تحميل رواية «عودة الوصال» PDF
بقلم سارة ناصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رحلتُ أنا دون وداع لصداقتنا ، دون وداع برائتنا. رحلت دون شعور قلبي الصغير بأنه سيتأذي في رحيلك بعضُ الوقتْ. ورغم عُمر قلبي الصغير الا أنه كان به شعورا كان علي صعب فهمه! أيقنت انه حزين برحيلي دون إرادة مني ، أيقنت أنه يفتقد لهونا ولهو البرائه دون شعور مني. يحزن لرحيلي ويحزن أكثر لرحيلي من جارك و من تلك الشرفه التي شهدت الذكريات بيننا. يحزن لافتقاده سرعة نبضه عندما يراكِ ، وعندما توقفت كل الطرق لإرسال خطابات. يحزن هو لفراق الوقوف بشرفته كي يستطيع النظر إليكِ. ف مجرد نظره كانت تبقيه سعيدا لا يفكر ف...
رواية عودة الوصال الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة ناصر
"ألا تدري الراحة في وجودك بجانبي؟ الدفء في عينيك، والسلام في نظرتها، وأمانك في مسكة يديك بيدي. هذا ما كنت أريده. كنت أريد الاطمئنان وأمانك وسلامك ودفء يديك فقط. هذا كان وسيكون كل شيء بالنسبة إلي!"
كان يجلس وبيديه مشروب من الليمون بالنعناع البارد والمفضل لديه، وكذلك هي الأخرى بجانبه. التفت ينظر لها فوجدها تشرب منه بتمهل. يعلم أنها تخفي ما كانت تود قوله ليلة أمس. لا تريد أن تواجهه بمخاوفها بعد المحاولات منه كي تصبح معه على راحتها. لاحظ أنها صامتة بنسبة بسيطة، وحده من انتبه لذلك حتى وإن كان غير ظاهر بوضوح. كان ينظر لها وهو يدقق النظر بينما التفتت هي على فجأة كي تتحدث ولكنها صمتت حينما وجدته يطالعها بصمت. ابتسمت بهدوء ثم رفعت عينيها تقابل عينيه بتمعن. بينما تنفس هو بعمق ثم تحدث بنبرة هادئة يسألها على فجأة:
"هو انت بتخافي مني؟"
نظرت له "نيروز" باستغراب ولكنها تعلم سبب سؤاله بسبب حديثه معها عن سبب ذهابها للطبيب النفسي. لم تبدي ردة فعل مستنكرة بل ابتسمت بهدوء ثم حركت رأسها بالنفي حتى تنفي حديثه. لحظات وقد خرج حديثها منها بنبرة هادئة لم يظهر بها الضعف الذي بداخلها:
"مش منك، من حاجات تانية كتير!"
يريد وبقوة محو كل شعور سيء بداخلها وإخراج كل مخاوفها ورهبتها للهواء حتى يتبخر ولا يعود مرة ثانية! خرجت منه ابتسامة صغيرة ثم ردد بشغف:
"عاوزك تعرفي إنك طول ما انت معايا الخوف مش هيعرف ليك طريق!"
ابتسمت بتأثر ثم تساءلت بريبة تعيد على مسامعه حديثها ليلة أمس النابع من قلة ثقتها بمن حولها:
"يعني مش هتشوفني مجنونة؟"
سؤال تكرر على مسامعه مما سبب له فكرة خوفها من حولها عن الانطباع. حرك رأسه بالنفي ثم نظر لها بصمت حتى تابعت بنبرة خائفة خرجت له بوضوح:
"أنا خايفة تسيبني وتمل مني ومن مخاوفي التافهة!"
"قلبي دايما جنبك وهيساعدك وكتفي هيشيلك لو ميلتي عليه، متخافيش."
قالها بصدق ظهر في كل تفصيلة فعله عند الحديث، نبرته، كلماته، حركة يديه، نظرة عينيه. لا يدري لما يرمي على مسامعها كلمة عدم الخوف منه أو من غيره، ولكن استشعر خوفها لا يعلم هو أ منه أم من الزمان! أما هي فنظرت بتأثر من صدق كلماته الذي رماها على مسامعها للتو. لم تشعر بنفسها سوى عندما تحدثت مرة واحدة قائلة باختناق ظهر في نبرتها:
"هخاف تسيبني بعد ما اتعلقت بيك. كل ما بتعلق بحد بيمشي ويسيبني. متعلقتش أوي بحد بعده إلا انت. إمته معرفش! خوفي من إني أتعلق وأتكلم وأتعرف على ناس جديدة كان بيظهرني في نظر الكل مجنونة. أنا معتش بثق في وجود حد معايا. محدش عارف إني لسه بروح لدكتور نفسي منهم غيرك انت وجميلة!"
صمتت تأخذ أنفاسها ثم طالعته فوجدته يستمع لها باهتمام ظاهري ونظرة عينيه المتمعنة بها واللامعة بلمعة الحزن تلك المرة. أما من داخله لم يكن ثابتاً بتاتا. حرك عينيه بمعنى الاطمئنان حتى واصلت مرة أخرى تتحدث براحة استشعرتها فالحديث معه منذ فترة:
"زمان لما بابا مات أنا قعدت فترة فاقدة النطق. عايشة في أحلام مع نفسي إنه لسه معايا وموجود. رفضت الواقع بكل اللي فيه واختارته هو لوحده. كلهم بلا استثناء كانو شايفني اتجننت خلاص بسبب اللي كنت بمر بيه. بس أنا مكنتش ساعتها مجنونة. لو حد عرف إني لسه بروح دكتور نفسي منهم هيفتكروني حصلي حاجة زي زمان. مستحيل أرجع نظرتهم المشفقة دي تاني. أنا مش عاوزة أشوفها. كل مخاوفي منها من مرات عمي اللي كانت فضحاني في كل مكان بإني خلاص اتجننت. محدش كان بيتكلم غيرها. كلامها في كل مرة كان بيرجعني لورا حتى لو كان في تقدم. كام مرة عمي جه عليا واتظلمت بسببها. كام مرة حد فكر إني ممكن أكون مجنونة فعلاً بسبب كلامها عليا وانهم خلاص شايفني ناقصني مستشفى المجانين. ليه مكنتش بخرج وليه منعت نفسي إني أتعرف؟ كان بسببها بسبب إن نظرة اللي برا وبعض الجيران ليا بإني خلاص بقيت لا أصلح أكون إنسانة عاقلة. كلامها وكلام الناس والجيران والقرايب خلاني معتش واثقة في اللي حواليا حتى نفسي. بقيت بعمل حساب لنظرتي ورد فعلي قدام حتى أخواتي وماما ليفكروني مش طبيعية تاني. وحسن اللي عاوزني بالغصب كان حتى نظرته ليا كأني ضعيفة وهيضحك عليا عشان مجنونة كانت باينة أوي. محدش وقف جنبي غير ماما وإخواتي. وياسمين هي الملجأ الوحيد ليا لو الدنيا قست عليا وحد كلمني. حتى أنا خايفة أقول إني مش مبسوطة إنها هتمشي وتسيبني."
صمتت تأخذ أنفاسها وهي تحاول بقدر الإمكان بأن لا تهبط دموعها. كلمات وحديث ألمه من الداخل حتى وإن لم يكن حزنها وأسبابه كفيلاً لأذية غيره ولكن من يعاني مثلها كان سيتفهم جيداً. وضع نفسه مكانها كما يضع في كل مرة بسبب طبيعته التي تضحي من أجل من يحبهم فقط. يوقعه القدر في أشخاص يعانون مع الحياة حتى شقيقه الذي كان يشعر به ولو ذرة لم يعترف بذلك. أما هي! من كان سيشعر بها وهي تشعر بأنها بمفردها وفي نظر الجميع كانت مختلة عقلياً حتى الصامتين الغير معترفين ظاهرياً بذلك في البداية. نظر لها بحزن ثم خرجت منه نبرته الذي حاول منذ لحظات بأن تخرج ثابتة منه حتى تحدث قائلاً:
"انت الواحد يتعافى بيك. وعمرك ما كنت مجنونة. وكل اللي وصلك للحالة دي أنا مش هسيبهم يفضلوا يأذوا فيك كده صدقيني."
نظرت له بامتنان صادق وهي تطالع عينيه التي بدت صادقة وصريحة في نظرتها. ثم تساءلت بخوف داخلي وريبة ظهرت له بقوة مما جعله يقلب الحوار لآخر:
"يعني مش هتسيبني؟"
"تؤ."
"هتكسرني؟"
"تؤ."
"يعني بتحبني؟"
"تؤ."
قالها بمرح حتى يخفف من الأجواء المشحونة بمشاعر عدة. لم يسمع منها سوى شهقة خافتة ومن بعدها صوت ضحكاتها. ضحك بخفة عليها ثم صمت للحظات ولم يريد أن يفتح الحوار مرة ثانية بل راوغ في حديثه كي لا تبكي كما يراها تكتم الدموع بعينيها ثم سألها باهتمام:
"بتعرفي تدافعي عن نفسك؟"
عقدت "نيروز" مابين حاجبيها بتساؤل ثم قالت:
"إزاي؟"
"يعني تثبتي حد، تعوري حد، تضربي حتى حد حاول يتهجم عليكي بالضرب."
نظرت له باستنكار ثم تحدثت بتلقائية وهي تضحك:
"أثبت وأعور!! انت بتهزر صح؟"
نظر لها "غسان" بتمعن ثم هز رأسه وهو يخرج ما بجيبه تزامناً مع قوله:
"زي ما."
نظرت له باستفهام ثم تفاجأت به وهو يمسك يديها حتى يلبسها سوار فضي اللون صلب بعض الشيء. ألبسه إياها بهدوء، حتى نظرت له بتساؤل من غرابة شكله وهي تقول بتعجب:
"إيه ده يا غسان؟"
أحكم غلقها على يديها ثم رفع أنظاره قائلاً لها ببساطة:
"مطوة عشان لما عمك ومرات عمك وأي حد يقربلك وأنا مش جنبك تعلمي عليه وتثبتيه على طول."
تبجح منها يرسله لها بعد أن أخذت منه بعض الجرأة في الحديث معه. نظرت له بذهول ثم رددت بغير تصديق قائلة بحديثها العفوي:
"انت مجنون؟ عايزني أعورهم بالبتاعة دي!"
"لسانك بقى طويل معايا يا رزقة، مرة قليل الأدب ومرة مجنون وكده كتير!"
نظرت له بعدم استيعاب، فقالها بمكر. ثم نظرت له وهي تتحدث بجدية:
"انت جبت البتاعة دي منين؟ وشكلها عامل كده ليه؟"
"جبتها وأنا جاي بعد ما قولتيلي إن عمك مد إيده عليك. ثانياً، محدش قالك عوريهم، ثبتيهم بيها لو حد قربلك هتلاقي كل واحد فيهم اتصنم مكانه متبقيش طرية كده!"
قالها "غسان" بهدوء شديد مع بساطته في تسهيل أمر ليس طبيعياً. فضحكت هي من قمة هذا العبث وهي تعيد النظر بها. ثم مدت يديها لتضغط على زر يشير لفردها حتى فتحت على فجأة بشكلها وهي تنفرد بالطول متعلقة فقط من يديها. ناظرة على الجزء الصغير الحاد جداً بها. كانت لا تظهر كلياً بأنها أداة حادة بل كانت كأنها سوار. لم يسمع سوى صوت ضحكاتها عندما استوعبت الأمر سريعاً. ابتسم على ضحكتها ثم تفاجأ بها وهي ترفع يديها حتى تعبث معه لتضعها أسفل عنقه بتلك الأداة التي توجد بيديها ومعلقة بها ممسكة بها على فجأة. وقبل أن تلمس عنقه مباشرة، أوقفها على فجأة وهو يمسك يديها يمنعها ثم غمز لها قائلاً بتسلية وإعجاب:
"ده اللي هو علمته الرماية فلما اشتد ساعده رماني."
قالها باستنكار، فسمع صوت ردها بضحكتها الخافتة حتى أنزلت يديها ببطء. فواصل يكمل هو وهو ينظر لها قائلاً بفخر:
"لا بس عال أوي كده."
ضحكت من غرابة الموقف، فقد تتوقع أي شيء منه. ثم نظرت له تبادله الغمزة وهي تتحدث قائلة بمرح وعفوية:
"لا دا أنا أعجبك أوي."
غمز هو لها هذه المرة ثم خرج منه صوته الرجولي وهو يعبث كعادته قائلاً ليحاصرها بحديثه وهو يقول بتبجح ووقاحة معهودة لديه:
"انت كده كده عجباني."
حركت رأسها بقلة حيلة منه ثم تنفست بعمق وهي تنهض بعد أن رأته ينهض. حتى وقفت بجانبه ثم رفعت رأسها حتى تطالعه فوجدته ينظر من أمامه قائلاً لها على عجالة:
"يلا عشان نروح."
بعد مرور بعض الوقت وقفت السيارة أمام المنزل لتنزل كلا من "سمية" و"عايدة" و"دلال" وأخيراً "ورده". جاءت بهن السيارة على مرتين من شقة "حازم" التي كانت تتجهز بواسطتهن. دلف كلا منهن المبنى عندما انتظرن الأخريات. وبقت "ياسمين" معه في السيارة حتى يقضون بعض الوقت مع بعضهما فالخارج. صعدت "سمية" على السلم بسبب مرضها وحتى لا يقل ضغط الدم لديها عندما تصعد في المصعد قليلاً ما تصعد به. ففضلت النساء وابنتها الصعود معها على السلم إلى أن صعدن جميعهن. ووقفت كل واحدة منهن أمام شقتها. لم يشعر أي منهم بتلك التي خرجت تنظر لهن باشمئزاز ولم تلقي السلام عليهن بل ظلت تنظر لهن نظرة استحقار. توقفن عن فتح كل واحدة منهن لشقتها عندما صاحت "زينات" عالياً وهي تتوجه ناحية المصعد تنتظره تزامناً مع قولها:
"عقبال ما تفرشي لبنتك التانية يا سمية ولا هتفرشيلها إزاي وامته يختي وهي عايشة ومقضاياها قدامك أو من وراكي يا وانتِ زي الـ..!"
كلمات خرجت منها بطريقة مستفزة. وقفن جميعهن بصمت إلى أن نظرت لها "سمية" بحدة تقاطعها كما كان حديثها بنفس الحدة وهي تقول:
"قولتلك متتكلميش على بنتي كده. ودي المرة الأخيرة اللي بقولك فيها ملكيش دعوة ببناتي يا زينات. خليكي فحالك."
قالتها بجدية بالغة إلى أن نظرت لها الأخرى نظرة استنكار. أما هن فدلفت كل واحدة منهن إلى شقتها دون نبس حديث حتى لاحظو هدوء الوضع ما أن هبطت الأخرى. هبطت "زينات" في المصعد بعد أن ركبته وهي تنظر من أمامها بغيظ وتشفي. اليوم أول خطواتها في البحث عن ابنتها بمفردها!! خرجت من المصعد ثم سارت في طريقها إلى الخارج وهي تعدل من مسكة حقيبتها بيديها وعلى ذراعها. دققت النظر من أمامها من تلك السيارة التي إصطفت إلى جانب أمام المبنى ليهبط منه الاثنان معا. مهلاً على وجهها بسمة واسعة لم تراها من قبل. نظرت بخبث وهي تقف بمكانها حتى يأتي الاثنان في المدخل لها. ولم تكن سوى "نيروز" و"غسان" الذي سار بجانبها إلى الداخل. وقفت "نيروز" بمكانها ما أن نظرت أمامها حتى نظر "غسان" على الركن التي تنظر له. وما أن نظر علم ما أوقفها. رفع يديه يمسك بيديها بقوة ثم سحبها بجانبه للتقدم وما إن وصلا إلى المدخل وقفت أمامهم "زينات" بطريقة غير مباشرة حتى تمنع سيرها. طالعتها من أعلى لأسفل ثم ابتسمت بسمة تهكمية تزامناً مع قولها:
"يعني مش قليلة الرباية ولسانك عاوز قطعه زي اختك لأ وكمان بجحة وماسك ايدك على العلن عجبي عليك يا زمن. عيني عينك كده يختي!"
في كل مرة تخوض بها كذلك وتشعل من نيران أعصابها. لم ترد هي بسبب مقاطعة "غسان" لها برده حينما رفع يد "نيروز" وهو يضغط على السوار الذي يوجد بيديها حتى خرج النصل الحاد الغير ظاهر. وهو يقدمه بسرعة أسفل عنق الأخرى بواسطة يد "نيروز" الممسك بها. تفاجأت "نيروز" من فعلته التي كانت غير متوقعة بالنسبة لها. أما "زينات" فانتفضت سريعاً وهي تنظر لتلك التي بيد الاثنان معا أسفل عنقها. ابتسم لها "غسان" ثم ردد بثبات وهو على ذلك الوضع الغريب:
"قوليلي كده كنتي بتقولي مين اللي قليل الرباية ولسانه عاوز قطعة وماسك ايد مين و... إيه؟"
قالها وكأنه يسأل بينما ابتلعت ريقها وهي تنظر لهما نفس نظرة الغيظ. نظر "غسان" لـ "نيروز". ثم غمز لها وهو يترك يديها الممسك بها حتى بقت "نيروز" هي التي تضع على عنقها ما بيديها ومن ثم جاءتهم نبرة "غسان" المتسلية بالفتك بأعصاب الأخرى وهو يقول:
"شوفي شغلك بقى يا رزة. أصل ده شغل حريم برا عني الوقتي."
أومأت له حتى وقف هو أمامهما ينظر على شراستها التي ستظهر بعد أن أردف كلماته. كادت أن تهددها "نيروز" إلى أن جاءهم صوت "زينات" وهي تقول رغم تثبيتها أسفل يدي التي تقف أمامها:
"انتوا فاكرين إن كده هخاف يعني ولا إيـ.."
توقفت عن كلماتها عندما قربت "نيروز" النصل الغير ظاهر إلا في حدته أسفل العنق. وهي تقربه من عنقها أكثر حتى بات قريباً منها ثم توعدت لها بنبرتها الحادة الغير معهودة منها:
"أقسم بالله لو إتكلمتي فـ حقي وخوضتي فيا كده تاني بكلام زبالة أنا مش عاوزه أقولك هعمل فيكِ إيه. ســامعــه؟"
قالت أخر كلمة بصراخ وهي تشدد أكثر في مسكتها. أمام أنظار الاخر الذي ينظر باستمتاع وكأنه يشاهد أحد أفلام السينما. هزت لها "زينات" رأسها هزة غير واضحة. خافته حتى لا تقلل من نفسها مهما حدث وهي تبتلع ريقها ببطء. هبطت يد "نيروز" من عليها وهي تنظر لها باشمئزاز ثم تحركت من أمامها إلى الداخل أكثر. بينما نظرت "زينات" بأثرها بشرر. حتى قاطع نظرتها ذلك الواقف بمكانه حتى جاء ليقف من أمامها مردداً بنبرة باردة:
"والله أنا شايف إنه قليل أوي اللي هي عملته. يعني أنا قولتلها شوفي شغلك معاها وجابت أرخص ما عندها. عارفه لو أنا..؟"
صمت يلاحظ تعابير وجهها الممتعضة. فواصل يكمل بنظرة حادة عكس ما سبق:
"لو أنا كنت هخرجك مفرفرة من تحت ايدي وسايحة فـ دمك. ساعتها هتعرفي بقا مين اللي قليل الرباية. ..وبقولك ايه أنا أه ماسك ايدها عادي انت مال أهلك. يخصك فـ حاجة؟"
صمت يلاحظ تعابير وجهها مرة أخرى ورغم ذلك لم تتحدث بعد الآن. ضحكة ساخرة خرجت من فمه ثم من بعدها تخطاها ليذهب إلى الداخل تزامناً مع قوله الخافت الذي قصد أن يصل إلى مسامعها:
"طريقك أخضر يا أم الناقص!!"
قالها وهو يتجه للداخل، ما يبدو أن الأخرى قد صعدت وتركته بعد ما فعلته أمام أنظاره وأنظار زوجة عمها. توجه ليقف حتى ينتظر المصعد، إلى أن ركب به أخيرًا وهو يفكر كيف تكون هذه أحد أسباب مرض الأخرى وتخوفها مما سبق وما هو آتٍ.
"السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله."
قالها "عز" الجالس يقوم بأداء فرضه جماعة مع شقيقته. نهضت "فرح" بتمهل ثم جلست على الفراش وهي تقوم بالدعاء في سرها لشفاء والدتها. جلس "عز" لفترة قصيرة ثم نهض هو الآخر، حتى ارتدى السترة البيضاء خاصته وهو يعدل من ملابسه جيدًا. حتى ابتسم لها وهو يتجه ليجلس بجانبها على الفراش. قاطع تنفسه العميق وحديثه صوت دقات الباب الخافتة. نهض ليفتح الباب بعد لحظات من السير، ثم فتحه بخفة أخيرًا، إلى أن وجدها أمامه. لم يستوعب الأمر سوى عندما ابتسمت بحرج وهي تهتف:
"إزيك يا عز وإزي فرح؟"
حمحم بحنجرته ثم تراجع ليفسح لها المجال حتى تدلف، تزامناً مع قوله الهادئ:
"الحمد لله كويسين، اتفضلي."
ما إن دلفت، وقفت "فرح" وهي تتجه لها لتدخل بين أحضانها بحبور، مرددة بنبرة مختنقة:
"وحشتيني يا جميلة.."
اشتدت في احتضانها لها. لطالما كانت وما زالت "جميلة" كمثل شقيقة "لفرح". كيف لها بأن توقعها بشباك من يريدها حتمًا؟ الأمر صعب، حتى أنها لاحظت عدم اتصاله وتهديده لها، متمنية بذاتها بأن لا يهاتفها مجددًا. وكأن شيئًا لم يكن، خرجت من أحضانها ثم جلست بجانبها على الفراش بهدوء، تحت أنظاره غير الواعية مجازيًا من رؤيتها. حاول الهروب من شعوره وتآكل ما بداخله بسبب رؤيتها لها، ولم ولن يستطع أن تكون له. له بمحاولته لفتح الموضوع، وللمحاولة وقتها، وللقدر رأيه في وقت آخر. ابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه، ثم قال بنبرة هادئة ليترك لهما المساحة الخاصة:
"طب أنا هستأذن أنا بقى عشان تبقوا على راحتكم.."
أومأت له "جميلة" ثم تحدثت سريعًا قبل أن يرحل:
"أنا آسفة، بس قبل ما تمشي كنت هقول حاجة مهمة. حنة ياسمين بكرة، وكنت عاوزة فرح تيجي وتفك عن نفسها، وكده كده الفرح برضه أنتم معزومين أكيد."
حرك أنظاره صوب شقيقته ثم تنفس بعمق، وهو يردد بلباقة:
"إن شاء الله هنيجي، وربنا يسهل. محتاجين حاجة؟"
أومأوا له بالنفي، تزامناً مع سيره ليخرج من الغرفة حتى يتركهما مع بعضهما. خرج من الغرفة حتى انتبه له وهو يقاطع سيره متحدثاً بلهفة، وكأنها والدته هو، عندما رأى "بسام" يتحدث والبسمة تزين وجهه:
"إزيك يا عز، عندي خبر كويس جدًا ليك انت وفرح."
ابتهجت ملامح "عز" وهو يتمنى بأن يكون ما خطر على عقله، ولكن أدمعت عينيه بفرحة حينما ردد الآخر كلماته:
"والدتك فاقت من شوية."
نظر له بفرحة وتأثر، ثم رفع ذراعه تلقائيًا حتى يحتضنه. ورغم تفاجؤ "بسام" من فعلته، إلا أنه تمسك به جيدًا وهو يبادله الاحتضان، مشاركًا إياه بفرحته. خرج سريعًا من بين أحضانه ثم تحدث بتعلثم:
"لمؤاخذة يادكتور، الفرحة بس خدتني."
"انت بتقول إيه يا عم عز؟ إحنا مش اتفقنا إننا صحاب؟ ربنا يخليها ليكم ويبارك في عمرها. طبعًا هي مش واعية أوي أوي فهتاخد وقت كده لحد ما تستوعب، وإن شاء الله خير.."
أومأ له "عز" بلهفة ثم تحدث سريعًا وهو يسير من أمامه، تزامناً مع قوله:
"مش عارف أقولك إيه على الخبر ده. لازم أروح أفرح فرح وجميلة."
قالها ثم أشار له بأن يتبعه. لا يعلم أَيضحك الآخر على ما يفعله أم ينظر بتأثر. وليس فقط هذا ما فعله، بل أشار له بالسير معه كي يشاركه فرحته.
كانت تجلس معهم بعد أن انتهوا من تناول الطعام منذ وقت فات. نظرت "سمية" لابنتها بتمعن، فالابتسامة لا تفارق وجهها، كما أنها تتحدث بأريحية، خاصةً أن "حامد" و"دلال" فقط كانوا موجودين معهم ومع "بدر" وصغيره. توجهت "نيروز" ناحية المطبخ حتى تجلب صينية العصير من "وردة" التي نادت باسمها عاليًا. خرجت من المطبخ بعد لحظات وبيديها صينية عليها أكواب من عصير الفراولة. توجهت به ناحية "حامد" أولًا حتى يأخذ منها. فابتسم لها باتساع ثم تحدث بلطف:
"تسلم إيديك الجميلة يا روز."
ابتسمت له بحرج وهي تتوجه لتعطيهم جميعًا، حتى وقفت عند "دلال" التي ابتسمت لها بحب وهي تأخذ منها قائلة بتلقائية وتمني:
"عقبال ما نشرب شرباتك قريب يا حبيبة قلبي."
لاحظت "نيروز" تلميحها، كما لاحظ "حامد" الذي تنحنح سريعًا بحنجرته، تحت أنظار "بدر" الذي يكبت ضحكاته وهو يتفهم الوضع جيدًا. لم تجلس معهم من بعدها، بل توجهت بكوبها إلى غرفتها وهي تستأذن، ثم دلفت شرفتها به وهي ترفع يديها تقف على أطراف أصابعها وهي تدق دقة على باب الشرفة الخشبي لديه. لم تستمر دقائق حتى خرج لها وهو يرتدي سترته القطنية الزرقاء على جزعه العاري وهو يغلقها من السحاب إلى مقدمة صدره. لم تنظر له، بل حركت أنظارها بعيدًا، متظاهرة بعدم انتباهها لذلك. تنفست ببطء أخيرًا، ثم طالعته وهو يبتسم لها قائلاً على ما فعلته عند مجيئهما من العمل، فهما لم يتقابلا من وقتها. نبس بنبرته المتعجبة وهو يغمز لها بمرح، مرددًا:
"ده إيه الحلاوة اللي عملتيها تحت دي!"
نظرت له ببسمة صغيرة ثم قدمت له الكوب تزامناً مع قولها الساخر:
"قول إيه النمرة اللي انتي عملتيها تحت!!"
ضحك بخفة وهو يأخذ منها الكوب ثم وضعه على السور تزامناً مع قوله:
"هتلبسي إيه في الحنة؟"
نظرت له بدهشة من إردافه لحديثه ذلك، ثم طالعته فوجدته ينظر لها باهتمام. حتى أردفت قائلة تجيبه:
"فستان بسيط كده لونه بيبي بلو، ليه؟"
"طب مينفعش فستان أبيض وناخدها من قصرها وخلاص!"
قالها وهو ينظر لها بتسلية، بينما طالعته بحرج وهي تنظر له ثم قالت تجيب حديثه:
"لا مينفعش. هو انت مش جاي؟"
"لا ما تيجي انتِ!"
قالها ببساطة، فوجدها تنظر له بحدة مرددة:
"أجي فين؟ برضه يا قليل الأدب!"
عقد حاجبيه وهو ينظر لها ثم ردد يقول:
"مش بقولك لسانك طويل! عالعموم أنا مش جاي فعلاً. أنا رايح أشتري هدية لوسام اللي مش عارف إيه هي وبعدين ورايا مشوار، فبقولك ما تيجي."
تراجعت بحديثها ثم وزعت نظراتها في المكان، وهي تتنفس بعمق، ثم تساءلت:
"مش عارف تختار هدية؟"
"لأ عارف بس محتار!"
أومأت له بتفهم، ثم نظرت له حتى تحدث قائلة له:
"طب أنا كنت هنزل أشتري كام حاجة لبكرة. أنا هختار معاك، عال؟"
مهلاً، هذه ليست كلمتها بل كلمته هو؟
استطاعت وبكل سهولة أن تمتزج طباعها بطباعه وحديثه بحديثه. لم تسمع هي سوى صوت ضحكته الخافتة وهو يردد لها بزهو:
"لا ده إحنا كل شوية بنتطور وهنوصل لمرحلة الكوبي بيست قريب، ده بسام معملهاش."
ضحكت على حديثه، ثم نظرت له بتمعن تزامناً مع قولها من بين ضحكاتها:
"انتوا مش شبه بعض أصلاً، ودي حاجة محيرة بصراحة. كنت بفكر إن كل توأم بيبقوا شبه بعض أوي حتى في الطباع!"
نظر لها هو بفهم مما تقوله، تنهد ليخرج أنفاسه وهو ينظر لها، ثم ردد بعد لحظات بعقلانية في أول حديثه ومشاكسة في آخره:
"لا مش صح غالباً، كل توأم هما شبه بعض في الشكل بس، حتى الطباع بتبقى العكس، وأنا مش زيه ولا هو زيي، بس الشكل واحد والجدع اللي يعرف يفرق زيك كده!"
"أنا معرفتش أنا عرفت أفرقك إزاي فجأة كده، بس إنت مش زيه وده اللي عرفته بعدين."
ابتسم لها باتساع فوجدها تكمل حديثها بأريحية وهي تقول:
"أول حاجة خطرت في بالي وأنا خارجة أشوف مين اللي واقف ومتبهدل، قولت ممكن يكون أخوك، حتى لما بصيت اتلخبطت يمكن عشان مش عاوزة أصدق إنك إنت اللي واقف كده وبتنزف دم من دماغك. بس لما استوعبت الوضع جريت عليك ومسحت دمك من غير وعي وأنا خلاص عرفت من جوايا إنك إنت. بعدها قولت ليه ممكن يحصل فيك كده وهو لأ، عشان أنا كنت أتوقع إنك تضربه وتعوره لكن هو لا بحكم إنه ظاهر لنا هادي ومحترم كده وملوش في حاجة. بس عرفت كلمتك وافتكرتها على طول 'الإخوات جزء من الروح وأنا كل روحي إخواتي'. ساعتها عرفت إنت مشيت واتأذيت ليه، حتى من غير ما أعرف أسباب بس عارفة إنك مش تمام! إنت ممكن تقول كل اللي في قلبك وأنا هنا هسمعك."
كان ينصت لها بتمعن وهو يخرج أنفاسه الثقيلة من على صدره، لا يعلم كيف فهمت وشعرت به كذلك ولكنها يبدو أنها أحبته منذ فترة كبيرة دون أن تعلم هي نفسها حتى تفهمه. لم يظهر لها سوى بسمة صغيرة وهو يتحدث بهدوء ناظراً في عينيها بقوة:
"كنت خايفة عليا وأنا مش هنا؟"
حديثه بغرض الهروب بطريقته الغير هينة في طرحه لسؤال يربكها به، نظرت له باستنكار ثم وزعت أنظارها في المكان قائلة باختصار:
"لأ!"
"كذابة، ده البلد كلها عرفت إنك خايفة عليا، لأ وكمان دافعتي عني ووقفتي لبسام وسألتي حامد ووسام ودلال..!"
نظرت له بدهشة مما علمه، ثم هربت بأنظارها وذ عنفته قائلة:
"إنت هتبطل امتى زنق بالكلام عليا!"
قالتها بغيظ، ثم التفتت لتخرج من الشرفة حتى تذهب كي لا يلاحظون غيابها، فقاطع سيرها صوته وهو يناديها قائلاً من بين ضحكاته الخافتة:
"استني!"
التفتت تنظر له ثم تساءلت بغيظ مكتوم:
"نعم؟"
هز كتفيه ببساطة ثم قلب عينيه وهو يشير لكوب العصير الموضوع على السور تزامناً مع قوله:
"خدي الفراولة."
توجهت تسأله بهدوء بعد أن كانت ستخرج من الشرفة وهي تحدثه بلين:
"مش هتشربه ليه؟"
"بيعملي حساسية."
ضحكت بقوة لتثير استفزازه، ولكنه نظر لها مطولاً وهو يردف:
"بتضحكي أوي!"
هزت رأسها لتؤكد له من بين ضحكاتها حتى ابتسم رغماً عنه على ردة فعلها وهي تأخذ الكوب. أخذته وهي تشير له بأنها ستخرج من الشرفة، فتركها ودلف إلى الداخل مردداً بخفوت لنفسه وهو ينظر في المرآة:
"طب ما حاجة تضحك بردو، يعني راجل طويل وعريض وبدقن وبيجيله حساسية من الفراولة!!"
قالها وهو يخلع سترته حتى يبدل ملابسه لأخرى مناسبة للخروج، كي يستطيع الخروج إلى حيث ما نوى.
***
لم يكن سوى بكاء، بكاء واحتضانها لصديقتها ما أن علمت أن والدتها قد فاقت. ربتت عليها "جميلة" بتأثر، وقد أدمعت عينيها هي الأخرى، تحت أنظار "بسام" و"عز" الواقفين من أمامهم. نظر "بسام" لها وهي تبتسم بفرح، بينما كان ينظر الآخر لها، فإفاقة والدته خطوة جيدة وعادلة بالنسبة له حتى يتقدم لها وسيتركها تأتي كما تأتي، فقد تردد كثيراً، ولكنه سيفعلها على أية حال! تنفس "بسام" بعمق، ثم خرجت نبرته الهادئة وهو يقول:
"ربنا يبارك في عمرها، طبعاً هنستنى لبليل كده نشوف الأوضاع إيه ومستوعبة ولا لأ، ولو كويسة طبعاً هتتنقل أوضة تحت الملاحظة شوية قبل ما تخرج إن كانت حالتها مش محتاجة رعاية لسه."
أومأ له "عز" بتفهم، ثم عاود النظر لشقيقته وهو يأخذها بأحضانه بسعادة. تنحنحت "جميلة" ثم تحدثت قائلة بلباقة:
"طب أنا هستأذن عشان منتأخرش أكتر من كده."
أومأت لها "فرح" وهي تحتضنها، ثم خرجت معها من الغرفة، ومن بعدها خرج الاثنان حتى وقف "بسام" أمام "جميلة" وهو يهتف باحترام:
"استني أوقفلك تاكسي، أو لو مش عايزة تتأخري ممكن تستني وتبقي تروحي معانا."
قالها تحت أنظار "عز" المترقبة للوضع. لم يأتِ في عقله سوى تخيل بعيد، رغم حديثه العادي ولكنه بسبب رؤيته لمهنته وهي كذلك، والطبيعة المشهورة بـ "لا يأخذ الطبيب سوى طبيبته". وهما أقارب! نفض من عقله سريعاً، وهو يهتف عالياً حتى أثار دهشتهم من اندفاعه:
"لا لا خليك يا دكتور، إحنا بنفهم في الأصول وهي كانت جاية لفرح، هنزل معاها هنا، اتفضل شوف شغلك ربنا يعينك..!"
قالها وهو يشير لها بلطف بأن تتحرك معه، ورغم خجلها من الموقف سارت معه بخطوات عادية. عقد "بسام" حاجبيه من اندفاعه السريع ذلك، حتى نظر لها فوجدها تبتسم بأثرهما بحماس. هتف بنبرة هادئة يسألها:
"بقيتي أحسن؟"
التفتت تنظر له بابتسامة واسعة ثم رددت:
"بعد الخبر ده المفروض أكون أحسن حاجة."
أومأ لها بابتسامة ولكنها اختفت سريعاً عندما وجدها تتجه ناحية المصعد ولكنها وقفت تنظر عليه من على بعد حتى تحركت ناحيته. علم "بسام" بما تنوي فعله من كلمات ترميها على مسامعه. توجهت أمام أنظارهما لتقف أمامه، ثم طالعت "فرح" من أعلاها لأسفلها وهي تردد بغير اهتمام:
"مش بطالة، مقولتليش إن ذوقك بقى بيئة أوي كده!"
فتحت "فرح" عينيها على وسعها من أثر تلميحها الوقح. نظر لها "بسام" بشرر من عينيه وهو يستأذن من "فرح" حتى أشار للأخرى بأن تتبعه لمكان آخر بعيد عن "فرح" إلى أن وقفا الاثنان على بعد منها يكفي لعدم استماع حديثهما! حاول مسك يديه وهو يضغط عليها ثم هتف أمام وجهها بجمود:
"عاوزة إيه يا تاج مش هتبطلي ترخصي من نفسك وتجري ورايا في كل مرة؟ ما كفاية بقى!"
ضحكت بسخرية وهي تطالعه قائلة باستفزاز:
"أجري ورا مين يا دكتور، أنا اللي يـتجرى ورايا مش أنا اللي أجري ورا حد. وبعدين أنا جايه آخد التقارير بتاعت الحالة مش قولتو إنها خلصت النهارده، عايزة أعرف النتيجة!"
كما توقع تماماً، نظر لها وبداخله يتذكر حديث شقيقه حتى أجابها:
"تعالي بعد ساعتين المكتب يكون اتكتب واتعاد عليه كمان مرة وبالشفاء."
قالها وهو يتحرك من أمامها متجهاً حيث الأخرى الواقفة وهي تنظر لها بغضب مما أردفته، حتى وقف أمامها قائلاً بأسف:
"أنا آسف حقيقي يا فرح مجرد سوء تفاهم بس."
نظرت له وهي تومأ له ثم التفتت لتتجه ناحية الغرفة حتى تدلف بها غالقة إياها من خلفه، فسار هو باتجاهه للأسفل وهو يتخطى الأخرى التي كانت تطالعه بغضب منذ أن تركها واقفة وسار للأخرى.
أما في الأسفل فوقف "عز" بجانبها على الطريق ينتظر سيارة يتمنى بداخله بأن لا تأتي سيارة بهذا الوقت.
غلب تردده حتى أردف علي مرة واحدة يقطع الصمت الذي يحدث بينهما:
"ينفع أتكلم معاك؟ على الاستراحة اللي هناك دي خمس دقايق بس؟"
هزت رأسها فقط من طبيعة حديثه المريبة وهو يردفها، لا تعلم أتضحك أم تخاف من حديثه الذي قاله بسرعة من تردده. توجهت عدة خطوات حتى جلست وهو بجانبها مع حفظه للمسافة بينهما. تنفس بعمق ثم تحدث يسألها بجدية:
"أنا عاوزة أقولك حاجة بس مش عارف، فمش عارف أقول ولا مقولش، بس لو قولت هخاف من ردة فعلك ولو مقولتش هقعد أأنب نفسي!"
أخذ رداً واحداً منها وهو صوت ضحكتها على ما أردفه، ورغم أنه هادئ وعاقل ولكنه أمامها لا يشعر بما يفعله. كان وسيكون الحب الذي يغير من طباع أكثر رجل غامض مهما حدث. أما هو فنظر لها بترقب إلى أن نظر بصدمة من كثرة ضحكها الذي لم يراه من قبل. كم كانت جميلة اسماً وفعلاً وشكلاً في ضحكتها! تنحنح سريعاً يصلح ما أفسده، ولكنها قاطعته وهي تتحدث من بين ضحكتها:
"قول اللي عاوز تقوله، أنا سمعاك بجد."
تنفس بعمق يخفف من توتره، حتى واصل ليتحدث بنبرة هادئة مبتسماً:
"جميلة أنا حاسس نحيتك بحاجة من زمان وعاوز أدخل البيت من بابه عشان أقدر أقولهالك صراحةً، لو لينا نصيب مع بعض، وقبل ما تجاوبي على كلامي أنا قررت إني هكلم باباك وأخوك، وربنا يسهل."
كانت تستمع ونظراتها موزعة بالمكان، لا تعلم بماذا تجيبه، ولكنها صمتت تنظر له بلوم عندما أكمل هو بصدق:
"عارف إني ممكن أكون عيني جامدة عشان بطلب دكتورة وممكن مكونش شبهك ولا اللي خيالك كان عاوزه لشريك حياتك، بس صدقيني أنا مش عارف أقولهالك، بس أنا محتاجك في حياتي وعاوزك بحلال ربنا، وربنا يعلم إني هراعي ربنا فيكي ومش طمعان في حاجة غير وجودك معايا بالحلال."
نظرت له بلوم ووجنتيها مشتعلة من حرارة الخجل. أمسكت يديها حتى تتحكم بنفسها ثم أخذت أنفاسها تجيبه بهدوء، ببعض اللوم:
"لا يا عز، انت مش عينك جامدة خالص، انت بجد إنسان مكافح وشهم عشان اللي بتعمله مع مامتك واختك. وصدقني.."
صمتت من حرجها بما ستردفه، ولكنها أردفتها على مسامعه حتى ابتهج:
"صدقني انت أي بنت تتمناك، لأن اللي ليه خير في مامته واخته هيبقي ليه خير في شريكة حياته، وربنا يقدم اللي فيه الخير.."
قالتها بهدوء، فنظر لها ببهجة وهو يتساءل:
"يعني أكلم باباك؟"
نظرت له بحزن وفرح بآن واحد، لا تعلم بما تجيبه، ولكنها عقدت العزم بأن تحدثه قائلة بصدق:
"مش عارفة أقولك بابا عامل إزاي ومش عارفة رد فعله، بس الأهم بالنسبالك إنك قررت تحاول."
استشف ما تريد قوله عن والدها، فهو يعلم أنه غير هين، حتى بحديث شقيقته عنه أيضاً بعض الوقت. نهضت على فجأة ثم نهض هو من بعدها وهو يقول:
"هحاول عشانك.."
كلمة أربكت من نظراتها في الحال. فرحته بإفاقة والدته جعلته يفعل أشياء يتردد بها منذ فترة كبيرة. كيف ليوم وبساعات ووقت قليل كفيلة لقوله ما يشعر به حتى وإن كان غير مباشر. دقائق بسيطة أخمدت نيران العجز والتردد ولو بذرة. وقف بجانبها إلى أن وقفت لهما سيارة أجرة بيضاء. أشار هو لها بأن تركب بها ثم توجه للسائق حتى يقول له العنوان ويعطى له الأموال بدلاً منها كعلامة من علامات الذوق والرجولة.
***
وقفت أمام المنزل لتنتظره بعد أن أعلمتهم بأنها ستهبط لتقوم بشراء بعض المشتريات. خرج من الشقة أخيراً وهو يدندن كلمات أغنية من أغانيه المفضلة، وما أن رآها قام بتعليق الصوت وهو يدندن بقوله الملحن الهادئ مبتسماً لها:
". وقمره وسهره .. وانت وأنا يا حبيبي أنا .. يا حياتي أنا."
قالها برواقه وهو يعدل من سترته السوداء بعد أن أغلق الباب من خلفه. ابتسمت له بسعادة مرددة خلفه بدندنة:
"والهوى أه منه الهوى!"
غمز لها بإعجاب، ثم ردد لها بحب ومرح:
"دا الله عليك يا ست!"
ضحكت بخفة وهي تتجه معه ناحية المصعد، وقبل أن تدخل نظرت له بتحذير غير واثقة بعبثه. فطالعها باطمئنان قائلاً بثبات لها:
"أمان متخافيش."
ابتسمت وهي تدخل وهو من بعدها حتى ضغط على الزر للهبوط إلى الأسفل. لم تكن سوى لحظات حتى توقف المصعد ليخرجا منه، وما أن خرجا وجدوها هي مرة ثانية وهي تنتظر المصعد. نظرا لها باستنكار حتى كانت تطالعهما "زينات" بحقد. التفت "غسان" برأسه ينظر لها ثم تحدث قائلاً على مرة واحدة بتلقائية وهو يحرك رأسه لـ "نيروز":
"هو كل شوية هنعيد؟"
ضحكت بخفة ثم نظرت لها وهي تقف من أمامها حتى تخطتها بجرأة تزامناً مع ردها الذي امتزج بالكيد التي أخذته منه:
"لأ، إحنا مبنقولش كلامنا إلا مرة واحدة بس."
نظر بأثرها بغير تصديق من تطورها. سبتها "زينات" بخفوت، فكان يضحك هو بخفة وهو يتحرك من خلفها ناظراً للاخرى بقوله:
"مش هبشرك باللي جاي عليكم طالما بقت معايا لأ وكمان بقت نسخة وكوبي مني. الله يعينكم والله.."
قالها باستفزاز، ثم سار ليتركها وهو يخرج حيث السيارة التي وقفت تستند عليها الـأخرى متمسكة بأعصابها. نظر لها بفخر وهو يقول تزامناً مع فتحه للسيارة ناظراً بعينيه لأعلى يشير:
"دا الفخر وصل لأعلي دور في أعلى عمارة هنا."
نظرت له وهي تكبت ضحكتها تزامناً مع ركوبها بجانبه في الأمام حتى يتحرك بها بعيداً عن المبنى.
***
"مبتأكليش ليه؟"
هتف بها "شريف" الجالس ومن أمامه الطعام بينما كانت هي تجلس بجانبه. نظرت "فريدة" له بتردد ثم رددت تجيبه باختصار:
"مش جعانة."
نظر لها بتعمق، ثم حاول إعطاء سبب لما تفعله من تجنبه. بينما تابعت هي مرة واحدة مما فاجئه قولها الذي امتزج بالجدية:
"شريف هو انت بتحبني؟"
بسمة جانبية لاحت بجانب شفتيه، علم ما تهابه وما تخافه وما تفكر به. لذلك حاول التعامل عكس ما كان يفعله. حتى نهض ثم أخذ يديها بين يديه وهو يتجه لمقعد أكبر ثم ردد بنبرة هامسة لها:
"بتقولي ليه كده؟ مش باين عليا إني بحبك؟"
نظرت له بتعمق وأثر كلماته تؤثر بها، وقبل أن ينجح بما يفعله هتفت بتلقائية لما تشعر به تجاهه تلك الأيام:
"بحسك بتاخد جنب مني ومش بتحبني زي ما بحبك. أنا سبت الدنيا كلها عشانك ولسه بردو مقعدني معاك من غير حتى ورقة تثبت إني هبقى مراتك وعايشة معاك بسبب كده!"
نظر لها بتمعن ثم رفع يديه يقبلها برقة على فجأة مما أثار ريبتها منه، فهو لم يكن ليفعل ذلك بتلك السهولة. ابتسمت له بسعادة تزامناً مع قوله:
"قريب هتبقي مراتي بس أنا بحاول ألاقي وقت مناسب عشان عندي مشاغل اليومين دول. بس هجيب الورقة وتمضي طالما مش حابة تقعدي معايا وانتي كده. حقك."
رفعت ذراعها كالمغيبة لتحتضنه وهي تردد بنبرة ناعمة من أثر ما أردفه للتو:
"براحتك، أنا عارفة إنك بتحاول تلاقي الوقت المناسب بس أنا مبقتش أحس بالراحة وأنا كده!"
رفع يديه يربت على ظهرها بهدوء. هدوء عكس ما بداخله. بماذا تقصد الراحة؟ عن أي راحة تتحدث؟ هو الذي لم يري الراحة بسبب من حوله وبسبب ما حدث له حتى والدها الذي كان سبب من أسباب عدم راحته. تأجيله لما ينوي فعله بسبب وزنه للأمور ينتظر أشياء وأحداث معينة حتى يفعل ما يفعله وقت تدميرها لابد أن يحدث مع وقت تدمير شقيقها أكثر من ذلك. حتى شقيقتها الاخرى الذي ينوي الوقوع بها ولكن ليست كحد اهتمامها هي وشقيقها بالأساس. يريد الوقوع بذلك الرجل ويشعره من كأس المرارة الذي تجرعه منه، خاصة بفتياته وإن كان يشعر.
لم يخرج من شروده سوى عندما دق الهاتف بجيبه، حتى خرجت هي من بين أحضانه سريعًا.
وهو يمسك الهاتف ويخرجه من جيبه دون النظر لمن الذي يطلبه، فقد كان رقماً فقط. هو يعرفه ظاهرياً.
نهض ليجيبه بكلمة واحدة، حتى أتاه الرد الذي أصابه بمقتل وضغط على جرحه أكثر. لم يتوقع ذلك بتاتاً، بل تمنى أن تفارق الحياة كلياً، كما فارقت الأخرى التي حملته في أحشائها.
أغلق الهاتف سريعاً، ثم جذب سترته ليرتديها سريعاً، وهو يخرج من باب الشقة بغضب دفين أمام أنظارها المسعجبه من ما فعل للتو.
أثار فضولها ما فعله ومن كان يهاتفه، ولكن على أية حال سيأتي لها وتعلم هذا كان من وجهة نظرها.
حتى عادت تبتسم باتساع وهي تتذكر كلماته لها منذ قليل.
"وجودها في كل شيء يهوّنه، وكأنها دواء لداء الجرح الداخلي. كيف بإمكانك أن تسحبي أوجاعي ناحيتك بسهولة؟ كيف لكِ؟ وكيف لعينيكِ أن تجعل ما يحدث أبسط ما يكون؟"
قبل عدد ساعات قليلة، منذ ذهابهم لمطعم سوياً. أخذ النادل الأطباق من أمامهما، بينما كانت تطالعه "ياسمين" جيداً منذ بداية جلستهم. يتحدثان بأمور عدة، تارة تشاكسه وتارة يشاكسها.
ولكنها تنفست بعمق الآن، حان موعد حديثها معه عندما وجدته شارداً. تنهدت تخرج أنفاسها، ثم سألته بعد انتهاء كلاهما من الطعام:
"ممكن تقولي مالك بقا؟ أنا متكلمتش فحاجة تخصك ولا قولتلك مالك من أول القاعدة، بس أنا حاسة إنك مش مبسوط يا حازم. احكيلي وأنا جنبك، عمري ما هبطل أسمعك والله."
نظر لها "حازم" مبتسماً، ثم ردد بهدوء يطمئنها:
"أنا كويس والله ومبسوط أكتر من أي حاجة. مش كفاية خلاص الحنة بكرة وخلاص قربنا خالص وهتبقي فـ بيتي ومعايا دي مش حاجة تبسط الواحد، بزمتك؟"
نظرت له بحب، ثم أومأت له وهي تهز رأسها قائلة بوضوح:
"أنا عارفة إنك مبسوط بـ ده، بس بردو مش مبسوط من حاجات تانية. عارفة إنك تعبت من عمي وتعبت من مراته، حتى اتهامها ليك وانه مدافعش عنك ولا وقفلها دي حاجة خبيتها جواك وقفلت عليها. حتى اختفاء فريدة اللي مش مفهوم. كل ده مزعلك واكتر، بس أنا عارفة ان كل ده هيعدي والله، طالما أنا جنبك. ويا عم مش إحنا اتفقنا ننبسط ونفرح ونبقى نشوف للزعل وقت تاني بعد ما وقت الفرحة يخلص؟ حبني يا عم، أنا ناقصني حب والله!"
قالتها بمرح حتى تخفف عنه، حتى وإن كانت غير قادرة على التخفيف. ولكن بنظره هو، فوجودها فقط يخفف من عليه أي ثقل. ابتسم على ما أردفته من مشاكسة تشاكسه بها، حتى رد هو عليها مشيراً بيده بغير اهتمام:
"على رايك، إحنا بنتشعبط فـ الفرحة أصلاً، وخصوصاً لو فرحة مجيتك لبيتي وانك هتبقي معايا وفـ حضني خلاص، يبقي نفرح لحد ما نقول بس!"
ضحكت بخفة، ثم نهضت وهي تمسك يده قائلة بحماس:
"كده تعجبني يا أبو الحزايم، قوم بقا نتمشى وناكل آيس كريم ونتصور كده ونعمل كل اللي نفسنا فيه ونروق على نفسنا وننسى أي حاجة تعكر مزاجنا."
نهض بسعادة من بهجتها التي أصابته للتو، سار ممسكاً بيدها وهو يخرج من المطعم بعد أن وضع الأموال على الطاولة. نظر لها قائلاً، وهي تسحب يده بحماس كي تخفف عنه:
"استني يا مجنونه.. براحة الناس بتتفرج علينا."
قالها من بين ضحكاته وهي تسحبه خلفها بسرعة. من المفترض أن يفعل هو ما تفعله الآن، ولكن صدق قوله عندما هتف بها مرة واحدة أمام الجالسين عندما نبس بقوله بأنه هو الذي يشعر بالأمان والإطمئنان في وجودها وليس العكس.
لم يأخذ منها صوتاً سوى صوت ضحكاتها وهي تسحبه خلفها في الشارع لتسير معه بعشوائية ممسكة بيديه وهي تهزها هزات بمرح، تاركاً سيارته تركن بأحد الجوانب، ثم سار معها وهي تهز يده على صوت لحن الأغنية التي كانت مشغلة في الشارع عند خيمة ما.
"الناس بتبص علينا يا هبلة، هنرقص فالشارع يا مجنونة!"
ضحكت بخفة وهي تأخذ يديه الأخرى قائلة بصوتها العالي المبهج:
"مش مهم الناس تقول إيه، المهم إحنا ننبسط."
صمتت، ثم واصلت مرة أخرى تهتف عالياً للبائع الذي يقف على شاحنه صغيرة محملة بـ "الترمس" وهي تقول:
"ممكن تعلى يا عمو؟"
"بس كده من عيني يا ست البنات."
قالها الرجل الكبير في السن، ثم التفتت برأسها تنظر لـ "حازم" الذي ينظر بدهشة من تجمع الناس من حولهم. كلا منهم أمسك شقيقته، ومنهم من أمسك زوجته، ومنهم من أمسكت يد ابنتها الصغرى، حتى يتراقصوا بخفة وبحركات محكومة للرقص الغير خادش للحياء، الرقص الهادئ.
نظرت له "ياسمين" بسعادة، ثم أمسكت يديه حتى تتراقص معه بهدوء هي الأخرى على الكلمات الخارجة من الشاحنة الصغيرة صاحبها الرجل الكبير في السن ذو الوجهة البشوش.
"قد يروحي ما تمنيتك بكل روح الروح حبيتك
دانا من حبي بخاف عالحب... دانا من حبي بخاف عالحب
دانا من حبي بخاف عالحب... دانا من حبي بخاف عالحب
يوم يخلص يوم يخلص مايفضلش لغيرنا حب
ويجوا الناس يحبوا في يوم ويجوا الناس يحبوا في يوم
مايلاقوش.. مايلاقوش شوية حب
يالي ابتديت الحب معاك.. عمري الحقيقي ابتدا وياك"
لم يأخذ منها سوى فتاة مختلة عقلياً، بريئة. كل ما كان ناحيتها تجاهه هو الحب الذي جعلها تفعل أشياء عفوية لا تعرف ما نتيجتها بعد، بل تعيش وتتعايش هي وهو مع اللحظة السعيدة وفقط. نظرت بحب وهي ممسكة بيديه على الأطفال الذين يقومون بالتصوير بالهواتف لوالدهم ووالدتهم. ولأنه كان شارع بخيمة من فوقه لم يلاحظ الكثير، بل لاحظ من كان بالمكان ومن شارك معهم البهجة فقط.
كان يصفق بحرارة كبار السن ذوات الأوجه البشوشة الغير قادرين على الحركة ليفعلوا مثل من يرقص أمامهم بحركة يد وأرجل فقط.
"تمام، غلفلي دول."
قالها "غسان" لذلك الشاب الذي يقف من أمامه، قاصداً على الهدية التي اختارتها وهي بجانبه. التفت ينظر لها فوجدها تبتسم برضا على ما اختارته لها بمساعدته. ابتسم ثم طالع الآخر وهو يقف من أمامه مقدماً له الصندوق المتوسط في الحجم. طالع هو (بوكيه الورد) وأكثر بجانبه بجميع الألوان. حرك أنظاره صوبها فوجدها لم تنتبه له. أشار لها فنظرت له "نيروز" باستفهام، فابتسم لها وهو يأخذها بركن ما قائلاً بهدوء وهو يشير على الورود:
"ها تختاري إيه؟ ولا اختارلك أنا؟"
نظرت له بحرج، ثم وزعت أنظارها على الورد قائلة بابتسامة صغيرة:
"لأ مش مهم."
"يبقى أختارلك أنا."
تركها بعد أن قالها، ثم جذب بوكيه ليس كبير الحجم، بل كان متوسطاً إلى حد ما ممزوجاً بين اللون الأبيض والوردي. أخذه، ثم وجدها تقف أمام الهدية الأخرى المغلفة. توجه ليقدمه لها ثم تحدث قائلاً وهو يقدمه بيديه لها:
"إمسكي كلاكيت تاني مرة Roses for roses يا روزه."
ترددت في رفع يديها من خجلها وأيضاً ذلك الواقف ينظر لهما. أمسكته أخيراً وهي تبتسم بتوتر. فجاءهما صوت الشاب وهو يهتف مبتسماً لها:
"علفكرة الورد ده لونه جميل ومتنسق حلو أوي، فاطمني دي حاجة نضيفة، ومتروحش غير لحد رقيق وجميل زيك و..."
قاطع حديثه المسترسل إشارة "غسان" له بيديه تزامناً مع قوله الحانق الذي أحرجه بشدة:
"و إيه يا حبيبي؟ ألبسلك حجاب لونه إيه بقا؟"
صمت يتابع ملامح وجهه التي امتعضت ما أن أكمل حديثه. فواصل "غسان" مرة أخرى يوضح بتبجح:
"أيوه حجاب طالما إنت شايفني سوسن!"
حاول الشاب التبرير كطبيعة عمله وهو يبتسم بسمة مصطنعة:
"العفو، مش القصد يا فندم، التعبير خانى أنا أسف، ربنا يسعدكم ويخليكم لبعض."
نظر له من أعلى لأسفل وهو يترك له الأموال على الطاولة التي بدت وكأنها حاجز من أمامه، وإن لم تكن حاجز لفعل الآخر شيء غير الحديث غالباً، وليس مؤكداً. فمهما كانت غيرته فهي ليست لحد اللعنة متى وأين أحبها لفترة طويلة كي يستطيع بأن يدمر كل شيء بسبب كلمة. هذا ما يبدو أن يجب عليهم أخذ فترة أكثر أيضاً بالتعارف حتى وإن كان يحبها ويغير. وهي كذلك.
التمعن في اختيار شريك الحياة أمر ليس سهلا، حتى وإن كانا يحبان بعضهما لدرجة فهم كل منهما للآخر، فالوقت كفيل لتحذيرك من عيوبهما قبل مميزاتهما.
أما هي فارتبكت وخجلت ما إن أردف الآخر لها هذه الكلمات.
ثم ترقبت بخوف ما حدث من الآخر الذي بدا وكأنه يخفي شيئًا بداخله، بإردفه لكلماته التي بدت باردة للعامل. لم تخرج من تفكيرها به وبما فعله سوى عندما ركبت السيارة وهي بجانبه الآن.
حتى تحرك بها بعيدًا عن المكان.
التفت ينظر لها وكأن شيئًا لم يكن، حتى نبس بنبرة هادئة يسألها بابتسامة صغيرة:
"حلو الورد؟"
ابتسمت بتوتر ثم تنفست بعمق وهي تتحلى بالثبات قائلة بهدوء:
"آه، حلو أوي."
***
بعد ما يقرب من نصف الساعة وأقل، كان هو يجلس بمكتبه ينظر من أمامه بشرود، يفكر بماذا سيحدث بعد قليل، وبماذا ستقول هي. هل ستقول حديثها التي أردفته عليه أم أن لديها حقيقة أخرى؟
نظر على شاشة الهاتف التي أضاءت عن متصل، ولم يكن سوى شقيقه. فتح الهاتف ثم رد بهدوء إلى أن جاءه صوته:
"أنا تحت ومعايا نيروز، تعالى وديها أوضة أخت عز تقعد معاها على ما نخلص اللي اتفقنا عليه!"
"طيب، أنا نازل أهو."
قالها وهو يتنفس بعمق ثم أغلق الخط وهو يخلع البالطو الأبيض الخاص بالطب ثم تركه وهو يخرج من الغرفة سريعًا ليهبط لهما.
دقائق بسيطة وظهر من أمامها. ابتسم هو لهما بترحاب، ثم أشار لممرضة بأن تأتي له قائلًا:
"ودي الآنسة غرفة الآنسة فرح الشرقاوي فوق."
نظر لها "غسان" وهي تنظر له، فأومأ لها تزامنًا مع سيرها بعيدًا عنهم. حتى حرك أنظاره صوب شقيقه وهو يتساءل:
"ها، قولتلها تنزل تشوف نتيجة التحاليل؟"
"أيوه، يلا قبل ما تروح ومتلاقيش حد."
أومأ له وهو يسير بجانبه، إلى أن صعد معه حتى مر بعد وقت لدقائق بسيطة ثم دخل "غسان" الغرفة ومن بعده شقيقه.
التفت "غسان" ينظر على البالطو الأبيض الذي ارتداه بسرعة وهو يشير إلى شقيقه بأن يدخل يقف خلف أحد الأعمدة التي توجد أمامها ستار غليظ يخفي من يقف خلفه، وخلف العمود العريض.
لم تمر سوى دقائق بسيطة وهو يفتح الشرفة معطيًا ظهره للباب وهو يقف بالبالطو الأبيض الذي يخص الآخر. ابتسم بإصفرار ما أن سمع صوت دقات الباب. لم يرد بل تركها تدق أكثر من مرة حتى يأتي بآخرها الذي يعلم بأنها ستفعله. تأكدت توقعاته عندما فتحت الباب بقوة وهي تغلقه من خلفها تزامنًا مع صوتها المغتاظ قائلة بصوتها الذي ظهر منفعلًا وهي تقف خلفه وهو لا يزال يعطيها ظهره:
"إيه؟ مبتسمعش يا دكتور للدرجادي؟ يعني أعمى البصر والبصيرة وكمان أطرش!"
صمتت وهي تطالعه باستهزاء، وهو لم يلتفت لها إلى الآن. حتى تقدمت بغضب تمسك ذراعه المكسورة من الخلف التي لم تنتبه له بأنه مكسور في حامل ذراعي، تزامنًا مع قولها وهي تديره لها:
"هو أنا بكلم نفسي؟ ما نخلصني وتديني التحالـ..."
تـرت كلماتها المنفعلة عندما التفت ينظر لها. وما إن طالعت عينيه التي بدت لونها غريبًا، وإن لم يكن لونها، فلم تجد به الآخر! كيف لسنوات ماضيه تُنسيها نظرته؟ استشعرت أنه لم يكن هو، بل وإن لم تعرفه هي، وإن لم تكن تستطع التفرقة بينهم، فخصلات شعره السوداء كلون شعوره تجاهها كان واضحًا، ولون لحيته الخفيفة الذي كان ظاهرًا لمن يستطع التفرقة بينهما.
فتحت عينيها على وسعها عندما وجدته ينظر لها بتحدي، ولم يخرج منها سوى كلماتها المتعلثمة التي حاولت إخفاء توترها بها:
"انت بتعمل إيه هنا؟ إيه اللي جابك؟"
ضحكة ساخرة مع نظرة تحدي، وهو يقترب أكثر، حتى رجعت هي إلى الخلف تزامنًا مع قوله:
"بالنسبة لـ بعمل إيه هنا، فـ أنا وبسام بنبدل مع بعض كده ساعات، وأهو بالمرة ميشوفش خلقتك المرة دي. أما بقا إيه اللي جابني، فـ دي فيها كتير يا تاج."
قالها ببطء ليثير إرباكها. ابتلعت ريقها برهبة من كونه يعلم عنها وعن حقارتها كل ما يمكن قوله، وبسبب حديثها أيقنت أنها أوقعتهم ببعضهم وانتصرت هي. ولكن يوجد من لديه رأي آخر!
استندت على الباب من خلفها بقوة، لم يعد هناك خطوات لترجع بها إلى الخلف. حاصرها بنظراته إليها حتى بات قريبًا منها بشدة. خرجت ضحكته المتسلية حينما أردفت هي بنبرة حاولت أن تخفي بها الخوف من الداخل حتى برعت في ذلك بقولها:
"ابعد عني، انت بتعمل إيه؟"
إقترب أكثر وهو يهز كتفيه ببساطة ثم تحدث قائلًا بـ لا مبالاة:
"مش هعمل حاجة."
قالها وبكل سرعة أخرج من جيبه مطوته ثم فتحها بقوة أمام أنظارها، حتى شهقت بقوة ما أن وضعها أسفل عنقها وهو يقول بنبرة حادة مستهزئة:
"ابعد عنك!! ضحكتيني، لسه مين مقربش منك عشان تقولي له إبعد عني!"
قوله الوقح زاد من حدة انفعالها. رفعت يديها حتى تبعده عنها، ولكنه شدد من قربه للنصل أسفل عنقها المكشوف. حتى تحدثت هي بنبرة بها بعض الصراخ:
"إخرس، اخرس يا حيوان، إزاي تقول عليا كده!"
نظر لها بشراسة ثم احتلت نظرة عينيه التي عرفتها وتذكرتها. ثم قال بانفعال:
"إزاي أقول عليكي كده؟ انتِ ناسيه انتِ كنتي إيه وعملتي إيه واختفيتي إزاي؟ ولا تحبي أفكرك ونفكر بعض باللي حصل؟"
حاولت أن تأخذ أنفاسها من ضغطه على عرق رقبتها واختناقها وهي تهبط يده ببطء تزامنًا مع قولها الصارخ:
"محدش هيصدقك، حتى أخوك. انت جاي هنا من اللي حصل بكلامي اللي قولته لأخوك؟ إيه إثباتك على كلامك ده؟ ماتقول!"
صرخت بوجهه فابتسم بسخرية ثم ردد وهو يطالعها باشمئزاز:
"لا، من ناحية الإثبات فـ أنا أطلع الفيديوهات بتاعتك اللي كانت مبعوتالي واللي أنا برضه محتفظ بيها لحد الوقتي ونشوف حد كده بتاع مواقع استغفر الله وينزلها عليها طالما ظهرتي تاني فحياته وملتزمتيش باللي هددتك بيه."
قال أول حديثه بكذب، فهو قد مسح كل ما كان مرسل له من فاعل خير. نظرت له بغضب جامح وهي تردد بنبرة قوية:
"مش هتعرف تعمل كده. حتى تهديدك ليا أنا قلبته فـ ثانية وبقى تهديد قربك مني في نظره هو. انت بقيت قذر واللي جايبك تقف مكانه مغفل ومش هيشوفك غير قذر ومريض."
لم يمنعه انفعاله بمسكها بقوة من خصلات شعرها الطويلة، حتى تأوهت بألم تزامنًا مع قوله المنفعل وهو يردد:
"انتِ اللي واحدة ****. كنتي ماشية مقضاياها وانتي مخطوبة لأخويا وكنتي مكملة في إنك تستغفليه وانتي لمؤاخذة مدام!!"
نظرت له باشمئزاز وهي تبصق عليه بتحدي. فشدد من مسكته وهو يقترب ليتحدث بنبرة أعلى وهو يضغط على أسنانه بقوة، ونبرة أثارت ريبتها مع وجعها من مسكة يديه:
"عرفتي يعني إيه القذارة؟ لأ ومش بس كده. كملتي معاه عشان يتستر عليكي وانتي عارفة إنه كان بيحبك ومن كتر حبه ليكي مكنش شايف قذارتك ولا كان عارف إنك كنتي على علاقة بـ واحد غيره، ضحك عليكي ومش مكفيك ده، لا دا كمان بعد ما واجهتك بالحقيقة اللي عرفتها بعدين. جيتي تتمسحي فيا زي الرخيصة اللي مع كل واحد شوية وبكل بجاحة وحقارة جيتي تعرضي نفسك عليا عشان أسكت!"
حاولت أن تفلت من بين يديه ولكنه كان يمسكها بقوة، إلا أن صاحت عاليًا تخرج بالحقائق:
"أيوه عملت كده ولو رجع بيا الزمن مش هرجع أعمل غير كده. ولو واحد أهبل ومغفل وبرياله مش هيكون غير أخوك. وحتى بعد تهديدك ليا قدام بابا بإنك تبعدنا لمكان تاني ونمشي وأختفي وأبعد عن بسام. كل ده مخوفنيش منك. وكنت عارفة إني مسيري هرجع وأبوظ الدنيا بينكم زي ما متأكدة إنه حصل. أنا بكرهكم. بكرهكم يا شوية متخلفين ومغفلين..."
قولها الوقح وبشدة أثار ثورة انفعاله وهاجت الدماء بعروقه. لم تأخذ منه سوى صفعة قوية على وجهها حتى أرجعتها للخلف، ومن ثم وضع النصل الحاد بقوة تلك المرة وهو يهتف بانفعال فاق الحدود:
"أول مرة لما سكت لروح أمك كان عشان خاطر أخويا اللي هو أغلى ما عندي حتى بعد قذارتك اللي حاولتي تعمليها بينا. لكن الوقتي إيه اللي هيمنعني إني أقتلك وأدفنك هنا مكانك؟"
حاولت أخذ أنفاسها من أثر إخناقه بيديها، تحاول وبكل جبروت أن ترد له كلماته الوقحة بأوقح منها، ولكن قاطعهما ذلك الذي خرج من مكانه، والذي نزل عليه الحوار منذ أن بدأ وكأن كلماتهما الاثنين تذبح به ببطء. بل وجرحه الذي بداخله أصبح أضعافا مضعفة. عاش يستغفله وهو معها، ولم ترَ منه سوى كل شعور وتعامل جيد. لما صفعته مائة صفعة وأكثر بما فعلته، ولما صفعته الحياة أكثر وأكثر حتى تقع هي في طريقه؟
خرج أمامهما وهو يهتف بأمر قاطع تزامناً مع فصله عنها:
"بس كفايه!"
يكفي من ماذا؟ منها أم من الحياة التي لم تكن في يوم عادلة معه؟ تنفس غسان ببطء وهو ينظر لها باشمئزاز، باصقاً على وجهها كما فعلت، وهو يرجع خطوات بسيطة إلى الخلف. أما هي فطالعتهما بحقد وكره لا يعلم أياً منهما كيف جاء لها هذا الشعور، ولم ترَ منهم سوى كل خير في البداية. خرجت نبرة بسام وهو يتحامل على نفسه بأن يبقى ثابتاً، ثم ردد يسألها بخيبة، يلومها بكلمة واحدة:
"ليه؟"
بما يفيد اللوم والعتاب لشخص لا يشعر بذرة ندم واحدة. نظرت باستهزاء ثم رددت بوقاحة:
"متقوليش ليه، قول لنفسك يا دكتور ليه عرفت واحدة زيي؟ اللي كانت ومازالت ولسه هتكون نقطة سودة في حياتك."
ألا يوجد حد لوقاحتها وجرأتها الزائدة؟ اندفع غسان نحوها بسرعة حتى أمسكه شقيقه مردداً بنبرة حازمة وهو يمسكه بقوة حتى لا يتوجه ناحيتها بنصله الحاد الذي يوجد بيديه:
"امشي يا تاج، امشي."
نظرت له بصمت، وقبل أن تردف كلماتها، ردد هو من جديد بضعف داخلي:
"امشي عشان أنا مش عاوز أشوف وشك تاني في حياتي. ليه؟ أنا عمري ما وريتك حاجة وحشة، ولا عمري أذيتك، ولا حتى جربت أتعرف عليكي ولا أحب بعدك. كان نفسي ميكونش حب ويكون لعب عيال يوجع القلب شوية ويمشي، بس انتي مفشلتيش بأنك تخلييني أحبك. فرق كبير كان بين الملاك والشيطان. طول ما كنتي معايا مكنتش شايفك غير ملاك. اتعميت وأنا ببص عليكي ومش شايف غير المميز فيكي. طلع مفيش فيكي ميزة واحدة تشفعلك عندي. إزاي قدرتي تخليني أتوهم إنك بتحبيني؟ وإزاي قدرتي تتعاملي معايا كده عادي ولا كأنك تعرفي عليا، لأ وكمان على علاقة بغيري وعاوزة تستغفليني. واحد غيري كان موتك في إيده، بس أنا مش هعمل كده، ولا أي حاجة تسمحلي ولا من تربيتي إني أذيكي. مش عاوز أشوف وشك تاني، وأي حاجة تخصك أنا هبقى براها. امشي!"
نظر له غسان نظرة تعنيف من عدم قوله كلمات تجرحها كمثلها، حتى اندفع يترك يد شقيقه وهو يهتف عالياً بجمود:
"تمشي فين؟ مش طالعة من هنا من غير ما تاخد حقك منها!"
هز له شقيقه رأسه بالنفي، حتى تركه غسان وهو يمسكها بقوة مقرباً المطواة من وجهها تلك المرة، هاتفا بشرر:
"غلطتي غلط كبير لما قررتي تكسري كلامي وتيجي وتتجرأي زي الـ ****، لأ وكمان بتوقعي بينا. بس حلو أوي، ولا أجدعها دكتور تجميل هيعرف يصلحلك اللي هعمله في وشك دلوقتي. سمي الله وقوليلي أبدأ مني..."
دفعه بسام عنها بقوة وهو يصرخ به عالياً:
"قولتلك بس، سيبها تمشي مش هنأذي حد."
نظر له غسان بغضب، بينما كانت هي تبتلع ريقها بخوف، حتى انسحبت بالتدريج لتخرج. وقبل أن تفتح الباب، التفت لها بسام وهو يقول:
"عمري ما هسامحك، ولو دخولك الجنة واقف على مسامحتي عمري ما هنولهالك ولا هسامحك يا تاج. لو بينك وبين الجنة ذنبي عمري ما هسامحك، سامعة؟ امشي."
صمتت تطالعه بصمت، ولكنها خرجت وهو يمنع شقيقه، مردفاً مرة أخرى بتعب:
"قولتلك امشي يا تاج."
قالها بتحذير عالياً وهو يمسك بشقيقه بقوة، إلى أن خرجت وتركت الباب مفتوحاً من خلفها. تركه بسام وهو يطالعه بخزي. فنظر له غسان الواقف أمامه وتعلو أنفاسه من فرط غضبه، مردفاً يعنفه:
"سيبتها تمشي بعد ما عملت فيك كل ده يا غبي. هتفضل طول عمرك كده؟"
نظر له بسام وهو يكتم الدموع بعينيه، مردداً بإختناق:
"مش لازم تتأذي مني حتى لو أذتني. مش أنا اللي أمد ايدي على واحدة ست. بيني وبينها الجنة اللي لو ركعت عشان أسامحها مش هسامح، وانتهي الموضوع."
قالها كي يغلق ما هو مفتوح، ولكن جرحه ما زال ينزف بداخله، بل وأكثر من قبل. سمع صوت غسان المختنق لأجله وهو يردد:
"مخلصش يا بسام. عارف إنه مخلصش عندك ولا هيخلص بالسهولة دي."
سقطت دموعه الساخنة على وجنتيه من أمامه، وهو يطالعه بأسف من ما فعله، وبخزي وتعب لما فُعل به، ولوم لما فعله الآخر كي يعلم الحقيقة. لم يشعر بنفسه سوى عندما توجه يدخل بين أحضان غسان، الذي فرد له ذراعه السليم كي يدخل به، لعله يشعر بالاطمئنان الذي عاش لم يشعر به. بكى بأحضانه دون صوت، بل كان بكاء قلبه من الداخل أقوى، وكل ما يوصف حالته قوله الداخلي المكتوم: "اللعنة للعدد الذي لا أعرف عدده على قلبي كان أعمى دون أن أدري". شدد غسان من مسكته بداخل أحضانه وكأنه يتأسف له بالنيابة عن ما حدث. كتم كل دموعه التي تريد الهبوط وبشدة على كل ما حدث من البداية الآن، ويعلم جيداً كيف يشعر الرجل عندما يُكسر ويُقهر بتلك القسوة. ربت عليه بحنان، ولأول مرة يعجز لسانه السليط غالباً، واللين في أوقات أخرى، عن المواساة والرد. أي كلمات ستواسي قلبه الذي أُنهك بهذه الطريقة؟ دقائق كثيرة على وضعهما، وكل منهما يشعر بأن الآخر هو الملجأ والأمان والراحة بالنسبة له. توأمان إن كُسر أحدهم حتماً سيشعر الآخر ولو بنسبة ليست كثيرة. مُتصاقان في الجروح، يُداوي أحدهم الآخر بطريقة ما. كان بسام يعطي ظهره للباب، وغسان وجهه له. حرك أنظاره صوب الباب، فوجد أحدهما واقفاً وبجانبه هي، والإثنان ينظران بدهشة، فالأحضان ساكنة من غير حديث مما يثير الريبة. أخرج غسان شقيقه من بين أحضانه بقوة وهو يدفعه للخلف كي لا يفهما بالخطأ ما يفعلانه، تزامناً مع نظراته لهما. ولم يكن سوى عز التي أتت معه نيروز. نظر بحرج وهو يتحدث بتعلثم:
"أنا آسف إني جيت في وقت مش مناسب والله، بس الآنسة نيروز حست إنها اتأخرت وإنكم اتأخرتوا عليها، فجيت أعرفها مكان الأوضة."
حرك غسان نظراته في المكان، بينما الآخر كان يمسح وجهه بقوة حتى لا يلاحظ أحد. أما عز فكان ينظر لذلك الذي يرتدي البالطو الأبيض وهو يتحدث بحديثه، مقتنعاً بأنه الآخر، حتى واصل مجدداً:
"من فضلك قولي حالة والدتي عاملة إيه الوقتي، لو في جديد لأني هموت وأشوفها ومش قادر أنتظر لبليل."
نظر غسان له بضجر زائف تحت كبت نيروز لضحكتها وابتسامة شقيقه، ثم ردد:
"عليا الطلاق أنا."
"ما دكتور بسام!"
قالها فضحك عز وهي وشقيقه كذلك. فابتسم غسان على ضحكاتهم تزامناً مع رد بسام وهو يحاول أن يبقي ثابتاً:
"عليا دي يا عز، أصلي إديته البالطو يلبسه شوية."
"أيوه بلعب بيه."
قالها بمرح. فنظرت له نيروز تسأله من بين ضحكاتها:
"لا بجد إيه اللي ملبسك البالطو؟ مش لايق عليك خالص ده انت واحد لسه ملبسني مطوة في ايدي!"
انتهزت فرصة انشغال الآخرين بالحديث فابتسم لها قائلاً وهو يغمز لها:
"وعقبال ما البسك شبكتي.."
ضحكت بخجل، ثم التفتت لتخرج من الغرفة، تزامناً مع خروج غسان وهو يقول:
"هستناك بكرة يا بسام، سلام يا عز وابقى فرق بقا يا عم تعبتني."
أومأ له وهو يضحك ثم تحدث من بين ضحكاته:
"طب استنى أرجع البالطو لأصحابه!"
التفت غسان وهو يبتسم تزامناً مع خلعه وهو يقدمه لشقيقه تزامناً مع رَبْته على كتفيه بقوة وكأنه يحفزه على الصمود، ثم تركه حتى يلحق بها بالخارج ومن ثم العودة إلى منزلهما.
***
بعد أن وصلا الاثنان من ما فعلوه اليوم من أفعال مختلة عقلياً، بالنسبة له، جاءوا ليجلسوا معهم في شقة سمية والدته هو وعايدة وكذلك جميلة التي أتت هي أيضاً، أصبحوا مجتمعين مع بعضهم حتى حامد وزوجته ووسام التي أتت من دروسها قبل فترة. كل منهم يتحدث حديث جانبي والأصوات متداخلة في المكان. كانت ياسمين تقف معه بالشرفة بصالة المنزل أمام الأنظار. نظرت له بتمعن إلى أن أردف هو وهو يمسك الكوب من بين يديه:
"بتبصيلي كده ليه؟"
صمتت تبتسم ثم رددت بفرح:
"مبسوطة.. قلبي مبسوط أوي وكمان حاسس إن العبث اللي حصل النهارده ده خلاك فريش كده شوية."
ضحك بخفة وهو يحرك رأسه بقلة حيلة مع قوله لها:
"كله من جنانك اللي من غيره كنت هبقى تايه مع أوجاعي اللي جوايا."
جملة كفيلة لتجعلها تتراقص أمامه من بهجتها لما قاله للتو. عقد حاجبيه وهو ينظر في الأسفل عندما نظر له وهو يخرج معها من السيارة. نظرت على ما ينظر عليه هو ثم ابتسمت قائلة بمرح:
"لا دا حوار يطول شرحه، عاوز تعرف؟"
نظر لها باستنكار، ثم حرك رأسه بنفي وهو يتحدث بثقة أدهشتها:
"مين قالك إني مش عارف الحوار؟ عرفت ده يمكن كمان من قبل ما كل واحد يعرف إنه حب التاني، أصل مشيهم مع بعض الوقتي مبين أوي إن كل واحد اعترف بمشاعره، وأنا عرفت من نظرات غسان ليها، يعني نظرات ميُعرفهاش غير راجل وراجل بيحب، هيفهم أوي، أنا بس مستغرب إنهم مع بعض والشغل خلص من زمان يعني!"
نظرت له بغير تصديق ثم ابتسمت بسمة واسعة على ما علمه حتى ردد هو مرة أخرى بقوله:
"عارفه؟ حاسس إني مش مستغرب، يعني لايقين على بعض من صغرهم، مش فاكرة غسان واللي كان بيعمله!"
ضحكت تهز رأسها بتذكر، ثم أشارت له بقدوم شقيقتها وحدها من الباب أما الـآخر فذهب إلى شقته. دخلت وهي تتمسك بالأكياس الصغيرة التي توجد بيديها والتي ابتاعتها ومن ضمنهم ما يوجد به الورد الذي اشتراه لها. بعد أن رحبت بهم دخلت إلى غرفتها بإنهاك، حتى تبدل ملابسها بعد أن أشارت لـ جميلة بأن تتبعها منذ قليل عندما رأت في عينيها الحديث المكتوم. استأذن كل من حامد وزوجته وابنته، كما رحلت عايدة بمفردها. وبقي بدر وزوجته وصغيره مع سمية التي نهضت لتدخل غرفتها تاركة كلا من فتياتها مع أزواجهما والأخرى بغرفتها.
***
سارت به قدميه إلى الأمام الغرفة التي تقطن بها شقيقته، بعد أن خرج من المنزل سريعاً، حتى جلس قليلاً بالخارج ثم قرر الذهاب لهما ليخمد نيرانه. كل ما يعرفه بواسطة ممرضة نقلت له الأخبار حتى وإن كانت مستشفى راقية لم ولن تخلو من أصحاب العقول دون ضمير! تنفس بعمق، ثم رفع يديه يدق الباب دقة واحدة ليست طبيعية بل أبطأ من حركتها وهو يدق. لم يرد هو بل انتظر لمن يأتي من الداخل حتى يفتح له. وما أن فتح له الباب وجد نظرة الصدمة على وجهه. نظر عز له بصدمة وسرعان ما تبدلت لنظرة عادية مغتاظة ما إن دفعه شريف باستفزاز ليدخل إلى الداخل. نظرت فرح له بمفاجأة وهي تنهض من على الفراش سريعاً. ابتسم بسخرية وهو يهتف أمام أنظارهم:
"هو أنا مقلتش إني هاجي تاني؟"
نظر له عز متحكماً بانفعاله وهو يردد:
"جاي ليه يا شريف عاوز إيه؟"
لم يعطيه رد بل توجه ناحية فرح التي تراجعت للخلف ولكنه اتجه ناحيتها ثم ابتسم بتهكم وهو يدفعها نحوه حتى تدخل بين أحضانه رابتاً على ظهرها مع قوله لها وهو يهمس بجانب أذنيها:
"تفتكري اللي بيحصلك ده بسبب مين يا فرح؟"
لم تفهم مقصده بل توجه له عز يقف أمامه مردداً بنبرة جامدة يعيد ما قاله:
"بقولك عاوز إيه يا شريف وجاي ليه؟"
"مش عايز منك حاجة، أنا قولت أجي أعرفك إن قصاد فرحتك بأنها فاقت، في قصادك واحد مقهور وبيدعي متفوقش وتموت."
نظر له عز بغضب، ثم أشار ناحية الباب بقوله المختصر:
"إمشي يا شريف إحنا مش كل مرة هنقعد نبرر ليك حاجات ملناش يد فيها."
ضحك بسخرية ثم هتف وهو واقف بمكانه:
"تعجبني يا عز، أصلك عاقل ومش عاوز مشاكل، واحد تاني كان حاول يضربني وكنا قلبناها عركة هنا ولا إيه رأيك؟"
ترقبت فرح الوضع بخوف من الـآتي عندما توجه ناحيته عز يهتف بحدة:
"ما أنا بعرف أعمل الاتنين، وسهل أوي أوريك جناني اللي مش عاوزة يطلع على حد أكبر مني ودمي نفس دمه واسمي كمان، فـ خدها من قصرها وامشي يا شريف."
ضحك باستفزاز، ثم رفع يديه برهبة زائفة وهو يهتف بسخرية:
"خوفت بصراحة، عاوزك توريني جنانك، يلا."
ضغط على انفعاله وهو يتمسك بآخر ذرة صبر لديه. اختبر قوة تحمله وجاء على نقطة استفزاز بعض الرجال بقوتهم! رفع عز يديه وهو يلكمه بوجهه بقوة حتى ترنح الـآخر من أثرها مع شهقة فرح العالية. وضع الـآخر يديه على وجهه ثم ردد ببرود من ضمن ألمه من اللكمة:
"لأ حلوة، وصابت، تعالى بقا."
قالها ثم رفع ساقه يضرب ساق الـآخر حتى ركع على الأرض ومن ثم انحنى الـآخر وهو يهتف أمام وجهه بالأسفل:
"قالو زمان أخوك الكبير زي أبوك التاني، والصراحة أنا مش مستنضفش فخليلك انت الاحترام."
لم يأخذ رد من الـآخر سوى لكمة بوجهه جعلته ينحني بجانبه هو الـآخر مع خوف ورهبة فرح وتصنمها بمكانها. تحدث عز من بين ابتسامته المستفزة ليردها له قائلاً:
"وبردو قالو زمان اللي عاش ملوش خير في أبوه يبقى ملوش خير في حد، ومش مشكلتي إنك ملكش خير في حد، بس أنا ليا، تعالى أوريك خيري فيك بقا."
قالها ثم جلس فوقه بسرعة وهو يمسكه من تلابيبه، حتى صرخت فرح عالياً بهما وهي تتجه لتفصلهما عن بعضهما، حتى دخل عليهم بسام الذي جاء ليخبرهم بمقابلة ورؤية والدتهما. توجه سريعاً يمسك عز وهو ينهضه من على الـآخر، حتى نهض الاثنان. وبقي شريف يطالعه ببسمة مستفزة قائلاً:
"حلوة منك أوي يا عز، لأ راجل ويليق عليك مسئولية اتنين ستات مش كلام، هنتقابل تاني في عزا أمك، سلام يا.. راجل!"
قالها ثم وزع نظراته عليهما وهو يتجه ليميل يطبع قبلة على خد فرح حتى ارتجفت تزامناً مع قوله الهامس لها:
"جبانة يا فرح وهتفضلي جبانة."
قالها تحت أنظارهما، فنظر بسام بدهشة وضيق لما فعله ذلك المجهول ومن غرابة سكون عز كذلك.
خرج من الغرفة ومن ثم التفت "عز" ينظر له حتى تحدث "بسام" يسألهما بنبرة هادئة عكس حرب الجروح بداخله:
"مين ده؟"
"أخويا."
قالها الاثنان بنبرة واحدة متعبة. صمت لا يعلم بماذا يجيب بل تنحى يتركهما بعد أن رأى سكون المكان والصمت فقط. فضل ترك المساحة لهما ثم رحل بعد قوله لهما:
"أتمنى ده ميحصلش تاني في مكان زي ده، وكصديق ميحصلش خالص يا عز خليك متفهم وهادي، الدراع مبيحلش كل حاجة، أياً كان هي إيه. أنا بايت هنا لو احتاجت حاجة، ووالدتك فاقت بس بفضل تشوفوها بكرة. عن إذنكم."
ما حدث له اليوم من أحداث جعله غير قادر على المواساة بطريقة أحن، بل رمى الكلمات على مسامعهم ثم رحل سريعًا، ينفرد بنفسه ومع أوجاعه الذي لم ولن يستطع الهروب منها. وهناك من كان أمرهما متشابه معه في الأوجاع والماضي الذي بقى للحاضر من آلام!
جلست على المقعد بالشرفة تشرب بعض المياه من الزجاجة والأخرى بجانبها. ردت "نيروز" عليها قائلة بهدوء ولهفة بسيطة:
"والله اللي قولتيه ده فرحني أوي. هتقولي لعمي ولا هتعملي إيه؟"
تنفست "جميلة" بعمق ثم ردت تفسر لها قائلة:
"بصراحة أنا خايفة من رد فعل بابا. مش هقول لحد، هو قالي أنه هييجي عشان يشوف أنا موافقة على الفكرة عامةً ولا لأ. لو قولت مش هقول إلا لماما وأديها فكرة بس، ويبقى هو يكلم حازم وبابا وربنا يقدم اللي فيه الخير."
رفعت "نيروز" ذراعها لتضعه عليها متحدثة بمرح:
"حساكي بايعه الدنيا وفي نفس الوقت خايفة من الرفض. واقعة للدرجادي؟"
نظرت لها الأخرى بتحذير وهي تبتسم، فضحكت "نيروز" بخفة وهي تقول:
"لأ بجد، أنا عاوزاكي تطمني، وعالفكرة لو مكتوبلكم نصيب مع بعض هتبقوا لبعض لو مين وقف فطريقكم. وبعدين احمدي ربنا، ده بجد باين عليه أصلًا. ومن كلامك عن اللي قاله ليكي إنه محترم وغلبان أوي مش زي ناس."
قالتها بشرود، فعقدت "جميلة" مابين حاجبيها بتساؤل ثم أردفت:
"ناس إيه مش فاهمة؟"
"لا متاخديش فـ بالك."
قالتها بغير اهتمام، فنهضت الأخرى وهي تبتسم قائلة بهدوء تودعها:
"طب أنا همشي محتاجة أرتاح بقا وأقعد أذاكر شوية عشان كالعادة عندي امتحان. دعواتك."
رفعت "نيروز" يديها تدعي لها تزامناً مع سير الأخرى من أمامها:
"روحي يا جميلة يا بنت عايدة، ربنا ينجحك ويجعل عز من نصيبك."
قالتها بهدوء، فضحكت الأخرى بخفة وهي تخرج من غرفتها. فنظرت "نيروز" من أمامها مرة أخرى وهي تبتسم براحة، حتى قاطع شرودها ذلك الذي خرج للشرفة في الحال وهو يقول:
"كل شوية واقفه مستنياني كده. مش عارفه تتقلي!"
قالها وهو يعلم أنها كانت تتحدث مع أحدهم حينما حاول الخروج، ولكنه سمع صوتهما فرجع حتى لا يقاطع جلستهما. نظرت له وهي تقلب عينيها قائلة:
"مكنتش بستناك!"
"بس أنا مستنيك."
قالها بمرح حتى ضحكت هي بخفة ثم أردفت له بهدوء تسأله:
"وسام عجبتها الهدية؟"
"أه."
قالها وهو يهز رأسه مبتسمًا. فنظرت له بغرور وهي تعدل من مظهرها قائلة:
"أنا مختارش حاجة وحشة أبدًا."
"وأنا من إختيارك برده، فـ عندك حق."
قالها بغرور يرد لها ما فعلته. حتى ضحكت بخفة وهي تتوجه ناحية ثم ضغطت على السوار الذي يوجد بيديها بمرح مقرباه أمام وجهه قائلة بتحدي:
"إنت هتبطل غرور امته؟"
نظر باستنكار على فعلته ثم أمسك يديها على فجأة وهو يعكسه ناحيتها هي ثم أغلقه تزامناً مع رده على حديثها وهو يترك يديها:
"لما أبطل أحبك هبطل غرور."
"وده ليه؟"
تساءلت باستنكار، فغمز لها بقوله:
"عشان إنتِ حاجة غالية كفيلة تخلي الواحد يبقي شايف نفسه عشان إنتِ معاه..!!"
ابتسمت بخجل ثم نظرت له مردفة بمرح:
"تاخد ألف من عشرة في التثبيت والكلام الحلو!"
ضحك عالياً على حديثها ثم نظر لها بدقة فوجد عينيها البنية المتسعة تطالع عينيه بلمعتها. لم يشعر نفسه سوى عندما ردد بهيام:
"وإن سألني أحدهما كيف وقعت بها فـ هقوله وانت مال أهلك ي عم!! بس من جوايا قد أوقعتني شبك عينيها الذي أبدو أمامها مشتتاً، هائماً بها. وإن سألوني ماذا تعشق لم يكن الجواب سوى: والله أعشق القهوة ولون عينيها الذي إمتزج بها فـ جعلني مشتتاً بكيف خلقها الخالق بمثل هذا الجمال!!"
لا تعرف أتضحك أم تخجل من حديثه وغزله بها بتلك الطريقة، بل وزعت نظراتها فالمكان ثم توجهت بخطوات متعثرة لتدخل إلى الداخل كي تستطيع أن تأخذ أنفاسها وتهدأ ضربات قلبها التي تسارعت في الدق. أما هو فنظر بأثرها وهو يضحك ثم دخل إلى الداخل وهو يرفع يديه يرجع خصلاته وهو يتنهد ليخرج أنفاسه مردداً بخفوت لنفسه:
"صحيح علي رأي الست، والهوى.. آه منه الهوى!"
رواية عودة الوصال الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة ناصر
"إزيك يا فرح وأخبار صحتك النهارده؟"
طالعته بابتسامة صغيرة ثم ردت بلهفة بسيطة: "حتى بعد ما حدث لها هي وشقيقها أمس، ولكن إفاقة والدتها تثير بهجة كل شيء. أنا كويسة الحمد لله، وطالعة أشوف ماما."
ابتسم لها بسام ثم طالع عينيها الذي ظهر بهما الحماس وهو يتحدث قائلاً: "ربنا يبارك في عمرها، كان المفروض تقابلوها بدري عن كده، بس الصبح مكنتش فايقة أوي ولما قالوا نستنى، عز قالي إنه نازل الشغل، فـ إن شاء الله وإنتِ طالعة دلوقتي تشوفيها بألف خير وربنا يخليكم لبعض."
أومأت له فرح بتفهم ثم قالت بحبور ممزوج بالأسف: "حتى لو ده واجب عليك، بس شكراً. وبتأسف على اللي حصل إمبارح ده."
"لا يهمك، ربنا يصلح ويهدي الحال. محتاجة حاجة؟"
أومأت له بالنفي ثم نظرت له كعلامة لسيرها وهي تتوجه أكثر لتركب المصعد، ومن ثم التفت هو بعدما اختفت من أنظاره حتى يسير يكمل طريقه للخروج.
"يعني إيه مينفعش الصوت يوطى؟ إنتِ معاهم ولا معايا بالظبط؟"
قالتها زينات بانفعال أمام وجه زوجها بنبرتها الجامدة، فـ قلب سليم عينيه بغيظ، ثم أشار لها بحديثه هو الآخر: "إنتِ ست اتهبلتي فـ مخك شكلك كده! يعني إيه عايزة النهاردة الزفت الحنة وميشغلوش أغاني عشان خاطر عيونك، ولو شغلوها تبقى واطية تتعمل إزاي دي!"
نهضت تقف ثم نظرت له بغضب، مرددة بحقد: "لأ إنتَ اللي الظاهر كده جرالك حاجة، يعني بنتي متغيبة ومعرفش هي فين وابني كمان ودول رايحين يتبسطوا ويشغلوا أغاني وعايشين الدور وأنا هنا أقعد أندب فـ حظي من اللي بيعملوه!"
صمتت عندما وجدته يطالعها بنفس نفاذ الصبر لديها حتى واصلت قائلة مرة أخرى: "لأ ومش بس كده، دا كمان قولتلك على الهانم واللي عملته فيا امبارح هي والاستاذ اللي ماشية معاه ومغفلاك ومغفلاهم كلهم. إيه؟ إن مراتك تتثبت من واحدة وفـ مكانها ومكان بيتها كده عيني عينك عادي؟ والبجاحة واصلة كمان من عنده لعندها. كل ده ميخلنيش أبقى كده ولا تتلحلح وتشوف بنت أخوك اللي رباطها فك منك ولا عاد هاممها حد من ساعة ما ماشية مع ابن دلال، لأ وايه شغل بلطجة طالع منهم مش لايق أصلاً. بس ولا كأنهم ولاد شوارع اللي عيشت طول عمرك تقول على حسن مترباش وابن شوارع وبلطجي. شوفت بنفسك إيه اللي حصل وسمعت وعرفت مين اللي مترباش وبلطجي، إذ كان هي أو المحروس اللي معاها. يكون في علمك أنا مش هسكت يا سليم!"
نظر لها وهو ينصت بتمعن لكل حرف تردفه هي. وما أن انتهت نظر لها باستنكار، ثم ردد باختصار جعل فضولها يزداد: "كل ده إنتِ قولتي يا زينات؟ ورجعت أقولك برده بنت أخويا أنا عارف أنا هربيها إزاي وأوريها وألمها من اللي بتعمله. لكن الحنة دي أمر مفروغ منه، وريني هتقفلي الأغاني إزاي لو عرفتي تعمليها. اهدي ومتعمليش مشاكل مش ناقصينها، واقعدي اتفرجي الحق هيرجع إزاي من سكات. هو كل حاجة بالدراع والصوت؟ في عقل؟ يارب تكون دماغك المتقفلة دي فهمت. واديني ماشي وسايبلك الحتة ببعضها عشان تخفي نكد علينا واحنا لسه بنقول يا هادي."
رماها على مسامعها مع احتفاظه بغموضه ثم رحل من الغرفة بأكملها وهو يتركها. توجهت من بعده تتجهز لما نوت عليه فالحال تاركة فضولها ليشبعه هو في القادم مادام رمى على مسامعها تلك الكلمات الغامضة.
إن حدث كمثل تلك المناسبة في بيت وجو عائلي كمثل هذا لم تصبح الشقة هادئة تماماً كما كانت شقة سمية. الوضع كالآتي.. المقاعد الكثيرة في المكان بسبب أن حنة العروس ستكون بالمنزل على هيئة مناسبة متوسطة ليست كبيرة هائلة، فقط يكفي ليوم الزفاف بالقاعة. كانت وردة تنظم الشقة وسمية تطهي بالمطبخ مع جميع النساء. فاليوم موعد الغداء سيكون بمنزلها هي والجميع سيحضر. يامن يلعب بعشوائية، ونيروز تساعد وردة ولأنها لم تذهب لعملها اليوم، بل ذهب هو بمفرده فقط. وكانت ياسمين تتجهز للخروج حيث سنتر التجميل. حتى وإن لم يكن فستانها كبيراً، منفوشاً، وحنتها صغيرة بشقة، فذهابها يعد مهماً كما تفعل الفتيات من وضع مساحيق للتجميل. كانت الأغاني صادحة بالمكان والحركة تعم أرجاء المنزل. خرجت لهن ياسمين وهي تتجهز ثم نظرت لهما. نظرت وردة لها بتأثر وهي تتجه نحوها ومن خلفها نيروز. نظرت لهما ياسمين وهي تحاول أن تهرب من أنظارهما، بينما نظرت لهما بتأثر وهي تتحدث بحديثها العفوي: "لأ بقولكم إيه، لو حد عيط هعيط وأزروط الدنيا هنا هه!"
لم تكمل الجملة إلا وكانت تتحدث بنبرتها المختنقة ثم هبطت الدموع من عينيها تأثر بما يفعلانه، فقد توجهها الاثنان ليدخلا بين أحضانها. تمسكت بهما هي بقوة وهي تتنفس بعمق. لحظات، وخرج الاثنان من بين أحضانها حتى تحدثت وردة أولاً بصوت مختنق: "فرحانة بيكي يا هبلة."
"وأنا كمان فرحانة يا ياسمين أوي."
قالتها الاثنان بتأثر، حتى خرجت سمية ومن معها بالمطبخ من النساء. رأت ابنتها تتجهز للخروج فتوجهت ناحيتها ثم نظرت لها بحب وسعادة وهي تتوجه لتحتضنها ثم خرجت من أحضانها قائلة: "متحطيش مكياج كتير على وشك سامعة؟ عشان تباني كده يوم الفرح."
ضحكن عليها الفتيات والنساء، بينما تحدثت دلال من بين ضحكاتها: "صح سمية عندها حق بردك."
ضحكت ياسمين رغماً عنها ثم أومأت قائلة بقلة حيلة: "حاضر. حاجة تاني؟"
ابتسمت لها سمية ثم رددت بنبرة هادئة: "لأ يا حبيبتي. في رعاية ربك إنتِ مادام حازم هيوصلك، ونيروز هتبقى تجيلك بعد كام ساعة لما تخلصي وتجهزي. عشان في حاجات كتير عايزة تتعمل. خلي بالك من نفسك."
أومأت لها وهي تبتسم ثم أشارت لهن بالوداع وهي تتوجه لتخرج خارج الشقة. نظرت وردة بأثرها بتأثر، فانتبهت هي لمن يمسك بقدمها من الأسفل حتى وجدت صغيرها على مشارف البكاء، حملته حتى تداعبه قليلاً بعيداً عن الأنظار. بينما ابتسمت دلال قائلة بلطف: "أنا رايحة أشوفهم كده فاتهم جم من الشغل وهجيلك تاني يا سمية.."
ابتسمت لها وهي تومأ لها، بينما كانت عايدة بالمطبخ. نظرت سمية لابنتها التي وجدتها شارده والدموع المكتومة بعينيها التي لاحظتها. تنفست بعمق ثم توجهت لتمسك يد نيروز وهي تسحبها خلفها بهدوء إلى حيث الشرفة التي توجد بالصالة. إلى أن وقف الاثنان أمام بعضهما.
نظرت لها "نيروز" بترقب.
تنفست "سميه" ببطء وهي تتحدث قائله بتفهم:
"مش هتقوليلي إنك زعلانة ومش فرحانة أوي؟"
هربت "نيروز" بأنظارها ثم هتفت تبرر بسرعة:
"ايه اللي بتقوليه ده يا ماما أكيد طبعاً فرحانة ليها أوي بس زي ما فرحانة زعلانة إنها مش هتبقى معايا زي الأول."
ابتسمت لها والدتها ثم رفعت ذراعها لتحضنها بحب، حتى دخلت الأخرى بين أحضانها وهي تتنفس بعمق.
جاءها صوت والدتها وهي تقول:
"كلنا هنا يا حبيبتي جنب بعض، افرحي واتبسطي ومتفكريش كتير لحد ما يجيلك نصيبك انتِ كمان."
خرجت من أحضانها وهي تردد تلك الكلمة التي بدت وكأنها غريبة عليها الآن:
"نصيبي!!"
"أيوه نصيبك وأفرح بيكِ وأشيل عيالك، هو انتِ صغيرة يعني اللي قدك دلوقتي معاهم عيال يا حبيبتي."
ابتسمت لولدتها ثم تحدثت قائلة وهي تهز رأسها تنفي:
"عارفة بس مش عايزة أفكر فالموضوع ده دلوقتي خلينا في ياسمين."
ضحكت "سميه" بخفة ثم أشارت لها بغير اهتمام قائلة من بين ضحكتها على رد فعل الأخرى:
"يختي تفكري متفكريش كل واحدة مسيرها بيت جوزها في الآخر.. أما أروح أشوف حلة المحشي اللي على النار وطنطك عايدة لوحدها في المطبخ."
قالتها ثم تركتها تقف بمفردها تفكر فيما رمته على مسامعها.
اقتربت هي من اختيار ما تنوي أن تكون معه، ولكن خوفها من تلك الخطوة تظل تحاصرها.
ولكن على أية حال تعلم أنه سيحافظ عليها وربما تريد التأكد أكثر.
نفضت من عقلها ما تفكر به ثم سارت تمسك بالمكنسة وهي ترتب من جديد.
وصوت الأغاني كان الأقوى في أن يهزم أفكارها.
قبل قليل، دخلت "دلال" شقتها.
تعلم أن زوجها خرج مع "بدر" ولم يكن موجود بالشقة وكذلك "وسام" التي ذهبت لدروسها.
دخلت تخلع حجاب رأسها بإنهاك، حتى ظنت أن لم يوجد أحدهما بالمنزل من توأميها.
ذهبت إلى الغرف وبالأخص غرفته فهو على الوقت الذي كان سيأتي به فمن المفترض أن يوجد هنا.
دقت الغرفة دقة واحدة ثم فتحتها سريعاً لترى هل يوجد بها أم لم يوجد.
دخلت إلى الداخل فوجدته يجلس على الفراش وما أن رآها رفع يديه يمسح دموعه بسرعة قبل أن تنتبه.
ابتسمت له من على بعد وهي تتجه تزامناً مع حديثها:
"انت جيت يا حبيبي.. دا أنا لسـ..."
ولأنها أم شعرت سريعاً بأن به شئ وما أن لمحت دموع عينيه ولون عيناه الممزوجه بالإحمرار الخفيف هرولت بخطوات سريعة وهي تقف من أمامه بعد أن قطعت كلماتها.
ثم جلست بجانبه فوجدته يطالعها بالعجز الذي عاش يخفيه أمامهم.
لم تشعر بنفسها إلا عندما دفعته سريعاً بين أحضانها بقوة وهي تردد بنبرة مختنقة:
"مالك يا حبيبي.. مالك؟!"
قد وجد الآن أحضان دافئة آمنة يدخل بها لتكشف عن كل ما بداخله من رواسب.
سمعت صوت شهقته التي ما أن يسمعها أحد يقسم بأن شهقة هذا الرجل جاءت بعد عناء عاناه رجل كان صامداً كالجبل حتى وقع مرة واحدة بعد صلابته.
سمعت صوت بكائه وقلبها ينهش لأجله.
أكان يتمسك ما أن يعود لمنزله ولأحضانها لكل هذا البكاء.
صوته الممزوج بالبكاء وهو يقول:
"أنا تعبت أوي يا ماما."
جعلها تبكي لأجله دون فهم أي شئ.
ضمته أكثر ثم رددت بضعف، يقسم من يراه بأن ضعفه بنبرته كان كطفل عاجز عن القول وشرح ما به من آلام فقط كمن كان رضيعاً لا يفقه شئ في هذه الحياة.
رددت هي بنفس الضعف الذي ظهر وكأن ضعفه مرض معدي أصابها للتو:
"بسم الله عليك يا ضنايا.. بسم الله عليك اهدي."
ملابسها المنزلية التي كانت ترتديها تبللت من عند مقدمة الصدر من دموع عينيه عندما كان يستند على قفصها الصدري.
لا يهم ذلك بل كان أملها بأن تبتل بدموع فرحه وليس قهر كما تراه.
آهات عالية خرجت منه ومن بعدها خرج بحديثه المتألم:
"ليه أنا؟.. قوللي عشان خاطري."
عجزت عن الرد بل جاء بخاطرها موضوعه ولكن دون علمها بما حدث منها إلى الآن.
عندما عجزت عن الرد وجدته ينبس مرة ثانية بقسمه الذي يبرر لها به وكأنه يبرر للحياة وبما فعله بها منذ أن كان واعياً بالغاً لم يتقرف شئ بحق أحد:
"ليه؟ أنا معملتش حاجة لكل ده.. والله ما عملت حاجة وحشة في حياتي لحد.. أنا.."
صمت يأخذ أنفاسه غير واعياً لشهقات وبكاء الأخرى حتى واصل مجدداً بنبرة مختنقة:
"أنا عشت طول عمري مأذتش حد.. ليه أتأذى بالشكل ده.. قوللي!!"
تقدمت برأسها تميل على كتفه من الخلف وهي تحتضنه ثم هبطت دموعها على قميصه، مرددة بنبرة أجهشها البكاء:
"عارفة.. عارفة يا حبيبي إنك مأذتش حد.. مش ذنبك يا ضنايا إن الدنيا مش عادلة.. والحقيقيين محدش بيستحملهم.. حقك عليا يا بني.. حقك عليا بس متوجعش قلبي كده.. متبقاش ضعيف مكسور كده تاني عشان خاطري انت كده بتوجع قلبي عليك يا صنايا مش قادرة."
لم ينبس بأي كلمة بل ظل صامتاً يرد فقط بدموع عينيه التي تهبط مع شهقات بين الحين والآخر.
كما أن دموعها الساخنة بللت ملابسه كما فعلت دموعه معها وكأن دموع كل منهم للآخر تطهر الجرح وتداويه.
لم يكن الوضع سوى كل منهما بأحضان الآخر وصوت الشهقات والدموع لكل منهما.
طرف ثالث! دموع أخرى غيرهما.
كان واقفاً يتابع المشهد منذ بدايته ومنذ أن جاء من الخارج.
وقف خلف الباب يستمع لحديث شقيقه المنكسر.
لم يتحرك خطوة واحدة بل ظل واقفاً مكانه حتى هبطت دموعه المشفقته على شقيقه والمتألمه له.
يمنع أن تهيج الدماء بعروقه مرة أخرى ولكن دموع شقيقه لم تمنعه من خطوة كان ينوي فعلها والآن قد تعجلت!
التفت يخرج وهو يسير باتجاه باب الشقة بخطوات خفيفة حتى لا يسمعه أحدهما.
أغلق "غسان" الباب من خلفه بهدوء وهو يخرج منه إلى حيث ما كان يريد فعله بعد فترة.
خرج إلى الخارج حتى كاد أن يتوجه للمصعد.
قطع طريقه هي وهي تمسك بالمكنسة تقوم يكنس مقدمة باب الشقة وترتيب "جزامة الأحذية".
التفتت تنظر من يقف خلفها.
فوجدته هو.
ابتسمت له وهي تقترب لتقف أمام أنظاره.
فهرب هو من أمام أنظارها وهو يدير وجهه الذي يوجد على أثره دموعه.
توجه ليقف أمام المصعد وهو ينتظر.
فسارت هي من خلفه ثم رفعت يديها تدير وجهه وهي تردد بلهفة تسأله:
"انت بتعيط؟"
رفع يديه يمسح ما تبقي من دموع عينيه.
حتى فتح له المصعد.
ولم يرفع أنظاره لها بل توجه ليدخل به ثم التفت بكامل جسده وهو يبتسم بسمة صغيرة مردداً بإختصار:
"لأ."
قالها ومن ثم قد أغلق المصعد بابه تدريجياً ليختفي من أمام أنظارها.
نظرت بأثره باستغراب يغلغه الخوف عليه واللهفة.
التفتت تكمل ما كانت تفعله وعقلها بمكان آخر منشغل من تغييره اللحظي.
وقفت اللحظة عندها هي، "فرح"، لم تأخذ نصيباً من اسمها، ولكن كل ما قد كان وما يكون وسيكون لا فائدة له الآن مقابل تلك اللحظة، لحظتها وهي بأحضان والدتها، في حين معاناة الاثنان. كان هو بأحضان والدته يبكي بحرقة وقهر من ما فعلت به الحياة، وبنفس الوقت كانت قد دخلت هي بين أحضان والدتها تبكي بحرقة هي الأخرى، لا تعلم فرحة أم ماذا، ولكن كل ما تعرفه بأن وجودها بأحضان والدتها يشعرها بالاطمئنان. فترة كبيرة لم تستوعب أنها تجلس على الفراش أمام أنظارها. تحدثت من بين دموعها وهي تقول بلهفة:
"وحشتيني أوي أوي يا ماما، أنا مش مصدقة إني قاعدة قدامك وإنك كويسة وفقتي."
ابتسمت "حنان" بتعب ثم ردت بنبرة منخفضة:
"وحشتيني أوي يا فرح، مش عارفة بقالي قد إيه بس أكره غيابي يا بنتي لو هو اللي خلى شكلك كده، مالك يا حبيبتي؟"
نظرت "فرح" لها بتأثر، وهمت بنبرة هادئة تطمئنها قائلة:
"أنا كويسة وشكلي زي ما كنت، المهم إنتي، مكنتيش بتغيبي لحظة عني، كنت بدعيلك دايماً وبقرأ القرآن اللي قالي عليه دكتور بسام، بقيت بنتظر الصلاة في كل لحظة عشانك وعشان أدعيلك، ربنا يسامحني لو كنت بدعيله وبتقرب منه لسبب، بس من غير قربي منه وصلاتي مكنش هستحمل غيابك أبداً."
ابتسمت والدتها بتأثر وقد أدمعت عينيها، ثم حاولت أن تأخذ أنفاسها وهي تسألها بلهفة:
"عز.. فين عز يا فرح؟"
"عز فضل مستني طول الليل عشان يشوفك ومعرفش ينام، لما الصبح جه وكان متلهف أوي بجد للحظة ولما قالوا إنك لسه نايمة وفضل مستني جاله مكالمة شغل مستعجلة فراحها بسرعة وهيجي تاني ليك."
ابتسمت بتأثر، ثم وضعت يديها على يد ابنتها وهي تتنفس ببطء، واضعة يديها على موضع قلبها:
"إنتي مش كويسة يا فرح، قلبي حاسس بيكي."
"لا كويسة والله الحمد لله، اطمني إنتي بس."
نظرت لها بتشكك ثم أردفت بنبرة تائهه تسألها بترقب:
"شريف عمل إيه يا فرح؟ أنا قولتلُه ييجي قبل ما أدخل العمليات ومعرفش حاجة، قولولي يا بنتي إيه اللي حصل وطمنيني."
هربت بأنظارها ثم نهضت تجذب الغطاء لتضعه عليها حتى تغير مجرى الحديث:
"إفردي ضهرك وارتاحي يا ماما."
"قوليلي يا فرح وريحي قلبي."
لم تنبس الأخرى بأي حديث، بل ظلت صامتة، بينما انتبه الاثنان له وهو يدخل الغرفة بحماس، ثم نظر وهو واقف مكانه بلهفة وعيناه تملؤها الدموع، حتى تحرك لها وهي تفرد ذراعيها له، ومن ثم توجه ليدخل بين أحضانها قائلاً باختناق في نبرته:
"كنت عارف إنك مش هتسيبيني لوحدي في الدنيا دي!"
تشبثت به بقوة وتأثر، حتى خرج "عز" من بين أحضانها وهو يمسك يديها يقبلها بحنو، تزامناً مع قوله المتأثر المبهج يسألها بفرحة:
"كده أقدر أقول إن المعركة انتهت وإنتي اللي كسبتي صح؟"
قالها وهو لا يصدق ذاته وكل ما يحدث، لم ترد عليه هي، بل ابتسمت بحب أكثر عندما توجهت "فرح" تحتضنهما بتأثر وهي تقول:
"مش عاوزين نقلبها نكد، قوليها يا عز على اللي نويت تعمله هتفرح أوي بدل الجو ده!"
ترقبت "حنان" الحديث، في حين وجدها "عز" اللحظة المناسبة حتى تتحسن نفسيتها أكثر مما كانت تفضله له. اعتدل يجلس ومازال يمسك بيديها، و"فرح" تجلس من خلفه، ثم قال بنبرة يملؤها البهجة وبها ذرة من التردد الداخلي والخوف من ما هو آتي من تلك الخطوة:
"لما عرفت إنك فقتي الفرحة مكنتش سيعاني، لما وعدتك إنك لما تقومي منها هفكر في موضوع جميلة، اتكلمت معاها وقولتلها إني هفاتح أبوها وأخوها في الموضوع واللي ربنا عاوزه هيكون..!"
نظرت له بغير تصديق ثم ردت بفرحة عارمة وهي تتمسك بيديه:
"بجد يا عز؟"
أومأ لها هو وشقيقته بحماس، فتحدثت هي مرة أخرى بسعادة:
"ربنا يفرح قلبك يا بني ويجعلها من نصيبك وميكسرش قلبك أبداً، شوفت لما تنوي تعمل حاجة إزاي حمل يأسك يخف من جوا شوية وتكافح.. زي ما طول عمرك بتكافح يبني!"
مال ليطبع قبلة على رأسها مردداً بهدوء وهو يبتسم قائلاً لها:
"قررت إني هحاول عشانها، وكل اللي جاي من عند ربنا، وبعدها من دعواتك ادعيلي عشان بقالي فترة ماشي من غير دعواتك ليا يا حنان..!"
نظرت لهما بحب، ثم تنفست قائلة بتنهيدة:
"صحيح بقالكم فترة من غير دعواتي بس كنت ولسه سيباكم في رعاية ربنا اللي مفيش أحسن منه، استودعتكم الله يا حبايبي."
هز لها رأسه ثم أخذ الغطاء يضعه عليها باهتمام ما أن رأى على وجهها الإرهاق، ولكن توقفت يديه عندما سألته:
"مقابلتش شريف يا عز؟"
حرك يديه مرة أخرى وهو يتظاهر بعدم الاستماع تحت أنظار شقيقته المترقبة، فواصلت مرة أخرى تسأله وكأن السؤال لا يخرج محتواه عن عقلها:
"مشوفتوش؟"
"شوفته وقابلته وكل حاجة عدت وإنتي الوقتي تعبانة مش وقته الكلام بس أوعدك لما تفوقي شوية هحكيلك على اللي حصل ماشي؟"
أومأت له رغماً عنها ثم مال ليطبع قبلة على رأسها وهو يدثرها جيداً بالغطاء، ثم أشار لشقيقته بأن تخرج وهو كذلك حتى أغلق الغرفة من خلفه، تاركاً الممرضة التي ترافقها تدخل لها فقط. وقف أمامها بالخارج ثم ابتسم لها وهو يضع يديه على كتفها قائلاً:
"حازم كلمني النهارده عشان الحنة والفرح، فكمان كام ساعة هروح البيت أجهز، وإنتي البسي من لبسك اللي معاكي هنا وهاجي آخدك بعد ما أخلص شغل، اتفقنا؟"
أومأت له بابتسامة صغيرة ثم رفعت يديها تمسح عرقه من على جبهته أثر فرحته بما حدث، مما جعله يبتسم بحنو لها وهي تقول:
"اتفقنا."
بنفس المكان، مكان رجوع وجع شقيقه، عودتها عقدت من كل شيء، جعلته تائهاً في الحياة مرة أخرى، لم ولن يسمح بترك شقيقه عمله والذي يعلم جيداً ما يفكر به الآخر من هروبه من الواقع الأليم. قيادة سيارته فور سماعه لحديث شقيقه المتألم جعلته يأخذ خطوة كان سيأخذها عقب انتهاء أحداث اليومين القادمين! ولكن دموعه ليست هينة عليه كذلك حتى وإن كان هو نفسه مكسوراً إلى الآن من حديث شقيقه له وبما فعله به. ملامح وجه التي دوماً ما تكون مبتسمة ليست صارمة عابسة، بل كان بشوشاً هو وشقيقه الذي كان بشوشاً أكثر منه. لم يكن يوماً فظاً في المعاملة ليؤذي أحدهما، وياليت تلك الحياة تعدل يوماً مع من عاش طيلة حياته يسير بجانب أحد الحوائط غير مبالياً بأحد ليؤذيه. جاء ليأخذ حق آخر ولكن ليس بيديه كما حذره شقيقه، كونه بالمستشفى كشخصية "بسام" وليس "غسان" جعل الأنظار ليست مستنكرة. فوقوفه الآن دون ارتداءه البالطو الأبيض وهو يشير لممرضة في الطابق الأعلى أمام المصعد، جاءت له سريعاً كونه الطبيب المعروف هنا. نظرت له مبتسمة وهي تجيبه على ما سألها رغم استغرابها بكيف لم يعلم هو مكان الغرفة الذي لا يصعد إليها سوى مرافق واحد للمريض والأطباء والممرضين فقط لا غير.
وكأنه شخصية الطبيب صعد في المصعد سريعا، بعدما أعلمته مكان الغرفة ورقمها بالتحديد. خرج من شروده بما يفكر به وهو يتوجه ليقف أمام الغرفة الآن. دقت اللحظة الحاسمة، وخروج شره عليها للمرة الثانية.
لم يدق الباب هو، بل فتحه على فجأة ثم دخل وهو يغلقه خلفه دون أن ينظر على الجالس. ثم جذب مقعدًا سريعا يضعه خلف الباب حتى لا يفتح شخص من الخارج.
وقفت هي في الخلف على فجأة وكادت أن تعنفه، ولكن صمتت حينما التفت بكامل جسده يقف أمامها بشموخ. وزع أنظاره على المكان فوجد والدها الجالس يظهر عليه التعب. حرك أنظاره سريعا عندما هتفت هي بتعلثم:
"عاوز ايه.. تاني يا غسان!"
"هقولك"
قالها باختصار وهو يتوجه يقف أمامها بهدوء. ثم حرك أنظاره على والدها مشيرًا عليه مرددًا بتهكم:
"كنت فاكرك ملكيش مكان غير جهنم، بس الظاهر ده هيبقي سبب فـ العكس."
عقدت "تاج" حاجبيها باستنكار، ثم توجهت لتقف أمامه متحلية بالثبات:
"عاوز ايه يا غسان؟!"
تحرك من جانبها ثم توجه يجلس بجانب ذلك الذي يحاول التحدث، ولكن وضع "غسان" يديه على فمه سريعا وهو يميل ليتحدث بجانب أذنه قائلًا:
"كان على عيني يا بشمهندس، بس لازم تاخد بعضك وتصفي حسابك من هنا وتشوفلك مستشفى تانية تتعالج فيها.."
جحظت عينيها عندما وصل إلى مسامعها الحديث، حتى تحدثت بانفعال قائلة وعينيها تتطلق الشرر:
"انت مجنون؟ نمشي ازاي ورحلة العلاج بدأت هنا؟"
نهض على فجأة من سبها له، ثم توجه أمامها يمسك خصلات شعرها على فجأة كما فعل المرة السابقة، حتى تأوهت هي تزامنا مع قوله:
"أنا هسكتلك عشان خاطر أبوكي اللي معرفش يربيكي، ولو أنا فاضيلك كنت ربيتك أنا. تمشي من هنا وتنزلي تصفي حسابك وتنقلي أي مستشفى تانية. المستشفيات مفيش أكتر منها. سامعـه؟!"
أومأت له وهي تتأوه، حتى ترك خصلات شعرها عندما هتف الآخر وهو يحاول أن يتحرك لنهوضه من على الفراش قائلًا بضعف:
"سيبها. سيبها أنا هعملك كل اللي انت عاوزه بس سببها."
ما أن قالها تركها وهو يدفعها باشمئزاز بعيدا عنه. ثم ابتسم باتساع وهو يرفع يديه تعظيمًا له قائلًا يقاطع نهوضه:
"تعجبني يا بشمهندس. خليك مكانك والله ما انت متحرك. وفر الحركة لما تمشي."
توجهت هي سريعا تمسك بوالدها بلهفة. ثم نظرت له بصمت حينما هتف مرة أخرى:
"أنا كده قولت اللي عندي. لو لمحتك صدفه انت وخيالك فـ حياة أخويا ساعتها محدش هيقدر ينجدك من تحت ايدي. الوقت لسه قدامك عشان تشوفي مستشفى تانية ملهاش علاقة بشغل أخويا.."
نظر لها والدها بحزم بأن تومئ على حديثه، فأومأت هي بالإيجاب رغما عنها وهي تتمسك بوالدها خوفًا عليه. توجه "غسان" ليزيح المقعد حتى يفتح الباب، وقبل أن يفتحه التفت ينظر لها ثم ردد بجرأة وهو ينظر عليها يرمي لها حديثًا استشاط من غضبها:
"إبقي قصري الفستان شويه عن كده خليهم يتلمو حواليكـي زي ما بتحبي."
قوله الوقح ورغبتها العارمة في الرد عليه لم يمنع انفعالها وردها سوى مسكة والدها بها بأن لا تنهض. ابتسم بسخرية على عجزها ثم نبس بنبرة حادة يعيد على مسامعها ما قاله لها:
"سلام. ومتنسيش لو لمحتك فأحلامه حتى هزعلك!"
قالها ثم صفع الباب من خلفه بقوة، تاركها مرغومة على أمرها، فحتى إن لم تكن تريد ذلك، فوالدها الآن يفضل ذلك ولن تهدأ نفسيته المؤهلة للعلاج سوى لمستشفى أخرى تحنبًا لشر أحدهم والمشاكل الذي عاش دومًا يتجنبها حتى بعد رحيله بما هدده به هو! هدأ شيطان نفسه على الأخذ بحقوقه حتى لو كان حق غير كامل وغير عادل لشقيقه. ركب المصعد سريعا حتى يهبطه لأسفل ومن ثم الخروج من تلك المستشفى ليعود مرة ثانية لمنزله بعد هدوء صوته الداخلي المتألم لشقيقه ولو بنسبة بسيطة. فحتى ما فعله يكفي لعدم ضغط جرح شقيقه أكثر، سيكتفي بما لديه وفقط دون وجودها لتذكره بما فعله معها ومع إختياره الخاطئ المتسبب بقهره!
"بقولك كده بقاله يومين يا شريف انت مش واخد بالك أنا بقول ايه!!"
لم يهتم "شريف" الجالس أمامه وهو يعبث بهاتفه، بل رفع أنظاره بعد لحظات يوزعها بإهمال عليه وعلى "حسن" المسطح على الفراش بدرجة حرارته التي ترتفع تارة وتهبط تارة أخرى. لم ينبس سوى بكلمات مختصرة وهو يتنهد أمام أنظاره:
"عادي يا آدم ده برد يعني. مش فاهم انت مقلق ليه كده؟!"
نظر له "آدم" بتعجب، في حين نهض ليقف وهو يقلب القطعة القماشية على جبهة "حسن" تزامنا مع قوله الهادئ:
"مقلق نفسي عشان خايف عليه يا شريف، هو ده مش صاحبي برده؟!"
"صاحبك يعم، بس لو انت مكانه مش هيعمل اللي انت بتعمله ده. فملوش لازمة مش بياخد علاج مسيره يروق ويفوق ويطلب كيفه تاني طري انت بس!"
قالها له بالمُبالاة. فالتفت "آدم" ينظر له بقلة حيلة مردفًا:
"لا يا شريف. حسن لو وحش مع كل الناس مش هيبقي وحش معايا. وبعدين لو طلع وحش أنا يعم بعمل خير ليه. ما أنا مش هقدر أمنع خوفي عليه حتى لو ماشين فطريق غلط!"
تنفس "شريف" بعمق ثم نهض من على الأريكة متحدثًا بنبرة هادئة:
"والله انت حر بقا. مبيجيش من وراكم غير وجع الدماغ. أنا ماشي!"
"أومال أنا جايبك ليه؟ أنا عاوزك تجيب دكتور البيت ليه لو فضل كده لـ بليل أو لبكره."
نظر له بصمت ثم توجه ليخرج من الغرفة مع قوله الذي أظهر عدم اهتمامه:
"طيب ابقا كلمني لو فضل كده اجبلك دكتور. سلام"
قالها بغير اهتمام ثم توجه بخطوات ثابتة ليخرج من باب الشقة بأكمله، تاركه يقف يراعي صديقه!
تجهز من المنزل من كل شيء وقد ترتب. كانت تنشر "نيروز" الملابس بشرفة الصالة بإنهاك بعد كل ذلك التعب. لمحته من الأسفل وهو يدخل إلى داخل المبنى. تركت ما بيديها ثم توجهت وهي تتحدث تزامنا مع سيرها لشقيقتها بسرعة:
"كملي يا وردة كده علي ما أشوف حاجة.."
سمعتها شقيقتها بالكاد من صوت الأغاني. فتوجهت هي لتفتح باب الشقة وهي تغلقه قليلا فقط. ثم انتظرته وهو يخرج من المصعد، حتى خرج منه سريعا وهو يبتسم لها ما أن رآها أمامه. نظرت له من تقلب حاله ثم سألته باستنكار:
"مالك؟!"
لم يريد أن يذكرها بما شاهدته قبل خروجه بل. بل ضحك بخفة وهو يرد على سؤالها بمرواغة:
"والله ما عارف مالي من ساعة ما وقعت فيك..."
نظرت له بتعجب من تغير حاله، أم كانت تتخيل فقط. نظر على حجاب رأسها باستنكار ثم أشار لها وهو يتحدث بدهشة:
"مش معقول خوفك عليا خلاكي تطلعي بشعرك كده..!"
وضعت يديها على رأسها سريعا، لم ترتدي حجاب رأسها وجلست بالمنزل بأريحيه لعدم وجود "بدر". و "حازم". احمر وجهها بشدة ثم نظرت حولها بتعلثم وهي تتحرك سريعا دون تفوه أي حرف حتى أغلقت الباب بوجهه. انتفض هو سريعا ثم ضحك بذهول على ما فعلته للتو وهو يلتفت ينظر ما إن رآها أحد أم لا! حرك رأسه. هو يضحك من عفويتها ثم توجه ليفتح باب الشقة وهو يغلقه من خلفه. وجد والدته تتجهز للخروج، حتى بعد أن جاءت شقيقته تبتسم له بسعادة ثم رددت بحماس:
"إحنا مش معزومين على الغدا، مروحتش على هناك ليه؟"
"جاي وراكم. فين بسام؟"
تعلثمت "دلال" بنظراتها ثم هتفت تغير مجرى الحديث:
"نايم. سيبوه. تعالو إحنا نروحلهم علي ما أبوك يجيب الحلويات علي هناك هو."
وبدر تلك اللئيمة بحركاتٍ يعلمها من يقف أمامها، ضحك بخفةٍ من إخفائها ضعف ولدها حتى لأولادها.
نبس بنبرةٍ هادئة وهو يدخل غرفته:
_" جاي وراكم، بالسلامة أنتم."
قالها فنظروا بأثره ولم يضغطا عليه، بل سار الاثنتان إلى الخارج. عاد مرةً ثانية ينظر، وما أن اطمئن من عدم وجود أحد، دق غرفة "بسام" بخفة ثم دخل وهو يغلق الباب من خلفه.
ومن ثم التفت وجده ينظر على سقف الغرفة بشرود. تنحنح "غسان" وهو يرفع الغطاء ثم دفعه بمرح حتى يتسطح هو الآخر بجانبه قائلاً بتبجح:
_" ما تخش ياض وبطل أنانية!"
ضحك "بسام" رغماً عنه وهو يتزحزح قليلاً حتى يجلس الآخر بجانبه. رفع "غسان" ذراعه يضم رأس شقيقه ليضعها على ساقيه، فكان الوضع كالأتي: هو يجلس على الفراش يثني ركبتيه ورأس الآخر تميل عليها وكأنها وسادة حانية رغم صلابة عظامه.
تنفس "غسان" ببطء ثم أردف بنبرةٍ هادئة:
_" متستحقش الحب اللي أنت حبيته ولسه مش عارف تشيله جواك من نحيتها. جاور وإعرف اللي يهون عليك الدنيا مش هيندمك حتى فالبعدين. وإن ملقتش حد قابلك، تعلالي يعم بكل حزنك هستحملك. إن مكنتش أول واحد لسه عندك فالمكانة دي حتى بعد اللي حصل!"
تنفس "بسام" بعمق، ثم تحدث بنبرةٍ هادئة له وهو ينظر لأعلى سقف الغرفة:
_" مكانك متغيرش ولا عمرك هتاخد غير المكان الأول. لما الدنيا تضيق وأجري عليك أول واحد، بس أنا مش قادر. عاوز أسيب كل حاجة وأمشي. عاوز أسيب الشغل يا غسان وابعد.."
علم الآخر ما قاله، بل اتخذ هو الخطوة من قبله عندما فعل ما فعله. تنهد يخرج أنفاسه وهو يجيبه بنفس النبرة الهادئة:
_" قولي لو سيبت الشغل إيه هيحصل. حتى لو سيبت كل حاجة ومشيت ده مش حل. الهروب مش حل. الحل إنك تقف على رجلك وتقاوح ويبقي عندك إرادة فإنك تتغلب على كل ده عشان ترجع إنسان طبيعي عادي مش بيعاني من الماضي. حتى لو حبيت واتجوزت وحصلك نصيب مع واحدة تبقي إنسان سوي وعلاقاتك اللي قبل كده متأثرش عليك. وجودك مع نفسك فـ أوضتك لوحدك عمره ما هيقلل من حاجة، دا العكس ده هيخليك تقعد تجلد ذاتك كل شوية. لازم تقوم تقف على رجلك.. هتقوم؟"
استقام "بسام" ببطء حتى يجلس بجانب شقيقه ثم أومأ له وهو يهز رأسه بضعف قائلاً:
_" مش قادر أقوم."
نظر له "غسان" بصمت ثم هز رأسه بتفهم، حتى نهض على مرة واحدة قائلاً:
_" هتقوم يا بسام لو مقومتش مش هسامحك."
قالها بجدية ونبرة صادقة خرجت بالكسرة والتعب الذي بداخله، بينما نظر له الآخر بأسف وهو يردد:
_" أنا آسف يا غسان سامحني."
نظر له بملامح وجه جامدة ثم نظر له مردفاً بنبرة تحفيزية:
_" قوم يا بسام. أنا مش عاوزك ضعيف كده. خرج كل اللي جواك حتى لو هتكسر الأوضة دي الوقتي.. بس مش عليا يعني!"
قالها بجدية مما جعله يضحك بخفة وهو يومأ له. نظر "غسان" على سترة الآخر الملقاة باهمال على المقعد، مد يده يلتقطها ثم أشار لشقيقه بأن يفتح ذراعيه ليرتديها إياها مردفاً بحزم:
_" يلا عشان نلحقهم!"
_" سيبني شوية طيب وهبقي أجي.."
قلب أعينه بملل ثم دفعه بيده بأن يسير بجانبه. ابتسم الآخر رغماً عنه وهو يسير بجانبه إلى الخارج حتى يتوجه كل منهما إلى الشقة الأخرى وكأن أحدهما استطاع وببراعة سحب بعض اليأس منه وليس أكمله.
في الشقة الأخرى، شقة "سمية"، جهزت الطاولة الكبيرة وجلس عليها "حامد" و"بدر" بعدما جاءا من الخارج بعد شرائهم بعض العلب المغلفة بالحلويات، كعلامة بقيام الواجب نحوهم من جهة الأقارب والجيران. كان "يامن" يجلس على ساق "حامد" وهو يهزه ليرقصه بخفة على الأغاني.
بينما كانت النساء والفتيات فالمطبخ يجلب كل منهن الطعام. دخل "حازم" عليهم منذ قليل حتى جلس. باب الشقة المفتوح يدخل منه بعد وقت الآخر أحدهم، إلى أن دخل "غسان" هو وشقيقه. فذهب ليجلس بعدما هرول له "يامن" وليس شقيقه بسبب علامته من ذراعه. ضحك بخفة ثم غمز لـ "حازم" وهو يهلل وسط الأغاني:
_". أحلى عريس."
ضحك "حازم" له بسعادة ثم أشار له بأن يجلس تزامناً مع قوله:
_" حبيبي يا غس!"
_" هعديهالك غس دي عشان أنت عريس بس."
توجه من بعدها ليجلس وبجانبه شقيقه. ومن ثم خرجت النساء والفتيات أخيراً وجلس كل منهن على المقاعد. كانت تتحاشى النظر إليه وما أن تقابلت عينيه بعينيها غمز لها "غسان" بعبث، فهربت بأنظارها سريعاً.
كاد أن يبدأ الجو في المبهج بتناول كل منهم الطعام ولكن قاطعهم صوتها وهي تدخل الشقة المفتوح بابها دون إذن حتى تحت الأنظار وبجانبها زوجها الواقف بجانبها يطالعهم باستهزاء.
وقفت "سمية" تنظر لهم باستفهام، فتحركا الاثنان وبدأت هي بالحديث أولاً من أثر غيظها:
_" ويصح يعني القاعدة دي من غير عزومة؟ إن مكناش قرايب ولينا مقام نبقى نسايب ولا هي قلة الذوق والبجاحة واصلة لسابع جد فـ عيلتك يا سمية!"
نظرت لها "سمية" بضيق، ثم هتفت بغضب مكتوم:
_" وهو يصح اللي قولتيه فـ آخر كلامك ده ولا يصح أصلاً كل اللي حصل من أول اللي عملتوه فـ كتب الكتاب لحد قلم نيروز اللي نزل على وشها من جوزك بسببك!"
كانت الأنظار مترقبة للغاية، في حين أن "حازم" كان قد نهض ليقف أمامهما، بينما كان يترقب "بسام" بضجر داخلي، حتى "غسان" الذي كان يجز على أسنانه محاولاً التحكم بانفعاله و "نيروز" التي كان يظهر على تقاسيمها الغيظ. بينما وقف "بدر" خلف "حازم" الذي ألحق بهم "غسان" و"سمية" وبقي "حامد" والآخرين جالسين بمكانهم للترقب فقط إن حدث شيء. لم يكن "حامد" من محبين التدخل فيما لا يعنيه يوماً، ولكن إلى حد معين كان هو ينتظر.
خرج صوت "سليم" الساخر لهم وهو يردد:
_" هو مبرر قلة الذوق دي كلامك ده؟ عالعموم مش عاوزين كلام كتير!!"
_" قولي يا بابا أنا عاوز أسمع كلام كتير معلش. أنت هتفضل كده لحد إمته؟ أراهن إنك جاي معاها أصلاً ومش عارفين إنتوا عاوزين إيه بس بتبوظوا اللحظة وخلاص وقبل ما تبوظ معلش أنا آسف عشان مش هسمح بكده!"
كان معه كل الحق، فوالده شخصية متناقضة لا يعلم ما يريد فعله بل يسير خلف هوى الأخرى وفقط، متظاهراً بأنه متحكم. قالها "حازم" بهدوء شديد فنظر له والده بغيظ مردفاً بنبرة جامدة:
_" يعني أنا بعملك مشاكل فوسط إني بحاول أمنعها عنك؟ مش كفاية قاعدلي فـ طرابيزة واحدة مع اللي مسك أبوك واتخانق معاه ومد ايده على مرات أبوك، لا ولسه يا عالم هو اللي ورا موضوع اختك ولا لأ.."
كاد أن يتحدث "حامد" و"حازم" بآن واحد ولكن قاطعهم اقتراب "غسان" ليقف أمام "سليم" مردفاً بهدوء:
_" أنا عاوز أعرف حاجة واحدة بس.. أنت مبتهبطش أنت ومراتك من العرض اللي كل شوية تيجوا تعملوه ده؟ بصراحة أنا زهقتلكم بس نسكت المرادي عشان صاحبي عريس ولا إيه رأيك يا متر؟"
قال آخر حديثه وهو يرفع يديه يشير بحركة خافتة على رقبة الآخر عندما كان يحاول اختناقه حتى كاد الآخر بأن تخرج أنفاسه الأخيرة بين يديه منذ أيام. تفهم "سليم" ما يريد أن يوصله له، نظر له بحدة.
بينما تابعت "زينات" له قائلة:
_" معتش إلا البلطجية اللي يتكلمو ولا إيه!"
هز لها "غسان" رأسه يومأ لها وهو يؤكد قائلاً بتبجح:
_" أيوه معتش إلا هما. ما تيجي أوريكي البلطجة اللي بجد يلا.. أنا مستعد يا أم الناقص!"
إلى هنا ولم يتحمل "سليم" من حديثه وتجرؤه، بل هتف بنبرة منفعلة:
_" أنت قليل الأدب ومشفتش رباية."
حاول "حامد" الفصل بينهما وهو يتحرك من مكانه بسبب نظرة زوجته له الخائفة من تطور الوضع، بينما نظر "غسان".
لـ "سليم" وهو يردد ببرود تزامناً مع تحركه هذه المره ليجلس بجانب مقعد "نيروز":
_" اللي تشوفه يامتر أصل هقولك ايه يعني دي حاجه معروفه !"
التفت "سليم " يخرج من باب الشقه مره أخرى تزامناً مع قوله الذي أربك البعض:
_" عالعموم في خبر حلو أوي ليكو بعد ما الحنه تخلص ، ترقبوا ، سلام "
قالها ثم أشار لزوجته بأن تتبعه ، ولكنها تبعته بعد أن قالت بأمرٍ:
_" صوت الاغانى يوطي يا سُميه وبطلي يختي بجاحه أكتر من كده "
_" قولتلك متكلميش أمي كده قبل كده مبتسمعيش!"
قالتها "نيروز" التي اندفعت أمام الأنظار وهي تتوجه لتقف ولكن أوقفها "غسان" الذي عاق خروجها من صف المقاعد بسبب جلسته بعد أن أمسك يديها حتي تجلس ، وقفت "زينات" على أعتاب باب الشقه ثم أجابتها بنيره مستهزءه:
_" صحيح ما انتِ نص البجاحه منها والنص التاني خدتيه منه ، هنقول ايه !"
كبتت الضحكات عندما ردد "غسان" ببساطه يمنع انفعال "نيروز" وهو يقول بثباتٍ:
_" قولي ما شاءالله ربنا يزيدكم كمان وكمان "
نظرت له بغيظٍ مستنكره ثم خرجت تتوجه خلف زوجها إلي شقتها ، بينما كانت الأنظار منها من تكتم الضحكات مثل "ورده" و "بدر" و"بسام" و"عايده"و وسام" و "جميله " ، بينما بقى "حامد", صامت هو والٱخرين يكمل ما كان يفعله قبل مجيئهم منعاً لتعكير مزاجهم ، بينما تلك المره جلس "غسان" بجانب "نيروز" الذي تحدث بجانب أذنها بنبره خافته :
_" لازم تجيلي أعلمك فنون الرد يا رزّه "
ضحكت رغماً عنها وهي تكمل طعامها ، بينما انشغل الاخرين بـ الطعام لفتره ، ما حدث جعل كل منهم ينهض بسهوله من علي الطعام واحد تلو الٱخر !!
__________________________________________________
وُضِع أمامها الورقه التي كانتّ تريدها ، بعد الكثير من الوقت ها هو يجلسّ فـ منزله ، نظرت "فريده" بترقبٍ لما يضعه أمامها ، إبتلعت ريقها وهو يقدم لها القلم ، و ورقه عقد زواج !! ، ستبدأ الٱن كما بدأت من قبل خيانة الثقه وخيانة نفسها وعلي ما نشأت عليه ، بل لم تمضي علي عقد زواج ، ولكنها ستمضي علي ورقة بعقد لدمارها !! ، نظر لها "شريف" بترقبٍ ثم ردد يشجعها :
_" امضي يا فريده!"
ابتسمت له بارتباك ثم فتحت القلم وهي تتوجه به ناحية مساحة الإمضاء ، ومن ثم دونت إسمها بالمكان المناسب ، حتى تقتل ترددها ، إبتسم بانتصار ثم أمسك الورقه قبلها وهو يطويها ليضعها بجيبه ثم تحدث قائلاً يبسمه واسعه ظهرت لها لطافة منه ولكن بداخله العكس تماماً:
_" كده يبقي مبروك لينا أوي..."
إبتسمـتّ له "فريده" ثم تنفست بإرتياح عندما نهض يأخذها بينّ أحضانه مردداً :
_" كده انتِ ارتاحتي أهو وعملت اللي عليا ، وبقا اسمك مراتي ؛عشان تعرفي إني بحبك"
توترت عندما وجدته يهمس لها بكلماته ومن بعدها أمسك يديها يجلسها مره أخرى على المقعد ، حتى مال يطبع قبله هادئه علي خديها قائلاً مره أخرى بإسلوب وتعاملات يجعلها تقع أكثر به:
_" مش عايز أخليكِ تندمي فيوم إنك سيبتي الدنيا بحالها وإختارتيني"
تنفست بعمق ثم أومأت له بسعاده قائله نبره هادئه ناعمه:
_" مش ندمانه يا شريف ، ربنا يخليكّ ليا .."
إبتسم يجاملها ثم نهض وهو يتنهد قائلاً بإذن:
_" أنا نازل ومش هتأخر .."
أومأت له وهي تهز رأسها ثم ابتسمت له باتساع عندما ودعها ، حتى خرج من الشقه بأكملها ، وعادت هي إلى الغرفه التي تخصها مره ٱخرى !!
_________________________________________________
بعد مرور ساعتين رحل كل من كان بشقة "سُميه" إلى الشقق الٱخرى حتى يرتدي كل منهم ويتجهز لموعد الحنه الذي إقترب ، وكان في شقة "حامد" كل منهم ذهب ليرتدي ثيايه الأنيقه للمناسبه التي قد تكون صغيره بالنسبه لكونها فالمنزل ! ، خرج "حامد" من غرفته متجهزاً هو وزوجته ، بينما كان يرتدي"غسان" ثيابه ومعه في غرفته شقيقه الذي جعله "غسان" يرتدي معه حتى لا يتركه مع نفسه ، تجهز هو أخيراً حتى أصبح شكله منظماً جذاباً كشكل شقيقه ، نظر إليه "بسام" بتمعن واعجابٍ بينما غمز له "غسان" برواقه وهو يهتف:
_" ايه رايك بقا ؟ فلاحين ولا برا عنهم ؟"
_"فلاحين اي يعم ، لأ فنان ، فنان يعني"
ضحك بخفه ثم وضع يديه علي كتف شقيقه وهو يخرج خارج الغرفه ، حتى خرج لهم بالصاله فوجد "والده" يجلس بجانب "والدته" ناظراً لها بهيامٍ ، قلب أعينه بملل ثم حركها صوب"وسام" التي كانت ترتدي فستناناً من اللون البنى ، ابتسم لها "بسام" بلطفٍ وهو يشير لها بدييه بأن ملابسها تبدو رائعه في حين وضع "غسان" يديه موضع قلبه بألمٍ زائف أمامها حتى عقدت هي مابين حاجبيها ببنما تابع هو بمرحٍ:
_" قلبي ، مش قادر ، جالي هبوط من كُتر حلاوتك !"
ضحكت عليه ثم توجهت تشير له بأن ينحني لتطبع قبله علي خده بحبٍ ، ومن ثم فعلت كالمثل مع شقيقها الٱخر والذي إحتضنها براحه ، توجه كل منهم ليقف أمام والديهم ، فـ طالعهم "حامد" بضجرٍ وهو يقول:
_" مفيش خصوصيه. فالبيت ده ؟ سيبوني اتغزل فمراتي شويه!"
ضحك "غسان" هذه المره ولم يقاطعه بل شجعه قائلاً برواقه:
_"حقك تتغزل يا حامد ، حقك!!"
نظر له "حامد" بمكرٍ ثم قال:
_" ايوه يا خفيف حقي ، خلاص بقا متقدرش تقول غير كده !"
كانت تضحك "دلال" بحبٍ في حين تركز عينيها علي "بسام" ، سمعوا هم صوت جرس المنزل يرن متواصل لم يأخذ الطارق راحـه ، عقدو جميعاً ما بين حاجبيهم في حين أثار أمر الطارق لهم الريبه ، أشار لهم "غسان" بأنه سيتوجه هو ليفتح ،حتى توجه ليفتحه وما أن فتحه وجده يقف أمامه هاتفاً بصوته المرتفع:
_"ٱن ٱنن!! ، مفاجأه صح ؟"
نظر له "غسان" بدهشه ثم ابتسم باتساع قائلاً بغير تصديق:
_"شـــادي !!"
هز له رأسه ثم تحرك بجانبه يبحث عن ٱخر ثم عاد مره ثانيه يدفعه حتى يدخل هاتفاً بمرحٍ:
_" حامد حبيب قلبي أنا جاي أقعد معاك يومين بقا وأدلعك بقا وبص اللي قلبك يحبه يعم"
كبت كل منهم ضحكاته حتى "حامد" الذي وقف يعنفه قائلاً :
_" انتَ ايه اللي جابك ياض انتَ ؟"
_" جاي بيتي يعم"
قالها بحنقٍ زائف وهو يتجه يفتح ذراعيه لـ "دلال" التي نظرت له بسعاده ، حتى يدخل باحضانها ، فأوقفه نبرة "حامد" الزائفه:
_" هتعمل ايه يا كلب ،.
"متحضنش مراتي!"
نظرت له "دلال" بلوم، ثم فتحت ذراعيها تأخذه بين أحضانها بحب، حتى ضحك "حامد" وأولاده. كان ومازال يتيم الأم والأب، عاش صديقًا لها، اعتبرها والدته التي لم تنجبه. ابتسم لهم بحب، ثم توجه يرحب بـ "وسام" ومن بعدها احتضن "بسام" بشوق. ثم جلس بأريحية قائلاً:
"أنا جعان يا حامد."
"معندناش أكل يا حبيبي، تاني مرة تعالي وانت جايب أكلك معاك."
قالها "حامد" بغيظ زائف، بينما ضحك الآخرون. فردد "شادي" بجدية هذه المرة حينما وجد السؤال بعين "غسان":
"كنت فاكر حازم عشان ميعرفنيش معرفة جامدة أوي مش هيعزمني لحد ما لقيته بيكلمني بيقولي لازم تيجي الحنة والفرح. قولت أجي بقا وأطل عليكم وأقرفكم وأقعد مع غسان يومين!"
ابتسمت "دلال" له بسعادة ثم أردفت بحبور:
"ينهار أبيض دا انت تقعد العمر كله يواد، إن شاء الله فوق راسي يا حبيبي."
أخرج لـ "حامد" لسانه ثم قال له يمازحه:
"قالتلي يا حبيبي!"
ضحكوا بخفة، بينما نهض "حامد" وهو يقول من بين ضحكاته:
"خلاص طالما انت جاهز ومتشيك كده سيب شنطتك هنا ويلا بينا احنا نروحلهم ونرحب بالناس."
***
في شقة "سمية" جلست هي حتى تستقبل المعازيم القليلة من الأقارب فقط، فالكل سيأتي غدًا يوم الزفاف بالقاعة. جلست بجانب والدة العريس "عايدة" كونها حنة مشتركة بين العروسين بسبب صلة القرابة وقرب الشقتين من بعضهما، فجعلوها مناسبة واحدة بدلًا من كل واحد منهما مناسبة خاصة به. كان "بدر" يتلاعب مع "يامن" تحت أنظار "ورده" التي بدت رقيقة بفستانها. دخل عليهم "حامد" وعائلته، ومن ثم عرفهم بـ "شادي". بحث "غسان" عنها في المكان فلم يجدها، فمال يهمس بعدة كلمات لشقيقته التي لبت ما قاله لها متسائلة لـ "سمية":
"أومال نيروز فين يا طنط مش ظاهرة؟"
ابتسمت لها "سمية" باتساع أمام الأنظار وصوت الأغاني بالمكان:
"راحت مع حازم وجميلة عشان يجيبوا ياسمين من شوية، خلاص فاتهم على وصول، عقبالك يا حبيبتي."
ابتسموا لها كمجاملة ثم تلاشت الابتسامة سريعًا عندما دخلت عليهم "زينات" و "سليم" حتى وقفا الاثنان أمام أنظارهم. لم يرد "حامد" بأن يكون وقحًا، فمد يده يصافحه حتى يبارك له قائلاً بلباقة:
"ألف مبروك يا أستاذ سليم وعقبال ما تشيل أولادهم وعقبال جميلة وأخواتها.."
قالها وهو ينتظر بأن يصافحه رغم كل ما حدث. نظر "غسان" بترقب، وهو يقسم بداخله إن فعل غير ذلك، فالمناسبة قد تكون أخرى، يكفي فقد تحمل منه الكثير ومازال صامتًا! تنفسوا بارتياح حينما ابتسم "سليم" له بمجاملة وهو يصافحه دون نطق أي حديث. بينما جاءت "وسام" من الشرفة وهي تزغرد عالياً ثم قالت بحماس:
"جم العرايس جم يا جدعان!"
زغاريد خرجت من "ورده" و "وسام" متتالية و"عايدة" بفرح، ثم ترصص كل منهم ناحية الباب ينتظرون مجيئهما. أخرج المصعد سريعًا صديقات "جميلة" أولًا، جئن في نفس توقيت الآخرين. بينما لم تمر دقائق وخرج منه "حازم" وبيده "ياسمين" التي كانت جميلة بشدة، ومن خلفها "نيروز" و"جميلة". هللوا سريعًا وبهجة، فالمكان ثم توجهت صديقة "جميلة" والتي جلبت لها الأوراق أسفل المنزل بوقت قد فات والتي تسمى "منه"، وللحق كانت هي التي تثير البهجة في المكان، إن رآها أحد يقسم أنها لم تكن طبيبة في كلية الطب، غالقًا على نفسها غلقة محكمة كما يظن البعض! دخل الجميع إلى الداخل. أما هو فبقي تائهًا بفستانها وملامحها التي أسرته. تجمعت ساحة الرقص وبقت "نيروز" واقفة تنظر عليهم. كان "غسان" يتابعها بتمعن إلى أن وكزه "شادي" بخفة وهو يقول:
"ايه البت الجامدة دي!"
نظر له "غسان" باستنكار، ثم نظر إلى ما ينظر له هاتفًا بضيق:
"الشقط مش من هنا، العنوان غلط، دول لو قربت لواحدة منهم هتعلمك الأدب حلو أوي وانت حر."
نظر "شادي" من أمامه بشرود وهو يردد تزامناً مع حركته للسير:
"هتشوف!!"
تركه يتجه، ومن ثم توجه من بعده يقف من خلفها وهو يمسك يديها يسحبها مستغلاً أنظار الجميع. حتى انتفضت هي بهلع، ثم سكنت تمامًا ما إن رأته هو. فـ أصبح الاثنان يقفان بجانب من إحدى الجوانب الواسعة بصالة الشقة. نظر لها من أعلى لأسفل ثم ردد بهيام:
"هي دي حلاوتك بجد ولا حلاوة أمك سمية!"
شهقت شهقة خافتة وهي تنظر له كابته ضحكتها على ما أردفه، ثم دققت النظر على منديل جيب الحلة القماشي وهي تنظر له بغير تصديق، فقد كان نفس لون الفستان التي ترتديه!!! طالعته بغير تصديق، قد علمت الآن لما كان يسألها ماذا سترتدي! خرجت من شرودها عندما وجدته يغمز لها قائلاً وهو يخمن ما تفكر به:
"وصلت ولا لسه؟"
ضحكت بخفة ثم تورّدت وجنتاها وهي تجيبه قائلة:
"وصلت!"
"ما تيجي؟"
قالها وهو يغمز لها بمشاكسة. وقبل أن تهتف لتأدبه وضع يده سريعًا أمام فمها بمسافة تزامناً مع توضيحه:
"أيوه أنا قليل الأدب."
صمتت تطالعه بصمت غلفه الغيظ البسيط، بينما تابع هو بمراوغته يشاكسها مجددًا هاتفا:
"بس أنا كان قصدي ما تيجي نعمل حنتنا بقا!!"
"ومالو."
قالتها باستنكار وهي تنظر له بنفس نظرة الشغف. استطاع وبكل سهولة أن يدمجها معه ومع طباعه متناسياً الآخرين. بل كان بفرحته منشغلًا، منشغلاً بفرحة عينيه لرؤيتها كأميرة ثلج بلون ردائها البسيط الهادئ كمثل ملامحها حتى وإن لم تكن ملكة جمال. الجمال مقاييس ولكل شخص لديه من سيأتي يوم من أيامنا هذه ليعشق ملامحه كما هي دون تجميل وبذل جهد لإظهارها أحسن وأفضل للأنظار. خلقة الخالق لا يوجد أجمل منها!! لذا خلق الإنسان في أحسن تقويم.
كان "شادي" يقف على بعد مسافة منها، وبخبرته بجذب الفتيات له، تصنع الاصطدام بيديها فقط. حتى التفت تنظر له باستنكار، ولم تكن سوى "منه" صديقة "جميلة". طالعها وهو يبتسم ثم مال يهتف حتى تسمعه من أثر علو الأغاني:
"هو الحلو منين!"
"من عند أمك!"
قالتها ببساطة شديدة ثم التفت تنظر لهم وهي تصفق بحرارة. فتهتف هو من جديد وهو يقف بجانبها مرددًا بدراما استشفّتها:
"بس أنا أمي ميتة ومحروم من الحنان، ما تديني حنان."
تنفست بعمق وهي تتحلى بالصبر ثم التفتت تنظر له قائلة:
"حنان ماتت، واسكت بقا بدل ما أقلبلك الحنة دي خناقة وأقلب الدنيا عليك، فـ امشّيها بالحب!"
ابتسم لها "شادي" بمراوغة ثم هتف من جديد:
"ما أنا نفسي أمشيها بالحب وربنا، بس انت.."
دققت النظر بملامح وجهه، فقد كان وسيمًا بنسبة لاحظتها هي حتى أنه كانت ملامحه جذابة عن "غسان". أشار لها أمام وجهها وهو يردف:
"عجبتك يا.."
صمت وكاد أن يسألها فقاطعته هي ببسمة واسعة:
"أوي أوي، منه، معاك." رفع يده يرجع خصلات شعره من تسهلها معه بتلك السرعة وقبولها التعارف، ثم هندم ملابسه بغرور وهو يهتف:
"كُنت عارف..."
وقبل أن يكمل كلماته، كانت هي قد وضعت قدمها بحذائها ذو الكعب العالي بسبب قصرها، ثم ضغطت بقوة على قدمه. قفز وهو يتأوى ثم سبها بسره، هاتفا لها بصوته الحانق مع تأوه:
"آه يخربيت عقلك، دا انت شكلك هابه منك على الآخر."
ابتسمت باستفزاز، ثم رفعت يديها تشير له بعيدًا وهي تقول:
"آه، وامشي حالا بدل ما تكه وهوريك الجنان على أصله يا محترم."
رحل وتركها سريعًا، ثم توجه بملامح وجهه المغتاظة يقف بجانب "غسان" و"نيروز" التي ابتسمت له. نظر له "غسان" باستنكار، فوجده يوجه حديثه لها قائلا:
"مين البت المجنونة اللي هناك دي؟"
أشار لها عليها، فابتسمت "نيروز" له قائلة بهدوء:
"اسمها منه، ليه؟"
"كنت بحاول أشقط... قصدي كنت بحاول أتعرف عليها إكمني بدور على عروسة وكده، وشخصيتها بقا عاملة إزاي؟"
ضحك "غسان" بخفة كما ضحكت هي وهي تجيبه:
"معرفش عنها غير إنها شخصية عسل أوي ودمها خفيف بجد وصاحبة جميلة أخت حازم، بس دي مش للشقط!"
"أومال لايه؟"
قالها بفضول، فضحكت هي دون أن تجيبه ثم تركته متوجهة لتشاهد رقص العروسين. أمسكه "غسان" من تلابيبه ثم هتف بوعيد:
"هو أنا مش قولتلك بلاش الشقط هنا؟ مبتسمعش الكلام ليه؟"
قالها ثم حرك أنظاره صوب "منه" الذي عرفها من إشارة الآخر قبل قليل، فوجدها تحدق "شادي" بصمت. أخرج "غسان" صوت صفارة من فمه ثم هتف له وهو يعدل ملابسه:
"لأ حلوة ياض يا شادي وتستاهل، وهي بتبصلك كده ليه انت عملت إيه؟"
نظر له "شادي" باستنكار، ثم هتف يهدده بطريقة غير مباشرة:
"والله حلوة يا..."
قالها وهو ينادي عليها ثم صمت يتذكر اسمها حتى واصل مجددًا يهتف باسمها:
"نيروز."
وضع "غسان" يديه سريعًا على فم الآخر حتى يجعله يصمت قبل أن تأتي وتنتبه لما يحدث. كان يمزح ولكن الآخر لن يضع حدا لحديثه، بالتأكيد سيتسبب بمشكلة هذا الأهوج!
"اسكت خالص وتعال نرقص مع حازم."
دخلت هي وشقيقها من باب المنزل، ولأنها كانت تهاتف "جميلة" قبل أن تصعد حتى تعملها بقدومهما، ابتسمت "جميلة" لهما وهي تحتضن "فرح" ومن ثم خرجت من أحضانها تبتسم له بخجل. أما هو فكان ينظر لها "عز" وهو بعالم غير عالمه! شرد بجمالها وجمال ردائها الأحمر غير المؤذي للعين. بدت كورده في ربيع عمرها متفتحة مبتهجة! تنحنح بحنجرته سريعًا وهو يخرج من شروده حينما ذهبت "فرح" معها وجاء له "بسام" الذي رحب به بحرارة وهو يأخذه ليجلس بجانبه فالداخل. رقص الشباب مع "حازم" والفتيات مع "ياسمين" حتى "فرح" التي رقصت بخفة مع "جميلة" و"نيروز" و"وسام" التي كانت سعيدة باهتمام "ياسمين" بها وهي تمسك يديها لتتراقص معها رغم انشغالها كعروس!
أربعة شباب شاردين مركزين أنظارهم على حيث ما اختار قلبهم أو من المحتمل ما سيختاره قلبهم. من المحتمل فقط! درجات الحب كانت تدريجيًا، من حيث "غسان" الذي كان هائما بها فقط أنظاره مسلطة عليها وكأنه يخشى بأن تختفي من العدم. كما كان "عز" الذي كان يبتسم بحماس غريب لرؤيتها، وهو يتمنى بأن تكون له وتلك الفرحة مضاعفة بفرحتهم معًا. و"حازم" الذي لم يكن ليصدق ما به الآن فدرجة حبه لها فاقت حدود التحدث بكثير! و"بسام" الذي كان يوجه أنظاره لـ "فرح" بين الحين والآخر وكل مرة ينهر نفسه لاهتمامه هذا!
والخامس الذي لا يعد ذكره شيئًا من المشاعر، كان "شادي" الذي كان يحدقها بسخط، كما كانت تحدقه هي الأخرى. ليس منطقيًا بداية تعارف بتلك الطريقة، بل كان عبثًا منه، وهي لم تعطيه الفرصة!
ركن آخر:
"وحشتيني يا فاطمة، مجبتيش العيال ليه وانت جايه؟"
قالها "بدر" الجالس بجانب عمه وهما ينظران لها بحبور. ابتسمت هي بهدوء ثم أجابته:
"وانت كمان يا بدر ابقي تعالي. الولاد والله عارف قالي أسيبهم أحسن عشان محدش يتعب، وجيت النهارده عشان ممكن معرفش آجي بكرة."
رفع "حامد" يده يربت على يديها قائلا بحنان:
"أنا عارف ومقدر يا بنتي اللي عندك وحياتك. ربنا يعينك. ومتمشيش خليكي غسان هيوصلك بما إن بدر مش معاه عربية هنا."
أومأت له بهدوء. وعدد الحاضرين يقل تدريجيًا. وقبل كل ذلك كان هناك من يتابع كل ذلك بحقد فاق الحدود، لم تكن سوى "زينات". أما زوجها فكان يرحب ويودع الناس مع "سمية" و"عايدة". أحداث من رقص وبهجة وعبث وحديث جانبي، إلى أن قل عدد الحاضرين أكثر وأكثر. وقف "عز" أمام "حازم" وهو يحتضنه ثم تحدث يودعه:
"ألف مبروك يا حازم ربنا يسعدك."
"حبيبي يا عز، عقبالك. متنساش تيجي بكرة بقا هستناك."
أومأ له بالإيجاب، في حين كانت "جميلة" تودع "فرح" و"منه" بعد أن رحل باقي أصدقائها وتبقي المقربون، تحتضنهم بحب وسعادة. خرجت "فرح" تنتظر شقيقها بينما خرج "شادي" سريعًا على السلم يقاطع سيرها ثم قال بنبرة مرحة:
"يعني مش هتجيبي رقمك؟"
ضحكت رغما عنها ثم التفتت تهبط السلم تزامنا مع قولها:
"هو انت مجنون يا اسمك إيه ولا في حاجة في مخك؟ ربنا يشفيك."
قالتها وهي تهبط ولكن وصل إلى مسامعها كلماته حينما ردد:
"شادي، اسمي شادي يا منه. أنا معجب بيكي يا بت، استني متمشيش!"
طريقته في قول كلماته جعلتها تضحك بقلة حيلة وهي تحرك رأسها وهي تهبط أكثر. التفت فوجد "عز" يكبت ضحكاته وهو يدخل المصعد مع "فرح" تفهم ما يضحك عليه. بالتأكيد كان حاضرًا ما حدث منذ قليل، وفرح صديقة منه هي الأخرى! تنحنح بحنجرته ثم دخل الشقة مجددًا، فقاطع سيره خروج "غسان" مع "فاطمة" ثم هتف على عجالة له:
"عشر دقايق هوصلها وجاي."
أومأ له ثم دخل بينما خرج الآخر. لم يتبق سوى أفراد العائلة والأقارب فقط من "حامد" واتباعه وعائلته! هتف "حامد" عند سكون الجو من حوله:
"الف مبروك يا حبايبي عقبال أولادكم إن شاء الله، وعقبال نيروز يا مدام سمية."
قال آخر حديثه وهو يوجه حديثه للأخيرة، بينما وجدها "سليم" اللحظة المناسبة الآن لرمي قنبلته الذي مهد لها وهو يهتف ليمهد مرة أخرى:
"بمناسبة كده، واللي كنت عاوز أقولهولكم ومش هتقبل أي نقاش فيه.."
ترقبت الأنظار جيدًا، حتى "زينات" التي لم تكن تعلم ما يود قوله ولكنها فتحت فاهها بصدمة كما الآخرين تمامًا حينما هتف:
"في عريس جاي لنيروز كمان يومين."
صدمة حلت على وجوههم، من "نيروز" التي تراخت قدماها وارتجفت أوصالها، إلى "شادي" الذي دق قلبه بخوف من ما هو آت لعدم وجود "غسان" الآن! لم يتحدث أولًا منهم سوى "حازم" الذي أردف بمعارضة دون علم أي شيء:
"يعني إيه يعني؟"
"هو إيه اللي يعني إيه يعني بنتك ومصيرها تتجوز، ومش رفضتوا ابني، اهو اللي كان موقف حالها جالها غيره."
قالتها "زينات" بشماتة، في حين.
كان شعور حامد وزوجته. ووسام التي كانت تعلم بعجزها عن قول شيء، لا يحق المعارضة، سوى أهل الشأن. ولم يكن ربط غسان بها شيئًا إلى الآن، وقد أصبحت عقدة.
هتفت سمية بغضب وهي تنظر لهم:
"أنا بنتي ما وقفش حالها، ولا شخصيتها ممسوحة لدرجة إنك تجيب واحد من غير ما تاخد رأينا حتى!"
لم يرد عليها. بل قاطع حديث كل منهم صوت نيروز التي وقفت بصوت مرتفع تعارض، بعدما استوعبت الأمر:
"أنا مش هقابل حد، ومش هتجوز حد من طرفك ولا من مجايبك!"
ضحك بسخرية، كما ضحكت زوجته. فردد هو بتهكم:
"مش بمزاجك، أنا خلاص خدت معاه معاد وجاي قريب جدًا، بعد ما ننتهي من جواز حازم واختك المحروسة."
"وإيه كمان؟ مش عاوز تطلقني من ابنك بالمرة! ما دام قاعد تتحكم فينا كده، أنا مش هسمح لده يحصل يا عمي."
قالتها ياسمين بغضب. فその هو حديثها. حتى تقدمت نيروز بخطواتها وهي تحرك رأسها للبحث عنه. تقابلت أعينها بأعين شادي العاجزة. خرج صوت حامد منه وهو يردف بهدوء:
"مينفعش الكلام ده بالغصب، ده جواز. وبعدين أهم حاجة موافقة العروسة اللي هي زي بنتي، وطالما مش موافقة تقابله يبقى ملوش لزوم!"
قالها حامد. فخرج صوت شادي أخيرًا، يؤيده أمام أنظارهم:
"فعلاً، الأمور دي بالهداوة، وبلاش منه طالما ده كان رد فعلها، أكيد نصيبها معيون!"
نظر له سليم باستنكار هو وزوجته، ثم هتف بسخرية:
"وده مين ده كمان!"
أمسك حامد يد شادي تحسبًا لحدوث شيء. في حين خرج صوت بسام وهو يقول:
"يا جماعة كل حاجة وليها وقت، وده مش وقته، استنوا ربنا يعدي اللي جاي على خير وابقوا شوفوا."
لم يتحدث سليم. بل اقترب منه بدر يقف بوجهه، ثم قال بنبرة حادة:
"هو أنا مش قولت قبل كده أنا راجل البيت ده، حتى إنت ملكش كلمة عليهم، إيه هتغصبها؟"
أمسك يد زوجته يسحبها خلفه، ثم هتف بغير اهتمام يفتك بأعصابهم:
"أنا قولت اللي عندي، وخدت معاد مع العريس خلاص، وهيجي ويشوفها."
قالها وهو يتوجه ناحية باب الشقة، غير مبالٍ لنداء الآخرين عليه بالتوقف، من النساء والرجال، إلا عندما صرخت نيروز صرخة عالية جعلت كل منهم ينتفض بفزع. ومن ثم بعدها تقدمت بخطوات سريعة توقفه بقولها الصارخ:
"قولتلك مش هقابله!"
أجابها سليم بنبرة جامدة:
"هتقابليه غصب عن عينك، ويبقى ربنا يسهل."
قالها ومن ثم سحب باب الشقة خلفه ليغلقه. بينما توجهت سمية حتى تذهب خلفه، ولكن أشار لها حامد بأن تتوقف حتى لا يتأزم الوضع. رحلت بخطوات سريعة وهي تكتم دموع عينيها إلى غرفتها وهي تغلقها خلفها، رافضة فتحها لمن جاء من خلفها. بينما فضل شادي وبسام الخروج من الشقة. ووقف حامد ينظر بعجز لزوجته وعايدة وهما يواسيان سمية. تنحنح ليخرج من الشقة بعد تأزم الوضع. جلست ياسمين تهز ساقيها بعصبية، ومن جانبها حازم الواقف بجانبها. لم تمر دقائق وأدخل النساء سمية بفراشها، وبقت جميلة مع وردة تنتظر بأن يفتح الباب من نيروز، ثم رحل كل من النساء، كل منهم إلى شقته.
***
بعد عدة دقائق، كان يتحدث كل منهم بشقة حامد على ما حدث، إلى أن هتف شادي بانفعال وبنبرة صريحة يعلم من كان لا يعلم:
"يعني إيه يا عم حامد متكلمتش؟ ما إنت عارف إن غسان بيحبها وعاوزها."
كان لا يحق له القول بعد قول الآخر بأنه بالفعل أخذ ميعاد. صمت حامد لم يتحدث، لم يفهمه. حتى تحدث بانفعال وحدة الشباب ليست بهذه الأمور. أما الذي لم يكن يعرف علاقة شقيقه هو بسام، ولكنه صمت رغم تفاجئه حينما هتفت دلال بخيبة:
"قلبي عليك يابني، لو عرف إيه اللي هيحصل دلوقتي يارب."
وما أن انتهت كلماتها وجدته يدخل من باب المنزل وهو يغلقه من خلفه. هنا وقف الجميع حتى يستعدوا لإخباره بما حدث.
***
وقفت هي فالشرفة ودموعها تهبط. لا تعلم ماذا تفعل. لم تفتح لأحد رغم أنهم إلى الآن أمام باب غرفتها. خيبة كبيرة، وعجز. كل ما جال بخاطرها هو أنها بالفعل مرغومة على أمرها، وبالفعل لا يوجد أمامها خيار سوى الجلوس مع ذلك العريس. وعندها سوف ترفض. تذكرت كيف سيكون الحال إن كان والدها موجود بالفعل. هبطت دموعها بكثرة منتظرة مواجهة غسان، لا تعلم كيف ستكون ردة فعله. ولكن بداخلها رهبة من كونه سيتخلى عنها ويتركها بعد كل هذا. قلة ثقتها بمن حولها تجعلها تنظر في الأمر مائة مرة وأكثر. طالعت السماء بقهر، بدلًا من أن تكون ليلة سعيدة، تلطخت ببعض الحزن. الأمر بالنسبة للبعض سوف يمر، لذلك لم يتأزم الوضع عندهما. ولكن من يعرف علاقة نيروز والآخر سيصاب الحزن هذه الليلة، ولكن يجب أن تنتهي بأمل مهما كان. لم تشعر بنفسها إلا عندما جلبت دفترها سريعًا، كما تفعل وقت حزنها أو فرحها، تدون ما تشاء لعله يخفف عنها. وقفت تفتح القلم، ورغم ارتجافة يديها إلا أنها دونت بخيبة تناجي ربها:
"ارزقنا السكينة والأنس بك
واجعل الدنيا أخف
على قلوبنا يارب."
أغلقته مرة ثانية وفمها لا يتوقف عن الدعاء بحدوث الأهون وعكس كل ما يخطط له.
***
وقف لم يشعر بنفسه عندما قص عليه صديقه ووالده ما حدث. ذلك الثابت لم يكن ثابتًا في هذه اللحظة. ابتلع ريقه بصعوبة، ثم خرج منه صوته المختنق من كثرة عدم تصديق ما سمعه:
"يعني إيه؟ سيبتها تضيع من إيدي وأنا مش هنا؟"
صمت عندما وجد العجز على ملامح وجههم. تبدلت ملامح وجهه للجمود وهو يهتف عكس النيران التي تتأكل بداخله:
"ما حد يرد!"
رفع أنظاره المشتتة يحركها في المكان وهو يسير باتجاه غرفته سريعًا، صافعًا الباب من خلفه، حتى فتح الشرفة بقوة وهو يبحث عنها بنظراته، ثم تصنم مكانه عندما وجدها تبكي بصوت وشهقاتها تعلو في المكان. توجه ناحيتها ثم هتف بنبرة تائهة يسألها بريبة ظهرت واضحة في نبرته:
"وافقتي؟"
التفتت برأسها وهي تنظر له بخيبة. حتى توجهت وهي تتحدث بتعلثم:
"غسان، أنا.."
لم يعطها فرصة بالرد، بل سألها بتعب:
"هتقعدي معاه؟"
بكت وبكاؤها يضعف بداخله بقوة. حاول بكل ما لديه من القوة الصمود حتى يأخذ الرد الذي يريده. بينما تابعت هي بنبرة منهكة تبرر:
"أنا قولته لأ، والله قولته لأ، بس مشي وسابني ومعبرنيش وغصب عليا أقعد معاه."
صمت يتابع ملامح وجهها المنهكة من كثرة البكاء. رفع يديه يمسح دموعها كما يفعل كل مرة دون وعي. ثم نبس بنبرة هادئة يطمئنها رغم احتياجه لمن يطمئنه الآن وبسرعة. بداخله مشتت، يخرج الكلمات من عقله بالكاد بعد خوفه ورهبته من ضياعها منه:
"متعيطيش."
مسح دموعها بحنو. غلب الشعور بالخيبة والتشتت من الطرفين. ثم تنهد قائلًا لها بريبة مرة أخرى:
"نيروز إنت بتحبيني صح؟ قوليهالي إنك حاولتِ وهتحاولي، عشان أحاول!"
تشبثت بيديه بقوة ثم نبست بنبرة متحشرجة صادقة تخللته:
"أنا بحبك ومش عاوزة إلا إنت.. قول إنك مش هتسبني."
رفع أصابعه يدخل خصلات شعرها المتمرده إلي داخل حجابها ثم مسح بيديه كحل عينيها من أثر البكاء وهو يهتف بلمعة عين صادقه وتلك المره كانت دمعته القريبه علي آخرها في عينيه حتى هبطت خافته منه:
"مش هسيبك والله ما هسيبك لحد غيري!"
وكأنها كانت تنتظر منه هذا الرد حتى توقفت دموعها من نبرته الصادقه وهي تبتسم بأمان. فرفع هو يديها يقبلها مما جعلها تتراجع بعد فعلته تلك. قبل يديها حينها ثم هتفد بوعد صادق:
"ما دموعك مش سهله للدرجادي يا بنت الأكرمي!"
توقفت عن البكاء مع تراجعها للخلف وهي تسحب يديها. ابتسم بهدوء على ما فعلته ثم ردد قائلا بجديه:
"هتسمعي كلامي لما أقولك هتعملى إيه لما عمك الناقص يجيب الخروف اللي متقدملك"
ضحكت بصوت علي ما أردفه رغم جدية ما كان يتحدث به. ولكنها ضحكت كالمختلة عقليا كما تفعل غالبا. واصل هو الحديث قبل أن يتحدث لها بما ينوي فعله:
"قبل كل ده انت تخرجي وتبيني ولا كأن حاجه حصلت وإنك مش فارقه معاك إذ كان هتقابلي الخروف ده ولا لأ. لحد ما يجي ساعتها وقدامنا خيارين. بايدك تختاري واحد منهم انت وامك!"
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب وهي تومأ له. أما هو فـ أحد الخيارين كان واجب فعله منذ فتره والآخر كان من طبيعته الجريئه لفعل أشياء عبثيه لم يتوقعها البعض. ولإعطائها فرصه بما سيفعل خرج من شروده عندما هتفت هي بفضول:
"ايه الخيارين؟"
تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه ثم تحدث قائلا باختصار:
"نعدي بس فرحة حازم وياسمين وهقولكم ساعتها. متفكرؤش فحاجه الوقتي ولاحتى تسمحي لدموعك تنزل لأن كده كده انت بتاعتي.."
ضحكت من ما أردفه من مشاكسه طفيفه. فصمت هو يتابع ما بقت عليه هي الٱن كان ينتظر حبها وكفاحها له حتى بدأ. وكانت هي تنتظر عدم تخليه عنها حتي تحدث. من الٱن وسيبدأ حب الأفعال وليس الحديث! طالعته بشفقه مما بقى عليه. فقط هطبت دمعته منذ قليل عندما كان يمسح دموعها دون أن يدري. وثقت به الٱن وعلمت مكانتها لديه. ابتسمت ثم طالعته بتبجح معهود منها منذ أن عرفته حتى قالت لتخرجه من تحسبات عقله:
"طب مش هتقولي الست قالت ايه؟"
ضحك بخفه رغم تعكر صفو مزاجه وتابع نبره هادئه لها:
"لا قوليلي انت المرادي.."
عقله غير مرتبا لجمع كلمات كان هو يحفظها ومازال. أثر الصدمه جعلته مرتبكا تائها من فكرة ضياعها منه وبطريقة ما هرب من ما تود أن يقول وعقله منشغلا بعديد من الأفكار. بينما تنفست هي بعمق وهي تردد قائله لتسأله:
"عارف الست قالت ايه؟"
"ايه؟"
قالها بابتسامه صغيره اتسعت حينما واصلت هي بـ :
"خليـنى جنبك خليني.."
صمتت تبتسم له ببهجه عادت لها حتى واصل هو يكمل مقولتها لها غامزا لها بعبث:
"فحضن قلبك خلينـى!"
سمع صوت تهليل كبير من خلفه التفت ينظر بدهشه فوجد الوضع كالآتي "شادي" يستند على "بسام" وهما ينظران بهيام. بينما كانت تقف "وسام" بجانب "حامد" " ودلال " من خلفهم !! هتف "شادي" أخيرا والحاضر للوضع منذ غزلهما ببعضمها:
"يخربيت الحب ياض يخربيته!!"
ضحك أخيرا علي ما فعله. وما قاله صديقه التفت ينظر لها فوجدها اختفت من أمامه متجهه إلي الداخل بحرج. بينما ابتسم هو بقلة حيلة وهو يدخل لهم يقف أمام أنظارهم هاتفا قبل أن يسأله أحد وهو يتمتم باختصار ليغلق الحوار:
"كل حاجه تمام. علي ما تقابله بقا وترفضه ربنا يسهل"
قالها بكذب فليس مش طبيعته أن يترك شئ يخصه لغيره. ورغم استنكارهم الي أن حاولوا جميعا مجاراة الوضع. توجه ليفتح الباب ثم قال بتبجح:
"برا يلا عشان مصدع"
ترصصوا للخروج حتي نظر له والده باشمئزاز جعله يضحك. ثم خرج هو وشقيقه الذي غمز له وهو يوكزه فكتفه. ومن بعدها خرج الجميع. وبقى "شادي" الذي تحدث قائلا بحديث يثير الريبه تزامنا مع غلق "غسان" الباب:
"تعالالي يا أبو الغساسين يا حلو انت يا مسكر"
نظر له "غسان" بشك ثم قال بخوف زائف:
"ولااا. هناك كانت الحته واسعه. لكن هنا اوضه واحده وسرير واحد وكنبه. اهدى على نفسك!"
"شوف دماغك بقولك تعالى علمني الست. بتقول ايه ابقا أقولها للبت" منه" دي اللي مركبالي الوش الخشب!"
ضحك "غسان" بخفه تزامنا مع خلعة سترة الحله وقميصه. بينما ذهب الٱخر ليجلس علي الأريكة منتظرا رده. ولكنه نظر له باستنكار حينما ردد:
"مينفعش. كلام الست كله متفصل ليها هي لوحدها. اختارلك حد تاني غير الست!"
صمت "شادي" يحك ذقنه ثم أردف علي فجأه:
ورده؟! وأقولها بقا ..بتمر ساعات بعد لقانا والروح لوجودك عطشانه!
ضحك وهو يهز رأسه يؤيد:
"بالظبط حتى لايق"
"طب سيبك بقا وقولي. بتفكر فـ ايه. وهتعمل ايه؟"
نظر له بصمت وهو شارد ثم توجه ليجلس بجانبه متحدثا بشرود:
"فحاجات كتير أوي. بس المهم إني مش هسيبها.."
ترقب "شادي" شروده وهو يسأله باهتمام:
"ناوي تعمل ايه؟"
التفت ينظر له وهو يفكر بالخيارين مع ترتيب أحداثهم لما ينوي فعله. بدأ يقص ما ينوي فعله بهدوء لصديقه الذي صمت يستمع باهتمام وملامح وجه جاده ولكنه استشعر بدخول الأمور بنقطة الجديه حينما وجد أن الخيارين بتفسيرهما كان أحدهما هـــروبها .. وليس كأي هروب بل سيكون هروب بعلم أهلها بما فيهم والدتها. ولم يكن هروب بالمعني الحرفي بل كان هروب من مشكلة لتواجه أخرى. أما الخيار الٱخر فكان الخيار الجاد الأكثر ..خيار بأن تكون معه؟!. خيارين قد ظهرا الٱن ولكن دون تفسير لاعدادهم وكيفية تنفيذهما. هـنا كان السؤال الذي لم يكن سوى : أحقا خياران أحدهما هروب والٱخر زواج؟!.
رواية عودة الوصال الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة ناصر
ما أفادتني هدايا أهدت بعد اكتفائك
كيف التجمل في مرايا لا أرى فيها سواك
أخلقتها حتى ترى من قد خلقت لكى تراك
فتشد من أحبال صوتي كلما صوتي دعاك
مشروب من الليمون بالنعناع وهي وهو، والشرفتين بجانب بعضهما والهواء المنعش يداعب وجه كلا منهما. وقفت تتنفس بعمق، اليوم موعد زفاف شقيقتها، أجواء متغيرة، شعور مختلف، لا تعلم فرح أم ماذا! وهو وكوبه وشرفته. وقف أمامها يمد يديه لها بكوب من الليمون بالنعناع البارد الموضوع به مكعبات من الثلج رغم عدم توافق ذلك مع الجو. التفتت برأسها منذ أن كانت تنظر أمامها ثم طالعته بابتسامة صافية وهي تمد يديها لتأخذه منه. بينما ابتسم لها "غسان" بحب ثم قال بهدوء ليسألها بعد أن قالت ما قالته منذ قليل:
"يعنى خلاص عرفتيهم إنك مفيش مشكلة عندك من الموضوع ده والأمور مشيت؟"
أومأت له "نيروز" بهدوء ثم رفعت أنظارها المترددة له حتى خرجت منها نبرتها التي ظهر بها الرهبة من الداخل:
"حتى لو مش مصدقيني بس مفيش مشكلة طالما هقابله وهرفضه وخلاص بالنسبالهم، بس أنا خايفة نوصل للمرحلة دي ومنعرفش نعمل حاجة، عمي مش هيسيب الدنيا تمشي زي ما قال كده!"
تنهد يخرج أنفاسه ثم حرك أنظاره صوب عينيها فقط ثم نبس بنبرة هادئة يرسل لها من الأمان الذي وجد بنبرته ما يكفي:
"متخافيش، ده مش هيحصل أصلاً."
قالها ببساطة شديدة مما جعلها تترقب بخوف ما هو الآتي بعد اليوم. لحظات من الصمت تتابع ملامحها التي لم تكن تشعره بالراحة أبداً. بالنسبة لموعد زفاف شقيقتها واصل هو مجدداً يسألها باهتمام بعد آخر حدث كان أردفه هو:
"راحة الكوافير مع ياسمين؟"
"آه، كمان شوية صغيرين مستنياها تخلص بس!"
ابتسم باتساع ثم مد يده حتى يأخذ منها الكوب التي قدمته هي. حتى انتهز الفرصة كالعادة وهو يمسك بيديها متمسكاً بها بشغف. ثم خرجت نبرته منه المهتمة لعلمه بما تفكر به:
"أومال مش فرحانة ليه؟"
سحبت "نيروز" يديها منه بارتباك. ثم أخذت أنفاسها تبرر سريعاً:
"لأ فرحانة مش هفرح لأختي إزاي يعني؟"
نظر لها بتفهم من حالها. حتى خرج صوته الصريح لها مما جعلها تنظر له بتردد وكأنها كشفت من أمامه:
"بتكذبي!"
قالها بثبات وكأنه يؤكد لها ذلك وبشدة. ترقب إجابتها بصبر وهو ينتظر. بينما تابعت هي تخرج ما بداخلها له رغم سؤال والدتها لها ولم تجب. رفعت أنظارها له ثم تجمعت بعض الدموع الخافتة بعينيها وهي تجيبه بصدق. خرج له وحده من شعور متناقض بداخلها:
"فرحانة بس أنا زعلانة فعلاً. حاسة إني هبقى لوحدي بعد ما هي تمشي. حتى لو هي قريبة مني وبيتها مش بعيد. بس كل مرة كانت هي سبقاني وترد عني. يمكن لولا وجودها ضهري كان حصل حاجات كتير قوي من عمي ومراته وحسن مكنتش أعرف أتصرف زي ما كانت بتعمل هي. أنا مش عاوزاها تمشي. عاوزاها تفضل جنبي. رغم وجود وردة معايا بس وجودها مش ثابت حتى لو ثابت في وردة محتاجة اللي يطمنها دايماً. ولو اتحطت في حاجة من اللي أنا بتحط فيها بسبب عمي ومراته مش هتتكلم زي ما أنا بتكلم ولو ذرة. كنت ساعات بتضايق من نفسي وأقول إني ضعيفة بسبب إنها بتدافع عني دايماً وشخصيتي ضعيفة. بس الواحد مش بيكتشف الحاجة إلا لما يحس إنها بتبعد عنه قدام عينيه لأن وجودها بيخليني قوية. مش عاوزة أعمل دراما بس أنا مش عارفة أنا حاسة بإيه. غير إن هي الداعم ليا بعد بابا ومحاولتها بأنها تخليني أثق في نفسي وميهزنيش حاجة وإن هي جنبي دايماً. ملقتهاش ولا هلقاها غير..."
صمتت تتابع ملامح وجه المهتمة لحديثها. حرك لها رأسه لتتحدث أكثر. بينما ابتسمت هي تواصل رغم توترها بحديثها الصريح له وهي تكمل:
"ملقتهاش بعدها غير فيك ومنك يا غسان."
حديثها الذي ظهر له بأن الحياة تفتح له ذراعيها للإشراق. ليس عادياً بتاتاً بأن لا نشعر بالسعادة عندما يحدثك أحدهم بأنك الآن وبت مصدر أمانه واطمئنانه وسكينته. وحديثها في آخره كان صادقاً وبشدة. أظهر مكانته عندها وبصدق تام. ولحظة نطقها لاسمه بحديث منطقي لا يوجد ألطف من هذا. ابتسم بسمة صغيرة ثم تابع يكمل لها حتى يطمئنها كما كانت تنتظر تماماً:
"عارف إن ياسمين طول عمرها كانت الملجأ الآمن ليك. بس بصي كده من ناحية تانية. هتلاقيها مبسوطة أوي عشان هتبقى مع الإنسان اللي كان من اختيارها واختيار قلبها من زمان وهو كمان. طبيعي شعورك ده. بس الأهم من كله بالنسبالك وليا كمان. إنك تبقي قوية لنفسك وبنفسك. وكمان سنة الحياة إن كل واحد بيشوف شريكة حياته. وكل واحدة بتتجوز وتخلف. عشان الأسرة تتكون. والذرية تكمل. وبيني وبينك أنا عايز أعمل ذرية وأطول اسم حامد وأخليه جد. إيه رأيك؟"
ضحكت بخجل من أثر تلميحه الأخير. الذي قاله هو بمشاكسة ليخفف عنها وأيضاً ليكشف رأيها بما هو قادم. بينما ابتسم هو لها باتساع ثم حاصرها مجدداً بقوله الهادئ:
"مش هلاقي حد أحسن منك يشاركني الدنيا. حد عارفه بكل تفاصيله اللي فاكرها من سنين ولسه منسيتهاش. حد وجوده مريح للعين والقلب أحن ما يكون عشان الأيام تعدي. سلامة وأمانه في لحظة وجوده يكفيني لكثير أوي قدام. واللي أول أول ما شوفتها من تاني قولت بس هي دي اللي هجيب لها فينو ولبن وزبادي وأنا مروح."
ضحكت بخفة. ثم نظرت له بضحكتها البسيطة كما كانت ملامح وجهها ثم رددت تجيبه بنبرة ساخرة:
"مبتعرفش تكمل كلامك جد للآخر أبداً!"
"أعمل إيه دمي خفيف زي وجودك!"
قالا ببساطة وهو يهز رأسه بقلة حيلة. نظرت له بشك وهي تضحك. وسرعان ما انتفض الاثنان معاً عند دخوله الشرفة بهمجية بعدما أتى من الخارج. انتفض "غسان" من أثر دخوله كما انتفضت هي. تنحنح "شادي" بحرج. ثم أشار لها بالترحاب بمرح. فنظر له "غسان" بضجر متمتماً:
"اللي انت عملته ده قطع خلف!!"
قلب عينيه باستفزاز. ثم وجهها صوب "نيروز" الضاحكة وهو يقول:
"روحت الفرع النهارده ولسه جاي. وخليهم يوافقوا على الإجازة الصغيرة دي. ابسطي يا ستي.."
ابتسمت بامتنان ثم قالت بحرج:
"شكراً بجد يا مستر شادي!"
"مستر شادي إيه يا شيخة خليها شادي بيه لحد ما تجيبيلي رقم منه. وابقي قوليلي يا شوشو."
ضحكت بقوة على حديثه. بينما ضحك الآخر عليه. فالتفت "شادي" يتحدث للآخر بخفوت:
"يبختك ضحكتها حلوة!"
أمسكه "غسان" من تلابيبه بقوة ثم مال يهمس بجانب أذنيه قائلاً:
"ومالو. ألبسلك القرون نهيه ولون إيه؟"
"الحمرا."
قالها ببساطة مما جعله ينظر إليها وهو يمسكه بقوة. ثم هتف لها:
"طب بالسلامة إنت."
قالها "غسان" ثم أمسكه بقوة وهو يدفعه خارج الشرفة إلى الداخل. بينما ضحكت هي بخفة على ما حدث. وهي تتدخل لتخرج لهم بالخارج بعد أن خرجت من غرفتها. أمسكه من تلابيبه بمزاح شبابي. ثم لكمه بوجهه حتى تأوى الآخر. فدفع "شادي" "غسان" على الفراش ثم رفع يديه ليلكمه هو الآخر ولكن بمعدته. حاول الآخر الدفاع عنه والإثنان يهاجمان بعضهما كحلبة مصارعة. ففتح باب الغرفة سريعاً وظهر صوت الذي كان يدخل من الباب بتلقائية ولكنه توقف من أثر رؤية المشهد من أمامه عندما كان يتحدث وقطع كلماته فجأة:
"بقولك هتلبس ايـ.."
قطع "بسام" حديثه عندما وجد الاثنان يهاجمان بعضهما وتوقف الوضع عند دخوله حيث كان "غسان" يمسكه من يديه السليمة وهو يحاول حتى لا ينحني الآخر عليه مباشرة. فتح "بسام" فاهه بصمت. ولحظات من السكون. فالتفت "بسام" بصمت حتى يسر للخارج مجدداً ليغلق الباب من خلفه ليتركهما كما كانا دون أن ينبس بحرف. أوقفه "غسان" سريعاً وهو يدفع الآخر بعيداً عنه ثم هتف عالياً بتبرير يوقفه:
"إستنى. خد هنا بقولك!!"
وقف "بسام" ينظر له بتعجب. فنهض "شادي" يهندم من ملابسه ثم توجه ناحية "بسام" وهو يضحك حتى يضع يديه على كتفيه بمرح ليبرر له. فـ انتفض "بسام" سريعاً وهو يبتعد عنه ثم قال بتحذير:
"انت بتعمل ايه."
قالها بخوف زائف. فكانت النظرات المتحركة على أوجه كلاهما ساكنة. دقيقة واحدة وضحك كل منهم بقوة على ما حدث من عبث. ضحك "شادي" بقوة وهو يجلس على الأريكة مردداً من بين ضحكاته:
"مش قادر. آه لو حامد كان شافنا."
ضحكوا بقوة، إلى أن توجه "بسام" يجلس بجانبهم وهو يضحك. دقائق وانتهى كل منهم من ضحكانه حتى نظر هو إلى شقيقه ثم ردد:
"كنت جاي أشوف هنلبس إيه النهارده لقيت الوضع كده!"
ضحك "غسان" بخفة ثم نظر لـ "شادي" فوجده يغمز له بأن يتحدث على ما ينوي فعله لشقيقه ليأخذ رأيه هو الآخر في ذلك الموضوع بعد أن حدث "بدر" به في الصباح:
"هقولك هنلبس إيه بس قبل ده في حاجة مهمة قررت أعملها ولازم تعرفوها كلكم.."
صمت "بسام" ينظر له بفضول وترقب للآتي، بينما اعتدل "شادي" يجلس وهو ينظر له وهو يحثه على الحديث حتى يوضح لشقيقه ما ينوي فعله!
"خلي بالك من نفسك يا حبيبتي."
قالتها "سمية" بحنو لابنتها وفي دموعها عيون الفرحة. توجهت لتحتضنها بحب طغى على ملامحها، حتى تنفست "ياسمين" بارتياح لها وبأحضانها، كما احتضنت الأولى "نيروز" أيضاً، والتي ستذهب معها هي و "جميلة". خرجت من الشقة بعد وداعها لـ شقيقتها الكبرى وصغيرها "يامن" بالأحضان. توجهت "ياسمين" الممسكة بحقيبة يديها وكذلك "نيروز" أمام شقة "عايدة" تدق عليها الباب عدة دقات وما أن فتحت "عايدة" لهما الباب أمام أنظار "سمية" الواقفة على أعتاب شقتها تتابع الوضع، خرجت زغروطة عالية ما أن رأت زوجة ابنها. احتضنتها "ياسمين" بحب هي و "جميلة" التي تجهزت أخيراً. خرجت "وسام". و"دلال" سريعاً من شقتهما ينظران ثم خرجت زغروطة عالية مرة أخرى هذه المرة من فم "وسام". كان الوضع مبهجاً لأقصى درجة. ومن ثم بعدها خرج "غسان" وشقيقه وصديقه ينظران. ابتسم "حازم" بسعادة ثم احتضن "غسان" والشباب، بينما كل منهم كان يتحدث قبل الخروج وصوته أمام الشقق. كانت "عايدة" تنظر لـ "ياسمين" بحب وهي واقفة من أمامها ثم مالت عليها قائلة بحنو:
"قلبي فرحان أوي. عاوزاكي تعرفي إن عمري ما كنت هلاقي أحلى ولا أحسن منك لابني. أصلك بقيتي بنتي زي ما كنت زمان يا ياسمين بنتي برده. ربنا يسعدكم ويبارك فيكم يارب."
نظرت لها "ياسمين" بتأثر وهي تدخل بأحضانها سريعاً، بينما قد اعتلى صوت الأغاني من الداخل الذي فتحها "بدر" فتلك هي اللحظة الأخيرة قبل الزفاف. وهم ينتهزون فرصة الفرح بأي طريقة. أمسك "غسان" يد "حازم" وهو يتراقص معه هذه الدقائق قبل النزول، و "ياسمين" و "وسام" وشقيقتها وشقيقتها الأخرى، و "حامد" و "يامن". فـ فتح الباب تزامناً مع توقف كل منهم لخروج العروسين إذن حتى لا تتأخر العروس عن موعدها. وقف كل منهم بترقب عندما نظرت لهم "زينات" بابتسامة لئيمة وهي تردد وكأنها تذكرهم:
"عقبال اللي هنعمله لـ نيروز قريب. شدو حيلكم واجهزوا للعريس.."
وكان الغير معهود حدوثه عندما توجهت "نيروز" المبتسمة باتساع وهي تحيبها بثبات، تكيدها هي وليست الأولى:
"طبعاً يا مرات عمي ده أكيد!"
أخرسها قولها، مما جعل كل منهم يتجهز للخروج. وقف "غسان" بجانب "نيروز" وسط انشغال الآخرين بالحديث والمباركات. فطالعته هي باستفهام. فمال يهمس قائلاً بخفوت:
"قوليلي هقعد أعمل إيه فالكام ساعة دول وانت مش موجودة!"
نظرت له بتشكك من نعومة نبرته المشاكسة وليست القاصدة. ثم مالت تهمس هي الأخرى قائلة:
"صلي وإقرأ قرآن وادعيلي."
"بدعيلك من كل قلبي فـ كل صلاة. بعد ما بقول يارب اجعل أم عباية سمرا جننت أمي تبقى من نصيبي.."
ضحكت بخفوت ثم وضعت يديها حتى لا تخرج ضحكاتها من أثر مرحه. فـ تدخل "شادي" سريعاً بينهم على فجأة برأسه ثم قال بهمس مشاكس:
"سمعوني عشان مخصمش مرتباتكم."
ضحك هو وهي بخفوت على ما فعله الآخر. بينما أمسك "حازم" يد "ياسمين" ثم توجهت "جميلة" تسير لتتمسك بـ "نيروز" حتى يهبطوا لأسفل تحت نظراتهم. قاطع سيرهم جميعاً نبرة "حامد" العالية له هو تحديداً، وهو يردد بنبرة هادئة أثرت فالبعض:
"خلي بالك من حب العمر يا حازم!"
التفت يبتسم له باتساع ثم أشار على عينيه قائلاً:
"فـ عنيا.."
ابتسموا له بحب. ثم دخل هو وهي المصعد وسبقت "نيروز" و"جميلة" إلى الأسفل. وعلت الزغاريط في المكان مرة أخرى. إلى أن دخلت "زينات" ثم أغلقت الباب خلفها بقوة. كان طبيعي بالنسبة لهم ولكن منهم من انتفض قائلاً بضجر من أثر انتفاضته، مما جعل ضحكاتهم تعتلي في المكان:
"إيه! مالها الولية دي!"
قالها "شادي" ببرية. ومن ثم ضحكوا هم عليه بخفة. حتى دخل كل منهم يضحك بقلة حيلة إلى الشقق مرة أخرى!
بعد مرور بعض الوقت، وقف الطبيب أمام "آدم" وهو يحدجه بسخط بعد تفقد حالة الآخر. وكان "شريف" يجلس بالخارج بغير اهتمام. نظر له "آدم" باستغراب وهو يطالعه يلملم أشياءه. فـ تحدث بنبرة حانقة قائلاً له:
"هو حد زعلك فـ حاجة يا دكتور لمؤاخذة؟ حاسك مش طايقني يعني. ما تخلصني وتقولي حالته عاملة إيه؟"
رفع "الطبيب" أنظاره له ثم نبس بنبرة هادئة يحذره:
"يا أستاذ أنا ببصلك كده عشان اللي صاحبك فيه واللي شكلك انت كمان فيه.."
نظر له "آدم" بنفاذ صبر ثم ردد:
"ما توضح يا دكتور!"
"بإختصار ده دور برد عند صاحبك بس جسمه ضعيف جداً، وعشان كده لو اتعرض لأي حاجة بيأثر فيه. ولأن مش محتاج تحليل دم، شكله بيتعاطى وبيحقن. وخد مني كلامي ده. لو فضل كده مش هيكمل كتير. ربنا يعافيك ويعافينا."
إقترب منه "آدم" يسأله بخوف قد ظهر أخيراً بنبرته واهتمامه:
"يعني إيه يا دكتور؟"
"يعني لازم يروح مصحة في أقرب وقت. لأن حتى لو جه لوقت جسمه أضعف من كده والجرعة اللي هياخدها زي أي جرعة ومش زيادة، الجسم هيعتبرها زيادة وممكن تسبب في موته في لحظة غير متوقعة زي ما بيحصل كتير. وده تعب اعتبره عادي مع دور البرد لأنه لما هيفوق الجسم هيطلب بالجامد الجرعة. أنا مش حابب أعمل مشكلة ولا بلاغ لأني بشوف من ده كتير وربنا يهدي الجميع. بس انت بإيدك تلحق صاحبك."
قالها بتفهم تحت أنظار "آدم" المترقبة. قد كان يعلم عن خلفية بهذا الموضوع من المستشفى الذي وضع بها الآخر من قبل. تنفس بعمق وخوف من ما هو قادم، ولوم للآخر. خرج من شروده عندما قد له الطبيب الورقة تزامناً مع قوله:
"اتفضل يا أستاذ. أنا ركبت له جهاز كويس أوي وده بقيت العلاج. يستحسن تجيبه من دلوقتي عشان هيتاخد بعد كام ساعة.."
ابتسم له بتكلفة وهو يأخذ منه الورقة ثم وضع يديه بجيبه يعطيه من الأموال الذي قد أعطاها له شقيقه بآخر مرة. خرج معه إلى الصالة ومن ثم ناحية باب الشقة حتى خرج منه بهدوء.
التفت آدم ينظر له وهو يعبث بهاتفه بالمقابل. رفع شريف أنظاره له عندما وجد خيال بأن أحدًا يطالعه. حتى نبس له بنبرة هادئة مختصِرة:
"حصل إيه؟"
تنفس آدم بعمق ثم توجه ليجلس بجانب شريف، حتى خرجت نبرته الهادئة منه:
"بيقولي إن معتش ينفع اللي إحنا بنعمله ده يا شريف. ما تيجي ندور على مصحة ونروح كلنا ونبدأ من جديد. حتى لو هنتعب أوي بس لازم، مقدمناش حل غير ده يا الموت!"
