تحميل رواية «عودة الوصال» PDF
بقلم سارة ناصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رحلتُ أنا دون وداع لصداقتنا ، دون وداع برائتنا. رحلت دون شعور قلبي الصغير بأنه سيتأذي في رحيلك بعضُ الوقتْ. ورغم عُمر قلبي الصغير الا أنه كان به شعورا كان علي صعب فهمه! أيقنت انه حزين برحيلي دون إرادة مني ، أيقنت أنه يفتقد لهونا ولهو البرائه دون شعور مني. يحزن لرحيلي ويحزن أكثر لرحيلي من جارك و من تلك الشرفه التي شهدت الذكريات بيننا. يحزن لافتقاده سرعة نبضه عندما يراكِ ، وعندما توقفت كل الطرق لإرسال خطابات. يحزن هو لفراق الوقوف بشرفته كي يستطيع النظر إليكِ. ف مجرد نظره كانت تبقيه سعيدا لا يفكر ف...
رواية عودة الوصال الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سارة ناصر
ارتدى "حازم" ملابسه قبل وقت، وقبل أن يقرر الخروج من الغرفة، تذكر أن عدم وجودها بعد أن اعتاد على وجودها بجانبه مؤلم. هو الآخر علاقته مهددة بالفراق! وكيف لم يتألم وهي من سميت بحب العمر!! ابتسم بسخرية متعبة متذكرًا احتوائها له عندما يكون بأشد حالاته. لم يفعل هو سوى أنه يردد الدعاء التي علمته له عندما يضيق صدره من الحياة. يضيق بالفعل وحتى أنها ليست بجانبه الآن!! قرر ترك شعوره ثم تعمد أن ينبه نفسه بأن الآخرين من حوله أحق بأن يشغل باله وتفكيره بهم هو. أول خطواته في بدء الإجراءات اليوم.
خرج من الغرفة بهدوء وهو ينظر. توجه بخطوات بطيئة يدق باب الغرفة عدة دقات هادئة. أذنت له من الداخل واحدة منهن ففتح هو الباب بهدوء. ثم ابتسم وهو ينظر إليهن وكل واحدة منهن قد تجهزت. أكملت "فريدة" ملابسها التي جاءت بها أمس وارتدت "جميلة" أحد ملابس "ياسمين" أما "عايدة" فظلت بملابسها كما هي. توجه يقف بينهن ثم هتف يستأصل بلين لهما:
" جاهزين؟ "
لم ينتظر هو الرد بل أضاف سريعًا يوضح لهما:
" قبل الرد أنا مش عاوزكم تخافوا طول ما أنا موجود معاكم، بالذات إنتي يا فريدة. إنتي هياخدوا أقوالك كده الأول عالماشي على ما يتحول شريف ده على ذمة التحقيق هنروح كمان مرة يكون بعدها القضية تتحول للنيابة. هو خرج النهارده الصبح من المستشفى وبشويه مكالمات بلغت عنه وخدوه قبل ما يمشي. الناقص ده بتاعنا احنا. هو كده كده لابسها طالما احنا بإيدنا دلائل كتير وشهود. المهم إنك تكوني ثابتة وتتكلمي ومتخافيش. وكمان إنتي يا جميلة عاوزك تكوني قوية وتحكي بهدوء زي ما فهمتك."
نظرا له الاثنان بتأثر تحت نظرات "عايدة" الساكنة المتأثرة بما يفعله. فواصل "حازم" يكمل مرة أخرى بعقل:
" وعاوزك تدوسي على قلبك عارف إنها صعبة بس أنا مش مستعد أفتح باب للوجع ليكي. أنا مش مأمن عليكي حتى لو عز كويس فعلاً. أنا كلمته وهو هيحصلني على القسم وهيجيب "فرح" معاه. قولتله إني مش هجيب سيرتها فأي تحقيق عشان مستقبلها ميضيعش. رغم إنها تستاهل بس عشان مقدر حالته سكت. مكنش لازم أسكت بس الواضح إن فرح مش متزنة نفسياً. ده مش مبرر بس عشان ننهي الحوار ده هبعدها عن أي كلام. ولما يطلبوا القبض على خالد أنا هتصرف فالكلام ده. كل اللي عاوزه منكم إنكم لازم تكونوا أقوياء. مش عايزكم حاجة تهزكم طول ما إنا موجود!!"
رفع ذراعيه عقب قوله وقد تعمد هو سرد المختصر بما يفهمونه كي يطمئنهم. دخلا الإثنان بين أحضانه. فرددت "فريدة" أولاً بنبرة مختنقة صادقة وحتى متأسفة:
" أنا بحبك أوي يا حازم. بحبك ومحدش كان هينفع يكون السند غيرك انت!!"
تأثر فضمها أكثر. فوجد شهقات "جميلة" تخرج منها بضعف. علم ما تكنه وما تشعر به. خرجت "فريدة" من بين أحضانه وبقت الٱخرى التي رفعت انظارها توجهها نحو "حازم" بلوم علم هو معنى نظراتها فردد يواجهها بصراحة في نبرته:
" صدقيني يا جميلة هو ده القرار الصح. متلومنيش على حاجة أنا مرعوبلك عشانها. خلينا ننهي اللي بينكم بمنتهى الهدوء رغم كل اللي حصل! مش هتفهمي كلامي ده إلا لما تكوني مكاني!!"
قررت "جميلة" الصمود للمرة الأخيرة. نظرت له للحظات ثم انفجرت تواجهه بما تشعر به بضعف وبنبرتها الباكية تشرح:
" ليه كده يا حازم. أنا قولتلك إني بحبه. أنا حتى مش قادرة أستوعب إني لما نخلص الموضوع ده وواجهته هقوله إيه؟ كده مش هبقى بتخلى عنه. انت مش حاسس بيا. محطتش نفسك مكاني. عشان عز هو الوحيد اللي خلاني أحب نفسي أكتر خلاني أذاكر عشان حسيت إن قد إيه اللي أنا فيه ده حاجة عظيمة وفخر بالنسباله. غيرني فأقصر وقت ممكن. خلى عندي طاقة وحماس حتى لو بالكلام بس!! أنا حبيت اللي أنا فيه عشانه هو. هو ميستحقش ده مني يا حازم صدقني. أنا مش عايزة أقف فطريقك وأعارضك.. بس ده قلبي اللي إنت بتاخد ليه قرارات صعبة أوي عليه!!"
وكانت لأول مرة جريئة في وصف شعورها تجاهه وهما في خطبة فقط!! نظر لها بألم يقسم أنه أخذه منها ومن نبرتها الضعيفة تلك. تشبثت هي بأحضان والدتها وشقيقتها وهي تشهق. في حين وقف "حازم" يبتلع ريقه ثم تعمد بأن لا يعطيها الأمل رغما عنه:
" أوقات كتيرة العقل هو اللي بيبقى صح عن القلب والإحساس. أنا مش حاسس بقلبك بس فاهم لك المستقبل واللي جاي ليكي من تعب في العلاقة دي. متنفعكش يا جميلة. والله ما تنفعك عشان إنتي مش حمل وجع. هو لما جه الأول وكلمني عنك عرفت إنه بيحبك حتى من نبرة صوته. مفرقش معايا شغله ولا حالته ولا حتى تعليمه. كل اللي فرق معايا واللي قولتهوله إن راحتك عندي وعنده لازم تكون رقم واحد. ملوش ذنب. بس الحقيقة اللي موجودة غصب عننا فكل ده إنك إتحملتي فوق طاقتك. إتوجعتي من علاقة فيها ماضي ربنا أراد إنها تكون دي فـ دي. ماضي أبوكي عمله. ماضي يا جميلة اللي الراجل مننا غصب عن عينه بيعاير الست بيه عند أول مطب. إحنا مش كاملين وكلنا فينا العبر الوحشة. وأي إنسان بيخرج منه كلام بيندم عليه. أنا بقا مش عايزة يندم إنه اختارك وحبك رغم اللي أبوكي عمله. مش عايزك تندمي إنك بقيتي وإختارتي الحب عن الواقع الصعب اللي مش بيتنسى بالسرعة دي. يمكن عز ده أكتر واحد فاهم الدنيا دي صح بس مضمنش الدنيا اللي جت عليه.. مضمنهاش لما تكوني معاه فتيجي عليكوا انتوا الاتنين من كل ده وبعد كل ده!"
انتهى من كلماته وقد تعمد عدم فتح ذلك الموضوع مرة ثانية. مسحت دموعها بضعف ثم نبست بنبرتها المتحشرجة تبرر له سريعًا:
" بس " عز " مش كده!!"
تيقن وعلم جيدًا بأنه قرار صعب. وقف يطالعها بصمت وقد حدجها بقوة فقط دون نبس حديث. علمت بأنه قد نهى الحوار بل والإصرار ملازم نظرة عينيه إليها. أخفضت نظراتها أرضًا بكسرة. وحتى هو ابتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقه. لامته "عايدة" بنظراتها المشفقة على حالة ابنتها. وبعد صمت دام، ردد هو من جديد يشير لهما:
" يلا علشان منتأخرش. وإنتي يا ماما هتيجي معانا وهتخليكي قاعدة فالعربية برا لحد ما نخلص عشان لما نطلع أدويكم لنيروز عشان عزالها النهارده زي ما انتوا عارفين!!"
أومأت له "عايدة" بهدوء ثم سألته بتردد وهي تنظر إليه:
" هتطلع معانا؟"
" هطلع أكيد "نيروز" بنت عمي وأختي و"غسان" صاحبي. مفيش بينا الكلام ده عادي كل حاجة هتبقى تمام ركزي انتي معاهم وسيبك مني!!"
علمت مخزى حديثه. فرسم هو ابتسامة صغيرة حانية وهو يوجه نظراته نحو شقيقاته مرددًا بتفهم:
" أنا بقولكم إن إحنا لسه فيها. لو مش قادرة تروحي يا فريدة إنتي وجميلة دلوقتي البيت بعد ما نخلص مشوارنا أنا مستعد أرجعكم هنا تاني وأودي ماما بس!!"
قاطعته "جميلة" بلهفة وهي تمسح أنفها بالمنشفة الورقية سريعًا:
" إنت بتقول إيه يا حازم. حتى لو فينا إيه بس لازم أكون مع نيروز طبعًا في يوم زي ده. أنا هاجي مش هسيبها!!"
ابتسم بزهو لأصلها فرغم حالتها النفسية إلا أنها تقدر جيدًا. رفع أنظاره نحو "فريدة" ثم سألها هو الآخر بترقب:
" وإنتي يا فريدة رأيك إيه؟"
سألها وهو يتمنى بداخله بأن لا تكون منغلقة على نفسها. وقبل أن ترد هي بتردد وجد هو نبرة "عايدة" السريعة وهي تبتسم قائلة باندفاع:
" هتيجي طبعًا يا حازم. فريدة من زمان أختكم وحتى أخت نيروز. ومش معنى اللي حصل ده إنها تبعد وتقفل على نفسها. لأ سيبهالي بقا كده وأنا هدخلها في الجو وهروقها ومحدش متقل منها ولا حاجة. بس هي ترضي وتفتح صفحة جديدة وتبدأ من جديد وإن شاء الله خير!!"
تعمدت الضغط عليها كي تأتي معها. ابتسمت "جميلة" بحب. في حين طالعتها "فريدة" بتأثر ثم ردت بألم أخفته بأعجوبة:
" أنا فاهمه ده. بس أنا طاقتي مش مستحمله. مش قادرة ومش متخيلة إني هقدر من تاني ولا متخيلة إن حد ممكن يقبلني وسطهم وإنا كده!!"
وجدت لهجة "حازم" الحادة وهو ينظر لها قائلاً بجمود:
" مسمعكيش تقولي كده تاني. فاهمه؟"
قالها بغضب دفين عندما وجدها تقلل من شأنها في آخر حديثها. هزت رأسها بالإيجاب من نبرته الآمرة. فأمسكت "جميلة" كفها باحتواء ثم رددت والدموع تتجمع بمقلتيها وحتى الصدق كان رفيق صوتها:
" أنا أول واحدة قابلاكي بكل حاجة. وأول."
واحده رغم التعب اللي فيا وفيكي بس أتمنى تدي لنفسك فرصة. أنا قوية بيكي يا فريدة مش العكس أبداً.
كلمات مواساة حقيقية رفعت من شأنها. تأثرت فريدة بشدة. حتى أنها رفعت ذراعها تحتضنها، ثم احتضنت بذراعها الآخر عايدة التي أثر بها حديثها هي الأخرى. وللحق شعرت بها بحنان نبع من أم ليس إلا. لم تشعر هي بهذا من والدتها الحقيقية.
خرجت من أحضانهن ثم هزت رأسها لهن بالإيجاب والموافقة. ستضغط على نفسها كمحاولة لإعطاء نفسها فرصة قبل أن تنغلق للأفكار الجنونية الانتحارية. ما أن وجدت فرحتهن على وجههن بابتسامتها، شعرت بالصدق النابع بشعورهن هذا نحوها.
توجهت بكل عقل. وهذه المرة هي من فعلتها. أمسكت رأس حازم بين كفيها، ثم توجهت تقبل قمة رأسه بشفتيها ببر. ثم قالت بكل تأثر وصدق:
"إنت أبويا يا حازم بجد. أنا مش عارفة أقولك إيه. بس أنا آسفة إنك بتشوف كل ده بسببي!"
تأثر منها بشدة حتى أنه رفع كفها وقد تعمد بأن يقبله بلطف. ليظهر لها الاحتواء التي لم تأخذه يوماً. ثم ردد بعمق:
"متقوليش حاجة يا فريدة وبلاش تحملي نفسك ذنب. خلاص اللي فات عاوز يموت عشان نبدأ من جديد وصح. ولو إنت شايفاني بعد النهارده أبوكي فعلاً، يبقى مفيش بنت بتحس نفسها تقيلة على أبوها. الدنيا دي لو مشالتكوش هشيلكم أنا فوق كتافي العمر كله!"
قال آخر حديثه وهو يوزع أنظاره بينهن هن الثلاثة. نظرن له بإمتنان. فابتسم لهن بحب صادق. وقبل أن يتحدث لهن ليحثهن على الخروج، وجد فريدة تردد باندفاع فجأة:
"إرجع لياسمين يا حازم علشان خاطري. والله العظيم مقصدتش أوقع بينكم بس هي ملهاش أي ذنب. بالعكس أنا شايفاها عملت حاجة كانت بتحاول إنها تراضي وتريح أختها. كانت عاوزة تبسط نيروز وتحقق لها اللي عايزاه. ياسمين فعلاً مش سبب في حاجة. كل ده كان مني أنا من الأول. مراتك يا حازم مش وحشة. أنا يمكن كنت بغير طول عمري وأنا شايفاها واقفة جنب أخواتها وبتدعمهم وشايفة منهم الحب اللي أنا عشت أرفضه بمزاجي عشان اتعودت على ده. رغم إن كان في محاولات منكم، بس أنا اللي غبية. لو بتحبني بجد إرجعوا!"
لم يقاطعها في الحديث، تركها كي لا يكون متحسساً بالنسبة لها. لم يجيب. بل أضافت جميلة هي الأخرى بحديث لفت انتباه فريدة رغم قوله أمس، ولكن حالتها كانت لا تسمح لها بالانتباه:
"أيوه يا حازم. وياسمين حامل كمان. حرام وحمل عليها الضغط النفسي ده!"
"عقلوه وقولوله.. ربنا يهديك يبني."
قالت عايدة حديثها بآخره. كولوله نسائية معروفة بحسرتها على حاله. هناك من تفاجأ من حديث شقيقتها. فرددت باندفاع متلهف رغم نبرتها الضعيفة من كثرة البكاء:
"بجد؟ ياسمين حامل؟"
لا يعلم هو لما سعد هو من نبرتها الملتهفة. ولا تعلم هي لما تلهفت وفرحت وهي التي كانت تقصد البعد عن أشقائها. هز لها رأسه بتأكيد. كما فعلت الأخريات. فدخلت فريدة بأحضانه بسعادة وصلت بقوة لحازم الذي شعر لوهلة بأن سعادتها بذلك كفيلة لصموده طوال اليوم. أخذ منها المباركة السعيدة وهي تهتف بتعلثم بكلماتها كي توصل له سعادتها. وكأن ذلك دليل كي يستطيع تصديقها. وهو الذي سعد من صدق نبرتها فقط. سمعها تهتف مرة أخرى بنبرة حزينة مترجية:
"يبقى لازم ترجعها يا حازم لو عايزني بجد أبدأ من جديد. هبدأ فعلاً وأنا حاسة إني مش ظالمة حد. بس ترجع لو أنا هاماك بجد!"
ربطت أمرين ببعضهما بطريقة خبيثة ولكنها لم تقصدها. بل أتى ذلك من الألم. تعمد مجاراتها فقط دون الوعد بأنه سيفعل ذلك. فإن ذهب ليعود بها فعلاً ويلومها فسيفعل ذلك لأجله ولأجل زوجته وحياته وطفله القادم. وليس لأجل غيرهما كي يستطيع أن يكمل حياته بالصدق والتفاهم. فاق من شروده. ثم أشار لهما بابتسامة قصد بأن تظهر دون حمل هم كي يتشجعا على ما بعد الآن. خرجن الثلاثة من خلفه. واحدة تفكر بأن بالفعل أعطى لها من حولها الفرصة. تبقى فقط قربها القوي من الخالق عندما وجدت الأمل من حولها. أما الأخرى فليس هين على قلبها الذهاب لرؤية شخص تخلل حبه بقلبها. بل ومن الأصح بأنها ستتركه وتودعه وتودع علاقتهما التي وصفت بالراحة. وأي راحة؟ وكل منهم قد تأذى بالفعل. وهما اللذان لم يفعلا جرماً ليستحقا كمثل هذا العقاب الموجع.
في شقة سمية. جلست نيروز في صالة المنزل على الأريكة بجانب سمية الجالسة بشرود هي الأخرى. فقد تجهز الوضع. بل وجهاز نيروز الذي من المفترض بأن يصعد اليوم. موجود بالفعل بإزدحامه في الصالة. ولكن ليس بالكامل. فقد أخرجه في الصباح الباكر بدر. مع غسان وبسام قبل رحيل الإثنين إلى العمل. بقى خطوة صعوده لأعلى وفقط. نظرت وردة على شرود والدتها وشقيقتها. وقد كان بدر في الداخل مع صغيره. تنهدت نيروز تخرج أنفاسها بيأس. ثم تساءلت للمرة التي لا تعرف عددها:
"ياسمين لسه مصحتش بردو؟"
هنا والتفتت سمية برأسها نحوهما. ثم قالت بحزن:
"ولا هتخرج وتقولك سيبوني أنام. أنا مش عارفة أعمل إيه. أنا تعبت ومعتش فيا صحة لكل ده ياربي!"
كان حديثها متحسراً لحد كبير أتى من غلبها في فتياتها. وقد أدمعت عينيها من جديد. كانت تجلس بالمنتصف بينهما. فرفعت كل واحدة ذراعها تضعها عليها بحنو وأسف في نظراتهما لها. ابتلعت سمية ريقها بلوم من ما قالته للتو. في حين اليوم يعد وقت من أوقات فرحة ابنتها نيروز. ربتت على ساق نيروز بأسف. ثم حاولت التظاهر بالتماسك وهي تبتسم لها كي لا تشعرها بشيء. حتى قالت بأسف:
"معلش يا بنتي مقصدش أقول كلامي ده بس أديكي شايفة الحال. عاوزاكي تتبسطي وتفرحي ومتشيليش هم!"
تفهمت نيروز ما تفعله جيداً. حتى أنها ابتسمت لها. ثم أجابتها بتعقل:
"مش زعلانه يا ماما. أنا فاهمة كويس اللي إحنا فيه. بس إنت قولتي بنفسك عاوزاكي تفرحي. يعني إنت كمان متقعديش تقطمي في نفسك كل شوية. وأنا متأكدة إن ربنا هيحلها من عنده!"
تنفست بعمق وهي ترد لها ابتسامتها. فأيدت وردة الحديث قائلة هي الأخرى توصل لها رسالة معينة:
"معاكي حق يا روز. وعشان بردو صحتها مبقتش زي الأول وكل ده عليها فالآخر. خلينا نركز دلوقتي فالحاجات اللي اتحطت دي ومشوا وسابوهالنا كده!"
"غسان راح الشغل وقرب يجيي. ساعتها هنبدأ نطلع الحاجة دي. وكمان جميلة بعتتلي ماسدچ إنها جايه هي وطنط عايدة عشان يبقوا معايا.. و.."
وقبل أن تسترسل نيروز في حديثها. وجدت من تفتح الغرفة وهي تهتف بأسماءهما من بعد. وكأن شيئاً لم يحدث لها. توجهت نظرات سمية نحوها بلهفة. فوجدت ياسمين تتعامل وكأن شيئاً لم يحدث. بل وبمنتهى اللامبالاة تضغط هي على نفسها وهي تحمل بأحشائها جنين. توجهت ياسمين تبتسم لهن. ورغم تظاهرها بذلك، إلى أن عينيها المتورمة من البكاء تشرح وضعها المخفي.
"أنا مش فاهمة ازاي عزال نيروز وكمان أيام معدودة عالفرح وقاعدين حاطين إيديكم على خدكم. مفيش أغاني ورقص؟!"
رددت جملتها بإستنكار. وللشفقة على حالها تحاول هي عدم تحميلهم همها كي يستطيعون أن يعطوا للفرحة حقها. وأي حق؟ والجزء الآخر مؤلم يتألم هو الآخر. تفهمت سمية ما تفعله هي. بل وزاد الحزن بداخلها لأجلها. حركت وردة رأسها بأسى على حالها. في حين نهضت نيروز. ثم وقفت أمام ياسمين التي وقفت تنتظر الرد والجواب من أحداهن.
وعلى فجأة رفعت نيروز ذراعيها تدفع ياسمين بأحضانها وهي تضمها إليها باحتواء. شعرت بها وبألمها التي تحاول رغم ما بها إخفاءه.
ابتلعت "ياسمين" ريقها بوجع وهي تحاول التماسك أمامهن. سمعت صوت شهقات سميه. ربتت "نيروز" على ظهرها ثم هتفت تقول لها بإختناق:
"متعمليش كده يا ياسمين. عيطي وبيني إنك موجوعه. فأي وقت، حتى لو فـ يوم زي النهارده، مش هزعل. انتِ أهم من أي حاجه. أنا بحبك أوي، متعمليش كده فنفسك وفينا!"
انتظرت والدتها وشقيقتها الٱخرى الرد من "ياسمين" التي صمتت للحظات. ثم أخذت أنفاسها ببطء وهي تخرج من أحضان شقيقتها حتى وقفت تعتدل، محاوله تغير مجرى الحديث وهي تردد بهدوء شديد:
"أنا هروح النهارده أتابع عند الدكتوره عشان الحمل. حد هيفضى يجي معايا ولا كلكم بقا هتتشغلوا مع العروسه وتهملوني أنا والعيل اللي فبطني ده!"
ورغم إنها تحاول تغير الحديث، ولكنه كان حديث مضحك منها هي. ضحكن بخفه كي يخففن عنها. وأما هي، فأثارت "نيروز" شفقتها وهي تحاول أن تراضيها بيوم كمثل ذلك اليوم الذي من المفترض بأن يكون مبهج سعيد. أكملت على حديثها الٱول مره أخرى وقبل أن تجيب عليها أي واحده منهن:
"علفكره أنا كويسه، متشيلوش همي. أنا تمام بس هبقى تمام أكتر لما نحاول ننسي اللي فات ونعيش لحظة الفرح اللي موجوده. نتبسط بـ نيروز ونفرح بيها كلنا سوا، عشان اللي احنا فيه ده مش عادي خالص وإحنا عندنا فرحة كبيره المفروض نستغلها."
نظرن لها بعمق وتأثر. في حين هزت لها "نيروز" رأسها بموافقة ظاهريه لتجاريها بالحديث. لوهله شعرت بأن لو تظاهرت بالسعاده ستسعد الٱخرى لأجلها. ابتسمت لها "نيروز" بتخفيز، ثم سحبتها لتجلس بجانبهما على الأريكه الطويله وهي تلتفت لها ومازالت ممسكه بجانبها حتى رددت بلهفه وصلت لها:
"وإحنا كلنا جنبك ومبسوطين عشانك وعشان هبقى خالتو للمره التانيه. وكده كده انتِ والدكتوره أهم مني ومن غسان ومن العفش والجهاز يستي! ولا إيه يا ماما انتِ وورده؟"
ضحكن علي حديثها. وقد تشبتت "ياسمين" بنظراتها بـ عين "سميه" التي شعرت بأنها الوحيده التي تريد التأسف لها عن ما تعانيه وهي مريضه قلب. وكأن الآمر بيديها هي. هزت لها "سميه" رأسها بإطمئنان. فأجابت"ورده" بحماس هي الأخرى:
"طبعا. مفيش حد غالي قد غلاوة ياسمينا. بلا نيروز بلا غسان!"
شهقت "نيروز" بقوه ثم حدجتها بضيق زائف وقد تعمدت فعل ذلك لجعل الٱخرى تضحك. رددت "نيروز" بنبره حانقه لها وهي تشير لها بيديها:
"عندك كده يا حبيبتي. انتِ كده بتغلطي فيا وفـ جوزي حبيبي!"
خرجت أخيراً ضحكة "ياسمين" العاليه مما جعل من حولها يضحكن عليها وهي تجيب شقيقتها باستنكار من بين ضحكتها:
"من إمته بقا جوزك وحبيبك؟ الله يرحم لما كنتِ قاعده قعدتي دي وأسخن وإنتِ بتستني يبت ورقة الطلاق!"
"يا بنتي الكلام ده ميصحش دلوقتي. النهارده عزال اختك، حسّي على دمك وبلاش الفال الوحش ده!"
قالتها "سميه" بضيق واضح. فضحكت "ورده" بينما أجابتها "ياسمين" بضجر:
"انتِ يا ستي انتِ. لا كده عاجبك ولا كده عاجبك!"
حركت "سميه" رأسها بقلة حيله حتى فردت لها ذراعها خاصةً أنها أصبحت جالسه بجانبها. دخلت "ياسمين" بين أحضانها براحه فربتت عليها"سميه" وهى تجيب بتأثر:
"انتِ عجباني يا حبيبتي فكل الأوقات. وعايزاكي تعرفي إنك غاليه أوي على قلب أمك وعمري ما أزعل منك أبدا. وهاكل بسناني أي حد يقرب منكم. إنتم السند ليا في الدنيا دي. عشان كده لازم تكونوا فضهر بعض حتى لو جرالي حاجه أوعوا تدوسوا على بعض. كل واحده أمانه فرقبة التانيه. حتى أمانه فرقبة جوزها اللي أنا وافقت عليه لكل واحده وأنا عارفه هو هيصونها إزاي. وزي ما متأكده إن كل واحد بيحب اللي آختارها قلبه. بس بردو لازم تعرفوا إنكم تراعو ربنا فيهم!"
كان الحديث عاقل عميق لحد كبير. إعتدلت "ياسمين" ثم سمعت وانصتت جيدا لما يقال من جديد بفم وصوت "سميه" العقلاني:
"وطالما الموضوع ده إتفتح فإسمعوني كويس عشان لازم تفهموا ده. وبالذات انتِ يا نيروز. بلاش يابنتي تقسي قلبك فالوقت الغلط. رغم إنه مش قاسي بس محاولتك إنك لازم تبيني إنك قويه وقادره ده غلط على حد حبك وشاريكي. لينك ده بيعدي الصعب فالأيام. عارفه إن "غسان" مش سهل فحاجات كده بس كل واحد بيطبع بطباع التاني واللي بيحبه. كنت حاطه إيدي على قلبي أنه يطلقك عشان للحظه حسيت انه هيبيع الدنيا بحالها وببعضها من غير ما يهمه حد. بس لما فهمت ودققت كويس عرفت إنه قلبه ده عامل زي الريشه. عرفت إنك متماسكه عنه وإنه اقل حاجه بتأثر فيه. إتقالي إنه طيب وبيطلع وينزل علي مفيش بس مصدقتش إن واحد بقوله خلي بالك من بنتي ومتقربلهاش عشان لسه مش فبيتك رد عليا رد مختصر كده وخد جنب مني وبعد كده رجع عادي. أنا قولت ده قلبه إسود ومببغفرش وهتعاني معاه بس المعدن بيبان فوقت الشده. ومفيش شده عدت علينا إلا وكان موجود حتى لو كنتي على خلاف معاه. أنا بقولك كده عشان يوم عن يوم بيزيدوا وهتبقي معاه فـ بيته. وعشان أقولك إنك بنتي بس هو مش هتلاقي زيه. اللي زيه في الطيبه والحنيه دي خلصوا من زمان. خلى بالك من منه يا حبيتي وبلاش تيجي عليه خليكي عاقله وفاهمه الدنيا صح ومين بيحبك ومين شاريكي ومين غير!"
تأثرت من حديث والدتها بشده. تعلم تمام العلم أن علاقتهما سويا هي الطرف الغير هين بها مهما فعل هو فلين قلبه يغلب عناد قلبها هي. لطالما يظهر عليها عكس ذلك ولكنها الشخصيه الأكثر سلطه عن من حولها من الفتيات. أخرجهن من حالتهن هذه حديث "ياسمين" المرح وهي تقول:
"والله الإتنين عايزين يتكشف عليهم. عقلهم مفوت!"
ضحكن عليها بخفه في حين رددت "سميه" مره أخرى بتعقل:
"ولو بردو. وانتم كمان خلوا بالكم منهم. خلي بالك من بدر يا ورده وإعرفي يا حبيتي انه بيحبك ومش شايف غيرك مهما حصل ومهما عملتي. وفكري فالمستقبل وفـ يامن ربنا يبارك فيه. واعرفي كمان إن بدر ده مفيش فقلبه أغلى منك انتِ. وخفي نكد عليه شويه الواد يعيني بيصعب عليا يا بنتي!"
ابتسمت لها"ورده" بإمتنان. بينما رددت "ياسمين" سريعا تسبق الحديث المنطقي كي لا تتأثر:
"متقوليش ياسمين وخلي بالك من حازم وبتاع. أديكي شايفه الحاله. سابني قدامكم كلكم!"
قالتها بمرح كي تتخطي الحوار والأتى. ولكن لم يضحك أحد. علموا جيدا ما تفعله. ولم ترد عليها سوى"سميه" بجديتها الهادئه وهي تقول:
"مش انتِ بنتي يا ياسمين. بس هقولك إنك غلطانه من زمان من ساعة ما خبيتي حاجه المفروض تتقال بكل هدوء. عشان جوزك يتصرف مع أخته ده لو إعتبرناها علاقه بعيد عن القرايب. لكن ده حازم ابن عمك وجوزك. وقبل ده كله بير أسرارك من زمان وحبيبك. حبيبك اللي الحب بينكم كان سر كده تخاطيف وكأني كنت هبله وأنا عامله مش واخده بالي من اللي كان بيحصل. بس سيبتك عارفه ليه؟ عشان عارفه إني سايبه راجل وبنت فنفس الوقت ومهما يحصل هتيجي تقولي. بس اللي حصل إن العلاقه إتغيرت ومهما يحصل بتروحي تقوليله دلوقتي. راح فين دا كله؟ لو هو غلطان وهو يكلمك بالاسلوب اللي أنا مقبلوش وليا عتاب عليه عشان بردو انتى حامل. بس بردو هو موجوع ومقهور. مكسور كسره محدش يتحط فيها أبدا. عارفه إن زعلك عليه أكتر من زعلك منه بس لازم تعرفي إنك غلطتي وإتصرفتي غلط من الٱول خالص وصغرتيه زي ما هو قال. مش غريب عليا تبقي أي حد على أخواتك حتى لو هو. بس هو الوقتي يا حبيتي بعد ما يكون اللي قلبك اختاره فهو أبو ابنك اللي جاي وشريك أيامك اللي مكنتش بتعدي ألا ما تكونوا مع بعض فيها!"
وجدت أن لا مفر من الحديث بذلك بمنتهي الألم عليها والجديه منها.
ابتلعت ريقها ثم حركت رأسها بيأس. موجع. وقد خرجت نبرتها التي أعلنت بها خروج ضعفها:
"بس أنا هونت. هونت عليه يا ماما وأنا واقفه ببرر ليه بكل لهفه عشان يصدقني وفالآخر مشي ومختارنيش. ومعملش حساب حتى لتعبي اللي هو عارفه. معملش حساب للي أنا فيه وأنا حامل. أنا مش باجي عليه. أنا موجوعه أوي علشانه. حاسه إن قلبي بيوجعني عشانه وعشان إخواته مش منه. بس كل ما أفتكر إني هونت. وهونت بطريقه وحشه لما حملني كل الذنب للي حصل كله مع إني مكنش ليا صله ولا علم بكل ده وهو عارف. زعلت لما مشى من غير حتى ما يفكر فأي حاجه تخص حملى منه. وكأني قليله أوي. عارفه إنه فحاله صعبه وإن ده ميجيش حاجه فيه. بس هو كان قادر يعملها. كان قادر يحسسني إني غاليه عليه حتى فـ عز وجل وجعه. هو أنا يعني قليله لما يمشي ويسيبني بالطريقه دي؟"
أدمعت عيني "ورده" بتعاطف وحزن. في حين تماسكت "نيروز" وهى تحرك رأسها نفياً. بينما رددت "سميه" بلهفة كبرى وهي تضمها باحتوائها:
"لا يا حبيتي. لأ. إنت غاليه اوي وفالعالي وميطولكيش أي حد. متقوليش على نفسك كده. يا ما بيحصل بين أي إتنين متجوزين. الدنيا هنتعدل وربنا هيصلح الحال خليكي عارفه وواثقه من ده!"
تنفست "ياسمين" باحضانها بإختناق بصدرها. ربتت عليها والدتها بحنو. لطالما تعلم هي طبيعة شخصيتها. فمهما تحدثت لم ولن تسطتيع وصف ما يجري داخلها. بل وتقسم هي بأنها مادامت تحدثت كذلك فبداخلها أضعاف من الوجع مضعفه. حاولت "نيروز" أن تشاكسها بالحديث هي و"ورده" للتخفيف عنها والآنخراط في مناسبة اليوم كي تمر بخير. غير متناسين وجعهم التي تحاول كل واحده منهن إخفائه كي يمر الوضع. وجعهم الذي كان سببه القوي أحوال "جميله وفريده". رغم بعدهما عن الٱخيره إلى أن كل واحده منهن ترى وتتألم لها حيث لم تستحق أي واحده مهما فعلت بأن يحدث لها كذلك بل وتكسر كمثل هذه الكسره. وما شعور "حازم" الٱن. وكيف وضعه؟ سؤال لم يغيب عن عقل "ياسمين" أبداً.
في شقة "حامد". تجهز هو وهو يجلس بصالة المنزل بجانب "دلال". ينتظر فقط قدوم "غسان" من الخارج. حيث أتى "بسام" من الخارج قبل قليل بعد أخذه إذن من المستشفي. نظر "حامد" في شاشة هاتفه الصغير بملل. ثم إلتفت برأسه ناحية "دلال" التي أمسكت بيديها القرٱن لتقرأ به:
"هو الواد ده إتأخر ليه كده النهارده يا دلال؟ حقا ليكون متجوز على البت الغلبانه دي وضاحك عليها. والله ابن كلب ويعملها!"
خرجت ضحكاتها العاليه وهي تغلق المصحف. ثم التفتت برأسها له متحدثه بهدوء. تعنفه:
"متأخرش ولا حاجه ياحامد. انت بس تلاقيك متحمس وفرحان عشان أول مره لسه تجرب حاجه زي دي. أما إبنك يتجوز علي مراته فإنت حرام عليك ودايما. جاي على غسان كده والله!"
إبتسم لها "حامد" بحب. ثم طالعها بنظراته الدافئه مجيبا عليها بحب. ظهر في نبرته:
"أجي على مين بس يا دلال! دا غسان ده هو حامد البدري التاني هنا من بعدي. ده أنا بحبهم عشان منك إنت. ومبسوط إنه هيتجوز. ومش هيتجوز كده وخلاص ده هيتجوز اللي حبها واختارها بنفسه وخد القرار لوحده لما شاف إنه قادر وراجل عشان يتفح بيت. الزمن بيعيد نفسه أهو وأنا شايفه متحمس يبقي مع اللي بيحبها ووقعته زي ما أمه وقعت أبوه على وشه وخلت قلبه كله ملكها هي. أم غسان الأصيله اللي عمر ما كنت ألاقي واحده تستحملني وتبقي أم لولادي غيرها هي! إنت بس اللي كنتي تنفعي. وتستحقي لحد اللحظه دي. لحد ما احنا واقفين ومعجزين وبنفرح بأول فرحه لينا فـ ولادنا!"
تأثرت من حديثه بشده. حتى أنها أردفت بنبره متحشرجه متأثره بعد أن أدمعت عينيها من حديثه:
"إنت اللي عجزت يخويا أنا لسه صغيره..أه!"
تفهم ما تفعله من هروب كلماته المتأثره عليها. ضحك وهو يحرك رأسه بمرح. ثم شاكسها وهو يقرب من وجهها ناحية رأسها مردداً بخفوت تزامناً مع فتح باب الشقه أمامها:
"طب والله حصل لسه صغيره وشابه وجميله يا أم غسان"
أغلق "غسان" الباب وهو يدخل في هذه اللحظه. توقف بمكانه عند هذه اللحظه. حتى أنه دار وجهه بمرح. وهو يضع يديه على وجهه مردداً بمزاح ليصلهما صوته المرتفع:
"تؤ تؤ تؤ. استغفر الله العظيم يارب. خلصت يا حامد ولا لسه؟ ياراجل إنت مش قولتلك الكلام ده مش فالصاله!"
قهقهت "دلال" وهي تنظر إليه يأتى إليهما من على بعد تزامناً مع رد "حامد" الحانق:
"مراتي وبراحتي!"
الكلمه المعهوده والمتردده منه دائماً على مسامعه هو. ضحك "غسان" بخفه ثم انحنى يمسك وجه "حامد" وهو يقبل قمة رأسه ببر حتى خرج منه حديثه العاقل الهادئ عكس طبيعة حديثه معه:
"انت تعمل اللي يريحك يا حج حامد!"
ربت عليه "حامد" على ظهره وهو جالس بحنان. ثم ردد له بلين:
"ربنا يسعدك يا حبيبي!"
إعتدل "غسان" سريعاً. ثم بحث بعينيه على شقيقه والٱخرى ثم تساءل باستفهام:
"أومال بسام فين ووسام فين عند نيروز؟"
"لا وسام كان عليها درس أونلاين. بس خلصته ودخلت لبسام الأوضه. إدخل إستعجلهم بقا عشان نروح لسميه ونيروز!"
أومأ لها "غسان" ثم توجه بخطوات هادئه حتى فتح غرفة "بسام" على فجأه دون أذن. انتفضت "وسام" الجالسه. أما "غسان" فدخل ينظر بصدمه على ما رٱه. كان الوضع كالأتى. "وسام" تجلس وتفرد خصلاتها و"بسام" يمشطها لها بحذر. بسبب جرح رأسها. ليس هذا الصادم بل كان الصادم هو الٱتى عندما هتف "غسان" بغير تصديق:
"حلقت دقنك ليه يا بسام!"
إعتدل "بسام" وهو يقف ثم ترك خصلاتها بعدما ربطها بحذر. ثم توجه يقف أمامه وهو يبتسم بإتساع. مجيباً إياه ببساطه:
"عشان إنت العريس ياض!"
خرجت ضحكات "غسان" على حديثه ثم حرك رأسه بغير اهتمام. وهو يردد:
"طب وإيه المشكله؟"
"مفيش مشكله ولا حاجه. أنا اللي حبيت أغير. وعشان تبقي فريد من نوعك كده. عشان عريس أقولك ايه يعني!"
دفعه "غسان" بمشاكسه بكتفه بمرح. وهو بضع يديه على كتفه. في حين وقفت "وسام" بينهما وهي تنظر لهما حتى رددت هي الٱخرى بإعجاب:
"شكله بقا حلو عن الأول علفكره يا غسان إعملها انت كمان!"
حرك رأسه بنفي. ثم رفع يديه بإستسلام. وهو يردد بمرح:
"نيروز بتحب الدقن!"
ضحك شقيقه وشقيقته عليه. في حين أمسك "بسام" يد "غسان" ثم هزه بحركات مرحه وهو يرفع يديه ليتراقص معه بدون موسيقي. فهلل بصوت مرتفع يتمايل معه:
"أحلـــى عريـــس!"
ضحك "غسان" بقوه وهو يتمايل معه ففتحت "وسام" سريعاً إحدى الأغاني الحماسيه التي يتراقص عليها. ثم دخلت بينهما تتراقص بخفه وسط ضحكاتهما العاليه ببهجه. شاهد سريعاً هذا المشهد "حامد" و"دلال" الواقفان على باب غرفة "بسام". إبتسما بحب. وقد تحركت نظراتهما لبعضهما بتأثر. تفاجئت "دلال" بـ "غسان" وهو يسحب يديها لتتراقص معه. في حين سحب "بسام" يد "حامد" ليجعله يتراقص معه هو الٱخر. فأصبح الجميع يتراقص مع بعضه يبهجه وحب. أمسك "غسان".
يد "دلال" وفي يديه الٱخرى "وسام" وهو يتراقص بهما بسعادة ظهرت على وجهه حتى انتهى وهو يحتضنهما بحب بالغ. في حين اندمج "بسام" في رقصه مع "حامد" الذي وقف البقية ليشاهدان ما يفعلانه بمرح.
اخرج "غسان" هاتفه وهو يعطيه لـ "وسام" في وضع التصوير. ومن ثم دخل هو بينهما يتراقص معهما ببهجة كبرى وهو يمسك كف والده بحنو. وعقب ما انتهى قبله ببر. فاحتضنهما الآثنان "حامد" بتأثر. وقد نزلت دمعته السعيدة في هذه اللحظة التي أردف حديثه المتأثر بها:
"كبرتوا وعجزتوني يا ولاد الحلوه!!"
ضحك الجميع عليه بخفة. وقد رفع "غسان" أنامله يمسح دمعته الوحيدة وهو يردد:
"عجزت إيه يا راجل؟ دا أنا لسه قافشك بتسوق الشقاوة برا. إجمد كده دا آنت لسه مبقتش جد!!!"
توسعت بسمته وبسمتهم جميعًا. في حين احتضن "بسام" "دلال" وهو يتنفس براحة كبرى مرددًا لها بمرح:
"حضنك ده عامل زي المخدر يا أم بسام!!"
"أم غسان يالاا!!"
قالها "غسان" بتبجح. في حين ضحكت "وسام". فنظرت "دلال" لـ "بسام" بإستسلام مبررة له:
"عنده حق. ما إنت عارف.. هو أكبر منك بخمس دقايق!!"
"مستعجل بروح أمه على النزول. يشرب بقا أهو داخل على جواز ودنيا!!!"
لم يكن الحديث إلا من "حامد" الذي ضحك على حديثه كله. وسرعان ما سمعوا هم صوت دقات الباب العالية مع جرس المنزل الذي لم يتوقف. توجه "غسان" وهم من خلفه بخطوات سريعة. حتى فتح "غسان" أولاً الباب. وسرعان ما تفاجئ بمن أمامه. وجد بعض من الشباب بل ومن أصدقائه وبعضهم لم يراهم هو منذ فترة. ويترأسهم "شادي" الذي كان يقف في الأمام. دخل بين أحضان "غسان" بسرعة فائقة ثم هتف بتهليل جعل صوت الشباب يعلو ببهجة:
"الــــعـــريـــس أهــو يـــجـــدعــان!!"
دخل الشباب يحتضنونه وقت واحد بهمجية. ومن يخرج من أحضانه يتوجه لـ يرحب بـ "حامد" الواقف بين "غسان" الذي فرح بشدة لتجمعهم كذلك وهو يردد لهم الحديث اللبق. في حين دخلت "وسام" سريعًا لترتدي الحجاب الذي كان ينقص ملابسها. ووقفت "دلال" ترحب بهم هي الأخرى مرددة بتلقائية من بين سعادتها:
"منورين يا حبايب قلبي!!"
إلتفت "حامد" برأسه وهو يطالعها بضجر زائف:
"بغير يادلال قولتلك!!"
ضحك الشباب جميعًا. حتى قال أحدهم بنبرة ضاحكة لـ "حامد":
"لسه زي ما انت يا حج حامد متغيرتش. دي أم غسان أمنا يا عم مالك كده خليك أوبن مايند عشان الدنيا تمشي!!"
ضحك "حامد" عليه وعلى حديثه ثم ردد يجيبه بمرح وهو ينظر إليه:
"طب خليك فحالك يا أحمد. إنت متجوز ومخلف بنوته زي القمر. ترضى حد يقولها يحبية قلبي وهي حبيبة قلبك انت؟"
نظر على الجالسين من حوله وهم يضحكون بعدما دخل الجميع ليجلس. ولكنه حرك رأسه بنفي باقتناع مضحك وهو يقول:
"الصراحة لأ مرضاش. بغير أنا!!"
مصمص "شادي" شفتيه بمزاج. ثم نظر لـ "حامد" بفخر وهو يردد للآخر:
"شوفت؟ خد يبني من عمك حامد ومتراجعش وراه"
"بس يا صايع يا بايظ يا بتاع البنات. بقا اقولك عايزك تتجوز يا كلب تمشي وتسيبني بعد ما بوظت ابني!!"
لم تتغير علاقتهما مع بعضهما. هكذا رأى الشباب وهم يضحكون على حديثه. تحولت ملامحه للضجر الزائف وهو ينهض مشيرًا له بغير اهتمام:
"سيبهالك يا عم. ورايح المطبخ أشوف أم غسان بتعمل عصير ايه.. يارب مانجا."
أضاف سريعًا وهو يشير لهم بإهتمام متلهف:
"قولوا يارب"
قالها وهو يتوجه سريعًا. وقد تعالت ضحكاته عندما سمعهم يرددون بصوت واحد مرتفع خشن رجولي:
"يــــــــارب!!"
قالها الجميع حتى "غسان" الذي أخذ يرحب بهم بسعادة وهو يشاكسهم بالحديث مع ترحيب "بسام" بهم هو الآخر. ووسط الحديث المبهج والمفرح من كل منهم للآخر على مناسبة "غسان". صوت الرجال الخشن كان له صوت عالٍ وصل إلى شقة "نيروز" التي علمت سريعًا ما الأمر من إرسال "غسان" لها رسالة سريعة وهو يجلس بينهم!!
مر الوقت الذي يعد ليس قليلًا. كانت تنتظر "عايدة" في الخارج وللمرة التي لا تعرف عددها بين لحظة والأخرى تهزمها دموعها على كل ما حدث. كل ما يحدث لولدها وما فعله زوجها وحتى حالة ابنتها والآخرة وضع "فريدة".
لحظات وجع بين لحظات سعادة ويتوجب عليها العيش والتأقلم كما توجب على غيرها ممن حولها!!
قسم الشرطة داخل غرفة التحقيقات. وقفت "فريدة" قبل وقت تتحدث بكل ما لديها وما حدث لها من كتلة الشر "شريف" الذين أخذوا أقواله ثم عادوا به إلى "الحبس" قبل تعرضه للنيابة وذلك بعد عدد من التحقيقات الأخرى ليتصعد الأمر أكثر. تجمع في الغرفة الجميع حيث بعضهم كان من الشهود وبالأخص سكان المبني الذي كان يستأجر به "شريف" الشقة. و"عز" الذي يعد أحد الشهود مع "فريدة" و"حازم" و"جميلة". حيث تعد شهادته عامل مهم لأنه بالفعل شقيق "شريف". "شريف" الذي علم عن ما قاله من قضية في الماضي الكل. وتيقن "حازم" بالفعل بأن والده على مشارف الطلب للتحقيق معه بعد ساعات معينة. للوقوف أمام "شريف". وإن اعترف فسيسجن هو الآخر وتتصعد القضية إلى النيابة. موضع صعب لكل منهم في هذه اللحظة وحتى قبلها والتي انتهت الآن بخروج "حازم" ومعه "فريدة" للخارج. حتى تبعهم "عز" الساكن وبجانبه "فرح" التي هتفت بإسم "جميلة" لتوقفها. وقفت "جميلة" تبتلع ريقها بصعوبة ثم التفتت لهم بعد أن وقف شقيقها وشقيقتها على بعد منها. وقف "عز" بانكسار وهو يراها تقف من أمامه مرددة بنبرتها الضعيفة التي ألمته هو عندما قالت للآخر:
"نعم؟ لسه عايزة تأذيني تاني ولا كفايه كده؟!"
لم تتمسك لآخر حديثها بل أدمعت عينيها بآخره وهي تحرك أنظارها نحو "عز" الموجوع. هزت "فرح" رأسها نفيًا. وقد هتفت تجيبها بإختناق تتوسلها:
"سامحيني يا جميلة. صدقيني أنا مكنتش أعرف كل ده وخوفت والله العظيم أنا مش بكرهك. سامحيني أنا مليش ذنب في كل اللي حصل ده و."
وبترت جملتها وحتى حديثها عندما عنفتها "جميلة" وهي تقاطعها بشراسة لم تخلو من اللوم المنكسر:
"لأ يا فرح ليكي ذنب. انت السبب الكبير في إن كل ده يحصل. سبب في وجعي وكسرتي دلوقتي. سبب في إني فعلاً كنت رايحة أضيع نفسي بإيدي عشان أخوكي يتبسط. وكل ده وأنا الغبية المغفلة. كل شوية بقول لنفسي وأنا بتخيلك قدامي.. "ليه؟" كلمة من ٣ حروف وجعتني وأنا اللي طول عمري ما أذيتكش حتى بمجرد الكلام لا من قدامك ولا من وراكي. انت اللي فهمتيني وحسيتي بيا وكمان عارفة أنا عندي إيه وحياتي إزاي. مش معقول بعد كل ده تكسريني بالشكل ده. انت خذلتيني أوي وأنا والله مستحقةش منك كل ده. عشان أنا طول حياتي في جنب مبجيش جنب حد عشان يحصل فيا كل ده. مكنش ليا ذنب إن أبويا يكون سبب كبير في اللي حصل لأختكم زمان. ومكنتش أعرف زي المتخلفة إن ممكن شريف أخوكم يعمل حاجة زي دي. مكنش عندي الفضول اللي يخليني أعرف سبب المشاكل اللي بينكم. حبي ليكم كان كفاية يخليني معاكم طول ما انتوا كويسين ومعايا. أنا عملت فيكم إيه؟ أنا أستحق ده؟"
تارة تلوم وتارة توبخ وتارة أخرى شراسة ولكنها انتهت ببكائها الذي ظهر في نبرتها. كادت أن تبرر لها "فرح" بلهفة كبرى من بين دموع عينيها فأشارت لها "جميلة" بأن تتوقف تزامناً مع قولها المخذول تقسم الأخرى بأنها سمعت صوت تهشيم قلبها منها هي حتى تؤخذل منها بهذه الطريقة الموجعة:
"أنا مش عايزة أسمع أي حاجة لو سمحتي. إنسي إن كانت في حياتك واحدة اسمها جميلة من الأساس عشان أنا مش قادرة أعدي اللي عملتيه فيا. مش قادرة أنسى المشهد كله وكل اللي حصل. غصب عني بس أنا مش قادرة. انت بقيتي غريبة يا فرح. عشان كده بعد إذنك سيبيني أنهي اللي بيني وبين أخوكي بكل هدوء عشان أمشي."
نظرت "فرح" نحوها ونحو "عز" الذي كسر قلبه للمرة التي لا يعرف عددها. نظرت بأسف وهي تنسحب ببطء ولم تغفل هي عن نظرات "حازم" و"فريدة" الحادة لها. خاصة "فريدة" التي حدقتها بإشمئزاز كلما تذكرت ما فعلته وكلما تذكرت أنها شقيقة الحقير من الأساس!!
أما "عز" فوقف ينظر لها بصمت، كاسر وقد هربت الكلمات منه، بينما طالعته هي بأسف، حتى نبست بمختصر ألم قلبها له رغما عنها ودموعها تهبط بلا توقف، حتى أنها لم تعبأ بمن حولها، بل ووقفت هي بركن بالخارج ليس به أحد، لذا كان الحوار بينهم فقط وعلى بعد من تبعها.
"أنا آسفة يا عز، صدقني أنا حاولت، حاولت عشان أدي فرصة لعلاقتنا بس لقيتها مقفولة من كل زاوية، أنا عارفة إنك مش زيهم، عارفة إنك حاجة عدت عليا ومش هتتكرر على قلبي تاني، يعز عليا فراقك بس والله العظيم مش سهل علينا كلنا اللي حصل!"
تردف الحديث بدموع منهمرة حتى هبطت دمعته هو الآخر واستجمع شتاته عندما أخرجت "دبلتها" من يديها، ثم خاتمها الآخر وهي تمد يدها بهما له، لم يرفع يديه بل حاول التماسك هو يردد لها بضعف ناظرًا على لون ملابسها:
"هتفضلي أحلى واحدة بتلبس أبيض حتى لو غيرتيه للأسود، هتوحشيني يا جميلة، هتوحشيني عشان قلبي عمره ما شاور على غيرك وسط كل البنات، عارف إن الظروف والدنيا خلتنا كده دلوقتي، بس والله العظيم أنا لسه عايزك لآخر نفس فيا، كان نفسي أبررلك إني مظلوم من كل حاجة، بس اللي يوجع بجد إنك فاهمة ده وبرضه لازم نسيب بعض عشان الظروف حكمت بكده، وأنا مقدر ده، بس قوليلي هتأقلم إزاي من غيرك؟ هعيش إزاي وأنا اللي كنت بحلم بأمنية وفكرت إنها اتحققت ومش هتروح وفلحظة كل حاجة راحت!"
ردد حديثه بألم، ولم تستطع التماسك هي أكثر، أمسكت كفه تضع به ما بيديها بوهن، ثم قالت من بين حديثها الضعيف له رغما عنها قبل أن ترحل وتتركه:
"تستاهل حد أحسن مني بكتير يا عز، تستاهل حد على الأقل أبوه مظلمكش وظلم عيلتك في يوم، أنا آسفة بس غصب عن عين قلبي مش هقدر، مش هقدر عشان أختي وعشان حاجات كتيرة، وافتكر إن اللوم ميترماش علينا اللوم كله على الدنيا وعلى اللي حوالينا، وعلى اللي وصلنا للحظة المتعبة دي."
ابتسمت بألم وهي تبتلع ريقها بوجع، ثم أضافت سريعًا كي لا تترك له الفرصة للرد بحديث يفتك بقلبها:
"مع السلامة!"
قالت حديثها ثم هربت سريعًا ورحلت وتركته ينظر بأثرها بألم، وقد هبطت منه دمعة ثانية، كالجسد الخاوي، لا يستطيع أن يثور أو يصرخ الآن، كل ما عليه فعله أن يصبر على أعباء الحياة ووجعها كما اعتاد، ولكن تلك الضربة هذه المرة كانت بقلبه هو، أي صمت وأي سكون، تحاشى النظر إلى "حازم" الذي وقف بتعب هو الآخر وهو يتابع ما يحدث، في حين تعمد "عز" الهروب منه ومن كل ذلك عندما أشار لـ "فرح" بعينيه لترحل خلفه بسكون، فقد قاطع الحديث معها منذ آخر مواجهة.
أما "جميلة" فمسحت دموعها متحلية بالثبات، وهي تهز رأسها لهما، احتضنها "حازم" باحتواء، وقد ربتت عليها "فريدة" بمواساة هي الأخرى ولم تعطهم "جميلة" فرصة للحديث بل أشارت لهم قائلة بسرعة رغم اختناق حديثها الذي يدل على عكس ما تحاول أن تتحلى به:
"يلا عشان منتأخرش على نيروز.. هسبقكم على العربية!"
تجهزت شقة "سمية" بجهاز "نيروز" بالكامل، وقفت النساء بركن بعيد، حيث أتت "دلال" و"وسام" لهن بشقة "سمية"، وقفت "نيروز" بعدما تجهزت بملابس تليق بالمقابلة والاستقبال، كان حديث النساء والفتيات جانبي، إلى أن جاءت اللحظة المنتظرة ودق جرس المنزل الذي يوحي بقدوم الشباب أجمعهم من الشقة الجانبية، حيث سبقت "دلال" وابنتها وتبقى "حامد" و"غسان" وأصدقاؤه وشقيقه، دق جرس المنزل فأول من توجه كان "بدر" الذي فتح الباب على وسعه ومن ثم ظهر له "غسان" والشباب مجتمعين ببهجة كبرى، دخل الجميع يقف في الصالة وهم يرحبون بـ "بدر" وصوتهم يملأ المكان، في حين وقفت "نيروز" على بعد بجانب "وسام" و"ياسمين"، اتجه لها "حامد" سريعًا ثم وقف أمامهما يبتسم باتساع وهو يفتح ذراعيه لها قائلاً بحنان:
"ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يسعدكم ويكمل فرحتكم دي على خير!"
احتضنته "نيروز" بتأثر وحرج، كونها لاحظت أن بعض الأنظار عليهما، ردد "غسان" سريعًا وهو يتوجه لهما أمام أنظار الشباب:
"كما تدين تدان يا حامد، فـ سيب مراتي بقى!"
قالها وهو يفصلهما عن بعضهما فصفق له الشباب بحرارة، بالخصوص "شادي" الذي هتف بصوت عالٍ مبهج:
"وسع الطريق يبني عشان أبو الغساسين داخل!"
ضحك الشباب بقوة وقد أخذوا كل منهم الوضع ليحملا الأشياء، حتى وقفت "سمية" بجانب "دلال" تتابعهم وقبل أن يتحرك أحد هتف "غسان" سريعًا وهو يشير لهما بالتوقف:
"استنوا حازم بيركن العربية تحت!"
"حبيبنا نستناه ومالو!"
قالها أحد الشباب، فوقف كل منهم يتحدث بحديث جانبي للآخر، ووقف "حامد" يطمئن على حالة "ياسمين" التي كانت تظهر عكس ما يجري بداخلها، في حين وقف "غسان" يطالع "نيروز" بصمت، والمشاعر المتضاربة بداخله لا يفهمها ولكنه شعور جيد، كانت تتحدث مع "وسام" بلطف، فحركت عينيها بعشوائية حتى وجدته ينظر لها مبتسمًا، توسعت ابتسامتها ثم تساءلت بهدوء:
"سرحان في إيه؟"
نظر لها "غسان" بسكون ثم سرعان ما غمز لها مرددًا باختصار:
"في الست وكلام الست!"
ضحكت هي بخفة وهي تضع يديها على وجهها ثم نظرت له باستنكار على وضعهما وحديثه حينما رددت باستفهام مشاكس:
"وكانت بتقول إيه بقى؟"
"أول ما قابلتك واديتك قلبي يا حياة القلب.. أكتر من الفرح دا محلاه.. أكتر من اللي أنا فيه مطلبش..!!!"
كانت الكلمات من إحدى أغانيها ولحسن الحظ كان حديثه متوافقًا مع المناسبة التي تخصهما الآن، طالعته بإعجاب، ثم غمزت له خلسة مرددة بخفوت:
"يا خسارة ضاعت عليك بوسة الخد، يلا مردودة!"
قصدت بأن تستفزه، بل وضغطت على نقطة حصره الآن بين التجمع، لا تعلم هي بأنه اعتبره تحديًا منها، وللحركة الجريئة انحنى هو سريعًا يقبل وجنتيها على سهوة حتى فتحت عينيها على وسعها، فعلها وسط انشغال الجميع، وأول من لاحظت فعلته كانت "والدته" التي ضحكت بخفة وهي تحاول لهي "سمية" قبل أن تنتبه لفعلته، حدجته "نيروز" بغيظ، ثم دفعته عنها بضيق واضح مرددة قبل أن ترحل من جانبه:
"هتفضل قليل الأدب كده طول عمرك مش هتتغير!"
قالتها محاولة أن تتخلى عن خجلها فقد تعتقد بأن الجميع انتبه لفعلته، أمسك كفها سريعًا قبل أن ترحل ثم وضع به "دبلتها" التي خلعتها وكانت ما زالت معه، رفع يديها اليسرى ثم ألبسها إياها في إصبعها وهو يقول:
"حاجة زي دي تتنسى إزاي يا روزة.. لو اتقلعت تاني هقلعلك دماغك!"
نظرت له بغير تصديق من آخر حديثه فوجدته يؤكد برأسه ما قاله وسرعان ما تحركت رأسه سريعًا لتهليل الشباب عندما دخل "حازم" مع "عايدة" وابنتها و"فريدة".
"المــــتـــر الغــالي!!"
قالها بعض من الشباب الذين تربطهم علاقة صداقة معه منذ فترة وليس الجميع ولكنه رحب بهم بسعادة من رؤيتهم وقد لاحظ هو انتظارهم له، تحركت عينيه نحو "غسان" الذي وقف ينظر عليه من على بعد، ثم غمز له الأخير وكأنه يفهم معنى نظراته، التفت "غسان" برأسه عندما وجد "نيروز" تحتضن "جميلة" بعمق وتأثر، بل وأحضانهما لبعضهما قد استمرت لدقائق معدودة سمع هو بها قول "جميلة" الممزق الذي تخلل مسامعه عندما قالت بضعف محاولة التماسك كي لا تنهار في هذه المناسبة:
"سبته! سبت "عز" يا نيروز غصب عني!"
ابتلع ريقه وهو ينظر على "نيروز" تربت على ظهرها بمواساة تحثها على التماسك، بل وذهب تفكيره نحو وضع "عز" الآن، تفاجئ بـ "شادي" و"بسام" يسحبانه لمنتصف الصالة وقد تعمد "حازم" تشغيل هاتفه على إحدى الأغاني ليوصلها بسماعات الصوت العالية، قد فعل هو ذلك تعمدًا، حيث لم يفعلها أي منهم احترامًا لوضعه هو وشقيقاته ووالدته.
تعالت الضحكات ببهجة ورقص "حازم" مع "غسان" الذي اندمج في الرقص ومعه الشباب وحتى انخرط "بسام" هو الآخر وهو يتراقص مع "بدر" و"شادي" وحتى.
حامد أمسك كف غسان يتراقص معه.
في حين أمسكت نيروز أيدي جميلة لتخفف عنها وتخرجها عن الوضع الذي هي فيه. وقفت عايدة ودلال وسمية ينظرن بسعادة بالغة على الصالة التي ازدحمت بمثل هذه البهجة البالغة. حيث أمسكت وسام كف وردة للتراقص معها بهدوء، هي الأخرى.
كان هناك اثنان يقفان فقط دون رقص، بل واحدة تتابع بتأثر. وكانت ياسمين التي تعمدت تجاهل وجود حازم. والأخرى وقفت تنظر وتتابع رغما عنها بسبب ما حدث لها، وكانت فريدة التي شعرت ومازالت تشعر بأنها لا تستحق مشاركتهم في هذه المناسبات. تفاجأت فريدة بشدة عندما توجهت إليها ياسمين وهي تمسك يديها بهدوء، وهي تبتسم. ثم انحنت تهتف بجانب أذنها كي يصل إلى مسامعها صوتها إثر صوت الأغاني العالي:
"ممكن ترقصي وتشاركينا؟ أنا نسيت كل اللي فات وعاوزاكي تنسي ونبدأ مع بعض صفحة جديدة."
كان طبيعيا خروج مثل هذا الحديث من هذه الشرسة صاحبة القلب اللين. لطالما كانت دائما صاحبة قلب هادئ لا يحمل بداخله شيئا، عكس طبيعة نيروز، وحتى وردة التي تأخذ جانب ومن ثم تعود وكأن شيئا لم يحدث. تأثرت فريدة بشدة حتى أنها تشبثت بكف ياسمين وهي تتوجه لتقبل قمة رأسها مرددة بعمق:
"أنا آسفة يا ياسمين، سامحيني!"
حركت رأسها باطمئنان لها، وقد سحبت كفها لتجعلها تتراقص بخفة. كان رقص الفتيات غير خادش للحياء، فقط رقص هادئ. ولم تتحرك ياسمين إلا بحذر، حيث لم تتناسى هي كونها حامل. تفاجأت هي بمن يفصلها عن فريدة وسط كل ذلك الرقص. ابتسم حازم لفريدة وهو يشير لها، ففهمت هي ما يفعله. حيث توجهت جميلة تتراقص مع فريدة، في حين سحب حازم ياسمين خلفه نحو الداخل، ومن ثم أغلق بعدها باب غرفتها خلفه. التفت يطالعها بغيظ وخوف بآن واحد، ثم قال بتعنيف:
"بترقصي وإنت حامل؟ مش خايفة على نفسك وعلى اللي فـ بطنك؟"
كانت ساكنة هادئة، لم تخرج عليه شراستها وكأن طاقتها استنزفت. ابتلعت ريقها بهدوء، ثم هزت رأسها نفيا تجيبه بسخرية مؤلمة:
"لسه فاكر تخاف عليا دلوقتي؟ ده مش رقص، أنا كنت بحاول أخفف عن فريدة، لكن انت الدور والباقي عليك انت!"
صمتت عن الحديث حتى خرجت نبرتها المتحشرجة وهي تلومه:
"انت حتى مدتنيش فرصة أكون جنبك وإنت فأصعب أوقاتك. مخلتنيش معاك وسيبتني وأنا هنا منهارة من العياط في إن وضعك عامل إزاي دلوقتي. مكنش زعل منك قد زعلي عليك. شوفتك مكسور ولسه شايفاك مقهور وبتحاول تبين عكس ده عشان إخواتك ومامتك. مكنش لازم تسيبني بالطريقة دي، حتى وأنا حامل معملتش حساب أنا هتعب إزاي عشانك وإنت عارف إنك أغلي حاجة عندي. انا كل اللي قاهرني إنك قسيت عليا فوقت وجعك وأنا اللي موجوعة عشانك إنت. انا يمكن أكون غلطت وغلط كبير لما خبيت عليك، بس متحملنيش ذنب كل اللي حصل وتظلمني وأنا اللي مش عارفة أفكر غير فيك وفوجعك!"
سمع وأنصت جيدا لها، وأغمض عينيه بألم، ثم فتحها يواجهها بضعف:
"أنا تعبان، تعبان أوي يا ياسمين، ومش قادر، بس غصب عني لازم أقف زي الجبل وميأثرش فيا حاجة. لكن والله العظيم الجبل ده وقع، وقع ومعتش قادر يقوم من تاني بسبب كل ده. أنا تعبت، تعبت أوي!"
أعلن انهياره هو أمامها، بل وبكى بكاء وصلها هي حتى ألمها. نزلت دموعه بتعب، فاحتضنته هي وهي تضمه إليها بكسرة واضحة مرددة بنفس نبرته الباكية:
"أنا آسفة يا حازم، حقك عليا من كل ده. آسفة على اللي حصل مني وأسفة على كل اللي بيحصلك حتى لو أنا مش سبب فيه. بس متعملش فنفسك كده!"
لم يقوى على المواجهة مرة أخرى بالحديث. كفى ألم إلى ذلك. شعور الراحة في أحضانها لم يتذوقه منذ وقت ومنذ ما حدث. بل ويقسم هو بأن وجودها الآن بجانبه خفف عنه ولو ذرة. ربت على ظهرها بوجع، ثم تنهد يأخذ أنفاسه ببطء مرددا باختناق:
"بلاش عياط بقا كفاية عشان صحتك وحملك. أنا هنسى اللي عملتيه بس صدقيني مش عارف حتى أقعد فالبيت من غيرك. كل الأماكن كئيبة من غيرك يا حب العمر!"
قصد بأن يلين من أجلها ومن أجل صحتها. خرجت من بين أحضانه وهي تبتسم، ثم رفعت أنظارها تطالعه فوجدته يرفع أنامله يمسح دموعها متحدثا مرة أخرى بهدوء:
"أنا مش عاوز دلوقتي غير الهدوء وراحة البال. ليكي وليا ولأمي وإخواتي. أنا هضغط على أمي تيجي تقعد معانا تاني هي وإخواتي رغم إنها رفضت وأنا جاي وقالتلي إنها مش هترجع، بس أنا مش عاوزها تقعد هنا بقيت خايف من كل حاجة، حتى خايف على فريدة تقعد لوحدها. كل اللي عاوزه منك إنك ترتاحي عشان الحمل وعايز علاقتك بفريدة تتحسن. إنت مش هتصدقي هي فرحت إزاي لما عرفت إنك حامل ولا وهي كانت بتترجاني أصالحك. عاوزها تتغير بيكم وبوقوفنا جنبها. عارف إنك قلبك طيب وصفيتي من ناحيتها، بس أنا مش هسيبها هنا من غير ما أتأكد فعلا إن نيروز كمان مسامحاها ومش متقلة منها. وحتى وردة وكل اللي موجودين!"
تفهمت ما يشعره تجاه شقيقته وما تشعره هي من أنها عبء. ابتسمت له باطمئنان، ثم أردفت ترد على حديثه بهدوء:
"أنا عارفة كويس كل ده وحاسة بيكم. أنا مش عندي أي مشاكل إنهم يقعدوا معانا. وفريدة أنا حاسة بيها وزعلانة علشانها، بس زي ما زعلانة فأنا نسيت كل ده قصاد نظرتها الموجوعة دي. أنا مش شايلة منها صدقني. وحتى وردة كمان مش بتكرها، بتحبها ومسامحاها على فكرة، وكمان نيروز لو لاحظت إنها خدت جنب منها، بس هي أكيد هتسامحها دا لو ما خرجتش ولقيتهم بيرقصوا مع بعض. لأن صدقني نيروز مش بتكرهها بس متستناش منها دلوقتي إنها تكون مكانتها عندها زي جميلة. إنت عارف هي عندها إيه، بس لو عليها فهي مش وحشة عشان تكرهها. إحنا هنا أقوياء ببعض يا حازم وهنعدي كل وحش وإحنا كلنا مع بعض وجنب بعض وكمان وإحنا بنكبر وبنزيد!"
قالت حديثها بأمل، وحتى في آخره وهي تلمح لحملها وحتى زواج نيروز من غسان. ابتسم بسعادة متألمة لما تفهمته من حديثه. اعتدلت بوقفتها، ثم توجهت تقبل قمة رأسه بحب، فضمها إلى صدره بأسف لما شعرت به وهي في وضعها ذلك. وجدها تخرج من بين ذراعيه، ثم حثته قائلة بهدوء:
"يلا نطلعلهم!"
أومأ لها بالإيجاب، فخرجت وهو بجانبها. وفر هو سريعا وهو يرى الشباب تتجهز لتصعد بالأشياء. لاحظت سمية ابتسامتها الواسعة، ففهمت ما حدث جيدا. بدأ الشباب في حمل الأشياء، وحتى غسان الذي أعطى المفتاح لوالده ليصعد هو في المصعد ليفتح باب الشقة. في حين سيكون الصعود على السلم لأربعة أدوار أخرى، وهم بالفعل في الطابق الثالث، ليصبح ما يصعدانه هو الطابق السابع. خرجوا واحدا تلو الآخر، وقد سبقت سمية لتصعد هي الأخرى في المصعد بحذر، ومعها دلال ووردة ووسام التي ابتسمت للفتيات قبل أن تصعد. تبقت نيروز تنظر على من يحمل الأشياء هو الآخر، وكان آخرهم شادي الذي ابتسم لها باتساع هو الآخر، ثم تساءل عن مجهول وهو يقول:
"علمتيلى الخدمة اللي قولتلك عليها؟ قولي أه بقا دا أنا طالع عين أمي عشانكم اهو!!"
هزت رأسها بتأكيد، وقد خرجت ضحكتها عندما سمعته يدعو لها ولصديقه، وقد حمل ما بيديه وهو يحرك أنظاره نحو من تلفت الجميع بجمال ملامحها فريدة، التي نظرت أرضا وهي تقف بأحد الأركان. حرك نظراته سريعا وهو ينحني ليحمل ما عليه حمله، ثم خرج من باب الشقة، وقد خرج من بعده شابين وهما يحملان هما الآخران من جهازها. تبقت ياسمين وهي تقف تتحدث مع جميلة بمشاكسة كي تخرجها من حالة حزنها، في حين توجهت نيروز هذه المرة، ثم وقفت أمام فريدة بهدوء وهي تقول على فجأة:
"أنا مبسوطة بس هتبسط أكتر لو محستيش إنك تقيلة علينا. أنا مسامحاكي على فكرة وعشان كده عاوزاكي تعتبري نفسك زي وردة وياسمين. عاوزين ننسى اللي فات فعلا ونبدأ من جديد. موافقة؟"
ابتسمت فريدة بتأثر، وقد أدمعت عينيها عندما احتضنتها نيروز. تيقنت ياسمين بأن شقيقتها لم تأخذ الطباع الجريئة من غسان فقط، بل امتزج لين قلبه بها، وقد أخذت منه الإحتواء بعد إن كانت لم تتهاون لفترة معينة.
لاحظن الفتيات وقوف زينات على أعتاب باب الشقة المفتوح. زينات التي لم تغفل لها عين منذ أمس، وظهر ذلك على عينيها وحتى ملامحها المرةقة بالحزن على ابنتها فقط.
ابتلعت غصة مريرة بحلقها ولم تتحرك نظراتها من على "فريدة" التي تعمدت أن تتجاهلها. لحظة صمت ولم يتحدثن بشيء. بينما تخطت "زينات" ودخلت حتى وقفت أمام أنظار "فريدة".
علمت بأنها موجودة عندما سمعت كل هذه الأصوات، وخاصة صوت "عايدة" و"حازم"، وزغروطة الأولى وحتى الفتيات. علمت بأن شيئاً كهذا لم يتركها "حازم" التي عاشت تنبذه. تنهدت تأخذ أنفاسها بوجع، ولم يخرج منها سوى سؤال واحد تستعلم منه عن حالها وهي تردد:
"عامله إيه يا فريدة؟ كويسة؟"
الآن تسأل عن حالها؟ ماذا لو أجابتها بصدق؟ وقالت لها بأنها منكسرة حزينة لا تقوى حتى على الوقوف الآن، ولكنها مرغومة بل وحثت نفسها على أنها لديها الفرصة بالفعل! حركت رأسها بخفوت أمام الأنظار. وقد بقى القليل من الأشياء الذين يهبط لها بعض الشباب من أصدقاء "غسان" ليأخذونها دون صوت حتى يصعدوا بها مجدداً.
ابتلعت ريقها بوهن، وقد حبست دموع عينيها وهي تبرر لها بخزي:
"سامحيني علشان خاطري يا فريدة، لو بتحبي أمك سامحيها وحسي بيها وبوجعها علشانك يا بنتي!"
لم تصدق أي من "نيروز" و"ورده" وحتى "ياسمين"، و"جميلة" لخروج كمثل هذه الكلمات المخزية من فم "زينات". ومهما فعلت فهي أم بالنهاية. وأي أم تظل عمياء إلى حدوث هذه اللحظة والحادثة الموجعة لهم جميعاً، وخاصة هي "فريدة" التي هبطت دمعتها بضعف، وهي تلومها مرددة بتعنيف خرج ضعيف لها:
"وإنتِ محستيش بيا ليه؟ محستيش بيا من زمان ليه وأنا ما كنتش عاوزة منك غير حضن بس يهون عليا قسوة الأيام وقسوة أبويا؟ كل حاجة عندك كانت موافقتك على طلبات مرفوضة من غير حتى ما تهتمي أنا كنت إزاي وحالتي إيه. سبتيني وحيدة معرفش أي حاجة. بشحت اهتمام وحنان من برا عشان اتحرمت منه منك ومنه هو. هو اللي هيتسجن قريب عشان ياخد جزاءه من غير أي ذرة شفقة فيا من نحيته. لكن انتي.. انتي هتاخدي جزاءك إزاي من كل اللي عملتيه فيا وفيهم وفكل حد مسبتوش يتهنى بحاجة بتحصل؟!"
بكت، وكما بكت بكت والدتها. انهارت "زينات" في البكاء وهي تحرك رأسها بنفي قوي حتى رددت سريعاً بنبرة مندعة أتت من وجعها عليها:
"لأ، لأ أنا أخدت جزائي والله العظيم أخدته فيكي وفاللي حصلك. أنا مش قادرة حتى أرفع إيدي أحضنك من كتر وجعي وأسفي وندمي. ياريتك تحسي باللي أنا حاساه. محدش هيحس بيا غير لو كان أم واتحط في مكاني. قلبي قايد نار علشانك. موجوعة ليكي. مبنامش ولا عارفة أعمل حاجة غير إني بفكر فيكي وفتعبك!!"
نزلت دموع "فريدة" بكثرة. ولا يعرف للدموع طريق محدد. هي التي كانت ومازالت ضحية كبرياء، وحتى وإن فعلت أشياء خطأ بإرادتها في البداية. ولكن أتت النهاية بأنها بالفعل ضحية! ماذا فعلت لك وللحياة؟ كي يحدث كل ذلك بكل ألم دون شفقة أو رأفة بحالي؟ سؤال منها هي لكل من ظلمها. وجدتها تهتف مرة أخرى بترج موجع، وبكل لهفة رددت لها:
"إديني فرصة، فرصة واحدة وبس تكوني معايا وفحضني من تاني!! وهعوضك والله هعوضك عن كل وحش شوفتيه فحياتك. بس تعالي، تعالي فحضن أمك اللي موجوعالك علشان خاطري!!"
نبرتها المترجية للصدمة الكبرى أثارت عاطفة "نيروز" وشقيقتها وحتى شقيقتها الأخرى. وحتى "جميلة". وكان الرد القاسي من "فريدة" عندما نفت بقوة وهي تبتلع ريقها ومن ثم أجابت بعنف في حديثها:
"متستحقيش الفرصة!!! عارفة ليه؟ علشان أنا مخدتش أي فرص منك ولا منه فحياتي. أنا اللي عايشة براحتي بس كنت مغصوبة على مرضكم ده. لحد ما خليتوني وحشة زيكم. عايشة أكسر فاللي حواليا من غير ما أفكر زيكم. هو اللي بكسره ده يستحق ده ولا لأ. ما كنتش أستحق. وزي ما ما كنتش أستحق ما كنتيش نيروز ولا ياسمين ولا وردة يستحقوا الكره ده ليهم. ولا حتى جميلة وحازم اللي شوفت فعيونهم حب أكتر منك ومنه. انتِ ست ظالمة زي ما جوزك راجل ظالم ومحدش فيكم يستحق فرص من تاني!!"
بكل قسوة شديدة رمت عليها الحديث ولم تتوقف إلى ذلك، بل أكملت بكل شدة وهي تضيف:
"وعلشان كده بقولك لأ. لأ مش هرجع لحضن أمي. أو هرجع بس لأم تستحق فعلاً. أم عاشت تنصحني وتنصح عيالها بإنهم يحبوني ويحترموني مهما حصل. أم اتظلمت كتير بسببك وبسبب جوزك. أم مخلفتنيش بس خلفت إخواتي اللي من دمي واللي وقفوا جنبي هما وأمهم رغم كل اللي حصل. هي قالتلي. قالتلي إن أنا بنتها فريدة أخت حازم وجميلة. لكن انتِ يا أم حسن ملكيش فرص عندي. أنا اسفة!!!"
وقفت بعد أن قالت حديثها ذلك. وقفت تنظر بكسرة. حديثها رغماً عنها بل وللمفاجأة تود أن ترمي بأحضان والدتها الحقيقة. ولكن ما فعلته معها منذ أن أنجبتها إلى الآن لم يغيب عن بالها. هناك من وقفا على أعتاب باب الشقة ولم يكونا سوى "غسان" و"حازم" اللذان هبطا فقط للإتمام على انتهاء الأشياء بالفعل وبقى الآخرين لتعديل الأشياء أكثر. وقف "حازم"، بصمت، بعد أن دخل هو و "غسان". ثم سمعا هما والآخريات صوت "زينات" الباكي وهي ترد على حديث ابنتها القاسي:
"بس أنا اللي أمك مش هي!! أنا اللي خلفتك وحبيتك حتى لو معرفتش أعبر عن حبي بس ندمانة. أنا اللي هحس بيكي وهتقهر علشانك ومحدش هيحس نفس اللي أنا بحسه ولا حد هيحبك أكتر مني... عندك حق أنا أم حسن فعلاً. بس حسن اللي أنا بردو ظلمتك زي ما ظلمته بس هو فين الوقتي؟ وحتى إنتي؟ أنا محدش باقيلي غيركم وحتى هو باعني وعرفت إني مش مهمة عنده. لكن إنتي.. إنتي الوقتي الحاجة الوحيدة اللي فيها أمل ليا. سامحيني. سامحيني وحسي بيا لو بتحبي أمك!!"
تترجاها للمرة التي لا تعرف عددها. تلك المغرورة التي عاشت تقسم هي بأن لو كان أحدهم سيردد لها بأنها ستقف أمامها بمثل هذا الخزي لأنكرت! نظرات المواجهة صعبة، خاصة عندما ننتظر الأمل في جواب أحدهم ومن ثم... ماذا يحدث؟ تكسر مجدداً عندما يختفي الأمل منهم ويحل محله الخزي والعار والندم كمثل هذه اللحظة عندما أصرت الأخرى على قسوة قلبها عندما أجابتها بنفي قاطع:
"أنا مش باقية لحد بعد النهارده غير اللي بيحبني فعلاً وواقف جنبي. أنا معادش عندي حاجة أحافظ عليها وأعينها. كل حاجة راحت مني وآخرهم انتِ وانتِ واقفه هنا تترجيني أسامحك بس بكل قسوة برفض. عارفة ليه؟ علشان متسأليش أنا جبت القسوة دي منين. أصل كلها منك ومنه. منكم. ودلوقتي أنا خسرت. خسرت نفسي بس هقدر أقوم من تاني عشان دا أنا.. لكن لما اخسر أبويا الظالم هرجعه تاني إزاي؟ لما أخسر أخويا اللي عيشت مشوفش منه غير كره بردو. وهو اللي المفروض يقف جنبي عنهم ويسندني. هرجعه بردو إزاي؟ وحتى إنتي وأنا مش عارفة أسامحك بس مش عاوزة أخسرك. هسامحك بردو إزاي؟"
تحدثت "زينات" بلهفة سريعاً مرة أخرى تترجاها للمرة الأخيرة:
"طب لو مش عاوزة تخسريني إديني فرصة. فرصة بس وحياة أغلى حاجة عندك بلاش عشان خاطري أنا!!!"
"معنديش حاجة غالية بعد النهارده. وأنا للأسف اللي ضيعت أول حاجة. بعدها ضاع مني كل شخص كان السبب فكل ده بطريقة مباشرة وغير مباشرة. فـ لا مفيش فرص. عشان أنا لما هبدأ من جديد مش عايزة حد من الماضي الموجوع ده يفهمني إنه كان السبب فحاجة حصلت أنا بحاول أتعافى منها. إمشي."
سكنت "فريدة" عقب قولها ثم أكملت وكل الأنظار لها وعليها:
"..إمشي ومتجيش تاني عشان مش هتلاقي غير الرفض انتي وجوزك وابنك.. إمشي وسيبني فحالي بقا!"
لم تجد سوى الرفض. رداً على كل ما فعلته لها بحياتها. وقفا بخزي من نفسها وللصعوبة القاسية آخر ما فعلته قبل أن ترحل أنها نظرت لـ "حازم" نظرة مترجية له بأن يجعله يسامحها ولكنه هرب بأنظاره منها متخلياً عن ما تريده. بل توجه ليضم "فريدة"، وهو يهدهدها. أما الأخرى فخرجت من الشقة بأكملها وحيدة لا تشعر إلا بالخزي والإنكسار.
أدمعت عيني "ورده" بتأثر، في حين وقفت "نيروز" بتعب.
إلى أن وقف بجانبها "غسان" رابتاً على كتفها بحنو.
خرجت "فريده" مبتسمة بألم من بين ذراعي "حازم" ثم قالت هروباً من الأنظار:
"أنا هطلع لهم عشان لو محتاجين حاجة فوق. حد هيجي؟"
"أنا هاجي معاكي.. استني!"
قالت "ورده" حديثها سريعاً. فابتسمت لها "فريده" وهي تومئ لها. وسرعان ما هبط الشباب بأجمعهم ومعهم "بدر" و"بسام".
في حين توجه "حازم" يقف أمام "ياسمين" وهو يردد لها بلين:
"ادخلي غيري عشان نروح عند الدكتورة يلا!"
حركت رأسها بالإيجاب. ثم تحركت للداخل.
وقف الشباب ببهجة ثم تحدث كل منهم بالوداع لـ"غسان" كي يذهبون.
فتحدث "غسان" لهم بإمتنان:
"عقبال اللي متجوزش لسه واللي اتجوز عقبال عيالكم بقى. هشوفكم تاني في الفرح محدش يكنسل!"
إحتضنوه بحب. ثم وقف يودعهم وهو ينظر لهم، بعضهم يهبط على السلم والبعض الآخر في المصعد بعد أن ودعوا "حازم" و"بسام" بالفعل و"بدر" هو الآخر.
إلتفت "غسان" ينظر برأسه فوجد شقيقه واقف مع "حازم". فنظر هو تجاه "بدر" الشارد وبجانبه "شادي" الذي يعلم ما يتحدث عنه وهو يراه يتحدث مع "بدر" بخفوت:
"جاهز يا بدر؟ لو كلمتهم يلا بينا!"
رفع "بدر" نظراته نحوه وقبل أن يتحدث له بالإيجاب نبس بمعارضة طفيفة:
"ما تخليك يا غسان، المفروض تكون موجود في وقت زي ده. وهاخد أنا شادي أو بسام!"
تحركت عين "غسان" من عليه ثم نظر إليها وهي تقف من على بعد. ثم عاد ينظر إليه قائلاً بجدية:
"ملوش لزوم الكلام ده يا بدر. اسبقني على تحت وأنا هاجي وراك وشادي وبسام هما اللي هيفضلوا عشان لو حد احتاج حاجة على ما نيجي!"
لم يجد "بدر" سوى الموافقة عندما وجد نفاذ الصبر والإصرار منه. خرج يسبقه بالفعل إلى أسفل.
في حين طالع "غسان" "شادي" وهو يأخذ منه مفتاح سيارته و"بسام" بإهتمام. ثم قال:
"أنا همشي المشوار اللي قولتلكم عليه. خليكم معاهم فوق عشان لو في حاجة تتشال أو تتحرك من مكانها وإن شاء الله مش هتأخر!"
وافقه "بسام" في حين توسعت بسمة "شادي" وهو يهز رأسه بحماس مردداً بغير تركيز وهو ينظر خلف "غسان":
"أم عيون قناصة!!!"
إلتفت "غسان" برأسه حتى وجد "منه" تقف أمام باب الشقة تدقه. تخطاه "شادي" سريعاً ليتوجه لها.
في حين خرجت ضحكات "بسام" عليه مردداً لـ"غسان" بنبرة ضاحكة:
"شادي وقع بجد مش لعب عيال يا غسان!"
أكد "غسان" له وهو يهز رأسه ضاحكاً بخفة. وجد "نيروز" تتجه نحوه بعدما رحبت بـ"منه" وتبقت مع الأخرى "جميلة".
ابتسم لها "غسان" وهو يقف فردت له البسمة الواسعة. ووقف "بسام" يتابع النظرات فيما بينهما حتى قال بمرح:
"ألاقي فين حد لما أشوفه عيني تطلع قلوب زيكم كده!"
خرجت ضحكة "نيروز" الخافتة في حين أجابه "غسان" بمرح. ولم ينسى هو ما قد انتبه له وما يحاول شقيقه بأن يخفيه كي لا يعلم:
"هقولك بعدين.. شد من هنا بقى!!!"
تنحنح "بسام" بحرج زائف ثم توجه ليخرج من باب الشقة بعد أن أشار لـ"شادي" بأنه سيسبقه.
أما "شادي" فلم يترك "منه" تقف وحدها مع "جميلة" التي سعدت لرؤيتها. ردد هو بهيام لها وهي التي تحاول تجاهله:
"حاطة لينسيز على قنصاتك ليه؟"
خرجت ضحكتها الرقيقة وهي تلتفت بوجهها له مرددة بنبرة صريحة:
"عشان متقوليش يا أم عيون قناصة. كنت عارفة إن هاجي وألاقيك هنا لما نيروز كلمتني وعزمتني. هو أه أنا جيت متأخر بس عشان مشوفكش وبردو زي اللزقة موجود!"
لم تكمل الحديث دون أن تعكره. فالبداية سعد هو بشدة ولكن لم تكتمل فرحته هذه. ولحسن الحظ جعلت هي بحديثها "جميلة" تضحك.
هتف "شادي" باستنكار لها متصنعاً الحزن:
"وأنا اللي مستني أشوفك انت وعينيك. أتاري عينيك مش عايزة تشوفني!"
كانت كاذبة في قولها بل أصبحت هي تتلهف لتراه ولتتحدث معه. وكان ذلك الشعور رغماً عنها.
وجدت نفسها تسأله باندفاع وبمتهى الجدية:
"انت عاوز إيه مني يا شادي؟ ومتقوليش رقمك والكلام ده، عشان أنا بسأل بجد!"
سألته "منة" بجدية شديدة لتنهي تعلقه وحتى تعلقها الأخير به.
انسحبت "جميلة" تتوجه ناحية "نيروز" التي تركها "غسان" وغادر.
فابتسم "شادي" وهو يرد ببساطة:
"عاوز رقم أبوكي!"
" هنهرج بقى والجو ده؟ هلعبلك بوكس من جديد!"
حرك رأسه هذه المرة بجدية شديدة ثم قال بعقل قليل ما يخرج منه:
"أنا فعلاً عاوز رقم أبوكي عشان ناوي أدخل الباب من بيته والله العظيم لو مش مصدقاني!"
قهقهت على حديثه بقوة وهي تشير له محركة رأسها إيجاباً:
"مصدقاك.. مصدقاك. صريح للدرجة اللي وترتك وانت بتقول الباب من بيته مش البيت من بابه يا شادي.. بيه!"
قالتها "منه" بسخرية لاذعة فخرجت ضحكته الهادئة الجذابة.
ظلت لوهلة تنظر له فقط دون رد فتحدث هو من جديد يسألها متمنياً الإجابة التي ترضيه:
"موافقة؟"
شعرت بالجدية التي أربكتها في حديثه. فابتلعت ريقها بتوتر. ثم سألته بتلقائية:
"طب انت حبتني امته؟ ولا لسه محبتنيش وعاوز تخطبني كده!"
"لا حبيتك، بس مكنتش عارف أقولها لألاقي نفسي مقتول في حتة مقطوعة. أو مش كده بالظبط. أنا فعلاً حبيتك من أول مرة شوفتك فيها أعجبت بيك. ولما قصدت أخبط فيكي وأحاول أشاغلك بس ملقتش منك غير الصد. مكنتش عارف إنه حب. بس لما غبت عنك ومشيت من هنا مكنتش بفكر غير فيكي ومش عارف بمعني أصح أخرجك من دماغي رغم إني شوفتك بس مرات معدودة. أنا عندي القدرة إني أعترفلك إني بحبك وبالطريقة اللي تخطف كمان بس مردتش أقولها إلا لما أحس الأول منك إن في قبول حتى. زي ما انتي احترمتي نفسك وأهلك ورفضتي أي محاولة مني إني أتقربلك أنا كمان حسيت إني عايز أحترمك وأحترم أهلك عشان لما أقولك بحبك يبقى كله عارف أنا لما حبيتك عملت إيه ودخلت البيت إزاي. حاولت أكون محترم في مرة رغم إني طول عمري مكنش ليا في الكلام ده!"
قال "شادي" حديثه بعقلانية وصدق جعل تلك الجريئة ترتبك أمام نظراته.
رفع عينيه ينظر نحو خصلات شعرها التي هبطت إحداهما على عينيها. رفع يديه يزيحها للخلف ولكنها أمسكت يديه تنفضها وهي تحدجه بغيظ مرددة:
"انت لسه قايل إيه يا متخلف انت!"
فتح "شادي" عينيه بذهول وهو يشير على نفسه متحدثاً:
"متخلف؟ في واحدة تقول لخطيبها يا متخلف؟ .. وبعدين بصراحة انت اللي شعرك وعينيك يسحروا أعمل إيه يعني؟"
" لسه مبقتش خطيبتك! وبعدين خف محن شوية!"
كيف سيدخل بعلاقة مع تلك المعتوهة! حرك رأسه بقلة حيلة منها وهو يبتسم ثم سألها سريعاً:
"طب موافقة ولا لأ يا أم عيون قناصة؟"
"موافقة يا شادي.. بيه!"
كانت نبرتهما الاثنان ساخرة مثل بعضهما. وما أن انتهى كل منهما ضحك عليهما كل من كان يتابع حوارهما ذلك. حتى "ياسمين" التي تجهزت ووقفت تتابع ما بينهما هي و"حازم" وحتى "وسام" التي هبطت لتحمل "يامن" وتلاعبه ومن بجانبها من "جميلة" و"نيروز".
إنتهت الوقفة بتصفيق كل منهم الحار لهما.
ابتسم "شادي" بفرحة ثم عدل ياقته الوهمية بغرور زائف.
إنتهت بصعود "شادي" مع "نيروز" و"وسام" ومعهم "يامن".
في حين ظلت "جميلة" مع "منه" في الأسفل التي لاحظت حزنها وسكونها وحتى ضحكاتها التي لم تكن صادقة إلى حد كبير.
من الواضح بأن هناك طرف سيعلم ما حدث لها. ولم يكن الطرف سوى "منه"!
بعد رحيل "حازم" مع "ياسمين" بالطبع!!
"وقد يستصعب العبد ترك معصية معينة، ولكن أحياناً تأتي على القلب لحظة فارقة.. يقع جلال الله من قلب العبد موقعاً، وتأخذه أخذة الشوق إلى مراتب القرب، فيكون ترك المعصية حينئذٍ أيسر عليه من نفسه الذي يتنفسه. وهذا هو الحب حقاً."
مابين بكاء عاجز بالفعل وما بين إصرار على أن يتوب ويكون أفضل من ذلك، يعلم أنه يقبل العبد أينما حل. ولكن شخص مثله بتردده في ترك شيء رغماً عنه تركه من الأساس، بل شيء أدمنه بالفعل. من سوء إلى أصدقاء سوء. وكالعادة يحاول بأن يقطع تناول المخدرات عنه، ولكنه يفشل في كل مرة. ومحاولته في التوقف جعلت لديه من الدمار ما هو متبقي عنده إلى الآن. كلما طلب جسده الجرعة عذبه وحرمه، ولكن ينتهي به الوقت عند حقنه بوريده رغماً عنه. الجلسة المعتادة منذ وقت. وهو الآن يجلس على سجادة الصلاة رغم ارتجافة يديه بالاحتياج، ولكنه يعلن ضعفه وقلة حيلته لربه. بل والدعاء الذي سمعه من الشيخ دعاء يردده عندما يشعر بقلة حيلته:
"اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم، فرج همي ويسر أمري وأرحم ضعفي وقلة حيلتي وارزقني من حيث لا أحتسب. اللهم أبدل قلقي سكينة، وهمي انشراح وسخطي رضا وخوفي طمأنينة وعجزي قدرة وضيقي فرح وعسري يسر وضعفي قوة. يارب يا قادر يا مقتدر!!!"
ومن لديه سواه يدعوه؟ "فلئن رددت يدي فمن ذا يرحم؟" وضعه يشرح الكثير من عجزه. لا يعلم هو بأن النجاة أخيراً أُرسلت له قبل الموت على ذلك الحال. فقط فعل ما هو هين عليه، التقرب من الله وترك بالفعل أذيته لنفسه وجسده. والطبيعي بأن لحظة موته بسبب ما يتناوله تقترب يوم عن يوم.
نهض "آدم" يطوي سجادة الصلاة. وللصورة المتعاكسة عن كل ذلك بأن جسده الآن يحتاج الجرعة خاصة. يديه التي ترتجف. آخر واحدة لديه. آخر ما يتم حقنه لديه. ماذا سيفعل بعد ذلك؟ جذب الكيس البلاستيكي وقبل أن يربط الحبل على ذراعه كي يظهر الوريد بكل قهر. سمع صوت دقات الباب. نظر برهبة وهو ينهض ثم توجه بخطوات بطيئة يفتح الباب. غير منتبه بأنه بالفعل يمسك إحدى الإبر التي تحقن في الوريد بيديه. ترك فقط الحبل البلاستيكي وبقية الأشياء وخرج. فتح الباب بتعب رغم رعشة يديه. وما أن وجد "غسان" وبجانبه "بدر" ابتلع ريقه بصعوبة. لا يعلم هو بأن سيارة إحدى المصحات موجودة بالخارج لأخذه رغماً عنه لتنتشله من بئر ذلك الألم. دخلا الاثنان حتى أغلق أحدهما الباب خلفه. وقعت الإبرة من يدي "آدم" المرتعشة حتى تحركت أنظار "بدر" و"غسان" لها وهي واقعة أرضاً. تحركت أنظار "آدم" بريبة تجاه شقيقه الذي اقترب منه ثم ردد بنبرة خائفة لا يعلم من ماذا ولكنها خرجت حتى ألمت قلب من سمعها:
"إنت عاوز إيه؟ عاوز إيه مني يا بدر؟"
قالها وهو يرجع خطوات إلى الخلف ثم انحنى يمسك الإبرة من على الأرض. فوضع "غسان" قدمه يضعها سريعاً على يد "آدم" قبل أن يأخذها. فرفع عينيه ينظر له بإنفعال حل محله الهلع عندما هتف "بدر" له وهو يسنده لينهض قائلاً بنبرة مختنقة:
"أنا آسف يا آدم، بس لازم ده يحصل. لازم تروح مصحة عشان تبقا.."
قاطعه "آدم" رغماً عنه بصراخ وقد وصل عقله وجسده لأشد الاحتياج الذي جعله يهيج كذلك وهو يصرخ به بخوف:
"لأ يا بدر! لأ عشان خاطري! مش هقدر! مش هقدر والله!!!"
نبرته الصارخة الباكية جعلت دموع "بدر" تهبط وهو يحرك رأسه نفياً على حديثه. انتبه هو على فتح "غسان" للباب كي يدخل به رجلان مرتديان زي خاص بعملهما. ثم أمسك كل منهما ذراع من ذراعي "آدم" الذي نفى التحرك بجسده ونبرته الصارخة وصلت بكل ألم لهما:
"علشان خاطري لأ! لأ ونبي! ورحمة أمك ما تعمل كده يا بدر!!!"
قالها ببكاء جعل دموع "بدر" العاجز لأول مرة تهبط وقد ضمه "غسان" بألم وهو ينظر إليه يحاول التملص من بين أيدي الرجلان وهو يصرخ بهما بغضب ممزوج بنبرته الباكية:
"إبعدوا..إبعدوا عني! شيلهم يا غسان! شيلهم عني ونبي!!!!"
لم يستمع له أي منهما. بل ذهب "غسان" وهو يكتف قدميه ثم حملوه إلى الخارج حيث السيارة المتخصصة. إلى أن وضعوه بها سريعاً وقد أحكموا الغلق عليه. ووقف "غسان" يتابع المعلومات من أحدهما إلى أن سارت السيارة بالفعل. التفت "غسان" برأسه وهو يكتم دموعه على ذلك المشهد الذي انتهى بقول "آدم" القاسي لـ "بدر":
"مش هسامحك! مش هسامحك يا بدر بقولك!!"
قالها بصراخ وهو يحاول التملص. ولكن أين هو الآن؟ رحل وترك "بدر" مع ألمه. "بدر" الذي احتضنه "غسان" للمرة الثانية وهو يهدهده حينما سمعه يهتف بتعب:
"مش قادر يا غسان! مش قادر! شكله كان صعب أوي عليا!!!"
يعلم بأنها لحظة ومشهد لم يكن هين لذا تعمد عدم تركه والذهاب معه كما حثه. ضمه باحتواء وحنو بعاطفة أخوة شديدة. إلى أن أخرجه وهو يمسح وجهه بالمنشفة الورقية ثم قال يحثه بحديثه المطمئن:
"اجمد يا بدر! إنت أخ وأخ كويس ومسؤول. وآدم هيخرج. عارف إنها فترة هتكون صعبة عليه بس لما يخرج هيشكرك وهيفضل فاكرلك الحاجة دي لقدام أوي. إنت كان بإيدك تغير حياته للأحسن ولما جتلك الفرصة مترددتش. فمتترددش في حاجة صح أخدتها. إنت بس تدعيله وكل اللي عليك انك تعمل ده وتدفع مصاريف رحلة التعافي. ونبعتله لبس وكل اللي يحتاجه من غير زيارات لحد ما يبقى كويس خالص. ووعد هيخرج حتى يبوس رجلك وإيدك على اللي عملتهوله ده. بس دلوقتي لازم تكون أقوى من كده!!"
صمت للحظات. إلى أن حرك رأسه يوافق حديثه. فوجده يشير له بالرحيل. وقد تعمد أن يسبقه ليبدأ في تسخين السيارة أولاً. ولم تكن سوى سيارة "شادي" بسبب عطل سيارته. تركه يقف وهو ينظر على المكان بحزن. حتى أخذ قرار مهم بالنسبة له. سيتعمد بعد الآن جلب عمال قلة لتغيير الديكور حتى يخرج شقيقه كي ينسى كل ما حدث وما مر. سيعمل على تغيير مجرى حياته وإن تطلب الأمر بحثه عن عروس ليجعله يتزوج كي يبدأ حياته بطريقة صحيحة بعد أن يخرج كي لا يتفرغ لما جعله يدخل هذه المصحة. هز رأسه بإصرار على خططه المستقبلية ثم سحب خلفه الباب ليغلقه. رافعاً أنظاره نحو شقته هو التي توجد في الأعلى. ترك كل ذلك ورحل عندما فتح باب السيارة ليجلس بجانب "غسان" في الأمام الذي ابتسم له بإطمئنان وأمان. وحتى الآخر يعلم بأن لولا وجوده بجانبه لما فعل هذه الخطوة الصعبة.
عواقب الأفعال للمرة الذي لا نعرف عددها تداهمنا. وأي مداهمة؟ وعاقبة ما فعله في الماضي أتت وتأتي الآن. جلس بخزي. ولم يغيب عن باله كل ما فعله. بل ولم يهتم كثيراً في البداية لموضع أولاده. تحثه كتلة الخير الصغيرة بأن يخرج ليواجه من تلطخت بشر أحدهم بسببه هو. وحتى الأخرى التي كانت على مشارف الضياع. ماذا فعل هو لهما؟ وحتى لـ "حازم" الذي وضعه ويضعه في لحظة تحت ضغط شديد، أوقات ما يكون الضغط أكبر منه بكثير. ولكنه يتحمل رغماً عنه. يسمع بالفعل الأصوات لتلك المناسبة. ومنذ ما حدث وهو جالس وحده بشقة "عايدة". يعلم بأنه مهدد الآن للخطر وأن حياته في بوادر الضياع. ليس بيديه الهروب. ولكن بيديه الاعتراف على نفسه إن وضع بمثل ذلك الوضع. يعلم بأنه سيضع نفسه به لا محال. لذا قرر فعل ما توده كل واحدة من زوجاته. توجه ليفتح باب شقته للطارق. وما أن فتحه وجدها تقف أمامه بعينيها المتورمة. دخلت "زينات" تاركة من خلفها باب الشقة مفتوح. ثم أمسكت هي تلابيبه بإندفاع تعنفه بضعف عكس ما تفعله الآن:
"إنت السبب! إنت السبب منك لله ربنا ينتقم منك يا شيخ!!!"
وقف "سليم" ساكناً بين يديها إلى أن أمسك يديه يهبطها من عليه. ثم تعمد خروج نبرته الساخرة بين حديثه الذي خرج لها:
"وإنت البريئة مش كده؟ برأتي نفسك في ثانية وإنت نص البلاوي اللي بتتحدف علينا كانت ومازلت بردو بسببك؟ ضيعتي عيالك زيي بالظبط. إحنا الاتنين تعادل. قوليلي كده إبنك فين دلوقتي؟ أو حتى إيه اللي يوصل بنتك إنها تخرج تعيش مع واحد وتسيبك وتسيبني؟"
"لا مضيعتهمش. حتى لو أثرت فأنت أول واحد ظالمهم. إنت السبب وحتى اللي كنت بعمله معاهم كان منك بردو. إنت قادر وجاحد. ومحدش وصل بنتك واللي عملته ده غيرك إنت يا سليم!!!"
واجهته بعنف وشراسة من بين دموعها وللقسوة بأنه أظهر عدم ندمه إلى الآن ويحملها هي الأخرى الذنب الأكبر؟
، ابتسم بسخريه وقد لاحظ هو وقوف "عايده" التي هبطتت من الطابق الأعلى وبجانبها يقف "بدر" و"غسان" الذي أتى من الخارج وحتى وقفت "جميله"هي الٱخرى تتابع بوجعٍ ما تراه هي وصديقتها "منه" التي تتألم من أجلها
إبتلعت "زينات" ريقها ثم رفعت يديها تمسح دموعها بقوه مردده بنبره قويه له قائله وخلفها الكل يتابعها :
_"طلقني يا سليم ، وحالاً ، طلقني عشان أنا معنديش حاجه أفضل علشانها على ذمتك يوم واحد ، بعد ما ظهرت بظلمك لغيرك وحتى قسوتك على ولادك اللي لحد الٱن مش ندمان عليها ، طلقني يا بن عمي عشان أنا مش هفضل على ذمة واحد هيبقي رد سجون كمان فتره زيك كده !!!"
كانت جريئه في ٱخر حديثها ، تبدلت ملامحه إلى ٱخرى متشنجه بقوه ولم يسعفه إلا عقله الذي حثه بتلبية ما تريده ولكن ليس قبل تأديبها ، حيث دفعها بعزم ما لديه من قوه ومن ثم سيبدأ في أن ينقض عليها ويهاجمها برده وهو يضربها ، أول من دخل سريعاً يمنع كل ذلك رغم أنها تستحق ولكن رجولته لم تسمح له بأن يرى أحداهن تُهاجم على قول الصواب ! ، دخل "غسان" يدفعه عنها بعيداً قبل أن ينقض عليها ، ثم دفعه حتى ترنح "سليم " إلى الخلف ، كاد أن يهاجمه "سليم " بشراسه فأمسكه "غسان" بغضبٍ وقد تخلى عن ٱخر ذرة صبر به وهو يوبخه بإشمئزاز تزامناً مع هزه له بقوه :
_" إنت جنس ملتك إيه يا راجل إنتَ ؟؟؟ إنتَ إيه؟؟ جبروت ؟؟؟"
دفعه "سليم" عنه بعنفٍ وهو ينفض يديه من عليه ثم قال يتحذيرٍ له :
_" إنت مالك إنت ، ابعد وملكش دعوه، خليك فحالك وإحترم حتى السن اللي بيني وبينك ده ، بدل ما أسجنك فيها وقادر وأعملها يا بن حامد !!!!"
حرك "غسان " رأسه بسخريه منه ثم قال بتهكمٍ أمامهم جميعاً له هو :
_"الاحترام للمحترم أما سنك ده تبله بدموع عينك لما تتحط ورا الحديد زي الغريب اللي ملوش حد فالدنيا دي ، حتى عيالك قرفانين منك !!!"
أثار غيظه من جديد ، ولكن وقف "بدر " لم يتحرك في حين دخلت "عايده" و"جميله" فقط إلى الداخل ، نهضت "زينات" بنفسها ببطئ ثم أصرت على قولها ولكن قاطعها جملة "عايده" هذه المره وهي تردف بمنتهي الانكسار له :
_" طلقني يا سليم!!"
سيطلقهما الإثنان؟؟ ، لم تكون مشكله بالنسبه له ، بل وجه نظراته صوب "جميله" الساكنه التي كتمت دموعها ،يري بأن أحد لا يستحق الأسف منه سوى هي وشقيقتها وفقط !! ،وقبل أن يبتلع الغصه المريره التي توجد بحلقه تجاهها هتفت "جميله" تقاطع كلماته بما تريده هي الٱخرى هروباً منه :
_" الوقت فات على اللي هيحصل ده ، لو سمحت طلقها وريحنا ، طلقها عالاقل مش هتتربط بإسمك لكن أنا أشيل اسمك من إسمي ازاي ؟؟ ..حاسة ان مينفعش أقول كده يا أستاذ سليم ، بس أنا حاسة بالقرف وأنا إسمي مربوط بيك وهيفضل مربوط طول عمري!!!!"
لم تردد أبي ؟؟ فعلتها ؟؟ رغم كونها قاسيه على قلبها ولكنها قالتها ، حرك نظراته من عليها ولم يحاول مره أخرى من كثرة قسوته المعهوده ، نظر ناحية "عايده " الذي ظلمها طوال حياته من كل الإتجاهات ، ولم يهتف سوى عدة كلمات جعلتها تشعر بالراحه ولو ذره:
_" إنتِ طالق يا عايده!!"
جاء على مسامعه هذه الكلمه بقوه "حازم " الذي دخل بسرعه ومن خلفه "ياسمين" ، ابتسمت "عايده " براحه ثم أغمضت عينيها بألمٍ وقد احتضنتها هذه المره "جميله " التي شعرت بوجعها ، بينما وقف "سليم" يحرك أنظاره نحو "زينات " التي تأوت من ظهرها ، لم يحدجها هي سوى بسخطٍ حينما قالها لها هو الٱخر :
_"انتِ طالق ، طالق يا زينات !!"
لم تتحرك إنش واحد بل إبتسمت مع بكاءها وللقهر لم تجد هي أحضان أحدهم كمثل ما رأت الأخرى تحتضن إبنتها ، هي التي فعلت ذلك بنفسها !! ، طالعه "حازم" بخيبة كبرى امتزجت بلومه له للمره الذي لا يعرف عددها ، لم يقدر هو على قول أي حديث ، إلتفت الجميع بسرعه عندما وجدوا هم عسكرى ورجل من قسم الشرطه أحدهم دخل بلا إذن وهو يسأل حيث ما رأى التجمع:
_" مين هنا "سليم الأكرمي ؟؟؟!"
ترقب الجميع ولم يقوى أحد على قولها ، عندما تيقنوا بأنها اللحظه الحاسمه !! ، إعترف "شريف" عليه بالفعل وفُتحت القضيه وإن سُأل ولده فسيقول أو قال الحق بالفعل !! ، كل المؤشرات تؤدي إلى حبسه وحكم جديد في هذه القضيه الذي إعتقد بأنه دفنها ومر عليها الزمن !، علم هو بأن شهادته واعترافه بما فعله هي الوحيده الٱن التي ستؤدي به إلى السجن بالفعل !! ، لم يقوى أحد على الإشاره عليه بل حتى هو لم يفعلها ، وأول من قالتها وأشارت إليه كانت "زينات " التي هتف بسرعه وهي تنظر إليهم مشيره على زوجها بقولها:
_", هو ده ، هو ده المحامي سليم الأكرمي اللي إنتوا عاوزينه !"
أشار للعكسري الوحيد من معه بأن يسحبه ببطئ وحذرٍ معه ، عندما هز له "سليم " رأسه يؤكد حديثها فلا يوجد مفر بالفعل ، بطاقته بجيب بنطاله !! لم يتبقي شئ إذن !!
_" مطلوب القبض عليك!!"
كل يعلم للسخريه !؟ ، وقبل أن يلبى أمره ويأتي من خلفه وقف ينظر إلى "حازم " التي كانت تمسك"ياسمين" كفه بإحتواءٍ،سيرددها ؟؟ المساعده ؟؟
_" مش هتقف جنب أبوك يا حازم ؟؟"
_"ربنا يهون عليك أيامك يا حضرة المحامي !!!"
قال "حازم" جملته بأشد ألم ، إعتبره "سليم" بأنه قالها بمنتهي البساطه ولكن كانت عليه ليست هينه، نكس رأسه بخزيٍ وهو يخرج من الشقه بأكملها ، تاركاً "جميله" تبكي بقهرٍ هي والنساء، ربت "غسان" على كتف "حازم" بمواساه ، ثم قال له بتحفيزٍ :
_"إنت أجمد من كده يا حازم ، شد نفسك أخواتك وأمك محتاجينك جامد ، وحتى ابنك اللي جاي !!"
هز رأسه بخواءٍ وفقط ، كيف سيبكي وهو الذي فاضت دموعه وانتهت ، بل ودموعه التي تهبط بداخله وليس بالخارج !!...، كانت الشقه شقة "عايده" فتوجهت هي نحو الداخل وقد تركت الجميع كي تختلي بغرفتها فقط ، في حين تحرك "بدر" بألمه هو الٱخر للشقة الأخرى ، وانسحب "حازم" ومن خلفه "ياسمين" نحو غرفته ، ووقفت "جميله" تبكي مع مواساة "منه" لها ،
أما "زينات" فوقفت تتابع ما يحدث بعينيها الحمراوتان ، لم يتحرك "غسان" من أمامها ، بل تحدث ليوضح لها ما فعله حتى هتف لها بحده :
_"أنا معملتش كده عشان خاطر عينيكِ، أنا بس شخصيتي كراجل مسمحتليش أشوفك وإنتي بتتهاني كده وللأسف على كلام صح وطالع منك إنتِ !!!
وكان الحديث الثاني منه هو رحيله ليتركها واقفه وحيده في الشقه ، ترك الباب مفتوح وهو يتوجه ناحية شقة "سميه" التي ظلت في الأعلى هي ووالدته ووالده ، وقد هبطت "نيروز" الٱن تدخل من خلفه سريعاً وعلى ذراعيها "يامن" النائم ، الذي أخذه من على ذراعيها "بدر " وهو يمتن لها بنظراته وحديثه ، حتى دخل به إلى الداخل ، وجدته يقف في شرفة صالة منزلها ، توجهت تقف من خلفه بخفه ، وأما هو في هذه اللحظه فكانت الأفكار تحاربه من جميع الإتجاهات يفكر هو الٱخر بأمورٍ كثيره ،..
أولهم عدم علمها إلى الٱن مرض والدتها الذي يعد عبء عليه ، وحتى قصة شفقته على عدة أطراف من ما حدث، انشغاله بشقيقه وما لاحظه عنه وحتى موضوع "عز" الذي أثار ضيقه وحزنه !!
والآن تعاطفه وحزنه مع "حازم" الذي يراه منكسرًا، يخفي انكساره ولكنه يراه. يرى الرجل عندما ينكسر، وجد من يضرب كتفه من الخلف بخفة. تنفس بعمق وارتياحية، وقد شعر بأناملها، فلم تكن أنامل حانية مثل هذه سواها. طالعته باهتمام، وقد لاحظت شروده، ثم تساءلت بشغف:
"بتفكر في إيه؟"
"في إن هيحصل إيه لو كل ما الدنيا تضيق بالواحد يكون عنده زرار يضغط عليه ويختار أكتر حضن بيرتاح وبيطمن جواه، ويترمي فيه!"
نبس "غسان" حديثه بعمق، وقد استشعرت هي مدى ضغطه، فسألته وهي تعلم الجواب:
"وكنت هتختار حضن مين؟"
تنهد "غسان" يخرج أنفاسه بتعب، ثم قال بكل صدق واختصار، وعينيه لم تفارق بنيتها الفاتحة:
"حضنك انت!!!"
ومن ثم رفعت ذراعيها تضمه إليها تلبي غرضه دون فهمها لما يجري بداخله. تنفس هو بعمق وراحة كبرى لم يشعر بها سوى في أحضانها. وجدته يهمس بجانب أذنها قائلاً بحب بالغ وهو يربت على ظهرها:
"معًا وفـ حضن بعض.. هي الغاية يا بنت الأكرمي!!"
قصد بأن يظهر لها بأن وجودها أكثر ما يهمه بحياته أكملها. ابتسمت "نيروز" بتأثر، ثم خرجت ترفع عينيها نحو عينيه الدافئة، ومن ثم توسعت بسمته حينما قالت هي بصدق، معتاد في قولها المعهود:
"ثبتني يا بن البدري!!"
"أقل حاجة يا بنت الأكرمي.. ما تيجي!!!"
قالها لها غامزًا لها بجرأة، فضحكت هي بقلة حيلة ثم رددت بيأس منه:
"ملكش حل والله أبدًا!!"
ابتسم "غسان" بشغف، وقد تعلقت نظراته بعينيها للحظات، وهو يجيبها بنبرة صادقة أسرتها:
"كل حاجة ليها حل إلا عيونك!!"
رمشت "نيروز" بأهدابها بحرج من حديثه اللين المفاجئ والجاد، حتى أنها قلبته لمرح مشاكس وهي تقول:
"كده كتير عليا أوي يا بن البدري!!"
ضحك بخفة ثم أمسك كفها يقبله بلطف، لم يخلو من أسفه اللطيف الذي كان رغما عنه من الأساس:
"أنا آسف يا نيروز إنك مش عارفة تفرحي وتاخدي حقك في الفرحة بسبب الظروف دي، بس أنا متأكد إن ربنا هيراضينا ولسه وقت كمان نعرف نفرح فيه.. بجد!!!"
يتأسف في أشياء وأحداث تحدث رغما عنه، بل ومنها ومن عائلتها. وإن كان للأسف، فكانت هي الأحق بقوله. تنهدت تخرج أنفاسها وهي تطالعه بتأثر، ثم قالت بتفهم:
"دي حاجة غصب عننا يا غسان، أنا مش زعلانة، كفاية إن إحنا مع بعض، هي دي الغاية زي ما بتقول، ولا إيه؟"
هز رأسه يؤكد لها بهدوء ما قالته وما قاله هو. وجدها تقترب منه لتقبله بوجنتيه كما اعتادت. فنظر هو عليها بشغف، ثم رفع إصبعه يدخل بعض من خصلاتها التي خرجت رغما عنها من حجابها البيج الهادئ كمثل ملامحها الهادئة التي سلبته هو!! ابتسمت له بحنو، ثم أشارت له ليتبعها وهي تمسك كفه تسحبه خلفها:
"تعالى نشوفهم فوق، في حاجات ظبطوها وبقى شكلها حلو أوي بالذات في البلكونة اللي فالصالة، وكمان في بلكونة الأوضة هحط فيها ورد وهنقل الورد اللي هنا فوق وهجيب كمان ألوان مختلفة وأهم حاجة طبعًا النعناع بتاعك و..!!"
استرسلت في إكمال حديثها بشغف. فرح هو بأنه رآه بصدق منها، بل وتحاول لأجله. دخلت معه المصعد بحماس، وهي تحاول أن تظهر له فرحتها بالمناسبة كي لا تشعره بشعور ليس جيد. ورغم ألمها وحزنها على ما يحدث، ولكنها تقاوم. تقص عليه بعض من الأمور التافهة غير المهمة وبعضها مهم، ولكنه ينصت على أي حال وينتظر بفارغ الصبر اليوم المعهود عندما تكون في بيته ومنزله وأن تكون بالفعل زوجته وشريكة أيامه وحتى حياته القادمة!!!!
***
"وتشوفني تقول مليان قوة..
مع إني مكسور من جوه!!"
لم يقوى على إكمال عمله بل والذهاب له ثانية بعد المواجهة بينه وبين "جميلة". جميلة أيامه هكذا أطلق عليها، عندما يشعر المرء بأن جاءت له أمنيته التي يريدها بعد وقت دام للترجي بأن تكون له ومن ثم.. في لحظة سريعة لم تكتمل دقيقة واحدة، يتبخر كل ذلك وتذهب بالفعل هذه الأمنية الذي عاش يحلم بها!! عن أي وجع في هذه اللحظة يتحدث!! شارد هو الشارد الغريب في الطريق، لا يعلم هو أين الراحة به؟ أين الركن الهادئ؟ أين العدل؟ خرج من شروده عندما وجد "والدته" أمامه ممسكة بصينية الطعام، لا يعلم هي كيف دخلت وكيف كان الحديث الذي كان قبل:
"يبني انت مأكلتش حاجة من امبارح، كُل لقمة وريح قلبي!!"
رفع عينيه الحزينة يطالعها بامتنان، ثم ابتسم لها "عز" بتكلف وهو ينهض ليراضيها حتى وضع ما بيديها بركن ما، تزامنا مع قوله:
"شبعان يا أم عز، اقعدي ارتاحي متشغليش بالك بيا، أنا كويس كده!!"
جلست "حنان" بعدما سحب يديها يجلسها بجانبه. ابتسمت بألم، وقد خانتها دموعها وهي تحيبه:
"كويس ازاي بس يبني؟ انت مش شايف نفسك؟ ريح قلبي وساعد نفسك تكون أحسن، أنا مستحملش أشوفك كده مكسور، مقدرش ولا هقدر أشوف عز ابني زينة الرجال بالكسرة دي، أنا مخلفه راجل يا عز، راجل واقف في وش الدنيا حتى لو جت عليه، بس أنا ربيته على إنه يقف ويصدها وميستسلمش، وصدقني هو نصيب، نصيب والله وهي مش من نصيبك، واللي خلقها خلق غيرها يا حبيب أمك، إنت بس شاور ومحدش هيقولك لأ أبدًا!!"
كان حديثها كحديث أي أم. ابتلع غصة مريرة بحلقه، ثم استرسل بحديثه يوضح لها بتعب ينفي قولها له:
"مكنتش عايز غيرها هي، ولو هشاور على حد حتى بعد اللي حصل، فمش هشاور غير عليها هي، مش عارف أشوف غيرها يا أم عز، قلبي مش مساعدني أصدق إنها خلاص مبقتش ليا، أنا تعبت، تعبان من كل حاجة ومش قادر، مش قادر من ساعة ما فهمت إن بنتك كانت سبب من أسباب بعدها عني، هو أنا مستاهلش؟ مستاهلش واحدة زيها؟ مستاهلش واحدة بحبها وقلبي مختارش غيرها؟.. الحمل كان تقيل أوي عليا، ولما ظهرت في حياتي خف، خف بوجودها وأنا اللي كنت حاسس إني اتولدت عشان أشقى وأتعب وبس، لما حسيت إنها ليا وبقت معايا عرفت إن من حقي أحب وأتحب، أتاري الدنيا كانت بتلاعبني وبتضحك على عقلي وكأنها بتقولي انت تعبت كتير يا بن آدم فـ خد لك يومين بضحك عليك بيهم وبعلقك فيهم بحاجة مش ليك!!!!"
هبطت دموعها من حديثه وحتى دموعه هو الآخر. سمعته يكمل بكل وجع وكأنه أقل ما يمكن قوله:
"مش عارف أشكي ازاي وأنا اللي معنديش عنوان حتى متحدد بحاجة معينة، كل حاجة بتوجع فيها، حتى الحاجة الوحيدة اللي كان من حقي أختارها راحت مني!!!"
حرك "عز" رأسه بقهر، ثم تشبث بنظراته يطالع عينيها الباكية وهو يضيف بترجي وتمني:
"نفسي أرتاح يا أم عز، ابنك تعب، تعب ومعتش قادر، إمته الراحة قوليلي؟؟؟"
حديثه قاسي على قلبها الضعيف الهش. ضمته إليها بحنان وتأثر شديد وقد امتزجت شهقاته ببكائها العالي وهي تشدد من ضمها إليه. ابتلعت ريقها كي تردد بنبرتها الباكية له والمتلهقة:
"ارتاح يا حبيبي، ارتاح في حضن أمك يا ضنايا، الله يسامحها الدنيا يا بني الله يسامحها!!"
لم يقوى على إرداف الحديث أكثر، وحتى هي كانت آخر ما قالته ببكاء شديد كان حديثها الأخير. وحتى لا تعلم هي كيف انتظمت أنفاسه وغاص بأحلامه الأخرى وما يريدها معه. نام في أحضانها التي تريح من بها كونها أم!! اعتدلت تمسح دموعه بتعب، ثم عدلت من جلسته على الأريكة وهي تفرد عليه الغطاء. لا يوجد بيديها فعل شيء سوى أنها قبلت قمة رأسه وقد هبطت دمعتها على وجهه ذو الملامح الرجولية صاحب البشره السمراء التي كانت داكنة أثر ما يعمله بحرفته. قبلت كفه بأسف، ثم اعتدلت تنظر على نومته بعجز، قبل أن تخرج من غرفته، تقسم هي بأن نومته هذه لم تكن إلا "نومة المظلوم"!!
رواية عودة الوصال الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سارة ناصر
"أنت المغيث لمن سدت مذاهبه.. أنت الدليل لمن ضلت به السبل."
"الخيرة فيما يختاره الله، وما يختاره الله لنا هو خير لنا حتى لو كان عكس رغبتنا، وكل اختيارات الله صالحة حتى وإن كنا لا نفهم كل أسبابه. فالمريض المرض خير له، والمعافى الصحة خير له، والفقير الفقر خير له، والغني الغنى خير له. وكل من حُرم من شيء فذلك لأنه خير له. فوالله، والله لن تجد أجمل من اختيارات الله لحياتك، كلها تنصب في صالحك وأنت لا تعلم، وكل الخير في تدابير الله. فقل بقلب راض: "رضيت يا رب".. ولا تكره شيئًا اختاره الله لك، فعلى البلاء تؤجر، وعلى المرض تؤجر، وعلى الفقد تؤجر، وعلى الصبر تؤجر. فرب الخير لا يأتي إلا بالخير."
انتهت الكلمات عندما خرجت من الخطيب على المنبر في المسجد، خطبة يوم الجمعة الذي أتى عليهم منذ آخر مرة حدث فيها ما حدث، أيام مرت إذن! سمعت "فريدة" هذه الكلمات بتعقل، والابتسامة الصغيرة المريحة تزين وجهها، فيرسل الله لها أحد الرسائل مشفرة! ومن المحتمل بأن الرسالة يمكن أن تكون لغيرها وليس لها فقط بهذه اللحظة! كانت جالسة على سجادة الصلاة، تحاول التقرب إليه أكثر وأكثر. جلست هي بشقة "عايدة" مع "جميلة" في غرفتها، بسبب رفضها ورفض زوجة والدها الذهاب مع "حازم" في منزله. فتعمد هو الجلوس معهم بشقة والدته كي لا يتركهم هذه الأيام بمفردهم.
التوبة! أربعة أحرف بمعاني كثيرة. تحاول جاهدة بأن تعمل بها. منذ يومين بالتحديد بدأت في سماع الفيديوهات الدينية التي استفادت فيها من نصائحها. خاصة عندما ابتاع لها "حازم" هاتف جديد لمحاولة إرضائها والتخفيف عنها ومساعدتها في البدء من جديد. تسمع القرآن كل يوم قبل النوم منذ آخر مرة، بل وتقرأ به بين الحين والآخر. وحتى أنها حاولت إلى أن انتظمت إلى حد ما في أداء الصلاة في وقتها! محاولتها في أن تكون أفضل لم تكن منها وحدها ولولا رؤيتها لهم بجانبها لتأخرت حالتها هذه! أنثى وليست كل أنثى ضعيفة. تنهدت "فريدة" تخرج أنفاسها بصوت متقطع عميق عندما سمعت صوت الخطيب يعلو مرة ثانية بقوله الذي تخلل مسامعها بقوة:
"شوف.. مهما كان حظك قليل في أي أمر من أمور الدنيا خليك راضي. سيدنا عمر قال: ستمضي أقدارك على كل حال، فاجعلها تمضي وأنت راضٍ عنها، فلربما ثواب رضاك يرضيك يا بن آدم."
تنهدت براحة كبرى. رغم جهلها لأمور كثيرة، لكنها تقتنع اقتناع تام بأن الله يرسل لها رسائل تطمئنها وأن هذه الكلمات ليست كذلك، بل خصصت لها لتهدأ قلبها. نهضت تقف ببطء، ثم وضعت القرآن على مكتب "جميلة" حتى إعتدلت. لم تكن "جميلة" موجودة بالغرفة في كل ذلك، وتعلم هي بأن "حازم" ذهب للصلاة ومن المفترض بأن معه بالتأكيد "غسان" و"بسام" و"حامد" و"بدر". انتفضت بحركة بطيئة عندما تخلل إلى مسامعها صوت شهقات خافتة سمعتها هي رغم قرب الشرفة من الغرفة التي تجلس بها. توجهت لتخرج من الغرفة بخطوات هادئة حتى خرجت ووجدتها تقف بظهرها في الشرفة، ومن سواها صاحبة الشهقات الممزقة التي تسمعها هي في الليل؟ كما تسمع بكاءها الضعيف المعلن بقلة حيلتها وعجزها عن نسيانه! نسيان "عز الرجال!" وكيف يُنسى وهو عز بل وعز الرجال كما يُقال!
انتفضت بفزع عندما وجدت من تضع يديها على كتفها من الخلف. وسرعان ما اعتدلت ترفع أناملها تمسح دموعها المنهمرة. ثم التفتت "جميلة" برأسها تنظر لمن جاءت تقف بجانبها. ولم تجد منها سوى سؤال واحد تلقائي خرج على فجأة بكل ترقب منها:
"مكنتيش عارفه إنه غالي على قلبك أوي كده صح؟ بتحبيه؟"
سؤال معلوم له إجابة معروفة حتمياً! وجدت أن لا مفر من نظراتها العميقة. فهزت رأسها إيجاباً دون أن تتحدث. حركت "فريدة" رأسها بأسى ثم بدأت في الاسترسال بالحديث مجدداً تعلن لها قلة حيلتها هي الأخرى:
"أنا مش عايزة أقول حاسة بيكي. عارفة ليه؟ عشان أنا مش عايزة أشبهني بيكي. رغم إني حبيت وحبيته بجد مع إن مدانيش أي احتواء، بس كنت بدور على مكان وحضن تاني ملقتوش هنا! معرفش عز ده بس لو هو اللي بيتعيط عليه كل يوم بالوجع ده، فهو يستاهلك. عشان إنتِ جميلة بجد مش مجرد اسم وخلاص. أنا بحاول عشانك. وحاولت مع حازم كام مرة أفاتحه فموضوعك مع عز بس كل مرة كان بيصدني. صدقيني مش فارق معايا إنه أخو شريف رغم إني مرعوبة ومعتش عندي ثقة في حد من طرفه، بس حاسة إن إنتِ تستاهلي. تستاهلي حد كويس الواحد يتوجع على فراقه زيك كده. وطالما موجوعة يبقي هو يستاهلك! أوعدك إني هحاول تاني مع حازم عشانك وهحاول أفهمه إني مش عندي مشاكل كونه أخو شريف. أنا بحاول أنسى كل اللي فات وأبدأ من جديد وكده كده اللي حصل حصل مش هيتغير فيه حاجة!"
أعلنت لها قلة حيلتها مع إصرارها بأن تقف معها بنفس ذات الوقت. تأثرت "جميلة" من حديثها بقوة حتى أنها تنهدت تأخذ أنفاسها ببطء ثم ابتلعت ريقها تبوح لها بما تشعره:
"بحاول أنساه يا فريدة ومش عارفه. بدور زي المجنونة على حاجة وحشة عملها معايا عشان أكرهه وأبطل أفكر فيه. لكن بردو مشوفتش منه غير كل خير. عز علاقتي بيه مكنتش طويلة بس في الفترة القصيرة دي غيرني. غيرني للأحسن. حسيت إني عايشة عشان حاجة وإن في حد نظرته ليا مختلفة. حبني عشان أنا كده. حبني وفخور بيا من غير ما يستنى مني حاجة. اتظلمنا أوي مع إننا ملناش ذنب في حاجة. نظرة عينه الأخيرة ليا قهرتني وكأنه بيقولي متمشيش أنا مليش ذنب. بس بكل قسوة عملتها غصب عن عين قلبي. هو بجد الحب مؤذي أوي كده؟"
تسأل؟ ولمن؟ لمن أُصيبت بفؤادها وطُعنت بالخيانة؟ والأخرى خُذلت من أقرب الناس إليها؟ اثنان لم يرا عدلاً قط! حركت "فريدة" رأسها بألم ثم حاولت الثبات وهي تجيب عليها بما يقهر قلبها وكأن الأخرى ضغطت على جرحها:
"مؤذي لدرجة إنه أعمى وغبي. غبي وبيخلي الواحد يحس إنه طاير وهو أصلاً واقع في سابع أرض. مؤذي لدرجة إنه خلاني أروح لأكتر بني آدم حتى معندوش ذرة فهم يعني إيه حب. خلاني مخدش بالي إنه أصلاً معقد ومش حابب حتى نفسه. خلاني عايزة أهرب حتى لو لطريق ضياعي. الطريق اللي الحب رسمهولي مليان ورد وهو كله شوك وبس!"
صمتت تبتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقها ثم واصلت بنفس خيبة الأمل:
"مؤذي عشان مبيتش و مبيتنساش بسرعة لو كان حب بجد يا جميلة. مؤذي أوي عشان فجأة بعد الحياة ما بتبقى رايقة كله بيقلب لوجع وتعب في الآخر. والقلب بيتحسر منه وبيتظلم من أذاه أوي!"
وما أن انتهت وجدت دمعتها تفر منها دون أن تشعر. فضمتها "جميلة" إليها بوجع وهي تربت على ظهرها بكلمات مواساة هادئة تربت بها على قلبها الهش وحتى قلب الأخرى! أخذا راحتهما في الحديث بالطبع بسبب خلو المكان من الأشخاص. فاليوم سيكون اجتماعهن بشقة "سمية" على الغداء بسبب أنه اليوم الذي سيكون قبل موعد زفاف "نيروز" و"غسان". بل ولم تذهب "فريدة" منذ الصباح وانسحبت "جميلة" من تجمع الفتيات قبل وقت لتختلي بنفسها قليلاً. تعلم أنها تقصر بحق فرحتها مع ولـ "نيروز" ولكن الأخرى تعلم وتقدر وتقف بجانبها أينما حدث! اعتدلت كل واحدة منهما مرة أخرى وكل منهما تحث الأخرى على الثبات والتماسك. رفعت "جميلة" أناملها تمسح وجه "فريدة" ثم ابتسمت لها بتحفيز مع قولها الهادئ:
"رغم كل ده بس أنا عندي أمل قوي إن ربنا هيعدينا من اللي إحنا فيه ده. واثقة إنه هيرضينا ويطبطب على قلوبنا. وأدينا صابرين وربنا معانا!"
قالت حديثها بيقين. ثم رفعت عينيها بتردد تتحدث مرة أخرى:
"بس في حاجة لازم تفكري فيها يا فريدة. فكري تدي لمامتك فرصة تانية. الندم باين عليها بكل ذرة. إنتِ مش عارفه كانت بتيجي كام مرة اليومين اللي فاتوا دول عشان تشوفك. الإصرار عندها إنها تقابلك وتواجهك تاني مش بيروح حتى لو هي هتتكسر. مشوفتيش دموعها في كل مرة كنتي بتقوليلنا نقول إنك نايمة أو مش عايزة تشوفيها. أنا مشوفتش منها حلو بس هي معاكِ أم. أم من ساعة ما رجعتي ونفسها تاخدك في حضنها!"
سكنت "فريدة" وهي تنصت إليها بصمت يكسرها. ترقبت "جميلة" رد فعلها ولكنها صمتت للحظات إلى أن أجابتها بعدها بتعب:
"حاسة إني مش قادرة أتخطى اللي عملته. رغم إني مش متذكرة أي حاجة وحشة عملتها بالتحديد وعارفة إن لولاها مع بابا مكنتش هعرف أعيش من أساسه. مش عارفه أشرح اللي جوايا من ناحيتها بس أنا.. أنا حاسة إن هي وجعاني بس ظالماها بردو في نفس الوقت."
تنهيدتها المتألمة كافية لشرح الكثير. تحشرج نبرتها. نظرة عينيها الضعيفة. إشارتها المعلنة عن قلة حيلتها في الأمر.
حاولت الأخرى بأن تفهمه وتشعر به كمثل شقيقتها.
ابتلعت "جميلة" ريقها ببطء، ومن ثم خرجت بحديثها المتردد لها كي تحثها:
"حاولي تديها فرصة، وقبل كل ده تعطي لنفسك فرصة. ولو عايزة تبدأي صح من كل حاجة، تبقي ترضي مامتك طالما هي ندمانة يا فريدة! توعديني إنك هتفكري في إنك تعملي كده فعلاً؟"
خرج الحديث منها بتحفيز، ولا تعلم الأخرى لما هزت رأسها إيجاباً. فابتسمت "جميلة" بأمل، ثم أمسكت ذراعها محاولة التخفيف عن نفسها قبل شقيقتها هي الأخرى. حتى دفعتها برفق، تزامناً مع قولها الذي خرج بحماس مجهول أثار غرابة "فريدة":
"طيب يلا نروح لنيروز بقى."
توقفت "فريدة"، ترفع الحجاب الذي أزاحته قبل قليل. أحكمته على ملابسها الطويلة ذات لون سماوي مريح للأعين، ملابس مخصصة للصلاة بها. وما أن أحكمته وعقدته جيداً، اعتدلت تشير لها ولكنها توقفت تنظر لها باستغراب مخجل عندما رأتها تدقق النظر بها بقوة، والإبتسامة الواسعة زينت محياها أخيراً، وهذا ما كان مريباً بالنسبة للأولى.
ابتلعت "جميلة" ريقها، ثم طالعتها مجدداً بفخر وهي تقول بنبرة ظهر بها الزهو والسعادة بما وصلت له:
"مش قادرة أوصفلك إنتِ حلوة قد إيه في الإسدال ده، وحتى شكلك عامل زي الملاك وإنتِ لافة الطرحة حلو ومش مبينة ولا شعرة. أنا مبسوطة عشانك وفخورة بيكِ أوي أوي!"
تأثرت "فريدة" تأثراً شديداً. في حين توقفت "جميلة" تعي ما قالته من لفظ كان ليس لها من الأساس "ملاك في الملابس!!!". وذات الرداء الأبيض!! وأجمل من ترتديه كانت هي!! كل هذه الجمل تخصه وحده، تخص "عز الرجال!!". خرجت من شرودها ومداهمة الذكريات القريبة لها عندما وجدت "فريدة" تندفع بأحضانها بفرح، ثم خرجت وإن أقسمت لها بأن كلماتها صنعت لها يومها هذا لم تصدق:
"بجد أنا فرحانة أوي إنه حلو عليا، عشان عارفة إنك بتقولي الصراحة."
"هي صراحة فعلاً، جميل عليكِ عشان إنتِ جميلة زي أختك وكده!!"
قالتها "جميلة" بكبرياء كي تجعلها تضحك، فضحكت "فريدة" بخفة ثم أيدتها قائلة بسرعة:
"دي حقيقة بقى علشان إحنا شبه بعض، والوقتي هنبقى شبه بعض أكتر.. علشان أنا لما خرجت مع حازم وحب يفرحني ويشتريلي لبس، اختارته كله زي ستايل لبسك بالظبط!!"
قالتها، ففهمت الأخرى على الفور. فظلت "جميلة" في هذا اليوم جوار والدتها حيث كانت "عايدة" ليست بصحة نفسية جيدة بعد الطلاق!! ولكن تأقلمت ولو ذرة مع الوضع، فطلاقها منه يعد إفراج من ظلم. توسعت بسمتها وهي تحرك رأسها بتفهم، ثم أشارت لها بمرح، مشيرة لها بأصابعها:
"كده إتنين فـ واحد رسمي!!"
تعالت ضحكاتهما بخفة على ذلك العبث، حتى أن كل واحدة تحركت لتخرج بالفعل من الشرفة ومن ثم من الشقة بأكملها. سعادتهما الممزوجة بالألم دائمة إلى حد معين. لحظة رضاهم بما يحدث تجعل الأمر هين. وماذا بعد الرضا.. الراحة..
قبل وقت قليل، في شقة "سمية" كان التجمع من الجميع، حتى عائلة "حامد" وزوجته وحتى "بسام" و"وسام". ولكن إلى الآن مازالت الرجال بالخارج حيث الصلاة. كما كانت "عايدة" موجودة بالطبع. كانت "نيروز" تقف بغرفة الضيوف تنظر على شكلها بعدما انتهت من تنظيمها بعيداً عن الصالة وما سيحدث بها من تجمع على الغداء. وقفت تنظر بإعجاب، حتى أنها رأت "وردة" تعدل شيئاً بسيطاً. كما كانت "ياسمين"، تقف بحماس. إلى أن التفتت تنظر بسعادة لهن وهي تقول:
"تفتكروا هتفرح؟"
قالتها بشيء من الحماس، في حين أعجبت "وسام" بفرحتها هذه رغم كل ما يحدث. هزت "نيروز" رأسها بنعم، ثم قالت هي الأخرى:
"طبعاً، حاسة هيفرق معاها جداً، حتى حازم كمان مش شايفه هو فرحان باللي عملناه دا قد إيه؟"
"بصراحة إنتوا حلوين أوي وقلوبكم نضيفه كده!!"
لم يكن القول سوى من "وسام" التي قالتها بتأثر. فربتت على كتفها "وردة" التي قالت بمرح:
"والله ما في عمتو حلوة زيك كده، ولا إيه يا مرات أخوها؟"
قالتها وهي تنظر إلى "نيروز" التي رفعت ذراعيها تحتضن "وسام" بحب، تزامناً مع قولها المرح:
"أخت الغالي وأخت جوزي، أكيد يعني حلوة اوي!!"
دخل من خلفها "غسان" سريعاً، الذي تنحنح بنحنجرته. وبالأساس قد دق جرس المنزل قبل دقيقتين هو والشباب ووالده. تعالت ضحكته وهو يدخل من خلفها حتى رفع ذراعيه عليهما الاثنان أمام الأنظار دون حرج تزامناً مع قوله المشاكس لها:
"ده إنا حلو وبيتقال عليا كلام فالحب أهو، أومال منشفاها عليا ليه يا مفترية!!"
تعالت ضحكات "ياسمين" التي تحركت بجانبها "وردة" لتقف. ومن ثم دخل "حازم" مع "بسام" و"حامد". تحركت "نيروز" لتقف بجانب "غسان" الذي أسند ذراعه على كتفيها كالعادة في حين نظر بإعجاب على ما يراه ثم عزز من نفسه قائلاً:
"والله غسان حلو وبيعمل كل الحلو، ولا إيه يا جوز خالة العيال؟"
قالها وهو يرفع ذراعه يشير لـ "حازم" الذي ضحك بخفة وهو يحرك رأسه بنعم. ومن ثم سعادة بالغة في نبرته خرجت عندما قال:
"الصراحة يا جماعة مكنتش متوقع إنكم هترحبوا أوي بالفكره لإني كنت عاوز أعملها فـ شقتنا، بس لاقيت ياسمين ونيروز. مصممين نتجمع ونعملهولها هنا ونفرحها وأنا مبسوط اوي بكده ومش عارف أقولكم إيه!!"
نظر له الجميع بحب. في حين تحدث "بسام" أولاً، وهو يقول:
"متقولش كده يا عم حازم إنت أخونا وأختك أختنا وبعدين إحنا كلنا عيلة مع بعض مفيش بينا الكلام ده!!"
"عاش يا حبيب أخوك!"
قالها "غسان"، كتأيد لحديثه هو الآخر. فتحدث "حامد" وهو يرفع يديه يربت على كتفه بحنو:
"عيب يا حازم الكلام ده، أنا أبوكم هنا ونفسي أشوفكم فأحسن حال دايماً!!"
احتضنه "بدر" بعاطفة أخوة دون أن يردف حديث. فتحركت أنظار الجميع نحو "يامن" الذي حمله "غسان" بمرح، وهو يرفعه لأعلى بذراعيه فتعالت ضحكاته الطفولية العالية التي جعلت كل منهم يضحك عليه بسعادة. إلى أن دق جرس الشقة. فأشارت "ياسمين" سريعاً لهم بأن يخرجوا كي لا تحرق المفاجأة. فرت "وردة" للخارج ومعها زوجها وحتى "ياسمين" و"حازم" و"حامد" و"بسام" ومن ثم "وسام" الذي أشار لها "غسان" بأنه سيلاحقهم على الفور. كادت أن تتحرك "نيروز" لتخرج فقاطعها "غسان" بعبثه وهو يحمل الصغير. ثم غمز لها بجرأة محركاً أنظاره من أعلاها لأسفلها تزامناً مع قوله الجرئ لها:
"بردو لابسة الإسود وأنا لسه حي!!"
خرجت ضحكتها الخافتة بخجل منه ومن اقترابه منها، فانحنى هو يهمس بهدوء، عكس طبيعة كلماته:
"ما تيجي!"
حركت "نيروز" رأسها بقلة حيلة وهي تبتسم، ثم قالت بيأس منه:
"انت فاضي والله، عدينا خلينا نطلعلهم!"
نفى "غسان" برأسه، ثم اعتدل بتحدٍ قائلاً بوقاحة:
"أنا عايز بوسه!"
قال طلبه بجدية شديدة، وحتى أنه أول مرة يطلبها منها بهذه الطريقة، تفاجأت من قوله ولكن لم تتفاجأ من وقاحته المعهودة، حاولت أن تتخطاه ولكنه قاطع سيرها مرة أخرى مردداً بتحدٍ ضاحك:
"بترجعيني مراهق تاني، بس ماشي!"
اقترب منها عقب قوله حتى أنه انحنى ليقبلها، ولكن كانت قبلة "يامن" من قبله هي المطبوعة على خدها، تفاجأ "غسان" من فعلته حتى أنه حرك رأسه ينظر له بفخر، ثم قال بضيق زائف:
"هو عال وكل حاجة بس أنا الأول، أنا الأول يحبيب عمك والله!"
قهقهت "نيروز" من طريقته في قول الحديث، حتى أنها رأته يهبط "يامن" من على ذراعيه أرضاً، فسار ليخرج من الغرفة، ووقف هو يعتدل، ثم غمز لها مجدداً يسألها:
"ها كنا بنقول إيه؟"
حدقته "نيروز" بغيظ، ثم وكزته بكتفه قائلة بمراوغة تبعده عن الحديث:
"كنا بنقول تطلع نقعد معاهم، وتبطل قلة أدب!"
ضحك، فنظرت هي على ملامحه الرجولية وحتى ضحكته التي تفضلها، حرك عينيه الشغوفة بحبها، ثم اقترب ببطء عندما وضعها تحت تأثير نظراته العاشقة، قبلها بجانب فمها برقة على اللاصق الصغير الفضي الموجود من أثر تعليقها لزينة ما في المكان، توترت من فعلته حتى تحركت بخفوت، فدار هو ذراعه حول خصرها وهو يبتسم بهدوء، ثم خرج منه حديثه بصدق حينما قال بشغف:
"مش مصدق إننا بكرة هنبقى في بيت واحد.. يا بنت الأكرمي!"
ترتبك من الفكرة نفسها لطالما تهاب القادم، هي التي تتعمد نسيان ذلك رغم فرحتها ولكنه حاصرها، توسعت بسمتها الرقيقة له، ثم رفعت عينيها تطالع عينيه الشغوفة بها، ثم قالت هي الأخرى بنبرة صادقة:
"ولا أنا يا غسان.. ربنا يعديها على خير!"
اعتدل وهو يقف ولم يحرك نظراته من عليها، رفع يده يرجع خصلاته إلى الخلف بغير اهتمام، ثم خرج الاهتمام في نبرته وهو يبتسم لها قائلاً:
"إن شاء الله هيعديها على خير، وهتبقى عال وهنجيب عيال، ده أنا مش مصدق نفسي إن الشقة خلصت في الكام يوم اللي فاتوا دول، لسه هطلع هدومي وتبقى كده خلصت.. ونبدأ الطريق الأصلي من الأول يا رزقه!"
نظرت له "نيروز" ضاحكة، ثم رفعت يديها بمرح تتحدث رغم تأثرها بعمق حديثه:
"ابقى شوف بقى هتحطها فين، أنا جبت لبس تاني امبارح وطلعت حطيته في الدولاب ومعادش مكان.. سكة السلامة يا بن البدري!"
قالت حديثها له باستفزاز، ثم تخطته سريعاً قبل أن يقاطع سيرها، نظر على أثرها بضحك، ثم مد يديه يغلق الضوء قبل أن يخرج هو الآخر بعد شروده في النقطة المعروفة في أمر أي عروسين، تأخذ هي الركن الأكثر مساحة، وهو.. خرج باتجاه الصالة لهم جميعاً، فوجد البعض يجلس على سفرة الطعام الطويلة والبعض الآخر يجلب الأطباق من المطبخ، توجه هو ليساعد البعض الآخر، في حين جلس "حامد" بجانب "بدر" الشارد منذ آخر مرة حدث بها ما حدث لـ "آدم"، رفع يديه يربت على ساقه بحنو، ثم قال على مرة واحدة له دون مقدمات وبصوته الهادئ الذي وصل له هو و"بسام" الذي جلس بجانبه فقط:
"لما بنسيبها لله بتفرج يا بدر، بتفرج والله!"
تنهد "بدر" يخرج أنفاسه بثقة من حديثه، ثم هز رأسه له إيجاباً يؤكد ما يقوله الآخر، ثم حرك رأسه هو والجميع ناحية آخر من جاءوا من المطبخ، جلست النساء، حتى توجهت "وردة" تجلس بجانب "بدر" و"ياسمين" بجانب "حازم" الذي جلس بجانبه "جميلة" و"فريدة"، جلست "نيروز" بجانب "سمية" ومن جانبها جلس "غسان" الذي جلس بجانبه شقيقته "وسام"، ومن ثم "دلال" التي ابتسمت بفرحة وهي تنظر لهم جميعاً، قائلة بنبرتها السعيدة:
"متجمعين دايماً، في الفرح كده يارب وعقبالكم يا حبايبي!"
توجهت بنظراتها في آخر حديثها ناحية "بسام" و"وسام" و"جميلة" و"فريدة".
ابتسم لها الجميع على حديثها، في حين بدأ كل منهم الطعام بحديثه الجانبي، خاصة "نيروز" التي نظرت نحوه فوجدته يغمز لها بعبث، لاحظ "حامد" فعلته هذه حتى حاصره بقوله المرتفع أمام الجميع:
"ما تهدى يا خويا، هتبقى في بيتك ومعاك من بكرة إن شاء الله!"
ضحك الجميع عليه بخفة، في حين أكملت "سمية" له بهدوء من بين ابتسامتها:
"أنا بعطيك حد غالي عليا يا غسان، بعطيك نيروز اللي أنا بقولك إنها أمانة في رقبتك.. خلي بالك منها وأوعى تزعلها!"
تأثرت "نيروز" من حديثها، بينما هز "غسان" رأسه بحركة خافتة، وقبل أن يتحدث، تحدثت "دلال" سريعاً بسعادة:
"متقلقيش يا سمية.. غسان ابني وقد الأمانة وهيخلي باله منها، معندناش أغلى من نيروز اللي زيها زي وسام بالظبط!"
ابتسمت لها "نيروز" بامتنان، فخرج صوت "حامد" هو الآخر يحدثهم بمرح:
"وعلى إيه ده كله.. لو جه جنبها وزعلها سيبهولي أنا، هعرفه!"
قهقهت النساء وضحك الشباب على تهديده، فوجد هو "غسان" يتحدث باستنكار من بين ضحكاته:
"هتعمل إيه يعني يحج؟"
"هاخدها منك وهقعد أحضنها وأبوس فيها!"
قالها "حامد" ببساطة، فضحك الكل مرة أخرى، حتى "نيروز" التي خجلت ومن ثم ضحكت بخفوت هي الأخرى، تركتهم يجيبون على حديث والده بمرح، أما هو فنظر إليها ثم همس بقوله الثابت الذي جعل ضحكاتها تتعالى:
"عايز يبوس، ويامن عايز يبوس وكله سايق فيها!"
ضحكت "نيروز" عليه وعلى حديثه رغم احمرار خديها، ورغم ذلك لم يفوت هو الفرصة بل نظر إلى خجلها ثم همس مرة أخرى وهو يقترب من أذنها بحركة خافتة قائلاً بمراوغة:
"يحلاوة القلب لما يدق يدق والله!"
ضحكت بخفوت، وللحق كانت دقات قلبها تتسارع بسبب حديثه وحتى قربه وحتى توترها لكل خطوة جديدة ستبدأها وتبدأها بالفعل، ضغطت على فكها بحذر، ثم همست هي الأخرى من بين انشغال الجميع، حتى قالت بتحذير وهي تحرك الملعقة بتهديد:
"لم نفسك يا بن البدري!"
يعلم أن اليوم وما قبله وما قبل قبله من أيام لم تكن هينة عليه، وحتى لم تكن سهلة، يداهمه التفكير بها، لا يستطيع بأن ينساها، غلب وهزم من قلبه وعقله، الاثنان معاً، ماذا بقى له؟ يدعو الله مع بكائه في صلاته بأن يهون عليه ويهدأ قلبه الذي تخلله التعب من أمور الحياة الصعبة عليه، لا يعلم كيف قاطع شقيقته بالحديث في كل هذا الوقت وحتى والدته تقلل من الحديث معها أيضاً، "فرح" حبيسة غرفتها منذ آخر الأحداث، يتعمد هو في كل مرة بأن لا يراها ولا يتحدث معها، اعتدل "عز" في جلسته ببطء عندما وجد أحداهما تدق الغرفة، كان يتوقعها والدته ولكن عندما أذن لها بالدخول وجدها "فرح" الذي يتعمد هو في كل مرة الصد لها والصمت وحتى الهروب من مقابلتها، تصنع أنه لم ير شيئاً، أما هي فوقفت للحظات، ثم دخلت بتردد تقف من أمامه بمظهرها الذي يتغير نسبياً بسبب حالتها النفسية السيئة، وجدت نفسها ووجدت صوتها الضعيف يخرج له بتساؤل مترقب موجع:
"عامل إيه يا عز؟"
صمت ولم يجيب، صمت يكسره قبل أن يقهرها هي! هي التي وصفت بأضعف ضعيفة!
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم خرجت نبرتها المتحشرجة تتوسله من جديد:
"رد عليا يا عز علشان خاطري. سامحني لو بتحبني. إنت بقالك كتير مبتكلمنيش ولا حتى بترد عليا. سمعني صوتك ولومني من تاني. إضربني وموتني بس متبعدش عني كده!"
تتوسله مع البكاء الذي يعلن ضعفها بعد الخطأ التي ارتكبته بحقه. رفع عز أنظاره إليها. تقسم هي بهذه اللحظة بأن نظراته تكفي لكسرته التي وجدت بداخله، وكانت هي أحد أسبابها. حرك رأسه بخيبة كبرى، ثم قرر بأن يخرج بصوته لأول مرة بعد آخر مواجهة بينهما:
"وخاطري! خاطري يا فرح اللي دوستي عليه ومعملتلهوش اعتبار."
يومها مرة أخرى، متخليًا عن كبريائه في كل ما يحدث له. هبطت دموعها بكثرة، ثم نفت برأسها تعيد على مسامعه ما قالته له مجددًا:
"سامحني يا عز وحياة أغلى حاجة عندك. والله العظيم خوفت ومكنتش أعرف أن كل ده هيحصل صدقني!"
وقف ببطء حتى تقابلت نظراته الخائبة مع نظراتها الضعيفة. اعتدل بوقفته، ثم أردف من جديد بنبرة شديدة الهدوء، مهزوزة أتت من عزم ما يحدث بداخله:
"المصيبة إني مش عارف. مش عارف أسامحك وأعديلك القرف اللي عملتيه ده! المصيبة إن نفسي آخد حقي منك ومش عارف بردو. نفسي أعمل حاجات كتير، لو مكنتيش أختي مكنتش أترددت لحظة أعملها. إنت غبية. غبية يا فرح وضيعتي مني حاجات كتير بكل قسوة. أولهم شغفي وطاقتي اللي كنت كل يوم بنزل بيهم عشان أشتغل وأتعب عشان تعيشي كويسة ومش محتاجة حاجة. طلعتي محتاجة أهم حاجة. محتاجة عقل وقلب!"
قد يكون حديثاً عادياً على غيرها، ولكن أتى عليها بكل قسوة. هي التي عاشت تدعمه وترفع من شأنه، ثم فعلت عكس كل ذلك. سيثور، سيفعلها. ووالدته الواقفة من خلفهما. أتت. رفع يديه يصرخ بها بصوت مرتفع أتى من طاقته التي نفذت:
"اطلعي برا."
انتفضت على أثر صوته المفاجئ المرتفع. لم يرفع صوته من قبل ذلك عليها. تفهمت والدته حالته، ولكنها فزعت من صراخه هي الأخرى. سمعته يهتف مرة أخرى بقهر، وهو يشير لها مجددًا:
"برا.. وسيبي خدامك في حاله بقا!!!"
قلل من شأنه في هذه اللحظة رغم عزة نفسه طوال حياته! الظاهر عكس الباطن إذن، وشعوره بأنه قليل يلح عليه وبقوة، حتى أنه لم يكشفه لأحد سواها من قبل! لم تتحرك من مكانها رغم أمره بنبرته ولهجته وحتى صراخه. لا يعلم بأن فعلته ستجعلها تفعل شيئاً جنونياً تصبر عليه هي وحالها المريب بشخصيتها الضعيفة! الغير متزنة لبعض الأوقات! وقفت ساكنة ودموعها فقط تتحدث. انتظر أن تتحرك هي، ولكنها لم تفعل. رفع يديه يدفع الكوب الزجاجي الموضوع على الطاولة حتى تهشم أرضاً من أثر دفعه. وصل لأوج انفعاله بوجعه، ليس بأعصابه من الأساس. شهقت حنان بقوة، وهي تتوجه للداخل تمسكه من كتفيه لتهدئه، في حين انفزعت فرح بغير تصديق من حالته، وهي تسمعه يصرخ مرة أخرى عقب فعلته:
"قولتلك اطلعي برا وسيبيني!!"
تحركت أخيراً بهلع من نبرته ومن حركاته ومن انفعاله الغير معهود بالنسبة إليها! ركضت بسرعة بخوف حتى صفعت باب غرفتها خلفها من عزم خوفها هذا! أما هو فنفض يدي حنان عنه مع قوله المعارض المرتفع هو الآخر:
"سيبوني في حالي. سيبوني بقا وخلو الدنيا تسيبني.. أنا تعبت.. تعبت والله..!!"
حديث ممزق مرة أخرى موجع. وصل وجعه لها وهي تبتعد عنه كي لا يدفعها وهو في حالته هذه. وقفت بذهول تنظر إليه وهو يتنفس بصوته العالي، ثم سكن تدريجياً ودموعه من تحدثت. وخرجت منه الشهقة التي مزقت قلبها. وهي واقفة توجهت له ولم تخافه ولم تهابه، لطالما ولدها أكثر من تحبه في هذه الحياة. ضمته إلى صدرها بتعب، وهي تحرك شفتيها بألم، مرددة بلهفة كبرى:
"بسم الله الرحمن الرحيم. بسم الله عليك يا بني. بسم الله على قلبك يا ضنايا!!"
بكت بعجز، ومن قلة حيلتها. شعور العجز وقلة الحيلة أصعب ما يمكن شعوره. واقفة لا يوجد بيديها فعل شيء سوى أن تضمه إلى صدره. خرجت شهقته الخافتة مرة أخرى بحنجرة خشنة لا تتوافق حتى مع بكائه المنكسر! حتى خرج منه حديثه بكسرة قبل أن يخرج من بين ذراعيها:
"سيبيني. اخرجي وسيبني مع نفسي!!"
طلبه منها كان بكل أمل وترجي بأن تتركه. هزت رأسها إيجاباً وهي تمسح وجهها، ثم التفتت دون إرداف حديث كي تخرج وتتركه. ارتمى على الأريكة المريحة بضعف، وهو يغمض عينيه. يتأكد بهذه اللحظة أن كل ما يحدث له وما يشعره لم يأت من علاقته المفصولة بـ "جميلة"، فقط، بل أتى ذلك من كل ما حدث له منذ نعومة أظافره، وكأن فراقهما هو الشيء الوحيد والأخير الذي أتى بنهاية طاقة تحمله!
"وبعيش بالغصب حياة واحد..
مكنش في نفسي أكون هو.."
وكأن الكلمات كتبت له هو وحده ولقصته.. بل ولقصصه وليست قصة واحدة موجعة! كان الوجع معه في كل قصة وبكل مرحلة!
إنتهى بعد مرور الوقت بنهوض كل منهم من على مائدة الطعام. أخذ البعض يساعد من حمل الصحون توجيهاً إلى المطبخ إلى أن انتهوا بالفعل من حملها وتنظيف المكان من بعدهم. ولكن تركت النساء الصحون دون غسلها بسبب ما سيفعله من كشف مفاجأة. جلس حامد بجانب بدر وبسام الذين كانوا يتحدثون مع بعضهم، بينما وقفت سمية بجانب بقية النساء. نظرت فريدة بغرابة على حديث الفتيات الجانبي. في حين نهض حازم يبتسم باتساع، وهو يقف أمامها، ثم رفع أنظاره من أعلاها لأسفلها قائلاً لها بصوته الهادئ:
"شكلك حلو أوي كده إزاي يا فريدة!!"
قالها وهو يقف بجانبها. نظرت له بتأثر. بينما تحركت نيروز من جانب غسان حتى أشارت لـ ياسمين لتبدأ بقولها البادئ للخطه:
"بقولك إيه يا فريدة. ممكن تدخلي تجيبيلي شنطة علاج كده بيضا في أوضة الصالون؟"
ورغم غرابة الطلب منها بسبب وجود الجميع، ولكن هزت فريدة رأسها بالإيجاب، ثم بدأت بالتحرك. إلى أن توجهت لتفتح باب الغرفة، ثم مدت يديها لتفتح الضوء. انسحب خلفها الجميع من الفتيات والنساء والشباب. وما أن دخلت بقدميها تفتح النور، رفعت أنظارها في المكان بذهول من ما رأته. المكان مزين بطريقة جذابة، بل ووقفت للحظات تستوعب.. ما تراه أمامها!!
معلق بحروف كبيرة فضية اللون "Happy birthday Fareda"، وبعض من الصور لها وهي صغيرة. صور بحثت عنها عايدة مع حازم وجميلة لديها بأعجوبة. لم تحتفظ بالأساس بها، لكنها بحثت إلى أن وجدت منها على الأقل ثلاث صور. طبعهم حازم مع غسان بحجم أكبر حتى علقوها. لاحظت كتابة بعض الجمل التي لاحظتها مكتوبة بالخط عند تحرك الصور المعلقة بحبال من الأعلى. توجهت لتقف حتى أمسكت الصورة الأولى تنظر إلى ظهرها وما مدون بها بخط كل من كتب لها، وأول الكلمات والرسائل كانت:
[ كل سنة وإنتي طيبة يا فريدة. لو قولتلك إنتي غالية عليا قد إيه عمرك ما هتعرفي. بتمنالك سنة جديدة غير كل اللي راح منك. سنة بدايتها تكون صح وصالحة ليكي. عايزك تعرفي إني دايماً جنبك وعمري في حياتي ما هتخلى عنك. عشان إنتي بالحرف كده "بنت أخوكي". وأقولك على سر بقا. إنتي بنتي الأولى قبل اللي في بطن ياسمين الهبلة. كلام في سرك ده.
- أخوكي وسندك طول العمر "حازم" ]
أدمعت عينيها بتأثر شديد حتى هبطت دمعتها بسعادة ومشاعر مختلطة عديدة وهي تقرأ الرسالة الثانية المدونة أسفل رسالته:
[ هم قالولي أكتبلك.. بس الكلام مش هيوصف حبي ليكي. مش عارفة أقولك حاجة غير إنك بنتي. بنتي ومش مجرد كلمة وبس.. لا إنتي فعلاً بالنسبالي توأم جميلة بنتي في الحب والمعزة. ربنا يسعدك يا حبيبتي ويفرحك ويجعلك دايماً مجبور الخاطر! كل سنة وإنتي في حضننا وعمرك ما تخرجي منه بعد الوقتي.
- أمك بالرقم اللي تحبيه. عارفة إني الأم رقم ٢ بس شايفاكي بنتي رقم واحد مع جميلة..
كيف توفيهم حقهم فالحب؟ عجزت عن التعبير، بل أكملت بكل حماس رغم بكائها المتأثر وهي تقرأ الرسالة الثالثة:
"بتمنالك سنة سعيدة، سنة تلاقي فيها العوض. صحيح جوزت أهو تلات بنات بس كنت فاكرة إني كده هخلص، افتكرت إني لسه عندي بنتين إنتِ وجميلة. كنت عارفة إنك في الآخر، كل اللي كنتي فيه ده مكنش منك. رغم خوفي على بناتي منك، بس يعلم ربنا إن إحساسي تجاهك كان الحب والتعاطف والأمنية اللي كنت بقولها: ربنا يفوقك من اللي إنتِ فيه ويهديكِ. واتحققت وبتتحقق. بحبك يا بنتي. عايدة قالت إنها أمك، بس متعرفش هي رقم كام. بس أنا بقولك إني برضه أمك وأم أخواتك، والحقيقة ميفرقش معايا أرقام طالما إنتِ بنتي خلاص يا فريدة.
أم الخمسة فتيات، سمية."
تشعر بأن مكانتها الآن عالية، بل وتحلق من كثرة سعادتها بكل هذا الاهتمام. تحركت عينيها نحو الصورة الأخرى المعلقة، حتى أنها ابتلعت ريقها بتشتت مرتبك من التأثر وهي تديرها لتقرأ كما قرأت في السابقة:
"الرسالة رقم أربعة. أجيد اللغة العامية ولكني لا أفضل التحدث بها عندما أكتب كلمات متأثرة، لذا سأكتب لكِ باللغة الأم. وسأكون أنا الأخت.
يشهد الله على أن قلبي لم يظل به كره أو بغض اتجاهك. ويشهد أنني أصبحت أحبك وأن مكانتكِ تغيرت بوقت قصير. أتمنى لكِ حياة سعيدة، مليئة بالراحة. أتمنى لكِ بأن يهدأ قلبك وأن تصبحي بخير دائم وعلى ما يرام إلى الأبد. رغم ضعف احتمال دوام الخير إلى الأبد، ولكنها أمنية وتخرج لأعزهم، أقصد لمن أصبحت أعزهم على قلبي الآن.
المتمنية بأن تصبح رفيقة أيامك في القادم والحاضر، نيروز الأكرمي."
كما تعشق التحدث باللغة العربية الفصحى ومن سواها نيروز! تنهدت بفرحة وهي تحرك أنظارها للأسفل حتى وجدت الرسالة الخامسة لها:
"كل سنة وإنتِ جميلة يا فريدة. الجمال اللي يخلي الواحد يحب يبص لوشك، وياسلام لو مبسوطة ومبتسمة. مسامحاكِ على كل اللي حصل فيا زمان. ونفسي تكوني دايما قوية وكويسة. واعرفي إن جبر ربنا جاي، وإن عمره ما بيظلم حد أبداً.
أختك وردة، اللي بتهديلك كل الورود اللي في المكان. أنا اللي منظماها دي على فكرة. أنا وبدر اللي برضه قالي صراحة إنه مش شايل منكِ بسبب اللي حصل واللي كان بيتقال زمان. إحنا دلوقتي فـ دلوقتي وبس يا فريدة. بحبك."
أكثر من ظلمتها وقبل نيروز، كانت وردة التي كانت تعايرها بخصوص موضوع حملها ورحمها. تعجبت من قدرتها على المسامحة وتيقنت بأنها حظت بعائلة نقية قوية مهما مر. ابتلعت ريقها بتأثر، ثم أخفضت عينيها نحو الرسالة السادسة:
"كل سنة وإنتِ طيبة يا بت يا فريدة يا بت. رغم إني كنت بتدايق منك وبحب أغيظك إنتِ وأمك وكنت بقعد أقول عليكوا صفر. بس متجوش فـ كيدي حاجة كده كده. إحم.. أنا كده بلبخ صح؟ المهم إني حبيتك، مش هقولك بحبك لأ حبيتك وشوفت إنك تستاهلي فعلاً أسامحمك وأتقبلك وأديكي فرصة. كل سنة وإنتِ مزة طول عمرك. خليفتي في الملاعب بقى وكده هنقول إيه! وأخيراً عايزة أقولك إن أصلاً أي حاجة من طرف وريحة الواد حازم المحامي جوزي حلوة وعسل ومسكر. وأقسم بالله لو بقيتي عمتو حرباية لهزعلك مني.. يلا سلام.
مرات أخوكي الحرباية، ياسمين."
كانت طريقتها في قول كلماتها مضحكة بقوة، خرجت ضحكتها الخافتة وهي تنظر وتقرأ الكلمات بحب. إلى أن جاءت عينيها على رسالة أخرى رقم سبعة:
"لو ينفع أجمع ليكِ كل الأسف من كل العالم عشان تكوني بخير، هعملها. مستعدة أكون جنبك طول العمر. ولآخر نفس. فخورة بيكِ. فخورة بكونك إنسانة جديدة بتحاولي تكوني صح. بحبك أوي يا فريدة. وإحساس حلو أوي إن بقى ليا أخت ده العادي، بس بقى ليا أخت قريبة مني بجد وشايلة نفس اسمي. كل سنة وإنتِ فريدة دايماً بمعنى اسمك مش مجرد اسم وخلاص.
حبيبة أيامك وحتى أحزانك الحاضرة. صاحبة الاحتواء منكِ ولكِ. توأم روحك الحالية وحتى من قبل، رغم فرق سني الكبير قليلاً عنكِ. شقيقتك جميلة."
لم تعد تستطيع التحمل، بل خرجت شهقاتها من بكائها المتأثر، وكل ذلك ولم تلتفت إليهم وهم واقفين من خلفها. بل أكملت الرسالة الثامنة، الصغيرة بقدر معرفة من كتبها لها:
"الحقيقة مجربتش أقرب منك ولا حتى أعرف شخصيتك. بس لفتيني بجمالك وجمال روحك رغم إن اللي كان بيحصل كان عكس كده. بس حسيت إن عندك قبول بملامحك دي. أتمنى نكون أصدقاء بجد. حتى يعني قرب سننا من بعض بيقول كده. عايزة حد نفس دماغي يا ناس. المهم.. كل سنة وإنتِ طيبة وبخير دايماً. ويلا نبقى صحاب عشان إنتِ الوحيدة اللي حاسة إنها هتحب تتابع معايا الماتشات وتشاركني في الحاجات اللي بحبها. حاسة إنك دايسة في أي حاجة. فـ خدي بوسة.
صديقتك القادمة من المحتمل ورغم أمنيتي بذلك. وسام."
أيعقل شخص لم تعرفه تخرج منه هذه الكلمات، بل ومن ظلمت شقيقها قبل ذلك؟! انتهت الرسائل؟! رفعت كفها تمسح وجهها ثم التفتت تنظر إليهم جميعاً. ولا تعلم هي ماذا تفعل، إلى أن أردفت بتلقائية متأثرة لهم جميعاً:
"أنا.. أنا بحبكم أوي!!"
تعلثمت من كثرة التأثر، فابتسم لها الجميع ببهجة. حتى احتضنها حازم بحب. وبدأ من لم يكتب بقول الحديث لها بكل احترام دون تعدية للحدود. هتف بسام أولاً، وهو يحاول تحريك نظراته كي لا تتقابل معها مباشرة، بطبيعته الخجولة:
"كل سنة وإنتِ طيبة!!"
هزت رأسها بإمتنان، وقد عرفت هويته بسبب حلقه لذقنه. وجدت بدر من بعدها يقول هو الآخر بابتسامة صغيرة:
"كل سنة وإنتِ طيبة يا وسام!!"
ردت عليه بشكر وهي تبتسم بتأثر. إلى تحرك غسان ليقف أمامها وهو يحرك عينيه ويوزعها بينها وبين حازم، الذي يعلم هو ما يفكر به الآخر. تنهد يخرج أنفاسه ثم أردف بثبات لها:
"كل سنة وإنتِ طيبة بعد ما طلع عين أمي وأمك بسببك!!"
قصد اتهامها له بخطفها. قالها بطريقة مضحكة حتى ضحك بآخر حديثه كما ضحك الآخرون. أما هي فابتسمت بإمتنان وأسف وهي تقول:
"وانت طيب دايماً إنتِ وروزي. وبتمنى تسامحني!!"
حرك رأسه بمعني نسيانه لما فات ومر. ثم ابتسم باتساع، فوكزته نيروز حتى تحرك ليقف بجانبها. وجدت حامد من بعدها يقف أمامها هو وزوجته حتى قال هو الآخر بلين:
"عايز أقولك كل سنة وإنتِ طيبة. ونفسي تعتبريني أبوكي وسيبي الباقي عليا يا ستي!!"
ضحكت فريدة بخفة ثم نظرت على الأخرى وهي تتحدث:
"كل سنة وإنتِ طيبة يا فريدة. ربنا يجعلها سنة الجبر والعوض عليكي يارب."
احتضنتها عقب قولها كما احتضنت شقيقتها والفتيات والنساء. وقفت ياسمين تصفق عالياً لتنتبه ثم قالت بحماس:
"يلا. يلا هجوم على التورته!!"
قالتها وهي تشير على التورته الكبيرة الذي حجزها حازم وأوصى عليها. تحرك الجميع نحوها وقد أمسك حازم يديها ليقطع معها القطع. بمساعدة عايدة هي الأخرى حتى انتهت بأخذ الجميع قطع بأطباق ورقية ووقف بكل جانب يتناولونها مع الحديث العشوائي. نظرت له نيروز بسعادة بها بعد الشراسة. فعقد غسان ما بين حاجبيه باستغراب وهو يتساءل:
"مالك يا روزه؟!"
قلبت نيروز عينيها بملل. ورغم معرفتها برده، ولكنها تحدثت له ببرود:
"لا مفيش أبداً. ببص عليك وإنت واخد راحتك أوي وقاعد بتوزع ابتسامات كده لأي واحدة. ليكون في حد أحلى مني في عينك يا بن البدري!!!"
قالتها رغماً عنها وعن شعورها بالضيق من طريقته قبل قليل. ورغم حبها لـ فريدة، ولكنها شعرت بأنه أخذ راحته بالحديث والإبتسامات والضحكات، بل وهو الوحيد الذي فعل ذلك. كان الحديث عادياً، ولكن الطريقة لم تكن عادية بالنسبة لها. حاولت تجاهل الشعور، ولكنها لم تحتمل، بل أرادت أن تحرك عبثه معها. كبرياء أي أنثى إذن بطبيعتهن!!
نظر لها "غسان" بغير تصديق وقد فهم ما ترمي إليه بحديثها. حرك رأسه بقلة حيلة وهو يبتسم ثم ابتلع ما بفمه حتى انتهى بقوله اللين لها وهو ينحني حتى همس جوار أذنها بحديث يأسرها هي وقلبها:
"عايزك تعرفي إن في حضور غيرك عيني مبتبقاش شايفة غيرك!"
أتت جملته في منتصف قلبها. توسعت بسمتها بفرحة وهي ترفع عينيها تطالع عينيه الذي تحرك بها يعتدل بوقفته وهو يغمز لها بعبث. ثم سمعها تتحدث بغمزتها هي الأخرى له وبحديثها المعتاد:
"ثبتني يا بن البدري!"
"ابن البدري يا ستي بنت الأكرمي كفته على وشه في حبها حتى وهي مجنونة وغيرانة غيرة عبيطة كده.. بس.. ما تيجي!!!"
ضحكت "نيروز" بسخرية منه ثم هزت رأسها تجيبه بموافقة ساخرة:
"ما أنا فعلاً جايه يخويا. هاجي معاك كمان شوية توصلني سنتر التجميل أعمل شوية حاجات كانت ناقصة كده وتبقي ترجع تاخدني بعدها بساعة!"
غمز لها "غسان" بوقاحة ثم سألها بجرأة:
"هتعملي إيه؟"
فتحت "نيروز" عينيها بذهول من وقاحته حتى أن وجهها قد تصبغ بحمرة الخجل. ابتلعت ما يوجد بفمها وهي تتجاهله سريعاً. فردد هو مجدداً بضحك:
"يخرب عقلك وعقل قلبك اللي بيدق ده ومخليكي حمرا في بعضك كده!"
كتمت ضحكتها بصعوبة ثم رفعت يديها توكزه بكتفه وهي تنبس بكلمات معتادة منها:
"احترم نفسك لو سمحت بقا. بطل قلة أدب شوية!"
خرجت ضحكته بعبث وهو يتعمد محاصرتها لتخجل ثم مرر عينيه من أعلاها لأسفلها مردداً مرة أخرى بغمزة عين معهودة منه:
"تحت العباية حكاية والله. العباية السودا عليكي حوار كبير أوي. يبخت اللي إنت من بخته يا رزقه!"
"يا بختك يا بن البدري. ولم نفسك بقولك بدل ما أقول لعمو حامد."
تعمدت أن تهدده. نظر لها بتحدي ثم حرك رأسه بثبات وهو يشير لـ "حامد". توسعت عينيها بصدمة من فعلته فقد حاصرها بخجلها عندما هددته. جاء "حامد" سريعاً يقف ثم قال بضيق زائف له:
"عاوز إيه يا بن الكلب؟ بتقطع كلامي مع حب عمري ليه؟"
"نيروز كانت عايزة تشتكيلك مني يا حامد."
قالها "غسان" ببراءة زائفة وترت من موقف "نيروز". حدجه "حامد" بحنق وهو يرفع ذراعه يضعه على كتف "نيروز"، وهو يسألها بإهتمام مشاكس:
"قولي يا حبيبتي. عملك إيه ابن الجامد ده؟"
كان الوضع مخجلاً إلى أن عزز بنفسه فضحكت كما ضحك "غسان". وعاد الوضع محاصراً بالنسبة لها. حركت رأسها بعشوائية ثم أجابته وهي تلعن من وقف أمامها:
"كان بيقولي.. بيقولي أنه.. العباية يعني حلوة عليا وكده!"
عقد "حامد"، ما بين حاجبيه من حديثها الغير منطقي. كبت "غسان" ضحكته. فتحدث "حامد" بثقة وعفوية:
"طب ما عنده حق يا بنتي!"
تعالت ضحكات "غسان" بقوة حتى انتبه له الجميع. فرفع يديه يزيح ذراع "حامد" بكيد. وهو يردد عالياً لـ "حازم":
"شغل أغنية رومانسية عشان نرقص سلو ونتدرب كده لبكره. مفيش حنة فخلينا نهيص يعم ونفرح بقا!"
سحب "نيروز" من يديها فحرك رأسه "حازم" بموافقة وتسجيل الصوت موجود بالمكان بالفعل. فتح هاتفه وبجانبه "ياسمين" تساعده في اختيار أغنية مناسبة. أخذ الجميع الوضع بالرقص. فكان "بدر" مع "ورده" و"حامد" مع "دلال" و"بسام" مع وسام" و"نيروز" مع "غسان" بالمنتصف. والمضحك بأن ستتراقص "جميلة"، مع "فريده". صدح صوت الأغاني في المكان عندما بدأت الكلمات في الظهور بصوتها عالياً بحماس هادئ:
"إنتي السلام وقت الحروب
إنتي الشمس ساعة غروب
لما بشوفك قلبي يدوب
ما إنتي ساحرة القلوب
إنتي السلام وقت الحروب
إنتي الشمس ساعة غروب
لما بشوفك قلبي يدوب
ما إنتي ساحرة القلوب
إنتي الأحباب
إنتي الأهل والصحاب
إنتي الحقيقة في السراب
إنتي الطريق وقت الضباب
إنتي الأحباب
إنتي الأهل والصحاب
إنتي الحقيقة في السراب
إنتي الطريق وقت الضباب
ما إنتي الحب في دنيا مليانة ضيقة
أحلى حاجة في كل دقيقة
والثانية معاكي بتسوى عمر
ما إنتي الأجمل بين البيض وبين السمر
ما إنتي الحب في دنيا مليانة ضيقة
أحلى حاجة في كل دقيقة
والثانية معاكي بتسوى عمر
ما إنتي الأجمل بين البيض وبين السمر
إنتي الأحباب
إنتي الأهل والصحاب
إنتي الحقيقة في السراب
إنتي الطريق وقت الضباب
إنتي الأحباب
إنتي الأهل والصحاب
إنتي الحقيقة في السراب
إنتي الطريق وقت الضباب"
تراقص الجميع على هذه الكلمات التي شرحت جيداً مدى علاقة كل منهم للآخر وحتى "حازم" الذي رقص مع "ياسمين" بحذر رغم اعتراضه في البداية. و"نيروز" التي أدمعت عينيها بتأثر وهي تنظر نحو عيني "غسان" وفمه المتحرك بالكلمات لها تحديداً. لوهلة تخيلهما غداً بنفس الوضع. أدمعت عينيها بتأثر. بل ومنظرهما كأنهما أمير وهو ممسك بيد أميرته ويتراقصان بالمنتصف ومن حولهم البقية. ساحة رقص عميق يشرح الكثير حتى رقص "جميلة" مع "فريده" والتي توافقت الكلمات معهما بشدة. انتهت الكلمات باحتضان كل طرف الآخر.. حتى "بسام" الذي قبل قمة رأس شقيقته كما فعل "حازم" مع زوجته وحامد وبدر. ولكن ضم "غسان" نيروز بين ذراعيه بحب وصدق. بهذه اللحظة حتى همس لها يعترف بالمرات القليلة الذي يهتف لها ذلك عادة ما يعترف لها بعبثه ومرحه ولكن هذه المرة قالها بكل صدق نبع من قلبه قبل عقله:
"بحبـك يا نيروز...بحبك يا بنت الأكرمي!"
"وبنت الأكرمي بتحبك يا بن البدري والله."
لحظة صمت سمع الجميع بها جملتهما معاً. وانتهت بتهليل من حولهم بل وتصفيقهم وخاصة عندما تعجب البعض من حركة "بسام" العفوية عندما خرجت صفارة من فمه بتهليل. ضحك الجميع عليه بخفة. فاعتدل "غسان" بعد دقائق. يشير لـ "بسام" قائلاً له:
"مش يلا؟"
حرك رأسه إيجاباً له وهو يسبقه للخارج. عقد "حامد" ما بين حاجبيه بتساؤل له:
"رايحين فين؟"
"هوّصل نيروز الكوافير وهروح أنا وبسام مشوار كده عالسريع هنخلصه ونجيب نيروز ونرجع. عاوزين حاجة؟"
رفض الجميع بلطف. فخرج من الغرفة. وتبعته "نيروز" التي ذهبت لتأتي بحقيبتها من الداخل بسرعة. فوقف "غسان" يسأل شقيقه بسرعة:
"كلمته؟ موجود فالبيت ولا هيجي عن الورشة برا؟"
"لا رد عليا وقالي إنه فالبيت وحتي عنوان البيت يعني عرفته!"
هز رأسه له بتفهم. حتى جاءت "نيروز" من الداخل. تزامناً مع خروج "بسام" من الشقة يسبقهم. أخرج هو المال الذي وضعه بظرف لها. ثم ابتسم لها بلطف وهو يقدمه لها قائلاً بنبرة هادئة قبل أن يخرج:
"خدي دول عشان لو إحتاجتني حاجة النهارده وبكره. خليهم معاكي!"
هزت "نيروز" رأسها بحرج. رغم أنها لا تعد أول مرة ولكن استشعرت هذه المرة بكثرة قيمة الأموال. حركت رأسها نفياً وهي تقول:
"لا أنا معايا مش محتاجة خليهم معاك يمكن تحتاجهم. وبعدين المصاريف اليومين دول صعبة وإنت مش ملزم تدفعلي حاجات زي دي دلوقتي!"
قال كلمة معارضة معروفة عند الرجال اختصاراً لـ "انا حقاً اعترض" مع أخذ أول حرف من أول كل كلمة. حتى نظرت له بصدمة وهي تسمعه يكمل:
اومال مين اللي ملزم يا روحسميه
"غسان" مد يديه بتحذير وهو يأمرها بقوله مرة أخرى بجدية:
"خدي عينيهم فشنطتك وبلاش عبط ع المسا!!"
أخذتها "نيروز" منه عندما رأت ضيقه، حتى خرجت ضحكتها. فنظر لها بسخرية وهو يردد بنفس طريقتها:
"قال مش ملزم قال."
رمى لها نظرة ساخرة قبل أن يخرج، فضحكت هي عليه بخفوت وهي تخرج بعده. ولم تتعجب من وقاحته التي أصبحت معهودة بالنسبة لها، بل وتيقنت بأن من دون وقاحته لم يكن هو "غسان".. لم يكن هو: "حدة الشباب"!!!!
في شقة "زينات"، كانت تجلس على المقعد بغرفتها بيأس كبير، يأس من كل محاولاتها للتقرب من ابنتها. يؤلمها فؤادها، تقهر لما حدث لها، تتردد في أخذ خطوة أخرى. ولكن اليوم، اليوم عيد مولدها. كيف لأم أن تنسى عيد مولد من حملته بأحشائها؟ ابتلعت ريقها بخبء أمل كبرى وهي تنهض. ستذهب بإصرار، ولكنه إصرار محبط لعلمها بالنتيجة الحتمية!
اشترت لها هدية. ستأخذها معها وتمسكها بيديها. جلبتها من على الطاولة الصغيرة وهي تلف حجاب رأسها لتخفي خصلاتها بغير اهتمام. ثم خرجت من الغرفة وهي تأخذ المفتاح معها. وحدة الشقة قاسية، حتى أن قلبها يؤلمها رغما عنها عن فراق ابنها "حسن" التي تود أن تعرف وتعلم بكل لهفة أين هو. ستفعل ذلك، ستحاول! لم يعد لديها سوى المحاولة. رفعت المنشفة تمسح دموعها بأسى. فكل من حولها يتركها وحيدة، حتى زوجها التي تعلم بأن سجنه قد كان حان من القرب بالحكم عليه هو الآخر!! بسمة سخرية لاذعة. فوجوده مثل عدم وجوده حقا. أغلقت باب شقتها خلفها ببطء، ثم توجهت تقف أمام شقة "سمية". تعلم ما سيفعل وما فعل لأجل ابنتها.
بسبب حديث "حازم" لها، والتي بدأته هي عندما ترجته بأن يجعل شقيقته تسامحها. لقاء، ولكن رده كان فقط بحديث يعلن رفضه بقلة حيلته عندما ردد على مسامعها وقتها بـ:
"قبل عدة أيام"
"أنا مقدرش أخلي حد يسامح حد، دي حاجة مليش يد فيها. مش عارف أقولك حاجة غير إنك فعلا ظلمتيها وظلمتي كل شخص هنا. بس حتى لما قررتي تفوقي مفوقتيش بس غير من ناحية بنتك عشان بس اللي حصل فيها. ورغم كل ده.. مش عاوز غير الراحة لأختي اللي صدقيني لو طلبت مني متشوفش وشك ده تاني هنفذ لها طلبها لحد ما تطلب هي بنفسها إنها تشوفك عشان محتاجة تسامحك."
كان حديث "حازم" ليس هين عليها في ذلك الوقت، حتى أنها رددت سريعا بلهفة تجيبه بحديث تصنع الإنصات الطبيعي له رغم دهشته:
"بس أنا ندمانة فعلا ونفسي ترجع لحضني مش عشان بس حصل ليها اللي حصل. أنا فوقت والله العظيم يا حازم يا بني من اللي حصل فيها وفكرت في كل اللي عملته واللي قولته بس مكسوفة من نفسي أوي ومن وحاشتي دي. علشان كده كل شوية برجع لورا لما أجي أقول لحد فيكم يسامحني. إذ كان بنتي اللي من دمي ولحمي رافضاني بكل الطرق أومال إنتو هتعملوا إيه. نفسي أرتاح يا بني والله نفسي. الوحش بردو مكنش بيرتاح أكتر من المظلوم والله."
"حازم وابنك!!! بصي يا مرات أبويا إنت مش فارقالي أنا مش فارقلي غير أمي ومراتي وأخواتي. وزي ما قولتلك مش هقدر أضغط على حد يسامح حد غصب عنه. لازم الخطوة تيجي منها. ومتقلقيش يعني هي طالعة زينا بتقلب بس بتسامح بعد كده وبتعدي. لا هي زي حسن ولا زيك ولا حتى زي جوزك اللي هو للأسف أبويا. فـ الله يسهلك."
