غيرك. والله مش فارق معايا. مش فارق معايا يا عز خليك. متكسرنيش بالله عليك. استنى!!
إجتمع الكل حولها خاصة "حازم" و"والدتها" وشقيقتها و"نيروز" التي هرولت لها وهي تترجاه هكذا. لأول مرة يدير ظهره لها ضاغطا على قلبه الذي اعتصر من توسلها. خرج من الشقة وهرولت "فرح" خلفه تختاره ببكاء ولم يتوقف إلا عندما ركض "غسان وبسام" له أولا محاصرينه فتوقف يمسح وجهه قبال سؤال "غسان":
_انت رايح فين يا "عز". مينفعش تمشي. هتسيب مراتك؟ هتسيب اختك؟
بــحت نبرته وهو يطالع عيني "فرح" الباكية وقال بإنهاك له:
_همشي. عايز الاقي نفسي. عايز أعرف ليه الدنيا معانداني كدة!!
نزلت دمعته وتحشرجت نبرته وقبل أن يختفي مهرولا على السلم تمسكت "فرح" بكفه بتشبت. فدفعها بقوة حتى اصطدمت بصدره. ضمها بقوة وظهرت نبرته المختنقة وهو يهمس لها:
_سامحيني يا فرح!
لم تفهم مقصده. أخرجها من بين عناقه ونظر ناحية "بسام" وأوصاه بنبرة مهتزة:
_ امي واختي أمانة عندك يا بسام. خلي بالك منهم!
تملص بيديه منهتا وترك بكاء شقيقته هو الآخر مهرولا. ماسحا وجهه. رحل لمكان لا يعلمه.
مكان بجد به نفسه أولاً، كي يعود. ولكن هل سيعود بعد كل هذا؟
شهقت "فرح" بقوة وهي تنادي بعزم قوتها صارخة:
_ اســـتنى يا عز، استـــناني، متمـشــيش!!!
تمسك بها "بسام" وهي تحاول الهرولة خلفه، ولكنه تعمد تركه في هذا الحالة. بينما هي بكت بصوت، وسكنت نبرتها عن الصراخ وهتفت بوجع، وكأنه يستمع إليها:
_ والله ما هقول عليه اخونا، بس ارجع، ارجع ومتسيبناش!!!!
كسرتها واستستلامها السريع جعل "بسام" يأخذها بين ذراعيه مردداً بقسم:
_ والله هيرجع، هيرجع يا فرح والله !!
طالعها "غسان" بشفقة، جعلته يعتدل محاولاً أخذ أنفاسه وحث شقيقه قائلاً:
_ يا تاخدها وتمشي وتجيب امها، يا تروح معاهم هناك، أم عز مينفعش تكون لوحدها في البيت!
حرك رأسه موافقاً، فتركه "غسان" ودخل حتى وجد "جميلة" انتقلت على الأريكة جالسة بصمت، ما بعد البكاء تلقت صدمات كثيرة. هي الآن بين ذراعي "حازم" ومن الناحية الأخرى "نيروز" التي تبكي لأجل حالتها هذه وهي تردد بين الحين والآخر بغير تصديق لما يحدث:
_ أنا مستاهلش كل ده، مستاهلش والله العظيم!
_ أنا عارف، عارف والله، حقك عليا أنا، عز هيرجع والله العظيم، هيرجعلك. أنا متأكد، مش هيخون وعده ليا مش هيكسرك!
نظرت إلى شقيقها بوجع، واستندت عليه بتعب. هل حقاً رحل وتركها؟ ركضت "وردة" ناحية الشقة الأخرى ما أن استمعت لبكاء صغيرها ورحلت خلفها "سمية" ترى الصغير في حين انسحب "حامد" بابنته لأجل نفسيتها ووقف "بدر" يخبر "حازم":
_ قوم يا حازم، فوق وفوَّقهم كدة، العربية واقفة تحت وهم طالعين دلوقتي ياخدوا حسن!
وكأنه يخرج من شئ ليدخل في شئ آخر. وافق برأسه وخفق قلب "زينات". فنهضت "جميلة" تقف بخواء بجوار "نيروز" والفتيات واعتدلت "فريدة" تمسح وجهها بالمنشفة الورقية الذي أخرجها لها "آدم" وهو يرسل لها الأمان في ابتسامته هامساً جوار أذنها بعيداً عنهم:
_ بالله عليكِ ما تعيطي تاني يا شاطرة، كفاية وجع لحد كدة، متفقناش نرجع لورا بالشكل ده، انتِ مستعدة تبقي زي ما كنتي؟
نفت "فريدة" برأسها فشجعها بنظراته لها الآمنة. ووقف "غسان" بجوار "نيروز" حتى فتح "حازم" الباب لـ "حسن" الذي اندفع يقف بقلة توازن وخرج من الغرفة ينظر بأعين زائغة. تقابل مع "زينات" التي هرولت تعانقه بقوة. فلم يبادلها ذلك ملاحظاً بكاءها من على بعد. أول شئ قد انتبه له كانت هي. ولكنها ليست بمفردها كالعادة، بل بجواره هو بجوار "غسان" ومعدتها أيضاً بارزة بحملها منه. هل يوجد أكثر من ذلك؟ لمعت عينيه التي تعلقت بها بضغط من "غسان" التي تمسكت هي بذراعه بتشبت. وقبل ان يسألها عن حالها سمع دقات الباب فلم ينتبه إلا لدموع "جميلة" الذي لم يتناسى عناقها له بآخر مرة ومساعدتها له لي الهروب من "غسان"!
اقترب "حسن" بنفسه يقف أمام "جميلة" فأمسكت "نيروز" سترة "غسان" بخوف من ان يفعل له شئ. ولكنه طمأنها بذراعه الملتف على كتفيها وحينها كان ينظر نحو "جميلة" الذي صدم البعض من ما فعله معها عندما رفع أنامله يمسح وجهها بتعب. ولكنه أيضاً يحتاج عناق واحتواء بهذه اللحظة معتقداً ان ما به سيزول بمجرد ذلك.
ما يعتبر مفاجأه هو انها تفهمت طلبه فرفعت "جميلة" ذراعيها تمسح على وجهه من بين حالتها هذه وضمته بعناق. كما وجدت ما يريده من فقد الاحتواء بين عدستيه الحمراء. دخل "حسن" بقبول بين ذراعيها فربتت هي على ظهره كما ربت على ظهرها أمام جراءة "فريدة" وهي تقترب منهما. رآها تقترب بتردد من خلف ظهر "جميلة" التي همست له قائلة:
_ متخافش!
فنظر لها مطولاً حتى خرج بصمت يطالعها وطلبت "فريدة" منه بتردد:
_ هو ينفع أنا كمان يا حسن؟
كان هذا طلبها أمام الأعين رغم انها تهاب قربه ولكنه حثها كما حثت نفسها على القوة. أمام فخر "آدم" بهذه القوة حتى من بين هذه الحالة ولكن الآخر هاب طلب ذلك منها فصمت ولم يفتح اي منهم الباب الٱن إلى ان ينتهي هذا المشهد المتأثر بينهما. لم تجد منه قبول بل وجدته يوزع النظرات بينها وبين "آدم" الذي اقترب يحثه على فعلها عل صداقته تشفع له ويجد منه القبول أمام انه يترجى بعينيه على أن لا يرفضها كي لا تنتكس!
مد "حسن" كفه ناحية "فريدة" التي نظرت له بتردد. فوضعت كفها بين راحته ما ان شجعها "آدم". فسحبها "حسن" ناحيته بقوة وضمها ضمة أكثر من الضمة الأولى وكأنه كان ينتظر هذا. لم يتأسف لم يردد شئ ولكنها من ربطت ذراعيها خلف ظهره ووعدته قائلة بآختناق وهي تغمض عينيها أمام عيني "أسماء", اللامعة:
_ كل ده هينتهي قريب، كل ده هيخلص يا حسن وعد!
فتح "بدر" الباب للفريق فنظر الكل وأشار لهما عليه بعدما تحدث معهم ووقف "حازم". فإلتفت "حسن" ينظر بغير وعي. وتفاجئ بتقدمهم ناحيته في محاولة لسحب ذراعيه بالهدوء ولكنه دفعهم بذراعه بعنف وهو يهتف بتساؤل:
_ انتوا مين؟ انتوا مين وماسكينِّي كدة ليه؟ ابعدوا عني!!!
لم يبتعدوا عنه بل احكموا مسكه فحاول التملص وبرقت عدستيه الحمراء ما ان اخبره "حازم":
_ دول من المصحة اللي لازم تروحها يا حسن!
نفى هذا برأسه وحمل منهم أمام الأعين اللامعة. وردد وهو يمد يديه يتمسك بكف "فريدة" بتشبت وخوف:
_ لأ ..لأ مصحة لأ يا "حازم" أبوس ايدك، لا والنبي، شيليهم عني، شيليهم يا "فريدة"..الحقيني يامه، الحقــيــني والنبي!!!
منعها "حازم" من الإقتراب أكثر فظل "حسن" متمسكاً بكف "فريدة" التي بكت وهي تأبى تركه. وصرخ مجدداً وهو يعاند السير والتحرك معهم:
_ ابعدهم عني يا "آدم"، ابعدهم يا صاحـــبي لو بتحبنــي، مش هقدر ومش عايز اروح، ابــعدوا عنــي!
أخفى "آدم" وجهه بضعف. هو الٱخر كان هكذا بنفس المشهد مع شقيقه ومع "غسان" حاول التملص مثله كما تملص الٱن وفشل ما ان تلاقت عينيه الباكية مع "نيروز" وهو يصرخ مجدداً:
_ اعملوا اي حاجة، شيليهم يا "نيروز"، اختاريني المرة دي عشان خاطري، قوللهم يسيبوني، هم هيسمعوا كلامك، هيسمعوه والله وهيضعفوا قدامك زيي، قوليلهم بس، قوليلهم بسرعة!
أخفت وجهها بمقدمة صدر "غسان" ببكاء والذي احتواها متحملاً نهاية كل هذا. فحمل منهم مجدداً قبال توسله:
_ لا يا حازم لا، خليهم ييسبوني يا خويا، والنبي تشيلهم عني!!!
بكى كما ظهر بكاء الكل من بين رفعه هكذا بقوة وبالإجبار ترك كف "فريدة", عنوة على الرغم من انها تمسكت به بكل ما تملك من ارادة. تعالى بكاءها وهي ترفض تركه حتى سارت بفعل يديه المتمسكة بها وهو يحمل هكذا. يديهما تتمسك ببعضهما كصغار. كل خوفهم هو الطريق والمارة وهما يسيران بجانب بعضهما. تلاشى هذا التماسك وعندما وجدته يبتعد شئ فشئ رددت ببكاء عال:
_ هستناك، هستناك والله العظيم يا حسن، معلش، أنا آسفة، آسفة.
خرجوا به من الباب وخرج خلفهم "بدر" يلازمهم للأسفل مع "حازم" بينما ركضت "فريدة" مع "جميلة" ناحية الشرفة ليتابعوه إلى النهاية مع "ياسمين" و"أسماء" و"زينات" و"عايدة".
سحب "غسان" كفها معه ناحية الخارج وقرر الصعود والبعد بها عن هذا المكان. في حين خرجن من الشرفة مجدداً، واختارت "جميلة" مصيرها عندما توجهت بنفسها ناحية غرفتها بصمت وسكون وأغلقتها خلفها ترفض قدوم أحد خلفها. فتمسك "آدم" بها حاملاً حقيبتها وهتف يبعدها:
_ يلا يا فريدة!
تعلقت عينيها معه ونظرت فوجدت الكل هكذا ينسحب انسحاب تام باستسلام. دعا ربه بعدم الرفض منها، واستجاب دعاءه ما إن تمسكت بكفه وحتى والدتها لم تقوى على أن تنهض لتودعها بل نظرت لها من على بعد بسكون جعل "فريدة" تتركه حتى تذهب لاحتضانها بوجع. فتوقف ينتظر ما إن كانت ستعود أم لا، ولكن حثتها "زينات" بضعف:
_ امشي يا فريدة، أنا هبقى كويسة متخافيش بس امشي!
_ بس أنـ...
بترت "والدتها" هذا الحديث وهي تترجاها قائلة:
_ عشان خاطري روحي مع جوزك، هبقى أطمنك، بس متفضليش هنا!
وقبل أن ترفض وجدتها تكرر الكلمات مراراً وتكراراً إلى أن وافقت "فريدة" وهي تطالع باب غرفة "جميلة" المغلق. فلملمت المتبقى لها من الثبات واختارته ما إن اقتربت بعدما فهمت أن الكل ذهب إلى نفسه الآن، ونفسها هو "آدم" التي ذهبت له تتمسك بذراعه. فسحبها معه مشيراً لهم بالوداع وأغلق الباب خلفهما بعدما رحل.
يحاول التخفيف عنها بكل ما يملك من إرادة، صعدا معاً، ولكنه وقف أمامها وهي ترتدي رغماً عنها. لم ترض الخروج ولكنه أخرج لها ثياباً وأجبرها بحنو كي لا تستمر بين هذا الضغط. يجب عليها الخروج في الحال قبل مجيء اليوم الثاني. لذا بعد الوقت الذي مر، التفتت تطالعه باستسلام وقالت بصوت هادئ مستسلم:
_ أنا خلصت، بس مش عارفة ليه مصر نخرج من بين الظروف دي كلها!
وقف "غسان" ينظر ناحيتها بصمت، فأدركت هي على الفور ما فعلته من فتور. فاقتربت تبرر قولها الذي ظهر به الضيق والرفض مع الاستسلام الهادئ:
_ مش قصدي بس أنا مكنتش حاسة إني عايزة أمشي. أنا عارفة إنك خايف عليا بس أنا مليش مزاج. أنا زعلانة فعلاً على جميلة وحازم فمش حاسة إني هقدر.
طالع تبريرها بصمت، فمسح وجهها بكفه برفق واستسلم قبال رغبتها ونبرته وأرى خلفها خبثه في جعلها تقبل على الموافقة:
_ أنا عارف إنك زعلانة بس أنا عايز أمشيكي من كل ده عشان متتعبيش، لكن براحتك لو الخروج ضاغطك أوي كدة بلاش منه!
هل حقاً استسلم؟ أم أن هذا خبث منه؟ ابتسم نصف ابتسامة ونظر لها فوجدها تتخبط وأمسكت كفه بلهفة تسأله:
_ انت زعلت؟
_ أنا زعلان عشانك انت!
ابتسمت "نيروز" بحب على تصريحه ورغم أن الأمر يتطلب احتواءها ولكنها هي من بادرت بأخذه في عناق مريح وهتفت بنبرة أهدأ:
_ بس أنا مش عاوزاك تزعل علشاني. أنا لو مش هزعل من حاجة فـ ده عشان انت معايا. انت استحملت كتير معايا أوي، بس تصدق فعلاً إني ندلة؟
خرج "غسان" يستفهم بنظراته بخبث أخفاه، بينما هي نظرت له وعدلت طرف حجابها ووضحت رغم حزنها:
_ آه، علشان استوعبت إني برفض طلب إنت بتطلبه عشاني أصلاً. تعالى يلا ننزل؟
هل استوعبت للتو؟ هذا الفراق جعلها تعي أن اللحظات لا تعوض، وأن الحزن ليس دائم كما السعادة ليست دائمة ومن الممكن أن تذهب بسرعة فتتمنى عودتها من جديد. اتسعت ابتسامته من سير ما يريده بترتيب، فحرك رأسه يوافقها واحتفظ بالهاتف بجيبه. فخرجت تبحث عن حذائها الذي حمله من خلفها، فالتفتت تبتسم له بحنو وجعلها ترتديه بواسطته وسألها يلهي كل ذلك:
_ عايزة نروح فين؟
أجابته "نيروز" بسؤال وهي تبتسم بهدوء:
_ لما بتكون زعلان ومتدايق بتروح فين؟
تفاجئ من هذا السؤال، وضحك بخفة يخبره بصراحة أمام سعادته في محاولاتها لإضاءته، فهو كان لا يرى هذا من قبل منها:
_ بروح عند "شادي"، ويا إما البحر أروح أصطاد يا إما أشتري لبس جديد!
صمتت قليلاً ووجدته يرتدي حذاءه بعد ذلك مردداً بمزاح:
_ اختاري بقا!
_ أنا بخاف من البحر بليل!
التقط هذا الخبر بإحتواء، فتوقف يدخل خصلاتها التي خرجت رغماً عنها من الجانب وابتسم يخبرها برفق:
"خلاص نروح نشتري لبس جديد؟ تعالي نجيب شراب كتير لينا وليهم ونشرب لمون بالنعناع وتشتري كمان اللي انتِ عايزاه!"
أسعدها قوله ووافقت، فأخذها بين ذراعيه مردداً وهو يحاول محو أي شيء بخوف شديد على حالتها النفسية التي من نتائجها الانهيار المفاجئ:
"أنا عايزك متفكريش في أي حاجة، انتِ زعلك بالنسبالي مصيبة، وفرحتك مسئوليتي، سيبيلي المسئولية دي وسيبيلي نفسك خالص وانتِ مطمنة!"
أثر بها قوله فربتت على ظهره براحة وتلمست معدتها البارزة بإطمئنان، فهي الآن تعايش معه ما كانت تتمناه وما كانت تعتقد بأنه ذهب منها. طالع معدتها بسعادة وصبر لصغاره، وفي الخلفية كان خوف عليها وعليهم، فهي تعد خطر الآن على نفسها وعلى صغارهما، وهذا ما جعله يعاملها بحذر وحب مضاعف. هي لديه شيء آخر، شيء لم يتوصل له أحدهم ولا يعلم ماذا فعلت هي!
"فكرني أفكرك نجيب لـ "وسام" حاجة واحنا راجعين عشان نفسيتها مش متظبطة!"
ابتسم من هذا الإهتمام وأغلق الباب وهو يخبرها بصدق:
"كنت هعمل كده!"
تذكرت والديه فسألته بإهتمام آخر وجعلها تنخرط بهذا غير التي كانت هي به من قبل:
"طب طنط وعمو؟"
"ما احنا هنجيبلهم خلاص مش احنا اتفقنا؟"
جاوبها بهذا بثبات ومراوغة وهو يدخل معها المصعد، فسألته بإستفسار وعدم انتباه:
"هنجيبلهم ايه؟"
"بنتين توأم!"
ضحكت "نيروز" بخفة وهي تطالع وجه الثابت بملامحه الهادئة بعينيها، أزالت رمشة كان قد وقعت، فابتسم قبال هذا محاولاً إخراجها من أفكارها وحزنها بأي حديث عبثي، فأقترب هامساً بجدية:
"فكريني أجبلك حاجة مهمة انتِ كمان!"
سألته "نيروز" بعينيها التي رفعتها تواجهه بها قائلة:
"ايه؟"
غمز لها "غسان" بعبث وأقترب يرد بثبات مع بسمته الواسعة بجراءة:
"عباية سمرا!"
ضحكت هي هذه المرة وتمسكت بكفه حتى خرجت من المصعد وهي تنظر له وردت على ما يريده قائلة:
"وقح ومبتنساش أبداً!!"
ضحك عالياً وحرك رأسه مؤكداً وفتح السيارة تزامناً مع قوله العميق بعدما التفت ينظر لعدستيها:
"مينفعش أنسى حاجة تخصك!"
حتى كلماته تجعلها مثل الفراشة في أضعف أوقاتها، إن ضعف إحدى جناحيها يحاول استغلال الآخر ملقياً له الدواء بكلماته وأفعاله حتى تعود لتحلق من جديد دون وجود ما يمنع ذلك أمام عينيه وحرصه. نظرت بشرود ناحية الشرفة الزجاجية الذي أغلق نصفها كي لا تصاب بالتعب، شرودها كثير بأشياء مختلفة ولكنها الآن شعرت بأنه بين يديها ومع قلبها شيء لا مثيل له.
هي كانت لا تريد أكثر من ذلك، حركت رأسها ناحيته ورددت بإندفاع دون مقدمات:
"ممكن أعترفلك إعتراف؟"
حرك "غسان" رأسه ناحيتها بخفة، غامزاً بقوله المرح:
"ايه؟ بتحبيني؟"
ظن أنها ستنفى بغرور ولكنها أكدت بحركة رأسها وخرجت نبرتها المتأثرة له:
"أنا بحبك أوي يا "غسان" وبحب محاولاتك وحتى خوفك كمان.. خوفك هو الحاجة الوحيدة اللي دايمة كل حاجة بينا، حتى في وقت بعدنا مقدرتش تمنع ده. أنا آسفة عشان حسستك ان انت اللي بتحب وبتخاف أكتر، بس أنا كمان مببقاش عارفة أعبر ولا أتكلم بس الوقت اللي بعدنا فيه علمني ان كل حاجة بتروح بسرعة وببقى هتمنى ان الوقت يرجع تاني عشان أقول كلمة واحدة بس مكنتش بعرف أقولها أو أبينها الأول. أنا بحمد ربنا عشان انت في حياتي واللي مفيش في حياته غسان خسران وبيخسر كتير أوي!"
هو نفسه لا يصدق هذا التطور وهذه الكلمات التي خرجت منها، لأول مرة تعجزه هكذا. انتظرت منه الرد أو تعابير توحي لها بأنها تحدثت وسمعها، ولكنها استنكرت ما إن وجدته يلتفت بوجهه مردداً بحرج لم يظهر من قبل ولكنه كان زائف وقتها مما جعلها تضحك وهي تستمع لكلماته:
"مع إنه عيب أوي، بس تصدقي؟ ثبتيني يا بنت الأكرمي!"
"محدش غيرك شاطر في التثبيت!"
رددتها بمشاكسة خفيفة جعلته يضحك ناظراً ناحية الطريق بينما هي طالعته بملامحه لوقت ثم عادت تنظر ناحية المرآة. هنا وبنفس ذات المكان كانت قد اندفعت له من قبل بغيظ ما إن قال لها بأنها ثمينة! كانت تعلم أنه كاذب ولكنه برر أنه أمام عدستيها لا يجيد الكذب أبداً! وكأن الماضي يعود بشكل مختلف ما إن وجدها تنظر لنفسها بالمرآة فعزز الثقة الذي حاول تقليلها بقوله الكاذب بسبب ملابسها الضيقة من قبل وهتف بصدق هذه المرة:
"بطل!"
توردت وجنتيها بخجل وإلتفتت برأسها تنظر ناحية الشرفة ووضعت يديها تتلمس معدتها بحذر وكأنها تطمئن، وما إن وجدها مندمجة هكذا شرد بأمرها من جديد وهو ينظر ناحية الطريق!
_____________________
نحيب وبكاء ما إن علمت ما حدث لولدها، محاولات كثيرة كي تطلب رقمه ولكنه مغلق، خارج نطاق الخدمة. ماذا فعل؟ أين رحل؟ أين هو؟ أسئلة كثيرة تسألها والدة "عز" بوجع، وآخر قول قالته أمام نظرات "فرح" و"بسام":
"مشي؟ مشي ازاي؟ مشي وهو زعلان مني؟!"
نزلت دموعها بقهر وهي تضرب ركبتيها أمام محاولات "بسام" لها كي تهدأ هي وبكاء "فرح" بصمت. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تتحسر بوجع له ما إن علمت ما فعله شقيقه من الأب:
"طول عمره حمال أسية، طول عمره شايل في قلبه وساكت. أه يا وجع قلبي يا عز، يا وجع قلبي يا ضنايا. انت فين؟ روحت فين دلوقتي يا حبيب أمك!!!!"
ووضعت "حنان" يديها على وجهها بقهر وهي تسأل مجدداً:
"طب راح فين بس ياربي؟ والله ابني غلبان، غلبان ومش حمل كل ده. هاتولي ضنايا، ازاي تيسبوه يمشي وهو موجوع كده؟ كل ده بسببي بسببي أنا. ربنا يسامحني.."
لم يتوقف بكاءها وحاولت "فرح" أن تعانقها وتحتويها، فوقف "بسام"، يفتح زجاجة المياة بعدما أشارت له "فرح" على الدواء الذي فتحه وحثها برفق:
"خدي الدوا يا أم عز، خديه. و والله هيرجع أنا متأكد انه هيرجع!"
واضاف أمام بكاءها وشهقاتها و"فرح" تتمسك بها:
"أنا هحاول أوصله، بس كفاية اللي بتعملوه ده، كل ده مش هيحل والله! استهدوا بالله بس كده!"
وخلى أملكم في ربنا كبير!
التقطت منه الدواء بحسرة، وساعدتها "فرح" على أخذه. ومن ثم ضاع كل شيء. لم ترض حتى التحدث، بل تسطحت على فراشها وهي تتمسك بالهاتف مجددًا. تسيل منها الدموع، رافضة حتى تواجد ابنتها. بل هتفت بنبرة باكية:
"اطفي النور وسيبني لوحدي! قومي!"
هل ستتركها تؤنب ضميرها؟ استسلمت لذلك وهي تغلق الضوء، واضعة يديها على وجهها وهي تخرج خلف "بسام". وما أن أغلقت الباب، حاولت كتم هذا البكاء ولكنها فشلت. ما أن تلمس "بسام" ذراعيها بلهفة، ودفعهها ناحية أحضانه من جديد، ربت على ظهرها بوجع لها:
"متعيطيش عشان خاطري يا "فرح"! انت مش عارفة دموعك دي بتعمل فيا ايه! بالله عليكي متعيطيش! وأنا هدور عليه! هيرجع والله. هيروح فين يعني؟ هو بس صعبت عليه نفسه فمشى. بس مسيرة يرجع ملوش غيركم!"
شهقت بتمزق بين ذراعيه وقالت بتقطع، تصرح له:
"عز أول مرة يسيبنا ويمشي كده! أول مرة في حياته أقوله متمشيش وانا ماسكة فيه وينزل ايدي بالقوة ويلف ضهره ليا! عز اتكسر أوي يا بسام!"
سحبها ناحية أحد المقاعد فجلست برفقته، حتى دفع رأسها برفق لتستند على كتفه. مرر يديه على ظهرها بإحتواء، وأكملت وهي تتستند عليه بألم، وخرجت نبرتها المنهكة تفسر:
"أنا شوفت! شوفت كسرته! دا عمره ما سابنا يوم واحد في حياته! مشى ازاي يا بسام؟ مشى ازاي؟ دا مكنتش بيقدر يعمل كده! اللي حصل حاجة كبيرة أوي عليه وعلى قلبه! قلبه اللي اتهلك وعايش بيه مهلوك وساكت ومببتكلمش! أنا عايزة أخويا يا "بسام"! عايزة اخويا!"
أجهشت في البكاء بوجع، فربت على ظهرها بلهفة، وحاول التماسك لأجلها وهو يردد بمواساة:
"هو سايبك أمانة وعارف انك معايا واننا مس هنسيبك انت ومامتك يا فرح! واعي كفاية ووعية ده يخليني أقولك انه هيرجع! اللي يخليه يعيش كل ده من غير ما يهرب منه مش هيخليه يعرف يهرب ويمشي المرة دي! استهدي بالله بس وقومي اتوضي وصلي بدل الدموع دي كلها! ادعي وان شاء الله خير وربنا هيتقبل منك!"
إعتدلت بعدها تمسح وجهها برفق، فنظر ناحية قميصه الذي ابتل من دموعها. فنظر موضع نظرها وشهق بطريقة زائفة يلومها بمرح كي تضحك:
"نهارك مش فايت! دا أنا لسه جايبه جديد!!!!"
راضته بضحكة خفيفة من بين الدموع، فحرك رأسه بدراما متصنعة وقال:
"دي عين "غسان" أكيد! عشان كان عايز ياخده وأنا مرضتش!!"
ابتسمت "فرح"، فمال يتمسك بكفها ونظر إلى عدستيها بقوة. فمد أنامله يمسح عينيها محاولا التخفيف عنها قائلا:
"كدة؟ دا انا كنت هموت على روتين رموشك! الظاهر ان عيني وحشة أوي! كان لازم أقول ماشاءالله عشان انت عينك جبارة أوي!!"
ابتسمت ابتسامة باهتة تحولت لضحكة من أسلوبه، وكل كلماته الأولي تخفف عنها وتدعى السكينة لتأت لها. حاول ازاحة حجابها برفق، والتي خلعته ما ان دخلت بإختناق، عدا ما أسفله الذي يخفي خصلاتها السوداء. خلعها عنها بحنو، أمام حرجها ومرر كفه على خصلاتها المرتبة من الأمام وهتف بإعجاب يشاكسها:
"دا انت كمان شعرك حلو زي عينيك؟"
أكدت فضحك بخفة على غرورها الزائف دائمًا. مسح وجهها بأنامله ونهض معها ناحية المرحاض، فتوقفت تسأله:
"هو..هو انت هتمشي؟"
"لأ! هفضل هنا! مكان ما تروح "فرح", رجلي على رجلها!"
ابتسمت تراضيه وأمسكت كفه تسحبه ناحية غرفة ما قائلة:
"طب تعالى نام في أوضة عز! أكيد تعبت والشغل كمان مش راحمك! أنا آسفة على تعبك ده!"
رفع حاجبيه في دهشة من قولها وتمسك بكفها ووقف رافضا التقدم. فنظرت له بتوتر من صمته إلى أن هتف هو بحزم:
"أوضة عز؟ يعني أنا جوزك وهتنيميني في أوضة عز؟"
تركت كفه بخوف ونظرت له بريبة من تحوله. فضحك سريعا بخفة وهو يتقدم ليحتضنها مبررا بسرعة:
"والله بهزر! مالك خوفتي ليه كده؟ أنا هخليني هنا على الكنبة متعود على الذل ده متخافيش! غسان معودني!"
عادت أنفاسها لها من جديد وضحكت فرح" هذه المرة على كلماته المازحة واستدعت المحاولة في الرفض ولكنه قطع هذا وهو يحثها:
"يلا خشي اتوضي!"
واففته. ومدت ذراعها على الرف الزجاجي بجوارها تجلب له المصحف وطلبت منه بهدوء:
"ممكن تقرأ منه بصوت عالي عشان أسمعك! أنا لما بسمعه منك وبصوتك الهادي برتاح أوي"
سعد "بسام" سعادة بالغة من هذا الطلب ووافق وهو يأخذه منها وأماء برأسه فابتسمت قبال بسمته وهو يتحرك ليجلس في انتظارها ما ان ذهبت هي إلى المرحاض لتتوضأ. وجد بها ما كان يتمنى بأن يجده. وهى وجدت به ما كانت تتمنى بأن يكون مثل شقيقها الذي رحل. تمنت رجل يشعرها بالأمان والآطمئنان. تمنت من لا تهاب منه وتستطع الجلوس معه بمفردها دون خوف! تمنت ملتزمًا، خلوقًا، مراعيًا لها. وتمنى هو الآخر من تسحب يديه ناحية الالتزام أكثر كما يفعل معها. فهو وجدها الآن تبحث عن الراحة ووجدتها بكلمات الله!! وهو من سيقرأها عليها!!
وقفت بتعب أمام المرآة بعدما بدلت ملابسها. تركته في الخارج مع شقيقته وأولادها من المؤكد أنه أخبرها بالمختصر بعدما حثها على ان تدخل لتبدل ثيابها. ارتدت قميصا لأسفل ركبتيها كي تستطع وضع الدهان على جرح ساقها الكبير الذي كان قد فعله لها شقيقها ولم تتعمد تفسير ذلك لـ "آدم".
في كل مرة تلمع عينيها بالدموع كلما تتذكر أن من أغتصبها هو نفسه قاتل والدها!
أفضل شيء قد حدث أنها تحاول إلهاء نفسها كي لا تنتكس من جديد. تحاول إبعاد كل شيء عن عقلها بعدما أدّت فرضها قبل قليل، داعية ربها بذلك، مقررة الذهاب غدًا والحجز لجلسة إضافية قبل أن يحدث لها شيء.
بماذا ستفيد الدموع؟ هكذا سألت، وداخلها لا يقتنع بهذا السؤال. رفعت ثيابها وهي تجلس على الفراش كي تضع دهانها الطبي، بعدما مسحت وجهها بتعب. وسرعان ما انتفضت عندما وجدته يفتح الباب ببطء ودخل مباشرة، ثم أغلقه خلفه. اعتدلت سريعا، محاولة إخفاء هذا الجرح وإخفاء ساقيها، ولكنه كان قد اقترب يجلس بجوارها متسائلاً. ولم يغفل عن حركتها.
"أحسن دلوقتي؟"
حركت "فريدة" رأسها بنعم تراضيه، بينما هو طالع وجهها بتعاطف. طالعها بالكامل كونها أول مرة تجلس هكذا أمام عينيه. دائماً ما تراعي وجوده وعدم قدرتها على قربه، لذا لم تضغطه بفعل شيء ينساق خلفه رغماً عنه بالفطرة.
أهبطت ثيابها أكثر، ولكنه أمسك يديها يأخذ منها الدهان، ملاحظاً الجرح التي أخفته. التقطه "آدم" منها بهدوء، واعتدل يستأذن أولاً.
"خليني أدهنلك أنا عشان إيدك بتترعش، ممكن؟"
ترددت وهابت لمسه لها وجلوسها هكذا. ليست سريعة الخجل، بل أكثر ما يميزها عنهن هي الجراءة، ولكن ما حدث ضيّع كل هذا. لم ينتظر موافقتها. وجدها فرصة كي ترى به الثقة والأمان أكثر. لذا رفع الثياب من على ساقيها ناظراً ناحية الجرح بحزن، أمام محاولتها لإخفاء الخوف. وانتبهت ما إن سألها بحزن ومزاح بآن واحد، متذكراً قولها له في الصباح: "ده بتاع خدوش كدة، فهو بيشيل الأثر".
"بقا كل ده وبتقوليلي خدش يا شاطرة؟ دا طلع اللي عينيهم حلوة بيعرفوا يكذبوا."
فخرجت ابتسامتها تجيبه بنبرة مبحوحة ووجه متورد قليلاً.
"آه ما أنا كان عندي حق!"
كادت أن تتحدث مجدداً، ولكن تلاشى كل هذا وحل محله رجفة يديها وهو يدلك ساقها برفق، شارداً. وخمّن أنه جرح شقيقها الذي فعله لها ما إن اندفعت تردد له ذلك منذ فترة كبيرة عندما سألها لماذا تكره شقيقها. وضعه بحرص حتى انتهى، ووضع ثيابها على ساقيها من جديد. حتى اعتدل يغلق ما بيديه. فاعتدلت هي الأخرى ما أن وجدتـه يلتقط الغطاء وحثها برفق.
"ارتاحي ومتفكريش في أي حاجة."
تسطحت بتعب بعدما أخفت ساقيها. فخلع سترته يضعها على المقعد. وعندما اعتدلت انحنى يقبل جبهتها من بين أفكارها وخوفها من كوابيسها.
"تصبحي على خير."
أغلق الضوء وفتح الآخر وتسطح قبالها على الفراش الأرضي ساحباً غطاءه هو الآخر. وسمعها تتحدث له بإختناق وهي تسأله:
"هو "حسن" هيتعب أوي؟ هيحصله حاجة؟ أنا خايفة أوي!"
تساءلت بأعين لامعة. فنفى هذا وهو يحرك رأسه ورد بإحتواء.
"متخافيش، هيتعب بس لما يخرج، هيخرج بني آدم جديد، نضيف، زي ما كنتي بتتمني تشوفيه."
برع في الرد والإجابة، فتنفست بعمق وابتلعت غصتها المريرة المتوقفة بحلقها. وفقدت القدرة على التحدث في شيء من ما حدث اليوم. بل رددت بشيء كان يجب عليها ترديده له كما ترى هي.
"شكراً عشان إنت جنبي."
"تصدقي بالله، نفسي أكون جنبك فعلاً عشان ضهري اتقطم بس كله يهون عشانك!"
سمعت مزاحه بتردد منها. وما هو غير متوقع ما فعلته الآن عندما تزحزحت قليلاً. تقتل الخوف كما قال لها طبيبها بالاقدام على فعل أي شيء دون تفكير من نوع آخر غير الإيجابي لها. وضعت مساحة كبيرة وقالت تناديه.
"تعالى."
لأول مرة تتسع عدستيه من قول قد قالته هي. ما رأته منه فترة جلوسها معه جعلها تقبل على قتل أي تردد. ولكنها قالت سريعاً قبل أن يرد.
"بس أنا واثقة فيك!"
أخرج "آدم" أنفاسه بهدوء وابتسم موضحاً برفض.
"لا أنا هنا أحسن. عارف إنك واثقة فيا بس خليني مكاني أنا مش متضايق."
صمتت قائلة أمام رفضه الذي جعلها تحثه مجدداً.
"أنا مش خايفة منك يا آدم، أنا عديت معاك المرحلة دي من فترة. اللي واقف بيني وبينك هو إني مش متأكدة إني قادرة بنسبة مية في المية إني أعيش معاك زي أي واحد وواحدة متجوزين. أنا عارفة إنك فاهمني حتى لو معرفتش أتكلم، بس عايزاك تعرف إن انت الوحيد اللي قدرت أثق فيه وأعطيه الأمان."
فأضافت قبل أن تعطيه فرصة للرد.
"أنا واثقة إنك مش هتعمل كدة غير لما تشوفني موافقة ومؤهلة لـ ده!"
كلماتها هذه عليه جعلته ينظر بتأثر. ولم يرض رفضها. هناك أمل، هناك شيء قادم في الطريق بعد هذه العتمة السوداء. نهض جاذباً غطاءه. فابتسمت تخفي الاهتزاز ولملمت غطاءها حتى وقف يحثها بابتسامة متسائلاً بعينيه. فأكدت برأسها حتى جلس على الفراش ملقياً عليه الغطاء. اعتدلت بحرج من هذا وضحكت ما إن سمعته يخفف عنها بمرحه.
"تصدقي الحياة أحسن من هنا؟"
واعتدل برأسه ينظر ناحيتها وهو يعتدل وأكمل.
"عشان جنبك يعني."
يسأل ويجيب على نفسه. فأخرجت أنفاسها ووجدته يمد ذراعه يزيل خصلاتها من على وجهها. فاهتزت حركتها ما إن رد الآن على كلماتها المتأثرة.
"متخافيش أنا قد الثقة دي وفاهم كل كلمة قولتيها!"
شعرت بالسكينة تجتاحها من جديد واعتدلت. فبرقت عدستيها ما إن وجدته يحتضن خصرها ببطء وتلقائية مردداً بنعاس.
"أنا آسف، بس لازم أستغل الوضع بأي حاجة كدة يا شاطرة!"
ضحكت بخفة. هل توقف عند هذا القول؟ لم تتحرك وتم محو الخوف تدريجياً ما إن وجدته قد ثبت عن هذا وهو مكانه لم يتحرك. فاعتدلت تحث نفسها على أنها قد قدرت على قول وفعل هذا. وما حثها أكثر أن ما تفعله بالتدريج يزيل الخوف كما ردد عليها. وجدته ينظر لها بعدستيه وهتف من جديد يسألها محاولاً محو خوفها منه.
"قوليلي حدوته صغيرة عشان أشيل إيدي لو خايفة لسه!"
هل يساوم؟ ابتسمت ببساطة. فضحك هو بعد مشاكسه وسحب ذراعه من عليها ووضعه خلف رأسه محترماً رغبتها. ولكن هذه المرة لم تشعر بالخوف منه، بل نظرت له تعترف بقولها.
"مبقتش أخاف تحضنيني زي الأول، ياريتني كنت روحت اتعالج من زمان، يمكن من قبل ما كل حاجة تحصل، ساعتها مكنش هيحصل حاجة."
تذكرت حادثها الأليم، فاحتوى هذا سريعاً بقوله وهو يمد أنامله يزيح خصلاتها السوداء.
"مفيش ياريتني بقا ياشاطرة، كل ده مقدر ومكتوب. احمدي ربنا دلوقتي وبصي حواليكي هتلاقيني هنا جنبك ومش هسيبك وهحضنك كمان طالما مش بتخافي مني!"
اقترب "آدم" بخفة يسحب رأسها ناحيته محتضناً كتفيها ناحيته. فابتسمت له براحة. وربت هو على كتفيها بحنان مردداً.
"إنت أقوى واحدة أنا شوفتها في حياتي يا فريدة وهتبقي كمان أقوى من."
كدة أنا متأكد!
اتسعت ابتسامتها وهو الآخر بارع في التشتيت حتى أنه خفف عنها. استندت على كتفه هي بإطمئنان ورددت قصتها القصيرة الذي كان يريدها:
"جمع الله فيك الصاحب والحبيب والحياة وكل حاجة حلوة يا آدم!"
قبل قمة رأسها برفق، وتركها حينها كي لا تهابه. عدل غطاءه كما عدله لها وهي تعتدل لتستلقي على ظهرها كما فعل. هتف بنبرة هادئة:
"تصبحي على جنة يا شاطرة!"
أغمضت عينيها بعد وقت بإنهاك، ووجوده بجوارها جعلها تذهب في سبات عميق. استطاع اخراج السلبيات من عقلها. فشرد هو لكثير، حتى حرك رأسه بعشوائية فوجدها غفت. لذا عدل خصلاتها بأنامله وأمسك الغطاء يدثرها به أكثر. اعتدل هو الآخر ليذهب في نومه مثلها، غير غافل على أن أيام ضغطها تزداد. الكوابيس لم تأت لها منذ يومين، ولكن اليوم يتأكد أنه سيأتي لزيارتها. ولكنه يضع جميع التحسبات، فقد أصبح بارعاً في احتواء كابوسها حتى يرحل عنها. ألا يعلم أن اليوم بجميع أحداثه يُعد كابوساً من نوع آخر؟
الساعة الثانية صباحاً ونصف، ومازالا معاً في الخارج. ذهبا لأماكن كثيرة وابتاعا الأكثر معاً. أخرجها من حالتها تلك، وبرع في هذا أمام حزنها الذي تبخر معه شئ فشئ. حديث عشوائي هنا وآخر مرح عبثي منه كالعادة، وغيره متأثر منها هي. لم تجرب معه الخروج لأماكن كثيرة هكذا منذ زواجهما. تمسكت بعلبة مشروب الليمون بالنعناع الذي كان به قطع من الثلج، وتركت علبة الطعام على جانب الاستراحة التي جلست عليها بجانبه بإنهاك. حتى تلمست معدتها بتعب وهي تخبره بقلق:
"أنا زودتها في الأكل النهاردة أوي. لازم لما نروح تفكرني أخد العلاج!"
حرك "غسان" رأسه موافقاً، مغلقاً الهاتف بعدما كان يراسل شقيقه. طالعها بإهتمام عندما رجعت في قرارها وعادت تأكل مجدداً. لاحظ شراهتها في الطعام قبل أيام بسبب حملها. لم تكن هكذا من قبل. كبت ضحكته ملتقطاً لها صورة للذكرى. فطالعته بضجر وبررت سريعاً:
"مـ .. هو أنا.. باكل ليا وليهم علفكرة يعني!"
خرجت ضحكاته على تخبطها وتبريرها. فحرك رأسه بمعنى لا شئ وقال مرحباً:
"وأنا متكلمتش. انت تاكلي اللي انت عايزاه. تحبي تاخدي دراعي؟"
لمعت عينيها في تأثر من موعد هرمونات حملها التي تتزايد الآن وتلح عليها بقوة. فسألته بتحشرج:
"دراعك؟ انت قصدك ان انا مفجوعة صح؟"
طالعها "غسان" بدهشة، واقترب سريعاً يقدم لها العلبة الأخرى مردداً بلهفة:
"والله لأ. كلي براحتك. أنا مش شايل منك حاجة!"
سحبت "نيروز" نفساً عميقاً، شاعرة بوجود شئ ما بداخله يخفيه عنها. ولكنها لم تتعمد التساؤل. بل مسحت فمها بالمنديل الورقي الأبيض. فأزال هو ما بجانب فمها بابتسامة عريضة مردداً بلطف:
"بالهنا والشفا على قلوبكم انتوا التلاتة!"
اتسعت ابتسامتها وهي تعتدل، ثم تنهدت بحرارة تنظر نحو السماء بشرود. جعله ينظر هو الآخر من بين هذا الصمت الذي ساد. وسألها حينها ولم يحرك عينيه من على هذه السجادة الزرقاء المحملة بالنجوم الكثيرة. ولكن الأكثر لمعاناً كانت هنا بجواره تطالع معه من يشبهها، فهكذا شبهها هو:
"انبسطي النهاردة؟"
اندفعت "نيروز" برأسها تستند على كتفيه وهي تطالع ما يطالعه. وردت في صراحة وهي تتمسك بذراعه تحتضنه بدفء:
"أيوة. بس ده عشان معاك. من غيرك كل حاجة مكانش ليها أي طعم. بس كل حاجة النهاردة طعمها اختلف وبقى أحلى عشان انت هنا!"
"أنا فأي مكان انت فيه. عشانك انت. من غيرك مش هبقى موجود."
لأجلها ومن دونها لم اختلط بهم بالأساس! زين وجهه بابتسامة صغيرة ومازال الشرود رفيقه. سمع صوت أنفاسها. وسألته وهي هكذا على موضعها ولم تغيب عن بالها تفاصيل ما حدث:
"انت كنت عارف ان عمي مات مقتول على ايد "شريف"؟"
لم يتفاجئ من كونها سألته هذا السؤال. كان ينتظر فتح هذا الحديث منها كي يريح عقلها. والآن جمعت هي كل شئ حتى تتحدث. وكان رده بصدق دون مراوغة:
"أيوة كنت عارف!"
كانت تعلم هذا. الوضع ليس سهل كي تسأله بهذا الهدوء أو حتى أن يمر اليوم بأحداثه. ولكنهم هكذا عائلة تستمر رغم الوجع! ابتلعت ريقها في هدوء، وفسر لها قبل أن تطلب:
"بس معرفتش أتكلم ولا قدرت أعرف حد زي ما "حازم" عمل بالظبط. كنت خايف على رد فعلك وكنت عارف اني لو عرفتك هتحفظي السر ومش هتقولي لـ "جميلة" اللي "حازم" خبى كل ده عشانها وعشان علاقتها هي و"عز". بس أنا كنت عارف ان كل ده مش هيفضل مستخبي كتير. كنت عارف ان مسير اليوم ده يجي بأي طريقة. بس اللي معملتش حسابه انه يجي على "عز" كده لدرجة أنه يسيب كل حاجة ويمشي. أنا حتى بحاول أرن عليه بس مفيش رد!"
التقطت حزنه على من أصبح صديقاً له. تفهمت الوضع بتعب وتمسكت بكفه وهي تستند عليه كما هي. وسردت بشفقة:
"إنسان مين اللي يستحمل كل ده في حياته!! الظاهر ان كل واحد فينا حياته مكنتش سهلة. من أكبر حد لأصغر حد. بس أنا زعلانة على "جميلة" أوي. "جميلة" روحها في "عز". عز مش بس جوزها. هو كمان حسسها أنه ابوها اللي مشافتش منه حنان ولا حب. أنا يمكن زعلي على أن جميلة تتوجع وعلاقتها بـ جوزها تتدمر أكتر من زعلي لما عرفت أن عمي مات مقتول. أوقات بحس أني وحشة أوي عشان مبعرفش أعدي ولا أنسى بسرعة. بس عمي معمليش حسنة واحدة في حياتي تخليني أتقهر عليه القهرة اللي تبين أنه عم وانه السند وان الدم واحد! أنا زعلانة آه. بس ميجيش في زعلي على حازم وجميلة وفريدة حاجة. فريدة اللي عانت ولسه بتعاني. عشان بسأل نفسي برضه هو كان ايه ذنبها يحصل فيها كل ده؟ ويوم ما تفوق ترجع تعرف أن اللي اغتصبها هو هو اللي قتل ابوها. مش متخيلة أن كل الحاجات قادرين يستحملوها!"
حاوط "غسان" كتفيها بموساة من اختناق نبرتها. واهتزت عدستيه وهو يحركهما في اتجاه وجعها وتقاسيمها التي رفعت بها وجهها لتطالع وجهه. حين قال بهدوء:
"كل واحد فينا عنده القدرة أنه يتحمل كل ده. والا مكانش ربنا حطنا وحطهم في كل ده. أنا واثق أن حازم قوي وهيقوى أكتر. وجميلة هيرجع لها عز. أصله برضه معذور. حس أنه قليل وعينه اتكسرت قدام الكل حتى مراته. أنا فاهم اللي اتحط فيه. اللي اتحط قدامه النهاردة قادر يكسر أي راجل حتى ولو كان ايه. أنا مش معترض أنه مشى. عشان حقه. خليه يلاقي نفسه شوية ويبعد عن كل ده. بس اكيد هيرجع عشان أنا مش هسيبه يمشي كده كتير. بس هو كمان قوى وهيقدر زي ما فريدة هي كمان ربنا عاطيها القوة وكمان آدم جنبها. ربنا حاطط فينا طاقة استحمال بنفكر أنها خلصت بس بتبقي لسه مليانة من كرمه ولطفه بينا. وحاطط كمان جنبنا شخص معين بنجري ليه في وسط كل التعب ده. بنروحله ومبنكونش عايزين حاجة وقتها غير حضنه بس!"
حركت رأسها في إطمئنان وسكينة من كلماته التي كانت دافئة على قلبها الضعيف قبال هذه العقبات. رفع رأسه مجدداً ينظر ناحية السماء وصرّح لها متذكراً عندما عاد إلى السكن من جديد ووجدها تقف في الشرفة بين الحين والآخر على مر الأيام ناظرة هكذا إلى السماء:
"لسه فاكر أول مرة شوفتك فيها سرحانة وبتبصي للسما. تعرفي أني مش من محبين البص على السما وجو العمق ده."
طالعته بهدوء وابتسمت تنفي معرفتها لتصريحه. فأكد ذلك بثبات وقال مصرّحاً مرة أخرى:
"لحد ما شوفتك وأنا بقيت بحب أبصلها كتير. ومبنساش لحظة ما قولتلك قبل كده لما كنتي واقفة في البلكونة أن اللي بيبص للسما كده يا إما بيحب يا إما فقد شخص غالي عليه!"
وأردف بصدق، وهو يستند برأسه على رأسها محتضناً كفها:
"كنتي انتِ فاقدة شخص غالي عليكي.. وأنا كنت بحب.."
وفسر والأعين تتلاقى الآن كأول لقاء، كأول إعتراف منه لها هي:
".. بحبك"
نظرت له بتأثر وتشبتت بكفه وهي تصارحه هي الأخرى:
"أنا كنت ببص ليها ومعايا السببين ومازلت!"
اتسعت ابتسامة "نيروز" بحب وهي تنظر ناحية السماء وقبل أن ترد بأنه ثبتها بكلماته عاد يسبق هذا كي يأتي القول منها في محله الصحيح فيما سأل هو بلطف:
_بس عارفة الست قالت إيه؟
همهمت وهي هكذا مستندة على كتفه، كتفه الذي يعد الأمان كله وهي بينه لم تشعر بالضياع بعد فترة كبيرة كان به رفيقها، ما إن استمع لتساؤلها وهي تهمهم عاد يجيب بنبرة عميقة رجولية هادئة بجوار أذنيها هامساً:
_الليل وسماه ونجومه وقمره.. وانت وأنا.. يا حبيبي أنا!
استطاع أن يختار ما كان لائقاً على محور حديثهما قبل قليل، اتسعت ابتسامتها في سعادة ورفعت عينيها تطالعه بسهام هادئة كانت كالدفء على فؤاده الذي خفق سراً، ما إن رددت بما تردد به كل مرة:
_ثبتني يا بن البدري!
وما بعد ذلك اعتدلت ففتح ذراعيه على مصرعيهما لتدخل في عناق عميق مريح وما يسعده هو أنه نجح في اخراجها من أي شيء كانت تكبته حتى لا تنهك وتتعب من جديد، تنفست بأريحية وذكرها بقول كان قد قاله من قبل:
_معاً وفي حضن بعض هي الغاية يا بنت الأكرمي!
فنبست بتمني وهي تنهض بعدما سحب كفها ناهضاً هو الآخر فوقفت "نيروز" تخبره بأمنيتها:
_بتمنى الأيام الجاية تعدي علينا براحة بال وهدوء لحد ما ولادنا ييجوا وسط حضننا ده، وتبقى الغاية فعلاً، بس غاية أتمنى أنها تكون دايمة بينا بسلام علينا وعليهم!
وضعت كفها على معدتها الصغيرة البارزة بقلة، وضحكت بخفة ما إن شعرت بالنبض في جانب معدتها، فأمسكت يديه سريعا لتضعها بلهفة على معدتها وقالت بحماس وأعين لامعة تسأله وكأنه سيشعر للتو بما تشعر هي به بداخلها:
_بص.. بص في هنا نبض لسه حالا.. سامع؟.. حاسس؟
ومن سيشعر سواها؟ ومن سيستمع سوى الأم؟ اندفاعها بمثل ذلك الحماس جعل أعينه تلمع بوميض امتزج به السعادة البالغة ولم يقدر على تأكيد أسألتها ولكنه وضع يديه بحب على معدتها، فوضعت يديها على فمها بسعادة من حدوث ذلك وهي معه! واعترفت له قائلة وهي تعانق عدستيه الداكنتين:
_أنا فرحانة أوي!
وجدت رده يخرج بتلقائية دون حتى التفكير ما إن قال بصدق قبال عدستيها التي لا تقارقه هو وتقاسيم وجهه المبتسم لها دائماً:
_ده اللي أنا عايزه ومش عايز غيره!
تأبطت "نيروز" ذراعه بفرح، واقترب معها "غسان" ناحية السيارة الذي وضع في حقيبتها من الخلف الحقائب والمشتريات، ساعدها في الجلوس في الأمام والتفت يجلس هو الآخر بين هذا الصمت بمرور كل هذا الوقت وهما إلى الآن لا يزالا في الخارج والمارة يقلون شيئاً فشئياً!! انطلقت السيارة وهي تنظر في شاشة هاتفها على الصور العشوائية التي التقطها معه، وضاع عقلها بين تفاصيل وذكريات هذا الوقت معه هو، وهما بمفردهما بعيداً عن مقر الوجع! فتلمست معدتها بلطف ما إن طالعت الصورة التي التقطها هو لها بمفردها وهي تحكم حجم معدتها بكفيها، وكأنها بفعلتها هذه تتمسك بصغارها بين يديها.
رواية عودة الوصال الفصل الخمسون 50 - بقلم سارة ناصر
&;لا شيء يوجعني بعد هذا الرحيل &;-محمود درويش-
وأي وجع بعد وجع فراقه الس&;ريع! &; تسأل كما يسأل مظلوم ما من هذه الحياة! &; هل كان عليها التحمل لكل هذا &; هل كان عليها الصبر حتى بعدما ظنت أن هدوء الأيام وسكينتها ستدوم ما ان ظهر هو بحياتها &; ما ان عاشرته معاشرة طيبة مترابطة يغمرهما الإنتماء&;
هل كان على والدها ف&;عل ما فعله حتى يتسبب في وجع كل منهم&; حي أم ميت &; يأذيهم وبشدة إلى الآن &; كيف الفرار من هذه العقبة&; كيف الفرار من كونه والدهم من الأساس &; على جانب آخر يتألم غيرهما &; أحدهم استنزفت طاقته وأخرى لا تصدق ان نفسه من قتل والدها هو من اغتصبها عنوة بكل قسوة! &; وهى..هى الأخرى تتوجع وت&;ظلم هى وزوجها &; لم&; لم تعدل معهما الحياة يوما&; &; لم&; ت&;ظلم هكذا &; لما تصبح م&;جبرة على تحمل وجع وفراق وكسرة ..ثم السؤال الأخير على الرغم من انها تفهم اجابته وسببه إلا ان كسرتها ووجعها جعلها تسأل وجرح فؤادها من تركه لها ينزف..لم&; رحل وتخلى&; وتركها&;!..
كل هذه أسئلة تسألها لنفسها توقفت عن ذرف الدموع بإستسلام&; وخواء! &; وما مر منذ آخر الأحداث عليها يومين كاملين علمت بهم ان "عز" هجر المنزل هناك هو الآخر وان والدته ت&;قهر أكثر من قهرها هى الأخرى وقهر "فرح "&; يحاول الكل مواساتها كي تندمج ولكنها تندمج وتراضيهم وقلبها من الداخل هش قد ك&;سر!!
_يــوه يا "نيروز" &; ما تيسبيني أنزل بقى&; &;أنا وافقت اطلع عشان بتقولي انك تعبانة وطلعتي بتعملي كده عشان تطلعيني أقعد معاكي وخلاص &; وأنا تعبانة عاوزة أنزل أوضتي أرتاح!
كانت هذه كلمات "جميلة" لـ"نيروز" التي نظرت لها بحزن&; من شكلها المرهق والسواد الذي أسفل عينيها &; تنهدت تخرج أنفاسها وشاكستها سريعا&; لتخفف عنها :
_يعني مش حابة تقعدي معايا يا "جميلة"&; &; علفكرة انت&; كدابة &; نوم ايه اللي عايزة تناميه انت&; مش شايفة شكلك عامل ازاي من كتر ما انت&; مبتعرفيش تنامي &; احنا هنضحك على بعض&; أنا ناديتك تفكي شوية ونقعد مع بعض &; و"غسان"جه من الشغل ودخل نام عشان هبطان شوية &; عشان لو محروجة يعني أو لو حاسة انك متكتفه!
رفضت "جميلة" ذلك بهدوء&; مبررة لها الأمر:
_مش عشان كدة &; بس أنا فعلا&; مش قادرة أتكلم يا "نيروز" &; معنديش طاقة &; أنا موجوعة أوي والله&; !
تحشرجت نبرتها في آخر حديثها &; فلمعت عينيها &; بينما الأخرى تلهفت تربت على كتفيها وهي تقدمها ناحيتها مواسية إياها بلهفة&; :
_أنا عارفة &; انا حاسة والله العظيم حاسة &; بس متعيطيش بقى &; متزعليش عشان خاطري &; والله "عز" بيحبك ومش هيهون عليه يغيب عنك وعنهم &; هو ليه مين غيركم يا "جميلة "&; انتوا كل حياته!
نزلت الدموع منها وهي بداخل أحضانها &; هى القادرة على ان ت&;خرج ما بداخلها لها دون تحسبات &; رفيقات للدرب &; درب كل منهما للأخرى &; تنفست "جميلة" بتقطع بين هذا العناق وهتفت بوجع&; لها :
_مكانش نفسي يتحط في الموقف ده &; مكانش نفسي يتكسر عينه قدامي يا "نيروز"&; أعمل ايه &; والله العظيم ما ليا ذنب &; ليه يحصل كل ده &; ليه ممكن أتأذى كدة! &; ليه مشى&; &; أنا بحبه وعمري ما كنت هفكر في حاجة &; أنا مش فارق معايا كل ده والله&;. &; أنا عايزاه! هو انا طالبة كتير&;
_والله لأ &; انت&; تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا دي &; بس صدقيني هو معذور واتكسر&; مقدرش يقف وسطنا ويقعد يستني وقت يوضح أو يبرر &; كسرته خليته يمشي ويلف ضهره لكل الناس حتى أغلى الناس ليه &; هو موجوع برضه يا "جميلة "زيك &; عارفه انك زعلانة عليه أكتر ما انت&; زعلانة منه بس اصبري &; اصبري والله وهيجي تاني!
شهقت بتمزق&; بين أحضانها&; وحاولت أخذ أنفاسها بتعب&; وهي تعتدل &; فمدت "نيروز" كفها تمسح وجه الأخرى بحنو&; ووكزت ذراعها تشاكسها :
_خلاص بقى&; يا نكدو &; بتخليني أعيط والعياط غلط على الحمل علفكرة&; مش كفاية اللي ك&;نت فيه&; فرفشي يا ستي بقى&;.. الوقتي تيجي "فريدة" ونقعد مع بعض كلنا ونفك &; متزعليش بقى&;!
قالت "نيروز" حديثها كي تخفف من ألم الأخرى&; حزنها فاق الكثير حتى ان وجع غيابه اختلط مع وجع خبر قتل والدها! &; صمتت تومأ لها وسألتها "نيروز", مرة أخرى :
_اتغديتي طيب&;
_اه "حازم" وماما و"ياسمين"فضلوا ورايا لحد ما أكلت معاهم!
صمتت تحرك رأسها بتفهم&; وهى تبتسم لها &; بينما الأخرى لا تفكر بشئ سواه حتى انها قتلت أي تردد وسألت "نيروز" بحسرة&; ولهفة:
_هو.."غسان" بيكلم "عز"&;&; عارف هو فين أو رد عليه &;
نظرت "نيروز" لها عند هذا السؤال بصمت&; وسكون فهى لا تعلم الجواب &; بينما لمعت عيني الأخرى بخوف&; وهى تصر&;ح :
_ردي عليا يا "نيروز"&; أنا خايفة عليه &; خايفة يحصله حاجة أو يعمل في نفسه حاجة &; سامحيني أنا فعلا&; مش قادرة أف&;ك &; أنا تعبانة أوي والله ومش قادرة أفكر في حاجة غيره !
تلمست "نيروز" كفها وهى ترى دموعها ثم رددت بلهفة&; قائلة لها:
_اهدي بس عشان خاطري..اهدي وأنا هخش أسأله والله&; &; أنا بس معرفش هو رد عليه ولا لأ&; لأنه مكانش بيرد وده اللي اعرفه ولو قولتلك بتزعلي.
بررت لها صمتها قبل قليل &; فمسحت "جميلة" وجهها بلهفة&; وهى تحثها سريعا&; :
_طب ادخلي &; ادخلي اعرفيلي والنبي &; أنا دماغي مبتقفش!
قاومت شعور الإعياء ووجع رأسها وحثتها بلهفة&; وهي مازالت جالسة &; فوافقت "نيروز",, بحزن&; على حالها هذا ونهضت بهدوء&; تدخل الغرفة &; التي فتحتها ببطئ&; ثم دخلت وأغلقتها خلفها..رفعت عينيها فوجدته يقف أمام المرآة ي&;دخل ذراعه العاري بكم القميص الذي ارتداه للتو أمام عدستيها &; التفت "غسان" برأسه ينظر بتفحص&; فابتسمت هى&; له بلطف&; وهي تقترب وقطعت حديثه قبل ان يخرج وهتفت هى&; بتساؤل:
_ رايح فين&;
سألته بفضول&; وهى ترى ملابسه التي تعنى بالخروج &; فأغلق أزرار القميص بخفة&; وأجاب بوضوح&;:
_ مشوار صغير كدة وراجع علطول!
نظرت له بتفحص&; وأمعنت النظر إلى أن ابتسم وهو يمشط خصلاته وإلتفت يقطع أفكارها بسؤاله:
_ هى "جميلة " لسه بره&;
كان قد سمع صوتها عندما نهض &; رفعت عدستيها تومأ له وسألته باهتمام&; آخر:
_مقولتليش لابس كدة ورايح فين &; مع انك خلصت شغل&;!
_رايح اتجوز عليــك&;
هتف بها بخبث&; وهو يبتسم بخفة مثل خفة كلماته &; فقلبت عينيها بسخرية&; وحركت رأسها م&;رددة بتهكم&;:
_ومين العروسة ان شاء الله &;
طالع "غسان"سخريتها بضحكته الهادئة ورفع كفه يشير لها بمرح&; وهو يغمز لها :
_قربي وأنا أقولك..
وقفت "نيروز", بمكانها آخذة موقف من رده &; طالع تمسكها بالمكان بثقة&; منها ولم تقترب &; فإقترب هو حتى انحنى مقبلا&; إحدى وجنتيها وأخبرها بمزاح&; :
_ قلبك اسود أوي يا بنت الأكرمي!
طالع عينيها المغتاظة بضحك&; وأنصت لإضافتها المعهودة بعد ذلك بـ:
_مش أسود من قلبك يا بن البدري!
_أنا والله ملاك برئ بجناحين مضايقين اختك "ياسمين"علفكرة!
ضحكت "نيروز" بقوة&; و بإنهزام&; فطالع معدتها البارزة بإبتسامة شادرة جعلها تبتسم هى الأخرى وهي تضع كفها على معدتها بتعب&; &; فإعتدل هو بهدوء&; عندما سألته :
_ "عز "رد عليك أو تعرف هو فين&; أصل "جميلة" خايفة وسألتني وقالتلي أسألك!
زفر "غسان" بصوت&; أمام عينيها التي تنتظر الرد ونفى بحركة رأسه مفسرا&; بقوله :
_مبيردش &; حاولت أشوفه فين وملقتهوش برضه &; بس أنا واثق إنه هيرجع!
صمتت "نيروز" بحزن&; على ما ي&;صيب رفيقة دربها &; لمعت عينيها من أجلها وأخفت كل هذا سريعا&; ما ان إعتدلت تلتقط معصمه كي تلبسه الساعة التي أخذتها وسألته من جديد بإندماج&; لما تفعله:
_مقولتليش برضه رايح فين&;
تابعها بسكون&; وهى تغلق الساعة على معصمه الأيسر&; ورفعت عينيها ناحيته فوجدته بجيبها بهدوء&; :
_رايح لـ "شادي"&; في حوار كدة معاه هنخلصه وارجع.
حاولت أن تجد الصدق في نبرته &; وعلى الرغم من انه ردد بالإجابة إلا أنها أجبرت نفسها على ان تشعر بالراحة بين كلماته هذه &; ولم تنبس سوى بجملتها الصادقة :
_خلي بالك من نفس&;ك.
وضع القبعة السوداء على رأسه بحذر&; &; ونظر بالمرآة&; نظرة رضا &; فوجدها تقدم له هاتفه و المفاتيح التي تخصه وهى تبتسم &; فأهبط عينيه ناحية معدتها البارزة بقلة&; وأخبرها بما جعلها تبتسم بحب للاهتمام المقابل منه:
_مش ناسي إن ميعاد متابعتك النهاردة &; أول ما هاجي هبعتلك رسالة تلبسي وهستناكي تحت تنزليلي عشان نروح.
ابتسمت له بحب&; &; قد اعتقدت انه نسى&; وغفى عن ذلك &; وكان حديثها له عندما رددت بإهتزاز&; :
_فكرتك نسيت واتلهيت.
_مش م&;مكن انسى حاجة تخ&;ص "نيروز" &; أنا مش ناقص نكد والله كفاية الأيام اللي فاتت وهرمونات&;ك &; هو مش لسه بدري على موضوع الهرمونات ده&;
ضحكت خلسة عندما تذكرت ما فعلته معه &; وضعت يديها تخفي بسمتها والتزمت الحزم أمام عينيه وهي تردد بضيق&; زائف :
_انت قصدك اني نكدية&;
نف&;ى&; هذا في ح&;ين أكملت هى ببساطة&;:
_وبعدين فيها ايه لما أصحيك الساعة ٣ بليل وأنا بعيط عشان مش عارفة أنام من ضهري &; &;ما هو. كله من عيالك!.
_فيها انك حسرتيني وقطعتي خلفي بس!
ضحكت هى عاليا&; وهي تشاكسه بخفة&; ممزوجة بالدلال الذي راق له :
_ف&;دايا يا غ&;س!
دعم هذا بحركة رأسه &; واتسعت ابتسامته ما ان إقتربت فإنحنى كي تطبع قبلة على إحدى وجنتيه &; حاوط خصرها بذراعه مقربها منه حتى ربت على ظهرها برفق&; داعيا&; لها بأن تنهض من حملها بخير&; سارا معا&; حتى خرجا من الغرفة أمام جلوس "جميلة" بخواء&; &; إقتربت منها "نيروز" وهو بجانبها إلى أن رفعت "جميلة" عينيها تنظر وباغتها هو بسؤاله الهادئ :
_اذيك يا "جميلة" &; عاملة ايه&;
طالعته بسكون&; حتى حركت رأسها بالإيجاب وخرج قولها بهدوء&; أتى من حسرتها التي لم تزول بداخلها :
_الحمدلله.
نهضت بعد ذلك وسألته بلهفة&; بين الأحرف التي أخرجتها بقهر&; :
_هو "عز"..كلمك&;&; رد عليك&;
تلاقت عينيه مع عيني "نيروز" لبرهة من الزمن ثم نفى بيأس&; فلمعت عينيها مجددا&; فأسرعت "نيروز" تمسك كفها قبل ان تنهار في البكاء ورددت بنبرة&; شديدة في اللهفة كي تطمئنها :
_ متخافيش والله ..هو كويس انا واثقه ان ربنا هيحميه &; وغسان كمان مش هيسكت هيحاول يشوف هو فين والله ..مش كدة&; مش صح يا "غسان"&;&;
تردد لها الأقوال وكأنها صغيرة فقدت ل&;عبتها &; أكد "غسان" برأسه متنهدا&; ثم نبس بنبرة هادئة :
_متقلقيش يا "جميلة" انا بحاول أوصله بأي طريقة &; مش عايزك تخافي طول ما انت&; هنا وسط عيلتك واخواتك&; أنا متأكد انه هيرجع ومش هيستغنى عنكم &; وان رجع هيجيلك هنا مكان ما سابك عشان ياخدك!
هزت رأسها تومأ وجلست مجددا&; بعدما راضته بإبتسامة &; طالعها بشفقة&; ثم استأذن بنظراته &; فتركتها "نيروز" مجددا&; وهي تتوجه خلفه ناحية باب شقتها &; فوقف هو يعرض عليها بنبرة&; هادئة منخفضة :
_خليكي معاها يا "نيروز"&; لو قادرة تخرجي خديها وانزلوا اقعدوا على الكورنيش شوية ت&;فك &; وخلي بالك من نفسك!