نظر له بتمعن وهو ينصت، وسرعان ما ضحك باستهزاء ثم حرك رأسه بغير اهتمام قائلاً:
"كل الدكاترة بيقولوا كده. سيبك إنت، مقلق ليه؟ بكرة يقوم ويبقى زي الحصان. بلاش دراما يخويا!"
لم يتحمل آدم أن يتخطى حديثه في كل مرة، بل قالها الآن. قال ما يود قوله وما انتبه له منذ فترة من الأساس:
"هو إنت مبتحبش حسن ليه يا شريف؟"
حرك شريف رأسه ومن ثم أنظاره، حتى نهض من جانبه ثم التفت يلملم أشيائه قائلاً:
"ولا بحبه ولا مبحبوش، عادي."
صمت ثم توجه ناحية الباب ثم قال بوداع:
"سلام أنا.."
قالها تحت أنظار آدم المشتتة. فنهض هو الآخر ثم أخذ سترته سريعًا ليخرج هو الآخر، حتى يأتي بالدواء، لعل هذا هو الشفاء له في هذه المرة!
***
جلسوا جميعًا بترقب ينتظرون ما جمعهم وما الذي يود قوله. جلس حامد وزوجته، ومن ثم بسام ووسام. ووقف أمامهم غسان وشادي وبدر. كان كل ذلك بشقة حامد، بعدما جاء بدر لهم ثم دخل لغسان كما طلب مجيئه للضرورة للمرة الثانية. توقع شادي لغسان بموضوع نيروز، وبعدما قص له الآخر ما ينوي فعله، فجأة كان الجواب من الأول الأخذ بالخطوة من غسان تحسبًا لرد فعل سمية. يعلم ما يود فعله، ولكن سيبدأ الأمر رسميًا وبحركة عبثية مجنونة ولم تكن محاصرة كما كان ينوي.
طالعته دلال بخوف ظهر بنبرتها وهي تقول:
"ما تقول يبني، فيه إيه؟ متوقعش قلبي!"
كما نظر له الآخرون بترقب. فتنفس هو بعمق، يتحدث بعدما حدثه حامد بضجر:
"ما تقول ياض وتريح دماغنا اللي بتودي وتجيب دي!"
نظر لهم غسان بصمت ثم تنهد يخرج أنفاسه وهو ينظر على بقية الشباب الذين علموا من قبل والديه. خرج صوته أخيرًا يرمي بمفاجأته الغير مرتبة:
"أنا هتقدم لنيروز الوقتي وهتيجوا معايا!"
طغى على ملامح وجوههم الصدمة للحظات. فقاطعهم صوت حامد الذي توقع ما ينوي أن يفعله الآخر. لم يكن مقتنعًا بأنه سيتركها لذلك العريس بتلك السهولة. نظر له باستفهام ثم هتف قائلاً بتساؤل به بعد التهكم:
"تتقدم لمين؟ وامته؟ هي مش الحاجات دي ليها أصول ولا إنت هتلغي ده من القاموس؟"
لم يجبه بل هتفت والدته سريعًا لتفسر رغم فرحتها بما قاله:
"طب والعريس يا بني اللي بيقولوا عليه ده؟ والوقتي إزاي؟ هو ده وقته؟ فرح أختها النهارده والناس مشغولة ولا هي موجودة في البيت عشان تروح تتقدم لها!"
"كل ده مش مهم، هتيجوا معايا ولا أروح لوحدي!"
قالها بحزم. فردد شادي مرفقًا بجدية يوضح بعد رؤيته لنفاذ صبر صديقه:
"يجماعه هو ده الصح، وأنا اللي شورت عليه بكده إنه يعمل كده بدري لأنه كان كده كده هيعمل ده بعدين، وعشان عمها ده مش سهل، وهو ده الصح بدل ما تروح منه وهو واقف مكانه!"
"أنا معاهم بصراحة يا عمي. لما جابني وحكالي معارضتوش عشان عمها مش هيكست لحد العريس بس ومش بعيد لو موافقتش عليه يجوزها لحسن بالغصب بعد كده، وبعد كل المشاكل دي توقع أي حاجة تحصل!"
صمت حامد بتردد يحرك أنظاره عليهم بتمعن. أمر غريب ليس بوقته تمامًا. رفع أنظاره ينظر عندما هتف غسان بمفاجأته الثانية:
"ما أنا مش هتقدملها بس، وعشان كده هاخدكم معايا ونقنع أمها بكتب كتاب."
لاحظ معالم الدهشة على وجوههم. بينما هتف بسام هذه المرة بعقلانية:
"الحكاية دي يا غسان لازم أمها وهي تكون مقتنعة أوي بيها ويفكروا كويس. لكن اللي فات كله بالأصول ومفهوش حاجة!"
وقف حامد ينظر له بتعجب. بينما هتفت دلال بنبرة خائبة:
"سمية مش هتوافق على كتب الكتاب بالسرعة دي. إحنا في إيه ولا إيه؟ مستعجل ليه يا بني؟ ما تمشيها خطوبة وإحنا مستعدين نيجي الوقتي معاك نمهدلها الموضوع بتاع الخطوبة على الأقل."
حرك غسان أنظاره بتمعن عليهم جميعًا ثم حرك رأسه ينفي مرددًا بثبات، يرمي لهم بقنبلة صادمة جعلته يأخذ الخطوة سريعًا:
"عمها الناقص هيجيب مأذون مع العريس."
شهقت دلال كما شهق شقيقه وشقيقته. كما كانت الصدمة على وجه بدر الذي لم يكن يعرف هذه النقطة. بينما كان يعلم صديقه. شرد حامد بنقطة الجدية وهو يهتف بضياع داخلي بكيف لعمها أن يفعل شيئًا كهذا!
"وإنت عرفت منين؟"
رفع أنظاره لوالده ثم حركها صوب والدته التي كانت بصدمة من أمرها حتى هتف هو باختصار:
"حازم سمعه وبعد ما سمعه بيتكلم معاه في التليفون واجهه. بس كلمني وقالي شوف هتعمل إيه بهدوء وأنا معاك."
حركت دلال رأسها بحزن على حال نيروز ووالدتها. بينما أكمل بدر بعد سبه لعمها قائلاً بحدة:
"أقسم بالله لو كان ده حصل ومكناش على علم بيه كنت مسكته علقته في قلب صالة الشقة هو والعريس!"
ترقبت الأنظار بارتباك. بينما نظر حامد له بحزم ثم حرك أنظاره على الأوجه المترقبة ومن ثم هتف بنبرة هادئة له قبل الموافقة:
"هنيجي معاك، بس أنا مش هضغط على أمها لو عارضت في حاجة عشان ده حقها. أما نيروز فإنت واكل حقها في الموضوع ده مادام هي مش هنا."
"لا ما هي مش عارفة حاجة من دي لسه."
قالها شادي بتلقائية، حتى سبه غسان بسره. فكان على حافة أن يجعل والده يقنع الأخرى بقوة على طلبه من ابنتها ولن يقبل والده بشيء كعدم علم نيروز. نظر حامد له هتف باستنكار:
"يعني إيه مش عارفة؟ إفرض مش جاهزة للخطوة دي؟ ده مش لعب عيال ده جواز يا غسان يعني ركوب الدماغ مش في ده عشان تكون عارف!"
تنحنح شادي لما فعله. بينما تحدث غسان بأسلوب مقنع يحدث والده به بهدوء وهو يقف من أمامه:
"أنا اللي أعرف هي جاهزة ولا مش جاهزة وبطمنك من الناحية دي. وأنا خبيت عليها اللي عاوز يعمله عمها عشان متخافش ومتتوترش ويومها يعدي مع أختها وتفرح من غير ما تشيل هم حتى لو واثقة إني مش هسيبها."
"بجد أحسن حاجة عملتها إنك مقولتلهاش عشان تفرح وتتبسط ومتخافش فعلاً!"
كانت هذه الجملة الوحيدة التي قالتها وسام بحب وفخر لما فعله شقيقها. خاصة أنها تعلم خوفها جيدًا وقد رأته من قبل عند رحيل شقيقها حتى لو حاولت الأخرى أن تخفي هذا. نظر لها غسان وهو يومأ لها برأسه على حديثها الذي بدا له بأنها توافقه بما يفعله وسيفعله. خرجت نبرته الجامدة هذه المرة معلنًا بأنه سينفذ ما خطر له عقله ويحدث ما يحدث. حتى نبس بنبرة حازمة جعلتهم ينظرون بترقب:
"أنا قولت اللي عندي، وهروح حتى لو لوحدي ومش هسيبها. واللي مش عايز يجي ميجيش!"
قالها وكأنه يقول حديثه الأخير. وقف شادي بجانبه ثم هتف بنبرة جادة:
"يلا أنا جاي معاك."
"وأنا معاك يا غسان."
قالها بسام بتأكيد شديد وهو يقف متوجهًا حيث جانب شقيقه. ثم توجه بدر بجانب حامد.
"وأنا معاه."
"وأنا كمان معاكم أوي."
قالتها "وسام" بحماس وهي تتوجه لهم، بينما نظروا جميعاً لـ "حامد" بترقب، حتى نبس أخيراً بنبرة جادة بعدما أومأت له زوجته بالتأييد:
"وأنا كمان معاكم يا ولاد الكلب، قدامي يلا."
قالها وهو يمسك يد "زوجته" التي جلبت حجاب رأسها بسرعة ولهفة، بينما خرج صوت ضحكاتهم جميعاً على طريقته في قول حديثه. توجه "غسان" أولاً، يفتح باب الشقة وهم جميعاً من خلفه استعداداً للذهاب لشقة "سمية" وما ينوي فعله هو تحديداً من أمر أهوج بالنسبة للبعض، وبالنسبة له فكان وسيكون محاولة لأجلها، ولم يسمح بضياعها منه مهما حدث، حتى وإن لم يوافقه الرأي أحد، كان سيحاول بمفرده لأجلها.
***
وقفت تقوم بكي الملابس للمناسبة في الغرفة وأمامها زوجها يجلس على الفراش، ناظراً على شاشة التلفاز أمامه. كانت شارده هي بابنتها بالتأكيد، كعاطفة أي أم ستشعر بالضياع أثر اختفاء ابنتها، ولكن حقدها أقوى حتى وأن تتألم لأولادها. محاولتها بأن تجدهم ليست متوقفة. نظرت بشرود، ثم تنفست بعمق وهي تتحدث تزامناً بما تفعله:
"أنا قلبي واجعني على فريدة يا سليم، وحسن كمان مبيردش عليا وغايب بقاله كتير."
حرك أنظاره عليها وعلى ما تفعله، ثم تنهد يخرج أنفاسه وهو يردد:
"أنا مش مبطل تدوير عليها واتأكدت إنها مجرالهاش حاجة."
التفتت تنظر له بعجز قد ظهر، ولكن سرعان ما انقلب عندما حدثته بلوم وغيظ:
"وحسن يا سليم؟ هو مش ابنك بردو ولا أنا مخلفاه لوحدي؟"
"أنا مش قولتلك مليش دعوة بيه، يظهر يختفي يولع. أنا شايل إيدي منه وابقي وريني بقا هتعملي إيه معاه بدلعك ليه؟ ما إن شالله ما ظهر، مبيجلناش من ظهوره غير الهم. عدي يومك واسكتي."
قالها بحدة، بينما توجهت لتقف أمامه ثم أردفت قائلة مرة واحدة:
"أنا مش مرتاحة كده يا سليم وحاسة إن فيهم حاجة. دماغي بتودي وتجيب، ولو انت مش هامك فـ أنا هاممني. يعني مناسبة زي دي ولادي مبيكونوش موجودين ليه من ضمن الفرحة، اشمعنى هم؟"
قالتها بحقد جعلت زوجها ينظر لها باستهزاء وهو يقول:
"عشان ابنك هو اللي اختار كده من الأول، يسهر ويبات بره، حتى قبل ما أقوله ميباتش هنا. ألمحك بتقولي لحد إن بنتك متغيبة عشان كده مجتش الفرح؟ وإن كان على ابنك فـ ماشاء الله سمعته سابقاه!"
نظرت له بانفعال، ثم خرجت منها نبرتها تعنفه بقوة:
"ده اللي عندك؟ سايب ولادك يولعوا ورايح تركزلي مع فرح ابنك وعريس الهانم!"
نظر لها بغير اهتمام ثم نهض يقف أمامها قائلاً باختصار:
"آه، ما انت مش عارفة حاجة."
نظرت له باستفهام، مرددة بنفاذ صبر:
"مش فاهمه إيه؟"
حرك "سليم" رأسه بغير اهتمام ثم تحرك من أمامها قائلاً ببساطة:
"شوفي واتفرجي على اللي هيحصل بعد يوم من دلوقتي."
نظرت له بتعجب، ثم هتفت تناديه قائلة بفضول:
"يعني إيه؟"
"مش قولتلك اصبري المرة الأولى وسكتي وشوفتي، اصبري كمان إن ما علمتهم الأدب واحد واحد من اللي بيعملوه مبقاش أنا. إذن كان هي ولا هو!!"
قالها بغموض، فنظرت هي بأثره بابتسامة متشفية، بعد أن علمت أنه لم يخطط عبثاً كمثل المرة السابقة.
***
جلسوا جميعاً بشقة "سمية" بترقب، لمن الذي سيبدأ الحديث. كانت تجلس هي غير منتبهة لمجيئهم لشئ محدد، بل اعتادت على وجودهم معها في بعض الأوقات. وبعد أن خرجت وقدمت لهم أكواب العصير، ثم جلست أمامهم مبتسمة باتساع، قائلة:
"منورين يا جماعة والله."
ابتسمت لها "دلال" باتساع كما ابتسم لها الجميع. فتحدث "حامد" أولاً رغم حرج الموقف:
"ده نورك يا مدام سمية، وبصراحة يعني إحنا جايين لغرض تاني، مش قعدة زي كل مرة. اعذريني إني هفتح المواضيع دي الوقتي بس هنجيلك فالكلام ونخش فالأصول ونعمل بيها."
أيدته "دلال" بالحديث قائلة ببهجة:
"أيوه نمشي بالذوق والأصول ونقول اللي جايين عشانه واللي علينا."
قالها الاثنان أمام الأنظار، فمنهم من كان يكبت ضحكاته من غرابة الموقف مثل "شادي" الذي كان يوكزه "غسان" بأن يصمت بتوعد، تحت ابتسامة "وسام" الواسعة والسعيدة لما يحدث، بينما كان ينظر "بسام" بترقب. نظرت لهم "سمية" وهي تعقد حاحبيها باستغراب ثم قالت:
"معلش عقلي مش فيا والله يا جماعة، اتفضلوا قولوا اللي عاوزين تقولوه وأنا سامعة."
قالتها بلباقة واحترام رغم عدم فهمها ما الذي يدور. كان ينظر "غسان" بترقب، إلى حين أن يهتف والده بهذه الجملة المعروفة ثم ليكمل هو كما تحدث العادات. تنحنح "حامد" بحرج، ثم قال مرة واحدة يخرج بحديثه أخيراً:
"الصراحة إحنا جايين نطلب إيد "نيروز" لـ ابني "غسان"."
نظرت بغير تصديق والصدمة على ملامح وجهها، إلى أن أردفت "دلال" بحرج:
"أنا عارفة إن لا هو وقته ولا مكانه، بس إحنا عندنا اللي نقوله لو عايزة تسمعي وموافقة نكمل يا سمية."
كان الارتباك محله هو شخصياً في هذه اللحظات القليلة.
خرجت شرودها قائله بتعلثم من أثر المفاجأة:
"طبعًا كملوا أنا.. سمعاكم."
تنفس "غسان" بعمق، ثم خرجت نبرته الهادئة لها وهو يتحدث:
"أنا بحب نيروز من قبل ما يجي العريس ده، ومش عاوز أسيبها لحد غيري، حتى لو الوقت مش سامح بس أنا بطلبها منك بكل احترام ومنتظر موافقتك بفارغ الصبر دلوقتي."
كان جريئًا في قوله لأول كلماته، ولكنها أومأت بتفهم، ثم قالت بتوضيح:
"أنا عمري ما هألاقي أحسن منك لبنتي يبني والله، بس أنا اتفاجأت وهي المفروض تكون موجودة عشان ناخد رأيها برده، وقبل ما تفسر أنا عارفة إنك حبيتها من أول ما جيت هنا وراحت معاك الشغل حسيت بالتغيير من ناحيتها يمكن بسببك، واستنيت واتوقعت تيجي تطلبها مني بس قلت يمكن أنا بفهم وبحس غلط. ولما عمها قالها على العريس قلت هو أنت! بس رجعت قلت إزاي ولما قالت إنها مش فارق معاها وهترفضه اديتلك فرصة مع نفسي بيني وبينك. بس لازم برضه تكون موجودة. ومن ناحيتي أنا موافقة بس المشكلة فـ عمها واللي بيعمله وهيعمله ده ميبشرش بالخير أبدًا."
ابتهجت ملامحه عند سماعه ما تقوله، كما ابتسم "حامد" وزوجته والآخرين. فتنفس "غسان" بعمق، ثم ردد يجيبها بهدوء، عكس ما بداخله من مشاعر مختلطة الآن:
"الخطوة دي كنت لازم هاخدها من زمان، وإن كان على نيروز أنا متأكد إنها موافقة، ولما تبلغك بموافقتها هعتبر كده إنك وافقتي."
هزت رأسها بالموافقة، بينما ابتسم "حامد" وقبل أن يتحدث، تحدث "غسان" بتفسير:
"بس أنا عاوز أكتب الكتاب مش خطوبة."
نظرت له باستفهام، ثم حركت أنظارها مرة أخرى لتجد التوتر يعود مرة ثانية عليهم. ثم أردفت هي برفض:
"مع احترامي ليكم، بس أنا مش أول ما بنتي يجيلها عريس يبقى كتب كتاب علطول. مقبلش جوازها بالسرعة وكأنها في المسلسلات والأفلام. ولو حصل حاجة لا قدر الله ميبقاش اسمها مطلقة. معلش يبني أنا معنديش النقطة دي ولا عندنا عاداتنا وتقاليدنا إن البنت أول ما يجيلها عريس يكتب كتابه عليها كده. حازم أهو عاش طول عمره خاطبها بس رغم إنهم بقالهم كتير مخطوبين وبيحبوا بعض وأنا عارفاه عز المعرفة بس مخلتش كتب كتابهم إلا قبل الفرح بحاجة بسيطة!"
حديثها كان منطقيًا إلى حد كبير. لبعض العادات لم يحدث عقد القران إلا في حين اقتراب موعد الزفاف. كان يتفهم وضعها، كما قالت له والدته. نظر "حامد" اتجاهها، ثم خرجت منه نبرته العقلانية يخفف من توتر الأجواء، متخليًا عن حديثه مع ولده وهو يحاول أن يقنعها كي لا يخرج ولده مكسورًا بكل الطرق. حاول هو بقوله:
"أنا محترم كل اللي أنتِ قولتيّه بالحرف. لما هو قال كده قولت له أنا ودلال إن مينفعش كتب كتاب بالسرعة دي بس كان عنده المبرر اللي خلاني قدامك هنا دلوقتي، ولولاه كنت أجلت كل حاجة لبعدين حتى لو مجرد خطوبة."
نظرت بترقب. فتنهد "غسان" يخرج أنفاسه الثقيلة، ثم رفع أنظاره نحوها هاتفا بنبرة هادئة يرمي لها بالمفاجأة:
"عمها جايب العريس ومعاه مأذون وهيجوز نيروز غصب. الحكاية مش حكاية اقعدي معاه وارفضيه. وكلام محله ثقة لأن حازم هو اللي عرفني وخبى الحوارات دي عشان اليوم النهارده يمشي بسلام ونشوف هنعمل إيه. وإن كان على خوفك إن بنتك تبقى مطلقة، فأنا مش هقولك عمري ما هخلي بينا مشاكل عشان ده مستحيل، بس بقولك إني بحبها وبخاف عليها وعمري ما هأذيها يعني هي في أمان معايا."
صمتت رغم مفاجأتها تنظر بضياع. فلولا معرفتها الآن، لما كان الوضع كذلك!! هي تعلم أن "سليم"، قادر وبشدة على أن يزوجها منه غصبًا. وإن لم يكن هو، فظهور حسن... توقفت تفكيرها عن التحسبات السيئة حينما هتفت "دلال" بتفهم للوضع:
"هو الموضوع محرج أوي في وقت زي ده، بس صدقيني نيروز زي بنتي من زمان أوي. ولو هقولك كلمة حلوة في حق ابني من غير ما أعرفه، فعمرى في حياتي ما هألاقي حد حنين زيه. وبعدين مش نيروز جاهزة من مجاميعه يستي."
قالت آخر حديثها بمرح، بينما وكز "شادي" "غسان" مرددًا بجانب أذنه:
"اسمع مني... هتوافق أهي. أهي بص."
نظر بترقب وتوتر داخلي، إلى أن تحدثت "سمية" أخيرًا بتردد:
"نيروز جاهزة أيوه، بس من حقي أقول إني خايفة عليها!"
هنا تحدث "بدر" قائلاً بعقلانية:
"تسمحيلي أتكلم بقى يا حماتي أو يحماتو، فكيها على الراجل بقى. الصراحة لو حطيتي بنتك تحت جناح غسان يبقى شيلي الخوف من جواكي خالص. أضمنهولك برقبتي. عيلة البدري كلها رجالة خدي بالك."
غمز له "غسان"، كما ابتسم "بسام" ووالده باتساع، بينما هتف "شادي" هو الآخر:
"يا حجة سمية ممكن متعرفنيش أوي بس خلي بالك بقى بنتك شغالة عندي في شركتي المقطقطة الصغيرة دي يعني ممكن أرفدها لو موافقتيش عشان صاحبي يرضيكي. وبعدين لو على الخوف فالراجل بيقولك هيشيلها في قلبه وفي عينه وبيحبها وشاريها. ده غير إنكم قرايب ونسايب وأصحاب وعيلة، قولتي إيه يا أم العروسين."
قالها بمرح شديد مما جعلهم جميعًا يضحكون بشدة حتى "سمية" التي ضحكت رغما عنها مرددة:
"الله يعزك يابني. دمك خفيف!"
ابتسم لها بامتنان. ومن بعدها خرجت نبرة "بسام" وهو يردف قائلاً بهدوء:
"صدقينا إحنا هنا عشان نوفق راسين في الحلال ونبعد مشاكل حتى لو هيجي غيرها بس ميتسببش في تعب نيروز نفسيًا. لحد هي مبتحبوش ومش قبلاه من غير ما تشوفه. وغسان أضمنهولك أنا كمان إنه يعمل بوصية رسول الله ويحفظها ويصونها مش عايزينك تقلقي."
"صلى الله عليه وسلم" كانت إجابتهم جميعًا. تنفست "سمية" بارتياح، ثم قالت بلباقة رغم تخوفها:
"أنا مش عارفة أقول ليكم إيه ولكلامكم ده. ومجيتكم فوق راسي وأنا مش محتاجة غير إن بنتي تبقى مرتاحة ومبسوطة عشان حياتها مكنتش سهلة عليها وعاوزاك يبني تقدر ده مهما كان. ومن ناحية الجواز فأنا مش عاوزاها تتجوز بسرعة كده. لو حصل نصيب ووافقت على كتب الكتاب نقعد فترة لحد ما الوضع يستقر وأهو أكون سددت ديوني بتاعت جهاز ياسمين وربنا يسهل ونبقى نشوف."
ابتهجت ملامحهم بشدة، في حين هتف "غسان" يجيبها بابتسامة رجولية هادئة وسعادة ظهرت على وجهه استشفها والديه:
"مقدر من قبل ما تقولي. وإن كان على الجواز فـ عارف برضه. ومديها هي ذات نفسها."
الفرصة ومش حابب إني أضغط عليها. فالموضوع ده لو عليا كنت عايزها في بيتي النهاردة قبل بكرة، بس راحتها النفسية ووقتها أهم عندي من أي حاجة.
كانت كلماته صادقة. بالتأكيد تعلم رأي ابنتها جيدًا، لذا تسهل الوضع كثيرًا. هتف "حامد" من بعده، وكل من الشباب والفتيات من "وسام" و"وردة" يهللون ببهجة، حتى أوقفهم قول "حامد" الهادئ يفسر أمور الزواج:
"يبقى اتوكلنا على الله ومفيش غير رد روز. وإن كان على الجواز فبراحتك وربنا يعينك، المصاريف أنا عارف هي عاملة إزاي كويس. أما بقا النقطة اللي ما اتكلمناش فيها عشان إنت أكيد عارفاها، بس بعيدها عشان الأصول.."
صمتت، تفهم ما يود قوله كما الآخرين تمامًا. حتى واصل مجددًا:
"الشقة طبعًا. إنتوا عارفين إن لينا فوق في العمارة دي في الدور السابع شقتين جنب بعض جاهزين تشطيب ودهان وكله. واللي كنت شاريهم وكاتبهم باسم كل واحد من ولادي للمستقبل. طبعًا هما مقفولين ولا حد بيطلع لهم ولا شوفناهم من فترة، بس كفاية إنهم جاهزين وكل واحد ليه شقته. وكمان بنتك معاكي يستي في نفس العمارة مش زي أخواتها، يعني إحنا بنضحي."
"عين العقل، وأحسن الكلام يا خوي. ها يا سمية نقول مبروك؟"
قالتها "دلال" فأومأت "سمية" برأسها بابتسامة واسعة رغم تخوفها مما هو آت. خرجت زغروطة من كل واحدة منهن، حيث "وردة" و"وسام"، وهلل الشباب يحتضنون "غسان" بمشاكسة. كان الجو مبهجًا، وإن انتبه أحد لصوت الزغاريط، فلتكن بمناسبة زفاف "ياسمين وحازم". الأمر سري ومكتوم إذًا! خرج صوت "غسان" بعد دقائق متحدثًا، يوضح أكثر:
"طبعًا كده كده نيروز هتعرف باللي حصل ده، لكن عمها ومراته لأ. وأنا قولت لحازم على اللي هعمله وهو معانا. وعلى كلام عمها العريس ممكن يجي بكرة بالليل، فكده كتب الكتاب هجهزه له في مكان برا نروح كلنا بكرة من غير ما حد يعرف. وإن كان على الواصي على العروسة، فإن حازم ما جاش. بدر بردو موجود وهو أنسب واحد، وحامد موجود ويسد زي أبوها برده. ده إن ما كانش صاحب عم سالم أوي الله يرحمه."
هزت رأسها بتفهم. وما أن انتهى الحديث، نهض "حامد" والجميع، ثم هتف يستأذن:
"ألف ألف مبروك وربنا يتمم بخير. هنستأذن إحنا بقى يدوب نشوف هنلبس إيه ونجهز عشان نروح القاعة."
أومأت له باحترام، بينما توجهت "دلال" تحتضنها بسعادة بعد قولها:
"إنتِ مش عارفة أنا مبسوطة قد إيه يا سمية. ربنا يبارك فيهم ويتمم عليهم بخير."
ردت عليها الأخرى بنفس البهجة. حتى نظرت لهم واحد تلو الآخر يخرج من الباب. بينما وقف هو، لم يرحل. نظرت له مبتسمة، ثم توجهت تفتح ذراعها له، ورغم حرجه إلا أنه يعد مثل ابنها. أخذت "غسان" بين أحضانها بحب. بينما هتف هو بهدوء قائلاً، مستغلًا دخول "بدر" وزوجته الغرفة:
"عايزك تعرفي إني عمري ما هاجي عليها صدقيني، أنا بحبها ومقدر خوفك عليها عشان عارف وعرفت اللي هي شافته. وعايز أقولك إني واخد خطوة كتب الكتاب وأنا بحاول محطهاش قدام الأمر الواقع. عاوز أديها فرصتها خصوصًا إنها بتحتاج وقت عشان تثق في اللي حواليها. كان عندي حل تاني عشان مضغطهاش، وهي إنها تمشي يوم العريس ده واخدها في مكان لحد ما عمها يرجع عن اللي في دماغه. ودي فكرت فيها لما لقيتها إنها محتاجة تاخد وقتها. ولما عرفت حوار المأذون غيرت كل حساباتي وعرفت إن عمها ممكن يعمل كده تاني لما ترجع ومش هنخلص. جيت مشيت الدنيا بالأصول وقدامك وبعلمك. وافتكرت إني شوفت في عينيها إنها بردو بتحبني وعاوزاني وتقريبًا هي ما حستش إنها واثقة فيا إنها تكون معايا غير من موضوع عمها ده. فأنا واثق إن رد فعلها مش هيكون الرفض أبدًا. فاطمني، هي موافقة ومرتاحة زي ما عاوزاها إنتِ تكوني. وقبل ما تكون في عيني هي في قلبي."
ابتسمت "سمية" له بارتياح، ثم هتفت بنبرة صادقة استشفها هو:
"أنا عارفة إنتِ إيه ومتربي إزاي وإنك هتحافظ عليها. بس أهم حاجة بنتي ما تتعبش تاني نفسيًا وتبقى مرتاحة وبعيد عن المشاكل. ولو إني عارفة إن بالخطوة دي المشاكل هتبدأ من تاني، بس كونها معاك وعلى اسمك ساعتها هبقى مطمنة. ولو جرالي حاجة عارفة إني هسيبها في مكان آمن. حتى معارضتي في كتب الكتاب بالسرعة دي، بس عارفة إن عمها مش هيسيبها بعد النهارده خلاص مادام خد خطوة جريئة زي دي، وده اللي خلاني ما ليش حل تاني غير ده."
ابتسم لها باطمئنان، ثم خرجت نبرته منه وهو يطمئنها:
"إن شاء الله ربنا هيديكي طولة العمر و هتشوفي عيالنا!"
ضحكت بخفة على عبثه. حتى إنه لم يمنع عبثه بأن يظهر لوالدتها هي الأخرى. يبدو أن فرحته كانت طاغية وبقوة. ابتسم لها، ثم أشار لها بأن يخرج حتى يذهب ليرتدي ملابسه ليتجهز للمناسبة هو الآخر!
***
في المستشفى، وقف "عز" بغرفة والدته وبجانبه "فرح" حتى يتجهز للذهاب. طالعتهم والدتهم بحنو، وكل منهم يتجهز حتى يعودا للمنزل ليرتديا ملابسهما للمناسبة. خرجت نبرتها الحنونة وهي تحدثهم قائلة:
"خلي بالكم من بعض يا حبايبي."
نظر لها بحب، هو وشقيقته. ضحك "عز" بخفة وهو يشاكسها قائلاً:
"إيه يا حنان هو إحنا لسه صغيرين!"
ضحكت بخفة وهي تنظر عليهم، ثم قالت تعارض ما قاله من بين ضحكاتها:
"هتفضلوا طول عمركم صغيرين في عيني، مش هتكبروا أبدًا، حتى بعد ما تتجوزوا وتخلفوا كمان."
ضحكت "فرح" عليها، ثم مالت تطبع قبلة على خدها تزامناً مع قولها:
"مفيش قول بعد قولك يا ست الكل هه!"
توجه "عز" لينحني يطبع قبلة على جبهتها، ثم ردد بهدوء:
"إحنا هنمشي وبإذن الله هنحاول منتأخرش. خلي بالك من نفسك الحبة دول."
أومأت له بهدوء. بينما أمسك هو يد شقيقته، ثم توجه ليخرج من الغرفة تزامناً مع إشارته لها بالوداع. خرج وهو يسير بجانبها بهدوء، حتى يرحلا. بينما تابعت "فرح" بمشاكسة له تزامناً مع سيرهما مع بعضهما:
"متحمس أوي إنت يا عزوز؟ ولا عشان هنشوفها؟"
التفت ينظر لها بملل، ثم هتف لها بحنق:
"خليك في حالك!"
ضحكت بخفة، ثم أجابته بمشاكسة:
"والله أنا في حالي الرك عليك إنت."
ضحك رغماً عنه بقلة حيلة منها ومن مشاكستها له. بينما سار بعدها بصمت معها وهو يخرج من المصعد متوجهاً للساحة وإلى بوابة الخروج من بعدها.
***
بعد مرور ساعة كاملة، كان قد أتى "حازم" من الخارج بعد ذهابه لحلاقة شعره وتحديد ذقنه، وتزيين السيارة الذي سيسير بها هو و"ياسمين". حيث اتفق الاثنان معاً بأن "حازم" هو الذي سيقود السيارة وبجانبه "ياسمين" حتى يأخذ لهما بعض الصور بها. ارتدى بدلته أخيراً، ثم نظر بتمعن لصورته في المرآة. كانت بدلته وهو جذابان بشكل ملفت. فكان "حازم" و"جميلة" وحتى "فريدة" و"حسن" جميعهم لديهم شكل ملفت بجمالهم البسيط. فـ "عايدة" كانت ملامحها جميلة، لذلك كان أولادها نفس ملامحها الهادئة حتى بعد أن مر العمر. بينما كان "سليم" رجل له ملامح رجولية رغم كبر سنه قليلاً. سمع صوت شهقاتها من خلفه فالتفت سريعاً ينظر لها بلهفة حتى وجدها تبكي. اتجه ناحيتها يحتضنها وهو.
يمسك يديها قائلاً بلهفة:
"مالك يا ماما؟"
احتضنته "عايدة" بقوة ثم أخرجته من بين أحضانها وهي تردد قائلة بعاطفة أمومة:
"دموع الفرح يا حبيبي. كبرت وشوفتك عريس وقلبي فرحانلك أوي يبني."
ضحك "حازم" بخفة وهو يحرك رأسه ثم قال بقلة حيلة منها:
"مفيش فايدة فيكي دموعك سابقة الكل في كل حاجة كده."
صمت يتطلع على ملابسها الأنيقة التي لاقت جيدا بسيدة في عمرها، ثم رفع يديه يديرها كالعروس قائلاً بانبهار جعلها تبتسم بسعادة:
"ده إيه الحلاوة دي؟ هتغطي على ياسمين كده؟"
"وهو حد يغطي برضه على العروسة؟ بالذات لو قمر زي ياسمين. ربنا يسعدكم يا حبيبي."
قالتها بحنان، فرفع يديه هو يقبلها ببر، ثم توجه ناحية قمة رأسها يقبلها مجدداً. قاطع لحظتهم "سليم" الذي دخل عليهم مردداً بتهكم:
"كل الحب ده على إيه؟ وأبوك اللي كبرك ملوش حق في كل ده!"
لم يظهر الضيق الذي بداخله بل سار رغماً عنه ثم قبل قمة رأسه بفتور. خرج منه دون أن يدري وكل ذلك بسبب ما يفعله الآخر. تحدث مرة أخرى على عجالة:
"أنا ماشي على القاعة علطول وهاخد زينة وعايدة. متتأخرش."
أومأ له وهو يهز رأسه فقط، ثم أشار لوالدته بأن كل شيء على ما يرام حتى خرجت من الشقة بأكملها. لم تكن سوى دقائق ثم خرج هو من بعدها متوجهاً حيث شقة "حامد". دق الباب عدة دقات إلى أن فتح له بواسطة "حامد" الذي نظر له بسعادة ثم دخل بين أحضانه بحب. فمهما حدث أصبحت الآن مكانته غالية وأكثر بعد أن أعلن لهم بأنه يقف بصفهم معارضاً لتحكمات والده وإنقاذه للموقف. دخلا إلى الداخل. وما أن رأته "وسام" و"دلال" ابتسموا له بسعادة ثم خرجت من فم "وسام" زغرودة عالية بعد أن أشارت لها والدتها بأن تفعل. خرج الشباب من الغرفة جميعهم ثم التفوا حول "حازم" يهللون بقوة وبهجة ومن ثم صفقوا جميعاً. دون حماس أغاني بل كان حماسهم والفرحة بأعينهم أقوى وأكثر. وقف "غسان" أمامه ثم هتف بنبرة صادقة متأثرة بعدما خرج من أحضانه:
"ألف مبروك يا صاحبي ربنا يسعدك وأشوف عيالك وأبقى عم وجوز خالة العيال!"
ضحكوا بخفة فردد "حازم" بنفس التأثر:
"حبيبي يا غسان. وبعدين ده كده كده نحن السابقون وأنتم اللاحقون يا عم."
غمز له "غسان" بعبث ثم قال بمرح:
"غسان.. غسان يا عم. بعد اللي عملته معايا قول اللي انت عايزه."
ابتسم له باتساع وسرعان ما رجع للخلف بقوة ما أن احتضنه "شادي" مردداً بحماس:
"أبو الحزايم حبيب قلبي. ألف مبروك وربنا يسعدك ومش عارف أقولك إيه بصراحة كفاية إنك افتكرتني."
"حبيبي يا شادي."
ومن بعدها دخل باحضانه بهدوء "بسام" الذي احتضنه بحب أخوي ومن ثم خرجت منه نبرته الهادئة:
"ألف مبروك يا متر وربنا يبارك لك في حياتك الجاية ويحفظكم لبعض."
ابتسم له بامتنان وهو يجيبه بحديث ممتن، بينما فتح الباب بواسطة "حامد" الذي أشار لهم بالتعجل. فخرج كل منهم ولكن كان اهتمام "حازم" جميلاً في ذلك الوقت حيث قاطع سير "غسان" وهو يهتف:
"شوف إنت هتعمل إيه بكرة زي ما قولت وأنا معاك. معنديش مشكلة أنزل وأبقى وصي عليها كمان. وع فكرة أنا مهدت ليها بطريقة غير مباشرة أنا وياسمين النهاردة إذا كانت جاهزة للخطوة ولكتب كتاب من شخص بتحبه وكده وكانت عادية جداً ومتقبلة الوضع لو مع حد بتحبه. متخافش من الحتة دي. اللي بيحب حد مبيفكرش هيعمل إيه ويسوي إيه في حياته الجاية. غير إنه يدفع عمره كله عشان يبقى مع اللي بيحبه ودي كانت كلمتها."
نظر له "غسان" باهتمام ثم سأله بفضول وبسمة واسعة لآخر حديثه:
"قالت إيه؟"
"قالت أنا مستعدة أدفع عمري كله عشان أبقى مع حد بحبه وواثقة فيه. والكلمة دي جت بعد كلام منطقي من تهويش كده على الحوار."
ضحك بخفة ثم أشار له بالسير مردداً بغرور:
"بتفهم والله."
ضحك عليه، تزامناً مع خروج كل منهم من الشقة فوجدوهم بالخارج بعد أن تجهزت "سمية" و"وردة" وزوجها وصغيرها. وقف "غسان" أمامهم هو و"حازم" فهتف "غسان" أولاً:
"في ٣ عربيات. أنا وحازم وشادي. شادي يركب معاه بدر ووردة وأمها ويروحوا على القاعة علطول. وأنا هركب عربيتي ومعايا بسام ووسام و..."
قاطعه "والده" بضجر:
"طب وإحنا يا ابن الكلب؟"
ضحك رغماً عنه كما ضحك الآخرون. فهتف مرة أخرى بتوضيح:
"ما أنا جاي لك فكلام يا حامد. إنت هتركب معايا إنت ودلال أو مع حازم برضه لأن هنوصلكم وهنرجع ناخدهم تاني ونيجي لكم."
أومأ كل منهم بتفهم، ثم بدأ منهم من ركب المصعد ومنهم من هبط على السلم سريعاً حتى يذهبوا جميعاً.
بعد مرور وقت، وقفت هي بجانب شقيقتها تتطلع على مظهرها بتأثر. كانت جميلة وبشدة بفستان الزفاف كأحد الأميرات. فستانها الأبيض كان أنيقاً هادئاً رغم ضخامته. كانت هي وشقيقتها ووقفت "جميلة" بالخارج تنتظر شقيقها. شعرت "نيروز" بمشاعر عدة تجاهها. أدارت وجهها وبسرعة عنها قبل أن تهبط دموعها. بينما لاحظت "ياسمين" جيداً ما تفعله بل حاولت التحرك وبسرعة بفستان فرحها ثم أخذتها بين أحضانها بقوة ثم رددت بنبرة مختنقة:
"متعيطيش عشان خاطري. والله أنا هفضل جنبك ومعاك."
حاولت أن تكتم دموعها ثم خرجت من بين أحضانها تنظر لها بحب لملامحها الآن وهي تردد بنبرة صادقة:
"أنا عارفة. إنت طالعة حلوة أوي هو فيه حد ممكن يبقى جميل بالشكل ده؟"
لم تقصد الغزل بل خرجت الكلمات منها بصدق ومشاعر عديدة. ضحكت "ياسمين" رغماً عنها وهي تومأ لها ثم قالت:
"آه فيه. إنت."
ضحكت بخفة. وفي لحظتها جاءت لها المشرفة في المكان وهي تحثها على أن تتجهز بسبب قدوم العريس في الخارج. إلتفت سريعاً بظهرها حتى تفعل ما يسمي الـ First look. دخل "حازم" سريعاً وببدلة الورد. بينما خرجت "نيروز" إلى الخارج بسبب قدومه مع أحد مما رأته في الكاميرات. لعلها تجده فباتت تبحث عنه في كل شيء أمامها. أما هما فتوجه "حازم" يضرب كتفها بخفة وسط تصوير الكاميرات. بينما التفتت له سريعاً ثم ابتسمت باتساع وخجل. وقف ينظر هو لها بانبهار لما رآه من جمال. أدمعت عينيه وهو يدخل بين أحضانها مردداً بنبرة مختنقة:
"أي حاجة تهون قصاد اللحظة دي يا ياسمين. أنا مش مصدق نفسي الوقتي. إيه الجمال ده؟"
خرجت من بين أحضانه بتأثر ثم هتفت بسعادة ودموع عينيها المكتومة:
"بحبك أوي يا حازم ومكنش هينفع الفستان ده يتلبس مع بدلة عسل كده غيرك!"
ابتسم لها باتساع ثم التفت هو وهي يلتقطان بعض الصور قبل الخروج. فلهم صور أخرى بالقاعة بركن مخصص لعروسين مثل الـ سيشن. حتى يلتقط معه حينها الأقارب والأصدقاء.
في الخارج قبل دقائق: خرجت هي تبحث عنه وعن من معه. إلى أن رأته يستند على السيارة وهو يمسك هاتفه ثم تارة يرفع أنظاره يبحث عنها هو الآخر. وما أن رفع أنظاره ينظر من أمامه توقفت سريعاً عليه وعلى فستانها ذو اللون البيج الفاتح فبدا للبعض أبيض داكن.
وقف بغير وعي إلي أن وقفت أمامه تبتسم له باتساع. لم يشعر "غسان" بنفسه إلا عندما هتف بنبرة تائه ناظراً لها من أعلى لأسفل، ثم ثبت انظاره على عينيها مردداً:
"انتِ هربانة من ديزني صح!"
نظرت له "نيروز" وهي تبتسم باتساع، ثم ردت بعفوية له ممزوجة بالتأثر:
"بجد يعني أنا حلوة؟"
"متسأليش انتِ حلوة، قولي هو أنا فيه فحلاوتي!!"
ضحكت بخجل، إلي أن رفع يديه يمسح خرزة فضية وقعت على وجهها من أثر الفستان، ثم هتف بنبرة ضائعة يطالع لمعة عينيها التي ظهرت بنظرتها المحبة التائهة به:
"فـ كل مرة بشوفك.. بحبك تاني من الأول."
صمتت تنظر له بسعادة، ثم هتفت تسأله بمرح متخلية عن جرحها:
"أمير عيد؟"
هز رأسه بالنفي، ثم رفع يديه يشير على نفسه غامزاً بعبث يؤكد لها شيئاً آخر:
"لأ غسان البدري.."
قالها بصدق، فقد كان يخرج منه حديثه دون حساب بأنها كلمات أغنية معروفة. ضحكت هي بخفة، ولكنها انتقصت سريعاً عندما خرجت "وسام" برأسها من الشرفة قائلة بضجر:
"ها خلصتم نحنحة؟ عاوزه أخرج بقا."
نظرت "نيروز" لها بذهول وهي تردد:
"ايه اللي مقعدك هنا؟ انتِ محبوسة ولا إيه؟"
"أيوه الأستاذ اللي معاكي حبسني عشان مطلعش أقطع اللحظة ساعة ما تيجي."
نظرت له "نيروز" باستنكار، فهز لها رأسه بتأكيد وهو يحرك كتفيه ببساطة. ثم رفع يديه يمسكها سريعاً مقرباً منها له، ثم التقط صورة بهاتفه عفوية جاءت بها وهي تضحك بمفاجأة لفعلته. شهقت لما فعله ثم نظرت له بغير تصديق. ومن ثم ابتعدت سريعاً عنه بعدما كانت ملتصقة به. أشارت له بأن يفتح السيارة، ففتحها هو تزامناً مع خروج "حازم" و"ياسمين" سريعاً. وقفت "ياسمين" أمامهم، ثم رفعت ذراعيها وهي تنظر لـ "وسام" التي خرجت من السيارة لتتوجه لها تحتضنها بحب. ابتسم "غسان" لها ثم قال بلطف:
"الف مبروك يا ياسمين."
غمزت له هي الأخرى مرددة وهي تستغل انشغال الآخرين:
"الف مبروك يا غسان."
ضحك بخفة من أثر تلميحها ورد فعلها العفوي. لم تمر دقائق وسارت هي بجانب "حازم" حتى يتوجها للسيارة التي ركبت بها "جميلة" بإنهاك بسبب صداع رأسها. بينما أمسك هو يد "نيروز" سريعاً يقاطع سيرها:
"راحه فين يا رزقة؟ مكانك معايا أنا، اركبي يلا."
ابتسمت له بحرج، ثم توجهت خلف "وسام" بعد أن أشار هو لـ "حازم" بأنها ستركب معه هو. وقف بتردد، بينما فتحت لها "وسام" الباب الأمامي وهي تتحدث قائلة لها بلباقة شديدة استحسنه الآخر:
"طبعاً مش هخليكي تركبي ورا، اركبي يلا هنا وأنا معاكم ورا هتابع كل التفاصيل متقلقيش!"
لم يكن لديها خيار آخر، بل ركبت أخيراً، ومن ثم الأخرى بالخلف. حرك هو السيارة تدريجياً حتى تحرك بعدما وضع هاتفه لبلوتوث السيارة الذي أخرج كلمات صادقة يود أن يرسلها لها مباشرة بطريقة ذكية عبثية:
"نفسي أحبك.. حب زمان
زي العيال.. ومعرفش أنام
أشوفك أتهته فالكلام
وفـ بعدك افضل أعد واحسب الأيام
وتفصلي دايماً عـ بالي.. أسرح فيك وأفكر طول الليالي
أسمع أغاني وافضل أعيدها تاني، أحفظها وأغنيهالك وصورتك تفضل فـ بالي
أنا نفسي أحبك حب زمان، زي العيال ومعرفش أنام.."
كلمات اخترقت سهام قلبها وبقوة، حتى وجنتيها التي أصبحت حمراء بخفة. التفت بوجهه لها ثم غمز لها بعبث قائلاً بلوم:
"بقا كنتي عاوزه تركبي فمكان تاني وتسيبي الكريتيف اللي بيلمحلك بـ أغاني ده؟ خسرانه والله."
ضحكت بخفة كما كانت تكتم شقيقته ضحكتها. إلى أن نظرت له "نيروز" بغيظ مرددة بنبرة ساخرة:
"متواضع أوي انت."
***
بقاعة الزفاف، كان الناس مجتمعين على الطاولات الكثيرة، ومنهم من كان على طاولات كبيرة، والذي جلس عليها "سمية" و"عايدة" و"زينات" و"بسام" و"بدر" و"وردة" وصغيرها. بينما كان يجلس "شادي" بجانب "بدر" من الناحية الأخرى. لمح هو دخول "فرح" وشقيقها عليهم ليقوموا بالترحاب. نهض "بسام" و"شادي" يرحبان به. ثم أصر "بسام" قائلاً بحماس يعارضه:
"مش هتقعد غير هنا، الترابيزة كبيرة اهي والله، اتفضل."
قالها بلباقة مما جعل "عز" يجلس بجانبه، من ثم "فرح". بينما انتبهت هي سريعاً لدخول "منه" عليها، التي توجهت لتحتضنها سريعاً. هتفت "فرح" لها بحماس:
"اقعدي عشان لما جميلة تيجي."
أومأت لها وهي تجلس بجانبها بهدوء، ثم مالت تحدثها بمرح كالعادة. بينما قد انتبه هو لها، فمال على "بدر" قائلاً له:
"خمسة وجاي."
قالها ومن ثم نهض بسرعة وهو يتجه وسط انشغال الآخرين، ثم توجه ليجلس بجانبها من الناحية الأخرى. انتفضت هي سريعاً، ثم نظرت له بغيظ مرددة:
"انت تاني؟"
هز لها رأسه بتأكيد، ثم هتف يجيبها قائلاً بمرح:
"قولي تالت، رابع، خامس، سادس سابـ.."
"خلاص، إيه؟ حصة رياضة؟"
هز لها رأسه بعبث، ثم غمز لها قائلاً بمراوغة:
"لأ حصة عربي، هي دي عينيكي ولا لينسيزز."
قلبت "منه" عينيها بملل وهي تكتم ضحكاتها، ثم أجابته قائلة بسخرية منه:
"عينيك انت."
"مالها؟"
"هخزقهالك."
نظر لها مبتسماً، وهو يهتف بنبرة لينة:
"لو انتِ اللي هتخزقيها معنديش مانع، بس ما تحن يا جن بقا."
نظرت له بنفاد صبر، والاخرى التي بجانبها تكتم ضحكاتها بالقوة. بينما قاطع لحظتهم تهليل الآخرون بقدوم العروسين. ومن ثم ظهر من أمامهم "جميلة" و"نيروز" و"وسام" وهن يدخلن عليهم مرحبين بهم بحرارة. ثم جلست كل واحدة منهم. حدق بها "عز" بإعجاب لما هي عليه. جميلة اسماً وقولاً بانظاره، حرك رأسه سريعاً ينهره نفسه. ومن ثم قطع شروده قدوم "غسان" الذي جلس بجانبها بعدما رحبت هي بوالدتها تريها منظرها هي وزوجة عمها ووالدته. و"حامد" الذي انبهر بها كثيراً. تنفس كلاهما بعمق، ثم بقوا ينظرون على تقديم العروسين للدخول بموسيقى حماسية حتى يجلسلا. كانت "سمية" تنظر بمشاعر مختلطة، كما كانت "عايدة" هي الأخرى. أما "غسان" فمال يهمس بجانب أذنها قائلاً بنبرة هادئة:
"ما تيجي."
قاطعها هو سريعاً قبل أن تحدثه بحديثها المعتاد. فهتف هو بوضوح، والابتسامة لا تفارق وجهه:
"قصدي ما تيجي فعلاً نقعد بره على ما الوضع يسخن كده. هقولك حاجة مهمة. تيجي؟"
أومأت له بابتسامة واسعة، ثم نهضت بعد.
نهض هو، ونظر بأثرهما "شادي" و"بدر". لقد علم كلاهما جيدًا ما يفعله هو. بينما كان ينظر هو لها، وهي مندمجة بالحديث مع الآخر، حتى قاطعها قائلًا:
"ييت دي عينيك ولا لينسيزز بقا حيرتيني!"
التفتت "منه" تنظر له بنفاذ صبر، مرددة:
"علفكره انت أهبل لأن دي عيني وبني عادي مش مبهر، حتى مش عارف تعاكس جاتك نيلة!"
أخرج صوتًا من فمه ينفي قولها، ثم أشار بيديه بالنفي تزامناً مع قوله:
"قول جاتك منه، وعيون منك، وحلاوة منه، مش نيلة!!"
كبتت ضحكتها، ثم رمشت بأهدابها بحرج، حتى صفق هو بحرارة مرددًا بمرح:
"ايوه بقا، كله يهون لأجل العيوون"
كبتت ضحكاتها رغما عنه، ثم رفعت يديها ترجع من خصلات شعرها السوداء. هي ليست محجبة، بل كان شعرها أسود قصير، كما كانت ملابسها محتشمة وغير جريئة. رفعت أنظارها تسأله بحزم:
"انت مش هتبطل بقا يبني انت، عاوز ايه؟"
"عاوز رقمك!"
ركن آخر بالخارج:
جلس أمامها بعد أن تحدث لها بما حدث اليوم باختصار. ود لو يرى بعينيها الموافقة، أول شخص، بل ليست والدتها. رفعت "نيروز" أنظارها المترددة له، والخائفة قليلاً بسبب ما عملت به من نية عمها. فجاءها صوته ذو النبرة اللينة، وهو يسألها بترقب مرة أخرى:
"موافقه؟"
صمتت، يتابع ملامح وجهها، ثم واصل مجددًا، قائلًا بنبرة صادقة:
"موافقه تبقي حبيبة عمري وأيامي، وشريكة حياتي؟"
تنفست بعمق، وهي تتوعد داخلها لعمها. ومن ثم حاولت بأن تبقي أقوى من ذلك. ثم رفعت أنظارها المرتبكة من أثر عرضه، قائلة وهي تبتسم بهدوء، وعلى فجأة، مرددة بحديث جعلت طبول فرحته تعلو ليسمها الآخرون:
"موافقه.."
صمتت عندما وجدته ينظر لها بغير تصديق. ثم واصلت مرة أخرى تربكه، دون أن تعلم ماذا تفعل هي بكلماتها به:
"حتي لو خايفه، فـ صدقني يا غسان مبعرفش ولا هعرف الخوف وأنا معاك، موافقه"
ضحك بخفة، ثم ردد بغير تصديق، رغم علمه بما ستقوله من موافقة، ولكن الواقع شيء آخر غير الخيال:
"بـجــد!"
هزت رأسها بالإيجاب، وهي تبتسم بارتياح تخللها من فكرة وجوده. بينما تابع هو بنبرة هادئة سعيدة، ناظرًا بعمق أعينها البنبه:
"عارفه غسان البدري قال ايه بقا؟"
قالها "غسان" بهدوء ومرح، جعلها تضحك بخفة، وهي تجيبه:
"قال ايه؟"
"لم يدق القلب إلا لك، وأعدك بأن لا تخرج دقاته لأخرى سواك، سوى نيروز الوردة، ونيروز البهجة، نيروز الحب أه وربنا!"
قالها بمرح، إلى أن ضحكت هي بخفة. ثم نهضت من مكانها عندما أمسك يديها لينهضها، حتى يتوجه بها إلى الداخل مرة أخرى، وتلك المرة بسعادة متضاعفة.
في الداخل:
كانت الساحة ممتلئة بالفتيات وهن يرقصن مع العروس، والشباب. حتى نهض "بدر" و"شادي" و"عز"، كما دخل بينهم "غسان" الذي أتى من الخارج لهم، و"نيروز" و"ورده" كانا يتراقصا مع شقيقتهما ببهجة. امتلأت المكان. الدقائق السعيدة تمر بسرعة. بينما كان "بسام" يجلس على الطاولة، وهي من جانبه لم تنهض، بل نهضت "منه" و"جميله" وجلست هي. التفت بوجهه لها يبتسم لها، ثم نبس بنبرة هادئة:
"عقبالك يا فرح"
ابتسمت له بامتنان، ثم رددت تجيبه:
"شكرا يا دكتور بسام، وعقبالك"
نظر لها بصمت، وهو يبتسم. وللمرة الأخرى كان ينظر على رموش عينيها واهدابها الكثيفة. كان يراقب الأجواء. "زينات" بكل من حولها بحقد، غير راضية بحضورها من الأساس. وكان زوجها بجانبها. مالت عليه تتحدث بتهكم:
"شايف البجحة اللي كانت ماشيه معاه الوقتي عيني عينك كده وانت قاعدلي ساكت!"
نظر لها بنفاذ صبر، ثم ردد يجيبها:
"بقولك ايه الفرح شويه وهيخلص، فـ عدي ليلتك، وبعدين أنا مش قولتلك اصبري وهتشوفي؟"
يمر الوقت، ويجلس هو بمكانه يتطلع بالشاشات على أولاده. وكز "حامد" دلال الجالسه بجانبه، وهو يشاكسها بجانب أذنها متحدثا:
"هو انت حلوه أوي كده عشان عيالك يطلعوا بالشكل ده يا ام غسان؟"
ضحكت بخفة، وهي تميل تجيبه بمرح:
"يخويا عيال ايه ده محدش شبهي ألا الصبيان و البت وسام نسخه منك"
"ما عشان كده بضعف قدامهم يا أم غسان، أمام وسام فـ دي الحب دي بعد حبك انت يا جميل"
ضحكت بخجل، ثم وكزته قائلة بلوم:
"يا خويا إعقل دا ولادك يجوزوا ويخلفوا الوقتي وتبقي جد من بكره"
ضحك بخفة، وهو يدقق النظر بها بشغف. بينما دخل عليه "غسان" بانهاك، بعض رقصه مع "حازم" ومن ثم "بدر" من خلفه، حتى جلس كل منهم مرة ثانية. ومن ثم دقائق، وعادت "نيروز" هي و"جميله"، وكل منهم ينهض ويعود مرة ثانية بتلك الليلة التي اقترب موعد انتهائها. فقد كان فصل الشتاء، وكان طبيعيا عدم تأخر الزفاف لكثير. جلست بجانبه بانهاك، وهي تضع المنشفة الورقية على وجهها لتزيل تعرق وجهها. بينما انشغل "غسان" مع "يامن" الذي أخذه من على قدم جدته، ليعبث معه بمرح. حتى وجهه مرة واحدة يقبل وجهها مرة ثانية. فتحت عينيها على وسعها من ما فعله أمام الأنظار. كان واضح وبشدة أن الآخر هو الذي قد حثه على فعل ذلك أمام الجميع بمنتهى الجرأة. ضحك من فهم جيدا ما فعل. أما من انتبه ولم يفهم، ابتسم باتساع للطافة المشهد. كان الرقص تارة، والجلوس تارة أخرى. وقد حان رقص العروس مع والدتها، والعريس مع والدته. وعند ذلك المشهد جلس ينظر البعض بتأثر شديد. بينما عاد "شادي" يجلس بعبث بجانب "منه" المغتاظة من أفعاله. وبقى "بسام" ينظر بين الحين والآخر لها ولعينيها. بينما كان "عز" تائها، مرتبكا أمام نظراته، ما أن وقعت عينه عليها أول مرة من ما يقدر بساعتين.
لم يمر الكثير، ووقف "عز" للإستئذان منهم بلباقة، حتى يرحل هو وشقيقته. بينما وقف يحتضن "بسام" و"غسان"، مفرقا بينهما هذه المرة. فضحك "غسان" بخفة، ثم ردد له مازحا:
"'كده انت معلم وعال أوي يا عز"
ضحك "عز" يشكره، بينما ودعه "بسام" بحرارة، كما ودع "فرح" بكلمات ونظرات. بينما سار في طريقهما إلى الخارج، ومنظم الحفل ينهي الحفل أخيرا. وبعد رحيل الناس تدريجيا، قابله بطريقه، ولم تكن سوى "جميله" التي قد نهضت من قبل دقائق. ابتسم لها باتساع، فبادلته هي البسمة قائلة بلطف:
"نورتونا بجد"
ابتسمت لها "فرح" بسعادة، وهي تخرج من بين أحضانها. بينما وقف هو يردد بهيام، ناظرًا لها:
"بصراحه دا نورك انت لوحدك"
ابتسمت بخجل، ثم بادلتهم الإشارة بالوداع، عندما وكزت "فرح" شقيقها من ما يفعله من نظرات غائبة. توجهت لهم، حيث كل منهم كان ينهض ليتوجهوا للخارج حيث السيارات. سار "غسان" بجانب صديقه وابن عمه، ومن ثم "بسام" بجانب والده ووالدته. والفتيات بجانب بعضهن، كما كانت النساء.
دقائق ووصلوا جميعا أمام السيارات. ركبت "نيروز" مع "غسان".
و"وسام" و"ورده" وصغيرها و"بسام" بينما كان مع "شادي" والدي "غسان" و "بدر"
و "عايد" و "زينات" مع "سليم" ومعهم "جميله".
وقفت "سميه" قبل أن تركب السيارة تحتضن ابنتها بحب وتأثر، بينما هربت الشقيقتين من أنظار شقيقتهم في تلك اللحظة.
رفعت "سميه" أنظارها له ثم قالت بنبرة مختنقة:
"خلي بالك منها يبني عشان خاطري، حطها فـ عينك وحافظ عليها وصدقني مش هتلاقي أطيب من قلبها والله."
ابتسم لها باطمئنان ثم توجه يقبل قمة رأسها قائلاً يطمئنها:
"في جوه عيني متقلقيش."
ابتسمت له وهي تومئ ثم ودعتهم لترحل.
بينما كان يقف "حامد" أمامهما قبل أن يركب هو الآخر ثم احتضن "حازم" بحب قائلاً باختصار:
"مش هقولك غير حاجه واحده بس يا حازم، خلي بالك من حب العمر."
رفع أنظاره من بعدها لها هي ثم قال بنبرة متأثرة:
"وأنا يا بنتي بقولك خلي بالك من حازم، راجل ويستحق يتشال جوه العين والقلب، وإن جه عليك فيوم، فـ متترديش تجيلي وتحكيلي واعتبريني زي أبوك الله يرحمه."
نظرت له بتأثر ثم شكرته بامتنان صادق.
ومن بعدها ركبت هي السيارة بمساعدة زوجها الذي التفت ليركب السيارة حتى يقودها إلى منزلهم.
بينما توجه كل منهم يركب السيارة الذي وضع بها حتى تحركت جميع السيارات وكل واحدة منهم في طريقها وطريق أصحابها إلى المنزل.
***
قبل ساعة واحدة، وقف مطولاً أمام الغرفة. سهولته في صعوده أمام غرفتها كان أبسط شيء لكونه شقيق ابنها، خاصة أنها انتقلت لغرفة عادية الآن، أصبح ذهابه إليها شيء ليس صعب.
تنفس بعمق قبل أن يدق الغرفة دقات متتالية. يعلم أن شقيقه وشقيقته لم يكونا موجودين.
أذنت هي للطارق بالدخول بصوت ضعيف. إلى أن دخل وفتح الغرفة ثم أغلقها من خلفه.
التفت "شريف" ينظر لها بتمعن، نظرات حارقة تحرقه هو شخصياً من الداخل.
أما هي فلم ولن تهابه، بل ظلت رافعة أنظارها تطالعه وهو يقف مكانه.
إلى أن خرج صوتها قائلة بهدوء وتعب:
"كنت عارفه إنك هتيجي يا شريف."
كانت ملامح وجهه خالية. يتمنى لو كانت رحلت هي إلى عالم آخر غير عالمه الذي يعيش ويتعايش به. تؤلمه رؤيتها في كل مرة. في كل مرة يظن أنه سيبقى أمامها شامخاً، ثابتاً. ولكن وجودها الآن وأمامه وبصحتها ولم تمت يجعل به القهر الداخلي على عائلته الصغيرة.
خرج منه صوته أخيراً بنبرة ضائعة موجهاً لها هي وحدها عندما هتف:
"لسه عايشه ليه؟ متروحتيش للي خلقك ليه وانت عايشه طول عمرك ظالمه."
حديثه يتعبها وينهكها في كل مرة جسدياً ونفسياً، كما ينهكه نفسياً هو الآخر.
وضعت يديها على قفصها الصدري ثم تنفست بعمق لتحاول أن تخرج الكلمات منها.
ثم رددت بنبرة ضعيفة خافتة:
"عايشه عشان معادي مجاش يبني، ومليش ذنب فـ اللي حصل ولا ظلمتك. يمكن قرار غلط بس عمري ما جيت عليك وعلي اللي منك ولا ظلمتك صدقني، حاول تصدقني عشان نرتاح كلنا."
"قرار غلط!"
قالها بتهكم ونبرة ساخرة لاذعة منها ومن ما تفعله الحياة والأيام.
سار بخطوات ثابتة رغم عدم ثباته من الداخل. ثم وقف أمام وجهها مباشرة، ينزل أنظاره لها وهي جالسة على الفراش.
ثم أكمل هو يواصل حديثه بنبرة حادة:
"لا مش قرار غلط، قرار ظالم، مش عادل ليا ولا لأمي ولا لاختي. ليه؟ لو مكنتيش وقعتي فطريقه مكنش حصل حاجات كتير أوي. لا، انت ظالمه ظالمه أوي وقاتلة، وكنتي السبب فموتهم بطريقة مش مباشرة. قوليلي لو عز مكاني كان هيعمل فيكي إيه؟ أو كان هيبقي رد فعله إزاي؟ طب لو كنتي مكان أمي، لو فرح حصل فيها زي بثينة. انت عملتي حاجات كتير أوي انت وهو كفيلة تخليني منتظر القيامة تقوم عشان أشوفكم فـ نار جهنم. خلتيني أدوق المر وأنا صغير معرفش إيه هو المر. أنا بكرهك، بكرهك كره معداش على حد في الدنيا دي."
حديثه أخيراً كان أشبه بصراخ. لم يوصل الخارج ولكنها كانت مترقبة بأن يفعل أكثر من ذلك.
نظرت له والدموع تهبط من على وجنتيها ثم قالت بخيبة:
"مش ظالمه ومش قاتلة يا شريف، حاول تفهم الدنيا صح يابني."
تحدث بانفعال وهو ينحني ينظر لوجهها قائلاً ينفي قولها:
"متقوليش ابنك، أنا مش ابنك سامعة ولا أستنضف أكون ابن واحدة زيك."
تهبط الدموع من عينيها بغزارة، ثم أمسكت موضع قلبها بألم.
في حين نظر لها هو نظرة استهزاء. ثم ألقى عليها نظرة حادة وهو يتوجه ليخرج من باب الغرفة تزامناً مع قوله:
"موتي بقا وريحيني!!!"
قالها أسفل نظراتها المتعبة المختنقة من عدم استطاعتها لأخذ أنفاسها بانتظام وهي تحاول بعزم ما لديها أن تأخذ أنفاسها.
***
بعد مرور وقت معين يكفي لوصولهم المنزل، والآن يحق لنا القول بأن يكتب "في شقة حازم".
في شقة "حازم" دخل هو بقدميه اليمنى كما دخلت هي منذ دقائق.
جلس هو أمامها وهو يتطلع عليها وعلى ما بقيا عليه وفيه بغير تصديق.
لم يشعر بنفسه إلا عندما هبطت دموعه وهو يفتح ذراعيه لها ناظراً على فستانها الأبيض وهو يأخذها بأحضانها ثم هتف بنبرة مختنقة:
"أنا فرحان أوي يا ياسمين مش مصدق نفسي لحد الوقتي."
تنفست بين أحضانه بارتياح، ثم هبطت منها دمعتها وهي تردد بتأثر:
"وأنا كمان يا حازم، ربنا يخليك ليا ويبارك لينا فـ حياتنا الجايه."
قالتها وهي تخرج من أحضانه ومازال يمسك هو يديها بشغف.
ثم نظر إلى عينها مردداً بحديثه الصادق:
"عمري فحياتي ما عيني حبت وجود حد غيرك ولا قلبي. عايزك تعرفي إني بحبك، ورغم عيني اللي كانت متعودة على وجودك طول الوقت قدامها إلا أنك كنت الوحيدة اللي عيني بتحب وجودها وكأنها مخدتش على حد غيرك حب العمر اللي فات واللي جاي وتحويشة اللي لسه هييجي هو انت. حب العمر هو ياسمين اللي مافيش قبله ولا هيكون بعده."
رفع يديها يقبلها بحنان، بينما رفعت هي يديه تبادله الفعلة وإن لم يكن فعلها لما فعلتها هي.
ولكن الحب القائم بينهما يطغي على الكثير.
ابتسمت بتأثر ثم أجابته بنبرة مختنقة متحشرجة:
"عارفه، ومكنش هينفع أبقى حب عمر حد غيرك يا أبو الحزايم والله."
ضحك على مرحها حتى وإن كانت على مشارف البكاء أو بكت بالفعل.
أمسك رأسها بين يديه ثم قبلها على وجنتيها ركن مرة والركن الآخر مرة.
ثم نهض ببطء وهو يمسك يديها قائلاً بلطف يسألها ويحدثها بالإجابة بنفس الوقت.
مما جعلها تبتسم بهدوء وهي تهز رأسها بالإيجاب:
"تعالي نصلي وندعي ربنا ونشكره على النعمة دي ونبدأ حياتنا صح، عشان ربنا يكرمنا ويهدي سرنا."
هزت رأسها بنعم وهي تبتسم له بتأثر.
بينما انحنى هو يعدل من فستانها حتى تستطيع السير ومازال يمسك بيديها متمسكاً بها لا يصدق بأنها معه وقلبها جوار قلبه حر دون وجود وصف شعوره ليعلمه هو.
منزل واحد يجمعهم وسيجمعهم بكل مودة ورحمة. قدرنا في الحياة هو شريك حنون هادئ. لم ولن نرى نحن سوى أحضانه عندما تضيق بنا الحياة.
إثنين وقفت معهما الحياة ليكونا مع بعضهما بعد عناء من رفض والده لها بالبداية ولكن حبه غلب كل رفض كما كان حبها هي أيضاً.
تمسكه بها وعدم اختيار قلبه إلا هي رغم أنها كانت أمام أنظاره طوال الوقت وحتى علاقتهم بعمها وهذا ولده. عمها الذي لم يكن شقيق والدها من الأم.
رؤيته للكثير غيرها ولم يتأثر ولا يميل إلا لها هي وحدها. من يتمسك ومن يحب لا يترك، لا يكسر، لا يرحل. ولم ولن يتهاون يومًا ما في ذلك الحب الذي نشأ وسينشأ بعد عناء للوصول لهذه الخطوة التي تستحق العناء لأجلها. كونهما في بيت واحد الآن يتشاركان الحياة ببساطة، كون قلب كل منهما اختار الآخر.
***
المشاعر مختلفة ومختلطة بعد العودة لكل منهم لمنزله. جلست "ورده" بجانب "بدر" بعد أن وضعت صغيرها بفراشه الصغير. ابتسم لها بحنو وهو يتسطح على الفراش، ثم رفع ذراعيه لتقترب هي حتى تدخل بأحضانه بهدوء. بينما تنفست هي بعمق، ومشاعر عدة. إلا أنه التفت مرة واحدة عندما شعر بدموعها الساخنة تبلل ذراعه من أسفلها. نظر لها مرددًا بلهفة:
"بتعيطي ليه يا ورده؟"
التفتت تنظر برأسها له ثم تنهدت تخرج أنفاسها قائلة بتأثر:
"دموع الفرح يا بدر، وكمان البيت ملوش حس من غيرها."
نهض يعتدل في جلسته ثم سحبها داخل أحضانه بتفهم لما تمر به، ثم نبس بنبرة هادئة مطمئنة:
"المفروض تتبسطي يا ورده. دا انتِ فرح أختك النهارده وكتب كتاب التانية بكره، يعني المفروض النكد ميعرفش طريق ليكي يا حبيبتي."
ضحكت بخفة على ما قاله للتو، حتى ضحك هو أيضًا. بينما تحدثت هي تجيبه بتأييد:
"عندك حق، أنا نكدية أوي، انت مستحملني ازاي؟"
نظر لها باستنكار، ثم توجه ليقبلها أعلى رأسها قائلاً بحب:
"أستحمل أي حاجة عشانك وعشان كل تفاصيلك، بس بطلي عياط ونكد ابوس إيدك."
قالها وهو يرفع يديها بمرح ليقبلها، بينما قهقهت هي عليه وهذا ما كان يريده، حتى تنفست بعمق وهي تعتدل كما اعتدل هو استعدادًا للنوم بعد هذا اليوم الشاق.
في الغرفة الأخرى: كانت "سميه" قد توجهت لغرفة ابنتها منذ قليل ثم قصت عليها باختصار ما حدث، وابتهجت ملامحها ما أن رأتها ليست خائفة. تشبثت "نيروز" بين أحضانها ثم همست بنبرة هادئة تطمئنها:
"عارفة إنك خايفة عليا يا ماما، بس أنا مش خايفة ومش عاوزاكِ تخافي."
ربتت عليها "سميه" بشرود، ثم رددت بحزن لما كان سيفعل بها:
"خوفت يا نيروز، وسرح بيا عقلي لو كنتِ اتغصبتي فعلاً زي ما عمك كان ناوي. الله أعلم كانت هتبقى حالتك إزاي وأنا منفسيش ترجعي للي كنتِ فيه، ولا أنا كان فاتني قلبي وقف وروحت فيها يا بنتي."
آخر حديثها بعفوية قالته هي، ولم تنتبه، ولكن دب بها الخوف عندما تحدثت "نيروز" بلهفة قائلة لها:
"بعد الشر يا ماما قلبك إيه بس، متقوليش كده، وأديني يستي هيتكتب كتابي بكره إن شاء الله وحاجة يعني مبتحصلش بالسرعة دي، افرحي وفرحيني معاكِ ومتفكريش في أي حاجة بقى."
"ربنا يريح قلبك ويسعدك يا بنتي انتِ وإخواتك ومشوفش فيكم وحش أبداً."
قالتها وهي تتنفس بأريحية شديدة، ثم دفعت "نيروز" بمرح حتى تستلقي بجانبها على الفراش، مما جعل ملامح الأخرى تبتهج على ما ستفعله والدتها.
***
تسطح على الفراش ممسكًا بهاتفه والإبتسامة تشق وجهه وهو يتطلع على صورتها العفوية معه. كم كانت تلقائية عفوية وهو يدفعها على فجأة ليلتقط الصور. خرج من شروده بها وبملامحها عندما وجد الآخر يخرج من المرحاض، متوجهًا له يجلس بجانبه وبيده المنشفة القطنية. وكزه "شادي" بخفة ثم هتف له غامزًا بمرح:
"العريس الجاي بقى، أيوه بقى."
ضحك "غسان" على ما يفعله الآخر، ومن ثم ردد بنبرة هادئة:
"متعرفش مكان حلو أحجزه من دلوقتي لكتب الكتاب ونجيب المأذون على هناك."
قالها بتفكير، بينما نظر له الآخر بهدوء ثم هتف بمفاجأة:
"مكان إيه؟ أنا حجزتلك المكان خلاص وكلمت كمان المأذون وخدت رقمه من حازم. انت بس جهز بطاقاتك وورقك وانت رايح انت وهي، والمكان محجوز من ساعة ما عرضت عليك إنك تفاتح أمها."
نهض "غسان" ينظر له بغير تصديق مرددًا بتبجح لا يليق مع الموقف:
"انت مجنون! افرض مكنتش أمها وافقت؟"
"لا وافقت وكنت عارف إنها هتوافق. مفيش أم هتسيب بنتها تتكسر قدام عينيها وهي بتاخد واحد مبتحبوش واللي بتحبه موجود ولسه فيه فرصة يبقوا لبعض، بالذات لو قرايب ونسايب وجيران زيكم، ناس مين اللي مش هتوافق بكده وحازم نفسه اللي أبوه ناوي يعمل اللي هيعمله ده وواقف معانا إحنا وقالك خد الخطوة وفاتح أمها، وهو عارف أمها هيبقى رد فعلها عامل إزاي حتى لو عارضت في الأول. وبعدين يعم لو كل ده كان في الفاضي بمكالمة تليفون نلغي كل حاجة مش مشكلة هي، المهم الوقتي انت عريس، عريـــس ياض."
ضحك "غسان" بقلة حيلة منه ثم مال عليه ليحتضنه بحب أخوي وامتنان، ثم هتف له قائلاً بشكر:
"مش عارف أقولك إيه يا شادي. دايماً سابقني بخطوة، حتى لو كنت قبلك بلف وأرجعلك تاني لما الدنيا تزنق عليا. ربنا يخليك ليا يا صاحبي."
ابتسم له "شادي" باتساع وهو يجيبه بعاطفة أخوة:
"أقل حاجة تتعمل عشانك يا غسان. قيمتك أغلى من كده بكتير. وابسط يعم مش كده وبس، أنجز الجامدة، اديتك إجازة يومين على ما تكتب بكره وتحتفل انت وهي على الأقل بعده، زي ما هي خدت إجازة بالظبط. بس متتخدوش عليها بقى عشان أنا خلقي ضيق!"
قالها بمرح مما جعل "غسان" يضحك عليه وبخفة، بينما اعتدل الآخر بجانبه كي يتسطح على الفراش. واعتدل "غسان" في نومته وهاتفه بيده، بعد أن نظر على صورتها معه قبل أن يضعها خلفية لشاشة هاتفه، لتصبح قولاً وفعلاً لا تغيب عن باله ولا أنظاره. تنفس بارتياح منتظر موعد كتابة اسمها على اسمه حتى تصبح زوجته قولاً وأمام الجميع. شرد بنقطة عمها وما ينوي فعله بها. أيقن الآن وتوعد بنفسه أن اقترب أحد منها لن يحدث له خير. كفى ما عانته بحياتها دون أن يعلم أحد إلى الآن بأنها تذهب لطبيب نفسي. لا يعلم أينهره نفسه على تسرعه بتلك الخطوة وهي إلى الآن تهاب أشياء كثيرة، أم يتنفس بارتياح لكونه أصبح مصدر أمانها واطمئنانها، الركن الآمن الخالي من الخوف. نظراتها وطبيعتها تظهر من أمامه دون تكلف، وهذا ما جذبه ناحيتها، ليست متصنعة، بل كان كل ما فيها بسيط هادئ مريح لعينيه وقلبه. خرج من شروده عندما هتف الآخر بشرود وهو ينظر للأعلى مرددًا بسؤال تلقائي:
"بقولك إيه؟ أنا عاوز أسألك سؤال."
همهم الآخر وهو يطالعه بانتظار، فهتف "شادي" قائلاً بتفكير:
"هو معنى اسم نيروز إيه عشان غريب أوي وعايز أفهم."
ضحك بخفة ثم رفع يديه يضربه على وجهه وهو يضحك من عبثه، بينما نظر له الآخر مبتسمًا بانتظار كي يجيبه حتى أجابه أخيرًا بنبرة هادئة لينة، بلمعة عينيه الذي لم يعرفها إلا سواها. ثم قال بهيام لم يظهر إلا له هو وحده من يشعر بمعنى اسمها حينما هتف بمعاني اسمها المتعددة:
"نيروز يعني العيد ويعني الوردة المتفتحة، وبداية يوم جديد، ويعني السعادة والسرور."
قالها بتوضيح، وقد أتى بكل معاني اسمها. نظر له "شادي" بإعجاب، ثم هتف بمرح:
"ده اسمها عاوز قاموس لوحده!"
ضحك بخفة عليه وهو يحرك رأسه، فعاد "شادي" يسأله بفضول:
"حبيتها إزاي يا غسان وإيه اللي شادك فيها وانت جاي وعارف إنك مكنش في دماغك إن ده يحصل، ده النصيب ده عجيب وغير متوقع بالمرة يا جدع!"
تنفس بعمق، ثم أخرج أنفاسه الساخنة للخارج تزامناً مع إجابته له بكل صدق وصراحة، غير عابئ بحديثه الكثير منذ أن عرفها. فمن قبلها كان قليل الحديث، لا يشارك إلا بقليل.
"مش عارف، بس مرة واحدة حسيت إني برتاح في وجودها. والنفس كده بيخرج ويدخل وأنا مرتاح. يعني لفت نظري تفاصيلها الصغيرة، وكسوفها من أول ما نزلت معايا الشغل وركبت معايا العربية ودخلت معايا الشغل والعامل قالي دي المدام. مكنتش أعرف بقا ساعتها إنها أه المدام مستقبلياً. احمرت هي في بعضها، ومن ساعتها وأنا كنت بحاول من غير ما أحس إني انتهز كل الفرص واللحظات عشان تتكلم معايا وتكسر حاجز الصمت. ولما اتكسر، رجعت أستغل كل الفرص عشان أكسفها من غير ما أحس بردو. ولما حسيت إني مش ثابت قدام عينيها وهي بتضحك ولا حتى بتعيط، وشوفتها صدفه وهي كده وأنا مش عارف إيه ده. عرفت إني بحبها، لما لقيتني مهزوز قدام دموعها ولا حتى ضحكتها. لما لقيتني الدم بيجري في عروقي عشان أعرف مين سبب زعلها. ولما غيرت أول مرة عليها في المستشفى، لما عز جري عليها وقالها فيروز، وكأنه كان فرحان إنه لقاها وكان بيدور عليها مش أنا! ساعتها قولتله بالنون يحبيبي من غيظي، وكنت قاعد بمسافة بعيدة وقربت عشان أسمع بيقولوا إيه. كل ده وأنا مكنتش حاسس إني بحبها. بيني وبينك قولت ماله الواد ده، حاسس ناحيتها بحاجة ولا إيه. بس عرفت النهارده هو كان متلهف كده بسبب إيه ومين. مش عارف أقول حاجة يا شادي، بس أنا بحبها وخلاص، من غير ما ندخل في تفاصيل."
لم يسمع سوى صوت ضحكات صديقه العالية وبقوة، وهو يردد بنبرته الضاحكة:
"ده انت جبت أم وجد وخال وعم التفاصيل يجدع! من غير تفاصيل إيه بس؟!!"
ضحك بخفة عليه، وهو يراه يعتدل في نومته ويكمل ضحكاته. بينما التفت هو يعتدل للنوم. ولم ولن يحمل هماً بسبب فكرة أنها ستكون له ولا مفر من ذلك. إذن لا انتظار بعد هذه الثانية إلا انتظار عقد القران. عقد قرانه عليها وعلى حب طفولته البريء. عقد قرانه على صاحبة الذكريات. ليكمل ما بدأه منذ أن كان صغيراً، من ذكريات البراءة العبثية، حتى تعود حبال برائتهما وذكريات المأوى لدى كل منهما. عقد قران وعودة حبال البرائة لتوصل مرة أخرى. هو غسان، وهي نيروز، وبينهما الحب كما يحب أن يكون.
رواية عودة الوصال الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة ناصر
« الأخذ بالخطواتِ بمساعدةِ من هم حولك يجعل الأمر شئ ٱخر ، نظرتهم بالموافقه معك أينما حلّ ، شعورك بمشاركتهم بما ستبدأه انتَ ، بهجتهمّ ، السعاده المشتركه ، رؤية فرحة القلب قبل العين! ، أيامهم السعيده لكّ حتى وإن غلفها بعض الحزن ، تمر بـخفه كل خيبه مادام يوجد بجانبنا كمثل هؤلاء ..."
أربعة غُرف ، بأشخاصٍ كثيره ، هو ووالديه وأشقائه وصديقه ، كل منهم خرج منها متجهزاً عدا هو ، وقف يمسك بمشط الرأس وهو يمشط خصلاته السوداء بعد أن ارتدى ملابسه التي ظهرت عليه أنيقه مُرتبه عليه بإنجذابٍ ، نظر "غسان" علي مظهره برضا فـ المرٱه ثم همهم برواقـه وهو يضع ما بيديه ليترك مشط الرأس بعد أن وضع من برفانه بهدوءٍ ثم توجه بخطواتٍ ثابته يخرج من غرفته لهم بالصاله بعد أن سبقوه منتظرينه بالخارج إستعداداً لما يُعد بفرحة العائله لديه والأولى ! ، خرج لهم وهو يتوجه بينما وقفت "دلال" بجانب "حامد" وهما ينظران عليه بتأثرٍ من عينيه لقدمه ، ابتسم لها بحبٍ لما رٱه بعينيها من فرحه لم يشعر بنفسـه سوى عندما توجهت هي لتأخذه بين أحضانها ، استشعر بأن دموعها ستهبط فالحال ، فأمسك "غسان" يديها وهو يخرج من أحضانها ثم قبل قمة رأسها أمام الأنظار المتأثره ثم هتف بنبره هادئه لها :
_" متعيطيش يا ماما "
كان من الطبيعي قول كلماته ولكنهم شهقوا جميعاً دون استثناء بمرحٍ ،حتى والده فنظر لهم باستغرابٍ إلي أن هتفت "دلال" توبخه بمرحٍ رغم تأثرها:
_" أول مره تقولي ماما بقالك زمان مقولتهاش يواد "
تفهم هو الوضع ثم خرجت ضحكته العاليه علي ما فعلوه وهو يحرك رأسه بقلة حيلة بينما هتف "حامد" له بمشاكسه رغم فرحته برؤيته له الان:
_" أصل حبيب أبوه قليل الربايه ، ربنا يسعدك يا بني"
قالها وكان قد دخل بأحضانه بينما خرج الآخر من أحضانه ثم توجه يقبل قمة رأسه ببرٍ ، هلل "شادي" له وهو يراه يتوجه ليحتضنه مع شقيقه الٱخر ببهجه ، ومن ثم توجه يمسك يد "وسام" يقبلها ثم إحتضنها بسعاده ، أخرج أنفاسه وهو يرى كل منهم يتوجه لخارج باب الشقه ، بينما وقف هو ينظر لها حتى نظرت له بتمعن وبداخلها الشعور متناقض لا تعلم ما تشعر به بينما رفع ذراعه يأخذها ليضعه عليها مردداً بنبره هادئه عقلانيه غلفها حنانه :
_" عاوزك تعرفي إني بحبك ومستحيل اتجاهلك ولا مخدش بالي من اهتماماتك وتفاصيلك عشان هي جت تشارك ده معاكِ ، بس لأ انتِ مكانتك عمرها ما هتتغير ولا هتتهز يا وسامّ ، وكمان بحب قلبك اللي حبها ومعرفش ياخد جنب منها لمجرد إنها جت تشاركك فحاجه عمرها ما هتبقي شركه بينكم ، ده القلب يبت في حتت كتيره بس لو هتفتحي قلبي هتلاقيكي قاعده ومستربعه علطول ومحدش مكتسح غيرك يا ستي "
قال حديثه كي لا يشعرها بأنها ستتجاهل بعد الٱن ، بل فضل شرحه لما تشعره هي دون حديث منها ، رغم رؤيته لحبها لها ولكن يأخذ جميع التحسبات كي لا تشعر بالتجاهل وهذا أسوء ما يمكن أن يشعر به المرء ، أما هي فابتسمت وهي تحاول الثبات كي لا تبكي من كلماته ثم تعلقت نظراتها بنظراته وسرعان ما دخلت بين أحضانه ، فرفع يديه يربت علي ظهرها بحنانٍ وُضع به من زمن ، تنفس بارتياحٍ لتفهمها دون معارضه أو شعور متناقض ، كان هناك من يقف يتابع ذلك المشهد بتأثرٍ من على أعتاب باب الشقه ، تفكر بأن ماذا لو كان لديها أخ كمثل هذا بعد وفاة والدها ، رفع أنظاره صوب الباب حتى رٱها ومن ثم توسعت بسمته ، وهو يخرج من أحضان شقيقته ، ليتوجه هو ومن جانبه الأخرى لها تزامناً مع قوله المتبجح :
_" ما تيجي تاخدي حضن انتِ كمان..!! "
تنحنحت "نيروز" بخجلٍ ثم اهتزت علي فجأه عندما توجهت "وسام" لتدخل بين أحضانها دون أن تنبس بحرفٍ ، تفهم الإثنان الٱن لم يتحضنان بعضهما وقف يتطلع برضا عليهما ثم تنفس بارتياحٍ ما أن سمع صوت "نيروز" الصادق لها تبرر شئ لم تفعله وكأنها تتأسف كما يعلم هو هذا الطبع بها :
_" أنا بحبك أوي يا وسام وبجد أنا آسفه أنا مش فـ دماغي أي حاجه من نحيتك ، أنا بس بحسدك علي أخ زي ده "
قالتها بعفويه شديده جعلت "غسان" ينظر علي ما قالته بغير تصديق ثم ضحك عالياً كما ضحكت شقيقته ، بينما ضحكت الأخري ما ان إستوعبت ما قالته ، بينما توجه هو ينظر لها بشغفٍ ثم سار خلفها وهي تخرج هي والاخرى غالقاً الباب من خلفه ، سبقت "وسام" علي السلم بسبب علمها بأن كل منهم قد سبق لأسفل وأن الأخرى كانت تأتي لتعجلهم ولكنها اندمجت معهم ، فتح المصعد يدخل به ومن ثم هي ، ومع زمن هبوطه أمسك هو يديها بالداخل بخفه ثم نبس بنبره صادقه لها مره واحده :
_" مش عايزك تخافي ، لو مش جاهزه يا نيروز أنا مستعد أوقف كل حاجه عشانك !"
"'نيروز" كلمه صادقه هادئه لها مع حديث صادق وبشده من أقل المرات الذي يحدثها بها كذلك ، استشفت مدى صدق كلماته ثم تمسكت بيديه هذه المره تشدد عليها هاتفه بنبره لم يعهدها منها من قبل وبنفس صدقه بل واكثر هتفت هي :
_" أنا جاهزه فـ أي حاجه .. طالما معاكّ "
لا يستطيع أن يوصف شعوره ، بل صمت ما أن رأى لمعة. عينيها وهو يتطلع علي فستانها الأبيض البسيط أبيض مناسب للخروج بشكله ومظهره ولم ترتدي هي شئ ملفت لمناسبه بسبب مدى سرية الوضع نبس"غسان" بنبره ماكره لها بجانب أذنها علي ما ترتديه ومع تذكره لعبائتها السوداء من قبل مردداً بتسليه ممزوجه بالجرأه :
_" دا طلع الاسود والأبيض علي الجسد حاجه يعني اللهم لا حسد !! "
كبتت ضحكتها تزامناً مع تورد وجنتيها ولم تستطع بأن تجيبه بالرد ، حتى فُتح المصعد لهما وخرجت هى من قبله ثم خرج بعدها يسير بجانبها إلي السيارات ، حيث "شادي" و "هو" ، انقسموا نصفين ، بسيارته هو معه والدتها وهي و شقيقه وشقيقته و"ورده" بينما بسيارة "شادي" كان هو و"بدر" ووالدي "غسان" و"يامن" الجالس بين ذراع "دلال" ، كانت "جميله" تعلم وبقت الٱمر سرياً ولكنها لم تأتي ، حتى "عايده" كانت تعلم وبقت هي الٱخري تكتم الٱمر !! ..
_______________________________________________
بشقة "حازم" ، كان يقف هو بجانبـها فالمطبخ يعد أكواب العصير لمن بالخارج ولم تكن الزياره سوى من "سليم" و"عايده" وابنتها و"زينات"، إبتسم لها بحنوٍ وهي تتحرك تجلب التسالي والعصائر وما شابه بخفه ، بينما التفتت هي له تنظر فوجدته يحمل صينية الطعام ، توجهت تأخذها من بين يديه قائله بمعارضه :
_" سيبها يا حازم هشتالها بدل ما ناخد كلمتين ملهومش لازمه "
ضحك بخفه علي ما أوصله لها عقلها كان يتفهم هذا جيداً ، وجه يديه بعيداً يعارض ما تفعله ثم نبس بنبره هادئه لها :
_" أنا عاوز الكلمتين يستي محدش له عندنا حاجه ، يلا اجهزي عشان تطلعي معايا .."
نظرت له "ياسمين" نظره حانيه ، ليس لمجرد أنها جريئه حتي تجيب علي حديث وقح من أي منهم ولكنها في تلك اللحظه تريد تجنب المشاكل وهم بالبدايه في الزواج كما حثتها والدتها !!، سارت بجانبه ويديها خاليه من حمل أشياء بعد أن خلعت مريلة المطبخ ، وكان هو يحمل علي الصينيه ما يُقدم لهم ، خرج لهم ثم توجه بوجهه المبتسم يدخل حجرة الضيافه التي لم تكن للعائله ولكن "عايده" من سحبتهم خلفها خوفاً من أن تغعل "زينات" شيئ كما يحدث من حوادث بالحقيقة!! ، دخل عليهم حتى ابتسمت "عايده" له بحنوٍ وهي تأخذ من بين يديه ، بينما نظرت "زينات " بغيظٍ داخلي ثم رددت بتهكمٍ لهما وهي تراهما يجلسان بجانب بعضهما :
_" يا حلاوه ، شغلتك بدري كده وبقيت الخدام "
كلمات وقحه متبجحه لم تخرح سوى منها هي ، جز"حازم" على أسنانه وهو يتحلى بالصبر بينما كان يتابع "سليم" ما فعله بضجرٍ ، ولكن خرج صوت "حازم" قائلاً يجيبها بنبره هادئه :
_" واللهِ دي مراتي وأنا حر ولا ايه ؟"
كادت أن تؤيده "عايده" ، بينما ابتسمت "جميله" لهما بحبٍ وهي تميل علي الٱخري قائله لها وهي تتجاهل ما سبق من قولٍ:
_" وحشتيني يا ياسو "
ابتسامه حانيه وكادت أن تجيب ولكن قاطعها صوت "سليم" كما قاطع والدتها هي الٱخري فالبدايه ، حتى هتف بنبره هادئه بها بعض الحده الطفيفه:
_" المفروض انتَ اللى تقعد وهي اللي تقوم وتجيب وتودي ، انتَ الراجل "
تنهد"حازم" يخرج أنفاسه ببطئ بينما ترقب البعض مع سيقوله ، عندما هتف من بين أخذه لأنفاسـه بثباتٍ وعقلانيه رغم عدم تماشيهما هما وطباعهما مع طبيعة حديثه وهو يقول :
_" لا مش المفروض ، مين قال إنه المفروض !! والحياه الزوجيه مشاركه اصلاً ، حتى الرسول قال : اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ خيْرًا، فإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوجَ مَا في الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهبْتَ تُقِيمُهُ كَسرْتَهُ، وإِنْ تركتَهُ لَمْ يَزلْ أَعوجَ، فاستَوْصُوا بِالنِّسَاءِ "
قال حديثه باختصارٍ موقناً أن لا فائده من حديثه من الأساس ولكنه يعزز من شأن "ياسمين" ولم ولن يسمح بكلماتٍ جارحه لها ، أصمت حديثه والده و الٱخرى وهما ينظران بغيظٍ فقط ، بل نظرت لهما "عايده", هذه المره وهي تقول:
_" ربنا يبارك فيكم ويسعدكم يا حبايبي "
ابتسما لها بامتنان بينما ضجر "سليم" من الوضع كونه يطالع"ياسمين " بغيظٍ وترمي هي نظراتها باستفزازٍ ، تحدثت "جميله " بخفوتٍ بجانب أذن "ياسمين" بهمسٍ حتى قالت بسعاده:
_" أنا مبسوطه أوي يا ياسمين، مشوفتيش روز بعد ما قالتلي النهارده الصبح هيكتبو الكتاب إمته وكانت فرحانه كده من نبرتها وتقريباً يعني هم هيجولك هنا وهي خلاص بقا مراته متخيله ؟"
كون "جميله" الأقرب دائماً من شقيقة الٱخري ففرحتها بها لا توصف ولا تقدر بثمن ، بينما ابتسمت لها "ياسمين" بحبٍ مما تراه من سعاده ثم اجابتها بنبره هامسه هي الٱخري:
_" كلنا مبسوطين بجد يا جميله من الحوار ده ، وحرفياً أنا مستنياهم بفارغ الصبر دا أنا كنت هنزل أنا وحازم أصلاً بس ماما حلفت علينا ما نطلع عشان عرسان وبتاع مش فاهمه دماغهم دي بتفكر ازاي كان نفسي أكون معاهم أوي "
ضحكت بخفه علي ضجرها فالحديث بينما قاطعهم صوت "سليم" وهو يقف قائلاً مره واحده وسط انشغال كل منهم بالحديث مع الٱخر:
_" يلا ، هنستأذن إحنا بقا ، مبروك"
قالها بفتورٍ فنهضت زوجته والٱخري أيضاً ، بينما نهض "حازم" يحتضن. والدته تزامناً مع قوله:
_" لسه بدري ياماما ما تخليكم كمان شويه "
هزت رأسها بالنفي بينما سبق "سليم" و"زينات" يفتحان الباب تزامناً مع قول "عايده" :
_" معلش يا حبيبي مره تانيه خلي بالكم من نفسكم "
قالتها بحبٍ بعدما توجهت "ياسمين" تدخل بين أحضانها ، بينما وقف "حازم" يقبل قمة رأس "جميله" بحنوٍ ثم قال بنبره لينه:
_" وحشتيني يا جميله بجد ، خلي بالك من نفسك ولو احتاجتي حاجه كلميني وتعاليلي علطول أنا لسه ممشتش ماشي؟ ريحي دماغك خالص عشان مزاجك ومذاكرتك ولو عوزتي حاجه قوليلي"
ابتسمت له بحبٍ وهي تومأ له بينما ، توجهت"ياسمين" مع والدة زوجها إلي باب الشقه ومن ثم هما الإثنان من خلفهما بعد نظرة "جميله" له تزامناً مع قولها الصادق:
_" ربنا يخليكّ ليا يا حازم.."
______________________________________________
وصلتّ السيارتين إلي الوجهه المحدده منذ قليلٍ، حجز شادي غرفه كبيره بقاعه مناسبات حديثه ، كان المكان مرتباً بشكل كبير منذ ليلة أمس باتصاله لهما وقصه عليهم جميع التفاصيل حتى طوروها هم ، لم تخلو الغرفه من أشياء وزينة عقد القران المعروفه وكأنه عقد قران بمنزل ومرتب له منذ فتره وليس علي فجأه ومنذ أمس ، تطلعت بسعاده المكان من كون كل شئ استطاع أن يُرتب وأنها تستحق كل ذلك !! ، جلست "سُميه" بجانب "ورده" و"دلال" بينما جلس "حامد" علي المنضده الذي يوجد عليها المأذون و"غسان" و"بدر" و "شادي" و"بسام" ، كما كان هما الشهود ، و"بدر" الواصي علي "نيروز" بسبب أنه أكثر من يليق ويتوافق مع الوضع ، بينما جلست "نيروز" بجانبه هو والمشاعر المختلطه تداهمها ، بينما كان بالغرفه فريق تصوير لكل ما يحدث بالتفصيل ، همهم "المأذون " أولاً ليتحدث كالمعتاد بحديث الخطبه وهم يستمعون بإنصاتٍ والبهجه تعلو وجههم ، وكل منهم ينظر للٱخر بسعاده ، إلا هي بقت نظراتها أرضاً. من فرط توترها بينما كان يلتفت "غسان" برأسه ليطمئن علي معالم وجهها ، دق قلبها بسرعه عندما مالَ بخفه يهمس لها بحديث وترها أكثر حينما ردد لها :
_" مرات غسانّ البدري متخافش بعد الوقتي يا رزّه "
أكان خوفها الداخلي من كل ما هو قادم بعدما وضعت في هذه اللحظه كان ظاهراً بعدما حثت نفسها بأنها لم ولن تهاب ولن تخاف ، لا تنكر أن حديثه جعلها ثابته ولكن أيضاً وترها من كلمته بأنها زوجته أو ستصبح قولاً بعد دقائق ، خرجت من خجلها وخوفها وارتباكها عندما أكمل المأذون ٱخر خطبته ،قالها كما أكمل من بعدها أيضاً حديث عن بر الزوج وطاعته وحسن معاملة الزوجه ،تحت نظرات الجميع المنصته باهتمام ، فواصل بعد انتهاء الخطبه لـهما بقوله ٱيه من ٱيات القرٱن الكريم:
_"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ..."
صمت يتابع استعدادهم بحماسٍ ، ثم أشار ليد "غسان" اليُمني بأن تمسك يد"بدر" تحت المنديل القماشي الذي أوصى "شادي" بأن يُفعل وبسرعه ، بينما هتف "المأذون" لـ "بدر" بهدوءٍ جعل البعض ينظر بتمعن وبهجه حتى "غسان" الذي خفق قلبه من وضعه بذلك الموقف لأول مره شعور لا يعلمه إلا من وضع به فقط :
قول ورايا يا أستاذ ، بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، أما بعد إني إستخرت الله تعالى وزوجتك موكلتى الأنسه البكر الرشيد نيروز سالم محمد الأكرمي،لنفسك زواجاً شرعياً صحيحاً على كتاب الله وسنة رسول الله وعلى الصداق المسمي بيننا ، حاله ومؤجله وبشهادة الشهود والله خير الشاهدين"
رددها "بدر" كمله تلو الٱخرى ، ولا تعلم لما أدمعت عيني "نيروز" الٱن بل وبكت "سُميه" من التأثر ، حتى انتهى "بدر" من الحديث ومن ثم التفت لـ "غسان" يحفزه بقوله وهو يقول بنفس الهدوء:
_"_" قول ورايا يا عريس، انى إستخرت الله تعالي وقبلت ورضيت الزواج بموكلتك الٱنسه البكر الرشيد نيروز سالم محمد الأكرمي لنفسي وبنفسي زواجاً شرعياً صحيحاً علي كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا حاله ومؤجله وبشهاده الشهود والله خير الشاهدين "
لم يرددها إلا عندما التفت ينظر لها بتمعن قبل أخذه للخطوه الٱخيره فوجدها تتشبت بعينيه وهي تهز رأسها ودمعه واحده تهبط من علي وجنتيها مع ابتسامه واسعه له،. صمت يأخذ أنفاسه مع أنظار البعض المترقبه حتى رددها خلفه بصدقٍ في كل كلمه أردفها هو ، بل رددها وهو يحاول بأن لا يتعلثم بالحديث من كثرة ما بداخله من شعور ، وٱخيراً أردفها جميعها بسعاده ومن ثم نظر المأذون عليهم جميعاً ليواصلو القول معه:
_"وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي ٱله وصحبه اجمعين...
بــــــــارك الله لــكمـا وبـــارك عليكـــما وجمــع بينكمــا فـي خَـيـر"
رددوها جميعاً. من ثم أزال المأذون المنديل القماشي من علي يديهم ثم نظر لهم بلطفٍ بينما ، صدحت الزغاريط بالمكان من "ورده" و"وسام" ، احتضنت "سميه" "دلال" واحتضن الشباب بعضهم عدا "غسان" الذي التفت ينظر لها وهي تطالعه بتأثرٍ ولأول مره يتردد في رفع ذراعه السليم ، وهو ينهض ومن ثم هي. حتى دفعها برفقٍ لتدخل بين أحضانه ، خجلها يبس جسدها ومن ثم سارت القشعريره بها وهي تدخل بين أحضانه بحلال الله ، تنفس بعمقٍ وهو يضمها أكثر له ثم هتف بجانب أذنها قائلاً بتأثرٍ :
_" نفسي أخدك فحضني عدل بايدي الاتنين بس استني عليا أفك الجبس ومش هخرجك من حضني "
لا تعلم أتضحك أم تتأثر ولكن قاطع لحظتهم ، "حامد" و"شادي" و"بسام" و"بدر" عندما دفعوه عنها حتى نبس "حامد" بمرحٍ :
_" عيب ياض ، مش هنا ، الله "
كان يقصد بأن يفعل معه مثلما كان يفعل هو ، حتى نبس "غسان" نفس حديث"حامد" له عندما كان يقطع عليهما اللحظه:
_" مراتى وبراحتي !"
ضحك بخفه وهو يدخل بين أحضانه ، ومن ثم "بسام" الذي احتضنه بقوه وسعاده ومن بعده صديقه ، كما توجهت إليه "دلال " وهي تقف من أمامه تكتم دموع عينيها وهي تجذبه هي ليدخل هو بين أحضانها وكأنه طفل صغير ثم نبست بنبره متأثره :
_" عيشت وشوفتك عريس يواد "
ضحك علي طريقتها بينما توجهت الٱخري تحتضن "نيروز" الذي كان يحتضنها "حامد" بحبٍ أبوي ، بينما دخل هو بين أحضان "سميه" التي نبست بنبره هادئه له :
_" خلي بالك منها يا غسانّ ، أوعى تيجي عليها يبني"
نظر لها نظرة إطمئنان صادقه بينما دخلت شقيقته بين أحضانه كما دخلت "ورده" بأحضان شقيقتها ، قاطعهم "شادي" وهو يحثهم علي الوقوف بجانب بعضهم حتى يأخذ هو لهم صوره بهاتفه ، بينما قاطعه صوت "دلال" التي حدثته بضجرٍ :
_" لا مش انتَ اللي هتاخد الصوره ، تعالي يا واد انتَ واحد من العيله ..."
قالتها بتعنيف بينما ضحك هو بقلة حيله وهو يتوجه ليقف بجانبهم ثم أشار للعامل بأن يأخذ لهم الصوره ، لم تمر سوى دقائق وكل منهم يتجهز للخروجٍ ، حتى وقفت "سميه" بالخارج أمام سياره "غسان" الواقف أمامها وبجانبه "نيروز" ثم تحدثت بنبره هادئه لهما :
_" شوفو هتروحوا فين بس متتأخروش ، وخلي بالك علي نفسك يا نيروز"
طريقتها في قول كلماتها لم تكن لطيفه بالنسبه له بل وفهم جيداً. ما ترميه بٱخر حديثها ، نظر هو لها بصمتٍ ولم يمنع كلماته بأن تخرج لها ثم قال بنفس الهدوء مردداً بثباتٍ :
_" بقت مراتي يا حماتي يعني ملوش لزوم الخوف عليها مني ، مش هقربلها ولا هأذيها يعني عشان تعرفي .!! "
تنحنحت بحرجٍ عندما وجدته يعلم ما تفكر به هي ، ولأنها تعلم أنه عبثي من الدرجه الأولي يتوقع منه حدوث أي شئ ولكنها ليست معتاده بأن تكون الاخري متزوجه بل ستأخذ وقت من الواضح لاعتيادها علي ذلك ، أومأت لها "نيروز" رغم خجلها بينما هتفت هي قائله تبرر :
_", معلش يبني مش القصد بس من حقي أخاف علي بنتي ، والصح بلاش تأخير عشان لو عمها سأل فأي لحظه باللي هيعمله ده لازم تكون موجود "
أومأ لها بتفهمٍ ثم فتح باب السياره لـ "نيروز" حتى دخلت هي بينما نظر للٱخري مردداً باختصارٍ:
_" أنا عارف هعمل ايه معاه و متقلقيش مش هنتأخر ، حاجه تاني ي حماتي ؟"
نظرت له باستنكارٍ من نفاء صبره الغير معهود ، يبدو أن طريقتها في أول حديثها لم تروق له ولكنها لم تقصد شئ به من الأساس أيقنت الٱن وجيداً من ناحية أخرى بأن ابنتها أصبحت بايدي أمينه !! ، ابتسمت له ثم رفعت يديها تربت علي كتفه تعبيراً عن أمانها واطمئنانها ثم أشارت له بالنفي وهي تتوجه حيث السياره الأخرى والتي كانت كبيره لتأخذهم حتى انها كانت مساحتها أكبر من. سيارة "غسان" ، ركب هو سيارته ، بينما تجهز الٱخرين بالسياره الٱخرى ، حرك هو محرك السياره بهدوءٍ ثم التفت بوجهه ينظر لها مبتسماً ، تزامناً مع تحرك السياره ، تعلقت نظراتها به لم تنبس هي بأي حرف بل تفقد مسكة يديها المرتجفه من ٱثر ما مر عليهما ثم ابتسم لها بحنوٍ وكأنه يقرأ أفكارها حينما هتف ليؤكد هو :
_" أيوه مرات غسان البدري خلاص ومفيش مفر "
ضحكت بخجلٍ ثم أغمضت عينيها لتزيل التوتر ، فضحك هو بخفوتٍ علي ما تفعله هي بسبب توتر الأجواء !!
____________________________________________
جلس أمام الغرفه وهو ينتظر منذ أمس ، وبجانبه شقيقته ، بعدما أخبره الممرضين المسئولين عن حالة والدته بأنها لديها أزمة إختناق عندما صعُب عليها أخذ أنفاسها ، توتره منذ أمس ولم يغفل له عين كان كمثل "فرح"، ينتظر وبشده رجوع "بسام" ليعلم ما هو الأمر الغير معهود من حدوث ذلك لها حتى مرضها لا تربطه علاقه بذلك ، تنفس بعمقٍ وهو يضع يديه علي رأسه بتعبٍ فوضعت "فرح" يديها عليه تربت بحنوٍ وهي تتحدث قائله لتخفف توتره وغضبه وكل ما يحدث له وبداخله:
_" خلاص يا عز متوترش نفسك هما قالو إنها كويسه ودي أزمه عادي وحصلت وهتفوق كمان شويه ، مش معقول اللي انتَ عامله فأعصابك ده.."
رفع "عز" أنظاره بعدما حرك رأسه لها ينظر بتعابير وجه خاليه ثم هتف بنبره جاده:
_" الموضوع ده مش عادي يا فرحّ ، شريف كان هنا ودخل ازاي أنا معرفش !!"
فتحت "فرح" فاهها بغير تصديق من فكرة حدوث ذلك من شقيقها بينما تساءلت بنبره تائهه:
_" وانتَ عرفت منين يا عز وازاي حصل ده !"
تحركت أنظاره بلومٍ له هو شخصياً فالمكان وهو يجيبها بنبره هادئه يفسر ما وجده :
_" شريف وقع ولاعته بالقصد عشان أعرف إن هو جالها ، مين هيعمل حركه زي دي غيره ولا مين هيدخل بولاعه جوه ويزورها ألا هو !"
صمت وصمتت هي بغير تصديق ، بينما قاطع لحظتهم دخوله هو عليهم بعد أن أوصلته السياره أمام عمله ودخل منذ فتره صغيره ، وقف "عز" علي فجأه عندما رٱه ، بينما ترقبت "فرح " ، نظر له "بسام" وهو يقف من أمامه ثم هتف بنبره هادئه :
_" أنا عرفت اللي حصل للأسف ، ألف سلامه عليها ومتقلقوش حالتها هتبقي كويسه مش خطر ان شاء الله "
أومأ له وهو يهز رأسه ثم أجابه بعقلانيه :
_" معلش يا دكتور بسام أنا عاوز أعرف ازاي حد يدخل عليها واحنا مش موجودين وكمان معاها ممرضين ، لأن اللي حصلها ده بسبب أخويا يعني زائر مش من نفسها !"
تفهم الٱخر ما يود قوله جيداً ، بل وزع نظراته عليهما ثم نبس بنبره هادئه :
_" لو دي مشكله بالنسبالك فـ حقك ، بس أنا عاوز أقولك حاجه إنه لو دخل عليها فعشان اتعرف من اسمه إنه أخوك وهي والدته فـ زياره عاديه ولو مش كده فـ دي حاجه تانيه ممكن تكون حصلت من الممرضين ،. وبراحتك يا عز لو عاوز تاخد أي إجراء ، بس أنا شايف إنها تعدي لانها فأوضه عاديه وحالتها كانت اتحسنت وأي حد كان ممكن يشوفها فاهمني ؟"
هز "عز" رأسه له بالايجاب بينما أمعن النظر بوجههما حتى رأى معالم الإرهاق علي وجهها ،. خرج من تطلعه عندما نظر الٱخر لشقيقته بتيهه يحذرها :
_" أنا لازم انزل الشغل دلوقتي يا فرح خليكي جنبها لحد ما تفوق أو ابقي فأوضتك بس آطمني عليها بين الوقت والتاني لحد ما ارجع ماشي ؟"
تنحنح "بسام" بحرجٍ بينما التفت له "عز" يستأذن منه بلباقه:
_" عن اذنك يا دكتور بسام "
_" دكتور بردو يا راجل ؟"
ضحك "عز" رغماً عنه ومنه بحرجٍ ولكن تلك المره كسر الحاجز بلطفٍ ثم أجابه:
_" ولو إن صعبه تتعب كام سنه واجي أقولك علي الجاهز يا بسام ، بس ربنا يعلم أنا بعزك قد ايه والله ، يا بسام "
ضحك "بسام "بخفه وهو يومأ له مشيراً بيديه بإعجابٍ علي كسره الحاجز ثم التفت الٱخر يشير لشقيقته بالوداع تحت ابتسامتها ، حتى اختفي هو أمام أنظارها ، بينما تنحنح هو بحرجٍ ثم هتف لها قائلاً :
_" هو انتِ رجعتي تتعبي تاني من التشنجات؟"
لم تستطيع رفع أنظارها له بل هربت بأنظارها بعد قوله وهي تومأ رغماً عنها بنعمٍ ، فنظر هو لها باشفاقٍ ثم حدثها قائلاً بلطفٍ :
_" مينفعش تسيبي نفسك للزعل اللي عمل كل ده ، تحبي تنزلي تحت تقعدي شويه فالجنينه لحد ما هي تفوق ونفسيتك تتغير شويه "
حاصرها بقوله ولن تستطع هي إحراجه بل هزت رأسها قائله كلمه واحده :
_" ماشي "
لا يعلم هو لما فكل مره يطلب وجودها ، ولكن الظاهر غير الباطن! ، فإن بحث داخله سيجدها مجرد شئ ينسى به ما حدث له ، يفقد وقت بوجودها فقط ليشعر بالراحه أو ليشعر باللا شئ ، خطأ ، خطأ وجرم منه هو تحديداً ولمن يشعر رغماً عنه بأن إحتياجه لشخص ليتخطي به دون أن يعلم ما سبب الراحه بوجوده ! ، حتي وإن كان حباً أو ما شابه يلزم التخطي أولاً لبدء حياه سويه نظيفه ، البعد راحه والقرب راحه ، والأول عدل وبه راحه ، والثاني راحه بالفعل وبه ألم !!
_______________________________________________
_" غسان ونيروز هيعدو عليكم بليل بقا ، كتبو الكتاب بقا وهايصين"
قالها "حامد" الجالس بجانب زوجته ومعه "سُميه" و "ورده" و"بدر" ، تحرج "شادي" و،"بسام" من الزياره في يوم كهذا ، حتى اتفق بأنهما سيأتي لهما بوقت ٱخر وترك السياره لـ "بدر" يقودها في العوده بينما رحل هو وأيضاً "بسام" الذي رحل لعمله ، ورغم اعتراض البعض إلا انهم كانو خجلين ، قالها "حامد" بمرحٍ فضحك الجميع عليه ، بيما نظر "حازم" لهم بامتنان ثم قال بلطفٍ:
_" كان نفسي أنزل معاكم والله بس لولا حلفان أمي وحماتي ، بس مش عارف أقولك ايه يا عم حامد ولا انتَ يا بدر "
نظرو له بامتنان ، حتى تحدث "حامد" بلطفٍ :
_" إحنا إللي نقول كده يا حازم ، كتر خيرك على اللي عملته يبني "
_"صح يا حازم ، وبعدين يعم متشكرنيش دا واجب عليا نيروز زي أختي واخت مراتي وغسان اخويا واكتر من ابن عمي "
نظرت له كل من "دلال" و"سميه" بامتنانٍ ، بينما تحدثت "ياسمين" قائله بمرحٍ :
_" طب وهتعملوا إيه فالمجزره اللي هتحصل النهارده ؟"
كان حديثها مرحاً بينما أصاب بعضهم الخوف مما هو قادم ، فخرج صوت"حامد" قائلاً لهم بهدوء واطمئنان:
_" ربنا يستر يبنتي ، وبردو عاوز أقول إن نيروز خلاص بقت بنتي وأقدر أقف فوش أي حد قصادها ، دن غير إنها بقت مسئوله من غسان ومن النقطه فان شاء الله خير "
حديثه هدأ من خوف البعض ، والٱن أصبح هو لديه حق بالوقوف والحديث عكس قبل ، بينما إن توجهنا للمنطقيه فأكثر ما وضع بقلبه الخوف ويحاول تجاهله ليست "سميه" بل "دلال" التي تشعر بالخوف إن ضر أو مس أحدهم سوء لابنها في وقتها لن تختار سوي ابنها وسلامته فقط ، وهذه نقطة عفويه تلقائيه من شعورها كأم ، ابتسمت لهم وهي تخفي ما تحاول أن تخفيه من خوف بل تحاول بأن تفرح بكل ما لديها من محاوله ، بينما تنفست بارتياحٍ عندما وجدت "سميه " تربت علي يديها بسعاده ، صاح "حامد" بحرجٍ من تطولهم بالجلسة حتي تحدث بإذن ليتركهما :
_" طب أنا هستأذن أنا بقا يا حازم أنا والعيله الكريمه وزي ما انتَ عارف خلي بالك من حب العمر ياض ، ولو محتاجه تستني يا مدام سميه براحتك خالص بس هنستأذن احنا بقا "
أومأ له بابتسامه بينما نهضت "وسام" تحتضن "ياسمين" بحبٍ حتى "ورده" التي احتضنتها لتودعها بشوقٍ بعدما هتفت "سميه" :
_"لا طبعاً هنروح معاكم رجلنا علي رجل بعض يا جماعه مش بقينة نسايب لتاني مره ملكوش حق والله ِ"
ضحكوا بخفه بينما سبق جميعهم عدا "سُميه" التي وقفت تبتسم لابنتها بشوقٍ وحنوٍ رغماً عنها ، حتى استشفت "ياسمين" نظراتها حاولت ان تخفف من شعورها عندما هتفت لها باهتمامٍ:
_" هكلمك علطلول ياماما وأرجوكِ خدي علاجك بانتظام عشان شكلك تعبان أوي يرضيكِ يعني يا سمسم أقول لحازم يطلقني عشان أرجع أقعد معاكِ وأخلي بالي منك "
شهقت والدتها عالياً ثم عنفتها قائله بحده :
_" بس تفي من بؤك يبت طلاق ايه ! ، هخلي بالي من نفسي بس خليكي مبسوطه ومرتاحه "
ضحكت "ياسمين" علي ردة فعلها ثم ابتسمت بحنوٍ لها وهي تودعها لتلحق بهم ، بينما توجهت تنظر لهم إلي أن اختفتوا جميعاً حتى أغلق "حازم" الباب وهو يلتفت ينظر لها وهي شارده ، توجه يمسك يديها بحنوٍ ثم نبس بنبره قلقه :
_" مالك يا ياسمين سرحانه فـ ايه ؟ ليكون فيا !؟"
قالها بمشاكسه فنظرت له ضاحكه وهي تجيبه بمرحٍ :
_" لا "
نظر لها بغير تصديق حتى خرجت منه ضحكاته العاليه وهو يتجه معها حيث الأريكه ، فنبست هي بعدها قائله بخوفٍ :
_" رغم اني فرحانه بنيروز بس فنفس الوقت حاسه ماما تعبها بيزيد وشكلها مرهق أوي وخايفه كده .. "
نظر لها "حازم" بتفهمٍ ثم تنفس بعمقٍ حتى خرجت نبرته المطمئنه لها :
_" متوتريش نفسك عالفاضي يا ياسمين أنا متأكد إنها أكيد هبطانه شويه من الشغل فالشقه الأيام اللي فاتت وكمان الفرح والحنه هي تعبت أوي برده ، فأكيد مرهقه بسبب كده ولما هتاخد العلاج هتبقي أحسن "
نظرت له وهي تفكر بحديثه وتتمني بأن يكون كذلك لا أكثر تنفست بعمقٍ وهي تهز رأسها له ثم ابتسمت له بامتنان وهي تجلب كوب من العصير تقدمه له بحنوٍ حتى أمسكه هو وهو ينظر لها باطمئنان وكأنه يرسله لها عبر نظراته دون تفوه حديث !! ..
____________________________________________
جلس هو بمطعمٍ وهي من أمامه ، لا يعلم ما الذي يشعر به من مشاعر عده ، بداخله عدم تصديق لما حدث بتلك السرعه ، حتى فرحته جعلته لم يستطع بأن يتناول ما طلبه وما ٱتى به النادل ، نظرت له "نيروز" حتى ثبتت عينيها بعينيه للحظات ، ماذا سيحدث إن انتهى العمر ومازال هو عالق بعينيها ، توسعت بسمته حينما جمعت هي حديثها ثم تنفست بعمقٍ قائله بمشاعر مختلفه ولكن السعاده التي خرجت منها رغماً عنها وهي تردف حديثها جعلته هائماً. بها :
_" حاسه إن انا مش مستوعبه اللي بيحصل ، انتَ مستوعب ؟"
حرك "غسان" رأسه بنعمٍ بينما أخذ وقت عندما تحدث بنبره هادئه لينه :
_" مستوعب ، وبحبك بس مش عاوز أشوف الخوف فـ عينيكِ "
حركت "نيروز" أنظارها يميناً ويساراً ثم تنهدت تخرج أنفاسها حتى أجابته ٱخيراً :
_" أنا مش خايفه من حاجه دلوقتي ألا عليكّ ، هتسيبني؟؟ "
ريبه معهوده منها ولها كان يتوقع سؤال كهذا ، خوفها ورهبتها في أن يصببه مكروه من عمها أو ابنه بعد الٱن لا يفارقها ، بل كل ما تفعل له حساب الٱن هو ردة فعل عمها وقد اقتربت الساعه علي رحيلها والوضع أمام اللحظه الحاسمه ، إستشف صدق كلماتها وخوفها الذي ظهر وبشده بنبرتها ، نظر لها بتمعن ثم تنهد يخرج أنفاسه حتى يُطمئنها بنبرته ويسحب منها خوفها عندما نبس بنبره ثابته لينه :
_" مش هسيبك يا نيروز ، مش هسيبك عشان أنا متمسك بيكِ ، ومش هعملها غير فـ لحظه إني لو شوفت فعينك انك مش عاوزاني أو طلبتي مني أسيبك ساعتها عمري ما هغصبك عليا ،أنا أهم حاجه عندي تكوني مرتاحه ، وواثقه فيا اني مش هسيبك بمزاجي ولا لأي حد يأذيكِ ، سألتك وقولتلك لو مش عايزه كتب كتاب قوليلي كنت هصبر عشانك حتى لو غصب عني ، أنا مبطلبش منك غير الصراحه حتى إحساسك بالأمان انا مش هقدر اطلبه منك عشان دي حاجه انتِ اللي بتحسي بيها أو مبتحسيش بيها بتاعتك وغصب عنك ، قولتلك مش هاجي عليكِ عشان الحاجه الوحيده اللي مش هعافر فيها هي ان لو شوفت فعينك ورغبتك بانك تسيبيني ساعتها مش هتمسك بيكِ وهسيبك علي راحتك حتى لو هتأذي بس مش هحاول مع حد مبقاش عاوزني أو مش عاوزني ، وأنا مشوفتش فعنيكِ غير القبول والموافقه ، حتى لو موافقه ومأمنالي وعاوزاني ومطمنالي فأنا عاوز أسمعها منك يينت الأكرمي !"
صمتت تستمع لحديثه بتأثرٍ. عند ذكره للفراق هابت وخافت هذه النقطه حتى بعدما انتهي من حديثه رفعت يديها هي بعفويه تتمسك بيديه تزامناً مع خروج نبرتها الصادقه:
_" لا أنا عاوزاك ومحستش بالأمان غير معاك ،ومش هطلب منك تسيبني يا غسان إلا لو حسيت ان كل واحد فينا بيتأذى من وبسبب التاني ، لكن أنا عمري ما هتأذى من وجودك بالعكس أنا متأمنه من كل حته عشان انتَ معايا "
لم يتأثر من حديث لها من قبل كهذا ، بل حرك الوضع وأصبح هو المتحكم عندما أمسك كفها بين يديه مبتسماً باتساعٍ ثم غير مجري الحديث لآخر مرح وهو يردد :
_" ما تجيبي حضن وهأمنك بمسدسات ورشاشات وكله مش من وجودي بس "
ضحكت"نيروز" بخجلٍ وهي تسحب يديها من بين يديه ، فنظر هو لها باستنكارٍ من فعلتها هذه حتى ردد بوقاحه :
_" أومال لو قولتلك اني همسك وظيفة يامِن بعد النهارده !! "
كان يقصد القُبلات الموجهه لها على وجنتيها من الصغير بواسطته هو وهو يحفزه بأن يفعل ذلك ، قالها وهو يغمز لها بتبجحٍ ، بينما نهضت هي من مكانها عندما وجدت العامل قد ٱتي لجمع ما أمامهم حتى وضع الٱخر له الٱموال ثم نهض هو الآخر حتى أمسك يديها يقاطع سيرها فاندفعت هي بخفه وهي تتوجه ناحيته بخفه ٱثر مسكته بينما تابع هو يهمس لها :
_" بصي وراكى كده !! "
تحرجت من فكرة التصاقها به الٱن بل تنحنحت بحرجٍ وهي تحرك رأسها إلي الخلف فوجدت بوكيه من الورد الكبير علي مسند مُغلف. فتحت فاهها بإعجابٍ وهي تمد يديها بغير تصديق من سرعته في تخطيط لكل ذلك ، ولكن يبدو أن محل الورد بالخارج فعله وبخفه عندما حدثه هو وأخذها بالمطعم الذي بجانبه ، رفعته إلي أنفها تستنشقه ثم لاحظت هي الكارت الصغير التي نظرت علي ما دُون به من سؤالٍ: « عارفه الست قالت إيـه ؟» التفتت "نيروز" بسرعه تنظر له بسعاده وهي تجيبه بنبره مُبهجه هادئه وعينيها تقسم له بأن مفجأته وُضعت بقلبها بعده :
_" ايه ؟"
لم يجيب هو بل أجابها صوت "أم كلثوم" الذي صدح فالمكان وبصوتٍ عالي حينما هتفت بصوتها القوي الذي جعل الأنظار تنتبه على فجأه :
«كان لك معايا أجمل حكايه في العمر كله
سنين بحالها مافات جمالها على حب قبله
سنين ومرت زي الثواني ..في حبك إنت..»
قالت كلماتها بقوه ومن ثم أغلق المقطع سىريعاً ، كان المقطع متناسقاً مع قصتهم وبشده بينما صمتت تنظر بدهشه علي ما فُعل للتو لم تتوقع في يوم أن يحدث هذا وكأنها قصة حب في أحد الأفلام ، أما هو ، ففتح ذراعه لها ثم تقدم عدة خطواتٍ ليأخذها بين أحضانه بحبٍ ظهر وبقوه لمن حوله ، أدمعت عينيها ثم شهقت بقوه عندما سمعت صوت التصفيق الحار من جميع من كانو بالمكان ، حتى هو لم يتوقع شئ كهذا ، خرجت من بين أحضانه بخجلٍ ، أما هو فنظر لهم بامتنانٍ ثم ضحك عالياً عندما وجد بعض الشباب يهللون له بقول أحدهما:
_" جامد يسطا ، جـــامــد !! "
رفع يديه يشير لهما بمرحٍ بينما أمسك يديها يخرج من المكان خاصةً أن جميع الأنظار توجهت عليهما الٱن ، خرج يضحك علي ما حدث للتو لم يتوقع بأن سيكون الأمر منسقاً لهذه الدرجه ، أما هي فنظرت بغير تصديق له وهو يفتح باب السياره لها تزامناً مع ضحكته الواسعه العاليه التي لم تتوقف ، ركبت وهي تشعر بمشاعر كثيره منها سعاده ومنها صدمه لما حدث ،بينما توجه ليركب هو ليحرك محرك السياره بعد أن أشار لهما من الخارج وهم ينظرون عليهما ، بدأت السياره بالفعل بالتحرك بينما تابعت هي له بنبره متحشرجه مُضحكه لمن يراها تتحدث بقولٍ عكس ما تشعر به :
_" يخربيتك فضحتنا"
حديثها العفوي لا يتماشي مع طريقتها بقوله ، قهقه عالياً بغير تصديق ، أحقاً أردفت ذلك للتو ؟! ، أدمعت عينيها بفرحٍ ، ثم سمع هو صوت ضحكاتها عالياً مثله ، فـ ردد هو لها قائلاً بدهشه من أمرها :
_" ده انتِ هبله بقا!"
هزت رأسها تؤكد له ما قاله ، بينما حرك "غسانّ" رأسه بقلة حيلة ثم غمز لها قائلاً بمراواغه :
_" لا بس عال أوي ، إندمجتي واتفاجأتي وعيشتي الجو وأبهرتيني بدل ما تتبهري انتِ ".
______________________________________________
بعد مرور وقت قليل ، جلستّ بصالة المنزل بخوفٍ وترقب ، فقد عملت أن "سليم" سيأتي لهم بعد قليلٍ ، ترقبت "ورده" ما يظهر من قلق علي والدتها ، بينما جلس "بدر" يداعب صغيره بخفه ، وضعت "ورده" يديها الحانيه عليها مردده بنبره هادئه تبث لها الثقه :
_" متقلقيش يا ماما انتِ خايفه كده ليه؟ "
_" مش حاسه ان هيحصل خير يا ورده قلبي مش مطمن رغم إني اتطمنت لما اختك بقت معاه ، بس سليم مش هيسييبنا فحالنا ولا اللي وراه !! "
قالتها بخوفٍ ، فنظر لها "بدر" مرددا ً لها بثباتٍ :
_" ان شاء الله خير متقلقيش نفسك استني بس واتفرجي علي اللي هيحصل وانتِ مطمنه "
نظرت له وهي تحاول أن تجد الأمان به وبما سيحدث منذ قليلٍ ، نهض "بدر" يفتح الباب بعد أن وجده يدق دقات هادئه ، فتحه بهدوءٍ حتى ابتسم لهم عندما وجدهم أمام أنظاره ،. دخل "حامد" وزوجته وابنته و "شادي" المنزل ، بينما توجهت "دلال" تنظر لهم تزامناً مع قولها :
_" احنا جينا عشان مينفعش نسيبك فـ حاجه زي دي خصوصاً بعد ما خلاص الوضع بقا يخصنا يا سميه "
ابتسمت لها "سميه" بامتنانٍ بينما نظر لهم "حامد" بهدوء ثم هتف بنبره جاده:
_" غسان فاته علي وصول إن شاءالله"
ترقب الجميع ما سيأتي بعد الٱن ، وخفق قلب "سميه", عندما وجدت الباب يدق مره ثانيه ، توجه "شادي" هذه المره وهو يدعو بسره بأن يصل صديقه بأقرب وقت فتح الباب فوجد وجهها المشمئز بالنسبه له أمامه ، نظرت له "زينات" من أعلي لأسفل ثم دفعته بهدوء وتبجح حتي يفسح لها المجال وتدخل هي ، نظروا لها بصمتٍ ولم ينبس أي منهم بحرف إلي أن تحدثت هي بشماته وهي تقف :
_" أنا جيت وسبقت ، عاوزاكم تستعدوا كده عشان سليم زمانه علي وصول هو والعريس "
صمتت تابع ملامح وجههم الصامته مما أثار بها الاستنكار ولكن شماتتها طغت ، حتى واصلت مره أخري تتحدث بوقاحه :
_" هو مش الحاجات دي برضو يكون القرايب بس موجودين ، وجودكم مش لطيف بصراحه ايه اللي جابكم وفين العروسه صحيح..؟"
قالتها لـ "حامد" وعائلته ، ولكن اندفع "بدر" ينظر لها بشرر حتى وقف أمامها بقوله الجامد:
_" وانتِ مال أهلك هي كانت شقتك ؟ "
أمسكه "شادي" برفق ليجلس بعيداً عنها بينما تابعت "سميه" بنبره جامده لها :
_" احترمي وجودك فـ بيتي يا زينات ، دول مش قرايب دول أكتر من كده كمان عيب أوي اللي خرج منك ده "
قالتها بجمودٍ فنظرت "زينات", لكل من هاجمها ، من هو وهي ببرودٍ وغيظٍ داخلي ، أما "حامد" فصمت هو وزوجته لم يردد أي حديث يكفي ما هو ٱتي لهم ، وللمره الثالثه دق الباب ، فتحت "زينات" متناسيه سؤالها مره ٱخري علي "نيروز" ، ولم يكن سوي زوجها وبجانبه الشاب الذي طلب منه "نيروز", أكثر من مره وجلبه هو عندما وجد الوضع يناسب ذلك لتأديب ابنة أخيه ومن الناحيه الٱخري مأذون جلبه العريس من طرفه ، وقف جميعهم عندما دخل بهما "سليم", المنزل ثم نظر لهم جميعاً حتى وقف أمام "سُميه" قائلاً لها مره واحده :
_" هتبصيلي كتير ، افتحي الصالون خليني أدخل الناس ، وهاتي بنتك "
نظرت له بدهشه من تجرأه ،فـ تصنع "بدر" عدم العلم كما الأخرى، بينما إجابته "سميه" بحده :
_" مفيش حد داخل فحته ، وايه ده ؟ مأذون من غير ما تقولنا هي وصلت لكده ؟"
نظر لها "سليم" ببرود بينما وقف الشاب ينظر بتشتت للذي يحدث وكذلك المأذون ، قاطع لحظتهم صوت "بدر" المنفعل له قائلاً بصوت عالي وبشده :
_" إطلع برا انتَ والناس دي حالاً ، مفيش حاجه من دي هتحصل ووريني هتحصل ازاي وانا واقفلك لأ وكمان العروسه مش هنا ، فرجني هتعمل ايه .. "
إحتدت نظرات "سليم" و تفاجٱت "زينات" مما يحدث بينما دخل عليهم من ٱثر الصوت العالي وتركهم الباب مفتوح "عايده" و"جميله" ، فـ خرجت نبرة "حامد" الهادئه منه بقوله له :
_" مينفعش اللي بيحصل ده "
التفت ينظر له "سليم" بحده ثم ردد بانفعال من كل ما حدث قائلاً له :
_" وانتَ بتتكلم بصفتك ايه ؟"
الباب المفتوح والواقف خلفه هو منذ دقيقتان منذ خروجهما من المصعد ، كفيلاً لسماعه ما أردفه "سليم" دخل "غسان" وهي من خلفه تاركه باقة الورد بجانب الباب ، وقد ارتبكت الأنظار وبشده ، بينما تجاهله "سليم" ثم توجه يتحدث بانفعال أمام وجه "نيروز" التي توقفت أمامه :
_" انتِ كنتِ فين يا هانم انتِ وأنا قايلك في عريس جايلك ، فاكره إنك كده بتلوي دراعي لما تتأخري ومتبقيش موجوده فالبيت ؟"
طالعته بصمتٍ ، ومن هذه اللحظه ترك كل منهم القادم له هو تحديداً "غسان " ، سحبها "غسان" يرجعها للخلف حتى تقف خلفه بينما تقدم هو يقف أمامهم الأربعه ' سليم ، زوجته ، العريس المشتت والمصدوم ، المأذون الذي ترقب الوضع جيداً ' ، فوجه "غسان". نظراته علي وجه المأذون ليسأله بهدوء:
_" بقولك يا عم الشيخ هو ينفع واحده تتجوز وهي متجوزه ؟"
شهقت "زينات" بقوه في حين صُدم "سليم" من قوله ، بينما تابع المأذون بعقلانيه :
_" لا طبعاً يبني لا يجوز ، حرام شرعاً "
وجه "غسان" نظراته لـ "سليم" من بعدها ثم حرك كتفيه ببساطه مردداً باختصارٍ :
_" عرفت بقا هو كان بيتكلم بصفته ايه ؟"
قالها تحت الأنظار وهو يرفع يديه يشير علي والده ، ثم هتف بنبره مستفزه له يثير من إنفعاله بطريقة ما :
_" حماها يا متر"
نظر له "سليم" بغضبٍ ثم هتف له بانفعالٍ فاق الحدود:
_" انتَ بتقول ايه يا متخلف انتَ ؟..متجوزه ايه وحما مين انت اتجننت ؟
يشعل من غضبه بالتدريج ، بل ويتمسك لفتره معينه، نظر له "غسان" بغضبٍ ثم هتف بتحذير :
_" لسانك يعرف هو بيقول ايه ، واه مراتي واتجوزتها جاي تعمل ايه انتَ بقا تجوز مراتي وأنا واقف وجايبلها عريس ومأذون ، لا شهم شهم ..يعني !!"
قال "غسان" ٱخر حديثه باستفزازٍ ثم أشار لـ "شادي" بقوله :
_" وريه يا شوش صور كتب الكتاب وأنا وبدر ماسكين ايد بعض ومراتى حبيبتي كانت قاعده جنبي وعنيها مدمعه من الفرحه "
فتح "شادي " الهاتف سريعاً وهو يبتسم بانتصارٍ ثم وجهه أمام أنظار "سليم" ومن بجانبه جميعاً ينظرون علي المقطع عندما هتف المأذوم بالمباركه ، وقف هو وزوجته بصدمه من ما حدث للتو ، بينما إنسحب المأذون وهو يستغفر داعيًا لهما بالهدايه ثم خرج من باب الشقه أمام انظارهم تزامناً مع رفع "غسان" إصبعه الإبهام له بكيدٍ ليريه زرقة البصمه ، بينما لم ينبس العريس بأي حرف بل بدأ بالتحرك هو الٱخر من ما رٱه من صدمه ، ولكن أوقفه صوت "غسان" سريعاً قبل أن يخرج من باب الشقه:
_" استنى يا صاحبي خد واجبك ، مش معقول جاي تتجوز مراتي وتمشي كده من غير حاجه ، ميصحش .."
وقف "الشاب" مكانه حتى التفت ينظر لـ "غسان" بتساؤل ، فأشار "غسان" لـ "شادي" بأن يمنع خروجه ، بينما تحدث "سليم" بغضبٍ له يأمره :
_" طلقها حالاً لأما هوديك فداهيه.. "
ضحك "غسان" عالياً ثم التفت يأخذ "نيروز" تحت ذراعه قائلاً له بتحدي مع أنظار البعض المنصته :
_" أطلق مين ي جدع ، بقولك مــراتي ، مــراتــي "
لم يشعر بنفسه إلا عندما دفع "نيروز" بعيداً عنه وهو يري من أمامه يرفع يديه ليضربهما ، جاءت الضربه علي "غسان" بقوه عند مقدمه صدره عندما حاول أن يتفاداها بينما رفع يده يرجع "سليم" إلي الخلف بقوه حتى إصطدم بالعمود من خلفه ثم صرخ به بحده ممسكاّ بوجهه بعنف :
_" أنا مش قولتلك يا ناقص إيدك متتمدش عليها "
حاول "سليم" التملص من أسفل يديه وهو يرفع يديه الأخرى يلكمه بها بينما توجهو سريعاً ليفصلوهم عن بعضهما وهم يصرخون عالياً ، وجدتها "زينات" الفرصه لتهجم علي "نيروز" من أثر غيظها وإشتعالها للتو ، حتي توجهت لتدفعها بقوه من ساقها حتى وقعت علي الأرض ثم رفعت قدمها تضربها على معدتها بقوه ثم أمسكت خصلات شعرها من علي حجاب رأسها بقوه وهي تسبها قائله بصراخ وسط صراخ الٱخرين:
_" يلا يا زباله يا قليلة الربايه ، أنا هوريـــكِ"
كانت هجمه غير متوقعه انتهزتها هي بسبب توجههم جميعاً لـ "غسان" صرخة "نيروز" العاليه وبقوه عندما رفعت الأخرى قدمها لتضربها في معدتها للمره الثانيه بعد تكتفها للحركه بسبب مسكها من يد الٱخري الذي وجد بها سوار جرحت يديها ، لم تستطع هي الضغط علي سوار المطواه الذي جلبها لها ، صرخت بعزم ما لديها من قوه ، صرخه مع ألم من ما فعلته الأخري حتى وهي تضربها علي وجهها تكتم صرخاتها بغيظٍ حتى جُرح ما بجانب فمها ، جعلت كل منهم يتصنم بمكانه عندما إلتفتوا ، بينما تركه "غسان" وهو يتجه لها بسرعه ثم دفع "زينات". عنها بقوه حتى إصطدمت بمن خلفها ، شهقت "سميه" عالياً بخوفٍ ، وكل منهم يتجه لـ "نيروز" التي صرخت بألمٍ من قوة ضربة الٱخري التي جعلتها تخرج ما بأحشائها مما سبب اختناقها وسعلها بقوه وهي تتألم مع بكائها وهبوط بعض الدماء من جانب فمها وإرتجافة جسدها ، أمسكها "غسان" بلهفه وسط صراخ البعض ثم أخذ زجاجة المياه الذي جلبها "شادي" من علي الطاوله بسرعه ، ثم وضع يديه بها يغسل وجهها وما تبقي من ما أخرجته من معدتها دون أن يشمئز ، غائب عقله عن صراخ وبكاء من حوله ، كانت هى لم تري سوي دموع عينيها أمامها تسمع فقط صوت الصراخ المنفعل ، بل وتتأوى بألمٍ ثم دارت عينيها الزائغه بالمكان وهي تغلقها من قوة الألم بجسدها التى لم تستطع تحمله رعشة يديه الظاهره وخوفه الذي ظهر علي ملامحه وهو يضرب. وجنتيها يضياعٍ ، بينما أمسك "بدر" "زينات" وهو يدفعها بقوه بعد أن نهضت ثم صرخ بوجهها عالياً :
_" انتِ عملـــتي ايـــه !"
حقدها كان قد عماها لدرجة كبيره ، بل تفاجأ بـ"جميله" تتوجه لها بغضبٍ جامح وبيديها زهريه تود كسرها عليها فالحال ، منعها "بدر" و "حامد" بسرعه عنها ، بينما حمل "غسان" نيروز" بعيداً عنهم وهو يتوجه بها إلي الخارج بعيداً عن. كل ذلك ، كانت قد وقفت "سميه" تبكي متصنمه بمكانها وبجانبها "دلال" الباكيه هي الأخري بينما وقفت "عايده" المتمسكه قليلاً تنظف ملابس" نيروز" الي أن منع يديها "غسان" وهو يدفعها بعيداً عنها بغير وعي ثم حملها خارج الشقه ، وكل منهم منشغل بالٱخر إنسحبت "زينات ". وهي تشير لزوجها عندما وجدت"شادي" يمسك "جميله " كي يوقفها حتي لا تندفع مره أخرى و"بدر" الذي توجه يهدأ من تيبس جسد "ورده" مما أقرب لتشنج ، بينما وجد "حامد" "يامن" يبكي وبقوه حتي حمله يهدهده بحنوٍ ، لم يشعر أي منهما بشئ سوي الصدمه والألم لكل ما حدث ، دخلت "دلال" مع "سميه" و " عايده " الغرفه لدي الثانيه. ثم جلس "بدر" بجانب زوجته بخوفٍ لما أصابها ، بينما سبقت"وسام" عندما أشار لها شقيقها بأن تفتح باب شقتهم بسرعه قبل دقائق ، كانت "جميله " تقف بضياعٍ وكل منهم لم تقوي قدميه علي السير خلف "غسان" ..
دخل بها بشقتهم الي غرفته بسرعه وبلهفـه ومن خلفه "وسام" التي نزلت دموعها ، لم تشعر "نيروز" بنفسها. بل تتأوي مع نزول دموعها بشده ، وضعها علي الفراش برفقٍ ولهفه خاصةً انها كانت بعالم مع نفسها تنفي برأسها. تتأوي من الألم وعينيها مغلقه !! ، ضرب علي وجنتيها بخفه ولهفه هاتفاً بنبره ضائعه لا يعلم كيف خرجت منه بهذا الاهتزاز من فكرة ضياعها منه ثم قال بترجي لها وقد خانته نبرته :
_" نيروز ، فوقي ..فتحي عينك عشان خاطري..!! "
قالها بخوفٍ أمام أنظار شقيقته ، وكانت الأخرى تغمض عينيها مع ملامح وجهها المتألمه وضع يديه عند رقبتها وهو يزيح حجاب رأسها عنها بعيداً يتفقد نبضبها بلهفه ، ثم التفت بسرعه يأخذ زجاجة المياه من جانب فراشه ثم فتحها يضع ما بها علي يديه يمسح به وجهها برفق وعلي خُصلات شعرها البُنيه ، ثم تنفس عندما وجدها تتحرك وتتأوى من جديد ثم فتحت عينيها تنظر بتشوش في المكان لدقائق غير منتبهه لحديثهم ثم أغمضتها مر ثانيه مع تراخي معالم وجهها مما عنى له ذهابها في نومٍ رغماً عنها ، مد يديه سريعاً يأخذ الغطاء ليضعه عليها ولكن أوقفته يد شقيقته تمنعه وهي تهتف بخوفٍ مع نبرتها الضعيفه :
_" مينفعش يا غسان ، هدومها كلها متغرقه ميه من هنا وهناك ، لازم تغير هدومها هتاخد نزله برد وهتتعب كده .."
نظر لها "غسانّ" بتشتت ثم هتف علي عجاله من ٱمره وبلهفه :
_" هاتي بيچامه من عندك وتعالي ساعديني"
تنحنحت بحرجٌ حتي أنه لم يعي ماذا يردف هو ، صمت ينظر لها بنفاذ صبر من عدم تحركها ، وسرعان ما تفهم جيداً ما تود قوله ، هو الٱن زوجها ولكن لا يفضل له رؤيتها كذلك الا في بيته ، نهض بسرعه ثم تحدث قائلاً لها :
_" طب أنا هنادي حد يساعدك .. "
أومأت له وهي تسير لغرفتها تجلب ثياب لها تناسبها ورغم وزن نيروز الزائد عن وسام ولكنه سيقضي الغرض حتى وان كان ضيقاً ، خرج من الغرفه وهي أيضاً ، ولكنه وجد والده وبجانبه "دلال" و "جميله" الذين جاءو للإطمئنان علي "نيروز" وهم يتوجهون صوب غرفته. و بينما بقى الاخرين مع من يحتاجون المراعاه بشقة "سميه" ، هتفت "دلال" بخوفٍ قبل أن ينطق الاخرين عندما قاطع هو سيرهم :
_" نيروز فين يا غسان ، بقت كويسه؟؟..قولي يبني وطمني"
_" جوه ادخلو ساعدوا وسام تلبسها حاجه بدل هدومها اللي اتبلت "
قالها "غسان" بتيهه بينما تخطوه هما ووقف أمامه "حامد" ينظر له بشفقه بل كانت رؤيته له وهو متلهف خائف أثارت شفقته وعاطفته ، نظر"غسان", صوب الباب ثم احتدت نظرته وقبل أن يخطو خطوه واحده وجد "والده". يتوجه لغلقه سريعاً بالمفتاح بعد أن علم ما يود أن يفعله ، توجه له "غسان" صارخاً بوجه بانفعالٍ علي فجأه :
_" افـــتح البــــاب "
صمت "حامد" مانعاً نفسه من الحديث معه كي لا يثير غضبه أكثر ولكنه سمع صوته مره أخري يهتف له بغضبٍ وصراخٍ أعلي:
_" بـــقولـــك افـــتـــح البـــاب ، هتـــحبــسني !"
نظر له "حامد" وهو يقف بجانب الباب ثم أومأ له قائلاً باختصارٍ وهدوء :
_" أيوه هحبسك لحد ما تهدي ، انتَ مش شايف نفسك عامل ازاي"
رفع "غسان" يديه يضرب الباب بقوه من ٱثر انفعاله ثم تركه ورحل إلي شرفة الصاله بعيداً عنه كي يتحاشي مواجهته وفعل أشياء سيندم عليها نظر له " حامد" بترقبٍ عندما أنصت لحديثه قبل أن يذهب من أمامه :
_" متفتحوش ، الأيام جايه كتير "
فكرته بأن يأخذ مفتاحه هو ويخرج سكنت بعدما وقف يهدأ وهو يتنفس في الشرفه سامحاً لنفسه بأن يهتز توتراً وخوفاً من ما حدث لها ، سمع صوت فتح باب الغرفه وخروج كل من "وسام" و "دلال" و بأيديهم كيس وضع به جميع ملابسها. المتسخه التي أخذتها "دلال" لتغسلها ، بينما خرج هو سريعاً ثم وجد شقيقته تشير له بأن كل شئ علي ما يرام الٱن، دخل غرفته فوجد "جميله" تجلس بجانبها وهي تبكي مُمسكه بيديها عندما وجدته يقف علي أعتاب الغرفه نهضت هي بحرجٍ منه ثم انحنت تقبل رأسها من بين دموع عينيها ، حتي استقامت لتخرج من باب الغرفه ولكنه وقف علي أعتاب باب الغرفه وقد منع سيرها وقوفه ثم نظرت له بعجزٍ حينما توعد هو :
_" لو حصلها حاجه هدفن ابوكي ومراته مكانهم "
هربت بأنظارها بل معه كل الحق ، هكذا رٱت هي ، وبخه "حامد" وهو يدفعه كي تسير هي للخارج ثم هتف له يعنفه بهدوء :
_" وهي كان ذنبها ايه تسمعها كلام زي ده ، فكر فالكلام قبل ما تقوله ، الخوف والحب مبيعملوش كده أبداً !!"
نظر لوالده بصمتٍ ثم التفت برأسه وجسده ليدخل حتي أمسكته يد "والده " الذي تحدث له بتحذير أمام أنظار والدته وشقيقته. :
_" نيروز مش مـش فبيتك خد بالك من ده ، مراتك بس مش فـ بيتي !"
قالها وهو يلمح له بأن لا يقترب منها متوقعاً عبثه ورغم ثقته بأنه لم يفعل ذلك بوقت كهذا الا انه أخذ تحسباته ، ترك يديه من عليه حتى نظر له"غسان" بتمعن ثم هز رأسه يالايجاب وبخفوتٍ فقط لم ينبس بشئ حتى دخل هو ومن ثم أغلق الباب من خلفه بسبب وجود "شادي" الموجود بشقة "سميه" بجانب "بدر" تحسباً إن جاء ودخل الغرفه وهي كذلك دون حجاب ومسطحه علي الفراش بملابس بيتيه بالتأكيد ضيقه حتي وإن كانت بأكمام بسبب برودة الجو قليلاً ، جلس بجانبها على الفراش ينظر لها فقط وهو يتحسس نبض رقبتها بخوفٍ وأصابع مرتعشه ، شرد بنقطة حملها علي يديه السلميه بمساعدة شقيقته و عايده ، كان بإمكانه أن يدخل بها غرفتها في بيتها ولكن عدم ثقته بـ "زينات" وعمها من فعل جرم ٱخر جعلته يحملها إلي بيته وغرفته ، وبل قبل ذلك خوفه من فكرة غلقها علي نفسها بعد هذه المعضله ، لم يشعر بنفسه سوى عندما ٱتي بها إلي هنا ، أمسك يديها بحنوٍ ثم رفعها يقلبها بلهفه ونظرات عينيه تتراجاها فقط دون حديث بل لم يستطع جمع كلمات الٱن وضع يديها بعدها بطريقه صحيحه عليها ، ثم نهض وانحنى مره أخرى يقبل قمة رأسها بهدوءٍ ثم عدل الغطاء أكثر وهو يتوجه ليفتح الشرفه بهدوءٍ ثم أغلقها من خلفه بسبب الجو حتى لا تتعب هي ، ثم وقف ينظر إلي السماء وكأن منظرها يسحب كل ما لديه من توتر ، أغمض عينيه يتنفس ببطئ ليخرج أنفاسه الثقيله من على صدره ومن ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليطلب شقيقه سريعاً ، بعد لهفته الٱن وتفكيره ليتوجه سريعاً بعد أن يهاتفه كي يُصلي ركعتين لله ليسمح بتوتره أن يخرج ومن ثم دعائه وراحته الذي لم يجدها هو الٱن بل كل ما يشعر به هو إختناق وخوفٍ سبب إلي الٱن رعشه بيديه !!
___________________________________________
بعد مرور خمسة عشر دقيقه ، وقفَ "شادي" ينظر بترقب لسكون وهدوء حالة "ورده" الذي جلس بجانبها "بدر" بالصاله ، إلي أن سكنت تدريجياً ، كان" شادي" يحمل "يامن" ، بينما كان "بدر" منشغلاً بحديثه لـ "ورده" بأن تهدأ وتتنفس ببطئ ، التفت "شادي" سريعاً عندما وجد "سميه" تتوجه ناحية باب المنزل بمفردها ، أعطى الصغير لـ "جميله" و"عايده" عندما علم بأنهما لم يأتيا ، وبالفعل كان الوضع بالنسبه لهم محرج ، سار "شادي" من خلفها بعد أن هدأت ثم رأي هو الباب يُفتح لها بواسطة "حامد" دخل من خلفها بسرعه بترقبٍ ، بينما وقفت "سميه" تبحث عنها بانظارها بلهفه ، أشارت لها "دلال" بالجلوس برفقٍ بينما هتفت هي سريعاً بعاطفة أمومه :
_" بنتي فين يا دلال ، نيروز فين !"
توجهت ",دلال" تدق باب الغرفه بينما وقف "شادي" كي لا يصح له بأن يدخل عليها ، بعدما فهم أنها بغرفة "غسان" ،. دقت الغرفه دقات متتاليه بينما لم تمر سوى دقيقتان ومن ثم فتح لهما "غسان" وهو ينظر بصمتٍ ترك باب الغرفه ، ثم دخل هو ومن ثم والدتها ووالدته وشقيقته ، ذهبت "سميه" تتفقد حالها بخوفٍ ولهفه ودموعها تهبط دون توقف ، بينما وقف "غسان" ينظر بصمتٍ لما تفعله ، حتى رفعت "سميه" أنظارها له وهي تتحدث له بضعفٍ :
_" هي كويسه صح ؟ "
تريد الجواب منه بأنها بأفضل حال ، ولكنه أومأ لها فقط دون أن يتحدث ، فنهضت تزيل الغطاء من عليها قائله له بلهفه :
_" طب شيلها ، شيلها يبني علي عندي فأوضتها "
أمسك "غسان" من يديها الغطاء ثم عاد يضعه عليها متحدثاً بهدوء وثبات غلفه الحزم :
_" مش هشيلها ومش هتمشي من هنا ألا لما تفوق وتبقي كويسه "
نظرت له "سميه" باستنكارٍ ثم هتفت بنبره حاده رغم دموعها :
_" يعني ايه ؟ ميصحش تقعد هنا ، هتقعد معاك ازاي لوحدها "
نظرت " دلال " بترقبٍ للوضع هي و "وسام" بينما أشارت الاخيره لوالدها بأن يأتي من الخارج إن تأزم الوضع ، دخل "حامد" رغم حرجه ، فوجده يهتف لها بنبره جامده:
_" ميصحش ازاي ؟ أومال كتب الكتاب ده كان ايه ؟ ما تقعد معايا لوحدها هي مش مراتي ، ولا انتوا مسقطين ده ! "
نظرت له بغيظٍ من أسلوبه ، بينما هتف "حامد" ينهي النقاش :
_", مدام سميه ، هو معاه حق وانتِ معاكى حق ، هي مراته.. أه لسه مش فبيته بس يحق له يقعد معاها فأي وقت وأي مكان ، أما بالنسبه انها هتقعد معاه لوحدها فـ برضو مفهاش مشكله بس أوضة بسام موجوده وهو النهارده بايت فالمستشفي يعني هينام فيها هو وشادي وكده تبقى اتحلت لحد بكره !! "
وزعت أنظارها فالمكان وعلي وجوههم ثم هزت رأسها بقلة حيله وهي تمسح علي وجه ابنتها ثم نظرت عليه فوجدته يحدج نيروز بحنوٍ وخوفٍ ظهر بعينيه ، بالنسبه لها وجودها بعد هذا الحديث أصبح محرجاً لا تعلم ماذا تجيبه ، بل تنفست بارتياحٍ ثم نهضت تعتدل بوقفتها متحدثه بنبره هادئه له تسأله بترقبٍ :
_" يعني لو سيبتها اطمن ؟"
هز لها "غسان" رأسه ثم همهم بنبره مقتضبه :
_" اطمني "
هزت رأسها له بينما توجهت "دلال" تسندها إلي الخارج كي تترك الهدوء بالمكان ، ثم توجه من خلفهما "وسام" و "حامد" ، قرر "غسان " الخروج هو الآخر لينتظر قدوم شقيقه علي أحر من الجمر كي يؤكد له بأنها على ما يرام ، وجد باب الشقه يُغلق بعد خروج "سُميه" بينما توجه "شادي" يقف أمامه ثم نبس بنبره متساءله :
_" بقت كويسه ؟"
حرك رأسه ثم نظر له "غسان" يجيبه باختصارٍ وهو. يهز رأسه له :
_" كلمت بسامّ يستأذن يجي يشوفها "
قالها بانتظارٍ فقدوم شقيقه سيوضح له الوضع جيداً ، خاصةً أن للٱخري جروح لا يعلم عنها شئ كونه لا يفقه بالطب ، بل وصدمته جعلته لا يري سوى وجهها بترقبٍ حتى لا تخيب ٱماله وتتركه !! ، أومأ له بتفهمٍ ، ثم انتبه لذهاب والده لغرفته بينما ذهبت والدته إلى المطبخ ، فتوجه "غسان" يجلس علي الأريكة منتظراً قدوم شقيقه بفارغ الصبر بينما توجه الٱخر ليجلس بجانبه ثم رفع يديه يربت علي ساقه قائلاً بمواساه به بعض المرح ليخفف عنه مما جعله صامتاً شاردا؟ بالكثير والأهم كتمه لدموع عينيه التي تنتظر بأن يسنح لها بالهبوط ولكنه بكل ما لديه من محاوله ، حاول الثبات أمام الأنظار رغم صعوبة ذلك عليه ولكنه لم يكن يعلم هو بأن انهياره سيأتي بل وبعد قليل ! :
_" هتروق وهتبقي زي الفل ، هتبقي عال زي ما بتقول يعم وبتبقي كده فعلاً و مبتكذبش فيها !"
_____________________________________________
جلس يتطلع علي وجه والدته وبجانبه شقيقته "فرح" ، بعدما ٱتي من الخارج. وفاقت "حنان" من غفوتها بسبب ما حدث لها ، نظر لها "عز" بصمتٍ وهو يفكر بها خائفاً من داخله ، خرج من شروده عندما وجد شقيقته تجلس بالجانب الٱخر ونبرة "حنان" الضعيفه له وهي تقول :
_" متخافش عليا يا عز أنا كويسه"
نظر لها "عز" بتمعن ثم حاول أن يختبر صدقها بسؤاله الهادئ :
_" اللي حصلك ده بسبب إن شريف جه هنا صح ؟"
هربت بأنظارها منه ثم حركت رأسها بالنفى ، أومأ هو لها ثم حرك رأسه بقلة حيله مردداً بلومٍ وغضبٍ دفين يأتي بالتدريج له :
_" قوليلي هتفضلي لحد امته سيباله مجال يجي ويقف قصادنا ويتكلم ولا كأننا عملنا جريمه ، .. لو جه هنا أنا مش هرحمه عشان تعرفي "
نظرت له والدموع بمقلتيها من رؤيته لغضبه الذي لا يظهر إلا قليلاً ولو ظهر لم يظهر عبثاً ، ترقبت "فرح" بخوفٍ ، بينما تابعت الٱخري بنبره مهزوزه :
_"متسمعلوش يا عز ، سيبه يقول اللي يقوله ويعمل اللي يعمله ، كفايه ربنا عارف إننا معملناش حاجه ، أنا كنت جيباه تاني عشان خوفت لأموت وهو مش مسامحنى يبني "
_" ولا سامحك حتى بعد ما دخلتي فـ غيبوبه وفوقتي ، إستفادنا إيه ، غير تعب جسدي ونفسي ليكِ وليها ، مش قادره تقتنعي إن لما جبتيه الأمور اتشقلبت ، وبنتك بقت تعبانه ونفسيتها وحشه وكمان التشنجات مبتسبهاش كل ده عادي ولا كان عادي اللي حصلك ؟"
قالها من انتباهه لسوء حالة "فرح" التي تقتنع بنفسها أن حالتها ليس من "شريف " بل من ٱخر وتهديداته وضغطه ، والحقيقه بأنها بالفعل تعاني بسبب "شريف" دون أن تعلم هي !! ، أخرج أنفاسه بقوه بعد حديثه ، ثم رفع يديه رغم غضبه المكبوت يمسح دموع عينيها برفقٍ ، فـ تحدثت "والدته " لتجيبه بلهفه :
_" معرفش إن كل ده حصل ، كان قلبي حاسس إن فيها حاجه ، كنت حاسه"
نظرت لها "فرح" ثم توجهت لتحضتنها بإطمئنانٍ تزامناً مع قولها المطمئن :
_" أنا كويسه يا ماما متقلقيش"
تنفس "عز" بعمقٍ ثم نهض علي فجأه يضع الغطاء عليها تزامناً مع قوله:
_" ارتاحي ياماما الوقتي شكلك تعبان "
نظرت له بتمعن ثم نبست بنبره ضعيفه له:
_" سامحني يا عز منزعلش مني يابني ، بس الواحد غصب عنه بيخاف يمووت وحد مأذي منه ومش مسامحه ! "
ابتسم لها بحنوٍ يخفي غضبه الداخلي بأن يخرج أكثر ، ثم هتف بنبره هادئه تزامناً مع إشارته لشقيقته :
_" أهم حاجه عندي صحتك ونفسيتك "
هزت رأسها له بحنوٍ بينما خرج هو من الغرفه بعدما أشار لشقيقته بأن تتبعه إلى الخارج !
_______________________________________________
وقف "بسام" يستمع لما حدث اليوم باختصارٍ بعد قدومه من الخارج بسرعه بس مكالمة شقيقه ، نظر بغير تصديق لما سمعه من "شادي" و"حامد" وزوجته بينما كانت "وسام" بغرفتها ، وكان يقف "غسان" بصمتٍ تخلله منذ ما حدث ، انتبه هو ٱخيراً لسؤال "بسام" له باهتمامٍ :
_" طب هي فين ؟ عشان أشوفها "
سار خلفه بعد أن سار هو وهو يشير له بأن يتبعه ، حتى دخل "غسان" أولاً يضع حجاب رأسها الذي جلبه من شقيقته ثم نظر لها بإهتمامٍ وخوفٍ بٱنٍ واحد ، همهم بنبره هادئه للٱخر الذي وقف بالخارج بحرجٍ ينتظره بأن يستر ما يكشف منها رغماً عنها:
_" تعالى يا بسام "
سار إلي الداخل بخطواتٍ هادئه ثم رفع أنظاره عليها فوجد وجهها شاحب بطريقه ملحوظه ، وضع يديه أسفل أنظار شقيقه يتحسس جبهتها وجرح ما بجانب فمها الذي ظهر بقشره دماء حمراء ، نظر لشقيقه بحرجٍ فوجده ينظر بترقبٍ ، حتى كشف الغطاء عنها يتفقد يديها ثم رفع يديه يضغط علي معدتها تحسباً لشئ ، التفت هو بسرعه عندما وجد "دلال" من خلفه. تقدم له الحقيبه الطبيه الخاصه به ، أكمل تفقده لها تحت أنظار "غسان" المترقبه بخوفٍ إستشفته والدته ، تنفس "بسام" بارتياحٍ عندما وجدها تتأوى عند ضغطه علي معدتها بقوه وضع لاصق طبي بجانب فمها ثم علي يديها المجروحه ٱثر مسكة "زينات" لها بينما توقف سريعاً يخلع ما برأسه بعد لحظاتٌ بعد أن حقن بيديها حقنه مغذيه لجسدها بالفيتامينات كي تقوى عندما تستيقظ من إغمائها ، حينها سأله "غسان" بلهفه وهو ينحنى يهبط أكمام يديها بحنوٍ ممسكاً بيديها بخوفٍثم نبس بنبره خائفه لاهفه أثارت شفقتهما :
_" مالها ، قولي يا بسامّ ، طمني. !! "
_" اغماء من عزم الوجع بس الحمد لله ، بس في حاجه مهمه لازم تعملها لازم تروح المستشفي لما تفوق وتقف علي رجلها ، عشان خبطة البطن لما تكون جامده زي ما حصلها وسمعت ممكن تعمل نزيف داخلي هو إحتمال ضعيف مادام هي كده بس لازم نتأكد "
قلق وبشده لا يعلم ماذا يجيب فكرة أن شقيقه يطمئنه جيده ولكن ليست بالنسبه المرضيه لديه ، أدار رأسه سريعاً عندما وجد الدموع تستأذنه لتهبط وعندما أجابها هو بالهبوط رغماً عنه ، كان قد خرج الٱخر بحرجٍ من فكرة وجودها مسطحه وهو يقف رغم انه طبيب !! أغلق الباب خلفه بينما توجهت "دلال" تدير رأسه لها وجسده ثم تلمست بيديها وأصابعها بدموعه التي خانته أمامها ، نظر لها بخيبه ، ألمها قلبها بل ويوم فرحته يتحول سريعاً ليوم تعاسته وحزنه ، دخل بين أحضانها عندما ضاقت به كل الأركان الٱن ضمته إلى صدرها بقوه ثم نبست بنبره مختنقه لعلمها بأنه يكتم دون أن يظهر شعوره :
_" عيط يا حبيبي ، هتبقي كويسه بس عيط أوعي تكتم جواك يا ضنايا .."
خانته دموعه وكأنها تركته بلا أسلحه في ساحة معركه كبرى هرب بها من حوله ، ولم يكن الهروب سوي من الثبات والوقاحه ، والثقه ، الشموخ ، كل ذلك تبخر عندما رٱها كذلك من أمامه بل ووصل لنقطة صراعه لنفسه عندما لم يستطع بأن يحمي من منه ومن يحبه خاصةً. هي ووعده لها !! ،. عند هذه النقطه تحدث بين أحضانها بنبره ضعيفه مُنهاره، مخزيه أحزنتها وبشده من فكره تعنيفه لنفسه :
_" معرفتش أحميها وأنا رايح جاي أقولها إني مش هخلي حد يأذيكِ ، معرفتش أحميها وإحنا لسه فأول يوم تكون فيه علي إسمي.."
وجد الكلمات تخرج وتسترسل منه ، وعند هذه النقطه خرج من أحضانها سريعاً يهرب من إنهياره ومنها ، ولكنها نظرت له مطولاً ثم إجابته بنبرتها الحانيه رغم عدم ثباتها من تحسرها علي ما وصل له ، بل من تراه ثابت من أمامها أغلب الوقت منهاراً باكياً بين أحضانها بعجزٍ يرفض إظهاره !! ، توجب عليها الثبات وكتم دموعها ثم أجابته تبرر لما حدث لهما :
_" مش ذنبك يا بني ده مقدر ومكتوب "
لم يضع عينيه بعينيها ، ولكنها تفهمت جيداً ما يمر به مع نفسه ، و بحركه بسيطه خفيفه أمسكت يديه ثم رفعتها لتقبلها بحنانٍ تزامناً مع قولها له :
_" إنتَ راجل ، وهتفضل طول عمرك راجل ، والأيام جايه كتير عشان تحميها و تمنع عنها أذي غيرها ، لو مش مكتوب لها بالأذي !"
تعلم هي الفرق بين طرق المواساه بينهما ، لا يريد أحضان كي ينهض بل ينتظر بأن يكون أقوى بنفسه مع كلمات الٱخرين ورؤيته لهم بأحسن حال ، أما الٱخر فلم يكن كهذا بطباعه !! ، سحب كفه منها ثم هز لها رأسه وهو يحرك أنظاره للٱخري ، بينما نظرت له "دلال" بحنوٍ قبل أن تخرج من الغرفه وتترك له المساحه الخاصه به ، وضع يديه أعلي رأسها يزيل حجابها ثم مسد علي خصلاتها برفقٍ وهو يتحسس حرارتها ثم حرك يديه بأنامله علي جرحها بجانب فمها الذي وضع عليه اللاصق ، نهض يستقيم وهو يحرك أنظاره المهتمه من عليها متوجهاً حيث خزانته ليجلب منها ملابس مريحه ورغم وجود مرحاض بغرفته الا أنه رحل لخارج الغرفه ، وهو يغلقها من خلفه ثم وجد أحدهما بالمرحاض العام ، فتوجه غرفة "بسام" يدخل بها حتى وجد "شادي" يجلس ممسكاً بهاتفه ، نظر "شادي" له وللذي يوجد بيديه حتى تفهم الوضع وهو ينبس بنبره هادئه له:
_" غير وتعالي أقعد جنبي شويه ، مستنيك.. "
___________________________________________________
جلس يسنده برفقٍ بعد أن تحسنت حالته بطريقه ملحوظه ، فـ نظر "حسن" لٱدم" بانهاكٍ ثم تحدث قائلاً له بنبره عاديه :
_" هو ايه اللي حصل يا ٱدم ، أنا مش قادر "
نظر له "ٱدم" بتمعن ثم قدم له أقراص الدواء مع زجاجه المياه تزامناً مع قوله:
_" كنت تعبان أوي يا حسن وقاعد تخرف بالكلام ودرجة حرارتك ساعه تعلى وساعه توطى بس الحمد لله ربنا ستر والعلاج اللي قال عليه الدكتور نفع شويه"
هز له الٱخر رأسه وهو يحاول أن ينهض ببطئ ثم إلي أن توجه "ٱدم" يسنده برفقٍ ، ولكن أوقفه هو حينما نهض بهدوءٍ ينظر علي الطاوله والكيس الذي كان موضوعاً عليها ، التفت بجسده للٱخر ثم ردد بنبره متساءله :
_" الحاجه فين يا ٱدم ؟"
قالها وجسده يطلب جرعه الٱن بعد إفاقته بوقت ليس قليل ، نظر له "ٱدم" متحلياً بالصمت لدقائق ، فوجد الٱخر يصرخ بوجهه على مره واحِدَه :
_" بقـــولك وديــت الحــاجه فين ؟"
صمت لم يجيبه للمره الثانيه بأن كثرة تعاطيه ستنهيه لا محال ، رجع هو خطوات إلي الخلف عندما وجده الٱن يظهر عليه الأعراض ثم توجه ليلكمه وقف " ٱدم" مستسلماً لما يفعله به ولم ينبس بأي حرف سوي جمله واحده هادئه عكس ما يشعر به الٱخر. :
_"بلاش يا حسن ! "
بحث الٱخر بهستيريه فالمكان أمام أنظار الٱخر المشفقه ولكن ضرب بعرض ما كان ينويه الحائط ، عندما توجه ليخرجه من مخبأ ما فالغرفه ثم قدمه له ، بينما يعلم جيداً أنه لن يهدأ كذلك ، أمر عاجز به ، قليل الحيله بل وأكثرهم بائس غير صالح هو بحاله للبدء من جديد ، من يراه واقفاً كل دقيقه بالساعه الواحده يغير رأيه وما ينويه بيأسٍ يقسم بأنه قد أختل بعقله ، ارتجفت يديه وعلم جيداً أنه هو الآخر بدأت الأعراض تظهر عليه بالاحتياج من يري دموعه تهبط وهو يتوجه رغماً عنه يحقن بداخله هلاك يقسم بأنه مختلاً عقلياً ليس آلا ، بل و شخص قتله التردد حتى أنه ينهزم في كل مره أمام الخطأ ، ماذا أهدتنا حياتنا سوى بضعة مشاكل ترسخت وفعلت من كل منا أسوأ صوره ،. ماذا أهدته هو حياته سوي تركه يتيماً وحيداً وانشغال أشقائه بحياتهم رغم رغبة أحدهما بأن يتقرب أكثر لديه ، ماذا أهدت الٱخر الحياه سوي أنه عاش وكبر علي السوء وفقط بل ويسحب من معه للسوء أيضاً وعدم تركه ، لم يكن ضحيه رغماً عنه ، ضحيه عندما كبر وأصبح ضحيه بإرادته ، رب أسرته غير سوي بل والٱخري التي جعلت منه حقوداً سيئاً مثلها تماماً بل هو أكثر سوءً وسوئه لم يظهر منه شئ إلي الٱن وعندما يقرر هو بأن يخرج منه سيخرج دون توقف هذا ما يبدو غير مقنعاً أما شره فكفيل بالإقناعٍ لما هو قادم !! ، لا تعاطف لمجرد اظهار الجانب السئ والحزين منه ، كل منا لديه ذرة خير بشره وذرة شر بخيره ، فاز من جعلهما متوازنان علي الأقل ، فلا حياة دون سوء وعناء ، ولا حياه دون لين معامله وعناء !!
صوت ضحكات كل منهما بأعينهما الزائغه بعد الحقن كان غير طبيعياً للغايه بل وأصبح الأمر مرعب ومريب ، يثير الريبه والخوف !! ، والوضع يسوء أكثر ، من منهما ستقف منه ومعه الحياه ومن منهما ستأتي عليه الحياه أكثر ، الأمر لم يتوقف هنا بعد بل اتضح أن الٱتي ليس خيراً ولم يكن ...!
________________________________________________
جلس بكامل جسده علي الأريكه مرجعاً ظهره للخلفِ بشرود وبجانبه صديقه الذي انتظر حديثه من صمت دام لكثيرٍ ، تردد "شادي" بالحديث معه بوقته هذا حتى وان علم أنه لم يجيبه ليقص عليه ما يشعر به ولكنه تحدث بمشاكسه:
_''هتفضل ساكت كده كتير !"
تنفس "غسان" بعمقٍ ثم نهض علي فجأه من جانبه مردداً له بهدوء:
_" كنت هقولك لسه اني هروح أبص عليها ، ناولني كده المرهم اللي بسام قال عليه "
توجه "شادي" سريعاً وهو ينهض ثم التقطه بسرعه من علي طاوله صغيره يقدمه له بهدوءٍ ، حتى أخذه "غسان" منه ثم خرج بصمت من الغرفه
متوجهاً إلي غرفته حتى فتحها ودخل بها بهدوء ومن ثم أغلق الباب من خلفه ، توجه سريعاً يتفقدها بحنوٍ ثم فتح المرهم الذي يوجد بيديه وهو يمسك يديها يدكها به علي كدمه زرقاء لاحظها هو غير جرح يديها الٱخر ، تذكر عندما قال له شقيقه أيضاً بأن المرهم يسحب جميع السخونه بسبب طبيعته التي يوجد بها نعناع يخترق الأنف ويجعل مكان الضربه بارداً وساخناً بنفس الوقت ، أزال الغطاء من عليها وهو يراها. تتأوي بخفوت من بين غفوتها التي بدت بالفعل إغماء لفتره معينه ، أزال الغطاء عنها بهدوءٍ ثم رفع ساعديه كي لا يتلطخ بما فـ يديه ، رغم أصابعه المرتجفه بما يفعله ولكنه فعلها كي لا تترك الضربه ٱثر وألم أكبر ، أزاح ملابسها يكشف عن معدتها التي ظهرت من الضربه بلون أحمر وضع هو الدهان علي يديه ثم بدأ بالبسمله للشفاء وهو يدلكها برفقٍ تحت تحرك يديها البسيط ، لم تمر سوي عدة دقائق وهو يستر ما انكشف منها من مساحه بسيطه ثم وضع الغطاء عليها من جديد وهو يضع ما بيديه بجانبه ثم أمسك يديها عندما وجدها تتملل وتخرج من ما به ، جلس"غسان" بمساحه فارغه بجانبها ثم أمسك يديها بلهفه وهو يسندها يربت علي كتفها يناديها قائلاً بلهفه أخرى لتنتبه له:
_" نيروز !؟ .. سمعاني ؟"
بدأت عينيها البنيه وهو يراها أسفل أنظاره تُفتح وتغلق بتشوش ويديها تتحرك بعشوائيه ، حتي تمسك بيديها جيداً وكأنه يترجاها بأن تنهض ، سهم الٱن دخل بين ضلوعه عندما هتفت تنادي والدها الراحل منذ سنوات ، طريقتها و هي تهتف إسمه وكأنها تستغيث به ، هبطت منه دمعه أخرى خانته علي ما تمر به هي ، ثم ترقب بلهفه بأن تثبت عينيها ، وأخيراً قد فعلتها عندما فتحتها ولم تغلقها وهي تنظر علي سقف الغرفه تستوعب ، حركت رأسها جهته فوجدته بجانبها ، منعها ألمها من الصدمه ولكنها علمت أنها معه وليس بمنزلها ولم تخف من وجوده ، حمل نصفها العلوي لتستند علي صدره حينما أمسكت يديه هي تتشبت بها ، بينما هتف هو قائلاً ليؤكد لها :
_" نيروز أنا هنا ، انا جنبك"
ابتسمت له ابتسامه صغيره وما ان انتهت منها هبطت دموعها وهي تتذكر كل ما حدث ، جيد انها لم تذهب لعالم ٱخر وسئ شعورها والأسوء شعوره ، هتفت بنبره مختنقه وهي تتشبت به رغم الألم الجسدي:
_" متسبنـيـ.ش "
ضمها "غسان" بقوه ثم خرجت منه نبرته المتأسفه لها يؤكد لها :
_" مش هسيبك أنا جنبك علطول"
حاولت بأن تنهض من بين أحضانه لتجلس فأجلسها هو بخفه يضع المسند من خلف ظهرها ثم انتقل ليجلس أمام أنظارها مردداً بنبره متأسفه :
_" أنا أسف اني ملحقتش أحميكِ ولا ألحقكك يا نيروز ، بس صدقيني مش هرحمها والله ما هرحمها ولا هرحمه .."
تحدثت الٱن بعد أن أجمعت الحديث وهي تضع يديها بجانب فمها بألمٍ. والٱخري موضع معدتها وكليتها ، حتى أجابته بنبره هادئه وعينيها متعلقه ببنيته الغامقه:
_" أنا عارفه انك ملكش ذنب ، ..بس. أنا عاوزه.. أشرب"
نهض سريعاً يخرج من الغرفه متوجهاً إلى المطبخ ، أما هي فوضعت يديها علي فهمها تكتم شهقاتها حتى لا تخرج مع دموعها التي تهبط بحرقه وهي تتذكر ، دخل عليها مره أخرى وبيديه زجاجة مياه صغيره لها ، رفع يديها يمسح دموعها ثم نبس بنبره هادئه مطمئنه :
_" دموعك غاليه قولتلك يا بنت الأكرمي "
ابتسمت له بألمٍ كي تراضيه ، بينما فتح هو زجاجة المياه لتشرب منها وهو يرفعها برفقٍ لتشرب منها ، تنحنحت بحرجٍ ثم تجرعت منها بتمهلٍ بواسطة يديه ، فبلل يديه بها هو ثم مسح وجهها ببطئ حتى مسد علي خصلاتها يرجعها إلي الخلف انتبهت هي لعدم وجود حجاب رأسها بل لما ترتديه ! ، رفعت الغطاء سريعاً تخفي الملابس البيتيه رغم انها كانت بأكمام طويله ولكن كانت ضيقه عليها بشكل ملحوظ ،فـ هتفت له بصدمه من ما رأته :
_" مين اللي لبسني كده ؟"
ضحك "غسان" عالياً ولأول مره منذ ما حدث ثم أجابها يعبثٍ وهو يغمز لها :
_" أنا "
لم تعطي فرصه له بأن تخجل بل حاولت النهوض للذهاب من جانبه بسرعه ولكنه منعها بيديه حتى أوقفها قائلاً ليبرر بسرعه تزامناً مع كبت ضحكاته :
_" خلاص والله بهزر ، اختى وامي وجميله هم اللي قامو بالمهمه "
لاحظ تورد وجنتيها ، فضحك بخفه مرددا ً بعبثٍ مره ٱخري وبوقاحه :
_" أنا سيبتهم يقوموا بالمهمه السهله دي ، لكن أنا فالحقيقة دهنتلك مكان الضربه بالمرهم ، بس بصيت فمكان تاني عشان أنا محترم زي ما انتِ عارفه ومخدتس بالي خالص من الـ ٣ حسنات الي واقفين جنب بعض انتباه عندك ولا من..."
قاطعته "نيروز" سريعاً وهي تهرب بأنظارها منه قائله بسرعه تعنفه بخجلٍ :
_" خلاص يا قليل الأدب انتَ !! "
ضحك بغير تصديق لما فعلته للتو حتي بوضعها هذا ، ثم مال يطبع قبله رقيقه علي وجنتيها بخفه ، انتفضت وعينيها مفتوحه علي وسعها ، بينما همس هو بجانب أذنها بنبره هادئه خافته حتى لفحت أنفاسه الساخنه وجهها مردداً :
_" لما كنت ببص فعنيكِ كنت بطمن ، ما بالك لو بقيت فحضنك .. سيبتي أعصاب اللى جابوني يا رزّه .. !!'
كالعاده لا يكمل غزله إلى ٱخره ، بل قال ٱخر حديثه بخوفٍ وصدق لما شعر به من دونها ، ارتجفت أوصالها من حديثه الذي يربكها كما أنها أول قبله منه علي خدها ، نظرت بخجل شديد له وهو يتطلع عليها بينما حاولت هى النهوض لتخرج فقاطعها هو وهو يجلس بجانبها يمنع نهوضها قائلاً بهدوء ونبره جاده :
_" لا مفيش مرواح النهارده ، نامي وارتاحي وابقي امشي بكره "
كادت أن تعارضه ولكنها نظرت بلهفه عندما وجدت عينيه تلمع أثر ما يكتمه من دموع أمامها بل وهل كان يلمح لها بقوله !؟ ، ينهر نفسه ، ويوبخها ، يحزنه رؤيتها كذلك بعد أن كانت تقف علي قدميها ويعبث معها بكامل صحتها وسلامتها ، نظرت له بلهفه فحرك هو رأسه الجهه الأخرى يهرب منها ، ولكن تلك المره رفعت يديها الناعمه تحرك رأسه وهي تتلمس لحيته الخفيفه التي ابتلت بخفوت من الدمعه التي هبطت منه ، لم تشعر بنفسها سوي عندما فتحت ذراعيها تعلن له بأنها بالفعل ستأخذه يطمئن داخل أحضانها وليس مجرد غزل منه فقط ! تكتم دموعها لما تراه يحدث له بسبب ما حدث لها و ليدخل هو هذه المره بين أحضانها ، لم يتردد بأن يفعلها بل دخل بين ذراعيها متنفساً بعمقٍ ولم يبذل جهده بأن يخفي انهياره وضعفه أمامها بل أصبحت الٱن مصدر الإطمئنان والراحه كما أصبح هو ، كشف أوراقه أمامها ،وبل ضعفه وقوته بسببها. هي ! ، تخرج أنفاسه بارتياٍح لم يعهده من قبل فكرة وجوده بأحضانها وما يشعر به لأول مره لا يستطيع وصفه ، لا صدق ولا وصف للحال سوى انه ..يَتعافي المُحب بعناقِ من يُحب لينعم بالراحه والسكينه ، رفعت يديها المجروحه تضعها علي رأسه وهي تزيح خصلاته التي هبطت علي جبهته بأناملها ثم هتفت بصوت مختنق. تبرر له بصدقٍ وتبرر لشعوره :
_" عارفه إن اللي حصل ده محدش ليه ذنب فيه وحصل غصب عننا ، بس صدقني أنا بحبك يا غسان وكويس إني متأذتش فيك انتَ ،كانت حالتي هتبقي أسوأ ، مكنتش هبقي متماسكه لو كنت انتَ مكانى .."
كلماتها الصادقه غيرت من وضعهما بل مال هو للخلف وهو يأخذها هو بين أحضانه فأصبح الإثنان يجلسان بجانب بعضهما تأخذ منه الخوف وتبادله حُب ، يأخذ منها الخوف ويبادلها أمان بواسطة أحضانهما والحديث ليس سواهما ، مرر يديه يربت علي ظهرها بحنوٍ ثم نبس بنبره هادئه ضعيفه مهزوزه ، يفسر لها ما يشعره. وما شعره وما سيشعر به بسبب وجودها :
_" غسان الثابت إتهز بسببك أنا مش عارف أهدي ضربات قلبي العاليه بالخوف عليكِ لحد الوقتي ولا رعشة ايدي ، أنا مخوفتش ولا قلبي اتحرك من مكانه كده ألا في وجودك وعليكِ ، متسبنيش وتمشي ، عشان أنا خلاص مش هسلك من غيرك يا نيروز.أصلي وبكل حُب حَبيتك!!"
في كل مره ترتبك من ٱثر كلماته ولكنها الٱن بين أحضانه ، تنفست بإرتياحٍ وهي تنصت لحديثه بشغفٍ واهتمامٍ غلفهما الحب ، لم ولن تخاف من فكرة وجوده بل ومن فكرة إلتصاقه بها وهي داخل أحضانه وذقنه أعلي قمة رأسها وأنفاسه الساخنه تستشعرها هي وهي تستند علي صدره الذي يعلو ويهبط من أنفاسه حتى أنها استشعرت صوت دقات قلبه التي تخفق بقوه رغم مايظهر عليه كان عكس ذلك ، بارعاً هو في إخفاء توتره ولكنه انهزم أمام أحضانها وعينيها !! ، تخللها شعور الأمان والسلام ، تخللها شعور الراحه و الإطمئنان كونها داخل أحضانه تتنفس براحه من وجوده وذراعه الملتف حولها بأمانٍ ، وكأن ذراعه السد المنيع لحماية بلده ، أو كأسوار وُضِعت للحد من خطر العدو ، يُحصّن حدودها وكأنه يقف بشموخٍ في معركةٍ لم يكن بها وحده بل بمشاركتها وكان هو وسيكون" قائد المعركه" ، المسئول عن حمايتها وهي معه وحدها !!، ولمره أخرى يهتف وضعهما وهى تستند بأمان عليه وبداخل أحضانه وكأنه : ذراعيه كسدٍ منيع يُحصنها وهي داخل أحضانه مُحصنه !! .
رواية عودة الوصال الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سارة ناصر
« أبإمكانك أن تخبريني لما انتِ ؟ ولما عينيكِ ؟ ، لما تخرج دقات قلبي لكِ تحديداً ولما أصبح مشتتاً عندما أنظر لعينيكِ ، أكانت بئر سقطت به ؟ أم دفئها كان بمثابة مياهه الدافئه..؟! »
منذ الليله الماضيه و لم تغفل له عينّ ، بل طوال الليله يتحرك ما بين غرفة شقيقه الذي يتسطح بها بجانب صديقه وبين غرفته ليطمئن على حالها ، كانت عينيها تفتح وتغلق كإشاره على إستيقاظها الٱن ، بينما نهض هو من على الأرض يطوى سجادة الصلاه ليضعها على المقعد ، ثم إلتفت بوجهه لها ينظر لها بإهتمامٍ ، ٱخر ما يتذكره أنها غفت بين أحضانه بعد بكائها بألمٍ من ما حدث ، لا يعلم هو أكانت هي تطمئنه أم هو ، يبدو أنهما الإثنان ، تذكر هو وهو يعدل من نومتها ثم عندما وضع الغطاء عليها بإنتظامٍ وبين الحين والٱخر يأتي لينظر ويطمئن على حالها ، خرج من شروده وهو يقف ينظر لها وعقله بمكانٍ ٱخر عندما هتفت هى تسأله بابتسامه صغيره ، تحاول بأن تنهض لتجلس ببطئ تزامناً مع قولها له. :
_" بتبصلي كده ليه ؟"
تحركت عينيه بسرعه وهو ينتبه لها ثم توجه سريعاً ليمسك يديها يسندها حتى تجلس برفقٍ ، تحرجت من ما فعله من فكرة وجودها إلي الٱن على سريره هو !! ، إبتسم لها "غسان" بإطمئنان وهو يرفع يديه يمررها على خصلات شعرها متسائلاً لها بإهتمامٍ مما جعلها تنظر له بحنوٍ :
_"بقيتي أحسن دلوقتي ، لسه بطنك وجسمك ببوجعوكي ؟"
إبتسمت له "نيروز" ورغم وجود ألم بها ولكنها هزت رأسها بالنفى ثم حاولت أن تعتدل أكثر ولكن سرعان ما انكمشت ملامحها من ٱثر الألم ، أوقفها هو عن التحرك ثم رفع ذراعه مره ٱخرى يدفعها برفقٍ حتى جلست هي بطريقه صحيحه مستنده على الوساده من خلفها ، تنحنحت هى يخجلٍ من لمساته علي ذراعيها وكتفها كي يساعدها لتجلس بينما تابعت بنبره متساءله واهتمامٍ مع خوفها الذي ظهر الٱن عندما جمعت كل الأحداث أكثر :
_" هي ماما فين يا غسان وورده ، كويسين ولا لأ !"
تنهد يخرج أنفاسه ثم جلس على طرف الفراش بمساحه خاليه وهو يدفع الغطاء عن مكان جلسته ، حتى أجابها "غسان" بنبره مطمئنه يوضح لها :
_"كويسين متقلقيش ، جم من كام ساعه عشان يشوفوكي بس قولتلهم إنك نايمه ، فـ مشوا بعد ما أستنوكى تفوقي ، بس فضلتي نايمه ، هو. سريري مريح للدرجادي ؟"
قال ٱخر حديثه ليشاكسها بينما ضحكت "نيروز" بخفه ثم إجابته ترد له المشاكسه :
_" أكيد مريح، أصل الراحه فوجودك قولتلك !"
غمز لها بإعجابٍ وهو يضحك علي مشاكستها التي لم تحدث منها إلا قليلٍ ، بينما فعلت هي ذلك لتخفف من ما تراه يكتمه أمامها ومن ماحدث منه الليله الماضيه من إنهياره الغير مباشر بأحضانها ، خرج هو من ضحكاته ٱخيراً تزامناً مع حديثها الهادئ تستأذنه بلطفٍ غير مباشر كي لا يقطع طريقها :
_" ممكن أقوم بقا وأروح شقتنا عشان أغير هدومي دي لأحسن مينفعش كده "
أنصت لها بإهتمامٍ وما أن انتهت من حديثها ، اقترب أكثر بكامل جسده وخاصةً وجهه حتى يتحدث بجانب أذنها بعبثٍ ليربكها. :
_" مينفعش ليه ؟ لا دا ينفع ونص وتلت تربع كمان !! "
ابتعدت "نيروز" برأسها عنه بخجلٍ فواصل هو يكمل بابتسامته الواسعه :
_" وبعدين محدش هيدخل هنا عليكِ وانتِ كده متقلقيش ، ألا أنا طبعاً ، قومي بقا وريني البيچامه دي بتقول ايه ؟"
حركت أنظارها سريعاً صوب الباب الذي نجدها من خجلها ، نهض هو بخفه ليفتحه حتى يري من هو الطارق أولاً ، وما أن وجدها والدته وشقيقته من جانبها توسعت بسمته ثم مد يديه يأخذ صحن الطعام الصحي التي أعدته هي ، ثم أشار لهم بأن يتبعونه ،. فدخل "غسان" بتمهل يضع الصحن علي الطاوله بجانب الفراش وهو يسمع صوت "دلال" القائله للٱخري بنبره متأثره :
_" حمد لله عالسلامه يا حبيبة قلبي ، ده أنا قولت هاجي أصحيكِ بقا عشان تاكلي مينفعش كده ، كويس إنك فوقتي وصحيتي !"
إبتسمت لها "نيروز" بتأثرٍ ثم قالت :
_" الله يسلمك يا طنط "
شعرت من بعدها بـ "وسام" التي التفت حولها من الناحيه الٱخري تجلس بجانبها وهي تضع يديها علي كتفيها ثم مالت تحتضنها بحنوٍ وهي تقول:
_" كنت هموت من القلق عليكِ بجد ، هو انتِ غاليه عليا كده ؟"
لم يعطيها "غسان" فرصه للرد بل رد هو علي الٱخرى بنبره مازحه :
_" الغالى عليا غالي عليكِ يا جَميـل"
ضحكت بخفه ، بينما سمعت صوت ضحكات والدته العاليه وشقيقته ، والأولى تحرك رأسها بقلة حيله منه ، رفع" غسان "الملعقه أمام وجهها ثم أشار لها بأن تفتح فمها كي يطعمها برفقٍ ، تنحنحت هي بحرجٍ فاستشفت "دلال" حرجها بل وأيقنت أنها إلى الٱن تخجل ، أشارت لـ "وسام" بأن تخرج بعينيها ، ومن ثم انسحبت الاثنتان خلف بعضهما بهدوءٍ ، تزامناً مع تناول الطعام بواسطة يديه وهي تبتسم بحرجٍ ، فـ خرجت نبرته منه وهو يفعل ما يفعله ليسألها بإهتمامٍ :
_" قادره تتحركى وتقفي عشان نروح المستشفي؟"
انتهت من مضغ الطعام ، ثم أهبط هو يديه ينتظر إجابتها ،فنظرت له بتساؤل بينما تابع هو يجيبها دون أن تخرج بسؤالها:
_" هنكشف ونطمن عليكِ..! "
هزت "نيروز" رأسها بتفهمٍ ثم خرجت منها نبرتها لتجيبه قائله بإطمئنانٍ، :
_" هقدر أقف علي رجلى إن شاء الله"
غمزّ لها بمراوغه ثم وضع الصحن بجانبه وهو يعتدل ليجلس بجانبها قائلاً بنبره متسليه. :
_" وإن مقدرتيش أشيلك أنا جوه قلبي !"
ضحكت "نيروز" بخفه علي عبثه ، فمال هو كي يطبع قبله على وجنتيها سريعاً دون أن تلحظ هي ، فسمع صوت دقات الباب التي قطعت ما ينوي فعله ، توقف عن هذه اللحظه فحركت رأسها ناحيته فوجدته مقترباً منها بطريقه غريبه ، نظرت له باستنكارٍ ثم حركت رأسها تسأله :
_ انتَ بتعمل ايه ؟"
_" كنت هبوسك بس اللي بيخبط واحد فصيل معندهوش ريحة الدم !"
قالها وهو ينهض رغماً عنه ثم فتح الباب بسرعه وهو ينظر ، فـ وجد"والده" يقف بالمقدمه ومن خلفه "سُميه" و"ورده" ، أما "بدر" فجلس بالصاله مع "شادي" ، تنحنح بحرجٍ عندما سمع صوت ضحكات "نيروز" من خلفه والذي سمعها هو فقط ، أفسح لهم الطريق فدخلت "سميه" و "ورده" سريعاً ، بينما وقف هو ينظر" لوالده " و "والده" ينظر له بتشكك حتى سأله باستنكارٍ :
_" مالك ياض مش على بعضك ليه كده بتبصلي كده ليه !! "
خرج هو وهو يكبت ضحكاته ثم أغلق الباب من خلفه تزامناً مع قوله له ليجيبه :
_" مسامحني ؟"
كان يقصد سبه للطارق ، ولم يكن الطارق سوى والده ، عقد "حامد" ما بين حاجبيه ثم ردد بتلقائيه :
_" إيه الكلام ده يبني أكيد طبعاً ..لأ ."
قالها بجديه زائفه دون أن يفهم هو حديث الٱخر له ، لحظاتٍ ومن ثم خرجت ضحكات "غسان". العاليه علي ما فعله الٱخر ثم توجه من أمامه ليجلس علي بُعد حيث مع "بدر" و"يامن" و"شادي" ..!!
________________________________________________
بعد مرور بعض الوقت ، في شقة "زينات"، وضعت هى الكُوبّ أمامه وهي تنظر له يجلس شاردٌ ، ومن ثم توجهت لتجلس بجانبه وهي تنظر له تزامناً مع قولها له :
_" إشرب اليانسون يا سليم "
كانت تعابيره متهجمه منذ أمس ، إلتفت لها مع مسكة يديه لعنقه ، بسبب جرحه من مسكة يد "غسان" ، تأوى وهو يحركها يميناً ويساراً ثم رفع أنظاره ناحية باب شقته وهو يجلس على الٱريكه بالصالة ، إبتسمت "زينات" بتهكمٍ له ثم تحدثت بنيره ساخره منه علي ما فعله ليلة أمس إلى الٱن :
_" يا خييتك يا زينات ، جوزك قافل علي نفسه الباب بالمفتاح من امبارح مش مكسوف من نفسك يا راجل ؟"
قالتها بسخريه منه ومن ما فعله أمس وهو يغلق الباب عندما هرب من أمام أنظارهم كما إنسحبت الٱخري ، نظر لها بحده ثم نبس بنبره جاده جامده:
_" طالما مش فاهمه حاجه تسكتى ، عاوزاني أعملك ايه ، كان يجي ورانا ويدشدش جسمك زي ما عملتي فـ مراته كنتى هترتاحي كده ؟"
صمت يستوعب ما قاله ثم واصل يكمل بنبره مستهزءه :
_" ما هي بقت مراته بقا ، وابقي قابليني لو انتِ نفسك خرجتي من بيتك وهو هنا ، حطى لسانك فبؤك واسكتي خليني أفكرّ .."
نظرت له "زينات " بفيظ ثم نبست بتهكمٍ من ما أردفه :
_" هتفكر فـ ايه ان شاء الله هو عاد فيه حاجه يتفكر فيها بعد ما الزباله بنت أخوك عملته هي وأمها "
هز "سليم" رأسه بشرودٍ ثم خرجت منه نبرته الهادئه وهو يردف قائلاً لها :
_" لما حسن يرجع هيبقي في كتير أوي يتقال ويتفكر فيه.!! "
قالها بشرودٍ ونظرة عينيه قد إحتدت أما هي فنظرت له بغيظٍ ثم رددت بتهكمٍ تعنفه :
_" الوقتي عاوز حسن يرجع وعرفت انه غايب وابنك وسألت عليه ؟ ولا عشان خلاص لقيت نفسك معتش عارف تسيطر لأ وكمان لا عارف تحميني ولا تحمي نفسك بقفلتك للباب دي !"
نظر لها بحده ثم نهض من مكانه يمسك بكوبه قائلاً بنبره منفعله :
_" إوزني كلامك يا زينات بدل ما تزعلي مني والا اقسم بالله مـ..."
قاطع صوته دقات الباب ، نظر هو بترقبٍ ثم حول أنظاره عليها فوجدتها تنظر له بتشفي ، توجه وبيديه الكوب يفتح شُرفة الباب الصغيره حتى وجده يطالعه بابتسامه ليست هينه من خلف الباب بل وبجانبه صديقه و حازم !! وبدر !؟ ، مفاجأه بالنسبه له ، فتح الباب بتمهل خاصةً أنه كان مغلق من الداخل ، ثم وقف أمام أنظارهم ، ولكن دخل "حازم" بوجهه المتهجم بعد أن علم من "بدر" ملخص ما حدث ، وقف يطالع والده بصمتٍ حتى خرج صوته منه قائلاً على فجأه :
_" ليه ؟ قولي نيروز عملت فيك إيه انتَ ومراتك عشان يحصل فيها كده ، ده أنا لما عرفت بقيت واقف مش مستوعب لساعه كامله وبعدها جريت أنا وياسمين علي هنا دلوقتي وجبته ليكّ يقف قدامك بعد ما قالي إنه عاوز يقف قصادك يأما هيموتك ؟ عارف؟ ولا اتهز فيا شعره عشان إنتَ راجل مفتري ، وأنا اللي جبته عشان تعرف إني مليش علاقه بيكّ ، زي ما قررت من زمان.. "
كان ينظر له "والده" بصمتٍ وانتظار لما هو الٱتي من الحديث منه ، بينما كان ينظر له "غسان" بتمعن إلى أن أجابه هو وليس ولده و بنبره حاده. :
_" قولي إيه هيشفعلك عندي غير حازم ؟.. مراتك تروح تقف قدام مراتي حالاً عشان مراتي تاخد حقها ، غير كده صدقني أنا اللي هاخد حقي منها وهمد إيدي على ست عادي !"
شهقت "زينات " باستنكارٍ بينما كان يقف "سليم" ينظر بتعابير وجهه الخاليه مستمعاً لحديث الٱخر ، ولولا أن "سليم" لم يمس " نيروز" جسدياً بسوءٍ لفعل الٱخر غير ذلك ، خرجت نبرة "سليم", أخيراً يستجوبه :
_" وإن مراحتش إيه اللي هيحصل هتموتها وتموتني يعني ، انتَ بتهددني ولا إيه ؟"
كان يتحسب لذلك ، ٱخرج مطوته من جيب بنطاله بكل سرعه ثم فتحها بإندفاعٍ وهو يمسك الٱخر من تلابيبه بقوه يرجعه إلي الخلف ،ثم نبس بنبره حاده يتوعد :
_" أه بهددك ، أنا بقول كلامي مره واحده بس ، وحيث كده بقا استنى..!! "
صمت ثم دفعه حتي إصطدم بالمقعد من خلفه ومن ثم أمسك "غسان" سريعاً "زينات " وهو يوجه المطواه أسفل رقبتها ومن هذه النقطه هاجت الدماء بعروقه أكثر ، وقف "حازم" بخزي وعجز محاولته بالدفاع عن ما يسمى والده باتت فاشله فاتره ، وقف يترك الٱخر يفعل ما يود فعله بل ورحل من الشقه بأكملها بانكسارٍ ليتوجه حيث شقة "حامد" الذي رفض المجئ كي لا يصطدم "سليم" معه وينفعل "غسان" لأجله ظناً منه بأن الأمور وديه ! ولكنها لم تكن كذلك ! ، فصل "شادي" "غسان" عنها وهي تختنق من مسكة يديه القويه لها ، أما "بدر" فوقف علي أعتاب باب الشقه بسبب قسمه بأن لا يدخل هذه الشقه ، دفعه صديقه عنها بقوه ، فوقفت هي تأخذ أنفاسها حتى زوجها لم يحاول أن يدفعه عنها ، تركه "شادي". عندما هتف "غسان" مره أخرى مشيراً لها :
_" إمشي قُدّامي عشان مسيحلكيش دمك يا أم الناقص .."
يبدو أنها كانت جمله منه ليكيديها ولكنها خرجت منه بصراخٍ ، حتى انتفضت تنظر من حولها بضياعٍ ومن ثم وجدت نفسها تخرج وهي تقسم بنفسها بأنها لن تترك هذا الٱمر فيما بعد ، خرجت بحجاب رأسها الصغير علي ملابسها البيتيه الطويله ، أفسح لها "بدر" المكان وهو يشير علي شقة "حامد" بتسليه كي تتوجه هي ، بينما وقف " غسان" أمام "سليم" يمنع سيره خلفها متحدثاً باستهزاءٍ :
_" انتَ رايح فين ؟ مبَدخلش بيتي ناقصين ، غير مراتك دي حاله خاصة دي ، إنتَ تقف هنا مكانك وعلى أعصابكّ واستنى مراتك ، وكسبان لو طلعتلك سليمه إدعي مراتي تكون ايدها خفيفه ، ..سلام يا ..متر ".
قالها "غسان" بتحذيرٍ له ثم خرج من باب المنزل فوجد "بدر" ينتظره والأخرى تقف أمام الباب المغلق ، توجه "غسان" أولاً يخرج مفتاحه من جيبه حتى فتحه بينما دخل هو ثم صديقه وابن عمه ومن ثم هي ، التفت ينظر إلي والده الذي وقف علي فجأه ينظر لتغير الوضع بالطبع لاحظ تهجم وجه "حازم" ولكنه لم يخبره الوضع أنه كذلك بل طمأنه !! ، توجه "بدر" يقف بجانب "حامد" ليفهمه هو الوضع بينما وقف "شادي" حينما توجه "غسان" يفتح باب غرفته سريعاً ، حتى إلتفت له جميع النساء والفتيات اللاوتي لم يعرفن هن ما يجري ، بل منذ أن جاءت "ياسمين" قبل قليل جلسن جميعهم بالداخل منشغلين بـ "نيروز" ، صُدم الجميع حينما وجدو "زينات" تدخل من خلفه ، حتى وقفن من يجلسن ، وحتى "نيروز" التي إعتدلت سريعاً بصدمه كيف لها بأن تأتي إلي هنا ؟! ، حاولت النهوض ، فتوجه "غسان" يسندها حتى تقف علي قدمها أمامها ، ويبطئ ولحظاتٍ ومن ثم ساعدها حتى وقفت هي تستند علي ذراعه بينما أمسكها هو حتى تقف أمامها ، توجهت "زينات" أكثر بالصمت والجميع لم يفهم ما يحدث وقبل أن يتحدث "غسان" كانت قد أتت لها تلك الشرسه "ياسمين" حتي وقفت أمامها بجانب "نيروز" ثم هتفت بنبره ليست هينه قائله لها :
_" جايه لحد هنا برجليكِ قبل ما أجيلك أنا ، أقسم بالله لهموتك فـ ايدي تعاليلـ..."