قالها "حازم" بكل هدوء وكاد أن يتحرك من أمامها في ذلك الوقت، ولكنها قاطعت سيره بمسكها لذراعه وهي تزرف الدموع متساءلة بترجٍ مخذول:
"طيب بلاش كل ده.. قولي حسن ابني فين. عرفني فين مكانه أو حتى قولي هو كويس ولا لأ. لو مش علشاني عشان خاطر قلب الأم اللي بيتوجع ويتحرق غصب عن عيني حتى لو أنا وحشة ومستاهلش!!"
في هذه اللحظة تعمد القسوة.. بل وهو الآخر ذو طبع ليس هين بقليل في وقت حزنه وغضبه! تشبيهه من "عايدة" بأن شخصيته وشخصية "نيروز" متقاربتان إلى حد ما. ابتلع ريقه رغما عنه ثم نظر على يديها الموضوعة على ذراعه وهو يوزع النظر بينهما ثم أجاب أخيرا بنبرة هادئة قائلا لها قبل أن يرحل ويتركها:
"ابنك مش عارفين ليه وقت معين هيفوق فيه ويقدر يقوم لأن بيفوق فترة صغيرة ويرجع تاني. بس أكيد لما يفوق ساعتها هنعرف وهعرف وهاجي أعرفك."
قصد عدم إعطائها حل مفيد. رحل بعد هذه المقابلة وتركها واقفة بعجز متعب.
"عودة للوقت الحالي"
خرجت من شرودها عندما فتح لها الباب بواسطة "بدر". طالعها بصمت للحظات، إلى أن أشار لها بالدخول فقط دون أن يتحدث. دخلت بخطوات بطيئة إلى أن أغلق "بدر" من خلفها الباب. توجهت لتقف وهي ترى "حازم" يقف بالصالة مع "بدر" و"حامد" فقط. وبقية النساء والفتيات بالداخل. طالعوها بصمت، إلى أن أشار لها "حازم" عندما علم سبب مجيئها:
"موجودة جوه. أدخليها بس لو رد الفعل صعب عليكي بعد ما قالتلك متجبش تاني. أنا مش مسئول عن اللي هتحسيه!!"
ابتلعت "زينات" ريقها بصعوبة وهي ترى "حامد" يحدج "حازم" بأن يكون لين أكثر! هزت رأسها له بموافقة وهي تتجه نحو الداخل، حتى وقفت تنظر من على أعتاب باب الغرفة. ابتسمت بحنين لبسمتها الواسعة التي تراها أمامها الآن عندما وجدتها تضحك مع "ياسمين" و"وسام" و"ورده" وحتى شقيقتها "جميلة"..!! لاحظن النساء وقوفها، فأشارت لها "سمية" بالدخول وهي تهتف باسمها عاليا بنبرة عادية هادئة. حتى التفتن لها الفتيات، وتلاشت بسمة "فريدة" تدريجيا. أشارت "سمية" لهن بأن يخرجن، حتى خرجن واحدة تلو الأخرى، وكما خرجن النساء هن الأخريات. طالعت "زينات" المكان بتأثر من تزيينه وتنظيمه بهذه الطريقة، من البالونات وجملة عيد ميلادها وحتى صورها والزينة الكثيرة والورود. عادت بنظراتها نحو وجهها بإشتياق، وخانتها نبرتها الضعيفة عندما هتفت بتحشرج لها:
"كل سنة وإنت طيبة يا.. فريدة!!"
قلبت "فريدة" عينيها بضيق موجع، ثم رمت لها جملها القاسية مرة واحدة لها:
"إنت جايه ليه؟ مش قولتلك معتيش تيجي تاني. قولتلك مفيش فرص. مش هعرف أسامحك. إيه مفهمتيش كلامي؟"
حركت رأسها بخيبة، ورغم انعدام الأمل ولكن تحتفظ بالإصرار كونها ابنتها التي ستتحملها أينما حل! ولكن أين كان ذلك؟ نزلت دمعتها دون تشنج وجهها وهي تبدأ بحديثها لها:
"ومش همل. مش همل منك يا فريدة ولا همل من محاولة إني ارجعك لحضني من تاني. إنتي بنتي. وصدقيني أنا تعبانة علشانك أوي. نفسي تسامحيني من غير حتى ما تكلميني علطول بس تسامحيني. يمكن أموت حتى من غير ما تسامحيني. بترجاكي وحقك. حقك يبنتي تعملي فيا اكتر من كده. أنا اللي علمتك تكوني بالجحود والقسوة دي بس والله ندمانة على كل حاجة عملتها. علشان خاطر أمك تحسي بيا وتسامحيني!!"
تتأثر من حديثها ودموعها، ولكنها تحاول الإخفاء متحلية بالثبات. وأي ثبات ودمعتها هي الأخرى قد هبطت منها دون أن تشعر! هزت رأسها نفيا، بل وتلعن قلبها بسبب عدم قدرتها على تخطي الماضي رغما عنها. ولأول مرة تتمنى أن تسامحها بالفعل، ولكنها شعرت بالعجز. ظهر الضعف والعجز عندما أشارت نحو موضع قلبها باكية:
"نفسي. نفسي بس ده مش قادر يعدي كل اللي فات. نفسي أنسى. بس هنسى إزاي إن كل اللي أنا وصلتله كان منكم من الأول. هنسى إزاي إني لما إحتاجت حضن مشيت ولما مشيت روحت وجيت وأنا ضايعة. مين هيقبل بواحدة زيي دلوقتي؟"
تواجهها بالحقيقة المرة التي لم ترميها بآخر سؤال لها لأحد. نفت "زينات" برأسها بلهفة سريعة وهي تردد بتعلثم، تبث بها الأمان والثقة بعد فوات الأوان:
"لأ متقوليش على نفسك كده.. متقوليش على نفسك كده يا بنتي. إنت الكل يتمناكي. كله يتمني واحدة زيك والله العظيم."
ابتسمت "فريدة" بسخرية وهي تنفي هي الأخرى مرددة بنبرة قوية تخرج بالحقيقة الموجعة:
"بتضحكي عليا ولا بتضحكي على نفسك؟ أنا محدش هيقبل بواحدة زيي.. واحدة ضايعة. ضايعة من غير ما تتجوز حتى. مين هيديني فرصة؟ مين هيفهم اللي فيا؟ مين هيحس بيا وبحالي ويقدره؟ وحتى لو تفتكري هستحمل حد يعايرني بالماضي؟"
عجزت "زينات" عن إبداء المواساة وعن إخراج الحديث حتى. حقيقة المجتمع وما يراه تجاه فتاة مغتصبه! وجدتها تصرخ بها مرة أخرى وهي تنهرهها رغم إرادتها بأن تعطيها الفرصة!!
"حــرام عليكي!!! كل ما بحاول أنسي وأبدأ من جديد بتيجي توجعيني!! ليــه؟ أنا مش قولتلك مش قادرة أعطيكي فرصة."
ليه بتعملي فيا كده؟
جاءت بأوج البكاء، أشد ما يكون. واصلت مرة أخرى باستسلام، تشير لها بخيبة:
"خليكي! أنا اللي همشي المرادي من المواجهة دي. همشي أنا وخليكي بس أرجوكي تسيبيني فحالي بعدها بقا!"
قالتها "فريدة" بوجع، ومن ثم هربت منها ومن المواجهة سريعًا، وهي تسير بخطوات سريعة إلى أن سارت بسرعة أمام الأنظار في الصالة، غير عابئة بمناداتهم عليها. فقط هتفت بنبرة سريعة باكية:
"لو سمحتم مش عايزة حد ورايا، سيبوني مع نفسي!"
أمسكت "ياسمين" ذراع "حازم" كي لا يرحل خلفها لتتركها مع نفسها تهدأ. كما أوقفت "وردة"، "جميلة"، وحتى أوقفت "سمية" و"دلال" "عايدة"!
خرجت "زينات" تمسك بعلبة الهدية التي كانت قادمة بها. أمسكتها بخيبة أمل كبرى، وكأنها لم تعد تبقى على شيء. أقرب تشبيه لطفل فلسطيني ممسك بلعبته باكيًا بقهر بعد أن تهشم بيته وفقد أحبائه. طفل أفضل منها حتى، عاجز، قليل الحيلة، منكسر، لم يعد يعرف أين الطريق بعد ذلك. طفل تائه، خائب، قُتِل به أي شعور بالأمل. هاجت الدماء بعروق "حازم" وهو يحاول الاندفاع ناحيتها، ولكن أمسكه "بدر" و"حامد" سريعًا، وهما يسمعانه يصرخ عاليًا من ألمه، ألم قلبه، وحتى وجعه على شقيقته الذي يحاول جاهدًا بأن تكون أفضل بأعجوبة:
"إنت إيه يا شيخة؟ حرام عليكي! إحنا ما بنصدق تكون كويسة! سيبيها فحالها بقا... سيبونا فحالنا حرام عليكم... إنتوا إيه؟"
لكل شخص طاقة تحمل معينة. ذهب صوته وخرج مبحوحًا بآخره، بحة بحنجرة رجل مقهور عاجز. تحمل الكثير. نبرته هشمت قلب "ياسمين" التي ربتت عليه باحتوائها سريعًا. انسحبت "زينات" سريعًا حتى أغلقت باب الشقة خلفها. فتركوه يجلس بقهر على المقعد وهو يضع كفيه على رأسه. وقفت أمامه "ياسمين" التي كلما تعتقد أن الأمور لديه تتحسن بنفسيته تصبح أسوأ! ضمت رأسه وهي تركع أرضًا له. فرفع "حازم" ذراعيها يمنعها سريعًا بسبب حملها، حتى وقف بسرعة، وكأنه لم يراها في هذه اللحظة، بل ضمها بتأثر مما تفعله لأجله في كل مرة. وقد شعرت هي بانسحاب الجميع من حولهما. أمسكت كفه باحتواء وهي تسنده معها ناحية غرفتها. وحتى خرجت "عايدة" لشقتها مع "جميلة". كما استعد "حامد" للخروج مع "دلال" وابنتهما! وكما أيضًا ينسحب "بدر" مع "يامن" لغرفته، وبقت "وردة" تحتوي والدتها كي لا تتعب أكثر، فقد اقترب موعد عمليتها جدًا، وهذا ما لا يعلمه الكثير!
"خلي بالك من نفسك يا رزقة، ساعة وهرجعلك!"
أردف "غسان" جملته وهو جالس بمقعد سيارته قبل وقت قليل، من الأمام تزامناً مع نظراته لها من شرفة السيارة عندما هبطت "نيروز" من السيارة أمام سنتر التجميل. أشارت له بالوداع وهي تردد هي الأخرى غير عابئة بوجود شقيقه "بسام" بجانبه:
"ماشي يا غس، مع السلامة بقا وبلاش تتأخر عليا!"
ضحك على اللقب، حتى أنه سمع ضحكات "بسام" بجانبه. حرك السيارة مرة أخرى عندما تيقن من دخولها من البوابة الحديثة حتى أُغلقت خلفها. تحرك بها وهو يضحك حتى انتهى وهو يحرك نظراته نحو "بسام" الذي عاد ينظر من الشرفة بشرود. قرر بدء الحديث قبل أن يذهب للمكان المحدد. الأيام الماضية لم يسعفه الوقت بالحديث، وحتى لم يجد نفسه لحظة واحدة مع شقيقه بمفرده دائمًا في تجمع، إما عدم وجوده بسبب ذهاب "بسام" للعمل! تنحنح "غسان" يجلي حنجرته، ثم قال بتلقائية دون حذر وهو يسلط أنظاره على الطريق:
"سرحان فـ إيه؟ فـ "فرح" أخت "عز"؟"
لم يترك "غسان" الجواب على السؤال، بل أجاب على سؤاله بإجابة وسعت من عيني "بسام" بصدمة من علمه بما يدار بذهنه. حرك "غسان" عينيه بطرفها فوجده في حالة ذهول مخفية. حاول إخفاءها سريعًا وهو يحرك رأسه باهتمام زائف، ظهر لـ "غسان" عندما قال بتبرير سريع:
"إيه اللي بتقوله ده يا غسان؟ إسكت يا عم وخلينا فيك وفـ فرحك بكـره وبـ..."
قاطع "غسان" حديثه سريعًا عندما علم ما يفعله من بعده عن الحوار. ردد بنبرة غير حاملة للنقاش بما يفعله ويحاول فعله من الأساس:
"بـتـوه ليـه؟"
أخذ "بسام" أنفاسه ثم سكن وصمت متصنعًا عدم الإنصات. فوجده يتنهد ليخرج أنفاسه بصوت وهو يقول بهدوء مع قيادته للسيارة:
"إحكي وقولي علاقتك بيها إيه؟ وليه هي ومن إمته شاغل نفسك بيها كده!! أصل دي مش زعلة واحد عادي ولا خيبة أمل من واحد عادي لواحدة ساعة آخر مرة كنا موجودين فيها معاها وقت اللي حصل!"
لم يجبه "بسام"، بل هربت الكلمات وبالفعل يشعر بأنه المخذول ولن يجد مبررًا لما يشعره من الأساس. حرك رأسه ينصت لـ "غسان" الذي تحدث مرة أخرى بوضوح:
"عايز أسمع منك، عايز أسمعها إنك مش حاسس ناحيتها بحاجة، علشان دي بالذات متنفعكش!"
لما يصدم الآن؟ ولما يحزن مرة أخرى؟ قصد "غسان" أن يقطع له الأمل وبنفس الوقت يضغط عليه ليخرج بحديثه المكتوم. وبالفعل حديثه جعل "بسام" يتحدث سريعًا بما يكنه من مشاعر متضاربة له:
"مش عارف.. أنا بحاول محبهاش، بحاول مقربش منها بس كل مرة بفشل لحد ما حسيت إني مـ..."
توقف عن الحديث بتردد عندما وجد ملامح "غسان" خالية من الترقب وكأنه لا يود سماع الآتي. ضغط "غسان" على فكه وهو يسمعه يكمل بسرعة وينهي التردد:
"لحد ما حسيت إني مـعجب بيها، ولحد ما حسيت إن في مرحلة قربت تبقى أكتر من الإعجاب لما لقيتني إتوجعت من اللي عملته بس خوفي عليها وتعاطفي معاها كان غالب، عشان ساعتها كنت عاوز أحتويها وأفهم ليه عملت كده بالظبط. هي إنسانة كويـ.."
يدافع عنها؟ مجددًا. يقع بنفس الخطأ. فرمل "غسان" السيارة حتى وقفت بسرعة بعد سرعته في القيادة، فاندفع "بسام" إلى الأمام بسرعة وهو يسمع نبرته الحادة له بقوله:
"تاني؟ تاني يا غبي؟"
رجع إلى الخلف بذهول من فعلته. ثم حرك رأسه بيقين من ما يفعله. تشنجت ملامح "غسان" مرة أخرى وهو يهتف مجددًا:
"ما تكمل! إنسانة كويسة.. وطيبة وحلوة ونضيفة ومتعاطف معاها عشان عانت ومحدش حاسس باللي هي بتحس بيه وكلام كتير فاضي زيك وزي قلبك الأهبل... دايما موقع نفسك فـ حب ناس غلط حتى لو كانوا مظلومين بس معاك مينفعوش. هتستحملها ازاي. دي؟ هتعيش معاها. ازاي كده؟ هتدخل علينا واحدة باعت أخوها؟ عاوزها بعد كده بضعفها ده نلاقيها مضيعة أختك ولا مراتي بسبب تهديد من حد مجهول كارهنا؟ ما هو محدش عاد ضامن بقا! تفكيرك ده تفكير إنسان مش طبيعي. إنت مجنون شكلك كده!"
يحاول جاهدًا بأن لا ينفعل عليه كما حدث في السابق. يعلم بأن معه كل الحق. ابتلع "بسام" ريقه بكسرة ثم قال بخيبة ظهرت لشقيقه بوجع عندما قال:
"مش ذنبي!"
مش ذنبي يا غسان ولا ذنب قلبي.
وأنا مقولتلش إني بحبها لسه ومقولتلكش إني هتجوزها وأدخلها بيتنا ووسطنا.
عارف إنك خايف عليا وعلي أختك ومراتك وأمك وأبوك بس أنا معرفش أنا بيحصلي كده ليه!
"مش هستناك لما تقول يا بسام. كل حاجه واضحه زي الشمس. لهفتك ونظرتك وشرودك ده مش لحد طبيعي. لحد واقع. وقعه خبيثه بيداريها بأي شكل عشان عارف إنها علاقه غلط. أو يمكن حد بيعوض وجود حد بحد تاني وساعتها هتبقي حاجه كبيره. علشان أنا حتى لو حصل وقبلت فرح دي فأنا مقبلهاش تنظلم وإنت بتنسى بيها تاج. بنات الناس مش لعبه زي ما قلبك مش لعبه سامعني"
واجه "غسان" بحديث قد يكون جاد بالصعوبة القاسية عليه. حرك السيارة مرة أخرى حتى بدأ في القيادة. بعد صمت، وجده يتحدث بتبرير مرة أخرى:
"بس أنا مبنساش حد بحد ولا بعوض وجود حد بحد. أنا نسيت وبنسي تاج فعلاً. ونفسي أبدأ حياه نضيفه من جديد. مش حرام!!!!!"
حرك "غسان" رأسه بغيظ مكتوم منه. حتى نفى برأسه وهو يكمل له الحديث بإصرار:
"مش حرام. بس الحرام عليك هو قلبك اللي كل شويه بتتعمد توجعه وتكسره. وأنا مش هقبل بـ ده المره دي. مش هشوفك بحالتك اللي كانت موجوده. أنا نفسي تكون بخير إنت وأختك وأمك وأبوك. عاوزكم كويسين عشان أنا اللي مببقاش بخير لو ربع حاجه حصلت ليكم. فكر كويس يا بسام أنا مبقفش فطريقك وأعارضك. بس دي حياه ومستقبل. وصحه ونفسيه بتتهدر وبتاخد وقت مجهود وتعب منك ومني ومننا كلنا. هتقبل تتوجع تاني؟ هتقدر تتخطى من جديد؟ هيبقي عندك الطاقه إنك تروح لدكتور نفسي تاني كل المده دي عشان تتعافى؟"
صدمه أخرى بالنسبة لـ "بسام" من أين يعلم فكرة ذهابه للطبيب النفسي؟ إلى هذه الدرجه يكشفه شقيقه؟ تعمد عدم الحديث أكثر كي لا يواجهه بالطبيب النفسي ذلك. ولكنه سمعه يكمل مرة أخرى:
"الدكتور النفسي اللي إنت قعدت عنده شهور تتعالج وكان مفيش حل. عشان إنت اللي مكنتش عاطي لنفسك الفرصه. ولما جت وحسيتك بقيت تمام. لقيتك عاوز توقع نفسك فالحفره الغويطة دي من تاني. وبردو إستنيتك تيجي تتكلم وتحكي. حكيت.."
صمت "غسان" ثم أضاف سريعاً بتفهم لعقل الٱخر:
"لأ ....عارف ليه؟ عشان إنت نفسك مش مقتنع اقتناع تام بكل اللي بيحصل ده. خوفت تقولي عشان لسه مش ضامني من ساعة موضوع تاج. وأراهن على عمري كله إنك كنت هتقولي لحد ما وقفت بيك اللحظه إني أروح أبعد فرح دي عنك زي ما حاولت أبعد تاج من غير ما تعرف. بس الوقتي أنا عرفتك. مش هروحلها ولا هعمل معاها زي تاج من وراك. فرح أخت عز دي ضعيفه وشخصيتها شخصيه جبانه اكتر من إنها غبيه وغلبانه فنفس الوقت وأنا عارف كويس رغم اللي هي عملته بس عمرها ما تيجي فقذارة تاج. فبلاش المقارنه بتاعتك اللي تخليك تروح تختار واحده احسن من واحده وكل واحده فيهم عندها الوحش اللي على قدها فاللي عملته دي غير دي وإنت غيرهم هم الإتنين. وإنت بقيت كويس ماشي لكن هي مضمنهاش! إن مكانتش أصلا مريضه نفسيا عشان مفيش حد عاقل بيروح يسلم ناس من غير ما يعرف أسباب ويشغل عقله. مضمنش سلامتها النفسيه دي ولو حصل هقفلك يا بسام عشان دي مش ليك وحتى لو هي ليك فأنا مش هقبلها وهي كده. إنت بتتغير هي الله أعلم. وإحنا دلوقتي رايحين لـ عز. عز أخوها يعني ولا كأن أي حاجه حصلت ولا كأنك تعرف اللي إسمها فرح دي. مفهوم؟"
أوامر من عزم خوفه لم يتركه لوجعه كما فعل فالمره السابقه. إبتلع الغصه المريره التي توجد بحلقه من مشاعره المختلطه. رغم قدرته على إتخاذ القرارات ولكنه يعلم تمام العلم بأن شقيقه لديه كل الحق في كل الحديث. لذا هز رأسه فقط دون نبس أي حرف. تنهد يخرج أنفاسه. فوجده يركن السياره عند الموقع المحدد أمام أحد المنازل. ثم حرك رأسه له وقد تعمد إظهار اللين له بنبرته الخائفه عليه وهو يردد:
"صدقني يا بسام أنا خايف عليك. مش عاوزك ترجع تاني للي كنت فيه. إنت أخويا وصاحبي وعمري ما هقبل بحاجه تأذيك. عمر ما هسمح لحد يوجعك حتى لو كان مين. أنا كل روحي أخواتي. وإنت جزء من روحي. ابوك لو عاش من تاني لحظة وجعك دي مش هيستحملها ولا حتى أمك اللي قلبها نشف من كتر العياط عليك. ولا وسام اللي مش عارفه تحدد زعلها منك ولا عليك. كل ده أنا عيشته وإنت كنت قافل علي نفسك بوجعك كنت بحاول أراضيهم وأوفق بيني وبينك وإنت أصلا مش موجود! صدقني يا "خويا" محدش هيحس بيك غيرنا ولا حد هيخاف علي مصلحتك ألا إحنا!!"
انتهي الحديث بوقوفهما معاً أمام منزل "عز". هذه المره توجه "بسام" يقبل قمة رأسه ببر. ولم يراه في هذه اللحظه سوى "حامد البدري", والده. ومن ثم رفع ذراعيه يدخل "غسان" باحضانه بإمتنان موجع وهو يردد بتفهم:
"أنا فاهم كل حرف قولته خارج منك ازاي وليه. إنت أبويا واخويا يا غسان مش هزعل منك ولا من كلامك. بس أنا اللي متلخبط ومش عارف أحدد أي حاجه!!"
ربت "غسان" على ظهره بحنو وهو يبتسم حتى خرج من بين ضم الٱخر له ثم هتف بإطمئنان له:
"هتعدي. فكر إنت بس فالصالح ليك حتى لو على حساب وجع فالأول بس ولو ليك نصيب في حاجه هتاخدها ولو حد ليه نصيب يتغير ساعتها الوضع ممكن يتغير صدقني بس أصبر!"
أمل ٱخر. إذن نقطة الاعتراض على طبيعة الشخصيات!! هز له رأسه إيجابياً. وقد رفع يديه يدق جرس المنزل. حتى مرت لحظات. وفُتح لهما الباب بواسطة "عز" التي وقفت بجانبه "حنان" ترحب بهما بعد أن علمت من ولدها مجيئهما:
"إزيك يا معلم. وحشني إنت يا صاحبي خد بالك!!!"
كلمات شبابيه خرجت من "غسان" الذي احتضن "عز" وهو يدخل. ومن ثم رد عليه "عز" بسعاده من إهتمامه. حتي إحتضن "بسام" هو الٱخر. وقد علم من هو وإستطاع بنظراته وعقله أن يفرق حتي من طبيعة الحديث. مد "غسان" كفه يرحب بـ "حنان" قائلاً بابتسامه لبقه:
"إزيك يا أم عز؟!"
طالعته "حنان" بإستغراب طفيف من طبيعة حديثه. ولكنها رحبت به سريعاً وهي تصافحه قائله بعفويه:
"الحمد لله إذيك يا دكتور بسام! منورنا إنت وأخوك والله!"
ضحك "عز" بخفوت عندما رأى بسمة "غسان" تتلاشى وهو يجيبها:
"أنا مش دكتور بسام والله يا جدعان..دا الراجل حلق ليكم دقنه عشان تفرقوا .. حسوا بيا بقا!!!"
شهقت "حنان" بتلقائيه وهي تتحدث بنبرة آسفه له:
"لمؤاخذه يبني. عليا دي ..أصل التاني كان بدقن زيك كده والله. مكنتش أعرف إنه حلقها وبقا هو إنت وإنت هو!!!"
كان حديثها عفوي مما جعل ضحكات الثلاثه تتعالى. توجه "بسام" يرحب بها بلباقه وهو يردد لها بلطف من بين ضحكاته:
"أنا اللي بسام يا أم عز ..ويا ستي بلاش دكتور أنا زي إبنك عز يعني.. وحمد لله على السلامه تاني!!"
"منوريني والله. تعالو أدخلو الصالون من هنا تعالو!!!"
قالها "عز" مما يتوجب عليه إخفاء الوجع وإظهار الترحيب بضيوفه. ذهب من خلفه الإثنان وأخرهم "بسام". الذي بحث بعينيه عنها رغماً عنه ثم لام نفسه بما قـيل قبل قليل.
يريده بأن لا يذهب عبثًا، ولكن رغماً عنه شعوره ذلك.
"بقا أودي العربية علشان أشوفك، أروح ألاقيها متصلحة بعد كام يوم ومشوفكش بردو، قاصدها ياض صح؟"
كان الحديث من "غسان" لـ "عز" الذي ابتسم له وهو يوضح:
"محصلش والله، بس اليومين دول سيبت الورشة كتير علشان مكنتش بقدر أشتغل زي الأول، يلا ربنا يعدي أيامنا دي على خير، إنتم عاملين إيه؟ وحازم؟ وفرحك إمته بقا يا عم؟"
ضحك "بسام" عليه بخفة، في حين تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه وهو يبدأ في الحديث بنبرته الهادئة يطمئنه:
"كلنا كويسين الحمد لله، والفرح بكرة وجيت بنفسي عشان أعزمك، بس مش جاي عشان كده بس، جيت أنا وبسام نشوفك ونطمن عليك عشان عارفين إنك مش تمام!!"
طالعهم "عز" بتأثر، وقد ظهرت له قلة حيلته، حينها أجابهم بوضوح بما يشعره:
"أصل مفيش بإيدي حاجة، والحمد لله راضي، كل اللي هيوصله شريف ده يستاهله وزيادة، ولو على موضوع جميلة، فأكيد تستاهل حد أحسن مني!!"
قال حديثه برضا واضح لهما، ولكن أخره يتألم ومؤلم، عندها تحدث "بسام" سريعًا، محاولًا وجود حل:
"بس مفيش أحسن منك ليها يا عز، ربنا يشهد إنت بتتعب قد إيه وملكش ذنب في اللي حصل ده كله، وإحنا مش جايين نقطمك، إحنا جايين عشان حاسين بيك وعاوزين نلاقي حل ونرجعك إنت وجميلة لبعض، بس عاوزين نسمعها منك!!"
استشعر "عز" إلى مدى تصل شهامتهما الاثنان، وجد بعدها "غسان" يتحدث بثبات، ونبرته القوية وصلت له حينما حفزه بقوله:
"أنا عاوز أسمع منك بس إنك لسه عاوزها وأنا هتصرف مع حازم، وسيب عليا الموضوع ده، أنا سايب "حازم" اليومين دول واللي فاتوا يهدي ويرجع في قراره ومكلمتوش، بس أنا نفسي ترجع لها فعلاً عشان هي كمان مش كويسة من غيرك زي ما إنت مش كويس من غيرها!!!"
يجد الأمل في آخر النفق، تلهف عندما سمع وجعها، فسألهما سريعًا بلهفة:
"طب يعني هي عاملة إيه الوقتي؟ كويسة؟"
ابتسم الاثنان على لهفته، فتحدث "غسان" سريعًا، يشاكسه:
"أيوه كده أنا عاوز الرد بلهفة العاشق دي، تيجي بكرة الفرح وهتصرف لها أنا متشيلش هم."
أيده "بسام" بحماس، ولوهلة شعر بأنهما أول سند له من صنف الرجال منذ زمن، أخذ أنفاسه بغير تصديق وهو يحرك رأسه بتأثر، يطالعهم بمشاعر عدة حتى قال:
"أنا مش عارف أقولكم إيه.. بس أنا أول مرة ألاقي حد حامل همي وبيفكرلي كده زيكم، أنا مش هنسالكم الزيارة دي حتى لو مش هيبقي فيها حل بس سؤالكم عليا كفاية!!!"
ربت "غسان" على كتفيه بعاطفة أخوة وهو يبتسم له باطمئنان قائلاً:
"لا متقولش "حتى لو مش فيها حل" قول "هتتحل والماية ترجع لمجاربها"، وبعدين إحنا بقينا أخواتك وأصحابك، إنت جدع يا عز وأنا مش ناسي يوم ما جيت المستشفى ساعة أختي من قبل حتى ما تعرف إن أخوك هو اللي عمل كده، جيت وإهتميت وسألت وحاولت تساعد ومشيت ساعتها من غير ما أفوق وأشكرك، وبعدها حصل تاتش بيني وبينك بسبب سوء تفاهم بس غصب عني، عمري ما أنسى في يوم حد وقف جنبي في وقت صعب، إنت اللي بدأت تبقي صاحبنا وأخونا، فمتحسش نفسك غريب ولا تحس اللي بيحصل ده غريب دا العادي بين الإخوات، وإن شاء الله تبقي جميلة من نصيبك وتمسكها تحطها في بيتك بقا بعد ما أتجوز أنا ونيروز خلينا نخلص بقا يعم!!"
المتشابهون يتلاقوا! وكما كان لقاؤهم، كان ملئ بالشهامة منهما، تأثر "عز" من حديثه حتى أنه ربت على ساقه بشكر. وسمع "بسام" يكمل:
"وإن شاء الله الأمور تتصلح."
"هتبقى عال يصاحبي وهتجيبوا عيال كمان!!!"
غمز له "غسان" عقب قوله، فضحك "عز" بخفة وهو يشير له بعلامة الدعاء، رغم أنه يعلم أنها صعبة التحقيق ولكنه يجد الأمل بهما. ورغم معرفة التوأمان بإحتمالية الصعوبة في التنفيذ بما يودانه، ولكنهما عقدا العزم على بذل كل الجهد بالمحاولة مع صاحب العقل المتصلب قليلاً، "حازم"!!
إعتدل "غسان" بجلسته، وهو يشير لشقيقه قائلاً بنبرة مرتفعة قليلاً:
"طب نستأذن إحنا بقا، ومتنساش، هستناك بكرة أول واحد، وإبقى هات معاك أم عز لو عرفت تفرق بينا غير كده متجبهاش!!!"
قال حديثه بتبجح، ولأول مرة يقهقه "عز" بالضحكات، وسرعان ما قاطع نهوضهما عندما تحدث سريعًا:
"محدش هيتحرك إلا تشربوا العصير، إنتوا مسمعتوش الخلاط من شوية ولا إيه، مينفعش الكلام ده، بعدين أم عز تزعل!"
"سمعته يا عز، يارب جوافة بس علشان البرد ده!!!"
أردفها "بسام" بمرح، فضحكوا عليه بخفة حتى استمرت جلستهم بالحديث إلى أن انتفضوا مرة واحدة عندما سمعوا صوت صراخ "حنان" والدة "عز" عندما صاحت بفزع:
"ألحقني يا عز، ألحق أختك مبتنطقش!!!!!!"
إنصعق "عز" حتى نهض بسرعة ومن خلفه "غسان" وحتى "بسام" الذي تسارعت دقات قلبه بخوف، تجمعوا سريعا، ووقف "غسان" أمام غرفتها، بينما العجيب أن "بسام" الذي دخل والآخرى مسطحة بخصلات شعرها السوداء، أخذ "عز" يهزها بلهفة وخوف، وقد تغيرت ملامح وجهه وهو يضرب وجهها بخوف، مرددًا بلهفة:
"فرح، ردي عليا يا فرح علشان خاطري!!!!!!"
الخوف من الضياع رغم ما فعلته، بكت "حنان" بانهيار، وهي تدفع "بسام" بلهفة من بين بكائها مرددة بخوف له وهي تحثه بنبرة متلهفة:
"ونبي تشوفها يا بني، شوفها إنت دكتور!!!"
وكأنه ينتظر الكلمات منها حتى يخرج من حالته هذه، انحنى سريعًا، يدلك ما بين حاجبيها وهو يتحسس نبض رقبتها بخوف، وأنامل مرتعشة، فوجده موجود ولكن ضعيف بنسبة ما، في هذه اللحظة دخل "غسان" سريعًا عندما شعر بتوتر شقيقه وحتى توترهم وخوفهم في هذه اللحظة جعل عقلهم يتوقف، لاحظ زجاجة العطر الموضوعة على التسريحة، جذبها "غسان" سريعًا، ثم ألقى غطاءها على الأرض بسرعة وهو يتوجه بها ناحية أنفها ينثر منها الكثير، و"بسام" يدلك ما بين حاجبيها وحتى كفها البارد من بين يديه الأخرى حتى فعل "عز" مثله في كفها الآخر ووالدتها في قدمها من الأسفل، إلى أن كانت لحظات، وقد رمشت هي أخيرًا، تنفس "عز" الصعداء وهو يمسك كفها بين كفه بلهفة مرددًا لها كي تفوق أكثر:
"فرح، سمعاني يا فرح؟"
أنا عز.. أنا موجودة جنبك هنا أهو.. ردي عليا!
كل حرف خرج منه بخوف. فتحت عينيها أخيراً، وقد رأت سقف الغرفة. وقوعها أرضاً جعل الجميع يلتف حولها وهم جالسين. لاحظ "عز" إمساك "بسام" لكفها بخوف، إلى الآن ولم يتركها. وكز "غسان" شقيقه بخفوت، وهو بسنده ليقف حتى يسحبه خلفه لخارج الغرفة. خرج معه "بسام" بخواء وغير استيعاب. وقف الاثنان أمام الغرفة مرة ثانية لدقائق، وقد لاحظ "غسان" ارتجافة يد شقيقه الخافتة، تيقن بأنه وقع بحبها دون أن يدري هو من الأساس ما يشعره. بل وتيقن بأن مرحلة ما قاله له قبل وقت صعب التنفيذ عليه، ولكنه سيقف معه إلى أن يفعلها. ضمه "غسان" بخفة وهو يربت على ظهره، إلى أن لاحظ خروج "حنان" بلهفة خلف "عز". نظرت لهما بأسف، وهي تقول:
"معلش على القلق ده تعبناكم معانا. أنا اتخضيت عليها. أصل كنت عايزة الكاسات الجديدة علشان أحط فيها ليكم العصير وهي اللي عارفة مكانها ولم روحت لقيتها واقعة على الأرض كده روحي راحت."
كان حديثها عفوي لدرجة كبيرة، مما جعل "عز" يضحك بخفة رغم توتره. ابتسم لها الاثنان، وأول من تحدث كان "غسان" ليلهيهم عن حالة شقيقه:
"ولا يهمك يا أم عز. ألف سلامة عليها. ولو احتاجتوا حاجة إحنا موجودين.. بس هنستأذن إحنا دلوقتي."
عارضتهم قائلة سريعا بلهفة:
"إزاي بس والعصير؟"
"مرة تانية إن شاء الله. بكرة في الفرح متعوضة. تنورونا وتشربوا العصير بينا ومعانا."
هزت رأسها موافقة، فودعهما "عز" محتضناً كلا منهما مع قوله الممتن:
"مش عارف أقولكم إيه والله.. شكراً!"
ابتسم "بسام" له، وقد خرج قبل شقيقه الذي حدج "عز" بنفاذ صبر زائف وهو يجيبه:
"عيب منك يا عز. متخلينيش أشتمك وأقلب عليك بقى! خلي بالك من أم عز وأختك وهستناك بكرة. عايز أي حاجة؟"
"سلامتك."
وكان هذا الرد الوحيد منه، ومن ثم خرج الآخر حتى ركب السيارة بجانب شقيقه، ومن ثم أغلق هو الباب وهو يتوجه إلى الداخل مرة أخرى يطمئن عليها من على بعد. بينما في الخارج شغل "غسان" محرك السيارة محاولاً التحدث باللين مرة أخرى مع الآخر وهو يقول:
"مكنتش أعرف إنها غالية أوي كده.. ده حب مش إعجاب! فارقة معاك أوي؟"
يسأله بألم له، وهو يعرف الجواب. أصبح الوضع معقد. معقد جداً. صمت رغماً عنه عندما أشار له "بسام" وهو يقول بنبرة هادئة محاولاً الهروب من الحديث مرة أخرى:
"بلاش كلام دلوقتي يا غسان. أنا مش قادر. خليها بعدين واطلع خلينا نقف الربع ساعة دي على ما مراتك تخلص!"
علم ما يفعله شقيقه، فقرر تغيير مجرى الحديث بمشاكسة له وهو يقول:
"ومالك يا خويا متقل مني ومن مراتي كده ليه كأني مصدر إزعاج وصداع في حياتك كده؟"
خرجت ضحكته بالفعل وهو يجيبه باستسلام:
"يعم أنا اللي مصدر صداع أصلاً ليك. فالله يسهلك."
"عندك حق ولو مش بتديني حب أو مرتب مش من حقك تبقى مصدر صداع في حياتي!"
قالها بتبجح ومرح. نظر "بسام" لـ "غسان" بلوم مصطنع وهو يبتسم على حديثه بقلة حيلة، فوجده يزفر بندم زائف وهو يردد مرة أخرى ناظراً على الطريق من أمامه:
"مشكلة كبيرة إن خلقك ضيق ولسانك طويل!"
هز "بسام" رأسه له بتأييد قوي وهو يشير إليه بيديه قائلاً بضحك هادئ:
"أهو ده عيبك بقى!"
قلب "غسان" عينيه بملل منه، ومازال يتعمد التخفيف عنه. قال كلماته المعهودة دائماً عندما سأله هو هذه المرة وليست هي:
"عارف غسان البدري قال إيه؟"
طالعه "بسام" بتساؤل في عينيه وهو يشير له باستفهام، فواصل "غسان" يجيبه بتبجح له وعلى حديثه في البداية:
"وإن رأيت فيا عيباً.. فأعلم أن العيب في عينك إنت يا روح أمك!"
وجد أن لا مفر من الضحك على وقاحته ومرحه الدائم. ضحك "بسام" عليه، فعاد "غسان" يسأله برأسه بتلك الكلمات المعتادة:
"عَـلْ كده؟"
حرك "بسام" رأسه يؤكد من بين ضحكته الخفيفة، ثم أيده وهو يجيبه بحديث كان قد أخذه منه بهذه اللحظة وأردفه بنفس الطريقة عندما أشار له بقوله وهو يجيب مثله تماماً:
"عَـلْ يا حبيب أخوك!"
***
بعد مرور وقت.. في شقة "سمية".. عادت "ياسمين" بعدما ذهبت المطبخ قبل وقت لتعد له مشروب من الليمون ولهم جميعاً لتخفيف من حدة الأجواء. ولكنها كانت قد خرجت من الغرفة لتجلس مع "سمية" في الصالة ومع "بدر" مرة أخرى، وحتى "وردة" كانت تساعد "ياسمين" وهي تعاندها بسبب حملها. أغلقت "سمية" الهاتف وهي تزفر، فسألها "بدر" باهتمام لعودتهما:
"لسه قدامهم كتير ولا إيه؟"
"لا لسه خارجة أهي عشان تركب معاهم. عشر دقايق وهتلاقيهم جايين. أنا بس عايزة أعرفكم قبل ما نيروز تيجي!"
أومأ لها حتى خرج بحديثه هو الآخر وهو يوزع أنظاره بينها وبين "حازم":
"وعمي جاي أهو هو ومراته ووسام!"
وما أن قالها وجد جرس المنزل يدق. نهض "حازم" من قبله ليفتح الباب. وما أن فتحه وجدهم أمامه. دخلوا بعد أن أفسح لهم المجال. ثم لاحظ هو فتح باب شقة "عايدة" هي الأخرى حتى خرجت وهي تبتسم له بإطمئنان هي و"جميلة" التي جلبت "فريدة" هي الأخرى. وما أن رآها "حازم" اطمئن وخرجت أنفاسه بارتياح. دخلن الثلاثة فأغلق هو الباب خلفهم. حتى وجد "وردة" تخرج مع "ياسمين" من المطبخ وهي تتوجه لهم بأكواب العصير والحديث العشوائي متزايد. إلى أن لاحظ لطف ما حدث. وجد "يامن" يهتف باسمه بطريقة طفولية جعلته ينظر بغير تصديق. انحنى ليحمله بحب وهو يقبله بمرح. فسمعه يردد له بنبرة طفولية بريئة:
"متـ ـزعلش"
مع حذف حرف اللام قالها. تأثر من فعلته ثم نظر نحو "بدر" الذي حث صغيره على فعل ذلك. قبله "حازم" بتأثر وهو يحمله ثم قال بسعادة طفيفة:
"والله لو كان في زعل فبعد متزعلش دي خلاص يا يامن اتبخر وراح!"
دغدغه بمرح. ثم توجه به حتى جعله يميل أمام وجه "فريدة" وهو يحثه على تقبيلها. حتى قبلها فحملته هي بحب. ولاول مرة تشعر بالحب الصادق دون أن تفعل له شيئ منه. صغير وهي أكبر. احتضنته بسعادة عندما ردد لها على مسامعها مثل ما فعل ما شقيقها الذي حثه على قولها لها الأخرى! انتبه الجميع عندما أشارت "سمية" لهم ومن ثم بدأت بإخراج ما تود قوله لهما ولمن يعلم ومن لا يعلم بما سيحدث لها وما تود تنفيذه.
كنت عاوزة أقول لكم حاجة مهمة بالنسبالي، حاجة ووصية. أنا اتحدد لي ميعاد للعملية كمان يومين، يعني من يوم صباحية "نيروز" من بليل هكون موجودة في المستشفى عشان أعملها. فيه اللي يعرف وفيه اللي ما يعرفش، بس الأهم إن الوقت راح وحتى نيروز مش لازم تعرفوها وسيبوها تفرح، وساعتها يبقى ربنا يسهلها. عاوزة أوصيكم على بناتي، خلي بالكم منهم. بناتي هنا مش وردة ولا نيروز ولا ياسمين بس لأ، بناتي جميلة كمان وفريدة وحتى وسام. كل دول أمانة في رقبتكم. يشهد الله إني قلبي أبيض من ناحية كل واحد فيكم، وعاوزة أسمع منكم كلمة مسامحينكم على أي حاجة حتى لو ما جتش على حد في يوم. الواحد مش ضامن عمره، وهبقى بين إيدين ربنا.
كانت تعلم فتياتها ولكن لم يكونا يعلما بأن حديثها، وأن اللحظة موجعة لهذه الدرجة. خاصرتهما بالتأثر وهما اللذان يحاولان التخطي والنسيان بهذا الوقت. أدمعت عيني "وردة" بتأثر. ابتلعت "ياسمين" ريقها بصعوبة وهي تقول بتحشرج. ضمها "حازم" عقب قولها:
"ما تقوليش كده يا ماما. أنا متأكدة إنك هتبقي كويسة، عشان خاطري بلاش الكلام ده بقى."
ورغم تفاجؤ "فريدة" ولكنها صمتت تبتلع ريقها بصعوبة عندما علمت لأول مرة بأنها مريضة قلب من الأساس، عند إشارة شقيقتها لها لتفهم. أخذت النساء تتحدث بحديث مطمئن لها. بينما توجهت "وردة" تحتضنها تحت تأثر زوجها وحتى الجميع. ضمتها "سمية" بحب وهي تهدهدها، إلى أن سكن الجميع مرة أخرى. بعدها هتفت "دلال" والدمعة تكتمها بصعوبة:
"هنستناكي يا سمية. هنستناكي ترجعي لحضن بناتك من تاني ومتخافيش، أنا عارفة إن ربنا كريم ولطيف وهيلطف بينا كلنا لما تخرجي منها بخير."
توجهت بعدها تقبل رأسها بعاطفة شديدة، وكأنهما الصديقتان حتى بعد مرور كل ذلك الوقت. فعلت "عايدة" هي الأخرى معها كمثل ما فعلته. حتى خرج "حامد" بحديثه الهادئ المطمئن هو الآخر:
"طيب إحنا بقى كلنا متأكدين إنك هتبقي بخير يا أم وردة. وبعدين بتوصيهم على بناتك، واللي المفروض يكون أبوهم موجود. صدقيني لو حد قرب منهم في وجودك أو في غيابك فهو الخسران، حتى لو كان من ولادي."
صديق زوجها، بل أخيه مجازيًا. تأثرت بشدة وفي هذه اللحظة شعرت بأن روح زوجها تطوف حولها تشاركها وقت حزنها وفرحها. صمتت تعجز عن الرد إلى أن مسح الجميع دموعه بسرعة وقد تظاهروا باللاشيء عندما سمعوا صوت المفتاح وخيال الثلاثة من خلف الباب وصوتهم.
فتحت "نيروز" الباب بمفتاحها، حتى دخلت وهي تضحك من عبث "غسان" كالعادة وخلفهم "بسام". دخلت ترحب بهم وبتجمعهم هذا، حتى انسحبت تضع ما بيديها بالداخل في الغرفة. أغلقتها خلفها لتبدل ملابسها إلى أخرى مريحة حتى ينتهي التجمع وتدخل المرحاض. وقفت تنظر إلى مظهرها في المرآة بمشاعر مختلطة من توتر وارتباك وخوف وفرح وسعادة وحماس ولهفة. كل ذلك مع شريك الحياة والأيام "غسان". وسرعان ما داهمها الشعور الذي يداهم أي فتاة. الشعور التي تحاول هي تجاهله ولكنه لح عليها الآن وبقوة. عندما نزلت دمعتها بكسرة من فقدان والدها. عجز وحزن. كيف لي بأن أفتقدك وأنا سأبدأ مرحلة أود وجودك بها. أود رؤية فرحتك بي. أود أخذك بعناق، عندما أودعك بالخروج من منزلك والذهاب لمنزل الزوجية. أود الرقص معك على أنغام متأثرة بفراق مؤقت وليس بفراق دائم كمثل الآن. يكسر قلبي في كل مرحلة أدخل بها وأبدأها وأنت لست هنا. كيف السعادة الكاملة من دونك أخبرني؟ كيف عدم الخوف من الآتي وأنت لم تكن ولم تزل ظهرًا لي؟ كل هذه الأسئلة تسألها له وهو الغائب المستتر تقديره هو بمكانه الآن بين الأموات بعيدًا عنها. رفعت كفها تمسح عينيها ثم وضعت بها كحل أسود لتخفي احمرارها من البكاء حتى استعدت للخروج. وما أن خرجت وجدت عائلته قد رحلت مرة أخرى ودخلت والدتها للداخل. وبقي "غسان" في الشرفة بعد أن علم منهم ما سيحدث. شعوره الآن بالخوف ليس عاديًا بتاتًا. بل ولم يخبرها قبل موعد زفافهما. من المحتمل بعد الزفاف، أو اليوم الثاني منه في الصباح ليترك لها فرصة لتحدثها. لها كل الحق بذلك والذي وقف لهم به وهو يعارضهم بهدوء بأنها يجب أن تعلم. وهو يضع بينه وبين نفسه كل الاحتمالات لحدوث الأسوأ قبل الأفضل. حرك رأسه بانتفاضة خافتة عندما وكزته بكتفيه. عقدت بين حاجبيها باستنكار منه حتى سألته بسرعة من تغيرت ملامحه. وبنفس الوقت عندما لاحظ عينيها رغم وضع الكحل بها سألها هو الآخر بنفس وقت سؤالها:
"مالك؟"
نظرا الاثنان إلى بعضهما بذهول من ما حدث. بل وحديثهما وطباعهما أصبحت واحدة. ضحكت بخفوت كما فعل رغم تعكر صفو مزاجه. ولكن ضحكاتها تجعله يضحك حتى دون أسباب مقنعة. وجدها تتحدث بسخرية من أمرهما له:
"طيب مين هيقول الأول طيب؟"
"إنت.. عشان أنا كويس، لكن إنت معيطة ومدارية عينك بكحل أنا مش قادر عليه والله!"
يثبتها ويغازلها ليخفف عنها في هذه اللحظة. كانت شفقته عليها أكثر من حبه أو أتت من حبه لها. نظرت له بخجل وهي تتنهد ثم هربت بنظراتها وقد نجح هو بتشتيتها كي لا تسأله. وجدها تشير بغير اهتمام وهي تتحرك بعينيها نحو ركن آخر بالشرفة هاربة من سؤاله لها تشتته كما يفعل، ولا تعلم هي بأنه بارع أكثر منها بفعلها:
"فرحان؟"
نظر لها "غسان" بعمق. وفي هذه اللحظة مد يده يدير وجهها ناحيته وهو يجيبها بصدق نبع منه بقوة:
"ومين عاقل ما يفرحش إنه هيشارك "نيروز" في اللي جاي من عمره؟"
جملة خرجت لها بصدق. حتى رفعت عينيها تحتضن بنيتها الداكنة وأهدابه الكثيفة. في هذه اللحظة وكأن ستار مشاعرها كشف له، وبالأخص مشاعرها التي تود أن ترى بها الاحتواء منه. وبالسرعة الكافية عندما اجتمعت الدموع هبطت منها وتعابيرها خالية. حتى هبطت دمعة وحيدة على كفه. نظر لها بغير تصديق، ولا يعلم هو لماذا تبكي الآن. لم يسألها ولكنه رفع ذراعه يضعها على رأسها من الخلف حتى حركها ببطء ناحية صدره ودار ذراعه الآخر على ظهرها وهو يتشبث بها في هذه اللحظة. تعتقد بأنه يواسيها ولكنه يأخذ راحته منها هو الآخر مثلها. شهقت بخفوت. وقد قرر سؤالها بعد أن تهدأ ولكنها أتت له بالجواب قبل السؤال عندما ضربت فؤاده بجملتها المنكسرة له:
"كان نفسي يبقى معايا.. كان نفسي يبقى موجود."
علم مخزي الحديث. حديث ألم قلبه. ضمها أكثر وهو يحتضنها بتشبث. بل وماذا لو علمت بأن والدتها هي الأخرى حياتها على شعرة بهذه العملية الجراحية. تثير شفقته بقوة. حتى أنه في هذه اللحظة يكتم دموعه لأجلها. خرج منه حديثه المختنق يبرر لها سريعًا بلهفة وصدق:
"أنا أبوكي يا نيروز. أبوكي وأخوكي قبل ما أبقى حبيبك وجوزك. أنا موجود جنبك.. ومش هسيبك!"
شعرت بصدق كلماته رغم انكسارها. وها هو مشهد "ياسمين" وحديثها سيتكرر مرة أخرى باختلاف الاثنين. خرجت من أحضانه وهي تتحدث بما تشعره قائلة بضعف:
"بس أنا كنت عاوزة أبقى زي أي عروسة. كنت عاوزة أمسك إيده وأرقص معاه وأقوله إني زعلانة إني هفارقه وهخرج من بيته لبيت تاني. كنت عاوزة أفارقه الفراق ده، مش الفراق الصعب التاني. نفسي يرجع ثانية واحدة بس أحضنه ويشوفني بفستان الفرح وبعد كده يرجع تاني. بس مبقاش من غيره كده!"
كسرتها تشرح الكثير من وضعها. ضمها مرة أخرى ومن ثم رفع أنامله يمسح دموعها برفق، وهو يواسيها مجددًا محاولًا التماسك:
"هو في مكان أحسن من كل ده. مكان كلنا راجعين ليه. ولو هتمنى أرجع زيه كده هقول يارب يبقى ليا بنت منك تحبني كل الحب ده. هدعي ربنا من دلوقتي إنه يقدرني أعمل اللي هو عمله معاكي. بنت سالم الأكرمي مفيش زيها ولا هيكون غير بناتي إن شاء الله!"
غير مجرى الحديث عندما حاول تشتيتها لتخرج من حالتها.
إبتسمت من ما قاله فوجدته يرفع كفها نحو شفتيه يقبلها برقة واحتواء، ثم أكمل بحنو لها وبوعده الصادق:
"أوعدك إني هبقى جنبك دايماً وعمري ما هسيبك، وأوعدك إني أملى المكان الفاضي اللي سابه ده. رغم إنها صعبة حد يملى مكان الأب، بس هحاول أكسر القاعدة وأعمل لك اللي إنتِ عايزاه عشان لما تحسي بيا بحاجة أول حاجة تحسيها إني أبوكي فعلاً، وأبويا أبوكي. صدقيني مبيقولش كلام كده وخلاص، بيحبك أوي ونفسه كمان تقوليله يا 'بابا'. عارف إنه جه قريب فرحان وهو بيقولي إنك قولتيها له.. مكنتش مصدق إن الكلمة هتخليه طاير من الفرح كده. ساعتها عرفت إن حتى هدخلك وسط ناس بيحبوكي وعمرهم ما يتمنوا لكِ الشر ولا يغيروا منك أبداً. وعرفت برضه إنك إنتِ الوحيدة اللي تنفعي تكوني أم لعيالي في المستقبل، وإن الحياة متبقاش حياة لو مشاركتهاش معاكي إنتِ. إنتِ نيروز واحدة بس، نيروز مختلفة عن كل الموجودين، استثنائية بفرحها وخوفها وحتى حزنها ومشاكلها. نيروز اللي حببتني في الاختلاف لما لقيتها حاجة غير.. حاجة واحدة بس مش هتتكرر. نيروز متمشيش ولا لحد غير غسان وبس والله العظيم!"
يعترف بكل ما يكنه ومن المرات القليلة الذي يكون بها حديثه جاد. أدمعت عينيها بتأثر من حديثه، حتى أنها دفعت نفسها بتلقائية في أحضانه بكل تأثر، حتى قالت له بنبرة باكية جعلته يضحك بخفة على تلقائيتها حينما قالت:
"مش عارفة ليه بقلبها لكِ نكد وإنتِ ملكشِ ذنب تسمعي كل ده مني. أنا نكدية فعلاً!"
ربت "غسان" على حجابها بحنان وهو يضحك، ثم خرجت إجابته الصريحة منه لها مباشرة:
"حتى لو نكدية.. فـ بنت الأكرمي نكدها غير."
هذه المرة ستغير أول كلمة فقط وستثبت بقية الجملة عندما قررت قولها، وهي الأخرى تردفها بقله:
"بحبك.. يابن البدري وبحب قلبك!"
صدق نبع منها، تود الحفاظ على قلبه هذا. ضحك بخفة ثم غمز لها بوقاحة وهو يطالعها بعدما اعتدلت، حتى خرج منه حديثه بعبث جرئ:
"ما أنا أتحب بردو.. دا أنا عليا حضن بيدوخ اللي بيترمي فيه!"
"يعني حد بيحضنك غيري يعني ولا إيه مش فاهمة!"
تنقلب عليه بكل سرعة، ذُهل من شراستها المفاجئة له بعد كل ذلك اللين. حرك رأسه نفياً وهو يهتف بالإجابة بثبات يثبتها:
"لأ.. علشان المكان ده مكانك إنتِ ومش لحد غيرك!"
غمزت له بإعجاب، ثم أخرجت هاتفه من جيب بنطاله بمرح. ثم فتحته بعد أن علمت رقمه السري. فتحت الكاميرا لتقوم بتصوير ذكريات جديدة، خاصةً أن موعد الزفاف لم يكن عليه يوم بل مجرد ساعات وستكون معه وله! قامت بتصوير الفيديوهات والصور بعشوائية ومرح، رغم وقوف الغصة المرة لأجلها بحلقه هو. انتهت الوقفة عندما وضع هاتفه بجيب بنطاله، ثم اعتدل وهو يتحدث لها بلين:
"يلا أدخلي ارتاحي ورانا بكرة يوم طويل. وأنا كمان همشي.. عاوزة حاجة؟"
هزت "نيروز" رأسها نفياً، وتعلم ما سيفعله هذه المرة. انحنى ليقبلها من وجنتيها كما تعتقد، ولكن قبلته هذه المرة كانت بجانب عينيها بنتهي الرقة والمشاعر الهادئة. غمز لها وهو يعتدل ثم قال سريعاً بعبث:
"أنا محدش يتوقعني يا رزق!"
خرجت ضحكتها عليه بقلة حيلة وهذا ما يريده. نظرت بأثره بعمق وحب بلغ لكثير عندما وجدته يغلق الباب خلفه. خرجت من الشرفة وقبل أن تتوجه للمرحاض، قررت الذهاب لغرفة والدتها. دقت بهدوء، إلى أن فتحتها عندما وجدت الصوت بالداخل. وما أن فتحتها وجدت "ياسمين" تستند على فخذ "سمية" و"وردة" تستند على صدرها وعلى ساق "وردة" صغيرها. ودت سريعاً بأن تقوم بالتقاط الصورة بذلك المشهد الجميل ولكن هاتفها ليس معها. توسعت بسمتها عندما ركضت سريعاً لتفعل مثل "ياسمين" على ساق والدتها الأخرى قائلة بحماس:
"خدوني معاكم!"
"إنتي يا بت مش فرحك بكرة، جايه تتحشري ليه بينا؟ طب إحنا سايبين جوزنا وجابين لنبع الحنان مش زيك راحة تترمي في حضن الأستاذ قليل الأدب بتاعك ده!!!"
لاحظتها ولاحظت أحضانها معه. تعالت الضحكات، فوكزتها "سمية" بذراعها بلوم قائلة بسرعة:
"يا بت كلميها بحنية شوية. دي هتتجوز ومش هتيجي كل مرة تلاقيها قاعدة هنا في أوضتها. طب بدر وحازم ومتعودين على أنهم يقعدوا هنا عشان شقتهم مش هنا، رغم إنهم عندهم القدرة إن كل واحد يروح ويجي كل يوم بس اتعودوا. واحد بيسافر وبيقعد هنا عشان خاطر مراته وواحد متعود على كده من صغره. أما بقا غسان فشقته فوق وده مزعلني ومفرحني ومش عارفة أقول إيه!!!"
ضحكن الثلاثة على حديثها المتعلثم من مشاعرها وفرحتها بها. تحدثت "ياسمين" بتأثر وهي تحرك نظراتها لها وهي تجلس عكسها:
"بعيداً عن كل ده، بس أنا فرحانة إني بجوز أخر واحدة فينا، وأصغر واحدة. فرحانة إن أم البنات بتفرح لتالت مرة بينا. بحبكم وربنا يخلينا لبعض دايماً ومنتحرمش من بعض!"
اعتدلت "نيروز" تقبلها بحب، ثم سمعت من بعدها قول "وردة" لها والمتأثر بشدة:
"أنا كمان فرحانة أوي. مبسوطة بيكم كلكم ومبسوطة بيكي يا نيروز أوي. عارفة إني أخرتها هسافر تاني وإن ده وضع مؤقت، بس كل ما بفكر في كده بزعل أوي. لكن دي الحقيقة. فعشان كده بحاول أعيش اللحظة بلحظتها معاكم ولو هتنتهي مؤقتاً بفرح نيروز هتبقى أحسن حاجة بالنسبة لي."
ضمتهن "سمية".
بحب وهي تتشبث بهم حتى بـ "يامن" الذي دخل بالمنتصف بينهن. وللحق، بالنسبة لها، تراهن الآن ومن قبل ذلك وفي هذه اللحظة كمثل "يامن"، لا يكبرن هن بعينيها. صغارها التي عاشت تحميهن من الحياة، حبيبات أيامها. وحينها تيقنت أن السند ليس شرطًا بأن يكون صبيًا أو شابًا، ولدًا، رجلًا. قد يكون السند بهيئة ثلاث فتيات بعد موت سندها وحبيب أيامها الذي لم يأت مثله أبدًا ولم ترى مثله أيضًا بعينيها.
صعد وهبط قبل دقائق ليضع بعضًا من ملابسه كما قال. دخل شقة والده ووجد الجميع بصوتهم يعلو في غرفة "حامد". توجه بهدوء يدخل عليهم حتى صاح "بسام" عاليًا بسعادة:
"أوعى للعريس!"
ضحك "غسان" بخفة وهو يجلس بينهما في المنتصف، ثم وضع ذراعه على والده والآخر على والدته وشقيقته وشقيقته يجلسان على المقعدين من أمامه. نظر له "حامد" بتأثر، وحتى "دلال" هبطت دمعتها المتأثرة حينما قالت له وهي تربت على صدره:
"ألف مبروك يا حبيبي. ربنا يسعدكم ويهنيكم ببعض. وأعيش وأشوف أحفادي أنا وأبوك وهما بيتنططوا كده في الشقة وقالبينها ليا!"
لم يستطع "بسام" إكمال الوضع بتأثر، بل هتف سريعًا بتساؤل لها:
" هتستحمليهم ساعتها يعني يا حجة دلال؟"
شهقت بلوم له، ثم قالت بعفوية وحب:
"طبعًا، مش ولاد ابني!"
ضحكت "وسام" عليها بسخرية وقبل أن ترد، رد "حامد" بنفس ردها وهو يسخر:
"ما عشان ولاد ابنك وبالذات ده فمش هتستحمليهم يا دلال."
ضحك الجميع، حتى هي وهي تحدجه بغيظ. فردد "غسان" لها يشهدها الحوار:
"شايفه يا دلال؟ شايفه يا أم غسان ابنك ضناكي بيتظلم إزاي؟ أهو هيسلبكم الشقة ويهج وأبقى أشوف حد فيكم كده بيقولي إنزل وحشتنا قعدتك!"
عند هذه النقطة صمت الجميع، كان حديثهم من قبل مجيئه على هذه النقطة. تحدث "بسام" بتردد له يعلمه بطريقة ما أن يلطف لهم الوضع:
"ما بلاش الكلام ده بقى يا غسان. دا إحنا كنا لسه بنواسي بعض يعني عشان هتخرج من الشقة ومش هتبقى معانا زي الأول. دي وسام كانت بتعيط من شوية وأمك وأبوك عينه دمعت كده بس بعد كده شتمك في غيابك عادي جدًا. والصراحة يعني أنا كمان دمعت زيه بس مش شتمتكش والله!"
يمرح رغم التأثر كي يخفف عنهما وعنه. لطالما كانت عائلة مترابطة متماسكة، يحسدها الكل على تمسكها إلى الآن. حرك "غسان" رأسه بلوم لما يشعرونه، وحتى وزع هو نظراته بينهما أولًا، حتى أمسك كف "دلال" يقبله ببر، وهو يوضح لها بصدق:
"جرى إيه يا أم غسان؟ دا أنا يعني كل اللي بيني وبينكم كام دور. متحسسنيش إنك هتجوزي عروسة، أومال لما وسام تتجوز هتعملي إيه؟ مش عاوزك ولا عاوزكم تفكروا في الهبل ده. أنا هنا معاكم زي الأول وأكتر كمان. وإهتمامي وحبي ليكم عمره ما يقل أبدًا."
صمت ثم أكمل عندما التفت يقبل قمة رأس "حامد" وكفه:
"وإنت يا بابا، إنت عارف أنا بحبك قد إيه وكل خناقي معاك نهايته أنا ببقى عارفها. كفاية بس إن كل اللي يقابلني يقولي إنك زي حامد البدري في شبابه. فمش هتفرق يا حامد لو مشيت في مني نسخة تانية."
أضاف سريعًا قبل أن يهزم أمام تأثره:
"بهزر معاك معاك يعم.. أنا موجود ممشيتش. دا إنتوا معملتوش كده يا جدعان لما روحت الجيش. ما بلاش الكلام اللي يخلي الواحد يجيب نيروز بفستان الفرح على هنا علطول!"
قهقهت "دلال" كما ضحك "حامد" وضحك شقيقه وشقيقته. وكزته "دلال" بمرح وهي تقول:
"يواد بلاش كلامك ده. إن شاء الله تعيشوا في بيتكم وتعمروه ويتملى بحسكم وحس ولادكم يارب!"
ابتسم لها باتساع، حتى اعتدل ينحني أرضًا ليمسك كف "وسام" وهو يقبله برقة يرسل لها الإهتمام والحب مع قوله وحديثه:
"يا بت متعيطيش. بلاش الهزأة دي. أنا حاسس إن اسمي غسانة مش غسان وكل واحد قاعد بيودع فيا علشان هروح بيت جوزي. لا اصحوا.. دا إحنا رجالة أوي!"
ضحك الكل بخفة فعاد ينظر لها بلين عندما وجدها تمسح دمعتها الخافتة. ثم أضاف بمثل لين نظراته أمام الكل:
"صدقيني مش هملك خالص. وغلاوتك عندي مش هتتغير. وأنا عاوزك كده من تاني يوم تلمي شنطتك وعزالك وتطلعي تقعدي معانا. والله ماحد قايلك بم حتى! أهم حاجة ويسو تكون مبسوطة!"
ابتسمت له بحب، ثم احتضنته وهي تضمه لها. ثم ضمت بذراعها الآخر "بسام" وهي تسمع معارضة والدتها:
"ميصحش يخويا. تطلع فين وتقعد مع مين؟ على ما تقدموا كده وتبقوا عرايس قدام نبقى نقعد عندكم ونبات كمان!"
"ما تهدي يا أم غسان ومتعاندنيش. لأحسن اطلع أبني لكم برج فوقي. يصح ونص كمان. هو أنا يعني كان ولا هيكون عندي أغلى منكم. هي بس اللي زادت عليكم في الغلاوة زادت. لكن عمر حبكم ما يقل أبدًا!"
ابتسمت بقلة حيلة عليه، حتى رفعت أنظارها عليه وهو يقف ليعتدل. ثم قال وهو يضع يديه على رأسه يرجع خصلاته إلى الخلف:
"يلا هسيبكم أنا تنحنحوا من تاني مع بعض. هاخد بسام بس عشان عاوزه في حاجة. كملوا يلا أنتم!"
أشار لهم بمرح وهو يخرج. فنهض "بسام" من خلفه سريعًا إلى غرفة الأول. فتحركت "وسام" تجلس مكان ما كان يجلس "غسان" بالمنتصف. وضع "حامد" ذراعه عليها بحب، حتى قصد أن يظهر لها الإهتمام وهو يقول لها بمشاكسة:
"حبيبة بابا الأصيلة اللي هتلبس زي لون بدلتي مش زي أمها!"
قالها "حامد" بلوم، فضحكت هي بخفة حتى وجدت "دلال" تبرر سريعًا له:
"بقى يا راجل عايزني ألبس فستان لونه بيج؟ هو أنا لسه صغيرة؟ عيب عليك دا لو ولادك كانوا اتجوزوا بدري كان فات أحفادك على رجلك دلوقتي."
ضحك عليها ثم غمز لها وهو يشير لها بكفه المجعد غير عابئًا لمن تجلس بينهما:
"ما أنا قولتلك يا أم غسان إنك حلوة وزي القمر ولسه شابة. ولا إنت يا ولية عايزاني أقولك كده كل شوية بقى!"
قال حديثه بطريقة مضحكة. والعجيب أن زوجته خجلت وهي تطالعه بحرج رامشة بأهدابها. فتحت "وسام" فمها ببلاهة وهي تحرك نظراتها بينهما قائلة وهي تقطع لحظة تقبيله لوالدتها من وجنتيها:
"إيه؟ إنا لسه موجودة في النص يا حبايب!!!"
في غرفة "غسان" جلس هو يريح جسده على الفراش بعدما بدل ملابسه لأخرى مريحة. جلس بأريحية وبجانبه شقيقه الذي ينتظر حديثه. ترك "غسان" هاتفه وهو يضعه أسفل الوسادة ثم حرك رأسه متصنعًا عدم الآهتمام وهو يقول:
"بقولك لو معاك رقم الدكتور اللي بتروح عنده ده هاتهولي!"
عقد "بسام" ما بين حاجبيه بغرابة وهو يسأله:
"ناوي تروح عنده وكده؟ ولا إيه الحكاية؟"
عاهد بأن لا يظهرها مجنونة ومختلة عقليًا أمام أحد حتى لو كان الآخر يعلم بأن ذلك لا يعد اختلالًا في العقل. ولكنه لم يقلل منها ومن شأنها. سيضحي بصورته إذن وهو يكذب في هذه اللحظة عندما هز رأسه له إيجابًا قائلًا بكذب وضح للآخر:
"أه.. هاتوا!"
"وبتكذب ليه؟ وإنت لو كذبت على الدنيا كلها متعرفش تداري عليا حاجة عايزها. أنا حاسس بيك وعارف قد إيه إنت مضغوط بسبب موضوع مرض مامتها وإنها لحد دلوقتي متعرفش حتى ملامحك وكلامك بعد ما عرفت إنها هتروح المستشفى يوم صباحيتكم بليل. وهي لسه متعرفش.."
متخافش يا غسان، والله كل ده هيعدي وهى هتتقبل الوضع إن شاء الله. وهعطيك يا عم الرقم عشان عارف إنك محتاج مساعدة الدكتور اللي مراتك تعرفه وبتروحله من قبل مني أصلا. المرضى ليهم أسرار بس أنا شوفتها هناك زي ما هي شافتني بس ما قولتش زي ما هي جت قالتلك وفتنت عليا.
قال آخر كلمتين بمرح. وجد غسان أن لا مفر من الحديث، أعلن عجزه بالأمر حينما قرر سرد ما يشعره بحديثه الآتي:
"مش عارف يا بسام، حاسس إني وحش وأنا بداري عليها ومش عارف أقولها. هي تبان سهلة بس عليها هي أنا عارف إنها صعبة. والمشكلة إني اتزنقت معاهم ومش عارفين هنعرفها بأنهو طريقة. بس الأكيد مش يوم الفرح ولا ليلة الفرح. بس أمها هتروح المستشفى بعده بيوم من بليل يعني لازم تعرف مفيش مفر. وأنا خايف.. خايف أوي لأن نيروز بيجيلها انهيار عصبي بنسبة بسيطة. خايف ليحصلها كده بصعوبة المرة دي وأنا بقولها. ودا اللي مخليني متردد. وف نفس الوقت مش عارف إزاي هيجيلي قلب وعقل كده أشاركها أول طوبة في حياتنا وبيتنا وأنا حاسس إني ضاحك عليها لوقت معين. حاسس إني عقلي علطول سرحان ليها بـ ده. وحتى لأول مرة أخاف من رد فعلها لما تعرف بالذات معايا. نيروز مش بتتهاون وممكن تعملها مشكلة عشان خبيت عليها حاجة زي دي فوقت زي ده حتى لو الموضوع عدى. متقفلة من نواحي كتيرة. بس أهم حاجة عندي إنها تكون بخير وبس."
تفهم الآخر ما يكنه وما يشعر به لذا رفع يديه بعاطفة أخوة يربت على خصلاته بإطمئنان تزامناً مع قوله له:
"لا متفكرش فـ كده، كل حاجة هتبقى تمام بإذن الله. وأنا هبعتلك رقم الدكتور على الواتس وهو أدرى بحالتها بردو وهيساعدك ويديك حل. ومتخافش ولا كأنك قولتلي حاجة عنها!!!"
تنفس بإرتياح، ثم ابتسم له بإمتنان، وهو يعتدل، حتى دفعه عنه بتبجح يطرده بصراحة:
"طب يلا شد من هنا عشان عاوز أرتاح!!"
أخذ بسام منه الغطاء وهو يتسطح بجانبه بعناد، مردداً بنبرة باردة:
"لا ما أنا مش هتحرك من جنبك الليلة دي. هنام معاك. ما هي آخر ليلة فالعزوبية بقا."
نظر له غسان بريبة مردداً بوقاحة له:
"قصدك إيه ياض؟"
"قصدي إنك هتنامي فحضني النهارده يحلوه ومفيش هروب!!!"
خرج بمرحه القوي هذه المرة الذي لم يراه منه من فترة، قالها وهو يغمز له. فنظر له غسان بخوف مصطنع، ومن ثم خرجت الضحكات بقوة، حتى نظم كل منهم الغطاء عليه، ونظر كل منهما على السقف بشرود، إلى أن خرج السؤال من بسام بحيرة:
"تفتكر هنعمل إيه فأوضتك بعد ما تمشي؟!"
"ولا أي حاجة يا روح أمك.. هتفضل زي ما هي ياض. وهجيب نيروز وهبقى أبات هنا يعني كله زي ما هو.. فأعقل وإهدي كده!!!"
ضرب بسام جبهته بهزيمة وهو يقول بضيق زائف:
"يا خسارة.. كان نفسي أفتحها عيادة. كان هيبقي ليك نسبة بس إنت حر، خليها تنفعك هي ونيروز!!"
ضحك غسان بخفوت، ثم حرك عينيه نحوه وهو يجيبه بعمق:
"هي نفعتني فعلاً. إحساس حلو لما خلاص بتتجوز اللي بتحبها وهتعملوا بيت وأسرة بعد معاناة. معاناة عادية بتحصل بين أي اتنين. مقنعت إن قصتنا دي علفكرة مش مأساة يعني. وعارف كمان إن اللي حواليا بيعانوا عني وقصتهم دي محتاجة تتعمل كتاب. من حازم وعز وحتى بدر وآدم. كل ما الواحد يحس إنه على حافة الاعتراض بيرجع بسرعة يحمد ربنا ويصلي ركعتين شكر على كل حاجة. على أمك وأبوك وعلى أخ زيك وأخت زي وسام. وعلى شريكة حياة وأيام راحت وجاية.. نيروز.. أوقات بقعد أفكر لو مكناش رجعنا كان هيحصل كل ده. كنت هعيش إزاي من غير حكايتي مع نيروز دي. طب كنت هحب مين ولو حبيت كنت هحبها كده زي ما بحب نيروز. كل مرة بقتنع إن اختيارات ربنا لينا هي أحسن لينا فكل حاجة حتى لو جت فحاجة معارضينها فالأول. يعني مضحك أوي تخيلي وأنا مثلاً خلاص هتجوز زي أي واحد بيتجوز بس واحدة غيرها وإحنا لسه منقلناش من هناك بس هتجوز أنا هنا علشان شقتي هنا. كل ده وواحدة غير نيروز. وقدامها وهي عايشة هنا. تخيل مضحك بعد كونه صعب الصراحة. عشان لو مش نيروز فمش هتبقي حاجة أصلاً!!"
يسرد عليه بعمق، وهو يستمع إليه بحب. حرك أنظاره بعشوائية حتى إنتفض مرة واحدة عندما رأى قطرات الدماء تهبط على الغطاء من أنف شقيقه. عقد غسان ما بين حاجبيه، فجذب بسام المناشف الورقية بسرعة يضعها نحو أنف غسان قائلاً له يعلمه:
"مناخيرك بتنزل دم بردو. خليك حاططها على ما أجيبلك القطرة وأجي!!"
قالها ثم نهض بسرعة من على الفراش فاعتدل غسان بغرابة حتى أنه لم يشعر بهبوط الدماء عندما كان يتحدث عنها! وضع المنشفة على أنفه حتى رأى شقيقه يدخل بسرعة يعطيها له بلهفة تزامناً مع قوله وهو يعنفه:
"أنا مش قولتلك تبقي تحط منها. بتهمل فنفسك ليه؟ وغير كده بتضغط نفسك ليه يا غسان. سيبها لله وكل حاجة هتتحل والله. بس بلاش تحمل نفسك ضغط كده!!"
قصد موضوع "نيروز" الذي يضعه تحت ضغط. أخذ غسان أنفاسه عندما وضع من القطرة وإنتهي ثم عاد ليتسطح على الفراش مرة أخرى وشقيقه بجانبه. أغلق بسام الآنارة، ثم نظر نحو شقيقه فوجده أخذ وضع النوم دون أن يردد حرف واحد. تركه فالغد يعد حمل ثقيل عليه بأحداث كثيرة. أخذ وضع النوم هو الآخر وهو يبتسم من كونه بجانبه ونفذ ما فعله. يعلم هو لولا أنه آخر يوم له لما تركه ينام بجانبه. أما غسان لم يتوقف عقله عن التفكير لها وعليها. يتألم لأجلها بشدة. ولا يعلم هو ما هو الآتي. يتمنى زوال هذه العقبة ليستمر بعيش حياتهما دون عبء!! تنهد يأخذ أنفاسه بصوت، وهو يزفر ليرتاح ثم أغمض عينيه بتفكير وتشوش من كل الأحداث التي تتضارب بعقله. لم يستطع التفكير إلا بها ولها. فقط لـ "نيروز الحب".
رواية عودة الوصال الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سارة ناصر
"الغاية من الزواج هي الأنس
عقل بجوار عقل، وقلب مربوط بقلب،
ويد تداوي، وروح تعين، ونفس تطمئن"
- مقتبس
اليوم، وما أجمل اليوم، عندما يكون به حدث يحق لنا بأن نسعد من أجله. وما سعادتهم هذه إلا لفرحتهما بـ زفافهما. زفاف "نيروز" و"غسان". هو وهي، قصة من بين القصص في حياة الجميع. اليوم، وتحديدًا في شقة "سميه"، كانت البهجة وصوت الأغاني مرتفع لحد كبير. بل وكانت "عايده" مع "سميه" و"دلال" في المطبخ يعدان الطعام للعروسين كي يصعد بأقرب وقت لإعداده وتنظيمه بشقة "غسان".
أما في غرفة "نيروز" فكان معها الفتيات من "ياسمين" و"ورده" و"جميله" و"وسام" و"فريده". وكل منهن تتراقص مع "نيروز" بفرحة بين الوقت والآخر. كانت "نيروز" تحدج "ياسمين" بين الوقت والآخر بخوف عليها إلى أن خرج حديثها بضيق منها وهي تراها تتراقص مع "وسام":
"يا ياسمين بلاش رقص بقا عشان الحمل. إنتِ بجد بتوتريني أكتر ما متوتره، حرام عليكي!"
ضحكت الفتيات عليها وعلى حديثها الطبيعي لأي عروس. فأردفت "ورده" سريعًا لها بتعنيف:
"علفكرة عندها حق يا ياسمين، إنتِ مجنونه أوي ولو حازم عرف هيزعلك. إنتِ حره. إخواته أهم. وكل حاجه هتتقاله!"
"إخوات مين يابت؟ دا أنا أمشيهم علي شعره. أنا هنا التوب ولا إيه يا عمات العيال يا حرابيق!"
حركت "جميله" رأسها بقلة حيلة منها. في حين أشارت لها "فريده" بمرح. فتحركت كلا منهما تمسك ذراعيها بلطف إلى أن أجلسوها علي مقعد مريح تزامنا مع قول "جميله" لها بيأس:
"اقعدي يحبيبتي ربنا يهديكي."
"بجد الله يكون فعون اللي هتكوني أمهم يا ياسمين!"
آخر ما قالت كانت "فريده" حتى ضحكن عليها جميعًا. وقد لاحظن جميعهن شرود "نيروز" وسكونها. فتحدثت "وسام" سريعًا لها:
"مالك يا روز!!"
"إيه يا بت دا منظر عروسة؟ لا أنا عاوزاكي تفكي كده، كفايه اللي فيا. خليني أنزل معاكي الكوافير أنا وفريده وإحنا هايصين كده ونسيب إخواتك هنا يتفحتوا شغل!"
قالتها "جميله" بكيد لهما. فحدجتها "ياسمين" بغيظ مثل ما حدجتها "ورده". وسرعان ما تحدثت "فريده" تطمئنها سريعًا:
"طبيعي يا نيروز اللي إنتِ فيه ده علفكره. بس أنا متأكده إنك هتطلعي عروسه قمر وإن غسان بيحبك ومش هيجي عليكي أبدا. دا حتى وسام يعني موجوده معانا وعارفه أخوها ولا إيه؟"
سألتها "فريده" بآخر حديثها بمشاكسة. فـ نظرت "وسام" بلهفه ثم أجابت بخفه توضح لها كي تخفف عنها بمرح:
"نيروز أنا بحسدك على ثباتك ده أصلا. يعني غسان من الصبح قايم ومشغل أغاني مع البوب وبسام وشادي جايلهم من بدري وكمان معاهم بدر وحازم. وعاملين شغل جامد. لأ وحاسه إن غسان مش مصدق نفسه أصلا. إنتِ كويين والله!"
قهقهن عليها بخفه حتى "نيروز" التي تعالت ضحكتها وهي تمشط خصلاتها إلى الخلف من بين ضحكاتها. فأجابت "ياسمين" على حديث "وسام" سريعًا بسخريه مضحكه:
"يا حبيتي هم الرجاله كده مش شايلين هم حاجه. فهتقوليلي غسان بقا هقولك ده أكتر واحد هايص فالهيصه وخلاص!"
أيدتها "وسام" على شقيقها. حتى "نيروز" التي ابتسمت لها بتأييد. فتحدثت "جميله" سريعًا بحماس:
"هموت وأشوفها حالا بالفستان الأبيض. بس أكيد هشوفها يعني عشان هروح معاها أنا وأختي ووسام مش زي ناس كده!"
تتعمد كيدهن. نفخت "ياسمين" بضيق حتى رمت لها نظره حاده مجيبه بشراسه:
"علفكرة أنا كنت هروح عادي جدًا. بس عشان حازم قالي لأ وقعدة الكوافير تعب عليا فعلا. وغير كده الهانم العروسه حالفه لتنكد علينا كلنا لو أنا روحت معاها عشان متعبش!"
إبتسمن لها بلطف. فتحدثت "نيروز" لها سريعًا توضح:
"إنتِ عارفه يا ياسمين إنك كأنك معايا بالظبط. وبعدين أنا خايفه عليكي وحازم وماما عندهم حق!"
"يا جماعه كده كده هنروح نشوفها كلنا بعد ما تخرج من الكوافير يعني. متزعلوش أوي كده. حتى أنا مش زعلانه يعني عشان عارفه إن نيروز فاهمه كويس. وكمان يامن مش هعرف أسيبه كل المده دي وهيغلبني. وغير ده أنا الوحيده هنا يهوانم اللي بطلع عيني فـ رص الأكل وتنظيمه. عشان كده هخرج الوقتي أشوفهم في المطبخ وصلو لفين. باي!"
حديث مرح بملامح وجه كساها الضيق الزائف المشاكس لهن. خرج من "ورده" حتى ضحكن عليها بخفه. وعادت كل منهن تتمايلن على صوت الاغاني كمحاوله لجعل "نيروز" تندمج هي الأخرى!
في شقة "حامد" وقف "غسان" مع بقية الشباب ليتراقص على الأغاني التي تم تشغيلها بواسطة "شادي" الذي كان فرحا بشده. بينما جلس "حامد" ليستريح من وقفته المطوله ورقصه. وهو يطالع "بسام" وهو يتراقص مع "غسان" و"شادي" و"بدر" وحتى "حازم". حدج "حامد" "غسان" مطولا. إلى أن تقابلت أعينهما مع بعضهما. ففهم هو ما يذكره به. أشار "غسان" لـ "شادي" بأن يخفض صوت الأغاني حتى توجه ليجلس بجانب والده وهو يزفر براحه مبستما له. حرك نظراته نحو "بدر" و"بسام" اللذان جلسا من الجانب الآخر بجانب "حامد". ومن ثم طالعهما "شادي" بغرابه. إلى أن تحدث "حامد" لـ "حازم" وهو يوجه نظراته له:
"عاوزينك فموضوع كده يا حازم يا بني بس تسمعنا للآخر وتدي الواحد فرصه يتكلم!"
ترقبت ملامح "حازم" بغرابة. فـ اعتدل "غسان" بإهتمام مع فعل شقيقه المثل. كما نظر "بدر" لهم وجلس الآخر يستمع بإنصات. لـ "غسان" الذي بدأ في الحديث بنبرته الهادئه وهو يقول على مره واحده:
"بص يا حازم.. من قبل أي كلام إنت أخويا وعلشان إنت أخويا فإخواتك البنات إخواتي. ولما جيت سألت على "عز" هنا علشان يتقدم لـ "جميله" قولتلك إنها زي أختي بالظبط وعمري ما هخدعك ولا هفتي طالما مش عارفه لسه. وطلع "بسام" وقالك إن "عز" راجل وبيتعب وعارف ربنا وبيصرف على أمه وأخته وبيشقى من زمان أوي. ساعتها أنا مستغربتش عشان المعادن بتبان سبحان الله من النظره الأولى كده. بس حتى لو طالما مشوفتش منه حاجه يبقي محكمش وكان فيه اللي حكم عليه. و"بدر" بردو قالك إنه راجل بيراعي ربنا وبينزل عينه ومبيرفعهاش فأي تجمع فيه واحده سواء هنا أو ففرحك. وده بردو اللي لاحظته. يعني راجل حي بيراعي ربنا وعارفه ومش بيفوت ولا صلاه. صاحب صاحبه عشان مسابنيش وقت أزمة أختى ساعة لما معرفتش حاجه إنت ومراتك وده اللي قصدناه ساعتها. راجل من الآخر وبيتعب ومعلش يعني يا صاحبي هو أكتر واحد هنا أقدر أقول عليه شقيان من بدري أوي حتى عننا. نيجي بقا الأهم من ده واللي حصل نتيجه لكل ده."
كان حديث "غسان" متعقل لحد كبير. ولولا توصية "حامد" لـ "حازم" لقاطع موضوعه. لوهله شعر بأنه ظلمه. ولكن رغما عنه ماذا يفعل؟ شقيقته تفوز على الكل! ترقبت ملامحه بإنصات وصبر وهو يسمع "غسان" يكمل. ورغم قدرة الآخرين على الحديث ولكن كان الاتفاق ببداية ما سيحدث وما سيقال من "غسان". الذي رأى البعض بأن لديه قدرة على الإقناع كما الجرأة فيما سيقال ويفعل إن رفض. وذلك الاحتمال الذي سيتماشي في حالة رفضه وحتى حالة موافقته!
"الأهم واللي خلى "عز" أقوى عن الأول كان أختك "جميله" اللي هي دلوقتي مش كويسه من غيره. بص.. أنا عاطيك كل الحق تاخد الموقف ده. بس عارف عيبك إيه؟ واللي أكدلي إنك ونيروز دم واحد ودماغ واحده.. إنك حكمت صح وفالوقت الصح وكلامك كمان صح. بس كل ده مكنش صح تحديدا على الشخص. يعني الوقت مناسب ولازم كان هيحصل بس مكنش مناسب على "عز" نفسه. لأ وكمان "عز" ده المظلوم فكل الحكايه دي. عارف إن علاقتها بـ "فرح" وحتى بعدين لازم يتحسب ليها. بس فكر معايا كده ليه ناخذ ذنب حد بحد ونقسى عليهم؟ ليه أختك سكتت وهي موجوعه وبتحبه. وعشان تبقى عارف يعني أنا بحكم هنا على أساس إن "جميله" أختى خلاص. ومادام كده فجميله أختى إتغيرت على إيده ولأول مره تحب اللي هي فيه وتتفوق فيه أكتر. لأول مره تحاول توازن بين اللي كانت بتحبه واللي قربت تحبه على إيد "عز". أول مره كانت بتتلهف تروح الجامعه وتذاكر عشان بس فخر "عز". وإنت عارف الكلام ده جاي من المصدر الموثوق اللي إنت عارفه وعارف هي قريبه من مراتي ازاي!"
أيده "حامد" بنظراته. فتحدث "حازم" بعد لحظات وهو يتنهد ثم بدأ بقوله لهم جميعًا:
"أنا محترم كلامك ودماغك يا عريس. بس أنا بفكر من زاويه تانيه. أنا خايف على أختى. خايف عليها بالحرف كده. يعني أنا مش خايف عليها منه لأ."
ده من اللي هيحصل بعد كده. مش هستنى لما تجيلي موجوعة عشان جوزها عايرها بأبوها، ولا لما لتاني مرة يضحك عليها من فرح أخته. جميلة مبتساعدش نفسها، وأنا نقطة خوفي لما تقع، هتقوم إزاي!
"غسان" فهم حديثه، وقبل أن يجيبه أجابه "بسام" بسرعة هادئة كنبرته:
"معلش يا حازم يعني. ما هي وقعت أهيه، وإنت قولت مبتساعدش نفسها. يعني حتى لو جربت تساعد نفسها، فـ فين ده؟ محاولتش تقف وتصر على عدم قطع علاقتها بـ "عز". سمعت كلامك غصب عنها عشان مش عايزة تعارضك، بس ده قلبها. وإنت كده بتدوس عليها من غير ما تحس على حساب مصلحتها. ده خوف عليها ماشي وحب منك ليها، بس أنا أضمنك "عز" يا "حازم" من كل مخاوفك دي، إنها مش هتحصل منه. الحاجات دي متحصلش من راجل. وفرح أخته غلطت، بس مش يمكن تندم وتتغير؟ ليه بنحكم من غير ما نفكر فاللي وصل الواحد لكل ده فالآخر؟"
حدّق "غسان" مطولًا من آخر حديثه. وعندما شعر بأنه اشتد بآخر حديثه عليها، حاول "بدر" التهدئة بمعاني الحديث وليس الطريقة، عندما قال هو الآخر بهدوء:
"بص يا "حازم".. أنا هقولك حاجة وإنت حر. لو مش عاوز أختك تعيش نفس حكاية أختي، يبقى سيبها مع "عز". اسأل "غسان" كده، هي بتعاني إزاي عشان واحد مكنتش تعرفه ولا هو يعرفها، بس بعد كده اتجوزوا وحبوا بعض. وقعت في مصيدته لحد ما بقت عايزة تسيبه، بس بردو مش عارفة. الحب مش كفاية، بس أختك وعز متفاهمين لدرجة إنها اتغيرت للأحسن أهو عشانه. تغيير كان صعب يحصل وحصل في فترة صغيرة على حسب قول غسان ونيروز. علاقتهم مريحة، وده كفاية مع التفاهم لاستمرار العلاقة أياً كان فيها حب أو مفيش. وسيبك بقى من بقية الأعذار اللي بتتغير بين كل راجل والتاني، وحتى كانت واضحة في "عارف" جوز "فاطمة"، بس النصيب خلاهم يكملوا لحد ما العلاقة على شعرة، وهي اللي بتيجي على نفسها. لكن بان لك إيه من "عز"؟ بصراحة، الراجل عايزها ولسه عايزها لحد آخر نفس فيه، وده غير كلامنا ومحاولتنا دلوقتي!"
التردد بتفكيره كان من حديث الأخير. الكل يعلم معاناة "فاطمة"!! شقيقة "بدر" التي مثلها الكثير في الواقع الأليم ذلك. زفر بصوت، فوجد "حامد" أخيرًا يتحدث هو الآخر بتعقل:
"شوف يبني، لو بنتي وعارف إن اللي شاريها ده راجل زي "عز"، فأنا عمري ما همنعهم عن بعض وتغور أي حاجة تانية. قليل لما تلاقي حد يصون حد دلوقتي. اسمعها مني كلمة، أختك بقت حاجة تانية على إيده، رغم إنه مش متعلم زي ما بتقولوا، ودي مش مشكلة. عارف يعني إيه؟ يعني مش لازم تستنى الاحترام والرجولة من حد عينه مفتوحة ومتعلم. والواد ده باين عليه التعب من الدنيا دي وقد إيه هي جت عليه. واللي حصل ده حاجة مش وحشة برضه، ليه خلي بالك. بس هو هتلاقيه مش مصدوم، عارف ليه؟"
صمت يستجوبه، فترقبت ملامحه جيدًا. وعلم البقية وجهة نظره الصحيحة سريعًا عندما واصل بتفهم وتقدير بخبرته وخبرة عمره الطويل:
"مش هيتصدم عشان هو عارف كويس إن مفيش حاجة بتيجي بالساهل. مجرب هو إن الدنيا مبتعلمش ولا بتهدي حاجة ببلاش. فعشان كده مش هتلاقيه مصدوم، هتلاقيه بس مكسور وموجوع. بس قلة الصدمة أحسن من واحد تاني يتصدم وهو كل اللي بيوصل ليه من فلوس أهله وتعبهم وهو عاطل وميعرفش يعني إيه شقى ورجولة. دلوعه يعني. بص كده آخرة كل واحد عايش على فلوس أهله إيه؟ مش هتلاقي هنا، علشان إنت نفسك معتمد على نفسك، رغم يعني معلش فالكلمة أبوك كان مقتدر وعايز يصرف عليك زي أخوك، بس إنت اللي جدع وراجل، ولولا كده مكانتش أم وردة وافقت عليك على بنتها. وخد بالك يا حازم يبني، كان قدامها مليون عذر، بس ركزت معاك إنت بس وفـ جدعنتك. وملخص كل ده، محدش بيختار أهله ولا بيختار حياته. ولادي أهم. مدفعتش جنيه واحد فـ اللي كل واحد وصله، غير إني اشتريت الشقق زمان وفضلت أسد فيها لحد ما كبروا واشتغلوا وصمموا يسدوا معايا وهم شباب صغيرين. الدكتور وصل فـ الآخر بمجهوده وربنا كرمه، وبعد كل ده راح مستشفى خاصة عشان بيتعب على نفسه. غسان ده أنا مدفعتش ليه فلوس فحاجة. كان بيشتغل مع كليته، وقبلها ولما راح الجيش كان لما بينزل أجازات مبيلحقش حتى يرتاح، وكان بيشتغل أي حاجة تيجي قدامه عشان مصاريفه تكفي. ساعتها كنت بساعد بس مش قده أبدًا. وأنا اللي كنت باجي على نفسي فكل ده عشان لما يكبروا يبقوا رجالة يعتمد عليهم. يعني اللي بيتعب والله مسيره بيلاقي يبني. فمتقطعش العوض اللي وصله "عز" فالآخر بعد تعبه ده. ومش هيبطل يتعب!"
حديثه منطقي لحد كبير مما جعله يتشتت بالفعل. صاحب العقل المتصلب يتردد بعد وقت دام من الإصرار. قرر أن ينهي تردده حتى قال بإندفاع وأسف مرة واحدة لهم جميعًا، حتى "شادي" الذي كان ينصت بتمعن:
"أنا متفهم كل كلامكم ده، بس أنا واثق إن هي ربنا هيعوضها بحد أحسن وأريح، وده عشانهم هما الاتنين. أنا مش عايز أتوجع فيها. أنا ما صدقت فريدة تفوق شوية، وأنا اللي كل يوم بنام مقهور على إهمالي فيها واللي كان غصب عني. أنا مبقتش مأمن عليهم. خايف عليهم من كل حاجة وعايز أتأنى فـ كل حاجة تخصهم، معتش باقيلهم غيري!!!"
أثار تعاطف "حامد" بشدة، فتحدث "غسان" سريعًا بإصرار ليضغط عليه مجددًا بالحديث:
"يا عم حازم، الراجل بقولك لسه عايزه لآخر نفس، ومتمسك بيها وراجل ومش شايف غيرها. وممكن نعدي حاجات عشان حاجات زي ما الحج حامد قال. خليك فهمان وريح قلبين اتكتب عليهم بالتعب. بتعارض ليه وانت عارف إن عز كويس ومش هتعرف تلاقي زيه؟ أنا قولتلك إنها بقت أختي وممكن أعمل أي حركة مجنونة متعجبكش، فـ اهدي كده وفكر من تاني. إحنا مش هنضرها. ومش معقول هنكون كلنا غلط. فكر من زاوية تانية وخلي عندك أمل من تاني!"
"جرا إيه يا حازم؟ ما تعقل كده. ده إحنا لو اتلمينا عليك هنزعلك ونخليك تقتنع بالعافية. إنت متعرفش شادي مع غسان، ويا سلام بقى لو ساعدنا بسام وبدر وأبو الحوامد!!!"
كان الحديث من "شادي" وأول ما أردفه منذ بداية الجلسة كان ذلك الحديث المرح الذي أخرج ضحكاتهم جميعًا بخفة عندما أيده الجميع. صمت للحظات، دام وقد شرد "حازم" منذ هذه اللحظة. تيقن "غسان" بأنه قد شعر باللين ولو ذرة. نظر سريعًا نحوه عندما تحدث "حازم" بتردد لهم:
"الحركات دي مش جدعة على فكرة. إنتوا بتضغطوني والحاجات دي محتاجة تفكير!"
خرج صوت معترض من "غسان" الذي أردف بعدها بنفاذ صبر بعدما استشف مراوغته:
"لا متشغلش دماغك عليا. أومال يعني مكنتش فكرت لما خطبتهم لبعض؟ وبص، إحنا مبنضغطش عليك، إحنا سايبين ليك القرار. وبنفهمك الدنيا ماشية إزاي والله يصلح حالكم وحالهم يا عم!"
تعمد عدم اهتمامه ليشعر بمدى ثقل الموضوع. أظهر خبثه في التشتت من جديد وليس عليها هذه المرة. تفهم "حامد" ما يفعله ولده، بينما عقد "بسام" ما بين حاجبيه من عدم اهتمام شقيقه المفاجئ. وسرعان ما غمز له بإعجاب شديد عندما سمع قول "حازم" المتمعن مرة ثانية لهم:
"ماشي. هديهم فرصة. وربنا يجعل اللي جاي خير. و. عارف إنكم بتتمنوا الخير بس قدروا إنها أختي ومسؤولة مني وبخاف عليها!"
فرح الجميع بشدة، في حين هتف "بدر" سريعًا له بلطف وحديث رجولي:
"عشان فاهمين بنساعدك تفكر بطريقة تانية. ولو هتخاف عليها فإحنا بردو هنخاف عليها زيك عشان هي أختنا زي ما غسان بيقولك. وعايزك تعرف يعني إن الواحد منا ميقفش مع عز. لا واقفين معاك ومع جميلة، وعشان عز راجل فبنتمنى ليها أحسن حد!!!"
صاح "شادي" عاليًا بإعجاب:
"كلام مية مية وزي الفل والله."
وكان رد "حامد" الضاحك والفخور بهم بنفس الوقت:
"عيب عليك ياض. عيلة البدري بردو ليها هيبتها ومكانتها!"
ربت "غسان" بذراعه على كتف "حازم" كما فعل شقيقه وبقية الشباب. ومن ثم احتضن كل منهم الآخر، تزامناً مع قول "بسام" المستفهم له:
"ها.. هنرجعهم لبعض إمتى بقى؟ الواد على أعصابه يا متر!"
وقبل أن يرد "حازم" عليه، رد "غسان" سريعًا بقوله الذي صدمهم بقوة مما جعل "حازم" ينظر له بغير تصديق من ما ينوي فعله حينما قال بكل بساطة وتبجح وكأن الأمر يعينه وحده:
"لا ما المأذون جاي القاعة النهارده. أنسب وقت يكتبوا فيه الكتاب!"
وفي هذه اللحظة تلاشت صدمة "بسام" وحل محلها الحماس، كما نظر "بدر" بإعجاب له. فتحدث "حازم" سريعًا بمعارضة له:
"إنت بتقول إيه؟ لا مفيهاش كتب كتاب الوقتي. مش هيحصل الكلام ده لحد ما نديهم فرصة تانية!!!"
طالعه "غسان" بنفاذ صبر وكاد أن يجيبه بحدة في نبرته كي يعلمه، فكان رد "حامد" الأسرع منه حينما قال بنبرة جادة:
"بقولك إيه ياض. مش لما قعدت معاك يوم قراية الفاتحة، اتفقنا إن الخطوبة تكون على الوقت اللي كل واحد يفهم فيه ويحب ويرتاح للتاني. حتى ميعاد الفرح لما جينا نتوقعه كان ممكن يكون قريب طالما قال إنه جاهز بشقته زي ما أختك جاهزة، ومكنش عندكوا المشكلة إنها تتجوز وهي لسه بتدرس، ولا هو كان عنده مشكلة ومستعد يدفع ويتعب عشانها بكل صدر، رغم يعني الحالة الأيام دي عند الكل مش أوي، بس ربنا بيرزق. مالك إنت بقى؟ قاعدين نقولك نضمنهولك وراجل وواثقين فيه."
غيره دي.
قلب الحديث إلى آخره بمرح كي يتماشى مع عقله العنيد، حرك رأسه نفياً. وقبل أن يتحدث وجد هاتف "غسان" يدق عالياً، أمسكه فوجد رقم "عز" يظهر، ابتسم ببرود وهو يريه شاشة هاتفه بإسمه المدون حتى وقف يشير له بتبجح:
"العريس بيكلم العريس بقا وكده.. خمسة أنا أشوفه عايز إيه لحد ما تقتنع.. واقتنع بقا وبطلو أم العرق اللي فعيلتكم ده!"
قصد تشبيه بزوجته، ضحك الجميع عليه، فصمت "حازم" بحيرة، ثم قال لهم بتيهة:
"يجدعان ده كتب كتاب مش هزار!!!!"
"يبني إنت التراست أي شوز جننتك والله، أنا كنت فاكر إني أتفوق عليكم هنا، بس إنت حالتك صعبة.. وبعدين أنا اللي معاشر عز فترة حلوة وبقولك للمرة المليون متخافش منه.. إيه يا حازم بقا متلين يعم!!!"
نظر "حازم" لـ "بسام" بعجز عن الرد الآن من كثرة تشتته، فتحدث "حامد" سريعاً بتوبيخ مرح لـ "حازم":
"إنت بتخرج بسام المحترم الصبور عن شعوره.. والله ليك نوبل يبني.. الواحد هنا بيحاول يدايقه بأي طريقة عشان يهج ويسيبنا وبردو لازق لنا.. بص هبقى اجيبك تستفزه لما أحب أقعد ما حب عمري لوحدي وأهو كده كده غسان هيتجوز!!"
خرجت ضحكات "حازم" أخيراً، فدفعه "شادي" و"بدر" بمرح ومشاكسة، إلى أن سأله "بسام" سريعاً بحماس:
"ها.. كده كده غسان عامل حساباته بس بردو حرام لازم ناخد موافقتك إنت أخو العروسة!"
تحدث "حازم" وهو يضحك من مشاكسة الآخرين له بالأيدي بمرح، فهز له رأسه موافقة، وهو يعتدل ثم قال بصوت وصل لـ "غسان" الذي دخل عليهم مجدداً ليقف:
"على بركة الله!!!"
خرجت زغروطة رجولية مرحة مضحكة من فم "شادي" الذي هلل بفرحة، فضحك الشباب بقوة حتى "حامد" الذي نظر له بتأثر من بين ما يفعله، فهو الوحيد الذي يحاول مساعدة الكل.. وهو في الأصل وحيد!! رغم سفر أشقائه وموت والديه!! ربت عليه "حامد" بحب، فدخل "شادي" بين أحضانه بسعادة وهو يبارك له على زواج "غسان"، فبادله "حامد" الحديث بغمزة مرحة، فقد علم منه آخر التطورات التي من المفترض أن تحدث عندما سيذهب معه ليطلب "منه" من أهلها ولكن بعد تخطي المناسبة حتى يأتي "غسان" معه هو الآخر عندما يتفرغ بوقته!! الفرحة ستتكرر وتتكرر بالفعل وهو الذي يعد ولده الثالث!! نظر "حامد" على رقصهم من جديد وسرعان ما اعتدل "غسان" بعدها وهو ينهج حتى نظر على ساعة يديه ثم حرك أنظاره عليهما قائلاً:
"معتش وقت ولازم أودي نيروز الكوافير، كلم الحلاق بقا يا بسام يجهز بعد شوية كده عشان هروحله بعد ما أوصل نيروز!"
أومأ له شقيقه، فاستعد هو للخروج حتى لاحقوه ليستعدوا للذهاب نحو شقة "سمية"، حتى سمعوا هم قول "شادي" المرح لهم وهو يتبعهم:
".. أنا جوعت.. حماتك طابخة إيه يا غس!"
***
جلست "سمية" بإنهاك في الصالة، بينما وقفت "ورده" تعطيها كوب من عصير الليمون حتى انتشلته منها بامتنان وهي تسمعها تقول:
"لو سمحتي بقا ياماما متتعبيش نفسك فحاجة، طنط دلال وكمان طنط عايدة هنا وأنا معاهم مش لازم تجهدي نفسك، لإما هسيب عليكي ياسمين والله وإنتي حرة!!!"
طالعتها "سمية" بضيق من تحكماتها ثم أردفت قائلة بتعب لها:
"اسكتي يا ورده ومتتعبيش فقلبي بقا.. ادخلي خلي أختك تطلع فات غسان جايلها!!!"
كانت النساء في المطبخ، ولم تتحرك سوى "ورده" بسبب علو جرس الشقة بسرعة، توجهت تزامناً مع خروج "فريده" و"وسام" و"ياسمين" من غرفة "نيروز".. لحظات معدودة حتى فتح لهم الباب.. وظهر الشباب و"حامد" من خلفه أمامهم، دخل الجميع إلى الشقة، فتوسعت بسمة "سمية" وهي ترى "غسان" يتوجه لها ثم جلس بجانبها وهو يحتضنها بسعادة وهي التي بادرت بفعلها حتى قالت بنبرة متأثرة له:
"مش هقعد كل شوية أوصيك عليها.. إنت عارف أنا عايزة أقول إيه!!"
طالعها "غسان" بتفهم وهو يبتسم لها ثم أشار لها نحو عينيه قائلاً بمرح لها:
"فـ عيني الاتنين والله.. متتعبيش نفسك إنت!!"
نظرت له بامتنان، في حين انشغل البقية في الحديث فسألته هي بتردد:
"طب لسه ناوي تعرفها بردو؟"
كانت جملتها مردفة بخوف ظهر بكل تفصيلة بها، نظر "غسان" نحوه ثم عاد ينظر إليها مخفضاً من نبرته المخصصة على رأيه:
"لازم تعرف.. أقل حق ليها إنها تتكلم معاكي وتفهم إنك داخلة عمليات.. لو معرفتش الموضوع هيبقي أصعب عليها. أنا معنديش مانع أجل أي حاجة بينا مقابل إنها تعرف وتفهم الوضع وتقعد معاكي وتاخد وقتها.. أنا أهم حاجة عندي تكون مرتاحة وبخير.. زي ما واثق إنك هتبقي زي الفل!!"
قصد إتمام زواجه بها، وفي هذه اللحظة عارضته سريعاً بهدوء تفهمه وجهة نظرها المعارضة لما قاله:
"لأ يبني.. أنا عاوزاكم تفرحوا زي أي اتنين من حقهم يفرحوا من أول الفرح لحد ما يخلص.. وتبقى تقولها تاني يوم.. عارفه إنها صعبة عليك وإن أنا معنديش القدرة أقولها أنا.. بس حاسة إني مطمئنة حتى لو قولتلها عشان هتبقي جنبك ومعاك!!"
يشرد في هذه النقطة بين وقت والآخر.. حرك رأسه لها يراضي حديثها ثم حرك عينيه نحو زغروطة "عايدة" التي اعتلت ما أن علمت ما يخص "جميله" التي كانت مع "نيروز" بالداخل.. قصدوا عدم إخباها لتصبح مفاجأة لها كما أخفى "غسان" على "عز"، فرحت "فريده" و"ياسمين" بشدة.. كما كانت "دلال".. هرولت "عايدة" تخبر "سمية" كما علمت "ورده" فانسحب "غسان" ناحية غرفتها يدقها وسط انشغال الآخرين.. دقها دقتين هادئتين ففتحت له "جميله" التي ابتسمت له بلباقة ثم انسحبت بهدوء إلى الخارج بعدما ابتسم هو لها بلطف. من ثم دخل بخطوات هادئة بعدما أغلقت "جميله" الباب خلفها بهدوء.. وجدها تلتفت بعدما كانت جالسة تمسك بحجاب رأسها لترتديه ولكنها ابتسمت باتساع له عندما وجدته يقف خلفها بسكون وهو يتطلع عليها. ابتسم لها بلطف ثم غمز لها كالعادة مردداً لها بمشاكسة:
"يبختي والله!!!"
نهضت تزامناً مع وقوفه خلفها مد لها يديه فأمسكت يديه تحتضنه كترحيب وتعبيراً عن سعادتها. تنفس بعمق وهو يتطلع إلى مظهرها. فرمشت هي ببطء وهي تطالعه بصمت إلى أن سألها "غسان" سريعاً عندما أمعن النظر لـ بنيتها:
"إنت كنتي بتعيطي؟"
حركت "نيروز" نظراتها بارتباك بمكان آخر غير عينيه فرفع أنامله يدير وجهها وهو يسألها بلين مرة أخرى:
"معيطة ليه؟"
تنهدت "نيروز" تأخذ أنفاسها ثم حاولت الإجابة سريعاً قبل أن يفهمها بالطريقة الخطأ:
"أنا بس متوترة وخايفة من حاجات كتيرة.. كنت بعيط علشان "جميلة" وكأن موضوعها اللي بتحاول تداريه عشاني هو التكة اللي خلاني أنفجر.. بس مش عارفه....مش عارفه أقولك إيه!!!!"
لم تستطع ترتيب الحديث بل تتعلثم في الحديث.. يعلم مشاعرها وشعورها المتضارب.. توترها.. نظرة عينيها.. خوفها المعهود بالنسبة له.. يعلم إلى مدى تصل مكانة "جميلة" لديها لذا حاول بكل شغف في علاقتها مع "عز" بعد كون "عز" شخص عزيز عليه بعد الآن. مد ذراعه يضمها وهو يتنفس براحة ثم ربت بكفه على ظهرها مردداً بجدية هذه المرة.. خاصة أنه يعلم بأنها تحتاج حديث هادئ لين وليس عبثه المعهود في ذلك الوقت:
"أنا حاسس بلغبطتك دي.. بس أنا هنا.. أنا معاكي متخافيش!!!"
وكأن كلمته الأخيرة هي الأمن والأمان لها.. كون خوفها من أسباب عديدة منها بدء حياتها بعد الآن معه هو بالخص!! ولكنها لم تعطي بالاً أكثر للـ فكرة كونها لا تهابه بل تطمئن في وجوده. خرجت من أحضانه سريعاً تنظر له بغير تصديق حتى توسعت عينيها الفاتحة بقوة عندما أردف هو وغير الاهتمام في نبرته كان قاصداً ظهوره لتصدم هي:
"وياستي لو على "جميلة" فـ كتب كتابها يعني على "عز" النهارده!!!"
وماذا بعد الصدمة!!
تعلمه عندما يكون صادقًا وجديته هذه المرة صريحة صادقة حتى لو كان بها مشاكساته المخفية.
ابتلعت "نيروز" ريقها بصعوبة ثم سألته بلهفة مع عودة بسمتها الواسعة السعيدة:
"بجد؟"
"بجد جدًا!"
ضحكت بسعادة وهي تحتضنه مجددًا بتأثر، تسمعه وهو يملي عليها بأن الأمر سري للمفاجأة. ومن ثم بعدها مرر "غسان" يديه على خصلاتها حتى نبس بنبرة هادئة لها:
"يلا البسي الطرحة علشان منتأخرش!"
هزت رأسها بالإيجاب بلهفة، ثم توجهت ناحية المرآة لتحكم الحجاب. فرفع هو أنظاره ناحية شرفتها التي خلت من الزرع الخاص بها كما كانت الورود، بالطبع تم نقلها بشرفة غرفتهما معًا في الأعلى. تنفس براحة وهو يتذكر سعادتها، حزنها، لهفتها، توترها، ارتباكها. ولم ينسى وضع حساباته بما سيحدث في الغد من قوله لمرض والدتها صراحته. بل لم يفيده الطبيب النفسي بشيء محدد، "عاصم أمين" طبيبها كما كان طبيب شقيقه! تذكر قوله له بتفهم عندما حدثه محادثة على برنامج الواتساب حينما أرسل له الرسالة التي وترته بها كونه الآن الوحيد الذي يرشح لإعلامه إياها:
"يا أستاذ غسان، نيروز مرات حضرتك مش مريضة ملهاش حدود معينة في التعامل، يمكن ده كان قبل. الحاجة الوحيدة اللي تتوقعها منها دلوقتي إنها بقت هجومية بنسبة بسيطة وده طبع إتطبع عندها أكيد إنت فهمتها. فكونك بتدور على طريقة تقولها بيها علشان تعرف رد الفعل فأنا مش هقدر أحدد رد الفعل علشان ممكن أتوقعلك رد فعل وميكونش كده ويكون العكس، خصوصًا إنها شخصية الظاهر منها مش زي اللي جوه وبتتطور وهي بتغير رد فعلها في حاجة عملت فيها رد فعل قبل كده. عاملها عادي جدًا وقولها اللي عاوز تقوله ليها وأيًا كان رد الفعل فده منها. لكن الحاجة الوحيدة اللي أضمنها بنسبة معقولة إنها مترجعش للحالة اللي كانت فيها أيام موت والدها. هي إتحسنت كتير ولما رجعتلي تاني مرجعتش كونها ببقى عندها حالة أو غيره. لا جت عشان تحكي اللي بتحس بيه عشان بتحس إن المكان بيريحها ويفهمها. وزي ما قالتلي إنها بطلت تيجي بعد ما ظهرت إنت في حياتها عشان إنت الوحيد اللي حسيب بيها وفهمتها. فـ سلم أمرك لله وقولها وربنا هيستر ويسهلها. ربنا معاك.. وأنا موجود لو إحتاجت حاجة."
زفر "غسان" بصوت مسموع عندما شعر بها تقوم بهزه من كتفيه مع قولها المرتفع له:
"روحت فين كده.. سرحان في إيه؟"
حرك "غسان" رأسه ناحيتها ثم رسم ابتسامة واسعة غامزًا لها بعبث وهو يقول:
"هسرح فـ مين غيرك يعني!!"
تنحنت "نيروز" بخجل طفيف ثم رفعت بنيتها تهتف باسمه رغم تطلعه عليها:
"غسان"
همهم بهدوء لها لتكمل ما تود قوله، فسألته هي مجددًا بجدية شديدة:
"إنت بجد بتحبني ولا بتتسلى بيا؟"
وكأن السؤال غير مضحك لهذه الدرجة! بل وتنتظر منه الجواب بفارغ الصبر. نظر لها "غسان" بدهشة من سؤالها الذي جاء من عزم توترها وسرعان ما خرجت ضحكاته بصوت عالٍ وهو يشير لها بإصبعان مجيئًا إياها بمشاكسة:
"الإتنين..!!!"
وكأنها تستوعب السؤال، وسرعان ما ضحكت بخفة عليها وعلى إجابته فوجدته يهتف بسخرية منها وهو يسبق ليخرج حتى يفتح الباب:
"هتسلى بيكي وإحنا فرحنا النهارده.. أه..!!"
ضحك بخفة وهو يخرج من الباب فتبعته هي، وجد الجميع يجلس على سفرة الطعام الطويلة عدا "جميلة" و"فريدة" و"وسام". هتفت "سمية" سريعًا وهي جالسة تشير له بقولها:
"تعالى كل يا حبيبي وبعد كده إبقى وديهم!!"
"لأ الحمد لله مش جعان، بالهنا والشفا إنتم!!"
وقبل أن تعترض هي ووالدته وحتى والده، أشار لـ الفتيات و"نيروز" قبل أن يتوجه ناحية الباب ليفتحه:
"يلا!!"
"متتأخرش يا عريس بس علينا!!!"
كان القول من "شادي" بطريقة مضحكة وهو يجلس يتناول الطعام. سمع ضحكتهم جميعًا على قوله وحتى ضحكة "غسان" الرجولية عندما تغيرت نبرة "شادي" من ابتلاع الطعام بفمه. أغلقت "نيروز" خلفها الباب بعد أن حملت كيسًا بيديها كما كان في يد كل واحدة منهن كيس. بالأساس تناولن الكل الطعام قبلهن بسبب ذهابهن، وحتى ذلك لم يتأخرا في ستنر التجميل. تم غلق الباب بواسطتها بعدما تقابلت نظراتها مع نظرات "سمية" التي عرفتها جيدًا، هربت من التأثر. ولكنها سمعت الزغاريط من شقيقتها "ورده" التي نهضت من على الطعام، وحتى تهليلهم وبهجتهم عندما ودعوها. آخر خطوة ستتخطاها اليوم وهي في بيت والدتها لذا لم تتحمل الحديث من والدتها المتأثرة. ستأتي من الخارج على منزله هو ومعه هو!! وعند هذه النقطة ترتبك وتسعد وتشعر بمشاعر متضاربة عكس بعضها.
لم تمر سوى دقائق بسيطة واجتمعت الفتيات في الأسفل أمام سيارته هو "غسان". أشار لهن بلطف ليجلسن بها. وكادت أن تركب "نيروز" في الخلف ولكن سحبتها يد "وسام" وهي تحدقها بضيق. ركبت "وسام" معهن في الخلف وتوجهت "نيروز" لتركب معه في الأمام. انتبه إلى هذه الحركة وقد تعمد تركهما مع بعضهما كي لا يحزن الطرفان، ولكنه يعلم جيدًا طريقة شقيقته الذي نظر لها بالمرآة بحب. غمزت له بخفة، فضحك هو وهو يدير وجهه لها وهي تجلس صامتة تنظر من الشرفة. دار محرك السيارة ليستعد بـ التحرك وسرعان ما هتف بثبات لهن:
"يعني ينفع الصمت ده والنهارده فرحنا؟"
"لأ مينفعش!!!"
كانت مردفة منهن في الخلف بصوت واحد. حركت "نيروز" رأسها بضحك لهن، ومن ثم أيدهم "غسان" بفخر، فقام بتشغيل هاتفه على بلوتوث السيارة حتى صدحت الأغاني بعلو. فقامت كل منهن بالتصفيق وقامت "وسام" بفعل الزغاريط بفرحة كبرى. أخرجت "نيروز" هاتفها لتقوم بتصوير هذه اللحظة وهي تضحك باتساع وفرحة. وهذا ما يريده هو.. يريد سعادتها وفقط!!!
بعد مرور ساعة كاملة.. خاصة الآن في منزل "عز". كان بالخارج في حين كانت "والدته" موجودة بالمنزل. منذ فترة تتعمد تقليل الحديث مع "فرح" ابنتها كي تعلم وتعرف خطأها. رغما عنها يؤلمها قلبها. ولكن عندما تشعر بأن أحدًا منها يأذي آخر منها مرة أخرى.. شعور صعب عليها كأم، بل وهي التي ترى ظلم ولدها من كل ما حوله بعد الحياة ومن ثم من ماذا يخذل شقيقته؟ أمسكت "حنان" كوب المشروب الساخن لها مع علبة الدواء التي تأخذه "فرح" بين وقت وآخر بسبب ضعف جسدها. تنهدت بتعب وهي تسير بخطوات هادئة إلى أن فتحت غرفتها بهدوء، ثم نظرت فوجدتها جالسة على الفراش بخواء. رفعت "فرح" نظراتها نحوها فوجدتها تتوجه ناحيتها حتى مدت يديها لها بالكوب وقد هزمتها عاطفتها كأم. أمسكته منها ومن ثم رفعت الدواء لتفتحه كي تأخذ منه. وبالفعل أخذته بملامح وجهها المرهقة المتعبه. تطلعت "حنان" على مظهرها بتتمعن والغصة المريرة بحلقها على حالها تأبى الهبوط لشعورها بالتعب والحزن عليها.
"بالشفاء"
قالتها بنبرة هادئة وهي تبتسم لها بتكلف. فاعتدلت "فرح" تجلس بطريقة أصح حتى خرج منها حديثها الضعيف لها والدموع تتجمع بمقلتيها:
"هتقعدي معايا امته يا ماما؟ هتعامليني وتكلميني زي الأول امته؟ كفايه كده لو بتحبيني!!!"
نبرتها المتحشرجة تشرح مدى ندمها ولكن بعد فوات الأوان. نظرت لها "حنان" بلوم كما تنظر لها في كل مرة. تعمدت أن تجيبها هذه المرة على حديثها بحديث يؤنبها كي تشعر بمدى تعب شقيقها منها:
"علشان بحبك مش قادرة أفكر فـ إنك ممكن تعملي كده فعلا.. علشان بحبك زي أخوكي مش عارفه أعديهالك يا فرح وأخوكي مظلوم كده. عز اللي طول عمره انتي أغلى واحدة فحياته.. بيحكيلك كل سره وكل اللي تعبان منه وكان بيخبي عليا أنا ويجيلك تقومي تعملي فيه كده؟.. عز اللي عاش يحب جميلة صاحبتك في السر وكان حاسس إنه قليل على أنه يروح يتقدم لها. وبعد كل ده طلعتيه فعنيكي قدامه قليل وكسرتيه. أعديهالك وأنا شايفه أخوكي مكسور؟ أعديهالك إزاي وإنت بنتي وهو إبني بردو. مش صعبان عليكي أخوكي؟ مش صعبان عليكي يا بنتي صاحبتك اللي مسابتكيش فوقتك الصعب وكانت بتسأل عليكي دايما. صاحبتك اللي عمرك ما جيتي قولتيلي إنها زعلتك فيوم ولا أذتك فحاجه!"
قالت "حنان" حديثها بخيبة، فوجدت الأخرى تبكي تزامنا مع قولها المبرر ككل مرة بنبرتها الباكية:
"صدقيني والله صعبان عليا كل حاجة.. والله كان غصب عني يا ماما. أنا ملقتش حل غير ده."
مكنتش أعرف إنه شريف وأنه اللي مخطط لكل ده. أنا فكرته خالد ده هيقولها إنه عاوز يرتبط بيها وخلاص وكنت عارفه إن جميلة كده كده هترفض وهتصد. أنا إتهددت وأنا مش عارفه أعمل إيه. حتى عز خوفت منه وعليه ومن الحوارات اللي لقيت نفسي داخلة فيها من غير ما أحس. أنا زعلانه أوي من نفسي ونفسي أروح لجميلة وأفهمها وتسامحني، بس كل ما أفتكر إن أخويا مقاطعني ومش عاوز يكلمني برجع لورا من تاني. أنا ندمانة والله.. أنا تعبت يا ماما من كل ده وكل ما أحس إني بفوق بلاقي نفسي بغرق من تاني.. والله غصب عني صدقيني!
والدتها تصدقها بالفعل ولكن رغما عنها معاملتها كذلك وهي ترى خذلان وكسرة ولدها. فرت دمعتها وهي تمد يديها تمررها على خصلات شعرها برفق، ثم قالت بعجز:
"أنا عارفة إنك بنتي وقلبك نضيف من جوه. بس أفعالنا بتعكس غصب عننا اللي جوانا.. محدش هيفهم ده دلوقتي غيري يا فرح. بس اللي ضاع من أخوكي حاجة غالية عليه لا أنا ولا إنتي بإيدنا نرجعها.. بعدتي جميلة بالحركة دي عنه وكأن أخوكي من بعدها معتش شايف غيرها وهيتهجن قريب. معاه حق حازم أخوها وهي لو بنتي هرفضه عشان خايفة عليكي، بس المشكلة إنه كله هيشوف كده ما عدا أخوكي اللي قلبه موجوع عليها وكأنها ساحراله. أنا مش مبسوطة يابنتي ولا قادرة وأنا شايفة كده. أنا نفسي أشوفكم في أحسن حال دايما.. بس اللهم لا اعتراض راضية. راضية وواثقة إن ربنا هيراضينا ويراضي عز في الآخر وتفوقي يا فرح ويعدل حالك يا بنتي!"
عجزت عن إبداء حل. بل والمستمع لحديثها بعد ما أتى من الخارج كان "عز" الساكن الصامت. شهقت شهقة مزقت منه كونه "شقيقها". حاول الفرار من ضعفه الذي سيظهر أمامها، وما إن دخل لهما توجه ليجلس على المقعد بالصالة بملابس عمله. فوجدت هي إبنتها تعتدل بخيبة لتتسطح على الفراش بعد أن تيقنت بأن لا يوجد بيديها الحل بل وأنها الآن الطرف الأسوأ. فردت عليها الغطاء ثم أخذت الكوب وعلبة الدواء لتخرج من الغرفة كي تغلقها خلفها بهدوء، داعية من قلبها بأن يصلح الله الأمر بطريقة ما. لم تستمر بطريقها إلى المطبخ بل لفت انتباهها "عز"، وهو يجلس بإريحيه زائفة على المقعد متصنعا مسك هاتفه. وما أن توجهت هي نحوه اعتدل يخفي عينيه المتجمع بهما دمعتيه بخفوت، حتى ظهرت عادية لها وهو يغلق هاتفه. جلست بجانبه وهي تبتسم له لترضيه ثم سألته قائلة باهتمام وحنو:
"خلصت شغلك يا حبيبي؟"
طالعها "عز" ببسمته الهادئة وهو يهز رأسه بنعم، ومن ثم سألها بترقب كما يسألها كل مرة:
"فرح عاملة إيه؟"
"الحمد لله في نعمة!"
أخرج أنفاسه بصوت، ثم حرك عينيه نحوها، ينظر لها وهي تطالعه بحنو وتأثر على حاله. فحاول إخراجها من حالتها هذه عندما قال يعلمها بآخر ما يعلمه:
"شوية كده وقومي شوفي هتلبسي إيه إنتِ وفرح عشان نجهز ونروح القاعة بدري شوية زي ما غسان قالي!"
ترددت بأن تجيبه على أول حديثه ولكنها أجابته على أي حال بنبرتها الهادئة تنفي قوله الأول:
"لا ما أنا قولت لفرح الصبح على إنها تيجي بس قالتلي إنها هتفضل هنا فأنا قولتلها خلاص مش هنتأخر عليها!"
لا يود العناد. كان يتوقع أمر كهذا. حرك رأسه لها بتفهم، ولم يغيب عن باله تفكيره بأي محاولة سيفعلها "غسان وبسام"، التوأمان الذي شعر بهما لأول مرة بمعنى الإخوة. وكأنها تفكر بما يفكر به هو حينما سألته بمشاكسة لتخفف عنه:
"قولي بقا من ساعة ما الدكتور وأخوه جولك امبارح وإنت متغير شوية كده عن الأول.. في أخبار حلوة كده ولا كده ولا إيه؟"
رغم ترددها بأن تسأله آخر سؤال ولكنها تستشعر الأمل مثله تماما كما تعلم بأن مجيئهما إلى منزلها ليس لعزومتهما على الزفاف وفقط. ضحك عليها بخفة حتى تبدلت ملامحه للجهل وهو يسرد عليها ما يشعره:
"مش عارف.. ومش عاوز أتعشم برده.. أصل أنا عرفت إنها ضاعت مني. وعارف بردو إن حازم مش سهل. قالولي هنحاول نصلح بينكم ونرجع جميلة ليك. رغم إني عارف إنه احتمال ضعيف بس حسيت فيهم الرجولة والشهامة. حسيت إن في أمل من نبرة غسان اللي ظهرتلي وكأنه مهتم يعمل ده أوي وكأنه عشرة عمر. تفتكري في أمل؟ ولا معشمش نفسي ع الفاضي؟"
شاكسته "حنان" سريعا بقولها عندما خصص أحدهما بالحديث فأعلنت جهلها لمعرفتهما معا حينما قالت:
"ونبي يا خويا ما أعرف مين فيهم غسان ولا مين فيهم الدكتور بسام. بتعرف تفرق بينهم زي النحلة كده ازاي يواد!!!"
طريقتها المرحة العفوية تجعله يضحك بخفة عليها. مد كفه يضرب كفها بخفة وكأنه يعبر لها في هذه اللحظة بأن مجرد حرف منها فقط يخفف عنه. نبس هو من بين ضحكاته يوضح لها بمرح:
"إنتِ متعرفيش تفرقي بينهم لحد ما واحد فيهم يتكلم وبعد كده هتعرفي مين الدكتور ومين التاني. بس اللي هيتجوز النهارده التاني مش الدكتور. الدكتور بقا هو اللي حلق دقنه شوية ده. فهمتي؟"
حركت رأسها نفيا بمرح. ثم عادت تتحدث بحب وأمل له سريعا:
"لو على متعشمش نفسك.. فـ بقولك عشم نفسك.. بس فـ ربنا. أنا متأكده إن كل دي إختبارات من ربنا ليك وإنت استاهلت كتير يا حبيبي بس العوض جاي أوعى تنسى ده أبدا!"
"بس أنا خايف.. خايف متبقاش ليا وأروح وعيني تتقابل مع عينيها وأروح بعد كل ده مخذول ومرفوض من تاني!!!"
عجز عن إخفاء هذه الجملة. مدت ذراعيها تضم رأسه ناحية رأسها بعد أن وضعت الكوب على الطاولة. ربتت عليه بعاطفة أمومة تزامنا مع حديثها لها وهي تحثه:
"لا عاش ولا كان اللي تخاف منه وإنت راجل كده مالي هدومك. بس سيبها لله بس.. وخد من أمك حبيبتك كلمة.. حاسة إني صدري منشرح كده.. ولو مش هي فأنا متأكده إنك هتتعوض بحد أحسن يا ضنايا!!"
عكرت الأمل بآخر ما أدرفته. كل ومل من تعبيره لها بأنه لا يود غيرها هي. ولكنه صمت يخفي خوفه مرة أخرى. رجل هو. وهي امرأة. امرأة بكونها والدته. كيف ستشعر بشعوره تجاه من يختارها قلبه. قبل يديها ببر لها ولمحاولاتها التي لا تتوقف في التخفيف عنه.
"وعزة نفسي تمنعني
أحكي عن جرح وجعني"
بقية لشرح آخر ما يشعره الآن. بقية لكلمات سابقة تتماشى مع قصته. لا أحد سيشعر بما يهابه ويخافه من كونه سيُرفض مرة أخرى. بل ومن المحتمل بأنه رُفض دون أن يعلم خاصة أن مكالمته لـ"غسان" ليبارك له بحماس منها كون اليوم زفافه لم يجد بها منه سوى البهجة والحماس منه لمجيئه ومشاركته فرحته وليس إخباره بما سيفعله ليفرح ويُحيي قلبين كُتب عليهما بالحب.
جلس البعض بشقة "سمية" الآن. خاصة أن بعد مرور وقت بسيط سيبدأ كل منهم بإرتداء ملابسه للاستعداد للذهاب إلى القاعة. نظرت "سمية" حولها بتأثر من التجمع والبهجة. خاصة أنها تنظر الآن على "يامن" حفيدها وهو يتراقص مع جده "حامد" ووالده "بدر" و"وردة" تقوم بالتصوير. حياة إلى حياة إلى حياة حتى يكبر المرء ويعتقد بأن حياته ذهبت هباء دون فعل شئ. ولكنها فعلت! استطاعت تربية ثلاثة فتيات تعتبرهن كل شئ بالنسبة لها حتى وإن كل واحدة منهن تزوجت بالفعل. وجدت "دلال" تبتسم لها بحنو ثم ربتت على كفها براحة مرددة بتأثر لها:
"ألف مبروك يا سمية.. عقبال ما يجيلنا كده أحفاد منهم يتنططوا حوالينا من غير ما ننقص واحد يارب!"
عانقتها بنظراتها. وقد تيقنت بأن الآن جاءت لها اللحظة الحاسمة لتردف لها ما تود قوله كونها تعلم بأنها كأي أم لم ولن تفضل أحد على سلامة أولادها:
"الله يبارك فيكِ يا "دلال". أنا عارفة إنتي بتحبي "نيروز" قد إيه. وهي بتعتبرك أمها وبتحبك.
حتى لو جرالي حاجة، عاوزاكي تحسسيها إنك أمها ومتجيش عليها. عارفة إنك مش هتحبي حد أكتر من ولادك، وكل أم كده وحقك. بس نيروز والله بنت حلال ومتقصدش تعمل أي حاجة من اللي الشيطان بيجيبها في لحظة الشر دي. دي بتحب ابنك ومتقدرش تعيش من غيره أبداً، حتى وهو صعب وهي صعبة كده. فأنا عارفة بردو إنهم مينفعوش غير لبعض. ربنا يعلم "غسان" ده عندي إيه، لأن لو معرفتوش ومبعزوش مكنتش عطيته حتة مني.
تأثرت "دلال" من حديثها، حتى إنها ربتت عليها بقوة هذه المرة وهي تردد بلهفة لها:
"متقوليش كده، ده نيروز بنتي ومعزتها من معزة وسام بالظبط. إنتي بس متحمليش هم وتفائلي كده وخير، بإذن الله هتطلعي منها كويسة."
طالعتها بتأثر، ومن ثم نهضت تودعها حينما أشار لها "حامد" بلطف، ليستعد كل منهم للتجهز. نظرت بأثرها بإطمئنان، فعادت تنظر للمشادة الكلامية بين "ياسمين" و"حازم" حينما انتهى هو بقوله الجامد:
"مفيش رقص على المسرح يعني مفيش. حسّي بالمسئولية شوية بقى وإفهمي إنك حامل ولسه الحمل في أوله."
نظرت "سمية" بقلة حيلة منهما، خاصة عندما عاندته "ياسمين" بحدة:
"إنت فاكر نفسك كده يعني هتخوفني. وبعدين إنت بتزعقلي كده ليه، وخايف أوي كده ليه. طبعاً أكيد خايف على اللي في بطني، لكن أنا يا أستاذ مهمكش."
ضغط "حازم" على فكه من انفعالاتها غير المبررة. تعمد اللين عليها حينما تبدلت ملامحه ونبرته للحنو وهو يقول:
"أكيد خايف عليكي إنتِ. إنتِ أهم حاجة عندي يا ياسمين، عشان كده بحبك وبخاف ليحصلك حاجة."
كالمختلة عقلياً، ضحكت بخجل وهي توكزه. فنظر لها بيأس منها، حتى التفت برأسه سريعاً ينظر نحو صوت الضحكات العالية من "سمية" و"وردة" وحتى "بدر" الذي ضحك وعلى ساقه يحمل "يامن".
"عاجبك كده، ضحكتهم علينا بهبلك."
نهض تزامناً مع نهوضها ليذهب لوالدته وشقتها. فسمع هو صوت "سمية" القائلة له بمرح:
"استحملها يا حبيبي، مراتك حبيبتك برضه."
"وحب عمري وكل حاجة ليا والله."
قالها "حازم" بهيام، فتوجهت هي تقبله من وجنتيه بمرح، حتى قالت له بجدية مرحة وكيد لهم، دون خجل من ما فعلته للتو:
"عشرة من عشرة وإجازة من النكد لمدة أسبوع."
قالتها تزامناً مع سيرهما ليخرجا من باب الشقة تحت ضحكات "سمية" العالية عليهما. نهضت "وردة" بعدما توجه "بدر" مع صغيره للغرفة، فأمسكت هي يد "سمية" بحب وهي تقول:
"قومي يا ماما عشان أكوي لك اللبس يلا."
"لا يا حبيبتي، البسي ولبسي "يامن" وابقي تعالي بعد ما تخلصي."
"لا لسه أنا موالي موال، لسه ياسمين هتخلص وتيجي تحطلي ميكب وشوية حاجات كده. وبعدين بدر قالي إنه هيلبس يامن هو وبعد كده هيروح شقة عمو حامد علطول. وقدامنا الوقت لسه، يلا قومي."
نهضت معها بعدما تفهمت ما قالته، بل وتأثراً وحباً لإهتمامها الحاني وحتى تفهم زوجها. في كل مرة تفتخر بموافقتها واختيارها لكل من أزواج فتياتها. هذا هو المكسب بالنسبة لها، شخص يصون حتى ولو تتطلب الأمر غيابها. وأي غياب وبالنسبة لهن هي كل شيء لهن. عمليتها تعد محنة ويتمنى الكل بأن تمر سريعاً دون خسائر، فكيف ستمر؟
في شقة "حامد".. كان هو يقف في غرفته ينظر على الملابس التي فردتها زوجته على الفراش. بل يهرب في كل مرة من التأثر كما تفعل هي. وعندما وقفت تعتدل لتقوم بكي ملابسها، تقابلت عينيها المتأثرة معه هو وهو يقف ينظر بشرود. ابتلعت ريقها وهي تقف أمامه، ثم ابتسمت بفرحة وهي تسأله بكل اهتمام:
"فرحان يا "حامد"؟"
تسأله أم تسأل مشاعره المختلطة، لا يستطيع التصديق كما هي. بل و"غسان" بالنسبة لهما إلى الآن مازال صغير رغم نضجه وحتى مظهره ومقدرته الآن على الزواج والإعتماد على نفسه وحمل المسئولية. هز رأسه لها يجيبها، ثم قال بهدوء عميق:
"مفرحش إزاي بس يا دلال، والنهاردة حاسس إنه تالت أسعد يوم بحاجة جديدة علينا. يعني في إيه أكتر من إن ابني هيتجوز وهيعمل بيت وأسرة. تالت فرحة عشان أول فرحة ليا كان بيكي وإنتِ في بيتي، فاكرة؟"
صمت بحب، يتابع نظراتها التي اخترقها التأثر الشديد منه ومن حديثه ومن حبه واحترامه لها حتى بعدما مر العمر عليهما.
"وتاني فرحة لما جبتيهم توأم فأول مرة وزي ما جبتيلي حبيبتي من بعدك. وتالت فرحة لما خلاص واحد منهم وأول واحد بيتجوز أهو. رغم إنه إحساس بيخلي الواحد يصدق إنه كبر خلاص، بس بيحسسني إني عملت حاجة فعلاً. ربيت وعلمت وكبرت وحافظت عليهم لحد ما كبروا. أي نعم مربيتش أوي يعني بالذات هو، بس ماشي الحال."
أمسكت كفه تقبله بحب، كي تعبر له عن ردها، خاصةً أنها لا تستطيع التعبير بالحديث. في كل مرة يهزمها هو رغم كبر سنه، لكنه يتفهم لحد كبير بأن بأوقات معينة تحتاج هي التعبير عن فرحتها. يشرح، وشرح بالفعل ما تود قوله من مشاعرها المختلفة. وجدته يتحدث مرة أخرى بتمني:
"عقبال ما نفرح بـ "بسام" يا أم غسان... ونفرح بـ وسام كمان."
"تفتكر يا حامد بسام هيلاقي اللي تاخده من وسطنا كده بس تكون الشخص الصح؟ ولا تفتكر إنت هعيش أنا لحد ما نجوز وسام؟"
تسأله وتنتظر الجواب، وكأن التنفيذ بعد لحظة واحدة من قوله للإجابة. أمسك كفها بحنو، ثم قال بنبرة هادئة وتفهم لما تشعره:
"هيلاقي يا دلال، أصل اللي بيصبر بيلاقي في الآخر. وهنفرح بيه وهتعيشي لحد ما نفرح كلنا بـ وسام. وسام اللي مش عايزها تتجوز أصلاً وتسيبني."
ضحكت بخفة عليه، وقد عانقته الآن بود، فضمها بتأثر وهو يربت على ظهرها بكفه المجعد. سمع صوت إغلاق باب الشقة، فعلم أنه "غسان" الذي أتى من الخارج بعد ذهابه للحلاق ومن ثم تزيين السيارة. اعتدلت تبدأ بفعل ما تفعله، وحتى هو.
أما "غسان" فلاحظ خلو المكان منهم، بل وسمع صوت الأغاني من غرفته. توجه ليفتحها تزامناً مع صدوح الكلمات المماثلة للوضع بل والقديمة، ولكن قد قام بتشغيلها "شادي" الذي أشار عليه سريعاً بفرحة ومرح، مردداً بصوت مرتفع كما يفعل "بسام" معه:
"وعريسنا حلو.. آه.. والنعمة حلو.. آه.. وعروسته أهي.. أمورة أهيه."
ضحك بقوة عليهما وهما يشيران عليه، فدخل بينهم يتراقص بمرح، خاصةً أن "شادي" تصنع بأنه العروس و"بسام" يشير عليه. لحظات إلى أن أخفض أحدهم الصوت، فاعتدل "غسان" ينظر بفرحة، حتى قال "شادي" بتهليل له:
"حلقنا وحددنا دقننا وعملنا شعرنا وبقينا جان وجذابين عالآخر.. ولّع الدنيا."
غمز له "غسان" بغرور، ثم حرك رأسه قائلاً بزهو له:
"طول عمري جان وجذاب يللا. عديني بقى أدخل آخد دش عشان ألبس."
قالها وهو يدفعه، فلم يتحرك "بسام" الذي ابتسم له وهو يضع يديه نحو خصلاته مردداً بصوت تعمد ظهوره بمرح وهو ينظر له:
"يجدع دا ياليتني ناموسة وفي غرفتك محبوسة.. وأبوس خدك بوسة."
كان قد سمع ذلك الصوت على منصة الفيديوهات المرحة. ضحك الاثنان بقوة عليه، فابتعد عنه "غسان" بريبة وهو يطالعه بخوف زائف، فتحدث "شادي" سريعاً من بين ضحكاته:
"كل واحد ياخد وضعه بسرعة ويشوف هيعمل إيه عشان "حامد" مبيجيش غير في الأوقات دي."
أيدوه بمرح، فسحب "بسام" يد "شادي" خلفه ليخرجا من الغرفة تزامناً مع حديثه:
"هنروح نلبس في ثواني وراجعين."
نفض "شادي" يديه بريبة، فقهقه "شادي" عليه، وسرعان ما تعالت ضحكتهما معاً وهما يسندان بعضهما لغرفة "بسام" الذي كان بها بدلة كلاهما، حيث تركا الغرفة الخاصة لـ "غسان" ليأخذ راحته بها، والذي حرك عينيه بعدما أخذ ملابسه. طالع بدلته التي كانت معلقة بغلافها، وشعور عدم التصديق رفيقه. بل وسيجتمع مع من أحببها قلبه. شعور لم ولن يشعر به سوى من وضع بنفس مكانه من قبل.
أغلق باب المرحاض خلفه سريعا. بينما بدأ البقية بالفعل في ارتداء ملابسهما، حتى "دلال" و"حامد" بعد أن كيّت الأولى ملابسها بسرعه.
ترك زجاجة العطر من يديه وهو يضعها على التسريحة من أمامه، ثم التفت ينظر إليها بعدما تجهزت أخيرًا. رفع "حازم" عينيه نحوها من أعلاها لأسفلها، خاصة عينيها الخضراء التي لم تتغير إلى الآن، وحتى وضعها لمساحيق التجميل الخفيفة ظهرت من جمال ملامحها ببساطة، خاصة ظهور لو عينيها. بل وفستانها كان بلون "زيتي" داكن، وبدلته الذي اختارها له "غسان" كانت من اللون البيج، والتي كان لونها كمثل بقية الشباب أيضًا. وضع منديلًا قماشيًا بجيبه في الأعلى بنفس لون فستانها. رمشت بخجل زائف وهي تشاكـسه قائلة بتساؤل مع نظراتها إليه وهو يسلط أنظاره عليها بحب:
"مزه صح؟"
"أوي!!"
قال كلمته بهيام. فرفع يديه يمسح وجهها بيديه عندما وجد نقطة بلون ما على وجهها. مسحها بحنو. فتطلعت هي على مظهره بإعجاب. فأنزل عينيه نحو معدتها ينظر إليها بسعادة. لم تظهر ولم تنتفخ بطريقة ملحوظة. تفهمت معنى نظراته جيدًا. فأمسكت كفه تضعه على معدتها بحب، وهي تمررها براحة، ثم قالت بهدوء وصدق بنبرة عميقة لا تخرج إلا قليل:
"بحبك انت وده!!"
طالعها "حازم" بمشاعر حب صادقة، فحرك يديه يضعها على ظهرها وهو يضمها إليه، ثم قال متفهمًا ما تريد الوصول إليه:
"مفيش رقص بردو يا حببتي!!"
ضحكت وهي تضع يديها على فمها. فلاحظت هي دقات الباب الخافتة. تحرك يفتحه حتى وجد "عايدة" تقف متجهزة. أشار لها بإعجاب وهو يمسك كفها قائلاً بسعادة:
"هو أنا أمي حلوه كده ازاي؟!"
"حماتي حلوه طول عمرها!!"
قالتها "ياسمين" التي توجهت لتحتضنها بحب. عانقتها "عايدة" وهي تردد لهما عندما رأتهما معًا برقة:
"ربنا يسعدكم يا حبايبي، ويكملك على خير يا ياسمين ويقومك بالسلامة!!"
أرسلت لها قبلة مرحة في الهواء. فضحكت هي وهي تخبرها سريعا عندما تذكرت:
"روحي لـ ورده بسرعه أصل كله جهز، وهي لسه مستنياكي!!"
اعتدلت سريعا وهي تومئ لها وكأنه تناست الأمر. انسحبت من أمامهم. فاعتدل هو يتنفس وهو ينظر بأثرها براحة والابتسامة لم تفارق وجهه. حرك رأسه سريعا ناحيتها فوجدها تنظر إليه ببهجة وفرحة، وقبل أن تتحدث تحدث هو قائلاً بلين يراوغها:
"حاسس باللي جواكي يا أم العروسه.. أنا زيي زيك حاسس بحاجات مختلفة.. مين كان يتوقع إنها يكتب كتابها كده.. بس عايزك تعرفي بردو إنه مش مجرد قرار سريع.. أنا وصل بيا الحال إني كنت بندم رغم إن وجهة نظري مقتنع إنها مش غلط.. بس كلامهم فوقني لحاجات كتير مكنتش واخد بالي منها.. منها أنا وياسمين دلوقتي إزاي وعلاقتها بـ أبويا كانت هي وأمها وحتى أخويا وأمه.. محدش فعلا بيختار أهله.. وزي ما ربنا أراد إني أبقى مختلف عنهم وأتمسك بيها.. كان عز بردو بيعمل كده!!"
احتضنها بذراعيه عقب حديثه الصادق النابع بصراحة منه. وسرعان ما قرر الهروب من بكائها وتأثرها قبل أن تبدأ، حينما اعتدل يقول على عجالة:
"أنا رايح لـ "غسان" والشباب.. شوفي انتي طنط سميه وخليكي معاهم على ما نخلص ونجيلكم!!"
في شقة "حامد". خرج قبل قليل من الغرفة حتى جلس على الأريكة بجانب زوجته في الصالة، منتظرًا خروج "شادي" و"بسام"، وانتهاء "غسان". كان معهم "بدر" الذي كان يرتدي بدلة من نفس اللون بيج مثل بدلة "حامد" هو الآخر، وحتى بدلة "يامن" الصغيرة الذي كان بنطالها أسود اللون وكم الجاكيت الخاص بها بلون بيج. كانوا يشاركونه في مشاكسته لـ "يامن" وهو يضحك ضحكات طفولية، و"بدر" يقوم بتصويره للذكرى.
دقائق بسيطة وخرج "بسام" و"شادي" بمظهرهما الأنيق. هلل "بدر" لهما و"حامد". فتوجه "بسام" يمسك كف والده ليقبله كما فعل مع "دلال"، ومن ثم احتضنها بسعادة قائلاً لها بلطف:
"ألف مبروك يا أم غسان، ألف مبروك يا أم العريس!!"
قد تعمد قولها هذه المرة بصدق، وهو يقصد اللقب الذي قاله. رددت له بتمني لزواجه هي الأخرى. ففعل "شادي" المثل معهما. فتحدثت "دلال" بتأثر له:
"العريس الجاي ياواد!!"
"قولي يارب.. نفوق إحنا بس من فرح غسان وبعد كده أروح بيكم وأتقدم لها بقا!!!"
شاكسه الشباب و"حامد". وآخر ما قاله "حامد" هروبًا من رؤيته والتأثر منه:
"خش استعجل غسان يلا وإحنا مستنينه أهو أنا وامك!!"
توجه "بدر" ليفتح الباب لـ "حازم" الذي دخل يرحب بهم بحرارة. ومن ثم دخل الشباب جميعًا الغرفة لـ "غسان" الذي فتح لهم الباب. دخلوا. هللوا بقوة وببهجة. وقف هو يضحك بخفة وهو ينظر لهم من المرآة تزامنا مع غلقه لأزرار قميص البدلة. ثم نثر العطر من عليه بعدما مشط خصلاته السوداء. وكاد أن يمسك جاكيت الخاص بالبدلة. فأوقفوه جميعًا، مع قول "بسام" له وهو يأخذها منه:
"أنا اللي هلبسهالك.. أنا أخو العريس!!"
"وإحنا إخواته!!"
قالوها بنفس واحد وصوت واحد بإيقاع واحد. فأشار لهم "غسان" برضا موافقًا:
"طب تعالو يلا لبسوهالي كلكم!!"
ساعده شقيقه و"شادي" و"حازم" و"بدر" في ارتدائها. أصبح الآن "عريس" بمظهره الجذاب الأنيق. بل ووسامته التي ظهرت بارتدائه البدلة وتنظيمه لمظهره. رفع ذراعيه وفتحهما على آخرهما بتأثر. فارتمى الشباب في أحضانه بتأثر بعدما حمل هو "يامن" بحب. وكل منهم يتحدث بوقت حديث الآخر بعشوائية لظهور المشاعر. احتضنهم بحب. ثم أفسحوا له المجال ليخرج أولاً. سار بخطوات ثابتة بعدما توسطت في السرعة ليخرج من الغرفة. وما أن خرج وجدهما يقفان بجانب بعضهما. أهبط "يامن" أرضًا. إذن لا هروب من التأثر؟! توجه "غسان" إلى أن وقف أمامهما، وللحق وصل عمق تفاصيله لمن سيحتضن أولاً؟! ضمهما هما الإثنان معًا. ثم قبل قمة رأس كل منهما ببر وطاعة. فأدمعت عيني "دلال" بتأثر في هذه اللحظة حتى رددت بعمق ظهر في نبرتها المتحشرجة:
"مش مصدقه إنك عريس.. ربنا يسعدكم يا حبيبي ويفرح قلبك ويهدي سركم يا رب..!!"
حرك رأسه لها بامتنان لكل ما فعلته له منذ أن وعى للحياة إلى الآن إلى هذه اللحظة. شعر بانسحاب الشباب للخارج. بل ويهرب "حامد" منه بنظراته المكشوفة له. ضحك "غسان" بخفة وهو يسأل وقد خانته نبرته المتأثرة فخرجت لوالده وهو يسأله بإهتزاز:
"مش هتقول حاجه يا "حامد"؟ مش هتقول حاجه يا صاحبي.. لصاحبك؟"
تعمد قولها. تعمد قول "صاحب". حيث عاش طوال حياته صديق والده بالفعل، ويشعره الآخر بأنه صديقه. بمشاكستهما مع بعضهما وحتى معارضتهما. لذا أخرجهما سويًا نفسيًا عن غيرهما! كونه صديقهما. طالعه "حامد" بنظرات متأثرة تهز من ثباته أمامه في الأساس. هتف بنبرة هادئة يهرب منه مجددًا. ولكنه انهزم عندما هتف بقوله العميق يلبي رده للقبه:
"هقول إيه غير إني فرحان يا صاحب عمري كله. ربنا يسعدكم ويبارك فيكم.. ويهديك يا بني.. ويخليك لينا ولمراتك!!"
توسعت بسمته وهو يعانقه. بادر "حامد" بفعلها وكأنه يحتضن الصغير، وكأن هذا المشهد ليلة أمس. أشار لهما بحماس ليخرجا من الشقة. خرج "غسان" أولاً حتى وجد "سمية" تغلق بابها بالفعل والكل من حولها. رفع أنامله يضرب كتفها بخفة كي تدير له. اعتقدتها "ياسمين" بمشاكستها ولكنها تذكرت بأنها قد هبطت مع "حازم" للأسفل. التفت بعدما أغلقت الباب وسرعان ما توسعت بسمتها بسعادة ما أن رأته يهتم برؤيتها له قبل المعازيم.
ولم ينسحب هو، رفعت ذراعيها تضمه بتأثر، فربت هو عليها ببر لها. نظر الجميع بتأثر عليهما، فتحدث "حامد" بمرح له:
"خلاص ياض مش هتبقي البت وأمها!"
ورغم تبجحه في القول، ولكن الكل يعلم بأنه مثل ولده أو "غسان" الذي مثله من الأساس. ضحكوا بخفة، فتحدث "شادي" سريعا لهم:
"ال وقتي الحج حامد أبو العريس وأم العريس هيركبوا معايا في العربيه ومعاهم أم حازم وأم العروسه على القاعه علطول صح كده؟"
سيارته حديثة وكبيرة، فبالطبع ستأخذ ذلك العدد. حرك "غسان" رأسه تأييدا له ثم قال يكمل:
"وحازم جاي هو وياسمين معايا بعرييته عند نيروز عشان بعد ما نخلص ياخد إخواته. وبسام هيجي عشان هو اللي هيسوق. وكده كده بدر مأجر عربيه عشان الفرح وواخد إبنه معاه ومراته عشان هيجوا هما كمان معانا عند نيروز!"
تفهم الجميع أين موضعهم، فسبق "بسام" وقد أسند "سميه" مع "بدر" برفق لتهبط السلم كما تريد وتصمم هي. هبطت "دلال" و"حامد" و"غسان" للأسفل، ونزلت "عايده" مع "ورده" السلم أيضا خلف الٱخرين.
خمس دقائق بالتحديد وكل منهم وقف أمام السيارة الذي سيركب بها وكأن ٱخرهم بعدما إطمأن على ذهابهم. "غسان" الذي عارضه "بسام" بضيق منه وهو يقول:
"مش هتسوق وإنت رايح؟ اليوم كله عليا النهارده متخافش مش هسوق الجنان. هات المفتاح يلا!"
وجد نبرته الحاسمة، فمد يديه له يعطيه المفتاح ثم ركب بجانب كرسي السائق. ركب الإثنان معا، وبدأ "بسام" بالفعل بالتحرك. مد "غسان" يديه سريعا في الكرسي بالخلف ليأخذ بوكيه الورد يمسكه. تعشق الورد ولانها لحظة عادية، ولكنه اهتم بأن يكون جذابا به من الورد والألوان ما تحبها هي. فتح هاتفه يقوم بتصويره، ومن ثم وجد منها الرسالة التي أعلمته بها للمرة الثانية بأنها انتهت وتنتظره بالفعل. سجل لها مقطعا صوتيا كي يخبرها بأنه بالفعل في الطريق، ولكن عاقه تعلية "بسام" لصوت الأغاني كي يشاكسه.
بعد نصف ساعة كاملة، تجهز "عز" من إرتداء حلته. حلته الرمادية الهادئة التي أظهرت طول قامته وعرض كتفيه. كان جسده كمثل جسد "غسان" و"بسام" و"بدر" بطولهما. ورغم هدوء ملامح "عز"، ولكنها تظهر بأنها ملامح رجولية بسمار بشرته. مشط خصلاته سريعا ثم ارتدى حذاءه. أمسك هاتفه ينظر إلى الساعة، وعندما خرج من غرفته وجدها تنتظر في الصالة بعباءتها السوداء وحجابها الأسود كملابس بعض السيدات. ظهرت بوقار عليها كونها سيدة خمسينية. طالعته بإعجاب وهي تفتح عينيها بانبهار منه، فعندما يهتم لحاله ولنفسه يصبح وسيما لدرجة كبرى. تعمد بأن يعيش اللحظة حتى وإن كان يليها أو قبلها وجع. وفي هذه اللحظة أمسك يديها يديرها وهو يصفر بفمه حتى قال باعجاب:
"إيه الحلاه دي!"
"محدش حلو قدك يا حبيبي!"
نظر لها "عز" باستنكار ثم عقد بين حاجبيه سريعا وهو يردد لها:
"بتزنقيني يعني؟ عشان أقولك إني شبهك؟ أنا مش شبهك يا حنان.. بس كده كده إنتي إحلى!"
تعلم بأنه يشبه والده، ووالده يشبهه "شريف" الذي كان يتعارك بنفس مستوى جسد "غسان". حلقات متواصلة ومترابطة! وكان الثلاثة مثل بعضهم، بإختلاف دناءة أحدهم. نفض من عقله كل مر، ثم تنفس بعمق وهو يسمعها تتحدث بوضوح له:
"شبه أبوك يا حبيبي. يعني هو أبوك الله يرحمه وحش؟"
بما يجيب؟ يعلم بأنها تحب والده رغم ما فعله، ولكنها كانت تحبه على عيبه. ماذا سيقول وماذا سيجيب؟ سيردف لها بأنه فعلا ظلم أشقائه لا يود فتح الحديث مرة ثانية. حرك رأسه نفيا وهو يقول:
"محدش وحش يا أم عز. يمكن إنت شوفتيه حلو معاكي بس مع غيرك مكانش كده.. يلا الله يسامحه ويرحمه!"
تعلم تمام العلم ما قاله. تنفست براحة وهي تحرك رأسها بالإيجاب. فمد يديه يمسك كفها ليسحبها معه ببطء وهو يقول:
"يلا عشان منتأخرش بقا عليهم. راحت فين جزمتك؟"
قالها "عز" وهو ينحني يفتح المكان الخاص بالأحذية وممسك بكفه يديها. لامس قلبها فعلته هذه حتى أنها عدلت من انحناءه هذا وهي تعارضه حينما قالت تعلمه سريعا:
"لبستها يا حبيب قلبي!"
أومأ لها وقد رأي إلى ماذا وصل عمق شعورها في هذه اللحظة. تنظر له بإمتنان. فقد عاش يحملها فوق رأسه حتى وهي مريضة أو بعدما تعافت! وكأنه يستشعر ما ستقوله فرفع كفيها الإثنان سريعا. ثم نبس بنبرة سريعة يقاطع حديثها:
"ما هو أصل الجنه تحت أقدام الأمهات يا أم عز!"
قالها ومن ثم فتح الباب سريعا، وهو يسلط أنظاره الأخيرة على باب غرفة شقيقته قبل أن يغلق الباب خلفهما. يود الذهاب وعناقها الآن ولكنه يقهر من ما فعلته به!
قبل دقائق بسيطة وقفت الثلاث سيارات أمام سنتر التجميل الكبير. من سيارة "غسان" و"حازم" و"بدر". من المفترض بأنه سيدخل للـ "first look".
دخلت "ياسمين" مع "ورده" لها قبل دقائق في الداخل، حتى أن في هذه اللحظة تطلعت "ياسمين" إليها بتأثر هي و"ورده" فقد كانت مثل الأميرة. بل وكان مظهرها جذاب وملامح وجهها الهادئة تخطف الأنظار. مظهرها بفستانها الكبير الأبيض كمثل زهرة النسيان. ملكته هي وفقط. ورغم كونها طبيعية كأي عروس، ولكن في هذه اللحظة ترى ويراها الكل بأنها أميرة بالفعل.
"أنا.. أنا مش عارفه أقول إيه!"
"أنا كمان عاجزة عن أي كلام.. إنت حلوة أوي أوي!"
جملتان قالتهما شقيقاتها بتأثر. أولها كانت "ياسمين" والثانية كانت "ورده" التي بكت مع قولها كطبيعتها. رفعت "نيروز" ذراعيها بتأثر تحتضنهما بأعين مدمعة. هنا صاحت "جميلة" لها:
"لأ.. بلاش عياط أرجوكي عشان الميكاب!"
أيدتها "فريده" و"وسام". فأومأت "نيروز" وهي تبتسم لهما بحب. وقد احتضنتهم جميعهن هذه المرة بتأثر. انسحبت الفتيات إلى الخارج بسرعة كي ترى من منهما شقيقها وكذلك زوج كل من الٱخرين اللذان يقفان وحدهما.
خرجت "وسام" أخرهن، فتقابلت مع "غسان" الذي كان لديه خطوة واحدة لييدخل في المكان المخصص لمقابلة العروسين. توقف ينظر إليها بإنبهار، وسرعان ما ضمها وهو يتحدث بنبرة صريحة لها:
"أنا كده.. هغير أوي عليكي.. مش عاوز عرسان أنا!"
ورغم جديته في الحديث، ولكنها ابتسمت بحب وهي تعانقه ثم أشارت له بتأثر كي يدخل تزامنا مع بدء للأغنية ليدخل. اعتدل يمسك بوكيه الورد. ثم بدأ بالفعل. سار بخطوات واثقة والكاميرات تقوم بتصويره مع عدم علو الأغاني يشده كي تسمع العروس ما يود قوله لها زوجها. وفي هذه اللحظة تتسارع دقات قلبه كما تتسارع دقات قلبها. خفق قلبها بقوة وبتوتر وسعادة بآن واحد عندما وجدته يومز كتفيها بلطف. إلتفت ببطء والابتسامة لا تفارق وجهها وما أن التفتت بالكامل، طالع "غسان" مظهرها بإنبهار شديد. بل ومظهرها الكامل بالفستان له شعور آخر ووجهها الذي كان يعتقد بأنه سيتغير بملامحه، ولكن ملامحها مازالت كما هي هادئة تخطفه من جديد وكأن كلما ينظر لها يخطفه ويخطف قلبه من جديد بملامحه وملامحها الهادئة. سيتعلثم؟ سيتعلثم ذلك الهادئ الواثق؟ تحدث بنبرة ليست مرتبة حينما قال والتأثر والحب يملئ عينيه بعد قلبه:
"أنا.. مبهور بجمالك.. إنت خارجه من ديزني صح؟"
المرة الثانية الذي أردفها لها كانت عندما ارتدت فستان بالفعل في زفاف شقيقتها. عانقها على الفور وقد منع دمعته من الهبوط بأعجوبة. أما هي فأدمعت عينيها بتأثر ولم تستطع هي إرداف حديث. وجدته يخرج يقدم لها بوكيه الورد وهذه المرة لا يعرف كلاكيت للمرة رقم كم!! ولكنه ابتسم بلطف حينما قال كما قالها قبلها من قبل:
"إمسكي Rose to rose"
الورد للورد! ولكن هذه المرة مختلفة. تسحره بنظراتها. بل والكحل في عينيها هذه المرة لا يستطيع هو تخطيه. ما العمل؟
ابتلعت ريقها له ثم بدأت بتجميع الحديث له حينما قالت بتأثر:
"بحبك.. واللحظه دي بتاعتك انت وبس.. يا بن البدري !!!"
تعبث كما يعبث ولكن أين عبثه في هذه اللحظه.. قدم لها ذراعه كي تتمسك به ثم إلتفت يبدأ بالتحرك ولكن بعدما إنحنى يهمس جوار أذنها بعبث:
"بنت الأكرمي هي وفستانها مش لحد غير لـ "غسان".. "غسان حامد البدري " يا رزقه.. يا مراتي !!!"
ضحكت بخفه ومن ثم بدأ في السير معه ببطئ بسبب ضخامة فستانها. ابتسمت بسعاده للعاملات في المكان عندما إشاروا لها بالوداع ومن ثم بدأت الزغاريط منهن وحتى فالخارج ما أن ظهرت لهم. على الفور بدأت الفتيات في الزغاريد. أشارت لهم "نيروز" بيديها وهي تتوجه ناحية السياره التي نظرت على مظهرها باعجاب. دخلت بمساعده "غسان" تجلس ومساعدة شيقاتها و"وسام". جلس "غسان" بجانبها و"بسام" في الأمام وبجانبه "وسام". حتى بدأت السياره في التحرك. كما بدأت سيارة "حازم" بالتحرك ولم يفوت فكرة جمال شقيقاته في فساتينهما. التفت برأسه ينظر نحوهم في الخلف قبل أن تتحرك السياره ثم قال بحب يرفع من شأنهما أكثر:
"معايا ملكات جمال والله.. دا يبخت العربيه بيكم إنتم التلاته !!"
زوجته وشقيقته وشقيقته الٱخري ماذا بعد. يملك الحياه بما عليهما مادمن هن بجانبه ومعهن والدته.
أما في سيارة "غسان" عانق كفه كفها بحب. وقد أخرج هاتفه يقوم بتصوير هذه اللحظه. لا يعجز في كل مره في وصف شعوره ولكن هذه المره يعجز بكل معاني الكلمه. توجه برأسه يقبل رأسها ووجنتيها بحب. طالعته بحرج. فتنحنح "بسام" يجلى حنجرته وهو يحدجه فقد حذره بمرح بعدم فعل ذلك بتهور أمام الأنظار. والٱن الليله مازالت في بدايتها !! يعلم إلى مدى يصل عبثه.
تعالت ضحكتهم جميعا بقوه عندما تبجح "غسان" في قوله لهما في الامام:
"مراتي وفرحنا.. مال أهلكم بقا.. كل واحد يخليه فحاله ويحفظ كرامته وعينه.. ويسيبني اتغزل فجمال حرم غسان البدري !!!"
قال ٱخره بهيام. ضحكت "نيروز" بخفه ثم حركت رأسها بيأس منه وهي تردد كالعاده:
"مفيش فايده فيك أبدا."
"دا أنا كلي فوايد والله حتى بصى !!"
وما أن قالها "غسان" توجه يقبل وجنتيها بصوت مسموع. شهقت هي من إندفاعه بمثل هذه الفرحه وسرعان ما ضحك الكل عليه بقوه وفي هذه اللحظه قامت "وسام" بتصويرهما وتصوير عبثهما مع تهليلهما دون إستثناء عندما رفع "بسام" من صوت الٱغاني.
في المكان المحدد الٱن.."القاعه" قاعة الزفاف التي إمتلأت بالمعازيم. خاصة أصدقاء "غسان". الشباب بعائلاتهم وزوجات البعض بأطفالهم. كما كان البعض الٱخر من معارف "سميه", و"حامد". جلس الأقارب على طاوله واحده كبيره. خاصة "حامد" الذي جلس ينظر بفرحه على إزدحام المكان ببهجه. وبجانبهم "سميه" التي جلست بجانبها "عايده". والبقيه تم حجزه لهم إلى أن يأتو. أتى إليهم "شادي" من على بعد بعدما كان يقف مع أصدقائه. تراقص على الألحان الهادئه المنخفضه بعبث أمام أنظار "حامد" الذي وقف يتحدث له بمشاكسه:
"إسترجل ياض افرض عروستك جايه مع أهلها !!"
"نفسي تيجي الثانية دهي والله.. مش عارف.. المفروض يعني إنها معزومة !!!"
نظر بعشوائيه فوجدها بالفعل بجانبه ترحب بـ النساء. فتح عينيه بصدمه من كونه تأتى على سيرته بها. تعالت ضحكات "حامد" وسرعان ما اعتدل يبتسم لها بترحيب حينما قالت هى:
"إذيك يا عمو !!"
"كويس يا قلب عمو.. انت عامله إيه.. وفين والدك ووالدتك مجوش ليه؟"
ضحكت من حديثه العفوي المرح. فرددت تجيبه من بين ضحكاتها:
"عندهم برد فقالو عشان ميعدوش حد يقعدوا.. لكن ببلغكم سلامهم !!"
تفهم الوضع وهو يدعو لهم بالشفاء وسرعان ما جاء له أحد عمال القاعه يعلمه بقدوم العروسين حيث سيقدم هو العروس"نيروز" لـ "غسان" وكأنه والدها بعد أخذه الأذن منها بمنتهى اللطف بل وتزايدت سعادته عندما وافقت هى بصدر رحب مردده كلمة والدها !!. إستأذن منهم سريعا. وقد قابل بطريقه الفتيات و"بدر" و"حازم" فقط. التفت ينظر إليها فوجدها تحتضن "جميله" بلهفه كبرى وحب ظهر للكل من حولها عندما تطلعت على مظهرها وفستانها. إحتضنت هى الكل. فتوجهت "جميله" و"فريده" ترحب بالنساء ووالدة الأولى. جلست "منة" بعيدا عنه فذهب سريعا يجلس بجانبها وهو يسألها بلوم:
"طب ومفيش إذيك يا شادي يا خطيبي يا حبيبي ؟؟"
كبتت "منه" ضحكتها وهي تنفى برأسها قائله له بمعارضة:
"لا مفيش يا حبيبي إنت مبقتش خطيبي لسه!!"
"بس هبقى والمصحف.. هبقى.. حنى عليا بقا !!!"
ضحكت بخفه فنظر "شادي" على ضحكتها بهيام. وحتى لون خصلاتها السودء القصيره. كلون فستانها الأسود اللامع رغم كونها ليست محجبه ولكن كان الفستان محتشم. طالعها بإعجاب. ثم قال لها بمراوغه:
"يخربيتك في الإسود تجنني!!"
وكزه "بدر" الجالس بجانبه سريعا من علو صوته. فحدجته هى بتعنيف. وسرعان ما إلتفت تضرب يديه كي ينتبه عندما جاء "عز" من على بعد منهما. نهض هو سريعا يرحب به اثار غرابتها فالبدايه حماسه وهو يرحب به حتى ذهبت والدة "عز" ترحب بالنساء. رغم حرج الموقف بالنسبه لها. لم يتفاجئ سوى من لم يعرف فقط. جاءت لحظة ترحيب "حازم" بـ"عز" رحب الاثنان ببعضهما وكأن شئ لم يحدث. وعندما جلس في المقعد الفارغ بجانبه ولحسن حظه هو جلس بجانب "جميله" الذي حرك هو رأسه ناحيتها رغما عنه وكانت هي المرتبكه. لم يكن له الجلوس على هذة الطاوله ولكن عقد "حازم" العزم على أن يجلس. أما هي فكانت مرتبكه خائفه على أن تهبط دمعاتها الٱن بل ويخفق قلبها بشده كونه يجلس بجانبها. أي إختبار تختبر هى بهذه الصعوبه رفعت عينيها المتجمع بها الدموع حينما وجدت سؤال الموجع لها.
"إذيك يا جميله.. عامله ايه؟؟"
حرك نظراته بألم على تفاصيل وجهها لا يعلم أي منهما إلى الٱن بماذا ينتظرهما من سعادة. وللصدفه أنها كانت ترتدي فتسانا نفس لون حلته الرماديه ولكن كان لونه فاتح عن حلته بقليل. حركت رأسها له وهي تحرك نظراتها بمكان ٱخر غير عينيه وقد تعمدت أن تنهض بجانبه كفا وجعا إلى ذلك. نظر بأثرها بتعب مخفي حينما رددت على مسامعه بخفوت قبل أن تهرب من قلبه وقلبها وشعورهما:
"الحمد لله!!!!"
لاحظ الجميع تحركها بجانبه حتى "حازم" الذي تصنع غير الإهتمام بل والتنفيذ لعقد القران في الاستراحه الخاصه بالعروسين. كان الحديث جانبي وعشوائي إلى أن أغلقت الإضاءه مره واحده وفتحت الشاشات مع فتح البوابتين التي توجد في البدايه والتي توجد عند مكان وقوف العريس. "غسان" الذي خرج ببوكيه الورد. تزامنا مع دخول "حامد" و"نيروز" تتأبط ذراعه بتوتر. بكلمات الأغنيه الشهيره التي تعالت بقوه في انغامها وكلماتها المتأثره لهما وللجميع. ترقب الكل وحبست الأنفاس من جمال المظهر والإحساس حينما وقف "غسان" ينتظر وهو يبتسم بإنجذاب. وعينيه لم تفارق وجهها. بل وكل الكاميرات موجهه نحو المشهد الذي بدأ بتحركها مع والده والكلمات تترد بلطف وإحساس:
"طلي بالأبيض طلي
يا زهرة نيسان
طلي يا حلوه وهلي
بهالوج الريـان
طلي بالأبيض طلي
يا زهرة نيسان
طلي يا حلوه وهلي
بهالوج الريـان.."
"وأميرك ماسك إيديك"
وعند هذه الجملة أمسك "غسان" يديها بتقديم "حامد" لها بعدما إحتضنه بحب.
أخذه منها وكأنه يأخذها من والدها بالفعل. أكمل بها الطريق لأخره حيث مكان الجلوس، وكان الطريق طويلًا بالفعل. انسحب "حامد" والكلمات واللحن يكمل بكل تأثر وإحساس.
"وقلوب الكل حواليك
والحب يشتي عليك"
"قلبي بيدعيلك يا بنتي
بهالليلي الشعلاني
يا أميرة قلبي إنت
سلّمنا الأماني
قلبي بيدعيلك يا بنتي
بهالليلي الشعلاني
يا أميرة قلبي إنت
سلّمنا الأمانه"
كلمات أثرت في "سميه" بقوة، بل بكت ودموعها تهبط بتأثر شديد. و"دلال" تربت عليها بمواساه وتفرحها بالكلمات، كما كانت تساعدها "عايده" وحتى "حنان". بالفعل قلبها يدعو لها بكل ما هو صالح. يؤثر بها غيابها عنها المؤقت. مادت هي "نيروز" الصغيرة بالفعل.
"ما تنسي أهلك يا صغيره
بعينينا ما صرتِ كبيره
ضلي معنا وطيري وطيري
ع جناح الأمان"
شقيقاتها "ورده" و"ياسمين" تأثرتا بقوة. حتى أن عيني "ورده" أدمعت بشده. وكان يواسيها "بدر" بتفهم لحالتها وطبعها الدائم. و"ياسمين" التي إلى الآن لا تصدق بأن الصغيرة بالفعل تتزوج. ما تنسي أهلك يا صغيرة. صغيرة والدتها وصغيرة شقيقاتها. إذن الوضع مؤثر مؤثر جدًا من الجميع.
"طلّي بالأبيض طلّي
يا زهرة نيسان
طلّي يا حلوه وهلّي
بهالوج الريّان
شعّي متل هالطرحة
يا أغلى البنات
بصلّي تعيشوا بي هالفرحة
لباقي الحياة
شعّي متل هالطرحة
يا أغلى البنات"
ما جمال لهذا الشعور الآن سوى له ولها "غسان" و"نيروز" أصحاب القلب الغارق بالحب بينهما. أغلى الفتيات لديه بل ولم يرى مثلها أبدًا. وستعد هذه الليلة مختلفة بالنسبة لهما من كل الاتجاهات من الشعور والإحساس. المشاعر، الحب، الحنو، اللطف، كل ذلك يظهر منه ومنها. بل وهو الذي لا يصدق عقله ما به الآن. شعر ببرودة كفها وهو يسير بها فدلكه بحنو تزامنا مع قوله الحاني اللطيف وهو يميل لتسمعه:
"متخافيش..!!"
ثم عادت لتكمل بقية كلمات الأغنية، وبالنسبة للكل في هذه اللحظة:
"بصلّي تعيشوا بي هالفرحة
لباقي الحياة
وربّي من السما يبارككن
كيف ما توجهتوا يرافقكن
بإيام الصعبه ينصركن
عـكـل الأحـزان"
كانت هذه الأمنية من الأقارب قبل بعض من المعازيم. الكل يتابع بتأثر وإحساس. حتى "شادي" و"بسام" اللذان شعرا بمعنى فرحتهما بالأخ. وكان هو لهما خير الأخ. إلتفت "شادي" برأسه ناحيتها ثم همس لها بقوله المتمني:
"عقبالنا يا أم عيون قناصة!!!"
إلتفتت "منة" بنظراتها نحوه. وهذه المرة ظهر الحب في نظراتها. لم ترد له قولها بحبها هي الأخرى إلا عندما تتأكد. ولكن الوقت الذي مر كفى لشرح ما يجري بداخلها. أمعنت النظر نحو عينيه الحانية دون مشاكسه ثم نبست بنبرة وصلت إلى مسامعه عندما اقتربت كي يستمع لها:
"أنا بحبك يا..شادي!!"
فتح عينيه على وسعهما. بل لم يستطع التصديق من كونها ثقيلة كل الثقل. ولكنها في النهاية ماذا فعلت؟ إنهزمت أمام عينيه هو. ردد بفرحه وهو يقف بإندفاع:
"إيه؟"
"إيه!"
قالتها ببساطتها وهي تضحك عليه. انتبه له "بسام" و"حازم" و"بدر" و"عز". بل وضحك الكل بخفه عندما أمسك كفها بسرعه ثم قام بتقبيلها. على سهوه كونه يعلم بأنها سترفض هذه الحركة. وبالفعل ضربته بساقه وهي ترفع قدمها بحذائها ذو الكعب العالي. تأنى هو بوجع حتى جلس مكانه تحت ضحكات الآخرين. وخاصة "جميله" التي ضحكت بقوه على ما يحدث وهي تتابع الوضع في البدايه. نظر "عز" وهو يشرد في ضحكاتها وأول من أخذ انتباهه كان "بسام" الذي تابع الوضع بلطف وشفقه بنفس ذات الوقت. التقت عيني "بسام" و"وسام" فأرسل لها قبله طائره وغمزة عين كونها تظهر. جميله في كل الأوقات وليس الآن فقط. وعند هذه اللحظة ابتسم لها "حامد" الجالس بجانبها بحب ثم نبس بنبره سعيده بها:
"إيه الجمال ده يا حبيبة بابا!!"
"انت اللي جميل أوي أوي!!"
قالتها "وسام" بتأثر وسرعان ما عانقته بحب. ثم عانقت والدتها هي الأخرى التي تجلس بجانبها. وفي أقل من الثانيه تحولت الأغاني إلى أخرى رومانسيه ليتراقص العروسين رقص هادئ.
وفي هذه اللحظة أمسكها "غسان" بحنو وهو يسمع الأغاني تتعالى بهدوء. والذي قصد "غسان" تشغيلها من اتفاقه معهم كونها تتفق معهم هذه الكلمات بل وكونها تعشق لحن وكلمات أمير عيد. لم تبدأ الكلمات من أولها ولكنها بدأت من كلمات ومقطع معين عندما قصد هو بذلك.
"عشانك أنا قادر أكمل عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك بحبك ثاني من الأول
عشانك أنا قادر أكمل عشانك قادر أتحمل
وكل مرة بشوفك بحبك ثاني"
حُذف مقطع "ليلي". بل وتوقفت الأغنية للحظات من إدارة تنظيم صوت الأغاني وهو يصيح عاليًا بمرح وبصوت عال وصل إلى البعض حتى ضحكوا عليه بخفه:
"نـيــروز!!!!"
عادت الكلمات مره أخرى بعدما قام بتصويرهما البعض بحب وسعادة. وحتى هي رغم توترها تسعد وتفرح بشده. عادت تسمع بقية الكلمات التي أخذتها على نفسها بشده:
"كنا أطفال وكبرنا
ومع بعض إحنا كملنا الحكاية
حب البراءة والسذاجة
غلب الدنيا الكذابة ولسه عايش جوايا
بشوفك زي أول مرة كنتي غيرهم
كنتي حره واللي في قلبك كان بره
إنتي كل حلم عدى وإستخبى
وخرجتيه مني بزقة
بتشديني ودايما سابقة.."
توقفت الكلمات سريعا عندما صفق لهم الكل. فنظر "غسان" لها بهذه اللحظة. ولم ولن يرى سواها هي وفقط. حرك شفتيه وسط الأصوات التي تعالت وهذه المرة تعالت بأغاني حماسيه جعلت الجميع يلتفتوا حولهم بسرعه قياسيه ولكنه غير عابئ بما حدث بل ردد لها بصدق:
"بحبك يا نيروز!!"
عانقها بشغف. بل وعانقته وهي تشدد من عناقه. وسرعان ما أمسك يديها وهو يتراقص مرددًا بعض الكلمات وكانت من أحداهما جملته التي خرجت منه بحماس:
"ضحكتها يالهووي ربابه..."
ومن ثم أكمل بكل حماس والكل يردد من خلفه وبتراقص معه وحولهما هما الاثنان. حتى نهض "بسام" ليتراقص معهم و"شادي" و"جميله" و"فريده" و"وسام" التي أمسكت يد "بسام" لتتراقص معه بحماس. حتى "ورده" التي تراقصت مع "بدر". ومن ثم حمل "غسان" "يامن" على ذراعه ليتراقص معه ببهجه. وقفت "ياسمين" باندفاع ثم مدت يديها تنهضه قائلة بضيق واضح منه:
"اقسم بالله ما هرقص هقف اتفرج وأسقف. قوم بقا..دا آنت هتموت وتقوم ترقص مع غسان بس مش عايز عشان مقومش معاك."
حتى بص باين فعينيك.
أقسمت فصدقها ونهض رغم ضحكه وضحك الكل من حولهم على حديثها. أمسك كفها يسحبها خلفه بحذر. تحت ضحكات "عز" الذي كان يتابع الحديث مع الجميع. نهض "حامد" يجلس بجانب "عز" الذي جلست بجانبه "والدته" بعدما تحركت. إبتسم له ورغم أنه رحب به قبل قليل، ولكنه ربت على ظهره بتساؤل وقد بدأ باخباره في هذا الوقت كما اتفق مع الشباب:
"معاك بطاقتك يابني."
ورغم غرابة السؤال ولكنه أومأ له بتعجب. مخفي ومع قوله له:
"آه معايا.. خير في حاجة ولا إيه."
"أستر يارب. والله ابني غلبان ومعملش حاجة!!"
ضحك "حامد" على حديثها. ثم ثبت نظراته على وجهه وهو يجيبه برفض. ووضوح:
"لا أبداً. كتب كتابك بعد عشر دقايق بس على 'جميلة الحب' بتاعتك!!!"
هز "عز" رأسه وكأن الحديث عادياً. إلى أن فتح عينيه بصدمه وهو يندفع برأسه قائلاً. بذهول:
"إيــه. بتقول إيه يا أبو غسان."
شهقت "حنان" وعندما وجدته يحرك رأسه بتأييد. وهو يبتسم وقد ظهر الصدق في نبرته حينما قال:
"زي ما سمعت ياض. كتب كتابك عليها. ولا انت بقا رجعت فكلامك. عادي العرسان من حواليا كتير أهه. وألف مين يتمناها. ما أصل البت جميلة دي حلوة بردو!!!"
وكأن عقله ذهب في مكان آخر عقب قوله. بل وتوسعت ضحكته بفرح. وهو ينظر لوالدته التي إبتسمت بسعادة. فردد هو بعفوية من عزم سعادته:
"طب إحلف كده عشان خاطري!!!"
"ياض عيب عليك لما تقول إحلف لراجل قدي. أي نعم يبان عليا العجز بس أنا شقي أوي. ولو علشان خاطرك فـ والله العظيم كتب كتابك المفروض يبقي بعد عشر دقايق زي ما قولتلك. وحازم عارف كمان وموافق والكل موافق. محدش كان يعرف غيرك انت وجميلة اللي لحد دلوقتي متعرفش. بس انا عرفتك أهو وكل ده من تخطيط غسان الشقي اللي زي ابوه وبمساعدة الشباب تبعنا زي ما انت عارف. واللي هتكون وبتكون واحد منهم يا عز....!!"
لم ينتظر "عز" بأن يكمل بل عانقه على الفور. وسرعان ما عانق والدته ثم نهض سريعاً. وهو يقول:
"دا كده الواحد يطلع يرقص بقا!!"
إختفي من أمامهما سريعاً. وقد تعمد بأن لا يخبرها. كي تبقي اجمل مفاجأه. ضحكت "حنان" عليه بسعادة بالغة وسرعان ما نظرت للآخر بأسف. وهي تقول:
"معلش أصله بيحبها أوي!!"
"وهي تتحب يا أم عز. ربنا يسعدهم!!"
نهض تزامناً. مع ردها عليه بلطف. ثم مالت إلى الجانب الآخر تحتضن "عايدة" ببهجة تردد عليها الحديث السعيد. أمسك "حامد" يد "دلال" ليسندها كي تنهض لترا العروسين وتقف تنظر عن قرب. رفضت "سميه" النهوض كي تهرب من التأثر. فتوجه "حامد" وهو يقف ينظر معم عليهما بسعادة. بل والكل يتراقص ببهجة الآن وبجنان وحركات مندفعة من الكل وبإرتداء "غسان" و"نيروز". النظارات السوداء. حتى بعدها بكثرة الشباب حول "غسان" وهم يحملانه بتهليل. والفتيات بأجمعهن حول "نيروز" وهي تتمايل معهن بفرحة كبرى. دخل "حامد" بين الشباب يتراقص معهم. في حين وقفت "دلال" فتوجهت "نيروز" خطوتان لتمسك بيديها كي تتراقص معها. وبالفعل تراقصت معها بسعادة وشقيقتها "ورده" تعدل لها الفستان. ووقفت "ياسمين" تتابع بسعادة وبل تفعل الزغاريت الغير مسموعة الآن من الأساس. إستمر الوضع ببهجة إلى أن توجهت "نيروز" تهبط من على المسرح الواسع لـ "والدتها" التي فهمت ماذا تفعل هي هروباً منها. نيروز أكثر من جلست معها ورافقتها بعد زواج الاثنان. أعجب الكل بإهتمام. بل ووقفت "سميه" تحتضنها وهي تنظر عليها وعلى فستانها بتأثر. فأمسكت "نيروز" يديها تتراقص معها بحب بالغ وسط بهجتهما. وهو بالركن الآخر يمسك يد والده يرقص معه كما كان يتراقص "بسام" مع "شادي" و"عز" و"بدر" و"حازم" والشباب.
وقف الكل ببطء عندما صاح "منظم الحفلة" بقوله في الميكروفون:
"العروسة هنا لوحدها مع والد العروسة!!"
الخمسة دقائق الباقية. كما وعدها "حامد" ووعدته "نيروز". وبالخفة. توجهت "نيروز" تقف في الساحة التي عادت فارغة ثم وقف أمامها "حامد". ووقف "غسان" يتابع بركن ما مع الشباب بعدما إحتضن والدته مرة أخرى. وهذه المرة وقف بجانبه "عز" يحتضنه بعدما علم ما فعله لأجله. فهم من يفهم الوضع من البداية. بل واحتضنهم جميعاً. حتى "حازم" الذي نظر له بأسف. ترقب الكل مرة أخرى عندما بدأ "حامد" في الرقص. لم يشعر بأنها صعبة عليها لهذه الدرجة. ولكن الوضع الآن مختلف ولم تستطيع رفضه بل وتشعر جيداً به بشعور والدها حقاً. وهذه هي الحقيقة العجيبة بل وعاهدت نفسها من قبل بأنها لم تردف لأحد. كلمة "أبي". الذي لا يستحقها سوى والدها الراحل. تبخر كل ذلك بردود فعله وطريقته وأسلوبه وحنوه معها. بل وللحظة تشعر بأنه أحن عليها من ولده الذي يعد زوجها. تعلم حب "غسان" لها وتتيقن كلما يمر الوقت بأن الحياة من دونه ليست هينة. تأبى بأن تهبط الدموع منها هذه المرة تحاول التماسك وكان "غسان" يقف بارتباك. من رد فعلها ولكنه لاحظ تأثرها في الوضع بل وتهاتف الناس وخروج الكلمات منهم بأنهم يصدقون بالفعل بأنه والدها و بأنها ليست يتيمة الأب كما يقال. إذن. ومن والد العريس. سؤال لبعض من الذين جهلوا عن وجود الإجابة ولكن الإجابة معروفة... "حامد" والد العروسين معاً. انتهت رقصتهما ببطء عندما إنتهت الكلمات بـ:
"آهوه انهارده بقيتِ أحلى عروسة ممكن تشوفها عيني
واليوم ده أجمل يوم في عمري
حلمت بيه أنا طول...."
تعمدت هي عدم تشغيل أغنية "بنت أبويا" التي تحتوي على كلمات تهشم من قلبها تهشيم. إحتضنها بعاطفة أبوه. مع تصفيقهم من حولهما. إنسحب "غسان" من بين الشباب ليتوجه لها. عانق والده بإمتنان. امسك كفها بعدما رحل والده ثم رفع عينيه نحو عينيها التي كانت تحبس بها هي الدموع بأعجوبة. وجدته يفهم وضعها بل وتحدث لها بإطمئنان:
"دموعك اللي عايزة تنزل دي غالية عليا. بلاش يا نيروز. أنا هنا جنبك. أنا كفاية!!!!"
هذه المرة إحتضنته بتأثر. إعتدل الإثنان للذهاب إلى الاستراحة بعدما أعلن المنظم بذلك. أشار "غسان" بذراعه من على بعد إلى طاولتهم فنهض الكل بعد أنفاسهم التي سَرُقَت بسبب مشهد "نيروز" ولكنها عادت سريعاً. عندما وجدوا حالها جيد. نهض الكل. حتى ساروا خلف بعضهم ولم تفهم "جميلة" لما ذلك ولكنها أمسكت ذراع "عايدة" بمرح. وهي تذهب معها.