ابتسمت "نيروز" &; فمسح على خصلاتها بشرود&; في المكان الذي عقد العزم في أن يذهب إليه.. واقترب يقبل قمة رأسها بعدما ارتدى حذاءه&; وودعته إلى أن أغلقت الباب خلفه ..وفكرة ذهابه وملامحه الشاردة وحتى كلماته المختارة بعناية&; معها تقلقها &; وذكاءها يجعلها تنتبه في كل مرة &; وان تخطت فالتخطي يكون بإرادتها في كل مرة مثل هذه المرة !!
____________________
_&;أ&;و&;ل&;ي&;س&; ال&;&;ذ&;ي خ&;ل&;ق&; الس&;&;م&;او&;ات&; و&;الأ&;ر&;ض&; ب&;ق&;اد&;ر&; ع&;ل&;ى أ&;ن&; ي&;خ&;ل&;ق&; م&;ث&;ل&;ه&;م ب&;ل&;ى و&;ه&;و&; ال&;خ&;لا&;&;ق&; ال&;ع&;ل&;يم&;-إ&;ن&;&;م&;ا أ&;م&;ر&;ه&; إ&;ذ&;ا أ&;ر&;اد&; ش&;ي&;ئ&;ا أ&;ن&; ي&;ق&;ول&; ل&;ه&; ك&;ن&; ف&;ي&;ك&;ون&;-ف&;س&;ب&;ح&;ان&; ال&;&;ذ&;ي ب&;ي&;د&;ه&; م&;ل&;ك&;وت&; ك&;ل&;&; ش&;ي&;ء&; و&;إ&;ل&;ي&;ه&; ت&;ر&;ج&;ع&;ون&;&;
ك&;ـانت هذه آخر الآيات التي خرجت منه قبل أن ي&;ردد بهدوء&; بعد نهاية قراءة سورة "ي&;سن" وهو هكذا المصحف بين يديه &; مرتديا&; نظارة القراءة التي لاقت على ملامح كبيرة منكمشة تليق برجل في عمر الستينات مثله &; أخذ أنفاسه متنهدا&; وصد&;ق هذه الآيات المباركة بـ :
_ص&;دق الله العظيـ&;م.
أغلق "حامد" المصحف بهدوء&; ما ان وجدها تخرج من طرقة المرحاض والمطبخ متوجهة ناحية غرفتها سريعا&; &; قطع ذهابها السريع مناداته عليها بإسمها قائلا&; :
_"وســـام!"
أخذ أنفاسه بعدها ووضع المصحف بحذر&; جواره &; فعلى جهة&; أخرى وقفت توليه ظهرها بتوتر&; ومسحت وجهها سريـعا&; ولم تلتفت بعد بل ردد هو مجددا&; :
_خدي اقولك تعالي!
ابتلعت ريقها واستدارت تقترب منه وهى ترسم ابتسامه هادئة على وجهها فمسح "والدها" على المساحة الخالية بجواره هاتفا&; :
_اقعدي!
جلست بجواره &; ونظر ناحية وجهها بتمعن &; تلاقت عينيه معها بصمت&; يعلم هو نهايته وتساءل هو ما ان رأى عينيها اللامعة :
_مالك &;
اهتزت أنفاسها وهى تطالع وجهه بصمت&; فرفعت يديها تضعها على وجهها بتعب&; وتحشرجت نبرتها قبال مراقبته وهتفت :
_أنا تعبت أوي يا بابا &; حاسة ان خلاص طاقتي خلصت!
رفع "حامد" ذراعه يقربها منه كي يعانقها بإحتواء&; &; حالتها هذه يتفهمها جيدا&; &; رفضت البكاء بين ذراعيه ولكنها استندت تأخذ من عناقه القوة والعزيمة من جديد &; فتنهد هو يخرج أنفاسه الدافئة ومرر كفه المجعد على رأسها مرددا&; بثقة&; ب&;ها :
_ بس أنا متأكد بقى ان بنتي نف&;س&;ه&;ا طويل &; وقد الرحلة اللي مبقاش فيها حاجة خلاص وتنتهي &; انا واثق فيك&; وعارف ان طاقتك لسه فيها يكفي لكتير أوي قدام &; بنتي شاطرة وهتحقق حلمها يا "وسام" زي كل اللي زيها &; كلكم قدها.
لمعت عينيها وأخذت أنفاسها بأمل&; جديد من مجرد كلمات &; بينما هو لم يردد هذا عبثا&; &; ابتلعت ريقها واعتدلت تصرح من جديد أمام عينيه التي تراقب تفاصيل تعابير وجهها الباهت قليلا&; :
_أنا تعبت أوي يا بابا &; ومخنوقة عشان مبقتش أقدر افتكر اللي ذاكرته من كتر التوتر &; مش عارفة.. حاسة ان تعبي بيروح ..
نفى "حامد" برأسه ومسح على خصلاتها متفهما&; خوفها &; ابتلع ريقه متنهدا&; ورد بعقلانية&; :
_متقلقيش نفسك &; كل دي هواجس وأفكار ملهاش لازمة &; الخوف هو اللي بيعمل كل ده &; أنا عايزك هادية خالص &; وهقولك على طريقة حلوة أوي عشان متنسيش اللي ذاكرتيه ..بس الأول توعديني انك تفوقي كدة وتبطلي تخافي وتهدي.
حركت "وسام"رأسها بموافقة&; فإعتدل يتمسك بسبحته ورفع رأسه مبتسما&; لاستعداها في سماع كلماته &; فلبى لها هذا وقال أولا&; :
_عايزك تتعودي كدة تشغلي سورة ياسين قبل ما تبدأي مذاكرة وبعد ما تنتهي &; السورة دي بتقوي الذاكرة وتمنع النسيان وهقولك كذا دعاء تقوليهم كل ما تيجي تذاكري وتحسي انك مش مجمعة اللي ذاكرتيه &; تقوليهم قبل المذاكرة وبعد المذاكرة &; ماشي&;.
ابتسمت بهدوء&; وحماس هو من اعطاه لها في نبرته المشرقة وحديثه العقلاني &; هدأت ملامحها وهزت رأسها تؤكد قائلة بجدية&; من الموقف الذي تطلب منها اللباقة الآن معه :
_اتفضل.
أمسك كفها يربت عليه بحب&; ومسح على عينيها برفق&; لتهدأ رجفتها من عزم توترها وهدأت قبال دعاءه الهادئ وهو يدعوه لها هى&; الآن أولا&; :
_يارب اختر لها ما تختار لعبادك الصالحين&; وارزقها البصيرة في دينك&; وافتح لها فتحا مبينا&; وارزقها التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة.
لمعت عينيها في تأثر&; في حين أخذ هو أنفاسه ببطئ&; وقال يحثها كي تنتبه لما سيردده :
_اسمعيني كويس في الأدعية دي عشان تتعودي تقوليها زي ما قولتلك &; ومتقلقيش طول ما ربنا موجود &; وافتكري دايما&; الجملة اللي كنت بقولها لـ "بسام" &; فاكراها ولا أقولهالك تاني &;
ضحكت "وسام" بخفة&; وأكدت تذكره بجملته العميقة :
_" اللي عنده أب مبيخافش ما بالك بقا باللي عنده رب"
ابتسم بإتساع&; وهو يؤكد ثم أشار لها كي تنصت له جيدا&; وبدأ مرددا&; :
_قولي ورايا.
استعدت لتردد خلفه فإستعد هو الآخر ليلقى عليها الأدعية بهدوء ورزانة تليق به دائما&; :
_يا حي يا قيوم&; امنن علي&; بالتوفيق والسداد&; وافتح لي أبواب حكمتك&; وانشر علي&; من خزائن رحمتك&; وافتح علي&; بمعرفة العلم وتدبره&; واكتبني من الناجحين الموفقين
_اللهم&; إن&;ي اسألك فهم النبي&;ين&; وحفظ المرسلين والملائكة المقربين&; اللهم&; اجعل ألسنتنا عامرة بذكرك&; وقلوبنا بخشيتك&; وأسرارنا بطاعتك&; إنك على كل شيء قدير.
_اللهم يا معل&;م موسى عل&;مني&; ويا مفهم سليمان فه&;مني&; ويا مؤتي لقمان الحكمة وفصل الخطاب آتني الحكمة وفصل الخطاب&; اللهم اجعل ألستنا عامرة بذكرك&; وقلوبنا بخشيتك&; وأسرارنا بطاعتك&; إنك على كل شيء قدير&; حسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم صل&; صلاة كاملة وسل&;م سلام&;ا تام&;&;ا على سي&;دنا محم&;د&; الفاتح لما أغلق&; والخاتم لما سبق&; ناصر الحق بالحق&; والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.
_اللهم&; إن&;ي استودعتك ما قرأت وما حفظت وما تعل&;مت&; فرد&;ه عند حاجتي اليه&; إنك على كل شيء قدير&; حسبنا الله ونعم الوكيل.
_اللهم&; إن&;ي توكلت عليك&; وسلمت أمري إليك&; لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك.
_رب&; اشرح لي صدري&; ويس&;ر لي أمري واحلل عقدة من لساني&; يفقهوا قولي&; بسم الله الفتاح&; اللهم&; لا سهل إلا ما جعلته سهلا&;&; وأنت تجعل الحزن متى شئت سهلا&;&; يا أرحم الراحمين.
أخذت تردد خلفه كلمة تلو الأخرى بيقين&; وهدوء &; غمرتها السكينة بمواساته هكذا بمثل هذه الطريقة , وعقب ما انتهت اقتربت ترفع ذراعها لتعانقه بإطمئنان وهتفت بتحشرج&; مع تمرير كفه على ظهرها يربت برفق&; عليها :
_أنا بحبك أوي يا بابا &; شكرا&; ليك إلى ما لا نهاية مع اني ادبي.
ضحك بقوة&; على مزاحها هذا واطمئن ما ان فعلت هى ذلك &; تلاقت عينيه مع ملامحها وقبل جبهتها بسكون&; فنهضت بعد ذلك فوجدته يغازلها بمرح&; :
_ مقولتليش يعني جايبة البيجامة الحلوة عليكي دي منين&;
سألها ممرا&; عينيه ناحية بيجامتها المنزلية &; فنظرت له بسعادة&; وهي تدور حول نفسها وسألته :
_ بجد &; &; حلوة عليا يا بابا&;&;
أكد ذلك برأسه وقال منتبها&; :
_طبعا&; زي القمر عليكي &; أول مرة أشوفها عليكي دي!
تضامنت هى معه بذلك واتسعت ابتسامتها تتذكر ما ان أعطتها لها "نيروز" مع "غسان" :
_أيوة &; غسان ونيروز كانوا خارجين يشتروا لبس من كام يوم &; وجابوهالي معاهم .
نظر بسعادة&; لهذا الإهتمام وشرد لولده هو الآخر &; شرود عميق جعله ينتبه ان ابنته ذهبت لغرفتها وبقى هو يفكر بشرود ولده وحزنه الذي يحاول اخفاءه بضغط&; &; قارب على فهم السبب وليس لديه شئ يفعله بيديه! &; زفر أنفاسه بهدوء&; ووجد "دلال" تخرج من المطبخ بتعب&; وهى تصيح له عاليا&; :
_رن كدة يا "حامد" على "بسام" &; أصل قالي انه هيرجع ويجيب "فرح" وامها من امبارح عشان هيبات النهاردة في المستشفى ومش هيعرف يسيبهم هناك &; وأنا عملت حسابي على الغدا والعشا ورتبت أوضة "غسان" عشان "حنان"..يكش توافق تبات هى وبنتها ومتتكسفش!..
أخرج "حامد" هاتفه بصمت&; وهو يحرك رأسه يجاري حديثها فإقتربت هى منه تزامنا&; مع فتح الخط من جهة "بسام" فإنتشلت منه الهاتف بلهفة&; وظهر الإشتياق في نبرتها حينما نطقت مسرعة:
_الو &; ايوة يا "بسام" &; ايوة يا حبيبي &; عامل ايه &; وهتيجي امته&;&;
ضحك "حامد" وهو يضرب كفيه معا&; بيأس&; منها &; فأجاب الآخر بنبرة&; هادئة:
_ أنا الحمد لله كويس يا ماما&; شوية وجايين في الطريق ان شاء الله &; جهزي الغدا بقى على ما نيجي..
_ماشي يا حبيب أمك &; توصل بالسلامة .. مع السلامة .
تركت الهاتف بعدها فيما طالعها "حامد" بحب&; من لهفتها هذه التي لم تتغير مع الزمن &; تنهد بصوت&; مسموع فناولته الهاتف ببسمة&; واسعة وسألته بثقة&; تحولت بعدما أجاب على سؤالها له :
_أخدت علاجك يا "حامد"&;&;
نفى بصدق&; وهو ينظر لها والهاتف بين يديه&; والذي تحرك من بين يديه ما ان شهقت هى وهي تضرب صدرها مرددة بذهول&; :
_يا مصيبتي!! &; انت عايز تقع مننا في الأرض يا راجل &; &; مش "غسان" قالك انه عاملك المنبه عشان مننساش&;&; فينه دلوقتي يجي يشوف عمايلك..بقا كدة&; انت مش شايف نفسك هفتان ازاي &;&;
حاول التبرير بهدوء&; بينما قاطعته هى وهي تندب :
_أنا مش ح&;مل حسرة وانت بقالك كام يوم مطنش العلاج &; حرام عليك نفسك والله&; &; قوم معايا أجبهولك تاخده يلا..
مدت كفها ناحيته ليستند &; فراضاها واستند وخرجت حينها ضحكته عليها فسألته بضجر&; وهي تأخذ بيديه مستندين معا&; ناحية غرفتهما :
_بتضحك على ايه يا راجل انت&; هو أنا قولت حاجة تضحك&; &; خليك كده دايما&; خد كلامي بهزار عشان تقلبها عليا ومعرفش ازعل منك ومن اللي بتعمله!
طالع ملامحها الحانقة منه &; فزادت ضحكاته التي لاقت برجل مثله يتقطع في الض&;ح&;ك ورد عليها بسعادة&; غريبة لم تلق بكلماتها أبدا&; :
_أصل كل ما بشوفك متضايقة عشان خايفة عليا ببقى فرحان أوي..
وكزت "دلال" كتفيه وهى تحاول منع ضحكتها حتى ترسم الحزم ونطقت :
_بقا دي حاجة تفرحك برضك&;&;
_آه &; حاجة تسعد &; حاجة بتسعد قلبي &; عشان كل ما بشوفك متضايقة وانت&; خايفة عليا ببقى فرحان &; وببقى سعيد أوي ومطمن عشان زعلك ده وانت&; خايفة عليا مش وانت&; خايفة مني أو مش خايفة من أصله ..
ابتسمت "دلال" في تأثر&; فجلس على المقعد وعينيه الساكنه لا تفارقها حتى أنه أكمل قوله بـصدق&; :
_انت&; الحاجة الوحيدة اللي كل ما بشوفها في كل حالاتها بقول اني عرفت اختار &; ومش أي اختيار &; عشان اختياري ليكي في الدنيا خلاني أدعي في كل صلاة انه يكون نفس الاختيار في الآخرة .
أعطته الدواء ولمعت عينيها من تأثير كلماته &; فتنهد يمازحها قائلا&; بمشاكسة&; معهودة منه دائما&; :
_بقا لسه كلامي بيكسفك يا أم غسان &; ده احنا خلاص كبرنا وعجزنا وهنبقى أجداد قريب .
انفلت ضحكتها بعلو&; وأعطته زجاجة المياة وهي ترد عليه بضجر&; زائف :
_انت اللي عجزت لوحدك يا خويا &; أنا لسه حلوة وبصحتي!
أكد هذا برأسه &; وما جعلهما ينصدما هو صوت الهاتف الذي اسنده "حامد" على الفراش وقول "بسام" الضاحك خرج بينهما بعلو&; لم تغلقه الأخيرة بعدما انتهت! :
_ "يخربيت اللحظات اللي بتتخرب دايما&; مننا &; جرا ايه يا عصافير الحب &; مش تقفلوا الخط وراكم كدة لكلمة تخرج كدة ولا كدة وأنا جنبي البت "فرح" مراتي ممكن حياءها يتخدش &; وانا خايف عليها&; لكن انا متعود يعني!!"
اتسعت عيني والديه معا&; &; في حين أدرك "حامد" هذا وهو يسمع صوت ضحكته &; فانتشل الهاتف يردد بضيق&; زائف مع قهقهة "دلال" على حديثه:
_عايز ايه يالا&; بتتحشر وسطنا ليه &; هو انا سمحتلك&;.
_____________________
_أومال عايز تسمح لمين يتدخل بينكم يا حج &; مش هتبطل شقاوة بقى&;&;
سأله "بسام" بمرح&; قصده في الحال منتهزا&; سماع "فرح" المكالمة &; ابتسمت بلطف&; تراضي ما يفعله بتقدير&; &; فهي الأخرى حزينة وضعيفة بدون سندها الغائب والمفقود بالنسبة لهم حتى الآن &; غيابة بمثابة شئ يصعب فهمه ولكنه يتفهم ما تمر به جيدا&; &; ولكن ليس بيديها شئ هى الأخرى مثل والدتها &; اعتادت على ان ي&;فعل لها كل شئ دون ان تحاول هى &; كانت م&;دللة شقيقها &; ومازالت ..
مشاهد متتالية &; أشياء وكلمات وحوار وأقوال ورحيل وفقدان ووداع مفاجئ &; كل شئ يأتي على ذاكرتها بقوة &; لا يغيب عن بالها شئ الا بمحاولات "بسام" بمرحة المعتاد ووقوفه جوراها هى ووالدتها &; فهو لم يتركها منذ ما حدث &; كان يرحل إلى المستشفى لعمله ثم يعود بينما اليوم يتطلب عمله الاقامة هناك! &; فكيف سيتركهما بمفردهما&; &; هى أمانة لديه منذ ان وضع يديه بيد شقيقها &; وأمانة أخرى هى ووالدتها لديه بقول متشدد من "عز". &; لذا حاول اقناعهم بشتى الطرق وبعد رفض شديد من "حنان" استطاع اقناعها أخيرا&; اليوم في الصباح تارك أمر إقامتها في شقة والده شئ مفتوح حتى لا يتجادلا وترفض! .
ما أخرجها من هذا الشرود هو صوت إجابة "والده" في الهاتف ردا&; على سؤاله المازح معه :
_ عايز اسمح لـ "فرح" &; بنتي يا حبيبي &; وسع كدة وهاتهالي أطمن عليها.
شىء ما جعلها تندفع بهدوء&; لتلتقط الهاتف بمشاعر غريبة أول مرة تجتاحها تجاه رجل من سن والده &; لمعت عينيها وهي تستمع إليه وإلى حديثه في الهاتف المتلهف في محاولته للإطمئنان عليها وهى الآن تجيب عليه بابتسامة تعتقد بأنها مكشوفة أمامه وهو يراها الآن &; ربما وجدت به الأب التي فقدته! &; طالعها "بسام" بشفقة&; وتأثر ومسح على كتف ملابسها برفق&; يزيل ما عليه من غبار او ما شابه بفعل الهواء وهو يستند معها الآن &; وجد "حنان" فأسرع ناحية بواية المنزل يأخذ بيدها بعدما أغلق الباب &; في حين أغلقت "فرح" الخط ونظرت فوجدت والدتها تستند عليه &; حتى جاءت وادخلها برفق&; لتجلس في السيارة التي كانت معه هو وليس "غسان" هذه المرة! ..
انتظرت هكذا وحملت قبعته &; واقتربت لتلبسه اياها برفق&; بعدما أغلق الباب خلف والدتها &; فابتسم محتضنا&; كفها كما عينيه التي تحتضن ملامحها التي بهتت قليلا&; من الحزن على فراق من به روحها!!
_ ش&;كرا&; .
هى من رددت ذلك وليس هو &; وتركت الامتنان مفتوح لأشياء&; عدة &; هل يتوجب عليها ذلك&; &; قوس "بسام" ما بين حاجبيه وسأل بخفة&; كي تراضيه بضحكتها على الأقل :
_ايه ده &; هما المتجوزين بيقولوا لبعض شكرا&; &;
هو الآخر استخدم نفس الطريقة وترك قوله مفتوحا&; هكذا &; فتوردت وجنتيها تسأله بعينيها بجهل&; للإجابة &; فترك المراوغة الآن بسبب المارة ونبس بنبرة&; هادئة يخبرها بها بعيدا&; عن مزاحه الذي كان ينويه ولم ينفذه بعد! :
_مفيش بينا شكرانية يا دكتورة "فرح" &; أنا فاهم تقصدي ايه &; ولو فاكرة انك المفروض تشكريني فإنت&; عندك حق فعلا&; &; اشكريني بس ببوسة بريئة يسلام أو بحضن حلال من اللي نفسي فيهم &; فاكرة أول حضن&;
ضحكت بخفة&; رغم خجلها وهربت بعينيها تراقب جلوس والدتها في السيارة &; وحثته بعدها كي يكف عن احراجها &; وما قرر توقفه &; نفذه بآخر قوله كي يرى ضحكتها :
_ يلا عشان ماما .
_طب ولو ماما مش موجودة &;. كان هيبقي يلا &; ولا كنت هستنى الحضن والبوسة بشغف كدة &;
تمسكت بهاتفها وفتحت الباب في الخلف وهي تبتسم ابتسامة هادئة صادقة ليست متصنعة &; وازداد الخجل &; فهناك مشاعر تنمو &; ورجفة يديها بسبب هذا الاضطراب تخبرها بأنها تقع به شئ فشئ لا محال! &; هل هذا حقا&; &; ابتلعت ريقها ورفعت عينيها الأقرب للون الأسود في ضوء هذا النهار وحثته بلين&; :
_يلا يا دكتور "بسام" &; بتقولك ماما !
هل سخرت بين الأحرف التي نطقتها للتو &; &; د&;هش من طريقتها في الارادة حتى تخفي ما فعله بسيطرة غير مباشرة منها هى &;. ضحك خلسة&; &; وسرعان ما رسم ابتسامة وهو يركب ثم نظر ناحية "والدتها" التي راضته بابتسامة&; ورددت قائلة وهى تشير بكفها بتعب&; نفسي من فقدان فلذة كبدها :
_على مهلك يا بني &; ربنا يحفظك وينورلك طريقك &; سوق براحتك موراناش حاجة.
كانت تتمسك بسبحة هى الأخرى &; وحثها هذا كان من خوفها عليه وعلى الطريق &; فأومأ في لباقة&; وخرج قوله الشارد بقصد&; كي يلهي عقلها ويخرجه من حزنه &; فيما كانت هى تنظر وتلاقت الأعين بالمرآه ما ان ردد هو بخبث&; بين طيات الكلمات:
_براحتي طبعا&; &; دا أنا براحتي على الآخر أهو.
نظر بتمعن وهو يستعد للقيادة &; فأخفضت "فرح" نظراتها بابتسامة شاردة من أفعاله وسرعان ما بهتت واختفت ما ان خرجت تنهيدة "حنان" بدعاءها العفوي دون مقدمات :
_يا ترى انت فين يا "عز" &; يا وجع قلبي عليك &; يارب سمعني عنه خير وبس يارب &; اطمن بس انه كويس &; احميه يارب من شر نفسه ومن الدنيا!!
لمعت عيني "فرح" وللمرة التي لا تعرف عددها تتمسك بالهاتف وتطلب رقمه الذي لا يعطيها الرد في كل مرة! &; أخرجت أنفاسها بتقطع&; وأغمضت عنينيها تخرج من عقلها الضغط كي لا تعود لحالة كانت قد تعافت منها &; ابتلعت ريقها بهدوء&; فوجدت والدتها تمسح وجهها بالمنشفة الورقية الذي اعطاها لها "بسام" بحنو&; فيما حثها برفقه المعهود بينهما وهو معهما :
_اتفضلي &; امسحي دموعك وخلي أملك في ربنا كبير &; "عز" راجل عاقل وعارف ربنا وعمره ما يأذي نفسه &; ولو على الدنيا فكان فاته استسلم لها من بدري &; متفكريش فيها كدة يا "أم عز" انت&; و"فرح" &; اعتبروه واخد أجازة يريح فيها نفسه وهيرجع &; اطمنوا والله &; متخافوش طول ما لينا رب قادر على كل شئ .
هو الآخر استخدم جملة والده المعهودة بطريقة ليست مباشرة &; كلمات مواسية تحتويهما ولكنهما بالفعل يشعران بالدفء والأمان في كل محاولة تخرج منه كي يخفف عنهما &; وجداه يحاول الوصول إليه بطرق كثيرة ولكن كل هذا لم يأت سوى بالفشل !!
هدأت "حنان" من البكاء ومسحت أنفها ترد شهامته معهما على كل ما يفعله وهتفت بنبرة&; مختنقة&; بها أثر بكاء :
_كتر خيرك يا بني &; تاعبينك معانا و منغصين عليك العيشة &; حقك عليا مكنش لازم كل ده يحصل في وقت زي ده عليك انت و"فرح" &; بس الحمد لله رضا &; انت ابن حلال ومحترم &; ربنا يصلح لك الحال انت وبنتي ونعرف نفرح من تاني بيكم وبرجوع "عز"
ابتسم ناظرا&; ناحية الطريق &; ورد بثقة&; :
_ان شاء الله الفرحة هتدخل بيتنا من تاني و"عز" هيرجع &; و"بسام "يتجوز وهتبقى زي الفل والله.
ضحكت رغما&; عنها فضحكت "فرح" بخفة&; &; فتمادى هو بمشاكسته قائلا&; بمرح&; :
_ ايوة كدة اضحكي خلي الدنيا تضحك &; كان لازم يعني يا حماتي تضحكي عشان نشوف ضحكة "فرح"&;
ابتسمت على محاولته في التخفيف وحركت رأسها بثبات &; تجاري قوله المازح بمزاح&; خرج بعفوية&; رغم الحزن :
_. ايوة اومال ايه &; هو انا مش امها واقرب حد ليها برضه&;&; طب دي حتى شبهي .
خرجت ضحكة "فرح" وردت بمزاح&; تنتهز الفرصة كي تخفف عن "والدتها" بحالتها هذه :
_ أحلى حاجة في الوجود ان انا شبهك يا ماما &; ربنا يخليكي لينا ويبارك في عمرك .
تعلقت عينيه بها وهى تردد هذه الأمنية &;. استطاع أن يكشف الخوف في نبرتها فوضع بصمته مرددا&; :
_ والله شبهك أو لا يحماتي &; فخلاص بقى أنا لبست!
تعالت الضحكات أكثر عليه &; فنظرت له "فرح" بتشكك&; فتلاقت عينيه مع عدستيها وهو يكمل بكل صدق&; راق لها وأثر بالأخرى :
_وأحلى تلبيسة ممكن أشوفها &; ربنا يعدي الجاي على خير ويتمها بفرحة!
زحفت الحمرة لوجنتيها من غزله الصريح في بداية حديثه وما قصده بآخر كلمة رددها &; ابتسمت وهى تنظر إليه بمشاعر مختلطة كثيرة متداخلة مع بعضها &; ولكن الأهم بالنسبة&; لها أنها أصبحت تطمئن جواره &; هنا وجدت الأمان والإطمئنان &; هنا وجدت عدم الخوف &; هنا وجدت الأمل من جديد بواسطته هو وبواسطة كلماته واحتوائه! &; التزمت الصمت رغم حديث النظرات العابر بينهما &; ولكنها تمسكت بالهاتف سريعا&; ترى من مرسل الرسالة &; في حين كان قد أغلق هاتفه عقب ما أرسل ما قرره &; ففتحتها باستغراب&; وقرأت :
_" بالله عليكي تقوليلي روتين رموشك ايه &;"
أرادت اللعب على الأقوال التي ر&;ددت من قبل فابتسمت وهي تكتب ولم يغيب عن عقلها الشبه بينها وبين والدتها الذي يلحظه فاستغلت هذا وكتبت بمراوغة&; :
_"إسأل ماما "
يحاول أن يوزن بين الطريق والهاتف &; الذي ينظر به الآن &; كان يعتقد انها ستخجل بأي رد &; بينما الآن&; ما أن رأى ذلك خرج صوته بتلقائية&; واندفاع سريعا&; :
_ماما&;&;&;
كتمت "فرح" ضحكتها التي لم تستطع فيما بعد منعها ما ان وجدت "والدتها" تسأله بغرابة&; طيبة لاقت بسيدة مثلها :
_مالها مامتك يا بني &; خير يارب &;
خرجت ضحكتها واستطاع تشتيتها &; فتنحنح "بسام" بحنجرته بحرج ورد سريعا&; بقليل من الارتباك لعدم مقدرته على حبك اي خدعة أو كذب :
_لا مفيش &; بتقولي بس استعجل عشان عاملة حسابكم في الغدا وبتحضره عشان&;&;ا .
تركها ترد برد معتاد&; وفتح هاتفه يرسل لها كتابة&; بغيظ&; :
_ماشي يا دكتورة "فرح"!
لم يغلق الهاتف إلا عندما شابه ردها رده حينما انهت هى الأخرى بـ :
_أ&;وك يا دكتور "بسام".
__________________
هنا حيث جلسة في موعدها بعد جلستها الإضافية التي كانت أول أمس &; لا تستطع التفوه بشئ سوى أنه لولا وجوده بجوارها لما كانت هكذا!! &; تأخذ أنفاسها براحة&; وإطمئنان لأن الأمان هنا &; حتى بعدما أصبح بجوارها وهى بين أحضانة مطمئنة! &; لم تهب ولم تخف ولم تفكر بأي شئ &; قد توصل لمكانة لم يتوصلها أحد معها من قبل!
كالعادة ينتظرها جالس&;ا بمكانة على المقعد وعقله منقسم لأشياء&; كثيرة منها سبب وجود الهاتف بين يديه الآن وهو يحاول مرارا&; وتكرارا&; طلب رقم صديق عمله ثم الذي أصبح صديق الأيام والشقاء!! , "عز"!
هو من يباشر العمل بدلا&; عنه في ورشة العمل! اعتبارا&; بأنه م&;قرب له &; واستطاع اليوم اخذ قسط من الراحة بعد اليومين الذي بذل بهم مجهود وحده كونه وجد نفسه رئيسا&; بمتطلبات كثيرة أكبر من قدرته &; فمهما عمل هو في الأصل خبرته أقل من خبرة "عز" الذي اعتاد على ذلك منذ الص&;غ&;ر! &; رحل وترك كل شئ خلفه دون تحسبات &; هكذا يصل المرء بعد مدة من التحمل &; بعد مدة من استنفاذ الطاقة الذي كان يستمر بها معدومة! ومع ذلك مجبر على الإستمرار والإستحمال!
نصف عقل معها والنصف الآخر يصنف لأشياء كثيرة منها صديقه هذا ومنها صديقه الآخر الذي و&;ض&;ع بالمصحة! &; هل يتحمل التعب &; &; هكذا سأل نفسه وهو يضغط على الهاتف بضغط&; نفسي من أمور الحياة التي لم تنتهي بعد معه &; مسؤليات كثيرة.. هو ..هى &; شقيقته وحالتها&; صغارها ..العمل..الأصدقاء ..كل شئ هنا يتطلب منه جهد كبير &; لمجرد التفكير!!
نظر "آدم" بعشوائية&; في المكان وثبت نظره عند باب مخصص لخروج الحالة لمن ينتظرها &; لم يتبق للانتظار شئ &; فهو هنا ينتظر منذ فترة ليست قليلة &; أخرج أنفاسه براحة&; ما ان وجدها تخرج غالقة الباب خلفها ببطئ&; &; ابتسم لرؤيتها ونهض تزامنا&; مع اقترابها ناحيته &; حينها ابتسمت تراضي انتظاره فهتف قبل أن تردد هى بشئ&; :
_حمد لله على السلامة يا شاطرة &; يارب تكوني خارجة مرتاحة.
ابتسمت "فريدة" بلين&; وما قررت فعله من جلسات اضافيه &;فرقت كثيرا&; في حالتها وكلمات الطبيب تتردد في أذنها &; زفرت بصوت وتنهدت قائلة تطمئنه:
_الحمد لله
رفع ذراعه يحفزها بعناق&; ما بعد خروجها فتنفست بعمق&; وتنهدت تخفى الث&;قل وهتفت تسأله :
_هتروح الش&;غل &;
اعتدل "آدم" ينفي برأسه &; فشعرت كما شعرت قبل فترة&; بأنه مضغوط فنبست بهدوء&; :
_طب تعالى نمشي يلا &; شكلك تعبان &; لو مش حابب نروح نزور ماما النهاردة مش مشكلة المهم ترتاح.
ابتسم "آدم" قبال تقديرها هذا &; فسار الإثنان معا&; مع هذا الحديث والذي رد عليه بمشاكسة&; هادئة :
_ المهم راحتك انت&; يا شاطرة.
لم تتعمد العناد مقابل اللقب التي تغناظ هى منه &; بل صمتت وهى تخرج من بوابة السكن الحديث &; وابتسمت بسكون&; وتفاجأت به يردد لها بتذكر&; :
_وأنا مش ناسي طلبك اللي طلبتيه مني امبارح &; عشان كدة أنا معاكي دلوقتي زي ما هبقى معاكي وانت&; بتروحيله &; انا بس سكت عشان واحنا خارجين بالمرة ومكنتش شايف انك كويسة امبارح زي النهاردة كدة عشان نروح
قصد شئ كانت قد طلبته منه بتردد&; ورحب بهذا بتقدير&; &; ابتلعت"فريدة" ريقها ورفضت بتردد&; أمامه :
_ مش لازم خلاص &; انا مش شايفة انك قادر تستحمل معايا كل ده حتى مرواحي هناك انا مضمنش نفسي &; وانا بخاف عليك لما بتشوفني زعلانة.
ضحك بخفة&; وجعلها تتأبط ذراعة وهو يهتف بمشاكسة&; ضاحكة :
_ حلوة بخاف عليك دي &; ابقي قوليها علطول بدل ما أنا حاسس اني متجوز حد مبينطقش!
ضحكت "فريدة" واغتاظت ملامحها وهى ترفع حاجبها الأيسر باستنكار قائلة أمام مراقبته لتقاسيمها الذي يرى بها الراحة :
_قصدك ايه يا مستفز انت&;
_قصدي ان بحبك كدة يا شاطرة ومش متضايق &; المهم قوليلي انت&; &; انت&; جاهزة للزيارة دي دلوقتي&; أنا كدة كدة معاكي في الحالتين.
حركت "فريدة" رأسها بتأكيد&; وذهب كل الخوف مقابل نبرته الساكنة التي وجدت بين حروفها الامان &; فنبست ناطقة قبال عدستيه :
_ آه جاهزة .. &; كنت بقول ان من بعد آخر مرة مش هروح تاني بس لا بعد ما كل حاجة اتكشفت قلبي رق وبقا من واجبي زيارته والدعاء ليه علطول لعل اللي بعمله ده يكون سبب في دخوله الجنة رغم ان عقلي مش مقتنع بإنه عمل حاجة كويسة &; بس هو أبويا وعمري ما هقدر أفكر فـ حاجة غير كدة ولا هعرف اغير الحقيقة دي..
في كل مرة يتغير تفكيرها بمنظور&; آخر &; كلما يشعر بأنها تتعافى شئ فشئ يتراقص قلبه سعادة&; وفخرا&; بها &; خاصة&; بعد حديث الطبيب معه اليوم &; قاربت جدا&; على الشفاء نهائيا&; &; تركها تتحدث كما تشاء &; فأكملت هى وتبدل اليأس و هتفت بعقل&; عكس كل مرة :
_ أصل خلاص بقا يا "آدم" &; كل اللي حصل كان مقدر انه هيحصل &; وبقيت بشوف أن كل حاجة حصلتلي ليها حكمة &; مع اني هفضل افتكر ان اللي حصل حاجة صعب نسيانها بس قررت منساش ان لازم هطلع بكل ده بحاجات مكنتش فيها من الأول &; اول حاجة فكرت فيها هو وجودك جنبي واني بقيت من نصيبك بعد ما كنت متوقعش ان حاجة زي دي تحصل &; حتى "حسن" وعلاقتي بيه اللي كانت في الأول واللي اتغيرت ولسه بقرر انها تتغير عشان لولا برضه اللي هو فيه مكنتش هبقى كدة معاه &; تعرف &; كل حاجة بتحصلنا فيها حكمة ..كل حاجة بتحصل عمرها ما تبقى صدفة أبد&;ا ..
ربما قصدت أشياء أخرى لم تذكرها أيضا&; مثل علاقاتها معهن وتغير شخصيتها بهن &; وكل شئ ذكرته ولم تذكره تف&;همه هو على الفور &; واتسعت ابتسامته كما لم تتسع من قبل بل ظل ينظر لها هكذا إلى ان سألته مغيرة مجرى ما كانت ستكمله :
_ أصـ .. &;. هو انت بتبصلي كدة ليه&;
سألته بغرابة&; &; فعدستيه الآن تراقبها بوميض&; غريب &; ربما كان وميض الفخر والسعادة &; وجاوبها بصدق&; حينها:
_ عشان فخور &; فخور بيكي أوي وعايز أرقص من كتر ما انا فرحان وفخور بيكي!!
ضحكت "فريدة"على سعادته &; بل كان حقا&; فخورا&; صادقا&; بما ردده &; كانت تريد هكذا ..شخصا&; يدعمها حتى ولو بأقل الأشياء &; شخص يعد لها السند
تمسكت بكفه بسعادة&; من رؤيته سعيد بها هكذا واندفعت تعانقه غير مبالية بمن حولها بل رددت بأكثر نبرة كانت صادقة وقتها :
_أنا بحبك أوي يا "آدم" &; يا بختي بيك &; يا بختي بواحد زيك.
مرر كفه على ظهرها براحة&; وابتسم حتى خرجت بسعادة&; &; الآن تسعد لأنه سعيد بها &; اتسعت ابتسامته بحب&; وغمز قائلا&; :
_وانا كمان بحبك يا شاطرة &; ومش "أمان" اللي ياخدك مني&; دا انت&; بقيتي بتحبية أكتر مني.
ضحكت "فريدة" بصوت&; ظهر فضحك على ضحكتها وهي تصر&;ح :
_بصراحة القعده معاه لوحدك حاجة تانية خالص &; مع انه حيوان بس على رآيك وفي أوي..زيك كدة.
تلاشت بسمته من قولها الأخير فأدركت ما فعلته إلى أن ضحكت بقوة&; هذه المرة المرة ووكزت كتفيه بنبرة&; بها أثر الضحك :
_ مكنتش اقصدها والله &; متزعلش .
نظر لها بحنق&; وهو يتابع سيارات الأجرة الفارغة من الر&;كاب كي يشير لاحداهما &; فضحكت تشاكسة سريعا&; :
_متزعلش بقا &; أومال لو شتمتك قولتلك "يا سامر" هتعمل ايه &;
ضحك على مزحتها ولوى شفتيه متهكما&; بقوله:
_لا أمان أحسن &; ومتفكرنيش بالمحروق ده عشان مزاجي &; مش كفاية لسه عارف انه محجوز في المستشفي وممشاش هو وامه واخته لسة.
فأضافت هى تزامنا&; مع إشارته للسيارة ولم يغيب عن بالها تأففها من وجودهم فيما انها لم تعد تتأثر مثل السابق فقد وضح كل شىء ولم يعد شئ مخفي من الجهتين!! :
_سمعت انه خارج النهاردة وهيمشوا بس مش عارفه هيمشوا النهاردة ولا بكرة!
إلى هنا وشرد &; لم يكن الشرود بالحق &; بل شرد بفكرة إقامتها معه بسببهم من الأساس وسبب الحالة التي ازدادت بوجودهم &; هل رحيلهم برحيلها هى الأخرى عنه&; &; على الرغم من انها رفضت هذا وأكدت له تطمأنه بأنها لم ولن ترحل بعد الآن ولكن الفكرة نفسها جعلته خائف من فقدانها حتى وان لم يكن بالمعني الحرفي الموجع! &; لا يثق بقرارات الأخرين &; ولكنه يثق بها هى&; &; هل سترفض هذا وتقف معه توافقه&; &; كان يردد بأنه يريد لها الراحة وفقط بينما الآن زاد تعلقه وزاد الحب وهى بجواره ومؤخرا&; زاد وهي تغفو بين ذراعيه الحانتين وأحضانه الآمنه وهي مطمئنة تعطيه الثقة بأن هذا القرب سيقف إلي هنا ولن يفعل شئ الا بإرادتها ..
انتفض "آدم"بطريقة&; ليست ملحوظة بعدما وجد نفسه يجلس بجانبها في المقعد الخلفي في السيارة التي سارت وأخرجه من شروده سؤالها المستنكر:
_روحت مني فين &; &; بقولك فين الموتوسيكل بتاعك مجبتوش معاك وكنا مشينا بيه ليه&;
أخرج أنفاسه بعمق&; ناظرا&; ناحيتها بقلق من الفقدان &; الآن علم سبب الحزن المجهول &; ربما كانت هى من فعلت به هذا دون دراية منها ومنه &; وابتسم يجيبها مهتزا&; من الداخل وثابتا&; أمام عدستيها من الخارج :
_ مع "غسان" من امبارح.
صمتت قبال هذه الإجابة ونظرت بعشوائية&; من الش&;رفة &; فلم يحرك عينيه من عليها &; سائلا&; ذاته بماذا فعلت هى به كي يظل مرتبكا&; خائفا&; هكذا دون معرفة السبب في البداية &; &; هل يفعل الح&;ب في المرء هذا &; أم ان التعلق يؤذي عقل الم&;حب هكذا &; حتي وان و&;ج&;دت الأدلة والأسباب والبراهين &;
___________________
أ&;جبرت على السير في الخارج منها &; بعدما سمعت "نيروز"لقول "غسان"&; كانت بملابسها التي صعدت لها بها لذا لم تردد لأحدهم بأنها ستهبط مع "نيروز" للسير والجلوس أمام البحر وأمواجه&; وبعدما تجهزت "نيروز" وارتدت عباءتها السوداء &; هبطت مع رفيقة دربها حتى انتهى بهما المطاف الآن هنا أمام امواج البحر الهادئة من على بعد&; &; والشرود رفيق واحدة والمراقبة رفيقة لأخرى تحزن للأولى!!
تسيل الدموع منها بغزارة&; أمام هذا المنظر الذي يعد مفضل للإثنان منذ زمن مر عليه الكثير رفقاء لهذا المشهد &; حزنها تارة وتارة أخرى حزن الأخرى &; يتشاركان معا&; ثقل كل شئ حتى الآن! &; مفضل لها بأي وقت ومفضل للأخرى في ضوء النهار فقط! &; أهذا ما يعد مختلف فيهما&;&; فكل منهما تشبه الأخرى حتى في الحزن..
حركته المعهودة التي أ&;خذت منه من كل من حوله &; حركته الحانية التي يبدأ بها بأنامله في مسح دموع من أمامه ثم الاحتواء بذراعيه بعدها .. &; أخذتها منه "نيروز" &; عندما رفعت أناملها دون تحسب لشئ ومسحت عيني الأخرى بحنو أصبحت تعهده منه هو منذ ان عرفته
وبدون أي شئ ت&;قدم به بداية الحديث &; نبست بنبرة&; بها أثر البكاء الساكن &; الذي ظهر به ضعفها وقلة حيلتها :
_هو ليه مشى يا "نيروز" &; &; ليه مشى وسابني &; افكر واتعب&; &; دا أنا قولتله اني من غيره ضايعة أوي &; من غيره مش هقدر &; قالي عمري ما هسيبك مهما ايه حصل &; قالي ان كل واحد فينا هيفضل في ضمة التاني &; هو أنا مستاهلش يا "نيروز"&; مستاهلش ارتاح واعيش في هدوء من غير ما أتكسر مرة &;
لمعت عينيها تأثر&;ا وشفقة عليها &; فيما تابعت "جميلة" بوجع&; شديد وضع وحده بكفة&; وبالكفة الأخرى كل حزن كانت قد حزنته من قبل :
_سابني مقهورة مرتين &; مرة بألف مرة عشانه ومرة واحدة بس عشاني أنا &; موجوعة عليه وخايفة وقد&;رت انه مشى&; &; بس مكنش يسيبني كدة &; مكنش يقهرني كدة ولا يحسسني اني خلاص مبقاش مرغوب فيا لمجرد ان أبويا اتقتل على ايد اخوه..
اجهشت في البكاء بوجع الظلم &; بكت بكاء المظلوم وهي تضع كلا كفيها على وجهها وهي تردد بكسرة&; :
_طب أنا مالي &; &; أنا مالي يا "نيروز"&; كان ايه ذنبي &;
كان المتوقع سؤال آخر لم يغيب عن بالها كما لم يغيب عن بال أي مظلوم من هذه الحياة &; سؤال بكلمة واحدة فقط يسأله كل من يشعر بالخيبة &; كل من تهرب منه الكلمات فيحل محل كل الأحرف ثلاثة أحرف أخرى &; كل حرف منهم يتساءل بوجع&; امتزج بقهر&; شديد :
_"ليـه&;."
نزلت دمعة "نيروز" بعجز&; عن الرد &; ولم تستطع ان توقفها عن التعبير &; بل رددت مرة أخرى بنفس البكاء وكأن الأمواج ولون السماء الذي ع&;كس على لون المياة أمام عدستيهما جعلها تنفجر لتصر&;ح رغما&; عنها &; كي تخرج ما بداخلها ناحية المياة التي ع&;رفت في هذه الموافق بالفضول لكل من يجلس أمامها خائبا&; منكسرا&; ضائعا&; ! :
_ مكنش ذنبي اني جيت الدنيا ووعيت على أب زي ده &; أب وحشني مع انه سبب في حاجات كتير عايشة فيها لحد الآن &; أب خلاني أخاف من ضلي واعمل حساب لكل حاجة حتى ولو متستاهلش &; مكنش ذنبي اخش حاجة محبيتهاش &; مكنش ذنبي اتأذى واتجبر على حاجات انا مش عايزاها &; مكنش ذنبي في حاجات كتير زي ما ماكنش ذنبه يطلع هو كمان يلاقي نفسه كدة &; حتى اخوه مكنش ذنبه ولا بإيده يختاره عشان يكون اخوه .
تساءلت الٱن بأعين حمراء من البكاء أمام وجه "نيروز", الباكي من كلماتها
التي شعرت بكسرتها الأخرى &; حتى الأحرف ظهرت بنبرتها منكسرة! :
_هى ليه الدنيا بتعمل فينا كدة &;
لم تنتبه ان هذه بوادر اعتراض خرجت في بدايات محاولات شيطان جوارها الآن &; والأخرى خدرتها الكلمات بوجع&; وف&;تحت الجروح في لحظة غير وعي &; لذا من أجاب كان شخصا&; ما قد رآهما وهما يسيران من أسفل العماره &; أجاب من رآهما من الش&;رفة :
_ عشان احنا عند ربنا حاجة كبيرة &; حاجة شايف فيها اننا قادرين على ابتلاءاته..يا ..حرباية هانم!
كان لقبها الأخير ظاهرا&; بإختناق&; شديد &; والأن ظهر من هو هذا الشخص! &;
كانت هى &; كانت "ياسـمـين" &; التفتت "نيروز" تبتسم من بين دموعها وحتى"جميلة" نظرت في تأثر.&; خرج للتو ما ان اقتربت "ياسمين" تجلس بينهما وهي ترفع كلا ذراعيها على كل منهما كما جلسن هكذا من قبل يتشاركن معا&; الهموم وشاكستهما بنبرة&; متحشرجة&; في محاولة للمرح :
_وسعولي كدة &; جالكم قلب تقعدوا كدة من غيري يا أندال&;
ردت حينها "نيروز" وهى تستند برأسها على كتفها :
_ كانت نقصاكي فعلا&; .
استسلمت لها بهذا القول وزفرت تتابع "جميلة" التي مسحت عينيها ببطئ&; وأجابت باختناق&; :
_ مكناش عايزين نتعبك عشان رجلك الوارمة من الحمل دي.
_بنت الوارمة مورمالي ر&;جلي فعلا&; بس مش معنى كدة اني مبقاش جنبك لما تحبي تهربي من كل حاجة &; متنسيش اننا تلاته في الحلو والم&;ر من زمان أوي &; ايه اللي اتغير&;
شاكستها "ياسمين" ورددت الأخير بجدية&; &; فإستندت "جميلة" برأسها عليها مثل "نيروز" وردت بهدوء&; :
_ مفيش حاجة اتغيرت فينا &; الدنيا بس هى اللي بتتغير &; كذاب مين قال ان البني آدم بيتغير والدنيا لا .
_هو مش كداب اللي قال كدة يا "جميلة"&; وآه في حاجات اتغيرت فينا &; اللي اتغير فيكي هي قوت&;ك اللي شيلتيها خالص بمجرد ما حبيتيه &; كنت هنا في نفس المكان ده وقولتلكم مهما حصل مش لازم نرمي كل حاجة على حد مكانته عندنا كبيرة &; لازم نعتز بالقوة والاستحمال والطاقة اللي ربنا عطاهلنا عشان الدنيا ملهاش أمان &; بعيدا&; عن زعلك على "عز" &; لأن ممكن ربنا عمل كدة عشان تقوي أكتر في بعده ده لحد ما يرجع &; عشان لما يسيبك تكوني قوية في غيابه ايا&; كان ايه هو نوع الغياب &; ده اللي عيشت ازرعه في "نيروز" &; كنت بقولها بشهادتك ..ان مهما كنتي فاكرة نفسك ضعيفة فانت&; مش كدة واثبتي لنفسك العكس في عز ما تكوني فأضعف حالاتك &; كنت بقول ولسه بقول ..فاجئي نفسك بالعكس عشان تعرفي تعيشي!
هناك أمل ما من مصدر القوة &; مصدر القوة والاحتواء الجاد بالثبات التي تجلس بينهما الٱن &; رفعت "جميلة" رأسها تبتسم لها بتٱثر&; فهي دوما&; "أ&;م" لها في الاحتواء القوي &; اعتدلت "نيروز" تحرك رأسها بتضامن لـ "جميلة" التي زفرت بتعب&; خرج أمام حديث "ياسمين" العقلاني لها :
_ارضي كدة وعودي نفسك تتماسكي &; حتى ولو غصب عنك بتلاقي نفسك مش قادرة بس لازم تحاولي &; اللي مبيحاولش ده ببقى انسان ميت بس حي ! &; في غياب زي ده مش لازم تعيطي &; لازم تقفي ثابته تبيني للكل انك قوية قد غياب جوزك اللي مش عيب ابدا&; تحاولي تدوري وتشوفي هو ممكن يكون فين &; مش ممكن يكون محتاجك &; مش ممكن تكوني هتعرفي توصليله عشان يرجع&; أو حتي مش يمكن ثباتك ده يحط قوة وصبر في مامت "عز". و"فرح" &; أنا شوفتهم داخلين عند عمو "حامد" من شوية والزعل مغير ملامحهم &; انت&; بدل "عز" &; انت&; اللي هتعرفي ترجعي جوزك يا جميلة.
وجدت الشغف بين الكلمات فإعتدلت تمسح دموعها بشرود&; ونظرت "نيروز" ناحية "ياسمين" التي ابتسمت لهما وشاكستهما بعيدا&; عن كل هذا وهي تسألهما :
_ عندي ليكم عرض ميتفوتش &; لأجل وصلة النكد دي &; اطلبوا أي حاجة اجبهالكم حالا&; أو انفذهالكم &; الواد حازومي لسه قابض فبراحتكم بقى&; .
خرجت ضحكة "نيروز" على حديثها كما ضحكت "جميلة"مستسلمة وصمت أمام قول "نيروز" :
_عايزة مشبك!
عقدت "ياسمين" ما بين حاجبيها بغرابة&; من هذا الطلب &; التي اعتبرته "جميلة" وحما&; فهتفت تتساءل :
_بتتوحمي ولا ايه&;
فأجابتها "نيروز" بضحك&; وهي تتلمس معدتها :
_مش عارفة!
_خلاص هجيبلك &; قوموا معايا نتمشي على أول الطريق &; بس لسه انت&; يا "جميلة"&; قوليلي عايزة ايه يلا بالمرة!
هتفت "ياسمين" بحديثها هذا ونهضن الثلاثة قبال ترقب الاثنان على الثالثة التي اهتزت عينيها وعبرت عن رغبتها التي لحت عليها منذ ان علمت انه ق&;تل :
_أنا مش عايزة حاجة &; أنا بس كان نفسي ٱعمل حاجة ونفسي توافقوني وتيجو معايا ومش هنتأخر .
نظرت"نيروز" إلى "ياسمين" التي تساءلت بفضول&; مازح بعد الشىء للتهوين عليها :
_طب قوليلي عايزة تعملي ايه واحنا عنينا للحرباية !
ابتلعت "جميلة" ريقها بتشتت وأخذت أنفاسها ت&;خرج برغبتها التي جعلتهما صامتتين لبرهة من الزمن أمام هذا الطلب الآن وهن معا&; أمام المياة التي تشاركهن المشهد :
_عاوزة أزور قبر بابا!
نبستها بنبرة&; ضائعة &; اعتقدت ان بمجرد هذه الزيارة سينشغل عقلها بأشياء أخرى غير التي تؤذيها! &; ولكن هناك من اهتزت ملامحها خوفا&; &; فإبتلعت ريقها ووجدت نفسها ت&;حاص&;ر من رفيقة دربها &; إما ان ترفض لها هذا الطلب كي تنفذ حديث "غسان" لها بعدم الذهاب إلى هناك من دونه &; اما ان توافقها وتذهب وتترك ما يأتي بعد ذلك يأتي دون ترتيب! &; ولكنها لا تضمن حالتها النفسية التي تفاجئها هى نفسها قبل أن تفاجئه وتفاجئ الجميع!!
هنا بجوارها شقيقتها التي لديها خفة في انقاذ أي وضع بالتفكير السريع &; ولكنها الآن لم ترض الرفض لـ "جميلة" حتى لا تذهب بمفردها وهى كذلك &; ومن ناحية أخرى لم تكن تعلم السبب الريئيسي لخلاف شقيقتها وزوجها والذي أدى إلى الطلاق!! &; ولكنها تراها الآن بحالة جيدة نسبيا&; !!
_هو انت&; بصراحة مش ناقصة نكد وح&;زن &; بس أنا موافقة عشان حاسة بيكي &; وحاسة قد ايه الواحد مببقاش عايز حاجة غير الزيارة دي فعزم ضغوطة &; موافقة بس بشرط ..
نظرت "جميلة" بعدستيها لـ "ياسمين" التي أكملت بعدما زفرت أنفاسها :
_بلاش عياط &; بلاش أي حاجة تتعمل لمجرد انها تضغطك وانت&; كدة &; موافقة&;
أرادت ان ت&;دللها كصغيرة &; بينما هى يطلق عليها أم في العلاقات التي تشابه علاقتها بشقيقتها والأخرى &; نظرت "جميلة" في تأثر&; وحركت رأسها موافقة قولها فيما وقفت "نيروز" تفكر بتردد&; قطعه قول "جميلة" الم&;قدر لحالتها عندما تراها عائدة من هناك :
_لو مش حابة يا "نيروز" بلاش &; ياسمين معايا خلاص!.
طالعتها "ياسمين" بتضامن لقول "جميلة" &; فأنهت "نيروز" هذا ولم ترض ترك رفيقة الدرب التي تساندها دوما&; وجاء وقتها لتساندها هى الأخرى ..
_لأ عادي &; يلا عشان نلحق بس &; لأن "غسان" هيرجع ياخدني عشان نكشف&; فبسرعة بقى.
ربما تعجلت كي تعود قبل أن يراها! &;ولأن المقابر قرببة سار الثلاثة على أرجلهم بخطوات&; متوسطة شاردة وبدأت حينها "ياسمين" بسؤالها المهتم :
_طب الاقي فين المشبك ده يا "نيروز" علشان اجيبهولك &;
طالعتها بملامح جاهلة تعلن عن جهلها فصمتت &; وخرج رد "جميلة" بعد وقت تخبرهم بنبرة&; حملت بين طياتها الوجع:
_ "عز" كان راجع مرة وجايبهولي &; اعتقد هيبقى في مكان الورشة هناك.
كان هذا آخر قول منها وهي تتخطى البوابة التي و&;ج&;د عليها العامل &; تخطت كل منهن وبدأ بترديد قولهن :
_'السلام عليكم دار قوم مؤمنين&; انتم السابقون وإن&;&;ا ان شاء الله بكم للاحقون يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين.'
جعلتهم الخطوات بعد ذلك أمام الم&;بتغى &; القادمين لأجله وصوت الشيخ الذي طلبه "آدم" يعلو &; وهن الثلاثة في صدمة ومفاجأة من وجود "فريدة" مع "آدم" الذي جلب لها مقعدا&; لتجلس ووقف هو بجوارها وجوار الشيخ ينصا بتمعن&; وسكون.
_&;ق&;ل&; ه&;و&; ال&;&;ذ&;ي أ&;نش&;أ&;ك&;م&; و&;ج&;ع&;ل&; ل&;ك&;م&; الس&;&;م&;ع&; و&;الأ&;ب&;ص&;ار&; و&;الأ&;ف&;ئ&;د&;ة&; ق&;ل&;يلا م&;&;ا ت&;ش&;ك&;ر&;ون&; &; ق&;ل&; ه&;و&; ال&;&;ذ&;ي ذ&;ر&;أ&;ك&;م&; ف&;ي الأ&;ر&;ض&; و&;إ&;ل&;ي&;ه&; ت&;ح&;ش&;ر&;ون&; &;و&;ي&;ق&;ول&;ون&; م&;ت&;ى ه&;ذ&;ا ال&;و&;ع&;د&; إ&;ن ك&;نت&;م&; ص&;اد&;ق&;ين&; , ق&;ل&; إ&;ن&;&;م&;ا ال&;ع&;ل&;م&; ع&;ند&; الل&;&;ه&; و&;إ&;ن&;&;م&;ا أ&;ن&;ا ن&;ذ&;ير&; م&;&;ب&;ين&;
ف&;ل&;م&;&;ا ر&;أ&;و&;ه&; ز&;ل&;ف&;ة&; س&;يئ&;ت&; و&;ج&;وه&; ال&;&;ذ&;ين&; ك&;ف&;ر&;وا و&;ق&;يل&; ه&;ذ&;ا ال&;&;ذ&;ي ك&;نت&;م ب&;ه&; ت&;د&;&;ع&;ون&;
ق&;ل&; أ&;ر&;أ&;ي&;ت&;م&; إ&;ن&; أ&;ه&;ل&;ك&;ن&;ي&; الل&;&;ه&; و&;م&;ن م&;&;ع&;ي&; أ&;و&; ر&;ح&;م&;ن&;ا ف&;م&;ن ي&;ج&;ير&; ال&;ك&;اف&;ر&;ين&; م&;ن&; ع&;ذ&;اب&; أ&;ل&;يم&; , ق&;ل&; ه&;و&; الر&;&;ح&;م&;ن&; آم&;ن&;&;ا ب&;ه&; و&;ع&;ل&;ي&;ه&; ت&;و&;ك&;&;ل&;ن&;ا ف&;س&;ت&;ع&;ل&;م&;ون&; م&;ن&; ه&;و&; ف&;ي ض&;لال&; م&;&;ب&;ين&;, ق&;ل&; أ&;ر&;أ&;ي&;ت&;م&; إ&;ن&; أ&;ص&;ب&;ح&; م&;اؤ&;ك&;م&; غ&;و&;ر&;ا ف&;م&;ن ي&;أ&;ت&;يك&;م ب&;م&;اء م&;&;ع&;ين&;&;
كانت آخر آيات سورة "الم&;لك" &;سورة من السور الم&;فضل قراءتها للمتوفي &; انتهى الشيخ من هذا ثم رتل بقول آخر يصدق به الٱيات الكريمة :
_ص&;دق الله العظيــم.
وعقب ذلك استطاعت كل منهن التحرك للاتجاه ناحية "فريدة" التي انتبهت لهن مثل "آدم" &; ولكن كان هناك نوع من أنواع الاحترام والسكون لكلمات الله التي ت&;ر&;دد بيقين&; وإيمان&; وصوت&; خاشع هادئ م&;ريح على قلوبهم!
عانقن بعضهن في احتواء لهذه اللحظة &; ولمعت عيني "جميلة" بتأثر&; وتفهم وهي تعانق شقيقتها الآن &; هى الأخرى ظهر بها نقطة الاشتياق الم&;وجع ترصصن بجانب بعضهن لقراءة سوؤة الفاتحة على روحه &; فيما وقف هو بهدوء&; ينتظرهن كي يوصلهن قبل ان يحدث أي شئ م&;عبرا&; عن الوجع منهن! &;أخرج "آدم"أنفاسه بصوت&; هادىء وتخلل أذنه صوت شهقات "جميلة" التي احتوتها"فريدة" مقدرة حالتها جيدا&; عن اي شخص &; ووقفت بها تدخلها بين ذراعيها وهي تردد باختناق&; لها كي تهدأ:
_بس ..بس خلاص عشان خاطري يا "جميلة" &; بالله عليكي بلاش كده,خلينا ندعيله &; مفيش في ايد حد فينا حاجة غير اننا ندعي ان ربنا يسامحه على اللي عمله وعلى اللي كان السبب في اللي احنا فيه دلوقتي &; عمرنا ما هنغير حقيقة انه ابونا وانه كان مؤذي بس لازم نتأقلم ونرضى &; اهدي عشان خاطري انا .
مسحت لها "نيروز" وجهها بالمنشفة الورقية التي توجد بين يديها فيما وقعت دمعة "ياسمين" وهى تنهرها بحزم&; لم يلق مع دمعتها التي خانتها وخانت قوتها الزائفة :
_بقى هو ده اللي احنا اتفقنا عليه&;.
نفت برأسها تستمع إلى حديثهن &; وتقدم "آدم" شاعرا&; بقلة توازنها فحث "فريدة" قائلا&; بقليل من الحرج كونه الرجل الوحيد بينهن الآن :
_ قعديها ترتاح على الكرسي يا "فريدة"&; وخدي شربيها الماية دي.
أجلستها بالفعل كي تستريح &; ووقفت "نيروز" تنظر لقبر والدها وتأسفت بهذه اللحظة بعينيها وكل ما تريد قوله تم منعه الآن لأنها معهم! &; فصمتت م&;جبرة وخرج قولها الذي استمع اليه الجميع من خلفها :
_وحشتني أوي يا بابا &; ياريتك كنت هنا معانا.
وضعت "ياسمين" ذراعها عليها ووقفتا الاثنان معا&; كما وقفت "فريدة" في الخلف بجانب "جميلة" الم&;نهكة &; وهذه تعد لحظات من ضمن اللحظات الم&;تعب&;ة! &; فهو الآخر كان عند قبر "والدته" قبل قليل &; هو أيضا&; فقد شخص غال&; على قلبه &; شخص م&;علق بقلادته الثمينة التي تتمسك بها "فريدة" الآن وهي تراقبه بعدستيها وكأنه فهم احتواءها له من على ب&;عد&; فابتسم يطمئنها وهو بموضعه ينتظرهن!!
_____________________
قبل قليل&; كان بآخر مكان كان يتوقع الذهاب إليه &; على الرغم من انه تحدث مع هذا الشخص من قبل &; بينما أول مرة يجلس في عيادته&; كضيف&; لا كمضطرب نفسيا&; !! &; أشياء كثيرة تقتحم عقله والخوف هو من جعله يأتي إلى هنا &; مطالعا&; ذلك الذي يجلس أمامه واضعا&; ساق فوق الأخرى وهو ينتظره ينتهى من ما جلبه له من كتب&; وأوراق يقرأ منها كي يتفهم بطريقة أوسع وأضمن بعدما رأى به صعوبة ثقته السريعة في من أمامه &; على الرغم من انه لم يتماشى بعد ان شقيقه قد تم علاجة النفسي هنا &; على يد هذا الطبيب .."عاصم أمين"..
خدعها بخفة&; عندما ردد لها بأنه ذاهب إلى "شادي" صديقه! &; ولكنه لم يكن ذاهبا&; اليه بل كان هنا &; حيث مكان تواجدها من قبل للتعافي من ما كان تقرر التعافي منه ومن داخلها لا تقتنع &; بالفعل كانت قد تعافت من أشياء عدة &; ولكن هذه المرة كان هناك شئ جاء فجأة من عزم الضغوط&; شئ يعد خطرا&; عليها وعلى من بأحشاءها ولم تفكر قط بالذهاب كي ت&;عال&;ج!!
قرأ ومن غيره بارع في القراءة والمتابعة السريعة بسرعة بديهة بطبيعة عمله &; هو الآخر يجلس كمن يجلس بملك&; له!! &; واضعا&; ساق فوق الأخرى وعينيه لا تفارق الأحرف التالية :-
_الإنهيار العصبي مرض نفسي يصيب باكتئاب&; عميق ومزاج سيئ وعدم مبالاة بالنشاطات وإحساس حاد&; ومزمن بالإرهاق والأرق والأفكار السوداوية تترافق هذه الاضطرابات مع تقل&;بات مزاجية تتفاوت حد&;تها ونسبتها ومدتها بين أسابيع وأشهر تسب&;ب معاناة نفسية وتغي&;را&; في الأداء الاجتماعي &; قد يرتبط احيانا&; بصعوبات الحياة &; فقد يرتبط بالتوتر الحاد&; والمستمر أو بفترات معينة من السنة أو الحياة تنعكس أعراضه بشكل&; ملحوظ على أداء الوظائف اليومية&; وتتأثر علاقات المريض الاجتماعية والزوجية والأسرية وحتى علاقاته مع أصدقائه وزملائه&;
_يصعب على الأشخاص الذين يحيطون بالمريض فهم حالته المرضية&; ما يدفعهم إلى الارتباك والقلق والخوف &;. إذ يصعب عليهم اختيار طريقة التصر&;ف الصحيحة لمساعدة المريض من دون الإضرار بأنفسهم. لا ينم&; هذا المرض عن ضعف&; في الشخصية&; لكن&; لا تكفي الإرادة وحدها للتغلب عليه&; ذلك أن هذا المرض يول&;د لدى المرء شعورا&; بالدونية وأفكارا&; سوداوية غامضة بعض الشيء وقد تكون غامضة ..
_كما ان الانهيار العصبي أحد الأمراض النفسية الأكثر شيوعا&;&; إلا أن&; نصف المصابين به تقريبا&; يجهلون حالتهم ..تعتبر نسبة لجوء الرجال والشباب والمسن&;ين إلى الطبيب متدن&;ية&; ويجهل مرضى كثر إلى من يتجهون أو ما هي الإجراءات المتبعة..كيف يمكن تخط&;ي الانهيار والكآبة&; العلاج بالأدوية لأن أحيانا&; الأدوية هي الحل&; الأكثر شيوعا&; ضد&; الانهيار تعمل مضادات الاكتئاب على السيروتونين وناقلاتنا العصبية وتستلزم بعض الوقت قبل إعطاء المفعول المطلوب&; كذلك يجب المرور بمرحلة أولية للتأكد مما إذا كانت كمية الدواء ونوعه مناسبين للحالة أم لم تناسب بعد..
رفع "غسان" عينيه بعد قراءة هذه المعلومات الدسمة التي تحمل تفاصيل عدة تقلقه وبنفس الوقت تعطيه أمل &; ولكن هناك الخوف الذي أخفاه وهو بتساءل بدون مقدمات :
_هى مش كانت هنا قبل كده &; &; متعالجتش منه &; مخدتش اي أدوية أو منتظمتش بجلسات خاصة ليه عشان ميرجعش تاني&;
خرجت التساؤلاات كذلك فيما طالعه "عاصم" الذي ارتشف من كوب القهوة بهدوء ثم اعتدل يوضح له أكثر :
_استاذ"غسان", أكيد حضرتك قرأت وشوفت وعرفت ان أغلب اللي عندهم الحالة دي مبيعترفوش بيه ولا بيهتموا انه مرض نفسي محتاج يتعالج ويتواظب على علاجه &; حتى لو كان دا عندها من قبل وجت هنا فهي معترفتش من جواها ان ده بيجي ليها في وقت الضغط وحاجة بتحتاج انها تتعالج منها &; يعني حاجة مجتش فخلاص مش هتيجي تاني &; اه هي اتعالجت من حاجات كتيرة بس في حاجات لسه غصب عن البني آدم وغصب عن الطب النفسي بتسيب الأثر اللي ممكن يرجع كل ده تاني وترجع تنتكس ودا عامة&; مش على الانهيار العصبي بس &; لأن لو على الانهيار العصبي فهقولك انه محتاج علاج ومحتاج حد يكون فاهم ومدرك ان ده تعب ومحتاج دوا ليه سواء نفسي او بأدوية مضادة ليه..
ثم أضاف سريعا&; يثبت له بابتسامة&; جذابة :
_إقلب الصحفة &; اتفضل كمل عشان تبقى مدرك بنفسك.
نظر له "غسان" مطولا&; محدقا&; بإنصات&; واهتمام ولبى قوله ما ان نظر ناحية الصفحة الأخرى كي يرى ما قد اعتقد انه انتهى إلى هنا :
_العلاج النفسي ي&;نصح به للمراهقين والبالغين على حد&;&; سواء&; إلا أنه لا يكفي وحده في حالات الإنهيار العصبي الحاد&; وله فائدة كبيرة لدى الأشخاص الذين يطاردهم القلق بشأن العلاقات يندر ألا يترافق العلاج النفسي مع العلاج بالأدوية ويمكن اللجوء إلى التحليل النفسي أو العلاج التصرفي أو الإدراكي&; لكن الأهم أن يتم العلاج طواعية وبمرافقة أسرة المريض ودعمها.
_والانغلاق على الذات والصمت أحد أبرز الأسباب التي تفاقم وضع المريض&; لذا يشدد الأطباء النفسيون على ضرورة أن يفضي المريض بمكنونات قلبه إلى الأسرة أو الأصدقاء أو الطبيب&; لأنه بذلك يختصر طريقة المعاناة ويسير على طريق الشفاء&; ويتأكد من أن عجزه ليس إلا حالة موقتة.