وقبل أن تكمل أكثر وجدت يد "غسان" تمسك يديها بقوه وهو يسحب "نيروز" كي يتجه هو لها ، حتى هتف أمام أنظارها بنبره لا تحمل النقاش :
_" مش انتِ !! ، نيروز اللي هتاخد حقها ويإيدها.."
قالها تزامناً مع إشارته لـ "نيروز" وتركه ليد شقيقتها ، بينما وقفت النساء تتفهم ما يحدث بعد الٱن ، حتى "عايده" التي ٱتت ما أن علمت من ابنها والٱخري" جميله "التي كانت تتردد في المجئ ولكن خوفها علي الٱخري قد غلبها علي ما حدث أمس ، طالعتهم "زينات " بملامح وجه خاليه ، بينما حركت "نيروز" نظراتها من علي وجه "غسان " الذي نظر لها بجديه ، تنفست بعمقٌ وهي تغمض عينيها تتذكر ما حدث أمس ، بينما إهتز جسدها وانتفض حينما هتف "غسان " يصرخ بوجهها. مما جعل الشباب يقفون بالخارج إلي أن توجه "حامد" سريعاً يدخل ليجده يصرخ بوجه "نيروز" قائلاً بانفعالٍ :
_"بــقـــولك خُـــدي حـــقكّ !! "
إنتفضت هي كما إنتفض جميع النساء والفتيات ، فوقف "حامد" ينظر بترقبّ من حالة ولده حتي توجه يقف بجانب "نيروز" ليسندها حينما وجد وقفتها إهتزت رغم وقوف "غسان " بجانبها ، ما جاء بعد انتفاضتها هو فتح سوار يديها بسرعه بعد أن قُتل هو التردد بها بسبب نبرته ، ابتسم باتساعٍ لنجاح ما فعله للتو حينما وجد سوار مطوتها الحاده الصغير يتوجه حيث وجه "زينات" بينما شهقت النساء بقوه مما رٱته أعينهن حتى "حامد" الذي صدم مع تركه لها بعد أن كان يسندها ، بينما هتفت "نيروز" لها بتوعدٍ وعينيها تطالعها بحده : مع نبرتها الصارخه لها :
_" قولـــيــلي أمــوتك وأذيـــكِ إزاي .."
سؤال؟؟ أترمي علي مسامعها سؤال بكيف سترد لها ما فعلته بها ، ترقبت جميع الأنظار ، بينما لم تتفاجئ "ياسمين" بل ترقبت باستمتاعٍ وترقب لما هو ٱتي ، حينما رٱت وجه "زينات" تنكمش تعابيره بخوفٍ وصدرها يعلو ويهبط ما أن رأت صدق شر الٱخري ، واصلت "نيروز" بنفس النبره مجدداً :
_" مــش هتقــولي يعنــي ، ماشي .."
استشعر "غسان" ما ستفعله الٱخرى لذا ابتعد عنها حينما شعر بتحرك جسدها نحوها. ، وبالفعل تحركت "نيروز" بالتدريج ثم فاجأت الٱخري بدفعه قويه كما فعلت معها أمس ، نظرت "سميه"" ودلال" و" عايده" للذي يحدث بصدمه ، ومن ثم توجهن ليفصلن "نيروز" علي ما ستفعله ، ولكن أوقفهم "غسان" وهو يقف بكامل جسده مردداً بنبره قويه أوقفتهم :
_" إرجـــعــوا مــكــانكـم.."
أما "نيروز" فوقفت تنظر لها والأخري تحاول بأن تنهض بشرر حتى رفعت يديها تدفع "نيروز" إلي الخلف ، رجعت "نيروز" الي الخلف أما "ياسمين". فتوجهت بانفعالٍ ترفع يديها لتلكمها هي علي كتفها ٱثر ما فعلته بشقيتها الذي أسندها "حامد" ، ثم أمسكتها "ياسمين" من تلابيبها حينما وقفت ، حتى أصبح الاثنان يقفان أمام "نيروز", و"غسان" الذي توجه يسندها هو الٱخر ، تركتها "ياسمين" باشمئزازٍ وهي تنظر لها بينما هتفت "نيروز" عندما شعرت بهبوطها. :
_". امشـــي "
إبتمست "زينات " بسبب ما تراه من ألم أعلي وجهها ، ومن ثم انتفضت هي عندما وجدت "نيروز" تندفع لها تدفعها إلي الخلف بيديها الاثنان تزمناً مع قولها :
_" بـــقولك إمشي من هنا ، إمشي اطلعي برا "
كاد أن يوقفها "غسان" وهو يترك "نيروز" بينما وقف"حامد " أمامه وهو يمسك ذراعه هاتفاً له بتحذيرٍ :
_" إرجع مكانك ، .. إرجع لمراتك !"
نظر له "غسان" بغضبٍ ثم رفع يديه يدفع "والده" بهدوءٍ رغم اشتعال ما بداخله ليلحق بها ، ولكن أوقفته هذه المره نبرة "نيروز" التي جلست مكانها بعد أن كانت واقفه أمام الفراش ، ومن ثم نبست بنبره مختنقه وفي عقلها فكرة ذهابه خلفها لعمها !! :
_" متمشيش يا غــسان ، خليك عشان خاطري ..!"
قالتها بترجي ، ومن ثم هبطت دموعها من ٱثر ألم جسدها الذي اشتد عليها من حركتها الأخيره بيديها المجروحه واندفاعها مما سبب ألم مكان معدتها وكليتها ، ابتلع ريقه ثم وجد والده مازال يقف ، بينما التفت بكامل جسده يتوجه ناحيتها ينحني أرضاً أمام جلستها ثم هتف بنبره مطمئنه جعلت البعض يأخذ أنفاسه بارتياحٍ :
_" أنا معاكِ ، مش همشـي "
قالها وهو يرفع كفه يربت علي يديها التي وضعت علي ساقها ، التفت "غسان" ينظر لهم ثم نبس بنبره هادئه :
_" حد يروح يجهز ليها لبس علي ما ٱجيبها ،عشان أنزلها أكشف عليها "
أومأت له "سميه" ورغم تبجح ما حدث قبل قليل من أسلوب ليس جيد ، ولكنها علمت أنه وبطريقة ما أصر على رفع شأن ابنتها ليجعل رأسها مرفوعه مره أخري بعد أن حدث أمس ، إنسحبت وإنسحب من خلفها جميع النساء والفتيات ، بينما أشارت لها "ياسمين" و"جميله" كعلامه بأنهما سينتظرونها بالشقه الٱخرى ، فأصبح "غسان" يجلس أمامها بمفرده وهو وهي ، ولحظه ؟؟ هناك من يقف خلفه ؟ التفت برأسه ليجد والده يطالعه بتمعن ، ابتسم يحرك رأسه بقلة حيلة ، بينما تجاهله "حامد" وهو يتوجه ليجلس بجانب" نيروز" ثم مد يديه يفصل مسكة "غسان" ليديها وأمسكها هو ثم رفع يديه الأخري يربت علي ظهرها بحنوٍ تزامناً مع قوله المطمئن لها :
_" عاوزك متخفيش وتقفي ثابته كده ، ولازم تجمدي وتقفي علي رجلك يا حبيبتي ، وتستحملى جنان ابني ماشي ؟؟"
قالها بجديه شديده ، أمام أنظار "غسان" الذي نظر له باستنكارٍ ، ورغم خجل "نيروز" من الوضع ولكنها ضحكت أخيراً بخفوتٌ كما كان يريد الٱخر ، بينما خرجت نبرة "غسان" الحانقه له وهو يدفعه لينهض من علي الفراش بجانبها :
_" طب خمسه روقان أقعد جنب مراتي ، عشان تستحمل جناني ، طرقنا بقا "
تفاجأت من أسلوبه الوقح بالحديث مع والده بينما نظر له الٱخر بضجرٍ ثم توجه برأسه يقبل قمة رأس الٱخري بحنوٍ ، واستفزاز للٱخر ثم نهض بهدوءٍ يقلب عينيه له بكيدٍ حتى توجه بصمت ليخرج من الغرفه تزامناً مع قوله الخافت الذي وصل لمسامعهما. :
_" مردوده والدنيا دواره يبن الكلب.!"
ضحك هو بخفه وهو يسمع صوت إغلاق باب الغرفه ،بالٱساس ضحك حتى ضحكت هى من قبله وهي تكتم ضحكتها ، بينما إلتفت ينظر لها بوجهه مدققاً في ملامح وجهها ،نظر لها باستنكارٍ حينما هتفت هي من أسلوبه مع والده قبل دقائق :
_" هو انتَ قليل الأدب كده مع كل الناس !"
قالتها "نيروز " باستنكارٍ ، فوجدته يهز رأسه لها ببساطه ثم إلتفت ليتوجه وهو يخلع سترته السوداء القطنيه ، حتى يأتى بملابس مناسبه للخروج كي يخرج معها للمستشفي ، التفتت بوجهها إلي الناحيه الٱخرى تتصنع الإنشغال يينما كان يرتدي هو بنطال مناسب للخروج ولكن سترته لم تكن مناسبه ، إرتدي ستره أخرى من "سويت شيرت أبيض اللون على البنطال الأسود الذي كان يرتديه " ثم وضعها بإهمالٍ علي الأريكه وهو يلتفت يعدل منها عليه أمام المرٱه ، نظر لها بتمعن فالمرٱه فوجد وضعها ثابت ، ابتسم عليها ، ومن ثم وضع يديه علي رف صغير يجلب من عليه العطر خاصته ، وهو يضع عليه منه ، ثم توجه بخطواتٍ ثابته يضع منه بالغرفه ، ثم انحنى يضع مكان ما كانت "زينات" منحنيه أرضاً ، نظرت له باستغرابٍ من أمره وهو يفعل ما يفعله بهدوءٌ ثم تساءلت وهي تعقد حاجبيها :
_" انتَ بتعمل ايه؟"
_" بطهر مكان القذاره !"
أغلقها سريعاً بينما توجه ناحيتها عندما وجدها تنظر ببلاهه لما قاله ، فهز رأسه يؤكد لها ما سمعته ثم جلس بجانبها تزامناً مع وضعه العطر علي الفراش ، حتى رفع ذراعه يضعه كتفيها ثم قال بنبره هادئه لها :
_" أنا جيبتها هنا مش عشان أفكرك باللى حصل ، عشان أخليكِ تواجهيها وتعرف إن انتِ مش هتسكتى ، وكنت برد لك حقك وأخلى راسك مرفوعه لو روحتي وجيتي قدام عنيها ، مش عارف مغزتهاش مره واحده فـ بطنها ليه خلينا نخلص ، جايبلك أنا البتاعه اللي فـ ايدك دي تتصوري بيها ولا ايه ؟ "
ضحكت بخفوت علي حديثه الجاد وبشده ، والذي برر لها بواسطته كل ما فعله حتى انفعاله عليها كي تأخذ خطوه ، تنفست بعمقٍ ثم نظرت له ببنيتها الفاتحه تجيبه بقولها اللين :
_" طول ما أنا معاك راسي مرفوعه ، بس أنا مش عاوزاك تدخل نفسك فـ حاجه مع عمي عشان أنا خايفه عليكّ يا غسان ، أنا إتعلقت بيك ولو حصلت حاجه أنا مش هقدر صدقني !"
ابتسم لها باتساعٍ ثم غمز لها بعبثٍ وهو يوكزها بكتفها قائلاً بمشاكسه :
_" ما أنا زي الأسد قدامك أهو ، وهفك الجبس النهارده عشان أعرف أحضن براحتي بقا "
ضحكت "نيروز" وهي تحرك رأسه منه ثم سألته باهتمامٍ :
_" هتفكه إزاي ، وهو مقعدش الفتره كامله يعني ..عشان يتحسن !!"
_" لا ما أنا بتخنق منه ، وحاسس إن إيدي بقت كويسه ، ولو مش كده ، فطالما اتحطت علي كتفك تروق يا نيروز .."
كان يقصد بمعنى مجازي. كوجودها بجانبه يختفي كل ألمه ، نهض بخفه ثم وضع هاتفه من علي الطاوله بجيبه ومفتاح سيارته ، بينما رفعت أنظارها له من بعده حينما قدم لها يديها لتتمسك بيديه حتى يسندها بخفه إلي شقتها ، سارت معه بخطوات متوسطه فكانت قادره علي السير ولكن بعد عدة خطوات من سيرها تؤلمها معدتها قليلاً فتأخذ نفساً ثم تسير ببطئ ومن بعده تسير بخطواتٍ هادئه وهو يسندها بخفه !! ، أوقفها هو سريعاً قبل أن يفتح الغرفه ثم توجه يجلب لها الحجاب الطويل التي قد جلبته شقيقته من ضمن الملابس ، مما يعد "خمار" طويل لأسفل ركبتيها وأكثر ، فرده يدخل رأسها بهدوءٍ منه حتى إرتدته رغم انها ترتدي ملابس طويله ولكنها ضيقه ومع حجاب رأس" البيچامه " ولكنها كان يضعه قاصداً عدم ظهور جسدها المرسوم وبشده من ملابس شقيقته نظرت له بامتنانٍ وخجلٍ بٱن واحد ، فربت هو علي رأسها بعد أن انتهي ثم أمسك يديها من جديد يسندها حتى يتوجه ليفتح الباب مره أخري بيديه السليمه ثم خرج والتفت يشير لها وهو يمسك يديه بأن تسير بتمهلٍ رغم قدرتها ولكن فكرة وجود ما قاله شقيقه من إحتمال يوتره !!
______________________________________________
جلسّ "عز" بغرفة شقيقتهُ يمسك بهاتفه بإهتمامٍ وهو يطلب أحد الأرقامّ ليضع الهاتف علي أذنيه بترقبٍ ، أمام أنظار "فرح" المهتمه والمترقبّـه لما هو ٱتى ، أخفض الهاتف بقلة حيله ليغلقه أمام أنظارها ، بينما عقدت ما بين حاجبيها هي ثم قالت بنبرتها المتساءله تسأله :
_" ها ، ايه اللي حصل ؟!".
رفع أنظاره لها وهو يخرج أنفاسه ثم وضع هاتفه بجيب بنطاله وهو يعاود النظر للٱخرى المترقبه حتى أجابها قائلاً بهدوءٍ :
_" مبيردش يا فرح ، تليفونه مقفول ، رنيت عليه مرتين !"
هزت "فرح" رأسها بتفهمٍ ثم توجهت ناحيته تضع يديها علي يديه قائله بنبره مطمئنه له :
_" عادي يا عز أكيد خير يعنى ، وبعدين الصراحه المفروض لما تفتح معاه الموضوع أول مره تكون وش لوش كده ، فاهم ؟"
تنهد "عز" يخرج أنفاسه الثقيله من على صدره ثم رفع أنظاره الحانيه لها كي يجيبها بهدوءٍ ليفسر لها. :
_" مش عارف يا فرح ، هو بردو فرحه كان من يومين ، بس لما قررت أفتح الموضوع وأقول إني عاوز أخطب جميله قولت مش هقول غير لـ حازم الأول وبعد كده باباها بسبب اللي حسيته من نبرة جميله لما قعدت أفكر ، فكرة إني أروحله بيته دي صعبه شويه قولت أستني أسبوع كده بس مقدرتش أصبر أكتر من كده وأنا قايلها هي إني عاوز أخطبها وأجي أكلم أهلها ، حاسس انه عيب فـ حقي كراجل إن أول ما اتكلم أتكلم معاها هي وأرجع استني عشان أقرر أكلم مين الأول !! ، عشان كده قولت أرن عليه أقوله إني عاوزه شويه ونتقابل فحاجه خير عشان ميقلقش وبعد كده لو لقيت قبول منه هحس إنه هيبقي الداعم وأبوها يعرف من غير رفض لمجرد إني كلمته لوحدي مش مع حازم ، أنا مش مستعد للرفض يا فرح !"
صمت عندما إحتاج أن يأخذ مهله ليخرج بما يشعره ، وجدها تنظر له بدفء ويديها تمرر علي يديه بإطمئنان ثم قالت :
_" كل ده مش مهم يا عز ..عارف الأهم إيه ؟"
حرك رأسه بقلة حيله تعبيراً عن سؤاله وإجابته بنفس ذات الوقت ، فواصلت "فرح" تكمل له قائله بنبره هادئه :
_" الأهم يا عز إنك قولتلها وقولتلنا إنك هتحاول عشانها ، ومش بحبطك بس لو لقيت رفض مره متيأسش خليكّ برضو معاها وشويه واتقدم تاني ، أنا عارفه باباها عامل إزاي بس متأكده إن أخوها هيقف معاك علفكره هو محترم أوي بجد وإنتَ عارفه وهو صاحبك بردو ولو شويه ومعرفه ، وانتَ يا بخت اللي إختار قبلها انتَ ، عشان مهما لفيت عمري ما هلاقي زيك يا عز ، أنا بحبك أوي ونفسي ربنا يعوضك ويجبر قلبك وإن شاء الله هيحصل ويارب تبقى من نصيبكّ .."
نظر "عز" لها بتأثرٍ ثم أجابها بنبره هادئه بها بعض الضياع :
_" عارف يا فرح ، بس أنا مش مستعد ولا قلبي مستعد إنه يتكسر أو يترفض ، حبي ليها مش كفيل ولا مبرر إني أتقبل ، واثق إن كل اللي هيحصل هو خير من عند ربنا ، بس مش عاوز أشوف نظرة حد ليا بإني قليل عنها ساعتها ممكن أسيب أي حاجه وأمشي حتى قلبي اللي حبها ، بس مبانش قليل وضعيف قدام حد ، لو ده حصل أنا مش هعرف أعمل غير البعد مهما قلبي وجعني .!"
نظرت له "فرح " بلومٍ ثم حاولت التماسك وهي تلف ذراعيها حوله لتضمه ، ثم تحدثت بنبره مختنقه عندما دخل هو بين أحضانها وهي تستند علي كتفيه من الخلف :
_" بس يا عز متقولش كده ، إن شاء الله مفيش وجع ولا كسره ، كل اللي جاي قبول وبس خليك واثق من ده زي ما أنا واثقه إنك أكتر واحد الناس بتحلف بجدعنته وشهامته ، لو قولت كده تاني مش هسامحك ، وبعدين شيل موضوع التعليم ده من دماغك أو الفروق الماديه ، كلنا لها فالٱخر ، ومش كل واحد متعلم ومعاه كليه كويسه بيبقي شاطر ومؤدب ومفيش منه ، ولا كل واحد مش مكمل تعليمه يبقي إنسان بلطجي ومش كويس ، متمشيش مع اللي بيشوف كده لأنها الظروف !! ، الظروف يا عز خليتك كده غصب عنك ، تعبت وشقيت عشان أطلع دكتوره ، محرمتنيش من ورقه واحده كنت محتاجاها عشان أتعلم وأبقي أحسن ، شيلت من نفسك حاجات كتير عشاني وعشان ماما ، والدنيا ، الدنيا كفيله تعلم اللي مش متعلم وتعلم عليه أكتر ما تعلمه ، ساعتها الانسان اللي بيحصل فيه كده ببقي خبرته من الدنيا كبيره أوي وفاهم الدنيا صح ،صدقني مش لازم فكرة إنها دكتوره فتاخد دكتور أو مهندس وحد متعلم كويس ، دي عادات متخلفه إتعملت من الفضى عشان كل واحد بيشوف نفسه وميليقش بيه غير حد تعب زيه ! ، بس مش بينطبق ده علي كل الناس صدقني ، مش كل الناس تعبت ودخلت. حاجه عاليه ، ناس كتير أوي تعبت وملقتش بس مستنيه العوض ، وانتَ تعبت بس فحاجه تانيه غير التعليم ، وأنا تعبت بس ارتاحت وكبرت وبقيت وهبقي دكتوره عشانك وبفضلك بعد ربنا ، صدقني يا عز اللي هياخد شهاده التخرج ويتكرم علي التعب هو انتَ أصلاً ، انتَ مكانتك وقيمتك عاليه أوي ومش لازم كلنا ل نبقي من القمه اللي الناس عملوها من غير أسباب دي ، كلنا بنكمل بعض ، بس محدش لا هيقدر ولا هيعرف يكملني ويبقي جنبي زي ما كنت وهتكون انتَ ، أنا قولتلك قبل كده وبقولها تاني وهقولها علطول ..إنتَ عز الرجال "
كلمات صادقه مندفعه تبرر له سريعاً عن ما يفكر به ، خرجت مع حديثها دمعتها المكتومه عندما علمت أنه يشفق علي حاله بخزي من نفسه علي شئ لم يفعله هو من الأساس بإرادته ، إعتدل ينظر لها بتأثرٍ من كلماتها ثم أمسك يديها يضعها أمام فمه ليقبلها بامتنانٍ ، لقد فعلت كلماتها شئ بداخله ولو بذره ، هربت الكلمات من كل ما سمعه من دفاع عنه بواسطتها بدت شرسه بطريقه غير مباشره عند مس أحدهم بالحديث عن شقيقها عن شئ كهذا ، تنفس بارتياحٍ ثم نبس بنبره هادئه حنونه:
_" ربنا يخليكِ ليا يا فرح ، هموم الدنيا بتخف فثانيه من هوا نفسكم اللي خارج ، لما بحس إن نفَسكم خارج بـ راحه بحس ساعتها إني مبسوط والدنيا هتمشي حتي لو وقفت معايا ومحتاجه زقه عشان تمشي ، ربنا يبارك فعمركم وأفضل سند ليكم طول العمر "
إبتسمت له هى برضا وهي ترسل له عبر نظراتها بأن كل شئ لا يُقدر بثمن إلا بوجوده هو ، بل والقادم سيبقي علي مايرام ، تنفست بارتياحٍ عندما وجدته يتحدث بإريحيه ٱخذاً بنظرتها ولو بذره حتي يخفف ما يشعر هو به من نقصٍ ، لا يعلم هو بأنه خير من تعلم من هذه الدنيا وأخذ من الجوائز منها بما يكفي ، تعبيراً عن قوة تحمله ، مسئوليته ، رجولته ، صبره ، وقدرته على تحمل كبد وعناء عمله الغير هين !!
____________________________________________
في شقة "سُميه" وقف "غسان" ينتظر بالخارج في صالة المنزل "نيروز" التي ترتدي ملابسها في الغرفه بمساعدة "ياسمين" و"ورده" ، كان يقف وهو يوزع أنظاره علي الجالسين تاره وعلي باب غرفتها تاره أخرى ، كانت تجلس "سميه" بجانب"بدر" وعلي ساقيها "يامن" إلي أن تنتهي "ورده" بالداخل ، بينما كان يجلس "حازم" وهو صامتّ ، إستشعر "غسان" ما يشعر به الٱخر !!
_" أقعد يبني إرتاح علي ما تطلع!"
قالتها "سُميه" بهدوء ولطفٍ وهي تجلس ، بينما بالأساس كانت ستذهب معهم ولكن اعترضت "ياسمين" بأنها هي ستذهب معهما هي و "حازم" ، نظر لها بصمتٍ ثم هز لها رأسه بالنفي تزامناً مع فتح باب الغرفه ، الذي سمعه هو سريعاً ثم التفت برأسه ينظر من على. بُعد حتى وجدهن يخرجن ، "ياسمين" تمسك يديها بحنوٍ و "ورده" بجانبهما ، سار بخطواتٍ ثابته إليهم أكثر ثم أشار لـ "ياسمين" بأن تتركها ليسير هو بجانبها ، أومأت له بتفهمٍ حتى نظرت له"نيروز" بلطفٍ قائله بنبره هادئه :
_" أنا بقدر أمشي عادي ملوش لزوم "
_"طب اسكتي."
قالها بتبجحٍ وتعابير وجهه خاليه وهو يتمسك بيديها لتستند عليه ، نظرت له بدهشه من تبجحه في الأسلوب ، بينما سبق الإثنان أمامهما ، سارت معه بخطواتٍ متوسطه ، إلي أن وقفا أمام باب الشقه قبل أن تخرج هي ، وقفت "سميه" المتجهه لها تنظر لها بحنوٍ :
_" براحتك يا حبيبتي ، وهبقي أكلمكم أطمن !"
أومأت لها "نيروز" بينما وقف "حازم" ليسير بجانب "ياسمين " إلي الخارج معهم ، حتى أغلق الباب من خلفه وهي تتوجه لتجلس علي الأريكه مره أخرى بإنهاكٍ ، بجانب "ورده" التي لاحظت ملامح وجهها المرهقه ، بينما قطع حبل أفكارها نبرة "سميه" التي خرجت دون مقدمات :
_" ربنا يريح قلبك يا حازم يارب ! "
قالتها بخيبه نسائيه وهي تجلس ومن ثم أخرجت أنفاسها بصوت مسموع ، بينما هز لها "بدر" رأسه بتأييد ثم أردف يؤيدها بتفسيرٍ :
_" حاسس إنه مش أحسن حاجه من زمان أوي ، بس كأن موضوع نيروز ده جه عليه وكان التكه ، مع أن رد فعله مفيش!! بس أنا متأكد إنه بينهار ومش من الوقتي ده من زمان !"
أمسكت "ورده" يد صغيرها وهي تجلسه بجانبها تزامناً مع ردها وهي تلتفت برأسها لهم قائله بحزنٍ من حالتهم :
_" لا حال حازم كويس ولا جميله علفكره ، يعني صعبانين عليا لما هم نفسهم حاجه عكسه ، حازم طول الوقت كان معاكم وواقف جنبكم في الصعب قبل السهل ، وجميله نفسها أقرب من نيروز عنى كمان ، لما الواحد يفكر بيصعب عليه إنهم بيعطوا بس مبيخدوش زي اللي بيعطوه !!"
_" لا يا ورده ، مش هياخدوا غير العوض بس هي رحلتهم صعبه ومعايشه للأمر الواقع ولما يعطوا خير ربنا يديهم خير ، مش عكس ما الواحد يطلع وحش بسبيهم ويعطي وحش وياخد وحش ، إنتِ متعلمه يعني وعارفه إن كل اللي بيحصلنا فحياتنا ابتلائات من ربنا و اختبارهم صعب بس كل واحد ربنا حاطط ليه فحياته اللي هيعوضه أو حط بالفعل ، وبياسمين حازم مش هيحس بصعوبة الدنيا ، يعني ان شاء الله تكون ليه الركن والكتف الحنين ، وجميله إن شاء الله ربنا يعوضها باللي يستاهلها أو يعوضها بعد كده فـ شطارتها فـ شغلها حتى لو مش بتحبه ممكن ساعتها تعرف إن ربنا اختار ليها الٱحسن ، محتاجين نفهم دايماً إن ربنا لما بيقطع من حته بيوصل من حته تانيه ..!!"
أردفها "بدر" كلمه تلو الأخرى بصدقٍ ، أثر بالاثنان معاً ، حتى نظرت له "سميه" مبتسمه بهدوءٍ ثم هتفت برضا قائله :
_" ونعمه بالله يبني ، ربنا يجعل اللي جاي خير ويهون علي قلوبهم وقلوبنا "
«ٱمين» كانت الكلمه التي خرجت من فم الإثنان معاً ، بينما نظرت "سميه" لـ "يامن " وهي تفتح له ذراعيها قائله بدلالٍ له يتماشي مع كونها جده :
_" تعالى لـ تيته يا يامن ، أديني بوسه يلا .."
____________________________________________
بـشقة "عايده" ، كانت تجلس "جميله" بالصاله وهي تمسك بهاتفها بمللٍ ، وعقلها منشغل بالكثير ، ولكنها الٱن قد هدأت كثيراً عن أمس من فكرة خوفها علي "نيروز" ، بينما أصبح إنشغال عقلها الٱن بأن تفاتح والدتها بما قاله "عز" لها ، إلى الٱن لم تفتح معها ذلك الموضوع ، بل كل قرار تأخذه هي بفعل ذلك يحدث شئ وتنشغل به من زفاف شقيقها ومناسبة نيروز وما حدث أمس ، كانت الأجواء غير مناسبه لفتح ذلك ، تحرك إصبعها بملل علي الشاشه وهي تقلب بصفحه الفيسبوك الرئيسيه منذ دقائق ، ومن ثم إعتدلت بجلستها سريعاً ٱثر ما رأته للتو ثم شهقت شهقه عاليه ، جعلت والدتها تنتفض وهي تجلس بجانبها تقوم بخياطة بعض الملابس ، وضعت "عايده" يديها علي موضوع قلبها مردده بنبره قلقه بعد إنتفاضتها تلك :
_" وقعتي قلبي يا بنتي ، في ايه ؟"
إعتدلت "جميله" سريعاً وهي تفتح عينيها بصدمه قائله بغير وعي وهي تنظر إلي شاشة الهاتف :
_" مش معقول ، ده هما بجد .. أيوه هما "
قالتها بصدمه بينما إعتدلت"عايده" تنظر لها بغير فهم عندما هتفت الٱخرى بذهولٍ:
_" تريــنـد !"
_"ترينج ايه يا بت مش فاهمه حاجه!"
ضحكت "جميله" بخفوتٍ ثم حركت رأسها بقلة غير وغير تصديق بنفس ذات الوقت حينما وجهت الهاتف ناحية والدتها لتظر لها تزامناً مع قولها :
_" فيديو لـ غسان ونيروز تريند فيسبوك وهي ماسكه الورد وهو حاضنها حتى شوفي .."
نظرت لها "عايده " بدهشه بينما أمسكت الهاتف منها سريعاً وهي تنظر باهتمامٍ وهي ترى المقطع الذي ٱتي عندما أخذها "غسان" بين أحضانه بعد صدوح صوت الأغنيه وهي تمسك بيديها باقة الورد ، ثم حركت عينيها علي عنوان الڤيديو وهي تقرأ : « الحُب كما يجب أن يكون من جهة الرجال» مع وجود تعابير إلكترونية من قلوب حمراء كثيره ، والإعجابات التي تزداد !! ، لم تسمع هي سوي صوت "جميله " بضحكتها الواسعه بينما إبتسمت "عايده" باتساعٍ قائله بلطفٍ :
_" ربنا يسعدهم ويكمل فرحتهم على خير ، كان مين يصدق كل ده يحصل ، بس الله يحميه ابن دلال راجل وصاينها ومش قابل عليها حاجه وحشه أبداً ، ربنا يحميهم من العين ، وعقبالك يا جميله لما أفرح بيكِ كده .."
إبتسمت "جميله" بحبٍ علي ما أردفته كاملاً من أوله لٱخره ، بينما تنفست تخرج بمفاجأتها قائله بنبره هادئه لها :
_" بخصوص الموضوع ده ، كنت عاوزه أقولك حاجه مهمه .."
ترقبت "عايده" الٱتي باستغرابٍ وسرعان ما ابتهجت ملامح وجهها حينما هتفت الٱخرى :
_" أنا جايلي عريس بس.."
قاطعتها "عايده" بسعاده وهي تردد بغير تصديق:
_" بجد ؟ مين وشافك فين قوليلي !"
إبتسمت "جميله" علي ردة فعلتها ثم أجابتها بنبره ساخره وهي تطالعها :
_" عاوزه تخلصي مني بالسرعه دي يا عايده !! "
ضحكت "والدتها" بخفه ثم تحدثت تبرر لها بحبٍ صادق:
_" يا بنتي أنا نفسي أفرح بيكِ وأجوزك كده وأشوف عيالك ، حتى لو جوازك قبل ما تخلصي تعليم وتاخدي الشهاده ،معندناش مشكله لا أنا ولا أبوكى كمان ،بس أشوفك مبسوطه ومرتاحه وربنا يبعتلك نصيبك الللي يصونك ويحميكي يا حبيبتي .."
_" عالعموم اللي قالي إنه عاوزنى وهيكلم حازم أو بابا هو عز أخو فرح!!"
صمتت تتابع ملامح وجه والدتها ، فوجدتها تبتسم باتساعٍ ثم نظرت لها بغير تصديق قائله بحماسٍ:
_" صحيح يا جميله الكلام ده ! ، ربنا يجعله من نصيبك يابنتي ، واللهِ واد أمير ومراعي أمه وأخته ومحترم أوي ، أنا معنديش مانع إن شاء الله خير وأبوكى يوافق عليه وحازم يارب "
تنفست "جميله " بارتياحٍ من ردة فعلها ، بالأساس لم يكن هذا رد فعلها إن كانت زوجه وحيده لزوجها ، ولكنها تعلم جيداً الٱن أنها ليست بالمناصب العليا ،.وأن "عز" لم يكسرها مادام هو يراعى والدته وشقيقته منذ زمن ، بل ويكافح أيضاً بعمله لكي يستطع أن يجلب أموال تجعلهم قادرين علي العيش بسلام !! ، لا يـلدغ المؤمن من جحر مرتين ، وهكذا كانت ما تفكر به "عايده " بأنها لم ولن تعطي ابنتها لرجل لديه نقص ، ليس عادلاً. أو ما شابه !! ، جاءها صوت"جميله" بنيره هادئه وهي تقول:
_" تفتكري بابا هيوافق !"
تبدلت ملامح "عايده" للعجزٍ ، بينما تحاول جاهده أن تبث الثقه بها حتى قالت بهدوءٍ وهي تربط علي يديها بسعاده كي تستشفها الٱخري منها ولا تفكر بالأمر كثيراً :
_"إن شاء الله خير يا حبيبتي ، بس نتفائل خير وهو اللي هيحصل ، ربنا ما يجيب العكس أبداً ،ولو في نصيب إن شاء الله هيبقي من نصيبك غصب عن الكل كمان ، محدش بيقف قدام حكمة ربنا ، بس أصبري وتفائلي خير ، ونستنى اللي جاي .....لتكوني بتحبيه يا بت يا جميله ..!! "
قالتها "عايده" بدهشه بٱخر حديثها من طريقة الأولى التي كانت تنتظر جواب سؤالها بلهفه !! ، هربت "جميله" بأنظارها سريعاً ثم رددت بتبرير مندفعه بقولها :
_" حب ايه يا ماما بس ، لا عادي !!"
قالتها بسرعه ولم تعطي والدتها الفرصه بالرد بل نهضت تبتسم وهي تأخذ هاتفها ثم رددت بسرعه:
_" طب أنا هخش أذاكر بقا ."
تحركت سريعاً من أمامها لتهرب من نظراتها التي تكشف عن ما بداخلها أمامها ، حركت "عايده" رأسها بقلة حيله وهي تبتسم علي ما فعلته الأخرى للتو ثم أيقنت جيدًا كأي أم تشعر بأولادها لتعرف ما بهم سريعاً بأنها تشعر بشئ إتجاه الٱخر ، رفعت عينيها للأعلي وهي تتنفس بعمقٍ ، كعلامه للدعاء لها بصلاح الحال وحدوث ما هو خير وفقط !!
____________________________________________
كان يجلس علي مقعد بغرفة الكشف إلى أن تنتهي "نيروز" وكان "بسام" ينتظر بالخارج للإطمئنان علي حالهما مع شقيقتها وزوجها ، سمع "غسان " صوت الطبيبه من خلف الحاجز للدلاله علي الإنتهاء ، فنهض هو سريعاً بعد أن خرجت الطبيبه وبقت الٱخرى تعدل ملابسها لتستر ما إنكشف من معدتها ، بينما توجه "غسان" بخطواتٍ أكثر كي يمسك يديها لينهضها ، ابتسمت له "نيروز" بحنوٍ عندما أمسك يديها لتنهض هي ومن ثم نزلت الملابس تدريجياً من أثر نهوضها ، بينما سارت هي فمد يديه يعدل ملابسها أكثر من الخلف والأسفل حتى وقف يعدل حجاب رأسها أكثر ، نظرت له بخجلٍ ومن ثم ابتسم هو لها بإطمئنان ثم التفت ينظر إلي الطبيبه التي تحدجهم بإعجابٍ، بينما خرج صوتها قائله لهما بهدوءٍ :
_" إن شاء الله خير ومفيش حاجه الحمد لله ، حطيت لها لاصق طبي كبير علي المعده يشيل الوجع بالتدريج وتبقي تشيله بس بعد يومين كده ، وألف سلامه!"
ابتسم "غسان" لها بلباقه ثم أردف لها بتساؤل أظهر قلقه الواضح لهما:
_" يعني مفيش نزيف ولا حوارات من دي يا دكتوره؟"
كبتت الطبيبه ضحكتها من طريقة حديثه ، بينم ابتسمت وهي تجبيبه باطمئنانٍ :
_" لا مفيش حوارات يا أستاذ ، إنا عملت سونار وكل حاجه زي الفل "
هز لها رأسه بهدوءٍ ببنما مد يديه ليفتح باب الغرفه ، حتى سارت بخطواتٍ متوسطه وهي بجانبه ، ومن ثم ظهر أمامها "بسام" و"حازم" و"ياسمين" ، التي اتجهت صوب شقيقتها سريعاً لتطمئن علي حالها ، حتى طمئنتها. بهدوء وكذلك الٱخرين ، توجهت لتجلس هي علي أحد المقاعد بالطرقه لتستريح فأجلسها هو بهدوء ومن ثم جلس "غسان", بجانبها ، فوجدها تلتفت برأسها تنظر له بإمتنانٍ ، لظهور حنانه عليها التي لم تكن تعرفه هي ، إستشف. نظراتها له بينما مال يهمس بجانب أذنها لما قيل قبل قليلٍ :
_"عقبال ما تعملي سونار إبننا "
حركت "نيروز،" رأسها سريعاً بخجلٍ وهي تكبت ضحكاتها ثم نبست بنبره هادئه :
_" انتَ مش هتبطل أبداً اللي بتعمله ده ! "
حرك "غسان" كتفيه ببساطه ثم هز رأسه بالنفى ناظراً لها بتبجحٍ، بينما حركت رأسها منه بقلة حيلة صوب "ياسمين" و"حازم" و"بسام" من أمامها ، حيث كان "حازم", يغلق الهاتف بعد حديثه به وهو يسأل "بسام" عن غرفة أحدهم ، بينما توجهت "ياسمين" سريعاً ناحية "نيروز" ثم هتفت لها باقتراحٍ :
_" إحنا رايحين أوضة فرح ،عشان عز كلم حازم وعاوزه ، تيجي معايا نشوف فرح ؟"
نظرت لها "نيروز" بترددٍ بينما هتف "غسان" أولاً بتشجيعٍ لها :
_" روحي معاها علي ما أفك الجبس وهاجي أخدك بعد شويه "
قالها بهدوءٍ فأومأت له بالايجاب ، حتى نهضت هي لتسير بجانب شقيقتها ناحية "حازم" الذي سار بجانبهما حيث ما وصف له الٱخر ، بينما وقف "بسام" ينظر بأثرهما إلي أن إلتفت ينظر فوجد شقيقه يجلس يطالع أثرهما بشرودٍ ، توجه يقف أمام شقيقه ثم مد "بسام" يديه له لينهض ، فتمسك به "غسان" إلي أن وقف ثم وضع ذراعه علي كتفه بخفه وهما يسيران بجانب بعضهما ، فتحدث "بسام" تزمناً مع سيره بحديث أردفه علي مره واحده دون مقدمات :
_" مشيتها ليه ؟"
حرك "غسان" أنظاره ناحية عين الأخر فوجده ينتظر الجواب ، أما الٱخر فظل يتجنب ما يخصها إلي أن علم مجرد صدفه بأنها رحلت هي ووالدها من المستشفي بأكملها ، إنتبه علي صوت "غسان" وهو يجيبه بنبره هادئه صادقه:
_" عشانك ،عشان تبقى كويس"
_". و إن مبقتش يا غسان ، مش مبرر إنها تمشي هي ووالدها المريض وحالته مش كويسه عشاني ، أنا حاسس إنك ظلمـ.."
قاطعته "غسان" وهو يهبط يديه من عليه ثم توقف عن السير قائلاً بحزمٍ:
_" إسكت !! ، محدش إتظلم ولا هيتظلم غيرك ، انتَ مش كنت عاوز تسيب الشغل ؟ ولو. هي كانت فيه كنت انتَ سييته ؟! ،هتبطل تتعاطف مع الناس الغلط امته...، لو انتَ حاسس إنها اتظلمت كده فـ أبوها ، فانتَ اتظلمت أكتر منها بكتير ، قولي ٱخر مره قعدت قاعده كده مع أبوك وأمك امته ؟ ولا هزارك اللي كان طول الوقت شغال فالبيت وعامله صوت ، ولا حتى ٱخر مره قعدت مع أختك تشوف مالها ولا تتكلم وتفتح قلبك معاها ، مشوفتش منك غير إنك من ساعة ما هي ظهرت تاني خدت جنب من كل الناس وكأن كل الناس زيها ، دمرتلك علاقاتك وانتَ مش حاسس حتى لو بتحاول تعمل عكس كده ، معنديش إعتراض تاخد وقتك بس طول أوي يا بسام ، طول بسببك لأنك مش عاطي فرصه لنفسك تتخطى كل ده ، الحمل تقيل عليا من كل حاجه ، حب نفسك واتعافي أنا مش قادر أشيل من دماغي كل شويه انتَ عامل ايه الوقتي ولا حاسس بإيه. ، بتشتغل فالشغل ولا قاعد مش قادر بسبب نفسيتك ، بتتكلم مع غيرك ولا واخد جنب زي ما خدت مننا ، أمك اللي بسمعها تعيط بليل وهي بتصلي عشان تدعيلك ، ولا أبوك اللي مش قادر يفتح معاك الحوار عشان خايف لضعفك يظهر قدامه وساعتها أبوك مش هيستحمل يبص لك وانتَ كده ، ولا أختك اللي حست إنها قليله وحبك للتانيه أكتر من حبك ليها لحد الوقتي مش واثقه فيا إني لما إتجوزت نيروز مش هبقى معاها زي الأول ، إنتَ بتعمل فنفسك حاجات كتير أوي ، وبتعمل فيهم ، وفيا عشان أنا كل شويه دماغي مبتهداش وأنا قاعد بفكر فكل اللي هيحصل واللي بيحصل ، انتَ لازم تفكر فنفسك وفاللي حواليك مش فيك وفيها وفالحياه اللي وقفت عندك بسبب اللي هي عملته وانتَ وغيرك بيدفعوا التمن .!!"
وقف بنصف الطرقه متحدثاً بكل ما يفكر ويشعر به هو والٱخر ، كان حديثه يوصف مايشعره الٱخر بنسبه كبيره ، وقف "بسام " يستمع بخيبه له بل وما أن انتهى توجه يلف ذراعيه أعلي خصر الٱخر وهو يحتضنه بقوه ، من المفترض أن يحدث العكس ، ولكن إتضح من يأخذ القوه من الٱخر الٱن ، رفع "غسان" ذراعه ليربت علي ظهر الٱخر وهو يخرج أنفاسه ، بينما سمع نبرته وهو. يتحدث قائلاً بضغفٍ :
_" أنا أسف ليك وليا وليهم يا غسان ، أنا مش قادر صدقني بس بحاول"
ربت "غسان" علي ظهره بتحفيزٍ ثم تحدث بنبره هامسه وهو يدفعه عنه قائلاً :
_" طب ابعد ، ابعد الناس هتشك فينا يخربيتك "
قالها بطريقة مضحكه لكي يضحك الٱخر وبالفعل خرج من أحضانه وهو يكبت ضحكاته موزعاً نظراته علي من حوله بحرجٍ ، بينما أشار للٱخر بأن يتبعه ليقوم بفك جبسه كما أخبره شقيقه !!
بعد وقت قليلٍ بنفس المكان بغرفة "فرح" ، ٠جلست "نيروز" علي المقعد المريح وبجانبها "ياسمين"و من أمامهما "فرح" التي طالعتهما بسعاده من زيارتهما ، بينما خرج صوت "ياسمين" منها وهي تقول بمرحٍ :
_" كنتِ منوراني يا فوفو فالفرح بس زعلانه منك ، متطلعيش ترقصي معايا ، دي منه كانت خارباها عالٱخر وربنا إن ما طلعت بعريس من الفرح مبقاش ياسمين يستي هه ..."
ضحكتا الإثنان.وبقوه بينما نظرت لها "فرح " من بين ضحكاتها قائله بأسفٍ بأول حديثها ومرحٍ بأخره :
_" معلش كنت تعبانه شويه بجد ، وبعدين من نحية العريس فـ في واحد مش سايبها فحالها من يوم حنتك أصلاً ولما سألتها علي إسمه قالتلي إسمه شادي قريبكم ده؟"
ضحكت "نيروز" عالياً كما الأخرى تماماً ، بينما بررت الأولى لـ "فرح" قائله بعد إن علمت أن "نيروز" قد تزوجت "غسان " بعقد قران بمناسبه صغيره :
_" شادي ده صاحب غسان أصلاً يا فرح وسألني عليها كمان !"
ضحكت عليها بخفه ، ثم حركت "فرح" رأسها بقلة حيله منهما قائله بهدوءٍ :
_"لا بجد حالته صعبه ، وهي مش بتسكتله فـ بيزن عليها "
_" طب والله لا يقين علي بعض ، يعني هو شقي كده ودمه خفيف وهي جريئه ما تيجو نوفق راسين فالحلال إيه رايكم ؟"
لم تسمع "ياسمين" منهم سوى صوت الضحكات العاليه وصوت دقات الباب المتتاليه ، إعتدلت "نيروز" في جلستها سريعاً ثم نهضت "فرح" لتفتح الباب فوجد نستخين بجانب بعضهما ، ابتسمت بحرجٍ ومن ثم خرج صوت "بسام" من بعدها قائلاً بلطفٍ :
_"أهلاً يا فرح ، ممكن تنادي نيروز لـ غسان!"
أومأت هي له بالايجاب ولم تتحرك هي خطوه واحده بل ظهر من خلفها سريعاً "نيروز" و"ياسمين" بينما ، ابتسمت "ياسمين" بتفهمٍ حتى نبست قائله بنبره هادئه :
_" طيب روحي إنتِ يا نيروز معاه ، وأنا لسه قاعده هستني حازم يجي من برا مع عز وبعد كده هنروح ، خلي بالك من نفسك !"
أومأت لها بهدوءٍ ومن ثم خرجت خطوه واحده للخارج حيث يقف هو ، حتى رفع أنظاره من علي هاتفه الذي يمسك به ثم وضعه بجيبه بإهتمامٍ عندما وجدها من أمامه ، بينما دخلت "فرح " والٱخري ، ووقف "بسام" بجانبها ، وهو يسمعه قائلاً لها وهو ينظر بعينيها :
_" يخربيت حلاوتك هو اللي بيتعب ببقى حلو كده !"
قالها "غسان" بمرحٍ هو يرفع يديه يضعها علي كتفيها حتى يسير معها بينما تنحنحت هي بحرجٍ عندما وجدت الٱخر ينظر لهما بحرجٍ متنحنحاً بحنجرته ، نظر له "غسان" باستنكارٍ ثم هتف قائله بنبره مستفزه :
_" ايه يا عم ، مراتي !"
_"حقك يـ غُس الله يسهلك "
قالها "بسام" بمشاكسه بينما ضحك الٱخر بخفوت ثم إعتدل ليسأله باهتمامٍ:
_" هترجع إمته ؟"
_"بليل إن شاء الله"
قالها ومن ثم أشار له بالوداع عندما وجد أحدى الممرضات تهتف بإسمه من بعيد ، فنظر له "غسان" وهو يشير له بالوداعٍ ، بينما وجد "نيروز" تنظر له بتمعنٍ وهي ترفع أنظارها له ، فعاود هو النظر إليها حينها ثم هتف بنبره مهتمه يسألها :
_" عاوزه تروحي؟ ولا نروح نجيب الحاجه اللي كانت مفروض تحصل ومحصلتش ؟ !"
عقدت "نيروز" حاجبيها بتساؤل ثم سألته بفضولٍ:
_" حاجة إيه مش فاهمه !"
رفع يديه يضع كفها بداخل كفه ثم سار يسحبها خلفه بهدوء و بنبره لا تحمل النقاش هتف هو :
_" لا دا موضوع تسيبهولي أنا ،وتيجي معايا من سُكاتّ .."
ترقبت ما هو الٱتي بقلقٍ من طبيعته كشخص أهوج في بعض الأوقات ، بينما تابعت بصدمه ما يفعله عندما مسك يديها يسير بجانبها بصمت ولم يتحدث هو لها بكيف سيكون الٱتي أو ما هو من الأساس بل تعمد تجاهلها ..!
_____________________________________________
إلى الٱن لم يتحدث هو بموضوعه الذي طلب "حازم" لأجله ، جلس "عز" أمامه بـ "coffee shop" بجانب المستشفى ، إلى الٱن لم يكن الحديث رسمياً بل كلها تتعلق بأمورٍ حياتيه لا أكثر ، إرتشف "حازم" من قهوته بهدوءٍ قم نظر بتمعن يشجعه بأنظاره علي الحديث حينما هتف "عز" بنبره هادئه يجاهد بأن لا تخرج مهزوزه من ٱثر توتره :
_", الحقيقه يا حازم كنت عاوز أفاتحك فـ موضوع مهم ، جاهز تسمعني ؟"
_" انتَ بتقول ايه يا عز لو مش جاهز أجهزلك طبعاً ، اتفضل.."
قالها "حازم" باهتمامٍ ثم ترك كوب القهوه وهو يترقب الوضع ، أما "عز" فأخذ نفساً عميقاً ثم حاول قتل تردده وتوتره ، حتى هتف بنبره هادئه يفسر له بلباقه ويفاتحه :
_" أنا كُنت عاوز أخد الخطوه دي من فتره بس بسبب مرض والدتي حاجات كتير إتلخبطت ، كنت متردد بس قررت أحاول ، أنا عاوز أطلب إيد الأنسه جميله وأخش البيت من الباب وأمشي بالأصول وبحلال ربنا .."
صمت "حازم" بمفاجأه من عرضه ، بل نظر له بتمعن يستشف صدق كلماته هو يعلمه جيداً ولكن الأن إختلط الكثير بداخله ، تنفس بعمقٍ إلي أن إستوعب ثم هتف بنبره هادئه باسلوبٍ لطيف:
_" رغم ان أنا اتفاجأت ، بس انتَ محترم أوي يا عز وأي حد مكاني يتمناك لأخته بصراحه ، بس زي ما انتَ عارف محتاج أعرف أكتر عنك .. وأنا موافق مش عندي مشكله !"
ابتهجت ملامحه بشده ، ثم نبس يجيبه بنبره بها بعض من الحماس:
_" طبعاً حقك تعرف عني أكتر ، عندي كلام كتير يتقال ، بس الأهم إني أوعدك لو حصل نصيب هحافظ عليها وهصونها ، من نحية الشقه فـ البيت فيه شقتين شقة والدتي ودي اللي قاعد فيها معاهم لحد الوقتي وفي شقة تانيه فوقها علطول ودي بتاعتي ومتجهزه حتي لو مش أحسن حاجه بس ظبطها علي قد ما أقدر الحمد لله .."
صمت "عز" يتابع ملامحه المهتمه ، ومن ثم نبس بحديثه الٱخر الذي كان يتردد بقوله ولكنه قرر الحديث به كي لا يخدعه أمام ضميره :
_" وبصراحه عندي إخوات غير فرح من الأب بس مش ساكنين هنا عشان لو هتسألني على عيلتي وكده ، كان عندي أخت بس ربنا أراد إنها تموت ، وأخويا الحمد لله موجود لحد دلوقتي بس في بينا مشاكل مش مخليه علاقتنا أحسن حاجه لكن والدي ووالدته متوفين بردو ، عشان أنا عارف إن ممكن فرح متقولش لجميله عن الحوار ده لأن محدش بيتكلم فيه كون إنه حساس بس أنا داخل بالمعروف ومن غير تحوير وإن شاء الله تكون متفهم للوضع"
تنهد"حازم" يخرج أنفاسه وهو يرجع ظهره للخلف ثم تحدث بعقلانيه وتفهمٍ رغم صدمته :
_" بص يا عز أنا مقدر وفاهم ومش فضولي ولا بجح عشان أصر إني أعرف سبب الخلاف إيه ، بس الأهم من ده كله إن أضمن إن جميله متتحطش فضغط ولا أذي نفسي ليها ، كل اللي محتاجه منك راحتها النفسيه ، زي ما مش مهم إنك لازم تجيبلها بيت كبير عشان يليق ، انتَ راجل ومكافح وأنا عارف ده ، بس بردو أختي راحتها عندي أهم من أي حاجه ولو حصل ليكم نصيب واحده واحده هتفهم إنها مش محتاجه غير سند وضهر وحنيه !"
هز "عز" رأسه بتفهمٍ ثم تحدث قائلاً بوعده الصادق:
_" وأنا أوعدك إن لو حصل نصيب ، هبقى خير السند ليها وعمري ما هأذيها ولا هكسرها ، بالعكس هحاول وأعاملها بما يرضي الله "
_" علي بركة الله يا عز ، هكلم والدي فالموضوع وناخد رأيها وهكلمك تيجي المعاد اللي تحبه والمناسب ليك ولينا إن حصل نصيب بإذن الله. وكانت هي جاهزه ومرحب بالوضع دلوقتي أو لأ ، وإن شاءالله خير "
_____________________________________________
جلستّ بجانبه علي المقعد الطويل بالغرفه عندما دخل هو عليها قبل قليلٍ ، كان من أمامهما التلفاز ينير الغرفه بما يحدث بداخله ، وضعت هي صحن تسالي صغير ومن ثم جلست بجانبه منذ قليل ، كان "شريف" يعبث بهاتفه بإهتمامٍ غلفه بعض المللٍ ، بينما تابعت "فريده" التلفاز جيدًا بتمعن ، إلى أن حركت رأسها له بمللٍ ثم هتفت بما كانت تنوى قوله :
_" أنا زهقانه يا شريف ، وبصراحه عاوزه أكلم ماما أطمن عليها وإنتَ خدت التليفون عشان محدش يعرف أنا فين وشيلت الخط وبجد الجو زهق وأنا قلقانه !! .."
حرك "شريف" أنظاره ببطئ من علي هاتفه ثم وجهها على ملامح وجهها وبالأخص عينيها ثم هتف بنبره هادئه يهدأ من أفكارها بطريقه غير مباشره:
_" أنا شيلت التليفون يا فريده عشانك وعشان لو حد وصلك مش هيسيبك ، وبعدين أنا قاعد معاكِ ٱهو ومسليكـى عاوزه حاجه أكتر من كده !"
توقفت عن الحديث تتابع ملامح وجهها الحانقه الذي رسمها هو ببراعه ، ومن ثم أخذت أنفاسها ببطئ قائله :
_" طب ما تتكلم معايا يا شريف ، قولي حاجه عنك عن حياتك عيلتك بلدك كده يعني بدل الملل ده"
عائلته !! الذي كان والدها أحد أهم الأسباب الغير مباشره لتبخرها ! ، تنفس بعمقٍ ثم اعتدل بجلسته يرسم ابتسامه زائفه يجيبها بهدوءٍ :
_" ما أنا قولتلك إني مقطوع من شجره قبل كده !!"
_" قولي قبل ما تتقطع من شجره ، إحكيلي عنهم !!"
إصرارها ليس لصالحها بتاتاً ولكن علي أي حال تنفس هو بهدوءٍ ثم بدأ بالحديث باختصارٍ وكذبٍ :
_" كان عندي أخت بس ، وأبويا وأمي ماتو فـ حادثه وكان معاهم أختى ، فقعدت مع جدي وهو اللي رباني لحد ما مات ، أمي كانت ست عظيمه واستحملت كتير أوي فحياتها ، وأختي مكنش أطيب ولا أحن منها فالدنيا كانت أكبر مني ، لما الدنيا كانت تضيق بيا مكنش بيشيلني غير حضنها ، كنت متعلق بيها أوي .. الواحد لما يتعلق بحاجه بتروح منه بسرعه ولما يكون عاوز الحاجه تمشي بتفضل موجوده تفكره بحاجات هو مش عاوزه يفتكرها بس غصب عنه !"
وجد نفسه يسترسل بالحديث رغماً عنه ولم يكن مختصراً ، بينما كان يكذب هو بأوله والٱخر كان بمنتهي الصدق ، لاحظت عدم حديثه عن والده ورغم شفقتها إلا انها سألته بنبره فضوليه:
_" طب وباباكّ !!"
حرك "شريف" أنظاره صوب الهاتف يجيبها بغير إهتمام كي لا يتعمق أكثر:
_" الله يرحمه كان كويس بردو ، أصيل لدرجة اني ملقتش أصله فـ حد !!"
سخريه وتهكم وإستهزاء بداخله بل وألم ، نظرت له بحنوٍ ثم هتفت بنبره هادئه أثارت إهتمامه وجعلنه ينصت لها عندما تحدثت هي :
_" هقولك أنا بقا ، عاوز تسمعني ولا ؟"
_" أسمعك يا فريده لو كل الناس بطلت تسعمك !"
حديث معسول قاله لها باهتمامٍ وهو يبتسم بتكللفه كي تستطيع تصديقه ، وبالفعل حدث وواصلت تكمل هي بألمٍ تخرج ما بداخلها له ويا ليتها ، بل كان هو الشخص الخطأ !
_" لو هتكلم عني وعن عيلتي مش هعرف هقولك إيه ، بس أنا إتحطيت فمكان مش مكاني ، مكان كل ما بطول فيه بحس إن محدش عايزني مع إن المفروض إن دول عيلتي ، أُمي عمرها ما جربت تسمع مني كلمه دايماً معترضه على كل اللي بعمله حتى لو معملتش حاجه ، و بابا دايماً بيقعد يذلني يضغط عليا فـ حاجات مليش ذنب فيها ، طول الوقت شخط وشد مفيش مره كان لين معايا فيها ولا حضني فمره واحده أفتكرها عنده ، يمكن حازم أحسن منه بكتير مهما عملت فيه ومهما حصل مننا ليه من زمان لحد ما كنت ، فهو كان كل همه إنه يشوفني كويسه بس مبقتش أتقبل ده منه بسبب كلام ماما عنه ، يعني بحس إنه بيكرهني فنفس الوقت هو وجميله ، جميله اللي بحس إن قلبها بيلين تاني يعني بقعد أبص ليها أحس إن عيونها حضناني من غير ما هي تعمل ده ، مش فاهمه ده معناه ايه بس بحس إن نظراتها ليا كذابه ، يمكن هم أحسن من حسن ، عارف؟ ..حسن أنا بقعد أقول لنفسي إني بكرهه ، بكرهه من غير سبب واحد معين ، غير إنه كان بيفرد سيطرته عليا فبعض الأوقات وكان بيضربني وماما تسكت وبابا ، عمري ما شوفت منه نظرة حنيه واحده رغم انه أخويا ، أخويا مش زي حازم ، بس أنا مش واثقه فيهم مش قادره أصدق انهم بيحبوني عادي ، ساعات بقول لا هم كويسين بس كلام ماما عنهم بيشككني فكل حاجه بيعملوها !! "
صمت يستمع لها بإهتمام ، وملامح وجه قد تشنجت بطريقه غير ملحوظه ، مر عليه بالحديث والدها وشقيقها ، لم يحدث نفسه سوى بأن شقيقها سئ إلى هذا الحد دون أسباب قالتها هي !! ، لا لم ولن تثير شفقته ، بل مجرد خدعه هي ، رسم علي ملامح وجهه الحزن لأجلها ثم مد يديه لها حتى أمسكت بيديه وهي تتوجه له حتى تدخل تحت ذراعه ليحتضنها هو رغماً عنه ، مجبر على فعل ذلك ، بل وهو من يحتاج للأحضان والمواساه لذا لم يستطع تفوه أي حرف ليس من مشاعره كي يواسيها بل ربت علي ظهرها بمواساة فقط !!
___________________________________________
وقفت في محل المجوهرات تنظر علي ما أخرجه لها الرجل من سوارٍ وخواتم والأهم "الدبله " ، لم تعرف هي أنها ستذهب إلي محل مجوهرات بل فاجأها "غسان" إلي أن دخلت ووُضِعت أمام الٱمر الواقع ، تنفست "نيروز" بتوترٍ ثم رفعت أنظارها تطالعه بحنوٍ فوجدته يحثها علي الإختيار ، تركهما الرجل ليجلس علي بُعد قليل منهم إلي أن يتناقشا كما فهم هو ، وقف "غسان" يتابع ملامح وجهها بإهتمامٍ وهي تنظر له بل وتركت الأنظار من علي ما يوجد أمامها ، مجازاً بأنه أغلي أو أصبح أغلى ما يوجد لديها الآن وفيما بعد ، نظر لها بترقبٍ حينما نبست هى بنبره هادئه متأثره :
_" مكنش ده لازم يحصل ، أنا مبسوطه معاكّ من غير شبكه ولا دهب ولا أي حاجه من دي !"
حديثها نابع من قلبها بل وخرج بكل صدق ، ولكنه لم يتماشى مع العادات والتقاليد لديهم ورغم ذلك لم يكن يهتم هو بتلك العادات بل فعل ذلك لأجلها فقط ، وبالٱخص في هذا الوقت كي يخفف عنها ماحدث أمس ، إبتسم "غسان" لها بلطفٍ ثم أجابها بنبرته الهادئه حتى خرجت منه بثباتٍ غلفه حبه لها :
_" انتِ قيمتك أغلى من كده بكتير ، ولا لازم يحصل انتِ مش أقل من أي حد ، طب عيني فعينك كده ؟ والله نفسك تلبسي دبلتي !"
ضحكت "نيروز" بخفه وهي تنظر له نظره لم يعهدها هو من قبل ، وقبل أن يتأثر من نظراتها حثها علي الإختيار الٱخيراً قائلاً لها وهو يشير لها بيديه :
_" إختاري اللي هيكلبشك بيا يا رزه !"
التفتت تنظر له بعدما أومأت له بخجلٍ ، فاقترب الرجل أكثر وهو يبتسم بوجهه البشوش لهما ، أمسكت "نيروز" إحدى "الدبل " البسيطه التي لم يكن بها نقوش ثم أشارت علي قلب قلاده صغيره من حرف الـ« G» كعلامه بأنها ستحمل بعنقها حرفه هو فقط بعد قلادته التي كان بها قلب ورده ، نظر لها بإعجابٍ ثم قال بمشاكسةٍ :
_" حرف واحد بس ؟ مينفعش تشيليني كلي فرقبتك ، وربنا ده يوم المنى لما اتحط فرقبة حد جميل كده !"
ضحكت بخجلٍ ومن ثم سمع هو صوت ضحكات الرجل الذي كان يتابع الحوار ، تنحنح "غسان" ثم أردف بجديه لها قائلاً :
_" إختاري خاتم ليكِ ، ودبله ليا بقا"
نظرت علي المخصص للرجال بشكله المربع ، ثم أمسكت واحده بلونها الأسود ولم تختار هي الخاتم لها ، بل إلتفتت له فوجدته يمد يديه يمسك بالدبله التي اختارتها هي ومن ثم بحرفه الذي عُلق بسلسله صغيره بخفه من العامل ، بينما أمسكت هي دبلته حتى هتفت بنبره هادئه له :
_" كفايه دول وبعد كده إبقى هاتلي الخاتم عادي أنا مبسوطه بـ دول ـ !"
قالتها بقناعةٍ ، خاصةً أنها تعلم مدي غلو أسعار الذهب ، وبالٱخرى حالته الماديه التي لا تعرفها تحديداً إلى الٱن ولكن دفعه للأموال بالمستشفي الخاصه الذي يعمل بها شقيقه كانت كثيره إلى حد ما ، لا يعلم هو كيف تعلو بنظره وهي فوق أعلى إرتفاع ، هز لها رأسه وهو يفكر بأن يهديه لها بيوم الزفاف أو مناسبه أخرى ، ثم أمسك يديها ببطئ يدخل بها "الدبله" ومن ثم رفع القلاده ثم توجه من خلفها يلبسها القلاده علي ملابسها فالتفتت تنظر له بسعاده ثم رفع هو يديه أمام يديها فأمسكت كفه الأيسر تضع به "الدبله السوداء" خاصته ، مما يعني بالأيسر بأنهما متزوجان ! ، ورغم تفاجئ العامل بموضع إرتداءهما إلا انه أشار للفتاه العامله معه بأن تزغرط ، وبالفعل صدحت زغروطه عاليه بالمكان ببهجه ، لم يترك يديها بعد أن ألبسته بل تمسك بها ثم رفعها أمام فمه ليقبلها برقه ومن ثم رفع يديه الإثنان يأخذ رأسها بين يديه يقبل قمتها ، ابتسمت هي بسعاده ومن ثم تأثرٍ ولأنها تفهمت الوضع جيدّا. فيما هو ٱتى نبست بنبره هادئه تزامناً مع سيرها :
_" هستناك بره فالعربيه ، علي ما أظبط حجابي وكده "
قالتها بكذبٍ كي لا تضعه بموقف محرج بسبب الحساب ، ضحك بخفوتٍ علي ما أوصله لها عقلها وهي تخرج ، تلك الغبيه ؟ أتظن نفسها بأنها مخطوبه وليس الواقف هو زوجها بل والمسئول عن تكاليفها ومصروفاتها بعد الٱن !؟ ،توجه للعامل يستعلم عن الحساب وهو يأخذ منه العلب الفارغه الخاصه بما في أيدي كل منهما وعنقها ، بل ينتظر فقط الفاتوره !!
جلست بالسياره تتنفس بعمقٍ وهي تغمض عينيها بسعاده ، الٱن تشعر بأن يربطه بها شئ حقاً كمثل باقى الفتيات ليس كجشع و طمع ولكن الفكره بنفسها لاقت إعجابها وتأثرها بها جعلها تنظر لنفسها مجدداً بأن العوض منذ وفاة والدها كان هو !! ، لا تعلم لما نزلت منها دمعتها إلى الٱن ولكن كل شعور كان يجب شعوره عن عقد قرانها وربطها بإسمه تستوعبه هي تدريجياً ، خرجت من شرودها سريعاً عندما وجدته يشير أمام وجهها وجالس بجانبها بالسياره ، يبدو أنها شردت لدقائق ، ابتسمت له بحنوٍ حينما مد يديه بكيس به بكوس صغيره خاص بالمجوهرات ، ثم إعتدل يأخذ هاتفه من جيب بنطاله ثم مد يديه لتضع كفها الأيسر بكفه ثم وضعهما علي الدريكسيون الخاص بالسياره كطريقه حديثه لما يراه علي مواقع التواصل الاجتماعي ثم ضغط هو علي زر التصوير ليأخذ لهما الصوره !! ، سحبت كفها سريعاً بعد أن انتهى ، ثم غمز هو لها بإعجابٍ حتى بدأ ليحرك السياره ، تزامناً مع قوله المهتم:
_" مبسوطه ؟"
_" أنا بحـبكّ يا غُس!"
أقالتها مجدداً بصدقٍ دون شعور منه لتتحدث كذلك ، أم أقالت ذلك الإسم الذي لا يحبذه هو ، أوقف السياره علي فجأه حتي اندفعت هي إلي الأمام بخوفٍ وهي تنظر له باستفهامٍ ، فوجدته يتحدث قائلاً وهو يكبت ضحكاته :
_" قولتي ايه ؟"
نظرت "نيروز" له باستنكارٍ ثم هتفت تتخلى عن خجلها:
_" قولت يعني إني بحبك وكده .."
_" لا دي عارفها دي ، اللى بعدها بقا ؟"
قالها بثقه جعلتها تنظر له بغيظٍ ، فخرجت صوت ضحكاته العاليه وهو يردد من بينها :
_" انتِ عارفه المشكله فـ ايه ؟"
_" ايــه ؟"
هدأت ضحكاته ثم أمعن النظر بوجهها المستنكر من ردة فعله فواصل هو يكمل بتوضيحٍ :
_" إنه طالع منك حلو أوي ، هعتمده بعد النهارده خلاص !"
ضحكت " نيروز " بخفه عندما وجدته يحرك رأسه ناحية الطريق ليكمل سيره ، حتي هتف هو بنبره هادئه جاده :
_" عاوزه تقعدي فـ مكان ولا عاوزه تروحي ترتاحي ؟"
تنفست بعمقٍ ثم نظرت له بترددٍ للحظاتٍ إلى أن هتفت علي مره واحده تهزم صوتها الذي ينفي ، ثم قالت بما كانت تريد أن تفعله وبشده:
_" عاوزه أروح المقابر !"
لم يلتفت لها هو ، بل إبتلع ريقه من ما قالته ، وهو يعلم ماذا تريد هي بعدما استشف طريقة حديثها ، كي لا يشعرها بالغرابه أو الإشفاق لم ينبس بحرف بل هز رأسه فقط ، وكون المكان التي تقول هي عنه قريب من مكان سيره الٱن فلم يأخذ هو سوى بضعة دقائق ، أخذ أنفاسه بهدوء وهو يحاول بأن يبقي ثابتاً بعدما قالت هي بتوضيحٍ. :
_" عاوزه أشاركه فرحى زي ما كنت بروح وأشاركه كل الوحش اللي كنت بحس بيه فـ غيابه ، أشاركه إنتَ وأقوله إنى أخيراً لقيت حد زيه فـ حنيته وحبه وأمانه وحتى سلامه وكلامه اللي بيطمن .."
طريقتها في قول كلماتها أظهرت وبشده مدي تعلقها بوالدها وليس به أولاً ، لم ولن تسطع الكلمات وصف شعور من فقد والده , عجز عن الرد رغم كلماتها الممزوجه بمدحها به ،لايريده هو بل يريد تعافيها ! ، خانته شفقته وحزنه لأجلها رفع ذراعه وهو يمسك بالٱخرى يقود السياره بينما مد الآخر علي بُعد لها كي تدخل هي تحت ذراعه ولم ينبس بأي حرفٍ ، أما هي فتمكست بقوه حتى لا تبكى ، صف السياره بأحد الجوانب سريعاً ، بينما إعتدلت هي كي تستعد لتهبط من السياره ، تزامناً مع هبوطه هو الٱخر ، وقف "غسان" أمام البوابه بينما وقفت هى تلاحظ وقوفه بمكانه ، إبتسمت له بهدوءٍ وتفهمٍ لما يفكر به هو ، لا يعلم بأن هذا مصدر راحتها وليس حزنها كما يشعر ، وقف "غسان" ينظر لها بتعاطفٍ من ما تفعله ومن ثم خرجت منه كلماته التي عبرت عن مدي حفاظه علي عدم شعورها بالحزن والقهر :
_" بلاش يا نيروز ، حاسس إن كده بوجعك!"
يحمل نفسه الذنب ! لما تشعره هي ، بسبب ما شعرته اتجاهه ، أم يريدها بأن تكون قويه ، زيارة المقابر تكسر بذلك الوقت ! ، هزت رأسها له بالنفي ثم وضعت كفها بكفه قائله بنبره واثقه رغم ضعفها الداخلي :
_" مش بتوجع ، بالعكس أنا جايه بفرحى ليه هو ، هو اللي يستاهل يشاركنا اللحظه دي الوقتي !"
لايريد بأن تتأخر حالتها ، لا يعلم هو زيارتها له بين وقت والٱخر، سار بجانبها ثم دخل من البوابه الكبيره ، بصمتٍ وهو يتنهد ليأخذ أنفاسه ، سار خلفها بينما كانت تتحرك بخفه وكأنها تحفظ المكان عن ظهر قلب ، لم تمر سوى دقائق صغيره حتى وقفت أمام قبره ومن ثم وقف هو بجانبها ، لم تتحدث هي بل وقفت تنظر علي القبر لفتره ، بينما ابتلع "غسان" غصه مريره بحلقه وهو يخرج أنفاسه الثقيله من علي صدره ، هربت الكلمات منها ؟؟ هي المعتاده دائمًا علي الحديث عنها بالحزن فقط ، كيف ستشاركه فرحه تفرح هي بها ولكنها تقهر لعدم وجوده بجانبها ، تظاهرت بالقوه أمامه بينما كان يعلم هو مدي ضعفها الداخلي ، إلتفت يضمها بقوه وعلى فجأه بأحضانه ! هذا ما كانت تريده بموقف كهذا ، هي التي وقفت أمام بحر تائهه ثم قررت بأن تقفز لتغرق فوجدت أحضانه بقاع البحر !! ، التفت كلتا ذراعيه عليها يأخذها بعناقٍ طويل وهو يضمها بقوه غير عابئاً بنظرات من حوله بل مهتم فقط لها ولما تشعره الٱن ، بكت بأحضانه بحرقه لا تعلم هي كيف الحديث وكأنها طفل رضيع هبط من رحم والدته لأحضان والده ! ولم يكن والدها بتلك اللحظه سوى هو !! ، حاول جاهداً علي أن لا تهبط دموعه ليس لمن يجلس حولهم من الزيارات بل لأجلها ، خرجت نبرته المختنقه سريعاً وهو يواسيها ومع ضمه لها بقوه ، حتى أنها لم تري هي سوى ظلام أحضانه بالداخل وتسمع فقط صوته المختنق الذي يوحي بٱخر ذره بالتماسك :
_" ادعيله ، إدعيله يا نيروز ، والله هو فـ مكان أحسن من ده بكتير ، بس متعطيش عشاني ، متعيطييش وأنا هفضل جنبك مش همشي ، مش هسيبك بس أ.."
لا يعلم لما لم يقوي علي الحديث أكثر ، لم يشعر بنفسه سوي عندما أخرجها من أحضانه ثم رفع كفيه يمسح دموعها برفقٍ ثم ابتسم لها بإنكسار أخذه منها يقسم هو !! ، ثم رفع يديه يمسك بيديها يخرج من المكان بأكمله ، مقرراً بعدم الحديث بهذا الموضوع وكأن شئ لم يحدث حتى تتماسك هي أكثر ما دامت هذه هي حالتها عند رؤيتها القبر ، بكائها وهي تقف أمام قبره يقسم لها بقولها المكتوم بداخلها :
"و قُل لمن سكن القبر ، بأنه واللهِ مازال يسكن القلب... ولن يرحل..!"
____________________________________________
بعد مرور وقت ، جلست تحدجـه بغضبٍ منذ ما حدث وهي تتحاشي الحديث معه عندما تركها ولم يحاول الدفاع عنها !! ، إعتدلت في جلستها ثم أمسكت المحرك الخاص بتغير قنوات التلفاز لتغلقه وهو يجلس من أمامه ، إلتفت "سليم" بوجهه سريعًا ينظر لها بإستفهامٍ ممة فعلته بينما نظرت له بصمت وهي تنهض للتجه ناحية الفراش ، فنهض هو يحدثها بنبره منفعله :
_" انتِ مش شايفاني قاعد بتفرج، ولا خلاص اللي اتعمل فيكِ النهارده عماكى "
كرامته تكاد معدومه إذن ، نظرت له باشمئزازٍ ثم هتفت قائله بتهكمٍ:
_" كويس إنك عارف اللي إتعمل فيا النهارده ، قاعده مستنيه أشوف هتجيبلي حقي إزاي بس أنا شكلي مش متجـوزه راجـ.."
قطعت استرسال حديثها عندما وجدته يدفع الزجاجه من أمامه لتقع أرضاً مردفاً بنبره عاليه:
_" لو قولتيها هزعلك مني يا زينات ، حطي لسانك جوا واسكتي فاهمه ؟؟"
صمتت " زينات " تتابع ملامحه الجاده بما قاله ثم رأته ينظر لها بمللٍ حتى أردف قائلاً تزامناً مع سيره للخارج :
_" سايبلك المكان ببعضه ، عشان ترتاحى وتريحي ."
لم تسمع هي سوي صوت إغلاق باب الشقه بقوه بعد لحظاتٍ ، خرج "سليم" من الباب وهو يصفعه خلفه بعد أن جذب المفتاح سريعاً ، كانت ملامح وجهه متهجمه إلى حدٍ كبير، سمع هو صوت فتح المصعد قبل أن يضع المفتاح بـ باب شقته الثانيه ، تطلع عليهما بكرهٍ ما أن. ظهر هو وهي بجانبه ، ولم يظهر من المصعد سوى "غسان ونيروز" ، تبدلت ملامحها للقلقٍ عندما وجدت "غسان" يقف بمكانه وقد امتنع عن السير ما أن رٱه ، تطلع "سليم" عليهما وهو ينظر من أعلى لأسفلٍ بغيظٍ إلي أن هتف "غسان" بنبره مستفزه يسأله من ٱثر تطلعه :
_" ايه يا متر الـ outfit مش عاجبك ولا إيـه ؟"
قالها وهو ينظر له بكيدٍ عندما رٱه ينظر عليهما من أعلى لأسفل ، حاول "سليم" أن يتعامل ببرودٍ كما يفعل الٱخر معه كي لا ينفعل ويخسر ، أجابه بنبره هادئه بارده وهو يبتسم بتهكمٍ :
_" هو مش اللبس بس لا دا الشخصيه والأسلوب والمعاملة وكلك علي بعضك !"
ضحك "غسان" بطريقه مستفزه بارده ثم إلتفت برأسه ناحية "نيروز" يسألها باهتمامٍ :
_"عارفه غسانّ البدري قال إيه يا رزه ؟"
طالعته هي بترقبٍ ، بينما إبتسم "سليم" بسخريه علي ما يفعله ومن ثم تهجمت ملامحه سريعاً حينما هتف "غسان" يجيب علي سؤاله وحديث الٱخر عن شخصيته وما لا يحبذه به :
_" بيقول ، اللى مش عاجبه شخصيتي ينزل ياخد سيلفى مع جزمتي ..يا متر !"
إهانه .؟ بل وصريحه ومباشره ، إغتاظ "سليم" أكثر حينما وجد الٱخري تضع يديها تكتم ضحكاتها علي ما فعله الٱخر ، التفت بغضبٍ بعد أن حاصره يفتح الباب بالمفتاح حتى فتحه وقبل أن يغلقه بقوه من خلفه سمع صوت "غسان" ينادي مردداً بضحكٍ :
_" استنى بس .. نسيت السيلفي !! "
لم يجد الرد سوي صفعة الباب القويه بوجههما ، نظرت له "نيروز" بقلة حيله ، فواصل هو يكمل لها بتفسيرٍ مع ملامح وجهه الحانقه :
_" لا عصبي أوي ، وبعدين احنا منقلناش من عماره تانيه عشان عمك ينقلنا تاني من دي بسبب رزعه الباب كده هو ومراته ، أنا مش حمل فرهده ، دي مبقتش عيشه !!"
ضحكت من عبثه ، بل وطوال الطريق يقصد بأن تضحك هي كي لا تشعر بما فُعل قبل فتره تعامل معها وكأن شئ لم يكن توجهت تدق جرس شقتها وهي تضحك بخفه ببنما كان يقف هو بجانبها !!
____________________________________________
_"فين بنتكّ..؟! "
كلمتان قالهما "سليم" الواقف أمام أنظار "عايده" الجالسه على المقعد بالصاله بينما كانت "جميله" بالداخل تذاكر ما فُرض عليها مذاكرته منذ أن جبرها ذلك الواقف !! ، طالعته هي باستغرابٍ من طريقته الحاده في طرح سؤاله ، ربما قد حانت اللحظه الحاسمه الٱن بمواجهتهم بعد أن علم أن "حازم" قد تخلى عن الوقوف بجانبه ، لم تجيبه هي وهي تنظر له بقلقٍ بعد أن علمت ما يود قوله وفعله ، أشار أمام وجهها بإنفعالٍ ثم ردد بنبره قويه :
_" أنا بكلم نفسي ولا ايه ! "
وقفت "عايده" أمامه بعد أن كانت جالسه ، ألا يعلم هو بأن ابنته بالداخل ؟! تأكدت شكوكها به ثم خفق قلبها بقلقٍ عندما نبس هو بوعيدٍ :
_" كنتِ عارفه إنتِ وبنتك انه هيتجوزها وهيكتب كتابه من ورايا صح؟ بتســـتغـــفــلونــي ؟!"
وقت ممارسه نقصه عليهما قد حان ، لاحظ ما حدث منهم منذ فتره ولم يخرج هو لهما سوى في هذا الوقت بسبب ما فُعل أمس ، حديث زوجته الثانيه في كل مره واضح وغير واضح ، مباشر وغير مباشر يؤثر به وبشخصيته الضعيفه حتى لو كان يظهر عكس ذلك في بعض الأوقات ، إنتفضت "عايده" على أثر صراخه بها ، حاولت التبربر سريعاً كي لا يتوجه لغرفة "جميله" ويفعل ما تهاب هي أن يُفعل ، تعلثمت بالحديث وهي تبرر له قائله بنبره قلِقَه :
_" لا ، مـكنش ..حد عارف غـيـ. ـري جميلـه مكـنتـ.."
وقبل أن تكمل كلماتها ظهرت "جميله " من خلفه ومن ثم قاطعتها سريعاً وهي تتحدث بنبره عاليه وصلته :
_" لا كنت أعرف معاهم ، وكنت عارفه كل حاجه وهيمشوا إمته وفين!"
تزيد من إنفعاله ، إلتفت ينظر لها بغضبٍ من جرأتها وصراحتها ، تحت أنظار "عايده" الخائفه ، خرج صوته المُنفعل يجيبها باستهزاءٍ وتهكمٍ :
_"دا إنتِ بجحه بقا وإتجرأتي وبقا ليكِ صوت من ايه ده بقا فهميني!"
كلماته تزامناً مع نظراته عليها وهي تقف أمامه بعدما إلتفت لها ، نظرت له بتعابير وجهها الغير واضحه بأي شعور إلا عندما تشجنت مع قولها الواضح له :
_" بجحه عشان وقفت وخبيت علي الصح واللي المفروض يتعمل ؟! ، مش فاهمه مين ممكن يعمل كده فـ بنت المفروض يكون ليها السند ، مش القهر ، عملت إيه غير إنك كنت ماشي فخطوة إنك تكسرها وتجوزها واحد غصب عنها مش خطوبه كمان ، يعني جواز غصب وفجأه !! ، مفكرتش فيها وهي ملهاش أب يقفلك ولا يقف لجبروتك ، متدايق عشان خبيت إنها خلاص هتتجوز اللي بقا يقفلك ويقف لمراتك ، ممكن تقولي لو حد جه وفرض عليا أتجوز غصب وعاوز يكسرني كان هيبقي رد فعلك إيه ؟ ..ولا حاجه عشان طول عمرك كاسرني ومش عارفه أتعافى من ده ، أتوقعها منك إنك تجيبلي أنا واحد مبحبهوش ولا أعرفه وتجوزهولي غصب ، ما هو اللي بيجي علي بنات الناس ويعمل فيهم إيه ، بيتردله فـ بناته ومراته ، قولي مفكرتش فريده فين لحد دلوقتي ، لما هي كويسه ومش فمستشفيات ولا سجن ولا غيره ، إيه اللي خلاها تمشي من غير سبب واضح ، أقولك أنا إني شكيت شك كبير وإحساس جوايا بيقولي إنها مشت بسببك ، محدش ممكن يفكر فـ كده علطول غيري أنا ، عشان عارفه هي ممكن تحس بـ ايه ، واللي بيتعمل يخليها تسيب الدنيا وتمشي مش البيت ، انتَ راجل ظالم ومفتري ومتستحقش تكون أب ، هان عليك كسرة حازم وهو لسه متجوز ومن حقه يفرح ، هان عليك تبقى عينه فالأرض من الناس والقرايب بسببك ! ، ليه تخلي شكله كده قدام مراته اللي أختها لعبه فـ. إيدك وعاوز تحركها زي ما انتَ عاوز لمجرد إنها رفضت حاجات وعملت حاجات انتَ مش عايزها ، أنا عمري ما هسامحك علي العذاب اللي انتَ بتعيشني فيه كل يوم ، حتى لو مبتعبرنيش وحازم كان هو. المسئول فالفتره الأخيره بس وجودك ذات نفسه قافلني من الدنيا واللي فيها ، قـــــولي بـــتــخلـــفنـا ليه مــادام بتـــأذيـــنــا ..!!"
صراخٌ كاد يقطع من أحبالها الصوتيه ، مع بكاء عينيها والدموع المنهمره منها ، تتألم الٱن من مجرد رؤيته ليس بما يفعله فقط !! ، وقفت أمام وجهه المتشنج المصدوم من ما خرجت به هي ، رفعت يديها بسرعه تمسك يديه بهستيريه وهي تحثه قائله باندفاعٍ :
_" يــلا القــلـم مترفعش علي وشي ليـــه ، إضـــربنـــي عشــان ترضي نفسك ، إضـــــربني!!"
حثته بقوه علي أن يصفعها كما كانت تنتظر هي ، ومن ثم تفاجأت هي بوالدتها تدفعها بسرعه عنه قبل أن يرفع يديه ، ثم وقفت "عايده ". أمامه ومن ثم الٱخرى خلفها ، خرج صوت "سليم" الذي بدت تعابير وجهه بارده ولم يرفع يديه ليصفعها كما هو متوقع ، بل رد عليها بنبره هادئه جاده :
_"ظـلمتك فـ إيه ، عشان عاوزك أحسن واحده ، وأخوكى !! اللي خدته معايا وعلمته فوق علامه عشان يبقي مجتهد وقيمته عاليه وسط الناس ، بنت أخويا اللي عيارها فلت وكانت عاوزه تتربي ، وأجوزها راجل عادي يستتها فـ بيته وتتلم !! ، بدافعي عن كل ده وسيبتي أبوكِي ومرات اخوكي اللي متربتش وكل ساعه تتكلم بكلام جاي من قلة تربيتها ، بتهين أبوكي فوسط الناس وانتِ. وأخوكي ولا هنا ، إيه الظلم فحاجات بتتعمل حتى لو فرض بس ده الجزاء ! ، ما تقـــولي !"
ٱخر حديثه لها كان صراخ لتجيبه هي ، تخطت والدتها بانهيارٍ ثم هتفت بصوتٍ عالى تبرر بنبره قويه :
_"مــش انـــتَ اللـي تفــــرض عليــنا كلنا حاجات مبنحبهاش ومش عــاوزيــنها ، كفــايه ظـلم بقا !!"
لبى غرضها وطلبها الٱن حينما نزلت صفعه قويه علي وجهها منه وبشده ، دفعتها "عايده" سريعاً بعد أن صُفعت تأخذها بين أحضانها بينما خرجت"جميله" من أحضانها بإندفاعٍ ثم رفعت يديها تمسح دموعها بتحدي قائله كلمه واحده عكس ما يحدث وما حدث وما سيحدث :
_" عـــــادي"
لم يكن عادياً بتاتاً ، بل والٱن أصبحت لا تخافه ولا تهابه بسبب ما يفعله هو ، للطاقه حد معين ! حديثها المتألم صحيح أما الطريقه فيجد البعض بأنها صحيحه والبعض الٱخر بعكس ذلك ، لا يتوجب عليها معامله والدها كذلك !! ولكن طاقتها وما فعله الٱخر بها له رأي ٱخر ، نظر هو على ٱثرها ببرودٍ. وهي تتحرك من أمامه تتدخل غرفتها ، بينما التفت ينظر علي " عايده" التي هبطت دموعها بغزاره ، رفع يديه يدفعها بعيداً عنه بهدوءٍ ثم توجه ليخرج من الشقه بأكملها دون نبس أي حديث تاركها من خلفه منهاره وهي تتوجه لتدق علي غرفة الٱخرى بعجزٍ. !!
_____________________________________________
وقف معها بشرفة الصاله بعدها دخلا هما وجاءا من الخارج ، وجد هو والدته ووالده ٱتيان لحث الٱخرين علي العزومه لديهم في الغد ، ومن ثم نادت "سُميه" "شادي" بأن يأتي ليجلس معهم ، حتي "وسام" التي جاءت لهم بعد فتره كبيره من مذاكرة دروسها ، بالطبع هلل الجميع ببهجه وسعاده عندما علموا هم بما فعله "غسان" من إرتدائها الذهب وهو الٱخر بما يردتيه بإصبعه ، وقفت "نيروز" تتنقس بعمق وإرتياحٍ وبيديها كوب من العصير ويقف هو بجانبها ، إستشف ملامح وجهها التي ظهر عليها الإرتياحٍ ، إلتفتت بوجهها تنظر له فوجدته يطالع ملامح وجهها. الهادئه ، إبتسمت له بإتسـاعٍ ثم تحدثت يإهتمامٍ وعفوية خرجت منها عندما دققت النظر بوجهه:
_" عينك حلوه أوي !"
كانت عيناه عاديه فقط ما يجعلها جذابه ليس بلونها بل بأهدابها الكثيفه والسوداء ، ورغم جرأة ما تحدثت به ولكنها تعتاد أكثر عليه وعلي فكرة وجوده بجانبها كونه زوجها ، إبتسم "غسان" بهدوءٍ ثم أجابها بنيره عميقه لينه :
_" هي فعلاً حلوه عشان مختارتش تشوف حد غيرك حلو !! "
غمزت هي له هذه المره بمشاكسـه ثم أجابته بنبره متسليه وحديث أخذته منه هو مما جعله ينظر له بدهشه وإعجاب بنفس ذات الوقت :
_" ثبتني يا بن البدري ..!"
_" أقل حاجه عندي يا بنت الأكرمي !"
قالها رغم دهشته من حديثها المريح ، ضحكت هي بخفه وهي تحرك رأسها صوب "شادي" الذي كان يحمل "يامن" على ذراعه بمرحٍ ومن ثم دخل يقطع عليهما اللحظه في الشُرفه ، بينما حمله "غسان" منه بحنوٍ وهو يقبله بمرحٍ وقف "شادي" ينظر لها متحدثاً بنبره حانقه علي فجأه :
_" يعني مش هتجيبي رقم منه ؟"
حركت رأسها بالنفي وهي تضحك بخفوتٍ بينما دفعه "غسان" بمشاكسه تزامناً مع حديثه :
_" إصرارك غريب يا شادي ، مش ملاحظ إنك طولت أوي عن العادي فالحكايه دي !"
رفع "شادي" يديه يضعها وجنتيه بهيامٍ ثم ردد بنبره هائمه قائلاً:
_" مش قادر أتخطى عيونها ، علي رأي ويجز ليه عيونك قناصه ومتراعيش الجريح ! ! "
_" ده أنا اللي هجرحك الوقتي حالاً .."
لم تكن الكلماتّ سوى من "حامد" الواقف خلفه خارج الشرفه و "بدر" الذي بجانبه يقف هو ، إلتفت "شادي" ينظر له وهو يكبت ضحكاته بينما نظر له "حامد" باستنكارٍ مردداً بمزاحٍ. :
_"مين دي اللي عامله عليكّ تقيله ومجنناك فـ عيشتك ياض!"
_" مِنَّه !! ، مِنه التي ما ان أراها أكادُ من فرطِ الجمالِ أذوبُ !"
قالها بهيامٍ فوجد "حامد" يمصمص شفتيه برواقه ، بينما هلل "بدر" و "غسان" بمرحٍ وإعجاب ، في حين ضحكت "نيروز" عليه ، بينما هتف "حامد" بعدها بنبره جاده:
_" والله لو الموضوع جد ياض يا شادي لٱجي وأخطبهالك.."
ضحك "غسان" بقوه حتى أنه أردف كلماته من بين ضحكاته القويه :
_" جد ، شادي وجد !!"
طالعه "شادي" بضجرٍ بينما ضحك الٱخرين ، فتحدث هو قائلاً بجديه شديده:
_" شادي والجد ميتجمعوش بس ليه الشك؟!"
لم يسمع هو سوي صوت ضحكاتهم العاليه خاصةً صديقه وزوجته ، بينما توقفت الضحكات عندما دخلت "ورده" سريعاً وهي تمسك بهاتفها قائله باندفاعٍ. :
_" إلحقوا ، نيروز وغسان تريند فيسبوك يجماعه !"
نظروا لها بغيرٍ تصديق ، خاصةً أن كل منهم لم يمسك بهاتفه بغرض الترفيه بسبب ما حدث من مشاكل وعقبات خاصةً عقبة" نيروز" حتى "شادي" و"بدر" لم يظهر لهما ذلك الـ "تريند " يبدو أن تلك الساعات ساعدت في نشره أكثر وأكثر منذ أن رأته "جميله ", وأنشغلت فيما لديها ، نظروا جميعاً علي مقطع الفيديو وعنوانه للحظاتٍ بمفاجأه ، بينما تبدلت ملامح "نيروز" للصدمه في حين سمعت صوت الضحكات والتهليل بـ "غسان"، ضحكت هي إلى أن استوعبت ما حدث الٱن ، في حين قد رفع "شادي" صوته يتحدث بمزاحٍ :
_" صاحبي بقا تريند يا حاره .."
قالها وهو يخرج من الشرفه خلف "بدر" و"ورده" بواسطه "يامن" الذي أخذ الهاتف وذهب ، فسارو جميعاً خلفه بمرحٍ يضحكون ، في حين نظر "غسان" لها ولوجهها المبتسم ، فهتفت هي تعنفه بهدوءٍ :
_" عرفت إنك فضيحه!"
_" وإيه يعني ، فيه حاجه غلط فالڤيديو؟ راجل ومراته ولبسنا محترم وورد ريحته حلوه وكوكب الأرض وناس بتتدخل فـ اللي ملهاش فيه ، أكيد مش حابب اللي حصل ده بس إنك تحاولي تخفيه بعد ما ظهر تريند صعب ، لو متدايقه ممكن أدور علي حد يشوف الحوار ده ! "
هزت رأسها بالنفي وهي تبتسم إبتسامه صغيره له وبداخلها قد خطر علي بالها شئ بث الرعب بها قليلاً ، نظرت له بسعاده عندما غمز هو لها مردداً بتسليه :
_" وبعدين هو انتِ تريند سوشيال ميديا وبس ؟! ، دا انتِ تريند قلبي وتريند عقلي كمان !"
لم تستطع هي الرد علي كلماته ، ولكنها ابتسمت بسعاده فقط بينما استشعر "غسان" تغير ملامح وجهها بسرعه حتى سألها بترقبٍ :
_" مالك .؟"
حركت أنظارها بترددٍ في المكان فمد يديه يحرك رأسه ناحيته وهو ينتظر الرد ، بينما هتفت هي تخرج له بما قد خطر علي عقلها :
_" بصراحه خوفت! ، خوفت من التريند ده عشان ممكن يجيب حسن وأنا متوقعش إيه اللي هيحصل منه غير الأذى لو عرف حاجه زي دي .."
أنصت لها بإهتمامٍ وتمعن وما أن انتهت هي حرك كتفيه ببساطه ثم ابتسم لها بإطمئنان مردداً بثقه وإستنكارٍ بنفس ذات الوقت :
_" ماشاءالله عليكِ بتدوري علي النكد فـ أي حته عشان تروحيله بنفسك، دا ايه الكفاح ده !!"
إغتاظت من طريقته وكادت أن تتحدث هي ولكنه واصل مجدداً وهو يحرك كتفيه ببساطه:
_" ما ييجي ، أنا عاوزه ييجي بس !"
إستشعرت الأمان بعينيه رغم عدم لين كلماته بينما طالعته مجدداً وهي تبتسم له بإمتنانٍ. حينما واصل هو يكمل حديثه لها بنبرته الهادئه :
_" مش هيقدر يعمل حاجه ولو عمل ملوش الحق خلاص ، مادام بقيتي معايا ، يبقي يوريني رجولته الناقص ده ساعتها مش هيلاقي غير شري، خليكي واثقه فيا وإتحكمي فخوفك حتى لو عليا ، وإطمني .."
قال كلماته بصدقٍ كي لا تخاف هي ، حاولت التغلب علي ما تشعر به وهي تبادله الإبتسامه ، التغلب علي شعورها مره أخرى وهي تجاهد بأن لا تتخيل ماذا سيحدث إن جاء الٱخر بعد غيابه ، أو إن جاء من مجرد شئ قد إنتشر وسيشاهده الجميع أو البعض ومن يمسك بهاتفه يتصفح علي الآنترنت ، شئ سماه البعض بـ تريـند ، ولم يكن التريند الخاص بهما سوي تريند علي موقع موجود لدى الجميع ،" الفيسبوك" ، فماذا إن ٱتى مندفعاً من تريند أحد مواقع السوشيال ميديا !!
رواية عودة الوصال الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سارة ناصر
« لم أعد قادراً على التحمل ، نفذت طاقتي وإمتلأ عقلي حتى إزدحم بكمٍٍّ من التساؤلات ، كان من بينها ، لما أنا ولما الوجع و لما لا يذهب إلا لقلبي تحديداً !!»
"_أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ (1) وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ (2) ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ (3) وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا (5) إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا (6) فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ (7) وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب (8) "
ٱيات من القرٱن الكريم خرجت من الهاتف الخاص بـ "ياسمين" وهي تردد خلفه بهدوءٍ ، تزامناً مع إرتدائها ملابسها لتتجهز للذهاب لبيت العائله خاصةً شقة "حامد" الذين سيجتمعون بها على الغداء ، تطلعت على نفسها بالمرٱه ثم إلتفتت تنظر له وهو يخرج من مرحاضّ الغرفه مرتدياً ملابسه عدا ستره مفتوحه سيرتديها هو عند الخروج ، عقد حاجبيه من تشغيلها لتلك السوره منذ أمس ولم تقوم هي بتشغيل أخرى غيرها ، منذ ان جاء أمس ولم ينبس عن ما يشعر به رغم ما يظهر عليه من حزن ولكنها تتركه يتحدث تلقائياً كما يفعل معها عندما تضيق به الحياه ، أما هي فلم تستطع الصبر عليه وعلي ما تراه يحدث له وهي صامته ، توجهت بابتسامه واسعه تمسك يديه تسحبه خلفها ثم جلس هو علي المقعد وهي بجانبه فـ مالت تطبع قبله علي وجنتيه بخفه وهي تبتسم له باتساعٍ دون نبس أي حديث ، عقد "حازم" ما بين حاجبيه باستنكارٍ ثم هتف بمرحٍ :
_" ده ايه الروقان ده ؛ ربنا يستر والله! "
إبتسمت له "ياسمين" ، ثم قررت هى بأن تفتح معه الحديث قبل الخروج ، حتى نبست بنبره هادئه تسأله :
_" مالك يا حازم ، إحكيلي بجد ومتخزنش جواكّ قولي كل اللي بتحس بيه بس متسكتش كده ، عارفه إنك من إمبارح مش تمام وقعدت أشغل سورة الشرح عشان بتريح القلب كده وبصوت الشيخ اللي انتَ بتحبه كمان، تعالى فحضني وقولي كل اللي مزعلك وأنا أوعدك حضني هيبقي دافي وحنين عليكّ ، بس اتكلم متسيبش نفسك للأيام تودي وتجيب فيكّ وساعه تكون كده وساعه كده .."
ترك المنشفه التي توجد بيديه ، وهو ينظر لها بتأثرٍ ، ثم نظر لها بخواءٍ وكأن العالم قد إختفى ولا يوجد أمامه سوى هي أحضانها ؟ أحضانها الذي اتجه إليها بهدوءٍ يتنفس بعمقٍ وهي تربت علي رأسه يإختناقٍ ومن ثم سمعت هي صوته الضعيف يبوح لها بوجعٍ :
_" مش عارف !! ، أنا مختارتش كل اللي أنا فيه ده ، بس حقي أقول إني تعبت ، تعبت من فكرة إني لازم أكوم معاه ومش معاه ، مش عارف أقول ايه ، غير إني مش عارف أودي وشي منك فين وهو عمل كده فـ اختك ، مش عارف أخد راحتي فبيتكم وأنا قاعد وسطكم بعد اللي حصل ، أرفع عيني فعين غسان إزاي حتى لو عارف إنه مش رامي عليا لوم ، تعبت يا ياسمين الحمل تقيل عليا من غير حمل!! ، حمل دماغي وحمل اللي بيعمله واللي بيحصل مجبر أبقى عادي بعد ما بقيت حرامي فنظره ونظر الباقي حتي لو ده مش مصدقينه ، مجبر أكون زي الفل لما يمد إيديه عليكِ وأنا أوقفه وأمسك إيده ، مجبر أستحمله وأستحمل اللي بيعمله فيا وفـ جميله اللي إستحملت أذى نفسي محدش يستحمله .، مبقتش قادر حتى لو اللي حصل منه كان معروف بس اللي حصل منهم بعد كده خلاني مصدوم من فكرة إنه ممكن كانوا يأذوا اختك أكتر من الضرب وإن الحكايه مش حكاية فرض حاجه وبس ، مش عارف المفروض أنا أبقى إيه وأتعامل إزاي مع حد زيه المفروض أبقى بار بيه مش أقف قصاده ..!"
ضعف وكسره لم يشعر بها كما شعرت هي به وكأن كل ما لديه إنسحب لها وحدها ، حاولت التماسك وهي تجاهد بأن يخرج صوتها المتحشرج قائله بعد لحظاتٍ عندما سمعت شهقاته الخافته بوجعٍ وإنهاكٍ :
_" أنا شايفاك أحسن راجل فالدنيا ، صدقني كلنا عارفين إنك راجل ومش مهم عندنا اللي حصل قدام عيونا ، إحنا بنحبك زي ما إحنا من زمان عارفينك بإنك مفيش منك ، لازم تاخد راحتك زي ما كنت بتاخدها ، بيتي بيتك وحضني راحتك ، وأقسم بالله ما هسمح لحد يجي جنبك تاني ، هموتهم أياً كان هم مين ، بس خليك قوي وجامد وحازم من تاني عشان خاطري "
قسمها من شراستها المعهوده ، لم يتفاجأ منها بل ابتسم فقط من بين دموعه، فتنفست هي بإنهاكِ عندما وجدته عاجز عن الرد ، أردفت بهدوءٍ بـ حديث كانت قد قالته لها شقيقتها عندما يضيق صدرها ويؤلمها قلبها لتحثها على قوله كما تحثه هى الٱن :
_" قول ورايا يا حازم ، صدقني هتحس إنك تمام ، قول.."
قالتها "ياسمين" بإهتمامٍ ، فاعتدل هو بجلسته ثم مد يديه يتمسك بيديها وهو ينظر إليها وهي تردف الدعاء مردداً خلفها حينما قالت هي بهدوءٍ :
_" اللهم يا مسهل الشديد ويا ملين الحديد، ويا منجز الوعيد، ويا من هو كل يوم في أمر جديد، أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق، بك ادفع ما لا اطيق، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، رب لا تحجب دعوتي، ولا ترد مسألتي، ولاتدعني بحسرتي، ولا تكلني الي حولي وقوتي، وأرحم عجزي فقد ضاق صدري، وتاه فكرى وتحيرت في أمري، وأنت العالم سبحانك بسري وجهري، المالك لنفعي وضري، القادر علي تفريج كربي وتيسير أموري..."
قالتها "ياسمين " بهدوءٍ بينما ردد "حازم " خلفها بارتياحٍ كلمه تلو الٱخرى ،. من ثم اعتلت ابتسامه علي ثغره ، ابتسامه أرسلت لها كل ما هو يشعر به اتجاهها ، إنتشلت الستره من علي المقعد ثم أشارت له بأن ينهض ليرتديها بواسطتها هي تزامناً مع حديثها المرح. :
_" قرة عيني يلبس بإيدي أنا ، ..يعم بحبك وبحب أمك عايده كمان ! "
توسعت إبتسامته حتى أنها أظهرت غمازته التي أظهرته وسيماً نوعاً ما ، رفع ذراعه يقرب وجهها من وجهه ثم طبع قبله علي جبينها برضا قائلاً بحبٍ :
_" مبتفشليش فكل مره تثبتيلي بإنك فعلاً الراحه والأمان ليا مش العكس يا ياسمين !"
احتضنته بنظراتها ثم إلتفتت تسير بجانبه إلى خارج الغرفه ، ومن بعدها لخارج الشقه كي يتوجهها إلى حيث الوجهه المحدده ،. هما اللذان دُونت سطور حبهم بالطريقه المعكوسـه رغم إحتفاظه بما عليه كونه رجل يحميها ، ولكن المؤكد بأنها هى التى تشعره بالأمان والراحه أكثر من العكس !! .
______________________________________________
في شقة "حامد" كانت "دلال" و"سميه" في المطبخ بينما كان "غسان" يجلس بجانب"شادي" وهما مندمجان بمشاهدة هاتف "شادي" ،و جلست "نيروز" بجانب "وسام" و"ورده" ، و "بدر" بجانب عمه وهما يتحدثان معاً ومعهم "بسام" ، إعتدل "شادي" بجلسته وهو يمسك الهاتف ومن ثم نظر لـ "غسان" الجالس بجانبه ثم تساءل بإهتمامٍ :
_" إيه رايك بقا ؟ حلوه البدله دي ولا الحمرا اللي فيها لمعه"
رفع "غسان" أنظاره من على الهاتف باستنكارٍ ثم هتف قائلاً له بصوته الهادئ :
_"لا دي ولا دي ، مبيعرفوش يرقصوا !"
رفع "شادي" شفتيه بإستنكارٍ ثم أمسك الهاتف تزامناً مع قوله بحماسٍ :
_" طب في واحده كانت بترقص علي أه لو لعبت يا زهر جامده ،. استنى "
نظر له "غسان" بترقبٍ ومن ثم هز رأسه له بغير إهتمام إلي أن جلب الفيديو الخاص بالذي قاله صديقه حتى صدح صوته بصوت متوسط قليلاً ، غمز له "غسان" فابتسم له الٱخر بثقه ، إلى أن إنتفض الإثنان معاً وهما ينظران خلفهما بسرعه عندما هتفت "وسام" بصوتٍ عالى جعل الجميع ينتبه :
_" يخربيت أبوكم ، رقاصات !!"
قالتها بصدمه وبصوتٍ عالي كما كانت تقف بجانبها "نيروز" التي أمعنت النظر بوجهه بسخطٍ ، بالأساس لاحظت هي وشقيقته هو، إنشغالهما منذ فتره ، وبعقلٍ كعقل "وسام" تسللت بخفه من خلفهما هي والٱخرى التي سحبتها خلفها ، نهض "شادي" يهز رأسه بالنفي وهو يغلق هاتفه سريعاً ، بينما هو إنتبه لنبره "وسام" العاليه بمضمونها الجميع من كانو يجلسون بالصاله ، كبت "بدر" ضحكاته كما فعلت "ورده" بينما هتف "حامد" بشماته :
_" أحسن ، عشان لما أقولك إن انتَ مش مظبوط تبقى تصدقني ، بتبوظ ابني ياض؟! ، شمتان فيكم وفاللي هيحصل لصاحبك، أحسن "
أشار له "شادي" بغير إهتمام ثم قال بسرعه :
_". يعم هو بايظ لوحده من غير أي حاجه !!"
قالها فضحك الجميع ، عداها هى وهي تحدجه بغيظٍ بينما كان "غسان" يحرك كتفيه ببراءه لها قائلاً :
_" أنا مالي هو اللي كان بيجيب وأنا بتفرج!"
قالها وسط إنشغال الٱخرين ، فالتفتت "نيروز" توكزه بذراعه قائله بضجرٍ :
_" في حاجه اسمها غض البصر ايه مسمعتش عنه ؟"
قالتها "نيروز" أمام أنظاره ثم التفتت تتوجه لهم بحنقٍ ، وهي تتركه ينظر بأثرها بتسليه ، بينما لاحظ هو تقدم "شادي" له مره أخرى وبجانبه "بسام" و"بدر " ، حتى هتف "شادي" يسأله بترقبٍ :
_" هي زعلت بجد ؟"
نظر له "غسان" وهو يبتسم ومن ثم لم يعطه شقيقه فرصه بالرد ، بل تحدث "بسام" بعقلانيه قائلاً لهما بنبره هادئه :
_" حرام أصلاً يا باشا انتَ وهو ، لازم نغض البصر عن حاجه زي دي لأنها تعتبر فتنه ،وكمان دي حاجه محرمه علينا نشوفها ومطلوب مننا نغض البصر زي ما بردو مطلوب منهم يتستروا وكل واحد يعمل اللي عليه عشان يختار الٱخره مش الدنيا ، وإهدى يا شادي لحد ما تبص يعم علي الرقص ده بالحلال ، بتخرب بيت غسان من قبل ما يتفتح يا شادي ..؟!"
قالها بمرحٍ مقرراً بنفسه بأن يبقي علي طبيعته كما حفزه شقيقه وبل ينصحهم بالطريقه الهادئه وليست المتشدده ، سمع صوت ضحكاتهم علي ما قاله بٱخر حديثه ومن ثم أومأ له "شادي" بتفهمٍ بينما اتجه "بسام" يقف بجانب "غسان" ثم ردد بتفهمٍ وهو يبتسم :
_" إحترم نفسك شويه يا غُس وروح شوف اللي بتبصلك وزعلت دي !"
قالها بمرحٍ وتحفيز ومن تلك التي كانت تحدجه بغيظٍ ، تنفس "غسان" بعمقٍ ثم وجد الشباب ووالده يجلسون بجانب بعضهم من جديد ، ومن ثم دخلت "ورده" المطبخ وتبقت هي وشقيقته ، توجه بخطواتٍ ثابته لها إلى أن وقف يطالعهما بتعمن ومن ثم رفع يديه يدفع "وسام" قائلاً لها بنبره متوعده :
_" وسعيلي ، حسابك معايا بعدين !"
نظرت له "وسام" بضجرٍ وهي تنهض ومن ثم تحدثت "نيروز" قائله. بشراسه :
_" وهي كانت عملت ايه ، ما إنتَ اللي قليل الأدب !"
شهقت "وسام " بمرحٍ في حين كبت هو ضحكاته وهو يطالعها بمكرٍ ثم مال يهمس بجانب أذنيها قائلاً بتسليه :
_" قلة الأدب مش كده !"
إبتعدت عنه "نيروز" قائله بسخرية أمام الأنظار المترقبه والتي توجهت لهم ما أن رأوه يتجه ويقترب منها حتى جلس بجانبها :
_"والله؟ أومال إزاي !"
إقترب "غسان" بوجهه ثم طبع قبله صغيره علي خدها سريعاً ثم نبس بنبره واثقه وهو يغمز لها بطرف عينيه :
_" كده !"
صفق له صديقه و "بدر" و"بسام" وحتى شقيقته بينما شهقت هي سريعاً من ذلك الموقف المحرج ، ومن ثم وجدت "حامد" يدفعه من. جانبها وبخفه من تحركه بإتجاههما ، ثم جلس هو يبتسم لها بأسفٍ على موضعها المخجل قائلاً هو الٱخر بمرحٍ :
_" مش قولتهالك يا روز ، مجنون ولازم تستحمليه يبنتي !! "
ضحكت "نيروز" بقلة حيله مع إمتزاج صوت ضحكاتها مع ضحكاتهم جميعاً ، بينما توقف الجميع عندما دق جرس المنزل عالياً ومن ثم نهض "غسان" ليسير صوب الباب حتى يقوم بفتحه لمن بالخارج ..!!
_______________________________________________
«أضعت الطريق للمره الخمسائة ألف وأكثرّ، في كل مره لا أرى شئ سوى أفكار عقلى التي تخدعنى وتهلكنى ، يصدح الصوت الذي بداخلي في كل مره تضيق بي الأركان بها من أفكارى : أيها الأحمق لم يعد لدي مساحه لأفكار أخرى كفاك!! ، كفاك ألماً ، كفاكّ تشتتاً ، كفاكّ كل ما هو مُهلك لك !! »
ضائعه هي مع أفكارها وألمها النفسي والداخلي، كالذي تركها أحدهم فى صحراء جافه يصدح بها فقط صدى صوتها ..، والتي ما أن أخرجت كلمة واحده ستكون ٱهات الألم ولم تكن سوى بالصراخ فقط وصدى الصوت القاسي ، لم تعد الدموع تجدى بشئ ، هي التي ظُلمت عندما جاءت هي وأشقائها وشقيقتها من رجل لا يعرف له العدل طريق ، بل به من الجبروت ما يكفي ، معاملته لهم سببَ بالكثير!! ، أخذت نفساً عميقاً بعدما أخرجت ما تشعره تجاه والدها وما حدث لها للطبيب من أمامها عندما جاءت قبل قليل، أيقنت هي بأنها ستعود له إلى أن تتخطى ذلك ! ، تنفس "عاصم" ببطئ وبعد لحظاتٍ يستعد هو للإجابه على ما قالته :
_" عارفه إن الندم ده شعور مؤذي أوي !! ، يعني ممكن تتعاملي مع شخص وهو يستاهل ده بس تندمي مع إن الندم مبيبقاش فمحله ، بس الفكره بتيجي منك انتِ ، شخصيتك ،طريقتك !، إسلوبك اللي انتِ ندمانه إنك كلمتيه بيه ، مش هقولك هو صح وكده بس إحنا مأمورين ببر الوالدين للٱخر إلا لو بحاجه تغضب ربنا فبنرفض ، حتى لو هما عملوا ايه "
صما يأخذ أنفاسه وهو ينظر لإنصاتها ثم هتف من جديد يواصل :
_"السؤال هنا ؟ هل انتِ ندمانه ندم فمحله ؟ يعنى ندمانه عشان بتحبي باباكِ ومحبتيش. تتكلمي معاه. كده ، ولا ندم من الإسلوب اللي إتكلمتي بيه معاه مع ندم إنك إتكلمتي وواجهتي أصلاً وانتِ شايفه إن المواجهه والكلام مش هيعمل حاجه !"
هزت رأسها بتأكيدٍ علي ٱخر حديثه ، بينما لم تشعر هي بمشاعر تجاهه بل تفكر فقط بما وصلت له حالتها ، تفهم هو الوضع ثم هز رأسه يواصل بكلماته المتفهمه :
_" طيب عاوزك تعرفي إن علاجنا بالدين وبالفرض والسنه وكل حاجه ليها علاقه بالإسلام ، قبل ما يكون نفسي متطور ، وعشان تبدأى صح وعالأقل تتخطى أو تبطلى تتأذي في حاجات كتير لازم تعرفيها ، انتِ عارفه إن مش مسموح لينا بإننا نستسلم لمشاعر الكراهيه والبغض من نحية والدينا ، وكمان لا يجوز هجرنا ليهم ، بالعكس بل بيتوجب علينا المعامله بالمعروف حتى لو هم ظالمين ننصحهم متنصحوش ومفيش منهم فايده من هنا وبيدأ إن الصبر بتاعك بقا عليه ٱجر والحساب بتاعهم عند ربنا بسبب عدم مراعاتهم ورفقهم بأولادهم ، طب ايه نعمله عشان نحاول نوقف الألم اللي بيحصل غصب عننا لينا ؟، طبعاً مش نسكت ونقف وناخد جنب ، الحياه فيها ركن كويس وجانب مبهج ، هسألك سؤال يا جميله ! ، جربتي تبصى لدراستك من جانب تاني ؟ وتوفقي بينها وبين اللي كنتِ نفسك فيه ؟"
كانت تسمتع له بإهتمام وحديثه المنطقي يريحها ولو بذره ، هزت رأسها بجهلٍ ورفض بٱخر حديثه عن ما قاله عن الدراسه ، فابتسم هو بسمه صغيره ثم شرح لها بتوضيحٍ ونبرته المتحمسه التي توجبت عليه بخروجها لها كي يرى ما يود رؤيته :
_" يعنى تبدأي صح وفاللي انتِ بتحبيه وترضي جميع الأطراف ،في حاجتين تعمليهم عشان تتجنبي الأذى النفسي اللي أنا متأكد إنك هتتعافى منه بسرعه ومش هتطولي فيه لأن برغم إنطفائك إلا انك فيكِ أمل مستخبي محتاج اللي يطلعه بس بردو لازم بمساعدتك ، مواجهتك مع باباكِ اللي وارد تحصل تاني عادي ممكن كمان متأثرش فيكِ زي الوقتي لإتك بتحاولي تكوني أحسن ، بقدرتك إنك تسيبي دماغك من كلامه ومن مواجهته يعني تحاولي تتأقلمي مع وضع إنه موجود وتمام ومش موجود زي أغلب الوقت وتمام بردو منروحش للأذى برجلنا ونتعمد كل ما نشوفه منفكرش فاللي حصل واللي بيحصل يعني بكل بساطه تجاهل بس تجاهل محترم ليكِ وليه ولغيرك ، إن كان فـ ايدك قول الحق بيتقال بس طبعاً بطريقه هاديه مهذبه خالص ، وتحاولي متتعمديش تحطى نفسك فمواقف مفيش فيها غير الأذى والإنهيار ، أنا شايف شخصيتك قويه مش ضعيفه قابلني حالات كتير ضعيفه بس حد قدر يكمل فحاجات كتير مأذي ومجبور فيها يقدر يعدي ده وبكل سهوله من قوة شخصيته.!. "
أنصتت له "جميله ", بتمعن بيما أخذ هو أنفاسه ليواصل ببقية حديثه :
_" وكده قولتلك أول حاجه ، وهي إن فيها بردو نوع من الترفيه عن نفسك ، جربتي تخرجي مع نفسك خروجه رايقه كل كام يوم ؟ ، تنزلي تتمشي بس طبعاً بما يتوافق مع عادات عائلتك ، مثلاً تاخدي أقرب صديق أو بلاش..، أكتر صديق مرح عندك وتنزلي وتفصلى من كل حاجه ، على الأغلب إن كل اللي بيحصلك إنك مبتاخديش راحه ولا فاصل من ده دايماً محاصره نفسك فيه .!! .."
أومأت له "جميله" بتفهمٍ وهي صامته تنظر له بترقبٍ لما هو أتٍ ، ولكنها تحدثت بتساؤل قائله له كي ينتبه :
_" طب وموضوع الدراسه والتوافق بين اللي بحبه ومبحبهوش !"
إعتلت إبتسامه واسعه على وجهه ثم نظر لها بفخرٍ وصل لها مع توضيحه:
_"قصدت متكلمش عشان أشوف إن كنتِ مهتمه ومتحفزه تكونى أفضل هتسألى ! ، موضوع الدراسه ده شائع جداً بتحبي حاجه وحد من أهلك حاجه فطبعاً يجبروكِ علي الحاجه الخاصه بيهم ، بس فالموضوع ده بعد المواجهه وإن ده مش بحبه ، وهم لا ده الأصلح ليكِ و غيره .. ، فالٱخر وارد كلامهم يمشي ودا بنسبه كبيره ووارد كلامك واختيارك يمشي ، وبردو ممكن الندم يجي بعدين من إختيارك وإنهم كانوا الأحسن ، وفالحاله الأولى فـ بنلجأ إننا نعمل اللي بنحبه فاللي مبنحبوش واللي هنحبه ! ، بس اللي ينفع معاه كده !!"
إعتدلت تنظر بإهتمامٍ وعينيها تلمع بلمعه حلمها الذي إنطفأ من فتره كبيره ، ولكن طريقته في الحديث كطبيب يعرف مخارج ومداخل الشخصيه جعلها تهتم بطريقه ملحوظه ،. نظرت له بترقبٍ وإنصات حتى واصل هو يكمل ما كان يردفه :
_"بمعني .. عرفت إنك دكتوره فـ طب بشري لسه ومفيش تخصص ، بس كان نفسك تدخلى كلية الإعلام ، مش شايفه ان في عامل مشترك ؟! ، يعني الإعلام ده داخل فكل حاجه دلوقتي ، وممكن وبكل بساطه تستخدمي اللي بتحبيه فاللي مبتحبيهوش ، يمكن يتحب!! ، قدامك كام جريده وكام كورس وكام موقع على السوشيال ميديا ممكن تبدأي فيهم اللي بتحبيه بعد دورات تدريبيه ، ممكن وبكل بساطه تكتبي معلومات مفيده جداً ومختلفه عن الطب وعن جسم الإنسان واللي بيحصل فيه ، الطب ملوش ٱخر ولا حتى العلم ليه ٱخر ، بس انتِ هاتي أخرك فيهم،.. ممكن تنشري مقال فيه معلومات عن حاجه معينه وطبعاً باسمك من خلال إنك ممكن تشتغلي تبع جريده أو صحيفه أونلاين ، ده ممكن يصعب ويتقل عليكِ الحمل بس لو بتحبيه فعلاً هتنظمي وقتك الفرعي ليه مش الأساسي !!، لحد ما يبقي مع الأساسي وتتعرفي وتخيلي بقا يعني الدكتوره والإعلاميه جميله الٱكرمي !! ، مش بعيده صدقيني وشغقك هيرجع عادي لما تفكري إنك ممكن تبقي حاجه فعلاً مش دكتوره بس ، زائد إن حبك لدراستك اللي مش بتحبيها هيجي عن طريق حلم كنتِ روحك فيه وحباه !! "
إبتسامة بهجه زينت محياها بطريقة غير ملحوظه ، بينما أومأ هو بعد حديثه بتفهمٍ، نظرت له بإمتنان وهي تتنفس بعمقٍ تفكر بحديثه ثم هتفت بعدها بنبره هادئه :
_" شكرًا يا دكتور عاصم ، وإن شاء الله هحاول "
_" دا واجب عليا ، علمياً انتِ تتكملي أكتر ، بس فـ حاجه زي دي وشخص زيك مساعد نفسه يكون أحسن رغم كل اللي حصل ، يبقي لازم يسمع ويحاول يعمل اللي بنوجهه.."
فكرت بكل ما قاله ولم تنس هي شئ ، بل تنهدت"جميله" تأخذ أنفاسها ببطئ وهي تبتسم بانكسارٍ إستشفه هو وراهن مع نفسه بأنه لن يدوم طويلاً !!
_" هحاول أتظبط وأمشي على اللي هعرف أعمله!"
قالتها بشرودٍ ومن ثم إعتدل بجلسته هو ثم ردد بمنطقيه :
_"متأكد من ده زي ما متأكد إنك مش محتاجه علاج يخليكِ أفضل ، بالعكس انتِ علاج نفسك يا جميله.."
كانت قد نهضت تزامناً مع طريقته وحديثه الدال على إنتهاء الجلسه، ابتسمت له "جميله" وهى تومأ له بتفهمٍ وأملّ ومن ثم أشارَ لها بالوداعِ تزامناً مع تحركها ناحية الباب ذو الشكل الحديث حتى تحركه ناحية اليسار ومن ثم خرجت منه تحت أنظار الجالس الذى يثق بهذه الحاله بأن فترة تعافيها لن يدوم بالأذى رغم صعوبة ما تمر به من مشاكل عائليه يصعب من بها التخطى ، وكشخصيه مثلها يأمل هو بأنها ستتعافى !!
_________________________________________________
وقف يمسك مفرش السفره الكبير ، وكل منهم يسير فـ اتجاه المطبخ للإستعداد لجلب الطعام ، وقف "غسان" يفرد المفرش وهو يشير لها بأن تمسكه من. أمامه ، ثم لاحت ابتسامه صغيره على شفتيه متذكراً تلك المره التي كانت تنظر بها إلى المفرش وهي تقوم بمساعدته ، إلتفت "بسام" و "شادي" يجلبون المقاعد حتى تترصص، بينما ذهب "حازم" يساعد "ياسمين" و"وسام"و"حامد"في جلب الطعام ، بعد أن يُفرش المفرش ، نظرت له "نيروز" باستنكارٍ عندما وجدته متوقف عن ما يفعله وبل ينظر لها فقط وهو يبتسم ، قلبت عينيها بإستفزازٍ ثم أشارت له أمام وجهه توبخه:
_" سرحان فـ ايه يا بتاع الرقصَّات !"
خرجت منه ضحكاته العاليه وهو يحرك رأسه منها ثم إقترب يتحدث أمامها وهو يعطيها طرف المفرش قائلاً بابتسامه واسعه :
_"سرحان فـيكِ وفـ المره اللي كانت قبل دي لما فرشتي المفرش معايا ، عارفه ساعتها أنا كنت بعمل ايه ؟"
أثار حديثه الغير هين تبدل ملامحها إلى الاهتمام والفضول الممزوج بالإعجاب خاصةً أنه يبدو عليه بأنه يهتم بالتفاصيل التي تغفل عنها هي ، طالعته بتساؤل وهي تبتسم فنظر لها "غسان" تزامناً مع وضع المفرش علي السُفره الكبيره بمساعدتها :
_" ساعتها كنت ببصلك غصب عنى وكنت مركز معاكِ بطريقه غريبه بالنسبالي ، ساعتها قصدت أتجاهلك ومبصش ليكِ ومركزش معاكِ ، لكن عينيكِ هدت كل اللي حاولت أمنعه فلحظه !"
ابتسمت له"نيروز" باتساعٍ تزامناً مع فردهم للمفرش أخيراً ، ومن ثم تطلعت عليه بإعجابٍ نفس نظرة المره السابقه ، ابتسم هو لها بحنوٍ من ردود أفعالها الغير متغيره مهما مر عليها ، ومن ثم أشارت هي له بأن تتوجه ناحية المطبخ ، عندما رأت بالفعل أحدهم يجلب الصحون ، توجه ليسير بجانبها ليجلب الصحون هو الٱخر ، حتى دخل المطبخ وهي من خلفه ومن ثم صدح صوت "دلال" لهم جميعاً حتى هتفت عالياً تزامناً مع دخولهما المطبخ :
_" لا بلاش عصير فراوله ، لأحسن غسان يحبة عيني بيجيله حساسيه منه . خليها مانجه بعد الأكل .."
قالتها وهي تتحدث قبل أن يدخلا هما بذلك الموضوع ، حيث كانت "سميه" و"ورده" و"ياسمين" ومن ثم "وسام" بينما كان الشباب فالخارج يضعون الصحون عندما جلبوها قبل لحظاتٍ ، تنحنح "غسان" بحرجٍ عندما وجد الفتيات تكتم الضحكات ومن ثم صدح صوت ضحكات"نيروز" بالمطبخ ، نزامناً من إقترابه هو لوالدته قائلاً لها بخفوتٍ :
_" عاش يا أم غسان الواحد مش عارف يقولك ايه عالفضايح دي.."
قالها بسخريه ومن ثم نظرت هي له ضاحكه حتى وضعت كفها عليه تربت بحنانٍ بينما وجدت الفتيات يأخذن ما تبقى من الصحون ، حتى خرجت هي من خلفهن ومن ثم "سميه" فتوجهت "نيروز" لتمسك الطبق المتوسط بالحجم الذي يوجد بجانب ما سيحمله هو ، كبتت ضحكاتها تزامناً مع إنتشالها له بينما نظر لها "غسان" بجديه ثم قصد تجاهلها وهو يأخذ ما بجانب التي حملته ، فقاطعت هي سيره هذه المره ثم تحدثت قائله بمشاكسه :
_" إنتَ زعلت يا بن البدري ؟"
هز رأسه ينفي بخفوتٍ ثم توجه يمسك ما بيديها تزامناً مع شهقته المفزوعه مما رٱه خلفها ، حتى إلتفتت تنظر بهلع وهي تتوجه للأمام حتى إصطدمت بكتفه فرفع هو ذراعه الممسك بالصحون حتى تدخل أسفل ذراعه تزامناً مع صوت ضحكاته العاليه وهو يغمز لها قائلاً لها وهو يهبط أنظاره إليها :
_" متلعبيش معايا تاني يا رزّه ، ورايا يلا ..!"
نظرت له بذهول من برود ما فعله عندما رأته يخرج من المطبخ وهو يطفئ الإضاءه ثم سار من قبلها خاصةً أنه حمل ما كانت ستحمله هي من ٱخر شئ كان موجود ، حركت رأسها منه وهي تخرج من خلفه ثم سارت تجلس عندما وجدتهم يجلسون جميعاً. ، جلست بجانبه عندما وجدت كل الأماكن قد إمتلئت ، بدأ كل منهم بالطعام بينما وجهت "نيروز" نظره حاده له إلتقطها هو علي الفور ثم ابتسم لها بإستفزازٍ ، إن أصرت هي علي جعل علاقتهم مثل قط وفأر فلا مانع له ذلك العبثي ، يأتي لها من جميع المداخل ما دامت هي ٱخره ! ، كانت الأحاديث جانبيه كل منهم مع الٱخر ، إلى أن صدح صوت "حامد" عالياً ببهجه :
_" متجمعين عند النبي يا جماعه! "
قامو جميعاً بالصلاة علي من ذُكر إسمه صلى الله عليه وسلم ، ببهجة ومن ثم أجابته "دلال" بحديث طيب تلقائي :
_"ٱمين يارب ، ودايماً فالفرح وعقبال ما نتجمع ففرحة غسان ونيروز اللي بجد ونعملهم الحلو كله.."
نظرت لها "سُميه" بإمتنانٍ كما فتياتها هما الٱخرين ، أما الشباب فغمز كل منهم بتهليل له هو، "غسان" والذي نظر لـ "نيروز" بعبث لما قالته والدته ثم نبس قائلاً بمراوغه :
_" شوفتي ؟ ما تيجي؟"
نظرت له "نيروز" بتمعن ثم تساءلت بنبره هادئه عكس ما كانت تردفه من تعنيف في كل مره :
_" اجي فين ؟"
_" شقتي ، نعمل فرح ، ونتجوز ، ونبقي عال ونجيب عيال !"
ضحكت بخفوتٍ.علي ما قاله بينما كان يجلس"شادي" بجانبه ومن ثم ما أن سمعه صدح صوت ضحكاته بعلوٍ فالمكان ، حتى نظروا إليه بترقبٍ ، إلى أن رفع يديه متحدثاً وهو يبرئ نفسه ويورط الٱخر حينما هتف يوضح لهم :
_" بيقولها هنبقى عال ونجيب عيال !"
فتحت "نيروز" عينيها بصدمه منه ، بينما حركت رأسها له هو عندما وجدت الجميع يضحكون عالياً ، حتى نظرت بخجلٍ ومن ثم وجهت أنظارها له فوجدته يحرك كتفيه ببساطه مردداً بثباتٍ :
_" صاحبي وبحبه و بيأكد عـ المعلومه ، ها قولتي ايه ؟"
طريقته في قول كلماته تجعلها دائماً تضحك عليه بقلة حيله ، حركت رأسها وهي تضحك ثم عادت تتناول طعامها ، منذ أن رأته ولا يخلو يومها من الإبتسامه التي تقسم هي بأنها تخرج من القلب ليس إلا !! ..
_______________________________________________
أشعل قداحته أمام وجهه وهو يمسك سيجارته بفمه ومن ثم أمسك "ٱدم" علبة السجائر يخرج منها هو الٱخر واحده بغير إهتمام ، بينما توجه "شريف" يشعلها له بيديه ، وكذلك لـ "حسن" ، خرج صوت "شريف" الساخر وهو يجلس أمامهم قائلاً بتهكمٍ :
_" مبطلتش يعني يا حسن إنتَ ودومي ، ده أنا ملحقتش ولسه جايب لكم تاني !"
نظر له "حسن" بغيرِ إهتمام في حين كان يمسك "آدم " هاتفه الذى يضئ بين الوقت والٱخر بأحد الإتصالات ، بينما خرجت إجابة "حسن" قبل الٱخر متحدثاً بغيرٍ إهتمامٍ له :
_" هنبقى نبطل !"
قالها كمحاوله لتغير مجرى الحديث بسبب ما يسمعه من "ٱدم" عادةً ، بينما ابتسم "شريف" بتهكمٍ أما "ٱدم" فنظر لهم تزامناً مع تفحصه لهاتفه الذي لم يفتحه إلا قليلاً :
_" قريب أوي يا حسن انت وشريف هعملها وهدور على مصحه ."
أبله لا يعرف هو إتخاذ قرار بل ولا يعرف معنى كلمة قرار !، ويضع ما في الأمر ويوقفه عليهم هما ، علي الخطأ والمذنبين بحقوقٍ لهما يد بها وليس لهما بنفس ذات الوقت ، كان هو وسيكون الغريب بينهما ، الراحل والمتجه من طرق ليست له من الأساسِ ، وجهته الدنيا والحياه منذ زمن لطريقٍ خطأ حتى محاولته بالفرار منه باتت فاشله وهو يعلم ولكنه يتماشى مع الٱمر كي لا يستيقظ ضميره عليه بقوه كما يفعل هو في أوقات وحدته ، تائه حائر وليس لصاحب هذه الصفات العيش لفتره طويله كذلك ، إما أن ينجو أو لا ينجو .!! نظر هو باستنكارٍ على صوت ضحكات "شريف" العاليه ، الذي كان يجلس هو بالمنتصف بينهما ، ولكن صوت دقات هاتفه العاليه صدحت وأنارت شاشة هاتفه الطويله على الطاوله من أمامه ، مد "حسن" يديه ببطئ يلتقطه بغير إهتمامٍ ليعطيه له ومن ثم توقف سريعاً عند مشاهدته الإسم المدون "فريده !" إلتقطه "شريف" منه بسرعه ومن ثم أكمل ضحكاته كي يشتته بسبب ما رٱه ، أما "حسن" فلم يأت بباله سوى عبث من ما رٱه حتى هتف بغمزة عين أظهرت مدى غبائه وإنعدام رجولته رغماً عنه :
_" مين فريده دي يا شريف ، بتلعب من ورانا ولا ايه .كده من غيرنا .؟"
إبتلع "شريف" ريقه ثم وجه أنظاره صوب الٱخر الذي إنشغل في هاتفه وما يتصفحه به ، تنفس بإرتياحٍ لانشغاله بينما ولأول مره يعجب بسذاجة الٱخر عند عدم ذهاب عقله من أنها نفس اسم شقيقته !! ، ضحك "شريف" بخفه ثم تحدث بنبره عاديه يجيبه بهدوءٍ وحديث كاذب لم يستشفه الٱخر :
_" لا دي أختي يا حسن تلاقيني عشان إتأخرت عليهم فالبلد فـ بتتصل..!"
كذبهُ لا يتبقى منه كي يستطيع هو توزيعه علي من لا يكذب عليه إلى الٱن ! ، لم يسمع هو سوى صوت شهقه " ٱدم " ومن ثم ضحكاته الهيستيريه التي أوقعته أرضاً من كثرة الضحكّ ، نظرا له هما باستنكارٍ ، ومن ثم تساءل "شريف" بتهكمٍ وهو يحرك رأسه للٱخر :
_" منين الدماغ دي وعملها إمته ؟! "
ضحك "حسن" تزامناً مع مد يديه ليخرج سيجارته من فمه ومن ثم خرج الدخان من أنفه سريعاً تزامناً مع سؤاله الضاحك له كالأبله :
_" مالك يا ياض؟"
لم يهدأ هو من ضحكاته إلا عندما. وقف على قدمه وهو ينهض ثم كبت ضحكاته وهو يشير عليه قائلاً بصوتٍ. عالٍ :
_". عاوز تشوف ؟"
قالها وهو يكبت ضحكته فنظر له "شريف" باستغرابٍ ثم حرك أنظاره علي هاتفه الذي يتمسك به وكأن به شئ خطيراً مسلياً للتو ،، أما "حسن" فنهض يقف باستغرابٍ عندما رفع "ٱدم" الهاتف لكى يأتى هو ليأخذه كنوعٍ من التسليه ، نهض "شريف" هو الٱخر بخفه ومن ثم أمسك "حسن" الهاتف حتى ضغط على ما يوجد أمامه من ڤيديو ومن ثم فتحه يرى ما به ، بينما وقف "شريف" ينظر معه إلى أن رأى الٱخر ما يحدث به من أمرٍ كان لا يخطر على باله. تحضتنه هو ؟ وتمسك باقة ورد؟ وتبتسم له ؟ تلك التي لم يرى منها سوى الرفض ، لا يشعر ناحيتها سوى حب تملك لشخص ضعيف كما يفهم هو ، بل وبعده عنها يكمن بثقته بأنها لم تستطع بأن تدخل بعلاقات. لطالما كانت تهابه وتهاب من مثله وتهاب ما يفعله عمها بها !! ، لا يعلم هو كيف مر الوقت حتى أن المقطع يُعاد أكثر من ثلاث مرات كما أنه هاجت الدماء بعروقه وخاصةً عندما رٱه هو معها ؟ شخص يعرفه ويكرهه وبل يعد خصمه. ومن ثم عنوان الڤيديو ؟ ، درات التساؤلات بعقله ، في حين قد لمح الٱخر لـ "شريف" إختصار الموضوع حتى سمع صوت ضحكاتهما العاليه وبقوه ، قذف الهاتف بعيداً عنه حتى وضع على الأريكة القطنيه ٱثر قذفته ، ومن ثم سمع صوت "شريف" الضاحك وبقوه عندما قال بسخريه :
_" تخيل يا جدع! ده انتَ أُرواني من زمان بقا!"
قالها بسخريه قويه حتى أن "ٱدم" وكزه من بين ضحكاته ولكنه رجع إلي الخلف بقوه عندما توجه "حسن" يلكمه بوجهه فتفاداها الٱخر وهو ينظر له ببرودٍ حتى أمسك يديه وهو يقول بحده :
_" أنا عاذرك عشان كده هسكت ، روح يا أبو على طلعها عليهم ، كده انتَ جاي فالوقت الصح للشخص الغلط خد بالك !"
طالعه "حسن", بحده في حين ترقب "آدم ", الوضع ومن ثم نظر له حينما هتف "حسن". وهو يتساءل بنبره منفعله :
_" انتَ جبت الفيديو ده ازاي من عـالفيسبوك ؟"
نظر له "ٱدم" بتردد عندما رٱه بحالته تلك لطالما يراه طوال الوقت تعامله ببرودٍ ، ولكن يبدو أن الاخرى خالفت التوقعات وجعلت شره يخرج ، تحدث أخيراً يجيبه بتفسيرٍ عندما وجد الأجواء قد توترت بسببه هو :
_" لا ما هو الفيديو مش على صفحة حد لو تاخد بالك ! ده تريند ومعرفش الصراحه من إمته لان مفتحتش تليفوني ألا الوقتي بسبب زن أمك !"
إلتقط سترته بسرعه من على المقعد ومن ثم توجه سريعاً ناحية باب الشقه غير عابئاً بمناداة "ٱدم" عليه والذي أيقن جيداً بأنه تسبب في شئ لم يكن ليحدث ! ، لم يسمع "حسن" الا صوت" شريف". الساخر له وكأنه كان لا يسمح باختراق سمعه سوى صوته هو. حينما هتف له بسخريه :
_" اتمني ترجع راجل يا بو على وتخلص عليهم قبل ما يتخلص عليك !"
قالها وهو يضحك ومن ثم التفت للٱخر عندما سمع صوت اغلاق باب الشقه ، فوجد "ٱدم" ينظر بشرودٍ ، فجلس هو بأريحيه وكأن شيئاً لم يحدث ثم تحدث قائلاً بسخريه لاذعه:
_" كتر خيرك يا ٱدم ، قومت بالواجب وبالذي منه !"
قالها بتشفي من الداخل فنظر له "ٱدم" وهو يجلس بجانبه تزامناً مع قوله القلق :
_" ربنا يستر يا شريف أنا مكنتش أعرف إنها فارقه معاه أوي كده ! "
قالها بحيره من أمره كمن يفعل الفعله دون حساب لما فعله ، بل والأمر قد بدا قلقاً بعد أن كان مضحكاً ..!!
_________________________________________________
قبل قليلٍ ، جلس الجميع بصالة المنزل عقب إنتهاء الغداء وكل منهم يري من يجلس أمامه في جلسه دائريه على الٱرض كي يسع لهم المكان ، وبالرغم من عدم قبول " عايده" وابنتها العزومه بسبب موقفهم المحرج ولكن كان "حازم" موجود بالفعل مع "ياسمين" ، كانت البهجه عامه فـ المكان خاصةً أن كل منهم يتحاور مع شخص غيره أو أكثر بحديث جانبي غير موحد ، كانت تجلس "نيروز" بجانب "غسان" الذي جلس بجانبه "شادي" وبجانب الأولى كانت تجلس "وسام" التي جلست وبجانبها "ياسمين" ومن ثم "حازم" الجالس بجانبه "بدر" و "ورده" وصغيرها ومن ثم "دلال" وبجانبها "حامد" و "بسامً " والركن الٱخر "سميه" التي تجلس بجانب "دلال " !! ، جعلت هى الأنظار تتوجه لها وكل منهم ينظر بترقبٍ ، ومنهم من ترك كوب العصير ينتظر ٱثر ما فعلته من تصفيق حتى ينتبه الجميع ، نظرت لهم "وسام" بتمعن ثم نبست عالياً بنبره حماسيه تقترح :
_" تيجو نكرر اللي عملناه المره اللي فاتت بس بشكل مختلف !"
كانت تقصد اللعبه التي إقترحتها في المره السابقه ،وجدت وجوههم متحمسه إلى حدٍ كبير ، في حين هتفت "ياسمين" بتفكيرٍ:
_" المره اللي فاتت كانت لو كنت شعور وإحساس، المره دي هتبقي إيه بقا ؟"
_" هتبقى إعتراف وإعتراف !"
قالتها "وسام" بحماسٍ جعل"غسان" يعقد حاجبيه كما الٱخري مردداً باستفسارٍ :
_"يعني ايه بالظبط !"
نظرت له مُبتسمه وهي تستعد لتجيبه أمام الأنظار المتوجهه لها ، حتى خرجت منها نبرتها الواضحه تأتى بالإجابه لمن لا يعلم :
_" يعنى إعتراف بحاجه خاصه بيك وإعتراف تاني لشخص قاعد معانا هنا وإختاروا براحتكم !"
هلل "غسان" و "شادي" بإعجابٍ بينما نظر "بدر" و"بسام" بإنتظار في حين هتف "حامد" يشجعهم قائلاً قبل بدء أي حديث يؤجل اللعبه :
_" جميل جدًا ، مين هيبدأ .؟"
_" إنــــتّ"
قالوها جميعاً بصوتٍ واحد مرتفع مما جعل الجميع يضحك بقوه ، حتى "نيروز" التي وكزت "غسان". علي ساقه بعفويه من ٱثر ما تفعله ، ضحك هو عليها بخفه من ما فعلته ، تعتاده بالتدريج دون خلق حواجز! ، خرج صوت "حامد" ٱخيراً منه وهو. يجيبهم بمرحٍ :
_" صحيح ما أنا التوب هنا ، هقولكم .!!"
صمت يتابع النظرات المهتمه والفضوليه ، حتى تنفس بعمقٍ يجيبهم بنبره هادئه :
_" الإعتراف الخاص بيا ، وهو إني مبحبش أقعد فالبيت وهو فاضي ، خدت أه على قعدة البيت بس لما ولادي مبيبقوش فيه هما ومراتى مبحبهوش ببقى كئيب وبايخ ومش عارف أنا المفروض اللى أحس كده ولا دلال بس مش عارف لما يتجوزوا هعمل ايه ...، هبقي أروحلهم أعيش معاهم كل واحد يوم وأمري لله .."
ضحكوا عليه بخفه خاصةً ٱخر حديثه ، نظرت له "دلال" بتأثرٍ ، بينما رفع "بسام" يد والده الجالس بجانبه يقبلها ببرٍ أمام الٱنظار ثم قال :
_" ربنا يخليك لينا يا حج ، وانتَ تعيش فوق راسي كمان !"
إبتسم له والده بتأثرٍ في حين أرسلت له "وسام" قبله طائره ، بينما خرج صوت "غسان" منه حتى نبس بنبره هادئه متبجحه يجيبه علي حديثه الممزوج بالحنان :
_" لا ياحامد متجيش تعيش معايا .."
صمت ليجد الأنظار متوجهه نحوه بضحكاتهم ونظراتهم الحانقه من البعض بينما أكمل هو يكمل ما كان يبدأه :
_" عشان مش هسيبك ، هفضل قاعد هنا معاك وهملالك البيت عيال يقولولك يا جدو هو بابا الجامد ده حب ماما العسل دي ازاي !"
قلب الحديث بأقل من لحظه لصالح والده ولصالحه ، خرجت الضحكات العاليه منهم في حين هتفت "دلال" بمرحٍ له :
_" هتفضل هنا إزاي انتَ نسيت إنك متجوز وهيبقي ليك شقه وبيت وحياه ولا كلام أبوك داس على عرق الحنان .."
قالتها بمرحٍ توبخه ، أما "نيروز" فكانت توكزه كي يصمت من وضعه لها بمواقف محرجه دائمًا ، كبت هو ضحكته ثم التفت برأسه ينظر لوالدته حتى غمز لها قائلاً بمشاكسه :
_" الأوضه شِرحه وبِرحه وتاخد من الحبايب ألف !! ."
حديثه المقصود منه مشاكستها جعل "شادي" ينقذ الوضع سريعاً عندما وجدها تنظر بغيظٍ له :
_" الألف اللي هم نيروز يعني وكده يجماعه "
قالها بتبريرٍ أهوجّ لا يعرف له تحديد تاره يوقعهما ببعضهما وتاره أخرى ينقذ الوضع، ضحكوا هم علي ما حدث ، أما هي فتحدثت قائله بابتسامه مستفزه وبنبره خافته :
_" مبتكادش يا بن البدري لو بتحاول يعني !"
كاد "غسان" أن يجيبها بمشاكسه ولكنه إلتفت يسمع اجابه "والده "الثانيه حينما هتف:
_" اللي بعده بقا بناءً علي طلب الجماهير ، هو إعتراف لشخص مجهول ممكن يسمع ده وممكن لأ بس عاوز إعترف للشخص ده بحاجه ، عاوز أقوله إني بحبه ومستنى رجوعه لأصله اللي إتعودت عليه منه ، عاوز أقوله إنى بدعيله فكل صلاه إن ربنا يريح قلبه دايماً ويعوضه بحاجه تستاهل.. وعاوز أقوله كمان إنه فخر ورافع راسي من زمان ، بحبه وبحب اللي منه وعاوزهم أحسن ناس فالدنيا .!! ."
قصد أن يتيه بحديثه فأوله لعدم معرفة المجهول ولكن من عرفه كان كل أفراد عائلته ، كان المقصود بالقول "بسام" الذي علم سريعاً بأنه يقصده ،نظر له بتأثر ولولا أن الشخص مجهول لنهض يقبل قمة رأسه ، أما "غسان" فابتسم بهدوءٍ ومن ثم حنوٍ عندما تقابلت نظراته مع شقيقه وشقيقته ما أن علموا ، أما "دلال" فموضعها المتأثر جعلها تدعو فقط بسرها ، لم يستعلم الجميع عن هويته بسبب أنه مجهول ولكن استشف البعض والبعض الٱخر ابتسم بإعجابٍ ، في حين هتفت "ياسمين" ببهجه وهى تقول:
_" اللي عليه الدور مين ؟"
_" أنا عاوز أقول !"
قالها "حازم" بحماسٍ وابتسامه واسعه جعلتهم يشجعونه ، فأجاب هو بنبره هادئه وهو يبتسم :
_" هو إعتراف واحد بس اللي عندي ولازم يطلع فاللحظه دي ، يجمع الإعترافين مع بعض وهو لولا وجود ياسمين جنبي مكنتش هبقي كده ، كنت هبقى تايه وكئيب. ولا أطاق بس زي ما معروف عنها وجودها خفيف على القلب والروح وبيهون كل مر في الدنيا عليا .."
صفق الجميع له بحراره في حين ابتسمت هي له بحبٍ ، بينما نظرت "نيروز" إلى "غسان" المبتسم لهم ، ثم وكزته قائله بسخريه :
_" اتعلم ، مش رايح تقولي حبايب وألف يا بتاع الرقصات !! "
ضحك "غسان" وهو يحرك رأسه منها ثم نبس بغموضٍ:
_" أنا متعلم ومخلص علام وعلامي ياخدوا منه ويفيض ، أصبري ومتستعجليش على رزقك !"
قالها بثباتٍ جعلها تنظر له بفضولٍ ومن ثم حرك رأسه يجيبهم هذه المره هو ثم قال بنبره مرتفعه يقطع تفكيرهم بمن سيأتى عليه الإختيار :
_" أنا اللي هقول !"
_" وسع الطريق يبني عشان أبو الغساسين داخل !"
قالها "شادي" بحماسٍ جعل البعض يهلل بقوه ، بينما عدل "غسان" من ياقته الوهميه بغرورٍ. زائف ثم هتف بنبره هادئه واثقه :
_" بعترف أنا" غسان البدري " إعتراف واحد بس ملهوش تاني زي وجود "نيروز". واحده بس مش هتتكرر "
قالها بطريقه مختلفه مما جعل البعض يبتسم بإعجابٍ وترقب لما هو أتٍ ولم يكن الٱتى منه سوى غزله بها عندما إلتفت ينظر لها تحت أنظار الجميع مع قوله وإعترافه بنفس الوقت :
_" أعترفُ بأنها : نيروزُ الحُب التي أخدتني من دون وعى مني ،لأصبح لها وحدها، لأصبح عاشقاً لها و لعينيها الـbrown ،فـ بات عشقها فالقلب يَسكُن ، وما أجملها هي وحدها وما أجمل ما يَسكُن وما يُسكَن ... أه والله العظيم بجد !!"
قال أوله بهيامٍ وٱخره بمرحٍ جعل صديقه يخرج صوت مشجع من فمه كصفاره ، بينما صفق "بدر " و "بسام" و "حامد" و"حازم " والفتيات وحتى النساء !! ، مع قول "حامد" المُعجب به قائلاً بتشجيعٍ ومرحٍ له:
_" ابن حامد البدري ياض مفيش كلام ، تربيتي بصحيح !"
إبتسم له "غسان" وهو ينظر له بفخرٍ ، ومن ثم عاود النظر إليها فوجدها تنظر له بتأثرٍ ثم نبست بتعلثمٍ ومشاعر مختلطه قائله بعفويه :
_" ثبتني يا بن البدري !"
_" وهو المطلوب با بنت الأكرمي !"
قالها ومن ثم ضحكت هي حتى طالعته بحبٍ عندما رفع كفه يربت علي كفها بإطمئنان. علم هو الٱن بأنها تحتاج بأن يبث لها الإطمئنان بين الحين والٱخر ، خاصةّ بعد ما حدث أمس وهو يحاول بكل الطرق الممكنه بأن لا يتركها مع نفسها لحزن فقدانها وروتينها المعتاده عليه بذلك بل جعل وبطريقة ما الحديث بينهم بالمشاكسه والغيظٍ حتى تنشغل به وبما يفعل وتندمج هي فيما يحدث ، فاق من شروده على إجابة شقيقه حينما هتف "بسام" قائلاً بهدوءٍ لهم :
_" ماشي أنا اللي هقول ..، الإعتراف الأول وهو غريب شويه بالنسبه للبعض ومحدش يعرفه أوي ولا إتكلمت فيه قبل كده بس لاحظته جداً ، أنا بحس أحياناً بـ غسان لو حصل ليه حاجه لو مجرد ألم جسدى ساعات بحس بيه ولو نفسي بردو بس ده مش دايماً ده أحياناً .."
نظر له البعض بدهشه بينما هتفت "نيروز " بغير تصديق :
_" ده بجد فعلاً؟"
هز لها رأسه بالايجاب ثم واصل يكمل وهو يجييها بعقلانيه :
_" أيوه عادي ، في دراسات أثبتت ده بس مش لما هو يتجرح مثلاً أقوم أنا أحس بيه فنفس المكان أو الوجع ممكن حاجه تتعبني فجأه أو مكان معين فجسمي يشد عليا من غير سبب ده برجع اكتشفه بعدين ، وكمان انا بس اللي بيحصل معايا كده لكن هو. لأ .."
نظروا بإعجابٍ لما قاله للتو بينما ابتسم كل من كان يعلم ولو ذره بذلك. الموضوع ، فهتف هو من جديدٍ يتحدث بإعترافه الثانى لأحدهم :
_" الإعتراف التاني بقا ، معنديش حد معين أعترفله بحاجه غير أهلى اللي محدش بيستحملني غيرهم فأصعب أوقاتي حتي لو محدش عرف إيه اللي فيا بس بقولهم إني بحبهم بحب الحج حامد اللي عمره ما جه عليا فمره إلا لو عشان مصلحتي وبحب أبويا التاني غسان اللي إكتافه وحضنه المكان الوحيد اللي بهرب فيه لما الدنيا تقسى عليا وعقله اللي دايماً معايا وبيفكرلي ازاي أكون سعيد ، وأمي اللي حنيتها مكفيانا وفايضه واللي فاض كله راح لغسان ، وبحب وسام عشان هي صاحبي المرح اللي دايس معايا وموافقني فكل حاجه بعملها ، رفيق أيامي فالهبل حتي لو مبقتش الوقتي كده بس هبقي ! وبحب بدر أخويا الكبير وحازم كمان زي أخويا غسان والواد شادي اللي جاي يخرب الدنيا بعزه وبحبه!"
كلماته أكثر كلمات جعلت الجميع يتأثر ، ابتسم له الجميع بسعاده ، بينما رفع"حامد", ذراعه ليضعه عليه بحبٍ أبوي كعلامة للدخول بين أحضانه ، بينما هلل الشباب ، خاصةً الكلمه المعهوده من "غسان" و"شادي", حينما خرجت منهما بصوتٍ واحد :
_" حـــبــيــب أخــــوكّ.."..
ضحك الجميع بخفه ومن ثم وقف "شادي" يتركهم ليجيب علي اتصال هاتفه الذين صدح صوته فتحرك ناحية الشرفه ليقف بها بعيداً عن الاصوات..!!
______________________________________________
فـي الأسفل قد مر وقت بعد رحيلها من عيادة الدكتور النفسي حتى أنها خرجت تفعل أول خطوات ما قاله لها ، حيث إنتظرت "جميله" صديقتها "منه" بإعتبار أنها أكثر شخص مرح قد يظهر أنه لا يحمل للحياة هم بل يقضي الوقت بالمرح وققط وهذا ما تريده عكس" فرح " تماماً التي لا تعرف عنها سوى مرض والدتها ومرضها الٱن ، بعدما صعدت لدقائق هبطت بعد أن قالت لوالدتها أنها ستهبط تقوم بتصوير عدة أوراق وستقوم بالسير قليلاً ، لن تعارض الأخرى بل واقفت بكل ترحيب مادامت هي وابنتها تضمن عدم رجوع "سليم" المنزل في هذا الوقت ووجود "حازم" بالشقه الٱخرى حيث شقة "حامد" ، والذي أعلمها بأنه سيأتى لها بعد إنتهاء العزومه ! ، وقفت تنظر من على بُعد حتى رأتها أخيراً تأتى بطريقها لها ، ابتسمت "جميله" بارتياحٍ من الإنتظار ثم أشارت لها وهي تستند على إحدي السيارات ، ومن ثم جاءت لها الأخرى تقف من أمامها حتى مدت كفها تحتضنها بحبٍ قائله بمرحٍ :
_" جيت بدري أهو ، عشان تعرفي إن مواعيدي مظبوطه!!"
ضحكت "جميله " بسخريه وهي تحتضنها وقبل أن ترد عليها جاء صوته من الٱعلى بارتفاعٍ وهو يقف فالشرفه :
_" بــــــــت يــــــا مِــــــنَـــــه ، يخــربـــيت حــــلاوتك يبت ايــه اللـي جابــك ، إســتني خليـــكِ مــكانك !!"
لم تكن الكلمات سوى من"شادي" وهو يهتف عالياً باسمها ، إنتفضت "منه" كما انتفضت الأخري وهي تتلفت حولها باستفهامٍ ، لم يستطعا هما رؤيته بسبب وجوده فالأعلى أسفل الستار الضخمه ، أخذت تلتفت حولها بريبه ، أما الٱخر فما أن قال كلماته بعلوٍ ، انتفضوا من الداخل ثم وجدهم ملتفين من حوله تخطاهم هو سريعاً وهو يخرج من الشرفه ثم فتح باب المنزل غير عابئاً بمناداة "حامد" عليه عندما قال وسط ضحكات من فهم الٱمر جيداً :
_" رايح فين ياض !"
_" نازل ..وجاي بسرعه "
قالها على عجاله من أمره ففر الجميع ناحية الشُرفه لترقب الوضع ، وكزت"نيروز" غسان" من بين ضحكاتها العاليه ثم قالت :
_" دا مجـــنون بجد ".
حرك "غسان" رأسه بقلة حيله منه ، فخرج الجميع من الشرفه وكل منهم يضحك ، بينما توجه "حازم" يشير للشباب جميعاً وحتى "حامد" بالجلوس ، ففهموا هم بأن لديه شئ يقال ! ، جلس "حازم" و "بدر" و"غسان" و"بسام" و"حامد" ، وبركن ٱخر جلسن النساء والفتيات على بُعدٍ قليل منهم .. فى حين بدأ الحديث عند الرجال من "حازم" عندما قال :
_" عاوز أخد رايكم فموضوع !"
ترقبت الأنظار وإعتدل كل منهم في جلسته ، بيما هتف "حامد" بلطفٍ له :
_" قول يا حازم ، سامعينك !"
تنفس "حازم" بعمقٍ ثم نبس بنبره هادئه لهم جعلتهم يبتسمون بلطفٍ :
_" في عريس متقدم لجميله وعاوز أشوف رايكم فيه !"
إبتسم "حامد" باتساعٍ بينما هلل الٱخرين بالمباركه في حين هتف "بدر" يسأله وهو يعقد حاجبيه بتساؤل :
_" مين ده ، حد نعرفه يعني ؟".
هز رأسه وهو ينظر على الوجوه المترقبه لما هو الٱتي ، فهتف هو يجيب تساؤلاتهم :
_" عز الشرقاوي ، أكيد كلكم عارفينه من الأيام اللي فاتت وخصوصاً بسام "
إبتسم "غسان " عندما تأكدت شكوكه ثم إبتهجت ملامح الٱخرين ، خاصةً "حامد" الذي هتف بهدوء :
_" شكله ابن حلال يبني ، وإن شاء الله ربنا يجعلهم من نصيب بعض ، فاتحتهم وفاتحت أبوك ؟"
_" لأ لسه بس عاوز أخد رايكم فيه واللي انتوا شايفينه فيه وبعد كده ربنا يسهل .."
تنفس "غسان " بعمقٍ ثم إبتسم يجيبه بنبره هادئه:
_" الصراحه يا حازم أنا متعاملتش معاه أوي عشان أقول رأيي فيه بس شكله محترم ومشوفتش منه حاجه وحشه غير إنه مبيعرفش يفرق بيني وبين بسام فـ أرفضوه وخلاص بقا !"
ضحكوا بخفه علي حديثه ومن ثم أجابهم "بدر" هو الٱخر ووجهه لا يخلو من الإبتسامه الهادئه :
_" وأنا كمان معرفهوش أوي بس شايف بردو إنه محترم ده غير إني شوفته خجول وعينه فالأرض دايماً لما يكون موجود معانا فتجمع فيه ستات وكده فـ شكله محترم يعني والله أعلم بردو .."
_" أنا عارف إنه محترم بس القرار ده صعب بالنسبالي عشان أختي فـ رايكم مهم بالنسبالي إحنا بقينا عيله زي ما كنا بردو عيله "
قالها"حازم" بهدوءٍ فنظر له "حامد" بإمتنان ، بينما خرج صوت "بسام" أخيراً بتوضيحٍ ليبدى رأيه هو الٱخر :
_" هقولك رأي فيه بصراحه ، هو شخص مكافح ومراعي ربنا فـ والدته وأخته الصراحه ومتخافش من واحد بيعمل اللي هو بيعمله ده ، ده غير إنه بيصلي وعارف ربنا واللي شوفته إن شغله ميخليهوش يحط والدته واخته فمستشفي زي دي بس بيجاهد عشان هم يبقوا أحسن واللي شايفه إنه بيتعب أوي ، فـ ربنا يعينه ويجعلهم من نصيب بعض لأن هو شخص كويس جداً.."
نظروا له بإعجابٍ ، حتى "حامد" الذي نظر لـ "بسام" بحنوٍ ، بينما هتف "حازم" له بسؤالٍ جعل الجميع يترقب :
_" يعني لو جه لـ أختك شخص زيه هتوافق عليه ؟"
ابتسم "حامد" بتفهمٍ لما يشعره الٱخر حتى تيقن جيداً بأنه أصبح أب قبل وقته ! ، بينما ابتسم "بسام" وكاد أن يجيبه حتى قاطعه نبرة "غسان" العقلانيه الهادئه يفسر له :
_" كل واحد بيتمنى لأخته أحسن واحد فالدنيا يا حازم ، والأفعال هي اللي بتقول مش الكلام ، ولو أختى أكيد لو إنسان مكافح ومراعي عيلته وقبل كل ده عارف ربنا ومش معقد ولا هيوقع أختى معاه فـ صراع وأذى نفسي فأنا معنديش مانع ، وبعدين بسام مش هيضرك عشان إنتَ أخونا ومادام إنتَ أخونا يبقي جميله زي وسام يصاحبي!"
إبتسم له "حازم" بإمتنان بينما هتف "حامد" قائلاً بعقلانيه :
_" كلامي من كلام غسان ، وربنا يقدم لكم اللي فيه الخير يا بني"
هز "بدر" رأسه بتأييدٍ ومن ثم نظر لهم "حازم" بامتنانٍ صادق وهو يشكرهم :
_" مش عارف أقولكم أيه يا جماعه ، .. يعني أفاتح جميله وأبويا ؟"
ابتسموا له وكل منهم بهتف له بتشجيعٍ ومن ثم الدعاء بصلاح الحال و ما هو خير ..
_________________________________________________
أما فالأسفل .. قبل قليلٍ وقفت "جميله" تضحك بعبثّ على " منه" التي تتلفت حولها بريبه ، وما أن وجدت المكان ساكن من جديد ولا يصدح ذلك الصوت الذي هتف بإسمها ، نظرت إلى "جميله" بريبه ثم رددت قائله باستنكارٍ :
_" هي عمارتكم مسكونه يا بت انتِ ولا أنا اللى بقيتfamous ولا ايه .؟"
هزت "جميله" رأسها بالنفي وهي تضحك بخفه ومن ثم التفتت تبحث من جديد عندما وجدت الأخرى تنظر بريبه ، وما أن رأته "جميله" يأتى من خلفها بتلك السرعه فقد هبط هو فالمصعد سريعاً ، نظرت بغير تصديق عندما جمعت الخيوط ببعضها ، عقدت " منه " ما بين حاجبيها سريعاً بينما التفتت تنظر محل أنظار الأخرى حتى وجدته يأتى لهما ثم وقف أمامها وهو يبتسم باتساعٍ ثم هتف بنبره مرحه قائلاً لها بغمزه عين :
_" متقوليش إنك جايه عشاني وإني وحشتك وكده !"
أبله أهوج ، قال كلماته بطريقه مضحكه مما جعلها تلتفت تنظر لـ "جميله" الصامته بصدمه من ما قاله ومن ثم إلتفتت "منه" تنظر له من أعلى لأسفل ثم قالت بإشمئزازٍ :
_" انتَ بتقول ايه يا متخلف إنتَ ،وحش لما يبقي يلهفك !"
إستند "شادي" على السياره من خلفه ثم حرك رأسه بخفه قائلاً بتساؤل:
_" أنا متخلف يـا بتّ .. ؟"
حركت رأسها بالايجاب ثم التفتت تنظر لـ "جميله" تزامناً مع قولها الجرئ :
_" هو الانسان ده قريبكم إزاي ، يلا..يلا نمشي بلاش هبل وهطل ؟
وقف يقطع طريقها وهي تسحب الٱخرى بيديها حتى تحدث قائلاً بنبره تائهه كي تقع به :
_" مش هسيبك ولا هسيب عيونك تمشي كده يـا بت ، إديني تذكار !"
قالها بمرحٍ كعلامه لآعطائه رقمها ، بينما عبس وجه "جميله" منه ثم تحدثت قائله له بضجرٍ:
_" مينفعش اللي انتَ بتعمله ده إحنا فالشارع ، دا غير اننا بنات عيب كده !"
نظر لها "شادي" وهو يبتسم لها بأسفٍ بينما أشارت لها " منه" بالصمت ثم تحدثت هي قائله له بتساؤل مريب :
_" يعني عاوز تذكار؟."
_" أه"
_" أوكَ"
قالتها "منه" بابتسامه ناعمه ثم رفعت كعب حذائها العالى تضغط على قدمه بقوه فرجع هو إلى الخلف حتى جاءت ضربتها علي الأرض من أسفلها ، بينما ابتسم "شادي" بلؤمٍ ثم قال :
_" اللي اتلسع من الشوريه ينفخ فـ الزبادي يا منون ، متكرره شوفي غيرها !"
صمت يتابع ملامح وجهها التي تشنجت بغضبٍ بينما كانت الٱخرى تتابع بضجر ما يحدث ، فهتف هو من جديد :
_" ما تجيبي رقمك وبلاش فرهده بقا .."
نظرت له بابتسامه صفراء ثم قررت تفعل ما كانت تريده ولكنها تحلت بالصبر ، إقتربت تقف أمام وجهه ثم نبست بهدوءٍ شديد تسأله :
_" جربت تتكلم مع حد بيلعب بوكس يا .. شادي بيه ؟"
_" لأ ،وقوليلي يا " شوشو" هيبقي أحسن منك يا منون!"
قالها "شادي" بابتسامه هائمه حتى هزت رأسها بالايجاب ثم قالت بوقاحه:
_" من عيوني ما أنتَ هتبقى شوشو فعلاً ، جاهز ؟"
عقد "شادي" ما بين حاجبيه بتساؤل ثم نبس يستجوبها قائلاً بابتسامه:
_" لإيـه ؟"
لم تعطه الفرصه للرد يل وضعت يديها أمام وجهها كما تفعل بالتمرين ثم وجهت واحده له تلكمه بوجهه حتى ترنح إلي الخلف وهو يتأى بينما ضحكت هي بانتصارٍ ، ثم التفت تنظر على "جميله" التي شهقت من تأزم الوضع الٱن حتى عنفتها قائله بتوبيخٍ :
_" يخرب عقلك ،انتِ عملتي ايه يا مجنونه!"
نظر لها "شادي" بغضبٍ ثم توجه يصرخ أمام وجهها بانفعالٍ وهو يشير بيديه :
_" انتِ ايه اللي عملتيه ده ، قده دا يا غبيه انتِ ..؟"
نظرت له باستفزازٍ بينما تابعت "جميله " بقلقٍ إلى أن تبدلت ملامحها للصدمه عندما وجدته هو يتوجه ناحيتهم ووجهه لا يبشر بالخير ، شهقت بقوه، حتى جعلتهم يلتفتان لينظرا من ٱتى خلفهما ، بينما كان الٱخر يتوجه لهم بشرر ما أن لمحهم من على بعد عندما كان ينظر ليدخل بمدخل العماره ، توجه "حسن " يقف أمامهم ثم نظر لـ "جميله " حتى ردد بنبره حاده مستنكره :
_" انتِ واقفه بتعملي ايه هنا ؟ ومين ده !"
قالها بإنفعالٍ يظن نفسه رجل في حين أنه سيد المغفلين !! ، وبحركه خفيفه ما أن رٱها تنظر بتعلثمٍ وهي صامته توجه يرفع يديه ليمسك خصلاتها من أسفل الحجاب بشده حتى تأوت بقوه وهي تحاول بأن يتركها بينما نظر "شادي" بذهول من ما يحدث أمامه ، ومن ثم "منه" التي تعلم من هو ذلك الحقير . !
_" قدامي يا زباله ياللي وقفالي مع شباب ، وصلتلك البجاحه تجبيهم قدام البيت يابــــت !"
قالها "حسن" بشرر وهو يسحبها خلفه بينما وقفت "منه" تدفعه عنها بقوه إلى أن رفع ساقه يدفعها للخلف حتى. إصطدمت بـ "شادي" الذي خرج من ذهوله عندما أمسكها قبل أن تقع سريعاً ، بينما نظرت له هى بضياعٍ ثم صرخت به سريعاً علي فجأه :
_" شيلها من ايده بسرعه. عشان خاطري!"
صرخت به بقوه حتى استوعب ما يحدث بينما رفع يديه سريعاً يفصله عنها بقوه وهو يردد بانفعالٍ :
_" سيبها ، ...بقولك سيبها !"
قالها بإنفعالٍ جعل "حسن" يدفع "جميله " ناحية"منه" حتى إصطدمت الاثنان ببعضهما ، ومن ثم توجه ليمسك "شادي" بقوه من تلابيبه وهو يصرخ به :
_" انتَ بــقـــا الراجل والدكـــر.."
خرجت منه بتهكمٍ جعل "شادي" يرفع يديه هو الٱخر يمسكه بقوه حتى دفعه ليسقط أرضاً ومن ثم جثى فوقه كي يلكمه بوجهه مردداً ليجيبه بانفعالٍ :
_" أرجل منك ومن عشره زيك يا ***"
صراخ "منه" و"جميله" جعل الجميع يتلفت حولهم ومن ثم فصل بينهما الرجال بسرعه حتى وقف كل منهم أمام الٱخر ينظر له بشررٍ، هتف أحد الرجال كي ينهيا الوضع:
_" مينفعش كده يا أستاذ انتَ وهو ، انتَ ... اتفضل شوف انتَ رايح فين..، وانتَ إهدى .."
كان يوجه حديثه لـ "شادي" الذي كان ملابسه غير مرتبه من ٱثر ما حدث بينما حثه الرجل علي الذهاب كي يهدأ الوضع والاخرين يمسكون بـ "حسن" كي لا يتوجه ناحيته ، بينما بصق "شادي" عليه باشمئزازْ ثم نظر لهما بحده مشيراً لهما قائلاً دوم علمه بأنه شقيق الاخرى يل يسمع عنه فقط :
_" يلا إطلعوا "
قالها بحده كي لا يتركهم معه وهما فتاتين وهو الرجل الٱن بينهم ، تحركت "جميله" من خلفه وهي تتمسك بـ " منه " حتى إختفى أثرهم عندما دخل كل منهما إلى المبني بينما تركته الرجال ومن ثم حثونه بالهدوء بينما طالعهم هو بحده وهو يبتعد عنهما ثم سار بخطواتٍ متوسطه ليدخل هو الٱخر المبني تحت نظرات الرجال بقلة الحيله ولكن علي الأقل قد تم الفصل بينهما ورحل الآخر أولاً وقبله بدقائق هذا ما يعلمونه !
__________________________________________
كانَ يجلس بجانب والدته ، تجلس على الفراش ، أما هو فجلس على مقعدٍ وبجانبه شقيقته ، إبتهجت ملامحها بشده عندما حدثها "عز" بأنه قد فاتح شقيقها وينتظر الرد فقط ، ابتسمت بحنوٍ له ثم هتفت بنبره حنونه :
_" ربنا يسعدك يا حبيبي وأشوفك أسعد واحد فـ الدنيا يارب "
إبتسم لها "عز" بسعاده ثم مد ذراعه وهو جالس ليحتضنها ثم قال بمشاكسه:
_" مفيش سعاده من غير ما أشوفك ماسكه نفسك وواقفه على رجلك وفرح كمان ، نفسي تبقوا كويسين دايماً وكمان تجهزوا عشان لو حصل نصيب طبعاً انتوا اللي هتيجوا معايا ، يكون ساعتها ربنا سهلها وحسيتي انك تمام ونخرج بقا من المستشفي "
إبتسمت "فرح" لهما بحنوٍ ثم أجابته بنبره هادئه وهي تبتسم باتساعٍ :
_" أنا متحمسه يا عز أوي ، ويارب تكون ماما اتحسنت أكتر ويتكتب ليها على الخروج مع الوقت اللي هتروح فيه عشان نبقي مع بعض فاللحظه دي "
_" أكيد إن شاء الله مقدرش أعمل حاجه من غيرك ولا من غير حنان و.."
قالها"عز" ببهجه بينما قاطعه ذلك الصوت الذي جاء لهم من خلف الباب وهو يستند عليه ثم قال بنبره متهكمه يسأله :
_" ولا من غيري ؟"
لم يكن سوى "شريف" الذي استند على الباب منذ دقائق يتابع الوضع بحرقه وسخريه بنفس ذات الوقت ، وقف "عز" على مره واحده بينما نظرت "فرح" بصدمه في حين نظرت "حنان" بخوفٍ لما هو أتٍ، الغرفه عاديه ووصوله أمام الغرفه ليس صعب لهذه الدرجه بل وتعارفه مع إحدى الممرضات في جلبها الأخبار له تسهل من الوضع أكثرحتى لو كان سهلا ً الٱن وكان العكس من قبل !، ٱتى إلى هنا بعد أن رحل من شقة ٱ"دم" خلف الٱخر عندما شعر بالإنتشاء من فكره مسه للسوء ، فذهب ليمس أحدهم بسوء هو الٱخر ! ، دخل بخطواتٍ واثقه وهو يبتسم ناظراً على وجوه كل منهم حتى ثبت نظراته عليه هو حينما هتف له شقيقه بتحذيرٍ :
_" أنا مش قولتلك متجيش ،ولو جيت مش هيحصل كويس !"
قالها وهو يتحامل على نفسه بأن لا يخرج إنفعاله في هذا الوقت خاصةّ حالة والدته الصحيه! ، إعتدلت"حنان" في جلستها بخوفٍ بينما وقفت "فرح" بجانب "عز" تنظر للٱخر بترقبٍ حينما ابتسم بسخريه ثم هتف :
_" ومجيش ليه ؟ مـا أنا ليا حق فالقاعده الحلوه دي ولا هو خلاص عشان لسه عايشه هتتفرعن علينا يا عز ؟"
لم تخرج سوى نبرة "حنان" عندما قالت محاوله تهدئته وتهدئة الوضع:
_" عاوز إيه يا شريف ، قولي نعملك ايه يبني يرضيك وأنا اللي هعملهولك بس تبطل تظلم فينا .."
صرخ "شريف" بوجهها بقوه حتى انتفضت "فرح " عندما هتف هو بإنفعالٍ ونبره صارخه :
_"قــــولتــلك أنـــا مش إبـــنـــكّ .."
قالها بصراخٍ جعل "عز" يلتفت لها يصرخ هو الٱخر بانفعالٍ :
_" مش هنـــرضي ولا هــنتذل لحـد !!"
صراخهما الإثنان نابع من ما يشعران به كل منهما بشعر عكس ما يشعر به الٱخر ! الوحده ، الغربه ، التشتت ، العجز!! ، إقترب "عز" يقف أمام "شريف" ثم رفع يديه يشير له بوجعٍ :
_" إمشي يا شريف إحنا مش قادرين ولا عندنا طاقه لكل ده !"
_" ولا أنـــا "
قالها "شريف" بوجعٌ هو الٱخر ثم رفع ذراعه يضعه على شقيقه ثم ضمه إليه بقوه حتى إنصدمت الأنظار ، عندما ضمه هو بقوه ثم مال يهمس بجانب أذنيه قائلاً :
_" مش قادر يا عز أشوفك كده وأنا لوحدي ! ، رغم إنك بتحسسني لما ببصلك إنك مني أوي بس مش قادر ومش ..أسف .."
قالها ومن ثم دفعه مره واحده بعيداً عنه حتى إصطدم أرضاً ومن ثم وقف يضع ساقيه علي معدته بقوه مردداً بنبره قويه مرتفعه :
_" إشمعــنا إنتَ هــا ؟؟"
سؤال يود أن يرميه له وللحياه ! ، هو الذي عاش وحيداً منذ فتره ينظر عليه وهو بين أحضان والدته وشقيقته الذي حُرم منهم الٱخر !! ، حاولت "فرح" دفعه ولكنه أمسكها من ذراعيها بقوه عندما كتفها يحكم حركتها قائلاً لها بوجعٍ هو الٱخر :
_" مش عارف أحبك وانتِ نسخه من واحده قادره وجاحده سرقت أب من مراته وعياله ، نفسي أحبك بس مش هعرف يا فرح وكل اللي بيحصلك قليل عليكِ .."
لم يعطي لها فرصه بأن تدافع عن نفسها يل دفعها حتى إصطدمت بشقيقها الذي حاول النهوض بألمٍ ، كل ذلك ووالدتهم تختنق من عدم إستطاعتها أخذ أنفاسها ، وقف ينظر عليهما وهما يسندان بعضهما وكل منهم يحاول أن ينهض الآخر حتى نهضا وفرت "فرح". للخارج حتى تأتى باستغاثه بينما وقف "عز" ينظر له بشررٍ ومن ثم التفت حوله بريبه من صوت والدته بعجزٍ ، هذا ما كان يريده ! جعلهم مشتتين تائهين كل منهم يدور حول نفسه ، إنسحب بخطواتٍ خفيفه يخرج من الغرفه عندما وجد الممرضات تدخل منهم واحده تلو الأخرى تعدل من الوضع سريعاً كى ينظران بلهفه علي الٱخرى التي تختنق تحت نظرات "عز" التائهه المشتته العاجزه و"فرح" الباكيه ..، خرج بخفه. تحت انشغال الٱخرين ثم سار بخطواتٍ ثابته بعد أن دمر الوضع بالداخل..، رغبته العارمه في أذية الجميع تلح عليه بقوه في كل الأوقات ولم ولن تهدأ بعد !
_____________________________________________
وقف بإندفاعٍ عندما قصت عليه "زينات" ما حدث بل وبدلت الكثير من الحقائق ولم تأت بما قصته بأن والده كان يريد بأن يزوج "نيروز" لٱخر غيره ، هتف بشرر وهو يقف يوزع نظراته علي وجه "سليم" الصامت الذي صمت أثر حديث "زينات" المشتعل ، وما ببن وجه "زينات" المترقب لما سيفعله ، هتف هو بشرر وهو يتحدث بإنفعالٍ :
_" كـــل ده حصل ازاي ، ازاي من غير ما اعرف!"
قالها بصراخٍ بينما نجحت الٱن خطة "زينات" حتى أنها هتفت تؤكد له ما قامت بتأليفه :
_" أهو حصل يا خويا ، ولما أبوك عرف إنها مقضاياها معاه وقفلها وقال لها إنتِ مش لحد غير حسن ومينفعش تروحي للي خطف بنت عمك وكان هيحبسها بس اللي حصل إنهم غفلونا وكتب عليها ابن دلال وكل ده وهي موافقه وضحكتها من الودن للودن !"
نظر "سليم" لها بذهولٍ داخلي من قلبها للوضع لوضع ٱخر ، أما الٱخر فلم يكون الفارق معه سوي أنهم تزوجا ؟! ، لم يسب سواه وسوى نفسه لغلقه هاتفه طيلة الأيام الماضيه!! ، فر ناحية المطبخ سريعاً تزامناً مع قوله بصراخٍ:
_" ودينـــي ما سايـــبهم يتـــهنوا !! .."
قالها بصراخٍ مع وقوف "زينات" بتشفي وانتصارٍ و وقوف "سليم" الذي تفاجأ من الٱخر ، عندما خرج من المطبخ وبيديه سكين كبيره حاده، جعلت الاثنان ينظران بصدمه، منهم صدمه من ما سيفعل ومنهم صدمه منه ومن شره الذي كان أقل من توقعاتها ، وقف أمامه "سليم" ليقطع خروجه من باب الشقه وهو يقول بصراخٍ جعل "زينات" تنتفض كما خرج من الشقه الٱخرى "عايده" ، أما "جميله " و"منه" فتوجهها مع "شادي" لشقة "حامد " خاصة أن "جميله " كان حالتها ليست هينه فقد ارتجفت أوصالها حتى أن صديقتها حاولت اسنادها في المصعد مع "شادي" الذي ذهب بها إلى شقة صديقه ، ما فعله "حسن" بها أمام الأنظار جعلها خائفه ! ،، وقف "سليم" يمنع سيره بقوه وهو يصرخ به :
_" شـــيـــل الســكيـــنه دي من إيـــدك يا غبي !!"
قالها وهو يعنفه بينما أمسكته يديه كي يكتفه حتى لا يخرج و وقفت الٱخرى تتابع شر ابنها بصمتٍ ، توجهت هي إلى الخلف عندما رفع "حسن" ذراعه يدفع "سليم", بقوه إلى الخلف حتى إصطدم بـ زوجته التي رجعت هي إلى الوراء ، تزامناً مع قول "حسن" الحاد وعقله قد تغيب أثر ما تفعله المخدرات به :
_" لو مـــبعدتش عنـــى هقتــلك بيـــها !!"
كلمات قاسيه صفعها بقوه عليه هو. ، هو الذي أصبح سيئاً بقوه منذ فتره كبيره منذ تناوله الدمار ، مع سوءه الذي نشأ عليه ، عاش معتقداً بأنها له هو وليس لسواه ، كلمات والده بأنه لن يتزوجها كان يعلم أنها مجرد كلمات وٱنها له بالنهاية ، حب التملك والشر فاض بداخله بل وتتزوج أكثر شخص يكرهه ويبغضه منذ ان كان هو طفلاً !! ، تأوى "سليم" وبقوه هو والٱخرى الذي وقع عليها حتى حاولت النهوض بنفسها ومن ثم أمسكت زوجها تساعده وعقلها قد خطر عليه بأنها لم ولن تفعل بكلماتها سوى أنها تزيد الشر والكراهيه لحدٍ كبير لا تعلمه هي !! ، خرج هو من الشقه سريعاً ما أن فتحها ومن ثم التفت ينظر على من يقف ويدق الباب فوجدها "عايده" التي. نظرت له بريبه ورهبه من كونه يحمل سكين. حاده كبيره !! ، حتى رجعت إلى الخلف بخوفٍ ظهر بنظراتها ومن ثم وجدته يتوجه يدق باب شقة "حامد" عندما علم من والدته التي تتصنت بأن العائله بأكملها لدى شقة "حامد" ، دق الباب بقدمه بقوه وهو يهتف باسم "غسان" يسبه تحت نظرات الثلاثه من خلفه
سليم المنصدم ، وزينات التي فاق حقدها صدمتها وذهولها و عايده التي كانت تترقب بخوفٍ ولم يأت ببالها سوى إن مس ولدها سوء وهو. بالداخل شعورها كأم لم يوصلها إلا لذلك لا تعلم هي بأن "جميله" هي الٱخرى بالداخل !! ، من يرى وضع الثلاثه من إثنان مترقبان بخوف وأخرى بحماسٍ لم يظهر سوى بعينيها ، يعتقد بٱنه سيُنشب حرب بعد دقائق ، حرب بجماهير منها خائفه لفوز الطرف الٱخر ومنها مترقبه بخوفٍ من فكرة أنها حرب بل وبسلاحٍ حاد من أحدهم !!
_________________________________________________
قبل قليلٍ بشقة "حامد" وقف الجميع بترقبٍ وكل منهم ينظر على "جميله" وهي بأحضان "حازم" ، بينما قص عليهم "شادي" الملخص وتفاجأ هو من علمه بأن ذلك هو "حسن" ، عندما حث "جميله" و" منه" على الدخول بشقة "حامد" بسبب ما رٱه من ارتجافة يد "جميله", وبالٱخرى دموعها التي لا تتوقف من أثر فزعها ، وقفت "نيروز" بتيهه وملامح وجهها قد تحولت للخوف من فكرة عودة "حسن" التي تعرف هي جيداً مدي قوة شره !! ، الأنظار والوجوه كان محلها الصدمه والضياع رغم أنه شئ متوقع حدوثه من عودة الٱخر!! ، أما "غسان" فقد تهجم وجهه ومن ثم شرد بما فُعل منه قبل قليلٍ ماذا لو علم هو البقيه ، خرج من شروده عندما هتفت "سميه" بخوفٍ ظهر بنبرتها :
_" هنعمل ايه الوقتي ، زينات مش هتسيب الليله دي تعدي كده أكيد هتقوله اللي فيها !"
تحدثت من بعدها "دلال" هي الٱخرى بقلقٍ داخلي وُضع بها :
_" قلبي مش مطمن ، أسترها يارب !!"
كل منهم يتحدث بحديث خائف بينما صمت الشباب بحيره والأخرى الفتيات ، بينما قاطع صوت أفكارهم الخائفه ، صوت "حامد " عندما قال باطمئنانٍ :
_" إهدوا كده وسموا الله وخير إن شاء الله "
تحدث الشباب مع"حازم " القلق من حالة شقيقته بينما وقف "شادي" يترقب الوضع بجانب "حازم" و"منه" بجانبه ، بينما كان يقف "غسان" بركن قريب منهم وبجانبه "نيروز" التي يدق قلبها بخوفٍ وهي تنظر له بكل مره تجده شارد ، حرك أنظاره صوبها ثم وجد الدموع تتجمع بمقلتيها ولم تخرج مع نظرة الخوف ولم يكن الخوف سوى عليه هو وحده ، استشف نظراتها حتى رفع يديه يربت على كتفها بأمانٍ مردده كلمه واحده :
_" متـخفيش.. ''
حركت "نيروز" رأسها بنفي ثم رددت بنبره مختنقه من ٱثر كتمها للبكاء حتى أن أعصابها لم تقوي علي جعلها تقف بجانب "جميله" :
_" خايفه لـ يحصل حاجه !!"
نقطة شروده كانت من توقعه لما سيحدث حتى لو كان ضعيفاً ، أردف "غسان" بنبره هادئه وهو يحذرها قائلاً :
_" نيروز !! ، لو حصل أي حاجه متقرييش وخليكِ بعيد ، ماشي؟؟. "
قالها برهبه ان مسها سوء فيكفي هو إن حدث شئ ، ولعلمه بشخصية الٱخر قال هو ذلك ، حديثه جعلها تنفي برأسها بقوه ومن ثم فتحت أعينها بصدمه عندما سمعت صوته من خلف الباب وهو يهتف بإسمه يهتف بإسم هتف قلبها بحبه ، أمسكت يديه بقوه كي لا يتوجه بينما ترقب الجميع بخوفٍ ، حتى خرج صوت "دلال" التي بكت بخوفٍ وهي تقول:
_" متفـتحش يا غســان ، مترحلوش.."
قالتها بخوفٍ وبكاء جعل "وسام" برهبه تؤيدها وبقية الفتيات ، بينما وقف "حامد " يقول هو. الٱخر :
_" مش هيطلع !"
قالها تحت أنظار "بدر" الذي وافقه بينما كان يرفض"شادي" بنظراته وبسبب سب الآخر بالٱخر لهم هاجت الدماء بعروقه ، حتى "بسام" الذي وجد نفسه محصوراً بين أمرين سيخرج أم لا ؟؟ خوفه علي شقيقه جعله يؤيد والده ووالدته ، بينما إنفعل "غسان" وصدره يعلو ويهبط من ٱثر ما يسمعه بالخارج حتى "حازم " كان نفس ردة فعل "غسان" والذي فاض به هو الٱخر ،
أمسكته "نيروز", بقوه من يديه وقميصه وهي تتشبت به عندما شعرت بأنه سيتحرك ، حتى أنها هتفت بترجي ودموع عينيها تنهمر :
_" لأ عشان خاطري متخرجش ،.. متخرجش يا غسان !"
إلتفت ينظر لها نفس نظرة الٱسف التي كانت من قبل ، حتى أنزل يديها رغماً عنها ثم قال :
_" مينفعش ، كل حاجه وليها حد ، احنا مش هفضل طول عمرنا مستخبين منه ، أنا أسف !"
قالها بصوت مرتفع بأول حديثه والأسف لها وحدها عندما مد ذراعه يضمها داخل أحضانها ثم قبلها قمة رأسها ويديه تلتف حول خصرها من ضمه لها ومن ثم دفعها بعيداً عنه وهو يتوجه بخطواتٍ سريعه ناحية الباب ، بينما كانت تبكي هي بصراخٍ هي ووالدته ، أما "حامد" و "بدر" و"بسام" وقفوا بطريقه يمنعون سيره ،. صوت الٱخر وصراخه من الخارج يوحي بشده بسوء الوضع ! ، نظر لهم بعجزٍ ثم هتف بتفسيرٍ يضعف من وقفتهم أمامه :
_" محدش هيمنعني إني أطلعله ، زي ما محدش هيقف قصاده لما يمس مراتي بسوء أو أي حد منا ، لازم يبقي في وقفه ، نيروز مش هتفضل طول عمرها تخاف منه ، ولا أنا هسكت ليه علي كل اللي بيعمله واللي بيقوله ، لا المكان ثابت ولا الناس ثابته مسيري هقف قصاده فيوم لو موقفتش الوقتي ، إبـعدوا "
ترددت الأنظار في حين بقى شقيقه ووالده من منه هو وحده !! علي مبدأهما ، ومن ثم إنتفضا هما بعض إن صرخ بوجهما علي مره واحده بعد هدوء ما قاله قبل لحظاتٍ :
_" إبـــــعــدوا ."
صراخه جعلهم يعلمون جيداً بأنه أمر قطعي غير قابل للنقاش بل وحديثه عن مواجهته كان صحيح ولكن الخوف من فكرة أذية أحدهم طغى وبقوه عليهم جميعاً ، بكت والدته بقوه هي تهتف بنفيٍ :
_" لأ أوعى تفتح يا غسان ، متفتحش لو بتخاف عليا وبتحبني يبني !"
توجهت سريعاً تتمسك به ومن ثم "نيروز" التي تمسكت به هي الأخرى من الناحيه الأخرى ، تنفس بعمقٍ ثم أمسك يد كل منهم وهو يتجه بهم إلى الداخل أكثر حتى فتح الغرفه وهو يحثهم على الدخول ، علم والده ما ينوي فعله من ما خطر على باله حتى إنتظر ٱخره ، بينما نظر "غسان" لـ "شادي" ففهم الآخر ما يود فعله ،. حيث جمع هو "جميله" و"منه" و"ورده" وهو يشير لهن رغماً عنهن بالدخول الغرفه مع الاخريات و "وسام" الذي أشار لها "غسان" بحزمٍ ، حتى "سميه" التي ذهبت بخوفٍ وهي تعلم ما سيحدث ، إنتشل "غسان" وبخفه المفتاح من الداخل الذي كان فـ الباب من الداخل ومن ثم أغلق الباب بسرعه بالمفتاح غي عابئاً هو بصراخِ" نيروز " الذي يجعله مهزوزاً وكأن أحبالها الصوتيه تتمسك به كي لا يرحل، أغلق الغرفه سريعاً ثم وضع المفتاح على الطاوله بجانب الباب من الخارج ، ثم التفت ينظر لهم ولم يكن بالمكان سوى الشباب ووالده !! ،. نبس "حامد" بنبره عاليه مرتفعه. كي تصله بسبب أصوات البكاء والمناداة باسمه وصراخ "نيروز". :
_" ده حــــل ؟"
_" عالأقل متوجعش فأكتر ناس غاليه على قلبي لو حصل حاجه ! "
قالها "غسان" وهو. يحرك رأسه بقلة حيله بينما تشبتت به نظرات شقيقه ، فحرك رأسه بالنفي دون أن يتحدث الٱخر ثم توجه يشير لهم بأن يرجع كل منهم خطوه إلى الوراء ثم أمسك مقبض الباب حتى تنهد يخرج أنفاسه التي خرجت بقوه وهو يفتحه عندما هتف "حسن" من الخارج وهو يدق الباب بقوه :
_" بــقـــولك لو دكــر إفتح ، أنا مش ماشي يا غسان ، أنا بايتلك فيــها ، ســـــامع..مش هَـــمـشي".
فتح الباب بإندفاعٍ ، حتى وجده يقف من أمامه ويرجع يد إلى خلف ظهره، و يطالعه بشررٍ بينما توجه "حسن" يدفعه بقوه إلى الداخل وهو يصرخ به بصوتٍ عالٍ جعل أصوات البكاء تعتلى بالمكان من الداخل :
_" بتتحداني يا *** ، هي فـــيــن ، خلــيــها تــطـلــع !!"
قالها وهو يدفعه بقوه إلي الخلف حتى إلتفت يسنده علي الحائط أمام الأنظار التي تصنمت عندما رفع هو السكين الحاده ناحية عنق "غسان " بقوه والذي سكن تحت يديه بهدوءٌ مريب ناظراً له بعينيه بقوه والٱخر يبادله نفس النظره ، تحت أنظار "حامد ". الذي تصنم هو و"شادي", و"بسام", و"حازم " و"بدر" عندما هتف "حسن", بتحذير صادق إستشفوا هم صدقه حينما هتف.بشرٍ لم يعهده أحد منه من قبل سوى الذي يعرف شخصيته جيداً :
_" اللي هيقـــرب خطوه واحده هتكون رقبــته نزلت عالأرض ودمه مغرق المــكــان ! !"
دب الرعب بـ "حامد " وهو يرى ولده أسفل يد شخص أهوج يتوقع منه ويشده بأنه من الممكن بأن يفعل ذلك ، بينما نظر "بدر" بشتاتٍ هو و"حازم" في حين أن حالة "بسام " كانت لا تختلف عن حالة والده ! ، والٱخر ساكن تحت يد "حسن" ، وهو ينظر له بصمتٍ وصوت أنفاسهما العاليه كافياً لشرح الموقف ، أمعن "غسان" النظر بعينه التي تتطلق الشرر ، بينما يشدد الٱخر بقرب السكين عندما يجد بعين الأخر نظرة التحدي وكأن الوضع معكوس نظرة يتذكرها منذ ان كان صغيراً ، لا شئ يشرح الوضع سوى أنهما خصمان وعدوان ،، وكأنهما محاربان بمعركه نُشبت بينهما فقط وكان أحدهما بلا سلاح و الٱخر يمسك بـ سكين حاده ، "غسان" الساكن أسفل يديه يطالعه بترقبٍ وصمت يقسو على الٱخرين و"حسن" الممسك بسكين حاده وُضِعت أمام رقبة الٱخر ، الأنفاس محبوسه وكأنها ساحه حرب بين إثنان ، والنظرات يظهر عليها الرهبه والفزع ، و"غسان" مُهدد ، و"حسن" يضع أمام عنقه سكين حاده ،أحدهما محارب بسلاحٍ حاد والٱخر محارب بدون سلاح !!