وبعد خمسة دقائق. إجتمع عائلته وعائلتها ومن معهم في حجرة استراحة العروسين الذي كان بها "المأذون مع "غسان". بل وأحدهم يقوم بتصوير. ومن ثم يظهر كل ذلك للمعازيم في الخارج. عقد قران "جميلة وعز" يُعلن ويُشهر وكأنه زفاف! وقفت "جميلة" بغير فهم ثم سألت "حازم" بتشتت:
"هو مش غسان ونيروز كاتبين كتباهم. إيه ده."
وفي هذه اللحظة توجه "عز" يقف أمامها وعقدوا العزم على إعطائها الإجابة في صوت واحد مرتفع ظهر في الشاشة لهم بالخارج:
"كــــتب كــــتابك إنـــت!!!!!"
وفي هذه اللحظة ارتجفت يدي "جميلة" بطريقة ملحوظة تحركت نظراتها بصدمه نحو وجه "حازم" أولاً. فوجدته يؤيد الحديث وهو يهز رأسه لها. هبطت دمعتها وهي تضحك وكأنها مختلة عقلياً. بل وجدته يقترب بقوله الخافت لها هذه المرة:
"وحشتينـي!!"
خجلت من قوله بل وأصبح جرئ بسبب الخطوة القادمة. سحبه "غسان" من يديه مع قوله المعلن بنفاذ صبره له:
"مش وقته خلينا نخلص يلا!!!"
سار "عز" خلفه ولم يحرك رأسه ونظراته من عليها. إحتضنت هي والدته بسعادة بالغة والفتيات ينظرن لها بتأثر من حالها الذي إنقلب الآن وسرعان ما إعتدلن بعدما باركن لها. يتابعن الوضع. و"حازم" يمسك يد "عز" خلف المنديل القماشي وهو يردد خلف المأذون. بل. وكان الشهود. "غسان وبسام". وإن تطلب الأمر أكثر كان "بدر" و"شادي" و"حامد". جلست "نيروز" بتعب. على الأريكة الكبيرة المزينة تتابع الوضع بفرحة فإستندت بجانبها "جميلة" بل وتتذكر الأولى وقت عقد قرانها العبثي المفاجئ! عندما لم يستطع إحتضانها بسبب كسر ذراعه. خرجت منها بسمتها هي وهي تربت بيديها على كف "جميلة" المرتعش حينما نهضت تمضي ومن ثم عادت. بل تشعر هي بما تشعره الآن.
تعالت الزغاريط منهم عندما أنهى المأذون كلماته بقوله المرتفع:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير!"
كلل التهليل من الخارج والداخل، احتضنه "حازم" و"غسان" أولاً، تزامناً مع قول الأول له:
"خلي بالك منها يا عز، أقسم بالله لو أختي زعلت منك ما يكفيني فيك مؤبد وألبسك أي قضية وأنت حر!"
ضحك عليه بخفة وهو يشير نحو عينيه، فاحتضن من بعدها "حامد" وبقية الشباب. انسحب "غسان" يقف بجانب "نيروز" التي وقفت تهلل له، فأمسك كفها البارد بين كفه، وهو يرى "جميلة" تحتضن "حازم" و"فريدة" بتأثر. التفت "عز" برأسه ينظر ناحية "حازم" وهو يستأذنه بلباقة وكأنها لم تصبح زوجته قولاً:
"ممكن أحضنها؟"
"لأ"
ومن العجيب بأن "حازم" نفى بالفعل برأسه بكل جدية. دفعه "غسان" بذراعه بعيداً باستنكار، تزامناً مع قوله المرتفع لـ "عز" وهو يحثه بوقاحة:
"أحـضن وبوس كمان ياض وعيش وزيط ولا يهمك، سيبك منه... مراتك يا صاحبي!"
حدج "غسان" "حازم" بغيظ، فضحك هو عليه، ونظر بتأثر وغيظ مخفي عندما رفع "عز" ذراعه بتوتر لأول مرة ليعانقها. ولأول مرة تعرف الراحة طريقه، ضمها إليه بحب. ورغم تيبس جسدها، استسلمت لأحضانه في النهاية. حينها قال هو بصدق:
"بحبك يا أجمل حاجة في حياتي!"
صفق له الجميع بحرارة. وهذه المرة تحركت عينا "منة" نحوه، ثم وكزته بكتفها وهي تقول له:
"عقبالنا يا شادي بيه."
"أمين يا أم عيون قناصة، أمين يارب!"
"يلا برا بقى، مش كل واحد أخد اللي عايزه؟"
لم يكن القول المتبجح سوى من "غسان"، فخرج الجميع بعد أن ضحكوا عليه.
وبعد دقائق بالفعل أخذ كل منهم موضعه في الخارج بالجلوس، بل وهلل المعازيم بفرحة عندما ظهر "عز" و"جميلة" تتأبط ذراعه وكأنهما زوجين بالفعل. جلست بجانبه فحركت عينيها نحو عينيه حتى نطق هو بنبرة هادئة متأثرة بفرحته الشديدة:
"أنا حاسس إن روحي رجعتلي من تاني، حاسس إني مش مصدق كل اللي بيحصل ده!"
"وأنا كمان!"
قالتها "جميلة" بلطف، فرفع هو يديها ناحية شفتيه يقبلها برقة أول مرة تعهدها منه. وجدت "حازم" يتنحنح بحنجرته وهو يحدجهما بتحذير، فضربه "حامد" بخفة وهو يقول:
"إعقل يا حبيبي بقى، إعقل وخليك في حالك وحال مراتك!"
ضحكت "ياسمين" عليه بشدة وهي تنظر إليه بشماتة، كما كانت نظرات "فريدة" التي كانت جميلة في مظهرها وفستانها السماوي الهادئ. تصبح جميلة في هذا اللون بالفعل. غفل "يامن" على ساق "وردة" التي تشنجت ملامحها بتعب، فنظر لها "بدر" بحنو وهو يأخذه منها، عندما سمع تهليل المنظم بخروج العروسين من جديد والرقص مجدداً. بل وسيعد الرقص الأخير من ناحية الجميع. نهض البعض وجلس البعض الآخر، حتى وجد "عز" نفسه يتحرك وهو ينهض، ثم أمسك كفها قائلاً لها بحماس:
"تعالى نرقص!"
توترت "جميلة" بل وترددت وهي تنفي بخفوت، قائلة بمعارضة:
"بس حازم هـ..."
بتر جملتها حينما اعتدل بوقفته قائلاً بحزم، لأول مرة يخرج منه أمامها:
"لأ بقولك إيه، أنا مش محترم أوي كده، وبالي كان طويل أوي لحد ما صبرت على كل اللي حصل ده، وإنتي بقيتي مراتي، وحازم ده بقا سيبهولي!"
قالها بمرح، فضحكت وهي ترى حدته بعدما كانت تعتاد اللين وفقط. تشجعت وهي تنهض معه. وبقت "سمية" بجانب "عايدة" التي ابتسمت لها باطمئنان.
الكل يفرح، الكل يعيش بالفعل لحظة بهجة، حتى رقص "غسان" مع والدته، و"نيروز" مع شقيقتها، و"حازم" مع "فريدة"، و"بسام" مع "دلال"، و"سام"، و"حامد". ووقف "شادي" يتابع مع "منة" التي تنظر بتأثر.
لم تمر سوى نصف ساعة كاملة من الرقص المختلف، حتى أعلن منظم الحفل بانتهاء الحفل ونهض الجميع من الأقارب والأصدقاء حتى يأخذون الصور الجماعية، حتى "سمية".
وانتهت لحظاتهم هذه بالفعل عندما اجتمع الكل أمام السيارات. احتضنت "نيروز" شقيقتها وشقيقتها الأخرى بتأثر، حتى رحلت كلا منهما للسيارة التي تتبعها. وبقت "سمية" تعانقها بتأثر، وهبطت دمعة "نيروز" عندما وجدتها تهتف باختناق:
"خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، خلي بالك منها يا غسان!"
"في قلبي يا حماتي!"
قالها بصدق، وهو يحتضنها. فأسندها "شادي" برفق مع "عايدة". حتى احتضنت "وسام" "نيروز" مع احتضان "بسام" لـ "غسان" وهو يهتف بجانب أذنه بكلمات شبابية عبثية مرحة. ضربه "غسان" بمرح وخفة، حتى احتضن من بعدها "وسام". ومن ثم توجه "غسان" بها وهو يمسك كفها ليركب السيارة. دخلت لتركب، وقبل أن يركب، توجه "شادي" ليعانقه للمرة الثالثة تقريباً. ثم هتف له بمرح:
"يلا يا أبو الغساسين، في رعاية الله!"
ربت عليه "غسان" على ظهره، وسرعان ما ركب بجانب "نيروز" التي كانت مرتبكة وسعيدة بنفس الوقت مع ضحكها على مشاكسة "وسام" و"بسام". رحلت الثلاث سيارات بالفعل، بعدما ودعته "جميلة" بسعادة بالغة، حيث كانت سعادته تضاعف سعادتها. كتب على القلبان بالاجتماع مرة أخرى، كما سيجتمع قلبان آخران بالفعل وليس بالقول فقط!
وفي نصف ساعة كاملة توقفت السيارات بعد حركاتها على الطريق وضرب الصواريخ المزينة بتهليل وبهجة خاصة، عندما كانت تتبعهم سيارات الشباب أصدقاء "غسان". اليوم مشحون بمشاعر وأحداث مبهجة للغاية. ركن "حازم" سيارته، فهبط منها "عايدة" التي ركبت معه، ثم "ياسمين" الذي أسندها هو بحذر. ومن ثم "جميلة" و"فريدة". وكما وقفت سيارة "شادي" الذي سيقيم اليوم بغرفة "غسان" وبالأخص لوجود "بسام" كي يستطيع هو الجلوس. هبط منها "حامد" و"دلال". ومن ثم هبط من سيارة "بدر"، الذي قام بتأجيرها كي يسلمها غداً. "وردة" و"يامن" و"سمية" التي ركبت معه.
أما سيارة "غسان"، فوقفت قبل دقائق بعد فعلها لحركات جنونية بواسطة "بسام" الذي صدم البعض بجرأته وطريقته، وحتى رقصه اليوم. كانت تهاب "نيروز" ميلان السيارة قليلاً. ورغم تحذير "حامد" لهم ومهاتفاته لـ "بسام" أكثر من مرة، ولكنه لم يعير لحديثه الاهتمام رغماً عنه. هبطت "وسام" من السيارة، فتوجهت "وردة" مع "جميلة" و"فريدة" و"وسام" لمساعدة "نيروز" كي تخرج من السيارة بفستانها الضخم. وبالفعل ساعدوها من جانب ومن الآخر هو! وضع "حازم" سيارته في الجراج مع "بسام" و"بدر" مؤقتاً. وسبقت الفتيات والنساء للأعلى مع خروج الجيران وسكان المبنى ليشاهدوا العروسين. لم ير كب المصعد سوى "غسان" و"نيروز" معاً، وهما يشيران لهما بالوداع بكفهما معاً. حتى أن "شادي" قام بتصويرهما. صعد المصعد وهما معاً، بل ويطمئنها هو بين وقت وآخر بلطف. صعد الشباب إلى الأعلى، ولكن وقف "شادي" ينظر ناحية التي بقيت في سيارته كي يقوم بتوصيلها للمنزل في ذلك الوقت المتأخر. غمز لها بجرأة وهو يردد تزامناً مع ركوبه:
"ما تيجي أخطفك؟"
توجهت "منة" لتجلس في الأمام كي لا تقوم بإحراجه. وبالفعل جلست وهي تضحك، ثم أشارت له باستنكار:
"أوعى!"
"إنت اللي خطفتيني أصلاً يا منة."
يهتف باسمها دون مشاكسة. نظرت له بخجل، وقليل ما يظهر خجلها هي! توجه برأسه في ذلك الجو المنعش الساكن الليلي كي يقوم بتقبيلها. فتحت عينيها على وسعها من قربه، ثم رفعت يديها تضربه على وجهه حتى قامت بضربه بالفعل. وقبل أن تفعلها وتخرج من السيارة، أغلقها هو على الفور وهو يسمعها تهتف له بإنفعال:
"إنت فاكرني إيه يبني آدم إنت؟ نزلني حالا!"
هزم رغماً عنه، حرك "شادي" رأسه نفياً، ولم يخفِ صدمته عندما ضربته. هتف يسألها بنبرة جادة:
"إنت بتضربيني بالقلم؟"
"أه ولو كنا في مكان أوسع من كده كنت موتك، إنت قليل الأدب."
عايز تبوسني وكأني جايه من الشارع؟ متعود على كده شكلك إنت يا بيه!
عنفته بمعنى الكلمة، حرك رأسه بخفوت يتطلع إليها هذه المرة وهي تحاول فتح السيارة ولكنها لم تستطع بسبب ما فعله.
"أنا آسف.. غصب عني والله.. بس أنا فعلاً مش شايفك حاجة من اللي في دماغك دي، أنا بس الحب وداني فداهية.. خلاص بقى!"
يمرح رغم جرأة ما فعله، متبجح من الدرجة الأولى وكأن ما كان سيفعله عادي! نظرت له بإشمئزاز ثم ربعت يديها بصمت، فعلم هو بأن صمتها وعدم حديثها ذلك دل على الكثير لطالما لم تصمت هي. تحرك بالسيارة على الفور وهو يحاول مراضاتها ولكنها ليست هينة إلى هذه الدرجة!
***
بعد مرور دقائق في شقة سمية الآن، بدل الجميع ملابسه، خاصة سمية التي نظرت نحو غرفة نيروز بتأثر. وجدت يد وردة الحانية توضع عليها بعدما خرجت من الغرفة، وترى والدتها تبكي بما يحدث وبما سيحدث. عانقتها وردة وهي تكتم دموعها بتأثر ثم قالت:
"متعيطيش بقى يا ماما دي ساكنة فوقك يعني!"
خرجت سمية من بين أحضانها ثم حركت رأسها بها بخفوت ولم تتحدث، بل كان اليوم منهك بالنسبة لها كما كان سعيد ومبهج. أسندتها كي تذهب بها نحو غرفتها كي تفرد عليها الغطاء لتستريح، والنقطة الجديدة بالنسبة للكل ما هو قادم بما يخص سمية بل ونيروز وعدم علمها إلى الآن!
***
وقف بسام ينظر على غرفة غسان بعاطفة أخوه. المنزل عاد ساكن بعد ذهاب البعض للنوم. ابتلع ريقه وهو يمسك زجاجة المياه بيديه بعدما بدل ملابسه وخرج ليجلبها باردة. تفاجأ هو بخروج حامد إلى المرحاض ليتوضأ حتى يؤدي ركعتين لله. وفي هذه اللحظة تقابلت أعينهما معاً. لم يعي حامد ماذا يقول ولكنه نظر مثله على باب الغرفة، يواسي دلال ويخرج هو ليواسيه ولده. الأمر ليس بهذه القصة المبهللة ولكنه لا يشعر بالحسن عندما ينقص أحدهم في منزله وقالها من قبل ذلك. تحدث حامد له وكأنه كشف بنظراته:
"ما أنا قولتلك.. مبعرفش أقعد فالبيت وحد منكم ناقص فيه!"
"لازم تتعود بعد الوقتي يا حج حامد، ابنك بخير وده أهم حاجة!"
حرك رأسه له إيجاباً، وترك الزجاجة ليذهب كي يفعل مثل والده، كي يشعر بالراحة وكل منهم بغرفته، بل وسيدعيا الله بصلاح حال لمن نقص منهم. وقبل أن يتوجه خلفه مباشرة، توجه يفتح الباب لشادي الذي يعلم بأنه الطارق!
***
بعد مرور وقت في شقة غسان الآن، جلس على سجادة الصلاة وهي من خلفه يصليان معاً، كبدا حياتهما بالبركة. تشعر بمشاعر مختلفة ومختلطة كونها الآن بجانبه هذا أكثر ما يطمئنها وما يربكها. ولكنها تصلي بيقين بأنه الشخص الصحيح بأنه هبة الله وعوضه.
"السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله."
قالها غسان بصوته الهادئ ففعلت المثل من بعده. استمر لدقائق ومن ثم نهض ببطء يمد كفه لها حتى جلس على الفراش وهي بجانبه. أمسك كفها وهو ينظر نحو حجاب الإسدال الذي تزحزح وظهرت خصلاتها منه بوضوح، بل بأكملها. وسحاب الإسدال من الأمام الذي فتح أيضاً من الحركة. تطلع نحو عينيها البنية التي أسرته. لم يذهب الحديث منه هذه المرة. ابتلع ريقه وهو يمسك كفها البارد بين كفه ثم قال بنبرة عميقة تؤثر بها:
"أنا مش مصدق نفسي يا نيروز، مش مصدق عيني إننا بجد بقينا لبعض فالآخر.. وإنك فـ بيتي.. لو حد كان بيحلفلي اننا هنبقى لبعض كده وإن حبنا زمان ليه بقية وتكملة.. مكنتش هصدق، مكنتش هصدق إني هتحط في اللحظة دي دلوقتي. بعد ما وصالنا اتقطع ورجع من تاني! أنا بحبك حب مش عارف ومحتار أظهرهولك إزاي.. بس الأهم من ده كله إنك إنت بس اللي كان وهيكون من حقها اللحظة دي!"
تشبثت نيروز بكفه حتى احتضنت عينيها عينيه وهي تجيبه بتأثر هي الأخرى، خاصة أن الصدق يظهر بنبرته ونظراته بشدة:
"وانت يا غسان.. محدش كان من حقه ولا يستحق اللحظة دي غيرك إنت.. مكنش هينفع اكون لحد غيرك.. أنا.. أنا بحبك.. وبتمنى متسبنيش ونفضل جنب بعض العمر كله!"
رفع ذراعه يحتضنها بأريحية حتى قبل قمة رأسه بحنو. ومن ثم ضم رأسها ناحية صدره وهو يمرر يديه على خصلاتها ثم ردد بنبرة صادقة مرة أخرى:
"وبقينا لبعض فالآخر يا بنت الأكرمي.. وعشان كده عاوزك تطمني ومتخافيش طالما أنا موجود جنبك.. وعاوز كل اللي بيحصل فشقتنا هنا ميخرجش براها.. عشان حالنا يتصلح.. مش عاوز حد يدخل لينا فحاجة.. عاوز أبقا أنا وإنت وبس!!"
إستشعرت ما يود قوله فهزت رأسها توافقه بطاعة. وجدته يحدج عينيها بشغف وهيام. ثم سألها بنبرة شديدة اللين لم تعهدها بكل ذلك اللين المفاجئ:
"سحرتني ولا سحرتلي؟"
"هي إيه؟"
قالتها نيروز تحت تأثير نظراته، فعاد غسان يجيبها وهو يدلك كفها بين يديه مع نظراته نحو عينيها وهو يقول بنفس اللين والعمق:
"عينيكِ يا نيروز.. عينيكِ يا بنت الأكرمي!!"
وكانت هذه هي الجملة بطريقته في قولها التي أثارت إرتباكها أكثر. لم تسحب كفها منه عندما شعرت بدفئه من جديد بعد أن كان بارد بين يديه. ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه مبتسماً لها حتى غمز لها سريعاً، وعمق نظراته لم يخفى عنها وكأنها تستشعر ما الآتي منه.. حينما سألها بسؤاله المعهود:
"عارفه الست قالت إيه؟"
لم تقوي على إرداف حديث بسبب توترها ولكنها همهمت فقط، فأجاب هو ببطء لها وهو ينحني يهمس بجانب أذنها بهمس مختلف:
"ع الحب تصحى أيامنا ع الشوق تنام ليالينا!!"
وكأنه يلمح لها بقوله. وفهمها ففهمته. رفعت عينيها الحانية وهي تبتسم له ثم قالت أخيراً بجملتها الشهيرة:
"ثبتني يا بن البدري!"
"عارفه غسان البدري رد على الكوبليه ده وقال إيه؟"
سألها مجدداً، فرددت هي محاولة الثبات أمام نظراته:
"قال إيه؟"
تنهد غسان يخرج أنفاسه وهو ينظر إليها ولم يفوت أي تفصيلة بوجهها بل ردد يجيب بكل حب وصراحة وشغف:
"قالها انه كل ليلة بينام على الشوق فعلاً بس الليلة دي مش هينام على الشوق عشان اللي عاوزها وبيحبها هتنام فحضنه خلاص!!"
رفعت نيروز عينيها تنظر له بخجل. رفع هو يديها يقبلها بحنو وهو يهتف مجدداً تلك الكلمة التي سمعتها منه كثيراً:
"متخافيش!!"
صمت ينظر إلى ملامحها بحب وسعادة ثم واصل يكمل بتوضيح لها رابتاً على ظهرها بحنو:
"متخافيش مني عمري ما هأذيكي ولا هاجي عليكي!!"
عهد ووعد.. لم يأذيها وتعلم هي ذلك. لذا قررت الحديث كونها الطرف الأقل حديثاً:
"أنا عارفه ده ومتأكده منه.. علشان...بحبك!!"
توافقه! وهي تعلن عن حبها له للمرة التي لا تعلم كم عددها. ولكنها وجدته يبتسم بإتساع وسرعان ما هتف يسألها مرة أخرى يخفف عنها ما تشعره:
"أقولك بقا كوكب الأرض قالت إيه تاني؟"
"إيه؟"
قالتها نيروز وعينيها تعانق عينيه بشدة وبنيتها الفاتحة تتقابل مع بنيته الداكنة المليئة بالحب المرسل لها بأفعاله وأقواله وحتى نظراته عندما وجدت لينه يظهر بعينيه. وجدته يقترب منها هذه المرة ثم همس جوار أذنها بنبرة منخفضة تأسرها مختلفة عن كل همس كان يهمسه لها بعبث.. همس جديد عليها وعلمت هي ذلك. همس الحب القوي المترابط الذي ربطهما وسيربطهما ببعضهما بعد الآن:
"ياللي.. مليت بالحب حياتي.. أهدي حياتي إليك..!!"
في هذه اللحظة تحديدًا شعرت بأنفاسه تلفح عنقها الذي قبّله هو برقة وعمق.
ابتلعت ريقها محاولة الثبات مما يفعله من عبث.
كونها تتوتر ولكنها تيقنت بأن سيذهب توترها بهمساته اللطيفة الحانية عليها، بل وعندما تيقنت بأنها الآن ستلبي ندائه وستستسلم له ليبدأا حياتهما كأي زوجين الآن وبعد الآن.
بعدما رأى موافقتها بالفعل كما كان هو يستشعر إجابتها بحنوه حتى في الحديث أيضًا.
"غسان" و"نيروز"، قصة كُتبت منذ الصغر بطريقة عبثية إلى أن تحققت بالفعل عندما كبرا.
بل وكبر كل منهما وكل منهما بعيدًا عن الآخر.
ماذا فعل القدر؟ جامعهما الآن بالفعل.
ظهر حبها في قلبه من جديد كما فعلت هي.
هي التي لم تكن تتوقع بأنها ستعشق أحدهم بمثل هذه الطريقة، بل وهي التي لم تتوقع بأن لحظاتهما معًا لم تمر بمثل هذه السهولة واللين بطبيعته الحانية المعروفة لدى الجميع، ولكنها لديه شيء آخر مختلف.
هو.. هو الذي كان الهادئ الساكن عكس ما يظهر عليه وما يفعله من أقوال عبثية تزيد من توترها أينما كان وأينما رآها.
سرق قلبها كما سرق أنفاسها في كل مرة تراه بها، ولكن هذه المرة معه وقلبه بجانب قلبها.
هذه المرة تعانقت عيناه عينيها، بل وأصبح الجسد جسدًا واحدًا والروح روحًا واحدة على كتاب الله وسنة رسوله.
وعلى رِقّته ولطف حنوه بتعامله معها باعتبارها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الآن وقبل الآن.
بل والآن أصبحت زوجته فعليًا بكل مودة ورحمة، بعد أن كانت زوجته بالقول وليس صوريًا بعد عقد القران.
الآن أصبحت زوجته.
شعوره في كل مرة من الأساس معها عندما ينظر إلى وجهها شيء آخر بالنسبة له.
لا يعبر عن حبه بقول جاد حانٍ بنفس الوقت، بل عاش واستمر في تعبيره عن حبه بأقواله المرحة لها والمشاكسة مع حنوه عليها.
وهي التي تطبعت بطباعه الجيدة والمتبجحة وحتى الوقحة التي لم تكن تعرف معناها.
يخطف أنظارها هو الآخر حتى لو لم تكن هينة ولم تعبر له عن حبها بوضوح شديد، ولكنها تعلم بأنها لم تستطع التخلي عنه، لم تستطع بأن تفارقه.
خاصة بعد ظهور حنانه عليها في كل الأوقات حتى وقتها هذا.
لم يكن هو بيوم مختل عقليًا إلا بإرادته.
لم يكن أهوج إلا بحبها وفقط.
في الأساس شخص ناضج ولكنه عبثي وهذا ما تعلمه عنه.
وأين اختلاله العقلي وأين شخصيته المندفعة في القول والحديث؟
أين جنونه؟ كل ذلك معها هي يصبح هو شخصًا آخر، حتى الآن، حتى عندما أصبحت زوجته.
بعد أن كانت وتكون بالفعل حبيبته الأولى رغم بعدهما وفراقهما المؤقت.
حبيبته رغم حب البراءة بينهما الذي قُطع ثم عاد.
وفي نهاية المطاف والطريق تظهر مقولة: "وما الحب إلا للحبيب الأول".
رواية عودة الوصال الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة ناصر
لحظات حانية..وقلب لطيف..وقلبي أنا هنا.. يناديك بأن لا تفارقه.. استمر بكونك بجانبه وإن طال العمر ومر.. فلا ترحل أنت وقلبك حتى ولو رحلت أنا.. فمن اعتادك بجانبه كيف له بأن يستمر في الحياة من دونك! ستعدني بذلك حتى وإن عاندنا الوضع بأن يتغير..!
كلمات بالنسبة لها هي "نيروز" عندما فتحت عينيها قبل وقت بتشوش فلم تستطع النوم في الليلة الماضية.. أما الآن فاعتدلت تجلس على الفراش وهي تتذكر أمس من بدايته لآخر أحداثه.. كان يومًا مشحونًا بالسعادة البالغة والفرحة من الكل.. بداية من رقصهم الهادئ إلى الجنوني والعبثي مع الأغاني الحماسية وحتى حركاته ورقصه معها وكلماته.. إلى أن أصبحا بمفردهما.. تتذكر حنوه وكلماته لها كي لا تهابه وتخاف حياتها وارتباطها به بداية من أمس إلى بعد الآن!!
لين قلبه وكلماته وحتى أفعاله.. كما كان أسفه لها وكأنه يتأسف على كل ما حدث لها.. حتى حديثه القائل بأنه سيحاول جاهدًا بأن يجعلها سعيدة بكل الطرق ولم يأت الحزن لها.. تستوعب تدريجيًا بأنها أصبحت معه وبجواره بل وزوجته وحتى بعد الآن هذا هو منزلها وركنها الهادئ الآمن بعد أحضانه التي بقت بها تتنفس براحة.. أحضانه التي تعتادها واعتادتها من قبل ذلك.. آخر ما جاء بعقلها من لطف عندما نهضا يصليا صلاة الفجر سويا قبل ساعات معدودة.. وقد ظهر الشروق عليهما قبل أن يغفلا.. ولكن غفل كلا منهما ساعات إلى هذه اللحظة عندما نهضت واستيقظت وانتبهت لعدم وجوده بجانبها.. اعتدلت تنهض ببطء حتى استقامت تقف أمام المرآة تمشط خصلاتها البنية التي تركتها بعد أن كانت مبللة.. تتركها في كل مرة خلفها كما يفضل هو.. رتبتها وهي تنظر إلى وجهها بملامح وجه مبتسمة كونها تستوعب بأنها مع من اختارته وتحبه وليس أمر مجبورة ومرغومة عليه من الزواج بآخر مثلما كان سيفعل بها.. خلت عينيها من كحل العين فأمسكته تضع منه به كي يظهر عينيها التي أدمعت على الفور من شرودها بالجانب الذي هاجم ذاكرتها رغما عنها.. بأن ماذا إن وصلت إلى هذه اللحظة وتخطت كل هذه التجارب مع شخص غيره ولم يأت بعقلها سوى "حسن".. وحتى العريس الآخر الذي كان سيعقد قرانه عليها لولا هو ولولا وجوده بجانبها ولولا حبه لها وتمسكه بها..
ابتلعت ريقها سريعًا عندما سمعت خطواته الهادئة الخفيفة وهو يدخل الغرفة.. "غسان".. هو وبالنسبة له هو الحياة معها وبجانبها شيء آخر.. يتنفس بعمق.. وحتى سعادته بسببها هي حتى الآن.. وقبل الآن عندما نهض قبلها وفتح عينيه على وجهها هي وهي بجانبه وليست بعيدة عنه ككل مرة.. كانت بعيدة بخطوات.. والآن باتت قريبة لا يفصله عنها شيء.. نهض بكل لطف.. يعد كوبان من مشروب الليمون بالنعناع المفضل لديه.. رغم حيرته بأدوات المطبخ غير المعتاد عليها وحتى جهله وبحثه لمدة طويلة عن الليمون والنعناع.. وقف "غسان" يسند الصنييه الصغيرة اللامعة على الطاولة الحديثة الطراز ثم اعتدل في وقفته ينظر ناحيتها وهي توليه ظهرها.. أما هي فتتشجع لتخفي ما كانت تفكر به بل وكانت ترى بأن نظراتها من المخجل بأن تتقابل معه هو من خجلها منه وارتباكها وتوترها.. التفتت "نيروز" عندما شعرت بقربه وتوسعت بسمتها عندما غمز لها سريعًا وهو يمسك كفها يسحبها خلفه لتجلس على المقعد أمامه وهو يردد لها بمشاكسة:
"على رأي الست.." وكفاية أصحى على ابتسامتك.. بتقولي عيشي".. صباح الخير يا رزقه !!!"
طالعته "نيروز" بلطف.. فرفعت عينيها تحركها نحو الأكواب حتى ضحكت بخفوت.. وهي تضع يديها أعلى فمها مرددة من بين ضحكاتها:
"بجد علطول كده.. من غير ما نفطر؟"
مد "غسان" ذراعه يجلب الكوب الأول لها بمكعبات الثلج رغم شعورها بالإعياء من تغير الجو ولكنه معتاد على ذلك ولم يتحسب لذلك.. أعطاه لها برفق.. وهو يردد بنبرة مرحة يلومها:
"دا بدل ما تشكريني يعني.. دا أنا طلع عين أمي وأنا بدور على اللمون والنعناع.. وبعدين دوقي كده دا من إيدي.. من إيد جوزك حبيبيك !!!"
رمشت بأهدابها وهي ترفع الكوب ناحية فمها تتجرع منه.. وبالنسبة له هو تتعكر سعادته بشروده بما سيقال لها من ما يخص والدتها.. تعلقت نظراته نحو كتفها وذراعها المكشوف وعلامته الواضحة أعلى كتفها أثر جرح السكين الذي كان من المفترض بأن يأتي به ليقضي عليه.. لاحظت محط أنظاره.. فإنتهت من ما تشربه ببطء وهي تنظر له بحرج.. تسأله رغم عدم كبر الجرح ولكنه واضح بالنسبة لها:
"شكلها وحش؟"
تفاجأ من ما قالته نسبيًا.. حتى أنه ترك الكوب سريعًا.. وهو ينهض بخفة يجلس بجانبها ثم وضع ذراعه عليها كالعادة يقربها منه حتى بدأ بالحديث بعد شهقته الخافتة بالاعتراض:
"شكل إيه اللي وحش يا نيروز؟ دي كام غرزة يعني بسيطة رغم إنها مش بسيطة عليا.. وياريتها كانت تيجي فيا أنا.. بس لو على قولك ده.. فمش وحشة.. أنت مفيش حاجة فيكي وحشة.. دا أنا حبيت الجرح ده.. حتى يعني كل ما أبقى متعصب أبص عليه وأفتكر إنك فديتيني فأرجع أحن تاني.. وللعلم يعني حتى لو كلك متعلم عليكي بمطاوي وسكاكين فإنت كده كده بطل !!!"
مرح بآخر حديثه وهو يشاكسها حتى اقترب منها يقبل وجنتيها بمرح.. لم يشعرها بالنقص وهذا ما يعد أفضل شيء لدى أي أنثى.. طالعته بنظرات متأثرة وهي تستند على قمة صدره فرفع كفه هو يمرره على كتفها بحنو.. وهو يسمعها تتحدث بما تشعر به دون ترتيب لتعلثمها:
"أنا بحبك يا غسان.. كنت الأول ممكن أهرب فأي مكان وممكن أرفض أشوفك عشان مفيش حكم بينا.. بس الوقتي كل حاجة اتغيرت وبقيت معاك وجوا حضنك أنت.. أوعدني إنك متقساش عليا أبدا وتكون عاقل فأي حاجة بتحصل فحياتنا.. علشان انت ضهري وسندى وحمايتي دلوقتي متخلنيش أهرب لمكان مجهول مفيش فيه ليا سند.. إنت عارف إن السند راح من زمان.. بس اتأكدت إن ربنا عوضني بيك أنت !!!"
لفحت أنفاسه الدافئة خصلات شعرها البنية.. نظر لها بتأثر.. بعدما تحركت هي تعتدل لتطالع وجهه بعد كلماتها المرتبكة المتأثرة.. حرك رأسه بثقة لها ثم أمسك كفها متشبثًا به قائلاً كلمة واحدة صادقة سيحاول على العمل عليها:
"وعد.. وعد يا مدام.. غسان البدري!!"
ضحكت "نيروز" على لقبه فرد هو لها ضحكتها بضحكته وهو يمسح بأنامله ما أسفل عينيها من آثار كحل.. تنهد بعد إزالته بتعب.. وهو يردد:
"هي كل حاجة بتهون جميلة كده زي القهوة وعينيك اللي تعباني دي؟"
طالعته بحب.. وخجلها يقل تدريجيًا منه.. تعمدت أن تعتدل بحماس.. ثم مدت ذراعها إلى آخر وهي جالسة لتجلب أحمر الشفاه الطويل من على التسريحة التي كانت على بعد منها.. تلمسته بأطرافها حتى وقع ولم تأتي به.. فضحك عليها بخفوت.. وهو يمد ذراعه الطويل عنها حتى جلبه وهو يسأله بمرواغة:
"هتعملي بيه إيه دلوقتي ده؟"
"هقولك..!!"
قالتها بحماس.. وهي تعتدل.. ثم سألته سريعًا باهتمام:
"أومال تليفونك فين علشان نتصور بيه؟"
نهض بعد لحظات.. من قولها دون أن يجيبها.. ثم توجه ناحيته "الكومدينو" الصغير الذي يوجد بجانب باب الغرفة حتى انتشله سريعا.. وهو ينظر على الوقت.. فصلآة الظهر كانت قبل وقت قليل.. اعتدل يغلقه وهو يحرك الباب ليجلب أي حجاب يسترها من فوق حتى لاحظ وجود "خمار جديد".. جلبه سريعا.. وهو يعود.. جلس بجانبها ثم قدمه لها مع خمار الرأس بقوله الهادئ:
"إلبسي ده عشان كتافاك ودراعك ورقبتك اللي باينين دول.. هو التليفون برقم سري ميعروفوش غيرك وغير يامن.. بس مضمنش يامن ممكن يلعب فحاجة فيفتح الحاجات دي قدام حد رغم إنها برقم سري يعني.. بس إنتي عارفة إيد العيال بتبقى مبروكه أوي!!"
أخذته منه وهي تضحك على حديثه الجاد.. فارتدته تزامناً مع فتحها للڤيديو التي عقدت العزم على أن تفعله.. وضعت الهاتف أمامها تستنده على المقعد الآخر ثم فتحت أحمر الشفاه توجهه نحو وجهها كي ترسم على خدها نصف قلب وقد فتحته يقوم بتصويرهما.. تذكر ذلك الڤيديو المشهور على منصات التواصل الإجتماعي.. فأشارت إليه ضاحكة وهو بجانبها يظهر في الڤيديو ثم أمسكت رأسه تقرب وجنتيه من وجنتيها حتى طبع نصف القلب.. فأصبح كل نصف منهما للنصف الآخر واجتمع القلب.. مع صوت ضحكاتهما معاً.. والتي انتهت بوضعها على فمها ثم توجهت تطبع بشفتيها على خده.. تفاجأ من فعلتها المندفعة الأخيرة.. بل وتوجه ينظر في الشاشة فوجد شفتيها بالفعل على خده.. أغلقت الڤيديو وهي تضحك على ملامحه المتعجبة والساخرة بنفسه.. اعتدلت تحفظه ثم أغلقته سريعاً.. ثم خلعت الخمار عنها وهي تنهض لتجلب المناديل الورقية لتمسح وجهها ووجهه مسحته بخفة وهي تضحك وكي تشتته وتلهيه عن ما فعلته قالت سريعاً.. تسأله بمشاكسة:
"عارف الست قالت إيه بقا؟"
ابتسم "غسان" وهو يراها تتحدث مثل حديثه، فهمها ثم أجابها بتساؤل:
"قالت إيه كوكب الأرض يا رزقة؟"
اعتدلت تفعل مثله، توجهت هذه المرة تخفض رأسها وشفتيها بجانب أذنه كي تهمس مثل همسته هو:
"احكيلي قولي إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين إيدك، عمري ما دُقت حنان في حياتي زي حنانك.. ولا حبيت يا حبيبي حياتي إلا عشانك!"
كثرة الكلمات ومعناها بالنسبة لها كان صادقاً، بل تأثر بكلماتها وطريقتها التي تحاول تقليده بها، وحتى همسه الذي أثر به بشدة وهو يطالعها بشغف، وهي تقترب منه مثلما يفعل هو بمراوغة. ابتسم بحب، ثم غمز لها سريعاً بإعجاب، فاعتدلت تجلس مرة أخرى بغرور، وهي تعدل ياقتها الوهمية غير الموجودة من الأساس، بل تلمست عنقها وكأنها ياقة، بسماعها لجملته وهو يقلد نبرتها هذه المرة وحتى جملتها المعهودة:
"ثبتيني يا بنت الأكرمي!"
صمت "غسان" ينظر على مرحها وخفتها، وسرعان ما اقترب يهمس بهمس باتت تعلمه هي عندما اقترب مخفضاً من نبرته بجانب أذنها وهو يكمل بقوله الذي يجعلها تعلن الاستسلام له في كل مرة:
"مع إن عيب والله اللي بيحصل ده!"
***
بعد وقت، مر ما يقرب الساعة وأكثر، وفي شقة "سمية".. وقفت تتجهز للصعود، و"وردة" بجانبها مع "بدر" الذي كان يهدئ من بكاء "يامن" غير المبرر. نظرت "سمية" بحنو لـ "وردة" قائلة لها تحثها:
"شوفيه يا بنتي مش بيبطل عياط ليه ده.. تعبان ولا إيه؟"
وضعت "وردة" يديها سريعاً على جبهته فوجدت حرارته مرتفعة قليلاً، فشهقت هي بخوف ثم قالت بسرعة:
"ده سخن يا بدر! أعمل إيه؟ علاج خافض الحرارة خلص والصيدلية اللي تحت مش بتفتح دلوقتي!"
وضع "بدر" كفه يتحسس حرارته، يعلم بأنها تهاب وقت مرضه، تشعر دائماً بأن ليس لديها سواه ولم تستطع أن تنجب بعده.. وحيد والديه. اعتدل يحمله برفق، ثم وقف ينظر على مداعبة "سمية" له كي يهدأ، ثم قالت تقترح لهم تخفف خوفها أمام ابنتها:
"استنوا حازم جاي.. هو عارف الصيدليات والأماكن هنا أكتر منكم!"
حرك "بدر" رأسه نفياً، ثم اعتدل بوقفته وهو يتوجه ناحية الباب ليفتحه تزامناً مع قوله الجاد ليبعده عن توتر "وردة":
"لأ ملوش لزوم.. أنا متأكد إني هلاقي العلاج ده عند بسام.. هروحلهم وأعطيه منه وهجيبهم وأرجع علشان نطلع لـ غسان ونيروز. ريحي مامتك يا وردة!"
قال "بدر" حديثه بحنو، ولم يعط الفرصة لأي منهما بالحديث أكثر كي لا تتوتر زوجته. أغلق الباب خلفه، ومن ثم دق جرس شقة "حامد"، إلى أن فتح له "شادي" سريعاً وهو يستمع لصراخ "يامن" بالبكاء. أخذه منه "شادي" بلهفة كبرى وهو يربت عليه بحديثه المرتفع له:
"بس.. بس يا حبيبي مالك!"
خرجت "دلال" من المطبخ سريعاً، تزامناً مع توجه "بدر" لغرفة "بسام"، وخرج "حامد" من المرحاض بعدما تجهز للصعود. توجه يسأل "شادي" بلهفة وهو يأخذ الصغير منه بخوف:
"ماله يا شادي؟ ماله بيعيط كده ليه؟"
"مش عارف.. بس وشه سخن وجسمه دافي خالص!"
انتشله "حامد" برفق، وبجانبه "دلال" التي كانت تفعل له حركات ليهدأ من البكاء. وسرعان ما خرج "بسام" سريعاً، وفي يديه الدواء وبجانبه "بدر" الذي حمله بهدوء، وهو يربت عليه بعد أن رأى بكاءه ينخفض تدريجياً. ما أن رأى والده، فتح "بسام" الزجاجة ثم توجه بها وهو يبتسم بمداعبة لـ "يامن" كي يفتح فمه تزامناً مع قوله له:
"يلا يا يامن.. أفتح بؤك عشان تبقى شاطر ونسقفلك كلنا!"
رفض فتح فمه أول مرة ولكنه فتحه وتجرع من الزجاجة حتى تشنجت ملامحه واغمض عينيه بقوة ثم فتحها سريعاً. ضحك "والده" على فعلته هذه كما ضحك الآخرون. فطمأن "بسام" "بدر" وهو يقول:
"متقلقش يا بدر.. السخونية هتنزل علطول... وحتى فيه نسبة منوم يعني شوية هيهدى وينام!"
ربتت "دلال" على جسد الصغير وهي تعدل له ملابسه من الخلف ثم أمسكت كفه تقبله بحنان. فاعتدل "شادي" يدير له من الخلف كي يشاكسه، تحت نظرات "حامد" المتأثرة بخوف "بدر" على صغيره. وسرعان ما اعتدل سريعاً وهو يشير لهم بلطف:
"طيب يلا عشان نطلعلهم.. البيت وحش من غير ابن الكلب ده والله!"
"متشتموش يا بوب ولا تشتم أبوه!"
قالت "وسام" حديثها وهي التي خرجت للتو من غرفتها بعدما تجهزت. توجهت تحمل "يامن" لتستعلم عن سبب بكاءه. فانسحب "شادي" للخارج ومن ثم هم من بعده إلى أن أغلق "حامد" الباب. ورأى الكل اجتماع "عايدة" و"جميلة". سألتهم "دلال" بغرابة:
"أومال فين الباقي؟"
"ياسمين وحازم وطنط سمية ووردة طلعوا فالأسانسير وهستنونا قدام الباب لحد ما نطلع كلنا عشان ندخل مع بعض!"
ضحك الكل على التفاصيل في الحديث عليها، حتى هبط المصعد من جديد. فدخل "حامد" به مع "دلال" و"عايدة" و"بدر" وصغيره. ثم صعد مرة أخرى. وبقت "جميلة" و"فريدة" و"شادي" و"بسام" و"وسام". استنكر "شادي" شيئاً سريعاً حتى هتف بإندفاع يسألهم:
"طب الأسانسير التاني ده بيعمل إيه مش فاهم؟"
تحولت أنظارهم عليه فأجابه "بسام" سريعاً بأسف دون أن ينتبه لشئ معين:
"عطلان بقاله يجي ٣ أسابيع للأسف.. فأقف بقا نستني التاني على الله محدش من السكان يركبه ونفضل ملطوعين!"
استندت "جميلة" بجانب "فريدة" بعدما أومأ له "شادي" بتفهم. ثم اندفع سريعاً عندما تذكر ما حدث في الصباح:
"أستنى ي جدع إزاي؟ انا نزلت الصبح الشغل ورجعت بدري ولما جيت أطلع لقيت واحدة حلوة أوي قصادي من الناحية التانية بتركبه!"
تذكرها من الفتاة إذن وليس لشئ. كبتت "فريدة" ضحكتها عليه. فاندفعت "جميلة" تشير لهم بصحة قوله:
"دا بجد فعلاً.. لأني نور ونزل حالا.. تعالوا بسرعة نستناه شكله اتصلح ومحدش عرف مننا!"
توجهوا ليقفوا أمامه حتى انتظروا بضع دقائق إلى أن صعد لهم بالفعل. أشار لهما "بسام" بالدخول أولاً، ثم دخل هو و"شادي". وبدأ بتحريكه لرقم طابق شقيقه. إلى أن بدأ في الصعود بالفعل. وبسرعة فائقة فتح وخرجوا منه عليهم وهم واقفين ينتظرونهم. اتسعت بسمة "حامد" وهو يسألهم بسخرية مرحة:
"اتأخرتوا ليه ي كلاب وجعتوا رجلينا وإحنا واقفين. مش عاوزين ندخل من غيركم!"
أما في الداخل:
وقبل وقت قليل، علم "غسان" بمجيئهما قبل قليل. لذا نهض الاثنان. وكان هو آخر من خرج من مرحاض الغرفة وهو يضع المنشفة على رأسه وخصلاته المبللة وبعدما بدل ملابسه في الداخل. تطلع إليها وهي تجلس تقوم بعمل استشوار لخصلاتها المبللة. إلى أن انتهت وهي تنهض. ابتسمت له وهي تقف فوجدته يزيح المنشفة يضعها على المقعد. ولكنها أمسكت المشط بخفة تمشط له خصلاته إلى الخلف بمرح. وقف بسكون إلى أن انتهت فنظر لمظهر بالمرآة الطويلة بإعجاب، ثم قال بغرور:
"برنس والله!"
"ده أكيد يا غس!"
أيدته "نيروز" بالفعل. وبخفة اقترب "غسان" منها ليقبل وجنتيها بمرح. ولكن عاقه سوار يديها التي لم تفتحه منذ فترة. حتى وجهت النصل الحاد منه ناحية عنقه وهي تردد بتحذير تعلمه ما تجاهل عنه:
"الجرس بيرن.."
"احترم نفسك يا بن البدري وروح افتح على ما ألبس واطلعلهم!"
لم يتفاجأ "غسان" من فعلها، قبلها بتحدٍ ثم نظر لها وهو يغمز لها بعبث، بعدما اعت دل بوقفته:
"البتاع ده بقا خطر عليا يا رزقه!!"
حركت "نيروز" كتفيها ببساطة ثم تعمدت عدم الاهتمام بأن يظهر في نبرتها عندما توجهت تجلب ملابس الاستقبال من الدولاب وهي تفتح بجر لها:
"انت اللي جبته لنفسك يا حبيبي!!!"
حرك رأسه بموافقة، ليست هينة وهو يحدجها بمشاكسة، التفت كي يخرج بعدما ضحك بخفة عليها، بل وتعالت ضحكاته عندما سمع صوت "شادي" من خلف الباب يعلو بقوله:
"ما تفتح يا عريس رجلينا وجعتنا يعم!!!"
سمع ضحكات الفتيات والشباب وحتى النساء، لذا تنهد يأخذ أنفاسه وهو يفتح لهم، وما أن فتح تعالت زعاريط "دلال" و"وسام" وحتى "عايدة" و"وردة"، احتضنه "حامد" أولاً بحب، ثم من بعدها شقيقه وشقيقته ووالدته، رحب به الجميع بفرحة، ثم أغلق الباب عقب دخولهم حتى توجهوا يجلسون جميعاً في الركن المخصص للجلوس بأعداد كبيرة، وبعدما أخذ كل واحد منهم الوضع للجلوس، سألته "سمية" سريعاً عليها بلهفة:
"أومال فين نيروز يا حبيبي؟!"
كان سؤال شقيقاتها ووالدته والكل أيضاً، عدا الشباب، ابتسم لهم بلطف، ثم أجابهم بنبرة هادئة:
"طالعة حالا، متخافوش يعني لسه مقولتلهاش حاجة!!"
صمت الجميع تحسباً لقدومها من الداخل، ولكنها خرجت على المطبخ مباشرة حتى أتت لهم بكؤوس المشروبات، دخلت عليهم بخطوات هادئة بطيئة، فنهض "غسان" يأخذ منها الصينية الكبيرة يضعها أمامهما، تزامناً مع احتضان "سمية" وزغاريد البعض لها عندما ظهرت، عانقتها والدتها عناق مطول بتأثر، ربتت عليها "نيروز"، حتى عانقت الفتيات من بعدها، فتحدثت "ياسمين" لها سريعاً بنبرة مشاكسة:
"وحشتينا يا روز، سيبك منه ومن الجواز وبجد انزلي أقعدي معانا!!"
"هتخرب على شقيقتي؟!" حدجتها "سمية" بتعنيف، في حين تعالت ضحكاتهم عليها فأكمل "غسان" لها بتبجح:
"اللي يقعد مع غسان البدري معتش يقدر يسيبه، إنسيها بقا وخليكي فحالك وحال حازم جوزك وابنكم اللي جاي!!"
قالها بمرح، فضربه "شادي" بخفة ومرح، في حين بأن وقف "حامد" يفتح ذراعيه لها ليعانقها بعاطفة أبوه، وهو يسمع "ياسمين" تجيب ولده:
"اقتنع شوية إنها أختي قبل ما تبقى مراتك.. ماشي!!"
"بس بقت مراتي.. خلينا فـ الوقتي وسيبنا من اللي راح!!"
يتحداها فتتحداه وكل ذلك بمرح، قلبت عينيها بملل منه، فأشار له "حازم" إشارة بمعنى لا تأخذ على حديثها، ضحك وهو يفهم ما يقال بالإشارة، وإن جئنا إلى المخفي فحالتهم هذه مصطنعة لحد كبير بسبب ذهاب "سمية" للمستشفى في المساء، تحدث الشباب معه بحديث شبابي وهم يجلسون بجانب بعضهم كما كان حديث النساء أيضاً، لاحظ "غسان" سكون "يامن" على ساق "وردة" فنهض يأخذه برفق وهو يمد يديه له ففرد الصغير ذراعه ليذهب له، حمله "غسان" بغرابة وسرعان ما وضع كفه على جبهته حتى نبس بنبرة مرتفعة انتبه لها "بدر":
"دا دافي يا بدر!!!!"
"آه ما إديلته دوا من عند بسام عشان كده هدى شوية!!"
قبله "غسان" بحنو وهو يحرك رأسه لتستند على كتفيه ثم ربت عليه بحنو وهو يتوجه به ناحية شرفة الصالة الكبيرة حتى فتحها بكفه وهو يشير للشباب بأن يأتوا بالفعل خلفه، فتحها وتبعه شقيقه وصديقه وحازم وبدر وحتى والده وترك النساء والفتيات مع بعضهن، جلس "غسان" على الكرسي الخشبي وهو يرى "حامد" يحرك الستار قليلاً حتى لا تطولهم الشمس، جلس الكل حوله وتلك هي حالته الطبيعية منذ أمس من الأساس رغم فرحته بها وكونها معه لكنه شارد أغلب الوقت بخوفه عليها، سأله "بسام" بلطف بصوت خافت:
"قولتلها؟"
حرك "غسان" رأسه بسخرية من سذاجة السؤال، ثبث عينيه نحو عيني شقيقه ثم اجابه بتهكم:
"يعني ولو كنت قولتلها كانت فاتها طالعة بتضحكلكم من الودن للودن كده!!!"
"عارف إنه حمل تقيل عليك يا صاحبي.. بس إنت قدها وقدود!!"
نظر هو إلى "شادي" بإمتنان، فتحدث "بدر" له وهو يردد بتعقل:
"المهم يا غسان.. تكون عندك طولة بال عليها.. علشان انا عارف إنه مش سهله للدرجة اللي تعاملك عادي وإنت مخبي عليها حاجة زي دي بعد ما تعرف فاهمني؟ جيب ٱخرك معاها..!!"
حرك رأسه بخفوت وهو يبتسم له ثم ربت على "يامن" الذي نهض "بدر" يأخذه منه، ثم وقف سريعاً يفرد ذراعيه له ليحتضنه بقوله:
"يلا أنا هنزل انا ويامن علشان ميعديش حد وكفايه كده أنا كنت جاي أطمن عليك.. وبردو إنت محتاج تبقى معاها لوحدك عشان تعرف تعرفها وتبقى تنزل تشوف مامتها بعد ما تعرف قبل ما تمشي.. عاوز حاجه؟!"
عانقه بإهتمام، ثم حرك رأسه بالنفى، وكل منهم سيهبط بعد وقت تدريجياً بالمصعد، خرج "بدر" من الشرفة مع "حازم" الذي هتف له قائلاً باطمئنان قاصداً قوله:
"هتبقى عال يصاحبي!!"
في حين تحركت عيني "حامد" نحو "بسام" و"شادي" حتى قال لهما بخفوت:
"سلموا عليه وإنزلوا عشان عاوزه لوحده يلا!!"
"عيب يا حامد والله أنا سمعتك.. لسه بدري ما تسيبهم قاعدين إنتوا جايين فـ إيه وماشيين فـ إيه؟!"
تحدث بها "غسان" بمرح، فضحك "شادي" وهو يقف بجانب "بسام" ثم هتف له بمشاكسة ليخفف عنه:
"يعم ميصحش إنتوا عرسان بردو.. المهم أنا تحت أهو وربنا معاك يصاحبي!!"
ضربه بخفة كتشجيع، فرد له "غسان" فعلته، ثم نظر نحو "بسام" الذي قال له بتحفيز:
"متشيلش الهم كده يا غسان وتفائل خير وخليك واثق فربنا.. هتعدى والله!!"
آخر ما سمعه من شقيقه ومن ثم ودعه حتى لاحق "شادي"، اقترب "حامد" من "غسان" يحتضنه بعاطفة أبوه، تفاجئ "غسان" من فعلته المتأثرة هذه بوقت كذلك ولكنه اعت دل سريعاً يوضح له بأول حديثه وهو يسرد:
"أنا عارف يا غسان إنك راجل وقد المسئوليه، حتى أنا ربيتك على كده.. وعارف قد إيه بيحس الراجل بتقل الحمل لما يحس إنه مضغوط من حاجة.. وإنت يبني حتي طول عمرك كده الفرحه مبتلحقش معاك تاخد وقتها.. استغفر الله العظيم يعني واللهم لا اعتراض بس أنا عرفتها كده منك.. وده مش حاجة وحشة ده من علامات حب ربنا ليك.. فإنت مش وحش وربك هيسهلها صدق ابوك!!"
ابتسم "غسان" له وهو يربت على كفه ثم تنهد يأخذ أنفاسه وهو يجيب والده برضا:
"الحمد لله يا حج حامد راضي.. متشيلش هم ليا وبعدين يعم أنا فرحان والفرحه مش سيعاني يعني بزمتك كده إنت كنت حاسس بـ إيه وأمي اللي حبيتها بقت معاك وليك وفبيتك وفحضنك؟!"
"كنت طاير يا بن الكلب من الفرحه لحد ما جابلتي انت وأخوك وأختك وفضلت طاير من الفرحه مش عارف أنزل!!!"
ضحك "غسان" عليه وعلى حديثه بمرح، وسرعان ما أمسك كفه يربت عليه وهو يسمع "والده" يحثه بلطف:
"هتعرف والدنيا هتمشي وأمها هتخرج منها بخير.. وهتعيشوا حياتكم وتجييلي أحفاد بقا ياض.. إنت عارف إن الست أقل حاجة بترضيها.. خليك صابر عليها كده واتحملها كلمة هادية حضن حنين وإنت بتقولها يخلي الدنيا تعدي وتهون شوية من الصدمة عليها وإنت عارف إن إنت الوحيد اللي ينفع تحتويها ومحدش هيقدر يقولها ولا يحتويها غيرك إنت يا بني!!"
حرك رأسه بتفهم، ثم ابتسم له بخفة وهو يحدجه بمشاكسة قائلاً له بوقاحة يعتادها الٱخر منه:
"تربيتك يا حامد يا جامد!!"
"طبعاً ياض.."
ابن حامد البدري مفيش حاجة صعبة عليه. يلا، أنا هنزل وهاخد أمك وأختك عشان بردو ينزلوا كلهم والدنيا تهدى. وتقولها خليها تلحق تشوفها بردو وتقعد معاها!
اعتدل بوقفته، فدخل "غسان" هذه المرة بين أحضانه بإمتنان. ثم خرج يمسك كفه كي يقبله تزامناً مع قوله له:
"ربنا يخليك لينا يا حج ويديك طولة العمر!"
ابتسم "حامد" له، إلى أن تلاشت بسمته عندما شعر بدماء أنفه تسقط على كفه. أمسك وجه "غسان" سريعاً وهو يهتف بنبرة سريعة لينبهه:
"مناخيرك بتنزف!"
حرك "غسان" عينيه نحو كف "والده"، فنظر سريعاً حوله حتى وجد علبة المناديل الورقية على المنضدة الخشبية. انتشل منها عدة مرات ثم أمسك كف "حامد" يمسحه حتى سمع قوله المتساءل له وعليه بقلق:
"إيه حكاية مناخيرك دي يا بني؟ ما تروح تكشف عليها بدل ما كل شوية نلاقيها بتنزف كده!"
ابتسم له "غسان" بإطمئنان، وكاد أن يضع المنشفة الورقية على أنفه ولكنه توقف سريعاً عندما وجدها تهتف بلهفة وهي تتجه نحوه، تاركة كوب الشاي الذي يفضله "حامد" على الطاولة، ثم سألته بخوف:
"دم من مناخيرك تاني؟ استنى.. متتحركش!"
من عزم خوف "نيروز" لم تأخذ بالاً للمناديل الورقية التي توجد بيديه، بل انتشلت هي تحت أنظار "حامد". مسحت أنفه بسرعة ولهفة، ووقف هو ساكناً بتعب من ما تفعله. تخاف وتهاب نزف دماء، ماذا إن علمت ما بوالدتها؟ انتهت وهي تمسح كفه الذي تلطخ أيضاً، فوجدت "حامد" يطمئنها بقوله سريعاً:
"متخافيش يا حبيبتي، بسيطة!"
"أصلها مش أول مرة.. دي.. دي حصلت قبل كده!"
فهم ما تخافه، فرد "غسان" عليها يوضح، يقتل تخمينها بوجود أي شيء ما يجعله ينزف:
"مفيش حاجة يا نيروز، متخافيش. هو بس من ساعة ما يوم ما كنت بتخانق مع بسام والمكتبة وقعت عليا، مناخيري اتخبطت في رف الخشب ومن ساعتها وهي بتنزف. هبقى أكشف عليها بعدين، متشغليش بالك. أنا كويس."
صمتت، لم تعِ ماذا تجيب، ولكنها زفرت بصوت وهي تحمل الكوب تعطيه لـ "حامد" قائلة بلطف:
"أنا آسفة يا عمو، اتلخبطت ونسيت أقولك على الشاي.. اتفضل!"
"طب ينفع أخده وأنزل؟ وأبقى أطلعلك الكوباية فوق وقت تاني، أصل لازم أنزل عشان ورايا شوية حاجات كده لازم تتعمل!"
قالها بكذب كي يتركها معه ولا تشتد بإصرار عليه وعلى الآخرين. شتتها بما يود فعله، فوافقت بهزة رأسها فقط. وفي لحظتها، تعالت ضحكاتهما عندما سمعت قول "غسان" له بتبجح:
"خلي بالك من الكوباية يا حامد.. ابنك ماضي على قايمة!"
تعالت ضحكات "حامد" وهو يخرج من الشرفة. خرجا من خلفه، فرأت الجميع يقف حتى يودعوها مؤقتاً. احتضنتهم بحب، حتى شددت في عناقها لوالدتها ومن ثم رافقتهم معه نحو الباب. خرج الجميع، وآخر ما قالته لهم:
"ابقوا اطلعوا تاني، متسيبونيش زي القرد لوحدي كده!"
تحدثت "ياسمين" قائلة لها بمرح قبل أن تدخل المصعد:
"يستي، معاكي غسان أهو يسليكي. سلام إحنا!"
قالتها، فنظرت لها "جميلة" و"فريدة" بيأس منها. وكانت قد ركب البقية المصعدان عدا "عايدة" معهم و"وسام". ودعت شقيقها، فنظر هو عليهن حتى هبطا بعض دقائق بعد نظرة "ياسمين" له الذي فهمها جيداً. نظرة لم يراها منها من قبل، ولكن معناها بالخوف والامتنان إن قال لها واضح جداً. أغلق "غسان" الباب، فوجدها تخلع حجابها بضيق من عدم أخذ أنفاسها براحة. التفتت فوجدته يقف خلفها بشرود. اتجهت بضع خطوات تمسك كفه بلطف، ثم سحبته خلفها ناحية الغرفة ثم المرحاض. كان يسير خلفها بصمت بعدما توقع ما ستفعله. فتحت هي صنبور المياه ثم مدت كفها تضع عليه المياه حتى تلمست وجهه وأنفه بها. تأثر من حركتها الحانية حتى أنه وقف ساكناً إلى أن انتهت هي، ثم خرجت معه تجلس على الفراش مهبطة ساقيها على الأرض مثلما جلس هو. ابتسمت له "نيروز" بإطمئنان ثم قالت:
"الأكسجين في الماية مهم وبيريح على فكرة. يمكن مَعدتش تنزف النهارده. بس لازم نكشف عليها، بلاش الإهمال ده!"
طالعها "غسان" بإهتمام وهو يهز رأسه لها، ثم تحدث لها بعبث:
"عادي يا رزقة، متقلقيش بقى.. عادية يعني!"
زفرت بصوت، تتجاهل شعورها بأن به شيء مخفي منذ فترة. بل كانت تود سؤاله ولكنها خجلت كونه معها هي. ستقتل التردد وتسأله بإندفاع مرة واحدة الآن عندما وجدت يعود شارداً مرة أخرى ويحاول الظهور باللاشيء.
"غسان، هو إنت مش مبسوط؟ مش مبسوط معايا؟"
تفاجأ من سؤالها حتى أنه نفى برأسه سريعاً وهو يردد بنبرة مندفعة لها:
"ليه بتقولي كده؟ يا ريت كل اللي بحبهم يفرحوا زي ما أنا فرحان إنك بقيتي معايا وليا. أنا بس بفكر في موضوع كده شاغلني ومش عاوز يخرج من دماغي أبداً."
استغل الفرصة رغم شفقته عليها بسؤالها. ترقبت ملامحها وهي تعتدل مربعة ساقيها حتى اعتدل هو يستند على الوسادة وهو يسمعها تتحدث له بشغف:
"طب احكيلي وأنا هسمعك!"
"للآخر؟"
"لآخر العمر يا غس.. هسمعك لآخر العمر يا ابن البدري!"
كان الصدق ظاهر بنبرتها بقوة. تعشقه وعشقها لا يظهر إلا في القليل. بالأساس يسعد عندما يرى اهتمامها يغلب اهتمامه، ولكن ليس بمثل هذه الأوقات العصيبة. قرر قولها لها ولكن تدريجياً، داعياً ربه في كل صلاة قام بأدائها بعد علمه لذلك الموضوع بأن تكون الجملة هينة لينة عليها، بأن تستطيع الفهم والوعي تدريجياً. ترقبت كل حواسها بإنصات عندما بدأ هو بقوله لأول جملة يسألها:
"فاكرة صاحبي اللي قولتلك عليه اللي كان متعلق بمامته وماتت وهي عندها القلب، وباباه بعد فترة طلع عنده القلب وهيعمل عملية بس ميعرفش لسه؟"
تابعت بألم لأجله، هزت رأسها كي تجعله يسترسل في الحديث، فأكمل هو بعدها بنبرة هادئة مترقبة:
"أهو صاحبي ده لسه ميعرفش، ووالده هيعمل العملية بكرة وهيروح المستشفى من النهارده بليل. مش عارفين يجبهالوا إزاي؟ خصوصاً إنه كان بيتجوز معايا فنفس اليوم وصباحيته النهارده وفرحان أوي وكل اللي حواليه موجوعين يعرفوه إزاي عشان فرحته متتكسرش. عندك حل؟"
سكنت "نيروز" بتشتت ولم يأت ببالها الآن بأن وضع صديقه مثلها ستستوعب تدريجياً بعد الآن. أخذت أنفاسها وهي تجيبه بحديث يعقد من المعضلة:
"الموضوع ده صعب أوي.. يعني حرام عليهم عشان فضلوا قاعدين ميعرفوش لحد اللحظة دي. اللي بيتمناه أي حد من إحساس الفرحة اللي فيها. هو هيبقي كسر خاطر عليه بس لازم يعرف. معندوش حد قريب حنين بيحبه يقوله مثلاً؟ مراته؟ هي مراته تعرف؟"
رغم عدم منطقية حديثه ولكنها صدقته. الرجل لديه طاقة تحمل هذه الأشياء عن الأنثى ولكن بنسب مختلفة، قد يكون التعلق منهم أيضاً. ولأنها مرت بنفس التجربة لم تركز بأنه رجل ومستقل عنها ولو قليلاً. تسأله بترقب. فأخذ "غسان" أنفاسه بصوت وهو يتنهد ثم قال بصدق:
"قالولها.. هو لسه ميعرفش بس قرايبه قالولها!"
خرجت منه الجملة بألم، استشفته وكأنها الآن في بداية الشك. تداهمها أشياء كثيرة ولكنها نفضت من عقلها وهي تختبره سريعاً سؤالها الثاني:
"طب.. طب مراته دي بتحبه صح؟ مينفعش تعرفه هي بطريقة حنينة عليه؟"
التخمين بعيد عنها بقليل، ولكن بإجابته الثانية الذي أردفها للتو وترتها قليلاً. وهي تنظر إليه وهو يردد عليها ونظرات حبه بها وحدها تظهر:
"بتحبيه أوي.. ومحتارة تعرفه إزاي.. لدرجة إنها نفسها تاخد كل الوجع اللي فيه ليها لوحدها.. وخايفه.. خايفه تقوله ليحصله حاجة عشان هي بتحبه أوي لدرجة إنها قاعدة معاه دلوقتي بس مش عارفه تجبهاله إزاي!!!"
ارتبكت من جملته الأخيرة، لذا عبثت بيديها بتوتر فلاحظ هو ذلك. صمتت للحظات، ولا تعلم لما في هذه اللحظة أتى إلى عقلها بقوة مرض والدها الراحل وحالتها التي دخلت بها، نفسيتها. هتف البعض بأنها مختلة عقلياً، شماتة البعض بها، تعلقها الشديد به إلى الآن!! ومن ثم، كان زفاف صديقه معه، ولم يتحدث لها بشيء كذلك، بل وأصدقائه جميعهم كانوا بزفافها كما قال. صباحيته اليوم معها، ويجلس معها الآن كي يعلمه زوجته. داهمها مجدداً، والدها ووالدتها. فتحت عينيها على وسعها من تذكرها لإرهاقها وتعبها في الفترة الأخيرة. الدواء التي لم تعرف مكانه!! وحتى عدم ذهابها معهم للكشف عليها عند الطبيب وذلك بحجج بأنها تظل في المنزل. الأقارب لدى صديقه تعلم عدا هو. هي صديقه، ورفيقه، وهو الزوج وليس الزوجة. بل وهو الذي يتألم لأجلها لفترة بشعورها بأنه يخفي أمر ما عليها!! تعمدت تجاهل كل ذلك سريعاً، وهي تسأله بنبرة مهزوزة:
"كان متعلق بمامته.. و.. وفرحه كان معانا.. وحالته كانت صعبة لما هي ماتت. قرايبه مخبين عليه.. صح.. أيوه صح.. إنت قصدك صاحبك ومش حد تاني أكيد!!!"
لديها أكثر من ثلاثة دلائل لذا رددت حديثها بخوف. وسرعان ما وضعت يديها على أذنها كي لا تسمع إجابته التي لا تريدها. حرك عينيه وهو يرفع رأسه يديرها ناحيتها فوجدت عينيه لامعة بالدموع وهو يحرك رأسه بنعم. منهكة ثم رماها عليها بعدما عجز عند الحديث بالمراوغة أكثر:
"قصدى إحنا.. قصدي إنت يا نيروز.. بس أنا متأكد إنك متفهمه.. صح. متأكد إنك هتهدي وحتى هي هتخرج وهتبقى كويسه!!!!!"
يعلم بأن عقلها ليس غبياً، ذكية بنسبة ما لذا تعمد التلميح إلى أن تعلم بنفسها. ورغم إرادتها بأن لا تسمع قوله ولكنها سمعته وهي تتمنى بأن تكون الإجابة ليست التي أتت في عقلها. ولكن ماذا حدث؟ هبطت يديها المرتجفتان وهي تحرك رأسها بنفي، منه ومن حديثه. ضمها سريعاً بذراعه ناحية صدره يهدأ من إرتجافة كفيها، حتى وقع فؤاده عندما رددت هي باختناق، مندفع بخوفها:
"إنت كذاب يا غسان.. كذاب.. عشان أنا مش هقدر أخسرها.. مش هتموت وتسيبني أنا مش عايزاها تروحله.. كل ده كدب!!!!!"
تنفى.. وكأن الدموع تأبى الهبوط، لذا إن هبطت فهبوطها تأكيد لما قاله وما وصلت له بعقلها. وجدته يضمها أكثر بين أحضانه وهو يشدد بعناقها بتعب. ثم قال سريعاً بلهفة لها:
"والله هتخرج وهتبقى كويسه.. حتى بصي.. بصي هي حلوه وبتمشي وبتحرك وبتتكلم مكنتش زيه.. مكنتش نايمه على السرير زيه يا نيروز.. فكري فالخير. علشان يحصل لو بتحبيها.. ولو بتحبيـ..."
وكأنها تستوعب تدريجياً. خرجت من بين أحضانه سريعاً بإندفاع. ثم وقفت بكل سرعة أمام الفراش وهو يجلس حتى نهض بسرعة لها عندما وجدها تصرخ به بتعنيف. وقد هبطت دموعها هذه المرة:
"خـبيــت عليا.. مقــولتليـــش ليــه؟"
ما أتى بعقلها الآن صعب على أي أنثى خاصة. أنها تيقنت بأنه إنتهز الفرصة. إبتلع ريقه وهو يمد يديه يمسك كتفيها كي تهدأ ولكنها رجعت خطوات إلى الخلف سريعاً وهي تعنفه وتعنف كل من أخفى عليها:
"حـــرام عليــكم.. مش عاوزيـــني أعرف وأقـعد معاها.. ليـــه؟ دا مكــانش حق من حقوقي.. مكنش من حقي أعرف!!!!"
الوضع يتعقد كما خمن هو. إبتلع "غسان" الغصة المريرة التي توجد بحلقه وهو يقترب منها يردد لها بهدوء كي يخفف عنها مع خوفه الذي ظهر وهو يوضح:
"نيروز إنتي كنتي تعبانه ساعة باباكي.. خافوا ترجعي للي كنتي فيه. خافوا عليكي عشان بيحبوكي!!!"
وفي هذه اللحظة رمت اللوم عليه هو عندما جلست أرضاً بإنهاك. فركع على الفور يأخذها بين أحضانه ببكاء. وهو يسمعها تردف من بين بكاءها بتعب له ولوم مقهور:
"وإنت لما عرفت معرفتهمش ليه إني مش مجنونه؟ مقولتش ليه إني بقيت حاجة تانية غير زمان. صدقتهم. صدقت إني مجنونه صح وممكن أرجع للي كنت فيه. مش إنت وعدتني إنك مش هتشوفني زيهم. وعدتني إنك مش هتشوفني كده ولا هتسمح لحد يشوفني كده!!!!!"
تقلب اللوم بحديث خطأ. بالأساس كان خوف. ضمها "غسان" أكثر وهو ينفي سريعاً برأسه مردداً بلهفة سريعة:
"والله ما شوفتك كده ولا حد شافك كده.. أنا خوفت عليكي.. كان خوف بس.. وهم كانوا خايفين عليكي عشان بيحبوكي.. إفهمي إفهميني يا نيروز.. إنتـ..."
بترت جملته عندما دفعته عنها بعزم ما لديها من ثم استندت لتقف وهي تحذره بقولها الباكي:
"إبعد عني.. متقربش مني لو سمحت.. إبعد علشان متاخدش جنان من واحدة زيي.. طالما الكل بقا شايف كده.!!!!!"
ذُهل "غسان" من قولها المنكسر ذلك ليس من الحديث ولا من فعلتها. لفت حجابها بإنهاك. فوجدته يعتدل ليضمها مجدداً. ولكنها رجعت خطوات إلى الخلف مرة أخرى وهي تصرخ به بتحذير مره اخرى:
"قـــولتــلك متقــربش مني!!!!!"
"إهدي يا نيروز.. إهدي وإستهدي بالله علشان خاطـ.."
بترت جملته مجدداً عندما ابتسمت من حديثه بسخرية منه وقد رددت بحديث متتالي خلف بعضه وقع عليه وكأن دلو من الماء البارد وقع عليه:
"خاطرك صح. وخاطري أنا مكنش مهم عندك. حتى لو هم خبوا عليا فأنا مش قادره اعطيهم سبب محدد لكن إنت. تعرف وتخبي حتى لو هتعمل عملية وهتمشي يوم صباحيتنا. مفكرتش غير فنفسك صح. مسبتنيش ليه معاها."
صمتت "نيروز" بهستيرية ثم أضافت بنبرة أكثر ارتفاعاً:
"ما تقول مسبتنيش ليه. ولا أقولك أنا."
لا يود سماع الأتي منها. مادام توقع ما وصلت إليه هي بغضبها وهستيريتها. أغمض "غسان" عينيه بألم من ما يسمعه حينما أضافت سريعاً بوجع وعقلها مغيب عن ما تردفه هي بالخطأ:
"عشان انتهزت الفرصه.. ومدورتش ولا فكرت فيا ولا فغيرك.. فكرت فنفسك.. وإنت بتقرب مني وإنت عارف إيه اللي مستنيني.. إنت أناني ومدورتش على حاجة غير نفسك!!!"
تلك هي الجملة التي أوقفته ساكناً. لو تسمع هي صوت تهشيم قلبه قبل قلبها هي بهذه اللحظة. فتح عينيه بخيبة أمل من حديثها. لم يرد التبرير. فكان هو الطرف المظلوم بهذه النقطة. عرض على والدتها ورفضت. داهم نفسه وحاصر نفسه على أن لا يقتربها ولكن لم تكن لديه الأسباب المبررة ناحيتها ولها!! حتى هي!! لم يردف هو سوى تبرير إعتبرته ساخر حينما قال بنبرة شديدة الهدوء:
"أنا مش حيوان.. قربت عشان بحبك.. عشان ده الطبيعي لحد دلوقتي.. بس بردو مشكلتك إنك مش عارفه إنتي بتقولي إيه.. حتى لو عارفه فالكلام ده فيه طلاقك.. بس أنا مش هعمل كده دلوقتي.. أنا فاهم حالتك ومقدرها.!!"
أضاف سريعاً وهو يطالعها واقفه صدرها يعلو ويهبط من كثرة ما تشعر به مع بكاءها الغير متوافق مع حديثها فقط متوافق مع ما يحدث لوالدتها:
"مقدرها ومقدرك.. علشان أنا كنت ومازلت بتوجع ليكي حتى من قبل ما تعرفي.. عندي كلام كتير أوي ٱجي عليكي بيه.. بس هكون أحسن منك زي كل مره ومش هاجي عليكي بالكلام. هسيبك تشوفي اللي مستنيكي وهبقى معاكي عشان جوزك!!!"
رفع ذراعيه يضمها بوجع ولوم. ثم نبس ورأسه أعلى كتفها مما أظهر كرامته الذي شعر بأنها تُهدر منها فسلبها سريعاً بقوله:
"ولو شيفاني وحش كده مستعد أعملك كل اللي عايزاه.. بعد ما نعدي الأزمه دي!!"
كان الوجع عليه مماثل لوجعها من كل ما حدث. ابتعدت عنه ثم رفعت كفها تمسح دموعها حتى إعتدلت تخرج من الغرفة وتتركه. خرجت إلا أن سمع بعد لحظات. صوت إغلاق باب الشقة. هبطت بملابس إستقبال عرسها وحجابها الأنيق التي لفته بغير إهتمام. وجع ثم كسرة. كافيه لشرح ما تشعر هي به. أما هو ففي هذه اللحظة لا يعلم بماذا يشعر. بالألم؟ أم الكسرة؟ لها وعلى ما وصلت له وما علمته وما شعرته وما تذكرته.. أم كسرة منها ومن حديثها التي أردفته دون وعي منها تعلم أنه يحبها وأنه ليس كذلك ولكن في هذا الوقت تبدلت الأماكن وكان هو بشخصيتها وهي بشخصيته عندما تحدثت بحديث وقت غضبها وحزنها!!..
إعتدل يغلق سحاب سترته الذي فتح رغما عنه من دفعها له، ثم تنهد يخرج أنفاسه وهو يمد يديه يلتقط هاتفه كي يهبط للأسفل هو الآخر.
في الأسفل بشقة سمية، تعمد الكل الاجتماع لديها، فجلس الجميع بترقب، حتى سمية التي جلست بجانبها كل من ياسمين ووردة الباكيتين وتلك هي حالتهما الحقيقية، فقد تصنعا الفرحة من أجل نيروز.
جلست دلال بجانب حامد بصمت، ووقف بسام بجانب شادي، وعايدة بجانب جميلة التي كانت تتماسك بأعجوبة.
وقف شادي على بعد قليل من النساء بجانب بدر، أما فريدة فكانت تجلس بتوتر جلي على ملامحها، وحتى وسام التي تركت مذاكرتها لتشاركهم ما يحدث.
زفر حازم بصوت يقطع الصمت حينما وضع يديه على كف ياسمين بقوله:
"كفاية يا ياسمين عياط عشان صحتك."
"صح يا بنتي بلاش وجع قلب أكتر من كده انتوا كده بتتعبوني أكتر حرام عليكم."
قالتها سمية بتعب، فربتت عليها وردة وهي تمسح دموعها حتى كادت أن تتحدث ولكن قطع شرودهم وصمتهم جميعا دقات الباب العالية وحتى جرس المنزل الذي كان يعلو دون توقف.
خفق قلب البعض والبعض الآخر يعلم بأنها اللحظة الحاسمة.
ابتلعت سمية ريقها هي ووردة وجميلة.
تحرك حامد وهو الوحيد الذي نهض وفعلها عنهم.
نظر لهم نظرة فهموها جيدا.
توجه وهو يسمع دقات باب العالية منها.
لم يستمر الوقت منه بل مد يديه يفتح الباب ووقف لم يفسح لها الطريق.
وقفت نيروز بعينيها المتجمع بها الدموع وفي هذه اللحظة كأن أركان الحياة ضاقت بها.
طالعها حامد بصمت وشفقة إلى أن فتح ذراعيه لها كي تدخل بين أحضانه يحتويها بأسف عن ما يحدث لها.
دخلت سريعا بين أحضانه بوجع حتى خرجت شهقاتها العالية التي مزقت منهم بالخلف.
ربت على ظهرها بحنان وهو يطمئنها بنبرته المهتزة من شهقاتها:
"إهدي يا حبيبتي..هتبقى كويسة والله وهتخرج منها."
وجد هو غسان يقف من خلفها وقد هبط للتو من بعدها.
خرجت من بين ذراعيه تنظر نحوهم جميعا.
اعتدلت تسير بخطواتها البطيئة لهم وخاصة لـ سمية التي وقفت كما وقف الجميع.
ارتمت نيروز بين أحضانها بوجع وهي تلومها بنبرتها الباكية:
"إكذبي يا ماما عليا..إكذبي وقوليلي إنك مش زيه..مش هتمشي وتسيبيني صح؟"
تسألها بكل وجع حتى هبطت دموع الكل.
أخفى غسان وجهه سريعا وهو يبتلع ريقه بصعوبة عليها وعلى مشهدها الموجع فوقف بجانبه شادي وبسام سريعا.
كما وقفت وردة بجانب بدر وياسمين بين ذراعي حازم.
نزلت دموع سمية منها بعجز.
ثم خرجت الأخرى من بين أحضانها حتى أمسكت الأولى كفيها باحتواء وكأنها الصغيرة المدللة لديها بالفعل:
"متخافيش يا نيروز..متخافيش يا حبيبتي أنا كويسه..وهخرج منها كويسه بس بلاش تعملي كده لو بتحبي أمك."
حركت رأسها نفيا ثم نفضت يديها منها وهي تنظر نحو الجميع بلوم حتى قالت بنبره مرتفعة خائبة حزينة:
"بتضحكوا عليا؟ ليه؟ بتخبوا عليا وأنا اللي المفروض كنت أعرف من بدري؟ جايين بعد ما معتش قدامكم حل غير إنكم تقولولي؟ ليه هو أنا مش بني آدمة زيكم ومن حقي أعرف وأقعد معاها؟"
سكنت نيروز بوجع وقد رأت ملامح الصمت العاجز عليهم.
فـنظرت نحو ياسمين تلومها هي الأخرى بألم وكأنها تستوعب كل ما مر عليها معهم:
"إنتِ بتكذبي عليا من زمان أوي ايوه. هنزل مع ماما يا نيروز وخليكي فالبيت عندها برد..أصل هنعيد الكشف وملوش لزوم تيجي..هننزل نجيب شوية حاجات..صح؟ وشنطة العلاج اللي كنتوا بتخبوها مني ايوه؟ وأجازات الشغل الكتير..وتعبك فالفتره الأخيرة؟"
وكأنها تستوعب تدريجيا تأبى ياسمين الرد عليها، ولكن نظرت لها بأسف وهي تردد لها بتبرير:
"نيروز احنا خبينا عليكي عشان خايفين عليكي والله العظيم."
صرخت بها نيروز سريعا تعنفها بصوتها المرتفع المتألم:
"بـــــس ..أُســـكــتـــــي!!!!"
صراخها المرتفع بقولها لها حاول غسان ضمها ليسحبها بعيدا ولكنها أبت عندما نظرت نحو وردة هي الأخرى وهي تقول بنبره أهدأ وكأنها خُذلت وخدعت بها هي الأخرى:
"حتى إنتِ يا وردة؟ إنت اللي طول كنتي مسافره وبعيده عرفتي قبلي وأنا هنا معرفش..إنتِ اللي طول عمري عارفه إنك بيصعب عليكي أي حاجه. مصعبتش عليكي وأنا معرفش غير في اللحظه دي وانتوا بتقتلوني بالبطئ؟ بتعرفوني بعد فرحي بيوم؟ قاصدين تعملوها فيا عشان توجعوني وتكسروا فرحتي؟ مسبتوليش حتى الفرصه اقعد معاها وأفهم منها أو حتى أودعها؟ بتحاصروني وكأن مليش حق زيي زيكم؟"
حديثها الأخير كان صحيحا لحد كبير.
حاولت وردة التبرير ولكن وكزها بدر وحدجها بتحذير من أن تجيبها كي لا تصرخ وتنفعل الأخرى أكثر.
وجدت نيروز جميلة تهتف بإسمها كي تبرر لها هي الأخرى بوجع من بين دموعها، ولكنها أشارت لها بأن تتوقف عندما تحركت تقف أمامها بخيبة وهي تردد لها:
"و إنتِ كمان يا جميلة؟ بتخبي عليا زيهم؟ ليه؟ دا انا عمري ما خبيت عليكي حاجة..كل أسراري معاكي دايما..إنت الركن الهادي بتاعي وكل مره كنت بجري عليكي إنتي قبل حتى ياسمين ووردة..أنا زعلانه منك أووي أووي.. زعلانة منكم ومش مسامحاكم."
الوضع يتعقد أكثر والبعض يحزن لأجلها والآخر يرى أن هذا كان الوقت الصحيح.
تحدثت عايدة سريعا لها تهدأها:
"يا بنتي هم خبوا عليكي عشان بيحبوكي وخايفين عليكي..خبوا عليكي لحد وقتنا ده عشان حتى تفرحي وتكوني مبسوطه إنتي وجوزك."
حركت نيروز رأسها بسخرية من قولها عليها حتى اعتدلت تتحرك بصمت ناحية غرفتها دون نبس حرف آخر.
قاطع غسان سيرها فوقفت تنظر له بكسرة وإستفهام موجع.
وفي هذه اللحظة فتح باب الشقة وخرج منه الكل عدا سميه ووردة وياسمين وأزواجهما.
التفتت برأسها ناحية والدتها حتى أمسكت كفها تسحبها خلفها ناحية غرفتها بصمت.
وتركتهم جميعا بالخارج.
حرك بدر وحازم نظراتهما نحو غسان الذي انسحب من بينهم بصمت إلى أن أغلق باب الشقة خلفه بهدوء.
وكلما يهدأ الحال ينقلب مرة أخرى رأسا على عقب.
انتظروا بالخارج، بينما في الداخل جلست نيروز بأحضان والدتها ببكاء صامت والآخرى تربت عليها بقولها الموجع:
"عرفتي مكناش عايزينك تعرفي ليه؟..علفكره أنا عارفه إنك زعلانه مني بس مش قادره تقوليها عشان اللي مستنيني..بس بصى كده شوفي احنا قاعدين إزاي..أنتي اللي فـ حضني وإنتي اللي بنتي وأنا اللي عارفاكي.. حاسه بخوفك ده عشان كده هقدر اقولك..لو بتحبيني بجد..لازم تقفي قويه وتستنيني أرجع من تاني."
اعتدلت نيروز بلهفة تمسك كفها المجعد بين كفها ثم قالت سريعا لها ببكاء:
"الأكيد إني هستناكي وهاجي معاكي ومش هسيبك بس أرجوكي تخرجي سليمة..متسبنيش يا ماما.. علشان خاطري متسبنيش أنا مستحيل أقدر أعيش من غيرك..لو بتحبيني إنتي مترحلوش المره دي."
حديثها يكسر قلب من يسمعه بل ويسمعونه من بالخارج عندما وقفوا خلف الباب.
بتعب ضمتها سمية ببكاء هي الأخرى حتى أجابتها بتأثر:
"ادعي ربنا يا حبيبتي محدش بإيده حاجة..احنا بنسلم أمرنا لـ ربنا..والخير منه هو اللي بيحصل..وأنا مش هسمح تيجي معايا يا نيروز المستشفى عشان تكوني عارفة."
"إنتي بتقولي إيه يا ماما..مستحيل أسيبك أنا أسفه مش هقدر أعمل كده."
تعمدت سمية أن تقسوا عليها بالحديث كونها تعلم ما تهابه وبل ومازالت عروس.
هتفت سريعا لها بنبره جادة من بين دموعها التي توقفت تدريجيا:
"أنا اللي آسفه يا نيروز..مش هينفع تيجي المستشفى..ولا حتى تقعدي هنا لوحدك من غير جوزك.. مش هسامحك لو عملتيها وجيتي..محدش ليه ذنب فاللي بتعمليه ده..حتى غسان كان عايز يعمل اللي محدش بيعمله..كان عايزك تيجي بفستان فرحك على بيتي هنا وتقعدي معايا وتاخدي وقتك لحد ما أمشي وتكوني أحسن..بس أنا اللي رفضت عشان مفيش حاجه بتحصل كده..عاوزاكي تفرحي وتتبسطي يا حبيبتي إنتي عروسة.. عروسة لسه وغسان عمره ما هيكون وحش أبدا."
تتتفهم ما أوصله عقل ابنتها لذا بررت لها دون أن تعلم ما حدث بينهما.
ابتلعت نيروز ريقها بوجع وهذه المرة وجع له لـ غسان التي ظلمته هي دون أن تترك له الفرصة في كل مرة.
استندت على صدر والدتها بعجز منها وقد تعمدت عدم قص أي شيء بينها وبين زوجها وكذلك هو.
ابتلعت ريقها بألم، لها وهي تردد من بين استنادها:
"إنت بتظلميني أوي فكل مرة. زيهم.. أنا من حقي زيي زيهم أجي وأشوفك قبل ما تدخلي حتى العمليات بكرة!"
ربتت "سمية" على رأسها بتعب وهي توافقها بجزء معين حديثها عندما قالت:
"هتيجي يا نيروز.. بس هتمشي ساعتها بسرعة، مفيش بيات معايا في مستشفيات ولا هتقعدي تستني لإما هيحصل زي ما قولتلك.. اسمعي كلام أمك وريحي قلبها عشان خاطرها عندك بقى.. وصدقيني أنا هبقى زي الفل كمان وهعيش لحد ما تحملي. تخلفي وأربي وأكل معاكي وأكبرهم معاكي، هتبقى أم جميلة يا حبيبتي.. بس بلاش تزعلي.. أنا نفسي أشوفك مبسوطة ومرتاحة إنتي وإخواتك دايماً.. هتحققيلي أمنيتي دي فيكي دلوقتي وبعدين؟"
بهذه الدقيقة تحديداً، اعتدلت "نيروز" تقبل كفها بتشبث ثم قمة رأسها ببرود وهي تكتم الدموع كي لا توترها، وأخيراً تفوق هي تدريجياً، ولكن الوجع مازال موجود. ابتلعت ريقها وهي تهز رأسها بخفوت. وبهذه اللحظة فتح الباب أكثر بواسطة "وردة" و"ياسمين" عندما هرولا ليجلسا بجانب والدتهم معها. نظرت لهم "نيروز" بصمت، من أخذها للموقف، ثم سكنت بجانب أنفاس والدتها معهم.
قبل ساعات قليلة، يفتح عينيه في حين يتردد القدر بإغلاق أخرى أم لا. طوال الأيام الماضية بعالم غير العالم الواقعي، أحلام أخرى وردية معها ومع من يريد أن يذيقه المر بسبب ما به. لا يعلم بأن من أحبها حب تملك صورياً فقط. أصبحت زوجة من فعل به كذلك وجعله مسطحاً على الفراش لا حول له ولا قوة. "حسن" ولم يرى ولم يفعل حسن بحياته أكملها. يعلم منذ فترة بأنه محاصر تحت أعين تترصد إفاقته. يعلمون بأنه بين الوعي واللاوعي وقت آخر. ولكنه يعلم تمام العلم الآن بعد إفاقته من ما هو به بقوة. يتصنع الإعياء وذهابه لعالمه الآخر لطالما الإهمال كبير في هذه المستشفى الحكومية. لاحظ غياب "شريف"، ويتذكر جيداً ما حدث. "شريف"، الذي لم تنتهِ نهايته بعد بالطبع لها تكملة كبرى! يزال مسطحاً في حين بأن الآخر نهض وشبه نهايته قد حانت وهو إلى الآن كذلك! يضع جميع التحسبات في المساء، عندما يعلم جيداً كيف يمر الوضع قبل يومين. لذا سيقرر الفرار اليوم لطالما يقدر بنسبة ما بأن يسير على قدميه رغم جرحه بها بالمطواة وخياطته. كل هذه الأيام تكفي لتداوي جرحه. ولكن جرحه من حدة الشباب عميق. يود الأخذ بالثأر له في الحال. وهي.. هي التي اختارته عنه. في كل مرة يزداد شره سوءاً، فكيف ستمر هذه المرة؟ وكيف له بأن يحكم كل هذه الأفكار الشيطانية لطالما بالتأكيد إن لم يطلب جسده الجرعة فسيطلبها عندما يقف ويسير هروباً وفراراً من تلك المستشفى المقززة بالنسبة له. لا يعلم بالكثير الذي مر بغيابه وكذلك كان عقله المشتت بالأفكار السامة.. فكيف ستكون ما أن يعلم البقية؟
سجن والده مؤقتاً إلى حين جلسته النهائية، ومرض والدته الآن.. وسجن صديقه وحتى ما حدث لشقيقته. زواج "نيروز" من "غسان". ذهاب "آدم" إلى مصحة. وإن علم حتى فلم يعنِ له شيء إن شعر بأن من ضمن هذه الأحداث أحداث تفوق عليه فيريد التفوق هو بالسوء كما اعتاد أن يفعل. وأول من يتحسب له بعقله دون الاهتمام لكل ذلك وإن لم يعلم.. كم هو وهي.. القصة التي ما أن تكاد أن تنتهي بمشاكلها يظهر مشاكل وعقبات أخرى جديدة. لم يرجع إلى الوراء حتى وإن رأى ماذا فعل به حدة الشباب! حتى وإن أعلن له وأعلمه بأن الأخرى ملكه.. ماذا يريد الآن؟ الموت؟ أم الجلوس بالعجز على الفراش ينتظر الموت أيضاً. لم يكل ولم يمل عن خروج سوءه المترتب عليه تعكر وانقلاب حياة آخرين غيره!
تولول كالعادة بخيبة رغم تحدي "حامد" لها واعتراض "بسام" لما تفعله من الأساس. جلست "دلال" تبكي بقهر على تبدل الحال سريعاً. و"وسام" تنظر بخيبة كبرى لعدم وجود الحل بيديها خاصة لشقيقها الذي انسحب يقف بشرفة غرفته. تابع "شادي" الوضع بحزن على صديقه. وسرعان ما سمع نبرة "حامد" التحذيرية لها:
"خلاص يا دلادل خلصنا.. إنتي مالك إنتي باللي بيحصل.. ابنك طبيعي يزعل عشانها مش كل ما ياخد جنب ويحصل حاجة تقعدي تندبي حظك عليه وعلى اللي بيحصله هو ومراته.... اسمعي.. ولا كلمة تخرج منك مش ناقصين الوضع يبوظ بينهم من ناحية تانية بسبب كلام تاني إنت مبتحسبيش ليه.. لو خرج من الأوضة بؤك ميتفتحش بكلمة إلا إذا كانت متفكر فيها!!!"
يهاب ويخاف بأن ينقلب وضع تحزن بشدة على "نيروز" وتحزن أكثر لتعكر فرحة "غسان" ولدها. لأول مرة يتحدث معها بمثل هذه الطريقة الحادة القوية. نظرت له بلوم. ووقف "بسام" ينظر بصمت في وقت غضب "حامد". أخرج حديثه اللين لوالده سريعاً ليخفف من حدة الوضع الغير مفهوم:
"يا بابا ماما متقصدش.. أكيد زعلانة عشان نيروز. وكمان عشان غسان. واللي حصل المرة اللي فاتت هي فاقت عنه وقالت إنها غلطت لما قالت كده. الوقتي الوضع متغير.. هي مش عايزة غير راحة غسان ومراته وبس. إهدي بس وهدي نفسك معاها!!!"
"أمك مش عايزة غير فرحة وراحة غسان ابنها وبس. حتى لو خايفة على نيروز وزعلانة عشانها بس بتموت وهي شايفة ابنها كده.. تبقى تسكت متقعدش تتكلم وتحس برضه أكتر بالبنت اللي برضه فرحتها اتكسرت زي ابنها. عارف إنها متقصدش حاجة.. بس أنا بخليها تاخد بالها من كلامها اللي بيخرج ده!!!"
نهضت "دلال" تلومه بجملتها الباكية الضعيفة له:
"عمرك ما هتحس بيا عشان مش هتعرف تحط نفسك مكاني.. أنا مبفضلش حد عن حد ولا بظلم في حكمي على حاجة.. بس زي ما هي صعبة عليا.. بس برضه ابني صعبان عليا زيها وهو مبيلحقش يفرح!!!"
زفر بصوت منها ثم تعمد الصمت كي لا يتطور الحوار أكثر. جلسوا بهدوء ينتظرون خروجه دون الضغط عليه.
أما هو ففي هذه اللحظة كان يقف بشرفته. ينفث دخان سيجارته الذي أشغلها قبل دقائق. كلما يشعر بضيق أنفاسه يفعلها ورغم تحذير شقيقه وصديقه ولكنه كالعادة يفعلها بين وقت وآخر. يتألم لأجلها. وكلما يتذكر جملتها له يثور داخله باللوم لما بدأه. لوهلة يشعر بشعور متعاكس. ولكنها جرحته وجرحت كرامته كرجل دون وعي منها. أخرج دخان سيجارته حتى نظر لها عندما أتى آخرها بالنسبة لها. ألقاها بعدما أطفأها بسور الشرفة. ثم حرك أنظاره ناحية شرفتها المغلقة بل والتي خلت من الورد والزرع! اعتدل ينظر بهاتفه الذي انتشله. فبمجرد مرور ساعات قليلة ستتجهز "سمية" للرحيل إلى المستشفى. تعمد هو ترك "نيروز" كي لا يضغطها. تركها وراحتها ثم سيذهب لها بعد وقت. فتح هاتفه بدلاً من الذهاب كي لا تنهار بسبب وجوده. وطلب "بدر" وهو ينتظر رده كي يطمئن على حالها الآن مع والدتها!!
بعد مرور عدة ساعات وفي موضعها الآن وعلى سجادة الصلاة. يداهمها شعور كان رغماً عنها ظهوره. وفي وسط هذه الأحداث تلح عليها والدتها. الكل يحزن لأجل والدته وهي.. هي التي لاحظت وانتبهت لغيابها. انتبهت لعدم مجيئها بعد آخر مرة حدث بها ما حدث! ابتلعت "فريدة" ريقها ثم أخرجت أنفاسها بصوت محاولة عدم التفكير بكل ذلك. نهضت من على سجادة صلاتها بعد أدائها ركعتان لله كي تدعو الله بأن تمر هذه المحنة عليهم وخاصة على "نيروز" ثم الدعاء التي لا تكف عن قوله وإردافه بأن يسامحها الله على كل ما مر. لا تكل ولا تمل.. والكل يتمنى بأن يثبتها الله على هذا الحال. لا تعلم ماذا تفعل كل لحظة بعد الآن يلح عليها النهوض لتطمئن عليها.. شعور ما بداخلها يحثها بأن والدتها ليست بخير. أم أن مشهد "نيروز" مع والدتها يؤثر بها وبعقلها الباطن؟ تعلم بأن مجرد ساعة وأكثر والكل سيجتمع ليودع "سمية" حتى ترحل. ولكن قبلها ستعقد العزم على فعلها! نهضت "فريدة" تطوي سجادة الصلاة ثم التفتت سريعاً تنظر نحو "جميلة" التي وقفت أمام المرآة تعقد حجابها الأبيض. سألتها "فريدة" سريعاً بغرابة:
"هو إنتِ راحة فمكان دلوقتي؟"
ابتلعت "جميلة" ريقها بضعف. فوضع زوجة عمها وحتى كلمات "نيروز" تؤثر بها بقوة. حركت رأسها بنفي وهي تحاول الابتسامة لها ثم أجابت لها توضح:
"لأ.. كنت بكلم عز.. وقالي إنه جاي في الطريق بعد ما عرف اللي حصل وكده.. فبلبس عشان أكون جاهزة في انتظاره!!!"
لاحظت حزنها. فتوجهت تفتح ذراعيها بقولها السريع لها:
"تعالى!!"
دخلت "جميلة" بأحضانها تحت أنظار "عايدة" من على أعتاب باب غرفتهما. تنفست "جميلة" بعمق. ثم سمعت حديث "فريدة" لها وهي تطمئنها قائلة بلين:
"أنا عارفة إنك زعلانة.. عشان طنط سمية وعشان كلام نيروز. هبقى كذابة أوي لو قولت إن تأثري زيكم بالظبط.. بس أنا عارفة غلاوتك عند نيروز وهتسامحك عادي سيبك من الهبل اللي بتقوله.. بس المحنة دي تعدي وكل حاجة هتبقى تمام. وبالنسبة لطنط سمية فأنا بدعيلها في كل صلاة وإنت كمان اعملي. عرفت مؤخراً معنى إننا نتعشم في ربنا ونحط. عشمنا كلنا فيه في ميخذلش أي حد فينا أبداً. وبالنسبة لـ عز اللي جاي ده فـ هوني على نفسك وعلى الواد ده أصل حرفياً كده.. صعبان عليا مش لاحق يتبسط.. انبسطي يا جميلة وخليكي واثقة في ربنا وإعطي فرحتك بكتب كتابك حقها.. العياط مش هيعمل حاجة."
أحسن حاجة إننا نعرف ندي الفرحة حقها حتى لو موجوعين من جوه ومقهورين. ومن علامات النضج اللي بجد إنك تفكري لما تعقديها يعني كده هتتحل؟ لا طبعًا. كله بيتحل من عند ربنا، علينا بس السعي. والسعي مننا هو إننا نرضي ونتقبل كل حاجة بتحصل وهتحصل، فهماني؟
تفتخر بها وبما وصلت له من عمق تفكير ناضج عكس ما قبل ذلك. ابتسمت لها بتأثر ثم توجهت تقبل قمة رأسها بفخر، وهي ترد بقولها الهادئ:
"أنا بجد فخورة بيكي وباللي وصلتي له، فخورة بتفكيرك وتغييرك، يا بخت أي حد إنت في حياته يا فريدة!"
"دي حقيقة يا حبيبة أمك!"
قالت عايدة جملتها لهما. التفتت فريدة برأسها لها ثم نظرت لها بلطف، حتى عانقتها. طالعتها عايدة بتأثر. فتحدثت فريدة بعد لحظات، تسألها بتردد:
"هو فين المفتاح اللي حازم سابهولي، مفتاح شقتنا؟"
ترقبت جميع حواس جميلة ومن ثم أجابت عايدة سريعًا، بلين:
"متعلق جنب الباب يا حبيبتي، رايحة هناك ولا إيه؟"
"أه هشوف ماما مختفية بقالها شوية ليه."
أومأت لها. في حين فرحت جميلة بما تفعله شقيقتها. خرجت فريدة ببطء، إلى أن أسرعت بخطواتها عندما وجدت باب الشقة يدق بخفة. انتشلت المفتاح بخفة ثم فتحت الباب حتى وجدت عز أمامها. في الأساس رأته من قبل، ولكن هذه المرة هي قريبة منه ووجهه تنظر إليه هي. لوهلة شعرت بشريف الذي كانت ملامحه مثل ملامح عز بطريقة ملحوظة. ابتلعت ريقها. وفي هذه اللحظة شعر هو بما شعرت به كونه يعلم الشبه الذي بينه وبين شقيقه، بل ويعلم هو تمام العلم بداهة ما فعله الآخر بها. خرجت ابتسامتها أخيرًا، رغما عنها. أما هو فأخفض نظراته بخفوت، بطريقة ملحوظة. تنحنح بحرج. فأفسحت له المجال سريعًا، وهي ترحب به بكلمة خافتة. إلى أن ظهرت عايدة من خلفها وهي تبتسم له ترحب به بحرارة.
دخل فأغلقت فريدة الباب من خلفها، وهي تتوجه خطوتان لتضع المفتاح بباب الشقة، إلى أن فتحته ببطء ثم دخلت تنظر من حولها. المكان ساكن إلى حد كبير. التفتت حولها بريبة من قسوة الصمت. بماذا تشعر والدتها إذن؟ سارت ناحية غرفة والديها حتى فتحتها سريعًا، ولكنها لم تكن موجودة هنا وقد خفق قلبها رغما عنها. ابتلعت ريقها بصعوبة. أيعقل أن تكون لبت لها غرضها ورحلت وتركتها؟ نظرت حولها بخوف من الفكرة. ثم خرجت سريعًا لتبحث بباقي الغرف إلى آخرهم. وكانت غرفتها هي. فتحتها بإندفاع، ومن ثم رأت ما وجعها ووجع قلبها بشدة. فقد كانت مسطحة على فراشها بعالم غير عالمها وتحتضن وسادة فراش فريدة، ومن ثم الوسادة الثانية التي جلبتها من غرفة حسن. لم تشعر فريدة بنفسها إلا عندما فرت منها دمعتها الوحيدة وهي تركض سريعًا ناحيتها بعدما وجدتها تقوم بقول كلمات غير مفهومة. حركتها برفق، وهي تضرب وجنتيها ببطء كي تفوق من ما به. وسرعان ما دب القلق بها عندما وجدت جبهتها ساخنة. درجة حرارتها مرتفعة جدًا، لذا تهذي بجمل غير مفهومة. تعلم ذلك دور الإعياء المتشر هذه الأيام من تغير الأجواء. ولكن درجة حرارتها مرتفعة. تتحسسها بأصابع مرتجفة من الخوف المقلق، لذا هتفت بتعلثم لها تردد كلمة واحدة بخوف:
"مـامـا..!"
بالفعل تفتح زينات عينيها ولكنها تغلقها على الفور. لم تستطع فتحها بسبب شدة سخونتها. ولكنها شعرت بها وبأنفاسها بجانبها. حركت يديها بحركة انتبهت لها فريدة التي مسحت دموع والدتها سريعًا. تنهر نفسها وتهاب ما بها. نهضت سريعًا تجلب صحن من الماء الفاتر وقطعة قماشية كي تراعيها. داعية ربها بفطرة حبها لها من داخلها بأن تدوم لها. ومن المذهل بالنسبة لها فقط أنها بكت وهي تجلب ما تجلبه كي ترعاها. إذن خافت فقدانها وتخاف بالفعل، وكل منهم يهاب الفراق بإختلاف الظروف!
بعد مرور وقت بشقة عايدة. كان يجلس عز بالفعل ومعه جميلة التي تشرد بين وقت وآخر. انتفضت بخفة عندما هتف هو باسمها وهو يضرب كتفها بأنامله بخفة. وقد كان يجلس حازم بالفعل على بعد منهم بعدما جاء من شقة سمية. حركت جميلة رأسها ناحيته بأسف. ثم قالت سريعًا له:
"معلش يا عز، سرحت غصب عني.. أنا خايفة أووي!"
كانت تبرر إلى أن وجدت نفسها بالفعل تخرج له بشعورها، بل وقالتها بكل اهتزاز وصل إليه. اعتدل عز ينظر لها سريعًا. ثم مد يديه لها فوضعت كفها به. ربت على كفها بحنو، وهو يحاول بأن يطمئنها بالحديث عندما قال:
"مش عاوزك تخافي، عارفه ليه؟ عشان أول حاجة مرات عمك هتبقى بين إيدين ربنا. مفيش ألطف من كده أبدًا. إحنا قدامنا إننا ندعي ربنا ونستودعها وإن شاء الله هتخرج بصحتها كويسة. أنا مجرب كل التوتر والخوف اللي إنتوا فيه ده لما أمي دخلت العمليات، بس ثقتي فربنا مقلتش. ولو على تاني حاجة، فعايز أقولك إن كل واحد بيعمل بأصله والأصل غلاب في الآخر. وإنت عارفه إن نيروز بتحبك وكويسة معاكي. أكيد مش هتفضل كده طول الوقت، بس قدري حالتها وقفي معاها ومتسيبهاش. ولا تسيبيني تاني علشان أنا مكنتش كويس من غيرك يا جميلة!"
قلب الحديث بآخره كي يخفف من توترها. تشبثت بكفه متحلية بالثبات رغم اهتزازها. تنفست بعمق وهي تصارحه هي الأخرى بصدق:
"أنا كمان مكنتش كويسة من غيرك يا عز. كل يوم كنت بصحى من النوم فيه كنت بفتكر أنا كنت ببقى عاوزة الجامعة تيجي إزاي عشان بس أشوفك. لكن بعد اللي حصل غبت كتير حتى يوم الشهادة اللي قولتلك عليها راح عليا ومردتش أخد حد معايا، عشان إنت بس اللي كنت تستحقها بالنسبالي. أنا بحبك أوي ومعرفتش إني بحبك أوي كده غير في غيابك. كنت بحاول أخفي وجعي عشان محسسش حد بيا بس كله كان باين عليه إنه عارف اللي فيها. مكنتش بفكر في حاجة غير فيك. حتى كنت بدور على أي حاجة وحشة عملتها تخليني مفكرش فيك وأبطل أحبك ملقتش. عرفت ساعتها إني خسرتك. ولما خسرتك كنت كل ليلة بتمنى نرجع بأي طريقة، حتى كنت بدعي بكده رغم الظروف والكلام اللي كان عكس ده. فجأة لقيتني بقيت ليك وكتب كتاب وحاجات كبيرة أوي من عند ربنا. هفضل أشكر ربنا على النعمة دي وعليك دايما، علشان إنت العوض. حتى لو إحنا الاتنين عندنا الأسباب اللي ترجع كل واحد في العلاقة دي بس أنا متمسكة بيك بعد النهارده حتى بعد اللي عملته. فرح. وبالنسبة للموضوع ده فسامحني يا عز. أنا.. أنا مش قادرة أنسى. وبقيت خايفة من كل صحابي. فرح كانت أقرب حد ليا فيهم. أنا مخذولة أووي منها!"
خذلان الأصدقاء! أصعب ما يمر على المرء! ابتلع ريقه بتأثر من كل حديثها. وعندما أتت بآخره تألم لأجلها. كيف سيعدل بين شقيقته وحبيبته بل وزوجته؟ الوضع صعب بالنسبة له حتى ولو خذلته شقيقته هي الأخرى. حاول التحدث بهدوء وتعقل لها هو الآخر بحديث لين:
"وأنا كمان متمسك بيكي رغم اللي حصل. عارف إن فرح كسرتك. وصدقيني مش بدافع عنها بس دي أختي. أنا مش قادر مكلمهاش ومش قادر أكلمها وتايه بين حاجتين. عندها التبريرات اللي تخليني أسامحها وإنتي كمان. الحاجة الوحيدة اللي تشفع لها عندي إنها متقدرش تاخد أي خطوة ولا حتى قرار. كانت ضعيفة وخافت منهم. وعند التبرير ده أنا بس اللي هحس بيها وممكن كمان أسامحها. لكن إنت لأ. أنا مش بضغط عليكي تعطيها فرصة. بس أنا أتمنى الحال يتصلح عشان لما تعيشي معانا تكوني مرتاحة. إنت مهمة عندي زيهم بالظبط يا جميلة!"
لم تجد سواه لتخرج له الكلمات وستستمر بذلك كونه الركن اللين لها. استمعت إلى حديثه بألم حتى انتهى فتنفست بعمق. وقد لاحظت نهوض شقيقها. لا تعلم لما تخرج له الحديث الذي بداخلها ولكنها ستخرج بما تكتمه له لأول مرة من جديد:
"عارف يا عز.. عـ .."
قاطعها سريعًا عندما قال بخفة بجملته المعهودة بالنسبة لهما:
"لا مش عارف، بس هموت وأعرف والله العظيم!!!"
خرجت ضحكتها الخافته وهذا ما كان يريده. اشتاقت لحديثه ذلك. تنفست بعمق، فأنصت لها باهتمام أتى من حبه لها عندما تعمدت سرد ما تراه لها وبها:
"عمري ما كنت ضعيفة، بس اتعودت إني أسكت. من أول كلام بابا ليا وفرضه حاجات عليا لازم تتعمل غصب عني، لكلامه الصعب اللي كان بينزل زي سكاكين تلمه لحد ما حدت في الآخر واندفعت عليه. بس كل ده كان مع سكوتي برا عشان أريح دماغي وأعيش. كنت بسكت في البيت عشان كده، رغم وجعي، بس كأني اتعودت على كده. فكنت برضه بسكت برا. كنت هجومية ومندفعة بس فين وفين على ما يظهر ده. سكوتي كان أكتر بكتير. من بداية كلامهم برا ليا اللي كان بيجرحني ويكسرلي خاطري وبرضه كنت بعدي. أنا كان بيتقالي إنتي بتلبسي كده ليه؟ رغم إن لبسي كان كله طويل وواسع شوية وجديد وشكله حلو. أنا برتاح في كده بس ده مكنش ردي. كان ردي السكوت. كانت واحدة بتقولي إنت شكلك وحش أوي."
رغم إني سمعت من ناس كتيرة أوي إن ملامحي حلوه وشكلي حلو، بس مجرد جملة زي دي بتكسر قلب الواحد حتى لو كان واثق في نفسه. كانوا بيقولولي إني تنكه ومتكبره عشان مكنش عندي اهتمام أتعرف على حد.
اشتريت فمرة نضارة عشان نظري كان قل خالص وعيني تعبت من العدسات، لآني كنت ببطل أجيب نضارات زمان عشان لما بيضربني بالقلم كانت تتكسر. جتلي عقده منهم وبطلت أشتريهم وروحت عملت عدسات ولبستها فعلاً لحد ما عملتلي مشكلة في أعصاب عيني، فرجعت أجيب نضارة تاني.
قالولي إن شكلي وحش فيها أوي، مع إني أتذكر إن وقتها البنت بتاعت المحل صورت عيني بيها وإتفاجأت إنها قصتها ونزلته على بيدچ المحل ده. قالتلي إن عيني فيها حلوه عشان مسحوبه وكأنها متكحله، فظاهرة في العدسات بتاعت النضارة. كان عندي أسباب كتيرة تكذب كلامهم الوحش ليا، بس طلع إن الكلام الوحش بيسيب أثر أكتر من الحلو. طلع كل دول في الآخر اتقالي عنهم إنهم بيغيروا مني، وكلام مصدقتوش أوي ساعتها.
قاطعها "عز" سريعاً، بصراحة:
"لأ صدقيه، وده مش كلام من حد بيجاملك، دي الصراحة. الصراحة اللي بقت من حقي أقولها عشان بقيتي مراتي. إنتي إسم على مسمى ودي حقيقة. لحد ما وصلت إن عادي الناس تشوفك مش حلوه، كفاية أنا أشوفك أجمل واحدة في البنات، وده عشان بغير عليكي فعلاً قبل أي حاجة. كل كلامي ده صراحة مش كلام حبيبة قاعدين بيشربوا عصير على النيل. وأنا محتاج أعرف مين اللي قالولك كده. لو شاورتيلي بس بصباعك على حد مضايقك أنا هشوفه بنفسي. أنا وعدتك يا جميلة، وعدتك تكوني مبسوطة ومرتاحة، وأوعدك تاني بـ كده، أوعدك إن وشك ده ميشوفش ضرب من تاني ولا ودانك تسمع كلام مؤذي خارج من مرضى نفسيين زي كده. أنا حتى لما كنت شاب صغير عن كده ومكنتش ملتزم زي دلوقتي كده، كنت بقعد أعاكسك بس في السر، أصل الشيخ بتاع الجامع كان قالي إن الكلام ده بيترد في أختكم. كنت جاهل أنا في الحاجات دي ملحقتش أتعلمها، بس إتعلمتها والدنيا علمتني وجابتلي اللي كنت بعاكسها في السر عشان تكون على إسمي. وعلى فكرة دا سر مخرجش غير ليكي وبعد ما بقيتي على إسمي!"
تتأثر من حديثه ودفاعه فبررت له سريعاً ما كانت تفعله:
"أنا بس فكرة إنّي مبعرفش أكسف حد ولا أكسر خاطر حد دي خدت من حقي كتير، كتير أوي!"
"تردي تكسفي عند الوقت المناسب من غير ما تكسري خاطر حد. كلنا على الله بس في حدود محدش يتخطاها، وطالما انتي كده يبقي إنتي إنسانه سليمه وفي السليم وجميله زي إسمك، وزي الملاك في الأبيض كالعاده!"
قال آخر حديثه لها وهو يتطلع إلى حجابها وملابسها. ابتسمت له بخجل وهي ترمش بيديها وعينيها الحانية عليه، فوجدته يقسم بحيرة من حديثها سريعاً:
"مش عارف مين المتخلف اللي شايف إن عيون زي عيونك دي مش حلوه في النضارات والله!"
إعتدل سريعاً عقب قوله يخرج من جيبيه ما نساه. إعتدل مرة أخرى عندما أخرجهما معاً. أشار لها بأن تعطيه يديها، ففهمت سريعاً أنها شبكتها التي أعطتها له عند آخر مقابلة. مدت له يديها اليمنى، فحرك رأسه نفياً سريعاً وهو يردد:
"الشمال بقا، ما انتي بقيتي مراتي، ولا نسيتي؟"
"عمري ما أنسى اللحظه دي!"
أعطته كفها فـ ألبسها دبلتها ثم خاتمها. وسرعان ما اعتدل هو وهو يمد لها كفه الأيمن بقوله:
"خدي خرجيها من اليمين وحطيها في الشمال.. وعايزك تعرفي إني مقلعتهاش خالص من ساعة اللي حصل لحد دلوقتي!!"
انتهت تزامناً مع قوله، فإبتسم بفرحة كما ابتسمت هي. نهض ببطء يعبر لها عن سعادته بهذه الفعله ثم سحب كفها كي تنهض ثم دارها وهو يلفها بحب بردائها الأبيض. شاهدهما "حازم" و"عايدة" معاً بابتسامتهم السعيدة بهما رغم ما لديهما من محنة. فتح "عز" ذراعيه لها بلطف تزامناً مع قوله لها:
"بصراحه اللي يجرب حضنك مره معتش يقدر من غيره.. تعالي..!"
دخلت بين أحضانه بخجل، حتى أن وجهها قد اشتعل من سخونته بخجلها منه لولا أنه وضعها أمام الأمر الواقع لرفضت، كونها تخجل بشدة منه. ولكنها دخلت تزفر براحة كبرى. ضمها بحنو، ولم يخشي وجود أي شخص كونه يفهم جيداً معني أنها أصبحت على إسمه قولاً. تنحنح "حازم" يجلى حنجرته وهو يظهر أمامها. حاولت "جميلة" الخروج سريعاً وكأنها تقترف جرماً للتو. عاند "عز" فعلتها وهو يتمسك بها كي لا تخرج. تعمداً لظهور ذلك أمام "حازم". الذي آبتسم له "عز" بحنو وهو يشير له وكيده هو الآخر يظهر بخفوت قليل ليرسله له بين ثغرات الحديث:
"تعالى يا حازم إنت كمان أما أحضنك مع مراتي!!"
"سيبها.. وإحترم إنك في بيتها!!"
ضحك "عز" على قوله المرح، حتى أنها خرجت من بين أحضانه وهي تسمعه يردد بلباقة رغم عكس ما يردفه:
"غلطان عارف ليه؟ عشان بيتها بعد كتب الكتاب المفروض يبقى بيتي.. يعني أنا سايبها معاكم هنا بمزاجي.. فهمان؟"
حدجه "حازم" بابتسامه حانية ظهرت أخيراً له بل والأسف الذي استشفه. ولكنه سمع حديث "عايدة" له عندما قالت بمعارضة:
"لأ طبعاً.. على بيتك بعد الفرح والليله الكبيره.. ولا بنتي متستاهلش فرح.. لتكون عايز تاخدها كده وبتلمح يا واد يا عز؟"
إبتسم لها بخفة وهو يحرك أنظاره ناحية "جميلة" ثم ردد بنبرة صادقة:
"جميلة قيمتها ليلة فرح متعملتش قبل كده.. ربنا يقدرني وأعملها في أقرب وقت!!!"
طالعته بحب، كما كانت سعادة طفيفة بحديثه عليها. إعتدل "حازم" سريعاً ثم قال بهدوء:
"طب يلا اللي هيجيي عشان نشوف طنط سمية قبل ما تجهز وتروح المستشفى!!"
نهض من على فراشه بعدما تسطح عليه بتعب قبل وقت. إعتدل يقف ومن ثم نظر "غسان" إلى الساعة بهاتفه لم يجد إلا القليل على ذهاب "سمية". تنهد يخرج أنفاسه ثم عدل من ملابسه الفوقية قبل أن يتوجه ناحية باب غرفته ويفتحها. وما أن فتحها بالفعل وجدهم مجتمعين بصمت بصالة المنزل أمام غرفته هو. خرج من الغرفة وهو يقف ثم وجد "دلال" تقف بلهفه وهي تنظر إليه قائلة بتساؤل متلهف:
"إنت كويس يا حبيبي؟"
ابتسم لها "غسان" كي يراضيها ثم حرك رأسه بنعم يوافق ما قالته حتى أمسك كفها يطمئنها. وسرعان ما عقد بين حاجبيه سريعاً عندما لم يجد "شادي" حتى سألهم بإهتمام:
"أومال شادي راح فين؟"
"كان سمع يامن بيعيط من شوية فـ راح يشيله عشان بيسكت معاه.. وأهو يلهيه عن وردة وبدر شوية على ما سمية تمشي بالسلامه!!!"
بالفعل رحل عندما تعمد بأن يتركه وحده. وجد "بسام" يقف بجانبه بصمت، إلى أن حرك عينيه سريعاً عندما وجد سؤال "والده" له:
"سايب مراتك ليه يا غسان وقاعد هنا؟"
بعد الآن أسراره معها وبينهما لا يود كشفها كما يود بأن يفعل. تنفس بصوت خافت وهو يجيبه بنبرة هادئة:
"مسيبتهاش.. أنا بس شوفت إنها محتاجة تقعد مع مامتها الكام ساعة دول.. وعدم وجودي في لحظة زي دي معاهم أحسن.. على الأقل تقعد وتتكلم وتعبر عن كل اللي بتحس بيه ليها وبراحتها عادي يعني يحج حامد متشغلش بالك بينا إحنا كويسين مع بعض مفيش حاجة!!!"
يفهم عقل "والده" الغير هين مثله تماماً. تعلم ولدها عندما يخفى شئ بداخله لذا لم يترك لأي منهم فرصة للحديث. بل أشار لهم بقوله وهو يستفهم منهم:
"طب يلا لو رايحين؟"
عدلت شقيقته ووالدته حجاب رأسهما وهما يساندان بعضهما حتى سبقا بالفعل. بينما وضع هو هاتفه بجيب بنطاله سريعاً حتى كاد أن يتحرك سريعاً، ولكن أوقفته نبرة "حامد" حتى وقف "بسام" هو الآخر:
"محدش بيسيب مراته في وقت زي ده يا غسان.. إنـ.."
بتر جملة "والده" عندما تعمد السير متصنعاً عدم سماعه. رغم تبجح فعلته ولكنه لا يود سماع شئ آخر يأتي على طاقته. يحزن بالأساس لأجلها. يتألم منها ولها ولكنه ابتعد كي تجلس بأريحيه مع والدتها. لم ولن يتحمل حديث أحدهم حتى ولو كان من والده.
ضغط "حامد" على فكه بعجز، فقد شعر بمدى ثقله. يود أن يهون عليه وينصحه ولكن لم يعطه الآخر فرصة. اعتدل عندما أمسك "بسام" كفه وهو يربت عليه بحنو، بعدما سبق "غسان" ثم قال له بأسف:
"معلش يا بابا.. ميقصدش، انت عارف هو مضغوط قد إيه.. متعتبش عليه.. إنت أكيد مقدر حالته وحالة مراته في يوم ووقت زي ده!!"
كان رغماً عنه الصمت. هو الآخر يحمل هم ولده وكأنه لا يزال صغيراً. استند على سنده الآخر كي يخرج من الشقة بأكملها متوجهاً ناحية شقة "سمية".
وبالشقة بالفعل، دخل "غسان" وهما من خلفه. كانت غرفة "سمية" مفتوحة وهن بها جميعاً. وقف "حازم" بالخارج مع "بدر" و"شادي"، كما وقف معهم "حامد" الآن. خرجت النساء تدريجياً من الداخل، وأما هو فأخذ ركن يقف به بهدوء، ساكن بحزنه عليها. سيظهر بمثل هذه الأوقات أنه يخاف ويهاب على من منه بشدة، حتى ولو كانت والدة زوجته! خرجت "وردة" عقب خروج "ياسمين" ولم تخرج "نيروز". بل نادت "وردة" "غسان" بقولها المختنق:
"غسان ممكن تخش جوه لماما.. عاوزاك!!"
حرك "غسان" رأسه لها بالإيجاب، ثم بدأ بالفعل بالسير إلى غرفتها حتى وقف يدق الباب المفتوح. فابتسمت له "سمية" بحنو وهي تشير له بأن يجلس. حرك عينيه نحو "نيروز" التي طالعته بضعف والدموع من عينيها تنهمر. وضع ذراعه عليها وهو يربت على ظهرها بحنو. ثم وقف يبتسم لها فتحدثت هي سريعاً له بأسف:
"أنا اللي حطيتكم في الحالة اللي إنتوا فيها دي يا بني.. بس ربنا اللي يعلم، طالما اختارتك إنت يبقي إنت بقيت حاجة تانية عندي. أوعى تزعل بنتي أمانة عليك ولا حتى تعبر هبلها وعبطها. خليك حنين عليها وهي برده.. أنا حالفة عليكم إنتم الإتنين ما تيجوا مستشفيات إلا بس بكرة قبل ما أدخل العمليات وتمشوا علطول بعد ما أدخل متستنوش.. وده موضوع مفهوش نقاش.. وحتى نيروز مش هتقعد في مكان من غيرك.. إنتوا لسه عرسان ومن حقكم تفرحوا.. وأنا واثقة إنك بتعرف تفرح بنتي.. بنتي برده اللي أنا وصيتها عليك.. مش كده يا نيروز!!!"
بجملتها الأخيرة، نظر نحوها بلين. ثم نظر إلى "نيروز" التي نظرت له بأسف، ولكنه تعمد عدم فهم نظراتها. وما لا يعلمه هو أن "نيروز" قصت بطريقة غير واضحة ما قالته له من حديث ليس هين عليه، لوالدتها التي عنفتها بهدوء وفهمتها الوضع كونها جاهلة لا تعي ما تردفه جيداً. التزمت بوعدها له ولم تقص، ولكنها لمحت لها. عارض "غسان" سريعاً باهتمام لأول حديثها:
"مينفعش اللي بتقوليه ده.. أنا مجهز العربية حتى كنت لابس هدومي عشان آجي أوصلك.. ولو على نيروز خليها.. بس سيبيني آجي معاكي دلوقتي!!!!"
"لأ ولا حتى إنت ولا مراتك ولا ياسمين.. بدر وحازم ووردة اللي هيجوا معايا. ومتعارضنيش بقى يا حبيبي.. كل واحدة هنا وعندها ظروفها وأنا مش هسمح بـ ده غير اللي قلت عليه!!"
اعتدلت تقف. فنهض هو بلهفة يسندها مع زوجته، حتى تماسكت جيداً. فانحنى يجلب الحقيبة المتوسطة بالحجم التي ستأخذها معها. ثم خرج خلفهما سريعاً. حتى وجد الجميع يودعها بالفعل، وكانت آخر كلمات الوداع من "ياسمين" التي بكت بتعب وهي تقول بنبرتها الباكية:
"عشان خاطري يا ماما متخذلنيش.. أنا هستناكي أنا واللي جاي في الطريق عشان يقولك يا تيته. أوعي تمشي وتسيبينا..!!"
لم تقوى على إرداف كلمات متأثرة. بل عانقتها والدتها بتأثر. ثم جاءت من خلفها "وردة" التي تأثرت أكثر هي الأخرى رغم ذهابها معها:
"أنا مقدرش من غيرك يا ماما.. فمش هسيبك إلا لما تخرجي لنا بالسلامة!!"
إحتضنتها "سمية" بألم. ثم خرجت يحتويها "بدر" ومن ثم عانق "حازم" "ياسمين" وهو يحثها. وقفت "نيروز" بجانب "غسان" الذي مد يديه يدلك كفها البارد كالعادة. ثم أشار لها بعينيه بأن تقوى على فعلها وتودعها هي الأخرى بالكلمات حتى ولو كل منهم سيذهب إليها. تقدمت بعدها بخطوات بطيئة ثم رفعت يديها تمسح دموعها حتى بدأت هي الأخرى بالحديث وهي تردف بكل خوف:
"أنا مش بقولك هترجعي.. أنا متأكدة إنك هتبقي كويسة من تاني.. بس عشان خاطر بنتك ولو بتحبيني بلاش يحصل العكس.. بلاش توجعيني تاني.. أنا مش هقدر.. اوعديني!!!!"
كيف ستعدها وهي لم تتأكد من حدوث ذلك. وقف الجميع بترقب. فهذه الإجابة منها إن قالت لها العكس سينهار الوضع. وقف "غسان" يتابعها بتعب حتى تقدم يمسك كفها وهي تنتظر الإجابة. لم يحاول تشتيتها. ليس بصالحه الوضع، خاصة أنها تنتظر الإجابة بكل اهتمام. شهقت "جميلة" بوجع. فربت "عز" على ظهرها. ثم تقدم ينهي الوضع المتوتر كونه فهم ما يحدث. وقف أمامها ثم اخفض نظراته بطريقة ليست ملحوظة عندما وزعها بينها وبين والدتها. وبدأت بالحديث وهو يبتسم بإطمئنان لها:
"لما 'أم عز' دخلت العمليات كنت زيك كده وأختي كمان يمكن كان نفس الكلام بالحرف. جت عند كلمة الوعد وأنا اللي قلت لها أوعديني تخرجي من تاني عشان مش هقدر أعيش من غيرك. وكنت متلهف ترد عليا بسرعة وتقولي أوعدك ومتقوليش كلام يوتر أكتر زي ما الحال واقف كده زي الوقتي. قالت لي اتعشم في ربك هو اللي بإيده كل حاجة. سبتها لله عشان مفيش أحن منه عليها هي وهي بين إيديه. خرجت لي ومراحتش مني وبعد وقت بعد كويسة. وطول المدة اللي كانت غايبة فيها ثقتي في ربنا مقلتش ولا عشمي فيه قل إنه يرجعها لي عشان مليش غيرها من بعده. هتعملي كده إنتي كمان؟؟ ده المفروض يبقى وعدك ليها أصلاً مش هي!!!"
قلب "عز" الحديث بخفة. فعل ما لم يقدر "غسان" فعله بسبب ألمه عليها وعلى وضعها. انشرح صدرهم وخرجت الأنفاس عندما وجدوا شبه ابتسامة صغيرة على وجه "نيروز" الذي أثار حديثه يقينها بعودتها. حتى أنها هزت رأسها بيقين لها ثم قالت:
"هستناكي وأنا متعشمة في ربنا اللي مش هيخذلني. متغيبيش عليا!!"
عانقتها فور انتهائها من جملتها. فنظر "غسان" ناحية "عز" بإمتنان. وبهذا الوقت رد له "عز" عناقه الذي عانقه به عندما كان بشقة "شريف" يوم الواقعة. عانقه بحب أخوي ثم قال له بخفوت بجانب أذنه:
"كل حاجة هتبقى تمام يا خويا يا غسان يا عريس!!"
إبتسم له "غسان" بخفوت. وقد رأى الكل يتوجه ليخرج من باب المنزل. حتى ودعوها بالدموع والبكاء مرة ثانية عندما دخلت المصعد مع "وردة" و"بدر" و"حازم" الذي أخذ الحقيبة. هبط المصعد. وعند هذه النقطة شعرت بخلو المكان من حولها من أنفاس والدتها رغم وجود الجميع. ولكنها نظرت بألم إلى أن وجدته يقف أمامها والدموع يحبسها بمقلتيه. فتح "غسان" ذراعيه لها حتى دخلت بين أحضانه ببكاء. أمام بكاء "ياسمين" بأحضان "عايدة" وكذلك "جميلة" و"عز". سحبتها "عايدة" معها إلى شقتها سريعاً. وأشار "حامد" له ولهم ليدخلوا شقته. حتى فتحها "بسام" ودخلوا بها وسحبها "غسان" خلفه تحت ذراعه. أخذت "دلال" المفتاح الخاص بشقة "سمية" ثم أغلقتها خلفها هي الأخرى وابنتها حتى توجهت إلى شقتها. كان "شادي" يحمل "يامن" حتى استغرق بالنوم على كتفه. جذبت "وسام" زجاجة المياه سريعاً حتى قدمتها لـ "غسان" الذي فتحها ثم وضعها على شفتيها فتجرعت "نيروز" منها ببطء. حتى اكتفت. أمسك كفها يدلكه بحنو. فأخذ "حامد" يد "دلال" خلفه لغرفتهما. ووقف "بسام" يشير نحو "وسام" بأن تأتي خلفه لتساعده بفعل شئ ما. وبالفعل كان قد سار "شادي" ليضع الصغير بغرفة "بسام".
فوقف "غسان" يسندها حتى وقفت ثم فتح باب غرفته وسحبها معه إلى الداخل ثم أغلق الباب. جلست هي على الفراش بمساعدته فجلس بجانبها واضعاً ذراعه على كتفها وهو يطمئنها بالحديث قائلاً:
"هترجع يا نيروز وهتبقى كويسة وزي الفل.. هتعيش لحد ما تشوف أحفادها منك انت.. متعيطيش بقى وإطمني"
صمت "غسان" ثم أضاف سريعاً لها بقوله المطمئن وعينيه لا تفارق عينيها:
"متخافيش أنا معاكي وجنبك!!"
يخرج حنوه رغم أخذه لموقف منها بسبب كلماتها. وهذا ما.
تخافه عندما يتعمد تجاهل ذلك إلى حين المواجهة.
ابتلعت ريقها ببطء ثم أردفت تجيبه كمحاولة للأسف:
"مش خايفة طالما معاك!!"
تنتظر رده عليها كالعادة ولكنه أومأ لها فقط دون حديث.
مد يديه يخلع حجابها.
ثم نهض يمد كفه لها فنهضت هي الأخرى حتى أشار لها بلطف كي تستريح:
"إقلعي عبايتك عشان تعرفي تنامي!!"
بالفعل ترتدي ملابس محكمة الغلق ولم تستطع النوم بها على الفراش حتى ولو كانت مجرد راحة.
ابتلعت ريقها وهي تومئ له.
حتى مدت يديه تخلع عباءتها عنها ببطء فساعدها هو بفعلها حتى أخذها منها يضعها على المقعد بجانب فراشه.
استشعرت بالحرج منه وهي تعيد على مسامعها ما قالته له.
طالعها بهدوء وهي تتسطح على الفراش فدخل هو بجانبها يجلس.
تعمدت أن تجلس بجانبه ففرد هو الغطاء عليها ثم قال بلطف:
"لو حابة تنامي شوية نامي.. وهبقى أصحيكي!!"
نفت برأسها.
ثم نظرت نحوه حتى قالت آسفة على ما قالته دون مقدمات:
"غسان أنا أسـ.."
"ارتاحي يا نيروز مش وقته كلام من ده!!"
قاطعها وكان يضع بحسبانه أن يقاطعها بلين ولكن خرجت منه جملته بحدة عليها.
حتى أدمعت عينيها تلومه وكأنها بهذا الوقت تقلب الوضع متعاكسا:
"كلام من ده.. أنا بتأسفلك يا غسان عشان اللي قولتهولك.. لدرجادي مش مهم عندك.. أنا عارفة إنك زعلان مني.. متتجاهلنيش لو سمحت أنا مش قادرة!!"
تعمد هو التجاهل عندما مرر يديه على خصلاتها ثم قال وهو يتنهد:
"عشان مش قادرة.. خليكي مرتاحة وبلاش كلام كتير يتعبك!!"
اعتدلت "نيروز" سريعا تنظر إلى وجهه بصمت.
ثم سألته بلوم قبل أن يتحول وضعها لآخر:
"يعني دا آخر كلام من عندك ليا؟"
هز "غسان" رأسه ببطء.
ثم قال وهذه المرة خرج برود نبرته عليها بقسوة لم يقصد فعلها ولكنها تيقنت بأنها جرحته عندما نبس بنبرته وخوفه عليها لم يخلو:
"آخر ما عندي تكوني مرتاحة دلوقتي.. نامي وارتاحي يا نيروز!!"
تجمعت الدموع ببنيتها بضعف عندما وجدته غير متهاون.
تحركت بسرعة من جانبه وهي ترفع الغطاء عنها تحت نظراته حتى توجهت بطريقها لتخرج من غرفته فأوقفها نبرته الرجولية سريعا وهو يسألها:
"راحة فين؟"
إلتفتت "نيروز" تخفي دموع عينيها.
ثم هاجمته وألمها المخفي عن ما يحدث عامة لها لا يخلو:
"خارجة.. ماشية طالما مش طايقني!!"
مختلة عقليا بالفعل.. كيف ستخرج وإلى أين وكيف بهذه الملابس!!
كيف لم يطيقها وهو يعاملها بالطريقة الحانية رغم ما فعلته وما قالته.
تنحنح يجلي حنجرته وهو يستوعب ما قالته للتو حتى نظر نحو ملابسها وهو يشير بعينيه ناحية ماترتديه وناحية جسدها:
"خارجة فين باللبس ده!! وماشية إيه!! إنت فاكرة نفسك لسه مكتوب كتابك؟!"
ضغط على فكه متحليا بآخر ذرة تماسك بصبر لديه.
ثم أكمل قوله مجددا بنبرة جامدة يحثها مرة أخرى:
"قولتلك اقعدي ارتاحي وريحي نفسك ونفسيتك شوية.. وشوية ونطلع.. صعبة عليكي.. مش عارفة تفهمي؟!"
في كل مرة يتعمد أن يحنو عليها بوضعه هذا.
حتى عندما تضغطه بما تفعله.
وقفت تنظر له بلوم من طبيعة نبرته الجامدة عليها.
فقد حثها أكثر من مرة.
نظرت إلى ملابسها سريعا التي كانت ستخرج بها دون وعي.
ستخرج وكتفيها وعنقها مكشوف.
أم ببنطالها بيجامتها القصير.
ابتلعت ريقها ثم حركت رأسها ناحيته فوجدته ما زال يطالعها باهتمام.
ينتظر ردها رغم أخذه لاحتياطاته.
تعمدت أن تخرج منه الحديث بطريقتها الخبيثة عندما حركت كتفيها رغما عنها وهي تتظاهر بإكمال سيرها مرددة بتبجح أخذته منه:
"آه.. هخرج كده.. عندك مانع؟"
"لأ!!"
أردف "غسان" كلمته باقتضاب وببساطة شديدة جعلتها تفتح عينيها على وسعها بصدمة من رده الغير مبالي بما تفعله.
وقفت أمام الباب تمد يديها بتردد كي تفتحه.
بهذه الدقيقة بالذات تخاف من ما ستفعله منه.
ستخرج بمثل هذه الملابس وصديقه وشقيقه بالخارج!!
وقفت تستند بجانب الباب كي تثير حنقه حتى تفتح الباب دون أن يراها من بالخارج.
وجدت الباب مغلقا بالمفتاح من الداخل.
وهو من فعل ذلك خوفا.
إن تطور الوضع بإنفعالها معه وتخرج وتتركه دون أن يسيطر هو على الوضع.
أخذ جميع احتياطه إذن!!
إلتفتت سريعا حينما وجدته يسألها بنبرة ساخرة متهكمة:
"ها.. خلصتي شغل العيال ده ولا لسه؟"
تكتم الدموع من جديد بأعجوبة وهذه المرة تعمدت الشراسة حتى وإن كانت تقهر لوضع والدتها ولكنها تعمدت أن ترد عليه بهجوم لما يفعله وما يحدث بينهما من الأساس:
"إنت قافل الباب بالمفتاح ليه؟ افتحه حالا.. خليني أخرج من هنا.. طالما إنت مصمم تتعامل معايا بالبرود ده."
ضغط على فكه من أسلوبها.
حتى اعتدل يقف وهو ينهض من على الفراش.
ثم مد يديه يعطيها ملابسها كي ترتديها بعدما توجه ليقف أمامها.
أخذتها منه ببطء وعينيها لم تفارق عينيه.
حتى أنها تمسكت بكفه وهو يعطيها لها ثم نبست مجددا بأسف:
"أنا مكنتش أقصد اللي قولته فوق يا غسان.. متزعلش مني!!!"
تشبثت "نيروز" بكفه.
فابتلع ريقه بصعوبة من تأثيرها عليه.
يعتقد بأنه لم يتهاون هذه المرة وسيفعلها رغما عنه لتعلم بعد ذلك ماذا تخرج من فمها وعقلها الأهوج وقت انفعالها وحكمها على الأمور بالخطأ.
أشار لها بعينيه بصمت كي ترتدي ملابسها.
ثم انتشل حجابها وهو يعطيه لها هو الآخر.
وجدت اليأس مجددا منه.
فجلست على المقعد بخيبة وهي تدفن رأسها بين يديها.
ولأول مرة يراها تستسلم أمامه بهذه الطريقة.
تستسلم بالفعل بالبكاء.
تشعر بأن الأركان تضيق بها حتى وإن كانت مخطئة.
زفافها.. مرض والدتها.. تعامله معها.. ذهاب والدتها.. إخفاء الكل الأمر عليها.. ما قالته بغباء وتندم هي عليه الآن.. تعتقده حانيا وكان ذلك ولكنها من أخرجت ضجره وعدم اهتمامه بما قالته.. حتى رأت التجاهل وما أصعب أن يشعر المرء بأنه يتجاهل من شخص ما في أكثر الأمور أهمية.
وجدت أن لا مفر من البكاء بصوت.
وشهقاتها العالية من بين يديها تخرج وهي تجلس القرفصاء تهذي بكلمات خافتة غير مفهومة أمامه ولكنه سمع نبرتها بوضوح وسط ذهوله بما فعلته:
"آنا تعــبت.. أنا معتش قادره.. كل ما بصــدق إن خلاص كل حاجــه بدأت تبقى تمام.. بتبـوظ تانــي.. أنا عايزه أرتــاح بقـا.. نفسي أرتاح.. نفسي كل ده مكانش يحصل من الأول!!"
يشعر البعض بأنها ما هي سوى كلمات عشوائية.. ولكنها كانت نابعة بصدق من داخلها من تعبها وتشتتها.
هي التي كانت تتعمد عدم هبوط دمعتها أمامه.. بل وتجعل كرامتها فوقه عندما تتعمد في كل مرة عدم التهاون والعناد بعقلها أمامه وأمام تفكيره.
فقط صدم بسبب استسلامها وضعفها.
يعلم بأنها تخفي ضعفها ولكن الآن تظهره له وحده.
ركع "غسان" سريعا يمسك رأسها يرفعه ثم مد أنامله يمسح دموعها برفق.
وهو يتنفس بعمق هون عليها بالحديث:
"إهدي يا نيروز.. أنا معملتش حاجة تخليكي تعملي كل ده.. أنا قولتلك إني معاكي وجنبك.. وتعالي نأجل كلام فالموضوع ده بعدين.."
أكمل سريعا بهدوء يجعلها أهدأ وهو يعاتبها:
"قولتلك بعدين ومش وقته وإنتي اللي أصريتي تستفزيني!!!"
رفعت عينيها المليئة بالدموع نحو وجهه وعينيه التي عادت لينة.
ولكنه أصر مجددا على عدم التهاون حتى ولو احتضنها الآن.
تنفست بعمق.
فرفعت كفها تمسح وجهها وهي تبرر له مجددا:
"أنا قولتلك إن غصب عني.. صدقني مقصدتش أقولك كده.. أنا عارفة إني كنت صعبة بس أنا اتوجعت أوي لما جيت تحكيلي حاجة زي دي.. وكأن الدنيا اتقفلت فوشي وملقتش قدامك غيري.. ليه بتقصد تحسسني بالندم وإنت جنبي حتى لو وجعتك في كل مرة؟"
إنتفضت بسرعة على صوت دقات الباب من جانبها، حتى تمسكت بكفه. علم أن نفسيتها على شعره، بسيب كل ما يحدث. لذا ربت على ساقيها، ثم نهض يقف تزامناً مع قوله الهادئ:
"هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين، قومي إلبسي علشان افتح الباب!!!"
أسندها ولاحظ هو ارتجافة كفها وهي تنهض معه. لذا رفع يديها يقبلها كي تهدأ وتسكن، رغم تجنبه ذلك الموضوع إلى الآن. ابتلعت ريقها، تأخذ أنفاسها، حتى بدأت ترتدي ملابسها على ملابسها الأخرى المنزلية كعروس. ارتدتها، حتى بحثت بعينيها على حجاب رأسها، فوجدته يعطيه لها بحنو. أخذته ترتديه سريعاً دون اهتمام. مد غسان أنامله يمسح أثر كحل عينيها. ثم اعتدل يفتح الباب عندما أخذ المفتاح من جيب بنطاله. فتحه سريعاً إلى أن ظهرت شقيقته. حيث كان بسام يقف على بعد كي لا يستطيع رؤية من بالداخل، احتراماً لشقيقه وزوجته. كانت تقف بالمقدمة وسام كونها فتاة. أشارت له شقيقته بعينيها، فظهر هو وهو يمسك صينية الطعام. أفسح له شقيقه المجال، ونيروز تقف من خلفه. إلى أن دخل بسام، متعمداً المرح كي يخفف عنهما:
"احلى صينية عشا.. لأخويا ومرات أخويا.. أبو موته بيضحي يجدعان!!!"
خرجت ضحكة غسان له. فابتسمت له نيروز بامتنان، هو والأخرى، إلى أن تحدثت سريعاً لهم بشكر:
"شكراً.. بالهنا والشفا انتم.. أنا مش جعانة!!"
"إلحق يا غسان.. دي مراتك متعرفش إن اللي مبياكلش من أكلي بعد ما بتعب فيه بيحصله إيه!"
قالها بسام. فضحكت وسام وهي تسحبها خلفها كي تجلس على المقعد بقولها:
"أحسن حل تقعدي.. عشان دكتور بيسو مش سهل زي ما إنت شايفه. وبعدين أنا تعبت معاه والله أنا كمان. وشادي ساعدنا وبوظنا المطبخ خالص ولو ماما شافتنا وشافته هتجري ورانا. يرضيكي متاكليش معانا بعد التعب ده كله؟!"
وقف غسان في هذه اللحظة، ثم وضع ذراعه على كتف نيروز وكتف وسام، ثم قال بنبرة مرحة هادئة:
"لا ميرضناش عشان كده هتقعد تاكل ومش هتكسفكم. يلا إقعدوا على ما أنادي شادي!!"
فهمت ما يرسله لها، فجلست رغماً عنها، وهي تبادل بسام الابتسامة وكذلك وسام. تنحنح شادي من الخارج يجلي حنجرته. فأشار له غسان سريعاً حتى قال على عجالة:
"أقعدوا على ما أجيلكم!!"
لم يعطي فرصة لشادي بأن يتحدث. جلس وهو يشاكس بسام، تحت نظرات نيروز المبتسمة. ثم وزعت نظراتها عليه وهو يخرج من الغرفة. إلى أن خرج بالفعل. ثم دق غرفة حامد حتى فتحها. ابتسم لهما وهما جالسان بجانب بعضهما، وعلى ما يبدو آثار البكاء على وجه والدته التي نهضت تقف بلهفة. ابتسم وهو يعلم ما يجري من خلفه جيداً. حتى أشار لهم وهو يقول:
"يلا العشا مستنيكم.. ولا النحنه تغلب!!"
ضحك حامد عليه بخفوت. فالتفت غسان في طريقه لغرفته مرة أخرى، حتى جذب مقعدان من الخارج للداخل. وضعهما ليجلس والده ووالدته. دخل الاثنان وهما يبتسمان لها. جلست والدته ووالده. فجلس هو بالمقعد الفارغ بجانب نيروز. التفت ينظر لها باطمئنان، وهو يحثها بقوله الهادئ:
"كلي يلا!!"
كان الحديث عشوائي إلى حد كبير. إلى أن رفع حامد يديه بمرح نحو فمها وهو يقول بخفة يشاكسها ويشاكس ولده:
"كلي يا حبيبتي ودوقي من إيدي.. خليكي معايا أنا.. شايفه الحركات الرومانسيه.. اللي معملهاش الواد ده. أصل احنا أشقيه بردو وبنفهم!!"
ضحك الجميع عليه. فرد عليه غسان سريعاً وهو ينظر إليها تأخذ من بين أيدي والده الطعام بفمها:
"أنا ملحقتش والله يا حامد. خليك فحالك بقا وحال مراتك وسيبلي فرصه أعمل حاجه!!"
نظر إليه حامد باستنكار. وقد غمز له غسان. سريعاً، ففهم حامد ما يود قوله كي تأكل هي. لطالما لم تتناول شئ. عبس وجه حامد. ثم تحداه قائلاً بسرعة ينفذ ما فهمه:
"طب تحدي يا بن الكلب.. تاكل من إيد مين فينا؟!"
"أموت أنا في التحديات!!"
قالها شادي وهو يصفق بحرارة. ضحكت نيروز عليهما. فابتسمت لها وسام بحنو. وبسام يتابع بابتسامة معها. حرك غسان رأسه بموافقة. ووجه كل منهم يديه لها. فخجلت هي بشدة. حتى تعمدت بأن لا تقوم بإحراج. فمدت يديها تنتشلها من يد والده كي تراضيه. ثم أخذت بفمها منه هو وهي تبتسم لهم بإحراج. حتى قالت بلين:
"كده تمام؟"
"كده ديموقراطية!!"
قالها بسام بمرح. فتحدث غسان بكيد لوالده:
"أصل مش هتكسفني. دا أنا حبيبها بردو. ولا إيه يا رزقة؟!"
حرك حامد رأسه وهو يضحك. حتى وجدها تندمج بالفعل معهم بالحديث وهي تأكل من الطعام ببطء مع تطعيم غسان لها. ابتسم بهدوء، حامداً الله على هذه النعمة بالفعل. لاحظ غسان سكون دلال فابتسم لها بلطف. وهو يحثها قائلاً بتساؤل:
"كلي يا أم غسان. سرحانة فـ إيه كده؟!"
"باكل يا حبيبي. المهم إنت ونيروز. أكلها لاحسن شكلها بقا هبطان خالص من الكام ساعه دول!!"
يعلم هو وأشقائه ووالده بأنها طيبة القلب في النهاية. ومن اللطف بأنها قطعت من الخبز وبه من الجبن. حتى مدت يديها لها كي تأخذها نيروز منها. وفي هذه اللحظة تلح عليها وصية سمية لها على ابنتها:
"كلي يا حبيبتي وبلاش تفكري فحاجات سلبية. كل حاجه هتبقى كويسة متخافيش!!"
نظر غسان إلي وجهها بحنو وامتنان لما فعلته للتو. أما حامد فآفتخر بها وبقلبها. تنفست نيروز بعمق. وهي تهز رأسها بالإيجاب. حتى وجدت مشاكسة وسام لبسام وهي تبدل ملامحها للاشمئزاز الزائف:
"عليك شوية بامية يا بيسو.."
تموت الواحد من المغص !!!"
تعالت ضحكات الجميع بقوه حتى "نيروز"، فخرج صوت "شادي" سريعاً يؤيدها:
_" أدعم يا وسام يا أخت الغالي !!"
شهق"بسام" بخفوتٍ وهو ينظر إليهم، فتحدثت "نيروز" قائلع بصراحةٍ :
_" لا بصراحة الأكل جميل ، لما غسان قالي إنك بتعرف تطبخ مكنتش اتوقع إنها للدرجة دي ، تسلم إيدك !!!"
نظر إليها بإمتنانٍ وهو يعدل ياقته ثم نظر نحو شقيقه بكيدٍ ، فرفع "غسان" كتفيه بإستسلامٍ وهو يعيد القول :
_" ما أنا قولتلكم !!!"
_" قــــولت إيـــه ؟!"
قالوها بصوتٍ واحد ، عدا هى التي باتت تعلم ما يجري بعقله ، نظر إليهم ببساطه ثم حرك عينيه نحوها قائلاً بهدوءٍ :
_" إنٌي مبعرفش أعمل أي حاجه ..هتقولولي أومال بتعرف تعمل إيه ..هقولكم بعرف أحب!!!"
_" تحب مين؟!"
_" أحبها!!"
قالها وهو يحرك عينيه يثبتها ناحيتها ، لم تتوقع بأن عبثه سيخرج الٱن ، نظرت بخجلٍ عندما هلل الكل ، ونهض "بسام " من على الطعام ثم صفق بحرارةٍ له ، نظر له "حامد " بفخرٍ وهو ينهض هو الٱخر حتى قال:
_" ابني ..مفيش كلام !!!"
_"إبنك يا حامد..بنتعلم منك !!"
قالها "غسان" وهو يغمز له ، حتى لاحظ نهوض الجميع كما نهضت هي وهي تجمع الطعام معهم، ولكن أوقفتها "دلال" سريعاً بقولها :
_" والله ما هتمدي إيديكي فحاجه ..إنت عروسه لسه بقا ده ينفع ؟؟!!!"
كادت أن تعاندها ولكنها لم تترك لها الفرصة ، وخلت الغرفه بالفعل عدا منه هو وهو يقف ينظر بشاشة هاتفه، إعتدل ينظر بوجهه ناحيتها فوجدها تنهض ، وهي تنحني سريعاً بعدما وجدت "يامن" يسير ناحيتها وهو يدخل الغرفه ، حملته وهي تحتضنه بحبٍ وتأثرٍ بنفس ذات الوقت ، فقد تركته "وردة" معهم بالفعل هي و"بدر" ، هبط "غسان" بشفتيه ليقبل الصغير بمرحٍ ، إلى أن حرك عينيه ناحيتها بلطفٍ وهي تداعبه ، حالهما من حال بعضهما فكل منهما يفقد والدته تدريجياً باختلاف الظروف!؟ ، وأما عن الصغير فكان يشعر بالإعياء بسبب درجة حرارته ولكن يواظب "بسام" على إعطاءه الدواء .. بالأساس عند "نيروز" ذلك الدور ، وتشعر منذ تناولها في الصباح المشروب الخاص به. بألمٍ بحلقها والٱن تعطس ، تتجاهل دور الإعياء هي الٱخرى بسبب إنخراطها في الأحداث. ، عادت "دلال" تأخذ "يامن" من بين يديها لتطعمه ، فوقفت هي تحرك رأسها. ناحيته فوجدته يطالعها بشرودٍ ، إعتدلت "نيروز" ثم تنهدت تخرج أنفاسها بتعبٍ تحاول تجاهله وتجاهل الشعور به ، إبتلعت ريقها سريعاً ثم قالت له بهدوءٍ :
_" أنا هروح أتطمن على ياسمين ..مش هتأخر !!"
رغم حزنها منها ولكنها تخاف عليها. حرك رأسه بموافقةٍ حتى تحركت بالفعل، من الغرفة ثم من الشقة بأكملها..ومن ثم خرج هو بعدها يجلس مع "والده" و"شقيقه" و"شادي" ، وقبل ذلك إنسحبت "وسام" تذاكر دورسها !!!
_________________________________________
جلست "ياسمين" بأحضان "عايدة" تهدأها بعدما أعطت لها كوباً من مشروب الليمون ليهدأها ويهدأ أعصابها ، لا تعلم هى بأن منذ ما إن إستندت عليها غاصت بأحلام غير واقعها هذا ..بسبب إرهاقها ، و"حازم" ليس موجود من الأساس ، وخرجت "جميلة" مع "عز" قبل وقت عندما رأى حالتها عرض عليها السير قليلاً ، أسندت "عايدة" رأسها على الأريكة من خلف جلستها عندما سمعت صوت دقات الباب الخافته ، نهضت بخفه وهي تتعمد أن لا تفعل أي صوت كي لا تستيقظ ، فتحت الباب لها وما أن رأتها ابتسمت لها بحنوٍ وهي تشير لها بالدخول ، دخلت "نيروز" بالفعل وما أن رٱتها تستند كذلك ، توجهت بلهفه تجلس بجانبها تتفحصها بخوفٍ ، طمئنتها "عايدة"بخفوتٍ عليها فأشارت لها هى كي تسندها ناحية غرفة "حازم" ، رفعت "عايدة" ذراعيها ، تضرب وجه "ياسمين" بخفه إلى أن فافت نسبياً ، أسندتها "نيروز" معها ناحية الغرفه ، حتى سارا معاً للداخل وتسطحت "ياسمين" على الفراش بالفعل ، ساعدت "نيروز" "عايدة" وهى تفرد عليها الغطاء بـ راحةٍ إلى أن انتها بالفعل وتوجه كل منهما للخارج ، أمسكت "نيروز" رأسها بتعبٍ فدوار رأسها يداهمها منذ الصباح بسبب دور الإعياء ، تتجاهل إلى أن نظرت نحو "عايدة" التي إلتفتت تنظر لها بحنوٍ ثم قالت :
_" مالك يا حبيبتي ..تعبانه ؟؟"
صمتت ثم واصلت سريعاً بلهفه ما أن رٱت ملامحها المرهقه:
_" ثواني أعملك كوباية عصير تفوقك !!"
_"لا لا ..أنا همشي أنا .!!"
صمتت سريعاً ثم سألت بتلقائيه :
_".أومال فريدة فين ؟ مشوفتهاش خالص غير الصبح !!!"
سألتها "نيروز" بترقبٍ ، فنظرت "عايدة " لها بحنوٍ ثم أجابتها بنبره هادئه تطمئنها :
_" راحت شقتهم لمامتها ومن ساعتها مجتش ..يمكن الحال إتصلح بينهم أنا بقول كده يعني ..وجميلة نزلت مع عز !!!"
حركت رأسها بغرابةٍ وقد دب بها الخوف التي لا تعلمه ، فعدم مجيئها يوترها كونها لم ولن تثق بـ "زينات " حتى لو كانت والدة "فريدة" ، تهاب وتخاف بعد الٱن على من تحبهم ..وأصبحت "فريدة" منهم بالفعل ، قصدت عدم إظهار ذلك حتى أومأت لها بابتسامة صغيره مردده لتودعها :
_". طيب أنا همشي يا طنط .. خلي بالك من ياسمين!!"
_" مش محتاجه توصية يا حبيبتي ، وإنتِ كمان اهدي كده وإستهدى بالله وخلى بالك من نفسك ومن جوزك..وإسمعي كلام مامتك واعملى بكلامها !"
توصيها هى الٱخرى بطريقة غير مباشرة لطالما تعلمها تمام العلم منذ الصغر !! ، هزت رأسها موافقه ثم توجهت سريعاً تخرج ثم أغلقت الباب خلفها ، ترددت بأن تتجه ناحية باب شقة "زينات" ، حثت نفسها أكثر من مره على أن تسير بإتجاه شقة والد زوجها ، ولكن ثمة شعور بداخلها يحثها على الإطمئنان ! حتى ولو كانت مقبله على خطر بسبب تفكيرها ؟! ، رفعت يديها تنهى التردد وهي تدق الباب عدة دقات متتاليه ، ثم وقفت تنتظر بتوتر ، حتى فُتح لها الباب ٱخيراً بواسطة "فريدة". التي ابتسمت لها محاولة بأن تخفى بكاءها الغير محدد من ماذا ..فقد شعرت هي الٱخرى بالاختناق فبكت وهي تراعي والدتها ، دخلت "نيروز" تلقائياً حتى أغلقت "فريدة" الباب ، وقبل أن تتحدث سألتها "نيروز" بترقبٍ :
_" إنتي معيطه ؟!"
حركت "فريدة" رأسها سريعاً تهرب من سؤالها ثم غيرت مجرى الحديث سريعاً وهي تتحدث بأسفٍ :
_" أنا ٱسفه بجد يا نيروز كنت المفروض أسلم علي مامتك قبل ما تمشي بس جيت هنا ولقيت ماما تعبانه أوي ومن ساعتها بحاول أخلى حرارتها تنزل ، ينفع أروحلها بكره معاكم ؟!!!"
طالعتها "نيروز" ببسمة بسيطه وهي ترفع يديها تربت علي كتفها قائله:
_" عادي أنا مقدره ..أنا جيت أطمن عليكي عشان لقيتك إختفيتي ..، مامتك بقت أحسن ؟!"
سألتها بترددٍ.، فحركت رأسها تومأ لها بهدوءٍ ، حتى بدأت "فريدة" بأن تتحرك نحو الداخل ، والأخرى وقفت ثم تحركت عندما وجدت اللهفه بالمساعده لها حينما قالت:
_" طيب ممكن تيجي كده تشوفي حرارتها معقوله ولا إيه ..أصل إديتها علاج وفوقها شويه وبعد كده نامت!!!"
الحيره..ثم الخوف والخوف أولاً على من ؟ والدتها ؟؟ ..تحركت "نيروز" خلفها رغم صداع رأسها وألم جسدها وحلقها هى الٱخرى ، ستحاول أن تفيدها مادامت تراها كذلك بهذا الوضع وكذلك الخوف ..تشعر جيداً كيف يشعر المرء عندما يصيب من منه أذى ..أما هى. لم تشعر بذرة خوف عليها لطالما فعلت بها الكثير ..!!!
__________________________________________
تنتهي لحظته وخطته بالدخول إلى المبني بالفعل ، بعدما ذهب لمنزل "ٱدم" الذي كان بجوار المستشفى بقليلٍ ولم يأخذ رد ، يسير مستنداً على عصاه خشبيه طويله بين الحين والٱخر ، بسبب جرح ساقه ، جسمه الهزيل وحتى ملامحه التي باتت وكانت منهكه من ٱثر ما يأخذه ، يأتي دائماً في جميع الأوقات الغير مناسبه ، لديه من الشر ما يكفي لٱخر ما يتذكره حينما رقد ولم يفوق من ما هو به إلا قبل يومين ، يتابع من يدخل عليه ومن يخرج ، إلا أن فعلها وخرج من المستشفي وسط إهمال وفوضى معروفه!!
ألقى العصا التي معه بإحدى الجوانب ثم وقف أمام المصعد ينتظره إلى أن فتح له ودخل به. يديه ترتجف بعد وقت تام من السيطرة على طلب جسده.
ابتلع ريقه وهو ينظر بالمرآة من أمامه بغير اهتمام. فتح المصعد وخرج منه على الطابق بهدوء، متعمدًا عدم حدوث صوت منه كي يدخل شقته ويتفهم ما الوضع جيدًا. إلى أن لا يعلم أحدهم أنه عاد، خاصة "غسان" الذي يريد أن يأخذ رد لحقه منذ آخر مرة، ولكنه لا يجد مساعدة من أي شخص الآن، خاصة أنه يفقد التواصل مع "شريف" وحتى "آدم".
وقف بعيدًا عن الباب تحسبًا لشيء أو رؤية أحدهم من الداخل له من الخارج. دقة دقات متتالية دون راحة وانتظر للحظات حتى فتح له الباب بواسطة "نيروز" التي لم تعلم من الطارق ولكنها فتحت دون تفكير، فقد اعتقدتها شقيقتها أو "عايدة" أو من المحتمل "جميلة".
لا يعلم هو بأنها هي ولكنه دفعها إلى الداخل سريعًا دون صوت ثم أغلق الباب وهو يسند ظهره عليه من الخلف. وجه نظراته نحوها وما أن علم أنها هي ابتسم بشر ومفاجأة من كونها هي.
أما "نيروز" فما أن رأته تبدلت ملامح وجهها لخوف، حتى كادت أن تصرخ ما أن رأت شره بعينيه ونظراته. وبخفة وضع "حسن" كفه على وجهها وخاصة فمها وهو يأخذها تحت ذراعه مرددًا بخفوت لها يحذرها:
"ولا كلمة.. لو طلعلك صوت هموتك فيها!"
تعالى وهبط صدرها من أنفاسها المكتومة الذي سرقها هو برهبتها هذه أمامه. في حين ركضت "فريدة" من الداخل تنظر بذهول له ولهيئته ولوضعه وهو يمسك الأخرى بمثل ذلك الشر.
ابتسم "حسن" ما أن رآها وهو يمسك ذراعي الأخرى بيديه واليد الأخرى على فمها. تحدث وهو يطالعها من أعلاها لأسفلها بتهكم:
"أهلا أهلا.. كان فينك.. وشك ولا القمر يا فوفو."
كانت نبرته ساخرة إلى حد كبير. تشنجت ملامح "فريدة" بتقزز. ما أن وجدته يعنفها بنبره أقوى وهو يسألها:
"كنتي فين يا بت؟"
تعمدت أن تظهر قوتها بردها بينما كانت "نيروز" ترتجف بأوصالها وتحاول التملص ولكنه يحكم مسكها ببراعة.
ابتلعت ريقها ما أن وجدت "فريدة" ترد عليه بنبره تعتقد بأنها تثير استفزازه بها:
"وإنت يهمك أوي كنت فين.. انت فاكر نفسك مين عشان تيجي زي الحراميه وتمسكها بالمنظر ده.. خايف من مين ياراجل!"
"راجل" كلمة تعمدت أن تتقطع بها وبهتفها بكل بطء لترسل له رسالة مبطنة يعلمها الكل بالطبع.
إنفعل بمسكته حتى تأوهت "نيروز" في حين ردد هو بنبره حاده عليها ليجيب على كيدها له التي تحاول ظهوره:
"أقسم بدين الله لو جاتلي الفرصة أمسكك تحت إيدي ما هرحمك.. أمك فين يا بت.. إنطقي!"
حاولت "نيروز" دفعه عنها. ولكن كانت نظرات "فريدة" ناحية يديه المرتجفة التي لاحظتها فابتسمت بسخرية ثم أشارت له بعينيها ناحية "نيروز" متعمده الصراخ بآخر حديثها لتخرج إرتباكه بسبب خوفه من علم غيرهما بمجيئه:
"سيبها بدل ما يحصل اللي يزعلك.. سيــــبــــها حـــــالا بقـــولك!!!!"
صرخت بعزم ما لديها من قوة قاصدة بكل ذكاء كي يسمعها من بالشقق المجاورة.
ابتلعت "نيروز" ريقها بوجع أسفل يديه. أما هو فعدم تركيزه جعله مشتتًا بعدم التفكير من كونها لم تفعل ولم تصرخ كذلك. انتفضت "نيروز" من صراخها المفاجئ. وقبل أن يتوجه لها خرجت ليخرسها بالفعل. فلتت منها ضحكة خافتة تثير إنفعاله بها ثم صرخت مجددًا صراخ لا يتوافق مع جرأة ما تفعله وهى تردد بنبره أكثر ارتفاعًا وكأنها تختل عقليًا للتو:
"ســــــيــــب نيـــــروز يـــا حــــســن!!!!"
تعمدت بأن تردفها بهلع. رغم خوفها على "نيروز" أسفل يديه إلا أنها تثير إرباكه وتوتره.
سحب "نيروز" من شعرها أسفل الحجاب. ثم توجه يدفع "فريدة" بذراعه بإنفعال إلى أن سقطت أرضًا وهي تتأوى بألم.
دفعته "نيروز" عنها ثم توجهت تنحني بلهفة لتطمئن عليها. في حين التفت سريعًا ما أن سمع صوت فتح الأبواب من الخارج. انتشل المفتاح من على المسمار المعلق ثم أدخله في الباب كي يغلقه بقفله.
هنا وسقط قلب "نيروز" التي أسندت "فريدة". نهضت "فريدة" تنظر له بجرأة معهودة منها ثم إحتدت عينيها وهي تستفزه بقولها:
"قفلته ليه يا جبان.. قفلته ليـــه ياللي عاملي فيها راجل!!"
رفع "حسن" ذراعه يضربها على وجهها بقوة حتى انزلق حجاب رأسها بسبب خصلاتها الناعمة. أمسك خصلاتها بين يديه غير عابئ بدقات الباب العالية عليه. ثم هتف بفحيح بجانب أذنها يعنفها بشرر بعد سبها لها بأبشع الألفاظ:
"إخرسي خالص.. ولا كلمة بدل ما أدفنك هنا.. أدخلي هاتي فلوس من معاكم بدل ما أقلبهالكم دم!!!"
وصل إلى أوج الاحتياج حتى أنه لا يعي ماذا يفعل. ومن يهددها أكثر من وصف بالعناد مقابله وأمامه.
حركت "فريدة" رأسها برفض وعينيها الحادة لا تفارق عينيه التي تمتلئ بالشرر. ركضت "نيروز" تفتح الباب بسرعة ولكنه أغلقه.
وصل شهقاتها وبكاؤها الخافت التي لم تشعر هي به. لمن بالخارج وصل لأذنه وهو يقف. وأما عنه فوقف "غسان" مع "حامد" و"بسام" و"شادي" والنساء بالخلف. لا يعلم أي منهم بأن "نيروز" بالداخل فـ هو يعتقد بأنها بالداخل مع "شقيقتها" لدى "عايدة". و"عايدة" تعتقد بأنها رحلت لشقة "حامد".
ما أن سمع صوت "فريدة" تحذر "نيروز" بالإقتراب مع محاولات فتح الباب وصوت شهقاتها وبكاؤها توقف عن رفع يديه ليدق الباب. بل نظر سريعًا حوله بصدمة ثم قال وكأنه يستوعب الوضع:
"نيروز جوه!!"
علم الجميع. وأما عنه فالخوف قد دب به كونه علم بأنها في الداخل ويسمع صراخه وتهديداته. دفع "شادي" و"بسام" عن الباب وهم يدقان عليه ثم انحنى يهتف باسمها عاليًا إلى أن اقتربت فدفعها هو من الداخل حتى سقطت أرضًا وهي تتأوى بصوت مؤلم.
انتفض "غسان" حتى اعتدل يشير لـ "عايدة" بلهفه أمام النظرات ثم قال سريعًا يسألها:
"فين البلكونه اللي عندك اللي جنب بلكونتهم؟!"
دخلت "عايدة" إلى الداخل سريعًا تزامنا مع ردها:
"فـ الأوضه الكبيره دي!!!"
ركض "غسان" و"بسام" من خلفه بعدما أشار لوالده بأن يستمر بالدق على الباب مع "شادي". فتح الغرفة حتى أن بابها قد اصطدم بالحائط من خلفه بصوت. في حين يسمع الصراخ من الناحية الأخرى.
وبعدما جذب "حسن" السكين من المطبخ كما اعتاد على فعلها ثم دفع "نيروز" يسندها بحقد بعدما سمع ما قالته "فريدة" من زواج الأخرى من خصمه بالفعل! كي تثير انفعاله بحقدها عليه هي الأخرى. وضع السكين أسفل عنقها بتهديد وهو يسألها بمرض هستيري:
"اتزوجك؟.. ردي عليا اتجوزك زي ما بتقول؟"
تتعمد الجرأة هي الأخرى رغم خوفها منه التي عاشت يرافقها ذلك الشعور. لم تهاب السكين تحاول رفع سوار يديها عليه ولكنه يحكم مسك يديها بذراعه الآخر. هزت رأسها بنعم رغم الخوف.
فصرخ هو بها مجددًا:
"لـــيــه؟ فيـــه إيـــه أحســن مني ده؟ أنــا اللي كان من حقي إنك تكوني ليــا... بعد ما سيبتك لمزاجك.. كنت عارف إنك بتاعتي حتى بعد ما كتبتوا كتابكم.. مبيحبكيش.. ده مبيحبكيش.. أنا بس اللي بحبك!!!!!"
حاولت "نيروز" التملص في حين وقفت "فريدة" بخوف على ما تراه يفعله ومسكه للسكين. دفعته عنها ولكنه أحكم مسكها حينما قالت هي بصراخ لتبعده عنها:
"إبــعد عني يا حيوان.. إبــــعد!!!"
"ما أنا بعدت.. بعدت وبيعت نفسي وسيبتك إنتي.. كل حاجه ببقى عاوزها مبتجيش.. بس إنتي الحاجه اللي سيبتها على راحتها وكنت عاوزها لأول مره بالهداوة.. كنت بحبك عشان كده مردتش أقربلك بالإجبار مع إني كان بإيدي ده. فـ انتي عملتي إيه؟"
يسألها ومشاعره الميتة بالفعل تأخذ دورها بسبب ما يتجرعه من هلاك يجعل الأمر مهول لدرجة كبيرة. يسألها بهيستيرية مع تنشج وجهه.
صرخ مجددًا يسألها بل وينتظر الإجابة بالفعل:
"عمــــلتي إيـــه إنتي ردي؟"
سكن وصمت عن هزها ثم ردد سريعًا بنبره أهدأ يعلن عن خيبته بعدم الفوز بها وكأنها مسابقة يحق له الفوز بها أمام العدو اللدود:
"أقولك عملتي ايه؟!"
اختارتيـه عني..لحد ما حبيتيه وأنا اللي كنت قدامك بحاول أكسبك. إختارتيه لحد ما كتبتي كتابك..وبعدها إتجوزك وخليتيه يقربلك وأنا اللي كان من حقي كل اللي راح ده!
خرجت التي إستندت على قدر الإمكان بإعياءها ثم وقفت تنظر بخوف إلى أن أسندتها "فريدة" وهي تسمعها تحثه بخوف:
_ سيبها يا حسن.. سيبها وأنا هعملك كل اللي إنت عايزه.. بس سيبها.. اسمع كلام أمك المرادي بس!
شدد "حسن" مسكة السكين الحاد ثم حرك أنظاره عليها بسخرية لاذعة. سقط حجاب "نيروز" أرضا، حتى أن ملابسها التي من المفترض أن ترتديها يوم فرحتها تمزقت من كتفيها وجوانبها. تبكي بحسرة وهي تسمع صوت التمزيق الذي أتى من حركتها ومسكته. تراخت يداه فأحكم شدتها سريعا. وبلحظة اللا وعي هبطت عينيه نحو عينيها وملامح وجهها حتى هبط برأسه وكأنه مخدر بهذه اللحظة تحت تأثيرها. فحركت رأسها سريعا ما أن تنبأت بما يود فعله. ضحك بتهكم وهو يعدلها ثم أمسكها من خصلاتها من الخلف وهو يرجع رأسها فتأوهت "نيروز" بعد قولها الصارخ له بإشمئزاز:
_ إبعد عني يا قــذر.. إبـــعد عني.. ســيبني!
وتحت هبوط دمعة "فريدة" خوفا من تهوره اتجهت لتدفعه فرفع ساقه سريعا يهوش بها فتعمدت التقرب أكثر إلى أن ضربها بساقه السليم فترنحت إلى الخلف حتى شهقت "زينات" بلهفة خائفة وهي تنحني رغم تعبها لتتفحصها. سمع صوت فتح الشرفة بالقوة حيث كانت مغلقة، شرفة بحجرة "والده". إلى أن سمع صوت شئ ما يقع ويتهشم أرضا. فتح "غسان" الشرفة أخيرا وتبعه شقيقه إلى أن توجه بركضه سريعا ليفتح باب الغرفة حتى ظهر أمامهم جميعا بذلك الوضع. وقف بصدمة ما أن رأى السكين على عنقها وأول من يلاحظ بأنها خدشت بعنقها فتلطخت ياقة عباءتها بدماء حمراء خافته. اقترب بسيره الهادئ يحاول السيطرة على ما يراه من شعور بالصدمة والخوف. وقبل أن يقترب منه أكثر رجع "حسن" بها إلى الخلف ثم قال لها بتهديد:
_ لو قربت أكتر هسحبها على رقبتها وأموتهالك وأقهرك عليها!
صمت "حسن" يلاحظ ملامحه الثابتة الذي يخفي بها توتره. بينما لاحظ ملامح وجه "بسام" هو الآخر. واصل يكمل سريعا بقوله:
_ ولا عاوز يوم صباحيتك بردو يا عريس يبقي أول يوم عزا لعروستك. هو مش النهارده صباحيتك بردو علي حسب ما عرفت منها!
أشار بٱخر حديثه على "فريدة" التي جلست أرضا. تحركت نظرات "غسان" إليها وهو يسبها سرا على ما قالته له بوقت كهذا. أخرج "غسان" أنفاسه وهو يحاول بكل الطرق أن يطمئن "نيروز" بنظراته لها ثم توجه ينظر بعينيه نحوه هو حتى قال بتهديد مخفي هو الآخر:
_ سيبها يا روح أمك بالذوق عشان لو مسيبتهاش مش هتلاقي غير زعلك مني فالٱخر.. دا لو طلعت منها سليم.
أكمل "غسان" سريعا بصوت مرتفع ليكثر من إرتباكه ولا يود الاقتراب خوفا عليها وتحسبا لتهوره:
_ ســيـبـها!
_ أقسم بالله لو ما سيبتها ما هرحمك أنا يا حسن. سيب مراته وتعالالي!
كان الٱخير قول "بسام" المنفعل ليوتره أكثر بل ويهدده وهو يعلم بأن شقيقه لم يترك له الفرصة بأن ينقض عليه. لا يعلم هو بأنه هو من سينقض على شقيقه وتوأمه بعد دقائق معدوده من تهور الأول على ذلك الحقير. تتوتر ملامح "حسن" كونه يعلم تهديده جيدا بل وهو الذي جاء قاصدا اخفاء خبر قدومه بسببه فقامت بفضحه شقيقته. إبتلع ريقه وهو ينفى برأسه بطريقة خافتة بل ويرجع إلى الخلف بتوتر ما أن وجده يقترب منه أكثر. أشار لـ "بسام" بعينيه ليسير حتى يحاول هو تشتيته بكلمات لأول مره يعلمها حينما قال تزامنا مع تحرك "بسام" شقيقه:
_ طبعا إنت جاي وإنت على الله كده.. يعني متعرفش إن ابوك الخروف مثلا اتسجن؟ ولا صاحبك شريف بردو اتسجن؟ شريف اللي كان واخدك كوبري عشان يقرب من أختك اللي جيت تعمل نفسك راجل عليا عشان قال إيه.. أنا اللي خاطفها.. وطلع فالٱخر اللي إنت واكل معاه عيش وملح هو ال خاطفها والباقي بقا إنت هتعرفه.. أصل يعني من غير لمؤاخذه اللي هياخد بت عنده فشقته ويستغفل صاحبه هيعمل فيها إيه؟
الحديث ليس هين عليها.. علي "فريدة" التي إبتلعت ريقها بخذلان. ولكن الفكره الاولي والأخيره تبريرا لذلك لديها بأنها الحقيقه ولا بد له من قول ذلك لـ شقيقها كونها تعلم ما يفعله بكل خبث. سمعته يردد مره ثانيه بكيد يوضح له أكثر:
_ يعني أبوك أتسجن وصاحبك.. وإتغفلت زي الخروف برده وآدم....!!
توقف "غسان" عن الحديث ليهيج الارتباك به أكثر والفضول حتى أكمل سريعا ما أن رأي تركيزه وتراخي قليل من يديه بسبب ذهوله من ما يسمعه:
_ ٱدم يا أبو على قرر ينضف ويروح مصحة يتعالج من القرف اللي إنتوا بتعملوه. متأكد مليون فالميه إنه قلبه مجابوش عشانك إنت وكان هيفضل يقعد معاك على القرف اللي إنتوا بتاخدوه. عارف عشان ايه؟ عشان ٱدم عمره ما كان شبهك بس إنت اللي *** وبتجر اللي زيك واللي مش زيك للطريق الـ *** ده. بس بص كده فالٱخر.. راح وقرب يبقي تمام لكن إنت بقا ٱخرك إيه؟ بجسمك اللي بيترعش وحتى إيدك اللي أنا لو قربت منك هجيبك على الٱرض ومش هتاخد فإيدي غلوه.. فـ..
وقبل أن أن يشتته أكثر بالحديث ورغم دقات الباب العاليه التي لم تتوقف فعلها "بسام" ودفعه عكس اتجاه "نيروز" وعكس اتجاه توجيه السكين لها. ترنح إلى الخلف في حين سحب "بسام" ذراع "نيروز" كي لا يتوجه لها مجددا حتى اندفعت خلفه وهو يقف يري "غسان" يمسكه من تلابيبه مندفعا بكل سرعه وهو يهزه بانفعال تزامنا مع سقوط السكين أرضا منه:
_ إنت مبــتزهـــقش يا حيلة أمك؟ إنت ناقص ياض؟ أنـــا مش حذرتك وعلمت عليك وقولتلك اللي يقرب من حاجه تخص غسان بيحصل فيه إيه؟
إستندت "فريدة" لتقف ثم مدت يديها مع مسك "غسان" له وضربه بوجهه. بحثت عن المفتاح بعينيها حتى نظرت نحو إصابع "حسن" الذي تمسك بالمفتاح بها. نهضت تشير له بقولها المرتفع:
_ هات المفتاح.. هاته منه!
قالتها بلهفه سريعا لـ "غسان" الذي أمسكه بشرر. نظر "غسان" نحوها بانفعال حتى أمسك كف الٱخر بتقزز وهو يخرج من بين إصبعه المفتاح لها بقوه خدشت من أصابعه وكفه. وقبل هذه اللحظه كسرت شراعة الباب الحديديه بواسطة "شادي" الذي جذب حديده صغيره حاده من شقة "حامد". مد يده ليفتحه فوجده مغلقا من الداخل. دفعه "عز" عن الباب الخارج. "عز" الذي أتى قبل دقائق بغير فهم للذي يحدث ومع تجمع بعض من السكان فالخارج. أشارت لهم "فريدة" بلهفه حتى وضعت المفتاح بالباب لتفتحه. في حين سقط "حسن" من كثرة ضرب الٱخر له باللكمات من وجهه. فجثى فوقه "غسان" و "بسام" يحاول الفصال بينهما بالصراخ عاليا يوجه شقيقه:
_ قوم.. سيبه يا غبي كفايه... كفاية.هيموت مفيهوش نفس!
لم يعي "غسان" حتى أنه وسط أرتجافه وجلوس "نيروز" أرضا بإنهيار غير واعيه لكل ذلك. مد يده ينتشل السكين حتى رفعه لٱخر ظهر وكاد أن يطعنه بموضع قلبه بالفعل. ولكن إذ بساق "بسام" كانت بالمرصاد وهو يضرب "غسان" بقوه بها بجانبه حتى وقع "غسان" أرضا بالناحية الٱخرى على جانبه. فعل ذلك ليخرجه عن حالة اللاوعي التي كان بها. ولم يتوقف عن ذلك بل إنحنى "بسام" بعصبية بالغه من صدمته من ما كان ينوى الٱخر فعله بكل بساطة. انحنى يمسك "غسان" من تلابيبه كي يفوق من ما هو به حتى ردد له بتعنيف وهو يضربه بوجهه:
_ عايز تموته يا غبي.. عايز تودي نفسك فـ ستين داهيه يا متخلف.. هتبطل شغل الجنان ده إمته!
توقف عن ضربه حتى أن "غسان" خرج عم حالته بتأوي من ضرب الٱخر له الذي ما زال وهو يعنفه أكثر بعدما جثى فوقه:
_ ما ترد يا غبي.. رد!
عايز تتسجن وتضيع نفسك وحياتك!!!!!!"
وفي هذه اللحظة التي كان يترقب لها "زينات"، فتح الباب سريعًا. أخيرًا، توجه "عز" و"شادي" يفصلان "بسام" عن "غسان" الذي كان بحالة اللا وعي مرة أخرى بصدمته من ما يفعله به شقيقه. و"بسام" الذي ما أن يخرج انفعاله لا يهدأ بسهولة. أبعدوا الاثنان عن بعضهما ووقف "حامد" بينهما. فأخذ "عز" "بسام" سريعًا بشقته. دفعهم "غسان" عنه ثم توجه لها هي التي ترتجف ويقف من حولها "جميلة" و"عايدة"، والكل في الخارج ينظر بترقب. توجه "شادي" يحدجهما بحدة ليخرج كل منهم لمنزله كي لا يتجمعوا كذلك. في حين، ربت "غسان" عليها وعلى كتفها بلهفة وهو يردد باختناق، وخوفه الشديد يظهر بعدما انتبه لها كذلك:
"نيروز.. أنا جنبك.. أنا هنا معاكي متخافيش!!"
نفت برأسها ودموعها تهبط دون صوت. حالة جديدة عليها لا تعلمها ولكنها تعلم ما يجري حولها وتتحدث. أرتمت بأحضانه وهي ترتعش بخوف. فأشار لهم بحزم كي يبتعدوا عنه. حتى رمى نظرة حادة ناحية "حسن" الذي كان يتسطح على الأرض. اعتدل "غسان" وهو يدخل ذراعيه أسفل ساقيها ليحملها بعدما رأى أن احتمالية إسنادها ضعيفة برعشتها كذلك. حزمه بنظراته جعل من ينوي الرحيل خلفه مترددًا. أوقفهم "حامد" خاصة "جميلة" و"فريدة" و"وسام" حينما حملها "غسان" بعيدًا عنهم. وهذه المرة توجه يقف أمام المصعد الٱخر الذي لم يكن مشغول. حتى فتح له و دخل به كي يصعد لطابق شقتهما مادام مفتاحه بجيب بنطاله حيث كان ينتظر عودتها ولم تعود. بل ذهب هو وياليته ما ذهب لتلك المعركة!!
مدت "زينات" يديها تتحسس تنفس ونبض "حسن" كما توجهت "جميلة" من قبلها تفعل ذلك رغما عنها بخوفها اللا إرادي التي كانت تقتنع بأنه ليس موجود لديها بالفعل. خرج "حامد" كي يبعد نفسه عن عيظه من "حسن"، ومن منظره. حتى توجهت "دلال" و"وسام" الباكيتين. وبقت "جميلة" التي خافت رغما عنها أن يلفظ شقيقها أنفاسه الٱخيره رغما عنه. أشارت لـ "فريدة" أن تساعدها ولكنها نفت برأسها وهي تقف بعيدًا مع هبوط دموعها بحسرة من كل ما حدث. تتوقع اجابتها القاسية. لذا نهضت "زينات" تساعدها رغم ضعفها الجسدي بتعبها. وقفت "فريدة" من على بعد تتابع لين قلب لم يكن لديها حتى بأصعب الأوقات وهذا ما أثار صدمتها الحالية بوضعها كذلك!!!!!
صدق مشهده وهو يفعل بشقيقه المرة السابقة كذلك بحالته العصبية. من كثرة خوفه على شقيقه ضربه ليجعله ينتبه لما كان سيقترفه. صدره يعلو ويهبط بانفعال. إلى أن وقفت بجانبه "دلال" أخيرًا وهي تربت عليه بأن يهدأ. فمنذ أن دخل وهو يردد بكلمات وحديث يسب به شقيقه وعلى ما كان سيفعله بلحظة غضب. شدد "عز" من مسكته بكتفه رغم غرابة ما يراه من مشهد. فـ "بسام" الطبيب ينفعل! بل ويفوز بالضرب على شقيقه الذي كان يعتقده "عز" أشد منه. في الحقيقة الٱخر لين عنه بقلبه وحتى بطباعه المخفية الغير مرئية. جذب "شادي" معقدين حتى جلس "حامد" وهو ينظر إلى ولده التي كانت ملامحه متهجمة. ثم سمع هو قول "عز" ليطمئنه:
"حصل خير يا بسام.. كل حاجة راحت فثانية ٱهو.. وغسان معملش حاجة دا حبة ضرب يعني.. اللي لو أنا كنت مكانه كنت ضربته اكتر من كده.. كويس إن لسه فيه النفس.. هدي نفسك إنت بقا!!!"
"مكنش ليه لزوم تمد إيدك علي أخوك كده يا بسام!!!"
قالتها "دلال" بخيبة وهي تلومه على ما فعله. في حين حدجها "حامد" بغيظ. فنظر "شادي" نظرة بمعني أن تصمت ولكن خرج صوت "حامد" الساخر منها وهو يرد على حديثها بـ:
"أه.. يبقى يضربه وهو متكلبش في السجن بقا.. وهو واخد إعدام فقتل واحد!!!"
نظرت له بقلة حيلة باكية بدموع عينيها السائلة. يأخذ موقف هو الٱخر. ولكن خرج صوت من دافع عنه سريعًا ولم يكن سوى "شادي" حينما قال هو الٱخر:
"أنا مش معاه فاللي كان هيعمله.. بس خدو بالكم يعني إنه معملش كده وهو فـ وعيه.. متجوش عليه وهو جايب أخره من اللي إسمه حسن ده.. وخلاص فضوا الموضوع بقا مادام محصلش حاجة.. متكبروش الحوار وهو خلصان!!!"
"مخلصش!!"
كلمة واحدة نبس بها "بسام" أمام نظراتهم جميعًا. نظروا له بغرابة وقلة حيلة بنظرات البعض. فردد "بسام" مجددًا بنفس النبرة الحادة:
"غسان مش هيسكت..!!!"
لم يترك لهم فرصة للحديث ٱكثر بل تركهم وخرج من الشقة بأكملها حتى صفع الباب خلفه تاركًا المبنى بأكمله ليخرج عن الجو المشحون. بل وتركهم بعد قوله ذلك الذي يزيد حتمًا من خوف "دلال" و"وسام" الساكنة. اعتدل "شادي" ثم تحرك سريعًا ما أن سمع بكاء "يامن" من على بعد بغرفة "بسام". واعتدل "عز" بحرج وهو يتنحنح ثم وجه نظراته الحرجة ناحية "حامد" الذي ظهر على ملامح وجه التيهة بقلة الحيلة والعجز لكل ما يحدث لهم:
"أنا هستأذن أنا يا أبو غسان!!"