طالعه بعد ذلك وهو يرفع رأسه بتفهم&; لما كانت قد فعلته من صمت حتى تراكم هذا فظنت انها تتعافي &; الأمر معقد وأكبر من ما كان يتخيل مادامت لم تعلم الي الان بأن يتوجب عليها الاقتناع كي ت&;شفى&; !!
_أكيد فهمتني دلوقتي &; وفهمت انها اختارت بنفسها تتعالج نفسيا&; مش علاج آخر &; وبكدة ضيعت كل ده من جهة تانية لما دارت ومحبتش تبوح عن اللي جوه &; ساعتها من بين حاجات كتيرة كانت بتعاني منها كنت بقولها لازم تتكلم لازم تتفاعل ولازم تشارك مادام اختارت تتعالج نفسيا&; .
اخذ "غسان" أنفاسه بتعب&; وانقذ ذاته من التشتت والشرود بها &; واعتدل يسند الكتاب على الطاولة الأنيقة بحداثتها &; وأخرج نفسا&; عميقا&; يفسر له بنبرة&; ظهر بها الخوف وقتها :
_أنا عايزها تقتنع ان ده شئ لازم يتداوى وان ده خطر عليها وعلى اللي في بطنها ..
توقف يأخذ أنفاسه بتقطع&; وأكمل بهدوء&; وارى خلفه القلق :
_أنا مراتي حامل &; يعني مش مستعد اخسرها في مرة ولا اخسر عيالنا &; أنا للأسف طاقتي معتش فيها يكفي الاستحمال للضغط ده كله&; أنا تعبان لأجلها هى ومش عارف اعيش في راحة بال بسبب خوفي عليها&; كل اللي اقدر اقوله لك عشان تنصحني ..ان انا عندي طاقة بس طاقة احاول ولو مش عندي هفضل احاول لحد ما تتقدم وتبقى أفضل&; أنا جاي لك النهاردة مش عشان دكتور وهتفهم كل ده &; انا جيت عشان أفهم أكتر &; جيت عشان الاقي مساعدة بكل الاشكال مش بس بشكل الطب النفسي..عارف انك هتقولي ان الخطوة لازم منها &; بس هى نفسها مش مستوعبة ان كل ده بيحصلها وعندها وخطر &;عشان كدة انا محتاج مساعدة &; محتاج تقولي ايه في ايدي اعمله وفي نفس الوقت تتقبله هى &; ولو العلاج بالأدوية مش لازم يبقي مع العلاج النفسي انا جاهز وبسألك ايه أفضل ليها &; لإني مبرجحش انها تاخد اي علاج ليه نتايج سلبية فيما بعد عشانها وعشان حملها وصحتها.
ردد حديثه بلهفة&; غريبة لم تظهر بالكثرة الا الآن &; فيما تفهم الآخر حالته ووضح :
_ أنا مقدر كلامك وخوفك ده &;لأنه الطبيعي &; ولكن بالنسبة مثلا&; للعلاج ففي علاج مش هيأثر عليها وانا هشوف ده طبعا&; بما انها حامل &; دا غير ان العلاج ليه أشكال كتيرة غير ده &; بس اشوفها من تاني عشان اقدر احدد هى هتبقى كويسة على ايه &; بس اهم حاجة واللي هيفضل ثابت مع كل شكل هو العزيمة والارادة منها هى نفسها .
حسنا&; قد توقفت كل الحلول بعدم رده بها الا بوجودها !! &; بالطبع الأمر يتطلب تواجدها بعد كل هذه الأحداث التي غيرت بها الكثير عن قبل &; وافق "غسان" برأسه &; وهو يطالع عنوان الكتاب الذي اسنده بشرود&; قطعه هو كي لا يتعمق أكثر &; وتحدث قبل ان يقرر الذهاب حينها :
_هحاول عشان تيجي وتبدأ من جديد بالعزيمة المطلوبة.
_ وانا واثق في محاولاتك كلها &; وعلى فكرة الموضوع أسهل من ما تتخيل &; انت بس اتعامل صح &; وهى كمان لو كانت عايزة فعلا&; تتعالج عشان هى عايزة كدة الموضوع هيبقي سهل جدا&; ومش هيطول في العلاج حتى ولو كان ايه شكل العلاج &; أهم حاجة إرادتها يا "غسان" .
رده كان ابتسامته وقوله الذي ردده بصدق&; بعدما وقف واضعا&; هاتفه في جيبه معدلا&; قبعته:
_ش&;كرا&; يا دكتور "عاصم".
_متشكرنيش ده شغلي يا "غسان" واسمحلي اقولك "غسان" عادي عشان مش شايفك غير "بسام" صديقي اللي بعزه جدا&; &; ربنا يديم القبول في وجوهكم دايمـا&; .
رد بإبتسامة&; وحديث لم يتعمد تذكرة بعدما تذكر هذا الحوار الآن بالكامل وهو يقود الدراجة البخارية بسرعة&; , كان هذا من بين شروده بعدما خرج وتم ما حدث ثم عاد ومن حسن حظه انه لم يتلاقى بـ "آدم"و"فريدة" اللذان كانا هناك وقتها بعده
شرود عميق والسيارات تصارع نفسها على الطريق وهو بين اثنتان الآن حتى تخطاهما بسرعة&; أكبر ومن عزم هذا الاحتكاك لم يسمع دقات الهاتف في جيب بنطاله الأسود! &; ي&;نهك..يتعب لاجلها وهذا ما يلحظه والده به لأنه يرى بعدستيه تعبا&; يحاول اخفاءه! ..
بفعل الهدوء في السرعة ثم "الفرامل" كانت سبب في ايقاف الدراجة ساندا&; قدميه أرضا&; بطول ساقيه أمام المبنى الآن وهو يميل كي يخرج هاتفه ناظرا&; نحو إحدى الشرف ربما تكون هناك واقفة تنتظره كما حثها بعدم تأخيره &; طلب رقمها الآن متتظرا&; بدلا&; من الصعود مقررا&; الصعود عندما يتساءل في المكالمة ما ان كانت تقدر ام لا &; هل تناسى بأنه حثها على الخروج&; ام انه توقعه خروج سريع أمام المبني لدقائق ثم العودة&;&;..
لم&; لم تجيب على الإتصال من أول مرة &;&; زفر أنفاسه بهدوء&; &; ثم نظر للأعلى لبرهة وهو يضع الهاتف على أذنه مبتسما&; نصف ابتسامة لشخص ما يسكن فوق شقته &; جارا&; له &; فترقب للرد ..
..
في حين على الجهة المقابلة &; ابتلعت "نيروز" ريقها بتوتر&; وهي تسير بجانبهن بعدما خرجن وهو معهم &; لاحظت "ياسمين" صمتها وعدم ردها على المكالمة في حين من قبلهما كان يسير "آدم" ومعه "فريدة" التي تمسكت بـ"جميلة' &; فيما نطقت "ياسمين ", بغرابة&; لها وهى تتساءل :
_مبترديش ليه&;
وزعت "نيروز" نظراتها بينها وبين الطريق وردت بتوتر&; وهي تسبق عنها بخطوات&; بسيطة :
_هـرد اهو!
هل قتلت التردد ام ان التردد هنا بين الكلمات التي تخرج وباهتزاز&; منها&;&; شعرت بأنها تعطي الأمر اكبر من حجمه فيما ذهبت هذه الفكرة عندما وجدت نفسها تكذب فيما بعد..!!
_ألو &; ايوة يا "غسان".
ردت بهذا بينما على الجهة الأ&;خرى&; خرج صوته بهدوء&; متسائلا&; :
_مبترديش ليه &;
_كنت قاعدة مع "جميلة" فمسمعتش التليفون &; لو بتتصل عشان البس فأنا هجهز وانزل استناك اهو .
هل وضحت للتو انها في الشقة&; &; حرك رأسه ي&;جيب بتوضيح لها أكثر كي يخبرها بأنه بالفعل بالأسفل بينما هربت الكلمات منه ما ان وقعت عينيه على طيفها من على بعد وهي تحدثه ولم يرد!! &; أهبط الهاتف من على أذنه ولم يفارقها بمراقبته الصامته عن اي رد فعل &; بل سكن غالقا&; الخط دون النظر ناحية شاشة هاتفه واعتدل أكثر ما ان وجد "آدم" يتحدث بشئ لهن لم يسمعه هو بينما كان قوله لهن كي ينتبهن :
_دا "غسان"هناك اهو.
اهتز الهاتف من بين يديها التي ارتجفت للتو ووجدتهم يقتربون معه وهى في الخلف وقفت لدقيقة تستوعب والخوف رفيقا&; لها &; ابتلعت غصتها وتحركت بصعوبة تقترب بتردد&; وهى تهرب من عينيه التي تحركت من عليها للتو عندما رحب به "آدم" والذي وجد منه السؤال سريعا&; :
_كنتوا فين كدة&;
فخرج رد "آدم" بعفوية&; دون ان يلحظ بأنه فعل شئ ما بينهما الآن!! :
_أنا كنت مع "فريدة" في المقابر ولقيتهم بعد كدة جايين هناك.
تحركت عدستي "غسان" ناحيتها وهي صامته هكذا بوجة قد احمر من التوتر &; فيما صعدن هن وودعه "آدم" حتى يصعد وقال ينهي وقفته بـ :
_ المكنة معاك &; خد راحتك &; انا طالع انا ومستنيك على ما تيجي براحتك
وأشار ملوحا&; بعجالة&; حتى يلحق بهن :
_ سلام.
انسحب في حين اشارت "ياسمين" لها من على بعد&; فابتسمت لها "نيروز", ابتسامة ليست صادقة من عزم ارتباكها الذي جعلها تردد بتقطع أمام عينيه التي تراقبها :
_"غسان"&; أنا والله مـ..
_اركبي!!
رددها مغيرا&; مجرى الحديث بتجاهل الأمر آخذا&; موقف!, تجاهل وفتور قصده معها &; أكثر شئ تكرهه &; لمعت عينيها من ما اقترفته للتو &; وتصلبت حركتها تحاول التبرير :
_اسمعني طيب أنا مكنـتش عايـ&;
بتر قولها مجددا ببعض من الحدة التي ظهرت بقوله وهو ينظر إليها مشيرا&; :
_ يلا!.
نظر "غسان" يحثها بعينيه &; ملقيا&; نظرته التي تخترقها وكأنها تكشف ما تفعله وما بها من الأساس &; هذا الموقف الذي حدث بفعل كذبة صغيرة جعل الأمر مرت&;بك حتى انها ركبت خلفه بسكون&; م&;ريب بعباءتها دون الصعود لتبدل ثيابها !!
التفت "غسان" برأسه ينظر ما ان تجهزت أم لا &; واهبط ذراعه يلملم أطراف عباءاتها كي لا ت&;سحب في الأسلاك الحديدية ثم لتقع أرضا&; &; ودارها بخفة&; &; وهذا الصمت التي تلقته منه كعقاب&; كان قد شعرت به من قبل عندما طال الخصام بينهما في مرة من المرات حين تع&;ب&; والده!!
تساءلت وكأنها تهرب من ما فعلته بتسرع&;..ان لم&; في كل مرة تذهب معه إلى الطبيبة للكشف يحدث شئ يدمر اللحظات التي تنتظرها بفارغ الصبر&;
سارت الدراجة البخارية بسرعة بفعله والصمت سيدهما وعيناها تتفحص تعابيرة في محاولة لهذا وهى خلفه جالسة هكذا! &; وصوت ما جاء بعقلها وحثها على عدم التحدث كي لا يتجادلا &; وتابعت ان في كل مرة يبتعد بصمت وتجاهل هكذا وهي من ت&;صر على الحديث والمواجهة فينقلب الأمر! &; تعمدت الصمت هذه المرة ومدت ذراعيها تتمسك بمنتصف جسده وبادرت في الاستناد عليه من الخلف بسكون&; مغضمة عينيها وهى تتمنى ان هذه العقبة السريعة تزول سريعا&; كما جاءت دون حسبان منها وكما اتت بكذبة صغيرة لم تستمر وكبر حجمها &; فقط لأنها تسمى&;"كذبة" مهما اختلف حجمها!!
____________________
&;وأنا حزين&; يا أبي
كـ حمامة&; الأبراج
خارج&; سرب&;ها
د&;ل&;&;ني!
ل&;م&; ج&;ئت&; بي&;&;
-محمود درويش-
يسأل نفسه &; لم&; جاء على حياة كهذه&; &; ي&;نهك بها كل الوقت وليس أغلبه &; دموع كثيرة تنهمر أو انهمرت منه وهو يقضي اليومين بعيدا&; عن كل مكان ي&;تو&;قع وجوده به &; لا يلوم سوى الحياة ومن قبلها شخص واحد فقط &; شخص يخفي له كره كلما تشتد به أزمات الحياة &; سره بكرهه لما فعله به هذا الشخص &; فيسأل : هل أكره أبي&; &; لم&; لم أردد أبي في الحديث بين الكلمات &; &; البغض الذي يحمله تجاه شقيقه هو نفسه من يحمله تجاه والده&;!
هل كل الأيام ك&;فاح&; جهاد&; تعب&; مشقة&; شقاء&;&; عناء &;&; اسئلة كثيرة يسألها لنفسه المسكينة منذ ان فر هاربا&; من مكان تم كسره به كما كسرته الحياة بما فيه الكفاية! ..
المشاهد تتولى في ذاكرته والعقبات تعود ليتذكرها ووالده هنا في عقله لا يذهب أبدا&; &; لا يذهب &; والده هنا حقا&; أمامه في هذا القبر في بلد&; أخرى يعتبرها بعيدة عن بلده الذي عانى بها !!
_إذيك ي&;اب&;ا &;!
بنبرة&; مبحوحة قاوم على اخراجها &; خرجت أخير&;ا من بين الأفكار والأقوال والأحلام التي ماتت بداخله .. هنا حيث من كان سببا&; في موت هذه الأحلام ..مسكين حتى في أحلامه الصغرى الذي لم ينساها لم يحقق اي منها &; لم&; و&;عى على هذا&; &; أنفاسه تتصاعد وبعد قرارات مترددة كثيرة &; هو هنا الآن أمام قبر والده ينهج لأن ذاكرته تضعه أمام الأمر الواقع! &; سلب أنفاسه &; كما سلب أحلامه مقابل رحيله المبكر حتى يصبح مسئولا&; &; طفلا&; مسئولا&; لا يفقه شئ &; لكنه مسئول &; قبال ضياع الأحلام &; قبال كل شئ مات بداخله فور وفاته!! ..
ألا يكفي ابتعاده عن المنزل ليومين فر بهما في مسجد ما بعيد جلس به وقت كبير ثم عقد العزم على الذهاب للوم والمواجهة وكأنه اختل للتو &; لأول مرة بحياته القاسية يقرر لوم والده وهو في قبره &; غير عابئا&; بالمارة ومن حوله .. هل كان هو &; كان من لم يرى عدلا&; في حياته من البداية إلى النهاية&; &; لم&; ي&;ردد النهاية الآن&; أم أنه يقتنع بأن شخص مثله نهايته مثل بدايته&; &;. هل كان "عز"&;
استند "عز" بإنهاك&; على صخرة القبر الذي خلفه مطالعا&; القبر الذي أمامه &; بملابسه التي أظهرت مدى انهاكه بعدم ترتيب أزرارها من الأمام &; وجهه الذي يصب عرقا&; &; بشرته القمحية المنهكة وملامحة المتعبة بعينيه التي زاد احمرارها من الضغط والتي سقطتت دموعها الآن منه وهو يحدق بالقبر&; ظل تائه إلى ان جعله القدر هنا حيث والده .. أسئلة كثيرة داخل عقله المتعب وأمام هذه المواجهة الذي يتخيلها وحده .. عاجزا..
_مش عارف..مش عارف أبدألك منين ولا من فين..بس أنا تايه &; تايه أوي بسببك ولسه تايه &; ليه يابا&;&; &; قولي ليه &;&; رد عليا وقولي أنا كان ذنبي ايه &;&;&;.
مرات عديدة يكن بها مضغوطا&; ولكن هنا والآن حيث أول مرة تنهمر منه الدموع هكذا &; نام من قبل نومة مظلوم والآن يبكي بكاء المظلوم &; يستجوبه بهستيرية&; في البكاء ولم يتوقف بل ازداد وازداد وهو يلومه بضعف&; في بدايته:
_ليه جيبتني الدنيا القاسية دي&; أو حتى قولي ليه كنت قاسي وسيبتهم وهربت على أمي&;&;, ليه سيبت ضناك عشان تيجي تجيبني للدنيا من واحدة غلبانة مكانتش شايفة غير حبك وبس &; مكانتش عارفه انها ظلمت زيك بالظبط لما وافقت على وضع زي ده ..قولي ليه بتقهرني في كل مرة بفكر وانا بحط نفسي مكانه &; مكان ابنك اللي سيبته وعقدته وكبر يخرج عقده علينا لحد ما بوظ حياتي &;لحد ما هيجيلك خلاص.. رد قولي هو أنت قاصد كل ده &;&; قاصده في عيالك اللي من صلبك اللي بهدلتهم وانت بتختار نفسك وبس&;
شهقات وبكاء لم يخرج من قبل من رجل تحمل ما تحمله &; ولكن الآن انفجر بركان يدخر الكثير من الأوجاع &; انفجر قلب منهك م&;غلق والآن فـتح أمام مقر الأوجاع :
_ياري&;تني كنت م&;ت&; بدالك من قبل ما أكبر واحارب نفسي كدة &; من قبل ما اوعى على نفسي وانا مبحاربش غير دماغي مع الدنيا &; سيبتلي ع&;ي&;لة صغيرة متعرفش يعني ايه أب &; وسيبتلي ست ماقدرتش على الدنيا من بعدك لحد ما جالها المرض اللي فضل يحارب فيها &; سيبتلي ح&;مل كبير كبير أووي.
واسترسل يوضح الأسرار الذي كتمها دون البوح &; أسرار متعبة &; ماتت بداخله مع موته &; أسرار ماتت ولكنها تركت الأثر هنا &; تركته في الفؤاد &; فؤاد لم يتماشى مع أي دواء لداءه &; داءه كان حلم &; حلم لم يستمر حتى ليصبح القول ح&;لم &; حتى هذه الكلمة ح&;رم منها ومن قولها مبكرا&; :
_ح&;مل وتقل أكبر بكتير أوي من عيل كان كل همه هجيب ازاي طيارته الورق اللي وقعت على سطح الجيران &; أكبر من عيل بيحلم زي كل العيال اللي حواليه &; كان بس عايز يتقاله يا دكتور ويبقى حاجة فخر بدل ما انا ق&;له , هو كان كتير عليا يابا &; كان كتير عليا احلم &;
الآن واتضح بالواقعية الأكثر عندما كان ي&;سأل لم&; شخص مثله يدعم زوجته كل هذا الدعم&; &; هل كان هناك رجلا&; مثله في واقعنا هذا&; أم ان هناك سر ما وراء هذا الاحتواء الذي كان أكبر من حجمه&; &; نزلت دموعه بقوة&; وضرب حائط القبر بكفه وهو ي&;شهده بهستيرية&; في القول:
_قولي &; قولي بس .. انا كتير عليا كل ده &;&;&; مشيت ليه&;&; خلفتني ليه &; طب خلفتهم هما ليه&;&; &; ليه سيبتهم ومشيت&;&;&; ليه حبيت امي ومحبيتناش &; ليه حبيتها ومحبتهمش&;&;&;&; &; ايه ذنبنا&;&;&;&; رد عليا &; متسبنيش كدة!!
ان رآه شخص &; سي&;ردد للجميع بأنه اختل في عقله للتو! &; ابتلع غصته بمرارة&; &; مرارة في كل شئ حدث له &; نزلت التي لم تتوقف بعد &; نزلت دموعه بغزارة&; وكأنها سماء تمطر مطرا&; غزيرا&; بعد عطش&; كبير من الأرض! &; أرض بور جافة متشثققة لم ترى بحياتها ساق&; قط! ..
_عيل غلبان طلع من المدرسة وطل&;ع أحلامه من عقله &; طلع رسمته اللي اتشخبط عليها من الدنيا ورماها زي ما رمى طوبته من كل حاجة كان نفسه فيها &; قولي كدة وانت موجود حسستني انك ابويا &; حسيتني انك ضهر طول ما انا قاعد فاكر انك سيبت غيري &; كنت عايزني اديك الأمان ازاي وانت سايب لحمك وماشي&; سيبتهم قدي وانا صغير عشان تيجي تجيبني انا وواحدة غلبانة طلعت وبقيت بالنسبة لها كل حاجة بسببك برضه .. عشان خليتني اعطي وادي اللي مخدتهوش &; خلتني اديه بقوة &; قوة راحت مني خلاص&; ومبقاش نفسي في حاجة!!
هل للوجع عنوان&; &; ان كان له عنوان سيكون عنوانه اسم من حرفين فقط &; اسمه هو &; ونبذة تعريف الكتاب ستكون الدموع التي تسقط منه وهو يستمر في ترديد أوجاعه كما الآن :
_حق مين اللي بيتاخد مني ده يابا&; &; حق مراتك اللي ماتت بسبب اهمالك ليها في الاول وانت بتسيبلها عيال لسه برضه &; حقها وانت بتسيب ابن ليها برضه كبر وعاش ليهم بس سابوه &; &; سابوه..وسابته بنتك اللي دمروها في غيابك واتمرمطت ..يا شيخ دا انا بحط نفسي مكان واحد..بكرهه قد الدنيا دي كلها.. بحط نفسي مكانه وبعذره رغم كرهي ليه..
وأضاف وكأن البوح هو عنوان قاموسه الآن :
_ جاي أقولك ان اخويا دمرني &; كسرني &; عاش عايز يكسرني ويموت أمي &; عاش عايز يفككنا زي ما انت فككتهم ببعادك &; فككتهم في تعبهم ومصايبهم &; زي ما فككت مني احلامي وسيبت ليها الحبل تهرب مني &; بس ٱنا وقفت &; وقفت عاجز عشان عارف مهما جريت مش هعرف امسكها من تاني ..وقفت أسأل مع اني كنت صغير اوي عن اني اسأل &; أفضل ولا مفضلش&; امشي واسيب المسئولية ولا ممشيش &; لقيتني واقف وفضلت بس من بعدها عمري ما دوقت طعم الراحة &; عمرى ما عرفت اسأل نفسي اللي كنت بسأله عشان خلاص مبقاش ينفع والوقت فات!
ضرب رأسه في الحجر بتعب&; واستسلام ورأسه تتداخل بها العقبات &; تتداخل بها الأوجاع باختلاف شدتها عليه ..
_نفسي اشوف نفسي حاجة كبيرة &; نفسي مشوفش نفسي قليل &; طول عمري شايف نفسي ولا حاجة &; طول عمري واقف ومبرضاش اتحسر على تعبي وطاقتي اللي راحو لناس هما كل حياتي ..بس حتى دول ..شوفت نفسي قليل قصادهم لما سيبتهم ومشيت .. شوفت نفسي قليل قدام الوحيدة اللي قلبي اختارها وحبها واتعلق بيها &; حتى لما كل حاجة راحت مني وكانت هى هتروح قولت يعني هى اول مرة يضيع منك حاجة&; &; بس هي كانت مختلفة &; لأول مرة حاولت عشان متمشيش لاول مرة احس ان المرة دي مختلفة .. كل حاجة بيني وبينها اكبر من اللي بيبوظه ابنك &; بس المرة دي مش زي اللي فاتت ..المرة دي انا اتكسرت بالجامد &; عيني وقعت مني على الأرض زي كرامتي!
ازدادت شهقاته آنذاك وهو يرجع رأسه إلى الخلف مرددا&; بتقطع لا يليق بجبل كان شامخ في يوم من الأيام ..عكس الآن..عكس هذا الانكسار :
_ارجعلي قولي اني مش شبهك عشان سيبتهم ومشيت زيك &; قولي اني مش نسخة منك عشان انا كاره نفسي وفنفس الوقت مش قادر أرجع &;. ارجعلي رد .. عشان اعرف ازاي هعاشر واحدة اخويا اللي من صلبك قتل ابوها اللي كان سبب في تدمير حياة بنتك .. يعني حتى اللي حبيتها مسلمتش من اذاكم&;&;
تمسك بالحجر بقوة&; ودفعه في الأرض بإنهيار&; مرددا&; بصوت&; أعلى في البكاء:
_ارجـعلي &; ارجعلي قول&;ي اني مش ندل..ارجعلي وقول اني مش عويل .
واستسلم يتمسك برأسه بإنهاك&; من صداعها الشديد وأكمل بنبرة أهدأ توحي بالاستسلام:
_قولي بس ازاي كان ضميرك مرتاح!&; &; قولي حتى انك كنت بتتوجع زي ما انا بتوجع بس مكنتش بتبين..قـــولي موت&; ضميـــرك ازاي&;&;&;&;
صرخ بقوة&; في آخر حديثه ورفض الاستسلام &; تجمع قلة حوله وهو جالس بانهيار منفعل هكذا على الاتربة التب لطخت بنطاله, نظر ومسح وجهه بإنفعال&; وهو يلقي الحجر على الأرض ناظرا&; نحو القبربأعين زائغة حمراء اشتدت كشدة أعصابه وهو يصرخ:
_يـــاريــت ربنـــا كــــان خادن&;ــي بدل ضمـــيــرك!!!!
تمسك برأسه بوجع&; بعد هذا الصراخ والناس تتهامس من حوله الآن في دهشة وذهول لهذا الإنفعال والحديث وحده!! مرددين خلف بعضهم وربما كان الحديث بوقت واحد بعشوائية&; غير متزنة وغير منتظمة :
_لا حول ولا قوة الا بالله
_لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
_لا اله إلا الله &; قوموه ..تعالوا نقومه نسنده .
_الدنيا جرا ليها ايه ..يارب استرها على عبادك
_قوم يبني معانا &; قوم ربنا يهون عليك ويسترها علينا
_قوم يا حبيبي وادعي بالرحمة &; قوم اشربلك شوية مايه يفوقوك.. قوم بينا
الأصوات تتداخل وهو الآن يضع كفيه على أذنيه بوجع&; غير متحملا&; اي حرف &; بل استند كي يقف وه&;زم من قوته التي تركته في أضغف أوقاته وهربت منه فوقع على ركبتيه &; وفعلة كهذه جعلت دموعه تهبط منه وهو ينظر ناحية القبر في خيبة&; ك&;برى امتزجت بالتحسر &; مرددا&; بصوت&; لم يصل إليهم بسبب أصواتهم العالية:
_ خدت مني ايه تاني لما جيتلك&;..مش كفاية بقا&;&;
لم ينتبه انه شئ لا ي&;ردد من الأساس &;شئ خرج من الانهيار وكأنه يهلوس لتوه! &;ابتلع ريقه ووجد رجل وشاب يسندانه من أسفل ذراعه فحاول الإبتعاد وهو يسمع حديث أحدهما له أمام البقية الواقفين بمتابعة&; ومراقبة:
_اسمع بس الكلام وسيبنا نسندك &; شكلك هتقع من طولك .. اهدى كده بس وصلي على النبي في قلبك.
لم يعير لقوله اهتمام بالغ بل حاول تركهم وهو ينظر ناحية الوجوه التي اهتزت وتداخلت مع بعضها البعض &; ها هو يرى الأطفال من حوله في الص&;غر وهو يقف لا يشاركهم اللعب &; ها هو يرى بكاء شقيقته ..مرض والدته &; شقيقه وملامحه المتشنجة في إحدى المواجهات &; ثم ضربهما لبعضهما أمام المستشفى&; &; ثم مرة أخرى تمسكه بيد "فرح" وركوبهما معا&; سيارة ما كانت مع شقيقه الثاني في ذهاب ناحية مبنى "عائلة البدري" 'والأكرمي" للتقدم لخطبة "جميلة"&; ثم بكاءها مرة أخرى وهي تخلع ذهبها له في محاولة لفض ما بينهما بسبب ما فعلته شقيقته &; شقيقته الذي رآها للتو تبكي كي يغفر لها ما فعلته ولم يرض هذا ففقدت النطق ..فكان معها في المستشفي هو وزوجته التي غفرت هي لها هذا &; بكاءه عندما حاولت قطع شريانها &; بكاءه في غيبوبة والدته!!.
بكاءه صغيرا&; عندما عاد من العمل بسبب طرد زعيمه له بسبب فعلة غير مقصودة&; بكاءه لأن لا يوجد بالمنزل قطعة واحدة من الخبز حتى&; تكفيه هو وحده وليس هو وعائلته الصغيرة &; بكاء والدته عندما رفض وهو في بداية الشباب ان تهبط لتعمل &; ترديد لقب"عز الرجال", وهو يضحك ومرة وهو يبتسم ومرة وهو حانق منها ..من شقيقته وزوجته.."جميلة" الذي جاء وجهات مبتسما&; عندما نظر في الوجوه المهتزه فلم يرى سوى حياءها بعد بكاءها في اسعد ليلة في حياته بسبب موت والدها على يد شقيقه &; معرفة الخبر في يوم الزفاف الذي انقلب عليه بقهر&; ثم ابتسامتها الواسعة وسماحها له بعد ذلك بالقرب ..فحدث القرب الذي أسعده والوعد بأن لا يتركها أبدا&; !!
الأحداث الكثيرة تتداخل مع بعضها الآن وجملتها تتردد في أذنه بأن لا يتركها بينما تأسف وصوت صفير عال في اذنه ووجع رأسه يشتد وآخر ما نبس به بدموع كان أسفه لها وشقيقته التي بكت أمام عينيه وهو يتخيل ووالدته الذي يرسم لحالتها الآن في فراقه أحداث لم يراها ولكنها حقيقه في وجعها عليه:
_أنـا آسـ ـف!!.
يتأسف ويحمل كل شئ كأنه المذنب لآخر فرصة وضعت أمامه!! &; انقطعت نبرته كما هربت منه انفاسه بعد محاوله في ان تنتظم &; هربت المشاهد وهربت الكلمات عندما خانته نفسه &; عندما هزمته القدرة ووقع من بين أيديهم معشيا&; عليه .. ولم يظهر أي صوت بعد ذلك الا صوت الصراخ من النساء اللواتي في زيارة لمقابر أخرى &; صراخ لاق وبشدة مع ملابسهن السوداء وصوت ضرب الكفوف لبعضها البعض في تحسر&; على ذلك الشاب الذي انهزم من الحياة وضاعت قوته هباء كما ضاع ثباته وهناك سؤال و&;ضع للأمر خلفية &; هل سيضيع هو كما ضاع منه ما كان السبب في الثبات الذي ضاع هو الآخر مع الأنفاس التي فرت هاربة منه ومن الجميع&;&;
___________________
تمسكت بكوب مشروب الليمون التي اعدته لها "عايدة" والدتها عندما رددت "فريدة" وهي تخبرهم بأنها تشعر بالهبوط منذ ان كانوا معا&; هناك في المقابر &; علم الكل هذا وبينهما كانت "ياسمين" التي اعدت شئ ليأكله زوجها بتأخيره ..لـ "حازم" الذي عاد قبل وقت من الخارج على الرغم من انه كان هنا قبل ساعات &; اطمئن بخفة&; عليهم حتى انتهى قلقهم بوجود "جميلة" الآن بجوار "حازم" وهو يجلس وأمامه أسندت "أسماء" مقعد كي تضع "ياسمين" الصينة عليها وهو جالس هكذا جوار شقيقته &; بينما وقفت "فريدة" تتابعها بنظراتها بجوار "زينات" التي تفحصت"فريدة", بعينيها بشوق&; حتى سحبتها معها ناحية غرفة ما كانت تجلس بها هى و"أسماء" &; في حين خرج صوت "حازم" بقلق&; وهو يتساءل ناحية تقاسيم شقيقته :
_أحسن دلوقتي يا "جميلة&;&;
ابتسمت تراضيه رغم الوجغ التي تشعر به &;. فهدأ خوفه تدريجيا&; وهو يقدم لها الملعقة لتأكل من يديه &; فلم ترفض كي لا يحزن منها قبال الحزن الذي بداخله وحده وهي تشعر به &; أخذت من بين يديه فضحك بخفة&; كي يخفف عنها مرارة الفقد وقال:
_فاكرة لما ماما كانت بتجيب الطبق وتملاه رز وتحط فيه شوربة وتديهوني أكلك عشان كنتي بتلوعيها وانتي بتاكلي بطئ &; فكانت تقوم تشوف اللي وراها وتقولي خلي بالك يا حازم وأكل أختك على ما ارجع!
ضحكت عندما استمعت لما تذكره &; كما ضحكت "ياسمين" وهى تجلس أمامهم وتدخلت قائلة :
_تلاقيها كانت بتتبلى عليك يا كبدي وبتقول انك أكلت أكلها اسألني أنا &; دي جميلة بنت ام جميلة اللي شقية في الد&;را .
تعالت ضحكات "عايدة" وهي تندمج لأجل نفسية ابنتها وهتفت تجيب الأخيرة بدفاع&; فطري:
_والله&; دي غلبانة ولا بتعرف تتخابث ولا بتعرف تعمل حاجة &; قلبها أبيض مبتعرش تإذي دي!!
_ما هو ده عيبه بقى&; &; طالعين حلوين زيك لا وكمان طيبين وقلبهم أبيض زي الجبنة الحلوة اللي بتعمليهالنا يا عايدة &; مش كدة يا حازومي &;
سألته "ياسمين" كي تجعله يضحك &; فضحك هو ومن حوله وهو يؤكد برأسه وهتف بخوف&; زائف لها :
_هو صح وكل حاجة &; بس ياخوفي بنتي تيجي زي عمتها كده لا بتهش ولا بتنش.
نظرت له "جميلة" بضحك&; ودعمت قوله "ياسمين" فتدخلت "أسماء" بقليل من الحرج على الرغم ان أجمعهم لم يشعروها بأنها غريبة بينهم عدا "نيروز" التي لم تتحدث معها :
_دي أحلى حاجة تطلع زي "جميلة"&; طيبة وملهاش في حاجة &;صدقوني الشدة مش كل حاجة ولا بترجع كل الحقوق ولا حتى بتخلي الواحد مرتاح &; غالبا&; الوسط في كل حاجة ببقى أريح.
هز "حازم" رأسه يؤكد &; ونظر لها بدعم&; فابتسمت "ياسمين" لها كما ابتسمت "جميلة" وهى ترد على حديثها بتعب&; ظهر على ملامحها:
_الله يخليكي يا "أسماء" &; تسلمي.
ابتسمت لها ابتسامة هادئة &; ثم التفتت كي تقترب من غرفة متواجد بها الآن "فريدة"و"زينات" التي استندت ابنتها على صدرها الآن وهي تتنفس بعمق&; وخرج صوتها الهادئ لها :
_وحشتيني أوي يا ماما ووحشني حضنك.
ابتسمت "زينات" ناحية هذا الدعم والجبر بالكلمات التي تسعد قلبها &; ضمتها بحب&; داعية ربها ان تدوم لها هى وشقيقها &; رغم حزنها على "حسن" الا انها تحاول التماسك كونها ذات شخصية قوية هى الأخرى!
_وانت&; كمان يا حبيبتي &; معلش اعذريني والله غصب عني مش عارفه اقرب منك واشوفك انت&; وحياتك اللي اتلهيت فيها دي &; بس مش هترجعي بقى&; مش هترجعي لحضن امك&;
اعتدلت "فريدة" في جلستها وهي تطالعها بهدوء&; &; رأت الترجي بعينيها وقبل ان تجيب وضحت لها "والدتها" الأقوال أكثر:
_ كنت لسه قاعدة مع "حازم" ومعاهم قبل ما تيجي &; من ساعة ما عرفنا أنهم ماشيين مفيش حاجة جت على بالنا غيرك انت&; وغير وجودك من تاني &; بس "حازم" قال مكان فين ترتاحي هيسيبك بس انا قلبي مش راضي يصدق انك خلاص اتجوزتي وبقى ليكي بيت &; بسأل نفسي هو انا لسه لحقت اشبع منك ..لحد ما قولتلهم كده وقالولي ينبهوني اني اسيبك على راحتك &; وانت&; راحتك من راحة امك والله&; يا بنتي.
أدمعت عينيها تأثر&;ا وهي تتمسك بكفها ودخلت في أحضانها تخبرها بهدوء&; :
_مهما روحت ومهما جيت هفضل معاكي وفحضنك &; أنا مقدرش ابعد عنك يا زينات &; دا انت&; الحب كله &; بس زي ما تقدري تقولي كده &; اني خلاص فعلا&; لقيت بيتي ولقيت شريكي اللي كنتي بتقوليلي بكره يجي اللي يتمنى ضافرك &; مكنتش مصدقة بس خلاص "آدم", خلاني أصدق..
ابتسمت لها "والدتها" بتأثر وهي تمسح وجه ابنتها برفق&; حاني منصته لبقية حديثها :
_خلاني اطمن وخلاني معاه في أمان &; وخلاني متكسفش اقول ان مشاعري اتحركت نحية راجل رغم كل اللي حصل &;بس انا مش بعيد ياماما أنا هنا موجودة ومش بقطع وجودي هنا &; باجي وهاجي ومتخافيش عليا انا في أمان وبيت دافي كنت بتمنى ألاقيه وسط ناس بتحبني &; ومعايا كمان فوقي وردة &; ومعانا فاطمة وعيالها وانت&; بتيجي بس عشان الظروف الايام دي بطلتي تيجي &;. كل حاجة هتبقى فل يا زينات &;. خلينا نستنى "حسن" بأمل جديد وحياة جديدة بدل اللي راح مننا ..لو حازم سألك عن اللي يخصني قوليله اني مطمنة واني مع جوزي ياماما لإني مش هسيب آدم وارجع استنى &; انا خلاص كده دي حياتي.
أظهرت لها كل شئ &; وربما من بين الكلمات توقعت الأخرى حدوث شىء بينهما فإبتهجت ملامحها وصمتت فوجدتها تقبل قمة رأسها ببر&; فأخرجت الأخرى سؤالها :
_ يعني اطمن أكتر &; &; أنام مطمنة على بنتي يا "فريدة"&;
حركت رأسها تؤكد قول والدتها &; وظهرت الإجابة في ابتسامتها عندما نظرت ناحية الهاتف الذي أعلن بقدوم رسالة منه وهو لدى شقة عمه هناك!:
_نسيتيني يعني يا شاطرة ولا تتصلي تسألي جوزك راح فين ولا تحاولي تشوفيني مش جنبك ليه.
ضحكت ورأت رسالته ثم تركتها متعمدة عدم الرد بإستفزاز وبرود يعهده منها أغلب الوقت &; نظرت "والدتها" لتعابيرها وخرجت أنفاسها براحة&; ك&;برى قطعها دخول "أسماء" التي وقفت لها "فريدة" وهي تفرد ذراعيها في مزاح&; هادئ تعبر لها :
_وحشتيني &; خليني اخد حضني بضمير المرة دي عشان ملحقتش.
ضحكت "أسماء" بخفة&; فنهضت "زينات", ناحية الخارج وتركتهما بمفردهما معا&; فيما جلستا الاثنان بجانب بعضهما وبدأ قول "أسماء", وهى تتساءل :
_اخبارك ايه يا فريدة &; اتصلت عليكي النهاردة بس تليفونك كان مقفول فقولت تلاقيها قاعده مع جوزها ولا حاجة!
فهمت تلميحها المبطن وضحكت بخفة&; تضرب كفها وهي تنهرها :
_لا يا ختي مكنتش قاعده معاه ولا حاجة&; وسيبك مني خالص وقوليلي انت&; اللي عاملة ايه &; أنا عارفة انك زعلانة وعارفة انك مش تمام!
صمتت جراء هذة الأقوال و الاعترافات الصحيحة &; التي اخرجت بها أنفاسها ببطئ&; وهي تطالع الفراغ بأعين لامعة وسردت وكأنها كانت تنتظر جلوسها معها هكذا :
_ مش عارفة يا "فريدة"&; بفكر امشي معاهم &; أصل نهايتي معروفة خلاص أنـ&;.
لم تتركها لتكمل بل احتدت نبرتها وهي تصحح لها بتعمد :
_انت&; بتقولي ايه يا "أسماء"&;&;&; &; انت&; مش هتمشي معاهم &; ده بيتك وهتفضلي فيه تستني جوزك يرجع وتعيشي حياتك &; سامعة&;&;
هل حقا&; لها حياة معه بعد كل ذلك&; جاء الحديث على جرحها فسألت بدموع&; قد هبطت وهي تردد :
_ اعيش حياتي&;&; &; وهي فين حياتي دي يا "فريدة" &; أنا حياتي متدمرة وعارفة من زمان انها متدمرة من ساعة ما سمحت ان يضيع مني حاجة مينقعش تضيع بالطريقة دي واغضب ربنا كده&; حياتي ايه وانا وسط ناس زي دول حالفين يدفنوني بالحيا لو رجعت &; لحد ما استسلمت وقولت همشي وايه يعني لو روحت فيها &; اصل بقى ايه هبقى عليه&; هستنى ايه تاني&; انا حياتي كدة كدة بايظة سواء استنيت فهي واقفة ولو مشيت فهي رايحة!!
ورغم ان الأخرى بادرت بعناقها سريعا&; الا انها تركتها تكمل بنبرة&; باكية بكاء هادئ :
_أنا قصاد "حسن" قليلة أوي يا "فريدة" &; قللت من نفسي &; مش عارفة ازاي لما يفوق هيقد&;ر اني مراته &; عيشت طول عمري عاوزاه وحباه &; وكنت وحشة لما كنت بقول لنفسي اني عايزاه وعايزة حبه بأي شكل &;بس دلوقتي بقيت في عصمته وعلى اسمه و مبقتش عايزة ده &; عشان شايفاني قليلة اوي في عيني وعينه وعينكم &; الإحساس ده وحش أوي بعد احساس الندم على حاجات غلط وحرام حصلت وبتوب منها وبفوق &; بس لما كل ما بفوق بعرف اني مش ليه ولا بقى ينفع ده &; غصب عني شايفة ده ومش قادرة اشوف اني هكمل بس مجبورة أكمل وكإني راضية!!!
ابتلعت "فريدة" ريقها بتفهم لما تشعر به وهتفت بهدوء&; يعبر عن هدوء أفكارها وهي تحتويها بين ذراعيها :
_أنا عارفة انك مشتتة وعارفة انك متأثرة وتايهة ومقدرة انك مش شايفة ان "حسن" يصلح يكون زوج عشان تعيشي حياتك معاه &; بس ممكن فرصة &; اعتبريني مكان "حسن", واعطي فرصة تصبري فيها لحد ما يطلع وابقي شوفي دنيتك &; بس مهما حصل مش عايزاكي تمشي يا "أسماء"&; خليكي انا عايزاكي جنبي &; عايزاكي اخت &; ولو على "حسن", سيبيها لله ان كان كدة ولا كدة فهو خلاص هيطلع يروح الجيش علطول وحازم هيحاول يدور له على شغلانة كويسة تلهيه وتتعبه وتشغل يومه..بس انت&; خليكي هنا ..خليكي معانا.
ضمتها "أسماء" بإمتنان&; ولمعت عينيها مجددا&; بدموع متأثرة وهي تردد لها:
_ربنا يخليكي ليا يا "فريدة"&; شكرا&; لانك جنبي في وقت مش شايفة فيه حد جنبي &; في وقت كله اتخلى عني وسابني مع عدا ناس كنت هبقى غبيه لو خسرت ودهم !
_متشكرنيش يا هبلة انت&; &; أنا اختك &; وبعدين احنا مش بنشوفك قليلة &; كلنا فاهمين اللي بتمري بيه &; وكلنا عاطيين فرصة وعارفين ان اللي كان فيكي قصادنا مكنش منك انت&; &; احنا بنحترمك والله وهنفضل نحترمك لانك واحدة مننا &; وعارفة انك بتزعلي عشان حساسية الوضع وكدة..
توقفت تأخذ أنفاسها وفسرت ما انتبهت هى له:
_بس متتحسسيش زيادة من "نيروز" &; أنا شوفت زعلك وهي مش بتكلمك وواخده جنب منك &; بس والله هي بتاخد وقتها وبترجع &; متزعليش منها اكيد مقصدتش تبين انك مش مرغوب فيكي &; دا هي كدة مع ماما لسه رغم انها راحت تعتذر ليها كذا مرة بس هى مبتقدرش تغفر بسرعة &; اعذريها دي حاجة غصب عن البني آدم يا "أسماء" والله&;
بررت لها بدفاع&; فتحركت رأسها في تفهم وابتسمت توضع لها وهي تمسح وجهها من الدموع :
_انا حسيت كده برضه وحاولت محطتش في دماغي &; وقولت يعني "ياسمين", بجلالة قدرها بقت كويسة معايا زي الباقي &; مش هتبقى "نيروز" كدة !!!
خرجت ضحكات "فريدة" بعلو&; على سخريتها المضحكة وفسرت بصدق&; رغم نبرتها الضاحكة ودافعت :
_بتهيألك والله&; &; دا "ياسمين"دي بقا أطيب واحدة فينا كلنا &; ومبتشيلش في قلبها أبدا&; &; الموضوع بياخد وقته معاها ويعدي وبتهب تهب وتطلع و تنزل على مفيش &; هي بس عاملة زيي كده لسانها طويل زيادة ودي حاجة بقت واجبه في الدنيا دي والله&; يا بت يا أسماء!!
ضحكت "أسماء" وهى تعتدل&; فنظرت لها الأخرى بابتسامة هادئة مطمئنة تطمئنها بها بأنها شخص مرغوب به بينهم وليس العكس تماما&; &; هذا ما نريده دائما&; &;. أن يردد لنا أحدهم بين الحين والآخر بأننا مرغوبين &; بأننا بخفة الفراشات كي لا تهزمنا الأفكار في عقولنا!!!
____________________
_والله قلبي مقهور عليه يا أم غسان &; قلبي قايد نار &; "عز"دا كل حياتي&; انا عارفه والله ان الحمل كتر عليه &; بس هنا نار &; هنا موجوع عليه وعلى حياته وعلى اللي جراله &; الضنا يا حبيبتي ربنا ما يوريكي اللي انا فيه !!
حديث متحسر ومقهور خرج بإستسلام وهي تشير على موضع قلبها &; خرج من "حنان" وهي تجلس بجلسة&; لاقت على سيدة مثلها بين "دلال"و"سمية" في شقة"حامد" &; كانت السيدات مع بعضهن بينما وقفت "فرح" في المطبخ تعد أكواب من "الشاي" بشرود&; لمن بالخارج بعدما اقسمت على "والدة زوجها" بأن لا تفعله وهي من ستفعله فيكفي تعب الغداء قبل ساعات &; نزلت دموع "حنان" وهي تكشف عن ما بداخلها &; لمن يشعر بوجعها جيدا&; كونهم أ&;مهات!! ..
بينما على ب&;عد&; قليل كان "حامد" يجلس بجوار "آدم"و"بسام" متحدثين حديث عشوائي &; إلى ان استمر الحديث حتى علو صوت هانف "آدم" الذي نهض ناحية الشرفة يجيب على الاتصال &; فنظر "بسام" ناحيتهم ولم يجدها &; وقبل ان يقرر النهوض سمع صوت ضحكة "والده" وهو يشاكسه منتبها&; لتفحصه وبحثه عنها بلهفة&; :
_ما تتقل شوية ياض &; خليك واد تقيل كده &; متخوفنيش عليك!.
ضحك "بسام" وهو يحمحم بخجل زائف تصنعه بمرح&; وهو يسأل رامشا&; بأهدابه :
_هو باين عليا أوي كدة &;!
أكد "حامد" برأسه فوجده ينهض بخفة&; منحنيا&; ممازحا&; اياه وهو يشير بإستئذان&; :
_طب بعد اذنك &; هروح أكدلك المعلومة وارجع!
تركه "والده" وهو يبتسم في أثره &; فيما دخل "بسام", المطبخ رافعا&; الستار ثم اهبطها وهو يتسحب من خلفها حتى لفحت انفاسه عنقها من الخلف وهو يهمس بمرح&; :
_سرحانة في ايـ..
لم يكتمل قوله لأنها انتفضت بسرعة&; وهي تلتفت فاستغل الوضع واقترب حتى فرد ذراعه خلف ظهرها يقربها منه وهو يضحك بخفة مبررا&; الوضع بأسف&; :
_والله بهزر!!
هدأت أنفاسها بالتدريج &; وحاولت الاعتدال واضعة يديها على موضع قلبها وهي تنظر في ضجر&; قائلة :
_حرام عليك خضتني &; مفيش حد بيعمل كده &; عاوزني اتجنن&;&;
_والله انت&; اللي جننتي أمي!
خرجت جراءته في القول بصراحة&; استشفتها ما ان وجدته يطالعها &; فإعتدلت تنظم انفاسها وابتسمت "فرح" في حرج&; وهي تلتفت وحدثته دون النظر إلى وجهه :
_ الشاي اتأخر&; &; انا بجهز فيه والله&; &; معلش على التأخير &; شكلي سرحـ..
اتسعت عينيها ما ان وجدته يضع يديه على ظهرها وردد يحثها :
_لفي يا "فرح".
ابتلعت ريقها والتفتت تنظر &; فوجدته يبتسم مخرجا&; لها حلواها المفضلة من الثلاجة&; حلواها الذي وضعها الي ما بعد الغداء عندما عاد ووضعها سريعا&; &; ابتسمت في تأثر&; وهي تنتشلها وصر&;ح في هدوء&; :
_يمكن تكون حاجة هايفة &; بس أنا مبيغيبش عن بالي اللي بتحبيه&; كنت بدور عليها امبارح وملقتهاش &;. فقولت لازم اجيبها النهاردة &; اهو يمكن تبطلي عياط يا عيوطة!!
لمعت عينيها تأثرا&; وردت في سعادة من اهتمامه:
_دي مش حاجة هايفة أبدا&; &; دي أكتر حاجة بتفرحني عشان فاكر اني بحبها ومهتم &; شكر&;ا .
وقف أمام كلمتها الأخيرة رافعا حاجبه الأيسر في استنكار&; &; فتجاهلت فعلته إلى ان ضحك يحرك رأسه بالصبر &; فنبست هي من جديد :
_فكرتني بـ "عز" , كل ما يرجع من بره يجيبهالي معاه وهو راجع
وأكملت وهي تخفض رأسها تخفي لمعة عينيها كي لا ترد له شكرها بما جلبه بدموع وحزن :
_بس هو مرجعش المرة دي ولا جابها معاه &; يا رب يكون بخير ومش عايزه منه حاجة تاني &; بس يرجع !
رفع "بسام" ذراعيه فدخلت بقبول&; بين أحضانه وأخذت أنفاسها وهي تمرر يديها على ظهره بإمتنان&; وهمست بتحشرج&; :
_شكرا&; &; كنت عايزة أقولك شكرا&; بس شكرا&; بجد &; عشان معانا ومسيبتناش &; وشكرا&; عشان خليتني اشوف عز فيك مع اني مكنتش اتوقعها تحصل &; بس انت غير &;. انت مش زي اي حد &; انت عوض ربنا ليا &; ممكن أطلب منك طلب&;
سألته وهي تستند على كتفيه ولم تتركه يتأثر ويأخذ وقته بهذه الكلمات التي جعلت قلبه يخفق في موضعه &; فهمهم هو من خلف ظهرها ولكنها خرجت تتمسك بذراعه الأيمن من الأعلى وعدستيها الداكنة لا تفارق عدستيه الفاتحة في هذا الضوء الآن :
_ممكن متسبنيش&; &; ممكن ما تمشيش عشان أنا اتعودت على وجودك في حياتي&; &; متسبنيش وتلف ضهرك ليا في يوم &; أنا مكنتش عارفه انا ازاي عندي الثبات الانفعالي ده &; وازاي ساكته بس فهمت انه عشان انت معايا متماكسة وقوية .
تشبتت في يديه وكأنها تهاب الهروب &; وكأنها لا تثق في ثباته جوارها بعد غياب من كان كل أمانها ونطقت بنبرة&; مهتزة :
_"بسام"! &; انت كل قوتي دلوقتي &; لو روحت مني قوتي هتروح &; أنا مش عارفة اتكلم عشان متلخبطة &; بس اوعى تروح مني!!
تلك المرة هي من دخلت تستند على قمة صدره وأغمضت عينيها وهبطت دمعتها بضغط وتحمل لكل هذا فضمها بذراعية بتأثر&; ووعدها :
_بيقولوا ان الوعود بتتخلف ومبقاش في أمان &; بس لو كل حاجة هتتخلف ولو الأمان كله راح &; فهيفضل وعدي ليكي بإني مش هسيبك &;حق &; وهيفضل وجودي جنبك أمان مش هيروح من عندك أبدا&; يا "فرح"!
اتسعت بسمتها من وعده الصادق بصفاء عينيه التي تهبط لتنظر ناحيتها فإعتدلت إلى ان تقدم يقبل جبهتها فنظرت له بإمتنان&; وحياء ازداد ما ان ردد :
_بتبقي حلوة اوي وانت&; بتعملي شاي!
هل قصد اخراجها للحديث المكبوت في صالح له&; &; أخفت ضحكتها وهي تنظر في شك&; جعله يضحك مخففا&; عنها وهو ينظم الاكواب ليضع بها أمام مراقبتها له وهى تبتسم وساعدته إلى ان حملت صينية صغيرة وهو الصينية الأخرى وبدأ يخرج هو ثم هى من خلفه ووجد "شادي" الآن يدخل من الباب &; فقد جاء بعدما أوصل "منة" لمنزل "والدها" .. فيما صاح "آدم" مهللا&; :
_شادي ســيطرة !!&; طب وربنا واحشني.
كالعادة يظهر عكس ما بداخله دوما&; &; هي وحدها من تستطع كشف أحزانه في الداخل &; رغم خوفه من تركها له الا أنه يحاول الهاء عقله بعيدا&; عن هذا &; ضحك "شادي" وهو يمازحه :
_ما تظبط يالاا &; تعالى خش قي حضن اخوك!
دخل برحب به هو وعمه و"بسام" فيما وقفت "دلال" بلهفة&; وهي تهرول ناحيته بسعادة&; من قدومه بينما لم ي&;غلق الباب إلى هنا بل كان قد أرسل "حامد" خبرا&; لهم ليأتوا للجلوس معهم كعائلة! &; فدخلت "فريدة" من باب الشقة ومعها "أسماء" بحرج&; هي و"زينات" وخلفهم "عايدة" تتمسك بيد"جميلة" ومعهما "حازم وياسمين"!!
__________________
معا&; الآن بعد خروجهما من عيادة الطبيبة الخاصة بمتابعة حملها &; اطمأن الاثنان على حالتها وهدأ قلقه عليها فيما بعد قد اسندها هو ناحية الخارج ومهى معه الى ان توقفا معا&; أمام الدراجة في الأسفل حيث جانب الطريق &; الصمت سائ&;د وحتى هو لم يغازلها بأي شئ خاص بقدوم أطفالهما &; بل صمت هذه المرة بسبب ما فعلته &; هدأت أنفاسه وهو يخرج المفتاح من جيب بنطاله فيما طالعته هي بحزن وندم لما اقترفته وتابعته هو وملامحه كي ينظر ناحيتها أو ي&;ردد أي شئ ولكنه صمت &; تحركت عينيها بعشوائية&; وهي تشرد بحزن&; وثبتتها بشرود&; ناحية عربة ما تحمل شئ &; الشئ التي كانت تبتغيه وتريده &; الشئ التي رددته لشقيقتها قبل ساعات..
العجيب انها لم تنتبه لما داخل العربة بل تنظر وكأنها تحدق بينما عقلها ذهب في مكان أخر &; التفت كي ينظر حتى يخبرها لتركب ولكنه نظر محط أنظارها بإهتمام. اعتقد بأنها ت&;ريد &; فإعتدل وظهر وده وحنوه في خصامه الغير ظاهر وهو يلتقط كفها برفق&; وسار معها ناحية العربة حتى وقف يخبر البائع بأن يجلب له "مشبك",, تفاجأت بما فعله القدر وتأثرت من ما حدث من أسباب كي يأتي لها ما تريده &; فيما انتهى هو وهو يسير معها من جديد للعودة ناحية الدراجة البخارية الذي أسندها فلم ينتظر حين العودة بل فتحه يقدم لها كي تبدأ غير عابئا&; بالمارة فنظرت له بمشاعر مختلطة وهتفت باختناق&; عكس بسمتها له وهي تردد:
_ش&;كرا&; عشان عرفت ان نفسي فيه.
اخذت من بين يديه كي تأكل بعدما حثها بإشارته فإبتسم "غسان", ابتسامة لم تصل لعينيه وانتظرها تتناول على مهل&; ولاحظ مراقبتها له وهو يستند على الدراجة آخذا&; هاتفه بين يديه يعبث به &; وما فعلته بعد دقائق لم تستمر طويلا&; كان مفاجئ بالنسبة&; له ما ان التقطت الهاتف بين يديه وهي تحثه بعدما ابتلعت ما بفمها :
_ممكن تبصلي&; &; تكلمني وتقولي حتى انك زعلان واتدايقت&;
_كويس انك عارفة .
رددها "غسان", بتهكم&; فتشبتت بكفه الذي سحبه وهو يتفحص مقدمة الدراجة متحاشيا&; النظر إليها &; فعادت تخترق أذنه كلماتها المتأسفة :
_أنا آسفة !
اعتدل وعندما لاحظ توقفها عن تناول ما بيديها &; أشار برأسه معقبا&; :
_اركبي يلا عشان ن&;ر&;و&;&;ح
نكست رأسها في حزن &; ولأول مرة يرى الاستسلام دون الاندفاع&; هناك جانب جعله يحثه بالتخطي لأنه في جهة مقابلة كذب وخدعها عندما ردد بأنه سيذهب لصديقه &; ولكن كان الأمر لصالحها &; فختم هذا وردد بأنه ليس مبرر للكذب! &; اعتدلت خلفه والتزمت الصمت بعد ذلك حتى ادار الدراجة البخارية وسار بها سريعا&; بعيدا&; عن المكان حيث المبنى وسكنهما .
لم يستطع الالتفات ولكنه يعي جيدا&; معنى تقلب هرموناتها التي جعلتها تبكي خلفه بصمت&; وهناك شهقة خافتة خرجت رغما&; عنها &;. فمسحت بعفوية&; في ظهر قميصه &; فانتبه وأهدأ من السرعة كي يستمع ما ان كانت تبكي ام لا في حين توقفت هى تحكم ذاتها &; ونظرت في المساحات الواسعة وهي تخرج أنفاسها فسأل هو مقتضبا&; محاولا&; أن يجعل صوته مرتفعا&; قليلا&; كي تستمع :
_بتاخدي الدوا اللي قالته الدكتورة ده&;انا مبشوفوش في كيسة العلاج!
_مش علطول!
نبست بذلك محاولة الثبات &; فصمت بعد ردها عليه &; دون تعقيب واحتضنت ظهره بذراعيها كي لا تقع فيما سأل هو مجددا&; بجدية&; هذه المرة:
_ حلو المشبك &;
هل هاب أن يضغطها للتو حتى لا تنهار منه &; &; لم&; يسبب الانهيار هواجس وخوف لديه&; &; همهمت بالإيجاب واكملت بالقول قائلة:
_آه حلو أوي.
أكمل الطريق بعد ذلك &; فيما مرت الدقائق حتى توقفت الدارجة وهو يسندها في الأسفل &; ونهضت وهي تستند على كتفيه وذراعه ثم نهض مشيرا&; ناحية البواب كي ينتبه على الدراجة &; واقترب من المدخل وهى معه &; حتى ركبا المصعد وصعد بهما للطابق الثالث مقررا&; الجلوس مع والديه قليلا&; ورؤية شقيقه الذي لم يراه منذ يومين..
توقفت بهم اللحظة عند وضع المفتاح في باب الشقة الذي ما ان فتحه ظهرت الأصوات بعشوائية&; والترحيب بهما &; فاقترب وهو يرى صديقه يرحب به أمام غرابة "نيروز", التي استنكرت قول "شادي" له :
_ليك واحشة يا أبو الغساسين &; مش تيجي يا عم ولا لازم انا اللي انطلكم هنا كل شوية&;
س&;أله&; بمشاكسة&; على الرغم من أنهما يتحدثان مع بعضهما في الهاتف للاطمئنان ان لم يرى أحدهما الآخر ولكنها فهمت سبب عدم راحتها لما ردده لها في الصباح&; صمتت وهي تدخل بين النساء والفتيات واقترب هو من الشباب الذي انضم لهم "بدر" تاركا&; "وردة" وصغيره هناك في شقته مع "فاطمة" وصغارها وجاء هو ليطمئن عليهم جميعا&; بنفسه&;.
نهض "آدم" من بينهم بسبب إنهاكه الجسدي من العمل الذي لم يزول أثره &; وهتف أمامهم بصوت&; عال&; وهو يضع هاتفه في جيب بنطاله :
_يلا أنا هستأذن أنا بقى &; عايزين حاجة &; عايز حاجة يا عمي&;.
تداخل الحديث وخرج صوت"بسام" له :
_ما تستنى &; هو انت لسه قعدت&;
_ما تقعد يبني انت عليك طار ولا ايه &;
ضحك على قول "حامد" كما ضحك البقية وظهر تعبه لهم وهو يبرر:
_مرة تانية بقا &; أصلي تعبان ومحتاج ارتاح .
تفهموا الوضع ووافقوا على الفور فأشار لشقيقه بأنه سيرحل يسبقه هو وزوجته ان عادت &; فيما اقترب هو يحمحم ناحية النساء ووقف على بعد خافضا&; رأسه مرددا&; بعلو&; كي تستمع:
_يلا يا "فريدة"!
ربما رحل مبكرا&; بسبب هذا الخوف &; خفق قلبه من الرد على الرغم من انها رفضت الاقامة هنا وصرحت له بهذا ولكنه لا يثق في الظروف حتى وإن كانت في عصمته هو وزوجته &; خفق قلبه ما ان وجدها تنهض وهي ننحني تودعهن &; واذ به يتفاجئ بيد "حازم" توضع على كتفه بخفة&; فإستدار سريعا&; وعلم ان قد كشف للتو ما ان وجده يهتف دون مقدمات:
_مش هبقى رخم وكل شوية هعقد اقولك خلي بالك منها &; عشان عارفك راجل وقدها &; أنا جيت أقولك يا بختك عشان اختار&;تك وده مش غرور عشان اختي لا .. عشان انت مش هتلاقي في حنية "فريدة"&; دلوقتي أقدر اقولك خد مراتك في ايدك وخلي بالك من الأمانة &;وبيت جوز اختي واختي مرحب بيا فأي وقت ولا ايه&;
وضح له يطمئنه بأنه وافق على تواجدها معه حتى وان لم يكن له بأن يتدخل كونها زوجة الآخر ولكنه ترك الأمر بأدب&; واحترام لها ولعائلتها دون الضغط أو الإجبار&; سأله مازحا&; فرد بلهفة&; سريعا&; :
_بيتك يا حازم طبعا&; &; ومتقلقش "فريدة" في عنيا والله&; &; دي مراتي متوصنيش!
ربت على كتفيه فجاءت "فريدة "تبادر بعناق شقيقها بوداع&; ونبست :
_مع السلامة يا "حازم" &; ان مجتش ابقى تعالى انت وفضي وقت واقعد معايا شوية &; وابقى طمني على "حسن" عشان خاطري.
_ان شاءالله يا "فريدة" &; ان شاء الله &; اطمني.
ابتسمت تودعه عند الباب &; وارتدت حذاءها &; وحقيبتها التي جلبتها معها هذه الشقة تحسبا&; للذي حدث &; فتأبطت ذراعه تقترب معه ناحية المصعد تزامنا&; مع إغلاق الشقة بواسطة "حازم" الذي عاد يجلس ملاحظا&; انسحاب "غسان" ناحية غرفته &; فنهضت بعده "نيروز" كي تدخل فدخلت ووجدته يخلع قميصه بضيق&; من ضيقه وأخذ يبحث عن تيشيرت قطني مريح بدلا&; من هذا فإلتقتطت ما يبحث عنه من خلف الباب المغلق واقتربت أمامه كي تجعله يرتدى &; وبدون مقدمات تأسف للمرة الثانية :
_أنا آسفة يا "غسان" &; أنا عارفة اني غلطت لما كدبت عليك&; بـس والـ&;
بتر هذا القول وأدخل ذراعيه مطالعا&; وجها متسائلا&; :
_وتكدبي ليه يا "نيروز"&;
وأضاف بجدية&; موضحا&; باسترسال&; :
_الحاجة اللي مكنتش بتحصل بينا وكنت ببقى فرحان بيها &; هي انك مبتكدبيش ولا بتعملي ده معايا.
لمعت عينيها وهي تحتوي الموقف آخذه كفه بين يديها بلهفة&; وهي تفسر له:
_والله ما كنت اقصدها كذبة &; انا لما عملت كدة عملتها عشان خوفت تعرف وتزعل مني خصوصا&; اني مروحتش هناك بعد آخر مرة بالموقف اللي حصل وضيع مننا أيام وخلاني اعيش في قهر مش عايزة ارجعله &; وافتكرت انك حذرتني مروحتش من غيرك عشان ميحصلش حاجة &; فقولت انت مش هتعرف وتعدي.
_مفيش كذب عشان خوف.
هل يردد عكس ما فعله في الصباح &; &; خرجت جملته منه بعفوية&; &; فإعتدلت تصر&;ح له هى:
_لأ في .
واضافت توضح له بهدوء&; غريب لا يليق مع قولها:
_وانت كمان كدبت عليا النهاردة!
تغيرت تعابيرها وهي تطالع وجهه الذي نظر به لها وعدستيه تطالب بالمزيد في التوضيح ففسرت :
_قولتلي انك رايح لـ "شادي" ومطلعتش رايح ليه &; وكنت عارفه عشان بعرفك لما تكدب بس محبتش اضغط عليك عشان لما بتكون عايز تقول حاجة بتقولها ولما بتحب تسكت بتسكت ومبتقولش.
زفر "غسان" أنفاسه بتعب متذكر&;ا ذهابة لهذا المكان وبرر لها :
_دي حاجة ودي حاجة!
_الكذب كلمة واحدة ملهاش أي بديل &; بس أنا بعترف انها خرجت مني كدبة وبقولك تاني متزعلش مني &; انا مش ضامنة الأيام انا ما صدقت رجعنا يا "غسان"!
نزلت دموعها فخرج الخوف من أن تفاجئه بشئ خاصة انها تضغط من حالة "جميلة", فأسرع يضم رأسها ناحيته وهو يحثها برفق&; :
_متعيطييش!
_متزعلش انت مني ولا تخلي ثقتك تتهز وتفكر اني بكدب علطول والله ما حصلت قبل كدة !!
ربما حملها يجعلها تعطي للأمر اكبر من حجمه &; رغم غرابته ولكنه نبس بهدوء وهو يربت على ظهرها :
_وانا مصدقك &; خلاص متعيطيش.
قالها بقلق&; استشفته فخرجت تنظر نحو تعابيره وهي تمسح وجهها فردد هو وهو يعقد حاجبيه :
_تصدقي الحمل ده بعد ما خلاكي حلوة &; خلاكي بعقل كمان ومبقتيش تتسرعي وتبوظي كل حاجة زي الأول.
ابتسمت على حديثه&; هي من حاولت أن تصبر كي لا يكبر حجم الأمر &; صمتت قبال هذا وسألته ولم تنس :
_كنت فين النهاردة&; &; احكيلي اللي مداريه عني ومش عايز تقوله .
هرب من عدستيها &; ليس وقته تماما&; وهي هكذا &; سيختار الوقت المناسب &; ابتلع ريقه فحركت رأسه ناحيتها تستجوبه &; فنظر "غسان" نحو عسليتيها وردد كي يهرب من هذا :
_هقولك كنت فين بس مش دلوقتي &; تعالي اقولك حاجة تانية.
شتتها ونجح ببراعة&; ما ان تساءلت هى :
_ايه&;
_عارفة الست قالت ايه&;
ضحكت تستوضح بعينيها التي كانت على قرب منه وهو يطالع لونها في شدة الضوء &; فإقترب هاسما&; بعبث&; قصده هذه المرة:
_رجعوني عينيك لأيامي اللي راحو.
دخلت بين أحضانه فاحتوى جسدها محتضنا&; اياها حتى سحبها لتستريح كي لا تشعر بالهبوط &; فجلست بجانبه وقد تركها يريح ظهره واضعا&; يديه على ظهره وهتف يخبرها بتعب&; من اليوم:
_مش هنعرف نبات هنا النهاردة
فتساءلت بغرابة&; من تركه للخطة الذي رسمها بقرار الإقامة هنا :
_ليه&;
كان قد اخبرها بأنه سيقيم هنا ولكن بعدما علم من شقيقه انهى هذا فوضح لها يخبرها ردا&; على سؤالها توضيحا&; لقوله :
_أم عز وفرح هيباتوا هنا .
أراحت ظهرها بتعب&; على الفراش بتفهم&; وهى تحرك رأسها وصر&;حت:
_كدة أحسن عشان ميبقوش لوحدهم &; بسام ده بيفهم جدا&;والله&;
فمال"غسان" يشاكسها بعبث&; وغمزها بخفة&; مازحا&; :
_طب ما انا كمان بفهم أوي!