« يقسو الضياعّ فى أوقات لا يتطلب فيها بالشعور به ، عندما يذهب الحق لغير صاحبه ،أو يتأذى شخص ليس لديه ذنب ، أو عندما تحاسبنا الأيام على أخطاء هي وحدها من رأتها كذلك ..!»أصوات البكـاء من الداخل عاليـه ، ولو ضربات القلب تُسمع وتفعل شيئاً لامتلأ المكان بأصوات دقاته العاليه التي تخفق بقوه ، شر أحدهم ودقات قلب الأخرين وأصواتهم بالمناداة على إسمه والٱخرى تصرخ بعزم ما لديها من الداخل مع محاولتهم جميعاً بفتح باب الغرفه عنوه حتى يتم فسخه ، لا يوجد بـ عقلها سوى هو وفقط ، كل منهم لديه خوف ورهبه على ما لديه والعامل المشترك بين الأغلب كان هو .." غَسّـان".._" اللي هيقـــرب خطوه واحده هتكون رقبــته نزلت عالأرض ودمه مغرق المــكــان ! !"جمله كفيله لبث الرعب و الخوف بل وخرجت بصراخٍ طغى على صراخهن بالداخل ، دب الرعب بـ "حامد " وهو يرى ولده أسفل يد شخص أهوج يتوقع منه وبشده ، بل و بأنه من الممكن بأن يفعل ذلك ، بينما نظر "بدر" بشتاتٍ هو و"حازم" في حين أن حالة "بسام " كانت لا تختلف عن حالة والده ! ، والٱخر ساكن تحت يد "حسن" ، وهو ينظر له بصمتٍ وصوت أنفاسهما العاليه كافياً لشرح الموقف ، أمعن "غسان" النظر بعينه التي تتطلق الشرر ، بينما يشدد الٱخر بقرب السكين عندما يجد بعين الأخر نظرة التحدي وكأن الوضع معكوس نظرة يتذكرها منذ ان كان صغيراً ، لا شئ يشرح الوضع سوى أنهما خِصمان وعدوان ، وكأنهما محاربان بمعركه نُشبت بينهما فقط أحدهما بلا سلاح و الٱخر يمسك بـ سكين حاده ، "غسان" الساكن أسفل يديه يطالعه بترقبٍ وصمت يقسو على الٱخرين و"حسن" الممسك بسكين حاده وُضِعت أمام رقبة الٱخر ، الأنفاس محبوسه وكأنها ساحه حرب بين إثنان ، والنظرات يظهر عليها الرهبه والفزع ، و"غسان" مُهدد ، و"حسن" يضع أمام عنقه سكين حاده ، أخرج "غسان" أنفاسه بوجه الٱخر وهو يقف ساكن أسفل يديه ، بينما توترت ملامح "حامد" بشده كما الٱخرين ، فرفع "حازم" يديه كعلامه للإستسلام لطالما يعلم هو كيف يفكر وكيف سيصل ردود فعل شقيقه ، هتف بنبره هادئه كي يوصل له بأنه سيفعل أي شئ ليرضيه :_" طب سيبه ..سيبه ونزل السكينه وقولي عاوز إيه وهعملهولك ! "قالها وكأنه يحاول مراضاة طفل صغير أهوج ، بينما وقف "حامد" يبتلع ريقه بخوفٍ كما كان "بدر" ، بينما تحرك "شادي" ينظر جيداً على الوضع ، حتى هتف "حسن" يجيبه بشرٍ :_" مــــــش هــــسيبـه ألا مــا يطلقها !!"عاود هو النظر على باب الغرفه التي تخرج منها الاصوات العاليه ، بينما سمع هو صوت همهمة "غسان " الخافته وهو أسفل يديه حتى أجابه بتحدي على حديثه :_" بتحـلم !"قالها "غسان" ومن ثم عادت ملامحه تتغير وبل وتلك المره تتغير بملامح وجه متهجمه ،و مسكة الٱخر التي إشتدت عليه ما أن قال هذه الكلمات حتى تأوى بخفوتٍ وهو يرجع رأسه للخلف قليلاً ، بصق "حسن" عليه من فمه بينما ، إقترب "بدر" بحذرٍ مردداً بنفس بنبرة "حازم" :_" سيبه يا حسن وهخليه يطلقها ، بس سيبه !"إبتسم "حسن" وهو يهز رأسه بالنفي ثم ردد بنبره مرتفعه يصرخ بصوتٍ منفعل :_" طـــلعـــها ! ... إفـــــتح الأوضـــــه ! "هز "غسان", رأسه بالنفي وهو يحذرهم بنظراته ببنما كانت حركته متكتفه من ما يفعله الٱخر خاصةً أن كامل تركيز "حسن" معه الٱن وإن قام بحركه غير متوقعه فستسقط رقبته أرضاً ، يتوجب عليه بأن ينتظر لحظة الانشغال ؟! ، كان أول من هز رأسه بالايجاب هو "بسام" الذي نظر بخوفٍ أكثر من "حامد" الذي تصنم ، انتفض الجميع على صوت صراخ "غسان" عندما رأى الضعف بأعين "بسام" :_" لأ ، متفــــتحــوش ، متـــفتـــحش يا بســـــام ..!"قالها بصراخٍ وحديثه لن يخرج براحه من فمه بسبب مسكة الآخر القويه والمتركزه بقوه عليه ، بينما كان يترقب الوضع"زينات و عايده وسليم" الثلاثه الذين دخلو الشقه يقفون بركن أمام "حامد" ، هز "بسام" رأسه بترددٍ ومن ثم لفت إنتباه "حسن" ، "شادي", الذي ينسحب ببطئ قرأ هو أفكاره حتى هتف بنبره مرتفعه يحذره وهو يعدل من مسكة "غسان" أقوى :_" أقف مكانك ، لو حد إتحـــرك هتزعـــلو كــلكم ! "صمت يتابع صوت الأنفاس المحبوسه والمترقبه بخوفٍ بينما أيقن هو أنه لم يوجد بينهم شخص هين حتى شقيقه ، إبتسم عندما إستشعر بأن ملامح "غسان" تبدلت للقلق عليها هي بل وصوت دقات قلبه يستشعرها أيضاً من قرب يديه منه وهو يكتفه ، نظر لهم ثم قال بتهكمٍ وسخريه :_" خليكم والله ما حد متحرك ..!!"قالها بطريقه مستهزءه ثم إلتفت بأنظاره يشير لـ "زينات " وهو يهتف عالياً بنبره قويه :_". روحــي إفتحـي الباب !"هز "حامد" رأسه بضياعٍ ، كما كان شعور "غسان", هو الرهبه بينما حاول التماسك ثم سبها عندما رٱها. تتحرك بالفعل ناحية الغرفه ، تحركت قدم "بدر" و"شادي" ولكن أوقفهم نبرة "حسن" المتوعده مره ٱخري عندما هتف بإنفعالٍ وهو يظهر مدي حدة السكين على رقبه "غسان" بقوه : _" قولت محدش يــــتحـــرك !!"قالها بحزمٍ شديد وتحذير تحت نظرات الذين وقفوا بالفعل خوفاً من تهوره ، بينما توجهت "زينات " بهدوءٍ مريب وتشفي وصل بداخلها إلى حدود كثيره ، مدت يديه تفتحه حتى وجدته مغلقاً ببنما بحثت بعينيها كثيراً وبيديها ومن ثم إنتفضت حينما صرخ "حسن " من خلفها بإنفعالٍ ليعجلها :_" إخـــلصّـي !!"إتتفضت وهي تبحث بعينيها ويديها كما أن أصوات البكاء والصراخ من الداخل تشتتها ومحاوله فتح الباب منهن ، إبتسم بانتصارٍ عندما وجدت المفتاح موضوعاً على الطاوله مدت يديها تنتشله سريعاً تحت نظرات "غسان" المشتعلة وبقوه وهو ينتظر لا يعلم لما ينتظر وإن تحرك هو سيسوء الوضع بسبب تركيز الاخر وبقوه معه ومع مسكة يديه ، فتحت الٱخرى الباب سريعاً حتى وجدتهن جميعاً من أمامها ، خرجن واحده تلو الٱخرى بينما هرولت " نيروز" أولاً ومن ثم "دلال" والاخرين ، حتى توقفن ما أن رأو الوضع ومن ثم تحذير "حسن" لهن بأن تتوقف كل واحده منهن بمكانها ، إبتسم باتساعٍ بسمه مريضه ثم قال وهو يشير بعينيه لـ "نيروز", التي دق قلبها بخوفٍ وضياعٍ ودموع عينيها تنهمر :_" تعالـــي يعروسـه !"نظرت له بشرٍ بينما أشار لها "غسان" بعينيه بعدم التحرك ، ولكن لحظة حثها لنفسها وحثه لها بعدم الضعف كانت الأقوى ، توجهت بخطواتٍ ثابته متوسطه تقف أمامه وهي تنظر برهبه عليه ، فهز هو "غسان" أسفل يديه وهو يحثه على القول حينما قال :_"طلقها !! ."صمت "غسان" ثم أشار لـ "نيروز" بعينيه هو يثبت نظراته علي سوار يديها بقوه حتى تحركت نظراتها بشتاتٍ إلى أن فهمت مخزي نظراته ، صرخ "حسن" مجدداً له بنفس القول و "غسان" يرفض بنظرة عينيه البارده فقط دون نبس أي حديث ، وبحركه سريعه خفيفه مدت "نيروز" يديها بسرعه فائقه وهي تضع مطوتها على عنق "حسن" الذي إنتفض بمفاجأه حتى تراخت يديه بطريقه ليست ملحوظه للجميع ، بينما صدم هو منها ولم يصدم الٱخرين بل وجدوا الأمل ولو بذره ، وسرعان ما بدل "حسن" نظراته للحده والسخريه بٱنٍ واحد عندما هتفت "نيروز" بتوعد وهي تثبته بيديها وبما تمسكه وترتديه :_" شيــل إيــدك "صمتت تبتلع ريقها بخوفٍ ثم واصلت تصرخ بوجهه :_"إرمي السكينه بقـــولــك !"ترقبت الٱنظار بخوفٍ بينما تهجمت ملامح "زينات". وأصيب شلل الحركه مجازياً جسد "دلال" و"سميه" ، أما البقيه فـ في حاله من الخوف والرهبه لما هو قادم ، إبتسم "حسن" بإستهزاءٍ ثم هتف يجيبها بسخريه وعنقه أسفل يديها وعنق الٱخر أسفل يديه كلوحه طُلب رسمها للتو لإثارة الجدل والدهشه ليس إلا !! : _" ده إحنا إتجرأنا وإحلوينا يا نيروزه !"كم تكره هي ذلك الإسم الذي يهتف به دائماً ، نظرت له ببغضٍ ومن ثم أشار "غسان" بعينيه لـ "شادي" حتى إلتفت "شادي" بسرعه يدفع "حسن" ناحية اليسار ومن ثم أخفض "غسان", جسده سريعاً للأسفل وهو يسحب يد "نيروز" له حتى وقع الثلاثه على الأرض ، نهض "غسان" بسرعه في حين إنتشل هو السكين بخفه وهو يمسكها بيديه ثم وضعها أمامه وهو ينحني أرضاً تأوى "حسن" من الدفعه بينما وقف "شادي" بجانب "غسان", وهو يشير للجميع بأن يتوقف كل منهم بمكانه ، نهضت "نيروز" بألمٍ من جسدها ودفعها بواسطة يد "غسان" الذي سحبها يسبب عدم إمساك "حسن" لها وتقع هي بيديه بدلاً منه. ويتحول الوضع ، حاول "حسن" النهوض حتى وقف أمام "غسان" الممسك بالسكين له ، وقف والٱخر يقف أمامه وبينهما رفعة السكين تزامناً مع نبرة "غسان" الساخره وهو يصرخ بوجهه بصوتٍ جهوري:_" جــاي لحــــد عنــدي برجــــلك يا *** ؛ مـــش هســـيبك ..ويــا قـــاتل يـــا مقــتول الليلادي ! "ترقبت الأنظار بخوفٍ في حين وقفت النساء تبكي بصمتٍ من تأزم الوضع، الفتيات تراقب بخوفٍ من "نيروز" التي تنظر بضياعٍ وبكاء بنفس ذات الوقت ، ومن "ياسمين" المترقبه بقلقٍ وهي تتماسك وبين "جميله " الباكيه هي و"ورده" الباكيه حتى أن صغيرها موجود بغرفة "وسام" يبكي من الداخل بسبب عدم قدرته على فتح الباب وهي العاجزه عن السير له بسبب ما تراه بل والخوف إن حدث له شئ ، وبين "منه" التي هبطت دمعتها بخوفٍ و بتيهه وتشتت ومن ثم لوم بماذا ٱتى بها إلى هذه العائله المعقده !! ، و"حامد " والشباب الذين تيقنوا جيداً بأن هذه الليله لم ولن تمر مرار الكرام ، وقف "غسان" أمامه و"حسن" يطالعه بشرٍ ، و"نيروز" تترقب بخوفٍ والنساء في الخلف والشباب بجانب "غسان" على بُعد ، و"زينات" تتابع بحقدٍ وترقبٍ لما هو ٱتي بعد أن كانت سعيده بفوز إبنها إلى الٱن !! و"سليم" يقف. يتابع بصمتٍ وكأن يديه وعقله قد أخذا الوضع! وضع بأن ولده ان خسر سيخسر نفسه وإن فاز فسيخسر أيضاً لا يوجد بيديه حل زمام الٱمر لطالما هو صاحب الشخصيه الضعيفه التي تسوقها زوجته الحقوده !! صوت سقوط السكين على الأرض بواسطة "غسان" جعل الجميع يترقب حينما هتف هو بشرٍ ونظرات عينيه المشتعله :_" لو راجـــل قابلنــي انتَ.. ومن غير سكاكين ، ونشوف مين بالظبط اللي هطلقه مراتي ..ولا انــتَ ..!! " قالها "غسان" بوقاحه إمتزجت بإنفعاله ، إبتسم "حسن" بتهكمٍ ثم اعتدل أكثر يعدل من ملابسـه بينما فاجئه "غسان" بلكمه قويه بوجهه أسفل عينيه حتى ترنح إلى الخلف ، حاولت "زينات " الدفاع عن ولدها وهي تتحرك نحوهما فأوقفتها يد"ياسمين" تقطع سيرها ثم ابتسمت بوجهها بسمه ليست هينه وهي تردد :_" راحه فين ؟ .. حسابنا مع بعض يا مرات عمي .!"قالتها "ياسمين " بشرٍ ثم رفعت يديها تدفعها بقوه أمام الأنظار المتشفيه الصامته لما يحدث ، حتى إصطدمت "زينات" بالطاوله ومن ثم سقطت هي أرضاً وبلحظه واحده جثت "ياسمين" فوقها وهي تضربها بعزم ما لديها وكأنها تخرج بها كل ما حدث منها على مر السنوات ، بل وللمفاجأه توجهت "جميله" هي الٱخرى تساعد "ياسمين" تحت نظرات النساء المصدومه والواقفه بصمتٍ في حين كانت نظرات البقيه متشفيه وبقوه ،بينما ما أن ترنح "حسن" إلى الخلف طالع "غسان" بابتسامه بارده رغم وجعه من ما فعله الٱخر به ، فمد يديه هو الٱخر يخنقه برقبته ويديه الآثنان تلتف حوله بقوه مبتسماً بتشفي رفع "غسان". ركبته بسرعه ثم وجهها ناحية معدته يضربه حتى انحنى بوجعٍ يتركه ، وبحركه خفيف أمسك "شادي" سليم" من تلابيبه ثم هتف له بفحيح :_" أخرج مشي الناس اللي متجمعه برا دي ، يــــلا !!"قالها بصراخٍ بٱخر حديثه حتى يخرج ليبعد الناس المتجمعه أمام الشقه من ٱثر الصراخ ، أومأ له حتى خرج ، بينما وقف "شادي" بجانب الشباب الذين لم يعد لديهم يد في التدخل كونها وكأنها حلبه خاصه فقط بـ "غسان", و "حسن" ، أمسكه "غسان" من تلابيبه بقوه ثم أسنده علي أحد حوائط المنزل هاتفاً له بتوعدٍ وبنبره شديده بالانفعالٍ:_" اللــــي فـــات تنـــساه والــلي جـــــاي إســـتـنـاه يا روح أمك !"قالها ومن ثم ارجع يديه إلى الخلف ثم وجهها وبعزم ما لديه ناحية معدته بقوه هذه المره حتى صرخ "حسن" بألمٍ ، توجه الشباب ناحيته ثم حاولوا الفصل وبقوه عنهما كي لا يقترف "غسان" جرماً ، بينما فعلها "غسان" مره ٱخري قبل أن يتوجهها إليـه حتى وقع الٱخر على الٱرض أثر الألم !! ، صرخ "حازم" بقوه كي يفصلهما عن بعضهما مع مساعدة الآخرين له :_" خــــلاص كـــفايــه، إبعدوا !!"قالها مع صراخ "نيروز" وبقوه ومع صراخ "دلال" و"سميه" ، أمسك "حازم" "حسن" بينما أمسك "شادي" و"بدر" و"بسام" أيدي وذراع "غسان" ، اتجه "حامد" من بعدها يقف بجانب "نيروز" وهو يضع يديه علي ظهرها وكتفها بإحتواءٍ من صراخها الذي كاد يقطع من أحبالها الصوتيه ، تنفس "غسان" بأصواتٍ عاليه ثم وزع نظراته عليهم جميعاً حتى "زينات" التي كانت منحنيه أرضاً من شدة الألم والٱخريات ينظرن بتشفي ، هو يجلس أرضاً ووالدته نفس الٱمر ، خرج صوت"غسان" المنفعل وهو يهتف عالياً محاولاً الانفلات من بين يديهم : _" ده أخركم يا عيلـه *** "سب العائله بأكملها دون وعي منه بأن زوجته من نفس العائله ، سبه غير واعيه وغير متحسبه منه ، ربت صديقه عليه كي يهدأه والآخر شقيقه ، يينما ترك "حازم" "حسن" وهو يشير لـ "والده" الذي دخل منذ لحظاتٍ يقف بعجزٍ. :_" خدهم وإمشي من هنا "قالها بوجعٍ في حين كان "غسان" يحدجه بشرٍ وهو يهتف :_" محدش ماشي على رجله منهم ، خليك براها عشان متتجابش جواها ..!"جانب سئ منه هو قول أشياء ٱثر إنفعاله الشديد ، بل وقال له هذه الكلمات وواجه شقيقته هي الٱخرى منذ فتره صغيره !! ، يظهر للبعض بأنه ليس له عزيز إذن ، حملق الجميع به بذهولٍ عندما هدد "حازم" بهذه الكلمات ، كلمات من المحتمل بأنه سيندم عليها ، نظر له "حازم" بغضبٍ وهو يتحامل علي نفسه بأن لا ينفعل حتى لا يتأزم الوضع أكثر ، سار "حازم" بصمتٍ وهو يشير لوالده بأن يرحل ومن ثم أشار لـ "ياسمين" بأن تبتعد كي يري تلك التي تقف خلفها بوجعٍ وهو يشير لها بأن تخرج بحزمٍ ، بينما كان يتأوي "حسن" على الأرض وهو يتمسك بيديه كي ينهض حتى عاق يديه تلك السكين الذي قذفها "غسان" على الأرض أمسكها بخفه دون أن ينتبه له أحد ثم هتف بإسم. "غـــسان" وهو يدفعها نحوه بعزم ما لديه كي تأتي وللجبروت كان نصلها الحاد من المفترض أن يتوجه لعنقه ورأسه ! ، صرخت "نيروز" عالياً في حين تحرك "بسام" بنفس الوقت التي تحركت هي به ولأنها كانت تقف من خلفه بجانب "حامد" التي دفعته رغماً عنها وهي تتوجه لتفديه من السكين مع صراخها عالياً. :_" حاســــب يا غســـان ..!"سرعتها الفائقه نبعت من قلبها وحبها له بأنها من الممكن بأن تُقتل لأجله ولحمايته وليسأل الجميع من بعدها بأي ذنبٍ قُتلت هي !، إصطدمت بجسد "بسام" من الناحيه الٱخري وهو الٱخر يحاول أن ينقذ شقيقه ويفدي بروحه بدلاً منه ، ولكن جاءت السكين بها هي "نيروز" !! التي عاشت تتألم وتتوجع نفسياً وجسدياً بل وبعد ظنها بأنه لها هو الراحه لم يكن كذلك بل إزداد الألم والخوف عليه لا منه ! ، أصابتها السكين حتى صرخت بألم بعد صرختهم جميعاً على ما حدث ، ما حدث كان بأقل من الثانيه أما كان عليهم هم فكان بمثابه ساعات ولا تمر !! ، أصابتها. السكين في كتفها بسبب قصرها عن "غسان" ، صرخت "سميه" بإسمها عالياً وهي تتوجه ناحيتها بينما صرخت "نيروز" بألمٍ وكادت أن تسقط أرضاً ، حتى أمسكها يد "غسان" الذي هتف بإسمها بخوفٍ ودقات قلبه تتسارع ، نظر "حسن" حوله ثم حاول النهوض و هو ينسحب بهدوءٍ بعد فعلته والتي تعد جريمه !! ، أسندها "غسان" وهو يحملها بهلفه والصدمه لن تتركه ، دفع عنها كل ما يحاول بأن يتقرب ناحيتها ثم صرخ بهم بقوه وهو يحملها بذراعيه بواسطة والده الذي ساعده وبالرغم من أنها بكتفها الا أن وجع الدفعه من سكين كبيره كان قوي عليها حتى أن صدمتها شلت حركتها : _". إبـعــدوا عـــنها..!"قالها بصراخٍ وما أن شعر بدماءها الساخنه علي يديه وقميصه ارتجفت يديه ونظر لها بضياعٍ في حين أنه وقف. ولم يستطع أن يكمل طريقه بل ركع أرضاً بخوفٍ وهو ينادي بإسمها برهبه يترجاها كما حدث من قبل :_" نيـــروز ، لا.!! "كلمه واحده ينفي بها ما يراه ، بينما فر "بسام" سريعاً يأتي بحقيبته والأخري تبكي ألماً بل وشدة ألم الجرح تجعلها لم تتحمل كون جسدها جسد لين جسد أنثي !! ، يديها المرتجفه بل والغارقه بدمائها التي تلطخت بملابسها وملابسه ، أمسك يديها بضياعٍ من منظر الدماء حتى تلطخت بدمائها ، وما أن رٱت "سميه" الدماء وقفت للحظاتٍ ومن ثم أغشي عليها و"دلال" تسندها ، لم ينتبه هو إلا لها ، بل وحمل "حازم" "سميه" سريعاً متوجهاً بها خارج الشقه حيث شقة "عايده" التي تصرخ بأن يخرج بها سريعاً لفعل الإسعافات الأوليه لها قبل أن تدخل بما يخص مرضها ، بكت "ورده" بضياعٍ و كذلك "ياسمين" التي توجهت تمسك بيد ",نيروز" الثانيه حتى ٱتى "بسام" من الداخل سريعاً وهو يحثه على حملها ، و يشير لـ " حامد" قائلاً بلهفه :_" إنقلوها بسرعه ، لازم أشوف الجرح بسرعه !"قالها في حين أن "غسان" كان ينظر لها بضياعٍ ودموع عينيه تهبط وقد أذن لها هو رغماً عنه بالهبوط لم يخرج من دوامته هو إلا عندما هزه صديقه بقوه ، نهضت "ياسمين" وهي تركض لتأخذ حقيبتها من علي المقعد ثم صرخت عالياً لتوجههم :_" أنا .. أنا هفتح الشقه بســـرعه ، تعالــوا .."قالتها وهي تركض سريعاً تبحث عن المفتاح بضياعٍ ، بينما هز "شادي" "غسان", وهو يهتف بجانب أذنه كي يخرج من دوامته. :_" قــوم يا غســـان ، قــوم دمها هيتصفى ..!! "قالها بقسوه كي ينتبه الٱخر الذي وأخيراً أخرج أنفاسه وهز رأسه ينفي ثم نهض وهو يحملها بمساعدة والده وشقيقته و"بسام" ثم. سار بخطواتٍ أشبه بالركض وقدميه تحفظ المكان وعقله مغيب ، عندما خرج من الشقه سريعاً ثم دخل بها الشقه الٱخرى خلف "ياسمين" التي كانت تشير له بلهفه ومن بين دموع عينيها حتى وضعها هو أخيراً على الفراش ، وضعها علي الفراش وهو ينظر لها تتأوى بألمٍ و دموع عينيها تنهمر ، جرح ذراعها كان ليس صغيراً بالمره وطريقتها لوضع يديها كأنه شُل بالفعل ودمائها الغارقه التي توحي بأن هذا الجسد مطعوناً خمسمائة مره لا أكثر ، تحسس ذراعها وجسدها بلهفه ودموعه تهبط بقوه ثم هتف بنبره مهتزه مبتلعاً غصة مريره بحلقه ، يترجاها للمره الذي لا يعرف عددها بنظراته وحديثه. : _" إســـتحمــلي عشـــان خاطري يا نيروز ، إستحــملي .."قالها بترجي وهو يمسك يديها بيديه. و الإثنان يلطخهما الدماء .!! ، دخل "بسام" بسرعه بينما جاءت "ياسمين " بالمياه سريعاً كي تمسح ما عليها من الدماء ، ووقف "حامد" ينظر بخوفٍ عليها وعلي ولده الذي يراه بأصعب حالته كما لم يراه كذلك من قبل !! ، أخرج الأداة الذي سيشق بها كتف ملابسها كي يظهر من أمامه جرح ذراعها التي بقت السكين به ومن ثم هبطت بعدها بلحظاتٍ مما أثار ذلك نزف الدماء وبقوه، وضع القطن عليها ثم جهز أشيائه وكطبيب ماهر بالجروح يعلم هو كيف سيخيط هذا الجرح حتى لو ستعاد هي الكشف عليه ولأنه سيتولى الأمر ، كان يفعل ما عليه فعله ، بينما لم ينظر "غسان" إلا لوجهها المتألم وصمتها من عدم إستطاعتها الحديث ولم يقوم "بسام" بوضع المخدر علي الجرح بل دس بيديها حقنه مخدره تجعلها غافله لفتره بسبب علمه لما ستفعله وما ستشعر به هي من ألم شديد ، ألم جرح السكين ليس هيناً ، إنتفض "غسان" ما أن رأى أعينها تغفل ثم توجه بنظراته يسأله بلهفه دون انتباهه لما يفعله شقيقه :_" إيــه اللي حصل ، قفلت عينها.. ، قفلت عينها يا بسام!!"قالها بلهفه وخوفٍ فاق الكثير حتى أن شقيقه لم يستطع الرد عليه بسبب شفقته إلا بعد لحظاتٍ ، بينما نظر له "حامد" بشفقه وحزنٍ حتى أنه توجه ليفصل يديه عنها ، نظر له "غسان" بخواء، حتى أن "حامد " أمسكه يسحبه من جانبها كي يسير خلفه ثم فتح الشرفه التي توجد بالغرفه وهو يدخل بها ومن ثم ولده حتى أغلقها من خلفه كي يبعده عن التوتر الذي يقسم هو بأن ولده سيجن خوفاً من جرح ليس حد الموت !! ، وقف "غسان" ينظر له بضياعٍ وغير وعي حتى أن كلماته قد خرجت منه بصعوبه وهو يقول :_" سيبني أشوفها وأبقى جنبها .."قالها بإنهاكٍ وهو يلتفت ولكن أوقفته يد والده حينما دفعه يدخل بين أحضانه وهو يضمه بقوه ، متيقن هو بأن ألمه الداخلي الٱن أقوى من ألم جرحها ، بل وجرحت هي جسدياً ليُجرح هو بالكامل ، أخرج أنفاسه الثقيله ودمعته تهبط علي خده بوجعٍ لا يعلم من ماذا تحديداً بل وقبل أن ينهر نفسه ويبوح له كما باح لوالدته من قبل كان يعلم والده بماذا سيذهب له عقله مادام يعرف بأن لديه وسواساً في الخوف علي من يحبهم ، هتف "حامد" يقاطع أفكاره وهو يتحدث بإطمئنان رابتاً علي ظهره وهو يحتضنه:_" لأ ، راجل وابن راجل وحميتها من شره حتى لو هي إتأذت بس إتحمت !"قليل ما يحتضن والده ورغم أحضان والدته إلا أنه شعر بأن قوته تأخذ من والده ، من نسخته ، بل هو النسخه الثانيه منه هو !، خرج من أحضانه بصمتٍ دون أن يتحدث ثم وزع نظراته بمكان ٱخر غير عين والده عندما هتف بلومٍ ونبرته الضعيفه من ما يشعر به ظهرت وبشده للآخر وهو يطالعه بشفقه : _" دي كانت هتموت عشاني و...بسببي !! "قالها وكأنه يستوعب تدريجياً ، بل ويصدم بعد وقت والآخر ، عجز "حامد" عن الرد بل معه الحق في ذلك ، رفع "والده " كفه يمسح دماءها من على وجه ولده بحنوٍ حتى أن يديه تبللت من دموعه ومن ثم رفع الٱخرى يزيح خصلاته السوادء إلى الخلف كي لا تهبط علي عيناه ، وكأنه طفل صغير متذكر هو أيام طفولة توأميه !، الحركه المعهوده دائماً في وقت الصعاب والتي فعلتها والدته من قبل ، ليست إلا عندما رفع "حامد" كف ولده. يقبله ، الٱمر معكوس ولكن تلك الفعله معهوده ومعروفه لديهم كعائله ، ردد بعدها بنبره هادئه عميقه يحثه كما يعلم هو بماذا يريد. :_" كل حاجه هتبقى عال ، عــال وبس يا غسان !"قالها بثقه وهو يستخدم إحدى كلمات ولده ، نظر له "غسان" بصمتٍ ثم تنهد يأخذ أنفاسه ببطئ حتى إلتفتت ينظر وهو يفتح باب الشرفه بهدوءٍ وعلى الأقل سُحب منه بعض القلق والرهبه ولو ذره ، توجه ومن بعده والده حتى أغلق الشرفه من خلفه وهو يراه يتوجه ليجلس بجانبها علي الفراش ويرفع يديه يتحسس بشرتها المتعرقه ، نظر هو إلى شقيقه الذي وبخفه ومهاره استطاع خياطة الجرح بدقائق ولكن لم تكن قليله جداً وبمساعدة "ياسمين" التي كانت تلبى ما يقوله لها من فعلها لشئ ، نهض "بسام" ومن ثم وضع "غسان" الغطاء علي ذراعها المكشوف ، بينما هتف "بسام" لـ "غسان" و "ياسمين" باهتمامٍ :_" هنزل أجيبلها من الصيدليه اللي تحت دوا معين كده تاخده لما تبقى تفوق وحامل ذراعي تبقى تلبسه ، و.."صمت ثم وجة حديثه لـ "ياسمين" التي جففت دموع عينيها :_" و ابقي غيري ليها هدومها عشان الدم ..!!"هزت رأسها بالإيجاب وعقلها لم يستوعب ولم ينتبه بعد لسقوط. والدتها أرضًا منذ قليل ، خرج "بسام". في الخارج حيث يقف "شادي" و"وسام" و"جميله" و"منه" وكل منهم تسند الأخرى خاصةً أعصاب "جميله" الغير متماسكه بالمره ، بينما ذهب "بدر" و "ورده" حيث شقة "عايده" مع "سميه" ، وقفت "ياسمين" تنظر على شقيقتها المسطحه بألمٍ على الفراش بحزنٍ وسرعان ما التفتت تبتسم بتكلفه عندما قال "حامد" :_" طب هستأذن أنا يبنتي على ما تغيري لبسها وأنا معاكم لو إحتاجتم حاجه ."أومأت له وهي تراه يخرج بل واغلق الباب من خلفه وينسى شئ ، بل وينسى شخص !، إلتفتت تنظر له باستفهامٍ وهي تتحدث بنبره جاده: _ " ايه ده ؟ وانتَ مش هتخرج علي ما أغيرلها !! "_"لأ "أردفها "غسان" بإقتضابٍ وإختصار دون أن ينظر لها بل ينظر فقط لوجه الأخرى بتمعن ، نظرت له "ياسمين" باستنكارٍ ثم هتفت برفض :_" ازاي مش هينفع !! "حرك "غسان" رأسه ناحيتها ثم ردد يجيبها ببساطه شديده :_" خلاص أخرجي وهغيرلها أنا ، مش مستاهله يعني"الإثنان متقاربان إلى حد متوسط قي تشابة الشخصيات، المتشابهان على الأغلب في طباع العند والجرأه لم ولن يتوصلا في أي شئ إلى حل يرضي كل طرف وحده !_" وده هيحصل إزاي. ان شاء الله!"_"ملكيش فيه هتغيريلها وأنا معاها وأسندها تخلصي.. يا تطلعي وأشوف أنا الحوار دا بنفسي !! "وجدت أخيراً أحدهم يفوز عليها في الردود المتبجحه الجريئه ، نظرت له بذهول من طريقته معها ومن ثم أشار لها بيديه بنفاذ صبر كي تتعجل في جلب الملابس الفوقيه فقط ، ببنما نهض هو يسندها ببطئ ثم أخذ الغطاء يضعه بعيداً حتى رفع يديه يفتح أزرار قميصها الواسع بشكله الحديث حتى أنها كانت ترتدى بنطال أسود اللون واسع أيضاً ، جلبت "ياسمين" ملابس فوقيه فقط من تيشيرت و ستره بيضاء أخرى مفتوحه ،و وضعتهم على الفراش بقلة حيله وهي تطالعه بعدما إنتهى من خلع القميص عنها ببطئ حتى أنها بقت بـ تيشيرت أسود اللون بنصف كم فقط ، توجهت سريعاً تأخذ القميص من بين يديه ثم نظرت له بغيظٍ قبل أن يكمل وهي تقول :_" دور وشك لو سمحت !! "أتستأذنه ؟! بل ومن المفاجأه بأن الحديث اللبق يخرج منها هي ، بالرغم من أنه يعلم بأنها ليست هينه بهذه السهوله ، لم يمنع بسمته بأن تخرج حينما نظر لها تزامناً مع قوله وهو يتلفت يقف يوليها ظهره ووجهه الناحية الأخرى :_" عشان لو سمحت بس !"نظرت له بضجرٍ ومن ثم بدأت سريعاً في خلع ملابسها الفوقيه بحذرٍ مع قولها له بتحذيرٍ :_" لو دورت وشك وبصيت يبني ٱدم انتَ. هزعلك !"إبتسم وهو يتحامل على نفسه بأن لا يلتفت لها ويخرج صبره عليها ثم قال بنبره متحديه يجيبها :_" علفكره دي مراتي ، وتعالى زعليني كده أما نشوف هتعمليها ازاي دي !!.."كتبت ضحكتها وهي تنظر بقلة حيلة تزامناً مع إرتداء شقيقتها الملابس بواسطتها ثم تنحنحت بحرجٍ وهي تجيبه كي لا تُهزم في الحديث: _" خلينا قرايب ومعارف أحسن وبلاش الجو ده عشان مش بتاعنا ، وعارفه إنها مراتك وخايف عليها بس بردو هي أختي !"التفت بكامل جسده عندما وجدها تهتف بأنها انتهت عقب حديثها ، بينما وقف "غسان" ينظر لها بصمتٍ ولم يجيبها بل توجه ناحية "نيروز" يجلس بجانبها ومن ثم ربت على وجهها وهو يزيح خصلاتها البنيه إلى الخلف ٱثر خلعها للحجاب بواسطة يد شقيقتها ، نظر هو لـ "ياسمين" وهي تنظر لهما ببسمه حانيه اختفت عندما نبس هو بنبره ثابته :_". لما توقفي حد عشان مبيصش علي مراته حلاله وراه إبقى وقفيه في مكان ميكونش فيه قدامه مرايا.. "نظرت له بغير تصديق ثم سبت نفسها بسرها على عدم انتباهها ، بينما تحولت ملامح وجهها للضجر وهي تجيبه بتعلثمٍ ولأول مره تتعلثم تلك الشرسه بالحديث :_" إنـتَ قليل الأدب..!! "_" عارف وأختك عارفه ، ممكن بقا تاخدي الباب فإيدك ؟! "قلبت عينيها بضجرٍ وحرجٍ بٱن واحد ثم جذبت ملابس شقيقتها وهي تخرج إلى خارج الغرفه لتغلق الباب من خلفها بغيظٍ ، ومن ثم وجدتهم جالسين في الصاله بترقبٍ حتى وقفوا ما أن خرجت هي ، وضعت ما بيديها علي آحدى المقاعد المختفيه قليلاً ثم توجهت تقف وهي تبتسم لهم بتكلفه ، حتى سألتها "جميله " بلهفه:_" بقـت كويسه صح؟"قالتها "جميله", ومن ثم "وسام" التي وقفت تنتظر بالخارج رغم أعصابها ، نظر "شادي" لها يستجوبها بعينيه هو الٱخر كما كانت "منه" تنتظر الإجابه:_" الحمدلله أحسن بس هي نايمه دلوقتي"تنفست "جميله" بارتياحٍ حتى ابتسمت لها "ياسمين" ثم عقدت حاجبيها قائله بتساؤل قَلِق :_" فين ماما وورده وحازم راحوا فين ..؟"توقفت تتذكر ما حدث وعقلها لا يستطيع تجمع الأحداث، كما أن "حامد" أعلمها بأنه سيقف بالخارج ولكنه ليس موجود !! ، انتبهت هي لصوت "شادي" الهادئ وهو يردد لها بإطمئنان :_" مامتك أغمى عليها وشالوها شقة حازم ومعاها هناك كلهم !"وقفت"ياسمين " تنظر بضياعٍ حتى أن عقلها لا يستوعب ما حدث لها منذ قليل ولم ينتبه ، نظرت بخوفٍ ظهر على وجهها ومرض والدتها لا يغيب عن بالها ، توجهت سريعاً بخطواتٍ أشبه بالركض لشقة " عايده " وهي تتماسك كي لا تقع ، بينما وقف "شادي" بجانب "منه" و"وسام " و"جميله"التي لم تعد تتحمل ، كان المشترك بأن الجميع يراقب الوضع بشتاتٍ !! __________________________________________بشقة "عايده" وقفت هي ووقفت"دلال" وهما ينظران على "سُميه" التي تسطحت على الأريكه في الصاله ، أُم !! تهبط دموعها دون أن تدري هي بأي عالم يوجد عقلها !! ، وقفت "ورده" تمسك بيديها وهي تبكي بصمت بينما كان يقف "بدر" يحمل "يامن"، و"حازم" يقف ينظر بإهتمامٍ على "بسام" الذي جاء لهم دون علم "ياسمين" و"غسان" بل فر خلفه "حامد " ليجعله يرى "سُميه". سراً كي تبقى "ياسمين", مع شقيقتها !! ، نبست "ورده" بخوفٍ لـ "بسام" وهي تقول :_"هي عامله ايه الوقتي .. ؟!"تنفس "بسام" بعمقٍ ثم نهض يقف وهو يعتدل تزامناً مع نبرته الهادئه :_" ضربات قلبها وضغطها بقوا إلى حد ما كويسين بس عندها هبوط شويه من الصدمه ، ومش هقدر أفيدكم بالظبط لأنها لازم تكشف مادام عندها القلب يعني اللي حصل ده مش أحسن حاجه لبعدين فهماني ؟؟ "هزت رأسها بتفهمٍ ومن ثم رأت هي "بدر" يتوجه إليها ليسندها بيديه الٱخرى كي تقف وهو يحمل صغيره ، بينما تحدث "حامد" بهدوء يقترح :_" طيب التجمع ده مش كويس وأنا قولتلكم إن نيروز ربنا سترها وجرحها إتخيط وتمام وغسان وياسمين معاها ، من الأفضل عشان توتر الجو يروح كل واحد يشوف هو رايح فين ، شيلها يا "حازم " يبني لشقتها مهما كان هي أم ولو فاقت فأي لحظه مش هتتردد إنها تخرج وتقوم عشان بنتها فخليها هناك أفضل ، ويلا يا بدر إسند ورده وروحوا ارتاحوا يلا إن كان عندي أو فشقة أمها مش فارقه .."أومأوا له بتفهمٍ في حين توجهت "دلال" لتفتح باب الشقه لـ الطارق ومن ثم وجدتها تهرول ناحية والداتها ودموعها تهبط أمام "حازم " الواقف ينظر إليها بألمٍ من ما تشعر به ، فصلها "حازم" عنها بهدوء ثم رفع يديه يربت وجهها الغارق بالدموع مع قوله المطمئن :_" كويسه ، كويسه والله متعيطيش"تنفست بإرتياحٍ من نبرته ثم دخلت بارادتها بأحضانه تبكي من كل ما حدث من ثقل وحمل اليوم ، ربت على ظهرها بحنوٍ ود لو كان بمفرده معها لبكى هو الآخر من أعباء ما فعلته عائلته به بالأخص والده !! ، أسند "بدر" زوجته وهو يحمل صغيره لخارج الشقه ، في حين إستأذن "بسام" ليهبط إلى الأسفل كي يجلب بعض الٱدويه والحامل الذراعي ، بينما أمسك "حامد" يد "دلال" وهو يسحبها معه إلى شقتهم ، أخرج "حازم " زوجته من أحضانه ثم نظر لها بأمان حتى توجه يستعد لحمل "سميه" بحذرٍ كي يخرج بها من الشقه بعد أن أومأ لوالدته ، خرج بها متوجهاً للشقه الٱخرى بينما أغلقت "عايده" الباب من خلفهم وهي بالداخل بعد أن فهمت من حديث "حامد" أن لا فائده الٱن من التجمع ، خاصةً أن لديها فتياتها الوضع ليس سهل للغايه !! سارت "ياسمين" سريعاً تفتح غرفة والدتها وهي تجهز الفراش حتى يضعها "حازم" ، ولم تمر دقائق قليله إلا وكان قد وضعها على الفراش ومن ثم ساعد زوجته في وضع الغطاء عليها ومسح وجهها برفقٍ ، لطالما كان "حازم" ومازال ابن "سميه" التي لم تنجبه !!أما في الخارج وقفت "جميله" تنظر على الوضع بتيهه إلى أن نظرت إلى "منه". وهي تستوعب تدريجياً ثم قالت بأسفٍ وملامح وجهها المرهقه تظهر :_" أنا أسفه يا منه بجد على كل اللي حصل ده "_" ولا يهمك يا جميله أنا معاكى لو إحتاجتي حاجه !"إبتسمت لها"منه" عقب إنتهاء ما قالته ، ثم إبتسمت لها "جميله " ، وكل ما يحدث أمام أنظار "شادي" الذي وقف يتابع ، بينما إبتسمت "منه" لها ثم تحدثت من جديد تستأذن :_" طب أنا لازم أمشي ، محتاجه حاجه ؟"هزت لها "جميله" رأسها بالنفي وبإمتنان ثم أسندتها الٱخرى كي تخرج من باب الشقه حتى وقفت "جميله " تدق باب شقتها تزامناً مع قولها لـ "منه" التي توجهت لتفتح المصعد:_" مع السلامه يا منه ، خلي بالك من نفسك "هزت لها رأسها بالإيجاب ومن ثم رأته يخرج لها ثم قال بهدوء شديد :_" استني هوصلك مينفعش تمشي لوحدك الوقتي "الوقت ليل ولكن ليس بشده !! ، نظرت له بصمتٍ ثم دخلت المصعد تحت أنظار "جميله" المترقبه والتي نظرت بقلة حيله عندما وجدته يدخل المصعد هو الٱخر معها سريعاً قبل أن يُغلق ، بينما فتحت لها والدتها الشقه حتى دخلت "جميله" شقتها هي الٱخرى وكل منهم يذهب للوجهه الذي يريدها الٱن .!!____________________________________________ في شقة "حامد" ، وقف هو يساعد زوجته في مسح الأرض وبقع الدماء الملطخه بها ، إلى أن وقف ينظر لها وهي تذهب إلى المرحاض تضع القطع القماشية به ومن ثم خرجت تنظر بإنهاكٍ ، حتى وجدت باب الشقه يدق عدة دقات متتاليه ،. توجه "حامد" يفتحه حتى وجد "وسام" تدخل من أمامه ، بينما وقف ينظر لها بتمعن حتى سألها يإهتمامٍ :_" كويسين ؟!"هزت رأسها بنعمٍ ، ومن ثم وزعت أنظارها على والدتها ، التي تنهدت تخرج أنفاسها قائله لها وهي تشير :_" طب تعالي ورايا خدي غيار لأخوكي "قالتها وهي تتذكر فزعها من تلطخ الدماء بملابسه ويديه وحتى وجهه ، دخلت خلفها "وسام" وهى تنظر لها تفتح خزانته تجلب منها سترة ييتيه وبنطال رياضي مريح ، ثم طوتهم وهي تلتفت لها تقدم لها ما بيديها ثم ابتسمت بتعبٍ قائله: _" خُدي ، خليه يغير وهاتي لبسه المتوسخ وتعالي يا حبيبتي"قالتها ومن ثم جلست على الأريكة بإنهاكٍ حتى خرجت "وسام" من الغرفه ومن ثم سمعت هي صوت إغلاق باب الشقه ، مدت قدميها تدلكها بإنهاكٍ ودموع عينيها المحبوسه تهبط كلما تتذكر بأن كان من المحتمل أن تفقد ولدها ، لحظه قاسيه على قلبها ، فؤادها يؤلمها من مجرد الفكره ، بل و تحزن أكثر على الأخرى التي لم ترى يوماً هادئا حانياً ، كل ما يحدث حولها يعوق من علاقة ابنها بـ ابنة الأخرى ، فاقت من شرودها عندما وجدته يقف ينظر لها بحنوٍ ثم جلس بحانبها على الأريكة بغرفة ولده ، حتى مد يديه يمسح دموعها الهابطه والعالقه ثم ابتسم قائلاً بنبره هادئه عميقه :_" بتعيطي ليه يا أم غسان !"نظرت له "دلال" بقلة حيله ثم حركت رأسها بيأسٍ قائله بتحشرجٍ :_" أنا تعبت يا حامد، وقلبي معدتش حمل إنه يستحمل كل ده ، ولسه يدوب البدايه ، يا عالم المره الجايه هتيجي فـ مين ، أنا خايفه ، خايفه على عيالي وخايفه من اللي جاي ..!"تفهم ما تفكر به جيداً ، لذا تنفس بعمقٍ ثم إعتدل يجلس بجانبها وهو يجيبها بإطمئنانٍ واضعاً كفه المُجعد على كفها :_" متخافيش يا دلال كله عند ربك مكتوب واللي انتِ بتفكري فيه ده مش منطقي علفكره ، دي فدت إبنك وكانت مستعده تموت مكانه يعني فاهمه ده ايه .!!"ارتبكت أنظارها بقوه وهي تهرب من عينيه المسلطه عليها ثم سحبت كفها من بين كفه هز رأسه بتفهمٍ ثم أخذ أنفاسه يوضح :_" أيوه عارف إنتِ بتفكري فـ إيه رغم قلبك الطيب بس طبيعي مش هتخافي على حد أكتر من ولادك ، عارف إنك بتقولي إنها من ساعة ما دخلت عليكِ وابنك إتجوزها وإحنا فـ مشاكل وكمان حاسه إن في خطر على غسان ، بس إبنك روحه فيها ولو سابو بعض مش هتبقى حالتك زي دي الوقتي بالعكس انتِ هتشوفي غسان تاني غير ابنك اللي بتشوفيه الوقتي واللي بيعمله وهو مكانش كده ، مش أنا اللي هقولك يا أم غسان الحب بيعمل إيه فالـواحد انتِ أكتر واحده عارفه ، أديكي شوفتي دموعه اللي نزلت فـ عز ما كانت مستحيل تنزل قدامك حتى ألا فـ الشديد القوي ، والشديد القوي كان هي واللى حصلها "تنهدت "دلال" تخرج أنفاسها ببطئ ثم هتفت تبرر بصدقٍ وهي تنظر له:_" مش قصدي بس أنا قلبي واكلني كده مش مرتاحه ، ونيروز ربنا يعلم أنا بحبها قد إيه ولو كنت بحبها فـ زاد حبها الضعف بعد اللي عملته النهارده، بس دماغي مش عارفه تفكر غير فـ إن علاقتهم ببعض كده مجاش منها غير الوجع أهو لكل واحد فيهم ، ربنا يسترها ويعديها على خير !! " إبتسم لها بإطمئنانٍ ثم نبس بنبره هادئه وهو يستند بجانبها على الأريكة يأريحيه :_" ربنا ما يجيب وحش يا أم غسان ، إطمني وطمني قلبك !!"قالها "حامد" بإنهاكٍ وهو يحاول بأن يُريح جسده مع بسمته الحانيه وألم اليوم النفسي قبل أن يكون ألم جسدي مُرهق، إبتسمت له بحنوٍ ثم تزحزحت قليلاً لتفسح له مكان يتسطح هو به ثم وضعت يديها على كفه وهو بجانبها تربت عليه بحنانٍ ، رقم إثنين في هذه الحالة كان واحد ، واحد في حمل الهم وحُب الأولاد والخوف عليهم ولهم ، كان رقم واحد المشترك في أنهما سويان نفسياً !..__________________________________________قبل ساعات ليست بالكثيره ، وقفت لحظته هو عندما خرج شقيقه من الغرفه ووقف "عز" ينظر بضياعٍ على الممرضات وهن يتفقدن حالة والدته بينما كانت "فرح" تبكى ، تلتف به الدنيا الٱن بل وعقله ليس بمكانه وكل ما حوله يُدار ، وقف يتنفس بأصواتٍ مسموعه ثم تحركت قدميه أخيراً يترك المكان بأكمله ليلحق بالٱخر الذي جعل الأحداث تنقلب رأساً على عقب ، خرج من الغرفه وقدميه تحثه علي الركض بسرعه وبالٱخر عقله الذي بث له الشر ، فـ هي والدته !! ، ركض "عز" وهو يدفع من يأتي بطريقه حتى يلحق بالٱخر ، والذي ما أن رٱه يهبط علي ٱخر درجة بالسُلم للتوجه إلى الساحه كي يخرج من للخارج هبط هو الٱخر بسرعه فائقه ، حتى ركض فالساحه ومن ثم خرج من المدخل وهو يهتف بإسم "شريف" قبل أن يقوم بالسير للطريق الٱخر ، أما "شريف" فوقف بظهره عندما وجده يهتف باسمه ومن ثم سمع صوته الحاد وهو يقول من خلفه وصوت أنفاسه عاليه حتى سمعها الآخر ممزوجة مع صوت سير السيارات على الطريق بل والهواء من ٱثر الجو ، ظهرت بـعوامل كافيه لارتباك الأجواء:_" أنا لســه مصَفّيتش حسابي !"ابتسم "شريف" بسخريه ثم التفت بكامل جسده حتى وجد معالم وجه لا تبشر بالخير وما أن يخرج إنفعال "عز" لن يبقي شئ كما عليه ، وقف "شريف" بثباتٍ ثم رفع إصبعه يشير له بأن يأتى مردداً بنبره جاده وكأنه يشجعه علي العراك بجديه شديده. :_" تعالى خده !"نظر له "عز". وهو يتنفس بقوه ، بينما صرخ على مره واحده عندما سار له خطوه واحده وهو يدفعه أرضاً حتى سقط والٱخر من فوقه يضربه بوجهه ليس بانتصارٍ بل بوجعٍ تزامناً مع قوله الصارخ :_" أنـــا مليـــش ألا هي !، ليـــه عاوز تحـــرمني منـــها !" طريقته في صراخه وقول حديثه لم ولن تليق بما يفعله الٱن بل وليس هذا الآنفعال !! ، طريق لا يوجد به ما يراهما إلا قليلٍ كونها منطقه راقيه وأمام مشفي كتلك ! ، حاول "شريف" بأن يدفعه بينما كان يمسكه الٱخر بقوه وهو يلكمه بوجهه وكأنه يخرج كل ما به من قساوة الدنيا عليه !! ، نهض "شريف" ثم غير الوضع بصعوبه حتى أصبح هو فوقه يضربه بقوه على وجهه هو الٱخر ، لا يوجد صراخ منه بل هو الآخر يلكمه بوجعٍ ، توجع الإثنان من الحياه بطريقه تعجز الكلمات عن الوصف لها ، هما اللذان كُتب عليهما المشقه والوجع لأقصى حدٍ ، تراخت يد "شريف" عندما وجد "عز" توقفت يديه وهو يلكمه هو الٱخر بل ودموعهما تهبط!! ، الاثنان ؟! شريف يبكي؟! ، دفعه بقوه حتى نهض بوجعٍ ثم رفع يديه يزيل الدماء الذي شعر بأنها على وجهه تهبط من أنفه ، وتأوى الٱخر وهو يفعل نفس فعلته ولكن بجانب فمه !! ، حاول "عز" النهوض بألمٍ تزامناّ مع سؤاله الذي لم يكن بمحله :_" لـيـه !"تحسس "شريف" جرح أنفه وهو يزيل الدماء ثم مسح دمعته بقوه وهو يبتسم بوجعٍ ثم قال ليجيبه بسخريه وكأنهما لم يدخلا بعراكٍ قبل قليلٍ :_" بتسألني أنا ؟! "_" أسأل مين !"قالها بتشتتٍ ونبرته الضعيفه ظهرت بألمٍ في حين هز "شريف" رأسه بأسى ثم أجابه بتهكمٍ موٌجِع:_" إسأل الدنيا ، وإسأل أبوك قبل أمك وليه عملت كده !"إجابته خرجت بصدق ولكن لم يمنع طريقته المستفزه من الخروج بٱخره ، حتى نظر له الٱخر وإنفعاله يخرج مره ٱخرى ومن ثم رٱه بالفعل يرفع يديه الإثنان وهو يدفعه بقوه على الطريق قائلاً بانفعالٍ يحذره :_" إمشـــي "دفعه بعزم ما لديه حتى أنه رجع خطوات إلى الخلف وهبط رغماً عنه درجة عاليه ومن ثم بقى هو علي طريق سير السيارات وتزامناً مع دفعة "عز" جاءت سياره تسير بتمهلٍ ثم إصطدمت به حتى توقفت على فجأه عندما وجدته الٱخر قد وقع أرضاً بألمٍ عندما دفعته السياره بجانب جسده الأيسر حتى أنه تأوى من معدته بالجانب وذراعه ليست حد الخطوره ولكنها من الواضح بأنها ستجعل ٱثرها كدمات زرقاء اللون ، وقفت السياره مع وقوف "عز" الذي تبدلت ملامحه للبرود وكأن شئ لم يكن ، من المفترض بشخص مثله بأن يتلهف ولكن ما حدث له من الزمان بل وقبل قليل بسبب الٱخر وحالة والدته جعله بارداً ينظر فقط بتيهه، نظر وهو لم يتحرك على الرجل الذي هبط يسند "شريف" بخوفٍ وهو يقول : _" إنتَ كويس يا أستاذ !! "_" مـــلكـــش فيــه ، إبــعد عني!"قالها "شريف" بإنفعالٍ جعله يتأوى من بعدها ومن ثم نهض رغماً عنه وهو يطالع الاخر ببغضٍ حتى نبس بنبره حاده :_" اللي بينا مخلصش يا عز ، مخلصش والله ما خـلــص"قالها "شريف" له. ومن ثم بتوعدٍ ظهر حتى للرجل الذي وقف ولم يفهم هو شئ ، إلتفت يسير بالطريق للطريق الٱخر يشير لإحدى سيارات الأجره وهو يتأوى رغماً عنه ، ركبها ما أن وقفت له بسرعه ، حتى أنه جاء دون تأجير سيارات في كل مره يكون بها متواجد بين الذين يريدهم بأن يتجرعون من نفس الكأس !! ، تحركت السياره بسرعه كما تحركت سيارة الرجل الذي فر خوفاً من أن يواجهه "عز" ، ولغبائه كان الخطأ منهما وليس منه لأنه طريق سير سيارت لا سير عام !! ، إلتفت بكامل جسده ينظر بصمتٍ على مبني المسشتفي الكبير الذي على بُعد ليس كبير ومن ثم سار بسرعه وبخطواتٍ أشبه بالركض رغم ألمه الجسدي وألم فكه ولكن كي يري ما وصلت له حالة "والدته"، حيث هو الراكض بطريقٍ إعتاد على الركض والسير به من الأساس ، طريق التعب والإنهاكً..!____________________________________________" القطة كلت لسانك ؟"قالتها "منه" التي سارت بجانب "شادي". بجانب الطريق كي يوصلها أمام بيتها ، لاحظت هي صمته وتبدل ملامحه للسكون وبشده ، خاصةً أنها علمت الٱن بأن شخصيته ليست كذلك ، إلتفت بوجهه ينظر لها ثم ابتسم بتهكمٍ قائلاً بتبجحٍ :_" و انتي مالك!"تحركت أنظار "منه" المستفزة نحو عينيه بغيظٍ ثم إجابته بعبثٍ :_" مالى فالبنك يا حبيبي ! "قالتها بعفويه شديده مما جعله يهتف باستنكارٍ ظهر على ملامح وجهه التي تتعمد هي عدم النظر إليها :_" حبيبك !!"_" أنا بقول حبيبي لأي حد حتى لو مش حبيبي فمتفكرش نفسك حبيبي !!"أردفتها "منه" بإندفاعٍ كي تبرر له بطريقة غير مباشره ، في حين ابتسم "شادي" بقلة حيله ثم عاد يصمت من جديد ، استشعرت هي مدي إختناقه من الداخل ، فالتفتت برأسها تنظر له ثم قالت بنبره جامده عكس طبيعة حديثها الذي يجب من المفترض بأن يكون لطيف :_" لو متدايق ممكن أسمعك يعني مش هيحصل حاجه "تقذف صخور بحديثها، حرك عينيه ينظر لها باشمئزازٍ ثم أجابها بوقاحه : _" معتش ألا إنتِ يا أم عيون قناصه ولا ايه ؟"غزل مشمئز إذن ، نظرت له بغير تصديق ثم حركت رأسها تنظر علي الطريق من أمامها تزامنًا مع قولها :_" علفكره ممكن يكون الكلام أحسن وأفضل من كده ، وعشان تكون عارف أنا كده كده مش هسيبلك فرصه تتعرف عليا ولا هسيبلك مجال للي بتعمله دا عشان أنا مش زي الكتاكيت اللي انتَ فاكرني منهم ، فـ لازم تفوق وتتكلم معايا بأدب عشان معلمكش الأدب يا ..شادي بيه ، ولما قولت إحكي هسمعك كان بغرض إني أخفف عنك كشخص حزين كئيب ومحدش طايقه ومش طايق حد و محتاج مواساه مش أكتر !"حديثها الذي من المفترض بأن يكون معسول أصبح مغلف بالأتربه والغبار من قولها ، رغم دهشته من تناقض ما تقوله ولكنه أعجب بالشق الأول من حديثها ، ولم يظهر ذلك بل هز رأسه وهو يكبت ضحكاته ثم حرك رأسه منها فإردفت هي من جديد تسأله بشراسه :_" دمك تقيل دا أولاً ، ثانياً ضحكني معاك ؟ قولت ايه يضحك أنا ؟"_" بس يا عكاكه !"وقفت تنظر له بصدمه ثم هتفت بغير تصديق وهي تشير علي نفسها بغيظٍ:_" أنا عكاكه ؟"_" أه ، كل كلامك عك وعماله تغلطي فيا وأنا ساكت وممكن أخد حقي بكل سهوله، وكمان مننستش البوكس حتى شوفي !"قالها وهو يشير علي أسفل عينيه بمكانها ولونه الأحمر الخافت ، نظرت له بأسفٍ من أول الطريق وهي تنوي بقول ما تريده والٱن قد شجعها ، تنهدت تخرج أنفاسها ثم تحدثت بنبره متأسفه :_" ممكن معاك حق فـ دي أنا كنت عاوزه أتأسفلك على ده عشان أشكرك عـلى اللي عملته معايا ومع جميله ، بس خساره فيك !!"إبتسم علي أول حديثها بلطفٍ ومن ثم. تحولت ملامحه للذهول ثم هتف يقول بنبره متهكمه :_" متتأسفيـش تاني ..أقولك؟ متتكلميش خالص "سارت من جديد ثم رفعت يديها تشير بغير إهتمام قائله :_" أحسن انتَ تطول اصلاً. ..! "حرك "شادي" رأسه بقلة حيله منها وهو يبتسم ببنما تنهد يخرج أنفاسه بعد دقائق وهو يتحدث بأريحيه :_" عارفه يعني إيه خوف؟"إنتبهت حواسها بشده لحديثه العميق ، فحركت عينيها لتنظر بعينيه للحظاتٍ ثم أجابته بعقلانيه : _" الخوف أنواع كتير أوي ، بالنسبالي الخوف عارفاه ، وشايفه أصعب أنواعه إني أخاف من حاجه حصلت لتحصل تاني ودي حاجه مخلياني مقعش فنفس الغلط مرتين ومسيبش فرصه للحاجه تتكرر وأنا عارفه أضرارها حتى لو طبعي وأسلوبي مش أوي بس لو ايه حصل لازم أمنع وانت؟ .."ابتسم لوجهة نظرها حتى تنهد يخرج أنفاسه وهو يجيبها بوجهة نظره هو الٱخر والمختلفه :_" الخوف بيجي من حاجة حصلت فـ حياتنا أو حاجه هتحصل ، ممكن حصل فحياتك حاجه خليتك تخافي من ده ، لكن أنا الخوف بالنسبالي مش رهبه من حاجه على قد ما خوفي كله راح لما أمي ماتت ومن بعدها أبويا ، وبعد كده كنت بخاف على فراق أخواتى من سفرهم لحد ما جالي تبلد فالمشاعر تجاههم وبقوا عادي كل واحد يشوف حياته بقا ، بس اللحظه اللي بيرجعلي فيها خوفي إني أخاف على حاجه لسه موجوده من زمان ، زي غسان صاحبي ، بحس إني بخاف عليه أوي كأني أبوه هو الحاجه الوحيده اللي بقيالي من الدنيا الوقتي وحالياً يعني لو حصل حاجه هلاقيه قبل إخواتي ، عارفه ..؟"صمت يتابع ملامحها التي لانت وهي تنصت له باهتمامٍ فابتسم يواصل مره أخرى :_" ببقى عارف هو بيفكر ازاي وعاوز يعمل إيه ، ببقى عارف لما أبص وأشوف رد فعله هو حاسس بـ ايه وايه اللي محاول يداريه ، أنا مشوفتوش تايه كده وخايف للدرجه دي ، في وقت ما كان هو بيعمل مش فارق معاه وأنا كنت بنهارله كان بيتقهر هو من جوه ، بس الحب حلو برده..، يعني بيخلى الواحد يخرج كل مشاعره اللي جوه حتى لو مكانتش حب ، بيظهر الحقيقه وحقيقته توجع لو هو بيبقي فعلاً كده من جوه وحد قريب منه بيتوجع !! "حديثه نبع من أعماق قلبه ، لم يسمي صديقه بل يسمي خله الوفي ورفيق دربه وأيامه ورغم البعد يلتقيان !! ، أثار حديثه إعجابها وبشده حتى أنه. ظهر في نبرتها العفويه وهي تردد :_" انتو بجد علاقتكم كصحاب جميله أوي ، تعرف إني بحب أشوف صداقة الولاد وبصدقها أكتر من صداقة البنات !!"عقد حاجبيه بتساؤل ، بينما هزت رأسها تنفي ما يفكر به قائله بتوضيحٍ :_" مش قصدي إن صداقة البنت وحشه بالعكس دول لو حبوا بيحبو بجد ، بس ممكن تكون نقطة الغيره عندهم موجوده ودي طبيعه يعني ، بس بقول من قوة الصداقه يعني قليل أوي لما بشوف علاقة فيها غيره من ولد للتاني ، بيبقوا علي طبيعتهم مع بعض محدش محتاج يبقي متصنع ، كـ ولاد بحسها مريحه وكل واحد فيها ببقي علي طبيعته أوي كده !" هز "شادي" رأسه بتفهمٍ ثم ابتسم يهز رأسه بالتأييد حتى أجابها:_" وجهة نظر ، بس أنا شايف مادام في إخلاص وأصل قبل الحب تبقى متفرقش بقا علاقة مين أحسن وأريح وأقوي ، ولو هتكلميني عن الأصل فـ أنا عرفت غسان بقلة الأصل أصلاً ..!! "ضحكت "منه" بخفه ومن ثم توقف أمام مبني صغير مما دل علي أنه بيتها ولكنها وقفت تستجوبه حتي ابتسم يجيب بأريحيه :_" كان منقول من سكن لسكن تاني عندنا وكنا ساعتها فـ إعدادي مش فاكر فـ سنه كام بالظبط بس فالٱخر اكيد مش قدام أوي ، كنت بتخانق مع واحد كان بيحب بنت أنا بحبها ، وكان ساعتها غسان موجود وشافني وأنا بتخانق فـ دخل يدافع عني ولما لقى العدد كتر حواليه وكله ملفوف حواليا وحواليه قام بطل ضرب فاللي كنت قصاده ودور الضرب فيا لحد ما عدمني العافيه وبعدها كل اللي واقفين كانو بيزيطو معاه ، عشان يخلع منها عمل فيا كده وبعدها جه اتأسفلي وحضني وقالي " متزعلش ما أنا مش هضّرب عشانك يعني وأنا معرفكش فعرفني بيك عشان أضرب معاكّ المره الجايه " ، وثبتني إبن الإيه وكنت أكبر كلاون وأنا بسامحه !"لم يسمع هو سوي صوت ضحكاتها العاليه بقوه وهي تضع يديها علي فمها كي لا تخرج الأصوات ولكنها خرجت منها ، فنظر هو لها تائهاً بعفويتها حتى نظرت له تردد من بين ضحكتها :_" هغير نظرتي فصداقة الولاد ، هخليها صداقه الأندال ..!"_" وأجدع ندل عرفته والله !"قالها بضحكٍ ، فأشارت له بالوداعٍ وهي تصعد السُلم ومن ثم التفتت تنظر له بغيظٍ حينما هتف هو بصوتٍ مرتفع كي يصل لها :_" يعني بعد كل ده مش هتجيبي رقمك !"_"روح يا شادي..بيه "_"سلام يا أم عيون قناصه "قالتها بسخريه وهي تلقبه اللقب الذي لا يليق عليه بتاتاً ورغم طبيعة عمله ولكن لا يظهر عليه أي نوع من أنواع الرسميه بل كان بسيطاً ، ابتسمت وهي تكمل صعودها ، بينما إلتفت هو يرجع وهو يسير نفس الطريق ولكن بمفرده بعد إردافه بخفوتٍ عندما إلتفت يسير :_" دي طلعت عيونها قناصه يواد يا شادي ومراعتش الجريح زي ما ويجز قال بالظبط !! "_____________________________________________... وقفّ هو أمام باب الشقـه بعدما فر هارباً وكأنه هرب من الخطر بأكمله ، لا يعلم هو بأنه كان هو الخطر نفسه ومازال ، دق الباب بقوه وهو يمسك معدته من ٱثر ضرب "غسان" بها ، استغرق "ٱدم" وقت عندما نهض يفتح باب المنزل ، وما أن فتحه ذهل من شكل وجه الٱخر الذي وُجد به كدمه زرقاء ، وملابسه ليست مرتبه إلى حد منظم ! ، بل ركب هو سيارة أجره سريعاً ولم يأخذ الوقت الكثير بسبب صغر المسافه ، أسنده "آدم" سىريعاً وهو يدخله إلى الداخل حتى أغلق الباب بقدمه سريعاً وهو يتوجه به ليجلسه على الأريكه تزامناً مع قوله المتساءل بلهفه : _" إيـــه اللي حصل !! "إستند "حسن" على الأريكة وهو يتأوى ثم أخذ أنفاسه مع محاولته للرد عليه وهو يتوجع مع نبرته الحاده المنفعله :_" هموته يا ٱدم ، هموت ابن عمك! !"حرك "ٱدم" رأسه باستنكارٍ ثم قدم له الزجاجه يتجرع منها تزامناً مع قول "ٱدم" المستنكر :_" تموت مين انتَ عبيط ولا جرا لـ مخك حاجه.!! "_" هموت غسان هموته .. السكينه مجتش فيه جت فيها وفلت منها ..بس مش هسيبه ،وربنا ما هسيبه!! "قالها ومن ثم دفع الزجاجه بيديه لتهبط بانفعالٍ ، وكأنه يقول حديثاً عادياً ، حملق "ٱدم" به بصدمه وهو يهتف بصراخٍ من ما يسمعه :_" انتَ إتهـــبلت، سكينة إيــه وجــت فــ مين !!"قالها بصدمه وقد جمع عقله ما فعله الٱخر ، فهز له "حسن" رأسه بإنفعال وكاد أن يمد يديه يهزه كعلامه بأن يفوق الٱخر ، لايعلم هو بأنه من يحتاج لذلك ، عاق يديه مسكة يد "ٱدم" له وهو ينهض بانفعالٍ ثم هتف بنبره مرتفعه يستجوبه :_" دي مصيبه ، انتَ مستوعــب ؟ ، السكيــنه جت فــين ، إنطــــق !"_" معرفش !"قالها ببرود عاد بعد إنفعاله منذ قليل ، دفعه "ٱدم" وهو يترك يديه حتى رجع إلى الخلف على الأريكه وهو يسمعـه يهتف عالياً له :_" يعــني إيـــه متعرفش ، لـــو حد دور عليك ، أول مكان هيدورا فيــه هـــنا يا غبي ، غســـان مش هيســــيبك والموضوع مش هيمشي كده ، انتَ لازم تمـــشي ، لازم تمــــشـــي يا حســــن "قالها وهو يحثه بصوته القوي وهو يصرخ به ، بينما إعتدل "حسن" بتأوى ثم أجابه وإنفعاله يخرج مره أخرى :_" أروح فيــــن هـــو أنـــا عــارف مكــان غيــرك !"_" بتتصــــرف مـــن دمــاغك ليه يا *** ، أنــا المفروض عليا أعمــل إيه أخبيك هنا وبدر لو عــرف ممكن يمــوتني فيــها بعد اللي إنتَ عملتــه ، ولا أخــبــيـك وانتَ كنت عاوز تمــوت ابن عمـي اللي لو عرف إنك عندي هيــجــي يطربق الدنيــا على دماغنا ؟؟" قالها "ٱدم" بصراخٍ وهو يدفع أحد المقاعد بعصبيه ، بينما نهض "حسن" ينظر له بغضبٍ حتى قاطع ما سيقوله نبرة "ٱدم" الذي أمسكة من تلابيبه بعدما إلتفتت وهو يلومه بنبره غاضبه:_" هنعـــمل إيـــه يــا غبــي ، أنــا مش قولتلك إتقي شره ، قولتـلك إنه مش زي ما انتَ شايفه ولــو قــام عليكّ هيزعــلك ، مين هيشيــلنا إحنا الإتنين من إيـــده الوقــتي يا *** "كان يهزه بيديه بقوه وقد وصل إلى أعلى درجات غضبه ، سكن "حسن" بين يديه لم ينبس بشئ ، ببنما تراخت يدي " ٱدم" وهو ينظر حوله بتشتت فقد يتوقع قدومه بأي وقت وأي طريقه ، توجــه سريعاً يغلق الباب بقوه من الداخل ومن ثم جذب مقعدين كي يضعهم خلف الباب حتى لا يُفتح بسهوله ، إلتفتت سريعاً يقف من أمامه مره أخرى فقد تشتت بين أمرين ، إلى أين سيذهب الٱخر ، لا يعلم بأنه يجلب المصائب له هو الٱخر !! ، تنهد يخرج أنفاسه بقوه ثم دفع ناحيته المقعد حتى اصطدم بقدم "حسن " عندما هتف "آدم " :_" خلينـا قاعدين مستنينه يجي فأي لحظه ، كله بسبب غبائك !! "_" هنتصل بشريف يقعدنا عنده !"قالها "حسن " ببساطه وهو يطالعه بينما ابتسم "ٱدم" بتهكمٍ وهو يجيبه :_" شريف أه ، دا لو رد عليك ، هو ده حد بيعتمد عليه ، أراهنك إنه مش هيرد وجرب مش هنخسر حاجه زي ما بجرب وبخسر أنا ..!! "وجد اليأس بحديثه كما كان لديه أيضاً بعض اليأس من الطرف الثالث ، نظر له بصمت ومن ثم جلس من جديد عندما دفعه "ٱدم" بقوه وهو يتخطاه مع سبه له الذي خرج من فمه بضيقٍ مغلف بأواخر الإنفعال، أحدهما يعلم مدى وصول شر الٱخر والآخر لا يتوقع بأنه سيفعل شئ ..!!___________________________________________بعدما إنتهى من إرتداء ملابسه المريحه في مرحاض شقتها هي ، ومن ثم توضأ هو ليؤدى ركعتين لله كما إعتاد فـ وقته الصعب ، فكرة ضياعها منه باتت تؤلمه وبشده وكأن الغصه المريره لم تكن بحلقه بل بقلبه ومتوقفه ، لحظة إستنكار لغيره بـ ردة فعله الغير معهود ، تخلل تعلقه بها به وبقوه حتى أنه بات يشعر بأنه الذي يهاب الفراق وليست هي !! ، ما مر منذ زواجهما قولاً ليس هين ، بل كان أذى جسدى لها وحدها كما كان نفسي له وبشده ، في كل مره يجاهد هو بأن يحميها وبالفعل يستطع حمايتها ولكن المعهود دائماً بأن فكل مره تتأذى وتتوجع هي ، شعوره بتأنيب الضمير ومراجعة نفسه في كل شئ حدث منذ عقد القران لا يتركه ، الأولى كانت تجاهد لأنها زوجته وتألم جسدها بشده من ضرب زوجة عمها ، أمـا الثانيه فكان من المحتمل بأن ترحل هي عنه وعن الحياه وكل ذلك لأجله وحمايته ، ما الذي يدفع الإنسان ليعرض روحه للخطر بإرادته !؟ ، طوى سجادة الصلاه الخاصه بها ثم نهض يضعها بهدوءٍ على المقعد الخشبي الموضوع عليه مفرش به رسمة ورود كثيره ومتشابكه إبتسم بسمه صغيره على ما تضعه في كل شئ يخصها ، توجه ناحية الفراش ثم جلس بجانبها يضع يديه علي جبهتها ، وباليد الأخرى أمسك يديها السليمه يتحسس نبضها وهو يتملسها بحنوٍ ، يتجنب النظر إلى جرح ذراعها ولكنه نظر ، علي أية حال موضوع عليه لاصق طبي أبيض كبير وإن نهضت ستضع حامل ذراعى ، تحكم بقبضة يديه المتكوره عندما شرد بـ "حسن" ، بالتأكيد هرب يعلم هو بأنه لم يكون اليوم بشقته، هروبه كان في غاية السهوله عندما إنشغل الجميع بما حدث ، تحركت عينيه سريعاً عليها عندما وجدها تتملل بأنين وهي تحاول أن تحرك ذراعها وجسدها ، أعلمه شقيقه بأنها ستفوق بعد مده ليست كثيره بل وجلب له الدواء والحامل الذراعي ، كما علم هو بأن كل منهم دخل إلي غرفته الٱن ، الليل الهادئ والقاسي بنفس ذات الوقت !! ، ربت على رأسها بهدوء وهي تخرج أنين صوت خافت من ألم خياطة الجرح والذي خرج منه المخدر تدريجياً ..، ضمت "نيروز" عينيها بقوه ثم فتحتها تدريجياً وهي ترمش ببطئ أمام أنظاره المتمعنه على وجهها وبالٱخرى يمسك يديها ، إبتسم "غسان" رغم ألمه. ومن ثم خرجت نبرته المتلهفه يهتف باسمها : _" نيروز ! "لم يرى هو سوى ابتسامه صغيره رغم ألمها وهي تنظر له ومن ثم تمسكت بيديه بقوه كي تستطع بأن تعتدل ولكن خرج منها تأوي مؤلم من ذراعها أوقف حركتها ، جعلته يستقيم بسرعه وهو يتحدث بلهفه :_" إستنى خليكي ، هسندك براحه"قالها ومن ثم رفع ذراعيه الإثنان يمسكها من أسفل كتفيها حتى تحركت وهي تحاول عدك تحرك ذراعها. ، ابتسمت له بحنوٍ عندما إستطاعت أن تجلس الٱن ، رفع هو الغطاء ثم دخل ليجلس بجانبها وهو يضعه من جديد عليهما ، ومن ثم نظر لها وهو يمسك ذراعها المجروح بألمٍ ، ألا يستطيع التحدث ؟ ولا النظر لعينيها ؟! لم تكن ردة فعله هذه المعهوده لديها ، تفهمت هروبه من نظراته حتى تحدثت هي أخيراً بنبره هادئه تسأله :_" مبتبصليــش ليه ؟"رفع "غسان" بنيته الداكنه يواجه بنيتها الفاتحه ثم أجابها بضياعٍ وهو يسألها بلومٍ مُتهكم :_" يعني مش حاسه إنك كنتي هتروحي فيها ؟ "سؤال سأله لها بطريقه جامده وبنفس الوقت ضعيفه منه ، رأت الخوف والضعف بعينيه بل ولمعة الدموع لم تنطفئ بعد وكأنها تنتظر لتراها هي حتى تختفي ، إبتلعت ريقها بألمٍ ثم تنهدت تأخذ أنفاسها قائله بتوضيحٍ كان عليه هو وجع :_" مروحتش فيها ، بس صدقني مكنتش هستحمل لو حصل ليك حاجه ، أنا بتعب ومبلقاش حل للتعب ده ، مبلاقيش حل ليا وانا بفكر لو حصلك حاجه أنا ممكن يحصلي إيه ، أنا مش عاوزه وجع نفسي يا غسان ، لو جت علي قد وجع جسدي عشان متوجعش فيك أهون مليون مره من وجعي عليك "حرك "غسان" أنظاره التائه لعينيها ، بل وحديثها كان مبثابة داء وبنفس الوقت دواء ، شعر بعدم قدرته على الرد ، لذا تنهد يخرج أنفاسه ثم عدل من حركة وجهه ليقابل وجهها ثم خرج حديثه بعد لحظاتٍ يواجهها بهجوم في الحديث:_" وأنا وجعي وخوفي ملوش قيمه عندك ؟ إنتِ لما تروحي فيها أنا مش هتوجع صح؟ هو انتِ ملك نفسك لوحدك ؟ محدش ليه فيكِ ولا خايف عليكي لـ تروحي منه ، أنا ليه قولتلك إبقي بعيد ومتقربيش وليه قفلت عليكي باب الأوضه!! ، انتِ مش حاسه بيا وحاسه بتأنيب الضمير اللي أنا فيه فكل مره بتتحطي فيها فـ أذى ، أنا مش عاوز لا أذى نفسي ولا جسدي ولا أي أذى خالص ليكي ولا ليا ، أنا عاوزك تبطلي أنانيه وتبطلي تفكري فاللي هيحصلك ، وتفكري فيا وفاللي هبقي فيه مش فيكي وفاللي حاسه وهتحسي بيه واللي هيحصل ليكِ ايه ..!! " تجمعت الدموع بمقلتيها من حديثه رغم أنه هادئ ولكن طريقته بقوله كان كمن ظلمته ظلم لا يوجد بعده كما كانت الكلمات جامده ، نظرت له بتيهه ثم نبست ترد بنبره مختنقه تلومه :_" أنا مبفكرش غير فـ نفسي عشان خايفه عليكّ؟! ، أنانيه عشان دماغي بتوجعني من التفكير إن ممكن يحصلك إيه ، تقدر تقولي كان. ايه هيبقي رد الفعل لو انتَ السكينه جت فيك. وصابتك بلاش خليتك تروح مني!! ، عارف كان هيحصل ايه؟ ، انتَ مش فاهم أنا بحس بـ ايه ولا بفكر إزاي وأنا خايفه لاانتَ ولا اللي منك يتأذي بسببي وبسبب علاقتنا اللي جت فـ وقت مش مناسب ..!! "كان أول الحديث دموع عينيها ولكنها أكملت عندما رفعت يديها تمسحها وهي تواجهه بحده ، نظر لها "غسان " بصمتٍ حتى حرك عينيه عليها وهي تجلس مستنده بينما هتف بعدها باستنكارٍ به من الحده ما وصل لها رغم عدم توافق الوقت مع هذا الحديث :_" مش مناسب !! ، كان إمته هببقي الوقت المناسب ، أو قوليلي حسن كان هيختفي من على وش الأرض إمته هو وامه وابوه طالما مش مناسب وهنستناه يكون مناسب ؟!! ، ولما هو مش مناسب وافقتي نكتب كتابنا ليه وقولتيلي أنا معاك فـ اي حاجه ، جايه الوقتي بتحسسيني إني جيتلك وخليتك تاخدي الخطوه غصب عنك ؟ وكمان مش بموافقتك ! "صمتت تستمع إلى كلماته التي كانت تهاجمها ، كلماته التي اعتبرتها صحيحه كونها أردفت حديث مندفع دون وعي ! ، نظرت له من جديد عندما هتف قائلاً مره أخرى يواصل بقية كلماته وحديثه :_" انتِ مش عارفه انتِ بتقولي ايه يا نيروز ، ولو عارفه وواعيه يبقى أنا اللي بأذيكي وانتِ عاوزه تقولي ده بس مش عارفه تقولي كده !! .."حركت رأسها بالنفي بلهفه ثم هبطتت الدموع منها علي وجنتيها وهي تجيبه بنبره متحشرجه :_" لا يا غسان ، إنتَ عمرك ما كنت أذى ليا إنتَ ووجودك ، بالعكس أنا اللي حاسه إني بأذيك وبأذي اللي حواليكّ عشان أنا اللي جيبتلكم المشاكل من ساعة ما جيت ولا عمري كنت هسامح نفسي لو كنت انتَ اللي إتصابت أو حد منكم ، أنا بحبك ومن ساعة ما بقيت جنبي وأنا حاسه بالأمان محاوطني ، بس خايفه عليكّ وعلى نفسي ليحصلك حاجه ومش غلط لو قولت كده صدقني "دموعها وضعفها وحتي خوفها الذي يقف عائق الٱن بينهما يضعفه ، يكفي شرح حاله بأنه يحثها علي عدم الخوف لمرات كثيره ماذا بعد ؟! ، رفع ذراعه يضمها نحو صدره وهو يتنفس بعمقٍ ثم رفع يديه يمسح بأنامله دموعها التي تهبط على وجنتيها تزامناً مع خروج أنفاسه من على صدره الذي يعلو ومن ثم هبط : _" مش هبطل أقولك متخافيش ..يبنت الأكرمي .."إبتسمت علي حديثه الذي عاد لين ، حتى رفعت رأسها المستند على كتفيه وصدره وهي تمسح بيديها دموعها المتبقيه ومن ثم ابتسمت بإتساعٍ وتأثرٍ عندما وجدت حنانه قد غلب وبقوه عندما توجه برأسه يرفع شفتيه ليقبل قمة رأسها بهدوءٍ ، رغم صحة حديث الطرفان ولكن أيقن كل منهما أن وقت هذا الحديث ليس الٱن ، بعدما انتهي ؟! أو لم ينتهي بعد !! _"عارفه الست قالت ايه بقا ..؟! "قالها "غسان" من ببسمه صغيره كي يخفف عنها بينما تابعت بتساؤل تجيبه:_" إيــه ؟!"_"وعمري ما اشتكى من حبك مهما غرامك لوعنى"قالها بهدوءٍ ، فنظرت له بحبٍ وقبل أن تجيبه وجدته يلمح لها بقول ٱخر وهو يغمز لها :_"وخليني جنبك خليني ، فحضن قلبك خليني !"إبتسامة علي محياها زينته ومن ثم وجدته يطالعها بحنوٍ وهو صامت ، ودت لو تفعل شئ تعبر له عن أسفها لما شعر به بسببها هي ! ، تعلم أنه يرهق نفسياً لأجلها ، توجهت بوجهها ثم رفعت يديها تضعها علي وجهها حتى قربت وجنتيه منها ثم قبلته من وجنتيه بحبٍ ولأول مره تفعلها هي وهي تتخلي عن خجلها منه ، بل ينسحب الخجل تدريجياً بسبب عبثه هو ، ضحك بخفه رغم دهشته ثم رفع يديه يصفق قائلاً بحماسٍ :_" ولع الدنيا !!"خرجت ضحكاتها العاليه حتى أنها تأوت ، فوجدته يربت عليها بحنانٍ ثم غمز سريعاً وهو يردد :_" دوري أنا بقا ؟!"نظرت له مبتسمه ببنما أمعن هو النظر بملامح وجهها الذي حفظها عن ظهر قلب ، حفظ ملامحها التي حُفرت بذاكرته ، نظر لعينيها الدافئه ومن ثم شفتيها وجرح ما بجانبها الذي كان موجود بغير لاصق طبي ، ٱثره الخافت بلونه الٱحمر وقشرة الدماء التي تزول تدريجياً ، إعتدل بجلسته وعينيه تقابل عينيها للحظاتٍ بصمتٍ حتى توجه ببطئ يقبل جرح ما بجانب فمها بخفه ثم إعتدل مره أخرى ، قبلة أسف عن كل ما يحدث لها بسبب ما هم به ، تسارعت دقات قلبها من فعلته ثم حركت أنظارها بعبثٍ لمكان ٱخر حتى تفاجأت به بجانب أذنها يهمس. بجملته العبثيه :_" يحلاوة القلب لما يدق يدق .."قالها ومن خرجت ضحكاته بعبثٍ علي وجنتيها الورديه ، رفع ذراعه يأخذها لتستند عليه وبداخل أحضانه ، مالت تتنفس بعمقٍ وارتياحٍ ورغم علمها بأن المواجهه فعلت به الكثير كما بها ولكن كل منهما صمت ، سمعت هي صوت دقات الباب ، بينما نهضت هي تعتدل وهي تشير له قائله بهدوء : _",الباب بيخبط !"نهض بمللٍ وهو يزيح الغطاء عنه ثم سار بخطواتٍ ثابته هادئه يمد يديه ليفتح الباب، حتى وجد "سُميه" ويسندها من الناحيتين "ياسمين" و"ورده" بينما كان يجلس بالخلف علي المقاعد في الصاله "بدر" و "حازم" _" ايه ؟ هتصورنا ؟"قالتها "ياسمين", بغيظٍ من ٱخر مره كانت بها معه ، وكزتها "ورده" بينما هتفت "سميه" بتوبيخٍ لها :_" عيب يا بت !"ضحك هو وهو يحرك رأسه ثم أفسح لهما الطريق ومن ثم خرج بعدما دخلن هن حتى أغلق الباب خلفهن وهو يتوجه لهما بالصاله ، وقف "بدر" ينظر له بينما ابتسم له " غسان" باطمئنانٍ ، إلى أن تحركت قدميه ناحية "حازم", الجالس بصمتٍ ثم أشار له بأن يقف قائلاً بحزمٍ :_" أقــف !! "نظر له "حازم" باستنكارٍ ثم لبى غرضه رغم أخذه موقف منه ، نهض يقف وقبل أن يتحدث رفع "غسان" ذراعه يضمه من الخلف داخل أحضانه مردداً وهو يربت علي ظهره من الخلف :_" حقك عليا يا حازم ، متزعلش مني "ابتسم "بدر" عليهما ببنما رفع "حازم" يديه يربت علي ظهره العريض هو الٱخر قائلاً له بهدوء:_" خلاص مش زعلان يا غسان ، عارف إن وقت الغضب بيعمي ،ولو كنت زعلان فـ كل حاجه من نحيتي تمام !"نظر له "غسان " وهو يبتسم بينما جلس "حازم " من جديد تزامناً مع غمزته بقوله :_" الا قولي ريحة هدومك بنج ليه ؟"إعتلت ضحكات "بدر" في حين حرك "غسان " كتفه ببساطه مردداً بثباتٍ :_" أصلي كنت بحضن ، وانتَ عارف الحضن بيلقط أي حاجه "قهقه "حازم " و"بدر" عالياً ، ومن ثم فُتح باب الغرفه و"ياسمين" تشير لـهما بالمجئ ، وقفا هما إلا أن توجه "غسان" أولاً ثم سار ناحية الغرفه فوجدها مرتديه حجاب رأسها وتجلس معتدله لتستعد بمقابله زوج شقيقتها وزوج الٱخرى ، ابتسم وهو يقف حتى دخلا الإثنان ، مع قول "حازم" لها :_" ألف سلامه عليكِ يا نيروز "ابتسمت له "نيروز" بإمتنانٍ ، في حين سمعت صوت "بدر" هو الٱخر :_" حمد لله على السلامه يا نيروز ، شدي نفسك واجمدي كده"ضحكت"نيروز" بخفه وهي تجيبه بلطفٍ :_" إن شاء الله!"عادت تنظر إلي وجه والدتها بتمعن في حين إنشغال الٱخرين ، فلاحظت "سميه" نظراتها المتمعنه علي تعابير وجهها المرهقه ، حتى هتفت تهرب من نظراتها قائله يابتسامه : _" طيب أنا هقوم أرتاح يحبيتي ، وياسمين هتعملك حاجه سخنه وورده هتطبخلك لسان عصفور كده يفوقك !"قالتها وهي تنهض ناظره علي خروج "حازم" و"بدر" بينما إعترضت"نيروز" وهي توقف من حركة "ياسمين" والٱخرى :_" لا متتعبوش نفسكم ، أنا مش عاوزه أكل ، لو إحتاجت هقولكم "_" وأنا روحت فين ، أنا رنيت علي دلال تعملها حاجه تاكلها ملوش لزوم متتعبوش نفسكم !"قالها فأومأت له "سميه" بإمتنانٍ كما فعلت"ورده" بينما هتفت "ياسمين" باستفزازٍ :_" منتعبش نفسنا إزاي هي مش أختنا !! "سحبت "ورده" يديها بينما وزعت "سميه" نظراتها ثم ثبتتها علي بتوبيخٍ في حين كبتت "نيروز" ضحكاتها ، فوقف "غسان " يطالعها بتحدي ثم أجابها بثقه:_" أختك انتِ لكن مراتي أنا "قلبت عينيها بمللٍ منه ومن ثم سحبتها شقيقتها خلفها للخارج بينما وقفت "سميه" ترفع يديها تربت علي ذراعه بأسفٍ :_" معلش يا بني متقصدش !"نظر لها "غسان" وهو يبتسم بهدوء كعلامه بأن لا عليكِ من الٱمر ، حتى توجهت هي تلتفت ، فهتف هو يوقفها قائلاً ليعلمها :_" متتعبيش نفسك النهارده ، أنا هفضل جنبها وهديها علاجها وابقي أمشي الصبح لما تبقي كويسه شويه "_"براحتك يا بني ، .. وأنا واثقه فيك."إنتظرته بأن يتحدث كي لا تقع هي بما وقعت به من قبل عندما حدثه بطريقه لم يحبذها ، نظرت "نيروز" لها بلومٍ بينما هز رأسه فقط لها دون تبرير حتى إلتفتت تغلق الباب من خلفها ، طالعته بصمتٍ إلى أن اعتلت ضحكاتها وهي تتساءل بمرحٍ رغم تأويها الخافت من الضحكات التي هزت من ذراعها وجرحها :_" هو ايه حكايتك مع ياسمين!! "نظر لها "غسان" وهو يتجه ليجلس بجانبها على الفراش تزامناً مع قوله وهو يحرك كتفيه بجهلٍ :_" معرفش حكايتها إيه ، كأني قاتلها قتيل !"ضحكت "نيروز" بخفه ثم ابتسمت بهدوء توضح له طبيعة شقيقتها :_" علفكره طيبه أوي واللهِ وعمر ما الطريقه بينكم يعني كانت كده بس عشان هي عارفه كويس إحنا ايه ، هو ممكن خافت عليا ومعرفتش تعبر غير بكده ، هي لسه حكيالي اللي حصل وبصراحه يعني ..." صمتت عندما تذكرت المرٱه ، ولكنه إنتظرها تكمل بتسليه حتي قالت ما توقع هو بأنها سترميها علي مسامعه:_" انتَ اللي قليل الأدب !"_" أنا ؟!"قالها "غسان" ببراءه فهزت رأسها بخجلٍ وهي تكمل رغماً عنها :_" أه مكنش لازم توضح لها إنك بتبص فالمرايا وترد قصادها وهي ٱصلاً مبتسكتش !! "_" لما بحلف بالله مبحلفش بيه كذب يا رزه وعشان كده أنا مش مضطر أبرر بس بقولك والله ما بصيت فالمرايا ونزلت عيني أبص فالأرض لحد ما هي خلصت "لم يحرك نظراته بالفعل عليها وهي ترتدي ملابس أخرى نظيفه ، إستشفت صدقه ، أما هو فتحلى بالأدب ولم ينظر ، هزت رأسها تومأ بينما وقف هو يعتدل ثم قال بجرأه :_" أنا أه قليل الأدب بس بمزاجي وفالوقت اللي أنا عاوزه مش اللي أختك عاوزاه ، هي لو مكانتش عملت كده يبقى ميتقالش عليها أخت مكان أخ زي ما قولتيلي .."نظرت له بتفهمٍ رغم غيظه ، بينما إستنكرت هي وقفته ، ولكنه مد يديه سريعاً كي تمد يديها تضعها بكفه حتى تنهض ببطئ وهو يسندها ، إلى أن وقفت ومن ثم التفت ينظر خلفه علي الحامل الذراعي حتى جلبه بخفه وهو يفتخه ثم أمسك ذراعها بحنوٍ يدخله به ومن ثم علقه بداخل عنقها حتى أسنده أخيراً وهو ابتسم قائلاً بمرحٍ :_" يلا أنا أحطه مره وانتِ مره وأديها ماشيه ، وموسم الأحضان بيتعطل !"ضحكت بقوه وهي ترفع يديها الٱخرى توكزه بصدره بعفويه شديده كما تفعل عادةً عندما تضحك بقوه ، لاحظ هو فعتلها هذه والسابقه حتى أن حركتها لاقت إحسانه وإعجابه بشده ، أمسك يديها بسرعه قبل أن تسحبها ثم رفعها يقبلها برقه ومن ثم رفع يديه يربت الأخرى علي وجنتيها الساخنه حتى أنه مد يديه يزيح حجاب شعرها وهو يلقيه علي الأريكه ثم إلتفت يفك عقده شعرها وهو يفرده تدريجياً خاصه أنه لن يسترتسل لأنه مموج بطبعه ذو لون بني ، تنحنحت بحرجٍ حتى أنه فرده وقد أخذ لحظاتٍ عندما فرده عن بعضه ومن ثم دار وجهها له وهو يجلب خصلات منه إلا الأمام عند جبهتها ثم نظر لها بإعجابٍ مردداً بغمزه عين :_" كده أحلى، كده بطل !"ابتسمت له بخجلٍ ، فواصل يكمل من جديد بإعتراف صادق وهو يري لون خصلاتها ولون عينيها : _ "وربنا ما حبيت البني من قليل !"تنفست بأريحيه مع خروج ضحكتها الخفيفه الذي أمعن النظر إليها ومن ثم باعترافه الٱخر قال وهو ينظر لها مع تمرير يديه على خصلاتها المموجه فرده له كان كعلامه لتغيير النفسيه وجعلها تتنفس براحه أكثر خاصةً بعد المخدر والذي يخرج أثره تدريجياً من الرأس:_" أنا مبعرفش أسرح الشعر ولو كنت مسكت المشط مكنتش هتحكم ولا هعرف أسرحه، بس سيبه كده علطول أنا بحبه كده من غير أي حاجه زي ما بحبك انتِ وبساطتك من غير ما ما يحصل حاجه بردو عشان تلفتني ليكِ "أخفى فشله في تمشيط الشعر بغزله بٱخر حديثه ذلك الغير هين ، أما الكلمات فكانت صادقه وبشده كل ما يفعله هو بأنه يمشط خصلاته للخلف وفقط أما شعرها الطويل فيكف سيمشطه وهو جاهل بذلك ، رفعت يديه تزيح خصله نزلت على عينيها ثم أجابته بابتسامه واسعه :_". وأنا بعرف أسرحه عادي ،كده مش محرومين من حاجه "ضحك بخفه ثم توجه يفتح الشرفه حتى دخل من قبلها يهبط من الستار كي لا يراها أحد بشعرها دون حجاب ولكن لم يغطي الستار ناحية شرفته بل تركها تأتي لهم بنسمه هواء ، أشار لها بالمجئ ثم جلست هي على المقعد حتى أنه وقف يمسك دورق المياه وهو يسقي زرعها و ورودها القليله الرقيقه مثلها تزامناً مع قوله المهتم :_" لازم تاكلي عشان تاخدي الدوا علفكره "صدح صوت هاتفه بجيب ملابسه الرياضيه المريحه، حتى استقام يقف بعدما كان يستند ليسقي الزرع ، فتحه يجيب أخيراً بهدوءٍ :_« ماشي هاتيه أنا واقف !»قالها ومن ثم أغلق الهاتف تحت نظراتها المستغربه ، وضع الهاتف بجيب بنطاله ثم وقف يسقي الزرع من جديد بهدوءٍ حتى سألته هي متجاهله ما حدث :_" بتعرف تطبخ ؟"_" هو مش المفروض أنا اللي أقول كده بردو ولا الدنيا حالها إتشقلب !"قالها وهو يضحك بخفه موليها ظهره مع سقيه للزرع بالترتيب ، سمع هو صوت ضحكاتها فأجابها بهدوءٍ بعدها :_" أنا فاشل في حكاية الطبخ والمطبخ ، أنا أعمل لمون بالنعناع أه لكن أكل لأ ، الله يصلح حاله بسام هو اللي غاوي المطبخ وكان بيعمل الأكل لو دلال تعبانه أو نايمه ويجيبه لينا أنا ووسام ، ولحد دلوقتي بيدخل المطبخ ساعات يعمل سندوتشات ليا ولوسام لما تكون بتذاكر ، أنا مبعرفش أسرح ولا اطبخ مبعرفش أعمل حاجه من دول !" قالها ببسمه واسعه وكأنه فخر وهو يلتفت فوجدها تنظر له بسخريه مردده :_" أومال بتعرف تعمل ايه ؟"_" بعرف أحب !"قالها يغمزة عين فضحكت هي وهي تبادله غمزة عينيه ، ومن ثم سمع هو صوت فتح باب الشرفه الخاصه به حتى ظهر من أمام نظراته والده ووالدته وشقيقته وصديقه وشقيقه الذي لم يذهب للعمل !! ، إبتسم لهم وما أن رأي "بسام" شكلها وهي تجلس دون حجاب ، حرك نظراته سريعاً بخجلٍ ثم نظر لشقيقه قبل أن يدخل مجدداً وهو يسحب "شادي" معه كي لا يراها كذلك هو والٱخر ، إنشغل "غسان" بـ "والدته" والاخرين حتى أن "نيروز" نهضت ببطئ تتوجه لهم وهي تطمأنهم بحبٍ ، بينما قامت "دلال"برفع يديها بالصحن الموجود به الطعام الصحي ليأخذه "غسان" من بين يديها بامتنانٍ ، حتى هتفت "نيروز" بشكرٍ :_"شكراً يا طنط تعبتك معايا "_" انتِ بنتي يا حبيتي تعب إيه ، يلا أدخلي كلي ونامي وارتاحي كده وهجيلك بكره مادام بقيتي كويسه شويه، وكمان الوقت إتأخر "أومأت لها بالايجابٍ ثم انتبهت هي علي إشاره يد "حامد" لتقترب منه مع قوله الهادئ :_" ألف سلامه عليكي يا حبيبتي "قالها ومن ثم توجه يقبل قمة رأسه ويديه تتلمس خصلات شعرها بحنوٍ وعاطفه أبويه إلي أن فعلت "وسام" معها نفس ما فعله والدها ، إبتسمت لهم بإنتماء وقد شعرت بأنهم عائلتها والحب الصادق يظهر وبشده ضحكت بخفه عندما تحدث "غسان" يشير لهم بمرحٍ به ضجر زائف :_" كفايه بوس فـ مراتي بقا .يـ عِيِلَه ما بتصدق !"ضحكت والداته بينما قلب "حامد" نظراته باستفزازٍ حتى أنه أمسك يديها يقبلها وهو يريت علي كفها بعاطفه أبويه قائلاً له باستفزازٍ :_" أب وبنته ، انتَ مالك ..وعشان تحس أوي باللي بحس بيه !"ضحك وهو يحرك رأسه بخفه ثم أشار لهم بالوداع عندما رٱهم ينسحبوا ليخرجوا من الشرفه بعد أن ودعتها "وسام" بيديها ، التفتت يشير لها بأنظاره لتدخل من أمامه إلى الداخل ، لم تكن سوى دقائق ودخلت هي حتى سمعت صوت إغلاق الشرفه بيديه الخاليه من حمل شئ والأخرى بها الصحن ، توجهت لتجلس على المقعد حتى أنه وضع الصحن على الطاوله الصغيره من أمامهما وهو يجلس بجانبها ، لاحظ أن ذراعها الأيمن هو المُصاب ،فـ رفع الملعقه يطعمها بيديه ببطئ وهو يجلس يبتسم لها حتى نبس بعد لحظاتٍ يقول : _" عارفه إن حركتي كانت محكومه أوي لما دراعي الشمال إتكسر عشان بعمل حاجات كتير أوي بيه بكتب بيه وحتى ساعات باكل بيه بعد محاولات كتيره إني أكل باليمين بس عشان أنا أشول فخدت على كده من صغري بدعى ربنا يسامحني إني مش عارف أغير اللي بعمله وأعمله باليمين عشان يبقي فيه بركه .."إبتلعت "نيروز،" ما يوجد بفمها ثم تحدثت تجيبه بعقلانيه كما أنها تعلم بأنه يفعل أشياء كثيره باليد اليسرى:_" أنا قرأت قبل كده إن مش حرام طالما بتحاول تاكل باليمين ومعرفتش ، هو أه سنه اننا ناكل باليمين بس ربنا بيقول:"فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، والرسول بردو بيقول: "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم" ، يعني مادام مش عارفين وحاولنا يبقي مش حرام زي إني قرأت إنه مكروه، بس إن شاء الله ربنا هيسامحك طالما مش قادر تعمل غير ده !"أومأ لها وهو يتنفس بعمقٍ ثم شعر بأنها إكتفت حتى وضع الصحن على الطاوله ومن ثم رجع يرفع ذراعيه يمسح ما بجانب فمها تزامناً مع قوله لها :_" إن شاء الله ربنا يتقبل ، قومي بقا عشان تاخدي العلاج "نهضت ببطئ ثم سارت بخطى هادئه تتوجه ناحية الفراش وقبل أن تجلس عليه إلتفتت تنظر بالمرٱه على قلادتها القديمه والحديثه ، القلادتين الخاصه به هو. وحده بعنقها هي فقط ، ابتسمت بحبٍ فنظر هو لها وهو يخرج الدواء من علبته ثم قال بهيامٍ :_" يا بختهم !"نظرت له ضاحكه ، ومن ثم جلست تزامناً مع مد يديه لتأخد منه ما أخرجه بيديه ثم وضعته بفمها مع إنتشال الزجاجه منه كي تتجرع منها بتمهلٍ حتى يُبتلع الدواء ، إعتدل هو بعدما وضع ما بيديها على المقعد بجانب الفراش ثم إعتدلت لتستريح. جلس "غسان" بجانبها بأريحيه وهو يرفع الغطاء عليها ومن ثم هو ، حركت رأسها له باستنكارٍ بينما إبتسم لها بعبثٍ وهو يهز رأسه قائلاً :_" أمان يا رزه ، نامي يلا "نظرت له "نيروز" بخجلٍ ثم إعتدلت تتسطح ومن ثم هو بهدوءٍ حتى وضع وساده بجانب أسفل كتفها كي لا تتألم ، نظرت له وهي تتسطح بأريحيه ، يهبط أنظاره ببنما ما زال هو يجلس بأريحيه فقط ، لاحظ شرودها وهي تنظر لسقف الغرفه حتى أنها حركت أنظارها له من جديد قائله بتساؤل مع خوفها من الإجابه :_" هتعمل ايه؟ "تفهم إلا ما ترمي له بكيف سيفعل هو بـ "حسن " ، نظر لها "غسان" بصمتٍ ثم مد يديه يغلق الاضاءه الخافته من جانبه تزامناً مع قوله الغير هين بالنسبه له : _" إن شاء الله خير ، تصبحي علي خير ! "قالها ومن ثم فاجئها هو بالنهوض من جانبها ، مما يعني بأنه لم يبقى بجانبها. بل كان يعبث فقط ، نهض كما أنه يري في الظلام الأريكه الموضوعه أمام الفراش ، جلس عليها براحه ثم أسند ظهره بإنهاكٍ ، بينما ابتسمت هي على ما فعله ومن ثم لم تثق به بل تتأكد هي بأنه سيأتي إلى جانبها بعد وقت مادام هو غسان الذي يُعرف بعبثه ومكره !!_''و إنتَ من أهلى "قالتها بمرحٍ لتجيبه بعد لحظاتٍ حتى أنها لم ترى ضحكته الخافته في الظلام بل سمعت صوته الساخر من بين ضحكته :_" وانتِ اللي من أهلى ، معرفش مالك قالبه الٱيه النهارده كده ليه وعاكسه الأدوار !"قالها قاصداً سؤالها عن الطهي والٱخرى بقولها بأنه هو الذي يعد من أهلها وعلى إسمها وليست هي ! ، ضحكت بخفه وهي تعتدل ثم تنفست بعمقٍ كي تبدأ في النوم كما فعل هو ، يظن نفسه سيغفل بهذه السهوله في حين بأن عقله لم ولن يهدأ بالتفكير وبكيف سيرد هو الحق !! _____________________________________________وقف أمام باب الشقه بعدما تجول بالخارج بعد مواجهته مع شقيقه في الطريق ، حتى أنه جلس بمقهي ليلي يهدأ قليلاً من ألمه ومن ثم تجرع مشروب جعل عقله بمكان ٱخر ، حيث حركته لم تكن موزونه أبداً ، أخرج المفتاح وهو يحاول بأن يدخله بالباب من أمامه بينما أخذ هو وقت في فعل ذلك ، حتى فُتح الباب بواسطتها هي "فريده" ، فتحته بلهفه من تأخره بينما نظرت له من بعدها باستغراب من عدم توازن حركته ، أمسكت يديه سريعاً حتى أنه نفضها وهو يتحرك ببطئ للداخل متحدثاً بحديث يهمهم به وغير مفهوم ، أغلقت الباب وهي تنظر له يقف من خلفها يستند على أحد حوائط المنزل ثم رفع يديه يمسك رأسه بوجعٍ ، في حين أنها إستنكرت رؤيته كذلك ، تحركت تقف من أمامه ثم رفعت يديها تمسك وجهه بينها قائله بتساؤل ممزوج بلهفتها :_" مالك يا شريف ؟"رفع "شريف" يديه بضيقٍ ثم أنزل يديها بقوه من على وجهه، هز رأسه لها بنفى لا يتوافق مع إجابته لها ، كانت تهتز رأسه بطريقه مريبه ، اقتربت من وجهه ترى ما الذي يوجد عليه بعد الدماء الخافته أسفل أنفه حتى أنها تحسستها بخوفٍ ولكن قطع سؤالها سؤال ٱخر عندما وصلت رائحته إلى أنفها :_" إنتَ شارب ؟!"_" أه"قالها وهو يدفعها بعيداً عنه حتى رجعت خطوات إلى الخلف ببطئ ، بينما نظرت له بصمتٍ وصدمتها الداخليه تتحكم بها هي ، إقتربت مره أخرى من خوفها عليه وهي ترفع يديها تتفقد جرح أنفه الغير مرئي مع قولها دون تحسب لما سيفعله: _" طب خليني أشوف الـ فـ.."لم تكمل "فريده" حديثها بسبب دفعته القويه مع قوله الصارخ بها حتى صدمها رد فعله علي شئ لا يُقدر بفعل ذلك:_" إبــــعدي !!"دفعها بقوه حتى وقعت على الأرض من دفعته عندما رجعت إلى الخلف تأوت بألمٍ وهي تنظر له بصدمه بينما وجدته يقترب منها يمسك خصلات شعرها وهو يقف مردداً بنبره هامسه :_" متقــربيش مني تاني سامعه ؟.!"تأوت من مسكته ولكنها حاولت التماسك ثم هزت رأسها دون وعي منها حتى أنها ظنت بأنها ليست إلا أعراض من يشرب الخمر !! ، ترك خصلاتها ثم وقف ينظر عليها وهي تجلس أرضاً من أعلاها لأسفلها ، لاحظت هي نظراته التي تهاجم جسدها بقوه ، إعتدلت سريعاً ثم نهضت رغماً عنها ، حتى أنه لم يحرك نظراته من عليها إلى الٱن ، تعتقد أنها زوجته ولكن ليست بهذه الطريقه لم ولن تسمح ، تنهد يخرج أنفاسـه وهو يحاول التحكم بنفسه رغم عدم توازن عقله بشده كما في الطبيعه له ، توجه يقترب منها خطوه بينما رجعت هي إلي الخلف بخوفٍ حتى إصطدمت بحائط عريض وصدرها يعلو ويهبط من ما تفكر به ، هل تستحق هي ذلك ؟! ، من تخون نفسها وثقة أهلها تستحق بأن يُفعل بها ذلك ؟ ، من تترك الجميع من أجل علاقه محرمه ليس بها شئ ليرضي الله ،تستحق ؟، لفحت أنفاسه الساخنه وجهها وهو يقف من أمامها ، حثت نفسها على دفعه عنها كي تدخل أي غرفه وتغلق عليها من الداخل ، وإذ يديه كانت بالمرصاد عندما رفعها يضع رأسها ناحيته حتى أسند رأسه علي كتفها والٱخري رأسها على صدره ، ثم هتف بنبره ضائعه يطلب منها :_" نفسي حد يحضني ، إشمعنا أنا !! "بوادر تخاريف حقيقه ستظهر لها ؟! ، أم يرمي علي مسامعها لوم لها ؟ لما يلومها ؟ لما يخرج ضعفه أمامها ، مشاعره اتجاهها معدومه بشده لم و لن يتحرك قلبه لها ، لن تصبح علاقتهما صحيحه مادامت هي ابنة رجل ظالم كان ذو وجهين معه ، تذوق من كأس المر بسببه. !! ، رفعت يديها بتردد ثم ربتت على ظهره بمواساةٍ ، حتى شعرت هي بابتلال قميصها البيتي من الكتف ، يبدو أنها دموعه التي خرجت رغم صمودها أمام الجميع وإصرارها بعدم الهبوط..._" ليه الدنيا ممكن تيجي علي واحد زيي كان كل اللي عاوزه.. انه يعيش فـ بيت دافي هادي وسط أهله !"لا توجد طريقه لقولها سوي قولها بالوجع ، لم تفهم حديثه ولكن أنصتت بشده وهو داخل أحضانها يردف بتكملته لحديثه :_" أنا تعبــت ، تعـبت من زمان أوي ولسه ..لحد الوقتي تعبـان !! "الندم!! لا يوجد لديه سواه عندما يخرج من حالته هذه ، خرج من أحضانها بهدوءٍ ثم إلتفت يتركها واقفه وهو يتوجه بإتجاه غرفه معينه كالمختل عقلياً ..!! سيره وتركه لها لا يتوافق مع حديثه ، لا يعلم هو ماذا يفعل من الأساس ! ، وقفت تخرج أنفاسها بحزنٍ وجهل لما أردفه و لم يذهب عقلها سوى لعدة نقاط ظهرت لها ، بأنه قد كان يعاني بحياته ، أم أن حياته ليست هينه ، لا يُعرف له وجه وطباع وقصه معينه ،. لم تنظر سوى بشتاتٍ على ما رأته وصل هو له ، أما المؤكد بأن حياته كانت قاسيه حتى أنه لام ما فعلته به الحياه بـ واحد وثلاثون كلمه فقط ، طريقته في إرداف كلماته لم توحي سوى بصعوبه ما رٱه ، وياليت الحديث يجدي بشئ ، يا ليت الحياه ترحم من بها ، ياليت عدل الدنيا ينقسم على كل منا بالتراضي ، أهات الوجع من الحياه وما يحدث لنا منها ، هي التي لم تكن عادله يوماً ما ، بل وظلمها يحول من بها من طفل برئ إلى وحشٍ هائج يبحث عن فريسه ، يبحث عن حقه متسائلاّ للحياه ومن بها : لما الحياه وأنا بلا حياه ؟! ، لِما لم يكن عدل بينما كنت أنا تائه لا أعرف بماذا تعني الكلمه؟! ، لِما الوجع وأنا صاحب الفؤاد المُنهك ؟!ثم يعود بعد كم التساؤلات يسأل نفسه بخيبه كبرى ، يسأل الحياه ويسأل الغربه التي تؤلمه بها :" بأي ذنبٍ أُصبح الغريب التائه بينما كنت أنا القريب الثابت !" ، "بأي ذنبٍ أتجرع من كأس المُر ؟!" بل ويتساءل بعدها من رأى معاناته : " بأي ذنبٍ قَست عليه الحياه فجعلته أشد قسوةً منها ؟! "
رواية عودة الوصال الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة ناصر
_" ومين نقطة ضعفك غيري عشان تجمعني معاهم فجمله واحده يابن البدري !"
سحب يديها ليجلسها علي المقعد بينما جلس هو على طرف الفراش تزامناً مع رده الواثق :
_" وسام منكوشه وبحبها برده خدي بالك .."
إبتسمت له باتساعٍ في حين أكمل هو يواصل بعقلانيه :
_" وعشان تكوني عارفه عمر ما كان الشكل الحلو هو كل حاجه ، يعني لما تكوني متسرحه هحبك ولو منكوشه مش هحبك ؟! ، زي ما بردو لو حد بيحاول يجمل ملامحه عشان شايف إنها مش حلوه ومش ملفته ، الشكل ممكن يكون ملفت بس عُمر الحب ما يبقي بالشكل أبداً ، كل واحد ليه اللي يحب شكله ويعشق تفاصيله من غير مجهود، كُلنا جمال وكل واحد ليه جماله الخاص!"
أنهى "غسان" حديثه وهو يطالعها بينما رفعت هي شفتيها يإستنكارٍ ثم قلبت عينيها بغيظٍ تجيبه إجابه قاتله رغم حديثه المنطقي :
_" وايه كمان يا بتاع الرقصات!! ، شوف مين اللي بيتكلم !"
قالتها "نيروز" وهي تلوي شفتيها بسخريه في حين خرجت ضحكاته العاليه بغير تصديق مما فعلته هي من ردة فعل ، إعتدل أخيراً بجلسته ثم أجابها بمراوغه :
_" عالأقل بيرقصوا غيرهم بيعقب!"
قالها وهو يلمح لها علي قولها ثم غمز لها بوقاحه ، فوجدها تنظر له بثباتٍ ثم حركت رأسها بغير إهتمام ، فحاصرها "غسان" مجدداً بقوله وهو يضع كفه بهدوء علي كفه الأخر ثم اعتدل بانتظارٍ قائلاً لها بخبثٍ غلفه عبثه:
_" طب أنا قاعد أهو ،. قومي وريني عشان مبصش برا يلا "
كبتت ضحكاتها ثم رفعت يديها بتأديب تشير له بإصعبها قائله بلهجه أمره:
_" بطل قلة أدب وإحترم نفسك لو سمحت!"
تأدبه مع خروج ضحكاتها بطريقه لا تتوافق مع حديثها ، ضحك بخفه ومن ثم نهض يقف أمامها وهو يمد يديه مع انحناء جسده ليجلب علبة الدواء من الكيس ثم إنتشل من جاء موعدها حتى أخرجها وهو يمد يديه يعطيها لها ، أخذتها منه ببسمتها التي عادت حانيه ثم مدت يديها تمسك زجاجة المياه تنجرع منها تزامناً مع قوله المُفسر :
_" البرشامه دي قبل الأكل، وفي واحده تانيه صفرا زي عمك ومراته وعياله بتتاخد بعد الأكل "
قهقهت بقوه على حديثه بينما ابتسم على ضحكتها حتى واصل يكمل بتوضيحٍ :
_"وأنا هروح أغير هدومي وعندي كام مشوار كده هروحهم وهرجعلك تاني ، فـ أنا همشي وهبعتلك حامد بعد شويه يقعد معاكي عشان لو حصل حاجه يكون مكاني ، مش هتأخر !!"
قال حديثه بهدوءٍ رغم رؤيته الإستغراب الذى كسى ملامح وجهها من فكرة تركه لها في حين كانت تعلم هي بأنه لم يتحرك على الأقل إلا بعد ساعات عندما يجتمع الجميع حولها ، وقبل أن تسأله حاول تشتيتها بأفعاله ثم رفع يديه يمررها على خصلاتها و رفع الأخرى يضعها على ظهرها من الخلف وهو يضمها إليه بهدوءٍ هاسماً بجانب أذنها بتبريرٍ :
_" عمر ما رقاصه تملى عيني ، محدش يملي عيني غيرك انتَ يا عقباوي !"
شعر بإهتزاز جسدها أثر ضحكاتها ثم مدت يديها تلكمه بخفه بصدره كعادتها بعفويه ثم رددت بغمزة عين :
_" ثبتني يا بن البدري!"
_"دا ابن البدري كان فاكر إن كل حاجه بتسطل العقل حرام ، لحد ما جت ضحكتك دي وسطلتني بالحلال واللهِ .."
قالها "غسان " بضحكٍ وهو ينظر بسعادة على ضحكتها الذى يفضل هو النظر إليها ، توجه بوجهه يقبل وجنتيها بمرحٍ بينما فصلته عن اللحظه دقة باب الغرفه ، نفخ بمللٍ ثم نظر لها قائلاً بسخريه :
_" بيت هادي محدش صاحي فيه بقاله يجي عشر ساعات ولما اجي أبوس يقطعوا الأرزاق ، أما نشوف مين اللي وقع من حامد ده وناسيه هنا ..."
قالها بسخريه وهو يتذكر ما يفعله والده به ، كبتت ضحكتها بينما توجه هو يفتح باب الغرفه فوجدها من أمامه تطالعه بصمتٍ متمعن حتى إبتسم هو بسخريه مردداً :
_" تيجي منك بردو مش بعيده !"
نظرت له "ياسمين" باستنكارٍ دون فهم ما يردفه هو ، فتحت الباب هي أكثر ثم تخطته حتى توجهت تقف أمام شقيقتها وهي تضع يديها على ذراعها بحذرٍ ناظره لها بلهفه ، طمأنتها "نيروز". بينما سمعت هي صوته وهو يقول :
_" أنا همشي أنا بقا .."
_", لأ إستنى !"
قالتها "نيروز" ومن ثم سحبت يد"ياسمين" لتقف أمامه ، حتى وزع هو أنظاره بتساؤل ، فابتسمت هي بهدوءٍ ثم حاولت بأن تجعل الوضع بينهما ألطف كما كان :
_" أنا عاوزه معرفتكم ببعض تكون هاديه ولطيفه زي ما كانت ، ممكن أفهم يعني.. إيه اللي بيحصل !"
وقف "غسان" يتابع وهو صامت بينما إبتسمت لها "ياسمين" بحنوٍ ثم قالت بتوضيحٍ :
_" أنا مش عندي مشكله خالص ، بالعكس هو ممكن الوقت اللي كنا فيه خلى كل واحد خلقه ضيق ومش طايق بجاحة ولا قلة أدب التاني فـ أنا كنت عذراه بجد ومش عندي مشكله من نحيته "
قالتها مع وصفها له بجرأه ، ضحكت "نيروز" عندما رأته ينظر لها بدهشه مشيراً. على نفسه وهو يقول باستنكارٍ :
_" مين ده اللي بجح وقليل الأدب ، أنا ؟!"
هزت رأسها وهي تضحك بينما سمع صوت ضحكات "نيروز" ، فتنهد هو يأخذ أنفاسه يجيبها بتفهمٍ :
_" أنا مش زعلان ، أنا عارف هي عندك إيه ودي حاجه متزعلنيش ، ده غير إن انتِ زي أختى وعموماً الله يكون فعون حازم !"
صمت ثم ينظر على ملامحها التي تبدلت لنفس دهشته ، حتى علمت بأنه يردها لها ، إقترب خطوه واحده ثم مال بوجهه يقبل "نيروز " من وجنتيها بتبجحٍ أمام شقيقتها ومن ثم التفت بعد قوله لها :
_" سلام يا رزه !"
قالها وهو يتوجه ليخرج من الغرفه تاركاً بابها مفتوح ، تحت نظرات الخجل من "نيروز" والأخرى التي ضحكت بقلة حيله وهي تحرك رأسها تنظر إلى شقيقتها مردده :
_" صحيح والله اللي تفتكره موسى يطلع فرعون!"
صمتت تنظر على ضحكة شقيقتها الواسعه وهي تسألها بإهتمامٍ :
_" ماما صحت ؟"
_" محدش صحى غيري أنا وورده ، هي بتعمل الفطار فالمطبخ على ما يصحوا ، أنا كنت جاية أشوفك وأطلع لك لبس كويس عشان تطلعي تقعدي فالصاله على ما الفطار يجهز !"
أماءت لها "نيروز" بابتسامه حانيه ثم جلست على المقعد من جديد وهي تنظر على الأخرى التي توجهت ناحية خزانتها تجلب لها ملابس مناسبه للجلوس بالخارج ومتناقسه غير التي ترتديها من عدم تناسق بسبب ما حدث أمس..
___________________________________________
_" إستنـي على ما أطلع المفتاح !"
خرجت الكلمات من "سليم" بعدما خرج من المصعد وهو يسند يد "زينات" الذي ذهب بها مبكراً إلى المستشفي ، كان كف يديها ملتف بشاشٍ، كما أنه وُضع على وجهها بجانب حاجببها لاصق طبي صغير مع بعض الخدوش البسيطـه على وجنتيها ، نظرت له بغيظٍ من طريقته حتى أنها تغضب من ما فُغل أمس بها وهو يقف غير مبالياً بها وحتى لم يعنف إبنته التي فعلت بها ذلك هي والأخرى ، وبل تركها حتى الصباح ليذهب بها إلى المستشفى حتى عادا الإثنان بهذا الوقت ، أما عن "سليم" فكانت يديه مرتجفه بطريقه غير ملحوظه فمثل هذا الوقت يجب أن يغلق الباب عليهما وهما بالداخل تحسباً لذلك الأهوج ، ماذا ان رٱهم ، وكأن أمنيته التي لا يريدها قد حدثت الٱن ،. سمع صوت إغلاق باب شقة "سميه" من خلفه حتى أمسك بالمفتاح بيديه ولم يلتفت برأسه ، أما "زينات" فطالعت ذلك الذي توجه لهم بخطواتٍ هادئه ثابته بغيطٍ، شعر "سليم" بيد أحدهم توكزه بخفه من كتفه بالخلف مع سماعه صوته الهادئ وهو يقول :
_" لفلي يا متر !"
ثلاث كلماتٍ قالهم "غسان" بهدوء شديد بل ومن الغريب بأنه تماسك من الإنفعال حتى ظهر ببرودة ما يفعله ، إلتفت له "سليم" ، بينما نظرت له "زينات" بإشمئزازٍ وهي تردد له :
_" إنتَ عاوز إيـه ؟ إحنا مش خلصنا !"
تبدلت ملامح "غسان" للجمود ثم نظر لها بحده كما كانت حدة رده عليها :
_" إبنك فـيـن !!
نظرت له "زينات" بسماجة ولم تجيبه، بينما سمع هو صوت "سليم" الذي أعلن بجهلهما عن السؤال:
"منعرفش فين من ساعة ما مشى إمبارح، منعرفلوش مكان!"
ابتسم "غسان" بسخرية عليه، بينما وزع نظراته على وجه الأخرى ويديها بشماتة، حتى هتف لها مجددًا يسألها هي وكأنه لم يسمع الإجابة:
"ابنك فين!"
هزت رأسها باستنكار، ثم رفعت شفتيها قائلة بنفاذ صبر له:
"ما قولنالك منعرفش، إيه مبتسمعش!"
"لمؤاخذة يا متر!"
قالها "غسان" بهدوء وخفوت، ومن ثم رفع يديه يضعها على رقبتها وهو يضغط عليها بحدة، أما الآخر فوقف ينظر بدهشة، لم تحركه، بل هي من تحركت، حتى أنها لم تستطع الحديث والرد عليه عندما هتف هو لها مجددًا بوعيد:
"أنا ممكن أموتك فإيدي عادي، يعني تخلصي وتخلصيني وتقوليلي ابنك الناقص فين عشان متزعلوش مني، إنتوا لسه مشوفتوش زعل لحد وقتي!"
قالها بإنفعال، فمد "سليم" يديه سريعًا يفصل يديه عن عنقها وهو يردد هو الآخر بإنفعال:
"إبعد عنها، إنت مجنون!"
قالها وهو يعنفه، فمد "غسان" يديه يدفعه عنه حتى اصطدمت رأس "سليم" بباب المنزل من خلفه، تأوهت هي مع سعل الآخر بشدة وهي تحاول أخذ أنفاسها، توجه "غسان" من بعدها يقترب منه حتى هبط برأسه يهمس بجانب أذنه بسخرية:
"كانوا بيقولونا الراجل اللي تمشيه كلمة واحدة ست ميبقاش راجل، يبقي خروف، ده لو الست اللي ممشياه ميتقالش عليها ست أصلا، يا.. خروف!"
اعتلت أنفاس "سليم" بقوة، في حين أنه اندفع بقوله وهو يتحدث أمام وجه الآخر:
"أنا ممكن أوديك فداهية على كل اللي بتعمله ده!"
حرك "غسان" رأسه بسخرية، ثم أشار لـ "زينات" التي وضعت يديها على عنقها بألم، فهتف هو بتهكم:
"جوزك فاكر نفسه حاجة وهو أصلا ولا حاجة."
صمت، ثم حرك عينيه على "سليم" حتى أكمل بقوله الحاد المغلف بالتهديد الصريح:
"تودي مين فداهية يا متر! أنا اللي فإيدي أوديك فستين داهية مش داهية واحدة، خد عندك.. اعتداء بالضرب على مراتي إنت ومراتك، لأ والمرة الأولى إنت اللي اقتحمت بيتها وغصبتها على حاجة مش عاوزاها وهي كانت بترفض بمنتهي الهدوء وبتدافع عن نفسها، وانت مش وصي، مفيش وصي خروف! والتانية بردو تعتبر شروع فقتل والسكينة اللي جت فكتف مراتي لأ، واللي كانت هتيجي فيا، يعني دي لوحدها حاجة تانية وهو خارج بالسكينة من بيتك وقدام عينيك، الجرح موجود ومتخيط، وضرب مراتك لسه معلم عليها والشهود موجودين، تحب نبدأ منين؟ ومش هقف ضدك لما تقول أنا خطفت بنتك، لأ خطفتها بس هاتلهم دليلك يلا!"
تبدلت ملامح "سليم" للتهجم، في حين نظرت "زينات" بتردد لما قاله عنها هي وحدها، وبالأخص هي الأخرى يظهر عليها علامات اعتداء، وإن حدث ما قاله سيسمى دفاع عن النفس، في حين بأنه يوجد فرق بين واقعه والأخرى، رتب لها جيدًا، إذن! لم يمنع "سليم" رده المندفع من تبجحه الذي ازداد عليه، بل أجابه بإندفاع وهو يتحلى بالجرأة الزائفة:
"ميفرقش معايا!"
"ولا أنا فارق معايا غير نيروز واللي هيقرب منها بكلمة واحدة بس يقول على نفسه بعد كده يا رحمان يا رحيم، وده ميمنعش إني رجعت فكلامي، حقي هاخده بس مش بقضايا وكلام فاضي بإيدي.. سامع؟.. بإيدي يا متر!"
قال كلماته بشرر، ثم توجه ينظر للأخرى ليسألها للمرة الثالثة:
"آخر مرة هقولها ولو ملقيتش إجابة إقسم بربي ما إنت خارجة من تحت إيدي سليمة، ابنك فين!"
كل الحوار منذ أن خرج لم يخرج له صوت إلا آخر كلمتين أردفهما هو بصراخ شديد جعلها تنتفض، بل وجعل الشقق تفتح!
"عـ عـند آدم..!"
ابتسم بإنتصار، ثم هز رأسه بنظرة عينيه الشاردة تزامنا مع قوله وتأكيد ما كان يفكر هو به:
"زي ما توقعت، النجسين بيتلموا مع بعض فعلا!!"
قالها بوقاحة، ثم سمع هو صوت فتح باب الشقة بواسطة يد "سليم"، ثم سحب زوجته بيديه حتى أغلق الباب بسرعة بوجههم جميعًا، ولم يخرج سوى "بدر" و"حازم" دون علم الآخرين، حتى أنهما خرجا وسط انشغالهم، ومن الشقة الأخرى خرج والده وصديقه اللذان كانا يجلسان بصالة المنزل!
التفت "غسان" يعدل من هيئته، ثم ابتسم لهم وكأن شيئًا لم يحدث، حتى رفع يديه قائلاً لهم:
"كله تمام يا رجالة، كله يرجع زي ما كان، مفيش حاجة!"
قالها بغرابة، ومن ثم أشار لابن عمه والآخر بالوداع وهو يدخل شقته، حتى دخل ومن خلفه صديقه، بينما لم يتفهم سوى "بدر" ما الذي يفكر به الآخر، حتى أنه أشار لعمه بالاستئذان ومن ثم حث "حازم" على الدخول مجددًا، حتى أغلقت الشقتين معًا..
بعد مرور وقت قليل، جلس على المقعد في الحديقة الخاصة بالمستشفى ينظر من أمامه وفقط بشرود، حتى أن جرح ما بجانب فمه هو الآخر قد تم وضع لاصق طبي عليه، تنهد "عز" يخرج أنفاسه، بينما تذكر هو ما علمه من حالة والدته، حتى أنها وضعت تحت جهاز خاص بالتنفس لفترة بسيطة، مما يعني أنها ستصبح على ما يرام، وإلى الآن يستمر حالها كذلك، بينما جلست بجانبه "فرح" وهي تنظر من أمامها على لون الزرع الأخضر الموضوع بجانب بعضه بانتظام، وأيضًا طاقم الممرضات في كل مكان، التفتت برأسها له تنظر له بصمت، فهو لم يتحدث إلى الآن، حتى أنها علمت فقط بأن ما حدث بوجهه من شقيقها، لكن لم يطل معها هو بالحديث، خرجت أنفاسها المسموعة ثم تحدثت تقتل ترددها:
"متسرحش كتير يا عز، عالأقل إتكلم، إتكلم معايا متسكتش كده!"
التفت ينظر لها بملامح وجهه الخالية من التعابير، فقط أومأ لها برأسه، بينما حاولت فتح الحديث معه مرة أخرى وهي تتساءل:
"طب قولي مروحتش الشغل ليه النهارده؟"
"برتاح شوية، قومي يلا عشان تطلعي ترتاحي وعشان الجلسة!"
قالها بهدوء، بينما ابتسمت له "فرح" وهي تهز رأسها قائلة لتوضح له ما لم ينتبه هو له:
"معادها جه وخدتها وخلصتها من بدري ونزلت أقعد عشان طلب مني كده، متشغلش بالك انت، المهم قوم وشوف نفسك انت، تقريبًا مأكلتش حاجة من إمبارح!!"
ابتسم لها بحب، ثم أشار لها تعبيرًا عن أنه لا يوجد مشكلة، شعر بإهتزاز هاتفه بجيبه، فمال يخرجه ببطء ومن ثم نظر على شاشته وهو يزفر بملل، ثم وضعه بجيب بنطاله من جديد تحت أنظارها المتمعنة، بينما تساءلت هي بفضول:
"مين ومبتردش ليه؟"
"مرات خالك هتلاقيها بتطمن بس مش قادر أخش معاها فجدال عشان هتقولي هاجي وأنا أقولها متجيش، هبقى أرد عليها بعدين وخلاص!"
ما أن انتهى أومأت له بتفهم، وهي تنظر له بحنو، بينما دق هاتفه مرة أخرى، أخرجه ينظر بنفاذ صبر حتى تهجمت ملامحه وهو يحرك رأسه بتعب، أخذ نفسًا عميقًا وهو يقلل صوته تزامنا مع نهوضه بجانبها وهو يتحدث على عجالة:
"شكلها مفيهاش راحة، ده تليفون شغل ومحدش هيسيبني ألا مأروحلهم الورشة، خلي بالك من نفسك وأنا كده كده هاجي بدري إن شاء الله.. سلام!"
أومأت له وهي تنظر له عندما ذهب وصوته عندما أجاب على الهاتف كان على بعد منها، نظرتها بأثره كانت شفقة وفخر بآن واحد، حتى أنها لم تراه يومًا يأخذ راحة له ولجسده، كما لم يأخذ راحة لنفسيته وضغطه الذي يعايشه مع واقعه وكأنه أمر طبيعي، لم يعاني منه بكثرة مثلما عانى الآن بسبب ظهور شقيقه من جديد، مما يبدو بأنها شردت لوقت، في كل مرة تتذكره لشقيقها هذا والآخر، بل وعندما تذكرت مأساة قد حدثت وبها شقيقتها نزلت منها دمعتها على الفور! في ذلك الوقت حتى ما حدث أمس كافيًا لجعلها بمزاج ليس جيد! وعندما يضيق بنا أي ركن لم نستطع سوى البكاء، ماذا عن دمعتين الآن لا مانع إذن!
رفعت يديها تمسح وجهها عندما وجدته يأتي لها من على بعد.
مسحت آثار الدموع من على وجنتيها سريعا، ثم اعتدلت حتى رأته يقف من أمامها مبتسما بهدوء وهو يرحب بها.
"إيه الأخبار؟"
ابتسمت له بتكلفه وهي تومأ له بالإيجاب تزامنا مع قولها.
"الحمد لله كويسه!"
نظر لها "بسام" وهو يبتسم بهدوء، بينما أراد هو فتح الموضوع معها الذي علمه فور قدومه في الصباح.
تنهد يأخذ أنفاسه ثم أخرج يديه من جيب البالطو الأبيض مع قوله لها يستأذنها.
"ممكن أقعد؟"
ابتسمت له "فرح" بترحيب لما قاله ثم أشارت له بلباقه فجلس هو مع احتفاظ مسافه بينهما حتى نبس بنبره متساءله.
"عز أخباره ايه؟"
"كويس الحمد لله.."
نظر لها بتمعن ثم تنفس ببطء وهو يعتدل ثم تنحنح بحنجرته قائلا لها بهدوء.
"مادام هو مش هنا فـ أنا هقولك علي اللي مفروض يتقال وتبقي تقوليله الموضوع بعد كده براحه وأنا مش هفتحه معاه عشان ميتحرجش مني!"
انتبهت لما يقول ثم التفتت برأسها تسمع بقية حديثه عندما بدأ هو يقول.
"الكاميرات صورت عز وهو بيتخانق قدام المستشفى والموضوع اتعرف وإدارة المستشفى كانت هتبعت تجيب عز واللي كان معاه لأن الكلام ده ليه عقوبة وعلي حسب الكلام انه بيأذي من صورة المستشفي لأن المكان اللي كانو بيتخانقو فيه تبع المستشفي فيعتبر الخناق كان جواها وليها عقوبة كغرامه وغيره.. ولحسن الحظ كان في كام دكتور معايا وحاولت أهدي الموضوع شويه قبل ما يبعتوله!!"
صمت يتابع ملامح وجهها المتوترة بل وظهر في عينيها الخوف على شقيقها.
رفعت أنظارها تطالع وجهه حتى نظرت لعينيه بأسف وهي تقول.
"أنا بجد أسفه يا دكتور بسام، عز مش كده خالص بس حصل سوء تفاهم وكان صعب علينا حتى كان قبلها رجعت حالة ماما تسوء من نحية التنفس زي ما كانت أول مره وحضرتك مكنتش موجود."
نظر لها بأمان كي لا تري بحديثه التهديد وعلى العكس كان هو يطمئنها فقط مع إرادته لإرسال رساله له هو.
ابتسم بهدوء ثم هز رأسه مرددا بنبره هادئه.
"أنا فاهم ومقدر بس عاوز أقولك خلي عز يتحكم بأعصابه وميعملش كده تاني حتى لو مش فمكان زي ده، وعلى حسب اللي شوفته إنه كان أخوكم اللي كان بردو بيتخانق معاه هنا بس محدش شافه غيري فـ إن شاء الله الأمور تتظبط وحاولوا تقعدوا مع بعض وتلاقوا حل لعله خير!"
نظرت له "فرح" بخيبه ثم حركت أنظارها توزعها على المكان من حولها وكأن الحديث قد فاض وسيخرج لمن يوجد أمامها الٱن.
أجابته بعجز وتشتت على حديثه.
"للأسف مينفعش أو معتش ينفع، مشكلة شريف إنه عاوز ماما تموت زي ما مامته ماتت، أنا حاسه بيه وهو عاوز يقرب منا بس مش عارف حتى أنا.. فكرة إنه بيشوفني مع عز واخته اللي كانت معاه ماتت وسابته بأبشع الطرق اللي ممكن تتوصف هو.."
صمتت عندما شعرت بضعف نبرتها بينما دُهش هو من حديثها دون مقدمات ورغم ذلك تظاهر بالإستماع مع تعاطفه الذي يحاول بأن لا يظهره.
بل وذهب عقله لما فعله شقيقه معه منذ أن وعى على الحياه.
تناقض بين ما يقارنه ولكن فكرة خوف شقيقه عليه تجعله غير مصدقا لما يحدث ولما يقول! من اعتاد الطمأنينه؟
انتبه بكامل حواسه بإهتمام ظهر على وجهه بشده عندما واصلت هي تكمل منذ أن توقفت عند آخر كلمة أردفتها هي.
"هو.. عاش معاناه بس المعاناه مخلتوش يبقي شخص مسالم وعاوز يعيش بمنتهي الهدوء، بالعكس دي خلته عاوز كل ما يشوف عيله متقربه من بعضها يروح يفكها عن بعضها، خليته شخص معمي عاوز ينتقم من حاجه حصلت بإرادة ربنا، حتى انتقامه من نحية ماما كان بالكلام اللي بيأخرها فكل مره كانت هي بتتقدم فيها، بخاف منه وخوفي منه عمره ما هيغلب وجع قلبي علي اللي حصل عنده واللي حصل لأختي اللي لحد الٱن محدش عارف هي اتظلمت كده ازاي وليه في حين إننا مصدقينها من غير ما نعرف تفاصيل، يمكن التفاصيل هو عارفها ووجعاه بس تعامله غلط وبيوجعنا حتى بيوجعه هو كمان!"
ما أن إنتهت هبطت منها دمعه وحيده عبرت عن ما تكتمه بداخلها بل ويعود بقوة بعد ظهور شقيقها ومما يحدث لشقيقها هي الأخرى! إذن يفتح لهم باب الوجع من جديد في حين أنهما كانا بهدوء رغم ما بداخلهم! لما يخرج ما بداخلهم الٱن! بسبب أب لا يتحسب لما يفعله؟ أم أم لا تفعل حساب لنتيجة قرارها واختيارها؟ قبلت الزواج على زوجته الأولى بل وبقى هو الأمر سرا في البداية حتى أن أطفاله من الأولى كانوا صغارا! تضغط عليه أكثر وهو أكثر ما به ضغط الٱن وقبل الٱن!
ابتلع "بسام" ريقه ثم أخرج من جيب البالطو منشفه ورقية حتى مد يديه لها بها ثم قال بنبره هادئه يواسيها.
"متعيطيش، امسكي!"
أخذتها منه ببطئ ثم رفعتها على وجنتيها تمسح بها بينما سمعت صوته الهادئ العقلاني بقولها.
"سمعت الشيخ الشعراوي بيقول: لو حصلك حاجه أو مصيبة وأيا كان، متبصش للي حصلك واللي راح منك، بالعكس نبص للي لسه باقيلنا هنلاقي اللي باقي أكتر يمكن مصيبتنا أهون من مصيبة غيرنا، وقال ساعة ما يجيلنا حاجه تتعبنا منقولش ده ضرر، لا..نشوف الموضوع من جهه تانيه ونقول ربنا عمل كده ليه، ابتلاء، عاوز يشوف صبرنا على الإمتحان ده، نستصحب أمانة الإيمان الأولى، منخدش ساعة نؤمن باللي حصل وساعة نقول ليه، وهنعمل ايه."
حديثه المطمئن العقلاني وصل لها بشدة، حتى أن مواساته في كل مرة تأتي بنصيحة لها وإفادة وليست مجرد مواساة بحديث سيزول أثره. ابتسمت له بامتنان وهي تحاول أخذ أنفاسها براحة بينما سمعته هو يتحدث من جديد يسألها:
"عارفه تقولى إيـه؟"
نظرت له وهي تستجوبه بهزة رأسها وعينيها، بينما تابع هو مباشرة يهتف بنبرة عميقة:
"وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد."
"ونعمه بالله."
قالتها برضا، فابتسم هو يخفف عنها عندما قال بلطف متذكراً شيئاً ما:
"لما كانت الدنيا بتضيق بيا وأنا صغير شويه كان حد عزيز عليا يقولي 'ده اللي ليه أب ميحملش هم ما بالك بقا اللي ليه رب!'"
قالها "بسام" متذكراً والده، حيث لم يذكره هو كي لا يجرح مشاعرها كون والدها متوفي. ابتسمت له بامتنان ثم هتفت تؤيد:
"معاك حق فعلا، الحمد لله!"
قالتها بإبتسامة واسعة، بينما رد لها الإبتسامة وهو ينظر لها بإطمئنان، حتى شعر بأنه محاصر من نظرة عينيها الممتنة له. تنحنح بحنجرته ثم نهض يهرب من ما يشعر به، حتى رأى هو من يشير له من على بعد. هز رأسه لها بأذن ثم قال:
"طب عن إذنك، محتاجه حاجه؟"
"شكرا، مش عارفه أقولك إيه بس كلامك بجد خفف عني شويه!"
إبتسامة ولكنها كانت باتساع، حتى هز رأسه لها فقط ولم يبرر هو بل رحل من أمامها كي لا يقع في بحر نظراتها كما إستشعر. ابتسمت بأثره وهي تأخذ أنفاسها بل وتشرد بحديثه، كل مرة يصبح هو منقذها في الحديث.
***
"يخرب عقلك، حوت واللي يزعلك يموت!"
كلمات خرجت من "شادي" الجالس على المقعد بغرفة "غسان" الذي وقف يمرر المشط على خصلاته وهو يرجعها إلى الخلف. لم يعطي لحديث الآخر اهتمام، بل مد يديه سريعاً بعدما تجهز من إرتدائه لملابسه، ثم وضع المفاتيح بجيبه كما أمسك الهاتف يضعه بجيبه على عجالة وهو يشير له تزامناً مع سيره ليخرج من الغرفة:
"إخلص يلا!"
قالها "غسان" لـ "شادي" الذي نهض هو الآخر وقبل أن يخرج وقف ينظر على مظهره بالمرآة برضا، ومن ثم توجه ليخرج خارج الغرفة، حتى وجده يقف مع والدته ووالده بالصالة. نظر "غسان" إلي والده ثم ابتسم له بهدوء، يوضح له مرة أخرى:
"خليك قاعد معاها يا حامد وخلي بالك منها لو عمها جه فأي لحظة هو والتعبانة اللي معاه دي، وعندها دوا كده فـ كيس فكرها تاخده بعد الأكل هي عارفة هو نهوه بس فكرها، وأنا مش هتأخر هاجي بسرعه إن شاء الله."
ورغم طبيعة ما يردفه بأن يكون لوالدته وليس لوالده، إلا أنه يعلم مدى اهتمام والده بشدة في التفاصيل حيث استشف مدى راحة الأخرى مع والده هو. وبالفعل استشعرت به حنان والدها الراحل. حتى أن "غسان" لم يغفل من ما تفكر به والدته تجاه "نيروز". أومأ له "حامد" بهدوء، ثم سأله بإهتمام:
"طب وانت رايح فين مقولتليش يعني؟"
نظر له كما نظر لـ "والدته" التي طالعته بتساؤل هي الأخرى. أما هو فلم يجيب إلا أن نظر لـ "شادي" الذي هتف سريعاً من قبله ببراعة في الإقناع قبل أن يجيب الآخر:
"رايح معايا الشغل عشان نشوف الأجازة هتقعد قد ايه، وكمان لنيروز عشان جرح دراعها ده شكله هيطول وكده!"
نظرت له والدته بتشكك بينما هز "حامد" رأسه بهدوء قائلاً لهما:
"طب متتأخروش عشان لو في حاجة!"
"متقلقش بس خلي بالك منها زي ما قولتلك.."
قال "غسان" حديثه ومن ثم تركه وهو يتوجه ناحية باب الشقة حتى اعتلت ضحكاته عندما سمع قول والده:
"فـ عيني يا نحنوح قبل ما تبقي فـ قلبك."
أغلق الباب مع سماعه لصوت ضحكات والدته من الداخل، حتى توجه إلى المصعد ومعه "شادي" الذي أمسك هاتفه ليري الوقت. بينما في الداخل تجهز "حامد" حتى يذهب إلى الشقة الأخرى مع زوجته، حيث كانت "وسام" بدرسها في الخارج!
***
في شقة "عايده" جلس "حازم" بغرفة "جميله" بعدما أتى من الخارج، والتي لم تذهب لجامعتها اليوم بسبب إرهاقها وإنهاكها مما حدث أمس. دخلت "عايده" وهي تمسك بكوبين على صينية صغيرة. ابتسما لها بإمتنان، فجلست "عايده" على الفراش من أمامهما، بينما انتشل كل منهما الكوب تزامناً مع حديث "حازم" لها وهو يبتسم بهدوء:
"تسلم إيدك يا حبيبتي."
ابتسمت "عايده" له باتساع، أما هو فوزع أنظاره عليهما والمترقبة منهما حتى أنه لم يفتح معهم ذلك الموضوع الذي قاله. تنهد يأخذ أنفاسه ثم هتف بنبرة هادئة لهما:
"عايز أفتح معاكم موضوع وأشوف رأيكم فيه وبالذات جميله."
"قول يا حبيبي سامعينك!"
أردفتها "عايده" بنبرة لينة، بينما أومأ له رأسه وهو يركز نظراته على شقيقته الصامته بإنتظار، فابتسم هو يتحدث من جديد بوضوح:
"عز الشرقاوي طالب مني إيد جميله!"
ابتسمت "عايده" بسعادة حتى أن قول ابنتها بما قاله الآخر قد تحقق ولم يتحدث "عز" عبث إذن. نظرت له ببهجة ثم رددت بغير تصديق:
"صحيح يا حازم، جالك وقالك كده فعلا؟"
هز لها رأسه بالإيجاب وهو يضحك، بينما نظر على شقيقته التي احمرت وجنتيها بخجل من ما ستبديه من رد فعل أمامه. رفع ذراعه يضعه على ظهر "جميله" بحنو، ثم نبس بنبرة هادئة يسألها:
"محتاج أعرف رأيك يا جميله، إنتِ أهم رأي فيـنا هنا، إنتِ أكيد عارفاه، شوفي كده حاسه نحيته بـ راحة! أو لو عندك مشكلة ومش قادرة تدخلي فعلاقة دلوقتي نأجل الموضوع، سمعيني اللي محتاجه تقوليه وأنا سامعك أهو!"
ابتسمت له "جميله" بحنو، ثم حاولت أن تخرج منها نبرتها كي لا تخرج بتعلثم حتى أجابته أخيراً:
"معنديش مشاكل يا حازم وإن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير، بس قول لبابا الأول يمكن هو عنده مشكلة!!"
من المفترض بأن تكون آخر الكلمات سخرية، أما عنها فكانت خيبة، وخيبة كبرى! تنهد يأخذ أنفاسه تحت أنظارهم ثم أجابهم بهدوء وحزم:
"أبوكي لازم هيطلع مشكلة من لا مشكلة متوقع رأيه هيكون إيه، أنا اتصلت بيه قبل ما أجيلكم الشقة يجي يعني شوية وجاي، أنا عارف هو ممكن يقول إيه لو عرف بالظبط شغله وحاله رغم إن ده مش عيب ولا حرام ولا قليل، وعايزكم تعرفوا حاجة مهمة.. أنا مليش إلا أنتم في الدنيا دي أنتم وياسمين، وأنا مش هستنى لما أبوكي يا جميله يجوزك ويجيبلك عريس غصب عنك إنتِ مش عارفاه ولا حتى عاوزاه، أنا تعبت من كل اللي بيحصل وآن الأوان تبقوا من مسئوليتي وخليه هو بقا مع مراته وبنته اللي ضايعة وابنه اللي هيبقى سوابق لو غسان بلغ باللي حصل ده غير اللي هو كان فيه، ربنا يبعد عننا شرهم، وإحنا مخدناش بالنا من زمان أنه اختارهم هم عننا بطريقة مش مباشرة، ولو وصل بيا الحال آخدكم من هنا وأقعدكم عندي هعملها، إحنا جايين الدنيا نكافح ونعيش، وكفاحنا معاه ملوش آخر بس الواحد منا ليه آخر وطاقته بتروح وهو لسه فأول طريقه ومحتاجها.."
حديث مؤلم، ألم كل منهم ظهر مع قوله لحديثه الذي يفكر به هو منذ فترة. تنهدت "جميله" تأخذ أنفاسها بوجع، بينما صمتت "عايده" بقلة حيلة. ومن ثم قبل الإجابة على حديثه والتي كانت صعبة سمعوا هم صوت غلق باب الشقة. نظروا إلى بعضهم بهدوء، بينما وقف هو على باب الغرفة ينظر بعد أن رأى "حازم" يجلس من على بعد. لم ترفع "جميله" نظراتها له بل توجه هو يجلس بجانب "عايده" على الفراش ومن ثم نظر إليهم باستنكار حتى ابتسم بتهكم على "جميله" التي تحاشته بنظراتها ومن ثم نبس بنبرة ساخرة:
"أهلا بالبلطجيه اللي نزلت ضرب فـ مرات أبوها يعني واحدة مكان أمها."
فاكراني مش واخد بالي ولا أي.. حسابك معايا لسه مخلصش يا دكتوره.
رفعت "جميلة" أنظارها تواجهه بقوة بها فقط، بينما تحدث "حازم" قائلاً بنفي لما قاله بأول حديثه:
"مرات أبونا عمرها ما تبقى أمنا، أمنا محدش هيبقي زيها. دا غير إن البلطجة كانت منها الأول لما نزلت ضرب في نيروز، يعني البداية مش منها. ولا كانت تستني لما تدور ضرب فيها وتعدمها العافية زي ما عملت في التانية."
ترقبت الأنظار حتى أن حديث "حازم" كان بحزم. نظر له "سليم" بجمود، ثم هتف يجيبه بحده:
"كلام المحامين ده مش هنا، ولا مبرر للي حصل. دي منظر دكتورة متربية ومتعلمة وهيبقى ليها مكانة عالية في نظر اللي حواليها."
"أنا مش عايزة مكانة عالية في نظر اللي حواليا، أنا عايزة أرتاح. ممكن تسيبني في حالي بقى؟ عشان أنا تعبت ومعتش حمل أي كلام. كلامك بقى زي السكينة اللي كانت حامية وبقت تلِمّة بتأثر بس بالبطيء. لو مستني مني أصرخ وأعيط وأعاتب فده مش موجود عندي دلوقتي، ولا حتى الأسف عشان اللي عملته ده أقل حاجة ممكن تتقدم ليها. ولا أنا شوفت ربع زعلك ده عليا ولا على ماما حتى. ممكن قبل ما تعاتبني وتقرر تعاقبني تبص وتشوف إذا كان اللي بتعمله ده عدل ولا مش عدل؟"
حديث أردفته "جميلة" بهدوء شديد عكس من المفترض لها بأن يكون صراخ. الآن تهيج دمائه تدريجياً، بل ومن دون سبب مقنع، ولكن يبدو أن زوجته الأخرى قد ملئت عقله بحديث ضدها، حديث عن عقاب لها. لا تمل هي بتاتاً. نهض يوجه يديه حتى يمسكها من خصلات شعرها، ولكن إذ بيد "حازم" كانت بالمرصاد حتى أمسك يد والده بقوة يمنعه، ثم وقف هو الآخر بعدما وقفت "عايدة" وهي تسمع "حازم" يهتف بحزم:
"إيدك متتمدش عليها تاني!!"
صمت يدفع يد والده بعيداً، ثم تحدث مرة أخرى بتوضيح:
"لما عرفت إنها امتدت عليها المرة اللي فاتت وأنا مش موجود، قولت عشان كانت بتزعق وتتكلم بصوت عالي لأ، والكلام مكنش فيه حاجة غلط على حسب ما سمعت. بس قولت نسكت ومنقولش، يمكن بيعلمها إزاي مترفعش صوتها على أبوها اللي خلفها. بس قولي الوقتي هي عملت إيه غلط؟ عملت إيه هي من أول ما خلفتها عشان تمارس قوتك عليها بالضرب والإهانة بالكلام والمعايرة والكلام اللي زي السم؟ أنا خلاص اتعودت أمسك إيدك اللي ماشية تترفع على أي حد دي، ولو عرفت إنها امتدت عليها تاني أنا همشيهم من هنا وهقعدهم في مكان إنت مش هتعرف له طريق. ونهاية الكلام ده واللي جايبك هنا عشانه، بعرفك إن جميلة أختي جايلها عريس وأنا هوافق عليه."
تجاهل الجميع للحديث وركز بقوة على آخره، حتى أنه نبس بنبرة جامدة يستهزء:
"جاي عريس وهتوافق عليه؟ وأنا إيه شفاف قدامك؟ وبعدين مين ده اللي جايلك إنت وسايب أبوها اللي مسئول عنها؟"
قالها باستهزاء، بينما ابتسم "حازم" يوضح:
"لا ما أخوها مسئول. وأنا بعطيك معلومة بس، يعني موافقتك إن شاء الله مش هي اللي هتمشي الحوار ده!"
"يعني إيه؟"
"يعني عز متقدم لها وبعرفك عشان أديله معاد يجي. ولو مش موافق يجي هنا نجيبه عندي، معنديش مشكلة. بس عشان متشوفش بنتك بتتجوز مثلاً فجأة وإنت مش على علم بده!"
نظر له "سليم" بغيظ، ثم هتف يسأله بإنفعال أمام نظرات "جميلة" الساكنة ووالدتها الخائفة:
"وهو انت لما تعرفني إنه جاي لها عريس هتقولي اسمه هو بس؟ مش محتاج تعرفني هو مين اسمه إيه بالكامل ولا حتى بيشتغل إيه وأعرفه ولا معرفهوش، ولا إنت واخد القرار وخلاص؟"
تنهد "حازم" يأخذ أنفاسه، ثم جلس أمام أنظاره تزامناً مع إشارته لوالدته وشقيقته بأن يجلسا. ثم أجابه بهدوء وتوضيح:
"لأ، شخص متعرفوش أو ممكن تسمع عنه بس. وإسمه بالكامل عز صالح عبد الرحمن الشرقاوي. وبيشتغل ميكانيكي وهو اللي بصلح عنده العربية لما تتعطل. وكمان أخته تبقى صاحبة فرح ومعاها في نفس الكلية. حاجة تاني محتاج تعرفها؟"
كان حديثه ساخر إلى حدٍ ما، وهو يردفه على مسامع "سليم" الذي شرد وتغيرت ملامح وجهه بشدة. "عز صالح عبد الرحمن الشرقاوي..!" أسمع ذلك الاسم من قبل، بل ولديه ماضي مع هذه العائلة! ابتلع ريقه من تشابه الاسم. تشابه؟ أم أنه الاسم بذاته! لا يوجد تشابه بين نفس الأسماء! حاول تجميع الأفكار بعقله، بينما نظراتهم كانت مترقبة وبشدة. ما المانع أن خرج منه حديثه بتعلثم ليبرر. حاول أن تخرج منه نبرته بغير تعلثم بها. حتى نظر له وهو يجلس من أمامه، ثم هتف بما جاء به عقله كي يبرر اعتراضه:
"ميكانيكي؟ وأنا بنتي دكتورة؟ على جثتي لو ده حصل!"
تسارعت دقات قلبها هي التي كانت تهاب الرفض وبشدة، حتى أنها لا تعلم بأنها ستشعر كذلك! مشاعرها ليست محددة إلا وقت الرفض! انتبهت هي على صوت "حازم" وهو يردد بنبرة هادئة وبشدة:
"ماله الميكانيكي معلش؟ هو ده مش شغل وبيتعب بردو؟ وبعدين ده بيصرف على أمه وأخته وباباه ميت من زمان وبيتع و بيشقى يعني ميتخافش منه على بنتك. على الأقل بيشتغل مش زي ابنك اللي لحد الوقتي قاعد ومبيشتغلش ولا حتى خد شهادته من علامة اللي يسقط فيه بقاله سنين ولسه قدامه جيش وموال والعمر بيضيع منه عالفاضي. آه ده مش متعلم بس راجل! ومش مهم توافق عليه لو على جثتك يدخل هنا، في أماكن كتير يجي فيها من غير على جثتك!"
نظر له "سليم" بغضب، ثم خرج صوته بإنفعال وهو يشير لهم:
"لو الجوازة دي حصلت مش هتشوفوا مني خير."
ظهر خوفه في نبرته، أو لما يشعر بالخوف الآن! تضاعف غضبه عندما هتف "حازم" يجيبه على قوله بنبرة اعتبرها الآخر تحدي وعناد منه:
"هيجي وهتم على خير إن شاء الله. ومش طالبين منك تدفع لها حاجة، هي مش جاهزة والباقي عليا أنا. خليها تشوف حياتها هي كمان بعيد عن هنا بدل ما مبناخدش من هنا غير الأذى والهم وبس. وأنا موافق عليه وأوي كمان، ولو حد غيره متعلم ومعاه شهادة بس أبوه بيصرف عليه مش هقبل بيه وهيبقي على جثتي أنا. لكن ده هو اللي هيشيل أذاك منها ويراعي ربنا فيها."
فاض به الكيل، مع ضيق الحديث من الآخر، حتى أنه رفع يديه يصفعه على وجهه بإنفعال. شهقت "عايدة" كما شهقت "جميلة" بقوة، بينما لم يتحرك "حازم" ولم يبدي ردة فعل ولو ذرة. كانت ملامحه خالية من التعابير. والده، يحق له بالضرب حتى أنه لم يمنعه ويمسك يديه وهو يضربه. لن يحمي نفسه. ولم يوقفه حتى لا يصبح عاق. بل يفعل ما يريد فعله. يمكنه الدفاع عن والدته وشقيقته ومن منه فقط. أما هو ففكرة مسكه ليد والده كي لا يضربه كانت صعبة عليه. ليست هينة لهذه الدرجة. وقفت "عايدة" سريعا، أمام "سليم" ثم هتفت عالياً، هي الأخرى وكأن صمتها قد فاض هي الأخرى:
"كفاية.. كفاية بقى علينا.. حرام عليك!!"
نظر لها بصمت، في حين وقف "حازم" ينظر له بتعابير وجهه الخالية ثم أردف بنبرة هادئة وبشدة:
"مش همنعك يا حضرة المحامي. إنت مهما كان أبويا وليا حق عليك. بس معلش، معتش تستاهل كلمة أبويا مني غير لما تراجع نفسك وتشوف كده كام مرة ظلمتنا وكام مرة جيت علينا. وأنا مرجعتش في قراري. جميلة هتقابله والموافقة والرفض بإيديها هي مش إحنا. ولو تقيلة عليك، قعدتهم مش هتردد أخدهم عندي!"
"لو أختك طلعت من البيت على بيتك إنت للموضوع ده مش رجعاه تاني وأمك لو طلعت منها وراحتلك معاها هتكون طالق سامعين!"
نظرت له "جميله" بغير تصديق كما نظرت "عايده" بينما نظر له "حازم" ولم ينبس سوى بكلمه واحده حتى أنه علم أنه تهديد:
"اللي تشوفه!"
كلمه قالها ببرود بينما يعلم هو بأنها لم تكن كذلك وإن إستخدم الٱخر عقله فسيتخدم عقله هو الٱخر لطالما كان عملهما المحاماه وقسمه بالطلاق سيصيب أو لا يصيب بنقطة ذهابهما إلي بيته بالتحديد على ذلك الموضوع تركهما "سليم" وهو يتوجه خارج الغرفه بينما ما أن سمع هو صوت إغلاق باب الشقه نظر لهم ببسمه صغيره ثم هتف بنبره هادئه:
"جهزوا نفسكم عشان هكلمه يجي بكره إن شاء الله!"
نظرا له بإستنكار فهتف هو من جديد يوضح:
"مش هجيبوا عندي عشان حلفانه هظبط كده اللي فدماغي وهقولكم كمان شويه المهم متشيلوش هم وأنا معاكم."
وما أن قالها رفع ذراعيه الإثنان حتى وضع على كل واحده منهم ذراع وهو يضمهما إلى صدرة متنفسا بإنهاك شعر بدموع والدته بينما نبست "جميله" بنبره مختنقه:
"أنا بحبك اوي يا حازم بس خايفـه .!!"
ربط على كتفها بإطمئنان ومن ثم هبط بوجهه يقبل قمة رأسها كما فعل مع والداته التي ظهر عليها نفس قول الٱخرى ثم ردد يجيبهما بنبره مطمئنه:
"إطمنوا إن شاء الله كل اللي هيحصل خير وبس!"
جلس على سجادة الصـلاه يؤدى فرضه والذي منتظم هو به منذ فتره حتى أن ما يفعله عكس ذلك كان يجلس من خلفه "حسن" الذي أشعل قداحته أمام وجهه لـسيجارته التي توجد بفمه ثم تحسس وجه بألم وهو يطالع "ٱدم" زفر بملل في حين قام الٱخر بالتسليم ومن ثم وجد "حسن" يتحدث بتهكم له:
"تراويح دي؟"
نهض "ٱدم" ومن ثم إلتفت ينظر له بسخط فقد أوقف الحديث معه منذ أمس لم يجيبه سوى بكلمه واحده يختصر إجابته:
"ملكش دعوه خليك فحالك!"
رفع "حسن" يديه يشير له بغير إهتمام بينما كاد أن يصلي الٱخر مره أخرى وقاطعه صوت دقات الباب العاليه إبتلع "ٱدم" ريقه في حين وقف "حسن" بإندفاع ومن ثم نظر الإثنان لبعضهما حتى تحرك "حسن" ليتجه ناحية الباب بحذر بينما قطع سيره "ٱدم" الذي فاض به الكيل من ناحيته هتف يوقف من حركته قائلا بحزم:
"إستنـى يا غـبـي!"
إحتدت نظرات"حسن" من معاملته بهذه الطريقه منذ أمس تحلى بالصبر ومن ثم أشار له الٱخر بأن يرجع إلى الخلف حيث ركن غير ظاهر ثم توجه هو يقف خلف الباب مرددا بتساؤل لمن بالخارج:
"مين؟"
"هو حد بيعبرك غيري؟!"
ما أن سمع صوته أبعد المقاعد من خلف الباب ثم فتحه بهدوء وهو ينظر له بملامح خاليه من تعابير للترحيب به وقف "شريف" ينظر باستنكار ثم دخل ووقف ينظر على المقاعد التي كانت أمام الباب بينما دخل الٱخر دون نبس أي حديث حتى ظهر "حسن" أمامهما توجـه "ٱدم" يقف على سجادة الصلاه من جديد حتى عقد "شريف" مابين حاجبيه متسائلا لذلك الذي يوجد بوجهه كدمه زرقاء:
"هو في إيـه؟ وإيه اللي فـ وشك ده!"
إبتسم "ٱدم" بتهكم وقبل أن يبدأ بالصلاه هتف بنبره ساخره وهو يشير له على "حسن" الواقف:
"اخليه يحكيلك حصل إيه!"
قالها ومن ثم أخذ السجاده على بـعد قليل منهم بينما جلس "شريف" الذي خرج من منزله قبل أن تستيقظ الأخرى هروبا منها جلس بجانب"حسن" الذي جلس هو. الٱخر ثم أشار له بعينيه بأن يبدأ بالحديث حتى تنفس "حسن" ليخرج أنفاسه وهو يستعد لبدء الحديث ..!!
بعد قليل وقفت السياره على بـعد من المنزل ثم هبط منها "غسان" و"شادي" حيث كانت السياره سيارة "شادي" نزل ثم أغلق الباب وهو ينظر من أمامه ثم إلتفت برأسه ينظر لـ "شادي" الذي وقف بجانبه بترقب رفع "غسان". يديه ليضعها أسفل عين "شادي" وهو يردد بتساؤل:
"من إيـه دي؟ أول مره اشوفها الوقتي!"
وضع محرج الٱن لم يقلل من شأنه حتى يسخر عليه الٱخر عندما يعلمه بأن فتاه من فعلت به كذلك ولم تكن سوى "منه" هرب "شادي" بأنظاره ثم هتف يجيبه بتعلثم حاول أخفائه:
"لا ..ده أنا إتخبطت. في الحيطه .."
أمعن "غسان" النظر بوجهه بقوه ثم حرك عينيه باستنكار وهو يقول:
"حلوه الحيطه اللي ليها ايدين دي!"
ضحك بخفه كي يشتته ثم أشار له على المنزل من أمامه تزامنا. مع قوله:
"طب يلا بينا.."
تحرك "غسان" بهدوء كما كانت الخطوات ثابته من الطرفان إلي أن توجه يقف أمام المنزل بهدوء حتى أن الطابق كان أرضي رفع "شادي" يديه كي يدق الباب فأمسكته يد "غسان" بسرعه وهو يحرك رأسه له ثم ابتسم قائلا له بنفى:
"مش كده ..يتفســخ !!"
قالها بنبره ليست هينه بينما نظر له الأخر بصمت مترقب لما هو ٱت أما الباب فكان ليس حديث قوي بل ظهر عليه بأنه قديم من الخشب وسرعان ما رفع "غسان" قدمه تزامنا. مع رفع ساق"شادي" وهما يرجعان بها إلي الخلف ثم دفعوا هما الباب بهذه الطريقه ثلاث مرات حتى فـسخ الباب وفـتح بقوه دخل "غسان" سريعا ثم ثم دخل "شادي" يغلق الباب من خلفه تحت نظرات الثلاثه الواقفين بصدمه حيث لم يضع "أدم" خلف الباب شئ ليمنع فتحه بعد أن دخل "شريف" قبل قليل نظر "شريف" بترقب بينما وقف "حسن" يرمقه بغضب في حين أن "ٱدم" وقف يطالع الوضع بخوف داخلي نظر له حينما إبتسم "غسان" باتساع وهو ينظر علي سجادة الصلاه التي وجدت بيديه ثم نبس له وهو ينظر له:
"حرمـا يا حبيب قلبي أوعى تكون نسيت تدعي لحسـن!"
إبتلع "ٱدم" ريقه في حين هتف "حسن" بصوت مرتفع مما دل على انفعاله:
"إنتَ مصمم بقا يبقى موتك على إيدي!"
لم يمنع ضحكاته بأن تخرج ليسمعها من يقف أمامه حتى أنه أشار لـ "شادي" بأن يضحك حتى يجعل للوضع أكثر إستفززا انتبه لصوت "ٱدم". الذي قال له بنبره هادئه مشيرا بيديه له:
"إمشي يا غسان وبلاش يحصل مشاكل!"
لم يعير لحديثه إهتمام بل نظر هو باستنكار على "شريف" الذي تنهد يأخذ أنفاسه ثم جلس من أمامهم واضعا ساق فوق الأخرى مرددا:
"أما نشوف هتخلصونا من الفيلم ده إمته؟"
سار "غسان" بخطوات ثابته يقف أمام ذلك المستفز وهو ينظر له متحدثا بنبره ساخره:
"مين الحلو؟"
"شريــف ..
قالها باستفزاز وهو يهز ساقه الموضوعة فوق الأخرى. نظر له "غسان" بثبات حتى نبس بنبرة جامدة من طريقته:
"طب خليك فـ حالك وإركن فـ جنب عشان أشوف شغلي، عال."
فهم "غسان" من طريقته وأفعاله الغير منطقية لما يحدث بأنه ليس بشخص سهل التعامل بل ومن الممكن أن يعوق ما سيفعله. أخرج من علبة سجائره ثم وضعها بفمه مشيرًا له بغير اهتمام تزامناً مع قوله:
"عال!"
صُدم "آدم" من رد فعله، بينما وقف ينظر لـ "حسن" الذي زاد انفعاله وهو يتوجه بخطوات سريعة يقف أمام وجه "غسان" ثم رفع يديه يدفعه مع قوله الصارخ به:
"تعالى مادام انت عاوز كده، وديني ما هتخرج إلا وانت فـ نعشك!"
رجع "غسان" خطوات إلى الخلف، في حين توجه "شادي" يمسك "آدم" بقوة كي لا يتوجه لفصلهما. والآن ازداد انفعال "غسان" حتى أنه توجه يدفعه هو الآخر بيديه التي وضعت على عنقه ثم رجع به إلى الخلف بقوة حتى حاصره على أحد حوائط المنزل وهو يصرخ به بقوة:
"غلطة عمرك انت عملتها لما فكرت ترجع تحاسبنا على حاجة مش من حقك تحاسبنا عليها، لأ ولمّا تجيب السكينة فـ مراتي يا ناقص.."
رفع "حسن" يدفعه بيديه حتى يفلت من أسفل يديه مع قوله الذي حاول أن يخرج صحيحًا وبنفس انفعال الآخر صرخ هو:
"وهفضل وراكم، وديني ما هسيبك ولا هسيب اللي منك، هموتك وأموتها بعدك، بعد ما أحسرها عليك يا ***"
رفع ساقه يضرب "غسان" بقدمه كي يرجع عنه، أما "غسان" فأخرج مطوته من جيبه بسرعة وباندفاع رغم تأوهه من ضربة الآخر، ثم وضعها على وجهه متحدثًا بنبرة مرتفعة إثر انفعاله وتشفيه:
"وحياتها عندي ما أنا خارج إلا ما تقول حقي برقبتي، أنا اللي هموتك يا قذر ومش ساب فيك حتة سليمة!"
قالها بصراخ جعل "شريف" يقف لينظر بعد أن توقع أن الأمر لم يكن بهذه الخطورة. بينما أمسك "شادي" الآخر بحزم كي لا يتحرك رغم صراخ "آدم" بالتوقف عن أذية صديقه. دفعه "غسان" ليقع أرضًا، ثم مد يديه يشق كم قميصه بقوة وباندفاع حتى ظهر كتف "حسن" الذي فهم ما سيفعله به. حاول التملص منه، بينما وجه "غسان" المطواة أمام كتف وذراع الآخر ثم هتف يتوعد بأخذ الحق بنفس الطريقة:
"إفرد دراعك يا ناقص، إفرده بدل ما أدخل أمها فرقبك!"
كاد أن يدفعه "حسن" بينما طعنه "غسان" في كتفه بغل حتى نظر له وهو يصرخ بقوة. تذكر صراخ النساء، بل ابتسم بانتصار عندما وجده يرجع إلى الخلف مع صراخه وهو يمسك كتفه. بينما صرخ "آدم" عالياً ثم دفع "شادي" بقوة والذي تركه يتوجه ناحيته وهو يسمعه يسب "غسان" بقوله وهو يتجه:
"كفاية، سيبـه يا ***"
نهض "غسان" بسرعة ثم دفعه بقوة حتى وقع "آدم" أرضًا، ومن ثم جثى "غسان" فوقه ثم لكمه بشرر من سبه له تزامناً مع خروج نبرته التعنيفية له:
"بتدافع عن ده يا عويل؟ يا واطي، هتسترجـل إمتـه قولـي؟ بتشتمني عشانه يا قذر؟ عشان واحد بيـاع، ولو حصـلك حاجة مش هتلاقيـه جنبك يا غبي!"
قالها بصراخ يعنفه وهو يبرك فوقه، بينما حاول "آدم" دفعه عنه بقوة رغم صحة حديثه إلا أنه أجابه بنفس الصراخ مما جعل "غسان" يتهور:
"انت مـال أمـك يا ***، ملكش دعوه بـيـا، إبعد بعيد عنـي"
تضاعف انفعاله عندما سمعه يسبه ويسب والداته. لم يشعر بنفسه إلا عندما رفع مطوته يوجهها ناحية وجهه كي يشفي غليله، وإذ كان بالمرصاد اثنان. ركض "شادي" إليه كي يمنعه ودخول أحدهما باندفاع المنزل وصوت أنفاسه عالية. وقف "شادي" مرة واحدة ينظر على من يقف بذهول، بينما التفت "غسان" برأسه بغير اهتمام كي يكمل، حتى شعر بساق أحدهما تقف بجانبه ومن ثم يديه تمسك منه المطواة وهو يأخذها منه بقوة ثم هزه بغضب مع قوله:
"إبعد عنه!"
رفع "غسان" أنظاره لينظر له، ثم نظر بتمعن حتى أيقن هو أنه فكر بما بيفكر به. ولم يكن سوى "بدر" الذي ارتدى ملابسه عقب رؤيته لهما يسيران ثم هبط سريعاً بعد أن علم ما يفكر به "غسان" وربطه بـ "حسن" وتوقع والده. انتبه على صوت "بدر" المنفعل بقوله لهما:
"إيه؟ هتموتوا بعض؟ خلاص الدم معتش فارق؟"
صمت ثم نظر إلى "غسان" الذي اعتدل ليقف ببطء حتى أنفاسه التي تخرج منه وتحرك قمة صدره.
"أخويا يا غسان، آدم، كان عملك إيه؟"
عدل "غسان" من ملابسه مع خروج سبه بذيئة موجهة لآدم ولحسن معا، ثم تجاهل حديث "بدر". بينما شعر هو بفتح عين "شادي" على وسعها وهو يشير له وقبل أن يفهم هو شعر بكوب من الزجاج يتوجه في مؤخرة رأسه من "حسن" الذي نهض بخفة يمسكها ومن ثم وقف يدفعها عليه. تأوى "غسان" وهو ينحني ثم وضع يديه سريعاً حتى شعر بابتلالها من الدماء التي خرجت من مؤخرة رأسه مع تشنج ملامحه بألم. التفت رغم ألمه بسرعة ثم رفع قدمه يدفع "حسن" على الأرض بغضب، حتى أنه انتشل الصحن من على الطاولة ومن ثم وجهه على رأسه بقوة حتى تهشم مع صراخ "حسن" تزامناً مع صراخه بغضب فاق الحدود:
"موتك على إيدي يا بن الخروف، وربنا ما هسيبك!"
توجه "بدر" عندما استشعر غضبه الزائد ثم فصله عنه هو و"شادي" وهما يمسكانه بقوة محاولاً التملص من بين يديهم. أما "حسن" فكانت رأسه تدور به وبقوة مع ألم ذراعه الذي نزف بقوة. هتف "بدر" عالياً لشقيقه وهو يمسك "غسان":
"شــوفه، شــوفه انت وصاحبك يدل ما يروح فيها.."
قال حديثه على عجالة ومن ثم خرج من باب المنزل وهو يمسك "غسان" وصديق الثاني يمسكه من الناحية الأخرى لخارج المنزل. أما "شريف" فكان يقف يتابع الوضع فقط. وما أن رأى منظر الدماء من رأس وكتف "حسن" وجد "آدم" يحثه بنبرة متلهفة وهو يضع يديه على جرح الآخر:
"وقف تاكسي بسرعة، بسرعة قبل ما يموت مننا!"
ود لو تركه رغم عدم وجود ذنب له بما فعله والده ولكن نار الانتقام حامية. حادة يود بأن تطول كل من منه. تحرك بخطوات ثابتة حتى أنه لم يبذل جهد لكي يركض. ثم خرج من باب المنزل وهو يتوجه بعد لحظات ناحية الطريق حتى لمح هو سيارتهم الذي توقع بأنها لهما تذهب وتتحرك إلى بعيد!
جلست "نيروز" مع التجمع العائلي حيث كان الجميع بشقة والدتها من "حامد" وزوجته بينما كانت ابنته بالخارج. كان "حازم" يجلس هو الآخر مع "عايدة" و"جميلة" و"سمية" وحتى "وردة" و"يامن" صغيرها وبالأخرى "ياسمين" التي جلست بجانب "نيروز" من الجانب الآخر حيث كان التجمع مبهج وكل منهم يتحدث مع الآخر بحديث مختلف. أما "نيروز" فكانت شاردة من عدم مجيئه إلى الآن. التفت "حامد" وهو يبتسم من الحديث ثم وجه أنظاره إليها حتى وجدها تنظر من أمامها بشرود. رفع يديه يشير أمام وجهها بمرح ثم قال بمشاكسة:
"سرحانة فـ ابني ولا ايه؟ طب وأنا؟ مليش نصيب!"
انتبهت له "نيروز" ثم ضحكت بخفوت وخجل بآن واحد.
إبتسم هو لها بحنو. أما هي فسألته بعفوية شديدة عن ولده:
"هو كده إزاي بجد؟"
"هو مين؟"
قالها بمكر، وهو يضحك. فتنحنت هي بحرج، بعد أن استوعبت قولها. فأجابها "حامد" من بعدها بقوله المفسر:
"مش هعرف أجاوبك، أصل كل واحد بيشوف حبيبه بطريقه مختلفة عن غيره. يمكن اللي أقدر أقولهولك واللي إحنا شايفينه فيه إن غسان طيب وحنين على غيره. مش هقولك إنه مثالي، مفيش حد مثالي. بس أنا عارف إنه قليل الرباية وإني إتلخبطت في تربيتهم وربيت بسام مرتين على إنه غسان. بس عاوزك تعرفي إن عنده طاقة استحمال على اللي بيحبهم كتير أوي ومش بتخرج إلا بعد تحويشة كده. عشان كده لو جه لحظة عمل حاجة اصبري عليه وهو بيراجع نفسه بسرعة وهيرجع تاني. وأوعي تعاندي قصاده عشان هيعلى عليكي ومش هتوصلوا لحل بسرعة. وربنا يصلح حالكم مع بعض ويسعدكم وأعيش وأشوف أحفادي عشان أنا اللي هربيهم لأن أبوهم مش هيربيهم!"
ضحكت على حديثه عالياً، بينما تفهمت هي ما يود قوله لها بأنه لديه من الطباع المنفرة كي تتأقلم وتتفهم هي الوضع. هزت رأسها بنفي، على آخر حديثه ثم قالت بمرح:
"ما كده هيطلعوا زي غسان!"
قالتها بعفوية وتلقائية حتى أنها لا تعي جيداً ما قالته بالتحديد. نظر لها بدهشة ومن ثم حرك رأسه بقلة حيلة منها. ومن تلقائيتها، بينما انتبه الجميع على صوت "حازم" الذي هتف يقول ببهجة:
"إن شاء الله يا جماعة. في عريس هيجي لجميلة بكرة وهقابله هنا فالشقة دي. وعشان كده هحتاج الحاج حامد معايا يقابله وكمان ولاده وبدر وشادي إن شاء الله. وأنا كلمت العريس وهيجي بإذن الله!"
علمت "سمية" من قبل عندما أعلمها الأخر هو ووالدته، بينما كانت تعلم الفتيات بسبب قول "جميلة" لهم منذ قليل. ابتسم "حامد" باتساع، ثم هتف بسعادة:
"طبعاً. هبقى موجود يا حبيبي. وألف مبروك ربنا يقدم لكم اللي فيه الخير.. مبروك يا جميلة."
ابتسمت له بخجل وامتنان، بينما هلل الآخرون بفرح. ومن ثم نهض "حامد" من جانبها تزامناً مع قوله لها عندما تذكر بأن الآن هو موعد الدواء المسكن لألم الجرح:
"قوليلي يا حبيبتي حطيتي شنطة العلاج فين؟"
وقفت بسرعة وهي تقاطعه قائلة له بلباقة:
"لأ خليك يا عمو متنعبش نفسك أنا فاكرة كويس!"
"أقعد إيه ده غسان مأكد عليا بتاع ستين مرة يشيخه. أقعدي ده موصيني!"
قالها بمرح، ثم نظر لها جيداً وهو يستأذن منهم بعد أن سمعوه. وبعد أن سمع هو مكان الدواء، توجه بخطوات هادئة إلى حيث غرفتها. بينما ابتسمت "سمية" بحنو وشكر وهي ترفع أنظارها للأعلى من كون ابنتها دخلت بين عائلة كمثل هذه، بل وزوج مثل غسان التي تغتاظ من طريقته في بعض الأوقات ولكنها أيقنت بأن حبه لابنتها فاق الكثير. وضعت يديها على موضع قلبها بألم، حتى تأخذ أنفاسها بهدوء وهي تنظر إليهم بحب، حتى أن "يامن" توجه لها ليجلس على ساقها ببراءة. ضحكت بخفة وهي تقبله، بينما استشعرت "ورده" تأخير زوجها كغير عادته!! وكأن ما تفكر به قد تحقق عندما سمعت صوت دقات الباب. نهض "حازم" يفتح تزامناً مع أخذ الدواء من يد "حامد" بواسطة "نيروز" التي ابتسمت له بحنو. ففتح الباب وظهر من أمامهم "بدر" وبجانبه "شادي" فقط. ومن ثم دخلا ورحبوا بهم بهدوء. بينما وقف "بدر" حتى نهض "حامد" يقف بجانبه بركن ثم قال دون مقدمات:
"زي ما قولتلي واللي كنت بفكر فيه بالظبط. شيلت حسن من إيده بالعافية. وربنا يستر على حسن وميجرالوش حاجة.. هبقى أكلم آدم. بس عاوزين نقفل على الموضوع ده ومحدش يعرفه وحاول تخلي نيروز تروح لغسان عشان حالته صعبة ومتعصب أوي حتى رفض يجي معانا هنا ممكن يهدى ويروق فوجودها!!"
كان يستمع إلى حديثه بتفهم شديد. لطالما يعلم هو بكيف يفكر ولده بل وسار معه إلى آخر الطريق وجاراه بأمر كذبه. هز له رأسه بتفهم، ثم أومأ له بعينيه بكتمان الأمر حتى سمع هو صوتهم وهم ينادون عليهما. توجه "حامد" يبتسم وكأن شيئاً لم يكن. ثم التفت بوجه لـ "نيروز" التي ظهر بنظراتها التيهة وهي تبحث عنه. من ثم الخيبة عندما وجدت أنه لم يظهر ولم يأتي إلى الآن. غلبت هي التردد حتى التفتت برأسها له تسأله باهتمام:
"متعرفش غسان فين يا عمو؟"
هز لها رأسه ثم نهض يمسك يديها يسحبها خلفه تزامناً مع قوله:
"طيب بجماعة هستأذن أنا وبنتي شوية بس فالشقة عندي وهنرجع تاني. موضوع ميقعدش يعني. كملوا كملوا.."
قالها بمرح، حتى أنهم ضحكوا بخفة ثم هزت لها "سمية" رأسها بالموافقة عندما وجدت "نيروز" تنظر لها بعجز. فتح هو باب الشقة ثم أغلقها من خلفه وهو يخرج مفتاحه من جيب بنطاله الواسع المريح. ثم قال مع فتحه الباب:
"غسان جوه وشادي قالي إنه دخل ومش عاوز يكلم حد مش عارف ليه!"
ترقبت جميع حواسها حتى أن قدمها دخلت من قبله الشقة وهو من خلفها. فأجابته هي بخوف:
"ليه حصل إيه؟"
"مش عارف هتلاقيه فالأوضة.. ممكن تدخليله عادي وأنا موجود هنا!!"
هز رأسها بالإيجاب دون حرج حتى أنها تفكر به وفقط. ابتسم على أثرها وهي تتحرك. ود لو يخرج من الشقة ولكنه بقي بها. حتى أنه توجه بهدوء يدخل غرفته وهو يغلقها خلفه ليجلب هاتفه. وقفت أمام باب الغرفة ثم رفعت يديها السليمة تدق الباب ولكن لا توجد إجابة بل وتسمع حركة بالغرفة. لما لم يجيب؟ مدت يديها تفتح باب الغرفة ثم نظرت قبل أن تدخل حتى أنها دخلت ومن ثم قد انغلق الباب. رفعت رأسها تبحث بعينيها حتى شهقت بخفوت وهي تراه يرتدي تيشيرته الأبيض على جسده العاري من فوق حتى ستره ومن ثم ارتدي السترة القطنية السوداء مع غلقه لسحابها بإهمال وبسرعة. شروده جعله غير منتبهاً للدقات ولا حتى دخولها الغرفة بهدوء. أمسك ملابسه الفوقية الملقاة ثم أمسك طرف الكم الذي كان به دماءه الخافتة. دفعة الكوب لم تفعل له جرح عميق بل أتت بدماء فقط والكوب لم ينكسر عليه بل انكسر ما أن وقع. إلتفت بها حتى يضعها بصندوق الغسيل الذي يوجد بجانب باب غرفته ومن ثم توقف مرة واحدة عندما وجدها تقف. نظر لها باستغراب ثم تساءل بنبرة جادة:
"انتِ هنا من إمتى؟"
تعلثمت نظرات "نيروز" حتى حاولت السير له وهي ترفع رأسها تنظر داخل عينيه ووجهه التي تراه هي ولأول مرة خالي من التعابير معها!! ابتلعت ريقها ثم هتفت تسأله بنبرة هادئة لينة:
"مالك؟"
حرك أنظاره ناحية كتفها الموضوع بحامل ذراعي ثم تمعن النظر به حتى أنه تنفس من فكرة أخذه للحق بنفس الطريقة. نظرت له بتمعن ثم حركت رأسها على ما بيديه حتى لاحظت الدماء على الملابس. شهقت بخوف ثم مدت يديها تتلمس الكم مع قولها اللاهف:
"ده دم!! إنت كويس؟"
رسم على وجهه ابتسامة ثم تخطاها ليضع ملابسه بالصندوق المفتوح تزامناً مع قوله ليطمئنها:
"كويس الحمد لله وانتِ؟"
جانب آخر سيء. عندما يكون بحالة مزاجية سيئة يعامل الجميع وكأنه المذنب ليعامله بذلك البرود. نظرت له باستنكار ثم توجهت تقف خلفه حتى التفت ينظر لها وهو يعقد حاجبيه بل تطالعه هي بشراسة!! عقد حاجبيه بتساؤل مردداً لها:
"إيه؟ بتبصيلي كده ليه؟"
رفعت يديها السليمة ثم ضربته على صدره بها مرددة بحنق جاد:
"انت بتكلمني كده ليه؟"
نظر لها بدهشة من تحولها السريع. استطاعت بلحظة أن تقلب الحال من متعلثمة بالحديث خائفة إلى أخرى مغتاظة شرسة! أمسك يديها سريعاً بحزم، ثم نظر لها بجدية مردداً:
"إنتِ قد الحركة دي؟ لأ وبتعمليها وانتِ فـ بيتنا.. وفـ أوضتي!."
قال آخر حديثه بتسلية، حتى أنها حاولت أن تسحب يديها بخوف. تركها وهو ينظر لها بصمت.
، استطاعت بوجودها وشراستها بأن تخرجه عن مزاجه السئ ولو بقليلٍ جداً ، بل ووجودها وحده يختلف ، حتي أنه لم يجرب ذلك من قبل ، انتبه هو على صوتها مره أخرى عندما هتفت بتساؤل جاد وكأنها لا تسبه :
_" إنتَ بارد ليه ؟"
خرجت ضحكته أخيراً بخفوتٍ، ثم حرك أنظاره وغضبه المكتوم والذي ينسحب منه تدريجيًا ، حرك أنظاره من أعلاها لأسفلها ثم تساءل بنفس طريقتها في السؤال :
_" وانتِ حلوه ليه ؟!"
رفعت شفتيها بإستنكارٍ حتى أنها ظنت انه مقلب وخدعه بها من صنعه، التفت تتحرك كي تفتح الباب. لتخرج ، فمد يديه سريعاً يغلقه ثم وقف أمامها يطالعها بعبثٍ ثم قال :
_" دخول الحمام مش زي خروجه !"
دفعته بيديها بغير إهتمام وهي تتظاهر بالقوه في حين أن طريقته تجعلها تضحك ولكنها تكتم ضحكاتها ، أمسك يديها ثم فتح الباب وهو يخرج منه وهي من خلفه ، بينما وقف هو عندما وجد "والده" يقف وهو يستند بأريحيه ممسكاً بهاتفه الذي جلبه من الغرفه حتى يقف بترقبٍ ، رفع "حامد" أنظاره من على شاشة الهاتف ثم نظر له بصمتٍ ، بينما نظر له "غسان" بتمعن وهو يسأل بإستنكارٍ :
_'' وده اسمه إيه ده كمان ؟"
_" أنا أقف فالحته اللي تعجبني ، بيتي وبفلوسي "
حرك "غسان" رأسه بمللٍ وهو ينظر لها فوجدها تضحك بخفوتٍ، فهم هو ما يجري من خلفه ، من. بداية" بدر" لمجيئها الغرفه له ، إبتسم باستفزازٍ ثم طالع والده بجرأه وهو يسأله :
_" ولما إنتَ ماشي في الرايحه والجايه تقولي مراتك لأ مش مراتك ، جايبهالي لحد عندي ليه ؟! "
_" لا منا واقف ومممشيتش وواخد احتياطاتي ؛ سيب أيدها بقا "
حرك راسه بسخريه ، حتى عاند والده ومن ثم دفعها بهدوءٍ لتفف أمامه حتى سارت تقف ، بينما وقف هو يهز رأسه بطاعه حتى توجه يقبلها من وجنتيها مرتان ومن ثم قمة رأسها ، ثم التفت بوجهه يقول بتبجحٍ :
_" ها وأعمل ايه تاني ؟ "
ضحك "حامد" ثم أشار له بأن يترك يديها مره أخرى ، فـ توجه "غسان". ليرفع ذراعيه ثم أدخلها بين أحضانه أمام والده مردداً مره أخرى من بين خجلها :
_" لسه مصمم علي رايك يا حامد ؟"
خرجت ضحكات والده وهو ينفي بقوه فلم يترك شئ ليفعله ، دفعته "نيروز" بعيداً عنها ثم حدجته بغيظٍ حتى شعرت هي بيد "حامد" تربت على كتفها بهدوء ثم مال يهمس بجانب أذنها:
_" قولنا مجنون ولازم نستحمله !"
ضحكت بخفه حتى أنها شعرت به يتوجه ناحية المطبخ ، ومن ثم توجه "حامد" ليجلس على أحد المقاعد ، فذهبت هي خلف "غسان" حتى وجدته يفعل ليمون بالنعناع بالماء البارت وهو يخرج مكعبات الثلج ، توجهت تقف بجانبه ، ثم وكزته قائله بابتسامه واسعه :
_" إعملي معاك !"
_" لأ .."
نظرت له بضحكٍ ، فابتسم هو لها ثم غمز قائلاً لها بمشاكسه قد عادت له أخيراً :
_" عقبال ما تقفي فـ مطبخ بيتي ، واجي أقولك طابخه إيه يا حبيبتي تقوليلي مكرونه بالبشاميل يا غسان يا حبيب قلبي ونور عيني وكبدي من جوه .."
ضحكت "نيروز " بقوه ثم أشارت له من بين ضحكاتها قائله باشمئزازٍ :
_" ايه المحن ده ؟"
_" معذوره برده ، مشوفتيش إنتِ حامد ودلال لما يلاقو نفسهم فاضيين !"
قالها "غسان" بمرحٍ ، فابتسمت له وهي تستند ثم هتف بنبره هادئه عميقه:
_" بعيداً عن الهزار ، بس هم لُطاف وجمال أوي ، وبحب علاقتهم ببعض وحبهم اللي مبيتكسفوش يبينوه قدام حد ، ولا حتى بيخافوا يتشافوا تافهين عشان كبروا شويه وعندهم ولاد كبار ، كان بابا كده الله يرحمه عشان كده بحبه اوي فيه كتير من بابا .."
إبتسم بهدوءٍ ثم حاول تغيير مجرى الحديث الذي يؤلمها حتي قال بجديه وصدقٍ دون عبثه في أوله ،الذي يكون بحديثه في كل مره مثل هذه :
_" وهو بيحبك أوي ، ودلال بردو بتحبك ، ووسام بتحبك وطريقتها معاكي كأنك أختها مخلياني مبسوط أوي ، عشان متبقاش عمه حربايه لولادي ، وأنا. بحبك أكتر منهم ، كلنا بنحبك وهتحبينا أكتر يا رزه لما تقعدي معانا اكتر ، لأن احنا عيله تتحب كده كده ، حتي بسام لما ياخد على وجودك ويبطل يتحرج منك ويكون هو فاق مش هتبطلي ضحك عليه ، ما تيجي ؟"
ضحكت بخفه علي حديثه ، ثم تساءلت باهتمام من بين ضحكتها الواسعه :
_" اجي فين ؟!"
_" تعيشي معانا ، أو نطلع فوق فـ شقتنا ونتجوز !"
قالها بمرحٍ ونفس الوقت حاول إختبارها كي يري أنها مؤهله لتلك الخطوه أم ماذا ، لم يكن رد فعلها سوى ضحكه واسعه وهي تشاكسه بحديثه :
_" أه ونبقي عال ونجيب عيال مش كده ؟"
قلب هو الثلج مع ابتسامته وهو يهز رأسه تزامناً مع قوله:
_" بالظبط ، بس أنا بتكلم بجد فالموضوع ده عشان لو موافقه فعلاً أبدأ أكد على الناس اللي هيظبطوا الشقه أكتر وأبتدي أظبط الدنيا أنا كمان على ما تاخدي وقتك !"
كان حديثه بإقتراحٍ ، بينما نظرت له "نيروز" بهدوءٍ ثم هتفت تجيبه بنبره صريحه تعترف :
_" أنا متلخبطه ومش عارفه المفروض أعمل ايه ؟ مش عاوزه أخد الخطوه دي وأرجع أندم !"
هل سمع هو الحديث صحيح ؟ أوقف تقليب الملعقه بالكوبين ، ثم التفت بوجهه ينظر لها بجديه بل وتحولت ملامحه لأخرى خاليه وهو يسألها باستنكارٍ :
_" تندمي علي وجودك معايا في بيت واحد ؟ ولا على إختيارك ليا ، مش فاهم أنا ..تندمي علي إيه بالظبط !"
هزت رأسها بالنفي حتى أن حديثها كما تردفه يخرج منه شئ لا تقصده تحديداً ، نظرت له بصدقٍ ثم هتفت تبرر له بهدوءٍ وكأن بحديثها المبرر يهدهده وليس العكس ! :
_" مش ندم على إختيارك ولا ندم على وجودي معاك ، ما أنا موجوده معاك دلوقتي ومش ندمانه ، بس أنا خايفه لمبقاش قد المسئوليه حتى لو حصل وجه أطفال ، خايفه من فكرة إن يحصل حاجه أو يحصلي حاجه ، أو حتى يحصلك انتَ حاجه ولا حسن ولا عمي ولا مراته هيسبونا فحالنا مش هيبقي في إستقرار ولا حياه هاديه وأنا . .."
قذف " غسان" الملعقه على الرخام حتى قُطع حديثها تزامناً مع قوله الحاد الذي خرج صوته لوالده بالصاله :
_" يـــادي عمــــك ومــــراتـــه وعـــيــاله.!! "
تفاجأت من ردة فعله الغير معهوده ، بل وجاء رد فعله هذا من انفعاله اليوم. لم يتبخر بهذه السهوله وبارعه هي في قول حديث يثير غيظه، نظرت له بصمتٍ كما كان حزن عندما سمعته يردف مره ثانيه :
_" مش هنخلص إحنا من عمك ولا مراته ولا من زفت حسن ! ، فـ نستني لما يموتوا ويغوروا فـ داهيه عشان نبدأ حياتنا ونستقر ، موقفه حياتك عليهم ليه ؟ ، هو أنا مش واقف معاكي وجنبك وبيقولوا جوزك يعني ، يبقي هما هيمنعوني عنك ازاي ؟ انتِ لو بتقوليلي أنا مش مؤهله نفسياً ومحتاجة وقت مش هقولك حاجه ، لكن عمــك وخوفك منه ده مش مبــرر !!"
لهجته الحاده التي خرجت لها لأول مره بتعنيفه لها جعلتها تقف صامته بل ودموعها تحبس بعينيها ، بينما وقف "حامد " في الخارج حتى أن حديث ولده قد وصل له ، لم يريد التدخل هو بينهما ، نظرت له "نيروز " وهي تحاول التماسك كي لا تظهر ضعيفه ثم تساءلت بنبره جاده :
_" إنتَ بـتزعقلي كده ليه ؟ كل ده عشان قولت اللي خايفه منه ؟"
حرك رأسه بنفاذ صبر ثم أجابها بنفس الحده :
_" بردو هتقوليلي خوف !!
بزعق لعقلك اللي مش شايف غيرهم في كل حاجة بتعمليها. عاوزه تفرحي حطاهم قدامك، عاوزه تحزني حطاهم برضو قدامك، حتى وانت بتاخدي قرار مصيري بردو حطاهم قدامك. أنا موقفتش ضدك بس فكرة خوفك منهم وأنا خلاص معاكي دي لوحدها مش ظابطة معايا، لأنهم أمر واقع. ولا أروح أموتهملك بقا عشان نبدأ صح ومن جديد؟
صمت "غسان" ينظر لها ثم واصل مجددًا بقوله: حتى دخل "حامد" المطبخ تزامناً مع قوله:
"أنا مبضغطش عليكي بس إنك تأجلي خطوة مهمة عشانهم وعشان وجودهم اللي ملوش حل غير كده فده مش طبيعي. وأنا مش خيال مآتة معاكي عشان أقف أشوفك خايفة منهم وكل مرة تقوليلي خايفة وأسكت. قولتلك هبقى معاكي ومش هسيبك وهقف لهم. ولو مش عايزاني قولي، ولو عايزاني أنا هحاول وهاخدك منهم ومن اللي عاوزين يعملوه فيك. مملتش أقولك يا نيروز متخافيش حتى لحد دلوقتي. والقرار قرارك وإنت حرة فيه عشان أنا بتعب من فكرة إنك معايا ولسه برضو عقلك معاهم وخايفة منهم ومش عارفة تعيشي. لا إنت بتأذي نفسك لوحدك ولا خوفك منهم راضيني. هنفضل لحد إمتى نشيل هم حاجات لسه مجتش؟ ولو حصل إنت اللي هتأذي ساعتها، ولا هم. ولو أذوا غيرك فساعتها أنا هشوف شغلي، بس من غير خوف. خوفك محاوطني وأنا محتاجك معايا حتى من غير جواز، بس محتاجك فرحانة من غير حساب ليهم. عشان لا حد هيتعب زيك ولما هتتعبي محدش هيتعب قدي وأنا الراجل اللي المفروض معاكي وإنت خايفة؟"
هبطت دمعتها وهو يواجهها بالحقيقة، بل وفاض انفعاله اليوم بما يكفي. وقف "حامد" ينظر لهما، بينما أخذ "غسان" كوبه وهو يتحرك من أمامهما، فأوقفته نبرة "نيروز" المختنقة وهي تسأله بخيبة:
"يعني إيه!"
"يعني إنت حرة في القرار اللي تاخديه. عاوزاني من غير خوف، أو مش عاوزاني بخوف عشان أنا معتش قادر وأنا شايفك كل ثانية خايفة ومش عارفة تعيشي حياتك عادي من غير حمل الهم والخوف!"
التفت "غسان" من بعدها يخرج من المطبخ. أما هي فسقطت دموعها، حتى أن رفع "حامد" ذراعيه يربت عليها بحنان. فالحجم الأكبر من مصداقية الحديث كان منه هو، أما الطريقة فكانت جافة عليها لأول مرة. ربت عليها بحنان تزامناً مع قوله:
"إهدي يا بنتي، إهدي. كل حاجة هتتصلح. سيبيه هيهدي مع نفسه وكل حاجة هترجع زي ما كانت."
هزت "نيروز" رأسها بالنفي ثم نبست تنفي قوله:
"لأ، هو قالها وخلاص. يعني يا مخافش يا منبقاش لبعض."
سألته بلوم، فهز رأسه يوضح ما قاله ولده:
"هو ميقصدش كده بالظبط يا نيروز يا بنتي. هو عاوزك تبقي مبسوطة ومش مرهقة نفسك ولا نفسيتك في الخوف وإنك تشيلي هم اللي جاي واللي ممكن ميجيش. بالعكس هو خايف عليكي وبيحبك وعاوزاك فرحانة وتشيليهم وتشيلي شرهم من دماغك. الحياة مش عاوزة كده يا بنتي. لو وقفتي تفكري في كل حاجة ممكن تحصل وهتحصل، مش هنعرف نعيش في راحة بال. بالعكس ده بيقرب الموت وإحنا شايلين الهم. ده حتى مش من ديننا. أحنا بنسلم أمرنا لله وبنقول إن شاء الله خير، مش يارب إيه اللي هيحصل أو أنا مستني اللي هيحصل. وإنت جيتي عنده فنقطة هو نفسه بيحاول يشيلها من عندنا. عاوز اللي بيحبهم في راحة وأحسن حال، مش بايعك بس هو عنده استعداد يعمل أي حاجة عشان اللي بيحبهم يكونوا مبسوطين. ومحاولته معاكي في كل مرة زي ما بيقول بيراضيك ويطمنك. مبيشوفش بعدها نتيجة منك. قربه منك فاكره هو أذى ليكي ومحسسه إنه مببعملش اللي عليه وهو واقف جنبك وعاوزاك متخافيش يا بنتي!"
أنصتت لحديثه بهدوء مع مسحها لدموع عينها، بينما خرجت من بين أحضانه ولم تنبس بأي حديث، بل توجهت لتخرج من باب الشقة وهي تتركه بهدوء كي تذهب وتختلي بجلستها بمفردها. تنفس "حامد" بعمق، ثم سار بخطوات هادئة يفتح غرفته حتى رآه يقف بالشرفة وهو يرفع رأسه إلى السماء مغمض العينين محاولاً أخذ أنفاسه!
"مبسوط كده؟"
أنزل رأسه بهدوء دون أن ينظر لوالده الذي اتجه نحوه، ثم رفع الكوب يضعه على الطاولة الصغيرة الموضوع بجانب من جوانب الشرفة حتى أنه لم يتجرع منه. ثم استند على السور وهو يتنهد تزامناً مع قوله الهادئ لوالده:
"أنا من ساعة ما جيت وأنا مش طايق ولا قادر لأي كلام، ولا حتى دلوقتي. فـ إمشي وسيبني مع نفسي بقا."
قالها بهدوء، صريح. فوقف "حامد" ينظر له بحزم، ثم أشار له بقوله ليعنفه:
"وأنا الوقتي مبتكلمش غير جد. فـ تحترم نفسك وانت بتكلمني. وبعدين مش قادر ليه؟ يكون عشان كنت هتموت واحد في إيدك وتروح فيه فداهية، ولا مش قادر عشان مزاجك اللي متعكر من ساعتها واللي فضل لحد ما جه عليها وكلمها بالطريقة دي وهي غصب عنها!"
طالعه "غسان" بصمت، ثم بخيبة. فلم يشعر والده بما يشعر به. هذا ما يشعر به. تنهد يأخذ أنفاسه بصوت مسموع حتى أنه تحلى بالصمت كي لا يجيب على والده ومن ثم يندم. رفع "حامد" يديه ثم وضعها على وجه "غسان" يديرها له مع قوله الجامد:
"بصــلي هنــا وأنــا بكــلمــك.."
أكمل بقوله الحاد ليفسر له ما لا يراه:
"مينفعش تبقي أم لعيالك لو مكانتش حست بكل ده. خايفة عليك وعلى ولادكم في المستقبل مش بغلطك. يمكن خوفها كتير شوية. بس عمرها ما هترجع خوفها ده ترميه للبحر من يوم وليلة. ذنبها إيه من الطريقة دي ولا حسن مزعلك أوي! والله لو حنية قلبك خلصت علينا ومعتش فايض ليها فـ سيبها أحسن عشان الست مش عاوزة إلا حنية وكلام ناعم يطمن وبس. أقل حاجة بترضيهم!"
قال أخر حديثه بسخرية منه. لم ينبس بأي حرف ليرد على والده بل تحلى بالصمت. وفقط وهو يسمعه. حتى أن تبجحه وانفعاله يمنع نفسه تلقائياً من الظهور لوالده. انقلاب الحال رأساً على عقب غريب ومريب! نظر على أثر والده وهو يدفع باب الغرفة ليخرج، بينما وقف هو يأخذ أنفاسه ببطء والأفكار تتضارب بعقله. حرك أنظاره على دخول "شادي" الغرفة بترقب، وهو يبحث عنه. فملامح وجه "حامد" كافية لشرح الموقف بعد أن رأى تهجم وجه الأخرى وهي تدخل عليهم ومن ثم غرفتها. بينما كان يجلس هو بشقتها. زفر بنفاذ صبر عندما علم هو بأنه سيجبر على القول بما حدث. لم يتركه ذلك الذي وصفه بالنحلة!!
"إتخانقتم صح؟"
لم يعير لحديثه انتباه بل التفت ينظر من الشرفة وفقط. حتى سمع قول "شادي" من جديد يهتف:
"حد يزعل مراته؟ مش دي اللي خليتك تلف حوالين نفسك؟ صحيح والله الحاجة وهي بعيد ليها لهفة كده. بس إنت اللي مش مقدر اللي معاك. بالك إنت.. لو منه معايا... هشوحها في لحظتها من هنا علطول."
قال حديثه بمرح كي يجعله يضحك. وبالفعل ضحك "غسان" بخفة، تزامناً مع قوله:
"محدش بيسلم من النكد. عملت فيك إيه هي كمان!"
"خلينا فيك. بنسلم من النكد والله لو فاهمين الواحدة اللي معانا كويس. بس أنا عارفك لما تاخد جنب بتبقى متقفل كده. قول اللي فيها يمكن أقولك تعمل إيه لو إنت اللي غلطان..."
نظر له "غسان" باستنكار ومن ثم دفعه بيديه عندما هتف من جديد:
"دا لو غلطان. ودي كده كده...أكيد. قولي في إيه؟"
وجد بأنه لا مفر من إلحاحه بجانب أذنه كي يخفف عنه. تنفس بعمق، ثم قرر الحديث بالمختصر كي يريح عقله من حديثه، متفهم هو جيداً بأنه لولا وجوده بجانبه لما كان هذا الوضع. لطالما الاثنان صديقان ورفيقان، كل منهم يفهم الآخر بل ووصل لهما الحال بأن كل منهم يفهم الآخر جيداً أكثر من أنفسهما!!
خرجت من الشقة مع "حازم" حتى تبيت اليوم في شقة "عايدة" حيث غرفة "حازم" وستقضي معهم بعض الوقت قبل الليل. رغم اعتراض والدة الاثنان بأن يذهب الاثنان إلى شقتهما، ولكن مناسبة أمس الصغيرة وخوفهم مما يتوقع حدوثه لأي منهم وهما غير موجودان، توترهم أيضاً. أغلقت "سمية" الباب بعدما خرج الجميع، حتى "وردة" ذهبت إلى غرفتها حيث تغيير ملابس صغيرها ومن ثم ذهب خلفها زوجها. تنفست بعمق، ثم توجهت تدق غرفة "نيروز" التي رأت تعابير وجهها. حاولت اخفاءها هي، حتى أنها ظهرت، ولكن لم تأخذ أي من شقيقتها أو الأخرى انتباه بسبب الأصوات والانشغال بالحديث. دقت الباب مرتين ومن ثم فتحته بهدوء وهي تدخل إلى الداخل. بينما رفعت "نيروز" يديها تمسح دموعها سريعاً. أما الأخرى فعلمت جيداً بأنها بها شئ. حركت المقعد لتجلس عليه أمامها والأخرى تجلس على طرف فراشها.
مدت يديها ترفع وجهها لتنظر لها بهدوء، ثم تساءلت بحنو:
"دموعك نازله ليه يا نيروز؟ بتعيطي ليه؟"
قالت سمية حديثها بعاطفة أمومة. ورغم هروب نيروز منها دائمًا كي لا تبكي، ولكن هذه المرة دخلت بأحضان والدتها بقوة وهي تشهق بخفوت، حتى ضمتها والدتها بقوة وشفقة دون علمها لما حدث. بل سمعتها وهي تهتف من بين دموعها:
"بيعاتبني عشان خايفة من اللي هيحصل وأنا معاه. بيعاتبني عشان خايفة من عمي ومراته وابنه وأنا معاه. أنا تعبت.. ياماما.. نفسي أرتاح بقا."
طريقة حديثها جعلت والدتها تحزن لأجلها، بل والربط بين حديثها وما أتى بعقلها كان سريع. ربتت على ظهرها بحنان، ثم هتفت بنبرة هادئة تهدأ من الوضع رغم حنقها من الذي كان سبب في هبوط دموعها:
"بصي يا حبيبتي، لو إيه اللي حصل وايه معرفتوش، بس الراجل بياخد على خاطره أوي لو حس إن الإنسانة اللي معاه خايفة في وجوده. في بقا حب وخوف عليها أو نظرته لنفسه مش راضي عنها. المهم إن الفكرة دي ذات نفسها بتوتر من ثباته عشان هو بيتوجب عليه يكون السند والضهر اللي الواحدة تكون وراه لما تخاف. فحتى لو قولتيله إنك خايفة وهو خايف عليكي فـ بردو إنتِ بتحسسيه إن معندوش ضهر ولا عارف يحميكي يا نيروز. فهمتيني؟"
رفعت أناملها تمسح دموع ابنتها بهدوء، ثم ابتسمت لها تحثها بقولها لطالما كانت هي الصغيرة المدللة وإلى الآن لا تستطيع رؤيتها بغير ذلك:
"أيوه كده فوقي وخليكي متماسكة. أنا بنتي مترجعش لورا أبداً من شوية كلام. ياما بيحصل، ولو عيشنا نشيل هم مش هتعرف نكمل الباقي من حياتنا."