لم يقوي على العناد أمامه. بل ٱتى "حامد" بٱخره من كثرة الأحداث عليه. لذا فاق من شروده على غلق باب الشقة خلف "عز" وعلى إندفاع "وسام" بأحضانه بتلقائية معهودة منها ما أن شعرت بمدى الثقل الذي يشعر به والدها. وفي هذه اللحظة أكثر من كان يحتاج الاحتواء كان هو وهو يتنفس بعمق بل وهي التي تضمه وهي تردد على مسامعه بقولها المختنق:
"متزعلش نفسك يا بابا.. أكيد كل حاجة هتتصلح!!"
إحتضنته هو كونها تعلم طيبة قلبه وخوفه علي الكل. وليس بطبيعة الٱم التي تفضل أولادها وفقط رغم حزنها وقهرها أيضًا. وكي لا تشعر والدتها بالحزن رددت عليها هي الٱخرى نفس الكلمات وهي تضمها!!!!!
أسندها "غسان" قبل دقائق على المقعد الطويل ما أن دخل شقته وأغلق الباب خلفه بساقه. شعوره بالخوف عليها ٱصعب شعور يمكن أن يمر عليه. أخذ أنفاسه تدريجيًا عندما وجدها تشهق وهي تحرك نظراتها بعينيها الباكيتين خلفها. ضمها إلى صدره بقوة وهو يمرر يديه نحو خصلات شعرها وظهرها ثم قال يحفزها بالأمان:
"متخافيش يا نيروز.. أنا هنا.. أنا جنبك!!"
الكلمة التي تخرج منه لها تعلم هي معناها جيدًا. تحركت تدريجيًا تنظر نحو عينيه اللامعة. هبطت دموعها أكثر وهي تضع يديها على جرح رقبتها محاوله إبتلاع ريبها وحتى ملابسها الممزقة. بهذه اللحظة تصعب عليها نفسها وحالها. هذه الملابس التي من المفترض أن ترتديها بوقت فرحها وأمانها معه. كيف مر الوضع!! تخذل من كل النواحي. إبتلع ريقه بتفهم لهذه النظرات حتى أنه اعتدل يجلس بلهفة وهو يمسك كفها باحتواء:
"أنا معاكي يا نيروز حتى لو إيه حصل.. والله العظيم ما هسيبه.. مش هسيب اللي حسسك بالإحساس ده.. بس متبصيش ولا تعيطي كده علشان خاطري.. هجبلك غيرها.. بس أهم حاجه إنت!!!"
يحفزها وكٱنها صغيرة فقدت لعبتها التي كانت سعيدة من أجلها بشدة!! يعلم بأنها لا تقهر على ملابسها بل على الوضع والشعور والكسرة والمهانة!! وشعورها صعب بهذا الوضع. في البداية كسرة فرحتها والٱن وضعها مع عودة ذلك الحقير. وحتى حالها بملابسها ينقلب رأسا على عقب في الوقت الذي كان به الهدوء والسكينة عكس ذلك. شهقت بخفوت وهي تترك يديه ثم رفعتها تمسح وجهها بكسرة وهي تردد بوجع:
"أنا تعبت.. إشمعنا أنا.. أنا من حقي أفرح وأرتاح.. لكن كده كتير أوي.. كتير عليا أوي يا غسان.. أنا.. أنا مبقتش قادره!!!!!"
تنهد بوجع يأخذه من نبرتها فقط من مجرد نظرة عينيها وعجزها وكسرة فرحتها يقسم هو بذلك. حالها صعب بنفسيتها هذه. إبتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقه حتى هزها بلهفة وهو ينبها لما تفعله من إعتراض ثم قال بنيرة متلهفة:
"متقوليش كده يا نيروز.. أوعدك إن لسه قدامنا الوقت اللي تفرحي فيه.. بس متعمليش كده.. متعترضيش.. كل اللي بيحصلنا ده معناه إن ربنا بيحبنا أوي صدقيني والله!!!"
ينبهها بالطريقه الحانية ويقسم بكل يقين. حركت رأسها بتعب. فـ نهض "غسان" بلهفة وهو يمسك كفها ثم سحبها لتقف بعدما استجمعت قوتها قليلا. أمسك كفها سندها ثم لف ذراعه الٱخر حول خصرها متوجهًا بها ناحية الغرفة إلى أن دخلتها بالفعل معه. إبتسم لها بحنو وهو يسندها إلى أن دخل بها مرحاض الغرفه. فتح صنبور المياه. يأخذ بكفه منه وهو يمسح وجهها ثم مد يده يرفع ذقنها ليظهر عنقها بجرحه الخافت. مسحه رغم ألمها وهي تتأوى. نظر ناحية ملابسها الممزقة من جوانب مختلفة صغيرة وحتى صعودها من غير حجاب. أسندها إلى أن رآها تقف تمد يديها لتغرق نفسها بالمياه على رأسها وما أن رٱها إنسجمت.
خرج سريعاً من المرحاض متوجهاً ناحية خزانة الملابس الخاصة بها. جهله بما ترتديه هي لم يساعده على جلب ملابس لها أكثر من عدة طوابق، بل جلب سريعاً من الخزانة الفوقية "السويت شيرت" الكبير بطوله الخاص به هو. أخذه سريعاً وهو يتوجه به لها مرة أخرى، ودخل عليها فوجدها تستند على حافة "البانيو". انحنى يمسح وجهها ثم قال يحثها:
"غيري لبسك لـ ده على ما تفوقي. إتعدلي براحه.. براحتك!!"
قالها بآخرة وهو يشير لها كي تعتدل، حينما أمسك ذراعها لتقف كي تخلع عباءتها. خلعها عنها بخفة ثم ألقاها ناحية صندوق الغسيل الموجود، فظهرت هي بملابسها البيتية. ابتلعت ريقها بتعب ونظراتها تتحرك بعشوائية إلى أن فتحت عينيها على وسعها عندما اعتدل هو يمسك ذراعيها ليخلع ملابسها هي الأخرى. تحركت بخفوت ثم قالت بحرج وهي تأخذ منه ملابسه:
"هغير أنا. أنا هقدر. متتعبش نفسك!!"
لم يتعمد إحراجها بهذا الوقت، لذا تصنع فهم ما تظهره من عدم حرج. ولكنها كانت حرجة حتى ولو كان زوجها. نهض ببطء، يطالعها باهتمام، حتى سار غالقا الباب من خلفه. ثم خلع عنه سترته هو الآخر سريعاً، إلى أن بقى عاري الجزعين والصدر وهو يقف أمام المرآة. ثم التفت ينظر إلى جانبه الذي لم يظهر عليه أي آثار ضرب، ولكن ضربة ساق شقيقة "بسام" كانت قوية عليه. تنهد يخرج أنفاسه ثم توجه وهو يتذكر ما أعطاه شقيقه له من دواء يجب وضعه بأي منزل. فتح الدرج ثم أخذ منه الدهان يدهن بأصابعه وهو يقف أمام المرآة. تركها على "التسريحة" ثم سار باتجاهه للخارج بعدما سمع صوت حركتها بالداخل وإلقاءها لملابسها من على بعد بصندوق الملابس. فتحت "نيروز" الباب ثم خرجت منه. ما ترتديه كونه قصير قليلاً، ولكنها لم تقصد الاهتمام والخجل كونها متعبة. وجدت دموعها تهبط بحسرة وهي تتذكر الوضع. أمسكت رأسها بتعب وهي تجلس على الفراش حتى أن خصلاتها تسقط المياه على الفراش دون وعي منها. لم تقوى حتى على تمشيط خصلاتها. تنهك تستنفذ طاقتها وللمرة التي لا تعرف عددها تظلمه ويبقى معها للنهاية!! وما أن شردت بآخر ما فعلته معه هي الآخر وجدت صوت خطواته. مسحت دموعها سريعاً وهي تقوم بـ مط ما ترتديه على ساقيها أكثر. قام بتشغيل المكيف بيديه الخالية من حمل الكوب، ثم ترك المحرك وهو يتوجه ليجلس بجانبها. قدم لها الكوب بحنو. رفعت أنظارها ناحيته فوجدت سخونة جسده العلوي المكشوف تستشعرها هي. حركت نظراتها نحو يديه ثم قالت بتعب مع نبرتها المختنقة:
"مش هقدر أشرب..."
قاطع جملتها عندما أمسك رأسها بين يديه ثم أشار لها بحزم أن تفتح فمها ففتحته حتى تجرعت ما يوجد بالكوب. كان مشروب من الليمون الدافئ فقط، بسبب تغير صوتها من الزكام الذي ظهر وعلم أنه لديها. انتهت من تجرعه، فوضع هو الكوب على الطاولة الصغيرة من أمامه. ثم حرك "غسان" عينيه ناحيتها مجدداً، مع رفع كفه ليرجع خصلاتها إلى الخلف برفق، وهو يردد لها بابتسامة حانية ماسحاً آثار دموعها بيديه الأخرى:
"قولتلك دموعك دي غالية يا بنت الأكرمي!!!"
يحاول تشتيتها باللين كي لا تفكر بشيء. نظرت له "نيروز" بلين وهي تتنفس بعمق، ولم تجيبه، ولكنها تشعر بالذنب ناحيته. وجدت عينيه تتحرك على ما ترتديه ثم قال لها بنبرة هادئة لا تتوافق مع طبيعة حديثه:
"لبسي عليكي يجنن العاقل!!!"
خرجت ابتسامتها الهادئة. وهذه المرة اعتدلت على الفراش ثم اعتدل هو، فأسندت رأسها ناحية صدره بخصلاتها المبللة. كان سينهض لارتداء تيشرته ولكنه بقى واعتدل وجذب الغطاء عليهما وعلى ساقيها المكشوفتين. لفح أنفاسها صدره، فهتف هو وهو يربت عليها بلين:
"ارتاحي ومتفكريش فحاجة...و ارمي كله ورا ضهرك... أنا متأكد إن مامتك هتكون كويسة وهتفرحي وتتبسطي. هحاول أعملك كل اللي أقدر عليه بس متحسسيش نفسك إنك قليلة حتى فالفرحة. متوجعيش فنفسك عشان أنا اللي بتوجع عشانك يا نيروز!!"
تنفست "نيروز" بعمق، وهي تكتم الدموع من جديد حتى رددت تجيبه باختناق:
"انت كل مرة بتثبتلي من غير قصد وبقصد إني وحشة أوي معاك يا غسان. بس صدقني المرادي مكنتش أقصد اللي أنا قولته. متزعلش مني!!!"
لم تأخذ منه رداً سوى أنه ربت على ظهرها وكتفيها. ولفحت أنفاسه قمة رأسها بخصلات شعرها. بالأساس يضغط على فكه من ما حدث قبل وقت. بداية من "حسن" ونهاية لتركه دون تصفية حسابه. يشعر بالخوف عليها. بل والشفقة لما يمر عليها من أحداث صعبة متتالية ليست هينة عليها. أنفاسها بجانب أنفاسه وهذا يكفي لمرور الأمر. ولكن كيف سيمر الأمر ومازال الآخر موجود بالفعل!! شعر بانتظام أنفاسها فحرك رأسها ينظر ناحيتها حتى وجدها ذهبت في سبات تتهرب به من الواقع. تحرك ببطء حتى أسند رأسها على الوسادة. ثم نهض من الناحية الأخرى يلتفت كي يزيح خصلاتها بعيداً عن عينيها ووجهها. جذب الغطاء أكثر يدثرها به. ثم نهض بسرعة حينما تذكر ما كان ينوي فعله. انتشل المرطب ثم فتحه يأخذ منه على أصابعه. حتى توجه ينحني يرفع ذقنها ليمرر إصبعه على جرح رقبتها. ثم عدل رأسها من جديد. وضعه بمكانه مرة أخرى وهو يمسح يديه بالمنشفة الورقية. حتى عاد ينظر على وضعها وهي نائمة. لا تشعر بمن حولها والغريب بأنها ذهبت في سبات عميق من عزم ضغطها النفسي. ابتلع ريقه وهو يتنهد ليأخذ أنفاسه ثم انحنى يقبل قمة رأسها برفق. حتى مسد على رأسها. اعتدل "غسان" يجلب تيشيرت له كي يرتديه ثم ليتوضأ ليؤدي ركعتان لله حتى ينعم بالراحة. وأي راحة وهي وضعها كذلك!! بالأساس يحزن لما تشعره وليس مجرد حزن بل حزنه مثل شعور كما تشعر هي الآخر. هو رجل ويشعر أيضاً بمدي ثقل هذه الأيام. ماذا عنها هي!. عندما يشعر بأن فرد من عائلته به مجرد خدش يخاف. ويهاب بأن يمسهم سوء. وحب الأم مختلف عن أي فرد وأي شخص. ماذا عن والدتها!! ماذا عن شعورها وهو اليوم الثاني من الزفاف؟ ماذا عن نفسيتها وضغطها هي الأخرى مهما فعلت ومهما قالت تبقى هي الشخصية الذي يشفق عليها وعلى حالها بعيداً عن كونها حبيبة أيامه وزوجته بعد الآن!. هي وبالنسبة له الكل. وأما عنها فـ في هذه اللحظة تنتظم أنفاسها وتذهب لعالم آخر كونه بجانبها. كونها مطمئنة لأجله ومعه هو. كون قلبه جوار قلبها وأنفاسه الساخنة كانت تلفح فروة رأسها التي تؤلمها. يوم مشحون بالأحداث والضغوط عليها ومهما كان تستمر بالصمود حتى وإن لم تقدر علي ذلك. تستمر كونها في كل مرة تخوض بها احداث عصيبة مثلما تخوض معركة و يكون "هو" قائد معركتها" هي.. "قائد معركة نيروز"
"عاهدتك على أن لا تتركني وتترك قلبي وحيداً وترحل..ورغم ذلك كنت أنا السبب القوي ليجعلك تفارقني..وأما عن قلبي.. فـ يقسم لك بأن لولا وجودك بجانبه لاختلفت الأوضاع وإنهارت الأحداث وفارقني الكل وبت أنا لأصبح وحيدة بوحدة قاسية من دونك!!! عهد ووعد مرة أخرى على أن لا تفارق حتى بشعورك!"
"نيروز" كما تسمى بنيروز الحب. الوردة. البهجة. وحتى السعادة البالغة التي لم تراها لوقت يكفيها!! كل ذلك يتبخر عنها ويبتعد. كونها مسطحة على الفراش منذ أمس. يلاحظ انتفاضها بجسدها بحسرة توجعه. لطالما تنام على بكاء وألم قلب. نهض "غسان" بالأساس قبلها. منذ أمس ولم يهبط بل بقى بجوارها حتى استغرق في نومه هو الآخر بجانبها آخذاً إياها بأحضانه يضمها باحتواء. كلما تنتفض هي رغماً عنها دون شعورها بذلك. اما الآن فهو يفتح ستار ما أمام الشرفة كي يضئ المكان عندما لاحظها وهي تتحرك بخفوت. طالع صينية الإفطار البسيط الذي أعده دون بذل جهد مع مشروب ساخن لديها وآخر بارد له. ينتظرها بكل صبر كي تنهض بنفسها عندما يكتفي جسدها من الراحة. لديه من القول ما يكفيه والذي تعمد تجاهله أمس عن فكرة ذهابها لـ "حسن" من الأساس! اعتدل بوقفته يفتح أحد الأدراج ليجلب منه أحد الأقراص مرة أخرى كي تخف هي من دور الإعياء. فتحت عينيها ببطء وتشوش. وبعد لحظات. اعتدلت تجلس وما أن هبطت عينيها عليه تنفست براحة. كبرى.
وجدته يلتفت وهو يبتسم لها بحنو، ثم جلس على طرف الفراش بجانبها حتى وجدها تتحدث بنبرة تغيرت أثر النوم:
"صباح الخير!"
في هذه اللحظة، توجه يقبل قمة رأسها برفق، ثم سألها بهدوء بعدما رد عليها جملتها:
"لسة تعبانة؟"
حركت رأسها نفياً، رغم شعورها بالإعياء بكامل جسدها، ولكنها فعلتها وأومأت بالنفي. أبعدت عنها الغطاء ثم تحركت بهدوء إلى أن بقت جالسة بجواره. تحركت عينيها إلى ما ترتديه من ملابسه ثم ابتسمت بلطف وهي تحرك عينيها ناحيته فوجدته يحدق بها بصمت، إلى أن تحدث سريعاً وهو يرفع يديه يزيح خصلاتها إلى الخلف:
"قومي اغسلي وشك وتعالي على البلكونة أكون حطيت فيها الفطار!!"
حركت "نيروز" رأسها بموافقة، حتى نهضت باتجاه المرحاض. طالعها هو وهو جالس بصمت، إلى أن تعمق النظر بها وهي تنهض وحتى ما ترتديه من ملابسه التي كانت جذابة عليها. نهض "غسان" بعدها حاملاً صينية الطعام ثم فتح الشرفة بجرها إلى أن فتحت، ووضع ما بيديه على الطاولة الخشبية الحديثة، ثم رفع ذراعيه يهبط من الستار أكثر كي لا يراها أحد وهي كذلك. أمسك دورق المياه من بعدها ثم سقى الورد والزرع الخاص بها وهو يبتسم بشرود. كان يسقيه خلسة من شرفته بشرفتها، والآن يسقيه معها وهي معه بنفس المنزل. وجدها تدخل من خلفه مرددة بجملة حزينة أتت بتلقائية من اهتمامها الشديد بذلك:
"ما سقيتوش وتوهت عنه!!!"
ترك ما بيديه ثم توجه يمسك كفها حتى أجلسها على المقعد ومن ثم تحرك ليجلس بجانبها. أشار لها "غسان" بلطف ثم قال:
"أنا سقيته بقا، كلي يلا!!"
بدأت "نيروز" بتناول الطعام ببطء كي لا ترفض ويحدق بها بحزم وينتهي الوضع بتحدي منه. رغم كونها لا يوجد لديها أي طعم لأي طعام، ولكنها اندمجت ما أن رأته يشير لها. حتى استمر الوضع كذلك بصمت. لاحظت صمته المريب فسألته هي بترقب:
"هو انت لسه زعلان مني؟"
"لأ!!"
خرجت منه باقتضاب رغماً عنه وسريعاً قبل أن يتحول الوضع، سألها عندما انتهز الفرصة بسؤال يود سؤاله لها منذ أمس:
"إيه اللي وداكي عند حسن امبارح؟"
سألها "غسان" بجدية بالغة. فتوقفت هي عن مضغ الطعام وهي تنظر له بغرابة، ثم أجابته توضح له:
"أنا ما روحتش عند حسن، أنا روحت لفريدة ومامتها أتطمن عليهم!!!"
لم يرفع "غسان" عينيه إلى عينيها بل تصنع الانشغال بما يفعله، إلى أن رفع رأسه ينظر لها بصمت دام للحظات، ثم رد عليها باستنكار هادئ:
"فريدة وأمها؟ يعني "زينات" اللي انت مبتقبلهاش راحة تطمني عليها مش كده؟"
"أنا مش فاهمه إيه الغريب في كده. أنا مبقبلهاش ومش عاطيالها اهتمام بس لاحظت غياب فريدة عرفت إنها هناك روحتلها... لحد ما لاحظت إن مامتها تعبانة وكانت قاعدة مع مامتها عشان كده!!!!"
بنفس الاستنكار أردفتها "نيروز"، فتنهد هو يخرج أنفاسه بنفاذ صبر مع قوله لها:
"فتقومي قاعدة عندهم وواخدة راحتك؟ راحة تقعدي عند واحدة انت اصلا مبتبديهاش الأمان! ورحتي وانتي عارفة إنك مش بتثقي فيها ولا أي حد هنا بيثق فيها. ومع ذلك قعدتي لحد ما الناقص ابنها جه وكنتي ممكن تروحي تحت إيده في ثانية. وكل ده وانتي قايلالي إنك راحة تشوفي اختك ومش هتتأخري!"
أردف "غسان" حديثه من عزم خوفه عليها. ابتلعت "نيروز" ريقها سريعاً، فهذه النقطة كان معه كل الحق. كانت تتردد في الدق على الباب، أتخبره أم لا، أتتأخر أم لا، وكل ذلك تبخر عندما قتلت التردد بنفسها ودخلت رغم شعورها بأن هناك ثمة شيء ليس طبيعياً. حاولت التماسك ورغم كونها تعلم أنها مخطئة، ولكن هاجمته بردها سريعاً وهي تسأله باندفاع:
"انت عاوز تتخانق معايا وخلاص؟"
تعمد الصمت الساكن، حتى تنهد يخرج أنفاسه بنفي هادئ وهو يخرج لها حديثه بوضوح كي لا يضعها تحت ضغط مرة أخرى بظروفها هذه:
"مسمهاش عاوز أتخانق معاكي وخلاص، اسمها خايف وخوفت عليكي، عشان أنا مضمنش المرة الجاية ممكن يحصل إيه. بنبهك لحاجات بتعمليها من غير ما تاخدي بالك من النتيجة. بقولك إنك طالما مش واثقة في حد متديلهوش اهتمام وبنت عمك كانت هتظهر هتروح فين يعني! قعدت أقولك ارتاحي ونامي وريحي نفسك ونفسيتك بس مصرة تتعبي وتجهدي نفسك ونفسيتك بردو. مبسوطة وانتي من ساعة اللي حصل من الناقص ده قاعدة تتحسري طول الليل وتشهقي بكلام مش مفهوم؟ ولا انتي مش فاهمة إني خايف عليكي لسه؟"
ابتلعت "نيروز" ريقها بتعب، وقد تركت الطعام وهي تعتدل ثم أجابته باختناق:
"أنا نفسي أرتاح من كل حاجة.. حتى من كلامك اللي زي ده. وحتى ولو عشان خايف عليا.. بس أنا مبقتش قادرة أستحمل!!!"
وكأن طاقتها تستنزف بالفعل. لم يقصد ضغطها بل خاف وهاب ما فعلته. يؤلمه حتى حديثها ذلك. نهضت ببطء تنسحب، فأغمض "غسان" عينيه بنفاذ صبر من كل ما يحدث. لم يعد بإمكانه الحديث معها بطبيعية في هذه الأوقات، نفسيتها على شعرة واحدة رفيعة، بل وكونها أصبحت حساسة من كثرة الضغوط هذا يضغطه هو شخصياً بالأساس. يعبر لها ويعاتبها على الطريقة الطبيعية بينهما. ما حدث من تغير مؤلم من كل ما حدث كان منها هي. نهض تاركاً الإفطار هو الآخر حتى خرج من باب الشرفة غالقاً إياها خلفه كي يخفي إضاءة الغرفة تدريجياً. وجدها تفتح الخزانة بخواء كي تجلب لها ملابس ترتديها. توترت سريعاً عندما وجدته يقف خلفها ثم رفع ذراعه يحاوط خصرها مردداً لها بنبرة لينة:
"أنا مش عاوزك ضعيفة كده يا "نيروز"!!"
تستشعر قربه منها كذلك، لذا التفتت تطالعه بعدما وقف ينظر لها بصمت. وما أن رأى دمعتها تهبط حتى أنها توجهت تسند رأسها على صدره، فربت عليها وهي تتحدث بأسف:
"أنا قوية بيك يا غسان.. عشان كده متزعلش مني على اللي حصل. أنا مكنتش أقصد وزعلك مني بيضغطني أكتر.. وحتى الوقت ده اللي المفروض أكون مبسوطة ومرتاحة فيه بقيت مضغوطة ومش قادرة. يعني ا..."
تستشعر ضمه لها أكثر، لذا وجدت نفسها تجلس على طرف الفراش بعد لحظات وهو بجانبها. أخرج أنفاسه وهو يسألها بلين واهتمام مع قطعه لحديثها بمراوغة:
"يعني إيه؟"
"يعني أنا مقصدش اللي قولتهولك ده والله العظيم. أنا كل ما بفكر في الحاجة الحلوة والوحيدة اللي فرحتني في كل ده إني بقيت معاك انت وفحضنك انت. وحتى مراتك انت مش حد تاني مجبورة ومغصوبة عليه. أنا بحبك ونفسي متسبنيش ونعيش حياة هادية سوية من غير ضغط ومشاكل وحوارات من دي. أنا مبقتش حمل ضغط من ده.. أنا عايزة أشـ..."
توقفت عن إرداف الحديث أكثر عندما وجدته يقبل ما بجانب عينيها برقة شديدة ثم قال وعينيه لا تفارق عينيها:
"إيه يرضيكي ويخليكي مبسوطة ومرتاحة يا نيروز؟"
سألها هو بكل اهتمام وعينيه الشغوفة بها لا تفارق عينيها المتأثرة وهي تجيبه بنبرة صادقة توضح له بها ما تريده:
"مش عايزة أي حاجة غير إنك متبعدش عني ومتسبنيش. إنك تكون هادي وحياتنا هادية بعيدة عن المشاكل!!!"
لا تريد فراقه حتى وإن قال لها بطريقة غير مباشرة أنه سيفارقها ما أن تنتهي المحنة. تهاب هذه النقطة رغم قوله لها دون التنفيذ وهو يعلم أنه لن يقدر على فعلها. تريد حياة أكثر راحة. والآن تهاب نقطة مستقبلية جديدة ما أن علمها هو سيتبدل لآخر وتعلم هي ذلك. لم تأخذ الفرصة بقولها كونها تتأثر تحت حديثه ونظراته وحتى أفعاله وكلماته. خرجت من شرودها سريعاً عندما وجدته يمرر يديه على ظهرها بحنان، مردداً بنبرة صادقة يحثها:
"خلاص متقلقيش.."
قومي غيري عشان نروح المستشفى لمامتك وأنا هلبس وهستناكي ننزل مع بعض.
إبتلعت "نيروز" ريقها بتردد وهي تهز رأسها بموافقة. ثم قالت بتردد آخر قبل أن تنهض:
"أنا كنت عاوزة أقولك حاجة."
تنهد "غسان" يتنفس بعمق. ثم أمسك يديها المرتجفة وهو يهتف بنبرة مطمئنة:
"إنسي اللي فات بقى، متضغطييش نفسك من تاني، إطمني خلاص مفيش حاجة، قومي غيري يلا."
اعتقد بأنها ستفاتحه مجددا بأسف لما تريد قوله من ما فعلته، ولكنها كانت تقصد شيئًا آخر تخاف أن تفاتحه به وتخاف من ردة فعله مرة أخرى. لذا ترددت، إبتلعت ريقها وهي تهز رأسها رغما عنها دون أن تنبس بحرف. حتى نهضت بعدما ترك كفها برفق، وهو يطالعها إلى أن أخذت ملابسها من الخزانة وتوجهت بها ناحية المرحاض. نهض هو الآخر يأخذ ملابسه المناسبة للخروج من الركن الخاص به، ثم توجه بها للخارج حيث المرحاض العام بالشقة. سيرتديها بسرعة عنها بالطبع، ثم ليهبط بعدها يرى ما آخر الأحداث معها. وللنظرة القادمة ياليته ما هبط!
________________________________________________
قبل وقت من الآن، لم تفتح هي عينيها منذ الأمس بسبب إرهاقها وتعبها. وحتى ما حدث أمس من صراخ وعقبه أتت عليهم لم تسمعه هي، بل كانت في عالم غير عالمهم الواقعي ذلك. وعدم وجوده بجانبها لا تنتبه له هي من الأساس. تفتقد احتوائه، وحتى أنها ترى أن شقيقتها قست عليها بالحديث، لا تعلم بأنها جاءت لها من أجل خوفها عليها. فتحت "ياسمين" عينيها بتشوش، حتى انتفضت بسرعة ما أن رأته يجلس على طرف الفراش بجانبها. اعتدلت تجلس بسرعة، فأسندها "حازم" بسرعة بتعنيف:
"براحة على نفسك يا مجنونة!"
ما أن استوعبت وجوده، حركت رأسها بعشوائية وهي تتنفس، ثم سألته بسرعة باهتمام وصوتها المختنق ما زال يظهر:
"إنت جيت من إمتى؟ أنا فكرتك مش هتيجي وهتبات معاهم لحد ما أجيلكم أنا!"
يرى الضعف إلى الآن بنبرتها وحديثها، وحتى دموعها المحبوسة رغما عنها. يعلم بأنها أكثر من وصفت بلين القلب الذي لا يحتمل موت زبابة. إلى ذلك التشبيه، رغم تبجحها. إبتلعت ريقها وهي تتنهد بارتياح ما أن أخذ رأسها يضمها بذراعه ناحيته، ثم أجابها باطمئنان:
"جيت قبل الفجر بشوية، لما لقيتهم بيطمنوا عليها جاهزة ولا مش جاهزة بالفحوصات وكله كان تمام. بدر أخد أوضة مع وردة وكنت هاخد أوضة بس رفضوا وقالولي روح خليك مع ياسمين. وبصراحة أنا كنت هموت من القلق عليكي لحد ما كل شوية كنت بتصل بـ عايدة. ولما جيت لقيتها صاحية قصاد أوضتك منامتش وعرفتني اللي حصل!"
انتهى حديثه بقبلة على رأسها برفق. فخرجت هي تسأله بغرابة من آخر حديثه:
"حصل إيه في إيه مش فاهمة!"
"قومي إلبسي بس وهفهمك."
قالها "حازم" بلين، فحركت رأسها موافقة على ما قاله، حتى نهضت ببطء، فأمسك ذراعيها يسندها كي تنهض من على الفراش.
أما الآن وبعد ذلك الوقت بخارج غرفتهما، وقفت "جميلة" بصالة المنزل بعدما تجهزت كي تقوم بزيارة زوجة عمها. وقفت مع "فريدة" و"عايدة"، منتظرين خروج "حازم" و"ياسمين". حدقت "عايدة" "جميلة" مطولًا، ثم قالت لها بضغط مرة أخرى:
"يا بنتي روحي شوفيه عشان خاطري، بيقولك ما بينطقش من إمبارح. إسمعي كلام أمك وروحي ربنا يهديكي!"
تضغط عليها منذ وقت بأن تذهب لشقيقها. تعلم بأنها مطلوبة من "زينات" لتراه بواسطة "فريدة". راقبت "فريدة" الوضع، بينما اندفعت "جميلة" بسرعة:
"ما أنا شوفته إمبارح، خلاص يا ماما بقى متضغطييش!"
نظرت لها "عايدة" بخيبة وقلة حيلة، ووقفت صامتة، هي والأخرى تنظر على التردد بعين ابنتها. إلى أن فُتح الباب بعد دقائق، باب غرفة "حازم"، وهو يهدئ "ياسمين" ويطمئنها على حالة "نيروز". التفت كل منهم للآخر ينظرون لبعضهم. بينما وقف "حازم" يشير إلى "عايدة" بقوله:
"خليكي معاها كده يا ماما على ما نيجي."
كادت أن تعترض "ياسمين"، فحدجها "حازم" بنظرة حازمة حادة جعلتها تصمت. أشار هو لـ "جميلة" بيديه، فسارت من خلفه دون كلمة اعتراض واحدة. فُتح الباب، التفت يمد يديه لـ "فريدة" كي تعطيه المفتاح. أخذه منها ثم فتح الباب، وبدأ في السير نحو الداخل، وهما من خلفه تاركًا الباب من خلفه مفتوحًا. فتح غرفة "حسن" ثم دخل بها، حتى وجد "زينات" تجلس بجانبه تراعيه على المقعد المريح. تنهد "حازم" يخرج أنفاسه، فرفعت هي عينيها وهي تنتفض ما أن وجدتهم أمامها. إبتلعت ريقها بترقب. فسألها "حازم" بنبرة هادئة:
"عامل إيه دلوقتي؟"
رأى الجهل بنظراتها، فاعتدل ينظر لـ "جميلة" ثم قال لها بأمر:
"شوفييه!"
توجهت تنفذ ما قاله لها شقيقها، في حين وقفت "فريدة" ساكنة. فاعتدل "حازم" يشير بعينيه نحوها قائلًا بجمود:
"اسمعي اللي هقولهولك ده كويس، ابنك يفوق وتقوليله يغور من هنا قبل ما عيني تقع عليه وهو فايق، عشان لو حصل حاجة منه تاني هطردك إنتي وهو من هنا، حتى لو الشقة مكتوبة باسمك قادر أعملها و آخد منك اللي وراكي واللي قدامك. مش بعيد تكوني إنتي اللي بعتاله بعد ما فاق وجبتيه وسميتي بدنه بكلام من كلامك المقرف ده!"
فقدان الثقة ثم التقزز من الشخصية كونها حقيرة في بعض الأوقات. تعتاد الطريقة، وحتى هو لا يستبعد شيئًا كهذا. لم تستطع التبرير، بل إبتلعت ريقها بضعف. ثم تفاجأ بهجوم "فريدة" بردها وهي تقول بتلقائية أتت من دفاعها عنها:
"بس هي معملتش كده."
تبرر بصدق ليس للدفاع فقط، فقد كانت مريضة مسطحة على الفراش بدور إعياءها، كيف لها بأن تطلبه ليأتي، بل ولم تكن تعلم أين المستشفى الذي كان هو بها. حدجها "حازم" بحدة ثم أشار لها بعينيه قائلًا بحزم:
"مسمعش منك ولا نص كلمة!"
أكمل سريعًا وهو يشير بعينيه ناحية "جميلة" التي اعتدلت بترقب من حالة "حازم" الحادة. وجدته يسألها بنبرة هادئة:
"فايق؟"
"لأ هو لسه مغمي عليه، شوية وهيفوق."
حرك رأسه بتفهم، ثم التفت يسير مرة أخرى باتجاهه للخارج بعدما حدج "زينات" بقوة. بالأساس يستخدم التهديد بشخصية حادة كي تهاب وتحذر الآخر. خرج من الشقة بأكملها حتى وجد "ياسمين" تتشبت بأحضان "نيروز" التي هبطت للتو مع "غسان". بكت بأحضانها وهي تسألها بكل لهفة:
"إنتي كويسة صح؟"
هزت "نيروز" رأسها بموافقة، وهي تحرك عينيها بلهفة عليها مرددة باطمئنان أمام الأنظار:
"أيوه أنا كويسة والله، بلاش تعيطي بقى."
إبتلعت ريقها ثم سكنت تدريجيًا عندما وقف بجانبها "حازم" يسندها برفق. تقابلت عينا "جميلة" و"نيروز" فتعمدت "نيروز"، الإصرار على موقفها تجاهها. تحرك "غسان" بطريقة خافتة يجلب هاتفه من جيب بنطاله. فوجد هو "نيروز" تمسكه سريعًا خوفًا من تهوره ليدخل إلى الداخل حيث "حسن". تخاف بطريقة شديدة قوية، حتى أنه يتألم من هوسها ذلك. مرر يديه على كفها بحنو، ثم اعتدل يريها الهاتف بخفة. فنظرت نحوه بتشكك، لا تريد ضغوطًا أخرى. فوقف "حازم" مرددًا بنبرة هادئة لهم:
"طيب أنا هسبق أنا وهم، وهنستناكم هناك. عاوزين حاجة قبل ما نمشي؟"
"لأ بالسلامة إنتم، هنحصلكم."
رد عليه "غسان" بقوله ذلك سريعًا. انتظر إلى أن دخل بعضهم المصعد والبعض الآخر هبط على السلم. وجدها تنظر إليه بصمت. الحيرة ترافقه هو في أمرها. لا يرى سوى هي وراحتها، لذا لم يفكر سوى بكيف سيريح أعصابها المشدودة هذه.
زفر بصوت وهو يمسك كفها إلى أن دق باب شقتهم بصوت هادئ وهي بجانبه. وقف للحظات إلى أن فتح له الباب بواسطة "شادي" الذي كان يحمل "يامن" الساكن معه. نظرت له "نيروز" بلهفة وهي تنتشله منه ثم دخلت به إلى الداخل سريعاً. أما هو فدخل ببطء محركاً أنظاره نحو الصالة الصامتة. وإلتفت يسأله باهتمام:
"أومال هم فين؟"
"مشوا من بدري هناك للمستشفى وصلتهم ورجعت عشانك وعشان مش ضامنك لما تنزل إنت وبسام هتعملوا إيه. عاوزك تعقل كده واعرف إنه خاف عليك و..!!"
حرك "غسان" رأسه بعبث منه ثم قال يوضح له سريعاً:
"مش هعمل حاجة.. هو فين أصلاً. خلينا نمشي!!"
قالها بعجالة فأشار له نحو غرفة "شقيقه" وقد دخلت "نيروز" لـ "وسام" بغرفتها. فتح "غسان" غرفة "بسام" دون أن يدقها فوجده يقف أمام المرآة يمشط خصلاته بعدما انتهى من ارتداء ملابسه. لم يلتفت هو لشقيقه بل تحدث بجدية ومازال على وضعه:
"في حاجة اسمها نخبط قبل ما ندخل لو بتفهم فالذوق وبنقدر الحالة وبنعمل حساب للحياة.. مش هيصة هي!!"
لم يكن يقصد الباب ودقه عليه بل يلمح له عن ما فعله. وجده سريعاً خلفه. سمعه "غسان" وكان "شادي" يترقب الوضع. نظر له "غسان" بسخرية لاذعة وهو يسأله بتهكم:
"وأنا من إمتى وأنا كنت بخبط عليك.. بلاش حورات من دي ولو عندك حاجة لفلي كده وقولهالي فوشي!"
أغمض "بسام" عينيه بغيظ من طريقته وبالأخص أنه فهم أن الآخر يرسل له بطريقة غير مباشرة أنه غير نادم على ما حدث أمس. إلتفت يهاجمه سريعاً بتعنيف:
"الحوارات دي إنت اللي بتعملها ومفيش غيرك بيعرف يعملها. هتموت وتوقع نفسك فمصايب ودواهي. مبتخافش على نفسك وحياتك ومراتك ومستقبلك!!!"
طالعه "غسان" بصمت للحظات ثم حرك عينيه نحو يد شقيقه الذي يتحدث بها. تلك الحركة المستفزة الذي يكرهها منه ومن "نيروز" هي الأخرى. تنفس ببطء وهو يجيبه بنبرة تعمد أن يثير بها استيزازه:
"وإنت خسران إيه من ده كله. إنت مالك أصلاً. عاوزني أقف ساكت ومراتي بتتهان. إنت بتفكر إزاي."
إندفع "بسام" يمسكه من ياقة قميصه بانفعال ثم قال بنبرة مرتفعة جعلت شقيقته وزوجة الآخر يهرولان لهم:
"مالي عشان أخوك وخايف عليك يا غبي. ولا مالي وأنا مقولتلكش متعملوش حاجة. إنت واعي كنت عايز تعمل فيه إيه. هتقتله عشان ترتاح وتريح مراتك. مراتك اللي من ساعة ما دخلت علينا وإنت ماشي توقع نفسك فمصايب وبلاوي مبتجيبش أي حل ليكم!"
في كل مرة ينفعل بها يعكر من الحديث. ما أن سمعت هي ما قاله عنها ابتلعت الغصة المريرة التي توجد بحلقها. فصل بينهما "شادي" سريعاً وهو يحاول إمساك "غسان" عنه كي لا يندفع عندما صاح عالياً له بإنفعال مماثل عندما سبه بأول وآخر جملته:
"إنت عارف إنت بتقول إيه يا *** إنت!"
فصل بينهما "شادي" بأعجوبة وتوجهت "وسام" تسحب "بسام" بعيداً عن "غسان" الذي فهم قول شقيقه بالخطأ. أهبطت "نيروز" الصغير أرضاً وهي تتوجه سريعاً لتمسك ذراع "غسان" الذي فاض به هو الآخر من كثرة الضغط عليه. سمع هو قوله الأخير له و"وسام" تمسك ذراعيه:
"إفهم يا بني آدم إنت.. أنا خايف عليك. خايف يا متخلف!!!!!!"
نفض "غسان" يدي "شادي" عنه ثم وقف يتنفس بصوت مسموع حتى وجه عينيه ناحية "نيروز" الذي أشار لها بأن تخرج بقوله الجامد كي لا يجعل بحديثه علاقة زوجته وشقيقه حساسة بعد الآن:
"أخرجي برا إنتي وهي!!!"
تعلم شقيقها لذا أمسكت كف "نيروز" تسحبها رغماً عنها رغم عنادها وإصرارها. أغلقت "وسام" الباب خلفها ببطء. فوقف "شادي" خوفاً من تطور الوضع بينهما. ومن ثم تنهد "غسان" يخرج أنفاسه ثم بدأ برده على قول شقيقه الأخير:
"خوفك ميدكش الحق تتكلم عن مراتي كده فوجودها.. ولا يديكم الحق من أساسه تفكروا بكده بسبب بس إنها بقت مراتي ومسئولة مني. وعشان كفاية اللي بيحصلنا ده أنا هسكتلك يا بسام زي ما سكت المرة اللي فاتت وانت برضو بتتكلم من غير ما تعمل حساب لكلامك اللي خارج ده خارج لمين وقصاد مين وبتضغط وتظلم مين بيه. وأنا راضي بالمشاكل. المصايب اللي مبتجيبش حل ليها ولا ليا. ومبسوط بحياتي معاها حتى لو بدخل فحورات تعباك أوي كده. خليك براها. !!!"
أردف حديثه متحلياً بآخر ذرة صبر لديه. فوجد الآخر يندفع بصراخ مفاجئ يفهمه ما يعنيه:
"إنــت مجـــنون يا بني. مــجنون ومش فاهم حاجة!!!!!!"
صرخ به "بسام" بإنفعال كونه فهم وهلل الأمر للتضخيم. بهذه اللحظة فقد السيطرة على نفسه بل رفع يديه يدفعه عنه بعيداً تزامناً مع رده المرتفع هو الآخر:
"إنت اللي مجنون ومش عارف إنت بتقول إيه. عشان لو عارف فبعد كلامك ده مش هلاقي غير كلمة "طلقني يا غسان" اللي أنا بحاول أمشي الدنيا بينا عشان متوصلش تاني للحظة دي. اللحظة دي اللي حصلت لما هي حست إني محطوط فمشاكل ومصايب بسببها. واللي إنت جاي تقولها الوقتي قدامها بكل سهولة زي ما أمك عملتها قبل كدة.. وإنت زي المتخلف مش فاهم أي حاجة!!!!!!"
أردف "غسان" حديثه له بعدما أمسكه من تلابيبه تراخت يدي "بسام" عنه فسحب "شادي" "غسان" مرة أخرى بعيداً عنه وهو يهدأه. فوجده يتحدث مرة أخرى وكأن فاض به الكيل:
"كل مرة بسكت وبعدي حاجات محدش شايف إنها بتحصل أو ممكن يحصل بسببها حاجة. بس أنا بقول كفايه بقا.. كفاية من ساعة ما قولت محدش عاد يتدخل فحياتي وبردو مصممين علي الخراب. أعملكم إيه تاني أنا. أتصرفلكم ازاي وأعدل بين كل ده ازاي!"
أعلن عجزه بنبرته التي بحت في آخر حديثه. بالأساس عبر الآخر عن خوفه بالطريقة الخطأ الذي يعلم بأن شقيقه سيفهمها آخر لا محال بل وبالخطأ. فتح "شادي" الباب وهو يسحب "غسان" خلفه بقوله له كي يهدأ الوضع:
"كفايه كده.. إمشي يا غسان.. إمشي إنت ومراتك.. وإحنا هنبقى نيجي وراك.. بس إمشي دلوقتي يلا!!!!"
وقف يطالع شقيقه بصمت. "بسام" الذي نظر له بلوم لعدم فهم خوفه والآخر الذي ينظر له بلوم آخر مختلف. لوم لحدوث وإنقلاب أشياء أخرى بسبب حديثه. ولوم لضغط جديد عليه. ضغط لجبل الضغوط الذي لم يعد يتحمل كل ما يحدث. ورغم صبره بسببها الآن يضغط حزناً عليها للمرة الذي لا يعرف عددها. وجد هو "نيروز" تدخل وهي تحبس الدموع بمقلتيها. وما أن سمعت قول "شادي" تحدثت وهي تمد كفها تمسك كفه:
"يلا نمشي يا غسان.!"
قالتها بنبرة مختنقة ضعيفة. شعر هو بها وبثقلها. يريد في كل مرة تهدئة الوضع بينهما وحتى هذه اللحظة عندما عاتب شقيقه أخرجها من الغرفة. حملت "وسام" "يامن" كي تطمئنها. فسار "غسان" بجانب "نيروز" إلى الخارج إلى أن أغلق باب الشقة خلفهما. وبقت "وسام" تقف أمام "شادي" و"بسام". تحركت عيني "وسام" بلوم ناحية "بسام" وهي تقول:
"ليه كده يا بسام. دا إنت إللي بتقعد تقول لماما كل شويه إن مينفعش اللي هي بتقوله ده.. تقوم تروح تفهمه خوفك عليه بالمنظر ده. إنت عارف غسان طالما فهم حاجة صح غلط هتبقي عنده زي ما فهمها وخلاص..
إحنا بجد ما بنصدق الدنيا تكون تمام.
قال "شادي" عقب ما قالته بإختصار لينبهه لما إقترفه رغما عنه:
"شوف بقا الوضع لو باظ هيوصل لفين بالذات عند نيروز لو إنت مش فاكر لما سمعت حاجه شبه كده راحت لغسان وقالتلله يطلقها بسرعه ساعة حادثة وسام أختك. مش إحنا اللي هنفهمك يا بسام نيروز بتخاف وحساسة فالموضوع ده قد إيه. وكمان حسن ظهر من تاني وكل مره بتقعد تقول أخوك مضغوط فيها. أهو إنت إللي ضغطه دلوقتي من غير ما تحس!"
زفر بصوت مسموع عقب قوله ثم إلتفت يشير لـ "يامن" حتى جاء له وهو يضحك دون فهم أي شئ من الأوضاع. يتمنى الكل بهذه اللحظه أن يكونوا مثله هو. لم يرد عليهم "بسام" بل لاحظ خروج "شادي" مع الصغير ثم قول "وسام" الساكن له:
"يلا يا بسام!"
نصف ساعة تمر وهي تفكر بماذا تهدي الحياه لشخص مثلها؟ ماذا أخذت وماذا فعلت؟ ليحدث لها كل ذلك. تكتم دموعها بأعجوبة وهي جالسه بجانبه بالمقعد في السياره. تريد شهقاتها أن تخرج ولكن تأبى الخروج فتنتفض هي بطريقة غير ملحوظه. تود ترك كل ذلك والذهاب بعيدا حيث لا يعرف لها ولتعبها طريق. إتضح أنها الٱخرى لم تأخذ نصيب من إسمها لم ترى البهجة ولا الفرحه ولا حتى العيد بعيد ما هي به. شردت بشرفة السيارة تنظر إلى الخارج بصمت ولم تتحدث عن أي شئ حدث. بل صمتت صمت يوجعه هو قبل أن يوجعها. ينظر إليها ويتابع ما تفعله بترقب وإهتمام. يعلن عجزه لأول مره عن إبداء حل لما هي به. كلما يهدأ ويسكن الوضع بينهما يعود منقلبا مره أخرى. تنهد يخرج انفاسه ببطئ. وهو يركن السيارة بإحدى الجوانب ثم أوقفها وأخرج المفتاح وهي مازلت شاردة بموضعها. إلتفت برأسه ينتظرها وما أن وجدها ساكنه مره أخرى مد أنامله يدفعها بحنو كي تنتبه فإنتفضت وهي تشهق بقوه. إعتدل "غسان" سريعا بخوف يسندها كي لا تصطدم رأسها ثم قال بنبره سريعه متلهفه:
"مالك يا نيروز؟ مالك. متخافيش!"
قالها منحنيا وهو يفتح باب السياره. سكنت تدريجيا وهي تعتدل بين يديه ببطئ إلى أن أخذت أنفاسها بصوت وهي تحرك عينيها ناحيته. حالها يصعب عليه هو حتى أن الدموع تتجمع بمقلتيه فأصبحت لامعه لها وهي التي تنتبه في كل مره لم تنتبه له هذه المره. حركت رأسها تردد بضعف تحاول إخفاءه والتماسك:
"أنا كويسه مفيش حاجه!"
إعتدلت هي عقب قولها ففتح لها "غسان" الباب وهو يمد ذراعه ثم أسندها كي تتوقف. فخرج من الباب الٱخر غالقا إياه من خلفه وهو يلتفت للناحية الأخرى. مد يديه يمسك كفها برفق وهو يدفعها فنهضت ثم أغلقت الباب خلفها. فأغلقها هو إلكترونيا. ثم سار بجانبها ممسك بكفها البارد بين كفه وكفه الٱخر ممسك به هاتفه الذي يتحدث به مع "حازم" ليعرف المكان تحديدا. وكأنها الغريبه في هذه الدقيقه لا تعرف سوى يديه هو ولو كان الوضع بوضع ٱخر لإرتمت بأحضانه للتو بسبب ما تشعره. ركبت معه المصعد بسكون ليصعدا لغرفة والدتها بالطابق في الٱعلى. دلك كفها في لحظتها بحنو وقد لاحظ إرتجافة يديها التي تزداد فأردف سريعا وهو يدلك كفها الذي يرتجف بشدة:
"بس.. بس.. إهدي أنا جنبك.. أنا معاكي يا نيروز سيبك من اللي بتسمعيه. سيبك من أي حاجه!"
يطمئنها بألم. أما هي فتمسكت بكفها به ثم رفعت عينيها المرهقه له حتى وجدت الخوف واللهفه بها. إبتسمت له إبتسامة مهزوزه وكأن ذاكرتها تسترجع أيام ذهاب والدها المستشقي ورقده على الفراش بتعبه الشديد. لا يمكن أن تعيد الأيام نفسها بهذه الطريقه وبالأخص بتلك العقبه الشديده القاسيه عليها. مرر "غسان" كفه على ذراعها وكتفها بإحتواء فوجدت نفسها تخرج له حديثها بتعلثم وخوف لأول مر يظهر:
"أنا.. أنا خايفة!"
"وأنا جنبك.. مش هسيبك!"
يؤكد لها إن حدث أي شئ فهو بجانبها. فكيف لها بأن تخاف؟ ابتلعت ريقها ببطئ ما أن فتح المصعد. أسندها هذه المره وقد رأى جلوس "بدر" و"حازم" و"حامد" و"عز" بالخارج أمام الغرفه في الطرقه. أسندها برفق وهو يسير معها إلى أن وقف ومد يديه يشجعها كي يفتح الباب. فتحه ثم أشار لها بالدخول حتى دخل فدخل "حازم" و"بدر" و"حامد" و"عز" من خلفهما. وما أن وقعت عينيها على "ياسمين" الباكية بأحضان "سمية" ثم "وردة" إهتزت. وجدت الكل يقف يفسح لها المجال من النساء والفتيات. إعتدلت "سمية" بهدوء وهي تجلس على الفراش الطبي مرتدية الملابس المتجهزه لإجراء العملية. فتحت لها ذراعيها حتى وقفت "نيروز" بتردد تنظر له هو في هذه اللحظه حتى شجعها "غسان" بنظراته وكأنها طفله بهذه اللحظه حينما قال وهو يسحبها:
"روحي.. روحيلها يلا وهترجعلك متخافيش!"
وجهها وقدمها إلى أن إرتمت بأحضان والدتها ببكاء صامت فربتت عليها "سمية" بتعب وهي تقول:
"متخافيش يا حبيبتي هرجعلك.. بس كوني مبسوطه ومرتاحه.. متعمليش فنفسك كده!"
تشبتت في أحضان والدتها بهذه الثانيه وهي تردف بعمق وضعف جعل البعض يبكي بقلة حيلة عليها:
"بس أنا خايفه أسيبك ومترجعيش!"
جملة عاجزه متعبه بعد كونها منهكه. أنهكت منها ومن والدتها وحتى منه هو "غسان" الذي دار وجهه سريعا قبل أن تهبط دمعته مع هبوط دمعة والدته وكل النساء والفتيات. وشقيقاتها. وحتى عين "حازم" التي أدمعت وهو يحتوى "ياسمين" ومن ثم "عز" الذي تنفس بتعب كونه يفهم مدي تصل صعوبة هذه اللحظه وهو يربت علي كف "جميلة". لاحظ دخول "وسام" و"شادي" بالصغير التي أخذته "وردة" بلهفه وهي تقبله بإشتياق مع "بدر" الذي إحتضنهما بهذه اللحظه. دخل "بسام" يقف بصمت مترقب. إلا أن لاحظ لمعة عين "غسان" وهو يأخذ أحد الأركان في الغرفه. وبعد كل ذلك وتزامنا معه تحدثت "سمية" لها تجيبها ومن ثم تجيبهم:
"لو خوفتي يبقي هرجع بإذنه.. بإذن الله يا حبيبتي!!!"
ضمتها إلى صدرها تعلم أنها تعاني بوجع من أجلها ومن أجل كل ذلك. تحركت بخفوت فتمسكت بها "نيروز" بعناد ما أن سمعت قول إحدي الممرضات بهذه المشستشفي وهي تدخل مع أخريات متحدثين برسمية ولباقة:
"بنتمنى تكوني جاهزه عشان نتحرك لغرفة العمليات..!"
صمتت الأولي ثم أشارت الممرضه الٱخرى بلباقه لهم:
"بعد إذنكم!"
خرج الجميع ينسحب واحد تلو الٱخر وواحدة تلو الٱخرى. وكل ذلك ولم تتحرك "نيروز" من أحضانها بإصرار. وقفت "وردة" تدفعها بذراعها الحر التي لا تحمل به صغيرها ومن ثم وقفت "ياسمين". يميلان ليحتضنوها حضن ٱخير. تشبت الثلاثه ببعضن وبينهم صغير من إحداهن!! مشهد صعب بعد كونه جميل من الخارج وفقط. ضمتهم "سمية" بتٱثر وقد خانتها نبرتها المختنقه وهي تظهر بضعف لهن قائله:
"خلي بالكم من بعض. كل واحده أمانه عند التانيه ليوم الدين!!!"
وصية ومسئوليه!! خرج الإثنان بأحضان أزواجهما الذين بقوا وفقط. ولم تخرج أيضا "نيروز" التي شهقت بوجع وهي تقول بقهر جعلت دمعة "غسان" تهبط عليها الٱن حينما قالت بخيبة وتمني للحزن لطالما تود بقاء "والدتها" وفقط:
"مستعدة استناكي وهستناكي حتى لو كل الأيام فيها وجع و مش هينتهي!!!"
عن أي دموع بعد الٱن تهبط منهم. وماذا ينتظرون هم بعد أمنيتها بالحزن الدائم مقابل عودة "والدتها" إلى أحضانها الدافئه لتسعد من جديد. عجلتهم الممرضات وهي بإصرارها ترفض تركها رغم تهدئة "سمية" لها ولكن الٱخرى تأبى حتى وإن تحدثت بحديث متعقل. خفى "غسان" أثار دمعته سريعا ثم تحرك إلى أن وقف بخفه ومد ذراعه يدفعها عنها بسرعه وإندفاع داخل أحضانه هو ثم كتف حركتها سريعا وهو يحثهم بتعب مشيرا لهم بعينيه مرددا بإنهاك:
"شوفوا شغلكم..!!"
حركوا الفراش المتحرك وهي عليه. وتزامنا مع تحركها نظرت لكل زوج من فتياتها نظره يعلموها جيدا. حاولت "نيروز" التملص والتحرك بقولها الباكي سريعا:
"لأ يا ماما إستني.. أنا لسه عندي كلام كتير والله متمشيش عشان خاطري!!!"
أكملت سريعا بوجع بعدما أستسلمت لتستكين بداخل أحضانه بإستسلام مع نبرتها الباكية:
"متمشيش أنا خايفه مترجعيش!"
ضمها "غسان" بهذه اللحظه بشده حتى كادت أن تسكر ضلوعها. في حين كان بكاء "ياسمين" يرتفع و"حازم" يهدهدها كما كانت "وردة" و"يامن" الذي بكي ما أن رأي والدته تبكي!!!!
"كفايه يا نيروز، كفايه عشان خاطري بلاش اللي بتعمليه ده!"
"غسان" يترجاها لأول مرة بمثل هذه الطريقة، معلنًا ضعفه بينهما. وما أن رأى "بدر" بكاءه، بكى هو الآخر. كما بكى "حازم" بصمت وهو يسحبها للخارج. بكاؤه وهي بأحضانها جعلها تربت عليه بوجع، وهي تسأله بترقب:
"هترجع صح؟ قول لي إنها مش هتسيبني يا غسان، نبي، وما توجعنيش!"
حرك "غسان" رأسه بنعم، وهو ينفي جزء ويؤكد جزء دون أن ينطق بكلمة. أسندها ليخرج بها كي تعود إلى المنزل كما أوصتها "سمية" ووصته. فوجد هو "والدته" واقفة، في حين ذهبت "دلال" مع "وسام" و"شادي" ليعودوا بهم إلى المنزل بسبب كثرة الأعداد، ومع "عايدة" و"فريدة". وجده يقف بجانب "عز" الذي احتضن "جميلة"، وبجانب "حازم" و"ياسمين"، و"بسام"، و"بدر"، و"وردة". توجهت "وردة" تمد ذراعيها لتأخذ "نيروز" بين أحضانها. فتحرك هو يقف بجانب "حامد" الذي ضرب كتفيه يحثه على الصمود. فاستجمع هو قوته في إردافه على القول، ثم قال بهدوء، مع نبرته المختنقة:
"يلا يا حج عشان تروح!"
"مش هروح يا غسان.. أنا هنا مكانك ومكان أمك اللي مش هتقدر ولا حتى إنت ولا مراتك. روح انت مع مراتك زي ما أمها وصتكم، وأنا هنا هفضل مع "بدر" و"حازم" وهطمنكم كل شوية!"
يعلم بأنها وصية يجب تنفيذها بعدم انتظاره هو وهي تحديدًا، لذا يجب أن يأخذها تاركًا المستشفى. ومن ثم ستعود "ياسمين" مع "وردة" مع "حازم"، ثم سيعود هو مجددًا لهم مرة أخرى. استند على الحائط بإنهاك، ثم تحرك سريعًا لها ما أن لاحظ ارتجافة يديها. تركتها شقيقتها، فتوجهت هي بنفسها تستند عليه، على ظهرها وسندها بعد الآن وقبل الآن، في أي شيء يخصها. أشار لهم بأنه سيذهب بها، وسحبها بالفعل وهو يسندها برفق، يرمي عليها كلمات تجعلها مطمئنة. في حين أمسك "عز" رأس "جميلة" وهو يعدل حجابها الذي تحرك بخفوت، ثم قال لها بنبرة مطمئنة:
"خلاص بقا متعيطيش.. تعالي أروحك يلا!"
حركت رأسها بسكون، فاعتدل "حازم" يعطيه المفتاح وهو يتحدث له قائلاً بنبرته الهادئة:
"خد يا عز المفتاح أهو وروحها مع ياسمين ووردة!"
أومأ له بهدوء، يوافق ما يقوله وهو يأخذ منه المفتاح. ودعت كل منهما زوجها، وهما يعلمان تمام العلم أن المعارضة بالجلوس ليست في صالحهم، بل والفراق بهذه اللحظة وهي بالداخل في غرفة العمليات، صعبة، ليست هينة على الثلاثة فتيات. انتهت برحيلهن معه كونه محل ثقة بعد الآن. ومن ثم بوقوف كل من "حامد" و"بدر" و"حازم" لينتظرون الساعات القادمة أن تمر بخير، حتى وإن كانت ستمر بصعوبة.
---
انتهت بجلستها بجانبه في السيارة مرة أخرى بعد مرور وقت قليل. الآن تداهمها الذكريات الغائبة عنها منذ فترة. بين لحظة والأخرى تتأكد من وجوده بجانبها وهو يطالعها بلين، لولا أنفاسه المتلهفة، ولولا خفقات قلبه بسببها التي سمعتها هي بشدة وهي داخل أحضانه. يقود هو السيارة، ولم تكن سوى دقائق معدودة وسيركنها بجانب سيارة "شادي" التي توقفت أمام المبنى. التفت برأسه يسألها بلين مرة أخرى واهتمام:
"أحسن؟"
يسألها عن ارتجافة يديها وتوترها. ابتلعت ريقها وهي تسمع صوته، ثم التفتت "نيروز" برأسها تومئ له بنعم، مع ركنه للسيارة. انتظرت للحظات، إلى أن هبط ثم دار ليقوم بسندها براحة كبرى. وقفت وخرجت من السيارة. فحرك "غسان" عينيه ناحية يديها التي هدأت، حتى تنفس بعمق، وهو يمسك يديها أسفل ذراعه كي يسير بها، وهو يلتفت برأسه مرددًا لها بحنو:
"براحتك.. امشي براحتك وأنا معاكي للآخر!"
لو كانت بوضع غير وضعها ذلك، لتحدثت بحديث جعلت به دقات قلبه تتسارع فرحًا بما تراه به. في كل مرة لم يقصد هو التخلي عنها. يساندها، يعاملها بالطريقة الحانية التي كانت تعتقد بأنها غير موجودة وزالت للأبد. دخلت المصعد معه، وما هي سوى دقائق حتى أوقف هو المصعد عند طابق شقة "والدتها" و"والدتها". خرجت معه بهدوء، وقد لاحظت فتح شقة "والده" هو. سحبها خلفه، فوقفت للحظة تنظر له بترقب، وحديث شقيقه يتردد في أذنها. ابتلع الغصة المريرة التي توجد بحلقه من علمه لما دار بعقلها، ثم قال سريعًا بنبرة صادقة:
"تعالي متخافيش، محدش يقدر يهوب نحيتك طول ما أنا معاكي.. أدخلي!"
أشار لها "غسان"، ومعاملته لها بكل ذلك الهدوء تؤثر بها، ولكن ليس بالطريقة المهللة كونها بحالة غير حالتها الطبيعية. وجدته يتحدث بصراحة مرة أخرى، وهو يبتسم لها بسمة صغيرة مطمئنة:
"أدخلي عشان ده بيتك قبل ما يبقى بيتي والله يا بنت الأكرمي!"
أكمل سريعًا، يرسل لها شغف ويذكرها بركن حانٍ آخر غيره، كونها ترى به والدها:
"بيت أبوكي.. وأي كلام وحاجة تانية سيبك منها!"
كانت سهلة لتفعلها كي تدخل دون توقف، ولكن كونها أصبحت حساسة يؤثر بها أضعف الأشياء. توقفت، وهي تتذكر كل من كان يشعر بثقل تجاهها، حتى والدته. يرجع إلى ذاكرتها كل ما مر من مر فقط. يتظاهر بالتماسك أمامها، وهو الذي يسأل لها هذه المرة: "ماذا فعلت هي ليحدث لها كل ذلك؟!". تنفس بارتياح، ورغم كونه قادر على إجبارها بالدخول، ولكنه يريد بأن تأتي منها هي. دخلت معه من باب الشقة المفتوح، حتى وجد هو صوت "دلال" تعنف به "بسام" بعدما علمت ما حدث منه ومن "شادي". توقفت عن الحديث بلهفة، ورغم كون عقلها مثل عقل ولدها، ولكنها بالنهاية امرأة وأم يؤثر بها أقل شيء. وقفت بلهفة تتجه ناحية "نيروز"، وهي تأخذها بأحضانها باحتوائها، وكأنها هي الأخرى والدتها. ربتت عليها بوجع. وفي عقارب الساعة التي مرت إلى هذا الوقت تحديدًا، تستطيع أن تردف بأنها شعرت بها وشعرت بمدى ثقلها وضغطها. لوهلة وضعت "وسام" مكانها بحالها، فلم تستطع المقارنة أكثر، فقد آلمها قلبها من كم كسرتها! تركها مع "والدته" ثم ذهب إلى المطبخ وهو يشير إلى "وسام"، حتى وقفت بجانبه وهو يعد كوب من عصير الليمون فقط كي تستطيع بأن توزن نفسها. ثم قال لشقيقته باختصار:
"إعمليلها سندوتش يا وسام!"
أعدت ما قاله لها تزامنا مع إعداده لكوب العصير البسيط، إلى أن خرج هو سريعًا، فوجدها تجلس بين ذراعي "دلال"، وكان "بسام" يقف من على بعد بجانب "شادي"، الصامت هو الآخر. انحنى يعطيها الكوب برفق، فتراجع سريعًا ما أن استوعب حالها بيديها المرتجفة، ثم أشار لها بأن تفتح فمها. لم يترك لها فرصة بالاعتراض، بل تجرعت منه بما يكفي حتى انتهت تدريجيًا. مع أخذه من يد شقيقته حتى أعطى لها ما فعلته، وهو يردد بلين:
"كلي ده يلا.. عشان تقدري تقفي على رجلك!"
انتشلته منه بسكون، وقد اعتدلت فوقف يسندها معه إلى غرفته. وقبل أن يدخل بها، تقابلت عينيه التي بدت حادة جامدة مع عيني "بسام" الصامت. نظرة بمثابة رصاصة، ولأول مرة يرى الآخر به ذلك الخوف والدفاع منه عليها، بل وهو الذي عاش لم يبق أحد على عائلته، جاءت هي وفضلت عليهم بالفطرة وبطبيعة القلب عندما يعشق! أغلق خلفه باب الغرفة، ثم وقف أمامها يزيل دبوس الحجاب كي يخلعه عنها، حتى خلعته بالفعل. ابتسمت له "نيروز" أخيرًا، ابتسامة صغيرة كي تراضيه، ثم قالت بأسف، وعينيها تهبط الدموع المحبوسة منذ أن خرجت من المستشفى:
"أنا بتعبك معايا أوي.. أنا أسفه إني بحطك تحت ضغط كل شوية، وأسفه إني من ساعة ما عرفتني وإنت مبتشوفش يوم حلو. كل شوية بيحصل حاجة بسببي تودينا فألف داهية زي ما أخوك بيقول.. هو عنده حق، أنا فعلا مجبتلكش غير الهم والمصايب من ساعة ما عرفتني لحد ما اتجوزنا يا غسان.. أنا آسفة!"
قاطع جملتها سريعًا بلهفة من أسفها المتزايد الذي لم يظهر من قبل بهذه الكثرة. علم أنها مرهقة وموجعة من آخر ما حدث. قاطعها سريعًا باختناق، وهو يضمها بقوة مرددًا بصدق نابع من فؤاده يصحح لها:
"أوعي تقولي كده تاني. إنتي من ساعة ما دخلتي حياتي وأنا حياتي دي اتغيرت وبقيت مبسوط وفرحان عشانك إنتي.. من أول ما جيت وشوفتك وسرقتي قلبي مني من غير ما أعرف، لحد ما اعترفت ليكي بحبي لما خلاص عرفت إني حبيتك، لحد كتب الكتاب اللي كنت فيه هموت من الفرحة عشان فجأة بقيتي ليا بخطوة كبيرة زي دي، ولحد يوم الفرح وأنا مكنتش مصدق نفسي، ولحد ما بقيتي مراتي فعلا، بردو مكنتش مصدق نفسي ولا عيني وإنتي جنبي وفحضني."
مبسوط عشان أنا معاكي دلوقتي في اللحظة دي. مبسوط عشان وقتنا الصعب بنعيشه مع بعض، ومش أي بعض، ده أنا غسان معاكي إنتي بس. إنتي يا نيروز اللي لو جابوا ألف واحدة مكانك مش هتنفع. أنا بحبك يا نيروز ومش هسمح لحد يقولك حاجة تزعلك وتيجي عليكي. بحبك ومش عاوزك تحطي أي كلام بيتقال في دماغك.
تأثرت من حديثه بشدة، وسرد عليها مراحل علاقتهما بكل شغف، وكأنهما ما زالا في البداية. لفت ذراعيها تربطهما على ظهره بتشبث، هي تتنفس بعمق، حتى خرجت منها شهقة تمزق منه للمرة التي لا تعرف عددها. يحتار بكيف يراضيها ويحاول ويفعل كما يفعل كل مرة، ولكن هذه المرة صعبة عليه. ابتلع ريقه ما أن قال حديثه الصادق. فاعتدلت تخرج من بين أحضانه، ومن ثم رفع هو أنامله يمسح دموعها برفق، وهو يسمع سؤالها المترقب الخائف:
"يعني أنا مش خطر عليكم هنا؟ أنا.. أنا خايفة.. خايفة أوي وحاسة إن كل الدنيا ضدي وعليا!!!"
تتعلثم بحديث أوله غير آخره. نزلت دمعته هو أخيرًا من تشتتها وضعفها الشديد الذي ظهر عليها بنبرتها وبكونها تائهة شريدة. هبطت على وجنتيه، دمعة خائبة لما تشعره هي، وهو يحرك رأسه نفيًا، ولم يخجل من خروج نبرته الضعيفة أمامها وهو يرد عليها بصدق. قوي ظهر بنبرته الضعيفة:
"عمرك ما كنتي ولا هتكوني خطر علينا.. إنتي أحن وأجمل حاجة في الوجود!!!"
أكمل غسان سريعًا بالإجابة الأخرى على الشق الآخر من جملتها المنكسرة بقوة:
"ولو كل العالم ضد نيروز، فأنا لوحدي اللي معاها!!!"
حديثه لين عليها، وصدقه نابع بشدة. تنفست بعمق من تأثرها بكلماته لها. ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه وإلى ملامحه وعينيه وحتى دمعته، وإلى هنا رفعت أناملها تمسح وجهه مع دموعها وهي تسأله مرة أخرى بعفوية:
"إنت بتعيط عشاني؟"
ابتسم غسان من بين دمعته الأخرى التي هبطت وهو يهز رأسه بجرأة مرددًا بصراحة هو الآخر مع خيبته:
"أعمل إيه.. وقعتيني فيكي خلاص، وقعتي غسان ووقعتي دموع غسان، ومبقاش ليكي أي حل!!!"
يردفها بعبث من بين دموعه. توسعت بسمتها رغم ألمها على حديثه العبثي الذي عاد كي يشتتها. تنهدت تخرج أنفاسها برفق وهي تزيح خصلاته السوداء إلى الخلف متعمقة النظر به وهي تجيبه على حديثه بكل صدق وتلقائية:
"المرادي كل حاجة ليها حل إلا عيونك إنت.. عيونك اللي دموعها نزلت عشاني.. أنا آسفة!!!"
تصر على هبوط الدموع دون توقف. وهذه المرة احتضنته هي وهي تأخذه بعناق مريح يريحه ويريحها. تدين له بالكثير وفي هذه اللحظة تتيقن بأنها الطرف الأصعب والغير هين بالعلاقة. اعتدل غسان وهو ينظر ناحية المرآة، جذب المشط وهو يلتفت ثم بدأ بتمشيط خصلاتها إلى الخلف وهو يتركها خلفها دون عقدها. تنفست بعمق من اهتمامه وهي تطالع نفسها. تتفهم ما يفعله من تشتيت كي تتناسى وضع والدتها الآن. لا يريد أن يتركها هي وتفكيرها. وضع مشط الرأس مكانه ثم التفت لها وهو يمسك رأسها بين يديه حتى قبل قمتها برفق. هذه المرة ثم ردد عليها حديثه اللين مرة أخرى:
"إنت احلى حاجة في العمر كله عدت عليا، وأغلى حاجة عند غسان. عشان كده عاوزك تغيري تفكيرك وخوفك لحاجة في صالحك وصالحنا. عارفة نعمل إيه؟"
طالعته بتساؤل بعينيها وهي ترد:
"إيه؟"
تنفس غسان براحة، ثم أشار لها بعينيه مرددًا بيقين:
"يعني لو قمنا وتوضينا وصلينا وقرأنا قرآن.. وقام ربنا مستجاب لينا دعائنا.. تخيلي هيحصل إيه؟"
استخدم طريقة أخرى تفيدها، طريقة يأخذ بها منها اليقين. وجد ملامحها تتبدل بالتدريج إلى الترحيب بالفكرة بهدوء. فابتسمت بسكون وهي تجيبه بيقين:
"هيحصل إيه؟"
"هنرتاح شوية.. وعاوزك تعرفي إن الحياة مبت ومشيش من غير مشاكل وإحنا.. دورنا بقا إننا نرضى باللي بيحصل ونكون ثابتين ومنعلنلش ضعفنا من أول حاجة تمر علينا. خلينا نعدي كل ده ونشتغل على مشروع حفيد لـ حامد هيموت ويبقى ليه حفيد يرضيكي أرفض له طلب!!!"
إنقلب الحديث إلى آخره بعبث. طالعته ببسمة واسعة، فضحك هو بخفة وهو يردد عليها حديث آخر صادق رغم إنه يشتتها به ولكنه صادق:
"تخيلي لو ربنا كرمنا.. وبقيتي أم فعلا يا نيروز.. متخيلك أم لعيالي من أول يوم شوفتك فيه وحبيتك.. وربنا لو كانوا وهيكونوا من واحدة غيرك ما عاوزهم!!!"
خرجت ضحكتها الخافتة وقد نجح بإخراجها من ذلك الجو المشحون بالخوف والتوتر والإرتباك. تنهدت تخرج أنفاسها براحة من وجوده. ثم سألته باهتمام أتى من حديثه:
"يعني أنا ينفع أبقى أم دلوقتي؟"
لم يفهم مقصدها ولكنه حرك رأسه بشغف، يؤكد قائلاً بكل حب:
"تنفعي تبقي أم في كل الأوقات.. أم لولاد غسان البدري بس!!"
انحنى غسان يقبل وجنتيها عقب ما قاله. ابتلعت ريقها وهي تحرك عينيها ناحيته ثم رددت جملتها التي أتت بتلقائية من تفكيرها الذي ذهب لوالدتها:
"أنا خايفة!!"
انحنى سريعًا يهمس بجانب أذنها بعبث كي يشتتها أكثر مرددًا بتساؤل وهيام بها أتى من مرواغته:
"إزاي بس وأنا جنبك والله ما ينفع الكلام ده!!"
توترت من قربه وهي تطالع عينيه التي تحركت نحو عنقها وهو يقبلها برقة، مرددًا بنبرة منخفضة:
"مش عاوزك تخافي طول ما أنا معاكي!!"
حبست أنفاسها من قربه فوجدته يعتدل سريعًا ليقف ثم أسندها تقف وهو يحثها بشغف:
"يلا ادخلي اتوضي عشان نصلي وندعيلها!!"
حركت رأسها موافقة، وقد عادت لها أنفاسها بهذا الوقت المضغوط. دخلت المرحاض كي تتوضأ. فاعتدل هو وهو يخلع عنه قميصه بعدما فك أزراره كي يبدل ملابسه لأخرى مريحة من ملابسه التي بقى بعضها في خزانته القديمة إلى الآن!!
بينما في الخارج:
جلست دلال بصمت وحزن على الأريكة وبجانبها شادي الذي كلما يود تركهم والرحيل يتأزم الوضع فيظل بجانبهم. نظر ناحيتها بصمت، فتنهدت هي تخرج أنفاسها بلوم، وكأنها تحدث نفسها:
"ليه كده بس يا بسام.. يارب هون علينا كل ده وعديها على خير!!"
وما أن أردفت حديثها وجدته يخرج من غرفته متجهزًا للخروج. وقف يطالعها بصمت، قبل أن يفتح باب الشقة. فوقفت تسأله بريبة:
"إنت رايح فين دلوقتي وسايبنا؟"
لم يجيبها بل طالعها بصمت، إلى أن لامته مجددًا بقولها كما قالت من قبل وكأنها لم تمل:
"بقى كده.. تقول لأخوك ومراته الكلمة اللي كانت هتخرب عليهم قبل كده؟ ليه مصمم تجيب التعب لينا يا بني؟ أهو خد جنب مننا من تاني ومش معبرني حتى.. ليه؟"
حرك بسام رأسه بعشوائية، ثم ردد يجيبها بوضوح:
"هو اللي فهمني غلط. أنا كل اللي قولته له إني خايف عليه وشايف إنه متهور وكان هيودي نفسه في داهية بسبب حاجات عايزة العقل حتى لو التاني بيجي عليها مش لازم يندفع ويموته عشان يرتاح ويريحها يعني!!!!"
"بس إنت عارف أخوك.."
عارفه وعارف إن الوقت ده كان بلاش منه!!
اندفع يجيبها من دفاعها عنه بسرعة تلقائية ونبرة صادقة في قولها:
"هو اللي جه وأصر نمسك في بعض، كنت أعمل إيه ساعتها وأنا بحاول أتجنبه وهو اللي في كل مرة بيروح للمشاكل برجله!!"
نظرت له "دلال" نظرة قلة حيلة وحسرة، في حين نهض "شادي" يقف أمامه ثم قال هو الآخر:
"خلاص الموضوع خلص، إهدوا بقى شوية وشوف انت رايح فين يا بسام يلا!!"
سمع من بعدها صوت إغلاق باب الشقة بواسطة "بسام" الذي خرج، في حين أسندها "شادي" برفق وتوقف عن السير عندما سمع صوت دقات الباب مرة أخرى. وقفت هي بينما عاد خطوات إلى الخلف ثم مد يديه يفتح الباب وما أن فتحه وجد "وردة" ممسكة بيد "يامن"، ابتسم لها وهو يشير لها بالدخول، فالتفتت "دلال" تنظر إليها بحنو. في حين داعب "شادي" الصغير بحب كي يلهيه عن والدته المنهكة.
في شقة "زينات" وقفت "فريدة" في المطبخ تعد وجبة ما لوالدتها التي ظهر على ملامحها الإعياء إلى الآن ولم ينتهِ، في حين بقت "زينات" في غرفة "حسن"، تترقب وضعه وهو يتحرك بخفوت تلاحظه هي، ابتلعت ريقها بضعف والآن دموعها تسقط على حاله بقوة وحال الأخرى، لم تستطع زرع الخير بهم، لم تحاول ولم تفعل. نشأوا على سوء سبب لهم قسوة قلب حتى عليها هي، عاشت هي على قسوة فاعطتهم أشد قسوة، لم تأخذ الكبرى حبًا لذا لم تعطي سوى أولادها حبًا، ولكن بالطريقة الخاطئة، فلّت زمام الأمور منها بشدة.
"هتصوريني!!"
قول متبجح وقح خرج منه هو للتو بعدما فتح عينيه وفاق أخيرًا. وجدته يتحدث فخرجت من شرودها سريعا وهي ترفع كفها لتمسح وجهها من آثار الدموع وللقسوة عليها هي وجدته يعتدل بألم ولم يترك للسخرية بأن تخفى بل طالعها بتهكم مع خروج نبرته الساخرة وهو يسألها:
"إيه ده.. إنت دموعك بتنزل زينا؟!"
سألها "حسن" وبقسوة مرة أخرى وجدت منه السؤال جاد رغم كونه متهكمًا، ابتلعت ريقها بضعف وهي تجيبه بإختناق:
"بعيط على حالك وعلى اللي وصلتله.. بعيط على شكلك وعلى جسمك، بعيط بحسرة عليك يا حسن.. ليه كده يبني!!!!"
تشنجت ملامحه من ما تفعله من دراما بالنسبة له هو، حرك "حسن" رأسه بعشوائية ثم وضع أصابعه على وجهه الموضوع عليه لاصق طبي في كل اتجاه تزامنا مع قوله الساخر مرة أخرى بنفاذ صبره:
"ونبي بلاش الشويتين دول.. جايه تسأليني بروحك دلوقتي؟!"
أكمل سريعا وهو يعتدل ليقف ببطء:
"ولو يهمك حالي أوي كده فـ أنا اللي بقولك ملكيش فيه.. ملكيش دعوة بيا!!"
نفت "زينات" برأسها سريعا ثم قالت جملتها رغم كونها صعبة عليها:
"مليش دعوة إزاي.. هتموت.. هتموت كده يا حسن، إنت ابني وخايفة عليك!!!"
"راحة.. حتى الموت راحة منكم ومن اللي شبهكم، فـ فكك مني عالآخر وملكيش دعوة بيا سمعتي؟!"
وقف أخيرًا وهو يعتدل ثم نظر بالمرآة على وجه بتشنج ثم إلى اللاصق الطبي الذي وجد بيديه أثر حقنة ما، يعلم بأنه خلال دقائق ولم يتحمل الوقوف كذلك بسبب احتياج جسده منذ فترة كبيرة. التفت يشير لها بلهجة حادة مرددًا:
"قومي بقى زي الشاطرة هاتيلي فلوس خليني أغور من هنا!!"
وعلى جملته الأخيرة دخلت "فريدة" وهي تضع الصينية التي توجد بيديها على الطاولة، تزامنا مع ردها الساخر له:
"ما إنت فعلا لازم تغور عشان حازم مستحلفلك.. أما بقا فلوس فإحنا خلاص بطلناها الشغلانة دي من زمان.. مش هتاخد ولا جنيه واحد!!"
تتعمد العناد أمامه لا تعلم بأنه الخطر نفسه عليهم الآن، وبخفة أمسكها من خصلاتها بقوة وهو يرد عليها من بين ضغطه على فكه بإنفعال:
"حازم مين اللي بتهدديني بيه يا بت.. أنا مبخافش من حد هنا، وإتظبطي كده وقوليلي كان إيه اللي وداكي عند شريف وعمل فيكي ايه يا ***"
نهضت "زينات" تقف وهي تشير له بخوف، فقاطع قولها إجابة "فريدة" عليه بنفس الغل والحقد:
"وإنت مالك إنت.. ولا أقولك تاني أصل شكلك مصدقتوش لما قالك في وسط الكلام إن صاحبك غفلك وضيع أختك!!"
رفع كفه يصفعها على وجهها بتشنج، تزامنا قوله المرتفع بسؤاله لها:
"قرب منك؟ قربلك يعني يا رخيصة؟!"
قالها بإنفعال، فتطايرت خصلاتها بقوة أثر ضربة لها، لفحت وجهه خصلاتها السوداء الطويلة، فأمسكها هو منها مرة أخرى بشدة، حتى تأوهت وهي تأبى هبوط دموعها. أجابته بنبرة جامدة على حديثه وكأنها لم تردف شيئًا خائبًا للتو:
"والله إنت وزوقك.. حد ضحك عليا وعلى عقلي وخدني الشقة عنده هيكون عايز إيه؟ لأو وضحك عليك كمان وخلاك تمشي فالطريق ده كله، وكل ده ومكفهوش وكان عايز يعمل فـ جميلة زي ما عمل فيا.. إيه رأيك في اختياراتك إنت وأبوك!"
دفعها برأسها وهو يصفعها مرة أخرى صارخًا بها بنبرة مرتفعة وهو يسبها بأبشع الألفاظ:
"يعني قرب منك وضيعك يا ***.. ضحك عليكي وإنتي ضحكتي علينا وهربتي منها عشانه.. بعتي نفسك بالرخيص يا زبالة!!!!!!"
هزت رأسها تؤكد بجرأة، فسحبها من خصلاتها خلفه مرددًا بشرر وتهديد:
"وديني لاقتلك فيها.. ياللي جيبتيلنا العار يا ***"
سحبها "حسن" خلفه بحقد، فهرولت "زينات" تصرخ عاليًا ما أن فتحت باب المنزل وهي تردد بارتفاع في نبرتها الباكية مما جعل الشقق تفتح بسرعة:
"إلحـــــقونــا يا خلق..إلحـــقـــونا..هيقتلها..هيقتل بنتي يا نــاس!!!!"
جملتها الصارخة جعلت "دلال" تفتح باب الشقة كما فتحت شقة "عايدة" وخرج منها "جميلة" و"ياسمين" بهلع مع "عز". دفعت "زينات" في حين هرول "شادي" إليها بعدما ركض "غسان" من داخل غرفته وهو ينهض من على سجادة الصلاة معها. ركض الجميع إلى الداخل بعدما دفعوا "زينات"، وبقت "وسام" مع "يامن" بعيدًا في شقتهم، بينما اجتمع الجميع في صالة منزل "زينات"، التي انهارت أرضًا بتعب وبجانبها "عايدة" تسندها بخوف. توقف المشهد مجددًا عندما جذب هذه المرة مطوته هو من أحد الأدراج في الخارج بالصالة، ثم صرخ بها "حسن" كي تنهض وما أن رآها اللحظة المناسبة لتهديدهم قال سريعًا بمرض:
"أقسم بالله اللي هيقرب ما هيكفيني دمها بس.. هـــاتوا الفلوس خليني امشي!!!!"
وقف "غسان" بصمت، و"نيروز" تمسك ذراعه بخوف، في حين نزلت دموع "جميلة" وبجانب "غسان" كان يقف "عز" الذي حل محل وجهه الهجوم، و"شادي" من وسط كل هذه النساء. رددت "فريدة" بحقد أسفل يديه ونصله الحاد على رقبتها كمثل موضع الأخرى في السابق:
"لو راجل إعملها.. ما آنت مبتتشطرش غير على الستات وبس!"
وقفت "ياسمين" تراقب مع "وردة" الخائفة بجانب "دلال"، في حين شدد من مسكة مطوته بشر وهو يجيبها:
"إخرسي يا زبالة يا رخيصة يا ضايعة.. فوقي يا بت لنفسك.. إنتي خلاص معتيش نافعة!!!!"
"ما هو الراجل ما بيقولش ولا بيعمل كده.. لو راجل سيبها وتعالالي ولو خرجت منها سليم ليك كل اللي فجيوبنا كلنا!!!"
كان قول "عز" الذي يتماشى مع من مثله تمامًا، كونه يرى مختلف الأشكال والألوان. تعالت ضحكات "حسن" بهيستيرية ثم هز رأسه نفيًا بقوله:
"إحنا هنحور على بعض.. الكل عارف إني طالع منها خسران، فتتصرفوا وتدوني فلوس خلوني أمشي من هنا وأسيبهالكم مع ان مش عارف هتعملوا بيها ايه.. ما خلاص!!!"
يخوض بشقيقته دناءته وصلت لأقصى حد مع حقارته الفائقة، تفوق على من يتشبهون بأشباه الرجال ليس إلا.
تشنجت ملامح وجه "غسان" حتى أنه نفض ذراع "نيروز" وهو يقترب منه بنظرته الحادة له حتى نبس بنبرة هادئة جامدة:
"إحنا قولنا قذر وماشي.. مقرف وماشي.. ناقص وبردو ماشي.. خروف ومعروفة.. لكن اللي بتعمله دلوقتي ده إسمه حاجة واحدة بس.. هبقى أقولهالك إحنا والرجالة لوحدنا عشان عيب قدام الحريم."
قصد سبع بذيئة قالها بعد قوله بخفوت لم تصل إلى مسامعهم. وكي يخلو الجو المشحون، التفتت ينظر نحو الآخرين وهو يردد:
"ولا إيه؟"
التفت بآخر حديثه يحدج "شادي" و"عز". ففهم هو إشارته لذا، أشار "عز" للنساء بأن تخرج. فخرجت كل منهم بخوف، عدا "نيروز" التي بكت بضغط. فأشار لها "غسان" باطمئنان. سحبتها "دلال" خلفها بخوف للخارج. فبقت "زينات" واقفة تنظر بخيبة على المشهد. واقترب "عز" يقف بجانب "غسان"، وهو يردد جملته الأخيرة له:
"ها كنا بنقول إيه بقا يا حسن!"
"إدوني فلوس خلوني أمشي وريحوا وإستريحوا!!!!"
تأوّهت عندما شدد من مسكته. فاعتدلت "زينات" بخوف. تردد له بلهفة:
"طيب.. أنا هجيبلك الفلوس.. بس تسيبها. سيب أختك!!!"
صرخت "فريدة" بها بعلو كاد أن يتقطع من أحبالها الصوتية حينما قالت لها بتهديد، وهي تضع يديها على يد شقيقها:
"مش هتجيبي حاجة. خليه يمشي محنى زي الكلب وهو مش لاقي كيفه. لو جيبتيلوا فلوس أقسم بالله لـ أنا اللي هموت نفسي!!!!!!"
العناد بهذا الوقت ليس في صالح أي منهم. لذا ما أن رأتها مستعدة لذبح نفسها، خرجت صرخة من "زينات" جعلت "غسان" يحذره سريعاً:
"سيبها وكلمني راجل لراجل وساعتها هديك فلوسك!!!"
ابتسم "حسن" بسخرية من كذبه. ثم تعمد تخويفهم أكثر، خاصة أنه الآن وفي هذه اللحظة في حالة غير حالته. مد يديه يحرك نصله للحاد ثم انحنى يسحبها على ساق "فريدة" حتى صرخت بألم بصوت مرتفع. ارتبكت ملامح "زينات"، فركضت بخوف إلى الداخل لتجلب له الأموال رغم صراخ "فريدة" لها بأن لا تفعل ذلك، ولكنها تنزف الآن من الدماء ما جعلها تنصعق من الأمر.
"عناد بعناد يا عيلة ***. يلا إتفرجوا عليا وأنا بطير رقبتها عشان تتبسطوا!!!"
سبهم سبة بذيئة. ثم ضحك هو بمرض. ولم ينتظر قدوم والدته من الداخل، بل رفع المطواة ناحية رقبتها أمام أنظار "عز" المذهول من شدة وصول احتياج جسده إلى "شادي" الذي ابتلع ريقه بخوف. وبالفعل كاد أن يسحبها على رقبتها فعاقه "كف" "غسان" وهو يندفع سريعاً يضعها أسفل رقبة "فريدة" كي يدفعها ببطء لم يسعفه. كونه لم يستطع هذه المرة دفعه كالمرة السابقة، جاءت نصف السحبة قبل أن تتوقف على كف "غسان" الذي فتح ونزف الدماء. حركه بأقل من الثانية. دفعها "غسان" عنه بذراعه الآخر. فأمسك "غسان" كفه بألم. وقد تأوّه هو بصوت. ولم ينتبه بهذه الثانية له وهو يوجه المطواة بأقل من الثانية ناحية جانبه ليسحبه بل بطعنة بها وسط إسناد "عز" و"شادي" لـ "فريدة" التي نزفت الكثير من الدماء من ساقها حتى امتلأ ما أسفلها بدماءها الغزيرة. وبخفة سريعة وسط انشغالهم بأقل من الثانية، جاءت الطعنة في جانب "غسان" بسحبها ففتحت كجرح مع سقوطه أرضاً بتأوه مرتفع. انتفض "شادي" بصراخ وهو يلتفت بعلو صوته:
"غـــســـان!!!!"
قالها بخوف وهو يرى الآخر ينزف الدماء بعدما وقع أرضاً وكأنه سقط صريع. اعتدل "حسن" بعدما وجدها تأتي من خلفه. دفعها ثم أخذ من بين يديها الأموال. حتى ركض وسط انشغالهم يفتح الباب الذي أغلق ودقوا عليهم من الخارج، فتحه أمامهم ثم دفعهم وهو يهرول للأسفل. بينما تفحصه "شادي" و"عز" سريعاً مع قول "عز" الخائف:
"تعالى نشيله بسرعه!!!! شيل معايا قبل ما دمه يتصفي!!!!"
وفي هذه اللحظة وقفت "دلال" تصرخ عالياً ببكاء عالٍ وهي تهتف باسمه:
"غسان... ابني!!!!!"
تراخت أعصابها وهي تنظر إليه يحملانه إلى شقتها. وفي هذه اللحظة وضعت "نيروز" يديها على أذنيها بخوف وهي تركض خلفهم ببكاء. وما أن رأت "جميلة" تهرول بحقيبة الإسعافات الأولية الخاصة بها، انحنت تبكي أرضاً بقهر وخوف. أسندتها "وردة" و"ياسمين" إلى الداخل ببكائهم هما أيضاً. في حين هرولت "جميلة" إلى الداخل. بينما قد أغشي على "دلال" التي أسندتها "عايدة".
وضع "عز" بسرعة فائقة قطعة قماشية على جرحه كي يكتم الدماء في حين أعدت "جميلة" الأدوات بسرعة و"شادي" يخلع عنه تيشيرته حتى بقى عاري الصدر تحت بكاء "وسام" بعيداً بخوف من الاقتراب. بكت بأحضان "يامن". تركتهم "نيروز" وهي تركض وما أن رأته مسطحاً كذلك يفتح ويغلق عينيه بتشوش قبل أن يغشى عليه. هرولت تحتضنه من رقبته بخوف بالغ وهي تصرخ باكية:
"غسان... لا متسبنيش عشان خاطري. يـــــارب لااا!"
سكتت ثانية واحدة ثم صرخت بعلو صوتها بقهر وهي تتشبت به مع نبرتها الباكية المتقطعة:
"يــــارب أنا تــــعبـــت والله.. معتش قــــادرة. ااه!!!!!"
آهات موجوعة ومقهورة من هوسها بفقدة. احتضنته بهستيرية وبكاء هستيري. وأما عنه فهو بين الواقع وغير الواقع. رغم عدم عمق الجرح بكثرة ولكنه أنهك وتشتت بنظراته بسبب ما حقنته الأخرى من مخدر كي تستطيع خياطة الجرح سريعاً. سحبها "شادي" بعيداً عنه بخوف هو الآخر للخارج مع شقيقتها وشقيقتها الأخرى إلى أن أغلق الباب من الداخل. يعلم بأنها ستهشم الباب من كثرة الدق عليه ولكنه أخرجها كي تستطيع "جميلة" بدأ ما تفعله. جاء "عز" من داخل مرحاض الغرفة وهو يعطي لها دورق المياه لتمسح به. ورغم ارتجاف يديها ولكن كان "عز" يشجعها بالكلمات والنظرات حتى تبدأ ما تفعله.
دقت "نيروز" الباب حتى كادت أن تهشمه. لأول مرة تعيش هذه الحالة به ومعه هو. في كل مرة هي من تتأذى لأجله وهذه المرة هو من تأذى لأجل أخرى بالدفاع عنها برجولته من شقيقها! جلست بخواء أمام الباب وهي تدفن رأسها بين يديها. جلست القرفصاء بوهن وضعف ولم تتوقف عن البكاء. انحنت كل من "ياسمين" و"وردة" ببكاء. ولا مفر من التعب والإنهاك. رحل "بسام" ولم يأت إلى الآن لذا الوضع بطيء جداً. جلست مستندة على الباب بضعف. ومن الناحية الأخرى يخيط جراحه هو ولم تستطع فعل شيء له. وأما "دلال" فلم تقوى قدماها على النهوض. و"وسام" تبكي!!!!!
شعورها ليس هين. قاسٍ. كاسر بفرحتها التي تتهشم كل مرة. عقارب الساعة تمر ببطء وقسوة وحتى عجز. بين دقيقة والأخرى تلتفت لتدق على الباب بيديها بضعف. إلى أن وقفت "ياسمين" بجانب "وردة" ينظران عليها وهي جالسة لا حول لها ولا قوة، تأبى وترفض النهوض. إلى أن انتفضت مرة واحدة عندما شعرت بفتح الباب من خلفها بواسطة "عز" و"شادي". حمل "عز" أشياء "جميلة" وهي تسير بسرعة لترى جرح شقيقتها. في حين أسندتها "ياسمين" لتنهض مع "وردة". نهضت "نيروز" بوجع وهي تسير بسرعة إلى الداخل. فوقف "شادي" ينظر إليها بشفقة. أغلق الباب خلفها وهي وحدها من دخلت وفقط. في حين ذهب ليقطع نهوض "دلال" كي يطمئنها فقط.
دخلت "نيروز" بلهفة تفرد ذراعيها وهي تنحني لتحتضنه. ما أخذه من مخدر يخدره لفترة قصيرة بل ويجعله منتبهاً بنسبة صغيرة لما يحدث دون الشعور بخياطة الجرح. قاوم على أن لا يغلق عينيه ولكنه أغلقها وهي تضمه إليها ببكاء شديد لم يأت فقط من حالته هذه، بل بكاء قوي وصل لهم بالخارج وكأنها تبكي على كل ما مر عليها. كل مرة يزداد عليها الضغط بإنهاك لم تعد تقدر عليه هي. شعرت بأنفاسه تلفح عنقها وحتى كفه الذي رفعه يضعه على ظهرها وكأنه يطمئنها رغماً عنه بسبب عدم قدرته على فتح عينيه ولكن عقله معها هي وواعٍ هو لما يحدث حوله. شهقت شهقات متمزقة وما أن استوعبت أنها تسند عليه بثقلها نهضت سريعاً تجلب غطاء رقيق تضعه على نصفه العلوي الذي كشف تخفي الجرح الذي لم يكن عميق بل وجرح يديه هو الآخر التي لفته الأخرى بشاش. لأول مرة تشعر بأنه غالٍ بهذه الطريقة. لأول مرة تذوق مرارة فقده بمجرد التخيل. بل وبأقصر وقت. ابتلعت ريقها ولم تسعفها قدمها على النهوض بل تسطحت بجانبه على الفراش تفرد عليها هي الأخرى الغطاء ثم لتشعر نفسها بالأمان والإطمئنان. هذه المرة لفت ذراعيها حول معدته وخصره وهي تتشبت بالغطاء وكأنه سيهرب منها للتو. أمسكت كفه الآخر بين يديها وقد هبطت دمعتها وهي تدلكها له بحنان. ثم شبكت أصابعها بأصابعه وهي تردد الدعاء الذي خرج بتمزق ونبرة مهزوزة وصلت إلى مسامعه أثر خوفها وثقلها من كل ما حدث:
"اللهم لا ضرر إلا ضرك، ولا نفع إلا نفعك، ولا ابتلاء إلا ابتلائك، ولا معافاة إلا معافاتك، يارب إشفيهم وخليهم ليا."
أنا مقدرش والله العظيم أعيش من غير حد فيهم. يارب استجب ليا بس المرة دي متوجعنيش فيهم، عشان خاطري يارب.
ترددت بتمني وترجي مؤلم. ابتلعت ريقها بوهن وضعف، وهي تحاول أن تشعر بالراحة بجانبه رغم شدة أعصابها من كم هذه الأحداث.
زفالخارج سحبت وردة وياسمين خلفها، وبقيت دلال تجلس بجانبها وسام. ومن الناحية الأخرى، يطمئنها شادي عليه بأن حالته ليست خطرة. استندت تقف، ومن ثم ساعدتها وسام التي سارت معها ناحية غرفته. مدت يديها دون أن تدق على الباب، فقد كان مغلقًا ولكن ليس بالكامل. نظرت، وما أن رأته مغطى ونائم وهي بجانبه تتشبث به بهذه الطريقة، وقفت. لم تستطع الدخول، بل طالعته من على بعد ببكاء، وقد تيقنت بأن حالته لم تصل للخطورة بالفعل. ابتلعت ريقها وهي تتحامل على نفسها لتتوجه ناحية المطبخ تعد له طعامًا صحيًا. في حين أغلقت وسام عليهم الباب بهدوء دون صوت، وهي ترفع كفها تمسح دموعها. ابتلعت ريقها بألم، وهي تفتح هاتفها تحاول الاتصال على أحدهم، فوجدت نبرة شادي لها يحثها بقوله من خلفها:
"بلاش تقولي للحج حامد عشان ميقلقش. هو كويس والله صدقوني. ادخلي يلا ذاكري وكل حاجة هتبقى تمام. أخوكي أسد يا أخت الغالي، فمتشيليش هم!"
مرح كي يخفف عنها. ابتسمت له تجامله وقد أنصتت إلى حديثه بالفعل. في حين انسحبت ببطء. فاعتدل هو ما أن سمع صوت دقات عالية على باب الشقة. فالخارج ولا رد. توجه بخفة يفتح الباب فوجدها هي بالفعل. للصدفة تأتي في كل مرة يحدث بها عقبة ومشكله كبرى. تحركت عيناه نحوها وهو يردد لها بخفوت وصل إلى مسامعها:
"أهلاً!"
التفتت منة تنظر له بغرابة. فمنذ آخر مرة لم تعرف عنه أي شيء، ولم تعطه الفرصة ليتحدث معها هاتفيًا، فقد حظرته من كل النواحي. ابتسمت له بسمة مصطنعة، ثم وجهت له نظرة حادة، فمنذ آخر مرة فعل فعلته وضربته على وجهه تأخذ منه موقف. أعطته كتفها بغير اهتمام وهي تكمل دق على الباب بنفس الانتظار، فوجدته يتحدث مرة أخرى بسخرية:
"محدش هيرد عليكي. خلي عندك ذوق، هم 3 مرات بس إن محدش رد، لفي وامشي!"
التفتت تنظر له بغيظ من طبيعة حديثه، فوجدته يحرك كتفيه ببساطة. ثم ترقب قولها الذي خرج سريعًا له بتبجح:
"وإنت مالك إنت؟ أنا كنت جيت خبطت على بيتك ولا عبرتك من أصله. خليك في حالك لو سمحت، وحاول تخف شوية وتحسن من نفسك عشان أنا مش هقبل بواحد سافل زيك كده!"
"بس بتحبيني!"
قالها شادي باستفزاز، ولم يتحرك من مكانه. فوجدت ملامحها تتشنج برفض، وكأنها مختلة لا تعرف ماذا تريد:
"لأ.. مبحبكيش. مبحبش واحد قليل الرباية شايفني واحدة جاية من الشارع. الوقت اللي المفروض تخليني أثق فيك تقوم تعمل القرف ده!"
تلومه بطريقة غير مباشرة. علم هو سريعًا ما تفعله، لذا غمز لها بخفة وهو يجيبها:
"هو أنا عملت حاجة؟ ما إنت ما شاء الله إيدك سابقة ومسمعة!"
وأكمل سريعًا بأسف:
"وأنا قولتلك مكنش قصدي ساعتها. كانت لحظة طايشة على شوية حماس. لكن والله ما شوفت واحدة زيك، ونفسي تبقي ليا. بس كل مرة ببقى خلاص هاجي وأتقدم، يحصل ظروف تخليني أأجل!"
تفهمت الوضع دون أن تسأله ماذا جرى. فقد علمت عملية "سمية" من "جميلة". وقفت تنظر بصمت. فوجدته يقترب مبتسمًا بهدوء يوضح لها:
"صاحبتك مش هنا. بتخيط جرح أختها وكلهم في الشقة التانية دي!"
يبتسم بغباء وكأنه يردف شيئًا عاديًا للتو. اعتاد على مثل هذه الحوادث لطالما يعاشر الآن عائلة مثل عائلة "الآكرمي". يعتاد بعد أن اعتاد صديقه. نظرت له بصدمة، ثم دفعته عنها وهي تدق جرس الشقة الأخرى بخوف على صديقتها بعدم فهمها لما حدث بالتحديد. بينما وقت هو ينظر بصمت وهو شارد، إلى أن انتفض ما أن أغلقت الباب خلفها عندما فتحت لها أحدهم وتركتها تدخل. تنحنح يجلي حنجرته بصوت، ثم توجه باتجاه الشقة تزامنا مع خروج بسام من المصعد بلهفة ما أن حدثته وسام:
"غسان فين يا شادي؟ كويس ولا إيه اللي حصل؟ طمني!"
قالها بخوف شديد ما أن رآه أمامه. صدق شعوره بألم في موضع قلبه دون تفسير لذلك منذ الصباح. لقد شعر به، شعر بتوأمه. تنفس بقلق، وهو الآخر يطمئنه، فتركه سريعًا وهو يهرول إلى الداخل. ثم وقف يدق الباب بصوت مسموع ولم يعر لحديث شادي اهتمام عندما قال:
"إهدي يا بسام.. بسيطة متخافش!"
أكثر من يحبه ويخاف عليه ويهاب أن يمسه سوء. ولكنه عندما عبر عبر بالطريقة والحديث الخطأ أو الصحيح الذي فهمه الآخر بالخطأ رغم عنه. ابتلع ريقه وهو ينتظر بأن يفتح له الباب. فوجدها تفتح له الباب بسكون بعينيها الحمراء، وحتى حجابها التي غفلت هي عنه فظهرت بخصلاتها بخواء. تركها وهو يتخطاها، ثم دخل يتفحصه سريعًا وهو ينظر على الجرح، ثم مسك كفه بخوف. وما أن شعر بتململه، رفع هو كف غسان المصاب يقبله ببر وهو يردد له بأسف:
"أنا آسف يا غسان.. بس فوق. فوقلي كده وإعمل اللي إنت عاوزه فيا. شوفت أنا خوفت عليك إزاي؟ كنت حاسس والله كنت حاسس إنها مش هتنتهي غير بحاجة زي دي!"
يسترسل في الحديث، وعندما وجده يشدد مسكته بكفه، علم أنه ينتبه، وسينتبه بشدة بعد دقائق. ابتلع ريقه وهو يزيح خصلاته السوداء إلى الخلف. ثم تركه وهو يسير بخطوات سريعة إلى غرفته ليجلب حقيبته الطبية. تاركا نيروز واقفة بجانبه مع وسام التي دخلت تقبل قمة رأس شقيقها بحزن. وجدا هما شادي يدخل مع بسام وهو يخرج زجاجة وعلبة لتطهير آخر كونه مهووس بالتطهير بمثل هذه الأشياء. رفع اللاصق يفعل أسفله كما فعل بكفه بخوف من تطور الجروح للالتهاب.
التفتت "نيروز" بسرعة تجلس بجانبه ما أن وجدت ملامحه تتشنج من أثر حرقة الجرح، ومن ثم عينيه التي فتحت أخيرًا. للحظات يفتحها ويغلقها، وما أن فتحها ثبتها على عينيها الحمراء التي سقطت دمعتها على وجهه.
هو فابتسم لها بألم وهو يشعر بيديها تتمسك بكفه، وما أن شعرت بانتباهه الكلي عانقته على الفور وكأن الأمان قد عاد لها.
نبس هو بخفوت سريعًا لها بجانب أذنها يطمئنها، مع قبلته لها على عنقها بخفة وهو مسطح:
"أنا كويس والله.. كويس متخافيش!!!"
تنحنح "شادي" يجلي حنجرته ثم قال بحرج زائف:
"ما تهدي يا عم.. إهدي على نفسك إحنا واقفين!!"
خرجت ضحكة "غسان" منه بخفوت حتى تألم بسبب الجرح وهو يجيب صديقه:
"هو أنا لسه عملت حاجة؟!"
خرجت ضحكته وحتى ضحكة "بسام" على عبثه. وجدوا هم "دلال" تدخل بصحن به طعام ما قد أعدته سريعًا، وما أن لاحظا افاقته هرولت سريعًا تعانقه وهي تنحني مرددة بلهفة:
"إن شاء الله عدوينك يا ضنايا!!!"
تنفس براحة في عناقها، حتى اعتدلت تنظر له بلهفة كبرى، وقد انحنت "وسام" تقبله وهي تردد له بتأثر كلمات توحي بخوفها عليه. تحرج "بسام" من الوضع خاصة أن زوجة الآخر جالسة بجانبه لا تود تركه وكأنها لا ترى سواه هو.
خرج مع "شادي" من الغرفة، ومن ثم بعدهم "وسام" ما أن أشارت لها "دلال" عندما قالت لهم "نيروز" بلهفة:
"سيبيها أنا.. أنا هأكله متتعبيش نفسك يا طنط انتي!!"
لم تتركها سوى عندما حدجها "غسان" وهو يشير لها بأن تترك ما بيديها لها، خاصة أنه يتجنبها مثلما قالت، كما تجنب شقيقه هو الآخر بسبب حديثهم عليها ولها دون شعورهم بالنتائج منه. ابتسمت لها بتأثر وهي تتركه لها على الطاولة ثم أغلقت الباب خلفها.
حرك بؤبؤيه الداكنه لها هي إلى خاصتها المليئة بالدموع المرهقة. ابتلعت "نيروز" ريقها بضعف ثم رددت له وهي تنظر له:
"وقعت قلبي.. أنا.. أنا مبقتش قادرة من غيرك يا غسان.. معتش تجازف تاني عشان خاطري حتى لو عشاني أنا!!"
هبطت دمعتها على كفه. وللحظة المتأثرة أنها في هذه اللحظة تناست وضع والدتها بوضعه هو وهو أمام عينيه. أمسك كفها بعمق ثم ضحك وهو يشاكسها بخفة كي يلهيها:
"متقلقيش.. مش قولتلك غسان جنبك ومش هيسببك.. أنا متبت فيكي يا بنت الأكرمي والله.. بس إيه الشغل العالي ده.. ده انتي طلعتي بتحبيني وبتخافي عليا أوي!!!!"
خرجت ضحكتها الخافتة وهي تعتدل ثم أجابته بصدق ولوم بآن واحد:
"يعني أنا مكنتش بحبك!!!!"
"تؤ.. أنا اللي بحبك.. أنا اللي حبيتك الأول إنتي وعينك.. عشان كده حرام تنزل منها دموع وتبهت بعد ما كانت بتهون الأمر!!!"
تنفست بعمق من أثر كلماته وهي تجلب الصحن. اعتدل هو بنفسه بعدما حاولت إسناده ولكنه أسند نفسه بخفة. فتح فمه لها وهي تطعمه برفق وعينيها لا تفارق عينيه الشغوفة بها. قليل ما يرى بها الخوف عليه ويسعد لرؤيته للهفتها عليه. سألها بعد لحظات بترقب للوضع:
"فريدة بنت عمك بقت كويسة؟!"
آخر ما يتذكره دماءها التي كانت تنزفها من ساقها. يعلم بأن الحقير قد هرب، لذا لم يسأل وتعمد تجاهل الوضع أمامها كي لا تضغط هي. حركت عينيها بتيه وهي تطعمه براحة ثم قالت:
"معرفش.. معرفش أي حاجة.. أنا كأني إتضربت على دماغي من ساعة اللي حصل.. مكنش في بالي ولا عقلي إلا إنت وبس.. آخر حاجة سمعتها إن جميلة خيطت جرحها لما مشت من هنا بعد ما خيطت ليك جرحك!!!"
"أصيلة جميلة دي!!"
تعمد بأن يستفزها ويستفز غيرتها. ابتلع ما في فمه وهو يكبت ضحكته عندما وجدها تتعمد عدم الاهتمام، ولكنها أجابته ببراعة في الرد:
"أصيلة عشان بنت عمي.. نفس الدم ونفس العيلة يا بن البدري!!"
لم تتحدث بها برقة بل كانت لهجتها حادة جامدة عليه. صمت وهو ينظر لها ثم قال بصدق من مدافعته عن "فريدة":
"أنا عارف إنك زعلانه ومش قادرة تعاتبي عشان هي بنت عمك مش حد غريب.. بس حسن فعلاً كان مش واعي للي بيعمله.. كان هيموتها في لحظة.. بس ربنا ستر.. ولو هجازف فكل ده عشانك إنت.. جازفت عشان الحمد لله كفاية اللي عندنا وراضيين..!!"
"أنا مبقتش عايزة حاجة من الدنيا غير الراحة.. راحة البال والعقل.. أنا الأيام دي تقيلة عليا أوي.. بس لولا وجودك جنبي مكنتش هقدر أعديها.. نفسي تعدي على خير وماما تقوم منها ويبعد عنا أي شر.. ونعيش في هدوء.. ده كل اللي محتاجاه مش محتاجة حاجة أكتر من كده.. أنا قاعدة دلوقتي مش قادرة أخلي بالي مع اتنين.. هي وهي في العمليات وأنا مرعوبة وإنت وإنت بحالك ده وبردو مرعوبة.. الحمل تقيل عليا أوي يا غسان.. مكنتش أعرف إن بمجرد ما بس عرفت إنها هتدخل عمليات وكل حاجة نازلة عليا بقسوة أوي.. مبخدش الفرصة حتى أرتاح.. أنا نفسي أرتاح وبس.. حتى الأيام اللي المفروض تكون بالنسبة لأي عروسة فرحة.. أنا مكانش ليا نصيب فيها.. مش قادرة حتى وأنا شايفاك بتتعب كل ده عشاني.. وكان من حقك تفرح بس اتحطيت في كل ده بسببي.. كل مرة بيحصل فيها مشكلة بتبقى بسببي ومني.. أنا مش مبسوطة حتى وأنا شايفة إن أهلك خايفين عليك مني وبسببي.. كل مرة بحس فيها إن أنا خطر عليكم حتى لو الدنيا بقت تمام.. أنا مش عايزة حد يخاف مني ومن وجودي.. مش عايزة حد يتقل مني ويضغطني ويحملني سبب أنا بتقهر عشانه.. عشان بس بتتأذى عشاني.. ومش هقدر.. مش هقدر لو جيت في مرة قولتلي إنك مشوفتش يوم عدل بسببي ومن ساعة ما عرفتني.. أنا مبقتش حمل كسرة قلب وتعب.. ولا بردو حمل إني أبعد عنك ولا كمان حمل إن حد يشيلني ذنب أنا ببقى هموت وميبقاش ليا دخل بيه.. أنا مبقتش فهيماني ولا فاهمة اللي بيحصل.. ولا حتى فاهمة اللي حواليا.. أنا نفسي مش فهيماني وأنت كـ.."
قاطع الحديث عندما تحدث "غسان" سريعًا بمقاطعة مندفعة يرد على حديثها بصراحة:
"بس أنا فاهمك.. فاهم إنك مليكيش ذنب في حاجة.. وجنبك حتى لو قولنا إنك بتأذيني مع إن دي مش حقيقة.. بس معاكي للآخر ومش هسمحلك كلمة إننا نبعد عن بعض عشان بردو زي ما إنتي مش هتقدري أنا مش هقدر من غيرك.. ومش عايزك تخافي عشان مش هيأثر فيا كلام حد.. أنا مش شايف غيرك ولو شايفه إنك بتدمري.. فدمرى وأنا أصلح وميهمكيش أي حاجة بعد كده طالما أنا في ضهرك.. مش أنا السند والضهر زي ما بتقولي.. أنا غسان السند التاني بعد أبوكي وملقتيش حد زيه غيري.. مش ده كلامك يا بنت الأكرمي؟"
يستجوبها باهتمام فحركت رأسها تؤكد حديثه. وما أن رأى تأكيدها تنفس باطمئنان يحرك رأسه بأمان رغم أن حديثها يضغطه ولكنه يشعر بضغطها. سمعه يتحدث مرة أخرى بدفاع وتبرير يوضح به:
"خلاص يبقى سيبى الحمل عليا أنا.. وأنا راضي بأي حاجة منك.. حتى لو تقل.. مع إن إنت خفيفة خف الريشة عليا وعلى قلبي.. صدقي كلامي يا نيروز وإعرفي إنه مش مجرد كلام.. إنتي مراتي وشريكة أيامي وحياتي وبحبك قبل ما تكوني كده.. وسيبك من الكلام العبيط اللي بتسمعيه ده والله لو عاشرتيهم أكتر هتفهمي إن بسام ده بيقول كلام وقت عصبية أكتر مني أنا وبيبقى ملوش أي تلاتين لازمة.. زي أمي بالظبط.. بس في الآخر أصلهم وطيبتهم بتغلب.. متكونيش حساسة ناحيتهم.. بيحبوكي ومش محملينك أي ذنب.. يمكن بس عشان جديد عليهم حياة تانية بتتضاف عليهم ومسئولية أكبر.. رغم إني مش حابب إن حد يتدخل في حياتنا ومش عاوز ده لسه.. لكن عارف في النهاية لو حصل حاجة فأنا هبقى سايبك وسط ناس أصيلة ونضيفة وبيحبوكي.. من أول حامد لحد وسام.. إنتي فرد جديد دخل علينا وطبيعي في أي بيت الواحدة بتاخد وقت على ما تفهم طبيعتهم وشخصيتهم.. بس مستعد أعملك أي حاجة وأضمنلك إن عمرك ما هتلاقي الجحود في بيت حامد البدري.."
توقف عن الحديث لبرهة ثم أضاف يوضح لها أكثر ما يراه تجاهها وتجاه أي أنثى:
"بيحصل ياما اللي يحصل بس في الآخر بنبقى عارفين إن ملناش غير بعض ومحدش هيخاف على التاني غير عيلته واللي منه.. لو أنا عارف إن أهلي مش كويسين معاكي مكنتش اتجوزتك إنتي يا نيروز ودي حقيقة عشان أنا أكتر حاجة بخاف عليها هي حرمة البيت.. وبحط أي واحدة مكان اختي و عمري ما بقبل إن حد يتظلم عشان بس راحة حد بحبه.. حتى لو أخويا وعاوز واحدة والواحدة دي هتتظلم معاه بقف ليه.. جميلة بنت عمك لما حسيت إنها مظلومة وقفت معاها عشان اعتبرت إنها أختي بعد ما بقى عز أخويا.. مبحسش ناحيتهم إنهم ضعف كل اللي بحسه إنهم بيبقوا مسئولية حلوة حتى لو محدش ليه علاقة بيهم.. تلقائي بحطهم مكان أختي.. زي ما بحطك مكان أختي دلوقتي.. عشان لو راحت قالت لجوزها إنها عايزة تسيبه عشان هو بيتأذى منها ووافق هيبقي ندل وجبان ومحبهاش.."
وأنا بحبك ومش هندم ومش هسيبك ولا هسمع كلامك الأهبل اللي عايزة تقوليه. وقت الضغط، إنسي كل ده وساعدي نفسك معايا إنك تكوني أحسن. متقفش على الواحدة وعلى الكلمة. وصدقيني لو حسيت إن حد جه عليكي بقصد، أنا نفسي مش هسمح بده يحصل. وحتى لو حصل، حقك هيرجع وهيرجع في لحظتها يا بنت الأكرمين!
وضح لها بكل شغف واهتمام، ولم يمل من الحديث بكثرة. عانقته عقب حديثه وهي تأخذ أنفاسها بعمق، دون أن تردد أي حديث. استطاع أن يبسط لها الوضع بطريقته الحانية البسيطة في شرح وجهة نظره هو، بدفاعه عنها. توسعت بسمتها عندما وجدته يردد لها بتساؤل يأخذ منها بعض من الضغوط:
"طب عارفة غسان البدري قال إيه؟"
همهمت بانتظار، وهي تعانقه. فردد هو بصدق، يغازلها:
"يقسم بأنه لم ير بخفتها من قبل، حتى وإن زادت الهموم أثقالاً.. فثقلها لا يزن أبداً.. وإن وزن، فالثقل بثقلها أكبر خفة، أو وربنا ما بحور زي ما بقولك كده!"
صدق، فلم يشعر تجاهها بأي ثقل. خرجت مبتسمة له بحب، وعينيها تعانق عينيه. أمسكت كفه المجروح، ثم رفعته تقبله. ولأول مرة تقبل هي كفه عندما شعرت بمدى شهامته وإصراره على أن يبقى بجانبها حتى ولو على الموت.
"إنت الحاجة اللي هفضل أحمد ربنا عليها إنه بعتهالي في الوقت الصح عشان تكمل معايا حياتي. إنت اللي برجع له في الآخر ومببقاش ليا غيرك إنت. عشان كده الست قالت فين أشكيلك فين.. عندي كلام وحاجات وكلام!"
خرجت ضحكته من تركيب جملتها الغريب، فغمز لها "غسان" سريعاً بعبث، وهو يردد:
"وربنا أنا اللي عندي كلام وحاجات وكلام ومحتاج أقوله في أسرع وقت ممكن!"
"محتاج تقول إيه؟"
"محتاج أقول إني هموت وأدخل الحمام. اسنديني!"
قالها بمرح جاد. ولأول مرة تخرج ضحكاتها بهذه الطريقة منذ فترة. اشتاق لضحكاتها بعد كل ذلك الضغط. أومأت له سريعاً، وهي تعتدل، ثم أبعدت الغطاء عنه وهي تمسك ذراعه إلى أن وقف وهي بجانبه. أسندته برفق وحنو. وهذه هي الحياة بينهما، تارة يسندها وتارة تسنده هو، كونهما معاً هي الغاية. لم تكن بالقوة الكافية للصمود دائماً، كما كان هو غير مثالي للدرجة التي تجعله قوياً متماسكاً في كل الأوقات. بالأساس يأتي لكل فرد منا وقت وينهار. هذه هي طبيعة الحياة القاسية. لم تعطي لأحد قوة كاملة بشيء محدد. وللأسف الكبير، عندما تعطينا الفرصة في حب الأشياء بكثرة، نُهزم بها في النهاية ويتبخر كل ذلك وتنتهي باللا شيء. فعلاً هما بصعوبة التي عاندت به الحياه كي تفعله ولم تقدر على فعله. لم يُهزم بها ولم تُهزم به، بل صمدا حتى إنهزما بالفعل معاً. ولكن انهزما من كثرة هموم وحمول الحياه التي من المفترض أن تكون في بدايتها معهم. يؤكد لهم الوضع بأنهم سيصمدا أكثر معاً. لطالما لم تبدأ معهم الحياه باللين الشديد بل جاءت لهم بصفعة تلو الأخرى، وكانا معاً متمسكين ببعضهما. انتظرته عندما يخرج وهي تلف حجابها بانتظام. ما أن سمعت صوت دقات الباب، خرج قبل أن تفتح هي. فوقف ببطء وهو ينظر لها تفتح خزانته آتية منها بقميص أبيض مفتوح. اختارته بعشوائية. فرد ذراعيه لها كي تلبسه إياه، وبالفعل ارتدته. فوقفت "نيروز" أمامه تغلق الأزرار. ثبت نظراته عليها بحب وراحة، إلى أن توجه يقبل وجنتيها. طالعته بلطف، ثم قالت له تعلمه:
"شكل عز برا رجع تاني وعايز يشوفك!"
"أصيل "عز" مش كده؟"
"ابن حلال فعلاً. ربنا يخليه لـ "جميلة" ويتمم عليهم بخير!"
سحب منها الحديث بذكاء إلى هذه النقطة، فأكمل يوضح لها بتفهم:
"طالما قلبك عليها كده، يبقى ترجعي تكلميها وتعامليها كويس. ولازم تعرفي إنهم خبوا عليكي عشان بيحبوكي مش العكس. يعني ينفع تدعيلها وإنتي مقاطعاها؟ وحتى أخواتك.. كلنا هنا بنخاف عليكي وبنحبك. فبلاش المخ بتاع عيلتكم ده وإفهمي الدنيا فيها إيه. متشيليش من حد يا نيروز. كله على قلبك في الآخر. اتعودي ترمي ورا ضهرك عشان ترتاحي وتعرفي تعيشي!"
تنفست بصوت وهي تحرك رأسها له بموافقة على حديثه، ثم رددت له كلمة واحدة صادقة:
"هحاول!"
أسندته من بعدها إلى فتحت باب الغرفة. اتجه له كل من "بسام" و"شادي" وحتى "عز" يسندونه بمرح كي يخففوا من حدة الأجواء. في حين وقفت هي بركن بعدما تركته معهم. تنفست بعمق وهي تقاوم تعبها. ثم نظرت بإتجاه باب الشقة كي تخرج. وجهت نظراتها ناحيته فوجدته يحثها بعينيه على أن تخرج لشقيقاتها. حركت رأسها له بخفوت وهي تتوجه بطريقها، حتى فتحت الباب وخرجت منه بالفعل وهي تغلقه مرة أخرى خلفها. عاد بنظراته اتجاههم، ثم سألهم بإهتمام به من القلق ما يكفي:
"إيه الأخبار؟ خرجت من العمليات ولا لسه؟"
يسألهم عنها بقلق. فأجاب "عز" سريعاً:
"لسه مخرجتش. كنت بكلم حازم من شوية وقالي إنهم لسه مستنينها ومطلعتش. حتى كنت هقوم أروحلهم بس قولت أجي أطمن عليك قبل ما أمشي!"
ابتسم له "غسان" بإمتنان وهو يربت على كتفيه. بينما صمت الآخران. في حين تبدلت ملامح "غسان" للقلق وهو يشير لـ "شادي" بأن يجلب له هاتفه كي يهاتف "حازم" و"بدر" للإطمئنان. جاءت "دلال" من الداخل بأكواب العصير لـ "عز" والآخرون، كنوع من أنواع الضيافة له هو. أما الآخر فشرد مرة أخرى بها وبوالدتها التي حتماً ستتأخر في غرفة العمليات.
دخلت بعدما فُتح لها الباب، باب شقة "والدتها". وجدت "ياسمين" تقف مندفعة لها بلهفة، ومن ثم ارتمت هي بأحضانها وهي تأتي بالبكاء. "ياسمين" تبكي. وأمامهما فاض بها كونها تشعر بمشاعر مختلطة تحت ضغوط أخرى هي الأخرى. ولكن خطر كل ذلك الذي يمر خطر عليها. ربتت عليها "نيروز" بلهفة، ومن ثم وجدت هي "وردة" تعانقهما وهي تفرد ذراعيها عليهما مرددة بصوت مختنق وكأنها والدتهم في هذه اللحظة رغم كونها أضعف منهما:
"أنا متأكدة إن كل ده هيعدي.. وماما هترجع لنا بألف سلامة!"
ضمتهما إليها بتشبت وهي تقاوم البكاء. لذا اعتدلت "ياسمين" بوقفتها، ثم رفعت كفها تمسح وجهها وهي تتنفس بإرتياح. ما أن رأت نظرات "نيروز" التي عادت حانية إليهما. اعتدلت "نيروز" ثم تنهدت تخرج أنفاسها ببطء وهي تردد:
"طب تعالوا نطمن على فريدة نشوف بقت كويسة ولا إيه!"
اعتدلت "ياسمين" ثم تمسكت بيد "نيروز" التي رفعت كفها تمسح به دموع شقيقتها التي ظهر على ملامحها الإرهاق بشدة. تعلم هي عندما تحزن "ياسمين" تحزن بشدة، بل وعلاقتها بـ "والدتها" علاقة قوية مترابطة مهما حدث من شغب ومن عبث، تبقى "ياسمين" محط اهتمام وخوف "سمية" بسبب طبيعتها الكتومة. أغلقت "وردة" الباب خلفهن وبيديها الأخرى تمسك كف "يامن"، وهي تطالعهما يدقان باب شقة "زينات". دقيقتان وتم فتح الباب الذي تم تصليحه من ما حدث أمس. فتحت لهن "جميلة" التي كانت حالتها ساكنة بعد خوف وتوتر دام. مجتهدة في عملها ودراستها، ولديها الأدوات بالإسعافات الأولية. ولكن في كل مرة يحدث بها أمر أشبه بالخطورة، يكون فيها "بسام" هو المتولي زمام الأمور ومراعاتهم عندما ينزف أو يُجرح أحدهم. هذه المرة هي التي كانت أمام وجه المدفع. ولولا وقوف "عز" بجانبها لما فعلت ذلك بسرعة دون خوف يؤثر على تماسكها. دخلن الثلاثة، ووقفت "نيروز" تحتضن "جميلة" التي بكت وهي تتأسف لها دون مقدمات. ربتت عليها "نيروز" بتأثر، ثم قالت لها بنبرة مختنقة متلهفة:
"بس.. بس يا جميلة أنا مش زعلانة. بالعكس، أنا عايزة أشكرك على اللي عملتيه مع غسان. أنا كنت مرعوبة أوي مش عارفة أقولك إيه!"
قالتها بهلهفة وهي تبرر لها وتبدأ بخطوات مدروسة منه هو في تشجيعها على عدم الوقوف على كل شيء، وأن تتهاون وتجعل قلبها ليناً أكثر من طبيعتها. تدين له بالكثير. هو الآخر يحثها ويشجعها، يصبر عليها، يقف بجانبها. لوهلة شعرت بأن أحد غيره، وكان زوجها بالفعل، لما فعل كل ذلك. تيقنت بأن حبها في قلبه فاق الكثير والكثير، حتى عنها هي. في كل مرة تقتنع بأنه الوحيد من يستطيع أن يخفف عنها. تعيق أمامه ولا تستطيع التوضيح بما يجري بداخلها، ولكنه يفهمها. في كل مرة يتأزم الوضع بعدم التعبير مثله بالكلمات والأفعال. ولكن الحقيقة التي تفهمها كل يوم عن الذي قبله أنها لم تر مثله هو، لم تر مثل حدة الشباب، اللين معها وحدها، لين لم تعهده من أحد قبله من قبل ولا من بعده. كل ذلك هاجمها بقوة عندما وجدت نفسها تقف أمامهن جميعاً. وكلمات "جميلة" كانت الأولى عندما ردت عليها بعدما هدأت ودخلت معها إلى الداخل لهن أكثر، بعدها رددت بنبرة صادقة ممتنة:
"أنا اللي آسفة عشان حاجات كتير يا نيروز.. وآسفة عشان غسان واللي حصل واللي عمله عشان فريدة."
"أنا مش هنسى في حياتي إنه شالها من الموت من إيد واحد مبيرحمش ومفتري!"
الآخر بضعف وخيبة، وكلما تتذكر بأن غدًا مواجهة أخرى مع من أنجبها تتعقد أكثر. تتجاهل ذلك. رمقتها "زينات" بأسف وهي تجلس بجانب "فريدة" ثم قالت بخذلان من نفسها:
"أنا لو قعدت من هنا لسنة قدام أتأسفلك، عارفة إنك مش هتسامحيني. وعارفة إن جوزك مبيبلعنيش. بس أنا.. أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان اللي عمله ده يا بنتي!"
ابنتها.. بعد كل ما فعلته لها.. ابتلعت "نيروز" ريقها بصعوبة، وقد استشعرت أكثر مدى تعرضه للخطر. ماذا إن تبدل الوضع؟ تحمد الله كل ثانية بعد الآن. انحنت تعانق "فريدة" بحب وتأثر، ثم قالت لها سريعًا:
"ألف سلامة عليكي يا فريدة!"
جملة واحدة أردفتها وأردفت مثلها شقيقتها وشقيقتها الأخرى. بعدها أمسكت "عايدة" "ياسمين" بخوف عليها عندما شعرت بعدم توازنها. بل انصرفت من بينهن إلى شقتها معها دون أن تنتبه لها إحداهن. بينما نظرت "فريدة" لـ "نيروز" بأسف، وقد تجمعت الدموع بمقلتيها وهي تردد لها:
"أنا آسفة يا نيروز.. آسفة بجد على اللي حستيه وعيشتيه. أنا السبب، متزعليش مني. أنا عارفة اللي بتمري بيه بس والله مش عارفة أقول..."
قاطعت "نيروز" حديثها سريعًا وهي تربت على كتفيها بإطمئنان، ثم قالت:
"ولا يهمك يا فريدة، متقوليش حاجة.. الحمد لله إنها عدت!"
قالتها وهي تعتدل، ثم نظرت نحو "منة" التي وقفت بجانب "جميلة" بركن ما. ابتسمت لها وكأنها تعبر عن أسفها من عدم رؤيتها في البداية. أشارت لها "منة" وهي تردد عليها كلمات كانت:
"شدي حيلك وإجمَدي كده يا نيروز.. وإن شاء الله مامتك هتطلع منها زي الحصان.. اسمعي مني أنا!"
مزحت كي تخفف عنها، فضحكت "نيروز" عليها بخفة. سمعت صوت دقات الباب، فاعتدلت تستأذن بالانصراف، فخرجت "جميلة" معها ومع "منة" هي الأخرى. فتحت الباب فوجدته "عز" الذي وقف بركن ما. أغلقت "جميلة" الباب وهي تبتسم له بلطف، ثم سارت معه ناحية شقتها وهي تشير لـ "منة" التي وقفت بجانب "نيروز" أن تتبعها، التي تابعت الوضع. فقد كان "شادي" يقف على أعتاب الباب الخاص بشقة "حامد". تعمدت تركهما مع بعضهما، ثم انسحبت تدخل بعدما أفسح لها "شادي" المكان قليلاً لتدخل.
"إيه.. تحب تاخد الصورة بالألوان ولا سادة؟"
قالت "منة" جملتها بسخرية منه، فقد كان يطالعها "شادي" بصمت وفقط. رمقه "شادي" بنظرة غير مهتمة، عكس حديثه الذي خرج للتو وهو يغازلها بعبث:
"أكيد بالألوان عشان لون قمصانك تبان يا أم عيون قناصة!"
أتت الجملة بإعجابها وهي ترمش بأهدابها بخجل قليل ما يظهر. شجعه فعلتها هذه، وبخفة اقترب منها وهو يسألها بمراوغة:
"أنا ليه بحبك؟"
"عشان أنا أتحب.. وإبعد عني متلزقش فيا كده!"
قالتها بحدة، وقد قتلت به شغفه بمسك يديها بطريقة حانية رومانسية. اغتاظ من طريقتها، وما جذبه لها هذه الحدود التي وضعتها. من بين من يعشقون الغير، هيّن. يتضح ذلك لها. ولكن التي عرفته هي جيدًا أنه أحبها بصدق من نظراته بعيدًا عن عبثه الشديد. ابتلعت ريقها من عينيها المتجهة ناحية عينيها بقوة، تعلم أنه يريد الأسف عن ما بدر منه للمرة التي لا تعرف عددها هي. توترها نظراته لها وحتى وقوفه بجانبها، غير واثقة بعبثه هو الآخر. تنحت ثم أشارت له أمام وجهه وهي تردد:
"إيه روحت فين؟.. أنا ماشية!"
قاطع سيرها سريعًا وهو يقف مجددًا مرددًا بنبرة سريعة:
"رايحة فين بس؟ هو أنا لحقت أقعد ولا أتكلم معاكي؟"
"هقول لـ "جميلة" إني همشي.. وهروح بقى عشان متأخرش!"
اعتدل "شادي" بوقفته، ثم سار يمد يديه يغلق باب شقة "حامد"، ثم التفت يردد بلطف:
"طب قوليلها وأنا معاكي وهاجي أوصلك!"
***
تأخذ الدواء ورغم ذلك تشعر بألم أسفل معدتها، تتجاهل عنه. لذا من شدة الألم تشعر بدوار رأس لم تنتبه له سوى "عايدة" التي جلبت لها دواءها. تأخذه مع كوب من العصير وشطيرة بسيطة تطعمها لها. انتهت "ياسمين" من تناول ما جلبته لها، ثم نظرت لها بإمتنان صادق، ولم تسطع إرداف الحديث أكثر. بل سمعت هي قول "عايدة" وهي ترد على "حازم" في الهاتف:
"حاضر يا حبيبي في عينيا.. بس لما سمية تطلع كلمني وطمني وأنا معاك بردو على الخط!"
لم تجد سوى إجابة لطيفة منه مع توصيته على "ياسمين" بخوفه عليها، ثم أغلق الخط. زفرت "ياسمين" بتوتر، ولم تشعر هي بدمعتها التي سقطت، بل للمفاجأة إنها شعرت بأذرع حانية تضمها، ولم تكن سوى "عايدة" التي ربتت عليها بإطمئنان، قائلة بنبرة آمنة:
"هتطلع وهتبقى كويسة يا حبيبتي وهتعيش لحد ما ولادك يكبروا.. هتشوف حفيدها وحفيدي أنا كمان.. بلاش تعملي كده بقى عشان صحتك!"
تنفست بعمق وراحة، تعهدها عندما تضمها الأخرى. أكثر من تكون قريبة من "عايدة" عن الأخريتين. لذا تشعر بها وبحديثها المطمئن. تنفست بصوت وهي تبتسم لها بسمة صغيرة باهتة عندما وجدتها تجلس بجانبها. ولصمت دام لدقائق شعرت بدموعها تسقط، ومن ثم الحديث الذي بدأ بالخروج لها وكأنها الدرع الآمن لها بعد فراق "حازم" و"سمية" عنها المؤقت!
"أنا حاسة إن روحي بتتسحب مني بالبطيء.. ماما دي كل حاجة بالنسبالي.. عمري ما لقيت حد بيحس بيا وعارف إيه اللي جوايا غيرها.. دايما فهماني وسمعاني بقلبها.. شايلة همي والهم كله.. كانت مسئوليتنا صعبة عليها ومع ذلك كملت وربت وعلمت.. عارفة لما تحسي إن الركن اللي بيفهمك من غير ما تقولي ولا حرف بيفارق.. بيختفي بس مش عارفة لحد إمته!! لما تكون اللي إنتي عيشتي طول عمرك على صوتها ونفسها وشكلها وخانقنا.. أنا بحبها أوي وعمري ما هعرف أعيش من غيرها.. هي الوحيدة اللي ضحت وعملت حاجات كتير أوي عشاني أنا واخواتي!"
ربتت على كفها باحتوائها كمثل والدتها، ولكنها وجدت نفسها تسترسل في الحديث مجددًا بشرود وتأثر:
"لما بابا مات اتكسرت أوي.. كسرة محدش هيفهمها غير اللي جرب.. بس لقيت نفسي مسئولة، والاصعب إني لقيت نفسي مجبورة إني مبينش إني اتكسرت عشانها وعشان وردة ونيروز.. يمكن كلامهم ليا بإني السند ليهم لما يحصل أي حاجة هو اللي عمل ده بعدين، وهو اللي ضغطني بس عمري ما فكرت فيهم إنهم حمل.. اتجبرت أقف زي الجبل وأنا شايفة كل واحدة فيهم كانت عاملة إزاي.. كان عندي سبب أقف وأبين إني متكسرتش.. من أول ما ماما رجعت تقعد من الشغل بسبب حزنها على فراق بابا، لسفر وردة تاني، لـ تعب نيروز اللي كلنا غلبنا فيه، لقسوة عمي فالوقت ده.. لما جه علينا وخد أكتر من حقه وسكتنا.. الحالة كانت ماشية.. بس مستنتش تقف على رجليها غصب عنها من تاني.. لما نزلت اشتغل مع دراستي عشانهم كان قدامي كام حاجة تمنع ده، أولهم عمي بس هو كان عارف إني مش همشي ورا كلامه وكملت لحد ما وقفت كل واحدة على رجليها.. كان عندي سبب أكمل عشانها.. عشان ماما اللي كنت عارفة إنها هترجع.. دلوقتي لو راحت مني مش هيبقالي سبب أكمل عشانه.. المرادي هتجبر أبين كسرتي لو ده حصل!"
تقسم والدة زوجها بأنها لم تر ذلك الضعف منها من قبل. كثيرًا ما تسمع الأقوال التي ترمي على مسامعها بصعوبة شخصيتها لتكون زوجة ولدها أو خطيبته بالبداية. لم تسمع لكل ذلك. تعلم بأنها طبيعة في الواقع القيل والقال. لذا تعتبرها في كل مرة مثل ابنتها. رأت الضعف غير الشراسة والتماسك المعهود منها. أين ذهب كل ذلك؟ ضمتها إلى صدرها بلهفة وحزن عليها وعلى حالها، ثم أجابتها سريعًا تحثها وتصحح لها بتشجيع للنظرة الإيجابية:
"لا.. لا متقولش كده يا حبيبتي.. هتقوم وتفوق منها وهتبقى زي الفل، فكري فالأحسن ليكي ولينا عشان ده اللي يحصل.. ربك كريم أوي يا ياسمين بس إنتي خليكي واثقة فيه وعمره ما هيخذلك أبدا.. وبعدين في أسباب تكملي عشانها.. عشانك وعشان اللي فبطنك وعشان حازم وأخواتك وكل اللي حواليكي.. الدايرة بتكبر يا بنتي مبتفضلش زي ما هي.. بيت وأسرة وحياة بتتبني وكل ده هتعيشه سمية معانا بس إنتي بس اتفائلي خير وإتطمني وطمني نفسك مش تقهريها كده.. كده مينفعش!"
ترمي الحديث بلهفة واحتواء، والآخرى تشهق بتمزق من بين ضم "عايدة" لها، التي بكت هي الأخرى دون صوت وهي تسمع صوت شهقاتها وصوت بكاءها الضعيف التي تقسم بأن إخفاءه كل هذه المدة كان أهون وأفضل من أن تشعر بها وهي كذلك بمثل ذلك الضعف.
"الكل يحزن ويسعد.. الكل ضعيف وقوي.. الكل متماسك وغير متماسك.. الكل يعيش ولا يعيش!"
كل ذلك الشئ وعكسه مع شخص وشخص آخر معه يجعله يصمد! تلك هي الحياة!
الشئ الوحيد والأمنية التي لا يودونها بأن تختفي وتزول هو الشخص الأقوى الشخص الذي يواسي ويقف صامداً بجانب شخصه الآخر!
وعلى الجانب الآخر بعيداً عن غرفة الأحزان بغرفة الضيوف البعيدة كانت تعانقه نفس عناق من في السابق.. هو وهي "عز وجميلة" التي وكأنها تفرغ طاقتها السلبية معه هو ما يمر عليها ضغط هي الأخرى!
ضمها عز بحنو له ثم وضع يديه على ظهرها يربت بها عليها مردداً بنبرة هادئة:
"لازم تبقي أقوى من كده يا جميلة، إنتي أحسن واحدة فالدنيا دي، أنا فخور بيكي أوي، وبالذات النهارده.. شوفتي بقا إنك محطوطة فمكان صالح ليكي."
خرجت من أحضانه وهي تنظر له بعينين باكيتين، فهو الآخر اتضح بأنه بارع في التشتيت كي يجعلها تنظر بطريقة أخرى. لوهلة شردت بحديثه، وجدته يبتسم لها بإطمئنان، ثم ردد لها بثقة وهو يحرك رأسه يؤكد حديثه بنفسه:
"عارف إنه وقت صعب أوي عليكم كلكم، وفي حاجات كتير داخلة فبعض ولخبطة بس هتعدي زي كل صعب فات وعدى.. وعايزك تعرفي إني جنبك وساندك.. وعمرك ما هتميل يا جميل، يا واقف جنبك عز الشرقاوي بذات نفسه!"
توسعت بسمتها من خفته في الحديث، يظهر لها جوانبه اللطيفة كلما يمر الوقت. تنفست بعمق وهي تمسح عينيها، بل وجدت كفه يسبق كفها وهو يمسح دموعها وأهدابها برفق. رفعت عينيها بلحظة تأثر، ثم قالت له بصراحة، كبرى ظهرت بنظرة عينيها:
"أنا بحبك أوي يا عز!!"
"الجمال عدى الكلام والله.. تضحكيلي وتاخدي كام؟!"
أردفها بخفة، أخرى مرة أخرى وهذه المرة خرجت ضحكتها عليه، ثم اعتدلت تجيبه بصدق:
"أنا خدت كل اللي عاوزاه من الدنيا بوجودك، خلاص مبقتش عاوزة حاجة!"
هذه المرة وجد الصدق والتأثر. يحاول رفض طلب عقله العبثي الذي يظهر هو الآخر. تعلقت عينيه بعينيها ثم قال بتلقائية:
"بس أنا عاوز!!!"
"عاوز إيه؟"
رفض بأن تتحرك عينيه بجهة أخرى غير عينيها هي وهو يجاوبها بهيام:
"عاوز بوسة!!!!"
شهقت "جميلة" بصوت مسموع وهي تفتح عينيها على وسعها تتذكر حديث "نيروز" لها عن ما يفعله "غسان" من عبث بعد عقد قرانهما. بل وتعلم في العموم بأنه لم يرى تربية من قبل. أكان مثله؟ أم سيكون؟ أجابته بعفوية لا تخلو من صدمتها به:
"إنت طلعت قليل الأدب زيه ولا إيه؟!"
عقد "عز" حاجبيه بغرابة منها وهو يسألها:
"زي مين؟"
"غسان!!"
ورغم تفاجئه من الإجابة ولكنه ضحك بخفة حتى رأت غمازته الرجولية تزين خده. تعمد العبث معها أكثر وهو يجعل تركيزها نحو عينيه هو وهو يجيبها بجرأة لم تعهدها منه من قبل في الحديث:
"عاوز أقولك إني قليل الأدب أكتر منه.. هو أبوه رباه لكن أنا ملقتش أب يربيني فريّت نفسي بنفسي.. وتربية عز غير!"
اخفض نبرته في آخر حديثه وهو يغمز لها. طالعته بخجل. وقد تعمد هو إرداف أي حديث ليجعلها تنصدم به. رغم صدقه في الشق الأول ولكنه صادق في قولها. يعلم في الأمور الشعبية أكثر من الآخر بل وبما يسمي بهذه اللغة "ابن الشارع" وحتى طبيعة مهنته جعلته أكثر تفهماً مع الغير بمختلف الأنواع في شخصياتهم. وجدته يعنفها مرة أخرى بخفة:
"وبعدين أنا طلبت إيه غير بوسة بريئة يعني من مراتي عشان تقولي قليل الأدب؟ دا أنا محترم وبستأذنك قبل ما أبوسك من غير ما أطلب عشان أنا ساعات ببقى عايز أبقى قليل الأدب كده ونفسي بتهفني أعملها بس بيصعب عليا كسوفك اللطيف ده!"
أشار لها بيديه سريعاً ثم قال بنبرة مندفع أثر ما فعله للتو:
"حتى شوفي.. مع إنها متعتبرتش حاجة بس نمشيها يلا!!"
وما أن قالها توجه بوجهه يقبل خدها بسرعة ثم اعتدل مرة أخرى. ابتلعت ريقها بخجل منه وهي تتهرب بأنظارها بمكان آخر غير عينيه. وجدت ضحكاته تعلو بإنجذاب وهو يقف يعدل من هيأته تزامناً مع قوله لها بنبرة ضاحكة:
"دا إنتي بتتكسفي خالص وأنا والله ابن ناس!!"
واصل مجدداً وهو يستعد كي يخرج من الغرفة مردداً بوضوح بنفس نبرته الضاحكة:
"همشي أنا هعدي على الشغل وبعد كده هروحلهم المستشفى.. مع السلامه يا أجمل واحدة بتلبس أبيض في حياتي!"
قالها بآخرة وهو يلتفت بوجهه ينظر نحو تنورتها البيضاء وحجاب رأسها الذي كان من نفس اللون. لأول مرة تتعايش هذه المشاعر والحديث. تيقنت بأنه يخفي الكثير من طباعه الذي كان يخفيها إحتراماً لعلاقتهما في البداية. سمعت صوت إغلاق باب الشقة من خلفه وضحكته الهادئة لم تختفي حتى أنه يعلم تدريجياً بأنها هي الأخرى وقعت به بقوة بل وتيقن بأن بما فعله استطاع التخفيف عنها ولو بشيء بسيط!
بعد مرور ساعات قليلة وفي غرفة "غسان" كان مسطحاً على الأريكة ساند رأسه على فخذها. مرت "نيروز" يديها بخصلاته بشرود. وقد شعرت هي بانتظام أنفاسه قبل ساعة واحدة من الآن. شعرت بثقل في صدرها وحتى أنفاسها التي تتنهد وتخرجها بصوت بين الوقت والآخر. ولمره أخرى تشرد بأنها تدين له بالكثير. فقط أعطى لها "المصحف" تقرأ به كي يخفف من توترها كما كان يقرأ هو بهاتفه وهو يستند عليها بسبب جرحه. غفل وبقت هي على نفس الحال منذ أن تركها وبين وقت والآخر منذ أن غفل تأخذ هاتفه تهاتف "حامد" به كي تطمئن على حالة والدتها التي غابت لفترة طويلة. شعرت به يتملل في نومته بتأوه خافت منه ومع تشنج ملامح وجهه. وجدته يفتح عينيه ويفلقها. لذا تحركت بخفوت كي تعتدل وتعدل رأسه. فتح "غسان" عينيه بإنتباه لغفلته وهو في ذلك الوضع. اعتدل ينهض ببطء أمام أنظارها الحانية أسند ظهره بخفة وهو يستند عليه بجانبها. التفت برأسه ينظر لها فوجدها تطالعه بعمق ظهر في عينيها. ابتسم لها بحنو وهو يسألها بلوم:
"كده تسيبيني أنام كل ده يا مفترية!"
"أنا بردو اللي مفترية.. أنا سيبتك تنام لانك شكلك تعبان.. بقيت أحسن؟"
قالت "نيروز", آخر حديثها بحنو وهي تسأله بلطف. فحرك رأسه لها بإطمئنان. وقد علم بأنها تخفي الدموع عنه. تود بأن تذرف الدموع دون توقف بسبب الحال وما يجري. ولكنها تتوقف وتنهر نفسها بعد الآن كونه يضغط بسببها هي! ابتلعت ريقها بتوتر وهو ينظر لها بعمق. تنفس "غسان" بصوت مسموع وهو يطالعها بنظرة متفحصة. فقد كانت عينيها مرهقة لحد كبير. كما أن بنيتها اللامعة لم تنطفئ بعد بسبب الدموع. ولو انطفأت فيعلم أنها تنطفئ حزناً ولا أكثر من ذلك! أما هي فتشعر بثقل من المكان ومن الأحداث رغماً عنها. في كل مرة تبكي بها من الأساس تلوم نفسها بعدها. لاحظت بأن أنفه تنزف كلما وضعت هي بضغط وليس هو. وقت بوقت آخر يمر عليها وتعلم أنه يعاني لأجلها وليس لأجل نفسه. كيف ستعوضه عن ذلك. وهي التي لديها وسواس بتفكيرها بكونه لم يكن سعيداً معها؟! أنفاسها التي تأخذها بتقطع توحي له بالكثير. علم أنها تود التحدث أكثر تود إظهار الحزن أكثر رغم أنها تظهره ولكن ليس كافياً بالنسبة لها. فكل ما يحدث لها كثير وكبير عليها وعلى طاقتها. رفعت يديها ترجع خصلاته التي هبطت على جبهته. أرجعتها إلى الخلف برفق واهتمام. وهي تهبط عينيها لـ عينيه التي لم تتحرك من عليها. ومن ثم سمعت نبرته العميقة وهو يهتف لها بلوم:
"لو دموعك مخلصتش.. تنزل يا نيروز مع إنها غالية تنزل بس لو هترتاحي عيطي. أنا هبطت أقولك متخافيش وأنا جنبك. بس لو دي الطريقة اللي تخليكي مرتاحة عيطي.. أنا عمري ما هتقل منك أبداً.. وخلّيكي عارفة إن مهما حاولت تخبي عليا عمرك ما هتعرفي."
واصل بعدها بترقب:
"كلمتيهم؟"
قصد بأن يغير مجرى الحديث يوصل لها رسالة وعكسها. كي تبكي ولا تبكي بنفس ذات الوقت.
هزت رأسها بنعم، فتبدل سريعا وبدل حديثه وهو يغمز لها مرددا بعبث:
"طب ومالك كده حلوه النهاردة وبطل كدة ليه؟"
ولمرة أخرى تعلم بأنه يعزز بها ثقتها بنفسها، والنقطة الجديدة التي تدين له بها بأنها عروس من المفترض، ومعها يفترض بأن يكون سعيدا، لا يحمل معها كل هذه الهموم! بل ويصبر عليها إلى أن تصبح بنفسية أفضل بعد الآن. لا يريد سوى سعادتها قبل سعادته، وراحتها قبل راحته. والجديد بأنها ستبدأ في أن تحاول مثلما يحاول أن يسعدها. لذا ابتسمت له باتساع تراضيه ثم قالت بتساؤل له:
"حلوه بدموعي وبكآبتي ونكدي عليك؟ بتطبلي يا بن البدري؟"
اعتلت ضحكاته الرجولية عليها وعلى حديثها، حتى أنه مد يديه يدفع رأسها برفق كي تستند على كتفيه مرددا بمرح:
"لو مطبلتش لمراتي أطبل لمين؟ لمراتي التانية؟ تؤ ميصحش!"
حركت "نيروز" رأسها باندفاع ثم رمقته بحدة وهي تردد بسخرية:
"تعملها وتتجوز عليا؟ مش بعيده عليك يعني ما إنت عينك زايغة!"
"دا حتي حرام.. دا إنتي لوحدك بـ أربعة!"
نظرت له ضاحكة بتشكك وفخر بغرور مرح طفيف وهي تسمعه يكمل دون توقف:
"عمري ما هتجوز عليكي يا نيروز ولا حتى عارف أبص لغيرك بصة الحب دي اللي كنت بقول دي نظرة متصنعة بتطلع من واحد موراهوش حاجه وبيحب ينحنح زي أبويا وأمي كده، لقيت نفسي مرة واحدة ببصها ليكي غصب عني وخسرت الرهان معاهم وبقيت نحنوح عشانك وبسببك. معتقدش يعني هتيجي واحدة غيرك تخليني أعمل حاجات كنت براهن متحصلش وحصلت!"
توقف لبرهة ثم واصل يسرد بحديث تعلمه لأول مرة حينما بدأ بقوله الصريح:
"كنت بقول إن مش هتجوز الوقتي وهعيش حر بدماغي ورايق كده، والكل كان عارف كده مع عدا حامد. كانوا بيقولوا إن بسام هو اللي هيتجوز بسرعة وهيعمل نفسه أسرع ويستقر.. عشان كانوا شايفين فيا شوية طيش كده، رغم إنه يبان إنه طايش أكتر مني بس الأصل كان هو اللي ينفع يتولي مسئولية أكتر مني. وعلفكرة هو حب وحب بجد بس مش الإنسانه الصح. إنسانه وقعت بينا وكانت حوارات وبعد دا كله كانوا بردو مقتنعين انه هيعمل بيت قبل مني عشان كان بدماغه مصاحبش كتير يشغلوه عن اللي هو فيه. هدفه متحدد ومكانش عايز من حد حاجة ولا شاغل باله أوي بخروجات وصحاب وارتباط وغيره.. أنا اللي كنت بشده عشان يبقى إجتماعي ويتعرف ويحب الناس ويعمل صحاب. طول عمري صحابي غير صحابه وعمري ما عرفت أتأقلم مع صحابة القليلين المختلفين دول بس كنت بستحمل عشانه وأحاول أشارك الحلو اللي المفروض دا وقته السعيد. وفوسط كل دول معرفش يصاحب صحابي بردو علفكرة.. غير شادي بس عشان شادي عنده قبول بيخلي اللي قدامه إنتباهه يتلفت ليه ويحب يتكلم معاه ويعرف عنه أكتر. وشادي الوحيد اللي أقدر أقول عليه إن زيه زي بسام بالظبط!"
توقف "غسان" عن الحديث وهو يسرد عليها معلومات لأول مرة تعرفها وما أن رأى أنه قد شتتها بالفعل ونظرة عينيها بالفضول له كي يسرد أكثر، ابتسم عليها ومن ثم أكمل سريعا مرة أخرى:
"ليه زيه بقا دي؟ ده السؤال اللي ليه إجابة كتيرة أوي عليها. من أصلها إنه هو الوحيد اللي أستأمنه على أهل بيتي وحتى وأنا مش موجود فيه. مع إنه أهوج ولسه فيه شوية طيش بس عارف إنه جدع أوي فالآخر. فأي محنة كان هو ببقى فيها ضهري وسندي. الوقت اللي مبعرفش فيه بسام في حاجة عشان بردو كان عنده أزمة تخليه مكتئب. كان هو اللي بيعرف ويساعدني. بس كل ده هتتفاجأي منه فالآخر لما تعرفي إن اللي بيضحك ويهزر كتير ده أكتر واحد موجوع من الدنيا. وكأن كل ما الدنيا تيجي عليه أكتر يكتر الضحك أكتر.. الظاهر عكس الباطن."
تابعت بحزن وشفقة من نبرته التي تغيرت فسمعته يكمل بعدها بشرود وتأثر:
"إخواته أكبر منه بكتير وهو أصغر واحد فيهم. إتيتم بدري أوي من ابوه وأمه. وبعد كده إخواته كل واحد شاف حياته وسافروا وسابوه لوحده مبيسألوش عليه غير فين وفين. ده اللي يليق عليه كلمة وحيد. بس حظه ونصيبه ومن كرم ربنا إن حالتهم المادية كانت حلوة وأهله كانوا سايبين ليه فلوس إتعلم بيها وكمل تعليمه وإشتغل بعدها لحد ما صنع نفسه بنفسه. وزي ما انت شايفه عمل شركة. مع انها صغيرة بس شغالة واتعرفت ودخلت معاه وإشتغلت عشان نفس المجال وساعدته ومسبناش بعض مهما مر علينا. عرض عليا أدخل شريك معاه وأبقى ماسك فرع تاني صغير بس أنا اللي رفضت من خوفي لـ الشغل ده يفرق بينا. ياما فرق بين اخوات وعيلة كمان. قولت أحافظ عليها وكنت مصر مدخلش نفسي معاه فحاجة راس بـ راس. أشتغل عنده أه وأمسك كمان فلوس الشركة الداخلة والخارجة وأعرف كل ذرة فيها لكن شريك ورئيس كبير ليها لا!"
يسخر من نفسه بالوضع الذي إن قارنه بالنهاية سيعلم بأنها متوازنة ولكن كانت وجهة نظره صحيحة. أضاف يكمل ما كان يسرد بـ:
".. محتاجش من إخواته فلوس وكان بيرفض منهم أي حاجة. إتربي معانا هنا وأبويا كان ومازال أبوه وحتى أمي أمه. أول ما مشيت من هناك وجيت هنا أنا كنت أكتر واحد قرفان ومتدايق أكتر منهم. مبينتش ده بس لما جيت مكنتش كده فالأول كنت ساكت وحاسس بغربة مع إني كبير وواعي وفاهم. ومع ان بردو دا مكاني الأصلي وبيتي. بس فراق أي حاجة صعب. حتى ولو مؤقت. فكان فراق صاحبي عليا وحش أوي. بس بعد كده عرفت إن البعيد عن العين قريب عادي مني ومن قلبي. كل دي حاجات مجرد تعود بس لما الدنيا تكون سالكة وصافية. وعمري ما شوفت من شادي حاجة وحشة عشان كده لسه باقين لبعض لحد دلوقتي. شادي ده لو كنت سببته لوحده من زمان مكنش دا بقا حاله. كان هياخد طريق عكس كل ده والعكس بردو. كان كل ما واحد فينا يحس إن التاني واخد طريق هيضيع فيه التاني يكون فايق ويشده ويحذره إننا بنلعب فأول الطريق بس لكن ندخله لا. ومشى بينا الحال هو يسندني مرة وأنا مرة. هو ينصح مرة وأنا مرة هو يبطل مرة وأنا أبطل مرة لحد ما بقينا ناصحين شوية وعرفنا إن مستقبلنا لازم نشتغل عليه وكل ده مكنش بيسلم من الخناق والشكل والحورات بس مكنش يوم بيعدي إلا وإذا كل واحد مراضي التاني فيه. مكنش حد بينام زعلان من التاني. شادي ده خلي الوفي مش مجرد صاحب حاجة صعب تتعمل تاني وصعب ألاقي زيه وصعب نفارق حتى لو الدنيا شغلتنا. هو دايما يقولي كده "يا بخت اللي بتحبه يا غسان. حب يلاقي. اهتمام يلاقي. سند تلاقي". وكنت اخاف منه ومن غمزته ليا فآخر كلامه المريب بلمساته بقا وهزارة اللي مبيفشلش يضحكني فيه فوقت ما الدنيا خلاص بتجيب آخرها معايا. وحشري بطريقة لا تطاق!"
الأصدقاء ثم الأصدقاء ولم يكن الآخر له سوى خله الوفي! وكذلك هو له. لا يوجد أفضل من شعورك عندما تصنع صديق صادق. وفيا. تأثرت "نيروز" من حديثه بشدة، خاصة الجزء الذي لم يسرد منه الكثر بأن لولا وجوده بجانب صديقه لاتخذ طريق آخر. ابتلعت ريقها وهي تنظر له بتأثر ثم قالت بصدق:
"إنت وجودك فحياة أي حد بيغيره للأحسن. وبيهون عليه كل المر اللي في حياته. إنت جدع أوي يا غسان وكل شوية بكتشف فيك حاجة مختلفة. عكس الظاهر وعكس الكلام اللي ممكن أكون بسمعه. بس إنت مكس وجامع بين حاجات كتير عكس بعض والأهم إنك فالآخر أحن واطيب حد في الدنيا. لا عمري كنت بطمن وأرتاح لحد بسرعة كده بس لما شوفتك من تاني حسيت بالراحة والثقة كمان اللي تخليني مرة واحدة أركب معاك العربية بثقة مني ومن ماما ومن العيلة برغم إننا عارفين بعض من زمان بس لما تغيب فترة كبيرة وترجع دا كان محسسني إنك شخص تاني. بس متغيرتش وإنت هو هو غسان. بقلة أدبه وعبثه في الكلام والحركات. عارف إنت إن أول مرة أقف في البلكونة وأشوفك فيها مكنتش انت؟"
أثار حديثها الأخير فضوله. فرمقها بغرابة وهو يبتسم لها. ولكنها إعتدلت بحماس غريب وهي تكمل:
"أيوه.. كنت بعيط.. ولما لقيت حد واقف بيسألني إنتي بتعيطي وكأنه يعني مش سامعني. مكنش إنت. كان أخوك بسام. مكتش بعرف أفرق بينكم بس بعد كده عرفت إنه هو اللي كان واقف في أوضتك وبلكونتك وحتى طريقته معايا كانت هادية ومحترمة. تقريبا المرات اللي بعدها كانت إنت بس المرة اللي أثرت فيا."
ساعتها مقولتش السبب، ولما لقيت طريقة الكلام صعبة وبتلف وتيجي في الكلام، مسألتنيش عن السبب. إنت عرفته بنفسك لما سألتني وقلتلي: "عارف ربنا قال أحسن حاجة إيه عن الموت؟"
ساعتها سألتني السؤال ده بعد ما كنت بعيط بصوت مكتوم وأنا ببص للسما. قولتلي قبلها جملة كده مش ناسيها: "في معلومة بتقول إن اللي بيبص للسما كتير يا إما بيحب حد يا إما فقد حد غالي عليه!"
توقفت عن الحديث وهي تنظر على ملامحه وابتسامته حينما تذكر هذه المرة بقوة. وجدها تسأله بلطف:
"فاكر قولتلي إيه لما سألتني "عارفه إيه أحسن حاجة ربنا قالها عن الموت" بعد ما عرفت إن السبب كان سابني عزيز عليا؟"
كادت أن تسترسل في الحديث دون أن تعطيه الفرصة، ولكنه قاطعها بثقة وهو يردد بنبرته الهادئة وابتسامته تتسع بيقين:
"وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۚ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ"
رددها "غسان" بيقين، فجاءه صوتها وهي تجيبه قائلة بتأثر كما قالت له من قبل:
"صدق الله العظيم."
"الدنيا دي محدش بيدوم فيها للتاني. فبنموت عشان نبقى لبعض ومع بعض في الآخرة طول. فاهمة حاجة؟"
جملة رددها الاثنان معًا بنبرة ضاحكة وهما يتذكران ما قاله هو في الماضي. كانت هي نفس جملته! وما أن انتهى من قولها قبلها، فرد ذراعه فتوجهت تستند بضحكتها على قمة صدره. تنفس بعمق وهو يتحدث بعدها بسخرية محببة:
"الغريبة إننا إحنا اللي بقينا لبعض في الدنيا. ويا رب نبقى لبعض في الآخرة يا بنت الأكرمي!"
رفعت رأسها وذراعيها تضمه وتعانقه بحب. والسعادة الوحيدة التي تشعر بها الآن بأنها بجانبه وأنفاسه تلفح وجهها هي. هي التي أصبحت له وحده. أهبط "غسان" شفتيه يقبل قمة رأسها برفق، ومن ثم خدها الذي كان تجاهه حتى ردد بعدها بغمزة عين:
"عارفة كوكب الأرض قالت إيه بقى؟"
"قالتلي قوليله "وقابلتك إنت لقيتك بتغير لي كل حياتي!""
قالتها بمراوغة، أخذتها منه واستطاع هو بأن يجعلها تطبع بطباعه العبثية. ضحك بخفة وهو يغمز لها:
"ده كده عسل أوي وإن شاء الله هنجيب عيال!"
خرجت ضحكتها وبهذا الوقت أكثر ما رأى بها بأنها استطاعت أن تخرج عن حالتها التي كانت، وبلحظة التأثر بحديثها وعينيها تعانق عينيه. اقترب منها أكثر حتى هبط بشفتيه وقبل فمها برقة سريعة، ثم اعتدل يرجع رأسه إلى الخلف، تعبيرًا عن حبه لها بهذا الوقت. ابتسمت له بخجل وهي تعتدل، فوجدته يتحدث مرة أخرى بغمزة عين جديدة وبإصرار يلمح لها بأنه يريد أطفال بالفعل دون تأجيل شيء كهذا، ولكن بطريقته العبثية:
"طب إيه مش هتبقى عسل ونجيب عيال بقى؟"
"قول إن شاء الله!"
قالتها له وهي تعنفه بمرح خفيف. لذا ضحك وهو يحرك رأسه ناحيتها بعبث. انتشل هاتفه ما أن وجده يدق بصوته العالي باسم "عز". اعتدل ببطء بعدما اعتدلت هي. وأما عنه، فيعلم بأن هذه المكالمة التي ستوحي له بخروجها من العمليات أم ماذا. عندما قال له بأن يهاتفه فورًا عندما تخرج! ابتلع ريقه وهو يضع في حسبانه كل التوقعات. ولحظة كانت هي تراقبه باهتمام. تعلم أن الآخر معهم بالمستشفى. لذا ابتلعت ريقها وقد خفق قلبها بقوة وهي تهاجم شعورها، رافعة إصبعها مع حركة عينيها وهي تقول بنبرة مهزوزة:
"رد عليه وافتح الإسبيكر عشان أسمع إنها خرجت كويسة يا غسان.. أرجوك!"
تترجاه بأن لا ينهض بعدما فهمت ما يود فعله. ابتلع "غسان" ريقه بصعوبة وهو ينظر لها بشفقة والتوتر رفيقه بسببها هي! تركه يدق مرة أخرى وهو يعانقها مشددًا بعناقه تحسبًا لسماعها لشئ يحزنها، رغم أنه أمر ضعف فتظهر النتيجة بعد إفاقتها! حاولت التماسك وهي تخرج من بين أحضانه، ثم أشارت له مرة أخرى بأن يجيب. فتح "غسان" الخط ثم وضعه على وضع مكبر الصوت. ومن ثم رد بنبرة هادئة عكس ما يخفيه من اهتزاز هو الآخر:
"أيوة يا عز. إيه الأخبار طمني؟"
"خرجت أخيراً من العمليات. مبدئياً العملية ناجحة بس لسه لازم تفوق عشان نشوف وضعها إيه وشكلها مش هتفوق دلوقتي لسه وقت. المهم ممنوع الزيارات ولا حد ينفع يقعد غير بس الأوضة اللي فيها حازم وبدر. هم عرفوهم دلوقتي اللي عرفتهولك ده. دعواتك يا صاحبي تكمل على خير وتبقي كويسة. طمن مراتك. ولو احتاجت حاجة كلمني أنا معاك في أي وقت!"
ما أن سمعت بأنها خرجت على خير وفقط دون الانتباه للباقي، أدمعت عينيها تأثرًا بغير تصديق وهي تبتلع ريقها بشكر. وحتى وإن علمت بأن النتيجة في القادم، ولكن فكرة بأنها خرجت حية ترزق هذا يكفي بالنسبة لها. خرجت من شرودها عندما وجدته يقف مستندًا بنفسه بعدما رد عليه وأغلق الخط. ثم فرد ذراعيه لها فدخلت هي بين أحضانه وهي تسمعه يردد بنبرة هادئة متأثرة:
"إن شاء الله هتبقى أحسن وأحسن يا نيروز. أنا متأكد وواثق في ربنا. اطمني وطمني قلبك!"
شدت "نيروز" عناقها له وقد سمعت هي صوتهم بالخارج الذي كان مرتفعًا إلى حد ما. علمت بأن الكل علم بأنها خرجت على خير منتظرين بقية النتيجة. مسحت دموعها بسرعة وهي ترفع عينيها للأعلى كعلامة للدعاء والحمد لله وشكره على هذه النعمة، متمنية أن يمر بقية الوضع على خير!
طالع فرحتها العارمة بتأثر وعلم بأن أبسط ما يسعدها أن يكون من تحبهم بخير وفقط، وكانت مثله بهذه النقطة! من عناق للآخر وهي بعالم غير العالم والأفكار المتداخلة تتشتت بها وتتوه بين توقع والآخر. لتجد نفسها محاصرة بين أحضان شقيقتها التي دخلت الغرفة معهم بعدما فتح لهم "غسان" وهو يسير ببطء وهي واقفة بمكانها. ومن عناق والدته وشقيقته وحتى "جميلة" التي هرولت إليهم. وحتى "ياسمين" التي جاءت مع "عايدة" رغم تعبها الظاهر والمخفي بنفس الوقت! لم تشعر بهذه اللحظة سوى بما سمعته وبما وصل إلى مسامعها قبل قليل. ووسط الحديث المتداخل والعشوائي والأصوات العالية بالغرفة، لم تتحرك عينيها سوى نحو عينيه من على بعد وهو يقف مع "شادي" و"بسام" على بعد منهما. نظرات حب ثم ثقة بأن حتمًا سيتغير الوضع للأفضل لطالما هو بجانبها هي! وبالنهاية تقتنع مرة أخرى بأنه سند بعد الآن. كما كانت وتكون بالفعل العائلة سند هي الأخرى، ولكنه السند المختلف لها. "السند الدائم"!
رواية عودة الوصال الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سارة ناصر
"وبين أنا وأنت قصة وحبل وصال دام، كنت أعتقد بأنه لم يدوم، رحلت فنسيت، فشردت، فبقيت وحيدة فوجدتك، عدت، وما أن عدت عاد قلبي إليك مرة أخرى!"
يتذكر هو سعادتها البالغة فقط بنجاح العملية. لم تكف عن إرداف الحديث المتلثم والحزين والسعيد بآن واحد. لا ينكر بأنه تفاجأ بردة فعلها، حتى أنه اعتقد بأن ذلك الرد منها مبالغ به. ولكنه يعود في كل مرة يشفق على حالها ويتذكر ما تكنه تجاه والدتها جيدًا. سعد الجميع من الأساس بخروجها من العملية حية ترزق وفقط. حتى أن انتهت جلستهما أمس برحيل كل منهم إلى شقته. وحتى هي التي أخذته وأسندته إلى شقته. كلما تتذكر بأنها عروس ولم تقضي وقتها كذلك، تحزن. ولكن سعادتها بما حدث أمس جعلتها تأخذ خطوة في محاولتها لبدء حياتها جيدًا بسبب حديثه لها. حتى أنها لاحظت إسناده لها وعدم ضغطها، وهي الٱخرى ترى بأنه يصبر عليها ويسندها، بل ويتجنبها بهذا الموضوع تحديدًا بسبب حديثها التي أدرفته له وقت انهيارها. وعلى الرغم من أنه قد تهاون وتخطى قولها، ولكنه بقى بعيدًا إلى أن تهدأ وتسكن وتعي ماذا تردف هي دون وعي منها. تجاهل كل ما حدث كما تجاهلت، ولكنها لاحظت بقاء كلماتها في ذاكرته كي تنتبه لذلك دون قول أو فعل أي شيء يدل على ذلك منه. ينتهي كل ذلك بكونه بجانبها وهي بجانبه. في كل مرة تحاول أن تبدأ من جديد تأتي عقبة وتقلب الحال بينهما وحتى بين الجميع. ولكنها عقدت العزم على أن تراضيه رغم كونه هادئ حاني عليها عكس قسوة الأيام والوقت الذي يمر. تنتهي كل مرة باستسلامها له كونها تعلم بأنها لم ترى مثله ولم تجد مثله من الأساس. ورغم ضغط الأيام ولكن قربه منها وتخفيف الضغط من عليها كان الٱهون. حتى بوقتهما أمس بعد كل ذلك اليوم المشحون بالتوتر والخوف والإرتباك والبكاء والسعادة والحزن والمشاعر المختلطة. خرج من شروده عندما خرجت من المرحاض ثم توجهت لتجلس على المقعد أمام المرآه تمشط خصلاتها دون الإنتباه بأنه قد استيقظ من الأساس فقد تأخر الوقت وعندما فاق أولاً كانت هي نائمة. هي الٱخرى تشرد بين وقت والٱخر بأمر ما لا تعلم بكيف ستفاتحه به. ولكن ما حدث جعلها تفكر بقوة عن قبل. التفتت "نيروز" برأسها تنظر إليه بعدما انتفضت بخفوت ما أن سمعت صوت أنفاسه بسعاله الخفيف. رفع يديه يمسح وجهه مع إزاحته لخصلاته إلى الخلف وهو يزيح من عليه الغطاء ببطء مع نصفه العلوي المكشوف الذي تعمد عدم ارتداءه لشئ بسبب جرحه الذي يشعر بسخونته ما أن ارتدى ملابس قطنية. ابتسمت له بخفة ثم قالت بلين وهي تطالعه:
"صباح الخير!"
اعتدل "غسان" يسير بخفة قبل أن تنهض لتسنده بل أشار لها بالتوقف ومن ثم أجابها "غسان" بابتسامة هادئة:
"ده صباح النور..إيه النشاط ده كله؟ قومتي قبلي وروقتي نفسك وظبطي الدنيا!"
ابتسمت "نيروز" له بخجل طفيف ثم اعتدلت بوقفتها وهي تقف أمامه. فرفع "غسان" كفه يزيح خصلاتها المبللة إلى الخلف. ثم أشارت له بعينيها بخفة ناحية الشرفة المغلقة قليلاً. ثم قالت:
"وكمان عملت فطار. حسيت إننا ولا كأننا متجوزين وملحقناش نقعد في شقتنا اصلا. ومعملتش فطار خالص إنت اللي كنت عملت. فقررت اقعد النهاردة هنا على ما يجي خبر إنها فاقت فنروح زي ما هي موصية. عايزني أعملك غدا إيه بقا؟"
توسعت بسمته بعبث حتى أنه طالعها باعجاب وهو يجيبها:
"ست بيت شاطرة يعني يا رزقه!!!"
"عندك شك؟"
"ولا أي شك فالدنيا. ست بيت وست الناس وست قلبي كمان. بس أنا مش عايزك تجهدي نفسك اليومين دول. خليكي مرتاحة شوية على ما تكوني أحسن ونفسيتك أحسن وبعد كده أطبخي زي ما تحبي الايام جاية كتير!!!"
علم بأنها تريد أن تشعره بالسعادة الذي لم يراها معها بشكلها هذا. لذا تحاول جاهدة أن تسعد وتوفق بين حياتها وبين حزنها. ابتسمت له بإطمئنان. ثم قالت له بتوضيح كي لا يحمل هما:
"لا أنا مش بضغط نفسي. ده اللي للمفروض يبقا عادي. وأنا بصراحة مش عايزة كل شوية ننزل ناكل تحت ونتعب مامتك. عالاقل كام مرة هنا ومرة هناك!!!"
جلس على الأريكة التي خلفه بتعب. ثم طالعها بهدوء. إلى أن جلست بجانبه. وهي تسمعه يجيبها بسخرية:
"والله أنا معنديش مانع..بس حامد مش هيوافق على كده وأنا أهو وإنت أهو!!"
لم يعطيها فرصة بأن تفهم قوله. بل غمز لها سريعًا وهو يحرك نظراته عليها من أعلاها لأسفلها وهي جالسة مرددًا بمرواغة لها:
"بس مالك حلوة النهاردة كده ليه يعني!!!"
شاكسها "غسان" بمرح. فضحكت بخفة وهي توكزه بكتفيه مرددة له:
"أنا حلوه علطول يا بن البدري. وبعدين أنا حلوه عشان معاك. المهم تكون إنت مبسوط ومتكونش مضغوط بسببي. أنا عارفه إن اليومين اللي فاتوا كانوا صعبين وضغطك معايا أوي!!"
حدجها بحدة وهو يحرك عينيه بمكان ٱخر مرددًا بنفاذ صبر من حديثها:
"جينا بقا للكلام اللي ملوش أي تلاتين لازمه. إحنا مش إتكلمنا فالموضوع وانتهينا وقولتلك إنك مش ضغطاني ولا حتى حمل عليا. ودا أمر واقع عشان ده طبيعي انا جوزك وإنت مراتي وهي دي حياتنا. ولو هي دي الحياة ومعاكي إنتي فـ انا راضي!!"
انتهت بوقفته وهي كذلك عندما دخلا معا الشرفة. ابتسمت له بتأثر تزامناً مع جلوسهما. فرددت هي تخفف عنه بمرح وتلقائية:
"ماشي خلاص متتدايقش أوي كده.. مكنوش كلمتين بتفك معاك بيهم يابن البدري. هتبقى عال!!!"
غمزت له "نيروز" بمرح وهي تتناول معه الطعام. فرد لها "غسان" الغمزة سريعًا حتى تبدل حاله بقوله المرح العبثي:
"وهنجيب عيال!!"
تنفست بعمق هذه المرة وهي تفكر جيدًا بذلك الوضع. خاصة بأن احتمال بأن تحمل دون عوائق قوية. فقد تاركة الأمر دون أن تضع خطط لذلك. اندمج في الطعام وتناوله. فوجدها شاردة من جديد. عقد "غسان" ما بين حاجبيه وهو يسألها بترقب:
"سرحتي فـ أيه كده؟"
وجدتها "نيروز"، اللحظه المناسبه رغم خوفها منه ولكنها ستبوح له من ما يجري بداخلها. ابتلعت ريقها وحتى الطعام الذي يوجد بفمها ثم ابتسمت له بتردد. وهي ترجع عن تفكيرها ثم قالت:
"لا مفيش عادي. كل كويس إنت علشان تاخد المسكن!!"
تلقائيًا رفع هو. عينيه نحو عينيها التي تدور ومن ثم نحو يديها التي تكورها وتقوم بفكها بتوتر. تبرع في إخفاءه هذه اللحظه ولكنه لاحظ إرتباكها عندما وجدته يدقق النظر بها. بل ووجد التردد بمحاولتها لفتح الحوار ولكن تغلق فمها مره ٱخرى. تصنع "غسان" عدم الاهتمام كي يجعلها تشعر بأنها مشتته فتأتي له بالحديث. كانت طريقته خبيثه عكس بأن لا يلح عليها بأن نتحدث رغم انه يعلم بأنها تخفي شئ عليه. صمت ولم يجيب حتى علي حثها له على أخذ الدواء. بين لحظات والأخرى وهو. يرفع عينيه خلسة لها وهي تحرك نظراتها المترددة ناحيته وحتى ناحية جرح جانبة ونصفه العلوي المكشوف. أوشكت على أن تقع في خطته عندما هتفت بإسمه مردده:
"غسان!"
أبطئ في حركة رأسه وهو يهمهم لها بانتظار. فوجدها ترجع مره أخرى بحديثها عندما حاولت التغير والبعد مرددة له:
"كنت بقولك يعني قوم إلبس حاجه بدل ما تاخد برد!!"
"البلكونه متقفله متخافيش. في حاجه ولا ايه؟"
سألها "غسان" بٱخر حديثه باهتمام وانتظار مره أخرى. فوجدها تنفي سريعًا باندفاع:
"لأ مفيش!!"
تيقن بأنها وقعت بشباكه عندما هزمت ترددها ونظر نحو طيفها في الدورق الزجاجي الذي عكس صورتها وهي تغمض عينيها مردده باندفاع مره أخرى تقتل التردد:
"اه فيه!!"
تنهد "غسان" يخرج أنفاسه وهو يرفع عينيه ثم.
ابتسم لها برفق، مرددًا لها بنبرة هادئة لينة:
"طب قولي في إيه.. سامعك!"
اعتدلت تجلس بخوف، بعدما رأت جديته ولكنها تشجعت ثم قالت له تستشف ردة قبل أن تتحدث:
"كنت عاوزة أقولك حاجة.. بس مش ضامنة تتفهم الوضع للآخر وترجع تاخد موقف وجنبي أنا ومش حمل كل ده!"
ابتسامة صغيرة مطمئنة زينت محياه وهو يحرك رأسه لها باطمئنان، ثم اعتدل بجلسته وهو يجيبها بهدوء واهتمام:
"لا قولي وأنا سامعك للآخر، متخافيش!"
ابتلعت "نيروز" ريقها بصعوبة، عليها من ما هو آتٍ ثم بدأت في الحديث وهي تردد مبدئيًا له مع عينيها التي ثبتتها ناحية بنيته الداكنة:
"عايزة أقولك على موضوع الحمل والخلفة والأطفال، كنت عايزة أتفق معاك إننا نأجل الموضوع ده شوية عشان حاسة إني مش مهيأة نفسيًا لكده وكمان خـ..."
كان يستبعد من الأساس فتح ذلك الحوار، لطالما يردد عليها دائمًا رغبته في الإنجاب! تفاجأ من قولها في بدايته حتى قاطع آخر جملتها بثقة جامدة مندفعة:
"خايفة"
أكمل سريعًا، يؤكد حديثه وحديثها:
"علشان خايفة مش كده! وها إيه كمان؟"
ابتلعت "نيروز" ريقها بخوف وتردد مرة أخرى وهي تحاول الثبات، حتى استجمعت قوتها في إرداف الحديث ثم أجابته أخيرًا بيأس من شعورها:
"أيوة علشان خايفة، ودي مش حاجة تخليك تتضايق من كده، أنا فعلاً حاسة إني مش هبقى جاهزة لده دلوقتي وكمان خايفة زي ما قولت، خايفة مأكونش قد المسؤولية دي وخايفة أتوجع فيهم لو جم، مبقتش ضامنة حاجة، ولا حتى ضامنة وجود حسن وشرة ممكن يوصل لحد فين، أنا خايفة من حاجات كتير أوي فالمستقبل، وبقولك ده عشان دي حياتنا وبنشاركها سوا!"
تهجمت ملامحه وحاول بقدر الإمكان بألا ينفذ صبره، ولكنه نظر لها بسخرية ثم قال بتبجح:
"آه وإنتي بقا رايحة تولدي الصبح! ولا شايفة نفسك هتصحي تلاقي نفسك حامل بكرة مثلاً! إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟ بتقولي إنك خايفة ورجعتي قولتي إنك خايفة من حسن، فاللي هو بقا نوقف حياتنا عشان سعادة البي حسن ممكن يأذي ولادنا اللي لسه مجوش ولا باين لهم وجود أصلاً، ده منطقي ده يعني. لو شيفاه منطقي قوليلي وردي عليا بمبرر تاني اقتنع بيه غير إنك غير مهيأة نفسيًا، أصلك محسساني إنك داخلة على حمل علطول مش مثلاً متجوزين بقالنا كام يوم!!!!!!"
صمت "غسان" يأخذ أنفاسه من حديثه المندفع ثم واصل سريعًا يكمل:
"أصلك بردو خايفة من بكرة ومن المستقبل اللي حطاله كام ألف خطة وحساب، معندكيش مثلاً يقين إنك تسبيها لله؟ خلاص متأكدة مليون في المية إنك هتحملي، ما يمكن حد فينا مبيخلفش، يمكن ربنا مش رايد الخلفه، أو حتى رايدها فوقت وبعد كده خلاص مش هتطوليها، إحنا لسه لقينا ولا شوفنا حياتنا عشان تقرري بالسرعة دي!!!!"
تسمع منه الحديث الجامد، تجمعت الدموع بمقلتيها، وهي ترفع عينيها تسمع حديثه الصحيح، تعلم بأنه صحيح وتعلم أكثر بعدما وضح لها بهجوم، ولكن نفسيتها وتفكيرها بضغط هذه الأيام جعلها مشتتة مضغوطة، صمتت تسمع توبيخه لها بعد اليقين والصبر بل وعدم الاهتمام والخوف! خرجت من شرودها وهي تجيبه بهدوء مختنق:
"أنا بفكر لقدام مقولتلكش إني مش عايزة أخلف منك عشان كل الكلام ده!"
وقف "غسان" باندفاع، وهو يضغط على فكه بإنفعال مكتوم، مرددًا بيأس منها:
"بردو مش فاهمة أنا أقصد إيه، أنا مبقتش فاهمك يا نيروز، بس الظاهر كده إنك مبقتيش تقدري تقعدي ثانية واحدة من غير ما تضغطي نفسك وتجهديها على الفاضي حتى بتفكيرك بس!!!"
وأكمل بعدها دون أخذ فرصة للتوقف:
"تفكيرك اللي وداكي لمكان بعيد وحاجة مش بإيدينا أصلاً، واللي أنا متأكد لو حصل هتلاقي نفسك بتغيري تفكيرك ده خالص للعكس، مش هقعد كل شوية أقولك فكري قبل ما تقولي الحاجة وتقرريها، ورجعالي تقولي خايفة بعد ما خلاص بقينا مع بعض فبيت واحد وبقيتي مراتي، يعني حتى القرار الأهبل اللي ملوش ملامح ده مش قرارك لوحدك!!!"
انتهى من حديثه عندما وجدها تقف بخواء هي الأخرى، رفعت عينيها ناحيته فوجدته يزيح المقعد كي يخرج من الشرفة وقبل أن يلتفت تعمد بأن يظهر اللين في جملته التي كانت عكس ذلك حينما قال:
"هي أول مرة أسمع فيها الحوار ده وبقت آخر مرة، وحد تالت بينا يعرف حاجة زي دي لأ!!!!"
صمت ثم واصل مجددًا بجدية بالغة:
"سمعاني ولا أعيدلك تاني، أنا مستعد أفهمك لحد بكرة عادي طالما مخك على قدك كده!!"
رغم كون حديثه هادئ وقد تعمد اللين في قوله رغم سخريته، ولكنها انتبهت إلى تحذيره المبطن الغير ظاهر، وجدت نفسها تحرك رأسها موافقة بصمت هادئ جدًا، إلى أن أمسكت دورق المياه وهي تسقي الزرع بعدما سمحت لهبوط دمعتها على خدها، تتشتت والآن لا تعلم من الخطأ ومن على صواب ولكنها في كل مرة لم تستطع التوضيح له فينتهي بها الأمر بأنها التي على خطأ!!!!!
ابتعد عنها كي لا ينفعل عليها وكي لا يضغطها، تبحث عن العقبات والمشاكل بنفسها. هكذا سأل نفسه وهو يرتدي سترته البيضاء الفوقية بغير اهتمام. وسرعان ما شعر بحركتها خلفه وهي تعقد خصلاتها بصمت.
إنحنى يحمل هاتفه كي يرى الساعة. يعلم هو بأنهم سيذهبون بعد قليل في الأسفل حيث ميعاد حكم المحكمة على "سليم وشريف". بالأساس استيقظ متأخراً من نومة كما كانت هي من قبله.
سمع الإثنان صوت جرس المنزل. فاعتدل هو يقاطع سيرها مشيراً لها بأنه من سيفتح الباب. رغم إن بيجامتها كانت طويلة تخفيها ولكن خصلاتها كانت مكشوفة. فاختصر هو السير وخرج يفتح الباب.
وما أن فتحه وجد "والده" يدخل بإندفاع وهو يتفحصه بنظراته مردداً بتساؤل:
"إيه اللي حصلك يبني أنا لسه عارف حالا ومحدش قالي لما جيت إمبارح بليل!!!"
صدق فقد أتى متأخر من الخارج وعندما أتى نام. ومن ثم بعدما استيقظ لم يقول له أحد عن الذي حدث إلا عندما استعد للصعود له فأخبروه كي لا ينصعق ما أن يراه.
خرج "غسان" من أحضانه وهو يطمئنه بهدوء:
"أنا كويس يا حامد متقلقش!!"
نظر "حامد" إليه بلهفة ثم إلى كفه وحتى ميلانه بطريقة ليست ملحوظة بسبب جرحه. أخذ أنفاسه بعدما حبس. ثم انتبه هو على خروجها له وهي تبتسم له بهدوء. فتوجه هو ببطء يفرد ذراعيه لها بحنو وهو يردد لها بلين:
"إزيك يا حبيبتي وحشتيني!!"
"وإنت كمان يا عمو. أنا عارفه إننا تاعبينك وإنت قاعد كل المده دي فالمستشفى....!!!"
وقبل أن تسترسل حدّثها "حامد" بلوم سريع أمام نظرات "غسان" المتوجهة لهم حينما سمع قول والده:
"في حد يقول لأبوه كده بردو؟ بتزعليني منك ليه؟ دا أنا طالع أقولك متعمليش حسابك علي غدا علشان الغدا تحت النهارده!!"
لم تستطع الرفض بل فهمت هي قول "غسان" لها قبل قليل. ابتسمت له بإمتنان. فحرك عينيه بعشوائية إلى أن ثبتها بغرابة وهو يطالع الٱخر مردداً له بمرح:
"مالك ياض واقف مبحلق كده ليه؟"
خرجت ضحكة "غسان" وهو يقترب ثم قال له بتبجح يجيبه:
"لا أبداً، بشوفك وانت ماسك مراتي وواخدها بالاحضان وعشمك واخدك أوي وأنا بغير يا حامد!!"