طالعته "نيروز" بضحك&; وهي تستند على الوسادة من خلفها ووضعت يديها على معدتها فأسند رأسه بخفة&; ناحية معدتها في سعادة&; &; فيما أدخلت يديها بين خصلاته وضحكت عندما اعتدل يستند على ساقها متسطحا&; على الفراش متسائلا&; :
_مفكرتيش قبل كدة هنسمي ايه&;
فأجابته بنبرة&; ضاحكة:
_مش لما نعرف الأول هما ايه وايه&;
ضحك "غسان" بخفة&; وتوجع ما ان لامست جرحه &; فإعتدلت تنظر له بأسف&; إلى ان التقط هاتفه وهو يرى صديقه يرسل له أين اختفى فنهض يخبرها وهو يعدل ملابسه :
_انا طالع اقعد معاهم شوية &; هتيجي&; ولا هترتاحي هنا شوية&;
رفضت هذا وهي تنهض واهبطت اطراف عباءتها وظهر تعبها الجسدي وهي تشير له :
_لا طالعة &; بس هستأذن اطلع واسبقك &; عشان خروجي النهاردة تعب ضهري ورجلي بزيادة ومعتش قادرة خلاص.
سحبها برفق&; وحاوط كتفيها وهو يفتح الباب &; التي خرجت هي منه تستأذن منهم كي تصعد ووقفت قليلا&; تتحدث ما قبل الرحيل بينما هو اقترب ممازحا&; "شادي" الذي جلس بين الشباب و"حامد" الذي طالع "غسان" وهو يجلس بجانبه وتوقع ما سيفعله حينما ربت "غسان" على كفه ومال هامسا&; كي يستمع له بين هذه العشوائية:
_خدت علاجك يا حج &;
هز "حامد" رأسه إيجابا&; ووافقه قائلا&; :
_ايوة الحمد لله يا بني .
استمر بينهم وتحرك "شادي" ليقترب منه جالسا&; بجواره &; فقرر "غسان" التحدث معه حول موضوع شقيقه وحبسه &; فيما كان هناك يتحدث "بدر"مع"حازم"&; ونهض "بسام" يقترب منها وهي تدخل للمطبخ فدخل خلفها وحثها بنبرة&; هادئة وهي تغسل الاكواب:
_لو تعبانة ادخلي ارتاحي في أ&;وضتي &;. ولو مامتك محتاجة تنام دخليها.
ابتسمت "فرح" قبال اهتمامه وجففت يديها تخبره :
_أنا مش هدخل أنام غير لما اطمن انك مشيت ووصلت شغلك &; وماما لو حبت ترتاح هتصرف أنا &; بس أنا قاعده معاهم دلوقتي يعني مش متاديقة عادي.
سعد من بداية قولها وغمز لها وهي تقترب حتى تخرج معه ناحية الخارج:
_اتغيرنا وبقينا بنهتم وبقينا حاجة تانية خالص!
ابتسمت "فرح" بحياء&; واقتربت منهن فيما اقترب هو يجلس بين الشباب ووالده من جديد &; مرددا&; لـ "بدر" بحنق&; بعد ترديد "غسان" نفس الحديث له:
_مجيبتش "يامن" ليه يا"بدر"&;&; &; ليه تعمل فينا كده حرام عليك يا عم &; الواد واحش اعمامه &; الله!!
_________________
_يا حبيبي انت كنت سخن ويدوب فايق &; اهدى واركز في مكان واحد بقى الله يهديك.
نبست "وردة" بضيق هذه الكلمات لـصغيرها الذي تركها في الحال كي يشارك الصغار الآخرين اللعب &; كانت في الأعلى حيث شقتها ومعها "فاطمة" التي ضحكت توضح لها بهدوء&;:
_متقلقيش يا "وردة" &; هما كل العيال كده والله&; &; بكره يبقى حلو وزي الفل.
تحركت رأس "وردة" ناحيتها في هدوء&; وردت توضح أكثر لها :
_سخونية "يامن" وحشة يا "فاطمة" &; وبعدين انا رفضت اروح هناك عشانه .
صمتت قبال حديثها &; وجاء لها "يوسف" طالبا&; منها بإلحاح&; :
_يا ماما ما تيسبيني بقى أطلع فوق
يريد الصعود إلى السطح &; فرفضت بحزم&; وهى تشير له :
_قولت مفيش طلوع فوق من غير حد كبير &; روح العب معاهم يلا واسمع الكلام.
طالعها بضجر&; وذهب لهم في حين تعالت ضحكات "وردة" وهى تحرك رأسها بقلة حيلة من شقاوتهم &; في حين دارت رأسها تطالع الأخرى بتساؤل:
_متعرفيش هيجوا من هناك امته &; عايزة "بدر" يعطي "يامن"الحقنة قبل ما ينام وميخدهاش ويرجع يتعب.
هزت كتفيها في جهل&; وفسرت لها :
_بصراحة لا &; بس سمعت صوت البوابة بتتقفل من شوية &; شكل "آدم"و"فريدة" جم .
لم تصمت "فاطمة" إلى هنا بل اقتربت توكز ذراعها وهي تكمل وكأنها تذكرت وانتهزت فرصة جلوس "وردة" التي تقضل التحدث معها لعلقها:
_اسكتي يا "وردة" &; دا أنا بقيت بخترع أي مكان عشان بس اسيبلهم المكان براحتهم وامشي انا والعيال &; بتحرج أوي ودايما&; بحس ان "فريدة" مش واخده راحتها &; رغم اني والله العظيم اشهد انها بتساعدني &; حتى كان الأول في امتحاناتها مكانتش أوي بس دلوقتي شغل البيت متقسم وحرام يعني بتعمل كل اللي عليها &; بس انا برضه محروجة عشان مشاركينهم الحتة وهما لسه يدوب .
تفهمت "وردة" حديثها فربتت على ساقها بتقدير&; لهذا الإحساس الذي س&;يشعر رغما&; عنها وردت تجيبها :
_متقلليش يا "فاطمة" &;"فريدة" حابة وجودكم وواخده راحتها &; وعارفة انك بتحسي بكده غصب عنك &; بس فكرة غيبي وكل فترة وفترة قومي سايبه الشقة تحت وطالعة هنا انتي والعيال في الأوضة دي &; والله "بدر" كان قالي كدة مع انه عارف انك مش هتواففي بس قال هبقى اكلم "فاطمة" تطلع تبات معانا &; وكدة كدة أخوكي"آدم" مش متقل من حاجة &; دا طيب والله&; زي ما "فريدة" طيبة برضه وعمرها ما تطلع تفكر ولا تقولك انها مش واخده راحتها.
طالعتها بإنصات&; شديد &; ورغما&; عنها لا تحبذ وجودها هى واطفالها &;في حين ترى بأنه من المفترض تركهما &; حثتها "وردة" وطمأنتها كي لا تشعر بهذا الإحساس الذي يداهمها بين حين والآخر بحساسية&; ..
&;بينما في الأسفل&;
دخلت "فريدة" قبل وقت تبدل ثيابها فيما صعد "آدم" في الأعلى ليضع الطعام للكلب &; ثم هبط ولم يجلس حتى دخل المرحاض في الخارج وكانت هى حينها في مرحاض الغرفة الواسعة &; تركت "فريدة" خصلاتها خلفها وجلست بعدما ارتدت قميصها القصير حتى تستطع أن تدهن جرح ساقها &; تحسبت لدخوله &; هو من أصبح يضعه لها في كل مرة ..
وكالعادة يدخل دائما&; في هذه الأوقات &; ف&;تح باب الغرفة &; ودخل منه واضعا&; المنشفة على عنقه وهو يبتسم وظهر التعب على تقاسيمه &; فدخل غالقا&; الباب خلفه &; واعتدلت هى حينها تطالعه &; فإنحنى بصمت وهو يجلس بجوارها ولم ينتبه للعلبة التي بين يديها التي كان ستضع منها الدهان ..توقفت عن فعل ما ستفعله فيما نظر هو لوجها بتفحص&; إلى أن سألته بغرابة&; من هذا السكون :
_هو مفيش حد هنا ولا ايه&;
نفى"آدم" برأسه مبتسما&; وأخبرها :
_لا &; كلهم فوق مع "وردة".
حركت "فريدة" رأسها بفهم&; ضاع سريعا&; قبال اخفاءه لكلا يديه هكذا دائما&;&; ولم تمنع نفسها في التساؤل أمام مراقبته لها :
_ممكن أسألك سؤال&;
ضحك على طريقتها &; وهناك راحة مادامت هى بجواره ووقع عليه الاختيار هو &; ولكنه تفاجأ وضاع ثباته قبال سؤالها الذي كان سيسأل مهما كان :
_ليه بتلبس بكم علطول مع ان الجو ساعات ببقى حر &; حتى وانت نايم برضه بتلبس بكم !!
حرك عينيه هروبا&; منها بأسى&; &; وترك المنشفة &; وزفر أنفاسه مؤخرا&; مقررا&; الاجابة &; نهض ولأول مرة ترى جزئه العلوى &; فتابعت فعلته حتى خلع ملابسه الفوقية &; فأهبطت عينيها تنظر بمكان آخر ولكنه أجبرها في النظر ناحيته عندما جلس يجيب بنبرة&; مختنقة مشيرا&; لها على كلا ذراعيه :
_ شايفة العلامات دي &;
نظرت نحو علامات ذرقاء وأخرى حمراء في ذراعيه &; وابتلعت ريقها بندم&; من ما فعلته وسألته بعدما فهمت مخزى ما فعله تلمست ذراعيه في أسف&; وأعين كان قد لمعت ما ان أكمل هو :
_دي لسه مراحتش &; كانت من الحقن اللي كنت باخدها &; بس سايبة علامات في كل مرة مخلية شكل دراعاتي وحش &; ممكن تاخد وقتها وتروح &; بس الحقيقة اني عايزها موجودة وفي نفس الوقت مش عايزها!!!
وزاد الاختناق عندما انهكت نبرته وهو يطالع عدستيها التي امتلئت بالدمع :
_عايزها تفكرني &; ومش عايزها تفكرني!
رفعت "فريدة" ذراعها تضمه هى ناحيتها حتى أسند رأسه على قمة صدرها &; كأم&; تحتوى صغيرها من خدش ترك الأثر وهو بين إخوته مختلف!!! ..
_أنا آسفة &; آسفالك من كل الدنيا .
هذه جملته هو &; ابتسم "آدم" وهو يستند عليها حتى ربط ذراعيه خلف ظهرها ولم يتركها تكمل بل شكرها الآن كصغير&; وضاع ثباته وحتى كيده قبالها في كل مرة بل كان كصغير لا يريد سوى عناق واحتواء لا يريد سوى عدم الضياع &; لا يريد رحيلها :
_شكرا&; عشان اختارتيني &; لأول مرة ابقى عاجز بعد ما بقيت كويس &; عجزت وخوفت تروحي مني وتمشي بعد ما اتعودت على وجودك&; شكرا&; عشان حسستيني اللي محستوش من زمان &; عشان خليتيني احس اني مرغوب واني شخص استحق الإختيار واني استحق الحب والتقدير&; ومستحقش اتساب بعد ما اتعلقت.
في البداية لم&; كانت تصدق بأنه سيضعف ويردد هذا بين ذراعيها&; تماسكت وردت بصدق شديد وصل له:
_اختارتك عشان انت بقيت كل حاجة بالنسبة ليا &; اختارتك عشان بحبك وعشان منسيتش لما قولتلي انك بقيت تخاف اسيبك زي ما خوفت اول مرة عشان حسيت ان مامتك هتسيبك &; ٱنا عمري ما هسيبك.. انا اختارتك بكل حب..
وأضافت قبال تأثره وهو يأخذ أنفاسه بإطمئنان&; :
_واختارتك عشان ربنا جمع فيك الصاحب والحبيب والحياة و الٱمان وكل حاجة حلوة يا "آدم".
ابتسم على قصتها القصيرة التي تختصر بها الحديث دوما&; &; حتى شدد من ضم ظهرها بعناق&; شددت هي به وهي تعانقه بين ذراعيها &; فتنفس بعمق&; ورد عليها مصر&;حا&; وهو يعتدل :
_ وانا اختارتك من غير أسباب يا "شاطرة "!.
اقترب يقبل جبهتها &; وطالع الفراش جوارها فمنذ ان أصبحا معا&; في احضان بعضهما تغفو دون خوف تغفو بثقة&; &; طالعته بتمعن&; بعدما عاد &; فأمسك بتيشرته ذو الاكمام الطويلة وقاطع ارتداءه &; وجود الدهان بجانبها وقميصها المرفوع حتى ظهر جرحها &; طالعت محط أنظاره وقبل ان تهبط طرف قميصها اقترب يتلمس جرحها في أسف&; ..
هو أيضا&; يعلم جيدا&; معنى ترك العلامات القاسية التي ت&;ذكر بالماضي الأليم &; والعقبات الموجعة &; اقترب يتلمسه برقة&; لم تعهدها من قبل فرجعت إلى الخلف فيما حاوط هو ظهرها بذراعها يمنعها من التحرك &; وتسارعت دقات قلبها ما ان وعت انه يقترب أكثر فتصاعدت أنفاسها بخوف&; وهى لم تصر&;ح له بالقرب بعد!!
منذ ان أصبحا معا&; على فراش&; واحد وعلم انه سيضعف لذا رفض أولا&; &; علم ان هذا اليوم قد اقترب &; ولكنه اقترب دون ان تصر&;ح &; ربما هى من حركت مشاعره تجاهها بدون أراده منه &; تحدثت الفطرة في هذا الأمر&; وقال على مقربة&; منها :
_"فريدة".. متخافيش ..انا.. انا عمري ما هأذيكي!!
في هذه اللحظة &; نظر لصفاء عينيها &;علم انها لم تصرح أبدا&; بالقرب وتركت الوقت يأتي كما يشاء &; هناك صمت هناك بوادر قبول ضئيلة&; على الرغم من انها سمحت لأشياء كثيرة تحدث من قبل الا انها صمتت لربما كانت ستأتي البداية منه &; مهما تعافت فهي مازال لديها رهبة &; حتى وان لم تهاب صنف الرجال ولكن المشهد يعاد في ذاكرتها وما جعله مقبل على الاقتراب ان طبيبها طمأنه اليوم في الهاتف بأن هناك جلستان أو ثلاثة وستنتهي &; وهذا ظهر في تفكيرها وفي حديثها الذي بان به تحسنها كما بان به سماحها.. ولكن الآن هل ستسمح&;ستكسر الحاجز &;
لا لن يعود المشهد كما كان يعود &; نزلت دمعتها من عينيها بغير وعي&; &; فابتعد على الفور ونهض ممسكا&; كلا كفيها التي رفعتهما تمسح وجهها بهما &; كان متوقع بأن هذا الأمر لن يأت&; من أول مرة !!
تحدثت بتحشرج&; ووجه اخفته بين يديها :
_ أنا آسفة والله&; &; والله غصب عني مـ..
تأسف هو سريعا&; بدلا&; منها وردد وهو يدفعها داخل أحضانه:
_أنا اللي آسف والله &;آسف حقك عليا &; انا محاولتش غير لما شوفتك كويسة &; فـ..
مسحت وجهها بخيبة&; &; كانت تريد الموافقة ولكن البكاء منعها بدلا&; من تذكر الماضي &; وهذا الأمر ليس واقعي حدوثه هكذا دون حدوث عواقب!!
_انت ملكش ذنب &; أنت استحملت كتير أوي &; غيرك مكنش هيستحمل كل ده &; أنا آسفة والله&; &; آسفة بس غصب عني والله&;..
أخفت "فريدة"وجهها فبادر في احتضانها مجددا&; وظهر الندم في عينيه وهو يغمضها &; ندم ليس بمحله الآن لأنه لم يفعل شئ خطأ &; ابتلع ريقه ونهض سريعا&; يترك لها المكان كي لا تهابه مرددا&; بلهفة&; :
_ بصي &;. ارتاحي وأنا هنام بره خلاص &; انا مش هـ..
_متسبنيش يا "آدم" &; خليك معايا عشان خاطري.
ترجته وهي تقف بلهفة&; فوقع تيشرته أرضا&; ما ان اقتربت تهمس بأسف&; وهي بين ذراعيه كي لا يأخذ الأمر بحساسية&; منها &; نفي هذا &;. رفض أسفها ومسح وجهها بالمنشفة وهي تجلس على الفراش وأبعد هذا المحور من الحديث ما ان مازحها بعيدا&; عن هذا :
_خلاص يا شاطرة &; شكلك وحش وانت&; بتعيطي.!
خرج الآن عنادها بعدما نظرت له بإمتنان لتقديرة &; وهتفت:
_متقوليش يا شاطرة &; ومحدش خد رآيك .
_,هو انا مقولتلكيش&;
سألها وعلمت الإجابة &; فصمتت تريد سماعها منه وهو يفتح الدهان كي يدهن ساقها برفق ولبت غرضه في أن تجيب بما يريد :
_ قولتلي ايه&;
_ان رأيي أمر مفروض &; اجباري يعني يا شاطرة .
مسحت وجهها من الدموع وضحكت بخفة&; &; فإطمئن انه انقذ الوضع وراضته بتأثر&; كما راضاها بتفهم الوضع وتركها &; لذا لم تهاب تقبيل وجنتيه وبادرت بعناقه من جديد ونبست بنبرة&; هادئة :
_شكرا&;
لم يرض الرد كي لا يعود مجرى الحديث لهذا &; عدل من وضعية الفراش&; وكي لا تشعر بالندم ظل بجوارها كما هو على الفراش &;فإعتدلت حتى سحبت نفسا&; عميقا&; فيما تنفس هو بهدوء&; وجارته كي لا تحزنه بعدما وجدت تردده في مد ذراعه ليحتضنها جواره:
_ أقولك حدوتة &;
_ياريت.
اقتربت حينها في المساحة &; وتمسكت بذراعه حتى احتضن خصرها &; فابتسمت تطمئنه وهو يمسح على خصلاتها :
_ممكن تقول&;&;ي انت&;&;
لم يمنع بل وافق برأسه وسرد بهدوء&; مخرجا&; أنفاسه الدافئة :
_مبعرفش أحكي &; بس لو في يوم هيقولوا ايه احسن بطلة في حدوته &; هقولهم روبانزل بس ام شعر اسود طويل بطلة قصة اللي بقوا يقولوله يا معلم آدم!!!
ضحكت "فريدة" على سرده&; ودارت عينيها بعد وقت وهي تطمئن ومازلت الثقة هنا بينهما &; مرر يديه على خصلاتها بتعب&; وعقب ما غفت لمعت عينيه من ما تعاني منه وحدها في خيالها وأفكارها , خرجت أنفاسه وقبل جبهتها قبل ان يعتدل وهو يجذب الغطاء أكثر مرردا&; بهمس&; وعينيه لا تفارق تقاسيمها الجميلة الذي يشهد بها الكل كونها اجمل تقاسيم لأجمل فتاه في هذه العائلة :
_تصبحي على جنة يا شاطرة!
يكفي وجودها جواره &; لا يريد أكثر من هذا &; كان يطمع في قربها التي كانت به بوادر قبول ثم ضياعها بواسطة بكاءها وتخشبها &; ولكنه عاد يحتوي الوضع ببراعة كي لا يضيع الأمان التي وجدته أخيرا&; به. &; كانت سببا&; فيما فعله كما كان السبب الرئيسي فطرته المخلوق بها من ربه كأي رجل! , ولكن رجولته هنا كانت بين الصبر والاحتواء و التفهم والتقدير للوضع ! وضع اقترب كي تصبح له دون خوف &; وضع يتطلب صبر آخر لمرة أخرى &; لأن نهاية هذا قاربت على الإنتهاء بفعل وجوده ودعمه &; فمر الكثير في الخوف والقلق الحزن والرهبة ولم يتبقى سوى "القليل على النهاية ".
هو لاي&;درك أي مجهول, ولكن هناك بالفعل صمت &; صمت بين التعب والمعاناة وصمت بين الصراخ رغم أنه "صراخ"!! &; هناك أشياء كثيرة تحدث &; وهو متعب لآخر درجة &; حبيس كما من كان قبله حبيس بين الأوجاع والآلام والإحتياج &; وجع وحدة وجع م&;نهك من الإنهاك ذاته &; وجع ماضي وحاضر وربما مستقبل يجهل عن سيره وهو الآن هكذا !!
بكاء &; &; هل هذه الكلمة بسيطة هكذا كي تكتب بـ أربعة أحرف تقريبا&;&;!
كل حرف يحمل بين طياته الكثير من الأسباب كي يسمى بكاء! &; كل شئ يتطلب الأمر به بكاء مختلف &; والأسباب تختلف ما بين بكاء وبين الآخر &; هل كان عليه تجربة هذا &; هل كان عليه منذ البداية بأن يختلط بأصدقاء سوء&; &; أم انه السوء بنفسه&; &; تقطع أحباله الصوتية وملامحه وعينيه الحمراء المنهكة والجلوس هكذا على أرضية الغرفة الحديثة &; ولكنه يجلس كمن يقوم بإذلال نفسه &; تارة يردد بأن هذا أفضل ولأول مرة يردد شئ به أمل وتارة يصرخ ويسب سبات لا تليق بأشخاص وعائلات راقية يجلبون أولادهم إلى هذه المصحة العالية بخدماتها الكبيرة ذو المجهودات المبذولة بجهد&; كبير يتطور شئ عن شئ &; فها هو يجرب ما جربه الأول &; يجرب ما جربه صديقه "آدم" &; ففريق المصحة الطبيعية &; يتطلب بذل أشياء ونشاطات كثيرة كي يخرج الشخص سوى من جديد وليس متعافي فقط &; وهو بين هذه الأشياء جاف &; فاتر &; لا يريد أي شىء وكأنه كان يتعاطى في الأساس كي لا يحاصر نفسه ويصل إلى ما يشعر به الآن من فقدان الأمل في كل شئ
جسد به روح بمثابة جسد بلا روح&;!! &; كانت هذه المعادلة لديه هو شئ آخر &; لديه تتساوى أطرافها وكأن كل طرف هو نفسه الآخر!
خطوات تفصل بين الخارج والداخل &; ورقة&; يتمسك بها شخص ما &; في مكان الزيارات والذي تم منعها لأن الحالة في بداياتها &; هل جاء بدون فائدة&; &; جر أذيال الخيبة وقلبه يرق لشقيقه &; هل يبكي&; هل يعاني &; هل أصبح أفضل &; عينيه الآن لا تفارق الورقة التي ت&;وزع والهاتف يدق!
_ استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
خرجت بتنهيدة حارة مستسلمة منه عندما فقد كل الطرق في التوصل لرؤية وجه شقيقه &; اللهفة البريئة التي بداخله تجعله يقرأ الكلمات المدونة والمطبوعة في هذه الورقة الإعلانية لهذا المكان &; وكأنه يرضى ضميرة وي&;ريح فؤاده تجاه واجبه ناحية شقيقه ..
فها هو يحمل مسؤوليات كبيرة أكبر من كونه شاب في بداية طريقه لإنشاء أسرة صغيرة بطفلته القادمة &; وجد نفسه مقبل على أوجاع وعقبات ومشاكل ومسؤوليات أصبح لها وعليها يتغلب!! &; والطاقة تزداد فقط لأنه الوحيد الذي لها وليس لغيرها إلا هو &; ليس للمتاعب وتحملها إلا "حازم" &; وضاع حزمه قبال رجفة يديه وهو يقرأ وتفكيرة يذهب نحو شقيقه في سؤال&; صريح مشتت : كيف حاله الآن&;&; ماذا يفعل في الداخل&; :
_في المصحة&; المدمن يخضع لبرنامج علاجي متخصص يهدف إلى مساعدته في التغلب على إدمانه وتحسين حالته النفسية والجسدية إليك بعض الأنشطة والعلاجات التي قد يتلقاها المدمن في المصحة:
إعادة التأهيل الجسدية: يتضمن ذلك برامج لتنظيف الجسم من المواد السامة والمخدرات&; وتحسين اللياقة البدنية والتغذية السليمة&; العلاج النفسي: يشمل جلسات فردية وجماعية مع مختصين نفسيين لمساعدة المدمن على فهم أسباب إدمانه وتعلم كيفية التعامل مع العواقب النفسية للإدمان &; الدعم النفسي والاجتماعي: يتضمن دعم&;ا نفسي&;ا واجتماعي&;ا من قبل فريق متخصص من العاملين في المصحة والمدمنين الآخرين&; تعلم مهارات التحكم بالانفعالات والتوتر: يتم تدريب المدمن على كيفية التعامل مع الضغوطات والتحديات بطرق صحية وبناءة&; برامج مجتمعية: تشمل أنشطة اجتماعية وثقافية للمساعدة في إعادة تأهيل المدمن ودمجه مجتمعي&;ا بعد الخروج من المصحة, هذه بعض النشاطات التي قد يتلقاها المدمن في المصحة&; ويجب أن تكون مصممة خصيص&;ا لتناسب احتياجاته الفردية ومرحلة الإدمان التي يمر بها.
طوى الورقة وهو يزفر أنفاسه بهدوء&; وجعلته الخطوات أمام السيارة الآن &; وعينيه لا تفارق المبنى الساشغ في المساحة &; رفض قلبه تصديق كلمات "بدر" بأن مهما ذهب سيتم منعه كما م&;نع "بدر", من قبل ولم يتم الموافقة على رؤية شقيقه إلا في أواخر شفاءه بالكامل &; ركب سيارته وترك الهاتف يدق فيما نظر هو مبتلعا&; ريقه متمنيا&; رؤية من يعاني بالداخل &;
معروف عنه بأنه متصلب العقل على الأغلب ولكن مالا يظهره على الرغم من انه يمتلكه هو انه يمتلك قلب رقيق يرفق ويشفق ويحن دائما&; &; فهو بداية&; ونهاية&; لم يكف عن مساعدته حتى وان كان يظهر عكس ذلك فإنه كان يبحث عنه في كل مرة يغيب بها وما يجعله بطىء التلهف هو خوفه من عودته عندما كان يتوعد له "غسان"! &; زفر أنفاسه ووازن النظر ناحية الطريق مع رده على الهاتف بنبرة&; شديدة في الهدوء وكأنه اعتاد :
_أيوة يا "ياسمين" .. حاضر &;هطلع على المكتب وورايا شوية حاجات هخلصها وأرجع أوصلك انت&; ومامتك على العمارة
صمت قليلا&; يستمع إلى سؤالها المهتم ثم عاد يرد مبتسما&; وبان خوفه على ترك والدته وشقيقته في هذه الحالة فقد تركهما أمس ورحل ثم قرر العودة اليوم :
_لا مش هنبات النهاردة في شقتنا &; خلينا نبات النهاردة معاهم&; جهزي لبسي وأنا هخلص وهعدي عليكم علطول .
لم يستغرق كثيرا&; وقد أغلق الخط على الفور عقب ردها ووداعها الحنون&; نظر ناحية الطريق بشرود&; وزفر أنفاسه في صوت&; عال&; هذه المرة &; وكأن تنهيدته تشرح الكثيرمن ما يوجد بداخله!
&; بينما في داخل إحدى الغرف في مبنى المصحة&;
كان يجلس أرضا&; مشفقا&; على حاله وهو هكذا &; آخر ما فعله هو دموع وبكاء &; ويديه وعقله يشعران بالعكس عن ما يمكن فعله &; إرتجف جسده من البرد الذي يشعر به بدون إرادة منه بسبب جسده الم&;حتاج &; هنا منذ أيام &; أيام يعاني بها بجهل&; ولكنه استسلم &; لم يصرخ الا للإحتياج فقط بينما الصراخ الآخر ليخرج تخلى عنه بإستسلام وتحل محله الدموع الذي كان يعتقد بأنه ففدها &; فهو وحده من بينهم كان قليل البكاء الا هذه الأيام &; إلا الآن عندما مسح وجهه ونهض بتعب&; ..
سار "حسن" بخطوات&; ثقيلة &; ناحية أحد الأدراج الخشبية الملونه باللون الأخضر الذي يمتص السلبية &;كل شئ هنا تم وضعه بحرص&; &; و&;ضع بعناية وتفتيش وتفحص بنظام كي لا ي&;خان الفريق بتهريب شئ ما من الشخص المتعاطي أو من اتباعه &; فهو لأول مرة يتفحص هذه الأدراج كي يأخذ سترة غير التي أخذت للغسل &; سحبه وكان بين أكمامه ورقة تم طويها نصفا&; وتم قراءتها قبل ان توضع هنا!!
ما هذه الورقة &; ومن وضعها قاصدا&; &; &; ابتلع ريقه وانكمشت ملامحه وهو يتمسك برأسه بألم&; فسحب مقعدا&; وجلس ملتقطا&; الورقة بغير اهتمام ولكن ما أثار انتباهه هو شئ ما لم يغيب عن ذاكرته الذي دمرها الاحتياج نسبيا&;.
رسمة تشابك الإصبعين "السبابة والوسطى" من يد شخصين &; تم رسمها بفعل يد تحترف الرسم ولكنها لم تدخل تعليم عال&; &; هل كان هو &; صديقه&;
هذه الرسمة كانت حركة معهودة بينهما عندما كانا يفعلان أمورا&; شبابية &; لا يستطع أحد فهمها أو معرفتها سواهما &; كم من مواقف فعلت منهما ان عرفها وكشفت سيهربان معا&; لمكان آخر &; ابتسم "حسن" عندما وصل تفكيرة لهذا وفرد كفه ينظر بشرود&; ناحية أحد الخدوش التي تركت الأثر هنا, ثم تذكره لحادث الدراجة البخارية الذي أصاب "آدم", صديقه ومنع حينها من دخول الجيش &; فقد كان من المفترض ان يدخله بإعتباره لم يدخل جامعة بينما هو كان بجامعة اجلت له أمر الجيش الذي لم يمنع من دخوله لانه لم ي&;صاب ..
زفر أنفاسه وتم لهي عقله عن الصراخ والتوجع بل فتح الورقة الآن ينظر محاولا&; التركيز بشتي الطرق كي يقرأ &; قراءته ببطئ&; على الأغلب ولكنه سيقرأ مادام صديقه هنا &; بين هذه الأحرف الذي عرف في الحال من هو صاحبها الذي تعامل بخفة&; شبابيه كي يضع هذا في ملابسه دون معرفة أحد &; مازال مشاكس يرفع شعار الخفة والشباب بعقباته وحوادثه :
_ إذيك يا صاحبي &; أنا عارف انك ممكن متشوفش الورقة دي &; بس قولت أعمل حاجة بنت ناس ويا صابت يا خابت &; بس متٱكد انها هتصيب بالصح زي ما عمرنا كنا في ضهر بعض وبنسيبها برضه يا تصيب يا تخيب &; يمكن خيبنا كتير بس في كل مرة كان بيبقى نفسي نقب على الدنيا عشان تضحكلنا &; مضحكتش ليك أنا عارف وحاسس .. وعارف انك بتعاني دلوقتي وبتتوجع وعارف كمان إنك ضايع ومقهور ومتكتف وعاجز ومش عارف تعمل ايه &; بس أنا معاك في الأوضة دي يا "حسن" &; معاك يا صاحبي وكنت هنا من قبلك &; عايزك تعرف انك قد الوجع ده وهتخرج منها أحسن من الأول&;أ نا في ضهرك وعمري ما هسيبك..
تأثر "حسن" من هذه الأحرف واهتزت عدستيه وهو يغلقهما بتعب&; ثم فتحهما وأكمل ما لفت انتباهه بعد ذلك :
_شايف الشباك الحديد اللي هناك ده !
كيف يعرف&; &; طالع بعينيه الحروف الذي قرأها ثم حرك رأسه تجاه الشرقة المحكمة &; وعاد يقرأ ما دونه صديقه له:
_في هناك تحته صندوق خشب صغير كده &; قوم افتحه يا "حسن" وبعد كده اقرأ اللي في ضهر الورقة &; وأنا هنا مستنيك يلا اتحرك !
عقد حاجبيه في استنكار&; وكأنه معه للتو &; ولكنه نهض بتثاقل&; حتى فتح الم&;بتغى &; ثم نظر نحو محتوياته بصمت&; دام لدقائق &; ورجفة يديه من ما رآه تثير غرابته &; منذ متى هو هكذا &; &; نظر في ظهر الورقة بفضول&; به لمحة من التأثر البسيط وقرأ :
_متستغربش&; عرفت ان الأوض كلها بنظام واحد &; خر&;ج السجادة يا "حسن" &; وامسك المصحف &; وصلي وادعي واشغل وقتك بقربك من ربنا &; صدقني عمرك ما هتندم &; أنا عارف انك ممكن تطنش زي ما طول عمرك كنت بتعملها معايا &;بس جرب كدة دلوقتي &;. أنا كنت زيك كده وبعد ما جربت وقربت مبقتش أحس بحاجة غير الراحة اللي عمرنا ما حسيناها &; افرد السجادة على الأرض وروح اتوضى وارجع وانا هنا مستنيك ..انا هنا معاك يا "حسن" &; في ضهرك وعمري ما هسيبك !.
لمرة أخرى يعيد جملته &; متفهما&; ما يجتاح الآخر الآن &; كان في موضعه &; كان أيضا&; يشعر باحتياج هذه الكلمات وقتها !!
كانت هناك كلمات لم يكملها توقف إلى هنا وسقطت دموعه خلف بعضها بإضطراب لم يشعر به &; بل هنا حيث يديه التي ترتعش ما ان خ&;ذل وخذلته نفسه لأنه فقد قدرته على فهم خطوات الوضوء بترتيبها !!
ترك الورقة برفض وخزي&; من حاله &; هذه المرة كان رفض بخزي&; لأنه يرى أنه شخص لا يستحق هذه الخطوة &; شخص فقد الكثير &; شخص لا يصلح للتقرب من عظمة الخالق..
هل الٱخر كان يعلم ذلك &; كام يعلم أنه سيخجل من هذا &;. الم&;راد وصوله إلى شعوره بالخجل &; ثم السؤال &; هل بداخل قلبه نقطة بيضاء بين كل هذا السواد الذي ي&;هلكه &; ويهلك عقله &; &; كان قد ترك الورقة واستدار يجلس على الأرض كما هو &; وأصوات عقله تتداخل فأغمض عينيه بإنهاك&; و نفض هذا من بين تفكيرة ..
هناك إشارتين سيأتيا في الحال&; &; ر&;بما قدرة الخالق جعلت الآتي يحدث بأسباب تجعل شخص آخر يدمع عينيه من التأثر &; والذي حدث ان نسمة ما من هواء الشرفة المحاطة بحديد&; جاء منها هواء جعل الورقة تطير أمام ساقيه في الحال &; فزفر أنفاسه بهدوء وتركها كما هى على الأرض مرة أخرى .!!
أراد ربه أن يقربه إليه &; ربما شخص ليس محبوب لدى العامة ولكن لدى ربه أفضل &;&; وللمرة الثانية يجهل هذه الرسالة والعلامة فجاءت له علامة وإشارة أخرى جعلته ينتبه لكتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" حيث انتشلها بسرعة كي لا يترك بسملة واسم الله العظيم على الأرض فوقعت عينيه على بقية ما لم يكمل قراءته صدفة&; لم تكن صدفة!! :
_رجعت&;&; أنا عارف إنك ملقيتش حد يوعيك عشان كدة هقولك ازاي تتوضى صح!
نظر ناحية الأسفل في فضول&; وإراة على المعرفة &; فطوال حياته يتوضأ بغير ترتيب تحت مسمى الوضوء &; تارك الضمير هكذا ميت ! &; لا يعلم بأن الله يرى! &; ابتلع ريقه وركز مع الكلمات الآتية التي اختارها الآخر بعناية كبيرة وسهولة في الألفاظ ليفهم صديقه بسرعة :
_ أول حاجة يا "أبو علي" .. تسمي الله &; "بسم الله الرحمن الرحيم"
هل هذه ما كانت سبب في انتشاله الورقة ورؤية كل هذا &; لا يعلم لما خفق قلبه وهو يرى دائرة بها كلمة الوضوء وأسفلها أسهم بأرقام مرتبة بعملية وشرح مفسر من "آدم" الذي اتسم بالوفاء والإخلاص:
_ اغسل إيدك تلات مرات يا "حسن" &; وبعد كدة تتمضمض تلات مرات وتستنشق تلات مرات &;. بعد كدة تغسل وشك تلات مرات بودانك ودقنك من تحت وكله &; &; بعد كده اغسل ايدك لحد مرفقينك تلات مرات كمان برضه &; وبعده تمسح على راسك وشعرك تلات مرات &; وودانك تلات مرات&; وبعد كدة اغسل رجليك لكعوبك تلات مرات .
ترددت يديه في ترك الورقة &; تمسك بها الآن بقوة كمن يتمسك بشئ ثمين &; ونظر ناحية المرحاض الصغير وعاد ينظر ناحية آخر شئ دونه بعد هذه الأسهم :
_ وادعي وانت بتتوضى وقول:أش&;ه&;د&; أن&; لا إله إ&;لا&;&; الل&;&;ه&; و&;ح&;د&;ه&; لا ش&;ر&;يك ل&;ه&; &; وأش&;ه&;د&; أن&;&; م&;ح&;م&;&;دا&; ع&;ب&;د&;ه&; و&;ر&;س&;ول&;ه&; &; الل&;&;ه&;م&;&; اج&;ع&;ل&;ن&;ي م&;ن&; الت&;و&;&;اب&;ين&; &; واج&;ع&;ل&;ني م&;ن&; الم&;ت&;ط&;ه&;&;ر&;ين&; &; س&;ب&;حان&;ك&; الل&;&;ه&;م&;&; وب&;ح&;م&;د&;ك&; &; أش&;ه&;د&; أن&; لا إله&; إ&;لا&;&; أن&;ت&; &; أس&;ت&;غ&;ف&;ر&;ك&; وأت&;وب&; إ&;ل&;ي&;ك&; .
تنفس "حسن" بعمق&; وابتسم له وكأنه بجواره عندما قرأ بقية الكلمات ووداعه الذي أحزنه بعدما جعله يشعر بأنه هنا معه :
_كده أنا قولت كل اللي نفس اقولهولك واللي نفسي تعمله &; متنساش تقرأ من المصحف يا "حسن" &; وعادي تقرأ سور صغيرة لو مش قادر تقرأ الكلام الكبير &; بس لو جيت تقرأه هتتعود ولسانك هياخد عليه &; مع السلامة يصحبي &; مستنيك تخرج &; مستنيك زي الأول وعمري ما هلف ضهري ليك إلا في اللي يضرك ويضرني &; ساعتها هلف زي ما لفيت بس مش هبطل أحاول اخليك كويس وأفضل من الأول &; متنساش بقى تدعيلي معاك &; يا بختك لو شوفت الورقة دي وقرأتها &; ربنا بيحبك لو بتقرأ دلوقتي يا أبو علي &; قول كل حاجة لربنا وهو سامعك فأي وقت &;. وقابلك وحابب قربك منه &; اتمنى تكون شوفت الورقة وعملت بكل اللي فيها &; واخرج بقا عشان أنا من غيرك مبعتمدش صحاب غيرك يالا &; انت صاحبي وطريقي حتى ولو كنا ايه .
نقاط تفصل بين العقل والمزاح &; لم يصدق أنه ضحك بصوت&; الآن عندما قرأ نهاية الآتي :
_ قبل ما أقولك سلام &; كنت هنسى أقولك اني اشتريت الكلب من الواد " بندق" جارنا زي ما كنت بتقولي انك عايز تشتريه بس ابوك الله يرحمه مكانش موافق يدخل بيتكم &; "فريدة" اختك سميته "أمان" &; بصراحة اسم على مسمى ومستنيك تيجيله عشان عارفك بتحبهم أوي &; واسمحلي أنادي قلة الأدب اللي عاينها لحد ما نكون مع بعض من تاني عشان انا دلوقتي مؤدب ومحترم وراجل متجوز ومسئول عن بيت وعن أختك اللي بقت مراتي يالا &; بس بص ! ..بكل قلة ادب بقولك مع السلامة يا بن المتدايقة &; ياللي اختك الحلوة وقعتني فيها وشكلك كدة هتخرج على عيال يقولولك يا خالو مع انك أهطل!.
ضحك رغم حنقه من الكلمات &; وعاد يقرأ بعد رؤيته لسبه له بمرح&; :
_سلام يالا يا بن زينات!
لم يشعر بنفسه إلا عندما نبس بصوت مبحوح من كثرة الصراخ وقال من بين ابتسامته الباهتة :
_ سلام يا بن جنات.
ترك الورقة عقب قولها بمشاعر مضطربة وحماس الحياة في الخارج أرسله له "آدم" بين الكلمات ببراعة&; وخفة وقبول يتميز به على الأغلب &; ابتلع ريقه &; وسار خطوات&; بطيئة إلى بداية المرحاض &; نظر ناحية خطوات الوضوء يتذكر ثم تركها على المقعد &; وتخبطت ركبتيه قبل الدخول لفعلها..
ٱغمض "حسن" عينيه بهدوء&; وألم ووجد نفسه يهتف من بين شفتيه :
_أنا عارف اني مستحقش ده بعد كل حاجة عملتها &; بس كنت بسمع الشيخ في صلاة الجمعة بيقول انك حنين اوي على العبد أكتر من امه &; أمي مورتنيش الحنان اللي كنت عايزه يارب &; أنا أناني وانا بقرب عشان عايز ارتاح الراحة اللي "آدم" بيقول عليها &; أنا أناني وأنا آسف!! .
كان يعجز عن الحديث &; خرج الحديث منه وكأنه يتحدث كما يتحدث دون شروط &; تركها تأتي كما تأتي والشئ الذي يعلمه ان الله غفور رحيم بعباده&; دخل بأيدي مرتجفة يبدأ بخطوات الوضوء وسارت القشعريرة في جسده كمن لم يرتعش من قبل &; بوادر التقرب الذي كان يراه ثقيلا&; &; صعبا&; كونه لا يفقه شىء&; وسهلا&; عندما تبدأ في خطواتك الأولى فتتيقن حينها أن الصعب هو ابتعادك عن طريق الاستقامة والهداية!!
اختيار الصديق هو اختيار الطريق &; لم يختار أي منهما طريقه في البداية وجعلتها الأيام والحياة سيئين تحت مسمى الضحية التي لم تستمر طويلا&; حتى تمسك كل منهم بمبادئ عاش معها وزاد فيها السوء أكثر &; ومؤخرا&; نهض وهرب منها أحدهم بصعوبة أصبحت سهولة وأصبحت فخر توصل إليه حتى الآن &; حتى وهو يرشد صديقه إلى النور وهو بعيدا عنه ..
من يريد أن يتوصل لك سيٱت&; بشتي الطرق الممكنة وبكل المحاولات &;حتى وان توقف يقطع طريقه الكثير &; حتى وان منعه الأكثر &; من يريد لا يترك من يريد لا ينتظر &; ولا يرحل أبدا&;!!
خرج"حسن" وفرد السجادة ومد يده يتمسك بالمصحف بكفين باردين ونظر ناحية الصندوق فوجد بطاقه أدعية &; وقف أول&;ا يرفع يديه وخفقات قلبه تزداد بقربه من الخالق الذي كب&;ر له الآن مردد&;ا بمشاعر عدة لا يتفهما الآن ولكن بها راحة ورهبة كونها أول مرة رهبة ضاعت وفاز عليها الاستسلام الوحيد الذي يريده المرء:
_"الله أكبر ."
الله أكبر من أي شىء وكل شئ &; أكبر من احتمالات وأكبرمن أفكار وتفكير &; وأكبر من كلمات كانت ت&;ردد له بإستحالة تغيره وتحسنه للأفضل في التعامل والأسلوب والافعال &; الله اكبر وأقوى من مجرد وسواس ينصت له المرء ويغضب ربه &; ربه الذي يتقبله فيما بعد بكل قبول &; ر&;بما مثل الآن.
_ف&;ي&;ا ع&;ب&;د&;ا ي&;ض&;يق&; ب&;ك&;ل&;&; إ&;ث&;م&; و&;ي&;ر&;ج&;و الل&;&;ه&; ت&;س&;د&;يد&;ا خ&;ط&;اه&;
ت&;ق&;د&;&;م&; ن&;ح&;و&; ب&;اب&; الل&;&;ه&; ت&;ظ&;ف&;ر&; ب&;ت&;ر&;ح&;اب&; ت&;ر&;د&;&;د&;ه&; س&;م&;اه&;
ك&;ر&;يم&; لا ي&;خ&;ي&;&;ب&; ظ&;ن&;&; ع&;ب&;د&; ت&;م&;د&;&; إ&;ل&;ي&;ه&; ف&;ي ذ&;ل&;&; ي&;د&;اه&;
ف&;ك&;م&; ل&;ل&;&;ه&; م&;ن&; ف&;ض&;ل&; ع&;ل&;ي&;ن&;ا و&;ي&;م&;ن&;اه&; ت&;ج&;ود&; ب&;م&;ا ق&;ض&;اه&;
ح&;ل&;يم&; ل&;ي&;س&; ي&;ع&;ج&;ل&; ف&;ي ع&;ذ&;اب&; إ&;ذ&;ا م&;ا الج&;ه&;ل&; م&;ر&;&;غ&; ف&;ي ث&;ر&;اه&;!
______________
_يختي دا حملها صعب أوي &; أقولك على حاجة كلام في سرك يعني &; قلبي متوغوش ان البت" نيروز"مرات ابني دي تولد بدري فجأة &; دا يدوب أكلت امبارح بسلة "فرح" بنتك كانت عملاها معايا &; ويادوب أكلتها من هنا يا "حنان" وعينك ما تشوف الا النور &; رجعت علطول!!.
خرجت الكلمات في جلسة ثرثرة بين "دلال" و"حنان" والفارق منذ آخر الأحداث يوم ونصف فقط &; كانت تحاول الهاءها عن الحزن من فراق فلذة كبدها فيما جاب&; الحديث بعضه وهما معا&; الآن على منضدة المطبخ وفي الخلفية تقف "فرح" تذوب "الشراب" في الإناء الكبير حيث اقترب موعد الغداء &; "غداء متأخر بوقته " &; نظرت لها "حنان" بإنصات&; وابتسمت تدعو لها مرددة بصفاء&; ونقاء:
_لا بعد الشر من الولادة الفجأة يا حبيبتي &; متخافيش هما بنات اليومين دول كدة &; معتش م&;ر&;وة ولا صحة زي زمان &; زمن الخير والعز والقوة راح خلاص يا أم غسان &; بس صلي على النبي في قلبك كده &; وان شاء الله ربنا هيسترها وتبقى حلوة &; ما هو الحمل برضه مش سهل &; انت&; مجربة يا ختي يمكن الحمل في توأم صعب ولا حاجة الله أعلم !
ضحكت "دلال" على آخر حديثها وأكدت:
_عندك حق يا أم عز والله&; &; البنات يختي مبقوش زي زمان &; كانت الواحدة تولد وتاني يوم تقوم تشوف مصالحها &; طب والله&; أنا كنت حامل وبشتال الأنبوبة على قلبي كده &; الصحة والبركة اللي في زمان راحوا&; مش زي دلوقتي &; يوم تكون البت كويسة بس متقدرش تعمل حاجة ويوم نايمة وواخده علاجها وبترجع وحالتها صعبة , يلا ربنا يستر وتقوم منها على خير وبخير!
حديث نساء &; وثرثرة أغلبها فارغة والأخرى تهم البعض &; قبل أن تؤيد هى وقبل ٱن ت&;جيب جاءت "فرح" من الخلف تبرر بطيبة&; :
_مش حكاية قوة ولا ضعف &; الحمل بيختلف من واحدة للتانية يا طنط &;أكيد معدتها تعبانة أو قولونها مثلا&; هضمي وعصبي بيتأثر بسرعة بأقل الحاجات &; "نيروز" من زمان صحتها مش كويسة أو مش اللي بتستحمل أوي &; ربنا يقومها بالسلامة يارب ويجي أولادها سالمين معافين!
فأشارت لها "دلال" بتضامن ورددت :
_على رأيك يا "فرح" &; يلا عقبالك يا حبيبتي وتبقي أحسن من كده ولا انت&; يختي طرية ومش هتستحملي وتحسرينا معاكي !
توردت وجنتي "فرح" في خجل&; وأكملت فيما تفعله فيما ردت "حنان" بإبتسامة هادئة :
_ان شاء الله ربنا يتمم بخير ويعطيها القوة ساعة ما يرزق.
لم تتوقف ثرثرة "دلال" ولكن خرج صدقها بدفاع&; فطرى رآه البعض تفخيم بولدها حينما قالت لهما :
_ آمين يارب ..بس والله&; "بسام", ابني عاقل ونضيف ومنظم مش هيجهدك يا " فرح ". ولا هيتعب في قلبك &; ان شاء الله تبقي مرتاحة كدة بدل يا ختي ما يقلبلك المطبخ ويمشي أو بدل ما يكون واحد سايب اللي وراه واللي قدامه يضرب يقلب كده ومش مرتب زي ناس كدة الله يهديهم يارب ويصبر مراته عليه بقى!
لمحت بقليل من المرح على "غسان" والتي لم ترض قولها صراحة&; كي لا تضع عليه أي ذنب ٱو خدش أمام غرباء عن عائلتها الصغيرة &; ضحكت "فرح" بخفة&; واستمعت لقول والدتها الهادئ :
_لا بسم الله ماشاء الله والله دكتور بسام زينة الشباب ومريح فعلا&; ربنا يحميه ويكمل فرحتهم على خير &; أصل هقولك برضك يا أم غسان &; "فرح" برضه بتزهق من المطبخ بسرعة &; فـ ما جمع الا ما وفق &; وبسام شاطر أوي &; هم حرين يختي مع بعض بقى احنا مالنا .
ضحكت "دلال" على كلماتها &; في حين التزمت "فرح" الصمت وهي تبتسم بشرود&; &;. استمرت فيما تفعله بشرود&; &; قطعته هى وهى تستأذن للإنصراف بضع دقائق كي ترى مرة أخرى "وسام" بعد أداء إحدى الاختبارات التي أدتها وعادت بعد وقت&; على الرغم من اطمئنان الجميع دون استثناء .
فيما كانت هى في الغرفة تجلس أمامه مبتسمة بإتساع&; بسبب ما يفعله &; من تمشيط لخصلاتها &; كان يتحكم بمسك المشط برفق&; على رأسها وسألها للمرة التي لا تعرف عددها :
_يعني الجغرافيا كانت سهلة &;
تأففت "وسام" من تكرار السؤال &;. فصمتت والتفتت برأسها ترد في ضجر&; :
_ما خلاص بقا يا "بسام" الله!!! &; انت عارف كام مرة سألتني السؤال ده&; انا حليت وخلاص معتش عايزة افتكر بقى!
طالع حنقها وضيقها الشديد &; فنظر بتعجب&; وسرعان ما اعتدلت تشير له بحنق&; :
_هه خلصني يلا &; اعمل الكحكة خليني أقوم أوريك المفاجأة اللي عملتهالك!
ابتسم"بسام" بهدوء&; وهو يعقد خصلاتها برفق&; وضرب عنقها من الخلف موضحا&; :
_خلي خلقك واسع يا بت &; أنا بسألك عشان أطمن انك معايا على الخط ومسبكيش مع دماغك اللي هتقعد تفكر في الإجابات &; كل ده خلاص في زمن كان &; طولي بالك كدة شوية .
صمتت دون رد وراضته بإبتسامة لم يلاحظها إلا عندما واصل يوضح بحماس&; :
_ها&; &; أنا مستني المفاجأة اللي بتقولي عليها دي بصراحة وربنا يستر بقا .
_اطمن يا بيسو &; حاجة هتعجبك أوي.
عقد خصلاتها على شكل كعكة في الخلف &; واسند المشط برفق&; &;فإلتفتت له تنظر فوجدته يبتسم بعدما انهى م&;همته &; وخرجت نبرته المازحة حينها:
_يلا خليني أشوف المفاجأة &; واسيبك تذاكري &; انت&; بتتمرقعي وواخداها حجة ولا ايه يا ويسـو&;
ضحكت رغما&; عنها وهى تحاول رسم علامات الضيق على وجهها &; فنهضت تجلب ما فعلته له وحفظتها على جانب معين من المكتب بين الأوراق &; انتشلتها برفق&; وعادت تجلس ثم أخذت أنفاسها وهي تقدم له الشئ الذي بين يديها &; فطالعه بفضول&; وأمسك منها هذه الورقة الذي كان عليها غلاف رسمت في أوله رمز العين دون تفاصيل &; فيما فتحه ووقعت عينيه على آخر شئ كان يتوقع حدوثه ..
صفحة الورقة بأكملها ب&;ص&;مت بها براعتها في الفن والرسم عندما ذ&;هل ولم تفشل كل مرة في ان تدهشه ببراعتها &; هنا في صفحة الورقة حيث رسمة عيني "فرح" لصورة طبق الأصل من الحقيقة &; ابتلع "بسام" ريقه وقبل ان يعظم بما رآه سألته هى بإبتسامة&; هادئة :
_ايه رآيك عجبتك&;
حرك رأسه بتيهة&; &;. وخرجت أنفاسه بهدوء&; وهو يحرك رأسه بنعم&; مرددا&; بصدق&; :
_مش عارف هي حلوة كدة إزاي&;&;
وتاه بالفعل وهو يسأل مجددا&; :
_ من حلاوة رسمك ولا من حلاوة عينيها&;!!
تشتت &; على الرغم من انها مزحة &; ولكنه رددها بتأثر &; لم ترض مشاكسته بالغرور بل اعتدلت تفسر له بنبرة هادئة :
_بصراحة &; ماشاء الله والله أكبر &; عيون "فرح" جميلة أوي &; سواء كنت بتحبها أو مش مهتم لرسمتها &;فأنا كنت قررت أعملها &; ولما حسيت بالملل قولت خلاص نصييبها أرسمها وآخد ريست فاصل كده بين المذاكرة &; فصممت الغلاف ده ورسمتها جوه في يوم على ما خدت وقت في التفاصيل وجبت منها صورة من غير ما تحس&; وتحت الرسمة بص كدة هتلاقيني سيبت ليك ٣ سطور للكلام اللي عايز تقوله وتكتبه ليها وتديهولها &; حاسة ان في الوقت ده الهدية دي هتفرق في نفسيتها أوي.
ورغم تأثره من طيبتها الغير معهودة دائما&; والتي فاجئته الآن الا انها لم تترك له مجال للرد بل واصلت تكمل بتوضيح&; :
_هى اليومين اللي قعدتهم هنا &; حسيت انها زعلانة أكتر ما كنت متوقعة انها تزعل كل الزعل ده &; حاولت أخفف عنها بس هي حاطة فكرة اني ثانوية عامة ومش بتسيبلي فرصة أواسيها عشان الوقت والمذاكرة &; لكن لاحظت انها مش تقيلة وانها بتتكلم وبتحكي &; أنا زعلانة عشانها أوي يا "بسام" &; لأنها دخلت عندي الأوضة تاخد الاسدال والسجادة بليل وقعدت تعيط وهي بتصلي &; بقيت عاجزة أقوم ولا لا عشان متتحرجش &; بس تعرف&; انا مش متفاجئة من الزعل ده كله &; انت و"غسان" عندي حاجة كبيرة وبخاف عليكم أوي &; عشان كدة انا حاسة بيها &; بس صدقني بجد أنا مش عارفة أساعدها .
مشاعر متضطربة ٱتت من التعلق بها &; ربما ما بجذب "فرح" دوما&; عن "نيروز" هى الخفة التي بها وتتشارك بها دوما&; دون وضع حدود منغلقه &; بينما يعرف عن"نيروز", بالعقل والصمت دوما&; حيث لم تشارك مع أحد&; شىء خاص بها كون هذه هى طبيعتها الهادئة &; بينما الأخرى تأخذ وقت للتعارف قصير عكسها !
طالعها "بسام" وهو يتمسك بالورقة &; ولم يفعل ما سيفعله هذا كثيرا&; &;. عندكا انتشل كفها وقبله برفق&; ورد في هدوء&; يطمئنها كونها تشعر بالعجز عن مواساة شخصية أصبحت مقربة منها في وقت ضغط هكذا :
_تسلم إيدك اللي تعبت ورسمت &; أنا مبسوط عشان انت&; مهتمة في وقت الضغط ده &; بس أنا مش عايزك تحسي بالعجز &; أنا عارف "فرح" بتمر بإيه وبحاول بكل الطرق أخفف عنها &; متزعليش عليها &; أنا دايخ أنا و"غسان" و"آدم" وحتى "حازم",و"بدر" عشان بس نوصل للمكان اللي فيه رقم "عز" المقفول وهانت ان شاء الله.
اطمئنت من حديثه نسبيا&; وابتسمت بتأثر&; قبال قوله الممتن:
_المهم اني حابب أقولك شكرا&; يا "وسام"بجد
مدت "وسام" كفها بمرح&; وهي ترجع خصلاتها الأمامية خلف أذنها وهتفت بمزاح&; :
_ العفو &; هات حقها بقى!
ضحك "بسام "بصوت&; عال&; هذه المرة &; فإلتفتت تقدم له القلم كي يكتب أسفل الرسمة التي تفننت بها &; فانتشله بيديه الي&;منى&; &; وأسند على فخذها بمزاح&; الورقة ورتب ياقته بغرور&; زائف وكأنه يمضي عقد مع إحدى الشركات
الكبرى&; &; ضحكت على أفعاله وبدأ هو يدون في الأسطر بصدق&; نابع من فؤادة :
_" أرى كل الأعين بعيني&;&; &; إلا عيناك&; لم أره&;ا إلا بقلبي &; حينها أكتشفت ولأول مرة أن عدستي قلبي أصدق من الأخرتين "
لم يتوقف خط القلم إلى هنا بل واصل أسفل هذه الكلمات مباشرة&; :
_والآن أنا هنا أتساءل! : روتين رموشك ايه وحياة أمك &;
انطلقت ضحكة رنانة من "وسام ", التي قرأت مضمون ما كتبه فضحك هو الآخر فيما غمزته هى ما ان وضع الورقة بجيب سترته بعدما طواها واقترب بمرح&; يقبل وجنتيها بقوة&; فتقززت وهى تبعده عنها وسرعان ما نهض يشير لها بالخروج &;. فإقترب من الباب كي يفتحه..
تزامنا&; مع ذلك كان القرار منها قد صدر عندما قررت الذهاب للإطمئنان عليها وبعدما فتح هو الباب كانت هى على بعد ثلاثة خطوات فوقفت تبتسم له بهدوء&; فيما أغلق هو الباب مع سؤالها المقابل :
_هى كويسة &; ولا زعلانة من الامتحان ومش عايزة تقول &;. أنا كنت لسه راحة اطمن عليها تاني.
ابتسم "بسام" على اهتمامها ورد بنبرة&; مازحة:
_كويسة اطمني &; وسيبتها تذاكر التاريخ بقا &; شوية وهتلاقيها خارجة تتعارك مع ولاد محمد علي!
دائما&; ينجح في التخفيف عنها واخراجها من ما هى به بانطلاق الضحكات منها على مرحة الذي أصبح معتاد بينهما &; ضحكت بصوت&; كبتته في النهاية ودعت بها في نبرة بها أثر الضحك:
_طب ربنا معاها يارب.
ابتسم "بسام" وهو يقترب ودعى لها هى الأخرى بصدق&; :
_ومعاك&; انت&; كمان يا "فرح", ويخفف عنك اللي أنا مش قادر أخففه عنك.
تلقى منها بسمة صغيرة &; وابتلعت ريقها وهى تسأله بتعلق&; وعينين تدمع على الفور كلما تسأله هذا السؤال :
_مفيش أخبار عن "عز"&;!
_هانت والله&;
أجاب بذلك فقط حتى لا يفتح محور وجع بالنسبة&; لها وقطع الآتي صوت "دلال" وهى تخرج من المطبخ فنظرا لها بمجرد ما صاحت عاليا&; :
_يلا يا "بسام" &; أدخل غير يلا عشان شوية وهحط الغدا على ما أبوك يقفل المحل &; و"غسان" يجي من بره وعشـان كمـ...
قاطعها من كلماتها السريعة مرددا&; بمرح&; :
_خدي نفسك &; خدي نفسك بس يا ماما بدل ما تروحي مننا.
ضحكت "فرح" حينما اقترب يردد لها بذلك فضربت "دلال" موضع قلبه قائلة بضجر&; :
_انت بتتريق عليا&; بتقاطعني دك ضربة في قلبك&;
أمسك موضع قلبه على الفور وهرول ناحية "فرح" متلمسا&; ذراعها في خفة&; وهو يسألها بجدية جعلتها تتوقف عن الضحك بغرابة&; من ما يفعله:
_فرح&; انت&; كويسة&;
هزت "فرح" رأسها وعقد حاجبيها تسأله أمام وجه والدته المنصدم :
_آه &; ليه&;
زفر "بسام" أنفاسه مع اقتراب والدته منه وأخرج الهواء تزامنا&; مع قوله وهو يجيبها بجدية&; مشيرا&; نحو والدته :
_أصلها قالتلي دك ضربة في قلبك!
انفلتت ضحكات "فرح" بقوة&; ومهما وضعت يديها على فمها تكمم ضحكاتها تفشل فيما شهقت "دلال" وهي تضرب صدرها:
_يا حلاوة خلفتك يا دلال &; يا حلاوتها!
سخرت وهي تلوي شفتيها فإقترب يقبل وجنتيها بقوة&; وجذب "فرح"من ذراعها ففعلت مثله وهي تقبل وجنتيها برفق&; حتى ضحكت مستلمة ورددت بحب&; :
_ربنا يريح بالكم ويسعدكم دايما&;
ولم تترك لهم الفرصة كالعادة بل رددت سريعا&; بلهفة&; وعجالة:
_ يلا زي ما قولتلك يلا &; على ما مرات أخوك تنزل حط مفرش السفرة ونادي "وسام" تيجي تساعدني انا و"فرح" عشان "نيروز" متعملش ويبقى اسمها تعبت عشان عملت عندي حاجة &; خليها متلصمة ربنا يشفيها &;فيلا شهل كدة معايا .
والدة زوج &; على الأغلب لن ينج أحد من هذا الحديث المنتشر بالثرثرة المعتادة &;كانت حانقة منها لأنها لا تقضي الوقت معها الا انها سريعا&; قدرت الوضع بتعبها فتركتها على راحتها كي لا يخسر ولدها ..
نظرت"فرح", ناحيتها بإبتسامة هادئة ولبت قولها سريعا&; ما ان نظر لها "بسام" بصمت&; تعتاده والدته منه لأنه دوما&; ما يتخطى لها ويتركها تتحدث كما تشاء دون رد &; اقترب هو من غرفته ليبدل ثيابة فيما اقتربت "فرح" من المطبخ تساعد والدتها هناك &; بينما اقتربت "دلال" من غرفة ابنتها كي تخبرها بموعد الغداء المتأخر هذا !!
____________________
_هتخلصي تطبيق الهدوم دي امته يا "نيروز"&; زمانهم مستنينك تحت وانت&; بتقولي الغدا عند حماتك النهاردة &; مش حاسة انك إتأخرتي&;
سألتها "جميلة" التي صعدت بإلحاح&; من "نيروز" كي تجلس معها لتقوم بإلهاءها &; تابعت كلماتها باهتمام وهي تطوي القطعة القماشية بين يديها والأخرى تساعدها بهدوء&; فيما ردت "نيروز" بتوضيح&; :
_خلاص قربت أهو &; "غسان" أصلا&; لسه مجاش &; فعشان كدة براحتي على ما اخلص اللي ورايا لأحسن لو نزلت مبعرفش أطلع الا بصعوبة وببقى ورايا حاجات كتير أوي وماما مش دايما&; معايا &; انت&; عارفه انها رجعت الشغل وساعات بتروح لـ "وردة" والنهاردة بتقول انها خرجت من الشغل على شقة "ياسمين" تنضف معاها شوية وهيرجعوا سوا&; فأنا بحاول اخلص عشان لما ننزل نقعد تحت اقعد مطمنة ان مش ورايا حاجة تتعمل&;
ثم ختمت كلماتها المفسرة بسؤالها المهتم :
_هوانت&; مش هتيجيلنا على هناك بعد شوية تقعدي معانا ولا ايه&;.
تابعت "جميلة" آخر سؤال منها بتعب&; واعتدلت بإرهاق&; تطالعها بشرود&; بسيط &; فأجبرتها "نيروز", وهى تحرك رأسها متساءلة &; فردت "جميلة" بثقل&; :
_مش عارفة &; أنا بقيت عايزة آجي التجمع ده وبهرب منه بسبب مامت "عز" و"فرح" &; حاسة اني السبب في انه مشى &; بقيت مقتنعة انه مشى عشان اتكسر ومش قادر يبص في عيني بسبب اللي حصل وبس &; بيحسسوني بالذنب كل ما بشوفهم يا "نيروز"&; أنا فى غنى عن ده &; أنا لو عليا مش هخرج بره أوضتي بس بطلع عشان خاطرك &; ده حتى "فريدة" قالتلي عايزاكي وأنا مقدرتش أروح امبارح مع انها شكلها كانت محتاجاني فعلا&; بس انا معنديش طاقة امشي هنا ولا هنا.
تفهمت حملها لذنب ليس لديها الذنب به من الأساس تلمست "نيروز" كفها بحنو&; واحتوتها بتفهم قائلة :
_متحمليش نفسك ذنب زي ده يا "جميلة" &; "عز" لما مشى وساب كل حاجة فهو مشى عشان معتش قادر مش أكتر &; أنا مش ببالغ بس أنا حاسة بيه وحاسة لما الواحد بيبقى عايز يهرب ببقى حاسس بإيه &; ولو على موضوع "فريدة" فمتشيليش هم هي أكيد مقدرة &;. بس انت&; برضه متقفليش غلى نفسك كدة &; طب ايه رآيك بقى اني هاخدك ونروحلها النهاردة ونتمشى.&;
رددت "نيروز" حديثها بهدوء ودعم لـ "جميلة" التي ابتسمت تحاول الرفض بطريقة غير مباشرة حينما قالت :
_ خليها مرة تانية &; طنط "زينات" عندها من الصبح.
نظرت إليها بضجر&; زائف ووضعت قميص زوجها على جانب وهى تردد:
_ واحنا مالنا بـ "زينات"&; أنا بقول احنا &; وبعدين علفكرة هى مكلماني برضه وقولتلها هحاول اجيلك &; وهتيجي يا "جميلة" معايا ومش هقبل أعذار هه &; دا اذ كان "ياسمين" كانت عندهم امبارح &; الولية الحامل يا قادرة راحت لاختك تقعد معاها ومع اختي وانت&; ملكيش مزاج تروحي لاختك&;&;&;&;
ضحكت "جميلة", عندما فهمت انها تريد مشاكستها على الرغم من انها تعذرها جيدا&; فضحكت مع خروج نبرتها الضاحكة بخفة&; :
_طب متقوليش كدة قدام "فريدة" عشان متزعلش &; أنا مش حكاية مليش مزاج &; بس أنا هبطانة أوي ومش قادرة بقالي يومين &; معرفش بقا ده من نفسيتي ولا تعب عادي &; بس يلا معدتش فارقة كدة كدة !
نظرت "نيروز", ناحية يأسها بحزن&;&; فإنتهت من الملابس وطويها فنهضت "جميلة" تحمل عنها الطبق وسارا الإثنان ناحية غرفة النوم &; حتى وقفت أمام الخزانة لتضع الملابس &; وحينها خرج صوت "نيروز" بإنتباه&; وهى تقوم برص الملابس بتنسيق&; :
_بلاش الحزن ده كله يا جميلة &; شكلك بقا مطفي وانت&; ملامحك متستاهلش ده &; انت&; جميلة والله&;
دعمتها مجددا&; فابتسمت "جميلة" لها وطالعت هيأتها في المرآه بصمت هي من قطعته وهي ترد :
_عز يستاهل أزعل عليه العمر كله يا نيروز &; أنا اللي مصبرني اني معلقة نفسي ومستنية يرجع فأي لحظة &; مع ان لو رجع مش عارفة ساعتها هيكون رد فعلي ايه &; أنا زعلانة عليه ومنه أوي ومحدش فاهم حيرتي وتوهاني ده!
لمعت عينيها وهي تناولها الملابس &; فنظرت "نيروز" بتعاطف&; وتركتها تكمل وتخرج ما هو مكبوت داخلها :
_أنا تايهة اوي &; تايهة من زمان&; ولما فكرت اني هرتاح كنت هبلة &; دا أنا حتى مسملتش من أذى نفسي بعد ما اتأذيت من كل حاجة &; وكتت بقعد أفكر هو ايه اللي مأخر الحمل ونسيت انه رزق &; بس حتى هو مكانش متدايق من ده &;. بس شكلي اتعودت على عدم الراحة لما بقعد انغص على نفسي كل حاجة كده .
ابتلعت "نيروز" ريقها بهدوء&; وواستها قائلة بعقل&; :
_الحمل ده فعلا&; رزق يا "جميلة" وفي كل حاجة فاكرينها شر ببقى فيها خير &; تخيلي مثلا&; كنتي حامل وحصل كل د وعز برضه كان مشى &; ساعتها كنتي هتبقي لسه حامل وانت&; بحالتك دي&;
رفضت بأعين لامعة فوجدتها تتلمس معدتها بحزن&; وقالت:
_مش كدة بس أنا حاسة بحاجة محدش غيري فاهمها &; أنا كنت عايزة اتبسط وابسطه معايا بخبر زي ده كنت بفضل احسبله واستناه وفي الآخر بيطلع مفيش حاجة &; عز شاف كتير ومن حقه يفرح بس حتى الوقت مستناش ولا صبر علينا نستنى كمان .