نفس كلمات حامد إذن! تحتاج بأن تراجع شعورها وقراراتها من جديد. لطالما وضعت هي الخوف في كل شيء تراه. شخصيتها ليست بالضعيفة وخوفها ليس منها ولكن عليها! عليها وعليه هو وعلى مستقبلهم التي توقفه هي بسببهم! نهضت سمية بهدوء، ثم ابتسمت لها بحنو قبل أن تخرج وتتركها كما تعلم هي بأنها تحتاج لبعض الوقت بمفردها. ابتسمت نيروز بأثرها حتى سمعت هي صوت إغلاق الباب. تنفست بعمق، ثم نهضت تقف أمام المرآة وهي تخلع حجاب شعرها عنها. أمسكت المناشف الورقية تمسح وجهها ثم خلعت سترتها الطويلة عنها حتى تجلس بأريحية. بينما وقفت تنظر على شكلها أثر البكاء. أمسكت كحل العيون تضع منه بعينيها كي تخفي آثار البكاء الذي جعل شكلها منهك. ومن ثم أخذت حجاب قصير تضعه على كتفيها فقط وهي تفتح الشرفة كي تسقي الزرع. فتحتها وانحنت تأخذ الدورق كي تسقيه. بينما نظرت هي على الشرفة فوجدتها خالية بل وكوب المشروب الخاص به لم يتجرع منه ولو نقطة واحدة! التفتت وهي تتظاهر بغير الاهتمام ثم سقت الزرع بالترتيب وهي تنحني بهدوء. بينما وقفت مرة ثانية دون أن تنظر حتى تسقي الناحية الأخرى منه. ولحظة! رأت طيفه يقف من جديد وبجانبه صديقه. التفتت بسرعة يبدو أنهما دخلا لجلب شيء ومن ثم عادا. تنحنح شادي بحرج ما أن نظر لها فوجدها بدون حجاب. ومن ثم وكزه حتى تخطاه ليدخل. قلبت عينيها بملل ثم مدت يديها تسقي الزرع. بينما نظر لها غسان ومن ثم رفع أنظاره مردداً لها بنبرة جادة:
"وطالعة بشعرك كده ليه؟ البلد بتاعت أمك وبتاعتك ولا إيه؟"
قالها كي يأتي بالحديث معها وبالأخرى يريد توجيهها لشئ معين. فلم تكن الستار هابطة كي لا يراها أحد. بل وتاهت هي عن الأمر. التفتت برأسها تنظر له بغضب، ثم هتفت بجرأة:
"وإنت مالك!!"
"يمكن عشان جوزك مثلاً؟! يا تخشي جوه يا ترفعي الطرحة دي على راسك!"
قالها غسان بحزم وهو ينظر لها بجدية. بينما احتدت نظرتها من لهجته الآمرة. حتى أجابته بجمود:
"ملكش دعوه بيا ومش داخله فحته. لو وقفتي مدايقاك أوي ممكن تمشي إنتِ من هنا. وأنا القرار فـ إيدي لسه زي ما بتقول فملكش كلمة عليا."
شراستها الذي أخذ على خروجها لم تفاجئه. بل فاجئه آخر حديثها حتى نظر لها باستنكار مردداً بنبرة جادة:
"وحياة أمك! ومين اللي ليه كلمة على التاني إنتِ هتستعبطي؟"
نظر على ملامحها المتهجمة وهو يكمل بتوضيح:
"وبعدين أه القرار قرارك وأنا سايبك براحتك تفكري مش جابرك على حاجة بس ده مينسكيش إنك مراتي يا بنت.. الأكرمي!"
حديثه كان به من التهكم ما يكفي بآخره وحتى أوله. هدأ انفعالها الغير معهود بثباته لفترة طويلة. حتى أنها لم تجيبه على حديثه. حركت عينيها من عليه ثم رفعت يديها تسقي الزرع دون نبس أي حديث. قربه منه كان كافياً لاقترابه أكثر. انتشل الحجاب من على كتفها بهدوء، يضعه على رأسها. تركته يفعل ما يفعله حتى أنها لم ترفع نظراتها لتواجهه. بينما وضع يديه يرفع ذقنها كي تواجه نظراته تزامنًا مع قوله المشاكس:
"بطل واللي يزعلك يتقتل. حقك عليا!"
رفعت يديها تبعد يديه عنها بحزم، خاصة أن طبيعتها ليست من المتهاونة في المسامحة بسرعة قياسية! أجابته بهجوم غير عابئة بندمه على أسلوبه وليست طريقته:
"مش بالسرعة دي. أنا معملتلكش حاجة عشان تزعق فيا كده. أنا كل اللي قولتلهولك إني خايفة. المفروض أروح أقول لمين إني خايفة غيرك؟ حتى لو أنا فكرت بطريقة صعبة شوية بس دا ميدلكش الحق إنك تكلمني بالأسلوب ده. إنتِ مبتحبنيش!"
"أنا محبيتش فـ الدنيا قدك. وكلامي مش أسف عليه عشان أنا مقولتش حاجة غلط. إنتِ محتاجة تراجعي نفسك وتحطي نفسك مكاني فـ مرة وأنا شايفك مش واخده راحتك بسببهم وكل حاجة عندك إستعداد توقفيها لحد ما هما يوقفوا ولا لما حياتهم تقف. لا أنا ولا إنتِ ولا حتى غيرنا عندنا ميعاد محدد لـ ده."
قال حديثه بنبرة جادة مع هدوئه وهو يوضح لها. أما هي فنظرت له بصمت، تعلم أن حديثه وتعنيفه لها خوف عليها فقط وليس لصالحه بشدة. بينما تحاول هي عدم التهاون. ترددت نظراتها حتى تركت ما بيديها وهي تتنهد لتأخذ أنفاسها. ومن ثم انتبهت على صوته وهو يقول بنبرة لينة من جديد يحاول مراضاتها:
"إلبسي ننزل نتمشى وشوفي إيه اللي يرضيكي وأنا اعملهولك!"
"مليش مزاج. شكراً."
أردفتها نيروز بجدية ورسمية كي لا يظهر له بأنها وقعت بشباكه. وهي التي وقعت منذ زمن. هز رأسه بالإيجاب ثم التفت يدخل وهو يغلق الشرفة من خلفه. نظرت بأثره بدهشة حتى أنها كانت تقتنع بأنه سيظل يردف لها بحديث لين ويصر هو على رأيه في أن تهبط معه. أكان ينتظر هزة رأسها بالنفي كي يفعل ذلك؟ شعورها الآن ليس جيد. بل وستبدأ في نهر نفسها لما قالته في النهاية! دخلت إلى الداخل ثم أغلقت الباب وهي تصفعه بهدوء فقط مما دل على غيظها مما فعلته وما فعله أيضاً. توجهت تجلب الدفتر من الدرج ثم جلست مرة أخرى حتى تكتب به بقلة حيلة. بل وتمنع نفسها من البكاء. كلما تحاصر نفسها بمفردها تجد البكاء هو رفيقها. ومن ثم أصبح غسان رفيقها حتى ظهر ليمنع البكاء. وجوده إما يمنعه أو يضعفه وفي الحالتين كانت هي تستعد ومازالت تستعد وبقوة. بل والآن ذهب عقلها بالفعل لفكرة أنها ستوقف حياتها على أمر واقع ليس له وقت للزوال. ومن ثم تأذي نفسها وفقط. هبطت دمعتها عندما أيقنت بحديث الجميع بأن الخوف وبشدة ليس حل. وحتى خوفها لا يأذيها وحدها. حتى هو يتأذى أيضاً..!!
أسنده يجلس على الأريكة بعد أن جاءا من الخارج منذ قليل. عندما ذهبوا إلى المستشفى الحكومية القريبة سريعًا. ووضع شاش ملتف حول رأس حسن حتى أن جرح رأسه من بين خصلاته من الأمام قد خيط. بينما وضع كتفه وذراعه في حامل ذراعي بعد خياطة جرح كتفه الطويل الذي تفنن به الآخر. فرد ظهره بإنهاك وألم ظهر على ملامح وجهه بشدة بل وما أخذه من مخدر لم يشعره بشيء الآن. لذلك وقف آدم يقدم له بيديه الدواء المسكن حتى يجعله يتراخى قليلاً. لطالما صحة حسن في الآونة الأخيرة ليست أفضل شيء. أخذها حسن من بين يديه كما أخذ الزجاجة ثم تساءل بهدوء:
"أومال شريف فين؟"
"وقفلنا التاكسي وإحنا جايين وقالى هيجي بعدين لأن جاله تليفون شغله!!"
هز له حسن رأسه بينما سأله آدم بشفقة يلومه:
"ليـه يا حسن؟ ليه؟ ما كنا بعيد وكل واحد بعيد عن شر التاني. مبسوط باللي حصلك ده!"
نظر له حسن بصمت للحظات.
من إردافه الحديث بلومٍ وعتاب ، هز رأسه له بتعبٍ ثم أشار له بقوله مما دل على إنهاكه :
_" مش قادر يا ٱدم ، سيبني أنام ، بس غطيني!"
قالها بإنهاكٍ ، جعل "ٱدم" ينظر له بقلة حيله ، بينما جذب الغطاء من على المقعد ثم فرده عليه عندما وجده يتسطح على الأريكه بأريحيه ، ثم توجه ليغلق الإضاءه ولم يذهب عقله بالتفكير إلا عن ما يفعله "شريف" ، هروبه في كل شئ قد سبب أو يسبب لـ "حسن" الخطر ، بل وبرودة أعصابه ناحيته وبشده ، وعدم اهتمامه الذي ظهر بقوه ، حتى أنه لم يتحرك إنش واحد للدفاع عنه !!، لطالما "ادم" هو الركن الهادئ وبنفس ذات الوقت عكسه ، مما ظهر مدى جلوسه مع نفسه والتفكير بالأمر من جديد، أما الإثنان ، فأحدهما يريد الإنتقام وبقوه ، وأحدهما لا يمل من نشر شره ، بل ومن الواضح أنه يعشق التحدي وأن القادم ليس مبشراً ..!!
___________________________________________
أغلق "غسان" باب الشقه بهدوءٍ وهو يحمل الكوبين بيديه على صينيه صغيره ،. فقد تركت هي كوبها ، ولم يتركها كذلك ، حثه صديقه وبقوه على فعل ذلك وهو يراجعه ، بينما كان سيأخذ وقته هو ويعود ، أما الخطوه فكانت سريعه بسبب "شادي" ، دق باب شقتها عدة دقات حتى إستغرق لحظات ومن ثم فُتح الباب بواسطة "سميه" التي حدجته باستنكارٍ ، تنحنح يجلي حنجرته ، ومن ثم دخل عندما إبتسمت بتكلفه لكي يدخل ثم أغلقت الباب ، فالتفتت له تطالعه باستغرابٓ حتى قالت قبل أن يتحدث هو :
_" مزعل بنتي ليه يا غسان ؟"
عقد حاجبيه بهدوءٍ ثم نظر له حتى يجيبها :
_"أنا مزعلتش حد ، هي بس محتاجه وقت ، وأنا مش قولتلك مش هاجي عليها ؟."
نظرت له "سُميه" بتمعنٍ ثم حركت رأسها ، بينما هتف هو من جديد يستأذن:
_"ممكن أدخلها الأوضه ولا حرام وكده ؟"
قالها "غسان" بجديه شديده حتى أنها اقتنعت بأن حديثه جاد وليس ساخر من داخله ، هزت رأسها بالايجاب وباستنكارٍ من عدم فهم ما يفعله ذلك الغير مفهوم تصرفاته بل وحديثه بالنسبه لها ..! ، اتجهت ناحية المطبخ بهدوءٍ وهي تنظر على الغرفه بتمعن حتى تفتح له ، بينما وقف يدق باب الغرفه بهدوءٍ حتى أذنت للطارق بالدخول دون أن تعلم هي من الطارق ، فتح الغرفه ثم دخل وهو يلتقت ليغلقها من خلفه ، بينما رفعت أنظارها بهدوءٍ ومن ثم شهقت شهقه خافته وهي تنهض تنظر على قدومه بدهشه ، طالعها بتحدي ، من المفترض بأسفٍ !! ، وقفت ترسم على ملامحها الجديه وهي تقول :
_" إنتَ خدت عليها ورجلك بقت تجيبك لأوضتي كتير !!"
كبت ضحكته ، ثم توجه يسند ما بيديه على الطاوله ، حتى وقف أمام وجهها يطالعها بتسليه ثم أجابها اجابه تحاصرها :
_" على الأقل تعبانه وجايه أشوفك ، مش واحده جايه ودخلت أوضتي من غير ما تخبط ووقفت ورايا بتبص عليا وأنا بغير هدومي !!"
انتظر تعلثم نظراتها في المكان وحتى حديثها ، ولكنها فاجئته عندما أجابته بجمودٍ :
_" والله انتَ اللي أطرش ومبتسمعش ، عشان أنا خبطت عليكّ وإنت ولا هنا ، والحق عليا عشان كنت داخله أشوف مالك !"
لامس أخر حديثها قلبه ، حتى أنه رفع يديه يمررها على خصلات شعرها بحنوٍ وهو يجيبها بنفس حروف أخر كلماتها :
_" لا الحق عليا أنا عشان طريقتي مكنتش ظريفه ، بس أنا عاوزك تبقي كويسه وأشوفك فرحانه من غير ما تشيلي هم ، يمكن صوتي عِلى بس مكنتش بفكر فـ حاجه ألا ليكي وعشانك .."
صمت عندما إستشعر بأنها ستلين ، بينما رفع أنامله يمسح كحل عينيها الخارج عن إطاره ثم هتف بنبره مرحه يتغزل :
_" هو أنا قادر على عيونك من غير كحل عشام تكحليهالي ، المفروض أعمل ايه دلوقتي بقا ..!!"
عقدت حاجبيها مع رجوع ابتسامتها الصغيره وهي تتساءل :
_" تعمل إيه مش فاهمه !"
هز "غسان" رأسه بصبرٍ لها ثم نبس بكمله واحده يجيبها :
_" هفهمك!"
وما أن قالها رفع ذراعيه يضمها إليه بقوه حتى يأخذها بعناقٍ مُريح ، ليريح أعصابه قبل أن يعبر لها عن أسفه ، رفعت ذراعها بتردد ثم غلبته وهي تربت على ظهره من الخلف ، حتى وجدته يهتف وصوته قريب من أذنها عندما وبخها بقوله :
_" كنتي بتقولي بقا إن أنا مالي بيكي ، ومليش كلمه عليكي ، وأطرش مبسمعش وإيه كمان !"
خرجت "نيروز" من أحضانه ثم نظرت له باستنكارٍ من بين ضحكاتها :
_" قلبك اسود أوي يا بن البدري !"
_" مش أسود من قلبك والله يا بنت الأكرمي !"
قالها باستفزازٍ وهو يطالعها بتسليه ، حتي شهقت هي شهقه زائفه ، بينما أشار هو. على رأسه وهو يتذكر بقوله :
_" قلبي إسود لدرجه إني لسه منسيتش جزمتك القتاله اللي صابتني فـ راسي ، لسه فاكر إن أنا غسان المبطوح منك .. بس فـ قلبي "
غمز لها عقب قوله ، فضحكت هي بخفه ، فابتسم "غسان" لها وهو يهز رأسه قائلاً بمرحٍ مع تصفيق يديه الحار :
_" أيوه كده..خلى ريما ترجع لعادتها القديمه !! "
ابتسامه حانيه ظهرت على وجهها له ومن ثم تلاشت تدريجياً عندما وجدت صوت هاتفه يعتلي بجيب بنطاله ، حرك رأسه ثم وضع يديه بجيب بنطاله يأخذ الهاتف حتى نظر إلى شاشته وهو يعقد حاجبيه. من ثم ضغط على زر إختفاء الصوت ، عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل وهي تنظر له قائله :
_" مين ؟"
إبتسم لها ابتسامه زائفه ، ومن ثم حاول وضع هاتفه مره أخرى بجيب بنطاله حتى أوقفته هي بحركه يديها وهي تنظر له نظرة ليست هينه ، أيقن هو أن شراستها قد أُخذت منه مع الجرأه بعد أن تيقن بأنه مُحاصر الٱن ، أخذت الهاتف من بين يديه ثم ضغطت علي زر الفتح من الجانب حتى وجدت مكالمه فائته من " مدام إنچي الجامده "، فتحت عينيها على وسعها ثم شهقت بقوه وهي ترفع أنظارها ، فوجدته يقف ينظر لها بثباتٍ ثم حرك كتفيه مردداً بتبرير ٍ يعلن عن برائته :
_" والله مش أنا اللي مسجلها كده !"
نظرت له بغيظٍ ثم رددت بحنقٍ وهي توكزه بالهاتف في كتفه :
_" وهي بترن عليك ليه مادام انتَ مش مسجلها وسايب الناس تسجلك الأرقام ، ومسجل رقمها ليه أصلاً ، ده طبيعي!!"
كان حديثها ساخر لدرجه كبيره ، أخذ "غسان" الهاتف من بين يديها ثم وضعه بجيب بنطاله وهو يجيبها بنبره هادئه ظهرت لها برود :
_" أه طبيعي عشان أول ما جيت الشغل كان في حاجات كتير محتاج يتسأل عنها ، ده غير إن مكنتش عارف اجي وجيت بعد تقديم طلب وهي اللي اختارته ، يعني الأمور دي مش بتمشي بالصحاب عشان شادي صاحب الشغل! ، كانت بتبعتلي ورق وحاجات ولما قدمت على الأجازه مروحتش شادي اللي خدهالي منها فـ بعتت رسايل تشوفني كويس ولا لأ بمنتهي الإحترام وانا اللي مردتش ولما مردتش رنت ، حاجه تاني ؟"
قال "غسان". حديثه بتوضيحٍ بينما طالعته هي بصمتٍ مستنكر ثم هتفت تواجهه :
_" وكل ده مبرر يخلي إسمها مدام إنچي الجامده !"
حرك رأسه وهو يضحك بخفه مع نفاذ صبره ثم أجابها مجدداً يسب صديقه بسره :
_" اديكي قولتي. مدام يعني متجوزه ومش معنى إنها حلوه يعني هبصلها ، وبعدين شادي اللي سماها كده ، أنا كنت مسميها مدام انچي بس!! "
تغتاظ في كل مره من قرب "شادي" منه بل يجعله وقحاً ولا مانع من أن ترى تبجحه حتى في تسجبل الأسماء. .!!، نظرت له بحده ثم التفتت تفتح الدرج وهي تخرج منه دهان مرطب ، عندما كانت تتوجه في الصباح لتجلبه قاطعها هو ، فتحته بيديها ببطئ بسبب حركة ذراعها ثم أشارت له بيديها بأن يرفع رقبته لأعلى ، تفهم ما ستفعله هي حتى رفع رقبته ثم وضعت من الدهان على أناملها تتحسس جرحه البسيط ، انتهت هي ، فمد يديه يمسك الكوب ثم وجهه لها ببسمه صغيره مع قوله الهادئ.
"امسكي اشربي!"
أمسكت الكوب بهدوء، وتعابيرها خالية، بينما جلست هي بغير اهتمام. حتى وقف يطالعها بحب، ثم جلس على الأريكة من أمامها قائلاً بغمزة عين حتى تلين:
"جرا إيه يا واخد قلبي؟ ما تيجي تقعدي جنبي!"
ضحكت "نيروز" من عبثه حتى ارتشفَت من الكوب، ثم وضعته بجانبها بهدوء، مع خروج ضحكتها أخيراً. سمعت هي نبرته المقترحة لها مجدداً عندما قال:
"لسه مش عايزة ننزل نتمشى وأجبلك حاجة حلوة كده؟"
ترددت في الإجابة، خاصة أنها تشعر بسكون جسدي أثر الدواء. خرجت نبرتها تتحدث لتجيبه بابتسامة:
"المسكن مهبطني ودماغي مش مظبوطة كده. ينفع تخليها بكرة؟"
تحرك يجلس بجانبها بخفة، ثم رفع يديه يربت على ظهرها بحنان، تزامناً مع قوله:
"خلاص مش مهم، خليكي مرتاحة!"
ابتسمت له "نيروز" بحنو، ثم أشارت له بالاعتدال. حتى مدت يديها تأخذ الهاتف من جيب بنطاله بجرأة، ثم أشارت له بأن يفتحه. ضحك وهو يأخذه منها، ثم وضع إصبعه على مكان البصمة حتى فُتح. وما أن فُتح وجد صورتها العفوية معه في يوم زفاف شقيقتها. طالعتها بفرحة، ثم التفتت تنظر له بتأثر، فوجدته يتحدث بمرح:
"وربنا القلب خالي من أي أنثى غيرك!"
غمزت له بإعجاب، ثم مدت يديها تغير الاسم إلى اسمه الأول "مدام إنجي". علم بأنها ليست بهذه السهولة أو ما يظهر عليها عكس ذلك. هز رأسه برضا، ثم اعتدل في جلسته عندما وجدها تفتح الكاميرا الأمامية، ثم رفعت يديها موضع التصوير. فوجدته يضع يديه على كتفها وهي تجلس بجانبه، ثم ضمها له كي يأخذ الصورة. بل وعندما فتحت الفيديو تفاجأ هو عندما تحدثت وكأنها تحدث المتابعين المجهولين الذي ليس لهم وجود من الأساس. حتى هتفت بقولها المرح وهي تشير عليه بعينيها:
"إزيكم يا جماعة. الباشمهندس غسان البدري يخصني. نقول تاني. غسان البدري يخصني وأي حد هيتشقلب، هيتدحرج ودماغه توزه يروح نواحيه هقطع وشه!! عال؟"
وما أن قالتها "نيروز" بضحك، امتزج مع ضحكه الشديد، حتى أنه هز رأسه بالفيديو وهو يقول من بين ضحكاته:
"عال يا جماعة!"
تركت الفيديو مفتوحاً بعفوية، حتى أنه توجه يقبلها من وجنتيها بمرح، مع حديث عفوي ليس له علاقة ببعضه. بينما فتح الفيديو لدقائق، حتى أنها توجهت بآخره تقبله من خده بحب. فضمها إليه بسعادة بالغة. وانتهى الفيديو بعناقهما وهما جالسين. وما أن انتهت الضحكات أخيراً بعبث مما حدث، هتفت هي من بين ضحكاتها بآخرها:
"ابعتيلها الفيديو بقا!"
ورغم تفهمها لما حدث، لكنها تمزح. هز رأسه من بين ضحكاتهما، ثم هتف يوضح لها بمرح:
"هي فعلاً متقصدش حاجة، ده هي مجتهدة وبتحب شغلها أوي. كبري دماغك منها، وتعالي أقولك أنا نفسي أعمل إيه!"
هزت "نيروز" رأسها بتفهم، ومن ثم عقدت حاجبيها بتساؤل. فأمسك هو الهاتف، ثم ضغط على أغنية معينة تشرح حالهما وشخصية كل منهما بشدة. وقبل أن يصدح صوت الأغاني قال لها بوضوح:
"هنرقص!"
نهضت بحماس، حتى سمعت صوت الأغنية الهادئة يخرج من هاتفه بصوت متوسط، تزامناً مع مسكه ليديها بحنان، ثم رفعت هي الأخرى تضعها على كتفه، ويديه هو الأخرى أسندها على خصرها وهما يهتزان معاً بهدوء، غلفه المرح والحب على الكلمات الآتية:
"اتمشى معاها ونتكلم
أضحك واحكيلها وتحكيلى
لحد الدنيا أما تضلم
أسكت فتقول طب غنيلى
أغنى فاشوف لمعة عينها
فلاقيها تصلى وتدعيلى
أتوشوش كده بيني وبينها
عن سهر الحب ولياليله
أطمن كل اللي شاغلها
منا صايع أصلي في حواريه
تسرح وتقول عرفاك شاعر
تلعب بالكلمة و تفاصيلها
تسلك في متاهة يا واد شاطر
تحبكها و ترجع تلايمها
أنا أصلاً مشكلتي في عينها
تاخدني بلاد و توديني
وبلادي اللي أنا أصلاً منها
بايعاني و بتطلع عيني.."
كانت الحركة بخفة وهو يبتسم باتساع، حتى أنه ردد الجزء الذي يشرحها، كما كانت تردد هي الجزء الذي يشرحه. انتهت الكلمات، وما أن انتهت توجهت بنفسها تدخل بين أحضانه وهي ترفع ذراعها السليم تحاوط خصره من أعلى حتى التفت على ظهره بتشبت. ثم تنفست بعمق. شعرت بالأمان يحاوطها، كما شعر هو بالارتياح. أنزل رأسه يهبطها، حتى يهمس بجانب أذنها بقوله الذي اخترق سهام قلبها:
"كل جميل هي نيروز، وما جميل رأيته إلا سواها. والله العظيم!"
ابتسمت باتساع وهي تخرج من أحضانه، تزامناً مع تنفسها بعمق. ثم وكزته بمرح، قائلة بغمزة عين:
"ثبتني يا بن البدري!"
ضحك بخفة وهو يتوجه ناحية وجهها ليقبلها من وجنتيها للمرة الذي لا يعرف هو عددها. وقبل أن يتوجه ليفعل ما نواه، وجد سوارها متوجهاً ناحية عنقه وهي تطالعه بتسلية مرددة بمكر:
"متاخدش عليها واحترم نفسك بقا!"
نظر لها "غسان" بتحدي، ثم رفع يديه يهبط من يديها مع ابتسامته العبثية. ثم غمز لها بقوله:
"طب ما إنتِ بوستيني وفـيديو؟ نروح بقا نوريه لحامد ودلال ووسام وأمك وأخواتك والعيلة كلها وننشر البهجة كده.."
ضحكت "نيروز" ضحكة عالية وهي تتظاهر بالشر، ثم تركته وهي تتوجه لتلف أمام المرآة، تزامناً مع قولها:
"هو أنا مش قولتلك مبتخافيش يابن البدري؟ عادي أنا عملت إيه أخاف منه!"
هلل بقوة، ثم صفق وهو يهز رأسه بتشجيع:
"عال أوي! أنا عاوزك كده علطول ميهزكيش أي حاجة مادام إنتِ في السليم ومعايا."
ابتسمت بهدوء، ثم مدت يديها تجذب هاتفها وهي تشير له، حتى جاء ليقف بجانبها لتأخذ صورة لهما كما أخذت هي بهاتفه. أخذت الصورة وهو يقف من خلفها ويديها على كتفيها بهدوء، حتى أنه كان ينحني لتأتي رأسه في الصورة. أغلقت الهاتف، ومن ثم اعتدل هو وهو يتوجه ليأخذ الكوبين، معتدلاً بوقفته بعد أن أخذ الهاتف يضعه بجيبه، ثم قال بهدوء:
"أنا همشي أنا بقا، عاوزة حاجة؟"
وقفت أمامه مباشرة، ووجهت عينيها لتواجه عينيه بتمعن، حتى قالت بنبرة صادقة تعكس تحول حالها:
"عاوزاك مبسوط، وعايزة أقولك إن في وجودك الراحة عمرها ما بتسيبني!"
مال ليقبلها، لطالما هي كانت تقاطعه عن فعلها. ثم استقام يعتدل، مرددًا بإطمئنان:
"منه لله قلبي اللي خلاني نحنوح وشمتهم فيا، بس انتِ حبيبتي القديمة والجديدة، واللي لسه مكملة يا نيروز. وراحتك من راحتي، ولو مش مرتاحة مش هبقى مرتاح. سلام يا رزقة!"
ضحكت نيروز بخفة وهي تنظر له يفتح باب الغرفة حتى رحل وتركها مفتوحة. لم تمر سوى لحظات حتى ظهرت سمية من على بعد تقف، بينما تنفست بارتياح عندما وجدت ابتسامتها الواسعة وبقوة!
***
الفرحة لم تسعه منذ أن حدثه حازم. ووجوده الآن مع والدته المسطحة على الفراش وشقيقته الجالسة بجانبه يفرحه. حتى أنه ضحك بما فيه الكفاية عندما وجد زغروطة خرجت رغم ضعفها من فم والدته رغم تعبها، وملامح وجهه التي ظهرت وبقوة بأن السعادة امتزجت بالتعب حتى غلبته. ابتسمت حنان بتعب، ثم حاولت أن تظهر سعادتها له أكثر رغم تعبها، حتى قالت بوضوح بعد مباركتها:
"ربنا يفرحك يا حبيبي. خد فرح معاك بكرة، بس والمرة الجاية أكون بقيت أحسن شوية. وربنا يجعل في وشكم القبول لكل اللي هتشوفوهم."
حرك عز رأسه بتفهم، حتى أنه عارضها قليلاً، ولكنه أيقن بأن موعد غد لا يضمن هو إعادته. بل ولم يتوقع قبول حازم ووالده بهذه الطريقة. لا يعلم هو ماذا ينتظره في الغد. تحدثت فرح بسعادة تجيبهم بنبرة مبهجة ظهرت لهما بحديثها:
"طبعًا هكون معاه. هو محدش يملى مكانك، بس أنا وعز منتظرينك تبقي في أحسن حال، عشان لو في خطوة كمان غير الخطوبة وهم جاهزين، نفرح بقى ونهيص!"
ابتسم باتساع، ثم أخذها تحت ذراعه يحتضنها قائلاً بحديثه الطبيعي الذي لا يمل ولا يكل من قوله:
"ربنا يخليكم ليا، وأفضل سندكم طول العمر!"
أمسك يد والدته بحنو، وشقيقته أسفل ذراعه وكأنه يمتلك الآن الأرض وما عليها من الرضا. بل ومن المفترض بأن تكون بداية خطبته غدًا. لا مانع من كبت السعادة. الأمل يغمره من جديد ولو ذرة بالشئ، بعدما كان منهكًا يفكر بكيف سيخرج من دوامة الوجع وظهور شقيقه. يفكر بكيف سيقضي بقية يومه في الصباح عندما شعر بضيق الأركان عليه. حتى عمله لم يعطه فرصة لأخذ أنفاسه وقسط من الراحة النفسية قبل الجسدية. يجاهد مع مكافحته. وقل للذي يجاهد من أجل العيش وحمل المسؤولية بأن ما يفعله لا يقدر بثمن، حتى وأن رفع له مثال من الذهب الخالص. هو "عز" ومهما حدث له عزة نفسه لا تقل أبدًا. تيقن هو جيدًا بأن الصبر على ما لا يريده يأتي بآخره ما يريده هو وبقوة. ويا ليت للإنسان كل ما يريده دون تغيير. أما لو تجمعت الأنظار عليه وتمعن كل منهم النظر على ما يفعله وما فعله وما ضحى به من حقوق لديه من أجل والدته وشقيقته، لم يكن القول سوى بأنه "عز الرجال".
***
ظهر اليوم التالي، حيث شقة حامد الآن. جلس البعض على المقاعد الملتفة حول بعضها في الصالة، بعدما جاء شادي من الخارج. بينما جلس غسان بجانب والدته، وشادي يجلس بجانب حامد. كان الحديث غير مهم للدرجة شديدة الانتباه، حيث كان شادي يمسك هاتفه ينظر له باهتمام، وهو يكتب على برنامج الواتساب لأحد الأرقام ليجيب على السؤال بـ:
"دخلت على اكونت غسان وجبت بيدچ نيروز وقومت جبت أكونت جميلة ودخلت على الأصدقاء عندها لحد ما لقيتك وشوفت الرقم ظاهر عندك على الفيسبوك. ها حنيتي؟"
لم يستغرق لحظات، ثم نظر على مضمون الرسالة المرسلة له:
"بتتعب نفسك ع الفاضي والله يا شادي بيه. سلام."
وما أن قرأ الكلمات وجد صورتها قد اختفت، وحتى إرساله الرسالة لم تصل حتى تستلمها، مما يعني بأنها قامت بحظره. ضرب ساقه بإنهزام في ذلك الأمر، ثم أغلق الهاتف بضجر وهو يضعه بجيبه. ثم حرك عينيه فوجد الجميع ينظر له بتمعن، ما أن فعل حركته المسموعة. حتى وسام التي خرجت تجلس هي الأخرى. تفهم غسان ما حدث وهو يكبت ضحكاته. بينما تساءل حامد وهو ينظر له قائلاً بتساؤل:
"فيه إيه ياض!"
صمت شادي بخيبة، ثم رفع أنظاره يسألهم بجدية شديدة وكأنه فقد ألاعيبه في إيقاعهم:
"لو أنا معجب وواقع ومش عارف أعمل إيه! أعمل إيه؟"
قالها بجدية شديدة للغاية، في حين حركت دلال رأسها بقلة حيلة وهي تضحك كما ضحك حامد. بينما رفعت وسام كفها تصفق مع خروج نبرتها وهي تلحن وبنفس الوقت تعطيه الإجابة، مما جعل الأنظار تتوجه ناحيتها ببهجة:
"لو قلبك غرقان في غرامها.. ليه تستنى وتقف قدامها؟ قول وعيد وزيد قول عشقان. لو نفسنا دلوقتي فـ حاجة ليه نستنى دي تبقى سذاجة. نفذ حالا فوراً والآن، ما قبل أي حد تاني. ليه نستنى لو لثواني.. وإحنا بإيدينا نعيش بمزاجنا أحلى كتير!"
كانت تصفيقها هادئ مع خروج كلماتها بمرح، حتى أن غسان شاركها في التصفيق ونهض شادي يتراقص بمرح. وما أن انتهت، اعتدل هو ثم أشار لها بيديه بالإعجاب تزامناً مع قوله المريح:
"كلام ميه ميه. بس أعمل إيه بقى؟"
سمع صوت ضحكاتهم، فعاد هو يجلس مرة أخرى ثم تنهد يخرج أنفاسه، بينما حدثه حامد بهدوء يعرض عليه:
"مش ناوي بقى تتجوز يا شادي وتعقل وتعمل زي صاحبك اللي وقع ومحدش سمى عليه ده!"
ضحك الجميع في حين خرج.
صوت "غسان" المتنحنح وهو يجلي حنجرته قائلاً بإعتراض:
"طب صاحبه قاعد ساكت ومؤدب أهو متكنشنيش بقا!"
"يا حامد غسان ده واقع من عمارة سبعين دور دا أنا قعدت أقوله يروحلها يصالحها إمبارح بدل ما معرفش أنام ويقعد يعيطلي بقا وأنا عندي صداع!"
ضحك "حامد" عالياً على حديث "شادي" في حين فهمت "دلال" ما قصده بسبب علمها المختصر من زوجها، أما "وسام" فلم تفهم شيئاً. انتبهوا هم على صوت "شادي" مرة أخرى وهو يهتف بجدية يجيبه:
"لا بجد بفكر فعلاً في الموضوع ده."
صمت ثم واصل بإندفاع:
"ما تيجي معايا نخطب منه!"
تبدلت ملامح "دلال" للفرح ثم ردت بغير تصديق:
"بجد يا شادي؟ قول إنك بتتكلم جد!"
لم يعطيه "غسان" فرصة للرد، بل أجاب هو بنبرة معارضة يتحدث:
"جد إيه وبتاع إيه؟ هو شافها وعرفها فين عشان يخطبها؟ هو أي كلام!"
صمت "شادي" بينما خرج صوت "حامد" العقلاني يردد لهم وبالأخص للأخير:
"لا مش أي كلام، بس بردو مش لازم يشوفها بتاع ستين مرة عشان يعرفها ويخطبها. هو لازم يحبها عشان يروحلها ولا إيه؟ مش كل الجوازات حب، وهو قال إنه معجب بيها يعني لما يخش البيت من بابه أحسن من الهبل التاني ده، ويخطبها بالحلال وبعد كده الوقت هيخلق الحب ده. ده حتى يعقل بقا. وبعدين الحب مش لوحده اللي بيخلي الواحد يروح ياخد خطوة. عشان كده ناس كتير بياخدوا خطوة الجواز من الحب بس وبعد كده بنلاقي صفر تفاهم وتقدير. أهم حاجة التفاهم وكل واحد يقدر ويفهم دماغ التاني. ساعتها الحب الأساسي بيزيد مش بيقل أو بيفضل زي ما هو..!"
حديثه كان من تأييد زوجته، بينما هز "شادي" رأسه، فأجاب "غسان" بتبرير كونه يفهم صديقه بقوة:
"أنا مبعارضش النقطة دي، أنا عاوز الوقت يبقى من ناحية شادي. مش قصدي إنه يحبها الأول وبعدين ياخد خطوة. هو عرفها إمتى؟ وهيستحملها أساساً ولا لأ؟ وهو مؤهل للجد ده دلوقتي؟ اللي قولته إنه لازم يفكر الأول عشان لما ياخد الخطوة ميفشلش فيها وتأثر عليه بعدين. وبعدين منه مين اللي يخطبها دي هتصبحوا بعلقة وتمسيه بعلقة. دي ضرباه فـ وشه أهو!!"
حرك "شادي" نظراته بحرج زائف ثم وضع يديه على وجهه لوضع الخجل، فنظر له الجميع للحظات، ومن ثم تعالت الضحكات بقوة. وما أن انتهت، تحدث "شادي" من بينها قائلاً بتفكير:
"إنتوا الاتنين عندكم حق، وكمان غسان عنده حق فالنقطة دي. يمكن لما أبعد وأقعد مع نفسي أفكر كده. ولو لقيت نفسي مشغول بيها أوي والموضوع فارقلي. هرجع وهبقى أقولك نروح نخطبها وأشوف حياتي بجد بدل الوحدة دي. الواحد فعلاً محتاج يدي وقت لنفسه يفكر مش كلام!"
"عـال يا شوش!"
غمز "غسان" عقب حديثه، ثم بادله الغمزة صديقه تحت ابتسامة الجميع الواسعة، خاصةً بعدما أيده "حامد" في حديثه بعاطفة أبوية شديدة. نهض "شادي" يفتح باب المنزل بعدها سمعوا صوت دقات الباب، حتى أنه أشار لـ "غسان" بأنه سيفتح هو. وما أن فتحه ظهرت هي بابتسامتها الهادئة وفي يديها صحن من الحلويات التي أعدته والدتها وحثتها على القدوم به. أفسح لها "شادي" الطريق ثم أوقفها سريعاً وهو يمد يديه ليأخذ من الطبق تزامناً مع قوله المرح:
"لازم أدوق قبل ما صاحبي وعيلته يتسمموا ولا حاجة!"
طالعته "نيروز" بدهشة من حديثه الغير عابئ بمدى تبجحه، ومن ثم سمعت هي صوت الضحكات العالية من الداخل.
"تعالى يا روز!"
قالها "حامد" كما قالتها زوجته وابنته، بينما أفسح لها "غسان" المكان لتجلس بجانبه، حتى وضعت الطبق على الطاولة من أمامهم ومن ثم جلست بجانب "غسان" الذي لم يحرك عينيه من عليها، بل أول سؤال سأله لها وهو يثبت عينيه على ذراعها:
"خدتي الدوا؟"
هزت رأسها بالإيجاب، في حين أمسك كل منهم الطبق ليتذوق. بينما هتف هو مرة أخرى بغمزة عين:
"شفتي بوست الفيسبوك؟"
قال حديثه بمراوغة حيث أنه وضع صورة يديه ويديها بارتدائهما خواتم الزواج ثم كتب عليها: "الحمدلله التي تتم بنعمته الصالحات، كتبنا الكتاب". ومن ثم الدعاء وحديث معسول باللباقة كي يشهر أكثر زواجهما. أما هي فابتسمت ما أن رأته حتى أن المنشور كان مبهجاً لحد كبير حيث عدد الفرحة التي توجد به من جميع زملائه وأصدقائه، وحتى صديقاتها وزملائها كانت كثيرة. أومأت له وهي تهز رأسها ثم قالت بتوضيح:
"شفتها طبعاً. وحطيت إستوري واتساب لينا وإحنا واقفين فالمرايا."
ضحك "غسان" بخفوت، ثم تحدث بثقة وهو يميل برأسه ناحيتها متحدثاً بنبرة هادئة عبثية:
"ما أنا خدتها وحطيت قلب على صورتك."
نظرت له "نيروز" بغيظ، ثم هتفت بسخرية من كونه يفعل أشياء لا تحبذها الفتيات في موضعها:
"قلب!! بتحط قلب عليا!"
"بغير عليك، وعشان الصورة كانت بشعرك، وأنا عندي ناس كتير صحابي، أوريهم شعرك وكلك وأبقى بقرون بقا ولا نعمل إيه؟"
ظهر لها أمس بأنه حذر في ذلك الموضوع حتى تنبيهه على دخولها من الشرفة بسبب خصلات شعرها التي كانت بدون حجاب. نظرت له بإقتناع، حيث وضعتها هي بسبب عدم وجود غريب لديها على البرنامج!! تحدثت تجيبه بتحدي كي لا تذهب الفرصة وهو غالب:
"طب وبالنسبة لمدام إنجي الجامدة اللي الأستاذ شادي مسك تليفونك وسجلها دا غير الرقصات اللي حضرتكم كنتوا قاعدين ومندمجين أوي!!"
حرك "غسان" رأسه ضاحكاً. ثم فهم هي ما تعنيه جيداً بالشق الأول من حديثها. تحدث يجيبها بهدوء بعد أن انتهى من ضحكاته:
"أولاً محدش بيمسك تليفوني ولما كان معاه كنت أنا فاتحاله يشوف ورق معين فـ راح مغير الاسم. تاني حاجة بقا من أول ما كان ليكي صورة على تليفوني ساعة فرح حازم وياسمين، حطيتها فـ ملف لوحدها وبرقم سري يعني صور إمبارح آتحطت معاهم كمان. أما بقا الرقصات فـ كانت على تليفون شادي. أنا مش مراهق يعني عشان كل ساعة أشوف رقاصة دي كانت مرة وتوبة. دلوقتي عندي اللي ترقصلي إن شاء الله..بس الصبر!"
رفعت يديها توكزه بصدره ثم ردت بتعنيف:
"عشان لما أقول إنك قليل الأدب وسافل تبقي تعترف على نفسك متقولش أنا!"
قلدته بطريقته بٱخر كلمة، بينما تعالت ضحكاته هو ومن ثم إلتفتت برأسها عندما وجدت "حامد" يسألها بإندماج:
"حلو الجلاش ده أوي يا روز. إنتِ اللي عملاه؟"
كادت أن تجيبه بينما وجدت "شادي" يشير بغير اهتمام ثم تحدث قبله بمزاح:
"يا شيخ رايح تقولها إنتِ اللي عملاه! أكيد هتقولك أه أنا وبتاع مدام حماتها قاعدة بقا والشغل ده!!"
تكتم غيظها منه لفترة. ابتسمت هي باستفزاز ثم أجابته بشراسة غير معهودة بالنسبة للجالسين:
"مش هكذب وحماتي عارفه إن مش أنا اللي عملاه. كفاية تاكل منه انتَ وتقول رأيك. بالهنا والشفا.."
شراستها مختفية بإسلوبها اللطيف. بل وأحرجته وهو الذي لا يشعر بالحرج بل متبجح من الدرجة الأولى. ضحك الجميع بقوة أما هو.
رسم على ملامح وجهه الرهبة وهو يرفع يديه باستسلام مرددًا وهو يوزع نظراته بينها وبين "غسان":
"ده في غساسين كتير والوضع ميطمنش!"
ابتسمت "نيروز" باستفزاز. في حين هتف "غسان" بثقة وهو يرفع يديه يضعها على كتفها بتشجيع:
"أومال إيه؟ كوبي بيست خلاص؟ التوأم التالت دي؟ فخليك بعيد عشان مش هنعيد!"
هز له "شادي" رأسه بالإيجاب. في حين هتفت "وسام" بمرح:
"لو قلبك مات متجيش على إتنين غساسين!"
"الواحد بقى يخاف على ولاد ابنه في المستقبل؟ ربنا يستر يا رب."
ضحكت "دلال" على حديثه في حين ضحك الجميع. فهتفت الأولى تدافع عن ولدها قائلة:
"والله ما هتلاقي زي ابنك وحلاوة ابنك. اسكت مفيش زيه ده. قال تخاف قال."
نظر لها "حامد" باستنكار. في حين وكز "غسان" "نيروز" ثم غمز يقول بمرح وهو يشير بيديه على والدته:
"إلحقي بتعاكسني. نوريها الفيديو ولا إيه؟"
ضحكت "نيروز" عالياً. بينما هتفت "وسام" تجيبه بمشاكسة:
"ما تعاكس يا غاس. حقها. ما إنت إنتاجها يعم. مش شايف نسخة منها إزاي."
حركت "نيروز" أنظارها تدقق النظر على ملامح وجههما. فالتشابه بينها وبين توأميها قريب جداً. ابتسمت بإعجاب ثم هزت رأسها بتأييد لحديث الأخرى. ابتسم الجميع باتساع. ولم تكن سوى لحظات. ونهضت "دلال" بينما جلس "حامد" يستمع لحديث "شادي" الجاد:
"أنا إن شاء الله. همشي بكرة بقا عشان أشوف الدنيا اللي اتقلبت ورايا دي. هتوحشوني. بس هرجعلكم تاني قريب إن شاء الله."
كان يعلم "غسان" بينما عارضه "حامد" بحديث جاد مُحب بعاطفة أبوية:
"ما تخليك يا شادي. هو حد اعترض؟ ربنا اللي يعلم إنت عندي إيه وزيك زي ابن الكلب اللي قاعد ده بالظبط!"
كبتت "نيروز" ضحكتها بينما نهض "غسان" بهدوء تزامناً مع رده على والده:
"طب وليه الغلط؟ أنا سايبلك المكان أهو وماشي!"
ابتسم "حامد" كما ابتسم "شادي". بينما أمسك "غسان" يد "نيروز" ناحية شرفة الصالة. حتى دخلا الاثنان أخيراً. ووقف هو بهدوء. وهي تطالعه بصمت. حرك عينيه ناحية عباءتها السوداء من أعلى لأسفل. بينما رفعت هي وجهه بغيظ. تركزها على وجهها ثم نَبَسَت بثقة:
"خليك معايا هنا. قول إنت عاوز تقول إيه!"
ابتسم "غسان" بعبث. ثم حرك عينيه باستغراب من كونها تفهمه بعد الآن:
"مش عاوز أقول حاجة. عاوزك بس تفكري كويس ومش معنى إن الموضوع اتقفل يبقى كده خلاص. عاوزك تقفي وتواجهي إحساس الخوف والتردد من جواكي. أنا مش عاوز غير كده بس. لأن عمري ما هغصبك على حاجة إنت مش عايزاها. لو نأجل كام سنة كمان معنديش أي مشاكل. المشكلة عندي سبب تأجيلك لو كان خوف منهم ومن اللي جاي. عشان وجودك معايا مش هيغير حاجة غير إني بحاول في كل مرة إنك متخافيش وتبقي في أمان. وأنا معنديش غير حبي ليكي وخوفي عليكي.."
رفعت عينيها تقابل عينيه. ثم ثبتت نظراتها بها حتى استشفت مدى صدق كلماته. تنفست بعمق. ثم ابتسمت قائلة بهدوء تجيبه على حديثه:
"أنا مقولتش غير إني مش جاهزة للي هيحصل من الخطوة. لكن الخطوة طالما معاك هبقى مبسوطة أوي. بس ميجيش فيها أذى ليك ولحد تاني بسبب علاقتنا دي ده كل اللي خوفت منه.."
ابتسم لها باطمئنان. ثم هز رأسه بابتسامة يقول:
"يستي ربنا ما يجيب أذى. أنا هكلم أمك في الموضوع ده. ومدام إنتِ جاهزة وأنا جاهز والشقة مفيش فيها إلا حاجات معينة تتعمل هجيبها أنا ناس تظبطها وأجيب اللي عليا ونستقر. طالما معندكيش رهبة من الخطوة دي زي ما قولتيلي وأنا أوعدك مش هاذيك ولا هاجي عليك ولا هتخافي وأنا معاكي. والفترة اللي أمك بتسد فيها فلوس جهاز ياسمين زي الوقتي كده هبدأ أنا أو بدأت كمان أجيب حاجات الشقة. عشان لما نقرر في أي لحظة نكون جاهزين. هكلمها أنا على رواقة ولما أقنعها نبقى نشوف معاد نحدد فيه الفرح هيبقي إمته لأن الشقة مش هتاخد كتير ده بسرعة يعني. اللي هياخد وقت في إنه يحدد ويقرر تاني هو إنتِ.."
ابتسمت "نيروز" على حديثه. حتى جاء بعقلها صلاتها أمس من عجزها وقلة حيلتها. استخارة لأخذ الخطوة أم لا من تشتتها. بينما لم تشعر هي سوى بالراحة التي ازدادت على راحتها كونها جواره وجوار قلبه هو. لم يظهر عليه العجالة والتسرع في الأمر. بل ظهر مصداقية حديثه في استعداده للانتظار مادامت لم تؤجل هي بسبب عمها ومن منه! تنفست بعمق. ثم أمسكت كفه هذه المرة وهي تتشبت به كصغيرة بيد والدها تخبره بأن مصيرها بيديه هو عندما قالت بنبرة تخللها الأمان:
"وأنا موافقة تكون أيامي معاك. ولو الأيام مفيش فيها غسان. متبقاش أيام بالنسبالي!"
نظر لها بسعادة بالغة فاضت من عينيه. بل وتضاعفت فرحتها عندما رأت سعادته هو. سحب كفها ناحيته مما جعلها تدخل ببن أحضانه أثر دفعه لها. بينما ابتسمت هي براحة. ثم خرجت بهدوء وهي تنظر على ابتسامته حتى قال بمرح وهو يخرج هاتفه:
"طب نوثق اللحظة بقا ونعمل فيديو زي بتاع إمبارح. خدي.."
فتح "غسان" هاتفه ثم وضعه على وضع الكاميرا الأمامية وهو يوجهه لها. فأمسكته من بين ضحكاتها. ثم بدأت بقول كلماتها المرحة وهي تنظر للهاتف. بينما وضع هو يديه على كتفيها وهو يسمعها:
"بصوا يا جماعة. لو حد قالكم إيه أحسن حاجة حصلت في الحياة فقولوا إن وجود إنسان فاهمك بكل تفاصيلك دي أحسن حاجة. والمهم إن الباش محاسب غسان البدري عاوز يتجوزني بس أنا بقا...."
استرسلت في حديثها حتى كان مرحاً. ولكن حديثها بعفويتها كان حقيقياً نابعاً من ما تشعر به هي. لم يفعل هو سوى أنه يؤيدها في الحديث بهزة رأسه في الفيديو ومن ثم ضحكته التي خرجت بصوت. حتى قبلها من وجنتيها وهي تتحدث. فدفعته هي بعفوية كي تكمل حديثها العفوي من بين ضحكاتها وضحكاته.
مراقبة الوضع رغماً عنه كان من "حامد" الواقف من على بعد بعد أن دخل "شادي" الغرفة. ودخلت "وسام" غرفتها. بينما وقف يتابع الوضع منذ أن سمع صوت الضحكات من الطرفان. حتى أنه يكاد يقسم بأنه لم ير على وجهه أي منهما من قبل سعادتهما هذه. بينما جاءت "دلال" تقف عندما وجدته مندمجاً ويظهر على ملامح وجهه الحب. ومن ثم تابعت معه الوضع حتى خرجت منهما الضحكات وبقوة عندما وجدوا ابنهما يقبلها من وجنتيها رغماً عنها وكأنها طفلة لا تريد القبلات. بينما ردت له القبلة هي الأخرى كي يتركها تفعل وتتحدث في الفيديو المبهج وبشدة ولمشهدهم الذي ما أن رآه أحد لم ينبس بشيء سوى أنه لطيف. وياليت هدوء ولطافة الأيام تدوم!!
اعتدل في جلسته على المقعد المريح. وهو يطالع الذي يجلس أمامه بهدوء وصمت حدث بعد قوله لعدة نقاط يهاب منها وبشدة. لم يذهب هو لعيادة الطبيب النفسي منذ ماحدث له آخر مرة من وجع. يعلم بأن وجوده ليس إلا لزيادة الوجع عندما يحاصر نفسه بحقائق وأحداث حدثت ويحاول هو التخطي!! خرج هو من عمله منذ وقت حتى أنه ذهب مع الطبيب ومن ثم ذهب الاثنان لعيادة "عاصم". طالعه "عاصم" بهدوء. ثم هز رأسه يحثه على أن يكمل:
"كمل. أنا سامعك!"
نظر "بسام" له بصمت. ثم حرك رأسه بقلة حيلة. بما سيتحدث بعد أن ظهرت الحقائق منذ مدة بل ولم يتبقى سوى تخطيه الأمر وفقط. ابتسم "عاصم" بهدوء. ثم هتف يردد له بتوضيح. بعدما أخرج ما بداخله منذ قليل:
"فكرة إن خلاص عرفت إنها إنسانة كانت على خطأ. لأ وثقتك موجودة لسه في أخوك. وفكرة إنها مشت لما أخوك هددها لتاني مرة كل ده عطاك فرصة تفكر في الأمور من منظور تاني!!"
يعني وجعك كان من قلة علمك باللي عملته وكنت تايه ومقهور ومش حابب نفسك من فكرة إنها سابتك من غير ما تعرف إيه السبب. ده غير إن ثقتك في نفسك قلت. دلوقتي بقا بعد ما كل ده بقا واضح، تعبان زي الأول؟ حاسس إنك بتتقدم خطوه عشان تكون أحسن ولا لسه واقف مكانك؟
فهم "بسام" ما يشرحه ويسأله الآخر فتنهد يخرج أنفاسه ثم قال يفسر له:
"حسيت إن الحمل خف. اتوجعت وبتوجع لسه. يمكن طريقة غسان مكنتش سهله عليا لما خبى عليا اللي عملته واللي بتعمله. بحاول الوقتي أرجع زي ما كنت عارف إنها هتيجي بس إحساس إني تايه ومش لاقي نفسي القديمه ده ملخبطني. عاوز أخد راحه وفاصل من الضغوط. أو راحه من دماغي اللي لما اقعد مع نفسي بتلومني على اللي عملته وعلى إني عرفت واحده زيها من الأساس!!"
"يعني في تطور؟ الأول مكنتش بتبقي عايز ولا حاسس إنك ترجع للأحسن. رغم إن أي حد هيشوف يقول الأول أهون من الوقتي، بعد ما عرفت الحقيقه الموجعه، بس الطريقه مكنتش ماشيه مع شخصيتك من الأول. كل غرض غسان إنه يشيل عنك أي أذى بس معلمش حساب للوقت اللي هيشيله وهيوقف فيه. يمكن شخصياتكم اللي مش شبه بعض بالمره سببت سوء التفاهم لأن كل واحد فيكم بيشوف من وجهة نظر التاني، وكل واحد مفكر وجهة نظر التاني زيه. وأنا شايف إن اللي حصل ده مش مخليك مستعد لأي علاقه تانيه دلوقتي بس رغبتك فإنك تلهي نفسك مبتقفش!"
حرك "بسام" نظراته بعدم فهم. فأومأ له "عاصم" بتوضيحه أكثر وهو يقول:
"بتلهي نفسك وثقتك مش فمكانها فالناس دلوقتي، ومقصدتش بتلهي نفسك غير بـ "فرح". واللي قولته عنها. يعني إيه عاوز تبقي معاها وبتبقي مرتاح وفنفس الوقت بتهرب؟ يعني عاوز تقرب عشان حاسس إن وجعها باين ليك وإنك لقيت حد موجوع زيك من أمر مجهول وماضي. وفنفس الوقت بتبعد عشان مش واثق أصلا."
هرب بأنظاره بمكان آخر عندما وجده يفهمه وبشده. ثم حاول التحدث دون تردد وهو يبرر:
"بس أنا مقولتش إن وجود فرح فارق ومش فارق. أنا بتكلم عشان غالبا هي من أحداث يومي ولما بشوفها ساكته وباين عليها اللي برا عكس اللي جوه بتفكرني بنفسي!"
تحركت نظرات "عاصم" نحو الآخر ثم هتف يظهر له الحقيقه عمدا كي لا يتركه مع ما يشعر به:
"وأنا بردو مقولتش إنها حدث مهم في يومك. اللي إنت فيه وارد جدا يبقي مشاعر. بس ميمنعش إنها شفقه منك عليها. وانت دلوقتي اللي بإيدك تكون جاهز للخطوه دي ولا بتقول إنك حاسس إنك بتبدأ تكون أحسن. ولسه في كام خطوه. لو فعلا بتحس بالراحه فوجودها يبقي مش لازم تكون هي موجوده فأحداث يومك وانت بتحاول تتعافي من حاجه معينه. عشان ممكن وبكل بساطة تميل ليها. ولو ميلت ليها من غير ما تتقدم لقدام هتبقي بتظلمها وبتظلم نفسك. لازم تكون كويس عشان تبدأ صح. وأنا فاهم قبل ما تقولي إني مش حاسس بحاجه أنا بقول وارد تحس. ده غير إن وجودها فوقت زي اللي انت فيه ده مش سهل يتنسى بسرعه. وفرح شخصيه متردده ومتعرفش تاخد حق ولا باطل يعني عقلها وتفكيرها ميروحش أبدا للتفكير فاللي بتعمله واللي بتحاول تعمل وقت بيه عشان تكلمها. قدرتها على المعارضة والموافقة تكاد معدومه ولكن عند حد معين ممكن الحال يتقلب وتنهار زي ما بيحصل معاها. وهي مش شبهك في المعاناه هي عانت أه بس كل واحد بطريقه مختلفه!"
هز رأسه بتفهم رغم استنكاره من شرحه الموقف من ناحية المشاعر وهو لا يشعر بمشاعر عده اتجاهها. فهم بأنه معرض للسقوط بحبها. وهل يعلم الغير بأن شخص ما سيقع فالحب بعد فتره؟ هذا ما هو مستنكر. ولكن كلمات الطبيب كان لها مغذى قوي. من أنه رأي به مشاعر طفيفه اتجاهها يل ويبعده لفتره يمكن أن تكون صغيره أو كبيره كي لا يتأذى مره ثانيه مهما كانت الأخرى ليست حد التشابه مع من قبلها! خرج صوت "بسام". وهو يهتف مره أخرى بهدوء:
"بس أنا حاسس إني مش عامل اللي عليا مع عيلتي. حتى هما كمان ضميري واجعني من نحيتهم. وفكرة إن غسان ممكن يكون سامحني أو لسه زعلان ومش مبين دي تعباني. عشان أنا ظلمته وهو عمره ما ظلمني. والمره اللي فكرته ظلمني فيها كان حاميني من كتير أوي!"
علم "عاصم" بأنه يشعر بالتأنيب ناحية شقيقه. ذنب؟ الشعور بالذنب بعد فعل شئ رغم عنه من الممكن أن يكون سئ ويراود الشخص أينما فكر وأينما علم بأن الطرف الآخر سامحه بالفعل ولكن فكرة رغبته في رؤية الدليل صعبه!!
"أنا مقدرش أقولك إن أخوك سامحك أو مسامحش. عشان أنا عرفت منك إنه مهما حصل منك هيفضل يحميك ويخاف عليك. ودي نقطة صعبه في الشخصيه اللي بتعمل كده. لأنها بتبقي فارق أو مش فارق بتعمل اللي المفروض فاكره إنه حق عليها. وممكن جدا ميكونش حق. وبردو النقطه دي مؤذيه للطرف نفسه والطرف التاني. بس الأول عنده حاجتين على حسب اللي قدامه. بيخاف عليه وبيحبه وبيحميه عشان هو عاوز كده. أو نفس الحاجه بس مش عارف يبطل يحميه مع إنه ممكن يكون إتوجع منه. ظهور المشاعر والإحساس ببقي صعب فشخصيه بتخبي اللي بتحس بيه."
صمت يأخذ أنفاسه كي يسترسل مجددا مع إنصات الآخر:
"وأنا بقول كل ده عشان نفس الشخصيه لو لقت منك رد فعل بعد الوجع اللي عملتوهلها ومش عاجبه هيبقي رد فعلها قاسي. مش بقولك تجنبه ولا ابعد عنه بس الوقت اللي بتشك فيه إن لسه مسامحكش ومنساش اللي عملته فيه رغم وجعك. إبعد عن فعل أي حاجه توجعه للمره التانيه. لأن اللي هيخبي غضبه رغم الحب ورغم عدم قدرته بأنه يوقف حمايته ليك طبيعي يعرف يعمل فوق وجعك وجع أضعاف! لكن انت قولت إن عيلتك متفهمه مش كلها عرفت اللي حصل بس إحتوائهم ليك وخوفهم عليك ميخليش الواحد يأنب ضميره بس هيتوجب عليك إنك تراضيهم وبس وتريح قلبهم بخطوة إنك تبقي أحسن دايما يا بسام!"
تفهم الحديث جيدا. حتى أن قدرته الأن على قول شئ أكثر باتت فاشله. كفى اليوم حديث. فقد أخرج الكثير كما تفهم الأكثر. استشعر "عاصم" إكتفائه كما أن الوقت قد انتهي. نهض ببطئ وهو يبتسم. مع اعتدال حركة "بسام". ثم وقف أمامه ووضع يديه على كتفه يحثه بقوه علي عدم الإستسلام وهو يقول:
"قبل كده محستش إنك فايق. لكن كلامك الوقتي حسسني إنك شخصيه مختلفه وإن فكرة تحسنك للخطوه اللي قدام جت من وجعك الشديد. على عكس أشخاص بتقفل على نفسها. ٱمل أن انت تفكر كويس فاللي جاي واللي إتقال."
"إن شاء الله."
قال "بسام" حديثه بابتسامه صغيره. ثم إلتفت بعد وداعه يخرج من الغرفه وهو يمسك بهاتفه كي يري الساعه. لم يتبقى سوى وقت قليل كي يعود لمنزله ويرتدي ملابس أخرى بعد أن حدثه "حازم" بأنه سيقايل معه "عز" لـ خطبة "جميله" كما أن بقية الشباب أيضا سيكونوا هناك بالفعل!!
في شقة "عايده" كان "حازم" يجلس بغرفته وبجانبه "ياسمين". تنظر له وهو ينهي المكالمه مع من سيسمي "العريس". انتظرت للحظات. حتى أغلق هو الهاتف. ثم ظهرت ابتسامه واسعه على وجهه وهو يديره لها. فاعتدلت هي في جلستها بينما تابع هو بفرحه ظهرت بنبرته:
"أنا حاسس إني مبسوط أوي يا ياسمين. شايفه جميله حاسسها مبسوطه هي كمان!"
هزت رأسها بحماس. ثم وضعت يديها تربت على ساقه بحب. مردده بسعاده إمتزجت بالفرح:
"أنا مبسوطه عشانكم. وبالنسبه لجميله فـ البت دي شكلها بتحبه يا حازم!"
ضحكت عقب حديثها. بينما إعتدل ينظر لها بتمعن وهو يفكر حتى هز رأسه يجيبها بهدوء:
"مش عارف يا ياسمين بس أنا حاسه ليها وهو اللي هيعوضها. إنت مشوفتيش لمعة عينيه وهو كان بيفاتحني فالموضوع ولا حتى نبرة صوته إن كان وش لوش أو فالتليفون. لما قالي أنا حاسس بحاجه نحية أختك كنت متدايق من جوايا اوي. هو طبيعي حد يقول كده!"
بس لما كمل كلامه عرفت إنه مش حاسس، ده واقع. أنا فرحان بس ميمنعش إني غيران في نفس الوقت عشان دي جميلة الصغيرة. حبيبة قلبي معاكي ومع عايدة، اللي كنت بشتالها على إيدي وأنا قاعد ببص ليها وأقولهم: "هي جميلة أوي". يقولولي: "آه". ميعرفوش إني بقولهم فعلاً، إن هي جميلة وملامحها جميلة وحتى كلها جميلة.
ابتسمت له "ياسمين" بحب، ثم قالت تجيبه على حديثه المتأثر:
"حقك يا حازومي تغير. أنا نفسي بغير على نيروز من غسان اللي ظهر فجأة وبقى جوزها ده. بس زيك بالظبط، لما بفتكر إنه بيحبها وبيخاف عليها ببقى مبسوطة ومطمئنة. وبعدين هي دي طبيعة الحياة بقى، كل واحد يلاقي عوضه يا عوضي!"
ضحك بخفة على آخر حديثها، حتى أنه قبل يديها بحب، ثم تحرك ليعتدل أكثر تزامناً مع كلماته:
"طب شوفي يا عوضي هلبس إيه عشان نلحق، على ما اطلع أشوفهم برا كده!"
نهضت هي الأخرى وهي تبتسم، ثم وقفت أمامه قائلة بهدوء:
"من قبل ما تقول خرجتلك لبس حلو زيك كده. بس استني ألبس حاجة عليا وأطلع معاك نشوفهم."
ابتسم لها "حازم" بمرح، ثم أشار لها بوجهه قائلاً بمشاكسة:
"الله ده انت بتتكسفي بقى. مفيش حد برا غير أمي وأختي!"
قال حديثه وهو ينظر على ملابسها، فكانت ترتدي بنطال قصير مع ملابسها الفوقية التي كانت تكشف عن كتفها وعنقها وذراعيها. أومأت له بخجل، لا تريده بأن يظهر كما هو معتاد، بينما أمسك كفها يسحبها خلفه حتى فتح الغرفة ثم خرج منها وهي بجانبه. نظرت هي عليهما فوجدتهما يجلسان في صالة المنزل على المقعد الكبير وكل منهم تتحدث مع الأخرى. خرج صوت "ياسمين" المشاكس لهما وهي تقول:
"محتاجة أعرف بتتوشوشوا في إيه. بتتفقوا على الواد من دلوقتي يا جبابرة!!"
ضحك "حازم" وهو يجلس بجانب والدته، بينما جلست "ياسمين" بجانب "جميلة" مع صوت ضحكات "عايدة"، وإجابة "جميلة" وهي تقول بمرح:
"والله ما حد جبروت غيرك!"
"ما تتكلم يا حازم. شوف يعم عمة عيالك بتقول إيه. شوفي يا حماتي!"
حرك "حازم" يديه ليضعها على كتف والدته، ثم هتف بنبرة ضاحكة ليخرج من الأمر هو ووالدته:
"والله إحنا ملناش دعوة. اتصرفوا مع بعض. إنتوا قرايب قبل ما تبقوا نسايب وحرابيق. أنا قاعد جنب جدة العيال وشوفوا دنيتكم إنتوا بقى."
خرجت ضحكاتهن على حديثه، في حين أيدته "عايدة"، فاقتربت "جميلة" تحتضن "ياسمين" تزامناً مع قولها اللين:
"مستحيل يبقي في شغل حرابيق يا جماعة. أنا مبحبش حد قد ياسمين أختي ومرات أخويا كمان وأم حبايب عمتهم إن شاء الله."
ابتسم "حازم" بسعادة، بينما هتفت "عايدة" بعاطفة أمومة كونها تعلم "ياسمين" جيداً من صغرها:
"ربنا يسعدكم يا حبايبي ويفرح قلبكم. ويرزقك يا حازم بعيل كده بسرعة عشان عاوزة أبقى جدة!"
ابتسم لها باتساع، ثم قال بثقة:
"ومالو يا عايدة من بكرة يكون عندك حفيد، هو نقدر نرفضلك طلب!"
ضحكوا بخفة، في حين رددت "ياسمين" بنبرة هادئة:
"إن شاء الله لما ربنا يأذن. وبعدين معرفش مالكم مستعجلين ليه كده. اتقلوا تاخدوا حاجة نضيفة."
"هتحملي في طفل من مدينتي يعني. انتِ بتقولي إيه!!"
تعالت صوت الضحكات على حديث "جميلة"، بينما نظرت لها الأخرى باستنكار من بين ضحكاتها. ولم تمر سوى لحظات حتى قال "حازم" كي يحثهم على النهوض وبدأ التجهيز:
"يلا بقا كل واحد يقوم يلبس. وبالذات انتم عشان حواراتكم كتير!"
قالها وهو يشير على زوجته وشقيقته، بينما توجه بوجهه ناحية "عايدة" ثم قال بمشاكسة:
"لكن أنا وانتِ يا عايدة ملناش في الحوارات!"
ابتسمت هي، في حين نهضت "جميلة" لتتوجه ناحية غرفتها، بينما نهضت "ياسمين" وهي تقول:
"طب أنا هلبس عليا حاجة عشان أروح عند ماما ألبس لأن لبسي هناك. هستناكم."
أومأ لها الاثنان حتى تحركت من أمامهم ترتدي شيئاً حتى تخرج لشقة والدتها. بينما التفتت "عايدة" تنظر لـ "حازم" وهي تتحدث له بحديث نسائي لاق للوضع:
"يعني مفيش حاجة في السكة كده؟"
قهقه "حازم" عالياً، ثم حرك رأسه بقلة حيلة وهو يجيبها:
"يا عايدة إنتِ محسساني إن أنا متجوز من 30 سنة!"
بعد مرور وقت، وقف "عز" أمام المرآة يعدل من مظهره بعدما ارتدى قميصاً من اللون الأبيض وبنطالاً من اللون الأسود والحذاء كان من نفس لون بنطاله. ظهر بمظهر أنيق رغم إرهاقه. بينما وقفت "فرح" من خلفه بعدما عادت معه إلى المنزل لترتدي فستاناً هادئاً من اللون الوردي. رفعت يديها تمسح دموعها بتأثر، ثم مدت كفها تديره إليها بهدوء، ثم قالت بسعادة متأثرة:
"انت حلو كده إزاي يا عز. أنا مبسوطة عشانك أوي أوي بجد."
رفع "عز" ذراعيه ليحتضنها بتأثر، ثم أجابها بنبرة متأثرة هو الآخر:
"وأنا مبسوط يا فرح. بس نفسي أفرح بيكي انتِ كمان بقى ولا إيه رأيك!"
ضحكت بخفة حتى أنها علمت بأنه يهرب من كلماته المتأثرة كي لا يتأثر. ابتسمت له ثم هزت رأسها بالنفي وهي تقول:
"كفاية أفرح أنا بيك وأشوفك مبسوط دي عندي بالدنيا. ولو عليا فـ لسه بدري يا عز عشان أنا قدامي دراسة وحاجات. آه هعيد السنة دي تاني غصب عني عشان الظروف دي بس بعد كده عاوزة أنجح وأبقى قدام ولما أحس إني مستعدة للخطوة مش هقولك لأ يعم. بس أنا عاوزة أنجح في دراستي واتظبط فيها الأول وبعد كده ربنا يسهل."
ابتسم لها "عز" بحنو، ثم قال بتوضيح يفسر لها كما يريد بأن يتركها على راحتها:
"مش معترض يا فرح بالعكس أنا معاك في أي حاجة تحتاجيها. بس فنفس الوقت عاوز أطمن عليكي زي ما ماما عاوزة تطمن بردو. طب ما أنا أهو وجميلة زيك بس هي بتختلف من شخص للتاني. عارف إنها حمل ومسئولية بس زي ما هراعي ربنا فيها هختار واحد يراعي ربنا فيكي. أنا رفضت ناس كتير أوي بتجيلي وكل اللي بشوفه كويس بقوله إنك لسه بتدرسي بس مش عاوز أفضل أرفض. عاوزك بردو تشوفي حياتك. بس انتِ تفوقي بس وربنا هيسهل إن شاء الله."
ابتسمت على حديثه براحة، ثم وجدته يهز رأسه لها بأمان، فتوجه هو يقبل قمة رأسها بهدوء، حتى أنها ردت له نفس الفعله. وكل ما يجول بخاطرها بأن ترى شقيقها سعيد. حتى أنها قررت منذ اختفاء التهديد لها بأن تتعايش مع الوضع وكأن شئ لم يكن. وفكرة تخليها عن صديقتها باتت صعبة بل ستصبح زوجة أخيها. وعندما تصل لهذه النقطة تنهر نفسها بعدم التفكير ثم تتجاهل الوضع بسبب اختفاء تهديد الآخر وفقط. نظرت على أثره بهدوء عندما أشار لها بأن تأتي لتخرج من الغرفة. سارت خلفه بخطوات هادئة ثم وجدته يفتح باب الشقة ثم التفت ينتظرها كي تخرج. وما أن خرجت أغلق الباب وهو يهبط الدرجات البسيطة وهي خلفه. ثم وضع يديه هو عندما وقف أمام المنزل من الخارج يطمئن على هاتفه والأموال حيث سيمر هو ليجلب بعض الحلويات كنوع من اللباقة. وما أن رفع رأسه ينظر على الطريق، رآه يقف من أمامه تزامناً مع شهقة "فرح" المصدومة. طالعاه ذلك الواقف وهو يستند على سيارته ببرود، بينما لم يستوعب أي منهما من أين علم هو ولما جاء. وبهذا الوقت!! إلى أن استوعب "عز" الأمر هتف بنبرة حادة يسأله:
"خير!"
لم يكن الواقف بمثل هذا البرود ويطالعه سوى "شريف" الذي جاء وراقب الوضع بعد علمه بسماع زغرودة في غرفة والدته. وتصنت من تصنت حتى علمت إحدى الممرضات بما في الوضع من والدة الآخر. اعتدل "شريف" يستند بأريحيه ثم قال:
"حسيت إنك عريس. مش تقول لأخوك بردو؟"
صدم "عز" و"فرح" من كونه يعلم. بينما علم "عز" بأن القادم لم يكن خيراً مادام الآخر هنا!
"قصرُه جاي ليه؟"
قالها "عز" بنفاذ صبر، في حين نظرت "فرح" بترقب لما هو آتٍ، فأجاب "شريف" يعدل قوله:
"جاي معاك، وبالمرة نعرف أخويا الصغير هيناسب مين!"
تكتفت حركته حتى أنه ليس لديه وقت للعراك. ابتلعت "فرح" ريقها بخوف، بينما وزع "شريف" نظراته بينهما إلى أن هتف من جديد بتهديد خفي:
"دا أنا جاي ومأجر عربية وعامل نظام، ولا تحب نبدأ ضرب في بعض وبلاها بقى تروح تقرأ فاتحة ولا تخطب ولا مش عارف هتعمل إيه، أنا جاهز في كل حاجة!"
صمتت "فرح" تنظر على ملامح وجه "عز" حتى قال بجمود:
"وأنا أضمنك منين تيجي متعملش حاجة، وليه تيجي أصلاً؟ إنت مش بتكرهنا ومبتحبناش!"
ورغم كونها حقيقة ولكنه يريد بأن يكسر عينيه بالذهاب معه بالغصب، بينما لم يعلم هو بأي عائلة سيناسب بل والعروس ابنة رجل ظالم لديه معه ماضٍ سئ!! القادم ليس خير إذن! وجد الحيرة في كونه سيرفض كي يدخل بعراك، أت يقبل وينتهي الأمر رغم عدم ثقته به؟ هز "عز" رأسه بخفوت ثم أشار بعينيه لشقيقته كي تركب السيارة، بينما وقفت هي بخوف فتقدم "شريف" ناحيتها ثم أمسك كفها يضغط عليه بقوة عكست قوله الهادئ:
"اركب!"
تحركت معه على الفور كي تدخل، بينما هتف "عز" بتوعد قبل أن يركب:
"وعزة جلالة الله لو حصل حاجة ما هسيبك إلا ما تكون ميت في إيدي!"
"عيب يا... أخويا، دا أنا حتى جاي معاك وجايب الجاتوه يعني وفرتلك وقت ومجهود وفلوس!"
ركب هو الآخر بعدما ركبت شقيقته، بل وتعمد عدم مراجعة نفسه بأنه اضطر للموافقة. تحركت السيارة على الفور وكل منهم يوجه النظرات للآخر، ما بين خوف وترقب منها، وما بين انتصار وتحدي لفوز تهديده، وما بين نظرة غضب دفين مع انتظار لما هو قادم!
***
وقف ينظر على مظهره برواقه وبجانبه من الناحيتين "شادي" وشقيقه "بسام"، حتى أن "غسان" ارتدى كمثل ملابس شقيقه. وضع من عطره بينما انتشل من يديه بسرعة ليأخذه "بسام" وهو يقول:
"يلا بسـرعة، بسـرعة"
قالها لكي يخفي بأنه جاء من الأساس لوضع العطر من شقيقه. نظر "غسان" له باستنكار ثم انتشل الزجاجة من يديه وهو يدفعه بيديه بعيدًا كي يتطلع على مظهره دون أن يجيبه. كبت "بسام" ضحكته ثم التفت يفتح باب الغرفة ليخرج منه، بينما وقف "شادي" يتحسس خصلات شعره ثم قال بمرح:
"هو مفيش أي أنثى في الحوار؟ حد معاه كده ولا كده!"
"معرفش!"
أردفها "غسان" وهو يضع مشط الرأس مكانه ثم التفت ينظر له باستنكار وهو يتحدث قائلاً:
"وارحم نفسك بقى شوية!"
"أه ما إنت خلاص لقيتها. اتجوزت، هستنى منك إيه يعني، الله يسهلك يا عم إنت وأبوك!!"
قالها بمرح وهو يشير بيديه حتى أنه ذكر والد الآخر بسبب نصائحه له بترك أمور اهتمامه بالفتيات. وقبل أن يرد "غسان" وجد "حامد" يقف على أعتاب باب الغرفة ثم جاءهما نبرته وهو يقول:
"ماله أبوه ياض!"
ضحك "شادي". ثم تحرك نحوه بمرح وهو يقبل قمة رأسه مع قوله المرح له:
"ماله أبوه! أحسن ناس والله، هو أنا قولت حاجة!"
ابتسم له "حامد" بحنو، بينما خرج وهو من خلفه حتى تبعهم "غسان" للخارج. نظر على باب الشقة المفتوح والذي خرج منه والده ووالدته للتو مع صديقه. ونظر على غرفة شقيقته فوجدها مغلقة والإضاءة موجودة بالداخل مما يعني بأنها تذاكر دروسها. سار بخطوات ثابتة ثم أغلق إضاءة الصالة. بينما ظهر "بسام" ينتظره حتى خرج وأغلق "غسان" الباب من خلفهما. توجه الاثنان خطوتان إلى باب الشقة التي توجد بجانبهما ثم دخلا بها فوجد الجميع جالس بالصالة. أما هي فكانت تقف ممسكة بهاتفها بجانب الباب وما إن انتبهت لهما توسعت بسمتها. فابتسم "غسان" لها يغمز ثم مال ينحني يتحدث بجانب أذنها بعبث:
"مساء البسبوسة? can I have one bosa"
ضحكت بخفة ثم دفعته برفق كي يجعل شقيقه يدخل بعد أن رأت ملامح الحرج عليه. ابتسمت له بحب ثم رفعت عينيها وهي تهبطها لتنظر له من أعلى لأسفل حتى ثبتت نظراتها على وجهه وهي تقول:
"إيه الأوتفيت الحلو ده!"
نظر لها "غسان" بغرور ثم سار وهي بجانبه حتى جلسا على مقعدين بجانب بعضهما تزامناً مع قوله:
"أحسن منك يعني؟"
نظر هو على ملابسها من أعلى لأسفل، فوجدها ترتدي فستاناً عادياً من اللون الأزرق الفاتح حتى كان ضيقاً من الأعلى ومفروداً من أول منطقة الخصر. ابتسمت بثقة ثم نظرت على نفسها بتمعن عندما هتف هو بهدوء شديد يقول:
"إنتِ اللي حلوة فـ محلياه أوي، وإبقي نزلي الطرحة شوية عشان حاسس إنك تخنتي وبقيتي بطل والفستان ضيق من فوق!"
شهقت بقوة وهي تنظر على نفسها ثم تلمست بيديها ذراعها وكتفها. ثم هتفت هي تبرر بلهفة:
"تخنت إزاي؟ وعرفت إزاي؟ هو إنت شفته قبل كده عليا؟"
هز رأسه بالإيجاب وهو يبتسم متذكراً تلك المرة وهي كانت ترتديه. نظر لها بحب ونظرة عين لامعة تقسم لها بأنه لن يفوت أي تفصيلة:
"كنتي لابساه أول مرة شوفتك فيها لما جيت هنا. لما جيتي مع مامتك وقدمتي العصير اللي سكره كان كتير. كنتي حاطة إيديكي فيه ولا إيه؟"
شاكسها بحديثه، فضحكت هي تجيبه بنفس طريقته:
"ذاكرتك قوية يا بن البدري. وبعدين كنت بتبص عليا ليه وأنا جايه عندكم؟ ده احترام يعني؟ لأ ومدقق أوي وعارف إن كنت خاسة ولا تخنت. عارف لو عينك اتحركت على حد كده ولا كده دلوقتي هخلعالك عشان إنت مش سهل بالمرة!"
ضحك "غسان" عالياً، ثم حرك رأسه ببراءة مردداً بمرح:
"لا ما خلاص بقى. من ساعة ما عيني وقعت عليكي وهي مش عاوزة تبص على حد تاني غيرك. بس نزلي الطرحة وخليكي تخنانة. أنا بحبك كده."
ابتسمت بقلة حيلة ثم وجدته ينظر لها بصمت. وقبل أن تفعل ما تفعله، واجهته بسؤالها التي تخافه في المستقبل:
"بصراحة غيرتك دي قلقتني إنت.."
وقبل أن تكمل حديثها، استشعر هو ما تفكر به، حتى هتف يوضح بابتسامة وحديث عقلاني:
"مش متحكم فيكي يا نيروز. إلبسي براحتك اللي يناسبك ويناسب جسمك وكمان يناسب دينك ومن الناحية دي إنت مش مأثرة. أنا معارضتش لبسك، أنا بس بديكي رأي اللي طالع من غيرتي عليكي لحد يشوفك مثلاً بشعرك. عارف إنك مطلعطيش البلكونة بيه قبل كده وأنا موجود. ممكن غصب عنك، بس بقولك عشان تاني مرة تاخدي بالك بس مش أكتر. دا غير إنك تاخدي بالك عشان حرام. والفستان اللي ضيق من عند الكتاف ومن قدام ده، أنا راجل وعارف الرجالة بتفكر وبتشوف وبتبص إزاي. وبعدين دا حلو أوي أوي عليكي فعلاً، بس إنه لفتني عشان ضيق شوية من فوق. مش عاوزة يلفت غيري، حتى لو غصب عنه. كده كده أخزقاله يعني مش حوار. بس أنا مضربتكش وقولتلك قومي غيريه. أنا بقولك براحة عادي وكمان بقولك حل زي الطرحة كده. دا غير إن لبسك كله محترم ومفيهوش حاجة، وأه أنا واخد بالي منه عشان قليل الأدب قبل ما تقولي. بس أنا مبقولكيش لازم تلبسي خمار أو نقاب وبفرض عليكي ده. واحد ومراته يستي وبنبه لحاجة بسيطة بمنتهى الهدوء. وبعدين أعمل إيه؟ راجل مصري شرقي غيور وعادي. كلامي ده يعني بيحصل في كل علاقة. إنت اللي بتخافي أوي وتربطي كل حاجة بخوفك من اللي جاي. لكن أنا مش متعصب ومش بتحكم. أنا غسان وبحبك يا رزقي."
ابتسم باطمئنان، بينما تفهمت هي ما قاله ثم هزت رأسها بابتسامة صافية ولمعة عينيها تظهر له فقط. طمأنها حديثه الواقعي، حتى أنه يفهم ما تريد التحدث به قبل أن تخرج الكلمات. نهضت تزامناً مع نهوضه عندما وجد "حازم" يقول:
"العريس بيركن العربية وطالع. إفتحوا أوضة الصالون."
رجعت "نيروز" تقف بالخلف مع النساء والفتيات، بينما وقف "حامد" والشباب بجانب بعضهم بجانب باب الشقة ينتظران المصعد حتى يفتح ويخرج لهما من به.
خرج "عز" من المصعد بجانب شقيقه "شريف" والذي علم أنها عمارة "حسن" ولكن إلى الآن لم يفهم شيئاً. كان "شريف" يحمل الأكياس بيديه حتى دخل بعد "عز" وبجانبه "فرح". رحب به الشباب وهو يرحب بكل واحد منهم، بينما أشار هو للنساء بحرج. حتى وجهه "شادي" ناحية الغرفة الخاصة بالضيوف. بينما أخذ "حازم" ما بيد "شريف" وهو يرحب به. حتى قال "شريف" بنبرة هادئة رغم فهمه الآن ما يدور بل وتوقف عقله عن التفكير. شقيقه سيتزوج من العائلة، بل ولم يفهم هو تحديداً من هي الآن التي يريد الوقوع بها كمثل شقيقتها؟ ووضع بموقف لا يحسد عليه بتاتاً. خرج صوته أخيراً، يخفي ارتباكه ووجعه المخفي:
"أخو عز الكبير."
"أهلاً وسهلاً."
قالها "حامد" وهو يرحب به بعدما رحب به الأول. وما أن مد يديه لـ "غسان" الذي ما أن رآه وقف ينظر بتعجب من رؤيته. بل وبعد علمه الآن بأنه شقيقه، مد يديه يصافحه بفتور ثم قال باستنكار:
"إنت..؟"
"صغيرة الدنيا أوي يا.. غسان؟"
سحب "غسان" يديه من كف الآخر وهو يطالعه بتمعن، بينما سار الآخر مع "حازم" والآخرين. ورغم استغراب "حازم" من وجوده إلا أنه توقع تصالحهم. توجهت "فرح" حيث النساء والفتيات لتقف معهن، بينما دخلت مع الفتيات ناحية غرفة "نيروز" والتي جلست بداخلها "جميلة" بتوتر. أما بالخارج فوقف "غسان" يفكر فالوضع، إلى أن تحركت قدميه نحو الداخل بهدوء، ليجلس معهم.
أما غرفة "نيروز" فجلسن جميع الفتيات وحتى النساء بعدما توجهن لهن على الفور. رحبت "فرح" بالجميع بحبور، بينما جلس الجميع. فهتفت "ياسمين" بمرح وهي تراقب الأجواء:
"مالكم يا جماعة كده؟ إيه يا جميلة ما تفكي؟ استنوا."
قالت آخر حديثها بانتظار، ثم فتحت هاتفها على أغنية حماسية بهدوء، فخرج تصفيق البعض بهدوء وببهجة. فأمسكت "فرح" يد "جميلة" تتراقص معها بهدوء. فهتفت "نيروز" بصوت مرتفع لها كي تسمع:
"متتوتريش يا جميلة، أومال لو اتكتب كتابك على طول زيي كنتي هتعملي إيه؟ فكي كده!"
ابتسمت "جميلة" حتى أنها توقفت عن الميلان بكتفها ثم توجهت تحتضنها باحتواء. ابتسمن النساء بحب، حتى "عايدة" التي فاض الحب والتأثر من عينيها. لم تمر سوى نصف ساعة فقط من الرقص بين والدة العروس وغيرها وبعد صوتهما معاً بقراءة الفاتحة للرجال فالخارج والنساء فالداخل. بينما وجدوا هم صوت دقات على الباب دون النظر وهو يخفض رأسه كون وجود فتيات. فظهرت له "ياسمين" ثم سمعته يقول:
"خلي جميلة تيجي يلا."
قالها "حازم" فخرجت "جميلة" بعد أن أشارت لها "ياسمين". وقفت هي تنظر إلى شقيقها بارتباك، بينما ذهبت الأخرى المطبخ. فنظر "حازم" لها باطمئنان وهو يقول:
"خليكي عادية يا جميلة، مالك خايفة ليه كده؟ ادخلي واتكلمي معاه وإحنا هنخرج برا فالصالة بعد ما تسلمي عليه وعلى أخوه. مامته مجتش عشان تعبانة شوية. وأنا اتفقت معاه على شوية حاجات بسيطة كده أنا وعم حامد والشباب وبكرة هيجيب الدهب ونمشيها خطوبة كده على ما ربنا يسهل وتكونوا فهمتوا بعض."
ابتسمت له وهي تحاول أخذ أنفاسها ثم التفتت هي تنظر على "ياسمين" التي هتفت باسمها ثم قدمت لها صينية العصائر. انتشلتها من بين يديها ثم سارت خلف شقيقها باتجاه الغرفة. دخلت خلفه وهي تراه يقدم وجودها، بينما دخلت هي بخجل. ثم قدمت لكل منهم الكوب، إلى أن وصلت لـ "عز" الذي ظهرت سعادته إلى حد غير معقول. بينما أخذها وهو ينظر بعينيها. فهربت هي بأنظارها ثم قدمت لشقيقه. الذي في صدمته الداخلية إلى الآن، معتقداً بأنه في بيت أكثر رجل يكرهه بل ويناسب ابنته! ويشرب من منزله! كبت غضبه وغيظه ما هي إلا معجزة. تجرع كل منهم للعصير، بينما أشار لها شقيقها بالجلوس بجانب "عز" مع وجود مسافة. تساءل هو عن عدم وجود والدها، بينما تجاهل الآخر وكأنه لم يسمع ذلك. سمعوا هم صوت بالخارج، حيث كان باب الشقة مفتوح. دخل "سليم" رغم حديث "عايدة" بأن لا يدخل، ولكنه دخل بعد أن قال بعلو:
"إبعدي!"
هذه الكلمة الذي سمعها بالداخل توترت الأجواء بينهما وجلس كل منهم بمكانه كي لا يسوء الوضع. ولكنه ظهر وهو يدخل ثم وزع نظراته عليهم جميعاً، إلى أن وقعت عيناه عليه هو "شريف" ويا لصعوبة هذه اللحظة بالنسبة للاثنين! وقف "شريف" ومن ثم وقف البقية مع ترقب الأنظار بالخارج والداخل! ارتباك، توتر، تشتت هذا ما كان به "سليم" الذي كان يعتقد بأنه سيفعل العكس. لم يعلم هو بأن المناسبة ستقام بالفعل بل وبمنزل سميه. وعندما وجد الحركة والصوت خرج على الفور من شقة زوجته الثانية. لم تتحرك أنظار الجميع إلا عندما هتف "عز" بلباقة:
"إزيك حضرتك يا أستاذ سليم؟ كنت لسه بسأل عليك!"
ما الحل إذن في هذه المعضلة؟ لم تتحرك أنظاره ناحية "عز" بل ثبتها على ذلك الواقف يطالعه بكره ونظرة عين يحاول بها بأن لا يظهر وجعه. لو يعلم بأنه اختار الذهاب إلى طريق وجع فؤاده لما ذهب في هذا الوقت الذي اعتقد به بأنه منتصر على شقيقه وقد هزمه بكبريائه. موقف ساذج بعد كونه مؤلم وبشدة. حرب النظرات التي لم تكن سوى حرب من طرف واحد وهو "شريف" لم يفهمها أحد. في حين وقف "حازم" بترقب. ومن ثم "جميلة" التي ارتبكت وسار الخوف بجسدها ورجفة يديها بشدة!
عادت إليها أنفاسها عندما وجدت والدها قد فكر فالوضع حتى أنه هتف بتوتر برع هو بأخفائه:
"أهلاً بيكم، منورين!"
خرجت الأنفاس بعد حبسها من الأتي. بينما مد "سليم" يديه بالترتيب وكان أولهم "شريف". انتظر "شريف" بضع لحظات وهو يحرك نظراته بينه وبين كفه. وحتى لا يجعل الوضع محرج توجه "عز" سريعاً يمد يديه هو ليصافحه منعاً للإحراج. حيث اعتقد بأن شقيقه سيقصد فعلها ليضعه في وضع محرج. وقف الشباب يخرج منهم واحد تلو الآخر بهدوء. حيث بقى "حازم" و"عز" و"شريف" و"سليم" و"جميلة". جلس "سليم" في مواجهة "شريف" حينما جلس البقية. بينما تفهم "سليم" ما جرى جيداً حتى أنه هتف بنبرة هادئة بها بعد الاستفزاز:
"كده. تتفقوا على جواز بنتي وأنا مش موجود؟ هو أنا مش أبوها برضو؟"
كاد أن يتحدث كلاً من "عز" و"حازم". بينما خرج صوت "شريف" أخيراً ليجيبه:
"وأدينا اتفقنا ومش محتاجين حاجة غير إننا نسيب العرايس مع بعض شوية."
صمت ثم واصل مجدداً ينظر إليهم:
"ولا إيه!"
لم يعطيهم فرصة بل نهض. وما أن نهض نهض معه "حازم" ومن ثم قام "سليم" هو الآخر. أشار "شريف" لـ "سليم" وهو يبتسم بسمة زائفة مع قوله:
"عايزك برا شوية يا سليم.. بيه."
ابتلع "سليم" ريقه في حين حاول "عز" تهدئة الوضع حينما قال:
"أستاذ سليم محامي يا شريف!"
قالها بسبب استماعه للقب الذي هاتفه به الآخر. بينما رسم "شريف" على ملامح وجهه الدهشة وكأنه لأول مرة يعلم!
"بجد! يبقى نقوله يا متر.. شكله متر شاطر في شغله ومراعي ربنا.. ولا إيه يا متر!"
ضحك "عز" بخفة كما ضحك "حازم" بينما تحرك "شريف". ومن خلفه "سليم". فأشار "حازم" لهم بأنه سيخرج. وبالفعل خرج "حازم" إلى الخارج.
حتى وجد النساء في الغرفة و"بدر" يجلس بجانب عمه. وبجانبهم بقية الشباب. بينما سحب "سليم" "شريف" إلى الشرفة. توجه "حازم" ليجلس مع "حامد" ومن تبعه.
بينما في الشرفة وقف الاثنان أمام بعضهما. والنظرات المحتده من طرف والأخرى في انتظار الحديث. وما أن وجد حرب نظراته ستستمر هتف ليسأله رغم ارتباكه من رجوع الماضي:
"انت عاوز إيه!"
أخذ "شريف" أنفاسه ثم ثبت نظراته الكارهة على وجه الآخر وهو يردد:
"افتكرتني؟ فاكر الشاب الغلبان اللي بعته وكان لا عارف ياخد حق ولا باطل.. فاكر اللي انت والدنيا جم عليه؟ أنا لو أطول أقتلك هنا هقتلك فمكانك.. بس عايزك تصبر عليا لحد ما تشوف الدنيا اللي جت عليا هتعمل فيك إيه!"
كلماته التهديدية تهز من ثباته أمامه. تنهد يخرج أنفاسه ثم نبس بنبرة هادئة مهتزة:
"أنا مليش دعوه بحاجة.. ابعد وخد أخوك وامشي أنا مش موافق على الجوازة دي."
"حظك إني جيت وأنا مش عارف هو هيناسب بنت مين.. بس لما عرفت خلاص طلعتلي فرصة سهلة من ألماس مش دهب! ولو محتاجني أمشي فـ همشي فعلاً.. بس لوحدي.. وأخويا هيكمل الجوازة.. أهو يسهل عليا كتير يا سليم."
نبرته الحادة المتوعدة يجزم بأنها خرجت لتقوم بعكس ما يفعله وجعه من الداخل. انتبه على صوته الساخر مرة أخرى وهو يقول:
"انت ميتقالكش سليم.. ولا حتى متر.. عارف انت يتقالك إيه؟"
يسأله ولم يعطيه فرصة للرد بل مال يهمس بجانب أذنه بسبه بذيئة. تكاد تخرج انفعاله بعد ارتباكه. تحرك بوجهه سريعاً وهو ينظر له بغضب دفين. فهز "شريف" رأسه بالتأكيد وهو يقول بتأييد:
"أيوه مستغرب ليه ده اللي نندهلك بيه... سلام يا ***"
فتح "سليم" أعينه على وسعها حتى أنه تحرك رغماً عنه عندما وجده يدفعه كي يخرج من الشرفة. حتى خرج "شريف" بالفعل. ثم وقف الرجال في الصالة. فودعهم هم بالترتيب تزامناً مع قوله الهادئ الذي عكس ثورة ما بداخله:
"معلش لازم أمشي عشان ورايا شغل.. وأهو عز موجود وفرح هتبقي ترجع معاه!"
ابتسم له "حامد". ومن ثم الشباب. بينما وقف هو يودع بيديه آخر اثنان حيث وقف "غسان" بجانب "بسام". عندما دخل من باب الشقة وجدهما بعيدان عن بعضهما أما الآن فلا يعلم هو أي منهما قد قابله من قبل ووجد به الشراسة التي خالفت توقعاته. نظر له "غسان" بتسلية وانتظار. في حين وقف "بسام" يبتسم بلطف. فمد يديه يقتل تردده ولم يصافح بقوله غير يد "بسام" حتى قال له بنبرة خبيثة:
"تاني مرة دي يا غسان.. أول مرة كنت هايل!"
عقد "بسام" ما بين حاجبيه بينما لم يفهم حديثه سوى "شادي" و"بدر". ولكن هتف "بسام" سريعاً بابتسامة وهو يوجهه:
"شرفتنا.. وعالعموم هو غسان وأنا بسام!"
موضع محرج. ولكنه حاول إخفاء الأمر وتعامل معه وكأن شئ لم يحدث بل مد كفه يصافح "غسان" الذي طالعه باستهزاء وغير راحة. صافح الإثنان بعضهما حتى انتهوا ومن ثم نظروا على أثره وهو يخرج من باب الشقة ثم أغلقه خلفه و"حازم" يقف. جلس الجميع مرة أخرى وهذه المرة خرجت النساء من الغرفة. حتى وقفن بالصالة بانتظار. بينما وقفت "فرح" بجانب "ياسمين". ومن ثم توجهت "نيروز" لتجلس بجانب "غسان" وكذلك "ورده" بجانب زوجها. نظر الجميع عليه وهو يخرج من الشرفة وملامح وجهه المتهجمة تظهر. فوقف "سليم" يهتف لولده أمام الجميع وحتى "فرح":
"عاندتني وعملت اللي عاوزه؟"
لم يقف أي منهم له عالماً من كل منهم بأنه رجل لا يستحق له التقدير فصمت الجميع. ونبس "حازم" يجيبه وهو جالس:
"آه.. وربنا يسهل."
هز "سليم" رأسه باستهزاء. وقد علم الآن بأنه لم يوجد أحد من أبنائه مازال تحت طوعه هو. سمع هو صوت دقات الباب. فالتفت يفتحه حتى وجد "زينات" التي كانت مستغرقة فالنوم بسبب ألم جسدها ولكنها علمت ما فعله بسبب ما قاله "سليم" لها. دخلت تقف بجانبه وهي تنظر لهم بحدة. بينما طالعها كل من جلس ببرود. فهتف "سليم" بنبرة خائبة يجيبه:
"انت مش فاهم أي حاجة!"
"مش مهم.. الأهم إن كله هيشوف حياته ودنيته مش هتقف إن شاء الله على بيت المحامي سليم الأكرمي."
قال "حازم" حديثه يجده شديدة لم يكن بها سخرية. نبرته صريحة بقوله. هز "سليم" رأسه وهو يحركها عليهم جميعاً. وما أن وجد "غسان" يسند ذراعه على كتف "نيروز" الملتصقة به نظر لهم باستنكار وهو يثبت نظراته عليهم هو الآخر حتى لاحظ الجميع محط أنظاره. لم يتركه "غسان" يتمادى في طرح النظرات بل هتف بتبجح غير عابئ بوجود من منه:
"بص على قدك."
كبتت "ياسمين" ضحكتها حتى نظرت لها "فرح" بتعجب. تعلم أن والد صديقتها ليس هين. ولكن وضع كَمثل هذا الوضع لا يفترض بأن تكون ضحكات! نظر له "سليم" بغيظ. ثم التفت ليخرج من باب المنزل بينما هتفت "زينات" بكره:
"عيلة مشافتش ربايه.. ربنا ياخدكم كلكم."
قالتها بحقد. حتى أن الأنظار توجهت لها بذهول من دعوتها فهتفت "ياسمين" نجيبها باستفزاز:
"هي فعلاً.. عيلة مشافتش ربايه من زمان حتى إنتِ منها متنسيش ده.. ومش هقولك بقا إحنا طلعنا قليلين التربيه ليه.. أكيد عشان تلاقي حد يرد عليكِ زي الوقتي كده!"
أشار لها "غسان" بيديه بالإعجاب حتى أكمل بقية الرد وهو يقول:
"وبالنسبة بقا الله ياخدكم كلكم.. فأول حد يستاهل يطير من هنا هو إنتِ.. برا يا أم الناقص من غير مطرود.. إنتِ والمـتر!"
سحبها "سليم" قبل أن تكمل ثم خرج وأغلق الباب خلفه. لم تكن سوى ضحكات من الجميع رغم غرابة الموقف على "فرح" وألم "حازم" من الداخل وحتى عدم إعجاب بما حدث من ناحية "حامد" ولكن لا يتطلب الأمر معهم سوى ذلك فقد استخدم معهما كل الطرق اللبقة في البداية ولكن بلا فائدة.
نظر "غسان" عليها وهي تجلس بجانبه ساكنه لم تتحدث حتى أنه لم يستطع استشعار خوفها التي تظهره. أشار بيديه أمام وجهها الشارد وهو يقول:
"سرحان فيا وفـ غرامك بيا ولا إيـه؟"
خرجت "نيروز" من شرودها وهي تبتسم له باتساع. ثم هزت رأسها له بالإيجاب. فتحدث هو وهو يعتدل ثم قال بإقتراح:
"طب إيه؟ حاسه نفسك أحسن؟"
"الحمد لله كويسه."
أمسك "غسان" كفها وهو ينهض تزامناً مع قوله لها:
"طب يلا ننزل نتمشى!"
نهضت "نيروز" معه دون نقاش. فقد عارضت أمس مرتان. ابتسمت له وهي تهز رأسها ثم مدت يديها تهبط من حجابها على كتفيها دون أن يتحدث هو. فابتسم لها باتساع. ثم التفت يتحدث كي يعلمهم بأنه سيهبط لأسفل قليلاً معها.
أما في الداخل فكان الاثنان يطالعا بعضهما بمشاعر مختلطة. حتى أن "عز" المرتبك من نظراتها لا يعلم هو وصف شعوره الآن. ابتسم بهدوء. ثم هتف بما بقلبه وهو يقول:
"ارفعي عينك يا جميلة. أنا مبسوط اوي ونفسي تكوني مبسوطه زيي."
رفعت "جميله" أنظارها المبتسمة بخجل. تطالعه بهدوء ثم قالت هي الأخرى:
"أنا كمان مبسوطه يا عز."
توسعت بسمته. حتى أنه أشار لها بحماس. تزامناً مع قوله:
"عارف إنك قرأتي الفاتحه جوه مع الستات. وإحنا قرأناها هنا. بس أنا عاوزنا نقرأها تاني مع بعض."
نظرت له "جميله" بسعادة ثم رفعت يديها بحماس. لم يظهر له إلا قليل. حينما بدأت بالفعل في قراءة سورة الفاتحه كما فعل هو. وبعدما انتهى الاثنان. تحركت عينيه ناحية عينيها ثم نظر بها بقوه وهو يعترف بنبره صادقه:
"أوعدك يا جميلة إني مش هزعلك فـ يوم وهحاول أعمل ده رغم إن الحياه مبتمشيش من غير مشاكل. بس هراعي ربنا فيك. وهعملك كل اللي إنت عايزاه. لحد ما أشوفك أسعد واحده. وهحاول أعمل على ده. وهفضل جنبك لحد ما تخلصي مشوارك وعمري ما هقف فطريقك ولا هشوف نفسي عليكي. أنا لما قولتلك إني حاسس بحاجه من نحيتك مفكرتش أقولها بالصراحه ألا لحد ما أخش البيت من الباب ويكون بينا حاجه رسمي. بس دلوقتي حتى لو مينفعش أوي أقولها بس هقولهالك ومش مستني منك الجواب غير لما تحسي بيها فعلاً."
أنصتت "جميله" بتمعن حتى أنها نظرت له بتأثر. فواصل هو يكمل بنبره لينه صادقه وإعترافه لا يفارق عينيها:
"أنا بحبـك يا جميلة."
إرتجفت يديها بطريقه غير ملحوظه. ثم ابتسمت له بتأثر. وهي تجيب على حديثه الأول:
"وأنا أوعدك إني هبقي متفهمه معاك. وربنا يبارك لنا في اللي جاي ويتم علينا بخير. ومش بطلب منك غير إنك تكون فاهمني وهادي معايا. وإنك متبخلش عليا إنك تظهر حنيتك عشان أنا عيشت محرومه منها. وعايزه أقولك عشان أقتل حيرتك إن زي ما أنت شفت بابا مش موافقني علي أي حاجه. فعشان كده لو حصل حاجه منه حاول تقدر وتفكر فيا مش فاللي هيقوله ليك أو اللي بيعمله!"
ورغم جرأة ما قالته إلا أنها تريد الصراحه من البدايه. ورغم دهشته إلا أنه أعجب بصراحتها حتى هتف بنبره هادئه مبتسمه:
"وأنا جنبك يا جميلة وهسمع كل اللي جوايا. واللي عايزه تقوليه حتى لو هيخرج واحده واحده. أنا صابر ومش همل. وربنا يقدرني وأعوضك عن كل اللي كنتي محتجاه وملقتهوش."
إبتسمت له بهدوء. وهي تشعر بالراحه فقط من فكرة علاقتهما. تنهد يخرج أنفاسه وهو ينظر إليها بتمعن بينما يحاول هو جاهداً فتح أي حديث.
جلست "عايده" ومجازياً مازلت تضع يديها على قلبها بالخوف. جلس "حازم" يهدهدها بحنو. بينما نهض "حامد" يشير لزوجته بأن يرحل كل منهم إلى شقته. حيث أخذ كل منهم قطعة من الجاتوه تعبيراً عن الفرحه. نهض "بسام" يأخذ "شادي".
إلى الخارج والذي أخذ "يامن" معه ليشاكسه. بينما جلس "بدر" بجانب "حازم"، ومن الناحية الأخرى توجد بجانبه "ورده" و"ياسمين" تجلس بجانب "فرح" تتحدث معها. وجلست "سميه" بهدوء. بينما خرجت "دلال" مع زوجها لشقتها كما خرج الاثنان من قبلهما.
نهضت "ورده" تدخل للعروسين صينيه من الطعام الحلو كنوع من الذوق العام. بينما أشارت "عايده" لـ "فرح" بابتسامه كي تأتي لتجلس بجانبها بلطف.
فتحرك "حازم" يجلس بجانب "ياسمين"، ومن الناحيه الأخرى جلس "بدر" بهدوء يبتسم لـ "سميه" التي ظهر على ملامح وجهها الإنهاك.
خرجت الكلمات من إحدى العربات على كورنيش البحر. بينما كان يجلس هو بجانبها على أحدى الإستراحات والتي كانت بالقرب من المبنى، ليست ببعد كبير. رفعت الحلوى إلى فمها بتلذذ ثم نظرت له قائله بإعجاب:
" طعمها تحفه أوي يا غسان!"
أردفت "نيروز" حديثها بتلقائيه، وهي تطالعه. في حين نظر لها "غسان" ضاحكا من هتفها بإسمه بتلك الطريقه الذي لأول مره يحبذ دلعه بذلك اللقب منذ أن هاتفته به هي. رفع ما بيديه يطعمها حيث كان كل منهم يتذوق ٱخر مختلف. هزت رأسها بإعجاب. ثم لاحظت هي صمته مع بسمته فقط. نظرت له باستغراب ثم قالت:
" طالما مش بتنكش ولا قليل الأدب كده يبقي مش مطمنالك!!"
كبت "غسان" ضحكته ثم هز رأسه بثقه يجيبها بهدوء ظهرت به نبرته الخبيثه:
" والله قلة الأدب حاضره، بس عشان الناس بس، ودا عشانك لكن أنا ميهمنيش الناس، يهمني إنت وبس يا جميل!"
هزت رأسها بتأييد عندما وجدت عبثه يعود ثم قالت بمرح:
" ايوه كده إنت غسان البدري، كده عال أوي!"
لم يستطع منع نفسه من خروج ضحكاته، أسلوبها وطريقتها بالحديث مثله تماما، بل أصبحت النسخه المصغره منه هو شخصيا. لحظات من الصمت وكل منهم ينظر للٱخر وسط إنشغال الأجواء وتذوق ما بيديهما. ولكنها إنتبهت وهي تحرك رأسها بإنتظار مستفهم حينما ناداها هو بقوله:
" نيــروز!!"
همهمت تجيبه هي براحه وهي تحرك أنظارها على ملامح وجهه المبتسم. بينما إبتسم هو بحنو يسألها بترقب:
" كنت عاوز أطمن عليك وعلى موضوع الدكتور النفسي، لسه بتروحيله؟"
توقفت عن مضع ما بفمها ثم رفعت أنظارها تطالعه بصمت مع ابتسامتها الهادئه. قد تفهمت ما يود قوله بل وما يشعر به هو تجاهها حتى جهله بذلك الموضوع يشتته بالخوف عليها. إبتلعت ريقها ثم أخرجت أنفاسها تجيبه بهدوء وهي تنظر على وجهه المترقب والمهتم بالإنتظار للإستماع:
" معنديش معاد محدد بروح ليـه، يعني مليش جلسات معينه ولما حسيت إني أحسن شويه بطلت اروحله من فتره. بس لما رجعت تاني رجعت لما حسيت إن الدنيا مضيقه عليا ومحدش كان فاهمني ساعتها. مخصصنيش ولا حسسني بإني مريضه نفسيه يمكن كنت الأول بس دلوقتي لأ. من ساعة ما ظهرت فحياتي وأنا مفكرتش أروحله. بس لما بحس إني متلخبطه بروح أخرج كل اللي جوايا. يمكن عشان حسيت إنه المكان اللي حد فاهمني فيه. بس لما لقيتك ولقيت حضنك وكلامك محتاجتش أرجعله تاني عشان تايهه، بالعكس أنا فهمت أنا إيه وفين فـ وجودك!"
نظر لها "غسان" بهدوء، حتى أنه تأثر من حديثها وبقوه. رفع كفه يمسك كفها ثم ردد بنبره عميقه خرجت من قلبه النابع بحبها:
" وأنا فـ وجودك لقيت غسان تاني حلو كان مستخبي جوايا. وأنا مش بسألك عشان مفكرك تعبانه. بالعكس أنا جنبك وبشجعك لو محتاجه تنتظمي معاه أكتر. وأنا بقولك حتى لو مش عاوزه تفتكري ده بس بقولك إن عمري ما شوفتك مجنونه ولا هشوفك كده أبدا. طب وربنا أنا اللي مجنون بيك!!"
إبتسمت باتساع على ٱخر حديثه حتى أنها تشبثت بيديه. بينما إنتبهها هما. للصبي الذي وقف بعلبه كبيره من الخواتم والسوار. إبتسمت هي له بحنو كونه صغير. بينما أشار لها "غسان" بأن تختار. مدت يديها بحماس تبحث عن سوار عليها حروف إسمه. حتى إستغرقت وقت. بينما هتف "غسان" يسألها بإهتمام:
" بتدوري علي إيه؟"
"إسمك وإسمي!"
قالتها وهي منشغله في البحث بينما هتف الصبي يقول بهدوء إمتزج بابتسامته الصغيره:
" طب قولو أسمائكم إيـه!"
إبتسم "غسان" له ثم قال له بنبره هادئه يمزح معه:
" غسان يا صاحبي، يارب تلاقيه"
ضحك الصبي من طريقته العفويه. ثم هز رأسه بأسف وهو يقول:
" الإسم ده قليل أوي والله مش معايا بس قول إسمها يمكن يكون معايا"
هز "غسان" رأسه بخيبه أمل ثم نظر لها قائلا بمرح:
" حامد ملقاش ألا إسم أبوه يسميني بيه، مش مسامحهم والله!!"
ضحكت هي بخفه ثم نظرت للصبى تزامنا مع قولها:
" طب في نيروز!"
هز الصبي رأسه ثم مد يديه يلتقت السوار السوداء الذي كان بها حروف إسمها متفرقه عن بعضها باللغه الانجليزيه. أخذتها هي بحماس. ثم رفعت يد "غسان" لتجعله يرتديها. فابتسم هو عليها ثم قال بتشجيع:
" طب هختارلك أنا خاتم بقا، مش هسيب إيدك التانيه فاضيه"
قالها بمرح ليشاكسها ثم تطلع على معصممه بإعجاب. حتى رفعه أمام فمه يقبله بمشاكسه. وكزته هي بخجل حيث كان يقف الصبي. فابتسم يمد يديه يخرج لها خاتم على شكل فراشة صغيره ثم أمسك يديها يضعه بإصبعها بهدوء وهو يبتسم. إبتسمت له هي باتساع. بينما نظرت على شكله مطولا تزامنا معه وهو يخرج الأموال ليعطيها للصبى حتى رحل من أمامهما. أشياء بسيطه كافيه لتوسع إبتسامتها. بالأساس ليس خاتم من يجعلها سعيده. بل وجوده بجانبها جوارها يجعلها أشد سعاده! أخرج هاتفه كالعاده ثم أشار لها بأن توثق اللحظه. أخذته منه ثم وضعت كفها بكفه ومن ثم تشبكت أصابعهما ببعضهما حتى إلتقطتت الصوره بسعاده. غمز لها بإعجاب. ثم أخرجت هي هاتفها تصور نفسها من الكاميرا الأمامية وهو بجانبها. صور للتذكار. وما أجمل بأن تكون الذكرى هو بالنسبه لها. وهى بالنسبه له هو.
الحقيقه موجعه للغايه. فكرة تفاجئه وكبت كل ما يشعر به ما أن رأى رجل ظالم لا يريده بأن يحظى بـحياه عاديه. بل الموت له ولأولاده هو كل ما يريده. هذا الذي عاش المر أضعاف مضعفه لكل من عاش المر فقط. نزلت دموعه وهو يقف أسفل البنايـه بعد أن عاد بالسياره لمكان ما كان يستأجرها. وقبل أن يصعد الطابق على السـلم وقف يهدأ من كل ما يشعر به. كل ذلك الوقت غير كافيا بأن يهدأ. إرتباط شقيقه بمن يريد الإيقاع بها هي الأخرى بعد أن أوقع شقيقتها. بداخله بركان إن خرج سيدمر من أمامه. بل وسيحرقه حيا. مسح بيديه وجهه ما تبقى من دموعه القاسيه. صعد السـلم بهدوء مـميت ود لو يصعد ويكسر هو كل درجه إن كان هذا كفيلا.
ليختفي وجعه من الداخل، مد يديه يخرج المفتاح بخواء. حتى أن فكرة تفاجئه بالشيء باتت معدومة بعد الآن. لم ولن يتراجع عن فكرة انتقامه. أغلق الباب من خلفه بقوة خرجت دون وعي منه. ثم نظر على الشقة التي بدت ساكنة وبشدة. توجه ليسير ناحية غرفته، بينما خرجت هي من غرفتها تقف بلهفة. ثم نظرت له قائلة:
"إنت جيت يا شريف؟ إتأخرت ليه؟"
وجدته يقف ينظر لها بصمت. حتى أنها لم تعطِ له فرصة للرد، بل سألته مرة أخرى باستفسار:
"ممكن تقولي بقالي كام يوم مش عارفة أشوفك ليه؟"
طرحها للأسئلة خلف بعضها نفذ من صبره عليها الذي يتحمله هو. تعمد تجاهلها وهو يتوجه ليدخل الغرفة، بينما لم تتركه "فريدة" بل دخلت خلفه وهي تهتف مجددًا:
"مش بترد عليا ليه؟ ممكن أفهم مالك؟ بقالك كام يوم مش مظبوط وياتيجي بعد ما أنام، يا تمشي قبل ما أصحى من ساعة آخر مرة لما كنت..."
بتر هو كلماتها وهو يلتفت ينظر لها بحزم، ثم رد بحِدة شديدة ظهرت في نبرته:
"إسكتي!"
حركت "فريدة" رأسها باستنكار، ثم وقفت تطالعه باستغراب وهي تهز رأسها بالنفي مما تراه غريبًا به:
"مش هسكت يا شريف. إنت بتهرب مني ليه؟ وبتتعمد متقعدش معايا ولما أكلمك بترد على قد الكلمة. أنا مستاهلش منك ده. أنا بعت أهلي عشانك، عشان أقعد معاك وإخترتك إنت. ليه بتعمل كده؟"
توجه نحوها يقف أمامها بخطوات ثابتة، ثم حرك رأسه قبل أن يخرج انفعاله بنبرته:
"قولتلك إسكــتي!"
قالها وعقله مغيب عن ما قالته. كلما ينظر لها يتذكر والدها وما فعله به. خرج صوتها المرتفع وهي تتحرك من أمامه بانفعال:
"لا مش هسكت. أنا مش كل شوية هقعد أقولك إني بحبك وإني بعت الدنيا عشانك. شوية بتتهرب مني ومن الكلام معايا. وشوية تيجي تقولي كلام غريب ميتوافقش مع اللي إنت فيه. قولتلك إحكيلي مالك حتى لما قولتلك اتكلم عن عيلتك اتكلمت باختصار واللي المفروض أكون فاهمه وعارفه عنها كل حاجة باعتباري إني المفروض مراتك. هسمعك والله أسمعك عادي بس متسيبنيش حيرانة فيك وفي اللي بيجرالك وأنا واقفة مش عارفة أعمل..."
توجه "شريف" بخطوات منفعلة يمسك معصمها بقوة وهو يقطع حديثها قائلاً بصراخه المرتفع:
"قولـــتـــلك بــس. إخــــرســي!"
نظرت على انفعاله، بل وهو الآن بكامل قواه العقلية ليس كالمرة السابقة. أمسك معصمها بقوة وهو يسحبها خلفه، ثم دفعها على الفراش تجلس من أمامه حتى هتف بنبرة صارخة وكأن فاض به الكيل بعد الآن:
"عــــــاوزه تـــعـــرفي إيـــــه عنــــي؟ أبــــويا اللــي بـــاعني ولا أختـــي اللــي إغتصــــبوهــــا!"
آن أوان ظهور الحقيقة، حتى تخرج منه بذلك الوجع! نبرته الصارخة تقسم بأن الوجع لم يعرف طريقًا إلا له هو وحده! وقف ينظر لها بشرر، وقد وضع ستارًا على عقله وما يردفه، وحتى أنفاسه التي تعلو وتهبط. رؤيته لوالدها اليوم لن تمر مرورًا طبيعيًا إذن! طالعته بذهول، ثم تحركت أنظارها بألم وتشتت من عدم استيعابها لما قاله. لحظات من الصمت قطعته هي وهي تنظر لعينيه التي بدت لها حادة وبقوة، ثم قالت بتعلثم وهي تمسك معصمها بوجع:
"إغـتصبـ ـوها!"
هز رأسه يؤكد بهيستيريا، حتى أن قوقعة ألمه قد امتلأت بشدة وقد قرر هو بأن يخرج ما بها وما به هو. صرخ يؤكد لها بقوله الموجع مرة أخرى:
"إغتـــصـــبــوها. بـس ليـــه؟ ها؟ قوليـــلـــي إنــت ليــــه!"
قالها "شريف" بصراخ وهو يهزها بيديه بقوة، بينما تطالعه هي بدهشة وعدم علم
حقي اللي أبوكي ضيعه، ضيعه بنفس باردة لما وكلته يمسك قضية أختي اللي كانت مضمونة قصادهم. أبوكي اللي اشتروه يخفي كل حاجة، أبوكي اللي نيمّني وأنا مش فاهم حاجة. أبوكي اللي زور كذبهم وقذارتهم وخلاه سليم، اللي هما اشتروه عشان يقول ويظهر بأن أختي هي اللي عملت كده بمزاجها. خرجهم من السجن وهما ميستاهلوش غير الموت جواه، خرجهم واتحكم على أختي إنها تدخل السجن بعد ما ظهرت إن هي اللي عملت كده بمزاجها. أقولك أختي شافت إيه جوه بسبب أبوكي؟ أقولك أنا كنت بموت كام مرة في اليوم أنا وأمي!
آخر حديثه كانت دموعهم الإثنين تنهمر ولا يعرف لها طريق معين، حتى أن صراخها بالخوف أن يتركها كانت لا تعني له بشيء وهو يكتف قدميها بساقه وزراعيها بيديه. هتف يكمل من بين دموعه مرة أخرى:
مش هتعرفي عشان إنت مجربتيش. ليه أبوكي يعمل فينا كده؟ وهو اللي كان مشهور ساعتها والكل بيحلف بيه وبشطارته! أتاري الظاهر غير الباطن، بس كان شاطر أوي لما نيمّني وغفلني ولعبها معاهم صح. ورماها في السجن بتموت هناك بالبطيء، وأنا برا مش عارف أعمل إيه ولا إيه. فكرة أخد الحق راحت وإتبخرت بسببه هو وبسبب اللي عمله. معتش نافع معاها لا محاميين ولا غيره. كل جلسة كان بيخيب أملي عن اللي قبلها واللـي بعدها. كل جلسة أمي كانت تتعب من غير سبب وتعبها ملوش تحديد. رماها جوه في السجن بدم بارد. كل اللي يسوى وميسواش كان بيتكلم عليها. محدش سابها في حالها لا وهي حية ولا هي ميتة!
إردفه لحديثه أغلقت عليه الأبواب منذ سنوات يقهره، وهو يفتح أبواب الوجع التي لم ولن تغلق لديه. نظر لها بصمت بارد مميت وهي تحاول التملص من بين يديه، حتى أن ما ترتديه كشف عن جسدها بسبب حركتها. نظر لها بخواء وقد دقت طبول التنفيذ بداخله وقبل أن يفعل ما يود فعله منذ أن وقع بها نبس هو يكمل ما بدأه:
عارفة؟ خرجت تاني، قعدت فترة وخرجت. خرجت فاقدة كل حاجة كانت جواها قبل ما تدخل. كل حاجة فيها قتلوها هما وجه أبوكي وكمل عليها. بعد ما شافت عذاب جوه وضرب وإهانة وذل، خرجت. بس شافت برا اللي صعب أي حد يشوفه. نظرات الناس ليها كانت وكأنها ماشية عريانة. بلد وكل اللي فيها قاعد يجيب سيرتها. وأنا مكنتش ملاحق عليها ولا على مرض أمي اللي متوصفش هو إيه غير إن حزنها وقهرها بيرجعها لورا وبس. الناس كانت بتشتمها فالرايحة والجاية بأفظع الشتايم اللي ممكن تتشتم. على قد ما استحملت جوه مع ناس ظالمة وناس مظلومة، بس مستحملتش برا كل الإهانة والذل اللي كان بيوصلها من النظرات بس قبل الكلام.
إمساكه لها لم يمنع شروده حينما أكمل بتذكره لما حدث وكأنه يحفظه عن ظهر قلب، بل ولم ينسى، محفور بذاكرته بأداة حادة وبشدة!
في يوم جت وخدت حباية غلة موتت نفسها من كلام الناس عليها ومن كل اللي حصل ليها من ساعة ما اتولدت لحد يوم ما انتحرت! كنت أنا ميت من قبلها وأنا مش ملاحق أجيبلها حقها من مين ولا مين. ولما ماتت مت أنا معاها وقلبي مات وكل ذرة طيبة فيا محيتها. الدنيا مسكتش معايا لحد هنا، دا أمي كمان ماتت بعدها لما عرفت إنها انتحرت. قعدت تعبانة وعقلها مش عايز يصدق الحقيقة اللي بتكوي قلوبنا معاها. بس لما استوعبت جالها الجلطة وراحت فيها. دفنت أختي لوحدي، ودفنت أمي لوحدي وبطولي. وكأن الدنيا بتقولي انت مش هتعيش غير غريب ووحيد. تعبت لحد ما خلاص قربت أتجنن. كل اللي حصل حصل بعد ما جدي مات وسابني مسؤول وكل اللي منا سابونا. سافرت بفلوس أبويا اللي إتحرم منها عشان اختار ست شبهه في قلة الأصل. قعدت برا كام سنة بعيد عن القرف اللي شوفته في حياتي. اللي كان بيقف ما بين أرجع ولا مرجعش إني أزور قبرهم عشان في كل لحظة بيوحشوني. عاندت لحد ما جه الوقت إني أنزل. ونزلت وروحت أول حاجة أعملها إني خسرت اللي عملوا كده لأختي وأهاليهم اللي وراهم واللي قدامهم. حرقت ليهم أرضهم، وكل واحد عملت فيه حاجة شكل يعيش ويفتكرني بيها. وبالطريقة اللي متلبسنيش فيها حاجة. لحد ما جيت عند أبوكي.
سكنت "فريدة" أسفل يديه تهبط منها دموعها وهي تستمع فقط، والإثنان ينظران إلي بعضهما بوجع. وأما عنه ففاق وجعه وألمه الكثير!
لحد أبوكي، اللي وقفت عنده أفكر. لو مكنش باع ضميره وباع نفسه للطرف التاني ودخل أختي السجن، كان كل ده هيحصل! أقتله ويروح فيها من غير ما يحس باللي بحس بيه! قولت لأ. أدوقه من نفس الكاس، واجيب بناته تحت رجلي وأولهم إنت اللي معرفتك بيا كانت أسهل من السهولة عشان إنت رخيصة بنت راجل رخيص. مقابلة والتانية والرابعة لحد ما بقيتي في جيبي. وحتى أخوكي اللي كان مسهل عليا الدنيا أوي خليته ضايع أكتر ما هو وبعدد الحقن ده يروح فيها في أقل من ثانية. وأختك عرفت إن صعب أخش عليها نفس دخلتك بس ضربت بيها عصفورين بحجر. منها أوجع أختي اللي من أبويا ومنها تجيلي لحد عندي براحتها خالص. ومكنتش عارف إن لما أوجع أختي هوجع أخويا اللي راح ناسب أبوكي الـ ***.
تأويها من مسكة يديه كان مؤلم، حتى أنه لم يتحرك إنش واحد فقط. محاولتها بالتملص باتت فاشلة لذلك سكنت تدريجياً. ولكنها صرخت بعزم ما لديها عندما هتف هو من جديد بنبرة صريحة وعينيه الحادة التي ظهرت لها وكأنه شيطان بمخالب ومخالبه على معصمها موضوعة وتؤلمها بشدة:
استعجلتي باللي هيحصلك. بس آن الأوان يحصل. عشان تحسي إنت وأبوكي باللي أختي وأنا حسينا بيه. ملكيش ذنب. بس ذنبك هيبقي فرقبــته هو لأن هو كان وهيكون الســبب فـ.. ده!!
وما أن قالها "شريف" تفهمت هي ما ينوي فعله. بكائها وصراخها العالي قبل أن يهجم عليها بالإعتداء لم يشعره بالذنب ولم يجعله يتراجع عن ما نوي فعله:
لأ أنا مليش دعوه.. والله مليـش دعوه. ســيبني. ســـيبني!
ترجته، وصراخها يعبر عن ألمها من كل ما حدث. أيقنت أن كل علاقة بدأت بما لا يرضي الله لا ترضي بالنهاية. بكائها بعجز وصراخها وهي تحاول التحرك كان ليس هيناً. حتى أنها أيقنت بأنها وقعت لا محال، وأن لا مفر من ما ينويه هو. لم تمل رغم تيقنها بما سيحدث أو بما يحدث بالفعل. بل صرخت. وصراخها بقوة عبر عن كل ما تشعر به. أما هو فالوحشية والهجوم والشراسة كان لا يرى سواهم في تلك اللحظة. ما بين صراخها وما بين ما يتذكره لشقيقته وما حدث له. لا تعلم هي كم مر من الوقت عليها كي تصبح جالسة بمثل هذا الخواء. وبل وصراخها هدأ إلى أخرى باكية بصمت يهشم القلب إلى أشلاء. ولا يعلم هو كيف ومتي نهض بهذه السرعة. نظرت له بوجع وألم نفسي وجسدي حتى أنها تعي تدريجياً ما حدث. المؤكد بأن شرفها قد هدرت هي به وأضاعته ضياع لا رجوع له! ضحية. عاشت هي ضحية وأكملت حياتها واختياراتها بما قاله لها قلبها وتجاهلت حديث عقلها. لا يستحق أحد بأن يكون بمثل ذلك الموقف مهما فعل!! رفعت الغطاء تستر به نفسها عندما وجدته يقف بعد أن وقف يعتدل. وعى هو الآخر ما فعل. إبتلع ريقه ثم رفع يديه يضرب مؤخرة خشب الفراش مع قوله الصارخ لها:
حسيـــتي باللي أختــي حست بيـــه!! عرفتي يعني إيــه معني الوجــع!
صمت ينظر على دموعها المنهمرة بإنكسار. يقسم هو بالوجع أضعاف بأن لو كانت شقيقته بمثل موضعها الأن وما يظهر عليها من إنكسار وصل له هو وهو الذي لا يشعر بشيء لها. كل ما كان هو صراخ. صراخه وهو يهشم كل شيء من أمامه ناظراً حوله بضياع. وهو يردد بتساؤل مريب هستيري:
لــيــه؟ ليـــه يحــصل كل ده من الأول!
صراخه وبكائها هما اللذان وضعا بموضع كهذا ليشرحا الموقف. وقف وصدره يعلو ويهبط بشدة. حتى تحرك يغلق من قميصه الذي فتح بإهمال. ثم اعتدل بوقفته وملابسه الذي انتشل من حبيبها المفتاح ليخرج. توجه ناحية الباب يفتحه ثم خرج منه وهو يتركها بقلب قاسٍ لا يعرف له اللين طريق. وسرعان ما أغلق الباب من الخارج بالمفتاح كما كان يغلقه من الداخل. فـ باتت هي بالداخل سجينة الحزن والإنكسار. مما ظهر بأنها هي الأخرى قد كتب عليها الوجع من الأن ومن قبل ذلك. هي التي لم تجد أحد بجانبها. تألمت بشدة من الداخل والخارج. نفسياً وجسدياً. لا يمكنها اللوم إلا على نفسها ومن بعدها والدها التي صارت هي تمقته وبشدة. نظراتها المحتده من بين بكائها المنكسر لا تستطيع هي وصفها أو صف ما تشعر به. كل ما تشعر به هو الندم والألم. وما أدراك من الإثنان عندما يجتمعان وبقوة وإلحاح. تحاملت على نفسها وهي تزيح الغطاء عنها ثم تحرك بتأوي وهي تهبط من على الفراش بخواء. ثم حاولت الاعتدال والسير ببطء بعدما عدلت ملابسها ثم سارت وهي تحاول أخذ حذرها من تهشم ما كان على الأرض. تحاملت بقوة حتى وصلت لمرحاض الغرفة الصغير تدخله وهي تغلق الباب من خلفها ثم جلست على الأرض خلف الباب وهي تضع يديها على فمها تكتم دموعها وشهقاتها. تقسم هي بأن الوجع أقل ما يمكن قوله في هذه اللحظة. إنتفضت وبقوة عندما سمعت صوت أشخاص قلة ومن ثم سمعت صوت غلق باب الشقة حتى اختفت جميع الأصوات وصوته هو أيضاً. لا تعلم هي بأنهم قد أتوا من صوت الصراخ. وبعدما اعتدل هو يخرج من الشقة يواجههم ويخرج بعيداً عن المنزل والشقة الأن. أما هي فدموعها لا تعرف الصبر. فتحت صنبور المياه تضع منه على وجهها رغم ارتجافة يديها وبقوة! هي التي فعلت خطأ كان بإمكانه بأن يتبخر ولا يصبح خطأ. إصرارها على وضع نفسها بمكانه في الأسفل لم تفشل. ظُلمت وأكثر من ظُلم كان هي!
لم ترَ عدلًا من عائلتها، خاصةً والدها ووالدتها. ولم ترَ نفس العدل من الحياة ومن عقلها وقلبها الذي أرجعها هو خطوات كثيرة إلى الخلف.
هل ستسأل نفسها كما سأل هو بألم؟ وضعها لم يظهر سوى من المفترض بقولها أن يكون: "لما الحياة وأنا بلا حياة الآن ومن قبل ذلك؟"
هذا هو القول الذي يتماشى مع وضعها المشفق الآن. ضحت لأجله، في حين أنه في التخلي لا يفوز أحد عليه. اختاره قلبها المغفل، في حين كان قلبه صلبًا قطع به أي شعور. فعلت الخطأ الصغير في البداية، بينما كان ينتظر هو فعل كل الأخطاء. ولم تكن سوى أخطاء خطرة أتت وستأتي وتأتي بالفعل.
يعود السؤال لمن ينظر على حالها وهي تغتسل بضعف وانكسار وكل الإنهاك والألم والضعف بها هي وحدها. يعود السؤال بنبرة مختنقة مما رأته ماضيًا وحاضرًا: "لما الحياة وهي بلا حياة؟"
رواية عودة الوصال الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة ناصر
_" حبيب جدو"
إبتسم "يامن" بسعاده بينما نظرت إليها "دلال" بحب&; ثم قالت باقتراح&; :
_" تعالى أقعدي معانا. طالما محدش موجود &; هاتي بس المفتاح وتعالي يلا "
أيدها "حامد" فابتسمت "نيروز" بطاعه ثم أومأت لهما بهدوء&; وهي تتجه للداخل لتجلب المفتاح من جانب الباب وهاتفها &; ومن ثم خرجت تغلقه من خلفها وهي تتوجه معهم حيث الشقه الأخرى &; دخل "حامد" ومن ثم زوجته و "نيروز" إلى الداخل &; أغلقت "دلال" الباب &; ثم نظرت هي إلى "نيروز" وهي تشير لها قائله :
_" تعالي هما فأوضة وسام تعالي ادخليلهم "
ابتسمت بحرج&; بينما أشارت هي على غرفة "وسام" للتأكيد &; ومن ثم توجهت بهدوء&; تدق الباب وحدها وبقى "حامد" يداعب الصغير&; في حين أذن أحدهم للطارق &; فتحت هي الباب بهدوء&; وهي تبتسم ومن ثم وجدت هي "غسان" يجلس بجانب "وسام" و"بسام" يقف وبيديه بعض الشطائر يوجهها لهما &; مما دل يأنهما قد إتفقا على الذهاب للحديث مع شقيقتهم التي إنغلقت علي نفسها منذ فتره قليله حيث لم تحضر أمس مناسبة "جميله وعز" الصغيره &; أغلقت الباب خلفها بهدوء&; بينما خرج صوت "وسام" وهي تقول:
_" دا الأوضه نورت أوي أوي أكتر من الأول !"
تعالت ضحكات "غسان" كما ضحك"بسام" على طريقتها &; أشار لها "غسان" بأن تجلس بجانبه حيث توجهت هي تجلس وهي تبتسم قائله تجيبها :
_" بتعرفي تثبتي اوي زي أخوكي يا ويسو !"
_" أومال مش أختي يا رز&;ه &; دي غسان تالت دي &; بعيدا&; عن الدكتور حبيب أخوه !"
قالها "غسان" بمرح&; &; بينما تعالت ضحكات "بسام" وهو يقول :
_"طب أنا مالي طيب !&; دا أنا جاي ومروق عليكم وجايبلكم سندوتشات من عمايل إيدي &; بقالكم زمان مدوقتوش &; محدش بيقدر ابدا&; &; الحق عليا جاي أهون عليكي يا كئيبه يا ثانويه عامه !"
حديثه المرح لم يخرج من فتره كبيره &;&; بل ويعود هو تدريحيا&;. &; نظرت له "نيروز" وهي تضحك رغم إستغرابها &; بينما ضحك "غسان" ونظراته الف&;ر&;حه بشقيقه تظهر &; خرج صوت "نيروز". الهادئ بعد ضحكتها موجهه حديثها لـ الأخرى :
_" مجتيش إمبارح ليه أنا كنت منتظراك&;ي&; وبقالك فتره كده مش حاسه إنك تمام &; إنت&; كويسه &;"
ترقبـت الوضع والإجابه منها بينما صمت هو وشقيقه يستمعان للإجابه المعروفه &; تنفست "وسام" بعمق&; ثم اجابتها بابتسامه صغيره :
_" المذاكره بس كتير ومبقتش ألاقي وقت &; وكمان أخدت امتحان وجبت فيه ٦ من ٢٠ بعد ما ذاكرت فيه أوي &; ولسه عندي إمتحان فماده تانيه والدنيا متلخبطه معايا أوي !!"
ما تشعر به من عدم تفوق يعوق التفكير بوصولها لحلمها أم لا &; إنتبه "غسان" لملامحها الحزينه &; فتحدثت "نيروز" من قبله بهدوء&; تنصحها :
_" خليك&; عارفه إن ربنا مش بيضيع تعب حد &; وإن كل ده بتجربي عشان لما تيجي اللحظه الفارقه تكوني متدربه حلو وحليتي كتير&; وكمان الساعات الكتيره مش معيار ولا فارق للنجاح &; أهم حاجه التركيز والمزاج الرايق كده وانت&; بتذاكري وحطي هدفك قدامك ومتيأسيش &; وخليك&; واثقه إن الأرقام مش حاجه متقسمه علي مذاكرتك &; بس بردو إعرفي إن التركيز أهم حاجه !"
قالتها بهدوء&;&; جعلت "بسام " يأخذ طبق الشطائر يوجهه لها قائلا&; لها بتعظيم&;:
_" تسلم دماغك &;. ده اللي بنقوله من ساعتها &; عشان كده حلال عليك&; الطبق كله !"
خجلت من طريقته الغير معهوده دائما&; كما تري &; بينما ضحك "غسان" وهو يأخذه يضعه أمامها كي لا تتحرج &; أومأت "وسام" لهم بابتسامه صغيره وهي تتنهد &; فخرج صوت "غسان" هذه المره بقوله :
_" ولا الثانويه حاجه يعني زي ما انت&; فاكره&; أه تحديد مصير بس مش لحد الموت &; اهم حاجه صحتك ونفسيتك اللي إنت&; بإيدك تحسني منهم فالسنـه &; وبعدين مالها يعني ٦ من ٢٠ &; مشوفتنيش إنت&; وأنا كنت بجيب أقل من كده. ومنفض دماغي فالأول وبسام هو اللي شدني معاه وخلاني أذاكر ورغم كل ده &; كل واحد إتحط فالمكان اللي شبهه واللي كان هينفع فيه وليه الخير فيه وبس &; وده من إرادة ربنا الٱول &; بغض النظر عن إنه دكتور مشكوك فـ أمره بس ماشي حاله !"
لم يسمع سوى صوت الضحكات العاليه منهم &; بينما تحدث "بسام " من بين ضحكاته وهو يردد :
_" مشكوك فأمره ! &; وأنا اللي مخيطلك دراع مراتك ونازل متبهدل وجايب علاج &; محتاج أمشي وراكم بالشنطه والعلاج فكل مكان والله&; بس اللي يقدر "
طالعه"غسان" بضحكته بينما ابتسمت "نيروز" بلطف&; وهي تجيبه:
_" لا بجد شكرا&; يا دكتور بتعبك معايا دايما&; &; ربنا يوفقك فـ شغلك !"
_" ولا يهمك يا مرات أخويا على راسي !"
ضحكت من طريقته بينما نظر لها "غسان" وهو يؤكد لها ما قاله عن طبيعة شخصيته الم&;حيره &; تعالت ضحكات "وسام" &; في حين نهضت "نيروز" كي تتركها على راحتها بقولها:
_" طيب أنا هسيبك عشان تذاكري &; وركزي كويس بقا وهستني أعرف جبتي كام عشان الفضول!"
قالتها بمرح&; وهي تنهض بينما نهض "غسان" هو الٱخر &; ومن ثم سمع صوت ضحكاتها الهادئه وهي تنظر لها قائله بتبجح&; :
_" من عيوني &;شدو الباب وراكم بقا "
نظرت لها "نيروز" ضاحكه بينما تنحنح "بسام" يجلي حنجرته بقوله:
_" ده إحنا بنتطرد !"
هز له "غسان" رأسه يؤكد &; بينما أشارت هي لـ "نيروز" بحب&; وهي تراها تخرج من الباب ومن خلفها "غسان" وشقيقهما الٱخر !! &; خرج الثلاثه حيث توجهوا للصاله &; بينما توسعت بسمة "غسان" عندما وجد "يامن" يداعب "شادي" الذي خرج يجلس معهم قبل أن يذهب في المساء &; توجه يجلس أمامهم ثم أشار لـ "يامن" بأن يأتي إليه &;وبالفعل توجه الصغير يجلس على ساقه وسط ضحكات الأخرين بينما &; أشار له "بسام" ليشتته قائلا&; له بنبره هادئه مبتسمه:
_" طب وأنا يا يامن &; أنا غسان مش هو !"
ضحك الجميع على كذبته &; بينما هبط الصغير من على ساق "غسان" ثم توجه لـ "نيروز" يشير لها بأن تنحني برأسها له &;حتى إنحنت وسط ضحكاتها ثم قبلها هو بهدوء&; وهو يتحدث بنبره طفوليه:
_" خدي دي !"
تعالت الضحكات بقوه &; بينما ضحكت هي بخجل&; عندما وجدت "غسان" يصفق له بقوه وهو يقول :
_" طب والله ميه ميه &; عملها من نفسه من غير توصيه&; عال يا حبيب عمك عال والله !"
قالها وهو يرفع ذراعيه له بمرح كي يأتي إليه بينما فعل "بسام" ما فعله الٱخر كما فعل "شادي" والجميع &; وقف "يامن " للحظات&; ومن ثم ركض ببراءه طفوليه يدخل بين يدي "حامد" الذي ضحك بلمئ شدقيه بحب&; وهو يقبله ثم نظر لهم بغيظ&; وهو يضع يديه بجيب بنطاله يخرج الحلوى المغلفه له وهو يقول :
_" إمسك يا حبيب جدو &; واحده ليك وواحده لـ روز &; ماشي &;"
_"ايه الظلم ده &; وأنا !"
قالها "شادي" بضجر&; جعل الجميع يضحك بقوه &; والغريب بأن "يامن" توجه بخطوات بطيئه يضع واحده بكف "غسان" بحنو&; وهو يبتسم له &; ومن ثم وضع الأخري بيد "بسام " &; ضحك الجميع بحب&; ثم خرج صوت "شادي" من بين ضحكاتهم :
_" تقريبا&; هو عارف إن إنتم إتنين بس بيستعبط علي نفسه &; إستنوا الوقتي لما ميلاقيش التانيه هياخد واحده من واحد فيكم !"
لم يتركه "غسان" للحيره &; بل ابتسم باتساع&; وهو يخرج ما بيديه من غلافها ثم أشار لـ "يامن" بأن يفتح فمه حتى فتح بسعاده وهو يأخذها منه &; حمله "غسان" وهو يقف على فجأه ثم دار به المكان ببهجه حتى تعالت ضحكات الصغير بقوه والكل يضحك بخفه عليه &; ب توجه "بسام" يوجه ما بيديه لـ "نيروز" وهو يقول بلطف&; :
_" خدي عشان مبيقاش حرام عليا برده &; بتاعتك دي !"
رفعت يديها بتردد وهي تبتسم بخفه علي مرحه الخفيف ثم أخذتها من يديه دون تلامس &; بينما حرك أنظاره هو على شقيقه الذي حمل الصغير وهو يتوجه لوالدته ناحية المطبخ &; نهضت "نيروز" تسير خلفهما حتى دخلت لهما لتجد "دلال" تقبل "يامن" من وجنتيه ومن ثم فعلت نفس الفعله مع "غسان" وكأنه طفل صغير &; قهقهت "نيروز" بقوه حتى نظر لها "غسان" ضاحكا&; وهو يقول :
_" مبنكبرش عندها ابدا&; &; كلنا زي يامن &; بكره لما يجي عيالنا هتشوفي هتعاملهم ازاي !"
_" هعاملهم أحسن منكم كمان &; دا أعز الو&;لد و&;لد الو&;لد &; بس ربنا يسعدكم بس ويتم عليكم بخير الأول"
إبتسمت لها "نيروز" بحنو&; بينما تحدث "غسان" قائلا&; بهدوء&; :
_" ما أنا هفاتح النهارده أمها فالحوار ده &; دعواتك يا دلال خلينا نتلم فـ بيت واحد بدل ما احنا متبهدلين فكل مكان كده !"
_" والله&; أنا معاك وموافقه حتى لما أبوك عرف قال ومالو نفاتحها تاني بس الأهم نيروز وسميه نشوف رأيهم ايه تاني "
ابتسمت لها "نيروز" بإطمئنان حتى إستشفت الأخرى نظراتها &; بينما وقف "غسان" يتابع النظرات بينهما وعقله لا يفوت فكرة ما تشعره والدته ناحيتها &; ليس بغض ولكن خوف كما الأخرى تخاف تماما&; &; لطالما والدته وهو يعرفها جيدا&; ولم ولن تفضل أحدهما علي أولادها كطبيعة أي أم &; ابتسم هو باتساع&; عندما سمع "دلال" تنفي قول "نيروز" بقولها:
_" لا تغسلي إيه وكتفك كده&; إرتاحي يا حبيبتي !"
_________________________________________________
وما فائدة الوج&;ع لطالما ك&;نت أنا الموجوع ومازلت إلى الٱن &; فاضت دموعي كثيرا&; حتى هبطت لتغرق كل ما هو حولى &; وأنا..هنا لا أستطيع التنـفس من كثرة بكاء قلبي قبل أن تنزف عيني بمياهها الساخنه التي جاءت من الألم الذي كان وسيكون رفيق وحدتي &; محاولتي في النهوض والوقوف من جديد باتت فاشله &; بارده لم ي&;حركها شئ ! &; وصف لحالها &; وهي تجلس منذ أمس ودموع عينيها لا تجف &; جلست القرفصاء وهي تضع الغطاء علي كتفيها فقد شعرت بالبروده بسبب إبتلال ملابسها التي لم تغيرها هي أمس &; إغتسلت بألم&; ثم عادت تجلس على الأرض متعمدة عدم النظر على الفراش &; تجلس وكل ما حولها مهشم كمثل تهشمها من الداخل تماما&; &; لم تصبح فريده من نوعها &; فاقت عليهن بالجمال لكن العقل فقد كانت منهزمه بينهن &; هذا ما قالته لنفسها &; تاره تنهر وتاره أخرى تعلن عجزها وقلة حيلتها &; وضعها الصعب &; صعب للغايه &; مجرد التخيل والتذكر لما حدث ولما سي&;قال عنها ليس جيد &; ليس هين بحقها &; كونها أنثى من نظر المجتمع ولكنها ضحيه &; بأي ذنب قام هو بالإعتداء عليها &; &; بأي ذنب تتلطخ برائتها كفتاه ! &; إنهدر حقها &;! أم ماذا بعد &; لم تستسلم للبقاء بيما إستسلمت هي للإنكسار &; تقسم بأن كل تفصيله بداخلها قد ه&;شمت لأشلاء &; لم ترى هي يوما&; ما الحنو&; والاحتواء من أحدهم &; هي التي كانت وحيده رغم سوءها التي إنتشلته رغما&; عنها من والديها &; بينما "جميله" كان من الأقل بأن لديها كمثل ذلك شقيق يحتويها أو أم &; أما هي &; فأين ذلك الشقيق المباشر ليكون بمحل شقيقها من والدها &; وأين عاطفة الأمومه التي لم تراها هي &; بينهما عامل مشترك في الأذى والألم &; والدهما &; تحاملت على نفسها للمره التي لا تعرف عددها وهي تتوجه ناحية باب الغرفه تفتحه بقوه جاهدت بأن تخرج منها بعد ضعفها ذلك &; تكاد تخلع مقبض الباب بيديها &; حتى أنها أمسكت حافته بقوه وهي تضغط فـ ج&;رحت يديها من كفها بالداخل &; لم يعني لها هذا الجرح شئ إذن &; قد جرحت هي بما فيه الكفايه !! &; جلست خلف الباب بعجز&; ودموعها تسقط بقلة حيله &; الضياع هو رفيقها الأن. &; صرخت صرخه مكتومه وهي تضرب الأرض بيديها حتى أن ما بقى من تهشم&; جرح يديها مره أخرى وهي التي لا تشعر سوى بالألم والإنهاك !!
_"يـــارب !"
نداء بـ ثلاثة أحرف أخرجتهم من بين دموعها بتعب&; &; رغم بعدها عن من خلقها ولكن وقت الضياع لم نجد سوى النداء عليه هو الم&;نقذ الوحيد &; طريقتها في ندائها العاجز وكأنها تستنجد بالأمل الوحيد ت&;طعن بقلب&; من يراها كذلك !
___________________________________________
لم يظل موجود هو بالشقه بعد ما فعله أمس &; بل ظل بالخارج يجلس وحده وذكرياته لا تفارقه &; من مقهي لٱخر إلى أن ظهر الصباح ومر منه الكثير &; أما الٱن فهو يقف ينظر على منزل من نوى بأن يذهب إليه. &; وقف "شريف" يأخذ أنفاسه بهدوء&; &; ثم أخفى هو أي معالم تظهر على وجهه فقد بدا خاليا&; من التعابير &; رفع يديه يدق الباب دقات متوسطه في العلو&; &; ثم أخرج من جيبه لفافه من علبة سجائره. &; حتى وضع واحده يشعلها بفمه تزامنا&; مع فتح الباب أخيرا&; &; فتح "ٱدم" الباب ولم ينظر له بترحيب&; بل نظر بصمت&; وبيديه المصليه &; إبتسم له "شريف" بتهكم&; ثم قال في سخريه وهو يدخل:
_" حرم&;ا يا شيخنا &; رايح ولا جاي !"
_" رايح أصلي &; تعالى !"
قالها "ٱدم" بهدوء&; شديد بينما سمع همهمته الغير مهتمه وهو يشير له بأن يكمل :
_" هصلي هنا &; روح إنت&; &; حسن صاحي ولا نايم !"
إرتدي الٱخر حذائه المريح ثم نظر له ببرود&; وهو يردد بإختصار&; تزامنا&; مع إغلاقه باب الشقه بابتسامه زائفه صغيره :
_" صاحي فالأوضه &; أدخله !"
وما أن قالها "ٱدم" أغلق الباب خلفه بهدوء&; بينما سار "شريف"في اتجاه الغرفه حتى وقف ينظر على "حسن" المتسرخي على الفراش برأسه المحكومه بشاش&; أبيض اللون &; دخل يجلس دون أن يهتف بـ شئ &; ثم وضع قدم فوق الأخرى &; بينما إعتدل الٱخر بجلسته وهو يهمهم بتهكم&; :
_" أهلا&;... لسه فاكر!"
_" جالي تليفون شغل مهم أوي فـ البلد &; مش عاوز أقولك كان مهم بالنسبالي قد إيه لحد ما خلصته بس مش كله يعني &; لكن قريب أوي هيحصل!"
قال كلماته بإندماج&; &; بينما لم يعير له الٱخر إهتمام من غيظه إلى الٱن فيما حدث وكلما تحدث مع "ٱدم" بفكرة إندفاعه مره أخرى لأخذ حق لم يعطيه الٱخر فرصه للحديث&; يعلم هو بأنه يجلس أمامه خير من يشجعه على فعل أي خطوه جديده تذكر بأنها خطوه لا مثيل لها &;. حاول أن يتحدث بتأثر ليأتي بأفكاره الشيطانيه عندما قال بتساؤل يعبر عن قلة حيلته وبنفس ذات الوقت رغبته العارمه إلى الٱن في أن يغلب خصمه &; خصمه الذي يعد "حدة الشباب"
_" شايف أنا بقيت فـ إيـه دلوقتي &; مش عاوز أسيبه ومش عارف العمل إيـه !!"
كان ذكيا&; لأول مره يقرر بها بأن يتحلى بالذكاء وفهمه لمن أمامه &; إنساق "شريف" بإهتمام&; عندما رأي شرر كلماته يظهر علي وجهه &; وللحق كان الشعور من "حسن" حقيقي ليس زائف &; تنهد يأخذ أنفاسه بإعتدال&; ثم أجابه بسخريه:
_" بصراحه يا بو على انت إتروقت منه عالٱخر&; بس مش قبل حركة السكينه دي كنت تشاورني كان هيبقي عندي ليك حل أحسن &; إنت ناسي إن بداية العداوه كانت مني لما قولتلك إعمله محضر &; لو تتقل عليا هتاخد حاجه نضيفه "
أثار الحديث إهتمام "حسن" وبشده&; حتى تحدث قائلا&; هو الأخر بتفكير&; :
_" مجاش فـ صالحي بس من ساعتها وهو مش طايقني فعلا&; &; ده غير إنه خاطف أختي زي ما قالتلي أمي &; يعني خاطف واحده ومتجوز اللي كانت المفروض ليا أنا بس &; طول عمره مكوش عليها وعلي كل حاجه أنا عايزها &; كانت إمته بتحبه &; هي كانت حد يتسجر يقرب منها &; تقوم متجوزاه &; وصلت امته للجرأه دي !!"
حديث وكأنه يسأل به نفسه بتشتت &; أما الٱخر فكان يصب تركيزه على كلماته وبقوه &; م&;غفل من أمامه إذن !! &; إعتدل في جلسته ثم قال على فجأه دون مقدمات :
_" طب واللي يقولك تعمل إيه وتبقي علمت عليه العلامه التمام!"
لمعت عين "حسن" لمعة فضول وهو ينهض ليجلس بجانبه تزامنا&; ع قوله:
_" يبقي حبيبي &; بس قول !"
_" هقولك بس الكلام ده ٱدم مينفعش يسمعه &; لو عندك صبر تنفذ الوقتي تنفذ &; هتقف بس تستني حاجه معينه إن جت هتنفذ وإن مجاتش تتعوض مره تانيه !"
تضاربت الأفكار بعقله حتى أنه نظر إليه بغير فهم وهو يقول :
_" أنا مش فاهم حاجه !"
_" هفهمك &; بس قولي أخت غسان دي بتنزل &; فكليه هي ولا فـ دروس ولا بتشتغل ولا نظامها إيـه !"
قالها وقد علم قبل ذلك منه بأن لديه شقيقه غير شقيقه التوأم عندما وجه له تفسير في فعل المحضر &; فتح "حسن" أعينه ثم قال بشرر&; :
_" أخته على ما احسب من ساعة ما مشت وجت تاني تكون فثانويه عامه. &; كنت بشوفها قبل كده بتنزل دروس أول ما جت &; هنخطفها دي ولا أنت بتقول إيه &;"
_" تؤ &; الخطف ده بتاع العيال التوتو. &; إنت&; تعلم عليها هيقوم هو كده متعلم عليه &; هو مش لما ضربك ضربك عشان كلمت أخوه وحش فأول مره ! &; ولما شوفتك مضروب قولتلك تعالي نعمل محضر &; اللي يضرب حد كلم حد تبعه بطريقه محبهاش &; مابالك بقا لو طلعنا على حد بردو منه وعلمنا عليه علامه تصيب وأوي كمان بس متوديش فـ داهيه !"
لم يقصد ما فهمه بعقله المريض &; حتى أن عيناه لمعت بوميض الحقد &; نظر له "حسن" بابتسامه ليست هينه وهو يقول :
_" مش بطاله بس هاخدها فين دي ! "
رفع "شريف" يديه يوكزه بصدره بغير إهتمام ثم هز رأسه بالنفي وهو يسبه بمزاح&; قبل أن يقول :
_" مش ده اللي قصدي عليه &; معندكش وقت. لـ ده ولو ده حصل بتهيألي هيقتلك قبل ما تفكر فـ كده&; أنا هقولك قصدي إيه&; بس قوم معايا نروح نقف فـ حته كاشفه العماره &; ونستني لحد ما نلمحها جايه طالما انت عارف شكلها &; ده إن نزلت يعني والحظ لعب معانا النهارده &; بس مادام ثانويه عامه يبقي مبتقعدش أكيد. !"
نظر له "حسن" بتمعن&; ثم هز رأسه فقط بشرود&;&; رأى الٱخر ينهض على فجأه ثم تظاهر بعدم الإهتمام وهو ينظر على ساعة يديه قائلا&; باقتراح&; يتساءل :
_" ها هتيجي ولا مش جاي &;!"
نهض "حسن" ببطئ ثم هز رأسه بالإيجاب ومن ثم خرجت نبرته وهو يقول :
_"طب لو روحنا وإفرض مشوفنهاش إحنا مش متأكدين من الموضوع ده !"
_"ما أنا قولتلك لو الحظ لعب معانا &; وبعدين أدينا قاعدين نشم هوا لو منزلتش ومشوفنهاش&; مش حوار &; لو هتيجي الوقتي تعالى قبل ما ٱدم يرجع ويسألك رايح فين &; غير كده إنت&; حر !"
هز له رأسه بتأييد&; ثم خرج الٱخر إلى الخارج ببنما جذب "حسن" سترته من على الفراش الذي كان يجلس عليه بأريحيه ثم حاول إرتداء ذراع واحد على عجاله وهو يخرج خلف الآخر..!!
__________________________________________
قبل قليل&; &; قام هو بتحريك&; رأسه لتسليم خلف الإمام &; وما أن فعلها جلس بركن&; من أركان المسجد وهو يطوى سجادة الصلاه الخاصه به &; وجوده الٱن بهذا المكان يشعره نوعا&; ما بالراحه عن منزله &; علم بأنها راحة القرب من الله &; لذة الإيمان الذي يحاول هو جاهدا&; بأن يقويه بقلبه وليس مجرد إسم فقط &; عقله يتشتت بين الحقيقه والسراب &; حقيقة بأنه يحاول بأن يكون أفضل &; وسراب لظلام ركن عقله الم&;ظلم &; لا يعلم هو بأنه مجرد وسواس النفس الأماره بالسوء التي تجعله محصور بين أمرين &; يريد الأفضل دون ألم &; يريد الأفضل دون أن يترك أشياء يعلم بأن مجرد تركها ما هو إلا تعب وإنهاك له هذا ما يصوره عقله له !! &; تنهد " ٱدم" يخرج أنفاسـه الحاره محاول هو بأن يخرج الثقل الذي على صدره &; إنتبه هو على قدم تتوجه ناحيته بجلباب بيضاء تسير بخطوات هادئه لم يرفع أنظاره لذلك الذي يتوجه إلا عندما وقف أمامه &; رفع أنظاره يري من هذا الذي توجه إليه &; وجد رجل بشوش &; لا يظهر عليه كبر السن &; حتى أن لحيته البيضاء عكس ذلك &; إبتسم "ٱدم" له ثم حاول النهوض كي يفهم ما يحدث وتعبيرا&; عن الإحترام ...أوقفته يد الرجل وهو يبتسم له واليد الأخري كان بها كتاب الله &; توفف عن الحركه ثم جلس يعتدل عندما وجده يجلس هو الٱخر أمامه تزامنا&; مع قوله:
_"خليك&; مرتاح يبني &; خ&;د إقرأ في المصحف وإنت&; قاعد كده !"
قالها وهو يجلس ثم إعتدل يربع ساقه حتى جلس بهدوء&; &; نظر له "ٱدم". بصمت&; ثم نظر علي يديه المقدمه له بالمصحف &; مد يديه يأخذه منه بتردد وخجل بٱن واحد. يخشي قراءته بعد كل ما يحدث له وما يفعله &;! &; حتى أنه لم يقرر في لحظة ما أن يمسك كتاب الله ويقرأ به منذ أن بدأ في الب&;عد عن طريق الإيمان والإلتزام &; أخذه منه بهدوء&; ثم تمسك به بيديه حتى عاود النظر للذي يجلس أمامه ويطالعه بهدوء&; شديد فقط ينظر له &; أخرج حديثه المتردد الذي يحاول بأن يخرج منه بثبات&; حينما ردد يقول:
_" هـو ..هو لو قرأت ربنا هيتقبل مني وإنا عامل حاجات كتير وحشه فـ حياتي &;"
إبتسم ذو الوجه البشوش ثم هز رأسه بثقه وهو يجيبه:
_" هيتقبل لو كنت مقرر فعلا&; إنك تتقرب منه وتتوب إليه &; التوبه إن ربنا سبحانه وتعالى يحميك من ذنوب الدنيا &; ويرجعك لعقلك &; من علامات حب ربنا لينا هي إننا نراجع نفسنا ونتقرب منه ونترك كل حاجه ممكن تعصيه &; أحن على العبد من أمه وأبوه &; لا يمل من إنك كل شويه ترجعله قليل الحيله ملكش إلا هو. &; ملكش إلا الطريق دا بعد ما تعرف غلطك &; فهمتني يا بني &;"
أنصت له "ٱدم" بإهتمام&; ثم تنهد بإنهاك&; يتحدث بعدما شعر بالإرتياح في حديثه :
_" أنا مكسوف &; مكسوف وأنا راجع وبفكر فكل اللي عملته&; أنا ضيعت نفسي وشربت وببوظ صحتي &; قطعت صلة الرحم وبطلت أكلم أختي عشان إختارت واحد عيشته مش مريحاني &; كرهت ناس من غير سبب &; كنت بجيب قرف لاصحابي فيوم من الأيام كنت أنا اللي بديهم الهلاك بإيدي &; شتمت وإتكلمت بكلام محدش يتكلمه &; سبيت كتير وجبت فسيرة ناس وبنات ناس وأنا قاعد معاهم ببص على اللي رايح واللي جاي &; بعدت عن ربنا من زمان وبطلت أصلي &; بقيت بسمع الأذان ومكنتش بفكر إني أصلي وأقوم &; بسمع لكل اللي بيقولوا الشيطان من غير مجهود كنت بمشي وراه وأنا معمي القلب والنظر &; معرفش أبدأ منين وأعمل إيـه &; أنا لقيت نفسي مره واحده بفوق بالتدريج &; قومت صليت &;. عقلي كل شويه مبيسبنيش وأنا عاوز أبطل كل الوحش ومش عارف &; ما بين أسيب كل حاجه وحشه حتى أقرب الناس ليا وما بين قلة حيلتي !"
تفهم ما يشعر به من تشتت بل ونبرته المختنقه كانت كفيله لشرح ما يشعر به &; رفع الشيخ كفه يربت على ساقه ثم نبس بنبره هادئه مؤمنه :
_" مكسوف عشان ربنا ناداك تتقرب منه &;. ولا مكسوف عشان ربنا فتح قلبك ونور بصيرتك &; العبره مش الذنب اللي نعمله ونقف عنده يبني &; العبره التوبه بعد الذنوب &; حتى لو بنتوب وبنرجع نحاول نخلى التوبه أكبر في كل مره &; عشان تقرر تسيب كل حاجه وتقطع توهانك هتقوم تصلي ركعتين تقول فيهم لـ ربنا كل اللي فقلبك. &; الوحيد اللي سامعك وعارف اللي فيك من قبل ما تشكي &; بنبدل التشتت بالصلاه &; القلق بالصلاه كل شعور مش كويس لينا بنضيعه بالصلاه &; عارف الصلاه بتعمل إيه &;"
حديثه بالنصيحه يجلب الإهتمام وبشده&; إنتبهت كل حواسه ثم وجد اللهفه تخرج منه دون وعي وهو يستجوبه :
_" بتعمل إيــه &;! "
_" هقولك بتعمل ايه &; بتشيل الهم والحزن &; بتحسن النفسيه وبتحسسك إنك إنسان تاني كأنه إتولد من جديد بعد كل صلاه &; بتخليك إنسان نضيف &; أول طريق لكل حاجه عاوز تبدأها &; أول طريق لراحة القلب والبال &; أول طريق لغايات وأحلام وحاجه عاوز تعملها وتحققها .."
قالها بإيمان قوي ثم نظر على معالم وجهه فوجدها مبتسمه منصته بتمعن &; فأردف مره أخر يفسر ما قاله الأول من قبله :
_" الحياه يبني مكتوبه لينا وإحنا ضيوف فـ الدنيا دي &; مهما كان بينك وبين أختك مفيش حاجه تستاهل تقطع صلة الرحم &; حياتها مش مريحاك بس ممكن تكون مريحاها &; مش راضي إنت عنها بس هي تلاقيها راضيه لظروف خاصه &; لو عندها أولاد أكيد راضيه عشان تربيهم ويتصرف عليهم والله أعلم بس إعرف إن المرأه بتستحمل وتضحى ومحتاجه جنبها سند راجع نفسك وتفكيرك &; كل حاجه بتيجي بالتدريج بس الأهم إن موضوع ش&;ربك لو فعلا&; عاوز تبعد عن ده لازم تكون مقتنع وواخد القرار مش تكون مذبذب ومتردد &; القرار الصح واللي الناس وكله شايف إنه صح والدين شايف إنه صح مش بيتردد فيه ناخده ولا لأ &; تعبك بعدها عليه حسنات &;. طالما بنحاول &; وربنا بيعين اللي بيحاول &; ولو على قلبك وكرهك استغفر ربك علطول وقرب منه وإقرأ قرٱن وصلى كل ده بيفتح القلب وينوره لأن الاحساس الوحش ما هو إلا أفكار وحيل من الشيطان &; واستغفر وتوب وصلي من كل اللي قولته واللي عملته وربنا مبيرجعش أبدا&; حد لجأ ليه !! "
كان ينصت بتمعن وقد دب به بعض من الأمل الكثير الذي ظهر على وجهه &;تنفس بعمق&; ثم وجد من أمامه يضع كفه يربت على كف الأخر ومن ثم ربت على كتاب الله تزامنا&; مع قوله له :
_" خ&;د المصحف وإنت ماشي &; إقرأ فيـه سور القرٱن كتير كل واحده منهم هتديك راحه وأمان &; حروف من عند ربنا هتنزل على قلبك تطمنه &;..ألا صحيح إسمك إيـه &;"
تمسك "ٱدم" بالمصحف أكثر ثم تنفس بعمق&; وهو يجيبه بابتسامة هادئه:
_" ٱدم &; إسمي ٱدم يا عم الشيخ !"
_" ربنا يباركلك يا بني ! "
قالها بابتسامه واسعه ثم نهض ببطئ حتى أن "ٱدم" نهض ليساعده فأوقفه هو بإشارة يديه حتي نهض بمفرده ومن ثم نهض "ٱدم"&; وقبل أن يسير من أمامه تحدث له بحديث&; عميق :
_" ابني إسمه ٱدم يا ٱدم &; ولو شوفت فيه دموع الندم والإصرار علي إنه يتقرب من ربنا زيك كده هبقي فخور بيه أوي مهما كان ومهما عمل !"
لم يعطيه فرصه للرد بل انشرح صدره وهو يبتسم ثم نظر على أثره &; إبتلع ريقه ثم تنهد يأخذ أنفاسـه وهو يتوجه بخطوات&; هادئه ناحية باب المسجد الكبير ليجلب حذائه حتى يرحل وثمة أمل وراحه تغمره مهما كان الصعب الذي ينتظره !
___________________________________________
خ&;رجت من المصعد هى&; ووالدتها ومن ثم "ورده" و"بدر"&; كل منهم ظهر على ملامح وجهه الهدوء الشديد الذين يحاولون هم إخفائه &;دخل الجميع إلي الشقه بالتأكيد مرت ساعات منذ خروجهم كذبا&; للذهاب كي يشاركوا جميله في إختيار المجوهرات لخطبتها &; جلست "س&;ميه" بإنهاك&; على المقعد وهم حولها &; ومن ثم أغلفت "ورده" الباب وهي تتوجه لهم &; وجدت هي شقيقتها تمسك هاتفها لترسل لـ "نيروز" بأنهم جاءوا حيث لم يصدح لها صوت بالشقه &; نظرت إليهم "سميه" بترقب&; ثم هتفت بنبره مطمئنه :
_" طالما نيروز مش هنا &; فأنا عاوزه اقولكم حاجه &; محدش يقلق وإطمنوا أنا كويسه وإن شاء الله عمليه وتعدي وأبقى بخير بس محدش يقول لـ نيروز &; سامعين &;"
نظرت لها "ياسمين" بصمت&; في حين هتف "بدر" يجيبها بنفي:
_" كده كده لازم تعرف يا حماتي &; هي مش عملية اللوز &; دي عملية قلب مفتوح &; أه حقيقه وجاده كمان بس هي مبقتش صغيره علي الخوف ده كله وغسان أهو جنبها وهي مطمنه وهيطمنها أكتر &; دي عمليه وورق ومسشتفي وحجز وشغلانه كبيره إزاي هتعدي عليها &; اعتقد إنتوا فاهمين قصدي وإن نيروز مش غبيه للدرجه دي &; بالعكس دي واخده بالها من كل حاجه &; أنا رأيي تجيبهالها بالتدريج!"
هزت "س&;ميه" رأسها بالنفي حتى ظهر خوفها &; بينما نظرت "ياسمين". له وهي تهز رأسها بالتأيد قائله هي الأخري محاوله الثبات:
_". أنا من زمان وبقولها إنها لازم تعرف&; يا ماما المفروض متشيليش هم دلوقتي إرتاحي لحد ما نشوف هنعمل إيه ولما نتأكد أكتر لما الأشعه تبان وإن شاء الله خير &; قفلوا ع السيره دي دلوقتي لأنها جايه وكمان بلاش توتر وقلق على الفاضي!!"
_" لأ يا ياسمين أختك لو عرفت هتقفل على نفسها من تاني &; مش عاوزاها ترجع زي ماكانت أيام ابوكي!"
قالتها "سميه" بنبره ضعيفه &; في حين رد فعل "ورده" وتفكيرها مثل والدتها &; هزت "ياسمين" رأسها بمعارضه ثم قالت بجديه رغم ألمها التي هي بارعه في إخفاءه :
_" بابا الله يرحمه يا ماما &; فهماني ! &; دا كان قدره ونصيبه &; وانت&; صحتك كويسه وإن شاء الله هتقومي منها على خير ونيروز هتبقي تتفهم الوضع &; متشيليش هم &;. دا قلبك يعني أي حزن وقلق هيأثر عليه وأنا مش عاوزه ده يحصل!"
نظرت "سميه" لها بقلة حيله وملامح وجهها المرهقه تظهر في حين كاد أن يخرج حديث "ورده" المطمئن لها ولكن قاطعها صوت فتح الباب بواسطة يد "غسان" الذي كان يحمل "يامن" والأخري تدخل من خلفه &; إبتسمت هي لهم بحب&; &; في حين أنزل هو الصغير الذي توجه بلهفه لوالديه &; بينما تحدثت "نيروز" قائله بمرح&; :
_" كده يا أندال &; قولولي جميله عملت إيه بقا &; مبعتتليش صور ولا أي حاجه!"
ترقبت الأنظار &; بينما لم يفهم "غسان". ما يجري ولكنه لاحظ تعابير وجه ابن عمه الذي يعرفه &; تحدثت "ياسمين" بكذب&; تجيبها كي لا تشعر بشئ :
_" إتلبخنا بقا &; هي خرجت مع عز شويه وإحنا روحنا "
_"طب وفين حازم جوزك خرج معاهم محرم ولا ايه &;"
ضحكوا بخفه &; فأومأت "ياسمين" بالكذب &; في حين كانت ابتسامه "سميه" مهزوزه &; أشارت بعينيها لـ "ياسمين" التي فهمت ما تنوي فعله&; سحبت "ياسمين" يد "نيروز" بمرح&; وهي تتحدث تزامنا&; مع سيرها للغرفه :
_" تعالي هاخد رأيك فحاجات كده بس قولي بصراحه !"
سارت "نيروز" خلفها بغير علم لما ي&;قال في حين نهض "بدر" يبدل ملابسه وهو يبتسم لـ "غسان" بسمه زائفه فـ إلى الٱن يتحاشى الحديث معه بسبب ما كان ينوي فعله لشقيقه &; لم يتبقي سوى"سميه" التي ابتسمت له وهو يقف ينظر بتشكك لعدم سير الأجواء ككل مره بطبيعتها &; نبست بنبره هادئه تقول له بلطف&; :
_" أقعد يبني "
نظر لها "غسان" م&;بتسما&; ثم قال بهدوء&; وهو. يجلس بجانبها:
_" هقعد يا حماتي &; أصل عاوزك فـ موضوع مهم ميستناش !"
إبتسمت له بارتياح&; ثم قالت هي الأخرى :
_" أنا اللي عاوزاك فـ موضوع مهم يمكن أهم من أي حاجه !"
نظر لها بترقب&; &; فالتفتت هي تنظر حولها ببطئ تزامنا&; مع قوله المستغرب :
_" سامعك !"
_" أنا مش بقلقك بس عاوزاك تعرف إن إنت عندي بقيت زي ابني وربنا يعلم بـ ده &; بوصيك تاخد بالك من نيروز وتحطها فـ عينك يبني &; أنا إحتمال كبير أدخل عمليات وأعمل عملية قلب مفتوح &; نيروز متعرفش إن عندي القلب أصلا&; وأنا قصدت معرفهاش ده من زمان من ساعة ما أبوها مات منه &; يمكن يكون حد قالك ويمكن تكون أول مره تسمع مني ده &; بس أنا بطلب منك تمسك فيها بـ إيدك وسنانك ومتضيعهاش &; بنتي ملقتش نفسها ألا بيك وبوجودك جنبها ولو أطول أعرفها وأضمن إن ميحصلهاش حاجه كنت عملت كده من زمان ومترددش لحظه !"
وقع الحديث عليه كالصدمه &; رغم علم شقيقه بمرضها وحتى والديه ولكنه لم يكن يعلم &; إبتلع غصه مريره من مجرد التخيل &; بل وهو الذي يضع نفسه دائما&; مكان غيره &; وضع نفسه موضعها الٱن &; ولما أثار حديثها حزنه عليها &; تنهد يخرج أنفاسه وهو يجمع الحديث المطمئن لها بعقله ثم ردد بنبره عميقه:
_" أنا واثق إن لو حصل هتقومي منها بألف سلامه &; وهتعيشي لحد ما تشوفي عيالنا وتجوزيهم معانا كمان &; ولو على نيروز ف محدش عارف هي غاليه إزاي على قلبي &; أنا كنت جاي أقولك إني عايز أحدد ميعاد عشان نتجوز ومكنتش ضامن موافقتك بس دلوقتي أنا مش عايزها عاوزك تكوني بصحه كويسه &; وأنا هعرفها بهدوء وأضمنلك إنها متتأثرش وهخلي الموضوع حنين عليها ويطمنها &; أنا زي إبنك اللي مخلفتيهوش وهفضل جنبك في كل حاجه تحتاجيها &; بس الأهم إنك لازم تكوني في نفسيه كويسه ومرتاحه !"
إبتسمت له "سميه" بتأثر&; ثم هزت رأسها تنفي أول حديثه بقولها الذي صدمه :
_" أنا جيبتك لنفس الموضوع اللي جيتلي عشانه &; أنا مكملتش كلامي يا غسان بس يمكن هتتفاجئ من رد فعلي &; أنا عاوزاك تتجوز بنتي وتستقروا وتعملوا بيت عشان أبقى مطمنه &; أنا موافقه تتجوزوا وفأقرب وقت هي مش ناقصها أي حاجه وقبل ما أعمل العمليه عاوزه أطمن عليها &; رينا بيعين وأنا أهو بسدد اللي عليا وأجازات الشغل هتتمد ده غير إني قربت أطلع علي المعاش &; عاوزه أطمن عليها حتى لو بدري عن الميعاد بس مفضلش غير هي ولو جرالي حاجه مش عاوزاها تبقي لوحدها !"
حديثها كان غير معهود بالنسبه له تشتت بين النفي والإيجاب &; أما طبيعة تفكيره ف تماشت وبقوه مع حديثها &; هز رأسه وهو يتحدث بإطمئنان ثم قال:
_" أنا عاوزك تبقي مطمنه مش أكتر &;. انت&; عارفه جواز البنت ببقي متعب بالنسبه للأم إزاي فهماني &; إنت&; مش مؤهله لـ ده دلوقتي "
_" يبني إسمعني أنا أم واللي حاسه بيه ده محدش هيحس بيه غيري &; أنا حتى لو مش مؤهله فـ أمك كتير خيرها موجوده وتسد وعايده كمان &; وبلاها حنة عروسه تبقي على الضيق هنا ونعمل الفرح علطول و الشقه بتاعتك أبوك قال إنها جاهزه &; يعني الخشب على ما اعتقد هتشتريه جاهز وده مش هياخد وقت كبير &; متسهله &; مبستعجلش علي موتي بس عاوزه أفرح ببنتي !"
لم يجد إجابه سوي أنه أومأ له بهدوء&; وهو يتنهد &; بينما إنتظرت هي رده الذي خجل من أن يجيبها به لأول مره &; وجد أنه لا مفر &; فابتسم إبتسامه زائفه وهو يقول بلطف&; :
_" اللي تشوفيه &; شوفي إمته وأنا معاكي"
_" أسبوعين كويس أوي حتي كل يوم نطلع من الجهاز حاجه فوق وتكون جبت حاجتك إنت كمان وتجهز قاعه لمعاد الفرح علي حسب ما تلاقي المعاد اللي أخره إسبوعين !"
_" ما أتجوزها فـ أوضتي بالمره !"
قالها وهو. يضحك وحديثه كان ساخر &; حركت رأسها من تبجحه ثم ابتسمت بهدوء قائله :
_" قولت إيه !"
_" قولت لا إله إلا الله &; هشوف معاد معين بعد ما أشوف مكان الحجز وأوصي علي الخشب وأخلى نيروز تختاره وتبعتلي. &; قريب من بكره. إن شاء الله !"
هزت رأسها بسعاده رغم كونها منهكه &; نظرت له بإمتنان ثم بادلها هو النظره سريعا&;. &; لم تري في عينيه سوى الحب الذي فاض والذي يكنه لابنتها لم يخجل بأن يظهره أمامها &; رفعت يديه تربت على&; كتفه فنظر هو لها بإطمئنان ثم رفعت الأخرى تتوجه لتأخذه بين أحضانها بهدوء&; وبعاطفة أمومه &;. رغم تفاجئه من فعتلها وخجله الذي لا يظهر إلا في القليل ولكنه تنفس بعمق&; عندما سمعها تردد:
_" بنتي أمانه فـ رقبتك وأنا عايشه وحتي لو حصلي حاجه !"
رفع يديه بتردد يربت على كتفها ببر&; ثم خرج من بين ذراعيها ينظر لها بابتسامه تلاشت سريعا&; عندما وجدها تقف تنظر ببلاهه وشقيقتها بجانبها &;. نهض يقف وهو ينظر لها بتسليه كي يغير مجري الحديث ومجري ما رأته ثم قال بوقاحه :
_" بقولها إنت&; حماتي &;. قالتلي لا سيبك من بنتي !"
قالها بجرأه جعلت"سميه" تضحك بشده هي و"ياسمين" وكذلك"نيروز" التي نظرت له عقب ضحكاته باستفهام&; وترقب لرد فعلها لما قاله لها بأنه سيفاتحها &; تنفس بعمق&; ثم رمى بقنبلته وهو يقول بعلو صوته:
_" فرحنا بالكتير أوي &; بعد إسبوعين !"
حركت "ياسمين" عينيها تنظر لهم و التي كانت تفهم ما كانت تنوي فعله والدتها &; ثم ابتسمت بهدوء&; إمتزج بالسعاده رغم رفضها في البدايه ولكنها لانت بعد ذلك وبعد أن فكرت بشقيقتها &; نظرت "نيروز" له بغير تصديق ثم هتفت بصدمه حتى أنها لم تعي ما قالته له :
_" إنت عبيط &; بسرعه كده ازاي !"
كبتت "ياسمين" ضحكتها عندما وجدته ينظر لـ "نيروز" بحزم&; حتى رمقها بنظره حاده من سبها له ثم سمع هو صوت والدتها التي حاولت توضح أنه رغما عنها :
_" معلش متقصدش يبني &; من الصدمه بس تلاقيها "
نظر لها "غسان" مبتسما&; ثم حرك رأسه قائلا&; بخبث&; :
_" ولا يهمك يحماتي &; مراتي وعارف هتعامل. معاها ازاي &;"
نظرت له "نيروز " بأسف&; من بين ضحكاتها حتى فعلت فعله جريئه أمام الأنظار وهي تتوجه ناحيته ثم رفعت يديها لتحتضنه بسعاده كي يشعر ما تشعر به هي ثم نبست بنبره مبهجه عندما رفع ذراعيه يحتضنها أمامهم هو الأخر :
_" بجد مكنتش مصدقه بالسرعه دي &; بس مبسوطه "
ضمها بسعاده ثم أخرجها من أحضانه تزامنا&; مع قول "ياسمين " المرح:
_" خدتي الجرأه دي كلها ازاي يا بت وأنا اللي بعلم فيكي بقالي سنين &; مش خساره فيكي غسان والله و ربنا يعافينا من البجاحه دي يختي "
_" من بعض ما عندك يا ياسمين يا أخت مراتي يا غاليه !"
قالها "غسان" بإستفزاز&; في حين سمع هو قول "سميه" وهي تنهض تفصلهم عن بعضهما بمزاح&; :
_" بنتي متربتش من ساعة ما إنت إتجوزتها &; وإنت قليل الأدب ودلال مربتكش. &; الصبر حلو يحبيبي "
رفع يديه يمسك كف "نيروز " وهو يسحبها ناحيته ثم قال بثبات&; :
_" والله مراتي وأعمل اللي علي كيفي &; إيه اللي شاغلكم &; إسبوعين وألاقي حد بيتكلم كده وهي خلاص بقا بقت فـ بيتي"
ضحكت "سميه" بخفه ثم هزت رأسها بقلة حيله وهي تردد :
_'' حقك &; الله يصلح حالكم ويبارك فيكم ويحفظكم &;. هروح أغير هدومي وحد يروح يجمع العيله عشان ييجوا ويعرفوا اللي قولناه "
هز لها رأسه بينما تبعتها "ياسمين " تذهب معها للغرفه &; فأخرج "غسان" أنفاسه وهو. ينظر على أثرها بهدوء&; ثم إلتفت برأسه فوجدها تطالعه بابتسامه صغيره &; نظر لها بصمت&; ثم هتف بنبره متساءله :
_" قولتيلي بقا مين اللي عبيط &;"
_" قلبك إسود أوي يبن البدري ! &; روح يلا نادي عليهم وجيب وسام تفك عن نفسها شويه ! "
نظر لها "غسان" بهدوء ثم هز رأسه بخفوت&; حتى تحرك يفتح الباب تزامنا&; مع قوله :
_" هانت !"
وما أن قالها أغلق الباب خلفه بهدوء&; وهو يتوجه ناحية شقته ليخبرهم بٱخر الأخبار وبالأخرى يجمعهم ببهجه في شقة "س&;ميه" ..!!
___________________________________________
تركهما "حازم" منذ فتره كي يعود إلى شقة والدة زوجته &; فقد حدث "عز" بأنه يثق به مما تركهما مع بعضهما ومعهما "فرح" &; لن يكن الذهاب سوى لناحية واحد فقط &; في المستشفي حيث غرفة "والدة عز" "حنان" &; التي جلست تنظر بسعاده بعد أن رحبت بـ "جميله" ترحيب شديد &; جلس "عز" ينظر بابتسامه واسعه على إنسجامها مع والدته في الحديث وكذلك شقيقته &; تنهد يخرج أتفاسـه وفي يديه الهاتف الذي كان عليه عدد من الإتصالات القله للمباركه وخاصة&; زوجة خاله &; سمع هو صوت "فرح" التي نبست بنبره مرحه هادئه :
_" جميله إنت&; خدتي عز الرجال ودي لحظة إدراك بجد !"
ضحكت "جميله" بخفه ومن ثم حركت أنظارها خفيه علي وجهه فوجدته يبتسم باتساع&; ومن ثم ضحك هو عاليا&; عندما وجد والدته تتحدث لتجيبها هي:
_" صحيح هو عز الرجال &; بس خد بردو جميلة الجميلات يا فرح !"
إبتسمت لها "جميله" باتساع&; فوجدتها تربت على يديها بحنان&; وهي تقول مجددا&; :
_" قلبي مطمن الوقتي لما قلب عز إرتاح بيك&; يا جميله &; هو مش هيقولك متكسرنيش بس أنا اللي بقولك قدامهم إبني ده راجل وميستاهلش غير الحلو فحياته وبس زيك كده !"
نظرت لها "جميله " بسعاده ثم أجابتها بحنو&; وهي توزع أنظارها :
_" حضرتك مش محتاجه تقوليلي كده &; أنا بحبكم كلكم كأنكم عيلتي التانيه دلوقتي !"
_" بتحبينا كلنا بجد !"
قالها "عز" بمرح هادئ &; فنظرت هي له بخجل&; &; بينما نظرت له والدته ضاحكه من فهمها لما قاله &; أما "فرح" فـ رددت تجيب شقيقها :
_" أيوه يا عز &; طبعا&; بتحبنا كلنا إنت بتقول ايه !!"
_" إنت&; أدرى يا فرح والله "
قالتها "جميله " من بين ضحكاتها ومن ثم نهض "عز" تزامنا&; مع ضحكاته الهادئه مع قوله :
_" طيب يلا هروحك عشان حازم موصيني &;.. عاوزين حاجه &;"
قال ٱخر حديثه لوالدته وشقيقته فهزوا رأسهما بالنفي &; ومن بعدها ودعتهم "جميله " بالأحضان ثم وجدته يخرج من باب الغرفه ومن ثم تبعته هي وهي تغلقها خلفها &; وجدته يشير لها بالسير جانبه &; حتى سارا الإثنان بجانب بعضهما &; بدأ هو الحديث الذي فاجئها بإهتماهه وحرصه عندما قال :
_" جميله أنا عاوزك تركزي فـ مذاكرتك ودراستك &; محتاجك تكوني ناجحه وأحسن واحده ولو عليا فـ أن شاء الله هحاول أوفق بين دراستك ومقابلاتي وكلامي معاكي على قد ما أقدر &; بس مش عاوزك تفكري فـ حاجه غير مستقبلك &; والوقت اللي تحسي فيه إنك جاهزه لخطوة الجواز متتردديش تيجي تقوليلي &; أنا معنديش مشكله أستناكي العمر كله مش لما تخلصي تعليم بس &; فـ وجودك معايا أوعدك إنه مش هيأثر عليكي وهحاول أعمل ده بكل الطرق &; فهماني &;"
هزت رأسها بتأثر&; وهي توجه نظراتها نحو عينيه اللامعه بحبه الصادق &; لم ترى هي مدى حنو هذه الكلمات من قبل &; حتى حديثه ونظره عينيه وشغفه الظاهر بها وصل لها وبقوه عن قبل &; الٱن لم يتحاشى النظر لها &; لم يخجل من الحديث معها وبالأخص كمثل ذلك الحديث &; انتهت بهزة رأس ولم تستطع أن تجيبه سوى عندما أخذت أنفاسها بعد وقت &; تزامنا&; مع خروجهما الٱن من المستشفي بأكملها &; وجهت نظراتها له وهي تقف بجانبه على الطريق ثم نبست على فجأه بعد أن جمعت الحديث الذي كان يقف هو صامت يستشعر إستطاعتها في ارداف الحديث &; حتى ابتسم عندما وجدها تنظر له قائله بنظرة عين صادقه :
_" إنت&; طيب وحنين أوي يا عز &; بتمنى تفضل كده معايا علطول ومش عاوزه منك غير كده !"
_"ينفع أقولك حاجه &;"
أردفها بإندفاع&; وهو يبتسم باتساع&; &; طريقته التلقائيه جعلتها تضحك بخفه وهي تهز رأسها بحماس&; &; فنظر هو على لون ردائها قائلا&; بصدق&; يعترف لها :
_" إنت&; بتبقي حلوه أوي فـ الأبيض اللي مبيقاش حلو على أغلب الناس &; مشوفتش حد حلو كده في لبس أبيض زيك ! &; ممكن تقوليلي سر الخلطه &;"
خجلت بشده من حديثه رغم أنه يردفه بهدوء&; وليس عبث !! &; نظرت له متساءله وهي تردد من بين ضحكاتها الخجوله:
_" خلطة إيـه &;"
_"خلطة جمالك وجمال ملامحك وتفاصيلك الهاديه اللي شدتني ليكي بكل لهفه &; عاوز أعرف سر خلطة إنهم لما سموا الإسم سموه إزاي بالمصداقية دي !"
يقصد اسمها &;! &; ما هذا الخجل التي وضعت به هي الٱن لأول مره ترى أحدهما يتغزل بملامحها بل والصدق في حديثه ظهر بشده &; ضحكت وهي تحرك رأسها بحرج&; فوجدته يشير لها بأن تركب سيارة الأجره التي وقفت لهما ومن ثم ركب هو الٱخر بعدها &; أعطى السائق العنوان &; ومن ثم نظر لها فوجدها تنظر من النافذه بشرود&; &; تنحنح يجلى حنجرته وهو يقول بلطف&; :
_" لو عليا كنت عاوز أقعدك معايا أكتر بس حازم والقوانين تحكم عني بردك &; مبسوطـه &;"
يسألها بلطف&; كونها هادئه ساكنه ردة فعلها تجعله يشعر بالهدوء الشديد بعلاقتهما &; يتعجل كي تأخذ عليه &;! أم أنها بها ما يكفي بداخلها والذي جعلها لا تتأثر بسهوله ! &; تشبتت بنظراتها لتنظر لعينيه التي تطالع عينيها بسكون ثم رددت بهدوء&; وابتسامتها تزين وجهها الأبيض :
_" مبسوطه أوي &; كمان دي بقت فـ ايدي فـ كل ما هحس إني مش مبسوطه هبص ليها يا عز "
قالتها وهي تشير على خاتم الخطبه "الدبله" &; نظر لها بتعجب&; من حديثها الذي يخرج بالتدريج &; تيقن بأنه لا يحتاج إلا لبعض&; الوقت وفقط كي تنسجم ويذهب خجلها ولو ذره بالشئ &; ضحك بخفه ثم حرك أنظاره على الأخرى الذي يرتديها هو &; ود لو يعانق كفه يديها ولكنه لا يجرؤ علي فعلها من تلقاء نفسه &; لا يستطيع فعلها كونه يفعل حدود إلى الٱن &; طباعه ليست متماشيه وبشده مع جيله &; فقد ما فعله يظهر وبشده بأنه سبق عمره بمراحل من كفاحه وجهاده لقدرته علي المحاوله كي يعيش هو ووالدته وشقيقته بسلام &; بل والٱن سيحاول بأن يعوضها رغم جهله لأمور كثيره &; همهم هو يوقف السائق عندما وقفت السياره أمام المبني فقد مر وقت قليل وهو شارد وكذلك هي الأخرى كانت شارده &; هبطت هي بهدوء&; ثم وقفت تنتظره وهو يقف يعطي السائق الأموال إلى أن رحلت السياره&; توجه يقف أمامها ثم قال بنبره لينه وهو يعدل قميصه الذي إنكمش من إنحناءه منذ قليل :
_" زي ما إتفقت معاكي &; متفكريش فـ أي حاجه &; اطلعي يلا وأنا هبقي أكلمك &; محتاجه حاجه&;"
ابتسمت له باتساع&; ثم إجابته بهدوء&; :
_" مش هينفع تمشي وإنت موجود عند البيت &; اطلع أقعد شويه !"
نظر لها بهدوء&; وهو يجيبها ولم يغفل عن إهتمامها المخفي &; أما هما فلم يكونا بمفردهما &; كانت هناك النظرات التي تتابع بشراسـه الوضع &; بل وفهم من بجانبه ما يحدث &; تحرك "حسن " فأمسكته يد "شريف" بقوله المحذر الجاد :
_" رايــح فين يا متخلـف &;هتبوظ اللي بنقف علشانه &; أصبر !"
_" ملكش فيــه دلوقتي &; إنت مش فاهم حاجه &; الأستاذه اللي هناك دي أختي وكل ساعه جيبالي راجل قدام البيت &; سيبني أربيها وأربي اللي معاها دا كمان &; إبــعد بقولك !"
أبله &; تفور دمائه بالطريقه واللحظة والموقف الخطأ &; تملص من يد "شريف" رغما&; عنه حتى أن الٱخر تركه يتوجه لشقيقه الذي يعلم هو بأنه لم يتركه إن فعل شئ &; والأهم بأن قوة "حسن" الجسمانية ضعيفه !!
_" قلـة ربايــتك دي ملــهــاش حـــل ولا إيــــه&; ميـــن ده يا بـــت إنطقي !"
قالها "حسن" وهو يتوجه بخطوات&; سريعه ليقف أمامها والغضب قد ظهر على ملامحه &; علم "عز" بأنه شقيقها فقد يعلم هو من قبل &; ولكنه نظر بذهول&; لما قاله &; والأخرى تنظر برهبه من الأتي وعقلها لم يستوعب بأن تلك اللحظه يمكنها بأن تأتي أو أتت بالفعل. ! &; رفع "عز" يديه يدفع "حسن" برفق عن "جميله" والذي حاول بأن يسحبها بغضب&; لركن بعيد كي ينفرد بـ "عز"
_" إنت بتعمل إيـه &;"
_" إنت&; اللي بتعمل إيه مع أختي ووصلالك البجاحه تقف معاها عند بيتها &; إنت&; عبيط ياض&;"
كادت "جميله " أن تتحدث &; فأشار لها "عز" قائلا&; بهدوء مميت:
_" اطلعي يا جميله علي فوق !"
تضاعف إنفعال "حسن" من كونه يتجاهله بل ويأمرها وهو الذي شقيقها ولم يفعل ذلك &; انسحبت "جميله " بتردد &; فوجدت يد "حسن" تمسك معصمها بقوه تزامنا&; مع قوله المرتفع له :
_" تـ&;روح فين يا حيلة أمك &; مين إنت&; عشان تأمرها كده "
قالها وهو يترك يد "جميله " ثم توجه بحركة يد سوقيه يهز رأس "عز" مع كلماته بجرأه &; رفع "عز" ذراعه ثم أمسك يد "حسن " بقوه وهو يضغط عليها مرددا&; بنبره حاده :
_" خطيبها يا حيلة أمك إنت&; &; وإيدك عشان متتقطعش !"
_" هو إيه اللي خطيبها .. ده إنت حلو وبتتكلم &; طب تعالي بقا "
وما أن قالها"حسن" رفع يديه يلكم من أمامه بوجهه فأمسكته يد "عز" ومن ثم رفع ساقه يضرب منتصف ساق الأخر حتى انحنى أمامه لعدم قدرته علي الوقف بسبب ضربته &; نظر له "عز" بإشمئزاز&; وهو يردد :
_" أقل حاجه مني ليك &; ما أنت مفكش حته سليمه &; بس ملحوقه !"
لم يفعل سوي ذلك ولم يريد بأن يفتعل مشاكل وهو في بداية خطبته &; لطالما هو الذي و&;ص&;ف بالعقل &; أشار لـ "جميله " بأن تصعد عندما قال بلهجه ٱمره :
_"اطلعي وبلاش تعرفي حد &; يـــلا "
أومأت له بطاعه وهي تحرك نظراتها علي شقيقها الذي تحامل على نفسه ليقف من جديد &; ثم إلتفتت تصعد &; أما "عز" فنبس بنبره م&;حذره يخفي بها إنفعاله الذي ما أن يخرج لا يتسطيع هو بأن يهدئه :
_" لو عرفت إنك مديت ايدك عليها هتزعل مني زعل محدش زعله قبل كده &; وأنا خطبت أختك واختك الوقتي خطيبتي وفي بينا حاجه رسمي وقريب هتبقى مراتي &; وحوار إني سكتلك ده ميغركش أنا لما بقوم بقوم ومبيبقاش فيها نومه بعدها &; أنا ميكانيكي يعني عارف وشايف الناس وخابزهم ومعدي عليا اللي معداش على حد &; أقلها حاجه عندي فالورشه تقطع رقبتك لو حاولت تمسها بسوء &; ســــامع &;"
لهجته في قول حديثه لم تخرج بهذه السهوله حتي أنه يستوعب تدريجيا&; مدي خوفه وإهتمامه بها هي وحدها &; بل ويعلم هو عن "حسن" ودنائته عندما كان يتوجه لشقيقته بسوء&; أو ضرب أو حديث فلم تكن لها سوى "فرح" تبوح لها عن ما تشعر به &; ولم تكن تعابير "فرح" بالحزن عن صديقتها مخفيه بل كان يجلس معها هو ويجعلها تبوح بما لا يروق لمزاجها السئ بسبب حزنها علي صديقتها المقربه ! &; طالعه "حسن" بكره&; وقبل أن يجيبه وجده يتحرك من أمامه غير عابئ هو برد الٱخر بل رمي حديثه عليه ومن ثم إختفي من أمامه &; عدل من ملابسه بتأوي وهو يتوجه داخل المبني غير مهتما&; لوجود أنظار "شريف" الذي كان يتابع الوضع وما أن رٱه يتحرك للداخل علم بأن الخطه لم ت&;نفذ اليوم &; فتحرك هو الٱخر ليرحل !!
_____________________________________
توجه الجميع ليجلس بـ شقة "س&;ميه" &; من "حامد" وزوجته وأولاده وحتى "شادي" &; وبالأخر "حازم" الذي عاد من الخارج قبل وقت قليل &; ومن ثم "عايده" التي جاءت لهم بسبب نداء "س&;ميه" &; تعالت "الزغاريط" الٱن وبقوه حتى أن باب الشقه كان مفتوح &; صوتهم في البهجه وصل لمن لا يسمعهم &; الصاله الكبيره الواسعه أخذت من الأشخاص الجالسين الكثير &; تعالت زغروطة "وسام" مره أخرى عاليا&;. &; فأشار لها البعض بالإعجاب&; &; كل تاره والأخرى تحتضن "دلال" "س&;ميه" بتأثر&; بل وعلمت هي بأن حالتها الصحيه ليست جيده وتحتاج لعمليه جراحيه!! &; برعت في إخفاء خوفها عليها وتماشت مع الوضع بالسعاده والأحضان &; سمعت صوت "حامد" وهو يقول عاليا&; ببهجه :
_" ألف ألف مبـــروك يا جماعه عقبال أولادكم !"
رد الجميع عليه بسعاده &; في حين كانت تجلس "جميله" بتوتر رغم فرحتها &; منذ أن صعدت وسمعت الأصوات قبل قليل&; &; لم تكن النظرات الموجهه له هو تحديدا&; سوى منها هي "نيروز"&; التي نظرت له بسعاده وبالأخرى الخوف التي برعت في إخفاءه ولكنها تعاهدت بأن لا تترك له الفرصه كي تشعر به بكثره &; نظرت إليه بابتسامتها الصغيره وهو منشغل بالحديث مع "شادي" و"بسام" و"حازم" &; بينما كان "بدر" يجلس يداعب صغيره متحاشيا&; الحديث المباشر مع "غسان" &; كانت تتحرك أنظار "غسان" بعفويه عليهم وهو منشغل وما أن لمحها تنظر إليه بشرود&; غمز لها بطرف عينيه حيث كانت تجلس هي بعيدا&; عنه بجانب "وسام" التي فعلت زغروطه أخرى عاليه من سعادتها البالغه &; ضحك الجميع عليها ومن ثم إعتلت زغروطة "ورده" هي الأخرى ببهجه &; لم يسمعهم سوى "حسن" الذي خرج من المصعد وأول ما إنتبه له هو علو أصواتهم و وصوت" الزغاريط" العاليه &; ومن ثم إنتبه هو لفتح شقة "زينات" التي خرجت تنظر بفضول&; وما أن رأت ولدها ينظر شهقت شهقه عاليه وهي تتوجه له بلهفه لتحتضنه وهي تهتف بإسمه :
_"حسـن !"
دخلت بين أحضانه بلهفة أ&;مومه &; أما هو فبادلها الأحضا ن بفتور&; &; نظرت هي على جروحه من رأسه وحامل ذراعه وقبل أن تسأله&; وجدته يسألها بنبره جاده :
_" هو فـي إيـه بيحصل جوه &;"
حركت رأسها بجهل&; منتظره وبقوه لحظة اندفاعه &; لن تحتاج هي بأن تشعله فقط هو سيشعل أعصابه بنفسه &; وبالفعل ابتسمت بإنتصار رغم جهلها وهي تراه يتوجه ليقتحم الشقه دون إذن بل دخل مباشرة&; إلي الداخل &; أما هم فتوقفت الضحكات والحديث وحتي الزغاريط وكل منهم يطالع الواقف وبجانبه والدته بمفاجأه &; وقف الجميع على مره واحده بينما لم يقف "غسان" الذي ما أن رآه تشفي به وبقوه من جرح رأسه وذراعه وحتى وقفته التي ظهرت لهم بأنه لم يقوى حتى على الوقوف &; لم يقف "غسان" إلا بعدهم ببطئ ثم نظر لها هي &; حتي وجد ملامحها الخائفه تحاول بأن تخفيها كي لا يراها "حسن" الواقف &; أول من تحدث كان "حازم" الذي توجه يقف أمامه مرددا&; بنبره جاده :
_" إيه اللي جابك يا حسن &; عاوز إيـه تاني &;"
لم يتأثر "حازم" بما يظهر علي شقيقه &; بل فهم الوضع سريعا&; وفهم من يمكنه بأن يفعل به ذلك &; حتى تحركت أنظاره ناحية "غسان" الذي كان ينظر بصمت&; والذي توجه أيضا&;. ليقف بجانب "نيروز" &;. نظر له "حسن" بإستهزاء&; وقبل أن يتحدث &; تحدثت "سميه" هذه المره بنبره جاده :
_" امشي ياحسن من بيتي أنا مش عاوزه مشاكل !"
تطرده &;! &; نظر لها بغيظ&; داخلي ثم قال بنبره حاده :
_" بتطرديني &; بعد ما كان أنا اللي المفروض أكون جوز بنتك &; &; بقيتي عليا ده.. اللي جاب بلطجيه يعلموا عليا !"
إلتفتت رأس"نيروز" بصدمه لـ "غسان" الذي توجه ليقف أمامه رغم أنظار البعض التي تفاجئت بما قاله عن "غسان "&; نظر له بصمت&; ومن ثم قال له بنبره هادئه وبشده :
_" مش شايف نفسك جاي تتكلم بعشم أوي ! &; أول حاجه جيت تقول إن مراتي كانت المفروض تبقي مراتك إنت مش أنا &; وأنا راجل مقولكش بغير أوي يا حسن فـ أعمل فيك إيه تاني بعد اللي أنا عملته وإنت كل أركانك بايظه !"
صمت "غسان" عقب قوله ثم رفع يديه باستسلام للجميع هو يردد بتهكم&; يقول اعترافه:
_" ايوه يـا جماعه أنا فعلا&; اللي عملت فيه كده بناقص نقطه صغيره أوي.. إن أنا اللي كنت البلطجيه اللي علموا عليـه !"
قالها "غسان" بإستهزاء&; في حين ترقب الجميع الوضع &; لم يتحدث بعدها سوى "زينات" التي إستشاطت غيظا&; وهي تقول :
_" وكمان بتزغرطوا &; بتزغرطوا على إيه علي عمركم &;!"
حديثها كان ساخر في حين طالع "غسان" "حسن". بكره&; ثم رفع يديه بمنتهى الهدوء يمكسه من تلابيبه وهو يقربه منه بتهكم&; وهو يقول :
_" متجيبش سيرة مراتي علي لسانك القذر ده &; نيروز مراتي وهتبقي فعلا&; مراتي يعني عينك لو راحت نحيتها ولا حتى لسانك بكلمه هزعلك أكتر ما زعلت مني قبل كده يا بو علي !!"
وما أن إنتهى نفض يديه بإشمئزاز وهو يدفعه بهدوء بعيدا&; عنه &; لم يتحرك "حامد" ولا "بدر" كون الحوار كان هادئ جاد وبشده !! &; عكس الحديث وطبيعته ! &; تحدث "حازم" بحزم&; وهو يشير لهما قائلا&; :
_" إطلع يلا إنت وأمك بالذوق &; يــلا مش ناقصه هي مشاكل !!"