علم بأنه يردها له. ضحك الاثنان تحت بسمة "نيروز". فنظر "حامد" ناحيتها وهو يهتف بثقة وتأييد:
"حقك تغير ياض. ده إنت معاك واحدة جميلة بردو. ربنا يسعدكم وتنجزوا كده وتجبولي حفيد!!!!"
عند ذلك القول تقابلت عينيه مع عينيها. حركت نظراتها سريعاً تهرب من عينيه التي تلومها. فرد هو على حديث "حامد" بخفة:
"من عيني يا حامد. من بكرة الصبح يبقي عندك أحسن حفيد!!"
ضحك "والده" بخفة وصوت ضحكاته تعلو. في حين سمعه يسأله بسخرية وهو يقول:
"قولي بقا عايزه شبه مين؟ وعليه واحد هدية ولا لأ؟!"
حدّجه "حامد" بملل من خفته ثم اعتدل يجلي حنجرته وهو يردد بثقة موزّعاً أنظاره بينهما:
"هو اللي يجيبه ربنا حلو وكل حاجة. بس أنا عاوزه شبه أمك ياض. واه واحد هدية. هاتهم توأم مرة واحدة وريح دماغك!!".
أشار "غسان" علي عينيه بمرح تزامناً مع قوله وهو يضحك:
"من عيني. شبه أمي يعني شبهي يعني. قولها بقا بعد إذن كرامتك. اصل كده كده أنا وأمي أحلى منك. ولا إيه يا رزة !!!"
قالها بٱخر حديثه كي يعلن لها بطريقته الماكرة بأن ما لا تريده الٱن الكل يريده. نظرت له "نيروز" سريعاً ثم حركت رأسها نفياً بتحدي وهي تنظر نحو "حامد" ثم قالت:
"بس مفيهاش حاجة لو جه بردو زي عمو. عالاقل ممكن يطلع زيه فطيبته وحنيته وتفهمه وعقله مش زي ناس!!!"
ترسل له الحديث هي الأخرى بالطريقة الماكرة الذي استخدمها هو. في الأصل يعلم بأنها غير هينة لتصمت كذلك. ولكنه استشعر مدى ندمها السريع في التفكير بأمر كهذا. لذا ضحك ضحكة بابتسامة صفراء على جانب شفتيه. في حين هلل "حامد" وهو يقبل قمة رأسها برفق:
"دا إنت كده حبيبة أبوكي وبنتي رسمي!!!"
اتسعت بسمتها وهي تحرك أنظارها بعيداً عن الٱخر بكيد طفيف كونها ردت له ما فعله. اعتدل "غسان" بوقفته ثم أنصت باهتمام لحديث "حامد" الموضح لهم:
"طب يلا ننزل نقعد تحت. على ما هم يمشوا يروحوا المحكمة ويرجعوا. بدر لسه قاعد هناك فالمستشفى وحازم رجع معايا إمبارح بليل علفكرة عشان ياخدهم ويمشي دلوقتي زي ما إنتوا عارفين الحكم النهارده وأنا حسيته مش حابب حد يروح معاه غير اخواته وأمه وعز وأهله عشان موضوع شريف ده. وبصراحة حسيت إنه حقه لأنه موضوع صعب عليه وحساس. الله يعينه. هو عارف إني واقف جنبه. وقالي إنك كلمته يا غسان بس هو قال خليكم هنا مع ياسمين لحد ما يرجعوا. فتعالي يا نيروز تحت معاها بقا!!!"
تتفهم ذلك الوضع المعقد. في حين يعلم "غسان" رأي الٱخر في ذلك. لذا اعتدل يأخذ أنفاسه بقلة حيلة ثم حرك رأسه موافقاً لحديثه. دخلت "نيروز" ترتدي ملابسها. بينما جلس "حامد" في الصالة بأريحية بجانبه حتى نظر له بخوف مخفي ثم سأله بترقب:
"وإنت ناوي تعمل إيه؟"
"اعمل ايه فـ إيه؟"
حدّجه "حامد" بتشكك يعلم بأنه لم يتهاون بحقه لما فعله "حسن" لذا يهاب هذه النقطة وبشدة كي لا يفقده هذه المرة نهائياً. اجابه.
"فـ حسن يا غسان وإنت فاهمني كويس!"
قالها بجمود، فحرك كتفيه ببساطة، كبرى. ثم ردد بنفس البساطة:
"مش هعمل حاجة في حاجة!"
علم بأنه يرواغ في الحديث، فقلبه الآخر لموضوع آخر حيث قال بمحاصرة:
"طب واللي حصل مع أخوك ده إيه؟ وأمك بتقولي إنك بترد عليهم على قد الكلمة كده تحت ومن تحت ضرسك، معندكش حل وسط أبداً؟ كده ياما علينا ياما عليها!"
زفر "غسان" بصوت مسموع وهو يحرك أنظاره بعشوائية، ثم قال يجيبه:
"مبتكلمش من تحت ضرسي ولا حاجة، كل الحكاية إني مزاجي مش أحسن حاجة. وبعدين أنا نازلكم أهو وجاي أقعد معاكم هاخد جنب من أمي إزاي؟"
"وأخوك!!!!"
"ولما إنت عارف الحكاية كلها جاي تيجي عليا أنا وتكلمني ليه؟ أهو من ساعة اللي عمله بسام وأنا مش ملاحق كلام منها قاعدة بتلف بيه وبتدور عليا عشان بس قال جملته اللي قلبت الحال بينا تاني، جاي ليه تعاتبني؟!"
تهجمت ملامحه بطريقة ملحوظة، فتنفس "حامد" بصوت مسموع، يعلم بأنه مضغوط وقد أخطأ الآخر بحقه:
"إنت عارف بسام وكلام بسام وقت عصبيته، ومقالش كده من فراغ. قال كده عشان بيخاف عليك. مكنش قصده بدخلة مراتك علينا غير فعلاً، لما هي دخلت حياتك بقيت بتدخل نفسك في مشاكل ملهاش حل. ده قصده مش قصده إنها دخلت حياتك دمرتها ودمرتنا. أديك شايف المعاملة بينا وبينها، محدش فينا هيجي عليها فيوم وإنت عارف كده كويس. والبعيد عن ده كله ومش عاوزك تفهمني غلط فيها إن أخوك المفروض يبقى أبقى من مراتك، يعني على الأقل تحاول تفهمه بكلامه بس مش القصد التاني. وده ميمنعش إنه اختار وقت غلط بس برضه إنت غلطان عشان كنت هتودي نفسك في داهية لولا هو لحقك. قارن كده وشوف لما مراتك وإحنا نشوفك متكلبش في السجن كده هتبقى مرتاح ومريح مراتك ومريحنا معاك؟ ولا لما تفهم كلام أخوك وتقدره وفنفس الوقت تعاتبه عشان الوقت مش مناسب؟!"
كاد أن يسترسل في حديثه ولكن كان الرد من "غسان" ولدة كلمة واحدة قطع بها كل ذلك بطريقته في إنهاء الحوار كي لا يصل لها:
"تمام ماشي!"
قالها كي يراضيه ويريح عقله وعقل والده من كثرة الحديث الذي يضغطه هو في كل مرة، لذا حدجه "حامد" بغيظ من طريقته، وسرعان ما وقف "غسان" يشير له بأنه سيدخل كي يعجلها. سار بخطوات بطيئة هادئة إلى أن دق الغرفة دقة واحدة فسمع هو صوت "والدته" الساخر منه:
"لا محترم ياض!!!"
أشار له "غسان" بزهو، وبعد دقة دقة واحدة فتح هو الباب دون إذن، فتعالت ضحكات "حامد" بخفة عليه. وما أن دخل حرك "غسان" أنظاره على الغرفة باهتمام، فوجدها تقف مستندة بأحد الأركان على الحائط ممسكة برأسها تداهم دوار رأسها بسبب دور الإعياء التي تجاهلته. وما أن وقعت عينيه عليها وهي كذلك وعندما شعر بعدم توازنها، هتف بلهفة وصوت مرتفع:
"نـ ـيروز!!!"
وبعد هذه الكلمة كانت يديه تساندها بلهفة وخوف، بعدما ضمت عينيها بتعب، ثم فتحتها مرة أخرى. نهض "حامد" سريعاً أثر نبرة والده المرتفعة، في حين أسندها "غسان" بنفس اللهفة وهو يسألها باهتمام:
"مالك حصل إيه؟"
وجد "والده" يتنحنح بحنجرته فأشار له بالدخول فدخل بلهفة كبرى عليها، تزامناً مع ردها عليه كي تطمئنه:
"مفيش أنا كويسة. حسيت بس إني دايخة والدنيا بتلف بيا. وكمان جسمي بيوجعني وهبطانة أوي!!!"
كل ذلك لم يكن سوى من دور الإعياء وفقط. تلقائياً رفع "غسان" كفه قبل كف والده ليضعه على جبهتها، وزاد خوفه عندما شهق شهقة مكتومة بداخله وهو يردد بصدمة:
"ده إنتي سخنة أوي!!"
إعتدل "حامد" يضع كفه عليها، بينما تشعر بالحرج هي. إعتدل بوقفته سريعاً وهو يخرج هاتفه مردداً لهم تزامناً مع خروجه للصالة بقوله السريع:
"طيب أستنى أقول لبسام، ويطلع بعد ما يشوفلك علاج مناسب ليكي!"
تركه يخرج يحدثه بلهفته، بينما جلس هو بجانبها بتعب من حالها، ثم مسد على خصلاتها الذي شعر هو بسخونة رأسها وفروتها. لاحظ عينيها اللامعة ولم تكن لامعة سوى من درجة حرارتها التي ترتفع تدريجياً. فقبل ذلك لم ينتبه هو لذلك. أخرج أنفاسه بإرهاق وهو يسألها باهتمام:
"حاسة بالتعب ده من امته؟"
"مش فاكرة!"
قالتها باختصار، وقد لاحظ إقتضاب ردها عليه، لذا نهض بعد دقائق من الصمت يجلب حجابها الذي كان ينقص ملابسها ثم أشار لها بأن تعتدل وهو يلبسها إياه مردداً بسخرية منها:
"الحجاب اللي بتنسيه ومفكراه حاجة تبع المزاج!!"
قصد أمس، رغم كونه متعب ولكنه انتبه ولم يتحدث إليها بسيب ما كانت هي به. علمت ما يلمح له لذا نفضت يديه بخفوت وهي تجيب:
"مكنتش أقصد عقلي مكنش فيا!"
"طب لفيه حلو عشان ميقعش تاني، وإفتكري يعني إنك كده على طول سواء عقلك فيكي أو مش فيكي. وده حرام يا بنت الأكرمي قبل إني بغيرة ومش بقرون ماشي؟!!!"
قصد أن يستفزها بأسلوبه بعد أن رأى ما تفعله معه. حدجته بملل وعينيها المرهقة تظهر له بشدة، ولكنها لم تفوت فرصتها فالرد عندما ردت له قوله بقول ساخر:
"وإنت ماشاء الله عليك أوي بتعمل كل حاجة حلال وفايق على طول وواخد بالك!"
حرك "غسان" كتفيه ببساطة ثم قال:
"هو مش ده الطبيعي لواحد مسلم بالغ عاقل ناضج، مش أهبل في مخي زيك!"
لو كانت بوضع غير وضعها ذلك لهاجمته أكثر من هجومها الآتي. تعلم بأنه يلمح لها بطبيعة تفكيرها. رفعت إصبعها تهاجمه بتعب ظهر على ملامحها وهي تهتف:
"أنا مش هبلة في مخي، أنا أعقل منك ومن عشرة زيك، إنت اللي متخلف!"
قالتها ببطء عندما استرسلت في الحديث دون راحة بدوارها هذا. نظر لها بغيظ من سبها له، فانحنى مقترباً منها حتى رفعت عينيها تطالعه بإنهاك وهي تسمعه يجيب بنبرة منخفضة يحذرها:
"هتعقلي في يومك ده ولا مش هتعقلي؟"
استشعرت تهديده اللين المخيف بنفس الوقت. إبتلعت ريقها وهي تغمض عينيها مرة أخرى بتعب، ثم قالت بإندفاع:
"ولو معقلتش!"
ضغط "غسان" على فكه متحلياً بالصبر ثم ابتسم لها بإستفزاز، مردداً بثبات لها ومازال منحنياً:
"نعقلك بمعرفتي!"
دفعته وهي تحاول الوقوف بعناد رغماً عنها ثم قالت بهجوم من بروده:
"إنت بني آدم مستفز ومعندكش ريحة الدم!"
دفعها "غسان" بيديه برفق من كتفيها كي تندفع إلى الخلف فجلست باندفاع من عدم محاولتها للصمود بسبب إنهاكها. نظرت له "نيروز" بغيظ. فإعتدل هو يجيبها بهدوء شديد:
"بلاش تغلطي كتير عشان متزعليش مني، وإعقلي عشان صبري عليكي قرب يخلص. قولنالك أقعدي على ما نشوفلك علاج، متفرهديش في نفسك وفيا بقى!"
تهاجم وتعاند دون رفق بسبب ما فعله معها من عدم صبر.
هاجمته بنظراتها المعاتبة التي عادت حزينة من طبيعة نبرته الذي قصد بها الجفاء عليها. حرك عينيه ناحية باب الغرفة ما أن سمع صوت دقات عليه وهو مفتوح. حدجها بعينيه بتحذير، وسرعان ما حثهم قائلاً بنبرة مرتفعة بعد أن علم أن شقيقه قد صعد:
"إدخلوا!"
دخل "حامد" و"بسام" بخطوات متوسطة. فنظر "بسام" ناحيتها وهي تعتدل بحرج من وجودهم بغرفة نومهما. إعتدلت كي تقف، فأشار لها كي تجلس مردداً بخفة ومرح:
"ولما هتقفي مين هيكشف على مين يعني!"
تأخذ منه موقف بطبيعتها غير المتهاونة. لن ولن تنسى أنه وضعها تحت ضغط آخر في حين كان حزنها على والدتها بالغ. إبتلعت ريقها وهي تتنهد ثم قالت له بعفوية بالغة:
"أنا كويسة، مش عاوزاك تكشف عليا. شكراً والحمد للـ..."
وقبل أن تكمل، وجد عين "غسان" تترصد لها بتحذير لم تراه من قبل. إعتدلت تجلس سريعاً، في حين هتف "حامد" بمرح ليخفي ما فعلته:
"السخونية يا حبيبتي بتعمل أكتر من كده. معلش!"
قصد إردافها لحديث غير متوافق مع الوضع. لا يعلم هو بأن الآخر قد انتبه لفعلتها الخبيثة. استعد "بسام" بحرج لفحصها بضغطها وحرارتها مع حقيبته الملائمة وبحقيبة علاج أخرى جلبها من الأسفل. أراحت ظهرها على الأريكة، في حين قد فحصها هو. ولم تتحرك عينيها من على عيني "غسان" المهتمة والمتوعدة بآن واحد. انتهى بعد دقائق بسيطة عندما طمأنهم بلين وهو يقول:
"درجة حرارتها عالية بس شوية، فمخليه جسمها همدان. بس هي تاخد خافض للحرارة والبرشام ده وهتبقي كويسة. بس لازم تاخديه من غير إهمال عشان متناميش فالسرير بسبب الدور ده!"
حركت رأسها بتكلفة له وهي تبتسم، ثم تلاشت بسمتها سريعاً ما أن وجدت "بسام" يعتدل وهو يستعد للحديث عندما بدأ بأسف:
"وعاوز أتأسفلك على اللي سمعتيه مني إمبارح. مكنش قصدي اللي سمعتيه بالظبط. كل اللي كان شاغلني هو خوفي على غسان!"
حركت عينيها ناحية "غسان" الصامت ونحو "حامد" المبتسم. فردت عليه بنبرة هادئة:
"حصل خير. شكراً على تعبك!"
كان قولها لين، وهو وحده من يعلم بأنها لم تتهاون بعد. نظر "غسان" ناحيته بإمتنان لما فعله الآن لها وصعوده. في حين تحدث "حامد" بلطف:
"إحنا هنا عيلة يا بنتي ومش عايزين إن حد يكون شايل من التاني. ومع الوقت هتعرفي إن قلوبهم هنا بيضا، معندناش حد وحش أبداً. ربنا يصلح لكم الحال!"
طالعته بتوتر خفي من علمه لما تكنه إلى الآن. لكن ظهرت ابتسامتها الهادئة اللينة له وهي تقول:
"أنا خلاص مش زعلانة. اللي حصل حصل وعدا خلاص. وإنه إتأسف وفهم بعد كده دي عندي كبيرة. عكس ناس معينة مش بتفهم ولا بتدي فرصة للواحد يعبر عن تفكيره، وحتى مفيش أسف منهم ولا تقدير للوضع!"
كان حديثها غير طبيعي في آخره، بل وتقوم بالتلميح له وهو واقف بينهم. تحركت عيني "بسام" و"حامد" ناحيته وهو يقف صامت ساكن. وعندما حدجها بقوة وثبات، علموا بأن الحديث له. تعالت ضحكات "حامد" رغماً، فكبت "بسام" ضحكته بأعجوبة. في حين عقد "غسان" حاجبيه أمام والده وشقيقه بغرابة زائفة وهو يسألهم:
"في حاجه بتضحك ولا إيه؟"
شعرت بأنها قد أخذت حقها منه في الحديث عندما وضعته بموضع كهذا. لا تعلم بأنه يدخر لها. حرك "حامد" رأسه نفياً، ثم قال:
"لا افتكرت حاجه كده!"
"افتكرت إيه يا بابا؟"
كان الأخير قول "بسام" بمرح وهو يكبت ضحكاته. فسحبه "والده" من ذراعه وهو يستند عليه في طريقهما للخارج تزامناً مع رده:
"لا دي حاجه بيني وبينك بقا، تعالي احكيهالك علي رواقه!"
قصد تركهما مع بعضهما. بل وفعل ذلك هو وولده للتخفيف من حدة الأجواء التي فعلها ملامح "غسان" الجامدة. وعندما سمع صوت إغلاق باب الشقة بعد قول والده المرتفع بأنه ينتظرهما في الأسفل، إلتفت برأسه بعد سكون المكان ثم قال بحدة لها:
"عاجبك اللي عملتيه ده؟ بتستخفي دمك صح؟"
وجدت الجدية البالغة بأخذه موقف من ما فعلته به. إبتلعت ريقها بترقب ولم تستطع إجابته، بل كادت أن تلتفت لتختفي من أمامه. ولكنه هتف مجدداً بنبرة قوية لها خرجت بحدة وهو يقاطع سيرها:
"ردي عليا. ولما أكون بكلمك متمشيش وتسيبيني!"
رفعت "نيروز" عينيها تطالع عينيه التي بدت جافة. ثم همست بنبرة هادئة ساكنة تنفي ما قاله:
"أنا ممشيتش وسيبتك. أنا واقفة و معلمتش حاجه تخليك متصعب عليا كده!"
طالعها من أخمص قدميها لرأسها بتهكم جاد. إلى أن وجدها تشير له بيديها بهجوم:
"وبعدين متبصليش كده. إنت اللي بدأت كل ده الأول. حتى لما قولتلك انا خايفه من رد فعلك، قولتلي متخافيش وفالآخر قومت وسيبتني بعد ما رديت عليا ردك اللي غلطان فيا بيه، وأنا مكنتش بعمل حاجه غير إني بفكر بصوت عالي معاك.. بس الظاهر كده إنك مبتتفاهمش ومعندكش مخ، مش أنا اللي معنديش مخ زي ما بتقـ..."
بتر الحديث عندما وجدته يمسك معصمها بقوة، فتأوت بوجع وهي تسمعه يردد بإنفعال من بين مسكته يحذرها:
"أنا مش قولتلك بلاش تشوحي بإيدك دي قدامي بعد كده؟"
صمت ينظر إلى ملامحها التي تبدلت للخوف المكتوم من انفعاله. ثم انتفضت ما أن وجدته يردد بنبرة أكثر ارتفاعاً:
"قـــولت ولا مقـــولتش؟!"
يأدبها وهي التي لم تسمح بذلك. حاولت أن تفصل يديها عن مسكه لها بهذه الطريقة. ثم هزت رأسها نفياً وهي على مشارف البكاء مع قولها الذي خرج بتحشرج وإلى الآن تهاجم!
"سيب إيدي، متتمسكنيش كده أنا مش حيوانة عندك!"
"ولا أنا أهبل وبريالة عشان تتعاملي معايا بالأسلوب ده قدامهم. قولتلك مشاكلنا بينا، عايزه تلقحي قولهالي في وشي وبلاش جو النكد اللي مش دوغري ده!"
نفض يديها عقب قوله وهو يطالعها بغضب، فأمسكت يديها بتأوٍّ وهي تجيبه بحديث معتاد:
"والله لو أنا نكدية كده فأنا أمشي وأنزل وأسيبك طالما شايفني كده!"
علم بأنها تستفزه وحتى لم تقدر على فعلها، تصنع "غسان" عدم الاهتمام وهو يشير لها برأسه بتبجح، ثم رد عليها بوقاحة، بالنسبة لها:
"ما تمشي، النسيان جميل والنسوان كتير، بالسلامة يلا!"
فتحت عينيها على وسعها منه، فوجدته يبتسم بعدها بسخرية، لاذعه وهو يردد لنفسه آخذاً هاتفه ليضعه بجيب بنطاله:
"قالولي النكد هيجيلك بدري، قولتلهم لا، وكان عندهم حق والله، أنا ماشي وسايبهالك أنا!"
نظر خلسة على الدواء التي أخذته، وإن لم تأخذه لظل بجانبها، لاحظ صدمتها به، فتعمد تصنع عدم الاهتمام وهي يستعد كي يخرج من الغرفة، وقف على فجأة ثم نظر ناحيتها مردداً مرة أخرى وكأن شئ لم يحدث:
"وأه، متتأخريش عشان زي ما حامد قالك الغدا تحت، فـ يلا قدامي!"
لا يعلم بماذا يتحدث ولا هي، ضغطت على أسنانها بضغط، وهي تنتشل حقيبة الدواء معها كي تأخذها معها في الأسفل بأنفعال، ثم تخطته وقد تعمدت أن تصطدم في كتفيه فتأوَّت عندما إصطدمت في جرح جانبه وسرعان ما إصطدمت رأسها في الدولاب تزامناً مع خروجها فتعرقلت في المفرش المفروش أرضاً، وأنقذتها يديه سريعاً وهو يتوجه بلهفة كي لا تقع أرضاً بسبب عدم توازنها هذا، وبخفة أصبحت في أحضانه بسبب مسكه لها مع تأوُّه من دفعها له، فتحدث هو سريعاً بغيظ:
"هنقضيها شغل عيال إحنا، ما تتظبطي!"
دفعته عنها بشراسة، ثم قالت له بهجوم وإندفاع:
"لو سمحت إبعد كده!"
يتحملها إلى كثير، لذا أعتدل بحزم بعدما وقفت بطريقة صحيحة، أشار لها بعينيه بنبرة وحديث جاد:
"بصي.. أنا مستحملك من ساعتها بشغل العيال بتاعك ده، وإنتي مصرة تخرجي عصبيتي عليكي ومبتمليش، فـ إهدي ومشي يومك معايا، وإقتنعي إنك غلطانة بهدوء، من أول كلامك اللي أنا مصبرتش عليه، عشان لو كنت صبرت كنت هستنى منك إيه؟ حبوب منع الحمل؟ إنتي عرفتي إني مش موافق وإن لسه بدري على القرار ده، وإن القرار مش قرارك لوحدك و وقولتلك الحوار خلص وميتفتحش وسكتي، ورجعتي تتكلمي تاني، حتى بإسلوبك مع أخويا اللي إهتم وعبر وجه عشانك وعشان تعبك، قولتيليله مش عاوزاك تكشف عليا وحرجتيه وأنا واقف وسكت، ولقحتي وأنا واقف وسكت، وبعد كده كان شغل عيال منك وسكت، عاوزه توصيني معاكي لأيه؟ ردي!"
"مقولتلكش إنه قرار وخدته أنا بس بفكر ولما سمعت وجهة نظرك سكت معاندتش، اللي عاندت قصاده هي طريقتك، وبالنسبة للي قولته لأخوك فـ ده مش إحراج، أنا مقولتش حاجه تزعله وتزعلك اوي كده ورجعت وقولت حصل خير، ومبوصلكش لحاجه يا غسان أنا برد وبلاقي منك رد بردو وكله عدى زي ما قولت شغل عيال، عشان هي ممكن تعدي جد وأنزل فعلاً وأمشي كلامي!"
تعكر الحديث دون راحة، رفع شفتيه بخفة مع خروج صوت معترض منه خشن، ثم رد عليها بعدها بإعتراض وسخرية:
"تمشي كلامك على مين بروح أمك.. بقولك.. عدي يومك.. يا نيروز ومش هكررها تاني.. يــلا!"
لم يترك لها الفرصة بل توجه بعدها ناحية باب الشقة، فاتجهت هي من بعده بصمت، منه ومن طريقته وحتى فعلته المتبجحة لها، تعلم بأنها خطأ ولم تفعل كل ذلك إلا عندما علمت بأنه هو الآخر مخطئ ولم يتأسف كما لم تتأسف هي، عقلان صلبان بشخصيتان أحدهما يود الهدوء مع الوضوح دون تخطي الحدود والٱخرى تريد الوضوح دون الاعتراف بالخطأ والتفكير!
أما فالأسفل كانت الثلاث شقق مفتوحة أمام بعضها، ما بين خروج "حازم" مع "ياسمين" لخروج "وردة" من شقة والدتها مع "يامن"، وبين وقوف "جميلة" منتظرة بجانب "عايدة"، وقفت "ياسمين" بتعب عندما تركها "حازم" وهو ينظر نحو "حامد" و"دلال" مردداً بلين لهم مع "وردة":
"والله ما محتاج حاجة غير بس تخلي بالكم منها على ما نيجي، أصل شكلها تعبان!"
حدقته "ياسمين" بضيق من خوفه الزائد ورغم تعبها ولكنها تكابر، رد عليه "حامد" وزوجته بلطف كما كانت "وردة" في حين التفت "حازم" يسأل "جميلة" باهتمام، فقد اطمأن على حالة "فريدة" قبل ولكن لاحظ غيابها الٱن.. بالطبع علم كل ما حدث من شقيقه ودناءته!
"أومال فريدة فين؟ لسه مخلصتش!"
حركت رأسها نفياً وكادت أن توضح، فلاحظا خروجهما من المصعد كما لاحظ الكل خروجهما، وقفت "نيروز" مع الفتيات في حين سحب "غسان" "حازم" بركن بعيد وهو يقف معه حتى بدأ بالحديث هو وهو يردد له بلطف:
"مش هتسيبني بردو أكون معاك عشان لو إحتاجت حاجة!"
"لا يا عم العيال، خليك جنبهم هنا.. أنا مبقتش ضامن حسن ولا اللي ممكن يعمله، ومبيجيش غير وأنا مش موجود فخليك معاهم هبقى مطمن، مش هنتأخر إن شاء الله!"
أومأ له بتفهم، ثم هتف سريعاً يعلمه تزامناً مع فتح باب شقة "زينات":
"ماشي في رعاية الله، وعز كلمني وقالي إنه سبق هناك!"
حرك "حازم" رأسه له بتفهم، وسرعان ما توجه ليسند "فريدة" بساقها المجروحة، وبدأ كل منهم بالهبوط في المصعد والبعض الٱخر على السلم، والغريب بأن "زينات" هبطتت معهم والكل يعلم بأنها ستذهب معهم هي الأخرى كونها أحد أفراد العائلة، خلى السلم ودخل الشباب، كما دخلت "وردة"، وتركت "يامن" مع "نيروز"، وهي تداعبه فأخذه منها "غسان" برفق، ثم قال لها بجدية يشير لها:
"أدخلي!"
قلبت عينيها بملل من لهجته الآمرة، دخلت من بعده ثم أغلقت الباب خلفها، دخلت المطبخ سريعا لـ "دلال" التي دخلت من قبلها، حاولت أن تساعدها مع "وردة"، وبقت "ياسمين" جالسة بركن ٱخر بعيد فالصالة ممسكة بهاتفها، في حين جلس "غسان" في الخارج مع "شادي" و"بسام" و"حامد"، لاحظ كبتهم لضحكاتهم وبالٱخر "شادي" الذي غمز له قائلاً بمرح:
"إيه يا عريس متنكد عليك ولا إيه؟"
حرك رأسه بغير اهتمام وهو يشير له بيديه مردداً بسخرية:
"بلا عريس بلا بتاع.. إسكت!"
"سامعة تلقيح وجاي فيه أختي بطريقة مش مباشرة!"
قالتها "ياسمين" من على بعد بثبات، تدخلت بالحديث بجرأة، ولم تجد سوى رد "غسان" المستفز لها:
"وإنتي مالك!"
فتحت فمها بصدمة من وقاحته، في حين حدجه "حامد" بقوة وهو يضربه في كتفيه بتعنيف تحت ضحكات "بسام" و"شادي" القوية، وجدها تقف وهي تتوجه لهم حتى وقفت ترد عليه بهجوم:
"مالي عشان أختي، ولا إنت ناسي ده!"
"هي أختك عملالك عمل عشان تتصدريلها كده علطول؟ تعالي شوفي هي عاملة فيا إيه!"
قالها "غسان" بمرح وخفة، حتى نظرت له "ياسمين" وهي تردد بإستفزاز يثير حنقه:
"تعمل اللي هي عايزاه براحتها!"
أشارت له بتبجح، ثم ابتسمت بإتساع، وهو تنظر نحو "حامد" قائلة:
"ولا إيه يا عمو!"
"طبعاً يا قلب عمو، براحتها!"
كان الحوار مرح لحد كبير لذا تعالت ضحكتها بخفة.
معهم جميعًا.
تأوّهت بألم أسفل معدتها من ضحكتها، فأشار لها "بسام" قائلاً بلباقة:
"أقعدي عشان الوقفة مش كويسة عليكي!"
ابتسمت له "ياسمين" بحرج ثم بامتنان، وهي تردد بعدما توجهت لتجلس:
"يا بخت اللي إنت من بختها يا دكتور، شكلك هادي وعاقل مش طالع زي أخوك!"
ضرب "غسان" كفًا بكف بقلة حيلة من رغبتها في افتعال أي اعتراض، تزامناً مع قوله المتحلي بالصبر:
"يا مصبر الوحش على الجحش!"
وأكمل سريعاً وهو يتركهم ليتوجه نحو الداخل:
"أنا قايم!"
تخطاهم وهو يتوجه ناحية المطبخ تحت نظراتهم الضاحكة.
وعندما اقترب منها وهي جالسة، ومع سيره بجانبها وهو يتخطاها، سمعها ترد عليه بنبرة منخفضة:
"أكيد إنت الجحش يعني!"
صُدم من قولها والتفت يحذرها بعينيه، ثم عاد بطريقة إلى الداخل وتركها كي لا يتقابل أمامها بتحدٍ. خاصة أنه يعلم بأنها لم تصمت ولم تكف عن المهاجمة وهي في بيته. رغم كون الأمر مرحاً، ولكنه تغاضى.
دخل على قول "نيروز" المهتمة وهي تقوم بقطع الطماطم على السلطة:
"وبعد كده إيه اللي حصل يا طنط؟"
قالتها باهتمام وترقب مع ملامح "وردة"، التي كانت من نفس ملامحها المهتمة.
فأكملت "دلال" القصة وهي تفتح الفرن تخرج منه صينية الفراخ:
"وبعد كده يا ستي بقينا نشيل من قدامه أي فروالة سواء عصير أو أكل، وعشان بسام بيحبها أوي وكل مرة كان ياكل منها ويديله كان بيجيله حساسية يا كبدي، ونروح المستشفى في نص الليالي بسببه وسبب أخوه. والمرة اللي حذرنا فيها قرايبنا دول ميدوش لـ 'غسان' عصير، راح قالهم إنه بسام وعطوه. فجم قالولي إنهم إدوه مرتين. أنا بقى قولت لا إزاي؟ بسام ميعملش كده، مش هو طفس بس مش للدرجادي. أتاري المرتين أصلاً راحوا لغسان والتاني يحبه عيني مكنش شرب ولا داق منه، وفي الآخر بردو رست على مستشفيات وعلاج. طول عمره مغلبني معاه كده، ربنا يهديه!"
تسرد عليهم بقية القصة وأصلها وكأنه طفل صغير مدلل بالنسبة لها.
خرجت ضحكات "وردة" بخفة مع ضحكات "نيروز" وهي ترد من بينها:
"وإنتي الصادقة يا طنط ولسه بيغلب، مش فاهمة أنا دماغه متركبة إزاي، عندك حل؟"
قالتها بمرح، وهو يقف مبتسماً على حافة باب المطبخ يتابع قول "دلال" الهادئ لها وهي تعتدل تضع يديها برفق على ظهرها:
"معلش يا حبيبتي، هو ابني وكل حاجة ومقدرش أعيب فيه، بس بردو إنتي زي بنتي وبقولك إن مش كل حاجة سهلة كده. في الأول أكيد مهما عرفتوا بعض، ففكرة إنكم تعيشوا مع بعض وتشاركوا مع بعض نفس الحياة والأيام دي مش سهلة ومحتاجة وقت تفهمي اللي معاكي أكتر. أما عن 'غسان' فأنا اللي بقولك عمرك ما هتلاقي في لين قلبه وطيبته وحنيته. اسأليني أنا، دا أهبل وغلبان، أغلب واحد فيهم هنا. انتي بس مش عارفة تضحكي عليه!"
ضحكن الثلاثة عقب قولها، فدخل هو بخطواته إلى الداخل وهو يلوم والدته بخفة مردداً بنبرة ضاحكة:
"تضحك على مين يا أم غسان، بقا بذمتك حد يعرف يضحك على ابنك بردو!"
سعدت من رجوع اللين في نبرته وحديثه معها، لذا ضحكت بشدة وهي تضربه بخفة ثم أشارت بعينيها ناحية "نيروز" وهي تقول:
"هي واحدة بس اللي عرفت تضحك عليك وعلى قلبك يا حبيب أمك!"
اعتدلت "وردة" وهي تبتسم بلطف، حتى أشارت هي الأخرى تؤكد له:
"قصدها روز وكده!"
خرجت عقب قولها من المطبخ تحت بسمة "غسان" الواسعة، والذي هز رأسه وهو يضع ذراعه على كتف والدته والآخر على كتف "نيروز" مؤكداً بحديثه:
"عندك حق في دي يا أم غسان، مراتي بقا وبحبها نقول إيه! ولا تنكري إن حامد مقالكش إنك إنتي كمان عرفتي تضحكي عليه وعلى قلبه ووقعتيه!"
أشارت له "دلال" بقلة حيلة وهي تلتفت تكمل ما تفعله تزامناً مع قولها:
"يووه يخويا دا مبيطلش يقول، ما إنت طالعله مش سهل وبتاع كلام متزوق يوقع الواحد في ثانيتين!!!"
اعتلت نبرة "نيروز" وهي تدعم بقوة:
"فـ دي إنتي صح يا طنط، راجل نصاب وبلفلي دماغي في دقيقة هو!"
تعالت ضحكاتهم معاً عندما دخل "بسام" المطبخ هو الآخر، فاعتدلت "دلال" ترد عليهما بحنو:
"ربنا يسعدكم يا حبايبي ويجعل أيامكم كلها فرح، وأشوف أحفادي كده يتنططوا حواليا!"
نظرت لها "نيروز" بحرج، فدعم "بسام" القول بشدة وهو يأكل الخيار:
"حصل.. أنا عاوز أبقى عم، وعيالك يا غسان يتلخبطوا بينا ويروحولي بدالك وعيالي يرحولك بدالي ونبوظ الدنيا ونلخبطهم!"
ضحكوا عليه بخفة مع رد "غسان" الساخر له:
"هو ده أقصى طموحك؟ تعذبهم بالشبه؟ إنت سايكو يالا!"
"يخويا ما تيجي نجوزك الأول زيه ونبقى نشوف الموضوع ده!"
قالتها "دلال" بتمني، فرد "بسام" بشرود وحديث مجهول:
"إن شاء الله يا ماما.. قريب.. ادعيلي!"
ترقب "غسان" قوله، حتى سمع قول "دلال" المتلهف له:
"صحيح يا واد، في عروسة في بالك؟"
حرك رأسه وهو يطالع "غسان" بتحدٍ ثم قال بخبث لها لم يعلمها هي:
"وليه لا؟ ادعيلي، مش ممكن أجيلك في ثانية وأقولك عاوز أخطب!"
نظرت "نيروز" نحو ملامح "غسان" الصامتة، وكأن الوضع تبدل. وقبل أن ترد "دلال" عليه، كان رد "غسان" الأقوى حينما قال بحزم:
"إن شاء الله، لما نخرج من الظروف اللي إحنا فيها دي الأول!"
قصدها وضع "نيروز" وتلميحاً لشقيقه بالعناد إلى الآن.
طالعه "بسام" بنظرة إصرار لا يعلم الآخر كيف وصل لها مجدداً بهذه الجرأة، بل ولا يريده بأن يخوض نفس التجربة السابقة من الأساس. يقسم هو بأن يتعارك مع شقيقه حتى ولو بالأفكار!
قاعة المحكمة الساعة الثانية ظهراً إلا بضع دقائق بتوقيت القاهرة:
لا يعلم كيف صامد هو كي ينتظر كل ذلك، وكيف صمد كل ذلك من الأساس. كل منهم لم يرى من اسمه ما عاش به "حازم"!
وكيف له بأن لا يحزم الأمور. الغصة المريرة في قلبه وقلب كل من "جميلة" و"فريدة"، وحتى "عايدة" ومن ثم "زينات" جالسين بجانب بعضهم. وكل من النظرات المترددة تتحول بين واحدة والأخرى. وأولهم كانت "فرح"، التي بان بعينيها الندم والقهر كلما تنظر ناحية "جميلة"، التي تتحاشى النظر إليها. يؤلمها قلبها لما فعلته لها رغماً عنها بضعفها كذلك. تنفس "حازم" بصوت وهو يستعد، وقبل أن يقف نظر ناحية عائلته. الكنز الثمين والذي ظل له. نظرات يخفي بها الخزي والعار والقهر. حينما أردف لهم بإهتزاز:
"أنا عارف إنكم قدها. عاوزكم تجمدوا. ومتبقاش دي الحاجة اللي أثرت فيكم أوي بعد ما عدينا كل ده. ماشي؟"
تتأثر "جميلة" في كل مرة. وكفها الآن بين كف "عز" الذي ساندها باحتوائه وهي بجانبه. يعلم بأنها تتأذى وتأذت بالفعل من جميع النواحي. نزلت دمعة "عايدة" بكسرة على نبرة ولدها وصموده. حتى الآن لم يظهر سقوطه. خذلانه. تخليه عنهن بالمسؤولية. هي الأخرى ترى به جبلاً شامخاً. وبنفس الوقت كان بركان ينصهر بداخله النار وتغلي بحرقة كبرى. حياته ليست عادلة ولم تستطع فعل شيء له كما لأشقائه. وأما عن "فريدة" فجلست بخواء. كلما يهاجم ذكرياتها لحظة اعتدائه عليها تتجاهلها كما أصرت على التجاهل في الوقت الذي مر. بكل ما كانت تسمعه من إيجابية. قرآن. أحاديث. تحثها على الصمود والصبر. ولم يتغير منظورها. ولكن كسرتها بما حدث تظل محفورة بها. والأصعب من كل ذلك بأنها فعل بها ذلك بسبب "والدها" التي لم تر منه عدل يوم ما. تقهر وشقيقتها تقهر ووالدة شقيقته تقهر وحتى والدتها هي تقهر. تقهر والقهر كان لم يعرف لها طريق. بل كانت هي أحد الأسباب الكبرى في يوم ما بأن أحدهم يشعر بشعور القهر ليس إلا. عقارب الساعة تمر. وكم من محام يرافع أمام ذلك الجبل الصامد "حازم". القضية الخاصة بـ "شريف" والتي رفعت لاثنان. ونظر لحالته المادية المعروفة في بلده. كان له من يدافع عنه الكثير. فقط بالأموال. رغم احتمالهم الضعيف جداً بخروجه منها ولكنه لم يكن يريد ذلك. كل ما كان يريده هو بقاء "سليم" بالسجن هو الآخر ويحدث ما يحدث بعد ذلك. إلى الآن لا يندم. إلى الآن ولو تُرك عليهم لبدأ بتدميرهم واحد تلو الآخر من جديد. الكل يتألم من جديد. وفي لحظة من اللحظات التي تمر وقعت عينيهم جميعاً على آية من آيات القرآن فوق منصة القضاء.
"وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل."
العدل! العدل الذي حتماً سيحكم به رغم الوجع ورغم الألم. شهادة الشهود مرة أخرى. الكل. الجميع بأقوال وحديث وشهادة حق وأخرى من معرفة "حازم" والخاص بقضية شقيقته. وآخرون بمدافعتهم عن حق من ماتت مظلومة على يد مدافعة أحدهم بالزور. تنهض وتجلس وأخرى كذلك. إلى أن جلست "فريدة"، بعد حديثها بتعب. و"زينات" تنظر لها بكسرة كبرى. واضعة كفها على أيدي ابنتها التي كانت بين حين والآخر تتقابل عينيها مع عيني "شريف" في القفص الحديدي المعروف. تبتلع ريقها بخوف. ولا تعلم أي خوف. ولكن الشعور الآخر كان الاشمئزاز الممزوج بالخذلان عندما تنظر ناحية "سليم" هو الآخر. و"جميلة" التي كانت حالتها بائسة شديدة العجز. قلبها يقهر وتشعر بالحنو والشفقة لكثير. كلما تتذكر ما تسببه والدها تنهرها نفسها وتثبت على مبدأها بقولها "ليس أبي!". تحث نفسها بأنه قد مات وأنها يتيمة الأب. وإن لم تكن يتيمة الأب بالفعل فذلك بسبب "حازم" الذي لم يشعرها يوماً بالنقص. قتل بها أي شعور تجاهه. "عايدة" وما كان الشعور إلا لها التي تحملت إلى كثير. وتقسم للذي يرى غير ذلك. دموعها لم تهبط إلا على حالة أولادها وشفقتها عليهم. وبالأخرى حالة "فريدة" التي تعلم كما يعلم الجميع بأنها صعبة. وما مر عليها ليس بهذه السهولة. ولولا بأنها تتسم بالشراسة والصمود والعناد لما ظلت كذلك. سيضرب الفؤاد. ستظهر العدالة. سيشعر أحدهم بأنه أخذ حقه الآن. سيُرد الحق. لحظات انتشاء بما سيحكم به بعد قليل من الصمت في التشاور بين القضاة. وبعد جلوس الكل. دقيقة. إثنان. ثلاثة. والمتوقع للحكم بخبرة عمله كان "حازم" الذي ترقبت ملامحه بقوة كما الآخرين عندما سمع أول الحديث عالياً للحاضرين ثم منتصفه بـ:
"حكمت المحكمة حضورياً على المتهم "شريف صالح عبد الرحمن الشرقاوي" بالمادة ٢٧٦ من قانون العقوبات بالسجن المؤبد أي المشدد لاعتـ....."
يسترسل في الحديث بالقانون. سجن مشدد ومؤبد. أي لا يقل عن عشرون عاماً خلف القضبان. هكذا الحكم في قضايا الاغتصاب. شهقت "فريدة" بوجع وفرحة بآن واحد. وحينها جلس بجانبها "حازم"، الذي ضمها إلى صدره. كما كانت "جميلة" تتماسك باعجوبة تحت بكاء "زينات" هي الأخرى. وهبوط دموع "فرح" بتشتت وخذلان لكل ما حدث. وأما عن "عز"، فحفظ ملامح وجهه بالجدية عليهم والصرامة إلا هي وحدها عندما تعمد اللين وهو يحتويها بما ستسمعه خلال اللحظات الأخرى. ابتلع الجميع ريقه ببطء وترقب آخر عندما بدأ القاضي في التحدث عن القضية الأخرى الخاصة بـ "سليم". يتحدث ويتحدث إلا لحظة النطق بالحكم. وهنا كانت ملامح "شريف"، مستشفية. لم يؤثر به أي شيء سوى وفقة أخذ الحق الذي كان بيديه من البداية أن يأخذه كذلك دون أن يمس نفسه بسوء هو ومن حوله. القسوة في القول عليهم وخاصة أبناؤه عندما سمعوا الكلمات الجامدة الصارمة القاسية التي كسرت قلوبهم. وأحد القضاة يردد عالياً ويسترسل في الحديث الذي حكم به عليه:
"وحكمت المحكمة حضورياً على المتهم "سليم محمد أحمد الأكرمي" بالسجن عشرة أعوام مع الـ....."
عشرة أعوام. أقل ما يمكن حكمه لما فعله بل والتزوير الذي فعله يكفي لعشرة أعوام دون بقية دناءته. سقط قلب "جميلة"، وهي تضغط بيديها على كف "عز" الذي أخفى ألمه بغرز أظافرها بكفه بضغط. إلى أن جرح وسالت الدماء من بين كفه. ما فعلته من عزم قهرها لم تستطع التوضيح سوى بذلك. تسمع الوجع والألم لديه ولديهم ولم ولن تستطع فعل شيء. كما كانت حالة "فريدة" التي بكت بكاء يهشم القلب تهشيماً لمن يراه. و"حازم" الذي سمع كلمة رفعت الجلسة وينسحب بالفعل من حولهم. عدا هو وهو واقف ينظر على القفص من على بعد. يتردد في الذهاب ليقف يتحدث بكلمات أخيرة. ولكنه فعلها عندما سار بخواء. ونهض من خلفه من تبعه جميعاً. نظرات أعين قبل الرحيل مؤلمة. قاسية عليهم. كانت ملامح "سليم" باهته ورغم ذلك مازالت جامدة مهما ندم لم يظهر عليه. ابتسم بألم ممزوج بالسخرية وهو يلومه وكأنه لم يفعل شيئاً:
"مبسوط يا متر! اللي كان في إيدك مليون طريقة تخرج أبوك منها بس محاولتش حتى عشانه!!!"
كلماته كانت متبححة بالنسبة لوضعه الآن. أي لوم. طالعوه بلوم جميعاً. ولم تخلو نظراتهم من نظرات "شريف" بالأبيض الذي يرتديه مثل الآخر وهو يقف بجانبه يفصل بينهم حائط بسلك حديدي وفقط. هو الآخر نظراً لتوقع الشر منه بأن يقتله في أي لحظة. وهذا ما يعمل عليه. لم يعد لديه شيء يبقي عليه. رفع "حازم" عينيه التي تجمعت بها الدموع المكتومة والتي أبت أن تهبط وهو يجيبه بكسرة ظهرت لا محال في نبرته:
"مكنش ينفع استخدم أي طريقة إنت استخدمتها قبل كده ووصلتك لحد هنا. مكنش ينفع أبيع ضميري وأخون حتى ولو علشانك. محاولتش عشان اللي عملته ميتحاولش عشانه."
سكن وصمت بقهر. ثم واصل بهجوم. لا يعلم كيف خرج الآن.
"ومحاولتش بردو عشان عمري ما شوفتك بتحاول علشاني!"
نتيجة ما زرعه هو الآخر. لم يكن له الكثير ويصمت. لم يتعاف بعد. لم ينصدم "سليم" منه بل بقت ملامحه خالية من التعابير حتى وهو يسمعه يكمل قبل أن يرحل ويتركهم أمامه وحدهم.
"هدعيلك يعدوا سهلين عليك ودا صدقني أقصى ما عندي..."
وأشار له قبل أن تهبط الدموع.
"مع السلامة!!"
رحل وتركهم وسبقهم إلى الخارج رغم عجالة العسكري ولكنه بقى برشوة من "عز" التي ترجته "جميلة" بأن ينتظر. وقفت "فريدة" بجانب "جميلة" بنفس الكسرة. وعلى مقربة منهم كانت "عايدة" و"زينات"، منتظرين.
"كان كل شوية عندي أسئلة كتير أوي نفسي أسألهالك وألومك بيها. كل مره كانت الأسئلة عشاني. بس هو سؤال واحد بس دلوقتي عشانك إنت. ليه؟ ليه عملت كده؟ لما كان ممكن كل حاجة تتصلح بينا من غير الماضي ده؟ نفسي أسامحك بس مش عارفه والله العظيم ما عارفه!!"
قالت "جميلة" آخر حديثها بنبرة باكية. ويسندها "عز" من الناحية الأخرى وخلفها "عايدة". لم يستطع الجواب عليها سوى بكلمة واحدة نادمة، وبالأخص هي وشقيقتها.
"أنا عارف إني جيت عليكي كتير يا جميلة. بس عارف بردو إنك مش هتعرفي تسامحيني. إمشي زي ما أخوكي مشى. أنا عارف إني مخلفتش وهبقى وحيد في الآخر. ولو عرفتي تسامحيني سامحيني يا بنتي."
"أنا مش بنتك!!!!!!!"
وباندفاع لا تعلمه أردفتها. يأس. يشعر باليأس والخيبة وحتى كلمات أسفه شعرت بفتورها. حركت رأسها نفياً بقلة حيلة وتشتت. ووجدت هي بعدها جملة "والدتها" المندفعة من خلفها له:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ. حسبي الله ونعم الوكيل!!"
قالتها وهي تسحب "جميلة" بعيداً بعدة خطوات. في حين تعالت ضحكات "شريف" باستخفاف وهو يردد:
"حضرة المحامي إنت محدش طايقك مش أنا لوحدي اللي كده. يا راجل دا أنت طلعت جاحد أوي. عارف إنت لو أعرف إنك مكفرهم في عيشتهم كده كان صعب عليا اللي حصل. بالذات مع فريدة!!"
أبطأ في آخر جملته بالأخص ذكره باسمها. فاندفعت "فريدة" تصرخ به بانفعال باكي.
"إخرس..إخرس يا حيوان يا حقير...شوفت أخرك فين؟ شوفت يا قذر؟"
ابتسم ابتسامة صفراء وهو يحرك عينيه بملل. ثم أجابها بقسوة عليها.
"أخري معروف يا بنت سليم. بس يا ترى أخرك بقا هيبقي على إيه؟ وإنتي بحالك ده؟ بالك إنتي لو أنا؟ هبقى دمي حامي ومش هقبل بواحدة زي كده. أما بقا لو الواحدة دي زيك فتستاهل الصراحة أرجع في كلمتي عشانها وأقبلها حتى ولو على..."
صمت قاصداً قهرها. ثم أكمل سريعاً بوقاحة جعلت "عز" يندفع مردداً بانفعال بعد قوله.
"حتى ولو على.. عيبها!!"
"إسكت يا ***. إسكت. لسه باقيلك إيه تاني؟ لسه عايز يحصل إيه أكتر من كده رد؟"
ابتسم "شريف" على حديثه بانتصار. ثم ردد بقوة عليه يوضح.
"مبقتش عايز حاجة بعد ما خلاص وترت علاقتكم ببعض ودمرت أختك وحتى حبيبة القلب اللي سايبلها بصمة سودا مش هتنساها هي وأختها. مبقتش محتاج حاجة من الدنيا بعد سجن اللي ظلم أختي وقهر حياتي. لو محتاج حاجة واحدة بقوة لحد دلوقتي يا عز. وهبقى فرحان أوي لو حصلت وسمعتها هي إن يجيلي خبر موت أمك. ويا سلام لو ده حصل!!"
حاول "عز" مسكه من خلف القضبان بانفعال وهو يسبه. وسرعان ما سحبته "فرح" و"جميلة" بعيداً. أما "فريدة" فبقت تطالع "سليم" بتقزز وهي تقول.
"أنا عايزة أقولك قبل ما أمشي إني حاسة بالقرف. قرف إنك أبويا وإني بنت واحد زيك. ولو العالم كله كنت ظلمته وقرر يسامحك فأنا عمري ما هعملها وهبقي الوحيدة اللي كسرت القاعدة. سلام يا أستاذ سليم الاكرمي!!"
لم تتردد أمي هي الأخرى كما فعلتها شقيقتها في السابق. يا لقسوة الوضع الذي يمر ببطء ونهايته كانت بقول "سليم" الساخر لـ "زينات" التي وقفت تطالعه بصمت بعد رحيل "فريدة" التي سندتها "عايدة".
"معندكيش حاجة تقوليها يا زينات؟ عارفه ليه؟ عشان هتفضلي إنتي اللي شاركتني في كل قسوة وجمود عملتهم على غيري. حقيقة ومش هتتغير. ولو أنا وحش أوي بس لو مكان بنتك مش هسامحك بردو. هتعيشي وتموتي وحيدة!!"
يندمها. يقهرها. ماذا يفعل هو الآخر؟ هبطت دموعها بحسرة وهي تردد بنبرة باكية وكأن وضعها ووضع "عايدة" قد عكس في ذلك الوقت.
"عالأقل لسه قدامي وقت يا سليم. قدامي وقت أحاول فيه. لكن إنت خلاص!!"
التفتت بعد جملتها تخرج بعد أن وجدت نفسها وحدها. حتى سمعت صوت ضحكة "شريف" الساخرة وهو يردد لـ "سليم" بإعجاب وجرأة لا تخلو من الوقاحة الظاهرة.
"زوقك في الحريم يجنن يا سليم!!"
وأضاف سريعاً بوقاحة شديدة قصد بأن تصل لمن وقفت بعد أن سمعت جملته.
"حتى بنت اللي أنا ضيعتها.. أمها حلوه بردو زيها!!"
جرأة ووقاحة لم تصدمها كونها هي الأخرى مازالت جريئة متبجحة رغم كل ما حدث. تشنجت ملامحها من حديثه على ابنتها. حتى التفتت "زينات" تهتف بنبرة حادة صادقة بتوعدها له من بين مسحها لدموعها بشدة.
"لو كان المكان غير المكان. وكنت قدامي. كنت خدت حق بنتي بإيدي. كنت كلك بسناني."
وواصلت بنظرات شرسة وحديث أوقح من وقحة كله حينما رددت ببطء بـ.
"كنت هخليك متنفعش تاني!!!"
جملتها الأخيرة أتت من شراستها. أتت الجملة بمنتصف جبهته. صدم من وقاحة امرأة مثلها ولكنه تذكر سب ابنتها له بأبشع الشتائم. عائلة قذرة إذن؟ وبها مختلف الأشكال والأنواع؟ ورغم غيظه ولأول مرة يؤثر به حديث أحدهم ولم تكن أحدهم سوى امرأة من وجهة نظره!! ضغط على فكه وهو يتصنع برسم ابتسامة لها ثم أرسل لها قبلة طائرة بوقاحة أخرى أصبحت معتادة. ولم يكن الرد منها سوى أنها اقتربت أمام القفص تبصق على وجهه. حتى أتى على وجهه ماء فمها مع رسم ملامح التقزز والإشمئزاز منها ومنه هو أيضاً. وهو يسمعها تردد بشراسة.
"دا تمامك وتمام اللي جنبك!!"
طالعتهم بشر قد عاد لها بعد فترة من الضعف. ثم أكملت "زينات" بتبجح وتشفي بأن واحد حينما ودعتهم قائلة.
"سلام يا رد السجون!!"
كانت هذه جملتها الأخيرة عندما بصقت عليهما معاً بجرأة ومن ثم انسحبت بعدها إلى الخارج. تاركة من لم يعاملهما بالعدل مع كتلة الشر. ومن ثم لمن سيكون البقاء!!
فالخارج اجتمعوا معاً أمام السيارة. واخيراً استطاعت "فرح" أن تقف مع "جميلة" على بعد منهما مرة أخرى. لحظات من الصمت والبكاء أمام النظرات. نظرات موجوعة مع الجملة التي خرجت من "فرح" بعد صمت دام.
"أنا آسفه!!"
كلمتان أي تعتبر جملة. سهلة القول ولكن لم تفعل شيئاً. لم تعيد ما سبق من مر وتقوم بتحويله إلى سعادة ما! لم تغير الواقع الأليم. لم تكن هذه الفرصة مرة أخرى! ابتلعت "جميلة" ريقها بصعوبة. وكأنها التائهة بهذه اللحظة لم ترى سواه. تتلفت مثل الطفلة كي يقف بجانبها ويسندها بعدما أصبح السند هو الآخر لها. وقف على بعد يتركهما معاً. يتمناه بأن يصلح الحال بينهما رغم أنه لم يعطي هذه الفرصة لشقيقته ويقاطعها إلى الآن!! وسرعان ما وقف بجانبها وعقله يتشتت بين الاثنان. أخته. شقيقته. ومن يختارها قلبه عليهم جميعاً.
وجدتْها تأخذ أنفاسها وهي تجيبها بقلة حيلة كبرى. ود لو يأخذ حروفها بمعناها، ومن ثم يحللها إلى كتاب.
"عن أي خذلان نتحدث؟ ماذا عن خذلانها؟ خذلان حميلة!"
"مش قادرة يا فرح، مش قادرة أعديها. ودي حاجة صعبة أوي على قلبي."
كانت نبرتها الباكية شديدة. وهي تراه يحثها على التماسك بعينيه، ولكن خانتها دموعها وحديثها وهي تقول:
"آسفة. آسفة صح؟ هترجع اللي فات؟ هتخلي علاقتنا زي الأول؟ طب هتغير اللي إنتي عملتيه؟ هتخفي كسرتي منك ومن أبويا؟ إنتي كسرتيني أوي يا فرح وأنا والله العظيم الدنيا كسراني بما فيه الكفاية!"
آخر سبع كلمات بكل كسرة كبرى قد تواجهها من قبل. وعلى الرغم من قلة الحديث في هذه المواجهة، ولكن شعورها كان أصعب ما يكون. وجدتها تتوجه ناحيتها بلهفة وهي تترجى "عز" وتتراجاها ببكاء قائلة:
"والله العظيم ما كان بإيدي. أنا لسه باقية، لسه باقية على اللي بينا يا جميلة. عشان خاطري اديني فرصة. ضياعك مني صعب صدقيني إنتي فارقة معايا أوي!"
تمسكت بكف شقيقها وكف "جميلة". تترجاها، تود أن تسامحها وأن تغفر لها ما حدث، ولكن ما بقلبها حيلة. اعتدل "عز" وهو يفصل يديها من بين يدي "جميلة" لوجعه من هذه اللحظة. عزة نفسه تجبره على فصل شقيقته عن الأخرى حتى وإن كان يحبها. لن يقبل بأن تترجى أحدهم بمثل هذه الطريقة. ابتلع ريقه وهو يسمع "جميلة" تبتسم لها بألم كي تنسحب. وقبل أن تنسحب، رددت لها بمنتهى اللين:
"محستش إني فارقة وطلعت مش فارقة. مش منك بس يا فرح. أنا مفرقتش مع حد في الدنيا دي غير "عز". "عز" أخوكي اللي بأمنك ما تعملي حاجة تبعديه عني بيها لأني مش هقدر!"
فقدان الثقة ثم وماذا؟ ولم يعد شيء تفقده. وجدتها تكمل قبل أن تنسحب قائلة بوداع له ولها:
"مع السلامة يا فرح. ومع السلامة يا عز."
ثم أكملت سريعًا، تقطع التشتت الذي كان به في هذه اللحظة:
"في اللحظة دي وجودك مع أختك هو اللي يفرق وهو الصح. مش هستناك تيجي ورايا. أنا بحبك وعشان كده فاهمة ومقدرة اللي إنت فيه ده. بس صدقني مينفعش تيجي ويا وتسيبها. بس ينفع تسيبني دلوقتي وتفضل معاها. هي معندهاش غيرك وأنا عندي عيلتي جنبي لحد ما تيجي بنفسك. توصلوا بالسلامة!"
ابتسمت بوجع. وهو الذي وقف تائهاً. فقد كل شيء يعلمه ويوجهه أين الطريق. المقارنة صعبة وجاءت وهونتها هي عليه. في كل مرة تهونها بوجودها. وقفت "فرح" بيأس وخذلان جديد. هذه آخر مرة! كيف؟ كيف لها بأن ترفض وهي التي كانت تحاول بكل ذرة أمل لا تعلم كيف خلقت ولا كيف زرعت بها الآن! وجدته يمسك بكفها بخواء وسكون. سكون لكل ما حدث وهو يسحبها برفق دون نطق أي حرف، منتظراً سيارة أجرة.
وعلى الجانب الآخر.. كان صمتهم عام. لم يتحدث ولم يتفوه أحد بشيء. الدموع التي تارة تهبط وتارة تتوقف كانت هي المتحدثة. بين أحضان "جميلة" و"عايدة" قبل أن تركب في الأمام وتتركها بين أحضان "فريدة" في الخلف. "فريدة" التي تتجاهل هي الأخرى مواساة والدتها إليها.
وأما عنه هو.. فشعور أن الأركان قد ضاقت به كان الأقوى. حتى أنه صعب عليه أن يتنهد ويأخذ أنفاسه بصوت ومن دون صوت. ابتلع ريقه أصعب ما يكون. وللقسوة عليه والتي تشعره بالندم بأنه غير قادر على مواساة أي واحدة منهن. بل شرد بكل ألم مع بسمة السخرية عليه. وسؤاله بمتى اعتاد الراحة من الأساس! تأبى دموعه بالهبوط وحتى إنهياره. الشيء الوحيد الذي جاء على خاطره.. "هي". وعناقها. ورؤيتها وأحضانها واحتوائها. يود رؤيتها في هذه الثانية قبل الأخرى بأقرب وقت. يبدو أنني على حافة الانهيار. جملة معترضة يعلمها. لذا بدأ بأن يقود السيارة بأقصى سرعة ممكنة وعقله مغيب عن قول "والدته" الخائف المتكرر المتلهف وهي بجانبه ترى ضغطه وعروق يديه وتشنجات وجهه عندما نبست بخوف، ظهر للكل وله. حينها خرج أخيراً من شروده بكلماتها المتكررة عليه:
"براحة ي بني!"
***
تعلم وعلمت بأنه سيأتي. لذا انسحبت رغم تعبها من بينهم بعد تناول الغداء بقليل. وفي جلستهم مع بعضهم بحديث عشوائي، نهضت "ياسمين". وبيديها مفتاح شقة "عايدة". نظرت لهم مبستمة ثم قالت:
"هستأذن أنا يا جماعة عشان حازم فاته جاي!"
إنتبه لها البعض، خاصة "دلال" و"نيروز" و"وردة" التي نهضت هي الأخرى معها كي تذهب إلى شقة والدتها لوقت ثم تعود. إنتهت بخروجهم من باب الشقة. فبقت "نيروز" جالسة بمفردها توزع الأنظار خلسة عليه من على بعد وهو يهرب بنظراته منها كي لا يعبث رغماً عنه. تبتسم على خبثه التي باتت تعلمه. فاقت من شرودها على أيدي "دلال" الحانية وهي تشاكسها بقولها بعد أن رأت محط أنظارها بين دقيقة وأخرى:
"للدرجادي بتحبيه أوي كده بعينيكي اللي فضحاكي في كل مكان دي؟"
طالعتها "نيروز" بخجل وهي تبتسم. فوجدتها تمرح معها كي تخفف عنها توترها بما يخص والدتها إلى الآن!
"يا ختي كان فيه جملة كده عمك حامد كان بيقولهالي علطول. كان اسمها إيه؟"
صمتت تتذكر بمنظرها الخفيف المضحك. وسرعان ما تذكرت بسرعة وهي تردد بلهفة:
"آه افتكرتها كانت "العاشق بتفتضح عينيه!" و أهو عينيكي فضحتك يا نيروز!"
قالت جملتها بالعامية العربية وليست الفصحى. لذا ضحكت "نيروز" متحلية بالجرأة وهي تجيبها بخفة:
"صح. يمكن تكون عيني فضحاني. جوزي بقا نعمل إيه؟ بس والله ساعات مبفهموش!"
أعلنت عجزها رغماً عنها. وقد استشعرت "دلال" حيرتها. فربتت على ساقها باحتوائها وهي تحثها قائلة:
"بكرة تفهموا بعض أوي. هي بس كل حاجة عايزة شوية وقت. حتى ولو بتحبوا بعض. وارد يحصل ده عادي. محدش بيسلم من المشاكل يا حبيبتي. ولا إنتي بقا. منكدة على ابني وأنا مش عارفة!"
مرحت بآخر حديثها. فضحكت "نيروز" عليها. وجاءهم نبرته من أمامهم وهو يقف دون أن ينتبهوا له:
"نكد إيه ي أم غسان؟ دي نسمة. خب تلاقي ودلع تلاقي. ومزاج رايق تلاقي. مش حارمة ابنك من حاجة أبداً!"
كان من المفترض بأن يسخر بها. بينما ملامحه ونبرته ظهر بها الحب والصدق لوالدته كونه يعلم ما ستفعله بالكلمات ما إن تعلم بأن بينهما مشكلة ما. تنفست براحة. ومن منظره وحديثه حتى بعدما جلس بجانبهم. ومع نظرة "نيروز" الممتنة له. قصد عدم تقليلها وتعزيزها أمامهم. قصد رفع شأنها. أخرجت أنفاسها براحة وهي ترى أحضان والدته له بمرح وخفة وكأنه طفل صغير للتو. ولحنوه في هذه اللحظة كي لا يتركها تسأل نفسها وأين أحضان والدتي. فرد ذراعيه لها وهو يستند على والدته. فتوجهت هي بحرج تحتضنه وهي تستند عليه. وسرعان ما تأوت سريعاً من جرحه. فانتفضت قائلة بخوف:
"أنا آسفة والله مخدتش بالي!"
وبعدما جلس هو وهي معتدلة وهي بجانبه. فانحنى يهمس بخفة دون انتباه الآخرين له:
"خدتي بالك فالمرة اللي قبلها يا قاسية!"
نظرت له بتوتر.
قربه الذي وسرعان ما اعتدل عندما وجد "دلال" تنهض ناحية المطبخ. ووسط انشغال والده وشقيقه و"شادي" بالحديث المرح مع بعضهم، وجده يطالعها بصمت. من ملامحها المرتبكة التي تخفيها بالخوف على والدتها، يشفق عليها في كل مرة رغم أنها تعكر الحديث والوضع بينهما. بل وكانت قد عقدت العزم على أن لا تضعه تحت ضغط. لذا سألته "نيروز" بترقب واهتمام تحاول إشغاله وإشغال نفسها:
"هي وسام خرجت اتغدت ودخلت تاني بسرعة ليه؟ بقت بتختفي كتير وحاسة إنها زعلانة من حاجة!"
يعلم بأن موعد امتحانها يقترب وقت عن وقت، ولكنه هو الآخر يلاحظ ذلك. كان سينهض من الأساس. حتى نهض برفق وهو ينظر لها. حتى أنه مد يديه يقدمها لها فوضعت كفها بكفه وهي تنهض هي الأخرى معه. علمت بأنه سيتجه لها في الداخل بغرفتها وهي معه.
وقفا أمام الغرفة وبدأ هو في أن يدق الباب بخفة. وقد لاحظهما "بسام" الذي نهض خلفهم هو الآخر. فتح "غسان" الغرفة بعد أن دقها بخفة فوجدها تنتفض بسرعة ومن ثم وضعت هاتفها تخفيه وهي تزفر بارتياح. قد لاحظ هو فعلتها. فوجدته يقف وبجانبه "نيروز" التي ابتسمت لها بحنو وهي تسألها بخفة:
"الحلو قاعد لوحده وواخد جنب ليه؟"
من الطبيعي أن تجيبها بمرح وخفة مثلما سألت، ولكنها استشعرت نظرات "غسان" التي اخترقتها بقوة. من ما لاحظه دون الآخرين، وزعت عينيها بينهم هم الثلاثة خاصة عندما أمسك "بسام" أحد الكتب الخاصة بها وهو يطالعها. في حين أجابتهم هي سريعا وشعور الارتباك بها لا تعلم كيف، ولكن نظراته المتشككة نحوها تترصد:
"مش واخدة جنب ولا حاجة، بس قاعدة بلم المنهج عشان الامتحانات زي ما انتي عارفة بتقرب والواحد متوتر أوي!"
"متخافيش طالما بتعملي اللي عليكي يا ويسو!"
كانت هذه جملة "بسام" الحانية لها وهو يضع يديه على خصلاتها برفق ومرح. في حين أيدته "نيروز" قائلة هي الأخرى:
"صح، خليكي واثقة فنفسك وفقدراتك. وطالما عملتي اللي عليكي يبقي ربنا مش هيضيع ليكي تعب أبدا. وبعدين انتي الفنانة بتاعتنا خلاص، دا مسمياكي عندي ويسو الفنانة!"
طالعتها بامتنان، فهي تخفف عنها رغم ضغطها وحملها الثقيل. تعمد "غسان" الصمت ليشعرها بالتوتر إذا كان ما بعقله صحيح أم خطأ. سيعرفها لطالما يعلم كل تفاصيلها. كان الحديث عشوائي عن المواد الدراسية والحصص وغيرها. وأما عنه فبقي ساكتا صامتا إلى أن لاحظ أحد الإشعارات المعلنة بقدوم رسائل كثيرة خلف بعضها على دقيقة واحدة. اعتدل بعدما سمعها تهتف بأنها ستخرج كي تتركها تذاكر بهدوء. حتى بدأت "نيروز" بالانسحاب بالفعل وبقي هو و"بسام" الذي قبل قمة رأسها بحب وهو يشاكسها مرددا:
"شد حيلك يا كتكوتتنا علشان محدش هيزغرطلك غيري أنا وشادي لما تنجحي!"
خرجت ضحكتها الخافتة وهي تغمز له. لاحظ هو سكون "غسان" المريب الذي وأخيرا قام برسم بسمة غير طبيعية عليه وهو يردد لها بنبرة شديدة الهدوء:
"صح، اسمعي كلامه.. ولينا كلام مع بعض بعدين!"
عقد "بسام" ما بين حاجبيه من طريقته الغربية واللينة بنفس ذات الوقت. في حين حركت رأسها بتوتر منه وهو يبتسم لها بهدوء. فأشار هو لـ "بسام" وهو يقول:
"تعالى انت بقا عشان عاوزك بردو!"
***
تحرك كل منهم إلى شقته. من "حازم" و"جميلة" و"عايدة" إلى "زينات" و"فريدة". كل منهم قد حان وقته للانفراد بوجعه من جديد. وخاصة هو "حازم" الذي وأخيرا دخل غرفته فوجدها جالسة بهدوء وسكون تنتظره هو وحده. أغلق الباب من خلفه ووقف للحظات قبل أن يلتفت ويطالع عينيها وينهار أمامها. ابتلع ريقه. والآن بين هذه الجدران الثلاثة والغرفة التي شهدت الكثير، ستشهد الأحزان القوية التي ستخرج. وكأن العالم أجمع يقسم على الوقوف ضده وضيق الأركان عليه. لوهلة يشعر بأنه محكوم عليه بالحبس خلف القضبان. وهذه المرة لم تكن القضبان حديدية بل قضبان من ألم، وجع، خذلان، خسارة. نعم كانت خسارة عليه من جميع النواحي التي يمكن بأن ينظر منها ولها وعليها. يعقد لسانه كما يتوقف عقله عن التفكير. لم يفكر ولم يشعر سوى بشيء واحد فقط. كما لو أن الحديد ينصهر الآن والبركان ينفجر. عندما أولاها ظهره ولم يلتفت إلى الآن، بل وضع ذراعه على الباب وأسند رأسه عليه بخيبة. وقد خرجت شهقته بألم ووجع. يسأل من يراه: "كيف لمثل هذه الشهقات بأن تخرج من رجل؟" بل ورجل مثله هو الذي عاش متحملا أعباء كثيرة. لم يسمع هتافها باسمه وهو يستند بكل ذلك الضعف. لم يفكر سوى بتشتته وندمه الذي بدأ يظهر.
"لفلي، عمري ما هوقعك ولا هتخلى عنك لو سندت عليا. لو بتحبني متعملش كده!"
تقصد انفراده بالوجع وهي أمامه لم تقوى على التقدم خطوة واحدة بل تريدها منه هو. تريد بأن الانهيار يأتي منه بمنتهى العزيمة. شعر بأناملها على ظهره من الخلف ولم يلتفت بعد. كيف سيظهر لها الضعف؟ يريد وكان يرى بأنها سهلة ولكنها لم تكن كذلك عليه. وجدها تقسم له مرة أخرى بنبرة متحشرجة من خلفه:
"حضني جاهز ودموعي كمان يا بن عايدة. متوجعش قلبي أكتر من كده عليك!"
هذه الجملة التي أوقعت دموعه بكثرة. ومن ثم دموعها هي الأخرى كانت عكس ما أردفته بنبرتها الباكية. التفتت بقهر فوجدها تفتح ذراعيها بشموخ. فأرتمى هو بها بسرعة فائقة وباندفاع وهو يردد ببكاء لها بداخل أحضانها:
"أنا اللي قلبي اتوجع يا ياسمين. اتوجع ومبقاش حمل إنه يستحمل حاجة تاني. أنا وقعت.. والله العظيم وقعت وواقع من زمان أوي ومش لاقي اللي يشدني.. أنا عملت إيه لكل ده؟!"
يسألها بقهر وببكاء لم يخرج من أعتاذ الرجال. تقهر وتقهر أكثر عندما وجدته يلوم الحياة بسؤاله لها مرة أخرى:
"قوليلي أنا عملت إيه عشان يحصل فيا كل ده؟"
شدت "ياسمين" بعناقها له وهي تردد بكل لهفة:
"أنا هسندك، أنا هشيلك من كل ده والله.. أنا جنبك يا حازم، جنبك وعمري ما هسيبك أبدا!"
شهق شهقات مكتومة وأخرى ظاهرة بقوة ولا يعلم هو كيف جاء على الفراش وهي بجانبه تضمه باحتواء وهي تربت عليه. مسدت على خصلاته بخوف وهي تتحدث بكل لهفة ويقين:
"معملتش حاجة يا حازم، بس لسه هنعمل. هنعمل اللي محدش شافه. لما لازم نفضل متماسكين ومع بعض عشان ابننا اللي جاي. لازم تبقى ثابت عشانه وعشاني. صدقني كل ده هينتهي. إحنا ورانا حياة ودنيا ومستقبل واعدين بعض بيه إنه يكون أحسن بمحاولتنا مع بعض. ابنك مش سبب كفيل يخليك أقوى. قولي!"
تستجوبه بكل لهفة، فحرك رأسه إيجابا وكأنه طفل صغير يتشبث بأحضان والدته لا يود الخروج منها. لم تجد منه ردا ولا حديث إلا بعد دقائق على ذلك الحال حينما ردد لها بخوف وكأنه طفل مرة أخرى لا يود رحيل والدته بجواره وكأنه حلم بكابوس أقصى ما به كانت أحد الكلاب تنبح عليه:
"متمشيش!"
كيف ستذهب وتتركه؟ لن ولن تقدر على فعلها. هبطت دموعها عندما وجدته يهتف بها بتشتت وتيهة لا يعي هو بماذا يردف من الأساس. كانت هذه جملته التي تذكرتها قبل أن تنتظم أنفاسه وهي تستشعرها على قمة صدره الذي يعلو ويهبط بخوف وبكاء ورأسه المغيب عن ذلك العالم تماما مستندة عليها هي.
لأول مره تراه بأضعف حالاته الشديدة. كانت تتوقع بأن المواجهة سيكون بها حديث أكثر من ذلك ووقت أكثر، ولكن اتضح بأنه لا يعي بماذا يردف. اتضح بأن الحديث يهرب منه كما هرب منه صموده وثباته وتماسكه. لم يبق سوى ضعفه الذي لم يظهر سوى لها وحدها، شريكة الحياة وحب عمره الذي أفناه بمحاولاته الكثيرة على الصمود وهو يكبت إلى أن ظهر الانهيار منقطعاً في النهاية على مراحل معينة. وكل المراحل يعلم هو بأنها لم تمر سوى بوجودها هي وفقط بجانبه "ياسمين"!!!!!!!!
"عز اسمعني ونبي، آخر مرة علشان خاطري. أنا مملتش أطلب منك تسامحني، بس قولي.. قولي أعملك إيه وتبقى مبسوط. بس بلاش كل المدة دي ولسه مقاطعني!!!"
كلمات مختنقة من "فرح" خرجت له للتو لـ "عز" الذي وقف أمامها بعدما عاد معها من الخارج وأمام "والدتهما". كانت المواجهة. ابتلع ريقه بهدوء وهو يتنهد يأخذ أنفاسه بتعب، مردداً لها بهدوء:
"ادخلي جوه يا فرح، أنا مش قادر صدقيني. مش مستعد أسمع أي حاجة لحد دلوقتي، كلها تبريرات واعذار سمعتها بس لسه مش عارف أتعامل معاكي زي الأول. سيبيني مع نفسي ولما أحس إني تمام من ناحيتك هرجع معاكي زي الأول. بس اديني وقت!!!"
لأول مره منذ ما حدث يكون حديثه عليها لين، وذلك بسبب تشتته بينها وبين الأخرى وحتى بنظرات "حنان" له. نزلت دموعها بخيبة ويأس وهي تقول بحيرة:
"والله العظيم يا عز أنا بحبك وبحبها ونفسي تسامحوني. مترفضنيش زيها عشان خاطري.. إنت أخويا يا عز!!!!!"
تتوسله وهو الضعيف أمام بكائها ودموعها ونبرتها الضعيفة. كان حديثه يحثه على الخروج إلى أن خرج لها بسخرية لاذعة:
"ولما أنا أخوكي يا فرح، مفكرتيش فيا ليه؟ مفكرتيش فـ كدة ليه غير دلوقتي وإنتي محتاجة حاجة بردو!! محتاجة مسامحتي اللي حتى إنتي بتصعبيها عليا في كل مرة. عمري ما هبقى حد عليكي يا فرح عشان إنتي أختي. ولو هي مش مراتي فأنا هبقى بردو متعاطف معاها أوي، للدرجة اللي تخليني أقعد أسب وألعن في الصاحبة اللي تعمل فـ صاحبتها كده وأنا معرفهاش!! وده بعيداً عن إني أخوكي واللي عملتيه يخصني وأذاكي طالني زي ما طالهم وطالها بالظبط!! بس إنتي كده طول عمرك معتمدة على غيرك وشايفة إن الكل عادي يشيل الحمل بس إنتي لأ. اتعودتي الحاجة تجيلك ع الجاهز ويوم ما فكرتي تاخدي قرار وتعملي حاجة بوظتي حاجات كتير أوي أنا نفسي عاجز عن تصليحها!!!"
صمت بسكون تام وهو يقتنع بخطئه فيما قاله بعد سكونه حينما ردد لها وهو يوزع نظراته بينها وبين "والدته"!!!:
"إنتي ضعيفة أوي يا فرح، ضعيفة وأنا وأمك اللي عودناكي على ده من غير ما ناخد بالنا. ضعيفة وأنا عمري ما كنت كده ولا كنت عايزك كده!!"
الكل يعلم بأنها كذلك!! لم ولن يندم على قول الآتي حينما صمت ينظر نحو نظرات "حنان" الباكية بينهما بعجز وحسرة وهي تسمعه يخرج ما بداخله لهما:
"ضعيفة عشان طلعتي ووعيتي على أم رضت وقبلت بحاجة ميقبلش بيها غير الضعيف اللي عايز أي سند وخلاص. وضعيفة تاني عشان شوفتي واحد بيحاول ويبذل كل جهده عشان بس يجيب القرش اللي بيفرق بعد كده. عارفة الضعف فين في كده؟ فإنك مجربتيش حتى الواحد بيطلع عينه عشانكم إزاي. ولا جربتي تقفي وتصدي قسوة الأيام عشان المرة والوحيدة اللي جاتلك الفرصة تواجهي وتصدي لوحدك وبدماغك.. ضيعتينا!!!!"
"عديها يا ضنايا، عديها وقولي للوجع معتش يدق بابك وبابنا!!!"
حديث من أم وتترجاه بعدما رأى شهقات ابنتها الضعيفة التي هرولت تغلق غرفتها من خلفها بعد سماعها لحديثه القاسي المؤلم!! علم نهاية قلبها الحاني. علم بأنها لم تشعر هي الأخرى بما يشعر به رغماً عنه. ابتسم لها "عز" بتعب وهو يتنهد ثم تركها وتوجه ناحية غرفته بصمت، مردداً كلمات اعتاد على قولها وحتى ولو انهار للتو:
"متنسيش تاخدي الدوا يا أم عز!!!"
جملته الذي قالها بإهتمام من بين وجعه جعلها تشفق عليه. في كل مرة يحمل الهم أثقال ولم يكن بيديها شيء هي الأخرى تفعله له!!
"هنفضل باصين لبعض كده كتير؟ إحنا نجيب نيروز مراتك نبادلها نظراتك دي بدل الرعب ده. عديني!!"
قالها "بسام" بخفة وهو يتخطاه من سكون الوضع بينهما حتى بعدما دخل معه الغرفة المفتوحة ودخل "حامد"، غرفته مع زوجته وهبط "شادي" بعدما طلب "يامن" كي يخرج به. وبقت "نيروز" في الصالة تجلس أمام الغرفة المفتوحة التي تسمع الأصوات بها والتي ترتفع مرة عن مرة عندما تحدث "غسان" بلهجة آمرة يقاطع سيره:
"استنى!!!"
التفت "بسام" ينظر له وقد علم ما يود قوله له عندما فكر بتلميحة له مع والدتهم قبل قليل. نظر له بصدمة طفيفة حينما وجده يصارحه دون مقدمات:
"قبل ما تمشي بفكرك إن "فرح" أخت "عز" لأ.. وألف لأ يا بسام.. شوف بقا طريقك يلا!!"
قال "غسان"، آخر حديثه وهو يشير له بغير اهتمام قصد بأن يظهره بعدما صارحه بما لديه. وأما عنه فبمجرد ما سمعت هذه الكلمات منه فتحت عينيها على وسعها بقوة من غرابة ما تسمعه!! وبالنسبة له عندما وجده يسيطر عليه بالكلمات وبهذا العناد دون الشعور به ضغط على فكه متحلياً بالصبر وهو يواجهه:
"لأ.. "أه" يا غسان وبكرة هنشوف. عشان أنا بحبها. ومش من حقك بقا تقف فطريقي. أنا موقفتش فـ طريقك لما قولت إنك عاوز نيروز. رغم إنك طلبتها بردو فظروف مكنتش سامحة بـ ده!!!"
يعاند مرة أخرى. تأكدت شكوكه عندما وجده ساكناً لا يعلم عن ذلك الموضوع شئ. تشنجت ملامح وجه "غسان" بشدة وهو يجيبه بإندفاع:
"انت بتشبه "نيروز" بمين؟ بتشبه مراتي وظروفها بـ "فرح" واللي عملته؟ إنت شكلك كده مخك فوت منك تاني!!!"
على مشارف العراك!! نهضت "نيروز" تقترب بقليل خوفاً من توتر الأجواء بينهما. فنظر له "بسام" بصمت ثم سأله بإستسلام:
"انت عاوز إيه يا غسان بالظبط؟ عاوز إيه مني؟ أنا ما صدقت لقيت واحدة بحس بس بالراحة أول ما أشوفها. بحس إن يومي مبسوط طالما هي ظهرت فيه حتى من غير ما أتكلم معاها ولا هي تكلمني!! إيه يعني غلطتت ما كلنا بنغلط!!!"
يبرر ويتمنى اللين والتفهم. حرك "غسان" رأسه بنفي ومعالم قلة الحيلة تظهر على وجهه بشدة حينما قال بصراحة كبرى:
"متنفعكش يا بسام بقول!"
وأكمل بعدها بعقلانية وجدية متعبة:
"سيبك من الغلط. أخت عز مش حمل أي حاجة. مش حمل حتى كلام إنت ممكن تخرجه عليها فوقت صعب. مش حملك ولا حمل اللي ناوي تبدأ فيه عشان هي ضعيفة. والضعف متكتبش غير ليها وأنا قولتلك ده وسمعته مني قبل كده. بتعاند ليه وانت كمان مش حمل ده!!!"
"لأ حملي وحمل اللي أنا ناويه. علشان أنا ناوي أعوضها عن كل وحش شافته. تعرف إيه إنت عنها؟ ولو على كلامك اللي مش عايز تقوله تاني وبتحور عشان تقوله فأنا بقولك إني بحبها ومش بعوض وجود حد بحد تاني!!"
ابتلع "غسان" ريقه بنفاذ صبر وهو يرفع عينيه يواجهه بالحقيقة الذي عاشها هو:
"مش هتستحمل ضعفها يا بسام. صعب عليك صدقني لو إنت بتحبها!!"
قصد شعوره وشعور ضغطه عندما يرى ضعف "نيروز". ورغم أن ضعفها لا يظهر فالكثير ولكنه شعر بالقليل بأسوأ شعور. كيف للآخر بأن يشعر بنفس ما يشعر هو به بل وكل الوقت!!!!!!. وجده يعاند مرة أخرى بإصرار وقد خانته دموع عينيه المحبوسة:
"هستحملها وهستحمل أي حاجة منها عشان بحبها. أنا مستعد أبقى معاها على الصعب والمر قبل الحلو!!!"
صمت "غسان" بعجز والشعور الوحيد هو الرفض إلى الآن. وسرعان ما ترقبت ملامحه عندما وجده يسأله بإندفاع كي يبرر له ويجعلها وسيلة للإقناع بنقاط ضعفه الذي علمها ولم تكن نقطة ضعفه سوى هي التي تقف على بعد منهما فالخارج:
"طب إنت ليه مستحمل "نيروز" لحد دلوقتي؟ ليه قدرت على عيلتها وإتجوزتها؟
ليه جازفت وحاولت عشانها؟ وليه قبلتها بكل حاجة رغم إنك عارف إن اللي منها فيهم شر ممكن يطول الكل؟
ترقبت جميع حواس "نيروز" بأعين يكتم بها الدمع، في حين رد "غسان" له بإختصار وصدق، ظهر بكل تفصيلة به:
"علشان بحبها!!"
سكن وصمت وهو يبرر له هو الآخر القول برفض غير مباشر حينما وضح:
"وكمان نيروز مش ضعيفة!!"
وأكمل سريعًا بصراحة وصحة بحديثه:
"علشان كده عرفنا نكمل رغم كل اللي بيحصل. اللي بيحب بيضعف يا بسام. أنا أخدت واحدة الكل كان فاكرها ضعيفة بس هي أقوى ما يكون وإستحملت كتير. ولو كانت قوية شوية فبعد ما بقت ليا وحصل الظروف دي يمكن بقت أضعف بسبب كمية الضغوط اللي عليها. لكن إنت هتاخد واحدة ضعيفة قبل ما يمر عليكم كل ده. هيبقي باقي ضعف بعد كده. فرح هتستحمل. إنت نفسك هتقدر تشوفها كده طول الوقت!!"
كان حديثه صحيحًا ومقنعًا بنسبة كبيرة. إبتلع "بسام" الغصة المريرة بحلقه حينما قال "غسان" برأيه الذي لا يراه الكل:
"وإنت نفسك ضعيف. ضعيف عشان مش هتستحمل وجع تاني. وضعيف عشان عارف إن فرح محتاجة تتعالج وسايب ده على جنب وراكنه!!"
ضعفها مرض وهذه حقيقة كبرى لا يعلمها سوى شخص يتفهم جيدًا هذه الموضوعات. حرك "بسام" رأسه بعشوائية ولم يستمع إجابته. طالع "غسان" بانتظار. وعندما وجده ساكنًا أضاف بعد حديثه السابق بـ:
"ترضى لوسام تدخل دنيا وحياة ومسئولية لو كانت ضعيفة كده. تقبل إنها تاخد واحد مش متفهم الوضع بس هو عاوزها معاه وخلاص مجرد سد خانة؟"
آخر كلمتين أثارا إنفعال "بسام" حتى أنه اندفع يردد له بنبرة مرتفعة مشيرًا له بيديه:
"قولتلك مباخدش حد مكان حد. مبعوضش مكان حد بحد. إيه مبتفهمش؟!"
أمسك "غسان" يديه وهو يتحامل على أن لا يتعارك وسرعان ما نفضها بحدة كي لا يشير بها كذلك مرة ثانية. يصبر عليه بشدة وصبر لا تعلم الواقفة كيف وصل له بخلقه الذي يضيق شيئًا فشئ مع الوقت. هز له "غسان" رأسه برفض ثم أردف له بنفس أول ما بدأ به:
"و... لأ يا بسام. أنا مش موافق!!"
"وأنا المرادي مش هسيبك تاخدلي قرار يا غسان. المرادي مصدق قلبي ومصر. ولو عرفت إنك عملت حاجة زي ما عملت ساعة تاج هتبقى لا إنت أخويا ولا أعرفك!!"
يكسر منه مجددًا بطريقة غير مباشرة. لم ينصدم. بل وقف "غسان" بشموخ وهو يبتسم له بتعب وسخرية ولم يردد سوى كلمة واحدة أتت من عزم خذلانه الغير مباشر منه:
"براحتك. إنت حر في حياتك. ربنا يوفقك!"
رسم ابتسامة لينة هادئة رغم حزنه من داخله. لوهلة يندم الآخر على ما قاله. بل والأول يجعل بطريقته من أمامه يراجع نفسه للتو. لم يحاول التبرير. بل هرب ينفرد بذاته تاركًا له الغرفة. وفي طريقه وجدها تدخل وتقاطع سيره. لم يتفاجأ من نظراتها القوية التي تحدجه بها. قد رآها منها من قبل حينما رحل زوجها بسببه قبل ذلك وقامت هي بالمدافعة عنه. تخطاها بصمت. فدخلت هي له الغرفة. وللشفقة على حاله منها وجدته يرسم على وجهه بسمة واسعة وكأن شيئًا لم يكن حينما غمز لها مرددًا بمشاكسة متناسيا أخذه لموقف منها:
"مش طالعلك صوت ليه يا رزقة؟ نفسك في خناق معايا ولا نكد الوقتي. قدامك الاختيار يلا!"
ضحكت "نيروز" كي تراضيه وهذه المرة اندفعت تدخل بين أحضانه كلما تشعر بأنها تدين له بالكثير حتى بحديثه عنها قبل دقائق. ضمها وهو يتنفس بإرتياح وإطمئنان. يعلم بأنها سمعت الحوار لذا لم يتفاجأ من قولها:
"متزعليش يا غسان. إنت أحسن أخ في الدنيا!"
ابتسم على تشجيعها له وهو يخرجها من بين أحضانه، حتى وجدها تردد له مرة أخرى:
"ومش عارفة كلامي ده صح ولا غلط. بس ليه ممكن نفكر بالطريقة اللي بنفكر فيها طول الوقت. صدقني أنا يمكن أكون متفاجئة من الموضوع. وإن فرح واللي عملته صعب أوي يتغفر. بس مش يمكن بيحبها! أصل أنا كمان حبيتك وأنا عارفة إن هيقف وواقف في طريقنا ألف سبب يمنع ده. بس كملنا رغم رفض اللي حوالينا. يمكن فعلاً يكونوا لبعض. ويكون هو قادر يغيرها وهي تقدر تتأقلم معاه بعيدًا عن الظروف دي!"
ترسل له وجهة نظرها بمنتهى الهدوء. لذا تنفس بصوت مسموع وهو يوضح لها بإختصار والعجز يظهر في نبرته:
"بسام مبيغيرش حد يا نيروز. بسام فاق من محنة وشايف إن الكل اتغير وكأن ده طبيعي. شايف إن أضعف واحدة أحسن واحدة طالما اللي قبلها كانت شخصيتها أقوى وجاحدة!"
"مش يمكن القاعدة تتكسر وميكونش ده الوضع. في ألف فرصة ليهم. ساعتها هيتحدد ينفعوا يكملوا ولا لأ. يجربوا!"
تقنعه بعدما فهمت طبيعة شخصيته وكيف تدخل وتخرج منها ولها. نظر لها "غسان" بحيرة ممزوجة بالإنهاك وهو يوضح مرة أخرى بيقين:
"حتى ولو أنا مش موافق وهو كمل. أمي وأبويا ممكن يرفضوا زي ما أنا رفضت!"
وجهة نظر أخرى يفكر بها كونه يحمل كل هموم العائلة هو الآخر. صمتت لبرهة بعجز وسرعان ما دافعت بقوة. دفاع أتى من حبها لهم:
"بس أنا واثقة إن باباك متفهم. وبـ يقدر كويس. حاسة إنه لو عرف مش هيعارض ده وأديها تجربة يا تنجح يا لأ!"
"في الحاجات اللي زي دي. عقل حامد وعقلي واحد يا بنت الأكرمي. الغريبة بالنسبالك واللي ممكن تصدمك بجد هي إن أمي اللي ممكن هتوافق!"
فتحت عينيها على وسعها كانت تعتقد بأنها سترفض كونها ليست هينة معها في بعض النقاط. ضحك بخفوت على رد فعلها وهو يحرك رأسه يؤكد ثم قال بتفسير:
"دايمًا ببقى في واحد بيصعب على الأم في عيالها. هي بتحب ولادها زي بعض بس في واحد بتحس إن الدنيا جت عليه فتبقي حنينة عليه وبتحكم بقلبها. ودي دلال مع بسام. دي دلال عامتا اللي بتحكم بقلبها بس من غير ما توازن حكم قلبها مع العقل. أهم حاجة عندها هتبقى راحته وسعادته وإنه لقى نصه التاني اللي اختاره بنفسه وعوضه زي ما هي هتشوف. مش هتفكر في مستقبله كـ راجل بعد كده معاها. راحته. مشاكله. حياته عامتا كلها. وهو بردو زيها بالظبط في الطباع وفي كل حاجة. أنا مبقتش فاهم حاجة يا نيروز!"
أضاف "غسان" سريعًا بتشتت وهو يسند رأسه على كتفها بتيهه:
"أنا حاسس بالعجز. حاسس إني متكتف من كل إتجاه. مش عارف أحل ولا أربط. لا معاكي ولا معاه ولا مع أي حد هنا. وكل ده بيرجع يحسسني بالندم إني مش عامل اللي عليا بيحسسني إني مبحاولش. ولما بحاول بفشل!"
قلة حيلته كانت واضحة مع عجزه، لذا مررت يديها على وجهه وذقنه الخفيفة بحنو، وهي تحثه بلهفة:
"إنت أكتر واحد بشوفه بيحاول وم بتاخدش قد ما بتدي يا غسان، بس أنا معاك وسانداك وشايفه إنك بتحاول علشاني ومش على الفاضي. أنا بحبك والله العظيم وأسفه لو زعلتك مني ف يوم وإتخليت عنك، أو حتى ظلمتك بمجرد تفكير. أنا نفسي تكون مرتاح دايما، وتفضل دايما جنبي وف حضني من غير ما نفارق يوم. انت فيك حب وإخلاص وإهتمام لعيلتك ولكل اللي بتحبهم. أنا نفسي بستغرب من قوته اللي حتى مبتقلش ولا بتتوقف ف وقت زعلك وخصامك. عدم وجودك فحياة حد خسارة يا بن البدري، ومكسبي الغالي والوحيد من الدنيا والأيام هو إنت. إنت ووجودك جنبي وف حياتي!"
تعبر عن حبها بالكلمات التي تخرج أخيرًا، وهي تحاول مثلما يحاول. أتى ذلك من عزم شفقتها وحبها له. تنفس بعمق وهو يرفع رأسه ومن ثم عينيه وهو يردد بنبرة صادقة يذكرها بقول مضى:
"قولتلك، معاك وف حضن بعض هي الغاية يا بنت الأكرمي!"
"عمرك ما بتفشل تثبتني يا بن البدري! وعشان كده أحب اجدد تثبيتي بكلامك وأفعالك وحتي نظراتك اللي فضحاني أنا ومش فاضحاك إنت. عارفه ليه؟"
"ليه يا بطل؟"
غمز بها "غسان" وهو يردفها فضحكت وهى تراه يطالعها بجرأة فرددت بما كانت سترد به:
"علشان إنت قليل الأدب وم بتكسفش. أنا اللي بتفضح بيك وعشانك ف كل مره!"
صمتت "نيروز" ثم واصلت وهي تقترب تقبل وجنتيه بحب، مرددة بهمس صادق يخفف عنه ويشتته بفعلتها التي أخذتها منه:
"ولو الفضيحه فيها ابن البدري يبقي ميهمنيش حاجه بعدها!"
وأكملت سريعًا، ببراعة في تثبيته وهي تضيف بقية جملتها بـ:
"غيره!"
تتفاجأ في كل مره وهي تستشعر خفقات قلبه التي تتسارع بقربها وحديثها رغم ما يظهر عليه كان عكس ذلك. تعلم أنه بارع في إخفاء ذلك، ولكن هذه المره تعلثمت نظراته بها وكأنه لم يري سوى عينيها حينما ردد بهيام تحت تأثره من ما قالته ومن قربها منه:
"ملامحك معتش يكفيها غزل يا نيروز. مبقتش عايزه غير حاجه واحده بس!"
قالها تحت تأثر شديد. فاعتدلت "نيروز", وهي تضحك بخفة مجيبة إياه بتساؤل مهتم تلقائي:
"عايزة ايه؟"
إقترب من بعدها يقبل عينيها برقة، وبخفة بعدما إنحنى قليلاً. ومن ثم كانت القبله الثانية أسفل عينيها ومن ثم وجنتيها، بخفة ولطف اعتادته منه وهي تسمعه يجيب على سؤالها بالقول بعدما أجابها بالفعل:
"عايزة تتباس.. تتباس من غسان!"
خرجت ضحكتها منها وهي تضع يديها على فمها. في كل مره تخفي حرجها منه ومن بين نظراتها التائهه بعينيه. صارحته بما كانت تعقد العزم على أن لا تقوله كي لا تضغطه وخانتها نظرة عينيه حينما قالت بخوف من عدم إفاقة "سمية" والدتها إلى الآن:
"أنا خايفه!"
كان يعلم بأنها ستبوح له بخوفها لذا فعلها حبه لها وكان قد بدأ بتشتيت عقلها كي لا يتركها مع خيالها وهي التي تحاول تحديد شعور واحد فقط. أما التفكير بالخوف التوتر، أو إزالة كل ذلك بنظرة عينيه وقربه حينما قال وهو على وشك تقبيلها:
"إزاي بس وانا جنبك والله ما ينفع الكلام ده. عيب!"
ولمرة أخرى يردد عليها نفس الجمله الذي استخدمها بكل لين وهو يردفها لها، وهي التي لم تفكر بأي شئ مادام هو يجانبها. ونفس القلب بجوار قلبها. إعتدل سريعًا. بعدها وهو يمد يديه على بعد من على الطاولة كي يجلب علبة الدواء عندما إستشعر سخونتها من جديد، خاصة جبهتها وعينيها التي بدت ظاهره وكأنها باكية بسبب درجة حرارتها. إبتسم لها وهي تعتدل تنظر له بحرج. وجدته يمد يديه لها وهو يخرج برشامة معينة، وأعطاها لها مرددًا لها بنفس النبرة الهامسة متيقنًا بأنها ستأخذه ومن ثم ستنام بعدها بسبب وجود بعض من المنوم به:
"علاجك يا رزة!"
_____________________________________
"وتطيب الحياة لمن يسعى
فينجح فيحمد.
ثم يسعى
فيفشل فيحمد.
ثم يبتلى
فيصبر فيحمد.
ثم ينازعه القدر
فيفهم فيحمد.
ثم يستسلم لمن بيده مآلات الأمور
فيطمئن فيحمد"
مقتبس
هكذا هو حالها. تحمد بعد أن تيقنت وتتيقن في كل مره بأن الله بجانبها. ولكن ليس على البكاء سلطان وهي تردد على سجادة الصلاة بحديث من بين شهقاتها الموجوعة. ترى بأنها "فريدة" ولكن مازلت "فريدة" من نوعها. رغم شراستها وشعورها بأن حقها قد أسترد بواسطة شقيقها منه. ولكنها تشعر بالقهر في كل يوم وكل ليله. ترضى. تحاول الرضا. التقرب أكثر. ويغلبها شعور العجز والقلة في كل مره. دموعها تهبط بكثرة وصمت. والشئ الوحيد التي تستطيع بأن تفهمه بأنها ترتاح فقط لأنها الٱن تتحدث معه. تتحدث مع الله وحده. وحده من يفهمها. وحدة من يقدر على محو ذلك الشعور المؤلم التي تشعر به في كل لحظة تمر عليها. ترى بأن الخير لم يكن بالأقربون منها. ولم ترى هي ذلك بهم. والدها. والدتها. شقيقها من الإثنان معا! وجدت السند من آخرين لم تكن تتوقع بهم ذلك. ورغم ذلك تكسر للمرة الألف بسبب ما حدث لها على يد صاحب الدناءة! ليس هين أبدًا على أي فتاة ذلك الشعور التي تشعر هي به!
"ولقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إليه من حبل الوريد"
تتيقن بهذه الٱيه وبٱيات أخرى. تعلم بأن الله هو منقذها ومنقذ من يسقط في الهاوية بمفرده دون سند. هو السند. وحده من قادر على أن ينتشلها من بئر الضياع في شعورها وحزنها. لفظ الجلالة وحده من قادر على كل شئ. تعلم هي ذلك وتثق بذلك جيدًا. رفعت "فريدة" أناملها تمسح وجهها ببطء. ما أن وجدت "زينات" تدخل منسحبة للداخل. وببطئ انحنت تجلس أمامها على سجادة الصلاة. والدموع تترقرق في عينيها. والعجز رفيقها كونها لا تعلم ولا تستطيع أن تعوضها بطريقة هينة تراضيها:
"تعالي في حضن أمك يا حبيبة أمك.. تعاليلي لو بتحبي ربنا وم ترفضنيش المرة دي أبوس إيدك يا بنتي!"
تترجاها بوجع وضعف. رفعت "فريدة" عينيها بسكون مريب ولم تجيب وكأنها لم تسمع منها شئ. حركت عينيها بعشوائية كبرى. وهذه اللحظه فهمت "زينات" بأن تتركها تأتي لها بنفسها. ظلت منتظرة ولم تكف. وما بين عيني باكية وأخرى تحاول التماسك بقوه!! هزمها كل الشعور المناقض. هزمها كل شئ. وخانتها شراستها وقوتها وغلبت عليها حنوها. حينما تقدمت "فريدة" بخواء تستند على صدرها بسكون مريب تذرف الدمع بصمت فقط. تلهفت "زينات". وفرحت من مجرد ما فعلته. رفعت كفها تمسح دموعها بخوف. وهي تمرر يديها على ظهرها وكتفيها بحنان. لأول مره تشعره الٱخرى. التي تحدثت بخيبة بعد صمت دام:
"نفسي اطلع من كل ده! نفسي يكون كل ده حلم يا.. ماما..!"
بنبرة هادئة شديدة قالتها ومن ثم إبتلعت ريقها بعدها بتنهيدة موجعة وهي تسمع قولها المتلهف:
"هتعدي كل ده. هتعديه يا حبيبة أمك وبكره تقولي أمي قالتها. بس ليني. ليني يا ضنايا وسامحيني عشان خاطري. أنا قلبي موجوعلك أوي يا بنتي!"
إعتدلت ومهما مر ومهما حدث تبقي احضان الأم مختلفة بالطبيعة والفطرة. أعتدلت "فريدة" في جلستها حتى خرجت منها شهقتها وهي تندفع تتشبت بين أحضانها مرة أخرى بقوة وهي تبكي بصوت وأنين موجع. إندفعت "زينات" من أثر فعلتها ولكنها تمسكت بها بقوة ووقع فؤادها وضربت به للمرة التي لا تعرف عددها وهي تسمع بكاءها المسموع وشهقاتها ومن ثم حديثها المتقطع بكسرة:
"أنا تعبانة أوي يا ماما. تعبانة اوي.. ومحدش حاسس باللي أنا حاسه بيه.. أنا ضيعت ومبقتش قادرة. أنا وحشه أوي!"
حديثها ببكاءها صعب. لذا ضمتها "زينات" بقوة وهي تردد بدفاع:
"سلامتك من التعب يا ضنايا. لا عاش ولا كان اللي يشوفك ويقول عليكي كده. إنتي احسن واحده فعيني.."
أحسن واحدة في عين أمك، والدينا كلها. أوعي تقولي كده تاني!
بكت بانهيار وهي تسمعها. وكل لحظة تمر عليها تتنفس هي بها بارتياح ووجع بنفس الوقت. أغمضت عينيها بتعب وهي تتمسك بها مرددة بصراحة، كونها تشعر بذلك لأول مرة:
"حضنك حلو أوي يا ماما.. متخذلنيش تاني لو بتحبيني!"
حديث غير متوافق، أوله غير آخره. لم يسعفها لسانها بأن تجيب عليها بسبب مدى ما وصلت له بنبرتها وهي تحثها على ما تخافه منها. وكأن الثقة لا ترجع بسهولة. تمسكت بها وهي تتنفس بصوت. وأخيراً تنهدت "زينات" تأخذ أنفاسها بوجع. ومن ثم تعمدت أن تظهر الأمل لها بردها الآتي حينما قالت ببكاء:
"مش هسيبك يا فريدة. مش هسيبك لآخر يوم في عمري. هفضل معاكي للآخر وهعوضك. حتى ولو لقيتي عوضك وربنا بعتلك نصيبك. عمري ما هتخلى عنك. هقدملك كل اللي معملتوش للآخر. لآخر نفس فيا!"
أمل جديد! وللسخرية ابتسمت "فريدة" بوجع وهي تستند على قمة صدرها مرددة على حديثها بخزي:
"نصيبي! هو حد هيبقّبلني كده وبحالي ده؟ إنتي بتضحكي عليا تاني!"
كسرتها في جملتها كان شديد، حتى أن "زينات" اعتدلت مندفعة بحديثها وهي تقول بمدافعة:
"هيبعتلك نصيبك. متقوليش كده تاني. إنتي أي حد يتمناكي. أوعي تستقلي بنفسك. مسمعكيش تقولي كده أبداً. سمعاني!!!!"
وجدت الشراسة بها لم تسطع سوى أن تومئ لها برأسها بسكون، منهكة. ومازالت تستند هي عليها. ابتلعت ريقها بشرود وهي تتشبث بملابس والدتها متذكرة لحظة هجومه عليها. تمسكت أكثر فيها بقوة وهي تردد بخوف وصل إلى الأخرى بقوة:
"ضميني يا ماما. ضميني أوي.. متسبنيش!"
لبت لها غرضها بسرعة متلهفة ودموعها تهبط. مشهدها وخوفها يشرح وضعها دون أن تبذل جهد للفهم بماذا بها. علمت بأنها تحملت ما لا يتحمله أحد، مستندة على والدتها التي تضمها بتبشت وقوة وكأنها ستهرب منها للتو. مع جلوسهما وإستنادهما معاً أرضاً على سجادة الصلاة!
لأول مرة تشعر بالراحة والأمان. وعلمت بأن هذا الشعور لم يكن إلا في أحضانها. أحضان الأم! كل منهم يستند على صدر حاني، لين، هادئ عليهم وعلى قلبهم وعلى الأيام التي تمر وأغلب ما يمر بها هو المر!!!!!!
قبل وقت مر، ينتظر منذ وقت كبير أمام مركز التدريب الخاص بها. جلب للصغير بعض المشتريات التي تسعده وجلس يطعمه إياها. داعبه بسعادة وفرح كونه يعشق الأطفال. بل وانتشله بعيداً عن جو والدته المشحون بالحزن والبكاء ووالده هو الآخر بعيد عنه.
"يلا هات بوسة بقا لعمو شادي!"
قبّله "يامن" وهو يضحك له بسعادة. فأخذ يداعبه بحب وهو يطعمه وياكل معه هو الآخر. نظر من الشرفة بعشوائية وما أن رأها تخرج بالفعل. خرج بسرعة وهو يحمل الصغير. ثم أغلق الباب خلفه. سار ناحيتها بخطوات سريعة وهو يشير لها كي تنتبه له:
"بت يا منه أنا هنا أهو!"
قالها "شادي" بصوت مرتفع قليلاً وهو يتوجه ناحيتها حاملاً على ذراعه "يامن". انتبهت له "منه" بتعب من التدريب بل وملابسها كانت ملابس التمرين التي كنت ستركب بها سيارة أجرة وترحل إلى منزلها. نظرت له بصدمة وهي تهتف بغير تصديق:
"يخرب عقلك. إنت عرفت مكاني منين؟"
"سر المهنة بقا. لما شادي يعوز حاجة بيعرفها."
صمت سريعاً. ثم غمز لها بقوله وهو يطالعها بالكامل:
"بس إيه الحلاوة دي!"
حدّقته بتعنيف ولم تجيبه بل مدت ذراعيها تأخذ منه "يامن" بحب وهي تبتسم له برقة. نظر لها وهو يعطيها الصغير مردداً بمشاكسة:
"ما إحنا بنعرف نضحك وحلوين أهو!"
"جاي ليه إخلص!!!"
لم يتفاجئ من فعلتها بل اعتدل وهو يجيبها بثبات:
"جاي أملي عيني بشوفتك. وجاي أتأسفلك تاني من اللي حصل. وجاي أقولك إني قريب هاجي أتقدملك وإني منستكيش بس إنتي عارفة الظروف."
قررت أن تلين وهي تقبل "يامن" ثم التفتت برأسها له وللصدمة أجابته برقة غير معهودة:
"وأنا هفضل مستنياك يا شادي!"
"من غير "بيه"؟"
"ما إنت هتبقى خطيبي بقا هنشيل الألقاب. إنت تشيل "بت" وأنا أشيل "بيه"!"
غمز لها "شادي" بإعجاب وهو يخرج من جيب بنطاله الشيكولاتة ليهديها لها بلطف. فحدّقته مطولاً ثم عادت ترفض قائلة:
"عاملة دايت!!"
ولأن غالباً طباعه مع حدة الشباب واحدة. أردف كلمة اعتراض لم تتفاجئ هي منها كونها تتوقع منه أي شيء بل سمعته يقول:
"... دايت إيه؟ دا إنت مزة. هو أنا يعني خدت بالي منك من قليل!!!"
حركت رأسها بثبات وهي تطالعه بنظرة حادة ثم أجابته قائلة:
"هو حد قالك قبل كده إنك سافل ووقح؟"
أشار لها ببديه بإندماج وهو يجيبها بمرح:
"يوووه دا كتير أوي!!"
سكن وأضاف بتثبيت لها وحب:
"بس ولا واحدة قالتها بالحلاوة دي!"
طالعته بخجل قليل ما يظهر وسرعان ما اعتدلت تقف عندما أخذه منها بلباقة وهو يردد:
"هاتيه بقا. عقبال ما تجيبلي العيال!!"
"عيال مين؟"
"عيالنا!!!"
خرجت ضحكتها الخافتة منها. فوجدته يحرك رأسه ناحية "يامن" الذي ردد له بنبرة طفولية:
"بيبي!!"
سأله بغير فهم في البداية وكأنه يسأل شخص ناضج:
"بتقول إيه؟"
"بيبي!!"
"ياض مش فاهم!!"
اندفعت "منه" بسرعة تعلمه بلهفة كبرى:
"بيقولك عايز يعمل بيبي يا غبي. عايز يدخل الحمام!!!"
اندفع سريعاً بذراعيه وهو يوجهه لها قائلاً عكس حديثه السابق:
"طب خدي!!"
"أخد إيه!"
"العيال!!!"
ضحكت وهي تأخذه منه بحب. ثم اعتدلت تردد له على عجالة:
"هندخل جوه في حمام و.. هنيجي علطول!!"
"ماشي. مستنيكم أنا هنا أهو. خدي بالك من العيال ي بت!!!"
الساعات تمر. اللحظات أيضاً تمر!!
وهي الٱخرى تستند على صدره عندما تسطح بجانبها على الفراش.
كان مسطحا على الفراش وهي بجانبه تستند "نيروز" على صدره وذراعه يسندها على كتفها برفق.
بيديه الأخرى هاتفه يعبث به.
كانت قد غفت هي قبل وقت، منذ آخر مرة كانت بها معه.
لم تفق إلا الآن عندما انتفضت جالسة مرة واحدة عندما شهقت وهي تحاول الصراخ.
لم يخرج منها الصراخ بل خرج على هيئة اندفاع صامت مكتوم.
وقع الهاتف من يديه أثر اندفاعها.
ثم اعتدل هو سريعا يمسك كفها يدلكه وهو يضمها بخوف.
مرددًا بتساؤل:
"مالك يا نيروز؟!"
أخذت أنفاسها ببطء وهي تحاول أن تنتبه له ولحديثه.
إلى أن فعلت أخيرا وهي تأخذ أنفاسها بتقطع.
فردد هو بعدها بلهفة وكفيها بين كفيه:
"خدي نفسك، خدي نفسك براحة!"
حاولت "نيروز" أخذ أنفاسها ببطء.
فنهض هو سريعا وهو يتحامل على جرحه.
ثم سار بخطوات سريعة يخرج من الغرفة بعد أن فتحها.
حتى جاء بزجاجة مياه بسرعة فائقة بعد أن لاحظ نفاذ المياه بغرفته.
عاد لها سريعا وهو يندفع يفتحها منحنيا يحثها بلهفة:
"إشربي، إشربي منها براحة وإهدي!"
أمسكتها منه بيديها المرتجفة تتجرع منها.
فمد هو يديه يلتقط يديها الأخرى بين يديه يربت عليها بخوف.
غفت فحلمت حلم من العقل الباطن.
لم تتحدث بل بقت شاردة إلى أن اندفعت بقولها له دون مقدمات:
"حلمت إنها مشت.. مشت وسابنتي ماتت!"
خفق قلبه بقوة وسرعان ما نفى وهو يدفع رأسه ناحيته برفق.
مرددًا بوضوح:
"بس يا نيروز متقوليش كده! دي أحلام وعقل باطن من خوفك وتفكيرك السلبي للموضوع. أنا متأكد إنها هتفوق وهتبقى زي الفل. شيلي من دماغك كل ده وفكري في الأحسن ليها!"
حركت رأسها وهي تومئ له بخفوت.
طالع هو ارتجافة جسدها خاصة أن ملابسها مكشوفة قليلا من كتفيها وتشعر بالبرودة القليلة عليها.
رغم أن الجو لم يكن كذلك.
التفت يطوي الغطاء طبقتين وهو يضعه عليها وخاصة كتفيها.
فابتسمت له "نيروز" بامتنان وهي تردد له بجدية وحنو:
"شكرًا!"
شكرته على فعلها.
شعرت بالدفء قليلا.
فابتسم لها بتشكك وهو يحرك عينيه ناحيتها.
وهي تعتدل أسندها برفق.
ثم عدل لها خصلاتها المشتتة على جبينها.
حتى مررها عليها.
انحنى يبحث عن هاتفه حتى التقطه سريعا وهو يتفحصه.
ثم فتح لها أحد برامج للفيديوهات كي يشتتها ويلهيها.
قدمه له بلطف وهو يتحدث لها قائلا بتفكيره الخبيث الذي حتما يخرج كل مرة عليها بقوله وفعله.
ومرة تستشفه هي ومرات أخرى لم تستطع:
"خدي اتفرجي على ما أعملك حاجة سخنة وأجي!"
أخذته منه وهي تقاطعه بمحاولتها للنهوض وهي تقول:
"لا، خليك، هقوم أعملنا أنا عشـ..."
دفعها "غسان" حتى عادت من دفعه لها جالسة على الفراش.
وهي تسمعه يرد عليها بتبحح:
"كُني، كُني وارتاحي ها، مش أي عناد وخلاص!"
وجدت نفاذ الصبر بنبرته وهو يحدق بها.
تمسكت بالهاتف بقلة حيلة وهي تراه يفتح باب الغرفة ليخرج منها.
تفحصت الهاتف بالفعل وكان ذكيا بهذه الحركة.
فتحت عينيها على وسعها بذهول عندما قرأت آخر ما بحث عنه منذ فترة:
"أكثر الألوان اللي بتكون حلوة في بدل الرقص"
"إزاي أقول لمراتي ترقص من غير ما تتعقب"
"أجمل ما قيل في حرف النون 'نيروز'"
"بنهتم بالزرع أوي إزاي، وإيه اللي بيحتاجه طول الوقت عشان ميموتش ويطلع بسرعة غير الماية؟!"
"سعر تجهيز مكان متوسط فالحجم بديكور هادئ كلاسيكي"
"بما يتسم أصحاب العيون البنية الفاتحة!"
"كل معاني اسم نيروز"
"حفر الأسماء على الخواتم الدهب"
"سلسلة الفراشة"
"عودة الوصال بالانجليزي"
"لوجو لـ 'The Return of Reunion'"
لم تفهم الأخير.
ولم تفهم البعض والبعض الآخر فهمته.
وكأنها تنظر على العبث بعينيه عندما وجدت ما مضمون بحثه.
وبان التأثر بها عندما وجدت أغلب البحث عليها ولها.
بل وآخر ما وقعت عينيها عليه كانت جملته الذي كتبها مؤخرا بفشله في البداية من إخراجها بحالتها:
"إيه الحاجات اللي بتبسط الستات غير غسان!!"
تعالت ضحكاتها عندما وجدت عبثه وغروره الضاحك مع محرك البحث.
مختل عقليا!
ما يظهر عليه من ثبات وثقة وعلمه بما يفعله كان عكس ذلك.
حركت رأسها بقلة حيلة وهي تكبت ضحكاتها.
خرجت من كل ذلك وهي تضحك بخفة عليه وعلى مرحه حتى مع نفسه!
فتحت معرض الصور بالرقم السري كي تتطلع أكثر على ما يرضي فضولها بالاستكشاف.
واستكشاف هاتف مثل هاتف "غسان" تعتبر مشكلة كبرى بما ستراه من ذكريات!
أعد كوبين من النعناع الساخن لهما وكوب آخر من الشاي لشقيقته التي تذاكر إلى الآن.
أسند الكوبان الخاصان به وبها.
وحمل كوب "الشاي" ليتوجه به أولا ناحية غرفة شقيقته.
دق الباب بخفة ثم فتحه بعدها وهو يدخل بهدوء.
اعتدلت وهي تبتسم له ولم تنس ما فعله معها قبل ساعات.
بل تعمدت أن تظهر بالطبيعة حينما غمزت له بخفة وهي تقول:
"شاي بنفسك؟ دا إنت مروق عليا عالآخر. دا أنا قولت دا بسام عاملي أكل ولا جايبلي كريب ولا شاورما ولا بطاطس ولا..!!"
قاطعها "غسان" وهو يرسم ابتسامة هادئة مع قوله المتسائل بجدية بالغة جعلها تتراجع في الحديث المرح:
"بتذاكري بقا وكده ولا مش عارفه ومنكدة على نفسك؟!"
طالعته بصمت وغرابة.
بل وجلس أمامها وهو يقدم لها الشاي محركا رأسه بانتظار الرد.
فردت هي بخفة:
"الإتنين والله، إدعيلي!"
"بدعيلك أكيد، خصوصا إن الحمل زاد عليكي لما وقفتي تروحي سنتر وبقا كله أونلاين. هم صحابك موحشوكيش هناك ولا إيه؟!"
تصنع الانشغال وهو يعبث بأحد الأقلام.
ابتلعت ريقها.
ولم تكن غبية كي تأتي له بالحديث.
بل والمعروف بأنها تعلم قصده وتعلم ما يريد أن يصل هو له.
تنفست بهدوء ثم قالت:
"معنديش صحاب والله، الرحلة فردية!"
مرحت مرة أخرى.
فوجدته يحدق بها بصمت.
ثم وزع نظراته بينها وبين هاتفها على المكتب.
يثق بها وثقته لم تهتز.
لذا استقام واعتدل وهو يحرك رأسه هاتفا:
"طيب.. شدي حيلك!"
أوقفته صوت الرسائل مرة أخرى والتي أتت خلف بعضها لإرسال المرسل علامات استفهام كثيرة!
التفت فوجدها تفعله بوضع الصامت بصمت.
ثم رفعت عينيها وتفاجأت من وقوفه حتى أنه لم يرحل.
توترت ملامحها بشدة حين سأل هو:
"دا مين اللي بيبعتلك رسايل من الصبح كده كتير؟ بقيتي شخصية مهمة وإحنا منعرفش؟!"
عبثت في كوب الشاي دون أن تتجرع منه.
وعلى لحظة عندما لاحظ بأنه سيقع منها بإرتباكها هذا.
ردد مرة أخرى وهو يشير بعينيه نحو الكوب ينبهها:
"الشاي!"
"ماله؟!"
"مش مظبوط.. و.. بيحور!"
حاولت التماسك من تلميحه وقد علمت بأنه لا مفر من السؤال التي ستسأله له.
وهذا ما كان يريده في البداية:
"إنت عاوز إيه يا غسان؟ بتلف وتدور على إيه؟"
طالعها "غسان" بصبر وهو يبتسم بلين عكس ما رد به عليها:
"بلف وأدور عليكي وإنتي تلفي وتدوري عليا وأديها ماشية!"
التفت ليسير ويتأكد كل مرة بأنها تخفي شيئًا كبيرًا لطالما هذه ملامحها التي تبرع في إخفائها مثله وظهرت!
قاطع سيره نبرتها المندفعة وهي تقول:
"إستنى!!!"
وقف يبتسم بإنتصار طفيف عندما وجدها تهتف بذلك، وتلاشت سريعا عندما وقفت أمامه بعدما توجهت ثم قالت بحيرة:
"عايزة أقولك حاجة.. بس متزعلش مني!!"
"هي حاجة تزعل ولا إيه؟"
خفف عنها بقوله ذلك وهو يبتسم، فحركت رأسها بتشتت وهي تقول:
"مش عارفة الصراحة، بس اللي أعرفه إنك عرفت!!"
"عرفت إيه؟"
"عرفت إني مخبية حاجة عليك!!"
ترقبت ملامح "غسان" وهو يمسك يديها يحثها على الجلوس برفق، ثم قال بلين عندما وجد الخوف بعينيها:
"من إمتى وإنت كنتي بتخبي عليا يا وسام؟ أنا سامعاك قولي ومتخافيش!!"
في هذه الأمور كانت تود الإنفراد بـ "بسام"، وليس هو، كون الآخر سيفهم ويبادلها الحديث بلين ونصيحة دون تعنيف حتى ولو طفيف. لم يسعفها الوقت وجاء لها به هو، بمن يخاف عليها وتعلم هي ذلك. ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تسرد عليه بهدوء دون توتر وهو يسمعها:
"الرسايل دي من ولد كان معايا في السنتر في كل الدروس. كنت بلاحظ نظراته من بعيد لبعيد، وحتى البنات كانوا بيبصوا لي بتركيز عشان كان هو بيبقى مركز. طنشته كتير ومحطتش في دماغي، بس من ساعة حادثة دماغي وهو دخل لي من رقمه وجاب رقمي من الجروب المشترك. سأل عليا. فأنا اعتبرتها زملا ورديت على قد السؤال بأخباري إيه. ساعدني من نفسه وبعت لي كل اللي فات رغم إني ما روحتش تاني. سألني كتير لو في حاجة مش فاهماها بس كنت بصده برد مختصر وخلاص. من ساعتها وأنا برد على القد بس الأيام الأخيرة بقى يسأل عني كتير أوي ويقعد يبعت رسايل كتير عشان أرد عليه وأنا معلقاه بقالي كام يوم ومش برد!!!"
يعلم المرحلة التي تمر بها، ويعلم ما يفعله ذلك الشاب، كان يفعل مثله، وعينٌ تُدان بهذه النقطة. تنفس وتنهد من الأساس يخرج أنفاسه وهو يحرك رأسه بصمت، ومن ثم سألها بسؤال صدمها من كونه بقى هادئاً، بل وسؤال لا يتوافق مع تفكيره في العموم:
"وإنتي حاسة بإيه؟ عاجبه بيكي؟!"
حركت رأسها بصدمة ولوهلة تشعر بأن أحد غيره جالس أمامها، ولكن يعلم هو كيف سينقذ الوضع ببراعة. نفت سريعاً بذهول، وهي ترد:
"إنت بتقول إيه يا غسان؟ عاجبة إيه؟ لا طبعاً!!"
"ده اللي هو عاوزك توصلي له. تنفي حاجة عايزاها ومش عايزاها. بيشدك باهتمامه وبعد كده يرخي تاني بعد ما يعلقك بيه ويبدأ الاهتمام يقل. ده لو قولنا يعني إنك دوستي فالطريق ده. بس عشان عارفك، وواثق فيكي، عارف إنك مش هتعملي كده. لكن هيجي عليكي وقت غصب عنك زي الوقت ده بالظبط. والكل مشغول ومسحول وإنتي كمان مضغوطة من كل اللي عليكي. فتدوري في اللحظة دي على حد يفهمك ويهتم بيكي. يمكن أكون قصرت معاكي في الفترة الأخيرة بس صدقيني الواد ده بيلعب باحترافية الشباب أغلبها بتلعبها. لو هو جد مش هيعمل كده. ولو هو جد الجد كمان هيركز في مستقبله ومش هيشغل باله بالحوارت دي. زيك كده. إنتي اللي طول عمرك جد وهتفضلي جد وشايفة اللي وراكي ومستقبلك!!!"
يسرد عليها بتفهم، وكان من يقف على بعد، "حامد"، خارج الغرفة بأكملها بعدما وجد الكوبان، وقدم واحد منهم إليها في الغرفة والآخر وقف يتجرع منه هو وهو يستمع لحديث أولاده معا. تأثرت من حديثه وتحمست بنفس ذات الوقت. حركت "وسام" رأسها بلهفة وهي ترد عليه بصدق:
"أنا فعلاً جد يا غسان وهفضل جد عشان أحقق اللي نفسي فيه مش هتلفت ورايا وجنبي لكل ده. ومش هخون الثقة اللي خلتني مترددة ومتوترة بمجرد بس ما التليفون ماسكاه في إيدي عادي!!!"
"وأنا واثق فيكي، واثق فيكي أوي وعارف إنك غسان البدري التاني يا جميل. فمش قلقان. سايب ورايا وحش!!!"
ضحكت بخفة وهي تتوجه لتعانقه بحب، وبهذه اللحظة علم بأنه أنقذ الموقف باحتراف. كما علم "حامد" الذي وقف من على بعد ينصت ويتابع بتأثر منه. فهو لا يفشل بأن يثبت له في كل مرة بأنه نسخته الثانية، ونسخته الثانية تعانق نسخته الثالثة. قبل قمة رأسها بحب. وسرعان ما أمسكت الهاتف تفتحه ثم وضعت الرقم بخانة الحظر. لا يرى ما تفعله ولكنه يعلم ما تفعله وما فعلته هي. نهض بخفة. فاعتدل "حامد" يسير بعيداً تزامناً مع خروج "غسان" وهو يحثها على المذاكرة والصمود. بحث عن الكوبان. ثم خرج ووجد "حامد" يضحك عليه بخفة وهو يؤكد له ما خمنه:
"أيوه أنا اللي أخدتهم. لقيتهم من غير أصحاب فقولت خديهم يا واد يا حامد واحد ليك والتاني للبنت اللي تعبانة. خبطت عليها وعطيتهولها وكانت يا عيني متغطية بالبطانية كلها على بعضها. فقولت لها هو ابني ما بيحضنكيش عشان يدفيكي ليه؟ قالت لي أصله قاسي أوي يا عمو. فقولت لها خشي يا قلبي في حضن عمو أنا مش قاسي أنا حنين!!!"
يسرد بخفة ومشاكسة جعلت "غسان" يضحك رغماً عنه وهو يسأله بتشكك:
"بقا هي قالت لك كده؟"
أكد والده بكذب، وهو يضحك. فردد "غسان" بمرح وتبجح له وهو يتخطاه:
"لا دا إحنا ندخل نغير الفكرة دي بقا!!"
تخطاه وهو يردفها فأكمل "حامد" طريقه لغرفته هو الآخر. في حين أغلق "غسان" الباب خلفه. فوجدها تتردد بهجوم وهي تندفع بقولها له:
"مين دي؟!!!!!"
وجهت له هاتفه بصورة مع فتاة ما ذات أعين خضراء وشعر بني داكن طويل وكان هو بجانبها في الصورة. ابتسم بإستفزاز وهو يقترب ثم حرك كتفيه ببساطة وهو يرد:
"دي سندس!!!"
ضغطت على فكها بنفاذ صبر وهي تهاجمه بشراسة وسخرية منه:
"يعني مين يعني؟!"
"الإكس بتاعتي زمان!!"
قالها بإعتراف. فحركت الصورة إلى صورة أخرى وكان "شادي" يمسك بها كف الفتاة. وجهتها له أمام عينيه وهو تواجهه مرة أخرى بـ:
"أومال إيه ده؟"
"ما هي إكس شادي هو كمان!!"
رفعت شفتيها باستنكار وهي تجيبه بشهقة معترضة:
"يا سلام! حتى دي بتتقاسموا فيها؟"
"ما هي تستحق الصراحة. وبعدين إحنا زمان مكناش بنسيب حريمنا تروح لواحد غريب. رجالة ودمنا حامي!!"
"فتقوم مرتبطة بيكم ورا بعض صح؟!"
جلس وهو يتعمد رسم ملامح الهيام وهو يشرد. مصمص شفتيه برواقة، وهو يتذكرها حينما قال:
"دي كانت حتة فـ...."
وقبل أن يكمل وجدها تقذف الهاتف عليه بغيظ، وهي تقلب عينيها بملل، حتى توجهت لتجلس بعيداً عنه وهي تتحدث من بين ضغطها على أسنانها:
"طبعاً.. مش غريبة من واحد عينه زاېغة زيك. عينها مش حلوة على فكرة وشعرها مش ناعم طبيعي عشان تكون عارف بس!!!"
كبت "غسان" ضحكته وهو ينهض ليجلس بجانبها تزامناً مع رده وهو يذكرها:
"ما أنا مكنتش بحب الشعر السايح أوي ده. فسيبتها ومن ساعتها وأنا بدور على واحدة شعرها زي شعرك. لحد ما لقيتك فوقعت فيكي!!!"
علم كيف ينسيها الوضع. طالعته باستنكار وهي تعطيه كتفيها بأخذها موقف. فضحك هو وهو يسألها بمرواغة:
"مش هتقولي لي طيب وقعت في حبك إزاي وشوفت شعرك إمتى أول مرة؟ بما إنك بتنسي الحجاب أكتر ما بتلبسيه!!!"
سخر منها وهو يتغزل.
فحدجته بحدة وهي ترد:
"أنا مطلعتش بشعري أول ما جيتوا، كنت ملتزمة بالحجاب على فكرة. أنا ملتزمة بيه على طول واللي حصل ده من توهاني مش أكتر!"
"لأ طلعتي بشعرك أول ما جيت، أفكرك!"
اقترب في قوله الأخير يهمس. فأبعدت وجهها عنه وهي تطالعه مومئة برأسها بنعم. فاعتدل يجيبها بتذكر، وكأنه أمس حينما قال وطبيعته اللماحة في كل شيء تظهر:
"أول مرة شوفتك فيها كانت بالفستان الأزرق اللي كان هياكل منك حتة، وإنتي بتقدميلنا العصير كان بحجاب!"
وأكمل سريعاً بالإجابة:
"هي تاني مرة بقى، لما جيت أودي الكوبايات ليكم وطلعتي إنتي فتحتي بشعرك. قعدتي تستوعبي إن في واحد واقف، فمديتي إيدك جنب الباب ولبستي الحجاب. كنتي عاملة كحكة فوق راسك بتوكة سودة حرير!"
يسرد بالتفاصيل ذلك الجريء الوقح الذي لا يغفل عنه شيء بهذه الأمور أبداً. ضحكت بإستسلام وهي تتذكر حتى رددت بسخرية:
"عينك دي هتوديك جهنم، إن مخرّفتهاش أنا ليك لو لسه واخد بالك من أي تاء مربوطة كده!"
وأضافت سريعاً بسخرية دون وضع حساب بأنه سيجيب بالفعل عليها:
"مش فاكرلنا بالمرة حاجة تانية، إمته كنت حاطة روج نبيتي مثلاً؟ لافة الطرحة لقدام كده يعني مادام ماشاء الله والله أكبر مركز أوي كده!"
ضحك وضحكاته العالية تعلو حينما اعتدل بحماس وهو يجيبها بحب وصدق:
"فاكر كل تفاصيلك وحافظها صم، عشان كده عارف إنك مبتحطيش مكياج غير الكحل اللي بيتعبني ده!"
وأكمل بصراحة، وهو هائماً بها تائهاً في قهوة عينيها:
"فاكر أول مرة شوفتك بالعباية السمرا اللي جننت اللي خلفوني. ساعتها كانت عينك متكحلة والكحل كان سايح وخدك كان أحمر. اليوم ده كان يوم الجمعة، هو اليوم اللي اعترفتلك فيه بحبي، عند شادي في الجنينة وسط الزرع والورد اللي بتحبيهم وقُلتلك بالإمارة 'لابسة الأسود ليه وأنا لسه حي'!"
ضحكت "نيروز" بخفوت، متذكرة وهي تلين حتى أجابته بسخرية مرة أخرى:
"قال يعني كان خدي أحمر من الكسوف، ما أنت عارف إنه من القلم اللي ضربهولي عمي على وشي!"
"قال يعني وإنتي اللي اتكسفتي وتقلتي يا رزقة، دا فلحظتها لقيتك بتقوليلي وأنا كمان بحبك!"
قصد البعد عن الحديث التي عادت تفتحه، وقصد بأن يثير شراستها. كانت خجولة، خجولة جداً ذلك اليوم. اندفعت تبرر وتوضح سريعاً:
"لأ اتكسفت، وكنت متوترة أوي. بس قتلت التردد لما حسيتها وحسيت فعلاً إنك ممكن مترجعش وتفضل بعيد عني تاني بعد ما كنت اتعلقت بيك، خصوصاً كان ليك ضحكة بتفرح قلبي ومازالت كل ما كنت بشوفك وبتكلم معاك. ساعتها في غيابك كانت الأيام مملة أوي. وماشاء الله يعني يا ابن البدري مخدتش في إيدك غلوة ولا بقيت أعرف كسوف ولا سكوت!"
ضحك بخفة وهو يمرر يديه على خصلاتها بحب. فتنفست هي بعمق وهي تطالع عينيه بلين. ثم سألته:
"لسه مفيش أخبار عن ماما؟"
"لأ.. بس خليكِ منتظرة إنها فاقت في أي لحظة!"
قالها بحنو، وهو ينهض. ثم قال مجدداً بعد أن وجد أن لا فائدة من انتظاره لرؤية "حازم"، كما كانت هي مع "جميلة". علماً بأن الوضع المتعب جعل كلا منهما ينفرد بوجعه من جديد. أشار لها بعينيه مردداً:
"طب يلا نطلع مادام الدنيا هادية خالص كده. دا حتى شادي من ساعة ما نزل وهو مرجعش بـ يامن!"
نهضت ترتدي ملابسها الطويلة تزامناً مع ردها عليه بموافقة:
"ماشي، ثواني هلبس!"
توجه "غسان" يرفع ذراعيه ليساعدها برفق. وعبث. وما أن ارتدت ملابسها هتف بهمس يسألها:
"بقا أنا قاسي يا قاسية!"
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة من ذلك القول وقبل أن ترد عليه وجدته يتحدث مرة ثانية بثقة:
"كنت عارف إنك أهدى من إنك تقولي كده!"
لم تفهم ماذا يقول هو ولكنها ابتسمت له برقة على أي حال. ومن ثم فتح هو الباب يضع الكوب في المطبخ كي يقوم بغسله سريعاً. بدلاً منها وبدلاً من القيل والقال الذي بدأ يخاف منه هو ويضع جميع التحسبات لكل حدث سيحدث. وضعها بمكانها. ثم خرج مرة أخرى فوجدها تقف من على بعد وبيديها هاتفه التي تتفحص هي به إلى الآن بغيظ منه. ويتضح بأنها لم تكن "سندس" فقط من كانت بذكرياته! حدجته بقلة حيلة ويأس ولم تسأله بل أغلقت الهاتف ثم لوت فمها بسخرية وهي تقدمه له كي تسبقه بعدما قالت:
"خد يابتاع سندس!"
"استني بس دا أنا ناوي أسمي بنتنا سندس!!!!"
"تعالي يا ماما، مصحتنيش ليه عشان أنزل الورشة!"
ردد "عز" جملته على "حنان" التي كانت واقفة على أعتاب الغرفة تدقه، تزامناً مع نهوضه من على الفراش وهو يحاول فتح عينيه بعد نومته هذه. اعتدل يغلق أزرار قميصه مع رفعه لكفه وهو يرجع خصلاتها إلى الخلف بإفاقة. ابتسمت له "والدته" بحنو وهي تجيبه تزامناً مع جلوسها بجانبه على الفراش:
"أنا قولت أسيبك مرتاح يا حبيبي، ومسمعتش يعني تليفونك رن ولا حاجة. قولت بقى يبقى محدش محتاجك دلوقتي هناك!"
تنهد "عز" يأخذ أنفاسه ببطء وهو يحرك عينيه ناحيتها وهي تجلس صامتة مرة أخرى بتردد. وضع كفه على كفها وهو يربت عليها ثم قال بثبات:
"قولي يا أم عز عايزة تقوليلي إيه؟"
اعتدلت في جلستها باهتمام وهي تعقد العزم بأن لا تتردد في قولها. تنفست بعمق وهي تتحدث قائلة بنبرة هادية لينة:
"سامح اختك يا عز. عديها لها يا بني أنا مش مبسوطة وأنا شايفاكم كده!"
صمتت ثم قالت بحماس عفوي:
"مش يمكن لما تسامحها جميلة كمان تقدر تسامحها!"
عند هذه الجملة نظر لها بغرابة ولوم بآن واحد فتعمد السرد بوضوح عليها كي لا تفكر بما تفكر به:
"أول حاجة أنا مليش سلطان ولا كلمة على قلب حد. يسامح ميسامحش دي حاجة مش بإيدي. ولو أنا عديت، فأنا مش هعدي لمجرد إني بعدي عشان جميلة كمان تعدي. حبها شكل وحبكم عندي شكل تاني خالص ودي الحاجة التانية اللي عايزك تعرفيها. إنتوا مؤخراً بقيتوا عندي زي ما يكون واحد ولو ربنا كرم فعلى قريب هتكون جميلة هنا معانا. ومقارنة جميلة وفرح مع بعض متنفعش يا أم عز لا عندك ولا عندي. عشان دي أختي ودي مراتي وأنا مش هحب أختي عشان مراتي سامحتها ولا مش هسامح أختي عشان مراتي ماسمحتهاش! كل الحكاية وقت وضغط مش عارف إمته هيختفي ويروح!"
عندما شعرت بأنه متمسك بالأخرى كثيراً، بدأت تفكر بأنه بالفعل غير طبيعي في حبها. بل وستبعده عنها وعن ابنتها الوحيدة رغماً عنها كان شعورها كونها لم يكن لديها سواه! حركت رأسها بقلة حيلة ويأس وتفهم. ثم غيرت مجرى الحديث سريعاً عندما سألته بمشاكسة:
"شد حيلك يا حبيبي دا يوم المنى لما تتجوزها وتيجي هنا قريب على قولك. ألا قولي إزاي صاحبك العريس صحيح؟"
قصدت "غسان". فابتسم لها بسخرية وهو يرد قائلاً:
"صاحبي العريس ملحقش يفرح أصلاً يا أم عز. ربنا معاه. لسه أمه مفاقتش!"
نظرت بحزن عليه وعلى حاله وحال الأخرى وهي تدعي لهما سراً بينها وبين نفسها. وسرعان ما انتفضت بخفوت وهي تتذكر ما لمحته قائلة:
"صحيح افتكرت. أنا يا خويا كنت طالعة أنشر في بلكونة بت "فرح" عشان بيجي فيها شمس على الهدوم. لمحت كده حد من التوأم دول واقف. قولت يمكن بتهيألي ولا حاجة بس مش معقول هتخيله مرتين!"
ترقب ملامحه وهو يعقد ما بين حاجبيه بغرابة ثم قال:
"إزاي حد منهم؟ دا واحد قاعد جنب مراته مبيسبهاش عشان ظروفهم والتاني يعني دكتور ومن المستشفى للبيت والمستشفى اللي فيها أم مرات أخوه؟ تلاقيّك بتهيألك بس بتحصل!"
"مش عارفه يا خويا يمكن!"
كاد أن يتحدث مجدداً، ولكن قاطعه صوت أحد الرسائل الذي التقط هاتفه ليرى محتواها، ولم يكن المحتوى سوى الحالة الخاصة بوالدة "نيروز".
وبنفس ذلك الوقت كان بالخارج بالفعل. لم تكذب ولم تكن تتخيل. في كل مرة تسوقه قدماه ناحية منزلها أسفل غرفتها، وكأنه يريح نفسه بذلك. فعلها أكثر من مرة، وكم يتمنى في كل مرة أن تظهر، ولكنها لم تظهر. في كل مرة تظهر والدتها، والتي ما أن يراها يحاول الاختباء خلف الشجرة الكبيرة كي لا تراه. لا يمل من فعلها رغم أن مجيئه هذا لا يعتبر مفيداً. بل وهاتفه الذي يمسكه بيديه على صفحتها الشخصية على الفيسبوك. يتذكر أول المرات التي راسلها عن حالها وردت عليه باقتضاب. سألها كونه طبيباً، ولم يكن يعلم بأنه سيسألها مجدداً بعد ما فعلته هي. من ضمن خمس مرات ردت عليه مرة واحدة، ومن ثم لم تجب. وهو الذي لا يمل في رغبته في الاطمئنان عليها. في كل مرة يكون فيها على مشارف اليأس، ولكن الإصرار لديه كان أقوى. لم يكن يتجاهلها ويعيش حياته وكأنها لم تكن، بها بعد حديث شقيقه الأول في السيارة. بل جاراه كونه يعلم بأنه لم يصمت، ولم يكل، ولم يمل من التفكير بها. لا يعلم هو ماذا فعلت هي له كي يحدث له كل ذلك. بل والامل الكبير في ثقته بأنها ستوافق عليها من أهله وعائلته، بل وأهلها. وهي من الأساس. لم ينظر إلى تعقد الوضع، بل نظر إلى شعوره وشعور قلبه تجاهها ويصدقه بالفعل. تلهف عندما سمع صوت هزات في جيبه بعد أن وضع الهاتف به. اعتقد بأنها هي من أرسلت، ولكن خابت ملامحه وترقب بشدة ما أن وجد أن الرسالة خاصة بحالة "والدة زوجة أخيه".
الكل يهاتف من "بدر". الكل يبدأ في أن يعلم الحالة، أما فاقت أو ذهبت لعالم آخر مجهول بالنسبة لهم، ومعلوم لديها هي "الموت".
لم تعلم "ياسمين"، و"حازم" بسبب ذهابهما لعالم آخر بنومهما. والكل يعلم بالفعل، ولكن كل منهم بشقته.
وعند شقته هو، شقة "غسان"، والذي كان في المرحاض منذ دقائق. وكانت "نيروز" جالسة في الخارج، تقوم بترتيب مفرش الفراش، وإخراج ملابس لها من الخزانة كي تستعد للنوم بها، بعدما قامت بكنس طفيف لأحد الأركان بالخارج. اعتدلت بتعب وهي تأخذ بعضاً من الملابس الذي ألقاها هو بغير اهتمام على الأريكة قبل أن يدخل، ثم من ملابس أخرى من خلف الباب وعلى المقعد، وفي سلة الملابس التي توجد بجانب باب الغرفة. زفرت بضيق منه. فاتضح إنه يخلع ملابسه بأي مكان غير مرتب، إذن وسيتعبها. أخذت تهذي بكلمات غير مفهومة وهي تتوجه بالسلة الكبيرة ناحية غسالة الملابس الإلكترونية في المطبخ لتضعه بجانبها إلى الصباح. ومن ضمن الكلمات التي عادت تقولها وهي تدخل الغرفة مجدداً:
"شخص مهمل قال علي هدومه في كل حتة، مش فاهمـ..."
قطعت "نيروز" حديثها بغيظ ما أن لاحظت غيابه في المرحاض. توجهت لتقوم بالدق على الباب مرددة بضيق:
"ما تخلص، إيه كل ده؟"
وجدته يرد عليها بكلمات غير مسموعة، ولكنها قلبت عينيها بملل ما أن سمعته يحثها على جلب ملابس فوقية له. أخرجت له ثم وضعتها وهي تعلمه أنها بالخارج. تنفست بتعب وهي تقلب عينيها بإنهاك ما أن نظرت نحو صينية العشاء التي أعدتها قبل قليل. انتشلتها وهي تتوجه بها إلى المطبخ، ثم رتبتها أولاً، تضع الطعام في الثلاجة، ومن ثم بدأت بغسل الأطباق وهي تبتسم بسخرية على حالها. ومن ضمن شرودها قلدت نبرته وهي تتذكر قوله:
"قال هساعدك قال، وهتعلم عشانك!"
في بداية الزواج والطريق وتفعل كل ذلك. وبخفة وجدته خلفها بخصلاته المبللة بعدما ارتدى ملابسه بسرعة ثم خرج. ضحك وهو يقف بجانبها ثم رد قائلاً بصدق:
"أنا كذبت في إيه طيب؟ عديني وأغسلهملك!"
"آه عشان تسيبهم مش نضاف أوي زي ما مامتك بتقول. إنت متعلمتش من أخوك ليه ها؟"
ضحك وهو يخلع عنها مريلة المطبخ ثم قال "غسان"، بنبرة ضاحكة:
"لا هنضفهم حلو عديني بقا، وأخويا اللي إنتي فرحانة عشان بيعرف يعمل ده، هيطلع عين اللي هيتجوزها عشان بيحب الأكل وكل شوية هيقعد يلبص أطباق ويغسل أطباق ويعمل أكل وحوارات، لكن أنا غلبان باكل الموجود وخلاص!"
طالعته باقتناع وهي تبتعد، ثم ابتسمت ما أن وجدته يغسل البقية بالفعل مع قوله الحاني لها:
"وبلاش تقفي وإنتي تعبانة، روحي شوفي لو هتغيري هدومك، وعما أخلص أنا!"
حركت رأسها بالإيجاب، وقبل أن تتوجه لتقبله من وجنتيه تذكرت ما فعله فرددت تشير له بيديها بانفعال:
"انت عارف لو لقيتك راميلي هدومك في كل حتة كده تاني هعمل إيه؟"
"إيدك دي متشاوريش كده بيها تاني قولتلك... فأخرجي برا أحسنلك بدل ما أقولك أنا اللي هعمل إيه!"
التفت برأسه وهو يجيبها بجمود. نظرت له "نيروز" بضيق ولم تجبه، بل خرجت وهي تقاوم شعورها وتفكيرها بحالة والدتها. والتي ما أن دخلت تحمل ملابسها من على جانب الفراش، سمعت صوت يعلم بقدوم أحد الرسائل من هاتفه، وشاشته التي أضاءت على فجأة. تركت ما بيديها وهي تمد يديها تنظر نحو الهاتف، هي تلتقطه، وما أن نظرت به فتحته ولتنظر نحو مضمون الرسالة والتي كانت من "بدر". ابتلعت ريقها وهي تدخل المحادثة حتى وقعت بعينيها على الرسالة ومضمونها. ولأنها كانت تتوقع وشعور آخر لا يتوقع، وتتذكر ما مضى، صُدمت، ودقات قلبها تتسارع بقوة ويديها المرتعشة تهتز بالهاتف ما أن قرأت مضمون حالة والدتها بالرسالة المجهولة له، وهو واقف خلفها ينظر نحو ملامح وجهها الذي لم يفهمها إلى الآن. ولكنه كان يعقد العزم على أن ينتهي سريعاً، وهو يتحمس كي يخرج لها ما قد ابتاعه لها قبل الزفاف ولم يستطع تقديمه بسبب الأحداث. بل وظل كذلك إلى أن قتل التردد وهو يقرر بأن يهديه لها ويترك الظروف تسير كما تشاء. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي ترفع عينيها بتيهة حتى تقابلت مع عينيه. تيقن حينها أن الرسالة المجهولة وحالة والدتها المجهولة الذي لا يعلمها إلى الآن هي السبب القوي بمشهدها هذا. فما مضمون "الرسالة المجهولة"؟
"حينما ترافقنا الحياة بما نتشهي وما نريد تصبح الأيام لينة وأكثر سهولة تمر دون مر، وهذا ما نريده. ولكن يهزمنا الشعور في النهاية بالسؤال للأيام: ستظلين هكذا أم ستنقلبين في لحظة دون أن نشعر؟ سؤال نسأله ونحن نعلم جيداً أن لا وجود للأمان المستمر بها كونها سريعة الانقلاب دون ذرة واحدة من الشفقة عندما تسلب السعادة وتحل محلها وجع فيصبح أضعاف مضاعفة."
كلمات وعكس كلمات. شعور وعكس شعور. ذاكرتها تهاجمها بأحداث ليلة أمس. ولكن هل كانت مهاجمة ذكرياتها معها أم عليها؟ هذا ما تعيده هي وهي تتذكر حينما.. ابتلعت ريقها وهي تدخل المحادثة حتى وقعت بعينيها على الرسالة ومضمونها.
ولأنها كانت تتوقع شعوراً آخر لا يتوقعه ويتذكر ما مضى، صُدمت ودقات قلبها تتسارع بقوة، ويداها المرتعشة تهتز بالهاتف ما أن قرأت مضمون حالة والدتها بالرسالة المجهولة.
وهو واقف خلفها ينظر نحو ملامح وجهها الذي لم يفهمها إلى الآن. ولكنه كان يعقد العزم على أن ينتهي سريعاً، وهو يتحمس كي يخرج لها ما قد ابتاعه لها قبل الزفاف ولم يستطع تقديمه بسبب الأحداث. بل وظل كذلك إلى أن قتل التردد وهو يقرر بأن يهديه لها ويترك الظروف تسير كما تشاء.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي ترفع عينيها بتيهة حتى تقابلت مع عينيه. تيقن حينها أن الرسالة المجهولة وحالة والدتها المجهولة الذي لا يعلمها إلى الآن هي السبب القوي بمشهدها هذا. فما مضمون الرسالة المجهولة التي أوقفتها بذلك الوضع؟
سقط الهاتف من يديها وهي ترفع عينيها له حتى أدمعت، ومن ثم تفاجأ هو بركضها من نهاية الغرفة لبدايتها وهي تنتدفع بأحضانه باكية.
اندفع "غسان" من فعلتها بتفاجئ، فوجدها تبكي بصوت وهي تضمه حتى تنفست بعمق شديد وهي تتعلثم بالحديث قائلة بنبرة مرتفعة متعلثمة:
"ماما فاقت يا غسان، فاقت والله العظيم. شوفت الرسالة، أنا شوفتها وهو بيقولك إنها اتكلمت معاه. أنا.. أنا مش مصدقة أنا فرحانة أوي أوي!!"
تردف الحديث بدموع وفرحة وضحك وابتسامة. أخذ "غسان" أنفاسه بسعادة وارتياح وهو يعانقها براحة كبرى. حتى قصد هو ظهور اللهفة المبادة له منها كي يشعرها بالسعادة التي لم تراها منذ زواجهما:
"كنت عارف، كنت عارف إنها هتفوق وهتبقى زي الفل يا نيروز!!"
أيعقل أن يتبدل الحال؟ يرى البعض بأن رد فعلها قد يكون مبالغاً به، في حين بأن تفكيرها بضياع والدتها منها مثلما رحل والدها كان يهاجمها هذا الشعور بكثرة دون راحة. لأول مرة تستطيع أن تشعر براحة البال حقاً.
خرجت من أحضانه بتيهة من ما فعلته حتى وجدته يبتسم لها باتساع وحنو وهو يرفع كفه يمسح دموعها. والرسائل وصوتها يعلو ودقات الهاتف منهم جميعاً يعلو دون الصعود لهما. فقد اعتبروهما من هذه اللحظة لهما الحق في أن يعيشا حياتهما كأنهما عروسين لطالما لم يسعدا معاً كذلك بسبب هذه الأحداث والظروف.
تتذكر رده عليهما بعدم الصعود وحديثه المتبحح لهما والمرح بنفس ذات الوقت. حتى إنتهت بخروجها حينها من المرحاض بعدما بدلت ملابسها بشغف وسعادة كبرى. وجدته ينتظرها على المقعد، وما أن رآها خرجت وقف وقبل أن تتوجه لتمشط خصلاتها، واجهها وهو يقف بطوله أمامها. رفعت عينيها له بسعادة بالغة. يقسم بأنه لم يراها بهذا الحال من قبل.
امسك "غسان" يديها يقبلها برقة، ثم توجه يقبل قمة رأسها برفق وهو يسحب يديها حتى جلست بجانبه. وجدته يطالعها بصمت فسألته هي بمشاكسة:
"بتبصيلي كده ليه يا بن البدري؟!"
طالعها ويطالعها بهيام وشغف قوي لا يعلم من أين أتى. والشئ الوحيد الذي يعلمه وجعله كذلك هو قوله لها بنبرة شديدة الهدوء حينما قال:
"شكلك حلو أوي يا نيروز وإنتي فرحانة. يارب أقدر أخليكي كده علطول!!"
تأثرت منه بشدة ومن حديثه. وبهذه اللحظة مدت يديها تمسك كفه بحب وهي تردد بنبرة صادقة له:
"وأنا والله كده علطول طالما معاك إنت. أنا بحبك أوي يا غسان وعايزاك تعرف إن حتى ثباتي الأيام اللي فاتت كان بسببك إنت. أنا ما كنتش هقدر من غيرك ولا من غير وجودك جنبي!!"
هو الذي سيطر على مسكة كفها حتى قبله مرة أخرى بحب وهو يغمز لها قائلاً:
"طب وربنا ابن البدري كمان بيحبك ولولا وجودك جنبه ما كان ده بقى حاله!!"
قالها بطريقة مضحكة فرددت هي تسأله بمراوغة وهي ترجع خصلاتها المبللة إلى الخلف:
"ماله حاله بقى؟!"
"عنده ارتفاع في ضربات القلب الوقتي بنسبة ٩٩ في المية!!"
اشمئزت من غزله، في حين قالها هو بمرح شديد. انتهت بضحكاتها معه وقد غفل هو عن ما ينوي تقديمه لها بسبب حالتها هذه التي جعلته أشد سعادة منها، خاصة أنها أردفت له بحماس على فجأة:
"أنا مبسوطة أوي ونفسي بكرة ييجي بأقصى سرعة عشان أشوفها!!"
فقط ظل "غسان" ينظر لها غير مجمعاً الحديث. تاه بين بنتيها الاثنتين محركاً أنظاره بينهما وهو يرفع يديه يمررها نحو خصلاتها تحت تأثر عينيها التي سكنت وصمت لوقت. وقطعت هي ذلك القول وحتى الجلسة بقولها التلقائي السعيد والمتأثر:
"أنا فرحانة أوووي. حاسة إني عروسة لأول مرة بعد كل اللي حصلنا ده!!"
علمت بأن القول ما هو إلا نهاية وجواب لمشاعره ومشاعرها المختلطة. تشتت بين السعادة البالغة وأقصى ما يهمه هو أن يراها سعيدة. طالعها باهتمام وهي تعتدل ولم يردف سوى جملة واحدة يعتذر بها عن ما كانت رأته على هاتفه. لم ينسى ولم يعتذر هو مباشرة، كما يعلم عنه. ولكنها علمت ما أن سمعت قوله المتكرر لها بنفس ذلك الوضع من قبل:
"عيني مبتشوفش غيرك يا بنت الأكرمي!!"
تسارعت دقات قلبها كالعادة من قربه وهمساته هذه ولم تجد سوى كلماته المعهودة منه مرة أخرى حينما قالها ولكن بإختلاف نبرتها التي علمتها جيداً وعلمت أن النبرة ما هي إلا تمهيد لاستسلامها له:
"ي حلاوة القلب لما يدق يدق!!!"
"عودة لوقتها الحالي"
عادت إلى وضعها الآن وهي تجلس بجانبه وهو مسطح على الفراش. نهضت من قبله ودخلت المرحاض وفعلت عدة أشياء وهو مازال نائم لم يستيقظ بعد. مررت يديها على رأسه بشرود وابتسامة هادئة تزين محياها كلما تتذكر وجوده بجانبها وبوقتهما معاً. وحتى ليلتهما التي مرت عليها كما لم تمر من قبل منذ هذه الأحداث. تمر في كل مرة ولكن خوفها من حالة والدتها كان رفيقها مهما كانت هي معه وبجانبه. ولكن ما مر وما مضى وهي تتذكر تعلم بأنها تشعر لأول مرة بأنها عروس حقاً.
تنهدت "نيروز" تأخذ أنفاسها وهي ترفع الغطاء عنها حتى هبطت تنظر ناحية الإفطار التي وضعته على الطاولة بالداخل. خرجت وهي ترتدي عباءتها المفتوحة على ملابسها المكشوفة قليلاً كي تخرج الملابس من غسالة الملابس. وبالفعل أخرجتها وهي تتوجه بها وهي موضوعة بما يخص هذه الملابس كي تستطيع حملها ناحية شرفة الصالة المفتوحة والتي يوجد بها سطوع الشمس أكثر. بدأت بنشرها بشرود وهي الأخرى توزع نظراتها بين الزرع التي جلبت منه القليل هنا. تشعر لوهلة بأنه سعيد وزاهي مثلها هي الأخرى. تشعر بالحماس والعجالة كي تذهب إلى والدتها بالمستشفى ولكنها تنتظره بأن يستيقظ على راحته هو كونها ترى بأنه أخذ من الضغط منها ما يكفي. وحتى هو ومشاكله مع عائلته التي من الناحية الأخرى تحاول تعويضه وسعادته وعدم تفكيره القوي مثلما ترى هي!
تمر الدقائق وهي مندمجة بما تفعله إلى أن انتفضت عندما سمعت صوته الخشن المرتفع كي يصل لها حينما قال بعدما نهض وبدل ملابسه البيتيه لأخرى:
"مصممة تثبتيلي إنك ست بيت شاطرة وكده يا رزقة؟ ... طب حتى صحيني!!"
التفتت "نيروز" بعدما كانت تنتهي من آخر ما تنشره. التفتت بعد أن انتفضت وسرعان ما رسمت ابتسامة على شفتيها وهي ترد قائلة بلين:
"صباح الخير!!"
ابتسم لها "غسان" بهدوء. وقبل أن يتحدث وجد رأسها مكشوفة بالفعل وهي تقوم بنشر الملابس في شرفة مفتوحة عكس الأخرى. لاحظت محط أنظاره وقبل أن يتحدث وضعت يديها فوق رأسها بمفاجأة وتذكر وهي ترد سريعاً:
"والله توهت ما أخذت بالي!!!"
وجدت ملامح الجدية عليه بعيداً عن نظراته الحادة والتي فرت هي مسرعة تتخطاه كي لا تفتعل مشاكل هي لا تريدها الآن. بالأساس تعمد هو الصمت. يقوى برأيه مرة ويرخي مرة أخرى كي تستطيع فهمه. وإن رخى فنظراته لها تكفي. تركها تذهب فتوجه هو يقف نحو السور كي يستطيع أن يأخذ أنفاسه أكثر. فيضيق هو صدره حينما يتذكر وضع "بسام" العنيد وكأن وضعه مع "تاج" يتكرر! يفكر بأمر ما وكلما يهاجمه قوله بأنه لو تدخل بشيء ما سيقطع علاقته به. حتى نبرته وهيأته في قولها كانت صارمة. صرامة لم يراها منه من قبل ولكنه يعلم جيداً أن كل ذلك أتى من محنته السابقة وكأن هذه النتيجة العكسية لما يحدث!
خرج من شروده عندما وجد بالعمارة المقابلة منه والشرفة المقابلة له على بعد قليل. طفلان يقفان بالشرفة يلاعبان بعضهما وصوت الضحكات يتخلل إلى مسامعه بقوة. ومن حسن ذلك الحظ بأنهما على ما يبدو عليهما بأنهما توأمان. ولدان توأمان يذكرونه بشقيقه وذكرياته معه!
في ذلك الصباح، الصوت لا يوجد ولا يُسمع في الكثير. وحتى الناس ستبدأ في أن تهبط لترى ما أحداث يومها هذا. لذا وجد أحدهما يشير له من على بعد بمرح. فرفع "غسان" ذراعه يشير له هو الآخر وهو يضحك بعفوية.
هذه الأشياء العفوية الجميلة بطبيعة الناس التلقائية لا تخرج سوى من "مصر". ضحك وهو يتذكر انخراطهم بأي شيء مع أي شخص.
التفتت برأسه وكامل جسده ما أن رآها وهي تضع صينية الإفطار في الطاولة من خلفه. ولم يرفع أنظاره لها سوى عندما سألته قائلة:
"بتشاغل وبتضحك لمين كده يا بن البدري؟!"
ارتدت حجاب وهذا ما رفع عينيه عليه. خرجت ابتسامة هادئة منه وهو يشير لها بذراعه عليهما قائلاً:
"لـ دول... فكروني بيا أنا وبسام مش عارف ليه!"
حيرة هائمة ببسمة هادئة وحزن على الذكريات. جلس ووجهت نظراتها نحوهم على بعد فوجدتهما يشيران لهما فضحكت وهي تبادلهم الإشارة. جلست وهي تحرك رأسها قائلة له:
"لطاف اوي!!"
"عقبال ما تجيبيلي زيهم!!"
من المفترض أن يردفها هو بمرح، ولكنه قالها بهدوء شديد وهو يتناول الطعام. كان الرد منها بسمة هادئة دون حديث حتى وجدته يتحدث مرة أخرى بقوله المفسر لما حدث:
"وبقولك كده عشان أنا نفسي فعلاً اجيب اطفال منك، وأعمل عيلة وأسرة، زي ما سنة الحياة بتقول. ولو كنت أديتك فرصة نكمل الكلام فـ ده عشان كنت عارف بقية كلامك، وأنا مش عايز حد فينا يكون مجبور على حاجة لمجرد إن التاني عايز ده. أنا بديكي كل الحرية وعشان كده كنت عارف أن كلامك ده كان وقت ضغط وخوف ومخرجش غير من خوفك ده. ولا عايزك فنفس الوقت تعملي حاجة من ورايا. عشان كده أنا سامعك الوقتي ولو مصرة علي رأيك قوليلي وأنا عندي الكلام والرد والتبرير على كل حاجة. عشان عارف ان الوقتي وفالوقت ده.. كلامك هيكون منك إنتي وبتفكير!"
مالا تعلمه هي بأنه استخدم اللين وظهوره بأنه سيقدر ما تراه. وهذا الأسلوب عامةً يجعلها توافقه أينما حل. ومالا يعلمه هو بأنها اقتنعت بحديثه أمس لها حتى وإن كان جامداً عليها. ابتسمت له "نيروز" بلين وهي ترد عليه:
"لأ أنا مش مصرة ولا كنت مصرة. أنا كنت بعرض عليك وأنا مش شايفة فعلاً غير الخوف. لكن لما رديت عليا حتى ولو كلام متعصب فيه بس فكرت تاني فاللي قولته، خصوصاً إن محدش ضامن وإن دي حاجة من عند ربنا ورزق!"
صمتت ترى ملامحه الفخورة بتفكيرها ولم تستشف هي ذلك الفخر والحب إلا عندما واصلت تكمل بصراحة تعلمه بأنها لم تفعل من خلفه شيئاً ولا ستأخذ شيئاً يعيق حملها منه:
"وأنا دلوقتي مش عاملة حسابي لحاجة، سايباها لربنا. ولو حصل وربنا أراد إنه يرزقنا أو هيرزقنا فأنا جاهزة من دلوقتي وان شاء الله خير!"
كان ينتظر منها حديث كهذا. والأهم بأنه كان ينتظره كي يأتي لها بالحديث الآتي والذي كان لا يريد قوله لها كي لا تفكر به بطريقة ومنظور آخر. خاصة أنها في الفترة الأخيرة حساسة وكان يتحسب هو لكل حرف. أردف ما يقنع به وما يود قوله وما يبرر به على نفسه في نفس الوقت:
"علفكرة أنا مقتنع جداً بإن أي اتنين مش عارفين بعض أو مش عايزين يظلموا أطفال بينهم يأجلوا الخلفه. بس أنا عارفك ومطمنلك وبحبك. وغير ده واثق فيكي. وحتى المشاكل والحياة اللي مهما عاندت معانا بس خلاص عرفت إن مهما بيحصل ومهما حصل ملناش غير بعض فالآخر. ودي تعتبر أقصى مراحل الأمان اللي أنا وصلتها معاكي. عشان عرفت إن خلاص مهما حصل بردو فلين قلبنا غالب!"
طالعته بحب وهي تحرك رأسها تأييداً وتفهماً حتى انخرطت في الطعام. طالعته وهو جالس بصمت. بين الحين والآخر يبتسم لها فقط. وإنتهى صمته وهو يطالعها بعبث. مردداً:
"بس إيه الحلاوة اللي إنتي فيها دي!!"
تزامناً مع نهوضها كان قد قالها هو. ضحكت بخجل. وما أن رأت أنه انتهى. كادت أن تحمل الصينية ولكنه نهض يأخذها قبلها وهو ينبس بلين:
"سيبيها هوديها أنا. روحي شوفي هتلبسي إيه عشان ننزل نروح المستشفي!!!"
سار ليضعها بالمطبخ كما هي دون أن يغسلها. ومن ثم دخل عليها الغرفة بعدما وقف في الصالة دقائق. وجدها تخرج ملابس لها. وقد عقدت حاجبيها بغرابة منه فهرب بمرح من أنظارها وهو يسألها:
"يلا خلصي بسرعة.. خلينا نمشي!!"
"كنت فاكراك هتغسل الاطباق!!"
"ما انا غسلتها!!"
تجاهلت قوله الكاذب الذي لم يقله هو سوى أن يربح عقله وفقط. تعلم بأنه أهوج غير منظم ولم تعلم هي ذلك سوى بعد الزواج. رمقته باستنكار. تعلم أنه قد بدل ملابسه ما أن استيقظ سريعاً. ومن ثم أتى خلفها. وقف يطالعها بصمت. وهو يحدج ما أخرجته بيديها. لم تخرج ملابس جديدة بل أخرجت ذلك الفستان الذي كان ضيقاً عليها من منطقة الصدر. ابتسمت له بقلة حيلة ثم قالت سريعاً:
"لا مش هلبسه متقلقش. أنا بس إفتكرته من كلامك امبارح. فعشان ضيق كده قولت أخده معايا وأنا نازله أعطيه لوردة!!"
حرك رأسه بتفهم. فواصل هو يخبرها بما أثار غرابتها:
"ماشي.. حاولي تلبسي حاجة خروج عشان شادي هيروح النهارده يتقدم لـ "منة"!!!!!"
"إيه؟!"
قالتها "نيروز" بغرابة. فابتسم "غسان". بسخرية وهو يوضح:
"المتخلف جاله الخبر إنها فاقت وهو قاعد مع منة. راح قايلها هاجي بعيلتي واخواتي بكره نتقدم وقوللهم ده. هو كان مكلمهم هو وحامد بس إتأخروا عليهم بسبب الظروف دي!!"
تعالت ضحكاتها عليه بخفة وهي تحرك رأسها بيأس. حتى سمعته يواصل مرة أخرى يكمل حديثه:
"حتى هو امبارح مباتش تحت وروح. عشان بسام رجع من إجازة شغله للمستشفي تاني بعد ما كان أخد اجازه ساعة الفرح. ومشي يظبط نفسه ويجي آخر النهار عشان يمشي معانا من هنا!!"
"صاحبك مجنون زيك بالظبط. ربنا يشفيكم. وأه لو منة تعرف إن كان فيه سندس قبلها!!"
قالتها بكيد تهدده بطريقة غير مباشرة. فاعتدل هو كي يخرج من الغرفة تزامناً مع قوله لها بغير اكتراث:
"قوللها!!"
وأضاف سريعاً قبل أن يغلق الغرفة خلفه متعمداً عدم إحراجها كي ترتدي وتخرج سريعاً:
"لو هتقوليلها سندس بس قوللها. دا في جيش بعدها وقبلها!!"
التفتت بعدما وضعت الدبوس الأخير في الحجاب فوجدته يقف يطالعها بصمت من خلفها. تعلقت عينيها الخضراء بعينيه للحظات. ومن ثم لا يعلم هو كيف أمسكت كفه بذلك الحنو عليه حتى فعلت فعلتها المعتادة وهي تضعه على معدتها برقة. حتى همست بعدها بنبرة هادئة صادقة تحثه على الصمود:
"أنا وهو بنقولك إن إحنا فخورين بيك أوي يا بابا."
شعر بقشعريرة تسري بجسده ما أن شعر بالفعل بمدى كبر مكانة هذه الكلمة التي قالتها في آخر حديثها. وبالطريقة الذكية علمت كيف تخرجه وستخرجه من ما هو به. ترقبت ملامحه باهتمام وهو ينظر إليها بشغف. عندما ردت ياسمين مرة أخرى:
"وبنقولك لازم تبقى جامد عن كده مادام إحنا جنبك. هتحتاج إيه تاني؟"
تسأله بخفة ومرح طفيف. فضحك حازم بخفوت وهو يسحبها من يدها كي يعانقها مع رده عليها:
"مش هحتاج حاجة تاني فعلاً. طالما معاكم وجنبكم."
تنفست بارتياح وهي تخرج من بين أحضانه وسرعان ما خرجت نبرته عليها بحب حينما قال:
"أنا مبسوط يا ياسمين صدقيني. وعايزك تبقي مبسوطة. عشان أنا فرحان إنها فاقت وإن شاء الله ترجع وتبقي وسطنا من تاني!!"
تعلم بأنه يريد أن يخفف عنها. لذا ابتلعت ريقها وهي تردف قائلة بحديث يرتبط به هو الآخر:
"أنا كمان مبسوطة. وعارف ربنا ممكن يقطع من حته ويوصل من حته تانية. امبارح كنا فـ إيه بس ربنا عوضنا بإيه؟ بحاجة كنت خلاص حاسه إنها ممكن متحصلش مع إني مش كده وكنت واثقة إنها هتفوق. بس لما لقيتك كده حسيت إن الدنيا كلها بتتقفل في وشي وكأن اللي حصل ده حصل فيا أنا مش فيك. أنا بتأثر بيك أوي يا حازم ونفسي تكون مرتاح وترمي كل ده ورا ضهرك زي ما عرفت ترمي زمان ومن فترة. أنا شايفة جميلة قوية عشان عز جنبها. عرفت ساعتها إن قرار رجوعهم لبعض كان أصح حاجة. وكل ما بقول على غسان مجنون بيرجع في كل مرة يعلى في نظري. كنت عارفه إنك خايف. بس عشان هو جنبها هي متماسكة زي بالظبط وأنا جنبك نفسي إنت كمان تكون ثابت. علشان نقدر إحنا الاتنين بتماسكنا ده نعوض فريدة ونقف جنبها أكتر وتشوف قوتنا فتكمل بقوة هي كمان. أنا عيلتي دي هي عيلتك. عارفه إنها هي هي يعني بس مش القصد. قصدي إن اخواتك اخواتي وهمهم همي أنا كمان. عشان كده بطمنك من ناحيتهم وبقولك لازم تكون مطمن إنت كمان ومتماسك عشانهم وعشاني وعشان اللي جاي لينا فالطريق يا بن عايدة الحلوة!!"
يشعر بدفء الحياة بسببها هي في كل مرة. يعلم بأنها أقوى منه بالتحمل هي الأخرى لذا يطمئن في وجودها أكثر. لم تجد منه سوى التأثر الذي بان في عينيه وحديثه حينما قال:
"بحاول. وهحاول يا ياسمين عشانك!!"
"وانا معاك بكل محاولاتك!!"
ضحك عليها وهي تردف ذلك بمشاكسة. قبل قمة رأسها برفق. وسرعان ما توجهت بعدما ابتسمت كي تفتح باب الغرفة. وجدت بالخارج عايدة وهي تقف مع عز الذي أتى وهو ينتظر جميلة كي تخرج من غرفتها في حين بقيت فريدة بشقة والدتها منذ أمس.
"اقعد يا حبيبي على ما تخرج. فاتها خلصت!"
"أنا هستنى برا مع غسان هو قالي إنه نازل فالاسانسير اهو.. وعلى ما حازم يخرج."
وجد حازم يقف أمامه بسرعة ومن ثم فتح ذراعيه. عانقه عز بغرابة. وقد خلى المكان من النساء وهما يدخلان لـ جميلة كي تتعجل. ابتسم له حازم ومن ثم بدأ بالحديث دون مقدمات:
"يمكن تتفاجئ يا عز من كلامي ده. بس عاوزك تعرف عشان ننهي الكلام في الموضوع ده. إنك غالي أوي عندي وإني يمكن أكون ظلمتك وعيشتك أوحش أيام ممكن كانت تمر عليك. بس عشان دي أختي وكنت خايف عليها أوي. مش ندمان إنك ليها. وإنك كمان جوزها رغم الظروف اللي موجودة واللي تمنع ده. بس انت الشخص الصح ليها. وبوصيك بعد اللي حصل امبارح ده إنك متجيش عليها يا عز ولا تعايرها وعارف إنك بتعوضها وهتعوضها. عشان صدقني وبقولهالك بكل صراحة هادية لو اختي جت فيوم وعرفت إنك جيت عليها بمجرد كلام مش هتكون ليك بعدها حتى لو مين حاول. مش عايز أكرر غلطات شوفتها وبعاني بسببها أعذرني.. وأنا عارف إنك راجل!!"
تنهد عز يأخذ أنفاسه وهو يرد عليه بثبات وهدوء:
"مش هقولك عيب منك تقول كل ده ولا هجادلك. بس الأيام هتثبتلك يا حازم بوجودها معايا. وعشان كده عايزين قاعدة كده نتفق فيها ع الفرح!!"
لم يتفاجأ حازم من قوله بل حرك رأسه إيجاباً. كونه مجهز ويعلم أنهم مستعدون لذلك إلى أن تنتهي هذه الأحداث التي تحدث. شهقت جميلة من خلفهم ما أن سمعت قول كهذا وهي تردد بتوتر ونبرة مرتفعة:
"إيه السرعة دي!!!"
كان الخوف المضحك رفيق نبرتها لذا التفت وهو يضحك بخفة مع شقيقها وسرعان ما أجاب بخفة يحذرها:
"وحياة حماتي اللي واقفة جنبك دي تسكتي خالص. أنا مصدقت موافق من غير أي اعتراض وتحكمات دماغه دي!!"
كان باب الشقة مفتوحاً. وهم من أمامه. لذا رد غسان من على بعد وهو يدخل بتبجح حينما وقف معها يستمع إلى الحديث:
"يلا كل واحد يبوس إيدي بالدور على اللي جمعهم من تاني بكتب كتاب على طول!!"
دخلت خلفه وهي تبتسم بقلة حيلة منه ومن تبجحه مع ضحكاتهم في الداخل. فردد حازم بعدها له بثقة:
"هو مش كتب كتاب بس اللي الواحد شايلهولك يا جميلة دا حاجات كتير يا غسان والله. ربنا يخليك لينا يا صاحبي!!"
قصد ما فعله مع شقيقته وأحداث أخرى. عانقه كونه يراه أول مرة بعد ما حدث في المحكمة وعلم بها آخر الأحداث. عانقت نيروز النساء والفتيات. ودخلت وردة هي الأخرى تعجلهم مع يامن الذي حمله غسان وهو يقبله ويداعبه مع نيروز مردفاً عليها كلمات خاصة برغبته في الإنجاب سريعاً بطفل مثله. ووسط خروجهم للخارج حيث انتظار عائلة غسان وقفت جميلة في مواجهة عز الذي ابتسم لها بسمة رجولية زينت محياه وهو يقول:
"أبيض بردو يا ملاك إنتي. هتروحي فين تاني بجمالك ده يا جميلة قوليلي!!"
خجلت من تلميحه وهي تقترب منه. وتعمدت خروج حديثها دون حرج حينما ردت بقولها الذي أثار دهشته:
"هروح بيتك يا عز!!"
صفق لها بإعجاب. وقد تعلقت عينيها بعينيه لمدة دقائق يسمعها هما الأصوات في الخارج. وبقت هي تائهة إلى أن قالت له دون مقدمات:
"كنت فاكراك هتاخد جنب شوية مني أو هتكلمني على قد الكلام وخلاص بسبب اللي حصل امبارح. وأنا آسفة يا
وقت يرى بأن ما به غير منطقي للغاية، وأوقات أخرى يرى بأنه الصواب والكل من حوله على خطأ. يرسل لها رسائل مرة أخرى ولكنها لم تجب، لم تمسك الهاتف إلا نادرًا من الأساس. كان اليأس رفيقه وهو ينهد. ولحظة واحدة هزته وسارعت من دقات قلبه هي انتباهها له حينما هتفت عالياً من الشرفة وهي تقوم بأخذ الملابس من على الحبل:
"إنت يا اسمك إيه؟!"
لم تكن الكلمات سوى من "حنان" التي لاحظته، وكي تكذب وتصدق ما تتخيله هتفت تناديه رغم عدم علمها هو من بينهما خاصة أن ذقنه نبتت هو الآخر فأصبح مثل شقيقه! ابتلع "بسام" ريقه بصعوبة وهو يغمض عينيه يأخذ أنفاسه كي يتحلى بالثبات، ثم التفت ينظر ناحيتها على بعد. وما أن رآها تشير له بيديها، تحرك بضع خطوات وهو يرفع رأسه وكانت هي أعلى من الشارع بقليل. ابتسم "بسام" لها بسمة مهزوزة لم تظهر حينما قال بترحيب لها وهي تنظر له بابتسامة واسعة:
"إذيك يا أم عز؟ إيه الأخبار؟"
وضعه وكأنه متبجح وهو لم يكن كذلك طوال حياته، لذا سيخرج لها المبررات الذي رتبها بعقله لقدومه إلى هنا. سيكذب وهو الذي يتسم بالرزانة لمن لا يعرفوه، بل والانتظام أكثر على مبادئ جيدة عن شقيقه! ابتهجت ملامحها ما أن تأكدت من شكلها بوجود أحدهم أمام منزلها. رددت بلهفة تتحدث وتجيب عليه بترحاب حار:
"الحمد لله، إذيك إنت يا حبيبي؟ تعالي أدخل اتفضل.. استنى هروح أفتح لك الباب ميصحش وقوفك كده!"
وود لو يركض إلى منزله الآن. حاصرته ولم تعطيه الفرصة للرد بالرفض، بل وجدها اختفت سريعًا. لذا أُجبر على الدخول من الباب الرئيسي للداخل أمام باب شقتها التي فتحته ووجدته أمامها. مدت يديها ترحب به فمد يديه يصافحها رغم حرجه، ووجدها تردد مرة أخرى بلهفة:
"تعالى أدخل يا حبيبي ميصحش تقف على الباب كده!"
حاول رسم الثبات على ملامحه ثم قال بهدوء:
"الله يخليكي يا أم عز. هو عز فين؟"
"هو مش جالكم يبني؟"
اهتزت ملامحه وهو واقف وسرعان ما أنقذ نفسه بتعلثم لعدم قدرته على الكذب:
"آه.. آه جالنا فعلاً!"
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة منه ومن وجوده ولم تستطع قولها، بل راوغت وهي تردد مرة أخرى وهو واقف:
"أومال.. طب هتفضل واقف كده.. ما تدخل يبني!"
ضغط على أسنانه بندم من ضغطها ومن قدومه من الأساس. حاول الثبات للمرة التي لا يعرف هو عددها، وكانت ملامح الحرج عليها وهو يجيبها قائلاً بـ:
"مرة تانية إن شاء الله. ميصحش أدخل طالما عز مش موجود. مع السلامه!"
تصمم على الضغط عليه. ود لو يسب لأول مرة بحياته يسب نفسه لمجيئه إلى هنا! عندما قاطعت سيره وهي تمسك ذراعه قبل أن يرحل وهي تسحبه بعفوية وحزن:
"انت زي عز يا بني أدخل ومتزعلنيش منك بقا يلا!"
أُضطر للرضوخ وهو ينساق وراء حديثها. دخل خلفها وهو يهبط رأسه بحذر من جلوسها براحة في منزلها رغم لهفته برؤيتها. ومالا يعلمه هي بأنها لا تخرج من غرفتها بالأساس. انتهى بجلسته بحرج في غرفة الضيوف وهي تدخل عليه بعد وقت بكوب من العصير تضعه أمامه بلطف، ثم جلست مقابله وهي تردد عليه:
"منور يا...."
توقفت عن الحديث بتعلثم. فرمقها بلين وهو يبتسم مجيبًا إياها بلطف:
"بسام.. معاك بسام!"
"معلش يا بني استحملني لحد ما أعرفكم من بعض. إحنا يعني بقينا عيلة وحبايب بعد اللي عملتوه مع عز ابني!"
يود الفرار الآن وبكل سرعة ولكن بعد فوات الأوان. رد عليها بلباقة تتناسب مع شخصيته:
"متقوليش كده ده عز أخونا!"
صمتت لا تعرف كيف تفتح الحوار. وقبل أن ينهض، سألته باهتمام وحرج مرة أخرى:
"أنا بشوفك هنا بقالي كام يوم حتى قولت يمكن بتهيألك يا بت يا حنان بس لما شوفتك النهارده اتأكدت.. إيه سر مجيتك دي؟ لتكون يا خويا عايز تيجي لعز ومحروج.. لا البيت بيتك والله و...."
يعلم أنها عفوية ومضحكة بل واتضح بأنها بغير حالتها بمرضها. شخصية أخرى بعد شفاها! قاطعها بكذب لينهي الحديث:
"لا.. أنا كنت باجي لواحد صاحبي هنا ساكن جنبكم بشوية!"
"دكتور بردو؟"
قالتها باستنكار. فرد هو باندفاع دون تفكير:
"آيوة"
"والله غريبة اول مره أعرف إن أول الحارة فيها دكاترة كده وجيرانا كمان.. ابن مين ده؟"
من بين مسكة للكوب وكي يعرف تصنع بأنه كان سيقع منه كي يلهيها. فنهضت تجلب له مناشف ورقية سريعًا وهي تقول بلهفة:
"على مهلك يا بني.. حصل خير!"
مسحت ما وقع بقليل فقط. وقبل أن ينهض مرة أخرى، هزمه عقله بالسؤال عليها حينما قال بلين:
"وأخبارك وأخبار.. الآنسة.. فرح إيه؟"
رمقته بحنو وهي تهز رأسها بحيرة مرددة بتنهيدة:
"الحمد لله ماشي الحال.. شوية كده وشوية كده"
وأكملت سريعًا بتلقائية:
"ونبي يبني لو عرفت تقعد كده وتلين دماغ عز ابني من نحيتها عشان يسامحها ويرجع يكلمها قوله. البت يحبة عيني حالتها مش عجباني ونفسيتها وحشه خالص. أنا عارفه والله ان اللي عملته معاكم هناك مكنش سهل بس إنت واخوك بردو ليكم كلام على عز. وهو والله بيعتبركم أخواته وأكتر!"
يشرد في حالها من جديد. لذا يشعر أيضًا بالشفقة عليها. حرك رأسه لها بموافقة وهو يجيبها حديث مطمئن ومن بينه جاء بآخره حينما سأل عنها بعفوية:
"أومال هي فين.. أنا مستعد أقعد معاها وأكلمها عن اللي بيعمله عز معاها وخليها تطمن. كده كده هما أخوات وملهمش غير بعض!"
كانت تتردد في قولها له بأنها نائمة. لذا نهضت ونظر هو بحماس عندما نهضت. وابتسمت وهي تقول:
"هشوفهالك يمكن تكون صاحية ولو عرفت تهديها كده من حالتها دي هديها ي بني!"
حرك رأسه بشغف. وبهذه اللحظة تبخر كل ندمه وهو يجلس ينتظر قدومها ويتمنى بسرعة على أن تنهض وتأتي له كي يشبع عينيه برؤيتها حتى وإن لم يتحدث معها. انتظر ومن بين جلسته وجد هاتفه يدق برقم شقيقه "غسان". تردد بأن لا يجيب ولكنه أجاب سريعًا قبل أن تأتي من الداخل:
"ايه يا غسان؟"
"انت فين؟ مش قولتلي هتحصلني على المستشفى؟ أنا وصلت ومستنين ندخلها كلنا ومش لاقيك!"
يتردد في قولها وكيف سيقول بأنه الآن في منزلها؟ ذلك الغبي أوقع نفسه ولا محال من ذلك. وقد ذهب به تفكيره بماذا لو علم "عز" من والدته وعلم شقيقه بعد أن كذب عليه الآن.. سيصدق في القول عندما رماها على مسامعه مرة واحدة دون لين بأنها ترتمي على حدة الشباب:
"أنا عند فرح بيتهم!"
هنا وترقبت جميع ملامح "غسان" الذي كان يقف بجانبه "عز" مع "جميلة". من بين صدمته أردف مرة أخرى كلمة الاعتراض بصوت مرتفع أمام جميع الجالسين "انا حقاً اعترض" بأخذ أول حرف من أول كل كلمة. ضغط "بسام" على فكه منها وما أن رآها تدخل عليه أغلق الخط بوجهه سريعًا بعد هذه الكلمة!!!!!!!!
وعلى الجانب الآخر عندما قالها "غسان" نظر له الجميع بصدمة كبرى. وكانت "نيروز" تقف بجانبه. وكزته سريعًا. فسار "حامد" نحوه وهو يحدجه بغرابة مرددًا باستنكار يعنفه:
"ايه اللي انت عملته ده!"
جنبك بنات واحنا فمكان عام !!!!"
تاه بين الحديث حتى أنه لم يسمعه كاملاً منه وهو يحاول أن يدق على هاتف شقيقه مره اخرى ولكنه اغلفه ، سب سبه بذيئه منخفضه ، وصلت إلى مسامع "نيروز" التي فتحت عينيها على وسعها كما فعلت "جميلة" ، بينما التفت "عز" وهو يعقد حاجبيه مردداً بتساؤل :
_" الله ، مالك ياض ؟؟"
أخذ عليه وعلى طباعه وأسلوبه ، لذا قال له هذا بعفوية وبنفس الوقت بجديةٍ ، إهتزت ملامح "غسان" وهو يحاول أن يخفيها ولم ينتبه لاهتزازه ذلك سوى "حامد ", وهو يسمعه يجيب الٱخر ببسمة هادئه :
_" لا مفيش ، هندخل إمته ؟"
وضعت "نيروز" يديها بكفه وهي تحركه بحنوٍ ثم أجابت بغرابةٍ من توهانه :
_" خمس دقايق يا غسان مالك كده مش مركز ليه ، هو حصل حاجه؟؟،"
تسأله بمنتهى اللين ، وقد ظهرت ملامح الضيق عليه وهو يترك كفها كي يسير بعيداً. عنهم بقليل محاولاً الاتصال عليه مره أخرى ، تفاجئت من فعلته الفاتره هذه ، حتى تقابلت عينيها الحرجة مع عيني"حامد" الذي ربت على كتفها يحاول إخفاء ما فعله هو وهو يقول :
_" استني كده يا حبيتي وأصبري عليه ، بعد ما نخلص نشوف في ايه !!!"