_والله هيرجع وهترجعوا وهتبقي أحسن أم في الدنيا لما ربنا يأذن &; وبعدين يا ستي ما ولادي ولادك &; وكويس انك مش هتبقي ملبوخة في حاجة عشان تبقي تشيلي عني واحد بقا وأنا واحد ما أنا مش هقدر لاتنين &; عارفة&; لو كان في أوبشن اني اعطيكي عيالي تشيليهم في بطنك كنت هعطهملك بقا لإني مش قد التعب ده كله والله يا جميلة &; أنا ضهري مموتني وساعة مش طايقة نفسي &; أنا كنت بعيط من ضهري امبارح بليل ومنمتش منه &; متستعجليش ابوس ايدك بقا &; دا كتر خير غسان انه مستحمل تقلباتي المزاجية دي وساكت.
ضحكت "جميلة" واقتربت في حب&; تتلمس معدة "نيروز" البارزة &; ثم عانقتها بحب&; وردت متفهمة :
_والله أنا عارفة ان حملك متعب&; ربنا معاكي ويقومك بألف سلامة
مررت كفها على ظهرها ثم اعتدلت مرة أخرى لتجد سؤالها :
_ متعرفيش حاجة عن عمتك وعيالها &;
تابعت "جميلة" كلماتها بتشنج&; وخرج ردها المقهور وهى ترد قائلة:
_ولا عايزة أعرف &; أنا عمري في حياتي ما كرهت حد قد ما كرهت "سامر"&; ياريته ما كان اتكلم &; يا ريتني كنت لسه على عمايا ولا كان ده كله يحصل .
كل شئ يرتبط به وبفقدانه &; استدارت برأسها ما ان شعرت بأن دمعتها ستهبط فجففت عينيها بطرف حجابها الأسود &; عكس ما كانت ترتديه دوما&; وفسرت لها قبل ان ترد :
_أنا بس سمعت انهم لسه مرجعوش من المستشفى مع انهم المفروض كانوا يرجعوا &; ربنا يبعدهم عننا عشان أنا خلاص بقيت على أخري.
وابتلعت ريقها وخرج صوتها المتحشرج تحثه بها كي تبعد عن محور الحديث حتى لا تبكي:
_يلا &; هسبقك ألبس جزمتي .
تركتها وخرجت وبقت "نيروز" تنظر في أثرها بحزن بالغ من أجلها &; شعرت بنبض مجددا&; من أحد صغارها &; فتحسست معدتها بشرود&; وكأن الصغار تشعر بحزن والدتهما &; حزن لأجله وأجل شرودة وصمته معها وحزن لأجل رفيقة الدرب!
ابتلعت ريقها وهي تغلق الخزانة &; والتقطت عباءتها من خلف الباب وقامت بإرتداءها سريعا&; ثم التوجه ناحية المرآه لترتدي الحجاب .. وعقلها يسبح لكثير&; قطعه صوت دقات هاتفها منه فعلمت أنه عاد من الخارج وهو الآن بالأسفل &; انتشلت الهاتف تغلق عليه الخط حتى تقوم بإرسال رسالتها التي أرسلتها سريعا&; وخرجت ناحية الخارج &; أغلقت باب الشقة خلفها بعدما ارتدت الحذاء وابتسمت تربت على رأس "جميلة" بحنان&; استشفته الأخرى وهي ترسل لها الإطمئنان كي لا تحزن..
ركبا المصعد &; و إحداهما تشعر بالتعب والإعياء &; تقلصات أسفل معدتها تأتي لها عندما تكون بحالة مزاجية سيئة &; تجاهلت أخذ دواء لهذا و اعتقدت أن هذا الوجع لا يعد شئ بجوار وجع الفقد &; وجع فقده ورحيله &; وجع كسرتهما مع&;ا &; قررت الدخول ناحية شقة والدتها كي تنتظر "نيروز" حين تأتي ليذهبا معا&; لـ "فريدة" &; فيما اقتربت "نيروز" تدق جرس شقة "حامد" وختم وقوفهما قول "نيروز" قبل ان ي&;فتح لها الباب :
_هبقى أبعتلك ماسدج أقولك تلبسي لما أطلع ألبس عشان نمشي ومتقلقيش "غسان" هيبقى يوصلنا ان شاء الله.
____________________
_أمان يا "أمان" بألف هنا يا باشا .
مسح على رأسه الصغيرة ووضع وجبة الكلب بترحاب&; له وكأن مهتم بينما ذهنه ذهب بمكان آخر قبل دقائق &; ذهب نحو مكالمة هاتفية لم تستغرق إلا دقائق صر&;ح له بها الشخص الذي طلبه على الجهة الأخرى بمعلومات مختصرة طمئنته كونه يهاب أي شئ &; يوم وأكثر منذ ما حدث وجعله لم يبادر بالقرب بعدها رغم بوادر القبول التي و&;ج&;دت بعد ذلك وآنذاك!!
_ &;اعتقدلك بشكل كبير انها الرهبة الطبيعية على الخوف من الحادثة اللي لسه سايب أثر بسيط &; واسمحلي اقولك ان الانسان مبيتعافاش بنسبة مية في المية &; دا كلام في الكتب والروايات والمسلسلات عشان الحياة تبقى لونها بمبي وتبقى دايما&; النهاية سعيدة. شئ جميل بيحصل بس مش كتير&; بعيد عن واقع الواقع اللي احنا فيه &; اكيد مش هفكرك دايما&; ان اللي حصلها بشع لأي بنت &;بس محاولتك دي أول مرة بعد اللي شافته من قسوة وعنف بالإغتصاب &; فالرهبة الطبيعية جه عليها خوف من التجربة طبيعي مع شوية هواجس بترجع انت بإيدك تضيعها منها بنفسك وبإحتوائك &; هى جت النهاردة في جلسة وواضح من كل حاجة زي ما قولتلك بالظبط انها بقت أحسن بكتير &; كدة يبقي لسه ليها جلسة أو اتنين وتبقى انتهت &; وده مش انتهاء نهائي لان لو حبت ترجع فأي وقت عادي جدا&; .&;
كان حوارهما أمس في الهاتف &; هو من استفسر بقلق&; كونه لم يبادر بإحتواء الوضع &; طبيعة الموقف حينها جعلته يبتعد في الخوف عليها حتى لا تعتقد بأنه سيأحذها عنوة مثل السابق! &; تذكر هذا الجزء من الكلمات في المكالمة وهو الآن على السطح جالس بجوار الكلب &; عاد من العمل وتناول الغداء معها ومع شقيقته ووالدتها هى ثم تعمد تركها معها بخصوصية&; وسار للأعلى يجلس بمفرده..
أحداث كثيرة فوق رأسه &; وخوفه عليها كان حدث كبير يتعمد عليه أحداث أخرى يريد حدوثها ولكن رهبتها تمنعه &; عاد يتفهم رهبتها الطبيعية فاطمئن قليلا&; &; وما تعايشة من ضغط&; يعد ضغط له هو الآخر &; حتى العمل به مسؤوليات كثيرة أصبحت من شأنه ..
نظر "آدم" ناحية الكلب بشرود&; فربت على رأسه بحنان&; وسرعان ما فرد ساقه يخرج من جيب بنطاله الأموال كي يوزعها بالتراضي علي من لديه من مسؤليات ..
مصروفات هنا وهناك وعقل مشتت &; زفر "آدم" أنفاسه بهدوء&; وشكر ربه على نعمته برضا للحال &; ولكنه انتفض ما ان وجد شقيقه يقف على باب غرفة السطح محدقا&; به بسكون &; فتحرك ووضع يديه على وجهه بضيق&; وردد له :
_جرا ايه يا "بدر"&; &; قطعتلي الخلف يا عم &; دا انا لسه مدخلتش دنيا &; الله يسامحك!
ضحك "بدر", وهو يقترب ناحيته &; وانحنى يجلس جواره وهو يوكز كتفه كي يترك لها مساحة &; فتزحزح "آدم" وهو يسمع نبرته الضاحكة له :
_مالك ياض خفيف كدة ليه&;
_لا ميغركش &; انت اللي اخدتني على خوانة &; لكن احنا جامدين أوي خد بالك!
غمزه بخفة&; فضحك "بدر" ومدد ساقه جواره تزامنا&; مع خروج نبرته المشاكسة له :
_ماشي يعم الجامد ..المهم قولي بقا قبضت ولا العملية ناشفة &;
مازحه بخفة&; وفي الأصل كان يصعد مستغلا&; الفرصة للانفراد به كي ينفذ قراره &; ابتسم "آدم" ببشاشة&; له وأخبره برضا :
_انت عارف الورشة مش ماشية أوي اليومين دول بسبب غياب عز &; بس ربنا ساترها يعني الحمدلله.
ربت "بدر" على كتفه بحنو&; وردد في عقل&; واحتواء:
_أنا عارف ان المسؤلية صعبة &; وصعبة عليك انت بالذات عشان مكنتش متعود على ده ولا كان يجي في دماغك انك تبقى كده في يوم من الأيام &; هى تقيلة بس أهم حاجة انك ماشي صح &; صح&;
سأله يسحب منه الحديث &; فإبتسم يحرك رأسه وردد في قناعة&; :
_عندك حق &; مكنتش أتوقعها فعلا&; بس أحسن من زمان &; احسن من ما كنت لوحدي وأحسن ما أخد منك فلوس &; ساعتها كنت مجبور اخدها منك عشان كنت بعمل حساب لموتي اللي هيجي لو مشوفتش دماغي وكيفي &; الوقتي عيني في الأرض منك بس راسي مرفوعة في نفس الوقت عشان عندي أخ زيك يا "بدر" .
ابتسم "بدر" متأثرا&; ومسح على خصلاته السوداء الناعمة برفق&; كصغير بين يدي والده &; والده الذي توفى مبكرا&; جدا&; &; لذا لم يلحق كل شئ منه وله &; لذا تعلقه بوالدته الراحلة شئ صعب تحمله عند فقدانها &; ربما هذا الفقدان هو من سبب للجوءه ناحية الهلاك عن طريق أصدقاء سوء ليكملوا ما بدأه الشيطان في عقله &; إستند "آدم" على كتف شقيقه وتنفس بعمق&; فيما خرجت منه الكلمات واستطاع الآخر احتواءه كي يخرج منه الثقل الذي يخبئه دون المشاركة:
_ تصدق&; &; لو الواحد معندوش ماضي في حياته &; مش هيعرف يعيش الواقع والحاضر &; بالذات لو ماضي صعب في من العبرات ألف &; بس الجدع اللي يعيش يومه وهو بياخد حذره انه ميعملش النهاردة اللي هو عمله امبارح وخد على قفاه فيه &; ع&;مر الدنيا ما علمت حد ببلاش &; بقيت مقتنع ان عشان أعيش راضي لازم اتقبل وجع اللي فات &; الحكمة دي مكنتش مطبقها أوي &; بس طبقتها وأنا مقتنع لما عرفت "فريدة" عن ق&;رب &; ولما حسيت هى قد ايه مظلومة ظلم الواحد يقعد يفكر هو ازاي ممكن واحدة تستحمل كل ده &; وواحدة! &;. يعني قلبها ضعيف وتحكماتها في الحياة قليلة مش زي أي راجل في المجتمع ده فاكر نفسه بعافية وهيستحمل اللي مفيش ست تستحمله &; أنا مكنتش مقتنع بكل ده بس لما شوفتها وعرفتها غيرتلي كل اللي كنت فاكره عادي ومطلعش عادي!
البوح ليس من قاموس "آدم" &; الضعف ليس من قاموس "آدم"&; جملتان كانا يترددا بالعامية على طريقة سيدة بارعة في تشخيص أولادها وصغارها &; عن طريق من تحفظ من أنجتهم عن ظهر قلب!! &;. عن طريق والدتهما
أنصت له "بدر" بإهتمام&; وتركه يخرج ما بداخله بسكون&; ومتابعة ولم يتوقف الآخر بل أكمل مبتسما&; بأسى&; :
_ أوقات بحس انها أقوى منى! &; لا مش أوقات ..ده علطول..أيوة علطول &; علطول بحس انها بتتظلم من أقل حاجة &; لما بقعد أفكر &; وأقول هو بنت زيها لسه يعتبر صغيرة ليه تتعلم من الدنيا بدري كدة&;&; ليه الدنيا داست وخدت منها أكتر ما عطتها &; طب هيكون رد فعلها ايه لما حد يجي يحكيلها مصيبة أو مشكلة أيا&; كان &; حاجة كبيرة هتبقى بالنسبة ليها ولا حاجة بسبب اللي شافته &; بسأل نفسي وبقول طب ليه كدة &; ليه ممكن الدنيا تسرق مننا اللهفة بدري&;! .
واسترتسل بأعين بها وميض المأساة عليها ولها وحدها :
_زمان كنت بحس صدمة البنات أوفر في كل حاجة &; نظرتي ليهم انهم بيكبروا المواضيع كانت دايمة &; بس جيت دلوقتي قدام واحدة بقيت بخاف لمعدتش تتأثر بأي حاجة بسبب كل اللي حصلها &; جيت أتمنى أغير نظرتي &; اتمنى يجي اللي مكنتش بحبه فيهم ومسترخمه &; واهو جه واحدة واحدة من تاني &; بس عارف ليه &;
سأله وتاه وكأنه بلحظة غير وعي&; &; فلم يقطع عنه "بدر" اللحظة بل صمت وتركه يتابع ما استجوبه به :
_عشان برضه لسه شايفها قوية وأقوى مني &; وخالفت كل توقعاتي زي ما لايق عليها دايما&; &; لايق عليها الاختلاف واسمها مش من فراغ &; هى فعلا&; "فريدة" من نوعها مش هزار &; فريدة عشان تقبلت العلاج بسرعة محدش توقعها وانها عايزة تكون أحسن وبتكابر دي لوحدها يتعمل ليها تمثال فيها بعد كل اللي حصل &; أنا معاناة واحدة من ضمن اللي عاشته &; أنا مكنتش عارف ايه طعم الفخر&; لحد ما شوفتها برضه ومن ساعتها وأنا فخور بيها وفخري عمره ما قل &; دا بقا بيزيد كل يوم عن اللي قبله !
لم يتوقع لمعة عينيه حزنا&; عليها &; أوصلته لمراحل لم يتوقع أبدا&; في يوم بأنه كان سيصل لها &; رغم جراءته ووقاحته في أغلب الأوقات الا أن ما يميزه في أوقات الجدية هى البراءة &; براءة الرجال النادرة &; بعيدة كل البعد عن براءة الطفل &; برئ في كلماته ومشاعرة التلقائية التي تخرج من شخصه الصادق وليس شخصه اللعوب !!
عقباتها أمام عينيه يتذكر ويتذكر &; أغلب التذكر أشياء قصتها هى عليه وهما معا&; &; أخرج "بدر" أنفاسه بهدوء&; شديد وخرجت نبرته الواضحة بسكون&; له :
_وقعت يا '"آدم" &; تعرف&; أول مرة أشوفك كدة &; بس أنا فخور بيك كأخ وأب &; وفخور برضه بـ "فريدة" كأخ &; لإنها من زمان وهي كانت بالنسبالي شخصية أنا بشفق عليها فوسط اللي كانت فيه &; وكنت بثق في كلام أمك &; أنا فاكر كل حرف كانت بتقوله علينا واحنا صغيرين &; مكانتش بتكرهها &; كانت بتحبها وبتتقبلها عادي &;. فاكر كانت بتقول ايه&;
ابتسم "آدم" يحرك رأسه بتذكر&; لكلمات والدته التي تحفر بداخله &; كذكرى&; أبدية لا تختفي أبدا&; :
_ "كانت بتقول حلوة وصعبة وطيبة &; وان كان على الطيبة مسيرها تبان &; ولو على الصعوبة فالحلاوة تمحيها وتأسر قلب الحبيب اللي هيحبك بكل ما فيكي فيسألوه فين الصعب&; يقولهم بقى&; لين يا بني آدمين!"
ردد الكلمات طبق الأصل&; لم يرض"بدر" قولها بحرج لاحترام لقب زوجة للآخر &; فيما ضحك الإثنان ومازحه "بدر" مرددا&; :
_أمك دي كان عليها شوية حكم وكلام !!
ضحك "آدم" بصوت&; عال&; وسأله بخفة&; :
_فاكر يا "بدر" كان بتقولك ايه&;
_" مجهول ومشغول &; وعن قريب فاضي لكل حبايبك ومعلوم"
ابتسم بإتساع&; وهو يرددها &; فإعتدل "آدم" ينظر على الكلب &;وعاد مجددا&; فوجد ه يضع بين كفيه حفنة من الأموال مرددا&; بتفسير:
_إمسك دول يا"آدم" ومن قبل ما تتكلم &; أنا جايبهم في ايدك المرادي عكس كل مرة كنت بسيبهملك وامشي عشان مبترضاش &; دي فلوس البيت &; بتاعت فاطمة والعيال وبتاعت الأكل والشرب&; وسيبتلك يا عم مسؤليتك انت ومراتك عشان متنجرحش أوي.
مازحه بخفة&; فأراد "آدم" الرفض بينما نهره الآخر بعينيه فلم يستمع وقال بعناد&; :
_يا بدر اسمع الكلام ربك ساترها &; وبعدين احترم عقل راجل معلم عشان الفلوس دي كتير عن حوارات فاطمة وعيالها &; انت بتضحك على مين يا عم&;
_ ماشي يا معلم &; عينهم وانت ساكت واعتبرهم يا عم فلوس نقوط فرحك
أجبره على حفظها في جيب سترته &; فوضعها "آدم"بالإجبار ضاحكا&; بسخرية&; :
_كان نفسي في فرح فعلا&; بس أديك شايف الوضع!
_وماله يا عم نعمل فرح لما الظروف تتحسن &; وبعدين مش يمكن نطبق خاصية لأول مرة عروسة وعريس متجوزين ونسيوا يعملوا الفرح &; ولما افتكروا عملوه&;
ضحك عليه "آدم" وتمسك بكفه كي ينهضه &; فنهض الإثنان &; وبادر"بدر" في عناق شقيقه بإحتواء&; &; وبهذه اللحظة سعد "آدم" عندما وجد الدعم منه شاعرا&; به :
_انت بطل وقد كل حاجة انت فيها &; ربنا معاك ويقويك على حياتك وأنا في ضهرك عمري ما هسيبك &; خليك عارف كده كويس.
بادله الإحتضان بحب&; وشكره على طريقته الشقية عندما ابتسم قائلا&; :
_حبيبنا يا أبو يامن &; ربنا يخليك لينا .
سارا معا&; للأسفل &; بعدما ابتسم "بدر" يمازحه هو الآخر :
_عقبال ما نقولك يا أبو "بدر"&; وترد جمايل أخوك ياض وانت بتسمي اسمه ولا انت بقا عويل &;
ضحك "آدم" ينفي ذلك برأسه وسار الاثنان معا&; ناحية الس&;لم &; وأحدهما يتعمد العناد الآن قبال الآخر &; كما كانا في زمن غير هذا هكذا &; وكلما كثر العناد كثر العراك بينهما &; والآن يتذكران تدخل "فاطمة" بحنانها المعتاد في الصلح بين من يريد لشقيقه الصلاح &; والآخر الذي كان لا ي&;بالي ويشتته بتصرفاته الطائشة دوما&; &; صنعا ماضي صعب نسيانه وبين الماضي وذكرياته الحنونة هناك ذكرى موجعة لهما لفراق من يتعلقون بها بشدة&;. &; من تشبهها في جمالها "فاطمة" و"جنة" التي أشتق اسمها من اسم جدتها الراحلة "جنات"!!.
&;بينما في الأسفل&;
في غرفة "فريدة" &; كانت هى بها قبل وقت كبير &; ومعها "والدتها", والدتها التي جاءت لها تقضي معها اليوم من بدايته بعدما قصت عليها "فريدة"في الهاتف مختصر ما حدث بطريقة لائقة &;. ومن غير والدتها تشاركها الأسرار والخبايا&; &; تفاجأت بها قادمة بلهفة&; لتطمئنها وٱعدت قائمة مشتريات كثيرة أغلبها ملابس تليق بها بعدما علمت أنها لن تعود ثانية&; للإقامة هناك &; بل هنا حيث منزل الزوجية &; كالعادة نصحتها نصائح هادئة لترسل لها الٱمان .. فرتبت ملابسها الجديدة في خزانتها وجلست معها هذا الوقت ولم ينتهي الحديث بينهما &; بل سألت "زينات " وهي تمشط خصلات ابنتها الكثيفة :
_طب نتيجتك هتبان امته &; عايزة أطمن انك نجحتي عشان اعملك صينية بسبوسة من ايديا .
ضحكت "فريدة" وهي تضع دهان ساقها التي نظرت له "زينات " بألم&; ومازحتها قائلة بخفة&; :
_هو نفسي فيها وكل حاجة&; بس انت&; مش واثقة فيا ولا ايه يا زينات &;
ضحكت"والدتها" ووكزت كتفيها بحب&; ومشاكسة :
_أثق فيك&; ازاي &; هو الحلو نديله الأمان فيتنطط علينا بجماله وغلاوته ولا ايه&;
انطلقت ضحكة عالية كممتها "فريدة" على الفور كي لا يستمع ٱحد بالخارج&; فضحكت "زينات" وانهت فرد خصلات الأخرى كما تريد &; فإستدارت "فريدة" فيما ربتت "زينات" على ساقها برفق&; ومسحت على وجهها بحنان&; لم تعطيه لها في الصغر وقبلت قمة رأسه ببر&; &; بر الأبناء التي تأثرت منه "فريدة" وهي تستمع إليها تطمأنها للمرة التي لا تعرف عددها:
_مش عايزاكي تخافي من حاجة طول ما أنا جنبك .
استندت "فريدة" على قمة صدرها وهي تتنفس بعمق&; فيما مررت "زينات" يديها على رأس ابنتها وهي تحثها بضجر&; :
_هو لازم يعني تسيبي شعرك كدة علطول وراكي&; &; مينفعش تلميه أبدا&;&; &; دا العين حق يا "فريدة"&; ابقي اربطية عشان خاطري &; أهو يتلم على بعضه ويتقل أكتر.
_حاضر
نبست بها بهدوء&; &; وعقب ذلك لم تترك لها الفرصة &; بل مالت تنتشل حقيبة يديها الواسعة الأنيقة ذو اللون الأسود &;فإعتدلت "فريدة" فيما أخرجت "زينات" علبة بها قطعتين من الكعك &; فإتسعت بسمة "فريدة" وهي تردد بمرح&; :
_ال ال ال &; ايه الحلاوة دي يا زينات &; دا انت&; مروقة عليا عالآخر!
ابتسمت "زينات" تقدم لها العلبة وظهرت سعادتها وهي توضح لها :
_ حلاوة ايه بس &; دا انا اشتريتها مش عملاها ولا حاجة &; بصراحة ملحقتش أكتم فرحتي لما عرفت ان لسه جلسة واحدة بس وتخلصي &; قولت أعبر عن سعادتي بكدة ولما تخلصي وعد أعمل صواني حلويات قد كدة وافرقها على العيلة كلها!
ابتسمت "فريدة" بتأثر وقبلت يد والدتها ببر&; &; فيما خرجت نبرتها بتحشرج&;:
_أنا بحبك أوي يا ماما &; وأنا اللي فخورة بكل اللي بتعمليه عشاني وبكل محاولاتك &; ربنا يبارك فعمرك ويزيدك عشان "حسن" لما يرجع يلاقي منك اللي أنا باخده منك دلوقتي &; ربنا يخرجة بالسلامة ويهديه .
لمعت عيني "زينات" تأثرا&; وكأن الأخرى نادت الوجع ففتح الجرح وهى تسألها بقلب أم&; مكسور:
_حسن!! &; تفتكري هيتقبل ده مني&;
وقبل ان تبادر "فريدة" بالرد وجدتها تسترسل بتعب&; :
_دا أخوكي موجوع مني أوي يا "فريدة"&; أنا طلعت سبب في كل ع&;ق&;د&;ه &; قلبي بتقهر في كل مرة بيحملني فيها الذنب &; وفي كل مرة كان يقف قصادي عايز حضني بس برضه مش عارف ولا قادر يحسه &; إحساس صعب لما تلاقي الضنا بيروح منك وكونك أم بتحس بنار بتكوي في قلبها كل ما بتشوف ابنها معاها كدة &; أنا أذيته فعلا&; &; أذيته أوي &; أذيته أذيه مش قادر يفوق منها &; أذيته وأذيت ناس كتير بس والله&; ندمانة وبقول يارب سامحني يارب حنن قلبهم عليا &; يارب حنن قلبك يا "حسن" عليا .
نزلت دموعها وهي تتذكر جموده معها على الرغم من انه حاوا اكثر من مرة تقبل ما تحاول فعله ولكنه لم يقدر على التقبل &; تذكرت رفض"نيروز" مسامحتها &; أذتها هى الأخرى &; وتركت لها ندوبا&; كثيرة صعب نسيانها!
لم تتوقف الدموع آنذاك بل أكملت بتعب&; لها:
_ندمت والله وتوبت &; وبدعي في كل صلاة ان ربنا يشيل من قلبي كل حاجة وحشة &; بدور على أسباب كانت تخليني أعمل كده وملقيتش غير اللي طول عمري بقوله &; بس كنت بقوله وانا ببرر لنفسي لكن دلوقتي لا &; دلوقتي بقوله عشان حقيقة عشان كنت مفكرة كده فعلا&;!!
أسرعت "فريدة" وضعفت قبال دموع والدتها فبكت من أجلها وهي تقبل كفيها بلهفة&; تحثها على الهدوء فيما ٱكملت هى بنبرة باكية:
_كنت عايزاكم أحسن ناس في الدنيا &; بس الطريقة كانت غلط &; كنت بحاول أكسب حنان أبوكم عشان يخلي باله منكم ويحبكم &; إحساسي مكنش بيفارقني &; كنت بحس اني التانية يعني هبقى قليلة في يوم من الأيام وهيتبص عليا كده &; التانية يعني أول فرحة أبوكي مش مني &; أول حب وأول تجربة مش معايا أول خلفة مش عندي وأول كل حاجة حلوة مكنتش معايا &; مكنتش باخد اللهفة اللي انا عايزاها منه ألا بالزن &; كنت بتقهر في كل مرة كان بيقولي فيها كلام حلو عشان يريح ضميرة من كلامي ونكدي مش من حبه فيا &; أبوكي كان ملهوش أمان يا "فريدة" &; والله أبوكي خلاني أتعامل بطريقة تانية عشان مضيعش منه وميحاولش &; وعشان اربيكم بأي طريقة وسط أب وأم &; حاولت..والله العظيم حاولت أعمل أسرة بس فشلت!!
نزلت دموع "فريدة" وهي تحثها بلهفة&; كي تستكين بين أحضانها:
_ انا آسفة والله&; حقك عليا من كل حاجة &; حقك عليا من الدنيا كلها &; انت&; أحسن أم في الدنيا يا ماما .
شهقت "زينات" تنفي برأسها وهي تبرر لها بوجع&; :
_ مخدتش حاجة يا فريدة&; والله&;. يا بنتي ما خدت حاجة عشان أديها &; أنا ضايع مني حاجات معرفش هي بتتعطى&; إزاي &; بس وجعكم علمني بعدين&; لكن أنا مشوفتش حنان &; مشوفتش حب&; ولا احتواء &; مشوفتش حاجة عشان أعطيهالكم &; فلما حاولت حاولت غلط &; حقك عليا انت&; &; حقك عليا انت&; وٱخوكي يا بنتي.
ضمتها بإحتواء&; كي تهدأ &; فرفعت كفها تمسح وجهها وهي تدعو بإنهاك&; رافعة كلا عينيها ناحية الأعلى:
_يارب يخرجك بالسلامة يا "حسن" يا بن بطني &; يارب حنن قلبه عليا وخلهوملي &; هما اللي طلعت بيهم من الدنيا متحرمنيش منهم ولا توجعني فيهم تاني يارب
ودعت مرة أخرى وهي تتمسك بكف ابنتها :
_واسعد قلب بنتي وفرحها وأرزقها الراحة &; يارب ابعد عنها الخوف وتمم فرحتها وجوازها بخير وأرزقها بالذرية الصالحة يارب .
كأنها اندمجت في الأقوال فلم تنس "أسماء" حينما رددت مرة أخرى:
_وارضيكي يا "أسماء"ويريح بالك ويخرجلك "حسن" ويهدي قلبه ليكي .
استمعت "فريدة" لأدعيتها بصمت&; ومسحت وجهها سريعا&; وهي تفتح العلبة بأنف إحمر من البكاء وضحكت تخفف عنها وهي تشير لها كي يبعد عنها الوجع الآن :
_سيبك من النكد &; تعالي نشوف الجاتوه ده بيقول ايه يا زينات!
ضحكت "والدتها" أخيرا&; &; وفتحت العلبة وهى تحثها :
_أنا مش عايزة أعرف بتقول ايه &; بس خلي واحدة ليكي وواحدة لآدم &; أنا جبتلهم بره علبة كبيرة وطلعت لـ "وردة" علبة على قدها وقد جوزها وابنها &; متحمليش همهم!.
وقبل أن تتناول من شئ&; سمعت صوت طرقه على الباب &; تستطيع تميز طرقه &; إعتدلت "زينات " تهبط طرف عباءتها تخفي ساقها &; فيما أذنت "فريدة" له وهي تصيح بمرح&;:
_أدخل ياللي حماتك بتحبك &; تعالى&;!!
دخل على وجبة لذيذة اذن !&; فتح "آدم" الباب بخفة فيما ابتسم بإتساع وهو يدخل &; فشاكستها "والدتها" بمزاح&; :
_بحبه طبعا&; &; ده كلام! &; بحبه من قبل ما تتجوزيه كمان&; مش صاحب ابني اللي كنت بطمن عليه منه علطول &; هو اللي بيفكرني بحسن علطول &; ربنا يرجعه بالسلامة ويحفظك يا "آدم"
ابتسم "آدم" بإتساع&; وغمز بخفة&; لاقت به وهو ينحني حتى التقط العلبة منها وضحك نابسا&; بنبرة&; مازحة:
_زوزو حبيبتي أومال ايه &; دا احنا فريندس من زمان &; حسن فين يا آدم &; مشيه يا آدم رجعه يا آدم &; قوله غسان جايله يا آدم &;متعرفش هو فين يا آدم&;
قلد نبرتها وكأنها كانت ترسل له صوتا&; على الرغم من العكس فيما ضحكت "فريدة" بقوة&; وغازلته بجراءة&; :
_هو أنا صوت أمي حلو أوي كدة&;!
ضحكت "زينات" وهى تضرب كتفها بتوبيخ&; مرددة بضحك&; :
_يا بت يا بكاشة انت&;!
فطالعها هو بعدستيه متصنعا&; البراءة ونطق:
_شايفة يا حماتي &; أنا الطرف الأكثر أدبا&; خدي بالك!&; بنتك وجودها معايا مأثر على أخلاقي علفكرة!
طالعته "فريدة" بأعين متشككة وسرعان ما ضحكت بقوة&; على مرحه &; لأول مرة ترى ابنتها تضحك هكذا بمثل هذه السعادة الواسعة , شكرت ربها وطالعتها وهي تضحك بشرود&; عميق غاصت به وهي تتابعهما يمازحان بعضهما بعناد كصغار! &; غاصت بعقلها وذهنها عنهما وشعرت بأن ابنتها وجدت ما لم تجده هى بزوجها &; وجدت ما لم تجده بوالدها كما لم تجده الأخرى بوالدها أيضا&;..
_حوش حوش وانت اللي أدبك مقطع بعضه يا خويا!!
عاندته بكبرياء أنثى وهى ترجع خصلاتها بغرور&; قطعه هو ما ان هتف بصدمة&; :
_أخوكي!!!!
أومأت "فريدة" &; فتعمد الجراءة بفرض سيطرته عليها ما ان شعرت بما تحاول فعله من صده لتربح &; فمال مرددا&; بهمس&; وهو يسند العلبة :
_انت&; مغلطتيش فعلا&; &; ما أنا لسه أخوكي!
فتحت عدستيها وهى تطالع وجه والدتها بحرج&; لم ترض اظهاره كي لا يربح &; فتعمدت عدم الإنصات ولكنه ضحك ما ان اعتدل وردد بغرور زائف:
_خلاص يا شاطرة &; ودانك اللي احمرت كشفتك .
وضعت يديها على فمها ولاحظت تحرك والدتها وهي تبحث عن الحجاب فيما اعتدل هو يردد سريعا&; :
_انت&; رايحة فين يا حماتي &; اقعدي &;أنا خارج خليكي مع فريدة &; لسه بدري!
_لا معلش يلا &; هسيبكم مع بعض بقى &; خلي بالك منها يا "آدم"&; حطها في عينك.
أوصته وهي تعقد الحجاب فيما وقفت "فريدة" لتودعها بينما رد "آدم" مصر&;حا&; :
_من غير ما تقولي والله &; تعالي أوصلك بقى&;
رفضت وهى تفتح باب الغرفة وقالت سريعا&; وهي تحاول حمل حقيبتها :
_لا خليك &; والله ما انت جاي &; يلا عايزين حاجة&;
اقتربت "فريدة" لتعانقها مرة أخرى فيما همست لها والدتها بعض من الهمس المعتاد &;حتى انتهت فرددت "فريدة" لها :
_حاضر &; لما توصلي طمنيني عليكي .
واففتها وأشارت لها بالوداع وأغلقت الغرفة بسبب ملابسها التي تكشف عن ساقيها فوجدته يفتح الخزانة يبحث عن ملابس ليدخل المرحاض &; ولاحظ وجود الثياب الجديدة الأخرى &; فلم يتعمد محاصرتها &; ووقف متجاهلا&; يغلق الخزانة ببطئ&; وابتسم ناظرا&; نحو أذنيها حتى ضحك فسألته بحنق&; :
_بتضحك على ايه يا مستفز انت&;
أخفت "فريدة" أذنيها بخصلاتها فغمزها مرددا&; بغزل:
_حقك ما انت&; شعرك حلو بقا !
كبتت ضحكتها ورفعت كفها تشير له بالخمسة أصابع :
_الله أكبر في عيون الحسود يا خويا
اقترب من المرحاض ووقف على كلمتها التي حاولت التراجع بها بينما كانت قد خرجت لا مفر فالتفت يضحك وهو يحذرها بهدوء:
_مابلاش نعيدوا تاني بقا يا فرفورة يا طرية !
قصد ضعفها وقوتها الزائفة أمام حديثه &; فإقتربت في تحدي زائف وأشارت له وهي تضع يديها بمتصف خصرها :
_ أنا بميت راجل &; عشان تكون عارف بس!!
اعتدلت على الفور بضيق&; من اللقب وحاولت البحث عن هاتفها تزامنا&; مع رده الجرئ لينبهها:
_علفكرة..
وواصل ما ان رفعت رأسها تستمع إلي كلماته الثابتة وهو يطالع عدستيها:
_ حرام حد زيك يقول انه بميت راجل &; ارتقي يا مدام واعتزي بجمالك قدام جوزك بدل ما انتهز الفرصة وأقولك انك بميت راجل فتزعلي.
رمقته بحدة&; وجلست على طرف الفراش تنظر نحو شاشة الهاتف وهمست من بين شفتيها بسب عقله &; لم تصل إلى مسامعة &; وبخفة&; وجدته أمامها منحنيا&; على ركبتيه وسألها ما أدهشها بعد كل هذه المشادة الكلامية :
_يعني مش هتقولي مال عينك برضه يا شاطرة &; معيطة ليه&;
منذ ان بدأ الحديث وهو يحاول سحب إجابة السؤال ولكنها تهرب من عينيه &; اهتزت عينيها وهي تنفي ذلك وقالت :
_مش معيطة &; قوم يلا ادخل الحمام عشان لما تخرج نطلع نقعد على السطح بدل الملل ده!
الآن وحتى سابقا&; يتركها تقص دون ضغط &; وافق وهو يعتدل وتشرط بمزاح&; :
_بشرط تحكي ايه اللي معيطك كدة &; موافقة ولا أخرج أفتح التليفزيون وبلاها قاعدة بقا على السطح &; انا أصلا تعبان ومحتاج أرتاح!
قوست حاجبيها ورددت في شموخ&; وصل إليه بقوة&; وقد إعتقدت بأن شموخ كلماته سيفوقه!:
_أنا محدش يتشرط عليا.
فمال مختطفا&; قبلة من وجنتيها سريعة وغمزها مجددا&; بقوله الذي ربح عليها بنقطة به :
_إلا "آدم البدري" يا شاطرة.
لم تسمع بعدها إلا إغلاقه باب المرحاض &; فسمحت لضحكتها بالخروج&; تعايش مشاعر واجواء جديدة &; وعراكهما المستحب هذا تفضله &; هى من دون كل هذا حزينة كما كانت &; هو وحده من استطاع فعل ما لم يفعله أحد من قبله! &; أخرجت عباءة بقبعه من الخلف مطرزة &; من ثيابها المنزلية &; ارتدتها ووضعت القبعة القماشية الخاصة بها على رأسها وعقدتها بدبوس كي لا تظهر خصلاتها على السطح &; ووضعت مساحيق تجميل بسيطة ونثرت بعض العطر حتى تشغل وقتها بتسلية&; إلى أن يخرج!!
_ما تخلص &; علفكرة انت مش عريس يعني!
جاءه قولها المتأفف وهي تنتظر في الخارج فخرج رده وهو بالداخل يردد كلماته المبهمة بالنسبة لها مع أثر صوت خرير الماء :
_نفسي ابقى عريس والله يا شاطرة!
_____________________
_تسلم ايدك يا أم غسان عالأكل انت&; وفرح وأم عز &; كتر خيركم!
كعادته لا يخجل من ترديد كلمات الشكر لأجل تعبها هى&; حتى يهون الوضع دائما&; &; نظر "حامد" إليهن ببشاشة&; بعد انتهاء وجبة الغداء قبل قليل &; فدخلت "وسام" للمذاكرة وبقى "بسام" بجوار "فرح" في الشرفة &; فيما جلست"نيروز" جوار "غسان" الذي ابتسم بإمتنان&; لوالدته &; وردت حينها "حنان" بلطف&; :
_دايما&; عامر يا حج حامد &; ربنا يخليك ليهم ويبارك في عمرك .
ابتسم يرد في لطافة&; فيما وزعت "فرح" أكواب الشاي ودخلت حينها الشرفة له تردد من خلفه :
_الشاي
إلتفت "بسام" يلتقط الكوب منها بإبتسامة هادئة &; سحبتها حتى وجدت نفسها تقف برفقته وابتسمت تردد بتلقائية&; :
_تعرف&;&; انت بقيت حاجة مهمة أوي عندي.
تفاجئ من كلماتها التلقائية فوجدها تبتسم وهي تهرب من عينيه وتجرعت من كوب الشاي وقاطع حينها الصورة المفتوح عليها هاتفه الذي يوجد بين يديه &; لم يسألها بل هو ينتظر على أحر من الجمر أي حديث من قبل هذا &; ابتلع ريقه وتوسعت بسمته الهادئة ما ان سألته بغرابة&; ومفاجأة :
_مش دي عيني &;
رواغ حينها وضحك وهو يسألها بجدية&; :
_ليه لما ممكن تكون عين حد تاني&; متأكدة انها صورة لعينك&;
نظرت له "فرح" والتقطت الهاتف في جراءة من يديه &; وسواس الغيرة ظهر ما ان استطاع ان يلعب في عقلها &; صغرت الصورة أكثر ثم طالعته وهي تغلق الهاتف ما ان تأكد انها خاصتها ورددت بعفوية:
_انت تعرف عين حد تاني غيري عشان تحفظها عندك !
فهم مشاعرها المضطربة التي لا تريد اظهارها فآبتسم وضغط على هذه النقطة بعدما ارتشف من الكوب:
_ممكن ليه لأ&; &; أنا شخص بينجذب لكل ما هو جميل &; تلقائيا&; عيني بتخوني وبتتعلق بالعيون الحلوة ايا&; كان!
التزمت الصمت وداخلها الأسئلة كثيرة &; واستطاع ان يحتوي مشاعرها ما ان تمسك بكفها وهو يكمل:
_بس مخانتنيش ألا قصادك &; ومتعلقتش غير بـ دول بس!
أشار ناحية عدستيها&; واحمرت حينها وجنتيها بخجل&; &; ولكنها ابتسمت تشاكسه بهدوء&; :
_بتعرف تثبت وتقول كلام حلو وتلحق نفسك &; علفكرة أنا كنت مفكراك سهل وبرئ &; بس أنا صدقت الوقتي أن مفيش راجل سهل ولا برئ.
ضحك "بسام" عاليا&; وأخذ أنفاسه بهدوء مع خروج رده العميق:
_في راجل سهل &; أصعب راجل هو الراجل السهل بس مع اللي وقعته &; وأخبث راجل برضه هو اللي هتلاقيه برئ قصاد عيون وقعته زي ما وقع الراجل الصعب من قبله وبقى سهل &; فاهمة حاجة&;
سألها بإبتسامة واسعة فضحكت "فرح" بخفة&; وهي تنفي قائلة:
_لأ!
_ ودي أهم حاجة!
ضحكت مثله وهي تضرب كفه بخفة&; وهما واقفين بجانب بعضهما وبتلقائية&; وهي تستند على السور من الأمام مالت برأسها على كتفه وهمست بصوت&; هادئ يحمل بين طياته الكثير :
_عز وحشني أوي &; أول مرة يبعد عننا كذا يوم ورا بعض &; أنا معرفش يعني ايه أب&; بس لما مشى حسيت اني يتيمة مليش حد وده محستهوش من زمان &; حسيت ان لو راح في يوم من الأيام أنا من غيره مليش ضهر&; هو مش بس أخويا &; يمكن أنا مستحملة عشان انت هنا جنبي يا "بسام" &; ضهري&; أنا عارفة اني هبقي بزودها في الكلام لو قولتلك اللي أنا عايزة أقوله مع اني قولته قبل كده!
توقفت وهي تستند إلى الآن فرفع ذراعه يضعه على كتفيها وأسند ذقنه على رأسها مرددا&; يجاريها منصتا&; إلى النهاية :
_زيادة كلامك معايا طاقة باخدها عشان أقدر أكمل &; أنا مش متدايق أنا قويت بيكي علفكرة ولسه بقوى بيكي أكتر خليكي عارفة ده كويس &; انت&; قوية ..سمعيني اللي عايزه تقوليه وأنا هنا جنبك مش هتدايق!
تأثرت من حديثه وابتلعت ريقها ثم اعتدلت تنظر داخل عدستيه الفاتحة عنها بكثير&; &; مدت يديها تضعها بكفه الذي حثها به على التحدث أكثر وهتفت بما قالته له من قبل :
_كنت عايزة أقولك متبعدش..وانت معايا مببقاش خايفة من حاجة مببقاش شايلة هم &; معرفش دا ايه &; أنا أول مرة أحس اني حاسة بكدة مع شخص غير "عز"!!
تخبطت مشاعرها لم يرض ان يخمن معها بأن ربما ما تشعر به هو شعور الحب! &; ابتسم بهدوء&; وردد بما هو مبهم ناحيتها :
_مش عارف أقولك ده ايه &; انت&; الوحيدة اللي هتعرفي &; بس أنا كدة كدة جنبك ومش هسيبك!.
تنفست براحة&; فيما حاول خلق أي حديث كي يخفف عنها شعور التيهة الذي يداهمها بكثرة&; بعد عقبة شقيقها ومشاعرها التي تنمو تجاهه بكثرة في نفس الوقت &;!
&;بينما في الداخل&;
طالع "حامد" معدتها البارزة بسعادة&; وهي تجلس بجانب ولده والإثنان ينظران في شايشة الهاتف بعد ان قطع شرودهما قول "والدته" له :
_وشك أصفر كدة ليه يا "غسان"&; انت مبتاكلش ولا ايه يا ولا&; &; ولا انت اللي حامل بدل مراتك&;
برقت عدستي "نيروز" من قولها الآخير بحرج&; له فيما اعتدل "غسان" ينظر ناحية ضحكات "والده" العالية &; فمال عليها هامسا&; بضيق&; :
_عيب منك دي يا أم غسان!
_مش قصدي يا حبيبي بس انت مش عاجبني حاسة فيك حاجة متغيرة كدة &; يكونش يخويا دايب فيها وزعلان على اللي بيجرا في حملها &;
لم تتوقف إلى هنا عندما وجدته ينصت بصمت&; قبال ضحكة "نيروز" وهي تتلمس ذراعه ودافعت تؤكد لها بهدوء:
_هو فعلا&; بيتعب معايا لما بكون تعبانة &; بيفضل صاحي بيا يمكن عشان منامش كفاية طول الليل فحضرتك شايفاه مرهق شوية .
فتابعت "دلال" بإندفاع&; :
_ مش مكتوبلك راحة أبدا&; يا حبيب ٱمك &; متخافش عليها الحمل كده &; كلنا يا خويا حملنا وخلفنا وكبرنا وجوزنا اللي مرتاتهم حامل أهو &; روق بالك!
أرادت ان تهون عليه فيما انها لا تعلم ما بداخله &; تابع كلماتها بصمت&; وسعل بخفة&; ماسحا&; على عنقه بإرهاق&; قطعه حديث "حامد" لزوجته كي تكف عن ضغطه بالكلمات:
_قومي يا "دلال" دخلي لبنتك كوباية عصير ولا حاجة.
استمعت لقوله ونهضت فيما انسجم "غسان" بشاشة هاتفه من جديد &; فنظر والده وربت على ساقها ودوما&; ما يسألها بإهتمامه التي تتأثر منه وكأنه يسأل للمرة الأولى في كل مرة :
_اخدتي علاجك يا بنتي&;
إلتفتت"نيروز" برأسها بعدما كانت تشاركه مشاهدة الهاتف بعشوائية&; &; فيما طالعته بحب&; وهى تبتسم رغم ملامح الإنهاك &;حركت رأسها توافقه وقطع هذا مشاهدته لصغار ر&;ضع بين يدي والدهم ي&;كبر في آذانهم مشاعر تظهر ولكنه الآن لم يشعر بهذه المشاعر فقط يشاهد &; يشاهد توأمان بين يدي شخص عجز عن حملهما بسبب رجفة يديه &; ووالدتهما في الخلفية تنظر بتأثر&; مع موسيقى هادئة &; رفع عينيه بين هذه العشوائية من حولهم ولم يشعر بأحد سواها &; وجدها تطالع وجهه بتمعن&; &; لمعت عينيها بتأثر&; فإبتسم وهو يأخذ رأسها ناحيته بهذة اللحظة فيما همست هى بتحشرج&;:
_عقبال ما نعيش اللحظة دي سوا من غير أي خسارة .
وواصلت وهي تستند على كتفه :
_يارب يجمعنا ببعض كلنا على خير يا "غسان".
ابتسم لها بتأثر&; وشعر بنهوض "والده" ناحية غرفته ووجد نفسه معها بمفرده &; فأسندت ظهرها على المسند بتعب&; في حين خرج صوته المازح وهو يطالعها :
_ طب والله الحمل ده جاي ببركته ومخليكي حلوة أكتر ما انت&;!
ضحكت "نيروز" بعدما علمت أنه يخفف عنها ما ان انكمشت ملامحها بتعب&; &; فوضعت يديها على أنفها وسألته بشك&; :
_بمناخيري اللي كل يوم بتكبر عن اليوم اللي قبله دي&;
انطلقت ضحكاته بصوت&; عال&; ومال يخبرها بمرح&; :
_ده من علامات الجمال يا رزة.
رمقته بسخرية&; &; فيما لم تحرك عينيها من عليه بل ظلت تتابع ملامحه وعينيه تخبرها بأنه يخفي وراءها الكثير &; ولأول مرة تقرر الكشف عن ما تشعره من تعب له &; فمدت كفها تضعه على كفه فرفع عينيه من على هاتفه ينظر ناحيتها فيما سألته هى&;:
_ مالك يا "غسان"&; &; أنا حاسة انك مخنوق وبتحاول تداري وكأن مفيش حاجة &; مش حاسة أنا متأكدة &; بس لما قولت هسيبك وهتيجي تتكلم لما تحتاج تتكلم طولت أوي &; وأنا مش عايزة أسيبك كدة !!
ازداد التخبط عن الأمر العادي بسبب مشاعرها المتضطربه بكثرة&; من هرمونات الحمل &; فطالعته بٱعين مراقبه بها لمعة ودمعة على وشك الهبوط..&; مشاعرها بعدم راحته الذي يخفيها توجعها وتسأل نفسها تساؤلات كثيرة &; فيما عاد يتركها لعقلها بدون إرادة منه ..
ابتسم "غسان" وأمام عدستيها فقد الخداع الآن بل صمت فقط دون تبرير&; فيما انتظرته يتحدث ولم يحدث &; فإعتدلت تحرك رأسه ناحيتها بإحتواء&; وسألته مجددا&; :
_يمكن الوقت مش مناسب &;بس انا تعبت من كتر ما انا مستنية تتكلم معايا وتقولي اللي تاعبك &; "غسان"..انت كل الأوقات مناسبة ليك ..عشان خاطري رد عليا ومتعملش أكتر حاجة بتوجعني &; انت فاكر انك كدة هتضحك عليا لما تفضل يومين ساكت وأنا اللي بسحب منك الكلام&;&; دي حاجة بتتعبني ٱنا وبتحسسني اني ممكن ٱكون مقصرة معاك فـ..
قطع كلماتها مبررا&; الأمر بسرعة وهو يمسح أسفل عينيها بحنو&; :
_والله لأ &; انت&; مش مقصرة ولا حاجة.
ربما عادت اللهفة والخوف في نبرته &; ربما هاب ضغطها فيتصاعد انهيار مفاجئ يعجز عن انقاذها به وانقاذ صغارها من بين تفاصيل الخطر الغير متوقع! &; تابعت لهفته بوجع&; شديد وسألته ما تفاجئ منه وجعله يعلم بأنها تراقب وتتابع وتحفظه عن ظهر قلب معها في كل حالاته:
_أومال مالك &; قولي بس مالك &; وليه الخوف اللي بقيت بشوفه منك من ساعة ما رجعنا&; &; أنا بقيت بقول إنك بتتلهف وخايف عشان حامل &; بس لما تابعت كل حاجة وراجعت نفسي وانت معايا من قبل ما نبعد &; انت مكنتش كده &; انت كل حاجة كنت بتظهرها معايا بعقل &; انا مش متضايقة من خوفك الزيادة عليا ولا على لهفتك &; بس مش حاسة انهم في مكانهم &; مش حاسة انهم خارجين على حاجة طبيعية &; مش حاسة انك طبيعي في كلامك وردوك وتعاملك معايا &;. انا مش كارهه ده بس شايفاه خارج منك بتعب عكس ما بيخرج بحب!!
هناك تفاصيل بين الكلمات &; الوضع منهك &; قرر اخبارها اليوم ولكن ليس بهذا الوقت بين العائلة لا يتوقع رد فعلها أبد&; ا &; هاب بكاءها عندما رددت أخر حديثتها بتعب&; وكأنها توضح له بين تفاصيل الحروف بأنها أصبحت تعب بالنسبة له! &; لذا تمسكت بكلا كفيه بلهفة&; وهى تسأله:
_هو أنا تعباك أوي كدة &; &; قولي بس عشان خاطري &; أنت حاسس انك تعبان معايا بعد ما رجعنا &; مش قادر مثلا&; تكون زي الأول &; لسه موجوع في كرامتك فمش قادر &; &; أنا كسرتـ.&;
أخذ رأسها بين كفيه بسرعة&; ورد مندفعا&; وكأن التبرير عنوانه بعدما كان لا يوجد في قاموسة كل معاني التبرير , عدا هى &; عدا أمام عدستيها ي&;هزم:
_انت&; بتقولي ايه يا "نيروز"&;&;&; والله العظيم ما في أي حاجة من دي &; أنا عارف ان الوقت اللي بعدنا فيه كان صعب واللي رجعنا فيه برضه صعب وحتى اللي اتجوزنا فيه كان صعب &; بس والله العظيم كل حاجة صعبة في وجودك بتتهون&; مببقاش عايز غير راحتك والله ينت الحلال &; لا عمرك كنتي تعب ولا ح&;مل &; أنا اللي مضغوط شوية بس!
كان واضحا&; عكسها عندما ردد بجملته التي كانت تريد جوابها منه ولم تستطع السؤال بها :
_أنا لا حبي ليك&; قل ولا وجودك متعب بالنسبالي &; أنت&; على قلبي زي النسمة يا "نيروز" &; أنا يا بختي بيكي &; ادعي بس ربنا يعدي الجاي على خير وسيبك من أي حاجة تانية!
وجد التساؤلات في عينيها بعد التبرير&; أي &; ماذا حدث&; &; تابعها بعدستيه حتى ضم رأسها ناحية صدره وهو يكمل:
_ حقك عليا اني حسستك إحساس غلط مكنتش قاصده كدة &; أنا آسف.
مسحت وجهها وهي بين ذراعه وعناقه وسألته بضعف&; وهناك أعين تتابع بعدما قرر الخروج للذهاب ناحية المرحاض:
_ليه لسه مش قادرة أصدقك &; ليه زعلان طيب &; أنا زعلانة والله علشانك ومش عارفة أعمل ايه!!
زفر "غسان" أنفاسه بهدوء&; وأه&;ل نفسه لإخبارها ببوادر فتح الحوار :
_أنا زعلان فعلا&; مش هكدب عشان معاكي مبعرفش &; بس كنت بدور على وقت أحكيلك فيه ,لكن أنا شوفتك تعبانة من كل حاجة وكل يوم في تعب شكل فإستنيت الوقت المناسب .
فاندفعت تخرج من بين ذراعه بلهفة&; ونظرت نحو عدستيه تخبره:
_أنا جاهزة أسمعك في أي وقت &; احكيلي وأنا هنا جنبك &; عمري ما هسيبك ولا هطنشك وازهق والله&;!!
اختنقت أنفاسه والخطوة ليست هينة &; فتجعله في كل مرة يريد الهروب ولكن ليس بعد الآن &; فحياتها أهم &; وهى من ستربح كي يخبرها &; ابتسم مرددا&; بصدق&; :
_أنا متأكد من ده
فقط &; &; حاولت سحب الحديث معه على الرغم من انه كان سيخبرها بما رددت به الآن :
_طب تيجي نخرج زي ما خرجنا من كام يوم &; و نقعد فأي مكان نتكلم&;
_انت&; راحة لـ "فريدة" امته انت&; و"جميلة"&;
سألها بإهتمام بعدما أخبرته ووافق &; فأخبرته مصر&;حة :
_كان المفروض هقوم أطلع البس واقول لـ"جميلة" تلبس وتيجي توصلنا &; بس مش مهم المهـ..
بتر قولها عندما حرك رأسه راضيا&; وأخبرها :
_لا قومي نطلع وغيري أوصلكم &; على ما اقعد مع "آدم" هناك وتخلصي براحتك وبعد كده نخرج بعدها .
نظرت لبرهة فوجدته يستعد بالفعل بترحاب &; ابتسمت توافق وراضته بخفة&; عندما قبلت احدى وجنتيه &; فغمزها ضاحكا&; ما ان جاء "حامد" وهو يرفع طرف عباءته:
_يا بخت اللي مراته راضيه عنه
ضحك "غسان" بصوت&; عال&; فيما نظرت هى بخجل&; ما ان رد "غسان" عليه:
_يا بخت اللي مراته "نيروز" يا حج "حامد" &; ابنك حظه الحلو كله خده فيها &; ادعيلنا وانت بتصلي بالله عليك بقا
وحده من رأى ترجي ولده صادق وليس بالمزاح الذي خرج ! &; رددها بصدق بينما نظر "حامد" بحب&; وقال مصر&;حا&; :
_بدعيلكم علطول ,ربنا يريح بالك وقلبك ويعينك على المسؤلية وتفرح بيهم ويقومك يا بنتي بالسلامة لينا .
وقفت احتراما&; له ما ان اقتربت &; فتمسكت بيديه برفق&; ورفعتها تقبلها ببر&; وهى تدعو له بعدما اعطته كوب المياة عندما رأ علبة الدواء بين يديه:
_ربنا يبارك في عمرك يا عمو وتعيش و تفرح بيهم معانا.
تأثر من حركتها وهى وحدها من توصلت معه لأعلى مراحل الإمتنان الصادق &; ربت على رأسها فيما وقف "غسان" يقبل رأس والده مرددا&; :
_ربنا يخليك لينا يا حج ويطول في عمرك.
هى من جعلته يتأثر عندما نهضت من قبله تقبل يد والده هو وتناوله ما انتبهت له بسرعة &; شعر بتحرك والده فتلقائيا&; رد لها فعلتها بتقبيله لكفها بهدوء&; عندما انكمشت ملامحها وهي تئن من ألم عظامها ورددت كي لا تنسى :
_ممكن تبقى تفكرني أجيب مرهم العضم من عند ماما عشان تدهن ضهري بدل ما أنا مش قادرة أنام وتعباك واتفضحنا كدة قدام مامتك!
ضحك بخفة&; وهو يحرك رأسه موافقا&; فيما أرسل لما في كلماته تلميح&; هادئ :
_مش عايزك تدققي في كلامها يا "نيروز"&; عديلها &; كلنا هنا لازم نعديلها كل كلمة بتقولها &; أنا عارف ان ممكن كلما تفلت منها في الكلام فتاخديها انت&; بحساسية &; لكن أنا مش عايز كدة ومش عايز اتحط في الموقف ده &; لكن أنا واثق انك عاقلة ومش بتردي &; بس مش عايزك تزعلي في نفس الوقت برضه.
تشبتت في كفه وهي تبتسم ببساطة&; ورددت :
_مامتك مامتي يا غسان &; والله أنا بحاول أراضيها بكل الطرق لكن مش ببقى فاهمة انا مزعلاها في ايه بالظبط &; بس أنا فهمت انه بتزعل وترد من بين الكلام عشان زعلانة وبترجع تصفى تاني بسرعة فمبقتش بزعل خالص والله &; أنا بس عايزاها تفهم اني مش بقدر أقعد هنا كتير عشان الشقة وعشان ببقى محتاجة اريح ضهري وبخاف ارتاح هنا ابقي قليلة الذوق وهي بتشتغل وأنا ارتاح &; فمش برضى وبطلع بس بحس انها بتدايق بس!
تفهم كلماتها فربت على كتفها برفق&; وهز رأسه يخبرها :
_أنا فهمتها كل ده &; متخافيش
أصبح بينهما مجال للنقاش عكس السابق &; ابتسمت بتأثر لتفهمه لتعبها دون أن يضغطها فبادرت بعناقه وقليل كلمات الشكر منها مثل الآن:
_شكر&;ا لإنك فاهمني من غير ما أبرر ومستحملني بكل حالاتي اللي تطفش أي حد &; أنا آسفة بس أنا اليومين دول مش حمل حاجة ومش عارفة مالي مش بقدر لأقل حاجة ليه .
ابتسم غامزا&; له غمزته المعتادة فضحكت تتلمس معدتها وهي توكز كتفيه ورددت بمرح&; :
_ادعيلي ها &;&; &;ولادك تاعبيني لوحدي وانت قاعد تتفرج وبس.
تعالت ضحكاته وأكمل قوله وهو يتراقص بحاجبيه:
_وفي الآخريطلعوا شبهي!
شهقت من مجرد التخيل واحتوت معدتها البارزة بغيروعي&; وهي تردد في دهشة&; :
_يعني اتعب كل ده واتمرمط واشيلهم جوايا ويطلعوا في الآخرشبهك&; &; انت حلو آه &; بس لا لازم ربنا يعطيهم حاجة مني عشان متقهرش
حرك "غسان" رأسه ومال يطبع قبلة على وجنتيها مرددا&; بصدق:
_كفاية تقومي بالسلامة ويجوا بالسلامة وشبهك انت&; ومش عايز حاجة تاني خلاص &; وان مكانوش شبهك يبقى المرة الجاية يبقى شبهك!
برقت عدستيها من تكرار هذا الأل ورددت :
_المرة الجاية!!!
احتوى صدمتها سريعا&; عندما مد يديه يدفع كتفها ناحيته بعناق&; مازح وقبل ان يردد قوله العابث قطع لحظتهما صوت"بسام" من خلفه:
_أوعى الرومانسية !!
إلتفت "غسان" ينظر وضحك بخفة&; فيما تابعتهما "فرح" ببسمة هادئة ناظرة ناحية معدة "نيروز" التي اقترب منها تربت عليها بخفة&; ومزاح&; تزامنا&; مع قول"بسام" المازح:
_لا بس بقت بطيخة اهي يا "غسان" &; وبان الحمل &; ربنا يقومهم بالسلامة.
ضحكت "فرح", على لقبه فيما نظرت له "نيروز" في هدوء&; عكس ردها التي وارت خلفه الضيق التي لم تظهره :
_عموما&; كما تدين ت&;دان يا دكتور بسام &; المرة الجاية عندك انت وفرح ان شاء الله.
نظر "بسام" بذهول&; وسألها أمام ضحكة شقيقه:
_ايه ده انت&; بتزعلي من الهزار ولا ايه&;&; انا اه دكتور ومقدر مشاعرك بس وربنا بهزر&; دا أنا متعشم توافقي تسمي "بسام" ولا ايه يا غ&;س!
ضحكت "نيروز" بإستسلام&; وهى تنفي ضيقها فيما رد "غسان" بمرح&; :
_كفاية واحد منك بس يا غالي&; انت مفيش منك اتنين
هل رفض للتو بطريقة لعوبة &; وضع"بسام" يديه على فمه بتصنع&; ورد بنبرة مصطنعة :
_ثبتني يا أبو الغساسيين ولعبتها صح!
اكتفى منه بضحكة هادئة &; فتحدثت "نيروز" بلباقة&; لها في محاولة للتخفيف عنها :
_ما تدخلي تلبسي يا "فرح" وتيجي معانا عند"فريدة" .
حاولت الرفض أمام النظرات فيما تابعت "نيروز" بإبتسامة هادئة :
_من قبل ما تقولي حاجة &; ادخلي البسي بس وتعالي فكي عن نفسك شوية &; والله القعدة مع فريدة حلوة وهتخفف عنك كتير صدقيني &; ممكن مترفضيش بقى &;
قليل ما تحاول هكذا مع شخص &; وجدت نفسها تحاصر ووجدها "بسام" فكرة مناسبة وخرج صوته يدعم ذلك :
_أيوة يلا &; وهاجي معاكم اقعد مع "آدم" و"بدر" أنا وغ&;س .
صمت"غسان" بينما حركت "فرح" رأسها توافق وانسحبت كي ترتدي ملابسها حتى لا ترفض بعدما ابتسمت تخبر "نيروز", بالموافقة &; فانسحبت وتفاجأت "نيروز" من شكر "بسام" عندما ابتسم قائلا&; بلطف&; :
_شكر&;ا يا "نيروز"
ابتسمت تزامنا&; مع محاوطة كتفيها من "غسان" وردت عليه ببساطة&; :
_على ايه أنا معملتش حاجة .
ابتسم لها بهدوء وأشار محركا&; رأسه ويديه يخبرهما :
_يلا هدخل ألبس &; على ما تخلصوا وهنستناكم تحت علطول.
لم يجد منهما سوى الموافقه والحث بالسرعة &; فخرجا الاثنان من باب الشقة فيما نظر هو بأثرهما بإبتسامة هادئة والهاتف بين يديه بعدما حاول الوصول إلى "عز" ولم يجد الرد مجددا&; &; زفر أنفاسه بهدوء&; واقترب من غرفته حتى فتحها بشرود&; غير منتبها&; بأنها من المفترض أن تكون هنا بعدما ترك لهم الغرفه في غيابه وان جاء فسيقيم بغرفة شقيقه &; توقف على الفور ما ان وعى أنها هنا &; لم تنتفض &; لم تفعل شئ بعدما وجدت الورقة على مكتبه استدارت تنظر بتأثر&; وأعين لامعة فنظر "بسام", بسكون وهو يقترب حتى قطع هذا الصمت المتأثر قولها :
_جميلة أوي.
_عينيك&; مش حد كدة&;
سألها بإهتزاز&; بعدما وجدها تتأثر هكذا فتأثر &; وبعدما دخلت خلعت حجابها فأرجع لها خصلاتها إلى الخلف &; وتابعت سؤاله العميق بنظرة عين قليل ما تظهر &; بل أجابت الآن على سؤاله بجوابها :
_لأ &; الرسمة وكـ..ـلامك!!
تقطعت نبرتها بإهتزاز مجددا&; &; فمسح حاجبها برفق&; وهو يردد بمزاح هادئ:
_ما يعني عينك برضه &; أصل بصي! &; الجميل في الورقة اذ كان رسم أو شكل فهي كدة كدة عينك والحلو اللي هيتقال هيتقال فيها هى&; !
وأضاف مصر&;حا&; بصدق:
_ملقتش كلام يوصف مدى حبي لعينيك&; ورموشك &; ما هو أنا لسه تايه وجاهل برضه ومعرفش لسه ايه هو سر جمالها أو حتى روتين روموشها!
وقطع اللحظة عندما أمسك كفها يحثها بلهفة&; :
_بالله عليكي ما تقوليلي اسأل ماما دي عشان بتعقد منها &; يرضيكي أتعقد&;
سألها ببراءة&; فطالعته بضحكة&; خفيفة وإعتدلت تأخذ أنفاسها ببطئ&; وبادلته التمسك بكفه عندما أجابت على سؤاله بصدق&; :
_مينفعش تتعقد &; عشان انت دايما&; عندك حلول لكل عقدة حتى لو ملهاش حل &; بس بحس برضه ان الحل موجود وانت معايا .
اتسعت بسمته مع دقات قلبه التي تزداد من أثر كلماتها وكأنه للتو يعيش أول تجربة رغم انها الثانية!, وتأثر أكثر عندما أكملت هى بصراحة&; :
_وعشان دايما&; الحل الثابت عندك هو انك واثق في ربنا انه هيحل كل حاجة علطول ومش هيسيب عبده كده أبد&;ا &; بحب دايما&; لما بتفكرني ان احنا مش لازم نشيل الهم وربنا موجود .
قبلها بين عينيها كسنة&; عن النبي صلى الله عليه وسلم &; وبادر بعد ذلك بعناقها وهمس جوار أذنها وهو تتمسك بالورقة بين يديها :
_ربنا دايما&; معانا &; وأنا دايما&; هبقى معاك&; يا فرح!
ربتت على ظهره برفق&; وابتعدت ما ان وعت أنها بمفردها معه في غرفته &; حتى وان كانت زوجته فوالدتها لم تعترف بهذا مادامت ليست بشقته &; ان رٱتها ستحاسبها &; تراجعت إلى الخلف وترددت بكلماتها قائلة :
_بسام &; ممكن تبعد &; هاخد لبسي وخليك عادي &; عشان بس ماما متتضايقش اني معاك لوحدي في الأوضة .
فدافع مفسرا&; بحاجب مرفوع:
_ما انت&; مراتي يا "فرح" &; أظن مفيهاش حاجة حتى لما تقعدي هنا معايا كمان &; أنا مش غريب يعني ومامتك واعية لـ ده !!
_لأ &; لسه مادام مش في بيتك &; وعايزاك تفهم النقطة دي من غير ما تزعل يا بسام &; معلش ماما مش كدة ولا هتوافق اني اقعد معاك لوحدي في الأوضة &; أنا مش زيكم هنا &; تربيتي فيها حاجات كانت عندكم مفيش فيها مشكلة &; أنا آسفة بس دي مبادئ اتعودت عليها كدة يمكن عشان لوحدنا من غير عيلة &; لكن انتم عيلة زمان أو دلوقتي وعارفين بعض وبتتدخلوا وتخرجوا شقق بعض علطول فأنا مش زي "نيروز" ولا أمي أمها !
بررت له في أواخر حديثها ما كانت تستمع إليه منهم في عقد قران "نيروز" وتواجدها هنا مع شقيقه &; وإقامتها ببساطة&; ودخولها الغرفة بقبول&; منها ومن الجميع &; ربما تربيتها هكذا كونهم عائلة واحدة بينما "فرح" تربت على مبادئ أخرى في بيت واحد بمفردها دون اختلاط وهذا الأصح على الأغلب &; فلم يتأفف بل أعجبه تفكيرها وحرصها على الاحتفاظ بكل شئ إلى الزواج حتي خصلاتها التي ترفض أن تظهر بها أمامه &; فكلما يراها بها يراها صدفة غير مقصودة منها !!
تفهم على الفور مغزى حديثها وابتسم يتخطى الٱخر مرددا&; :
_مفيش مشكلة خلاص &; أنا هاخد لبسي أنا وهخرج ألبس في أوضة "غسان", ولا يهمك.
سار ناحية خزانته كي يلتقط ملابسه &; فيما وقفت هى تطالع الورقة مرة أخرى بسعادة &; &; فقاطع نظراتها دخول "والدتها" وهي تستند فقابلها "بسام" يسندها برفق&; وتحركت "فرح" تزيح لها الغطاء من على الفراش&; فجلست تبتسم بإمتنان له وهي تحدق بابنتها فلاحظ هو ذلك وبرر سريعا&; :
ارتاحي يا ٱم عز &; معلش كنت جاي أخد لبسي بس وخارج.
قبل ان تدخل الغرفة ذهبت أولا&; لتخبر والدتها بذهابها فوافقت كما وافقته الآن وهي تردد :
_خير خير &; خد بس بالك منها .
وافق برأسه واعتدل كي يستعد للخروج من الغرفة &; فيما فتحت هي حقيبتها كي تلتقط ملابسها في قرار للدخول ناحية المرحاض كي تنتهي سريعا&; حتى لا يتأخرا على "غسان" و"نيروز"!