نفذ صبره &; أم خوف من الأتي &; طالع "حسن" شقيقه و"غسان" بحقد&; ثم توجه بنظراته ناحية "نيروز " التي وقفت تنظر بترقب للوضع &; ثم نبس بنبره مستهزءه يوجه حديثه لها :
_" بتختاري واحد الموت قرب منه هو واللي منه &;! متزعلوش بقا لما تشوفوا اللي هيحصل !!"
إبتلعت "نيروز " ريقها &; بينما حدجها "غسان" بجديه كي تجيبه على حديثه ولا تترك لخوفها فرصه &; حاولت أن تبقي ثابته في ردها الجامد حينما قالت:
_" ملكش دعوه بيا &; إمشي إطلع برا ولو جيت جنب أي حد ساعتها مش هتلاقي غيري وأنا وقفالك أنا قبلهم كلهم يا حسن !"
نظر لها بسخريه حتى أنه يعلم بأن داخلها مهزوز &; أمسكه "غسان" من تلابيبه مره أخرى عندما إنتظر ردها وفعلت ما يودها بأن تفعله &; هتف هو هذه المره يجيبه علي حديثه الأول :
_" هات أخرك يا ناقص &; لو شوفت منك ذرة شر واحده لأي حد هنا &; ساعتها محدش هيرحمك من تحت إيدي &;... بــــرا !!"
أمسك"حسن" يد "غسان" وهو يهبطها من عليه بتقزز فعله ببراعه بملامح وجهه ثم &; نظر له وهو يهتف بشرر&; مخفي وظاهر بنفس ذات الوقت :
_" هنشوف !"
توجهت "ياسمين" بإندفاع&; بعد أن نفذ صبرها ثم فتحت الباب أكثر وأكثر وهي تشير مره أخرى بقولها المتبجح :
_" يلا بـــرا مبتسمعوش !!"
نظرت لها "زينات" بحقد&;. ثم رفعت أنظارها من أعلاها لأسفلها &; فدفعتها "ياسمين" بيديها كي تخرج بجرأه &; إلى أن خرجت بالفعل خارج الشقه &; أما "حسن" فوقت يوزع الأنظار عليهم جميعا&; بصمت &; علم بأنه إذا دخل بمنافسه وعراك الٱن سيخسر &; ثبت نظراته علي "جميله " التي تطالعه بكره&; ظهر في نظراتها له وترقب لما سيحدث أو يحدث &; رسم على وجهه ابتسامه ساخره ثم قال لها هي الأخرى من ضمن الحديث :
_" مقرطسه أخوكي إنت&; كمان ومفهماهم إنك شريفـه !"
نظر "بسام" و"شادي" له بنفاذ صبر من وقاحته &; بينما قبل أن يتحدث أحد من الرجال وجد صفعة على وجهه من "حازم" الذي تشنجت ملامح وجه بقوله المنفعل :
_" دي أختك يا زباله &; يعني أشرف منك ومن عشره زيك يا واطي !"
قالها وهو يهزه &; فدفعه"حسن" عنه بشرر&; ثم ابتسم بسماجه يردد هو الٱخر باندفاع&; وهو ينظر :
_" ما صحيح هتجيبه منين طول ما هي لزقالي فـ قليلة الربايه والأصل نيروز !"
نظرت "ياسمين" له بتقزز وقبل أن ترفع يديها عليه حدجها كل من "حازم " و"سميه" بتحذير &; الٱن يوجد من بيديه أخذ الحق &; حدة الشباب &;! &;&; لم يتحمل "غسان" أكثر من ذلك بل دفعه بقوه يحاصره وهو يسنده علي الحائط حتى تأوي من ضرر عظام ظهره ثم أمسك خ&;صلاته بقوه وهو يهبط رأسه تزامنا&; مع ضربته له في معدته مع حديثـه المنفعل الصارخ :
_" بتعـيــب فــ مراتي قدامي يا نـــاقص !"
لم يتحرك "بسام" إنش واحد ولا حتي "بدر" و"شادي" تركوه يفعل به ما يستحقه وحتى "حامد" &; أما "دلال" فنظرت بخوف&; هي و"نيروز" التي إندفعت بسرعه تفصل "غسان" عنه وهي تقول :
_" كفـــايه&; إبـــعـــد .."
قالتها وكل ما يجول بعقلها هو تهديد "حسن" الذي أربكها من قليل بل والذي ضغط علي نقطة ضعفها التي تهابها منه !! &; نظر لها "غسان" بإنفعال&; وهو يبتعد تدريجيا&; عنه حتى خرج "حسن" سريعا&; بعد أن سحبته والدته تسنده إلى شقتها &; تزامنا&; مع صراخ "غسان" لها أمام الجميع :
_" بتـــدافـــعـــي عنه ليـــــه &; صعبــــان عليكـي أوي !!"
نبرته المنفعله كان صوتها عاليا&; وبقوه &; حتى إنتفضت "وسام" التي رأت تعابير الإنفعال شديده علي وجهه &; أما "ياسمين" فنظرت بتيهه من كل ما حدث وهي تغلق الباب بعد أن أشار لها زوجها بأن تغلقه &; وقف "حامد" يتابع ما يفعله ولده &; ومن ثم توجه "بسام" وحده فقط يمسك ذراع شقيقه يبعده عن "نيروز". فلم يستجيب هو بل ظل ينظر عليها وهي تصرخ بوجهه هي الأخرى تعترف :
_" إنـــت&; اللـــي صعبـــان عليــا إفــهمنــي بـقـــا &; إيـــه مشفتوش وهو بيهددك وبيهددنا &; طايح فيه ومش عـــارف هو ممكن يعمل إيـــــه !! "
تصرخ بوجهه هي الأخرى دون أن تفعل حساب لمن حولها مثله &;! &; سحبت "ورده" يد والدتها رغما&; عنها وهي تبعدها عن كل ذلك ورغم تشتت "سميه" إلا أنها توجهت عندما وجدت "بدر" يسندها هي الأخري إلي الداخل بعيدا&; عن جو التوتر المشحون !! &; وقف "شادي" ينظر لـ "حامد" الذي وقف بصمت وهو ينظر علي إبتسامة "غسان" الساخره عندما هتف بنبره مستهزءه لها أمام الجميع:
_" بـــردو لســـه خيفالي مــنــه !! &; وأنا صـعبــان عليكـي &; واخـــدك غصــب عنـك أنا ولا إيه ! "
حركت "نيروز" رأسها وهي تكتم دموع عينيها الخائبه من كل ما يحدث &; وقف "حازم" بجانب "ياسمين" في حين هتف "حامد" أخيرا&; يتحدث لهم :
_" إمشـي يا غسـان من هنا الوقتي !"
إلتفت برأسه ينظر إلى والده باستنكار&; &; حتى أن "حامد" نبسها بنبره هادئه &; أشار هو لـ "بسام" بأن يفتح الباب يسحبه معه بعيدا&; عنها لطالما خرج إنفعاله أمام الجميع عليها وإن حدث بقوله لشئ لها جارح أمامهم لم يصبح الوضع جيد ! &; نفض "غسان" يد شقيقه ثم نظر لها وهو يخرج ما يخفيه بداخله وكأن فاض به الكيل من فكرة رؤيتها خائفه بل وظهرت بذلك أمام الجميع وكيف وضعه &;!
_" إنت&; جبــانه يا نيــروز &; ومشوفتش فـ حياتي أجبن منك !"
_" قولتلــــــك إمشــــي من هـــــنـــا !"
صراخ &; بل ومن حامد الذي لم يخرج صراخه إلا في القليل &; يصرخ عليه أمام الجميع &;! &; عندما شعرت بإحراجه الشديد ووضعه بمثل ذلك الموقف رغم صراخها عليه هي الأخرى &; حركت عينيها بالنفي لوالده وله ثم رفعت يديها تتمسك بيديه كي لا ينفرد بنفسه رغم غضبها وحزنها منه &; وفي لحظة الضياع لم ولن تتخلي عنه لحظه مهما فعل &; أما هو ماذا فعل &; ترك يديها وهو ينفضها حتى هتف بقوله الجاف لها أمامهم :
_" إبـــعدي عني ! "
ترك يديها ثم نظر إلى والده بلوم&; داخلي &; رغم صحة حديثه ولكن لم يقدر هو خوفها ولم يفعل حاجز بل حدثها في انفعاله أمام الجميع !! &; فتح باب الشقه ثم خرج منه كادت هي إن تتبعه فأشار لها "حامد" بحزم&; وهو يأمرها وكأنها هي إبنته وليس هو :
_" خليكـي متــروحيش وراه !!"
نظرت له بتشتت بينما فهم "حازم" بأن الأمر يجب أن يكون خاص &; أمسك يد "ياسمين" يسحبها خلفه لخارج الشقه وهو يشير لوالدته بأن تأتي حتى جاءت بالفعل ومعها شقيقته &; بينما فتح الشقه وأدخلهن ثم عاد لهم من جديد &; كل ذلك وهي تقف ودموعها قد هبطتت بينما نظرت هي بإطمئنان عندما لاحقه شقيقه التوأم &; أما "دلال" فنظرت إلى "حامد" بلوم&; أمام "بدر" الذي خرج لهم وترك زوجته بالداخل مع والدتها &; تحركت. تخرج من الشقه ولم تنظر لها بسبب حزنها على ولدها بل توجهت بصمت لتدخل شقتها &; فأشار "حامد" لـ "وسام" بأن تذهب لوالدتها &; بقى "حازم وشادي وبدر" &; "ونيروز" التي جلست تكتم دموعها بصمت&; حتى هبطت منها &; أخذ "بدر" "شادي " يدخل الشرفه بالصاله عندما وقف ينظر على إنتظار "حامد" لهم بأن يرحلو &;. وقبل أن يتحرك "حازم" نبس بنبره هادئه متأسفه :
_" المفروض إن أخويا هو السبب ومحدش هيتأسف عن اللي حصل غيري &; بس أنا هسيبك الوقتي يا نيروز تفكري وتهدي. مع نفسك !"
وبعد أن قالها وجه نظراته لـ "حامد" الذي فهم ما يود قوله له ثم سمع هو صوت إغلاق باب الشقه &; توجه "حامد" يجلس بجانبها ثم رفع يديه يرفع وجهها له وهو يقول :
_" إنت&; غلطانه وهو غلطان أكتر منك كمان &; أنا لما قولتلك إن صبره بيخلص بعد حاجه إستحملها مكناش بتكلم وخلاص &; لو هتقفي على ابني غسان على الواحده فمش هتنفعوا لبعض أبدا&; &; البدايه كانت منه بس مكنش هيموته فـ ايده &; لأن حسن مكنش فيه حته سليمه &; واللي قاله ميتسكتش عليه &; عارف إنك خايفه علي ابني ومقلقه بس هو قالك قبل كده أنا بتعب يا نيروز وأنا بشوقك خايفه &; أه كان غلط كبير منكم إن أول مشكله طلع صوته وكنت أنا الموجود ومردتش أدخل عشان المشاكل اللي بينكم محدش يدخل فيها ولا ينفع ده &; تقوموا المرادي فاضحين نفسكم قدام الكل &; &; لو هقولك مين اللي بدأ يزعق ويختبر صبر التاني فـ هو إنت&; &; أما هو فـ عمل حاجه أنا طول عمري بحاول معلمهاش وإربيهم علي كده &; إن الراجل ميعليش صوته علي مراته قدام حد مهما كان ! &; المشاكل قدام الكل واللي بيدخل فيها اكتر من طرف غير الزوج والزوجه بتبوظ العلاقه ! احنا كنا فـ ايه ولا فـ ايه &; دا انت&; كنتي ماشيه بكره تروحي تشوفي معاه فستان فرحك وحجز قاعتكم &; يرضي مين ده &;"
تاره يهدهدها وتاره أخرى يعاتبها كونها رفعت صوتها عليه الأخرى وفصلته عن ابن عمها بالقوه وهي تعنفه بالطريقه الخاطئه ومن ثم انفعل هو من إسلوبها &; بل كان يدافع عنها من الأساس ! تستوعب هي فيما بعد &; بل وبعد أن قالها لها صراحة&; بأنها "جبانه &;" &; هزت رأسها بصمت&; فرفع هو ذراعيه يحتويها &; أمام نظرات "سميه" التي إستمعت للحديث و"ورده" &; هتفت "سميه" وهي تتوجه بخطوات&; هادئه تتحدث لهما قائله :
_" قولت كل اللي المفروض يتقال &; أنا لما قولتله موافقه على الفرح ويكون بسرعه مش هنتأخر فيه &; عرفت إنه هيحافظ عليها &; والوقتي لما دافع عنها عشان كلمه قالها حسن &; متتردش لحظه فـ كده &; بس إبنك ميرفعش صوته علي بنتي قدام الناس ويقولها إنت&; جبانه &; ميرضينيش ده وعارفه إنها لحظة غضب بس أنا سامعه كل حرف إتقال &; أنا بنتي مش هترتاح ألا بوجود غسان معاها وهو كمان &; بس إننا ندخل لمشاكل بينهم بتصعب علينا حاجات عاوزينها نتعمل &; المفروض مين يراضي مين دلوقتي وإبنك شتمها وعارفه إنها غلطانه لما رفعت صوتها علي جوزها &; بيعصبوا الوضع. ليه!"
عتاب وإعتراف بٱن واحد &;. تفهم "حامد" الوضع حتي نهض يشير لها بأن تجلس تزامنا&; مع قوله المطمئن :
_" كلامك على راسي يا مدام س&;ميه بس ابني مش عبيط ابني واعي وعاقل وعارف هو بيعمل إيه &; وراجل عشان مقبلش علي مراته نص كلمه &; وأديكي قولتي محدش يدخل بينهم مادام الوضع كده &; ولو مين هيراضي التاني فـ بنتك غلطانه زي ما غسان غلطان &; وكل واحد طريقته مكانتش كويسه بالنسبه للتاني &; احنا نسيبهم يتصرفوا مع بعض &; وروقي إنت&; !"
قالها بهدوء&; لم يخلو من مدافعته عن ولده الذي يعلم بأنه أخطأ مما كان الخطأ في بدايته من الأخرى &; أومأت له "سميه" بابتسامه هادئه ولم تقوى علي إرداف حديث أكثر بل تفهمت هي وجهة نظره &; حتى قررت بأن لا تتدخل كي يمر الوضع &; أيدتهم "ورده" بنظراتها &; فهتف "حامد" يتحدث :
_" عن إذنكم &; محتاجين حاجه &;"
ابتسمت له "سميه". بامتنان هي و "ورده" التي أشارت لـ "نيروز" بالنهوض &; فنهضت تتحدث قائله :
_" إستنى يا عمو هاجي معاك !"
ستذهب هي له !! &; بعد أن سبها &; حدجتها "سميه" بغرابه &; فابتسم "حامد" بقوله لها :
_". هتيجي وهو اللي قالك جبانه وعلى صوته عليكي &; "
_"لا هتيجي عشان هي اللي بدأت وزعقت الأول فيه قدام الكل وحطته فموقف بايخ لما حضرتك طردته &; مش كده يا نيروز !"
قالتها "ورده" سريعا&; كي تهدأ الوضع &; تحركت نظرات "سميه" الحاده صوب "ورده" التي شجعتها كي تسير خلف "حامد" الذي خرج من باب الشقه &; وبعد خروجهما &; هتفت "سميه" بحده تقول :
_" إنت&; إيه اللي إنت&; عملتيه ده &; أختك هي اللي تروحله !"
_" ماما إنت&; مش فاهمه ولا واعيه إن غسان كان بيدافع عنها &; &; وهي اللي زقته بإيدها عشان تبعده عنه وزعقت فيه &; هو أه غلطان وأوي كمان &;&; بس أنا عرفت مشكلتهم اللي كانت قبل دي &; ونيروز مسكتتش رغم إن قالها كلام صح وهو اللي رجع يتأسف رغم إن بتهيألي محدش كان حاضر خناقتهم غير عمو حامد &; لما كل واحد يضحي عشان التاني مره ويحاولوا يوزنوا العلاقه هتنجح &; مش بقول تلغي كرامتها لأن أنا عارفه إن نيروز هتربيه علي اللي قاله وكويس أوي كمان بس هي إترددت بس من نحية إنها حطته فالموقف ده وزقته وزعقت فيه قدام الكل لكن إنه زعقلها وقالها انت&; جبانه عارفه إنها مش هتعديها &; وكويس إن حازم بعد ياسمين عشان عارف إنها مكنتش هتخلي الموضوع يعدي &; يعني في فرصه إن الوضع يهدي ومش عاوزين كلام كتير الفرح هيقرب أهو وانت&; فاهمه كفايه مشاكل لحد كده !"
نظرت لها "س&;ميه" بضياع&; &; ثم تنفست بعمق&; دون أن تجيبها &; أما "ورده" فنظرت لها بإطمئنان وهي تربت عليها بهدوء&; كما أنها إختارت ذلك لحالة والدتها التي ستسوء إن تدهور الوضع أكثر !!
___________________________________________
تحرك "بسام" وهو يخرج من غرفة "غسان" الذي أغلقها خلفه &; وما أن خرج وجد الأنظار تتوجه إليـه &; تنفس بعمق&; ثم ثبت نظراته على والده الذي نظر له باستفهام&; &; ومن جانبه "نيروز" التي وقفت تنتظر &; خرج صوت "بسام" الهادئ وهو يقول :
_" بيلبس ونازل !"
نظرت له "دلال". بلهفه ثم قالت بإندفاع&; :
_" رايح فين يا بسام &; ليكون هيمشي إلحقه يبني !"
_" لا مش هيمشي ولا حاجه &; نازل يتمشي بعيد عن الجو المشدود ده &; متقلقيش !"
جلست بقلة حيله علي الأريكه وهي تولول كحديث النساء بقولها:
_" كان من. ايه ده بس ياربي &; كان من إيه ندخل فالمشاكل دي من الأول &; أنا كنت حاسه &;والله قلبي كان حاسس !"
تحرك أنظار "نيروز" لها بحزن&; فلو كانت تقصد بأن تحملها ذنب لفعلت أقل من ذلك &; أما "نيروز" فهي تشعر بأنها المشكله قبل حديثها &; نظر لها "حامد " وهو يلومها بنبره جاده :
_" انت&; بتقولي إيه يا دلال إسكتي "
_" مش هسكت يا حامد &; إنت طرده وزعقتله قدام الكل &; دا غير إنه كل شويه يا حبة قلبي يتحط تحت ضغط من كل اللي حواليه &; هسكت إزاي وأنا مش شيفاه مرتاح وكل الح&;مل هو شايله من غير ح&;مل !"
تحركت أنظار "بسام " لوالده الذي حذره من وجود "نيروز" التي وقفت تنظر وتتابع بحزن&; &; نظر لها "حامد " بإنفعال&; ثم قال يعنفها :
_" لازمته إيه الكلام اللي ملوش لازمه ده &; مـ الدنيا كويسه أهي &;. إسكتي يا دلال عشان الليله دي تعدي بقا !"
ترقبت أنظار "وسام" فرفعت "دلال" نظراتها له وهي توزعها بينه وبين الأخرى حتى قالت بتبرير :
_" أنا مش قصدي بكلامي نيروز اللي واقفه دي يا حامد &; أنا أم وكل اللي طلبته إن ابني يرتاح &; مش فاهمه أنا بقول ايه غلط &; نيروز بنتي زي وسام &; بس عاوزاها تقدر وجود ابني جنبها اللي بيتعب بردو زيها !"
قالتها وبٱخر حديثها دموع &; تفهمت "نيروز" ما تشعره &; بل وللمفاجأه توجهت تحتضنها بتأثر&; وهي تقول :
_" أنا مقدره يا طنط وخايفه عليه عشان بحبه ومش قصدي إنه يتحط فالموقف ده ولا يتعب بسببي !"
بادلتها "دلال" الأحضان وهي تهبط دموعها دون سبب موجه &; فإن كانت هي بكفه وولدها بكفه أخرى حتما&; ستختار ولدها كطبيعة أي أ&;م &; نظر "حامد" لهما بحنو&; تزامنا&; مع فتح باب الغرفه بواسطة "غسان" الذي وضع. هاتفه بجيب بنطاله &; ثم وقف ينظر لهما بصمت&; &; وقبل أن يتحرك أمسكه "حامد" من ذراعه كي يتوقف تزامنا&; مع قوله :
_" نيروز جت عشان تواجهوا بعض لوحدكم من غير ما حد يدخل بينكم &; وزي ما عاتبتها هعاتبك عشان الراجل مينفعش يعلي صوته على مراته قدام حد &; بس الظاهر متكتش عليك تتعلم ده أوي ولا أنا بريبك يا غسان &; الأمور مبتتاخدش كده سامعني !"
إبتسم "غسان" بسخريه ثم قال يواجهه:
_" وده بعد إيـه بعد ما طردتني قدام الكل !"
نظر له "حامد " بحده كونه لم يتراجع إلى الٱن &; توجهت "نيروز " تقف أمامه ثم هتفت هي الأخر بتبرير &; :
_" غسان أنا مقصدتش أعرضك للموقف ده &; بس خوفت عليك من فكرة إنه ممكن يأذيك بعد ما قال هو ده وهددنا &; طبيعي أخاف بعد اللي قاله !"
أشار لهم "حامد" بالذهاب &; حتي يذهب كل منهم إلى غرفته كي يواجه الإثنان بعضهما بينما أمسك هو يد زوجته يتوجه بها ناحية غرفته &; تزامنا&; مع رد "غسان" المتساءل لها بقوله :
_" إنت&; عاوزه إيه يا نيروز&;! &; أنا مبقتش فاهمك !"
_" قولتلك إني عاوزاك كويس يا غسان وإني بحبك وبحب وجودك &; نفسي تفهم إني بخاف عليك منه &; إنت مش قادر تفهم إنك مبتعملش حاجه معاه غير إنك بتزود شره &; مش عارف إنه غدار وممكن ياخدك غدر ساعتها أنا مش هستحمل صدقني !"
لم يتفوه بأي حرف بل ظل ينظر لها باستهزاء&; &; فرمقته هي بعدها بحده وهي تقول :
_" وكلامي ده ميمحيش غضبي منك وإنت&; بتشتمني قدام الكل إني جبانه &; أنا مش جبانه &; أنا أعرف كويس أوي أرد وأعمل الحاجه اللي عاوزاها ولو خايفه علي حسن منك كنت وافقت عليه أتجوزه من قبل ما أنت ترجع &; لكن إنت مش فاهم "
رمقها "غسان" بحده ثم نبس يحذرها بقوله لها :
_" فكري فـ كلامك قبل ما تقوليه عشان المره الجايه هتزعلي مني &; وأه انت&; جبانه يا نيروز وبتخافي وخوفك غطي علي أجبن جبان فالمنطقة هنا !"
يرمي لها حديثث جاد مستفز وحديث لم ولن يروق لها &; وجهت نظراتها المنفعله له ثم قالت توبخه بصوت&; مرتفع :
_" إنت بردو مش فاهم ولا مقتنع بإنك هنتني قدامهم بكلمتك دي &; وحتى للمره التانيه عليت صوتك وزعقت جامد قدام الكل وأنا واقفه &; &; ملاك ومبتغلطش مش كده ! &; وأنا عاوزه أشوف إنت ممكن تزعلني إزاي و ساعتها هتعرف إني مش جبانه وأنا عارفه كويس أنا بقول إيه &; وجيت عشان أقولك حقك عليا من فكرة الموقف اللي إتحطيت فيه من باباك بسببي وإني شيلتك عن حسن بالقوه عشان عارفه إنك مكنتش هتوقف ضرب غير بالطريقه دي ومني أنا مش من حد تاني &; لكن أنا مجتش أتأسف علي الجزء اللي إنت غلطان فيه لا وكأنك بتقلب الترابيزه عليا وكمان أنا اللي هبقي غلطانه عشان إنت قولتلي جبانه وشخطت فيا قدام الناس&;! &; تبقي بتحلم والظاهر إني غلطت لما فكرت أجي أقولك حقك عليا من اللي أنا غلطت فيه !!"
تاره توبخه وتاره صوتها كان مرتفع &; نظر لها "غسان" بملامح وجهه المنفعله ثم أشار لها بعينيه وهو يتحدث بلهجه ٱمره :
_" وطي صوتك !"
_" لا مش هوطي صوتي &; موطتش إنت صوتك ليه ساعة اللي حصل &; عالاقل مفيش غريب يينا دلوقتي !!"
_"صـــوتـــك يوطــــى بقـــولك !"
رددها مجددا&; بلهجه جامده ٱمره &;. رفعت يديها تشير أمام وجهه بإنفعال وهي تردف له بهجوم&; :
_" قولتلك مش هوطي صوتي &; إيه &; معتش عارف تقول إيه غير وطي صوتك &; مبتدافعش عن نفسك ليه وإنت عارف إنك غلطان فـ ده &; أنا مش هسمحلك تقلب الترابيزه عليا &; ســامع !"
تأدبه &; نفذ صبره عليها بسبب طريقتها الغير محببه بالنسبه له &; أمسك معصمها بقوه التي تشير بيديها به ثم ضغط عليه قائلا&; بغضب&; يكتمه كي لا يخرج بقوه عليها :
_" لما أقــولك توطي صوتك توطيــه &; عيل صغير قدامك عشـان تأدبيني &; أنا قولتلك إني مش غلطان عشان طريقتك دي &;&; قولتلك إني مش ٱسف &; إديتيني فرصـه ولا إنت&; اللي نازله كلام بإسلوبك وطريقتك اللي مش ظابطه معايا دي !! &; عليت صوتي الوقتي عليكي وإنتي واقفه تزعقي فيـا بمنتهى&; البجاحه &; ...ما تنطـــقي &;سكـــتي ليــــه !"
تأوت من مسكته لمعصمها بقوه حتى حاولت التملص &; بينما لم يتركها هو &; نظرت له وهي تكتم ضعفها أمامه بدموعها التي تكتمها أمامه &; بينما عينيها تطالع عينيه التي ظهرت لها جافه &; تحدثت بنبره متحشرجه تهاجمه من جديد :
_" إبعد إيــدك دي عني &; بتوجعنـي كده &; سيــبنـي !!"
نظر لها بصمت&; وهى تحاول التملص من بين يديه بينما أمسكها هو لم يتركها فرفعت يديها الأخرى تحاول بأن تجعله يتركها &; نظر لها بتعابير وجه خاليه ثم هتف يحذرها قائلا&; :
_"عرفتي إني بعرف أوجع حتى أكتر منك &; وده مش وجع عشان أنا أعرف أعمل أكتر من كده &; بس مش أنا الراجل اللي أمد ايدي على مراتي ! فلما تتكلمي معايا صوتك ميعلاش بعد كده &;. وتفكري فكلامك اللي بتقوليه قبل ما تقوليه عشان إنت&; مش عارفه إنت&; بتخ&;ر&;جي إيـه !! &; يا تسكتي خالص ومتتكلميش !"
ترك يديها أخيرا&; بعد ٱن أمسكها منها بينما هبطت دموعها ثم قالت من بينها تقول :
_" إنت إنسان جاحد ومبتحسش بغيرك!"
لا يشعر بغيره &; ترمي الجمله الخطأ له هو بالفعل بل يشعر وبقوه &; بينما طريقتها كانت ليست هينه عليه &; بعد أن حاول بأن يقف بجانبها تقول له ذلك &;. ورغم تفاجئه بما قيل ولكنه ابتسم يطالعها بسخريه من الموقف ثم أجابها ردا&; علي حديثها بنبره ظهرت لها بارده :
_" وإنت&; جبانه يا نيروز &; وبتتشطري علي الناس الغلط وسايبه الباقي يأثر عليكي &; وغبيه لأقصي حد &; وأنا مش بقرون عشان أقفلك وانتي بتزعقي لا وكمان ليا &; ولا حتى طريقتك دي معايا &; مصبرتيش وكأنك مش شايفه غير إن أنا اللي غلطان رغم إنك قولتي إنك أسفه وغلطانه &; مستنتيش تديني فرصه أواجهك زي ما واجهتيني &; بتقولي على لساني إني مش شايف نفسي غلطان ومكمله ! &; عرفتي إنك غبيه وجبانه وكل ما بحاول أصلح حاجه بينا إنتي حاساها أو خايفه منها.. بتبوظيها .."
قالها بهدوء&; شديد &; ثم نظر لها من أعلاها لأسفلها وكأنها نظرة لوم ممزوجة بالتهكم &; حتي تحرك يتخطاها ليخرج من باب الشقه رغم محاولته بأن لا يذهب يضمها عند سماعه لصوت شهقاتها ولكنها أخطأت بحقه أكثر من مره الٱن !! &; صفع الباب خلفه بقوه حتى إنتفضت من بين دموع عينيها &; لم تعطه فرصه للرد بل وفعلها وردها لها هو الٱخر الٱن عندما خرج من الشقه بأكملها يتركها لها ولهم &; كتمت شهقاتها ثم رفعت يديها تمسح دموع عينيها من على وجهها &; حذرهم "حامد" من التدخل حتى وإن كان البعض يقف يترقب الوضع &; ولكن ليس لديهم بأن بتدخلا بينهما بعد الٱن &; توجهت تفتح باب الشقه كي تخرج منه ثم دقت جرس منزلها إلي أن فتح لها "شادي" الذي كان يتوجه ليخرج &; بل وكان عليه الرحيل ولكن أوقفه فعلة "غسان" التي غيرت كل شئ !! &; نظرت له بصمت&; وهي تتنهد لتأخذ أنفاسها بينما نظرت له دون أن تنبس بأي حرف إلى أن قال هو ليطمئنها :
_" متقلقيش كل حاجه بتعدي !"
لم تجيبه بل نظرت له بصمت قبل أن تدخل &; أما هو فهو يعلم بأن صديقه لم يتهاون في موقفه الذي حدث أمامهم &; بل وبالأساس كان يتوجه ليهبط له بعد أن رٱه من الشرفه عندما نزل "غسان" بسرعه في المصعد &; ركب هو المصعد. كي يلحق به &; بينما دخلت الأخرى تغلق الباب خلفها &; فوجدت "ورده" تنتظرها نظرت لها "نيروز" بصمت وقبل أن تتحدث نبست بنبره هادئه معارضه :
_" مش قادره أتكلم يا ورده ولا ناقصه أصلا&; &; هدخل أرتاح وأنام وهتنكلم بعدين !!"
تركتها "ورده" ترحل بعد أن عملت بأنها تحتاج بعض الوقت للإنفراد بنفسها بينما دخلت هي لترى صغيرها ووالدتها &; أما "بدر" فـ دخل الغرفه عقب رحيل "شادي"..!!
_____________________________________________
منعها "حازم" بحزم&; من فكرة تدخلها بين شقيقتها وزوجها &; بل جلس ومازال يجلس الٱن وهي بجانبه &; كل مره تتحدث بها كي تخرج يمنعها هو &; لا تمل في المحاوله بأن تخرج لترى أحوال شقيقتها ووالدتها &; وقبل أن تتحدث نفذ صبر "حازم" الذي تحدث يقاطع حديثها قبل أن يخرج بقوله الجامد :
_" قولتلك أقعدي &; إيه مبتفهميش !! &; هم أحرار مع بعض &; كل واحد بيحل مشاكله مع نفسه &; اهدي وإرتاحي !"
نظرت له "ياسمين " بغيظ&; مكتوم حتى أجابته بنبره مندفعه :
_" إنت اللي مبتفهمش يا حازم علفكره &; عشان أنا عاوزه أطمن علي أختي وماما &; وإنت عارف حالة ماما &; أنا مش فاهمه من امته وإنت دماغك متقفله كده !"
قالتها بضجر&; وهي تعتدل لتجلس على الفراش بجانبه &; بينما نظر لها بصمت&; يتحمل حديثها إلي حد معين &; ثم هتف بنبره ساخره يراضيها كي تصمت وتتوقف عن الحديث :
_" عندك حق أنا راجل مبفهمش ودماغي قفل &; حاجه تاني &;"
لا تعلم لما تشفق عليه الٱن &; &; كبتت ضحكتها الهادئه ثم حركت رأسها بقلة حيله منه وهي تعتدل لتتسطح &; أما هو فجلس ينتظر حديثها كونه يعلم بأنها تردف حديث غير محسوب له &; بل ويتحملها لأقصى حد إلى أن ينفجر &; علم بأنها إكتفت فإعتدل هو الأخر لينهض حتى يخلع قميصه وهو يفك أزراره &; نظر على وضعها وهي تجلس واضعه يديها على معدتها وصدرها بأريحيه ومن ثم هتفت له بحزم&; :
_" إطفي النور بقا ! "
_" مش ملاحظه انك عصبيه زياده عن اللزوم ونكديه للدرجه متتوصفش &; "
_" طيب &; إطفي النور بقا &; بدل ما أقوم أنام جنب أمك &; أنا مصدعه ومش قادره والله !"
توجه ناحيتها يجلس على طرف الفراش ثم وضع يديه بحنو&; على جبهتها ثم شهق بخفوت&; مرددا&; بصدمه :
" ده إنت&; سخنه &; قومي !"
نظرت له بغير&; إهتمام &; بينما رمقها هو بحزم&; حتى نهضت تعتدل &; نظر لها بتمعن ثم نهض مره أخرى يرتدي ملابس فوقيه تزامنا&; مع قوله لها :
_" قومي إغسلي وشك !"
كادت أن تعترض بينما توجه يسحب يديها برفق&; حتى تنهض ثم أمسكها وهو يفتح باب الغرفه متوجها&; بها ناحية المرحاض &; وقف يسحبها خلفه ثم فتح الصنبور يضع من المياه على يديه على وجهها باهتمام&; &;. ضحكت على فعلته بقوه &;فنظر لها هو باستنكار&; ثم قال بسخريه :
_" ما أصل أنا عارفك لو قعدتي ألف سنه مش هتقولي إنك تعبانه!"
_"إنت هايف والله وشاغل بالك أوي &; دا غير إنك عسل وحلو أوي !"
إعتلت ضحكاته منها وهو يرجع من خصلاتها إلى الخلف &; ثم خرج من المرحاض وهي بجانبه إلى أن وصل الغرفه ثم فتح أحد الأدراج ليجلب منها أحد الأدوية وهو يوجهه لها تزامنا&; مع قوله :
_" خدي ده علشان تقومي كويسه !"
إنتشلته منه وعينيها لا تفارق عينيه وهي تنظر له بحنو&; &; إنتشلت زجاجة المياه لتأخذ وما أن أخذته وضعت الزجاجه بمكانها ثم توجهت خطوه واحده حيث مكان ما يقف هو رفعت ذراعيها لتدخل بين أحضانه وهي تردف قائله له بأسف&; :
_" معلش يا حازم &; انا بجد مزاجي وحش اوي من أول ما كشفنا على ماما لحد دلوقتي&; متزعلش من كلامي "
رفع يديه يربت علي ظهرها بحنان&; ثم أجابها هو الٱخر بتفهم&; :
_" أنا فاهم يا ياسمين ومقدر &; بس إطمني كل حاجه هتبقي كويسه والله متضغطيش على نفسك "
خرجت من أحضانه وهي تتنفس بعمق&; ثم أومٱت له بابتسامه صغيره &; في حين أنه توجه ليغلق الأضاءه
_________________________________________
_" يــــوه ما تســكت بقا يا شـــادي &; أنــا مش نـــاقص بقولك !"
أردف "غسان" حديثه بنفاذ صبر وهو يقف أمام كورنيش البحر القريب من المبني الذي يسكن به &; نظر له "شادي" بهدوء&; ثم أكمل بقوله يستجوبه :
_" رد بس على كلامي يا غسان متحكمش دماغك وخدني علي قد عقلي يا عم !"
نظر له بملامح وجه متشنجه ثم جلس يخرج من جيب بنطاله علبة سجائر كانت لديه &; حتى أخرج منها واحده ليضعها بفمه بغير إهتمام&; مغلف بالغيظ المكتوم &; شهق "شادي" والذي إنتشلها بفمه وهو يعنفه بقوله :
_" سجــاير يا غســـان &; إنت&; مش بطلت العاده دي ! &;"
_" بقولك إيه يا شادي متوجعش دماغي &; إنت عارف إني لما بكون مخنوق بشرب واحده &; يعني كل فين وفين كده ..ح&;ل عن دماغي بقا وهاتها يلا !"
رفع يديه عقب حديثه &;. بينما لم يتركه الآخر علي فعلها بل قذفها بعيدا&; عنه وهو يحدجه بغضب&; تزامنا&; مع قوله الحاد:
_" لا مش هحل عنك يا غسان &; عشان حتى العاده دي كانت إتبطلت &; وإنت من الأساس مبتدخنش &; وحتى لو &; يعني المره اللي تعملها من بين ألف مره بتعملها ودمك محروق &; "
تنهد يخرج أنفاسه وهو يتحامل علي نفسه بأن لا يدخل معه بنقاش&; &; بينما وجده يجلس بجانبه بهدوء&; ثم قال بجديه :
_" إنت مردتش ليه علي كلامي &;"
_" هرد أقولك ايه &; ما إنت عارف إن قلبي متحركش لحد ألا هي مش محتاج أقعد اتكلم وأرد. رد معروف إنت عارفه &; أقولك إيه تاني &; مش مأجل فرح ولا زفت كل حاجه فـ معادها يا شادي وأنا مقولتلهاش مش عايزك &; بس مش رايح لها خليها تفوق من اللي هي فيه بقا &; مدتنيش فرصه أتكلم وأنا اللي طلعت غلطان فالٱخر فـ مشيت بعيد عنها بدل ما يحصل حاجه بينا تاني &; وأنا بحاول أعدي واتغاضى عن حاجات كتيره عشان الدنيا تمشي بس خلاص كل حاجه علي ٱخرها عندي !"
نظر له "شادي" بصمت&; وهو يتفهم حديثه ثم خرج صوته منه يستجوبه بغرابه :
_" وإنت لما تاخد موقف منها هتجهزوا ازاي وتروحوا تشتروا حاجتكم ازاي مش فاهم أنا !"
_" إنت صدعتني وأنا مش ناقصك ورغم كل ده جاوبتك علي كلامك &; وأنا قولت اللي المفروض يتقال وخلاص &; وعادي نمشي واخدين موقف ياما بيحصل بين أي إتنين لسه بيفهموا بعض ! "
قالها "غسان" بهدوء&; &; فرفع "شادي" أنظاره المنصته له وهو يتفهم حديثه بينما هتف "غسان" مره أخرى يطمئنه كونه فهم ما فهمه الآخر بالخطأ :
_" وأنا مش عبيط ولا عيل يا شادي &; اللي إنت خايف منه مش هيحصل &; مش هتوصل لطلاق يعني &; أنا معملتش كل ده عشان أرجع أطلقها فالٱخر &; وأنا قولتلها إني مش هسيبها ألا لو قالتلي وحسيت إنها مش عاوزاني &; ساعتها مش هقبل علي نفسي أكون مع حد طلب مني يسيبني ومش عاوزني !"
هز "شادي" رأسه وهو يومأ له بالإيجاب &;. ثم تنفس بعمق&; وهو يضع قدم فوق الأخرى بقوله :
_" أومال مصدعين أمنا ليه وعاملين دراما "
حرك "غسان" عينيه ناحية الٱخر ثم قلبها بملل&; وهو ينهض ليعتدل ثم أخرج أنفاسه بصوت&; مسموع وهو يقف يوجه وجهه للبحر الذي جلب الهواء مما جعل خصلاته السوداء تتحرك والهواء يداعبها ويداعب وجهه &; وضع "شادي" يديه على كتفه من الخلف ثم نبس بنبره هادئه :
_" يلا نر&;وح وكل حاجه هتبقى عال !"
_" روح إنت وسيبني شويه كده مع نفسي &; هرجع وراك !"
صمت عندما وجد العناد بنظراته وأن الحديث الذي خرج منه لا يقبل النقاش &; تنفس بعمق&; ثم أومأ له بهدوء&; قبل حديثه الذي رحل من بعده :
_" همشي يا غسان بس مش هروح غير لما أشوف أخرتك إيـه &; هسيبك مع نفسك زي ما إنت عاوز بس إعرف إن أبوك عمل كده عشان متغلطش أكتر عشان لو كنت فضلت مكنش هيبقي دا حالكم دلوقتي كان الوضع هيبقي أصعب من كده. &; وعمره ما هيعمل حاجه تضرك بالعكس كل ده نفعك الوقتي وموصلش الوضع لحاجه صعبه &; إعقلها من كل النواحي يا صاحبي من نيروز وأمها وأبوك وحتى أمك وأختك وعلاقتهم بمراتك عشان اللي بيحصل ده مش هيبقي كويس لبعدين وأول حاجه هتحصل بعد كده هتكون هي السبب فنظرهم بعد ما بتغلطها قدام الكل &; ســلام يا عم "
قالها بهدوء&; شديد ومن ثم إلتفت يذهب فوجد"بسام" يقف خلفهم &; بالتأكيد هبط منذ قليل كونه يعلم بأن شقيقه سيجده بمثل هذا المكان &; نظر لـ "شادي" نظره فهمها جيدا&; فاومأ له وهو يضربه علي كتفه بخفه ثم تخطاه ليرحل &; توجه "بسام " يدير جسد "غسان" له حتى نظر له الٱخر بصمت&;
_"هو صحيح إنت اللي بنتحضن دايما&; وبتواسي &; لكن لما بيحصلك حاجه بتمشي وتهرب مننا بعيد &; بس أنا جيت أقولك إني حاسس بيك&; وحاسس إنك محطوط تحت ضغط كده مش مفهوم &; دا غير إني حسيت بيك بجد ومزاجي كده مش متظبط رغم إني بحاول أهدي نفسي &; بس باين الدراسه اللي بقول عليها دي بجد يا غ&;س !!"
قال"بسام " ٱخر حديثه بمرح&; &; حتى خرجت ضحكة "غسان " الخافته له ثم تحدث يجيبه بتساؤل :
_" أومال أنا مبحسش ليه &;"
_" عشان مبتحسش سهله يعني !"
قالها "بسام" ببساطه &; فتنفس "غسان" بعمق&; وهو يخرج من جيب بنطاله ع&;لبة السجائر تزامنا&; مع قوله وهو يتذكر قولها :
_" مبحسش مبحسش ! &; هي جت عليك &; اللي إنت شايفه ما الكل بقا شايف كده !"
حديثه المتهكم كان تزامنا&; مع وضع اللفافه بفمه &; بينما أمسكها "بسام" منه بإشمئزاز وهو يعلم ما يفعله في بعض الأحيان من تلك الفعله ثم أمسك يديه يجلب الع&;لبه من بين يديه قائلا&; بعقلانيه :
_" بطل تعمل حاجات مش حلوه عشانك &; أنا مش قولتلك غلط قبل كده كتير &; مفيش حد عاقل بيأذي نفسه كده !"
_" وأنا مش عاقل يا بسام &; سيبوني بقا وحلو عن دماغي شويه !!"
قالها وهو يتجه ليسير &; قذف "بسام" ما بيديه بعيدا&; عنه ثم إلتحق به وهو يسير بجانبه قائلا&; له بجمود&; :
_" إنت عاقل يا غسان بس بتحب تسوق شغل الجنان فحاجات عاوزه الصبر "
لم ينظر له "غسان" وهو يسير بجانبه &; بينما كان سيرهم قد توقف أمام المبني &; وقف "غسان" بينما وقف شقيقه هو الٱخر يحثه بقوله :
_" يلا نطلع!"
قالها وهو يشير له بينما رفع "غسان" رأسه ينظر على الشرفه الذي وجدها هو مغلقه &; علم بأنها لم تخرج بها بل إنفردت بنفسها بالداخل &; أخفض عينيه بعجز&; من كل ما حدث اليوم ثم تحرك يدخل المبني بقلة حيله&; توجه خلف شقيقه الذي ابتسم له بإطمئنان وقبل أن يصعد دخل به شخص يبغضه أحدهما وبشده "سليم" الذي كان بالخارج ولم يأت سوي الٱن &; طالعهما بكره&; دون أن يتحدث بل ولا يعرف الٱن إلى من بالتحديد سيوجه نظراته المحتده له !! &; لم يجد هو سوى قول "غسان" الذي أخرجه من تشتته بينهما وهو يقول:
_" أنا يا متر &; لو عاوزه تبص بصلي هنا .."
تحركت أنظار "سليم"نحوه بينما أمسك "بسام " ذراع "غسان" بحركه خافته تحسبا&; لفعل شئ &; وصل المصعد إلى الطابق تزامنا&; مع قول "سليم" الساخر وهو يخرج من المصعد :
_" مش فاهم إنتوا عيله شايفه نفسها على إيـه ! "
نظر له "بسام" بغيظ&; دفين &; أما "غسان" فابتسم باستفزاز&; يجيبه وهو يقف أمامه:
_" مش ذنبنا إنك شايف نفسك ولا حاجه جنبنا يا متر &; أو يمكن انتوا اللي عيله واطيه بإستثناء مراتي واللي تبعها &; بص.. اللي على مقاسك فيهم إلبسوا "
صمت "بسام" عندما وجد شقيقه يأخذ الحق بطريقه مستفزه تظهر من كره "سليم" الذي تشنج ملامح وجهه ببغض&; ثم قال :
_" مهما تعمل باين أوي إني نقطة ضعفك ونقطة ضعفكم كلكم هنا !"
يخرج حديث يثير الإستفزاز ويعامله بنفس طريقته معه &; تحرك "غسان" من أمامه يخرج مفتاحه من جيب بنطاله ثم ردد يجيبه بنبره غير مهتمه أصابت الٱخر بالغيظ الذي خرج عندما صفع شقته هو. الٱخر عقب قول الأول :
_" وحتى لو !! &; فالٱخر مجرد نقطه مش متشافه &; مسائك خرفان ولحمه ضاني !"
قالها باستفزاز&; ثم أغلق الباب عندما وجد الٱخر يصفعه بوجهه بقوه تعبيرا&; عن غيظه &; كبت "بسام " ضحكاته &; في حين تركه "غسان" ليدخل إلى غرفته وقبل أن يدخل أوقفه شقيقه عندما هتف بإسمه ثم توجه ناحينه يفعل ما يود فعله &; عندما أخذه بعناق&; شديد يضمه عله يسحب منه ما يشعر به ويأخذ منه كي يخفف من عليه &; أما "غسان" فـ ضمه بحنو&; ثم هتف قبل أن يتحدث الٱخر :
_" أنا كويس يا بسام &; عادي ياما بيحصل &; متشغلش بالك بيا وروح طمن أبوك اللي باعتك ورايا وقوله إني مش عيل صغير "
خرج "بسام " من أحضانه ينظر له بتردد&; &; بينما لم يظهر سوى "حامد". الذي ظهر لهما عقب الحديث هو و"شادي" &; ثم هتف له بنبره جامده:
_"عيل يا غسان ومتربيتش ولا شوفت تربيه ومحتاج تتربي من جديد &; ومتستاهلش واحده زي نيروز &; وأه بقولك الكلام ده وباجي عليك فوقت زي ده عشان إنت مش مستوعب إنك بقيت بتعمل حاجات كتير من غير ما تحس بالنتيجه بعد ما كنت بتفكر فالحاجه ولو ذره &; الح&;ب عمره ما كان بيغير كده الواحد &; مواجهتكش بالقوي لما كنت رايح إنت والأستاذ شادي وسكت ومقولتش إنكم عملتوا زي البلطجيه ومكذبش فعلا&; هو فـ دي &; مش حل تروح تعوره فكتفه زي ما مراتك إتعورت عشان كده تبقي خدت حقك بقا وخلاص &; قاعد تتكلم وتزعق وفاكر الكل شغال عندك وعند أبوك&; بدر اللي زعلان منك عشان كنت هتأذي ٱدم أخوه اللي هو ابن عمك مجربتش تروح تقوله زعلان مني ليه وحقك عليا وتراضيه &; طايح فالكل حازم مره واخته مره وبدر مره وأخوه مره وكمان مراتك &; ناقص إيه كمان تيجي تزعقلي وتضربني أنا كمان !"
كلمات قاسيه من "حامد" الذي يترك حسابه لفتره معينه &; وجاءت الفتره في فتره غير مناسبه له &; كما يشعر هو في كل مره بأن والده ينتقده في كل شئ يفعله وفي كل مره يصمت هو بها ولم يواجهه بحديثه الذي بداخله &; أما "بسام " فصمت رغم عدم إستحسانه بمواجهة والده بمثل ذلك الوقت &; تنهد "غسان" يخرج أنفاسه الثقيله من على صدره ثم أجابه بنبره هادئه يواجهه :
_" عندك حق &; أنا وحش في كل مره بيحصل فيها حاجه &; عشان كده إنت عمرك ما وقفت تأيدني فـ حاجه واحده فكرت أعملها بتفكيري &; حتى الوقتي مقدرتش اللي أنا فيه وجيت تكلمني فوقت مش طايق حتى نفسي فيه &; بس رغم كل ده هستحمل عادي وأنا قدامك اهو قول كل اللي عاوز تقوله واللي مش عاجبك فيا ومشيني علي مزاجك بقا &; قولي أحميكم إزاي وأحمي مراتي إزاي &; قولي أسيبه يعمل اللي هو عاوزه من غير ما يتحاسب عشان بعد كده يدور اللعب علينا وعليكم &; قولي بقا إن لازم اعدي على كل واحد ابوس راسه &; قولي مخافش عليكم وعليها إزاي &; لو أنا بجح ومبحسش ومندفع &; فـ انت بردو مبتحسش بيا &; محدش بيجرب يحط نفسه مكاني هنا&; كل حاجه غسان عمل كذا لا مكنش ينفع كذا &; غسان هيتعامل &; غسان هيمشي غسان مرجعش &; وجود غسان عشان يصلح اللي بيعمله عشانكم واللي بيتعمل عشان يبعدو عنكم وبس &; ولما يحصل مفيش حاجه بتعجبكم بردو "
نظر له "حامد" بتعجب&; من خروج مثل هذه الكلمات منه هو تحديدا&; &; بينما وقفت "دلال". بجانب"وسام " تنظر بحزن ظهر بشده علي ملامح وجهها &; إبتلع "حامد" ريقه من ما يحمله ولده بداخله بالتفكير الخاطئ ولم ينبس سوى كلمه واحده لا يعلمها هو الٱن :
_" إنت&; مش أب يا غسان !"
_" وإنت أب &; عشان كده معنديش حاجه أقولهالك غير لو أنا وحش أوي كده فحقك على راسي يا بابا "
قالها بجديه شديده يخفي وجعه الغير محدد من ماذا &; ولكن تحركت أنظاره بذهول&; عندما وجد "والدته" تهتف من بين تشتتها بإندفاع&; :
_" طلقها يا غسان &; طلقها لو كل واحد هيفضل يتوجع من التاني كده يبني !"
حدجها "حامد" بغضب &; كما كانت نظرة "بسام" لها تحذيريه كي تستوعب ما قالته وبالٱخر "شادي" &; أما "غسان" فتحلى بالثبات ثم خرج صوته يجيبها بهدوء&; رغم وجعه من حديثها :
_"خوفك عليا ميخلكيش تفكري فـ كده &; لو مش عارفه إنك كده بتوجعيني أكتر يبقي أنا فعلا&; وحش وأذيكم بالجامد مني ومن علاقتي بيها .."
حديثه الجاد لوالدته وهو ينظر لها جعلتها في لحظة ندم سريعه بعد إردافها لحديث لم تعلم هي بأنه سيكون بمثل ذلك الثقل عليه &; نظر لها مجددا&; ثم وزع نظراته لهم يعلمهم بما يريده بحزم&; :
_" مش عاوز حد يتدخل فحياتي بعد كده ولا يقولي أي حاجه&; أنا ح&;ر أطلق أتجوز أولع فنفسي حتى. مش مهم مادام مش بعرضكم لأذى بعد الوقتي "
صمت عقب قوله الذي أردفه بحزم&; ثم توجه بنظراته يثبتها على وجه والدته وهو يطالعها قائلا&; مره أخرى يواصل بحديثه الصادق دفاعا&; عنها :
_"وهي مش وحشه ولا أذتني بحاجه عشان تكوني عارفه هي بس بتخاف زيك بالظبط وخوفكم إنتم الإتنين مشترك وفنفس الوقت عكس بعض &; انت&; خايفه عليا لتأذى بسببها &; لكن هي خايفه عليا من كل حاجه هنا وخايفه عليكم كلكم &; هي اللي خافت عليكم منها ليحصل حاجه بسببها &; وإحساسها بإنها ممكن تسيبني لو حد إتأذى بسببها وصلي وبيوصلي في كل مره بتكلمني فيها &; عشان كده ده اللي مخليني مش عارف أوزن بينكم وبينها مش عارف هبقى أشيل الأذى عند مين فيكم &; منها لميعجبكوش وترجعوا تتأذوا وتزعلوا &; ولا منكم لتسيبني عشان هي خايفه عليكم وعليا وعلى اللي جاي !!"
حديثه لأول مره يخرج وهو الذي ليس من أنصار الحديث عن ما يشعر وما يجري بداخله حتى هي "نيروز" التي حاولت بأن. تجعله يتحدث ويخرج ما بداخله هرب منها كونها تهاب التفاصيل وتجعل منها عقد متسقبليه &; ضاقت به الأركان &;! &; وقف ينظر على وجوههم الذي كساها التشتت من منطقية حديثه الذي لم يشعر به سواه &; هتف مجددا&; بنفس النبره الهادئه يقول قبل أن يتحرك للداخل :
_" وبعد كل ده أنا اللي مبيحسش سواء هنا أو هناك &; إنتم محدش فيكم بيحس ولا بيفكر بالطريقه اللي أنا فيها دي !"
لم يترك فرصه لهم بالحديث &; بل إلتفت يدخل غرفته الذي دخلها وهو يغلق باباها دون صوت ! &; تركهم بحيرة الندم أم لا &; أما هو فلم بفكر سوى بأن ماذا لو لم يجد الٱن أمامه سوى أحضانها هى&; وفقط &; ولما يشعر بالهموم تأتى مره واحده عليه الٱن &;! &; بعد أن خلع سترته وحذاءه &; توجه ببقية ملابسه التي كانت للخروج ثم تسطح بها على فراشه بتعب&; &;شعوره متضارب ومشاعره مختلطه &; وقد أ&;نهك اليوم بما به الكفايه &;سيهرب هو بالنوم كنا فعلت هي منذ وقت &;! &; سيفعلها ما دامت ليست بجانبه هي وأحضانها &; لم يفكر سوى ما سبب عناء ذلك اليوم الذي جاء واحد تلو الٱخر &; جواب كل عقول من حضر الوضع بأن ما حدث لما كان سيحدث إن لم يأت&; "حسن" &; عودة "حسن" تدمر كل شئ &; عوده ليست حميده في حين بأن الوضع كان مبهج للغايه بسبب إقتراب موعد الزفاف !!
&;حيرت قلبي معاك
حيرت قلبي معاك.. وأنا بداري واخبي
قل لي أعمل إيه وياك.. ولا أعمل إيه ويا قلبي
بدي أشكيلك من نار حبي.. بدي أحكيلك لك ع اللى فى قلبي
وأقولك ع اللى سهرني.. وأقولك ع اللى بكاني
وأصورلك ضنا روحي.. وعزة نفسي منعاني.. &;
خرجت كلمات أغنيه من أغاني كوكب الشرق من هاتفه &; وهو يقف أمام المرٱه يتطلع على مظهره بغير إهتمام&; &; إلتفت "غسان" ينظر على المفاتيح الخاصه به حتى يأخذها كي يضعها بجيب بنطاله &; أمسك الهاتف ليغلقه حتى يضعه هو الٱخر ثم فتح باب غرفته بهدوء&; &; خرج إلى الخارج حتى وجد والده يجلس ووالدته بالمطبخ أما البقيه فلم يكونوا موجودين حتى "شادي "الذي جلس في غرفة" بسام " كان بالداخل &; لم يتفوه بأي حرف بل نظر له بصمت تام وهو يتوجه ناحية أحد الأدراج التي وجدت بجانب باب الشقه يجلب حذاء له &; و سرعان ما وجدها تقف أمامه وهو ينحنى ليرتدي حذائه &; وقف ببطئ بعدما إنتهى ثم طالعها بتعابير وجه خاليه &; أما هي فطالعته بأسف&; حتى أنها تكتم دموعها عندما وجدته يتحاشى الحديث معها وكأنه يعلن بأنه يقاطعها &;! والدته &;! &; نظرت له "دلال" بحنو&; ثم تحدث قائله له بتبرير&; :
_" حقك عليا يا غسان متزعلش مني أنا مكنتش عارفه أنا بقول إيه وكمان .."
بتر حديثها وهو يبتسم بسمه زائفه ظهرت لها ولوالده الجالس علي ب&;عد من وقفتهما &; بينما قاطعها "غسان" قبل أن تكمل بقوله الذي إعتبره أحدهما ساخرا&; :
_" ولا يهمك يا أم غسان &; إنت&; أم مهما كان !"
لم ينتظر ردها عليه ولا على رغبة "حامد" في الحديث له &; أغلق الباب خلفه بهدوء&; ثم توجه يدق جرس شقة "س&;ميه" &; حتى إنتظر بضعة لحظات&; إلى أن فتحت له "ورده" التي ابتسمت له بلباقه وهي تتحدث بلطف&; :
_" أدخل يا غسان &; معلش بس هصحيها أصل شكلها تقريبا&; نايمه متأخر !"
قالتها بالكذب &; فمنذ وقت وتلح عليها "ورده" بالنهوض لترتدي كي تذهب لتبدأ في تجهيزات الزفاف فيما بعد &; ولكنها تصر علي رأيها &; أما "س&;ميه" فتركتها علي راحتها &; أومأ لها بهدوء&; وقبل أن تتحرك تحدث يحاصرها بقوله الذي وضح لها بأنه يفهم ما تفعله شقيقتها :
_"دخليني أقولها أنا إن اللي بتعمله ده مش جاي معايا سكه !"
_" معلش هي مضغوطه بردو أكيد إنت&; مقدر وفاهم "
كان حديثها بالأسف &; فابتسمت له عقب قولها ثم أشارت له بالموافقه كي يذهب قبلها &; أومأ لها "غسان" ثم تحدث قبل أن يتحرك بـ جديه :
_" مقدر &; هنحل إحنا مشاكلنا سوا &; متشغلوش بالكم"
وقفت ثم نظرت على أثره من على ب&;عد وهو يدق الباب بهدوء&; &; إلى أن ف&;تح له الباب بواسطتها حتى أنها لم تتفاجأ منه نظرت له بخواء ثم تركت الباب وهي تدخل مره أخرى ثم جلست على المقعد دون أن تنبس بشئ وهي توليه ظهرها &; عقاب ٱخر على شكل صمت&;&; &; ابتسم بسخريه لاذعه منها ثم دخل يغلق الباب بهدوء&; وهو يسمعها تتحدث دون أن تنظر له بل تصنعت الإنشغال بترتيب الأشياء علي التسريحه أمامها :
_" جاي ليه &; أنا مش نازله فـ حته !"
وقف "غسان" يطالعها بصمت&; إلى أن أخرج أنفاسه بهدوء&; يلومها بنبره متساءله :
_" إيه اللي وصلنا لـ كده يا نيروز&; إيه اللي يخلينا مظبطين كل حاجه عشان ننزل زي الوقتي ويحصل حاجه تغير كل ده بـ .."
بترت "نيروز" حديثه بشراسه وهي تنهض تلتفت له حتى أجابته بهجوم&; :
_" إسأل نفسك &; متسألنيش أنا &; أنا بحاول أرضيك وإنت مفيش حاجه بترضيك &; بفهمك اللي شايفه إنه ممكن يحصل وإنت مش عاوز تفهم غير اللي إنت شايفه وبس &; وصلتني لحاجه مكنتش عاوزه أشوفها &; ومامتك بتحملني ذنبك من غير ما تقول ده ليا فـ وشي &; كلامك ليا قدامهم خلاهم كلهم يفهموا إنك إنت اللي تعبان وإن أنا اللي حطاك تحت ضغط و مش مقدراك ولا مقدره وجودك معايا ..."
صمتت تنظر له وهو يطالعها بإنصات&; دون أن يتحدث فواصلت تكمل مره أخرى بنفس الهجوم الذي يثير غيظه بسبب طريقتها :
_" جيتلك عشان حسيت إن أنا حطيتك فموقف مش كويس &; لقيتك بكل برود واقف تقولي إن أنا جبانه تاني وغبيه كمان &; واجهتك وإنت كل اللي كان علي لسانك إني أوطي صوتي &; يمكن مديتكش فرصه تتكلم زي ما قولت &; بس ده ميدكش الحق تمد إيدك عليا أو تمسك إيدي بالشكل ده !."
كان يقف ينظر لها بتمعن وما أن سمع ٱخر كلماتها هتف باستنكار يستجوبها بقوله :
_" أنا مديت إيدي عليكي ولا بتحبي تحوري ! &; إنت&; اللي قعدتي تشاوري بيها بعصبيه وصوتك كان عالي &; مدتنيش فرصه أتكلم رغم إني عندي القدره أخليكي تتخرسي بس سيبتك تطلعي كل اللي إنت&; عاوزاه زي الوقتي كده &; لأ وشغلاني بنقطة جديده كمان ! &; إني بقلب الترابيزه في حين إنك إنتي اللي قلباها من بدري &; قولتيلي إني مبحسش وكل اللي بيحصل أصلا&; عشان حاسس بخوفك وعشان عارف هو قد ايه متعب ليكي وليا بقولك ..لا أنا جنبك &;.. أسيبلك حسن يخوض فيكي ويجيب فسيرتك وأقف ساكت &;&; .."
نظرت له بضجر&; ظهر بكل تفصيله &; وسرعان ما فتحت عينيها بذهول&; عندما سمعته يقول مره أخرى بتوضيح&; لٱخر حديثه :
_" والله لو إنت عاوزاني أسكت وهو بيتكلم عليكي كده &; فـ دي حريه شخصيه يمكن معندكيش كرامه &; بس أنا بقا مش هكست عشان اللي يعيب فيكي هيبقي بيعيب فيا وإسمك علي أسمي &; مراتي يعني يا حرم غسان البدري لو مش واخده بالك من النقطه دي &; يعني حرم راجل مش سوسن !"
توجهت "نيروز" بإنفعال&; تقف أمامه مباشرة&; ثم تحدثت قائله بغضب&; له تجيبه :
_" أنا عندي كرامه غصب عنك وعن أي حد مش شايف كده &; وواخده بالي أوي إني حرم راجل &; بس راجل عقله تعبان ومش فيه.. وهو كل شويه ماسكلي فخناق مع شخص لو إتساب علينا هيموته ويجي علينا بس مش فاهم ده !"
ضغط على فكه متحليا&; بٱخر ذرة صبر لديه &; حتى تنهد يخرج أنفاسه بغيظ&; ثم تحدث بحده :
_" أنا عقلي تعبان يعني &; &; وإنت&; عقلك ده إيه &; بيفكر ازاي إن كل اللي بيحصلي ده مش تعب ليا&; &; مبتفكريش غير فنفسك وبس&;! حتى لما فكرتي فيا كان عشانك بردو &; محستيش إن الدنيا بتضيق بيا فكل مره وإنت بعيد بعنادك ده &; ولا مره لقيت إحتواء ولا اعتراف من الكام مره اللي كنا على خلاف فيهم &; كله لامني وجه عليا بسبب مشكله بدأت منك &; كله ضدي عشان بحاول أحميكي والأذى ميطولكيش &; قدرتي ده &; حسيتي بيا &; عرفتي إني مضغوط وإن مش إنت&; لوحدك اللي مضغوطه &; .."
بان الإنهاك به وبنبرته بعد أن كانت حاده قويه تواجهها &; إبتلعت ريقها وقبل أن تهاجمه من جديد لاحظت إهتزاز نبرته بمشاعر مكتومه بداخله لا يود ظهورها &; تعلم بأن موضعه من موقف والده كان ليس جيد منها &; وقف ينظر لها بصمت&; &;أما عينيها فلم تفارق عينيه التي لمعت ولكن أي لمعه كانت بها لا تعلم هي ! &; بان التردد بعينيها من حديثه &; أما هو فلم يتخلى عن موقفه &; حتى إنه جاء معها ليكمل تجهيزات الزفاف &; هتف بنبره جاده قبل أن تتحدث هي :
_" يلا "
وقفت للحظات&; تحاصر نفسها بين شيئين &; تتقدم لتعبر عن أسفها من خطأها به للمره التي لا تذكر هي عددها بالتحديد &; أم تتحلى بالقوه أكثر &; وللحق تظاهرها بممارسة قوة الرأي والحديث بعد لينه كان كثير عليه بما يكفي &; تنفست بعمق&; ثم مدت يديها تمسك كفه بهدوء&; &; فـ سحب كفه منها ببطئ وهو يتحدث مره أخرى يهرب من ما تفعله هي :
_" يلا يا نيروز &; أنا مش جاي عشان أخليكي تحني عليا&; ولا طلبت منك حضن عشان تعمليه &; أنا قولت اللي عندي &; ولو الخطوه دي مش جايه منك تبقي متلزمنيش الوقتي &; أنا مبشحتش منك احتواء وإهتمام &; اللي إنت&; أصلا&; بتخافي تعمليه عشان مفكركيش إنك متهاونه &; أنا واخد بالي من اللي إنت&; بتعمليه &; ده مش رسم شخصيه عشان مبشوفش الشخصيه دي على غيري &; ده عبط بيعمل فتور بينا علي الفاضي &; بس أنا م&;جبر عادي أصبر عليكي لحد ما تفهمي إن دي حاجه يعني بتطلع من قلبك اللي حبي فيه أقل من اللي معايا بكتير أوي "
حركت رأسها بالنفي من فهمه لها بالخطأ القوي ثم تجمعت الدموع في مقلتيها عندما رأته يخرج حديث بداخله. مكتوم &; لم تتوقع بأن بداخله كمثل ذلك &; كما فعل أمس مع والده تماما&; &; الصبر للحظه معينه &; أم أن مرض الكتمان يستأذن للإنصراف في جوله فقط وسيعود &;! &; هبطت دمعتها عندما فهمت هو بما شعر به من إردافه لمثل ذلك الحديث &; ثم إجابته بنبره مختنقه :
_" غسان إنت فاهمني غلط &; أنا بحبك عادي بس وقت ما بزعل مبعرفش أعدي حاجات معينه.."
وقبل أن تكمل وجدته يتحدث بهجوم&; هو الآخر:
_" ووقت زعلي أنا ب&;عد&;ي ليه بعدها &; بجيلك وبحاول أسحب منك الكلام ! بس بردو مفيش لين عندك يشفعلي حتى لو إحنا الإتنين غلطانين&; أنا مقولتش إني مش شايف نفسي غلطان &; إنت اللي حرفتي ده بمزاجك &; أنا مش مبسوط كده يا نيروز &; لو شيفاني مستاهلش حبك يبقي نبـ.."
حديثه المتأثر&; جعلها تمد ذراعها المفرود كي يقترب منها لتأخذه بين أحضانها &; رغم تيبس جسده في البدايه بإرادته كي لا يتهاون &; ولكنه فعلها وتأثر هو الآخر &; عندما شعر براحته بداخل أحضانها &; رفع يديه يحاوط خصرها مع ضمه لها وهو يسمعها تجيبه بتبرير مع نبرتها الضعيفه:
_" تستاهل والله &; تستاهل بس أنا مش عارفه ليه كل ده بيحصل &; أنا تعبت أنا كمان واحنا لسه يعتبر فأول الطريق &; أنا مش عايزه غيرك وغير راحتك وبس !"
لم يتحدث ولم يجيبها بل ظل ليتعافى من أحضانها وفقط &; دون نبس أي حرف &; ربت على كتفيها بهدوء&; وهو يعتدل يخرجها من بين أحضانه بقوله :
_" هتنسناكي برا على ما تغيري هدومك !"
وما أن قالها"غسان" توجه بعدما إلتفت ليخرج من الغرفه دون إرداف حديث لينهي ما هما به &; أما هي فنظرت بتعجب&; منه وعقلها لم يستوعب سوى فكره واحده علمتها الٱن بأنه ليس طبيعيا&; بل وسيعاملها بالجديه دون عبث لطالما لم يغلق هو الحوار ويأخذ موقف !! ..
______________________________________________
خرجت من بوابة جامعتها بمفردها بعد أنه من المفترض بأن محاضراتها قد إنتهت اليوم &; وقفت "جميله" على الطريق تنتظر مواصله لتوصلها &; ولكن عاق نظرها عندما وقع بصرها عليه وهو يقف ينظر لها بشغف.&; &;. تحرك بهدوء&; يقف أمامها وبيديه كيس &; أما هي فـ ص&;دمت من كونه موجود بالفعل ولها &;! &; ابتسمت باتساع&; بينما سمعته يتحدث قائلا&; بنبره لينه هادئه :
_" إتفاجأتي &; ولا أروح تاني &;"
ضحكت "جميله" بخفه ثم هزت رأسها بحماس&; وهي تجيبه :
_" إتفاجأت طبعا&; &; إنت عرفت منين إني هطلع الوقتي !"
ظهر الإهتمام بعينيه وبقوه " رفع "عز" أنظاره نحو عينيها الواسعه ثم ردد ببسمه صغيره هادئه :
_" أنا واقف من زمان هنا عشانك &; لإني معرفش المواعيد!"
نظرت له بغير تصديق ثم رددت تجيبه بإندفاع&; :
_" طب وشغللك إنت كده بتعطل نفسك يا عز !."
_" كله يهون عشان خاطرك يا جميله &; أنا مصدقت بقيتي ليا &; وإن شاء الله تبقي معايا .."
طالعته بخجل&; ثم سارت بجانبه على الطريق عندما وجدته يشير لها بالسير &; إلتفت برأسه ينظر على فستانها الأبيض الرقيق الممزوج بورود حمراء صغيره جدا&; &; ابتسم باتساع&; ثم رفع أنظاره لها قائلا&; مره أخرى :
_" كل مره بتبهريني بجمالك فـ الأبيض !"
لم توجه رأسها ناحيته بل أكملت سير بهدوء&;. والخجل رفيقها &; أما هو فإهتمامه جذبها ناحيته أكثر &; تنحنح "عز" يجلي حنجرته ثم نبس بنبره هادئه لينه:
_" كويس إنك إتبسطي أنا قولت مش هتبقي مبسوطه أوي كده &; إمسكي !"
وقف عند استراحه وقبل أن يجلس مد يديه لها بالكيس الذي يوجد به علبه متوسطة الحجم مغلفه &; إنتشلتها من بين يديه ثم طالعته ببسمه تتساءل :
_" إيه ده &;"
أشار لها "عز" بالجلوس &; فجلست ومن ثم جلس هو تزامنا&; مع قوله لها :
_" دول كشاكيل كبيره كده وحبة إقلام وإقلام تانيه ملونه عشان تحددي بيها المهم زي ما بيقولوا &; وعندك نوت بوك غلافها عليه حرف الـ E&; اللي هو أنا يعني ! "
طالعته بتأثر&; وهي تتمسك ما بيديها أكثر ثم إبتسمت تجييه بنبره متأثره :
_" مش عارفه أقولك إيه بجد يا عز &; بس إهتمامك ده حلو أوي &; وأنا مبسوطه إنك جيت من غير أي حاجه &; عارف.. &;"
قالتها كتعبير بأنها ستكمل كلماتها &; أما هو فينتهز فرصتها فالحديث إبتسم يجيبها بحب&; وهو يقول :
_"بصراحه مش عارف &; قولي نفسي أعرف !"
طالعته بضحكتها الخافته ثم إعتدلت تجيبه بنبره هادئه :
_" عارف إني كنت بحس إن مش هيجي حد يهتم علشاني بحاجه أو ياخد باله من تفاصيل معينه كده &; اللي هو عادي وجودي زي عدم وجودي فحياة حد &; أول يوم جامعه حازم عمل اللي عليه وزياده بس أكيد مش كل مره هيعمل كده ويسيب بقا شغله ومصالحه وبابا كده كده مش مهم عنده غير إنه دخلني طب بالغصب عشان هو عاوز كده وخلاص!!"
تخرج ما بداخلها له &; إبتلع ريقه من معاناتها الغير مباشره في قولها له &; طالع عينيها بسكون ثم تنفس بعمق&; يجيبها بنبره صادقه واثقه :
_" خسران اللي وجودك مش مهم فـ حياته يا جميله &; إنت&; عدم وجودك أصلا&; صعب عليا من بدري ٱوي &; كنت بشوفك من بعيد وكل اللي كنت بقوله &; إني حبيت جميل وياريتني ضله بجد !! "
ضحكت بخفه &; ثم تبشتت بنظراتها له أكثر حينما هتف هو من جديد يوضح:
_" ربنا خلقنا عشان نكافح ونمتحن إمتحان كبير جواه امتحانات تانيه &; منهم حد مش مبسوط بأهله &; منهم حد مش لاقي أهله &; منهم حد نفسه يلاقي أهله &; بس المهم إنه بيبقي إختبار بس ربنا بيبعت لينا العوض بعد كده عشان يهون علينا &; أنا بحبك وبحب كليتك حتى لو إنت&; مش بتحبيها &; لازم طبعا&; تحسي بنفسك &; إنت&; فخر يا جميله &; فخر لأبوكي اللي هترفعي إسمه فيوم من الأيام لما تجيلي وربنا يقدرني وأعملك عياده تليق بيكي &; فخر ليا أنا كمان حتى لو مش متعلم بس كفايه حد فينا فخور بالتاني &; أنا شايفك فعلا&; دكتوره وأجمل دكتوره شافتها عيني ومش هشوف دكتوره جميله كده زيك يا جميله &; حسي بمكانتك وباللي بتعمليه&; وإعرفي إن غيرك كمان الفرصه ضاعت منه رغم إنه مثلا&; كان يستحق يدخل ده أو كان يستحق يتعلم زيه زي الناس اللي فـ سن&;ه &; أنا كنت عارف إنتي كان نفسك فـ ايه ودخلتي إيه &; بس الإختيار الأنسب ربنا هو اللي بيختاره لينا !"
لما شعرت بالفخر الٱن &; حديث الم&;حب يجعل من أحببه يعشق كل تفاصيله&; يجعله أكثر نرجسيه &;! &;. طالعته بتأثر&; وقد إستشتفت مدي معاناته في حديثه حيث جزئه الخاص به &; أجابته بإندفاع&; تبرر له ما قاله عنه :
_" متقولش كده تاني على نفسك &; إنت&; أحسن من أحسن راجل متعلم &; أنا شايفه كده !"
ضحك "عز" بخفه ثم حرك رأسه بتأييد&; وهو يقول :
_" كفايه إنت&; تشوفي كده &; مش عاوز ولا مهتم إن حد يشوفني حلو كده غيرك&; &; نفسي أتغزل فيكـي يا جميله بالكلام الحلو ده بس مش عارف &; إنت&; عارفه اللي فيها بقا "
ضحكت كي لا تشعر بالتأثر &; يقصد عدم إمكانه بجمع حديث ف&;صحي منسجم مع بعضه بالحروف والكلمات&; رفعت أنظارها تطالع وجهه ثم تنفست بعمق&; وهي تتحلى بالجرأه ثم قالت:
_" اسمحلي أعملها أنا &; وإعتبر نفسك قولتهالي !!"
_" موافق!"
إعتدل "عز" بحماس&; فنظرت هي لعينيه ثم تنفست بعمق&; تردف من جديد بقولها:
_"وقعت&; بمن كان وسيكون ع&;ز الرج&;ال &; أفضل ما في الأيام&; &; وقعت&; بعينيه التي لم تفارق يوم عيناي &; حتى وإن كان يحاول الهروب &; فـ ليس الهروب هروب النظرات ! &; بل كانت فترات ..وأصبحنا الٱن معا&; بجانبه وبجانبي والح&;ب بيننا هو الم&;نتصر ! ."
قالتها بصدق&; وإختارت أكثر الكلمات سلاسه كي تصل له بسهوله ويستطيع هو فهمها &; إبتلع ريقه بتأثر&; من تلميحها الغير مباشر ثم تنهد يخرج أنفاسه وهو يجيبها مع هزة رأسه لتأييد كلماتها له :
_" والله أنا واقع برده !"
قالها بتلقائيه جعلت ضحكاتها تعتلى &; تمعن النظر بضحكتها الواسعه &; ولم يخرج من شروده إلا عندما همهمت هي بجرأه تتحدث كي ينتبه لها :
_" عز !"
نظر لها بإستفهام&; &; أما هي فعقدت العزم على أن تقولها &; تنفست بعمق&; ثم قررت بأن تخرجها له ليهدأ قلبه كما هدأ قلبها هي من قبل :
_"علفكره &; أنا كمان..بح&;ـبــك&; .."
فتح عينيه على وسعها مما جعل كلماتها أيضا&; دقات قلبه تتسارع من إعترافها الذي كان لايشعر به سوى إعجاب وفقط &; رمش بإهدابه عدة مرات ثم تأكد عندما هزت هي رأسها تؤكد له ما سمعه رغم خجلها الشديد &; لم يستطع هو فعل أي شئ سوى رفع يديه التي توجد بها الدبله ثم قبلها برقه مع قوله العاجز لها:
_" مش هعرف أعمل غير كده &; لما تبقي حلالي بقا &; مش ناويه !"
تنحنحت بحرج&; ثم أجابته بهدوء&; :
_" مستعده أكون معاك وليك بس حازم قال فتره ناخد على بعض الأول &; حتى لو بسيطه &; ممكن تكلمه هو تاني وتشوف الموضوع ده "
هز رأسه بتفهم&; ثم نهض يعدل من ملابسه &; فنهضت هي بعدما جذب الكيس الذي يوجد بجانبها &; ثم تنفس بعمق&; وقبل أن تتحرك وهي تسير بجانبه هتف هو يعترف لها بصراحه كبرى:
_" النهارده يعتبر تاني أسعد يوم فـ حياتي!"
ابتسمت "جميله". باتساع&; ثم هتفت تسأله باستنكار&; :
_" وليه تاني &;"
_"عشان إن شاء الله أول يوم هيبقي سعيد فـ حياتي يوم ما تبقي ليا وفـ بيتي &; بس لما ربنا يشاء ده !"
ظهر الح&;ب بنظراتها له &; تنفست بعمق&; ثم سارت بجانبه بهدوء&; أما هو فسار بجانبها ومن بين سيره رفع يديه ينزل من حجاب رأسها الذي ر&;فع من الخلف &; خجلت من فعلته &; بينما ابتسم هو لها بإطمئنان وهو يقف بمكان ما على الطريق ليوقف لها مواصله كي ترحل وتعود لمنزلها ..!!
______________________________________________
_" كان لازم ده يحصل يا دلال !"
قالها "حامد" الجالس على الأريكه والأخرى تجلس بجانبه &; نظرت له بهدوء ثم أجابته بنبره هادئه معارضه :
_" لا مش لازم &; إنت عاتبته وزعلته فوقت مكنش محتاج ده منك يا حامد &; أنا مش هستنى كل شويه أشوف ابني كل ساعه محطوط فـ مشاكل&; أنا أه قولتله كلمه جت عليه بس كنت خايفه أعمل إيه !"
_" يعني هو إبنك لوحدك &; مهو ابني أنا كمان &; ومش لوحدك اللي خايفه عليه وبتنصحيه براحه &; ما أنا كمان عملت كده &; وبعدين ابنك مش صغير كفايه كلام بقا &; هو مش قال أنا ح&;ر فحياتي &; يبقي خلاص هو حر فعلا&; &; أنا مش باجي عليه أنا كلمته كده عشان مش ده غسان اللي أعرفه &; ولما حرجته قدام الكل عرفت إنه لو كان فضل كان قال أكتر من كده لمراته &; إنت&; مش عارفه ابنك لما بتكلم وهو متعصب بيطيح ويغلط فاللي حواليه ازاي &; كنت أقوله يروح ياخد جنب مع نفسه قبل ما يعمل حاجه واحنا مش فبيتنا لا وكمان قدام الناس !&; إنت&; مش شايفه غير راحته وبس &; مش شايفه إنه راجل &; والراجل مينفعش يكلم مراته بالشكل ده قدام حد مهما كان هو مين &; أنا عمري جيت عليكي وكلمتك كده قدام حد &; &; فكرتي فـ نيروز وموقفها &; فكرتي إن كلام ابنك ليها خلاكي إنت&; ذات نفسك تاخدي موقف منها من غير سبب محدد &; شويه تقوليلها بطريقه مش مباشره إنها سبب فكل ده &; وشويه تقوليله طلقها وكأنه عيل صغير بتديه أوامر إنت&; عارفه إنه مش هينفذها &; كلمتك خليته يتأكد من حاجه غلط هو فاهمها &; خليته يشوف إنك مش عاوزه غير هو وبس وإنه يكون وسطنا من غيرها زي الأول. &; هتقعدي ولادك حواليكي ولا إيه أنا مش فاهم &;&; ده مش بسام يا دلال &; ده مش هتكسبي لينه بحضن منك بعد كلام منك ليه &; مش ده اللي هيعدي حاجات ويخبيها جواه &; دا يا هيتعامل كأن مفيش حاجه حصلت أو هياخد جنب مننا لحد ما ربنا يسهلها بقا "
تاره يعاتبها وتاره يتحدث بحديث منطقي &; تنفس بعمق&; عقب حديثه ثم نظر لها وجدها تنظر بتشتت وقلة حيله &; فهتف هو من جديد بقوله :
_" متقلقيش بكره يجي ويهدى مع نفسه ويعرف إن كلامنا ده مش معارضه ليه &; إتعاملي معاه عادي وكأن مفيش حاجه حصلت &; وإنت&; عارفه إنه فالاخر كده كده بيضعف قدامك &; بس شيلي نقطة الظلم الصغيره اللي جواكي من نحية نيروز &; ومتنسيش إنها فدت إبنك اللي كان هيروح فيها بضربه سكينه على فجأه &; نيروز بتحبه وبتخاف عليه بس هو مش عارف يوزن بين خوفها وخوفكم هنا زي ما قالك بالظبط &; إن شاء الله خير وكل حاجه هتبقي كويسه سيبيها لله وقومي شوفي س&;ميه وساعديها فحاجه عشان صحتها متتعبش وقوليلها كده كلميتين كويسين نهدي الدنيا بيهم "
تنفست بعمق&; وهي تنظر له ثم أومأ بتفهم&; على حديثه&; نهضت بخفه تجلب حجاب رأسها إستعدادا&; للخروج &; أما هو فجلس ينظر بشرود&; على تقلب الٱحوال بهذه السرعه !!
_____________________________________________
مر وقت قليل&; وهي تجلس معه بسيارته الٱن &; لم يتفوه هو بأي حديث سوى الأمور الجاده فقط &; كان "غسان" يقود السياره بهدوء شديد وسكون &; أما هي فكانت توزع نظراتها بينه وبين الطريق بين الوقت والٱخر حاولت فتح حديث معه كي ينسجم ولكنه يصر على موقفه منها ويجيب بالآقتضاب &; تنفست بهدوء ثم حركت رأسها ناحيته تتحدث إليه وله بنبره ظهرت له مختنقه عندما قالت بعتاب&; :
_"مش معقول رايحين نشوف فستان فرحي وإنت بتتعامل كده !!"
لم يحرك رأسه ناحيتها &; تنفس "غسان" وهو يتنهد &; لا يعلم لما يأخذ موقف منها&; شعوره بأن كل ما يفعله لأجلها وهو لا ينتظر منها أي مقابل &; ولكنه شعر بأنه وحده من يحاول بقاء علاقتهما. &; أخذ أنفاسه وهو ينظر من أمامه ثم أجابها بهدوء&; زائف :
_" أنا بتعامل كويس مفيش حاجه.."
_" أنا لما قولتلك إنك مبتحبنيش مكنتش بقول كده وخلاص!! "
حرك رأسه بسخريه من حديثها &; حتي هو إلى الٱن ي&;نهك من فكرة أن يفاتحها بموضوع مرض والدتها &; تمنى لو أخذ منها كل الوجع له وحده &; ولكن هي ماذا تظن من وجهة نظره &;&;. &; حرك رأسه ناحيتها ثم أجابها بإختصار&; :
_" اللي إنت&; شيفاه يا نيروز. &; براحتك"
_" مهو براحتي فعلا&; &; لأن إنت مش بتعدي أي حاجه أهو ..وأنا اللي بحاول وإنت منفضلي على الٱخر &; لما نزلت معاك وإنت ساكت كده قولت يمكن لما نمشي نفك &; وبردو واخد جنب حتى أكتر من الأول !!"
هجومها في كل مره يكاد أن يصلح الأمر.. ولكن يصعب هو. الأمر عليه &; نظر أمامه ثم تنفس بعمق&; يتركها تتحدث بما تشاء وما أن إنتهت أجابها هو علي حديثها بهدوء&;. :
_" مبعديش عشان إنت&; معدتيش قبل كده بردو &; قولتلك إيه اللي يراضيك&;ي ولففتيني وراكي عشان قولت كام كلمه كانو صح &; صبرت عليكي لحد ما لينتي وبقيتي كويسه حتى ساعتها مفكرتيش بردو فيا وفـ موضعي نحية اللي حصل &; زي ما خدتي وقتك &; بردو أنا هاخد وقتي عادي مش مشكله .."
_"لأ &; إنا مخدتش وقتي إنت مسبتنيش أخد وقتي وفضلت جنبي لحد ما بقيت تمام من نحيتك !"
جاء بالإجابه الذي يريدها هو منها &; حرك عينيه ناحيتها ثم نظر لها نظرة عرفتها جيدا&; حينما قال :
_" وإنت&; &; كنتي جنبي &;"
_" جيتلك وإنت مشيت وسيبتني &; وقبل ده مسكت إيدك روحت إنت خلتني أسيبها وكأني عندي مرض م&;عدي "
سكنت عقب قولها &; ثم إلتفتت برأسها ناحية الشرفه كي لا تجعل دموعها تهبط من كل ما يحدث&; كلما يقتربا خطوه بالصلح أحدهما يفسدها وغالبا&; يأتي الفساد منها هي &; ضغط على فكه بضجر&; داخلي من كل ما يصل إليه &; أخرج أنفاسه الثقيله من على صدره ثم نظر ناحيتها يجيبها بهدوء&; :
_" إنت&; غلطانه يا نيروز &; غلطانه فحاجات كتير &; عايزاني أقولك حقك عليا من اللي أنا غلطت فيه زي ما جيتيلي وقولتيلي إنك عرفتي غلطك&; ماشي &; بس إنت&; مش فاهمه أنا حاسس بإيه دلوقتي &; أنا تعبت مره واحده وأنا شايف كله معارضني وضدي وأنا معملتش غير حاجه واحده بس &; كنت بحاول أحميكي وأرد الحق &; أردلك حقك &; عشان أنا بحبك مش زي ما بتقولي إني مبحبكيش &; أنا عمرى ما ضعفت عشان حد كده زيك &; ولا لفيت حوالي نفسي ولا عقلي إتشغل إلا بيكي&; ولا وقفت لأهلى عشان خاطر حد غريب عنهم. &; بس إنت&; القريبه &; من القلب والعقل وحتى البال اللي مهداش غير وأنا نايم لما جبتلك حقك من حسن &; ويزعل اللي يزعل &; مش عاوز أقولك إن كل اللي أنا فيه بسببك &;. كل ده مش مهم بالنسبالي &; أنا أهم حاجه إنت&; ويفرقلي تشوفيني بعد كل ده بحاول وبعمل كده عشانك مش عشان همجي وأناني ومش بفكر فـ غيري &; حتى لو غيري شيفيني وحش دلوقتي &; بس أنا متأكد إنك شيفاني أحسن واحد زي ما بشوفك أنا !!"
إبتلعت ريقها ثم رفعت أناملها تمسح دموعها البسيطه التي هبطت بتأثر&; &; ثم دارت وجهها له فوجدت عينيه تطالعها بتمعن وإهتمام &; وجدت التعب به &; أما هو فلا يعلم سبب محدد واحد لذلك التعب &; بل كان من أشياء وأسباب عده خرجت بوقت غير مفهوم &; مدت كفها تعانق كفه بأسف&; ثم نبست بنبره هادئه لينه:
_" وأنا أسفه تاني متزعلش مني !!"
تمسك "غسان" بيديها ثم سحبها ناحيته يحتضنها بهدوء&; بعد أن وقفت السياره &; تنفس بهدوء&; يخرج ما على صدره ثم إعتدل يشير لها بقوله الهادئ :
_" إنزلي يلا عشان تختاري الأبيض اللي هتطلي بيه ليا "
خرجت ضحكه خافته منها وهي تمسح أثار دموعها &; بينما طالعها "غسان" بحنو&; ولم ولن يفكر سوى بـ رد فعلها عندما تعلم ما ينتظر والدتها &; نظر لها بحنو&; وكعادته في كل مره يتنازل عن أشياء لأشياء أخرى تحت ضغطه &; رفع يديه يمسح وجهها بلطف&; ثم إلتفت يهبط تزامنا&; مع هبوطها هى&; الأخرى&; !!
________________________________________________
في شقة "زينات" بعد مرور وقت قليل&; &; كانت هي تجلس بجانب "حسن" على فراشه بغرفته &; ترى تأوي جسده وهي تدلكه بيديها بدهان العظام &; إعتدل بجلسته ببطئ ثم نظر على والدته الصامته عقب قولها لحديث كان ومازال يثير غيظه &; نظر على الشاش الملتف حول كفها والخدوش البسيطه الموجوده علي وجهها منذ ٱخر مره كانت بها المنافسه &; هتف بشرر وهو يضغط على فكه بعد سبه لهما :
_" مجلناش المصايب والقرف ألا من ساعة ما جه بروح أمه &;. وكمان الزباله اللي ماشيه تبيع الكل وشارياه هو لوحده &; أحسن مني فـ إيه ده &;"
كان يستجوبها كما يستجوبها في كل مره &; لطالما هي التي إعتادت علي أن تريه بأن الجميع لم ولن يكونوا أفضل منه &; نظرت له بخبث&; داخلي ثم قررت اللعب علي نقاط ضعفه أكثر :
_" مش أحسن منك يا حسن &; بس أديك شايف حضوره فأي مكان وأي حاجه بيدوس علينا وعلى هيبتنا &; من ساعة ما جه وأبوك ذات نفسه معتش زي الأول وبقي ياخد جنب &; ولا حتى غسان سايب فرصه إن حد فينا يربي قليلة الربايه دي &; وكمان أختك قالت إنه هو اللي قالها تمشي &; ومحدش إهتم وكلهم مصدقينه إنه ميعملش حاجه زي دي &; كل ماده أبوك يرجع لورا &;. مش هنسى المره اللي إتهانت فيها لما اللي ما يتسمى جه زقني وثبتني بالمطوه أنا وأبوك عشان يخليني أروح لنيروز وأقف قدامها أتذل &; ولا لما أختها الحربايه وقعتني ونزلت ضرب فيا هي وأختك جميله &; كل ده ومحدش جابلي حقي يا حسن وانت ساعه موجود وعشره لأ &; أنا تعبت تعبت يبني من الهم ده وأبوك مبقاش يعمل حاجه &; دا حتى أختك جميله حازم خطبها لواحد محلتوش حاجه وكمان مش متعلم وأبوك لما رفض وقفله حازم اللي خرج من تحت طوع أبوك &; معتش ألا إنت يا حسن تدور علي أختك وتردلي حقي !!"
ود لو. يستهزء من جزء معين من كلماتها &; تجعلهم أشقائه فالوقت الذي يروق لها وفقط &;! &; تصنع الشرود كي تحل عن عقله ثم هتف بتوعد&; وهو ينهض:
_" قريب يم&;ا &; قريب&; هقهرهم &; متشغليش بالك "
نهض ببطئ ثم تحرك ليخرج من الغرفه تزامنا&; مع حركتها هي الأخرى ثم قالت بتساؤل مهتم :
_" طب انت رايح فين يا حسن الوقتي !"
_" فـ داهيه "
قالها "حسن" بغير إهتمام وهو يحك أنفه &; خرج ومن ثم أمسك مقبض باب الشقه وقبل أن يفتحه وجد من يقف خلفه يهتف بإستهزاء&; منه حتى وصله قوله :
_" على فين يا سعادة الباشا &;. ما لسه بدري مش تقعد تعملنا كام مشكله كده وتغور تاني ! "
إلتفت "حسن" يطالع وجه والده بتهكم&; ثم قال هو الٱخر بنفس النبره الساخره :
_" لو هعمل حاجه هعملها بمزاجي. &; وبعدين أسيبهالك مخضره أحسن بدل ما كل شويه وجودي ببقا تقيل علي قلبك &; عالأقل تدي لنفسك فرصه تاخد حق أمي وتدور علي أختي ولا أنت ما صدقت يا ..بابا !!"
وقح! عاق! كل معاني السوء به. &; نبرته الساخره وصلت لـ "سليم " بشده حتى أن ملامح وجه ظهر عليها الغضب وهو يقول بإنفعال&; :
_" ما إنت&; لو عاقل وبتظهر تحل مكنش ده بقا حالك ولا كلامك بس كله منك ومن أمك اللي بوظتك !"
تشنجت ملامح وجه"زينات " بضجر&; &; في حين فعل "حسن" صوت معارض من فمه باستفزاز&; ثم هتف يجيبه بنبره بارده :
_" الكلام ده معتش بياكل معايا &; سيبنالكم هنا العقل عملتوا إيه. &; واحد خرج من تحت طوعك &; والتانيه خطبت واحد بردو غصب عنك &; والتالته مشت من البيت وسابتك ويا عالم فين هي الوقتي &;. وكل ده ومش عارف تاخد منهم حق ولا باطل &; وساكت علي هزاءة أمي &;. وسايب الكل يحط عليك &; حتى نيروز اللي كانت زي الحبل الملفوف على صباعك وبضغطه أو اتنين عليها كانت فاتها متجوزاني من زمان حتى لو غصب عنها &; كل حاجه هنا بتحصل وحصلت بسببك &; بس بص وشوف مين باقيلك &; "
الجحود ظهر بحديثه وهو يستجوبه &; هتف مجددا&;. يواصل حديثه بنفس البرود الذي يزيد من إنفعال والده :
_" ولا واحد باقيلك هنا &; يعني أي حاجه هتحصلك مش هتلاقي حد منهم جنبك &; كله خلاص سابك &; محدش فـ إيده يبقي باقيلك وتحت إيدك غيري أنا بس &; بس في الأحلام الكلام ده !"
وقف "سليم" أمامه وقد ربط لسانه من إرداف حديث ليجيبه له &; رفع يديه يصفعه بقوه علي وجهه &; تحرك وجه"حسن " ناحية اليسار وهو يسمع صراخ والده عندما هتف عاليا&; يوبخه :
_" إنت قـليـل الأدب ومــشوفتــش ربايه !"
تحركت "زينات" سريعا&; تقف بالمنتصف كي تفصلهما عن بعضهما &; أما "حسن" فـ ردود فعله غير متوقعه بسبب ما هو به &; دفعها حتى رجعت إلي الخلف ومن ثم وقف أمام والده وقد إحتدت عينيه مما جعل"سليم" يبتلع ريقه برهبه من تصرفاته عندما هتف الٱخر يجيبه بغضب&; :
_" ولما أنا متربتش جاي تقولي أنا ليه دلوقتي &; ولو أنا متربيتش فأنت&; ضعيف وجبان وعمرك ما هتعرف تتصرف في وسط اللي بيحصلك ده !"
نظر "سليم" بذهول&; له وهو يتحرك ليلتفت حتى يخرج &; وقبل أن يخرج وقف يطالع "والدته" التي إعتدلت بألم&; تقف بجانب والده ثم هتف بسخريه يشير لها بقوله :
_" إبقي قوليله بعدين إن اللي بيولع النار مبينساش يطفيها !"
قصد ما رٱه وما عاناه من رب أسره ليس عادل &; قصد تربيته الغير سويه له &; ! &; قصد كل ما كان يراه من تعنيف له على أشياء تستحق وأخرى لا تستحق &; أغلق باب الشقه بعده بقوه وهو يصفعه حتى إنتفضت تلك التي تقف لتنتظر المصعد &; ولم تكن سوى "وسام" التي من المفترض بأنها ستهبط إلى دروسها &;. إبتلعت ريقها رغم قوة شخصيتها إلا أن ظهر علي ملامح وجه الغضب &; تحرك "حسن" ناحيتها ثم وقف بجانبها وهو يبدل ملامح وجهه للثبات مرددا&; لها بإستهزاء&; :
_" أحلى حاجه فيكي إنك مش طالعه شبه أخوكي !"
تظاهرت "وسام" بالثبات ثم رددت تجيبه بإندفاع&; :
_" إحترم نفسك يا مهزأ إنت&; وخليك فـ حالك !"
ظهر"شادي" على الفور وهو يصعد علي الس&;لم وبيديه بعض الأكياس &;. صعد بها عندما وجد المصعد مشغول &; نظر لها بإستنكار&; ثم وزع نظراته بينها وبينه. ثم قال:
_" في حاجه يا حبيبي &;"
_" حبيبك فـ قلبك يا خويا &; اطلع منها ملكش فيه !"
إبتسم "شادي" ببرود&; ثم ترك ما بيديه على الأرض وهو يجيبه:
_"لا دا إنت بتحلو أهو &; ده من إمته بقا دا &;"
صمت ثم أشار بعينيه لها وهو يردد :
_" إنزلي على السلم يـلا &; ولما تشوفي الأشكال دي متستنيش تركبي معاها أسانسيرات ماشي &;"
هزت رأسها بتردد&; ثم سارت بهدوء تهبط من علي الدرج بعد أن كانت توزع نظراتها بينه وبين الٱخر &; إلتفت "شادي" فوجده يقف ينظر بصمت&; مترقب به بعض التهكم &; أشار له بيديه ثم هتف بجديه شديده :
_" إمشي من هنا ي&;ل&;ا &; وبعد كده لما تلاقي واحده من عندنا هنا وتبعنا لا عينك ولا كلامك يتحركو نحيتها &; سامعني &;"
_" ولما إنت&; كده يعني مبتفاتحش صاحبك ليه &; لتكونوا مقضينها مع بعض من وراه !"
صمت يطالعه بإستفزاز&; ثم واصل يكمل بسماجه :
_"حقا&;&; وربنا دي تبقى فضيحه عنب &; حتى صاحبك خصمي ومحتاج أنا حاجه زي دي أدوس عليه بيها !!! "
وما أن قالها وجد "شادي" يمسكه من تلابيبه بإنفعال&; وهو يسبه بأفظع ما يمكن سبه به &; ثم أمسك يديه يكتفها وهو يلكمه في وجهه &; دفعه "حسن" عنه بكل ما يملك من فعله &; ثم قال بنبره مرتفعه :
_" ودينـي مــا سايبكم &; ماشي . !"
قالها بتوعد ولم يفعل شئ ٱخر &; دخل المصعد بعدها ثم أغلق سريعا&; &; أما "شادي" فوقف يتنفس بصوت مسموع إلى أن انتشل الأكياس بغيظ&; ثم توجه ليدق باب شقة "حامد" !!
_________________________________________________
أغلق باب الشقه من خلفه بهدوء&; ثم أخرج مفتاحه يغلقه من الداخل جيدا&; حيث نوى على ما سيفعله &; نظر "شريف" بترقب&; للمكان الساكن &; لم يعود هو إلى المنزل من ٱخر مره كان بها وفعل ما فعله &; توجه بخطوات&; بطيئه يمسك بمفتاحه ثم وضعه في باب الغرفه التي هي بداخلها &; من المفترض بأنها غرفته &; إبتلع ريقه وهو يفتح القفل الذي بداخل الباب تلقائيا&; فعل الباب صوت وهو ي&;فتح &; وما أن فتحه وجدها تجلس القرفصاء على الأرض والمكان بما به مهشم من حولها &; نهضت رغم ألمها &; نظرت له برهبه وهو يقف يطالعها بصمت&; عندما دخل أكثر &; توجه بخطوات&; هادئه يقترب منها &; أما هي فحركت رأسها بالنفي وهي ترجع إلي الخلف &; إلي إن وقفت أمام الجدار وهو أمامها &; هبطت دموعها عندما هتفت بنبره خافته خرجت منها بأعجوبة :
_" إبـ ـعد عنـ ـي "
أخرج أنفاسه بصوت&; مسموع ثم تحركت نظراته علي الفراش الغير مرتب ومن ثم على ملابسها التي كانت ومازلت عليها &; رفع يديه يتلمس جرح يديها بإستهزاء&; فتفاجأ هو بقوتها وهي تدفعه عنها بعزم ما لديها &; رجع إلى الخلف إلى أن وقف علي بعد خطوات منها &; طالعها بسخريه ثم تجاهل ما فعلته وهو يتساءل :
_" حاسه بـ إيه يا فريده &; قوليلي عشان أعرف أكتر أختي حست بـ إيه ساعتها &; وعلفكره أنا موجب معاكي &; عارفه هي &;&;"
صمت عقب قوله الساخر ثم واصل مجددا&; بألم وتشفي بٱن واحد:
_" هي كان تلاته بحالهم بيعتدوا عليها &; شوفتي بقا الوجع &;"
رفعت "فريده" كفها تمسح دموعها بقوه ثم هتفت بإندفاع&; حتى أن نبرتها خرجت مرتفعه وهي تصيح عاليا&; :
_"خـــرجـــني مـــن هــــنـــا !! "
خرجت ضحكته الساخره وهو يقترب منها أكثر ثم أخرج أنفاسه وهو يهز رأسه بكيد&; تزامنا&; مع قوله الساخر :
_" بسرعه كده &; &; طب دا حتى مش ناوي أحبسك كتير زي ما أبوكي حبسها !"
تحركت من أمامه كي تخفي رعشه يديها وعلي فجأه انحنت تجلب من الزجاج الملقي بتهشمه علي الأرض &; ثم وضعتها علي رقبتها وهي تبتزه حينما قالت:
_" لو مسيبتنيش أمشي هموت نفسي وهجبلك مصيبه هنا !"
لم. يتحرك إنش واحد &; بل نظر لها وهو يكبت ضحكاته ثم أشار لها بغير إهتمام مع قوله الذي لم يصدمها منذ أن عرفت دنائته :
_"عادي ! &; موتي نفسك ! &; إنت&; أصلا&; مش فارقالي &; إنت&; مجرد واحده رخيصه&; وخلاص كارتك إتحرق &; وخدت حقي منك &; لسه أختك &; ساعتها هسيبك تمشي وده وعد &; ماشي &;&;"
تركت ما بيديها يقع أرضا&; ثم أذنت لدموع عينيها الكثيره بأن تهبط حتى تحركت رأسها وهي تصرخ به بلومها :
_" أنا عملك إيه عشان تعمل فيا كده &; &; دا أنا حبيتك وإديتك الأمان &; إختارتك إنت من بينهم كلهم وبيعت الكل علشانك &; وعلى قد ما حبيتك على قد ما كرهتك &; أنا بكرهــك &; بكــرهك يا شــريف !"
ٱخر حديثها كان كره من بين دموعها توصله له بالصراخ &; أما هو فرفع يديه يزيح خ&;صلاتها التي هبطت علي وجهها من الأمام ثم. ردد بنفس الكره :
_" وأنا كمان بكرهك يا فريده ! &; أوي "
دفعت يديه و ذراعه بعيدا&; عنها ثم صرخت تعنفه وهي تدفعه بعيدا&; عنها :
_" متلمسنــيــش &; إبــعد إيدك القذره دي عــني !!"
قلب عينيه بنفاذ صبر ثم أمسك خصلاتها بإنفعال&; وهو يهتف من بين ضغطه علي فكه :
_" محدش قذر هنا ألا إنت&; &; فاكره نفسـك مين عشان تمدي إيدك عليا &; مش كفايه ابوكي اللي هو والدنيا مدوا إيدهم عليا &; لو إيدك لمستني تاني ساعتها هعرفك إيه هي القذاره اللي بجد! "
ترك خصلاتها تحت تأويها بالألم&; ثم دفعها حتى وقعت هي على الأرض &; طالعها بشرر&; وتشفي وهي تمسك خ&;صلاتها بوجع&; من بين شهقاتها المنهكه &; دق هاتفه بجيب بنطاله مد يديه يأخذه حتي سب المتصل وكاد أن لا يجيبه ولكنه تذكر الخطه سريعا&; &; أمسك الهاتف بحذر&; كي لا يضغط رغما&; عنه على الإجابة ثم جلس على الأرض أمامها وهو يسند علي ركبتيه ثم جذب قطعة زجاج حاده يضعها أمام رقبتها وهو يردد بتحذير&; :
_" لو سمعت صوتك وأنا برد على التليفون هغرقك في دمك !"
قربها منها أكثر حتى تأوت من الجزء الحاد الذي لامس رقبتها &; لطالما يعلم هو بمدي ج&;بنها &; هزت رأسها له بخوف&; ظهر عندما أشار لها مره ثانيه بما تفكر به &; فتح الهاتف بيديه الأخرى ثم وضعه علي أذنه وهو يسمع الطرف الٱخر يقول :
_" بقولك تعالالي الوقتي حالا&; فنفس المكان اللي كنا فيه &; نزلت رايحه درس ويمكن تيجي فـ أي وقت &; ها &;&;"
وزع نظراته عليها وعلي ملابسها التي كشفت عن ساقيها &; أجابه بهدوء على حديثه وهو ينظر عليها :
_" متأكد إنها هي يا حسن !"
وما أن سمعت إسم شقيقها تحركت حركه ملحوظه &; فقرب هو ما بيديه أكثر بتحذير&; &; حتى سكنت وصمتت &; وجد التأكيد منه فردد يجيبه بإختصار&; كي يغلق الخط :
_" تمام &; عشر دقايق كده وهتلاقيني قدامك!!"
أغلق هو الخط كي يتأكد من إنتهاء المكالمه &; ترك ما بيديه حتى وقع على ساقها ببطئ &; تحركت سريعا&; تضع يديها علي رقبتها التي خدشت وظهرت الدماء على يديها &; نهض بسرعه ثم وقف ينظر لها وهي جالسه حتى تحدث أخيرا&; بقوله قبل أن يرحل:
_" كل مكان هنا متقفل كويس أوي &; وهخرج وهقفل عليكي من برا وهسيبلك الشقه عشان تغيري وتاكلي &; ما إنت بردو بني أدم لحم ودم &; لو حاولتي تمشي بأي طريقه قذره هجيبك تاني &; دا غير إني هفضحك فضيحه الدنيا والٱخره وهعرف الدنيا كلها إنك كنتي عايشه معايا من غير جواز &; والعقد العرفي ده خلاص بح &; إتولع فيه من زمان&; مش عارف ازاي غبيه كده &; مفيش ولا حاجه واحده تساعدك توصلي لحد وده من زمان مش من دلوقتي &; حتى تليفونك اللي أنا خدته &; بحييكي علي غبائك ده &; معاقه ذهنيا&; لدرجه متتوصفش يا فريده &; ليكون أمك وأبوكي قرايب &;&; "
مع ضحكته أردفها هو بسخريه &; نظرت له بتقزز ثم بصقت عليه وهي ترفع أنظارها له تحذره بتوعد مما هو قادم :
_" مش هسيبك يا شريف &; أقسم بالله ما هسيبك وهاخد حقي منك لو روحت فين !"
_" طيب!"
برود &; وإستفزاز بـ ثلاثة أحرف &; ثم خرج ولم يترك لها الفرصه بالحديث مجددا&; سمعت صوت فتح الباب بعد أن غلقه ومن ثم غلقه مره أخرى بحرص بعد أن فتحه ليخرج منه &; شهقت بقوه من بين دموع عينيها لوضعها بمثل ذلك الموقف &; إنكسار &; تشتت &; ضياع &; لا تشعر إلا بسواهم وفقط !! بعد اللوم لنفسها على ما يقرب مائة مره في الثانيه الواحده !!
______________________________________________
وقفت "ياسمين" على السلم قبل أن تهبط &; تودع "س&;ميه" وشقيقتها وحتى "عايده" و"جميله" التي اتت منذ وقت &; ولا يخلو الوداع من عائلة "حامد" هو الأخر &; منه ومن "دلال" &; أما "شادي" فوقف مع "بدر" يلاعب "يامن"
_" مع السلامه يا حبيتي &; خلي بالك من نفسك شكلك هبطان كده !"
قالت "س&;ميه" حديثها لـ "ياسمين" التي ابتسمت لها بإطمئنان ثم اجابتها بحب&; :
_" المهم إنت&; يا ماما &; خلي بالك من نفسك كويس أوي &; أنا هروح أشوف بس الشقه اللي محتاجه تتنضف دي وهبقي أرجع تاني &; محتاجه حاجه &;"
هزت رأسها بالنفي &; بينما توجهت هي لتحتضن "جميله" و"عايده" وحتى "دلال" &; ووقف "حازم" يودع "بدر" و"شادي" قبل أن يرحلوا &; دخلا الإثنان المصعد &; بينما دخل الجميع إلى شقة "س&;ميه" يجلسوا عدا "عايده " وابنتها &; أغلقت "ورده" الباب تزامنا&; مع حديث "س&;ميه" لـهم :
_" متعرفوش غسان ونيروز هيرجعوا إمته &;"
وقبل أن تجيب "دلال" هتف "حامد" بعقل&; وهو ينظر لها :
_" عم غابوا فعلا&; بس مش أوي &; وبعدين الله يصلح حالهم اللي نازلين عشانه مش سهل بردو "
تنفست بعمق&; ثم نظرت إلي الصغير تشير له بحب&; &; لاحظ "حامد" هدوء "شادي" الم&;ريب حتى أنه إستأذن حتى ينصرف قليلا&; &; أذنوا له حتى خرج من الشقه وهو يغلقها خلفه &; ثم رفع أنظاره حتى ثبتها بذهول&; عليها وهي تقف وقبل أن تدق جرس الباب هتف هو بصدمه :
_" أ&;م عيون قناصه &;&;&;"
إلتفتت "منه" عندما سمعت صوته يأتي من خلفها &; طالعته ببسمه واسعه وسرعان ما تلاشت وحل محلها الاستهزاء عندما تذكرت أخر محاولاته للوصول إليها &; هتفت هي هذه المره وهي تتصنع الصدمه :
_" شادي بيه &;&;&;"
هز رأسه يؤكد لها بغرور&; زائف ثم تحرك يقف أمامها وهو يسألها بلين:
_" إيه اللي جابك يا بت يا منه &;"
_" وإنت مال أهلك يا شادي بيه &;"
نظر لها "شادي" بذهول&; من وقاحتها &; ثم نظر لها بضجر&; وهو يردد :
_" إنت&; كده بتغلطي فيا علفكره &; كده عيب منك بقا !"
_" ومش عيب منك تدخلي من أكتر من رقم &;&; وترن عليا&; وكمان بتحاول تفتح الإنستجرام عندي ! "
نظر لها "شادي" بثبات&; ثم ردد يجيبها ببراءه زائفه :
_" أنا &;"
_" أه &; محدش بجح غيرك ممكن يعمل الحركه دي &; وبعدين أنا عامله لكله. حدود ومفيش غيرك اللي لزقه عامل زي اللبانه مبيمشيش ولا يحل بعيد !! "
حرك رأسه بقلة حيله من طبيعة كلماتها الجريئه &; كبت ضحكته ثم ردد من بينها بغمزه عين :
_" مش يمكن إرتاحتلك وم&;عجب بيكي!"
حركت "منه" أنظارها وهي ترفع شفتيها بإستنكار&; ثم رددت تجيبه بجرأه :
_" إنت&; ٱخر واحد ممكن أبص ليه &; إنت بصباص وبتاع بنات ومحدش يأمنلك !!"
إبتسم ببرود&; ثم تحدث ببساطه يجيبها :
_" مش يمكن أتوب علي إيد أم عيون قناصه وشعر إسود قصير زي الحرير!"
لم تمنع ضحكتها بأن تخرج منها &; حاولت معه بكل الطرق على أن تبعده عن طريقها ولكنه لا يمل إذن &; تنفست بعمق&; ثم قالت كي تنبهه:
_" ب&;ص. !"
_" باصص والله &; مش عارف أبص غير على جمالك ! !"
حركت رأسها بإشمئزاز من غزله الذي لا يروق لها &; طالعته بتمعن وهي تردف بقية كلماتها بهدوء&; شديد له :
_" بتعرف تعاكس والله بس أنا اللي مبيجيش معايا الكلام ده &; وعاوزاك تعرف لتاني مره إني مش هاجي بالطريقه دي &; ثم إن الحلاوه مش كل حاجه يعني !"
أخذ "شادي " أنفاسه ثم ضحك بخفه وهو يسألها بمرواغه :
_" قصدك حلاوتك ولا حلاوتي !"
_" حلاوتك!"
قالتها بتلقائيه حتي أنها فتحت عينيها علي وسعها مما قالته للتو &; قهقه عاليا&; ثم رفع يديه يصفق بحراره وهو يردف بحماس&; ي&;هلل :
_" حلاوتك إنت&; يا عسل !"
هربت من نظراته بعد أن نظرت له بحده &;ثم دقت جرس الباب وهو لايزال واقف &; وقبل أن يفتح لها الباب سألها بجديه شديده :
_" طب إنت&; جايه ليه بجد مقولتليش يعني !"
_" ملكش دعوه &; وبعدين هاجي ليه يعني &; أكيد مش عشان أشوف سواد عيونك!"
_" طب والله إنت&; جيتي عشان أشوف أنا سواد عيونك القناصه اللي مراعتش الجريح &; وأنا الجريح &; ما تحنيلي وتجيلي بقا .."
وقبل أن تجيبه ف&;تح لها الباب بواسطة "جميله " التي ابتسمت لها باتساع&; وهي تقول :
_" كل ده يا منه &; مستنياكي من ساعة ماكلمتني وقولتيلي إنك جايه .."
_" معلش يا جميله إتأخرت بجد &; وقولت أجي أباركلك هنا عشان مجتش النهارده الجامعه.."
إبتسمت لها بحب&; ثم خرجت من أحضانها وكادت أن تتحدث "جميله " ولكن قاطعها وقوف "شادي" الذي نظر للأخري بتسليه &; وزعت "جميله " نظراتها بينهما ثم هتفت بترقب&; :
_" هو في حاجه حصلت ولا إيه &;"
_" هيحصل إيه يعني &; ما معروف إنه بني ٱدم وقح ومستفز !!"
شهقت "جميله " بخفوت&; وهي تعنفها بنظراتها بينما نظر "شادي" لها بصمت&; ثم هتف بتوعد زائف :
_" &; أنا سايبلك لحد ما خدتي عليا&; لو مسكتك هرنك علقه محترمه"
شهقت" منه" باستنكار&; ثم تركت يد الأخرى التي كانت تتمسك بها كي لاتتحرك ثم أجابته بشراسه وهي تشير له :
_" علقة مين يا أبو علقه &; ناسي البوكس اللي كان فـ وشك ولا إيه &; إن كنت ناسي أفكرك أنا تاني !"
_" فكريني لو جدعه!!"
قالها بعناد&; وهو يقف أمامها &; أما هي فابتسمت بخبث&; ثم عاندته وهي ترفع يديها فأمسك هو معصمها سريعا&; &; فرفعت الأخرى فأمسكها أيضا&; بيديه الأخرى &; نظرت له بغيظ&; &; ثم وجدته يضحك بانتصار&; وهو يردد بغرور&; من وضعهما :
_" عرفتي بقا &; يلا نفذي الرهان !"
وقفت "جميله " تنظر بصدمه من ما يحدث من عبث &; أماهي فحاولت دفعه عنها وهو يمسك كلتا يديها حتى تركها هو بإرادته ثم أردفت بتعنيف&; :
_" إبعد كده &; إنت ما صدقت ولا إيه !!"
صمتت تتابع ثباته المستفز&; ثم واصلت مره أخري باستنكار&; :
_" رهان إيه ده &; إنت هتستعبط !"
_" تفكي البلوك "
ضحكت" منه" بإستهزاء&; ثم أشارت له بغير اهتمام وهي تقول تزامنا&; مع سيرها لـ شقة "جميله " :
_" دا عندها !"
_"عند مين &;"
هتفت بها "جميله " بغرابه ثم كبتت ضحكتها عندما اجابتها علي سؤالها :
_" عند أمه !"
_" أمي ميته والله !"
_" عقبالك يا حبيبي!!"
سحبتها"جميله " كي تتوقف عن حديثها الذي لم يكن به حرف واحد لبق &; أما هو فغمز ثم قال قبل أن يتوجه ناحية الس&;لم يهبط من عليه :
_" حبيبك يا منه! &; هبقي حبيبك &; هحققهالك !"
س&;مع هو صوت إغلاق باب الشقه &; وهو يهبط على الدرج&; يكتم ضحكاته علي عفويتها وتلقائيتها وحتى وقاحتها التي جذبته ناحيتها أكثر..&; هبط كي يسير بمفرده ينفرد بنفسه بعد أن شعر بثقل&; غير مفهوم علي قلبه&; ولكن وجودها جعله يضحك بخفه علي ما تفعله دون حساب !!
________________________________________
كان قد مر وقت منذ ذهابهم لإختيار فستان الزفاف &; ومن ثم خرجا هما بعدها للذهاب للقاعه الذي رٱها أحدهما على إحدى الصفحات حتى تم الحجز وذهب للتأكيد ودفع بعض الأموال &; ركبت السياره في الأمام بجانبه &; قد أ&;نهك الإثنان اليوم بما به الكفايه &; جلست بتعب&; تزامنا&; مع ركوبه هو الٱخر &; مد يديه لها بالأكياس التي توجد بها الطعام &; انتشلتها منه بهدوء&; &; وإلى الٱن تلاحظ صمته الغير ظاهر أيضا&; &; حاولت فتح الحديث معه عندما سألته بعفويه :
_" حاسس بـ إيه بعد ما حجزنا الفستنان والقاعه وكده &;"
تنهد "غسان" يخرج أنفاسه ثم ابتسم لها بإتساع&; وهو يردد بهدوء&; تزامنا&; مع قيادته للسياره :
_" مبسوط يا نيروز&; وبتمني تعدي على خير &; عشان يجمعنا بيت واحد بقا بعد كل ده !"
فتحت الع&;لبه ثم جذبت منها شطيره توجهها له بحنو&; &; رفع يديه الأخرى يأخذها منها وهو ينظر على كتفها &; نظرت له بسعاده رغم إرادتها بأن يعود لطباعه التي تعهدها هي &; وجدت الإهتمام بنظراته وحديثه عندما قال قبل أن يضع الطعام بفمه:
_" بكره إن شاء الله نروح نغير على الجرح فالمستشفي &; لسه دراعك بيشد عليكي زي الاول !"
_" لا الحمد لله &; أنا بسيبه أصلا&; فالبيت من غير الحامل ده &; بس لما خرجت حطيته &; يعني مش هقعد كتير كده إن شاء الله!"
هز رأسه لها ثم مضغ ما بفمه بهدوء&; وهو ينظر أمامه بتمعن &; فـ تنفست هي بعمق&; ثم رددت تتحدث بعقلانيه :
_" مالك يا غسان &; إحكيلي مالك عشان حاسه إنك مش تمام حتى بعد ما كل حاجه بقت عالأقل تمام !"
حرك "غسان" رأسه لها بإطمئنان دون أن يجيبها &; فرددت هي مره أخرى تقول :
_" قولي مالك وأنا جنبك وهساعدك !"
إبتلع ريقه &; ثم نظر لها يسألها بإندفاع&; هادئ ظهر لها :
_" هو أنا وحش يا نيروز &;&;"
صمتت بذهول&; مخفي من سؤاله الغير متوقع &; أخرجت أنفاسها بهدوء&; &; ثم إجابته بصدق&; :
_" لو قولتلك إنك أحلى واحد فالدنيا دي هتصدقني &; &; إنت مش وحش يا غسان &; إنت مفيش حد فـ جمالك &; ياريت كل الناس تشوفك زي ما أنا شيفاك&; &; ولا أقولك &;&; بلاش عشان أنا هغير كده !!"
خرجت ضحكته منه &; حتى أنها كانت تشتاق لضحكاته العاليه &; تشببتت بنظراتها وهي تطالعه بصدق&; لمشاعرها &; أردف هو عقب ضحكاته بحب&; ونبره هادئه قليلا&; ما تخرج منه بعد أن عرفها :
_" ياريت فعلا&; الكل يشوفني زي ما بتشوفيني إنت&; &; يمكن كان كله حبني علي عيبي زي ما عملتي !"
_"حتى عيوبك بحبها رغم المشاكل بس في كل مره بعرف إنها هتنتهي وحبنا هو اللي غالب &; لكن دلوقتي أنا مش مرتاحه وأنا شييفاك كده قدامي !"
ركن السياره بأحد الجوانب أمام المبني تزامنا&; مع إجابته المطمئنه :
_" أنا كويس &; كويس بيك&; !"
وما أن قالها أشار لها بأن تهبط &; حتى هبط و هبطتت وبيديها الأكياس الذي إنتشلها هو منها ليحملها &; سارت بجانبه ونظراتها لا تفارقه &; دخل وبعد لحظات&; ركب المصعد معها وهي مازالت تطالعه بغرابه
_" بصراحه إنت مش كويس يا غسان !"
لم يجيبها علي حديثها &; وعقله لم يفوت فكرة مرض والدلتها &; بل وشيطان عقله يصور له. صور متتاليه لها ولحالتها النفسيه &; والطبيب النفسي الٱن !! &; خرج من المصعد وهي بجانبه &; وقف ينظر لها بهدوء&; قبل أن يتوجه ناحية شقته ثم نبس بنبره هادئه :
_" هدخل أرتاح شويه &; عاوزه حاجه &;"
_"لا متمشيش &; مش معقول صابره من أول اليوم وتيجي تهرب وأنا مستنياك تيجي تقول اللي عاوزه &; مالك &;"
قالت "نيروز" ٱخر كلمه وهي ترفع أناملها تدير وجهه لها &; هرب بنظراته منها ثم نظر لها بسكون حتى قرر إستجوابها بطريقه غير مباشره :
_" في مشكله كده حكهالي أخو واحد صاحبي ومش عارف يفاتحه ازاي فيها "
نظرت له بشغف&; ثم رددت تجيبه بطيبه:
_" طب قولي إيه هى ممكن أساعدك عادي "
تحرك "غسان" ببطئ ثم أخرج مفتاحه يدخله بالباب تزامنا&; مع قوله:
_" هغير هدومي وأعمل حاجه أشربها وأحكيلك &; هتيجي ولا تروحي تغيري إنت&; كمان !"
لم تتركه مع نفسه إذن &; تحركت "نيروز" بإصرار&; ثم وقفت خلفه فابتسم هو باتساع&; حتى فتح الباب كي يدخل ومن ثم دخلت هي &; وما أن دخلت أغلق الباب خلفه &; لاحظت سكون المكان بشده &; تنحنحت بحرج&; ثم رددت وهي تنظر له يتوجه ناحية غرفته :
_" ده شكل مفيش حد هنا "
_"بسام هنا أهو جوه فأوضته متقلقيش إنت&; مراتي يعني !"
قالها وهو يلاحظ غلق الباب باستثناء مسافه صغيره وطيف شقيقه يظهر يبدو أن يذاكر ويقرأ بإحدى الكتب التي لها علاقه بمهنته &; جلست بإنهاك&; على الأريكه بالصاله. ثم فتحت هاتفها تعبث به بملل&; إلى أن لاحظته يخرج بمظهره من الغرفه &; ملابسه الغير مرتبه ومن ثم يخرج بعفويه وهو يتثاءب ويضع يديه علي فمه بنعاس&; &; وقف بهلع مره واحده عندما وجدها تجلس &; ثم وضع يديه علي موضع قلبه &; تنحنحت هي وهي تكبت ضحكتها &; أما هو فتحرج &; إعتدل سريعا&; يعدل من شكله ثم توجه ناحيتها يتحدث بلطف&; :
_" منوره يا نيروز "
_" دا نورك يا دكتور !"
قالتها بخجل&; ثم إعتدلت هي الأخرى بحرج&; عندما وجدته يجلس علي ب&;عد منها &; هتف من جديد بعد لحظات&; يردف لها بتفهم&; :
_" ك&;نت عاوز أقولك إستحملى غسان &; هو برده بيحبك وبيحب وجودك &; وحتى ممكن يقف قصاد أي حد عشانك &; بس أخد جنب من بابا وماما ومش بيتكلم معاهم أوي من ساعة إمبارح &; هو بيحبك وهيفهم كلامك أوي لما تقوليله إنهم بيتمنوا ليه الخير وبس والله !"
نظرت له باستغراب&; من جزء معين من حديثه &; فهتفت تسأله بترقب&; :
_" هو في حاجه حصلت امبارح غير كلامنا مع بعض !"
هز رأسه بنعم&; دون أن يعطيها تفاصيل بل أجابها بالمختصر كي لا تأخذ موقف من والدته :
_"حصل شد بينه وبين بابا وماما بس كان شديد شويه من نحية الكلام &; لأن أنا حسيت إن الكلام كان صعب عليه ومش فوقته &; بس انت&; عارفه هتحتويه إزاي صح &;"
سألها بترقب&; فأومأت له بنعم&; دون أن تفهم أكثر &; وجدته يعتدل عندما فتح "غسان" باب الغرفه وهو يبتسم باتساع&; لشقيقه الذي توجه ليجلس بجانبه &; ثم وضع يديه علي كتفه بعاطفة إخوه &; نظرت لهما "نيروز" بإعجاب&; من علاقتهما &; حتى أمعنت النظر بوجه كل منهما &; لا تعلم هي كيف فرقت بين نسختين متطابقتين كمثل هذان !! &; فارق لون الخصلات الغير ملحوظ سوى من لديهم. القدره علي الملاحظه أو من يراهم بشكل متواصل كمثلها ومثل عائلتها هي بعد الٱن !! &; وحتى لحية كل منهما الخفيقه التي زينت وجههما &; خرجت من شرودها عندما وجدت"بسام " ينهض ناحية المطبخ وهو يهز رأسه لـ قول "غسان " له عندما قال :
_" بس مظبوطه &; متحطش سكر كتير &; وإعمل لنيروز كوباية ليمون بالنعناع ساقعه !"
نظرت له "نيروز " بحرج&; ثم عنفته بلطف&; وهي تراه ينهض ليجلس بجانبها:
_" إنت بتتعبه ليه &; أكيد مشغول &; عديني أقوم أعمل أنا ".
أمسك يديها يقاطع نهوضها وهو يضحك ثم أجابها بنبره هادئه ظهر بها بعض العبث الطفيف :
_" هو متعود على كده &; وبعدين هتعملي ايه بدراعك ده &; مستعجله علي العمايل ليه بكره تعملي وانت&; فـ بيتي لحد ما تقولي إرحموني !"
_" يعني إنت&; مش هتساعدني ولا إيه &;&;"
قالتها بجديه شديده فجلس هو بأريحيه يجيبها على حديثها بقوله :
_" أنا قولتلك إن مليش فـ حوارات المطبخ &; بس أتعلم عشان خاطرك !!"
أنقذ نفسه هو بٱخر حديثه &; إبتسمت له بلين &; ثم طالعته باهتمام&; وهي تسأله بجديه :
_" ماله بقا صاحبك &; إحكيلي يمكن أساعدك وأقدر أفيدك !!"
إعتدل "غسان " بجلسته &; ثم أخذ أنفاسه يجيبها بعقلانيه كي يعلم مدي عمق تفكيرها وردود أفعالها :
_" كانت مامته تعبانه بمرض القلب وماتت بيه &; وكان متعلق أوي بيها &; كان بيحبها ح&;ب كبير أوي بس ماتت وسابته وهو إتأثر بعدها ويمكن لسه لحد دلوقتي متأثر بس تعايش مع الأمر الواقع &; وبعد سنين باباه المفروض هيعمل عمليه فالقلب لأن عنده نفس المرض اللي مامته ماتت بيه بس صاحبي مبيعرفش ومش عارفين يجبهالو ازاي!! "
إبتلعت "نيروز" ريقها الذي جف &; ثم حركت أنظارها بتيهه &; ومازال هو يطالعها بإهتمام&; &; تذكرت مرض والدها الراحل وتعلقها به !! &; أخذت لحظات&; ومن ثم أجابته بهدوء&; وهي تنظر لعينيه :
_" هى صعبه أوي &; يمكن أنا حاسه بـ صاحبك ده &; بس هو المفروض يحصل إفرض باباه دخل عمليات من غير ما يعرف هيبقي رد فعله ايه وهيودعه ازاي!&; حتى لو صعبه بس أكيد في طريقه تقوله بيها &; ممكن تقعد وتستدرجه وبعد كده تجبهاله بهدوء &; فاهمني &;"
ماذا إن علمت بأنها من س&;ميت بصديقه ورفيقه وهو الذي يستدرجها !! &; تنهد يخرج أنفاسه حتى أن في هذه اللحظه هربت الكلمات منه &; صمت ينظر بصمت&;. على ملامح وجهها بهدوء&; &; موضوعها ومواجهته مع والديه أمس جعلته هادئا&; ساكنا&; &; طباعه ليست كالمعتاد&; والأفكار تتضارب بعقله &; نظرت له وهي تعقد حاجبيها بابتسامه واسعه ثم رددت تسأله بهدوء&;:
_" بتبصيلي كده ليه &;"
_" عشان بحب ملامحك الم&;ريحه لقلبي دي !"
قرر تغير مجرى&; الحديث إلى أن ينتهي موعد الزفاف &; قرار سريع أخذه بسرعه كون ما أردفه دب بها القلق &; لم يشعر بنفسه سوى عندما رفع ذراعه يأخذها بين أحضانه وهو يتنفس بعمق&; &; تشبتت هي به بابتسامتها وإلى الٱن لا تعرف ما يجري بداخله &; بل تعلم بأن يوجد علي قلبه ثقل &; ونصفه منها والٱخر من والديه &; سمع صوت إغلاق باب الشقه حتى أنه لم يخرجها من بين أحضانه &; إعتدلت هي بحرج &; فوجدته يشدد من مسكتها كي تستند على صدره بإعتدال &; وكزته بخفه وهي تعتدل &; ثم وقفت تبتسم بلطف&; لـ "حامد ودلال" وهي ترحب بهما
_" حمد لله عالسلامه يا حبايبي !"
قالتها "دلال" وهي تتوجه لتجلس بجانب "غسان" الذي صمت ولم يجيبها بشئ &; ترقبت "نيروز" الوضع جيدا&; حتى أنها تبتسم وفقط علي حديث "حامد" لها بسبب ترقبها لملامح وجه "غسان" التي ظهرت بارده وهو يمسك هاتفه متصنعا&; الانشغال به &; خرج "بسام" من المطبخ وهو يحمل صينيه الأكواب &;حتي توجه يمسك كوب القهوه يوجهه لـ "غسان" الذي إبتسم له بإمتنان&; &; ومن ثم توجه بكوب الليمون بالنعناع لـ "نيروز" التي أخذته منه وهي تشكره &; ثم جلس أمامهم بهدوء&; &; بينما نظرت "دلال" وهي تشهق ثم أخذت من بين يديه الكوب قائله بخوف&; :
_" القهوه دي كتير عليك يا غسان &;سيبها أقللها. هتوجع قلبك كده !"
وزع نظراته بين يديه الخاليه وبين الكوب &; وقبل أن يتحدث بتبرير لها كي تصمت وجدتها تحدج "بسام" بغيظ&;. وهي تقول :
_" في حد بيعمل قهوه بالكميه دي ! &; إنت مش عارف وقولت إن البتاع اللي إسمه الكافيين ده عنده كتير فالجسم ولما بيزيد بيعمله رعشه إيد وصداع ومبيعرفش يخليه ينـام !!"
ترقبت "نيروز". الوضع بصدمه طفيفه من كونها أول مره تعلم ذلك &; ضغط "غسان" على فكه في حين ابتسم لها "بسام" بإطمئنان :
_" هو مبيشربهاش كتير &; يعني لو خدها الوقتي هتفوقه لأن شكله تعبان ومصدع &; متخافيش يعني ياماما !"
طالعته "دلال" بضجر&; حتى كاد أن يتحدث"حامد " فهتف "غسان" وهو يقف على مره واحده مرددا&; لهم:
_" خلصتم &;&; &; هتشربوني كمان علي مزاجكم&; رعشة إيد إيه وصداع إيه &; ما أنا كويس أهو &; هاتي الكوبايه !"
نظرت له "دلال" بغيظ&; ثم وقفت تطالعه بتحذير&; قائله :
_" إنت هتزعقلي كمان ولا إيه &; &; قولتلك كتير &; كتير عليك !"
وقف "بسام " يأخذ الكوب من بين يدي والدته ثم وجهه نحو "غسان" الذي نظر لوالدته وهو يردد بهدوء&; :
_" ياريت تعامليني إنت وهو على إني واحد اكبر من كده &; وأنا مش هقولكم تمام ماشي وندخل دي فـ دي &; كل حاجه وليها وقتها وحاجتها !!"
وقفت "نيروز" تمسك ذراعه بهدوء&; ثم نظرت له وهو يأخذ. الكوب من يد شقيقه تزامنا&; مع قول "حامد" الذي تحدث متصنعا&; غير الإهتمام:
_" مش بقولك طايح فالكل ومش عارف مين معاك ومين عليك &; ربنا يهديك!!"
نظر له "غسان" بتعابير خاليه ثم توجه ناحية غرفته الذي أغلق بابها خلفه &; نظر "بسام" لوالدته بلوم&; ثم قال :
_" مكنش ليه لزوم الكلام ده يا ماما &; مبتصبريش أبدا&; &; إنت&; عارفه إن هو لما بيشربها بيشربها مظبوط &; وأنا زودت ليه السكر بالقصد عشان ميشربش منها غير قليل خالص ويسيبها أنا واخد بالي يعني بلاش تيجي عليه بقا إنت&; وبابا فـ وقت مش تمام فيه &; راعوا ده لو سمحتم !"
تنهدت"نيروز" الواقفه تأخذ أنفاسها بغير علم لما يحدث &; أما "حامد" فنظر لولده حتى يجيبه بتفهم&; :
_" أمك معملتش حاجه يا بسام &; هي بتحاول تكسب أخوك من تاني بعد اللي قالته &; بتلطف معاه الجو ومش صابره لحد ما يلين هو مع نفسه زي ما بيعمل &; لكن أنا قولت اللي المفروض يتقال وهو عارف غلطه بس بيقاوح &; خليه يقاوح براحته لحد ما يهدى مفيش مشكله !"
نظر له "بسام " بصمت&; &; ثم تحركت أنظاره ناحية "نيروز" التي وققت بتيهه &; حتى هتف لها بنبره هادئه :
_" أدخليله "
أومأت له وهى&; تهز رأسها له بالإيجاب &; إلى أن فتحت الغرفه لتدخل بها ومن ثم أغلقتها خلفها &; تحركت أنظاره لهما ثم نبس بنبره هادئه يوضح لهما :
_" غسان مضغوط يا جماعه فـ ريحوا دماغكم منه وهو هيبقي كويس &; ومتنسوش إنه ملبوخ عشان موضوع الفرح ده &; وكمان إنتم عرفتم إن نيروز متعرفش لحد دلوقتي إن مامتها تعبانه وهي كمان هتدخل عمليات &; وعارفين بردو غسان بيحبها قد إيه يعني أكيد شايل هموم الدنيا عشانها غير اللي حصل &; وبصراحه يا ماما كلامك إمبارح ليه مكنش لطيف خالص عشان فعز ما هو بيحاول إنت&; راحه تقوليله طلقها وبتاع &; مش عايز أقولك إن ده لو حصل فعلا&; غسان مش هيبقي بالمنظر ده كمان &; وحتى عتابك ليه يا بابا كان صعب عليه فوقت. زي ده رغم أن كلامك صح بس الوقت مكنش صح عليه &; وإنتوا عارفين إنه عمره ما كان بتاع مشاكل وكان بيحل أموره باللطافه والإسلوب الحلو بين الناس بس حسن وأبوه غير &; وهو أول مره يتحط فمشاكل زي كده &; وبيعمل كل ده عشانكم وعشان مراته حتى لو مش أصح حاجه بس بقا م&;جبر يعمل ده &; والنقطه الفارقه إننا مش زي زمان يا بابا &; الشباب مش زي زمان &; مش هيسكت أكتر من كام مره وهو بيشوف مراته بتتهزأ ومره تتأذي جسديا&; غير الأذى النفسي &; ومش هيسكت وهو شايفه بيهددنا إنه هيدور علينا ومش هيسيبنا فـ حالنا ..!! "
صمت "والده" يستمع إلى حديثه بتفكير&; وتفهم&; كما صمتت "دلال " تنظر بقلة حيله ثم وزعت أنظارها وهي تنظر عليهما وعلى باب غرفة ولدها الٱخر &; الذي جلس على الفراش بإنهاك&; وهو يتجرع من الكوب الذي يوجد بيديه أمام أنظار "نيروز" التي توجهت لتأخذه من بين يديه وهي تقول :
_" كفايه كده يا غسان بجد!"
أخذته من بين يديه وهي تضعه على طاولة ما بعيدا&; عنه &; ثم توجهت تمسك كفه بيه يديها حتى ربتت عليه بحنو&; ثم جلست تدير رأسه ناحيتها حتى أسندتها عليها تعبيرا&; لتأخذه هي بين أحضانها بهدوء&; &; إبتسم وهو يستند عليها فتحدثت هي قائله له بتأثر&; رغم عدم علمها بما حدث:
_" أنا حاسه بيك&; !"
شعر بصدق كلماتها حتى أن أنفاسها الساخنه لفحت فروة رأسه &; رفع يديه يمسك يديها ثم خرج من بين أحضانها بالتدريج وهو يقبل كف يديها من الداخل &; أثارت عاطفته من جميع الجهات &; من ما يشعر به ومن ما يحاول إخفائه عليها لوقت م&;عين &; وجدها تخرج أنفاسها وهي تسأله يإهتمام&; :
_" غسان هو اللي حصل ده بسببي صح &; &; أنا مش فاهمه حاجه هو إيه اللي حصل بينك وبين طنط وعمو &;"
ابتسم "غسان " بإطمئنان&; ثم حاول تغير مجرى الحديث ليشتتها&; أردف بنبره هادئه :
_" لا مفيش حاجه بسببك &; عادي ياما بيحصل !!"
طالعته بتشكك&; &; فحاول هو تشتتها كي يخرج من الموضوع حينما رفع يديه كي يزيح حجاب رأسها &; أمسكت يديه بتحذير&; ثم قالت له :
_" إنت&; بتعمل إيه !!"
_"حاسس الجو حر عليكي !"
قالها "غسان" بعبث&; &; فنظرت له بحده وهى تنهض تزامنا&; مع قولها :
_" لا الجو مش حر &; إنت اللي مصمم تبقى قليل الأدب علطول"
كبت "غسان" ضحكته وهو ينهض هو الٱخر ثم طالعها بثبات&; وهو يردف :
_". إيه قلة الأدب فـ كده&; كنت هفك لك الحجاب عشان أفردلك شعرك وأخليكي على راحتك كده&; قفوشه أوي يا رز&;ه !"
فعل عبثه كي يجعلها تتناسي كل ما حدث وما تحدثا هما به &; وبالفعل نظرت له بحنق&; زائف رغم فرحتها بعودة عبثه ومرواغته من جديد &; حركت رأسها بضجر&; ثم إلتفتت تزامنا&; مع حديثها المعارض :
_" والله إنت فاضي &; سيبني بقا عشان أمشي &; لإني إتأخرت "
تحرك بخفه يقاطع سيرها وهو يقف أمامها بثبات&; ثم أجابها بعبث&; وهو يبتسم بجرأه :
_" إنت&; مع جوزك علفكره &; يعني طظ فـ كله !"
_"طظ فيك إنت يا قليل الأدب &; احترم نفسك شويه &; مهما كان أنا لسه فبيتي ومينفعش أتأخر عن الميعاد اللي المفروض أرجع فيه &; محدش فيهم هناك عارف إن أنا هنا &; عديني بقا .."
_" انا مش قليل الأدب &; أنا محترم خالص لحد دلوقتي!!"
رفعت شفتيها باستنكار&; ثم حركت رأسها تجيبه بسخريه :
_" مـ هو واضح!"
نظرت له عقب قولها فوجدته يتوجه حتى أهبط شفتيه يقبل وجنتيها بحنو&; تزامنا&; مع همسه لها وهو يقول:
_" أنا ٱسف &; حقك عليا"
إرتبكت من قربه حتى أنها وقفت ترفع عينيها تطالع عينيه المتأسفه &; إستشفت مدى صدق قوله علي أسف لقوله لكلمات&; لها أمام الجميع &; أخرجت أنفاسها ببطئ ثم رفعت يديها السليمه ترجع من خصلاته إلى الخلف &; حتى وجدته من بعدها يلف ذراعه على ظهرها ثم ضمها بقوه &; يشعره فؤاده بأنه من الحرص بأن ينتهز فرصة قربها هذه الفتره &; يشعر هو بالٱتي ومما سيحدث لهما. من أحداث ستغير مجرى علاقتهما التي بدت جيده إلى حد&; ما &; أم أن الثقل الذي يوجد علي صدره يجعله يحتاج الإحتواء دون أن يتحدث لها بذلك. مباشرة&; &; أسندت رأسها بتعب&; وجهل لما يحدث من أول يومه &; تيقنت بأنه يريد احتواءها بين وقت والٱخر كي يستطع هو الصمود أكثر &; حتى أنه لم يجد الراحه إلا في أحضانها &; أنفاسه التي تخرج وتدخل بانتظام&; لم تكن كذلك سوى بعناقه لها &; حاوطت ظهره بيديها للحظات&; ثم أسندت رأسها على صدره&; أما هو فأغمض عينيه بتعب&; وشعر بدمائه الساخنه أعلى فمه &; خرج من أحضانها بإندفاع&; ثم دار وجهه يتحسس فوق شفتيه &; توجهت تلتفت لتنظر له ثم شهقت عندما وجدت أنفه تنزف دماء !!
_" ده دم ! "
رفع يديه يتحسس أنفه ثم دار وجهه بعيدا&;. عنها كي لا تتلمس دمائه حتى مد يديه يأخذ من المناشف الورقيه وقبل أن يفعله رفعت هي طرف حجابها بعناد تمسح ما هبط من الدماء بلهفه &; ومن ثم مسحت ٱخر ما تبقي بيديها دون أن تتقزز &; تلمست أنفه وشفتيه بحنو&; غلفه الخوف &; ثم هبطتت يديها وهي تتوجه بخطوات&; سريعه تفتح باب الغرفه &; وقبل أن يقاطعها وجدها تهتف بإسم شقيقه الذي دخل على الفور &; ثم حدثته "نيروز" بلهفه جعلت من بالخارج يدخل :
_" مناخيره كانت بتنزف دلوقتي &; دي حاجه كويسه ولا خطر ولا إيه لأحسن فجأه كده ومن غـ .."
توقفت عن حديثها بلهفه عندما وجدت "دلال" تدخل بخوف&; ومن جانبها "حامد" &; نظر لها "غسان" بحده من نشرها للوضع &; أما شقيقه فرفع يديه يرفع رأس الأخر ثم نبس بنبره هادئه له :
_" هجبلك ليها قطره &; بس دا ضغط نفسي يا غسان &; متتغطش نفسك عشان متتعبش !"
_" عادي بتحصل &; معدتش بتنزف &; نيروز اللي بتحب تكبر المواضيع بس !"
توجهت "دلال" تحسس مكان ما يظهر بأن الدماء قد إختفت &;. أما هو فوقف ينظر لها بصمت&; تزامنا&; مع حديث "حامد" اللين له وهو يجيبه :
_" روح خ&;د القطره من عند أخوك يبني &; وريح قلبنا فـ مره بقا !!"
أمسكت "نيروز" يديه وهي تسحبه خلفها ثم توجهت خلف "بسام" الذي خرج من أمامهما &; وجهت "دلال" نظراتها نحو زوجها بخيبة أمل &;. فـ طالعها هو بإطمئنان ثم تنفس بعمق&; وهو يخرج هو الٱخر ومن ثم هي من بعده !
__________________________________________
أخرج اللفافه من فمه وهو يخرج الد&;خان من فمه وأنفه بملل&; من وقفته منذ فتره تزامنا&; مع قوله الحانق :
_" هي البت دي بالها طويل كده ليه &; ك&;ل ده زفت درس !"
قال"شريف " حديثه وهو يزفر بملل بينما كان يسلط "حسن" أنظاره بتركيز&; على الطريق الجانبي &; تحدث يجيبه وهو ينظر من أمامه بقوله الهادئ :
_"أصبر يا شريف &; فاتها جايه هتروح فين يعني دا أنا شايفها نازله قدام عيني &; أمسك كده الشومه دي !"
عصاه كبيره &; ماذا سيفعل ذلك الأهوج ! &; أمسكها "شريف" منه ثم نظر إليه وهو يخرج الحامل من ذراعه ثم طواه جيدا&; كي يضعه بحيب بنطاله &; إعتدل سريعا&; يختبئ وراء الجدار عندما لمح طيفها من على ب&;عد &; ثم نبس بنبره منخفضه يهمس له سريعا&; :
_" أخيرا&; &; جت أهيه داخله علينا &; بص كده ورانا ليكون حد شايفنا .."
هل جاءت اللحظه الحاسمه &; &; تهزمنا الحقائق دائما&; &; بأن من لا يصلح لأي شئ ولم يفعل للحياة شئ &; ي&;فعل به&; ومن ثم ي&;سمي بالضحيه التي عانت من أجل أحدهما &; التي كانت أحد أسباب الوجع لغيرها &; لم تهدي الحياه أبدا&; لأي منا حياه سويه نظيفه دون عواقب وأفعال من م&;ن لم يحبون لنا الخير !!
أعطي له "شريف" العصاه الخشبيه الغليظة ثم التفت بوجهه ينظر على الطريق الجانبي كي لا يراهما أحد &; ثم إعتدل "حسن " يقف جيدا&; إلى أن دخلت "وسام " سريعا&; بعدما أمسك معصمها يسحبها ناحيته بسرعه كي لا يراه أحد &; شهقت "وسام " بخوف&; وقبل أن تصرخ عاليا&; وضع "شريف " يديه علي فهما بقوه وهو يوجه الٱخر بقوله وهو بحثه بنبره سريعه :
_" سيــب إيــدها وإضربها علي دماغها بسرعه يا غبي قبل ما حد يجي &; إخلـــص !!"
حركة يديه برجفتها التي أصبحت رفيقته أينما حل كانت هي الموجوده &; وبحركه حاول فعلها &; بينما هي تحاول التملص وهي ترفع ساقيها لتضرب من أمامها خلف الحزام &; تفادى "حسن" ما تفعله ثم إلتفت سريعا&; بعدما وجه له "شريف" رأسها ثم رفع العصاه يضربها بقوه علي مؤخرة رأسها حتى شعر بالدماء تسيل علي ملابسها وملابس "شريف" &; ولم تكن سوى لحظات وتراخت يديها وحتى قدمها &; أمسك "حسن" يد "شريف" ثم سحبها خلفه وهو يركض سريعا&; مما جعل "وسام" تسقط أرضا&; بقوه بل وأصبحت في عالم ٱخر بعدما كانت تريد أن تصرخ بالنجده &; إذ بها أصبحت هي والتراب بجانب بعضمها ولأن الشارع جانبي لم يدخل به أشخاص سوى بين وقت والٱخر &; دماءها تسيل من رأسها تحت حجابها البيچ الذي لم يصبح لونه سوى أنه أحمر من الدماء وحقيبتها وقعت بجانبها وكأنها تنتظر منها أن تنهض لترتديها &; ولكن أين العقل الٱن &; وأين هي برأسها &;. لم تكن موجوده بالفعل سوى بجسدها الذي هوى أرضا&; ودمائها التي تهبط من رأسها وكأنها تريد العودة للتشبت بمن بها ومن لها !! &;
____________________________________________
وبنفس الوقت كانت تجلس هي بغرفة "بسام" تطالع ولدها الذي جلس بهدوء&; بجانب زوجته وولدها الٱخر منشغل بالحديث مع والده والٱخر مع زوجته التي جلست ولم تتركه بعد أن رأته ينزف من أنفه &; وإذ بها فجأه أمسكت موضع قلبها وهي تتأوى فجأه بصوت&; مسموع &; نغزه قويه تكاد تهشم قلبها الٱن دون أسباب موجهه &; تأويها بالألم كان مرتفعا&; كان وصل إلى مسامعهم &; وأول من نهض كان "غسان" الذي هتف عاليا&; بإسمها وهو يتوجه ليمسك كفها برفق&; ثم جلس على ركبتيه &; أما الكل فإلتف حولها بخوف&; &; أخذت أنفاسها ببطئ عندما أشار لها "بسام" بأن تفعل ذلك &; تنفست وهي تنظر علي مسكة يديها بكف "غسان" والٱخرى بيد "حامد" الذي لم يستوعب ما يحدث من الأساس &; هتفت بنبره هادئه تطمئنهم :
_" أنا كويسه مفيش حاجه &; شكة فـ قلبي كده بس &; متقلقوش "
قالتها "دلال" وهي تعتدل أما "بسام" فتوجه سريعا&; يجلب أحد أقراص الفيتامينات التي تأخذها والدته &; وقفت "نيروز" تضع علي يديها من زجاجه المياه ثم وضعتها بحنو&; على وجهها &; نظرت لها "دلال" بتأثر&; &; بينما رفع "حامد" يديه بلهفه يزيح حجاب رأسها كي تستطع هي أخذ أنفاسها &;. إعتدل "غسان" بجلسته ثم دلك كفها بين كفه بحنو&; &; لم يستوعب هو كيف نهض بهذه السرعه وهو الذي أول من انتبه لوضع يديها علي موضع قلبها &;. تنفس بعمق&; وهو يحاول أن يجمع الكلمات ثم سألها بلهفه ظهرت في نبرته :
_" بقيتي أحسن &;"
لامس قلبها إهتمامه وإهتزاز نبرته &; حتى أن من سرعة ما حدث لم يعطيه ذلك الفرصه لحملها ناحية الفراش &; بل إعتدلت وهي تشير لهم بالاطمئنان بسرعه &; نظرت له بحنو&; وتأثر&; فرفع هو كفها ناحية فمه يقبلها ببر&; والأسف بنظراته ولكن لا يعلم هو لماذا &; تشبتت بيديه ثم ابتسمت له باطمئنان&; &; ولم تنتبه هي للهفة "حامد" وخوفه بل تسلط أنظارها علي من حملته بأحشائها &; بالطبع لم ترتفع سوى كفة الأبناء !&; نظر لها "حامد" بضجر&; ثم قال بمرح&; زائف يخفف من توترها الملحوظ بما حدث :
_" بقا كده &; شفاف أنا وكل الحب رايح لابن الكلب ده !"
خرجت ضحكة "غسان". عندما وجد "نيروز" تقهقه عاليا&; &; أما "بسام" فدخل سريعا&; وبيديه الأقراص كي تأخد منها &; قدمه لها مع زجاجة المياه &; تزامنا&; مع قوله الغاضب منها:
_" بلاش تهملي فعلاجك بعد كده &; اديكي شوفتي إيه اللي حصل فـ ثانيه واحده بس !!"
_" يبني دي نغزه غريبه عمرها ما جاتلي معرفش من إيه &; بس باخد علاجي والله&; !"
قالتها ومن ثم رفعت الزجاجه تأخذ من الفتيامنات &; ولم تتجاهل هي شعور القلق الذي دب بداخلها ولا تعلم لماذا &; نغزة قلبها جاءت من شعورها وعاطفتها كأم &; مررت "نيروز" يديها علي ظهر "غسان" بمواساه على حسرته منذ قليل&; &; أثار شفقتها وهو لم يعطي نفسه راحه اليوم &; تنفس بعمق&; ثم ترك كف والدته بلطف&; &; حتى نهض يسندها من يديها كي يتوجه بها ناحية غرفتها &; قاطعه "حامد" بمشاكسه وهو يقول :
_" لا دي مراتي &; أنا اللي هسندها !"
_" ودي أمي !"
أردفها "غسان" بإستفزاز&; &; جعل "دلال" تبتسم باتساع&; وهي تمسك يد كل منهما كي تتحرك لتنهض &; أمام "بسام " فوقف يرجع خصلاتها البيضاء إلي الخلف ثم أنزل من ملابسها البيتيه أكثر وهو يعدلها لها&; بدلا&; من أن تفعل "نيروز" ذلك والذي أشار لها بأنه سيفعل هو ما يتوجب عليه &; توجهت خلفهم وهي تمسك بهاتفها وهاتف "غسان" الذي لم تتركه منذ أن كانت تتمسك به وهي تعبث به عندما كانت تجلس بجانبه &; توجهت خلفهم &; إلى أن دخلت الغرفه الخاصه بوالديه &; ولم تجد سوي إهتمام "غسان" الذي ظهر بقوه وهو يرفع ساقيها بحنو&; ثم ثبتها علي الفراش بمساعدة شقيقه &; أما "حامد" فأمسك الغطاء بهدوء&; كي يضعه عليها فساعده "غسان" بفعلها &; إلى أن جلس بجانب زوجته علي الفراش &; ومن ثم أهبط "غسان" رأسه يقبل قمة رأسها تزامنا&; مع قوله الخافت الذي وصل إلي مسامعها وهي تبتسم لطباعه اللينه التي تغلب الأخرى الشديده:
_" ألف سلامه عليكي يا حبيبة قلبي !"
حبيبة قلبه وليس لقلبه حبيب سواها قبل أن يعرف الٱخري&; انتبهت "نيروز" علي صدق نبرته من اللقب الذي أردفه لوالدته &; لا تعلم هي بأنه لم يلقبها هي كذلك من قبل !!&; تطمئن أكثر عندما تري حنانه الذي يظهر في أوقات غضبه الدفين &; تنفست بعمق&; وهي تراهم يقبلون "دلال" &; وعلى ملامح وجه "حامد" الذي نظر لهم بضجر&; زائف &; شردت بهم ولم تشعر هي بإنسحاب "غسان" وهو يمسك يديها ليسحبها ناحية "دلال" &; تفهمت "نيروز" بأنه فعل كذلك ليجعل الوضع بينهما أفضل شئ &; انحنت "نيروز" تقبل قمة رأسها بلطف&; تزامنا&; مع قولها الهادئ اللين لها :
_" سلامتك يا طنط &; ابقي إنتظمي فالدوا أرجوكي عشان وجع القلب ده مش سهل &; ربنا يعافيكي منه !"
تصعب عليه الموقف إذن &; نظر لها "غسان" بشفقه وإلى الٱن يعجز هو بكيف سيأتي لها بذلك الموضوع &; لم تمر سوى دقائق والحديث غير مهم للغايه يتوزع بينهم &; على الأقل أخبرت والدتها في الهاتف بأنها موجوده هنا &; صدح صوت هاتف "غسان" الذي كان يمسك زجاجة المياه ليوجهها نحو والدته التي طلبت المياه مره أخرى بسبب جف حلقها من القلق الذي لا تعرف له سبب &; نظرت "نيروز" على شاشة الهاتف من بين يديها ثم أجابته حينما سألها عن هويه المتصل :
_'' ده شادي "
يلاحظ. غيابه وكان سيبدأ هو بالاتصال عليه &; أشار لها"غسان" وهو يقف بمكانه ثم ردد :
_" افتحيه عـ الإسبيكر &; وثانيه وهاجي أخده منك أهو "
قالها وهو يغلق الزجاجه &; تزامنا&; مع فتحها الخط وهي تفتح الإسبيكر الذي صدح صوته بالمكان بقوه وصوت "شادي" الذي دل على مدى رغبته في الصراخ عاليا&; :
_" ألـــو &; إلحقـني يا غســان &; وسام..!"
قالها مما جعل الكل ينتفض حتى "دلال" التي نهضت بخوف&; &; وقعت الزجاجه من يد "غسان" وهو يتوجه سريعا&; ينتشل الهاتف من يديها تزامنا&; مع إكمال الحديث :
_" وســـام يا غسان &; لقوها واقعه وغرقانه فـ دمها والناس كانت ملفوفه حواليها ولما روحت اشوف طلعت هي &; تعالــى بسرعه مش عارف أتلم على أعصابي .أنا.."
صرخت "دلال" عاليا&; ببكاء &; ووقف "حامد " بصدمه شلت من حركته &; بينما تراخت يد "غسان" بهلع&; بعد أن سمعه يعلمه عن مكانهم الأن &; &; ركض بسرعه يهبط وكأن العالم لم يكن به سوى المكان الذي حدثه به الٱخر به مما يعني بأنه قريب من المنزل جدا&; &; شعر بإنسحاب الدماء من جسده &; وحالة "بسام " لا تختلف عنه &; ركض الإثنان معا&; &; ومن ثم معهم "نيروز" التي نظرت برهبه وهي تركض هي الأخرى بخوف&; &; وصراخ "دلال" من خلفهم كان الشئ الوحيد الذي اخترق مسامعهما &; خرجت تصرخ بإنهيار&; وهي تحاول بأن تهبط ولكن منعها يد "حامد" الذي خرج بسرعه فائقه من قبلها حتى وجد الشقق تفتح جميعها &;
_" خلي بالكم منها &; متخلوهاش تنزل !"
قالها علي عجاله ولم ينتظر المصعد بل هبط علي قدميه رغم ألمه ورغم عدم فهمه لما يحدث &; حتى "بدر" الذي وقف ينظر بذهول&; هو والاخرين &; بينما تبدلت ملامح الجميع للرهبه عندما. توجهوا لها يسندوها برفق&;. والكل يحاول أن يفهم منها ما حدث &; وإنقلاب الحال رأسا&; على عقب كان هو الوضع !!
______________________________________________
قبل قليل&; &; رجع بسيره بعد أن قرر السير بمفرده ليخرج ما حل عليه مش شعور ليس جيد &; سيره بجانب المنبي كان هادئا&; إلى أن لاحظ التجمع في الطريق الجانبي &; منع نفسه من الذهاب ولكن فضوله كان قد ساقه ووجه قدمه ناحية الشارع الجانبي &; في البدايه كان يخمن بأنها قد تكون منافسه بين أحد الشباب ولكن عندما وجد التجمع كبير &; دخل في وسطهم بغير تصديق عندما سمع الهمسات والحوار الجانبي وما أن رأها شهق عاليا&; وهو يبعد الجميع عنها وعن لمسها ولمس جسدها &; ثم هتف بإسمها بغير تصديق عندما وجد الدماء من حولها :
_" وســــام !!"
هتف بإسمها بمفاجأه &; شقيقة رفيق أيامه &; &; شعر وكأن دلو من الماء البارد في فصل الشتاء إنسكب عليه ولا يعي حتى الٱن &; ارتجفت يديه بطريقه ملحوظه حتى وضعت إحدي النساء قماشة على رأسها من الخلف تزامنا&; مع. إخراجه لهاتفه كي يطلب صديقه &; صرخ الرجال برجال أخرى كي يطلب أحدهما النجده والإسعاف &; ولكن التأخر كان هو المطلوب من رقم الطوارئ &; لا اجابه وان لم تكن لا اجابه فلا قدوم بهذه السرعه &; انتهي من المكالمه ثم رفع يديه يضرب وجنتيها بخوف&; حتى تلطخت ملابسه بالدماء شعر بأحد الشباب يتوجه ناحيته ليدفعه كي يحملها ولكن إلي أين &;&; &; دفعه "شادي" بصراخ&; وهو يقول :
_" إبــعد عنها "
لا يريد بأن يلمس جسدها شخض وبالفعل ينتهز الشباب الفرص وهو سيد من يعلم ذلك
_" حد يطلب. الإسعاف يا متخلــفين "
قالها أحد الرجال كما قالها "شادي" من بعده بصراخ&; &; وجد من يدفع التجمع بكلتا يديه هو الٱخر &; ثم هتف باسمها بضياع&; وهو ينحني ليحملها من بين يدي صديقه:
_" وســــام &; قومـــي يا وســـام عشان خاطــري !"
صرخ بها "غسان" بقوه وهو يحملها بسرعه فائقه ولم يعطي نفسه الفرصه للوقوف مصدوما&; &; دفع"بسام " التجمع وهو يحبس دموعه بعينه حتى ركض خلف"غسان" الذي وجد أحد الرجال يفتح له سيارته على الطريق بسرعه &; دخل بها إلي الداخل وركب "بسام " في الأمام ومن ثم صرخ"غسان" به بصوت&; مرتفع وهو. يضع يديه ليضربها بخفه على وجنتي شقيقته التي كانت لا حول لها ولاقوه بين يديه :
_" إطــلع بسرعه !"
أخبره "بسام " على مكان المستشفي الذي يعمل بها بعلو صوته وبخوف&; شديد &; حتى أمسكت"نيروز " يد "حامد" الذي جاء ينظر بضياع&; ثم وجد "شادي" يركض ناحية المبني وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله &; هبطت دموع"حامد " وهو ينظر علي ملابس "شادي" التي ظهر عليها بقع الدماء &; ولم يستوعب أن الدقائق قد مرت إلا عندما وقفت سياره "شادي" ودفعته "نيروز " التي علمت إلي أين ذهبوا من قبلها. &; ركبت وهي تمسك كف "حامد " برفق&; عندما أشار لها "شادي" بسرعه كي تركب &; تحركت السياره وعقل كل منهم قد هرب منه &; لم يسمع "شادي" سوى صوت شهقات "نيروز" العاليه التي حاولت جاهده بأن تكتمها &; ومن ثم هبطت دموع "حامد" بصمت&; قاتل وهو يتذكر منظر الدماء الذي التفت سريعا&; يهرب من مشهدها &; وما أن هرب وجد بقية الدماء على ملابس الأخر &; وما تشبيه لهما في الضياع سوى كأنهما في الغرفه المظلمه لا يعرف أي منهم طريق للخروج من الصدمه التي مثلت الظلام. &; العقل قد شل &; والحركه متكتفه ورغم كون الطريق قصير &;. لكن شعر كلا&; منهم بأنه طريق لا يوجد أطول منه طريق &; طريق الإنهاك لمن يعي جيدا&; الموقف &; ها هو أحد أطراف عائلته تأذى دون شفقه &;و بين الحياه والموت كانت هى&; 'وسام '
رواية عودة الوصال الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سارة ناصر
تلاحقنا عواقب أفعالنا أينما كنا، حتى وإن فعلنا شيئًا لا يستحق العواقب له. ثمة اختيار يوافقك بينما لم يوافق غيرك، أو نظرة معينة لشيء في حين الآخرين لم ينظروا كذلك. ومن ثم لم يأتِ سوى الوجع لأفعال كنا لها وإليها نرضى.
وقف أمام الغرفة بضياع، يذهب في طرق مختلفة عن الأخرى، وقلبه المنهك الذي أذن له بالوجع لم يهدأ. وضع يديه أعلى رأسه بألم، ثم حرك رأسه نفيًا لأفكار عقله التي تعلو بقوة. يديه ملطخة بدمائها، وحتى ملابسه منذ آخر مرة حملها. حتى جاءت له نقلة تنقلها في الأسفل.
دخل بسام معها إلى الداخل حيث غرفة الطوارئ ومن معه من أطباء متخصصين يعرفهم هو. ولم يقف بالخارج سوى غسان، الذي وقف بأعجوبة وساقيه لا تحتمل الوقوف. هبطت دموعه بضياع، حتى أنها تهبط دون توقف. استند على الحائط ودموعه لا تجف، في حين ظهرت هي ووالده من على بعد يركضون ناحيته بعدما عرفوا أين سيكونون هم.
وقفت نيروز بلهفة تنظر له بتعب، ولم تسأله بل رأت الغرفة مغلقة ومضاءة بضوء أحمر من الدائرة أعلى الباب. وقف حامد يستند على الحائط بعجز، ودموع عينيه تهبط هو الآخر. أسنده شادي الذي حاول التماسك قبل أن يقع أرضًا، ثم أجلسه على المقعد. بينما وقف غسان بخواء ولم يستطع أيًا منهم إخراج الحديث.
ارتجفت يدي نيروز من بين دموعها بقوة، حتى أنها حاولت جاهدة أن ترفعها لتمسح دموعه من على وجهه. دفعته كي يدخل بين أحضانها، ولم تكن أحضانها سوى النجاة الوحيدة من تشتته وألمه. ضمته بقوة حتى سمعت هي شهقاته الخافتة، بل وتسمع تأوه بكائه. بكت هي الأخرى بتعب، ثم تحدثت له بنبرة ضعيفة خرجت له:
"هتبقي كويسة والله، والله هتبقي كويسة!"
رفع يديه يزيح خصلاته إلى الخلف بتيه، ثم رفع كفه يمسح دموعه تزامناً مع قوله المتحشرج الذي ضرب فؤادها من رؤيته بمثل ذلك الضعف:
"أنا خايف، خايف يا نيروز."
الخوف! يأتي على الإنسان وقت يخرج ضعفه دون حرج لمن اختاره فؤاده. أما الأخرى فهي شقيقته، الأقرب دائمًا لفؤاده الذي أنهكه الآن. هزت رأسها له بلهفة ثم ربتت على كفه من بين دموعها:
"متخافش!"
لم تقوى على إرداف أكثر من ذلك. أخرج أنفاسه بصوت مسموع، وبان الإنهاك بكل تفاصيله. أما حامد فقد كان يجلس بخواء، لم تهبط منه سوى دموعه حتى حديث الآخر له لم يسمعه. مشهد الدماء لم يغيب باله.
التفتت نيروز باندفاع عندما وجدت نفسها ستخرج منها شهقاتها. وضعت يديها على فمها ثم حاولت بأن تكتم دموعها أكثر. ولكنها تفاجأت بسؤاله الذي سأله لها وكأنه طفل ينتظر الجواب الإيجابي من والدته:
"هتبقي حلوة يا نيروز صح؟"
هزت رأسها تراضيه وهي تبتسم من بين دموعها، ثم رفعت يديها تمسك يديه باحتواء. تشبثت يديه بيديها وكأنه التائه من عائلته، الطفل الذي فقد كل الطرق التي تؤدي لمنزله. ثم وجد النجاة بها هي وحدها. أما عقلها فلن ينصرها في هذه اللحظة عندما وجدتها تفكر بالشخص الوحيد الذي يمكنه فعل ذلك. وضعت يديها على رأسها بألم، ثم أنزلتها ترفعها ناحية وجهه وهي تزيل دموعه التي تنهمر ولا يعرف لها طريق محدد. سحبت يديه خلفها كي يجلس بجانب والده، وبالفعل تحرك بخواء. ثم حرك رأسه بعجز ناحية حامد الذي لم ينظر إلا على باب الغرفة من أمامه.
رفع غسان ذراعه يوجه وجه والده ناحية صدره حتى ضم رأسه له بوجع، وهو يهتف من بين دموعه بنفس النبرة المختنقة:
"هتبقي كويسة والله يا حامد..!"
وكأنه يثبت لنفسه هو الآخر الحديث. وقفت نيروز تنظر على المشهد من أمامها بألم. رأس حامد تستند ناحية صدر غسان، وشادي يضع يديه ليربت بها على ساق حامد. أخرجت نيروز هاتفها تفتح القرآن الكريم لتقرأ منه رغم دموع عينيها التي تتجمع بين كل لحظة والأخرى.
تذهب في الطرقة وبيديها الهاتف تقرأ بتوتر، حتى أن صوتها قد وصل لهم وهم جالسين. تفاجأت بمن يركض خلفها. التفتت بسرعة تنظر ولم يكن سوى بدر وورده التي أمسكت يد دلال. أجاب شادي على اتصال بدر بالتأكيد! وقفت دلال تنظر بقهر والمشهد أمامها وضح لها بشدة. كادت أن تصرخ بوجع، فنهض غسان سريعاً يسندها وهو يأخذها بين أحضانه. بينما ارتتمت نيروز بأحضان ورده في هذه اللحظة.
وقف بدر حتى جلس بجانب حامد الذي يهز ساقه وفمه يتحرك بالذكر من بين دموعه وفقط! بكت دلال بصوت في أحضان غسان الذي ضمها بألم. يضم الجميع في حين أنه هو الذي يريد ضمه واحدة لا يخرج منها أبدا. توجب عليه فعل ذلك منذ أن كان صغيراً. تحدثت بوجع وصوتها من بين البكاء أرسل لهم جميعاً بعض من وجعها:
"أنا كنت حاسة، والله كنت حاسة وقلبي وجعني من أول اليوم! قولتلها بلاش تنزل وكأن قلبي كان حاسس!!"
ربت على ظهرها من الخلف بقوة ثم أخرجها برفق، يمسك يديها كي يجلسها على المقعد بجانب والده الذي تحركت أنظاره أخيراً لها هي. من بين حبهما الذي بقى لكبر سنهما. شعر المحب بأنفاس حبيبه بجانبه. نظر لها بخواء فوجدتها تردف من بين دموعها بتعب:
"وسام يا حامد، وسام بنتنا، قلبي بيوجعني أوي.."
طريقتها في قول كلماتها جعلت الدموع تهبط حتى دموع بدر الذي توجه يضم رأسها بين يديه برفق، وهو يهتف لها بإطمئنان. وقف غسان على بعد منهم ينظر بصمت، حتى توقفت دموع عينيه تدريجياً. ولم يذهب عقله سوى له هو تحديداً، ولتهديده الذي علم به الجميع الآن. من يمكنه فعل شيء كهذا سوى حسن الذي برع في قلب الأحوال. إحتدت عينيه الباكية وهو يضم كفه بتوعد، وإذ كان ما يفكر به نفس ما كانت وصلت إليه والدته التي أشارت لـ نيروز من بين دموعها:
"قولت، أنا قولت إن ولادي مش هيطلعوا منها على خير مادام المشاكل بدأت من ساعة ما حبها واتجوزها!"
نظرت لها نيروز من بين بكائها. أغلق غسان عينيه بقوة من ما يسعه من والدته حتى توجه ليقف أمامها وهو يحذرها بنظراته فوجدها تسترسل كلماتها الموجوعة بغير وعي:
"مش هقدر أشوف ولادي بيضيعوا مني والله، قولتلك يا غسان طـ.."
وقبل أن تكمل حديثها حدجها غسان بتحذير موجع وهو يهتف:
"إسكتي، مش وقته!"
حركت رأسها بخيبة وهي تبكي، حتى توقفت عن ما كانت تردفه. أما نيروز فلم تفهم معنى آخر ما كانت ستردفه. ولكنها استشفت بأن الذنب يوجه إليها وحدها. إبتلعت ريقها بإنهاك، ثم تركت يد ورده وهي تتوجه لمقعد بعيد كي تجلس بمفردها هي ودموعها المتشتتة من ما يحدث!
لم تشعر سوى بشهقاتها العالية التي وصلت إليها وهي تتذكر كل ما مر عليها في الحياة. أين العدل وأين الراحة التي وجدتها هي؟ حركت رأسها تنظر على غسان الذي ثبت نظراته عليها من على بعد. جسده أمام الغرفة التي توجد بها شقيقته كما أن عقله انقسم إلى أنصاف متعددة. أحدهم مع من بالداخل وآخر مع والديه وآخر معها، وآخر به وبمن يشك به حتى يفعل بشقيقته ذلك. وضعت نيروز يديها على أذنيها بتعب تنفي الأصوات الخارجة ثم رددت مع نفسها آيات قرآنية علها تهدأ من روعتها. توجهت ورده ناحيتها كي تضمها إليها بعاطفة أخوة، وهي الأخرى تبكي بصمت.
عقارب الساعة تمر لساعة كاملة مرت عليهم وكأنها سنوات. هو يستند على الحائط بتوتر، تارة تهبط دموعه وتارة يمسحها بقوة عندما ينظر إلى وجه والديه. وحامد يجلس مستنداً على كتف بدر وشادي يمسك يد دلال وهو يربت عليها بحنان. ونيروز ترتجف يديها بين يد شقيقتها التي تهدأها بين وقت والآخر. وقف الجميع والتفت من كان لا ينظر على باب الغرفة الذي خرج منه بسام للتو. وحده! رأى التساؤلات في عين الجميع في حين هزّه غسان بقوة قبل أن يتساءل الجميع ثم صرخ به بقوله وهو يتساءل:
"طمّني يا بسام، بقت كويسة صح!"
أمسك بسام كف شقيقه ثم نبس بنبرة ضعيفة خرجت لهم جميعاً:
"خيطوا الجرح وحطوها تحت جهاز تنفس، وهتفوق كمان شوية عشان نعرف دماغها ونظرها اتأثروا ولا لأ.."
وما أن قالها ضم هو غسان بقوة فهو لم يعطي فرصة لنفسه بأن ينهار. بكاء الاثنين بأحضان بعضهما كان له صوت مرتفع بشهقات كل منهما. ضمه غسان إلى صدره بوجع، في حين بكت دلال في أحضان شادي الذي هتف بتحشرج يطمئنها:
"مفيش حاجة هتتأثر والله، متقلقيش هتبقي كويسة وهتقوم من تاني أنا متأكد!"
وبين أحضان والأخرى، بدر وعمه، ونيروز التي نهضت بلهفة ثم احتضنت شقيقتها. أخرج غسان شقيقه من أحضانه ثم رفع أنامله يمسح دموعه، يترك دموعه هو ويمسح دموع شقيقه!
فعلها ثم قال بنبرة جاهد هو بأن تبقى ثابتة:
"خليك جامد يا بسام، خليك ثابت، أختك هتبقى كويسة، هتبقى كويسة والله!"
قسمة هو الوحيد الذي خرج بترجٍ وضعف، ثم ترك شقيقه وهو يسحب يد نيروز التي كانت ترتجف من بين أحضان شقيقتها. توجه بها يجلسها على المقعد، ثم نظر لها نظرة لينة. ثم توجه هو ناحية بدر وهتف بنبرة هادئة له:
"روح يا بدر وخد مراتك ونيروز معاك وخد أمي عشان مينفعش التجمع ده."
وقبل أن يكمل باقي حديثه وجد دلال تقف باندفاع وهي تشير له بقهر:
"مش همشي فحتة وأسيب بنتي، سامعني يا غسان!!!"
توجه بسام يسندها برفق، في حين خرج صوت حامد أخيرًا وهو يقف يؤيد حديث ولده:
"إمشي يا بدر وخد المفتاح وخلى ورده تدخل تجيب لبس لوسام، وأدخل إنت هات لبس لشادي وغسان. أنا مش عارف أبص على الدم ده يبني!"
أسند غسان والده في حين أومأ له بدر وهو يأخذ منه المفتاح، ثم أشار لورده التي اتجهت. ومن ثم قاطع سيرهم، توجه غسان يقف أمام نيروز وهو يردد:
"روحي يا نيروز معاهم."
"مش هسيبك وامشي مستحيل!"
قالتها بجدية شديدة وهي تمسح وجهها. وجد الإصرار بنظراتها حتى أهبط نظره على كفها الذي يرتجف بطريقة ملحوظة. أمسك يديها يدلكها بلطف، ثم أشار لهم بأن يرحلوا. أخذ بدر مفتاح سيارة شادي كي يستطيع الذهاب والعودة بسرعة. أسند غسان نيروز برفق، ثم أخذ زجاجة مياه من يد بسام الذي انتشر حاله في المستشفى. ومن ثم ساعده الممرضات المعروفين منه وكذلك بعض الأطباء. وكان التجمع يسمح به رغماً عنهما كونه أحد الأطباء المعروفة بالمشفى. وضع على يديه ثم رفع يمسح وجهها بحنو. ومن ثم وضع بعض المياه على يديها كي تهدأ رجفتها. نظرت له بشفقة. ففي لحظة وجعه وألمه لم يعطي نفسه الفرصة ولا الوقت للإنهيار وحده، بل تتحرك أنظاره واهتمامه ناحية الجميع ولم يكن مهم لديه هو سوى بالنهاية! وأين النهاية إذن؟ ستفعلها هي كي لا يتأذى منها؟ عقلها بين قرارات كثيرة مصيرية! خرجت من شرودها عندما سألها بكامل اهتمامه وهو يمسك رأسها برفق:
"بقيتي أحسن؟"
هزت رأسها له دون حديث، ثم وجهت نظراتها ناحية ملابسه الموجود عليها الدماء. نهض يسير ناحية والده ثم مسد على خصلاته البيضاء يرجعها إلى الخلف. فتفاجأ به ينهض ببطء ثم أشار لبسام بقوله:
"وصلني أوضتك يا بسام.. خليني أتوضى وأصلي!"
أمسك بسام يديه يسنده وهو يومأ له، ثم سار معه لنهاية الطرقة. ومن ثم نهض شادي يذهب للمرحاض في الأسفل ليغسل وجهه ويديه. ولم يتبق سوى دلال التي لم تتوقف دموعها إلى الآن، هي الوحيدة من بينهم. رفع غسان كم ملابسه يمسح وجهها ثم هزها بحزم وهو يقول:
"خلاص يا ماما بطلي عياط بقا، هتفوق وهتبقى كويسة إن شاء الله متقلقيش!"
لم تتحرك أنظارها ناحية نيروز التي وقفت على بعد منهم، بل نظرت في عين غسان وهي تردد:
"مفيش غيره حسن هو اللي عمل كده يا غسان، حسن اللي أنا عارفه إنه مش هيسيب حد منكم في حاله بعد ما كتبت على مراتك. إفرض أختك كانت راحت فيها، أنا مش هقدر، مش هقدر يا غسان تعالى نسيب البيت ونروح نسكن في مكان..."
"إهدي، إهدي مفيش حاجة هتحصل بعد كده ولو هو فـ أنا مش هسيبه!"
وكأنه يزيد من قلقها أكثر، نظرت له بلهفة ثم أجابته بإختناق:
"لا، متهوبش نحيته، أنا مش مستعدة أخسر حد فيكم. سيبهاله لو هي اللي فارقة معاه أوي، سيبهاله وهو نصيب والله يبني!"
حديثها التي تردفه هي دون وعي منها لا تعلم بأن عواقبه عليه هو صعبة. لم يقف لها في الحديث ولم يوقفها عند حدها، كونها بهذه الحالة. ولكن الحديث كان عليه هو أصعب ما يكون. تنهد يخرج أنفاسه بتعب، ثم أومأ لها دون تركيز، وهو يوزع نظراته عليها وهي تجلس من على بعد منهم. إعتدل ثم توجه ليستند على الجدار وما أن فعلها وجد بعض من الأطباء يخرجون من الغرفة ومعهم إحدى الممرضات. توجه غسان يقف بلهفة في حين كانت قد فعلت نيروز هي الأخرى ذلك. أجاب أحد الأطباء الواقف من أمامهم بهدوء:
"هتفوق كمان شوية بس مش هتتنقل من الأوضة ألا ما نشوف الأول نتيجة الخبطة دي إيه بعد ما تفوق. مش عاوز أقول إن الزيارة الكتير دي ممنوع أصلاً لدكتور بسام يزعل مني ولا حاجة، بس أنتم أكيد فاهمين الحالة. ربنا يشفيها إن شاء الله."
وما أن قالها تحرك من أمامه ومن معه أيضاً. بينما وقف غسان بتيهه ينظر على باب الغرفة ومن ثم تجاهل حديث الطبيب وهو يفتح الغرفة ليدخل بها هو ووالدته من خلفه التي توجهت نيروز لتسندها برفق. دخل غسان فوجدها منقولة على فراش أخر نظيف غير الآخر وبعيداً عنه بقليل. فقد أخذت الممرضات وقت لتنظيف المكان. وقف غسان أمام الفراش في حين تراخت قدم دلال التي جلست على بعد منها بعجز. أمسك غسان كفها الدافئ بين كفه البارد وهو يتشبت بها وقد تجمعت الدموع بمقلتيه من جديد وهو ينظر على رأسها الملتفة بالشاش على المكان المصاب والغير مصاب. لاحظ وضع الأكسجين كي تستطع أخذ الأنفاس. ومن ثم لاحظ تمسكها بيديه بقوة وتشنج ملامح وجهها وكأنها تستنجد بأحد. تلمس جسدها بلهفة وخوف عندما وجدها تتحرك بطريقة غير ملحوظة للكل. في حين دخل عليهم الغرفة سريعاً بسام الذي عاد بسرعة. وقف هو الآخر يبتلع ريقه ثم قال بنبرة خافتة من خلف شقيقه:
"بتفوق!"
نظر لها غسان بلهفة شديدة عندما وجدها تغمض عينيها بقوة ومن ثم رمشت بأهدابها عدة مرات حتى فتحتها بتشوش وهي تنظر على سقف الغرفة ومن بعدها تتحرك أنظارها على شقيقها وشقيقها الآخر. صداع رأسها وصوت صفارة في أذنها كان شديد حتى تأوت هي بخفوت. ومن ثم تركت يد غسان بيديها وهي ترفعها لتزيح ما يوجد على أنفها وفمها. جاهدت بخروج صوتها الضعيف لهم وهي تقول:
"أنا فين!"
وما أن قالت الكلمتين هبطت دموعها وهي تحاول بأن تعتدل ولكن أوقفها بسام بحزم وهو يسندها هو بطريقة صحيحة. ومن ثم نهضت دلال تتظر بحزن وهي تتحدث بلهفة:
"حمد لله على سلامتك يا حبيبتي."
قالتها وهي تقف بجانبها نيروز. أما غسان فوقف بترقب ليعلم حالتها كما كان بسام. هتفت هي من بين دموع عينيها برهبة وهي تتمسك بيد بسام:
"مشيني من هنا يا غسان، إنت عارف إني مبحبش المستشفيات وبخاف منها، عشان خاطري مشيني!"
أخطأت في الأسماء كون تركيزها مهزوز. لاحظ غسان بأن الكلمات من المفترض بأن تكون له في حين بأن الآخر يعتاد المستشفى! هز لها بسام رأسه. بينما أمسك غسان يديها وهو يطاوع ما تفكر هي به:
"حاضر هخليكي تمشيكي من هنا بس اصبري يشوفوا الأشعة اللي هتتعمل على دماغك وهنمشي علطول ماشي؟"
نظرت تستشف مدى صدق كلماته. بينما هبطت دموع عينيها. فتوجهت نيروز تربت على قدمها بإطمئنان فوجدتها تهتف باسمها قائلة:
"قوليله يا نيروز يمشيني عشان خاطري!"
هزت رأسها لها بلهفة ودموعها لا تتوقف ثم تصنعت بأن تنظر على بسام كي لا تقلقها على نفسها حتى هتفت له بتصنع:
"إسمع كلامها يا غسان لو سمحت، مشيها من هنا."
خرج غسان على الفور من الغرفة وهو يكتم دموعه حتى وجد أطباء الأشعة يقطعون طريقه تفهم هو بأنهما جاءا من الإنذار. خرجت من بعده نيروز التي أمسكت كتفه بموساه. بينما أمسك بسام يد والدته يسندها للخارج. والكل في الانتظار من النتيجة السريعة التي ستحدد إن كانت ستمكث أم سترحل...!!
ربتت هي على يد "جميلة" بمواساة، و"عايدة" تحمل "يامن". لاحظ الجميع صوت رجل يجلي حنجرته عند باب الشقة المفتوح، ولم يكن سوى "عز" الذي هاتف "جميلة" قبل قليل وعلم منها ما حدث حتى جاء سريعاً.
نهضت "جميلة" بسرعة، كما حثه البقية على الدخول. دخل بحرج، ثم رحب بـ "عايدة" التي ابتسمت له قائلة:
"اتفضل أقعد يا بني!"
جلس "عز" بجانب "جميلة" التي ظهر على ملامحها القلق، فهتف هو بنبرة هادئة يطمئنها:
"متخافيش يا جميلة، إن شاء الله خير."
حركت هي أنظارها ناحيته ثم هتفت بخوف ظهر بنبرتها:
"مخافش إزاي يا عز دي بيقولو مضروبة على راسها ربنا يستر، وكمان لو اللي فـ دماغي هو الصح مش هيبقي فيها خير أبداً."
المواساة كيف بدون أحضان ومسكة يد؟ هو الذي لا يحق له فعل ذلك الآن. نظر لها بهدوء، ثم نبس بنبرة لينة يطمئنها:
"إيه اللي فـ دماغك؟ إهدي كده وإطمني وإتفائلي خير."
"لا، اللي عمل كده مفيش غيره، هو حسن، حسن اللي بعد ما حصل اللي حصل وأنا معاك تحت طلع قل الدنيا هنا وعمل مشاكل بين نيروز وغسان ووقع الدنيا فبعضها وهدد غسان بإنه مش هسيبه ولا هيسيب اللي منه!"
قلقها الظاهر يقلقه هو شخصياً. اعتدل في جلسته ينظر لها باهتمام، حتى يخرج منها توترها وهو يقول:
"جميلة بصيلي، شيلي من دماغك الاحتمالات دي الوقتي، دي حاجات مش هتجيب غير مشاكل. إنتِ أكيد مش محتاجة غير صحة قريبتك وإنها تكون بخير. قومي تعالي معانا نروح لهم المستشفى. أنا كنت هروح لـ أمي وفرح بس لما عرفت اللي حصل رجعتلك هنا!"
نظرت له بتيه، ثم رأته يقف وهو ينظر قائلاً لهما بلباقة:
"عن إذنكم، هروحلهم عشان لو حد محتاج حاجة. وبعد إذنك هاخد جميلة معايا عشان تشوفهم!"
أومأت له "عايدة" دون أن تردف حديث. ارتباكها كان أقوى من ذلك. نهضت "جميلة" بخفة ومن ثم سمعت "منه" وهي تقول:
"استنوا خدوني معاكم!"
أخفض "عز" أنظاره على الفور، فأومأت لها "جميلة" وهي تمسك يديها ليتحركا معاً خلفه وهو يخرج من باب الشقة، ومن ثم أغلقت "منه" الباب خلفها. وقبل أن يتوجه كل منهم للمصعد، تفاجأوا هم بخروج "بدر" و"وردة" ومعهم بعض الأكياس بيديهم. هتفت "جميلة" تساؤلاً لهما:
"انتوا هنا من امتى؟"
"جينا بسرعة نجيب لبس ليهم، انتوا رايحين؟"
هز "عز" رأسه لـ "بدر". فنفس بعمق، وهو يجيبه بلطف:
"طب انزلوا هاخدكم فالعربية معايا!"
سبقت "جميلة" مع "منه" على السلم ومن أمامهم "عز" الذي أخذ الأكياس من بين يدي "وردة" بلباقة. ومن ثم دلف الاثنان المصعد ليهبطا حتى يتوجه كل منهم إلى الوجهة المحددة.
***
بعد مرور بعض الوقت، وقف "غسان" ينتظر بينما دخل شقيقه معهم بالداخل مرة أخرى. أمسكت "نيروز" كفه بمواساة وهي تقف تنتظر. بينما كان "حامد" يقف بلهفة ينتظر خروج من بالداخل كي يرى ابنته. جلست "دلال" تنظر بترقب. ففتح الباب مرة أخرى ووقف الجميع. بينما لم يعط "حامد" الفرصة لهم بل دخل بسرعة فائقة للداخل. في حين وقف "غسان" يبتلع ريقه حتى سحبته "نيروز" إلى الداخل. بينما وقف "شادي" فالخارج ينتظر، حيث كانت الدماء عليه أكثر شيء. في الداخل وقف "بسام" في أحد الأركان يسمع حديث الطبيب الذي رأى الأشعة على الفور. هتف لهم بنبرة هادئة مطمئنة:
"الحمد لله مفيش أي حاجة حصلت فالدماغ وده من ستر ربنا. كان ممكن يحصل فقدان مؤقت في الذاكرة وكان ممكن يأثر على حركات معينة فالجسم بس مفيش حاجة خطر ظهرت قدامي. هي بس تركيزها هيبقي مش قد كده ليوم قدام وإحذروا الحركة الكتير ليها. ممكن عادي تروح مفيش مشكلة بس بلاش إجهاد لأن الصداع مش هيروح دلوقتي من عندها ولا وجع الأذن. عن إذنكم، وخدوا أسماء العلاج المعين اللي هتاخده من دكتور أحمد تحت!"
تنفس "غسان" براحة وهو يبتسم له كما فعل "بسام". فتوجه "غسان" سريعاً ينظر إليها، فوجدها تبكي بانهيار في أحضان والدها الذي بكى هو الآخر وهو يهتف من بين دموعه:
"كده بردو يا وسام، كده توقعي قلبي عليكي!"
تشبثت بأحضانها في حين أمسكت هي يد والدتها من الناحية الأخرى حتى خرجت من أحضانهم وهي تنظر للواقف من أمامها كونها تعلم بأنه الوحيد الذي سيلبي ما تريده:
"مشيني من هنا يا غسان عشان خاطري، مش قادرة أقعد، روحوني بقا!"
وهذه المرة نظرت له. ابتسم لها باطمئنان، ثم حرك أنظاره فالغرفة انقسمت إلى نصفين كبيرين، مما جعلها لم تتحرك منها إلا من فراش لآخر وفقط، بل وبها من الأجهزة الكبيرة ما يكفي. وقف "حامد" ببطء ثم أمسك يد "نيروز" يربت عليها بحنان، وهو يهتف:
"معلش يا بنتي تعبناكي معانا. في لبس هيجي لوسام عاوزك تساعديها تغيره عشان زي ما إنتِ شايفة دلال أعصابها مش فيها!"
نظرت له "نيروز" بلهفة ثم حركت رأسها بالإيجاب وهي تقول:
"انت بتقول إيه يا عمو؟ تعب إيه وسام زي أختي وأكتر. حاضر بس هي فين الهدوم دي؟"
وما أن قالتها وجدت من يدق الغرفة عليهم ولم تكن سوى "وردة" التي تنهج بصوت مسموع. فقد بذل كل منهم أقصى ما لديه من سرعة كي يأتوا من قيادة "بدر" للسيارة والبقية بالخارج. تفهم الجميع ما سيحدث الآن، حتى خرج "بسام" وهو يسحب يد شقيقه، ثم خرج "حامد" وهو يسند "دلال"، وبقت "وردة" و"نيروز" كي يتكفلا بتغيير ملابس "وسام" ومعهما ممرضة واحدة فقط.
في الخارج توجه "شادي" و"غسان" ناحية المرحاض لتبديل ملابسهما الفوقية. أما "حامد" فوقف ينظر إلى "دلال" التي شردت بتفكيرها. نظر لها بحنو، ثم أمسك يديها قائلاً بتساؤل:
"إنتِ كويسة يا دلال؟"
"كويسة يا حامد بس قلبي واجعني مش مطمنة. خايفة على عيالي. أعصابي مبقتش فيا."
احتضنها بحب ما أن رأى قلة حيلتها. ابتلع ريقه ثم همس لها بجانب أذنها:
"كل حاجة هتبقي كويسة إن شاء الله."
"بطل شقاوة بقا يا عمي مش فالمستشفى كده!"
قال "بدر" حديثه، أمام نظرات "جميلة" و"عز" من على بعد، وكذلك "منه" التي نظرت بلطف لعلاقتهما. ضحك "حامد" بخفة، ثم نظر لآخر الطرقة ووجد "غسان" يأتي بجانب "شادي". ومن ثم فتح باب الغرفة سريعاً، حتى دخل "غسان" بها بسرعة. بينما هبط "بسام" منذ قليل ليجلب الأدوية التي كانت بالأسفل. وقف "غسان" أمام نظرات شقيقته التي ترجته بنظراتها. أشارت له الممرضة بأن يحملها. توجهت "نيروز" تسندها برفق لتجلس. ومن ثم اعتدل "غسان" يحملها ببطء بين ذراعيه وهو يبتسم لها باطمئنان. فر "شادي" سريعاً للأسفل حتى يجهز السيارة. بينما توجه "بدر" يدفع حساب المستشفى كون كل منهم فر خلفها وخلف دمائها دون تحسب لذلك. أسندت "نيروز" "دلال" برفق. في حين سار "عز" بجانب "جميلة" و"منه" التي نظرت بشفقة على حالهم ثم إعجاب بلهفة "شادي" على صديقه ووالدي صديقه. دقائق بسيطة وقد خلى المكان، ومن ثم من الواضح بأن المعظم سيرحل ليعود إلى المنزل بمواصلة وسيارة أجرة.
ساعات قليلة، وفي نفس الوقت كانت أكثر من الكثرة عليهم في مرور الوقت.
وقف "حسن" يمسك زجاجة المياه بعد مرور وقت كبير على الاثنين معًا خارج المنزل. وضع بعض الماء على يديه كي يغسل بها وجهه، كما نظف الآخر ملابسه من الدماء بأعجوبة. زفر "شريف" بضجر وهو يقول غير عابئ بالمارة على الطريق من جانبه، وهو يسبه قبل أن يردد بحنق:
"مبناخدش منك غير القرف وخلاص!"
نظر له "حسن" بغير اهتمام، ثم قلب عينيه بملل وهو يسأله بجدية شديدة:
"هنعمل إيه دلوقتي؟"
توقف "شريف" عن ما يفعله، ثم نظر له باستنكار وهو يقول:
"إسمها تعمل إيه إنت. أنا مليش فيه، أنا قولتلك على الطريقة وشد إنت بقا. تستخبى في بيتك، في بيت آدم، أو عند أي حد من الشلة، أو قهوة أبو تميم، المهم برا عني خالص وعن وجع الدماغ ده!"
قالها قاصدًا المقهى الذي كان يجلس به معه ومع الشباب. نظر له "حسن" بغضب، ثم هتف باستنكار:
"إنت كل مرة تسحبني للحاجة وتسيب أمي كده! هتبطل عوالة إمته!"
"ليه يا خويا كنت واعدك بإيه أنا وخلّيت بالوعد؟ أظبط كده عشان منزعلش من بعض. وخليك فاكر إنك اللي جيت وقولت أنا عاوز آخد حقي يا شريف وعاوز أقهره وأحزنه على اللي منه. مش ذنبي بقا إنك خرع ومبتعرفش تاخد حق لنفسك لوحدك. إن كان في دي أو في اللي قبلها فأنت كده كده غبي ومبتعرفش تتصرف يا بو علي!"
ضغط "حسن" على فكه بغيظ منه، ثم أشار له بإنفعال وهو يتحدث بصوت مرتفع:
"إنت مش بتفكر! مبتديش عقد نافع ليه بعدها؟ بقولك أستخبى فين؟ تقوللي آدم. أول مكان هيكون فيه عندي هو مكان آدم. إنت عبيط!"
توجه "شريف" يقف أمامه، ثم حرك أنظاره عليه وهو يهتف بهدوء:
"مش عاوز أقولك يا حسن إن لو حد لقيانا وشافنا هنتروق فيها. بس آدم الوحيد اللي ينفع نروح نقعد عنده، فخف كده وإهدى!"
"إنت عبيط؟ ما هو هيجيلنا هناك ولو لقيانا هنتروق!"
إحتدت عيني "شريف" وهو يطالعه، ثم أجابه بحده ظهرت في نبرته:
"يروق مين؟ ما توزن كلامك إنت كمان. متخلنيش أروح أمسكه أموته في إيدي. قادر وأعملها خد بالك، فاسكت بقا!"
"طب أقعد في جنب طيب الوقتي، وإسكت خلينا نشوف هنعمل إيه في الورطة دي!!!"
قالها بغير اهتمام. فطالعه "شريف" بتحدي من كلماته الغير مهتمة بقدرته. ضغط على فكه ثم قال بعناد:
"متخلنيش يا حسن نروح عند آدم وتشوف هيحصل إيه!!"
"إنت غبي يا بني؟ لو غسان ملبوخ دلوقتي بعدين هيجي يطربقها على دماغنا!"
قال "حسن" حديثه بتحذير. فوجد "شريف" يشير له بغير اهتمام، ثم وقف ينظر بعينيه بشرر وهو يقول:
"طب لو روحنا عند آدم وغسان جه وشوفت شغلي معاه، وإن حصل حاجة منه هواديه في ستين داهية من غير ما نلبس. هتقول إيه؟"
نظر له "حسن" بغير فهم، ثم قلب عينيه بملل وهو يشير له بضجر:
"أنا دماغي مش فيا يا عم إنت. أنا ماشي. لو هتيجي عند آدم تسكت خالص ومتتكلمش عن اللي حصل عشان هو على آخره وممكن يمشينا من البيت وساعتها مش هنضمن نروح عند حد تاني. وأنا معنديش في الآخر غيره عشان دماغي بتروق هناك وأنا محتاج الوقتي وطظ بقا!"
صمت "حسن" يأخذ أنفاسه، ثم قال:
"هنروحله دلوقتي وبعد ما ناخد اللي فيها نطلع على مكان من اللي قولت عليه. يلا أنا مبقتش قادر!!!"
تشتت عقله من فكرة احتياجه. بل ويديه ترتجف بقوة الآن وخرج آخر الحديث عندما شعر باحتياج جسده لجرعة ما من المخدر الذي تأخر عن حقنه. قال كلماته وهو غير عابئ بالآخر ولا لكلماته المتوعدة التي خرجت منه. بل سار من أمامه بعدما أشار له. ترك "شريف" الزجاجة من يديه تقع أرضًا، ثم سار هو الآخر وعقله ليس منشغل إلا بأفكاره. فقوله لكلماته المتوعدة دون حساب لها أتى من تهيج الدماء بعروقه. لم يفعل ولم يكن بعقله خطة، ولكن إن مسه حدة الشباب بسوء سيفعل ما يتوجب فعله عليه لطالما ورط نفسه مع "حسن". المرة السابقة لم يتدخل هو، وإن حدث بمرة أخرى وعلم الآخر بأنه مشترك بما فعله الآخر بشقيقته فحتماً سيتوجب عليه الوقوف له للدفاع عن نفسه غير مهتم بصديقه! عندما قلب الأفكار بعقله لم يجد هو سوى بيت آدم وفقط! كل من الأماكن الأخرى لم تستمر طويلاً. ولكنه سيفكر في الأمر!
وقفت سيارة تلو الأخرى أسفل المبنى. مابين سيارة "شادي" وسيارات أجرة أخرى أتت خلف سيارة الأول من المشفى. توقف "بدر" عن قيادة السيارة وهو يركنها على إحدى الجوانب. ففتح "غسان" الباب برفق، ومن ثم هبط حتى فرد ذراعيه يحمل "وسام" رغم قدرتها على السير، ولكنه أصر على حملها. سار بتمهل للداخل وأول من دخل المصعد كان هو وهو يحملها ومعه "دلال" التي أسندتها "نيروز" برفق. إلى أن وقفت حتى رأت المصعد يصعد. نظرت على أثرهم بشرود. ومن ثم وجدت أحدهم يضع كفه على كتفها. التفتت لتجده "حامد" الذي ابتسم لها بحنو. أمسكت يديه لتسنده بلهفة، فنظر لها بتأثر وهو يتحدث بنبرة متعبة تزامناً مع صعودهما على الدرج:
"إنت بنت أصول يا نيروز، وصحيح بيبانوا أوي في وقت الشدة يا بنتي. عمري ما هلاقي أحسن منك لإبني!!"
ابتلعت ريقها بتأثر، وعقلها يتضارب من ما تفكر به هي. ستجيبه بما يجري بعقلها؟
صعدت معه بصمت. في حين توجه "بدر" للداخل بجانب "ورده" بعدما أعطى مفتاح السيارة لـ "شادي" الذي وقف يرتب سيارته بهدوء.
ومن ثم وجدها تقف تنظر له بتمعن. اعتدل في وقفته ثم نظر لها وهو يعقد حاجبيه بجدية شديدة. فوجدها تتوجه ناحيته وهي تشير إلى وجهه ناحية خده ثم قالت بهدوء:
"في دم هنا لسه!"
رفع "شادي" يديه ناحية ما تشير إليه وهو يضغط بيديه كي يزيل أثر ما تقوله. ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها له. بينما وقفت "جميلة" على بعد منهما مع "عز" الذي كان يطمئنها بالحديث.
"متوتريش نفسك يا جميلة. اطلعي يلا وإهدي كده عشان تذاكري لامتحان بكرة ده!"
لا تغيب عنه التفاصيل إذن. ابتسمت له بحنو. ثم أومأت له قائلة بلين:
"حاضر يا عز. مع السلامه!"
قالتها وهي تشير له كي تصعد. فهز رأسه هو بابتسامة واسعة ثم أشار بيديه بلطف لـ "شادي" قبل أن يرحل. بادله "شادي" الوداع وهو يقول بلعثمة:
"مع ألف سلامة يا عز. متحرمش منك يا صاحبي. تعبت نفسك والله."
بادله "عز" المجاملة ثم أشار بيديه لـ "جميلة". في حين نظرت "منه" لـ "شادي" باستنكار وهي تردف:
"صاحبك!! انت تعرفه؟"
"احنا أي حد معدي من جنبنا كرجالة يبقى صاحبنا!"
خرجت ضحكتها منها. في حين وقفت "جميلة" بجانبها. فهز هو رأسه بهيام وهو يردد:
"ضحكتك عالم تاني وربنا يا أم عيون قناصة!"
حركت "منه" رأسها بقلة حيلة منه وهي تبتسم ثم احتضنت "جميلة" بوداع. حتى خرجت. وقبل أن تسير من أمامهم هتفت بنبرة ضاحكة لينة تشير له:
"مع السلامة يا شادي.. بيه يا بصباص يا بتاع البنات!"
كبتت "جميلة" ضحكتها من حديثها. فوجدته يرفع يديه يشير لها مع قوله المرتفع وكأنه صدق ما فعلته من ابتسامة:
"سلام يا قلب شادي بيه البصباص بتاع منه!!"
توقف عن الحديث ثم قال بخفوت:
"ضحكت يعني قلبها مال.."
صمت ثم حرك رأسه ناحية "جميلة" التي اعتدلت لتسير. وقبل أن ترحل وجدته يتساءل كي يؤكد:
"صح؟"
ابتسمت له بلطف. ثم حركت رأسها منه وهي تلتفت لتدخل إلى الداخل كي تصعد. بينما تحرك هو من خلفها مباشرة.
***
بينما في الأعلى. وقف الجميع في صالة شقة "حامد" بعدما أسند "غسان" شقيقته على أريكة مريحة أمام أنظارهم. جلست "دلال" تمسك كف "وسام" بخوف ظاهري. اما "حامد" فجلس الناحية الأخرى حيث جانب "وسام" وهو يضع يديه على كتفها. اما "سمية" وقفت تتحدث قائلة بحب:
"حمد لله على سلامتك يا حبيبتي. طنطك عايدة راحت تعملك حاجة ترم عضمك كده وتعوض الدم اللي نزفتيه لأن شكلك مرهق أوي!"