أومأت له بالإيجاب وهي تنتظر ، وانخرط الجميع بالحديث وهو واقف من على بعد يحاول الاتصال به .. قطع شرودها ونظراتها ناحيته صوت "حازم " و"بدر ", الذي كان يحمل صغيره ، قال أحدهما :
_" عشان إحنا كتير كل شويه هيدخلولها وبعد كده شوية تانين يدخلو! "
قالها "بدر" بمرحٍ وقد تعمد هو قولها بدلاً من الممرضه المبتسمه البشوشه ، ضحك الكل بخفه عدا هي والتي تاهت بين ما يفعله هو على بعد بتكوير يديه وضغطه علي أسنانه وحتى إمساكه للهاتف بآنفعال!! ، تركتهم يخططون من الذي سيدخل أولاً ومن ثم ثانياً وهي واقفه تنتظره ولم تدخل إلا معه ، كونها تتأكد من صمودها بسببه إلى هذه اللحظه ، دخلت النساء أولاً مع "حامد" ، إلا فتياتها "نيروز"و"ياسمين"و"وردة" والتي تعمدت كل منهن بالوقوف لتأخذ راحتها معها بإزالة الشوق وخروج من قبلهم بسرعه ، رغم عكس ما يفعلونه بدخولهن هن أولاً ، ولكن ما لاحظوه من ما تفعله "نيروز" بسبب "غسان" جعلتهما ينتظراها !!!!
_____________________________________
قبل دقائق من الٱن .. وجدها تدخل عليه بملابسها الطويلة وبحجابها الذي خرج منه خصلاتها بخواء دون. إهتمام بترتيبه ، بل خرجت بسبب ضغط والدتها عليها ، إبتلع "بسام" ريقه وهو يطالعها ، تتسارع دقات قلبه ويهاب هو بأن يسمعها أحدهم، تعلثمت نظراته بها وتعلقت وهو يطالعها بسكون مريب ، فقط فقدت وزن أكثر ما كانت تفقد وملامحها تغيرت بسبب إكتئابها ، كل ذلك لا يعتبر فارق معه ، بل هو يعجب بملامحها هذه حتى ولو كان هو اجمل منها!! فقط عينيها الذي يتشتت بها ، تلهيه عن الواقع ، بأهدابها الكثيفه وعينيها الواسعه التي تقرب للسواد !! ، دبلت؟ من الحزن ؟، لوهله يحرك عينيه بينها وبين الٱخرى ، فقد تشبه والدتها إلى حد كبير جداً
_" إنت سامعني يا بني؟؟ بقولك أقعد وفرح بتقولك إذيك يا دكتور ! إنت معانا ؟؟"
خرج من شروده بسرعه بحرجٍ وعندما شعر بإهتزاز الهاتف بجيب بنطاله وضعه على وضع الطيران !! ، وهو يجلس سريعاً. محركاً نظراته بقوله :
_" ايوه..إذيك يا فرح أخبارك إيه ؟"
_" الحمد لله"
لا يثير غرابتها سؤاله ، لا تهتم من الأساس بل تسكن وتصمت بطريقة مريبه ظلت ساكنه بعد قولها ذلك ، حتى تنحنح هو بحنجرته وهو يردد مجدداً ؛
_" إحنا ..قصدي مامتك وكل اللي بيحبوكي مش عايزين يشوفوكي بحالتك دي يا فرح ، ليه ممكن تعملي فنفسك كده لما ممكن تحاولي ترجعي عز زي ماكان معاكي وكمان صاحبتك ودراستك اللي سيبتيه وحياتك ،ومستقبلك !!"
كان صحيح في قوله جلست "حنان" تنظر بإهتمام ونظرة الأمتنان تنظرها إليه بشده ، وجدها تبتلع ريقها وهي تنظر بمكان ٱخر تثبت عينيها بشرود وهي تردد بخواءٍ :
_" حاولت!!"
يؤلمة قلبه بسبب حديثها وكسرتها هذه ، رغم أنه يعلم بأنها أخطأت ولكن شعوره بأن يهون هو عليها ويعوضها قوي لا يعلم كيف أتى وهو لا يراها كثيراً !! ، تنهد يخرج أنفاسه يحاول بقدر الامكان بأن لا يظهر ثباته حينما رد عليها بإصرار :
_" ونحاول تاني وتالت ورابع ، وعلفكره حتى لو عملتي إيه فربنا ييسامح يبقى عز مش هيسامح ؟؟..فكري فنفنسك ونفسيتك وحياتك ، وإعرفي إن أخوكي ملوش غيرك فالنهاية !!"
_"عز بيحبها أكتر مني !!"
صُدم من قولها ذلك ، وعلم إلى ماذا تلمح هي ، أدمعت عيني "حنان" منها ، فرد هو سريعاً عليها بـ :
_" مستحيل يا فرح ،عشان عز أستحمل كتير علشانكم وكان قدامه ألف سبب يتخلى عنكم بس هو راجل ، حتى اللي يثبتلك إنه مبيحبهاش اكتر منكم إنها كانت فارقه معاه أوي وكان عايزها بس محاولش ، خد جنب بعد اللي حصل وهو بينفرد بوجعه ، وقعد يقول نفسي احاول عشانها بس محاوش ألا بينا ، محاولش بنفسه عشانكم وعشانك بالذات!!!"
قصد الوضع التي فعلته هي !! ، أدمعت عينيها بتيهه وقد صمتت للحظاتٍ ، تسمع صوت أنفاسه وسكون والدتها ولا تعلم هي كيف رددت وكأنها تتحدث مع نفسها حينما قالت بإعتراف موجع :
_"بس انا محدش بيحبني !!"
هبطتت دمعتها بكسره ، فتقدمت "حنان" تضمها من بين الغصه المريره التي إبتلعها هو بحزنٍ وألم ، لا يعرف بماذا يجيب ، بل أمسك نفسه علي لحظه بأن يعترف لها بحبه ويردف بأنه هو الذي يحبها وهذا كفايةُ بالنسبةِ له !! ، خرجت من بين احضان والدتها ، وسرعان ما سمعته يتخذ نحو ٱخر غير النحو الذي كان يتحدث به بالحديث :
_"واحد أتاخد منه كل حاجه بيته ضناه فلوسه عيلته صحته و لسه بيقول "أرضيت يارب " ؟ ملكك يا رب خذ من دمنا وولادنا ، وطاقتنا عشان ترضى يارب ، وإحنا لو حصل لنا ربع دول بتعب بس بنقول إشمعنا أنا ..وبنقعد نندب كام سنه قدام ، أه الزعل موجود ..والحزن كمان ، وبيسيب علامات جوانا ،مش بتتشال بس مع ده كله لازم يكون الايمان قوي بإن اللي بيحصل ده إبتلاءات من ربنا وامتحانات أو حتى تكفير ذنوب ، أعتبري كل اللي راح واللي إستحملتيه إبتلاء وإمتحان ، واللي عملتيه من غير تفكير هو تكفير ذنب عشان فالٱخر تبقى الجنه سهله ، الجنه درجات يا فرح وعشان كده جينا هنا الدنيا نستحمل ونبني بيت لينا فيها فالٱخر بتحملنا وطاقتنا وصبرنا ده ، مش يمكن فالٱخر بعد كل اللي حصلك ده يبقي ليكي الجنه ؟؟ "
سرد عليها بكل يقين ، تأثرت"حنان " من حديثه ، بينما هي بقت ساكنه تحرك رأسها وفقط ، ومن ثم نهضت ببطئ تبتسم له حتى قالت بنبرة موجعه مخفيه بها الالم :
_"شكراً يا دكتور..عن اذنك!!
وكانت هذه جملتها التي قالتها قبل أن ترحل ، رغم ان والدتها رمقتها ولكنها تجاهلت هي تجلس بمفردها ، علم بأن الحديث معها لم يكن لديه فائدة ولكن رؤيته لها كان هذا الذي يريده ، إبتلع ريقه وهو ينهض هو الٱخر بحرجٍ ، فوقفت "حنان" تهتف بأسف بنظراتها ولباقه في حديثها :
_" لسه بدري يابني !!"
_" معلش يا ٱم عز ، ان شاء الله المره الجايه نقعد ونطول أكتر !!"
لما يلمح ذلك ؟ ، قالها بتلقائيه ثم سار من خلفها وهي تسمعه تشكره :
_"شكراً يا دَكتور "
ضحك عليها وعلى هتفها بلقبه , ورغم حزنه عليها وعلى حالها ولكنه يريد هو من يشكرها الٱن وليس هي ، واهٍ لو علمت هى!! ، أغلقت الباب خلفه بقلة حيلة ، واما هو فحاول أخذ أنفاسه براحةٍ ، ولوهله يعاتب نفسه لحدوث كل ذلك ، ماذا فعل القدر معه في حين بأنه كان يريد الذهاب ؟ البعض يري بأنه وافقه والبعض الٱخر يري بأنها ما هي سوى لبداية مشاكل جديدة لما يترجمه عقل "غسان" بفعتله الجريئة هذه !!
___________________________________________
أما الٱن بالجانب الٱخر ، خرج الكل من الغرفه وهي بالداخل تنتظر فتياتها الثلاثه. !!
وقف "عز" بجانب "جميلة" وهو ينظر ناحية "حازم" الواقف يسند "ياسمين" حتى قال له بإذن رغم أن الأخرى تعتبر زوجته:
"معلش هاخد مراتي كده نتغدي برا وهنرجع على البيت علطول!"
قالها بمرح. فحرك له "حازم" رأسه بموافقة. ثم قال سريعًا قبل أن ينسى:
"متتأخروش عشان زي ما إنت عارف شادي مأكد علينا كلنا إننا نروح معاه لأهل منة النهارده والبنات كمان هيروحوا يقعدوا معاها فمتتأخروش انتوا الاتنين وخلي بالك منها يا عز!"
حرك رأسه بتفهم. ثم قال بهدوء قبل أن يرحل معها:
"متوصنيش على مراتي يا حازم فـ عيني اللي مشافتش غيرها كده كدة!"
ثبتها قوله وهي تلتقط ممكسه بكفه لترحل معه. وقبل أن يسير بطريقه وقفت هي مع "نيروز" وتقدم هو نحو "غسان" الذي لازال يحاول إلى الآن الوصول لشقيقه:
"مالك يا غسان؟ لو في حاجة قولي وأنا معاك."
وأكمل سريعًا بستجوبه بشعبية:
"قولي لو في مشكلة حصلت ولا خناقة ولا حاجة؟ حد مزاولك؟"
ابتسم له "غسان" باتساع قاصدًا. ظهور ذلك وهو يضع الهاتف بجيب بنطاله. ثم ضربه على كتفيه بخفة وهو يغمز له قائلًا بتبجح:
"هو حد يقدر بردو يا عز؟ وبعدين هحتاجك ليه؟ إلا إذا كنت بجح مثلًا وخدتك معايا لأخوك نزاوله إحنا!"
قالها بكيد وتبجح وهو يضحك فقد فعلها قبل ذلك مرة واحدة وتعالكا الاثنان معًا. غمز له "عز" ثم رد له الضربة بقوله الزاهي به:
"على وضعك!"
ابتسم له حتى حرك أنظاره ناحية "جميلة" التي أتت لتذهب معه بعد إشارة "عز" له بالوداع وإعطائه المفتاح الخاص بسيارة "شادي" ليركبها "بدر" بدلاً منه. استعدت كل من "ياسمين" وزوجها للدخول ومن ثم "وردة" وزوجها هو الآخر الذي لم يترك والداته لحظة واحدة. ومن ثم "نيروز" التي ابتسمت ما أن رأت "حامد" يتوجه ناحيتها هو وزوجته. في حين اقترب "غسان" محاولًا رسم ملامح عادية. طالعته بصمت واهتمام. حتى وجدت "حامد" يردد له:
"إحنا كلنا هنسيبكم على تحت على ما تخلصوا!"
هز رأسه بموافقة. ومن ثم لاحظ هو ذهابهم جميعًا حتى "زينات" الصامته التي كانت بجانب "فريدة" التي ترافقها بمحاولاتها بأن تجعلها أفضل مع الوقت. تعلقت عينيها بعينيه الذي يحاول هو ولأول مرة الهروب منها كي لا ينهزم. وما أن وجد سؤالها له بخفوت:
"مالك؟"
سحبها عقب قولها بعدهم كي يدخل بها دون الإجابة بل ابتسم لها فقط بإطمئنان. وما هي سوى لحظات ودخلوا إليها وهي مسطحة تستند على الفراش المريح. اندفعت "نيروز" أولًا ما أن رأتها بلهفة ولكن أمسكتها يد "غسان" سريعًا تمنع اندفاعها ذلك بقوله العقلاني لها وهو يهمس:
"براحة وبلاش عياط عشان حالتها لسه فالأول، ماشي؟"
حركت "نيروز" رأسها بنعم. وقد أنقذ هو اللحظة. لم تستطع أي واحدة منهن عناقها. بل وقف كل منهن بأعين مدمعة وبجانب كل منهن زوجها. وأول من تحدثت كانت "نيروز" وهي تردد لها بتأثر حينما أمسكت كفها:
"أنا.. أنا مبسوطة أوي ياماما إنك رجعتي. كنت حاسة وخايفة. بس روقي بقى بسرعة عشان خاطري. البيت ملوش أي طعم من غيرك ومن غير نفسك اللي بتطمني!"
في هذا الوضع لم تتحدث "سمية" كثيرًا بسبب وضعها ولكنها تأثرت وهي تردد بضعف لها:
"أنا.. معاكي يا حبيبتي.. مش هسيبك!"
ابتسمت لها بفرح وهي تنظر نحو "غسان" وكأنها تتأكد من اللحظة. حرك رأسه لها بسعادة من رؤيته لتأثرها ذلك. ومن ثم بدأت "وردة" تتحدث هي الأخرى وهي تقول:
"حمدلله على سلامتك يا ماما وحشتيني أوي أوي!"
ابتسمت وقبل أن ترد ببطئها هذا تحدثت "ياسمين" بإختناق رغم عكس حديثها:
"وحشتيني يبنت الإيه.. وحشتيني يا سمية!"
تعالت ضحكات الشباب وحتى شقيقتها وشقيقتها الأخرى. لم تقدر "سمية" على أن تخرج ضحكتها لذا ابتسمت لهن جميعًا وهي تقول:
"ربنا يخليكم ليا يا حبايبي!"
وقف "غسان" باعتدال وهو يردد لها بنبرة هادئة لطيفة:
"حمد لله على سلامتك يا حماتي. ولينا قاعدة مع بعض نتصافى فيها على رواقة بسبب أسبوع العسل اللي طار في النكد ده. حرام عليكي يا شيخة دا أنا راجع الشغل كمان كام يوم. يرضيك؟"
تعالت ضحكاتهم جميعًا بشدة هذه المرة. ومن بينها هتفت هي بابتسامة متعبه:
"ربنا يسعدكم يا حبيبي!"
ابتسم لها بهدوء وهو يسمع الآخران يرددان بحديث لطيف لها وعلى سلامتها وبالأخرى "نيروز" وشقيقاتها والحديث بينهم وبين بعضهم وهو ساكن صامت يشرد بوضع شقيقه وما فعله بغير فهم منه. خرج من شروده على قول إحدى الممرضات المتأسف لهم بـ:
"أنا آسفة.. بس وقت الزيارة خلص!"
"بسرعة كده؟"
قالتها "نيروز" التي تتمنى بأن تجلس. وقبل أن تعترض "ياسمين" واصلت الممرضة تردد مرة أخرى:
"بنتأسف بس حالة الوالدة متسمحش إنها تتكلم كتير. بعد إذنكم!"
حركوا لها رأسهم بتفهم وهي تراهم يودعونها بحب وشوق لم يزول إلى الآن. وفي طريقة لخروجه نظر نحو ركن ما بشرود. حتى لمح رغمًا عنه ذراع الممرضة وهي تتخطاه. كان شارد بما حدث وما سمعه وبعالم آخر غير واع بذلك. وكزته "نيروز" بغيظ وهي تسحبه نحو الخارج مرددة له بانفعال:
"إنت مفيش فايدة فيك وعينك دي!"
وقبل أن يرد عليها بتبرير من ما فعله رغما عنه دون قصد منه بذلك وجدها تسير من قبله مع شقيقتها وقد تركته واقف ينظر ناحيتها بغرابة من ما فعلته. فقط التفت فوجد "ياسمين" تسير مع "حازم" ووقف "بدر" بجانبه يكبت ضحكاته وهو يسأله:
"إنت علمت إيه؟"
"والله ما عارف ولا واخد بالي. يلا خلينا نمشي!"
سار معه وهو يكبت ضحكاته عليه و"يامن" هو الآخر يضحك على مظهر والده دون فهم شيئ. عقد "غسان" ما بين حاجبيه وهو يسألهما بمرح جاد:
"وإيه اللي بيضحكك إنت وابنك كده؟ ضحكوني معاكم!"
نظر بسخرية بآخر حديثه وهو يقدم له المفتاح الخاص بالسيارة ثم أخذ منه "يامن" وهو يسأله مرة أخرى باهتمام:
"قولتلي هتطلع إمتى من المستشفى؟"
"على أسبوع كده كمان وهتبقي زي الفل وتنفع تخرج!"
سارا معًا بعدها إلى الأسفل ومن أمامها "حازم" معها. وانتهت هذه الدقائق بوقوفهم أمام السيارات وركب كل منهم مثلما في القدوم. وعاد معهم "بدر" هو الآخر بسبب القرارات وبسبب إفاقتها هي الأخرى فلم يكن هناك سبب آخر.
سيذهبون لها كل يوم، البعض وكل منهم يوم ووقت إلى أن ينتهي كل ذلك.
سارت الثلاث سيارات مرة أخرى.
وفي سيارة "غسان" كانت هي تجلس في الخلف بجانب "دلال"، و"حامد" في الأمام والذي ترقب الوضع ومن ثم سأله سريعًا بتلقائية:
"أومال فين أخوك.. مجاش ليه؟"
"معرفش!"
وكان ذلك القول الجامد منه وهو ينظر على الطريق من أمامه. نظروا إلى بعضهم بغرابة، خاصة "وسام" التي أتت معهم بسيارتهم. تقابلت عينيها مع "نيروز"، حتى وجدا هما قول "دلال" له المتسائلة:
"مكلمتش أخوك يبني ولا إيه؟"
تنهد "غسان" يخرج أنفاسه وهو يقود السيارة بلفها لجانب آخر ومازال يقود تزامناً مع قوله وإجابته عليها باختصار:
"مقفول!"
صمت الكل بغرابة من طبيعة رده الجامد، وخوف "نيروز" من هيئته هذه التي لا تراها إلا في القليل. كثيراً ما ترى حنوه عليهم حتى بوقفته المنفعل. ماذا يفعل الآن؟ وجد الغباء من "وسام" حينما سألته بإندفاع دون مراعاتها وتفكيرها بما تفعله كل مرة حينما يكون منفعل. تبتعد عنه:
"هو إيه ده اللي مقفول؟!"
إستشعر الغباء بنبرتها. وكأن هذا ينقصها الآن. رفع عينيه بالمرآة يحدقها بقوة حتى ردد بجمود:
"بتعرفي تسكتي ولا مبتعرفيش؟!"
تنحنحت بحرج من أسلوبه خاصة أنها توجهت لذلك أمام "نيروز" لأول مرة. صمتت سريعاً وعلمت بأن به شيء. في حين حدثه "حامد" بجدية:
"إنت مالك كده متقفل كده وطايح فالكل ليه؟ قالتلك إيه هي عشان تكلمها بالإسلوب ده؟ احترم حتى ابوك وسنه!"
خافت "دلال" وهابت بأن يتطور الوضع لعراك ويعود يتجنبهما من جديد. لذا تحدثت سريعاً:
"خلاص خلينا نوصل على خير. حصل خير يا بني. ركز فطريقك!"
لم يجب هو أي من والده ووالدته، بل بقى صامتاً. قصد بأن لا يخرج بأي حرف منه كي لا يتطور الوضع. لوهلة شعر بالندم من أسلوبه معها. فرفع عينيه ناحيتها بالمرآة حتى وجدها شاردة بشرفة السيارة. أوقف السيارة بهدوء أمام أحد المحلات الكبرى. حتى التفت يحرك رأسه لهم وهو يسألهم باهتمام دون مقدمات:
"هجبلكم أكل وهاجي. حد عايز حاجه معينة؟"
نفوا برأسهم. فنظر هو ناحية "وسام". حتى خرج ومن ثم فتح الباب الذي ناحيتها وهو يشير لها قائلاً بلين:
"انزلي تعالي معايا!"
هبطت معه بالفعل. ومن ثم أغلق الباب وهو يتوجه ناحية الداخل. في حين كانت تكبت "دلال" ضحكتها فخرجت وهي تقول بيأس منه:
"غلبان يا حبيبي واللي فإيده مش ليه وميقدرش يزعلهم منه أبداً!"
قالتها بفخر وحب أمام نظرات "نيروز"، الصامته بالابتسامة فقط. وقد تعالت ضحكتها حينما رد "حامد" عليها بحب:
"طالعلك يا أم غسان. طيب زيك بالظبط!"
"بتتريق ولا إيه يا حامد؟"
"وأنا أقدر. طب إسألى حبيبة بابا كدة اللي جنبك دي أنا بحبك قد ايه!"
تعالت ضحكة "نيروز" أكثر وهي تجيبها بمرح:
"الصراحة يا طنط وشهادة حق. مبحبش فالدنيا قدك. يارب ربع حبه ليكي بس يروح لغسان!"
ضحكت بخفة وهي توكزها بكتفيها قائلة:
"إحنا هنحسد بقا ولا إيه؟ كل واحد يخليه فجوزه يا مرات ابني!"
ضحكت عليها بخفة. ومن ثم وجدت نبرة "حامد" العاقلة تخرج إليها حينما قال بوضوح:
"بيحبك يا حبيبتي. متزعليش منه. هو بس أكيد زعلان من حاجة وحاجة كبيرة كمان عشان بان عليه. بس نصبر كده ونشوف فيه إيه وإيه اللي مخليه كده!"
إستمعت له بيأس وقلة حيلة. وبالأخرى "دلال" التي لم تفهم شئ من ما يفعله ولدها. وخلال دقائق عادت "وسام" معه وهي تركب ممسكة بيديها الأكياس كما كان يمسك هو حتى قدمها لهم في الخلف كي يستطع أن يقود. وما أن لاحظ الكل ابتسامة "وسام". علموا بأنه رضاها سريعاً قبل أن تراكم منه. سار مجدداً بالسيارة ولم تكن سوى دقائق معدودة وهو يركنها حتى هبط الكل منها وهم يرون السيارتين اللاتان أتا قبل سيارته بسبب تأخيره قليلاً. أمسك بعض الأكياس والبعض الآخر بيد "حامد" حتى صعدا معاً بالأعلى كل منهم بالمصعدان. تقابلت عينيه مع عينيها المهتمة. فرسم هو ابتسامة لها وشقيقته بينهما في ذلك المصعد. حتى فتح ووصل "حامد"، قبله بالمصعد الآخر حينما ركب قبله. ففتح هو باب الشقة ودخل الكل يجلس بإنهاك في الصالة. ترك لهم أكياس الطعام بالغداء ليتناولوا معاً. وانسحب هو من بينهما. فسألته "دلال" قائلة:
"مش هتاكل يا حبيبي؟"
"لا الحمد لله. بالهنا والشفا انتم!"
تركهم يتناولون الطعام بصمت واستنكار. وحتى هي التي لم تتناول سوى القليل وبقت تحث "حامد" لها على أن تأكل جيداً. مردداً عليها بعض النصائح الحانية. وتفكيرها لا يخلو منه ومن حاله الغريب.
وقف بالشرفة في الداخل بانتظار حار له. ومن كثرة انفعاله المكتوم أخرج من أحد الأدراج علبة سجائره. وهو ينتشل منها واحدة كي يدخنها. عندما يكون بوضع كهذا. استند على السور وهو ينفث الدخان من أنفه وفمه. مخرجاً الهاتف من جيب بنطاله يحاول الإتصال به مرات أخرى. لا يعلم هو بأنه خرج من المستشفى بنفس ذلك الوقت الذي دخل الآخر بها وهو على مشارف العودة إلى المنزل بعد وقت. وجد رسالة من "شادي" بأنه قادم في الطريق. فرد عليه وهو يغلق الهاتف. منتبهاً لصوت إغلاق الغرفة وهو واقف بالشرفة. توجهت "نيروز" بحذر. حتى وقفت خلفه ووصل إلى أنفها وعينيها الدخان من تبغته الذي يدخنها. إبتلعت ريقها بمفاجأة وهي تردد عليه حينما وقفت بجانبه تنظر له بغير تصديق:
"انت إزاي تعمل كده؟ انت بتدخن من إمته؟"
تردد بعفوية شديدة وصدمة. طالعها بتهكم. وقبل أن تتحدث مرة ثانية أجابها بغير اكتراث:
"وانتي مالك!!!"
علمت بأن الوقت لا يتوافق. فقط فعلتها قبل ذلك وازداد العراك بينهما بالحديث. إبتلعت ريقها تتحامل على نفسها وهي تسمعه يتحدث معها بهذه الطريقة. ولن تنفذ قوله حينما قال لها بأن تتركه حينما يكون بوضع كهذا.
"مالي عشان عمري ما شوفتك بتدخن قبل كده ومالي عشان خايفة عليك وعلى صحتك. ممكن تقولي مالك وأنت سامعاك وجنبك!"
تعمدت اللين وهي تنفذ ما قالته والدته عنه قبل ذلك. أطفأها وهو يضعها بالمكان المخصص لها على الطاولة. ثم اعتدل يخرج أنفاسه وهو يحاول الاتصال مجدداً. لاحظت بأنه يقوم بالاتصال على شقيقه. فرفعت كفها تمسح عرق جبهته. فحرك هو عينيه ناحيتها وهو يسمعها تردد له بتيه:
"قولي مالك طيب.. فيك إيه؟"
إبتلع ريقه من قربها. وهي الأخرى تعتقد بأنها علمت كيف تشتته وتجعله يأتي بالإجابة. لا تعلم هي بأنه المعلم الذي علمها ذلك. هو الماهر الأصلي لهذه الحرفة. لذا تفاجأت به يهبط يديها من على جبهته برفض لما تفعله كي يأتي لها بالإجابة رغماً عنه بتشتت!
"إبعدي يا نيروز معلش دلوقتي، سيبيني مع نفسي شوية!"
"مش هسيبك يا غسان عشان أنا قولتلك قبل كده، مش هسيبك عشان انت مبتسيبنيش في أي حاجة وفي كل حالاتي.. شاركني وأنا جاهزة، مش يمكن عندي حل؟"
تريد سؤاله عن ما يخص "بسام" ولكنها ترفض كي لا ينغلق هو بالحديث التي تريد بأن يردده بإرادته. حرك رأسه بسخرية وهو يقول:
"مبقاش ليها حل خلاص، مفيش حل ليه وأنا اللي كنت فاكر هيعقل!"
علمت بأن الحديث على "بسام"، لذا سحبت يديه تربت عليها وهي تقول بلين:
"طب هدي نفسك واتكلم براحة واقعد!"
رفض الجلوس وهو ينظر نحو شاشة هاتفه للساعة. يأست منه ومن احتمالية بأن يتحدث، ولكنه عاد يضغط على فكرة بسب شقيقه عندما وجد الهاتف مغلق مرة أخرى!
"أقسم بالله يا أنا يا أنت يا بسام!"
صمتت تنظر بترقب وهي تقف أمامه بسكون. تنهدت تأخذ أنفاسها وهي تحاول الحل دون الفهم:
"طب اصبر عما يجي، وابقى كلمه!"
"ما هو مينفعش أصبر عما يجيلي، الغبي بيكملني من بيت عز وهو قاعد فيه وبيقولي بمنتهى البساطة إنه هناك. هناك إزاي؟ ورايح ليه؟ وإيه اللي وداه من أصله؟ غاوي وجع قلب، مبيبطلش يجيب الهم لنفسه، وأنا اللي بدوخ ليه في الآخر؟ قولته!! قولته متنفعكش وبرضو بيعاندي وكأني هضرة. في الآخر رايح لها وكمان عز مش موجود!! كل اللي بيعمله ده عك في عك!"
قالها بهجوم وبنبرة مرتفعة أمام وجهها بانفعال من فعلة شقيقه. قصدت بأن يهدأ حينما قالت هي:
"ممكن تهدى طيب؟ انت قولته إنك ملكش دعوة بيه وهو حر، سيبه يمكن هو صح!"
"كنت كذاب.. بكذب على نفسي وأنا عارف إن بالي مش هيهدى ليه وهفضل خايف عليه. أقسم بالله ما هو حمل وجع تاني، دا قعد يتعافى سنين وبالشكل ده ياريته اتعافى..!"
وجدت العجز في حديثه وقلة الحيلة حينما أمسك رأسه بتعب وهو يخرج أنفاسه بصوت. وكأن هو الآخر كل شيء ضده. رفعت "نيروز" ذراعيها تربطهما على ظهره من الخلف وهي تعانقه بحنو واحتواء. ضمته وهي تستند برأسها أسفل قمة صدره. تنهد هو يخرج أنفاسه وبعد لحظات بادلها العناق وهو يرفع يديه يمررها على ظهرها فوصلت إليه نبرتها الهادئة وهي تطمئنه:
"كل ده هيتحل ويعدي، بس خليك هادي عشان كل حاجة تعدي بهدوء."
وأكملت سريعا بخوف:
"وعد؟"
"لا مش وعد يا نيروز.. بسام محتاج يفوق لو مش من حاله معاها، يفوق بسبب اللي عمله النهارده ده!"
لم تسأله ولكنها هابت من قوله هذا. خرجت من أحضانه ببطء تزامنا مع نظراته إليها. فسمع هو صوت "شادي" والذي أتى في الخارج. بل والذي جعل بسمته تخرج حينما سمع "وسام" تزغرط حينما قال هو لها هذا بحماس. ابتسمت "نيروز" كي تخرجه من ما هو به ثم قالت بتأثر له تذكره بما قاله:
"مبروك مبدئيا على خطوبة خالك الوفي يا بن البدري!"
ابتسم على قولها ولم يلين إلا بسببها هي وحتى عناقها الذي يشعر بالارتياح به. امسك كفها يقبله بحب دون نبس أي حرف، إلى أن أجاب بعدها بلين بسبب طريقته معها قبل دقائق:
"انتي الوفاء كله والأمان يا نيروز. مبقتش ضامن بقى حد ليا غيرك، عشان كده متزعليش مني، بس إحساس العجز ده وحش وأنا مش عارف أعمل إيه واحل كل ده إزاي!"
ريتت على شاش كفه المجروح ثم قبلته هي هذه المرة وقد غيرت مجرى حديثه المؤلم بـ:
"هتبقى عيال يا بن البدري!"
"طب قبل ما نجيب عيال ممكن نطلع نشوف اللي هايصين برا دول؟"
ضحكت على حديثه حتى أومأت له وهي تخرج معه إلى الخارج. فتح الغرفة وهو يخرج وما أن خرج وجد "شادي"، يندفع بأحضان سريعا بحماس وهو يشاكسه تحت ضحكات الآخرين. وجد من بعدها "حازم" يدخل مع "ياسمين"، ومن ثم "بدر" و"وردة". أشار مجددا ناحية "وسام" كي تزغرط، فقامت بفعل زغروطة مرة أخرى عالية. فصفق الكل لها بإعجاب. وكان الحديث عشوائي إلى حد كبير فكل منهم بركن يتحدث مع الآخر ومن بين هذه الأصوات أدمعت عيني "دلال" وهي تقول:
"فرحانة بيك وعشانك أوي يا شادي. ربنا يكملها على خير ويسعدك!"
تأثر "شادي" من قولها ذلك، لذا رفع كفها يقبله بحب ثم همس بمرح جوار أذنها كي لا يسمعه "حامد":
"انتي أمي التانية يا أم غسان، وربنا لو حامد مكنش جوزك لكنت شوفت مستقبلي معاكي. ده حتى مش باين عليكي إنك أم لـ 3 شباب زي الورد وبنت زي القمر بس عيبها إنها شبه حامد بس!"
ضحكت بخفة عليه ويأس من حديثه المرح. فوجد من يفصلهم عن بعضهما بحنق وهو يقول:
"احترم نفسك وابعد عن مراتي."
"مراتك أه.. بس أمي.. أم العريس!"
ضحك "حامد" ثم أيده بحب وهو يعانقه بمباركة قبل أن يتم أي شيء. لاحظ هو سكون "غسان" الغير عادي وهو واقف يحمل "يامن" بجانبها. فتوجه ناحيته وهو يداعب الصغير ثم ثبت عينيه ناحية "غسان" وهو يسأله:
"مالك يا عم؟ متقفل ليه كده؟ لتكون مش موافق ع البت 'منة'؟"
شاكسه فقد كان يعارض عليها من قبل بالفعل. حرك رأسه نفيا، وقد سمع هو قول "نيروز" له والتي قصدت بأن تلمح به لهما:
"أه، موافق بس على سندس، يا بتوع سندس!"
قالتها بسخرية، فضحك "غسان" عليها وهو يغمز له بأن يصمت دون أن يجيب. ولكنه أجاب وهو ينظر ناحية صديقه:
"مالها دي!"
وأكمل سريعا بعد إشارته على عقله:
"ومين سندس دي مش فاكر."
تعالت ضحكات "غسان" مع غيظها منهما. فسمعت زوجها يجيب الواقف باهتمام:
"اللي عينيها خضرا."
صمت "شادي" يتذكر ثم واصل بإندفاع:
"اللي شعرها بني غامق."
"أه القصيرة."
"الكيرفـ.."
بتر حديثه وقطعته هي بقولها له:
"جميل أوي الكلام ده يا مستر شادي.. نبعت بقا التسجيل ده لـ 'منة' حالا، وميبقاش فيها لا خطوبة ولا جواز من أصله!"
أندفع "شادي" يأخذ الهاتف منها بلهفة وهو يردد بتمني:
"لا ونبي خلاص، أنا آسف يا مدام نيروز، آسف يا مرات الغالي! سندس دي كانت بت لزقة أصلا، وكانت عايزة ترتبط بـ 'غسان' وأنا كنت مرتبط بأختها التوأم، وكنا بنتلخبط بينهم وحاجة متعبه على الآخر والله يعني!"
صمتت تنظر له بذهول، فقد قال لها الآخر بأنه نفس الشخص كي يثير حنقها أكثر. غمز لها "غسان" بثبات. حتى وجدت "شادي" يقدم لها الهاتف مرة أخرى وهو يحذرها قائلا:
"خدي ولو شميت إنها عرفت حاجة خصم شهر ليكي و 3 شهور ليه!"
"مكافأة لينا احنا الاتنين وهظبطك بكلام حنين وكويس!"
قالتها بمرح، فضحك هو وهو يرى "غسان" يغمز لها بمرح.
مرة أخرى مشاكسًا إياها بـ:
"تربيتي يا رزقة!!"
بادلته الغمزة ولم تندمج بالحديث إلا بسببه هو كي تخفف عنه وتجعله يندمج مع الوضع. تركتهما مع بعضهما عندما وجدت "شادي" يهتم بشدة ليعلم ما به وما حدث ليجعله كذلك. أخذت "يامن" ناحية "وردة" و"بدر". حمله "بدر" منها. فوجدتها "نيروز" اللحظة المناسبة لتشكره حينما قالت:
"بجد يا بدر مش عارفة أقولك إيه. أنا بشكرك أوي على وقوفك جنب ماما وتعبك ده!!"
ابتسم لها بلطف وهو يستند على "وردة" بمداعبته لـ "يامن" وهو يجيبها بلباقة:
"متقوليش كده يا روز. أنا أخوكم هنا وابنها. وكله عشان خاطرها وخاطر 'وردة' الغالية على قلبي. ربنا يجعلها أيام سهلة وترجع بينكم وسطكم زي الأول عشان نسافر إحنا بقى ونشوف شغلنا وحياتنا..!"
عند هذه النقطة أدمعت عيني "وردة" كلما تتذكر باقتراب موعد سفرهما بالفعل. ابتلعت ريقها بصعوبة. وقد استشعرت حزن شقيقتها التي عانقتها بحب. وتأثر جلي على ملامحهما معًا. قصد بأن يظهر ذلك كي لا تحزن بشدة. فالوضع لم يكن مفاجئًا. وأما هو فشرد بحالة شقيقه الذي يسأل عن حاله. وقد اقترب هو الآخر بأن يخرج. انتبه الجميع على دخول "عز" مع "جميلة" وتهليل الكل بالتصفيق والبهجة بسبب تجهزهم كي يتوجهون لمنزل "منة". اعتدل الكل وخرج "حازم" معه "ياسمين" و"جميلة" و"عز". ومن ثم "غسان" مع والديه و"نيروز" و"وسام" و"شادي" "بدر"، و"وردة" و"يامن". حمل "غسان" و"عز"، العلب التي توجد بها الحلويات وقطع الكيك وأخرى غيرها.
أغلق "حامد" الباب خلفه وقد هبط الجميع بالفعل ببهجة وفرحة كبرى. وفي هذه اللحظة وقف "شادي" بشرود وهو ينظر لهم كل واحد يركب بمكانه المعروف بالسيارات. لوهلة شعر بأن يعوض بهم. وهم جميعًا عائلته حقًا. حتى بمن لم يكن بهم علاقته قوية. قوت مع الوقت وازداد قربهما وكان هو الذي بدأ بظهور أصله وإسنادهم ووقوفه بجانبهم. كل ذلك بسبب الحقيقة الثابتة التي لم ولن تتغير. حقيقة بأنه صديقه هو صديق "غسان" الذي يربطهم جميعًا بعلاقته مع الكل. وبعد أن ركبوا جميعًا. وقف ينتظر "بسام" بإصرار. خاصة أن "غسان" توقف عن المحاولة بالاتصال به. وقد فتح هو هاتفه فهاتفه "شادي". وما أن رآه قبل أن يدخل. رحب به بحرارة وهو يدخل بالسيارة. يجلس في الأمام و"وردة" و"بدر" و"يامن" في الخلف معًا.
***
السقوط في الهاوية الكبرى أمر شديد الصعوبة حينما يتيقن بمن وقع بها بأنه وقع وقعة لا نهوض فيها. إذن إنه الضياع! وأن الحياة لم ولن تعطيه الفرصة مرة أخرى. حينما يعلم بأنه ميت ميت. حينما يتذكر بأنه لم يرى منها شيئًا يثير إعجابه الطفيف حتى. يرى قسوة ثم ظلم ثم ضغط ثم تشرد ثم دناءة ثم وثم وثم إلى أن يتوافق مع كل ذلك ويتطبع بهذه الطباع بكل حماس. وكأن الشر يرى بأنه رفيقه وما رفيق الشر إلا سواه هو. ضاع بسبب أحدهم وقبل أحدهم كان بطريق الضياع يتأرجح بين الاستقامة أو ما يظهر بعكسها. وطبيعة عقله غير الهينة كانت تهزمه كل مرة بأن يستمر في طريق الضياع. أهلك نفسه وأهلك صديق طفولته وأيامه معه. أين هو الآن وأين صديقه وأين عائلته وأين الخير الذي تجاهله وبادله بالشر؟ يعلم بأنها ليالي مليئة بالوحدة والخذلان والخطر القادم على حياته الذي يشعر هو بأن نهايتها تقترب يومًا عن يوم ولا يزال إلى الآن لم يأخذ حظ هو الآخر من نصيب اسمه الذي سماه له والده. "حسن" كان مجرد اسم في حين بأنه لم يفعل ولم يرى إلا عكس ذلك. وعكس الحسن الآن وهو يجلس بالركن المخفي المعروف مع أشباهه يحقنون من الضياع مثله تمامًا. وكم من "حسن" لا يعلم بأن الطريق نهايته ليست هينة. ولكنه كان يعلم ومازال يعلم بأن طريقه هو نهايته معروفة. مشاهد متتالية في عزم تشتته وانتشائه وأحداث تهاجم ذاكرته. آخرها مع "آدم". ينسى الكل ويتذكر بقوة صديق أيامه الذي كان هو الوحيد الذي يعتبر حانيًا عليه عكس الأيام وعكس من منه ومن يعرفهم. أين هو الآن؟ ولما يتذكره "حسن" مهما يفعله من دناءة. يبقى هو الركن الحاني من بين شروذه وهاتفه لكلمات غير مفهومة تهبط دمعته على دون فهم للذي يحدث ولكنه الشيء الوحيد الذي يعلمه بأنه بطريق عكس طريق الآخر وهذا ما يثير وجعه وندمه بعدما يثير غضبه وانفعاله. وغيظه. مشاعر متضاربة كون الشعور الأساسي بأنه لا يريد شخصًا أفضل منه. وعند ذلك يقف لمواجهة شعوره تجاه صديق أيامه. يعلم بأنه الوحيد الذي كان يشعر به وما بداخله. الشيء الوحيد الذي عارضا بعضهما به كانت المصحة وقبل كل ذلك. طلب صديقه شقيقته منه ورفض هو رفضًا قاطعًا كونه يعلم بأنه بطريق خطأ ويعلم مراوغته جيدًا. قديمًا كان بنصف عقل يفهم ويرى ويسمع. والآن باع شقيقته وصديقه وكل من له ومن تبعه ولم يعد لديه أي ذرة عقل واحدة.
***
"وعلى جانب آخر عكس ذلك"
"أناجيك ولست ببطن الحوت لكنني في جوف الليل أصارع وحشة أيامي
لا إله إلا أنت دلني." - مقتبس
"آدم" وما حاله إلا حاله تشرح العكس بوقت والاتفاق بوقت آخر. مصحة والتي جعلته يتعافى نسبيًا. في كل مرة يشعر بها بالاحتياج يسب شقيقه وكل من كان السبب في ذهابه إلى ذلك القبر الذي كان يعلم بأن صعب بالفعل ولكن ليس لهذه الدرجة ومن بين سبه لكل ذلك يسب نفسه هو الآخر كونه أول الأسباب التي أتت به إلى هنا. شعور البغض.. الحقد.. الكره..
وعكس ذلك عندما يكون بحالة هادئة ساكنة أثر ما يأخذه من أدوية صحية هادئة تسكنه قليلًا. يشعر بالامتنان والحب والتقدير له. يود أن يخرج ليقبل يديه وقدميه على هذه الفعلة ورد الفعل منه. يبكي في الحالتين. انهيار وشوق. ندم. ودعاء. صبر ورضا. إلى أن شعر بأنه بدأ في أن يتحسن بالفعل ولكن عدم خروجه بسبب عدم ثقتهم التامة به. وجلس رغمًا عنه ليكمل الأيام الباقية والتي من المفترض بأن يكملها صحيحًا كي يتعافى من الإدمان. لم تصل نهايته إلى هنا. كادت أن تموت أحلامه. كاد شغفه أن يقتل ولكنه يعود تدريجيًا. والشئ الفخور هو به بأنه كان قد اقترب من الله قبل هذه الأحداث. فكان رفيقه في حبسته ووحشته هذه هو الخالق. عندما يجلس هو الآخر على سجادة الصلاة ومن بين ذرفه للدموع التي لم تتوقف بالندم والحسرة. حينما يتذكر السؤال الذي سيسأل له "بما أفنيت عمرك يا بن آدم؟" بما أفنيت شبابك. وماذا أهدرت وبماذا من الأساس وكيف؟ رفع رأسه بذقنه التي بدت طويلة نسبيًا وهو يرفع عينيه نحو سقف الغرفة القاسية عليه. يحبس بين ثلاثة جدران ورفيقه هو الألم والندم. ومن ثم الدعاء الذي لا يتوقف هو عن قوله. الدعاء الذي طلب الورقة به وهو يتذكر إصراره على أن تدخل رغم منع ذلك وانتهى كل ذلك بحل شقيقه للمشكلة. رغم أنها لا تعد مشكلة من الأساس. ابتلع ريقه وهو يمسح دموعه. يفتح الورقة الذي كتب هو بها بخط يديه الأدعية الذي أملاها له الشيخ. وبدأ القول على أن يسمي الله ومن ثم:
"ربنا رب الجمال أرنا إياه في تفاصيل أيامنا، ونداوة أعمارنا، وامنن علينا بشغف لا ينضب، واجعل قلوبنا مسافرة في رحابك حامدة على نعمائك."
توقف بتمني لهذه الدعوة بكل شغف على أن تمر أيامه ومن ثم يأتي من بعدها كل الخير. وواصل بعدها يكمل بـ:
"وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة."
شعور لا يستطيع وصفه هو يقول الدعاء في كل مرة دون ملل. رغم أنه يحفظه ولكن دقته على أن لا يخطأ وهو يناجي ربه كانت قوية. وأكمل بعدها بالدعاء الثالث:
"يارب أحينا حياة طيبة نتذوق فيها سخاء نعمك وجزيل كرمك ولذة رضاك. نسير فيها في واسع أرضك نتأمل جمال خلقك ونستشعر بها معنى استخلافك."
نترك أثرًا طيبًا وعملًا باقٍ وعلمًا نافعًا.
وأضاف مره أخرى بعد هتفة بكلمة "آمين" بكل لهفة:
"يا رب لا تجعلني في حيرة من أمري يا رحمن اختر لي ولا تخيرني فإن الخيرة فيما اخترته لي، إني وكلت وفوضت أمري إليك يا رب أرح قلبي ونوّر بصيرتي وأرني عجائب قدرتك في تيسير أموري."
يردد ويردد بكل أمل وثقة بأن الله يقبل العبد أينما حل وأكمل بعدها بدعائين خلف بعضهما وهو يقول:
"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين."
"اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من كل ذنب أعلمه أو لا أعلمه."
أخذ يردد "آمين" "وآمين" لكل من ردد الدعاء بالفعل ويردده، لم يكن لديه هو وحده ولم يكن لمن اتخذ هذا الطريق، بل دعاء لنا جميعًا ولأننا سواسيه. الكل يخطئ، الكل يندم، الكل يتوب، أو البعض، ومن المحتمل الأغلب مع الأمنية على أن يكون الكل بالفعل يتوب.
***
وقت آخر يمُر.. وها هي السيارات وقفت أمام منزل "منة" الحديث نسبيًا، هبط الكل من السيارات وأول من صعد مع بعضهم كانت الشباب و"حامد" ومن خلفهم الفتيات و"دلال" معهن. وقف "شادي" بحماس وهو يعدل ياقته دافعًا الٱخرين بيديه كي يقف "حامد" بجانبه وهو يردد:
"يجدعان وسعوا لابو العريس.. أيوه كده!"
"والله أنا حاسس إنك أول واحد تخطب فالدنيا يا شادي!"
قالها "بسام" بسخرية منه، ولم يغفل "غسان" عن تحديجه بقوة متحليًا بالصبر إلى أن يرحلا معًا إلى المنزل كي يتناقشا ويتواجها. ضحكوا عليه، ووقف الكل بهدوء، ومن ثم فتح الباب بواسطة "والد منة". تفاجأ من العدد أمامه في البداية ولكنه رحب بهم ترحيب حار، وكل منهم يدخل تدريجيًا خلفه لغرفة الضيوف، ومن ثم خرجت "منة" تعانق الفتيات و"دلال" بفرحة كبرى وهي تأخذهم معها في غرفة أخرى أيضًا، متناسبة خاصة بالضيوف بعيدة قليلًا عن غرفة الرجال.
جلست معهن والإبتسامة الواسعة تزين محياها، وكانت من تجلس بجانبها صديقتها "جميلة" التي ظهر على ملامحها الفرحة وهي تميل عليها قائلة:
"بجد أنا مبسوطة عشانك أوي يا منة.. مش متخيلة فرحتي بيكي!"
تأثرت فعانقتها أمام الفتيات ونظراتهن، وسرعان ما رددت "ياسمين" بإشمئزاز زائف لها:
"أنا قولت فالأول ملهمش ألا بعض.. بس يختي ملقتيش غير الواد بتاع البنات الصايع ده!"
وكزتها "نيروز" سريعا تحت ضحكات الٱخريات وخاصة "دلال" التي ضحكت بقلة حيلة عليها، وتزامنًا مع هذه الضحكات حاولت "نيروز" الحديث من بينها كي تثبت لها ما تراه:
"سيبك منها يا منة.. والله بتاع البنات ده لما بيحب بيحب بجد!"
"أومال فين مامتك يا حبيبتي!"
جملة سألتها "دلال" كونها لاحظت وحدتهم وعدم وجود أحد معها غير والدها وفقط. نظرت لها "جميلة" بتردد لم تفهمه، ولكن رسمت "منة" بسمة واسعة على شفتيها ثم أجابت بثقة دون اهتزاز:
"ماما الله يرحمها من وانا صغيرة، ومعنديش إخوات أنا وحيدة!"
كانت كتومة للدرجة التي جعلتها لن تتحدث بشيء كهذا لهم جميعًا عندما تعرفت عليهم غير "جميلة" التي كانت تعلم جيدًا ظروفها، وحتى لم تعطي فرصة لـ "شادي"، بأن تتحدث معه في هذه الأمور إلا أمس! شهقت "دلال" وهي تتزحزح إلى أن ضمتها إليها بحب وعفوية ثم قالت من بين فعلتها هذه:
"يقطعني يا حبيبتي والله ما كنت أعرف.. أنا امك بعد النهارده، والبنات دول إخواتك كمان!"
ابتسمت "وردة" بعدها بحب ثم قالت هي الأخرى بلطف شديد:
"أيوه طبعًا."
وإن شاء الله الدنيا تمشي كده سهلة جوه معاهم ويجعلكم لبعض ومن نصيب بعض!
"آمين" كانت كلمتهم كلهم بحماس تحت الضحكات والمشاكسات والحديث النسائي بعيدًا عن غرفة الرجال والشباب.
وعلى الجانب الآخر في غرفة الرجال والشباب كان الحديث عشوائي في البداية إلى أن جاءت اللحظة المناسبة واعتدل "حامد" الذي كان يجلس بجانبه "شادي" ومن الناحية الأخرى "غسان" ومن أمامهم "عز" وبجانبه "حازم" و"بدر" ومن ثم أمام الأنظار جميعًا والد العروس "منة" الرجل الخمسيني المسمى بـ "طارق". ترقبت حواسه باهتمام وهو يرى تنهيدة "حامد" تحت صمت دام للحظات ومن ثم بدأ قائلاً بلباقة كبرى:
"إحنا يشرفنا يا أستاذ طارق نطلب إيد الآنسة "منة" بنتك لإبني "شادي" ومعاكم فاللي تقولوه وتطلبوه وسمعنا رأيك وكلامك واحنا معاك للآخر طبعًا.. إحنا شاريين عروسة زي القمر وزي ما هي كده بقولك إنك برضه هتشتري راجل وسيد الرجالة كمان!"
كان حديثه لبقًا، ولا يعلم لما يكبت "شادي" ضحكاته فوكزه "غسان" كي لا يجعله يضحك هو الآخر تحت نظرات التحذير من "بدر" و"حازم" وبسمة "عز" و"بسام" القليلة الحيلة منهما. حدّق "طارق" في "حامد" والآخر بتمعن ثم ابتسم وهو يحرك رأسه مع قوله:
"في الحقيقة أول ما "منة" قالتلي قالتلي إنكم جايين تطلبوا إيدها مع عيلته. سألتها اسم حضرتك يا أستاذ "حامد" وسألت عليك وعلى ولادك هناك في العمارة وعرفت إنكم ناس محترمين ومش بتوع مشاكل ونعم يعني وسألت على شادي كمان!"
صمت ثم واصل تحت ضحكة "غسان" المكبوته من جملة "ليس لهم في المشاكل!!!!!!". واصل بعدها يكمل بما جعل بسمة "شادي" تتلاشى تدريجيًا:
"وعرفت برضه إنك مش والد الأستاذ "شادي". وبرضه المفروض أعرف أكتر عنكم وتعرفوني عن نفسكم!!"
هو الذي لم يعطيهم فرصة في البداية والآن يسرد عليهم ذلك. ابتلع "شادي" ريقه وهناك من اندفع بهدوء وتبجح مخفي في نبرته ولم يكن سوى "غسان" حينما رد عليه بقوله دفاعًا عن ما قاله وسبب به اهتزازًا من ثبات صديقه:
"أول حاجة يا أستاذ طارق إنت عرفت إن "شادي" محاسب قد الدنيا مش "أستاذ". تاني حاجة الأستاذ "حامد" والدي ووالد "شادي" ووالدنا كلنا هنا. وحقك طبعًا تعرفنا وتعرف هو مش والده علطول إزاي من صاحب الشأن نفسه. اتفضل يا باش محاسب شادي يا عريسنا!!"
اغتَاظ "طارق" من طريقته المراوغة في اختيار الكلمات الملائمة دون أن يقع عليه ذنب، وعلم أنه أول شخص يعرفه ليس هينًا في هذه الجلسة عن البقية الذي لم يعرفهم إلى الآن. تنحنح "شادي" بحرج ثم تحدث بها بنبرة رجولية هادئة:
"أنا فعلاً مش ابن الراجل الطيب ده بس هو زي أبويا. أنا والدي ووالدتي متوفيين من زمان جدًا من وأنا صغير. وعشت وكونت نفسي بنفسي وكان أبويا ومازال في الفترة دي هو "حامد" وإخواتي هم ولاده. عندي إخوات رجالة معنديش بنات بس هم مسافرين حاليًا وكل واحد في حياته. وقبل ما تسأل مجوش ليه فمحصلش نصيب يجوا. وإن شاء الله لو حصل نصيب هينزلوا على الفرح!!"
"مقطوع من شجرة يعني!!"
قالها "طارق" بتلقائية كبرى وهو يضع قدم فوق قدم تحت النظرات المستنكرة. قالها قاصدًا عدم وجود أحدهم بجانبه وحتى من عائلته. ضغط "غسان" على فكه بنفاذ صبر ثم رد عليه بوقاحة مخفية مجددًا:
"اسمها "شجرة" بالسين يا أستاذ طارق. محتاج كورس لغة عربية. يشرفنا تيجي تديهولك أختي في ثانوية عامة وممتازة في العربي!!"
أتت في منتصف جبهته وكي يسير الموضوع مرحًا تعالت الضحكات من الشباب و"حامد" الذي حدّقه بتحذير. وسرعان ما أجاب "طارق":
"وماله. العلم نور. شكرًا على المعلومة يا.."
"غسان... غسان البدري!!!"
ابتسم له بتكلف ومن ثم وزع نظراته عليهما وقد لاحظ وجود توأم له. ابتسم له "بسام" وقد فهم معنى نظراته فتحدث أولًا يعرف نفسه:
"أنا بسام أخو غسان وابن الأستاذ حامد وبشتغل دكتور!!"
نظر له بإعجاب ومن ثم سمع تعريف كل منهم بنفسه وأولهم كان "بدر" حينما قال:
"بدر البدري ابن عم "غسان وبسام" وأخو شادي الكبير. بشتغل مهندس!!"
"وأنا حازم الأكرمي. محامي وصاحبهم كلهم وأخوهم. وأنا والباش مهندس بدر والباش محاسب غسان. متجوزين ٣ بنات أخوات. فكلنا إخوات مع بعض هنا!!"
"وأنا عز الشرقاوي. ميكانيكي سيارات. صاحبهم وأخوهم. وكاتب كتابي على "جميلة" صاحبة "منة" وقريب إن شاء الله الفرح يتحدد وتنورونا!!"
عرف كل منهم نفسه تحت نظرات "غسان" المغتاظة. وعندما جاء الدور عليه هو ابتسم باستفزاز وهو يرد:
"غسان البدري ومحاسب تاني للتأكيد. وياريت نتقابل في الإنترفيو الطويل ده!!"
ضحك عليه "طارق" وحتى الشباب و"حامد". فرد "طارق" بعد لحظات يقول:
"بصوا يا بشوات. إنتوا طبعًا على راسي ودماغي من فوق. بس في شوية حاجات قبل ما أقول إني موافق لازم تعرفوها!!"
رد "حامد" بلطف:
"اتفضل يا أستاذ طارق. حضرتك تؤمر!!"
"الأمر لله يا راجل يا طيب يا محترم. وأنا متأكد إنك أكتر واحد هتفهم كلامي ده. أنا معنديش غير "منة" ودي بنتي الوحيدة. وكل حاجة ليا بعد ما والدتها ماتت ورفضت اتجوز بعدها. ربيتها وعلمتها وكبرتها. يمكن فعلاً تكون شخصيتها قوية زيادة عن اللزوم وده لإني عودتها تسند نفسها بنفسها وتكون قوية حتى ولو ضعيفة عمرها ما تبين ده أبدًا. مسمحتش لحد يكسرها ويجي عليها. بس أنا شفت فعين بنتي شغف وحماس ما شفتوش قبل كده. واللي بيحب بيضعف وبيكون سهل أوي يتكسر. وأنا يا ابني نقطة ضعفي هي "منة" لو اتكسرت صدقني هبقى واحد تاني غير اللي قدامك ده!!!"
تفهم الكل الوضع والبعض بشفقة كبرى. وحينها أجاب "بسام" عليه بتعقل:
"واحنا نضمن شادي وقلب شادي كمان. مش هتلاقي أطيب منه ولا أرجَل منه يراعي بنت حضرتك ويصونها!!"
"فعلاً.. وإن شاء الله يعمل بوصية رسول الله ويصونها وإحنا متأكدين من ده!!"
قالها "بدر" بلباقة. وسرعان ما تحدث "عز" بقوله الهادئ:
"يا أستاذ حضرتك بتشتري راجل. وشادي ونعم التربية اسألني أنا!!"
وكأنه يقوم بالدق على طبلة كبرى له. نظر له "شادي" وهو يغمز له تحت ضحكاتهم الخفيفة. وأخيرًا تحدث "حازم" وهو يقول:
"شادي راجل ويعتمد عليه وشايل مسئولية نفسه من بدري وفاتح شركة وعنده طموح وشغف. اللي يعمل كل ده سهل يحافظ على بنتك وميتخافش منه أبدًا عشان عارف إن الحاجة بتيجي مش بالساهل!!"
تفهم "طارق" الوضع جيدًا. وعندما جاء عند الحديث لـ "غسان" ابتسم له باتساع ثم قال:
"شهم وراجل وبرنس ومن الآخر مش هتعرف تلاقي زيه لبنتك. ها نقرأ الفاتحة بقا ولا إيه يا حج حامد؟!"
تحدث "حامد" سريعًا بحماس وتأييد:
"نقرأها. طبعًا بقا!!!"
أيدوه الكل بحديثه. فاعتدل "طارق" في جلسته وهو يبدأ الحديث باهتمام:
"أنا لسه مجبتش لبنتي أي حاجة.. وعامل حسابي أجيب لها كل حاجة مرة واحدة. فطبعًا هنصبر شوية. دا غير إنها في كلية طب ولسه لها كتير على ما تتخرج!!"
"وربنا أنا ناسي إنها دكتورة يا غسان!!!"
قالها "شادي" وهو ينحني فهمس له "غسان" بضحك:
"أصلك عدي عليك كل الأصناف عدا صنف الدكاترة دا. دا إنت هتتروق نكد وضرب. مستنيك أنا بالشاش والقطن يا حبيب أخوك!"
كان حديثهم منفخضًا بضحك مكتوم. إلى أن ترقب "شادي" قوله الأخير حتى اندفع يقول بسرعة:
"وأنا مش عايزها تجيب أي حاجة. أنا عندي الشقة ومجددها قريب بحاجات جديدة."
أنا عايزها هي وبس!
كاد أن يعترض طارق، فرد حامد سريعا بالقول المعتاد:
"يعني بشنطة هدومها يا أستاذ طارق!"
"لا ولا حتى شنطة هدومها. أنا هنقلها الهدوم على مزاجي في وقت رايق. الحاجات دي تخصني أنا!"
فتح الشباب أعينهم على وسعها وهلل حامد وغسان بضحك وصوت كي يخفوا ما قاله سريعا، ولكن الآخر كان قد سمع بقوة فاندفع يرد باستنكار:
"أفندم؟"
ترقبت ملامح الكل بتوتر، وسرعان ما أنقذ الموقف وهو يجيب بتغطية على ما قاله ولم يكن سوى غسان. حينما قال:
"مش القصد يا أبو منة. قصده يعني شنطة هدومها حتى عليه. وهو بيحب ينقي الهدوم أصله بيموت في الإسدالات والعبايات والحاجات دي!"
استنكر طارق دفاعه، فهتف يردد بغرابة منه:
"بس أنا بنتي مش محجبة!"
"ومالو يا أستاذ. ربنا اللي بيهدي وأنا متأكد إن الخطوة دي هتيجي بالهداوة والاقتناع عن طريق شادي بإذن الله!"
"والله أنا نفسي يا أستاذ حامد بس زي ما قولتلك سايبها تاخد قراراتها بنفسها ومتأكد من تربيتها وأسلوبها وتعاملها مع الناس. وبالنسبة لمتجيبش حاجة فأنا يعني مش متعود على كده، على الأقل نجيب اللي علينا أو نصه!"
عارض حامد حينما رأى نظرات الترجي من شادي:
"يا أستاذ طارق، الراجل جاهز من كل حاجة ومش عاوز غيرها وبس. ولمؤاخذة.. شادي يعني ماشاء الله من عيلة حالتها المادية كويسة ومرتاحة وعندهم غالباً. إخواته واخدين بنات ناس زيكم كده. وإتجوزوا بنفس الطريقة من غير أي حاجة من دي وسافروا مع إخواته والحياة مشت. الأصول أصول وكل حاجة بس بيبقى في حالات معينة بتعدي. خصوصاً إنه مش ناوي يتأخر على الجواز!"
بان الاقتناع نسبياً على ملامح طارق، وعند آخر الحديث اندفع يقول بتلقائية:
"أيوه بس بنتي لسه بتدرس. معتقدش هتوزن حياتها بين الجواز والدراسة. وخصوصاً إن بنتي عندها طموح ونفسها تبقى أحسن وتشتغل!"
"وأنا يا عمي معنديش أي مانع ولا هقف في طريقها. تيجي وتنور بيتها وأنا هتكفل ومسئول عن دراستها وعن كل حاجة. وإن طلبت أكتر من عيادة تتفتح فرقبتي سدادة!"
أغراه قوله، فتردد، وكان شادي متحمس في قولها من الأساس. ابتسم الكل منتظرين قوله ورده، ولكنه أجاب بتردد مرة أخرى:
"بس أنا بردو خايف على بنتي يكون الحمل تقيل عليها.. معتش حد بيعمل كده!"
هنا اندفع عز سريعا يقول بتوضيح:
"يا باشا.. أنا مراتي دكتورة زيها زي منة، وكاتب كتابي عليها من أخوها اللي قاعد ده. وقريب هنحدد الفرح، والناس أغلبها بقت بتعمل كده. ما أصل معتش حد بيتجوز بسهولة بردو الأيام دي، وشادي عريس لقطة يعمنا. نسمع بقا الموافقة واحلى زغروطة من جوه ونحدد الفرح يمكن الفرح يبقى فرح بعريسين وعروستين مع بعض. ها قولنا إيه؟"
هلل الشباب بآخر حديثه بحماس، ولاقت فكرته إعجاب حازم وهو يومئ له بسعادة بالغة، فأشار طارق بصوت مرتفع يقول:
"قولنا لا إله إلا الله. على بركة الله!"
كان القول مرتفع مما جعل الفتيات في الخارج تقف، ثم تعالت الزغاريط بالضحكات والأحضان تزامناً مع قول شادي المتلهف:
"خلاص يبقي الفرح آخر الشهر ده. يلا نقرأ الفاتحة الوقتي بقا!"
كاد أن يتردد، ولكنه توقف عن حالته وما عرفه وفهمه عنه، قليل ما يجد مثله وقد أغراه، ولكن الآخر تعد إبنته الوحيدة، لذا رد بلطف وصدق:
"وأنا حاسس إنك هتصونها يبني. شكلكم ناس محترمين وملقتش عفرابة عليك ولا عليهم.. وأنا موافق بس شوية تاخدوا على بعض وتفهموا بعض الأول!"
"أنا فاهمها وبحبها وشاريها وعايزها النهارده قبل بكره في بيتي!"
لم ينقصه شئ بالفعل، وطوال ما كان يفعله لم يشعر بإحداهن أن تكون زوجته سوى هي. هي التي شعر بها بأنها تستحق وتوافق أن تكون له غيرهن. وجد حامد يتحدث قائلاً له بحماس ولهفة:
"ونجيب الدهب كمان أسبوع على ما الظروف تتحسن شوية ونعرف نعمل هيصة... نقرأ الفاتحه بقا يا أبو منة!"
وأكمل غسان سريعا وهو يرفع يديه بعجالة يضغطه:
"يا حج إنت لسه هتستأذن. في الحالتين حسنات هناخدها. يلا سموا الله وإقرأوا."
بالفعل بدأ بقول السورة، فضحك الجميع عليه وبدأ الكل في قولها بهدوء، حتى الفتيات في الخارج. ومن ثم انتهت سريعا بقول الشباب في صوت واحد:
"آمين!"
نهض شادي بعدها يعانق والدها ومن ثم غسان وحامد والجميع. ودخلت منة بأكواب الشربات لهم وهي تقدمها بلطف. كانت رقيقة ترتدي فستان أبيض بسيط بثلاث أرباع كم وخصلاتها القصيرة تركتها فقط خلفها وفوق كتفيها، وكعب حذائها العالي تدق به وهي تسير نحوه تقدم له الكوب بخجل، فتلمسه هو يديها، فحدقته بتعنيف وهي تهمس له بتوعد:
"لم نفسك بدل ما أقوله مش موافقة ويروحكم حالا، يا بيه!"
اعتدل شادي سريعا يبتلع ريقه وهو يأخذ منها الكوب، وجلست هي بجانب والدها. ثم تعالت الزغاريط مرة أخرى وسط بهجة وفرح وسعادة كبرى. كانت الغرفة واسعة والحديث عشوائي ولم يكن الغريب سوى طارق. فدخلت الفتيات تقف كل منهن بجانب زوجها. ورحبن بوالدها ترحيب حار من على بعد وبلطف. وبقى غسان يطالع شقيقه من على بعد، والذي يهرب منه بالأنظار. طالع شادي منة بهيام، ووقف طارق يتحدث مع حامد، في حين ردد شادي لها بتيه بأعينها:
"قنصاتك دي هتقتلني قريب بجمالها يا دكتورة!"
"من غير بت!"
رددتها منة بخجل، فاعتدل هو بحماس وهو يجيب بفخر:
"لا ما خلاص بقا. بقيتي البت الدكتورة منة طارق خطيبة الواد المحاسب شادي بيه النجار!"
ضحكت بخفة وهي تنظر له، ثم قالت بعفوية كبرى لا تخرج منها إلا قليل حينما اعترفت له قائلة:
"بس أنا مبسوطة أوي.. وفرحانة!"
"مش أكتر مني. لو أطول أبوس الواد حازم هبوسه عشان هو السبب، هو ومراته لما شوفتك أول مرة فحنتهم!"
وأضاف سريعا بغمزة عين وتمني:
"عقبال حنتك يا أم عيون قناصة!"
يكملان الحديث بحب وكشف لمشاعرها أكثر عندما دخل هو بيتها من بابه حقاً وأمام من؟ والدها. هذا لا يشعرها بتاتاً بأنها تفعل شيئاً خطأ من خلف ظهره. لطالما تشاركه دائماً أحداثها العبثية وتفاصيل يومها. كان وسيكون صديقاً لها قبل أن يكون والدها. تعلقت عينيه بها وفخر وحب وتأثر لكبر ابنته الوحيدة ولم يجد هو سوى أيادي حانية تربت على كتفيه بتفهم وهو يقول:
"أنا فاهمك كويس وفاهم إحساسك دلوقتي.. وإنت راجل ليك الجنة وكتر خيرك إنك ربيت وكبرت وعلمت لوحدك واحدة مؤدبة وجميلة زي منة بنتك!"
تأثر طارق من حديث حامد.
وعانقه بحب وقبول، رآه بوجهه كما علم بأنه رأى نفس القبول والارتياح بوجه "شادي". هو الآخر.
وعلى جانب آخر بأحد الأركان، وقف يطالعها بشغف وهو يحمل "يامن" على ذراعيه. رأت نظراته لها فتعلقت بنيتها الفاتحة بالخاصة الداكنة له وهي تهتف بلغة تعلم بأنه حلها:
"دماغك جابتك ليوم خطوبتنا برضه؟"
"جابتني بكل تفصيلة يا رزقة. خطوبة يومين إلا وكتبنا الكتاب على طول، مفيش أسرع من كده!"
"خطبتني وأنا مش موجودة، بس قلبي كان معاك يا بن البدري!"
وأجاب "غسان" وهو يقبل "يامن":
"ولسه معايا ومش هفرط فيه أبداً!"
"ثبتني يا بن البدري!"
ابتسمت له بحب عقب قولها، وقالتها هي بصدق شديد وليس بمرح ككل مرة. وهذه المرة قدمت خدها لـ "يامن" ليلبي قول "غسان" له وهو يحثه كي يقبلها. خالف توقعاتها وقبلها "غسان" على فجأة وباندفاع وليس "يامن". فابتعدت بحرج شديد خوفاً من انتباههم. ضحك "غسان" عليها وهو يلتفت حوله، بينما مال "طارق" يهمس بجوار أذن "حامد" وهو يردد له:
"ابنك اللي هناك ده شكله مش سهل أبداً يا أستاذ حامد!"
أيده "حامد" وهو يكبت ضحكاته ثم قال بتأكيد:
"للأسف أه. ما ربيته. ربيت التاني اللي واقف هناك ده مرتين. معندكش عروسة ليه بقا؟ والله أدب وأخلاق وذوق!"
ضحك "طارق" عليه وعلى حديثه بمرح. واستمرت الجلسة إلى كثير بحديث عشوائي هنا وهناك وركن وركن آخر، وكل طرف مع طرفه الآخر إلى أن وقف "شادي" أخيراً يأخذ الإذن من والدها بقوله:
"طب أنا عايز أخرج مع "منة" يا عمي بعد إذنك طبعاً!"
"لوحدكم؟"
قالها "طارق" باستنكار. فرد "غسان" عليه سريعاً بـ:
"أنا ومراتي معاهم وكل واحد ومراته. لسه عايز إيه كمان؟ تعبتنا والله!"
ضحك "طارق" كما ضحك الجميع ثم هز رأسه موافقاً وهو يرد:
"طيب، بس بلاش تأخير لو سمحتم!"
أيده "حامد" ونهضت "منة" تعانق والدها بحب، وكل منهم يودعه. ولم تكن سوى دقائق وفتح باب الشقة وخرج منه الجميع لأسفل ناحية السيارات. ووقف "غسان" يهمس بجوار أذن "شادي":
"طبعاً فكك من اللي أنا قلته فوق ده. شد أنت واقعد معاها براحتك بس بلاش دماغك دي تروح لبعيد. أنا بساعدك أهو وأنت خليك محترم الفترة دي بس لحد ما تبقي في بيتك. همشي أنا وهروح بيهم وخد عربيتي وأنا هسوق عربيتك عشان المكان والناس دي!"
ضربه بخفة على كتفيه وعلم الكل بأنه قال ذلك أمام والدها فقط عندما غمز لهم وتفهموا الوضع. ضحك "شادي" وهو يتبادل معه المفاتيح وسرعان ما اندفع يقول بسرعة وخوف:
"غسان! عشان خاطري يا جدع وخاطر الفرحة دي لتتكلم مع أخوك براحة وبلاش مشاكل ونكد من تاني الواحد ما صدق!"
نظر له باطمئنان وهو يبتسم ثم ودعه بيديه. وأخذ السيارة كي يركب معه "حامد" و"دلال" و"نيروز" و"وسام" و"بسام" و"بدر" وصغيره. وبسيارة "حازم" معه زوجته وشقيقته و"عز" و"وردة". انطلقت السيارتان وركبت "منة" مع "شادي" بسيارة "غسان" بتوتر حتى نظر لها وهو يحرك السيارة قائلاً لها بلطف:
"تحبي تروحي فين بقا يا حبيبة قلب شادي بيه؟"
ضحكت على قوله بخفة وهي تنظر له. ولأول مرة تعيش هذه المشاعر التي عاشت تغلقها وتأبى أن تخرج لشخص غير مناسب. أتى هو بأقصر وقت وفعلها!
سارت سيارة "حازم" وكما سارت السيارة الذي يقودها "غسان" وسط الحديث المنشغل ومن ضمنه. ترقبت ملامحه وحواسه حينما سألت "دلال" "بسام" باهتمام:
"كنت فين يا حبيبي واتأخرت ليه كده؟"
انتبه "حامد" المتشكك بأمره وانتبه "غسان" وهو ينظر بالمرآة. وخفق قلب "نيروز" ولا تعلم لماذا. تقابلت عيني "بسام" مع "غسان" باهتزاز. وسرعان ما ابتلع ريقه وهو يهرب بعينيه ثم نظر ناحية "والدته" وهو يجيب:
"كنت في الشغل بعد الإجازة لقيت في ضغط في المستشفى وكده."
الاهتزاز ظهر في نبرته. واستشفه "غسان" الذي نظر بالمرآة بسخرية يعلم تمام العلم أن شقيقه غير بارع في الكذب ولم يحب فعلتها بأي قول لذا يظهر عليه. نظرة عينيه، طريقة حديثه، هروب سهام عينيه التي تبقى ثابتة. كل ذلك ظهر بقوة له ولكنه صمت. وكما لاحظ هو لاحظ "حامد" هو الآخر ولكنه صمت يفكر بوضع الأول واهتزاز الثاني وعلم بأن الاثنين بينهما عقبة لم ولن تنتهي لطالما الذي يتحدث ويظهر وقاحته صامت معه من الأساس. وعندما سأله عن شقيقه الذي يعلم عنه كل شيء أجابه باقتضاب!
ابتلعت "نيروز" ريقها وهي تداعب "يامن" بحب مع "دلال" التي تصنعت تجاهل توتر الأجواء الغير مفهومة منذ الصباح!
ولم تكن سوى دقائق ووصلت السيارات بالفعل أمام المبنى. خرجوا بالتدريج كي يصعدوا. وبالفعل صعد البعض وكان آخرهم "بدر" مع زوجته وصغيره لشقة "سمية". وهبطت "جميلة" تقف مع "عز". في حين عقد "حازم" العزم على أن يرحل لشقته بعد الآن مع "ياسمين". وبقى "غسان" و"نيروز". صعدت "نيروز" مع "جميلة" بعدما ودعت الأخيرة "عز" الذي وقف بترقب ينظر ناحية "عز" الذي التفت حوله ينظر ما إن لم يصعد أحد أو لا. وبالفعل ما أن رأى الكل صعد. نظر نحو "غسان" الصامت ثم قال بلهفة طفيفة واهتمام:
"خير يا غسان. قولي عايز تقول إيه سامعك!"
تردد كثيراً في القول. وعندما طلبه على انفراد قطع التردد وقتله بالفعل. تنهد "غسان" يأخذ أنفاسه ثم نظر على الاستراحة في الطريق المقابل وهو يتقدم إلى أن وقف وهو يشير له قائلاً باختصار:
"اقعد!"
جلس "عز" بجانبه. وقد سمع "غسان" فوراً صوت دقات الهاتف الذي أغلقه "عز" كي يسمع الآخر بهدوء. ترقبت جميع حواسه وهو يردد مرة أخرى بقلق:
"قلقتني يا عم ما تقول حصل إيه؟"
اعتدل "غسان" بثبات وهو يطالعه بصمت. ثم بدأ بحديثه المبتدأ:
"هقولك يا عز، بس قبل ما أقولك عايزك كده تفهم الوضع وتسمع اللي هقولك عليه بالحرف وللآخر!"
حرك رأسه بموافقة. وقد وصل لأعلى مراتب الفضول ممزوجاً بالقلق. بدأ "غسان" برمي قنبلته الأولى عليه حينما قال:
"انت تعرف إن بسام أخويا بيحب أختك فرح؟"
نظر "عز" ناحيته بذهول. ولم يفكر بذلك من قبل. وكأنه الآن صدم من هذه المفاجأة. كيف ولما ومتى من الأساس؟ صدمته جعلته يصمت للحظات إلى أن واصل "غسان" يكمل بنفس النبرة الهادئة:
"أو هو اللي حاسس وبيقول كده. بس هو لو اتقدم لأختك يا عز بأمانة كده وعلى بياض وكأني مليش علاقة بـ بسام. هتوافق؟"
ابتلع "عز" ريقه بصعوبة كبرى وقد تشتت عقله. انتظره "غسان" يتحدث بصبر وهو يطالعه بانتظار إلى أن أجمع الحديث بتعقل رغم صدمته:
"إنت صدمتني يا غسان. بس أنا مقدرش حتى أحدد حاجة زي دي دلوقتي. أختي مش جاهزة ومتنفعش بينكم بالبلدي بعد اللي حصل منها ده طول ما الوضع واقف كده. زائد إن لو على قولك وبسام اتقدم. فأنا مش هألاقي ليها أحسن منه بأخلاقه دي. لكن الوضع متلخبط وأنا مش... مش فاهم إيه اللي بيـحـ.."
قاطعه "غسان" سريعاً بثبات وهو يردف قائلاً له يجيب حديثه:
"وانت كده فاهم يا عز وعداك العيب. عشان قولت "أختي مش جاهزة طول ما الوضع كده". مش هقولك إن أخويا كمان مفيش زيه. بس من غير ما تفهمني غلط. فرح أختك محتاجة دكتور نفسي شاطر يقومها من اللي هي فيه ده ويفهمها ويخليها أقوى ويحل كل العقد اللي ممكن تكون جواها من زمان. وده مش عيب أبداً."
كونك تفهم ده فإنت كده ميه ميه. لكن لو على أخويا والجزء اللي إنت مستغرب منه إني قاعد معاك دلوقتي مش هو وكأني بطلبها منك ليه فإنت فاهمني غلط.
كان يفكر بذلك. رغم غرابة ما يراه ولكنه كان قد بدأ يقنع بذلك. حرك رأسه بغير فهم. فوجده يكمل بصراحة:
"بسام أخويا، متسرع أوي في الموضوع ده. وعشان بعتبرك أخويا أنا قولتلـه لا مش دلوقتي ومش موافق. لسه في وقت يحكم تنفع ليك وإنت تنفع ليها ولا لأ. عشان كده فأي لحظة بعد ما شوفت عناده ده ممكن يجي يقولك أنا طالب إيد اختك فرح منك. وأنا عارف إنه هيعملها لو مين وقف فـ طريقه. كل اللي أنا عاوزه منك إنك ترفض حتى لو أختك بتحبه أو مرتاحة ليه أو مش مرتاحة ومش واخده بالها من اهتمامه فقولها ترفض فالحالتين دا لو هي جاهزة."
عقد "عز" ما بين حاجبيه باستغراب وملامح وجه متشنجة وهو يرد:
"مش فاهم قصدك. وضحلي. قصدك إيه؟"
"قصدي كله إنك ترفضه وأنا اللي بقولك. حتى ولو إنت نفسك موافق عليه. عشانك وعشان فرح اللي أنا عاوزك تاخد خطوة بيها وتخليها تتعالج نفسيًا. ساعتها لما تبقي كويسة نقدر نحدد ونفتح الموضوع ده من تاني هم ينفعوا ولا مينفعوش. بغض النظر عن إني مش هلاقي زيك نناسبه. بس عامتاً، الوضع مش مترتب من كل ناحية. وزي ما شرحتلك حالة اختك. فأنا أخويا كمان مش عارف هو عاوز إيه. فالفترة اللي أختك تبعد وتتعالج بعد موافقتك واقتناعك بـ ده. يكون أخويا فاق من اللي هو فيه ده. بسام يا عز كان مر بتجربة صعبة وأيا كانت هي إيه. فهو خرج منها شايف إنه كده عادي وإن مفيهاش حاجة لو نفذ اللي عاوزه ده من غير حاجات كتير لازم يتفكر فيها بهدوء وعقل!"
وأضاف سريعا بعقل واحترام وتقدير ظهر بكل تفاصيله للذي يجلس بجانبه:
"وعشان أختك فرح زي وسام أختي فأنا مستحيل كنت هقبل تدخل فعلاقة زي دي فوقت زي ده ومع شخصية زي شخصية بسام اللي مش وحشة أبدا. بس هو عاوز وقت يحدد هو يقرر إيه وميقررش إيه وايه الصح وإيه الغلط. ولو فرح فعلا أختي يا عز. هبذل كل جهدي عشان ترجع إنسانة سوية قوية ولو بنسبة بسيطة. فاهمني؟"
حرك رأسه بتفهم. وعاد يشرد بحالة شقيقته الذي يراها الكل كذلك وليس هو فقط. وبالأخر "بسام". والذي ما أن تذكر قول والدته اندفع يقول:
"عشان كده كان بيجي تحت البيت عندنا وأمي كانت شافته وقولتلها إنه بتهيألها!"
وكأنه يفكر بصوت مرتفع فخرج القول بإندفاع رغما عنه. بل وبغيظ مكتوم لم يظهر للآخر. لا يعلم بأن القول يهز من ثبات الآخر الذي يشعر بالحرج منه ومن ذهاب شقيقه لمنزله دون إذن ودون وجوده من الأساس! تنحنج يجلي حنجرته وهو يتصنع عدم الانتباه ثم نهض تزامناً مع قوله ولم يعلمه بأن الآخر قد ذهب لمنزله في عدم وجوده بالفعل!
"وصلت يا عز ولا عندك كلام تاني عكس ده؟"
"لا تمام وإتفقنا يا غسان. ولا كأنك قولتلي حاجة. وإن شاء الله تعدي على خير!"
قالها بلطف. وهما يسيران معاً أسفل المبني. فقاطع "غسان" سيره وهو يقول بإصرار:
"طب ما تطلع تقعد معايا شوية!"
"معلش مرة تانية بقا. أصل هعدي ع الشغل كده ع السريع قبل ما أروح أرتاح. عايز حاجة؟"
حرك "غسان" رأسه نفياً. وهو يشير له بالوداع ثم دخل المبني وهو يبتسم للعامل مردداً عليه كلمات مرحه بلطف. حتى ركب المصعد من بعدها كي يصعد لطابق شقة "والده" حيث المواجهة مع شقيقه "بسام"!
***
بينما في شقة "حامد" جلس هو بالصالة معهم جميعاً. مع "دلال" و"نيروز" و"وسام" وحتى "بسام" الذي جلس يعبث بهاتفه متصنعاً الانشغال به كي لا يسأله أحدهم أي سؤال. توترت "نيروز" وتتوتر بالفعل وهي تبتلع ريقها من ما تخاف وتهاب بأن يحدث. تود أن تبعده الآن عن أن لا يأتي أو تشغل ذلك الذي يجلس أمامها. تتنفس بإرتياح كونه لم يأتي إلى الآن. تسمع حديثهم العشوائي مع بعضهم وبقت هي صامتة إلى أن سألها "حامد" بحنو:
"ساكتة كده ليه يا حبيبتي؟ مالك؟"
يعلم "بسام" بأنها تعلم لذا يرفع عينيه عليها بين الحين والآخر بترقب. وعند هذه الجملة اعتدل سريعاً. ولكنها نفت برأسها وهي تبتسم بإهتزاز قائلة:
"لا مفيش عادي. عندي بس شوية صداع!"
"أقوم أعملك شاي ولا وسام تقوم تعملك؟"
سألتها "دلال" بإهتمام. فنفت سريعاً. وقبل أن تجيب. وجدت "وسام" تجلس بجانبها تشاكسها بالأحضان وسرعان ما شعرت ببرودة كفها. حتى سألتها بنبرة خافتة:
"إيدك متلجة ليه كدة؟"
ترتجف يديها وتثلج عندما تخاف. هذه هي عادتها. وطالما هو بعقبه تخافها فلها كل الحق بالخوف عليه. متذكرة دماء رأسه وكسر ذراعه من شقيقه. لم ولن تنسى هذه العقبة التي كانت في بداية شعورها بحبه. وفي البداية كانت لا تتحمل فراقه حينما فارق مؤقتاً. أما الآن فهو زوجها ومعها وازداد الحب أضعاف مضاعفة كيف سيكون الخوف؟ مضاعف بالطبع!
"متقلقيش تلاقيني بس بردانه!"
"بس الجو مش برد للدرجادي!"
تحاصرها ومنقذها بهذه اللحظة صوت إغلاق الباب بواسطته. هنا اعتدل "بسام" في جلسته وهو يرفع رأسه له. في حين دخل عليهم "غسان" وهو يبتسم بلطف. حتى جلس بين "نيروز" و"وسام". نهضت "دلال" تقوم بتغيير ملابسها ومن ثم "حامد" بعدما اطمئنا على قدومه وعدم تأخيره. وظل الثلاثة ومعهم "نيروز" التي سألته بإهتمام:
"كنت فين كل ده؟ مطلعتش علطول ليه؟"
"كنت بتكلم مع واحد صاحبي. مطلعتيش فوق ليه؟ مش قولتي إنك هتطلعي تنامي؟"
يطردها بالطريقة اللطيفة وتعلم هي ذلك بقوة. لذا عقدت العزم على أن لا تتركه حين انتهاء ذلك الجو المتوتر. لاحظت انسحاب "بسام" بخفة دون أن ينتبه له "غسان" الذي أمسك كفها كي تنتبه لقوله التي شردت به فوجد كفها بارد. دلكه سريعاً بغرابة. وهو يسألها نفس سؤال شقيقته:
"ايدك ساقعة كده ليه؟ إنتي لسه سخنة؟"
رفع أنامله الأخرى يتحسس درجة حرارتها فوجدها عادية. لذا دلك كفها براحة. دون أن ينتظر منها جواب. شعر بخلو المكان من حوله. فنهض يسحبها معه ناحية الغرفة. إلى أن دخلت فوقف حتى وجدها جلست. ابتسم لها بهدوء. ثم قال:
"خليكي قاعدة شوية وهنطلع. هشوف بسام بس!"
"إستنـ..."
لم يعطها الفرصة للمعارضة أو أن تهتف بأن يتوقف. بل أغلق الغرفة خلفه سريعاً. وهو يتوجه بسرعة ناحية غرفة شقيقه الذي فتحها دون أن يدق عليها. التفت "بسام" وهو يرتدي تيشيرته الأبيض القطني ثم نظر له بغير اكتراث وهو يتجرع من زجاجة المياه إلى أن انتهي وهو يشير على الباب قائلاً بنبرة باردة ظهرت للآخر وبشدة:
"إبقى خبط ع الباب الأول!"
توجه "غسان" يقف أمامه وهو يقذف زجاجة المياه من يديه إلى أن وقعت أرضاً. فزفر "بسام" بصوت وهو يقلب عينيه. في حين ضغط هو على فكه وهو يسأله:
"ايه اللي وداك عندهم؟ ايه اللي يخليك تعمل حركة زي دي يا و**!"
تركه كي لا ينفعل عليه، كونه يعلم بأن انفعاله يخرج سريعا. لذا وقبل أن يتحرك أمسكه غسان من ذراعه بقوة وهو يضغط عليه مرددا بنبرة مرتفعة:
"رد عليا!"
"إنت مالك إنت؟ مش قولت إنك ملكيش دعوة بيا. وإني حر في حياتي، يبقى ملكش فيه وسيبني فحالي!"
قالها بسام بنفس النبرة المرتفعة التي أخرجت والديه من غرفتهما وهما يقفان بجانب نيروز ووسام.
ابتلع غسان ريقه وهو يجيبه بانفعال:
"ومليش دعوة بيك يعني معاتبكش ولا أحاسبك على اللي عملته ده؟ بأي عين إنت تروح بيتها من غير حتى ما أخوها يبقى هناك؟ بأي وش تروح تقف تحت بيتهم كل يوم وكأنك العاشق الولهان وعايشلي دور مش دورك وإنت ولا كده ولا نيلة!"
دفعه بسام عنه، فترنح غسان إلى الخلف ولم يتوقف عن إكمال الحديث وهو يصرخ به بغضب:
"قولتلك أخت عز لأ وألف لأ... قولتلك فرح متنفعكش، تقوم تروح تعلق نفسك بيها أكتر.. بتتوهملي بحب واحدة ضعيفة عشان اللي قبلها كانت مسيطرة عليك وعلى عقلك يا غبي!"
ذهل الجميع عداها هي، وهي تقف ترتعش خوفا. وسرعان ما صرخت حينما أثارت جملة غسان انفعال بسام، فرفع يديه يلكمه بأنفه التي نزفت من الدماء. وقعت ودُفعت نحو ملابس الآخر البيضاء. وضع غسان يديه على أنفه بتألم وقد تشنجت ملامحه. في نفس الوقت أمسكت به دلال ذراعه، وحامد ذراع الآخر وهو يسمعه يردد عليه بصراخ هو الآخر:
"أنا محدش سيطر عليا سامعني؟ محدش سيطر عليا ولا حد يعرف يعمل كده، حتى إنت الوقتي وانت بترفض حاجة هعملها.. هعملها لو على جثتي وجثثكم كلكم!"
أمسكه حامد كي لا يندفع نحو شقيقه كالمرة السابقة. فدفع غسان أيدي والدته الباكية وحتى أيدي شقيقته وزوجته وهو يندفع يزيح حامد الذي تركه بخوف عليه من تراخي أعصابه. أمسكه غسان من تلابيبه وهو يمسكه من أسفل عنقه، ثم رفع يديه يصفعه على وجهه بقوة مرددا بغضب هو الآخر:
"لما أقول إنك محتاج تفوق يا*** يبقى محتاج تفوق ومحدش هيعرف يفوقك غيري!"
أمسكته نيروز بخوف وهي تدفعه عنه مرددة بنبرة باكية تترجاه:
"خلاص ونبي يا غسان، عشان خاطري كفاية، سيبه... سيبه ملناش دعوة إيه هو حر!"
لم يعرها أي انتباه، بل ظل يقوم بلكم شقيقه. والذي سرعان ما رفع ساقه يدفعه بمعدته، فانحنى غسان بألم ثم وقع أرضا. وقبل أن يبرك عليه، أمسكه حامد سريعا بصراخ وغضب لاول مرة يظهر:
"إبعد!"
وأضاف سريعا وهو يدفعه من عليه بأمر:
"بقولك إبعد!"
سكن بين يدي والده. وسرعان ما نهض الآخر ثم بصق على وجهه وهو يهاجمه مرة أخرى بالحديث بأنفاسه العالية:
"ترضاها على اختك وأمك يا***؟ ترضى راجل غريب يدخل بيتنا عليهم واحنا مش موجودين؟ راجل بيحب اختك ورايح عشان بس يشوفها من ورانا كلنا.. ياض دا شادي اللي متربي معانا مبيقعدش في البيت وأنا وإنت مش فيه يا و***! هتكبر إمته ها؟!"
صمت غسان بأنفاسه التي تعلو وتهبط من صدره، ثم واصل وهو يحاول مسكه مرة أخرى من تلابيبه بغضب وهو يردد:
"ولما إنت راجل أوي كده، بتعمل كده ليه من ورانا ووراهم؟ بتخبي ليه لما إنت عارف إنك صح ومفيش حاجة صح أكتر من إحساسك وإنت بتحبها؟ بتحب واحدة مريضة زيك؟!"
ضغط بسام على فكه، ثم رفع يديه على فجأة يلكمه بوجهه. فامسكه حامد مرة أخرى كي يسحبه. ولكن يد غسان كانت الأسرع وهو يمسك يد شقيقه تزامنا مع رده الصحيح:
"بتضربني وتعارضني تاني عشانها وعشان العك اللي بيحصل ده؟ بتمد إيدك عليا عشان بتحب واحدة لمجرد إنك لقيت حد أضعف منك؟ يا جبان!"
سحبته يد نيروز ببكاء وهي تترجاه. ومن الناحية الأخرى شقيقته ببكاء. حاول بسام التملص من بين يدي حامد ولكنه كان يتمسك به بقوة. وبإعجوبة شديدة استطاعت نيروز ووسام سحب غسان إلى الخارج. والذي تركهم وخرج من الشقة بأكملها. حينها دخل بدر بغرابة مع بقية الشقق التي فتحت دون فهم للذي يحدث. قابله بدر، وعندما وجده يصعد إلى شقته في المصعد ولم يرحل، دخل إلى الداخل. فوجد بسام خرج بالصالة بمواجهة حامد الذي وقف يطالعه بصمت وخزي منه. وبكاء وسام كان الرد. حينها ارتجفت أوصال نيروز، فضمتها وردة سريعا التي دخلت مع زوجها. كان الأمر يتضح بأنه خاص، لذا أغلق بدر الباب سريعا. ثم دخل فوجد حامد يتحدث للآخر بلوم:
"كل مرة بكتشف إنك إنت اللي متربتش يا بسام، ولا شوفت بربع جنيه تربية. مش أخوك؟ أخوك اللي خايف عليك وتعبان ليك، واللي عقله مشغول ليك. أنا قولت الحكاية فيها إن من ساعة ما لقيته متقفل كده، إنك تمد إيدك عليه دي تاني لوحدها كبيرة أوي وإنت بتكرر نفس الغلط. حب غلط تاني. فرح أخت عز اللي باعته يا بسام. وباعت الكل. بتحب واحدة مش مظبوطة نفسيا. بتضرب أخوك عشانها. بتعاند مين عشان مين قولي."
صدره يعلو ويهبط أمام الجميع. وقف بدر بتشتت للذي يسمعه ويعلمه لأول مرة. وعندما سمع ذلك من والده ردد يجيبه باندفاع:
"أيوه بحبها وبعانده عشانها. مهو عاند الكل كتير عشان مراته كان حد قاله حاجة؟ ولا هو بسام بس اللي بتيجوا عليه؟ وللعلم أنا هطلب إيدها وهتجوزها غصب عن عين الكل هنا!"
كان أسلوبه وطريقته بيديه وإشارته أمام والده وكأنه لم يرى تربية من الأساس. رفع حامد كفه يصفعه كما صفعه من قبل. وهذه المرة صفع رجل أمام نساء! صفع رجل مسؤول له مكانه ولكن يتأكد بأن ليس له تربية! كور بسام يديه بغضب مكتوم. وسرعان ما وقف بدر بينهما تحت شهقات النساء. وكان قول حامد الحازم حينما قال:
"الظاهر إنك فعلا محتاج تفوق زي ما أخوك بيقول مش أي كلام. دا إنت بجح للدرجة اللي مخلتكش تقف تكلمني بهدوء وتقولي أنا بحبها ونفسي أطلبها وتعالى معايا أخطبهالي، مش تقولي هطلبها غصب عنك! ولو كنت هوافق بعدين بالهداوة وكان في شوية اقتناع، فدلوقتي أنا رافض رفض محدش هيقدر يغيره، ومفيش جواز منك ليها، ومفيش قعاد في البيت عندي."
صدم الجميع من قوله. ولم يعطيهم هو الفرصة بل أضاف سريعا وهو يسير نحو الباب بيديه:
"إمشي اطلع برا لحد ما تفوق من اللي انت فيه ده، ساعتها أبقى ارجع. ارجع لعيلتك وناسك اللي محدش هيخاف عليك قدهم. وامشي وارجع ولما ترجع لازم تعرف إنها تبقى المرة الأخيرة اللي تكرر فيها نفس غلطاتك دي، لإما لا هتبقى ابني ولا أعرفك. سامعني؟"
يستجوبه بجمود. وكادت أن تتحدث دلال دفاعا عنه، فحدجه حامد بتعنيف وهو يصرخ بها مشيرا نحو غرفته:
"ولا كلمة سامعة! ادخلي جوه إنتي وبنتك حالا!"
انسحبت بعد قوله ناحية غرفتها ببكاء. علمت بأن الرفض ليس بصالحها الآن. في حين وجدت نيروز نفسها وحدها بأحضان شقيقتها. فرد بسام عليه وعلى حديثه الذي اعتبره قاس:
"سامعك يا أبو غسان. خليك طول عمرك كده حاسس بيه وراكني على جنب. خليك مفرق التفرقة اللي بتخليني أبعد وهمشي فعلا ودلوقتي!"
اندفع حامد يصرخ به ومن ما يفكر به بالخطأ:
"إنت بتهددني؟ ما تغور في ستين داهية! يكش ترجع بعدها دماغك فايقة وتعرف إن كلامك ده كله هبل!"
حدجته نيروز بحدة بعدما استوعبت الأمر. حتى خرجت من أحضان وردة بشراسة وهي تشير له بيديها ببكاء:
"هو إنت إيه؟ مش بتحس بأخوك؟ مش شايفه وهو خايف عليك وبيفكر لك تكون مرتاح إزاي؟ كل شوية غاوي تكسره؟ إنت إنسان أناني ومبتحبش غير نفسك وغبي ومش فاهم أي حاجة بتحصل حواليك!"
ورغم إشارة وردة لها بالتوقف عن الحديث، ونظرات حامد العاجزة مع بدر، ولكنها واصلت مرة أخرى بصراخ قبل أن تخرج من باب الشقة وترحل:
"كفاية بقا!"
كفاية تقهروا في غسان وتكسروا فيه، وإنتوا محدش بيحس باللي هو بيحس بيه. سيبوه في حاله، حرام عليكم!
أجمعت بالحديث دون دراية منها بأن "حامد" يقف. ثم رحلت وصفعت الباب خلفها بقوة وهي تمسح دموع عينيها. خرجت بعدما التقطت حقيبتها ثم رحلت وتركتهم. ولولا إشارة "بدر" المفهومة بصعودها شقتها لركضت "وردة" خلفها.
نزلت دمعة "حامد" بعجز. عندما زفر "بسام" بصوت ورحل صافعًا باب الشقة خلفه دون أن ينبس أي حرف. نفس الصفعة بعدها، بل وأقوى، وكأنها هزت أرجاء المنزل. ولم يهتز سوى "حامد" الذي سار بخواء تاركهم واقفين. ثم دخل غرفته غالقًا إياه خلفه بصمت.
أدمعت عيني "وردة" بيأس وحزن، فسحبها "بدر" داخل أحضانه يهدهدها وهو يخرج هو الآخر إلى الخارج بتشتت لكل ما حدث.
***
خرجت "نيروز" من المصعد بلهفة وهي تتفحص حقيبتها كي تخرج بالمفتاح لتفتح الباب. فتحته بخوف ولهفة إلى أن فُتح، ثم دخلت بسرعة وهي تغلقه خلفها. ركضت ترمي أي شيء بيديها أرضًا وهي تبحث عنه بكل الأركان. لم تجده، أين هو؟
نزلت دموعها وخفق قلبها من فكرة عدم وجوده. خرجت تنظر في الصالة وبكل ركن إلى أن وصل إلى مسامعها صوت المياه المفتوحة دون وقوف أحد تحتها. علمت بأنه في المرحاض.
وقفت أمام المرحاض بخوف، وقد انتبهت لعدم إغلاق الباب خلفه. كان مواربًا للدرجة التي مدت يديها تدفعه فوجدته يجلس على حافة "البانيو"، تاركًا المياه مفتوحة تسيل وكأن ذلك الصوت سيهزم أصوات عقله. حينما جلس واضعًا رأسه بين يديه بعجز، والدماء تسقط على رخام الأرض البيضاء.
انحنت "نيروز" بلهفة ترفع ذقنه ورأسه. وقد رفعها "غسان" باستسلام وهو يطالعها بملامح وجهه الشاحبة، وأنفه وفمه وأسفل ذقنه الغارقين بالدماء. نزلت دمعتها على حاله وهي تنهض بخوف تمد يديها تضع من المياه على كفها لتمسح أنفه والدماء. كان مستسلمًا لها ينظر فقط بخواء وصمت. كُسر من شقيقه للمرة التي لا تعرف عددها.
ابتلع ريقه وهو ينهض خلفها حينما انتهت وهي تسحبه خلفها. وصل إلى غرفتهما. حينها وقف هو ينظر لها بصمت ولم يتفوه بأي حرف. ولكن هي من بادرت، هي من بدأت حينما دفعته بقوة يدخل بعناق يريحه. دفعته إلى أن اندفع واصطدم جسده بجسدها من الأمام وقد شعر بيديها تتمسك بقميصه من الخلف وهي تضمه مرددة باختناق تذكره بقول مضى كان قد قاله لها حينما ضاقت به الأركان:
"اعتبر نفسك ضغطت على الزرار وجالك حضني، أكتر حضن بترتاح فيه!"
كان يقف بخواء مهبط كلتا يديه ولم يرفعها ليبادلها العناق. وما أن انتهت بقولها ذلك رفع يديه يضمها بقوة. قوة كادت أن تؤلم عظامها هي ولكنها تتحمل لأجله. تعلم أنه يخرج طاقته السلبية بأحضانها هي. شددت بعناقه وكما شدد هو بعناقها وهو يردد لأول مرة منذ أن رآها الآن وبهمس أتى من نبرته الضعيفة:
"مبقتش عارف أعمل إيه!"
نبرته أتت من عزم قلة حيلته وعجزه. ابتلعت ريقها ولا يعلم هو كيف أتت به ليجلس بجانبها على الفراش. أمسكت كفه تقبل باطنه برقة، وقد تعلقت عينيها بعينيه للحظات وهي تؤكد له قولها الآتي حينما أردفت بثقة:
"بس كل ده هيعدي!"
حرك "غسان" رأسه بخفوت. فوضعت يديها على أنفه بشفقة وهي تتلمسه بحنو تسأله:
"بتوجعك؟"
ضحك "غسان" بسخرية ممزوجة بالألم وهو يجيبها بتهكم مخفضًا يديها من على وجهه:
"مش أكتر من اللي حصل!"
لا تعلم لما تدمع عينيها الآن مجددًا وهو الذي يردف حديثه ببسمة على وجعه. رفع إصبعه الإبهام يمسح دمعتها أسفل عينيها التي سقطت ثم قال بقوله المعهود وهو يبتسم كي لا يشعرها بثقل:
"دموعك غالية أوي يا بنت الأكرمي!"
"ينفع تنسي كل ده؟ ينفع مشوفكش كده؟"
تلمست مكان ضربات شقيقه على وجهه تزامناً مع قولها بهذه الكلمات الحانية له. يتجاهل كي لا يظهر ضعفه أمامها وفعل ذلك حينما همس لها بخفة:
"ولو مينفعش، فـ نخليه ينفع عشانك!"
ابتلع ريقه بعدها ود لو يصرخ كي يخرج ما بداخله ولكنه اعتدل بصمت. ومن ثم شرد من بين نظراتها، تائه بركن آخر غير واعٍ هو إلا لما يخصه مع شقيقه الذي يصمم على كسره في كل مرة. كان من الممكن بأن لا يتأثر ولكنه تأثر منه من قبل ولم يتعاف. اتهمه من قبل وكسره وظلمه، ووجعه والآن يفعل مثل الفعله الماضية بإختلاف الظروف بينهما. ود لو يتركه يفعل ما يشاء ولكن رغماً عنه عقله ينشغل. بل ويعلم هو ما النتيجة من القرار. تنهد يخرج أنفاسه بعمق، ولا يعلم هو كيف شرد من الوقت ليجعلها تبدل ملابسها وتأتي له بكوب من الشاي الساخن كي يشربه هو.
وقفت أمامه تقدمه له بحنو. فخرج من شروده وهو يأخذه منها بابتسامة بسيطة هادئة. ثم اعتدل في جلسته على الفراش وهو يخلع عنه قميصه والتي اندفعت هي تساعده برفق حتى خلعته وتوجهت هي تضعه ومن ثم أتت له بسترة قطنية خفيفة يرتديها. أخذها منها ثم رفع عينيه ينظر ناحيتها بإمتنان. يشعر لوهلة بأنها سنده الآن وبجانبه ولم ولن تتركه على عكس الجميع.
علمت معني نظراته فأدمعت عينيها بشفقة وهي تنحني تعانقه وهي تردد عليه بلين:
"أنا هفضل طول عمري جنبك يا بن البدري، عمري ما هخليك تميل لو اتسندت عليا فيوم، فاكر؟"
صمتت ثم واصلت تسأله بعمق:
"فاكر أول مرة اطمنتلك ومخوفتش أحكي مخاوفي ليك قولتلي إيه؟"
وأضافت سريعاً دون أن تعطيه الفرصة:
"قلبي دايما جنبك وكتفي هيشيلك لو متلي عليه.. اطمنيلي ومتخافيش!"
أسند رأسه بعدها على كتفها وكأنه يلبي قولها بذكرياتهما معاً. وقد تراخت يديه من مسكة للسترة. فجلست أمامه وبجانبه وهي تستمر بعناقه الذي تنفس هو براحة كبرى دون أن يتحدث حتى وجدها تتحول في نبرتها إلى الشراسة حينما واصلت وهي تخرج من أحضانه:
"ومش هسمح لأي حد يجي عليك أبداً.. اللي هيجي عليك هاجي عليه!"
ضحك بخفة وهو ينظر لها بفخر زائف. فوكزته "نيروز" بمشاكسة وهي ترجع خصلاتها إلى الخلف مرددة له:
"أيوة كدة، وريني جمال ضحكتك ي عم!"
"ضحكتي معرفتش الطريق إلا بوجودك!"
غمزت له بإعجاب ثم قالت سريعاً تنبهه لما غفل عنه منذ فترة:
"طب إيه؟ مش هتثبتي بكلام الست؟ مسمعتهاش منك بقالي فترة!"
ضحك وهو يعتدل ثم أومأ لها بموافقة. فاعتدلت بحماس تقفز كي تجلس بجانبه وهي تفرد عليهما الغطاء حتى التفتت تعتدل ناحيته وهو يطالعها بلين وشغف أتي بعد قوله لها وهو يمسك كفها بحنو:
"خليني أعيش.. خليني جنبك خليني.. فحضن قلبك خليني.."
وسيبني احلم.. سيبني..
وكأنه يلمح لها بقوله، قالها من قبل ذلك حينما كان بحالة صعبة عندما كانت هي بغرفته مسطحة مريضة لأول مرة. فتحت ذراعيها ترد عليه بمرح، تلبي غرضه:
"تعالى يا حبيب امبارح وحبيب دلوقتي!"
"ماشي يا حبيبي لبكرة ولآخر وقتي!"
"طب احكيلي قولي إيه من الأماني ناقصني تاني وأنا بين إيديك؟"
"عمري ما دوقت حنان فحياتي إلا حنانك!"
"ولا حبيت يا حبيبي حياتي إلا عشانك!"
"وقابلت أماني وقابلت الدنيا وقابلت الحب!"
كانا يرددان نفس كلمات الأغنية الذي بدأ هو يرددها، تارة هو مرة وتارة هي مرة من بين استناده على قمة صدرها. وبآخر قوله شاكسته هي بإستنكار، وهي تخفض عينيها تنظر نحو عينيه:
"والله ومين أماني دي بقا اللي قابلتها إن شاء الله؟"
تعنفه بمرح، على جملة وكلمة من أغنية معروفة مشهورة. لذا ما أن سمع هذه الكلمات المستنكرة منها، اعتدل وهو يضحك بقوة حتى أخذ أنفاسه بإعجوبة. وهي تطالعه بحب، مرددة بهيام، هي الأخرى به:
"شكلك مفيش أحسن منه وإنت بتضحك يا غسان.. يارب ضحكتك دي متفارقكش أبداً طول ما إحنا مع بعض وجنب بعض!"
شعر بصدق نبرتها الشديد ولا يعلم هو لما تأثر من حديثها بهذه القوة. ابتلع ريقه وهو يجيبها بصراحة:
"أول ما قابلتك وإديتك قلبي يا حياة القلب، أكتر من الفرح ده محلاه وأكتر من اللي أنا فيه مطلبش.. يا نيروز!"
"بعد هنايا معاك يا حبيبي، لو راح عمري.. أنا.. أنا أنا مندمش!"
قالتها بغناء ومرح، وهي تهتف بصوت مرتفع قليلاً، تهز كفه بمشاكسة، وكأنها تجعله يختل عقلياً. يعلم بأنها تفعل كل ذلك بسببه هو. ضحك وهو ينظر نحوها ونحو خفتها. وسرعان ما تذكر ما قد نسى أن يهديه لها أمس حينما انخرط معها بليلتهما الذي يعتبرها هو الآخر استثنائية. نهض يفتح أحد الأدراج وهو يجلب العلبة الصغيرة، ثم عاد يجلس بجانبها، وهو يشير إليها قائلاً:
"ممكن تغمضي عينيكي اللي كحلها تاعبني دي!"
لبت غرضه سريعاً بحماس ولهفة. أغمضتها بقوة. ففتح هو العلبة متذكراً بأنه لم يجلب لها خاتم في خطبتهما وزواجهما، بل كانت قلادة ودبلة فقط. لذا نفذ وعده وجلب لها البقية. امسك يديها يلبسها الخاتم الذي حُفر به حروف أسمائهما معاً من الداخل وشكل رقيق من الخارج هادئ مثلها تماماً. خاتم من الذهب اللامع مثل عينيه التي تلمع الآن بحبها هي. فتحت عينيها سريعاً ما أن شعرت بما يفعله. ثم شهقت ما أن رأت رقة الخاتم. رفعت عينيها تطالع عينيه وابتسامته حينما قال:
"كان نفسي أجبلك كل اللي نفسك فيه، وكان نفسي يكون ليكي شبكة معقولة زي أي بنت. مكنش راضيني حتى السلسلة والدبلة بس. عشان كده كملت بالخاتم ده وخليته مختلف لما حفرت حرفي وحرفك جواه. يمكن تكون بسيطة الوقتي لوحدها.. بس أنا معاكي وهفضل أراضيكي كل ما ربنا يفتحها عليا، عشان إنتي الرزق يا نيروز!"
هبطت دمعتها سريعاً، وهي تنظر له ثم قالت بتحشرج:
"بس شبكتي مش قليلة، وكده.. كده كتير عليا أوي!"
مسح "غسان"، دموعها برفق، وهو يبتسم ثم أجاب بلين آخر تعهده:
"ولا أي حاجة فالدنيا دي تكتر وتغلى عليكي. نفسي تقوليلي إنتي عايزة إيه ويكون عندك لو أنا أقدر عليه!"
مسحت دموعها وهي ترفع ذراعيها ناحية رقبته كي تضمه بتأثر. وبهذه اللحظة أجابته على حديثه بصدق:
"عايزاك كويس دايماً ومبسوط. عايزك جنبي ومتسبنيش.. تقدر على ده؟"
"دا أنا أقدر على ده وأبو ده كمان!"
قالها "غسان" بخفة وهو يهبط أنظاره ناحية عينيها التي أسفل ذقنه هو. تعلقت عينيه بها للحظات، وترك هو العلبة من يديه. رمش بأهدابه الكثيفة ثم أهبط شفتيه يقبل قمة رأسها ببر. ومن ثم اعتدلت هي تجلس كما كانت من قبل وهي تعيد النظر نحو الخاتم ثم عادت تنظر إليه وهي تردد بسعادة كي تظهر له:
"شكله حلو أوي!"
بادلها حديثها ببسمة هادئة وهو يتجرع من كوب الشاي بجانبه. فاعتدلت تنتشل الهاتف من على الفراش ولم يكن سوى هاتفه هو. حينما فتحت الكاميرا، وهي تشير له كي يشبك يديه التي يرتدي بها دبلة زواجه بيديها التي ترتدي بها الدبلة والخاتم. ثم التقطت صورة بالكاميرا الخلفية حتى فتحت برنامج الواتساب الخاص به تضعها قصة وهي تضع رمز خاتم وقلب أحمر. ضحك على فعلتها. وسرعان ما قال هو بسخرية:
"إنتي واخدة راحتك أوي في تليفوني.. وكده مش هعرف أخونك!"
"والله لو قدرت تعملها يبقى ليك الكلام!"
"مقدرش فعلاً.. أنا مشكلتي إني مش عارف أشوف غيرك!"
قالها بيأس. فاعتدلت تنظر له بحدة وهي تغلق الهاتف ثم ردت باستنكار:
"وليه مشكلة بقا إن شاء الله؟"
أشار لها ضاحكاً بخفة لتلتفت. فعلمت ما سيفعله. نظرت له بجمود زائف ولم يجيب هو. بل قام بفك عقدة شعرها كي يتركه خلفها وهو يبعده عن بعضه بيديه. ثم أهبط بعض الخصلات على جبهتها وكأنه يشغل عقله بما حدث بها هي. هي التي تستطيع بأن تنقذه من حفرة أحزانه. غمز لها "غسان" وهو يطالع شكلها وحتى خصلاتها التي هبطت على كتفيها المكشوفتين تسترهما بطريقة ملحوظة وحتى ظهرها وجزء من رقبتها. ابتسمت له بخجل. ومن بين غمزه قال هو بإعجاب قول معهود ومتكرر يردده دائماً لها:
"كده أحلي.. كده بطل!"
مد "غسان" ذراعه على طول كي تأتي كي تستند عليه وهي جالسة. فتوجهت بالفعل وقد نسي هو ارتداء سترته. بل تنفس بعمق وصمت دام للحظات. فاق على سؤال منها عفوي للغاية حينما قالت وهي تلاحظ:
"هو إنت ليه مبتملش ولا بتتكسف يعني تظهر إعجابك زي معظم الناس أو الرجالة عامتاً؟ حتى لاحظت معايا ومع وسام. يعني شعري مش ناعم للدرجة اللي تخليك تحبه أوي كده. وكمان وسام بردو. إنت بتجاملنا ولا إيه يا بن البدري؟"
ضحك "غسان" بخفة وهو يستمع إليها. ابتسم وهو يجيبها بإهتمام، محركاً يديه يمررها على خصلاتها المفرودة وكتفها وهي تميل ناحية صدره:
"مبقصدش إني أعمل حاجة زي دي في كل الأوقات. بس بحب شعرك وبحب كل حاجة فيكي عشان بحبك. والحب مش بالشكل والمميزات اللي فيكي بس. بحبك بقلبك وبروحك قبل حتى شكلك وشعرك وجسمك وغيره. وعامتاً البنت أو الست بتبقى محتاجة اللي يقولها إنتي جميلة دايماً وإنتي مفيش زيك وإنتي حلوة. الكلمة الحلوة كفيلة تصنع يومكم من أوله لآخره يا نيروز. وأنا اتربيت على إني شايفكم حلوين ومختلفين وإن حتى البنت في بيت أبوها لازم تتعامل على إنها كده ملكة مفيش منها. عشان كده علاقتي بوسام كويسة شوية.. بحس بيها وببقى عارف امتى الوقت اللي بتحس إن ثقتها في نفسها بتقل. والحاجة اللي عشت أعملها هي إني محرمهاش من كلمة حلوة ونظرة حلوة وأسلوب كويس عشان مترجعش تحتاج ده من برا. كلنا حتى كنا بنحاول وما زلنا إننا نخليها شبعانة حنان عشان يوصلها للدرجة إنها لما تختار شريك حياتها متختاروش لمجرد إنه حنين وبيدي كلام حلو وبس!"
عارفه.. كل مرة بحس وبشوف إن أبويا دا عظيم عشان وعاني وكبرني ورباني على حاجات أعملها وبعملها ومكنتش عارف أنا ليه لازم أعمل كده.. بس كل ما بكبر بعرف وبعرف إن اللي زيه قليلين أوي وإنه راجل مفيش منه وذكي وحنين.. وعمري ما اتمنيت حاجة عكس إني أطلع زيه ولما أخلف عيال أعرف أربيهم على اللي أنا اتعودت واتربيت عليه!!
تأثرت من حديثه بشدة.. حتى إجابته بعفوية..
"إنت اتربيت أصلا!!!"
كانت تردفها بتأثر عكس طبيعة حديثها المرح.. قهقه عالياً.. ولأول مرة تخرج ضحكاته بشدة بعدما حدث.. وليس ككل مرة يؤكد بأنه لم ير تربية.. بل هذه المرة أكد قولها بأنه قد لاقى تربية جيدة بالفعل.. فوجدها تكمل بنفس التأثر رداً على حديثه:
"أنا كمان بحب باباك أوي.. وعارفة إني يمكن أكون أوڤر عشان مش عارفة أقوله يا "بابا" بس أنـ..."
وقاطعه هو حديثها سريعاً.. وهو يبتسم باطمئنان:
"وهو بيحبك ومش فارق معاه كل ده.. وحقك.. كلمة ابويا دي متتقالش لأي حد.. أنا عن نفسي أبويا حامد البدري بس ومستحيل أقولها لغيره.. دا إذا كنت بقولهاله أصلاً.. مبقولهاش فعلاً غير فوقت جد أو لما بكون متأثر أو زعلان.. ساعتها بيعرفني!!"
ابتسمت له "نيروز", وهي تتنفس بارتياح.. تهاجم على أن لا تغفل عينيها ولكنه قد انتبه لها.. فجعلها تعتدل وهو يمد يديه يفرد عليها الغطاء يحثها قائلاً:
"نامي.. وارتاحي.. تصبحي على خير!!!"
"وأنا من أهلك!!"
قالتها بنعاس.. تشاكـسه وهي تغفل عينيها في حين ردد هو بصدق.. وعمق.. وهو يعود وبنبرة خافتة علم بأنها لم تصل إليها:
"إنت أهلي"
انسحب يتسطح هو الآخر بعدما أغلق الإضاءة.. احتضنها وهو يضمها إليه بارتياح.. وقد ابتسم بخفة ما أن شعر بسرعة انتظام أنفاسها.. عاد يشرد من جديد بحالته وحالة شقيقه.. وما فعله معه والشئ الذي هاجم ذاكرته الآن وجعل قلقه يزداد بماذا أن علم شقيقه بأنه كرر نفس الخطأ معه مرة أخرى حينما انفرد بـ "عز", وصارحه!! يعلم بأنه يسيطر بشدة خاصة حينما فعل ذلك دون تفكير ولكنه يعلم بأن هذا هو الصواب ولا غيره.. صداع رأسه يهاجمه ولأنه يستشعر أنفاسها الدافئة ويشعر بدفء جسدها بجانبه وهي بداخل أحضانه استطاع أن يغفل بالفعل ويذهب لعالم آخر يتنفس به بارتياح.. كونه بجانبها هي.. والفكرة التي لم تغيب عن باله قبل أن يرحل لعالمه الآخر مثلها كانت بأنه بالفعل يكرر.. مرة أخرى نفس "الخطأ والصواب معاً"!!!!
رواية عودة الوصال الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سارة ناصر
أسبوع كامل مر عليهم جميعًا منذ آخر الأحداث التي حدثت. أول صعب مر عليه هو "بسام" الذي منذ أن رحل آخر مرة من المنزل بسبب آخر مواجهة مع والده ولم يعد بعدها. بل يذهب إلى عمله ويعود إلى منزل "بدر" من الأسفل، الشقة الذي يحاول "بدر" تغييرها كي يخرج "آدم" من جديد عليها. وبعد محاولات، جلس وأقام بها بسبب مكالمة "بدر" له والذي انتظر كثيرًا ليجيبه. جلس شارداً، متذكراً صفعة والده القاسية له على وجهه أمام زوجة أخيه وزوجة ابن عمه، وحتى والدته وشقيقته. كسر، ود لو يصفعه أمام عائلته وفقط، بل علم أنه قلل من شأنه كثيرًا، كثيرًا جدًا.
والحقيقة التي لا يعلمها هو إلى الآن بأن "غسان" هو من جعل "بدر" يهاتفه ليقيم في منزل والده ليس إلا. إلى الآن يكسر وعقله يهتم له كل الاهتمام ولا يقل حتى بعد ما فعله له ومعه. سقطت دمعة "بسام" بحيرة وتشتت. والشعور الذي يهاجمه هو أنه يريد التمسك ولكن بمن؟ ليس بعائلته بل بها هي. هي والتي عجز عن وصف كل ما يشعره اتجاهها. لماذا يفكر كثيرًا بها؟ لماذا يذهب ناحية منزلها؟ لماذا انصاع لرغبة والدتها كي يدخل المنزل وهو يعلم أن تلك الفعلة الذي يفعلها وفعلها غير صحيحة في تقاليدهم من الأساس حتى وإن أجبرته والدة عز. لطالما غير موجود لا يصح له الدخول. كيف يطولها وكيف يريد الوصول لها؟ وكيف شعر بحبها من الأصل؟ كونها أضعف منه، أم شعوره حقيقي وليس يخدعه؟ يتشتت بين كل الأحاديث التي ــرتمت على مسامعه، وشعور الخيبة في التعقيد بكل شيء يختاره. لا يفارقه، لا يفارقه هذا الشعور أبدًا، كون كل اختياراته معقدة. تعقيد ليس هين أن يعود صحيح. يعلم أن اليوم خطبة "شادي" ويجب عليه الذهاب ولكن كيف؟ ويعلم أيضًا أن اليوم هو يوم عودة "سمية" إلى منزلها. يكون لزوجة أخيه شعور لا يستطيع فهمه هو. ولكن الشيء الوحيد الذي كان يقتنع بعكسه بأنها ليست هينة بتاتًا، وأن كل شعور كان يشعره شقيقه كان ضغطًا عليه وليس ليقوم بتكبير وتهويل المواضيع. بسمة سخرية حينما تذكر أن شقيقه هو من يدافع عن الكل ويحميه ويخاف ويهاب أن يمسسه شيء بسوء. لحظة الإدراك هنا أن فتاة.. وليست كأي فتاة هي من جاءت له لتشعره بالأمان والدفاع والخوف عليه. ومن ثم بعد لحظة الإدراك، لحظة المقارنة بينها وبين من يشعر تجاهها بالحب "فرح"، وبين حديث شقيقه له، بأنها ضعيفة في حين بأن زوجته لم تكن ضعيفة وهو يعاني. ماذا سيحدث له هو إذن؟ لم تدخل عليه فرح السعادة والفرح وحتى على نفسها. ولكن لحظة العناد والإصرار هي من تأتي بالنهاية عليه، حينما يعقد العزم على أن يتمسك ولا يتخلى ويحدث ما يحدث من جديد.
يمر الأسبوع عليه. يومان يقضيهما معها بكل حب والبقية عاد إلى عمله ومن ثم يعود يقيم معها هي وحدها "نيروز". هي التي استطاعت بكل حب وعزيمة أن تخرجه من ما كان به، ومن ما ظل ويظل يشعر به، كونه يظهر ذلك كي تسعد هي. يتذكر راحة الأيام بسببها هي، وأن الليالي جميعها والتي مرت مرت عليهما وكأنهما زوجين طبيعيين، دون حمل هموم وضغوط بالخوف، رغم الظروف التي كانت عكس ذلك، ولأنها كانت تمر بينهما مثل ذلك الأسبوع. ولكنه يعتبر الأيام التي مضت، أيام مختلفة، كونها تحاول بكل الطرق أن تسعده. تحاول كما كان يرى بأنه هو وحده الذي يحاول. مرت بأجواء رومانسية محبة لهما هما الاثنان، حتى بعد عودته لعمله. ولكن ظلت هي تسحب ملفها إلى حين أن تكون قادرة من جديد. لم يرفض "شادي" ولم يرفض "غسان" وقرار كهذا كان صعب عليها ولكنها عقدت العزم على أن تفعله وهي تفكر أولًا به وبمنزلها وحياتها حين أن تعتاد هذه المسئولية عليها فتجعلها تزداد بأخذ القرار مرة ثانية. يعلم أنها سعيدة اليوم بسبب عودة والدتها إلى المنزل في الأسفل. تركها "غسان" صباحًا وهي نائمة بعدما استيقظت مبكرًا وعادت تغفو ولم تستيقظ بعد.
وها هو قد خرج من شروده حينما خرج من المصعد ومن ثم وضع المفتاح في باب شقته حتى دخل وأغلقها خلفه. كان يعتقد "غسان" بأنها في المنزل تقوم بتنظيفه كما قال هو في الأسفل لهن. ولكن المكان ساكن، وصوتها وحركتها لم تكن مسموعة. سار بخطوات هادئة وهو يعقد ما بين حاجبيه بغرابة. فوجدها تجلس كما هي على الفراش ممسكة معدتها بألم، وهي تتأوى بصوت خافت. سار نحوها سريعًا وقد رفعت "نيروز" رأسها بتعب، فوجد الدموع على وجنتيها. تفحصها بلهفة كبرى وهو يردد لها بسؤال به من الخوف ما ظهر لها بخفة:
"مالك يا نيروز؟ إيه اللي حصل؟ أنا كنت سايبك كويسة!!!"
رفعت "نيروز" كفها تمسح الدموع كما فعل هو معها. لم تستطع أن تجيبه بل اعتدلت تحاول التماسك كي لا تهتز أمامه وهي تجيبه بارتباك خفي:
"بطني بتوجعني بس شوية، وجسمي كله تاعبني!!"
كاد أن يسألها هو ولكن عندما وجد هروبها بالنظرات منه وهي تعتدل، فهم سريعًا وهو يحرك رأسه بقلة حيلة منها ومن خجلها. اعتدل وهو يجلس ثم أمسك كفها يدلكه بين كفه وهو يهتف بنبرة هادئة يطمئنها:
"طب ارتاحي وإتغطي، عما أعملك حاجة سخنة وأجبلك مسكن من عندنا تحت!"
اعتدلت ترفع الغطاء عليها محركة أنظارها بمكان آخر غير عينيه. انتشل هاتفه وقبل أن يفتحه وجدها تعتدل لتعارض من الأساس ثم قالت بتعب ترفض ما سيفعله:
"لا أنا هكلم وردة تطلع أو ياسمين متتعبش نفسك ولا تتعبهم!!"
طالعها باهتمام متفهمًا حرجها ولكنه نظر إليها باستنكار كي تصمت ثم أجابها وهو يطالعها باهتمام:
"وردة بتنضف الشقه عشان مامتك جاية، وياسمين حامل هتتعبيها معاكي ليه؟.. أنا هكلم أمي تطلعلك وهنزل أنا عشان أروح مع "بدر" و"حازم" نجيب مامتك من المستشفى!!"
طالعته بخجل ولا تعلم لما تود البكاء الآن. مشاعرها مضطربة. وقد شعر هو بذلك حينما توقفت عن الرد وهي تمسك أسفل معدتها بألم. لذا انحنى يدفعها داخل أحضانه الدافئة وهو ينبس بنبرة لينة ممسكًا بيديه الأخرى الهاتف:
"معلش..إستحملي!!"
كان الوجع شديد للدرجة التي جعلتها لا تستطيع الرد عليه وحتى عدم ظهور سعادتها بشكل مبالغ به بسبب عودة والدتها إلى المنزل. تنفست بعمق ولم ترد سوى بابتسامة صغيرة فقط على شفتيها. دثرها بالغطاء وهو يطلب رقم "دلال" حتى ردت عليه وخرج هو يهاتفها بالصالة بعيدًا عنها. وجع معدتها كان وجع لم ترى مثله من قبل وحتى إن كانت تتألم في كل مرة فهذه المرة مختلفة بوجعها فكان الوجع أشد من المرات السابقة عليها. مسحت دموعها وهي تأخذ أنفاسها حتى وجدته يدخل عليها بزجاجة مياه بعدما قام بفتحها وهو يتوجه ليمسح على وجهها وخصلاتها بيديه. ابتسمت له بامتنان حتى وجدته يتحدث من بعدها بـ:
"أنا كلمتها وزمانها طالعة. متقلقيش هتبقي كويسة من المسكن اللي هتجبيهولك وهي جايه!!"
اصطبغ وجهها بالحمرة والتي قليل ما يظهر عليها حمرة الخجل رغم أنها تخجل. حاولت بقدر الإمكان أن تغير مجرى الحديث حينما سألته باهتمام:
"طب هي طنط لسه مبتكلمش عمو بردو؟ محاولتش تصالح بينهم؟"
تقاطع زوجها بالفعل أي والده منذ آخر مرة طرد بها ولدها وصفعه أمام الجميع. وجدت ملامح الضيق على وجهه حينما أجابها باختصار:
"لو اتكلمت أمي هتزعل. هي زعلانه عشان بسام ومشاعر بسام وبس. مبصتش على اللي عمله واللي قاله. ابويا معاه كل الحق. وعشان كده مليش إني أتكلم وأتدخل بينهم، هم أحرار."
أنا حاولت أحل مرة وهي عاندت قصاده وخدت جنب منه عشان كانت لسه في أول حمقتها، وهو سكت وهو عارف إن مسيرها هتتراضى بس عاوزة وقت. وخلصت على كده.
وجد ملامحها الحزينة تظهر على حالهما، فمسح هو على خصلاتها برفق يطمئنها بحنو:
"وبعدين أبويا حنين أوي وهيلين، دول ميقدروش يستغنوا عن بعض ودا اللي مخليني ساكت ومطمن. أنا مش زعلان ولا مضغوط من ده، إطمني!"
تنفست "نيروز" بعمق، ثم ابتسمت له قائلة من جديد بتفهم وخوف عليه:
"أنا حاسة إنك مش تمام يا غسان، حتى لو بتبين عكس ده. بس.. أنا عندي استعداد أعملك كل اللي يرضيك. قولي إيه يراضيك وأعمله!"
تأثر من طبيعية حديثها، ولكن تغير ذلك سريعًا، حتى أنه ضحك على مشهدها وهي تتشنج بألم تحاول إخفاءه. فردد بسخرية من مقدرتها يخفف عنها بخفة منه:
"وإنتي بالمنظر ده؟ دا أنا لو قولتلك اتعدلي على الجنب التاني هتعيطي!"
خرجت ضحكتها حتى أنها تألمت من بعدها. سمع هو جرس الشقة يعلو، فاعتدل ينهض ما أن علم أنها جاءت. توجه يفتح الباب، حتى وجد "والدته" تقف بلهفة تظهر على ملامحها. ابتسم لها ومن ثم دخلت وهي تسأله بنبرة سريعة:
"هي فين يا واد؟"
سألته بلهفة تضحكه هو، فسار قبلها وهي تتبعه. دخلت عليها فاعتدلت "نيروز" بخجل، فقد قام هو بفضحها! عنفته بنظراتها. ففتحت "دلال" الدواء وهي تعطيه لها بيديها ثم ناولها "غسان" المياه، تزامنا مع قول "دلال" المهتم:
"خدي البرشامة دي وهتبقي زي الفل بعد شوية يا حبيبتي. هقوم أعملك حاجة سخنة!"
نهضت سريعًا وكاد أن يعارض "غسان" ليفعل هو، ولكنها لم تعطيه الفرصة. تخطته وجلس هو بجانبها يترقب ملامحها المتألمة بشفقة مخفية. وسرعان ما حل محلها المشاكسة وهو يهتف بمرح لها:
"طب ومالك حلوة النهارده كده ليه؟"
"بتكذب يا بن البدري!"
قالتها بسخرية، فقد كانت ملامحها مرهقة بشدة. لذا اعتدل هو وهو يغمز قائلاً بمراوغة يشتت وجعها:
"الكذاب بيروح النار.. وأنا نفسي أدخل الجنة معاكي!"
قالها "غسان" بنبرة ضاحكة وسرعان ما واصل يكمل بحب، وقد أخذ معها وسام وجائزة في التشتيت في كل مرة يعقد العزم على أن يشتتها بأفعاله وكلماته وحتى أقواله وغزله. وهذه المرة هتف حينما شتت ألمها:
"طب عارفه الست قالت إيه؟"
تعلقت عينيها بعينيه بقوة وترقب، فواصل هو وهو يقترب يهمس لها يدندن نفس رتم الكلمات بأغنية كوكب أرضه:
"أمل حياتي يا حب غالي.. مينتهيش.. يا أحلى غنوة... غنوة سمعها قلبي ولا تتنسيش!"
تنحنحت بحرج من قربه وهي تبتعد قائلة بخجل من وجود والدته بالشقة:
"لو سمحت ابعد عشان مامتك!"
"وإيه يعني ما تيجي!"
صمت يلعب بخجلها بتسلية. وعندما توقف عن آخر كلمة أردفها اقترب يغازلها وهو يكمل بقية حديثه بعبث:
"تيجي.. تشوف ابنها وحلاوة ابنها وطعامة ابنها.. وشقاوة ابنها!"
قالها وهو يغازلها مقتربًا من وجهها أكثر فأكثر بمرح منها. وسرعان ما وجد "دلال" تتنحنح ومن ثم ضحكت بقلة حيلة منه وهي تجيب على حديثه بنبرة ضاحكة:
"يبني ابعد عنها وبلاش ترخم عليها ومتتعبهاش بقا كفاية اللي فيها!"
"قوليله يا طنط مش حمل رخامته دي!"
قالتها "نيروز" بتلقائية وعفوية شديدة. وسرعان ما استوعبت أن أفكارها مسموعة للتو. شهق "غسان" تحت ضحكة "والدته" عندما أشار على نفسه بـ:
"أنا رخم!"
ضحكت "دلال" وهي تقدم لها المشروب الساخن. فأخذته "نيروز" وهي تكبت ضحكتها على شكله وهو يرددها بغير تصديق. والذي سرعان ما نهض يشير لهما وهو يهتف بنبرة عادية:
"طيب أنا هنزل أنا بقا عشان نروح نجيبها من المستشفى وهنرجع علطول!"
كاد أن يسير، بل وسار بالفعل ليخرج من الغرفة. ولكنه سمع صوت همهمات بين "والدته" وبين "نيروز". والتي أشارت لها الأولى تقول بهمس كي تخفف عنها بخفة:
"معلش يا حبيبتي أنا عارفة إنه ساعات بيبقى رخم كده.. استحمليه!"
كانت تردفها بخفة رغم حسرتها على غياب الآخر ولكنها فعلت ذلك كي تتوقف الأخرى عن ذرف الدموع. وجدت "نيروز" تشير لها بتأييد:
"دا أوي!"
التفت "غسان" سريعًا، وهما يتحدثان من خلف ظهره. ثم طالعهما باستنكار وهو يردد بتبجح لهما عندما وصل حديثهما إلى مسامعه:
"طب ما تتكلمو فـ وشي ولا مفيش شبكة غير ف ضهري!"
إعتلت ضحكاتهما معًا. وعندما وجد أنها اندمجت بالفعل، نظر ناحية والدته بإمتنان وهو يتنفس بإرتياح كي يسير في طريقه للخارج. ولحظات قليلة وقد أغلق الباب خلفه. جلست "دلال" بجانبها على طرف الفراش وهي تربت على كتفها بحنو مرددة بحنان بالغ أثر بـ "نيروز":
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي. متقلقيش اللي انتي فيه ده طبيعي وهيعدي. معلش استحملي!"
طبيعيا كونها أول مرة بعد زواجها. لذا طالعتها بإمتنان وحرج منها بآن واحد. فوجدتها تبتسم وهي تنظر نحو الكوب بحرج آخر كونها تفعل لها وهي جالسة لا تفعل شيئًا. لذلك تفهمت "دلال" الوضع حتى قالت وهي ترفع يديها تمررها على خصلاتها:
"متتكسفيش مني. دا أنا زي سمية بردو!"
ضحكت "نيروز" على خفتها. وللطف وجدتـها تشير لها بأن تستند على فخذها. فعلتها "نيروز" وهي تضع الكوب بعدما انتهت. ثم أسندت رأسها عليها بحرج قد زال حينما فعلتها "دلال" وهي تفرك فروة رأسها بحنو. وقد مرت يديها على خصلات شعرها البنيه تسرد عليها حينما سمعت لهفة ولدها بالهاتف:
"كنت طول عمري أقول إن غسان بالذات من الناس اللي شغفها فـ أول الحاجة بيبقى شديد وبعد كده بيروح ومعتش بيهمه. بس لما لاقاكي من تاني يا نيروز وحبك وأنا من ساعتها مبشوفش فـ عينه غير كل شغف وحماس وخوف شداد عنده من أول مرة. عكس بسام اللي لو لقيته مش مزاجه جايبه لحاجة ببقى خلاص مفيش أمل يحبها. ولو حب الحاجة من الأول بيفضل حبه ليها ثابت. قعدوا بقا يقولولي إنتي عندك واحد أهبل مش عامل للدنيا حساب وواحد عاقل عقل شديد على الدنيا مينفعش كده! سهل تعرفيهم من بعض. أتاري اللي محدش عارفه إن اللي الأهبل هو العاقل وحتى العاقل أهبل وغلبان!"
تعلم بأنها تسرد كي تخرج ما بداخلها من ما حدث لـ "بسام". تركتها "نيروز" تكمل، حتى سمعتها تواصل بتعب:
"اللي يشوف الأهبل يقولك دا اللي عاقل واللي يشوف العاقل عن قرب يقولك دا أهبل. حيروني بينهم وأنا اللي عمري ما احتارت. عمري ما احتارت فـ الغلبان. اللي الحياة فضلت تدوس عليه وهو ساكت ولو يقوم فيها يقوم بعزم ما فيه. كأني مخلفه بركان لما بينفجر بيبوظ كل حاجة. ودا بسام ابني ومعترفة بكده مش بقول لأ. بس ابني من ساعتها وهو مكسور. بيحاول يدور على حاجة تصلح ليه قلبه من تاني ومش لاقي! بعدين عرفت إن اللي هيصلح إللي كسرته تاج هي فرح اللي هو اختارها دي. مكنتش أعرف. بس لو هي دي فأنا موافقة يروح يخطبها من بكرة. بس هو فين؟ وموافقة أبوه فين وحتى علاقته بأخوه وبينا فين. أنا قلبي موجوع أوي عليه وعلى اللي بيحصله. آه لو يحس ويسمعني صوته!"
تدمع عينيها وهي تتعمق في تمرير يديها بخصلات الأخرى بشرود، وهي تواصل مرة أخرى بوجع تقارن:
"لما حصل ومشى غسان. مقدرش يقسي قلبه عليا وكلمني عشان يطمن عليا وكلم أخته. وقالي إنه عند شادي عشان قلبي ميتوجعش وأفضل أتعب نفسي عشانه."
لكن هو.. لو بس يقولي ويطمني، أو لو بس يرجع يصلح كل اللي عمله ده.. هقف جنبه من تاني!!!
وكأي أم ضعيفة، أشد الضعف على أولادها، رغم قسوته الهادئة عليها، ولكنها تتألم له ولأجله. شعرت بدمعتها تسقط، فمسحتها سريعا. وبخفة، وجدت "نيروز" تعتدل بلهفة وتلقائيا. ضمتها إليها كي تحتضنها، رغم ما تحمله اتجاهها منذ فترة، ولكنه يتبخر بسبب ما تفعله لأجلها. عانقتها فبكت. ورددت "نيروز"، سريعا بنبرة متلهفة تطمئنها:
"متعيطيش يا طنط. هيرجع والله. ملوش مكان ولا أهل غيركم انتوا. أكيد هيوزنها صح ويفكر فيها من ناحية تانية. أوقات الواحد بيحس إنه محتاج يقعد مع نفسه شوية. بيحتاج يفكر لفترة كبيرة. وياخد ريست من كل حاجة. وهو أكيد بيعمل كده. بغض النظر عن اللي عمو حامد عمله معاه. بس هو يمكن بيفوق وبيعرف قيمتكم بعد كل ده!!"
وجدت أحضان دافئة مثل ولدها، يبدو أنها اقترنت بها وأخذت منه دفئه ورائحته أيضا. تنفست بعمق بين أحضانها. وللحركة التي تعهدها هي من "غسان"، فعلتها "نيروز"، معها رغما عنها حينما رفعت كفها تقبله. ولم تعِ هي هذه الحركة معها. لو كانت تنتبه لما فعلتها من الأساس!! استوعبت ما فعلته ولكنها أكملت كي لا تشعر بالحرج. فقبلت "دلال"، رأسها بلهفة وهي تطالعها بامتنان، مرددة عليها بضحك من بين البكاء:
"ونبي هو بشحمه ولحمه وحركاته.. وكأنه قاعد قدامي. هو اللي بيحب حد بيبقى شبهه للدرجادي كده؟!"
قالتها وهي تمسح دموعها كالمختلة عقليا على كبر. فضحكت "نيروز" لها بيأس وهي تحرك رأسها تؤكد ما قالته بقولها الآتي المعلن بقلة حيلتها وحبها بنفس الوقت:
"ما البركة في ابنك بقا..!!"
صمتت ثم أضافت بصدق وخفة كي تخرج الأخرى من حالتها:
"هو اللي خلاني أحبه لدرجة إني أكون نسخة منه!!"
أشارت لها "دلال" بغير اكتراث زائف وهي تردد:
"يختي يعني هو نسخة من نفسه. ما هو نسخة أبوه في كل حاجة. قال والراجل اللي زعلان مني ومخاصمني أوي!!"
قهقهت "نيروز" عليها وعلى حديثها المرح الخفيف. وسرعان ما ردت بعدما هدأت من ضحكاتها:
"علفكرة بيحبك أوي يا طنط وميقدرش يستغني عنك. بس حاولي تشوفي إنه كان بيعمل حاجة صح وبيفكره بحاجات نساها. ده باباه وعمره ما يضره أبدا!"
"يقوم يضربه ويكسره قدامكم كده.. إنتي بنتي بردو مش واحدة غريبة بس بردو ميصحش يضربه قدامك انتي وأختك ويقل منه كده بالشكل ده!!"
"صدقيني يا طنط هو هيعرف قيمة دا ومش هيهمه قدام مين ومش قدام مين. أنا بتمنى بابا يرجع ثانية واحدة بس. ولو هيضربني فالثانية قدام العالم كله أنا موافقة بس يرجع وأشوفه!!!"
كانت ذكية حينما أظهرت مدى أهمية الأب وتأثيره. فتأثرت الأخرى وهي تربت عليها بمواساة. واعتدلت تسألها باهتمام مرة أخرى حينما وجدتها تجلس:
"بقيتي كويسة شوية. بطنك بقت أحسن؟"
ابتسمت لها وهي تؤكد سؤالها. وسرعان ما اعتدلت كي تنهض لتجلب عباءتها الملونة كي ترتديها لتهبط معها للأسفل وهي تقول:
"أيوه وهنزل معاكي كمان نقعد نستنى ماما وأساعد وردة لو في حاجة وكده!!"
ما أن وجدتها تستعد بالفعل، نهضت تساعدها برفق. وقد شعرت لوهلة بأنها مثل "وسام". فقط لم تكن تعرف بأن الطريقة الحانية معها هي التي تجعلها قريبة. خاصة أن الكل يعلم بأن "نيروز" وطبعها لم ولن تحاول بأن تجعل أحدهم يتقرب منها. ولم تجازف بذلك رغما عنها كون هذه هي طبيعتها!!!!
وفي الأسفل كانت "وردة" تنظف المكان بالفعل، خاصة غرفة والدتها. كان "بدر" قد خرج مع "غسان" و"حازم" وظل "حامد" جالس مع "يامن" يداعبه. في حين كانت "ياسمين" تجلس بتعب آتٍ من حملها وبملل من جلستها هذه بدون فعل أي شيء. فقط أمامها عدة شطائر تأكل منها بشراهة بين الوقت والآخر. وعلى بعد منها كانت تقف "عايدة" تقوم بترتيب بعض الأشياء على الطاولة وذهنها شارد بـ "جميلة" وموعد زفافها الذي يقترب بالفعل ما أن سمعت بأنه من المحتمل آخر ذلك الشهر. وكأي أم بالها مشغول بها بشدة. ولكن لم تكن من بالها مشغول بها هنا. كانت في الجامعة بالفعل وبالأخص أن اليوم يوجد لديها امتحان. في حين كانت "وسام" تذاكر بغرفتها بشقة والدها. ولم تكن "فريدة" موجودة بالفعل. بل تختفي شيئا فشئئا في الآونة الأخيرة ما أن أعطت لوالدتها فرصة جديدة وهذا ما يهابه ويخافه البعض بأن تعود هي مرة ثانية لما كانت عليه بسبب والدتها!!
"هات حضن دافي لجدو يلا!!"
دفء الذي لم ينعم به لمدة أسبوع كامل. خانه قوله بقول الدفء كونها الكلمة الذي يرددها على مسامع زوجته غالبا عندما يكون جالس بجانبها. ابتسم له "يامن" وهو يعانقه ببراءة. فٱخرج له "حامد" بعض من الحلوى من جيب بنطاله القماشي. يشرد. دائما يشرد بوضعه مع زوجته. لم يأخذ ركنا منها كمثل هذه الأيام وهي التي أخذت ذلك الركن أولا. لم يعتاد على ذلك. ويتعمد الجفاء لتنتبه لما يفعله ولدها من اختلال عقلي ليس إلا. بل وإغتاظ هو الآخر من فعلته حينما علم هو بأنه دخل البيت دون وجود رجل به!! وهذا شيء لم يعتاد عليه بعادتهما العائلية!! الشئ الذي يستطيع أن يسعده أن اليوم بالفعل خطبة "شادي" بعدما ابتاع لها الذهب وسيلبسها إياه اليوم في منزلها كعروس. وما يسعده مرة ثانية هي مناسبة أخرى مجهولة إلى الآن! فقط ينتظر بضع ساعات ومن ثم سينفذ!!
إلتفت برأسه سريعا بعدما مرت دقائق حينما وجد "دلال" تدخل برفقة "نيروز" التي سرعان ما ظهر على ملامحها الإرهاق. وقف "حامد" يزيح لهما أماكن فجلست "دلال" وهي تتصنع تجاهله وكأنه مرئيا. لاحظت "ياسمين" ذلك. وكما لاحظت ملامح وجه "نيروز" والتي فهمت سريعا ما بها. جلست بجانبها بحنو. ثم ضربتها بخفة وهي تشاكسها بمرح:
"شد حيلك يا كتكوت... أومال لو في بيبي بعدين بقا هنعمل إيه!!!"
قالتها بصوت مرتفع. عنفتها "نيروز" بنظراتها. فضحكت "ياسمين" وهي تسند رأسها على كتف "نيروز" وهي تهمس لها قائلة بصوت منفخص:
"بردو لسه متخاصمين؟"
مالت "نيروز" ترد بهمس منخفض كما الأخرى:
"أه!!"
"أقسم بالله أنا بدأت أخاف أمشي من هنا. كل ما بمشي أنا وحازومي جوزي حبيبي ونروح شقتنا بيحصل مصايب. مش فاهمة في ايه!!!"
وصل حديثها المرح لمسامع "عايدة" التي فلتت منها ضحكتها بيأس منها. ومن ثم ضحكت "نيروز" عليها بقلة حيلة. حتى انصدمت سريعا حينما اعتدلت "ياسمين" تردد بصوت مرتفع تدندن بصوتها العذب المعروف بالنسبة لهم:
"الخصام ممنوع.. والزعل مرفوض.. ده انت اللي يخاصمك يبقى حكم على روحه بالموت!!!"
أعجب الكل بصوتها. بل والصدمة حلت ملامح "نيروز" و"وردة" التي أتت من الداخل. ضحكت "عايدة" بشدة. كما ضحك "حامد" وهو يجيبها بهدوء شديد يحاول تجاهل ما تفعله:
"صوتك جميل.. كملي!!"
"ما تكمل انت يا عمو يا حلو يا مدوخهم. فاكر انت البت اللي قولتلي أكلمهالك؟"
قالتها "ياسمين" وهي تقترب لتجلس بجانبه وقد قصدت قول ذلك كي تجعل مشاعر الغيرة تظهر فيقوم الصلح بينهما بسهولة. ترقبت ملامح "دلال" بقوة. فغمزت "ياسمين" له فبادله هو الغمزة وهو يرد:
"أيوة فاكرها.. قالتلي بحبك يا حامودي بس أنا قولتلها أنا بحب مراتي وأم عيالي وعيب كده وإحترمي نفسك!!"
ضحكن جميعا عليه فعاد هو يتحدث بصدق:
"بحب مراتي أيوة.. بس ساعات مبتفهمنيش وبتقفل دماغها قصاد حاجات كده مش صح. بس عمر ما الخصام يبقى أقوى مننا!!"
أعطته كتفها بمعني أنها "مقموصة" فضحكن عليها جميعا مرة أخرى وهو أيضا. فالتفتت "دلال" تجيبه باندفاع.
_" طب ما أنا كمان بحب جوزي بس وهو مش قاسي وجامد على ولادي!!"
قلب "حامد" عينيه بيأس منها ومن تفكيرها، وصمت الجميع في هذه اللحظة وقد شعر بإنسحابهم من الأساس. وللمفاجأة، قد شعر هو بنهوضها وهي تقف أمامه بصمت. فوجدت هي عينيه ترفع لها وقد طالعها بسكون إلى أن ردد بإقتناع حزين هادئ:
_" إبنك غلطان يا دلال!!"
لحظة العتاب واللوم والتوضيح والجدية الخالية من المرح والتي بدأت بالمرح من الأساس بفضل "ياسمين". طالعته بحسرة وهي تحرك رأسها بحزن، قائلة باستسلام:
_" إبنك قسى قلبه عليا يا حامد ومخلنيش حتى اسمع صوته من ساعتها!!"
لا تعلم هي بأنه مقيم في منزل "بدر" في الأسفل ولا يعلم هو الآخر. فقط "غسان" و"بدر" من يعلمان. وقد قرر الأول بإخفاء ما يعلمه كي يستعيد شقيقه نفسه من جديد بعيدًا عنهم. مد كفه يمسك كفها بحنو، وهو يربت عليه مرددًا مرة أخرى بتفهم يوضح بعتاب:
_" وإنت قسيتي يا "دلال". قسيتي لما عارفة إنه غلطان وماشيه تحمليني الذنب وحتى "غسان" هو كمان .. حتى لو مظهرتيش ليه ده بس هو عارف. مفكرتيش إنه عملها قبل كده وكان هيموت أخوه فإيده. وحتى المرادي، إبنك في غشاوة على عنيه مخلياه مش شايف حاجة. ماشي يعمل الغلط اللي مفكرة صح. أو يمكن صح. بس طريقته وتفكيره كله غلط فغلط. بيراهن قدامي بكل بجاحة إنه هيعمل اللي فدماغه غصب عني وعننا. أقل حاجة عملتها قولتله إمشي. إمشي واعمل اللي يريحك بعيد عني. كنت أب.. وكنت عاقل وأنا بفهمه إن ليه الطريقة دي لما كان ممكن تفهمني براحة وكنت ممكن اقتنع!"
وأضاف بعدها بيقين:
_" مفيش في بيت حامد البدري قسوة يا دلال. مهما عمل فهو ابني وعمري ما أقدر أقسى عليه. كل اللي شوفته إنه لازم يفوق زي ما أخوه قال من قبل حتى ما نعرف. لو كان موجود قسوة بينا مكنش غسان عمل كل ده عشانه وهو جاي عليه قبل كده وكسره وعدهاله عشان اللين غالب هنا في بيتنا!! وطالما اللين غالب يبقي هيرجع!!"
صمت يرى الدموع بحزن في عينيها والتي هبطتت منها وهي تحرك رأسها بيأس وحسرة لما وصلوا له. في حين ردد هو يكمل ما كان يتحدث به:
_" هتفضلي طول عمرك كده يا أم غسان. بتقرري بقلبك اللي مفيش أطيب ولا أحن منه. من غير ما تفكري فحياته صح. زي بنتك اللي زعلت من غسان من ساعة اللي حصل وكأنها كده بتعدل بينهم لما كان غسان مشي وفضلت تقاطع "بسام". بنتك يا دلال اللي لسه صغيره ومش فاهمه غير لو حد بيحب واحده ليه ميتجوزهاش. مجربتيش تكوني عاقله وتحكمي ده قبل ده يمكن بنتك تعرف الصح وعقلها يكبر وهي بتبص لامها وتعمل زيها!!!!!"
كان يشير على موضع قبلها وعقلها. ومن ثم رفع كفه المجعد يمسح دموعها برفق. ثم إبتسم من بين دموعها التي تهبط وهو يردد مره أخرى بإطمئنان:
_" كل حاجه هتبقى كويسة.. بس متعقديهاش وأصبري. أصبري ع الدنيا وعليه. يمكن يرجع عن اللي فدماغه. وادعي زي ما طول عمرك بتدعي. مش تعقديها علينا إنتي وبنتك!!"
ضحكت في آخر حديثه بقلة حيلة منه. فضمها هو كي يحتضنها وبرغم أنها هي التي أخطأت في أن تقاطعه ولكنها قاطعته دون فهم أي شئ. عانقها وهو يردد بأسف، كطبيعته التي تحنو على الجميع مثل ولده:
_" وحقك عليا يا أم غسان. أنا آسف إن ربنا مزرعش فقلبي عاطفة الأم دي. بس أنا راجل وفاهم كويس أنا بعمل ايه وبربي إبني إزاي. رغم إنهم كبروا على كده بس بكتشف إن في حاجات ناقصة بردو. بكتشف إني مقصر مش عارف ليه!!!!!"
شرد مرة أخرى بمواجهته مع "وسام" التي أخذت ركنًا هي الٱخرى من "غسان" وحتى من "نيروز", دون أن تعلم "نيروز" بذلك كونها أردفت كلمات صعبة على شقيقها دون أن تدري وقد تجاهل الكل عداها هي!!! ولأنها لم تظهر ذلك، كل حديثها مع الٱخرى كان بالجدية وفقط حتى أنها تنفرد بنفسها بحجة الدراسه بالفعل. وكطبيعة مثل طبيعة "نيروز" التي لا تجازف بأن تفهم كانت بالفعل غير منتبهه كونها تعلم بأنها أصبحت تنفرد كثيرًا بسبب المذاكره. وكان قول "وسام" لـ "حامد" قبل أن يتركها:
_" أنا عاوزه بسام يرجع يا بابا. أنا ٱهم حاجة عندي يرجعوا زي ما كانوا. أنا زعلانه من غسان أوي عشان حتى محاولش يوصله ويهتم ويخاف زي ما كان بيعمل الأول. بدأت أحس إنه أهم حاجة عنده نيروز وبس. نيروز اللي قالت كلام صعب أوي لـ بسام قبل ما يمشي ومحدش فيكم وقفها وهي بتكسره و مكنش ناقص كسره هو من الأول. أنا بحبها وبحب أخويا بس هي بتحب أخويا بطريقة تخليها تقف ضد الكل لو مين مش غلطان مش هتشوف ده!!!"
صغيرة، كُتب على عقلها عدم وزن الأمور. فقط تحزن على شقيقها ورحيله وفقط وكأنها تعدل بينهما حتى لا يراجعها ضميرها. لا تعلم بأنها تظلمه بالفعل وهو الذي اهتم بشقيقه على الفور!! ووسط ضغط دراسي تصبح هي حساسة من الجميع!!! رد عليها بالفعل بقليل من الحديث وتركها رغم أنها كانت معه تأخذ ركنًا منه هو الٱخر ولكن حدثته هي بعتاب لطالما جاء وحدثها هو!!!
لا يعلم هو بأن مر الكثير من الدقائق وهو شارد بالفعل حتى وجدها تنسحب مع الفتيات اللواتي شاكسونها بمرح. وبقى هو ينظر بابتسامة من على بعد. خاصة بعد قول "ياسمين" لها وهي تدغدها من جانب معدتها بخفة وضحك:
_" أيوه بقا يا دودي يا شقي انت!!!"
كانت تلقائية مرحة. حتى ضحك عليها الكل. خاصة "نيروز" من وسط صدمتها بما فعلته بكل خفة والٱخرى ترحب بذلك!!! إنسحبت من بينهن وقد دخلن الكل إلى المطبخ عداها هي "نيروز". التي توجهت تبتسم بوجه "حامد" حتي رددت عليه بعفوية شديدة دون مقدمات لذلك فقط ترى الصلح بينهما منه:
_" أنا بحبك أوي يا عمو. وبحبك أكتر كل ما بحس إنه موجود جواك. وإنت موجود جواه. كل ما بحس إن "غسان" زيك بالظبط!!"
رسم ابتسامة واسعة على شفتيه بإمتنان. وسرعان ما أكملت هي بصراحة، كونها تشعر بالراحة معه بالأخص:
_" إنت مجمع بين ناس كتيرة بحبها. بس من دا كله. ملفتش نظري غيرك وإنت بتراضي طنط مع إنها ممكن تكون هي اللي كبرتها من عندها وبدأت. زي كل مره بغلط فيها وباجي على غسان بلاقيه بيزعل بس حتى أسفه في الٱخر مبيتمسحش حتى ولو بطريقة مش صريحة. عمري ما كنت أتخيل إنه ممكن يتأسف علي حاجة مغلطش هو فيها ويعاند ويكابر. بس الحقيقه واللي أنا عرفتها وبدأت أكون أحسن فيها.. إن أنا اللي ممكن أكون بظلمه أغلب الوقت وهو اللي بيكون صابر عليا اوي و مازال صابر عليا. هو أنا ممكن أقولك حاجة؟!!"
كان يستمع بكل حب بعيدًا عن المرح. ترقبت ملامحه الموحية بإعجاب ما سمعه وهو يحرك رأسه قائلاً لها بعفوية ولطف:
_" طبعا. قولي.. إنتي تقولي اللي إنتي عاوزاه يا نيروز!!!"
خجلت من جملته الجدية اللطيفة وخلال لحظات. إستجمعت الإجابه وهي ترد بصدق وصراحة:
_" أنا معجبة أوي بطريقة تربيتك ليهم. إنت جميل أوي وعرفت تعودهم علي حاجات أجمل. ونفسي لما ربنا يكرمنا ونخلف عيال تكون مبادئهم زي مبادئك اللي كنت ماشي بيها معاهم وعودتهم عليها بكل حب!!"
كان بهذا الوقت يحتاج لمن يثبت له أن مجهوده بتربيتهم لم ولن يذهب عبثًا. بسبب ما رآه من "بسام" تأثر حتى أنه ولأول مره يتعلثم بالحديث. ولم يستطيع الرد لأول مره!! بل فرد ذراعيه لها يحتضنها تعبيرًا عن الرد. لم تكن تنتظر منه الرد. بل وهي وطبيعتها من الأساس ان إحترمت وأعجبت بأحدهم يبقي إعجابها دائم به وحبها صادق لطالما لم ترى منه شئ!! ومن بين هذا العناق والدقائق التي مرت. جاءه صوته الحانق من الخلف وهو يحمل حقائب معينة بيديه مرددًا بحنق وهما من خلفه يسندان "سمية":
_" والله بقا انا سايبك فبيتي. أجي ألاقيكي فحضنه!"
قالها "غسان" بجدية. فضحك وقد كان وجهه هو ناحية الباب والٱخري من الداخل. والتي خرجت سريعًا. تلتفت وقد تحولت ملامحها إلى البهجة والتأثر حينما رٱتها تستند عليهم. توجهت بسرعه. في حين صاح "حازم". فخرجت النساء والفتيات من الداخل. وأول ما تعاهدا عليه قد ظهر الٱن حينما بدأت الزغاريط بنفس واحد تعلو بالمكان بشدة. وهي تدخل برفقتهم إلى الداخل. لم تكن الفعله سوى تعبيرًا عن الفرح وعن أخذ "نيروز" حقها بالفرحة كونها عروس لم تقضي وقتها بذلك. بل وفي صباحيتها كعروس لم يفعلوا كمثل هذه الزغاريد أيضا. سعدت "نيروز" بشدة وقد أدمعت عينيها تأثرًا. وهي تقف تنظر نحو الزغاريد المستمرة المبْهِجة والتي أخرجت "فريدة" و"زينات", من شقتهما. إرتمى الجميع في أحضانها إلا "نيروز" التي وقفت في حالة من الإدراك بأنها عادت بالفعل بل وعدم التصديق بأنها حقا هنا!!!
وقف بجانبها "غسان" بعدما وضع الحقائب.
وتجمع الكل في غرفة "سُمية" أمامها وهي على الفراش ، وقفت"نيروز" أمام باب الغرفة بغير إستيعاب رغم أنها كانت تعلم ، إلتفتت بتأثر تنظر نحو وجهه المُبتسم وهو يطالعها بإهتمام ثم قالت وهي تشير بإصبعها كطفلة صغيره تستكشف الأشياء والناس والمارة من حولها :
_"دي رجعت يا غسان صح ؟؟ رجعتلي تاني هنا وأنا ..أنا كنت خايفه أووي!!!"
لا تعلم بما تتحدث هي ولا تعى ، تعي تدريجياً فقط عندما حرك رأسه يؤكد رغم شفقته بما وصلت له من إعتقاد بأن من يذهب لا يعود أبداً ؟!!!، وضع ذراعه على كتفها برفقٍ ثم مال يتحدث بجانب أذنها قائلاً بعمقٍ يُصحح لها بتأثر:
_" رجعت يا نيروز ، اللي بيمشي ممكن يرجع تاني يا بنت الأكرمي ، وإن مرجعش بنروحله إحنا فالٱخر وياريت لو مكان لُقانا من تاني يبقىٰ الجنة !!!"
كلمات عادية ولكن بالنسبه لها هي جعلت القشعريرة تسري بجسدها كونها علمت أنه علم بما تفكر هي به ، لا يكل ولا يمل في أن يبرر لها دائماً حتى وإن كانت الإجابه معروفه ولها إجابة حتمية طبيعية الكل يعلمها !! ، ابتسمت له برقةٍ ولين ظهر في نظرة عينيها الذي تعلق هو بها وسرعان ما استقام تحت تأثرها كي لا ينخرط بعينيها لمدةٍ ، ثم أشار لها بالدخول كي تدخل ، أومأت له بحماسٍ وقد دخلت تزامناً مع خروج "حامد"و"بدر"و"حازم" ، و"دلال"و"عايدة" حتى ذهبا معاً للمطبخ كي يعدان لها طعام صحي تأكله بحذرٍ ، وما أن إلتفت هو وجدهما يقفان علي أعتاب باب الشقه المفتوح ، إبتسم "حازم" وهو يتوجه ليسند "فريدة" بساقها متجاهلاً. وجود الٱخرى من الأساس وجلس الرجال ، ووقف "غسان" بطريقة غير ملحوظة حتى إنسحب من بينهم ليقف أمامها مردداً بتبجحٍ لها وسط إنشغال الكل ودخول "حازم وشقيقته" إلى غرفة" سمية" :
_"نعم ؟؟، لو جاية تخربي زي ما بتيجي ويحصل كل مره فـ مش هدخلك!!"
وأكمل سريعاّ يلعب بأوتار أعصابها الذي يعلم بأن وسرعان ما يظهر عليها الغيظ والغضب الذي يجعله بلحظة إنتشاء وإنتصار عليها:
_"أما بقا لو جاية وهتقعدي مؤدبه وشاطرة. فــ.."
توقف هو عن الحديث للحظاتٍ وكأنه يحدث طفلة صغيره بطيئه الفهم ، قصد البطئ والتوقف ثم عاد يكمل بابتسامة صفراء مستفزه يضرب بتوقعها عرض الحائط :
_". مش هدخلك بردو !!"
كان "غسان" غير هيناً وكأنه مازال يأخذ حقوقاً. كثيرة لم يأخذها منها وطريقته كمن كان يحدث طفل شقي عبثي لا يصمت ولا يسكن أبداً ،لذا هربت"زينات " بعينيها وقد ترددت في أن لا تهاجمه ، حينها غلبتها شراستها المعهودة بقوه وهي تجيبه بجدية بالغه ومازال يقف يطالعها بتسليةٍ كُبرىٰ :
_" وإنت مالك إنت ؟؟ كنت جيتللك في بيتك ؟!!"
إبتسم "غسان" بإستفزاز وكانت الوقاحة تلقائية منه حينما رد عليها بـ :
_" وإنتي تجيلي في بيتي ليه ؟؟ وان جيتي مش هفتحلك من أصله!!!"
سكن يضحك وهو يطالعها ويطالع جبروتها الذي يختفي شئ فشئ ثم أكمل بجرأةٍ :
_", أقولك؟؟ لو جيتي هفتح الباب وهقفله فوشك تاني بسرعة ، عشان ابقى قليل الذوق أكتر !!"
_"وأنا مستنضفش أجي شقتك من أصله إطمن!!"
ضغط على فكة وهو يمسك بالباب ثم رفع عينيه يرد بنبرةٍ باردة عليها تثير حنقها حينما وضح بوقاحةٍ مره أخرى ناظراً لها من أعلاها لأسفلها :
_" والله اللي يخلف واحد زي حسن ابنك ، ميستقرفش يعمل حاجه ، يعني أنا شايفكم ماشين بتوقعوا نقص منكم كدة !!"
تصنع بأنه تذكر شئ هاماً عندما تحولت نظرة عينيه للحدةٍ وهو يرسم على وجهه قناعاً تعلمه :
_" وأه ..عرفيه إن غسان البدري مبينساش حقه يا ..أم الناقص!!"
_" إحترم نفسك معايا ..ووسعلي خليني أدخل !!"
قالتها قاصدة لقبه وهي تشير بيديها وتفعل حركة تثير غيظه ، لذا ضغط على فكه من وقاحتها التي مازلت موجوده بلهجتها الٱمره له ، بالأساس كان مجرد لعب بأعصابها وبالٱخرى يرى إلى ماذا وصل ندمها وجبروتها ، وما أن سمع ذلك منها إبتسم "غسان" رغماً عنه وهو يمسك بالباب مردداً بتبجحٍ أمام عينيها يعاند ما يشعر بأنها توجه له الٱمر !! :
_"طب عليا الطلاق ما أنتي داخلة !!"
وسرعان ما صفع الباب بوجهها بقوة ، كما تفعل هي معهم في كل مره ، إبتسم بإنتصار وهو يدخل ، في حين ضغطت هي على أسنانها وهي تعود إلى شقتها بإنهزام تعلم بأن الكل والجميع لن يعطوها فرصة بهذه السهوله أبداً !!!
دخل إلى الداخل فوجدهم جالسين ومن ثم بدأت كل واحده في الخروج من غرفة والدتها كي تنعم بالراحة ، جلس هو مع الشباب في الصاله ، فخرجت"فريدة" تستند على "وردة" وهي تعقد حاجبيها بتساؤل وصوت مرتفع :
_" أومال ماما راحت فين ؟؟ كانت جاية معايا !!!!"
تجاهل "غسان" قولها وهو يتجرع من كوب الشاي ، في حين ردت عليها "وردة" تزامناً مع إسناد"حازم ", لها كي يعود بها إلى شقتها :
_"تلاقيها مشت !!"
تجاهل الجميع ما يخص "زينات " ،في حين خرجت هي وشقيقها من الشقة. ، وذهبت "وردة" لتطعم صغيرها في حين جلست "ياسمين " بإنهاك ،إنتبه "غسان" لإنسحابها إلى غرفتها ، فنهض ببطئ يمسك بكوب الشاي وهو يتوجه ناحية غرفتها خوفًا. من أنفرادها بالألم الذي كان بها ، تركهم جالسين ، ثم فتح هو الغرفه ببطئ حتى دخل ومن ثم أغلقها من خلفه ، وجدها تلتفت وهي ترفع رأسها وما أن وجدته إبتسمت له بعمقٍ وهي تترك دفتر المذكرات الخاص بها والقلم ، حتى كادت أن تنهض ولكنه حاصرها حينما جلس هو بجانبها وهو يسند الكوب ثم سألها بإهتمامٍ :
_" بقيتي كويسة ؟!"
حركت"نيروز" رأسها إيجاباً له بحرجٍ ، فضحك هو رغماً عنه وقد غير مجرى الحديث عندما نظر نحو الدفتر الذي رٱه معها من قبل :
_"إيه ده ؟"
أمسكته "نيروز" باهتمام ثم رفعت عينيها تجيبه بصراحةٍ :
_" دا دفتر مذكرات ، عندي من زمان أوي ، بحب أشارك فيه كل حاجه وبكتب فيه كل اللي بحس بيه ، بابا اللي علمني أكتب كدة وأحب الكتابة والقراءة ، وأحب اللغه العربيه أوي، بس مشى ومش باقي من ذكرياتنا سوا غير ده !!!"
وجدها تسرد بإجابات وحقائق دون أن يسأل ، فقط سألها سؤال واحد عن الذي بيديها ، نظر لها "غسان" بإعجابٍ ثم سأل مجدداً بتشككٍ مرح:
_" كل ذكرياتك كل ذكرياتك ؟؟."
ضحكت "نيروز" وهي تحرك رأسها بنعمٍ ، فتتفس هو بعمقٍ من عمقها هذا ، ثم مد يديه يمسك الدفتر وهو يسألها بإحترامٍ لا تعهده وتراه به لأول مره :
_" هو ممكن ؟؟!"
يسألها إحتراماً لخصوصيتها ، يفتحه أم لا ، وللحظة الهادئه بينهما ، وضعت كفها على كفه برفقٍ وهي تجيبه بصدقٍ :
_" ولو مش ممكن لأي حد فالدنيا ، فـ هيبقى ممكن ليك إنت بس !!"
قلب هو اللحظة الهادئة بغمزة مشاكسة ، لذا ضحك بخفةٍ عليها وهي كذلك عندما بدأ "غسان" يفتحه بالفعل بطريقة عشوائية ليأتي بأحد الصفحات فوجدها تزغرف بها جُملة كبيرة من أغنية معروفه لكوكب الشرق ، بل وبتاريخ رحيله في بداية علاقتهما. عندما رحل وتركها بسبب شقيقه
[غَلبّنِي الشُوقّ وغَلّبّنِي!!] ، رفع عينيه عليها وعلي التاريخ وعلى الرسمة ، ومن ثم هي وهي تطالعه بتمعن وقد تذكر هو رحيله ..
_" عرفت بقا ان بنت الأكرمي دايبة فيك.. من زمان ي بن البدري؟!"
_" عرفت وكنت عارف، .لسه فاكر أنا ان خطك حلو أوي.
هاتي كده القلم!
هاتي كده القلم!
أعطته القلم بحماس.
فتح هو صفحة بيضاء ثم بدأ يمسكها بيديه اليسرى، يبدأ كتابة اسمها بطريقة متداخلة بين اسمه واسمها معًا.
نظرت له بحب وهو يكتب، وخلال لحظات انتهى هو من كتابة ما فعله.
ثم أسفل الاسمين المتداخلين ببعضهما كتب بين قوسين جملة تعتادها هي منه:
"معًا، وفي حضن بعض هي الغاية!!"
ثم عاد يكتب جملة يسألها بها:
"عارفه الست قالت إيه؟"
جذبت قلمًا آخر بحماس وهي ترد بالكتابة بحماس:
"إيه؟"
وقبل أن يرد بالكتابة، توجه مقتربًا من أذنها يهمس بـ:
"والقلب يعشق كل جميل!!"
عاد يكتبها باهتمام، وفعل ما فعله كونه يشارك معها ما تحبه وتفضله هي.
رأى سعادتها وحماسها بشيء بسيط كهذا، وكي لا يدخل بخصوصيتها هذه أكثر تعمد ترك الدفتر لوقت آخر كي لا يضعها أمام الأمر الواقع.
ورغم أنها وافقت ولكنه تركه كي لا يشعرها بالحرج.
أغلقه وهو يعطيه لها ثم قال مرددًا على مسامعها بمكر مجهول للكل:
"هتقدري تيجي شبكة شادي ومنة؟ ولا هتخليكي؟"
ترددت حتى ظهر التردد في نظراتها.
فعاد هو يتحدث مرة أخرى:
"لو حابة تخليكي مرتاحة عادي، هو كده كده هيلبسها الدهب في البيت وسطنا بس وهنرجع تاني وهو يبقى يقعد معاها بقا!!"
صمت ينظر إليها باهتمام، وسرعان ما اقترب منها قائلًا مرة أخرى بمراوغة:
"وبيني وبينك بقا.. أنا عايزك تيجي عشان أخدك بعدها أخرجك خروجة حلوة كده بما إننا بقالنا زمان مخرجناش ولا حتى خرجنا بعد جوازنا نحتفل ولا أي حاجة!!"
كانت قد قالت له من قبل بأنها ستقيم مع والدتها لطالما هو نفس اليوم.
وبين تردد بأن ترفض وتجلس مع والدتها ويذهب هو وعائلته وبين الموافقة، لا تعلم بأن الأمر مدبر من خلفها ببراعة كبرى.
ابتسمت كي لا تحزنه ثم حركت رأسها موافقة وهي تقول:
"ماشي بس ممكن طلب؟"
"حضن ولا بوسة؟!"
قالها بجدية.
فأقتربت منه ضاحكة وهي تحرك رأسها نفيًا، ثم ردت على حديثه بـ:
"لا مش كده.. بس كنت عاوزة منتأخرش عشان أقدر أقعد مع ماما. إنت عارف وردة بتتلبخ مع يامن وياسمين حامل، ومامتك وطنط عايدة مش علطول هيكونوا معاها وسايبين اللي وراهم!!"
أشار "غسان"، إلى عينيه بمرح.
فضحكت هي، ومن ثم لبت غرضه وهي تقبله برقة على وجنتيه.
ومن ثم ضمها هو بارتياح.
لا يشعر بالراحة سوى بأحضانها، وضغطه وضغط ما فعله شقيقه وحزنه منه يزول تدريجيًا بقربها هي.
هي التي لا تعلم ذلك بالشدة الكافية لديه.
خرجت من عناقه عندما وقف يعتدل.
ثم أشار لها قائلًا بوضوح:
"طب أنا هطلع أكلم شادي كده وهبقى عند حامد عشان الغدا. متتأخريش هنستناكي عشان ناكل سوا!!"
خرج بعدما أومأت له، وخرجت هي من بعده.
فوجدتهم بالفعل رحلوا، حتى "ياسمين" التي ذهبت عند "عايدة" لـ "حازم".
وعندما رأت بأن والدتها قد غفت تنفست بارتياح وهي تنظر على سكون المكان من حولها.
ابتسمت عندما علمت بأن "وردة" قد تناست صندوق الغسيل أمام شرفة الصالة.
فذهبت هي تقوم بتجميعه من على الحبل كي تساعدها كونها ترى بأن أكثر من يتعب وينهك بهذه الأمور هي.
ولكنها انخرطت بأمور صغيرها وزوجها.
وبعد مرور دقائق وفي شقة "حامد"، كانت السفرة مجهزة بالغداء بالفعل.
أما هو فوقف بركن يفعل بعض المكالمات المهمة، أهمها مع "شادي" و"عز" هو الآخر كي لا يتأخر ويأتي معهم.
خرجت "وسام" من غرفتها بصمت، ثم وزعت نظراتها عليهم جميعًا.
وكانت والدتها تخرج من المطبخ بآخر صحن كي تضعه على السفرة.
جلست بصمت دام بينها وبينهم حين جلس "حامد"، بجانبها.
في الأساس يلاحظ "غسان" أخذها لركن منه كونها تجيبه على الحديث وليست لتتحدث معه.
تركها كونها لا تفهم من الأساس ما يفعله هو ووالده.
ولكنه أغلق الهاتف وسرعان ما توجه ليفتح باب الشقة لها.
ابتسمت له "نيروز" وهي تدخل لهم في حين قد أغلق هو الباب.
ودخل بعدها نظر ناحية "وسام" التي رحبت بـ "نيروز" بفتور غير ظاهر.
فسألها هو باهتمام وهو يجلس بجانبها كي يفتح معها الحديث:
"عاملة إيه في المذاكرة؟"
يسألها كما يسألها كل مرة باهتمام، ولكن هذه المرة تستشعرها منه مختلفة، كون اهتمامه تراه هو يقل تدريجيًا.
رغم أنه يفعل عكس ذلك معها وهي فقط من ترى ذلك.
ابتسمت له بلين يهزمها حينما قالت بهدوء:
"الحمد لله اهي ماشية. دعواتكم!!"
بالفعل كانوا قد بدأوا الطعام.
ووسط الحديث لاحظت "نيروز" تجنب "وسام" لها.
كانت تشعر ووقت مع الوقت الذي يمر تتأكد.
ولكن تلقائيتها جعلتها تسألها باندفاع أمامهم أثار غرابة البعض:
"هو انتي زعلانه مني فحاجة يا وسام؟"
لم يثر السؤال غرابتهم جميعهم.
ووجدها "حامد" لحظة عتاب غير متوقع.
حركت رأسها نفيًا، وهي تسلط أنظارها ناحية "غسان" الذي بدأ هو بالحديث بوضوح بسرعة:
"هي في الحقيقة زعلانة من كله هنا، وتبقي كذابة لو قالت العكس!!"
واجهها بجرأة، ووضعها بوضع محرج ومحصور.
فابتلعت ريقها بصعوبة وترقب حينما واصل هو يكمل من بين تناوله الطعام:
"بس برجع وأقول لسه صغيرة ومش فاهمه حاجة."
ورفع عينيه يشرح لها بهدوء، رغم كرهه للتبرير ولكنه فعلها معها:
"ومش معنى إنه مشي يبقي هو الصح والمظلوم في الحكاية كلها. حاولي تحكمي عقلك إنتي وأمك شوية يا وسام. أخوكي غلطان وبيغلط بس إنتي مش هتعرفي تفهمي ده دلوقتي!!"
صمتت "دلال" تنظر بركن آخر غير عيني "غسان" التي تواجهها بالحقيقة هي الأخرى، تحت نظرات "نيروز" التي تاهت بينهم وبين ما يشعره كل منهم.
وكان الرد عندما اندفعت "وسام" تواجهه بنبرة سريعة تلومه بها باندفاع:
"بس انت السبب!!"
توترت "نيروز" حتى تركت الطعام بترقب وخوف لما هو قادم.
تعمد "حامد" تركهما يتحدثان بوضوح ثم ليتحدث هو بالنهاية يعلق على ما تفعله ابنته.
في حين نظرت "دلال" بقلة حيلة عندما سمعتها تكمل بجدية بالغة:
"انت السبب عشان انت اللي بتروحله فكل مرة وتجر خناقة. انت عارف إنه صعب لما بيتعصب ومش بيشوف قدامه. وزي ما انت السبب لما عرفت الكل إنه بيحب فرح وفرح متنفعش، كأنها يعني اذتك فحاجة صعبة!! ليه متنفعش مش أي واحد بيحب واحدة يبقي يحاول ويجازف إنها تبقى ليه ويوصلها؟ عايز يتخلى ليه؟ هو طبيعي الراجل يتخلى عن البنت الي ارتاح لها وحبها زي ما هو حاسس؟ مش أنا اللي هقولك ازاي المفروض الراجل يتمسك وإنت اللي قومت فيوم وفساعة ومرة واحدة تقولنا أنك رايح تتقدم لنيروز واللي يحصل يحصل!!"
وأكملت بسرعة دون أن تأخذ أنفاسها:
"قعدت تعارضه بقسوة حتى ولو هو اللي كان صعب. عارضته لحد ما وصل لنقطة مش شايف فيها أي حاجة وكنتوا هتموتوا بعض عشان بس إختلاف فوجهات النظر. انت مبقاش يهمك حاجة يا غسان غير نفسك وغير نيروز معلش يعني أنا آسفة إني بقول كده، عشان كنت ممكن تصبر عليه عادي بس مبقاش يهمك الصبر واللين اللي كان فيك علينا، وكأنك بتثبت لنفسك إنك كده جبت أخر واجبك من نحيته ونحيتنا وخلاص!!"
الكل يضغطه والكل يردف حديث دون وعي منه بأوقات معينة وكان وقتها بضغطها.
رغم صحة بعض الحديث ولكن أغلبه كان خطأ، خاصة أخره.
وما أن سمع هذه الكلمات منها ابتسم بسخرية من كون الجميع ضده وهو يرى كذلك.
بل والسخرية بالنسبة له هو أنه يكسر منهم بالتدريج حتى بالكلمات وفقط.
لم يرد هو.
وحتى "نيروز" التي نظرت بحزن لها بآخر حديثها ثم ردت هي تجيب.
تبررت بسرعة قبل والديها:
"ليه بتقولي كده يا وسام؟ دا غسان باله مش بيهدى أبدًا. هو عمل كده عشان بسام يفوق، لأن في حاجات فعلاً لازم يتعملها ألف حساب. مش كل اتنين بيحبوا بعض لبعض، الحياة مش سهلة للدرجة دي ولسه هتفهمي دا بعدين. في حاجات بتتبنى أهم من الحب، وأهمهم لازم يكون الطرفين أسوياء نفسياً على الأقل. بلاش تظلمي أخوكي عشان أخوكي التاني مشي وبس، فكري في صلب الموضوع نفسه. يمكن مليش إني أدخل، ويمكن تكوني زعلانة مني عشان كلامي آخر مرة، بس أنا متكلمتش غير لما شوفت إن واحد بيحاول ومحدش بيشوف إنه بيحاول. بس أنا زودتها فعلاً وأنا كنت في لحظة مش حاسة بيها بنفسي ومكنتش حاسة غير بيه هو وبكسرته وزعله. وأنا آسفة لو كنت زعلتك مني في حاجة، وأسفة ليكم لو كان كلامي ليه زعلكم من غير قصد مني. بس غسان مش بيفكر كده يا وسام، أخوكي بيحبكم أوي وبيخاف عليكم أكتر من نفسه!"
وما أن انتهت، نظرت ناحيته فوجدته يكمل في تناول الطعام وكأن شيئاً لم يكن. فقط أشار لها بيديه مردداً بهدوء، عكس القهر الذي بداخله:
"محتاجة تكبري حبة كمان، أصلك لو عاقلة كفاية بالنسبة لسنك كنتي فهمتيني."
تعلم بأنه يسخر بطريقة خبيثة غير واضحة، حدجها "حامد" بحدة، ثم رفع عينيه ينظر تجاهها مردداً بتوبيخ:
"أنا سيبتك تتكلمي براحتك يا وسام، بس مش للدرجة اللي تخليكي تقولي كلام زي ده لأخوكي الكبير وأبوكي قاعد. يعني لا اعتبار لده ولا لده، ولا حتى لأمك اللي قعدت تغمزلك تسكتي وبردو كملتي بعناد وكأنك الصح!"
كانت طريقتها عكس حديثها بالفعل، لذا أكمل بحزم وهو يشير لها قائلاً بجمود:
"إنتي ليكي اللي أخوكي اللي زعلانة عليه يرجع، وهيرجع مش هيروح بعيد. لكن الأصل واللي مش هيتغير واللي أخوكي مشي بسببه أول حاجة هو الأسلوب، الأسلوب والطريقة والكلام اللي أنا ربيتكم عليه. مش كل شوية أكتشف إني معلمتش حد ولا خليته يحترم الأكبر منه!"
لأول مرة يرمي عليها كلمات قاسية. ابتلعت ريقها وهي تحبس الدموع. وقبل أن يتحدث "غسان" ليهدأ الوضع، تحدث "حامد" يعنفها بحزم مرة أخرى ويقاطع الآخر:
"فهماني ولا مش فهماني؟ أخوكي بعد كده تعاتبيه بينك وبينه، وحتى لما تيجي تكلميه تتكلمي بشكل وكلام أحسن من ده ومش قدام مراته!"
ابتلعت "دلال" ريقها بحسرة، على ما يصل إليه في كل مرة بوضعهما المتأزم. كادت أن تنهض، ولكن أوقفها نبرة "غسان" الهادئة وهو ينهض من قبلها مردداً بلين يشير لها متفهماً وضعها:
"خليكي، كملي أكلك.. أنا اللي قايم!"
جلست رغماً عنها. ولوهلة شعرت بالندم يقتحمها بقوة كونها كانت شديدة في قول كلماتها. نظرت ناحيتها "نيروز" بحزن، ثم جلست قليلاً. وسرعان ما نهضت خلفه، تحت صمت دام. بعدما غسل يديه، دخل الغرفة سريعاً يمسك بهاتفه كي يجري اتصال سريع على "شادي". غسلت "نيروز" يديها، وسرعان ما وجدت كل منهم ينسحب وبقت "دلال" تحمل، فتوجهت لتحمل معها الصحون إلى المطبخ. وفي طريقهما معاً ليدخلا المطبخ، وقفت أمامها "دلال" تردد عليها بدون مقدمات:
"معلش يا بنتي متزعليش من وسام، نبي دي طيبة وبتتصعب عليها بسرعة أوي، هي بس مش فاهمه ومش عارفة هي بتقول إيه."
ابتسمت لها "نيروز" بإطمئنان ثم قالت بتفهم وهي تفتح صنبور المياه تبدأ بغسل الأطباق:
"أنا مش زعلانة يا طنط، أنا عارفة هي زعلانة قد إيه. لو أنا مكانها ومكانك مش هبطل زعل على فكرة، حب الأخوات والحمقة عشانهم دا طبيعي. وكمان كلنا كنا مكانها وهي مضغوطة في سنة زي دي ومن كتر الضغط كنا بنتخانق مع دبان وشنا. وسام زي أختي وعمري ما أشيل منها أبداً، متقلقيش!"
ابتسمت ببهجة قليلة كونها تتفهم. وسرعان ما وجدت "حامد" يجلب لها بقية الصحون، فساعدتها "دلال" بغسلهم هي الأخرى. وبالأولى لا يغيب عنه هو، هو الذي يُظلم من الجميع حتى نفسه، وهي تعنفه على أنه لم يقم بالدور جيداً كأخ.. ابن.. زوج.. صديق.. كل ذلك، يحنو ويحنو ولا تعرف القسوة طريق سوى له هو، هو الذي يتحملهم جميعاً لأقصى حد، ومتى يفيض به الكيل عندما يخاف ويهاب بأن يمسهم سوء بهذه الطريقة!
بعدما غسلت يديها ودخلت غرفتها، وقفت تنهر نفسها ولا يوجد أسرع منها في الرجوع عن شيء فعلته. لذا بكت وهي تشعر بأنها ظلمته بحديثها، ولكن نفسيتها غير مفهومة بالتوتر والإرتباك وأيضاً الحزن الطاغي عليه وهو يرحل وتفقده بالفعل!
خرج "غسان" بعدما دخل الغرفة، ووجد "حامد" يجلس في الصالة يشاهد التلفاز بإندماج وملامح وجهه متهجمة. جلس "غسان" بجانبه، ولوهلة شعر بأن والده معه ويوافقه بما فعله، وهذا لا يحدث إلا قليلاً. التفت "حامد" بوجهه ينظر ناحيته ثم قال وكأنه يفهم معنى نظراته:
"ما إنت عارف هبل وسام، سيبك منها أوعى يصعب عليك.. اللي زيك أخوك محتاج يفوق يا غسان، إنت مش عارف أنا مقهور قد إيه عليه وعلى اللي بيحصله.. دا كأنه بيدور على شارع التعب علشان يشتري أكبر بيت فيه!"
كان صحيح القول، بل والحسرة والحزن عليه قد ظهر بقوة. أمسك "غسان" رأسه بين كفيه ثم مال يطبع قبلة على قمة رأسه ببر، وهو يبرر رغم ما فعله شقيقه:
"متقلقش يا حج حامد ولا تزعل نفسك، إنت عارف بسام شوية على كده وشوية على كده بس هيرجع. أحلى حاجة الواحد اتعلمها منك إن الواحد مهما يعمل لازم يرجع لأصله تاني، وأصلنا هو أصلك، وأصلك غالب حتى على أصعب الأوقات!"
صمت ينظر ناحية ملامح والده المبتسمة ثم قال يقنعه بلين:
"بسام فعلاً ممكن يكون بيحب، بس هو معرفش إذا كان الشخص صح ولا لا، وكمان الوقت حتى مش مناسب. أنا مرضيتش أسألك عن رأيك عشان.."
وقبل أن يكمل، واصل "حامد" يسرد عليه بوضوح:
"رأيي معروف يا ابن أبوك، وأنا معنديش حد مبغلطش، كلنا بنغلط. ولو على فرح أخت عز فلو مكنتش مقتنع بيها قيراط، أسلوب أخوك وطريقته خلوني مقتنعش بيها ٢٤ قيراط!"
"وأنا مش عايزك تحكم عقلك أوي كده يا حج، عشان ممكن الحال يتصلح فعلاً بينهم وتروق وتبقى له. محدش عارف النصيب بيودي لفين، بس المهم إن دلوقتي مش نافع الكلام!"
أشار بعينيه بغير اهتمام ثم رد عليه بصراحة رغم كون حديثه مرحاً:
"أخوك ابن كلب ومترباش زيك بالظبط، عايزين تتعلموا الأدب من جديد كلكم هنا!"
ضحك "غسان" رغماً عنه وهو يجعله يلين بمرحه. وإذا به يتفاجأ بها وهي تتوجه بحمل صينية صغيرة عليها كوبين من الشاي الساخن. ابتسمت لهما "نيروز" وهي تقدم أولاً لوالده وهي تقول:
"اتفضل يا عمو!"
"من يد ما نعدمها يا حبيبة قلب عمو!"