_____________________
مر وقت قليل ارتدت فيه "نيروز" ثيابها وكذلك هو &; رأت محادثته في الهاتف للمتخصصين في معرفة مكان الرقم ولكنه في كل مرة يتوصل إلى نتيجة تجعله يشعر بالخيبة &; لم ترض الاقتراب منه الآن بعدما وجدته يزفر أنفاسه فيما لمحت هى مجددا&; بطاقة ما وقعت من جيب سترته الفوقية &; هل يعاد الموضوع &;
بطاقة تعريفية لمهنة طبيب نفسي برقم هاتفه وعنوانه &; تحفظ هذه البطاقة عن ظهر قلب &; أغمضت عينيها سريعا&; كي لا يرى محط أنظارها ولم يأت ببالها شئ &;فقط أقنعت نفسها بأنها معه منذ زمن &; على الرغم من انها تغسل ملابسه دوما&; فهذا يعني أنها جديدة!!!.
أهبط "غسان" الهاتف من على أذنيه &; والتفت فوجدها خرجت من الغرفة للبحث عن حذاء مريح &; وضع الهاتف بجيب بنطاله وعاق سيره رؤيته للبطاقة واقعة أرضا&; &; فإنحنى يلتقطها كي يضعها في جيبه وخرج فوجدها تجلس على المقعد بتعب بجوار الباب ترتدي الحذاء &; ابتسم يقترب منها فيما أخرجت له حذاءه فإرتداه ثم مد كفه لها كي تنهض معه بعدما أهبط طرف حجابها على مقدمة صدرها من الأمام فتعمدت تجاهل الأمر له وببخته هذه المرة بقليل من الحرج:
_متبقاش تقول بس ان تخنت ولسه حلوة زي ما أنا &; أديك شايف حتى اللبس الجديد مش مظبوط كمان.
ربت على كفها بحنان&; وردد برفق&; وحنو&; كي لا تعطي الأمر حجم كبير :
_معلش &; فترة وهتعدي وكل حاجة هترجع زي الأول.
أخرجت أنفاسها بثقل&; ونظرت نحو شاشة الهاتف فوجدت "جميلة" أرسلت لها رسالة تخبرها بها بأنها في الأسفل مع "فرح"و"بسام" اللذان انتها للتو!
وضعت الهاتف في حقيبتها ومد هو يديه يفتح الباب &; وسحب كفها برفق&; حتى أغلقه خلفه وف&;تح المصعد لهما بعد دقائق بسيطة وركب الإثنان بهما وسألته هى حينها بإنتباه :
_بتقول شادي جاي &; &; ولا مش النهاردة&;
رد وهو يغلق هاتفه بتوضيح&; :
_مش عارف بيقول لو معرفش يجي بليل هيجي بكرة وخلاص!
&;بينما في الأسفل&;
حيث الطابق الأخير &; أمام مبنى العمارة الكبير وقفت ",فرح" تسند "جميلة" عندما شعرت بتعبها على تقاسيمها &; وسألتها الآن بغرابة&; حزينة :
_شكلك هبطانة يا "جميلة"&; لو مش لازم النهاردة خليكي وأنا هطلع معاك&; عادي!
رفضت "جميلة"ذلك أمام عيني "بسام" وردت :
_لا مش للدرجادي يا "فرح" &; أنا كويسة الحمد لله &; وهروح عشان "فريدة", متزعلش &; كفاية لما كلمتها في التليفون سمعتها فرحت ازاي &; ونزلت من فوق تستنانا .
لم تجد الأخرى رد عليها &; فيما طالع "بسام" حزنهما البادى على وجههما دون تعب في البحث عن السبب المعلوم لديهم جميعا&; &; فأخرج هاتفه ينظر تجاه الساعة وقطع نظراتهما وقوف سيارة أجرة أمامهم الآن فتحرك "بسام" بضيق&; من تهور هذه السيارة التي شاهدت "فرح" امكانية اصطدامها بـ "بسام" الذي انقذ نفسه متحركا&; في جهة أخرى فيما رددت هى بقلق&; سريعا&; قبل ان يتحرك وهي تتحرك ناحيته بلهفة&;:
_حاسب يا بسام.
امسك يديها يبعدها وابتعدا الإثنان فيما خرج إنفعاله الطفيف الذي لم يخرج إلا في القليل:
_انت مجنون يا بني آدم انت&;&; &; مش شايف الطريق اللي المفروض تمشي عليه فين والناس واقفة فين&;&;
نظرت "جميلة"و"فرح" بقلق&; فيما نظر السائق من الشرفة تزامنا&; مع خروج الراكب :
_معلش يا أستاذ &; أ&;عذرني مخدتش بالي .
تأسف وأنهى ما فعله فيما اتسعت عيني "جميلة"من هوية الراكب الذي خرج &; لقد كانت هى!! &;"مروة" التي كان ذراعها محمول بحامل ذراعي وبالأخرى حملت حقيبة بلاستيكية &; وأتت لجلب ملابس لشقيقها الذي سيخرج بعدما ر&;فض خروجه أمس!!
_انت&;&;&;&;&;
سألتها "جميلة" &; بينما نظر "بسام" بصمت&; بعدما تحركت السيارة وحملت هى الكيس وهى تنظر لهم ببغض&; وخرجت فظاظتها في الرد :
_آه أنا يا ختي &; في حاجة&;&; زعلتكم بشوفتي تاني مثلا&; &;&; ولا انتوا بقى هتتلككولي!!
هي من تفعل ما تردده الآن وجدت "جميلة" "غسان ونيروز" يأتيا من على بعد في الداخل فيما رد عليها "بسام" في محاولة لإنهاء أي شجار أو عراك تحاول فتحه الأخرى بشر منها :
_لا نتلكك لك ولا تتلككيلنا &; اتوكلى على الله يلا بعد إذنك!
شهقت "مروة" بوقاحة&; ونظرت إليه بإستنكار&; وبعقلها تريد انتهاز الفرص لخلق اي شئ بعدما علمت أنه الآخر بعد آخر كلمتان رددهما مع محاولته في النظر بعيدا&; عنها وعن وجهها وجسدها:
_ بعد إذني&;&; &; لا دا بعد إذنك انت بقا تخليك في حالك بدل ما ألم عليك الناس دي كلها قدام الحلوين دول واخد حقوقي منكم كلكم فاللي عملتوه فيا وفي أخويا وأمي ..روحوا ربنا ياخدكم &;&;لو كنتوا بتنسوا بسرعة أنا مبنساش&; قال بعد إذني قال يا خويا !!
كادت أن تسترسل مجددا&; بينما التفتت على صراخ "جميلة" بها :
_هو حد عملك حاجة يا متخلفة انت&; &; ما تحترمي نفسك وتشوقي يلا انت&; ماشية رايحة فين &; ولا هى تلاكيك وقرف وخلاص&;!
وضعت "مروة" يديها بمنتصف خصرها وهي تصيح عاليا&; :
_رايحة اجيب لبس لاخويا اللي كنتوا هتموتوه في إيدكم يا فج&;رة &; وبعدين انت&; بتتكلمي معايا ليه بفراغة العين دي &; هو انت&; يا بت مش مكسوفة من نفسك وانت&; رايحة تعاشري واحد أخوه قتل أبوكي &;&;&; صدق من قال فاجرة في الد&;را وماية من تحت تبن!!!
واسترسلت تكمل بضغط&; على الجرح بعدما &; اتسعت عيني "جميلة" من كلماتها :
_ألا قوليلي كدة يا حبيبتي &; لما يحصل وتحملي كدة هتقولي لعيالك ايه لما يسألوكي عن جدهم &; &; هتقوليلهم مات واللي موته عمكم أخو أبوكم&; &; دا انت&; واطية وطينة بعد كونك فاجرة وقليلة &; أنا لو منك أهرب من العذاب اللي دماغي هتبقى فيه من التفكير بعد ما الحقيقة بانت!!
لا لن تسقط منها الدموع الآن &; تشنجت تعابيرها مع ضيق "بسام" و"فرح" التي نقطت بنفور&; :
_هو انت&; ايه &; &; انت&; مريضة صح&; استحالة تكوني طبيعية أبدا&; &; ربنا يشفيك&; بجد!
نفخت "مروة" في وجهها بجراءة&; وأشارت بعينيها ناحية "بسام" قائلة:
_خليكي انت&; يا عسل في حالك &; كار العيلة الواطية دي مش كارك &; اخلعي بدل ما تلبسي &; ولا خلاص ما انت&; لبستي في واحد نسخة من ظالم ماشي فارد دراعه على الستات .
ذهلت "فرح" فيما انفجرت "جميلة" مع رد "بسام" وهو يضغط على فكه بنفاذ صبر :
_بقولك ايه&; الأدب لو مبيجيبش سكة معاكي أنا أوريكي قلة الأدب عادي &; متجيبيش سيرتها ولا سيرتنا أنا وأخويا على لسانك الع&;كر ده !!!!
نظرت إليه بإستخفاف&; واعتدلت تنظر نحو من جاء خلفه &; خرج صوت "غسان" وهو يأتي من خلفهما مرددا&; بتساؤل جاد:
_ هو في ايـه&;
وقبل أن ترد بشئ خرج وانفجر بركانها &; بركان من كانت تصمت دوما&; للحزن والظلم &; انفجرت من اتصفت بالعقل وأخرجت حزنها وقهرها بمجرد ما استمعت إلى هذه الكلمات &; ربما تعلمت هذه الحركات المعتادة ببنهن من "ياسمين" وشقيقتها الأخرى &; وظهر بمفاجأة&; عندما تحركت "جميلة" بسرعة وهي تلتقط حجاب الأخرى بإنفعال&; وتمسكت بتلابيبها بعنفوان&; وحركتها صارخة بها أمام صدمة الكل :
_أنــا اللي فاجـــرة يا فاجرة &;&; انا اللي ماية من تحت تبن يا زبالة يا حقيرة ياللي عمرك في حياتك ما عدى عليكي ربع تربيتي اللي تشرف أي حد يا عرة &; قسما&; بالله العظيم ما هسكت على أي كلمة تتقال في حقي منكم عليا وعلى جوزي واخواتي &; أنا هعلمك ازاي تتكلمي معايا &; وهعلمك تعلمي أخوكي ازاي يفكر مليون مرة قبل ما يرجع وقبل ما كان يفكر يجي من الأول يا حقيرة !
"اتقي شر الحليم إذا غضب "&; جملة وحكمة تردد ونتائجها تبهر الجميع دائما&; &; عاشت تتحمل والآن نفذت طاقة التحمل ولو كان بإمكانها قتلها لق&;تلت الآن من عزم قهر الأخرى &; كل ما هو غير متوقع يحدث الآن والمفاجئ أمام نظرات الجميع هو أنها أخر شخص كان سيخرج هذا منها في يوم&; من الأيام !!!
تتمسك بخصلاتها بقوة&; حتى تقطعت خصلات الأخرى من الجذور&; وقع الكيس منها ووقعت أرضا&; بعدما دفعتها "جميلة" بقوة والصدمة شلت حركة "نيروز"و"فرح" معا&; &; فيما كانت تفعل "جميلة" ذلك بقهر &; وبدموع تهبط من مشاهد كثيرة أمام عينيها الآن وق&;طع الثبات في نبرتها عندما صرخت بها وهي تنحني عليها :
_حســبي الله ونعم الوكيــل فيكم وفي كل اللي زيكم !!
تحرك "بسام" على الفور يفصل بينهما فيما وقف "غسان" ينظر بوعي قليل&; وتشفي بالأخرى التي كانت تصرخ مع صراخ "نيروز" الباكي:
_خلاص &;خلاص عشان خاطري والنبي يا جميلة!!
تحرك "غسان" على الفور ما ان استمع لنبرتها الباكية واجتماع الناس من حولهم!! بما فيهم بواب العمارة وبعض من سكانها &;بينما اقترب يفصل بهدوء عكس الفوضى التي تحدث والتي خرج بها صوت "بسام" بعلو&;:
_ ما تتحرك يا "غسان"&; اتحرك بسرعة نفض الليلة دي!!
أقترب على الفور وبمساعدة الإثنان بعدما أشار لهما "غسان" بعدم التدخل فوقف الناس بعجز والهمسات تعلو &;فيما كبل هو ايدي"جميلة" وسحبها بعيدا&; من على الأخرى وهى تبكي &; كانت تحاول التحرك بقوة&; فيما نبس هو بها عندما أجبرها على السير بفعل يديه التي تمنع حركاتها:
_ابعدي معايا وانت&; ساكتة ولو ليكي حق هيرجعلك!
اقترب بها بمساحة بعيدة فوقفت تضع كلا يديها على وجهها بإستسلام تبكي بين أحضان "نيروز"و"فرح" فيما توجعت الأخرى وهي تحاول النهوض فلم يساعدها أحد منهم بل من ساعدها كان سيدة ومعها ابنتها كي تنهض بسبب فشلها بكسر احدى ذراعيها التي حاولت الاستناد عليه ففشلت !!
نهضت "مروة" تمسح وجهها والتقطت حجابها من يد الفتاه &; فيما نظرت نحو الحشد ببغض&; وانهيار داخلي &; كيف&; كيف يحدث بها هذه الق&;لة &;&;&; كان متوقع منها أي صورة من صور الغدر عندما صرخت تضع يديها على رأسها في محاولة لانقاذ قلتها بينهم جميعا&; فيما اجتمع أشخاص أكثر واختارت في تهمتها من كسر لها احدى ذراعيها ودمر جسد شقيقها ووجهه في خدوش وجروح وكسور هو وابن عمه وما جعل الأعين تتسع ..
محاولتها في تصنع عدم التوازن واستغلت فتح أزرار قميصها التي كانت ترتديه على بنطال قماشي تمزق بفعل الأسفلت وركعت أرضا&; تضع كلا يديها فوق رأسها بقهر امتزج كله بالخداع وهى تصر&;ح بكذب&; و صراخ عال&; وضعت به تهمتها أمام الوجوه والأعين وهى تسلط عينيها على من يقف بجوار شقيقه أمامها الآن :
_إلحــقونـــي يا ن&;ــاس &; تعالوا الحقوني منه &; عايز يتحرش بيا وسط الناس والشارع &; عايز يقرب مني ولما رفضت جاب النسوان دي تتهجم عليا &;تعالو شوفوني &; شــوفوا هدومي &; شوفوا دراعي اللي كسره وهو كان بيحاول يعمل ده معايا قبل كدة &; روح يا شيــخ ربنا ينتقم منك وياخد كل واحد حقير زيك ماشي يرازي في بنات الناس بالغصب!!!!
اتسعت عدستي "نيروز"و"فرح"و"جميلة" وحتى "بسام" الذي اندفع برأسه ينظر نحو وجه شقيقه والهمسات تزداد !! &; فيما لم تتوقف دناءتها إلى هنا بل شقت قميصها أكثر ببكاء&; زائف وخرجت كلماتها أمام همسات الكل وخروج "حازم"و"ياسمين"و"سمية" التي عادت معهم من السيارة التي وقفت الآن بصدمة :
_عايز تاخد ايه مني يا حقير يا واطي &; عايز تعمل ايه في دنية ربنا والناس حواليك يا شيخ &; كل مرة بعديهالك بس انت مفتري &; عايز تتحرش بيا ولا عايز تغتصبني&;&; راح فين الخوف من ربنا &; راح فين يا جبار يا ظالم&;&;
لم تتوقف بل اتسعت أعين أخرى&; أعين "حازم"و"ياسمين"و"سمية" والثلاثة يقفون بجوار بعضهم بعدما دخلوا بين هذا الحشد واستمعوا لبقية افتراءاتها الكاذبة :
_ اشهدوا يا خلق &; اشهدوا كل حاجة بتحصل قدامكم ومن وراكم &; كل شوية يحاول يقرب مني زي النجـ ـس من ورا مراته &; بيرجع نص الليل سكران ويخبط على باب شقة خالتي وكل الناس نايمة &; مرة كسرلي دراعي ومرة ضربني حتى بصوا &; بصوا الجرح اللي في وشي &; بصوا اللي جنب بؤي بصوا شعري اللي بيمسكني منه لحد ما وقع في كل مرة ببعده عني ومبرضاش اتكلم
ثم واصلت ولم تترك. مجال للصدمة :
_لو مش مصدقين &; دا كان مطلق مراته عشان كان ماشي مع أختي عايز يقنعها بالقرف اللي بعمله &; دا شيطان ومش زي ما انتوا فاكرينه &; دا حتى اللي كانت بتضربني دي سمعتها سابقاتها والاسم دكتورة &; واحدة رخـيصه بتتفق معاه عليا يا خلــق!! &; اشهدوا ..
نزلت دموعها بإسترسال &; وصرخ بها "بسام" بقوة&; جعلت الناس تنتقض بتشتت بسؤالهم من الخطأ ومن الذي على صواب بعد&;:
_اخرســي يا زباله &; اخرسي انت&; بتقولي ايه&;&;&;
تهمتها جعلت الكل لم يبادر بالإقتراب حتى لا ي&;ثبت شئ عليهم &; ومن تقدم بخطوات&; هادئة ليقف أمامها كان "حازم" التي تعمدت عدم النظر ناحيته وهي تبكي أكثر :
_لا مش هخرس &; خلي كل الناس تعرف الحقيقة &; خلي مراته تعرف تبص في الأرض عشان اختارت بني آدم زي ده &; دا حتي اليوم اللي حكيت فيه لسامر يا ناس ياللي شاهدين &; راح ضاربه وعدمه العافية قدام اللي كانوا شاهدين وواقفين آخر مرة
هناك دلائل زائفة تحاول التمسك بها منتهزة &; أكد البعض من و&;جدوا في حين تعالى بكاء "نيروز" وهي تقترب صارخة بها :
_اسكتي يا حقــيرة &; اسكتي خالص &; جاية ترمي بلاكي علي جوزي يا رخيصة &;&; &; متصدوقهاش &;دي كدابة والله العظيم كدابة &; جوزي مش كدة &; غسان معملش كل ده دي منافقة وعايزة تعمل فضيحة عشان تاخد حقها منه &; دي قادرة وكانت عايزة تسقطني &; والله العظيم كانت عايزة تسقطني وقدامكم بطني اهيه &; وجوزي هو اللي لحقني منها فإنكسر دراعها ساعتها والله العظيم دي كدابة والله كدابة متصدقوهاش!!
الآن وبالمعني الحرفي حدثت "فضيحة" كبرى &; كطامة جمعت كل الناس الآن &; حتى عائلته هبطت وهناك من نظر من الش&;رف بسبب الصراخ &; وصراخ "جميلة" الآن الذي لم يتوقف وكأنها انهارت للتو بين ذراعي "ياسمين"و"فرح" &; فيما ركضت "سمية" ناحية "نيروز" التي بكت بصوت&; عال&; من هذه الفوضى&; والس&;معة التي حدثت لها ولـ "غسان" &; والمتضرر دائما&; هى في كل مرة بسبب نظرات الناس والسكان لها !!
لم تتوقف إلى هنا وكأن هذا ما ينقصهم&; وكأن ما ينقصها هو التبرير للناس الذين لا شأن لهم &; التبرير من ٱجل السمعة والتهم الكاذبة المقهرة لهم جميعا&; &; تمسكت بذراع "غسان" تحركه بشدة&; وصرخت به تكمل :
_مش كدة&;&;&; &; مش كدة يا غسان &;&;&; رد!! اتكلم ودافع عن نفسك وعني &; قولهم انها كدابة وبتتبلى علينا !!!
ابتلع "غسان" ريقه أمام الوجوه خاصة&; وجه والده الذي وصل إلى مسامعه مختصر الحوار بعدما هبط بحسرة&; من عزم الصراخ الذي ازداد الآن من "جميلة" &; وهناك تجمع يزداد شئ فشئ وهو صامت &;لم يبادر حتى بالدفاع عن نفسه!!, حركته "نيروز" بقوة رغم تمسك "والدتها" بها في حين ركضت "زينات" وهي تخرج من البوابة مع وقوف "أسماء" بصدمة كبرى !! .
ازدادت الهمسات وهناك حديث غير مسموع منهم &; والدفاع متوقف &; والبكاء سيد العائلة &; بينما في حركة ملحوظة اندفعت "ياسمين" ناحية "أسماء" وهي تمسك كلا كفيها بقوة&; وهي تتقدم بها في منتصف التجمع وصرخت بها قائلة بعلو&;:
_اتكلمي &; قوليلهم إنك اختها وانها كدابة &; قوليلهم الحقيقة وانطقي عشان يصدقوا &; عرفيهم انها رخيصة ووسـ***, ومتربتش يا أسماء &; اتكلمي &;ردي ارفعي من راس أختي وردي ج&;م&;يل جوزها اللي مش هيتكلم قوللهم انه وقف ومتدخلش عشان ميتقالش انها صح !!! قوللهم ان اختي متضحكش عليها &;اتكلمي قوليلهم ان جوزها محترم ومتربي وعمر ما تطلع منه العيبة !!!
ما جعلهم يتلهفون للحقيقة هو أن تهمتها ثقيلة وان اجتمعوا مع بعضهم وانسحبوا دون تبرير او وضع نقاط على الأحرف او حتي الأجوبة على التساؤلات فسيخرج حديث وستخرج أقاويل كثيرة وسيزداد عليها ما لم يخرج منهم من الأساس!!.
توقفت "جميلة"عن صراخها وهي تبكي بين ذراعي والدتها التي نجدتها الآن وهي تحاول سحبها فيما تعالت الهمسات ودفعت "ياسمين" "أسماء" كي تصر&;ح لهم مع بكاء "نيروز" التي نفت برأسها الهمسات فيما حولها
وما جعلهم يترقبون جميعا&; هو انحناء"حازم" ناحية "مروة" التي تمسكت بمقميصها بطريقة تمثيلية وغفل الكل الآن عن مهاتفة أحد الأشخاص لفض هذا التجمع بطلب رقم قسم الشرطة قبل وقت! وحجم العقبة يكبر بعدما كان لا شئ!!
شهق الكل ما ان وجدوا "حازم" يضربها على صفحة وجهها مرتان خلف بعضهما ثم تمسك بكفها يحاول سحبها بقوة&; خلفه كي يصعد بها &; فيما تعالت الكلمات والحديث ببغض عن الذي فعله وصوت صراخها به يعلو الآن:
_ابعد عني &; سيبني &; بتضربني&;&; بتضربني عشان غلبانة ومليش حد يدافع عني &;&; سيبنــي بقولك !!!
حاول "حازم" سحبها عنوة وخرج انفعاله عليها وهو يصرخ بها :
_قومي يا زبالة &; قسما&; بالله العظيم لأربيكي من جديد مادام مش لاقية حد يربيكي .
_انت مالك بيا &;&; مالك&; ابعدوه عني &; ابعدوه دا عايز يموتني بالحياه &;عايز يخرسني وأنا بقولكم الحقيقة &; انا متبرية منه&;سيبني انت ملكش الحق تمد ايدك عليا &; ابعد عني يا حيوان!
تم منعه عنوة بواسطة رجال فيما صاح آخرين بإخبار البقية بصلة القرب بينه وبينها &; بينما اقتربت "أسماء" ببكاء&; ناحيتها وهي تمد كفها لها :
_قومي يا "مروة" &; قومي معايا ربنا يهديكي ويبعدنا عن شرك ده &;قومي وبطلي افترا وظلم حرام عليكي!!!
هل رددت للتو الحقيقة بين التفاصيل التي خرجت بين الأحرف&; &; طالعها الجميع بصدمة&; من م&;ن كان لا يفقه شئ &; شقيقة &; هذا يعني ان صدقت ستقف معها شقيقتها &; فإستغلت الأخرى الوضع ودفعت يديها بقسوة&; وهي تحاول النهوض صارخة بها :
_امشي ابعدي عني &; ابعدي &; اللي قدامكم دي واحدة ناقصة شبههم بالظبط ومطبخة كل حاجة معاهم &; دي كدابـ&;
وضعت "أسماء"كفها على وجهها بوجع&; من هذه الإهانة التي كانت ستكمل بها واذ بها تتفاجئ بركض من خلفها &; ركض "ياسمين" وهي تحمل قالب من الحجر &; وفي نية للفتك بها في الحال !.
_ هموتك&; هقتلك يا بنت الكلاب يا تربية الشوارع يا نصابة يا قليلة الدين!
صرخت بها "ياسمين" بحرقة&; ومنعتها بسرعة "ٱسماء"و"حازم" الذي صرخ بها في حين تقدم "غسان" الذي كان يتحسب لكل نقطة وهذا الصبر الذي صبره ليس من فراغ!!
_قدام كل الناس دي &; أنا بقولك مش عايزك تزعلي من اللي هيحصلك!!
هتف بها "غسان" بتحذير جعلها تبصق عليه &; فتقدم رغم صراخ والدته وشقيقته &; وبكاء "نيروز" وهي تحرك رأسها وجسدها بقوة&; محاولة التملص من بين يدي "سمية"و"حامد"&; فيما حاول في هذه اللحظة التبرير &; حاول فعل أي شئ أمام النظرات واذ بسيارة الشرطة تعلو بصوتها من على ب&;عد&; جعلت الأعين تتسع وبنفس ذات الوقت خرج إنهيار "نيروز"!! بالصراخ الذي كان أعلى شئ في المكان بأكمله ..
وقعت بين يدي "والدتها" وهي تستمر في صراخها فيما انتفض هو وهو ينظر بضياع&; والسيارة يهبط منها ضابط وعساكر تحاول الإمساك بكل من يكن بهذه الواقعة التي هرب منها كل هذا الحشد خوفا&; من أذى قانوني من هذه الحكومة التي أنت فجأة&; عليهم في هذا الشارع الملئ بالمارة والأشخاص والسكان الموجودين في المبني &; شرطة &; هل هذا صحيح &; جاءت الشرطة..والتي اقتربت تتتمسك بـ "مروة" الواقعة أرضا&; وبـ "بسام" فيما خرج صراخ "غسان" وهو يحاول التحرك ناحيتها :
_نيــروز!!!
وقبل أن يركض ناحيتها هى والخطر الذي يداهمها الآن كما يداهم صغاره م&;نع ووجد نفسه ي&;مسك منهم وهي الأن تنتفض بقوة&; وتحرك رأسها بعنفوان&; لرفض كل هذا عله حلم عله كابوس مقابل عدم حدوث هذا مقابل عدم امساك الشرطة به وعدم إلقاء هذه التهم عليه وهو هكذا مسكين حتى في دفاعه عن نفسه ضاعت منه الف&;رص !! كما ضاعت الآن فرصته وهو يحاول اللحاق بها بخوف&; فتمسكوا به يكتفونه هو وحركاته التي تعاند حركاتهم فحاول التملص منهم وهو يصرخ بعلو أكثر وخرجت بحته وكأن الوضع علم بأنه مظلوم بعد كونه مسكين لحدوث أمرين كهذين في وقت&; واحد والضياع رفيقه ! :
_ لا يـــا "نيـــروز"لا &; ابوس إيدك لا !!!
ينفي &; ينفي وقوعها ينفي بوادر الإغماء بعد هذا الإنهيار العصبي المفاجئ &; فكيف كان حالهما من قبل وقت قصير&; تبدل الحال والقهر أصبح عنوان قاموسه بعدما كان عنوانه قبل قليل الإحتواء منها هى في محاولة&; للكشف عن أوجاعه التي هى سببها هي وتعبها الذي يواجهها الآن وتغلب عليها ! &; بينما الآن ضاع كل شئ وهو يبتلع غصته المريرة بهلع&; ورهبة&; وكلما يحاول التملص بالممسسكين به يزداد عدد أكثر من عسكرى للتحكم في حركته كي يضعونه عنوة&; في سيارة الشرطة بجوار شقيقه الذي يحاول الخروج لإنقاذها من بين هذا الحشد وانقاذ هلع شقيقه عليها وخوفه :
_سـيبـــني !!.. سيبــــني ..بـــقولك &; ابــعــد عني!!!
إغماء سريع الآن يوحي بخطر الإنهيار هذه المرة عليها وعلى صغارها وعليه هو هذه المرة عندما أ&;جبر على عدم الاقتراب بإمساكه هكذا &; وكأنه يعاني من جاثوم&; للتو &; جاثوم&; طالت سيطرته على التحكم بجسده هكذا وعقله الآن يعي ولا يعي بينما ترك له قلبه يخفق خوفا&; عليها &; يخفق قهرا&; على عجزه &; يعلو في دقاته&; حسرة&; على ما يحدث دون إرادة منه ومنها !!
محاولة في التملص هنا وهروب هناك وعلى أقرب ترجي ودموع وهناك رهبة وخوف وهناك أم تجلس على الأرض بحسرة&; على آخر أ&;خذ ظلما&; وآخرين في صدمة&; جعلتهم لم يتحركوا بعد &; وآخر يسرد الكتاب له بعدم الأخذ به لأنه المحرر الوحيد لعقدة هذه العقبة &;والمنقذ لفك الأسر قبل ٱن يحدث والشاهد الذي يعد من أهلها وأهلهما !!
حاول "غسان" التملص بينهم فيما قد أ&;غشي عليها ما ان وعت لتمسك الشرطة به &; فغابت عن الوعي مع البكاء ودفعهم عنه في محاولة للتحرك ناحيتها ..
_نيروز &; فوقي يا نيروز أبوس ايدك &; فوقي والنبي &; والنبي متعملي فيا كدة دلوقتي!!!
ترجاها وهو يتحسس جبينها ويضرب وجنتيها بخفة&; فيما دخل "بسام" بالإجبار في هذا البوكس &; مع "مروة"و"أسماء" بينما تعالى بكاء "دلال" وهي تجلس أرضا&; :
_ابني&; ابني معملش حاجة والله العظيم ما عمل حاجة &; سيبوه &; سيبوا ابني حرام عليكم !
لم يتوقف قهرالأم إلى هنا &; هنا أم ثانية &; هنا بكاء وصراخ وهي تحرك ابنتها بحسرة&; قائلة من بين الدموع:
_نيروز &; ردي على أمك يا نيروز &; قومي &; قوموها &; قوموها بسرعة بنتي هتروح مني !!
فقدانها للوعي سبب كارثة أخرى بداخله عندما تمسكت به الشرطة في إصرار لأخذه عنوة&; وهو يحاول النفي &; إلى أن صرخ به أحدهم :
_انت هتتحرك معانا من غير شوشرة ولا ننادي العافية&; &; اخلص يلا معانا بهدوء!!!
ضاع كل شئ منه في لحظة كهذه &; م&;مسك منهم بقوة&; وربما كان البلاغ بمواصفات ليأخذوا أشخاص معينة دون الآخرين منهم! &; ربما أخذوا من كانوا في بداية هذا الشجار &; هو وشقيقه وهى&;!! &; وكل غريب من أمامهم يأخذونه &; نظر "غسان" بضياع وهو يرى الآن والده يحاول افاقة"نيروز" ووالدته تبكي وهي تجلس أرضا&; عاجزة عن التدخل فيما بكت "فرح" وهي ترى "بسام" ي&;أخذ قبل دقائق.. فيما حالفهم القدر وهم يتركون "حازم". الذي ركض بخوف ناحية "نيروز"و"جميلة" و"ياسمين" التي بكت وهي تتمسك بملابس شقيقتها..
فلم يشعر بذاته المسكينة الا عندما أ&;جبر على الركوب وعينيه اللامعة تظهر لمعتهما ما ان هتف بعلو&; وخوف محركا&; رأسه بنفس الضياع وهو يردد بخوف ناظرا&; لولده في و&;سط هذه الفوضى&;:
_نيروز ! نيروز يا بابا!!
منع من إكمال المزيد عندما وجد نفسه يعجز عن ترديد الكلمات &; ووجعه يزداد ما ان وجد نفسه يرى زوجته أرضا&; وهم من حولها وهو &; هو الآن م&;جبر وعقله ضائع!! &; وكأن "والده" فهم مخزى كلماته فنظر له بتعب&; وردد وهو يرى "حازم" يحاول حملها :
_متخافش &; متخافش يا حبيبي!
وكيف لا يهاب &; آخر ما سمعه وبعد ذلك انطلقت السيارة بسرعة على الرغم من ان محاولاته لا تقف إلا أن شقيقه يحاول ان يطمئنه &; وعقله وكأنه اختل للتو وهو يهتف بإسمها بضياع&; &; فيما ح&;ملت "نيروز" من "حازم" ناحية الدخل و"ياسمين" تحاول اسناد "والدتها" كما "حامد" الذي أسند ابنته الباكية و"زوجته" التي تردد بلهفة&; وخوف:
_ولادي ! &;ولادي يا حامد &; ولادي معملوش حاجة .. والله العظيم دول غلابة ..هاتلي ولادي يا حامد رجعهوملي!!
تمسك بكفها بلهفة&; وهو يردد لها كي تثبت رغم وجع حسرته:
_ متخافيش والله ما تخافي يا دلال, هرجعهملك والله هرجعهم وهروحلهم &; قومي بس &; قومي متخافيش..
اسندها هو وابنته التي تشهق بصوت&; عال&; &; فسارت معهم بنصف عقل &; عقل قد ضاع منها مثلما ضاع عقل ولدها قبل قليل &; والجميع انسحب بخوف&; والمكان به آثار الفوضى التي حدثت قبل قليل!!
مسكين &; ضاعت الحلول من بين يديه في أسرع وقت &; دمعته صارع على ان لا تسقط فلم تسقط و كفيه بين كفي شقيقه الآن وهو ينظر بالفراع مرددا&; بهمس له من بين شفتيه في خوفه عليها!!
ما جعل الأمر متدبرا&; انهم ليس معهم "حازم" الم&;حامي!! &; بينهم أشخاص أخرى أ&;خذوا ظلم مثلما أخذوا هم &; وحالفهما القدر بعدوم وجود أشخاص أخرى من العائلة !!
سيارة تسير بسرعة فائقة وهو بها جالس بضياع فائق &; كمثل ضياع الكل من حولها الآن !! &; ضياع وهم يحاولون افاقتها والكل ملتف حولها &; هبطتت دموع "سمية" وهي بين ذراعي"ياسمين" فيما حاولت "فرح" فعل أي شىء أمام هذا الخوف &; وما جعلهم يهابون الآتي هو استقامتها وهي تردد بنبرة&; باكية تخبرهم بها كونها الطبيبة التي تعي الحالة عكس "جميلة" التي كانت منهارة بوجع ما حدث ووجعها على رفيقة الدرب:
_لازم تروح مستشفى بسرعة &; مينفعش نسكت شوية كمان عشان حملها ميبقاش في خطر &; حـالتـ..
توقفت عندما فزعت "جميلة" وهي ترى الدماء أسفل نومة "نيروز" :
_دم!!! &; نيروز بتنزف!!!
انتفضت "سمية" و"حنان" وحتى "زينات" بينما &; انحنى "حازم" بخوف&; شديد &; جعله ينتفض ما ان صرخت به "ياسمين" بسرعة&; :
_شيــلها &; شيلها يا حازم بســـرعة أرجوك &; انت مستني ايـــه&;&; اختي!! اختي بتروح هى واللي في بطنها!!
فرد "حازم" ذراعه أسفلها فيما هربت من "والدتها" الأعصاب فإنهارت أرضا&; ببكاء&; عال&; وهي تتمسك برأسها بقهر&; و"عايدة" تحاول الاسناد بها &;فيما هرول "حازم" بها ناحية الأسفل صارخا&; بـ "ياسمين":
_اسبقي افتحي العربية بسرعة يا ياسمين!! ..بسرعة!!
هنا حيث التشتت والضياع الذي لم يذهب من قاموسهم &; ضياع وهم منشغلين بها بقهر&; وبالشقة الأخرى بكاءها على أولادها وهي ترى زوجها يرتدى ملابسه كي يذهب سريعا&; ناحية القسم غافلا&; عن الخطر الذي داهم زوجة ولده &; صدمة ما حدث جعلته يتشتت وضاع عن أشياء صادمة &; صدمة أولاده فاقتها بالفطرة دون ان ينتبه &; عقله متشتت والخوف رفيقه كما رفيق الآخرين &; وكل منهم يتوجع من أجل فلذة كبده!
هم هنا وهناك وفي كل مكان &; كل منهم بوجع مختلف &; ذهابها في طريق المستشفى وحالتها التي تعد خطرة &; ووجوده في قسم الشرطة هو وشقيقه بقسوة&; عليه وعلى قلبه المسكين الذي أ&;جبر في الجفاء والبعد في أصعب اللحظات الذي يخاف منها &; فسردت القصة كلمات والأحرف تعرف طريقها لدى شخص ضاع ما بين الذهاب للقبض عليه عنوة وبالغصب وعلى الناحية الأخرى م&;نع من الإقتراب لينتشلها من ضياع ووجع على الأغلب هو المنقذ الوحيد له &; المنقذ الوحيد لهذا الإنهيار العصبي المفاجئ&; ثم تأتي الحروف وهي تتساءل بإنسجام&; وترتيب في معاني اللغة &; وكتبت معنى الوجع ..في سؤال&; واحد &; ماذا ان علم الآن بأنها مثله في خطر هى وصغاره&;! &; ثم آخر سطر في هذه الصفحة &; سطر الأجوبة عليه ك&;تبت في صفحة أخرى &; سطر يحتوي على ثلاثة كلمات &; أول كلمة بأربعة أشخاص هو وهى وصغاره &; آخر سطر د&;ون به .." الأربعة&; في خطر&;" وليس الأخير في الكتاب!!
وضعه خوفه أمام اللحظات الذي لا يريدها دائما&; &; لحظات الإنتظار المبهم! &; المجهول والقاسي&; لأول مرة ترتجف يديه بكثرة&; ظهرت عندما وقف مستندا&; برأسه على الحائط بين هذه الفوضى التي تحدث وبجانبه شقيقه واضعا&; ذراعه على كتفه وهو يستند عليه &; لحظات من الخوف والتوتر والإرتباك &; لم يعد لديه طاقة للتحمل &; جلس على ساقية بتعب&; وهو يحركهما بقوة&; واخترق سمعه قول "بسام" الذي غمره الحنو وقتها :
_متخافش يا "غسان" &; متخافش عليها والله هنخرج وهتلاقيها بخير.
وحده في ساحة المعركة وتركها بالإجبار وعجز عن انقاذها &; ماذا بعد &; بماذا سيشعر&; لم يسعفه لسانه للرد بل أدمعت عينيه وهو يخرج أنفاسه مغمضا&; عينيه بإنهاك&; هامسا&; بحديث غير مفهوم إلي حين خرجت الكلمات منه وهو يفتح عينيه بخوف&; ناظرا&; نحو شقيقه :
_"نيروز"تعبانة &; نيروز لسه متعالجتش يا "بسام "&; لسه في خطر عليها وعلى عيالنا.
ي&;قال أن الرجل دوما&; يتماسك &; كان دوما&; عدا في هذه اللحظات &; عندما تمسك بذراع شقيقه متقطعا&; في نبرته وهو يصارحه :
_أنا..أنا خايف يا "بسام" &; خايف عليها أوي!.
لمعت عينيه وضاعت أعصابه وثباته &; عندما افتقد التوصل إليها كي يعلم &; إهتزت أنفاسه وهو يدعو في سره&; بلهفة&; وخوف &; لم يكن بيديه فعل شىء مثل شقيقه الذي تابعه بعينيه بقلق&; من هذه الحالة التي ترافق توأمه &; ضاعت أنفاسه وهو يرسم الكثير من السيناريوهات المحتمل حدوثها فيما ضغط على كفه بثقل&; بين هذه الفوضى&; !
فوضى&; وأصوات كثيرة تتداخل وأشخاص ك&;ثر وهو يستند على الجدار وأمامه بضع عساكر كي لا يتحركوا إلا عندما يدخلوا مكتب الضابط &; وعلى ب&;عد تجلس وهي تتمسك بقميصها تراقب الجميع بارتباك&; وجوارها شقيقتها تبكي بصمت&;&; فيما كانت "مروة" تراقب تعابير "غسان" وتفكر كثيرا&; في موضعها الآن!
لم يعي هو لأي شىء &; حتى الناس من حوله &; بل رفع رأسه لأعلى مخرجا&; أنفاسه بصوت&; عال وقطع نظراته العشوائية جلوسهما &; فتشنجت تعابيرة تلقائيا&; &; وكاد أن ينهض ليشفي غليله من ما يشعر به الآن من ضياع عليها وإليها &;. ولكنه وجد "بسام" يتمسك بذراعه ناصحا&; إياه بتعقل&;:
_"غسان"&; اهدى عشان خاطري &; انت كنت كويس لحد الآخر وده هينفعنا جوه لو معانا شهود &; بلاش تختمها بسوء وبالذات هنا في القسم!
ضغط "غسان" على فكه بصعوبة&; وخرج الحديث بحدة&; ناحيته:
_مش هحلها يا "بسام " &; قسم&;ا بربي ما هحلها أبدا&; &; مش سايب حقي منها &; وحق عجزي اللي أنا فيه دلوقتي!!!
خرج حديثه المتوعد وهو يلقي عليها نظرة جعلتها تهتز &; ربما نظرة الاشمئزاز من رجل &; نظرة مختلفة تعهدها ولكن من رجل بمثل هذا الوضع جعل الخوف من الآتي يظهر &; نفخت في صوت&; عندما حثها عسكري بفظاظة&; على عدم الجلوس &; فنهضت تبحث عن مساحة فارغة &; وكانت من قبلها تسير "أسماء", بتيهة&; للبحث عن مكان تقف به ووقفت بالنهاية جوار جلوس "غسان" على ساقية دون أن يلامس الأرض!
أخفت "مروة" ما يحتلها وسارت م&;جبرة تقف بجانب شقيقتها وكل ذلك يتابعه "بسام" بتحمل&; وهو يتمسك بذراع شقيقه الذي نفضه ووقف للتو مقتربا&; منها متخطيا&; شقيقتها التي برقت عدستيها في خوف&; من هذا الإندفاع !!
وقف "بسام" بسرعة&; يحاول تهدئته في حين كان قد وقف "غسان" مقتربا&; حتى مال يهمس بصوت&; تهديدي مع حبس أنفاسها بتوتر&; من قربه هذا ونظراته المتوعدة تجاهها:
_وحياة اللي خلق الخلق ما هسيبك!
اهتزت عيني "مروة" وتصنعت غير ذلك عندما خرجت نبرتها المبحوحة من أثر الصراخ الزائف قبل وقت :
_خد بالك اننا في القسم &; لو عملتلك فضيحة هنا هتفضل ومش هتخرج ..انت مش قدي لا انت ولا عيلتك كلها!
ثم أكملت بوقاحة&; جعلته غير مندهشا&; قبال دهشة شقيقه وشقيقتها:
_وبعدين انت مقرب كدة ليه&; حابب تثبت اللي قولته عليك هنا ولا ايه&;.
ومن غيرها يحظى بدرجات الوقاحة العالية &; الذي فاقها ما ان ابتسم يردد:
_نثبتلك وماله &; طالما انت&; عايزة كدة!
أشار بكفها في جراءة ومدت ذراعه تدفع مقدمة صدره كي يرجع إلى الخلف مع قوله الجرئ:
_انت آخر واحدة ممكن أبصله بصة الإعجاب!
_وانت&; واحدة ميتبصلكيش أصلا&;!
ردد "غسان" جملته بإستفزاز&; بعدما استفزته ومن غيرها بارع في هذا الاستفزاز &; علم مبتغاها الآن وما تريد التوصل إليه هنا كي تضعه بين المخالب وتهرب عندما ت&;ثبت بالدليل عندما يثور وت&;ثار أعصابه بالانفعال الذي يجعله يرفع يديه عليها &; أرادت هذا وفي هذا المكان! &; ابتسم بزاوية فمه والتقط ما تريد فعله &; ثم مال عليها مرددا&; بنفس النبرة التي امتزجت بوقاحة زادت عن وقاحتها أكثر&; هنا حيث وقاحة رجل! حيث التوعد والتلميح المبطن مع التحذير &; ابتلعت ريقها ما أن تابع وهو يعتدل أمام غير الاكتراث الزائف:
_وهنشوف مين اللي مش هيطلع بالظبط &; بس قبل ده كنت عايز أقولك حاجة مهمة أوي هتفرق معاكي في اكتشاف حاجة في شخصيتك مكنتيش واخدة بالك منها .
قوست "مروة"حاجبيها وابتلعت "أسماء" ريقها بتوتر&; قبال أذن "بسام" التي استمعت للتو لسبة شقيقه النابية لها ما ان ردد بأبشع لفظ يمكن أن يقال في حق امرأة ! أو "فتاة" &; فحينها ف&;تحت عدستي&; شقيقه واندفع يمسك ذراعه ليرجع إلى الخلف مع رفع كف "أسماء" على فمها من صدمة ما التقطته أذنيها صراحة&; منه أمامهم :
_انت&; واحدة **** &; و******
أفظع ما في قاموس السباب ردده للتو &; فيما وضعت "أسماء" يديها على فمها بذهول&; بعدما جحظت عيني "مروة" حتى احمر وجهها من صدمة ما نطق به عليها وعلى شخصها وسمعتها!!
أمسك "بسام" كفه يسحبه على بعد خطوات &; فيما ضاعت الصدمة من "أسماء" عندما رددت في اختناق&; لها :
_حرام عليكي بقا يا شيخة &; حرام عليكي &; انت&; السبب في كل اللي احنا فيه ده &; مبسوطة كدة &;&;..ربنا يهديكي وينجينا من شرك!.
حركت "مروة" شفتيها في تبرم ووكزت ذراع "أسماء" بقوة&;:
_ح&;رمت عليكي عيشتك انت&; لوحدك &;. واحدة باعت أهلها وناسها اللي مكنش ليها غيرهم &; استنى من واحدة زيك ايه بعد كدة&;
فبانت نظراتها التهديدية أكثر ما ان مالت تحذرها بحدة&; :
_أقسم بالله يا "أسماء"لو نطقتي كلمة واحدة مش في صالحي جوه لأفضحك وسط العمارة هناك والناس واسيطك بسمعتك اللي هتسبقك لما يعرفوا انك غلطتي مع ابن الدور التالت والصايع بتاع العيلة&; عشان كل ما يشوفوكي يبصولك بصة الق&;لة طالما ناوية تقعدي معاهم وشرياهم &; فاهمة ولا مش فاهمة&; لو كلمة واحدة خرجت عليا جوة بشهادة ضدي هتتوجعي جامد &; وانت&; عارفة أختك بياعة وميفرقش معاها حد إزاي!!
هابت وخافت واهتزت عدستيها اللامعة أمام التهديد &; رأت الأخرى رجفة يديها فعلمت أنها أرسلت لها التهديد صراحة&; وصحيح &; فإعتدلت تستند برأسها على الحائط مع ظهرها ودخلت في حرب نظرات الآن مع "غسان" فيما نطقت "أسماء" بنبرة باكية منخفضة :
_هو انت&; ايه يا مروة &; انت&; مبيصعبش عليكي حد &;&; مش عارفة انك المفروض تكوني سند وتداري اللي أنا غلطت فيه.&; ليه بتعملي كل ده&; انت&; خسرانة والله&; خسرانة ولو فاكرة انك هتاخدي نقطة في كل ده قصاده تبقي غلطانة!!
حركت 'مروة' رأسها بإستخفاف&; وردت ببرود&; دون النظر إليها:
_ايه&; فكراني هكش وأخاف زيك وأنخ قصاده&;..لا مش أنا يا حبيبتي أنا معايا شهود من العمارة والشارع شاهد كل حاجة وانت&; كمان هتشهدي معايا وإلا هأذيك&; ومش هسمي عليكي وانت&; حرة!
نزلت دموعها بكثرة&; ورفعت أكمامها تمسح وجهها وهي تنظر ناحية "غسان" في أسف&; تجاهله هو على الفور وأخفى رجفة يديه من رهبته الداخلية وضاعت الكلمات على بعضها البعض ما ان دخل الضابط من الطرقة بعجالة&; وهو يخلع نظارته السوادء مرددا&; بصوت&; عال&; :
_هو ايـــه ده!!! &; انت يا بني&;&; موقف كل دول هنا ليه &; وايه الدوشة دي كلها &; خدهم كلهم على الحجز &; يـــلا!!
رفع يديه للتحية العسكرية مرددا&; بالإهتمام المطلوب:
_أوامرك يا باشا &; يلا يالا قدامي انت وهو &; يلا يا بت انت&; وهى&;!
حجزين أحدهما للرجال والآخر للنساء &; مع المعاملة التي تحدث بتقليل منهم الآن &; هم ليسوا من هذه الفئة &; لم يكن يليق بهم في يوم من الأيام في الدخول إلى هنا &; حيث قسم الشرطة ظالم مع مظلوم وبعد قليل&; م&;تهمون!!
_________________
هل هذه خفقات قلوب عالية &; رجفة أيد&; &; وأفكار من الخوف تصعد للرؤوس وهم هنا أمام غرفة طوارئ و&;ضعت بها "نيروز" في المستشفى&; &; لم تتوقف "س&;مية" عن البكاء والشهقات التي احتوتها ذراع "ياسمين" بقوة&; وهي تشدد من ضمها &; في حين البعض يقف في صدمة وفرك أيدي غلبت السكون وحل محله الإرتباك!
لم تكن هنا "وسام" وظلت "فرح" برفقتها بخوف&; وبكاء لم يتوقف على هذه العقبات وخوفها على "بسام" يحرك من ثباتها الزائف بدونه ..
هنا تجلس"س&;مية" مع "دلال" و"حامد" الذي هرولا معهما ما ان استمعا للصراخ الأخير وهم أمام الشقق يهرولون خلف "حازم" الذي حملها &; ترك أولاده وركز نحو الخطر بذاته ..
أمسك موضع قلبه مع استماعه لصوت بكاء "دلال" التي رفعت رأسها تردد بتنهيدة&; عالية :
_يارب ..يارب متخسرناش &; متوجعناش يارب!
وخرج ضعفها وهي تذكر أولادها و"نيروز" وصغارها:
_إحميهم يارب!
وقفت"جميلة" بجانب تنتظر بلهفة&; أي خبر يعلمهم بحالة الأخرى&; فيما تعالت شهقات "س&;مية" وهي بين ذراعي ابنتها ونطقت بتقطع&;:
_أختك يا ياسمين &; اختك هتروح مني&;أنا كنت حاسة والله كنت حاسة ان هيحصلها حاجة &; يارب مش مهم أي حاجة المهم هي يارب &; هي..متخسرنيش فيها !!
كل أم لا تريد الخسارة &; لا تعد لهم أي خسارة إلا خسارة فلذات أكبادهن ومن أنجبت أرحماهن! &; وضعت كفيها على وجهها تستمع لنبرة "ياسمين" المختنقة بقوة&; ولهفة:
_ هتبقى كويسة والله العظيم.. نيروز هتبقى كويسة متخافيش .. يا ماما &; متعمليش في نفسك كده عشان صحتك &; أرجوكي!
تلمست موضع قلب والدتها في خوف&; شديد جعل الأخرى تتمسك بكفها بحسرة&; قبال بكاء "دلال" ووقوف"حامد" الذي يهاب أجواء المستشفى &; أجبر حاله على الوقوف بخوف عليها وهي بالداخل وجواره "حازم" بملامحه الشاردة بأكثر من شىء!!.
كلما تتذكر بقع الدماء من أسفلها يرتجف جسدها وكأنها هابت الشىء ذاته &; نزلت دموعها بإستسلام&; وهي تنكمش على ذاتها المسكينة وخرج قولها المبحوح ناحيته وهي تسأله وكأنها تحاول التعلق بأمل خروج رفيقة دربها بأفضل حال دون خسارة:
_حازم! &; "نيروز" هتبقى كويسة مش كدة &; مش هيحصلها حاجة صح &;
سألته على الرغم من ان لديها خبرة إلا أن كل شئ ضاع مقابل هذا الخوف الذي احتواه سريعا&; وهو يرفع ذراعه مقربا&; منها من ظهرها حتى مرر ذراعه عليها بإحتواء وهو صامت لم يقطع هذا الصمت القاسي علي قلبها وقلوبهم جميعا&; الا بـ ركض "بدر" أولا&; من نهاية الطرقة ومن عزم خوفه تركها خلفه تهرول في فزع&; ما ان علمت ما حدث من "زينات" التي حدثت "فريدة" وأخبرتها بعدم القدوم وأقسمت حتى تضمن صلاح حالها ونفسيتها!
ركض ولم يركض وحده بل بجواره "آدم" بملامحه المنصدمة والذي وصل أولا&; عندما قابله "حامد" بعينيه اللامعة من التعب ووجد "بدر"وهو يتساءلان بنفس الصوت الذي امتزج به الخوف:
_ايه اللي حصل&;&; &; ايه اللي حصل يا عمي!!
أمسكه "آدم" من كفه على الفور وهو يحاول إسناده كي يجلس فيما تابع "بدر" الوضع منتظرا&; تفسير أكثر رغم انهم يعلمون في حين ارتمت "س&;مية" تبكي في أحضان بكريتها "وردة" التي ابتلعت غصتها بخوف&; مع عينيها الحمراء التي لم تتوقف بهما عن البكاء منذ ان عملت :
_هي فين يا ماما &; نيروز فين &; بقت كويسة ولا لأ &; ردي عليا &; طمنيني عشان خاطري.
لم تجد الرد فخرجت تنظر برهبة&; وهي تردد بنفس النبرة الباكية:
_حد يرد عليا &; اختي بقت كويسة صح&; محصلهاش حاجة هي وعيالها مش كدة&;&;
دائما&; ما ي&;عرف عن الأخت الك&;برى بأنها أم ثانية&; فماذا الآن وابنتها الصغرى بين تفاصيل الخطر والوجع! &;. فماذا بعلاقة الأكبر والأصغر وما بينهما تحاول بكل الطرق الممكنة التماسك لأجلهن كما تفعل دائما &; أسرعت "ياسمين"وبادرت في اخذها بعناق&; لتطمئن خوفها ورهبتها هي الأخرى من هذه الأجواء
فيما وقف "بدر" يحاول التصرف للتدخل في حل الأمرين بسرعة&; قبل حدوث شئ :
_احنا لازم نروح وناخد "حازم" معانا &; مينفعش يتسكت عن كدة &; دي ممكن تعمله محضر وتكبر الدنيا!!
كان وقوفهم بعيدا&; بقليل عن النساء &; فكان يقف وأمامه "آدم" و"حازم" ومعم "حامد" يجلس واضعا&; كفه على مقدمة صدره في محاولة لأخذ أنفاسه &; أسرع "آدم" ملتقطا&; كوب المياة وقدمه إليه برفق&; وهو يربت على كتفه جالسا&; جواره حتى انتهى "حامد" مع تساؤلات "بدر"و"حازم"له بخوف&; وقلق:
_انت كويس&;
تابعهم بتعب&; يومأ برأسه وأخذ أنفاسه بصعوبة كي يخرج بالحديث الذي خرج أخيرا&; وهو يرفع يديه للإشارة ناحية الغرفة التي توجد بها "نيروز" مما سهل عليهم الوضع ولكنه تحدث مفسرا&; بنبرة كادت أن ت&;سمع :
_نيروز..مش همشي غير لما أطمن عليها &; بنتي في مستشفى..
سعل من الإختناق ولمعت عينيه يردد بعجز&; أمام تهوية "آدم" له أمام وجهه بقلق&; :
_ولادي في قسم وواقفين على رجلهم &; ولادي رجالة ليهم حق يا بدر&; واللي ليه حق ميخاقش .
ثم تابع بتقطع&; لم يظهر بشدة&; ولكنه يخرج بالفعل بتقطع أثر ضيق أنفاسه من الخوف و&;بهذه اللحظة كان أب للجميع خاصة&; هى&; &; خاصة&; لمن فقدت والدها وس&;ميت في هذا الموقف بالـ "يتيمة" :
_لكن هى! ..هى جوا لوحدها ربنا اللي عالم بيها &; فأنا مش متحرك من هنا غير لما أطمن على بنتي !
تأثرت "سمية"و"وردة" من كلماته فيما أكمل وهو يتمسك بكوب المياه مرددا&; بنبرة&; حملت بين طياتها الكثير من المشاعر الخائفة:
_هروح أقول لإبني ايه&; &; هقوله ايه لما يسألني عن مراته&;هقوله سيبتها وجيت من غير ما أعرف حصلها إيه&;!
ندبت "دلال" آنذاك وهي تضع يديها على صدرها بتعب&; قائلة:
_يا مصيبتي &; دا يروح فيها هناك &; ابني مش حمل الصدمات دي كلها &; استنى يا حامد بالله عليك ما تروح تقوله كده في وشه &; انت مشوفتوش&;&; مشوفتوش كان ماشي وواخدينه بالقوة وكان عامل ازاي &;&;
لم تتوقف فحسب بل أكملت بالعكس في لهفة&; لرؤيتهم بكل سرعة &; فالآن موضع فؤادها يغلي لأجلهما !!
نظروا لبعضهم في حيرة من ضيق الأمر فيما حاول "بدر" الوزن بين الأمرين رغم خوفه الشديد على من تعتبر شقيقة صغرى له:
_طب خليك مرتاح يعمي &; خليك معاهم وخلي معاك آدم &;وأنا و"حازم" هنمشي نروحلهم عشان ميباتوش في الحجز الليلة دي &; لازم نلحقهم !
تركته أعصابه وضاع منه الثبات الذي استمر في البحث عنه الآن لينطق بشىء ولكنه لم يفعلها ولم يتحدث بل وجد نظرات الرجاء في عينين زوجته &; وبخفة&; أغمض عينيه بتعب&; وعلم أن عدم الرد جعل "بدر" يسحب "حازم" بعيدا&; للإتفاق &; واستمر "آدم" برفع كفه مشيرا&; عكس الاتجاه أمام وجه "حامد" كي يستطع أخذ أنفاسه المتقطعة!
_حد يستعجلهم &; حد يدخل يشوف بنتي &; انا عايزة اطمن على بنتي يا "يا سمين"!!
بين الأحرف نطقت هى اسم ابنتها الوسطى &; لم تردد من فراغ اسمها بل رددته كونها ترى الثبات التي ترسمه ببراعة&;&; كونها تعلم أنها القادرة على فعل أي شيء ولكن الآن&; الآن ليس بيد أي شخص من الجالسين شئ!
تمسكت بيد والدتها وربتت على كفها تحرك رأسها لها موافقة &; دون أي رد كان سيخرج من بين شفتيها &; بل الرد لم يخرج منهم هم الآن !!
الرد من بكاء "وردة" التي ضاع منها في مرة من المرات رحمها الذي ي&;نجب ويحمل &; هابت فور اسمتاعها بأنها نزفت كثيرا&; حتى خرجت رهبتها من بين الأحرف قائلة:
_هتبقى كويسة &; والله العظيم ما هيحصلها حاجة يا ماما &; نيروز مش هتبقى زيي متخافيش!! .
ونفت هذا برأسها عندما هابت سقوط حملها وضياع الثمين منها:
_مش هتبقى زيي لا &;. مش هيحصل!
ربما الخوف والرهبة ت&;حد&;ث أكثر من هذا لم تجد إلا ذراعي"ياسمين" التي احتوتها بسرعة&; فائقة &; فيما وقف "آدم" محاولا&; فعل أي شىء عندما توقف يميل ناحية "جميلة" مرددا&; :
_قومي معايا يا جميلة &; تعالي أوقفلك تاكسي تروحي لـ "فريدة"
اتجه ناحيتها كونها الأكثر تعبا&; وبان هذا على ملامح وجهها بقوة &;بينما الآخرين سيظلوا ولم تتم الموافقة منهم &; ومن ناحية أخرى قرر التوجه بها لـ"فريدة"..ترددت عينيها الباكية في النظر فيما ردد هو مرة أخرى برجاء بان في عينيه:
_هى قاعدة هناك لوحدها وفاطمة وولادها مش في البيت دلوقتي مفيش معاها غير "يامن"بس &; هي محتاجاكي ومش هينفع تيجي &; قومي معايا أوقفلك تاكسي يوديكي ليها.
وجدت نفسها ت&;حاصر ما بين رفيقة الدرب وشقيقتها &; تابعته بعينيها اللامعة وهي تنظر نحو باب الغرفة وعادت تردد باختناق&;:
_ونيروز &; أنا عايزة أطمن على نيروز!! .
_هطمنك عليها &; صدقيني هتبقى بخير &; بس قومي معايا عشان انت&; شكلك تعبان &; وفريدة برضه محتاجة حد منكم دلوقتي في الوضع ده!
ربما وجدها أمانه لم يوصيه عنها "عز " كما أمانته الذي تركها &;العمل! &; نظروا ناحيتها بترقب&; وفي دعم لرحيلها فهي الأخرى نفسيتها لا تتحمل كل ذلك! &;يكفي ما تعانيه &; وبقرار لا تعلم من أين جاء &; نهضت وخوفها على شقيقتها يضغط عليها بقوة&;. ورهبة &; تهاب فعل شىء جنوني مفاجئ كما حدث منها أكثر من مرة &; بينما الأخرى قد تخطت كل هذا ور&;فض قدومها خوفا من انتكاسها !!
اقترب من عمه ومال يطمئن فأومأ "حامد" له بهدوء&; وشرود&; قطعه ما أن أخبره بعجالة&; :
_هنزل أوقفلها تاكسي يا عمي وهرجع علطول .
وافقه وخرج صوت "دلال" الضعيف ولم تغيب قدرتها على الإنتباه الشديد:
_ربنا يصلح حالك يا بني &; وديها دي شكلها هتقع مننا واحنا مش ناقصين!
وافقها "آدم"سريعا&; وهو يأخذ الهاتف وسار برفقتها &; أما هي فسارت بتمهل&; بسبب تعبها وهو يراقب سيرها بقلق&; لاختلال توازنها &; فيما خرج رد"فريدة" عليه في الهاتف فأراد اطمئنانها &; بينما زفرت "دلال" أنفاسها بصوت عال&; وعقلها الآن وقبل الآن ليس مع من بالداخل بل مع من في قسم الشرطة بوضع&; مجهول فقط ما جعلها تهدأ هو رحيل "بدر"و"حازم" لهما بسرعة!
________________
عقارب الساعة تمر عليهما وهما بالداخل حيث نصف ظلام هكذا بين رائحة كريهة وأوجه توحي بالإجرام &; رفع "غسان" رأسه ورغم انه يعلم بٱن الهاتف أ&;خذ منه ولكنه تفحص جيبه من القلق الذي يتٱكل بروحه&; وصدره الآن &; نظر ناحية رأس شقيقه التي تستند على ذراعه ووجده قد غفل وغفى!
إقامته في المستشفى كطبيب تجعله لا يغلق عينيه طوال الليل وجاء في صباح اليوم ولم يغفل حتى ولو ثلاث دقائق &; علامات التعب والإرهاق والسواد أسفل عينيه ظهر بشدة&; عليه في هذا الحال &; هواء بارد &; وأرض رطبة تخرج برودة عكس طبيعة الجو في الخارج .
كعادته دوما&; &; القلق رفيقه على كل من ان جعله الشيطان يرسم سيناريوهات أخرى &; نفضها وهو يبتلع غصته خالعا&; سترته رغم شعورة بالبرد &; كي يغطي شقيقه الذي وكأنه غاب عن الدنيا بمثل هذا الثقل &; لم يكف عن مواساة شقيقه على زوجته إلى أن أ&;نهك هو الآخر وغفل!
وضع سترته على ذراعي شقيقه المكشوفتين وربت على رأسه بحنان&; وهو يزفر أنفاسه &; مسح "غسان" على عنقه بتعب&; ناظرا&; في هذا الفراغ بقوة&; محدقا&; به هكذا إلى أن وجه له شاب من نفس عمره تقريبا&; علبة السجائر مفتوحة مبتسما&; وكأن الحياة تضحك له مرددا&; له بغمزة خفيفة :
_ شد &;روق بالك !
طالعه "غسان" بصمت&; ونظر نحو الفراغ مرة أخرى دون أدنى رد في حين صمم الآخر تقديمها له بقول:
_مد إيدك يا صاحبي &; وشوفني ..بعرف أساعد علفكرة!
نبرته سوقية إلى حد كبير &; قلب "غسان" عينيه من عليه متحدثا&; بزاوية فمه بسخرية&; تكاد تكون مسموعة:
_ كنت عرفت تساعد نفسك!
_ما انت حلو وبتعرف تتكلم أهو &; بس هو انت ايه دراك اني هنا غصب&; &; انا داخل في مصلحة وخارج علطول وضامنها .
غمزه و تفوه بذلك ثم نظر ناحيته بتفحص&; لملابسه وعاد يردد:
_شكلك ابن ناس يا باشا &; أنا غرضي سليم &; ليك في السليم&;
طالعه "غسان" مشيرا&; ناحية رأسه بفظاظة&; وأفق قد ضاق بسبب ما رآه:
_بقولك ايه يا جدع انت &; حل عن دماغي &; أنا لو ليا في السليم كنت جيت هنا عشان تاخد نصيب من كلامي&;&; اتك على العقل عشان مش فايقلك الساعة دي!
هل استخدم طريقته للتو &; ضحك الآخر بخفة&; وأخرج اللفافة يضعها بين يدي "غسان" الذي لم يرفض بل وضعها بين شفتيه فأشعلها له الآخر وهو يرد :
_مع انك جاي عليا بس عجبتني! &;و لسه برضه عايز أساعدك &;أنا هنا بقلب رزق &; وانت شاطر وفاهمني!
تولى زمام الأمر في ش&;رب اللفافة الذي أخرجها من فمه مع خروج الدخان ونظر له بسكون&; لبرهة ثم عاد يهبط عينيه ناحية بنطاله فإبتسم من زاوية فمه وفهم لم&; الجلوس هكذا بجانبه!
طالعه الآخر بصمت&; فمال "غسان" عليه مرددا&; بنبرة&; منخفضة:
_طلع اللي دخلت بيه &; محتاجه!
فضحك الثاني &; وغمزه وهو يقترب وكأنه يعانقه بعدما أخرج الهاتف يضعه في جيب السترة التي على شقيقه وتحدث وكأنه يرحب به بحرارة&; ثم همس مرددا&; :
_ما كان من الأول يا معلم!
نظر "غسان" له وهو يضع الهاتف في جيب السترة &; حتى فاق"بسام" بسرعة&; فوجده يعانق شقيقه كي لا يلفت أنظار عكسري يقف أمام الباب الحديدي &; فعقد حاجبيه متساءلا&; بصدمة&;:
_مين ده يا غسان &;وماله بيحضنك كده ليه&;
خرج هذا الشخص من أحضانه&; &; وبرقت عدستيه وهو يضرب كفيه ببعضمها وكأنه اكتشف شىء ثمين للتو:
_اللهم صلي على النبي &; دا انتو تون!
لم يرددها بالكامل &; تمسك "غسان" بسترته فيما تحدث"بسام" يصحح له:
_قصدك توينز &;
_يا جدع تون &; توأم يعني &; انت ملكش في العلام ولا ايه&; دا انت شكلك ابن ناس يعني!!
ابتسم"غسان" بخفة &; هناك هموم ت&;ضحك وأخرى ت&;بكي &; نظر إليه "بسام" ببلاهة ثم تعمد التصحيح له :
_اسمها توينز حضرتك..لسه في حرف الـ&;
بتر قوله "غسان" عندما وكزه في ذراعه كي يصمت وابتسم للآخر مرددا&; يجاريه كي يفعل ما يريده:
_انت صح &; احنا فعلا&; تون &; قوم بقى شوف شغلك.
همس له قبل قليل بما سيفعله &; لذا أشار ناحية عينيه ونهض يلهي العسكري&; في حين مال "غسان" ناحية شقيقه وهو يعطيه السترة في يديه هامسا&; :
_خليك هنا على ما أرجع &; عشان محدش ياخد باله!
لم يعطه فرصة للاستفسار بل تركه ونهض يقف بركن بعيد كي يدون ويطلب الرقم الذي يحفظه &; وفي الخلفية جحظت عيني"بسام" خوفا&; من أن يراه أحدهم في&;عاق&;ب! &; ابتلع ريقه ناظرا&; نحو الآخر وهو يلهي العسكري بحديث فارغ يحاول به وفيه المراوغة! &; تلمس سترة شقيقه ثم نظر ناحيته فوجده عاري الكتفين والذراع &; فإبتسم على ما فهمه الآن &; فحتى في أصعب الأوقات قسوة &;كقسوة جو قارص ..ولكن هما بينهما الدفء مستمر على أية حال!
_______________
فرد ذراعيه في سرعة وبخفة&; كي يرتدي قميصه &; الآن هو يبدل ملابسه في شقة "والدته" تاركا&; "بدر" معهن في شقة "حامد" التي جلست بها "وسام" تبكي في أحضان "فرح" فيما كانت "عايدة" في الشقة الأخرى تبدل مفرش الفراش الذي عليه آثار الدماء &; ودموعها على وجهها لا تجف وما بيديها فعله الآن تفعله &; فقد جرت أذيال الخيبة ما لم تأخذ الإطمئنان منهم على حالة "نيروز" على من تعتبر ابنتها هى الأخرى!!
وقف "بدر" ي&;جيب على اتصال "شادي" بعدما وجدهم هكذا وهو في الطريق بعدما أوصل زوجته لوالدها &; طلبته "وسام" ببكاء لم يفهمه وهو عائد لهم فيما لم يفهم شئ فطلب رقم "بدر" مسرعا&; كون البقية لم يجد منهم رد!
فهم المختصر وكان ختام المكالمة الصوتية بينهما مع سرعة قيادته الضعف على الطريق:
_طب اقفل يا بدر &; اقفل وأنا خمس دقايق بالظبط وطالعلك &; متمشيش من غيري انت وحازم.