ابتسمت لها "وسام" بتأثر. في حين وقف "بسام" يعطي لها كوب الليمون حتى تستطيع أخذ أنفاسها أكثر. دخلت "ورده" ترتب فراش "وسام" قبل أن تدخل إلى غرفتها. أما "بدر" فوقف يحمل صغيره الذي كان لا يتوقف عن البكاء. دخلت "جميلة" عليهم تجلس بجانب "وسام" بمواساة. اما هو.. وقف ينظر عليها بين الجالسين. وجدها تقف على بعد تنظر بصمت. وما أن تحركت أنظارها إليه وجدته ينظر إليها بتعب بان في عينيه بقوة. تنهد "غسان" يخرج أنفاسه. ثم تجاهل حديث كل منهم الجانبي غير المهم. ومن ثم نظر إليها مرة أخرى فوجدها تقترب تمسك يد "سمية" ومن ثم احتضنتها باحتياج. أحضان الأم تريح وبشدة. وعندما احتاجت هي لذلك احتضنتها بهدوء. ربتت والدتها على ظهرها بغرابة. فخرجت "نيروز" وهي تتنهد ثم نظرت حتى وجدت والدتها تجلس بجانب "دلال". توجه "غسان" يمسك كف "نيروز". فابتسمت له بحنو. ثم سارت بعيدًا عنهم بطريق الشرفة التي توجد بالصالة بعيدًا عن التجمع. دخلت لتقف بصمت ومن ثم دخل بعدها. فوجدها تطالعه بهدوء ومن ثم وجد نفسه على فجأة يُدفع بأحضانها حتى قالت بتأثر له:
"حاسة بيك والله. عيط يا غسان. عيط ومتكتمش كل اللي انت حسيت بيه من أول اليوم. وأنا آسفة آسفة بجد لأن أنا السبب!"
ضمه إليه بغير تصديق. ألهذا كانت صامته بعيدة لا تتحدث؟ ابتلع ريقه ولا ينكر هو بأن الراحة أتت له للتو بين أحضانها. وجد الدموع تتجمع في مقلتيه دون سبب محدد الآن. بل يبكي مرة أخرى مما شعر به تجاه شقيقته. لم يشعر بأن أحد سيشعر بما به دون أن يتحدث ولكنها تبدو مبررات لكسره! ضمه إليه بشغف. ثم خرج ببطء من بين ذراعيها يمسح وجهه برفق وهو يقول بهدوء مدافعًا عن ما تقوله:
"سبب إيه يا نيروز. متقوليش كده!"
أما هي فاعتبرت أنه العناق الأخير بعد قرارها! ابتلعت ريقها وهي تنظر بعينيه مرددة بنبرة هادئة عكس ما بداخلها:
"أنا عارفة إن أنا السبب من غير ما نضحك على بعض يا غسان. أختك محدش عمل فيها كده غير حسن اللي عشت طول الفترة اللي فاتت خايفة منه ليعمل حاجة. انت عارف لو كانت راحت فيها أنا حالتي كانت هتبقى إيه؟"
ضغط على فكه من أسلوبها الذي يظهر بأنها تحمل نفسها الذنب دون أن تفهم جيدًا بأنه لا يراها كذلك! هتف وهو يتحامل على نفسه:
"اسكتي يا نيروز. هنبقى نتكلم بعدين!!"
هزت رأسها نفيًا. ثم هبطت الدموع منها وهي تخرج له ما يوجد بداخلها دون مراعاة لحاله الآن:
"هو ده الوقت المناسب يا غسان. ده الوقت اللي خلاني أتأكد إن علاقتنا ماشية تأذي فينا وخلاص. أنا مش مستعدة أخسرك ولا أكون السبب في خسارة حد بتحبه. أنا تعبت أنا كمان ونفسي أرتاح الراحة اللي مشوفتهاش لحد دلوقتي. لما قابلتك وقلبي اتحرك ليك انت بعد ما كنت ركناه قولت هرتاح بوجودك. وفعلا حصل بس مش لكثير. مشوفتش الراحة دي مكملة. لحد دلوقتي لحد وسام!! حبي ليك أذاك وأذى اللي منك وأنا واقفة مش عارفة المفروض أعمل إيه. أنا خلاص هاخد القرار اللي المفروض هيريحني ويريحك ويريح أهلك. عالأقل علاقتي بمامتك متبقاش كويسة عشان مكونش السبب في تعب حد تاني!!!!"
قلبه يُطعن منها الآن. حتى أنه لم يكن لديه القدرة على مقاطعتها في الحديث. نظر لها بتعب. ثم ردد بتساؤل والتشتت رفيقه:
"إنت.. بتقولي إيه؟؟"
أما عنها فالثقل عليها كان كثير حتى أنها تجاهد بأن تجعله براحة وأمان كي لا يتأذى. الفراق.. أهذا ما كانت تقصده؟ ابتلعت ريقها والدموع تنهمر منها مع قولها الضعيف المختنق:
"يعني قُربي منك مبقاش ينفع بعد كده. مش هستنى لما ألاقيك ميت بين إيدي أو أخوك لاقينه ميت أو مضروب. أو حتى وسام مرة تانية إن مكانش ربنا سترها فدي. أنا مش قادرة كده. مش قادرة.. يا غسان!!"
الضعف خانها عندما ظهر بقوة في نبرتها. ابتلع غصة مريرة بحلقه ولم يستطع جمع الحديث الآن. هل حقًا تريد الفراق؟ بعدما حاول من أجلها؟ أغمض عينيه بإنهاك وغضب دفين تجمع بداخله عندما هتفت هي من بين دموعها صراحةً وكأن الوضع كان ينقص ذلك!!:
"أنا.. مش هقدر أكمل!!"
صمتت "نيروز" تبتلع ريقها. فنظر هو لها باستفهام مؤلم لما أردفته. هتف "غسان" بنبرة ضائعة يتحدث رغم ألمه. يتساءل لضعفها مرة أخرى:
"تقصدي إيه؟ نبعد؟"
صمت "غسان" بألم. ثم واصل بعد لحظات عندما استوعب عدم التصديق من قرارها السريع:
"نبعد بعد كل ده؟!"
حان الآن قولها لتكسر قلبه وتنهك فؤاده كما تُنهك هي بالبطء. جمعت شتاتها ثم نظرت بعينيه بضعف وقلبها يحذرها من قولها ويسبها من تركه وحيدًا وهي تتخلى عنه. أما عقلها فنظر للصواب من الناحية الواحدة. أيقنت بأنها السبب والعله في كل شيء يحدث له. كُتب على علاقتهما بالمعاناة في بدايتها بل وصمد هو في كل مرة رغم وجعه المخفي وهي كذلك. أيقنت بأنها الخطر نفسه عليه وعلى عائلته. ماذا سيحدث إن كانت شقيقته قد رحلت عن الحياة؟
، بارعه في تحميل نفسها كل ذنب ليس لديها ذنب به ، وجع ضميرها وصوتها الداخلي ينهرها من كونها ترسل له الألم أضعاف بحبها له ، طالعت عينيه التي بدت لها وكأنه لا يريد السماع من شئ سيفتك به ، أما هي فحاولت أن تضغط على وجعها كما ضغطت على ألمه وهي تقول بنبره هادئه عكس ما بداخل كل منهما من ثورة الٱن :
_" طلقني يا غسـان !!"
تداهمنا الفواجع مره واحده. ، واحده تلو الٱخرى وهذه كانت حقيقته هو ، فـ في تلك اللحظه يتساءل هو أين حدته ؟. وأين شبابه ؟. ، لم يشعر بحبس أنفاسه كمثل الٱن ، نظر لها بغير تصديق يجاهد بالثبات التي هزته هى ، تحدث بنبره حاول بأن تخرج ثابته ، يهاجمها بتعبٍ به من الهجوم التلقائي بما يكفي:
_" أطلقك ؟؟ ، بكل سهوله كده قدرتي تقوليها ؟ ، عاوزه تبعدي بعد كل اللي عملته عشانك وعشان تبقي معايا ؟ ، هتبعدي عني عشان بردو حسن واللي منه !! ، عاوزه تفارقي بعد ما جهزنا كل حاجه عشان نبقي مع بعض ؟ ، مشوفتيش حبي ليكي ؟ محاولاتي بإنك تكوني معايا ؟ ، انا قولتلك إنك السبب؟ قولتلك إني هسيبك لو حد إتأذى بسببك؟؟ ؟"
حرك رأسه وكأنه لا يعي ما تقوله هي ، لاحظ نفي رأسها بقوه فلم يتحمل الإنتظار صرخ بها سريعاً ليجعلها تخرج بالمبررات :
_" مــــا تنـــطقـــي ..سِـكــتــي ليــــه ؟؟؟!"
خديث خلف الأخر يخرج منه بغير تصديق مؤلم ، هزت رأسها بالنفي ودموع عينيها تهبط ثم رددت بنبره مرتفعه ضعيفه تذكره بقولها:
_" لا مقولتش ، أنا اللي قولت إني مش هبعد غير لما أشوف إن كل واحد بيتأذى من وبسبب التاني ، وده حصل أكتر من مره ، وانا مش هرضي أكون سبب في تعب حد ، كفايه لحد كده ، أنا من ساعة ما إنت رجعت وإنت ولا أنا شوفنا كويس ! ، بالعكس أنا اللي خطر عليك طول الوقت ، إنت مش شايف الحال إتقلب إزاي وكل واحد بقا شكله عامل إزاي من ساعة اللي حصل لوسام ، ومش فاكر لما حسن كان هيجيب السكينه فيك وكنت هتروح فيـها ، أنا مبقتش حمل الضغط النفسي ده أنا تعبت ، تعبت ومعتش قادره "
انهيارها بحديثها وصل له حتى وصل لمن بالخارج في صوت بكائها الذي جعل الجميع ينهض منها ومن صوت صرخته المؤلمه بها على فجأه ، كان الجميع بالخارج يقف بالمساحه الواسعه التي وجدت أمام الشرفه ، أما هو فنظر لها وحدها بخيبة أمل كبرىٰ ، نظر لها بتعبٍ ثم ردد بنبره مرتفعه مُنهكه :
_"عند أول مطب هتبيعي ؟ عرفتي إنك أنانيه ومبتفكريش غير فـ نفسك وبس؟؟ ، مفكرتيش فيا ولا فـ ضغطي النفسي اللي بردو زي ما إنتي بتعاني أنا كمان بعاني ، خلاص بتقرري لوحدك وكأن مفيش غيرك خسران ؟ ، أنا مفرقش معاكي ؟ قولتلك هبقي معاكي ومش عاوز غيرك وغير راحتك وإنك تبقي مبسوطه ومش شايله هم !!، ليه مصممه توجعيني وتيجي عليا طول الوقت ؟؟؟ "
صُدم الجميع من ما فهموه ، حتى ظهر لهم بطريقه غير مباشره ، طالعته بقهرٍ ثم رفعت عينيها تطالع عينه اللامعه بالدموع الذي كتمها هو بها بالقوه ، تحشرجت نبرتها وهي تجيبه بإندفاعٍ كي يتركها لما تشائه رغماً عنه :
_" عشان أنا بوجعك بقولك نبعد ، عشان بتعبك وبتعب اللي حواليك بسببي يبقى لازم نبعد ، كفايه لحد كده يا غسان أرجوك.. !"
حرك أنظاره بألمٍ حولهما حتى وجد الجمع ملتف بصدمه ، نهر نفسه للحظه بأنه كان بإمكانه أن يحكم قلبه كي لا يدق لها من البدايه وهل للقلب سلطان ؟! لمحه بسيطه ساخره عندما إندفع بكل ما يمكن فعله كي تبقى له هو وحده ليس إلا ..، تنهد يخرج أنفاسه الثقيله من على صدره ثم هتف يوضح بملامحه المنهكه :
_" كفايه يا نيروز ؟! كفايه وكأنك كنتي حباني غصب عنك!! ، مكنتش وحش للدرجادي معاكي عشان تتخلى عني بالسهوله دي"
لوم وعتاب يوجعها هي نفسها حتى أنها لم تستطع إيصال شعورها وخوفها له ، سمعته يهتف بتأكيد قوى وكأن ضغطها عليه فعل القسوه بسرعه فائقه :
_" بس إنتِ عندك حق فكل كلمه قولتيها ، أنا بوجعك وإنت بتوجعيني فعلاً ، بس عمر الوجع ما كان وجع غير فاللحظه دي وإنتِ بتقوليلي أطلقك فأصعب أوقاتي ، وأنا قولتلهالك !"
شهق من كان لا يفهم جيداً عندما سمعوا كلمة "طلاق" ، لم يعطي أحدهما الفرصه للتدخل، ردد هو يكمل بوجعٍ وهو يذكرها هو الأخر بحديثه :
_" وأنا قولتهالك ، قولتلك إني عمري ما هحاول مع حد مبقاش عايزني وبيطلب مني أسيبه وأبعد عنه ،. مش هرمي نفسي على حد مبقاش عايزني !"
لما يقهر قلبها الٱن ، شهقت بقوه عندما أيقنت جيداً معنى كلماته ، كاد أن يتدخل البعض ، فأشار لهم "غسان" بيديه للتوقف ، هبطتت دمعته التي جاءت من قسوتها عليه في مثل ذلك الوقت ، ما أكثر الأسباب كي تهبط الدموع !!!! وخانته أمام الجميع ، حتى صُدم البعض من ما فعله هو بعدها ،عندما احتضنها بألمٍ ، عانقها كي يعلمها بأنه العناق الٱخير منه ، وعناقه شئ ٱخر شعرت بأه ضلوعها ستُكسر بين ذراعيه ، يتحلى بٱخر عناق مؤلم ؟. ، بكت بصوت في أحضانه التي ظلت للحظاتٍ فهمس بجوار أذنها بألمٍ قبل أن يخرجها من بين أحضانه التي كانت دافئه ولوهله شعرت بالأمان يحاوطها ثم الوجع عندما همس بجوار أذنها بندمٍ :
_"كُنت عارف إن حبي ليكي أكتر بكتير أوي من حبك ليا ، بس أنا اللي عملت عبيط ! "
جمله هشمت من قلبه قبل أن تنزل عليها بوجعٍ خرجت من بين أحضانه ببطئ ثم مدت يديها تخلع دبلتها حتى أمسكت كفه تضعها به وهي تردف بتحشرج:
_" أنا أسفه ، ده اللي لازم يحصل!!"
تمسك بكفها بين كفه حتى سحبته هي منه وقبل أن ترفع يديها لتخلع القلاده له وجدته ينسحب من أمامها ومن أمامهم جميعاً ، توجه "بسام" و"شادي" من خلفه بسرعه ولكنه أغلق باب غرفته بوجههم جميعاً ، خرجت "نيروز" هى الأخرى تبكي ثم سارت بخطواتٍ سريعه كي تخرج من الشقه ، وقبل أن تخرج وجدت "حامد" يمسك كفها أمام. أنظار "سُميه" الباكيه هي وابنتها :
_" ليه كده يا بنتي !"
التفتت تسحب يديها من بين يديه ثم رفعت عينيها المليئه بالدموع وهي تجييه بنبره مختنقه :
_"كفايه !! ، عشانَّا وعشانكم "
نظر بأثرها عندما هربت سريعاً من أمامهم ومن خلفها "سُميه" و"ورده" و"جميله " وحتى " عايده" التي أتت ، توجه"حامد " يجلس بجانب "وسام" التي كانت تسمع الحديث من مكانها بغير تصديق ، أما"دلال" فوقفت تبكي حتى توجهت بلهفه أمام أنظارهم تدق باب غرفة "غسان" الذي أغلقه كي لا يسمع ما لايريد سماعه:
_" افتح يا غسان ، إفتح وفهمني حصل إيه ..متقهرش قلبي عليك يا بني !!"
جملتها كانت مليئة بالبكاء ، في حين توجه "بسام" و"شادي" يحتضنوها بمواساه وصدمه مما يحدث بٱن واحد..!!
_____________________________________________
دخلت سريعاً بعد أن فُتحت لها الشقه وهي تضع يديها تكتم شهقاتها ، أوقفتها "ورده" تقاطع سيرها حتى وقفت تدخل بين أحضانها بألمٍ ، وأمام أنظار "سُميه" التي وقفت تبكى بصمتٍ وهي تردد بعجز لتسألها :
_" ليه كده يا بنتي ، ليه يا نيروز !!"
خرجت "نيروز" من بين أحضان "ورده" ثم وقفت تتحلى بالتماسك أكثر وهي ترفع يديها ثم مسحت دموعها تزامناً مع قولها لهم :
_" أنا حره وده قراري ، وبتمنى محدش يضغط عليا ، ولا يفتح معايا الموضوع ده بعد الوقتي !"
نبرتها المتحشرجه لم تفشل بأن تخرج ، لم يتحدث سوى "بدر" الذي أنزل الصغير أرضاً وهو يتحدث بعقلٍ :
_" لا يا نيروز ، أنا هكلمك وكأني أخوكي مش ابن عم غسان ، إنتِ دوستي عليه دلوقتي ووجعتيه ، وحتى خوفك عليه ميخليكيش تاخدي القرار ده كده وبالطريقه دي !!! "
نظرت له بتيهه من بين دموعها التي تهبط، أما "عايده" فاسندت "سُميه" وهي تجلسها ثم سمعتها تقول بلومٍ من بين بكائها هي الأخرىٰ :
_" عملت فيكي إيه يا بنتي ، قوليلي عملت أنا فيكي إيه عشان وجع القلب ده ، عايزة تتطلقي وإنتِ لسه متجوزتيش ! ، عقل إيه ده بس ياربي !!"
كلماتها وهي تولول بحسره ، أثارت "نيروز" التي إنفجرت صارخه بهم قائله بهجومٍ :
_" هـــو ده كـــل اللي يهمـــكم ؟ ، أنــا مش هستحمـــل وجع تاني بعد ده ، أنـــا تعـبـت ، إفهــموني بـقـا ..
توجهت جميلة تمسكها كي تهدأ من صراخها الغير مفهوم الذي صدم الجميع. نظرت لها سميه بحسرة. في حين نظر بدر بذهول على إنهيارها المفاجئ. بكت ورده وهي تأخذها بين أحضانها تربت على ظهرها وفقط. هي وجميله. تركتهم نيروز بسرعه ثم توجهت مندفعة ناحية باب غرفتها تغلقه خلفها بسرعه قبل أن يدخل خلفها أحدهم. وقفت ورده تنظر بضياع. حتى توجه بدر يربت عليها بحنو. في حين هتفت سميه بتعب هي الأخرى:
"حرام عليكي يا نيروز. حرام عليكي تحطينا فالتعب ده كله يا بنتي ربنا يسامحك ويهديك."
حديثها من قلة حيلتها. لم يكن لديها القدرة على النهوض بسبب أعصابها. هتفت جميله بتأثر من حديثها وهي تقول بوضوح للأخيرة:
"وهى ذنبها إيه يا طنط؟ المفروض تقدري إنها تعبانه ومضغوطة. أنا بعترف إن حسن يتساب بسببه ألف واحد زي غسان رغم إنه ميستحقش ده. بس هو السبب فكل اللي بيحصل ده. وخبطة وسام دي كان فيها موته. قدروها وحسوا بيها عشان لو كان حصل حاجه أسوء من كده. نيروز مكنتش هتكمل بالمنظر ده!"
قالتها جميله بدفاع عن رفيقة دربها. توجهت من بعدها تدق باب غرفة نيروز بإصرار وحزن ممزوج كي تفتح لها ولا تنفرد بنفسها.
نظرت عايده بقلة حيلة ثم نبست بنبره هادئه كي تهدأ الوضع:
"متتعبيش نفسك يا سميه. والله كل حاجه هتبقى تمام وزي الفل. إهدي إنت بس وارتاحي عشان صحتك!"
---
وقفت تبكي بحسره على حال أولادها. يسندها شادي. في حين أسند حامد وبسام وسام للغرفه الخاصه بها. توجه شادي بها إلى غرفتها ثم مسد على حجابها بحنان وهي تجلس على الفراش الخاص بها. إبتلع ريقه ثم رفع كفها يقبله ببر. يعتبرها والدته التي رحلت من الحياه بأكملها وتركته وحيدا دون أم. قبل كفها بحنان. ثم قال بتأثر من حالها:
"هتروق والله والحال هيبقي تمام. بس ريحي نفسك بس كده."
هزت رأسها بتعب. وقد لاحظت دخول زوجها وابنها الآخر وهي تردف بحسرة:
"لا يا شادي. غسان إتكسر كسره عمري ما شوفتها. حتى الكسره الوحيده اللي قهرت قلبي وخلتني مش مصدقه يوم خناقه مع بسام. بس الوقتي غير. الوقتي ابني أنا سمعت قلبه وهو بيتكسر."
نظر لها بسام بحزن من فتحها لحوار قد أغلق وتلك عادة أغلب الأمهات بعاطفتهم التي تظهر مدى اهتمامهن وتذكرهن لكل ثقيل يمر على من حملتهم بأحشائها. ابتلع شادي ريقه. في حين وقف حامد يلومها بنبره هادئه جاده:
"فكرتي فيها يا دلال الوقتي؟ عرفتي إن الكلام اللي بيخرج مننا ببقي ليه سلطان بعد كده؟ أديكي قولتيله طلقها ومشوفتيش غيره وكأنك مستعجله على الوجع والتعب ليه؟"
فاض به هو الآخر حتى وان لم تكن لديها سبب وحتى عدم علم نيروز بما تريده لانفصالهما. فالقرار أتى من نيروز نفسها وليس هي. نظرت له بغير تصديق ثم لامته وهي تشير على نفسها:
"بتلومني يا حامد؟ بقا كده؟ أنا هتمنى الوجع والوحش لإبني بردك؟"
صمت حامد بتيهه فوجد بكاءها يزداد. نظر له بسام بترجي كي يصمت. حتى توجه يربت على والدته التي كانت مثله في الطباع. أما الآخر فينهكه فؤاده لأجل ولده الذي لا يعبر عن ما بداخله يقسم الآن بأن الوجع لم يسمى وجع إلا بإنفراد الآخر بمثل هذه الطريقة. بل وسيره منكسرا بينهم بعد أن كان هو الوحيد من بينهم الذي يتحلى بالثبات ومن داخله الضعف ينهش ببعضه. ما بين ضعفه لشعوره من أجل الآخرين. وما بين ضعفه الذي ينافسه كي لا يأتي على كرامته كرجل ويلبي لها ما تريده من فراق. خرج من الغرفة ثم أغلقها خلفه بإصرار. كي يذهب له وإذ به عندما شعر غسان بأن الجميع انسحب خرج من غرفته. لم ينتبه حامد إلا عندما وجده يمسك كيس الدواء ثم دخل غرفة وسام حتى أغلقها خلفه. أيقن بأنه سيتعامل وكأن شئ لم يحدث. سينافس الوجع ويكتمه. وضع حامد يديه على رأسه بانهاك. ثم جلس على المقعد تتضارب الأفكار بعقله فلم يعطيه الآخر الفرصة في قوله لشئ بل انتشل الكيس ثم هرب يدخل غرفة شقيقته وهو يغلقها خلفه قبل أن يخرج حرف واحد من فم والده.
دخل غسان الغرفة عليها فوجدها تشهق شهقات خافته. اعتدلت وسام في جلستها فوجدها تنظر له بلهفة وهي تهتف باسمه. نظر لها بحنو. ومن ثم توجه ليجلس بجانبها في الناحية الأخرى وهو يرفع يديه ليمررها على خصلات شعرها مرددا لها بتساؤل حاني وكأن شئ لم يكن:
"بتعيطي ليه يا وسام؟"
تحركت أنظارها المشفقة نحو عينيه اللامعة. أكان يبكي؟ يتظاهر بالتماسك على آخر ذرة. هتفت بتحشرج تجيبه:
"عشانك. وعشان ني..."
بترت عبارتها عندما تنحنح هو ثم قال بحزم وهو يخرج الدواء من علبته:
"الكلام ده مش وقته الوقتي. أهم حاجه تاخدي علاجك وتبقي كويسه عشان تقدري تقومي من تاني وتذاكري وتشوفي مصالحك. وسيبك مني خالص!"
استشفت وجعه في نبرته حتى وإن حاول إخفاءها. أخذت الأقراص من بين يديه ثم نظرت له بشفقة وقبل أن ترفع يديها نحو فمها إجابته بضعف:
"أسيبني منك! متعملش مش فارق معاك يا غسان وإنت موجوع. اتكلم معايا عشان خاطري وبلاش الإسلوب ده!"
نظر لها غسان بتمعن. ثم تنهد يخرج أنفاسه وقد قرر تجاهل حديثها حينما أردف بمجرى آخر يسألها بترقب:
"مين اللي عمل فيكي كده يا وسام؟"
تحركت أنظارها بخوف من طريقته التي ظهرت عندما سألها. ابتلعت الأقراص بالمياه. ثم اعتدلت تنظر بمكان آخر وقد استغرقت لحظات. فإنتفضت هي بطريقة غير ملحوظة حينما ظهرت الحدة في نبرته وهو يكرر:
"بــصيلي وردي عليا!"
صمت ينتظر تحرك عينيها نحوه. فرفع يديه يحرك رأسها ليرفعها تجاهه وهو يردف بتساؤل مختنق:
"حسن صح؟"
ابتلعت ريقها. والمضحك بأنها قد فهمت بأنه لم يسألها. ولكنها غفلت عنه وعن ما لديه من حدة الشباب. رفعت أنظارها المترددة له ثم أجابته بتعلثم:
"ملحقتش أركز بس هما كانو إتنين ومنهم حسن. و..واحد كان مكتفني على ما حسن يضربني!"
فتحت عينيها على وسعها عندما سمعته يسبهما سبه بذيئة ثم اعتدل يهز رأسه وهو يومأ لها قائلا بحده من داخله:
"مين ده اللي كان ماسكك شوفتيه هنا قبل كده؟"
هزت رأسها نفيا. فأخرج هو أنفاسه الساخنة ثم اعتدل يرفع يديه يربت على وجنتيها بحنان. فرددت هي بإندفاع تسأله بلهفة:
"هتطلقها؟"
ابتلع غصة مريرة بحلقه ثم تنهد بتعب وهو يرسم ابتسامه زائفه على وجهه يجيبها محاولا تغير مجرى الحديث التي بدأته هي:
"نامي يا وسام. مش وقته الكلام ده!"
"لأ وقته. أنا السبب فـ كده صح؟ أنا الي خليتها تقول كده عشان حسن ابن عمها عمل فيا كده وحاول يأذيني. قول إن الكلام ده صح. وأنها هتسيبك عشان اللي حصل ليا!"
قالتها بإنهيار تحمل نفسها ذنب خراب حياة شقيقها. تفاجئ من طريقتها. اندفع سريعا يأخذها بين أحضانه وهو يهدهدها بالحديث قائلا:
"لأ مش صح. نيروز اللي خافت وبتخاف زياده عن اللزوم. إنت ملكيش ذنب فـ حاجه. ولا ليكي سبب فبعدي أنا وهي. هى اللي خدت القرار ده وهي اللي إختارت تبعد وأنا مش هغصبها تبقى معايا عافيه!"
يكذب على نفسه. يخدعها. ود لو جعلها معه رغما عنه. ولكن ماذا حدث الآن. خرجت تنظر له بغير تصديق وهي تنفي بلهفة قائله:
"لا يا غسان متسمعش كلامها. نيروز بتحبك وإنت بتحبها. مستحيل تسيبك بالطريقه دي. فكر فيها عشان خاطري!"
تنهد يخرج أنفاسه بتعب، حتى هي ببكاءها تضغط عليه هي الأخرى. سـ يساع المكان لكتم بداخله من جديد. ابتلع ريقه ثم أجابها بوجع، وهي بين أحضانه وهي الوحيدة التي جعلته يردف الحديث دون أن يتصنع اللامبالاة:
"أنا حبيتها أكتر، كنت متمسك بيها لحد اللحظة وهي اللي سابت وباعت. كسرت قلبي وأصرت تضغط عليا وتجرحني وأنا لسه مفوقتش من توهتي عليكي! هي اللي سابت وقررت تسيب بعد ما قربنا نوصل لنص الطريق سوا. أنا مبقتش قادر أتكلم أكتر، مبقتش عارف أقولها خليكي وأنا بحبك وعاوزك. الأذى مش هيطولك، محدش هيجي جنبك، هحاول عشانك، متخافيش عليا ولا على أهلي، إطمني أنا جنبك. كل ده مفرقش معاها، رغم إن كل حرف كان بيطلع كان صادق أوي من جوايا. حقها ترتاح يا وسام، بس مش من حقها تسيبني تايه في أقصر وأصعب وقت عدى عليا دلوقتي. خلتني أشك في نفسي إني مش قادر أحميها ولا أحبها زي ما هي عايزة، مع إني حبيتها يمكن أكتر ما هي حبتني!"
تتوجع وتأخذ من وجعه، وإن كان هذا الوجع الذي بداخله يصل إليها فلم تتحمل هي إذن! ضمته إليها باحتواء، وقد شعرت بمدى إنهاكه ومحاولاته المعروفة والغير معروفة، المرئية وعكس ذلك! رددت بلهفة تجيبه بتأثر:
"إنت تستحق تتحب يا غسان، إنت تتحب والله ومحدش زيك في الدنيا دي، أنا بحبك أوي!!"
تواسيه وهو الذي كان لم يخرج هذه الكلمات أمام أحد، أما هي قريبة منه القرب الذي يعلمهما الاثنان ماذا يجري بداخله الآخر دون أن يشعر أو يبذل الجهد في الشرح. وجدته يتحدث مرة أخرى والتعب لم يترك نبرته حينما قال:
"لما فكرت فيها دلوقتي عرفت إننا فعلاً تاعبين بعض على الفاضي. حتى الحب مش كفيل يخلينا نكمل. أنا اتمسكت بما فيه الكفاية واستحملت إني أشوفها عاملة حساب لكل حاجة. جيت على نفسي زي ما باجي في كل مرة وأنا شايف توترها وعدم راحتها وارتباكها وخوفها في كل خطوة بناخدها، حتى لو حاولت تخفي ده، بس أنا كنت عارف وكنت فاهم. يمكن أنا اللي وحش وأنانى ومشفتش غير نفسي عشان مش عاوز أشوفها كده. رغم إني عمري ما جيت عليها في مرة عشاني أنا، بالعكس كله كان عشانها. نبعد عشان بتتعبني وبتتعب نفسها. بس دلوقتي مش فارق معايا غيرك وبس لازم تكوني كويسة وتقومي من تاني!!"
غير مجرى الحديث بآخره، وهو يخرجها من بين ذراعيه ثم نظر لها. تعمدت تجاهل حديثه ثم نظرت له بعجز من عدم استطاعتها لقول شئ، بل هزت رأسها فقط دون أن تتفوه بحرف. نهض بعدما رفع الغطاء قليلاً عليها ثم أشار على الصحن بجانبها وهو يقدمه لها. ود لو يجلس ليطعمها كما كان يفعل مع "نيروز"!! ولكن عقله وصداعه لا يحثه على ذلك!! خرج وهو يغلق الغرفة من خلفه بعدما أومأت هي له بطاعة. وجد شقيقه بجانب صديقه يقف ووالده يجلس ينظر بشرود. تصنع اللامبالاة ولم يتعمد التجاهل لوقفتهم، بل نظر لهم باستفهام وبكل برود هتف يسألهم بجدية مع ابتسامة صغيرة رسمها على شفتيه:
"واقفين كده ليه؟ مالكم؟"
عقد "شادي" ما بين حاجبيه كما فعل "بسام"، في حين فهم "حامد" بأنه لا يفعل ذلك إلا من عزم الوجع. وقف يبتلع ريقه ثم سأله بخيبة:
"مالك إنت يبني!"
"أنا كويس وعادي أهو. ادخل نام يلا تصبح على خير!!"
ببساطة شديدة قالها وكاد أن يتوجه فوجده يمسك ذراعه يقاطع سيره مع حديثه الذي ظهر حزنه:
"بلاش كده وقولي حصل إيه؟ أو هتعمل إيه بس متسكتش كده!"
يشفق على حاله في حين بأن ولده لم يظهر تأثره أمامه. حرك "غسان" كتفيه بغير اهتمام زائف يتآكل بداخله ثم ردد بوضوح لهم جميعاً:
"أنا مسكتش ومش هعمل حاجة. هي اختارت وأنا هنفذ من غير ليه، وربنا يوفقها. محتاجين مأذون في أقرب وقت بس بعد ما الحق يرجع!!"
ترقب والده ما يتحدث عنه، ورغم صدمتهم بجدية ما قاله إلا أن خوفهم من آخر ما قاله كان أقوى. هز رأسه يؤكد بجرأة وقد قرر الاتفاق على المكشوف والظاهر:
"أيوة بعد ما أخد حقي وحق أختي من اللي عملوا فيها كده عشان هي أهم من أي حاجة دلوقتي!!!"
رأى "والده" بعينيه الإصرار. تنهد يخرج أنفاسه بقلة حيلة وعجز هو الآخر فلم يعد لديه قدرة على إخراج حديث، وحتى شقيقه وصديقه الذين تركوه يدخل إلى غرفته ومن ثم أغلقها خلفه. وما أن دخل ابتلع المر وخلع عنه كل زائف قد تظاهر هو به. أغمض عينيه بألم ولم يقوى على الخروج للشرفة أو الوقوف بمنطقة ما، بل توجه بعقل تائه يتسطح على الفراش. التفت برأسه ينظر على دبلتها الذي وضعها هو على الطاولة بجانبه. أخرج أنفاسه بثقل، ثم حرك عينيه وهو يبتسم بسخرية امتزجت بالوجع. رفع كفه ينظر على السوار التي عقدتها هي بكفه منذ أيام قليلة. حروف اسمها بين يديه هو، وهي التي تريد الذهاب وتركه!! لم يخلعها، يعذب نفسه لطالما لم يخلعها! وخاتم الزواج، دبلته السوداء في يديه اليسرى!! إلى الآن لم يعي جيداً ماذا فعلت هي من أجله. لما لم تحاول كما حاول هو من أجلها، بل والمرة الوحيدة التي حاولت هي بها، ضغطت عليه وجرحته جرح سيزال ينزف سراً، عندما قررت بأن تتركه ومن ثم التخلي!! تضيق به الأركان، ولم تضيق كمثل هذه الساعات عندما تأتي الصدمات واحدة تلو الأخرى وكأنها تسقط على رأسه وقلبه وتهشمهما تهشيم!! سيأتي النوم لزيارته هذه الليلة، يستطيع هو بأن يغفل عينيه! أم ستداهمه الأفكار وسيضغط عليه ضميره وعقله؟ وإن لم يحدث كل ذلك، فكيف للقلب أن يهدأ وهي مازالت رفيقته! أنيسه حتى أنه لم يدق لأخرى سواها حتى الآن!! كيف الفرار من الحقيقة الموجعة بالنسبة له؟ كيف الفرار منها ومن ما فعلته بأقصر وقت بينما كان عليه هو أقسى وقت يمكن أن يمر على المرء!! لم يسأل نفسه سوى سؤال واحد بسخرية لاذعة، ليس السؤال سؤال متى كانت الأمور سيئة لهذه الدرجة، بل الأصح من ذلك هو.. متى كانت على ما يرام من الأساس!
أخذ قرار كان بين الحين والآخر يلح على عقلها هي! فكرة بأنه سيتأذى منها لم تغيب عن بالها قط! بين وجع والآخر وبين ألم وتعب كانت هي محاصرة، ثم ضغطت لتحاصر نفسها أكثر بأخذها لمثل ذلك القرار بهذا الوقت وبهذه السرعة! ستفكر هي بكيف العيش بدونه بعد أن اعتادت على وجوده ووجود الأمان التي تتمنى بأن يدوم ولكن أحدهم لديه رأي آخر كي يخرب حياتهما! الدموع لا تفارقها لطالما شعرت بأنها تود فراق قلبها عن جسدها! لم تجب أي من الدقات التي كانت على باب غرفتها، لم تمل من الإصرار كي تنفرد بنفسها حتى والدتها التي بكت كي تراها وتأخذها بين أحضانها! ماذا لو علمت هي بأنها مريضة قلب، ستفعل ذلك بها وبنفسها؟ تعلم هي بأنها تظلم نفسها وتظلمه أكثر، لطالما تعلم جيداً مدى ظهور حبه الصادق التي لم ترى منه مكروه قط، ولكن هي تريه المكروه وتمثل له الخطر على حياته، كما تعتقد ولم تتنازل! لم تجف الدموع، واليوم كانت بمثابة شلالات تنهمر بكثرة لا تعرف هي أين الطريق لها! وقفت بتعب تنظر في المرآة وهي ترفع يديها تتحسس بأناملها قلادته، واحدة بل كانت قلادتين! واحدة منذ الصغر والأخرى منذ أن كتب عليهما بأن كل واحد منهم ليس إلا للآخر، والآن تبدلت الأحوال! تأخذ قرار يوجعها ويوجعه ومن ثم تشتت الكل، تعتقد بأن هذه الراحة، ولكنها تقسم بأن الشعور الآن فاق حدود الوجع ليس إلا. خلعت ما برقبتها ثم وضعته على "التسريحة" من أمامها. حتى التفتت تمسك موضع قلبها بتعب وشهقاتها لا تهدأ، بارعة في تعذيب نفسها وتعذيب من حولها، وللحق أكثر من تبرع بذلك. جلست على الفراش التي وضعت عليه الدفتر الخاص بذكرياتها في الماضي ومن ثم الحاضر والمستقبل! أمسكت القلم بيديها المرتجفة وقبل أن تفتح صفحة جديدة تدون بها بتاريخ جديد لشعور وقرار جديد، قررت أن تبحث بين صفحات الماضي. فتحت صفحات عشوائية ثم انتبهت على ما يوافق حالهما الآن عندما كان يرسل لها أحد الخطابات بعد مشكلة طفولية برع في إنقاذها منها:
"نيروز ممكن تردي عليا؟ أنا مكنش قصدي أزقك كده، بس لما لقيت حسن بيرفع إيده يشوح طوبة كانت في إيده كانت هتيجي في دماغك فلما زقيتك لقيتك وقعتي والفستان اتوسخ روحتي معيطة. أنا آسف والله وبحبك. سلام. بس افتكري إن مكنش قصدي.. أنا كان قصدي أحميكي منه!"
يبدو أنه يشعر بالمسؤولية خاصة عليها منذ زمن!! آخر كلمتان تأثرت بهم بشدة في حين بأن الوضع قد تغير الآن وهي التي فعلت ذلك لتحميه منه هو!! كذلك تعتقد!! قلبت بين صفحة والأخرى بابتسامة صغيرة من بين دموعها ثم قرأت:
"صباح الخير يا نيروز. كل سنة وإنت طيبة عشان رمضان. جيبتلك فانوس صغير لونه وردي زي الورد اللي بتحبيه بس كنت عارف لو كنت بعته كنتي هترجعيه. عشان كده إديته لبابا يدهولك. بس هو مني أنا على فكرة. بحبك وكل رمضان وإنتي حلوة وعالفكرة أنا مش هبطل ابعت جوابات حتى لو مش بتاخديها."
ابتسمت باشتياق لأيام الطفولة، والتي كانت لا تحمل هم بها، وعلى الأقل كان بأيامها والدها الراحل!!
هبطت دموعها عندما نظرت على الصورة الورقية التي وجدتها معلقة في الصفحة المقابلة. تلمستها بحنو وتذكرت. فتلك الصورة كانت هي تقف ممسكة بيد والدها وبجانبها هو "غسان" الذي امسك بيد "حامد" واليد الأخرى كان بها توأمه الآخر "بسام". ومن ثم بجانبها من الناحية الأخرى شقيقتها "ياسمين" والأخرى "ورده". ومن الخلف "دلال" و"سمية" ظهر على ملامحهما الشباب لم تكن مجعدة كمثل الآن. صورة تذكرت بأنها مأخوذة في أحد أيام الشهر الكريم عندما كانت بعزومة بشقتهم. تذكرت ذلك اليوم عندما جلست بجانبه ببراءة على سفرة الطعام فحاول هو إمساك كفها. لم تعطه الفرصة بل نظرت له بغيظ. ولأول مرة يخرج منها في ذلك اليوم. شردت بذاكرتها إلى سنوات ماضية مضى عليها الكثير.
كان الجميع ملتف حول مائدة الطعام الكبيرة خاصة أنه الآن شهر رمضان المبارك حل عليهم بالبركات والبهجة. الصغار من حولهم. و"سالم" والد "نيروز" يجلس على بعد منها فقد كانت "نيروز" تجلس بجانب "غسان" و"بسام" ومن الناحية الأخرى "ياسمين" و"ورده". الحديث الجانبي والبهجة تملأ المكان. في حين نظر "غسان" لها فوجدها مندمجة في تناول الطعام بهدوء. وأسندت كفها الأخرى على ساقها. فرفع يديه هو وسط انشغال الحديث ثم حاول وضعها على كفها وهو يسألها بنبرة خافتة:
"مش ناوي تردي على الجوابات يعني يا رزقة؟"
سحبت كفها بسرعة ثم خرجت من براءتها وهي ترسم على ملامح وجهها الغيظ حتى أردفت تعنفه بقولها الذي سمعه والدها ووالده:
"لو سمحت عيب كده. بابا قالي إن كده حرام."
"أنا عملت إيه؟"
قالها بتساؤل وقد خرجت نبرته واضحة صريحة للجالسين جميعاً. وترها بسؤاله وقد ارتبكت هي. فأخرج أنفاسه من توترها لعدم قولها لشئ. ولكن خرج صوت من تعرف بالشراسة منذ يومها. دفعت "ياسمين" شقيقتها برفق. ثم نظرت بغضب له وهي تقول رغم امساك "ورده" لها كي لا تفتعل شجار:
"إنت اللي متربتش. أنا شوفتك وإنت بتمسك إيدها. وبعدين قاعد جنبها ليه. قوم من هنا."
نظر لها "غسان" بنفس الغضب ثم قال بوقاحة هو الآخر كونها في منزله:
"وإنت مالك إنت. ما تقومي إنت من هنا."
وقفت بإندفاع. ولكن أوقفها نبرة "حامد" الذي كبت ضحكته هو ووالدها ثم رسم على ملامح وجهه الغضب الزائف وهو يشير لـ "غسان" بعينيه:
"في حد بيقول كده لحد فـ بيته؟ إتكلم معاها كويس وإتأسفلها حالا."
"تمام هتأسف بس تتأسف هي الأول هي اللي غلطت الأول!"
قال "غسان" حديثه بعناد. فضحك "سالم" وهو يحرك رأسه بقلة حيلة ثم أهبط رأسه يتحدث بخفوت بجانب أذن "حامد":
"الواد ده مش سهل ليه يا حامد. شكله طالع يفكرك بكل كبيرة وصغيرة كنت بتعملها فـ شبابك وبعدين بصراحة عنده حق بنتي اللي غلطت فيه الأول وإنت عارف ياسمين. ده الواد يعم. الواد اللي مخلفتوش فـ أنا مش مسئول بقا!"
كبت "حامد" ضحكاته ثم نظر على زوجته فوجدها تضحك هي الأخرى هي و"سمية" وهما ينظران علي النظرات فيما بينهم. أنقذ "بسام" الوضع وهو يقول بهدوء:
"متزعليش يا ياسمين هو مش قصده. هو مدايق بس عشان نيروز مش بترد عليه في الجوابات اللي بيبعتها ليها."
كان يعلم "سالم" ذلك الأمر. تصنع عدم الإنصات كما فعل البقية. ولكن إلتفت "غسان" ينظر لشقيقه بضجر. فهتفت "ياسمين" بغير اهتمام كي تكيده:
"ميهمش. هي كده كده عمرها ما هترد عليه عشان دي قلة أدب!"
"يـــاسمين!!"
قالها "سالم" بتحذير. فنظرت إلى والدها بصمت. وقد فهمت إشارة عينيه.
"إتأسفيله إنت الأول يلا. إنت اللي غلطانة إنت كلمتيه بإسلوب مش كويس!"
نظرت إلى والدها بغيظ طفولي ثم نظرت إلى "غسان" حتى قالت له بغير اهتمام:
"أنا آسفة. يلا دورك!"
قلب "غسان" عينيه بملل ثم حرك أنظاره من عليها حتى ثبتها على وجه "نيروز" الصامتة وهو يقول:
"أنا أسف.."
أسف غير مباشر أرسله لها هي كونه يرى أن الـ أخرى لا تستحق الأسف. لم ينتبه لفعلته سوى والديه الذين ابتسموا بلطف. وقلة حيلة منه. إندمج الجميع فالطعام مرة أخرى. في حين أنه نظر إليها بلطف. ثم همس بنبرة خافتة وصلتها مما جعل وجنتيها حمراء وبشدة:
"بردو بحبك"
لاحظ إحمرار وجنتيها فردد هو بالقول الذي ثبت معه إلى أن مر الزمان وقاله لها أيضاً بنفس الطريقة:
"بيدق جامد ليه؟"
"هو إيه؟"
"قلبك!"
حديث جانبي طفولي بريء لاحظه الجميع حيث كانت الضحكات الخلسة عليهم وهم يتهامسان معاً ببراءة. وللحق براءتها هي. فكان هو "غسان" الذي عرف بعبثه حتى منذ الصغر. ولم يكن معنى اسمه واقعاً إلا عندما رحل وعاد لمنزله القديم. عندما عاد لها ودخل بين المشاكل فأصبح حدة الشباب كي يحميها هي ولكن هي من تعمدت الآن بتركه هي تفعل نفس الأمر. مي تحميه!!
ابتسمت بإشتياق وألم. ثم تذكرت كلمته المعهودة والتي أوقعتها به عندما كان يردد في بداية علاقتهما الغير مفهومة بتساؤل لماذا يدق قلبها؟ والآن يدق قهراً وألما ليس إلا. لم تساعدها أناملها للغوص في الذكريات أكثر. بل أمسكت القلم تفتح صفحات أخرى بيضاء نظيفة جديدة. حيث كان الدفتر ضخم ليسع كل هذه الذكريات. ثبتت صفحة أمامها ثم دونت التاريخ واليوم المحدد وحتى الساعة التي نظرت على الحائط كي تستعلم الوقت ومن ثم بدأت في كتابة حروف مؤلمة بالنسبة لها أخيراً.
"قد أنهك فؤادي بما فيه الكفاية في عدد ساعات قليلة بعد قرار البعد.
فراق مؤلم وعناق مؤلم وعلاقات مؤلمة. فكيف الهروب من الألم؟
وأنا .. هنا مناصرة بين الحقيقة الموجعة.
الخطر .. والضياع ومن ثم التشتت والحيرة بكيف لنا أن نجتمع وكل منا يمثل الأذى للآخر. كيف التحمل وأنا أشعر بأن فؤادي يغادر جسدي الهش الضعيف ببعده عني. مجرد فكرة مؤلمة لم يمر عليها الكثير ولا أعلم كيف سأتحمل القادم من دونه. ولكن ثمة شئ له صوت بداخلي لا يرحل عن إلحاحه بقوله عندما يعلو صوته فجأة بعقلي حينما يقول
ربما هذا الصواب لا غيره!
وأنا هنا الآن بين أمرين.. الصواب والتعب.
لم أعد أستطيع التحمل أكثر. أنهك وأستنفذ طاقتي في شئ لم تكن نهايته مرضية لنا وهذه هي الحقيقة!"
حروف جدية تخرج بكل ألم. تركت كل ما بيدها ثم جذبت الغطاء ودموعها تهبط دون توقف. والحقيقة الموجعة والمعروفة بالنسبة لها بل والتي تعايشها الآن. هي انها تفارقه فيعنفها قلبها!
فصلها "حازم" عنها بإعجوبة. في حين وقف الجميع بصدمة. توجه الكل ليهدأ من الوضع بينما وقف "غسان" يتابع بصمت. وما أن تحركت عينيه تحركت نحوها هي وهي تقف تنظر بصمت قاتل وعينيها المتورمة من كثرة البكاء كفيلة لشرح حالها.
"أنا مش فاهمه حاجة إنت بتقولي إيه!"
قالت "زينات" حديثها بغضب وهي تمسك خصلات شعرها بألم. في حين أحكم "حازم" مسك "ياسمين" كي لا تتوجه ناحيتها وهو يهتف بحزم:
"إهدي بقا. إسكــتي!"
"لا مش هسكت. مش هسكت للصفرا دي هي وعيالها. إنت عاوزه إيه مننا بقا. ما كفايه! نفسي تخليكم فحالكم بدل القرف ده. إبنك القذر فين الزبالة اللي عمل فـ وسام كده. فين اللي خرب على أختي ومش هيرتاح ألا ما يموتها بحسرتها هي وأمي!"
وقف "حامد" وعائلته بسكون وترقب. في حين حركت "زينات" رأسها نفياً باستنكار. ثم رددت تجيبها بنفس الانفعال:
"أنا معرفش حاجة عن اللي قولتيها دي. وحتي مكنتش فاهمه حاجة امبارح لما كله طلع يصرخ ويجري فجأه. حسن مشى من هنا من ساعة ما كان جوه عندكم!"
قالتها ولم تغفل عن الشماتة التي خمنت بداخلها بأنه ليس سوى ولدها من فعل ذلك. تعلم تمام العلم بل وهي التي سببت له بأن تهيج الدماء بعروقه أكثر قبل أن يرحل منذ ان كان موجود بالفعل في شقته وحتى مواجهته مع والده!
تمسك "حازم" بزوجته بحزم وهو يحذرها، في حين وقفت "نيروز" تطالع "ياسمين" بهدوء مريب. ثم أجابت على جميع الحديث بنبرة هادئة ساكنة:
"مفيش غير حسن اللي عمل كده. هو اللي عاوز يوجعني ويخربلي حياتي لحد ما عملها فعلا. وهتطلق عشان يبقي مبسوط ويبعد عننا بقا بـ شره لو دا راضيه.. فـ ده هيحصل."
صمتت "نيروز" تأخذ أنفاسها، ثم توجهت بالحديث نحو شقيقتها الممسك بها زوجها. حتى أكملت "نيروز" بحديث اعتبره البعض غبي للغاية منها بذلك الوقت وأمام تلك التي تشمت:
"وأه يا ياسمين أنا حياتي اتخربت. بس أنا اللي عملت كده بمزاجي وأنا اللي قررت أبعد. فـ إنتي مش محتاجة تدافعي عني بعد الوقتي. ولو حسن ظهر مش هتعرفي تعملي له حاجة. أنا خلاص رضيت وقررت بالوضع كده. الحق من حسن مش بتاعنا.. يلا ندخل."
ضغطت على جرحها كي تجعل الكل يصمت. أغمض "غسان" عينيه بغضب مكتوم. حيث تحركت جميع الأنظار عليه وهو واقف، وكان بعضها شفقة وتعاطف. نظرت لها "ياسمين" بذهول، ثم ردت بإنفعال:
"إنت مجنونة؟ هتسيبيه عشان واحد حيوان تربية زبالة زي ده؟ هتخربي حياتك وتدمريها عشان مين؟ إنت مستوعبة؟"
"أه مستوعبة وقولتها وبقولها إن ده الصح واللي لازم يحصل."
"ادخلي جوه!"
قال "حازم" حديثه لـ "ياسمين" بأمر. فكادت أن تعترض هي، ولكن نظر لها بحده حتى وقفت مجددا بعناد. فأمسك كفها يسحبها خلفه كي لا يتأزم الوضع منها. في حين وقفت "زينات" تنظر بشماتة ظهرت بنظراتها. أشارت "سمية" لـ "غسان" كي يدخل خلفها الشقة بقولها:
"معلش ييني عاوزاك دقيقتين بس."
وجدت الرفض بنظراته، ولكن تحرج من قوله. في حين نظرت له بترجٍّ فسار خلفها بهدوء. بينما صفعت "زينات" في وجههم الباب. في حين تحرك "شادي" خلف "حامد" و"بدر" إلى شقة "سمية" المفتوحة من أمامهم.
"إنت اتهبلتي في مخك شكلك كده!"
قالتها "ياسمين" وهي تمد يديها تهز "نيروز" بكتفها أمام الجميع. نظرت لها "نيروز" بخواء ولم تتحرك نظراتها من على وجه شقيقتها. فتوجهت "ورده" تفصل بينهما، ولكن تمسكت "ياسمين" بيد "نيروز" بقوة وهي تهتف لها بنبرة متفعلة امتزجت بالتوضيح:
"إنت مش واعية؟ مش واعية حتى إني ضدك الوقتي؟ أنا كنت إمتى ضدك؟ فوقي يا نيروز، سمعاني؟ فوقي ده مش حل عمره ما هيكون ده الحل!"
نفضت "نيروز" يديها ثم قالت بنفس النبرة الهادئة:
"ملكوش دعوة بيا. أنا حرة وأعمل اللي أنا عاوزاه. إنت عمرك ما هتحسي باللي انا فيه ولا حد هنا هيحس باللي أنا فيه. افهمي بقا!"
حرك "حامد" رأسه بقلة حيلة هو وزوجته، وحتى "شادي" الذي عجز عن إبداء حل. الوضع معقد إذن! طالعتها "ياسمين" بلوم. في حين وقفت "ورده" بالمنتصف. فالتفتت "نيروز" تنظر إليهم جميعًا حتى هتفت بنبرة واضحة لهم:
"مش مضطرة أوضح ليكم. بس أنا تعبت حرام عليكم. أنا بحبه وعشان بحبه عمري ما هرضى لأذيته. قربه مني وحتى قربي أنا منه مش أمان. وسام كانت هتروح فيها بسببي وحتي هو كان هيروح فيها برضو بسببي. وأنا بتعب كمان بسبب العلاقة دي. كده كده حسن مش هيسيبنا في حالنا. أنا قررت أبعد عشان أنا الخطر هنا عليكم. وعلى عيلته مش هستنى لما حد منهم يروح فيها وأقف أنب نفسي وضميري بإني لو كنت بعدت مكنش هيحصل ده من الأول."
وقف "غسان" يبتسم بسمة ساخرة على مبرراتها التي لم تتماشى معه. صمت الجميع ووقع الفؤاد حينما أخذ أنفاسه بصوت مسموع، ثم قال بهدوء شديد وبرضا لم يراه أحد به كمثل الآن:
"حاضر يا نيروز. فأقرب وقت هحاول أجيب مأذون عشان نخرج منها بهدوء زي ما دخلنا. بس خليكي فاكرة إنك دوستي على جرح عمره ما هيتداوى بسرعة. عشان أنا بتمنالك الرضا ترضي. وقفت وحاولت أخليكي متخافيش ومتحمليش هم اللي جاي وبردو صممتي على التعب لحد اللي وصلنا ليه دلوقتي. خليكي عارفة وفاكرة إني قبلتك بكل عيوبك اللي إنتِ شيفاها سبب للبعد. عيبك إنك بنت عم حسن؟ اللي عمري ما فكرت فيها بالطريقة دي. بس إنتِ اللي صممتي توصلينا للنقطة دي رغم إن مكنش فارق معايا. بس تمام اللي إنتِ عاوزاه وأنا مبخليش حد معايا غصب. ولا بشتري حد بياع!"
تمسكت أمامه كي لا تهبط دموعها. ابتلعت ريقها من حديثه. فابتسم هو عقب قوله. حتى وجد "حامد" ينظر إليه بشفقة كبرى، حاول الهروب منها بنظراته. في حين وقفت "دلال" تبكي بعجز. وقد تحدثت لها هي الأخرى بوضوح:
"ليه يا بنتي كده؟ أنا ملقتش سعادة ابني غير معاكي إنتي. ولما خوفت عليهم زي أي أم بتخاف على عيالها قولتله يطلقك طالما بتتعبوا بعض. مكنتش عارفة بقول إيه ساعتها بس الكلمة خليته يقاطعني. يعني كنت عارفة إنه بيحبك بس لما حصل ده عرفت إنه بيحبك أوي!"
"كنت!!"
قاطعها "غسان" باختصار. فلم تستطع الوقوف أكثر كي تستمع لما يفتك بها وبقلبها بالألم. بل توجهت سريعًا نحو الداخل حتى تهبط دموعها كما تشاء. سحب "حازم" "ياسمين" خلفه نحو غرفتها. في حين خرج "حامد" يسند زوجته الباكية. وقد هدأ الوضع هدوء مريب. في حين قد خلى المكان له ولوالدتها التي صعب عليها الأمر بعدما سمعت كلماته. وقبل أن تبرر له بكلماتها وجدته يوضح بتعب لم يخجل من ظهوره أمامها:
"بنتك اللي اختارت تبعد وتبيع. أنا حاولت أخليها أمانة في رقبتي زي ما قولتيلي لحد دلوقتي لحد اللحظة دي. بس هي اللي أصرت تدوس عليا من غير ما تحس باللي جوايا."
صمت يعم مدى تعب حديثه، ثم هتف بغير تصديق مما تفعله به وكأنه يستوعب الأمر تدريجيًا:
"دي حتى مستنتش عقلي وقلبي يهدوا وأنا تايهلها وبفكرلها إزاي هجبلها حقيقة مرضك بطريقة تبقى حنينة على قلبها ومتوجعهاش. راحت بكل بساطة هي اللي وجعتني. بس أنا كنت عارف إن بنتك من البداية محبتنيش زي ما حبيتها. كنت عارف إني خسران طالما اديت أكتر ما خدت!"
ابتلع ريقه وعندما علم بأنها لم تستطع إرداف حديث توجه لينحني ثم قبل قمة رأسها بعاطفة وشفقة لحالها وكوداع لشيء كان سيربط بينهما. اعتدل يقف مرة أخرى ثم التفت بعدما رسم على محياه ابتسامة زائفة. توقف عندما سمع باب غرفتها يفتح وقد أتت من الداخل وهي تحمل بيديها علبة المجوهرات! نظرت لها "سمية" بلوم. في حين مدت يديها بألم وقد خلعت القلادة الذهبية لتعطيها له كما أعطته الذي أخذها أمس "الدبلة". وقف يحرك أنظاره بين عينيها اللامعة بالدموع وبين ما بيديها المرتعشة بطريقة ليست ملحوظة، لاحظها هو كما يلاحظ أصغر الأشياء. انتبه على صوتها المتحشرج وهي تقول تزامناً مع تقديمها له بالعُلبة:
"اتفضل خد دهبك!"
ود لو يضحك بسخرية لاذعة ولكنها خرجت منه بابتسامة واسعة جريئة لا تتماشى مع الوضع. الآن وحرفيًا إن كانا مخطوبين فقد فسخ ما بينهما الآن بذلك. وبالنسبة لعلاقتهما فتقرر نهايتها هي من جميع النواحي حتى يأتي ما عليه بقدوم المأذون! مجرد تخيلها لهذه اللحظة يؤلمها ولكنها تتعمد ضغطها على جرحها وجرحه هو الآخر. وجد نفسه يردف تلقائيًا بسخرية ظهرت في نبرته وحتى كفه الذي دفع كفها للخلف مما يعني بإرجاع ما تود تقديمه:
"خليهملك مش عاوزهم!"
أصرت على رفع يديها مرة أخرى ثم نظرت تواجه عينيه التي رأت بها الوجع المخفي أضعاف ثم قالت بعناد:
"مينفعش دا حقك. زي ما حقي تجيب مأذون عشان ننهي اللي بينا بما يرضي الله."
تتعمد القسوة في كل مرة عليه هو وحده! مرغومة على أمرها إذن. فإن كان يوجع هو فالوجع لديها شيء قاسي أيضًا باعتبارها أخذت قرار يهلكها بالكامل قبل أن يهلكه. ماذا يوصلها عقلها؟ حرك رأسه ومن ثم خرجت نبرته المتهكمة وهو يطالعها باستهزاء:
"العادي! لإنك أصلاً مبتتهاونيش وفاكرة أخد الحق حرفه من الشخص الغلط وبس. بس لو ده حقي فـ لأول مرة هسيبه. عشان ليكي."
يعترف بطريقة غير مباشرة بأنها غالية ولها مكانة لم ولن يصلها أحد بعد ما فعلته هي. صمت "غسان" يأخذ أنفاسه ثم واصل يكمل بنفس نبرته الساخرة:
"وبقولك مش عاوز منك حاجة. اعتبريهم مكافأة نهاية الخدمة!"
حديث ليس هين عليها بل يهينها. وأين الموجودين؟ لا يوجد أحد إذن. تركتهم "سمية" ينفردان بالحديث عل أحدهم يلين! ولكن يصعب الوضع أكثر. طالعته بإشمئزاز من آخر ما أردفه. كانت البداية هادئة ومن عزم وجعه أخرج وقاحته عليها.
قلبت عينيها بغضب، ثم أشارت له قائلة بهجوم:
"احترم نفسك معايا، أنا مكنتش عبده عندك عشان تقولي مكافأة نهاية الخدمة، ولا حبيتك بتمن ومقابل، كل اللي قولته إنه حقك وأنا مبجيش على حق حد!"
لم يتقبل بعد الآن طريقتها معه، كيف سيخرج حبها من قلبه؟ لم يقدر على فعلها من الأساس، طالعها بثبات، يهزها هي، ثم حرك رأسه يؤكد لها حديثه:
"لو كنتي حتى عبده كانت فاتها قدرت عن كده، بس معلش.. القلب خالي ومبقاش حد غالي!"
صمت يخرج أنفاسه، وعندما شعر بأنه اكتفى من أخذ الوجع منها، قرر تركها وترك الحديث بنبرة ساخرة وهو يودعها بجملة بها لقب من المفترض بأنه كان يثبتها به بعبثه وغزله بها وليس يودعها بعد وجعه كمثل الآن:
"سلام.. يا بنت الأكرمي!"
وبالبساطة المتعبه له من داخله قالها كي لا يظهر تعبه أمامها، اعتبرته بمنتهى البرود واللامبالاة فعلها هو! انتفضت عندما سمعته يغلق باب الشقة بقوة، حتى أن دموعها المحبوسة هبطت على الفور دون أن تعلمها بأن رحل من كانت تأبى الهبوط أمامه!
لا يوجد أحد معها بالمنزل، وحتى زوجها ذهب إلى مكتبه بعمله منذ الصباح، أخذت الغرفة بسيرها المتعاكس بشرود، أمسكت هاتفها ثم حاولت لأكثر من مرة أن تطلب رقم "حسن"، ولكن لا رد منه وهاتفه مغلق من الأساس، انتهت الحلول وقد قررت إرسال رسالة تحذره منها من عدم القدوم أو حتى عدم المكوث عند "آدم"، ابتلعت ريقها ثم خرجت بسرعة عندما سمعت صوت إغلاق باب الشقة، وجدته يدخل بهدوء، ثم وقف ينظر عليها وهي واقفة، عقد حاجبيه من ملامح وجهها غير المفهومة ثم قال بتساؤل وهو يجلس على الأريكة:
"واقفة كده ليه مالك؟"
"حسن ابنك ضرب بنت حامد وكانت هتروح فيها وبحاول أوصله عشان ميرجعش ولا يقعد عند آدم، عشان هدوء اللي اسمه غسان ده مش مريحني، شوفلك صرفه!"
قالت حديثها باندفاع، على مرة واحدة، فنظر لها "سليم" بصدمة ثم وقف يسألها بغير تصديق:
"ضرب مين؟ وعمل إيه؟ إنت بتقولي إيه؟"
"اللي سمعته يا سليم، لازم نشوف نحل نبعد ابنك عن إيد غسان، قلبي مش مطمن!"
تشنجت ملامحه بإنفعال، وهو يسير يقف مشيرا أمام وجهها بنفاذ صبر قائلا بنبرة مرتفعة:
"ما لازم قلبك ميطمنش، عشان ابنك المتخلف اللي مصر يودي نفسه فستين داهية أكتر ما هو!"
تفاجأت من انفعاله الغير معهود على أمور خاصة بضياع ولدها، وجدته يردف مرة أخرى وعدم اهتمامه خاصته قد أرسل لها بشفرة حديثه:
"إنت تشيلي من دماغك خالص إني ممكن أوصل لابنك وأشيله من تحت إيد ولاد حامد البدري، أنا قولتهالك وبقولهالك تاني، أنا شايل إيدي من أي زفت يخص ابنك، كفايه بنتك اللي ماشية ومحدش عارف ليها طريق لحد دلوقتي، بوظتيهم هم الاتنين وخربتي حياتهم وإنت واقفة بمنتهى الهدوء وكأنك أم زي الناس، اسكتي بقا، اسكتي مش ناقصين هم يا شيخة!"
يرمي لها اللوم الآن، اندفعت بغيظ، تردف هي الأخرى كي تجيبه:
"لا ما إنت متحملنيش ذنبهم لوحدي بعد ما مش لاقيلهم حل، إنت كمان سبب في اللي كل واحد وصله هنا، مترميش لوم إنت السبب فيه من الأول!"
نظر لها "سليم" بإنفعال، وقد قرر إخراج ما يراه، تحدث بغضب، وهو يشير بيديه أمام وجهها كعلامة للانفعال:
"سبب فـ إيه ها؟ كنت باخد من فلوسي وأعطي لابنك وأقوله إنزل شوف اللي إنت عايزه وارجع فالوقت اللي تحبه، كنت بديه فلوس عمال على بطال يجيب بيها شرب وقرف. كنت بقول لبنتك ده غلط وده ميتلبسش وأزعقلها علي حاجات محدش في سنها يعملها ولا إنت اللي ماشية مخلياها جريئة وتلبس إيه ومتلبسش إيه، وتخرج فين ومنخرجش فين؟ أنا اللي خلتهم بالجحود اللي هما فيه ده ولا إنت؟"
"عالأقل كنت بخليهم يحسوا بنفسهم ويقدروا نفسهم، بدل ما كنت بتيجي عليهم فالوقت اللي تحب تمشي فيه جنانك وتحكماتك عليهم، كنت بحاول أخليهم ميحملوش هم ويعيشوا سنهم، كنت عاوزاهم يشوفوا نفسهم، مش مجرد عيال من زوجة تانية، كنت بقولهم إنتم أحسن من إخواتكم وهم مبيحبكوش عشان دي الحقيقة، رغم إنك معانا هنا بس بردو إحساسي إنك دايما قلبك مع عايدة وعيالها أكتر مني مكنش بيروح، عدلت إمته بين عيالك؟ وكل كلامك عن الاحترام والهدوء كان على جميلة اللي انت نفسك مبتعملش باللي بتقوله ده قدامهم وقدامها، الكلام عن الادب والطاعة كان علي البيه حازم اللي إنت محبتش أحسن منه ولحد دلوقتي بتضعف قدامه، لسه معاك هو دلوقتي؟ سامعك وواقف جنبك، وحتى مراتك واقفه معاك هي وبنتها. محدش حبك هنا ولا قدرك غيري أنا وعيالي رغم ظلمك لينا."
توبيخ مع قلب اللوم، وأي لوم ونصف حديثها منطقي والآخر عكس ذلك، نظر لها بغير اهتمام ثم وجه لها نظره من أعلاها لاسفلها وهو يردد:
"كل ده مش هيخليني أجري على إبنك، يكش يموته فإيده أو يتحط فقلب سجن عشان نرتاح منه ومن قرفه، وكلمه زيادة هرميكي برا البيت ده، أنا معنديش حد غالي يا زينات، وحسابك معايا بيتقل، فإقعدي فجنب وفكري كده لو بنتك مشت من هنا عشان اللي جه فدماغي واللي فدماغك أقسم بالله لهكون مموتها فإيدي وكلمه اعتراض هتكوني محصلاها، جاتكم القرف، مشفتش منكم حاجة عدلة فحياتي!"
بمنتهى البرود قالها، لم تطالعه بذهول فقد تعلم إلى مدي يصل اهتمامه في الأمور العائلية، القسوة جميعها له هو وحده فقط! تنتظره بأن يشفق وأن تثار عاطفته بينما هو بدون قلب من الأساس! نظرت بحسرة على حالها وحتى حال أولادها ولم تخلو الحسرة من الحق على عائلة "حامد" التي ما أن أتت انقلبت الأمور رأسا على عقب!
وقفوا في شقة "حامد" ينظرون على "غسان" الذي خرج بعدما بدل ملابسه، لم يكن "بسام" موجود من الصباح حيث كان من المفترض بأن يذهب لعمله، بينما وقف "شادي" بجانب "حامد" و"وسام" بغرفتها، وضع "غسان" مفاتيحه بجيب بنطاله ثم أمسك زجاجة المياه المثلجة يتجرع منها بغير اهتمام حتى وقعت بعض قطرات المياه على صدره ورقبته المكشوفة من فتحة لأول ثلاثة أزرار من قميصه الأسود، ابتلعت "دلال" ريقها من تعامله اللامبالي، ثم هتفت تسأله بترقب:
"رايح فين دلوقتي يا غسان؟"
خرجت نبرتها المهزوزة كونها تتوقع الإجابة، التفت برأسه ينظر إليها وهي تقف بجانب والده و"شادي" يسندها، تنحنح يجلي حنجرته ثم أجابها باختصار:
"رايح مشوار!"
"بلاش جنان يبني واعقلها وأصبر نشوف مين فعلا اللي عمل كده!"
قال "حامد" حديثه بهدوء، فوزع "غسان" نظراته عليه وعلى "شادي" الذي وقف بتردد ومنذ أن أتى من الخارج من ما كلفه "غسان" به منذ الصباح وهو يتردد بأن يريه، حرك عينيه ثم وقف يشير لـ "شادي" وهو يهتف:
"عملت إيه يا شادي؟ ولآخر مرة هسألك ما كان فاتني نزلت وعملت المهمة دي بدل ما إنت عمال تتهرب مني كده!"
حاصره "غسان" بقوله الصريح في حين أثار الحديث فضول والديه، فهتف "غسان" معلنا الصراحة لهم حينما قال باحتراف هادئ:
"طيب حيث كده، إنتوا لازم تعرفوا إني مش هسيب حق وسام، بعت شادي يشوف الشارع ده كاميراته شغالة ولا لأ ويجيب منهم لحظة دخول وسام فيه، ونزل وجه ومقاليش أي حاجة لحد دلوقتي، فأنا أنزل بقا أشوف مصالحي بنفسي ومعتمدش على حد فيكم هنا!"
قال حديثه بسخرية من كونه يحاول وكل منهم في كل مرة يرى محاولته بالخطأ، ابتلعت "دلال" ريقها بخوف، في حين هتف "حامد" بتساؤل مترقب:
"يعني إيه؟"
"يعني بنتك مكنش عليها حسن بس يا حج حامد، عارف يعني إيه؟ يعني لو كانت دماغهم وزتهم شمال أنا كنت خدت إعدام من بدري فيهم، وأنا عارف إنه حسن لكن اللي معاه أنا معرفهوش، فـ لو معاك الفيديو تطلع بيه يا شادي بدل وعزة جلالة الله هطلع أموت أبوه وأمه قبل ما أوصل لـ *** ده!"
علم جيدًا كيف يهددهم، يهددهم بنفسه هو بالخطر! اهتزت ملامح "حامد" في حين نظرت "دلال" برهبه. فأخرج "شادي" الهاتف من جيبه، ثم قاطع سير "غسان" بسرعة قبل أن ينفذ ما قاله. قدم له الهاتف وهو يفتحه على مقطع الفيديو دون صوت. انتشله "غسان" من بين يديه وهو ينظر له بحدة امتزجت بالألم. وقف ثم أخرج أنفاسه ومن ثم ضغط على علامة التشغيل ليفتح الفيديو. ومن جانبه "حامد" وزوجته عندما تحركا ليشاهدان ما حدث بتعب. نظر بغيظ على الفيديو، وقد تبدلت ملامح وجهه للشرر. رفع رأسه بعدما استوعب من معه ثم قال وكأنه يؤكد ما رآه:
"ده شريف اللي كان مع حسن يوم ما كنا عند آدم. شريف أخو عز."
صُدم "حامد" هو وزوجته حتى أن الصدمة كانت جاهلة دون علم! هز له "شادي" رأسه بتأكيد. ثم أخذ الهاتف من بين يدي "غسان" الذي وقف متحليًا بالصمت. اعتدل في وقفته وهو يأخذ أنفاسه ثم حرك أنظاره على وجه "شادي" وهو يردد بتبره شارده غريبة أتت من غرابة ما رآه:
"حلو أوي الكلام ده!"
توجه ينحنى بجانب الباب ليرتدي حذائه. ثم اعتدل يفتح باب الشقة ولم يعطي فرصة لوالديه بالمقاطعة. حتى أنه دق باب شقة "عايدة" بصوت مرتفع. جعل شقة "سمية" تفتح عندما توجهت "دلال" تدق عليهم بخوف غير مفهوم. فتحت "عايدة" الباب وقبل أن تتحدث هتف "غسان" بنبرة جامدة:
"بنتك فين؟"
طالعته "عايدة" بإستغراب. وقبل أن ترد وجد "حازم" يسأله من خلفه بنبرة جادة:
"وإنت عاوز إيه من أختي إيه يا غسان؟"
وقبل أن يجيبه وجد "سليم" يفتح باب شقته هو الآخر. لم يعطي له "غسان" الفرصة بل سحبه يمسكه من تلابيبه وهو يردد هو الآخر رغم علمه بجهله لمكان ولده:
"الزباله اللي إنت مخلفه إنت كمان فين؟"
فصل "حازم" سريعًا بينهما في حين وقف البقية ينظرون بترقب وفقط. حتى "بدر" الذي وقف يطالع "غسان" بتفهم لتهيج أعصابه. وجد "حازم" يصرخ به قائلاً بصوت عالي:
"ده مش أسلوب ولا دي طريقة!"
ضغط "غسان" على فكه بغضب. ثم هتف بصراخ هو الآخر يشير له:
"وإيه الطريقة لما أخوك يطلع على أختي هو وأخو خطيب أختك التانية ويضربوها على راسها ويرموها فالأرض زي الأندال ويطلعوا يجروا!"
صُدم الجميع حتى "نيروز" التي خرجت تنظر هي الأخرى بعدما سمعت صوت صراخه. لهفتها عليه جعلتها تركض من داخل غرفتها للخارج. هتف "حازم" بغير تصديق. في حين وقفت "عايدة" مصدومة بشدة:
"شريف إزاي؟ ويعمل كده ليه؟ طب حسن وماشي لكن أخو عز ليه؟!"
قالها بتشتت. فهز له "غسان" رأسه بتأكيد ساخر. في حين هتف "شادي" يرضي رغبتهم في فهم ما يحدث وما العلاقة:
"أيوه شريف يا حازم. شريف صاحب حسن أصلاً من قبل ما عز يجي يتقدم لأختك!"
هز "حازم" رأسه بعدم استيعاب. فهتف "غسان" مرة أخرى بنبرة حادة لـ "عايدة":
"قولتلك فين بنتك؟"
إغتاظ "حازم" من طريقته في حين وقفت "ياسمين" وشقيقتها تنظر بغير فهم قوي. نبس "حازم" بنبرة حانقة مغتاظه:
"إنت بتكلم أمي كده ليه؟"
"تعالى اخلي أخويا يخبط أختك ويحاول يموتها ونشوف هتبقي حالتك عاملة إزاي معايا!!"
قال "غسان" حديثه بقهر داخلي واندفاع خارجي. لا يعلم "حازم" أن يغضب من ما أردفه للتو أم يتعاطف معه! هتفت "عايدة" بهدوء متفهم قبل أن يحدث من وضع سئ:
"سيبه يا حازم. معذور يبني.. جميلة جايه فالطريق مع عز كان عليها امتحان واخر مرة كلمتها قالت إنها واقفه تستني تاكسي وعز جاي معاها. يعني اللي انت عاوزه جاي فالسكه من غير صوت عالي ولا مشاكل!"
هدأ انفعاله بالتدريج عقب سماعه لمثل هذه الكلمات. فوجدها تبتسم له برضا. حرك أنظاره من عليها ثم وجهها على "سليم" حتى خرجت منه نبرته المتساءلة بتهكم والإشمئزاز لا يخلو منها:
"ما إنت لو خلفتك منها عَدله مكنش ده هيبقي الوضع. بس نقول إيه الناقص بيجيب ناقص زيه بالظبط.. بالذات لو مراته ناقصه بردو!"
قصد أبنائه وزوجته الثانية. شهق البعض من وقاحته. بينما حاول "سليم" إمساك رقبته فأمسك "غسان" يديه ضاغطًا عليها بقوة ثم قال بنبرة هادئة:
"انا إتربيت أه. بس متربتش أوي عشان أراعي سنك ده. فأركن فـ جنب وكفايه عليا إبنك وبعد كده نبقي نفوقلك ونفوق لأمثالكم اللي ماشين يخربولي فـ حياتي!!"
ترك يديه بنفور في حين تماسك "حازم" كي لا ينفعل. بينما حرك "غسان" أنظاره عليها وهي تقف تطالعه بلوم. حتى أنه انتبه على نبرتها المتساءلة له:
"ليه؟ ليه مصمم تجيب التعب لنفسك؟"
قالتها "نيروز" قاصدة هجومه كذلك في كل مرة. ابتسم لها أمام أنظار الجميع ثم هتف يجيبها بثبات زائف:
"مش مشكلتي إنك ضعيفه. والضعيف ملوش مكان فـ حياتي!"
"إسكــــت!"
قالها "بدر" بحزم. مكان ما كان سيردفه "حامد". قلب عينيه بإصرار ثم ثبتها على وجه "بدر" و"نيروز" التي طالعته بخيبة وحسرة من ما أردفه عليها للتو:
"عرفت إني لازم أسيبك!"
"بيكي ومن غيرك يا نيروز. هجيب حق وسام. وسيبك بقا من حوار انا خايفه وأنا خطر عليك وحسن وزفت و مش هيسيبك. لأ.."
صمت ينفي ثم واصل يؤكد بجرأة:
"لأ صدقي إنك إنت اللي بتعتيني وصممتي تكوني جبانه. وإنسي يكون في أمل إننا نرجع. أنا مبمسكش فـ حد ندل وأناني كده. بالذات لو زيك!"
إندفعت "ياسمين" تصرخ بوجهه هي الأخرى كي توقفه عن حده:
"اخرس خالص. أنت مفكرها إيه؟ مدلوقه عليك؟ فوق من اللي إنت فيه وبتقوله ده!!!"
سحبه "شادي" بعيدًا عنهما فدفعه "غسان" عنه وهو يبتسم لها بفخر. ثم أشار لها قائلاً بهدوء:
"أنا اللي إتدلقت فيها ومش عارف أنسي اللي عملته واللي بتعمله. قوليلي أخرس إزاي وأتأقلم مع حقيقة إنها بياعه ورفضتني فأصعب أوقاتي!"
تراجعت "ياسمين" في حديثها في حين سحب البعض "سمية" بعيدًا عن الحديث. طالعته "ياسمين" بصمت. ورغم نظرة "حازم" لها بتحذير من أن تصمت. هتفت توضح له بألم من ما تعانيه شقيقتها وحتى هو:
"إنتوا اللي عملتو كده فنفسكم. وهي قالتلك مبقتش عايزاك رغم إني ضد الفكره بس هي اللي إختارت تبعد. فمتقعدش تقطمها فـ قرار هي حره فيه حتى لو هي مش صح بس هي حره ودي حياتها!"
حديثها النابع من مدافعتها عن شقيقتها أينما فعلت. شعرت "نيروز" للحظه بأنها لها سند وظهر. ولكن وقفت تنظر بصدمه. عندما سمعتها تلطخ كل ذلك بجملتها التي أصابته بقلبه حينما قالت:
"إيه؟ هتفضل مع واحده مش عايزاك. وقالتلك تطلقها؟ قولي لو إنت بتحبها وروحك فيها هتقبل تخليها علي ذمتك إزاي وهي ممكن تكون بطلت تحبك؟!"
كل منهم يردف الحديث دون وعي منه بماذا يقول، ولكنها ضغطت على الجرح بقوة. حتى أن "نيروز" اندفعت تقول:
"لا يا ياسمين أنا مبطلتش أحبه، بالعكس أنا بتوجع ومش عارفه أعمل ده بس ببعدي عنه هو الصح لينا!"
بسمة ألم زينت محياه وهو يحرك رأسه بعبث من ذلك الحوار الذي ينهكه ليس إلا. لم يجيبهما بل حرك أنظاره على من حوله، فوجد "حازم" يغلق باب شقة "زينات" بعدما أدخلهما بسرعة كي لا يتأزم الوضع. ومن ثم وقفت "عايدة" في حين وقف "حامد" بصمت، أما زوجته فدخلت مع "سمية" هي و"وردة" إلى الداخل. تشبثت نظراتها به ثم هزمها قلبها عندما اقتربت تمسك كفه تترجاه بنظراتها وحتى حديثها:
"عشان خاطري متروحش لحسن، متعملش حاجة أنا خايفه عليك!"
خوفها عليه دائم. ظنت إنها ستعتاد الراحة بعد الآن، ولكن بما فعلته قد صعبت من الأمر. لم تعِ ما فعلته من عزم حبها له. حتى وقف البعض يطالعها بحيرة. ابتعد "غسان" عنها بألم وهو يرجع خطوات إلى الخلف، ومن ثم سحب كفه من بين يديها بتعب. ثم ردد بهدوء مريب يذكرها:
"متنسيش إنك طالبة الطلاق!"
وجدها تهز رأسها بإصرار. ثم هتفت من بين دموعها التي هبطت:
"طلبته ولسه طالباه، بس ده ميمحيش خوفي عليك!"
تشتتها يتعبُه ويتعب قلبه. تضغطه نفسيًا لأقصى حد بذلك دون أن تعلم. حرك رأسه نفيًا، ثم ابتسم بألم:
"مش من حقك لو فيها طلاق، وملوش لازوم الخوف!"
انسحب الجميع من حولهما، وبقيت هي معه ولا تعلم كيف تقف تطالعه بألم أمام باب شقته من الداخل المفتوح ويطل على الخارج. ابتلعت ريقها تضغط عليه بحديثها وهي تقول بنبرة ضعيفة:
"أنا بحبك، والله العظيم بحبك وعشان كده قلبي مش مطاوعني أفضل عشان أذيك وخلاص، أنا ببعد من حبي فيك!"
لم يشعر بنفسه إلا عندما صرخ بها بقوة وهو يدفعها من كتفيها ومازال ممسكًا هو بها مع كلمته الصارخة التي خرجت منه بقوة:
"كــــفـــايه!"
وقفت لم تتحرك، يعي جيدًا ما فعله ولم يفعل ذلك سوى للتعبير عن غضبه وتعبه. هبطت دموعها بحسرة عندما سمعته يوضح لها ما تفعله هي:
"كفايه، إنتِ إيه؟ مبتبطليش تدوسي عليا بكلامك وطريقتك دي؟ إنتِ أصلاً مش عارفه إنتِ بتعملي إيه ولا عارفه إنتِ عايزة إيه بالظبط. لو مش عارفه إن بكلامك ده بتتعبيني تبقي مشكلة، بس ماشي، أنا هطلقك وهبعد زي ما بتقولي!"
انتهى بحديثه عندما رفع يديه الاثنتان يهزها من كفتها بهستيرية. وقفت ثابتة لم تكن خائفة، بل رأت كل شعور بالكسرة بعينيه. تركها وهو يرجع خطوات إلى الخلف، ثم هتف قائلًا بنبرة هادئة على فجأة:
"هعملك اللي إنتِ عايزاه وبعدها تبعدي عني، مش عاوز أشوفك ولا عاوز أسمع كلامك وكل واحد يبقي من طريق زي ما إنتِ عايزة."
دق قلبها بعنف، والآن جاءت للحظة التي تريدها وبنفس الوقت لا تريدها. وقبل أن يردد لها بكلمة طلاقها وجدت "وسام" تندفع له قائلة بترجّي:
"لا عشان خاطري يا غسان، متعملش كده، إدي نفسك فرصة حتى لو مش هتديها هي فرصة!"
قالتها وهي تدفعه بمكان آخر غير الذي وقف به. لا يعلم هو بأن ألمه منعه عن قولها حتى هذه اللحظة. لاحظ خروجهما من المصعد حيث كان المكان الذي يقف به بجانب باب الشقة من الداخل. وقفت "نيروز" تنظر بصمت ودموعها هي التي تتحدث. ابتلع "غسان" ريقه ولم يعلم هو سوى فكرة واحدة، بأنه كان من إمكانه قولها الآن أو من قبل ذلك. بينما لم تكن هينة عليه قولها. تركته بأصعب وقت يحتاج به أن يرى احتوائها، وهذه هي النقطة الفارقة معه. طالعها بكسرة ظهرت أمامها وهو يمسك كف شقيقته كي يسندها حتى لا تخونها رأسها وتسقط. هتف بعد أن ابتلع ريقه وهو ينظر لها:
"خليكي فاكرة إنك إنتِ اللي وصلتينا لكده يا نيروز!"
طالعته بصمت، وقبل أن تبرر بحديث يضغط عليه، أوقفها بحزم وهو يردف:
"متتكلميش، أنا معتش هستحمل منك كلام، كفايه لحد كده، طلاق وهطلقك وهبعد عنك مش هخليكي تشوفي وشي عشان نبطل نوجع بعض!"
توجه "غسان" عقب حديثه، ثم أجلس شقيقته على الأريكة وهو يشير لها، ثم قال بهدوء:
"إرتاحي ومتقفيش فترة طويلة كده تاني."
أومأت له "وسام" بحزن طغى على ملامحها عندما رأت حاله. غفل هو عن التجمع القليل على السلم في الخارج عندما تركوه يدخل بها إلى الشقة التي فُتحت وسمع من بالخارج كل ذلك. كل مرة يتأزم الوضع أكثر، وحتى لم يعد بيديهم الأمر. توجه بخطوات ثابتة كي يخرج، وكانت هي من تقف لتقطع طريقه بوقفتها رغما عنها. رسم على ملامحه الجدية، ثم نظر لها حتى خرجت منه نبرته الهادئة وكأنه لم يصرخ منذ لحظات:
"عديني، عاوز أخرج لو مفيهاش حاجة مني!"
نظرت له بلوم من ما يفعله. ابتلعت ريقها بإنكسار عندما هتف هو بابتسامة تهلكه من الداخل:
"..ومش محتاج أقولك إن البيت بيتك وبراحتك يعني، حتى لو هتبقي طليقتي إن شاء الله!"
ابتعدت عن طريقه عندما تفحصها بنظراته من أعلاها لأسفلها. ثم ثبت نظراته على خصلات شعرها التي خرجت بها بسرعة دون وعي منها عندما سمعت صراخه. أشار لها بعينيه ثم قال بحده:
"المفروض إنك لسه مراتي فـ تحترمي ده لحد ما تخرجي من على ذمتي!"
ثبت نظراته على رقبتها وعلى سترتها المنزلية التي فُتح سحابها من الأمام حتى ظهر عنقها. لم يحرك أنظاره من عليها وكأنه يودعها بذلك. أخرج أنفاسه ثم هتف بسخرية وبنبرة خافتة عندما اقترب يهمس لها:
"مكنش خسارة فيا تكوني معايا بجمالك، بس إنتِ اللي إستخسرتيه فيا يبنت الأكرمي!"
يغازلها بسخرية لاذعة. يعلمها بطريقة ما بأنه لم يرى مثلها. يجعلها تندم بطريقته المؤذية في إرداف الحديث. هربت بأنظارها منه، ثم دخلت تجذب حجاب والدته كان موضوعًا على المقعد من أمام أنظارها. طالعها بتهكم ثم هز رأسه لها قائلًا مرة أخرى:
"وابن البدري.. عمره ما هيلاقي واحدة تانية يحبها ويقدرها زي ما كان بيعمل معاكي.. بس للأسف كله كان رايح في المكان الغلط!"
يهشم خواطرها بجملة تلو الأخرى. تصنعت الشراسة من إردافه لحديث يأتي عليها. هتفت بهجوم وهي تشير له قائلة بنبرة مندفعة:
"وإنت ملكش عزيز وبياع!"
"بياع... مقولتش حاجة! أصل هتكوني إتعلمتي البياعة دي من مين غيري يعني عشان تبيعيني في لحظة وبسرعة كده. أما مليش عزيز، فـ أنا بردو مليش عزيز.. غيرك. بس كنت... كنت يا نيروز!"
تركها بعدما قال حديثه ولم يعطِ لها فرصة بأن تهاجمه أكثر. خرج من الشقة بأكملها فوجد "عز" يقف بجانب "جميلة" ومعه "حازم" و"ياسمين" و"حامد" و"بدر" و"شادي" فقط. سمع هو قول "بدر":
"تعالى بس يا عز ندخل جوه، حتى الوضع يبقي أهدى تعالى!"
تحرك "بدر" والجميع نحو الداخل كي يدخل "عز" من خلفهم. بينما وقف هو ينظر إلى "غسان" الذي وقف يطالعه بصمت تام إلى أن هتف يسأله:
"فين أخوك شريف يا عز؟ فين اللي ضرب أختي على دماغها وطلع يجري زي الجبان!"
تحركت أنظار "عز" عليه بتيه وعدم فهم. بينما لم يأتِ بعقله من كل الحديث الذي علمه منهم بأن شقيقه يفعل ذلك ليوجه له شررًا وأذى كي تخرب حياته لا أكثر. احتدمت عيناه إلى هذه النقطة ثم اعتدل بوقفته وهو يجيبه بنبرة جاهد بأن تخرج هادئة ثابتة:
"أنا معرفش حاجة عن الموضوع ده. وحتى معرفش شريف أخويا فين بيته ولا معايا ليه أرقام!"
طالعه "غسان" باستنكار، ثم هتف باندفاع وهو يمد يديه يمسك ياقة قميص الآخر:
"وحياة أمـــك!!"
تشنجت ملامح وجه "عز" في حين تحرك من حوله من الرجال كي يفصلوهما. فهتف "عز" وهو يهبط يدي "غسان":
"أنا عشان فـ حتتك مش هقولك حاجة تزعلك، عشان أنا أقدر أزعلك مني أوي، بس إحنا بنفهم فالأصول، ومش محتاج أعرف إنت مين عشان دي مش أخلاق دكتور بسام المحترم!"
"حلو..."
أنا غسان وعاوزك تزعلني أو حتى تفهمني يعني إيه أخوك وملكوش أرقام مع بعض ولا تعرف حتى طريق بيته. إحنا هنحور على بعض!
أهبط يديه من عليه بإرادته عندما فصلوهما عن بعضهما. فتنفس "عز" بعمق. ثم أشار له قائلاً بتفسير:
"هقولك اللي فيها ولو بعد اللي حكيته لسه شايفني بداري عليه تبقي مبتفهمش!"
ترقب "غسان" كما ترقب الكل باهتمام. قرر قص ما رآه وما تهتف حياته على "حازم" أيضاً. رأى أنها قد جاءت الآن اللحظة الحاسمة لقول كل شيء لا يجب أن يداريه. سمع نبرة "غسان" الهادئة وهو يشير له نحو شقته قائلاً:
"ماشي. مستعد أسمعك. بس بعد كل ده هتيجي معايا ندور على أخوك و تقف قصاد أخوك اللي مش هيفلت من إيدي وهجيبه كده كده هو والناقص اللي معاه..!!!"
هكذا كان حديثه وهو يشير له كما أشار له "حامد" بهدوء. ومن ثم سار معه "حازم" و"بدر" و"شادي" إلى شقة "حامد". أما "عز" فيعلم تمام العلم بأن شقيقه يمكنه فعل ذلك والأصعب والأقسى من ذلك.
***
منذ أمس ولم يتحرك أي منهما من منزل "آدم" ويعد إقناع "شريف" للجلوس كون حدة الشباب منشغل بما فعله من جرم هو والآخر. كان "آدم" مرحباً بهم بفتور. فقط. حتى أنه لم يصبح كثير الحديث. وحتى تناوله الهلاك. حاول بأن يتأخر على الجرعة الذي يأخذها. نجح مرة وفشل مرات كثيرة منذ أن قرر. يبكي. يبكي لعدم قدرته على أخذ القرار. فعندما يصر يجد عوائق بطريقه. الطريق إلى الاستقامة كفاح إذن!! جلس بغرفته ثم رفع يديه يمسح دموعه وهو يرفع أنظاره المترجية للأعلى ثم دعا بقوله الذي ظهر به التشتت:
"يـارب. دلني على الصح من غير تعب. نفسي أبطل والله نفسي أبطل بس مش عارف..!!!"
نبرته المختنقة الحائرة أتت من عجزه. مع العلم بأن بإمكانه أخذ القرار النهائي وأن بيديه يذهب لشقيقه ويحثه على فعلها كي يضعه بمصحة. وعندما يصل إلى هذه النقطة يرجع أميال إلى الخلف لمعرفته جيداً بكيف سيكون الألم. ولكن الاختيار كان بيديه من البداية! لما الوجع ولما الندم الآن.. هذا ما قاله عقله له. نهض يخفي آثار دموعه سريعاً. ثم عدل من ملابسه أكثر قبل أن يخرج لهم متظاهراً بهيأته العادية. وصل إلى مسامعه نبرة "حسن" الضاحكة وهو يقول بمنتهى الدناءة على إحدى الفتيات:
"دي البت دي كانت مقضياها مع كله وفالأخر خدها الغلبان ده. عارف لو يعرف ماضيها والله ما كـ..."
بتر "آدم" حديثه عندما هتف بملامح وجه بها من الضجر ما ظهر لهما:
"بس يا حسن إسكت. حرام!!"
حرك "شريف" أنظاره بغير اهتمام ثم نظر على الآخر فوجد ضحكاته تتعالى. فضحك هو الآخر. عندما هتف "حسن" بسخرية لاذعة:
"شيخنا.. من إمتى ده ياعم. ده إحنا دافنينه سوا..!!"
"بصراحة يا آدم معاه حق. يعني أنا لما جيتلكم وقربت منكم من فترة. كنت إنت خاربها على الآخر معرفش مالك نخيت ليه كده ورجعت لورا..!!"
قال "شريف" حديثه بنبرة ضاحكة أثارت غيظ "آدم" الذي هتف يوقف ما هم به:
"منختش ولا رجعت لورا. كل الحكاية إن عيني إتفتحت وعرفت الصح من الغلط والحرام من الحلال..!!"
"وهي السجاير اللي بطلتها دي مش حرام. ولا الضرب والحقن هما اللي حلال يا دومي!!"
بكل استفزاز قال "حسن" حديثه. فتعالت ضحكات "شريف" الذي يجعل الأمر أكثر استفزازاً بضحكاته. نظر له "آدم" بصمت. ثم قال متحلياً الثبات:
"لا مش حلال. بس عالأقل بحاول عشان ملقاش نفسي ميت وملاقيش حد جنبي. أو بلحق نفسي عشان موصلش لمرحلتك دي.."
صمت عن قول حديثه وهو يطالع "حسن" الذي طالعه بغير اهتمام. فوصل يكمل مرة أخرى ليواجهه:
"إنت مصدق نفسك؟ مش شايف نفسك عامل ازاي؟ دا إنت لو حد نفخ فيك هتموت يا غبي يا متخلف. سيبك من شريف ده. مش هينفعك والله ولا عمره هيوصل نفسه للمرحلة اللي بقيت فيها دي!!!!"
وقف "شريف" ببطء ثم أشار لـ "آدم" بتمثيل ضاحك:
"كده إنت بتغلط فاللي بيعملك دماغك. هتبقي قدها لو قولتلك معنديش ليك كيف لما تيجي تطلب والجزمه فوق رقبتك!!"
كبت "حسن" ضحكاته وهو يخرج اللفافة من فمه ثم نفخ الدخان من أنفه. تزامناً مع قول "آدم" الغير مهتم:
"عمري ما هتذل ليك يا شريف عشان تبقى عارف بس!"
"ولو حصل والكيف ذلّك"
صمت "آدم" ثم هرب بأنظاره كي يجلس على الأريكة التي كانت على بعد منهم. ثم أخرج هاتفه ليفتحه هو وحده بعيداً عن ما يفعلانه الاثنان. لم تكن لحظات إلا وقد تبدلت ملامحه للصدمة عندما قرأ إحدى الرسائل المرسلة ولم تكن الرسالة بمحتواها إلا من "زينات"!!! هل ما قرأه الآن صحيح؟ حسن يهرب؟ ومن معه؟ وضرب ابنة عمه؟ ولم يجيب على اتصالات والدته بسبب إغلاقه لهاتفه. وعندما وصل لآخر جملة وقف بإندفاع عندما قرأها صراحةً..
"وقوله غسان مش هيهدى ألا ما يمسكه يموته. لو عندك يا آدم خليه يمشي بسرعة. شكل غسان ابن عمك ده مش ناويله علي خير..أمانه لتقوله."
نظرا له الاثنان باستغراب من وقفته السريعة المندفعة بل ونظرات الغضب في عينيه. وقبل أن يسأله أحدهم وجد نفسه يتوجه سريعاً ليمسك "حسن" من تلابيبه وهو يردد بصراخ:
"عَـمـلـت إيـــه تـــاني يا متخلف!!"
إستشف "شريف" بأنه علم لا محال. بينما طالعه "حسن" بغضب هو الآخر وهو يدفعه بعيداً عنه مردداً بنبرة منفعله:
"عملت إيه فـ إيه؟"
"بنت عمي. بنت عمي يا واطي. طب غسان ولما تضربه هياخد حقه منك لكن هي. عملتلك إيه عشان تعمل فيها كده! جاي تقعد عندي بالحداقة وتغفنلي"
قال "آدم" حديثه بنبرة مرتفعة جعل "حسن" يطالعه بصمت. بينما وقف الآخر ينظر بترقب. إلى أن هتف "آدم" مرة أخرى:
"كل ما أقول هتبطل غباء وجهل بقا ترجع تبوظ الدنيا وتعكها علي دماغنا فالأخر يا ***"
تشنجت ملامح "حسن" من سبه. في حين أشار له "آدم" بإنفعال:
"مش هقولك تقعد المرادي يا حسن. وأحب اقولك جهز نفسك بقا إنت والأستاذ وإمشوا من هنا عشان غسان مش ناويلكم علي خير. وياريت معتش ترجع خالص طول ما إنت مصمم تبقي غبي كده!!!!"
نظر "حسن" باهتمام. ثم رفع عينيه يوجهها نحو "شريف" الذي هتف بمنتهى الهدوء:
"متزقش كده يا عم. أنا ممكن أقعد وأشوفلك غسان مين ده اللي جايلنا وناويلنا على الشر وأعرفه مقامه قد إيه! ...بس هناخد نفسنا ونمشي من هنا بالذوق أصل شكلك يعني كده والله أعلم بتطردنا..!!"
نظر له "آدم" بإستهزاء. في حين توجه "حسن" يسحب "شريف" خلفه وهو يقول على عجالة غير عابئ بالحديث:
"يلا بسرعه. اخلص.."
سار "شريف" من خلفه هو الآخر ثم ارتدى حذاء قدمه من الداخل حتى وضع يديه يتمم على هاتفه الذي كان بجيبه ومن ثم غمز لـ "آدم" ببرود. وهو يردد بنبرة ليست هينة:
"لما تطرد شريف. تبقي لازم تعرف انت كنت فـ إيه وهتبقي فـ إيه. إبقى قابلني لو عبرت دماغك تاني.
"سلام!"
"طظ يا شريف!"
قال آدم حديثه بجرأة فوجد شريف يهز رأسه له ومن ثم سحبه حسن بسرعة خلفه كي لا يأتي ما قاله الآخر. سمع صوت إغلاق باب المنزل. في حين جلس هو بإنهاك. ومهما حدث لم يستطع هو محو خوفه الصادق على صديق أيامه. ولكنه أيقن بأن حسن لا يوجد منه أمل ليسحبه معه للطريق الصحيح. بل قربه منه يؤخر ما يفعله من صواب من الأساس.
ثم يعود السؤال لهم هم وهم يتساءلون بنفس سؤال من رأى المعاناة.
جلس الجميع على المقاعد ومر وقت قليل عليهم. صوت عز في سرد ما رآه وما نشأ عليه أثار شفقة البعض والبعض الآخر يهتف لنفسه. أيوجد تضحية كمثل ذلك؟ أيقن البعض بأنه رجل بل وعز الرجال كما يرى الغير. تحركت أنظار غسان عليه بشفقة لم تظهر ثم هتف يقول بنبرة هادئة وهو ينهض:
"أنا كمان يا عز موجوع على أختي. بس قولي سبب كافي يخلي أخوك يعمل فيها كده؟ قولي حتى لو حد عمل كده لأختك هتفضل قاعد كده؟"
يحاصره بل وذلك الغير هين يعبر له عن أسفه لمعاملته قبل قليل بطريقة غير مباشرة. علم عز غايته الأخرى من الحديث. في حين وقف شادي يأخذ أكواب العصير من يد دلال. ثم وضعها على السفره بجانبهم. وقف عز يحرك رأسه بهدوء ثم قال بهدوء متفهم:
"أنا مقدر خوفك يا غسان. بس أنا مليش علاقة بشريف غير الدم فعلاً. وأنا معاك في أي حاجة تحكمها عليه. عشان لو حطيت نفسي مكانك عمري ما هسكت على حق أختي!"
يثير نقطة شراسته. وبخه حامد بنظراته. فـ أخيراً قد رأى سكون ولده الآن يأتي أحدهم وشجعه. وقف غسان ثم نظر إلى بدر قائلاً له بنبرة شديدة الهدوء:
"أنا رايح عند أخوك يا بدر. ولو لقيته يعرف حاجة عن الموضوع ده مش عايزك تزعل!"
وقف شادي وحازم الذي ود لو ينفرد بـ عز بعد أن سمع مختصر حياته. تحركت أنظار بدر عليهم جميعاً ثم وقف تزامناً مع قوله:
"أنا جاي معاك يا غسان. وعاوز أقولك لو آدم يعرف حاجة عن الموضوع ده من قبل ما يحصل هعرفه أنا وهسيبك ليه تعمل اللي تعوزه. بس أنا أضمن أخويا عشان هو نضيف وعمره ما يطلع منه حاجة زي دي!"
هز غسان رأسه له ثم اعتدل بوقفته وهو يشير لهم بقوله:
"يلا!"
قالها وهو يخرج من باب شقتهم. سار من خلفه شادي وعز وحازم. في حين وقف حامد يوصي بدر بخوف وهو يقول:
"خد بالك يا بدر. متسبهوش يا ابني يعمل حاجة يودي نفسه في داهية. إحنا مش ناقصين!"
"متقلقش يا عمي. اطمن!"
آخر ما سمعه من ابن شقيقه ومن ثم خرج. جلس حامد مرة أخرى بتعب على المقعد وقد سمع صوت شهقاتها من خلفه. وقبل أن يدير رأسه لها وجدها تأتي لتجلس بجانبه هي الأخرى بتعب وقد ظهر الخوف في نبرتها الباكية عندما قالت:
"أنا مبقتش حمل القلق ده ياربي!"
كذلك كان القول المتحشرج بالبكاء. وهي تعلن عجزها وقلة حيلتها بما يحدث أمامها. رفعت أنظارها للأعلى من وسط نحيبها ثم قالت بخوف مرة أخرى:
"أستر يارب..!"
نظر لها حامد بسكون ومن ثم رفع يديه يمسح دموعها ثم ربت على كفها قائلاً محاولاً بث الإطمئنان بها:
"هيسترها يا دلال. هيسترها متقلقيش.."
"عرفتي إن نيروز كانت لازم تعرف من الأول. مبسوطة وإنتِ كل شويه فقلق وهم كده وإحنا مش عارفين هيحصلك إيه!"
توبيخ من ياسمين إلى والدتها. بعيداً عن غرفة نيروز التي دخلت لها جميلة لتواسيها. ولم يكن التجمع الآن سوى من ياسمين وسميه وورده وعايده. حركت سميه رأسها بخيبة ثم تنهدت تأخذ أنفاسها. في حين هتفت ياسمين مرة أخرى بلوم:
"عاوزة أفهم. فهميني يا ماما. فهميني إيه اللي بتعمليه في نفسك ده؟ مش بنتك اللي خدت القرار اللي كلنا ضده. جايه توجعي قلبك أكتر ما هو موجوع ليه؟"
نفت سميه برأسها لها ثم قالت بنبرتها المتحسرة:
"أفهمك وأقولك إيه؟ أنا تعبت يا بنتي سيبني في حالي. عايزة أختك تبقي اسمها مطلقة وماشية قاهرة في نفسها لحد ما هتطُب ساكتة مرة واحدة ومش عايزاني أتقهر ولا أبكي على حالي ده!"
"حرام يا ماما كده. ارضي وإن شاء الله كله هيبقي تمام. إنتِ اللي تاعبة نفسك!"
حديث كان من ورده التي حاولت بأن تهدأ الوضع بين شقيقتها وياسمين التي أردفت مرة أخرى توبخها بتعب:
"حرام عليكي نفسك وتعبك إحنا ما بنصدق تبقي كويسة. تقومي تاعبة نفسك أكتر. دا مش عقل والله. والله ما عقل أبداً. اللي إنتِ وبنتك فيه ده!"
إنفجرت توبخها من خوفها عليها. فلم تعطي ورده فرصة لوالدتها بأن تتحدث بل خرج اندفاعها لشقيقتها وهي تقول بحزم:
"كفايه يا ياسمين بقا. كفايه حرام عليكي سيبيها في حالها وكلميها بطريقة أهدى من دي شوية. هي كانت عملت إيه يعني؟"
نهضت عايده في حين نظرت ياسمين لشقيقتها ثم وزعت نظراتها بينها وبين الأخرى تزامناً مع قولها:
"لا عملت. لما كل شويه تعيط وتقعد تندب كده يبقي مفيهاش بعد كده صحة. كل شويه بنقول ياماما صحتك! ياما قلبي. ياما متعيطيش! نعمل إيه تاني؟ مش بنتك اللي عاوزة كده وقررت كده ما تبقى مطلقة هنعمل إيه؟ هنقعد نبكي على الأطلال بقا ونركن في جنب عشان هتبقي مطلقة وخدت قرار مش ماشي على هوانا. ما هي حرة يا ستي. هي حرة.. بس كفايه وجع قلب بقا من كل ناحية الواحد معتش مستحمل كده!"
أردفت حديثها بنفاذ صبر. بينما نظرت لها ورده بصمت لم تستطع إرداف حديث أكثر. بينما أنصتت سميه لحديث ابنتها وهي تجيبها بنبرة باكية:
"مش هتحسي بيا ولا بوجعي على أختك واللي بيجرالها. ما إنتِ مش في مكاني."
"كفايه عياط وحزن بقا. كان في إيدنا إيه؟ أو بإيدنا إيه نعمله وهي راكبة دماغها. ليه مش قادرة تفهمي إن اللي إنت بتعمليه ده بيوجعك ويتعبك أكتر!"
صمتت تنظر بسكون وهي تستمع لحديث ابنتها ثم رفعت يديها تمسح دموعها تزامناً مع نهوضها وحدها لتذهب ناحية غرفة نيروز. أمام أنظارهن. نظرت ورده ناحية ياسمين التي وقفت تخرج أنفاسها ثم قالت:
"براحه شوية يا ياسمين. أومال لو مش عارفه إنها تعبانه!"
حركت ياسمين رأسها بقلة حيلة ثم اندفعت بقولها لها:
"ما عشان عارفه إنها تعبانه بقولها كده. إنتِ مش واعية لو فضلت كده حالتها هتبقي عاملة إزاي. إحنا ما بنصدق تكون كويسة وفحال كويس تقوم هي منغصة عليها حياتها. وبردو أختك الغبية اللي مش فاهمه هي بتعمل إيه. كل اللي إنتوا فيه دا عك. عك من أول ما خبينا على نيروز مرض ماما. قوليلي لو كانت تعرف كانت هتبقي كده وهتعمل اللي عملته ده؟"
تستجوبها بهجوم. فصمتت الأخرى بعجز. حتى واصلت الأولى تقول مجدداً بنفس الإندفاع:
"عرفتي إن كل اللي ماشيين فيه ده غلط!"
"ولو سيبتكم هنا يوم واحد الدنيا بتبوظ. كان فإيدك تبعدي ماما عن كل ده. كان في ايدك تتصلي بيا وتقوليلي اللي حصل مكنتش هتأخر ثانية. عالأقل بأي طريقة كنت وقفت التخلف اللي بيحصل بين اختك وغسان. ما أنا مش راضية بردو عن اللي بيحصل ده. بس طبيعي لما تقف قصاده وتقوله مش عايزاك هقف مع أختي اللي محدش فيكم حاول يفهمها هنا. كله سابها تعك وتعمل اللي هي عايزاه من غير ما تاخد رأي حد. ده صح ولا ده غلط؟ محدش عارف إنها هتتعب من كل ده ومش هتستحمل التعب النفسي ده بردو. حتى هي وهي بتاخد القرار مش عارفة هي ممكن تحس بـ إيه ولا إيه اللي ممكن يحصل من ده. وكل ده فالٱخر مش حمل الا عليها وعلى ماما اللي كل شوية بقول هتروح مننا فأي لحظة قبل ما تعمل زفت عمليات."
أخرجت "ياسمين" كل ما تود قوله دفعة واحدة لشقيقتها التي نظرت لها بحزن. ومن ثم هبطت دموع عينيها منها وهي تلومها بقولها:
"كنتي عاوزاني أعمل إيه يا ياسمين؟ كنت هتدخل وهعمل إيه وهي بتقول حرام عليكم سيبوني فحالي أنا معتش قادرة أنا تعبت. كنت أغصبها على إيه؟ وأودي ماما فين وكل اللي حصل كان قدام الكل."
ابتلعت "ياسمين" ريقها ثم وجدت "عايدة" تتوجه لتربت على يد كل منهما وهي تقول بهدوء:
"إهدوا ي حبايبي. إهدي يا ياسمين يا بنتي متكبريش المواضيع أكبر ما هي. ومتلوميهمش على حاجة حصلت غصب عننا وعنهم. ونيروز أختك حتى لو القرار غلط بس هي مش صغيرة عشان تقولي كده. هي مسئولة وكمان مكتوب كتابها يعني هي اللي تقرر وتتحمل نتيجة قرارها حتى لو هتتعب زي ما بتقولي. وحتى وردة محصورة بينها وبين جوزها وابن عمه هتعمل إيه يا بنتي ما كله جه مرة واحدة كده."
تركتهم "ياسمين" وهي تتوجه ناحية غرفة "نيروز" هي الأخرى. بينما ربتت "عايدة" بحنو على "وردة" التي مسحت دموعها بسرعة ما أن رأت "يامن" وهو يخرج يهتف باسمها من غرفتها. ابتسمت له ثم توجهت لتجلس وهي تشير له ليأتي لها.
دخلت "ياسمين" عليهن الغرفة ثم أغلقتها من خلفها بهدوء. وجدت "سمية" تحتضن "نيروز" التي خرجت بسرعة من أحضان والدتها ما أن رأت "ياسمين" تدخل. نهضت "جميلة" وقد تفهمت معنى نظرات "ياسمين". انسحبت بهدوء لتخرج. في حين وقفت "سمية" أمام "ياسمين" التي هتفت لها وهي ترسم عليها ابتسامة زائفة:
"كفاية دموع ياماما. وسيبيني معاها شوية."
نظرت لها بقلة حيلة ثم وزعت نظراتها المحذرة لها بما بعقلها. حتى انسحبت تخرج من الغرفة بخطوات هادئة. سمعت "نيروز" صوت إغلاق باب الغرفة. بينما جلست "ياسمين" وهي تطالعها بهدوء. ثم خرج سؤالها لها على فجأة:
"مبسوطة كده؟"
وجدت السؤال يوجه إليها. ولم تفعل سوى أنها حركت رأسها بنفي. ثم جلست تحاول الثبات أمام نظرات الأخرى التي عرفتها جيداً. جاهدت بأن تخرج منها نبرتها المختنقة وهي تجيب:
"لأ."
"طب ليه يا نيروز؟ مش هقطعك بس هقولك الحقيقة اللي لازم أقولهالك عشان خايفة عليكي."
ترقبت "نيروز" ما ستردفه الأخرى عقب قولها. فأخذت "ياسمين" أنفاسها ثم بدأت بقول حديثها الهادئ العقلاني:
"مش هقولك عملتي ليه كده بس هقولك إن غسان نفسه ميستاهلش منك ده خالص. دا بدل ما تقفي جنبه؟ تحتويه؟ حتى لو القرار عاوزه تاخديه وتقوليه بس عمره ما كان ينفع في وقت زي ده! أنا وحازم كنا الخناق بينا أكتر من أي حاجة. بس لما كانت تحصل مشكلة كنت بركن أي خلاف وأروحله لما أحس إنه موجوع ومداري مش ظاهر ده كمان. وبعد كده بنرجع نتعاتب وأتهاون بقا متهاونش على حسب الحاجة. بس عمري ما قولتله يسيبني على أول مشكلة كبيرة حصلت. رغم إن حسن كان ولسه بيكرهني وأنا كمان بكرهه وياما قال وعاد وزود ونقص بس بدل ما كنت بهرب كنت برد عليه. عمك كان بيحاول يعمل أي حاجة عشان يبعدنا عن بعض ومكنش عايزني لابنه. بس وقفت بكل بجاحة وأنا اللي اتمسكت بـ حازم. عارفة إن الوضع متغير وإن حسن عندك اتصرف تصرف تاني غير معانا بس هي هي الحاجة لو. وقفتي وأصرتي على تمسكك بيه مش تظهري إنك بعتيه زي ما هو شاف. إنتِ أختي وممكن أقول عليكي غبية ومبتفهميش. بس قدامه عمري ما هسند ولا هقف إلا معاكي إنتِ وبس."
صمتت تأخذ أنفاسها وهي تنظر على ملامحها المنصتة. ثم واصلت بنفس العقلانية:
"وخوفك ده مش مبرر قوي عنده أو عند أي راجل عموماً. عشان هما أساساً. مهما كانوا بيحسوا ومهما كانوا بيقدروا برد نقطة الإحساس دي مش هي التمام والأساس عندهم. دول بيحكموا على إنك تقفي جنبهم وتديهم حلول وتسنديهم مش تحسي إنك خايفة عليه وسيبتيه عشان كده. ساعتها مش هيقول غير إنك أنانية ومبتحبيش غير نفسك وبس!! كل واحد فينا عنده طريقة تفكير مختلفة. وغسان أصلاً. أول واحد عايز احتواء وكلام كده حماسي بإنك عمرك ما هتسيبيه ولا هتتخلي عنه. أصل ده واحد مسك في كل اللي. قدامه عشان بس عاوز يجيب حق أخته!! يعني العبيط اللي يقول إنك مش هتبقي فأمان معاه!! كان ممكن يقولك من ساعة موضوع السكينة اللي جت فيكي إنه يسيبك عشان انتي اتأذيتي بسببه بس هو عمل إيه؟ باعك؟ قالك همشي عشان خايف عليكي؟ قالك هسيبك عشان انتي كنتي هتروحي فيها؟ بالعكس أنا شفت إنه اتمسك بيكي أكتر. ده خوفت منه ليضربني ولا يعمل حاجة لما قولتله اطلع برا على ما أغيرلها لبسها. مستحملش يبقى بعيد عنك الكام دقيقة دول وكأنه لو بعدتي إنتي هيجرالك حاجة!! دلوقتي إنتي بعدتي وكسرتيه بكلامك وعلفكرة اللي إنتي قولتيه برا عالسلم لما كنا واقفين مش صح وجيتي عليه بكلامك بس وقفت معاكي عشان إنتي لسه ليكي ضهر وسند ومهما تعوزي وتختاري فأنا هقف معاكي وهدعمك في الحاجة اللي مش هتأذيكي ولا تتعبك وتتعب اللي حواليكي."
سكنت في حديثها ثم أخرجت أنفاسها بهدوء. بينما نظرت "نيروز" إليها بتشتت. ومن ثم كتمت الدموع بعينيها من فكرة أنها تائهة. ابتلعت ريقها ثم بررت لها بقولها العاجز:
"وأنا تعبت يا ياسمين ومبقتش قادرة. أنا كده وهفضل بخاف كده. بس والله خوفي عليه أكتر بكتير من أي حاجة. يمكن قصدت أبينله إني بياعة عشان يسيبني بس أنا مش هستحمل أي كلمة منه بعد كده في وسط الكلام. مش عاوزة الماضي ده ولا اللي بيحصل دلوقتي يأثر بعدين ويرجع كل ده بسببي في الأول وفي الآخر عشان دي حقيقة ومش هتتغير. حسن إيده طايلة حتى لو هو نفسه مش عارف يحمي نفسه بس شره أقوى منه ومعندوش قلب وحتى لو مش موجود فلما بيظهر بيقلب الدنيا وأنا مش هقعد كل شوية على أعصابي استنى أشوف هيحصل إيه. وفأي لحظة ممكن يأذيني في غسان. حتى لو هنتجوز وهنخلف ونعمل بيت فكرة إن شره بينا دي أنا مرعوبة منها. أنا نفسي أعيش في سلام نفسي وراحة بال ومش أشغل دماغي بحاجة ويوم ما حبيت اخترته بكل حاجة فيه من غير ما أبص إنه مش بيتهاون في حقه وإنه ساعات ببقى متهور وممكن يموت اللي قدامه ويروح فيه في داهية. دا غير إنه مش بينسي. حتى لو اتصلح حالنا وحصل اللي بتقولي عليه فـ مش هينفع مش هيغفر. اللي أنا عملته غصب عني عشان منتوجعش في بعض!!"
رفعت "ياسمين" ذراعيها تضمها إليها عندما وجدت الانهيار بآخر ما أردفته. ربتت عليها بتعب وهي تهدهدها ثم قالت بنبرة لينة عميقة:
"بس اهدي. اهدي يا نيروز. وإستني نشوف هيحصل إيه. إن شاء الله خير وبس اللي هيحصل. بس هوني على نفسك. هوني عليها ماشي."
بكت في أحضانها بعجز. حتى أنها لم تكن لديها القدرة على الموافقة بهزة رأسها. لم تأخذ منها سوى المواساة وفقط. لطالما كانت "ياسمين" وستكون خير السند لها. رفيقة الأيام الشديدة عكس رفيقة دربها اللينة "جميلة". دائماً ما تقدم شقيقتها الحلول. تشعر بها دون أن تخرج بالحديث. حتى وإن خرج انفعالها عليها ولكن في النهاية تصبح لديها الرهبة والخوف والاهتمام على ما يصلح لشقيقتها وفقط. لطالما كانت الرجل وبنفس الوقت المرأة.
وبالسرعة الكافية قبل قليل، وقف كل منهم بعدما هبطوا من سيارة "شادي".
يقف كل منهم أمام منزل "ٱدم".
ترقبت الأنظار في حين رفع "غسان" يديه يدق الباب دقات متتالية، بل ويحكم نفسه وأعصابه لأقصى حد.
وقف "عز" بجانب "حازم" و"شادي" في الخلف، في حين كان "غسان" بجانب "بدر" في المقدمة.
لم تكن سوى لحظات، وظهر من خلفهم "ٱدم" وهو ممسك بسجادة الصلاة.
فقد خرج للمسجد وأتى بعد انتهاء الصلاة.
التفت "غسان" سريعًا على الصوت، بينما وقف "ٱدم" ينظر بقلق من الوضع والتجمع.
سمع هو نبرة "غسان" الساخرة له:
"حرمًا، مش غريبة كل ما أجيك ألاقيك بتصلي؟"
صمت ثم قال سريعًا قبل أن يجيبه:
"دعيت لحسن المرادي ولا لأ؟"
قلب "ٱدم" نظراته بغيظ مكتوم، في حين هتف "بدر" يقول بوضوح:
"حسن فين يا ٱدم هو واللي معاه؟ وعرفني حالًا. إنت كنت عارف اللي عملوه وساكت ولا حكايتك إيه بالظبط؟ لأما هقل منك وسط الناس دي كلها وفي قلب الشارع!"
قال "بدر" حديثه بحزم.
فابتلع "ٱدم" ريقه وقد رأى غاية كل من "غسان" و"بدر" في الفتك به.
هز رأسه بنفي ثم قال بدفاع عن نفسه:
"أنا معرفش حاجة، إنتوا بتتكلموا عن إيه؟"
توجه "غسان" يمسكه من تلابيبه ثم قال بإنفعال خرج منه بعد أن فقد السيطرة على كتمه:
"ولّا، مش عايز استعباط. اخلص قول فين حسن واللي معاه؟ وكنت عارف اللي عمله في أختي ولا لأ؟"
وقف "بدر" بمكانه ينظر بانتظار لإجابة شقيقه.
الذي نظر بخوف غير واضح لهم، حاول أن يداريه ثم أجاب بنبرة هادئة بها من الاهتزاز ما ظهر لـ "غسان" الممسك به:
"والله ما كنت أعرف حاجة. هم جم امبارح عندي من غير ما أعرف اللي عملوه. لحد ما أم حسن بعتتلي رسالة من شوية وقالتلي لو هو عندك خليه يمشي عشان غسان مش ناويله على خير. وقالتلي اللي حصل في وسام. وبعد كده قمت زعقت فيه وقولتله يمشي من هنا عشان متجيش تقوم عليه."
كل معاني الغباء وضاعت به هذه اللحظة.
رفع "غسان" سريعًا كفه يصفعه على وجهه بانفعال وهو يصرخ به بتوبيخ:
"وقلتله يمشي يا غبي! قلتله يمشي يا متخلف يا واطي؟ دا المثل بيقول أنا وابن عمي عالغريب يا ***"
اندفع "بدر" و"حازم" يفصلانهما عن بعضهما تزامنًا مع قول "عز" الهادئ وكأنه لا يرى عراك من أمامه:
"طب ولما مشى هو وشريف اللي كان معاه راحوا فين؟"
"معرفش. والله ما أعرف. أنا قولتلهم إمشوا وحسن قام وشد شريف بسرعة قبل ما غسان يجيله!"
قالها بنبرة مرتفعة وهو يعدل من ملابسه ناظرًا نحو "غسان" الذي أمسكه "حازم" و"بدر".
طالع "غسان" بغضب ثم عنفه بقوله وهو يسأله باندفاع:
"راحوا فين يا واطي؟ راحوا فين انطق!"
"ما قالك معرفش. خلينا نفكر وإسكت شوية وإهدى!!!"
نظر إلى "بدر" بشرر ثم حرك رأسه بالنفي وهو يشير بيديه لـ "آدم" مع قوله له مرة أخرى:
"أنا مش هستنى. إنت هتيجي معانا دلوقتي وتعرفنا وتودّينا كل مكان ممكن يكون موجود فيه القذر ده. عافية ذوق هتيجي يعني هتيجي!"
هز له "ٱدم" رأسه بخفوت.
في حين صمت البعض وقد رأى بهم التأييد من قراره السريع ذلك.
ولكن هتف "غسان" مرة أخرى بنفس الغضب:
"أول مكان تتوقع يكونوا فيه إيه؟ إنجز وقول يلا!"
تحامل "ٱدم" على نفسه من طريقة الآخر التي لم تروق له.
وجد "بدر" يحدجه بتحذير كي يجيب "غسان".
فأخذ أنفاسه وهو يجيبه قائلًا:
"في قهوة هنا جنبنا بشوية. ممكن يكونوا راحوا قعدوا فيها من جوه عشان فيها مكان مستخبي كنا بنقعد فيه."
"نركب لها ولا هنمشيها يا ٱدم دي؟"
سأل "عز" سؤاله بعقل.
فأمعن "ٱدم" النظر بملامح وجهه ثم اجابه بهدوء:
"اللي تشوفوه وأنا معاكم!!!"
"نركب يا جماعة عشان نوصل بسرعة. يمكن يكونوا هيمشوا من هناك ولا حاجة!"
لم يكن الحديث المقترح سوى من "شادي" الذي أشار لهم وهو يتوجه نحو السيارة.
أومأوا له وكل منهم يتجه خلفه.
ولم يكن آخر من سيتوجه سوى "غسان" الذي دفع "آدم" بكتفه وهو يردد بخفوت قبل أن يسير قبله:
"أقسم بالله ما نجدك من إيدي غير أخوك يا زبالة يا عويل!!"
توقف لحظات ثم أردف مجددًا بتقزز:
"إنت اللي بيجري في عروقك ده إيه يالا مايه؟!!!!"
نظر له "غسان" عقب قوله بإشمئزاز ثم سار من قبله وهو يسمعه يجيب على حديثه بقوله المستفز:
"بردو ملكش فرص معايا أقبلك يا غسان. ومش جاي معاكم عشان خاطرك ولا خاطر سواد عينك. عشان بس عمي وبنت عمي وأخويا مش أكتر من كده!"
تعمد تجاهل حديثه وهو يبتسم بسخرية تزامنًا مع دخوله السيارة.
ومن ثم دخل "ٱدم" من بعده.
دقائق بسيطة ثم بدأ "شادي" بتشغيل محرك سيارته التي أخذتهم جميعًا حتى يبدأ بالتحرك نحو المقهى الذي قاله "ٱدم"!!!!
لم تتحرك منذ أن تركها وحدها حبيسة سوى من ساعة واحدة فقط قبل الآن.
نهضت تجلب ملابس طويلة تسترها ثم دخلت المرحاض الكبير بالخارج.
جسدها الهش الضعيف بطاقتها التي تنفذ لم تعد تقدر على ذلك.
وحتى الطعام ترفض بأن يدخل فمها.
انكسرت بكل معاني الكلمة من انكسار.
كل لحظة تمر عليها توبخ بها نفسها وبقوة.
أين كان عقلها؟ وأين ذهب قلبها؟ له. لذلك الحقير الذي اعتدى عليها بكل وحشية.
من آمنت له وجعلت منه أميرًا له سلطان على القلب والعقل.
ماذا فعل بها هو في النهاية؟
انتهت بجلستها الآن على الأرض بالغرفة الأخرى التي كانت تجلس هي بها.
توضأت وفعلتها.
رغم جهلها من الأساس بكيف تجري هذه الأمور.
كيف يجري القرب من الله؟
لم ينظر بأنها قواعد وقوانين بل نلجأ إليه في كل وقت لفظ الجلالة موجود.
يقبل العبد أينما فعل وأينما حل عليه.
بسخرية لاذعة ابتسمت هي عندما بحثت على سجادة صلاة لتصلي عليها.
لم تجد من الأساس.
ومن البداية لم تهتم هي.
وضعت أمامها حجاب رأس أبيض غير التي ترتديه هي كي تسجد عليه.
ركعتين لله فعلتهما هي ببكاء مرتفع ينهك من قلبها إنهاك.
عجزت عن الدعاء وحتى عن قراءة ما تيسر من كتاب الله كي يخفف عنها.
بل بين الوقت والآخر تردف هي لخالقها بأنها تعلن قلة حيلتها وتنتظر منه الفرج.
وأي فرج سيأتي من عند الله لطالما كنت أنا البعيد لا أفقه شيئًا.
تفوتني كل صلاة!
لم تجد من ينصحها في حياتها بل لم تقابل هي سوى توبيخات كثيرة على أشياء أكثر تستحق ولا تستحق.
ليتها استمعت لحديث شقيقتها. شقيقها.
نصائح زوجة والدها التي كانت تدخلها "عايدة" بين الحديث كونها تشفق عليها.
كل ذلك يرجع إلى ذاكرتها وبقوة.
يدهمها كل صواب غفت هي عنه.
حثتها ساقيها هي على النهوض عندما أتى بعقلها فكرة من المحتمل بأنها ستنجح.
وان نجحت.
كيف الفرار من تهديده الصريح لها.
ستفعلها أولًا.
وإن نجحت ستفكر في الأمر.
جذبت سكين رفيعة جدًا من بدايتها ثم توجهت ناحية الباب تدخل به طرفه الحاد الرفيع كي تحاول بأن تقوم بفتحه وهو مغلق بقفل.
تحاول مرة واثنتين وأربعة.
وسبعة.
كل ذلك ولم تأخذ من كل محاولة سوى الفشل في فعلها.
تضيق الأركان أمام نظراتها ومن ثم.
جلست أرضًا بوهن وعجز.
ثم تركت السكين تقع أرضًا منها بخيبة وصوت شهقاتها يعلو مرة ثم مرة أخرى البكاء بصوت.
وصلت السيارة بسرعة أمام المقهى.
أوقفها "شادي" ببطء ومن ثم تحرك ليهبط وهو يشير لهم.
أول من هبط كان "غسان" الذي سار بجانب "عز" ثنائي كفيل لبث القلق إلى من يعرفهم جيدًا.
فذلك هو المندفع والآخر الذي ما أن يخرج انفعاله لن يهدأ بسهولة.
لطالما وصف بالعقل في أوقات معينة.
بل والأول لين القلب عن الثاني وهذا الغير معروف.
دخل "غسان" يبحث بانظاره وقد كان بجانبه جميع الشباب. وجه نظراته لـ "ٱدم" ثم قال بنبره خافته:
"مين صاحب القهوه دي!"
رفع "ٱدم" عينيه يشير إلي ذلك الجالس مع بعض الرجال. أومأ له "غسان" ثم حرك أنظاره بتمعن يبحث عن ما يود أن يجده. إستصعب الأمر عليه في حين قال "عز" بذكاء:
"إنت قولت فين المكان المستخبي ده؟"
وجه سؤاله لـ "ٱدم" الذي إبتلع ريقه وهو يقول:
"المكان اللي جوه ده محدش بيدخله كتير عشان لو في كبسه أو الحكومه جت فمره محدش يعرفه. ولو دخلت كده علطول صاحب المكان هيمنعك ومش هيقولك أصلا."
وجد علي ملامحهم الحيره في حين هتف "حازم" قائلا وهو يقترح:
"طب ما نكرمشله فـ أيده كام ميه!! هيرضى."
"مش هيرضى. هو هيضمن منين إنك مش ظابط ولا مخبر. مفيش حل غير إن ٱدم يدخل جوه!"
هكذا كان جواب "غسان" الذي نظر بحيره. أشار لهم بالجلوس على المقاعد كي لا يكونو نقطة شك بين الناس من حوله. جلس كل منهم وعلى ملامحهم الترقب. فأشار "شادي" لـ "غسان" وهو يردف له قائلا بغير فهم كما كان البقيه:
"مش فاهمك يا غسان وضح!"
فهم "عز" ما سيقترحه الٱخر. أخذ "غسان" أنفاسه ثم أشار لهم برأسه وهو ينظر نحو "ٱدم" تزامنا مع خروج نبرته وهو يسرد ما يجري بعقله:
"ٱدم اللي عارف المكان وهو اللي كان بيدخل يعني محدش هيعرف يدخل جوه ألا هو. اما بقا إزاي فركزوا معايا وبالذات إنت."
لهجته كانت جاده. جامده. فنظر له "ٱدم" بغيظ مكتوم في حين أكمل "غسان" بقية حديثه بنبره هادئه كي لا يصل صوته للٱخرين من حوله:
"إحنا هنقوم من هنا وهنروح نقف فشارع جانبي نستني ٱدم بعد ما يجيبهم لو هم جوا. وأنا متأكد إنهم جوه طالما في مخبأ زي ده. هتخش إنت وتقولهم إن إحنا كنا عندك من ساعة وعرفنا القهوه اللي حسن بيقعد عليها وهيجولك بعد ما هيدروا عند أصحابكم وبعد كده القهوه دي زي ما أنت هتقولهم إنك اللي قولتلنا الأماكن وتوهتنا فالأول!"
فتح "ٱدم" عينيه علي وسعها ثم نفى برأسه سريعا بإندفاع:
"أنا مش هعمل كده. لو حد فيهم حس بغدر مني مش بعيد يقوم الباقيين عليا وأولهم شريف. وهم مش هيبقوا لوحدهم هناك دا لو كانوا هناك."
"هتسمع اللي قولته وهتروح. عشان اللي يعمل حركه زي دي في أختي ويطلعوا يجروا زي الجبنه يصدقوك عادي. انت مش صاحبهم؟"
نظر "ٱدم" إلى "غسان" بتشتت في حين خرج صوت "حازم" أخيرا يوضح:
"حسن هيقوم معاك يا ٱدم وهيجي. حسن جبان حتى لو شراني بس جبان دا غير إن منظره ده مش هيساعده إنه يقعد يستني حد يجيله يحط عليه!"
حرك "بدر" رأسه ثم نظر صوب "ٱدم" قائلا بثقه:
"هيجوا معاك يا ٱدم. قوم يلا!"
ابتلع "ٱدم" ريقه في حين هتف "عز" أخيرا بثبات يوقف نهوض "ٱدم":
"بس شريف أخويا مش هيدخل عليه حاجه زي دي!"
"هتدخل عليه مادام جه عنده هو وحسن عشان يهرب معاه. جرئ إنه فضل ومروحش بيته بس هيجي عالأقل أول ما ٱدم قالهم إمشوا قامو مكركيين ومشوا بسرعه!"
قالها "بدر" بعقلانيه. فهز له "عز" رأسه بإقتناع ليس بالكامل. نهض "غسان" سريعا ثم رفع ذراعه نحو شارع علي بعد منهم وهو يقول:
"هنبقى هناك كده هتخش يمين هتلاقينا علطول!"
هز له "ٱدم" رأسه بخفوت ثم جلس بمكانه متظاهرا بمسكه للهاتف إلى أن يتحرك الشباب جميعا. أصبح بمفرده بعد دقائق. فأمسك هاتفه ثم نهض يفعل صفاره من فمه متوجها نحو ذلك الرجل الذي يجلس حتى خرج صوته بترحيب حار ليجعله يفهم ما يريده:
"أبو تميم. فيــنك يا عم..!!"
"عم ٱدم! فينك انت ياض. أنا اللي فيني بردو يا واطي بقالك فتره غايب وحارمنا من طيفك ليه. لتكون عقلت ياض. لأ فوق كده لسه بدري!"
قالها ذلك الرجل بخشونه ونبرته في قول حديثه كانت غريبه سوقيه للغايه. مع ضحكاته السمجه. حاول "ٱدم" أن يجيبه بتبرير مقنع ومن ثم التلميح له بما يريد أن يدخل بمكان ليس معروف للكل.
إجتمع "غسان" والشباب في الشارع الجانبي متراصين بجانب بعضهما في وضع الإنتظار. هتف "بدر" أخيرا يقطع الصمت ثم قال لـ "غسان" الذي وقف ينتظر:
"أنا بقولك من دلوقتي يا غسان أهو. حقك متتكش فيه أوي. إحنا لا سوابق ولا بتوع سجن عشان متروحش فـ داهيه. عارف إن أنا لو مكانك مش هفش غلي غير بإيدي وأنا برجّع حق أختي بس لدرجه إن حد يموت فـ إيدي يبقي لأ."
طالعه "غسان" بصمت ثم تظاهر بالاهتمام كي يصمت في حين هتف "حازم" يقول:
"بدر عند حق فالحته دي. وكمان حسن مش حمل نفخه. غير إنه أخويا ومش هتمناله الشر بس هو يستاهل يا غسان!"
"في صداع هنا ي جماعه احترموا ده بقا!"
قالها "غسان" بتبجح وهو يشير بإصبعه ناحية رأسه. وبخوه بنظراتهم في حين طالع "بدر" "عز" الساكن ثم ردد يسأله:
"ساكت ليه يا عز. ما تتكلم تقول حاجه إنت كمان!"
رفع "عز" أنظاره ثم وجهها ناحية "غسان" الذي وقف يضع يديه علي جيبه وهو ممسك به. علم "عز" ماذا يضع هو بجيبه. ابتسم له بإعجاب. في حين إستشف "غسان" نظراته. فردد هو بنبره هادئه صريحه:
"ساكت عشان أنا الوحيد بينكم اللي مش حاسس بأي ذرة خوف علي أخويا شريف. فمش هتكلم وأقول لغسان خلي إيدك حنينه عليه. لو عليا نفسي أخفيه من علي وش الأرض بس مش بإيدي. وساكت بردو عشان مستغرب علاقة حسن أخوك يا حازم بشريف أخويا. دا حتي فرق السن بينهم شويه! دا شريف أكبر مني أنا شخصيا."
"عادي يا حبيبي الواطيين بيتلمو علي بعض من غير سن."
قالها "غسان" بسخرية. في حين هز له "عز" رأسه بتأييد وهو شارد. إعتدل سريعا بوقفته عندما سمع صوت أقدام من علي بعد. عقد الكل ما بين حاجبيهم باستغراب. فأشار لهم بأن يعتدل كل منهم ليستند خلف الحائط. واحد. إثنان. ثلاثه. دخل "ٱدم" الشارع أولا وهو بهتف بلهفه زائفه لم تكتمل:
"بســرعه. تعالو بســرعه من هنــا..!!!"
وقعت الفئران في المصيده. يمكن قول ذلك إذن. دخل "حسن" يركض من قبل "شريف" خلف "ٱدم" وما أن دخل سحبته يد "غسان" سريعا وهو يحاصره على الحائط ثم وضع يديه علي فمه وهو يخرج مطوته ليضعها أمام رقبته. في حين تصنع "شريف" الذكاء وما لم يسمع هو صوت دخول بقدميه الشارع فسحبته يد "شادي" هى الأخري وهو يفعل نفس فعلة "غسان" الذي هتف الشرر قد تملك منه:
"أهلا. أهلا بالناقص!"
حاول "حسن" التملص فأمسكه "بدر" في حين وقف "حازم" ينظر. بينما دفع "شريف" "شادي" بإحتراف وهو يرفع ساقه ليضربه به حتى تأوى فتوجه "عز" يقرب من النصل الحاد الذي انتشله من "شادي" سريعا ثم وجهه صوب رقبة "شريف" وهو يبتسم قائلا بنبره ليست هينه:
"مش هتهرب منها يا شريف. خليني أعرفك بقا المره دي. إنك مؤذي بجد. وأنا قولتلك لو حصل منك حاجه تخص حوار خطوبتي هزعلك مني!"
طالعه "شريف" الذي سكن بين يديه عندك ثبته الأخر بتمكن. نظر له بابتسامه ساخره وقد إعتلت أنفاسه لما فعله قبل قليل. بينما خرجت نبرة "غسان" الذي عنف "حسن" وهو يصرخ به:
"تعمل كده فأختي أنا يا ناقص. فاكرني مش هجيبك يا زباله. دا لو في بطن زينات هجيبك يلاااا!"
لم يعطيه "غسان" فرصه للرد عليه بل إنقض عليه بالضرب في جميع أنحاء جسده. والأخر يتأوى وفقط.
رفع يديه يلكمه بوجهه ثم أحكم مسك مطوته وهو ينحني له بعدما سقط "حسن" أرضًا. يفرد ساقيه. ففتح "غسان" النصل الحاد ثم ضربه بها بساقه وهو يسحبها بشرر. وبنفس الوقت كي لا تكون خطر عليه، خرجت صرخة "حسن" منه في حين بدأ التجمع من حولهم يأتي أمام الشارع.
"دي عشان تفتكر بيها يا و** اللي يقرب من اللي يخص غسان البدري بيحصله إيه !!!!!!"
قالها بشرر وقد تعالت أنفاسه. وكاد أن يوجه مطوته ليسحب بها على وجهه وهو يهتف بنفس الانفعال قبل أن يسحب:
"ودي هتبقي علشان بردو اللي بيقرب بـ نظرة بس لمرات غسان البدري يا ناقص. اللي يجي جنب حاجه متخصوش ويحاول يخرب حياتي. واللي يتكلم علي مراتي نص كلمه يبقي لازم يحصله أنقح من كده.. إتعدل.. إتعــدل يـــاض بــــقولك !!"
إعتدل "حسن" وهو يحاول التملص وقبل أن يكمل "غسان" سحبه بما يوجد بيديه، أمسكه "حازم" و"بدر" بعيدًا عنه بسرعة. حتى هتف "حازم" قائلاً بصراخ:
"كــفايه هيـــموت من الــضرب ده إن مكــنش من المطــوه اللي فإيـــدك !!"
تأوى "حسن" وهو يتسطح على الأرض. بينما نهض "غسان" الذي كان يعلو صدره ويهبط بشده أثر انفعاله. قرر تركه ثم توجه لمن يكتفه "شادي" ويثبته "عز" وهو يقول:
"قولــي سبب واحد غير إنك دلدول الناقص ده. عملت فأختي كده ليـــه ؟"
تعالت ضحكات "شريف" بإستفزاز فتوجه "غسان" يصفعه على وجهه بإنفعال. لم يتأثر "شريف" بل ابتسم بعناد. ثم قال يستفزه:
"لو راجل أوي كده...خليهم يسبوني وقابلني راجل لراجل يا غسان !!"
وجد التحدي بعينيه بقوة. وكيف له بأن يتحدي حدة الشباب!! أشار لهم "غسان" وهو يدفع "عز" من عليه. ثم رفع أنظاره نحو "شادي" ليتركه. إعتدل "شريف" بوقفته ثم طالع وجه "غسان" وهو يردد بنفس الإستفزاز كي يشتته:
"لو كنت قولتلي من الأول يا ٱدم إنك ناوي على غدر كنت جيت بردو. مكنش ليه لزوم الفرهده دي. وشارع مستخبي وبتاع وكلام. و.."
تعمد الإسترسال في الحديث كي يشتتهم. وعلي فجأه رفع يديه سريعا. بكل إحتراف يديرها على "غسان" حتى داره بسرعه فائقه وأصبح هو الذي يحاصره بعد أن انتشل المطواه من يد "غسان". علم "عز" بعقله الغير هين. لطالما يعلم ذلك منذ زمن. تعالت ضحكاته وكل منهم قد تصنم بمكانه حتى "ٱدم" الذي وقف ينظر بغير تصديق!! طالعه "غسان" بملامح وجه خاليه ولكن نظرة التحدي كانت بعينيه حينما هتف "شريف" بنبره قصد بأن تخرج بارده:
"وعاملي فيها بقا المان والجمدان. فين ده يا راجل!! بقا عاوز تثبت وتوقع شريــف. إنت عبيط ؟"
صمت "شريف" ثم واصل يشير بعينيه نحو شقيقه الذي وقف بسكون و"غسان" الذي أسفل يديه:
"هو عز أخويا مقالكش.. إن اللي بيدوس لـ شريف على ربع طرف بس مبيشوفش حـلو بعد كده. تؤ...غلطان أوي يا عز. مش تنصح صاحبك. وكمان نسيبك !!"
"ولا يفرق معايا أي نمره من دي. المهم إني عرفت انك مش راجل عشان تقابل راجل أصلا.."
قصد "غسان" بأن يلعب على نقطة ضعف الرجل. عندما يهدده برجولته. تبدلت ملامح "شريف" للغيظ الذي كتمه ثم هز كتفه ببساطه حتى هتف بحزم:
"نتقابل راجل لـ راجل حالا. بس لو تضمن إنت إنك هتخرج زي ما تدخل !!"
ظهرت شبه ابتسامه عبثيه على وجه "غسان" عندما تركه "شريف". وهو يتجهز. وقف الإثنان أمام بعضهما. وكل الأنظار تترقب منهم من كان خوف ومنهم من كان جهل لما يحدث وكأنها حلبه وليس عراك لأخذ وإسترداد حق من المفترض. إبتلع "عز" ريقه بترقب. في حين كان التجمع من بداية الشارع به بعض من الشباب والأطفال. وثلاثة رجال أتوا من المقهي أثر الصراخ. خلع "شريف" سترته ثم قذفها أرضا. وهو يدور أمام "غسان". أشار له "شريف" كي يخلع قميصه فابتسم "غسان" بتهكم. ثم قال بكل وقاحه:
"خلينالك القلع. أنا مبقلعش يا حبيبي !!!"
أتت بمنتصف جبهة "شريف" عندما ضحك بعض من الشباب المتجمعين على بداية الشارع. على قول "غسان" المفهوم!! هز له الٱخر رأسه بغير اهتمام وعلي فجأه وجه له لكمه بوجهه فترنح "غسان" إلى الخلف ثم وقف يثبت سريعا. وهو يتوجه ليردها له!! تفاداها "شريف" أول مره وعلى حين غره دفعه "غسان" من نصف ساقه من الخلف حتى ركع من أمامه ثم فاجئه بكلمه أصابت وجهه حتى وضع "شريف" يديه وهو يتأوى. حيث كان يتظاهر بذلك عندما رفع ساقه ينهض بسرعه ثم ضرب "غسان" بساقه هو الآخر. كان يتحسب لفعلها وما أن فعلها حاول بأن لا تخونه قدمه ليركع. فأصبح الإثنان واقفان أمان بعضهما الأن من جديد! ابتسم "شريف" ثم قال وصوت أنفاسه يعلو:
"ده انت مش سهل بقا زي ما بيقولوا..أومال مش شايفك اللي هو يعني !!"
إبتسم "غسان" له كي يثير إستفزازه ثم اجابه بنبره متهكمه مع خروج أنفاسه العاليه:
"مش ذنبي إنك متجيش حاجه جنبي !!"
هلل الشباب مره أخرى من الخلف. فغمز له "شريف" تزامنا. مع قوله:
"لا حلوه دي!! عارف انت لو النصيب مكنش خلاك خصم ليا. كنت صاحبتك وعملنا شغل جامد مع بعض !"
رفع يديه بعدها ليلكمه بوجهه فأمسكه "غسان" تزامنا. مع رده الذي لم يخلو من ابتسامته التي اتسعت:
"مستنضفش !!!"
رفع قدمه مره أخرى يدفعه بها وهو يلوي ذراعه حتى وقع "شريف" أرضا. من بعدها. حيث كان "شريف" بنفس طول وجسد "غسان" عكس "حسن" الذي كان قصير عنهم وكتفيه وجسده هزيلان من المخدرات. لم يتحمل "غسان" الإنتظار. بل ضربه بمعدته وجانبه ضربه تلو الأخرى ولم يعطيه الفرصه لينهض مره أخرى كي يواجهه وبعد أن فعل ذلك جثى فوقه بسرعه وقد تشنجت ملامح وجهه للانفعال وهو يمسك وجهه بين يديه مرددا. بشرر. وهو ينهج:
"لازم تفكر مليون مره قبل ما تختبر صبري يا ***. وقبل ما تفكر تقرب من أختى !!!!!"
إنحنى سريعا. يمسك "المطواه" التي وقعت أرضا. بجانبه ثم أرجع يديه للخلف كي يوجهها نحو كتف "شريف" الذي حاول الفرار منه ولكن كتفه "غسان" وهو يبرك فوقه. سحبها ناحية كتفه كما فعل قبل ذلك بالٱخر ثم نهض بسرعه ولم يفعل أكثر من ذلك كونه تقابل معه وجه لوجه! ابتلع ريقه وقد خرجت أنفاسه وهو يطالعهم الآثنان مسطحان بجانب بعضهما لا حول لهم ولا قوه!! سحبه "شادي" و"عز" خارج الشارع في حين وقف "بدر" يبتلع ريقه وهو يحرك أنظاره من عليهم ثم قال لـ "ٱدم" من بين أصوات التهليل بالفائز:
"تشوفلهم عربيه تاخدهم لحد المستشفي الحكومي اللي على أول الكوبري وبعدين لما نخلص من اللي إحنا فيه ده هعرفك إن الله حق. ليك روقه معايا يا ٱدم !!"
تهديد صريح من "بدر" الذي ظهر الغضب بنظراته حينما انفرد بشقيقه. هز له "ٱدم" رأسه بخوف. مكتوم ثم مد يده ينتشل الأموال الذي قدمها له "بدر" بتقزز. ومن ثم أشار لـ "حازم" كي يذهب معه. وقبل أن يفعلها "حازم" ويذهب خانته يديه وهو ينحني يتحسس تنفس "حسن" فوجده يتنفس ومن ثم تحركت يديه. نهض سريعا. ثم سار بعدما نظر لـ"ٱدم" بسكون ثم مال عليه يقول:
"رقمك عشان أبقى أكلمك !"
خانته عاطفته بالخوف علي شقيقه. أخرج له "ادم" الهاتف ولم تمر سوى لحظات. وأخذه "حازم" منه ثم رحل من الشارع ليخرج من بين. التجمع الذي قل. ولم يتدخل أحد منهم باعتبارها منطقه معروفه بشغبها الدائم وخاصة. ذلك المقهي المشبوه !! ..
عندما حدثتها والدتها بأن "وسام" تجلس بالخارج لم تصدق هي. بل وقد دب بها القلق من فكرة أنها سارت بعد تحذير الطبيب. نهضت ترتدي عباءتها كون ملابسها كانت منزليه بشده. خرجت "نيروز لهم بعدما تجهزت فوجدت"وسام" تجلس بجانب"حامد" ومعها "سميه" التي رحبت بوجودهم هذه المره كي لا تشعرهم بشئ من الحرج حتي بعدما حدث بين ابنتها و "غسان" ولدهم!! وقفت "نيروز" تبتسم رغم ملامحها المرهقه وبشده وحتى عينيها المتورمه. ثم توجهت تجلس بجانب"وسام" وهي تربت عليها بلهفه:
"اتحركتي ليه بس يا وسام. مش الدكتور قال تريحي. كنتي قوليلي إنك عاوزاني وكنت هاجي أكيد. ما غسـان مشى فعادي و.."
توقفت عن إكمال الحديث عندما إستوعبت ما قالته.
"حامد" هتف سريعا:
"والله قولتلها كده يا بنتي بس هي قالتلي إنها نفسها تجيلك هي وتتكلم معاكي، فأنا هسيبكم وأخرج أنا وهرجع لها كمان شويه."
نظرت له "سميه" بلباقه وقبل أن تلح عليه للجلوس تعمد هو الذهاب نحو الباب وهو يقول:
"لو محتاجين حاجه قولولي، أنا زي أبوكي يا نيروز حتى لو قولتي لابني يسيبك، ده مش كفايه يشيل معزتك عندي يا بنتي... ومستني بردو لحظة عقلك!"
لم يعطيها فرصه للإجابه بل خرج سريعا من الشقه. في حين نظرت لهم "سميه" بلين وقد قررت النهوض للجلوس مع "ورده" وصغيرها بالداخل. في حين ذهبت "ياسمين" لـ "عايده" منذ وقت. بعد جلوسها مع "نيروز".
أخرجت "وسام" أنفاسها وأول ما قالته لها من لوم كان:
"ليه كده يا نيروز؟ إنت عارفه إن غسان بيحبك ليه بتيجي عليه؟"
تهرب كل مره من الوجع فيحاصرها من جديد. إبتلعت ريقها ثم أخذت أنفاسها ثم حاولت أن تجيبها بنبره جاهدت أن تخرج ثابته:
"أنا تعبت يا وسام بجد أنا مبقتش قادرة لكل اللي بيحصل ده. إنت مش عارفه، لو كان جرالك حاجه كان هيحصل إيه؟ إنا خدتها من قصرها وبدأت أنهي الوجع حتى لو هيجيب وجع غيره بس أحسن ما بنتعب بعض كده!"
"مدخلنيش يا نيروز في كلام من ده دلوقتي. إنتي بتحبي غسان، بس زي ما هو قال من غير ما تزعلي مني هو حبك أكتر ما انت حبتيه. أنا بقولك كده عشان أدافع عن أخويا علفكرة وعشان بردو بحبك. بس بردو عاوزه أقولك إني عمري ما شوفت غسان ضعيف كده من غيرك. مجرد ساعة واحده قولتيله إنك مش عايزاه وعايزه تتطلقي، مكنتيش عارفه إنتي؟ هو كان بيحاول يكتم جواه إزاي؟ غسان اللي زي ما كان تقيل بس كان بتاع بنات، بس عمره ما إلتفت لواحده غيرك. بصلك بقلبه قبل بعينيه. حماسه وطاقته اللي كانت بتظهر وانتي بتبقي موجوده مشوفتهاش فيه خالص. أنا كان ناقص أشوف القلوب طالعه من عينيه مجرد ما بس بتيجي تخبطي علي باب الشقه. أنا حبيتك أوي عشان هو حبك بطريقه يخلي اللي يشوفك يحبك كده من غير سبب. كنت بقول إننا مش هنبقى صحاب عشان شوفتك كده واخده جنب شويه انتي وجميله قولت ياسمين هي اللي هتفتحك وهتقربني منها بعفويتها دي. بس لما قربت منك أكتر وغسان ابتدى يتشد ليكي والتجمعات زادت حبيتك من حبه ليكي حتى بعد ما عرفت إنه بيحبك حبيتك أكتر بسببه هو. ده الوحيد اللي قولت إنه يا ويلها اللي هتيجي وهتاخده مني عشان بجد عمري فحياتي ما هلاقي زيه. حد بيهتم زيه كده حتى بأدق التفاصيل. رغم إن معزة بسام زيه بس بسام بيجيله وقت ولو زعل بيركن ومبيكملش حد. لكن غسان فعز وجعه وتعبه مبينسانيش ولا بيهملني. وواخد باله من اللي حواليه مهما حصله! عايزه تخسري واحد زي ده يا نيروز؟"
قالت حديثها من دفاعها لشقيقها. استشفت "نيروز" بعض نقاط الشراسه. علمت أنها مثل شقيقها حتى بطباعه التي إمتزجت هي الأخرى بها. عجزت "نيروز" عن قول حديث للتبرير. بل صمتت وقد تجمعت الدموع بمقلتيها. إبتلعت "وسام" ريقها ثم حاولت النهوض تزامنا مع قولها الهادئ لها:
"مش بقولك ترجعيله عافيه، بس أخويا محدش يخسره أبدا يا نيروز. ولا يستحق اللي انتي عملتيه ليه ده!"
قالتها بلين رغم توبيخها. فنهضت "نيروز" تسندها برفق. رغم محاولة الأخرى بأن تذهب بمفردها ولكن لم تتركها "نيروز" التي سارت بها بتمهل. ثم وقفت تنظر على باب الشقه الذي وقف يدقه "بدر". توجهت تفتحه. في حين قد رأت هي "حازم" يدخل شقة والدته ومن ثم أغلقها خلفه. ابتسم "بدر" لـ "وسام" ثم دخل بهدوء يهتف باسم "ورده".
عادت "نيروز" تسند "وسام" وقد سقط حجاب رأسها رغما عنها. أغلقت الشقه خلفها ثم توجهت تسند "وسام" ومن ثم وقفت تدق الباب. لم تمر سوى لحظات حتى فتح لها "شادي" الباب. وما أن فتحته رأت "شادي" ومن ثم "غسان" في الخلف يقف أمام "حامد" و"دلال" التي ما أن رأتها هتفت بلين سريعا:
"ادخلي يا بنتي تعالي!"
هزت لها "نيروز" رأسها نفيا ثم قالت بنبره هادئه:
"لا معلش.. مره تانيه!"
قالتها ثم رفعت أنظارها التي خاننها تطالع وجهه. وما أن أمعنت النظر به وهو يقف ينظر لها هو الٱخر وجدت جرح بكدمه حمراء أسفل عينيه. شهقت سريعا بلهفه ولا تعلم كيف سارت بمثل تلك الخطوات السريعه. حتى رفعت يديها أمام أنظارهم بخوف تمررها علي الكدمه وهي تسأله بكل لهفه:
"ده من إيه؟ إيه اللي حصل؟"
إبتلع "غسان" ريقه ثم حرك أنظاره عليهم ومن ثم ثبتها عليها وهي تقف. حتى مد يديه يرفع حجاب رأسها كي يخفي خصلاتها البنيه التي ظهرت وخاصة أن صديقه يقف. شعر بالجميع ينسحب من حوله. في حين ردد هو بغير إهتمام وهو يلتفت:
"ملككيش دعوه!"
لوهله شعرت هي بالندم من لهفتها واندفاعها. تنهدت تخرج الثقل من أنفاسها ثم تقدمت لتقف أمامه حتى خرجت نبرتها توبخه بلومها:
"مليش دعوه!"
"أه ملكيش دعوه. مش إنت مش عايزاني وكرهاني وعايزه تطلقي؟"
واجهها بالحقيقه وقد وضع بصماته الخاصه بين الحديث. نظرت إليه بغير تصديق وهي تنفي برأسها مع قولها المبرر سريعا:
"أنا كرهتك! عملتها إزاي دي؟ ..ده ياريت مكنش فاتني موجوعة الوجع ده كله!"
إبتسم "غسان" بألم. وقد إنتشل زجاجة المياه وهو يتوجه ليجلس تزامنا مع قوله:
"أي وجع ده؟ أومال اللي عملتيه فيا ده يبقي إيه؟ فاكره قلبي ملاهي ولا إيه؟"
تنشنجت ملامحها من بروده وحتي طريقته فالحديث. رفعت صوتها تعنفه وهي تشير له بإصبعها:
"متكلمنيش بطريقتك المستفزه دي.. فاهم!"
تأدبه مره أخرى. ترك الزجاجة وهو يضعها علي المقعد بجانبه ثم نهض حتى ردد لها بسخريه:
"بلاش الصابع ده عشان بخاف بس!"
تخرج شراستها شئ فشئ. وجدته يقترب منها فرجعت هي خطوه إلى الخلف. فإنحنى هو يهمس لها جوار أذنها:
"عارف إنك مكرهتنيش عشان ببساطه محدش يكره غسان البدري! وحتى أنا خليتك تحبيني بطريقه صعب أوي تنسيني بعدها!"
إعتدل ينظر بجرأه في عينيها التي إحتدت. مرر نظراته من أعلاها لأسفلها ثم هتف بجرأه لها:
"خسيتي بسرعه بس لسه جامده وحلوه!"
قالها قاصدا نزول وزنها بطريقه ليست ملحوظه. حالتها النفسيه جعلتها تفقد وزن قليل غير ظاهر بسرعه فائقه. ولكن إستشفه هو لطالما يحفظها عن ظهر قلب. لم يأخذ منها سوى قولها التي سبته به:
"انت قليل الأدب ومتربتش!"
"بصراحه أبويا رباني وعمل اللي عليه. بس أنا اللي عندي فن الإصرار إني أكون قليل الأدب!"
قصد بأن يثير شراستها بعد أن رأى دموعها المكتومه. وإلى الٱن يتخيل بماذا إن علمت ما يخص والدتها. لم يهدأ قلبه تجاهها ابدا مهما وبخه. وقبل أن تلتفت نظرت له تذكره بهجوم:
"متنساش تجيب المأذون فأقرب وقت زي ما قولت.. طالما من الواضح كده إنك خدت حقك... معتش حجه كده!"
جاءت له بنقطة يود بأن لا تأتي. حاول الثبات ثم غير مجرى الحديث كي لا يظهر ضعفه:
"عندك حق. قرار طلاقك مني يستاهل حجج عشان يتأجل. أصلك تستاهلي تفضلي على ذمة واحد زيي!"
"يعني إيه؟"
حرك كتفيه ببساطه ثم قال بمنتهي الثبات:
"مبحبش اسم مطلق ده اللي هيتكتب جنب اسمي فالبطاقه. هسيبك كده لا منك ولا بيكي نستفيد!"
فتحت "نيروز" عينيها بذهول. ثم ضرب فؤادها عندما هتف هو مره أخرى:
"أو هتجوز عليكي واحده تانيه.."
أيهما أقرب يعني؟
"انت مجنون تتجوز علي مين؟ ده أنا أخليك تطلقني غصب عن عينك وعين اللي يتشددلك!"
قالتها "نيروز" بهجوم. ورغم غيظه من ما أردفته إلا أنه ضحك تزامناً مع قوله الغير مهتم الزائف:
"ما انت لسه أصيلة هو وغيرانه وهتولعي في بعضك!"
نظرت له وعلى ملامحها الإشمئزاز ولم تجد سوى رد واحد عليه:
"قرفانه.. مش غيرانه! ثم إنك متجرأش تعمل حاجه زي دي. انت مفكرها سايبة؟ مستحيل أقبل اكون زوجه تانيه..وبعدين مش بعيدة عليك تروح تشوفلك واحدة تانيه ده إن مكانتش موجودة أصلاً. ما انت قليل الأدب وعينك على كل تاء مربوطة معدية!"
صمتت ثم أشارت له قائلة بشراسة وبنفس المرتفعة:
"هستنى المأذون في أقرب وقت بقولك!"
نبرتها المرتفعة أثارت انفعاله. رفع يديه يمسك معصمها ثم قال بتحذير:
"أنا مش قولتلك صوتك ميعلاش! وإيدك دي متشاوريش بيها كده!"
تأوهت من مسكته لمعصمها ثم حاولت دفعه وهي تقول بهجوم:
"سيب إيدي!"
"مش هسيبها إلا ما توطي صوتك وتبطلي طريقتك المستفزة دي! وخلينا كده طول النهار والليل معنديش مانع. ما أصل أنا ماسك إيد مراتي يعني حقي وأعمل اللي أنا عاوزه وبكيفي!"
دفعته بعزم ما لديها حتى رجع إلى الخلف ببطء وهو يسمعها تهاجمه بردها:
"انت مفكر نفسك إيه..ها؟"
"مفكر نفسي بحبك ولسه مفكر، حتى بعد اللي عمليته تستحق مني كل ده. حبتيني انتي قد إيه عشان تقرري قرار زي ده في ساعة زي دي؟ حبك ليا معملتيش بيه حاجة. كل المحاولات كانت مني أنا وبس. وانت شاطرة أوي في إنك توجعي قلبي وخلاص."
خرج منه الحديث باندفاع حتى أنها تفاجأت من نبرته الضعيفة التي خانته. يكابر هو منذ أن رآها كي لا يخرج ضعفه أمامها ولكنه خرج بالنهاية. هبطت دمعتها من لومه الموجوع ثم حركت رأسها نفياً:
"انت مش فاهمني. عمرك ما هتفهمني!"
ابتلع "غسان" غصة مريرة بحلقه ثم ثبت نظراته نحو عينيها يواجهها بانكسار:
"أكتر واحد كان فاهمك ولسه فاهمك لحد دلوقتي أنا يا نيروز. لدرجة إن عقلي ده مبهدل وهو بيفكرلك ازاي تكوني مرتاحة. فاهمك للدرجة إني ببقى عارف إنتي عاوزه تقولي إيه قبل ما تتكلمي. زي الوقتي."
أخرج أنفاسه بتعب وهو يرى دموعها ثم واصل يكمل بتوضيح مؤلم:
"عايزة تقولي إنك بتحبيني ومش عارفة تعيشي وإحنا كده. عايزة تقولي إنك عايزة تتطلقي وفي نفس الوقت مش قادرة. انت مش عايزة مأذون ولا عايزة كل ده. انت مش عايزة غير حضني والراحة وبس."
طالعته بخيبة ولم تنفِ قوله بل سمعته يلومها بعتاب:
"ليه؟ ده انت حاجزة أكتر فستان كان حلو عليكي بشكل ميتوصفش. وكأني عمري ما شفت عروسة قبل كده بالمنظر ده. وحتى القاعة والخشب والعفش اللي جاي! وميعاد الفرح اللي اتحدد! كل ده مش كفيل يعرفك إننا دوسنا جامد مع بعض في الطريق وكنا قربنا نوصل؟ قررتي تسيبيني بكل قسوة وكأني مستحقش كل اللي فات ده! مستاهلش أفرح؟ مستاهلش أتحب زي ما حبيت؟"
هزت "نيروز" رأسها نفياً بانكسار. فأكمل "غسان" مجدداً بانهاك نادم:
"وحياتك عندي لو هرمي لوم واحد بس فهيكون للي كان السبب في إني أرجع تاني أسكن هنا في العمارة دي من تاني!"
يعلن ندمه عن اختيارها في البداية من الأساس وعلى أول مرة تقابلت عينيه مع عينيها. هتفت من بين دموعها لتعود تضغط عليه كما تضغط بالحديث كل مرة وبتشتتها:
"بس أنا..بحبك..!!"
ابتسم يحرك رأسه ثم قال باختصار:
"كذابة.. كذابة يا نيروز. محدش بيحب حد ويعمل معاه اللي انت عملتيه ده!"
لحظات من الصمت القاسي وصوت شهقاتها يعلو. تهشم قلبه إلى أشلاء ورغم كونه لا يتهاون إلا أنه رفع يديه يضم رأسها ناحية صدره برفق ثم قال بعناد لما يشعره كل منهما بداخله:
"هطلقك يا نيروز. وهعملك كل اللي يرضيكي. عشان مهما بحاول أقسى، فلين قلبي عليكي غالب!"
صدقه وصل لها بقوة. اعتدلت تخرج من بين ذراعيه ثم هزت رأسها فقط دون نطق حديث. التفتت تخرج بسرعة وهي تتوجه ناحية باب الشقة. بينما وقف هو والإنكسار رفيقه. هبطت دمعته الوحيدة الآن بقسوة. لم تحاول بعد إظهار لينه وضعفه. لم ترفض الطلاق. سؤالان من عقله إلى قلبه. ولم يكن لقلبه بعد ذلك جواب فقد أُنهك. أغلق غرفته سريعاً خلفه بخواء.
يكتب عليه الوجع في كل مرة يواجهها يخرج منهزماً بسبب قلبه اللعين. لما؟ لأنني احببتها بصدق؟ أم أن عينيّ لم ترَ مثلها؟ يسأل قلبه ولم يجد سوى إجابة واحدة منه: "فقط.. لأنها نيروز!". سبب قوي إذن؟ ابتسم بسخرية بعدما خلع عنه قميصه وبدل ملابسه لأخرى مريحة. بل وبقى عاري الصدر. تلك النيران التي تتأكل بداخله تجعله لم يستطع تحمل شيء. جلس على الأريكة بانهاك وقد انتشل هاتفه. فرد ظهره قليلاً. ثم أمسك الهاتف يفتحه صورتها معه بالخلفية الداخلية بسيطة رقيقة. ما بين حديث قلبه وعقله ولكنه فعلها. فتح معرض الصور ينظر على الصور المأخوذة له ولها معاً. توسعت ابتسامته عندما وجد الصورة التي كانت هي تقبله بها والأخرى كان هو الذي يقبلها. وبين صورة والأخرى. ومن ثم فتح مقاطع الفيديو التي كانت تقوم هي بتصويرها بعبث. أيمكن للأحوال بأن تقلب وتتغير كذلك؟ عجباً إذا لتقلب الأحوال! عيد معنى اسمها كان عيد ومازال.. فكل يوم كانت هي بحياته كان بمثابة عيد بالنسبة له. ومن ثم المعنى الآخر البهجة! والوردة المتفتحة التي دخلت حياته لتبهجها. ثم.. وماذا فعلت بك أيها الأحمق؟ سؤال عقله. تداهمه الذكريات.. بل واللوم عليه هو في كل مكان إن نظر له سيتذكر أي شيء لهما مع بعضهما. نهض بعدما ترك الهاتف ثم وقف أمام المرآة يتطلع على مظهره وخاصة وجهه التي تلمسته قبل قليل بلهفة من ما به. رفع يديه يمررها على خصلات شعره كي يرجعها إلى الخلف. فتح أحد الأدراج ثم ثبت نظره على سوار يديه المعلق به وحروف اسمها الذي يحمله. فك عقدته ومن ثم خلعه ليضعها به. ثم خلع "دبلته السوداء" من يديه اليسرى ليضعها هي الأخرى معها. ثم أغلق الدرج. وهو يتوجه ناحية الشرفة الذي افتقدها لفترة بسبب ازدحام الأحداث معه. فتحها بهدوء ثم وقف بها ورغم مداعبة الهواء له إلا أنه خرج بها دون ملابس علوية وكأن هذا سيريح صدره. نظر ناحية شرفتها بمفاجأة.. فقد كانت تجلس وتبكي ومن ثم نهضت سريعاً ما أن فتح الشرفة ليقف بها. حاولت ترك ما بيديها وهي تتعمد عدم النظر له ولكنها تفاجأت بنبرته المتسائلة لها وقد خانه الإهتمام:
"بتعيطي ليه؟"
تحاشت أن تنظر ناحيته ولكنها نظرت ثم ثبتت نظراتها نحو جسده العلوي بجرأة. ولم تشعر بنفسها سوى عندما قالت له بهجوم من بين دموعها:
"ما تستر نفسك يا بني آدم انت. وبعدين هيهمك أوي بعيط ولا لأ..احنا مش نهينا كل حاجة!"
تنهد يخرج أنفاسه ثم حرك أنظاره نحو عينيها التي مسحتها بقوة من الدموع. تنهد قائلاً بهدوء يسألها بنبرة جادة متجاهلاً ما قبل ذلك:
"عارفه عيبك إيه يا نيروز؟"
ترقبت ملامحها وهي تنظر له. فوجدته يواصل بحديثه الهادئ المتعب لها وله:
"إنك خايفة من اللي جاي وعملاله حساب..في حين إنك بردو ماشية تلبخي ومش عايزة الجاي ييجي من اللي بتعمليه ده!"
لا إنت قادرة وجاحدة زي بعض البنات ولا مادية ولا أي حاجة وحشة من دي. كل اللي شدني ليكي من تاني بساطتك في كل حاجة، حتى ملامحك البسيطة الهادية. مجتش أنا هنا وأنا بحبك لسه. كنت بحبك حب أي كلام، ولما مشيت راح مع الوقت. بس لما رجعت حبيتك تاني من الأول. أو حبيتك أول، عشان حب زمان ده كان لعب عيال كده بريء. قصدت أكون حنين ولين عليكي. استحملتك وإنت بتقولي كلام يعصب أي راجل. كل اللي كنت بقوله إن أنا جنبك يا نيروز. معاكي. مش هيحصل حاجة. كان ردك إيه؟ أنا عارفة يا غسان وبحب وجودك ومش خايفة طول ما أنت معايا. طلعتي بتدي كلام وبس. لكن فعل لأ. يمكن كل حاجة بينا جت بسرعة، وده اللي مش مخلي بينا تفاهم يكفي إننا نبقى هاديين شوية من غير مشاكل على طول. بس أنا فهمتك بسرعة وفهمت قلبك. وحسيت بيكي وبوجعك من كل حاجة قولتي عليها ليا. كنت بقول ليه؟ مكنش فيه أوبشن إني آخد من عندك حبة وجع ونقسمه مع بعض عشان أخفف عليكي وجعك وتعبك من كل حاجة، حتى فراق أبوكي. طفل كده وماسك في إيد أمه بس تاه منها في لحظة. قالتله خليك هنا أنا هنا وجنبك ومعاك متتحركش على ما أجيلك. وإستناها ترجع ومرجعتش.
ابتسم من تشبيهه بتعب، ثم واصل يوضح بإختناق:
"أهو إنت الأم القاسية دي، رغم إنها أم، بس قست وسابت واحد مكنش بيلاقي نفسه غير معاها. وباعت حد بتحبه في أصعب أوقاته. وقته الصعب الطفل ده كان إنه في اللحظة دي تايه ومش عارف حاجة ودماغه مش مجمعة هو ممكن يحصل إيه أو إيه اللي بيحصل. زيي بالظبط لما حصل لأختي اللي حصل. بس بردو الطفل صعب أوي يرجع لأمه. صعب يا نيروز. عشان لما يفوق ويفهم ويعرف هيعرف إن أمه هي اللي سابته وقصدت ده. داست على قلبها وسابته زي ما عملتي إنت بالظبط."
ابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم رفعت عينيها تطالع عينيه التي لمعت أمامها بوميض غريب إستفته هي ولم يكن سوى دمعته الذي كتمها. طالعته بملامح وجه لينة عادت لها أثر شفقتها التي ظهرت من عنف حديثه على قلبها. ثم هتفت تجيبه بنبرة هادئة مختنقة تبرر بلوم:
"إنت طلعتني وحشة أوي أوي وأنا مستاهلش ده منك يا غسان."
"ولا أنا أستاهل، مين يستاهل أصلاً."
سكن عقب قوله ثم دفق النظر على ملامح وجهها التي رآها هو جميلة بعينيه فقط حتى وإن كانت مرهقة. لطالما يراها دائماً، جميلة دون أن تبذل جهد وحتى إن لم تكن هي جميلة حد القول عليها بمسمى الجمال.
ابتلع ريقه ثم ابتسم بسمة صغيرة صادقة وهو يركض كي يراضيها ويراضي ماتريده رغماً عنه.
"بس هانت. كل واحد يروح لحاله."
ضغط على نفسه بقولها. ومن ثم وكأنها تستوعب ما قاله ولوهلة شعرت بأن الصدق في نبرته كان قوياً للدرجة التي وصلت لها. حاولت أخذ أنفاسها ثم قالت بتعلثم، وكأنها لم تبدأ هي بأخذ ذلك القرار من البداية:
"قصدك إيه."
رفع "غسان" عينيه ثم وزعها ناحية الزرع تزامناً مع قوله وهو يعيد النظر إليها:
"قصدي اللي إنت عايزاه يا نيروز. هطلقك. مش إنتي عايزة كده بردو ولسه قايلالي كده من شوية. وكل شوية تيجي تقوليلي عايزة المأذون في أقرب وقت."
رأت جديته في الحديث قوية كما لم ترها من قبل به. نزلت دموعها وقد خانتها ثم هزت رأسها بأسى وقد قررت الآن الهروب من الإجابة الحتمية التي ستقرر. أما هو فالإصرار والصدق كان رفيقه في هذه اللحظة. قد قرر إنهاء الوجع لها حتى وإن ذلك يتعبه بالفعل. سمع صوت إغلاق باب الشرفة الخاصة بها. حرك رأسه بقلة حيلة ثم رفعها ينظر إلى السماء وهو ينفخ بصوت ليخرج أنفاسه. وقد تشتت عقله وتاه بين ما يريده عقله وما يريده قلبهما. تاه وأصبح هو الحائر من قراراتها المتناقضة بين ما تريد وما لاتُريد.
تجهز كل منهما للرحيل أخيراً من المستشفى. قد كان اليوم هو اليوم الذي تم تحديده لخروج "حنان" والدة "عز" بعدما استقرت حالتها. في حين قررت "فرح" الرحيل هي الأخرى وسوف تأتي بين وقت وآخر والمحدد لموعد الجلسات مع طبيبها النفسي. قبل قليل، أوقف "شادي" السيارة أمام المستشفى عندما ذهب هو الشباب من المنطقة. أوقف "عز" وودعوه عندما حدثهم بأنه سيذهب لوالدته وشقيقته. أما الآن يقف هو يربط حذاء والدته الطبي كما أن "فرح" رتبت حجاب رأسها الأسود لها برفق. ايدي حانية عليها كما كانت هي عليهما. حتى وإن ظلمت نفسها وظلمتهما معها بقرارها من الزواج برجل متزوج من الأساس. تنفست براحة ثم نظرت بتأثر عليهما. نهض "عز" بعدما انتهى ثم مد كفه يسند "والدته" من ذراعيها وهو يقول بهدوء لين محاولاً بأن يخرجها من حالة حزنها وخوفها الغير ظاهر حيث أن تركت المستشفى وذهبت للمنزل بالتأكيد ستشعر بأنها ليست على طبيعتها قد اعتادت المرض بمنزلها.
"جاهزة يا حاجة."
ضحكت "فرح" بخفة. ولكن خرجت نبرة "حنان" التلقائية دون تحسب:
"أيوه يا حبيبي."
ابتسم لها "عز" بحنو. ثم أشار لـ "فرح" تزامناً مع قوله:
"إشالي يا فرح الشنطة الصغيرة دي. وسيبي التانية هاخدها على إيدي وهسند ماما أنا."
أومأت له بطاعة. وقد بدأت في حمل ما قاله لها برفق. حتى فعل هو بيديه الخاليتين ليحمل الحقيبة الأخرى ثم أسند والدته وهو يخرج من باب الغرفة. وما أن خرج وجده على وضع بأنه كان سيدق الباب من المفترض. "بسام". الذي حاول الأيام الماضية تحاشي مقابلته حتى بالأنظار مع "فرح" حيث قد دب به بعض القلق من حديث الطبيب النفسي. توسعت بسمة "عز" وهو يرحب به قائلاً بحبور:
"مساء الخير يا بسام. عامل ايه."
ابتسم له "بسام" بحب. فقد رأى اعتياده على قوله لاسمه دون لقب. هز رأسه بتشجيع. ثم قال هو الآخر:
"حبيبي يا عز. أنا كويس. جيت أشوفكم وأطمن كده لتكونوا محتاجين حاجة قبل ما تمشوا."
حرك أنظاره رغماً عنه على "فرح" التي نظرت أرضاً بحرج. في حين ردت "حنان" بلطف:
"كتر خيرك يا بني. متحرمش منك أبداً."
"على ايه يا أم عز. ده إحنا أقرب من كده بكتير مفيش بينا الكلام ده. ربنا يجعل أيامكم سعيدة ومتحتاجوش تيجوا هنا تاني."
ابتسمت له بامتنان. كما ابتسم "عز" له وهو يمدحه:
"الله يصلح حالك يا دكتور بسام. يعني الحلو في كل ده إني عرفتك والصراحة انت ذوق أوي ومحترم من قبل حتى ما نبقى قرايب كده من بعيد."
اتسعت بسمته اللبقة ثم وزع أنظاره بينهم تزامناً مع قوله:
"متقولش كده يا عز. قرايب يعم من قريب ومن بعيد وصحاب كمان."
تعالت ضحكات "عز" وهو يومأ له فأشار له "بسام" كي يذهب ويكمل طريقه:
"مع السلامة."
قالها ومن ثم هز له "عز" رأسه بشكر. وهو يسند والدته التي سارت ومعه ومن خلفهم "فرح" الصامتة التي توقفت بحرج ما أن هتف "بسام" لها وهو يناديها:
"فـرـح."
خجلت أن تسير دون أن تجيبه بل التفتت ثم نظرت له بلطف وهي تبتسم بتكلفه فقال هو من جديد ونبرته اللينة وصلت لها وقد خرجت منه رغماً عنه:
"خلي بالك من نفسك بقا. بصراحة مش عايز أشوفك هنا تاني."
يمرح ضحكت بخفة من أسلوبه فهزت رأسها إيجاباً. وقد واصل هو مجدداً:
"بس ده ميمنعش إنك تنتظمي مع دكتور عاصم لحد ما تبقي تمام. وأنا واثق إن الدنيا هتقف معاكي وربنا هيعوضك عن كل اللي شوفتيه. إرضي إنت بس."
تأثرت بحديثه ولم تردد على مسامعه سوى:
"ونعم بالله. شكراً يا دكتور بسام. وقوفك جنبي ونصيحتك ليا في كل مرة كنت ببقى تايهة فيها من أسباب كتير. عمري ما هنساها."
تفتح معه حديث. قالت شكر غير المعتاد بقوله. ابتلع ريقه وقد حرك نظرة عينيه نحو مكان آخر وهو يردف:
"الشكر لله يا دكتورة. إتجدعني."
رفع رأسه ينظر لها وهي تومأ له ثم سارت محاولة اللحاق بشقيقها ووالدتها. في حين حرك رأسه هو بجهل من ما يحدث معه. يتحاشى النظر إليها.
طوال الأيام الماضية والآن تنقلب كل أموره رأساً على عقب. وبخ نفسه من التفكير بها ومن هذا الاهتمام الذي خرج عن إرادته لها. منذ متى؟ حرك رأسه نفياً ثم استغفر سريعاً وهو يكمل طريقه للأسفل محاولاً عدم انشغال عقله بها.
في شقة عايدة، غرفة حازم الذي دخل الآن غرفته بعد أن كان يجلس مع شقيقته كي يخبرها بلطافة ما حدث لـ عز كي تتفهم الأمر ولم يجد هو منها سوى شفقة هي ووالدته. حرك أنظاره نحو ياسمين التي تسطحت على الفراش وقد وضعت عليها الغطاء والإضاءة مغلقة. أثارت اندهاشه، فقط سمع صوت شهقات خافتة تحاول هي بأن تكتمها. توجه سريعاً يفتح الإضاءة ثم هتف باسمها وهو يزيح الغطاء عنها فتصنعت هي النوم. رفع يديه يضعها على وجهها برفق ثم قال بلهفة:
"مالك يا ياسمين في إيه؟"
فتحت عينيها وقد ظهر على ملامح وجهها الإرهاق والدموع وآثارها. نهضت تجلس بعدما علمت بأنه كشفها ثم رسمت ابتسامة زائفة على وجهها وهي تردد:
"مفيش حاجة عادي. أقوم أعملك أكل؟"
هربت بأنظارها على الفور فوجدته يمد ذراعه يدفعها ناحية صدره وهو يقول:
"مالك بقولك. حصل إيه؟"
لم تعرف ماذا تجيب هي، بل وهي التي تتظاهر بالتماسك بكت بين أحضانه ثم رددت بغير فهم للذي يحدث:
"معرفش يا حازم بس أنا مش تمام. حاسة إن في حاجة كاتمة على نفسي من كل اللي بيحصل ده!"
ربت عليها بلهفة من نبرتها الباكية المتحشرجة ثم هتف وهو يعتدل بسرعة:
"سمي الله كده وإستغفري كتير. وبعدين اللي حصل ده مسيره يبقى ليه حل. متشيليش هم كده!"
ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها ثم مسحت دموعها برفق وهي تخرج من بين ذراعيه ثم حاولت النهوض فأوقفها هو بقوله:
"راحه فين؟"
"هشوفلك حاجة تاكلها فاتك جعان!"
ابتسم لها حازم بحنو ثم هز رأسه نفياً وهو يقول:
"أنا مش جعان يستي. الحمد لله. اقعدي بقا وارتاحي!"
تنهدت تأخذ أنفاسها وقد دارت رأسها وهي تقف ثم انتشلت شيئاً في لحظة عدم انتباهه وهو ينهض ليبدل ملابسه. عقد ما بين حاجبيه عندما وجدها ستخرج حتى سألها باهتمام يقاطع سيرها:
"راحه فين تاني؟"
رسمت ابتسامة صغيرة على محياها ثم قالت تزامناً مع فتحها باب الغرفة:
"هروح الحمام وجايه. هعمل زي الناس. عندك مانع؟"
قهقه عالياً من شراستها المعهودة دائماً ثم قال وهو يرفع يديه باستسلام:
"لأ طبعاً. براحتك يا حب العمر. مستنيك أنا على ما تيجي."
ابتسمت له بحنو وقد ظهر الحب في نظراتها. ولم تكن سوى لحظات وقد خرجت من الغرفة وهي تغلقها خلفها. وما أن التفتت وجدته يقف من خلفها على بعد حتى أنه دخل من باب الشقة منذ قليل ولم يكن سوى سليم. أخفت ما بدا عليها منه كي لا ينتبه، ففقدان ثقتها به من أن يفعل بها شيء قوي. رسمت ابتسامة صفراء ليست هينة عندما وجدته يطالعها بكره. وقد كانت متبجحة حيث تعمدت بأن لا تخجل هي منه ومن ما ترتديه من بنطال قصير وكنزة عارية الكتفين والعنق. رمشت ياسمين بإهدابها ثم قالت بلؤم:
"ايه يا عمي. واقف كده ليه؟ هتصورني؟"
ضغط سليم على أسنانه وقد توجهت إليه ياسمين تقف أمامه في حين نظر لها باشمئزاز ثم أجابها قائلاً:
"من حلاوتك هصورك ولا إيه يعني!!"
رسمت على ملامحها الاستفزاز ثم قلبت عينيها بملل وهي تقول بغرور:
"بصراحة أنا حلوة. أحلى واحدة ممكن تشوفها. أومال حازم اختارني يعني من قلة؟ دا انت المفروض يعني راجل واللي هو مينفعش تتكاد من حد حلو كده زيي خليها لست الغيرة دي!!"
"ولا فيكي أي حاجة عدلة. بجحة وقليلة الأدب ومشفتيش ترباية وخسارة فيكي ابني اللي بعدتيه عني مرة فمرة لحد ما خلتيه يبعد خالص ويقاطعني!!"
هجم بحديثه عليها وكأنه كان يدخر لها. هزت رأسها باقتناع زائف ثم أجابته بهدوء شديد:
"ممكن معاك حق إني بجحة. بس أنا إتربيت من سالم الأكرمي أكتر واحد الناس بتحلف بيه وبجدعنته لحد دلوقتي. إتربيت من راجل سابلنا سيرته الحلوة ورث لينا. عالأقل أحسن من الورث اللي انت شفطت منه. وراجل ربي وخلف بنات لا هيجي زيهم ولا هيكون زيه هو فالدنيا دي. فعشان كده لازم لما تيجي تتكلم بعد كده عنه تتكلم وإنت عارف الراجل ده عمل إيه وقيمته قد إيه. وتكون عارف إني مش هسمحلك تتكلم عنه بطريقة مباشرة أو مش مباشرة. عشان إحنا متربين تربية معدتش على ولادك أصلاً يا عمي."
صمتت ياسمين تتابع ملامحه المتشنجة ثم تابعت بتذكر قبل أن ترحل من أمامه:
"وأه. أنا مش خسارة على حد. ده معلش يعني أنا خسارة فيك والله عشان تبقى حمايا. طب عمي وأهو متقبلين الوضع من زمان. رغم انه وضع. يعني بصراحة... مقرف!!"
قالت حديثها بجرأة ثم التفتت تسير من أمامه كي تتوجه ناحية المرحاض التي أغلقت خلفها على الفور ومن ثم فتحت ما بيديها وثمة ابتسامة حماسية زينت محياها. ولم يكن بيديها سوى "اختبار حمل".
رواية عودة الوصال الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة ناصر
يُمرّ الوجع وكأنه يشتد وجعاً في كل مرة يمر بها، تلطخ الفؤاد بالفقد وكأنه يعتاد ولا يعتاد على البعد في نفس ذات الوقت. ملامح مرهقة، وأنين تعب من القلب يقول: لقد فاض بي، إلى ذلك وكفى!
ثلاثة أيام كاملة مرت عليهم، على الجميع، خاصةً هي بهذا الوقت. وهي تجلس بغرفتها الآن شاردة الذهن، فمنذ آخر مرة تلاقت عيناها مع عينيه بالشرفة وعندما هربت من إجابة أنها تود بالفعل المأذون أم تريد البعد والفراق من الأساس، منذ وقتها ولا تعلم عنه شيئاً. فقد ذهب هو للعمل ولم تذهب هي، كانت مدة عطلتها منه أكثر منه هو! لا تعلم شيئاً عنه وعن أخباره، فقط تخرج من الغرفة بين الوقت والآخر لهم وتدخل مجدداً لتصبح حبيسة بمفردها، حبيسة الوجع والألم، حتى أنها لم ترَ أي فرد من عائلته سوى شقيقته مرة واحدة، وإن سمعت الصوت من أحد منهم لا تخرج! تعمدت أن تقلل خروجها إلى الشرفة.
نهضت ببطء ثم انتشلت الزجاجة تتجرع منها بهدوء، وقد جفت دموع عينيها. ابتلعت ريقها وهي تنظر على طيفها في المرآة فقط، فردت شعرها وخصلاتها البنية كما يحب هو! لما تتعمد الوجع لها؟ ابتسمت بتعب واشتياق، وفكرة عدم قدوم المأذون إلى الآن لم تغب عن بالها قط.
سمعت نيروز صوت دقات الباب الهادئة. لم يسعها الوقت لربط خصلات شعرها فقد توجهت لتفتح الباب. خاصةً أنها تعرف أن وردة وبدر وصغيرهما هبطا في فسحة صغيرة للتخفيف عن يامن الذي كان حبيس المنزل طوال هذه الفترة ولتحسين نفسيته كما هم أيضاً. فتحت الباب حتى وجدت سمية بملامح وجهها المرهقة والتي هدأت عن قبل بقليل. ابتسمت لها نيروز بتكلفه ثم ردت باستفهام من كونها واقفة لم تدخل تنظر لها بصمت فقط:
"في إيه يا ماما؟ في حاجة حصلت؟"
بملامح مرهقة مثلها وفم لم يستطع الحديث وجدتها صامتة ومن ثم جاء صوته وهو يهتف باسمها من على بعد. فتحت عينيها بذهول، وقد دق قلبها سريعاً عندما سمعت صوته. هنا؟ ودخل منزلها بعد تعمد الاثنان عدم الظهور أمام بعضهما!
"دا أنا يا نيروز!"
رفعت رأسها تنظر فوجدته واقفاً من على بعد منها وقد كان ما يبدو عليه بأنه قادم من الخارج بمثل هذه الملابس التي لاقت للخروج والعمل ليس إلا. تحركت سمية من أمامها وهي تشير لها بالخروج ثم اختفت تدخل غرفتها تتركهما. ومن ثم خرجت هي بتعلثم، حتى أنها لا تعي لخصلاتها المفرودة ولا حتى لملابسها المنزلية. وقفت أمامه بهدوء، وقد تحركت أنظارها بمكان آخر. أما هو فنظرة الاشتياق لا تخلو من عينيه التي بدت وكأنه يشبع نفسه من طيفها. تعمد عدم السؤال ولا الرؤية لها. استمر الوجع منه، حتى أنه في كل ليلة يتعمد الضغط على نفسه وتداهمه الذكريات بينهما في كل ركن حتى هاتفه والصور بينهما!
رفع غسان عينيه نحو خصلات شعرها المفرودة ثم رفع يديه بوعي تام وهو يرفع رأسها له حتى سحب يديها يتوجه ناحية شرفة الصالة وهي من خلفه. وقفت وهو من أمامها والصمت سيدهما وسيد الشرفة. فقط قطعه هو عندما سألها باهتمام:
"إنت كويسة؟"
تجمعت الدموع ببنيتها الفاتحة التي ظهر لونها وبشدة بنور النهار. هزت رأسها نفياً، ثم غيرت مجرى الحديث سريعاً وهي تقول باندفاع:
"خير؟ مش معقول جاي تطمن عليا بعد ٣ أيام قصدت متشوفنيش ولا أشوفك فيهم؟!"
أخرج غسان أنفاسه الثقيلة ثم رد يوضح لها:
"سيبتك فيهم تفكري وسيبت نفسي أفكر. سيبتك تعرفي إن قرارك مجابش لينا غير التعب وخلاص. وحتى اللحظة دي لسه سايبك على راحتك ومش هغصبك على حاجة!"
رفعت أنظارها تطالع عينيه الهادئة الخالية من تعابيره تجاهها، وكانت الإجابة السريعة منها:
"وفكرت؟"
"إنت فكرتي؟"
"فكرت إني بتوجع ولسه وحتى إنت كمان. وفكرت بردو هيكون فيها إيه لو غيرت من نفسك عشاني وعيشنا كويسين وفي هدوء؟ وليه بنعمل في نفسنا كده؟!"
واجهته نيروز بالصراحة الخاصة بها. رسم ابتسامة متكمه على شفتيه من قولها ثم قال يجيبها هو الآخر بنبرة هادئة امتزجت بالسخرية:
"أغير إيه في نفسي؟ راجل ودمي بيتحرق بسرعة وبخاف على أمي وأبويا وأخواتي ومراتي ولو حد مس منهم شعرة بقوم على الدنيا بحالها. تغيري إيه؟ اصراري إني أسيبك ومتمسكش بيكي؟ ولا تغيري إني محبكيش من الأول؟"
لم تجبه هي وحتى لم يعطيها الفرصة حتى أجاب على آخر جملتها له يكمل:
"وليه بنعمل في نفسنا كده؟ ما كله كان منك ومن قرارك من الأول. لو مكنتيش اخترتي تسيبيني مكنش حصل كل ده. ولو مكنتيش قصدتي تدوسي عليا وعلى جرحي قدامهم أكتر من مرة مكنش حصل كل ده بردو. إنتي خربتي حاجات كتير كنت بحاول أنا أصلحها بينها. واحدة بتقولي مش عايزاك وكفاية وعايزة أبعد وانت بتوجعني وقربك بيأذيني وغيره. المفروض كنت أعمل إيه أو أعمل إيه أصلاً من الأساس؟ أو قوليلي كده لو بدلنا الأماكن في رد الفعل وكنت أنا مكانك وإنت مكاني كنت هعمل إيه من وجهة نظرك وإنت كنتي هتتصرفي إزاي؟"
واجهها بكل صدق وصراحة ظهرت لها مع نبرته الهادئة. طالعته بتيهة ثم صمتت للحظات حتى ردت أخيراً تجيبه بنفس الهدوء:
"عمري ما هعرف أكون مكانك يا غسان. لا الظروف ولا الطباع تسمح بكده. ورغم كل ده لو كنت أنت مكاني كنت عمرك ما هتسيبني عشان فاهمه كويس إنت متمسك بيا وبتحبني إزاي. حتى لو بيظهر عكس كده في بعض الأوقات. بس إنت مبتقدرش خوفي عليك ولا حبي ليك. وماشي قايم على الكل وعندك استعداد تزعل الدنيا كلها منك قصاد حاجة قد كده ممكن تستاهل وممكن لا. بتبيع وتتخلى في أوقات مش طالبه كده. إنت عارف إن ساعات بقيت بخاف منك من كتر ما حسيت إنت قد إيه ملكش عزيز. حازم اللي أنقذني من اللي كان هيعمله عمي فيا وجه قالك وحكالك عن كل حاجة. قدرته؟ لا دا بكل بساطة أسلوبك معاه كان أوحش حاجة. باباك اللي عرفت إنك مقاطعه هو ومامتك من ساعة ما زعقلك هنا كان ليه تعمل معاهم كده؟ حتى بدر اللي خد جنب منك عشان اللي عرفته إنك كنت هتضيع آدم تحت إيدك! وحتى جميلة واللي قالتهولي من كلامك معاها بمنتهى الشر وكأنها هي اللي اتهمت عليا وضربتني مش مرات أبوها اللي محدش بيقبلها أصلاً. ماشي وجاي تجيب ظالم فمظلوم. وعندك حاجات كتير فيك وفي طباعك كافية تخلي الواحد يقولك لازم تتغير من نفسك حتى مش عشاني. عشان لو كنا فضلنا مع بعض كان هيبقي في بيت وأسرة. كنت هكمل إزاي؟ وغير ده كله. بتدور بكل ضمير على التعب وتجرجر الشر والأذى لينا مش مجرد ترد حق وخلاص! عايزني أقولك صح ومعاك حق! وأقولك أنا معاك دايماً حتى لو إنت غلط. دا حتى كلامك وقت غضبك كفيل يخلي الواحد يتصدم إنك إزاي بتقول الكلام ده. مش بتراجع نفسك إنت بترميلي إيه في وسط الكلام؟ مرة ندلة وجبانة ومرة رخيصة رمتهالي بشكل غير مباشر عشان مش هينفع تقول لمراتك كده! ومرة بياعة. ومرة تانية عبدة عندك!! كل كلامك الحلو وتعاملك مش كفاية يخليني أتغاضى عن كل ده. إنت صعب أوي وكأنك بتتباهى بـ ده والظاهر للناس منك غير الباطن عندك. أفهم إيه وأقول إيه!!!.."
رمت له الحديث دفعة واحدة، حتى أنه رسم على ملامح وجهه الذهول رغماً عنه. حرك رأسه بعشوائية ثم رد من بين دهشته من كل ذلك:
"ده إنت شيلالي كتير أوي أوي. ولما أنا وحش أوي كده وفيا عيوب الدنيا مقولتليش أسيبك ليه من أول مرة حصل بينا خناقة فيها؟ أو حتى أول مرة بانلك إني بياع ومليش عزيز..!! دا إنت بمنتهى السهولة بتقولي أنا خوفت منك؟ يعني بعد الحب اللي حبتهولك توقعتي إني ممكن أذيك وثقتك فيا مهزوزة أصلاً؟"
وكأن فاض بها الكيل هتفت بهجوم أشبه بالإنهيار فأول ما ستردفه شئ وآخرة أخر تماماً بان الوجع والتعب وحتى بوادر الانهيار التي لم تأت لها من قبل سوى مرات محدودة. هتفت الحديث في بدايته عكس نهايته حينما ردت أخيراً دفعة واحدة مما جعله يطالعها بغير تصديق من طريقتها بآخر ما قالته:
"مش ثقة مهزوزة. بس فكرة إنك مبتتهاونش في أي حاجة تعباني. ده مش جايب لنا غير القلق الدايم وخلاص. بترتاح إنت إمتى وانت طبعك كده؟"
دا مش أذى وتعب ليك ولا حتى ضغط عليك. أنا وكل ده في الآخر ما يهمنيش غير الخوف عليك وبس. أنا ما بعرفش أنام يا غسان من وجع قلبي الغير مفهوم. أسيبك ولا مسيبكش؟ يا ترى لو كملنا حياتنا هتبقى إيه؟ التعامل هيبقى إزاي؟ حد هيتأذى تاني ولا لأ؟ وقبل كل ده مش قادرة من غيرك عشان قلبي مش واخد بعد ما عرفك إنه يقعد كده وملوش ونس. ومحدش غيرك كان الونس ليه. أنا بتوجع بسبب اللي بتعمله عكس إني ممكن أتقهر من غيرك. لكن منك إنت عمري ما شوفتك عملتلي حاجة صعبة. إنت الوحيد اللي قبلتني وإنت فاهمني مع حبك ليا مش شفقة وتعاطف، عشان ده لو كان ظهر ما كنتش هقولك "وأنا كمان بحبك". أنا كل شوية قلبي بيدق لما يكون جرس الباب يرن من فكرة إن ممكن تكون فعلاً هتجيب المأذون وخلاص هننهي كل حاجة. أنا قلبي زعلان من اللي حصل واللي بتعمله أوي. قلبي بيحبك ومعملش كده غير من خوفه عليك. لكن أقسم بالله ما طاوعني أقولك "طلقني يا غسان" مرة تانية بالحرف كده. أنا بحبك حب حسيت إن محدش حبه لحد قبل كده، لدرجة إني قولتلك كده نبعد عشان من كتر خوفي عليك مني أنا. أنا تعبت. تعبت أوي ومعتش قادرة والله. مبقتش فاهمة إيه اللي بيحصل. أعمل إيه؟ قولي أعمل إيه؟
انهارت كما لم تنهار من قبل. يقسم هو إنه لأول مرة ينظر لها كذلك وهي تردف كلماتها. رغم ما كانت تفعله ولكنها تلك المرة كانت على حافة السقوط للموت مجازياً ونفسياً، وفقط من عزم الانهيار. حرك غسان رأسه بالنفي بهستيرية ولين قلبه عليها جعل دمعته تسقط وهو يدفعها عنوة ليضمها داخل أحضانه مردداً بخوف وهو يرى معالم وجهها مردداً ليجيب على آخر حديثها وكأنه يبدي لها حلاً:
"متعمليش حاجة. متعمليش حاجة يا نيروز. ادخلي في حضني وبس. آهدي.. إهدي عشان خاطري متعمليش كده في نفسك!"
قال كلماته بألم ونبرته المهزوزة بالخوف عليها كانت صعبة. ولم يغب عن باله في هذه اللحظة سوى أنها لم تفعل هذا الانهيار منذ فترة. كما قالت له من قبل ذلك أنها تصمت إلى أن تعي ومن ثم تتأخر حالتها من عزم انهيارها كما حدث لها وقت وفاة والدها. ابتلع ريقه بخوف، وقد سمعها تبكي بقوة في أحضانه. ربت عليها بكل معاني الكلمة حتى أنه كان يربت بضربات خفيفة كي تعي وكي تستفيق من ما هي به، ولأنها تجد الراحة بين أحضانه شعر لوهلة بأنها ستكون بخير لا محال. شعر بتراخي جسدها قليلاً، حتى أنه انحنى بلهفة يرفع ساقيها على ذراعه ثم توجه بها بسرعة نحو الأريكة المريحة. لم يكن إغماء، بل وجع وتعب جسدي ونفسي. وفي تلك اللحظة، فالتعب النفسي يغلب وبقوة على الجسدي حتى أنه هو الذي يسبب هشاشة الجسد وضعف بنيانه يجعل الفرد نحيلاً من عزم إنهاكه. أستند على ساقيه أمامها وهو يسندها على الأريكة، أما هي فدموعها الصامتة تعبر بعد أن كانت بصوت. رفع غسان أنامله بلهفة وهو يردد لها ويحثها:
"خلاص إهدي.. اهدي ومتعيطيش. ارتاحي وخدي نفس. خدي نفسك يا نيروز."
لا صحة إلا لقول "ياسمين" التي قالت بأنها ستتعب بالفعل من هذا القرار لطالما تعلم هي شقيقتها وبقوة. كل ذلك ولم يكن الصوت مرتفعاً كي يدخل لغرفة "سمية" التي دعت الله بأن يصلح بينهما الأمر. ابتلعت "نيروز" ريقها وبين لحظة والأخرى تخرج شهقاتها المتقطعة التي تمزقه هو من الداخل. ولم يفعل هو في كل مرة سوى أنه يوبخ نفسه بأنه سبب في إنهاكها كما كانت السبب هي. وما الفائدة من ذلك؟ كتب على عقلهما بالعناد ليوجع كل منهما الآخر. تبدل وضعه سريعاً وهو يجلس بجانبها وهي تسند ثم مد يديه يفتح سحاب سترتها المنزلية الخضراء كي تستطيع التنفس أكثر. ومن ثم ضمها إلى صدره الذي تعرق بتوتر من حالتها الغير معروفة هذه. توجه يقبل وجنتيها بخوف وقد شعر بملوحة دموعها. اعتدلت ولكنها لم تخرج من ضمه لها حتى أنها حاولت التحدث ونبرتها المتقطعة. حاول هو فهمها بصعوبة عندما هتفت هي تقول بتعب:
"إنت متستاهلنيش يا غسان والله ما تستاهلني ولا أنا أستاهلك!"
فهم معنى كلماتها حتى أنه شدد من عناقه لها. ابتلع ريقه ثم قال سريعاً:
"خلاص. خلاص اسكتي دلوقتي خالص."
صمتت وحتى بعدها هدأت وسكنت وبعد لحظات من الصمت. اعتدلت تخفي ساقيها التي كشفت ثم حاولت الخروج من بين ذراعيه. شدد هو بإحكام فهتفت هي بضعف تقول:
"لو سمحت ابعد."
"مسمحتش!"
قالها "غسان" ببساطة شديدة فخرجت هي عنوة من بين ذراعيه ثم نظرت بعينيها الزائغة قليلاً على وجهه الذي ظهر عليه آثار الدموع. لم تعِ مدى خوفه عليها حتى تيقنت الآن. رفعت يديها بتردد ثم وجهتها ناحية عينيه ووجنتيه تتلمسها بحنان وهي تمسح آثار دموعه. وكيف لتلك الفعلة ألا تؤثر به. أمسك يديها برقة ثم قبل كفها بحنان ونظراته لها قد وصلت لها. سحبت كفها منه فوجدته ينظر إلى وجهها الذي اقترب هو منه ثم أهبط شفتيه يقبل عنقها الذي كان يعلو ويهبط من نبضه. ابتلعت ريقها وقد همس هو بجوار أذنها:
"أنا كنت جاي عشان أكسر قلبي بإيدي. كنت جاي أقولك إني كلمت المأذون وهيجي المغرب!"