ضحكت بخجل وهي تعطيها لـ "غسان" الذي غمز لها وهو يأخذ الكوب من بين يديها. وسرعان ما تلاشت بسمتها عندما وجدته يخرج سيجارة بالفعل كي يقوم بتخدينها يخرج كبته لحزنه وغيظه بداخلها. حدجه "حامد" بملل من طبعه الذي يعلمه ثم قال بجدية يذكره:
"أنا مش قولتلك قبل كده متشربش في بيتي هنا؟"
"إزاي بس يا حج.. دا كل العلب موجودة في بيتك، اسكت بقى متبينش إنك مسيطر أوي كده!"
قالها "غسان" بغير اهتمام وهو يضعها بفمه مشعلاً إياها بخفة.
وجد "حامد" ينظر له بيأس، ثم رد عليه بقوله:
"مسيطِر.. وتسكت بقا لاقول عملت فيك إيه لما عرفت أول مرة إنك شربت سجاير إنت وشادي!!"
ضغَط بإحترام وهو يطالعه بكيد. تنحنح "غسان" وهو يعتدل، ثم رفع عينيه نحوها وهي تطالعه باستنكار وتعنيف. ومن ثم انتظار لما قاله "والده" الذي كبت ضحكاته على الفور ما أن رآها تمسك بالصبّانية وتقف تحدّجه كذلك. كان منفّذاً من شاركه بهذه العادة، ومن ثم توقف عنها. "شادي" والذي جاء عندما دق جرس المنزل. فاعتدلت هي وهي تنظر ناحية الباب الذي دق عالياً.
نهض "غسان" كي يفتح هو، وما أن تقدم ليفتحه، وجد "شادي" متجهزاً، والذي حدّجه بضيق وهو يحمل الكوب منه بتبجّح كي يتجرّع منه. وما أن شرب منه، تخطّاه بضيق وهو يقول:
"إيه دا يجدعان انتوا لسه ملبستوش ولا خلصتوا؟ بقا دا كلام؟"
أغلق "غسان" الباب، وخرجت "دلال" بلهفة تحتضنه. في حين طالعه "حامد" بسخرية، وهو يقول بتهكّم:
"إيه يا خويا؟ أول واحد تخطب ولا إيه؟ ما تتك ع الصبر؟"
"إتكيت يا حامد، بقالي أسبوع بتك ع الصبر يا أخي ارحمني وقوم البس بقا!!"
ضحك الكل عليه بصوت مرتفع. فنهض "حامد" ضاحكاً بقلة حيلة وهو يعدّل له قميص حلّته بعاطفة أبوه. جعلت "شادي" يقبّل قمة رأسه أمامهم. وسرعان ما انسحبوا، وبقت "نيروز"، التي خرجت من المطبخ بعدما عادت تضع الصينية. ثم عادت فوجدت "غسان" يعانق "شادي" بقوة، وقد عقد العزم على أن لا يخرجه من أحضانه بمشاكسة.
دفعه "شادي" عنه بإصرار، ولكنه كان يتمسك إلى أن هتف له "شادي" بضيق يحاول دفعه عنه:
"ياض ابعد بدل ما مراتك تيجي وتشك فينا!!"
ضحك "غسان"، وهو بين أحضانه يعانقه عناق أخوي، وكأنه يأخذ منه بعض من الثبات والقوة الكافية. في حين رددت هي من خلفهم بغير تصديق زائف:
"إنتوا بتعملوا إيه؟"
نفضه "شادي" سريعاً، وهو يقف بإعتدال، ثم قال:
"إبقي أحضني جوزك يا مدام، دا شكلة مبيتحضنش خالص حرام عليكي!!"
فتحت فاهها من توجيه الظلم لها، خاصة بعدما أكد "غسان" وهو يكبت ضحكاته. فضحكت هي عليهما بقلة حيلة، خاصة عندما عدّل "شادي" من شكله بإهتمام وهو يسألهم بمرح:
"ها؟ شكلي حلو؟ هعجب أم عيون قناصة ولا لأ؟"
غمز له "غسان" تزامناً مع رد "نيروز" المشاكس الكفيل بما تعلمه وما يغفل عنه:
"أم عيون قناصة واقعه من زمان أصلاً، إتوكل على الله!!"
قالتها كونها تعلم أمور الفتيات، وقد لاحظت إعجاب "منة" المخفي، ولكنها لم تتحدث. توسعت بسمته وهو ينظر إلى السماء بمعني أنه يدعو لها. فاعتدل "غسان" يشير لـ "نيروز" كي يصعدا، ثم نظر ناحيته وهو يقول:
"هنطلع نلبس، هتيجي تقعد فوق ولا تخليك هنا؟"
"هروح أشوف مامتها قبل أي حاجة، أكيد يا نيروز عارفه إني كنت ملبوخ الأيام اللي فاتت وده خلاني معرفش أجي المستشفى أزورها، لما فاقت بسبب قراية الفاتحة!!"
نظرت ناحيته بإمتنان فقد ساعدهما كثيراً بطرق مباشرة وغير مباشرة. أجابته بلباقة، وقد نظرت ناحيته بإمتنان مرة أخرى بعد حديثها وهي تقول:
"وإنت مش محتاج تبرر، إنت أخويا يا شادي!!"
كان ذلك قولها، بعدما سارت قبله وسار هو خلفه عندما غمز له "غسان" بإعجاب للمرة التي لا يعرف عددها. توجها الاثنان ناحية المصعد، ومن ثم دق هو الباب كي يفتح له.
***
بينما في شقة "زينات"، جلست "فريدة" كعادتها على سجادة الصلاة تنتظرها بحماس، لا تعلم من أين أتى والدتها. من المفترض بأن تقوم بتعليمها هي، بينما الأخرى تصر على أن تجعلها تسير على طريق الإستقامة بكل شغف، طاقة، حماس، يقين، صبر، إيمان، على أن تكون أفضل بها. هي من ستأخذ بيديها إلى الطريق الصحيح. من غير الطبيعي ذلك، ولكن ستجعله طبيعياً وبشدة، عندما عقدت العزم على أن تجعلها تستقيم بمساعدتها. ما أن رأت بها العزيمة والإصرار التي لا تعلم هي من أين أتت! ربما من جلوس ابنتها على سجادة الصلاة أغلب الوقت؟ أو ربما ترى تمسكها الشديد بسماع القرآن وترتيله وسماع الشيوخ؟ أو ليقينها القوي بخالقها بأنه حتماً سيرزقها السكينة والراحة! أسباب كثيرة قوية وشديدة تلح عليها لتفعل مثلما تفعل هي. والرفيق لديها هو الحرج، الحرج من نفسها ومن الأخرى والتي من المفترض أن ترى الوضع عكسياً، وليس كذلك من الأساس!
خرجت من شرودها عندما وجدتها تقف أمامها بإسدال الصلاة الأسود، ومن ثم ظهر وجهها الدائري وهي تخفي خصلاتها البيضاء التي كانت مصبوغة لتخفي عجزها. رغم كبرها، ولكنها ليست بملامح قبيحة، وربما ذلك ما جعلها تشعر بالغرور نوعاً ما، مثل ابنتها في البداية. توسعت بسمة "فريدة"، وهي تمد يديها تسحبها كي تنحني لتجلس أمامها. فوجدت "زينات" تتهرب بأنظارها بكل ركن غير عيني ابنتها الواسعة. تخجل! مدت "فريدة" يديها تتلمس ذقنها، ثم نبست بنبرة هادئة لينة:
"بصيلي يا ماما، مش عاوزاكي تتكسفي مني. ربنا فاتح بابه لينا فأي وقت ومرحب باللي عايز يتوب مادام باب التوبة لسه مفتوح ولسه عندنا الفرصة والعزيمة إننا نتوجه للٱحسن!!"
تسرد عليها بكل رقة ولين وتختار الكلمات السهلة وليست الصعبة كي تفهمها بسرعة مبدئياً. ابتلعت "زينات" ريقها بصعوبة، وهي ترفع عينيها التي تجمعت بها الدموع، ثم قالت بصراحة لها ما تشعر به وهي تتمسك بكفها:
"بس أنا.. وحشة أوي يا فريدة. أنا عملت حاجات كتيرة أوي يمكن ربنا ميسامحنيش عليها. دا أنا حتى.. حتى مبعرفش.. أصلي ولا جربت أعملها وأبدأ أنتظم فيها وكدة. بعد ما العـ..."
قاطعت "فريدة" حديثها بيقين وهي تتشبث بكفها مرددة بنبرة متلهفة لها:
"طبعاً ربنا بيسامح وبيغفر. ربنا إسمه الغفور الرحيم. وعلفكرة بقا إنتي ربنا بيحبك أوي عارفه ليه؟"
تتعمد الذكاء وجلبها بالطريقة الحانية كي تتلهف وتتحمس وتتيقن أكثر. لذا ترقبت ملامحها بشدة وهي تسألها بعينيها قبل أن ترد. فردت "فريدة" سريعاً بصدق:
"علشان خلاكي عايزة تتقربي منه وإنتي حتي مش عارفه تبدأي منين وتروحي فين. بس الأهم إنه زرع جواكي عزيمة مرة واحدة. اختارك تتوبي فالدنيا، حتى ولو جاهلة فحاجات كتيرة. ففي اللي يرشدك للصح، واللي يقدر يوجهك لحاجة مش هيتردد يعملها. بس إنتي إسعي.. أنا.. أنا هعلمك من الأول خالص وهفكرك بكل تفصيلة وازاي بنصلي موافقه!!"
حركت "زينات" رأسها بتأثر ولهفة كبري حتى هبطت منها دمعة لا تعلم هي كيف نزلت. ولكن مسحتها أنامل ابنتها الحانية عليها وهي تردد مرة أخرى:
"و لازم تاخدي النية فعلاً انك مش هترجعي تعملي أي حاجة وحشة تغضب ربنا ولا ترجعي لطبع مش محبوب. ولا تزعلي حد منك ولا تأذيهم. وبعد ما تبدأي في ده وتدعي ربنا، تشوفي وتروحي لكل واحد حسيتي إنك أذيتيه وقوليله يسامحك.. وصدقيني طالما نويتي تسعي يبقي مش هتلاقي أحن من ربنا عليكي وهيسهلك كل حاجة قدامك حتى ولو صعبة!!"
تترقب الحواس بعد أن يلين الفؤاد وينزل الله الهداية عليه. خفق قلبها وقشعر جسدها تدريجياً من كم الصدق واليقين والثقة التي تظهر في نبرة ابنتها رغم صغر سنها ورغم أنها من تردد ذلك عليها وليست هي.
حركت رأسها إيجاباً بلهفة وهي تردد:
"طب.. يلا.. يلا هنبدأ إمته الوقتي صح!"
تلهفت "فريدة" من نبرتها هذه، لذا إعتدلت تمد يدها تنظر في الساعة ثم عادت توضح لها بنبرة لينة:
"من دلوقتي طبعاً.. هقعد معاكي شوية وبعد كده هنزل عشان الموضوع اللي قولتلك عليه.. عملتي الحلويات اللي قولتلك عليها وغلفتيها؟"
حركت "زينات" رأسها بنعم ثم قالت سريعاً:
"أيوة عملتها وغلفتها بعد ما وزعتها فإطباق والكرتونه برا على الترابيزة.. خديها وإنتي ماشية.. هتمشي إمته؟"
"ساعتين كده وهروح عشان أنا اللي هفتح المكان وأظبطه قبل ما ييجوا لأن كلهم مش هيبقوا موجودين!!"
تفهمت وحركت رأسها بتعقل. فمدت "فريدة" يديها بلهفة كي تستند على "والدتها" ثم قالت بحماس:
"طيب يالا علشان نتوضى واحدة واحدة مع بعض.. يا زوزو بقا!!"
نهضت "زينات" والٱخرى تنهض، وشئ فشئ تتحسن ساقها بالتدريج. لذا استندا الاثنان على بعضهما بمشهد مبتهج متجهين معا ناحية المرحاض لتبدأ بالفعل في شرح أول خطوات الوضوء بالتدريج. وتتمني بداخلها بأن تكون والدتها بالفعل تصر وبها العزيمة على أن تكون أفضل. وتدعوا الله بأن يكون الثواب صالح هادئ نقي لا يوجد بعده أي إثم وأي خطأ يقعا الاثنان به.
وبعد مرور وقت، خرجت "عايدة" تجلس مع "سمية" كي تراعيها. ومن ثم خرجت "ياسمين" متأبطة ذراع "حازم" تنتظرهم بلهفة. خرج "يامن" يركض ببهجة بعدما تصنع "شادي" الركض خلفه ومن ثم إنتشله سريعاً وهو يقبله بمرح. حتى إلتفت ينظر نحو شقة "حامد" التي فتحت وخرج منها هو و"دلال" و"وسام" الذي رأى ملامحها الساكنة. توجه ناحيتها فأخذت منه "يامن" وهي تقبله. فردد عليها "شادي" بمشاكسة:
"أخت العريس اللي هتمسكله الشبكة بقا!"
رفعت "وسام" رأسها بتأثر وهي تبتسم له وسرعان ما أجابته كي تظهر فرحتها به مثل أشقاءها:
"طبعاً يا شادي مش محتاجه كلام.. وزغروطة كمان يلا أهو!"
ومن بعدها فعلت زغروطة عالية. فصفق لها "شادي" ببراعة وإعجاب. ومن ثم وجد هو "حامد" يسبق معهم إلى أسفل. تزامناً مع هبوط المصعد بـ "غسان" و"نيروز" للأسفل وليس لطابقهم ذلك. لذا أغلقت الشقق بعدما خرج "بدر" يعانق "شادي" ومن ثم "وردة" وهي تأخذ "يامن" كي يهبط الكل للأسفل حيث السيارات.
وبخفة كبرى هبط المصعد بهما بالفعل ووقف "غسان" مع "نيروز" أمام السيارات. وقد لاحظ الكل تناسق الألوان بينه وبينها. فقد كانت ترتدي فستاناً من اللون البيج وحجاب أسود كما كان يرتدي هو بنطال أسود مع سترد جينز من اللون البيج. ملابس شبابية هادئة جعلتهما جذابين معاً لما سيحدث بعد وقت. دارت "نيروز" وجهها بمفاجأة من ركوبهم السيارات وهي تراهم ثم نظرت نحو "غسان" و"شادي" متمتمة بصوت منصدم:
"إيه ده.. هم جايبن معانا.. أومال مين هيقعد مع ماما.. أنا مبقتش فاهمه حاجة!"
تشعر بأن ثمة شئ يحدث دون فهمه. فقد كانت تعلم بأن "ياسمين" و"وردة" لم يأتيا. وعلى فجأة تتفاجئ بالكل يأتي! سحبها "غسان" من كفها كي تركب معه تزامناً مع ردة:
"أم حازم معاها.. إركبي يالا مش هنتأخر هناك!"
كبت الكل ضحكاته. في حين ركب الجميع. وسارت سيارة "غسان" مع سيارة "شادي" وإنتظر "حازم" بضع دقائق إلى أن ظهر "عز" من على بعد. ترك له مكان في الأمام فسار سريعاً يركب بجانبه ثم قال ببسمة واسعة لهم:
"مساء الجمال!"
إستخدم مصطلح الجمال ليرسله له هي وحدها. هي التي ابتسمت له بخجل وهي تسأله بعد رد الكل عليه:
"إتأخرت ليه كده يا عز؟"
إلتفت "عز" برأسه تزامناً مع تحرك السيارة ثم أجابها بابتسامة هادئة أمام "ياسمين" التي جلست تطالعهما بهيام:
"كنت بقفل ع الشغل عشان بكرة الجمعة ومش هفتحها إلا يوم السبت بقا.. ويمكن أفضل قافلها كام يوم.. على ما نشوف كده العفش والجهاز هيروح بيتي إمته.. أخوكي مش عايز يديني عقاد نافع وقاعد بيراوغ وكده غلط ع الزلط و يرجع الرمل يزعل!"
ضحكت "جميلة" بآخر حديثه بشدة وهي تضع يديها على فمها. فعاد برأسه ينظر ناحية "حازم" الضاحك وهو يقود السيارة مع صوت ضحكة "ياسمين" التي ردت عليه سريعاً بحماس:
"أنا اللي بقولكم يلا ننقل جهازكم من دلوقتي حالا.. أصل دي أمور غيرة ملكوش دعوه بيها.. هقنعه أنا على يومين كده وتنقلوه فعلاً.. إيه رايكم!"
تحمس "عز". فنظر "حازم" نحو ملامح "جميلة" السعيدة في المرآة حتى عاد يردد بنبره هادئة بعدما إنتهى من حديثه:
"جرا ايه يا عز.."
ما تصبر يا جدع عما نحدد ميعاد الفرح النهارده مع أبو منه عشان تشوفوا بقا شغلكم وتبدأوا تجهيزات العريسين والعروستين!!!
فتحت "جميلة" عينيها على وسعها بغير تصديق، ومن ثم تعالت زغروطة "ياسمين"، بفرحة كبرى. فعاد "عز" ينظر ناحيته بلهفه كبرى وهو يردد بإندفاع:
"وحياة أمك بتتكلم جد؟ أنا كنت بقول لابو منه كدو عشان يتحمس مش أكتر ويوافق. دا أنا كده أفرح بقا وأوي كمان. الفرح بيقرب يا جدعان.. طب زغروطة كمان بقا كدة! سمعوني!!!!"
تعالت الزغاريط من "جميلة" و"ياسمين" في جو مبهج سعيد، فعاد "حازم" يضحك بيأس منهم وهو يكمل بتوضيح للآخر:
"أيوة وحياة أمي بتكلم جد. وشادي واخد الكلام جد خد بالك وبدأ فعلا يدور على قاعه كويسة وكبيرة تكون ليكم إنتم الاتنين وبينكم بالنص. كان قالي إنه هيكلمك النهارده بس بعد حواره ده وحوار غسان ونيروز!!"
وقبل أن يأخذ أنفاسه براحة، وجه نظراته صوب "ياسمين" التي تزغرط بحماس دون أخذ راحة، ثم قال بجدية لها وعينيه الجامدة تتوجه لها عن طريق المرآة:
"كفاية يا ياسمين.. نفسك يا حبيبتي إنتي واللي فبطنك. اعقلي شوية!!"
"ما تسيبني يا حازم أفرح.. بقولك ايه يا عز مينفعش تأجل الفرح على ما أولد على خير. نفسي أخد راحتي فالفرحة ومش عارفه!!!"
قالتها كي تثير حنقه وحنق "جميلة"، والذي سرعان ما اندفع يهتف عاليا بنبرة مرتفعة:
"لااا.. دا أنا ما صدقت حرام عليكم!!!"
ضحكوا عليه بخفة من ردة فعله، وعاد الحديث المرح بينهم. في حين تعلقت عينيه الشغوفة بها وهي تتحدث بضحكات عالية مع "ياسمين"، وفكرة بأنها ستصبح له بعد أمنيته الطويلة مع أيامه القاسية، والتي حنت عليه بها، لا يصدقها بالفعل. كانت وتكون بالفعل "جميلة" وتجعل أيامه جميلة مثل اسمها. ربما هي الوحيدة التي أخذت حظا ولو قليل باسمها. الجمال في شكلها وحتى روحها وقلبها الذي استطاع فك شفرات قلبه ومن ثم سلبته دون ثمن وبخفة كبرى منذ زمن!..
وخلال دقائق توقفت السيارات بالفعل أمام منزلها الذي كان به من الإضاءه للخارج ما يكفي. هبط الجميع وتوجهوا معا للأعلى فوجد الباب مفتوح بالفعل وبالداخل بعض من أصدقاء "منة" و"طارق" وبعض الأقارب القلة. دخل "شادي" و"حامد" مع "غسان" يرحبون بالمعازيم الرجال القلة. ودخلت "نيرو" مع "دلال" و"وسام" ومن ثم "عز" و"بدر" و"حازم" و"ياسمين" و"جميلة" و"وردة". أخذ الشباب ركنا والرجال. وتوجه "شادي" يجلس على المقعد بجانب "منة" التي كانت خجولة. رفعت عينيها وهو يقف يطالعها بصمت، فوجدته يردد بجمله معهودة منه لها:
"وحشتيني يا أم عيون قناصة!!"
توسعت بسمتها وهي تشير له بأن يجلس بجانبها. ومن ثم تعالت الزغاريط بقوة في المكان، والكل بنظر بترقب وإهتمام. إلى أن أمسكت "وسام" علبة الذهب المتوسطة في الحجم، ثم سارت لتقف بها بجانب "شادي"، ووقف "غسان" يقوم بالتصوير بسعادة بالغة وتأثر. في حين أدمعت عيني "دلال" وهي تجلس بجانب "نيروز" التي ربتت على كفها بحنو وهي تقول:
"إنتي طيبة أوي يا طنط.. مش متخيله إنك قدرتي تربي وتخليه يحبك الحب ده كله. ربنا يخليه ليكي ويسعدهم!!"
توسعت بسمتها من بين دموعها وهي تنظر لها بتأثر. في حين تعالى صوت "حامد" المرح وهو يقف بجانب "طارق":
"ياض لبسها الدهب يلا وبلاش جو العاشق الولهان. أبوها واقف أومال!!"
قالها كي يجعل "طارق" يضحك، وضحك بالفعل وهو يؤيده والكل يؤيد. وتعالت أغنية مرتبطة بارتداء شبكتهما معا. فإستعدت "وسام" تقدم بجانب يديه العلبة. فإنتشل منها الدبلة وهو يشير على يديها اليمنى غامزا لها بقوله المنخفض وسط الأصوات الخارجيه:
"ما تجيبي الشمال وتعالي معايا وخلينا نخلص ونخش دنيا بقا!"
تعالت ضحكاتها بقوة، ثم اعتدلت تمد يديها اليمنى بخجل وهي تجيبه:
"مش هطول وهخليك تلبسهالي فالشمال متقلقش!"
وفي هذه اللحظه توقف أن يدير رأسه ناحية الٱخرى ليأخذ البقية. بل تاه بين عينيها مسلطا عينيه وبسمته ناحية بسمتها الواسعه وعينيها الواسعه أيضا وخصلاتها السوداء حتى ردد بهيام على حديثها وبصدق لا تستشفه منه إلا قليل:
"خلاص مبقتش قلقان طول ما إنتي معايا.. كنت خايف متكونيش ليا ومش عارف الخوف ده جه منين وإزاي. وكنت خايف حد ياخدك مكاني مش أنا اللي أبقى صاحب النصيب الحلو ده!"
رأت الصدق منه غير المرح والمشاكسة. ابتعلت ريقها أمام حديثه ذلك ولم يعطها الفرصة لتجيب. بل انتشل الخاتم يلبسه إياه ومن ثم سوار اليد الذهبي وأخيرا القلادة الرقيقة وهي تلتفت ليعلقها على عنقها الناعم. التفتت مرة أخرى وهي ترفع عينيها نحو الفتيات التي تعالت الزغاريط منهم وبقوة بنفس واحد مما جعل الكل ينظر نحوهم بإعجاب. وبطبيعتها المرحة وقبولها الهادئ والمشاكس لديها معارف وأصدقاء كثيرة. ومن أقوى العلاقات علاقتها بـ "جميلة"! التي كانت تقف بتأثر تقوم بتصوير كل تفصيله بفرح وسعادة ظهرت بعينيها. تقسم الٱخرى بأنها لم ترى منها غل أو حقد يوما ما. رغم طبيعة إحتمالية وجود ذلك بينهن في الفتيات! لاحظ شرودها. فابتسم بهدوء وقد عاد الكل يتحدث بحديث عشوائي. إلتفتت سريعا على قوله الهادئ:
"ويا بخت اللي ضله صاحب وصاحبة جميل!!"
أيدت قوله بغرابة من فهمه لها بهذه الطريقة. فعادت تسرد عليه برقة:
"الصحاب دول أغلى حاجة فالدنيا بس لو فعلا سالكين ونضاف. أنا عمري ما شوفت من جميلة حاجة وحشه أبدا. بالعكس دي دايما واقفه جنبي. وتالتنا كان فرح أخت عز. صاحبتي بردو وعزمتها بس مجيتش. انا عارفه ظروفها بس زي ما كنت عارفه إن ربنا زرع فيها الغيرة. رغم إننا كنا صحاب بس مكناش بنرتاح فبعض أوي أوي زي أي صحاب بيحصل بينهم كدة.. إحنا ايه اللي جاب السيرة فوقت زي ده؟!"
قالتها بغرابة من نفسها ثم ضحكت بخفة. فنظر نحوها "شادي" بإهتمام وهو يقول:
"أنا مستعد أسمعك فأي وقت وأي مكان مهما كان الظرف. ولو على الصحاب. فإنتي من النهاردة صحبتي يا منة قبل ما هتكوني مراتي. انا بحبك ومعرفش إمته وإزاي. وعارف إن في لسه مكان للحب يكتر عشان نعرف بعض أكتر. وعارف كمان إنك يمكن موصلتيش للمرحلة اللي هو خلاص دايبة فيا دوب. بس أنا فرحان عشان إنتي معايا ومع بعض هنوصل للمرحلة دي بالحلال. وفرحان إني أخدت خطوة بسببك وسبب تربيتك وإحترامك. زي ما فرحان إني وأخيرا عرفت أخد قرار عشانك ودخلت البيت من بابه. عشان بس لمجرد إن البت منه الدكتورة وقعت الواد شادي اللي كان بيشوف البنات كلها زي بعضها و واحد. لحد ما لقيتك إنتي ووقعتيني. ولما وقعت عرفت إنهم مش واحد ولا حاجة. وإن في بينهم إختلاف. إختلاف كله إتحط فيها هي بس "منة"!!!!"
أدمعت عيني "منة" بتأثر غير واعيه بالجميع. بل في هذه اللحظه تعلقت عينيها بعينيه هو. ثم رددت بتلقائيه وعفوية لا تخلو من الصدق الشديد:
"وأنا بحبك يا شادي. وعمري فحياتي ما توقعت حد يحبني وأنا كده!"
"وإنتي كده اجمل بنت في الدنيا.. هتعلميني بوكس إمته بقا علشان مبقاش شكلي وحش لما تسوقي الجنان عليا!"
ضحكت بخفة. وقد سمعت هي صوت الأغاني ليقوما بالرقص. وقبل أن تجيب وجدت الفتيات تسحبها من جانبه. وقبل أن ينصدم. وجد من يسحبه هو الآخر من يد "غسان" و"عز". إلى أن وقف الكل يتراقص رقص جنوني مبهج سعيد في جو مرح. وحتى إنخرط معهم "بدر" و"حازم". وتمسكت "ياسمين" باعجوبة كي لا تنهض بسبب توصيات "حازم" الحادة. جلست "وردة" بطبعها الهادئ فقط تداعب "يامن" بالرقص وهي جالسه وهو واقف أمامها. في حين شردت "نيروز" بمشهدهم بجانب "دلال" الضاحكة بصوت. وكما كانت "وسام" التي إنسحبت كي تتراقص مع "منة". وعلى سهوة. وجدته يقف أمامها يمد كفه لها. فخجلت هي وهي توزع أنظارها بينهن. فاقتربت تهمس له برفض:
"لا مش هقدر أرقص!"
"دا سلو يا رزقه. فكيها يا ستي وإتبسطي. إحنا متبسطناش من يوم الفرح والله!"
قصد "غسان" أن يجعلها تفك العقدة التي تفعلها بالسكون. أشارت لها "دلال" كي تنهض. فنهضت وسط الزحام ممكسة بكفه. ومن بين سيرها للمكان الواسع. اصطدمت بكتف فتاه وهي تتخطى السير بحذائها على حذاء الٱخرى. فإلتفتت تردد بأسف لها رغم أنها غير مخطئه:
"أنا آسفه مكنتش أقصد!"
ترقبت ملامحه لأسفها. فإلتفت بوجهه ينظر للفتاه التي وضعت الكثير من مساحيق التجميل.
وللتبجح وجدها ترمقها نظرة مشمئزة متعالية، مهبطة عينيها التي كانت أهدابها الصناعية كثيفة وكبيرة الحجم من أعلاها لأسفلها، مرددة بغير اكتراث:
"إبقي فتحي أو البسي نضارة يا بتاعة إنتي!!"
وقبل أن ترد، دفعها غسان برفق، وهو يرمقها بثبات، ثم قال بجرأة جعلت وجه الفتاة ينقلب لتعابير أخرى متهجمة:
"والله هو محدش محتاج يفتح غيرك، أنا مش شايف عينك من الأوزان اللي فوقها الصراحة، فـ عديها عشان منزعلش من بعض و..."
أهتزت ملامح الفتاة وانصدمت حينما وجدته يتقرب كي تسمعه أكثر:
"و عشان أنا شايفك وإنتي قاصدة تخبطي، هي مش الحركات دي قدمت من زمان يا... ولابلاش الاسم كفاية الشكل!!"
بالفعل قصدت هي من تصطدم بها، وبه من الأساس، هو الوحيد التي وجدته يقف بيد فارغة دون فتاة إلى النهاية، وذهب هو لها. رأت حازم فالبداية مع زوجته و بدر و عز التي كانت تعتبره صيد ثمين، وجدته يقف مع جميلة، ونظراته لها كافية لشرح الكثير، خاصة هو. غسان ليس وسيم نوعاً ما، ولكن مثلها الكثير من يريدون لفت انتباه الشباب. تعمدت الجرأة وهي ترفع عينيها بعينيه، فوجدته يسحب يد نيروز لتتأبط ذراعه، ثم قال لها وبسمته تتسع ببنهها، رافعاً يديه اليسرى يريها الدبلة مع إشارته بعينيه على نيروز، الواقفة بصمت:
"المدام... مراتي!!"
ضغطت على فكها بإنهزام، ثم رفعت عينيها نحو نيروز مرة أخرى وهي تردد بتهكم:
"بجد؟ مع مش باين عليها خالص إنها متجوزة، اصلها يعني مش ولا بد، اصلي بصراحة شايفه عيون خضرا جايين معاكم وجمال يعني يقول إنها من براكم خالص، معلش هي بتبقى كده ساعات.. الجمال مش كل حاجة!!!"
ما يسمي بالعامية بيننا "صورم" بالفعل. أثار تسليتها ملامحها التي كانت أقل جمالاً من أقاربها وشقيقاتها، الشئ الذي يميزها بأن ملامحها هادئة بشدة تريح الأعين للنظر لها، لا تملك عين خضراء كمثل وردة وياسمين، ولا ملامح جذابة كمثل جميلة وفريدة. ضغطت نيروز على فكها وهي تحاول التماسك، وإلى الٱن لا تصدق بالفعل بأن ذلك الموقف تتعرض هي له بمكان كذلك وموضع كهذا! لاحظ البعض وقوفهم كذلك وحرب النظرات، فأغمضت منة عينيها بضغط من تلك التي تسمى "هالة" صاحبة المشاكل الكبرى والصغرى. يعدان أقارب من على بعد. اقترب عز وسط انشغال الجميع، ومن ثم وجدوا شهقة الفتاة تعلو بقوة حينما وجهت نيروز سوار يديها الحاد أمام عنقها. ابتسم غسان بفخر، ومن ثم وجد نبرتها الحادة تظهر بعد كبت حينما قالت بحدة وصلت لها وحدها وهي تقترب منها، تخفي يديها كي لا يراها أحد بفعلتها هذه، وهي تهمس لها بهمس وصل لها وله:
"إتقي شرنا وخليكي فحالك..هتعرفي ولا مش هتعرفي؟"
فتح عز عينيه على وسعها من جرأة ما حدث. فأشار غسان لها بعينيه بعيداً. فابتلعت ريقها وهي تومأ على حديث نيروز، ومن ثم ابتعدت بصمت ما أن رأت السوار يعود لمكانه مرة ثانية. كونهما بأحد الأركان قبل الوصول للمكان الواسع، لم يأخذ أحد انتباهه سوى عز ومنة التي قالت لـ شادي فآقترب منهما سريعا. كما اقتربت جميلة وياسمين التي لاحظت أن يوجد أمر ما. تنفست نيروز وهي تتركهم، ثم عادت لتجلس بصمت بجانب دلال التي جهلت ذلك الموقف. وبخفة، علم من كان يقف إختصار الموضوع، حتى عاد الجميع إلى مكانه بصوت الضحكات والأصوات المختلطة. ربت شادي على كتف غسان، ثم مال يهمس بجانب أذنه بأسف:
"منة قالتلي إن البنت دي عقلها مفوت، فككوا منها وعدوا اليوم خلينا نشوف حوارك بعد ما نخلص ونتبسط كلنا بعيد عن المشاكل!"
طبيعياً بمناسبة كهذه، تجد فتاة كهذه. شعرت بأنها جرحت ولو بقليل من جملتها لها. لذا تعكر صفو مزاجها وهي تعود تجلس بمكانها. أمسكت طبق الجاتوه كما كان الكل يأكل منه بتلذذ. مالت لتهمس بجانب أذن ياسمين، ولكنها لم تجدها، وجدت المقعد فارغ والكل منشغل. بحثت بعينيها ولكنها لم تجدها. كانت بالفعل واقفه بمكان آخر بجانب هذه الفتاة. أثار غيظها ما سمعته، فتصنعت سقوط القطعة على ملابس الفتاة وهي تقف بجانبها. وعندما وقعت، تلطخت ملابسها ببياض الكريمة. فشهقت ياسمين بطريقة زائفة وهي تعبس من ملامحها قائلة لها:
"إيه ده؟ سوري..مكنش قصدي!!"
وعادت تقترب قبل أن تتفوه الٱخرى بسبها، حينها اقترب تهمس بجانب أذنها:
"زي ما مقصدتيش تخبطي فأختي وجوزها بالظبط..تشاو!!!"
قالت ٱخر كلمة وهي تشير بأصابعها بالوداع بكيد شديد. وكان من يترقب جيداً غسان، الذي كان يعلم بأنها ذهبت لفعل شيء بالتأكيد. وفي طريقها لهن. قاطع غسان سيرها. فنظرت له بتسلية وهي تتخطاه. أثار دهشته حركتها الجريئة. وكل مرة يتيقن بأن عائلة مثل عائلة "الأكرمي" ليست هينة تماماً بأصغر فرد بها حتى! وجد من يضرب كف بكف بقلة حيلة وهو يردد على مسامعه بـ:
"وكيدهن عظيم والله العظيم!!"
ضحك على قول عز وهو يؤيده، متجهين معاً لهم. جلست ياسمين بتعب بجانبها، وهي تمد يديها تأخذ القطعة من بين يدي نيروز التي سألتها بغرابة:
"كنتي فين؟"
"فالحمام!!"
أدرفت ياسمين كلمتها بغير اهتمام. وقد مر الوقت بحديث هنا وهناك. ورقص البعض ورفضت نيروز الرقص. إلى أن وجدتهم يتهامسون وعدد المعازيم يقل بالتدريج. وجدت منة وشادي يحدثان أشقائه في الهاتف مع بقية الشباب الذين جلسوا ٱخيراً يتشاورون معهم فالهاتف علي موعد محدد للزواج، ومعهم عز المهتم بشدة. وتارة أخرى تعلو الزغاريط بقوة. جلست نيروز بجانب يامن تداعبه بحب. ووردة مع ياسمين يتحدثان بأمور حملها المتعب. في حين تعالى صوت حامد ببهجة شديدة حينما قال:
"خلاص يبقي الفرح بعد إسبوعين إن شاء الله!!"
بالفعل شادي متجهز، ولم يكن سوى جهاز جميلة الذي سيُـنقل بأقرب وقت! انصدم الجميع من هذه السرعة وتعالت الزغاريط مرة أخرى ببهجة. ومن عناق الشباب لبعضهم والفتيات لبعضهن. ودموع دلال وهي تضم شادي بتأثر قائلة بتحشرج:
"ألف مبروك يا حبيب قلبي. يارب يسعدك ويهنيك!!"
قبل قمة رأسه بطاعة، ثم عاد يمسك الهاتف يحدث أشقائه. في حين توجهت منة تحتضن بمن تعتبر "حماتها" وعانقتها بالفعل بحب، وهي تسمع منها كلمات معسولة. في حين وجدت "والدها" يقف بركن ما ينظر بتأثر. فتوجهت هي تمسك كفه تقبله وهي تشاكسه بنبرتها الضعيفة من بين انسحابهم للأسفل:
"بحبك يا طأطأ. لو سمحت مش عايزة أشوفك كدة.. زعلان ولا ايه؟"
"فرحان...ومن كتر ما فرحان زعلان. إنتي الحاجه الغالية عليا يا منة والوحيدة اللي بقيالي!!"
قبلت قمة رأسه بتأثر وهي تتمسك بكفه. ثم إلتفتت فوجدت شادي يقف منتظراً. نظر شارداً بهما بعاطفة لا يعلم من أين أتت. وللطف فرد طارق ذراعيه له كونه فهم ما يشعر به. فدخل شادي بين أحضانه بتأثر. ومن ثم خرج وهو يتنفس بعمق قائلاً له بإطمئنان:
"مش عاوزك تخاف. أوعدك إني هحافظ عليها!!"
وجد الصدق والثبات في نبرته مما جعله يربت على كتفيه بثقة منه. وعلامات صلاة الاستخارة له ولها تتضح أكثر فأكثر. ولم يرى هو إلا الخير إلى الٱن منه ومن تبعه هو!!. وجده يتحدث مع منة. فترقبت ملامحه للسؤال:
"مش هتيجي يلا يا عمي؟"
"لا إسبقوا إنتم وهاجي وراكم على ما ما الناس الباقيه دي تمشي براحتها. وكده كده المكان تحت العماره اللي صاحبة منة ساكنة فيها والاستاذ حامد. فمش بعيد. أنا هحصلكم علطول. خلي بالك منها!!"
تركها معه كونه يعلم جيداً بأنهما لم يكونا بمفردهما للمكان الذي سيتجه له الكل. أومأ له وسارت منة بجانبه إلى الأسفل. حيث التجمع المبهج الشديد خاصة بعائلة غسان. ونيروز التي شهقت بخفوت ما أن راتهما يهبطان بغرابة. ثم عادت تسأل غسان بإستنكار:
"هم رايحين فين؟ مش المفروض هيقعد معاها؟ إنتوا مروحين بدري ليه كده؟ هو فيه ايه؟"
قصدت المعازيم بالفعل. تستنكر أشياء كثيرة. لا تعلم هي بأن بقية خطبتهما بالفعل ستكون بالمكان المعهود بعد دقائق معدوده. تجاهل غسان سؤالها وهو يطالع الكل يركب السيارت ويرحل. أشار لها بأن تركب. فتوجهت لتركب بضيق. استشعرته ولا تعلم لما!
ركبت في الخلف بجانب "دلال" و"وسام"، وركب "حامد" في الأمام. وقد انتظر هو بضع لحظات إلى أن سارت السيارات أولاً على بعد منهم لتسير الخطة كما هي موضوعة. زفرت بملل من مرور الدقائق وليست اللحظات، وإنشغل هو في الحديث مع "والده". ومن ثم سمع صوتها المستنكر وهي تسأله:
"هو إحنا مستنين مين؟"
"هنمشي أهو يا حبيبتي، يلا يا ابني خلينا نتحرك!"
قال "حامد" جملته بحنو، فدار محرك السيارة بإهتمام بعدما أغلق هاتفه الذي كان منشغلاً به بقوة. وكبتت "دلال" ضحكتها مع "وسام" حينما اندفعت "نيروز" تسأله بغيظ وعفوية شديدة ظهرت على فجأة من ملاحظتها لحديثه في الهاتف بإهتمام شديد غير مكترثاً لها ولا لهم:
"هو إيه اللي شاغلك في التليفون أوي كده وبتكلم مين؟ مش فاهمة أنا!"
أتى فضولها من غيرتها بالتجاهل. تعالت الضحكات عليها بعد فشلهم بكبتها، حتى "حامد" الذي نظر له وهو يضع الهاتف بجيبه ثم نظر لها بالمرآة متمتماً بنبرة ساخرة:
"بخونك!"
وبنبرة هادئة أدرفها، ما أثار صدمتها بأنه قالها ببساطة وكأنه يفعل ذلك بالفعل. شهقت شهقة استنكار، بل وكانت بساطته هذه أمامهم بخفة، مما جعل "حامد" يردد من بين ضحكاته:
"سيبك منه، بيهزر معاكي. والله ما يقدر يعملها، ده أنا أموته فيها! بقا حد يخون الجمال ده كله؟"
وبلطف شديد استطاع أن يخرج بسمتها بخجل، بل وثقتها التي اهتزت من موقف الفتاة، والتي تشعر بالضيق إلى الآن بسببها. صمتت، وببراعة استطاع "حامد" أن يجعلها تصمت، فانخرطت في الحديث معهما في الخلف. ورغم قلة حديث "وسام"، ولكنها تشعر بالندم الآن يتأكل بها مما أدرفته.
وبخفة أخرى وجدته يركن السيارة على بعد عشرة خطوات من المبنى الذين يسكنون به بالفعل. والغريب بالنسبة لها بأن الكل صمت، والمكان مظلم. ووجدتهم يهبطون من السيارة عداها هي التي لم تتحرك، مع هتفها للسؤال بغرابة له:
"هو إنت وقفت ليه.. ونازلين بعيد ليه عن العمارة؟"
تثير ضيقه بإستنكارها، وهذا ما أظهره لها كي لا تشك بشيء حينما رد عليها وهو يغلق السيارة ناظراً على الظلام من أمامه:
"ما أديكي شايفة الدنيا ضلمة إزاي. وبعدين هخطفك يعني! إنتي ماشية مع جوزك. هاتي إيدك بقا خلينا نعدي ونوصل على خير في اليوم ده!"
وجد "حامد" يسير خلفهما مع زوجته وابنته، وهما في الأمام. تمسكت بذراعه وهي تنظر بغير فهم لضيقة. سارت تتحسس الأماكن، وعندما شعرت بأنها تصعد سلماً غير درج العمارة الذي يكون في البداية، هتفت بمعارضة تنبهه:
"استني كده! دي مش العمارة، إحنا داخلين مكان غلط!"
وجدته يسحبها برفق وهي تسير، فأكملت بنبرة مرتفعة كي يسمعها:
"استني كده يا غسان بقولك المك..."
قطع الحديث عندما وجدت المكان الإضاءة الكثيرة تظهر به على فجأة بكثرة، بل وصوت التهليل من الجميع جعلها تنتفض وهي تتأبط ذراعه وصوت الكلمات يعلو بقوة مع التصفيق الحار:
"كل سنة وانت طيب ومن قلبي قريب
والسنة دي معايا واللي جاي ويايا
يا أغلى الحبايب يا سكر ودايب
يا كل الحبايب حبايب كلك خير وطيب
وعمري اللي جاي هاشيلك بين عيوني شيل
ولو هأقدر يا روحي هأجيبلك نجوم الليل
حبيبي معاك الحب طعمه جميل
وعمري اللي جاي هاشيلك بين عيوني شيل
ولو هأقدر يا روحي هأجيبلك نجوم الليل
حبيبي معاك الحب طعمه جميل
وكل سنة وانت طيب
عيونك حبيبي رموشك يا عيني خدوك
يا سيدي يا سيدي الله عليك
وعيدك ده عيدي وحبك نصيبي
وقلبك حبيبي حبيبي أنا عمري ليك
عيونك حبيبي رموشك يا عيني
خدوك يا سيدي يا سيدي الله عليك"
فتحت "نيروز" عينيها على وسعها بغير تصديق وغير فهم آخر لما يحدث. الكل موجود بالفعل، وذلك المكان المتوسط المساحة بشكلة الهادئ كان جراجاً لإحدى السيارات وتم تعديله. وصلت الفكرة سريعاً عندما وجدت الورود تملئ المكان من حولها مثل الزرع تماماً، ولوحات عدة معلقة مرسومة بواسطة "وسام" ترمز للورد، مثل يد فتاة تمسك وردة وغيرها. وصلت الفكرة سريعاً بأنه قد حقق لها أمنيتها وفتح لها ما يسمي بالعامية "محل ورد" كان صغيراً عكس حلمها بأن يكون كبيراً، ولكن على مقدرته هو!!!
هل نست وغفت عن يوم عيد مولدها؟ أم أن الأحداث وكثرة الضغوط جعلتها لا تهتم ولا تقصد بأن تحتفل وأن ترى اهتمام أحدهم؟ إذن كيف كانت النهاية؟ لم ينس أحد، خاصة هو. أم أنها تعمدت النسيان في ظروفه هذه وظروفها أيضاً؟ ابتلعت "نيروز" ريقها بتأثر، وقد هبطت دمعتها بسعادة متأثرة وهي ترفع عينيها وكأنها لم ترى الكل في هذه اللحظة سواه هو. رفعتها حتى تتقابل مع عينيه هو وهي تقول بتعلثم مختنق بنبرتها التي على وشك البكاء الشديد من كثرة التأثر:
"إنت.. إنت حققت الأُمنية يا غسان؟ إنت.. عملت كل ده علشاني؟"
ولحظة صمت من الجميع، من "شادي" و"منة" ووالديه هو وشقيقتها هي وشقيقتها الأخرى وزوجها، ومن الأصدقاء ومن علموا بأن هذه اللحظة هو موعد افتتاح ذلك المحل بالفعل. لحظة تقابل عيني "غسان" معها وهو يحرك رأسه بتأكيد، يتذكر ما سمعه منها حين تأكد من شعوره تجاهها قبلها عندما ردد بينه وبين نفسه بعد حوارهما معه. الجملة التي أوقعته لا محال بعدما علم ذلك! عندما أعلن لنفسه انهزامه وتغير القدر على ما كان ينويه:
"لم أكن أنويك حباً، قد وقعت فيك سهواً..."
"سمـا بردو عندك أحلام المرادي عاوزة تحققيها ولا إيه؟"
إلتفتت له ولكن ليست بمفاجأة، وللحق كانت تنتظر أسألته العبثية هذه. نظرت له "نيروز" وهي تتجه أكثر حتى تستطيع أن تسمع ما يردفه جيداً بعد الآن. تنفست بعمق وهي تجيبه بنبرة عادية:
"المفروض يبقى لسه في أحلام بعد ما اتخرجت واشتغلت وخلاص!"
ضحك "غسان" بخفة وهو يردد:
"دي كآبة دي!"
أخذت هي أنفاسها وهي تضحك هي الأخرى قائلة تحاول محو الارتباك الغير مفهوم بردها المبرهن:
"لأ، بس هحلم من تاني يعني!"
التفت بوجهه ينظر لها فوجدها تنظر له بتمعن منتظرة إجابته، فأخذ أنفاسه بصوت مسموع ثم خرج منه صوته الأجش وهو يردف قائلاً لها بهدوء مجيباً على حديثها بأمل:
"الحلم مش حلم واحد بس عاوزين نوصله، ولما منوصلوش ميبقاش فيه أحلام خلاص. في أحلام تانية عاوزين نحققها ومش لازم يكون حلم كبير عشان نوصله. ممكن يبقى حلم بإيدنا نوصله بس مش متشجعين ليه أو مفيش طاقة كافية ليه، أو مفيش جمبنا اللي يساعدنا نوصل ليه. فهمتي حاجة؟"
أومأت بتفهم لحديثه، ثم ابتسمت له قائلة:
"قصدك حلم فرعي غير الأساسي اللي موصلناش ليه؟"
هز "غسان" رأسه لها مبتسماً بسمة صغيرة. فوجهت نظراتها إلى أمامها بشرود، ثم قالت بتلقائية تسرد وكأنها تسبح بعالم مع ذاتها فقط:
"في حاجات كتير نفسي أعملها، بس في دايماً حاجة عاوزة أعملها وبرتب ليها كأنها حلم كبير بجد. نفسي أفتح Rose shop (محل ورد) ويبقى كبير أوي، وأجيب فيه كل أنواع الورود وريحتهم تبقى مالية المكان كله، ويبقى مكان كبير أوي، ويبقى فيه فريق كبير ينظم للحفلات اللي برا بالورود والديكور، وفريق تاني يبقى مسئول عن تنظيم وتنسيق الورد للي هيشتريه الناس وهساعدهم كلهم كمان. ويبقى فيه ركن صغير في المكان مخصص للتصوير بالورد ويبقى فيهم عدد من الـ photographer يصوروهم صور حلوة وكويسة ومفيش فيها حاجة وحشة عشان مخدش ذنوب طبعاً. وميدخلش المكان غير المكتوب كتابهم أو المتجوزين، والمخطوبين بردو، بس الصور تكون بقواعد معينة كده. وأشغل قرآن في المكان وكل يوم سورة لحد ما تتكرر على مسامعهم وتتحفظ. وكمان أبقى أشغل أمير عيد شوية أصل بحبه أوي، وممكن أبقى أشغل كوكب الأرض بتاعتك كمان."
صمتت تستوعب ما قالته، ثم ضحكت عالياً بخفة وهي تردف قائلة بمرح تعتاد عليه معه وقت بوقت وشيء فشيء:
"شوفت؟ أهو حلم واحد جواه أحلام كتيرة أوي!"
جميل من يتحدث عن شيء يحبه، وجميل من يتحدث عن أحلامه بشغف. وللحق كانت جميلة وهي تتحدث بعفوية وتلقائية كبيرة. كان ينصت لها بتمعن وهو يبتسم على ابتسامتها وضحكاتها من بين حديثها بغير وعي. وما إن أردفت كلماتها وإنتهت من حديثها، تنفس هو ببطء متحدثاً بعد لحظات بيقين لا يعلم من أين أتى، ربما من نبرة صوتها وشغفها الظاهر بما تتحدث عنه:
"حلمك حلو أوي، متأكد إنه هيتحقق!"
"ياريـت!"
عودة للوقت الحالي
كيف علم بأنه سيتحقق وكيف حقق نصفه من الأساس لا يهم كل ذلك. الفكرة ذاتها قد حدثت بالفعل، بل وبما استطاع عليه هو كي يسعدها. هبطت دمعتها وهي تندفع بأحضان غسان بغير وعي للإزدحام من حولها نظراً لضيق المكان. وبكت، كما لم تبكي من قبل. بكت وهي ترمي عليه حديث متعلثم بغير تصديق. رفع غسان كفه يمسح دموعها بتأثر، ثم اقترب يهمس بجانب أذنها مع التصفيق الحار من الجميع ببهجة مرة أخرى:
"كُل سنة وإنتِ نيروز واحدة بس فالعمر ومش هتتكرر. كُل سنة وإنتِ معايا وإنتِ الرزق اللي من عند ربنا ليا!"
مسحت دموعها وهي تتنفس بعمق، ثم خرجت بخجل وهي تنظر نحو تصفيقهم الحار ونظراتهم التي تتحرك شيئاً فشئ على المكان، والتي لم تترك لها الفرصة في الاستكشاف. بل وجدت فريدة هي من تمسك زمام الأمور حينما أشارت لهم بالقول بكلمات عيد مولدها مرة أخرى:
"كُل سنة وإنتِ طيب ومن قلبي قريب...!"
مع التصفيق بالقول، نظرت نحوهم بتأثر. ومن بين أحضان لأحضان تتحرك وعينيها لا تفارق عينيه وهي تتطالعه بشك، فيبدل هو الشك بثقة بأنه.. نعم يفعل من أجلك هذا وأكثر! وعلى فجأة تعالت أغنية أم كلثوم المشهورة بـ "الورد جميل" والكل يعود مرة أخرى يتحدث بعشوائية مع أخذهم للصور.
"الورد جميل جميل الورد
الورد جميل وله اوراق عليها دليل من الاشواق
اذا اهداه حبيب لحبيب يكون معناه "وصاله" قريب
شوف الزهور واتعلم بين الحابيب نتكلم
شوف شوف شوف الزهور واتعلم
والنرجس مال يمين وشمال
على الاغصان بتيه ودلال
عيونه تقول معانا عذول خلينا بعيد عن العزال
شوف الزهور واتعلم بين الحابيب نتكلم"
وصال! رأت الكلمة بالفعل وتسمعها أيضاً. رفعت عينيها على شعار المكان فوجدته يسمى بـ (عودة الوصال) وبآخر الكلمة بعد حرف اللام تجد رمز وردة هادئة لطيفة، ولوجو صغير بحرف الـ G الذي كان متسعاً ليُوضع بداخله حرف الـ N. كلمة بأن وصالهما بالفعل يعود وقد عاد وكل مرة يقوى وليس يضعف. تسمعها منه كثيراً، لذا تفهمت وتذكرت. مدت يديها تنتشل وردة من الباقات الكبيرة كي تضعها أمام فمها تستنشقها بعمق وهي تسير بإندماج. ووجدت الصور معلقة برسم متناسق. التفتت بوجهها سريعاً عندما وجدت وسام تقف وهي توضح بلهفة أتت من رغبتها في الأسف:
"أنا اللي رسمتهم، عجبوكي؟"
"أوي!"
قالتها بلهفة وهي تتعمق، ففرحت وسام. ومن ثم وجدت ياسمين ووردة ينظران لها بعمق، وفريدة تقدم لها الحلويات بترحاب وهي تغمز لها قائلة:
"خدي بالك بقا أنا اللي هشتغل معاكي هنا!"
بالفعل، وبعد اتفاق غسان معها وحديثه مع حازم كي تبدأ حياتها من جديد بصواب، تلهفت وهي تأخذ منها وتعانقها مرة أخرى كونها استشعرت مدى تعبها بهذه المفاجأة. ترقبت ملامح الكل عندما وجدت الأغاني تصدح وشادي يتراقص مع الشباب بمرح. وجلس على المقاعد من أتى في الافتتاح. تركت كل ذلك وانتباهها معه هو عندما وقف بصمت ينظر بإهتمام وهو يتابعها بكل تفاصيلها. وقف بجانب حامد الذي ربت على كتفه بلين، فأمسك غسان كفه وهو يعود يرمي على مسامعه الحديث كي يقتنع مرة أخرى:
"زي ما قولتلك يا حج، مادام قاعد علطول في البيت بعد ما طلعت على المعاش، فإنت تنزل تقعد فالمحل تخفف عنهم وهم يخففوا عنك. والوقت يتقسم بينكم بالحب وتسلي نفسك وإنت قاعد كده مع المصحف بتاعك وكوباية الشاي والجامع قدامك أهو، هتحتاج إيه تاني؟"
صمت حامد بحيرة. وعاد غسان يقبل قمة رأسه ببر وهو يفكر به. في حين وقفت نيروز ترد على المباركات بعيد ميلادها منهن مرة أخرى وحتى دلال، ومنة، وجميلة بتأثرها. وجد عز يقف أمامه وهو يسحبه من كفه بحماس ثم قال بثبات يشجعه:
"أول واحد هياخد ورد من هنا لمراته، وبالحلال يعمنا زي ما الشروط بتقول!"
ضحك غسان وهو يشير على عينيه بلطف. ثم عاد يشير بيديه نحو الباقات الكثيرة التي توجد عليها الورد. فتوجه الآخر سريعاً وهو يشير لجميلة بحب. وفعل مثله حازم، وبدر، وشادي، وحتى حامد وكل شاب كان بالمحل بالفعل. لحظة رومانسية على الكل. وقد شعر بانشغال الكل غيره هو، وغيرها هي التي وقفت تنظر حولها بتيهة ومن ثم تعود تعلم أين هي عندما تتقابل عينيها معه هو. وبخفة وقف أمامها ينظر بصمت دام، إلى أن قطعه وهو يتحدث:
"عارف إني حققت يمكن تلت الحلم باللي حاولت أقدر عليه وكان بمقدورتي، من تأجير المكان والاتفاق على التجهيزات البسيطة دي.. بس مع بعض هنكبره وأنا واثق من ده. كان نفسي ألاقي مكان كبير، بس لقيت ده وتحت العمارة اللي إحنا ساكنين فيها عشان حياتنا متتأثرش. نفسي تكوني مبسوطة يا نيروز. نفسي أحس إني عملتلك حاجة تبسطك. عايزك دايماً فرحانة!"
ثم عاد يكمل سريعاً يسألها بإهتمام شديد:
"مبسوطة؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تحرك رأسها بتأييد مرددة:
"مبسوطة من زمان أوي. مبسوطة من ساعة ما ظهرت فحياتي. ودلوقتي مبسوطة أوي أوي..."
لم يتوقف الحديث إلى هنا. تظهر بأنها عاشقة الآن وعشقها يظهر بوضوح شديد وهذه كانت أبسط أمنياته. عادت تكمل قولها بصراحة، تهتم فقط له ولقربه منها حينما قالت:
"مبسوطة عشان... إنت مبسوط إنك بسطتني!"
ومن بعدها رفعت ذراعيها تعانقه بحب. فربت هو على ظهرها بحنان ولين وهو يبتسم. ثم عاد ينظر لها مجدداً وهو يوضح:
"عارف إنها مسئولية بس لسه مسئولية صغيرة فالأول. علشان كده المحل ده محتاج أكتر من شخص يقف فيه. حد على الحسابات هناك كده، وحد يقف يساعد الزبون وحد تاني يغلف وينسق الألوان برا وجوه. تنسيق الألوان عايز بنات، فـ دي هتبقى بتاعتك إنتي وفريدة. والحسابات زي ما تحبي وتثقي. المكان مكانك وبتاعك إنتي!"
ابتسمت نيروز بحماس، ثم سألته بلهفة كبرى:
"أنا متحمسة أوي..."
ومواقفه على كلامك بس كده محتاجين حد يقدر يشيل ويحط وكده.
ردد عليها بشرود وهو يحرك عينيه نحوها:
"موجود بس مش عارف هيجي يستلم الشغل ده إمته."
"هو مين؟"
سألته بغرابة وهي تسير معه تستكشف المكان، فرد هو من بين سيره معها بابتسامة هادئة واثقة:
"آدم!"
توقفت وهي تنظر له بزهو، متأثرة كونه يفكر بكل من حوله عدا هو. ابتلعت ريقها بعمق من تفكيره تزامناً مع قوله المفسر لها بلين تعهده:
"قرب يخرج من المصحة، ولما يخرج لازم يبدأ صح ومن جديد ويشتغل ويشغل نفسه."
توقف "غسان" ثم أكمل بثقة من اختياره:
"وريحة الورد والدخان ميتجمعوش فمكان واحد."
مهنة كهذه بالمسؤولية التي قالت له عنها تحتاج عضلات رجل يستطيع بأن يحمل الأشياء. حركت رأسها بثقة منه وهي تؤيد بأفكارها ما يراه. ولحسن التفكير عاد يعلمها شيئاً أساسياً عندما قال مجدداً، يخيرها بمكر:
"وبراحتك إنتي، علشان دا هيبقي شغلك إنتي وإنتي اللي هتختاري."
وجدت الاحترام منه، فابتسمت برقة، ثم تلاشت البسمة عندما عاد بقوله المتبجح يكمل حديثه بـ:
"وبما أن محدش بيدفع غيري.. فمن حقي أشغل ابن عمي وأعمل اللي أعوزه."
ضحكت "نيروز" على مرحه ووقاحته المعهودة. ومن ثم حركت رأسها باستنكار توبخه:
"انت هتذلني بقا ولا ايه يا بن البدري؟"
وأضافت بلين عميق وعينيها لا تفارق عينيه حينها أمسكت كفه بتشبث وهي تقول بنبرة صادقة:
"المكان مكانك إنت.. والقلب قلبك.. وبيحبك من زمان."
غمز لها "غسان" وسرعان ما وجدتهم ملتفين حولها ببهجة. وعادت الأغاني تعلو بالرقص. ورغم أن الساحة ليست واسعة، نظرت لهم بفرح عندما وجدتهم يتراقصون من حولهما بهدوء وحب، كل من "حازم" و"ياسمين" و"شادي" و"منة" و"عز" و"جميلة" و"بدر" و"وردة"، وحتى والديه معاً. ابتهجت ملامحه وهو ينظر على الهواتف التي تقوم بالتصوير. شردت "نيروز" بمنظرهم وسرعان ما وجدته يمد كفه لها كي يرقص معها بالمنتصف كما قصدوا هم. وبالفعل تراقصوا معاً بهدوء، أمير أميرة ومن حولهم أمراء وأميرات كتبت كل قصة منهم بشكل مختلف. يستمر الرقص الهادئ، والمارة من الخارج بانتباههم لما يحدث يدخلون والمكان يزدحم أكثر فأكثر بجو ممتع غريب قلّما يحدث ذلك في هذه المناطق وتعلم هي لذا اعتبرته حلماً صعب أن يتحقق ومعه هو لا مستحيل في الأحلام. هبط يهمس بجوار أذنها ببحة صوت هامس يأسرها بعدما أشار نحو موضع قلبها الذي استشعر دقاته العالية لطالما كان وجهها ووجنتيها مصطبغين بحمرة قلّما تظهر وفهمت هي قوله وعمق نبرته عندما قال بلغة تعشقها هي:
"هذه الديار ديارنا ولنا في عشقها دين ومعتقد."
ابتلعت ريقها وهي تتحرك بخفة معه. ولم تسطع الرد بل نظرات عينيه ورعشة يديها من التأثر وكم هذه الأحداث تشرح له هو ما يكفي للرد. في حين تراقص "عز" مع "جميلة" بسعادة. وكما كانت لحظة التأثر مع من قبلهما كانت معهما أيضاً وهم يسمعان اللحن وهي تتمسك بيديه برفق. وعينيه هو هذه المرة تتعلق مع عينيها الواسعة التي تنظر له بخجل ولهفة بنفس الوقت. تارة تهرب من عينيه وتارة تواجهها وكأنها تود الاعتراف له بالحب للمرة التي لا تعرف عددها. ربما لأنها والآن تصل معه لأقصى مراحله ولا تعلم لما. تستشعر به الأمان وخرجت من شرودها عندما هتف "عز" لها على فجأة:
"الدنيا دي تلاهي.. وأنا عليا النعمة ما اتلهيت غير ف عيونك وبس يا جميلة!"
دقات قلبها تقفز ولا تتسارع، بل تقفز تأثراً. وكلما تشعر بأن قلبها سيخرج يعود بموضعه من جديد كلما تشعر بأنه هو قائل هذه الكلمات وهو الذي يشعرها بالأمان. تنفست بأعجوبة. وقليل ما ستردفها حتى قالت له وهي تتحلى بالجرأة مقتربة من وجهه كي يسمعها من صوت الأغاني:
"وإنت العوض يا عز.. ومكنتش أعرف إني بحبك أوي كده."
ركن وموضع وطرفان. والطرفان الآخران والمختلفان عقلياً كان "شادي" الذي طالع "منة" بعمق. وهذه اللحظة ردد بصراحة:
"بيقولوا فاقد الشئ يعطيه وبقوة. وأنا وإنتي إتحرمنا من حنانها بدري. بس هعوضك ودا وعد."
قصد الأم. فقد والدته وكما هي فقدت والدتها مبكراً. لذا يتعاهدان بلين وحنو. تنفست وهي تتنهد من هذه المشاعر ثم ردت الوعد بعهد استشفه عندما قالت كلمتان يشرحان له الكثير رغم اختصارهما:
"وأنا كمان."
تستمر اللحظات بمختلف الأوضاع. إلى أن جاء الوضع لديها وهي تتحرك معه بحذر. نظراً لحملها. وتاهت هي الأخرى بين غمازته ببسمته ثم رفعت عينيها تسأله بمشاكسة:
"متنحلي كده ليه يا ابو العيال!"
مرحت وليس لها بأجواء أخرى غير المرح. وعكسها كان هو. الهادئ الساكن العاقل "حازم". والمختل فقط عندما ينظر لخضرة عينيها. حينها فقط يختل ويصبح الألهوج التائه. لذا رد بعمق وهيام بها وهو يقول:
"تايه فخضرة عينك ومش عارف أخرج. عندك حل؟"
ضحكت "ياسمين" بخجل زائف. وسرعان ما نفت بغرور وهي تحدجه بكبرياء مرددة بمرح:
"مفيش حل يا حازومي. كده كده عيوني تجنن العاقل. فحقك يا متر."
"عندك حق."
لا يخجل من الصراحة وهذه هي الصراحة. مع الراحة الذي يشعرها معها. ابتسمت له باتساع. ووقفت "فريدة" تتحرك مع "وسام" بخفة من كون كل واحدة عزباء. وإنتهى الوضع بالإنتهاء من الرقص. والإتجاه ناحية قطع الكيك ليتناولوها مرة ثانية. الأولى بخطبة "شادي". والثانية بعيد ميلاد "نيروز".
تستشعر قلة الأعداد بالوقت الذي يمر. ولم يتبق سواهم. سوى أفراد العائلة الذين جلسوا على الطاولة الكبيرة. يستمر الوضع بالحديث والصور التذكارية. وحتى تنظيم المكان بشغف وحماس بواسطة "نيروز" و"فريدة".
هناك من تابع الأصوات ويسير متخفياً. غير مهتماً بأن يعلم ما هذه الأصوات المبهجة وبنفس الوقت مزعجة وحتى الازدحام. كل ما يهمه هو أن يدخل منسحباً لداخل المبنى واضعاً شال من القماش أسود ممزوج بالأبيض على وجهه كي لا يراه من يخافه ومن مسه بسوء آخر مرة والحق إلى الآن لم يأخذ منه. وللحق لا ينقص هو خدش وليس ضرب وكدم. تنهد "حسن" يأخذ أنفاسه بارتياح. وهو يرى باب المصعد يغلق تلقائياً. ومن ثم صعد هو وهو يتنفس بارتياح فقد رأى سيارته بجانب سيارة شقيقه على بعد قليل من المبنى والخوف كان رفيقه من فكرة أن يقع به أحدهما بالخارج. خرج من المصعد بحذر. وهو يعدل من وضع الشال ملتفتاً نحوه وكأنه السارق والوضع يعكس ذلك عندما يجهل بأن "حدة الشباب" من يسرق ثباته وجرأته الآن عندما يهاب هو بأن يراه. الوضع ساخر إذن. ابتلع "حسن" ريقه بتوتر. وهو يمد كفه يدق الباب بخفة. منتظراً أن يفتح له أحدهم. ولم يكن بالداخل سواها "زينات" التي وقفت تستنكرها كيف لم تأخذ مفتاحها وهي تراها تهبط به. وقفت تتوجه على أية حال ومن ثم تسمرت مكانها أمام الباب قبل أن تفتح ورائحته تخلل أنفها بقوة. كيف لم تعرفه قبل أن تراه وهي أم.
تنهدت تأخذ أنفاسها بصعوبة وهي تفتح شرفة الباب الخشبية الصغيرة بتردد.
فوجدته يقف، ومن ثم رفع عينيه سريعًا ينظر لها من خلف الباب.
ولأنه يعلم بأنها لم تستطع كشفه وفضحه، أخفض ما يخفي به وجهه وهو يبتسم بتهكم، مرددًا بتساؤل ساخر وهو يرى ملامحها التي تتحول:
"إيه؟ هتسبيني واقف ومش هتدخليني بيت أبويا؟ ولا هترقعي بالصوت وتفضحي ابنك؟"
وكأي أم تخاف بفطرتها عليه رغما عنها، وجد الباب يُفتح على فجأة وهي تدفعه إلى الداخل باندفاع خوفًا من أن يراه أحد.
أغلقت الباب وهي تعتدل بخوف وأنفاسها تعلو.
في حين رمقها هو بسخرية لاذعة، حتى وجدها تسأله بحسرة لم يرها بها من قبل:
"جاي ليه يا حسن؟ عايز تموت مين المرادي قولي؟"
وأكملت مباشرة بعدها وهي تطالع جسده ووجهه:
"ولا عايز إنت اللي تموت؟"
توقفت عن الحديث تنظر نحو ملامح وجهه وجسده النحيل، ثم عادت تكمل حديثها بقهر وهي تشير عليه بحزن:
"حرام عليك نفسك يا بني، إنت مش شايف نفسك؟"
هبطت دمعتها بخيبة، فتخطاها بغير اهتمام كي يجلس على الأريكة.
فالتفتت وهي تنظر له تزامناً مع ردة البارد عليها:
"لا مش شايف نفسي، وأنا عارف آخرها من قبل منك، هتديني فلوس تخليني أمشي ولا غاوية فرهدة ودم وسكاكين ومطاوي من تاني؟"
لحظات من الصمت إلى أن رفع عينيه المحذرة عكس حديثه المنهك:
"الصراحة أنا مش قادر!"
واحتدت عينيه بصرامة وجدية تشرح لها مدى خطورة ما سيفعله إن عارضت هي:
"بس لو مفيش غير كده هضطر، ولو إضطريت صدقيني حتى إنتي مش هتاخدي فايدي غلوه!"
ابتلعت ريقها بخوف ما إن رأت نظرة عينيه وكأن ما يتناوله لم يجعل له عقل ولو ذرة.
تنفست ببطء وهي تضغط على كفها بضغط.
فلاحظ هو ما ترتديه من ملابس تخص الصلاة، فضحك وهو يضيف مكملاً باستخفاف:
"دا إنتي كنتي بتصلي بقا يا أم حسن باللي لابساه ده! إيه؟ فاكرة ربنا هيسامحك ويقبلك؟"
واستمر يستفزها بقسوة لا يعلم بأنه يرميها عليها عندما أكمل ببساطة في بداية حديثه الآتي وحقد في آخره:
"تؤ.. محتاجة تفوقي وتعرفي إنك سبب في حاجات كتير أوي ميتسامحش عنها، أولهم أنا!"
كانت سبب بالفعل بضياعه بطريقة غير مباشرة، ولكن هو من اتخذ الطريق بطباعه السيئة التي أخذها منها.
إعتدل يريح ظهره وهو ينظر نحو دموعها التي تهبط، ثم قال بقهر داخلي:
"بس أنا مش مسامحك، عشان لو هتحاولي فمتحاوليش، ما أنا مش مستغربك، بقا يحصل أي حاجة في الدنيا دي، عجبي عليك يا عجب، زينات تتوب وسليم الأكرمي يتسجن!"
ابتلعت ريقها بصدمة، فقد علم هو من الخارج بما حدث بالتفاصيل.
تعلم بأنه لا يعلم من الداخل بما فعله تفصيلياً، ولكنه علم من الخارج وهذا ما وضح في الآتي:
"يا شيخة بقا يقعد يقولي إني فاشل ومش هنفع، وإني ضايع وبايظ، ومبنفعش في أي شغلانة ولا أي حاجة، وشغال تقطيم ونصايح وفالآخر يطلع الباشا مزور وظالم قد الدنيا لأ ورد سجون، السجون اللي كان خايف لادخلها أنا وأجيبله العار في الوسط الـ.. اللي عاش يجي علينا عشان بس منظره قدامهم وكلام الناس اللي هامه أكتر من عياله!"
كانت نبرته ساخرة موجعة وهو يقص معاناته، والتي لم تظهر بقسوتها كما كان يشعر هو بها في البداية.
كان قوله مجرد كلمات لم تؤثر به الآن.
وقفت تستمع لما يخرج منه لأول مرة عندما أكمل بوجع داخلي ومؤشرات الاحتياج تظهر، من الأساس جاء بسبب هذا، ونفاذ الأموال منه منذ آخر مرة لديه:
"يعني هو أنا روحت للهم والشرب إلا بسببه وبسببكم هنا يا شيخة! ولا شوفت يوم عدل منكم! حد يشد أوي وحد يسيب أوي وأنا العبيط اللي تايه بينكم وبين طبعكم اللي متغيرش ولا بطل يأذي فيا من غير ما حد ياخد باله، دا أنا مبقتش أشوف حد عدل بسببكم! بقيت بكرة الأحسن مني بسببك إنتي، حتى لو الأحسن مني ده أقرب ناس ليا، كرهت أختي بسببكم وسبب تربيتكم، إمته اتوافقنا مع بعض زي حازم وجميلة؟ إمته لقيت منها حب ليا؟ إمته قولتيلي خش أحضن أختك يا حسن، مش بدل ما تلاقي حد اغتصبها وجيالك معدتش نافعة ولا راجل هيقبل بيها من تاني! راحة تتوبي على إيه فهميني؟ بتضحكي على نفسك وإنتي ظالماها معاكي، ربنا هيسامحك على طباع طبعتيها فينا وجاية دلوقتي تحاولي تغيريها في نفسك وفينا؟ بتوبي على إيه يا زينات وإنتي مخسرتيش أي حاجة على نفسك، جوزك اتسجن، وبنتك وضاعت، وابنك مدمن، وكل ده ميفرقش معاكي في الآخر عشان إنتي وكل ده وبردو مخسرتيش حاجة ولسة زي ما إنتي جبروت وطبعك جامد حتى لو بتحاولي تحني فربك مش هيحن عليكي غير لما تتقهري وتتكسري وتخسري حاجة زي ما كل واحد فينا حصله حاجات مش حاجة بس!"
اندفعت تجلس بجانبه بسرعة وهي تمسك وجهه بلهفة مرددة ببكاء شديد تقسم له:
"والله العظيم إنتوا خسارتي يا حسن، أنا بفوق وفوقت على اللي حصل فيكم وليكم، فارقين معايا يبني، فارق لدرجة إني نفسي أشوفك أحسن!"
انهيارها بالبكاء جعلها تظهر الأمل والندم بقولها الآتي عندما قالت بلهفة وهي تتمسك به:
"بص... تعالي.. تعالي أخلي حازم يوديك أحسن مصحة وتبقي كويس من تاني!"
دفعه عنها بقسوة وهو يقف باندفاع مشيراً لها بغضب:
"اسكتي وإبعدي.. إبعدي عني، مصحة إيه اللي عايزاني أروحها وأخويا كمان، من إمتى كنتي بتحبيني أناديه وأقوله إنه أخويا؟ إنتي سمعتيها مني وقولتلهالك.. قولتلك مش مسامحك ولا هسامحه، قولتلك عارف آخر طريقي إيه قبل منك!"
هبطت دمعته الوحيدة على وجنتيه وهو يراها تمسك كتفها بألم، والذي دفعها منه وسرعان ما انتفضت بفزع عندما وجدته يشير لها صارخاً بإنفعال:
"قـــــومي! قومي يـــلا هاتيهم!"
تنفست "زينات" بخوف شديد وهي تومئ له مشيرة نحو فمها كي يصمت حتى لا يسمعه أحدهم.
تخاف وتهاب عليه، حتى بما يفعله معها.
ابتسم بسخرية على مظهرها ثم عاد يسألها بضعف بعد لحظات من الصمت المميت الموجع عليها وعليه:
"ليه يا ماما، ليه من زمان أوي، ليه من وأنا صغير؟"
وصل جسده للاحتياج وهذه المرة لا يعي ما يقوله، ولكن قوله صحيح وموجع خرج من كبته وحديث مكتوم لما كان سيخرج من الأساس، ولكن لولا حالته هذه لما خرج.
يسألها لما؟ والألم في الآتي عندما عاد يردد ببكرة لنفسه وحياته:
"ليه خلفتيني من الأول يا ماما!"
، تنزل الدموع منها بحسرةٍ وعجز ، وقهر شديد عندما وجدت دمعته الٱخرى تسقط ،فرفع كفه يمسح وجهه بعنفٍ وهو يصرخ مجدداً تزامناً مع قذفه لباقة الزهور حتى وقعت متهشمة على الٱرض وهو يصرخ بقوله:
_" ليـــــــة!!!"
نهضت بسرعه فائقه عندما علمت بأنها تدخل على خطر بالفعل ، هرولت إلى الداخل عندما صرخ مره أخرى بإنفعال :
_" قولتلـــك أدخلي يلا هاتي الفلوس خليني أمشي، مبتســـمعيـــش؟؟؟!!!"
دخلت إلى الداخل ورغماً عنها فعلتها هذه ، أما هو فوقف صدرة يعلو ويهبط بشدةٍ ،حتى وجدها تأتي له مره أخرى بعد لحظاتٍ وبيديها الأوراق المالية ، مد يديه لها يأخذهم منها بإندفاعٍ ، ثم التفت كي يسير بعد قوله المودع لها :
_" ســلامّ !!"
وقفت خلفه بلهفه تقاطعه بنبرةٍ باكية:
_" بس ربنا بيسامح يا حسن!!"
_" وأنا مش مسامحكم ولا مسامح الدنيا..حِلى عن دماغي بقا إنتي وهي خليني أرتاح !!"
نفاذ صبر وقهر ووجع عندما وقف يردد هذه الكلمات ، فإقتربت منه تمسح دموعها وهي تطلب منه أغرب ما يكون:
_"طب ..طب أحضني يا حسن ، أحضن امك قبل ما تمشي !!"
حرك "حسن " رأسه بضياعٍ ولم يشعر بأنه ينفي بالفعل عندما قال بصراحةٍ:
_" مخدتش منك عشان أديكي ، سـ .."
بُتر حديثه عندما إندفعت تأخذه بعناقٍ بالقوة رغماً عنه كاد يدفعها ولكن سكن تحت دفء أحضانها وهو بداخلها ، لا لن يسمح بأن يهتز ، اهتزازه ما هو إلا رعشة جسدة ويديه بالاحتياج ليس إلا ؟! ، مهبطاً كلتا يديه بخواء يتركها تفعل ما تشاء ، وكأنها تستشعر بأنه عناق صريح ومريح وأول وأخير !! ، دفعها برفقٍ لم تعهده منه ، ثم إعتدل يرفع الشال القماشي على وجهه وهو يستعد كي يسير بإتجاه باب الشقه دون حتي أن يودعها وما أن سمعت صوت إغلاق الباب ،، ركعت أرضاً بقهرٍ!!!!!
خوفها منه جعلها تلبي ما يريدة من هلاك ، وهي التي كان بإمكانها بأن تضعه حبيس بغرفة ما إلى أن ياتوا من الخارج، كان بإمكانها إنقاظه للمرة الٱخيرة ولكنها لم تستطع ، تصرفت كما تتصرف كل مره وهي تلبي ما يريده!!!
، كل مره كانت تلبي برضا منها وكأن هذا الصواب لا غيره ، اما الٱن فهي تعلم بأنها فعلت الخطأ رغماً عنها بسبب خوفها من خطره الغير مُحدد والغير متوقع بسبب ما يتناوله من دمارٍ يدمر العقل حتى يجعله أشلاء ، أشلاء صغيره كل منها تصبح لا تعي بماذا يتصرف صاحب هذا العقل الذي يتبخر شئ فشئ !!!! تحولت جلستها إلى القرفصاء لتبكي بوهن وضعف وكل الخوف وُضع بها ولأنها رغماً عنها ستنهض تخفي كل الآثار التي توحي بقدومه إلى هنا مره أخرى دون أن يعلم أحدهم !!!!
...
وقبل قليلٍ في محل الورد بدأ الكل ينسحب بالفعل ، من بينهم "وردة" وهي تمسك صغيرها كي ترحل مع "بدر" عندما خرجت تودعهم وخلفهم مباشرةً كان "حازم" و"ياسمين" الذي سيقيم اليوم في شقة "عايدة" بعد جلوسة الايام السابقة في شقته فقط يقضيا الوقت ويعودا لمنزلهما ولكن اليوم مختلف ، فغداً الجُمعة ..بل والمُبهج بأن من المحتمل والقوي أن جهاز شقيقته سَيُنقل في الغد !! ، ورحل معهم "حامد"و"دلال"و"وسام"، بعد رحيل الزبائن من الافتتاح وقد خلى المكان من الناس بالفعل عداها هي وهي تقف إلى الٱن بغير تصديق، وعلى بعد منهما "فريدة" وهي تعدل في المكان ، إلى أن وقفت وإنتهت ثم نظرت لهما قائلة بوداعٍ :
_"كده أنا ظبطت كل حاجة ، همشي وراهم بقا وطبعاً براحتكم المكان مكانكم يعني !!"
أدرفتها "فريدة" بخفةٍ فأومأت لها "نيروز" الذي وقف بحانبها "غسان" طالعها هو بإمتنان ثم أخرج نسخة من المفاتيح يعطيها لـ "نيروز" ، اخذت "نيروز", الاثنان وهي تبتسم ناظرة على ميدالية "عودة الوصال", المعلقه بهم ، مدت يديها بواحد لها ثم قالت بلطفٍ :
_'' دا هيبقى معاكي وبتاعك.. عشان إنتي اللي هتبقي معايا هنا فكل حاجة!!"
مدت يديها بتردد وهي ترفع عينيها لها بتأثرٍ ثم إبتسمت قائلة بعمق لهما :
_" يارب أقدر أكون قد ثقتكم دي !!"
إبتسم "غسان" ونيروز" لها ثم نظرا لبعضهما بثقةٍ وعادا يرددان معاً عندما فهم كل طرف معني نظرات الٱخر :
_" واثقين إنك قدها!! "
ضحكت "فريدة" بخفة وهي تعانق "نيروز" بتأثرٍ حتى خرجت تطالعه وهو يقف ينظر لهما ، اعتدلت وهي تقف ثم قالت له بإمتنانٍ شديد:
_" شُكراً !!"
كان الحرج رفيقها وهي تردفها ومن ثم تخطتهما معاً وهي تخرج لتلحق بمن خرجوا من قبلها ، نظرت "نيروز" بأثرها بشرودٍ ثم عادت تنظر له فوجدته مبتسماً بلين وإهتمام وبدون مقدمات وجدته يرفع أنامله يمررها على وجهها بحنوٍ وهو يردد بصدقٍ يستشعر بداخله ضيقها من ماحدث وإعتبرته هي تقليل منها أمامه :
_" إنتِ ألطف من إنك تزعلي وأجمل من إن ملامحك دي تبهت يا "نيروز" ، يارب أقدر أخليكي مبسوطة وأشوفك كدة علطول !!!"
وكانا بمفردهما وثالثهما الحُب الذي يربط قلب كل منهما ، رفعت يديها تمسك كفه بأنامله ثم أجابته بحبٍ شديد العمق :
_"مبتفشلش كل مره إنك تبثتني يا بن البدري ، اما بحبك ..فـ دي من زمان أوي!!"
رفعت ذراعيها تحتضنه وهي تربطهما معاً حول ظهره متشبته بما يرتديه مستندة برأسها عليه وهي تتنفس بعمقٍ تستند على ظهرها وسندها بالفعل ، مرر يديه بحنانٍ على ظهرها ثم قال بمرحٍ بطبعه :
_" Roses to rose..
المرادي كل الورد اللي فالمكان للورده اللي فحضني!!"
ضحكت "نيروز" وهي تخرج من أحضانه ومن بين لحظتهما هذه توجهت تقبل وجنتيه بسعادةٍ بالغةٍ ، فأمسك رأسها بين كفيه وهو يقترب مقبلاً قمتها ومن ثم وجنتيها بمشاكسةٍ وقوة حتى إشمئزت منه بطريقةٍ زائفه عندما شعرت بضغطه علي خديها وكأنها طفلة ، قليل ما تشعر بذلك ولكن معه هو الٱمر يختلف ، توجه من بعدها يغلق الإنارة حتى قدم ذراعه لتستند معه كي يسيرا معاً للخارج وعندها وقف هو يغلقه جيداً بالمفتاح ثم عاد يقدمه لها وهو يردد بوضوحٍ :
_"خدي خليه معاكي بقا ، كده نسخة معاكي ونسخة مع فريدة ، ونسخة في البيت عندنا عشان لو حصل حاجة !!"
أخذته منه وهي تضعه بحقيبتها ثم سارا معاً بضعة خطوات والٱن وبهذه اللحظه تزامناً مع خروج "حسن" من المبني دخل هو وهي عندما صعدا الدرج وكان هو أولاً وهو يبتسم "للعامل" مردداً عليه كلمات مرحة مشاكسة في حين خرج الٱخر متخفياً بوجهه وقد تعمد "حسن", أن يصطدم بكتف "نيروز", فتأوت بخفوتٍ وهي تلتفت بوجهها لتنظر بجانبها لذلك المختل وعندما إلتفتت لم ترى منه سوى عينيه وفقط ، هنا وإبتلعت ريقها بإرتباكٍ ومفاجأه كيف لم تعرف عينيه التي عاشت تخاف نظرتها ، ضاقت عينيه وعلمت بأنه هو وعلمت مره ٱخرى بأنها ضاقت عندما تيقنت بأنه بالتأكيد يبتسم من خلف ذلك الشال القماشي ، في أقل من الثانية كان ذلك الوضع عندما فر سريعاً للخارج ، حينها التفت "غسان" ينظر لها عندما وقفت ملتفته محاولة إبتلاع ريقها ، كان الٱخر ورغم احتياجة ولكنه علم كيف يهرب جيداً ، عندما صعدوا هما هبط هو على السُلم ، ببطئ عندما استشعر قدومهم وانشغال المصعد !!
_"ايه يا نيروز مالك ؟؟ واقفه كده ليه ما تدخلي يلا !!"
أمسكت كتفيها بوجعٍ على فجأه محاولة الثبات ولكنه لاحظا محط أنظارها خلفها علي ظهر الٱخر الذي وسرعان ما أختفي، لم يشبه عليه ولكن غريب موضعها عندما سار من جانبه وجانبها ، حركت رأسها إيجاباً وهي تتقدم لتسير بجانبه وهي تبتسم ، فسار معها بغرابةٍ ينتظر الصعد لطابق العائلة، وبعد إنتظار ركب بجانبها ،وخلال دقيقتان خرجا منه علي الشقق المفتوحه ، شقة "سُمية" الذي اجتمع بها الجميع ببهجة ، وحتى "منة" ووالدها الذي جلس مع "حامد" فبعد قليل سيأخذ ابنته كي يرحلا معاً ،في حين خرجت "سمية" مستندة تجلس بينهم وهي تريح ظهرها قليلاً، وعندما دخلت "نيروز" فتحت لها ذراعيها كي تحتضنها بحذرٍ وهي تردد لها بتحشرجٍ :
_" كان نفسي اشاركك الحاجه دي بس اديكي شايفه ، كل سنة وإنتي حبيبة عيني وقلبي يا نيروز، يارب عيد ميلادك الجاي تكوني شايله أحفادي على إيدك يارب ٱمين !!!"
تأثرت وهي تعانقها بفرحٍ ، وجلس"غسان" بجانب الشباب ، وعانقت "نيروز""عايدة " هي الٱخرى ، وترقبت ملامح الكل عندما صفق "حازم " بمرح وهو يقول :
_" جماعه ، ركزوا معايا كدة ، في مفاجأة البعض منكم بس ممكن يكون عارفها !!!"
دخلت"فريدة" من باب الشقة بعدما كانت بشقة"والدتها " تطمئن عليها وعندما وجدتها نائمة ، عادت لهم ، دخلت على إكمال "حازم", للحديث وهو يقول بصوتٍ مرتفع:
_" بما إن الفرح اتحدد بعد اسبوعين من النهاردة ، وهيبقي عندنا العريسين عز وشادي ، فجهاز جميلة أختي هيتنقل بكره ، وبكرة الجمعه يعني بعد الصلاه !!"
تفاجئ من كان لا يعلم مثل"سمية" اما " عايدة" فهاتفها ",حازم", ليأخذ برأيها كي لا تتفاجئ عندما كان يجلس معهم عند "طارق"،
تعالت الزغاريط بقوه ،وهذه المره لم تكن تعلم "فريدة" التي هرولت ترتمي بأحضان "جميلة" وهي تتحدث بفرحٍ وتعلثم والكل بعانق الٱخر ويحتضنه بسعادة كبرى ، لاق الجو العائلي احسان وتأثير "طارق" و"منة", اللذان إندمجان بقوه معهم وفرح وكأنهما تربطهما علاقة قوية بالعائلتين معاً منذ زمن !! !!..
بين حركات خفيفه وحدث عشوائي وطعام لذيد يتناول منه البعض والبعض يتناول طعام ٱخر عكس ذلك ، والتهليل بمختلف الأصوات المتأثره، المبهجة، السعيدة ، ومن بينهم زغروطة "وسام" التي تعلو ..مع بقية الفتيات. وضحكات "منة" التي والان تصبح فرد من العائلة وليست ضيفه !! ، ونظرات"عايدة" لـ "جميلة" وسعادتها البالغه وهي تقف بأحد الأركان مع "عز" بمفردهما ، وكأنه لا يصدق إلى الٱن عندما ترك الطبق وهو يرد على حديثها الحماسي بـ :
_"وربنا و أنا ما مصدق اصلاً يا جميلة ، يارب الدنيا تراضيني المره دي وتكملها على خير معايا بس !!"
يشعر بالقادم ؟؟ أم أنه يعتاد ذلك من الحياه ، إبتسمت له بفرحٍ وهي تتناول بهدوء ما بيديها قائلة :
_" ولا أنا يا عز ، أنا مبقتش أصدق أي حاجه غير لحظة الامان اللي بحسها وأنا معاك وبس!!"
صمتت ومن ثم سألته بإهتمام سريعاً :
_', عارف؟؟"
وبالرد المعهود دائماً منه، عندما إقترب يرد بحماسٍ مٕرح :
_" لا مش عارف بس هموت وأعرف والله العظيم!!"
ضحكت "جميلة" بخفةٍ ثم عادت تلين بقولها وملامحها وهي تسرد بصدقٍ :
_" كنت دايماً اسمع إن الحاجه الوحيدة اللي محدش هايختلف فيها في العلاقات هي إحساس الأمان ، إنك تحس إن مكانك محدش يقدر ياخده غيرك مهما بذل من مجهود ، وإن مفيش زيك ولا هايكون ومهما ظهر حد تاني أحسن منك هايتقابل بالرفض ، وإن غيابك كفيل مايخليش اليوم يعدي، وإنك مهما تعبت أو إنطفيت لسه مِتشاف أحسن حد ، كلام معرفتش معناه غير معاك ، غير لما عرفت إنك من بين ناس كتيرة إنت اللي فارقلي وأنا اللي فرقتلك، عمري ما كنت أتخيل إن محدش يعرف يشوف غيري ويتمسك بيا بكل الحب ده ، الحب اللي عاش مخفي ومتداري عشان بس مبادئك يا عز ، إنت بكل حاجه فيك كده عرفتني ان..اللي زيك خلصوا من زمان أوي ، إنت اخر حاجه موجوده منك واول حاجه ، حتى لو العمر رجع أو إتقدم متأكده إني مش هعرف ألاقي زيك ولو ملقتش زيك يبقي هبقي لوحدي مع ضِلى !!"
_"وأنا ضِلك، ما أنا حَبيت جَميل وياريتني ضِله زي ما بيقولوا !!"
رددها "عز", بتلقائيةٍ وهيامٍ بها يؤثر بها وبه ، كانت صادقه في قول كلماتها بشدة لاول مره يخرج منها هذا الحديث الذي أثر به بقوه وجعله يرفع ذراعيه يضمها بحبٍ بالغ تحت تأثر وإنتباه البعض لهما ،دفعته ببطئ و بخجلٍ عندما وجدت "غسان" يميل نحوه وهو يهمس قائلاً له بجرأةٍ :
_" احضن يا باشا .بضمـيــر ايوه...حقك !!"
قالها بتهليلٍ وتشجيعٍ فغمز له "عز", وهو يشدد فالعناق تحت نظرات "حازم" المترصده نحوه بغيرة ، وتعمدت "فريدة", أن تلهيه في هذه اللحظه هي و",ياسمين", تحت ضحكات "عايدة" بقلة حيلة" ، اعتدل"غسان" بوقفته ولم يمنع تبجحه بأن يخرج عندما صاح عالياً بمرحٍ له :
_" منورنا يا أبو منة ..ما تيجي تأجرلك شقة وسطنا بدل ما احنا رايحين جايين كده ، أو نجوزك بقا بدل ما تقعد لوحدك ، العماره مليانه أبطال إختار وتعالي نتقدم ، مش هيتعبونا زيك واللهٍ !!"
وقف بإعتدال ثم مال سريعاً يهمس بصوتٍ منخفض لا يسمعه إلا سواهما ..بجوار أذن "شادي" يفسر له القول :
_" بدل ما يبقى الوضع "عريس من جهه امنية "، خلينا نطرقه بدري بدري قبلكم عشان تاخد راحتك يا شوشو !!"
إعتاد "طارق" عليه بل والعجيب بأنه وجد القبول ٱخيراً به ، تعالت الضحكات بقوةٍ وحدجته "نيروز" بشراسةٍ ثم عادت تفتح عينيها علي وسعها هي و"منة" عندما وجدا "شادي" يؤيده بتلقائيه متناسياً وجود الكل :
_" اسمع كلامه يا حمايا..دا في مدام منال ف الخامس ..إيه ملهاش حل ..فورتيكة !!!"
ضحك الكل عليه بقوةٍ ، حتى "طارق" و"حامد" والنساء والشباب ، فعاد "طارق", يتحدث من بين ضحكاته برضا :
_"بس أنا الحمد لله مش عايز اتجوز..بعد مراتي معتش حب ومعتش أقدر أهدي قلبي لواحده غيرها، مش هعرف..بس عرفت احول كل الحب وأزوده لحبي لـ "منة" وغلاوتها ، أم "منة" عُمر ما هيجي زيها هي واحدة بس فالعمر !!"
تأثر الكل منه بشدةٍ وصفق له الشباب بإعجابٍ ، حتى"حامد", وردد الكل معاً:
_" ربنا يرحمها !!"
تأثرت "منة" حتى أدمعت عينيها بعمقٍ ، فنظر لها "شادي", بحنوٍ وهو يقول :
_" لأ ..مينفعش السلاح يدمع ، هيصدي والله وانا مش حِمل الصَدى ،!!"
قصد قناصاتيها بالفعل.
ضحكت وهي تخفي آثار بداية الدموع، ثم حركت رأسها. فردد هو مجددًا:
"بلاش عياط بقا. دا حتي عيبه فحقي كـ شادي!"
"هو ايه اللي عيب؟"
"إن دموعك تنزل وقنصاتك تنهار وأنا جنبك! يرضيكي يا ست السلاح يعيط وأنا واقف جنبه؟"
نفت سريعًا من عمق حديثه، وعيناها تعانق عينيه بشدة بالغة من الحب. ابتلعت ريقها وهي تتوجه كي تودعهم لترحل مع والدها الذي يودعهم هو الآخر. في حين تبدأ جلستهم في الانتهاء بالفعل باستعداد كل منهم كي يرحل لشقته. رحل حامد وعائلته. في حين نهضت عايدة مع فريدة هي الأخرى. انتبه هو لجلوسها بإنهاك على الأريكة بجانب والدتها وهي تمسك أسفل معدتها مرة أخرى بخفوت. ربتت سمية على ساقها بحنان وهي تتحدث معها، ولكنه لاحظ محاولاتها لإخفاء الوجع. تقدم غسان يقف مقتربًا منهما حتى انحنى قائلًا:
"المفروض في مسكن تاني بيتاخد دلوقتي، مفعول بتاع الصبح راح. متقعديش كدة!"
سمعت سمية قوله الحاني، فابتسمت برضا وشكر. ثم عادت تربت على ساقها بلين وهي تردد قبل أن تعارض:
"قومي يا نيروز يلا إطلعي علي شقتك. وردة معايا اهيه. هي بس بتنيم يامن وخارجه تاني. يلا تصبحى على خير يا حبيبتي!"
نهضت رغما عنها، فأمسك يديها يسندها. فتنفست هي بعمق، ثم قالت له بصوت منخفض:
"طب مينفعش تطلع وتسيب عز؟ هسبق أنا!"
كان سيهبط مرة أخرى بالأساس. أومأ لها وخرجت هي من الشقة متوجهة نحو المصعد. في حين التفت فوجده يودع حازم وبدر وجميلة وهو يتقق معهم على أمس. وقف غسان أمامها ثم قصد أن يضغط على شعور حازم عندما ردد بوقاحة:
"ما تخليك يا عز بايت النهارده هنا. حقك يجدع ومحدش يقدر يقول لا!"
"ما تخليك محضر خير يا غس بقا!"
قالها بدر بنبرة ضاحكة تحت ملامح حازم الحانقة. انسحبت جميلة مع ياسمين بعدما أدخلت والدتها الغرفة. ضحك الشباب ودخل بدر إلى الغرفة. كما انسحب حازم وقد خلا المكان جدًا، خاصة بعد ذهاب شادي ليوصلها هي ووالدها. وقف غسان يغلق باب الشقة الخاص بـ سمية، ومن أمامه عز الذي يرتدي حذائه وهو ينتظر المصعد. وقف غسان معه لآخر دقيقة. في حين نهض مرة أخرى يمد كفه ليودعه فعاقه صوت دقات الهاتف العالية. انتشل هاتفه من جيب بنطاله وكالعادة مكبر الصوت لديه مرتفع قليلا. وجدها والدته فابتسم وهو يقف منتظرًا المصعد ضاغطًا على علامة الايجاب. ومن خلفه غسان يقف. وعلى فجأة وعكس توقعاته وجد صراخ وليست نبرة هادئة تطمئن بها عليه. الصراخ بالبكاء الذي جعله ينتفض فزعًا، كما انتفض غسان معه عندما سمعا الاثنان صراخها الباكي بالنجدة والاستغاثة:
"إلحقـــني يا عـــز! الحق أختك بســـــرعة...!!"
ومع انتفاضته هو وغسان، وجدها تكمل دون أخذ فرصة عندما صرخت مجددًا بحسرة وبكاء عاجز:
"أختك غرقانه فـ دمها ومبتنطقش يا عز!!!!!!"
انتحرت أم محاولة أم ماذا؟ سقط الهاتف من يديه التي ارتجفت دون فهم. وانحنى غسان يأخذه من على الأرض بخوف، وهو يهرول خلفه على السلم بسرعة عندما وجد الآخر يركض خوفًا من أثر فزعه ومن ما سمعه. يعتاد القلق ولكن ليس بمثل هذه الطريقة. ولأنه خبير في طريق الكفاح كان رد فعله سريعًا عندما ركض بسرعة قياسية متجاهلًا الضياع ومفكرًا في النجاة!
كيف ستنجو ومن ماذا؟ ولما فعلت ذلك أو من الذي فعل ذلك بها؟ ليجد في النهاية صوت عقله يهزمه من بين دوران كل شيء حوله هاتفا بالسؤال الذي جمعه بعقله بخوف شديد ألا وهو: "الموت أم النجاة؟"
وكأن مرارة الأيام الذي عانها تلح عليه الآن. ومن بين لمحة هذه الأيام المرة يلح عليه بأنها كانت الشيء الذي يزيل مر يومه بنهايته هي ووالدته! سيفقدها.. الصدمة ثم المحاولة بالخروج منها. لم تكن المحاولة هينة عليه. حتى الآخر الذي رافقه وكان معه. يكررها دائمًا للحياة وخاصة هو. ماذا فعلت أنا؟ كلما يشعر بأن الراحة ستغمره وأن السعادة تفتح بابها له أخيرًا. يحدث من الأشياء التي تنتصر على كل ذلك! تأتي العقبات فوق رأسه واحدة تلو الأخرى. فاق حياة وظروف الكل بظروفه هو. ظروفه التي لم تراعاها الحياة يومًا ما!
دماء! أي محاولة انتحار! هي من فعلت ذلك بنفسها؟ أم ما الذي يوصلها لفعل ذلك الجرم الكبير بحق نفسها وحقه هو؟ هو الذي يهاب ويخاف أن يضرها شيء. الشيء الوحيد الذي يعتبره هو قاسي بعد الآن عليه. أنه قاطعها ولم يقدر على الحديث معها. ربما هذا ما أوصلها لذلك! لحظة واحدة! الندم. وليس كأي ندم. ندم لم يراه من قبل وكأنه السبب فيما حدث. بل وكأنه هو الذي قطع شريانها أو ماشابه!
قطع شريان! أهذه هي المعضلة الكبرى؟ يحاول أن يدرك ما فعلته بالتدريج حتى وهو واقف الآن بالمستشفى مع غسان الواقف بجانبه بصمت. يقسو على الجو بينهما. وثالثهما حنان الباكية بقوة وحسرة. واعصاب عز التي جعلته يدرك ولا يدرك. جعلته غير قادر حتى على مواساة واحتواء والدته!
يذهب بشروده وكأن هذا ما تعمده عقله ليلهي نفسه وحسرته من مرارة الانتظار وهي في الداخل تصارع الموت. أم ستنجو منها؟ كل ما يتذكره هو بأنه ركب مع غسان بسيارته دون علم البقية ركضًا معًا بصدمة كبرى. ومن ثم قاد غسان السيارة بسرعة فائقة إلى أن وصلا ووجدا بعض من التجمع من الناس من بينهم وجانبهم. وما أن صعد الاثنان بسرعة يبعدا هذا التجمع بصدمة. وجد هو والدته تبكي بحسرة وتصرخ صراخًا لم يراه من قبل. فقط يتذكر بأن هذا الصراخ آخر ما سمعه يوم وفاة والده عندما كان صغيرًا. فاق الآن وأصبح كبيرًا. وللقهر لم يستطع لمس شقيقته من دمائها التي تلطخ ملابسها وحتى ملابس والدته!
دفع غسان الكل بيديه. يدفعهم بعيدًا. ثم انحنى بلهفة يحملها بين ذراعيه. وعند ذلك انتفض عز من هز والدته له. فاندفع يساعده. ثم جلب غطاء الفراش يضعه عليها كي يسترها من الأعين وهي بين يدي الآخر. ومن ثم هرولوا معًا. أي ندم وأي حسرة. وهو لم يستطع حملها حتى! هو الذي عاش يعرف بـ "عز الرجال" طوال حياته الجامدة عليه وعلى قلبه الذي لم يكن هش تمامًا إلا على والدته وشقيقته. لم يقدر على ذرف الدموع بل ركب في الخلف يتوسل شقيقته بأن تفتح عينيها. وفي الأمام والدته تبكي وتندب مع قيادة غسان السيارة بسرعة فائقة إلى المستشفى التي توجد قريبة نسبيًا من هذه المنطقة!
بينما الآن وقف مستندا على الحائط. والآن تهبط دموعه بوجع وهو يضع كلتا يديه على رأسه وأذنيه وكأنه يهتف بكلمة كفى! تحت بكاء حنان. والذي وقف غسان أمامها بشفقة يربت على كفها وكأنه الآن يوضع بموضع ولدها. ابتلع ريقه بصعوبة. ولم يكف ولم يمل من قول الآتي والذي لم يتوقف عن قوله من ما حدث ووضع والدته أثناء حادثة شقيقته يعود إلى ذاكرته بقوة في هذه اللحظة الذي وضع فيها ابنا لها هو الآخر دون وعي منه:
"متخافيش. هتبقي كويسة. إنت بس إدعيلها بدل ما تعملي فنفسك كده!"
وكأنها لا تعي ولا ترى. ولكنها رفعت عينيها نحو عز الواقف بخواء. ثم قالت بنبرة متحسرة له وكأنها تضغطه وتضع فوق ضغطه ضغوطًا أضعاف:
"اختك بتموت. بتروح يا عز!!!"
رفع رأسه وهو يهبط كلتا يديه معًا. ناظرًا إليها بعينيه التي أصبحت حمراء. علم غسان بأن حالته هذه صعبة وليست هينة حتى على والدته الجالسة. لذا توجه يمسك معصمه وهو يسير من أمامها على بعد من جلوس حنان. حتى ترك يديه وهو يعدله كل يقف بمواجهته بشموخ. وبهذه اللحظة شعر به وشعر باحتياجه للقوة. لذا رفع غسان كفه يضربه على كتفه كي يخرجه من حالته هذه. ثم قال بصوت جامد خشن يصل إلى مسامع الآخر بتحفيز:
"فوق. فوق و خليك جامد وثابت زي ما كنت طول عمرك يا عز. مينفعش تكون كدة!"
وكأن الآخر بعالم آخره مثله! يقف بخواء. وسمعه بالفعل. وما أن سمعه وجد دموعه تهبط على وجهه بسخونة وبسكون منكسر. لا يعلم هو من ماذا هذا الانكسار تحديدا. فهذا الذي يسمى بعز الرجال لديه من الأسباب الكثيرة لتكسره ولكنه اعتادها. كسره استشفه الذي يقف أمامه بوجع. فعاد عز يرفع عينيه الحمراء ينظر بعيني غسان اللامعة. ثم قال بإنهزام يعلنه لأول مرة أمام غريب. ولكن هل من.
يقف أمامه غريب، بل أصبح القريب منه قرب الإخوة، وهذا ما يظهر وسيظهر!
"مبقتش قادر يا غسان.. كتير أوي، كتير أوي كل ده من الدنيا عليا!!"
الإنهيار أم غيره؟ وهل سيجد أحضان تحتوي الكل مثله، مثل "غسان"، ولم يرتمي بها؟ وجده يفتح ذراعيه له وهو يدفعه بقوة تأتي من رجل وبصلابة، ثم ربت عليه بشدة، وهو يحثه محاولاً التماسك أمامه حتى بنبرته الذي يحاول بأن لا تخرج ضعيفة.
"لأ.. شيد حيلك كدة يا عز، شد حيلك وربنا هيجبر بخاطرك والله، وأنا جنبك يا عم، جنبك وساندك إنت وأهلك، متميّلش كده خليك واقف صادد الدنيا، وإستحمل.. إستحمل كلها ابتلاءات صدقني!!"
ضمه بقوة مشددة وكأنه يبث به بعض من القوة الذي يظهرها أمامه كي يتماسك. خرج من بين أحضانه بسكون آخر وهو يستند على الحائط مرة أخرى، ولم يكمل بل توجه يمسك رأس "والدته" يقربها منه يضمها إليه وهو يربت عليها بخوف متحسر قائلاً بنبرة مهزوزة:
"بس.. بس إهدي خلاص هتبقى بخير.. هنطمن عليها وكل حاجه هتبقى كويسة!!"
وجدت الآن إحتوائه الذي يجعلها أهدأ ولو ذرة. وقف "غسان" يبتلع ريقه بإنتظار. وما أسوأ من إنتظار كهذا؟ وصوت دقات الهاتف بجيب بنطاله لا تتوقف. وكان الاتصال منها هي، "نيروز"، التي كانت تنتظره ليصعد ولم يصعد! نظر نحو شاشة الهاتف بصمت، ثم وضعه على وضع الصامت وهو يضعه بجيبه مرة أخرى! الوقت متأخر بالفعل وهو يتركها بمفردها في الأعلى. ويتضح بأنها لم تغفو بعد! أخذ ركناً بجانبهم ينتظر وهو يري إحتواءه لوالدته ووضع شقيقته بالداخل. في كل مره يهزمه عقله بالندم على ما فعله مع شقيقه يرجع بقراره وبشعوره مرة ثانية. وهذه المره أثبتت له "فرح" بأن رد فعله مع "بسام" وتوضيحه لـ "عز" ما هو إلا الصواب وفقط. لم يفعل هو أي خطأ. ووصل لمرحلة أخرى بأن لا يهمه بالفعل إن علم شقيقه بما قاله لـ "عز" أم لا. لطالما الوضع يصبح في مصلحته أكثر ومن ما فعله لأجله. كل ما يهمه هو إفادته وليس ضرّه! يأتي بعقله الكثير من الأفكار ومن بينهم بأن بمثل ذلك الوقت كان من المفترض بأن يكون جالس معها يحتفل معها بعيد مولدها بمفردهما. كل ذلك يستطيع هو تعويضه، مقابل وقوفه مع "عز" وعدم تركه. علم ما فعلته "نيروز" عندما وجد هاتفه يدق بأرقام أخرى من بينها "بدر" و"حامد" وحتى "حازم" الذي إستيقظ من بداية نومه حينما سأله أحدهما عن "غسان". العائلة بأكملها مستيقظة بالقلق. ترقبت ملامحه عندما وجد "عز" يمسك هاتفه وهو يقترب منه يريه بأن "حازم" يطلبه أكثر من مره! بل و"جميلة" هي الأخرى!
أخذ "غسان" أنفاسه بصوت مسموع ثم قال وهو يربت علي كتفيه بإطمئنان:
"أنا من رأيي بلاش نكبر الموضوع، متردش على حد منهم لحد ما تطمن عليها. وأنا واثق إنها هتكون كويسه.. وعشان بردو مفيش حاجه من اللي المفروض تحصل النهارده بعد الصلاه تتأجل ولا إنت شايف إيه؟"
قصد نقل جهاز "جميلة" إلى شقته! نظر "عز" بحيرة. فوجد "غسان" يكمل مرة ثانية مفسراً:
"أنا شايف إن أختك أهم طبعاً من كل ده، بس فنفس الوقت مقدامكش وقت ترتب فيه تجهيزات جوازك قريب. ولو حصل وطلبوا تقعد فالمستشفي فخليك وأنا هبقى مكانك، كده كده هعرفهم بس بالهداوه عشان ميتحسروش!!"
وقفت "حنان" خلفهما تستمع مع حالها وهي تبكي تارة وتصمت تارة أخرى. تعلم بما سيحدث بسبب إخبار "عز" لها في الهاتف بعد الاتفاق. لذا تتحسر على حاله. لم تستطع أن تؤيد "غسان" إلا عندما تطمئن علي حالة "فرح" أولاً. ولأنهما غير خبيران بما سيحدث لها من توقعات توقعها "غسان" من رؤيته للجرح. وقبل أن يتعمق بالتفكير أكثر ويرد عليه وجد باب الغرفه يفتح من قبل الطبيب. فتلهفوا وهم يتوجهون بسرعه ليقفوا أمامه. ومن بين سؤال "عز" المتلهف هو و"والدته". نظر "الطبيب" لهما ولها هي الٱخرى وهو يقول بتوضيح:
"الحمد لله الجرح مش عميق أوي. يمكن بعد محاولتها إنها تنتحر ولما شافت منظر الدم فقدت الوعي. هي دلوقتي أخدت مهدئ بعد ما فاقت بس مبتتكلمش خالص ولا بترد. وده مش صدمة بالنسبالنا للحاله لأن وارد بعد المحاوله دي إنها تفقد النطق لفتره الله أعلم لإمته وأغلبها بتحصل بسبب صدمة نفسية أو نتيجة لتراكمات مع حسرتها دي. لازم تتعرض علي دكتور نفساني كويس تتابع معاه ويفهمكم الوضع أكتر!!"
شعر بالصدمه تذهب ثم تأتي ولا يفقه أي شئ. أخذ "غسان" أنفاسه ببطء ثم سأله بترقب:
"طب وايه الحل بعد كده؟"
"والله يؤسفني أقولك إن عندنا الحلول اللي تخليها تتكلم لأن مفيش.. غير إنها تتعرض على دكتور نفسي كويس زي ما قولت لحضراتكم أو تقعد فمصحة نفسيه لحد ما تكون أفضل من كده وتبعد عن أي سبب يخلي حالتها أصعب. وكل ده طبعا هيتقال ويتشرح ليكم بالتفصيل لما تتحول للدكتور النفسي!!"
شعر بأن العالم يدور من حوله والطبيب يقف. أسنده "غسان" بطريقة ملحوظة وهو يضرب كتفيه ببطئ يحثه على الوقوف. وفي هذه اللحظه جهلت "حنان" حالتها. ولكن ما جعل شهقتها تخرج هي أنها فقدت النطق بالفعل! تعمد "غسان" تولي زمام الأمور بسبب حالتهما معا. حتى وقف يتذكر بأن المستشفي الذي يعمل بهما شقيقه بها قسم مصحة نفسيه كانت هي بها من قبل ولكن بحاله بأخف من ذلك. لذا فكر بأن يسأل وعقله لم يغيب عن فكرة إبعاد شقيقه عنها بالفعل كون قسمة الذي يعمل به ليس هذا القسم!
"طب ينفع تخرج من المستشفي دلوقتي؟"
"ينفع طبعاً على مسئوليتكم. تخرج على مصحة ودكتور يشوف حالتها. وألف سلامة عليها عن إذنكم!!"
كانت تقدر بالفعل على أن تقف وتنتبه لما يقال! وقف "عز" بخواء ينظر على أثر الطبيب الذي رحل. فوقف "غسان" ينبهه سريعا بـ:
"ركز معايا يا عز. أنا هطلب أذن خروج. علشان تخرج. بس هنروحها البيت على ما النهار يطلع ونبقي نوديها المستشفي اللي كانت فيها قبل كده وأنا متأكد إنها هتكون أحسن!!"
حرك رأسه وهو يمسك بكف "حنان" الباكية بعجز. فتركهم "غسان" كي يذهب لأدراه المستشفي في الأسفل لدفع الحساب ثم أذن الحضور وما يثبت بأوراق كي تستطيع أن تدخل المستشفي الٱخرى! أسند "عز" والدته وهو يتوجع ليفتح الغرفه بأصابع مرتجفه قليل ما تأتي هذه الحاله له حتى وإن كان يتحمل الكثير. إبتلع ريقه بصعوبة وهو يري "والدته" تهرول لتضمها والٱخرى كانت تجلس بخواء على الفراش ممسكة بيديها وجرح معصمها الملفوف بشرود وخواء آخر غير خواء شقيقها! وجد الممرضات تنسحب تدريجياً. أما هو فوقف بسكون أمامهما وهو يرى بكاء والدته الشديد لها وهي تلومها بقهر مع ضمها بشدة ولوم يهشمها:
"ليه كده يا فرح ليه كده يا بنتي ليه توقعي قلوبنا عليكي بالشكل ده!!"
كان تردف حديثها بنبرة باكية ثم عادت تكمل بنفس البكاء وهي تتحسس معصمها بحسرة مرة أخرى وهي تردد:
"إيه يستاهل يضنايا عشان تعملي فنفسك كده؟ إيه يستاهل تضيعي نفسك وتوجعينا علشانك؟ ليه يا بنتي دا أنا روحي فيكي وكأنها إتسحبت بعد ما شوفتك واقعه كده. بصيلي يا فرح!!!!"
رفعت "حنان" ذقنها كي تنظر ثم عادت تردد بتحشرج وضعف تحثها بخوف ما أن رأت خوائها وشرودها:
"بصيلي يا ضنايا وردي عليا.. ردي على أمك حبيبتك!!"
تركتها "فرح" تمسك معصمها وتحسس وجهها وهي ترى كسرتها. ولم تهبط الدموع منها هي هذه المره بل فاض بها وانتهت دموعها والآن القلب هو من ينزف وهي تحرك عينيها نحوه. نحو "عز" الذي وقف يرفع كفه يمسح دمعته سريعا التي نزلت منه رغم تحذير نفسه له بأن يتماسك وهو يشعر بذلك الندم. وجد نظراتها نظرات شوق ولوم وندم وكسرة وكل شئ يمكن أن يجد له العكس. توجه "عز" بخطوات هادئه إلى أن جلس بجانبها علي الفراش محاولاً تحرك عينيه من عليها ولكنه لم يستطع بسبب خوفه. خوفه هزم ندمه! فهمت "حنان" إشارته فابتعدت قليلا بلهفه. فرفع هو أنامله يرجع خصلاتها السوداء إلى الخلف ثم قال بإهتزاز:
"كده يا فرح. إنت كده بتوجعيني أنا مش بتوجعي نفسك!! عارف إن يمكن أكون أنا السبب..
بس يا ريتني كنت مكانك وكنت أروح فيها أنا بس تكوني كويسة!
وجدها تبتلع ريقها وهي تهرب بأنظارها، فعاد يتحدث وهو يرفع ذراعه يقرب رأسه من صدره:
"أنا آسف يا فرح، آسف بس ردي عليا وعاتبيني.. والله العظيم هسامحك."
وقال بتلقائية أشبه بالإنهيار يردد ما كانت تود سماعه بوقت فات أوانه:
"سامحتك!"
وعاد يكمل بكل لهفة:
"سامحتك بس ردي علشان خاطري!"
أسوأ ما يشعره المرء هو الندم، وشعوره هو كان بالنسبة له ليس هين، خاصة أنه يحمل نفسه كل اللوم الآن، وكذلك كانت نظرات "حنان" له وكأنها تؤيد ولا تؤيد، يحمل نفسه ضعفها! يحمل نفسه كل الأسباب! وجد دموعها تهبط بالفعل، ولكنه انتظر الحديث ولم تتحدث بعد!
فهبطت دمعته هو بحسرة، كما كانت دموع "والدته" الذي ضمها إلى صدره هي الأخرى وهو يقول بتحشرج:
"أنا آسف يا أم عز.. بس بلاش البصة دي، بلاش البصة اللي بتخليني حاسس بالذنب أكتر ما أنا.. أنا آسف يا فرح بس والله العظيم كان غصب عني.. غصب عني وعن قلبي أعدي كل ده وكأنه فاض بيا. يمكن كنت غلطان بس مكنش بإيدي أخليها هي كمان تسامحك، مقدرش على دي يا فرح بس قادر أكون جنبك وتكوني أحسن. ردي عليا علشان خاطري.. إتكلمي وردي على أخوكي الموجوع عشانك لو أنا غالي عندك!"
يترجاها ولا يعلم بأن الأمر رغماً عنها ومجبورة، وكأن أحدهم يكمم فمها ويعقد لسانها! بكى بإنهزام أمامها وهو يضمها مع ضمه لوالدته. خرجت "حنان" بلهفة ما أن سمعت شهقته. وما جعل الوضع يهدأ قليلاً أن "فرح" التي خرجت من أحضانه رفعت يديها بصمت تمسح دموعه وآثارها. فابتسم على فعلتها، وكانت فرحة "حنان" مخفية بما فعلته وعكس ما أدرفته له بلهفة كي تخفف عنه:
"بس يا ضنايا.. متعملش فنفسك كده، متحملش نفسك ذنب كله مقدر ومكتوب. بلاش تكسر فرحتك، فرح هتسامحك مش كده يا فرح؟"
سألتها بلهفة تحاول إرضاء الطرفين معاً، لطالما جزء من روحها. لذا وبعد دقيقتان حركت رأسها إيجاباً بشرود. ورغم عدم شعوره إلا أنه يقنع نفسه بالفرحة. حينها عادت "حنان" تتحدث بلهفة:
"أيوه وهنبقي كلنا كويسين. قولها.. قولها يا عز بقا اللي هي متعرفوش. قولها إن عزالك بكرة وإننا عايزينها تكون أحسن قبل الفرح اللي بعد أسبوعين!"
كانت ذكية حينما جعلت جميع ملامحها تترقب ناحيته وكأنها تسأله، فحرك رأسه بنعم. فابتسمت هي نصف ابتسامة باهتة دون إبداء رد فعل. ربتت عليها "حنان" وهي تبكي تحاول إخفاء حزنها وهي تتذكر حديث الطبيب. فنظر "عز" بتفهم وهو يعتدل يمسك كفها يربت عليه. وكانت هي تنتبه تارة وتارة أخرى كجسد خاوي بلا روح وعقل. ما فعلته يعلن بأنها أوشكت على الإختلال بعقلها!
يتابع منذ دقائق، فهبوطه لأسفل بمثل ذلك الوقت المتأخر دون أن يوجد زحام كان بسرعة قليلة. يشفق "غسان" على حالهم، يتابع من جانب الباب فالخارج. ولم ينس التفاصيل عندما جذب من الأسفل من إحدى الممرضات جلباب بسيط يخفي جسدها. تنحنح بحنجرته بصوت كي ينبه "عز". فعلم هو وهو ينهض متوجهاً له بسرعة. حتى نظر بما في يديه وهو يقدمه له ثم قال:
"خد لبسها دي براحة، والورقة أهيه. وأنا هنزل أجهز العربية على ما تخلص.. ولا أسندها معاك؟"
قصد سؤاله في النهاية رغم حرجه وبترقب كونه يراها تجلس بالفعل ويبدو بأنها تقدر على السير، وحتى والدته فتحرج ينتظر كي يحملها وشقيقها الآن بوعيه بل وهي قادرة عكس قدومها. حرك "عز" رأسه نفياً متفهماً خجله الذي يراه لأول مرة وعكس ما يظهر عليه. ابتسم بإمتنان وهو يأخذ ما بيديه ثم قال:
"لا هسندها وهي هتقدر تمشي براحة.. أنا مش عارف أقولك إيه يا غسان والله!"
تجاهلا معاً صوت دقات الهاتف وإهتزازه. وحدجه "غسان" بصرامة ثم قال بجدية:
"قول لا إله إلا الله يا عز وعدي يومك معايا. خش اعمل اللي قولتلك عليه ومتشيلش هم، أنا ظبطت كل حاجة. هجهز العربية على ما تخلصوا!"
قالها وهو يعتدل يضع يديه يتحسس جيب بنطاله كي يرى المفتاح، وعندما وجده تحرك من أمامه تزامناً مع ضربه بخفة على كتفيه بتبجح وهو يقول:
"ومفيش بين الاخوات الكلام ده يا عز. إنت أخويا وأختك أختي وأم عز أمي.. ويلا متتأخرش وعلى مهلك عشان خلقي ضيق!"
قالها بوقاحة كي يخفف عنه. ابتسم "عز" بأثره. ومن ثم تنهد يأخذ أنفاسه بثقل يوجد أعلى قمة صدره وهو يعود للداخل كي يجعلها تتجهز سريعاً لتهبط معهما للأسفل بعد قوله للآخر بتلميح لعراك ماضي بينهما:
"وأنا كمان خلقي أضيق.. سبحان من قربنا ونسانا المطوى اللي كانت في الجيب!"
هل قصد عندما أمسكه "غسان" من تلابيبه؟ أم قصد بعدها عندما سحبه خلفه لعراك مجمع مع شقيقه وقبل ذلك وبعد ذلك المطواة بجيب بنطاله موجودة؟ يجرؤ لرفعها على من يقف بمواجهته دون عبء؟ أم أنه لا يعلم بأن عز الرجال من صبر وتحلى بالتحمل والعقل الذي وصف به.. ليأتي بآخر دون أن يريه معنى كلمة عز الرجال؟
وقبل وقت من الآن وفي ذلك الوقت المتأخر بعد رحيل "شادي" كان قد دخل للنوم هو وزوجته وابنته. ولكنه الآن يقف بقلق بشقته ينظر نحو "نيروز"، التي جلست بتوتر تجمعهم حولها دون قلق "سمية" فقط. وقف "حازم" بجانب "بدر" و"ياسمين"، مع "وردة"، بجانب "نيروز" التي تهتز توتراً ليس إلا. زفر الشباب أنفاسهم بنفاذ صبر من عدم رد "غسان" وبالآخر "عز" الذي كان آخر واحدة معه. والآن يخرج انفعال "بدر" بطريقة مكتومة عندما ردد بغيظ:
"مش فاهم أنا مبيردش ليه دا!"
وجد جميع الملامح تترقب تجاهه وحتى "جميلة" التي دب بها الخوف على "عز" وهي تطلب رقمه. يثير خوفها وغرابتها عدم رده في حين بأن عادته هي أن يجيبها على الفور دون الانتظار! ماذا حدث الآن؟ حتى "حامد"، وهو يمسك بهاتفه و"وسام". لاحظ خوف "دلال" وهي تجلس وبجانبها "نيروز" التي لم يغيب عن بالها رؤيتها لـ"حسن" وعقلها يضرب ويعطي لها الكثير من المشاهد التي ممكن أن تكون حدثت بالفعل. كل ذلك ولم تكن موجودة "فريدة" ولا والدتها. كانت شقتهم مغلقة في حين اجتمع الكل في شقة "دلال". "دلال" التي شعرت بالإختناق من عدم ترتيب الأمور حتى بإبنها الآخر ماذا يحدث لها. وضعت يديها على رأسها بإنهاك يغمره القلق وهي تهتف بـ:
"يارب.. خير يارب!"
كانت ملامح "عايدة" قليلة الحيلة والكل يحاول. في حين تحدثت "جميلة" بخوف لهم وبالأخص "حازم":
"عز مش بيرد بردو يا حازم. ودي مش عادته أنا خايفة أوي لأن كمان مامته مبتردش عليا. كده يبقوا مش نايمين أكيد في حاجة. مش معقول الإتنين ميردوش ومن بينهم مكالمة قفلها غسان فش نيروز!"
نظر "حازم" بتفكير. ثم لاحظ هو إرتجافة يديها فسار نحوها منتفساً بعمق وهو يلتفت ينظر نحو "بدر" مردداً بالحل لطالما سار الآخر من هنا:
"طالما غسان مشى من هنا وعز كان معاه يبقي نروح على بيت عز. شكل عندهم حاجة فعلاً. تعالى يا بدر يلا!"
أيده "بدر" في القول واستمر "حامد" في أن يدق على هاتف ولده. في حين لاحقتهم "جميلة" بلهفة وهي تقول:
"إستنى يا حازم خدني معاك!"
حرك رأسه لها موافقاً. لطالما معه هو. هرولت خلفهما. ولم تستطع أن تردف "نيروز" شئ هي الأخرى فقط تفكر به. تهز ساقيها توتراً بشدة. ولم تسعفها يديها بأن تمسك هاتفها لتدق عليه. بل نظرت نحو "حامد" و"وسام" وهي تسألهم بخوف:
"مش بيرد بردو صح؟"
وجدت ملامح قلة الحيلة عليهم مع قلق "حامد" هو الآخر. في حين أسندت "وردة" "نيروز" مع "ياسمين" وهي تقول:
"متوتريش نفسك كده يا نيروز وإن شاء الله خير. قومي. قومي تعالي عند ماما أقعدي فأوضتك على ما نطمن منهم!"
رفضت وهي تدفع يديها ثم نهضت رغماً عنها تتوجه ناحية غرفته بصمت بعدما إنتشلت.
هاتفها تحاول الدق عليه، وجدت "ياسمين" و"وردة" الحزم منها، فانسحبت خلفها "ياسمين" تاركة باب غرفته مفتوحًا. فالتفتت "وردة" بيأس، تربت على كتف "دلال" باطمئنان:
"متخافيش يا طنط هيرجع كويس، والغايب حجته معاه. ما تقوليلها يا وسام!!"
غمزت لها كي تطمئنها، بينما كانت الأخرى بعالم آخر. ووقف "حامد" بركن ما، وكان ذلك الركن بجانب غرفة "غسان"، المفتوحة والتي جلست "نيروز" بها تتنفس بصوت مسموع بجانب جلوس "ياسمين" وهي تردد على مسامعها:
"نيروز.. بلاش التوتر اللي إنتي فيه ده، براحه شوية على نفسك وعليهم.. الكل خايف بسبب رد فعلك ده مالك."
وبختها بهدوء كونها نشرت القلق بينهم بالفعل، ولكن ذلك رغما عنها. رفعت "نيروز" رأسها بخوف ظهر على ملامحها وهي تردد:
"اسكتي يا ياسمين إنتي مش فاهمه حاجة!!"
مدت ذراعيها تقربها منها بحنو، وهي تربت عليها باطمئنان قائلة:
"طب إهدي ولو في حاجة مش فاهماها قوليلي!!"
ابتلعت ريقها بارتباك وخوف، ثم تحركت تعتدل وهي تنظر نحو عينيها مرددة باعتراف:
"أنا شوفت حسن النهارده وإحنا راجعين من المحل وطالعين. غسان مشافوش لأنه كان حاطط شال مداري بيه وشه، وهو خارج خبطني فكتفي جامد. وأنا خايفه غسان يكون عمل مش واخد باله بس شافه، أو يكون غايب وراح وراه أو عارف مكانه. أنا خايفه أوي أوي!!"
صدمت "ياسمين" حتى صمتت للحظات. ووصل حديثها الأخير إلى مسامع "حامد" الذي دب به الخوف والقلق رغما عنه، وقد تعمد الصمت كي لا يحدث مشاكل أخرى من زوجته بخوفها وحديثها. تمسكت "ياسمين" بكفها، ثم قالت بعدما حاولت تبتلع ريقها:
"متفكريش فـ كده يا نيروز، إن شاء الله ميكونش ده اللي حصل. وشيلي إنك شوفتيه من دماغك عشان لو هو ميعرفش وبعد كده عرف منك ساعتها هتكون خناقة بينكم. متنسيش ٱخر مرة إيه حصل وجوزك معروف إن سكوته دا مريب، فلو عرف إنه كان هنا فعلا وهو مكانش يعرف الموضوع هيكبر صدقيني."
انشغل هو الآخر في الدق عليه، وكانت من تقف بجانبه "وسام" التي فتحت عينيها على وسعها من حديث "ياسمين"، حتى جمعت سريعا ما يتحدثان عنه. إرتعشت يديها خوفا، حتى ابتعدت من خلف "حامد" الذي لم يكن منتبها لذلك، ولو كان انتبه لأبعد ابنته وحذرها مما يمكن أن يحدث رغما عنها. إحتضنتها "ياسمين" عقب قولها، ثم قالت بأمان:
"متخافيش بقا ومتفكريش فكده، إستغفري بالله كده وإنتي قاعده وكله خير متقلقيش!"
تنفست بعمق، والخوف رفيقها لم يقل ولو ذرة. بل عادت تحاول مسك الهاتف وهي تحاول بأن تطلب رقمه الذي أغلقه بهذه اللحظة. فشهقت هي ودب القلب بها أضغاف من خوفها السابق، كما كان قلق الجميع من حولها فالخارج.
***
وبعدما وقفت السيارة أمام منزل "عز"، وقف "حازم" بعدما هبط مع "بدر" و"جميلة" كي يدقون جرس المنزل، والآخرى تطرق الباب بيديها. لا رد من الداخل لأكثر من عدة دقائق كافية للفتح حتى وإن كان من بالداخل مستيقظا. بالتأكيد ذهب الكل بسبب الوقت المتأخر للنوم، والمكان مظلم قليلا وساكن، سكون يقسو حتى عليهم هم وهم يشعروا بالضيق والقلق. توترت "جميلة" أكثر وهي ترى محاولتهم في الوصول، حتى رددت بخيبة دون مقدمات وهي تسألهم:
"هنع
مل إيه؟ محدش رد وكده الموضوع يقلق أكتر!"
رفع "حازم" ذراعه الحر يقربها منه كي يحتويها، وهو يمسك بيديه الأخرى هاتفه يدق على "عز" بعدما وجد هاتف "غسان" مغلق. في حين تحدث "بدر" بتفكير:
"الموضوع فيه إن بعيدا عن إنه مقلق، عز المفروض يكون هنا ونايم عشان بكرة يوم طويل عليكم وعليه! ليكون مامته تعبت او حاجه تاني!"
تأتي لحظة التوقعات من ذكائه ويربط الأسباب ببعضها خوفا على "غسان" هو الآخر. وجد قلة الحيلة على معالم وجههما معا، وقبل أن يجيب "حازم" باقتراح، وجد إضاءة سيارة تأتي بأعينهم حتى أغلقوها بتشوش. فاخفض "غسان" إضاءتها لإضاءة اقل وهو يقترب من المنزل أكثر حتى توقف. فتحت "جميلة" عينيها على وسعها بمفاجأة ثم قالت لهم بصوت مسموع:
"دا غسان!"
توقف "غسان" وقد لاحظ وقوفهم على بعد قليل منهم. توجه سريعا بلهفه بعدما خرج من السياره ثم فتح لهم الباب الخلفي هو و"عز" الذي أسند "فرح" وأمسك "غسان" يد "حنان". هرولت "جميلة" بخوف وهي تهتف بإسمه مقتربة منه:
"عز!!!!"
إحتضنها على الفور وهو يمسك بيد شقيقته، ولم يتفاجئ من وجودها. بل شعر بصوت أنفاسها العالي تزامنا مع ترحيب "حنان" بـ "حازم" و"بدر" وتقدم "غسان" يفتح باب شقتهم في الداخل بعدما أخذ المفتاح منه.
بينما ربت "عز" على ظهرها بلهفة، ثم قال تزامنا مع خروجها:
"متقلقيش أنا كويس يا جميلة!"
وقبل أن ترد عليه تعلن خوفها، لاحظت وقوف "فرح" بجانبه. ولاحظت سريعا شاش يديها الملفوف بكثرة، وملامح وجهها المرهقه، وكأنها تناست كل شئ عندما اندفعت تمسك يديها الملفوفه بشاش. ثم قالت بخوف بعدما رأت من الإضاءة:
"فرح!!!! مالك يا فرح؟"
وبعفوية عانقتها بخوف بعدما تيقنت بأنها هي المريضه بينهما. لذا ضمتها بخوف تحت تأثر "عز" بينهما. نزلت دمعة "فرح" عاجزة عن الرد وهي ترى لهفتها الشديدة بالخوف وهي تمسك معمصها تتحسسه بتخمين موجع تستنكر بقوه ما وصل له عقلها بصدمة:
"لأ متقوليش إنك عملتي كده يا فرح، قولى إنك اتعورتي من حاجة، صح يا عز؟"
خمنت كونها ترى حالتها المشروحة دون جهد. وجدت نظرات "عز" الخائبه بالألم. فتحشرجت نبرتها وهي تتمسك بكفها تهزها باندفاع، وكأن ما فعلته بها تنساه للتو ويظهر حبها لها التي لم تستطع محوه:
"إنتي حاولتي تعملي كده بجد. ردي عليا يا فرح، دا بسببي أنا صح؟"
وجد "عز"، انهيارها المفاجئ بالتوبيخ لنفسها مثله تماما. بل وبكت عندما رأت شحوب وجهها أكثر عندما أضاء "حازم"، ما أمام المنزل بعدما علم المختصر من "غسان" فهرول للخارج يشير لهم بالدخول مع "بدر". وقفت "جميلة" بخواء وهي تراه يتقدم ليدخل إلى الداخل بها. ووقف "حازم" يتفهم حالتها بهذه اللحظة، حينها تعلقت عينيها الباكية بعينيه وهي تقول بغير تصديق:
"دي.. دي حاولت تنتحر يا حازم! ..بسببي ايوه.. اكيد عشان أنا قسيت عليها أوي. مكنش قصدي والله العظيم أنا..."
بتر حديثها عندما ربت "حازم" على ظهرها وهو يحثها قائلا باطمئنان:
"بس يا جميله، إهدي.. إنتي ملكيش ذنب متقوليش كده وتعالي ادخليلها جوه عشان تتطمني عليها يلا!"
تسمرا مكانها، فحاول "حازم" دفعها معه ناحية الداخل برفق، وهو يطمئنها. فما تسمعه بالفعل صدمة بالنسبة لها وخاصة هي. بينما في الداخل، دخلت "حنان" معها الغرفه ومعها "عز"، بينما انتظر "غسان" فالخارج يسمع "بدر" وهو يطمئنهم في الهاتف جميعا، وهذه المره من هاتفه بعدما فاقت تدريجيا هي "نيروز" والذي انتقل الهاتف منها لهم جميعا، يطمئنهم باختصار عن ما حدث. وقف بشرود، ينظر ناحيته حتى بعدما انتهى، فتوجه يوبخه قائلا:
"ليه كده يا غسان؟ مردتش ليه علينا وعليهم؟ إنت مش عارف مراتك كانت قالبة الدنيا إزاي ولا أمك كانت خايفة عليك إزاي هي وابوك وأختك، أو حتى إحنا."
كنت رد خلينا نبقى معاكم ونقف جنبه.
"أهو اللي حصل بقا يا بدر وبعدين الوقت كان متأخر ومردتش أقلق حد وأكبر المواضيع عشان العزال بتاع بكره ده تقوم تروح إنت قايلهم!"
صمت بدر ينظر له بتوبيخ. فوجد حازم يقف بجانبهم، في حين قد خرج عز يقف بينهم بصمت. حتى سمع قول بدر له بمواساة:
"معلش يا عز ياما بيحصل والحمد لله إن ربنا ستر. متحملش نفسك فوق طاقتها ولا تضغطها والحمدلله اهي بتعدي. ولو على بقية علاجها فإن شاء الله بسيطة مش صعبة زي ما إنت فاكر!"
وقبل أن يرد، وجد حازم يقف بجانبه وهو يطالعه بشفقة، مرددًا بنبرة هادئة: "أسفة. إجمد كده يا عز وأصبر وإن شاء الله هتبقى كويسة. ولو العزال بتاع بكرة دا مش ملائم مع الوضع نأجله لحد ما ربنا يفرجها!"
نفى برأسه وقبل أن يرد وجد حنان تقف بينهم بعدما خرجت من الغرفة حتى ردت بجدية عليهم تصمم رأيها:
"مفيش الكلام ده يا حازم. عزال أختك مترحب بيه من بكره يجي فالوقت اللي تحبوه. وفرح بنتي كويسه مفيهاش حاجه تستاهل التأجيل. إيه يعني تتحجز شويه لحد ما تبقي كويسه وبعد كده نعمل الفرح. مش عايزه حد يشيل هم وأنا أمها ومقدرة الظروف ومقدرة فرحة أختك وعايزه ابني يفرح هو كمان!"
كانت حنان تردد كلماتها بجدية وهي تحاول أن تفعل ما بصالح نفسية ابنتها. نظر لها حازم بتشتت مثل بدر وجميلة في الخلف. في حين حرك غسان رأسه بتأييد لها. وأما عنهم فهم متظرين قرار عز، والذي تحدث أخيرا. يؤيد ما قالته والدته والتي قصدت قوله بسبب ابنها الذي كان سيقرر نفس القرار. فقط تحاول من أجله وأجل الأخرى:
"لا مفيش تأجيل ولا حاجة يا حازم. هوديها المستشفي الصبح ونرجع نصلي الجمعه وعلى معادنا مع العربيات اللي هتيجي تنقل الحاجه. بسيطة وأنا عافرت كتير على ما وصلت لـ أختك. وان شاء الله فرح هتكون كويسه فأقرب وقت!"
كان يقرر وهو يفكر بأصح قرار. إن تأجل بالفعل سيترك نفسه من جديد لفتره وجع عليها لذا سيشغلها معه كي تتأقلم وتصبح جيده وسيشغل عقله ونفسه إلى أن تكون جيدة هي الٱخرى. وجد قران الفجر يصدح قبل الأذان. فبعد مرور كل ذلك الوقت سيأتي الصباح. أيدوه بتفكير عميق حتى إنتهت بجلستهما تزامنا مع جلب حنان عصير لضيافتهم. وأخذ عز ركنا وهو يتركهم. فإنسحبت جميلة خلفه بعدما إستأذنت بنظراتها من شقيقها فحرك رأسه لها.
وقف بجانب ما في الصاله بعيدا عن غرفة الضيوف. إلتفتت جميلة كي تقف بمواجهته فوجدته يكتم الدموع بعينيه إلي أن يرحلوا. أدمعت عينيها خوفا وحزنا عليه ثم إقتربت برأسها تستند على كتفيه بجرأة منها. دون أن ترفع يديه تحتضنه بل تسمع بالفعل دقات قلبه عندما رفع ذراعيه بتردد يقربها منه أكثر وهو يسمعها تردد بنبرة متحشرجة:
"أنا أسفه!"
لما تتأسف. لامس قلبه أسفها وحديثها وحتى إستنادها عليه وهو بأضعف حالاته تثبت له بأنه سند قوي قوي عنها مهما فعل. وهي التي تأخذ منه الأمان والإطمئنان. إبتلع ريقه وهو يحاول التماسك ثم أمسك رأسها بين كفيه بعدما تحرك ليطالع وجهها الباكي ثم قال بصدق:
"إزاي بس وإنتي جنبي وفحضني يا جميلة؟ إزاي وبداية فرحتنا بكرة. متتأسفيش ملكيش ذنب فحاجة و متعيطيش أنا مش زعلان!"
إبتسم ابتسامة صغيره وهو يتوجه يقبل قمة رأسها برفق. فوجدها تحرك رأسها نفيا وهي توضح بنبرة باكية:
"لأ يا عز إنت مش مبسوط. وأنا أهم حاجة عندي أشوفك كويس. تعالى نأجل العزال لو بجد إنت مش جاهز. وأنا هفضل جنبك وجنبها لحد ما تكون احسن مش هسيبك ولا هسيبها!"
إبتسم هو بتأثر وهو يرفع إصبعه يمسح دموعها التي تهبط ثم مرر يديه على جبهتها ووجنتيها وذراعه الٱخر يمرره على ظهرها وهي تقف بمقابلته مما جعلها تنظر له بخجل. حتى قال هو بلين وتفهم لحالتها:
"وأنا عارف كل ده. وعلشان كده بوجودك معاها في فتره التجهيز دي متأكد إنها هتكون أحسن. أحسن وهي بتشوف وبتسمع كل اللي بيحصل وهيحصل وإحنا جنبها. لو قعدت لنفسها ومع نفسها صدقيني مش هتكون أحسن. أنا عارف فرح وعارف اللي هيحصل. وكان لازم أخد خطوه زي ما غسان قالي بس أنا اللي سكت ومش عارف سكت ليه ومبدأتش أخد خطوه عشانها. يمكن لأنها بطلت تحاول وسابتني مع نفسي زي ما قولت وأنا إعتبرت ده تفهم منها ولا يمكن عشان أنا اللي غلطان وقسيت عليها. مبقتش فاهم حاجة يا جميلة. ولا حاسس بحاجة. بس أنا نفسي تكون بخير وتكوني مبسوطة إنتي كمان!"
أعلن حيرته وهو يمسح وجهه مخرجا أنفاسه بصوت مسموع. فرفعت يديها تعدل ملابسه من أسفل رقبته بجرأة أخرى لا تعتادها أبدا ولا حتى هو منها. عدلتها برفق ثم قالت بتعقل تقتل حيرته بجوابها:
"وأنا هكون مبسوطة لما تكونوا إنتوا بخير. حتى ولو مش مهم نعمل فرح أنا أهم حاجة عندي إنت وراحتك!"
إبتسم بإتساع هذه المره وهي التي فعلت ذلك واستطاعت. وعلى بعد كانت تتابع حنان التي خرجت من غرفة الضيوف ثم وقفت. بينما أجابها عز، بخفة جعلتها تضحك بهدوء:
"أه إنتي عايزه أمك تموتني بقا عشان أتجوزك من غير فرح صح؟"
ضحكت. فإبتسم بخفة عليها ثم أكمل بصراحة متشبتًا.
"إنت تستاهلي يتعمل عشانك أحسن فرح في الدنيا!"
وأكمل يرد عن حديثها وتخليها عن أشياء من أبسط حقوقها:
"مش بس عشان إنتي جميلة، عشان كمان إنتي أصيلة وكنت عارف إني عمري ما هلاقي زيك، عشان كده معرفتش أشوف غيرك. وأنا عايز أفرح وأفرحك وأفرحهم معايا، فمتفكريش كتير في الموضوع ده. كل حاجة زي ما هي وربنا بيسهلها وعمره ما بينسانا أبداً، فكل مرة أحس إن كل حاجة متقفلة."
حركت رأسها بخفوت، حتى مدت كم ما ترتديه تمسح وجهه برفق، ثم دفعت خصلاته بخفة إلى الجانب الأيسر وهي تمسح جبهته بحنان، وعينيها لا تفارق عينيه التي تعلقت بها بتأثر من ما تفعله هي. سمع صوت خطوات خلفه فوجدها "حنان" التي ابتسمت لها، فبادلتها "جميلة" الابتسامة بحرج وهي ترى "حازم" يخرج مع "غسان" و"بدر" من الداخل، تزامناً مع حديثها لـ "عز" بتوبيخ:
"موقف عروستك ليه يا عز؟ ما تريح رجلك ورجلها يعني!"
قالتها بيأس جعلها تضحك بخفة بسيطة جداً، فسمعت هي قول "حازم" لها:
"إن شاء الله المرة الجاية يا أم عز، إحنا لازم نتحرك إحنا بقى عشان الوقت!"
تعلم أن الوقت تأخر عليهم، وجدت "عز" يعانق "غسان" الذي اعتدل يقف أمام "حنان" التي قالت له بشكر:
"ما تخليكم يا ابني شوية، ده أنا مش عارفة أشكرك إزاي على وقوفك جنبنا. ربنا يصلح حالك وينورلك طريقك إنت وأخوك، مع إني معرفش إنت مين فيهم بس يلا معدتش فارقة!"
ضحك "غسان" بخفة عليها ثم رد بهدوء تزامناً مع خروج "حازم" و"بدر":
"بعد الصلاة هنيجي فخير أكيد، يدوب الوقتي نروح نصلي الفجر ونطلع. ومتقوليش كده، أنا وعز إخوات، ولو على مين فيهم فالمرة دي أنا غسان!"
أومأت له وتوقعت بأنه آخر غير الذي جلس معها بحرج، رجولي أنيق، فاعتدل وهو يرتدي حذاءه، ناظراً نحوها وهي تعانقه بقوة، قبل أن ترحل ثم والدته، حتى اعتدلت تحثه بلين قائلة:
"زي ما قولتلك يا عز، بلاش تقعد الكام ساعة دول لوحدها في الأوضة، خليك معاها أو طنط تنام جنبها!"
حرك رأسه إيجاباً وهو يخرج كي يقف إلى أن يرحلا، تزامناً مع سير "غسان" أمامهما، فودعته كي تركب سيارة "حازم"، مع وداع "حازم" المؤقت له، فاعتدل "غسان" ينظر له ثم قال:
"أنا هاجي الصبح أنا وحازم قبل الصلاة عشان نوديها المستشفى زي ما اتفقت معاك، وبدر وشادي هيبقوا يكلموا العربيات ويخرجوا الحاجات على ما نيجي. في رعاية الله، عايز حاجة؟"
يجد شهامته في كل مرة، نظر له بصمت إلى أن عانقه بحب ثم قال:
"عايز سلامتك، وخايف أقولك تعبتك معايا مع إني مبخافش من حد!"
قالها قاصداً التبجح هو الآخر، فغمز له "غسان" بمرح ثم قال بغرور زائف:
"كده تعجبني.. بس لازم تخاف المرة دي عشان 'غسان البدري' مش حد!"
صمت ثم سأله بمشاكسة كي يخفف عنه:
"ولا إيه؟"
"غسان البدري مش حد فعلاً.. غسان البدري أخويا!"
طالعه "غسان" بتأثر، فربت على كتفيه بتشجيع شبابي ثم توجه يركب السيارة تزامناً مع سير السيارة الأخرى وركب "بدر" مع "حازم" عندما استشعر وجود كلمات عالقة بعين "عز" للآخر وتأثره منه، فتركهما معاً. نظر بأثر السيارتين بشرود وهو يتنفس بعمق، حتى التفت كي يذهب بكل ذلك الثقل إلى المسجد من أجل صلاة الفجر، وليس للمنزل، كي يقوم بأداء فرضه وإخراج ما بداخله بركعتين لله في هذا الوقت ومن لديه سواه يشكو له، فالشكوى لغيره مذلة!
***
تطمئن وتقلق بنفس ذات الوقت بعدما علمت سبب تأخيره، لذا نهضت تذهب قبل وقت لشقة "سمية" والدتها تنتظره هناك، في حين أخذ "حامد" أنفاسه بإطمئنان وحسرة بنفس ذات الوقت على ما يحدث لما تسمي بـ "فرح"، دخل يحث زوجته على أن تنام ولكنها توضأت كي تصلي الفجر، مع فعله للمثل ثم هبط كي يذهب للمسجد، وقد رحلت "ياسمين" مع "عايدة" لشقتها، بعد ذهاب "وردة" هي الأخرى لشقة "والدتها"، وكل ذلك بسبب رغبة "نيروز" في الانفراد بنفسها بغرفتها حين قدومه، بل توترها برؤية "حسن"، لم يغيب عنها وهذا ما يسبب لها الخوف منه وعليه! تنفست براحة عندما علمت بأنه بالفعل قادم في الطريق من رسالته لها أخيراً، وهذا سبب آخر يدعي غيظها بسبب عدم رده عليها، وأيضاً قلقها على حالة "جميلة" بسبب ما حدث وما سيحدث في الغد!
الغد هو اليوم بالفعل وبسبب عدم نومهم إلى الآن فالوقت ينعكس والساعات تستوصل وكأنه نفس اليوم! سمعت أذان الفجر، فتنفست بعمق وهي تتوجه ناحية باب المنزل لتفتحه، بالطبع مرت دقائق كثيرة منذ أن علمت لذا عقدت العزم على أن تصعد إلى شقتها مرسلة له رسالة تعلمه بذلك. فتحت الباب فوجدت "جميلة" تنتظر فتح باب شقة والدتها لها. توجهت "نيروز" بلهفة كبرى وهي تهتف بإسمها حتى احتضنتها بتأثر، فجاوبتها "جميلة" بإطمئنان رداً على حديثها:
"متقلقيش يا نيروز، أنا مش زعلانة والله، أنا كويسة، تعالي ادخلي!"
"متأكدة؟"
سألتها "نيروز" باهتمام وهي تمسك كفها بلهفة، فحركت "جميلة" رأسها بثقة، ثم وجدتها تحثها مرة أخرى قائلة إلى حين فتح ذلك الحوار بوقت آخر:
"تعالي ادخلي على ما غسان يطلع معاهم، بيصلوا بس الفجر وجايين!"
نفت وهي تحرك رأسها ثم ربتت على كفها بحنو وهي ترد:
"لا أنا هسبقه على فوق، هرتاح لإني مبقتش قادرة خلاص!"
وجدتها بالفعل منهكة بسبب ألم معدتها الذي يهدأ ثم يعود، فأومأت لها وهي تردد على مسامعها بأنها ستتحدث معها غداً، لذا ركبت المصعد تزامناً مع فتح الباب بواسطة "عايدة" و"ياسمين" التي احتضنتهم "جميلة" وهي تدخل!!
وبعد دقائق معدودة فتح المصعد وخرج منه الأربعة بالفعل "حامد" الذي هبط ليصلي و"غسان" و"بدر" و"حازم"، وقف يودعهم وهو يرى "حازم" يدخل المفتاح في شقة والده ومن ثم "بدر" هو الآخر، فأشار له "والده" كي يأتي خلفه وهو يقول بنبرته الهادئة:
"استنى قبل ما تطلع عشان تطمن أمك وأختك!"
سار معه إلى الداخل بعدما فتح "حامد" الباب، فوجدها جالسة مع ابنتها على الأريكة في الصالة، تلهفت "دلال" وهي تنهض فسار نحوها يحتضنها بحب، وهو يطمئنها ممرراً يديه على ظهرها بحنو:
"أنا زي الفل أهو مفيش حاجة اطمني!"
خرجت من أحضانه تتنفس بعمق وهي تتفحصه بلهفة، فوجد هو نفسه يندفع بشدة من أثر عناق "وسام" له تزامناً مع انشغال "حامد" و"دلال" في الحديث، وجدها تتحدث بلهفة متعثمة وهي تضمه إليها وافتعلت جرماً، لم تنتبه هي له سوى عندما أخرجت الحديث الآتي:
"قلقتني يا غسان.. ابقي رد عشان كلنا كنا خايفين أوي.. وأنا.. أنا كنت خايفة لتكون شفت حسن زي نيروز.. بس الحمد لله الحمـ..."
توقفت عن الحديث عندما انتبهت لما قالته أثر لهفتها، أما هو فعقد ما بين حاجبيه بغرابة، ثم تعمد عدم الفهم وهو يخرجها من أحضانه مبتسماً:
"أنا كويس مفيش حاجة، ادخلي نامي يلا."
لا تعلم إنتبه هو أم لم ينتبه، فوجدها تنسحب من أمامهم وهو ينظر بأثرها بشرود، إلى أن ربت "حامد" على كتفيه مردداً:
"اطلع يبني بقا لمراتك وطمنها، أصلها كانت خايفة عليك أوي، وناملك شوية على ما النهار يطلع!"
وجد بالفعل ملامحه المرهقة، فأومأ له "غسان" دون أن يتفوه بأي حرف، حتى وجد "دلال" تؤيد "حامد"، فسار هو غالقا الباب خلفه بهدوء، ومن ثم توجه ناحية المصعد ليركبه لطابقه الذي يوجد به شقته.
وبخفة صعد المصعد ووقف أمام الطابق حتى خرج منه وهو يدخل المفتاح.
دخل ومن ثم أغلقه خلفه.
حتى خلع حذاءه ومن ثم اعتدل يرفع رأسه فوجدها تسير بسرعة تجاهه كي ترتمي بأحضان.
فاندفع أثر فعلتها ولكنه رفع ذراعيه يضمها بحنان وهو يسمعها تقول بلهفة:
"مكنش بترد ليه أنا كنت خايفة عليك وقلقانة أوي حرام عليك!!"
توبخه وهي تحتضنه.
مرر يديه على ظهرها برفق ثم قال بنبرة هادئة يطمئنها:
"مكنتش عايز أقلق حد. بس البركة فيكي بقا!!!"
عنفته بنظراتها ولا تعلم كيف انسحبت وانسحب معها إلا أن بقى الاثنان بغرفتهما وهو يبدل ملابسه الآن بإرهاق.
توجهت ناحية المطبخ تعد له مشروب ساخن سريع مع شطيرة كي يأكلها، تزامناً مع اغتسال.
وتبديل ملابسه لأخرى مريحة.
خرج بعد دقائق تزامناً مع دخولها بصينية صغيرة رقيقة.
وضعتها على الطاولة.
فارتدى هو تيشيرته الفوقي أمام المرآة ثم مشط خصلاته إلى الخلف بغير اكتراث وهو ينظر لهيئته متحدثاً من بين ما يفعله بحديث يسألها به بمراوغة خبيثة غير تلقائية يختبر حديثها إن سيخرج أم لا:
"مكنتش أعرف إنك بتخافي عليا أوي كده. دماغك كانت راحت فين يا رزقه!!"
صمت وهو يقترب منها ثم قال بعبث غير هين:
"مش عيب بردو. هو أنا عيل صغير ولا خايفة عليا من حد!"
أثار قلقها حديثه الغير مباشر ولا تعلم هو إلى ماذا يلمح وجهلت احتمال عمله فإن علم سيواجهها ولكن ماذا يفعل الآن بعقله؟ لا تعلم هي وعلمت لما يتعامل كذلك منذ أن صعد هل بسبب خوفها الزائد؟
تحركت بخفوت حتى اهتزت الطاولة وهي تبتلع ريقها بصعوبة.
ثم اعتدلت كي تقف تنظر له.
فوجدته مازال على وضعه.
وجدت نظرته الجامدة بعدما اعتدل متوجهاً يقف أمامها موزعا أنظاره بينها وبين ما أعدته.
وإلى الآن صامتة لم تردف أي حرف.
سوى جملة تسأله بها بتعلثم:
"وأنا.. أنا هخاف عليك من مين!!"
سارعت في السخرية بشخصيته من جرأته المعهودة وتبجحه.
عندما رددت كي لا تتركه لشكه:
"انت ميتخافش عليك."
وأكملت بصراحة هذه المرة وخوف تعتقد بأنه لا يعلمه هو عندما جاب خاطرها "حسن"، ورؤيته بنظراته المتوعدة واصطدامه بها بقصد منه:
"..بس أنا خوفت!"
حيرة واعتراف نصفه صادق ونصفه كاذب مع ترددها الملحوظ.
حرك عينيه نحوها ثم هز رأسه يؤكد قائلاً:
"كويس إنك عارفه."
ابتسم "غسان" بعدها عندما استشعر رغبتها في القول ولكن خابت توقعاته عندما أخفت ذلك بلحظة غير وعي كي لا يشك:
"أمان متخافيش عليا!!"
وجدت الجملة حادة عليها مما جعلها تحرك رأسها بتوتر تحاول عدم الخوف وبلحظة وجدت نفسها تردد بخوف عليه وتشتت لما حدث ويحدث تحت ضغط أعصابها دون صراحتها بنفس الوقت في أنها رأته:
"أنا خوفت عليك..خوفت تكون خرجت أو شوفت واتخانقت مع حد أو حتى حصلك حاجة. عقلي كان مليان والشيطان مبطلش يصورلي حاجات مؤذية!!"
تعلن له خوفها وخوفها هذه المرة لم يثير غضبه فقط كان يختبرها وإلى الآن تراوغ.
وما أن قصد خبث عقله لتصارحه وتؤكد ثقته بها وجد المبررات التي جعلتها تهبط دموعها وهي تكمل بتيهه تعترف له بما يراه الكل عنها:
"أنا كنت النهارده مجنونه برد فعلي الشديد ده مستغربتش النظرات ولا الكلام وكأني أوڤر. بس بلاش تسيبني لعقلي تاني ورد عليا وطمني عليك!!".
لم تكن ضعيفة إلا بغيابه.
وعند كلمة "مجنونة" التي تحزنها أثارت شفقته وهو يبتلع ريقه بصعوبة حتى تقدم يرفع أنامله يمسح دموعها برفق.
ثم ضم رأسها ناحيته وهو يقول مدخراً لها عدم صراحتها لوقت آخر غير ذلك الوقت المتأخر لا يعلم هو بأن الادخار ما هو إلا وسيلة لكبر حجم المشكلة:
"أنا معاكي ومش هسيبك ولازم تثقي فيا أكتر من كده. وإنتي مش مجنونه متقوليش على نفسك كده!!"
تذكر أنه يوم عيد مولدها لذا لم يتعمد الضغط عليها وحتى بظروفها وألم معدتها الآخر.
خرجت من بين ذراعه تمسح آثار دموعها ببطء دون نبس أي حرف.
فاعتدل هو يتحسر على حاله بجدية شديدة متعمداً مرة أخرى بأن يظهر طبيعياً كي تطمئن وتصارحه كما اتفقا مع على الصراحة:
"الواحد مبلحقش يحتفل بأي حاجة وكأن حد تاففله فحياته وربنا..!"
ابتسمت "نيروز" بخفة عليه وجهلت وابتلعت ما يفعله دون دراية.
فوجدته ينهض إلى الخارج.
لم تذهب خلفه بل نهضت لتجلس على الفراش بألم طفيف وإرهاق حتى أمسكت هاتفه تنظر به نحو الساعة فوجدت أن الشروق يظهر بالفعل.
تنفست محاولة محو الارتباك.
لم تمر إلا دقائق معدودة وحركت عينيها نحوه وهو يدخل مرة أخرى متنفساً بعمق وهو يندب حظه بضيق جاد:
"مفيهاش نوم بقا. مفيهاش نوم انا عارف!!"
تصنعت عدم الاستماع له.
فقد أٌنهكت بالكامل اليوم بما فيه الكفاية عليها وعلى وجعها.
لذا اعتدلت تشير له وهي تردد بنبرة هادئة هروباً منه:
"لو سمحت إطفي النور. انا عاوزه انام!!"
نظر لها بجمود ووحدة مخفية حتى وإن تعمدت تجاهل ذلك فلم يتجاهل هو وظل بما يفعله.
لذا اعتدل مقترباً منها وهو يهمس لها بعبث:
"طب والتورتة اللي فالتلاجة؟"
صمت ثم أكمل بمشاكسة غير متناسياً ما فعلته ولكن ليس ليتخطى الوضع.
لذا يفكر بكل الطرق كيف سيرد حقه منه من جديد ويعلم بأنها فرصة جيدة انه لم يراه:
"والكلام الحلو اللي كنت هقولهولك!!"
ضحكت باستسلام له ولحديثه حتى اعتدلت تهتف بقلة حيلة منه رداً على حديثه ببراعة استنكرها بداخله:
"خلصت فيا كل الكلام الحلو يا بن البدري عايز تقول ايه تاني غير انك مستفز عشان متردش عليا كل دا وتسيبني حيرانه!!"
توقفت تنظر إلى ملامحه ثم اعترفت بتلقائية له:
"أوحش حاجه فالدنيا إن حد يمشي ويسيب التاني لدماغه بعدها!!"
قالتها بتأثر ولأن مشاعرها مضطربة حاولت أن لا تدمع عينيها من حديثها أو لا تتعلثم.
تفهم حالتها هذه حتى أنه ربت على كتفيها متنفساً بعمق حتى أتت نبرته رداً على حديثها في البداية:
"إنتي ميخلصش فيكي كل الكلام الحلو. ومش عايزك تخافي بعد كده. طالما متأكده ان مفيش حاجه تخوفك. إطمني ومتقلقيش!!"
ود لو يصرخ لتصارحه ينتظر فقط لحظة المصارحة حينها سيتفهم.
تأثرت من تفهمه هذا وتعقله.
خاصة بأن شقيقتها جعلتها تخاف أكثر من ذلك الموضوع ولكنها تذكرت سريعاً حديثه بأن كل العقبات تظل بينهما فقط دون وجود طرف ثالث كي لا تكبر وعندما تذكرت ذلك علمت وتعلم بأن حديثه صحيح وبشدة وأنها تقترف فعلة ليست هينة ولكن بسبب خوفها تحميه من نفسه قبل حسن.
لذا تنفست بعمق وهي تحرك رأسها بطاعة.
فوجدته يشير لها بأن تتسطح كي يفرد الغطاء عليها وهو يسألها بإهتمام خائباً من ما انتظره ولكن غداً كافياً للصبر:
"خدتي بقيت العلاج؟ لسه بطنك بتوجعك؟"
ابتلعت ريقها وعينيها تعانق عينيه مرددة وهي تنظر بنعاس:
"صدقني أي الوجع فوجودك بيختفي!!"
هذه الغير هينه تتوقع نفسها أذكى منه.
وعلى أية حال ضحك بخفة على غزلها الممزوج بنعاس لا تستطيع مقاومته.
تركها ترتاح وتنام بالفعل واعتدل هو بجانبها فوجدها تسأله بعشم قبل أن تذهب فسبات عميق:
"مش هتقولي الست قالت ايه؟"
"ياما طول عمري رضيت منك آسيه..لما داب أملي وأنا بتمنى ودك"
لم يتمني الود فقط تمني الصراحة.
قالها مباشرة، غير قادر على العبث قبل الإجابة. اعتدلت ترفع ذراعيها تعانقه، فاعتدل يحاوط خصرها مرتبًا الغطاء تزامناً مع ابتسامتها، وكأنه يردد شيئاً عادياً وليس بما يشعره هو دون علم منها.
وما هي سوى دقائق قليلة وذهبت في سبات عميق من قبله هو. ولأنه يعلم بأنه خلال ساعات قليلة سينهض، بدأ في المحاولة كي ينام. ففي الساعات المقبلة لديه من الأحداث الكثيرة. ينوي مساندة "عز"، والذهاب لشقيقه هو الآخر.
***
"فاليوم أبكي على ما فاتني أسفاً
وهل يفيد بكائي حين أبكيه
واحسرتاه لعمر ضاع أكثره
والويل إن كان باقيه كماضيه."
- بهاء الدين زهير.
يبكي في طلوع الشمس هو الآخر! كم من بكاء يبكيه المرء وحده حبيساً في غرفته بين أكثر من جدار، وكأن كل جدار يسمى بمسمى. جدار الوجع، جدار اللوم، جدار الحسرة! جدار الإدراك والتذكر لحالته الهائجة عندما يطلب جسده في وقت الغير الوعي الخاص به والذي يقل يوم عن يوم. وجدار التحسر. يتحسر بالفعل بعدما يشعر بالتحسر على ما أفناه بعمره من هلاك يهلك نفسه به. والآن يتعافى تدريجياً. ولكن هل الويل إن كان باقي عمره كماضيه بالفعل؟ أم سيقرر على أن يحسن من نمط حياته والتي كانت في البداية لا يحق له بأن يطلق عليها بمسمى حياة؟ الساعات تمر! والآن هو يشعر بها بقوة كونها شديدة عليه من الإحساس والشعور والحزن والسعادة والمشاعر الكثيرة الذي يفهمها هو هذه المرة. سنوات تمر دون فائدة. بما استفاد هو؟ أم أنا؟ وهو يخاطب نفسه بشعوره بالخزي كلما يتذكر بأن شقيقه هو من كان يرسل له ما يجعله يستمر في هذه الحياة من أموال تجعله مستقراً دون أن يبذل جهداً. يعلم أن "بدر" كان لم يستطع توقف إرساله للأموال بسبب رؤيته له وكأن هذا أبسط واجباته نحوه وهو بعيد عنه.
يريد الخروج وبسرعة فائقة وبحماس، وعكس ذلك الحماس ندم. ندم على ما مر منه دون فائدة. يشعر بالتحسن تدريجياً ويعلم أيضًا بأن موعد خروجه يقترب يوم عن يوم. وللأصل والحب الذي خلق بداخله. لم يغب عن عقله صديق أيامه. يفكر بكيف حاله وإلاما وصل غير متناسياً حالته الضعيفة. يذكره بدعواته هو الآخر كونه لا يستطيع أن ينساه بالفعل أو يتجاهله. طيب ولين القلب لحد كبير وأكثر ما يقال عنه كذلك هو "آدم". لطالما يعرف بنقاء قلبه ولم يعكر كل ذلك سوى أصدقاء السوء.
غفى قبل ساعات ومن ثم يستيقظ الآن مبكراً جداً كي يقرأ "سورة الكهف" بسبب أن اليوم يوم الجمعة بالفعل. تنفس بعمق وهو يردد الدعاء الذي حفظه:
"تقدّر ولا أقدر، تعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. قابل الدعوات، مفرج الكربات، قاضي الحاجات، رب المعجزات، كل شيء لم تكتبه زائل، وكل ما كتبته كائن. اختر لي ولا تخيرني، قدّر لي ودبّر لي ثم بارك لي. لا وجه إلا وجهك، والخير قضاؤك وقدرك، والأمر أمرك ولا حول لي. لا تحرمني خير ما عندك، شر ما عندي. الخطوات كثيرة، ألهمني موضع قدمي، كي لا أزل ولا أزل، ولا أضل ولا أضل، ولا أتعب ولا أتعب، ولا أظلم ولا أظلم. أنت أنت، وأنا أنا، لتسعني رحمتك، ويشملني هداك، فلا ألدغ من جحر مرتين. أشهد أن لا إله إلا أنت، آمنت بك، برد قلبي، أخلف علي كل غائبة بخير، وانصرني حتى تريني ثأرك."
أصبح بكل سهولة أن تهبط دموعه وهو يناجي ربه ويدعوه ويترجاه. لا يعلم أخجلا أم أنه بالفعل وصل لمرتبة عالية في الإيمان وقربه من الله. في الحالتين يتأثر تأثراً شديد. وكلما يتأثر يتذكر كل أمنياته الذي يريدها في الدنيا والآخرة. في الماضي كان أمله مقتولاً. أما الآن فالأمل يولد من جديد. وكأنه هو نفسه يولد من جديد بشخص جديد وأفعال جديدة وشعور جديد وأحلام أخرى جديدة. عدا حلم واحد فقط منذ القدم يعتبره مستحيل التحقيق أو مستحيلاً بأن يقبل هو. يعتقد بأنه تناسى ويعتقد بأن الأمر يصبح لا جدوى منه. ويرى بأنه الآن أقل من أن يفعل ما ينوي فعله. لذا سيصمت ويتوقف عن التفكير ولم يردد سوى بشيء واحد فقط لخالقه.
"العوض يا الله.. العوض عن كل شيء كنت أتمنى بأن يكون لي ولم يصبح كذلك. العوض عن أيام سيئة مرت بصعوبة دون التفكير بذلك. العوض عن عمر ووقت مر دون جدوى. فاللهم الجدوى في كل شيء!"
بينما الآن بعد مرور ذلك الوقت والساعات وجد أن الساعة بالفعل السابعة صباحاً. لم يفعل شيئاً سوى أنه أمسك المصحف كي يقرأ سورة الكهف. بالفعل بدأ بأول سطور من آيات مباركة بعد البسملة تبدأ بـ:
"الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيماً لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسنا (2) ماكثين فيه أبداً (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا (5)..."
وفي شقة "عايدة" الآن بعد مرور ساعات الصباح الباكرة جداً. نهضت "جميلة" تتجهز بعد حثها لنفسها وله بأنها لم تتركه بيوم كهذا. ارتدت ملابسها وحجاب رأسها وهي تجهز حقيبة يديها. تقدمت بضع خطوات لتفتح باب الغرفة فوجدت "حازم" يقف متجهزاً هو الآخر وعلى ما يبدو معالم الإرهاق عليه. نظر لها بابتسامة واسعة ثم قال:
"صباح الخير!"
ابتسامة صغيرة زينت محياها وهي تطالع ملابسه الملائمة للخروج فسألته بنبرة جادة:
"إنت جاي ولا إيه؟"
"تفتكري هسيب عز يعمل حاجة زي دي وهو لوحده؟ أو هسيبك تروحي لوحدك؟"
ابتسمت "جميلة" على لطفه. حتى اقتربت تقف وهي توضح له:
"لا مفتكرش. بس أنا قولت لماما إنك هتقعد تخرج الحاجة إنت وبدر وشادي على ما يجي. وكنت هروح أنا مع "غسان" علشان على ما نيجي وتخلصوا صلاة تكون كل حاجة جاهزة للشيل علطول!"
"لا هاجي معاكي عشان نبقى مع "عز". "وبدر" و"شادي" هيقوموا بالمهمة على ما نيجي أنا وغسان. مش يلا؟"
وجدت "عايدة" تخرج مهرولة بكوبين من الشاي الساخن وشطائر صغيرة لهما وكأنهما طفلان. حتى رددت لهما تحثهم قائلة قبل الخروج:
"كلوا ي حبايبي دول قبل ما تخرجوا الله أعلم هتتأخروا ولا لأ!!"
أسندت الصينيه بلهفة وهي تقدم لهما. وقبل أن يرد أحد عليها، وجدت صوت دقات الباب. فتوجه "حازم" ممسكاً بكوب الشاي يفتح الباب. حتى وجده أمامه. ابتسم "غسان" وهو يدخل آخذاً من بين يديه كوب الشاي بتبجح وهو يقول:
"اجهز بسرعة على ما أشرب ده علشان وربنا نيروز ما رضت تصحي تفطرني يا عم العيال!!!"
ضحك الكل بخفة عليه. فأمسكت "عايدة" شطيرة صغيرة وهي تقدمها له بحنو مرددة له:
"خد يحبيبي بالهنا والشفا!!"
أخذها من بين يديها وهو يجلس على المقعد جوار الباب بحذائه. فارتدى "حازم" حذاءه وهو يسأله بترقب:
"كلمت شادي؟"
"أه جاي كمان شوية عشان يساعد بدر وحامد يطلعوا الحاجة. وبعد الصلاة بقا نيجي نشيل ونتحرك!!"
نهض تزامناً مع تركه لآخر ما تبقى في الكوب. ثم ابتسم لـ "عايدة" بإمتنان. تناول هاتفه كي يرسل لـ "عز" رسالة توحي بقدومهم. في حين اعتدلت "جميلة" هي الأخرى كي تخرج خلفهما. وقفت "عايدة" تودعهما وداع مؤقت بحزن تحاول اخفاءه على حالة وفرحة ابنتها التي تقل وتتجاهل هي ذلك من أجل "عز" متخلية عن كل شيء مقابل راحته هو. لا يهمها بالفعل سواه. وهذا ما يثير تأثره وتمسكه بها. أغلقت الباب وهي ترفع عينيها كإشارة للدعاء وهي تحمل الكوب ناحية المطبخ. عاقدة العزم على أن لا تقلق "ياسمين" بنومها في هذا الوقت. ولكنها ستعد لها طعاماً بسبب دوائها. هي الأخرى تخاف عليها وتخاف أكثر بسبب توصية ولدها عليها. لطالما أيضاً يعلم بأن "ياسمين" تهمل نفسها وعلاجها.
وقف متجهزاً بعدما رتب كل شيء. أخذ بعض من الملابس الخاصة بها بحقيبة صغيرة. وأسندها بجانب باب المنزل. وهو يتوجه مرة أخرى إلى الداخل وجدها تقف بصمت تنظر بتشتت و"والدته" تلبسها حجاب رأسها بحسرة تحاول إخفاءها. توجه قبل أن تضع الحجاب. ثم أخذه من والدته. رفع "عز" مشط الرأس يمشط بداية خصلاتها. سواء حتى مرر يديه بضعف على وجهها كي تثبت عينيها نحو عينيه التي تجمعت بها الدموع وهو يقول:
"أنا مش عارف اللي هيحصل ده هيبسطك ولا هيزعلك.. بس هو دا الصح ليكي يا فرح وأنا آسف. آسف على كل اللي بتمري بيه ده من زمان أوي حتى لو مكنتش السبب. بس أنا نفسي تكوني بخير!!"
يعلم بأنها تارة تنتبه له وتارة أخرى تتشتت بالفعل. ابتلع ريقه بصعوبة وهو يلبسها الحجاب بمساعدة "حنان" التي هبطت دموعها بشفقة وحسرة عليها. عندما حركت "فرح" عينيها بمكان آخر. القسوة بالشعور عليه. هو عندما يشعر بالفعل بأنها تصل إلى مرحلة من مرحلة الاختلال العقلي. هكذا يرى كونه يرى الأمر غريباً بالنسبة له نوعاً ما. لا يعلم هو بأن حالات الاكتئاب تجعل المرء يصل إلى أكثر من ذلك. وهذا ما قاله له الطبيب في بداية حالتها منذ فترة. ولكنه تأقلم مع الوضع وكأنه طبيعياً عندما وجدها عادية. أمسك كفها يقبله بخوف وتأثر. فنظرت نحو يديه بتأثر. ثم عادت تتوه من جديد وكأنها بعالمين عكس بعضهما.
"بصيلي يا فرح. أنا هنا. أنا أمك يا حبيتي ومش هسيبك أبداً. شوفي النهاردة جهاز جميلة صاحبتك هيجي هنا البيت عشان تبقى لعز. عز اخوكي اللي بيحبك أوي!!"
قالتها "حنان" وكأنها تحدث طفلة صغيرة. لذا أدمعت عينيها بقهر على ما وصلت له ابنتها. ثم وجدتها تدمع عينيها حينما ذكرت إسم "صديقتك!!". رفع كفه يمسح دمعتها الوحيدة عندما تفهم ما تذكرته وما وصلت له. أما الأخرى فتتلهف لتسمع نبرة صوتها وفقط. سمع صوت دقات الباب. فتوجهت "حنان" تفتحه سريعاً عندما علمت منه بأنهم هم.
أسندها برفق لخارج الغرفة براحة كبرى. ثم انحنى يمسك الحقيبة تزامناً مع ترحيب والدته بهم. فدخل "حازم" يحمل الحقيبة منه وهو يتوجه بها إلى الخارج في السيارة. ومن ثم وقفت "جميلة" بلهفة تسند "فرح" معه إلى الخارج حيث سيارة "غسان". في حين خرجت "حنان" هي الأخرى تغلق الباب خلفها وهي تحمل بيديها ما يخص عن هوية ابنتها كي تستطيع حجز غرفة لها. تعلم بأن "عز" يدخل على صرف أموال لا عدد لها من كثرتها بسبب حالة "فرح" بمستشفى كهذه والآخر زفافه وما يخصه.
ما بيديها سوى الدعاء للفرج والتسهيل والرزق.
ركبت مع حازم وجميلة، وركب عز مع غسان. وفي الخلف أسندت فرح كي تجلس بأريحية دون ضيق. أغلق غسان الأبواب في الخلف إلكترونياً تحسباً لتهورها. نظر عز في المرآة بشرود، حتى لاحظ صوت سيارة غسان، غير الطبيعي بالنسبة له كونه خبيراً بأمور السيارات. ترقبت ملامحه وهو يحرك رأسه ناحيته مردداً على مسامعه بتفسير يعلمه ما لا يعلمه:
"إبقى عدي عليا العربية دي أصل صوتها مش طبيعي، شكل فيها حاجة!"
ابتسم غسان وهو ينظر أمامه، ثم تعمد المشاكسة وهو يرد عليه بخفة:
"ما أنا جبتهالك المرة اللي فاتت، ولا هو شغل كروته وكل شوية ندفع فلوس يا عز؟ هنراعي ربنا فشغلنا إمته ي جدع!"
ضحك وهو يحرك رأسه بيأس، هاتفا بتبرير:
"معلش.. ما إنت موديها وأنا مش هناك، بس تتفتح مخصوص عشانك!"
غمز له غسان بعبث، وقد تردد في فتح ذلك الحوار. وعندما وجد شرود الأخرى، حرك عينيه نحوه وهو يقول بحرج يحاول إخفاءه:
"بقولك.. خلي مصاريف المستشفى عليا عشان حوار الفرح وكده، وإعتبرها سلفة وإبقى ردها. أنا كنت محطوط مكانك كده قريب وعارف الجواز بيحتاج مصاريف قد إيه و..."
قاطعه عز سريعاً بهدوء:
"الحمد لله ربنا ساترها!"
"إسمع كلامي يا عز، ويا عم متزقش كده أنا مسبش فلوسي لحد عشان تبقى عارف بس!"
قالها بتبحح وجرأة مضحكة. فضحك عز بتكلفة، ثم رد عليه بتعقل:
"أنا الحمد لله ربنا رازقني وهرجع افتح الورشة اليومين دول أسيبها ليهم ومش مهم اجازات.. وربك بيسهلها. فلوس المستشفى موجودة متشيلش همي!"
لا يريد بأن يضعه بموضع مخجل، لذا تنفس بعمق، ثم عاد يضغطه بلين:
"إعتبرها نقطة الفرح وجاية بدري شوية، أصل لما هترفض وأنا زي ما بتقول أخوك أعتبرها أنا إيه؟"
وأضاف سريعاً بحزم، يوبخه بمرح:
"يعم دا لسه قاعة وحوارات وفستان وميكاب وأمور الستات دي محدش قدها إسمع مني!"
"ما خلاص يعم هتقعد تقطم فيا؟"
قالها وهو يشير له بنفاذ صبر. فقهقه غسان عالياً، حتى ضحك عز أخيراً وهو ينظر له بإمتنان. ورغم عزة نفسه، ولكنه لم يقصد إحراجه. بل صمت إلى حين الظروف وتأتي كما تأتي هي. نظر ناحيته بامتنان وهو يسمعه يحدث نيروز يملي عليها تفاصيل ما سيفعله كي لا تقلق. عندما دقت هي عليه، ثم أغلق الهاتف أخيراً، حتى نظر ناحية عز، الذي كبت ضحكاته، فردد له غسان بتحذير وهو يشير بإصبعه له:
"بص!! متتجوزش خالص!"
ضحك عز بخفة على مرحه، متفهماً ما يفعله من أجله. نظر إلى الخلف لها فوجدها شاردة بعمق. اقترب المكان، ومع ذلك حرك غسان السيارة بطريقة هادئة لناحية أخرى حتى تنتبه له، وهو يسأل كي يسرق انتباهها منها، وهو يتحدث مع عز:
"ما تقولنا يا عز "فرح" بتحب تسمع إيه؟ ولا أسألها أنا!"
تفهم عز ما يفعله، فحرك رأسه لها فوجدها ترفع عينيها نحو شقيقها توزع نظراتها بينهما. في حين حرك عز رأسه إيجاباً يحثه على فعلها. فنظر لها غسان في المرآة وهو يسألها:
"بتحبي كوكب الأرض؟"
قصد ذلك اللقب كي يجعلها تستنكر. وبالفعل، كانت منتبهة هذه المرة عندما نظرت بغير فهم. فحرك رأسه بنعم لحديثه وهو يؤيد:
"أيوه كوكب الأرض.. أنا مسميها كده، علشان صوتها حياة، مش صح؟ ولا إنت بقا مبتحبيهاش؟"
ترقبت ملامح عز لها وهي صامته تنظر فقط. وأضاف غسان مشيراً لها بذراعه الحر غير الذي يقود به، متعمداً عدم الاكتراث المضحك وهو يقول:
"ولا متحبيهاش عادي. "نيروز" بردو كانت زيك كده مبتسمعهاش ولا كانت فدماغها، بس دلوقتي بقت حافظة كل حاجة ليها تقريباً عشاني!"
وجد إبتسامتها الباهتة تظهر على حديثه. فابتسم هو لها وهو يتحدث مرة أخرى كي لا يسرق انتباهها منه:
"وإنتي كمان.. ممكن يجيلك اللي يحب حاجة إنتي مبتحبيهاش. بتحبي الأكل؟"
يسألها أسئلة ليس لها علاقة ببعضها. حركت رأسها ناحية الشرفة بعدما حركت عينيها بنفي غير ظاهر. ولكنه دقق بتفاصيل حركتها. فضحك وهو يحرك رأسه وهو يركن السيارة مع رؤيته لتوقف سيارة حازم:
"يبقي هيجيلها واحد بيحب الاكل أوي يا عز. خد بالك بقا!!"
ابتسم عز. وكلما يرى تفاعلها البسيط يسعد بخفة. هبط غسان وهو يشير لهما بحذر. فتح الباب لها حتى توجه عز يسندها ليسير معها نحو بوابة المستشفى. تزامناً مع سير جميلة معهم هي الأخرى هي وشقيقها وحنان. فدخل معهم، وتوجه غسان ليرى التفاصيل. تزامناً مع صعودهم معها بعدما علموا عن أي طابق وأي غرفة. صعدوا على مرحلتين كي يراها الطبيب أولاً قبل أن تقييم. في حين توجه غسان يستعلم عن المصروفات وموعد بدء وانتهاء الإقامة المجهول. وتوصية مجهولة منه بعدم الزيارة لها من أطباء غير مخصصين لحالتها بسبب شقيقه وزيارات غير عائلتها أيضاً. وما هي سوى دقائق حتى انتهى بأخذه لورقة تثبت دفعه. حتى أمسك الهاتف كي يستعلم عن وجودهم. وعندما علم صعد لهم.
وفي الأعلى وقف الطبيب أمامها ولم يكن سوى عاصم أمين، الذي كان يتولى حالتها من قبل. انتظرت جميلة في الخارج مع عز وحنان. ولاحظوا قدوم غسان من على بعد منهم حتى اقترب تزامناً مع فتح الباب منه وهو يرتدي البالطو. وقف أمامهم مبتسماً. ولم يتفاجأ غسان منه، بل وقف بإنتظار وهو يسرد عليهم ما سمعه من قبل:
"فقدان النطق دا غصب عنها، بس هي نسبة كبيرة أغلب الوقت بتكون تركيزها معاكم واللي هيخلي تركيزها معاكم دايم هو إنها تسمع منكم تفاصيل يومكم وتشوفكم علطول. وياريت لو في أسباب وأشخاص نفسيتها بتتعب منهم ميدخلوش فالزيارات ويتكتبوا في الكشف عشان يتمنع من الدخول. وإن شاء الله الحالة متطولش. محتاجين مساعدتها هي لنفسها قبل أي حد. ساعتها هتكون بخير فأقرب وقت ممكن لما تعطي لنفسها الفرصة!"
الكل يتوقع ذلك. تخطته حنان بحزن وهي تدخل كي تساعدها هي وجميلة. في حين وقف عز يستعلم أكثر. فرد عليه عاصم بـ:
"متقلقش يا أستاذ عز. كل دي عوامل متديش إنك سبب قوي فاللي هي فيه. هي كدة من ضغوط وتراكمات وأسباب فوق بعضها معرفتش تعديها. ويمكن موضوعك معاها فالآخر جه وكان هو الناهية. الإنسان ليه طاقة وطبيعي تخلص. ولازم تعرف إن ده لو الكل شايفه ضعف وقلة تحمل فالطب النفسي بيشوفه قوة وطاقتها فالاستحمال كانت شديدة عن غيرها. الحمد لله إنها فكده بس.. وألف سلامة عليها!"
تراخت ملامحه وكأن حديثه جعل ندمه يخف قليلاً. تخطاه وهو يدخل. ثم وقف غسان يقطع طريقه مردداً.
"أكيد عارف إنه مش أنا!!"
أثار غرابته أسلوبه، فحرك كتفيه ببساطة وهو يردد بابتسامة رسمية:
"وحتى لو!!"
"مش عايزه يعرف أي حاجة عنها!!"
توقع ما يفعله، لذا ابتسم له بإطمئنان وهو يبرر:
"أكيد بعرف أحفظ كل حاجة تخص المرضي سواء هنا أو هنا، متقلقش يا غسان!!"
"إنك تحفظ كل حاجة بأسرارهم غير إنك تعالجه ومتوضحلوش إنها مجرد سد خانة بيملي بيها النقص اللي سببته الأولى!!"
"ليه متأكد إني موضحتش؟ مش ممكن وضحت فالأول وهو خد حذره بس اكتشف إنه بيكن ليها إحساس عاجز عن وصفه؟"
"وليه لازم يبقى الإحساس ده حب؟"
"مش يمكن علشان أخوك حب بس ملقاش الحب؟"
"والمرادي هيلقاه من مين؟ من واحدة مش واخده بالها إنه موجود ولا عاطياله أي اهتمام وكمان حالها بقى كده، عايزه يظلمها ويظلم نفسه؟"
وجد أن لا مفر من الخروج منهزماً بالتبرير، ولكنه اعتدل يعدل نظارته الطبية وهو يشرح له أكثر:
"بص يا غسان.. مش هقولك إنك غلط ولا في نفس الوقت صح، لأنك إنت بردو مش هتقرر لأخوك قرار نهائي بعقلك وإحساسك إنت.. لازم تسيبه يقرر لنفسه، حتى ولو شايف إنه غلط. بس اللي أفهمه إنه مش هيغلط مرتين ولا هيدوس في الغلط وهو مكمل إلا إذا كان حاسس إن الحاجة بتروح منه من غير ما يحاول!!"
"وإنت بقا عايزني أسكت وأبص عليه وهو بيحاول غلط؟ ولا أسيبه حيران بين حاجتين واحدة منهم غلط كبير بنسبة كبيرة؟"
"مش يمكن إنت اللي شايف كده بس؟"
"وليه ميكونش هو اللي شايف كده لوحده بس ومعارض الكل؟"
"علشان لو شايف كده هيبطل يحاول حتى ولو بصعوبة في الأول، لكن ده في حاجة بتمنعه إنه ميحاولش، متمسك حتى غصب عنه وهو بعيد. الأول لما لقى شخص بعد عنه زي تاج محاولش يفهم ليه مع إن كان بينهم عشم، لكن دلوقتي الوضع غير!!"
صمت ينظر وكان الحوار رد برد أجمد وأكثر جدية من الطرفان وخاصة الحدة من حدة الشباب، وكأنها مناقشة حادة بين طرفين يعارضان بعضهما. لذا ابتسم له الآخر وهو يربت على كتفيه مردداً بثبات ينبهه:
"خوفك الزيادة لطيف ومفيد في نفس الوقت ويمكن بردو يطلع صح. بس الحاجة اللي لازم تتأكد منها إنه ناضج وعارف كويس دماغه هتوديه لحد فين حتى لو هتسوحه. مش غلط يغلط، الغلط إنه يكرر نفس الغلط ودا اللي إنت خايف منه وحقك. بس بردو ده اللي هو مش عارف يشوفه غير العكس وحيران بين الاتنين يا إما حاسس بكده فعلاً ولا كلامك ليه صح. حل كويس منكم إنكم تخلوه يقعد مع نفسه فترة!!"
علم بآخر حديثه بأن شقيقه مستمر إلى الآن في جلساته، لذا وزع "غسان" نظراته بين يدي الآخر التي وضعت على كتفيه وبين وجهه المبتسم له وهو يكمل:
"مبقولكش تبطل تحاول عشانه، ولا بقولك إن كتر محاولاتك تخليه يوقف اللي بيعمله، خصوصاً إنك عارف إنه عكسك تماماً زي ما أنا شايف!!"
وأكمل يرسل له رسالة مجهولة ينبهه:
"مش هيجي على نفسه ويسيب حاجة عاوزها. الإنسان بطبعه أناني، بس طبعه يغلب طبعك يا غسان. متفكرش كل الناس بتفكر زيك.. وخصوصاً لو اللي بيحسه ده حب فمش قادر أقولك إنه هيعارض وهيكمل معارضه لو كده فعلاً."
وده بعد ما يفكر، دا لو كان حب مش وهم!
يحاول هو الآخر معه ويفك عقده من بين جلسته. ويعلم ما يفكر به "غسان". تركه ورحل بعدما أعطى له بطاقة ورقية عن مكان عيادته. أخذها منه بشرود. فوجد "عز" يخرج من خلفه ومن خلفه "حنان". وأتى "حازم" بطعام من على بعد كي يدخله لها. طعام بالأخص بما تفضله "فرح". بسبب إخبار "جميلة" له. دخلت تعطيها لها بجانب فراشها. وهي تراها مسطحة. أمسكت كفها بحنو وهي تقول بنبرة متحشرجة:
"أنا جبتلك كل اللي بتحبيه يا فرح. كل حاجة كنتي بتحبيها وبتجبريني أكلها معاكي حتى لو مكنتش بحبها. علفكرة بقا أنا نفسي تقومي وترجعي الجامعه من تاني حتى لو مش هتبقي معايا فنفس السنة بعد كده بس هنكون مع بعض فمكان واحد. نفسي نتكلم سوا من جديد. ونفكر في مستقبلنا عشان نقرر هندخل قسم إيه. فاكرة؟ فاكرة لما كنتي بتقوليلي إنك نفسك تدخلي قسم جراحة. لو قومتي من تاني صدقيني هتبقي قدها. أنا بحبك أوي وهجيلك علطول!"