أغلق الخط على الفور &; فيما نظر "بدر" ناحية شاشة الهاتف بأنفاس زفرها في علو&; &; وأذنيه تلتقط بكاء وأنين "وسام" عندما نطقت بتقطع&; :
_أنا عايزة أخواتي&; عايزة اطمن عليهم &; عايزة اطمن على نيروز &; متمشيش من غيرنا يا "بدر"والنبي!
هناك بجوار"حنان" تجلس"زينات" بأعصاب تركتها وهربت&; فيما نطقت "وسام" بذلك فإقترب "بدر" يقف ناحيتها ونبس بنبرة. هادئة تطمئن حالتها تلك:
_مينفعش تيجي المكان ده يا وسام &; انت&; مش شبهه ولا شبه انك تدخليه بحالتلك دي &; خليكي هنا معاهم وأنا أوعدك اني هطمنك علي غسان وبسام زي ما هنطمن كلنا على "نيروز".
فرفع كفه بعاطفة اخوه يربط على ذراعها مرددا&; في حنو&;:
_متخافيش.
أ&;جبرت على الصمت هكذا ودموعها لم تتوقف عن الهبوط فيما كانت "فرح" لا تختلف عن حالتها قلقها على "نيروز" وخوفها الشديد على "بسام" والدموع التي تسقط تسقط لأجله هو &; مما جعلها تندفع حتى وقفت تطلب من "بدر" بتعلق&; كما الدموع العالقة على وجهها:
_ممكن تطمني على بسام &; ممكن ترد عليا بس لما توصل وتخليني أكلمه&; &; أنا خايفة أوي!
لم يلتفت بظهره &; الا بعدما وجد الباب ي&;طرق فإلتفت ينظر لها بشفقة&; من تداخل العقبات عليها وهي هكذا منذ ان رآها..مسكينة!
_ان شاء الله.
هرب من عدستيها وكأن عينيها تجبره على تحمل مسؤولية خروجهم وفي أسرع وقت ممكن! &; إقترب ناحية الباب ووقف سريعا&; ينظر تجاه "زينات"ولأول مرة يثق في وجودها حينما أوصاها ولم ينس قدرتها على ما يريده الآن :
_ احنا هنمشي ومحدش موجود مننا في البيت &; اتمنى تخلي بالك منهم على ما ربنا يفرجها ونرجع كلنا بالسلامة.
كلفها مهمة لم تكن صعبة بالنسبة&; لها ولكن ضاع هذا قبال حديث "حازم" الذي دخل للتو من الباب وطلب بخبرة عمله وما يتفهم حدوثه وما فعله من مكالمات جعلت الأمور تتضح في عينه أكثر بسبب معارفه الك&;ثر في هذا المجال:
_قومي البسي هدومك وتعالي معانا.
بالتأكيد هى من أهم الشهود ان حدث شىء أو ان حدث حركات غدر من الأخرى! &; نظرت إليه "زينات" بسكون&; ثم سألت في توتر&; :
_آجي معاكم&;
حرك رأسه مؤكد&;ا ذلك ووضح في حزم&; وهو يغلق سحاب السترة واضعا&; الهاتف في جيبه أمام النظرات :
_أه &; بنت أختك مش هتسكت وهنحتاجك شاهدة &; انت&; مش موافقة ولا ايه&; عشان أكون فاهم يعني!
حاوطها بعينيه فنظرت ووجدت الإنفعال المبطن بها &; لذا ابتلعت ريقها وضاع كل الثبات التي تتصف به بل خرج رفضها بلهفة&; وقالت:
_لا &; مش قصدي &; أكيد هشهد على الحق&; استناني خمس دقايق بالظبط وأكون جاهزة علطول..عن إذنكم!
تابعها وهي تنصرف فيما نظر له "بدر" بحيرة متسائلا&; :
_هنسيبهم كدة لوحدهم&;
طالعه "حازم" شاردا&; وخرج من بين شفتيه الحديث عنوة:
_هحاول على قد ما أقدر نخرج بيهم النهاردة &; دا لو الدنيا مشت من غير عوء!!
إلتفت خلفه على الفور ما ان هرول "شادي" في الداخل ناحيتها &; فنهضت "وسام" مندفعة ودموعها على وجهها تخبره بنبرتها الباكية على ما حدث &; لم يضعها بين الدموع كثيرا&; بل حول لها مناشف ورقية وهو يحثها قائلا&; :
_اهدي..اهدي يا "وسام" متخافيش &; متخافيش والله&; مفيش حاجة هتحصل . اطمني.
ناولها المناشف الورقية والتفت مع هدوء بكاءها ناحيتهما فوجد "بدر" يحثه برأسه فأومأ موافقا&; وعاد ينظر تجاهها فوجدها تأمنه أمانة لا يضمنها هو:
_اخواتي يا شادي &; رجعلي اخواتي معاك .
وأضاف وكأن بيديه كل الحلول لعقد الأمور التي تحدث واحدة تلو الأخرى :
_ونيروز كمان!!
شقيق ثالث لها روحيا&; &; تشبتت بعينيه تأمنه للمرة الثالثه وهو أمام هذه المسؤولية يجهل عن الكثير فقط حرك رأسه بثقل&; والتفت كي يسير بعدما حثهن :
_خلي بالكم من نفسكم على ما نرجع &; متفتحوش لحد طول ما مفيش راجل هنا معاكم &; ماشي &;.
وافقته "فرح" بصمت&; قاسي على فؤادها &; غياب الاثنان بمثابة كسر كبير لموضع القلب الذي يدق لأحدهما الآن &; فيما هزت "حنان" رأسها توافق بقلة حيلة اتسمت بها في هذا الموقف..
لم تمر ثوان&; الا وقد أغلق "شادي" خلفهم الباب &; ووقف أمام الشقة معهم ينتظر "زينات" &; وصوت هاتفه يعلو الآن &; وضع يديه في جيبه وعقد حاجبيه ينظر تجاه هذا الرقم المجهول الغير مدون &; ولكنه لم يتوقف كثيرا&; &; وطبيعة الموقف جعلت "حازم"و"بدر" صامتان بمتابعة بل خرج منه هو الحديث حينما قال مفسرا&; معتقدا&; بأنه رقم بدون عنوان في العادة يدق :
_دا رقم غريب &; مين ده&;
تساءل في العادي وكأنه يسأل حاله &; طالعه الاثنان بصمت&; ونفذ صبر "حازم" حتى دق جرس الشقة لتسرع الأخرى فيما رد "شادي" على الهاتف قائلا&; للرقم المجهول:
_ألو..مين معايا&;
كان يحفظ رقم صديقة &; الرقم الوحيد الذي يحفظه من قبل حفظه لرقم "نيروز" &; ابتلع "غسان" ريقه على الناحية الأخرى وعلم أنهما لم يلبثا إلا قليل وسيعلم "شادي" منهم والذي يعلم كل شئ دوما&; في غيابه &; فخرج رده المنخفض عليه:
_أنا "غسان" يا شادي &; قـ..
_غسان!!!
كان هذا قوله الذي جعل "بدر" يندفع للوقوف جواره هو و"حازم" تزامنا&; مع فتح "شادي" مكبر الصوت مع حديث "بدر" المسرع :
_اطمن يا "غسان" &; احنا جايين في الطريق أهو &; متخافش عـ..
لم يتركه يكمل بل وضع يديه على عنقه بتعب&; وخرجت اللهفة رغما&; عنه وهو يتساءل بسرعة فائقة بتر بها قول الآخر :
_طمني على "نيروز" يا بدر &; نيروز فين&;&; بقت كويسة&;&; .
توقف الثلاثة عن الرد بعجز&; فيما خرجت نبرته المختنقة وهو يتوسلهم ولأول مرة يرونه هكذا :
_رد عليا يا شادي &; طمني يا بدر عشان خاطري &; "نيروز" كويسة&;&; فاقت وبقت كويسة صح&;
لم يعطهم الفرصة ورغم ذلك انفعل فتعالت نبرته أكثر من السابق ورددد:
_حد يرد عليا &; انتوا ساكتين ليه&; مراتي حصلها ايه&;&;
لم يعلم أي منهم بأنهم سيصبحوا هكذا أمام هذه المكالمة التي لم يكن مرتب لها أبدا&;&; حينها قبل ان يؤهل أحدهم نفسه للرد &; جاءه الرد من انتشال "زينات" الهاتف من يد "شادي" وتلبسها حالة الثبات الذي أدهش الثلاثة حينما رددت في هدوء عكس القلق الذي في داخلها عليها :
_مراتك فاقت وبقت كويسة متقلقش.
لم ينتبه بأن هذا صوت من أكثر الأصوات الذي يبغضها &; لذا أكمل وكأنه يحدثهم هم وردد في غير ثقة :
_طب هاتهالي &; خليني أكلمها كدة يا شادي&;..
كان سيسترسل أكثر وما أوقفه وجعله ينتبه هو حديث "حازم" له:
_نيروز نايمة &; ركز معايا يا غسان الأول كدة قبل أي حاجة .
انتشله من شئ لشىء آخر &; انتقل لمحطة الانتباه فيما حدث حينما سأله "حازم":
_قولي مين كان حاضر كل حاجة من الأول خالص &; مين كان موجود من بداية اللي حصل وتقدر تاخده شاهد يكون ثقة في نفس الوقت &; سامع&;..سامعني&;&;
وأضاف من تقطع الاتصال:
_انت معايا&;&;
شرد الآخر بتفكير&; ونظر بخفة&; ناحية من ساعدة وهو يلهي الآن العسكري &; فعاد يهمس بتذكر&; :
_سلطان &; الحج سلطان بواب العمارة ..
وأضاف بما كان يهدد به الأخرى سر&;ا &; حينما هددته في جعله يلبث هنا دون رجوع &; والتحذير الذي كان قبل قدوم سيارة الشرطة &; احتدت عينيه حينما جاء محور الحق ورده بطريقة تختلف عن طريقة حدة الشباب في كل مرة &; الآن حيث طريقة القانون &; أخذ أنفاسه واعطاهم دليل قبل البحث عنه أو طلبه كي ي&;سرع حتى يخرج لما ينتظره:
_خد مفتاح المحل يا "بدر" من أوضة أبويا &; وشغل الكاميرا وفرغها هتلاقيها مسجلة كل اللي حصل .
فتحت الأفواه في مفاجأة كيف غاب عن ذهنهم هذا &; أم ان صدمة ما يحدث لـ"نيروز" تؤثر!! &; هرول "بدر" ناحية الداخل فيما لم يغيب عن بال الآخر التفاصيل حينما حثه قبل ان يتورط بدون تورط من الأساس!:
_ حازم ..متنساش يا حازم انت ضربتها بالقلم.. شيل كل ده &; بنت الـ*** دي بتحاول تمسك أي حاجة عشان تعمل منها موال!
كان هذا قوله الأخير قبل أن يخفي الهاتف بسرعة عندما وجد الحارس ينظر بتفقد&; فأخفاه بعدما سمع صوت صفارة من شقيقه جعلته يجلس متصنعا&; الانشغال في أي شئ حوله!!
ق&;طع الاتصال &; فرأى "شادي" هذا وعلم ما يمكن حدوثه آنذاك هو و"حازم" الذي ردد على الفور:
_كويس &; كل ده هينفعنا لو هي أصرت على اللي بتعمله &;ساعتها مش هيبقي في رحمة لو "غسان" متنازلش عن حقه هناك ليها وسابها تاخد جزاءها قانوني!!
هل هناك خطر قادم بالنسبة للأخرى&; &; تابعته "زينات" بصمت&; فيما خرج "بدر" مسرعا&; بعدما التقط المفتاح وأشار لهم بقول:
_يلا.
ساروا خلفه وف&;تح لهم المصعد حتى ركبوا به وبدأ في الهبوط ومعهم تلك التي تهاب حدوث شىء للتي تعد زوجة ولدها &; ماذا عن "أسماء" بريئة في هذه المعضلة ولكن هناك معها وبالقرب منها أخرى تريد محو هذه البراءة!!.
دقائق بسيطة جعلتهم الآن في محل الورد لفعل المطلوب فيما وقفت "زينات" في الخارج بإرتباك&; والعجالة تلبسها الآن على أشياء كثيرة &; فها هو القلق يوفي بالغرض ويحقق لها ما تفكر له عندما جاءها إتصال من "فريدة" ففتحت سريعا&; بلهفة&; :
_أيوة يا "فريدة "&; ايوة يا حبيبتي
على جهة&; أ&;خرى&; تتمسك بالهاتف في خوف&; أصبح سهل ظهورة بعد عناء &; عينيها تلمع وهي تسأل للمرة التي لا تعرف عددها:
_أيوة يا ماما &; طمنيني على "نيروز" فاقت ولا لاء&;&;
_لسه معرفش عنها حاجة والله&; يا فريدة &; بس ادعي &; ادعي وان شاء الله هتكون كويسة &; خلي بس بالك من نفسك ومتخافيش مفيش حاجة يا حببيبتي!
تحاول إرسال الاطمئنان لها فلم تتوقع نبرتها الباكية وهي تتشبت بين ذراعي "جميلة":
_أنا خايفة أوي يا ماما &; خايفة على نيروز&; عشان خاطري لما تعرفي اي حاجة طمنيني أنا وجميلة علطول بالله عليكي!
وأضافت بوعي&; وقلق:
_وأسماء يا ماما &; أسماء فين دلوقتي &; رجعت معاهم ولا هما لسه هناك &;
زفرت "زينات" أنفاسها بهدوء&; ووضحت لها بنبرة هادئة كي يغمرها الأمان:
_أنا راحة لأسماء وان شاء الله ترجع معايا &; اطمني بس وادعيلهم&; كلهم محتاجين الدعوات يا "فريدة" والله&;.
أرادت إغلاق الخط حينما شعرت بأحدهم خلفها فوجدته "حازم" الذي تحدث مع البواب كي يأت&; ووافق بالفعل لأجل خاطر "حامد" المحبوب بين السكان والمعروف بأدبه واحترامه هو وأولاده! &; دائما&; ما يقال أنه هو وعائلته لا يليقان على الطابق الثالث بتاتا&; &; لا يليق به جيرة عائلة "الأكرمي"!!
أغلقته على الفور &; فوجدت "حازم" يركب سيارته مع "سلطان" وهو يشير لها بيديه بسرعة فيما خرج بعد قليل "بدر" مع "شادي" الذي أغلق المحل واقترب يفتح سيارته كي يسير بها مع الآخر خلف سيارة "حازم" الذي كان بها مع"زينات".
سيارات هناك وأخرى تقف هنا &; وتزامنا&; مع هذا السير &; توقفت سيارة وهبطت منها وهي تسانده برفق&; وعلى ملامح وجهها العبوس من تأخر ابنتها كل هذا الوقت فخرج منها قولها الذي ظهر به الضيق وهي تخرج مع ولدها موجهه للسائق الأموال بخفة&; من الشرفة وهي تنحني:
_مش عارفة أختك اتأخرت ليه كل ده &;ايه بتجيب الهدوم من باريس&; &; دا حيالله كنا عايزينها عشان نعرف نخرج وفالآخر أخرج بعكازي اشتريلك اللبس عشان نعرف نخرج &; كله بسبب الهانم &; ماشي يا مروة ماشي!!
كلمات متوعدة خرجت من بين شفتي&; "زهور" بتوعد&; &; استند "سامر" ووقف بنفسه بملامح متشنجة&; من الألم والضيق وختم حديثها بقوله المنفعل بخفة&; :
_بنتك دي يامه عايزة الحرق &; سيبيني عليها والله ما سايبها &;مترجعيش بس تزعلي..ما انت&; عارفة ان ميهماش غير مصلحتها وبس بنت الكلـ..
سبها بضيق&; ووقف الإثنان ينتظرا المصعد مع ملامح وجهها المغتاظة وتركته هكذا دون رد فوجع عدم اختيار "أسماء" لها يتآكل بداخلها بقهر&; وحسرة &; لاحظت الهدوء الم&;ريب وعدم وجود البواب فتساءلت مع هذا الهدوء رغم الليل:
_هى الدنيا اسكت هوس كده ليه&;
_الدنيا ليل يامه &; المفروض عايزة الدنيا تبقى ازاي!!!
كان هذا رده بإستخفاف&; وبعدها تم ركوب المصعد بواسطتهما وتوقف ليخرجا بعد دقائق تزامنا&; مع وجود "عايدة" وهي تخرج من باب شقة "سمية" حاملة مفرش الفراش الأبيض والذي بان به بقع الدماء التي جعلت الأعين تتوجه ناحيتها بفضول&;.
فيما كانت تنظر هي بصدمة من وجودهم فعاملتهم معاملة تليق بهم حينما تجاهلت وهي تخرج المفتاح من جيب عباءتها المنزلية حتى تقتح باب شقتها لتضع ما بيديها للغسل &; وتوقعت رد "زهور" الفظ على تجاهلها حينما قالت بسخرية عليها من هذا الصمت:
_وعليكم السلام يا ختي &; كتر السلام بيقل المعرفة مش كدة أومال!.
فلم يخرج سوى همس ضئيل من بين شفتيها وهي تغمض عينيها تتحاشى بأن تتقابل مع عدستيهما :
_استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم &; اللهم طولك يا روح.
فلم تطيق الإنتظار بل التفتت ترفع كفها وهي تحذرهما :
_خليكي في حالك يا زهور انت&; وابنك &; وياريت تاخدي بعضك انت&; وهو تهربوا على أي داهية &; عشان بعد اللي بنتك عملته ده محدش هيسيبكم في حالكم من عيلة البدري &; وبقى من حقهم.!
وختمت قولها وهي تتذكر ما حدث بأعين لمعت من الخوف على من تحمل دماءها في قماش&; بين يديها :
_حسبي الله ونعم الوكيل &; ربنا ينتقم من بنتك!.
اقترب "سامر" في حمقة&; يشير لها بكفه بصوت&; عال&; جعل شقة "حامد" تفتح :
_جرا ايه يا ولية &; هو عشان سكتنالك هتسوقي فيها&;&; &; اختي مين وعملت ايه ما تظبطي الحوار!!
ربطت "زهور" الأمور ببعضهما وعلمت أن غياب ابنتها ليس من فراغ فسألت بعكس حالتها قبل قليل &; سألت بهدوء وداخلها طبول الارتباك تدق بانذار &; ربما حدس الأم :
_مروة!! &;عملت ايه&;&;
تعجبت وسألت سريعا&; &; فيما اندفعت "وسام" من خلفهم ببكاء&; تفسر لهم بحرقتها على الأحدث وأعصابها المنهارة:
_قولي معملتش ايه&; &; هما اللي زيكم بيسيبوا حد في حاله &; واقفه بتسألي بنتك عملت ايه بعد ما اتبلت على اخويا انه اتحرش بيها فوسط الشارع &; هو انت&; مربية بناتك ازاي&;&; نفسي ٱعرف انت&; ورتيهم تربية ولا لأ &;&;..اللي تقطع هدومها في وسط الشارع قدام الرجالة والشباب عشان بس ترمي بلاها على أخويا وتثبت حاجة مش صح تبقى واحدة عمرها ما شافت تربية عشان تنهي كل ده بوجودها في القسم وهى عارفة انها ظالمة..لو بينا وبينكم الجنة عمري ما هسامحكم ..ربنا اللي هينتقم منكم يا عيلة زبالة يا لمامة!
الآن تندفع بحرقة وصراخ &; صراخ عال&; بقوة جعل "فرح" تتمسك بذراعيها كي لا تندفع بتهور لفعل شىء بعدما علمت أن هذه نسخة مصغرة من شخصية "ياسمين" في مثل هذه المواقف &;أو لر&;بما النسخة المتطابقة لحدة الشباب!
هنا والآن تحدث صدمة من ما استمعت له أذن"زهور" مما فعلته ابنتها من تمزيق ملابسها في الشارع والطربق &; والزحام والحشد والفوضى&; &; أشياء كثيرة ليست لها براهين جعلتها تحدق في صمت وصدمة قطعها ولدها &; حينما اندفع "سامر" يرد عليها بغضب&; :
_لمامة مين يا بت&;. انت&; فاكرة نفسك مين بروح امك عشان تعلي صوتك علينا كدة&;&; دا انت&; حتت ع&;ي&;لة لسة بتلبس البامبرز!!
سخر وقلل منها &; فجعل الدماء تصعد إلى رأسها وبرزت عروق رقبتها المكشوفة أمامهم بخصلاتها العشوائية التي تحركت في سرعة وهي تنحني تلتقط الخف"الشبشب" من قدميها مع خروج صوتها المندفع:
_أنا هوريك دلوقتي يا حقير يا واطي اللي لسه بيلبسوا البامبرز بيعملوا ايه في اللي علطول متعلم عليهم من عيلة اسمها البدري اللي جزمها على رقبتك انت وعيلتك يا حيوان!.
حليم&; وغضبت هى الأخرى فلا صدمة بعد الآن &; بها طاقة ان خرجت س&;ي&;قتل هذا الذي يتصنع الرجولة! &;تفاجئ من هجومها وبالفعل ضربت رأسه بالحذاء الذي بين يديها وتوقفت عن ذرف الدموع فيما كان يحاول منعها وتمنعها هى الأخرى "فرح", الباكية هى ووالدتها و"عايدة" وحتى "زهور"&; وصوتها الصارخ به لم يتوقف إلى هنا بل زادت وهي تقوم بضربه بقولها العالي الذي جعل الطابق الذي فوقهم يهبط منه رجلان وامرأه وشابة من نفس عمرها تقريبا&; :
_أنا بنت راجل واخت رجالة يا معفن &; يعني يوم ما تفكر تيجي عليا تفكر ألف مرة تربية الرجالة بيعملوا ايه في اللي بيجي عليهم وعلى اللي منهم &; دا تربية الرجالة يعني اللي عمرها ما عدت عليك لا انت ولا اخواتك العرر يا مقرف!.
خ&;دشت جبهته فرأت دماء خفيفة عليها لا توحي بالخطر فحاولت أن تكمل لولا دفعه لها فسقطت على الأرض على الفور وحولها "فرح"ووالدتها و"عايدة" فيما كان سيتهجم ليهبط لمستواها حتى منعه الرجلان بقول أحدهم الصارخ به كي يهدأ:
_" ايه&;&; هتمد ايدك على بنت&; اهدي كدة وشوف طريقك &; مينفعش اللي بيحصل ده!".
استندت "وسام " عليهن لتقف حتى وقفت تأخد أنفاسها وهي تنهج قبال غضبه من الذين يمنعونه &; فتوقف في حرب نظرات معها انتهت للتو بقولها التي تتعمد التقليل فيه منه :
_يلا روح &; روح المستشفى تاني وابقى ارجع المرة الجاية على الرجالة اللي مربيني عشان يتعلم عليك منهم &; ما هو ده أخرك ..
جابت كل ما تدخره &; حينما انهتها وهي تبصق علي وجهه وأكملت قولها التي ختمت به كل ذلك:
_أخرك الفاضي يا فاضي يا بن الفاضية!
اتجهت بعدها تدخل الشقة وخلفها هرولت "حنان" لها فيما وقفت "فرح" تنظر بحدة&; من بين الدموع ومن ثم اتجهت مسرعة لهن &; حتى "عايدة" هرولت هى الأخرى خلف "وسام" التي وقفت بعد دخولهن والتفتت تصفع الباب في وجهه هو ووالدته التي وقعت ثم نهضت بفعل مساعدة السيدة وابنتها فإستندت مرة أخرى على عكازها وهي تنظر في خيبة&; ومفاجأة لكل ذلك أما هو فصرخ ناحيتها ما ان وجدها تبحث عن المفتاح :
_انت&; بتدوري على ايه&;&; بتقولك بنتك المحروسة في القسم!! انت&; واعية &;&;. بنتك الق&;لة اللي قطعت هدومها قدام الرجالة في القسم يامه &; فــوقي!
حاولت أن تكذب الأخرى &; كي لا تنصدم مرة أخرى في تربية بناتها &; توقفت في صمت وأعين لمعت في خزي&; من ما توصلت إليه &; فإنتشل يديها في عجالة&; كي يفهم الأمر وينقذ شقيقته من أقرب قسم وهتف وهو يسحبها ناحية المصعد :
_يلا يامه&; يلا نروحلها القسم نشوف هببت ايه دي كمان! &; مش وقته صدمات ..بنتك لو وقعت في ايدي بعد اللي قالته البت دي وطلع صح ..هعدمهالك العافية!
لم يغيب عن باله قول الأخرى بتمزيق الملابس وخوضها في عرض نفسها أمام الجميع كي تظهر بأنه المتحرش! هذه نقطة وكفة ميزان أخرى لديه ولدى تقاليده الذي يتسم بها خداعا&; &; فأقل ما يقال عنه هو..شبيه الرجل وليس الرجل ذاته الذي من المفترض بأن يتسم بهذه العادات!!
_________________
الوقت الذي يمر عليهم وهم في محاولة لجعلها في أمان &; والتوتر سيدهم &; هذه الحالة لا تختلف عن حالة "غسان" عندما كان أيضا&; بين الموت والحياة في غرفة العمليات&; بينما هى&; لا أحد يعلم ان كانت هى بين الخطر والموت والحياة أم صغارها &; على الأغلب صغارها صحيا&; ونفسيا&; لها وعليها هي كما جسديا&; .
تم بعدهم عن المكان فجلست "سمية" في الغرفة ومعها "ياسمين و وردة" وبجوارهما "حامد"و"آدم" &; فكان "حامد" الآن يرى أن هذه المسؤؤلية لا تليق بهروبه من هنا كما هرب من قبل &; فحاصر نفسه بين هذا الحق التي تأخذه منه "نيروز" روحيا&; ومعنويا&;وظل رغم تعبه من هذا المكان والوضع وانتظر ..
لم ينتظر هكذا بل الآن وفعليا&; وهو على سجادة الصلاة أمامهم لضيق المكان وعدم اتاحه غرفة أخرى &; والمساجد الآن مغلقة!
لمعت عينيه وهو يرفع كلا يديه أمامهم على السجادة ليدعو سر&;ا
فيما كانت الدموع حاضرة لا تغيب عن وجه أي منهم حتى " ياسمين" &; وكان "آدم" معهم ومع الأخرين في الهاتف ما بين "فريدة" التي تركت وصيتها لوالدتها عندما قالت لها بأن تطمئنها حينها كان لا يرد "آدم" والآن رد عليها ومن جهة أخرى يهاتف "بدر" الذي انهى المكالمة وهو يخبره بنبرة&; سريعة :
_&;خلاص إحنا نازلين أهو وداخلين القسم &; لما نقعد مع الظابط ونشوف الدنيا نظامها ايه &; هرن عليك &; متنساش تطمن عمك وخلي بالك على ما نرجع ..سلام!&;.
كان هذا قوله الأخير ثم انهى المكالمة ونظر موضع "حامد" فوجده يسجد على الأرض وما بيديه فعله يفعله ولا يبخل &; يتأكد فقط من فكرة ان الدعاء يغير القدر! &;وقف يحمل زجاجة المياة واقترب بها من زوجة اخيه حتى فتحها لها برفق&; وحثها بهدوء:
_امسكي اشربي يا وردة&; بلاش عياط وحياة "يامن" عندك &; قومي اغسلي وشك ده وخدي نفسك براحة!
نهضت بالفعل &; فقد رأى شحوب وجهها تركت الزجاجة ونهضت تغسل وجهها فقدم الزجاجة من "سمية" وابتسم ابتسامة صغيرة يطمئنها :
_اتفضلي اشربي يا ام وردة &; ومتخافيش والله العظيم نيروز هتبقى هتبقى كويسة أنا حاسس بـ ده &; بس بلاش اللي بتعمليه في نفسك ده &; حضرتك لسه عاملة عملية من فترة وكل اللي بيحصل ده حمل وضغط وغلط..أظن بنتك لما تفوق مش هترتاح لما تشوفك كده ..سمي الله وخليكي واثقة في ربنا.
تنهدت "س&;مية" تخرج أنفاسها بثقل&; وردت في بحة صوت من التعب والإنهاك لأمله وابتسامته الهادئة الآمنة التي وصلت لها مع رسالته:
_ونعم بالله &; الله يطمنك ..الله يطمنك يا بني &;بس ده الضنا &; الضنا غالي &;والله ما معترضة انا بس خايفة على بنتي &; عايزة بنتي تبقي بخير وأي حاجة تانية تتعوض..يارب..يارب نيروز غلبانة وشافت كتير &; متخسرنيش فيها ولا تخسرها يارب!
تردد الشىء وعكسه أملها في ابنتها وأمل ابنتها في صغارها وهذه هى الحياة!! &; ربما الخوف المرتبط بفطرة الأم هو ما يجعل الحياة بها ذرة من الخير &; خوف نقي &; إذن هناك أمان ! هناك سند ..هناك دفء وانتماء&; &; هناك أ&;م!!
أ&;م صغارها في خطر &; أم تحملت الكثير من العقبات &; أم تمنت بأن تصبح أم على خير لتلتقي بصغارها هى وزوجها على خير &;فلم تقف معهما الحياة في هذه &; ظ&;لمت &;. وك&;رهت بسبب خصالها دون أن يفكر أحد بأن حياتها القاسية جعلتها هكذا &; جعلتها تقسو في أشد الأوقات كي لا ت&;ظلم من جديد..
"نيروز" &; تعني الوردة المتفتحة &; تعشق الورود كثيرا&; &; ولكنها ان كانت وردة فلم تكن متفتحة طوال الوقت &; دائما&; ما ت&;غلق بأسباب مفاجئة &; فلم تتفتح للحياة والشمس وأمل الحياة كل يوم &; على الأغلب تنطفىء كثير&;ا. وتعاني أكثر وكل ما كان يهمها كمسكينة هى راحة الأيام ..راحة البال والقلب &; هدوء الحياة &; دفء في منزلها الصغير &; اكتمال عائلتها الصغيرة دون خسارة!
كحلم أي فتاة &;ولكن هل سيظل هذا الحلم أم سيضيع منها كما ضاع منها الكثير وتحملت &; هل ستكون هناك طاقة &; &;أسئلة كثيرة أجوبتها ليست الآن &;. أجوبتها بعد وقوف الطبيب وبجانبه الممرض وهم في لهفة&; تحولت إلى خوف ورهبة ما ان ردد الأول :
_مش هقدر أفيدكم بحاجة &; احنا بنحاول عشان متطلعش بأقل الخساير فحتى لو هى طلعت هى وحملها بخير هتحتاج معاملة تانية وراحة بدون حركة..احنا دلوقتي محتاجين حد يتبرع لها بالدم في أسرع وقت وفصيلتها نادرة مش موجودة في المستشفي &; حد هنا نفس فصيلة دمها&;&;
أقواله الم&;قلقه لم تتركهم للتوتر بل أدخلتهم في عقبة وخوف آخر دون راحة ولم تنتظر "وردة", الافصاح عن مسمى الفصيلة التي تعلمها هى ووالدتها وشقيقتها التي هتفت تزامنا&; مع قولها الذي خرج بنفس الوقت فكان كالآتي:
_وردة.
_أنا..أنا نفس فصيلة دمها !!
الأول قول "ياسمين" بإندفاع وأعين حمراء &; فيما هتفت "وردة" بالجملة الثانية في لهفة&; شديدة &; والمشهد يعاد مع آخرون غيره وغير شقيقه &; اندفعت تسير خلفهم بعدما حثوها بذلك فيما أسرع "آدم" خلفها ليكن برفقتها تحسبا&; اذا حدث شىء &;فينا ارتعش جسد "سمية" من عزم الخوف وأمسكت موضع قلبها في بكاء&; وهي ترفع عينيها كعلامة للدعاء والتوسل في حين عاد "حامد" يدعي أكثر ونفس اليقين لديه بأن ان كان هناك شىء فالدعاء سيمنعه والله قادر على كل شىء &; ظل يردد هذا وبجانبه على المقعد بعدما جلس يصلي جالسا&; من التعب &; كانت تجلس زوجته الذي ربت على كفها بدفء&; &; فسقطت دمعتها وهي تهمس له بوجع&; :
_نيروز غلبانة يا حامد ..غلبانة هى وابنك ومش حمل خساير &; ادعيلهم ..انت ربنا بيحبك يا حامد..متبطلش دعا عشان خاطر ابنك!
وثقت به فتأثر من قولها وسقطت دمعته على كفها وهو يتمسك به بقوة&; فعادت تردد بتحشرج&; :
_بس أنا كبرت برضه زي ما بتقول &; تصدق&; تصدق اني بقيت كبيرة وقاعدة اضحك على نفسي وعليك وأقولك لا أنا صغيرة &; &; أنا مش عايزة أصغر.. بس ابقى جدة وابني ميخسرش يا حامد!!
لم تتوقف آنذاك رغم عدم ترتيب الحديث بل بكت وهي تردد بنفس الهمس المنهك وهى ترفع عينيها لأعلى:
_يارب خد من عمري واكتبه للي في بطنها &; أنا راضية &; راضية بس قلبها وقلب ابني ميتكسرش يارب!!
فطرة الأم هنآك ما لا تريد الخسارة في ابنتها وهنا أخرى لا تريد الخسارة لولدها !, تمسك بكفها يحرك رأسه بتعب&; فربتت على كفه كي يخرج بالحديث الذي تقطع به وهو يرفع رأسه كعلامة للدعاء أو التحدث لربه:
_انت حبيبي يارب..حبيبي وكل اللي يجي من حبيبي أنا راضي بيه..الحمد لك حتى ترضى..اللهم لا اعتراض!
رددها ونهض ي&;كبر وتركها من جديد &; فمسحت وجهها في محاولة&; لأخذ أنفاسها وعادت تنظر فوجدت "سمية", تستند برأسها على كتف"ياسمين" التي اخرجت هاتفها تفتح به المصحف حتى تقرأ بنية شفاء شقيقها وخروجها سالمة معافة هى وصغارها الم&;هددين بالخطر!
________________
أصابع تطرق المكتب بشكل متواصل في الانتظار ولولا واسطة "حازم" السريعة لم&; كانوا سينتظروا الضابط المسؤول عن هذه الفوضى&; &;. نظراتهم لبعضهم توحي برهبة المكان &; ولكن ما لديهم ليس الرهبة بل الخوف على من تركوها وجاءوا &;والخوف على من بالداخل أيضا&; &; آخر ما تم ذكره من بين شفتي أحدهم أو أكثرهم حضور بطبيعة عمله :
_هاتهم يا بني من الحجز.
أعطاه البطاقتين الخاصتين بـ"غسان"و"بسام" وكلف آخر بحضور "مروة"و"أسماء" &; فيما جلست "زينات" بقلق من رهبة هذا المكان وهى تتمسك بهاتفها بين يديها ولأول مرة تجرب شعور الخوف الصادق على "نيروز" على الرغم من انها لم تسامحها بعد! ولم تتلق&; منها قول المسامحة التي تتلهف لسماعه في كل مرة تظهر بها أمامها..
كانت تتابع حديث الضابط اللبق مع"حازم" وما جعل الأمر أخف أنه على معرفة سابقه به &; فإطمئنت ولو بقليل&; فيما تابع"شادي" الحديث هو و"بدر" &; ودخل من الباب العكسري الأول يخبر الضابط بقدوم الفتاتين! &; فأشار لهما بالدخول فآتي بهما وخرج &; حينها خفق قلب "أسماء" وركضت ما ان رأت خالتها تقف بإندفاع&; وهي تردد بإسمها بتلقائية خرجت من لهفتها عليها وخوفها المصاحب لها عليها منذ ان أ&;خذت ظلم!:
_أسماء!!
اندفعت في عناق&; تحتاجه الآن وبقوة &; وبكت بصمت&; وهي تبتلع غصتها &; حتى شقيقتها التي توجد معها لم تشعرها بالأمان التي افتقدته وجاء لها بصورة عناق خالتها أو "والدة زوجها"!!
على الرغم من ان الأخرى أحق بإعطاءها ذلك &; ولكنها شعرت بالغربة هنا &; والحسرة مع الخزي ولأول مرة تردد بينها وبين ذاتها الفقيرة من الإحتواء بأنها لا تتمنى بأن تكون الأخرى شقيقتها&; أمنية ليست بمحلها أبدا&; ومستحيلة التحقيق..&; بكت وشعرت بالوحدة وما أصعب ذلك الشعور على المرء في أشد أوقاته لم تسمع الأخرى ما تردده ببكاء&; ولكنها رددت بلهفة&; توقف هذا بوجع&; لها :
_متخافيش..متخافيش يا حبيبتي أنا معاك&; أهو &; مش هسيبك!
هذا ما كانت تريده ولكن ليس منها هى بعينها! &; نظرت "مروة" بسخرية&; ولوت شفتيها بتهكم&; وشعرت بأنها عرضة للمراقبة وبالفعل وجدت نظرات الكره والانفعال المكتوم من كل&; من "بدر"و"شادي"وحتى "حازم" التي وبمجرد ما ان رأته تلمست وجهها في غل&; وفي داخلها تعتقد بأنها ستورط الكثير وهى الفائزة ولن يخسر أحد سواهم!
استندت على جانب&; بعدما وجهت لهم نظرة توحي بالكره المتبادل &; فيما طالعت "زينات" بأعين ضيقة تراقب تعابيرها ما ان كانت ستقترب ام لا&; وكي لا تثير الشكوك في رأس الضابط &; فعلت بأصلها واقتربت تتفقدها بنظراتها التي تصنعت بها التمثيل المبالغ به وارتمت في أحضانها واستطاعت بأن تذرف الدموع التي صدمت البعض وهي تردد ببكاء&; زائف :
_شوفتي ..شوفتي يا خالتي خدوني وظلموني وبهدلوني ازاي &;حسبي الله &; والله ما مسامحة..مش مسامحة أبدا&; كل اللي ظلموني وجم عليا.
ابتسم "شادي" بتهكم&; مخفيا&; كل الإنفعال كي لا يكبر حجم الأمر عن ذاته فيما خرج صوت "حازم" تزامنا&; مع طرق الباب للاستئذان بدخول "غسان وبسام":
_صادقة ..لا صادقة أوي&; متقلقيش يا بنت عمتي أنا واقف في ضهرك وهرجعلك حقك &; معاك&; راجل!
تفاجأت من حديثه المتصنع والكل يعلم مدى مصداقية النبرة الذي ردد بها كي يوقف رميها للتهم &; فدخل من الباب "غسان" و"بسام" &; دخل وهو يغلق سحاب سترته وعلى وجهه هربت التعابير بل حل محله الجمود &; الجمود الغير مفهوم حتى وان كان الآن بين ذراعي "شادي" الذي ربت على ظهره بقول:
_متقلقش يا غسان &; شدة وتزول والكل عارف انك صاحب حق&; وان مجاش أجبهولك لو فيه دمي يا صاحبي.
تلبسته الحمقة في آخر قوله لصديق أيامه&; فأعطاه "غسان" بسمة صغيرة لم تصل لعينيه ورحب بـه "حازم"و"بدر", بعدما انهوا الترحيب بـ "بسام" الذي خرج من بين ذراعي "شادي" الذي أراد التخفيف عنه وعن أرقه فمازحه كي يرى بسمته التي لا تقارقه وهو معه دائما&; :
_كفارة يا دكترة!
هل يردد هذا حقا&; دون أن يضمن خروجهما&; ضحك "بسام" بخفة&; وربت على ذراعه فأشار له بالجلوس ليستريح فجلس بعدما أذن له الضابط بقبول&; &; فيما نظر "غسان" لها بحدة&; تحولت لملامح مبهمة ما ان وجد في وجهه "بدر" فسأله بنبرة&; هادئة لا توحي بشىء سوى البركان الذي أسفل هذا الهدوء:
_طمني على مراتي يا "بدر" &; قولي انها بقت كويسة ومتداريش عني!
هل وجد الرجاء في آخر قوله&; &; هرب بعينيه ونجح ما ان نهض الضابط بخفة&; محاولا&; اصلاح الأمر في نبرة وارت خلفها هذا بقوله الذي خرج للتو :
_طيب أنا هسيبكم هنا خمس دقايق عشان خاطر المتر &; يمكن تتصافوا وكل حاجة تنتهي زي ما أتمنى ان ده يحصل &; وهرجع تاني&; خدوا راحتكم &; المكتب مكتبك يا متر ملناش بركة الا انت!.
علاقاته الكثيرة هى من تنجية دوما&; &; وجدية "غسان"و"بسام" بأخلاقهما المعروفه هما ووالدهما جعلت الحظ يحالفهما بضابط بشوش الوجه كهذا ..وهذا من النادر حدوثه في هذه المنطقة السكنية التي بها من المباني الكثير ومن الأشخاص أكثر ومن المشاكل والحوادث الأكثر والأكثر!!
ومع إغلاق الباب مجددا&; &; التفت "غسان" وبمجرد ما ان وجدها اللحظة المناسبة &; اقترب في خفة لم يلحظها البعض وخنق رقبتها البارزه بعدما ن&;زع حجابها وبقت بما أسفل الحجاب التلقيدي! &; احمر وجهها مع كلماته المرتفعة قبال صدمة الكل:
_وعرش ربنا اللي ملوش زي&; ما أنا راحمك يا بنت الـ*** يا ***.
بفصل&; سريع على الفور من "شادي"و"بدر"و"حازم" جعلوها تأخذ أنفاسها التي كانت ستنتهى من قبضته الذي اعطى لها ما يكبته فيها &; فخرج قول "حازم" المعنف له:
_اهدي يا غسان &; احنا في قسم وفي مكتب ظابط عامل واجب معانا &; اهدى وسيب كل حاجة وأنا هتصرف.
_تتصرف في حقي&;&;
سألته بإنفعال&; فأكد "شادي" الذي أشار لهم بالصمت حتى يحتويه كما يبرع دوما&; في فعل ذلك معه:
_أيوة يتصرف في حقك هنا &; ولما نخرج تشوف اللي انت عايزه.
ما يجعله يبرع في تهدئة هذا هو أنه يجاريه دون عناد &; وفي المقابل يعلم الآخر هذا ولكن من بين وقت الانفعال لا يريد أي حديث &; عكس ما حدث من كلمات خرجت بغل&; منها ردا&; على قول صديقه الآخير له:
_دا لما يخرج &; زي كدة لما يشوف حلمة ودنه&; انتوا فاكريني هعدي كل حاجة كدة ولا ايه&;&; &; اقسم بالله العظيم ما هسيب حقي ليك يا غسان .. سامع ولا اعيدهالك عشان ممكن تكون ما بتسمعش&;
وفي مرة أخرى كمثل الآن تريد نفس الانفعال وربما أقوى كي يقوى موقفها &; أرادت كما أرادت من قبل وظنت انه سيقابلها بنفس الانفعال من قبل لحظات ولكن خاب أملها وفاجأها ولم يفشل في ان ي&;فاجئها دوما&; &; حتى هذه اللحظة حينما خرجت منه نبرته الثابته وس&;مى البارع في نقل محطات التعابير من وجهه أمام أوجه لا تريد له إلا الضياع:
_أنا عايزك م&;صرة على اللي انت&; بتقوليه ده عشان اللي جاي ليكي مني مفهوش راحة ومتبقيش تقولي براحة..
وأشار يستفزها ليخرج أسوء ما فيها مستخدما&; نفس الطريقة ونقشها بنفس النقاط ما ان أكمل بقية كلماته بكيد&; والذي توقف ولم يكملها :
_عشان زي ما بتقولي.. مبسمعش &; وساعتها مش هسمعك وانت&; راجعة تتذللي!
راقبه الجميع بصمت&; وتركوه يخرج الطاقة الكامنة بداخله تجاهها حتى لا يحدث شئ في الدقائق القادمة &; فلم يكن التالي منه بل سألته هي بتعابير متشنجة أمام نظرات "أسماء" تجاهها بالخزي&; :
_هتعمل ايه يعني!!!
استخفت بقولها هذا قبال عدستيه الداكنة التي تقترب منها قبالهم فلم تسمع سوى.. سوى قول معهود يردده على الأغلب&;:
_لا ما اللي بيتكلم مبيعملش واللي بيعمل مبيتكلمش.
وأضاف في جراءة&; زادت عندما دفع خصلاتها من الأمام لأسفل فتأوت بوجع&; تلقائي خرج قبال حركته الجريئه وهو يكمل بتسلية&;:
_فأنا عايزك تتفرجي وبس!
أمسكت جبهتها بوجع&;. دفعت مقدمة صدره وهي ترد عليه كلمة بكلمة دون ترك المجال والساحة ليربح:
_انت اللي هتتفرج وشهودك دول مش هيجوا حاجة جنب اختي اللي هتشهد معايا!
جحظت عيني "زينات" فيما أشار لها بإستخفاف&; ولكن من رد كان "بسام" الذي اندفع يشير بكفه بغضب&; حاول كبته :
_انت&; عايشة الدور ليه كدة&;&; أومال لو كان اتحرش بيكي بجد كنتي هتعملي ايه&; فاكرة نفسك مين انت&;&;&;
انفعال مهذب لم يتماشي مع رد شقيقه الوقح على جزء حديثه الأول:
_مستنضفش الصراحة&; والمفروض دي تكون حاجة معروفة &; يعني بمجرد ما تقفي هنا تتمسكني اني قربت وحاولت أقرب منك هينكروا ده علطول بمجرد ما يبصوا على الخلقه من غير أي دليل ..
وأشار ناحية الشباب و"زينات" وهو يتساءل بجدية&; :
_بقا بالذمة دي مناظر أتحرش بيها &; دا أنا أموت أهونلي قبل ما افكر أعملها.
لا تملك شكل مقزز لهذه الدرجة لكن أكثر ما يوجع الأنثى هو التقليل من جمالها &; وكانت تمتلك جمال العائلة ولكن على مواصفات تنطبق عليها هى بالتساوى دون الكثرة المفرطة في جمال ووضوح الملامح &; وأكثر رد منفعل خرج منها قبال الكلمات العشوائية بالتوقف عن الحديث فلم تتوقف وردت تحاول ان تهزمه بقولها المندفع بغلو الدماء في عروق أنثى تقلل منها للتو قبال شباب كانت تريد الظهور في أحسن صورة أمام واحد منهم لأجل الزواج منه:
_شوف مين بيتكلم &; اسم الله على مراتك هى اللي ملكة جمال أوي &; انت مش شايف هى عاملة ازاي&; محاولتش تخليها تبص في المراية&;&; ولا اتعميت في نظرك&;
_مش ملزم أفسرلك هى حلوة وعجباني قد ايه! &; اعتقد ده صورم الحريم اللي بيقولوا عليه ولا ايه يا أم حسن&; مش هو ده الصورم برضه&;
كان هذا رده البارد مخفيا&; أي ذرة انفعال خرجت بحرقة على من اختارها الفؤاد ورآها جميلة روحا&; قبل الشكل &; نظر "غسان" لـ"زينات" بقوة&; بعد قوله واستطاع ان يجعل الدماء تغلي بعروق الأخرى ما ان نجح ما خطط له بخروج الحديث من خالتها كي يصبح الشاهد من أهلها هى:
_ نيروز جميلة &; ربنا يحميها ويقومها بالسلامة.
كان يريد أي شىء يشابه هذا الحديث &; ابتلعت "مروة" ريقها وهي تحدج الأخرى بسهام الغل والوقت يضيع بعدم التحدث بعد!&; وما انهى هذا هو قول "حازم" لها :
_انت&; الخسرانة لو مشيتي فاللي بتعمليه &; أنا مش هحاول لو لقيتك بتضيعي هنا بسبب نفسك &; وانت&; حرة!
فأكثر ما وجعه في هذه اللحظة شماتتها بالرد ما ان قالت:
_اذ كان محاولتش عشان ابوك اللي خلفك ورباك ومات وانت ولا على بالك هتحاول عشاني أنا&;&; متشكرين يا متر عارفة أنا بعمل ايه كويس أوي واللي هيفضل هنا هو انتم مش أنا وهنشوف!.
تابعت الشر في عدستيه ومحاولاته الكثيرة مع نفسه كي لا يفتك بها الآن في هذا المكان &; وقبل ان تردد "زينات" بشىء لها رد "غسان" في وقاحة أخرى وهو يجلس على المقعد بتعب&; وشموخ طغى به بحضوره عليها ما ان جاب انفها المرفوعة وأسقطها لسابع ارض يسكن بها من شبهها بهم!!:
_ثقتك دي عاملة زي القرد اللي "مؤخرته" عريانة وفاكر نفسه مستور..
لم يتوقف بعدما قلل والقى كلماته الجريئة بل استرسل بنفس الوقاحة على الفور:
_ومؤخرته هنا احتراما&; لسن الحاج&;&;ه خالتك عشان انا شكلي كدة قلبي بقا ر&;هيف نحيتها.
وأضاف قبال كبت "بسام" و"شادي" ضحكاتهم لان الموقف كان لا يتطلب هذا حينها:
_وأنا لما قلبي بيبقى ر&;هيف قدام العواجيز بحترمهم &; فلولا الحاج&;ة كانت هتبقى كلمة تانية لايقة على الوضع اللي احنا فيه دلوقتي..سدي ودان خالتك وتعالي أقولهالك!
ف&;تحت الأعين ..قصد لتوه التقليل من "زينات" هى الأخرى التي اغتاظت رغم الخوف &; فتعمدت الصمتت قبال غيظ "مروة" التي نظرت لها تشهدها بقولها الشامت بها :
_شوفتي اللي واقفالي في صفه&; &; ملهوش عزيز زيكم بالظبط وزي صنف عيلتكم الواطية.
_اللي امك منها!
كان هذا قول "شادي" ينبهها به &; فضغطت على فكها &; وجاراهم "بسام" من عزم غيظة وردد وهو يشير لها لتفسح مجال:
_عدي كدة يا ..قـرد.. قصدي يا ..مروة!
ما جعله يضحك هو شقيقه &; وانقلب الوضع لسخرية قبال ملامح "حازم" الصامته ومتابعة "بدر" الذي انهى هذا بقوله:
_نادي الظابط يا "حازم" خليه يجي بدل ما هى مش خايفة على مستقبلها ومصلحتها!
وتزامنا&; مع ذلك أخرج "حازم" الشىء الذي افرغ به تصوير المشهد دون أن تنتبه هى &; فوقفت تهيئ حالها للمشهد الدرامي التي تود فعله بإصرار حينها مالت عليها "أسماء" تحذرها قبال دخول الضابط:
_متعمليش كدة يا "مروة "عشان خاطري&; ارجعي عن اللي في دماغك ده &; غسان مش ناويلك على خير طالما ساكتلك كده &; وحياة أغلى حاجة عندك بـ&;.
فوضعت كفها على فم شقيقتها بفظاظة&; وهي تشير لها بتبجح&;:
_مش وقته صعبانياتك دي..مش هتاكل معايا &; وملكيش دعوة خالص غير انك هتشهدي معايا &; غير كدة مش عايزة اسمع!.
لمعت عيني&; الأخرى بمحاصرة&; انقذتها في الحال كف "زينات" الذي احتوى يديها الباردة ونظرت بإطمئنان وهي تميل عليها هامسة بكلمات كي لا تهاب الآتي!.
فيما دخل الضابط وجلس بمكانه مع ترصصهم بشكل منظم جوار بعضهم أمامه فحالفها الحظ وهى تقف جوار "غسان" الذي نظر لها بطرف عينيه وهمس بتلاعب:
_سمي الله عشان محدش هيسمي عليكي!
رمقته بحدة&; قبل أن تجتمع الدموع في عينيها الواسعة وتمسكت بكتفها وخرج صوتها الصريح قبالهم والمتوقع قوله منها هو:
_أنا عايزة أعمل محضر للبني آدم ده يا باشا &; اللي اتحرش بيا واتهجم عليا في وسط الشارع قدام الناس ولو عـ&;
أوقفها إشارة الضابط وهو يتفقد مظهرها وسألها وهو يشير للعسكري الذي يدون المحاضر بجواره:
_متأكدة من الكلام ده يا آنسة&;
استخدم الطريقة التلقيدية لعمله &; فأومأت برأسها بمسكنة&; مع نظرته المتأسفة لـ "حازم" بأنه حاول فليس بيديه اجبارها على شىء &; فنظر له "حازم" بمعنى لا شىء &; قبال اشارة الضابط بقول:
_اتكلمي &; ايه اللي حصل في حين انك كنتي خارجة من التاكسي على حسب ما أنا متذكر..ها&;&;
نظرت ناحية الأوجه في متابعة&; قبل الحديث فوجدت هنا بسمة ماكرة وهناك متابعات باردة ثابته وكأن ليس بيديها ضياع لمن يقف بجوارها &; هناك مشاعر قلق تداهمها ولكنها أصرت وخاضت التجربة التي من المحتمل بأن توقع بها هنا اذا ما كان لم يتنازل الآخر عن ما ترمية عليه من ت&;هم وافتراءات كاذبة تريد بها الضياع له والمكوث هنا لموضع آخر مشابه به أشخاص ليسوا من أشباهه ولا أتباعه ..
أرادها تجارى عقلها وإصرارها كي يرى ذلها على يديه بعد الآن &; نظر بمتابعة&; وانصات وهي تقص وحينما كان ي&;سأل ينفي أو يصمت لأن هناك محامي حاضر عنه هو قبال ظ&;لمها &; فانتظرها تكمل ليتحدث بقلة&; فتجري الاجراءات بالبحث عن شهود ودلائل وهم معهم الدلائل والشهود في حين بأنها لا تملك الا شاهدة واحدة معها إذا شهدت!!!
____________________
&;أتعلم&; يا أبي&;
ما حل&;&; بي&;
لا م&;رآة&; أكس&;ر&;ها
لـ&; ي&;نتش&;ر الطريق&;
ح&;صى&; أمامي &;
-محمود درويش-
هذا فراش&; ومحلول معلق في وريده &; وهنا تعب وانهاك &; وأحلام وفوضى&; وعقبات وشقاء عاشه وملامح باهته لوجه من كان سبب&;ا في هذا الشقاء &; ثم ملامح واضحة لآخر سبب في ب&;عده عن مكان الدفء &; عن الانتماء والسكينة &; عن أكثر أحضان وجد نفسه بها &; عن أكثر شخص بان أمامه كصغير لا مسؤؤل ولا رجل تحمل الكثير من الصعاب .
وجه والده يبتسم له ولكنه لا يبادله الإبتسامة &; والده الذي اختفت ابتسامته سريعا&; ما ان ضربه شخص ما على مؤخرة رأسه لتندفع الدماء على قميصه عندما اتسعت عينيه بذعر&; وخوف بان ما ان وجد أمامه شقيقه بعدما وقع والده أرضا&; !!
هل قتل أباه&;
ابتلاع ريقه بصعوبة&; كان الرفيق وهو بين هذا الحلم الذي كلما يتحرك به يعجز &; وكأن الضعف الذي عاش يخفيه ليستمر بان الآن وظهر وعجز أمام دفاعه عن نفسه &; م&;نع جسده ان ينحني لوالده بعدما كتفه شقيقه بيديه وهو يبتسم له ابتسامة ليست مريحة بتاتا&; بل ظهر صدى لصوته الحاد رغم الضحكات العالية التي توحي بشره وقال له من بينها:
_لسه دورك!
لم يعتقد بأنه سيخاف الموت هكذا &; خفق قلب "عز" بسرعة فائقة وارتجف جسده مع استماعه لصوت بكاء "جميلة" وهى ترتدي الأسود في ركن&; من الأركان وجوارها "فرح" تناديه من على ب&;عد بعد الخط التي ح&;ذرت بأن لا تتخطاه والا ستقتل:
_عز&;تعالى يا عز&; متسبناش هنا &; أنا خايفة أوي
عشوائية في هذا الحلم ورؤيته للدماء &; لم يكن حلم بل كابوس&; عقله لا يستوعب ومنع من التحرك بفعل تكتيف الآخر له &; فقط ما يسمعه منه بفحيح نبرته له هى تحاذير وتهديدات مشابهة للذي كان يسمعها في الماضي :
_دروك بعد ما خدت كل حاجة مني!
انحلت عقدة لسانه وأصبح له حق التبرير والدفاع عندما صرخ بقوة&;:
_مش أنا والله ما أنا ..مليش ذنب والله العظيم مليش ذنب.
لا يريد التبرير لا يريد الضعف &; منصدم من كونه هكذا وكلما يفعل عكس ذلك تجبره نفسه على الصراخ المقابل لصراخ الآخر له:
_لا انت &; انت واللي زيك مفيش عشان انت السبب في كل حاجة بتحصلي&; انت السبب في وحدتي وكسرتي &; انت&;!!
_والله العظيم ما أنا والله ما انا
_انت !
_والله ما انا &; انا زيي زيك &; زيي زيك لقيتني وحيد ومكسور&; مش أنا &; أنا عاجز&; أنا مولود عاجز عن كل حاجة الا عن مسؤوليتي ليهم &; مولود كبير , ملحقتش اشوف نفسي صغير يا شريف..والله ما أنا!!!
الق&;سم يتردد كثيرا&; تراخت قبضة الآخر ما ان استمع لصراخ والدته هو &; والدته الذي رآها "عز" لأول مرة في هذا الحلم ما ان صرخت عليه بصوت&; عال&; وبشدة:
_أبوك&;. قتلت أبوك يا شريف&;&; أبوك!!
بكى قبالها وكأنه وعى للتو أنها هنا &; في بدلته الحمراء الخاصه بالإعدام دخل بين ذراعيها وهو يبكي بضعف&; فوقف الآخر بذهول&; ينظر بأطراف&; باردة ما ان دفعته بعناقها آخر شخص كان يتوقعه &; من بادرت بإحتضانه شقيقته من الأب "ب&;ثينة" التي كان ظ&;لمها سبب لتعاسة أشخاص كثيرة منهم هو الآن
وضعت رأسه على قمة صدرها فوجد بها حنان والدته الفياض ما ان ربتت على ظهره بتعب&; ورددت بأسف&; :
_أنا آسفة &; حقك عليا يا"عز"&; حقك على أختك يا حبيبي!!
وبعدها صدى لأصوات كثيرة بكلمات أكثر آخرها :
_ارجع!.. ارجع!!
تتردد وتترد حتى وضع يديه على أذنيه يخفي الصوت يحاول الرجوع لموضع شقيقته وزوجته ولكنه يعجز للوقوف هنا &; يعجز وي&;جبر على مرافقتهم وترك الآخرين &; فلم يتلقى سوى صوت صرخة عالية انطلقت من فم شقيقته وهي تردد بإسم زوجته فبرقت عدستيه ما ان وجدها متسطحة على بعد&; وهي تتمسك برداء أبيض كان يحبه عليها كثيرا&; وغابت عن الوعي من عزم البكاء &;. حينها ولأول مرة في هذا الوضع لم يعجز عن الركض وتحرك من هذا المكان وتركهم بعدما ساعدته شقيقته الأخرى على الركض ناحيتها فخفق قلبه وكان اطول طريق يسلكه رغم ق&;صر المسافة فكلما يحاول الوصول تطول المسافة ومازلت الصرخات تعلو منه بإسمها كذعره بأول مرة:
_جــــمـــيـــلــة!!
دوت الصرخة بإسمها منه عندما انتفض من على الفراش فخرجت الابره من بين يديه ووقعت الوسادة التي بجانبه مع الكوب الذي تهشم أرضا&; &; وجهه الذي يتصبب عرقا&; وضربات قلبه العالية ووجد الدموع على وجهه &; هل كان يبكي في الحقيقة&;&; هل كان هذا كابوس به الكثير من الأشياء الغير مفهومة&;&; &; هبطت دمعته بذهول&; ووجد الممرضة تركض ناحيته تعطيه كوب آخر من المياة وآخر ينظم وضعه من جديد وهو يتلفت لهم برأسه في عدم فهم للمكان فأين هو وماذا جاء به إلى هنا&;&;.
فبعد قليل&; حثوه على أخذ أنفاسه بهدوء&; فإعتدل يجلس ما ان تذكر آخر ما حدث له &; أراح ظهره بفعلهم ونظر في الفراغ بعدما تجرع من الكوب &; فطرق الباب رجل خمسيني العمر مع زوجته في لهفة ما ان علموا انه فاق للتو وكانوا في زيارة له في الخارج..
دخلو مسرعين وقال الرجل وهو يسحب مقعدا&; ليجلس مع خروج الممرضين الذين لم يمنعوا جلوسهم:
_حمدلله عالسلامة يا بني&; أخبارك ايه دلوقتي&;.
نظر"عز" للأوجه محاولا&; تذكر من هم &; وهو يعتدل وسعل بتعب&; وعينيه تدور ورغم ذلك لم يمنع سؤاله لهما :
_انتوا مين&;
_احنا ناس على باب الله &; ربنا جعلني نصيب لما أخدتك من عند الت&;رب بعد ما وقعت وجبتك على هنا علطول &; ألف سلامة عليك متقلقش انت كويس بس بقالك يجي يومين مفوقتش..حمد لله على السلامة مرة تانية ومتقلقش حاجتك معانا &; قوم انت بس على رجلك وأنا رقبتي سدادة لأي حاجة تحتاجها شكلك طيب وعلى الله .
كلمات كثيرة عليه لم يرد عليها سوى رد معتاد بخواءه هذا:
_شكرا&; ليكم &; كتر خيركم &; مش عارف أرد جميلكم ده إزاي.
نفت السيدة برأسها بطيبة&; وفتحت الحقيقة تقدم له علبة الطعام التي اعدتها على أمل افاقته اليوم &; فرفض هذا بتعب&; وهو يضع يديه على موضع قلبه الذي كان يخفق بقوة قبل قليل من ما رآه:
_شكرا&; &; مليش نفس &; تسلم ايدك.
نفت هذا بمشاكسة&; لاقت بعمرها وهي تجلس بجواره على الفراش وكأنها من انجبت هذا الجالس على الفراش لا حول له:
_لا ازاي بقى&;. لازم تاكلك حاجة تر&;م عضمك &; ولا انت بقا قاصد تكسف ايدي وتكسف الحج عشان جابك مستشفى حكومي مفيش فيها الخدمة اللي هى يعني!&;
رفض هذا بسرعة وهو يلتقط منها العلبة بقوله:
_لا والله مقصدش &; دا كتر خيركم على كدة &; قولولي بس محتاجين ايه وأنا رقبتي تسد.
_احنا لحقناك لله يا بني &; ولو يعني م&;صر تعمل حاجة &; ادعي ربنا يصبر قلب الست اللي قاعدة جنبك دي&;
وبمجرد ذكر هذا لمعت عينيها &; فلم يمر على وفاة ولدها إلا اسبوعين وأقل فكانت في زيارة هناك له مع زوجها &; نظر "عز" وعلامات الاستفهام على وجهه فصر&;حت له بتحشرج&; وهى بجواره تنظر وكأن عقلها يخيل لها بأن هذا ولدها وهو على فراش التعب قبل الوفاه:
_كنت في الترب بزور ابني , ربنا اختاره من اسبوعين &; النهاردة أول يوم في الاسبوع التالت ليه &; كان حلو كدة زيك وطول بعرض &; اسم الله عليك يا بني ربنا يخليك ويحفظك.!
نظر بأسى&; فأكملت بدموع&; هبطت منها وهزمتها:
_أصل كان طيب ووشه فيه القبول زي وشك ده &; خد حته من قلبي وراح بس ما يتعزش على اللي خلقه وخلقنا .
رضت بالقضاء وهى تبتسم في قوة لا يعلم من اين جاءت &; فرفع كفه يربت على كفها بتأثر&; ودعى له:
_ربنا يرحمه ويغفر له ويجعله من أهل الجنة&; ويصبركم على فراقه.
قالت"آمين" هى وزوجها المبتسم بحزن&; &; ففتحت الع&;لبة بلهفة&; وهى تقول بنفس اللهفة وتداخل ذكر اسم ولدها مع الكلمات:
_ك&;ل بقا &; دا أنا عملالك شوربة خضار هتاكل صوابعك وراها يا "خالد"!
هل ذكرت اسم "خالد" للتو.&; تفهم ما فعلته فلم تنتبه ومازالت تردد بلهفة&; فتلقى "عز" من الرجل نظرة أسف &; فنظر له بتفهم ورغم عدم مقدرته ولكنه فتح وراضاها بتناول طعامها الذي مدح به بقول:
_أكلك جميل أوي &; تسلم ايدك!
_تعيش يا حبيبي &; خالد برضه كان بيحبه أوي &; مكنش يحب ياكل من ايد حد غيري &; كان يقولي أكلك حلو أوي يامه ومبستطعمش اي أكل تاني غيره!
لمعت عينيه تأثرا&; وأكمل تناول الطعام كي يراضيها فسعدت من هذا &; وجلست جوار زوجها من جديد &; في حين انتهى هو بعد دقائق وشكر في الطعام من جديد وابتسم يتساءل بانتباه&;:
_ممكن تليفوني بعد اذنك &; لو معاكم !
فتحت حقيبتها بسرعة تعطيه الهاتف والمحفظة وما يخص جيب بنطاله ثم اعطته حقيبة بها ملابس من ملابس ولدها ونهضت تتحدث :
_هم قالوا بره انك ينفع تخرج النهاردة &; انا كنت عايزاك تيجي بيتنا تنورنا اهتم بيك بدل الإهمال اللي انا شايفاه ده &; بس لما جيت النهاردة جيت وجبتلك لبس معايا عشان لو خرجت.
نظرت بمتابعة&; فأكملت بقليل من الحرج واتضح أنها عفوية كوالته تماما&; فتذكرها بتعابير وجهها وهي تكمل:
_الحج ناصر قالي نشتريلك هدمة جديدة تلبسها بس أنا قولتله أنا نفسي حد يلبس من لبس ابني عشان يفتكره&; هو نفس جسمك طولك بعرضك كده &; فـ.. يعني لـو أ..آا..
تعلثمت بحرج&; فحاول النهوض بسرعة من على الفراش فسانده زوجها وهو يسرع&;فوقف "عز" يبتسم ملتقطا&; الحقيبة منها برضا تام وقال بلباقة ممزوجة بالتأثر :
_ليا الشرف اني ألبس لبس ابنك الله يرحمه يا..أم..
وتوقف يسأل بخفة&; :
_هو ابنك اسمه ايه&;
لمعت عينيها ورفعت رأسها ترمش بأهدابها وهي تجيب:
_اسمه "خالد"&; خالد ناصر"!!
نظرت ناحية "ناصر" زوجها الذي ابتسم &; فابتسم ونظر "عز" ناحية المرحاض مستئذنا&; ليرتدي ملابسه فسانده الآخر بإصرار &; فيما بقت الأخرى سعيدة وحزينة بنفس ذات الوقت ولفت انتباها من بين الدمعة التي سقطت صوت الرسائل خلف بعضها من هاتف "عز" الذي فتحه وتركه على الفراش ودخل يبدل ملابسه!!.
رأت به وجه ولدها أو هكذا ما تريد &; لمعت عينيها وهناك مشاعر حزينة تجتاحها على الحزن الذي كان يداهمها ولا يزول &; ففكرة رحيل الآخر تجعلها حساسة&; خاصة&; ان ولدها المتوفي كان وحيد على ابنتين فقط! &; أخرجت البطاقة الورقية بلهفة&; التي طبعتها وجاءت بها لتعطيها لـ "عز" التي انقذته هى وزوجها فقد كانت هذه البطاقة تحتوي على دعاء لولدها المغفور له باذن الله فكانت كلماتها كالآتي:-
_&;" خالد ناصر " فقيد الشباب&;
_&;اللهم&; إن كان محسنا&; فزد من حسناته&; وإن كان مسيئا&; فتجاوز عن سي&;ئاته. اللهم&; أدخله الجن&;ة من غير مناقشة حساب&; ولا سابقة عذاب. اللهم&; آنسه في وحدته&; وفي وحشته&; وفي غربته &; اللهم&; ارحمه فإن&;ه كان مسلما&;&; واغفر له فإن&;ه كان مؤمنا&;&; وأدخله الجن&;ة فإن&;ه كان بنبي&;ك مصد&;قا&;&; اللهم&; احشره مع أصحاب اليمين&; واجعل تحي&;ته سلام&; لك من أصحاب اليمين. اللهم&; بش&;ره بقولك "كلوا واشربوا هنيئا&; بما أسلفتم في الأي&;ام الخالية". اللهم&; اجعله من ال&;ذين سعدوا في الجن&;ة&; خالدين فيها ما دامت الس&;ماوات والأرض,اللهم&; انقله من مواطن الد&;ود&; وضيق الل&;حود&; إلى جن&;ات الخلود. اللهم&; احمه تحت الأرض&; واستره يوم العرض&; ولا تخزه يوم يبعثون "يوم لا ينفع مال&; ولا بنون إل&;ا من أتى الله بقلب&; سليم&;.
________________
أقوال وحديث كثير &; أغلبه منها فكان خادع كاذب &; تتصنع هى ذلك به أمامهم &; أمام الضابط الذي أشار بتدوين أقوالها &; وأقوال "غسان" الذي نظر ناحية "حازم" وهو يردد بقوله المدافع به عن نفسه بعد كل الذي قاله &; فهو يكمل الآن ما بدأه:
_أنا لسه عندي كلام مقولتوش &; غير كلامي اللي بدافع فيه عن نفسي وبما انها مكملة وعايزة المحضر يبقى قضية فأنا مش هفضل أدافع من غير أدله زي ما حضرتك قولت..أنا عندي شهود ومعايا بره ببطايقهم وعندي أدله تانية من قبل ما تقول وتدور عليها!!
وأشار تجاه "حازم" يخبر الضابط للمرة الرابعة:
_حازم حاضر عني أنا بس &; ومعاه اللي يثبت اني مش كداب واني متحركتش نحيتها عشان اتحرش بيها &; وهدومها المتقطعة قدام حضرتك دي كلها بلح &; وهى اللي مقطعاها بنفسها في وسط الشارع قدام الناس!