فتحت عينيها بذهول ثم وجدته يكمل ما بدأه:
"بس هحاول أمسح كل اللي اتقال من دلوقتي ومن قبل كل ده. وهدي نفسي فرصة كمان معاكي ونكمل. أنا مش برمي نفسي عليكي عشان أنا مستني منك يا آه يا لأ!"
رفعت عينيها تطالع عينيه وعين كل منهما تقسم للآخر بأنها لن تستطيع النظر لآخر سوى من اعتادت النظر إليه بإذن من القلب ليس إلا. نظر نحو وجنتيها الحمراء ثم همس مرة أخرى أمام وجهها هذه المرة بهمس:
"بيدق جامد ليه؟"
ابتلعت ريقها وعينيها تحتضن عينيه ثم قالت بشرود:
"هو إيه؟"
"قلبك."
في كل مرة لم تجيبه عن السؤال العبثي ذلك. ورغم كونه أناني في هذه النقطة، لأنه حاول بأن يشتتها كي تقبله مرة ثانية دون أن يلح هو عليها. كبرياء عقله الغير هين جعله يفكر لقلبه الضعيف بأنه لم يتحمل بعدها عنه مهما فعلت هي به. اعتقد أنه نجح في ذلك، حتى أنها أجابته ونظرتها لعينيه لم تتحرك:
"عشان مهزأ وبيحبك.. حتى وإنت بتعمل اللي بتعمله ده!"
ابتعد "غسان" عنها بتعجب ليخفي اهتزازه وهو ينظر لها في حين وجد هو الذكاء بنظرة عينيها. وقبل أن يتحدث وجدها تهز رأسها تؤكد له ثم قالت بجمود:
"إيه؟ فاكرني غبية للدرجة دي؟"
تحركت نظرات "غسان" نحو عينيها وملامح وجهها الهادئة. ثم قال سريعاً يبرر متظاهراً بعدم الاكتراث:
"متنسيش إننا كاتبين الكتاب. يعني أعمل اللي أنا عاوزه. مشدتكيش غصب أنا وإحنا مثلا مخطوبين عشان أبوسك. أنا عملت كده وأنا قاعد على الكنبة في صالة بيتكم وأمك جوه كمان. بدل ما أروح في جنب وأقولك عشان محدش يشوفني وعيب وحرام وبتاع. حلالي يعني بمعني الكلمة!"
قلب الحديث باحتراف. حتى أنه غير صلب الموضوع من الأساس. لن يتركها إلا عندما تشتت. يقسم. عبثي من الدرجة الأولى. هزت رأسها نفياً وقد أخفت خجلها ببراعة ثم قالت تظهر له بأنها مهما حدث محافظة تحترم بيتها ووالدتها:
"لو قلبك جايبك مش هتعملها تاني. ابعد عني وحاول تبقى عاقل بقا في مرة يبني آدم إنت بدل القرف ده."
أولها تحدي وآخرها وهي تدفعه كي تنهض. حاصرها حتى أوقف حركتها ثم قال بنبرة هادئة شديدة اللين رغم صدق حديثها الذي يعلمه ويعلم إلى مدى كان أناني كي يفعل ليؤثر عليها دون جهد بالأسف:
"هو حد عاقل يبص لملامحك وميتجننش؟"
هذه المرة وجدت الأسف من طباعه في نظراته، حتى أنه خالف ما توقعته فقد كانت تعلم بأنه سيتحداها وما أن سيفعلها ستذهب وتتركه. يعلم عقلها جيداً. لهذه الدرجة. لم يمر الوضع سوى بخبث طفيف من عقله. ابتلعت ريقها ببطء ثم هزت نظراتها نحو عينيه وأهدابه الكثيفة حتى أجابته رغماً عنها بتلقائية شديدة:
"عينك حلوة أوي!"
ابتسم "غسان" باتساع في حين توترت هي وهي تعنف نفسها بكيف خرجت بمثل هذه الكلمات بهذا الوقت؟
هز رأسه يؤكد ثم قال بهيام:
"ما أنا قولتلك إن هي فعلاً حلوة عشان مختارتش تشوف حد غيرك حلو يا بنت الأكرمي!!!"
رفعت ذراعيها تحاوط رقبته ثم دخلت بين أحضانه وكأنها تقاوم فعلها ولكنها فعلتها. وعلى فجأه دفعت نفسها بإرادتها ثم قالت ودموعها على وشك السقوط:
"غصب عن عين قلبي مش عارفه أبعد عنك!!"
تحرك تلقائياً من دفعها له، حاوط ظهرها بحنو وقد علم إلى مدى يصل تشتتها. أسند ذقنه على كتفها ثم قال بعقل عنوة عن قلبه وما يريد:
"أسيبلك فرصة ووقت عشان متندميش يا نيروز.. عشان أنا مش عاوز أعاتب ومش عاوز أقول إني جيت على نفسي عشانك إنت. مستغرب إزاي اتهاونت بس البصة في وشك كفيلة توتر الواحد وترجعه لورا أميال من قرار كان هياخده حتى لو غصب عنه!!"
قبل كتفها برضا ثم تحرك. فاعتدلت هي ببطء ثم وجهت عينيها بعينيه وهي ترفع يديها تدير وجهه ناحيتها ثم قالت:
"لسه بتحبني وواثق فيا؟"
"وثقت فيكي لدرجة إنك لما قولتي نبعد اتصدمت. أما لسه بحبك فـ أنا امته بطلت أحبك أصلاً؟"
تحركت أنظارها الصامتة بعشوائية ثم وجهتها نحو يديه الخالية من دبلته، وحتى سوارها لم يكن موجود بالفعل. تنفست بعمق مما فعلته كي يفعل هو ذلك. وقبل أن توبخه وجدته يضع يديه بجيب بنطاله ليخرج سوارها ودبلته السوداء ثم قال بتوضيح:
"قلعتهم من ساعة اللي حصل وعنتهم بس بعد كده لقيت نفسي مش مظبوط وهم مش في إيدي. خرجت بيهم وقلعتهم قبل ما أرن جرس شقتكم!"
تصنعت عدم الاهتمام ثم اعتدلت تسأله بنبرة ليست مهتمة ولكنها زائفة:
"آه.. ومين شافك وانت لابسهم في الشغل؟"
علم مخزى حديثها حتى أنه رفع عينيه نحو خصلاتها المفرودة ثم قال بابتسامة واسعة مما جعلها تشهق بخفوت:
"مدام إنجي الجامدة!!"
"عرفت إنك متتسابش لوحدك أبداً، مش عشان حب عشان قليل الأدب ومبترحمش."
"أقسم بالله ولا إنت تتسابي، عشان خسران اللي يسيب جمال البني آدم فيك ويروح لحد تاني!!"
وجد الإبتسامة أخيراً تزين وجهها. رفع يديه يزيح خصلاتها خلف أذنها بينما نظرت هي له بهدوء ثم قالت بتوضيح:
"لو مستني مني جواب فمش هيكون غير لأ مش عاوزة مأذون، بس هستنى منك أنا إنك تهدى وتفكر كويس وتقدر خوفي عليك. وأنا قسيت عليك لما قررت أسيبك بس والله غصب عني عشان خايفة عليك وخايفة على باباك ومامتك وآخواتك مني!!!"
ابتسم لها "غسان" بإطمئنان. ثم رفع عينيه يحتضن عينيها لمدة لحظات من الصمت، صمت نظرات متأسفة من كل طرف للآخر. وانتهت بها كما إعتادت عندما توجهت تقبل وجنتيه بإرادتها. شعر بأنفاسه المريحة تعود بعد الفقد لأيام. تنفس براحة ثم اعتدل يمرر يديه على خصلات شعرها برفق حتى نبس بنبرة هادئة:
"قومي بقا غيري اللي انتي لابساه ده قبل ما حد ييجي. وإلبسي لبس خروج عشان نخرج!!"
أخرجت أنفاسها وقد تحركت لتنهض تزامناً مع نهوضه هو الآخر. ابتسمت له وهي تهز رأسها بالإيجاب. في حين أومأ هو لها بهدوء وهو يبتسم. وما أن تحركت ثم توجهت ناحية غرفتها ثم أغلقت بابها التي سمعت صوته "سمية" من الداخل. ابتلع ريقه من كمية ضغط الأحداث عليه. وقبل أن يتحرك ليخرج وجد صوت باب غرفتها يفتح وقد خرجت هي. توقف ثم التفت فوجدها تتجه نحوه وعلى معالم وجهها الاستفهام. وجدت الابتسامة تشق وجهه ثم قال:
"خير يا حماتي!!!"
وجدت السعادة تظهر بنبرته ومع لقبه الذي أردفه بين الكلمات. توسعت ابتسامتها بغير تصديق فهز هو رأسه يؤكد ثم قال بلين:
"أيوه كل حاجة بينا بقت تمام. ادعيلنا بقا ربنا يعديها على خير. وعلفكرة أنا ملغتش أي حاجة كل حاجة في ميعادها. وأكيد شوفتي الخشب اللي جه امبارح وطلع فوق؟"
هزت رأسها بنعم وقد تأثرت من سعادته الغير مفهومة. تقدمت تبتسم بفرح ثم رفعت ذراعيها تحتضنه بعاطفة أمومة وهي تقول:
"الله يهديكم ويسعدكم ويفرح قلوبكم دايماً يا حبيبي إنت وبنتي!!"
خرج "غسان" من بين ذراعيها وهو يبتسم بهدوء. ثم هتف وهو يعتدل بوقفته:
"مش عايزك تتعبي نفسك بعد الوقتي. وإطمني. كل اللي جاي خير وبس بإذن الله.."
هزت "سمية" رأسها بسعادة. ثم تنفست بعمق وابتسامتها تتسع وهي تنظر بأثره حين خرج هو من باب الشقة وهو يغلقه خلفه.
____________________________________________
كيف مرت الثلاث أيام عليهما الإثنان؟! ..وهما كذلك لا حول لهما ولا قوة. فراشان مهملان بجانب بعضهما أحدهما لا يقوى على الحركة والآخر قد تحسن إلى حد ما وهذا هو "شريف" الذي استند بوجع جسدي على الفراش الذي ظهر عليه الإهمال. ابتلع ريقه بصعوبة ثم حرك نظراته نحو الباب والغرفة الخالية لم يكن بها سوى "حسن" المسطح أمامه على فراش آخر مستغرق استغراق تام يجعله لم يستفيق منه الآن فمنذ ما حدث وهو على هذا الحال حتى أنهما لم يتحدثا. كل منهم يفتح عينيه بوقت غير الآخر. ولكن هو.. هو الذي نهض رغماً عنه وهو ينظر بإشمئزاز للمكان. قاطع نهوضه البطئ وهو يمسك نصفه العلوي من الجانبين بألم دخول أحد الأطباء عليه. الذي نظر إليه بصمت. لم يعيره "شريف" اهتمام بل نهض ببطء وهو يسمعه يقول بغير اهتمام طبيعي:
"حمد لله عالسلامة يا أستاذ!!"
رفع "شريف" رأسه يطالعه بغرابة ثم قال بتبجح استشفه الأخر:
"أمشي إزاي من المخروبة دي؟"
عقد "الطبيب" ما بين حاجبيه ثم قال بإستنكار من أسلوبه:
"إتكلم بشكل أفضل من ده يا أستاذ لأما.."
رفع "شريف" يديه السليمة قليلاً ثم وضعها ليخنق رقبة الآخر ثم هتف بنفاذ صبر غير عابئ بأنه يعرض نفسه لمسألة قانونية:
"إنت هتصاحبني؟ اخلص قول أمشي إزاي وفين حاجتي ولبسي؟"
هز له "الطبيب" رأسه بطاعة ثم هتف سريعاً له بخوف ظاهري:
"مش هتعمل حاجة. هتروح تمضي على ورقة كده إنك هتمشي بعد ما حالتك بقت كويسة ولبسك موجود وتليفونك وكل حاجة!!"
إبتلع ريقه برهبة ما أن قالها فأهبط "شريف" يديه من عليه بتقزز ثم اعتدل يستند ببطء كي يخرج من الغرفة كي يتجه للأسفل. وقبل أن يتجه توقف يلتفت ثم وزع نظراته بينه وبين "حسن" النائم ثم قال وهو يشير بإصبعه عليه:
"إبقوا حللو كده لده قبل ما تمشوه. أصله مدمن وهربان من أهله عشان ميودوهوش مصحة وهربان من بلاوي تانية ومتهم على بنات ناس. إطلبوا الحكومة ليه ها؟"
صمت ثم تابع بضحكة متسلية وهو يطالع من أمامه:
"متنساش أصل يتهجم عليك إنت شخصياً!"
قال آخر حديثه بسخرية وهو يطالعه بتسلية. ومن ثم أوله من شره كي يلهبه عنه ويجلب له المصائب بعيداً عنه كونه يعلم ماذا سيفعل ما أن نهض وقابله. تحركت عين "الطبيب" نحوه وهو مسطح. ثم ثبتها على وجه "شريف" الذي هز له رأسه بتسلية وهو يبتسم بشرر. ومن ثم التفت ببطء ثم توجه للخارج وهو يستند براحة بين لحظة والأخرى! ولم يأت بعقله سوى عدة أفكار شيطانية كمثل طبيعة أفكاره. وأولهم ذلك الذي لم يبقى عليه!! شقيقه قبل حدة الشباب!
______________________________________________
خرجت من المستشفى بعد ظهور نتيجة تحليل الدم. وللفرحة الشديدة كانت النتيجة توحي بوجود "حمل" بالفعل! لم يسعها الوقت اليومان الماضيان بسبب وجودها في شقة والدة زوجها وبالأخرى بجانب والدتها كي تهون عليها كونها مريضة. ابتسمت "ياسمين" بفرحة كبرى وهي تقف أمام الطريق لتنتظر مواصلة. تبتسم بين الحين والآخر ببلاهة كونها شارده بكيف ستجمعهم جميعاً كي تخبرهم بمثل هذا الخبر!! اهتز هاتفها بيديها ولم يكن الاتصال سوى من "حازم". أجابت على الاتصال فوجدت صوته أولاً بجانب أذنها حتى وصلها قوله:
"إيه يا حب العمر!"
خلصتي الحاجات اللي بتقولي هتشتريها؟
توسعت ابتسامتها ثم كبتت ضحكاتها وهي تقول:
_ خلصت. إنت خلصت شغل؟
_ خلصت وقاعد فالشقة عند مامتك أهو، وعندي ليكي خبر هيفرحك موت!
ترقبت ملامحها في حين هتفت بلهفة سريعا، وقد أرسلت له فضولها مع قولها:
_ بتهزر؟ إيه هو؟
_ لما تيجي بقا يلا مستنيكي، متتأخريش وخلي بالك من نفسك. مش عارف حاجات إيه دي اللي معرفش أجبها معاكي ولا حتى أنزل أنا أجيبها لوحدي.
تعالت ضحكاتها ثم أشارت لسيارة أجرة تزامنا، مع قولها وهي تدخل السيارة:
_ حاجات وخلاص، هو انت عشان جوزي لازم تعرف يعني؟ أما إنك غريب أوي يا عم المحامي انت!
قهقه "حازم" بحب، ثم هتف بلين:
_ المهم يستي ارجعي بالسلامة وبعد كده نبقى نشوف الموضوع ده.
أجابته بموافقة، هي الأخرى وقد أغلقت الخط تزامنا، مع سير السيارة بالفعل حيث لديها من الحماس ما يكفي لتخبرهم بما لديها، وحماس آخر لتعلم ما سر سعادة نبرته وصوت حديث "سمية" العادي بجانبه.
***
أغلق هو الهاتف وهو يجلس ثم حرك رأسه بقلة حيلة من عناد "ياسمين" كي تنزل بمفردها تبتاع أشياء لها. ابتسمت له "سمية" باتساع، ثم حركت رأسها بغرابة وهي تردد:
_ مغلباك أنا عارفه!
حرك أنظاره ناحية "نيروز" التي جلست تمسك بهاتفها وهي ترتدي ملابس مناسبة للخروج تنتظر قدومه فقط كما قال لها. تنفس "حازم" بعمق، ثم قال بحب ومرح بنفس ذات الوقت:
_ حتى لو بنتك عملت إيه فيا عمري فحياتي ما هلاقي زيها، رغم إن دماغها ناشفة بس والله قلبها مفيش أطيب ولا أحن منه. وعيب منك يا حماتي والله ما تنصري يستي بنتك عليا شوية، واقفه معايا كده علطول ده كلام؟ ما تحضرينا يا روز ولا عشان الدنيا بقت تمام بينك وبين غسان هتكرفيلنا؟
خرجت ضحكات "سمية" كما كانت "نيروز" تضحك هي الأخرى رغم خجلها. هتف تبرر سريعا بمرح، وقد تبدلت ملامحها للبهجة بعد أن كانت حزينة وهذا ما لاحظه من يجلسان أمامها:
_ بص يا حازم هي ماما كده دايما من ناحية ياسمين، بس الغريب بقا إن ياسمين أصلا عندها حاجة تانية، ركنها الجامد حتى هي كانت بتقعد تقول راجلي، فكده كده لو عقلك وزك تيجي نحيتها وتزعلها ساعتها هتشوف سمية تانية غير الطيبة دي. سيبك بقا من اللي بتشوفه ده دا تمويه يعم دي بتحبها هي وورده أكتر مني أصلا.
قهقهت "سمية" حتى وضعت يديها على موضع قلبها ثم نظرت نحو "حازم" الذي ضحك هو الآخر فسمعها تهتف بتبرير:
_ كده يا نيروز؟ دا حتى انت الدلوعة بتاعتي يا بنتي. الفكرة إن أبوكي كان مدلعك أوي ومقرب منك أكتر مني، فكنت أنا اللي قريبة أكتر من ورده وياسمين رغم إن سالم حبيبي الله يرحمه مفرقش بينكم بس كنت بعرف بردو الواحدة ممكن تحس بإيه وعقلهم مش هيكون بيستوعب ساعتها إنك الصغيرة بقا والمدللة وكده. بس والله كلكم واحد ومعزة واحدة. أنا بحبكم لدرجة إن عارفه كويس كل واحدة أنا حاطاها فـ إيد مين ومين اللي هيصون ويحافظ على بناتي. وياسمين مش بحبها أكتر واحدة ولا حاجة، بس بحس بيها لأنها بتكتم جواها الحلو والوحش وأي حاجة وبتستحمل كتير أوي. ولا عمرها بتشتكي إلا من الشديد القوي. وورده كمان غلبانة كل شوية تنغص علي نفسها وحالها المعروف ده. غاوية تعب زي أمها هي كمان! الله يهديكم والله الله يهديكم!
قالت حديثها بحب، فترحم كل منهم على زوجها الراحل. وقد ابتسمت "نيروز" بألم، والغير معهود أنها هتفت توضح بعدما رأت الدموع بعين والدتها:
_ أقولك على حاجة هتفرحك؟ تخص حبيبك على فكرة!
ترقبت ملامحها في حين ابتسم "حازم" بهدوء وقد ظهر التأثر بنظراته عندما هتفت "نيروز" بعمق:
_ حلمت بـ بابا امبارح. لقيته جاي يحضني وقالي إن كلنا وحشناه أوي أوي. وقعد يتكلم معايا كده كلام مش مجمعاه بس فاكرة إنه قبل ما يمشي طبطب عليا وقالي متزعليش ومتزعليش مامتك وخلي بالك منها!
صمتت ثم واصلت بمرح:
_ يعني مهتم بيكي يستي أهو وهو حي وهو ميت. الله يرحمه!
إستشفت "سمية" معنى حلمها وقد نظرت خلسة لـ "حازم" الذي فهم الأمر. ابتسمت بتأثر وهي تترحم عليه. ومن ثم سمعت هي صوت جرس الباب. نهضت هي بحماس قبل أن ينهض "حازم" الذي كبت ضحكاته عليها، فقد فاض الحب منها إلى أن بقى وظهر لمن حولها. فتحت الباب سريعا، ومن ثم وجدته ووجدت عائلته بأكملها! والإبتسامة الواسعة تزين وجههم. دخل "حامد" يحتضنها بعاطفة أبوه ثم همس بجوار اذنها وهو يقول تزامنا مع ربته على ظهرها:
_ كنت عارف إنك عاقلة وهتوزني الأمور!
ابتسمت "نيروز" بسعادة له ومن ثم احتضنت "دلال" التي وجدت نفسها تقول بتلقائية امتزجت بالندم والتوضيح:
_ حقك عليا يا بنتي لو كنتي زعلتي مني فـ أي حاجة. والله غصب عن عيني. وانتي عارفه الأم قلبها على عيالها!
حددها "غسان" بتحذير من فتح حوار قد تم غلقه. صمتت سريعا وهي تدخل ترحب من بالداخل لتجلس. وقفت "وسام" بهدوء، وقبل أن تتحدث لها تحدثت "نيروز" سريعا كونها تعلم ما تود قوله:
_ أنا عارفه إن كلامك عشان خوفك وحبك لـ غسان مش أكتر. علفكره انت مغلطيش عشان فعلا مش هلاقي زيه حتى لو بني آدم مستفز وقليل الأدب!
اندهش "غسان" رغم جهله بما حدث بين شقيقته وزوجته. نظر بحنو عليهما وهما يحتضنان بعضهما فرفع ذراعيه على كل منهما أمام الأنظار المحبة ثم هتف بسعادة:
_ انتوا الإتنين مفيش أغلى منكم على قلبي. وخدي يا وسام حقي حالا عشان بتقول علي أخوكي قليل الأدب!
_ ما انت فعلا يا غسان قليل الأدب بس اخويا وبحبه كله على بعضه بقلة أدبه كده!
قالتها "وسام" بمرح، ثم حركت رأسها صوب "نيروز" الضاحكة وهي تقول:
_ أيوه احنا عيلة مطرقعه. ربنا يستر على عيالكم والله!
قهقه "غسان" في حين قد اسندها برفق حتى جاءت "دلال" تأخذها. بينما وقف "بسام" في الخلف يغلق المكالمة الهاتفية ثم دخل يبتسم باتساع وهو ينظر لها ثم ردد بمرح خافت:
_ والله أنا مكنتش مصدق نفسي يا مرات أخويا. ولو زعلك تاني يستي في غيره موجود ورقبته سدادة. حتى نفس الشكل فمش هتتعبي نفسك. قولتي إيه؟
قالها بمرح كونه اعتاد عليها ولكن كان صوته خافت هادئ. ابتسمت له بخجل وقد تحلت بالجرأة وهي توزع نظراتها بينهما ثم قالت:
_ صحيح نفس الشكل. بس مفيش من غسان تاني!
هلل "غسان" بسعادة ثم حرك أنظاره نحو شقيقه الذي تبدلت ملامحه وهو يهتف بحرج.
"أنا كده اتأكدت إنك مش هتنفعي لحد غير غسان البدري، دعواتك بقا واحدة تبقي كوبي بيست مني كده زيكم!"
خرجت ضحكتها الخفيفة ثم ابتسمت بلباقة وهي تردد:
"بإذن الله ربنا هيرزقك بحد كويس زيك، عاوزها بقا مهندسة ولا دكتورة؟"
عقد "بسام" ما بين حاجبيه بعدما دخل يستند بجانب شقيقه ثم هتف بتساؤل:
"وده ليه؟"
"عشان يعني أغلب الدكاترة بحسهم ببقي ليهم مواصفات خاصة، لا دكتورة ولا مهندسة لحاجة كبيرة كده تليق بيهم.."
نظر "غسان" عليها بشغف وهي تتحدث، وقد تعمد ترك شقيقه يجيب ليري ما يحدث معه ومع عقله خاصة بعد موضوع "تاج" التي كان لها أثر بحياته. ترقبت ملامحه وهو يسمعه يبتسم ثم قال بلطف امتزج بالعقل:
"لا معنديش مواصفات خاصة، دا أصلاً مفهوم خاطئ شوية باعتبار إن الأغلب ممكن يكون شايف كده، أو الأهالي اللي تقول لا لازم دكتور لدكتورة وبتاع وتقعد تعظم فيهم لحد ما يشوفوا نفسهم. لكن الحج حامد ومراته الحجة دلال معلمونيش كده، بالعكس ده أنا شخصيتي بينهم وكاريزمتي كدكتور واقعة فالأرض والله!!"
رفع "غسان" يديه يدفعه بمرح من حديثه، في حين ضحكت "نيروز" بخفة فأكمل هو:
"وبالنسبة ليا يعني فأنا مش متشدد إنها تكون كده، أنا عندي تكون مش مكملة تعليم أو تعليمها متوسط بس تكون محترمة وبنت ناس وقلبها نضيف وعارفة ربنا وبتصلي وعارفة إيه الحرام وإيه الحلال. وبعدين اتجوزوا يلا عشان أنا كبرت فدماغي أخطب عشان عاوز حد يبقى كوبي بيست مني كده وأجرب حلاوة الحاجات دي فالحلوين زيكم!!"
"عالة يـ بيسو، حالا نتجوز يعم انت تؤمر!"
قالها "غسان" فنظرت له "نيروز" بتعنيف، ثم التفتت تنظر ناحية الآخر وهي تردد بهدوء وبكل تلقائية:
"إن شاء الله هتبقى عال وهنجيب عيال!!"
شهقت سريعاً عندما استوعبت ما قالته أمامه بعفويتها والتقاطها لحديث ليس لها من الأساس، سمعت صوت ضحكاتهما الاثنان وبقوة، وقبل أن تخجل برر "غسان" سريعاً وهو يرفع ذراعه عليها بتشجيع ثم قال بفخر:
"مراتي وحقها تقول اللي تحبه يا دوك، أو اللي أحبه أنا. المهم إن نجيب عيال فعلاً وتبقي عال لأحسن بقيت على أخرى وربنا!"
توسعت ابتسامة "بسام" في حين رأى ما يكنهما الاثنان لبعضهما من حب ظهر بنظراتهما لبعضهما، بل وللدهشة اهتمام "غسان" بها هي إلى ذلك الحد وهو الذي لا يتهاون بكرامته!! تعجب من تخطيه لكل ذلك، ولكنه يعلم تمام العلم كيف يصبح الإنسان عندما يقع فؤاده وينتشله الحبيب الآخر!! لطالما الشخصيتين عكس بعضهما تماماً.. أحدهما يتفهم ولكنه يصمت والآخر هائج رغم فهمه. ومن ثم يعود الثاني بكل بساطة وبعد ما حدث لها!! تجعل منه طباع أخرى؟ أم أنه معها هي ذلك فقط؟ لم يتهاون هو معه في ما يخص "تاج" حيث ترك لهما المنزل! بأي وجه يقارن هو!! لم يتوصل إلا لنقطة معينة بحديث الطبيب عن شقيقه بأنه يعطي أكثر ما يأخذ وأكثر ما يعطيه رغم طباعه السيئة. هو الاحتواء والاهتمام رغم ضغطه ورغم عدد معين من علامات حمراء بشخصيته ليست جيدة وليس لكل فتاة بموضع نيروز بأن تتحملها! لطالما لا يوجد شخص كامل! ولا يوجد شخص مثالي. لا يوجد بطل إلا في أنظار المحب وكان هو بطلها هي مهما فعل ورغم المعاناة!!
قبل وقت ليس قليل من الآن، جلست هي أمامه على الطاولة في أحد المطاعم القريبة من جامعتها، ورغم طبيعة الحديث بينهم إلا أنها لم تفتح معه ما عرفته عنه! وحتى هو لم يفتح ذلك الموضوع معها! ابتسم "عز" لها وهو يتناول ما أمامه من مشروب بارد من عصير المانجو.
"سرحانة في إيه كده يا صاحبة الرداء الأبيض اللي زي الملايكة ده!"
ابتسمت بخجل ثم رفعت أنظارها تطالعه وهي تجيب لتشاركه آخر ما عملته بحماس:
"كنت بفكر إن لما الواحد مثلاً بيدي فرصة لنفسه يحب الحاجة اللي بيعملها ويديها فرصة ببقى ناجح فيها وهو فخور! كل مرة كنت ببقى ثابتة في كل درجة امتحان مكنتش بتبقى وحشة بس متوسطة، المرادي بعد كلامك ليا امتحنت وجبت درجة كويسة والغريبه إني ذاكرت في الدفاتر اللي جبتهالي وجبت درجة عالية، عارف عشان إيه؟"
"هموت وأعرف والله العظيم!!"
في كل مرة يتحمس بأن تردف هي له الحديث، ضحكت بخفة ثم أجابته بحب:
"عشان سمعت كلامك ومخرجتوش من دماغي. حسيت إنك فخور بيا بجد مش كلام وإني شايفه نفسي حلوة وناجحة عشان إنت شايفني كده، وعشان ذاكرت بحب لأول مرة. بعرف بالتدريج إن ربنا عوضني بيك يا عز!"
ابتسم بتأثر ثم رفع عينيه يعانق عينيها الرقيقة البريئة، حتى هتف أخيراً بنبرة مبهجة يعلن فخره لها:
"والله العظيم عز فخور بيكي أوي، لدرجة إني عايز أذاكرلك أنا لو أعرف، عشان تفضلي منفوخة كده على طول!!"
"اتفوقت ونجحت بيك حتى لو نجاح صغير، بس هتكرم وهاخد شهادة تقدير عشان المركز الأول، ومش عاوزة غيرك يكون موجود معايا في اللحظة دي!"
لم تجد سوى معالم الفرحة والتأثر، فتعززت هي منه ولم تخجل من كونه لم يكمل دراسته. ابتسمت ببهجة وهي تهز رأسها له فهتف هو بنبرة صادقة:
"أنا كده حاسس إني عز الرجال بجد مش مجرد كلمة بتتقال!! هو ينفع أسألك سؤال؟"
ضحكت بخفة ثم قالت بمرح:
"أسئلتك كترت أوي يا عز"
"هو لما عمرو دياب لما غنى جميلة كان بيغني ليكي صح؟"
قلبت عينيها باستهزاء مضحك ثم قالت تجاريه:
"ليه يعني؟"
"أصله قال ملامحك جميلة وكلك جميلة، ومشفتش كده خالص غيرك إنتي!!!"
"بتهزر يا عز إنت ثبتني بجد!!! فكرتها هتبقى بايخة والله!!!"
قالتها بتلقائية، فخرجت ضحكاته وهو يهز رأسه يؤكد ثم ردد من بين ضحكاته:
"شفتي بقا؟ وعالفكرة عز الرجال لو حلفلك بإيه إنه غلبان وعمره ما ثبت واحدة قبل كده هتصدقي؟"
"من غير حلفان، مصدقاك، أصل محدش هيثبت يعني ويستأذن قبل ما يعملها، واضحة زي الشمس!!"
قهقه "عز" عالياً ثم نظر بفخر زائف:
"ده احترام وفن مش أي كلام"
نظرت له بهدوء ثم هتفت توضح ما قاله لها وكأنها تستفسر:
"إنت فعلاً محترم، بس ليه بحسك مش كده دايماً؟ أنا خوفت منك أوي يوم ما حسن شافنا مع بعض، إنت معملتش حاجة تخوف بس ملامحك وكلامك وأسلوبك لما اتغيروا حسسوني إن عندك انفصام كده وعندك جانب من شخصيتك مخفي ومش سهل وكده!!!!"
طالعها باهتمام، وقد فهم هو حديثها، نهض تزامناً مع حديثه وهو يضع الأموال ثم سار بجانبها للخارج مع قوله لها:
"مش انفصام، بس عندي حاجة ماشي بيها في حياتي، بطبيعة شغلي وكده. عرفت مين جدع ومين أي كلام. تجربتي في الحياة خلتني مخدش كل حاجة بالدراع عشان ساعات الحق بيضيع. العقل يغلب كل ده. وهنا العقل حاجتين آنك تفكر قبل ما تعمل الحاجة وكما تكون عاقل وراسي ومتتقللش من نفسك. عشان كده مشيت بالأصول وعارف اللي ليا واللي عليا. وطول ما أنا مشوفتش وحش من اللي قدامي يبقى عمري ما هاجي عليه حتى لو كله بصم بالعشرة إنه وحش عكس اللي حصل مع حسن عشان أنا سمعت بس إنه مش كويس معاكي بس مجتش عليه حذرته. وأنا بسكت بسكت ولو قمت عمري ما بسيب حقي يا جميلة. دا غير إن اللي بيفكرني سهل وبيسوق فيها عز بيعلمه الأدب حلو أوي!!"
مش كل الناس وحشة ولا كلها حلوة، ونعمة من عند ربنا إنك تعرف اللي قدامك ده مايته إيه. أنا شغلي عايز حد دماغه فايقة وعنده سرعة بديهة كده، ومع الأسلوب الحلو عشان مطفش الزبون ونسترزق ونتعرف بالسمعة الحلوة، مش بلطجة على طول ولا احترام على طول. كل واحد ياخد اللي ليه واللي على مقاسه من طريقة وطباع وشخصية واللي يستحقه.
توقف يأخذ أنفاسه وهو ينظر على الطريق ثم واصل بابتسامة حانية:
"ومتخافيش مني، أنا مش هاجي عليكي أبداً. دا غير إن البنت والست عندي ليها مكانة غالية أوي. عارف قيمتك كويس قبل ما تبقي معايا. وعندي أخت وعارف ممكن يحصل فيها إيه لو أنا مراعتش ربنا فيكي. وعندي أم دعوتها ممشيني ومخلية ربنا يزقني برزقهم عشان أعيشهم العيشة المرضية ليهم. أنا صحيح كبرت على الشقى، ويمكن أكون جاهل فشوية حاجات بس عمري ما أجهل إن الست دي الرسول صلى الله عليه وسلم موصينا عليها. وليها سورة كاملة في القرآن اسمها سورة النساء. عايزة إيه أكتر من دول؟ دول حاجة تخلي الواحد يخاف ربنا فيكم والله."
انتهى من حديثه ثم أشار لسيارة أجرة يقودها رجل كبير بالسن. ابتسمت له بحب، ثم قالت بهدوء:
"عز الرجال والله!"
ضحك بخفة ثم أشار لها بأن تركب. وقبل أن تركب نظرت له متحدثة مرة أخرى تؤكد:
"هستناك بكرة إنت ومامتك وفرح بقى، متتأخروش!!"
"بإذن الله هنجيلكم بكرة!!"
أومأت له "جميلة" بهدوء، ثم تنفست بعمق، وهي تدخل السيارة تزامناً مع وقوفه وهو يشير لها بالوداع وابتسامته الواسعة تعرف طريقها معها هي، وليس أخرى.
أما الآن.. فأمسكت "ياسمين" الأكياس التي توجد بيديها ومن ثم أعطت بالأخرى الأموال للسائق. وبعد أن هبطت اعتدلت بوقفتها ومن ثم تفاجأت بسيارة أخرى تتوقف بعدما سارت الأخرى. التفتت تنظر فوجدتها "جميلة" التي تهبط. توسعت ابتسامتها وهي تتوقف ومن ثم وجدت "جميلة" تتوجه ناحيتها تقبلها من وجنتيها ثم تساءلت بمرح:
"كنتي فين كده يا حلوة من غير أخويا؟!"
"إنتي مالك يا بت، دي أسرار!!"
قالتها "ياسمين" بمرح، وهي تدخل المصعد بجانب "جميلة" التي ضحكت بخفة ثم سمعت قول "ياسمين" مرة أخرى وهي تردف بحماس:
"عندي ليكم خبر تحفة!!"
ترقبت ملامح "جميلة" وقبل أن تتحدث بلهفة وجدت المصعد يفتح وباب شقة "سمية" مفتوح والأصوات تخرج بالضحكات. نظرا الاثنان إلى بعضهما بغرابة، حتى اتجهها خلف بعضهما يدخلان من باب الشقة المفتوح. صمت الجميع على فجأة، ولم تتحرك أنظار "ياسمين" إلا على جلوس "غسان" بجانب "نيروز" وهو يضع ذراعه على كتفيها كما يفعل دائماً. توسعت بسمة "جميلة" في حين رددت "ياسمين" بغير تصديق:
"متهزروش، ده بجد؟!"
هلل الجميع من بين الضحكات وكل منهم يهز رأسه بالإيجاب. فوقف "حازم" يبتسم لها باتساع، وقبل أن يتحرك ناحيتها هتفت هي بحماس:
"طيب حيث كده بقى وإن الأخبار الحلوة بتيجي ورا بعضها، فـ أنا عندي ليكم خبر حلو!!"
انتبهت "نيروز" لحماس شقيقتها الغير معهود دائماً. ثم اعتدلت بجلستها فنظر إليها "غسان" بهدوء. في حين هتف "حامد" قبل "حازم":
"إيه هو؟"
"يلا بقى يخربيت الفضول!!"
آخر جملة هتفت بها "وسام". فنظر "بسام" ناحيتهم بانتظار. فتحركت "ياسمين" تقف أمام "حازم" ثم أمسكت يديه الاثنان وهي تتنفس بعمق، حتى هتفت بنبرة مرتفعة بعزم ما لديها من سعادة امتزجت بالحماس القوي:
"يـــــــا كـــــــبــــــيــــــر مـــــــراتــــــك .. حــــــامــــــل !!!!"
توقفت لحظة "حازم" عند هذه النقطة وهو ينظر بغير تصديق. ابتلع ريقه بصعوبة فوجد الجميع يضحك بقوة. ومن ثم تعالت زغروطة من فم "عايدة" بفرح شديد وهي تحتضن "سمية" ومن ثم "دلال" حتى نهضن سريعاً يحتضنن "ياسمين" بمباركة. أدمعت عين "نيروز" وهي تنهض باندفاع هي الأخرى. فنهض "غسان" ينظر إلى "بدر" و "حامد" الذين نهضوا هم أيضاً، ليتوجهون ناحية "حازم" الذي وقف بصدمة. أول من توجه له كان "غسان" الذي هزه بمرح. ثم قال بتهليل:
"فوق ياض هتبقى أب!!"
حرك "حازم" بدهشة ثم وجد من يأخذه بين أحضانه. من يوزع الأحضان دائماً "غسان". ومن ثم وجد "حامد" يحتضنه بمباركة هو الآخر ثم ربت عليه بتأثر وهو يقول:
"ربنا يجعل ذريتك صالحة يبني ويبارك فيها ويقوم حب عمرك بألف سلامة هي وحبيب جده اللي جاي إن شاء الله!!"
احتضنه "حازم" هذه المرة وقد شعر به شعور بأنه والده حقاً. واحتضنه أيضاً "بدر" و "بسام" بسعادة. في حين وقفت النساء والفتيات حول "ياسمين" التي حملت "يامن" تقبله بمرح. ثم قالت:
"أنا عايزة ولد حلو كده زي يا يامن يجماعة مليش دعوة"
قبلته بمرح. فوجدت من يقف أمامها بتأثر. فأخذت وردة الصغيرة لتهبطه أرضاً. ثم تفاجأ الجميع بتوجه "ياسمين" لتحتضن "حازم" التي علمت شعوره. حتى قالت له من بين احتضانهما:
"متأكدة إنك هتبقى أحسن أب في الدنيا دي يا حازم والله!!!"
نظر الجميع بتأثر وقد كان الحديث حماسي بين كل طرف والآخر. في حين تأثرت "نيروز" وبشدة وقد عادت لتجلس كما كانت. وجدت "غسان" ينظر لها بصمت. فابتسمت برقة ثم تساءلت بغرابة:
"بتبصيلي كده ليه؟"
"عايز أبقى أب أنا كمان!!"
قالها بجدية مضحكة. فقهقهت هي عالياً. فضحك على ضحكتها. هزت رأسها بشغف. ثم قالت بلين تشاكسه:
"إن شاء الله هتبقى أكتر أب صايع وقليل الأدب. يارب أول خلفتنا تكون بنت عشان أشوفك كده هتتصرف إزاي لما تجيلك وتقولك إن حد باسها أو قالها كلام زي اللي بتقوله وتعمله ده!!!"
ضحك "غسان" بخفة ثم حرك رأسه بثقة وهو يجيب:
"ما تبقي بنت يا رزة. وبعدين مش هستناها تيجي تقولي كده، هعلمها إزاي تحمي نفسها. وهجبلها إسورة مطوة زي أمها. ونبقى تشكيلة كده على بعضها اسمها تشكيلة غسان البدري ومراته وعياله وإن شاء الله أحفاده كمان!!!!"
ابتسمت "نيروز" على حديثه باستنكار. ثم اعتدلت تسأله بجدية:
"لأ بجد بتحب البنات أكتر ولا الولاد؟!"
"بحب الستات!!!"
قالها وهو يغمز لها بمشاكسة. فشهقت هي وهي تكتم ضحكتها. فوجدته يتحدث من جديد وهو يقول بعقل:
"بحب أي حاجة. وأي حاجة من عند ربنا حلوة. واللي هيبقى منك إنت، مش من حد تاني فـ دي تعتبر أحسن حاجة بالنسبالي!!"
"ثبتني يا بن البدري"
قالتها "نيروز" بخجل. فابتسم بثقة. ثم وجد "وسام" تنظر إليهم باستنكار.
فطالعها بغرابة ثم سألها قائلاً:
"مالك يا بت بتبصلي كده ليه؟"
"لا أبداً، الدنيا كانت واقفة بينهم على طلاق لحد من كام ساعة، والوقتي بيتفقوا على ولادهم."
ضحك الاثنان بخفة، فنهض "غسان" وهو يمسك بكف "نيروز" ثم نظر لها تزامناً مع قوله:
"يلا يا "رزقه"."
ابتسمت له ثم سارت من خلفه، في حين وقفت مرة واحدة عندما نظرت نحو "حامد" الذي أردف بمرح:
"ربنا يهديكم يا مجانين والله، خلي بالك من بنتي يا جوز بنتي!!"
قالها بلطف، فابتسم "غسان" كما ضحك الجميع، ثم أجابه بسخرية محبة:
"من عنيا يا حمايا!!"
ضحكت "سمية" بفرح خاصة عندما تركت "نيروز" يد "غسان" ثم توجهت بعفوية تدخل بين أحضان "حامد" بتأثر، ربت عليها بحنو ثم هتف بجانب أذنها بخفوت:
"بنتي يا "نيروز" وربنا اللي يعلم، معزتك عندي زي "وسام" بالظبط!!"
نظر الجميع بتأثر، ثم تعالت الضحكات عندما فصلهما "غسان" عن بعضهما، ثم قال بضجر زائف:
"ما كفاية يا "حامد"، انت ما بتصدق يا أخي!"
"ما تلم الدور يا عمي صحيح وتروح للحب بتاعك، ما هي قاعدة أهيه!!"
قال "بدر" حديثه بضحك، فاومأ لهم "حامد" بطاعة، ومن ثم خرجت "نيروز" من الباب مع "غسان".
هبطا على السلم معاً، ولم تكن سوى دقائق بسيطة حتى خرج معها من المبنى، ثم سار بجانبها على الطريق، والاثنان صامتان منذ دقائق. داعب الهواء خصلاته، فرفع يديه يزيحها إلى الخلف، ثم قال بصدق يجاريها لتخرج بالحديث له:
"طول عمري كنت بقول نفسي فـ حد أرتاحله ويرتاحلي ونمشي أطول طريق سوا!!"
حركت "نيروز" رأسها بتأثر من كلماته، فرددت هي بعد لحظات، تتحدث بوضوح:
"إحنا سوا، بس أنا عارفة إن حتى خطوة تصالحنا جت بطريقة غريبة، وعارفة إنك شايل وزعلان مني."
أخرج أنفاسه وهو يتنهد، ثم نظر على استراحة موجودة بكورنيش البحر، جلس بهدوء بعدما أشار لها أن تجلس، فجلست تزامناً مع قوله الهادئ الصريح:
"عارفة المشكلة مش فـ إني شايل أو مكسور، المشكلة اللي مش عارفها إني معاكي بحس إن طريقتي وطباعي غير، أول ما تبقي قدامي وانتي بتعيطي ببقى أضعف من الضعف نفسه، بكابر وأعاني قصادك وكلامي بيخرج من غير وعي بس سببه اني عايز أبعد عن الموضوع الأساسي، أنا مكنتش بنام، عقلي دايماً مشغول بيكي وباللحظة اللي بيقعد يتخيل فيها ازاي ممكن أطلقك، ازاي الواحد يعيش من غير قلبه، حتى لو اتكسرت منك فأقسم بالله ما عارف ابعد يا "نيروز"!!"
أثار حديثه عاطفتها وشفقتها، مدت يديها تتمسك بكفه، ثم قالت بنبرة مختنقة مما يشعر به ويخفيه، تعبر عن ما فعلته له بأسفها:
"أنا آسفة يا "غسان"!!"
رسم "غسان" على ملامحه الابتسامة، ثم اعتدل ينظر بجدية وهو يقول:
"بصي يا "نيروز"، كل حاجة حصلت بينا وبتحصل النصيب بيخليها تكون قدام الكل، وأنا واحد لو سكت بسكت بس لو اتعصبت بيخرج مني كلام قدام الكل ولناس غالية على قلبي أنا نفسي بندم عليه، طبع ومش عارف أغيره، بس أحسن حاجة نتفق عليها إن مشاكلنا بعد النهارده لازم تكون بينا وبس، عارف ان في الأغلب ببقى سبب إنهم يتدخلوا، بس اللي متعرفوش واللي عايزك تعمليه بعد كده لما تلاقيني كده سيبيني وامشي وتعاليلي لما أهدى، لو أنا ممشيتش وبعدت أهدى مع نفسي، طرف تالت بينا بعد النهارده مش هسمح إنه يتدخل، أنا لما ابويا اتدخل وعمل حاجة حرجتني بعدت، ولما أمي اتدخلت تدي حل صعب على قلبي قاطعتها، لكن الغريب انك عملتي أكتر من كده ومش عارف أخد منك موقف، بس أنا بحبك وقلبي مهزأ زي قلبك بالظبط، بس عايز أقولك بعد كده لو قولتليلي أطلقك صدقيني لو كلمة طلاق خرجت منك تاني ساعتها هقولها فلحظتها بدل ما نعيد الوجع اللي عيشته ده!!"
هزت "نيروز" رأسها بتفهم، ثم تعمدت قول الآتي بكل جرأة:
"زي ما بتخرج كلام متعرفوش، بردو عاوزة أقولك إن كلامك معايا بعد كده لازم يكون أحسن من كده، إنت هزقتني أوي، وكمان بتمسك إيدي وبتوجعني!!"
جاب عينه عينيها الحزينة وهي تخرج له ما تهابه منه، تنهد "غسان" يخرج أنفاسه ولا مفر ولا هروب من الأسف على ذلك:
"عندك حق فـ دي يا "نيروز"، أنا آسف، بس عايزك تعرفي إني مقصدش أمد إيدي عليكي عشان عمري ما هعملها، أنا أبويا عمره فحياته ما مد إيديه على أمي ولا رباني على ده، بس بردو خليكي عارفة إن صوتك العالي ده مش ماشي معايا وإنك تشاوري وبتتكلمي بإيدك كده دي حاجة بتعصبني أكتر!!"
نظرت له بتفهم، ثم هزت رأسها قائلة بابتسامة واسعة:
"هحاول أغير من ده يا محترم، أيوه كده خليك كده!!"
"انا! طب ما تيجي!"
شهقت هي تعنفه ثم ضحكت وهي تعيد كلماتها كالعادة:
"بردو يا قليل الأدب!!"
قهقه "غسان" عالياً، ثم هز رأسه يؤكد وقال بمرح:
"عال أوي كده، ارجع للأصل يا عم "رزقه"!!"
"الأصل مش أصل من غير "غسان"، غير كده كله أي كلام!!!!"
وكأنها تعيد عبثه معها بعبثها هي معه، نظر لها بحب، وقد صمت وكأنه يشبع نظراته منها بعد أن غاب عنها لأيام، كما عنفها قلبها من فراقه عنفه قلبه هو تجاهها أضعاف مضاعفة. كيف يصمت وهو البارع في خلق الحديث بينهما من الأساس. أم أن الغصة المريرة التي توجد بقلبه تحثه على التفكير بما لديها وما يخصها. بوادر انهيارها معه عند المواجهة دبت به القلق. لذا بعد صمت دام وهي تنظر على الأمواج البعيدة عنها متنفسة بعمق، شاردة الذهن، هتف هو يقول على فجأة:
"لازم تكملي وتنتظمي عند الدكتور النفسي ده يا "نيروز"!!"
خفق قلبها وقد تعجبت من قوله المفاجئ، لذا التفتت تطالعه فحرك نظراته في ركن آخر غير عينيها، ثم سمعها تقول بتلقائية تلومه:
"فكرتني مجنونة زيهم صح!!!!"
فتح "غسان" عينيه سريعاً على وسعها ثم نظر لها وهو ينفي برأسه سريعاً، حتى احتضن كفه كفها وهو يبرر:
"مستحيل أفكر فيكي كده أبداً، إنت مش مجنونة والله، بس أنا اللي بخاف!!!"
يعترف لها بخوفه. تساءلت بعينيها، فرد على سؤالها بلين:
"بخاف عليكي! يمكن خوفي عليكي هو اللي رجعنا لبعض النهارده وفوقني إني مش قد البعد. "نيروز". إنت كان هيجيلك انهيار عصبي!!"
سلب أنفاسها وأعادها لها بلحظة، يبرع في إعطاء الأمان واللين. ابتلعت ريقها ثم هزت رأسها تقول:
"ومحصلش يا "غسان" عارف ليه؟..عشان إنت جنبي، أنا مبيحصلش معايا كده دايماً، ومش بيمر عليا صعب غير فـ بعدك. فـ متخافش!!"
صمت عن الحديث كونه لا يعلم ماذا يجيب، بل والثقل الذي يوجد على قلبه إلى الأن لم يزول سوى بقليل.. بقربها منه! أما مظهرها وهي على وشك الانهيار وحتى عدم علمها بمرض والدتها يوتره هو شخصياً من الداخل كما يحاول جاهداً بأن يخفي ذلك أمامها.
وضع المفتاح بـ باب الشقة وهو يتألم من وجع جسده عليه، وبالطريقة فعلها ببطء حتى فتحه ثم دخل وهو يغلقه خلفه كما كان. توجه "شريف" بألم، يجلس على أول مقعد كان بالصالة، غير مهتم لوجودها بالداخل، بل وهي التي ركضت من داخل غرفتها للخارج كي ترى. وللمفاجأة توقفت "فريدة" عندما وجدته يستند بضعف على المقعد، وأنفاسه تعلو من وجعه. رفع عينيه يقابل عينيها وجسدها وهي واقفة. أما هي فنظرت باشمئزاز ثم بصقت على الأرض.
فإبتسم هو بإستفزاز ثم قال يقاطع سيرها للداخل مره أخرى:
"شمتانه فيا ولا ايه؟"
في تلك اللحظه وقفت "فريده" تنظر بتقزز عليه ثم هزت رأسها بجرأه حتى خرج حديثها لتجيبه بإندفاع رغم إنكسارها:
"أيا كان اللي عمل فيك كده فـ تسلم إيده وربنا يسامحه عشان منهاش حياة واحد قذر زيك تحت إيده..!!!"
تحامل "شريف" على نفسه ثم نهض ببطئ من على المقعد وهو يقف على بعد قليل منها حتى أخرج أنفاسه ثم أردف بهدوء أمام أنظارها:
"عارفه يا فريده مش هاخد حقي منك، هـوجعك تاني!!"
فتحت عينيها بصدمه وقد دب الخوف من ما جاء بعقلها فوجدته يهز رأسه نفيا وهو يبتسم بشر ثم قال ينفي ما تفكر به يمحى رهبتها:
"لا دماغك راحت فين، ما قولتلك خلاص كارتك اتحرق! أنا هوجعك بس مش فيكي، فأختك والنهارده!!!!"
تشنجت ملامحها وعنفتها نفسها للوقوف له والدفاع عن من تخلت عنهم في يوم، أثار غيظها حديثه حتى أنها هتفت تشير بنبره مرتفعه سريعا:
"لـــو فكرت تقـرب من "جميلـه"، هقتلــــك!!!!"
ضغط "شريف" على فكه وأسنانه وعلى فجأه رفع يديه وهو يقترب ثم أمسك خصلاتها من بين يديه وهو يردد بإنفعال لها:
"هتشوفي بعينك أختك وهي جايه هنا، وهتشوفي القذر هيعمل فيها إيه، أختك دي هيتضرب بيها عصفورين بحجر واحد ويا أنا يا هما."
ترك خصلاتها بعدما تأوت ثم رد لها فعلتها وهو يبصق عليها، أمسكت رأسها بضعف، فتحدث هو من جديد وهو ينظر عليها:
"مش خسـاره الجمال ده كله يضيع هدر، أنا صريح أوي يا فريده بس بقولك إني مشوفتش واحده فـ جمالك، ومش ندمان على اللي عملته فيكي، عارفه لو مكنش بيني وبينك أبوكي كنت إديتك فرصه ومضيعتكيش من إيدي أبدا!!!!"
دفعته "فريده" بذراعها وهي تصرخ به بقوه حتى رجع للخلف من دفعها له:
"مـــحدش هيـــقبـــل بني ٱدم زباله زيك كده، إنت فاكر نفســك إيه يا قذر إنت؟!!"
رجع إلى الخلف رغما عنه حتى توقف رغم ألمه ثم إعتدل بوقفته وهو يردد بنبره هادئه شديدة الهدوء:
"عندك حق، أنا قذر فعلا ووحش كمان، وعمري ما قبلت نفسي ولا شكلي، عشان شبهه، شبه أبويا، لكن إنت.. إنت فريده من نوعك بس كان لازم تتكسري حتى لو مش شبه أبوكي العويل، أنا ملقتش قبول من حد غير منك، أنا بكره كل اللي حواليا، وبكرهك عمري ما حبيتك يافريده، عمري ما حبيت ولا قبلت حد من ساعة ما بقيت غريب ولوحدي، بكره إخواتي وأمهم وكل شويه بقعد أتخيل ازاي ممكن أوجعهم وأكسرهم زي ما أنا إتكسرت، بس بردو مبيتكسروش، عارفه ليه؟"
قال "شريف" حديثه بوجع من بين دموعه التي هبطت وبالأخرى دموعها أيضا أكمل حديثه بضعف رغم عدم جوابها:
"عشان اللي ببقى معاه أمه وأبوه عمره ما بيتكسر أبدأ، وأنا اللي إتكسرت وأبويا سابني وأختي سابتني وأمي سابنتي.. وكل اللي حواليا إتخلو عني، بقيت بكره الناس، لدرجة إن لو لقيت ملامح شبه ملامح ناس بكرهها بكرهه هو كمان، الغريب إنك مش شبه حد، شبه نفسك، وقبلتيني وحبتيني وحسستيني بقيمتي بس معرفتش أحبك عشان مينفعش!!!!"
"إنــــت مريــض، مريـــض وفيك كل العبر الزباله!!!"
ضحك بعلو صوته من بين دموعه بل وضحكاته كانت بهيستيريه، هز رأسه لها يؤيد ما قالته ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله تزامنا مع قوله:
"هوريــكي المــريض ده هيعمــل إيـــه، أقسم بدين الله ما هسيب ولا واحد فيكم يتهني بحياته!!!"
إبتلعت "فريده" ريقها من نبرته ثم وجدته يطالعها بشر وهو يطلب أحد الأرقام، تصنمت مكانها، بينما ضحك هو بإنتصار عندما وجد الإجابه من الرقم الذي طلبه، ولم تسمع منه سوى ترحيبه بإسم مجهول بالنسبه لها:
"أهلا بـ خالد!!"
لم تفهم شئ هي ولكنها فتحت عينيها بصدمه عندما أبعد الهاتف عن وجهه بشر ثم قال بهمس لها من علي بعد وصل إلى مسامعها:
"خالد ده اللي هيجيب ر*جل* أختك لحد هنا يا فوف*ه*!!!!"
وكأنه وضع عليها دلو من الماء البارد والساخن بنفس ذات الوقت، صدق حديثه! تدور بها الدنيا وقد تنفي برأسها بهستيريه ولم تسعفها ساقيها على التوجه نحوه لتخرج شرها بل كتم بداخلها وعقلها مشتت تائه بحقيقه أنه جاد وسيجلب شقيقتها وسيفعل بها ما فعله معها!!!! لا تعلم كيف أصبحت بداخل الغرفه من خلفها حتى هو دفعها بهدوء من بين صدمتها ثم أغلق عليها الغرفه من الخارج تزامنا مع إكماله الحديث بالهاتف كي يتفق علي هلاك فتاة اخرى!!!!
نصف ساعه كامله مرت على الأحداث التي حدثت، وأما هي فخرجت من غرفة والدتها الٱن ثم توجهت لتدخل غرفتها، متناسيه ما ينتظرها حقا!! وقفت تنظر بحزن على الكتب الموجوده على المكتب، فمنذ أن أتت المنزل وهي على ذلك الحال، تركها لسنه دراسيه مهمه مثل ما فعلت هي يؤثر بها بشده، خاصة ان الوقت ليس كفيل لجمع كل ما تخطته رغما عنها.. وأنها المتفوقه الحاصله على ما تريده بإرداتها لطالما كان حلمها التي كانت تريد الوصول له، سيسعها الوقت لاعاده كل ذلك؟! وكآنها تحمل أثقال وأعباء، ومهما حدث فذلك يكفي مقابل صحة والدتها التي كان إحتمالها ليس كبير بأن تكون بخير وتعود سالمه مره أخرى خاليه من أي مرض خبيث كان بجسدها!! عانت وعاشت فكره معها وتأثرت.. وحتى هي بحالتها النفسيه كفيله تأخذ عطلات كثيره كي تستجمع نفسها فداخلها غير خارجها من الأساس!! جلست على الفراش وهي تبتسم بقلة حيله فمهما كان كل ذلك مكتوبا، ومدونا باذن من الله، وما بيديها حيله! ترضى حتى شفاء والدتها، ترضى كون شقيقها يكافح من أجلهما، أخرجت أنفاسها وقد إنتبهت لشاشة الهاتف التي ظهر ضوء شاشتها دون صوت، فذلك الهاتف الذي كسر من شاشته جانب عندما قذفته، ذلك الهاتف الذي جلبه "خالد" معها ومنذ أن واجهها شقيقها من أين أتت به برعت بكذبتها وأنقذها من سؤاله لها مره أخرى كم الأحداث التي حدثت لهم!! حتى أنها لم تستعمله سوى للساعه وسماع صوت القرٱن الذي كان يتحدث به "بسام" غير ذلك لا يوجد، إنتشلته بإيدي مرتعشة فمن سيدق عليها سواه؟ ماذا ستفعل حتى وإن هددته وحتى اختفائه كان قد جعلها تعتقد بأنها عقبه لم تأتي بعد ذلك، تبدلت ملامح وجهها للرهبه وحتى تهديداتها له بأنها لم تجيب عليه عند الرد تتبخر كونها تهاب الأن تهديداته بصورها وتركيبها على أخرى مخلة بأحد مواقعه المقززه!! ستفعلها وتجيب رغم عدم تسجيل الرقم إلا أنها تعلم جيدا من يكون..
"ألـ ـو!!!"
أجابت "فرح" على الإتصال بنبرتها المهزوزه، وثوان وأتاها صوت ضحكته السمجه حتى أجاب عليها بقوله المهدد:
"وحشتيني بجد يا دكتوره فروحه، لتكوني نسيتيني؟"
تشنج وجهها بالخوف والإستهزاء حتى حاولت أن تكون جريئه بردها وهي تقول:
"عاوز إيه مني يا خالد!!!"
"كل خير يا فرح!!"
صمت يفتك بأعصابها كالعاده حتى سمع صوت أنفاسها فواصل يكمل بتوضيح صريح مره واحده:
"أولهم تقومي حالا وتتصرفي تكلمي جميله تقوليلها إنك عاوزاه تقابليها برا البيت فاللوكيشن اللي هبعتهولك دلوقتي!!"
فتحت عينيها بصدمه وذهول ثم رددت سريعا برفض قاطع:
"إنت بتقول إيه، مستحيل أعمل كده، دي صاحبتي وخطيبة أخويا انت مجنون..معتش ينفع!!!"
سمعته وهو يخرج أنفاسه بنفاذ صبر ثم هتف لها بإنفعال وتوعد:
"بقولك ايه يا بت انت، أنا خلقي ضيق، ولو معملتيش كده إنت عارفه صورك هتبقي على إيه وفين وهسيطك سيط محدش شافه قبل كل ده، والأوامر كده، ولما تروحي تقفي فالمكان هناك هتعرفي مين اللي عاوز ده من الأول خالص، يعني أنا مش خسران لما تقعدي ومتنفذيش، لأن في غيري في إيده يجيبك إنتي شخصيا تحت رجله!!!"
دقات قلبها التي تتسارع بشده.
وصلت إلي مسامعه، سمعته يردد مرة أخرى بغضب. قصد أن يفعله لتخاف.
"ساعة بالكتير وتتصرفي، تكوني فالمكان اللي هبتهولك دلوقتي. سلام!!!!"
صوت إغلاق الخط منه كان الجواب لها وله. نظرت بضياع وقد استشفت مدى صدق شره بقوة ومن يفرض عليه الزعامة. لا تعلم بأنه شقيقها. ابتلعت ريقها وعجزت عن هبوط الدموع لديها. تمسكت بالهاتف وقد رأت من أمامها الموقع الذي أرسله لها. قريب إذن. ستتخلى عن صديقتها أم عن نفسها؟ وأين عز الآن؟ ووالدتها مستغرقة بالنوم تريح جسدها. نظرت بضياع. الحقيقة القاسية هي أنها ستفعل ما لا تحمل عقباه وما لا تتوقع نتيجته. لم تتخل عن نفسها، بل نهضت رغماً عنها ومحاولة الصمود. وعقلها يصرخ بـ لا وألف لا! ولكنها فعلتها رغماً عنها رغم قدوم المصائب على فجأة. إلا أنها تعلم منذ أن دخلت بهذه الحلقة أن الشر قادم لا محال وأن غباؤها وضعف شخصيتها موجود بالفعل. لطالما لم تتقبل طوال الفترة الماضية علاجها النفسي. تنتظر بأن تفعل شيئاً للتعالج. مختلة بعقلها لا تعلم هي مدى الغفلة التي ستفعلها رغماً عنها. ابتلعت ريقها وقد هبطت دموعها أخيراً وهي تدير حجابها على رقبتها بغير اهتمام. ثم دست الهاتف بجيبها. حتى خرجت من الغرفة على أطرافها دون أن يعلم أحد بأنها ستخرج بالفعل! فعلتها! رغماً عنها. بتلك السهولة. من الأساس وضح لمن حولها بأنها أضعف ما يكون! من ينظر على الدموع وما تذهب هي لفعله دون أن تعلم ماذا سيفعل بها هذان الشيطانان. سيقول بأنها وقعت ولا وقوع بحفرة عميقة كمثل وقوعها بخيبتها الآن!
"حلوة الخروجة اللي من غير عربية يا غسان!!"
قالتها "نيروز" وهي تسير بجانبه. فالتفت "غسان" برأسه يضحك بخفة على قولها ثم قال هو الآخر:
"العربية أصلاً بايظة بقالها شوية وكنت باخد عربية شادي لما كنت بروح مكان!!"
إنتبهت على قوله فحركت عينيها تتساءل بغرابة:
"صحيح هو فين شادي اللي مبوظك مش ظاهر يعني؟"
خرجت ضحكاته ثم حرك عينيه نحو عينيها وهو يقول:
"مشى من امبارح وهيجي تاني. وبعدين أقولك ع السر بقا."
عقدت "نيروز" ما بين حاجبيها بتعجب. ثم تساءلت بإستفهام:
"سر ايه؟"
وقفت "نيروز" أمام المبنى، تزامناً مع وقوفه هو الآخر وهو يردد بمرح صادق:
"أنا اللي مبوظ شادي مش شادي اللي مبوظني. بس مدام حامد مفكر العكس فـ عال أوي كده دا اللي إحنا عايزينه!!!"
خرجت ضحكاتها العالية ثم قالت بثقة وهي تحرك عينيها بإستنكار مع ضحكتها الخفيفة:
"حسيت علفكرة."
دقق "غسان" النظر بملامح وجهها وهو يبتسم بشغف. مد يديه يمسك يديها ثم قال بهيام وعينيه عالقة بعينيها:
"حاسس إن روحي رجعتلي من تاني النهارده."
نظرت له "نيروز" بحب. وقد تعمدت ممارسة الشغب حينما رددت وهي ترسم الإستنكار:
"يا جدع! ده أنا قولت إنت مبسوط من غيري ومبقتش عايزني!!"
قالتها لتخرج ما به من عبث. أما "غسان" فابتسم بهدوء وقرر بخروج صدق نبرته حينما قال لها وهو يجيب على حديثها:
"ياريت أقدر من غيرك. مكنش فاتي تعبت من فكرة أسيبك ولا مسيبكش. أنا لما لقيتك مختفية كنت كل شوية أطلع البلكونة أسقي زرعك اللي من ناحيتي وكأنه هو حلقة الوصل بينا. أنا للأسف عندي وسواس بالتفكير فيكي. لحد عقلي اللي مكنش شوية غير لما عرفت من وسام إنك روحتي فكتي دراعك وغيرتي على الجرح وبقا ينفع يتساب عادي ويتحرك. حتى كنت بفتح اليومين دول الواتساب والفيسبوك أشوفك منزلة بوستات واستوري عن البعد والفراق والبتاع. ملقتش حاجة بس لقيتك أونلاين فرجعت لورا تاني. مكنتش هطلقك يا نيروز بس كنت مستني وأنا مش عارف إيه هيحصل!!"
نظرت له بتأثر. وقد شعرت بما سيفعله عندما كان ينظر على وجهها بشغف. تركت يديه سريعاً. ثم سارت تتخطاه كي تدخل من المدخل بعد قولها العفوي الخافت:
"إحنا فالشارع يا مجنون يا قليل الأدب إنت!!"
قهقه "غسان" عالياً من عفويتها وهروبها من ما كان سيفعله بل كان سيتوجه ليقبلها من وجنتيها. ضحك بخفة ثم دخل من خلفها وهو يردد بمرح:
"وفيها إيه يعني مراتي وببوسها حد ليه عندي حاجة؟"
سارت من قبله ولم يجد الجواب منها بل رأى ذلك الرجل الذي يجلس "سلطان" البواب. الذي لم يظهر كثيراً حيث لديه حجرة فالأسفل تتطل على الخارج. أما هو فقد سمع قوله الصريح حتى ضحك بخفة وهو يهز رأسه بالنفي له:
"حقك يا بن حامد. بس فـ بيتك مش فالشارع!!"
"عال وعالمظبوط يا سلطانية!!"
قالها "غسان" بمشاكسة وهو يغمز له. ثم دخل عقب قوله فوجدها تنتظر أمام المصعد وجنتيها شديدة الإحمرار. إنحنى يهمس بجانب أذنها قائلاً، غير عابئ بأنهما ليس بمفردها:
"يا حلاوة القلب لما يدق..يدق!!!"
خرجت "جميلة" من المصعد على ذلك الوضع حتى أنها نظرت بذهول. وهي ترمش بأهدابها. تحركت "نيروز" ما أن اعتدل وتحرك هو. فوجدت سؤال "جميلة" التلقائي:
"بتعملي إيه؟"
تعلثمت "نيروز" بنظراتها حتى أجابت أولاً قبل أن يجيب هو. فخرج منها الحديث بتلعثم وهي توضح:
"كان..كان بيقولي حاجة فوداني والله عشان محدش يسمع!!!"
هذه هي الحقيقة بالفعل! تحركت أنظار "جميلة" بينهما. خاصة نحو "غسان" الذي كتم ضحكاته. فتساءلت "نيروز" من جديد:
"رايحة فين دلوقتي؟"
رسمت "جميلة" على ملامح وجهها الابتسامة ثم اعتدلت تمسك حقيبتها وهي تقول:
"رايحة مشوار كده. واحدة صحبتي عاوزاني وهاجي علطول. محتاجة حاجة؟"
قصدت بأن تخفي لهفتها حيث لم تتعمد قول اسم "فرح" التي حدثتها كي تهبط لها بمكان معين بلهفة لحل مشكلة مجهولة لا تعلمها! هزت "نيروز" رأسها بالنفي. حتى كادت أن تتحرك "جميلة". فهتف "غسان" بغرابة:
"حد جاي معاكي؟"
تنحنحت بحرج. ثم هزت رأسها بالنفي. وقبل أن يتحدث هتفت هي بابتسامة صغيرة:
"مع السلامة!!"
دخلا الإثنان المصعد بعد أن رحلت هي. فحركت "نيروز" رأسها تجاه "غسان" الذي طالعها بتسلية ولم يأخذ منها سوى جملة هتفتها هي بضيق منه:
"عقلك تعبان ومش فيك والله. نفسي تعقل شوية!!"
"وربنا لو عقلت. ما هتلاقي غسان اللي بتحبيه!!"
قالها "غسان".
بضحك، فضحكت هي بقلة حيلة تزامناً مع فتح المصعد حتى خرج الاثنان معاً. توجهت "نيروز" ناحية باب شقتها في حين توجه "غسان" معها. دقت هي الباب حتى فتحت لها "وردة" التي ابتسمت لهما بلطف. دخلت معه تجلس بالداخل بينما توجهت "وردة" نحو "سمية" بالداخل تعلمها بقدوم "غسان" و"نيروز". جلس "غسان" وهو منشغل بإمساكه للهاتف وقد لاحظ هو رحيل عائلته إلى شقتهم. وحتى "بدر" لم يكن موجوداً بالفعل.
"ما تركز معايا يا غسان بقولك جهازي هيطلع بكرة. إنت سامعني؟!"
هز رأسه فقط يجاريها بالحديث وهو يتفحص أحد الصور على الهاتف. فانتشلت منه الهاتف ثم كادت أن تقذفه بغيظ. فأمسك يديها سريعاً وهو يهتف بذهول:
"يبنت المجنونة، دا أيفون!!!"
رسمت "نيروز" على ملامح وجهها الغيظ ثم ردت بحنق تعنفه:
"طب بص بقا، احنا داخلين على جواز وهنبقى فوش بعض على طول. عارف لو في مرة جيت أكلمك بحماس وتقوم قاتلتهولي بالطريقة دي هعمل فيك إيه؟"
ابتسم "غسان" ببرود ثم قال يستجوبها بإسلوبه المستفز:
"هتعملي إيه يا "رز"؟!"
"هشوحلك تليفونك ده من الدور السابع اللي هنسكن فيه يا غس!!"
قالتها وهي تقلده بنبرتها الباردة، مد يده ينتشل الهاتف من بين يديها ثم أشار لها بغير اهتمام قائلاً بخفوت كي لا يصل إلى مسامعها:
"وربنا تبقي تاني يوم عند أمك فيها!!!!"
همهمت وهي ترفع حاجبها بشراسة من انخفاض صوته ثم قالت:
"بتقول إيه يا حبيبي سمعني كده؟!"
ترك هاتفه بعدما أغلقه ثم التفت بوجهه يبتسم لها بتوضيح وهو يقول:
"كنت بختار بدل لـ شادي وبسام وحازم وبدر عشان أبعتلهم الصور يختاروا. وكنت براجع ورق شادي بعتهولي عشان لما نتجوز آخد إجازة بقا شوية!!"
هزت "نيروز" رأسها بإبتسامة لينة ثم أمسكت كفه حتى حاصرته سريعاً بقولها:
"اختبار مفاجئ، أنا كنت بقول إيه وانت رايح تهتم بأصحابك وسايبني أرغي مع نفسي!!!"
"أصحابي مين يختي ده جوز أختك وجوز أختك التانية، وأخويا، ولا عشان الواد شادي غلبان هتيجي عليه؟!"
قالها قاصداً الهروب من سؤالها، فابتسمت حتى خرجت ضحكاتها وهي تكمل:
"كنت بقولك جهازي هيطلع الشقة بكرة مادام الشقة جهزت والخشب طلع ومعتش حاجة هتنجاب من عندك!!"
هز رأسه بسعادة وسرعان ما ابتلع ريقه بريبة وهو يتحدث بخفوت أمام أنظارها:
"عارف، يارب بس تعدي على خير لاحسن كل ما ناخد خطوة بنرجعها تاني وبيحصل مصيبة، شكل حد باصصلي في الجوازة دي!!!"
صمت "غسان" ثم رد سريعاً متظاهراً بالتذكر ليخرج شراستها معه:
"ليكون الإكس؟!"
شهقت بقوة عندما تعمد هو بأن يعبث معها. حرك رأسه بمشاكسة ثم تظاهر بالتفكير وهو يشير نحو أصابعه كي يقوم بالعد بشرود زائف:
"طب هيكون مين فيهم بس... نهى ولا مريم ولا سلمى، ولا جنى ولا مرام ولا شهد ولا حسناء ولـ...."
بترت حديثه عندما شهقت وهي تفتح عينيها بذهول مرددة بتلقائية:
"نهار أسود.. إيه كل دول؟!"
خرجت ضحكاته التي تسلب قلبها هي، ومن ثم نظر لها "غسان" من بين ضحكاته وهو يردد بريبة مصطنعة أمام أنظارها الضاحكة التي ظهرت له بأنها تخفي ضحكاتها بأعجوبة:
"استني بس أفهمك!!"
***
بعد قليل، وصلت "جميلة" إلى الوجهة التي حددتها لها "فرح". إلى الآن لا تعلم هي لما أتت لها إلى هنا وما المشكلة التي وقعت بها من الأساس ولما بعيداً عن عز؟ التفتت حولها بغرابة خاصة أنها تقف أمام مبنى والآن لم يصعد به أحد. أخرجت أنفاسها بعمق حينما ظهرت "فرح" لها التي كانت تقف مع "خالد" من على بعد. توجهت "جميلة" إليها بلهفة ثم تفحصتها بإهتمام وهي تقول:
"فرح، حصلك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة طمنيني عليكي انتي كويسة؟!"
وقفت "فرح" تنظر بملامح وجهها المخطوفة على وجه "جميلة" للحظات. ابتلعت ريقها وهي تستوعب ما يحدث تدريجياً حتى أنها هتفت أولاً بإسم من أمامها بريبة:
"جميلة؟!"
هزت "جميلة" رأسها بإستفهام وقلق، حتى هتفت "فرح" على فجأة بنبرة باكية وهي تسحب يديها خلفها:
"تعالي.. نمشي من هنا عشان خاطري!!!"
الآن تنقذها من براثن شقيقها والآخر. وقبل أن تستعلم "جميلة" وجدتها تشهق وهي تنظر على من أتى خلفها وهو يمد يديه من خلف "جميلة" حتى وضعها على فمها وأنفه، حيث كان بها من المخدر ما جعل "جميلة" تسقط بين يدي "شريف" السليمة والذي هتف بإسم "خالد" وهو يقول:
"يلا بســـرعة!!"
وقفت "فرح" بضياع، وإلى الآن لا تفهم ما علاقة "شريف" حتى أن صدمتها جعلتها لم تتحرك إنش واحد حيث حمل "خالد" "جميلة" إلى الداخل للأعلى سريعاً أمام أنظارها الضائعة. وقف "شريف" بإعتدال ثم هتف بنبرة مستهزئة لها:
"يا مراحب بالست فرح البياعة، اللي باعت صحبتها وخطيبة أخونا!!"
ستخرج من صدمتها الآن. ابتلعت ريقها وأثار دموعها الباقية على وجهها منذ قليل مازالت موجودة، حتى هتفت بتعلثم له وتشتت:
"انت.. إنت بتعمل إيه هنا؟!"
وعلى فجأة لم تترك لصدمتها الجواب بل توجهت بعد أن استوعبت دناءته ثم أمسكته من تلابيبه بغير وعي لطالما كانت تخافه وتهابه:
"إنت.. إنت السبب في كل ده؟!"
وقف "شريف" يتركها تمسكه كما تريد. أهبطت يديها المرتعشة سريعاً، ثم أخرجت الهاتف بلهفة من جيبها وبكل سرعة انتشله "شريف" من بين يديها حتى هتف لها بتحذير:
"لو متحركتيش قدامي حالا، هموتك هنا!!"
وجدت الشر في نظراته. هزت رأسها بضياع لما اقترفته وفعلته بحق نفسها وبحق شقيقها وصديقة أيامها. حركت ساقيها سريعاً كي تركض منه ولكنه كتفها بيديه سريعاً حتى أنه انحنى يهمس بجانب أذنها:
"مينفعش صدقيني.. فـ اطلعي قدامي من سكات بدل ما شري يطلع عليكي!!!"
حاولت "فرح" التملص من بين يديه وهي تنفي برأسها فقط فسحبها هو من خلفه وهو يتمسك بمعصمها، وقبل أن تصرخ عالياً هتف هو بوعيد:
"وديني لو عملتيها لأضيعك وأضيع صاحبتك!!!!"
صمتت بخوف وقد خرجت شهقاتها بعجز، حتى دخلت المبنى. كانت الشقة توجد بالطابق الثاني فقط. صعد وهو يسحبها خلفه وللحظ لم يصعد ولم يهبط أي من ما يوجد بالمبنى السكني. قاطع صعوده هبوط "خالد" الذي وقف يقدم له "المفتاح". انتشله "شريف" من بين يديه ثم هز له رأسه يسأله:
"كده حسابك وصلك ومعتش ليك عندي حاجة، معتش أشوف وشك تاني، مفهوم؟!"
ابتسم "خالد" بإعجاب ثم هز رأسه وهو يبتسم بغل، ثم رفع أنامله يداعب أنف "فرح" تزامناً مع قوله:
"بالشفاء يا كتكوتة!!!"
أوقف حركته "شريف" الذي همهم بتحذير وهو يدفعه ليهبط:
"سكة السلامة!!!"
غمز له "خالد" في حين أكمل "شريف" صعوده وبيديه "فرح" الضائعة، حتى وضع المفتاح يفتح باب الشقة ومن ثم دفعها تدخل بها حتى دخل هو الآخر ولم يتماشى مع ما يفعله سوى أنها مريضة ليس إلا.
وجدت "فرح" من يدق باب إحدى الغرف وهو يصرخ صراخًا مهددًا. ارتجفت أوصالها وهو يقف حتى خرجت منه ضحكاته وهو ينظر على "جميلة" التي تستلقي على الأريكة أمام أنظارهما. خرجت نبرته وهو يسألها باستخفاف:
"خايفة صح؟"
لم تفعل سوى هزة رأس مريبة بالإيجاب. ضحك هو. ثم تقدم يقف أمامها وهو يهمس لها بشرر:
"أنا السبب في كل اللي بيحصلك ده يا فرح. عارفة ده ولا لأ؟"
هبطت دموعها بكثرة وقد خرجت منه شهقاتها العالية وهي تسمع صراخ من بالداخل وصوت أنفاسه العالية تعلو من مجهود سحبه لها خاصة بحالته الجسدية هذه! هزت رأسها نفيًا ولم تقو على أي حديث. بل أكمل هو وكأنه يتلذذ بنبرته الحاقدة:
"لا اعرفي... أنا اللي بعتلك خالد من الأول خالص يهددك ويبوظ أعصابك. يخليكي قاعدة مش على بعضك. بعته يجيب ليا جميلة عشان آخد حقي من أبوها عن طريقك. والصدفة تطلع أختي صاحبتها تخيلي. ومش بس كده أنا كمان كان ممكن أخلص الحوار ده في أقل من ثانية بس أنا اللي قصدت أدمر أعصابك. قولت أبدأ بيكي وبعد كده نشوف عز لأنه عارف إنه هيغلبني. محتار آخد حقي منه إزاي لحد قريب أوي محتاجتش آخد حق أصلاً عشان نفس البنت اللي هو بيحبها هي بنت الراجل اللي أذاني وضيعني زمان وضيع أختي!"
وضعت يديها على أذنها تنفي بهستيرية ما تسمعه. احتدمت عينا "شريف" الذي تجمعت الدموع في عينيه بقسوة امتزجت بحدة وألم حديثه حينما قال:
"كان نفسي أقابلك. وتكوني عوضي عن بثينة يمكن كنت ألاقيها فيكي. بس إزاي؟ إزاي وإنتِ بنت أكتر ست بكرهها في حياتي وبداية التعب الحقيقي كان بسببها هي؟ إزاي وإنتي الخالق الناطق هي؟ نفس الشكل ونفس الملامح؟"
جلست بوهن على الأرض من أمامه وقد كانت جلستها بضعف أمام "جميلة" التي أمسكت كفها تهزها ولكن الأخرى كانت في عالم آخر. سمعت نبرته الجامدة حتى أنه انحنى يهتف أمام وجهها بشماتة:
"قوليلي فين عز دلوقتي عشان يشيلكم من إيدي؟ ولا هيعرف يوصلك ولو وصل هيعملك إيه؟ ولا أي حاجة!"
صمت وقد وصل حقده وغله بمرضه ذلك إلى الأعلى بشدة حتى أنه ضحك بهستيرية وهو يكمل ليعلمها بما سيفعله:
"عارفة مش هيوصل ليه يا فرح؟ عشان خطيبة أخوكي هتبقى ليا أنا بمعنى الكلمة. هغتصبها هنا قدام عينك!"
فتحت "فرح" عينيها بذهول وقد ارتجفت يديها وساقيها. فهتف هو من جديد يضغط على حالتها بحديثه المريض:
"شفتي بقى هأذيكي إزاي؟ ولو عرفتي تتعافي من كل اللي شوفتيه وهتشوفيه يبقى أنا معرفتش آخد حقي صح؟!"
هزت رأسها نفيًا ثم أخرجت ثلاث كلمات تنفي بها بقوة مما جعله يضحك فقط:
"لأ... مستحيل... لأ!!"
خرجت ضحكاته وهو ينهض ثم تظاهر بعدم الاهتمام وهو يتوجه لداخل غرفته مشيرًا لها قبل أن يدخل:
"هتعرفي إن المستحيل بيتحقق لما أدخل أرتاح عشان لما صاحبتك وخطيبة أخوكي تفوق تعرفي إن كلامي مش هزار."
صمت ثم قال بتذكر يضغط على حالتها مجددًا:
"وأه. في الأوضة دي مفاجأة هخرجها ليكم بعد ما تفوق اللي نايمة دي. إن مقالتلكيش هي من ورا الباب هي مين. بس هي حد تعرفيه أوي أكيد!!"
الضياع. هذا ما تعيشه الآن. فبفعله بسيطة وأقل من الثانية أخذ القرار الأهوج في أن تتخلى دون أن تعرف العواقب منه ومن أخذه. توسع ما كانت تعتقد بأنه صغير. تائهة بين حالتها وبين ما هي مسطحة أمامها. تهبط الدموع وأوصالها ترتجف بقوة. انتفضت بفزع عندما وجدت صفع باب الغرفة بقوة. والآن لا تشبه ضياعها سوى بأنها كمثل من تركها أحدهم بصحراء جافة دون بوصلة تعلمها أين الطريق وأين الوجهة المحددة. أين الشقيق؟ وأين الصواب؟ فقط تعلم بأنها وقعت بالخطأ لا محالة وأن عواقب أفعالها ستلاحقها كما ستصيب من حولها.
بعد مرور ساعة كاملة في شقة "عايدة" خاصة بغرفة "حازم" الذي جلس ينتظر قدوم "ياسمين" من الخارج بالصالة حيث كانت تجلس مع "عايدة" التي فرحت كثيراً بذلك الخبر المفرح والتي لم تأخذ راحتها في التعبير عن ما تشعر به. دخلت عليه الغرفة ثم أغلقتها من خلفها مرة أخرى. فوجدته يجلس شاردًا. توجهت تتلمس كتفيه بحنو ثم جلست بجانبه. فاق هو من شروده عندما وجدها تجلس وهي تبتسم باتساع. رفع ذراعيه يضعها على كتفيها وهو يأخذها تحت ذراعيه ثم ردد بنبرة تائهة سعيدة:
"أنا مش مصدق نفسي لحد الآن يا ياسمين!!"
تنفست "ياسمين" بعمق على وضعها ثم رددت باطمئنان له تجيبه:
"صدق يا حازم. وافرح عشان ربنا كتب لينا إنه يرزقنا بالذرية الصالحة إن شاء الله. هتبقى أب يا أبو الحزايم والله."
ضحك "حازم" بخفة ثم اعتدل في جلسته حتى قال بحماس مضحك:
"طب قوليلي هييجي إمتى؟"
"لسه بدري يا حازم أنا لسه في بداية الحمل. بيبانوا في الشهر الرابع كده. وبعدين سيبك إنت. هو إنت عاوز حاجة معينة ولا إيه؟"
قالت آخر حديثها بخوف زائف تستشف ما يفكر هو به. أما هو فابتسم برضا ثم قال بقناعة سريعة:
"أقسم بالله ما فارق معايا. كل اللي يجيبه ربنا حلو. اللي مخطط ليه من دلوقتي إن أياً كان اللي هييجي لازم أشبعُه حنان ورضا وأحاول أسعده بكل الطرق الممكنة. وعد بيني وبين نفسي عمر ما أقسى عليه أبداً عشان يبقى سوي نفسياً. أوعديني إنك هتعملي كده إنتِ كمان يا ياسمين؟"
حديثه الذي خرج بنبرة صادقة متأثرة جعلها تتأثر حتى دفعته تدخل بين أحضانها. مجيبة إياه بطاعة ووعد ستعمل على المحاولة به:
"أوعدك يا حازم. أوعدك والله. وأنا متأكدة إنك هتبقى أب كويس أوي وعيالنا في المستقبل هيبقوا فخورين بيك ويمشوا رافعين راسهم إنك أبوهم. أبوهم المحامي حازم الأكرمي. أكتر راجل محترم وحنين وقلبه ده زي اللبن الأبيض والله!"
ضمها إليه برضا وهو يحمد الله عليها وعلى ما رزق وسيرزق به. لطالما جمعهم قلبهما الصادق النابع بحبهما منذ الصغر! اعتدلت في جلستها ثم هتفت باسمه بتردد:
"حازم!"
همهم بابتسامة صافية فرددت هي بنبرة مترددة استشفها على الفور:
"كنت عاوزة أقولك على حاجة بس متفهمنيش غلط ماشي؟"
اعتدل "حازم" بقلق ثم قال:
"سامعك!"
أغمضت "ياسمين" عينيها تتنفس بعمق ثم حاولت إخراج ما تريده بشدة وهي تقول:
"بصراحة أنا من ساعة ما عرفت إني حامل وخايفة. مش خايفة من مامتك ولا من جميلة ولا من العيلة. بس خايفة من باباك. مش عاوزاه يعرف دلوقتي إني حامل ولو عرف هيعرف زينات وأنا مش واثقة هي ممكن تعمل إيه فيا. انت عارف إنها بتكرهني أوي حتى عمي بيكرهني كمان ورد فعلهم مش متوقع الحقيقة!"
طبيعة الحديث عليه مؤلمة. ليس منها هي بل من أوصلها لمثل هذه المرحلة! رغم ألم قلبه من الحديث إلا أنه حاول أن يطمئنها بقوله كي لا تتأثر وتتوتر خاصة في بدايات الحمل:
"اطمني يا ياسمين أنا مش عامل حسابي ولا جه في دماغي إني أروح بكل لهفة وأقوله إنه هيبقي جد. باختصار لإني قليت الكلام معاه بسبب كل اللي بيحصل ده. فإن شاء الله مش هيعرف ولو خالفنا التوقعات وعرف غصب عننا فإنتي في حمايتي ولو حد قرب منك أياً كان هو مين مش هسكتله. وكمان إحنا مش على طول قاعدين هنا عند أمي هنتحرك من شقتنا لشقتهم ويبقى حد يستطيع يقدر يعملك حاجة كده. ساعتها هيشرفوا حازم اللي مظهرش لحد دلوقتي. متخافيش."
ورغم كونه حديث يحثها به بحنان واطمئنان وصدقه الظاهر لها قد وصل وبشدة، اطمئنت وتنفست بارتياح وهي تسند رأسها على كتفه مرة أخرى بأمان، ثم قالت بعفوية ونبرة هادئة عكس طبيعة حديثها المرح مما جعله يرفع يديه وهو يضحك بخفة ليربت على ظهرها بحب، حينما قالت:
"بحبك يواد يا حازم يا محامي!!"
كان التجمع الآن من نيروز وغسان وبدر وورده، ويامن الجالس على ساق غسان، وهو يداعبه بمرح وخفة. نظرت إليهم نيروز بحب. في حين هتفت ورده بلطف له وهي ترى معاملته:
"هتبقي أب حنين أوي يا غسان والله!!"
وجهت نيروز نظراتها باستنكار له وهو يبتسم باتساع. ولم يغفل هو عنها وعن جلوس بدر الذي شرد عن الحديث لعالم آخر. مال هو يهمس بجانب أذن نيروز وهو يقول بخفوت:
"بقولك إيه خدي ورده كده وسيبييني مع بدر شويه!!"
هزت رأسها بالإيجاب ثم أمسكت يد يامن وهي تشير لشقيقتها حتى نهضت بالفعل معها نحو الداخل حيث غرفة نيروز. نظر غسان نحو بدر ثم أشار نحو وجهه بيديه وهو يقول:
"إنت معانا ياعم ولا معاهم؟!"
خرج بدر من شروده ثم نظر بوجه غسان حتى قال بتلقائية وكأنه فاض به ما بداخله:
"أنا تايه يا غسان والله، دماغي مليانة!!"
شعر غسان بمدى ثقل كلماته. تنهد يخرج أنفاسه ثم وضع كفه يربت على ساقه وهو يحثه على إخراج ما بداخله حتى قال بهدوء:
"قولي إيه اللي شاغلك وأنا سامعك!!!"
تنهد بدر يخرج أنفاسه ثم قال بقلة بنبرة تعلن عن عجزه لأول مرة وقلة حيلته:
"مش عارف يا غسان، أو مش قادر بمعنى الكلمة، كل ما أقول خلاص هاخد القرار وأروح لآدم وأجبله ناس تاخده المصحة على فجأة برجع لورا تاني. انت عارف الخطوة دي متعبه بالنسبالي قد إيه. ولا آدم هيجراله إيه؟ أنا قولتلُه هحاسبه وأعاتبه بعدين ولحد الٱن رجلي مش مطاوعاني أقوم أروحله."
حديث أتى من عاطفة الأخوة والتي مهما مر عليها فتصبح هي قوية. تفهم ما يشعر به وما يتحدث إليه. لذا وضع يديه على ذقنه بتعقل. ثم قال بنبرة هادئة يطمئنه ويوجهه تجاه الصواب:
"بص يا بدر، آدم اخوك بالنسبالي مش عدو يعني زي ما الكل فاكر. أنا لقيت العداوة والكره بينا من غير سبب وبيزيد من ساعة ما لقيته متبت في حسن ومطاوعه ومعاه في كل حاجة. بس اللي هقولهولك دلوقتي ده مش من كرهي فيه. مهما كان ابن عمي بردو. وايوه ابن عمي لكن إنت اخويا ومحدش هيوصل لمكانتك عندي. عشان كده"
توقف يلاحظ ملامحه المتعبة ثم واصل غسان يكمل بعقلانية:
"عشان كده قرار إنك توديه المصحة هو أصح حاجة وهو النافع لأخوك. والمفروض كنت تعمل ده من ساعة ما نزلت من السفر أصلاً. وبمزاجك أو غصب مفيش حل غيره. آدم هيرجع يشكرك عليه بعد كده. ورغم اللي بينا بس لو هقول الحق فأنا شوفته بيحاول إنه يكون أحسن في الفترة الأخيرة. قربه من حسن خلاص مَعَش جايب له غير الشر والمصايب وبس. إتوكل على الله وخد القرار ولو مش هتقدر وقلبك هيبقي ضعيف قدامه. سيبلي الموضوع ده أنا!!!"
لا مفر من أخذ قرار متعب ولكنه سليم! نظر إلى ملامحه الهادئة وهو يهز رأسه له ثم قال بطاعة:
"نشوف بكره الموضوع ده مع بعض. ربنا يستر ويسهل بس."
أثار شفقته. ومن غير غسان بارع بلين قلبه! وكيف تمر هذه اللحظة من دون احتواء حدة الشباب وأحضانه الموزعة! رفع غسان ذراعيه بتأثر. ثم قال وهو يربت على ظهر بدر بمواساة:
"إن شاء الله خير يا بدر. إطمن والله وكل حاجة هتبقى عال. إتجدعن انت بس وجمد قلبك ومش هتندم بعدين صدقني. وأهو كويس إن سفرك إتأجل ولقيت بديل ليك هناك لمدة تانية. يمكن دي علامة وإشارة من ربنا إن آدم ليه الفرصة دي بجد وعطاك وقت عشان تعمل ده!!!"
تنفس بدر بعمق. ثم همهم بالإيجاب وهو يخرج من بين ذراعي الآخر وهو يردد بعمق:
"رغم إنك متخلف يا غسان ساعات. بس عمري ما لقيت فطيبة قلبك دي ووقوفك جنبي حتى لو إيه حصل. حامد البدري كان يقولي دايماً. من وراك. إن لو حصله حاجة. فهو هيبقي مطمن دايماً. عشان الوحيد اللي هينفع تكون مكانه انت. إنت اللي شايل هم كل واحد هنا حتى لو مش ظاهر إنك مهتم بس واخد بالك. وحتى لو مندفع بس فالٱخر كله مبيبقاش عشانك. عشان غيرك. زي ما مرات عمي بردو بتقول إن اللي فإيدك يا غسان مش ليك فعلاً."
ضحك غسان بخفة ثم تصنع الإنبهار بقوله:
"ده حامد ودلال بيحبوا فيا من ورايا أهو!!"
"طبعًا. يعم بيحبوك. ولو حصل أي حاجة منهم فده من خوفهم عليك. وفعلاً. كلامهم صح. وانت اللي فإيدك مش ليك يا غسان فعلاً. ربنا يصلح حالك ويتمم عليك فرحتك بخير وأشوف عيالك وأبقى عم زي ما خليتك عم يا عم بقا!!!"
قال بدر آخر حديثه بمرح. فهز له غسان رأسه بتأييد وهو يقول من بين ضحكاته:
"يارب يا بدر. إدعي انت بس تعدي على خير وميحصلش حاجة. أصل حد نبر ليا في الجوازه دي."
وربنا أخر ما هزهق هتجوزها فأوضتي ونعيش فيها وخلاص ياجدع!
ضحك بدر عاليا، ثم هز له رأسه مؤيدا بمرح، حتى تحدث أخيرا، يوصيه:
"عارف إنك بتحب نيروز، بس خليني أقولك خلي بالك منها باعتبار إني أخوها الكبير مش أخوك إنت. نيروز بنت حلال والله وغلبانه، مش غلبانه أوي يعني وأنا عارف ده ويمكن تكون هي أصعب واحده فيهم، عن ورده وعن ياسمين كمان اللي بتدي كلام وبس دي. بس بردو مش هيسلك معاك غير واحده زي نيروز. إفهمها إنت بس وافهم دماغها وقدرها وخليك حنين عليها كده ومتزعلهاش، عشان والله لما بتزعل أنا بيتنكد عليا من ورده نكد الأولين والأخرين!"
قهقه غسان عاليا، ومن ثم لحظات، ونظر له بهدوء، بعدما إنتهى من ضحكاته ثم أشار على عينيه الاثنان وهو يقول:
"فـ عيني الإتنين يا بدر. نيروز غاليه على قلبي أوي ومحدش عرف يوصل للمكان اللي هي فيه دلوقتي، إطمن يا أبو يامن!"
إبتسم له بدر بهدوء، حتى سمع الإثنان صوت دقات الباب. نهض غسان قبل أن ينهض بدر ثم سار ناحية باب الشقة يفتحه بعدما جاء من الداخل نيروز وورده. فتح غسان الباب، فوجد عايدة تقف من أمامه ثم تخطته تسأل نيروز بلهفة:
"مشوفتيش جميله يا نيروز؟ مكلمتكيش؟"
نظرت لها نيروز بمفاجأة ثم هزت رأسها نفيا، وقد دب بها الخوف من نبرتها، فرددت تجيبها بريبه:
"لا.. أنا أخر مره شوفتها أنا وغسان لما كانت نازله وقالتلي إنها راحه مشوار وهتيجي بسرعه مش هتتأخر!"
ترقبت ملامح الكل برهبه، فوضعت عايدة يديها على رأسها بخوف، ثم رددت بحسرة ودموعها على وشك الهبوط:
"هتكون راحت فين بس ياربي! قالتلي بردو إنها هتنزل بس بقالها كتير. إتأخرت وتليفونها مقفول. دا حتى حازم ميعرفش إنها نزلت أصلا!"
تبدلت ملامح نيروز للخوف، في حين هتف غسان سريعا:
"متعرفيش هي راحت لمين؟ أو ملهاش أرقام تانيه؟"
هزت عايدة رأسها نفيا، فأشار لها بدر قائلا، قبل أن تتحدث ورده:
"طب أدخلي أقعدي طيب على ما نشوف الحوار ده. يمكن تليفونها فصل شحن أو حاجه. أصبري بس!"
وقفت عايدة بمكانها، في حين تحرك غسان بجانب نيروز ثم قال لها بهدوء:
"إهدي كده يا نيروز، وهاتيلي رقم جميله ده كده، أو عنوان بيت صحاب ليها تعرفيهم!"
وقبل أن تتحدث نيروز بالموافقة وجد الجميع من يخرج من المصعد بلهفه حتى كاد أن يتوجه ليدق باب شقة عايدة، فهتف غسان سريعا من الشقة المقابلة:
"تعالى يا عز!"
لم يكن سوى عز الذي توجه سريعا بلهفه يدخل شقة سميه أمام الأنظار المستغربة، والذي حل محل وجوههم الصدمة حينما قال بنبره مندفعه:
"جميله مبتردش ليه؟ وفين فرح؟ هي هنا عندكم؟ لاحسن مش لاقيها!"
فتحت عايدة وورده عينيها بذهول، في حين وقفت نيروز، تائهه والخوف رفيقها علي رفيقة دربها، أما غسان فوقف بتشتت وحيره من ذلك الأمر حتى أجاب هو عليه قائلا بنبره تائهه:
"أختك مش هنا يا عز، وحتي كمان.. جميله بقالها شويه مختفيه وكنا لسه بنحاول ندور عليها!"
وقف عز بصدمه وإلى الٱن لا يعي معني هذه الكلمات بالتحديد، أما بدر فسحب عز ليدخل به إلى الداخل كي يجلس ليفهم الجميع ما الذي يحدث! في حين وقفت نيروز تنظر إلى وجه غسان ثم رددت بنبره مختنقه:
"أنا مش مطمنه يا غسان. أنا خايفه!"
الخوف! أكان بمحله أم لم يكن بمحله؟ ربت على كتفيها بإطمئنان، وقد وقف شاردا، لا يتفوه بأي حديث، وحتى ردود الفعل فالبحث عنهما بالفعل بطيئه الٱن. إبتلعت ورده ريقها بخوف، كما فعلت نيروز، والذي صور لها عقلها بأنهما قد إختطفا بالفعل أم ماذا؟ كلما يصبح الوضع جيدا، يزاد سوءا عن السوء الذي قبله. و ماذا حدث الٱن؟ تغيب رفيقة الدرب وصديقتها؟
"ثمة قرار معين قادر على قلب الأحوال، قادر على جلب الوجع أضعاف حتى يصبح الوضع بالنهاية بعنوان الوجع!"
إجتمع الجميع بشقة سميه حتى عائلة حامد هو الأخر ومن ثم حازم الذي خرج سريعا من غرفته ما أن علم من حديث نيروز لـ ياسمين هاتفيا. تأزم الوضع أكثر حتى أن شقة زينات هي الأخرى فتحت وبالفعل موجود بينهم الأن سليم الذي رسم على ملامح وجهه التهجم ببراعه. إلتفت الجميع بالصاله بتشتت، وقبل إتخاذ أي قرار بالبحث عنهما، وقف حازم الذي إستوعب الأمر جيدا، ثم نظر ناحية والدته يوبخها بقوله الجامد:
"ازاي تنزل كده من غير ما تقوليلي؟ وكنتي عايزاها تتأخر لحد دلوقتي وكمان معرفش!"
نظرت نحوه عايده الباكيه بعجز، في حين وقفت زينات تنظر بصمت، تنتظر نهاية هذا الوضع. وبركن ٱخر قريب أمسك غسان كف نيروز المرتجف بين يديه يتلمسه باحتوائه. في حين وقف سليم وكأنه ينتهز هذه الفرصه الٱن، حتى خرج توبيخه لمن تجلس أمامه ودموعها التي تجيب على كل الحديث. هتف بنبره حاده أشبه بالصراخ المرتفع:
"عرفتي يا هانم إنك متصلحيش تكوني أم أصلا! يعني إيه تسيبي بنتك تنزل من غير ما تعرفي راحه فين؟ ولا عشان سيبتها ليكم على الٱخر فـ بقا كل واحد يتصرف زي ما هو عايز!"
وكأن الوضع ينقصه هو الٱخر، ضغط بسام على فكه بسبب إسلوبه الذي لم يروق له. في حين إندفع حازم نحوه وقبل أن يوبخه أمام الأنظار هتفت عايده بصراخ، وهي تقف من قبل ولدها وكأن فاض بها الكيل:
"إســــكــت! إســـكـت بقا حــرام عليـــك! أنـــا معتش مستــحمله كـــلامك ده! ســيبت إيه لينا نعمله؟ بنتـك اللي كنت بطبطب على قلبـها بدالك، وأنفذلها الصح والكويس ليها، اللي كنت بقوم معاها بالدورين رغم إنهم كانوا صعبين أوي عليا."
"انت قاسي أوي، حتى فغياب بناتك جاي ترمي اللوم علي غيرك!!!!"
قالتها بنبرتها الباكيه، فوقفت بجانبها "ياسمين" التي احتضنتها بتأثر من حزنها. وقف "عز" بملامح وجهه المتهجمه ثم قال قبل أن يردف أحدهم أي حديث:
"الوقتي مفيش قدامنا غير إننا ننزل ندور عليهم فأي مكان ممكن يكونوا فيه، مستشفيات أو إقسام أو غيره.."
إلى هذه النقطة وتعالى صراخ "عايده" بالبكاء. في حين جلست "نيروز" بضعف بعد أن أجلسها "غسان" بجانب "سميه" الباكيه هي الأخرى و"ورده". هز "غسان" رأسه بتأييد ثم قال بنبرته الهادئه:
"صح يا عز، المفروض نبدأ نعمل كده فعلا. يعني مثلا أنا وحازم نروح مكان وإنت وبسام مكان تاني، وبابا وبدر هينزلوا هما كمان يدوروا. كده ننجز ونلحق ندور بسرعه فوقت قليل وإن شاء الله خير!!"
أيده "بدر" و"بسام". فتنفس "عز" بعمق يخفي إهتزازه كما كانت حالة "حازم" الذي هتف لهم بأمر وملامح وجه متهجمه:
"يــلا!!"
قاطع سيره "سليم" الذي وقف ثم ردد بمنتهي الدنائه:
"لو لقيت أختك وكانت عامله حاجه كده ولا كده مترجعاش هنا لإما هموتها زي ما ناوي أعمل فالتانيه!!"
فتحت الأعين بصدمه كبيره وأكثر من إنفعل كان "غسان" و"حازم" الذي قطع حديثه انفعال "غسان" المعهود وهو يصرخ به بقوله المرتفع:
"بـــتعـــيـب في بنتــك ومحدش عارف حـــالها إيـــه دلوقتــي يا خَرفَان إنت!!!!"
قالها "غسان" وهو يشير بيديه بإنفعال ثم بصق عليه من فمه أمام وجهه بإشمئزاز. فهتف "حازم" بتقزز هو الٱخر رغم ألمه:
"إنــت ايه يا أخي؟ إنت ازاي أب إنت!!!!"
يتأزم الوضع أكثر، ومن يوجد لديه شئ يردفه دون تفكير. حتى "عز" الذي تحلى بالسكون رغم البركان الذي يوجد بداخله. توجه عده خطوات ثم وقف أمام "سليم" حتى نبس بنبرة شديدة الهدوء:
"أنا زي ما جميله ضايعه أختي كمان ضايعه مني. بس إنت متستحقش تبقى أبو جميله. وبقولك إن جميله أشرف من الشرف عشان لو هي مش كده مكنتش دخلت بيتكم ده وناسبتكم. الواحد يقرف يناسب واحد زيك بس بنتك كفيله تغير النظره دي عنك وتخلي الواحد يكافح حتي لو بالشخصيه اللي زي شخصيتك دي. أقسم بربي اللي ما بحلف بيه كذب جميله دي خساره فيك وحتى فيا. وهلاقيها وبعد ما ألاقيها هتجوزها غصب عن عينك. عشان هي تستاهل تكون مع حد يقدرها مش حد لمؤاخذه مقرف زيك كده!!!"
حديث غير معهود من "عز الرجال". صمت "حازم" الذي كان هو الوحيد أن يحق له بأن يزرف الدموع أضعاف مضعفه عن والدته. هذا الجبل الذي تحمل أثقال وأعباء. عجزه الٱن بين أمور كثيره لا يوسف! تشنجت ملامح "سليم" من أسلوبه وحديثه. حتى أنه رفع يديه يمسكه من تلابيه وهو يتوعد له بقوله المنفعل:
"إنت بتكلمني ازاي كده وإنت فـ بيتي يا مجنون إنت. ده أنا أوديك ورا الشمس. إنت فاهم ولا لأا!!!"
وقبل أن يرد عنه أي شخص أشار لهم "عز" بالسكون. ولكن هناك من خرجت شراستها سريعا وهي تعنفه بصراخها:
"مش بيــتك. ده مش بيــتك إطلع برا بقا. بـــرا"
قالت "نيروز" ٱخر حديثها بصراخ. فأمسك "عز" يدي "سليم", ليهبطها من عليه وهو يضغط عليها بقوه. ثم توجه يهمس بجانب أذنه وهو يهتف بحديث جرئ لم يسمعه سواهما:
"عارف لو كنت مديت إيدك دي عليا فمكان تاني كان هيحصلك إيه؟"
كاد أن يسحب "سليم" يديه فتمسك بها "عز" بعناد. ثم هتف بنبره هامسه مره أخرى:
"كان هيحصلك زي اللي هيحصل دلوقتي وأكتر. بس كفايه عليك ده!!"
وما أن قالها دفعه "عز" بكلتا يديه للخلف حتى إصطدم ظهر "سليم" في الحائط من خلفه. سمع الجميع صوت تأويه المؤلم. ورأي الكل ملامح وجه "عز" المتشنجه بقوه. حتى وهو يلتفت ثم قال بإختصار لـ "حازم" الذي أغمض عينيه بتشدد من التعب:
"لمؤاخذه يا حازم!!"
قالها "عز" ثم صمت ينظر على ملامحهم المترقبه. لم يكن بها الخوف علي الأخر بل كان بعضها من الإستنكار والشماته وغيرها. تنفس "غسان" بعمق. ثم توجه يقف نحو "سليم" وهو يشير له بقوله الٱمر:
"هى مش قالتلك تطلع برا. يبقي تطلع برا وتسمع الكلام!!"
"ليه؟ عاوز الكل يسمع كلام مراتك زي ما بتعمل إنت يا دلدول ياللي ماشي تلم حواليها فكل مكان وتضرب الكل عشان قذارتها وقرفها!!!!"
لم يخرج الحديث سوى من فم "زينات". نظر الجميع برهبه. ومن المفترض بأن ينفعل "حدة الشباب" بينما رسم على ملامح وجهه الهدوء المميت ثم أجابها أجابة بمقتل:
"أنا عاوز بس الكل يبص يشوف مين بيتكلم. الناقصه أم الناقص مرات الخروف اللي بيمشي ورا كلامها خروفها؟ ولا بردو اللي مكتوبة فالبطاقه أنثى وهي بعيده كل البعد عن كلمة أنثى. إتجوزك إزاي الخروف ده؟ معمي فـ قُرونه ولا إيه؟"
حديث وقح وبشده قاله "غسان". حدجه "حامد" بتحذير من إردافه لمثل ذلك الحديث. فلم يهتم و توجه "غسان" يتقدم ليقف أمامها ثم وجه نظراته من أعلاها لأسفلها تزامنا مع قوله المتسلي لها:
"عاذرك يا أم الناقص. أصل اللي متعرفيهوش إن إبنك محجوز فمسشفي بسببي وبين الحيا والموت دلوقتي!!!"
توقف عن الحديث عندما وجد ملامح وجهها تتحول إلى الصدمه الممزوجة بالخوف. فواصل مجددا يضغطها:
"يلا كفـايه عليكي كده. وإبقي فكري كده فالكلام قبل ما تقوليه. وبالذات ليا أصل عندي ليكي أنا بالذات كلام محدش هيعرف يقوله. بس أنا أصلي متربتش فبقوله عادي. طريقك أخضر يا أم الناقص يلا"
قال "غسان" ٱخر حديثه بإستفزاز وهو يدفعها لتخرج من باب الشقه من بين صدمتها. تفاجئ هو بتوجه "سليم" المنفعل نحوه ليلكمه بوجهه. لم يسعفه الوقت أن يتحكم بضربته. ولكن هناك من أمسك يد "سليم" قبل أن يفعلها وللمفاجأه كانت يد "بسام" الذي كانت ملامحه توحي بالغضب. نظر له بشرر. ثم قال بتحذير:
"لو كانت جت فأخويا كنت هعرفك أنا بقا ازاي تتخطى حدودك مع ولاد حامد البدري يا حضرة المحامي!!"
نفض "بسام" يديه بتقزز ثم قال مجددا له وهو يحدجه بحده:
"الواحد الحقيقة إستحملك وسكت كتير أوي. ومش عشان بسكت يبقي مبعرفش اخد حق. إطلع برا بالذوق لو سمحت كده عشان لو مش بالذوق فـ في عافيه كتير أوي. في بدر وفي غسان وفي عز وفي حازم. لكن الحقيقه كل دول معلش ميعنوش ليا حاجه لو أنا وقفتلك أنا وخرجتك بطريقتي اللي متعرفهاش لحد دلوقتي!!!"
تهديد. ومن من. "بسام" الذي فاض به هو الٱخر منه. تفاجئ "عز" و"حازم" والنساء من رد فعله. أما عائلته وشقيقه وابن عمه يعلمان جيدا تمام العلم بأن صمته لم يخرج إلا بوقت معين. لطالما إنفعل علي شقيقه قبل ذلك وهزمه بالضرب وقلب الحال للسوء وبشده. وجد "سليم". التهديد بنظرة عينيه وملامحه بل ونظر للإثنان معا. فوجد أحدهما يبتسم بإستفزاز. والٱخر تتشنج ملامحه بالإنفعال. حدجتهم "زينات" بتقزز وحقد فاق كل الحدود وحتي النظرات. خرج ينسحب هو وزوجته أمام أنظارهم. في حين وقف "بدر" يربت على كتف "حازم" بمواساه. نظر "عز" نحو التوأمان نظره فهمها الإثنان. فبادله "غسان" غمزه جاده و "بسام" الذي ابتسم له بهدوء فقط وقد رد له الإثنان ملاحظه بطريقه غير مباشره حيث وضح لـ "عز" بأنهما مثل أشقائه. حيث كون "حازم" ابن الٱخر!! توجه "غسان" يشير لهم بقوله السريع:
"يلا خلينا نبدأ فاللي قولنا عليه!!!"
إعتدل "حامد" بوقفته بجانب "بدر" في حين توجهت "نيروز" تقف أمام "غسان" قبل أن يرحل. في حين إحتضنت "ياسمين" "حازم" على فجأه وكأنها تعطيه الطاقه للصمود مجددا. بعد أن رأت الضعف به. لا تعلم هي ماذا ينتظرها خاصة.
نظرت "نيروز" بضعف، وقد تشبثت بيديها ووضعتهما في كفه ثم قالت بنبرة مترجية:
"لو سمحت رجعها يا غسان، رجعلي جميلة ولاقيها عشان خاطري، إنت مش عارف هي بالنسبالي إيه!!"
الآن ستهبط دموعها بعد أن تيقن الجميع بالتأخير بالفعل. ابتلع "غسان" ريقه بصعوبة وقد فهم جيدًا إلى مدى تصل علاقتهما. رفع يديه يقرب من رأسها ناحية صدره ثم ضمها باحتواء وهو يهتف بنبرة هادئة مطمئنة:
"أوعدك يا نيروز إني هعمل كل اللي هقدر عليه أنا وهما، وإن شاء الله هنلاقيها وهتبقى كويسة، إطمني!!"
أشار لشقيقته بأن تتجه نحوه وما أن قال هذه الكلمات، ثم انحنى يهمس بجوار أذنها بعدة كلمات. إلى أن أمسكت "وسام" "نيروز" بالفعل لتجلسها برفق ناحية "سمية" و"دلال". نظر "عز" بتيه وقد خرج من الشقة قبلهم، ومن ثم خرج من بعده بقية الشباب من "غسان" و"حازم" و"بدر" و"بسام" وحتى "حامد". وقبل أن يتحرك الجميع بالفعل، وقف "غسان" سريعًا، ثم أشار لهم بالوقوف وهو يردد متذكرًا ما فعله "سليم":
"..مينفعش ننزل كلنا كده من غير ما يكون راجل موجود فالبيت معاهم!!"
وقف الجميع، والأعين تلتفت حول من الممكن بأن يكون هو الذي سيظل. لا يعلم أحدهم بالفعل الخطوة التالية. عندما قطع شرودهم صوت دقات الهاتف العالية ولم يكن الهاتف سوى هاتف "عز" الذي أخرجه بغير اهتمام ينظر فوجده رقم مجهول لم يعطه اهتمام، ولكنه دق مرة أخرى. نظر له "غسان" بضيق، ثم أشار له بغير اكتراث:
"رد، خلينا نخلص!!"
"رقم معرفهوش!!"
قالها "عز" بهدوء، فأومأ له الجميع. ولكن عاد "غسان" برأسه باندفاع، ثم قال بنبرة سريعة يشير له بيديه بلهفة:
"طب رد كده، ليكون ليه علاقة بجميلة وفرح،.. بسرعة قبل ما يقفل!!"
التوقع كان بمحله من حدة الشباب. حيث التأكيد على ذلك يحتمل على الرد على المكالمة. وبطبيعة "عز" بأنه لديه سرعة بديهة عن حدة الشباب ولكن بموضع مثل موضعه الآن تائه عاجز عقله ليس به جعله لا يركز بأمر كهذا. هز له "بسام" رأسه يؤيد ما قاله شقيقه، وقد وقف البقية ينتظرون. في حين فتح "عز" الخط بالفعل بعد أن فتح "مكبر الصوت" وياليته ما فعلها. فحينما سمع صوته هو بالتحديد الذي يعرفه جيدًا، فتح عينيه على وسعها وقد زاد الشر بنظراته كما كان الخوف من الآتي.
قبل قليل.. جلست "فرح" بوهن على الأرض وبكاؤها يتحدث عن كل ما تشعر هي به. كل ما تفعله هي بأنها تقوم بهز "جميلة" التي لم تستفق إلى الآن. وحتى صراخ "فريدة" من خلف الباب اختفى بل ظلت ساكنة هادئة حبيسة الوجع مرة أخرى. وجدت "فرح" ساعة الحائط أمامها التي تنظر لها بين الحين والآخر لطالما تدرس الطب وتعلم تمام العلم بأن لحظة إفاقة "جميلة" قد اقتربت وبشدة. وضعت يديها على عينيها بألم، وقد تحركت أنامل "جميلة" بطريقة ملحوظة وبشدة. هزت "فرح" رأسها بهستيرية تنفي ما تفكر به ولم تخرج سوى كل الكلمات التي توحي بالنفي. فعاد الصراخ من خلف باب غرفة "فريدة" يعلو بالمكان. رهبة.. خوف.. ضياع.. عقبة صادمة خطرة. كل ذلك كفيل للشرح حتى بحالها ذلك. فتحت "جميلة" عينيها بالتدريج، وقد تحركت من مكانها وهي تمسك رأسها بين يديها حتى انتفضت على مرة واحدة عندما تذكرت آخر ما حدث بل وزاد الخوف أضعاف بنظراتها عندما وجدت حالة "فرح". اعتدلت سريعًا وهي تنظر حولها بريبة حتى توجهت بذراعيها تمسك "فرح" بعنف، وهي تسألها بنبرة مهزوزة مرتفعة رغم تشوشها:
"إحــنـا فيـــن.. إحنا فين يا فرح؟!"
تذكرت من جاء من خلفها وخدّرها ولم تعي شيئًا بعد ذلك. توقفت "جميلة" ببطء أثر دوران رأسها ثم هتفت بتوبيخ مع نبرتها المختنقة:
"إنتِ عمــلتي إيــــه.. ردي عليا!!!"
تنفي وفقط بهزة رأسها وهي تضع كلتا يديها على أذنها. اخترق مسامعها صوت صراخ من خلف الباب، حتى هزت "جميلة" رأسها بتأييد لذلك الصوت. شقيقتها.. هتفت من بين دمعتها القاسية التي هبطت بجهل من كل ذلك:
"فـ..فـريده!!"
توجهت سريعًا بخطواتها كمحاولة لفتح باب الغرفة ولكن بدون فائدة. سمعت صوت "فريدة" من الداخل الذي يوحي بالعون. أما هي فـ في هذه اللحظة لم تجد سوى الدموع الغزيرة التي هبطت وهي تسألها بضعف، وظهر الاشتياق لها رغما عنها بها:
"فــريده.. إنتِ فريده صح؟ ردي عليا يا فريده!!"
كلمات تترجى بها بأن تكون هي ولا تكون هي بنفس ذات الوقت. ورغم جهلها بالذي يحدث إلى أن صوت بكاء شقيقها اخترق مسامعها بقوة. لم تسمع هي سوى صوتها حقًا وهي تهتف باختناق تؤكد لها من الداخل بضعف:
"جمـيله!!!"
دفعت "جميلة" الباب بكلتا ساقيها بقوة حتّى أنها فشلت في فتحه بيديها فقد كان مغلقًا. وقفت بغير علم وضياع حقيقي لكل ذلك. والأخرى تبكي وتضع يديها على رأسها وأذنها فقط. انتفضت ورجعت خطوة إلى الخلف عندما وجدته يخرج من باب الغرفة حتى أغلقها خلفه. ابتلعت ريقها وقد فتحت عينيها على وسعها بصدمة منه. "شريف"!! بالفعل تعلم ما يكنه تجاه "عز" بعدما علمت في الفترة الأخيرة. ولكن لما.. لما يفعل ذلك؟ ابتسم "شريف" بشر، ثم توجه يقف أمامها حتى قال بترحيب:
"أهلاً بخطيبة الغالي.. أكيد إنتِ عارفاني!!"
وكيف لم تعلمه وهو من جاء مع شقيقه يوم خطبتهما؟ ابتلعت ريقها بخوف، ثم نظرت له حتى ردت أخيرًا بإهتزاز:
"إنت عاوز إيه؟ واختي جوه عندك هنا بتعمل إيه!"
أسئلة كثيرة لم تجد لها جوابًا. حرك "شريف" عينيه عليها من أعلاها لأسفلها ثم ثبت نظراته نحو عينيها وهو يغمز لها بوقاحة مرددًا:
"حلوه يا جميلة، جميلة فعلاً. الغربيه إن بنات الراجل القذر ده حلوين أوي وكأن ربنا واخد منه حاجات كتير وعطاله بدالها جمالكم. بس أقولك.."
توقف عن الحديث عندما وجدها تنظر برهبة من حديثه الوقح فأكمل يتحدث بنفس الوقاحة:
"أختك أحلى منك، أو إنتوا الاتنين زي بعض بس الفرق إنك مدارية جمالك ومش مرخصه من نفسك زيها. عشان كده جبتها هنا فثانية تحت رجلي، زي ما هتبقي إنتي!!!"
ابتلعت ريقها وقد حثت نفسها على التحلي بالجرأة. حتى تقدمت تصرخ بوجهه بنبرة مرتفعة:
"خــــرجنــي وخــــرج اختي من هنا!!!"
أشار نحو عينيه بالطاعة الزائفة ثم أخرج مفتاح معين من جيب بنطاله وهو يشير نحو الغرفة بعينيه قائلًا:
"هخرجلك أختك، وهخليها تحكيلك بكل وجع إيه اللي حصلها وإيه اللي هيحصلك إنتي كمان، عشان أنا عايزك كده تبقي مقهورة نفس قهرة أختك وأنا بعتدي عليها!!"
فتحت عينيها بذهول، وقد رمشت بصدمة وهي تبتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقها. لم تسعفها يديها لضربه أو حتى حديثها للخروج. بل تاهت بين الحقيقة وبين ما يردفه هو لها. اغتصاب.. كل تلك الفترة كانت شقيقها تعاني. تهبط الدموع على وجنتيها بكثرة. حتى أنها لم تعي جيدًا متى فتح لها الباب الغرفة لتخرج "فريدة" بمثل هذا الاندفاع كي ترمي بأحضان شقيقتها بمثل ذلك الوجع ومن ثم الوصول لهذه النقطة المؤلمة. بكاؤهما وشهقاتهما العالية بأحضان بعضهما. وعن أي وجع يتحدث الوضع. وإحداهما تتألم بسبب ما حدث لها والأخرى تصرخ من الداخل عليها رغم وجود صدمتها إلى الآن. ضمتها "جميلة" بقوة والأخرى تتشبت بها بضعف. ثم خرجت منها كلماتها الممزقة التي مزقت "جميلة" من الداخل إلى أشلاء وهشمت قلبها الهش الضعيف ببضعة كلمات لها أثر لم ولن يزول بسهولة:
"أنا إتدمرت يا جميلة... أتدمرت جامد أوي وإتكسرت... مكنتش استحق ده والله ما استحق حتى لو كنت وحشـه.. أنا تعبت أوي.. أوي والله.. أنا...."
لم تقو على أي حديث أكثر. حتى أن شهقات "جميلة" تعلو بألم وهي تضمها إليها باحتواء وكأن أحضانها هي النجاة الآن. دون علمهما بأنهما بالفعل في خطر بل وأمام الخطر نفسه!!
ابتسم "شريف" بسخرية على موضعها ثم قال بنبرة ساخرة كما نظراته:
"هتأثر وهعيط كده.. تؤ مينفعش، خليكم لذاذ، ده لسه اللي جاي أحلى... ولا إيه يا فريدة؟!"
ليس هين الحديث، احتلت نظراتها حتى أنه بصق في وجهه بتقزز وهي تردف له الحديث بحقد:
"يلا يا قذر يا زبالة يا بن الـ..."
تسبه بأبشع الشتائم بعد نفاذ صبرها من دناءته، فتح عينيه بذهول وتعمد عدم الانفعال بل صفق لها ببراعة وهو يهتف بإعجاب:
"فخور بيكي أوي، بتعرفي تشتمي وتاخدي حقك أهو حتى لو بالقذارة زيي ولا إيه؟"
توقف عن الحديث وهو يوزع أنظاره بين حالة "فرح" الساكنة بالدموع وبين الاثنين وهما يشبهان بعضهما حتى في شراسة أنظارهما، واصل يكمل بتوبيخ زائف:
"مش عيب لما البنت تشتم؟ يعني الصراحة دي حاجة مش حلوة، سيبوا القرف ده لأبو علي أخوكم، حتى يعني المفروض إنه بيقولوا عليه راجل، بس الصراحة أنا مش مقنع.."
"ولا انت راجل ولا حصلت ربعه يا كلب!!"
تحلت "جميلة" بالجرأة هي الأخرى عندما وجدت شقيقتها كذلك رغم ما حدث لها، احتدت نظرات "شريف" فسحبت "فريدة" ذراع "جميلة" لتقف خلفها كحماية لها، ثم هتفت توضح له بتحذير رغم تعبها:
"نفسي كده تقرب منها، هقتلك سامعني؟"
رسم الخوف على ملامحه ببراعة ثم لف حولهم بذراعه الذي وجد بحامل أثر مطوة "غسان"، ثم قال بتسلية كبرى:
"بصي هعمل معاكي اتفاق، إحنا نحكيلها من الأول خالص لحد دلوقتي وأهو نفك التوتر ونخش فالجد اللي لازم يحصل، أصل للأسف الشديد مش هتخرج من هنا إلا ما كرتها يتحرق زيك بالظبط، طب ده حتى معاكم "فرح" متفرج ومشاهد مستمتع وبياع أول لصاحبة عمرها وخطيبة أخوها وهي اللي جابتها لحد هنا، عايزين التعب ده كله فالتنفيذ والتخطيط يروح هدر؟ والله عيب وحرام!!!"
نظرت "جميلة" بصدمة ناحية "فرح" التي وقفت تنفي برأسها إلى أن جاءت بجانب "شريف"، في حين هتفت تلومها بضعف وهي تتساءل بخيبة:
"ليــه؟"
سؤال ضعيف منكسر منهك حتى أنه متعب، فلولا ما فعلته لم يأتي أي شخص إلى هنا!! ابتلعت "فرح" ريقها وكادت أن تتحدث من بين دموع عينيها، فهتف "شريف" من قبلها يتحدث:
"متسأليهاش هي ليه يا دكتورة يا بنت المحامي الواطي العويل، إسألي أبوكي، قوليله ليه؟ ليه خاني وباعني فـ قضية قصاد ٣ اغتصبوا أختي؟ قوليله ليه باع ضميره وبص للفلوس وحبس أختي اللي دخلت السجن وطلع بدالها اللي عملوا فيها كده؟ قوليله ليه تدخل أختي السجن وتكون السبب فخراب حياتها حتى بعد ما خرجت وانتحرت بسبب حاجة بدأت من عند أبوكي؟ قوليله إنه هو السبب هو وأم صاحبتك إنهم يخلوني غريب وحيد، سبب كمان في موت أختي وأمي وإن كل الناس تتخلى عني، قوليله آخر حاجة ليه؟ خليت واحد هيموت وياخد حقه منك عشان يدوقك من نفس الكاس فبناتك. وحصل فـ واحدة، ودمرت حياة ومستقبل واحد، لسه واحدة.. لسه إنتي يا "جميلة" اللي هاخد حقي من أبوكي منك وهوجع أخويا فيكي!!!!"
حديث لأول مرة تسمعه هي!! "جميلة" التي لم تكن كذلك ما أن سمعت اختصار دناءة والدها، هبطت الدموع منها واحدة تلو الأخرى ثم حركت رأسها ناحية "فريدة" فوجدتها تؤيد حديثه بهزة رأسها المنكسرة، وما أن حدث خرج صوت "فرح" المهزوز له وهي تقف بجانبه:
"سيبنا، سيبينا نمشي يا شريف عشان خاطري!"
حرك "شريف" رأسه باستهزاء كما كان حديثه الساخر لها:
"ملكش خاطر عندي يا فرح!"
"إنت كذاب، أبويا مستحيل يبيع نفسه وضميره ويعمل كل ده!!"
جملة قالتها "جميلة" بغير تصديق ما أن استوعبت القليل، حرك رأسه ينفي حديثها ثم قال بأسف زائف:
"لا حصل وعمل كده، وعشان كده انتوا الاتنين هنا، تعالي بقا!!"
وما أن قالها رفع ذراعه السليم يمسك خصلاتها من خلف الحجاب على فجأة، حاولت "فريدة" دفعه عنها فدفعها هو بساقه تزامناً مع قوله لهما:
"تعالي أعرفكم وأعرف أبوكي أنا كنت بحس بـ إيه.. بس قبل ده كله نتصل على "عز" حبيب القلب نعرفه كده إنك تحت إيدي وقادر أعمل فيكي أي حاجة، هبوظله أعصابه بيكي وهتشوفي حالا."
ترك خصلاتها فتأوهت هي بألم، وسرعان ما سحبتها "فريدة" لتستكين بين ذراعيها وكأنها هي الكبرى!! جذب حقيبة "جميلة" من الداخل سريعاً ثم أخرج منها هاتفها ومن ثم هاتفه من جيب بنطاله هو!! ابتلعت ريقها وقد خرجت شهقاتها منها العالية في حين حدقته "فريدة" بإشمئزاز وهي تمسك ذراعي شقيقتها. وجدته يمد يديه لها بالهاتف ثم حدقها بتحذير وهو يقول:
"إفتحيـه!!"
ما أن وجدت على ملامح وجهه الشر، انتشلته منه بأناملها المرتجفة، في حين أحكمت "فريدة" ما تخفيه بكم سترتها المنزلية الطويل جيداً منذ أن خرجت من الغرفة تحسباً لما ينويه هو!! أشار الآخر للأخرى مجدداً ثم قال بأمر:
"رقم عز.. هاتيه!!"
وضعت له الهاتف على جهة اتصال "عز" حتى حفظ الرقم بالفعل على هاتفه ومن ثم عاد ليغلق الهاتف مرة أخرى، ابتسم بانتصار ثم وزع أنظاره بين الثلاثة وهو يضع الهاتف على أذنه حتى أنه لم يجيب عليه الآخر، زفر بنفاذ صبر زائف ثم قال بحزن زائف من شقيقه:
"كده.. ميردش عليا من أول مرة؟ يلا معذور أصله تايه الوقتي يدور على أخته ولا خطيبته، لا ربنا يكون في عونه والله، نجرب تاني من هنخسر حاجة!!"
ابلعت "جميلة" ريقها بخوف كما كانت "فرح" الواقفة بتيهان من ما فعلته، أما "فريدة" فنظرت له بحدة وهي تحاول الثبات والجرأة ثم سبته مجدداً من عزم إشمئزازها منه:
"هقتلك يا قذر يا زبالة، هقتلك وأشرب من دمك!!"
أشار لها "شريف" بعينيه بغير اهتمام لحديثها وهو يضع الهاتف على أذنه بإنتظار، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة وفتح الخط من الطرف الآخر بالفعل، فأجاب "شريف" أولاً بنبرته الجامدة واللينة بنفس ذات الوقت:
"عز حبيبي، كده متردش يا راجل من أول مرة؟ إيه مش خايف على أختك وخطيبتك؟"
إلى هذه اللحظة وماذا بعد، سرقت الأنفاس من الجهتين، جهة الشر.. وجهة حدة الشباب وعز الرجال!! ابتلعت "فرح" ريقها عندما سمعت صوت الآخر المتلهف ومن ثم الغاضب، أما "جميلة" فهي تحت ذراعي شقيقتها تهبط دموعها بعجز وقهر من كم الصدمات التي أخذتها وستأخذها!! ووسط انشغاله في الحديث مع الطرف الآخر فكرت "فريدة" بفكرة أخرى غير التي تتحسبها، انسحبت ببطء تقف من خلفه وقد تركت شقيقتها تقف تستمع إلى الحديث ومن ثم مدت يديها باحتراف تأخذ هاتف "جميلة" من الحقيبة ببطء تعلم هي كيف يتم فتحه عندما رأت شقيقتها تفتحه منذ قليل، لعل ما ستفعله سبيل للنجاة من بين مخالب كتلة الشر الذي بدا وكأنه يتلذذ بالحديث المريض ومع تهديده ووعيده للآخر.
"أقسم بالله لو لمست شعرة منهم هموتك.. هموتك يا شريف!!!!"
قال "عز" حديثه بتشنج أمام أنظار الكل بمعني الكلمة حيث سمعوا صوت انفعال "عز" وحتى ملامح "حازم" المنفعلة تحت صدمة الجميع وبكاء "عايدة" و"نيروز" والنساء بأكملهن، كان التجمع في المصائب كالعادة على السلم لذلك فتحت شقة "زينات" وخرجت منها هي وزوجها مرة أخرى، في حين انتشل "حازم" الهاتف من يد "عز" ثم هتف بتحذير:
"لو جيت جنب أختي هوديك فـ ستين داهية، قول مكانك فين حالا، قـــــول!!!"
خرج انفعاله وهو يثور على الآخر بالحديث، وقف الجميع بترقب وخوف من القادم، مد "غسان" يديه يمسك هاتف "عز" وهو يسمع "شريف" يتحدث بصوته المستفز:
"لأ براحة كده ليطق ليكم عرق، أنا بكلمك يا متر إنت وعز عشان بس أقوله إني بعرف أخد حقي، وإن أختك هعتدي عليها حالا بعد ما أقفل معاكم المكالمة دي، وإبقي اعرف مكاني كده لو عرفت توصل لي يبقي ليك الكلام، وصحيح سلملي على المتر الكبير، وقوله إنه كده كده السبب خليه يحكيلكم بقا هو عمل إيه معايا زمان عشان أدوس على بناته كده."
سلام
صوت إغلاق الخط. أغلق الخط ومن ثم الهاتف. وقف الجميع بصدمة. وقد صرخت عايدة بقهر. وقد أُغمي عليها ما أن سمعت تهديد الآخر. أما حازم، صرخ بـ شريف بانفعال. في حين أن الآخر قد أغلق الخط. صوت البكاء والحركة كان لكثير، حتى أن البعض انشغل بحالة عايدة. في حين وقف عز بخواء يبتلع ريقه.
حرك حازم رأسه بعنف تجاه والده حتى هتف بصراخ يسأله:
"يعني إيه اللي بيقوله ده؟ علاقتك بيه إيه؟ رد عليا!!"
فاق حدود الانفعال، حتى أن هذه المرة أمسكه بدر وبسام قبل أن يمد يديه عليه دون وعي منه. وقف غسان ينظر بتشتت على الأمر الذي تعقد، حتى أنه هز عز بعنف وهو يهتف بنبرة مرتفعة:
"أخوك بيعمل كده ليه؟ بيعمل كده ليه الـ... ده فهمني!!!!"
قالها وكأنه يخرجه من حالة اللاوعي. وقف حامد بصدمة كبيرة. وكان أول من بدأ ليخرجهم من حالتهم تلك هو قول بدر المرتفع وهو يوبخهم:
"مش وقته الغباء ده. جميلة وفرح في خطر، فوقوا!!"
هبطت دموع حازم بحسرة وعجز. وقد ابتلع ريقه وهو يمسح وجهه بعنف. ثم قال بنبرة شديدة لـ سليم:
"لو حصل حاجة لأختي وكنت فعلاً السبب فيها، عمري ما هسامحك!!!"
وما أن قالها، أخرج الهاتف بلهفة يجرب للمرة الأخيرة أن يهاتف رقم جميلة، كما فعل عز مرة أخرى، ولكن لا رد. فتح حازم عينيه بصدمة من ما رُسِل له. موقعه. شهق بصوت وحنجرة رجالية خشنة. ترقب البعض. وجد نبرته المتلهفة تخرج للجميع باندفاع وهو يقول:
"جميلة بعتتلي اللوكيشن اللي هما فيه. دول... دول قريبين من هنا أوي!!"
تقدم الشباب بخطوات سريعة ينظرون بالهاتف. فوقف غسان يعتدل سريعاً وهو يشير لهم بسرعة:
"طب يلا بسرعة.. بسرعة قبل ما ياخد باله إنها بعتت حاجة!!"
لم تكن جميلة التي فعلت ذلك إذن، بل فريدة. قالها غسان وهو يتوجه ناحية المصعد. فر خلفه عز بعد أن أشار له غسان. ومن ثم ركض حازم على السلم ومعه بسام. فوقف بدر بلهفة ثم أشار لـ حامد بقوله السريع:
"خليك هنا معاهم يعمي. خليك عشان لو حصل حاجة."
وما أن قالها، نزل على السلم بسرعة. وبقى حامد وسليم الذي وقف يشرد بالماضي وما فعله من جديد. وقد ربط الخيوط ببعضها، وبالفعل لن تذهب ابنته الأخرى سوى للدمار. ابتلع ريقه ما أن تذكر كلمات الآخر في الهاتف منذ قليل. حتى أن الأخرى تهزه من يديه وهو شارد. وقف حامد ينظر بحسرة عليه وهو واقف، لم يبدي أي ردة فعل حتى على ابنته. ابتلع ريقه ثم تحدث وقد هزمه تعاطفه مع أولاده:
"لو مكنتش قد خلفه العيال ليه بنتجوز ونخلفهم من الأول؟"
وقف سليم ينظر إلى وجه الآخر بصمت فقط. إلى أن واصل حامد مجدداً بنفس الحسرة:
"تفتكر ربنا هيسامحك وإنت ظالم عيالك معاك كده؟ ملهمش حق عليك. بنتك وابنك وحتى المتغيبة وحتى الضايع اللي صحته على شعره. مبتفكرش كده إن ممكن تكون تربيتك وصلتهم كلهم للي هم فيه دلوقتي؟ العدل صعب أوي كده. لما تقف قدام ربنا يا سليم وهو بيسألك إنت عملت إيه لعيالك حلو؟ ربيتهم وإديتهم حقوقهم. خلتهم أسوياء. هترد تقول إيه؟"
كلمات قاسيه لمن لا يعلم معناها جيداً. وفي هذه اللحظة يقسم الوضع بأن من المحتمل أن ألم حامد يفوق على ألم سليم. ما أن قال هذه الكلمات وهو يواجهه بالجدية الشديدة، رحل وتركه. حتى أنه دخل شقة سمية بعد أن تنحنح يجلي حنجرته بسبب علمه أن من المحتمل أن تكون عايدة بوضع لا يسمح له برؤيتها، حيث أُغمي عليها بين يدي الفتيات ومن ثم سحبوها إلى الداخل في صدمتهم بالخارج. تركته الأخرى. تقدمت زينات بتردد تدخل شقة سمية رغم شعورها المتناقض، ولكنها دخلت ما أن لمست كلمات حامد عقلها. وقف سليم بتيهه ووضعه يهتف بأنه هو الغريب في هذه اللحظة. بل ولم يأت بعقله شئ بصالح أولاده. بل الآن ومن المحتمل بأنه إن حدث ما في عقله، فسيفتح عليه باب الضياع لنفسه عندما يفتح باب الماضي وما فعله من جديد.
قبل ذلك بدقائق معينة. أغلق شريف الخط وهو يبتسم بشرر. في حين وقفت جميلة ترتجف. ولم تعطي هي بالاً لشقيقتها فريدة التي سحبت الحقيبة تأخذ منها الهاتف وهي ترسل الموقع لجهة اتصال شقيقهما حازم بمنتهى الخفة عندما غاص الآخر بتهديداته. لاحظت فرح فعلتها من خلفه. توجهت فريدة تسحب جميلة بأحضانها كي تهدأ من روعتها ما أن سمعت كمثل هذا التهديد بالفتك بها. كما أن دموع فرح لم تتوقف.
إعتدل شريف بوقفته وهو ينظر نحو أحضانهما لبعضها. هتف يشير بعينيه لـ فريدة وهو يهتف بلهجة آمرة:
"إبعدي!"
تمسكت فريدة بـ جميلة أكثر وقد كتمت الدموع بعينيها ثم هزت رأسها نفياً وهي تخفي خوفها بإصرارها قائلة:
"مش هبعد!"
وجه شريف نظراته نحوها باستنكار. ثم هز لها رأسه بطريقة ليست هينة حتى توجه يدفعها بعيداً. اصطدمت فريدة بظهرها في باب الغرفة. في حين أمسك شريف بذراعه السليم حجاب جميلة الذي خلعه عنها بمنتهى العنف. والآخرى تصرخ بخوف. والثانية تبكي بصمت وضعف لطالما كانت دائماً بمثل ذلك الضعف. دفع بساقه جسد جميلة حتى تعرقلت وهي تقع أرضاً. حاولت التملص ولكنه كتفها بيديه حيث خلع عنه الحامل فقط رغم التفافه بالشاش وجرحه. صرخت جميلة بعزم ما لديها بقوة حتى كادت أحبالها الصوتية تتقطع وهي تهتف بصراخ:
"إبعد! إبعد عني!!"
ترجي في الصراخ منها هي. هي التي لم ترى يوم عدل لها ومعها في كل الأيام. معاناة وتسأل الحياة لما المعاناة؟ ولم تفعل لها شئ. يهشم مشهدها وهي تترجاه وتحاول التملص أسفل يديه وساقيه وهو يبرك فوقها بأن تتركه. جلست فرح بوهن وضعف على الأرض وهي تصرخ أخيراً هي الأخرى. هتف شريف بصراخ مريض هو الآخر:
"مش هبعد! لازم أدمـرك زي ما دمـرت أختـك! لازم أوجـع أبوكـي! لازم أوجع أخويا!"
آخر كلماته بدموع عينيه. لا يعلم هو أكان كتلة شر أم مختل عقلي. هزت جميلة رأسها بالنفي بقوة وهي تنظر عليه يعبث بأزرار قميصه هو ليخلعه. نجح في بث الرعب بها بقوة حتى أنها نفت برأسها وهي تحاول التملص بقولها الضعيف من بين بكاءها:
"والله العظيم مليش دعوه. والله ما ليا ذنب!!"
تقسم. بالوجع. مع الدموع. عن أي ألم يهتف الوضع. رأي دموعها فهبطت دموعه هو الآخر بغزارة وهو يهتف هو الآخر بنفس الوجع قبل أن ينقض عليها:
"ولا أنا ليا ذنب!!!!"
"أبوكي هو السبب هو السبب!"
صرخ بآخر جملته بغل، وقد أحكم مسك ذراعها. وما أن رأته يستعد، صرخت بقوة. تجمع أمام باب الشقة عدد قلة من السكان بسبب الصوت، ولكن لا فائدة من عدم فتح الباب. تأوّهت فريدة وهي تمسك ظهرها بألم، وقد هبطت الدموع من عينيها.
نهضت وهي تستند بضعف، وقد حركت يديها المرتعشة تأخذ السكين التي حاولت بها أن تفتح الباب من قبل ذلك وفشلت. "ستفعلها... ستطعنه!"
توجهت عليه فجأة، ثم رفعت يديها بالسكين الحادة من خلفه، ثم طعنته بها من ظهره من الجانب حتى أتت بجانبه. صرخ شريف بألم، حتى تراخت يديه من على جميلة وساقيه، ومن ثم وقع بجانبها أرضاً بألم، وهو يتأوّه.
شهقت فرح بخوف، وقد رأت الدماء تهبط منه بغزارة. وقفت فريدة تستوعب ما فعلته من جرم. ابتلعت ريقها.
في حين حاولت جميلة التحرك لتقف رغم تمزق ردائها الطويل من الأسفل، مما أظهر ساقها المغطى ببنطال ملتصق عليه. جلست القرفصاء بعيداً بأعجوبة وهي تدفن رأسها بضعف بين يديها تبكي بحرقة شديدة. لم تسعفها قدمها على الوقوف.
لم تتفاجأ بتقدم فريدة كي تركع لتحضنها، ليصبح البكاء بحرقة وجسد جميلة يرتجف بشدة، والأخرى تربت بيديها بضعف، وهي تربت عليها بانكسار مردفة من بين دموعها الضعيفة:
"أنا جنبك.. أنا جنبك وهنطلع من هنا والله!"
تقسم فريدة لها كي تهدأ. تقسم بالدموع. وأين المصداقية؟
تفاجأت فريدة بفرح تدفعهما حين حاول شريف قذفهما بالسكين التي وقعت، وهو منحني بمكانه. وقع الاثنان أرضاً. وابتعدت فرح بسرعة.
فنهضت فريدة بسرعة فائقة تدفعه بمعدتها بساقها بغل، وهي تبكي. وضع ليس متماشياً مع بعضه تماماً، ولكنها فعلتها، حتى أن الآخر كان يتأوّه بقوة. ورغم قوة بنيانه، إلى أن ضرب غسان له أثر إلى الآن.
دفعتها فرح وهي تصرخ بها كي لا يلفظ أنفاسه الأخيرة أسفل قدمها:
"كفايه!!!"
وجهت فريدة نظراتها الحادة نحوها حتى دفعتها بعيداً عنها كي تسقط أرضاً. وبالفعل سقطت فرح. ومن ثم تحركت الأنظار نحو الباب الذي حاول أحدهم بعون من معه لكسر الباب بقوة. وصلوا أخيراً بالموقع التي أرسلته تلك الغير هينة!
نظرت فريدة بلهفة حولها وتعلم تمام العلم أن الباب مغلق. جلست تمد يدها سريعاً بجيب شريف وهي تحاول بأن تتفادى ضرب يديه العشوائي، حتى أخرجت المفتاح أخيراً.
سمعت صوت حازم وصراخه بأن يفتح لهما الباب، كما كان صوت صراخ عز وهو ينادي فرح وجميلة التي جلست القرفصاء ترتجف وقد تمردت خصلات شعرها بعشوائية أثر الحركة.
ركضت فريدة بسرعة تقوم بالتجريب لتفتح الباب، حتى وجدت المفتاح الذي يفتحه أخيراً. فتحت الباب. وما أن فتحته، وقف من حولها بصدمة كبيرة. نظر لها حازم بصدمة كبرى وعقله قد شل. في حين ركض الجميع إلى الداخل.
ارتمت فريدة بأحضان حازم بقهر وهي تبكي بقوة. ضمه إليه بحسرة وقد هبطت دمعته وهو يدخل بها إلى الداخل.
توجه بسام يتفحص حالة الآخر الذي يتأوّه. في حين هز غسان بيديه بحرص كتف جميلة الباكية يخرجها من حالتها. أشار لحازم بحرج كي يتوجه لشقيقته. فتوجه ناحيتها بسرعة حتى ركع يضمها كما ركعت بجانبه فريدة، فأحتضن الاثنان وهو يتحدث بنبرته المتلهفة:
"أنا معاكم.. معاكم.. مش هسيبكم متخافوش!!"
قالها بتحشرج. وقد استمر الوضع لدقائق، في حين كانت فرح تحتضن عز وهي تسرد عليه بأنها السبب والعله بكل ذلك. تركها حتى توجه يقف أمام شريف المسطح أرضاً، حتى انحنى غير مهتماً لوضعه وهو يمسك رأسه بين يديه حتى أخذ يلكمه بوجهه بغل فاق الحدود وهو يردد:
"ليــه؟ ليــه يا واطي يا زبالة؟ أنا عملتلك إيه؟ عملتلك ايه هااا."
وقف غسان ينظر بصمت. في حين نهض حازم يشارك عز في ضربه ولم يفعل سوى القليل، عندما وقف بسام يردد بحزم:
"كفايه كده يجماعه. كفايه هيموت!!"
فصلهما غسان ولم يساعد عقل كل منهم بأخذ الحق بقوة، يكفي حسرة إلى ذلك، فمشهد الفتيات يكسر! سحب حازم حجاب جميلة الملقي أرضاً. وقبل أن يقترب عز منها أكثر، أوقفه حازم بحزم وهو يقول:
"إبعد عنها! ملكش دعوه بيها!"
توقف عز حتى اعتدل يقف وهو يبتلع الغصة المريرة بحلقه. غض بسام وبدر نظرهما عن فريدة وخصلات شعرها وحتى بنطالها القصير، لم تستر هي سوى كم ذراعيها لتخفي السكين وفقط.
تحرك غسان يمسك شريف من تلابيبه ثم قال بوعيد:
"ملكش مكان دلوقتي غير السجن يا و**"
وقفت فرح تنظر برهبة كما كانت حالة جميلة وهي تجلس أرضاً ترتجف. فأجاب شريف بنبرة متقطعة من بين تأوّهه:
"مش لوحدي.. اللي هخشه. في.. غيري.. هيدخله!!!"
الوحيد الذي جاء بعقله حديثه عن والده هو حازم. لم تترك فريدة الفضول لهما، بل بدأت بالحديث من بين دموعها الساكنة الضعيفة:
"بابا يا حازم. أبوك هو السبب في كل ده. الحيوان ده اغتصبني بسببه. جيت معاه فالأول بمزاجي. غلطت بس والله. إتدمرت أوي. هو السبب في كل حاجه حصلت. هو اللي قالي أكتب فالورقه إن غسان هو اللي طلب مني أمشي وعشان يبان إنه خطفني. كل ده عشان يوقع حسن وغسان فبعض. ضحك عليا واستغفلني وجابني لحد هنا بمزاجي لحد ما عرفني الحقيقه. لحد ما عرفني ان أبوك ده راجل ظالم ويستحق يتعاقب بأبشع الطرق. بس مش فينا كده والله. مش كده. أنا.. أنا إتكسرت يا حازم!!!!"
لا تجمع سوى من الشباب الآن وفقط. حتى بعض السكان رحلوا بعدما دخل الشباب واحتضن كل منهم من لديه!
شفقة الآن عليها بعد أن كانت غير مقبولة. لا تستحق بأن يُفعل بها كذلك. أثارت شفقة غسان الذي حاول الثبات مما سمعه. في حين ابتلع بسام ريقه بقهر. أما بدر فحرك رأسه بحسرة على هذه العقبة الشديدة. هبطت دمعة عز القاسية على معاناته مع شقيقه. في حين احتضنها حازم وبكى بين أحضانها بعجز، وهو يتأسف لها:
"أنا أسف. أسف يا فريده"
لما يتأسف؟ وعن أي سبب يتأسف هو؟ عن الوجع؟ تنحنح غسان وهو يتقدم ناحية جميلة الجالسة بضعف، وهو يترك الوضع المتأثر، ثم قال بهدوء يحثها:
"قومي يا جميله. قومي عشان نتحرك من هنا!!"
مد إليها عز بجانبه يديه كي تستند عليه لتنهض. رفعت أنظارها تطالعها وقد وجدت دموع الإنهاك في عين عز، الذي لو ود أن يقسم لها بأنه رغماً عنه كل ما حدث. تخطاهم حازم يسندها بحزم. في حين أشار لبدر وهو يقول:
"هتاخد القذر ده وتوديه المستشفى لحد بكره عما أبقى أشوف شغلي!!"
أيده الشباب في الحديث. في حين خرجت فريدة مرتدية ملابسها. فبدأ البعض بالتحرك حتى بدر بالمهمة الذي كلفها له حازم.
وقفت فريدة تحاول بخروج نبرتها الضعيفة لهم وهي تقاطع سير كل منهم قائلة بمواجهة:
"لازم تعرفوا الأول كل ده حصل ازاي و من إيه. من أول فرح اللي سمعت كلام أخوها وجابت جميلة لحد هنا.. لحد بابا يا حازم اللي رافع وباع ضميره وظلم أخت شريف ودخلها السجن وهي مغتصبه من تلاته. خرجهم من السجن ودخلها هي لحد ما اتقهرت وخرجت بعد مده وإنتحرت من كلام الناس عليها وبعد كده مامتهم ماتت بحسرتها عليهم. حب يدوق بابا من نفس الكاس. الكاس اللي أنا اتجابت فيه في الرجلين يا حازم... أبوك وحش أوي أوي.. أنا قرفانه منه مش عاوزه أشوفه.. مش عاوزه أرجع!!"
علم حازم والبقية إلى مدى تصل دنائة سليم حتى في الماضي. ابتلع حازم ريقه وهو يحاول التحمل، وإلى متى التحمل؟ إلى متى كتم الوجع؟ حتى من عز الذي وقف يستوعب المعاناة الذي علمها الآن لأول مرة بالتفاصيل الذي كان يجهلها. والد من أحبها أحد أسباب رحيل شقيقته؟ وشر شقيقه؟ رغم علم غسان بمدى حقارة شريف في أن يدخله بمتاهات وعراك مع حسن خصمه ومدي حقارة سليم، ولكنه وقف رغماً عنه يخفي صدمته ومفاجأته بكل ذلك. حرك بسام رأسه بأسى. وقد وجه نظراته نحو عز الذي هبطت دموعه على وجنتيه بتعب. وحتى فرح الذي صدم بها بشده كيف تفعل ذلك!
حاولت "فرح" التبرير لـ "عز" فأشار لها بيديه بسرعة كي تصمت ثم قال بنبرة ضيقة خذلته أمام الجميع:
"إسكتي!!!"
هبطت دموعها منها بغزارة مرة أخرى. بدأ "بدر" في إسناد "شريف" الغير واعي بنسبة متوسطة. في حين قال "حازم" بنبرة هادئة عكس ما يحدث داخله:
"يلا!!"
تحرك وهو يسند تحت ذراعيه "جميلة" و"فريدة" التي لم تحمل معها سوى حقيبة شقيقتها فقط. من الناحية الأخرى كانت تستند عليه. وقف "غسان" ينظر بشفقة نحو "عز" الذي تهبط دموعه بوجع. أما "بسام" فكانت نظراته لـ "فرح" نظرات لوم. رفع "غسان" ذراعه يمسك رأسه "عز" وهو يضمها نحو صدره بعاطفة أخوة لا يعلم من أين أتت. ابتلع ريقه وهو يرفع يديه يربت على ظهره بمواساة فهو الذي تأذى من جميع الأطراف. موت شقيقته في البداية و"شريف" شقيقه من فعل كل ذلك، وحتى المساعدة كانت من "فرح" شقيقته وكل ذلك يفعله بمن أحبها واختارها قلبه "جميلة" تأذت من الكل ومن الجميع ومن الحياة بأكملها. إلى أين الطريق الآن؟ أين الهروب من الوجع؟
"أنا عارف إنك جامد عن كده يا عز. صدقني كل حاجة هتبقى كويسة. "جميلة" ليك صدقني متوجعش نفسك. كل ده غصب عنك!!!!"
بكى بين ذراعي "غسان" بعجز وسكون تام وكأن قلبه يتهشم من الداخل دون خروج صوت. لطالما تحمل إلى كثير جداً. ربت "غسان" عليه بشفقة وهو يبتلع ريقه. خرج "عز" وهو يحاول الثبات. ثم اعتدل بوقفته فوجد "بسام" يضع يديه على كتفه قائلاً ليحثه:
"إحنا اخواتك يا عز. أنا يمكن مش حاسس بيك بس عارف إنت ممكن تكون موجوع قد إيه!!"
قالها "بسام" وهو يسحبه برفق لخارج الشقة. تحرك معه "عز" بخواء. في حين وقف "غسان" ينظر على أثرهم وقبل أن يتحرك نظر إلى "فرح" الباكية بقهر. حتى احتدت نظراته ولم يمنع هجومه بأن يخرج حينما هتف بحدة هادئة:
"الغالي مبيشتريش حد بيتباع!! بس للأسف عز أخوكي وشاريكي مهما عملتي. أنا معرفكيش ولا تهميني أصلاً. بس أقسم بربي لو إنت كنتي أختي ما كنت راحمك!!"
خرج هجومه عليها دون وعي بأنها ليست لها صلة به من الأساس. بل ومن المفترض بأن "بسام" شقيقه كان يشعر ببوادر الإعجاب. ماذا لو علم هو ذلك؟ سيرفض هذه العلاقة قبل أن تبدأ من الأساس. تنهد يخرج أنفاسه وهو يرى دموعها في حين وقف "بسام" مع "عز" على أعتاب باب الشقة. توجهت "فرح" صوب "عز" تقف بجانبه. في حين أمسك "بسام" ذراع شقيقه ليهبطا معاً. كل ثنائي منهما بوادي آخر. فكل منهما سيذهب بالفعل للمواجهة الصعبة. سبق "حازم" مع شقيقاته و"بدر" برحيله لإرسال "شريف" المستشفى كي يضع عليه رقابة في حين سيفعل "حازم" الإجراءات غداً. ضامناً عدم ذهاب "شريف" بحالته هذه ومع توصية من "بدر" هو الآخر. والآن يرحل "غسان" مع "بسام" خلف سيارة "حازم". بسيارة أجرة عادية. كما أن الرحيل للمنزل بمثل ذلك الخواء كان من "عز" المنكسر المنهك و"فرح" المذنبة التي فعلت جرماً ستظل تندم عليه.
---
وقفت النساء والفتيات أمام "عايدة" التي فتحت عينيها أخيراً قبل قليل. وضعت يديها على رأسها بحسرة وألم. وقد ابتعدت عن كل ذلك الضغط "نيروز" التي نزلت دموعها بقلة حيلة وخوف. تجمع النساء كان في الداخل. أما "نيروز"، فخرجت بحزن وهي تضع يديها على فمها كي تكتم شهقاتها. وجدته في طريقها. "حامد" النسخة الثانية ممن اختاره قلبها. وقف "حامد" بمكانه وهو يطالعها بصمت متعب في حين بأنها من اتجهت لتحتضنه وقد شعرت به بإحساس أنه والدها حقاً. رفع ذراعيه يضمها بعاطفة أبوه حتى أنه رفع يديه يربت على ذراعيها بمواساة وهو يحثها بنبرة هادئة:
"إهدي.. إهدي يا بنتي!!"
خرجت شهقاتها وكأنها تبكي من كل ما حدث لها من هذه الحياة. يفيض بها الكيل الآن. التراكمات وأكثر من التراكمات والضغوطات. ولكن هذه رفيقة الدرب كيف لها بأن لا تنهار؟ ضمها "حامد" بتأثر حينما شهقت هي بتمزق وهي تهتف بتعب:
"أنا تعبت أوي يا بابا!!"
فتح عينيه على وسعها من اللقب التي هاتفته به. والدها. يعلم جيدا بأن ذلك اللقب لم يخرج منها بمثل هذه السهولة. تتخيله والدها باحضانه. ضمها بتأثر وهو يهدهدها حتى خرجت تدريجياً. فرفع كفه يزيل أثار الدموع من على وجهها. ابتلع ريقه وقد شعر بأحدهم يقف من على بعد ينظر على المشهد بصمت. لم تكن سوى "زينات" التي وقفت تنظر بعجز من كل ذلك. لحظة إدراك بأنها لم ترى احتواء كمثل ذلك كي تعطيه لأولادها. فاقد الشئ لايعطيه لدى شخصية مثل شخصيتها. خرج من الغرفة "ياسمين" بجانب "وسام". توجهت "ياسمين" تضع ذراعها لتربت على كتف "نيروز" وهي تحاول التماسك. في حين خرجت من الغرفة "عايدة" وهي تستند على "دلال" و"ورده" و"سميه" من خلفهما تمسك يد "يامن" بقلة حيلة من بين دموعها الصامتة هي الأخرى. وجدوا هم "سليم" يدخل الشقة دون إذن ثم قال بكل تبجح يسأل رغم اهتزازه:
"رجعوا؟"
بأي وجه يسأل كمثل ذلك السؤال. وهو الذي لم يحاول ولم يجاهد بأن يبحث بنفسه. لم يجيبه أحد. بل أول من وقفت أمامه وهي تنظر له بتقزز كانت "ياسمين" التي نبست بإشمئزاز:
"إنت بجد راجل ندل وجبان!!"
تسبه بوقاحة. ومن يفعل ذلك سواها هي. وللحق معها كل الحق. رغم عدم توافق ذلك مع الأدب كونه عمها ولكن صمت الجميع. فتشنجت ملامحه بغضب وهو يهتف بضيق:
"إحترمي نفسك يا بت انتي بدل ما أعلمك الأدب!!!"
وقبل أن تهتف "ياسمين" بأي شئ. وجدت "نيروز" تنفعل عليه وهي تدفعه بكلتا يديها بقوة ثم صرخت بقولها له وكأنها بوادر انهيار مرة أخرى:
"بــــــــرا. إطــلـع بـــــــرا!!!"
تفاجئ من دفعها إليه كذلك وحتى حركتها المفرطة في انفعالها القوي. مد "حامد" يديه يربت على كتفها كي تهدأ من روعتها ولكنها بكت بصراخ عجز الكل عن فهمه حتى "سميه" التي وقفت تبكي بحرقة وقد تذكرت تلك الحالة جيدا. حتى "ياسمين" التي وقفت مصدومة من صراخها المفاجئ. خرج من المصعد "حازم" ومن معه من "فريده" و"جميلة" الذي ركض للداخل بسرعة وهو يسندهما أثر الصراخ. وتزامناً مع ذلك وصول "غسان" و"بسام" بسرعة خلفهما حتى أنهما صعدا على السلم بسرعة فائقة. نظراً لقرب المكان فكان الوصول لم يستغرق كل الوقت الكبير. دخلوا الشقة تحت صدمة وذهول الجميع من رؤيتهم لـ "فريده". ركضت "زينات" تضمها إلى أحضانها. في حين توجهت "جميلة" لطريق الراحة بمفردها. توجهت هي لتستكين بين ذراعي "عايدة" قبل أن تتوجه الأخرى لها. صدمتهم جعلت كل منهم يقف بمكانه بذهول. في حين توجه "غسان" سريعاً وهو يركض لـ يحتضن "نيروز" ليهدأ من صراخها الذي توقف ما أن رأت "جميلة" و"فريده". في حين أن رعشة جسدها الملحوظة لم تهدأ سوى باحتواء "غسان" بمثل هذه اللهفة وهو يردد بخوف على مسامعها:
"خدي نفسك. خدي نفسك براحة يا نيروز!!!"
قالها بخوف. وقد تحركت "وسام" هي و"حامد" يفعلان حركات بيديهم ليأتي لها الهواء أمام وجهها. و"غسان" يدلك يديها بين كفه حتى تهدأ تدريجياً.
بكت "زينات" على بكاء "فريده" بين أحضانها بحرقة كما كانت "جميلة" مع "عايدة". وقف "حازم" يطالع وجع "سليم" بلوم ظهر بكل تفصيلة. بينما نظر له الآخر بصمت فقط. خرجت نبرة "حازم" القوية وهو يواجهه بكل صراحة:
"ضميرك كان سهل للدرجادي عشان تبيعه؟ مخوفتش من ربنا؟ مخوفتش علي بناتك حتى؟ اللي بقت واحدة منهم مغتصبه دلوقتي!!!"
فتحت الأعين على وسعها بقوة. في حين تفحصت "عايدة" إبنتها بلهفة كبرى. فخرجت "فريده" بإنكسار وهي تهتف بتعب تصارحهم:
"أيوه أنا اللي إغتصبني. أنا اللي إتكسرت بسببه. أنا مش مسامحاك!!"
واجهته بٱخر حديثها بانكسار. في حين وقف الجميع ينظر بغير علم للذي يحدث. حاول "سليم" التبرير لها وله وقد تعلثم بالحديث وهو يردد:
"أنا.. أنا مش.."
أوقفه "حازم" عن حديثه المهزوز عندما أيده قائلاً بإنهاك وقد هبطت دموعه:
"أيوه إنت. إنت ظالم وقادر..إنت السبب.."
جالك قلب تعمل كده إزاي؟ الفلوس بتعمي للدرجة دي؟ مفكرتش حتى في مستقبلي أنا؟ لو مجاش في دماغك بناتك، وإحنا نستحق منك كده؟ ليه حرام عليك؟
"فهمني يابني إيه اللي حصل؟"
أردفت عايدة حديثها بضعف، من بين عينيها الحمراء من كثرة البكاء. اعتدلت فريدة بوقفتها حتى نبست بنبرة مرتفعة مع انكسارها تهتف بكل وجع:
"أنا هحكي، هحكي وهقول، هقول إنه معملش حاجة عدلة في حياته لينا. هقول إنه كل يوم كان بيجي عليا ولما قررت أهرب منه لقيته كسرني برضه حتى وأنا بعيدة. أنا هقولكم!"
ستبدأ في قص كل ما حدث. ابتلعت ريقها تستعد، في حين وقفت نيروز بعدما خرجت وهدأت بالتدريج. وقفت تستند على ذراع غسان. أما البقية فنظروا بغير فهم كي يفهم الجميع ما حدث بالفعل. في حين بكت زينات على طريقة وبكاء ابنتها وحتى علمت الحقيقة الموجعة: اغتصاب ابنتها!
لا يعلم الجميع ما حدث من بداية ماضي سليم إلى آخر ما حدث الآن سوى غسان وشقيقه، وحازم الواقف بضعف فاق الحدود. حتى وقفت ياسمين تمسك كفه بتأثر دون فهم لحالته. وجميلة التي وقفت بين ذراعي عايدة. ترقبت الأنظار وانتبهت كل الحواس حينما قررت فريدة قص ما فعلته وما فعلته فرح وما فعله والدها في الماضي ليحدث كل ذلك من كتلة الشر شريف!
***
وجع! كفاح! ألم! ثم استمرار في طريق الكفاح رغم الإنهاك! وماذا بعد؟
طريق حياته يمر أمامه ولا يغفل هو عن الألم. يجاهد ويكافح ليحدث له كل ذلك في النهاية. أيستحق هو كل ذلك؟ من شقيقه؟ شقيقته؟ وحتى الحياة؟ لحظة المواجهة بينهما أمام والدتهم الجالسة بغرفتها بعد بكاؤها عجزا لعدم معرفتها للوصول لأي منهما. ولكن الآن علمت كل شيء. ثم... والصمت... كان بكاء فرح، بشهقاتها، يمزقه هو شخصيا من الداخل. ولكن لا مفر من المواجهة. ابتلع عز ريقه بوجع، وآثار دموعه مازالت على وجهه. سؤال واحد يتكرر بين مواجهة والأخرى وبين طرف والآخر. وسيتكرر الآن على مسامعها:
"ليـه؟ ليه يا فرح؟ أثرت معاكي في إيه؟ قوليلي!"
يواجهها بكل انكسار. أما حنان فكانت تبكي بحسرة. في حين حاولت فرح التحدث، فتحدث عز من قبلها يقول:
"والله العظيم ما أستحق ده منك! أنا اللي عشت وضيعت عمري وشقيت عشانك إنتي عشان تبقي أحسن واحدة. ليه مقولتليش؟ مجتيش تحكيلي ليه زي ما بتحكيلي في كل مرة؟ هو أنا كنت وحش للدرجة دي عشان تعملي فيا كده؟"
انكسر منها بما فيه الكفاية. خرجت شهقاتها قبل أن تقول بتحشرج من بين نبرتها الباكية:
"خوفت! خوفت يا عز! هددني بصوري إنه هيحطها على مواقع وحشة. هددني وأنا مكنتش أعرف والله العظيم إن ورا الحكاية دي شريف أخوك!"
توجه عز بإندفاع يمسك معصمها بقوة ثم قال من بين ضغطه على فكه:
"بس! متقوليش أخوك!"
شدد من مسكة معصمها بكل ما لديه من قوة. في حين كانت تتأوى هي بصوت غير عابئ بمناداة والدته عليه. في حين هاجمها هو مجددا، يواجهها بإنفعال:
"خوفتي ليه؟ إتخليت عنك في يوم عشان تخافي؟ وجعتك قبل كده زي ما عملتي إنتي؟ جميلة؟ جميلة يا فرح. اللي عشت أتمنى تكلمني بس عشان أرد عليها. اللي كانت علاقتها بيا لو نجحت كانت هتبقى أمنية ومعجزة ونجحت. بتوجعيني في الوحيدة اللي حبيتها وقلبي اختارها. عاوزة تكسريني بيها. بتوديها لشريف يموتها بالبطيء. مسألتيش نفسك أنا هيحصلي إيه؟!"
انتهى عز من كلماته ثم رفع يديه يصفعها على وجهها بقوة حتى ترنحت إلى الخلف وهي تصرخ بتأو. في حين نهضت حنان سريعا، ببطء تسندها. أما هو فوقف بخواء. ولأول مرة يرفع يديه عليها هي. ولكن ماذا فعلت؟ ابتلع ريقه بضعف. ثم قال بنبرة هادئة أتت من عزم بركانه الداخلي:
"تستاهلي أوحش من كده يا فرح! يارب تكوني مبسوطة وإنتي وجعاني كده. وإنتي السبب في كل حاجة حصلت. خليكي فاكرة إنك ضيعتي مني أكتر إنسانة كنت بحس بقيمتي معاها. مش مجرد واحد شغال وطالع عينه عشانك وعشان ترتاحي وفالآخر تعملي فيا كده! "
نظرت له حنان بلهفة من بين دموعها ثم تحدثت بتعلثم من بين دموع عينيها:
"بتقول كده ليه... يبني بس!!!"
ابتسم عز بألم. ثم حرك رأسه يؤكد ما قاله هو وهو يكمل بنفس الألم:
"بقول اللي حصل واللي هيحصل. بقول إن بنتك أنانية وضعيفة وخسرتني كل حاجة بالنسبالي. خسرتني ووجعتني في جميلة. جميلة اللي أخوها النهاردة قالي ابعد عنها ومليش دعوة بيها بكل المعاني اللي ممكن تخطر على بالي. عرفت إن خلاص أي طريق بينا هيتقطع بسبب اللي حصل. بس حقه!"
صمت عز عن الحديث وهو يرى الأخرى تضع يديها على وجهها أثر صفعته ووالدتها تسندها والآثنان يبكيان معاً بقهر:
"حقه! والله العظيم حقه حتى يتف في وشي ووش أي حد من طرفي. من الأول خالص مستحقهاش. مستحقش واحدة نضيفة أصيلة. مستحقش واحدة متعلمة علام عالي وأنا الجاهل الغريب اللي تايه في الدنيا دي ومعرفش غير طريق الشقى وبس. طريقي الوحيد عشان أعيشكم عيشة عدلة. مستحقهاش وهي غلبانة عانت من أهلها زي ما أنا عانيت برضه منكم. خدت مني إيه غير القهر والتعب وأنا اللي وعدت بإنها تبقي ملكي معايا. عملت إيه؟ ولا أي حاجة. ملقتش منها غير تقدير. تقدير اللي مشوفتوش منك يا فرح وكأنك بتعاقبيني على كل اللي عملته معاكي! أنا اللي وحش. وحش أوي عشان حرمت نفسي من كتير أوي عشانكم. كان ذنبي إيه من الأول أطلع ابن من زوجة تانية قبلت تتجوز واحد متجوز وبايع عياله ومراته وبلده كلها. ذنبي إيه يموت وتبقوا إنتوا في حمايتي وأنا لسه مش عارف الدنيا دي حكايتها إيه. نفس حكاية شريف. الفرق إنه لو كان أمه وأخته عايشين كان هيفضل جنبهم ومكنش هيجي يشوف أبوه باعهم عشان خاطر مين. كان هيشقي معاهم وعليهم عشان كان بيحبهم الحب اللي وصله لكل ده الوقتي. بس هو لقى نفسه فاضي ووحيد في الدنيا اللي جت عليه. فراح يقهر يوجع ناس زيه الدنيا برضه جت عليهم. وكأن الدنيا بتقولي انت خلاص جسمك نحس من الوجع وبقيت متعود فـ خد! خد تعب وخد وجع وخد خذلان من أقرب الناس ليك!!"
حديث موجع أردفه عليهما رغم بكائهما بصوت مع بكائه الصامت. ابتلع ريقه بوهن. ثم نظر إلى شقيقته وهو يقول:
"أسامحك إزاي يا فرح؟ أسامح واحدة زيك إزاي؟ حتى لو مش عشان خطيبة أخوكي. إزاي وهي صاحبتك؟ صاحبة أيامك وحبيبتك اللي مسابتكيش في أصعب أوقاتك."
خذلان الأصدقاء! وعن أي خذلان نتحدث نحن!! وكيف لشعور جميلة بأن يوصف!! بكت بقهر وعجز عن التبرير. في حين هتف هو من جديد لهما الإثنان بنبرة باكية:
"ربنا يسامح الدنيا اللي خلتني أقف الوقفة دي وأنا عارف إني مليش ضهر! ربنا يسامحها عشان خلتني أكون السند من غير ما يبقي ليا سند أتسند عليه لما أتكسر!"
بكاء منه! رجل بل وعز الرجال يبكي بوجع. تركت حنان الأخرى ثم توجهت بلهفة تحتضنه وتضمه إلى صدرها بألم. والإثنان يبكيان بقهر. والآخرى على بعد بنفس الحالة. لم نجد نحن سوى الراحة في أحضان الأم. وعن أي راحة وهو الذي عاش أب وابن وولد بنفس ذات الوقت. ربتت عليه بضعف وهي تحاول بأن تداوي جروحه التي تقسم هي بأنها لو مرئية لنزفت من الدماء ما يكفي لوضعه! ولم تخرج سوى كلمات معينة توحي بضعفه عندما ردد بوهن:
"الدنيا جت عليا.. جت عليا جامد قوي.. يا أم عز!!!"
يعلن كل حزن بداخله وهو الذي عاش لم يشكي ولم يبكي. لم تتحمل فرح المشهد الذي حدث بالفعل بسبب ما فعلته بل نهضت ببطء وهي تتحامل ثم خرجت من الغرفة بأكملها. ومازال هو بين أحضان والدته يبكي وياليت الحياة تسمع بكائه الذي لم يأتِ سوى من قسوتها عليه ليس إلا!
***
كم من صدمة تليها الأخرى عليهم جميعاً. صدمة أخرى! بل ولعدد لا نعرفه. وقف الكل ينظر نحو سليم الصامت بصدمة كبرى. في حين ابتلعت زينات وعايدة ريقهما بغير تصديق. هتفت عايدة وهي تحاول الثبات، تهاجمه تواجهه بالحقيقة الموجعة بالنسبة لها هي والآخرى:
"إزاي؟ إزاي يجيلك قلب تعمل في بنات الناس كده؟ إزاي ممكن تدخل عليا وعلى ولادك قرش حرام جاي من ظلم وقهر ناس تانية!!!"
إنت مش عارف إنت عملت إيه
حرام عليك .. حسبي الله ونعم الوكيل فيك!!
صمتت تواجهه ثم هتفت بوجع مرة أخرى قبل أن تنهار باكيه:
"إعمل حسابك إنك ..هتطلقني !!"
إحتضنتها "سميه" باحتواء لتهدهدها في حين حركت "زينات" رأسها تطالع "فريده" التي وقفت تبكي بإنهيار عقب ما ان إنتهت من الحديث. بل تبكي وليس بأحضانها بل بأحضان "حازم" هي والٱخرى "جميله" تحت بكاء الفتيات والنساء!! إبتلعت ريقها وهي تتوجه ثم أمسكته "زينات" من ملابسه خاصة كـم ذراعه حتى خرج صراخها في الحديث بشراسه وهجوم. به من التعب ما يكفي فكسرة ابنتها لم يشعر بها سوى والدتها مهما فعلت!!
"إرتاحـــــت
ضيــعتـــها
ضيــــعت بنــــتــــك يــا ظـــالم"
وما أن قالتها تركته وهى تلطم على وجنتيها بحسره ووجع أمام الأنظار المشفقه الحزينه وحتى هبطتت دمعة "سليم" على وجهه بوحده. توجهت "دلال". تفصل يديها عن وجهها كي لاتفعل ما تفعله!! بينما خرجت "فريده" من بين ذراع شقيقها ثم وقفت تواجههم بعنف ٱتى من تعبها:
"بتعيطي الوقتي
وإنت كمان نزلت دمعتك أخيراً
حسيتوا بيا ولا خايفين الناس تقول عليا كلمه
إنتوا محدش فيكوا حبني ولا قدرني ولا فكر فيا
طول الوقت زعيق وقرف وتعب
كل شويه خناق وإعتراض لحد ما زهقت وطهقت من العيشه معاكم
كان مالها "جميله" يا ماما
كان مالها ها
كان ماله" حازم"
ليه
ليه كل شويه بتشوهي فصورتهم قدامي
ليه بتكرهيني فيهم
وليه بتقارني دايما بيهم يا بابا
مش كان ممكن تكون عادل معانا
كان ممكن والله تكون كويس فحياتك كلها مكنش ده هيبقي حالنا دلوقتي!"
أول من توجهت لتحتضنها كانت "ياسمين" التي أخذتها من بين دموعها لتحتضنها. دخلت تبكي بقهر. ثم إعتدلت مره أخرى تواجههم جميعا:
"أنا مشوفتش منكم حاجه عدله فحياتي
حاجه واحده بس تشفعلي
محدش قالي الصح من الغلط
وعيت علي الكره اللي كان ليا من بنات عمي وكله بسببكم
وعلفكره.."
خرجت من بين ذراعي "ياسمين" ثم إعتدلت توزع نظراتها بينها وبين والدتها حتى خرجت بحديث مر عليه وقت:
"هو اللي إنتي شوفتيني معاه يا ياسمين في المطعم لما كنتي مع حازم
هو اللي قولتيلي وجيتي هددتيني بانك هتوري صوري للكل وأنا قاعده معاه
مورتيهمش ليه ورحمتيني
كنتي نجدتيني من العذاب ده والله!!!"
طالع الجميع"ياسمين" بذهول. خاصة "حازم" الذي نظر لها بغير تصديق حتى سألها بصدمه خرجت منه الكلمات بأعجوبة:
"يعني ايه الكلام ده"
تعلثمت "ياسمين" بحديثها وهي تبرر سريعا بنبره صادقه:
"حازم أنا فعلاً شوفتها معاه
شوفتك يا فريده والله بس متذكرتش شكله اوي يمكن قعدت أشبه عليه بس والله العظيم ما جه فدماغي إنه ممكن يكون هو ده
وكمان كنت بهددها بس إن أنا صورتها بس معملتش كده
أنا قولت كده عشان مرات عمي تقنعه إن نيروز أختي تنزل تشتغل!!!"
أحداث ماضيه تعود بقوتها. هذه التي تفعل أشياء متسرعه دون التفكير بعواقبها. تفاجأت به يتوجه وهو يمسك معصمها بقوه شديده وهو يهتف بإنفعال يهزها:
"يعني إيه.. يعني إيه. تشوفيها مع واحد فنفس المكان اللي أكون فيه معاكي ومتتكلميش
بتستغفليني"
تأوت بشده فكاد أن يدفعها عنه قبل أن تتحدث مره أخرى تبرر له بصدق. فأمسكه "حامد" هذه المره وهو يفصله عنها مرددا بهدوء به من الغضب الدفين:
"حتى لو غلطتت ميحقلكش تمسكها وتعاملها بالشكل ده
أبوها لسه موجود مماتش يا حازم
مراتك تحاسبها بهدوء مع نفسكم مش هنا
وأظن إنت فهمت سوء التفاهم
وأنا معاك إنها غلطانه
بس متزقهاش كده وهي حامل
إنت واعي"
توجهت "ورده" سريعا تمسك "ياسمين" لتحتويها وكل ذلك ولم تقوى "نيروز" على الحركه لهم فكان هو بجانبها يحتويها ويدلك لها كفها المرتعش بقوه. إبتلع "حازم" ريقه ثم رفع نظراته نحو "سليم" ثم صرخ به بقوه وهو يشير له:
"إمــشـــي
إمشــي بقا واطلع بــــرا!!!"
لما يبكي "سليم" الٱن. خوف. وقف بمكانه ينظر له بصمت فقط وقد فقد كل المحاولات في أن يبرر له. أي تبرير. هز له "حازم" رأسه بتفهم وتهكم ثم قال بتعب:
"ولا خليك
أنا اللي همشي
همشي وهاخدهم بعيد عن قرفك
ونبقي نتقابل في المكان اللي تستاهله
عارف ليه
عشان أنا هرفع قضيه وهرجع حق فريده بس ساعتها هضمن إن حقها هيرجع لما اللي يمسك القضيه حد عنده ضمير حتي لو أبوه غير
وأنا مش هضغط على حد ميتكلمش وميفتحش الماضي
عشان لما شريف يتكلم ويفتح فالدفاتر القضيه هتتفتح تاني ولو إتفتحت يا متر انت عارف إن مش هيبقي ليك مكان غيره..غير السجن وبس!!"
قال كلماته بقسوه حقيقيه موجعه. أشار لـ "عايده" ثم أمسك كف كل من "فريده " و"جميله " حتى هتف بأمر:
"يلا!!"
عدلت "عايده " من حجاب رأسها بضعف. ثم اعتدلت تتوجه ناحيته في حين تحركت معه "جميله" بخواء. كمثل"فريده" تماماً. أوقفته نبرة "ياسمين" وهي تسأله بضعف من بين دموع عينيها:
"استني يا حازم .. رايح فين"
"ماشي !! رايح شقتي وهاخدهم معايا عشان ميتسحقوش يقعدوا هنا
عندك أسأله تانيه"
قالها وهو يلتفت. فتوجهت هي بوهن تقف وهي تشير على نفسها قائله بكسره:
"طب وأنا"
حرك "حازم" رأسه بألم. ثم هز رأسه لها نفياً وهو يقول:
"لأ
لأ يا ياسمينا ملكيش مكان معايا
إنتي بغباءك حصل حاجات مكنش ممكن تحصل لو اتصرفتي تصرف تاني
إنتي صغرتيني أوي وإستغفلتيني
خليكي أنا اللي ماشي وسايبهالك"
يتأزم الوضع بين كل طرف والٱخر. نظر الجميع بغير تصديق. في حين تحدثت "سميه" بضعف وهي تهتف:
"مراتك حامل يبني حرام عليك
هو ده اللي هتصون بنتي"
هنا وتقدمت "نيروز" بشراسه من بين دموعها دفعت "غسان" عنها ثم تقدمت تشير لـ "حازم". ثم رددت بغضب موجع:
"إمشي
إمشي هي مش متبته فيك
سيبها بس لما ترجعلها مش هتستناك سامع"
أشارت له بأن يرحل فحرك رأسه لها بطاعه فقط دون أن يواجهها وقبل أن يرحل ارتمت سريعا تودع باحضانها "جميله" الصامته بحسرتها وكسرتها. تشبتت بها وهي تتأسف بجانب أذنها. حتى إستمر الوضع لدقائق وما أن خرجت نظرت ناحية "فريده" التي نظرت هي لها بأسف عن كل ما فعلته لها. فتحت "نيروز" ذراعيها فدخلت "فريده" تتمسك بها بضعف للحظات. حتى رددت لها بأسف غير محدد:
"سامحيني يا نيروز!!!"
خرجت "نيروز" دون أن تجيبها. فوجدت "غسان" يسحبها ناحية أحضانه وهو يربت عليها بتعب. وقبل أن يتحرك "حازم". وقفت "زينات" بألم تواجه ابنتها:
"متمشيش وتسبيني يا فريده عشان خاطري.. أنا قلبي موجوع علشانك
حـسي بيا يا بنتي !!!"
الٱن تندم على ما فعلته لها. حركت "فريده" رأسها نفياً ثم تمسكت بكف "حازم" وهي تحثه قائله بإختناق:
"يلا يا حازم!!!"
تخلت وكيف لم تتخلي وهي لم ولن تري سوي القسوه منها. تحرك "حازم" بالفعل خارج الشقه في حين تركته "جميله" وأول الكلمات التي ستردفها ستردفها الٱن له هو لـ "سليم". ابتلعت ريقها وهي تطالعه ثم قست عليه بالحديث وهي تقول:
"عمري فـ حياتي ما هسامحك .. من أول ما فكرت تجيبني للدنيا لحد الوقتي ..لحد اللحظه دي!!"
وما أن قالتها خرجت لمن بالخارج. أغمض "سليم" عينيه بألم، في حين نظرت له "زينات" بلوم. متعب وقد خرج بكاؤها بصوت. فخرجت من الشقة سريعا، تنفرد بوجعها بنفسها بشقتها. ضم "غسان" الساكن "نيروز" بأحضانه في حين دفع "بسام" "وسام" ليحتويها ما أن رأى دموع عينيها. شهقت "سميه" وهي تتوجه لتحتضن "ياسمين" التي جلست بانكسار على الأريكة بين أحضان "ورده". جذبت "سميه" ذراع "ياسمين" لتنهض ثم ضمتها بحنان وهي تسندها نحو الداخل هي و"ورده". أشار "حامد" لـ "دلال" كي يخرجا ومن ثم بعدهما "بسام" وهو يسحب "وسام" تحت ذراعه، إلى أن أغلق باب الشقة خلفه. ولم يكن سواهما بالصالة. بطلها ومنقذها من الوجع! ولكن الآن! شهقت بصوت مرتفع.
فربت "غسان" عليها وهو يبتلع ريقه ثم قال بنبرة هادئة:
"متعمليش في نفسك كده يا نيروز. لو ليا خاطر عندك بلاش الوجع ده!"
هزت رأسها بتعب. فسحبها هو وهو يمسك كفها نحو غرفتها، الذي فتحها سريعا، ثم سحبها ليجلسها على الفراش. ومن ثم جلس هو بجانبها. نظرت له "نيروز" بضعف، وقد توجهت هذه المرة تدخل بين أحضانه وهي تردد من بين دموعها:
"ليه؟ ليه يا غسان بيحصل لينا كل ده؟ أنا تعبت. تعبت أوي. اومال هما يعملوا إيه؟"
شدد من ضمه إليها بألم. وقد عجز عن إبداء الحلول والأراء، وحتى المواساة. رفع كفه يمسح دموعها برفق. وقد رفع ذراعه الآخر يزيح حجابها حتى ظهرت خصلاتها البنية. مرر يديه عليها ثم وقف يسحبها لتقف كي يتوجه بها ناحية الشرفة المفتوحة الذي دخل بها كي تستطيع هي استنشاق الهواء. ابتلع ريقه ثم نظر لها يطمئنها وهو يقول:
"أنا متأكد إن كل حاجة هتبقى تمام!"
رفعت "نيروز" يديها تمسح دموعها ثم طالعته وكأنها تتأكد من صدقه. وقد هزمها سؤالها وهي تتساءل:
"إزاي؟ إزاي وفريدة حصل فيها كده؟ محدش يستحق إنه يحس باللي هي حست بيه ولا يتحط في الموقف ده. وإزاي حتى "جميلة" هتقدر تتخطى اللي حصل؟ وحتى ياسمين.. ياسمين اللي حازم كسرها وقالها مش عاوزك متجيش معايا.. اتخلى عنها إزاي وهو بيحبها؟"
وكأنها تستوعب الأمر تدريجيا. حرك رأسه نفيا. ثم ابتسم بتكلفه يطمئنها وهو يرفع يديه وجهها حتى قال:
"هتعدي عارفة ليه؟ عشان جميلة وياسمين وحتى فريدة جنبها نيروز. نيروز اللي بيها أي حد بيعدي محنته. مش عايزك تحملي هم. جميلة هتتخطى والدنيا هتبقى كويسة بينها وبين عز حتى لو حازم رافض بس أنا متأكد إنه لما يهدي هيعرف إيه الصح وايه الغلط زي ما هيفوق ويفهم إن ياسمين عمرها ما هتأذيه وبتحبه وحامل منه كمان يعني عمرهم ما هيسيبوا بعض. بس لو صبرتي عليه انتي وهم هتعرفوا إن أي حد في مكانه كان هيعمل أكتر من كده. ده كويس أوي أنه مشى بدل ما الوضع كان يبقى أصعب من كده!!! متفكريش في حاجة دلوقتي!"
إنتهى من حديثه عندما رفع كفه يمسح وجهها بالكامل وحتى ناحية أنفها وأسفله. ابتعدت بوجهها سريعا بحرج. فأحكم يديه يدير وجهها ناحيته مرة أخرى ثم نظر لها باستنكار وهو يبتسم بهدوء، قائلا بنبرة جادة يذكرها بقول أحدهم في الماضي:
"مش وسام قالتلك إني الوحيد اللي مبقرفش فيهم؟"
خرجت ابتسامتها الصغيرة وهي تتنهد حتى نظرت له "نيروز" بقلة حيلة. فتنفس "غسان" بعمق، ثم نبس من جديد:
"من زمان معرفتيش الست قالت إيه؟"
قالها قاصدا تشتتها كي تبتعد كل البعد عن التفكير في التعب. ابتسمت له بتكلفه فردد هو من جديد:
"يا حبيبي امبارح يا حبيب دلوقتي يا حبيبي لبكره.. ولآخر وقتي!"
طالعته بامتنان لتفهمها لما يفعله جيدا. أمسكت يديه بتأثر، ثم هتفت بنبرة متحشرجة:
"انت حتى مبتسبنيش في وقتي الصعب. أنا.. أنا وحشة أوي يا غسان!"
قالتها وكأنها تندم على ما فعلته ورغم ذلك ماذا فعل معها الآن؟ لم يتركها. ابتلع ريقه ثم نفى برأسه وهو يبتسم حتى انحنى يقبل قمة رأسها بحنو، ثم قال بلين ينفي ما قالته:
"انتي مش وحشة. دا ياريت الناس كلها تبقى زيك يا نيروز.. مكانتش وقفت عليكي وروحت اتجوزت غيرك والله العظيم!"
من المفترض بأنه يتغزل ولكنه يعكر ليس إلا. نظرت له بذهول. فهو يردف الحديث الآن دون وعي منه بماذا يقول تحديدا. حرك "غسان" عينيه باستفهام. فوجدها تحرك عينيها بقلة حيلة منه. وجدته يعتدل وهو يهمس بجانب أذنها بحب، هذه المرة:
"وربنا لو الرحلة مفيهاش نيروز ما عاوزها. متزعليش وكل حاجة هتبقى عال!"
رفعت عينيها تقابل عينيه التي كانت قريبة منها. وفي هذه اللحظة ابتعد هو عنها بسرعة كي لا يتأثر. اعتدل يقف مرة أخرى. ولكن هذه المرة هي من توجهت برأسها تقبله من خده برقة ثم هتفت قائلة بصدق، جوار أذنه وهي تقف على أطرافها كي تقابله رغم إنها لا تعد قصيرة ولكنه طويل عنها:
"بحبك يا غسان.. متسبنيش!"
رفع يديه يديرها حول خصرها كي يحتضنها ثم أسند رأسه على كتفها وهو يربت على ظهرها بحنو، حتى أجابها باطمئنان:
"ازاي الواحد ممكن يسيب أمانه وراحته يا نيروز. عمري ما هسيبك يا بنت الأكرمي عشان احنا اتكتبنا لبعض من زمان ولما وصالنا اتقطع رجعت أنا ورجعته تاني. عايزاني اقطعه تاني؟ مستحيل!"
ابتسمت له بحب، وهي تخرج من بين أحضانه. فبادلها البسمة ثم وضع يديه يربت على كفها بلطف، وهو يكمل:
"أنا حاسس إنك اتمسكتي شوية عن الأول. اخرجي وروحي لمامتك وياسمين وخليكي جنبهم كده وحاولي تخلي مامتك متعيطش وطمنيها بالكلام إن كل حاجة هتبقى تمام زي قولتلك. أنا متأكد!! وكمان عشان ياسمين طمنيها وخليكي جنبها ومتخليهاش ترهق نفسها عشان الحمل. وأنا هطلع. هروح شقتنا هنا جنبك لما تحتاجي حاجة رني عليا وهجيلك علطول!"
علم كيف يجعلها صامدة كي تحتوي عائلتها. هزت رأسها بالإيجاب. ثم هتفت تشكره بتأثر:
"شكرا!"
"ماشي يا مراتي العفو!"
قالها "غسان" وهو يلوي شفتيه بتهكم وسخرية. تشكر؟ زوجها؟ ابتسمت له بامتنان. فسحب هو كفها للخارج وقبل أن يخرج من الغرفة وضع عليها حجابها فعدلته هي بتفهم، تزامنا مع قوله:
"شكل بدر جه. وغير ده الشعر البني بتاعك ده حوار!"
خرجت ضحكتها الخافتة أخيرا. فغمز لها كي تخرج من حالتها هذه. خرج من الغرفة وهي من خلفه. وقبل أن يتوجه ناحية باب الشقة أوقفته هي وهي تمسك كفه كي لا يتحرك قبل أن تحتضنه. ربت على ظهرها براحة ثم قبل وجنتيها مرتان قبل أن يشير إليها بالوداع. خرج من باب الشقة وهو يغلق الباب من خلفه. فكادت أن تتحرك هي ولكنها لاحظت خروج "ورده" من غرفة "سميه". توجهت تسألها سريعا:
"ياسمين عاملة إيه دلوقتي يا ورده؟"
كانت قد جففت "ورده" دموعها. ابتلعت ريقها وقد أخرجت أنفاسها بتعب، وهي تجيب:
"ياسمين بتهرب من الكلام ونامت وماما كمان دخلتها أوضتها عشان تنام. وحتى بدر جه من برا من شوية ودخل لـ "يامن". فـ ادخلي نامي وارتاحي يا نيروز قدامنا بكرة يوم صعب!"
غدا!! أحداث غدا كثيرة مزدحمة!! حيث نقل جهازها وسط هذه الظروف الصعبة!! هزت لها "نيروز" رأسها بطاعة وقبل أن تتوجه "ورده" إلى الداخل تفاجأت بـ "نيروز" تفتح لها ذراعيها لتدخل بين أحضانها. دخلت "ورده" بألم، وهي تهتف من بين دموعها:
"إمتى هنرتاح يا نيروز؟ أنا خايفة أوي!"
خوف لأسباب كثيرة أحد
في شقة "حازم" بعدما مر كل ذلك الوقت، وصل "بوالدته" و"جميله" و"فريده". دخل الاثنان في إحدى الغرف قبل وقت، في حين جلست "عايده" بحزن في الصالة.
التفت برأسه ينظر إليها وهي تبكي بحسرة. توجه يجلس بجانبها على المقعد الكبير الحديث. ثم رفع ذراعه يحتضن والدته بتأثر، وهو يطمئنها بالحديث قائلاً:
"خلاص يا ماما، معتّش عياط بعد النهارده. أنا عاوزكم ميأثرش فيكم حاجة طالما أنا معاكم. فكري في الأحسن لينا، فكري إن جميلة الحمد لله محصلش فيها حاجة. فكري إزاي هتحتوي "فريده" ونخليها تطلع من الأزمة دي على خير. فكري إن طول عمرك ما أثرتيش معانا في حاجة. زي دلوقتي وأنا بطلب منك تكوني أم لـ "فريده"، مش عايزها تحس بفرق. عايزنا نبقى جنب بعض وأنا أقسم بالله لو حد ليه حق والله ما هسيبه أبداً!"
رفعت المنشقة الورقية تمسح أنفها بها ببطء ثم هزت رأسها بسكون وهي تهتف بنبرتها الباكية:
"طلقني من أبوك يا حازم، أنا مش عايزة أفضل على ذمته لو بتحبني. ولو على فريده فهي بنتي وربنا اللي يعلم ده من زمان. بس ريح قلبي وخليه يطلقني، أنا مش طايقة أبقى على ذمته!"
تنهد يخرج أنفاسه والحمل يزداد شيئاً فشئ. وقبل أن يرد لها كي يطمئنها بالطاعة لما تريد هتفت هي بترجي مرة أخرى:
"رجع مراتك يا ابني، ياسمين متستحقش ده مننا أبداً. بلاش تظلمها، كله مقدر ومكتوب. لو كانت عملت إيه عمره ما كان هيغير من اللي إحنا فيه دلوقتي!"
تعمد عدم الاسترسال في الحديث، حتى نهض يسندها لتقف معه ثم توجه بها نحو غرفة معينة أخرى حتى دخلت بها. أجلسها على الفراش بعدما خلع عنها حجاب رأسها ثم دفعها برفق لتنام. جذب الغطاء ليضعه عليها بحنان. ثم انحنى يقبل قمة رأسها تزامناً مع قوله اللين:
"نامي وارتاحي دلوقتي وبكرة نبقى نشوف هيحصل إيه!"
ابتلعت ريقها ولم تتوقف عن نزول الدموع. ابتسمت بضعف وهي ترفع نظراتها تدعو خالقها كي يخفف عنه عندما خرج هو وهو يغلق الغرفة من خلفه. تحرك وهو يقف أمام الغرفة الذي كان بها الإثنان. ابتلع ريقه بضعف، وقد خانته دمعته عندما وصل إلى مسامعه بكاؤهما. دق الغرفة دقة واحدة ثم فتح الباب دون إذن منهما. فكل واحدة تحتضن الأخرى بإنكسار. والآن جاءت لحظة ضعفها هي عندما تبدل الوضع وأصبحت "جميلة" من تحتضن "فريده" التي كانت صامدة تحتويها منذ ما حدث. اتضح من أقوى بطبعه وشخصيته من من رغم وجود الشر والسوء! حتماً تتطلب هذه الحياة بعض الشراسة كي نكمل بها ولكن ماذا إن كان بها بالفعل وأتت عليها الحياة؟! كمثل حالة الأخيرة! دخل الغرفة بعد أن أغلقها خلفه بهدوء. ثم توجه يجلس بصمت أمامهما الإثنان. نظر ناحية "فريده" التي اعتدلت تجلس القرفصاء بوهن. رفع عينيه يوزعها بينهما الإثنان. كل منهم يتألم للآخر. رفعت "فريده" عينيها المتورمة من كثرة البكاء تواجه عيني "حازم" الحزينة على حالها. ابتلعت ريقها ولا مفر الآن من الاعتذار والتبرير عن الخطأ التي ارتكبته في البداية. رفع يديه يقاطع حديثها قبل أن يخرج ثم مرر يديه على خصلاتها الناعمة المسترسلة حتى ضم رأسها ناحية صدره وهو يهتف بإختناق، يسرد بوجع عليهما:
"عمري ما كرهتك يا فريده عارفة ده ولا لأ؟ دايماً بشوفك المدللة والصغيرة بتاعت العيلة. حاجة كده شقية صغيرة والكل عارف بشقاوتها. كنت بحمد ربنا إنك مبتقبليش ياسمين عشان لو اتجمعتوا انتوا الإتنين مع بعض في حاجة مش هتنتهي غير بمصيبة. عكس نيروز وجميلة اللي اتعرفوا بالعقل. رغم بعدك يا فريده بس دايماً بحس فيكي إنك بنتي مش أختي. أوقات برمي عليا الذنب. السبب الكبير. عشان مهتمتش أقرب منك أوي رغم إني في أوقات إصراري كان بيغلبني بس انتي كنتي بتصدي أي حركة مني تبين إني بخاف عليكي وعلى جمالك اللي عشت أنصحك بكل هدوء إنك تخفيه. أنا بتوجع دلوقتي علشانك. تعبان أوي ليكي. حاسس بوجعك حتى معنديش القدرة ألومك على المصيبة اللي عملتيها. بس بقول لو فكرتي تهربي من ضغط أبوكي وأمك وجيتي ليا أنا وقولتيلي أنا عايزة أبعد فترة عايزة أحس إني محبوبة عايزة حد يحتويني. تفتكري كنت هأثر؟! هأثر يا فريده. رغم إنك مكنتيش بتقبلي ده مني بس والله العظيم كنت هحاول بكل ما أملك من إرادة. الحقيقة الصعبة واللي مش هتتغير إنك دلوقتي بتفكري إنك خلاص!! بس أنا جنبك وجنب جميلة. مش هسيبكم عمري ما هسيبك إلا ما تقفي على رجلك من تاني!"
شهقات تخرج من بين البكاء وهو يضمها لم تقوى على الحديث سوى أنها أردفت بعبارات متمزقة:
"أنا اتدمرت يا حازم.. أنا ضعت واتكسرت!!!"
ربت على ظهرها بلهفة ثم حرك يديه يرفع وجهها أمام أنظاره وهو ينفي بقوة قائلاً بنبرة تحثها بالعكس:
"لا هيعيش ولا هيكون بعد كده اللي يكسرك وأنا موجود. حقك راجع يا فريده راجع والله العظيم لو هيكلفني موتي!!"
لوهلة شعرت بالسند بل وخير سند. ابتلعت "جميله" ريقها بصمت، وهي تبتسم بسكون على مشهدهما. ومن ثم تفاجأت به يمد يديه يمسح دموعها وهو يتنهد ثم قال بعد لحظات، يتأسف:
"وأنا آسف يا جميلة. آسف لحاجات كتيرة أوي.. أولهم إني سبتك تصاحبي من غير ما أعرف الصاحب ده كويس ولا مش كويس ليكي. آسف إني قبلت أدخلك في علاقة فيها مشاكل مجهولة مبذلتش حتى جهد أعرف سببها اللي ممكن يوصلنا لكل ده!! آسف عشان "عز" مش نصيبك ومينفعش ليكي!!"
صدمها فـ حركت رأسها نفياً بوجع، وهي تخرج أنفاسها محاولة الحديث برفض:
"عز ملوش ذنب يا حازم. عز مش زيهم والله العظيم صدقني!!"
يتألم لألمها ولكنه مرغوم على أمره. فبعد الآن لا يوجد أمان!! ابتسم بتعب، وهو ينفي برأسه موضحاً بنفس ألمها:
"مينفعش. مينفعش يا جميلة أنا آسف. عز مش ليكي حتى لو هو مش زيهم. مش هقبل أدخل علينا واحد كل ما أختك تشوفه تفتكر اللي أخوه عمله فيها. مش هدخلك وسط ناس واحد منهم هبقى أنا اللي ساجنه. ومش هخليكي في ذمة واحد أخته باعتك في لحظة وياعالم لما تبقي في بيته هتعملك إيه!! مش هقبل عند أول خلاف بينكم يعايرك بأبوكي اللي دمر مستقبل أخته في يوم من الأيام!!!!"
حديث منطقي وبشدة. نظرت "فريده" بتأثر على بكاءها. فرددت "جميله" تردد مرة أخرى لتبرر له بصدق:
"بس.. بس أنا بحبه!!"
"مش كفايه. الحب اللي بينكم مش كفاية ينسيكم كل ده. وحتى لو نسيتم اللي حواليكم هينسوا إزاي؟ أنا مش عايز الموضوع ده يتفتح تاني. نصيبكم مش مع بعض حتى لو إنتي موجوعة من اللي حصل ومش وقته بس هو ده الوقت المناسب اللي عرفنا إن الحكاية دي لازم تتفض!!"
يضغط على قلبه قبل أن يضغط على قلبها هي!! دفنت رأسها بصدره وهي تبكي فربت عليها بألم، وقد عجزت عن التبرير والصمود. بل ومن تحتاج أن تحتويها تربت عليها هي بتأثر، وهي تبكي لأجلها!! ثلاثة أجساد يحتضنون بعضهم ولكن الروح واحدة كما كان الألم واحد!!
وجع!! ألم!! فراق!! تعب!! إنهاك!! ..كل ذلك على الجميع بوقت قليل جمع بين كل ذلك. بأي ذنب على البريء أن يحدث له كل ذلك؟ وكيف للظالم بأن يستمر بظلمه؟ وما ذنب المظلوم من كل ما حدث؟ وكيف للألم بأن ينتهي مادامت هذه العائلة لم يدوم لها يوماً بالفرحة كاملة؟ وعن أي فرحة ستستمر؟ ..
يمكن بعد الآن بأن تستمر رغم وجود التعب بين أفرادها ولكن كل حكاية وقصة لم تنتهي بعد. ولكل طرف وجع وألم مختلف.. وكل اثنان لم تقف معهما الحياة بمثل هذه السهولة. فكيف لذلك؟
بل أول من تقف في الطريق بين أي طرفان ستكون الحياة وكأنها تقول: "كيف لكما أيها العاشقان بأن تكون أيامكما بمثل هذه البساطة؟ ألا يوجد ألم بين ساعة والأخرى؟ ألا يوجد وجع لتستمر العلاقة وتقوى؟" وكيف تقوى؟ وكل منهما ينهك ويؤلم بفؤاده ويصاب بعقله!! كُتب على الجميع دون استثناء بهذا اليوم وحتى قبله ومن المحتمل بعده.. شيء بعنوان "الـوجـع"!!