اندفعت ببكاء&; تمثيلي تشير له بدراما برعت في حبكها وكأنها في حلقة من مسلسل درامي للتو:
_ اخرس يا كداب &; دك قطع لسانك اللي بتتبلى بيه عليا &; هقطع هدومي ليه قدام النـ&;..
_الـــصوت !!!
ضرب الضابط بكفه سطح المكتب فإنتفضت تصمت قبال نظرته الجامدة لها &; فعاد "بسام" هو من يكمل وردد بتكرار لما سبق قوله:
_مع احترامي لوجود حضرتك يا باشا &; دي واحدة كدابة &; وكلامي اللي قولتله ب&;عيده تاني &; هى نزلت من التاكسي تجر شكل "جميلة" بأي كلام وبعدها اتبلت على اخويا انه اتحرش بيها من قبل كده وفي المكان نفسه قدام الناس &; فعشان كدة احنا حواليها بننجدها منه أو بنكتر عليها عشان نشيل اللي عمله لكن كل ده كذب ومحصلش &; هى فجأه شقت قميصها ومثلت اللي بتتكلم فيه دلوقتي هنا قدامنا واللي كان شاهد على كلامي أنا واخويا البواب بتاع العمارة وبعض السكان &; حضرتك طلبت حضور الحج سلطان بواب العمارة بس "حازم" جابه معاه بره وهو جاي بما انه فاهم الاجراءات واللي بيمشي هنا كويس!.
أومأ له الضابط ورفع يديه للعكسري في اشارة وهو يأمره:
_دخله يا بني&; وهاتلي بطاقته!
وافق مسرعا&; وهو يخرج فوجد صوت فوضى ربما وصلت "زهور" مع "سامر" &; فيما كان "غسان" في الداخل ورغم كل هذا بنصف عقل لتفكيره بـ "نيروز" وما انتشله من ضياعه هو سؤال الضابط له:
_هى دي كل أقوالك&; لسه عندك حاجة&;
رفع رأسه وقال مختصرا&; :
_الباقي كله بتاع المتر!
وبمجرد دخول البواب ابتلعت "مروة" ريقها فاندفعت تردد بسرعة:
_أنا كمان عندي شاهد &; اختي.. اختي شاهده على كل اللي قولته بإنه حصل ساعتها بالظبط!
خفق قلب "أسماء" التي صمتت إلى حين دورها &; فأسرع الضابط بالإشارة نحو "أسماء" قبل ان يتحدث البواب حتى يستطع معرفة الحق &; فإهتزت عدستي "أسماء" ونظرت ناحيتهم وشجعتها "زينات" التي تذكرت همسها لها بعدم الخوف من الحقيقة وستصبح في حمايتها وحماية "غسان"و"حازم"&; فأخذت أنفاسها متحاشية النظر نحو نظرات "مروة" التهديدية وصر&;حت:
_أنا..أنا كنت فوق مع خالتي زي ما قالت بس لما نزلت ملقتش "غسان" جنبها ومن قبلها لما بصيت من البلكونة مكنش في وضع يخص اللي أختي مروة قالته يا باشا ..أما بالنسبة لاتهامها ليه بأنه رجع سكران قبل كدة أو حاول يدخل البيت ويتحرش بيها فـ&;..
ارتجفت يدي "مروة" لم تتوقع هذه الشجاعة منها كي تصر&;ح بهذا وتتخلى عنها &; اتسعت عينيها في صدمة وشعرت بالضياع يرافقها ما ان أكملت الأخرى في ثبات&; أخذته من كف "زينات". الذي يربت بحنان على ذراعها :
_فـ ده محصلش خالص &; حضرتك "غسان" انسان محترم ومحدش شاف منه حاجة وحشه هو و"بسام" &; الاتنين معروف عنهم بالأدب والأخلاق وتربية الاستاذ "حامد" معروفه لو سألت في العمارة كلهم يشهدوا بأدبه وأخلاقه وعقله &; عمر ما الكاس يعرف طريقهم دي ناس من ساعة ما عرفتهم وهم بيصلوا ومش بيضيعوا ولا فرض..وأنا كمان ساكنة مع خالتي في شقتها فعمري ما سمعت حركة تدل على انه حاول يدخل أو عمر ما مروة زعقت عشان تحاول تبعده &;لانه مدخلش الشقة من أصله..حضرتك دا راجل متجوز وبيحب مراته وحامل كمان في ولاده ربنا يقومها بالسلامة.
امتن ولأول مرة يمتن لها بعينيه لم تخيب نظرته المشفقة لها وعليها &; امتن لها كما امتن شقيقه والشباب فيما نظرت"مروة" بقهر&; من الصدمة التي لم تتوقف إلى هنا عندما حذرها الضابط:
_كل حاجة لحد دلوقتي بتقول ان كلامك ده محصلش &; لو انت&; بتعملي ده لأجل مسائل شخصية &; خليكي فى غنى عنها عشان موقفك هيبقى ضعيف وصعب!!
انتظرها ان تتحدث بشىء&; ولكن صدمتها جعلتها تصمت وتلقت من "غسان" نظرة ماكرة فهمتها الآن وزاد الضياع ما ان نظر الضابط في بطاقة البواب وأشار له بقوله:
_احكيلي اللي حصل واللي شوفته بالظبط وقت ما الآنسة دي نزلت من التاكسي!
_حاضر يا بيه!
كان هذا قول سلطان الذي أسرع "غسان" في مد ذراعه كي يسانده فنظر له بإمتنان&; وأكمل:
_الصراحة يا بيه انا بفضل قاعد مفنجل عيني لحاجة تحصل كدة ولا كدة &; بس ساعة ما الست "مروة" نزلت من العربية أنا كنت متابع ان حاجة هتحصل أصل الصراحة هى لمؤاخذه معروفة انها بتجر الشكل وربنا يهدي يعني.. فأنا كنت موجود وهي نازله وكان ساعتها الدكتور "بسام" موجود مع الجماعة بتوعه و"غسان" مكنش لسه موجود لأن هى جرت معاهم شكل قبل ما هو يجي &; لان هو جه بعد كدة هو ومراته يا بيه وبعد كدة الصوت طلـ..
بتر قوله الضابط وشعر بشعور ليس صحيح حينما سأله بذكاء&;:
_وانت ازاي قدرت تفرق بينهم بالشبه ده وعرفت ان اللي كان موجود الأول كان بسام مش غسان &;
فرد الآخر مسرعا بصدق&;:
_بعرف أفرق بينهم &; أنا أعرفهم من زمان من وهما صغيرين بس مشوا ورجعوا تاني &; وان معرفتش افرق يا بيه ففي طريقة البس يتعرفوا وكمان الدكتور بسام كان مع جماعته ساعتها!!
_تمام كمل!
_ وحصل شد بين اخت الاستاذ "حازم" المحترم فاتعاركوا عاركة ستات زي ما انت فاهم واتدخل الدكتور يشيل وكنت رايح لهم فنادى علي "غسان" اخوه خلاه يتحرك والمدام ساعتها كانت بتصرخ&; فهو شال جماعة الدكتور بعيد ولما جه يبص تاني في وسط التجمع هي قامت شقه ولمؤاخذه هدومها واتبلت عليه بإنه كان بيحاول يقرب منها وجاب الستات اللي هما الجماعة عشان يتلموا عليها يعدموها العافية وحصل شد في الكلام لكن ربنا اللي يشهد ان الاستاذ غسان مفتحش بؤه بولا كلمة حتى الجماعة بتاعته قالتله يتكلم ويرد ويدافع عن نفس&;يه بس هو كان عاقل وحاسبها صح بإن اللي هيحصل بعد كدة مش خير &; وبس يا بيه هو ده كل اللي حصل قبل ما الشرطة تيجي تاخدهم وتسيب جماعة الاستاذ واقعة من طولها على الأرضية يدوبك شالها الاستاذ حازم وطلعها بعد ما مشيتوا علطول!
لم يتوقف حتى لأخذ أنفاسه &; كتب العسكري هذا في المحضر&; فيما سانده "غسان" بقوة&; فأعطاه الضابط البطاقة" وشكره مرددا&;:
_تشكر يا حج سلطان &; تقدر تتفضل انت!
ناوله "حازم " البطاقة وعاد يجلس في حين اعتدلت "مروة ". تنفي برأسها بتيهة&; أخرجها منها قول الضابط وهو يرفع حاجبيه:
_لسه عند قولك برضه&;&;
وأكمل بتوضيح&; لصبره:
_أنا عاطيكي فرصة لأجل صلة القرابة اللي بينك وبين المتر &; واللي بتقول ان المشاكل العائلية دي كان أسهل حلها في قعدة رجالة وخلاص يا مروة!
فهمس "غسان" وهو يقف جوارها:
_دا لو عندها رجالة!
هنا وتدخل "حازم" بهدوء&;:
_قصره يا باشا مصر &; لو بتطالب بدليل تاني فهو موجود عشان الحق يبقي بالقانون من الجهتين!&; احنا ناس حالفين وقايلين القسم برضه!!!
لها وله&; &; حرك الضابط رأسه بإبتسامة واسعه من اللقب الذي لقبه به الآخر بخفة&; فإذ به يجد نفي "مروة" المندفع بسرعة فائقة:
_لأ..لاا
نظروا لها جميعا&; عدا "غسان" الذي لم يحرك رأسه بل ابتسم بإصفرار&; لم يتلاشى حتى بنهوض الضابط ما ان استمع لصوت صراخ من امرأه في الخارج تريد الدخول &; فنهض يرى ما هذه الفوضى &; فإلتفت "غسان" الذي ميز الصوت بذكاء&; وخفه وردد بتوعد&;:
_وحياة أمك اللي بتزعق بره دي ما عاتقك!
ابتلعت ريقها تحاول محو الكبرياء قبال عدستيه &; فدخلت "زهور" ما ان علم الضابط بأنها عمة الأخر وابن عمته &; مقتنع&;ا بأنها قرابة عادية !
اندفعت "مروة" بين أحضان "زهور" ووقف "سامر" ينظر لها بتفحص&; واحتقار&; ما ان علم المختصر من العسكري الواقف على الباب &; ومن ثم وجد من يرحب به على عكس العادة:
_أهلا&; بيك يا س&;مرة في مكان أكل عيش أختك.
عقد"سامر" حاجبيه بجهل&; وسأله بإستخفاف&; ولم يخف&; نظرات الكره تجاهه والمتبادل ايضا&;:
_أكل عيش ايه&;&;
ابتسم "غسان" باستفزاز برع في إخراجه قبال المتابعة من الجميع عدا "حازم" وحديثه مع الضابط بإنشغال&; فردد بنبرة هادئة تعالت مع أثر الكلمات:
_هو انت متعرفش&; &; هو مش القسم بقى بيشجع المواهب&;&;!
فتساءلت "زهور" مع ولدها بآن واحد قبال بسمة "بسام" على رد شقيقه الذي خمنه للتو مع "شادي":
_مواهب ايه&;
_التمثيل يا أبو س&;مرة.
اندفع "غسان" في قولها بإعجاب&; ورفع إصبعه قاصدا&; عدم اخفاء الإنبهار وهو يشير تجاه "مروة" مصر&;حا&; لهم :
_بصراحة هايلة! &; أبهرتني بأدائها النهاردة!
ثم رفع ذراعه على "شادي" وأكمل بسخرية&; :
_حتى اسألوا "شادي"&; أصله دمع واتأثر &; مش كدة يا شادي&;&;
كبت شقيقه و"بدر"ضحكاتهم قبال الغيظ &; فيما أخرج "شادي" منديلا&; ورقيا&; ومسح عينيه بطريقة تمثيلة وهو يردد ببكاء&; زائف جعل الكفوف توضع على الأفواه لكبت الضحكات:
_خلاص بقى يا "غ&;س" &; مش لازم تعرف الكل ان دمعتي قريبة يعني!
وقفت "مروة" جوار والدتها فيما أمسك "سامر" ذراعها بقوة&; وهو يميل هامسا&;:
_انت&; عملتي ايه يا بت&;&; &; الكلام اللي سمعته بره ده صح&;&;
حركت رأسها تؤكد في حين رأى الضابط ما يوجد مع الآخر وعاد يجلس مشير&;ا لهم بصمت&; فوقف الجميع بسكون&; وعم الصمت وهو يشير بحزم&; ناحية "غسان"و"بسام":
_لسه عندكم حاجة تقولوها&;&;
نفى برأسه مع شقيقه &; فخرج حديث"مروة " ببكاء&; تحاول التمسك بأي شىء هنا كان البكاء بصدق من الخوف ومع ذلك انكرت بـ:
_دول كدابيبن &; كدابيين !!
_انت&; اللي حطيتي نفسك في الموقف ده &; والخروج منه صعب مش فإيد حد غيره لو وافق يتنازل عن اللي رافعه ضدك!
قال الضابط هذا في لحظة توتر زادت ما ان سأل الضابط "غسان":
_موافق تتنازل&;
استقام "غسان" أكثر ونظر ناحية الأوجه &; وساد التوتر أكثر ما ان اخذ أنفاسه يردد بقوله الذي رفضه :
_لأ.
خفق قلب "زهور" و"مروة" التي نزلت دموعها بغير وعي&; لما اقترفته بحق نفسها وانهارت في البكاء وعدم التصديق ما ان ردد الضابط بإخلاء سبيل "بسام وغسان وأسماء" وعندها توقف يمليه الآتي بعدما أملاه براءة الآخرين الصغيرة:
_ويتم حبس "مروة سيد عبده المحمدي" أربعة أيام على ذمة التحقيق إلى حين &;.
أكمل كلماته ونفت"زهور" بلهفة&; وهي تهرول ناحيته حتى تترجاه:
_ بالله عليك ما تعمل في بنتي كدة حرام تضيعها كدة وتضيع مستقبلها &; اعتبرها عيلة وغلطت وامسح غلطتها فيا&; خد حقها مني أنا بـ..
بتر قولها حينما أنهى وضع الهاتف ومحفظته في جيب سترته ورد بحدة&;:
_وحقي وحق مراتي فين من كل اللي حصل منها من ساعة ما شوفناكم&;&; &; ارجعي.
أشار لها بعينيه وتحولت نظراته ناحية "سامر" الذي أمره وكأن حضور طغى على حضور من يجلس هناك:
_خد أمك وامشوا من قدامي&; وده الأحسن ليك دلوقتي!
هدده بنظراته فلم ينتظر حتى يوافق بل سبقه شقيقه و"بدر" قبل دقائق حينما مضى شقيقه فمال يمضى هو الآخر وأشار بوداع سريع بعينيه احتراما&; للجالس وترك المكتب وخرج بعدما راضى جزء الحق ما ان رأوهم يسحبونها ناحية الحبس من جديد &; وبكاء والدتها وحديث "سامر" تعالى في محاولة للمنع &; فتم طردهم من الفوضى وخرجوا خلفه هو الآخر بعدما رافقه "حازم"!!
وقف "شادي" يعطي زجاجة المياة لـ"بسام" الذي غسل منها ذراعيه ووجه وشرب ثم وقف ينتظر شقيقه الذي خرج بخطوات&; سريعه مقدما&; كفه لـ "شادي" وطلب بلهفة&; :
_المفتاح!
لم يتركه ليتساءل بل انتشله مع تساءل "بسام" له:
_هتعمل ايه يا "غسان"&;
انفعلت تعابيره وانفلتت أعصابه من كم الضغوط فخرج على شقيقه صراخه :
_هشوف مراتي هعمل ايه يعني &; ما تـخـلصوا !!!
كل هذا الخوف ولم يعلم بعد بأنها في المستشفى&; فمن قرر إخباره "زينات" التي قررت قولها له فهو سيعلم لا محال:
_مراتك في المستشفى وحالتـ&;
لم يسمع شىء بعد ذلك بل سقطت الزجاجة الصغيرة التي خرج بها من الداخل ووقف في صدمة&; يردد وكأنه صدى لصوتها:
_مستشفى&;!!
وقف الكل في متابعة&; لتعابيرة &; فأغمض عينيه بألم&; وكلما يخرج من شىء يدخل بأخر وكأنها حلقات متواصلة لا نهاية لها &; لا نهاية للوجع &; ركض في الناحية الأخرى بسرعة بعدما انتشل المفتاح وركب سيارة صديقة الذي ركب بسرعة جواره قبل ان يتهور &; فركب "حازم" على الناحية الأخرى ومعه "زينات"و"أسماء" الذي قرر العود بهم ناحية المبني ثم يسرع في التقدم ناحية المستشفى لهم &; فسارت السيارتين تزامنا&; مع خروج "زهور"وولدها وهي تبكي مستندة عليه لا حول لها ولا قوة والصدمة رفيقتها من ما وضعت ابنتها نفسها به فلا شىء أمامهم سوى الترجي لـ "غسان" حتى يتنازل!!
قاد السيارة بسرعة فائقة رغم حديثهم بأن ي&;هدئ واتصال "حازم" من خلفهم ليحثهم على الهدوء في السرعة &; ولا حياة لمن تناديه الآن &; كل ما بعقله هى &; وحمل نفسه كل الذنب فحدق في الطريق بشرود&; وتعرق وجهه مع عينيه اللامعة وهو ينهر نفسه كما يفعل على الأغلب ونزلت التساؤلات..
لم&; لم يستتطع اللحاق بها &; ماذا حل بها الآن&; هى&; وصغاره&; تساؤلات كثيرة على عقله وهنا دمعة سقطت للتو من عينيه التي منعته من فعلها منذ بداية العقبة وانتهت بدمعه وحيدة قاسية على وجهه الممتلىء بتعابير الخوف &; أغمض عدستيه يدعي بينه وبين نفسه في خوف&; وضربات قلبه تزداد بقوة السرعة لا من أجل القيادة بل كانت الضربات لها هى&; &; تدق خوفا&; لها &; خوفا&; من ضياعها وضياع صغاره!! &; حتى يديه لم تسعفه هى الأخرى وترتجف أناملها الآن ولم يلحظ بالوجع إلا شقيقه التي تختنق أنفاسه بشعور ضيق الصدر منذ الصباح تتكرر كثيرا&; هذه العادة كونه التوأم الأكثر تأثر&;ا بالآخر وتلقائيا&; من كثرة الخوف اعتقد ان يديه هو الآخر ترتجف مثل شقيقه فسيطر على هذه الحاله وهو يضم قبضته ولأنه بجانبه في الأمام مسح وجه شقيقه بحنو&; ولم يشعر باختناق نبرته حينما حاول أن يطمئنة بقوله:
_متخافش ..والله العظيم هتبقى كويسة &; خلي أملك في ربنا كبير!
أخذ "غسان" أنفاسه بتقطع&; ولم ينظر تجاه وجه شقيقه كي لا يضعف بل تعمد التجاهل وخرج رده دون النظر له او النظر في المرآه لهم في الخلف:
_مش قادر أقول مش خايف &; مش قادر يا "بسام" &; قلبي مش مطمن المرة دي .
تحشرجت آخر نبرته وكأنه على مشارف البكاء &;. فمنع "شادي" "بدر" من التدخل لرفع ذراعه أو ما شابه بل أشار له بتركه بدلا&; من ان يدفعه أو يمنعه بفظاظة&; من بين اللاوعي &; فوجده يتفادى سيارة فتحركوا بشدة &;. وم&;نعوا من تعنيفه لأنه الآن ولأول مرة تهبط منه الدموع خلف بعضها دون محاولة لإخفاءها بل تركها تهبط دون انكماش &; تركها بملامح خاوية ورجفة يد وخفقات قلب تزداد كلما يقترب ..
حتى انتهى به المطاف إلى ركن السيارة فمسح وجهه وخرج راكضا&; مهرولا&; وتركهم &; تركهم وأحدهم خلفه يركض وهو يردد له بأن يتوقف حتى يخبره مكان غرفتهم لأن تم منعهم من الوقوف أمام الغرفة التي هي بها &; فحتى هذا تاه عنه وهو يركض بسرعة وأثار دموعه على وجهه &; ابتلع غصته وهو يتفقد كل شئ من حوله ومازال الركض مستمر وكأنه يركض بساحة معركة انهزم بها وضاع منه أغلى ما يملك ففاق ليجد نفسه وحيدا&; تائها&; لا يعلم أين الطريق &; الشىء الوحيد الذي يعلمه بأنه يركض في هذه الساحة التي كانت حرب&; يركض من أجل البحث لمصدر قوته وأمانه&; من أجلها هى&; فحتى وان كانت هى في نهاية الساحة وان كان الطريق لا نهاية له &; فسوف يأتي هو بالنهاية حتى يصل لها!!
خوفه هنا..رهبته هنا وذعره أيضا&; هنا &; فلا رحيل بدونها!!
____________
جاءت"وردة" قبل قليل بعدما س&;حبت منها الدماء وتم التأكد من نقاءها &; جلست تستريح واستندت برأسها على كتف "ياسمين" وغفت وما جعلها تستيقظ من هذه الغفوة هو وقوف "آدم" جوارها وهو يمد يديه بالأكياس مخرجا&; ع&;لبة العصير وهو يردد برفق:
_خدي يا "وردة" اشربي عشان الدم اللي اتاخد منك ده!
لم تكن قادرة على المجادلة ان رفضت بل أخذته منه فعاد هو يقدم البقية للكل حتى انتهى بإنحناءه لـ "حامد" وعلى سجادة الصلاة &; لم تكف "سمية" عن البكاء وتواسيها "دلال" وهي تصمت تارة وتبكي تارة أخرى &; وبين وقت والآخر تنادي الأولى ربها بتعب&; ..
_نيروز غلبانة يارب &; والله&; غلبانة وفرحتها مش ليها.
بكت مع هذا القول وموضع فؤادها يتآكل خوفا&; وقلقا&; &; يحترق لأجل ابنتها الصغرى&; الم&;دللة بسبب حالتها &; ربما الخوف الزائد من هذا &; نهضت "دلال", مندفعة فتعجب البعض!
ما جعلها تنتفض هو صوت أنفاس عالية &; وكان على الجهة المقابلة "غسان" ينهج بركضه ناحية هذه الغرفة فعلمته من أنفاسه &; لذا خفق قلبها ونهضت تردد بمفاجأة:
_ابني!
توقع البعض بأنه خوف &; ولكن ما صدمهم هو ركضه ناحية الداخل حتى توقف ينظر ناحية الوجوه وكأن عقله لا يريد التصديق فيبحث عنها هنا بين هذه الملامح والتعابير &; والبكاء!!
ازدادت خفقات قلبه ولم يبادل والدته العناق بل تساءل بخوف&; وهوينظر لهم :
_نيروز فين &;&; نيروز يا بابا&;&;
لمعت عينيه وهو يتساءل &; فنظر له "حامد" بوجع &; لم يختفي بل زاد ما ان تساءل بإهتزاز&;:
_مراتي فين&; جرالها ايه&;&; &; حد يرد عليا&; &; انتوا ليه بتعيطوا&;&;
اقترب "حامد" يبادر في عناقه بعيدا&; عنهم عندما سحبه ناحية الخارج وهو بهذه الحاله &; لم يشعر بأي شىء بل من شعر به كان والده عندما أمسك كفه البارد بين يديه الدافئة واحتواه كصغير يهاب فقد أغلى ما يملك:
_متخافش ..متخافش يا حبيبي!
كيف لا يبكي وهو بين ذراعي رجل يبرع دائما&; في كشف مشاعره حتى وان تصنع قباله بعدم التأثر &; شهق شهقة مكتومة ومازال يتساءل عنها بلهفة&; والخوف رفيقه:
_رد عليا يا بابا &; "نيروز" كويسة صح&;
استقام ينظر مع دخول الشباب الغرفة وتركوه مع والده &;فنظر بانتظار وخرج حديث "حامد" رغما&; عنه:
_منعرقش..لسه منعرفش حالتها ايه يا بني والله&; &; غير بس كانت محتاجة دم وفصيلتها كانت نفس فصيلة دم وردة فإتبرعت ليها من شوية ولسه منتظرين الفرج.
تاهت الأوجه &; وضاع الثبات عندما دارت به رأسه فإستند على الجدار واضعا&; كفيه على وجه بتعب&; وهو يرفع رأسه &; رفع والده ذراعه يحتويه فرفض الآخر بتعب&; وظهر الضعف حينما رفض بقوله المتقطع:
_سيبني لوحدي&;سيبني!!
_مش هسيبك انت ابني وعارف انك أقوى من كدة &; استحمل عشان خاطر أبوك &; استحمل يا غسان عشان تعدي على خير يا بني!
قاوم "حامد" على إخراج الحديث عنوة &; فخرج بإهتزاز مع وضع يد الآخر على رأسه بضغط&; وسقطت دمعته وهو يتساءل مع خروج شقيقه وصديقه من الغرفة:
_ليه يا بابا &;&; ليه&; هي كان ذنبها ايه فـ ده كله&;
تذكر في هذه الحالة كل ظلم تلقته وكل تعب داهمها وكل شئ كسر لها فرحتها فإستند على الجدار وهو يسرد:
_ مظلومة &; والله العظيم مظلومة ومن حقها تفرح&; أنا مش عايز حاجة غيرها يا بابا &; هاتولي مراتي زي ما خدتها&; مش عايز حاجة غير "نيروز"!!!
طلب طلبه كطفل يريد الشىء بإلحاح ووالده هو المحقق لأحلامه البسيطة &; بينما هذه المرة لم يكن الحلم في يد والده &; الذي أخفى وجهه من هذا الضعف الذي ولأول مرة يراه هكذا ومن بادر بأخذه في عناق&; كان توأمه الذي يتألم لنصفه الآخر..
صرخ صرخة مكتومة خرجت بوجع من كل م&;ر&; رآه &; كان يحلم بزواجها ودفء البيت وعمل أسرة صغيرة كأسرته مع والديه &; ضاع هذا رغم التحقق فمنذ ان حقق ما أراد لم يرى سعادة كاملة في يوم واحد تمت &;&;وبالأخص هى &; صرخ بآهات متوجعة تابعتها "سمية" من على اعتاب باب الغرفة هي والبقية!!
فيما شهق هو بين ذراعي شقيقه الذي بكي من ضعف الآخر وهو يحثه بكلمات تشابه:
_اهدى..اهدي عشان خاطري يا غسان &; وحياتها عندك ما تعمل في نفسك كده.!!
لأول مرة يشعر بالخطر يداهمها وهو ليس بيديه شىء &; كتم أنفاسه في كتف شقيقه وردد ببكاء&; ينفي بعجز لقول الآخر:
_مش قادر..مش قادر يا" بسام"&; رجعوهالي..رجعولي مراتي
سعل بقوة&; واختنقت أنفاسه فقدم له "آدم" زجاجة المياة سريعا&; وتم سحبه ناحية الغرفة كي يجلس على الفراش فدخل معهم وعقله قد ضاع الآن بالكامل بعدما كان بنصف عقل!
جلس على الفراش ودفع كل من حوله في محاولة&; للنهوض ولكنه م&;نع فغسل له شقيقه وجهه بسرعة&; وجعله يتجرع من الزجاجة&;فعادت له أنفاسه بهدوء&; ونظر في الفراغ وجاءت نظراته ناحية "سمية" التي شعرت بالشفقة على رد فعله المفاجئ لهم &; فاقتربت تأخذه في عناق&; تحاول ان تطمئنه في حين هى من كانت تريد ان يطمئنها أحد ومازالت!.
_متخافش يا بني &; هترجع وسطنا من تاني &; بإذن الله ربنا مش هيخسرني فيها ولا هيخسرك فيها وفي عيالك&; طمن قلبك وقول يارب.
ردد قولها بسره واعتدل يمسح على خصلاته بتعب&; ونظر بحثا&; عن شقيقته فلم يجدها فنهض بسرعة بخوف&; يشير نحو "بسام" بقوله:
_روح لأختك يا بسام &; روح بسرعة خليك معاهم &; زهور وسامر راجعين على هناك!
تلبسه الخوف فلم يستطع الرفض وحتى القبول لم يفعله &; فوجده يدفعه من ذراعه بقوة&; فوافق يراضيه ورحل آخذا&; والدته معه بإصرار من شقيقه ووالده &; فرحلت بعد رفض كبير &; لذا جلس البقية من جديد ووقف هو على ساقيه ناظرا&; نحو الساعة وعقاربها التي تتحرك ببطئ&; وهو هنا ينتظر بتعب&; وخوف!
زفر أنفاسه مستغفرا&; وخرج معتقدا&; بأن ما سيفعله سيخفف عنه عندما أخرج لفافه يدخنها معتقدا&; بأن تدخينها سيخرج منه الخوف والقلق &; جلس في الخارج بتعب&; وراقبه والده ومن في الداخل حتى خرج "آدم" يجلس جواره هو و "شادي" تزامنا&; مع هرولة "حازم" من نهاية الطرقة لهم! &; لم ينهره أحد على عدم فعل ذلك &; إلا صديقه الذي استخدم الطريقة الخاصة عندما مال يهمس ناحية أذنيه:
_مينفعش تدخين في المستشفى علفكرة&; السيجارة مش هتضيع منك اللي انت فيه &; اطفيها يا "غسان"عشان خاطر اللي جوه دي ومحدش عارف عنها حاجة !
استطاع بقوله أن يجعله ينهض ليقف بعيدا&; عنهم وبعد دقائق أطفأها &; ماسحا&; على عنقه بتعب&; وتوتر&; لم يحن موعد انتهائه بعد!
_________________
صعدت بتيهة&; على السلم بعدما تم ايقاف المصعد في هذا الوقت &; فصعدت جوار "سامر" ولدها في تعب&; وهي تجر أذيال الخيبة وفي عقلها تتداخل الأسئلة &; ضاعت ابنتها كما ضاعت منها الأولى والآن من معها هو الآخر الذي تاه وهو يفكر بعقله إلى ماذا ستصل شقيقته &; وكيف كان الخطر رفيقها وهي مازالت تعاند وتصر &;
وصلت إلى الطابق الثالث وهي تنهج ودموعها على وجنتيها لم تجف بعد &; وما صدمها هو رؤيتها للآتي عندما رأت باب شقة شقيقتها يغلق وهي تخرج منه لتضع الحقائب بجوار الأخرى على الأرض وكما تفأجأت هى تفاجأت "زينات" و"ٱسماء" التي وقفت بنصف عقل هى الأخرى في هذا الموضع ووخر قلبها ما ان تساءلت "زهور" والدتها ببكاء&; لم يزول بعد:
_انت&; بتعملي ايه يا "زينات"&;
قاومت عدم إرادتها لفعل ذلك الآن وبهذا الوقت في هذه العقبة خصيصا&; ولكنها فعلتها ورفعت رأسها تشير لها:
_من غير مطرود والله يا "زهور" بس معتش ينفع قعادك هنا &; حقك عليا اني جيت عليكي يا اختي في الوقت ده &; بس كفاية لحد كدة &; كفاية ظلم وافترى عشان خلاص معتش فينا منافس نستحملك انت&; وعيالك &; وأنا خرجت هدومكم وحاجتكم مش عشان مبقتش عايزاكم&; دا عشان مصلحتك &; غسان وعيلته بركان لسه منفجرش لحد دلوقتي &; وأنا شايفة الراجل جايب أخره ومحدش هيمنعه لما يفوق ان يطربق الدنيا على دماغك انت&; وابنك &; لو باقية على اللي باقي منك امشي يا زهور &; ان شاء الله حتى تأجرى في العمارة اللي قبالنا دي شقة لحد ما تشوفي هترسى مع بنتك في ايه وتمشوا من هنا زي ما كنتوا!!!
لا تصدق بأنها فعلت هذا حقا&; وتخلت &; تخلت بالخوف عليها فلم ترى الأخرى هذا عندما قاومت تصعد بما تبقى من كرامة لديها حتى تنحني فمنعها قول ولدها :
_استني يامه!
فصعد مستندا على السور إلى أن وقف وأكمل:
_انت&; بتطردينا من مكان مكنش هيبقي ليكي لولا أمي&;&;&; لحقتي تتطبعي بطبعهم&; انت&; فاكرة نفسك هتقدري علينا ولا ايه&;&;
تشنجت تعابير"زينات" وأشارت له توقفه عند حده:
_إلزم حدك واحترم نفسك وانت بتتكلم معايا &; ولآخر مرة بحذركم من الق&;عاد هنا وافهموها زي ما تفهموا!!
_هى بقت كدة يعني &;
سألها بإستخفاف&; وما بيديه فعله ضاع منه قبال قوته المنعدمه &;ويأسه من المحاولة أمامهن&; أكدت برأسها فرأى نظرات والدته المقهورة والمتحسرة لـ"أسماء" فإتجه يسأل شقيقته بسخرية:
_وانت&;&;&;
رفعت"زينات " ذراعها حماية لها وصرحت بحدة له:
_مرات ابني وملكش دعوة بيها نهائ&;ي &; وبيتها ده ..اللي انتوا شايفين انكم اطردتوا منه!
ربما السوء لم يختفي منها بل يظهر لمن يشبهه فقط! &; استقامت "زهور " &; فضحك"سامر" بسخرية&; وجذب ذراع شقيقته بقوة ناحية وهو يسأل في تهكم:
_مرات ابنك&; وبيتها &;&; دا بإعتبار ان كل ده قبل ما تكون اختي مثلا&;&; &; انت&; شكلك بتخرفي يا ولية! أصلك فاكرة انك هتقدري تمنعيني عنها&; دا أنا أكسر رقبتها هي واللي يتشدد لها.!
هابت "أسماء" شره الذي ظهر في نبرته وحتى والدته وخالته &; فلم يجد الرد منهم بل وجد الرد بمن صعد آخر درجة حتى وصل ورد من خلفه وهو يقف جوار والدته بعدما تركها من إسنادها :
_لو راجل اعملها ..لو راجل خليك قد قولك ده!
كان "بسام" وبجواره والدته&; كان هو الذي وجد باب شقة والده يفتح بسرعة&; ولهفة ما ان وجدوه بعدما كانوا يراقبوا الأجواء من خلف الباب &; وقبل ان تركض شقيقته لعناقه هي وزوجته "فرح" أشار بكفه وهو يحدج بهم في تحذير من الإقتراب وتلبسته الحالة التي كانت تهابها "زينات" &; فإقتربت "دلال"منهن تعانقهن بخوف&; ولهفة&; &;فيما علمت الأخرى ان شر العائلة سيخرج بعد كل هذا الكبت ولكن ماذا الآن وقد خرج الرد من الآخر بإنفعال&;:
_وانت مين عشان تقفلي وتقول لو راجل&; &; انت مش شايف نفسك&;
اقترب "بسام" في خطواته ناحيته ورد عليه بإيجاز:
_أنا الراجل اللي هيمشي كلمته عليك وحالا&;!
انفعل "سامر" أكثر &; وقبل ان يردف شىء وجده يأمره ومن الداخل لا يريده بأن يتلاقي مع شقيقه بعد الآن في هذه الأجواء:
_يلا لم حاجتك دي وامشي من هنا بالذوق انت والست والدتك!
_هو انت واثق من نفسك كدة ليه&; مش ماشي!
عاند "سامر" وأشار بيديه وسحب كف شقيقته وهو يساومه:
_ولو مشيت همشي بمزاجي ومش لوحدي&; هاخد اختي معايا &; جدع امنعني بقا!
استند "بسام" على حافة السور &; وأخذ أنفاسه بثبات يهدده اولا&;:
_معنديش أي مانع.
لم يتوقف وكانت هناك صدمات أوقفها ما ان تابع يخفيها لهم ويزيدها لديه هو ووالدته! :
_متمشيش أو أقولك&; امشي وخد أختك عادي..ساعتها الشرطة هتعرف تجيبك لما نعملك المحضر فتبقى قضية ونوريهم دماغ أخويا كانت عاملة ازاي من ضربتك ليه والأشعة والتحالليل والتقارير الطبية اللي بتقول ان الخبطة دي فيها موته او ارتجاج وبينهم احتمال ضعيف ان الواحد يفوق من تاني&; واحنا دلوقتي موقفنا الأقوى &; بس اخويا ربنا بيحبه وشكله كده هيمشي في الإجراءات قريب وهتقعد جنب أختك تونسها في حبسها ! &; ايه رأيك &; بتوجع دي&; ولا نشوف غيرها&;
هدده واستخدم طريقة أخرى فتراخت قبضة "سامر" بصدمة&; لم تتلاشى مع إكمال الآخر كلماته:
_ما انت مصايبك كتير الصراحة..قولي لو معجبتكش ندورلك على غيرها..وغيرها كتير متقلقش!!
ابتلع ريقه وحاولت "زهور". سحبه بخوف&; فهو الوحيد الذي تبقى لها فلم يخرج حديث سوى من "وسام " التي أشارت بإنفعال:
_ولسه مصايبه لحد من كام ساعة &; والمقرف ده حاول يتهجم بالضرب عليا زي ما اتهجم بالكلام!
لم ينتظرها"بسام " تكمل بل انفعل واندفع يمسك تلابيبه وهو يسأله بصوت&; غاضب جعل"فرح", تخاف على وضعه:
_انت مديت ايدك على أختي يالا&;&; هوبت نحيتها&;&;
_لا ما هو مقدرش &; ونسلت شبشبي ده على دماغه &; أصله افتكر اني واحدة دلوعة طرية حبيبة ماما زيه كدة ..بس على مين عرفته ازاي تربية الرجالة &; وفهمته الدم الحامي بتاع البدري قيمته في ايه!
ابتسم بزاوية فمه ودفعه بإستخفاف&; وهو يشير لهما :
_يلا !
أ&;جبر حينما انحنى يحمل الحقائب رغم تعبة &; وسارت والدته جواره ورددت في بكاء&; عال&; :
_حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم &; ربنا ينتقم منكم !
فنظرت "وسام" واقتربت برأسها تنظر وهي تقول بعدما أصرت "والدتها" على عدم الاقتراب والتحرك:
_متدعيش بس على نفسكم يا طنط&; حاسبي وانت&; نازلة &; العكاز بيخون!!
نظرت إليها "فرح" بذهول&; &; فيما دخلت "أسماء" بركض وهى تبكي في شقة خالتها التي هرولت خلفها بعدما رأت رحيلهم وشهدت قول "سامر" الآخير قبل ان يهبط الدرج:
_ورب النار ما هسيبكم !!
تجاهله "بسام" الذي أشار لـ "زينات" بالدخول فدخلت وما ان أغلقت الباب &; وجد شقيقته ترتمي بين ذراعيه في لهفة&; جعلته يتأثر وهو يربت على ظهرها ودخل يغلق الباب خلفه &; فخرجت ولم تتحدث ما ان وجدت"فرح" تبكي بصمت قبال عدستيه وبادرت بإحتضانه بقوة&; وهي تضم ظهره بتشبت&; وهتفت:
_أنا كنت خايفة أوي &; كنت خايفة عليك ومرعوبة &; الحمد لله انك رجعت &; متمشيش تاني !
ضم "بسام" ظهرها متنفسا&; بعمق&; فيما نطقت بضعف&; له أمام نظرات والدتها و"عايدة"وشقيقته:
_أنا من غيرك مليش حد انت وعز &; عشان خاطري محدش يفكر يسيبني تاني &; هو مشى لكن انت لو مشيت مش هيبقى ليا حد..اأوعدني انك مش هتسيبني!
تشبتت وتلهفت ومن عزم الخوف رددت هذا فضمها بقوة&; وهو يهمس بوعده المعهود وهمس جوار أذنها يختم قبال عيني والدته التي تتمسك بها "وسام":
_انت&; طوق النجاة &; محدش بيسيب طوق نجاته يا "فرح".
تنفست وذاقت طعم الراحة بعد المرارة &; فخرجت وهي تنظر له عندما تساءلت "عايدة"و"وسام" و"حنان", بتساؤلات تشبه :
_"نيروز" عاملة ايه دلوقتي&; طمنا عليها وعلى "غسان"&;&;
حاول أن يحتويهن مع والدته ولكن كلماته الذي قرر الخروج بها لهن كان بها شىء يوحي بأن الوضع هناك آخر ما يكون جيد أو خير بعدما ترك شقيقه والعائلة في هذه الحالة &; حالة ي&;رثى لها!
_________________
&;أ&;ت&;هز&;أ&; ب&;الد&;عاء&; و&;ت&;زد&;ريه&;
و&;ما ت&;دري ب&;ما ص&;ن&;ع&; الد&;&;عاء&;
س&;هام&; الل&;يل&; لا ت&;خط&;ي
و&;ل&;ك&;ن ل&;ها أ&;م&;د&;
و&;ل&;لأ&;م&;د&; ا&;نق&;ضاء&;!&;
- الإمام الشافعي-
فترات من الإنتظار والليل قارب على الإنتهاء وتأخير الأطباء عليهم لا يبشر بالخير &; خفقات قلبه لا تتوقف عن الدق بقوة&; &; وقف في الخارج غير راضيا&; الجلوس جوار من بالخارج والداخل &; وجد "والده" يصلي &; ولآخرين جالسين في الداخل&; و"شادي" يتحدث مع زوجته في الهاتف &; كما كان "آدم" &; وبالداخل ساند "بدر" "وردة" كي تريح رأسها على كتفه وظل جوارها كما ظل "حازم" جوار "ياسمين".
مجددا&; تنزف منه الدماء &; شعر بها تهبط من أنفه وقبل ان يبحث عن منديل ورقي جاء له "آدم" به ورفع يديه بمسح أنفه بحنو&; &; طالعه بشفقة&; وتلمس ذراعه في خفة&; &; وتجرأ يضع يديه على موضع قلب الآخر الذي يشعر بإحتراقه الآن &;أكثر من يعلم مدى خطر اللحظات على من اختارها القلب لتصبح العنوان &; وبكل ثقة&; وصوت هادىء نبس آية قرآنية تريح القلب&; آية نصحه بها الشيخ في أن يرددها لنفسه دوما&; عندما يشتد الكرب فبدأ:
_أعوذ بالله من الشيطان الرجيم &; بسم الله الرحمن الرحيم:
"ه&;و&; ال&;&;ذ&;ي أ&;نز&;ل&; الس&;&;ك&;ين&;ة&; ف&;ي ق&;ل&;وب&; ال&;م&;ؤ&;م&;ن&;ين&; ل&;ي&;ز&;د&;اد&;وا إ&;يم&;ان&;ا م&;&;ع&; إ&;يم&;ان&;ه&;م&; &; و&;ل&;ل&;&;ه&; ج&;ن&;ود&; الس&;&;م&;او&;ات&; و&;ال&;أ&;ر&;ض&; &; و&;ك&;ان&; الل&;&;ه&; ع&;ل&;يم&;ا ح&;ك&;يم&;ا".
لمعت عيني&; "غسان" وحاول أخذ أنفاسه بصوت&; عال&; &; فوجده يحثه بثبات&; :
_قول ورايا يا "غسان" &; قول ورايا وسيبها لله يا بن عمي.
لم يبدي رد فعل سوى انه حرك رأسه مستعدا&; لهذه الراحة الذي وجدها في وجهه &; فوجده يردد الدعاء لفك الكرب بنبرة&; هادئة جعل من يجلس خلف وقوفهم يرددون خلفه في صوت&; واحد هادئ جعل القشعريرة تسري بجسده :
_الل&;&;هم&;&; رحمت&;ك&; أرجو فلا تك&;ل&;ني إلى نفسي طرفة&; عين&; وأصل&;ح&; لي شأني كل&;&;ه لا إله&; إل&;&;ا أنت&; &; لا إله&; إلا الله&; رب&;&; العرش&; العظيم&; الكريم&; لا إله&; إلا الله&; العظيم&; الحليم&; لا إله&; إلا الله&; رب&;&; السموات&; ورب&;&; الأرض&; رب&;&; العرش&; العظيم&; لا إله&; إلا الله&; رب&;&; العرش&; الكريم&; لا إله&; إلا الله&; رب&;&; السموات&; ورب&;&; الأرض&; رب&;&; العرش&; الكريم&; &;اللهم&;&; إن&;&;ي أعوذ&; بك من الهم&;&; و الحزن&; &; و العجز&; و الكسل&; &; و الب&;خل&; و الج&;بن&; &; و ض&;ل&;ع&; الد&;&;ين&; &; و غ&;ل&;ب&;ة&; الرجال&; &; الل&;&;ه&; رب&;&;ي لا أشر&;ك&; ب&;ه&; شيئ&;ا.
رددها خلفه بصوت&; منخفض فلم يتوقف الآخر واستغل فرصة انتباههم فدعا لها بيقين&; :
_اللهم يا سامع دعاء العبد إذا دعاك&; يا شافي المريض بقدرتك&; اللهم اشفها شفاء لا يغادر سقم&;ا&; اللهم ألبسها لباس الصحة والعافية يا رب العالمين&; اللهم&; إن&;ي أسألك من عظيم لطفك&; وكرمك&; وسترك الجميل&; أن تشفيها وتمد&;ها بالص&;حة والعافية. وان تحفظ من وضعته بقدرتك في رحمها &; اللهم&; ألبسها ثوب الص&;حة والعافية&; عاجل&;ا غير آجل&; يا أرحم الر&;احمين.
رددها الجميع خلفه حتى هو والذي ما ان أكمل تشبت في عيني "آدم" ثم أغلق عينيه بتعب&; وهو يردد ببحة صوت متلهفة:
_آمين ..آمين يارب.
الدعاء يغير القدر بالفعل &; لا يرد الله من لجأ إلى بايه باكيا&; ليدعوه بالخوف الذي وضع في فؤاده &;فمن لنا سواه ندعوه &; ومن سواه يستجب لنا&;
_د&;عو&;تـ&;ك&; يا من&; ي&;جيب&; الد&;عـــــــاء&;
ويا من&; له&; يسج&;د&; الاقويـــــــــــاء&;
ويا من&; برحمته&; أستجيـــــــــــــر&;
ليرفع&; عنـ&;ي الاذى والبــــــــــلاء&;
لك&; الح&;م&;ــــــد&; وحـ&;دك&; أنت&; المغيث&;
وأنـ&;ت&; الم&;دبـ&;ر&; &;يا ذا الب&;هــــــــاء&;
خلقـ&;ت&; بني آدم &;من&; تـ&;ـــــــــــــراب
وصي&;رته&;م&; بشــــــــرا&; أسويــــــاء&;
فرفـ&;قــا&; بطينك&; يا ذا الجــــــــــلال
اذا كان&; يومــا&; بجهــل &; أســـــــاء&;
وراح&; ي&;فتش&; تحت&; القـ&;بــــــــــــور
عن العون &; م&;عتق&;ـــــدا&; أو ريــــاء&;
طريقي إليك&; طريــق&; الوضـــــوح &;
وليس&; التعر&;&;ج&; والالتــــــــــــــواء&;
دعوتـ&;ك&; أنت القريب&; إلـــــــــــــي&;&;
أ أحتاج&; يا خالقـــي و&;سطــــــــاء&;&;
أ أطمع&; في حاجــــة &; من ســــواك&;
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها&; أو صرف عنه من السوء مثلها&; ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم"
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم&; قال: "من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب&; فليكثر الدعاء في الرخاء".
استمع لم&; شابه ذلك &; فتحرك برأسه ينظر إلى الطرقة وهو يدعو بسره بأن يطمئن قلبه لا أكثر! &; أخذ "غسان" أنفاسه ببطئ&; &; وفتح اول سحاب سترته من شعوره بالاختناق والهاتف بين يديه لا يتركه كونه لا يفارق متابعة الوقت الذي كان أطول ما يكون عليه وحده وكلما ي&;فتح تأتي صورتها معه في داخل الهاتف خيث الخلفية الداخلية ..
تلك الصورة الذي لم يغيرها منذ فترة كبيرة! &; حينها كانا لا يحملا هما&; &; صورتها الذي اخذها على فجأة بفستانها السماوي المطرز بلون فضى كان على وجهها من أثر لمعة هذا الفستان وابتسامتها المفاجئة كانت عفوية عندما التقط لها الصورة بخفة&; يوم زفاف شقيقتها و"حازم"!!.
تلمس وجهها بإصبعه على الشاشة في أنفاس&; مختنقة&; ولم يشعر بنفسه إلا عندما خرج من بين شفتيه الحديث عنوة وكأن عقله لا يعي بأنها صورة وأنها بالفعل أمامه حتى يتحدث معها كذلك &; ليس مجرد حديث بل رجاء وعينيه اللامعة لا تفارق وجهها بشاشة الهاتف المضاءة:
_إوعي تسيبيني يا "نيروز".
احتوى هاتفه أكثر وكأنه يحتوى وجهها بين كفيه حينما ظهر الضعف بن&;طقة:
_مينفعش تسيبيني بعد كل ده &; أنا عايزك انت&; ومش راغب غيرك !
كرر القول الذي ردده لها من قبل وهمس بإختناق&; يكمل بإسترسال:
_مش عايز من الدنيا غير&;ك &; مش طالب كتير &;كفتك تطب عن أي حاجة حتى عيالنا يتعوضوا لكن انت&; متتعوضيش..متروحيش مني..أنا ضايع من غير&;ك والله&; العظيم!
أقسم يبرر لها &; لم ي&;عرف له ضعف ظاهر او بوح بكلمات ترجي إلا عندما وقع بها هى&; &; أخرج أنفاسه الدافئة وقبض على الهاتف بتشبت&; &; فإنتفض وسار بسرعة ناحية الطبيب الذي جاء من على بعد&; فرأوه حتى خرجوا جميعا&; بلهفة&; من الغرفة والتساؤلات تزداد فيما رفع رأسه يردد بهدوء&;:
_احنا حاولنا بكل الطرق الممكنة نطلعها من غير خساير&; وان شاء الله خير &; هى بس محتاجة راحة وممنوع الحركة&; وزي ما حضراتكم عارفين ان المدام حامل في توأم كل واحد في كيس &; في كيس كان مهدد للسقوط وضعيف &; فان اتحركت واجهدت نفسها ونفسيتها&; مقدرش أوعدكم انه هيفضل في مكانه مع التاني للأسف &; زائد المثبتات نوعها هيتغير لحاجة أقوى فممنوع الحركة &; هى هتفضل هنا في المستشفى وان قدرنا نكتب لها على خروج تخرج بكرة بليل ان شاء الله &; وألف سلامة عليها وعلى حملها !
لا يعلم أسلب منه أنفاسه أكثر ام أعادها إليه &; هناك حمد كثير لكونها بخير &; وهناك قلق أكثر لم&; ردده الطبيب &; على الأقل رغم القلق عادت أنفاسه وهو يرى والده يربت على ذراعه بكفه وهو يطمئنه &; والحديث كثير ولكن هو&; هو توقفت به اللحظة وهرول خلف الطبيب بعدما تحدث مرة ثانية ولم يستمع إليه بخصوص حالتها هى:
_أنا عايز أدخلها &; ينفع&;!
عاد يلتفت ناحية المتحدث &; فوجده "غسان" الذي ينتظر الموافقة بكل لهفة&; وقبال المتابعة وضع الطبيب يديه على كتفه واقترب يردد بصوت&; منفخفض:
_حضرتك جوزها &;
أومأ بنعم&; &; فأمسك الطبيب مرفقه برفق&; ناحية زاوية ما وصر&;ح بهدوء&;:
_قبل ما تدخل &; أنا كنت عايز أعرفك انها لازم تتعرض على طبيب نفسي يشوف حالتها &; الإنهيار ده بيؤدي احيانا&; إلى الموت &;وأحيانا&; هنا تنطبق على شخص مش شايل جواه أرواح &; لكن المدام حالتها مكنش ينفع يتسكت عليها كل ده! &; انا حبيت أطلب بعدين أقرب شخص للحالة عشان مكنش ينفع أقول الكلام ده قدام الكل&; حضرتك متفهم &;
تاه بين الكلمات وخرجت كلمته بالغصب:
_آه
ابتسم الطبيب وأشار ناحيتهم في الخلف بعينيه وقال من جديد:
_مسموح بشخصين يرافقوا الحالة &; ومن الأفضل تشيل الزحمة دي كلها&; الٱمر مش مستاهل كل ده &; تقدر تفهمهم ده بإسلوبك وتتفضل معايا .
إلتفت "غسان" ليجد "شادي" خلفه والذي استمع لقوله الآخير فأسرع يشير له بالاقتراب ناحية غرفتها وسيتولى هو الأمر &; فسار "غسان" بخفقاته التي تزداد في السرعة ولم تتوقف حتى الآن..
أجبرهم "شادي" على الرحيل عدا "س&;مية" التي جلست رغم إصرار "ياسمين" بالعكس &; فوقف "بدر" يستمع الى حديث عمه ما ان حثه:
_روح انت وأخوك يا بدر وخد مراتك معاك &; والصباح رباح!
عند استماعه لقرار عم زوجها احترمته رغم انها لا تريد ذلك &; وبالفعل اقتربت تودع والدتها وهي توصيها بلهفة&; ك&;برى&; حتى تطمئنها بين ساعة والأخرى &;فرحلت وفعلت شقيقتها الأخرى المثل &; وتبقى "شادي"و"حامد" الذي رأى إشارة ولده له وهو يترجاه بالرحيل قبل قليل&; فوقف قبل ان يرحل مع الآخر وردد:
_احنا ماشيين يا أم وردة &; غسان معاك&; &; خلي بالكم من نفسكم &; وأنا هجيلكم الصبح ان شاء الله اكون اطمنت عليهم هناك وطمنتهم &; محتاجة حاجة&;
_كتر خيرك .
هتفت بها بضعف&; وأراحت ظهرها على وسادة الفراش &; فتنحنح يخرج مع "شادي" حتى يرحل معه في سيارته&; ناظرا&; نحو بداية الطرقة على أمل رؤية ولده ولكنه لم يراه فتنفس يخرج الثقل ودعا له وهو في طريقه للخارج و"شادي" يرافقه ويسانده بحنو&; يعهده منه دائما&; &; فلم يرى به سوى انه ولده الثالث بعد توأميه &; والآخر لا يرى به سوى انه والده وعائلته وكل ما يملك هو وبقية عائلته!
..
وقف أمام الباب بعدما تركه الطبيب الفريق الطبي ليدخل &; مسح على وجهه وفتح الباب بلهفة&; كبرى ودخل ينظر فوجدها بعالم آخر غير عالمه هذا &; مغمضة الأعين ووجهها باهت من ما حدث ومن كثرة الانهاك &; محلول وابرة تغرز في وريدها وملامح تنكمش بين دقيقة والأخرى &; هوى فؤاده بمجرد رؤيتها هكذا ولمعت عينيه وهو يقترب ناحيتها ناظرا&; نحو كفها الموضوع به الآبرة والتي اسندته على معدتها البارزة والعالية!
جلس "غسان" على طرف الفراش ورفع كفه يتمسك بكفها بتشبت&; وهو يناديها بصوت ليس مسموع! &;هل كانت تعاني قبل فترة بما هو به الآن حينما كان على فراش المستشفي بين الحياة والموت &; &; أهبط رأسه يقبل كفها بشفتيه وأنفاسه الدافئة قبل ان يمرر يديه على وجهها الذي ارتسم عليه تعابير الوجع وبدأت كلماته في الخروج وكفها ببن كفه لا يريد تركه:
_أنا عارف انك تعبتي أوي &; عارف وحاسس بيك&; &; ومفيش في ايدي غير اني أكون أناني واقولك استحملي عشان من غيرك مش هقدر يا نيروز !!
بين الوعي واللاوعي كانت هى&; التقط أنفاسه وسقطت دمعته ما ان وجدها تتشبت بكفه وبنفس ذات الوقت لا تريد تحريكه من على موضع معدتها وكأنها تهاب خسارة صغارها التقط ما فعلته وخرجت كلماته بتعب:
_انت&; عندي بالدنيا كلها &; خافي عليهم بس أنا خايف عليكي انت&; الأول.
انكمشت ملامحها &; ووجدها تتمسك بكفه بقوة&; وكأنها تحارب لتعي الآن&; أرادت الهروب الا عند هذه اللحظة&; مرر يديه على خصلاتها واعتدل يحتضن رأسها ناحية قمة صدره التي تعلو وتهبط ونظر ناحية ملامحها وقال بدون مقدمات:
_أنا آسف &; آسف لك عشان وريتك عجزي غصب عني ومعرفتش ألحقك ومشيت &; حتى ولو غصب فمش من حقي &; مش من حقي أسيبك كدة يا نيروز &; مش من حقي حاجات كتيرة أولهم اني بسأل نفسي سؤال معذبني!! &; بسأل نفسي أنا ليه مش قادر أخليكي سعيدة وانت&; معايا &; ليه &; مع انك عمرك ما قولتيلي كدة ولا ببنتي ده!.
سقطت دمعته على وجهها فيما قاومت على إخراج الرد التي سمعته فلم تستطع وهمست تنادية وهي تصارع على فتح عينيها'
_غسان!
اعتدل في لهفة&; يمسك كفيها ويعدل من وضعية رأسها &; ففتحت عينيها بتشوش&; ولم تجد الا العناق السريع وهو يميل عليها &; فتنفست تحاول ان تقنع ذاتها بأن هذه حقيقة وليس خيال &; بأن هذا ليس حلم وهو هنا معها لم يتركها:
_انت..انت هنا&;&;
سألته بأعين لامعة وهي تبتلع ريقها بألم&; فإعتدل يؤكد وهو يمسك كلا كفيها مؤكدا&; بلهفة&; :
_أنا هنا وعمري ما هسيبك &; أنا جنبك ومش همشي.
حاولت ان تبتسم فخرجت آهات متوجعة وأسرعت في وضع يديها على معدتها بوجع&; وجحظت عينيها ما ان تذكرت ما حدث من اغماء&; ما هذا الوجع&; سألته بفزع&; وهي تحاول التحرك:
_عيالنا!!! عيالنا يا غسان &; متقولش انهم راحوا عشان خاطري! متقولش كدة!!
حاولت التحرك وهي تنظر حولها في ريبة فمنع هذا بلهفة&; ورفض مسرعا&; في الرد:
_لا &; لا والله العظيم انتوا التلاتة بخير &; بس متتحركيش.
أسندت "نيروز" ظهرها بتعب&; وتشبتت بكفه وهي تبكي بصوت&; منخفض فإحتواها سريعا&; وهو يدخلها بين أحضانه الدافئة وما وجعه هو سؤالها وكأنها تهاب رجوعها لحالتها القديمة:
_يعني انت هنا بجد&; أنا مش بحلم ولا بتخيل&; مش كدة&;
استندت عليه بإنهاك&; وسمعت نبرته المختنقة تخرج لها:
_مش بتحلمي يا" نيروز"&; ياريته كان حلم عشان معيش&; اللي أنا عيشته وأنا خايف عليك&; &; أنا لسه خايف لحد دلوقتي وأتمنى كل ده يبقى حلم!
سقطت دموعها الذي مسحها لها &; فيما أغمض عينيه وهو يحتجزها بين ذراعيه وكأنه يريد توقف العالم إلى هنا حينما أهبط شفتيه يهمس جوار أذنها:
_بتخليني ضعيف وخايف &; بتخليني مكشوف وأنا مبحبش أكون كدة الا قدامك انت&; لوحدك!
حاولت مد ذراعها لتمسح وجهه فلم تستطع ولكنه اقترب بنفسه كي ترى ما تفعله &; مسحت وجهه بأناملها فيما ابتسمت ابتسامة باهته تتأسف له:
_أنا آسفة أوي &; آسفة بس مقدرتش ومعرفش ايه حصل لما شوفتهم بياخدوك بعد اللي عملته مروة.
لم يرض فتح هذا الحوار الآن ولكنها رغم التعب أرادت التخفيف عنه وسألته بإنهاك&; رغم المشاكسة:
_شكلك طلعت بتحبني أكتر ما كنت أتوقع.
_ح&;ب يعني خوف &; وخوفي عليك&; عدى كل التوقعات يا "نيروز".
ردد جملته ون&;ع&;م&; بالتنفس بأريحية بين أحضانها &; بان الضعف عندما ردد به بأسف&; :
_أنا آسف &; آسف عشان ملحقتش ألحقك وعشان مقدرتش أكون جنبك &; حقك على قلبي اللي اتهلك من خوفي عليك&; وانت&; هنا وسايباني!.
تشابكت الكفوف وردت بإندفاع وتأثر&;:
_أتمنى تكون معايا في كل حاجة &; إلا هنا في المكان ده &; متمناش تكون معايا &; لو اتكررت هسيبك برضه عشان أنا جربت الوجع ده قبل كده &; جربت خوفي وعقلي اللي راح مني وانت جوه بين الحيا والموت..أنا اللي مش هقدر من غيرك يا غسان &; متسبنيش!
استندت بتعب&; على كتفه فأغمض عينيه بإنهاك&; وأرق &; ربتت علي ذراعه فتفقد ملامحها بلهفة&; وهو يمسح عليها ووجد حينها عينيها تتسع فنظر بغير فهم&; امتزج بالقلق الذي لبسه الرهبة ما ان انتفضت حينما شعرت بأن هناك دماء ت&;نزف منها أسفلها &; رفعت الغطاء ووضعت يديها على معدتها بذعر&; وهي تناديه:
_,غسان!!!
انتفض بذعر&; أمام عينيها التي تهبط منها الدموع بصدمة&; &; وهرول سريعا&; ناحية الخارج فوجد في طريقه الممرضة تدخل &; فقبل أن يتحدث بشىء&; تحدثت هى بخوف وبكاء:
_أنا..أنا بنزف.. أنا بسقطـ..
لم تتركها الممرضة تكمل بل اتجهت مسرعة تنظر وعادت تتمسك بذراعيها وهي تطمئنها برفق:
_اهدي يا مدام &; اهدي ..دا من أثر ضغط وممكن لحد بكرة &; متقلقيش &; اهدي خالص!.
عادت إليها أنفاسها بعدما س&;رقت فأسرع يسندها كي تتوجه ناحية المرحاض تزامنا&; مع تبديل الممرضة مفرش الفراش &; فمنعت هى أن تدخل عليها المرحاض الممرضة بحرج&; &;. فدخل معها "غسان" كي يضع على جسدها المياة الفاترة وكي يزيل أثر الدماء مرددا&; كلمات مواسية تحتويها كي تهدأ من روعتها.
قررت مناداة والدة الحالة التي معها الملابس&; لذا ستأتى" سمية" كي تساعدهما وتعطيها الثياب التي توجد معها حتى ترتدي ملابس نظيفة وتعود حيث الفراش من جديد!
______________
على الأقل لمحة من الإطمئنان سارت بحسد الجميع &; هنا في منزل "آدم",و"بدر", وهناك في مبنى وطابق العائلة! &;
عادت أنفاس "جميلة"و"فريدة" حينما عادوا قبل قليل وصعدت "وردة",بصغيرها كما اطمئنت "فاطمة" بعدما علمت ودخلت تنام جوار صغارها &; فيما ذهب "آدم و"بدر" لأداء صلاة الفجر.
نظرت"فريدة" ناحية "جميلة", التي استندت بظهرها على الاريكة وحثتها قائلة:
_جميلة..قومي نامي في الأوضة دي &; محدش بينام فيها &; ارتاحي مدام ماما عايدة اطمنت عليكي وقالتلك خليكي الصبح هى وحازم &; قومي يلا .
وافقت "جميلة", بإرهاق&; وأسندتها تدخلها ناحية الغرفة حتي وضعتها برفق&; على الفراش وقالت قبل ان ترحل:
_ثواني هروح الأوضة اجيبلك بيجامة تنامي فيها .
خرجت مسرعة تدخل غرفتها وأذنيها تلتقط إغلاق البوابة التي توحي بقدوم "آدم" من جديد ومعه "بدر" الذي صعد للأعلى حيث شقته!
أخرجت ثياب قطنية مريحة وقبل ان تخرج من الغرفة وجدته يفتحها ببطئ&; وابتسم يلقي التحية فردت السلام وقالت مسرعة بلهفة&; :
_ثواني هودي دي لجميلة&; واجي احضرلك حاجة تاكلها واجيبهالك!
لم تعطه الفرصة للرد بالرفض بل خرجت مسرعة ناحية شقيقتها تعطيها الثياب المريحة مع زجاجة مياة رطبة ووضعتهما على الفراش وختمت كل ذلك بعناقها لها وهي تردد في عجالة من أمرها :
_خدي راحتك يا جميلة &; البيت بيتك &; تصبحي على خير&; هروح أنا احضر حاجة لآدم ياكلها , تحبي أعملك معاه&;
سألتها للمرة التي لاتعرف عددها وتلقت رفضها. كالعادة فخرجت بهدوء ويأس تغلق الباب خلفها فهي لم تأكل سوى شطيرة كي تراضيها قبل ساعات!.
جعلتها الخطوات في المطبخ الآن وهي ت&;فرع كوب اللبن ووضعت على الطبق ثلاث شطائر متوسطة الحجم جعلوها تستغرق خمسة عشر دقيقة في اعدادهم بمحتوياتهم الداخلية
وعادت تفتح الغرفة بحظر&; &; فوجدته عارى الصدر يقف أمام المرآه بعدما بدل ثيابة واغتسل وخرج &; مرتديا&; سروال يصل لبعد ركبتيه فقط &; إلتفت ناحيتها وابتسم يأخذ منها بإمتنان وتعمد عدم الرفض تقديرا&; لتعبها :
_تسلم ايدك يا شاطرة.
ابتسمت "فريدة" بإتساع&; وحثته بلهفة&; وهي تربت علي ذراعه:
_ك&;ل يلا &; شكلك مرهق وتعبان أوي.
أكد "آدم" برأسه ونهضت تخلع عباءتها المنزلية مع قوله المنهك:
_فعلا&; اليوم كان صعب أوي النهاردة &; الحمد لله انها عدت وربنا يستر في اللي جاي!
لم تتعمد ضغطه بل وقفت تناوله الشطيرة &; فوجدته قد خانته عينيه قبالها وهي تمر عليها &; فإرتبكت تقدم له الشطيرة والكوب ورددت:
_ك&;ل &; امسك!
التقطهم منها فعادت تجلس ووجدته يغمزها بخفة&; مشاكسا&; اياها بقوله:
_لا بس وحشتيني يا شاطرة &; ملقيتش حد يجيبلي صداع ويناكف فيا.
ضحكت "فريدة" بخفة&; &; فتلمس رأسه في تعب&; جعلها تبادر في الربت على رأسه وخصلاته &; مسح هو على وجهها وعينيها التي بها أثار بكاءها على الأحداث &; فإقترب يقبل احدى وجنتيها بحب&; فإبتسمت تتراجع ولكنه وجد نفسه لم يرض بعدها &; وفي هذه اللحظة المليئة بالثقل أراد ان ينعم في قربها بشوق&; عل هذا يزيل كل ما يشعر به!
وجدته يعانقها مقبلا&; عنقها بخفة&; فحاولت الب&;عد عنه رغم ان شفتيها تريد إخراج القبول لأخذ حقوقه الذي لم يأخذها وصبر فمن غيره كان سيتحمل ذلك &; ضاعت أنفاسها وحاولت عدم تذكر شىء &; ورددت اسمه فلم تجد منه سوى قسمه :
_والله العظيم ما هأذيكي &; مفيش حبيب بيإذي حبيبه يا فريدة!
تشنج وجهها بخفة&; وهي تصارع نفسها على عدم البكاء أو عدم تذكر الماضى فوجدته يردد بكلمات تحتويها &; وسألت لم&; كل هذا الخوف&; &; لا لم ترفض ولا لم تتذكر &; هى أقوى من ذلك &; أقوى كما يعرف وكما ي&;ردد لها بشهادة أكثر من شخص &; فعل بنصيحة الطبيب وحاول احتواء هذا الخوف &; فلم تشعر بشىء&; من حولها سواه وسوى احتواءه وحنوه &; حتى أكملت وهربت منها وتولى الأمر عنها إلى ان وصلت لم&; كانت لن تصدقه..وصلت إلى نهاية الطريق ورفعت راية الإستسلام بعدما كانت ترفض بعدما كانت تهاب &; أما هو فحاول على اسقاط حدود القلعة التي ت&;ح&;صن بها &; وصدق كل شىء حينما وجد القبول بكل ترحاب&; فعلى رفقه وحنوه التي عهدته منه قبل كثير&;..
وبوقت غير متوقع جعلها ملك له &; وو&;ضع اسمها على اسمه قولا&; وفعلا&; &; وما بينهما بعد الآن أصبح مودة ورحمة بكتاب الله وسنة رسولة الكريم &; وزارته السكينة آنذاك والراحة كما ضاع منها الخوف وهى معه وآخر ما تم تذكره منها بأنها سمحت بسقوط حصون قلعتها حتى ت&;رحب بمن كسر القوانين وآخر ما همست له به:
_جمع الله فيك الصاحب والحبيب والٱمان والحياة وكل حاجة حلوة يا آدم
وثقت واستسلمت بعد القول تردد بالقبول والثقة بمن تضمنه وتضمن بأنه لم ولن يقيم الحرب حتى يستولى بالقوة والغصب على القلعة كما فعل أحدهم ..بل كان بمنتهى رضاها هى&; &; فبعد عقبات&; كثيرة وحوادث وبكاء وتعب&; جاء وحدث شىء بالتأكيد ي&;سعدهم رغم ما هم به&;فهي لم ولن تجد شخصا&; يخرجها من ما هى به سواه &; وهو حتى اللحظة الأخيرة لم يجد الا هى كي تخفف عنه ما يعانيه! &; محاربان خاضا تجارب كثيرة مع معركة س&;ميت الحياة وكلما ينهزم الآخر ينقذه الثاني&; وكلما ينتصر أحدهما يشاركه الآخر&; حتا سارا معا&; نحو نهاية طريق ما كانا يريد أن يسلكه أحدهما &; إلى ان حدث وصدقت صفحة الكتاب ما ان ر&;فعت الأنظار نحو عنوان اختصر العقبات بشىء أخير و&;ضع به وعليه العنوان دونا&; عن البقية فكان
سقطت حصون القلاع لـ "حامي ح&;مى الديار"