مررت يديها بحنو على وجهها. تعمدت عدم سرد الماضي وما فعلته كي لا تضغطها. وكان ينتظرها على أعتاب باب الغرفة "حنان" و"عز" اللذان نظرا بتأثر وهي تنهض تمسح دموعها التي خانتها وهبطت. ثم أشارت لها بالوداع. ودعها "عز" قبل دقائق كما ودعتها "حنان". التي ودت لتدخل لها مرة أخرى بوجع. فأمسكها "عز" وهو يغلق الغرفة بعدما أشارت له الممرضة بانتهاء الموعد الذي حدده الطبيب. عانقها "عز" باحتواء وهو يقول:
"هتبقى كويسه. هتبقي كويسه والله يا ماما!"
حاولت "جميلة" أخذ أنفاسها. فنظر "حازم" لها وهو يقرب وجهها ناحية صدره رابتا عليها بحنو كي تهدأ. وبعد لحظات ساكنة سأل "عز" عنه وهو يقول:
"أومال غسان راح فين؟"
"سبق فمشوار معرفش آيه هو الصراحة وقال إنه هييجي ع البيت. مش يلا؟"
هز رأسه بالإيجاب. وهو يسند والدته وهي الأخرى مع شقيقها للأسفل كي يخرجا بالفعل. توجهوا أولا ناحية المصعد ومن ثم الأسفل للخروج ناحية السيارات. سبق "حازم" بعض رفض "عز" له بحزم على دفعه للأموال. فصمت واثقا من شهامة "غسان" دون حتى أن يعلم. وسبقت "حنان". الذي ابتسم "عز" لها وهو يقول:
"إسبقي كده علي ما اشوف الحسابات وهحصلكم!"
أومأت له وهي تخرج من البوابة الكبيرة. وقبل أن يتوجه خطوات أكثر. وجد هاتفه يدق برسالة منه هو من "غسان" الذي علم من خلالها بأنه تولى زمام الأمر ودفع بالفعل المصروفات. تنهد يخرج أنفاسه بإنهاك. فكيف سيرد كل هذه الجمايل له؟ وللصدمة الكبرى التي جعلته يدير وجهه سريعا. لمحط الصوت الذي يعرفه وهو يرى تعجله من على بعد مما يوجي بالخروج:
"عز!"
كانت الكلمة من "بسام" الذي انتهى دوره عمله وسيخرج للتو. وقاطعه رؤيته. لذا ابتلع "عز" ريقه بسرعة. وهو يرحب به بحرارة متحتضنا إياه بعشم. فخرج "بسام" يعدل من وقفته وهو يضع هاتفه بجيبه يسأله باهتمام:
"خير فيه إيه كده؟ أنا مش قولتلك يعم متجيش ولا أشوفك هنا بقا خلاص؟"
عندما وجده يبتسم. أكمل سريعا يطمئن عليه:
"طمني في ايه؟"
حرك "عز" رأسه نفيا. وهو يطمئنه بكذب كي لا يفعل ما يراه "غسان" خطأ:
"لا مفيش كنت بعمل شوية فحوصات كده. إنت عامل ايه ومختفي فين؟"
تنهد "بسام" يخرج أنفاسه محاولا الثبات وهو يرد بهدوء:
"الحمد لله بس ملبوخ فالشغل اليومين دول ومروح أهو!"
يعلم بأنه يراوغ. لذا حاصره بصراحة يعلمه ما لا يعلمه:
"النهاردة عزالي بعد الصلاة. مش محتاج عزومة بس لاحظت إنك مش فالبيت اليومين دول فقولت اقولك!!"
تفاجأ "بسام" من قوله. وابتهجت ملامحه بطريقة ملحوظة وهو يربت علي كتفيه مرددا:
"الف مبروك يا "عز". إن شاء الله هاجي إنت اخويا طبعا ومش هسيبك!"
ابتسم له بلطف. وبين تردد الآخر في أن لا يرددها ولكنه قتل تردده عندما قال بتلقائية:
"ويلا يا عم إتجوز عشان عايزك فخير بعد ما الايام دي تعدي!!"
توقع ما سيقال. لذا ترقبت ملامحه بغرابة زائفه وهو يسأله بترقب:
"خير؟"
اعتدل بحرج. وجاءت لحظة العناد لكل من حوله وهو يردد ويلبي حديث عقله:
"هو المكان مش مكانه ولا وقته بس هديك نبذه لحد ما نتقابل على رواقه تاني. أنا كنت هكلمك النهارده اشوفك عشان أقولك!!"
"قلقتني!"
قالها بخوف كي يجعله يتحدث. فتنفس "بسام" بعمق. غير متوقع رد فعله الذي صدمه عندما قال هو أولا:
"كل خير. طالب القرب منك. "فرح" بعد اذنك طبعا. ومستعد أسمع رأيك فأي وقت غير ده وميعاد تاني!"
وقف ينظر له بصمت للحظات. عندما سمع بداية ما يريده. ترقبت ملامح "بسام" بإنتظار. وهو يطالعه بإرتباك. وقد تعمد القسوة عليه عندما قال بأسلوب هادئ لبق يعرض نفيه:
"بس "فرح" اختي متنفعكش. أنا آسف يعني بس إنت فاجئتني وأنا مش متعود غير على الصراحة معاك. وبكون صريح دلوقتي وأنا بقولك انكم بعاد أوي عن بعض. حتى يعني الوقت مش وقته واللي حصل ميتعداش بسهولة!"
كان يقتنع بشدة بأن رد فعله لم يأت سوى العكس بذلك. والآن كأنه ضرب ضربة بمقتل. وكسر بأقل من الدقيقة الواحدة. ابتلع ريقه بصعوبة وحرج شديد. ود لو يهرب من المواجهة ولكنه سأله وقد ظهر الضعف في نبرته عندما قال:
"يعني إيه؟"
استشعر مدى اهتزاز نبرته ويكذب كل ما يأتي بعقله. بل وقف متعمدا الصمود والتظاهر بالجمود والجدية حينما قال بإبتسامة باهته يشرح له:
"سامحني يا بسام. حتى ولو الوقت والمكان مش مناسب بس مش غلط إنك إدتني فكرة. ولم عرفتها بعرفك إنها متنفعش ليك. فرح مش جاهزه دلوقتي. ولو جاهزه بعدين فأنا مقدرش أدخلها وسطكم بعد اللي حصل. وقبل ما تبررلي وضعي مع جميلة فـ دي تختلف. أنا آسف إنت أكيد عارف إن كل شئ قسمة ونصيب وإنت اخويا وهتقدر ومش هتزعل من دا!"
يمتن لنفسه قبل أن يشرح له بلهفة وأدب بأنه يشعر بالحب إتجاهها. لم يتسرع بذلك وهذه تعد نقطة جيدة. ولكن كيف وقد شعر هو بأن الدماء تنسحب منه ووجهه يتعرق من شدة الحرج. وقسوة الموقف عليه وعلى قلبه. وبأعجوبة. حاول لملمة ما تبقى منه وهو يعتدل مرددا ببسمة مهزوزه:
"وأنا.. أنا آسف إني اتسرعت. ولا كأني قولتلك حاجة يا "عز". احنا إخوات وبس أحسن!"
شعر بمدى ما وضعه من حرج أمامه. لذا ابتسم له وهو يؤيد ثم قال ببساطة يستنكرها الآخر:
"ولا يهمك. حصل خير!"
يستنكر سرعة رده وعدم تفاجئه. ومعالم وجهه وكلماته المتجهزة. ويحاول استبعاد كل الأمور التي تبهه بأن شقيقه له يد بذلك. لما محال! فاق من شروده عندما أشار له "عز". كي يودعه قائلا:
"هستأذن أنا. وهستناك بقا ها."
"أكيد!"
قالها ببسمة مصطنعة وهو يراه ينسحب من أمامه. وقف لدقائق يستوعب الوضع. وكأنه لا يشعر بشيء سوى الرفض. آخر ما يتوقعه حدث بالفعل وهو رفضه منه هو قبلها حتى! شعر بأنه يتحطم ومرفوض من كل النواحي بالفعل حتى من عائلته التي تعارضه هي الأخرى. يحاول الصمود في كل مرة رغم ما يراه وما يتسبب بما يحدث له!
لا يعلم كيف مر الوقت ليخرج مشيرا لسيارة أجره. حتى ركبها بشرود. مانعا دمعته بأن تفر كي لا يثبت لنفسه بأنه ضعيف. كيف؟ وكيف له بأن يتخيل بأنها بأقل من الدقيقة الواحدة خسرها؟ وقبل أن تعلم هي أنه يكن لها شيء؟ ما هذا العبث الشديد الذي حدث بأقصر وقت كان قد يتخيل غيره! يعود منهزما من معارك كثيرة. يعود لمنزل ومأوى غير مأواه!
ربما يحدث له كل ذلك بسبب عدم رضا والديه عنه، أم أنه لم يراضيهم ويطمئنهم عليه؟ يبرر لنفسه بالبراهين والتبريرات التي تبعد كل البعد عن أنه شخص يستحق الرفض. كيف الرفض وماذا به؟ ولما من الأساس لم تجرِ الأمور معه؟ يلوم نفسه ويراجع نفسه وكأنه به كل النقص الذي يراه شيئًا ليس جيدًا، رغم أنه عكس ذلك بالفعل وبه طباع جيدة غير السيئة بأوقات انفعاله وإصراره ليس إلا. لحظة عدم الاستيعاب والإدراك ولكن بإرادته.
توقفت السيارة وهو يعطي للسائق الأجرة، متناسيًا بقية أمواله وهو يهبط. يخرج من جيبه المفتاح متجاهلاً ذلك الرجل الذي ناداه كي يأخذ بقية أمواله. يفتح الباب بخواء حتى أغلقه خلفه وسط إغلاق إضاءة المكان. استند على الباب رافعًا رأسه إلى الأعلى بتعب وقهر لما يصل له في كل مرة. مد يديه بخواء ليضيء المكان، ومن ثم أغمض عينيه بشدة.
وسرعان ما فتحها سريعًا عندما وجده يهتف وهو يجلس على المقعد أمامه يسأله بدون مقدمات وغير فاهم بكيف دخل ومن أين علم:
"وعلى كده مبسوط؟"
انتفض بطريقة خافتة حتى اعتدل يمسح وجهه سريعًا. ولم يتفاجأ من قدومه، بل علم من أين علم. لا يعلم هو بأنه من خطط لقدومه إلى هنا من الأساس. ولم يكن سوى "غسان" الذي أسند ظهره بأريحية محركًا أنظاره بمكان آخر غيره. فاعتدل "بسام" قاصدًا الفتور وهو يسير ناحيته تزامناً مع رده:
"وهيهمك أوي إذا كنت كده ولا لأ، ولا هاممكم أصلاً!"
ضغط "غسان" على فكة من تفكيره السلبي إلى الآن، حتى رفع عينيه يرد على حديثه بـ:
"وليه ميكونش العكس وإنت اللي طلعت مش هامك حد؟"
"أنا اللي طردتني من بيت أبويا."
قالها "بسام" بتهكم، ثم عاد يكمل ما خابت توقعاته به من عدم زيارة والدته له مكان عمله لو كانت مشتاقة بالفعل:
"ولا أنا اللي أمه كانت قادرة تنزل تروحلي مكان شغلي اللي ميتوهش، بلاش أبوك واللي عمله!"
قالها بسخرية وهو يقف بمواجهته. فوقف "غسان" يبرر له بصراحة:
"لا انت اللي قسيت وإنت قاصد متسمعش صوتك لأمك المقهورة عشانك هي وأختك. أمك اللي أبوك حلف عليها طلاق لأول مرة متنزلش ولا تعتب مستشفيات ليك، زي ما محذر أختك!"
ضحك "بسام" بألم وهو ينظر بضياع. ثم سأله بهجوم أتى على مرة واحدة:
"وإنت جاي ليه؟"
"أنا أجي بمزاجي فأي وقت من غير ما تسألني جاي ليه! إفتح تليفونك!"
حرك "بسام" رأسه نفياً بعناد، ثم رد بجدية يرفض ما فهمه:
"لأ."
كاد أن يسير فأمسكه "غسان" بذراعه يقطع سيره وهو يردد بحدة:
"أنا لسه مخلصتش كلامي!"
"وأنا مش عايز أسمع، امشي!"
كانت هذه جملته التي أتت قبل انهياره وهو يصرخ به مجددًا مشيرًا له بيديه يمسك ذراعه هو الآخر مثله:
"إمشــــي، جاي بعد إيه؟"
وأكمل وكأن قدومه وحديثه النقطة الغارقة لانهياره:
"جاي أقولك إني إترفضت وكل اللي معاندين بعض عشانه ولا كأنه حصل!"
أثار غرابته انفعاله. فنظر له "غسان" بلوم وهو يردد بغير تصديق رغم توقعه:
"يعني عملت اللي فدماغك، كملت فاللي كنت عاوزه رغم رفض أبوك وعدم رضاه عنك، بقيت إيه ومين علينا يا بسام؟ علينا واحنا اللي بنحاول نشوفلك الصح وخايفين عليك؟!"
يهاجمه بلوم متعب وهو يتذكر حديث الطبيب عنه. وجده يحرك رأسه بنعم، ثم قال بقهر يعلن كبته بما حدث ويحدث له:
"عملتها.. عملتها وكنت فاكر إن دي المرة اللي مش هترفض فيها وكل حاجة هتمشي كويس. بس الدنيا بردو خذلتني زي ما الكل خذلني وبقيت لوحدي!"
ابتلع "بسام" ريقه من عدم تحمله بما حدث. في حين أكمل يسأله بخوف بنبرة أهدأ يواجهه بالسؤال الخائف:
"مش إنت اللي عملت كده؟ صح؟ أنا قولتهالك.. قولتلك إنك مش هتعرفني لو حصل منك حاجة زي زمان. ملكش يد فكل ده يا غسان مش كده؟"
وقف وكأنه أخرس بالفعل، لا يستطيع الجواب بالكذب. ابتلع "غسان" ريقه وهو يحرك رأسه نفياً مردفًا بما أظهر الحقيقة للآخر:
"وحتى لو أنا.."
وأكمل سريعًا بما يراه صوابًا:
"فـ رفض عز منه لنفسه، هو الصـ"
وقبل أن يكمل "غسان" وجده يتوجه نحوه بشراسة ممسكًا ياقة قميصه بشرر وهو يلومه تزامناً مع ضربه:
"ليــــــه؟"
ترنح "غسان" بوجهه وهو يتركه يضربه مرة ثانية مرددًا بصراخ أشبه بالانهيار:
"ليه كل مرة غاوي تكسر فيا من غير ما تحس بيا يا أخي؟!"
شعر بدماء أنفه تسيل. لذا أمسك ذراعيه بحزم وهو يدفعه عنه مرددًا بنبرة متحسرة عليه:
"إنت مصمم تكون غبي يا بسام. مصمم تجيب الوجع لنفسك وتعمل فيها أنصح واحد وإنت غبي!"
مسح أنفه بحذر وهو يرمي له نظرة لوم. فتنفس الآخر بصوت مسموع وهو يرمي له بحديث يقسو به عليه حينما ردد يخرج ما بداخله:
"كل مرة بتخربهالي وأنا اللي بدفع التمن فالآخر. مفكرتش مرة فيا وفحالي؟ مفكرتش فشكلي وإحساسي ساعتها؟ كل ده مش مهم عندك. محدش أناني وخراب قدك. وإنت بتخرب كل حاجة وحتى حياة غيرك عايزها تمشي على مزاجك. إنت مؤذي يا غسان وعايش دور مش دورك. دور المصلح اللي بيصلح حاجات متصلحة بالنسبة لغيرك وبايظة عنك انت لوحدك بس!!! وفاكرها صلح وهي خراب. خراب محدش شافه قبل كده غيري وأنا بدوق من نفس كاسك مرتين. مرتين أسوء من بعض واحدة إترفضت وإتسابت من غير سبب وكنت انت اللي عارف السبب وسيبتني لدماغي ولنفسي زي المجنون. والمرة التانية وإنت السبب فكسرة قلبي وحسرته بكل حاجة حتى وهو بيتقل منه وسامع صوت تكسيره وانا واقف ولا كأن حاجة حصلت!"
ابتلع "غسان" الغصة المريرة بحلقه وهو يسمع أقسى ما يمكن سماعه منه. أيدخر له كل ذلك الوجع منه. خوفه عليه قسوة ودمار. برر له بضعف وهو يكتم دموعه أمامه والتي تظهر لاول مرة أمامه هو:
"أنا خايف عليـ.."
وقبل أن يكمل اندفع "بسام" يصرخ به بإنفعال يكمل حديثه له:
"إنت خايف على نفسك. عشان إنت اللي مجنون ومش عارف تسيب حد فحاله. انت مريض عشان تعمل كده مقابل إنك متحسش فالآخر إنك مش عامل اللي عليك. فوق لنفسك بقا وخليك فحالك وسيبك مننا. ملكش دعوه بينا. ملكش دعوه بيا وبحياتي اللي إنت ماشي تخرب فيها. خليك فنفسك هتكون أحسن. وفكر فحياتك وإهملني أنا يا أخي مطلبتش منك خوف واهتمام يحطموا فيا بالشكل دا حرام عليك!"
وكأنه ينفي سماع هذه السهام الحادة التي تتوجه ناحيته لتخترق قلبه بعد ان اخترقت سمعه وهو يكذب سماع ذلك عندما برر بالأمل الأخير في تحمله وتحمل كلماته وهو يحرك رأسه نفياً متحدثاً بنبرة هادئة ساكنة:
"حياتي حياتك وأنا إنت.."
عمري ما فضلت حاجة عليك، حتى نفسي. أنا مش خراب، إنت اللي لسه مفوقتش من اللي إنت فيه، وواهم نفسك إنك بقيت أحسن.
أنا مش إنت، افهم بقى! أنا مش إنت، ومش هستحمل حاجات إنت شايفها عادي. أنا مش "غسان" ولا إنت "بسام". أنا واحد وإنت واحد تاني خالص. دماغك مش دماغي، ولا قلبك بكل ما فيه هو قلبي واللي فيه. عمرك ما هتحس باللي أنا حاسس بيه من ناحية كل حاجة، حتى "فرح". ولا أنا هحس بحبك لـ "نيروز" عامل إزاي، زي ما إنت مش قادر تقتنع إني بحب "فرح".
واجه بإندفاع، وسقطت دموعه رغماً عنه باستسلام، يصارحه. وقف "غسان" بكسرة تفوق كسرة الآخر بما جاء به. اعتدل يمسح دماءه ببطء، وهو يؤيد حديثه باستسلام موجع. ثم أشار بعينيه نحو كتبه الموضوعة على الطاولة ومؤشرات بداية تحوله عليه لآخر فاتر يكسر ضمانه بلينه عليه:
أنا جيت أديلك دول، عشان مستقبلك. مش ناسي أدق تفاصيلك، بس بعد كده هحاول أنسى وأسيبك لحياتك ولنفسك. ساعتها مش عايز يتقال إن "غسان" هو الوحش، وإنه بايع وأنانى واختار مراته عن إخواته وأهله. ومتنساش إنك وحش، وطلعت وحش أوي في حق أمك وأبوك وحتى أختك. بلاش أنا.
صمت وهو ينحني يأخذ مفتاحه من على الطاولة، تزامناً مع إكماله للحديث بسخرية:
علشان طلعت أنا اللي وحش في حكايتك. طلعت أنا السبب، وإنت بتحملني كل الأسباب، حتى اللي بعيدة عني. بس هي بتبقى كده على طول.
وقف ينظر له بقوة، وهو يكمل بصراحة:
بتبقى كده... غسان اللي بيطلع عينه، ويتوجع للكل. فالكل يحمله الغلط في الآخر. ويرجع يتلام لوم صعب وهو واقف مش عارف يتكلم، عشان دول أقرب ناس لقلبه. مستغربتش لما ملقتش حد يحس بيا ويفهمني. وبردو مستغربتش لما لقيتني واخد دور الأب، وأبوك عايش. يمكن عودني على كده، مع إنه ضغط، بس كنت راضي. ولا مستغربني وأنا بحاول أراضي الكل وملقتش حد يرضيني في الآخر؟
صمت "غسان" وهو يبتسم بهدوء ما قبل عاصفة قسوته، ناظراً على دموع شقيقه، ثم أكمل بتعب:
استغربت بس وأنا ببص لكل دا، عشان من بين كل ده ملقتش غيرها هي اللي حاولت عشاني، وفكرت إزاي تراضيني، وشالت همي في عز ما كنت أنا اللي بعمل ده. قولت وبقول ياريت تكون "فرح" كده. بس برجع وأقول إنك ماسك في حاجة مش موجودة أصلاً، في حبال دايبة وواحدة أصلاً مش واخدة بالها من حبك ولا حتى من وجودك، بس مصمم تهلك نفسك. دا اللي بيخليني عايز ليك الأحسن وبشوف ليك الصح. بس عندك حق، إنت كبير كفاية لنفسك، وأنا خربتلك كتير. صلحها إنت بس وأنا راضي. بس أهم حاجة تصلح، عشان لو خربتها أنا مش هتدخل تاني.
إحتدت عيني "غسان" بطريقة ملحوظة لشقيقه، وحتى آخر حديثه الجامد. سكن "بسام" ينظر له ودموعه تسقط بخواء، تزامناً مع اقتراب "غسان" منه، حتى قال له بحدة ليست معهودة معه في كل مرة يتعاركا:
مش مستغرب إزاي مسألتش نفسك إني سايبك تقول وتعمل اللي عاوزه فيا كل مرة وأنا ساكت؟ حتى وانت بتسيب علامة في وشي وفي جسمي.
أخذ "غسان" أنفاسه متظاهراً بالصرامة عليه، حتى عاد يضيف بتهديد:
انت لو مش أخويا، فصدقني مكنتش هتخرج من تحت إيدي سليم زي ما إنت واقف كده.
سقط قناع التأثر وحل محله الحدة، وهو ينظر له نظرة لأول مرة يعهدها الآخر منه. وأكمل بسخرية مرة أخرى:
وعلشان بردو إنت أجبن من إني أقف وأخد حق ليا منك. بس لو ضربة واحدة بس قررت إني أضربها عشان أشاورلك على المكان اللي محتاج تفوق منه، فمش هيكون غير ده.
اقترب "غسان" مندفعاً برأسه يضرب رأس الآخر على فجأة، فرجع "بسام" خطوة إلى الخلف بشدة، وهو يتألم بصوت مرتفع ممسكاً برأسه بمفاجأة، حتى سمعه يكمل بوقاحة فهمها على الفور حينما لمح لسب عقله بـ:
ولو إني أشك إنك بتفهم وتفكر من هنا.
أمسك "بسام" رأسه بألم وتشوش، فاعتدل ورغم حسرة "غسان" وكسرته، إلا أنه قصد عدم ظهور ذلك أمامه عندما انحنى يرسل له رسالة معينة:
طالما شايفني مش أخوك بعد النهارده، فأنا محتاج وهحتاج أثبتلك ده. ويا حظك لو ليني عليك اتشال واعتبرتك فعلاً مش أخويا وسيبتك لنفسك من غير دماغك اللي هتحتار تفكر المعاملة هتبقى إزاي بعد كده.
يرمي بحديث قاسٍ هو الآخر، لا يعلم ما معناه. لكنه أمسك معصمه بقوة قبل أن يضربه عندما حاول "بسام" فعلها لإفاقته، لا يعلم هو بأنه هو المغيب. قاطع فعلته هذه بجمود، وهو ينظر له بإنفعال، مردداً بتحذير خشن:
لازم تفكر مليون مرة قبل ما ترفعها عليا، وشري تتقيه يا بن حامد، بدل ما تشوف مني وش عمرك شوفته قبل كده وأنا بثبتلك ساعتها إن الدم بيبقى ميه عادي!
نفض "غسان" يديه بقسوة. صدم الآخر كونه ضمن لين قلبه معه، ولكن الآن يرى آخر غير الذي كان يراه معه قبل قليل. اعتدل يدفعه بكلتا يديه حتى اصطدم "بسام" بالجدار من خلفه بظهره. ثم اعتدل يأخذ من المناشف الورقية يمسح وجهه وأنفه. تركها وهو يقذفها بوجهه بوقاحة وقسوة لأول مرة تظهر، حتى قال بسخرية قبل أن يخرج وهو يضع آخر منشفة بجيبه لم يقذفها عليه:
متنساش تشوف الدم اللي نازل من دماغك، ومتقلقش بسيطة مش هتأثر على تفكيرك طالما مبتفهمش من هنا.
وماذا بعد الوقاحة؟ الوداع.
سلام يا دكتور.
وماذا بعد كم السخرية بهذا القول عندما أردفه؟ خرج صافعاً الباب خلفه، وقد سقط القناع الذي حاول رسمه ببراعة أمامه. والآن يريد البكاء بالفعل، ولكن كيف؟ وما الوقت؟ بالحرف يريد البكاء. نعم يريده بصوت عالٍ عندما شعر بأن قلبه يطعن، عندما شعر بالخذلان، في حين بأنه كان يحاول بكل طاقة وخوف. خوف عليه، والذي بمتناهى البساطة يأتي الآخر ويردد له بأنه مرض. تضيق به الأركان، وهو الذي توجب عليه التماسك والثبات. ركب السيارة ومن عزم ضغطه فعل احتكاك قبل أن يسير بسرعة، تاركاً الآخر ينظر من الشرفة بأثره.
وبعد مرور ساعات قليلة، والآن بشقة "عايدة"، تم إخراج كل ما يخص جهاز "جميلة" بالفعل، وتجمع "عز" و"حازم" و"شادي" و"حامد" و"بدر". وكان معهم "غسان" قبل قليل، ولكنه انسحب بطريقة غير ملحوظة. وقفت "نيروز" بجانب "جميلة" و"ياسمين" و"وسام"، بجانب "فريدة" و"وردة". وكانت النساء هناك والمكان مبهج لحد كبير، ولكن دون وجود أغاني مبهجة. لذا هتف "عز" لهما وهو يتفهم ما يفعلونه بسبب ظروفه:
ما تزغرطوا يا جماعة.
ابتسمت "جميلة" على لطفه في رغبته العارمة ليشعرها بما يتوجب على أن تشعره في وضع وظرف كهذه، وضحكت عندما وجدهن يلبون غرضه، وتعالت الزغاريد بوقت واحد وصوت واحد مرتفع. ومن ثم بدأ الحديث العشوائي بينهم مرة أخرى. وترقبت ملامحها لعدم وجوده بين هذا التجمع الآن، بل اختفى بطريقة ملحوظة بالنسبة لها هي. وعلى فجأة وجدت "شادي" يقف أمامها وهو يسألها باهتمام عنه:
أومال "غسان" راح فين؟
وقبل أن ترد بجهل وتنبؤ لمكان وجوده، وجدت "حازم" يردد بصوت مرتفع للشباب:
يلا يا جماعة ندخل نتوضى عشان الجمعة.
وجدت الهرج بينهم في الحديث، خاصة عندما أسرع "حامد" يتوضأ في شقته، وذهبت خلفه زوجته وابنته، وحتى "شادي" الذي ذهب مع "بدر" للخارج ينتظران "حازم". و"عز" الذي وقف بمواجهة "جميلة" مبتسماً وهو يقول بحب لها يظهر سعادته:
مبروك يا أجمل واحدة في عيني.
وأكمل غزله وهو يطالع ملابسها البيضاء كالعادة:
يا أجمل واحدة بتلبس أبيض.
خجلت من غزله التي تفهمت بأنه يحاول به مراضاة فرحتها وكأنه حق شديد لها وليس له هو الآخر معها. رمشت بإهدابها ومن ثم ثبتت عينيها بعينيه وهي ترد بابتسامة وصدق ممزوج بالثقة لطالما بجانبها:
متأكدة إن كل الصعب ده هيعدي وإحنا مع بعض.
وأنا متأكد إنه مش هيعدي بسرعة غير في وجودك.
في كل مرة يهزمها بالحديث المعسول، ولا تستطيع هي مقاومته. وللحق يعرف عنها بأنها فتاة بعيدة كل البعد عن هذه المشاعر التي تندمج معها رغماً.
ومعه هو الأمر يختلف. تارة تغازله دون خجل، وتارة لا تستطيع الرد، وحتى النظر في وجهه وكأنها تفعل جرمًا ستحاسب عليه. ربما تعتبرها عقدة بسبب تعليق والدها عن كل شيء، أم أنها تتذكر عقابه في أقل الأشياء.
كل ما تراه مهزوزًا يثبته هو، ويحاول إثبات الأمان، كونه علم أخيرًا ما تمر به وما تراه. كانت هادئة، ساكنة، خجولة، لم تأخذ على الأوضاع بسرعة مثل "نيروز" التي انخرطت معه بعد مرات قليلة، وكأنها تتمسك بآخر أمل ترى به عوضها، وكان الآخر لها ذلك بالفعل. تحاول التقرب منه بحب.
ابتسمت له باتساع. فلثم هو وجنتيها برفق. ثم توجه يقبل قمة رأسها. في هذه اللحظة وهو يردد بحديث يتفهم به شعورها تجاهه خاصة، توترها بارتباطها به بعد أيام. ومن ثم تصبح المشاركة أبدية.
"مش عايزك تخافي مني، وأنا واعدك وبوعدك تاني إني عمري ما هظلمك يا جميلة، عشان حرام اللي يكون معاه واحدة زيك وميقدرهاش. وأنا نفسي والله تبقي معايا من دلوقتي حالا!!!"
ضحكت بخفة، تحاول محو الخجل، وهي تتمسك بكفه تردد بصراحة له:
"وأنا واثقة فيك يا عز!!"
انتبه بعدها بأصابع جامدة توكز كتفيه من الخلف. فوجده "حازم"، الذي سقطت قطرات المياه من خصلاته. أشار له بحزم، ثم قال وهو يشير بعينيه ناحية المرحاض محذرًا:
"خش اتوضى، وحل عن أختي شوية. إحنا لسه فيها، ممكن نرجع الحاجة مكانها ويا دار ما دخلك شر!!"
ضحك بيأس، وهو يرفع أكمامه. في حين خرجت ضحكات "جميلة" هي الأخرى. وهي تنسحب إلى الخارج حيث شقة "سمية" مع الفتيات. دخلت من باب الشقة المفتوح فوجدتهن جالسات بالفعل يتحدثن مع بعضهن بعشوائية كبرى، منتظرين اللحظات المعهودة. في حين لم تكن "نيروز" موجودة، بل صعدت في المصعد سريعا تتأكد من وجوده في الأعلى أم أنه رحل.
فتحت باب شقتها بمفتاحها ثم دلفت بخطوات متوسطة وهي تغلقه خلفها. وجدته يخرج من الغرفة مرتدياً سترة أخرى غير التي كان عليها، ومشط خصلاته بترتيب استعدادًا للصلاة. في حين كان ساكنًا حتى منذ أن كان فالأسفل، وتعلم هي ذلك. وحاولت تجاهل شعورها بأن به شيئًا لا محالة. لم تنتبه إنها تقطع طريقه سوى عندما أشار لها على عجالة ينبهها قائلاً بإيجاز:
"عديني.. الصلاة!!"
وقبل أن تنطق بحرف واحد، وجدته يزفر بنفاذ صبر غير معهود بمثل هذه السرعة عندما تخطاها منحنياً يجلب حذاء مناسب كي يخرج. حتى اعتدل وهو يرتديه. وقبل أن يمد يديه يفتح الباب، وجدها تشهق بخفوت عندما لاحظت المنديل الورقي الذي كان على حافة السقوط من جيب البنطال ولونه الأبيض يكاد مختفيًا بسبب الدماء. لاحظ محط أنظارها، فنظر ناحية جيب بنطاله الذي لم يغيره. وعندما وجدها تندفع لتمسك المنديل، رجع خطوة إلى الخلف يرفض وهو يقول:
"متمسكهوش!!"
"الدم ده. من إيه؟ إنت كويس؟"
أمسكه يضعه بسلة قريبة من الباب، ثم اعتدل يهز رأسه إيجابًا مرددًا باختصار:
"آه!"
اقتربت تمسك كفه باحتواء، وهي تتمسك به ترفع ذقنه كي تواجه عينيه وهي تسأله بثقة من وجود شيء به:
"طيب مالك؟ في حاجة حصلت معاك؟"
فعلتها من قبل ذلك. تعتقد في كل مرة بأنها ستشتته مثلما يفعل. لذا نفض يديها ببطء وهو يبعد وجهه قائلاً باقتضاب مبتسمًا بتكلفة:
"أنا كويس متقلقيش!!"
رفع عينيه ناحيتها وقد لاحظ اندفاع الحجاب إلى الخلف ظاهرًا خصلاتها هذه المرة بكثرة بسيطة من الأمام. لاحظت محط أنظاره، فرفعت تتحسس رأسها حتى جذبت الحجاب أكثر وهي تبرر له:
"البندانة هي اللي بتتزحلق غصب عني!!"
رمى لها نظرة اخترقتها دون حديث حتى التفت يفتح الباب. حتى وقف يتحدث لها بجمود:
"خدي بالك بقا لو بانوا تاني هاخدهم أعينهم فظرف، عشان تعرفي إن غلطاتك كترت معايا أوي!"
خصلاتها. لا تعلم لما أثارت كلماته ضحكاتها بغيرته هذه، ولم تجد الشراسة بها هذه المرة. بل ضحكتها العالية جعلته ينظر بتتمعن كي يحفظ قناع الصرامة وهو يحذرها، فوجدها تمسك يديه بمشاكسة وهي تقول:
"خلاص بقا مكنش قصدي.. يلا روح صلي وادعيلي معاك!!"
ابتسم رغماً عنه، ثم نظر نحو يديها وعينيها موزعا نظراته بينهما حتى خانه القول الصادق وهو يقول قبل أن يغلق الباب:
"اسمك دايما سابق في كل دعوة بدعيها!!"
كانت هذه الجملة التي سمعتها هي منه بصدق. ومن ثم توجهت إلى الداخل تقوم بترتيب أركان معينة غير متربة قبل أن تهبط. ومنها الفراش التي طوت غطاءه بهدوء. وكالعادة قلبت عينيها بتحسر عليه وهو يلقي ملابسه في أي ركن يقابله، مهمل، غير مرتب. علمت ذلك ووقعت في فخه، لا يوجد فرار. ابتسمت بيأس وهي تعلق ملابسه وتطوي من كان منها موجود. ثم أغلقت الدولاب. وقد خرجت ترتب الأريكة التي توجد أمام التلفاز. ثم عادت تبدل ملابسها لأخرى تناسب المناسبة قليلاً. بدلتها بالفعل في المرحاض. وعندما انحنت لاحظت وقوع بطاقة ما. انتشلتها بيديها وعلمت سريعا بماذا تخص هي. أثار صدمتها. فلم تقل له من قبل اسم طبيبها النفسي. كيف وصل له ولما من الأساس. شردت بجهل وأحداث كثيرة تتضارب بعقلها بأقل وقت ممكن. لذا خرجت بعدما ارتدت ملابسها أخيرًا بترتيب. ثم وضعت البطاقة على الطاولة وهي تتوجه لتقوم بارتداء حجابها مخفية خصلاتها هذه المرة وذهنها شارد بما رأته. وكل الخوف وضع بها إن كانت هي لها علاقة بما يود معرفته من ذلك الطبيب أم لا. وضعت كحل أعين أسود. ومرطب لبشرتها وشفتيها. ثم تنفست بعمق قبل أن تخرج متوجهة نحو الخارج كي تهبط لأسفل بعدما جذبت أطباق معينة تخص "دلال" كي ترجعها لها بعد أن كانت تصعد لها بواسطة "غسان".
اعتلت خطبة الجمعة. وهن يسمعونها بالفعل، جالسين مع بعضهن في صالة شقة "سمية". وبين حديث والآخر ومشاكسات والأخرى. ولم تمنع "ياسمين" فضولها عندما سألت "وسام" باهتمام:
"هو بسام مش ناوي يرجع؟"
نفت بحزن تحاول إخفاءه. ووجدت "ياسمين" نظرات التحذير من "سمية" و"وردة" تحت كبت ضحكات "جميلة" و"فريدة". فهتفت بصوت مرتفع حانق لوالدتها:
"إيه؟ ما تسيبيني أستفسر. مكنش جوز بنتك هو اللي يمشي وياخدها معاه بدل النكد اللي منكداه علينا فعيشتنا!!!"
قصدت "نيروز" و"غسان". لا يعلموا هم ماذا بينها وبينه. لتضغط على نقطة استزازه. ولكنه غير موجود بالفعل. ضحكن عليها بخفة. حتى "وسام". فتحدثت "سمية" بيأس من بين ضحكتها:
"يا بنتي جربي تمسكي لسانك مرة عشان حالك يتصلح. وأسكتي.. اسكتي خالص. إنتي مالك ومالهم!!"
قلبت عينيها بملل. ثم تحركت أنظارها نحو "وردة" التي رددت بضحك:
"وبعدين هو حد شاطر فالنكد قدك من يوم ما عرفتي إنك حامل. والله العظيم حازم ده بيصعب عليا. بيحاول يراضيكي بكل الطرق وإنتي مفترية. فـ اسكتي بقا ومتجيبيش فسيرة حد مش موجود!!"
قالتها بيأس منها. ضحك الكل عليها. وردت "ياسمين" بضجر منها:
"تعالي شوفي اللي بيحاول يراضيني ده محذرني من إيه وايه وايه. ميغركيش يا حبيبتي الطيبة. دا ابن عايدة وهيفضل طول عمره ابن عايدة الخبيث اللي بحبه!!!"
"ماله ابني يا ياسمين. الواد عامل اللي عليه وزيادة. كتر خيره!!"
كان ذلك قول "عايدة" التي دخلت من باب الشقة وتبعها "دلال" بصحبة "نيروز". ضحك الكل مرة أخرى على قول "عايدة". فعادت "ياسمين" تتحدث بنبرة ضاحكة:
"ماله يا حماتي. دا ابنك دا الحب والتوب والله. ومقدرش أستغنى عنه أبدا!!"
ضحكت "عايدة" بيأس منها هي و"جميلة" التي توجهت هي و"فريدة" والفتيات يصلون الظهر. ووقفت "نيروز" بعد دقائق في الشرفة تستنشق الهواء بعمق وذهنها شارد لأشياء كثيرة. ربما الشئ الوحيد التي تطمئن من ناحيته بأنها أصبحت معه ولا مفر من ذلك. أصبح الاثنان معًا بالنهاية وهذا ما كانا يسعيان إليه ليحدث.
وماذا بعد؟ للحق لم تجد راحة الأيام الماضية عقب زواجها منه إلا هذا الأسبوع المريح. ابتسمت بشرود على ما فاجئها به أمس، ولو ظلت لسنوات تخمن هذا لما استطاعت. تذكر نفسها بما فعله لأجلها بهذا الوقت كي تمحي من ذاكرتها ما رأته.
وجدت دقات خافتة على باب الشقة المفتوح فالتفتت من على بعد لتجدها "زينات". الأمر يثير غرابتها، ولكنها توجهت بشجاعة تستفسر عن سبب قدومها وهي تقف أمامها مرددة بنبرة هادئة:
"نعم!!"
لا تثق بها، لذا رددت مرة أخرى بإندفاع تحذرها من فعل شيء اليوم بهذه المناسبة، غير متجاهلة ما فعلته معها هي وابنها في كل مرة تعتقد بأن الأمر سيصبح على ما يرام:
"قبل ما تفكري تعملي أي حاجة لـ "جميلة" فيوم زي ده. بفكرك إن أنا شوفت حسن امبارح.. وممكن أقول لـ غسان إن أنا شوفته وساعتها بقا إنتي عارفه مش هتقعدي فالبيت غير وهو ضاغط عليكي تقوليله مكانه اللي إنت مش عارفاه من أصله أو يطربق البيت عليكي عشان تهجي وتحلى عننا إنتي وابنك!!!"
وجدت الشراسة والخوف بأن واحد. ابتلعت ريقها بتوتر من علمها لما تعمدت إخفاءه حتى على "فريدة" ابنتها. اعتدلت ترفع عينيها ثم قالت بصراحة تنفي ما تفكر به الأخرى:
"بس أنا مش جايه عشان أحاول أهد!!"
"إنتي طول عمرك مبتعمليش حاجة غير الهَـد وبس!!!"
وجدت الندم في عينيها، وبالفعل تقتل لها كل الفرص والأمل لإعطائها فرصة من جديد. تبدأ بأكثر شخص خطأ عليها البداية به. لذا وجدتها تسرد عليها بإندفاع مرة أخرى تذكرها بما لم ولن تنساه هي:
"هدتيلي حياتي فبدايتها بكلام الناس عليا. وهدتيلي ثقتي بنفسي بمعايرتك ليا فالراحة والجاية. هدتيلي فرصتي فالكلام والدفاع عن نفسي قدامه وإنتي فكل مره بتحرضيه عليا. خلتيه يضربني بالقلم وبقيت قليلة لفتره فنظر أهل جوزي. وخوضتي فيا وفعرضي قدام أهلي وقدام حازم اللي إنتي إتهمتيه بالسرقه. وكسرتي بخاطري وخاطر إخواتي وإنتي بتتعمدي تشغلي حاجة إنتي عارفه إنها بتدوس على الجرح. وجعتيني ومبطلتيش توجعيني لما كسرتي فرحتي بكتب كتابي وإتهجمتي عليا بالضرب لحد ما جسمي كله إتعلم منك ولحد الٱن بعاني. قتلتي فرحتي ساعتها. مش مكفيكي كل ده؟ لا دا كمان كرهك لأمي من غير أسباب وضغطك على جرح وردة ومعايرتها باللي فيها وتعمدك إنك تجوزي جوزها لقريبتك عشان يسيبها ويقهرها هي وإبنها. إبنها اللي الحمد لله خلفته وهيكمل إسم أبوه ومش بيفكروا بالطريقة المريضه اللي بتفكري بيها. الحاجة الوحيدة اللي كنتي صح فيها إنك مكنتيش عايزاني لإبنك عشان مبتحبنيش وكنتي بتتقهري إن ازاي يكون بيحبني أنا. ياريته ما حبني ولا كان قال كده عشان هو سبب من أسباب كل حاجة حصلتلي وحشة. بس بردو رجعتي فالٱخر وكنتي هتموتي وتخليني لابنك غصب."
تسرد بوجع كل ما رأته وعانته منها، وليس ككل بنفس ذات الوقت. ففعلت بها الكثير. يكفي ولا يكفي للشرح. توقفت "نيروز" تأخذ أنفاسها ثم أكملت بلوم جامد عليها:
"بس برجع وأسأل نفسي هو أنا كنت عملتلك إيه لكل ده؟ أذيتك فحاجة؟ جيت عليكي؟ ضريتك زي ما كنتي طول عمرك بتضريني من غير سبب واحد بس يديكي الحق إنك تعملي كده فيا!!"
سقطت دمعتها وبهذا الوقت خرج من المصعد في المرة الأولى "غسان" و"حامد" و"شادي". خرجوا بالفعل وما أن وجدها تقف توليه ظهرها توجه أولاً بجانب "والده" حتى رأى دموعها تسقط عندما تذكرت كل ما حدث لها رغماً عنها. تتعمد أن لا تسقط ولكنها سقطت. فكل ما تعرضت له ليس هين عليها هي. ترقبت ملامح "غسان" وجميع حواسه تزامنًا مع فتح المصعد الآخر ليخرج منه "عز" و"حازم" و"بدر" مع سؤاله لها بنبرة مرتفعة:
"إنتِ عملتيلها ايه؟!"
وجدت الغضب يرتسم على ملامحه وفي نبرته، فحاولت تنفي برأسها وقبل أن تتحدث لتبرر وجدت "نيروز"، تمسك كفه لتسحبه خلفها إلى الداخل وهي تقول:
"مفيش حاجة يا "غسان". تعالى ندخل!!"
تعمدت فعل ذلك كي تبعد كل البعد عن المشاكل. وقف الشباب بغير فهم وخرجت النساء والفتيات ينظرون بجهل. في حين نفض هو يديها وهو يثبت عينيه بعينيها بقوة مرددًا بلهجة بها التهديد:
"أنا ساكتلك بقالي زمان أوي. لكن اقسم برب العزة ما فيه حاجة أبقى عليها. فإبعدي أحسنلك عننا. ونفسي أسمع انك قربتي منها ومستيها بسوء حتى ولو كلمة. كفاية اوي اللي عملتيه وبالذات فيها. حَـلّي عنها بالهداوة أحسن ما أخليكي تحَـلّي عنها بمعرفتي. سامعة؟!"
فهم بالخطأ بسبب دموعها. ابتلعت "زينات" ريقها وهي تنظر نحو جميع الوجوه بإرتباك حتى عادت تنظر إلى ملامح وجهه الجامدة وهي تبرر بتعلثم:
"بس أنا..أنا كنت جايه أطلب مسامحتها ومسامحة كل اللي أذيتهم فيوم!!"
أثارت نبرتها شفقة "ياسمين" لينة القلب. في حين كتمت "فريدة" دموعها على وضعها. بينما وقف "عز" و"بدر" و"حازم" مع "حامد" يسمعان رده الساخر وهو يطالعها من أعلى لأسفل قائلاً بتهكم:
"معلش..المؤذي مبيتسامحش من أول مرة!!"
صمت "غسان" بطريقة ملحوظة ثم اقترب أكثر يخفض نبرته حتى تسمعها وهو يقول بوضوح حقيقة لا ينكرها الجميع:
"إنتي جيتي تبدأي من عند اللي هيصعبها عليكي أكتر..ودا..."
وأكمل وهو يعتدل بحزم:
"حقها!!"
توجه "حازم" يقف بهدوء شديد ثم تعمد خروج نبرته الهادئة لها يحثها قائلاً بـ:
"دا مش الوقت المناسب. أكيد إنتي عارفه النهارده عندنا إيه. ممكن تفكري تحاولي بعد الظروف دي؟"
تعمد الاحترام لما تفعله بسبب شقيقته "فريدة" ليس إلا. وليس لأجلها. حركت رأسها بخفوت ثم التفتت بخزى وكأنها تجلب العار لهم. التفتت نحو شقتها وكأنها خسرت معركة كانت تتوقع بنسبة بسيطة بها بأنها ستفوز. دخل الشباب إلى الداخل معهم. في حين أخذت "فريدة" ركنًا وهي تقف ساكنة. واقترب "عز" من "جميلة" التي تطالع شقيقتها بشفقة حتى سألها بلين:
"انتي مسامحة يا جميلة؟"
رفعت عينيها نحوه بإهتزاز وتيهة ثم قالت بحيرة تجاوبه:
"مش عارفه يا عز. يمكن مشوفتش منها أذى بطريقة مباشرة عشان كان بابا هو اللي دايما بيتعامل معايا حتى ولو بسبب تحريضها. اه أذاها طالني وطالني من زمان أوي لما مكانتش بتخلي حسن ولا فريدة يكلمونا وهم صغيرين. فهمتهم إننا وحشين أوي وإن ماما كمان وحشة. مكانتش بترضي تخليهم يقولوا اننا إخواتهم. يمكن لما حازم كبر وبقا هو الدرع اللي بيحمينا شويه منهم ومنه كمان. لكن نيروز وإخواتها مكنش عندهم اللي يقف يصد لكل اللي شافوه. يمكن ياسمين كانت زي حازم كده وأصعب بس فالأول والآخر حقيقة إن مكنش ليهم ضهر كانت بتكسرهم وهي كانت بتضغطهم من الناحية دي وبتيجي عليهم. بس فالفتره الٱخيره لما لقيت كل محاولاتها إنها تقرب من فريدة وإنها تكون أحسن. حسيت إني بنسى كل ده وحسيت إني بفكر أديها فرصه بس خوفت!!!"
ابتسم على لين قلبها فحثها بدون مقدمات وهو يقول:
"سامحي يا "جميلة". إنتي خوفتي بس حسيتي إنك عايزه تديها فرصه عشان إنتي طيبه وقلبك جميل زيك. بس فكري زي ما بتفكري تاني. صدقيني اللي بيحاول أحسن بكتير من اللي واقف عند نقطة معينة ومبيحاولش!!"
قارنها بشقيقته. تنفست بعمق وهي تحرك رأسها بتفكير. فأمسك كفها برفق. في حين وقفت "نيروز" من على بعد منهم فالشرفة. انخرط معهم كي يقوم هو الٱخر بالاتصال بالعربات الكبرى مع "حازم". لتأتي ووسط هذا الإنشغال وجدوا من يدق جرس الشقة وبجانبه "منة". أسرع "شادي" يرحب بهم بحرارة ودخل "طارق" يرحب بالشباب و"حامد". في حين وقفت "منه" تحتضن الفتيات. وخرجت "نيروز" من الشرفة فوجدته متجهاً لها. أمعن النظر بعينيها ثم قال يسألها بإهتمام:
"إنتي كويسه؟"
"أه!"
قالتها "نيروز" بإختصار وهي تتخطاه ولا تعلم لما تود معاملته كذلك. في الأصل لم يغيب عن بالها ما رأته في الأعلى وهذا يثير غرابتها وخوفها فنفس الوقت. تخطته بتجاهل. بل ومن المفترض بأن هو من يعاملها كذلك لاخفائها ما يود مصارحتها به!!
عقد ما بين حاجبيه بغرابة من تعاملها المفاجئ ذلك. وجد "حامد" ينظر له وهو يشير قائلاً بصوت مرتفع:
"يلا العربيات جت تحت!!"
خرجوا جميعاً، واحد تلو الآخر، ناحية شقة "عايدة"، بتهليل بـ "عز" الذي أغلق الخط مع "حنان" عندما كان يؤكد عليه بأن تفتح البوابة على آخرها ومن ثم باب شقته هو فالأعلى. في حين تجمع الكل بشقة "عايدة" كي يستعدوا في حمل الأشياء. وأتى أصدقاء "عز"، فالأسفل والأعلى، والذين يعملون معه في "الورشة"، وكذلك بعض من معارف "حازم" وأصدقائه هو الآخر.
دخل الشباب الشقة الذي فتح بابها على مصرعيها. ثم وقفت النساء على أعتاب باب شقة "سمية" وشقة "دلال" ينظرن على البهجة التي تحدث. في حين ترقبت حواسها وخفق قلبها عندما وجدته من بينهم. تلهفت "دلال" لتتأكد بأنه هو، وعندما دار وجهه وجدت لاصق طبي على مقدمة رأسه وملابسه لم تكن مثل الآخر. لم تعلم هي من ذلك، بل تعلم بسبب شعور الأم.
وجدت من يدفعها بلهفة وفرحة، ولم تكن سوى "وسام" وهي تعلم والدتها ما تعتقد بأنها لم تعلمه:
"ماما.. بسام هنا.. بسام جه!!"
وقفت تنظر بمفاجأة هي والأخرى. إلى أن لاحظ هو وهو يخرج حاملاً علبة متوسطة الحجم. هرب بنظاره وهو يتوجه بها نحو الأسفل، شاعراً بمدى اشتياقهم له، وكذلك هو، ولكنه قادر على ضغط ذلك الشعور وتحمله. في حين تجاهل وجود "غسان" الذي رآه وتعمد تجاهله هو الآخر. وكذلك "حامد" الذي يحافظ على صرامته وعلى أن لا ينهزم أمام عاطفته هذه، متجاهلاً هو الآخر رغم عنه.
وقف يتحدث مع السائقين، وخلال وقت قصير كانت العربات متجهزة لحد كبير، ينتظرون تجمع البقية. صعد الشباب مرة أخرى ليتمموا على الأشياء وخلوها بالفعل، في حين كان صعودهما بجانب بعضهما دون أن يأخذ واحد منهما انتباهه لوجود الآخر بجانبه.
كان "غسان" يأخذ انتباهه له. وعندما وجد شقيقته تقف بجانب والدته بمفردهما ودخول الفتيات للشرفة لينظرن منها. توجه يقف بمقابلتهم بحدة، كمثل نبرته وهو يحثهم بخشونة:
"إنتوا واقفين كده ليه؟ أدخلوا جوه!!"
غيره، أم حمقة رجل شرقي. اهتزت ملامح "وسام" وهي تلبي ما قاله. في حين وقفت "دلال" تتوسله بنبرة مترجية:
"ابعتلي أخوك يا غسان. ابعتهولي أشوفه!!"
وقبل أن يرد عليها، وجده يردد من خلفه بابتسامة صغيرة متألمة لها:
"إذيك يا ماما؟"
تقدمت بلهفة ودفعته كي تحتضنه بشوق وبكت في أحضانه، تزامناً مع تعلق نظراته بها وهو يضمها إليه هو الآخر، محركاً عينيه نحو نظرات "غسان" له، والذي أشار لـ "وسام" أن تأتي كي ترحب به. جاءت بتوتر وهي تعدل حجابها، وخرجت بلهفة. ثم وجدته يفرد لها ذراعه الآخر كي يحتضنها بحب وشوق هو الآخر.
خرجا من أحضانه، فسحبته "دلال" رغماً عنه وهي تقول بلهفة:
"تعالى ادخل. أدخل شكلك هتان كده ليه.. مبتاكلش ولا ايه؟"
وقف "بسام" بحزم قبل أن يصبح بالداخل، ثم حرك رأسه نفياً وهو يقول:
"مش هقدر أدخل. أنا همشي عشان أكون مع عز هناك وهرجع للي كنت فيه تاني. عايزه حاجة؟"
"عايزاك ترجع بيتك وحضن أمك يا بني. متعملش فيا كده حرام عليك!!"
قالتها "دلال" بتحشرج أمام ذلك الواقف، فحرك عينيه لها ثم قال بتهكم مخفي:
"بيت أبويا اللي إطردت منه؟"
وقبل أن تجيب، وجدت "غسان" يندفع بقوله له، مخرجاً الصرامة بحديثه عندما وجد طريقته هذه في الحديث:
"أبوك وجزمته فوق رقبتك طول العمر!!"
حدقته "دلال" بلوم وتوسل على أن يصمت. فلاحظ هو وجود "حامد" من خلفهم، والذي توجه ليقف بمقابلتهم وهو يوزع نظراته بينهم، مردداً بجدية:
"هي الشقة ضيقة لما إنتوا واقفينلي كده هنا؟"
حرك عينيه نحوه، فوجد "بسام" نفسه محاصر بين ما يتوجب عليه قوله له. فردد بهدوء كمثل نبرته التي خرجت:
"إذيك يا بابا؟"
"على حسب، إن كنت راجع عشان ولا منفرقش معاك من أصله؟"
وجد الحزم والجدية في نبرته له، فوزع نظراته بينهم وهو واقف، ثم قال بضغط:
"طول عمركم فارقين. مش هكبر على أبويا اللي رباني وعلمني!!"
"وكبرت وكان اللي كان ونسيت إن ابوك لسه بصحته يا بن حامد ولسه قادر يربيك لو كنت مش متربي!!"
اقترب "بسام" يقبل قمة رأسه، ومازال يعاند عندما قال بعكس ما يفعله:
"وأنا مش جاي في عتاب. أنا راجع تاني. وعمري ما أكبر عليك. وإن كنت عايز أسف، فحقك فوق راسي!!"
يعلم بأنه أردفها كي يستطيع الهروب مرة أخرى. تركه يقبل قمة رأسه، ومن ثم رد عليه بجدية:
"ويفيد بإيه لو مش جاي من ندمك. وإن كنت قاصد تربي ابوك عشان متدخلش البيت، فالبيت بيت أبوك. بيتي يعني مش هتحايل عليك تدخله زي ما حالف إنك مش داخله غير لما تعرف إنت عملت معايا ايه وغلطت ازاي!!"
رفع عينيه ينظر على رأسه الموضوع عليها لاصق طبي. فلاحظ الآخر محط أنظاره، لذا أومأ لهم، ثم التفت كي يسير للأسفل. فقاطعه نبرة "دلال"، الضعيفة وهي تقول بتوسل:
"متمشيش يا بسام. علشان خاطر أمك حتى!!"
"وعشان خاطري؟"
قالتها "وسام"، بتوسل آخر. فابتسم لهم، ثم قال بتحسر لديه وقهر لدى الآخر:
"معلش.. ربنا يخلي لكم غسان!!"
دخل المصعد من بعدها كي يهبط للأسفل. تزامناً مع إغماض عيني "غسان" بضغط بما يصر عليه شقيقه. دخلت "دلال"، باكية تساندها "وسام". ووقف "حامد"، يطالع الآخر بصمت، ثم بحزم يعلمه بأنه ليس مغفل:
"اوعي تفكر أن ابوك كبر وخرف لما تروح تخليه يقعد فمكان أنا مستبعدوش. ولا لما تاخد كتبه وحاجته من أوضته وأنا مش شايفك. ولا هستبعد كمان انك روحتله النهارده عشان وشك يبقي مقلوب كده!!"
نظر له "غسان" بدهشة مخفية، ثم قال بغير اكتراث:
"وأنا مقولتش إني خايف لتعرف. او حتى خايف لتشوفني. أنا متسحبتش من وراك. أنا راجل يا حج حامد ومسئول!!"
"مسئول من نفسك ومن مراتك. وراجل على أي حد إلا أبوك. وأخوك مش صغير. أخوك قادر يرجع من نفسه من غيرك. فبلاش تضغط نفسك وإنت عارف إن دماغه زي الباب ده. وإن رجع هيرجع بعد ما ينفذ كل اللي هو عاوزه وبس!!"
لاحظ انسحاب والدته وشقيقته. فتنهد بتعب من ذلك الحوار الذي يهلكه نفسياً ويضغطه بالفعل. حرك رأسه بملل، فظ منه معهود بالنسبة لمن يعرفهم منه! لذا حرك "حامد" رأسه بتعب، وهذه المرة تعبه يظهر على ملامحه من كبت حزنه وضغوطه بداخله، خاصة أمور "بسام" التي تتبدل وكأنه يرى آخر به!! سبق لأسفل دون أن ينبس كلمة واحدة.
في حين سمع تجهيز النساء وهن يخرجن من الشقق تحت حديث "عايدة" الحازم لـ "جميلة":
"قولتلك يا جميلة عندي مفيش بنات تروح تجهز شقتها بنفسها. ياسمين ونيروز كان ليهم ظروفهم. دا فال مش كويس. أدخلي خليكي قاعدة مع ياسمين يلا إنتي ونيروز. وفريدة ووردة وطنطك دلال هيجوا معايا. ووسام قاعدة عشان مذاكراتها يعني كلهم هنا أهم. اسمعي كلام أمك بقا وريحيها!!"
عادات وتقاليد تتغير من منظور لآخر ومن واحدة لأخرى. نظرت لها بضيق مخفي ولم تتعمد المواجهة والإصرار، بل عانقتها بصمت، وهي تراها تهبط في المصعد. وبيديها حقائب أخرى، ومن جانبها "فريدة" التي خرجت بصحبة "وردة" التي تركت الصغير مع "نيروز" وهي تودعهم. جاب عينيها كل شيء، ولم تتخطى وقوفه وهو يتحدث بالهاتف لهم في الأسفل.
في حين خرجت "دلال" تهرول بعدما أشارت له بأنها ستهبط هي الأخرى لتلاحقهم. في حين وقفت تنظر له بانتظار وهي تداعب "يامن" وشعور الضيق الذي يوجد بداخلها منه لا تستطيع ما سببه، سوى عندما تتذكر بطاقة الطبيب النفسي معه، مما يبث بها بعد القلق والوسوسة التي تثير شكها بأن الموضوع بالفعل له علاقة بها!!
فاقت من شرودها على سؤاله المهتم بوقفتها إلى الآن:
"واقفة كده ليه؟ ما تدخلي جوه!!"
كان القول عادياً جداً، مجرد اهتمام هادئ خرج منه ليطمئن بخفة عادية قبل أن يرحل. ولكنها استشعرت الاندفاع في نبرته، فقلبت عينيها بغيظ، ثم تحاملت على نفسها قائلة له:
"مش فاهمة وقفتي ممكن تضايقك فـ إيه؟ أكيد مش واقفة على راسك!!"
رفع حاجبه بغرابة من ردها وكاد أن يجيب بفظاظة. وعندما لاحظ غيرهما، أشار بعينيه وهو يرى من السكان ما يهبط من على الدرج المقابل لهم. فهمت معنى نظراته فدخلت مع الصغير، تزامناً مع سيره هو الآخر للأسفل ليمشي خلف السيارات ليحمل معهم ومع الشباب ما سيهبط صعوداً لشقة "عز". ومن ثم العودة وترك بقية الأمور للنساء وترتيبهن.
وفي الداخل كانت جلسة الفتيات مع بعضهن متسلية وبين حديث لآخر وسط "جميلة" و"منة" و"ياسمين" و"نيروز". وكانت "سمية" في الداخل تنفرد بتعبها الذي يزول رويداً رويداً. صاحت "ياسمين" بغرابة تسأل "نيروز":
"هو إنتي مفتحتيش النهاردة المحل يا نيروز؟"
"مش فاهمة هفتحه إزاي واحنا ملبوخين فالظرف ده!!"
قالتها "نيروز" وهي تستشعر غباءها، فتثاءبت بتعب، ثم اعتدلت سريعاً تحمسها قائلة باقتراح، قاصدة وبقوة إخراجها من حالة الضيق التي انتابتها دون أن تعلم ما سببها وبالأخرى "جميلة":
"طيب إيه رأيك تنزلوا تقعدوا فيه، وأنا هقعد أنا مع ماما وخدوا يامن، أهو تفكوا عن نفسكم شوية أصل بصراحة وجودكم معايا هنا خطر لأني هموت وأشغل أغاني وأرقص وحازم محلفني ومستحلفلي، وبعدين مش فاهمة ليه مفيش زغاريط كده ما تفكي يختي إنتي وهي هي الفرحة يعني بتيجي كام مرة!!"
تعالت الضحكات بخفة عليها بيأس، فأشارت "منة" على عينيها بترحيب، حتى قامت بفعل زعروطة قوية جعلتهن يصفقن بحرارة وتشجيع لها. لاقت الفكرة استحسان "نيروز" فنهضت ترفع عينيها على ميدالية المفاتيح على الطاولة ثم قالت بحماس طفيف:
"طب يلا بينا!!"
نهضت "منة" بلهفة، مع "جميلة" التي أمسكت يدي "يامن" برفق، تزامناً مع إكمال "نيروز" للحديث:
"وخدي بالك من ماما يا ياسمين، إحنا مش هنطول برضو!"
أومأت لها بابتسامة هادئة حتى وجدت "منة" و"جميلة" يسبقان، فتحركت "نيروز" وقاطع سيرها مسك ذراعها بواسطة "ياسمين" التي ابتسمت لها برفق، عكس الملامح التي توحي بالخفة والمرح الممزوج بالشراسة الخارجية فقط أغلب الوقت:
"مصيري أعرف مالك يا روز، فيكي حاجة مش مظبوطة ومتقنعنيش إن ده وشك وإنتي فرحانة لـ جميلة حبيبتك!!"
لم تقصد أن تتوتر ملامحها بل ابتسمت ببساطة ثم قالت بجهل لشعورها:
"أنا كويسة مفيش حاجة، أنا بس مزاجي متقلب اليومين دول، إنتي عارفة!!"
ابتسامة هادئة لاحت على شفتيها وهي تعانقها أولاً بعينيها الخضراء ومن ثم ذراعيها اللذان غمرهما الدفء الخاص بها هي وحدها "ياسمين" التي تحتوي أكثر من أن تُحتوى، تبث الأمان دوماً بمن حولها مهما كانت فاقدة له. خرجت من أحضانها ثم وضعت يديها على معدتها برفق، وهي تقول بسعادة هادئة كملامحها:
"النونة هتاخد حنان يا بختها بيه!!"
ضحكت عليها "ياسمين" وهي تنظر بتأثر لما تفعله ثم قالت بحيرة تقلب الوضع المتأثر لآخر مبهم:
"تفتكري بنت ولا ولد؟"
"أكيد كل حاجة من عند ربنا حلوة، بس إنتي تتمني إيه؟"
قالتها بفضول، غير عابئة بانخراطها معها في الأحداث متناسية من ينتظرها في الأسفل بعدما هبطا معاً. وجدت المشاكسة تغلب دائماً في ردها وهي تقول:
"والله لو ولد حلو زي حازومي فمعنديش مانع، أما بقا لو بنت حلوة كده وعينيها خضرا زيي وزي وردة وبابا، وبيضه زي سمية وشعرها بني زيك فأنا بردو مش ممانعة!!"
إعتلت ضحكات "نيروز" عليها ثم أشارت نحو عقلها وكأنها ترسل لها بأنها مختلة تريد كل ذلك مدعية بأنها أبسط الأشياء. ولما لا؟ تحركت على الفور تدخل إلى غرفة والدتها تنعم بالراحة بين أحضانها تشاكسها وتثير حقنها كالعادة، وكيف لم تفعل وهي "ياسمين"؟ وتزامناً مع ذلك صوت إغلاق باب الشقة خلف "نيروز" التي ضاعت بين أفكارها تتوه مرة أخرى. ورغم أن كان الأمر يخصها فما المشكلة؟ بل وتأتي عند أصغر الأشياء أحياناً وتقوم بتهليل الوضع. أم أن ضغطها بما حدث لها فالفترة الماضية يلح عليها بأن تأخذ كل الأمور بحساسية كبرى. أم أنها تشعر بالضيق لأنها تعلم تمام العلم بأنه يخفي شيئاً موجعاً يحاول إخفاءه وهذا لم يكن منذ الآن ولا من اليوم بل من أيام عدة مرت.
لا تنكر بأنها تابعت الحوار بين "حامد" وعائلته عند مقابلتهم لـ "بسام"، التي تعمدت عدم الخروج. كانت بطريقها للشقة الأخرى ووقفت منتظرة رغماً عنها تنظر من على بعد لملامحه الهادئة والتي تتشنج بحسرة وعدم إعجاب لكل قول كان يردفه "بسام". وللحق اعتبرت هي حديث "بسام" فاتر لا تعلم لم؟ تقارنه بزوجها؟ ربما لأنها اعتادت على حنوه مع الكل خاصة عائلته قبلها حتى. تقارن؟ وهما اللذان يشبهان بعضهما لحد كبير. يبدو أن المقارنة ليست بالشبه بل كانت بالجوهر الداخلي. الجوهر الذي يثير غرابتها في بعض الأحيان. تارة تستشعره حنوناً هادئاً ليناً لم تر مثله من قبل سوى والدها ومن ثم تارة تجده أهوج غير عاقل مندفع، يثير خوفها التي تداريه عنه قاصدة بظهور شراستها كي لا يعتبرها ضعيفة. ورغم تعمق الحب منها له ولكنها معه وتعلم وهي معه بأنه لما كان سيتفق معها لولا أن هذه كانت شخصيتها معه. لا يريد التي تتهاون فيصدها كل الصد بفظاظة وتبجح. بل ذكية تعلم متى تقوى ومتى ترخى ومتى تصر ومتى تلين ومتى تنتقد ومتى تتفق معه. وقت بوقت تعلم مخارج ومداخل عقله. أو هكذا تعتقد.
ربما لأنها تراه ينسى ويتهون معها هي بالذات يتنازل عن أشياء لا يتنازل عنها مع أخرى أو آخرون. أم أنه لم يخطر على بالها بأن قول والدته لها منذ بداية علاقتهما هو الصحيح عندما ردت عليها "بأنه يصبر لحد معين، وحدته يفوق بها الكثير وحتى إن عاتبها فيدفن هو إلى حين الانفجار الأخير". كيف لم ترى الانفجار الأخير إلى الآن؟ تراه بصور متقطعة. تتجاهل القول، ولكنها لم تتجاهل ما تفكر به من كثير. ولم تتجاهل ما يجعل ملامحه متهجمة تارة وأخرى يغصب نفسه على التبسم والانخراط والمرح كي يساند "عز" والعائلة بلحظة كهذه.
لمحة من خمس دقائق هناك أمام شقة "عز" الذي يصعد ويحمل هو الآخر مع الشباب، و بتهليل وبهجة كبرى. مع وقوف السيارات في الأسفل تنتظر فقد هبوط الشباب بعد حمل مرهق سعيد بمشاركة مناسبة كهذه مع "عز" وشعور "شادي" هو الآخر بأنه عريس مثل الأول تماماً يساندان بعضهما في بداية طريق لصداقة قوية وليست كمعرفية في البداية. الدقائق تمر، وتنتهي بوقوف "عز" بجانب والدة "جميلة" إن احتاجت إلى أي شيء ومعهم "حنان" التي تحاول تخطي مشهد "فرح" الذي ينخر بقلبها. ثمة شعور مغمور بالأمل لم يأتِ سوى بثقتها بالله وقربها منه بأنها ستصبح بخير لا محال. ووقف "حازم" بيأس يستمع إلى حديث "عايدة" وهي تنبهه وتمليه بأشياء واجب عليه القدوم بها من شقتها.
رحل بعدما أومأ لها بطاعة، رغم رؤيته لتفاهة ما تمليه عليه أمور نساء.
هكذا ضحك "غسان" وشاكسها بالقول وهما يهبطان معًا كي يرحلا بعد انتظار "بدر" و"حامد" و"شادي" لهما، وربما سيلاحقهما "عز" بوقت لاحق بعد انتهاء مساندته لهن. فهو الرجل بينهن الآن.
"خدي دي يا جميلة وحطي فيها اللي شكله دبل!"
أردفت "نيروز" بهذه الجملة بابتسامة على من نويا المساعدة لها، من "جميلة" و"منة" اللتان سارا بجانب بعضهما يتحدثان وهما يلتقطان ما قالته لهما "نيروز" المنشغلة بكنس المكان وشغل عقل "يامن" الصغير وهي تعطيه الهاتف. في حين كان حديث "منة" هادئًا، ساكنًا، غير مرح بشدة بعد علمها لما حدث لـ "فرح" التي حزنت من أجلها.
"هو إنتي مش عارفه تعيشي اللحظه ليه يا جميلة وتتبسطي بالخطوه اللي حصلت دي!"
تستشعر حزنها الطاغي على ملامحها، لذا ترقبت ملامح الأخرى وهي ترفع عينيها متنهدة بحرارة، مصرحة:
"مش عارفه يا 'منة' بس أنا حاسة إن 'عز' مش مبسوط أو مش عارف يفرح. مش زعلانة من ده، لأنه حقه وأخته. أنا اللي مزعلني إنه بيغصب نفسه يفرح عشان بس أشوف فرحته ومتأثرش!"
قالتها بتنهيدة متعبة ثم واصلت بخجل، تقلب المضمون لآخر تجهل به:
"بصراحة كل ما أقف قصاده بقوله أنا معاك ومش هسيبك. عايزة أساعده وأساعد فرح. عايزة أقوله إزاي أساعدك وأخفف عنه بس مبعرفش. حتى الكلام مبفهمش فيه وبيخرج مش متزوق كده. بحس إني جافة وفاترة وأنا مش عارفه أقول إيه. أنا فعلاً يا 'منة' مش بعرف أقول حلو أو أحاول متحرجش وأنا بقوله.. صح؟"
ضحكت "منة" بخفة وهي تضرب كتفيها بمرح، قائلة بمزاح:
"وعلى كده شادي يدبحني بسكينة ولا قرن غزال!"
ضحكت عليها فواصلت "منة" تكمل بعدما هدأت من ضحكتها:
"بعيدًا عن الموضوع ده كله عاوزة أقولك إن الكلام الحلو ليه تأثير ومش هanceledشك في ده. وإن الكلمة الحلوة بتجبر الخاطر وقادرة تصنع يوم كامل بدايته متبشرش إنها الطف حاجة. بس إنتي عارفة بقا لو رجعنا لموضوعك؟"
أضافت بصدق وعمق مباشرة:
"فعرف اللي إنت فيه يستي فأنا أحسن حاجة بجد إن كلامك كله يكون صادق خارج من شعورك وقلبك دوغري كده من غير تفكير ولا تغيير بالتبرير والمحاولة عشان تبيني حبك أكتر. اللي بيحب بجد ببقي شايف وقاري كويس كلام العين اللي بيتقال قبل اللسان اللي يا إما يوقع وبينك هبلة، يا إما يتكلم وهو مغيب كده وواخد أمر من القلب علطول يقول اللي حفظهوله. وإنتي قلبك قليل الكلام بس صريح أوي ومفهوش تزويق!"
مشكلة تهاجم البعض، قلة الحديث وعم الخبرة بأن تجيده كي تشرح له مدى حبها. أعجبت بمدى عمق حديثها وتبريرها الذي وضح لها بأنها هي كما هي، وبل هو يتفهم ذلك.
"وبعدين إنتي مش بتعرفي تعبري ولا حاجة، إنتي بس كل ما وقت بيعدي بتندمجي أكتر ودا فأي حاجة مش فكده بس. أنا عرفت شادي وشادي عرفني وجه اتقدملي من غير ما أبل ريقه بكلمة عدلة إلا بس لما حسيتها واعترفتله بحبي. مكانش اللي يخليني أكون محتاجة أظهر ليه ده، ودلوقتي. وجه ودخل بيتي وقبل دا كان بيلاحقني رغم الصد مني ليه ورغم إنه افتقر الكلام بتاع الحب ده بس داخل واثق من نفسه أوي إني واقعة فيه. مش فاهمة جايب الثقة دي منين ابن الـ..."
قالتها بحيرة وكبرياء أنثى يعلم الجميع بأنه أوقعها بشباكه بخفة، بطريقته الخاصة والخبيرة والذي وجد بها صعوبة، لم يراها بأنثى قبلها. ضحكت "جميلة" وهي تشاكسها ثم غمزت تمازحها بمرح:
"طب ما إنتِ واقعة يا دوك!!"
وقبل أن تكمل أكثر وجدا جملة "نيروز" الساخرة بضحك، على حديث "منة":
"علشان الرجالة بتحب الصعب يا 'منة'، والسهل عمره ما بيشدهم!"
لم تقع به بطريقة سهلة، كل ما داهمها من ضغوطات وعقبات لا يكفي لشرح الوضع. ولم يأخذ "عز" "جميلة" على طبق من ذهب هو الآخر. وحتى "شادي" ورغم السرعة إلا أنه ذاق مرارة بطء الوصول بشدتها عليه. ربما الدافع الحب العميق، الهادئ، الذي يجذب الأنفس بسهولة فتتلاحم السهولة مع صعوبة ما يوجد في طريق الوصول. ربما. ربما.
"مفيش حاجة بتيجي بسهولة ولا بردو حاجة بتعدي بسهولة. ياريتها كانت كده. مكانتش الدنيا دي بقت صعبة على واحد وقاسية على التاني ومش عادلة مع التالت. مهما كان لو في حاجة سهلة جت مرة واحدة فالصعب أكيد شوفناه كتير قبلها ودافعين التمن غالي أوي!"
قول "جميلة" وهي لا تتذكر سوى القسوة التي كانت تقابلها بتجاهل وكأن الوضع طبيعي. ذهنها يشرد بالمعاناة، ولم تجد الآن سوى عائلتها بجانبها وهن أيضًا. الدفء.. الأمان.. السند.. الظهر. هم بها وبالأخص هو "حازم" الذي كان من قبل من تختاره دقة من دقات قلبها ومن ثم تسير بقية الدقات على نهج حب "عز الرجال". لمحة وبصمة من والدها بالطبع لم تمحي بداخلها بسهولة ألا يظهر بأنها تفكر به مرارًا وتكرارًا. بل واليوم تشعر بشعور قاسٍ يعصر قلبها. من المفترض بأن يكون هنا، سندها بجانبها، يشاركها فرحتها، يأخذها بين أحضانه ممليًا عليها كلمات حزينة بقرب الفراق من بيتها التي عاشت ملكة به. وأي ملكة؟ وأي أحضان وهي لم تراها منه من قبل؟ وأي سند من الأساس لطالما كانت هذه الصورة في الظاهر فقط؟ فرت دمعة متمرده منها، واحدة فقط تهبط على وجنتيها بكسرة. واحدة. وللحق لا يستحق قطرة صغيرة تكاد تكون معدومة وليست دمعة بأكملها تسرى وعلى وجهها وتهبط. وقبل أن تختفي وتهبط أخرى وجدت يديها الحانية تمسحها برفق، وهي تخرجها من شرودها مع ذهاب "منة" قبل قليل تداعب "يامن" وهي تشاهد معه:
"يعني مش شايفة إن حازم وعز كفاية؟ أو حتى من غيرهم مش شايفة إن دموعك دي صعبة أوي عليا يا جميلة؟ حاسة بيكي وعارفة كمان إن إحساسك ميساويش حاجة جنبي. الوضع مختلف بس الظرف ورد الفعل واحد. علشان كده مش عايزة أقولي تسكتي لدماغك دي وأفكارها. فكري إنك داخلة حياة جديدة بعد فترة مع عز اللي انتي بتحبيه من زمان وبتكذبي نفسك. وصدقي كمان إن أنا مش هسيب دموعك دي تنزل. وإن أخواتك البنات فضهرك. تعرفي إني من كام يوم كنت بدردش مع غسان وحكيتله عن اللحظة دي واللي إنتي هتكوني فيها بردو. عارفة قالي إيه؟"
صمتت تنظر لها بتأثر، ثم مسحت وجهها برفق، وهي تنتظر الإجابة. فـ لبت لها "نيروز" غرضها وهي تضيف:
"قالي كلام بنسمعه ومبنفكرش فيه أوي من كثر ما بيتكرر على مسامعنا. بس لفت نظري حاجة فكلامه.. إنك هتقفي قدام ربنا وهو كمان. وهيسأله عنك وعن حقوقك اللي مخدتيهاش ولا حسيتيها. هيسأله وهو مش هيبقي عنده حتى التبريرات لكل ده. ساعتها هيبقي ليكي أسباب تدخلي الجنة بيها عشان بس اتظلمتي. مش مكفيكي إن ربنا معاكي وهياخد حقك؟"
لم تتفاجأ من طبيعة القول، تصبرها على الموعد النهائي. في حين بأن الحديث أتى منها هي كونها غير متهاونة شرسة في الخفاء تظهر بأنها ذات مخالب مكسورة ولكن باطنها غير ظاهرها. بطبيعتها الداخلية تنتظر العقاب وبانتصار من الآن كونها تثق بأن من تحزن لأجلها هي الطرف الفائز فالآخرة ليس إلا. وكيف سترى حديثها بمثل نظرتها له؟ لا مقارنة لعقل شرس في الخفاء وآخر هادئ ساكن لا يريد ضوضاء تثير احتكاكه حتى وإن كان الأمر يخصها. ذرة من السلبية ورغم عنها تكتسبها بسبب والداها ووالدتها.
ربما شعرت بالراحة أو أنها ليست بمفردها. تشعر بذلك، لذا عانقتها عناق مختلف تمامًا، عناق عميق تبث به كل منهما للأخرى مدى وصول الشعور بالامتنان لكل واحدة منهما للتي تعانقها. أتى صوته من خلفهما وهو يدخل من الباب أولًا، مرددًا لـ "نيروز" من على بعد، وهو يشير بتعب:
"معلش هاتيلي كرسي يا بنتي أرتاح!"
"حامد"، ولم يكن القول سوى له. لم ينتظر خروج "غسان" من السيارة. دخل "غسان" مع "بدر" و"شادي"، حتى توجه "غسان" يشير لها بأن تتوقف ليحمله له هو عندما لاحظ إنهاكه. لذا أعطاه له وهو يجلسه في الخارج أمام المحل ليواجهه هواء البحر من على بعد:
"أقعد يا حج وخد نفسك فالهواء وإرتاح!"
جعله يجلس بلهفة. فجلس "حامد"، وهو يبتسم له. تزامناً مع وقوف "شادي" مع "منة" وتحرك "جميلة" للأعلى بعد اتصال "حازم". في حين جلس "بدر" هو الآخر بجوار "عمه"، وصب "غسان" كوب من المياه له وهو يقدمه لـ "حامد" بحرص، مرددًا بإهتمام:
"إشرب دي.. خدت علاجك النهارده؟"
"هتفوت علي أمك يا خويا.. دا لما كنا متخانقين كانت بتيجي تحطه قدامي وتشاور بصباعها وتمشي!!"
ضحكوا عليه بشدة. حتى "نيروز" التي وقفت تستمع. فرد "بدر" سريعًا بمرح:
"ما تداري علي شمعتك يا عمي لاحسن تتحسد. معتش من مرات عمي اليومين دول. يا أما نكد يا إما نكد!!"
عقدت ما بين حاجبيها مندفعة وهي تلومه بتوبيخ لين خبيث:
"أفهم من كده إنك بتلقح علي أختي؟"
جاب "غسان" عينيه شراستها المخفية، ولا ينكر هو بأن غالباً يعجب بهذه الشراسة الذي لم يعرفها إلا عن قرب في بداية علاقتهما. ابتسم "غسان" وهو يسمع رد "بدر" المبرر بثبات:
"طب ازاي؟.. عمري ما ألقح علي مراتي أم ابني.. بالذات لو ام ابني دي تبقي وردة.. يعني وردة غير الورود اللي إنتي بتاجري فيها دي كلها!!"
داعب وجنتي "يامن" وهو يحمله على ساقه بحب. فابتسمت هي وقد هزمها رده ببراعة. عائلة البدري.. كيف لم يصدها في الرد؟ ضحك "حامد" رغماً عنه بخفة. ثم قال لها بوضوح:
"إنتي تشككي فأي حاجة إلا حب بدر لوردة. الاتنين اللي بحس فيهم التفاهم اللي من ريحة زمان اوي أيام العقل.. مش الجنان!!"
لمح لـ "غسان" الذي وسريعا حاول التخفيف عنه بطريقة غير مباشرة بسبب ملاحظته بأن ولده على غير طبيعي. ضرب "غسان" كف بكف ثم قال:
"لا اله الا الله.. ما انا واقف كافي خيري شري. ولا يكون نيروز إشتكتلك؟"
قالها وهو ينظر لها، فلم تبادله النظرات مبتسمة، بل كانت فاترة هادئة تتابع فقط. فسأله "حامد" بمراوغة:
"وهتشتكيك ليه؟"
رفع يديه يمسح طرف أنفه بخفة، وهو يثبت عينيه عليها مرددًا بشفرة:
"ليكون ابنك مش متفاهم؟"
تركته متنحنحة عندما شعرت بأنها تود الصعود للدخول إلى المرحاض. فابتسمت له قائلة بلطف:
"أنا هستأذن اطلع شوية وجاية. خلي بالك يا عمو إنت.. مش هتأخر!!"
قالتها بحكم جلوسه واشرافه كما قال لها "غسان". الذي لاحظ فتورها وهي تنسحب صاعدة. والظاهر بأن "حامد" و"بدر" انتبها لتجاهلها، فمن المفترض أن توصيه هو وهو الواقف ولم يصعد، بل لم تحدثه ولم ترد عن مرحه. تصنعا التجاهل لا يخصهما من الأساس. اعتدل "حامد" محاولاً أخذ أنفاسه وهو يسمع "غسان" يردد هو الآخر:
"وأنا شوية ونازل. المحل محلكم!!"
وكي يشعره بأنه بخير غمز له وهو و"بدر" وهو يضيف بمرح:
"خلي بالكم من عودة الوصال"
جملة عادية تماماً، ولكنها مختلفة. مختلفة كل الإختلاف بالنسبة لمن يخرج عن مشهدهم ذلك. وبالنسبة له هو أيضاً. عودة وصالهما وربطه بتحقيق أول خطوة من خطوات حلمها! ضحكوا عليه بخفة. وسرعان ما سمعوا صوت "منة" المرتقع وهي تحاول السير بعيداً عنه حانقة بصوتها:
"إنت مجنون يا بني ادم إنت؟ مرة عايز تبوسني زي الرخاص والتانية عايز تحضني هنا وفالمحل وع الشارع والناس. إنت بجح ولا حد قالك إني زي اللي كنت تعرفهم وهسمحلك بالقرف ده؟"
"قرف!!!"
نهض "بدر" وجلس "حامد" منتظراً ذلك الحوار ينتهي بتسلية وتشفي منه. لا يكف عن التحذيرات في التسرع والاندفاع والآخر لا يبالي!!!
"أه قرف.. وبقولك ايه بقا سكة ودوغري مش عاجبك نفضها سيره عادي وكل واحده يروح لحاله. ما أنا مش المفروض فالوقت اللي أطمنلك فيه تخوفني كده!!"
"في دكتورة تقول سكة ودوغري؟"
قالها "شادي" بإستنكار، وهو ينظر لها متعالياً. فحركت رأسها إيجاباً. ثم صدمها رده الجاد، وليس المرح والمراوغ ككل مرة:
"وبعدين ايه نفضها سيره دي؟ طب ما نفضها ولا إنتي فاكره إنك كده بتهدديني وتلوي دراعي؟ ايه يعني مديت دراعي احضنك بعفوية كرد مني ولا لحظة تأثر فالتانية وانتي قريبه. ما بتحصل!!"
أثار إنفعالها تمادية في الخطأ. وقبل أن يتحدث "بدر" ليعنفه، صاحت هي تخيره بإنفعال:
"لا أبدا.. مفيهاش حاجة. ترضاها علي أختك بقا؟"
"أه"
قالها ببساطة. فضحك "بدر" كي يهدأ الوضع ثم قال بصراحة، يقاطع صدمتها برده:
"ما أصل معندوش اخوات بنات!"
"ووسام دي ايه؟ مش تعتبر أخته وبنت الراجل المحترم ده؟"
رفع "حامد" كفه يستند ليقترب منهما. في حين حرك "شادي" رأسه بغيظ. كنبرته التي خرجت عليها بجمود لا تعهده:
"إنتي كده بتلبخي يا منة.."
وبلاش تختبري قوة تحمّلي، فاللي بتعمليه ده عشان ساعتها هتشوفي واحد تاني!
أمسك معصمها يأخذها لركن بعيد عن وقفة "حامد" الذي أمسك معصم "بدر" يقاطعه:
"الداخل ما بينهم خارج يا بني، دول أهبل من بعض.. سيبهم وشادي ليه كلام تاني معايا، بس بعد ما "منة" تمشي!"
وقف يلبي ما قاله الآخر وهما ينتظران في الخارج كما كانا، وأسنده "بدر" عندما لاحظ تعبه الخفيف. في حين نفض يديها بحدة ثم قال بجدية صارمة تخرج منه لأول مرة:
"أول حاجة، عليتي صوتك عليا.. وكمان في مكان المفروض يكون عام وقدامهم. تاني حاجة، بتدخلي طرف تالت بينا وإنتي قاصدة. هو حد كان قالك إنك هتبقي جامدة لما تعلي صوتك عليا وتهدديني؟!"
"أنا جامدة طول عمري!"
قالتها بإندفاع، فطالعها بتمعن ثم قال بغير إكتراث، وقحاً ممراً عينيه عليها:
"مش أوي!"
"ولما مش أوي خطبتني ليه؟!"
كانت جملة صادقة خرجت بنبرة أهدأ من قبل، فلم يعطيها الرد سوى عندما أمسك حقيبتها يعطيها لها وهو يقول:
"أنا بقول تمشي عشان بتخيبي أوي كل ما بنقرب على الجواز، وخفي بجاحة شوية وإحترمي نفسك بعد ما تحترميني الأول قدام أي حد!"
أمسكت الحقيبة بإندفاع، ثم قالت بجرأة، وهي ترمقه بحدة:
"وإنت محترمتش نفسك ليه، ولا إحترمت وجودهم، ولا حتى إحترمتني؟ أنا كده يا شادي وهفضل كده، وكونك بتحاول تفك حاجز المفروض إنه صح، فدا شئ بيخليني مطمنش مع إني بحبك ومطمنالك. أنا مبحبش الإسلوب ده ولا عمري عملته، وإنت للأسف مفكرني متساهلة من كتر ما قابلت رخاص. أنا دي مبادئي وأنت حر!"
إعتدلت متجهزة كي ترحل، ثم قالت قبل أن تسير بشكل منفعل:
"سلام"
تركته واقفاً ثم تخطته بسرعة، ولفح خصلات شعرها القصيرة إحدى وجنتيه وهي تتخطاه عن قرب. رحلت بغضب، بعد وصلة تأديب ظاهرة بأنهما مختلان تارة، وتارة هو المختل وهي الجادة صاحبة الحق، ولكن الأسلوب؟ بالصوت؟ مخطئ هو أكثر عنها ويعلم تماديه الذي حذره منه "غسان" و"حامد". يعتقدها مثلهن؟ أم أن حماسه يغلبه في كل مرة؟
ودعت "حامد" بسرعة قبل أن تفلت الدمعة التي تحبسها بعينيها. رحلت، وكان هو الذي يعتقد بأنه سيلحق بها كي يوصلها. اختفت عندما ركبت سيارة أجرة، رافضة قدوم "بدر" و"حامد". أيعقل أن ينقلب الحال، وكان في البداية مجرد مرح؟ عبث ليس إلا.
"كانوا بيقولوا لنا إن الحب بيجنن وبيخلي العقل طاير منه، فيخلي الواحد باين كأنه عنده ربع مهوي من دماغه. أما إنت فدماغك كلها مهوية وطايرة منك، وكأنك مراهق في بداية الطريق، مش شاب كبير عاقل وناضج وكلها أيام وتفتح بيت. طول ما إنت بتعاملها زي ما كنت بتعامل غيرها، فمش هترتاح في العلاقة دي وهتمل بسرعة أوي. لو بتحبها هتحسسها إنك أمين ومحافظ عليها لحد ما تبقي ليك، وساعتها إنت حر!"
يلومه "حامد" وغير قادر على الوقوف، بل يقف أمامه "شادي" الذي سكن وصمت يستمع، ثم قال يبرر:
"معرفتش أرد عليها، فكل مرة غير بالطريقة العفوية دي. هو أنا قولت إني متشكك فيها ولا بتسلى بيها؟ إنت مش فاهمني يا حج حامد، أنا بحبها!"
"عشان فاهمك بنصحك بكل هدوء إزاي تحافظ على بنات الناس. علشان أنا عندي القدرة إني أقوم أعاتبك على الكلام اللي بتقول إنك حاولت تعمله، ساعتها هتعرف عتابي هيبقى عامل إزاي. بس هعاتبك على إنك ابن حامد، يعني أخوه وسام، اللي البنت مغلطتش وهي بتقولك ترضاها عليها وسكت، معرفتش تجاوب ترضاها؟"
يسأله، توتر "بدر" من المشادة الكلامية على الرغم من أن الآخر يجلس. اعتدل "شادي" في وقته، ناظراً له بضيق من التخيل، وهو ينفي تلقائياً قائلاً:
"مرضاهاش طبعاً، على "وسام". ولو حد فكر يعمل معاها كدة هقطع رجله عنها!"
"وإن مكانش عند "منة" أخوات يقطعوا رجلك يا شادي؟ أو إن كانت "منة" بنت محترمة محافظة على نفسها لابن الحلال اللي هو أصلاً قرب يتجوزها؟ أو إن كانت بنت أبوها مربياها من غير أم توعيها أكتر عن حاجات متعرفهاش، بس طلعت واعية ومحترمة وقليل لما دا يحصل من غير أم... بطل تبقى مندفع وسريع وخليك عاقل ورزين، خسارة أخلاقها معاك."
وأكمل بعد كل ذلك التوبيخ بـ:
"لو مدايقك يا أخي تحفظاتها دي، سيبها وشوفلك واحدة نغشة!"
قالها بمكر، استشفه "بدر"، فنظر له "شادي" بصمت، ثم قال معارضاً، مشيراً له بعفوية وثقة:
"عمري ما هلاقي زي "منة"!"
إندفع "بدر" يقول تلقائياً بود:
"خلاص يبقى خليك عاقل اليومين دول وصالحها. ولو مش محترم يا أخى إحترم نفسك. حاول. عارف إنها صعبة بس حاول دلوقتي!"
ضحك رغماً عنه رغم ضيقه بما حدث، فنظر له "حامد" بصمت، وكانت النظرات عتاب يؤدبه به وكأنه صغير لا يفقه شيئاً. تجرع من المياه فقد جف حلقه، ثم عاد يستمع وهو يمسك "السبحة" لحديثهما العشوائي من قاعة الزفاف وموعده الأصلي وكل هذه الأمور وما شابه.
خرجت من مرحاض الغرفة بعدما ظلت هناك لدقائق. داهمها شعور "جميلة"، فبكت لأجلها، ومن ثم سرعان ما مسحت دموعها وهي تمسح وجهها وتخلع حجابها عنها كي تأخذ أنفاسها براحة. ولا تعلم لماذا يداهما الضيق منه ولأجله، ولم تحدد سبب فعلته هو لها إلا ما رأته بمحض الصدفة. خرجت "نيروز" تمرر يديها على خصلاتها كي ترجعها إلى الخلف بخفة، ثم أمسكت طرف الحجاب، تلاحظ جلوسه بل وإنسحابه خلفها، ووجوده الآن وهو يجلس على بعد منها في الشرفة المفتوحة يدخن سيجارته. جاب عينيها طيفها، والغريب بأنها تتعمد تجاهله عندما رمشت بأهدابها بعيداً عنه وهي تتوجه لتقف أمام المرآة.
هل ما رآه صحيح؟ عينيها متعكرة بها آثار دموع أم هبطت؟ نهض "غسان" يطفئ سيجارته بخفة، ثم خرج منسحباً متوجهاً ناحيتها وهي تعقد حجابها براحة وبطء. وضع كفيه على كتفيها كي يديرها له بحركة خفيفة، فتماشت مع حركته وهي تقف بمقابلته، ولم ترفع عينيها له إلا عندما لامست أنامله الخشنة ذقنها ليرفع وجهها أمام أنظارها سائلاً بتشكك به من الإهتمام ما ظهر لها:
"معيطة ليه؟"
رفعت "نيروز" عينيها تقابل عينيه المتفحصة لملامحها بإنتظار للجواب الذي جهله، بل ويجهل حالها الغريب هذا والفاتر. رفعت يديها تهبط يديه من على وجهها، ثم قالت محاولة الفرار من نظراته الثاقبة:
"معيطش!"
تنفي ولا تشعر بأن النفي خرج منها بحدة بالغة كافية لتهجم ملامحه وهو يسألها بتشنج، يعلن حيرته عندما سألها بتوبيخ:
"ما تتظبطي! إنت بتردي عليا كده ليه؟"
"عادي!"
عادياً؟ استنكر هذا بنظراته، فوجدها تكمل بضيق هادئ بنفس التوبيخ وهي تلتفت ناظرة للمرآة مرة أخرى:
"عايزني أرد عليك ازاي يعني؟"
ضغط على فكه متحلياً بالصبر حتى أدارها ناحيته بإندفاع هذه المرة مردداً بفظاظة أتت من كبت غضبه منها، ثم أخرج ما يكبته منذ أمس بالأسلوب قبل الكلمات حينما قال:
"إنت بجحة كده إزاي؟ جاية تتكلمي معايا بالبرود ده وكمان مبترديش عليا؟ مين فينا اللي يعمل كده بالظبط؟"
جهلت نصف حديثه وانفعالها جعلها تتغاضى السؤال بغرابة، بل عقدت ما بين حاجبيها ترد بدفاع منفعل:
"وإنت تعمل كده ليه؟"
سيخرج لها الكلمات المرتفعة الآن بصوته مع حديث يكبته منها. أخرج أنفاسه بصوت، ثم قال بنبرة أكثر إرتفاعاً:
"عشان خبيتي عليا حاجة."
ما كانش لازم تخبيها. ولما عرفتها ما عرفتهاش منك. ولما واجهتك ووقفت، أتمنى تصارحيني. سكتي وحورتي وعدّيتها زي ما بعدّي حاجات كتير. واعرفي إني مش ناسي بسهولة كده، وصابر عليكي للآخر!
وجدت الأسلوب الفظ المتبجح وكأنها أجرمت ولا تعلم. لما بدأ؟ ولما اندفع بهذا الانفعال؟ كي تنظر له بمفاجأة من رده. حتى عادت ترد:
"ما خيبتش عليك حاجة!"
انكمشت ملامحه بغضب من إصرارها. حتى عاد يرد بمواجهة: "وقحة!"
"أومال مين اللي شاف حسن؟ أمي ولا روح أمك؟"
ليس وقت للمفاجأة بعلمه. بل أثار انفعالها أكثر كلماته هذه. فردت ترفع يديها تحذره بحزم:
"إحترم نفسك!"
حرك غسان رأسه نفياً. ثم اعتدل أكثر بوقفته وردد بخشونة متبجحة، يهبط يديها من أمام وجهه بحركة خفيفة قائلاً:
"وأنا بقا قليل الأدب؟ وقبل ما تيجي تعلميني أم الأدب، روحي علمي نفسك إزاي ما تخبيش على جوزك حاجة زي دي. أو حتى، لما يبقى يواجهك، ابقي قولي. مش كل شوية هقعد أعديلك كلام وتصرفات. لو كانت العكس، عمرك ما كنتي هتعديها إنتي!"
"آه يعني شايل ومعبي مني؟ وأنا اللي بغلط طول الوقت، لكن إنت ملاك مبتعملش حاجة!"
وجدت أسلوب المراوغة بها. بل وكأن الأمر ينقص ذلك! كفى ما سمعه من شقيقه اليوم. تأتي وتكمل هي بهذه الطريقة دون برهان واحد يعلمه. لما؟ أخذ أنفاسه بتنهيدة مسموعة يحاول تجاهلها كي لا ينفعل عليها. حتى قال بدون مقدمات عندما وجد مرواغتها في الحديث معه:
"أنا مبحبش شغل اللف والدوران. يا تردي عليا من غير ما عقلك ده يخيب منك، يا تنقطينا بسكاتك، يا أخرس أنا بمعرفتي!"
تمنى عندما يصعد يريح ضغطه بعناق تبادر هي به كي يتنفس بارتياح. وها هي تارة تثبت له بأن لا مثيل لها، وتارة تريه بأن وحده من يحاول ويشعر بالطرف الآخر وليست هي! ثبتت عينيها بعينيه بقوة. فقابل نظراتها القوية بنظرة خالية من التعابير. تحولت للدهشة سريعاً عندما اندفعت تحدثه بظلم كلماتها عليه، مسرعة تتهمه بما لم تنتظر أدلته:
"لا بتحب اللف والدوران قد عينيك، بدليل كارت دكتور عاصم اللي معاك. فاكرني هبلة ومجنونة ومعرفش إنك بتروحله تسأل عني وكأني تعبانة فدماغي؟ ولما مش واثق في حالتي النفسية أوي كده، بتتجوزني وأنا مصارحاك ومعرفاك كل حاجة وإني مش تعبانة. ومرواحي عنده مش قانون. بتكذب وتحور وتعمل نفسك مش عارفه. وكل حاجة بانت من ساعة ما شفت رسالة الواتس وطَنّشت اللي بيقولك فيها ما تقولها إن أمها تعبانة وهي مش هترجع للي كانت فيه، وأنا واثق من ده. هو واثق وإنت لأ. ومفكر عقلي تعبان. وكأن ده هو الخوف عليا منك. ومدي للموضوع أكبر من حجمه وشاغل بالك بحاجة مش موجودة!"
تنزل عليه الاتهامات واحدة تلو الأخرى. بل ومعها الدليل برسالة الطبيب قبل فترة. أهكذا ربطت الأحداث ببعضها بالخطأ؟ صُدم من هجومها الغير مبرر. حتى حرك رأسه بغير تصديق لكل كلمة خرجت منها. والذي يثير انفعاله بأنها تشير بيديها أمامه بحركة منفعلة تجعله ينفعل عليها. عندما أمسك معصمها بغمضة عين ثم قال بجدية، ناظراً لها بإنفعال يحاول عدم خروجه:
"بتثبتيلي إن الدنيا لسه مجابتش اللي أغبى منك!"
فتحت عينيها من قوله الهازئ بها بشدة. ظهرت. حاولت التملص بيديها وهي تبكي تأويها بالوجع من ضغطه عليها. والذي عاد يردد لها بحدة:
"كل مرة بتتسرعي وتقولي كلام إنتي مش قده من الأول. مستعد أكررلك كام مرة دلوقتي؟ والأهم إني بعديلك في كل مرة وإنتي بتضغطي عليا ومبتتهاونيش في أي حاجة. مع إني بسيبلك كتير عشان لو ركزت أوي في اللي بتعمليه. ولو وقفتلك على الواحدة مش هتعمري معايا. وبعدها طبعي اللي غالب عليكي ده لحد دلوقتي هيتمسح بأستيكة!"
ابتلع ريقه ببطء وهو يهز يديها بتحذير. أتى بعده كلماته الجامدة. فأكمل بصرامة، يعلمها بأن هذه المرة غير المرات السابقة:
"وأنا مببرش لحد غيرك. والمرادي مش هبررلك زي كل مرة. وإفهميها زي ما تفهميها طالما لسه غبية وجبانة!"
ضغط على معصمها أكثر. فتاوت نيروز بصوت، وهي تكتم الدموع تزامناً مع لهجته التحذيرية الموبخة بنظرة عينيه الجافة عليها:
"وإيدك دي هقطعها لك قريب لو فضلتِ تتعاملي معايا وتشاوري بيها كدا قدامي. فاهمة ولا مش فاهمة؟"
هبطت دمعتها أخيراً بعد محاولتها بالتمسك. وهي تصرخ بصوت منخفض تنظر له بألم، موزعة نظراتها بين ضغطه على يديها وبين عينيه الحازمة بتحذير وإصرار على الضغط بمعصمها الصغير بين كفه الأكبر:
"سيب إيدي.. إيدي وجعتني حرام عليك!"
لأول مرة تخافه وتهابه بمثل هذه الطريقة. لم تختر هي الوقت المناسب أبداً. ضغط بالسوار في عزم انفعاله بضغط السوار على معصمها حتى جرحه جرح سطحي لم ينتبه له الاثنان. فقط تتوجع هي. ظل ممسك معصمها حتى نفضه. فتراجعت خطوة إلى الخلف أثر تركه لها وهي تمسك معصمها بوجع، تحاول الثبات مرة أخرى أمام حديثه الذي رد عليه جواباً على حديثها بألم معصمها:
"وإنتي مبتوجعيش لما كل شوية ترميلي كلام مبقاش ملاحق أصرفهولك منين؟ ولا مش حرام عليكي وإنتي ضغطاني قدامك عشان ببقى مجبر أعديلك وكله عشانك. في الآخر عشان مضغطكيش وحاسس بيكي وباللي فيكي وكل اللي بيحصل!"
اقترب أكثر بنفس الحدة والحزم حتى أصبحت محاصرة بنفسها بين الحائط من خلفها وبينه وهو واقف ينظر لها بصمت بعد هذه الكلمات. وصدره يعلو ويهبط من انفعاله والذي لم يخرج بقوة عليها إلى الآن. لأنها فقط نيروز. لم يقصد محاصرتها ولكنه وقف أمامها فأصبحت كذلك!! أهذا هو الانفجار؟ أم أن الانفجار بأنه سيأخذ ركناً منها بعد هذا الحديث؟ صمتت. ولا تعلم لماذا. وهي ترفع عينيها الآن بخوف تنظر نحو عينيه وعقلها يعلن لها جرس الإنذار بقربه هذا ونظرته. لم تبادله الشراسة. أين ذهبت منها؟ فهي في كل مرة تندفع بشراسة. وعندما لم يرى الشراسة بها هذه المرة وقف وأكمل بكل صراحة ما يشعره من ضغط منها ولأجلها. ورغم ذلك لا تقدر. من يقدر؟ سؤال ساخر سألته نفسه له عندما لم يجد من يوافقه تفكيراً ويشعر به دون حديث. كانت هي كذلك. ولما لم تكن الآن؟ بأكثر وقت يحتاجها به تعوضه عن قسوة الحديث. ورغم أنها تنتبه بأن به شيء لم تسأله ثانية. رغم أنه ينتظر السؤال بعشم كي يرمي بأحضانها يتنفس براحة. بل بكل بساطة تهاجمه وتلومه على جرم لم يفعله وليس لها صلة به من الأساس. خافت منه والخوف غريب. عندما وقف مقترباً. لم يذهب. وعندما وجدته شرد بعقل آخر تحت تأثرها. ومازال الانفعال رفيقه وهي تراه حركة قفصه الصدري يصعد بطريقة ملحوظة. مهلاً! في لحظة غضب ويقترب أكثر للتهديد. اندفعت سريعاً ترد على حديثه الأخير وهي تعتدل صارخة به بنبرة مرتفعة بخوف من عينيه:
"وإنت غبي ومعندكش إحساس ولا دم!"
هاجمته بالنبرة المتحشرجة ومن ثم بكت بآخرها بانهزام وهي تمسك معصمها بألم، وكأنها تسب نفسها بمثل هذه الكلمات التي من المفترض بأن يردفها هو لها. رمى لها نظرة ساكنة خالية حتى من حدته وجموده. بل رد بفتور يائس من اللوم:
"مبقاش راجل لو مديت إيدي عليكي يا نيروز دلوقتي حالا. ومبقاش راجل بردو لو قربتلك وعرفتك إزاي غبي ومعنديش إحساس ولا دم. مش حلو أثبتلك ده في لحظة زي دي!"
وقاحة بإثباته بأنه إلى الآن يتحملها لأجلها. كان صواباً بهذه اللحظة عندما تعمد تركها كي لا يتأزم الوضع أكثر حينما قال:
".. أنا ماشي.. وهسيبك لدماغك.. عشان ده أصعب!"
ذكرها بقول قالته. واعتبر أن هذا هو العقاب. تعالت أنفاسها بكتم البكاء وحتى من حديثه التي ترى جفاءه وغير اكتراثه بها لأول مرة بهذه الجدية. لا تعلم بأنها تضغط على جرح مفتوح. تحرك من أمامها للمرحاض في خارج الغرفة وليس لمن بالداخل. فأسندت رأسها على الحائط تبكي بصمت تحاول إيقافه وهي تحرك قدميها كي تغسل معصمها من الدماء الخافتة التي كانت عليه أثر ضغطه!
خرجت بعد دقائق تضع دهان يهدأ من الوجع. ثم لفت عليه شاش بسيط. كما لفت حجابها بحذر وحرص كي تهبط بعدما غسلت عينيها ووقفت تضع بها الكحل كي يخفي آثار دموعها!
كان يصعد من أجلها. ما هذا الوضع الساخر؟ هو من يحاول لأجلها في عزم وجعه فتشد الوجع أضعاف دون جهد. وكأنها أصبحت بارعة في ذلك! قدر حالتها النفسية لكثير ووضعها ومشاعرها المتضطربة وحالتها المرضية المؤقتة. وعندما زاد الوضع عن حده تعمد الصمت. ولكنها من أخرجت كل ذلك بداخله!
مسح "غسان" على خصلاته كي تخرج أصوات عقله، ثم اعتدل يمسح وجهه بالمنشفة التي وضعها على رقبته بإهمال، وهو يخرج متجهًا نحو الصالة التي خرجت هي بها متوجهة نحو باب الشقة بعد أن وضعت الحذاء أرضًا لترتديه قبل أن تهبط بصمت. كانت تتوقع تبجحه بقوله كلمات مماثلة مثل وجوب الاستئذان كونه زوجها، ولكنها لم تسمع ذلك منه بعد إغلاق باب الشقة، والذي أغلقته خلفها عندما وجدته يتجاهلها كليًا، وهو يجلس على الأريكة في الصالة مستغفرًا، ممسكًا المحرك باحثًا عن قناة القرآن الكريم، علّ الوضع من جميع النواحي يهدأ.
وفي الأسفل، لم تلبث سوى دقائق وهبطها المصعد لآخر طابق، حتى خرجت منه تمسح عينيها للتأكيد، متوجهة للخارج ثم للجانب بضع خطوات ودخلت المحل. فوجدت "حامد" جالسًا بالداخل هذه المرة، وعلى ساقه "يامن"، وجلس "شادي" بجانب "بدر".
"أومال فين غسان يا حبيبتي؟ قالي إنه نازل بسرعة!"
سألها "حامد" بحنو، فانتفضت بخفة غير ملحوظة وهي تحرك عينيها نحوه، والذي التقط بأن بها آثار دموع واضحة بسبب لونها البني الفاتح الواضح بنور النهار هذا. حاولت رسم ابتسامة مصطنعة ثم قالت بنبرة هادية:
"فوق لسه يا عمو، محتاج حاجة تحب أعملهالك أنا؟"
"لا تعالي أقعدي جنبي عاوزك!"
توترت من حديثه حتى تشككت بأن دموعها تهبط بسبب هذه النظرة لها، ولكنها جلست بهدوء وهي تنظر له بترقب، تحاول إخفاء معصمها وهي تهبط كم ملابسها الفوقية أكثر. وضع يديه المجعدة الحانية على كتفها بعاطفة أبوه وهو يسألها بحرص:
"معيطة ليه يا بنتي؟"
ارتبكت وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه مرددة بتبرير كاذب تحاول به الهروب من اهتمامه الحاني الذي يذكرها بوالدها الراحل:
"مش معيطة ولا حاجة، تلاقيها حاجة دخلت في عيني!"
جال في عينيه لاصق أبيض ملفوف تحاول ستره، ولاحظ هذه الفعلة منذ أن جلست بارتباكها. رد بتلقائية متعقلة مشيرًا نحو ما فوق كفها أي معصمها:
"هي نفس الحاجة اللي دخلت في إيدك على كده؟"
يسأل ويرواغ كمثل ولده يحاول سلب الكلمات بإرادتها مع ذكائه في التعامل. داهمتها نظراته الحانية التي تريدها بمثل هذا الوقت، ووجدت أنها ستنهزم، فردت سريعا محركة عينيها نحو "بدر" و"شادي"، اللذان استقبلا "يامن" بحب وهو يركض لهما عندما ترك جده:
"مفيش حاجة، أنا كويسة يا عمو، شكرا على سؤالك!"
يعلم بأن حزن المرأة من رجل أحبته لا يخرج سوى في النظرات، وخاصة عند جلسة تريح بها عقلها مع والدها الذي سيملي عليها نصائح بالصبر حتى وإن لم تشرح هي. ولكن أين والدها؟ النظرات موجودة وهو لا. عاد يسرد بعمق:
"مبضغطش عليكي ولا هضغط يا بنتي، براحتك. بس أنا موجود في أي وقت، وإنسي إني أبوه، أنا أبوكي دلوقتي وفي اللحظة دي، عشان كده عايز أقولك إن كل حاجة بتعدي!"
"مش مع غسان كل حاجة بتعدي.. مع إنه بيظهر ده!"
قالتها بتلقائية. فصمت لم يجيب ولم يبرر، علها تخرج ما تود قوله. وبالفعل سألته بغرابة:
"هو صعب ولا أنا اللي صعبة؟"
وجد السؤال مندفعًا بالحيرة، ولا تعلم هي بأن الإجابة في الكلمة الرابعة. ابتسم وهو يجيبها ويعلم بنفس الإجابة، ولكنه راوغ في التعبير عندما قال:
"ابني مش صعب يا نيروز. ابني بيحبك وأنا قولتهالك في الأول، هترتاحي أوي لما تفهميه. يمكن من الصعب إنه عايز من غير ما يطلب، والجدع اللي يقرأ دماغه!"
"وهم ليه مش زي بعض!"
فهم سؤالها عن ما حدث في وضع "غسان" و"بسام". ابتسم برضا ثم قال بذكاء يوزن بين الأمرين:
"عشان لو جوزك كان زي أخوه، كنتي هتفهميه بس عمره ما كان هيعدي كل حاجة. ركنة "بسام" وحشة وقفل عقله أوحش، بس ندمه سريع بينه وبين نفسه وبييجي بسرعة وبيبان ويعترف بده، يا تتأخر بس مسيرها تيجي ويعترف بكل صراحة. بس رزانته قبل كل ده حلوة عكس غسان، حتى ولو خد جنب بس فاهم مهما عقله اتقفل. وندمه عزيز، عمره ما بيخرج غير باللف والدوران، و"آسف" بتاعته مش كلمة.. آسف اهتمام وتفاصيل!"
أعجبت بحديثه، وابتسمت بسخرية من الداخل قبل وقت، رمت عليه بأنه يعشق المراوغة والدوران في الحديث، لا تعلم بأنها بارعة وتعلمت من معلمها. ابتسمت على آخر حديثه ابتسامة هادئة باهتة من الداخل عندما قالت بصراحة وعفوية:
"كنت بقول إن الرجالة مبتحبش التفاصيل!"
تذكرت اهتمامه، ولم يعطها "حامد" الفرصة لتكمل، بل صحح لها بإرهاق ظهر على ملامحه وهو يوضح بلين:
"لأ، هي الرجالة مش مبتحبش التفاصيل، اسمها مبتهتمش. بس بيهتموا لحد ما تيجي اللي بيشوفوها مختلفة عن أي حد، فيحاولوا يهتموا بالمختلف في نظرهم. إنه يشوف واحدة مختلفة عن الكل وإنه يختارها يبقي هو ده الحب!"
كم لطيف وهو يتحدث بهذا العمق. يخفف عنها رغم ما بها، ورغم ذلك خرجت جملة عفوية وهي تبتسم بخفة:
"يعني أنا مختلفة؟"
ضحك على عفويتها ثم حرك رأسه يؤكد بصدق ما لا تراه:
"مختلفة في عينه، لدرجة إنه اتغير من غير ما يحس بسببك!"
"أنا؟"
يقصد بأن تحنو عليه أم ماذا يفعل بعقله؟ دون حتى العلم بما حدث بينهما. أكد وهو يسرد:
"أيوه.. من واحد كانت طاقته عادية وشغفه هادي أوي ومبيشاركش كل حاجة، لواحد اهتم وبقى كله حيوية وشغف مبيروحش عشان خاطر القمر!"
غازلها بمرح، فضحكت وعلم هو بأنه خفف عنها، فقال وهو يرى دخول "غسان" من الباب:
"معلش هتعبك. هاتيلي كوباية مياه يا نيروز!"
يجف حلقه لأكثر من مرة ولا يكف عن شرب المياه. قاطع جذبها لزجاجة المياه يديه وهو يأخذها بحزم، يصب في الكوب ثم قدمها له وهو يسأله بغرابة مردفًا بما أثار غرابتها:
"مالك يا بابا، إنت كويس؟"
"الحمد لله في نعمة يا بني."
وأضاف عندما بحث بيديه عنها ولم يجدها:
"اخرج كده دور على السبحة تلاقيها وقعت مني برا!"
كانت ستخرج رغم أن الحديث ليس لها، ولكنه خرج قبلها يبحث باهتمام، وهو يسمع صوت ضحكة "يامن" العالية البريئة، فشردت "نيروز" مبتسمة على برائته مع والده و"شادي" من على بعد. وانتفض هو بالخارج وهو منحني، والذي سرعان ما نهض عندما سمع صوت تكسير الكوب أرضًا عندما وقع من أيدي "حامد"، مستسلمًا للسحابة السوداء التي تداهمه منذ فترة. وعلى فجأة أُغشي عليه بصمت، ساكنًا وهو جالس على المقعد، ولولا تهشم الكوب لما علم هو وهو في الخارج يقف مندفعًا ينظر ما مصدر الصوت، وعندما وجده بمشهده كذلك، وكأن دلوًا من الماء البارد سقط على رأسه في فصل الشتاء القارص. وأتت صدمته بمحلها عندما صرخت "نيروز" وهي تهز المقعد وكتف "حامد" بخوف، عندما التفتت برأسها منتقضة تنظر للكوب وصوته حينما وقع. هرول "غسان" في الخارج عندما أخرجته من حالته بصراخها. ركض "بدر" مع "شادي" عند سماعهما الصراخ تاركين الصغير بخوف وجهل، إلا أن توقف الجميع ونظروا له وهو كذلك جالس جلسة ساكنة بعالم غير عالمهم، وعقله بمكان آخر غيرهما. فماذا إن كانت هذه الغفوة التي كانت رغما عنه غفوة مغصوبة لم يستطع التحكم بها؟ ماذا إن كانت الغفوة دائمة؟
رواية عودة الوصال الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سارة ناصر
&;"وليس لنا في الحنين يد&; وفي الب&;عد&; كان لنا ألف يد.&;
- محمود درويش-
ب&;عد !! &; ول&;ما الب&;عد عنها وتجنبها بعدما فعلت كل ذلك&;&; &; تسأل نفسها وهي تجلس شاردة الذهن أمام طبق الغسيل الكبير تطوي الملابس&;!! &; حزينة العينين تسرق النظر له بين الحين والٱخر عندما يتعمد تجاهلها في الأيام الماضيه منذ ٱخر ما حدث بينهما &; لا تعلم لما تشعر بالندم وإلى الٱن لم يبرر لها &; وكان ٱخر حديث لها بأنه سيذهب &; لم تكن تعلم هي بأن الذهاب كان من الاهتمام وحتى الحديث &; ترى انطفاء ملامحه بحزن&; يبرع فجي إخفاءه وزاد وظهر بشده عندما مر "والده" بأزمته في "محل الورد" &; ذهبت ذاكرتها لأيام مرت منذ أن س&;رقت أنفاسها بما حدث لـ "حامد" فجأة&; ..
&;عودة لأيام ماضية&;
كانت ستخرج تبحث عن" السبحة" هي ..رغم أن الحديث ليس لها ولكنه خرج قبلها يبحث باهتمام &; وهو يسمع صوت ضحكة "يامن ", العالية البريئة فشردت "نيروز" مبتسمة على برائته مع والده و"شادي" من على ب&;عد&; &;
إنتفض هو بالخارج وهو منحي والذي سرعان ما نهض وهو يسمع صوت تكسير الكوب أرضا&; عندما وقع من أيدي "حامد " مستسلما&; للسحابة السوداء التي تداهمه منذ فتره &; وعلى فجأه أ&;غشي عليه بصمت&; ساكن وهو جالس على المقعد ولولا تهشم الكوب لما علم هو وهو في الخارج يقف مندفعا&; ينظر ما مصدر الصوت وعندما وجده بمشهده كذلك وكأن دلو من الماء البارد سقط علي رأسه في فصل الشتاء القارص &; وأتت صدمته بمحلها عندما صرخت "نيروز" وهي تهز المقعد وكتف "حامد" بخوف&; عندما إلتفتت برأسها منتفضه تنظر للكوب وصوته حينما وقع &; هرول "غسان" فى الخارج عندما أخرجته من حالته بصراخها &;&; وركض "بدر" مع "شادي" عند سماعهما الصراخ تاركين الصغير بخوف&; وجهل إلا أن توقف الجميع ونظروا له وهو كذلك جالس جلسه ساكنه بعالم غير عالمهم &; وعقله بمكان ٱخر غيرهما &;فماذا إن كانت هذه الغفوة التي كانت رغما&; عنه غفوة مغصبه لم يستطع التحكم بها &; ماذا إن كانت الغفوة دائمه &;&;..
ركض"غسان" من الخارج حتى إصطدم بالمقعد الخشبي فوقع أرضا&; &; مهرولا&; ناحية "حامد" ودقات قلبه تخفق بالهلع &; كيف وهو والده !! &; لم تفعل هي سوى البكاء وهي توكزه وسرعان ما دفعها "غسان" وهو يحمله ضاربا&; وجهه بخفة&; مردد&;ا. بخوف&; ظهر في نبرته الصارخة وكأنه لا ي&;صدق ذلك !! :
_" بـــــابـــــا&;&;&; فـــــوق يــــا بـــابـــــا!!!!"
يردد بخوف&; صارخ وذهب ثباته &; فوجد نفسه يندفع إلى الخلف عندما جذب "شادي" المياه سريعا&; يغسل وجهه بسرعة&; فائقة و"بدر" يمسك كفه يدلكه بين يديه وهي&; هي واقفة ببكاء&; تغلق الهاتف بعدما تحدثت بنبرتها هذه إلى "جميلة" التي كانت في طريقها إليها من الأساس &; هرولت"جميلة" إلى الداخل وهي تدفعهم بتلقائية&; حتى تفحصت وجهه الشاحب وضغطت بين حاجبيه بإحتراف&; ثم بللت شفتيه بأصابع مرتجفة &; رافعه رأسه لأعلى كي يستنشق الهواء &; وخلال دقائق من فعلتها هذه وجدته يرمش ويغمض عينيه بقوة&; &; تحت أنظار "غسان" الذي إنحنى يضمه ناحية صدرة بخوف&; ورهبة&; وعقله لا يود تصديق ذلك &; وكانت كلتا يدي"حامد" بين يدي "بدر"و"شادي" &; صاح "غسان" عاليا&; له يستنجد بصراخ&; لهم والٱخر بأحضانه يبدأ في إسترجاع وعيه دون علم من يحتضنه بخوف&; وكأنه بهذه اللحظه الأب..الأب الذي يحمي صغيره من قسوة من حوله &; من حوله&;&; لم يكن حول "حامد" في أحلامه شئ سوى ضغطه بتفكيرة لابنه الذي أصر على عناده وتركة مره أخرى &; وهو ..هو الذي يتحمل ويخفي اوجاعه دون ظهور ذلك!! :
_" إتصـــل بدكتــــور يـــا شـــادي بســرعة ..إتصل بأي حد يجيله &; كلم بســـام&; خلــــيه يجـــي&; انت واقف بتعمل ايه&;&;&;&;&;!!"
قالها بلهفة&; ك&;برى&; لا تخلو من صراخه الشديد&; فأوقفته "جميلة" بلهفة&; تعلمه سريعا&; :
_" فاق..فاق أهو &; إسنده براحه خلي راسه مرفوعه بس!!"
تلهف "غسان" بالنظر نحو وجه "حامد " الذي أغلق عينيه بتشوش&; ثم فتحها بتعب&; ارتسم على ملامحه بشدة&; &; أسرع "بدر" للأعلى يفتح الشقة عندما حثته "جميلة" بسرعة&; &; فتحدث "غسان" يسأله بلهفه وهو يلثم وجنتيه بين يديه:
_" إنت كويس يا بابا&;. سامعني ..رد عليا!!"
حرك رأسه إيجابا&; بنعم&; وحاول الإعتدال بتعب&; &; فمنعه "غسان" بسرعه وهو يقول بلهفة&; :
_" خليك زي ما إنت &; أنا هشيلك اطلعك وهجيبلك دكتور !!"
إبتلع "حامد" ريقه وتوجه "شادي" يسنده معه بجسد&; مرتجف من الخوف&; في حين وقفت "نيروز" تنظر بضياع&; &; فنفى "حامد" وهو يقول ببطئ ٱثر تعبه ونبرته المتحشرجة :
_" لأ ي بني أنا كويس &; إسندني بس &; قومني !!"
فك حصاره سريعا&; وهو ينهض مشيرا&; نحو "شادي" ليسنده معه من الناحية الٱخرى&; حتى وقف ٱخيرا&; بإنهاك&; &; وسارا الإثنان معه نحو الخارج&; متجاهلا&; جرح ركبته عندما إنحني على الزجاح المتهشم فمزق بنطاله وسالت دماء منه دون شعور إلى الٱن بسبب الصدمه !!
وقفت "نيروز" بضياع&; &; فـ في غمضة عين حدث كل ذلك &; سالت الدموع بغير تصديق وهي تنظر لـ "جميلة", وكأنها تستوعب :
_" دا ..دا كان كويس .وكان قاعد بيتكلم معايا مش عارفه حصل ايه!!, انا خوفت اوي &; خوفت!!"
عانقتها "جميلة" تبث بها بعض من الأمان &; ثم قالت تطمئنها بحنو&; :
_"إهدي يا "نيروز" .. هو كان كويس فعلا&;. بس شكله ضغط وأنا سمعت ان عنده الضغط &; فممكن زعلان من موضوع"بسام " انا شوفته النهارده وعز قالي إنه جاي &; فممكن ضغطه ع&;لى من الزعل !!"
تسرد وكان تخمينها صحيح جدا&; &; حاولت أخذ أنفاسها براحة&; ثم إنحنت أرضا&; بأصابعها المرتجفه تحاول إلتقاط حبات الزجاج المتهشمه بيديها &; فأوقفتها "جميلة" سريعا&; بلهفة :
_" متلميش حاجة ..سبيها أنا هلمها واطلعي شوفيهم وسيبي المفتاح عشان اقفل المكان وأحصلك !!"
لم يكن لديها القدرة علي الرفض بل أشارت نحو المفتاح ثم تقدمت بخطى بطيئة تخرج دون نبس أي حرف &; وقاطع عينيها لون الدماء الاحمر على الأرض بجانب سيرها فسكنت دون صدمه وعقلها مشتت ولم يأتي لها عقلها بأن هذه هي دماءه هو !!
الحزن.&; أيمكنه أن يجعل المرء ضعيف حتى وإن كان قويا&; كفاية&;&; &; الحزن بإمكانه أن يطرح بجسد الفراش&;&; ويدمر قلبا&; كان لا يعرف سوى الح&;ب والألفه بين عائلته !! الحزن بإمكانه أن يكسر القلب مثل كسر الكوب الزجاجي قبل قليل!! الحزن كافي لهلاك جسد وإنطفاء ملامح وسكون روح شاغبه حماسيه ك&;تب عليها بالفتور والوقوف عن الحياه !!&; الحزن يؤدي غالبا&; إلى الموت!! , يؤدي إلى الرحيل لعالم ٱخر نجهل عنه بمجرد ذهاب الروح لمن خلقها &; لم يكن يظهر عليه الحزن!!&; عصيان ولده يؤلمه &;&; تغيره مائة وثمانون درجة يؤلمه &;&; &; أم كبته لدمار حياته دون جهد يؤلمه &;&; ..
خرجت من المصعد بسرعة&;. حتى توجهت للشقة المفتوحه الذي فتحها "بدر" وعدل من الفراش ليستلقي عليه عندما فتح له غرفته &; بسبب عدم وجود "دلال", الٱن &; ولكن وقفت "وسام" تبكي دون سبب وهي تتمسك بكفه &; أمسك "غسان" الغطاء بمساعدة "شادي" ليدثر "حامد" به بإهتمام &; ودخل "بدر" بكوب من مشروب الليمون&; حتى وقف &; فأخذها منه "غسان" وهو يجلس يقدمها له أمام فمه مرددا&; :
_" إشرب دي ي حج عشان تعرف تاخد ن&;ف&;س&;ك !!"
لم يعارض بل تجرعها من بين يديه وهو ينظر لعينيه المكبوته بمشاعر عدة &; لم يتفاجأ بكل هذا الخوف منه &; يعلم بأنه مهما وقع سيجد من يسنده وأول شخص يعلمه هو "غسان" الذي شعر بأن الحياة تذهب منه ثم تعود بأقل من الثانية الواحده &; شعر بأنه من المحتمل بأن يفقده &; يفقد والده &;&; مهلا&; أهكذا تشعر بما شعر به &;&; &; تشعر بهذا الشهور القاسي طوال الوقت وليس بدقائق معدودة &;&; &; تجرع من الكوب بأكمله &; فجذب "شادي" علب الدواء الذي أشار له "حامد" بها عندما سأله. فٱخرج الأقراص وهو يهتف بضعف&; ٱثر بـ "حامد" عندما قال :
_" خد بالك من صحتك عشان خاطري يا ..يا بابا !!"
ردد أبى بكل خوف وهذه اللحظه يرددها يصدق&; ربت "حامد " على كفه&; ووجد "بدر" يدلك ساقه من أسفل الغطاء كي تسير الدماء له ثانية&; أو هكذا يعتقد &; أدمعت عينيه بتأثر&; وهو يوزع نظراته بينهم وهي الٱخرى عندما وقفت بركن ترتجف مره ثانية عندما تتذكر الوضع :
_" متخافوش عليا ي حبايبي أنا لسه بصحتي وزي الأسد &; إجمدوا إنتوا بس &; مفيش حد فيكم جامد زيي !!"
خرجت ضحكاتهم بخفة&; من حديثه &; ونهض "بدر " بسرعه إلى الخارج عندما شعر بأنه ترك صغيره &; في حين إبتسم "غسان" ابتسامه باهته بوجع &; وهو يري "وسام " تتشبت بكف "حامد " وهي تقول بخوف&; :
_"لا أنا خوفت يا بابا أوي ..هو .. هو إنت ممكن تسيبني &;!"
قالتها بخوف&; شديد &; وعندما إنتبه "شادي" لها بملابسها البيتيه وشعرها المتروك حاول الاستئذان بحرج&; إلى الخارج &; فوقفت "نيروز" تنظر بألم&;. وهي تتذكر ذلك القول جيدا&; عندما قالته لوالدها بأن لا يتركها &; نظر "حامد ", لها بلهفة&; وهو يرفع ذراعه يضمها إليه مرددا&; بتأثر&; منها:
_" لا يا حبيبتي مش هسيبك متخافيش!!'
نزلت دمعتها بخوف&; وهذا هو الأمل الكبير لها &; أحضان والدها مهما كانت على خلاف معه &; عندما علمت خافت وهابت بشدة بأن يمسسه سوء &; مرر "غسان" يديه على خصلاتها يرجعها إلى الخلف وهو يردد بفظاظة&; عكس ما يفعله :
_" ما خلاص يا أوڤر ..ما هو زي الاسد أهو مجرالوش حاجة !!"
قالها بتبحح&; وهي وحدها من شعرت بمدي ثقل جملته الذي يحاول إخفاء خوفه وإهتزازه بها &; رفع "حامد" ذراعه الٱخر يضعه على كتف "غسان", الصلب يقربه منه فلم يرد "غسان" أن يضعف لذا بذلك القرب الأبوي قبل قمة رأسه وهو يردد سريعا&; قبل أي تأثر :
_"إرتاح يا حج &; ألف سلامة عليك !!"
نهض يفكر بجلب طبيب &; وتزامنا&; مع خروجه وجدها تقترب وهي تتحدث بلهفة لـ "حامد" :
_" ثواني هعملك حاجة تاكلها عشان شكلك تعبان !"
قصدت طعام صحي ولم تعطه فرصه للرد بل هرولت ناحية المطبخ &; تبحث عن ما تود فعله &;فإبتسم على حنوها وخوفها وهو يتحرك هو الٱخر&; يأخذ ركنا&; منها بعدما حدث&; وقف "غسان" بمنتصف الصالة يخرج أنفاسه بثقل&; ثم توجه ناحية المطبخ يأخذ زجاجة مياه رغم علمه بأنها بالتأكيد في الداخل &; إنتفضت ما أن شعرت بأحدهم معها بنفس المطبخ &; فوجدته يرفع الزجاجه باندفاع&; حتى سقطت قطرات المياه الكثيرة على ملابسه وذقنه بغير إكتراث منه &; مررت عينيها عليه بشفقة&; من كم هذا الخوف وسرعان ما إنتفضت برهبة&; ناحيتة تشير ناحيه بنطالة الملطخ بدماءه من الركبة ثم هتفت بتلقائية&; خائفة :
_" رجلك إتعورت من الإزاز .دي...بتجيب دم !!!!"
مسح "غسان" على خصلاته وهو يراها تتقدم كي تنحني لتتفحص جرحه &; فرجع خطوة إلى الخلف مرددا&; بإختصار&; مع ملامح هادئة :
_" أكيد دي حاجة متهمكيش !!"
خفق قلبها بألم&; من. رده المبتسم الذي جعلها تنهر نفسها وتشعر بالندم وإلى الٱن لا تجد مبررات منه &; لما تشعر بالندم والشفقه &;&; أخذت أنفاسها وهي تتحامل على نفسها مبتلعة ريقها &; حتى داعب أنفها رائحة دخان سجائرة عندما مر يخرج من المطبخ &; جالسا&; بالصالة بإنهاك&; واضعا&; يديه على ركبتيه وقبل أن يرفع بنطاله وجد "شادي" يخرج بعلبة الإسعافات الأولية من غرفة "بسام" &; انتبه لجرحه بالتأكيد &; ابتسم "غسان" له عندما وجده ينحني أمامه ليتفقد جرحه مرددا&; دون مقدمات. :
_" أبوك دا غالي أوي يا "غسان" !!"
تركه يطهر جرحه&; حتى أنه ابتسم على جملته الجديه وهو الذي قليلا&; ما يخرج منه حديث جاد متأثر &; تنفس "غسان" بعمق&; ثم رد بتلقائية :
_"علشان غالي ..خوفت أوي يا شادي "
_" ما أنا شوفتك وإنت خايف!!"
_" بقا لايق عليا الخوف أوي!! "
وكأنه حديث متأثر يخرج من القلب مباشرة&; &; رفع "شادي" عينيه بهذه اللحظه وهو يلف الشاش حول ساقه &;و أجابه بوضوح&; بعيدا&; عن ذلك الحوار :
_" بس مش لايق عليك الليي بتحاول تخبيه يا صاحبي من أول النهار &; واخد جنب وان اتكلمت بتغصب الضحكه تطلع وعينك مطفية&;. لو كنت فاكر إن "شادي" مش واخد باله &; فأنا بفكرك اننا مش عارفين بعض امبارح لسه!!"
ضربه "غسان" بوجهه بخفة&; مرحه كي يخرج عن الحوار المهلك بالنسبة&; له &; فضحك "شادي" وهو يضغط على جرح ساقه بتشفي فتأوى "غسان " وهو. يبعده بعيد&;ا. بساقه ثم إعتدل عندما علم أنه إنتهى &; ووجد "بدر" يدخل ومن خلفه "جميلة ", التي أمسكت يد"يامن " ومن ثم "ياسمين" التي دخلت مسرعه تردد بلهفة&;. وهي تسأله :
_" عمو "حامد" فين .&;&; هو كويس!&;&; عايزة أشوفه !!"
لا ينكر بأن لهفة هذه الشرسه تثير غرابته أحيانا&; ولكنه علم بأنها أكثر لينا&; من زوجته &; ابتسم بإطمئنان وهو يشير إلى الغرفه. فدخلت بصحبة"جميلة" سريعا&; بعدما طرقت الباب للإستئذان &;وجلس "بدر" يضع يديه برفق&; على جرح "غسان" وهو يطمئن :
_" انت كويس&;&; في فتح محتاج خياطة ولا ايه&;&; "
_" بسيطة يا أبو يام&;ن متقلقش !!"
أردف جملته بغمزة عين ثم وضع "يامن " على ساقه متسائلا&; له بمداعبة وهو يقبله :
_" بتحبني يا يام&;ن &;&;"
نظر له الصغير ببراءة وهو ممسك بهاتف"نيروز", الذي لم يتركه &; حتى ردد بنبرة طفولية يجيبه بإبتسامة م&;ريحة :
_" بحب روز !!
قدم له الهاتف ببراءه وكأنه يعلمه ما سبب حبه لها &; أو لما تذكرها من الأساس &; أخذه "غسان" منه بضحك&; تحت ضحكات من حوله &; في حين رد عليه هو بابتسامة مشاكسة :
_" وهي تتحب يا حبيب عمك والله!!"
داعب وجنتيه بحب&; ووضع هاتفها بجيبه &; منشغلا&; في الحديث بينهم &; حتى خرجت هى بأكواب "شاي" أعدتها من ضمن ما تعده لوالده &; وقفت بصينيه صغيرة تقدم ما بها لـ "شادي"و"بدر" فشكروها منشغلين بحديثهما معا&; &; حتى توجهت لتقدمها لـ "غسان" الذي رفع عينيه نحو عينيها &; عينيها التي كان بها ٱثار دموع مسحتها عندما سمعت الأصوات بالخارج &; اخذها منها بصمت&; وقد لاحظ جرح معصمها وتذكر بأنه المتسبب بذلك &;. لذا حرك عينيه ناحيتها فوجدها تتمعن النظر مثله ولكن على ساقه الذي غطاها هو &; تنفست بعمق&; عندما وجدت علبة الآسعافات الأولية على ساق"شادي" الجالس أرضا&; جلسة لا تثير إلا للضحك&; &; ابتسمت بداخلها على إهتمامه هذا &; حتى إلتفتت بصمت&; تكمل ما تعده بالداخل &; وقد خرجت "ياسمين" بصحبة "جميلة" للخارج&; ومن ثم "وسام" التي ارتدت ملابس من ملابس والدتها كي تستطيع الخروج &;. وقفت الفتيات فالمطبخ يساعدونها وأما هي فبقت شاردة &; وحينما وجدت "وسام" جانبها رفعت عينيها لها فوجدتها تردد دون. مقدمات معتذره عن حديثها على سفرة الغداء قبل فتره :
_" أنا آسفة !!"
رسمت "نيروز" إبتسامة بسيطة على شفتيها وهي تنظر لها بملامحها الهادئه مرددة بصدق&; بسيط عندما استشفت ما تقصده :
_" وأنا مزعلتش منك أصلا&; !!"
توسعت ابتسامتها وهي تنظر لها بإمتنان&; فخرجت متجهة ناحية غرفتها تأتى بشئ ومن ثم لتعود &; في حين تعالت شهقة "ياسمين" وهي تردد بتبحح&; لـ "جميلة" :
_" خفي يا ختي قال عايزه تروح تذاكري قال .. النهاردة عزالك !!!"
_" عشان الامتحانات يا حلوة وبعد كده نفضي بقا للفرح وأرجع أرجع تاني بعد الجواز ..مفيهاش راحة أنا عارفة !!"
ضحكت "ياسمين" عليها وهي تشاكسها بالحديث تحت شرود "نيروز" وهي تعد ما تفعله رافعه ساعديها &; فلاحظت "ياسمين" سريعا&; ما وضع على معصمها فسألتها بترقب&; :
_" ايه دا يا "نيروز " &;&; إيدك متعوره ولا ايه &;!"
_" أه..جرح بسيط &; ناوليني الملح اللي هناك دا كده !!"
أعطتها "جميلة" الملح بدلا&; من "ياسمين " التي نظرت لها بتشكك&; حتى حاولت التجاهل &; وعندما وجدته يقف متحنحنا&; قبل الدخول حاملا&; اكواب الشاي&; خرجت. مع "جميلة" &; كي يدخل هو &;. وضع "غسان" الٱكواب على الرخام &; وعندما شعر بأنها تجهد حالها &; رفع ساعديه ليغسل الأكواب &; فوجدها تدفعه من كتفيه برفق&; وهي تقول بنبرة هادئة تمنعه :
_" أنا هغسلهم !"
كيف بها بأن تدفع جسدا&; صلب عنها بكثير&; &; وقف مكانه لم يتحرك ولكنه أمسك معصمها المجروح على سهوه يتفقده متسائلا&; بنبرة خانته أمامها :
_" بيوجعك &;!"
أزاح الشاش قليلا&; يري ما جعلها تصل له بقبضته &; في حين توترت ولا تعلم لما &; ربما يقترب منها &;&;. حاولت أن تسحب يديها من بين كفه وهي تبتعد توليه ظهرها قائلة بفتور&; وصل له :
_"لأ !"
_" كويس &; تكون مجرد علامة من غير وجع ..بس تفكرك باللي قولتيه !"
وما أن إلتفتت تنظر بخيية وجدت الجمله فاتره قالها ومن ثم خرج بعدها لهم بالصالة دون الوقوف أكثر وإعطاءها فرصه للرد &; لا تعلم لما تود البكاء أكثر أو تود عناقه &; لغة القلوب ت&;فهم وقلبها يصرخ لها بأن به شئ لا محال &; ترى نظرة الألم بعينيه ولم تستطع احتواءه &; ألم غير الألم الذي كان منها ومن حديثها معه &; لا تعلم ما به وتتشتت بين الإصرار على ما هي عليه بعناد&; وبين الضغف والشعور به &; خاصة&; بعد أزمة والده يزاد شعورها أكثر!! &; ما هذا التشتت ولما يعنفها قلبها &;&; &; تحاول تجاهل ذلك ولم تقدر &; وكان هو لديه من الوجع ما يكفيه &;. حملت الصحن على صينيه صغيره بجانب كوب من المشروب الساخن لتخرج به متوجهه ناحية الغرفة &; في حين كانت الفتيات مع "وسام" بغرفتها قاطعن هن خروجها بدخولهن لها &; ووقف "شادي" منتظرا&; الطبيب الذي حثه "غسان" على إنتظاره عندما دخل يبدل ملابسه بغرفته..
_" أ&;دخل !"
كانت الكلمة الهادئه من "حامد" حتى حاولت "نيروز" حمل الصينيه بيد واحده كي تفتح الباب &; فتحته وهي تبتسم بهدوء&; ثم دخلت ببطئ تجلس بحرج&; تقدم له الصحن فاعتدل &; أسندت الصحن كي يسنده بحذر&; فنظر لها بحنو&; وتأثر لاهتمامها &; وعندما جلس وجدها تتحدث بنبره ضعيفة هزمتها :
_" ألف سلامة عليك يا عمو &; خلي بالك من نفسك انت غالي اوي علينا!!"
ولم تتوقف ٱنذاك بل مدت يديها تضع الصحن بين يديها وأمسكت الملعقه رغم حرجها منه &; ثم قالت لتجعله يستعد مع ملاحظتها لأعصابه التي تتراخى :
_" إتفضل شوربة الخضار دي علشان تبقى كويس!!"
أمسك "حامد" الصحن منها بخفة&; يعلم بأنها خافت عليه وشعرت به شعور والدها ! بل وتقوم بدور "دلال" كونها لم تكن موجوده !! &; ابتسم يشاكسها بمرح&; رغم انهاكه ثم قال :
_" كده دلال هتغير عليا اوي!!"
ابتسمت بحرج&; وهي تترك له كما يشاء &; فابتسم هو بخفة&; وهو ينظر لعينيها &; حتى ردد بلين يغلفه الود :
_" خلاص أكليني أنا زي ابوكي بردو اللي إفتكرتيه دلوقتي حالا&;!"
صدمها بهذه الكلمة &; حتى إحمر وجهها من الحرج &; فتفهم هو ونظر لها بشفقة&; مخفيه &; أخذت منه الملعقه وهي تطعمه ببطئ&; وبأيدي مرتجفة &; أدمعت عينيها فالخفاء في حين ردد هو مع مضغه للطعام بهدوء:
_" عارفة يا"نيروز" .. ابوكي دا كان طيب وحنين أوي&; مكنش بيحب حد يزعل منه ولا يزعل حد &; حتى ولو هو مظلوم كان بيسكت وبيستحمل كتير أوي &; وكان بيحبكم ح&;ب مشفتوش فـ حد قبل كدة &; لدرجة إن كنت بقول بيني وبين نفسي إن انا مبعطيش لولادي حب زي ما صاحبي بيحب بناته &; بس عرفت هو بيحبكم اوي ليه لما ربنا رزقني بـ "وسام" &; البنات دول نعمة ٱوي &; واللي متعرفهوش إن أنا نفسي أوي تكون أول خلفتك إنتي وغسان بنوته حلوه كده زيك !!"
ابتسمت بتأثر&; وهي تطعمه &; وبهذه اللحظه تحديدا&; وقف على أعتاب باب الغرفه ينظر لمدي لطف المشهد بينها وبين "والده" الذي أكمل وهو يقول :
_" بتحبي البنات بردو زي ابوكي ولا عايزه ولاد أشقيه زي ابوهم!!"
يشتت دمعتها كما يفعل ولده تماما&; &; حاولت الثبات وهي تطعمه بنفس الحرج ثم أخذت أنفاسها بطريقة&; ملحوظه وهي ترد :
_" بحب الاتنين أوي &; وأيا&; كان فأنا نفسي احبهم الحب اللي بابا كان بيحبه لينا ..واللي حضرتك بردو بتحبه لـ "غسان" وأخواته!!"
إبتسم بإعجاب&; من ردها وهو يكمل &; فتنهد يأخذ أنفاسه وهو يسألها :
_" أقولك سر&;&;"
توسعت إبتسامتها وهي تطالعه كما انه يردف كلماته بمرح&; &; هزت رأسها بحماس&; له فأجاب بتفسير :
_" "غسان" ابني بيحب البنات أوي !!"
لوت "نيروز " شفتيها بتهكم&; وفهمت بالخطأ عندما قالت بسخريه تلقائية متناسيه بأنها تحدث والده :
_" أه انت هتقولي!!"
حرك "حامد" رأسه نافيا&; بضحك&; شديد وعقب ما إنتهي تدريجيا&; قال بوضوح&; بنيره بها ٱثر الضحك :
_" لأ ..بيحب البنات &; الأطفال يعني &; هيضعف اوي لما يخلف بنت وهيحبها فوق حبك أضعاف كمان &; طول ع&;مره بيحب العيال الصغيره &; ورغم إن "بسام " ابني دكتور بس لو طفل لسه في الاول كده يخاف يشيله ويجي نحيته &; كان عامل زيي زمان كنت بخاف أشيلهم وجسمي بيوجعني منهم فبتابع من بعيد لحد ما يمسكوا نفسهم شوية ...بس تصدقي إن كنت بخاف أشيله وك&;بر وشالني هو &; الدنيا دي بتخلى كل حاجة مردوده حتى لو بـ ايه!!"
قصد "غسان" عندما إسترسل في الحديث وما فعله اليوم من كم هذا الخوف &; ابتسمت بحب&; ثم قالت بلطف&; شديد :
_" ربنا يبارك فعمرك ويخليك لينا يعمو !!"
_" مفيش حاجة تستاهل زعلك يا بنتي مهما كانت هي ايه وأنا معرفهاش &; بس الدنيا مبتقفش على حاجة !!"
قالها وهو يلاحظ إنطفاء ملامحها وسكونها الزائد عن حده &; إنتهي من تناول الطعام بواسطتها &; فمسحت بحركة عفوية فمه بيديها وكأنها إبنته وتراعيه بالفعل دون حرج &; نهضت تقف وهي تبتسم له برضا &; فنظر "حامد", نحو الباب وهو يقول له بثبات&; وثقة&; وانتباه لوقفته هذه منذ وقت :
_" رجلك موجعتكش من الوققه &; هتفضل واقف كده كتير&;!"
ضحك "غسان" وهو يدخل ثم نظر لها بتمعن فوجدها تهرب بنظراتها منه وكأن عينيه تلومها فتهرب هي &; تنفس بعمق&; وهو يقف يطالعه ثم قال بنبرة&; ضاحكة :
_"أقف بعيد&; احسن مـا أقرب وأغيير علي مراتي !!"
_" طب ما أنا كمان مراتي بتغير عليا!!"
_"طب والعمل&;!"
أردف "غسان" جملته بضحك&; &; فرد "حامد " بنفس النبره الضاحكة :
_", يبقي كل واحد ياخد باله من مراته!!"
ضحكت "نيروز", عليه &; فوجدته يكمل بتفسر&; :
_" بس أنا هاخد بالي من مراتي وبناتي &;لكن انت معندكش بنات فخلي بالك من مراتك وبس !!"
قالها "حامد" بكيد&; &; فإرتفعت ضحكات"غسان "ثم غمز له بجرأة وهو يرد على حديثه بـ :
_" متستعجلش بكره أملالك البيت بنات يا "حامد " إديني وقتي بس !"
طالعته بخجل&; وهي تنسحب بخفة&; إلى خارج الغرفة &; فجلس "غسان" على المقعد بأريحية&;&; فجاءه صوت "والده" وهو يقول بصدق&; ومكر&;:
_" طيبة وبنت حلال "نيروز" ..بنت ناس وأصيلة!! "
همهم "غسان" يإبجاز يؤكد دون حديث &; فعاد "حامد" يكمل وكأنه يصلح شئ بينهما لا يعلمه :
_"مش أي حد يستاهل حبها &; علشان كده مبتتأقلمش مع حد بسرعة &; بس لما بتحب بتبقي على الله كده مع الناس اللي بتحبهم &; بتبقي تلقائية وعفوية !!"
يسرد عليه بخبث&; &; فنظر له "غسان" بحنق&; زائف وهو يقول بخشونة&; :
_" ما كفاية يا حامد مقولنالك بغـيير!!"
_".حمقي ودمك حامي زي ابوك ياض!!"
غمز له "غسان"بشقاوة&; فوجد "شادي" يفتح الباب بعدما دق عليه سريعا&; ثم قال بنبرة&; سريعه :
_" أجهزوا كدة الدكتور جه وواقف مع"بدر" برا &; ادخله ولا ايه يا "غسان"&;!"
تفاجئ "حامد ", من قرار "غسان " بقدوم طبيب &; فحرك له"غسان" رأسه سريعا&; بنعم&; وهو يقول:
_" ايوة خليه يدخل !!"
خرج "شادي" فوجد "غسان" نظرات اللوم من "حامد" والذي سرعان ما إعتدل عندم دخول "الطبيب" &; حاول "غسان" تركه ليقوم بالكشف عليه براحة&; ثم إنتظره بالخارج كي يخرج يعلمه بمفرده ما حل لوالده &; أغلق الغرفة. وانتظر "بدر", في الخارج مع "شادي" وكانت الفتيات مازلن في غرفة "وسام" ولاحظت "نيروز" قدوم الطبيب فبدأت بإعداد كوب عصير لكرم ضيافته !! &; وقبل أن يعلم "غسان" بذلك &; دخل المطبخ حتى بدأ ببحثه عن ما يلزم لاعداده كوب من العصير ولكنه توقف عندما وجد يديه بأعصابها غير متماسكة بما فيه الكفايه بسبب ما حدث &; والي الان يحاول التماسك واخفاء كل ذلك ببراعه &; ثقل لسانه عن قولها ولكنه أردفها وهو يقف من خلفها وقال بطلب&; مختصر :
_" اعملي حاجة للدكتور يشربها !!"
إنتفضت "نيروز" من أثر صوته المفاجئ فلم تشعر بدخوله&; لم تلتفت له بل ردت بنفس الإختصار :
_" كنت هعمل من غير ما تقول "
لفت الملعقه بدوران ليذوب السكر بالكوب &; إنتظر&; وقف منتظرا&; إنتهاءها من ما تفعله متنفسا&; بصوت&; يخرج الثقل من على صدره والتي تستشعره هي &; التفتت تضعه علي حامل أنيق لائق للضيف &; ثم قدمته له بسكون&; وهي تحاول أخذ أنفاسها &; إلتقطه منها بهدوء&; ولامس يديها لمسة هادئة خاطفة &; مابه &;&; مراهق&;&; ينتظر اللمسه وكأنها اللمسه الاولى لهما وكأنها ليست زوجته من الأساس&; &; نفض من عقله هذه الأفكار عندما تنحنح يجلي حنجرته وهو يخرج إلى الخارج بصمت&; &; وققت تسشتعر بأن ثمة شئ لا تفهمه بالفعل &; وبدورها تريد هي عناقه ولم ولن تعلم الي الٱن لما يضيق صدرها &;&; هل لأن صدره يضيق هو الٱخر دون علمها سبب محدد واحد &;&; بل تعلم أسباب متفرقه لا ترتبط ببعضها !! ..
وقف منتظر&;ا. رغم رغبته في الدخول &; ولكنه وقف إلى أن لاحظ خروج "الطبيب" فإتجه "غسان" يحثه علي الجلوس بالمقعد في الصالة &; فجلس "الطبيب" وهو يأخذ الكوب منه بحرج&; ينصت لجملته المتلهفه وهو يقول:
_" طمني يا دكتور &; ماله &;!"
كانت جملته متلهفه كما كانت أنظار "بدر",و",شادي" و"نيروز", وهي تقف بالمطبخ متخفيه بعيدا&; &; أخذ أنفاسه وهو يجيبه بتفسير&; :
_" هو كويس الحمد لله بس خليه مبنساش العلاج &; الضغط مش تمام أوي وممكن يكون تعب من حاجة أو بسبب زعل طالما حصله كده فجأه &; الحمد لله إن مفيش جلطه ولا حاجة &; متقلقش بس خلي بالكم من صحته وياريت يبعد عن أي ضغوط نفسيه أو تعب جسدي شديد &; ودا علاج هاتوهله من الصيدليه ياخده ٣ مرات في اليوم بعد الأكل اللي لازم يكون صحي طبعا &;!"
وقف يسمعه بإنصات وعند كلمة "جلطة " ص&;دم ولكنه تماسك تنفس ببطئ وهو يأخذ منه الورقه فوجده يقف &; فسار معه أولا&; ناحية باب الشقه مستعدا&; الهبوط فأوقفه الطبيب بقوله :
_" أنا عارف السكة كويس يا أستاذ &; وجيت هنا كتير عند الأستاذ حازم الأكرمي &; هو لما كلمني الصراحة مترددش أجي !!"
بالفعل احتار فحدث "حازم" يسرد عليه اختصارا&; كي يعلمه بطبيب &; فتولي المهمه هو &; ولكنه كان بمنزل "عز" مع النساء &; لذا تٱخر عن القدوم &; ابتسم له "غسان" بإمتنان&; وٱخرج له حسابه بلباقة&; يقدمه له وهو يقول :
_" كتر خيرك يا دكتور &; تعبناك معانا "
أخذها منه بنفس اللباقة وهو يودعه وبعد لحظات&; أغلق "غسان" الباب &; وهو يتوجه نحو الداخل &; وجدهم دخلو الغرفه له &; فوقف في الصاله ممسكا&; رأسه بإنهاك&; مغمضا&; عينيه بضغط&; وعندما شعر بها وجدها بالفعل تقف أمامه وهي تنظر له بنظرة الأسف الذي منعها كبرياءها عن قولها صراحة&; كونها لا تجد مبرر له الى الٱن &; تحدثت بهدوء&; شديد تطمئنه وتواسيه :
_"متخافش..هو كويس وهيبقي أحسن!!"
ربما وجدت سببا&; من الأسباب الٱن كي تستطع مواساته &; رسم إبتسامة هادئة على شفتيه ثم حرك عينيه من خلفها نحوهن وهن يخرجن بعدما علمن برحيل الطبيب بالفعل &; وقفن يتحدثن بصوت منخفض فنظر هو لـ "نيروز" من بين تشتتها وهي تتوه بنظراتها تشرد ولا يعلم إلى أين الشرود &;&; &; إنتفضت مره أخرى عندما وجدته يمسك معصمها يتفحص جرحه وكأنه لا يثق بإجابتها كل ذلك &; ثابت على الود هو رغم الخلاف&;&; لطيف هذا الطبع الذي لامس قلبها وبشدة فجعل يديها ترتجف بطريقة ملحوظه وهي تبتلع ريقها مرددة بإطمئنان :
_" بقت كويسه مفهاش حاجه !!"
تركها برفق&; دون رد &; حتى إلتفت يدخل الغرفه معهم &; وتوجهت هي ناحية الفتيات تنتظر معهن وهي تجلس بالصالة !!
'''كل ذلك أثناء شرودها'''' ولم تتوقف بعد بل ذهب عقلها مره ٱخرى عندما
جاءت "دلال" في المساء تدخل بجهل&; وتفاجأت بما حدث &; تذكرت بكاءها وهي تجلس بالغرفه معه تتحسر على ما حدث &; والكل كان بالخارج من "حازم", الذي عاد وهذه المره كان معه "عز" وكانت "فريدة" هناك تطمئن على ما حدث ومعها "وردة" &; اجتمعت الشقة بهم &; حتى من "س&;مية" التي أصرت على زيارته وأسندها "بدر" بحرص&; إلى ان جاءت الشقه تجلس بينهم ببهجة حاول فعلها ذوات الشخصيات المرحة مثل "ياسمين"و"شادي" الذي ٱخبر "طارق "بإيجاز عن ما حدث فجاء وجاءت معه "منة" رغم الموقف الذي حدث بينها وبين "شادي"!!
إجتمع الكل ٱنذاك في شقه"حامد" بالمساء وخرج رغم رفض البعض حتى جلس بينهم ساندا&; ظهره على مسند مريح على الأريكة الطويله بالصاله الذي اجتمع بها الكل. وبجانبه يجلس "طارق" الذي ربط علي كتفيه بتحفيز&; وهو يقول :
_" شد حيلك كده يا "حامد"&; دا آنت لسه شباب يا عم !!"
يمرح معه وينزع الألقاب كونه أخذ عليه وإعتبره صديقا&; له &; ضحك "حامد" على سخريته او هكذا اعتبرها &;! وبين نظرات والٱخرى وحديث عشوائي &; دخل "شادي" خلف "منة" الشرفة عندما انسحبت بطريقة ملحوظه تقف متساءله عن مكان به هواء فحثتها "وسام" بلباقة&; وهي تنشغل بالحديث مع "ياسمين" بمرح&; ..
_" عايزة تعيطي ليه يا أم عيون قناصة &;&;"
سألها ويثق بأنها تريد أن تسقط الدموع منها الٱن &; تماسكت ولم تلتفت ولم تعيره إهتمام فتوجه يقف بجانبها ثم رفع عينيه نحو ملامحها وهو يردد بأسف&; صريح دون مرواغة :
_"أنا ٱسف !"
_"حتى مش عارفه أسفك صح أقبله ولا لأ ..بس أنا قربت أحس إني خ&;نيقه ولا أ&;طاق ودا مش معاك بس &; انا عارفه ان اللي بعمله هو الصح والحلال &; بس وكأن اللي حصل واللي بيحصل بيضغط على ٱخر ذرة تحمل عندي &; أوقات بحس إني مختلفه زيادة عن اللزوم ومش عارفه أتأقلم بطباعي دي &; والغريبه إني واقفه بحكيلك.. هو إنت عملت فيا ايه &;!"
سردت براحة&; وشعرت بأنه سيفهم رغم ما فعله من خطأ &; زادت نظرات الأسف منه لها حتى تنهد يأخذ أنفاسه وهو يرد علي حديثها بعمق&; :
_"لا إنت&; صح &; وأنا اللي غلطان وبقولك حقك عليا مش هعمل كده تاني &; مش هتعمد اعمل حاجه بتدايقك وحاجة حرام كنت بعملها وكأنها عادي لحد ما إتعودت &; رغم انك غيرهم والله العظيم يا م&;نة &; الحاجة الوحيدة اللي أعرفها ان قربك مني خطر أوي عشان أنا مكنتش اهبل اوي اوي كده إلا معاكي &; أو يمكن هم اللي كانو بيجولي بسهولة لكن إنت&; لأ &; أما بقا أنا عملت فيكي ايه &; فأحب أقولك إنك أنت&; اللي عملتي &; وقنصاتك صابتي وجابتني لحد عندك ولففتني حوالي نفسك عشان أفهم ازاي وامته حبيتك &;."
إبتلعت "منة" ريقها &; ومهلا&; هذه التي لم يؤثر بها شئ ولا حديث معسول متغزل &; يأتي ذلك الأهوج الوقح وتقع كلماته عليها كسهام محببه لقلبها &; ليس لتصبيه بل لتدخله دون إستئذان&; طرق قلبها قبل أن يطرق بابها &; وبطبيعتها الثقيله في قول حديث معسول ترد به عليه صمتت بجبروت و هكذا رأي وهو ينظر لها معقبا&; بعد إنتظار :
_"يعني مش هتردي عليا &;&;"
_"مش عارفه أقولك ايه &; خايفه أعديهالك وتعملها تاني يبقي إسمي عشان عديتي فحصلك كده وخايفه أصمم علي كده فمنوصلش لحل وإحنا خلاص بنقرب عشان نكون مع بعض!!"
لم تخجل من الصراحة وأعلنت ما تتحير به دون إخفاء لما تكنه &; فنظر لها مطولا&; وهو يهتف بتلقائية :
_"إنتي بسيطة وصريحة أوي يا" م&;نة " &; انا مبقتش عايز غيرك صدقيني!!"
تعلقت عينيها به &; ولأول مره يري ضعفها بنظراتها عندما تنفست تشيح بوجهها بعيدا&; عنه تذكره بقول&; ماضى قالته له :
_" فاكر لما قولتللك يعني ايه خوف ورديت وقولت كلام كده &;!"
ابتسم متذكرا&; وهو يحرك رأسه بنعم&; &; فعادت تتعلق بعينيه وهي تقول بصراحة&; تعترف :
_" ينفع أغير الإجابه &;&; وأقولك إني مكنتش بخاف &; بس دلوقتي بخاف &; خوفت من الحب معاك &; عشان ضعفت وأنا اللي عيشت طول عمري قويه غصب عن عيني &; ملقتش حد يوعيني من وأنا صغيره ملقتش أم أعمل حاجة غلط فاخاف منها &; بابا كان ومازال كل حاجه ليا &; عنده مكنش خوف &; راجل وكان عايزني راجل زيه بالظبط عشان الدنيا وحشه والواحد ميثقش فيها ولا يديها أمان &; بس لما أديت الأمان ووثقت بسرعه شديدة اديته ليك وأنا قلبي بيستسلم للإحساس اللي كل مره كنت برفضه &; كنت بقولك ان الخوف إني اخاف نفس الحاجة تحصل مرتين &; ساعتها مكنش فدماغي غير إن بابا ميروحش عشان معنديش غيره &; دلوقتي خايفه اتمسك وخايفه أسيب &; وخايفة عشان حبيتك !!"
_"بس أنا مبخوفش ..ووعدتك أعوضك عن حاجات إتحرمتي منها زي ما أنا اتحرمت &; واثقه فيا &;&; "
ترددت بنظراتها وهو من جعلها تفعل ذلك بفعله الٱهوج في كل مره &; لذا إبتلعت ريقها تؤيد بصدق ثم قالت باعتراف:
_" الغريبة ان ازاي واثقه فيك وبسرعه كده &; بس عرفت خلاص إن الح&;ب دا غبي وحلو فنفس الوقت &; أنا خايفه بس يكون أعمي ويخليني مخدش بالي من حاجات من حقي أخاف منها!!"
تعتقد بأن بصراحتها تجعله يفارق بسببها ولا تعلم هي بأن كلما تصارح أكثر يتمسك هو بها ويعلم بأنها مختلفه عنهم بكثير &; حاصرها بنظرة عينيه وهو يؤكد :
_"هو غبي فعلا&; يا "م&;نة" عشان بيحسسننا إننا بنحب كل اللي بنشوفهم وعند حد معين بيقف ويأكدلنا إنه هيدق الباب خلاص &; وحلو وكمان أعمى&; بس أنا بأكدلك بصراحة إني مش وحش ولا هبقى وحش &; عشان انا بحبك حتى ولو بطريقه مجنونه بس حبيتك !!"
وجدت الأمان والصدق يظهر بنبرته &; نظرت له وهذه المره مدت يديها بحركة الوعد وقالت :
_" أوعدني انك هتكون فاهم وعاقل &; وأوعدني إنك هتشوف الجواز والارتباط بطريقه أعقل ..أوعدني كمان متكسرنيش علشان انا مخوفتش أتكسر من أي حد فالدنيا لان مكنش حد فارقلي ..بس إنت طلعت فارق معايا!!"
ماذا تريد صاحبة الأعين القناصة&;&; تريده بأن يصرخ عاليا&; بالتمسك &; والمفاجئ بأنه بدأ بفعل ذلك عندما تردد يرفع يديه يلامس يديها &; ولكنه وجد الإصرار&; كان قد وعد نفسه&; ولكنها هزت يديها بإصرار&; &; فشبك يديه بيديها ثم قال بنبرة أكثر صدق&; وعمق :
_", أوعدك يا دكتورة "م&;نة" &; يا أحلى دكتورة بأحلى عيون قناصة شوفتها فحياتي !!"
صمت بلحظة&; ثم واصل بغمزة عين خفيفه يداعبها بمرح&; مرددا&; بغناء&; :
_" وبعدين بهاء سلطان قال.&;.مهما حبيبك تمادى لا يمكن يخون &;"
ضحكت &; والٱن تتشابك الأيدي بإصرارها هي.. نفضت يديها بعدها سريعا&; بخفة&; وهي تبتسم له متنفسة بعمق&; وإلى الٱن تستكر حلاوة وم&;ر ما ي&;سمي ب&;مسمي الح&;ب !!!! ..
وكما كانا هما كان غيرهما &; لاحظ "عز" شرودها &; فوضع كفه علي كفها الصغير عنه بطريقة ملحوظة ثم قال بإهتمام يسألها :
_" سرحان فـ ايه يا ج&;ميل &;!"
خرجت "جميلة" من شرودها وهي تنظر له مبتسمة ببساطة ثم حركت كتفيها بيأس&; مردده له :
_" مش عارفه .. حاسة إن في حاجات كتير بتحصل حواليا !!"
ربت "عز" على كفها بحب&; ثم طمأنها بنظراته وقبل أن يتحدث بهذا القرب هتف "حازم" محذرا&; بغيرة&; من علي ب&;عد مما جعل الكل ينتبه له :
_" ما تسيب ايدها يا" عز " أحسنلك&; وآهدى شوية بقا !"
لم يكن يعلم الكل بأنه غيور لهذه الدرجة &; تعالت الضحكات &; فضرب"غسان " كتف"حازم" وهو يقول بمعارضة&; متبجحة :
_" مراته يا جدع وبراحته .إهدي انت&; وخليك فحالك !!"
ضحك "حازم" رغما&; عنه وهذه المره يتفق حديث "غسان" مع حديث"ياسمين " له &; خجلت "جميلة " من تركيز الأنظار عليهما &; في حين ردت"عايدة" بتوضيح&; :
_" إيش حال ما "عز" مؤدب ومحترم يا حازم &; ملكش حق والله&; !!"
حاولت أن تعزز من قيمته أكثر &; فضحك الكل عليها مره ٱخرى &; ومال "عز" يهمس بجوار إذن"جميلة" بسخرية :
_" أمك واخده مقلب فيا جامد &; اوعي انتي كمان تكومي فكراني كده لسه&;"
ضحكت "جميلة" وهي تركز معه وبحديثه فردت بتلقائية تسأله بمشاكسة&; :
_" يعني انت مش كده فعلا&; يا عز الرجال&;&;!"
تسأله وتعلم الجواب وتعلم بأنه جرئ بخبث&;&; جرأه مخفيه لوقت محدد وتظهر شئ فشئ أولها عندما أصبحت زوجته &; لم تعطه فرصه للرد بل رددت بثبات&; له مره ٱخرى :
_''الإنسان المحترم م&;لفت !!"
_" دا حتى عيب فحقي لما ابقى كده !!"
_"عيب فحقك تكون مؤدب!"
_"تؤ ..عيب فحقي أبقى م&;لفت لحد غيرك !!"
أكد لها برأسه بشفرة&; تجهلها كونها خجولة جاهله عن عبث الرجال &; حركت عينيها نحو "نيروز" التي خرجت من المطبخ تحمل أكواب العصائر على صينية كبيرة الحجم &; ومن خلفها "وردة" بصينية من الحلويات &; بان على ملامح "نيروز" الإرهاق &; ونهض"غسان" يأخذ ما بيديها وهو يشير لها بأن تجلس &; فوزع عليهم واحد تلو الٱخر وعاد يجلس وهو يترك الكوب بضيق&; فكان العصير من الفراولة الذي يتحسس هو منها &; كيف تجهل عن ذلك &;&; &; وكأنها تفكر بما يفكر به &; عندما وجدها هي من جلست بجانبه هذه المره &; وبدلت كوبها معه وهي تقدمه له قائلة بنبرة هادئه :
_" دا جوافه &; إشربه إنت عشان الحساسية &; وهات الفراوله ده عشان متتعبش !!"
تركها تبدل الكوبين ببعضهما &; دون أن يجيب &; حتى اخذت من بين يديه الكوب وتركته لم تتجرع منه &; فتجرع هو من كوب الجوافة !! منشغلا&; بالحديث معهم مره ٱخرى وهذه المره لاحظت "دلال" ما فعلته "نيروز" معه
احيانا&; يحتار البعض بها وبطبيعتها &; تتهاون ولا تتهاون &;&; طيبه أم شرسه &;&; &; لم ولن يعلم أحد بأنها تلين وتضعف معه هو بعدما تظلمه بطبيعتها الأولى !!
إستمرت الجلسة بينهم ببهجة واتفاق على مواعيد لحجز قاعة الزفاف بعد أيام معدودة وحجز فستان الفتيات أيضا&; &; في حين انتهت بدخول "حامد" غرفته تلازمه "دلال" بخوف&; وحب&; تبتسم عليه "نيروز" بإعجاب &; ورحل "طارق"مع"منة" وأوصلهما "شادي" ومن ثم سيرحل لمنزله &; ورحل "حازم" هو الٱخر منتظرا&; تبديل "ياسمين" ثيابها ليرحلا إلى شقتهما معا&; &; ودخلت "وسام" غرفتها &; وذهب "بدر" قبل قليل عندما إستأذن للإنصراف لمكان مجهول ط&;لب فيه &; لم يعلم أحد به سوى "غسان"و"حامد"و"وردة" زوجته &; بل وأخذ "يام&;ن" معه رغم خوف "وردة", ولكنه طمأنها ومر الوقت بدونه فأين ذهب .&;&;وهذا سؤال لا يثير فضول البعض كونهم منشغلين بكل منهم للٱخر الذي يعينيه وهذه هي الحياة &; الشئ الوحيد الذي يتمناه المرء حينها &; بأن لا. يخذله الطرف الذي يترك العالم لأجله ويصب اهتمامه كله له &; فعند الخذلان ي&;هان المرء وي&;كسر بأقصى سرعه ثم يعود من محنة&; ربما قويا&; أو العكس والشئ الذي لم ولن يتغير بأنه يعود متبلدا&; المشاعر كما الخوف لطالما ذاق مرارة الخذلان من أقرب شخص إليه !!!.
_____________________________________
&;"&;سأصرخ في عزلتي&;
لا لكي أوقظ النائمين.
ولكن لتوقظني صرختي
من خيالي السجين!"&;
- محمود درويش
سيترك كل الصراخ ويصرخ فرحا&; لأنه يجلس مع شقيقه الٱن &;&; &; طبول السعادة تدق بابه بعد غيابها لفترة كبيرة عليه &; "ٱدم" &; كم يريد أن يحيى سعيدا&; بعد الآن &; بعدما سمحت له المصحة ٱخيرا&; بزيارة واحدة فقط بعد أخذهم لاكثر من حذر&; &; لا يستطع تصدبق نفسه ولا من يجلس أمامه يتحدث معه ويسرد عليه أشياء عديدة حدثت بغيابه &; عناقه &; عناقه كان عناق مختلف يبث له به الشوق فيبادله شقيقه الندم والحزن ومن ثم الأمل !!
_"أنا مبسوط أوي إني شوفتك يا "بدر" مبسوط إني شوفتك وشوفت "يام&;ن"!!"
عانق "ٱدم" "يامن" الذي يجلس على ساقيه &; علم بسجن"شريف" ولا يعلم لما لم يوضح شقيقه وعلم بحبس والد صديقه &; وعلم بعودة "فريدة" المنزل ولكن لم يوضح له أيض&;ا شقيقه بأين كانت هي &;! &; لم يستطع التفسير &; بل حاول التجاهل ناظرا&; لوجه الصغير &; ولوجه "بدر" الذي ينعم النظر بوجه شقيقه المبهج المتفتح &; غير الذي كان عليه &; وذقنه كانت قد نبتت بطريقة ملحوظه &; تنهد ''آدم " يخرج أنفاسه بصوت&; وعمق&; ثم قال بتأثر&; :
_" أنا عارف إنك ساكت مش عارف تقول ايه تاني &; بس هقولك أنا يا "بدر" ان انت غالي أوي عندي طول عمرك &; هقولك إني محقوقلك وإني أسف &; عايزك تسامحني على اللي عملته فنفسي قبل ما أسامح أنا نفسي &; علشان انت ابويا وعمرك ما خدت قرار ضرني &; ربنا يخليك ليا وتفضل سندي &; ومتشوفش الوحش اللي أنا شوفته فـ يامن ولا فأي حد قريب منك وبتحبه !!"
إبتسم "بدر" له بهدوء&; وتأثر وهو يربت علي كتفيه &; فعاد "ٱدم" يتحدث بأعين بها من الدمع ما ظهر له :
_"عارف إن "جـنات" زارتني فالحلم &;&; أمك يا بدر اللي كنت هموت وأحلم بيها من كتر ما كانت وحشاني &; وكأنها كانت حاسة بكتر الغلط اللي كنت فيه ومعمي ففضلت مقاطعاني فأحلامي &; زارتني قريب وحضنتني حضن حلو أوي ووصتني على أختك" فاطمة " &; عيطت وأنا عاجز ومش عارف أقولها ايه &;&; أقولها إني كنت ندل ومعرفش حاجة عنها &; مستنتش مني رد &; مشت بعد ما ضمتني جامد وقالتلي سلملي على أخوك &; وقتها مشت وكنت نفسي تقعد معايا متسبنيش أو حتى مصحاش تاني من نومي !!"
هبطتت دموعه بكثرة&; وخانته &; متعلق تعلق شديد بوالدته حتى بعدما رحلت &; وقبل أن يمسح "بدر" دموعه &; وجد "ٱدم" أيدي صغيره جدا&; تمرر على وجهه بعشوائية&; وحنو&; يقسم "بدر" بأنه أخذها من "وردة" ليس سواها &; تأثر "ٱدم" من براءته حتى أنه أمسك كف الصغير بلهفة وهو يقبله بحب&; &; فتحدث "بدر" باحتواء&; :
_" فاطمة انا بكلمها علطول ..بس بقالها يومين مبتردش قولت هعدي أشوفها بس حصل اللي قولتلك عليه &; ورجعت قولت بدل ما اروحلها ويحصل مشاكل بينها وبين "عارف" &; أصبر يمكن ترن وان مرنتش هروح &; اطمن يا ٱدم كلنا بخير &; أنا عاوزك إنت اللي تكون بخير &; عشان تخرج تشوف حياتك من تاني ومستقبلك &; وندورلك كده على عروسة تشغلك وتخش دنيا بقا ..أنا ظبطت البيت. من تحت وشكلة اتغير شوية عن ما كنت فيه &; كل حاجة جاهزه وفانتظارك يا عم&; مش ناقصة غيرك بس يا معلم!! "
قال ٱخر حديثه بمشاكسة&;&; فضحك "ٱدم" بخفة&; ثم قال متفاجئا&; :
_" عروسة مره واحدة &;&; مش أما اشوف شغلانه الأول وٱخرج أصلا&; من هنا !!"
قالها بتلقائية &; فأخذ"بدر" أنفاسه ببطئ&; ثم رمي له بخبر يعتبره الٱخر سعيد :
_"ما دا اللي عرفته النهاردة .. جهز نفسك علشان هتخرج بعد خمس ايام من النهاردة ..!!"
إبتهجت ملامحه وتوسعت بسمته حتى أنه قبل الصغير بفرح&; وعفوية منه تأثرا&; بما سمعه &; فعاد "بدر" يكمل :
_" المرادي واثق فيك أكتر يا ٱدم &; لما تخرج متضيعش ثقتي دي فيك ..مترجعناش لنقطة الصفر تاني "
قالها بيأس&; وتحذير فنظر له "ٱدم" نظرة مطمئة ساكنه دون تبرير بخزي &; وجد أحدهم يقف مرددا&; بحزم&; :
_' الوقت بتاع الزيارة إنتهى يا فندم !!"
أومأ "بدر" وهو يقف ثم مد يديه يمسك كف "يامن" وهو يحتضن"ٱدم" بوداع فإنحنى "ٱدم" يقبل وجنتي الصغير بحب&; ثم أخرج من جيب بنطالة منشفة ورقية يمسح ما بجانب فم "يامن" حتى أعطاها له وهو يحثه :
_"خليك ماسكها علشان تبقى نضيف بعد ما تاكل الحاجه الحلوه &; هات بوسة لعمو بقا قبل ما تمشي !!"
لبى الصغير غرضه وطلبه فاستقام"ٱدم" وهو يبتسم لـ شقيقه &; وقبل أن يرحل ويختفي من أمام أنظاره شئ فشئ. هتف له بثقة&; ويقين وتمني :
_" أشوفك على خير يا "ٱدم " &; خلى بالك من نفسك !!"
وكان ذلك هو القول الأخير له عندما رحل وعاد الٱخر يدخل ليبقي حبيسا&; لفتره قصيرة عن ما كان في البداية &; لفتره ستدوم لـ خمسة أيام لا ٱكثر , سينتظرهم بفارغ الصبر &; يكفي وجع وألم ما رٱه بهذا المكان الذي كان بشكل&; حديث من الداخل والخارج وما يفعله بدوره كمثل القبر بعذابه !&; &; ورغم ذلك صمم شقيقه على وضعه بواحدة من أحدث وأهم المصحات وأعلاها قيمة وخصوصية !! &; يدين له بالكثير إذن &;&; وهو الذي يعلم بأن شقيقه لا يود له سوى الخير منذ البداية .&;&;و أه&; من العقل عندما يتخدر ويصبح أعمي الرؤيه فيجهل الأنفس الصافيه التي تود لنا الخير ويوافق الأنفس الخبيثه وأصدقاء السوء المؤدون إلى طريق الهلاك !!!
________________________________
ثم بعد الإنسحاب من الجميع تذكرت عندما أصبحت الشقة فارغه هادئة &; وراعت "دلال" زوجها عندما ظلت بجانبه &; ووقفت "نيروز" في المطبخ تغسل الأكواب فقط &; فقد غسلت "وردة" الاطباق&; ا&;رهقت "نيروز" اليوم بما فيه الكفايه ويعلم هو &; ود لو يشكرها بشدة&; &; يعانقها بإمتنان&; يقبلها بحب&; يبث لها السعادة بكم هذا الاهتمام والتمسك والاسناد رغم عدم توقعه بأن تكون مهتمه بشدة كذلك!! &; ولكن يجرحه غرورة ويصرخ بـ لا ..لن يتخطي ككل مره يتخطي فيجعلها تنظر للوضع وكأن جرحه هو عاديا&; لا ينزف !! &; شعرت به يقف خلفها ويخونه الإهتمام ولكن ما يحفظ صرامته هو الفتور عندما يسألها به كل مره بطريقة زائفة &; كمثل هذه المره وهو يقول بلين داخلى برع في إخفاءه :
_" عديني أساعدك &; أكيد تعبتي النهاردة!"
إنتفضت وكل مره هو من يخرجها من شرودها &;وضع يديه على كتفيها بتلقائية يهدأ من روعتها المبالغ بها &; ولكنه يعلم بأنها تشرد كثيرا&; تغوض بأوجاع.. يري بأنها تعشق المعاناة والحزن&; مرر يديه علي كتفيها بإطمئنان&; فهدأت تأخذ أنفاسها نافية برأسها تضع ٱخر كوب بمكانه:
_" لا أنا خلصت خلاص &; مفيش تعب ولا حاجة !!"
كبرياؤها كأنثى لم يرى مثله باحداهن من م&;ن كان يعرفهم هو قبلها &; بإرتباط ومعرفه وأخري &; لا يعلم بما ص&;نعت طباع وعقل وتصرفات وأقوال هذه المرأه &; نعم مرأه يراها مختلفه عنهن والغريب بأن أشد طبع لديها لا يكرهه هو بتاتا&; !!! &; أخذ انفاسه بهدوء&; وهو يعتدل ملقطا&; زجاجة مياه يشرب منها عندما شعر بأن حلقه قد جف &; تود أن تطلب التبرير بما رأته والٱن كي تسطع آحتواءه فكفى ندما&; عن ب&;عدها وعدم معرفتها بفعل ذلك دون وجود سبب!! &; لاحظ بأنه محط للمراقبه فنظر نحو عينيها وجدها تطيل النظر إليه &; وضع الزجاجة مكانها ثم مد إصعبه يعلق سحاب سترته المنزلية بغير إكتراث عندما لاحظ فتحها رغما&; عنه &; وما ص&;دمها هو أنه ردد بحديث أخرسها وخيب أمله هو عندما لاحظ ترددها :
_" مكنتش غلطان أنا لما قولتلك إني بحبك أكتر ما إنتي بتحبيني &; ومش متفاجئ علفكرة &; عشان بردو قولتلك إنتي بتترددي تعملى حاجة المفروض تكون خارجة منك من غير تردد ولا خوف &; لما عينك تقول حاجه وكلامك حاجه وعقلك حاجه تانيه خالص وقلبك حاجة غيرهم &;فـ دا الصراحة حاجة مهلكة أوي ليكي &; بس بردو أنا لسه عند رأيي .."
توقف "غسان" ثم أكمل بثقة&; تامة بحديثه الٱتي:
_".إنت&; مبتفهميش يا "نيروز"وبتتفنني ازاي توجعني نفسك وغيرك !!"
وكان هذا ٱخر حديث منه لها ومن ثم لم يتقابل حديثه مع حديثها مرة&; ثانية &; عندما خرج صاعدا&; لأعلى بعدما إطمأن على والديه وبالأخص "والده" &; صعد ومن ثم صعدت هى&; خلفه بعد هذا اليوم الم&;هلك المضغوط بكم أحداث كانت متعاكسة .. ومن ثم بعد هذا اليوم ولم يتحدث معها أبدا&; سوى بكلمات مقتضبة يردفها وهو يتعمد عدم النظر بعينيها ..ستعود للوقت الحالي&;&; ستخرج من شرودها كل ذلك .&;&;
..
..&;عودة لوقتها الحالي &;..
تسأل نفسها وهي تجلس شاردة الذهن أمام طبق الغسيل الكبير تطوي الملابس&;!! &; حزينة العينين تسرق النظر له بين الحين والٱخر عندما يتعمد تجاهلها في الأيام الماضيه منذ ٱخر ما حدث بينهما &; لا تعلم لما تشعر بالندم وإلى الٱن لم يبرر لها &; وكان ٱخر حديث لها بأنه سيذهب &; لم تكن تعلم هي بأن الذهاب كان من الاهتمام وحتى الحديث &; ترى انطفاء ملامحه بحزن&; يبرع فجي إخفاءه وزاد وظهر بشده عندما مر "والده" بأزمته في "محل الورد" &; ذهبت ذاكرتها لأيام مرت منذ أن س&;رقت أنفاسها بما حدث لـ "حامد" فجأة&; &; تذكرت كل شئ حتى ٱخر جملة أردفها هو لها !!!
تعلم بأن اليوم مدعوين جميعا&; على الغداء بشقة "عايدة" &; وتعلم بأنه عاد من عمله مبكرا&; عن الوقت المعتاد الذي يعود به &; جلوسها بصالة شقتها وهي تطوي الملابس شاردة الذهن وكأنها تنظر ناحية التلفاز &; كان غير حقيقيا&; بل كانت تفكر به وبتجنبه وهجره لها &; تسرق النظر له بالفعل ولكنه نهض من على المقعد منذ دقائق بعدما كان جالس عليه يعبث بهاتفه منتظرا&; قدوم الشباب في الأسفل. كي يستطيع الهبوط ليجلس
وجدته يخرج من المطبخ معدا&; لنفسه كوب من الشاي عله يمحي صداع رأسه &; "غسان"&;&; يفعل هو الشاي بنفسه دون أن يطلب منها &; &; بالنسبه له هذه ابسط الأشياء كي لا يطلب منها بسبب موقفه &; وبالٱخر ما يسميه هو وجع منها &; فبعد كل هذه الأيام ومنذ ما حدث &; تحتفظ بكبرياءها تجاهه وتصر على موقفها رغم ترددها &;. وشعور الضيق الذي يهاجمها ولا تعلم لما&;&;&; تجرع منه ببطئ&; وكل لحظه يريد أن يخرج الثقل في أنفاسه وصدرة &; خيب شقيقه ٱماله للمره الذي لا يعرف عددها عندما طلبه ضاغطا&; على كرامته فقط من أجل "والده" الذي يسأل في كل مره لما لم يأتي"بسام" للإطمئنان على&;&;&; ألا يعلم بأن ما حدث له بسببه هو. &;&; &; يبتلع الغصه المريره في كل مره عندما يجد هاتفه مغلق غير مباليا&; &; وكبرياء الٱخر هو الٱخر هزمه عندما اصر على عدم الذهاب له مره ثانية يحثه على أشياء من المفترض بأن يفعلها هو !!
ثم وهذه الغبية ألا تشعر بك&;&; كالعادة يسأله عقله ويبرر قلبه دائما&; بأنها تشعر ولكنها معذوره &;. أي ع&;ذر &;&; يريد الٱن ع&;ذر ليمحي لها ما تفعله &; أصر على عدم التبرير لما رأته كونها لا تفهم متسرعه القول مندفعه شرسه في أوقات لا يتوجب بها لها فيها كذلك!!&; انتظرها تطلب التبرير كي ينتهي الوضع ولم تطلب بعد &;&; &; أطاوعها قلبها على فعل كل ذلك &;&; لأول مره يحدث بينهما كل ذلك الفتور والبعد التدريجي لٱكثر من ثلاثة وأربعة أيام!! ..يبدو أن طاقته في تحمل ما تفعله وتخطيه كل مره نفذت!! ..
تراقبه من أسفل أهدابها &; تعترف بأن الشوق هزمها هزيمة تقتنع بها !! &; تنهدت تأخذ أنفاسها بثقل&; هي الٱخرى فكلما تضيق بها الأركان لم يكن أمامها سوى مكان واحد فقط للذهاب إليه &; أحضانه &;&; اين هي&; &; لا هذه المره ستذهب لمكان ٱخر ولكن ليس وقته بهذه الساعه &; يمر اليوم فقط ويحدث ما يحدث !! , نهضت تحمل طبق الغسيل الكبير بعدما طوت به الملابس لتتوجه بها ناحية الدولاب في غرفتهما التي أصبحت تقل الدخول بها &; فمنذ أيام وما حدث تنام هي بغرفة الاطفال!! &; لم تنتبه لما وقع منها بالطريق &; كفى ضيقا&; من هذه الأعمال المنزلية المتعبة قد وقعت بالفخ لا فرار من ذلك !!
وقفت تضع منها ما بمكانهم &; بإندماج&; وتسمع هي بالخارج صوت أغاني أم كلثوم الذي يسمعها &; لا تعلم بأنه تركها وجاء خلفها حاملا&; ما وقع منها &; إلتفتت فوجدته يقف خلفها حتى أنها أصطدمت &; وخفق قلبها من هذه الحسره&; خفيف لا تشعر بخطواته إلا مرات قليلة &; رفعت عينيها تنظر فوجدته يرفع ما وقع منها أمام وجهها وهو يقول بتهكم&; :
_" خدي اللي وقع منك!"
توترت بالحرج وهي تأخذ منه ما بيديه &; وهي تلتفت تضع كما كانت تضع بترتيب&; &; حتى إنسحب هو مره ٱخرى للخارج &; يروق له خجلها ولو كان بوضع غير الوضع لعبث بكلماته لها ليزيد الوضع بمشاكسة&; &; انتهت حتى توجهت تضع حجاب رأسها كي تهبط مع النساء أسفل خاصة&; أن "والدة عز" أتت وتعتبر ضيفه للمره الأولى بمنزلهم جميعا&; &; خرجت متجهزة بعدما رتبت شقتها قبل وقت هي الٱخرى طوت الملابس وفعلت ما عليها فعله &; وجدته ما زال جالسا&; تلك الجلسه المستفزه &; تجاهلت الوضع رغما&; عنها &; وتحاملت على نفسها بما يتوجب عليها فعله بدورها عندما وقفت أمامه تعلمه:
_"أنا هنزل علشان أكون معاهم !"
لم يرفع عينيه من على هاتفه بل حرك رأسه موافقا&; دون النظر لها &; ولكنه رفع عينيه ووجهه ناحية الباب عندما وجد جرس الشقة يعلو &; نهض وهو يشير لها بأنه هو الذي سيتقدم ليفتح الباب &; طالع مظهرها وهي واقفه من خلفه وكالعاده تظهر خصلاتها من الحجاب بغير إكتراث. &;. وضعت يديها محط أنظاره حتى خبأت خصلاتها سريعا&; وهي تدفع الحجاب إلى الأمام بسبب إنزلاقه رغما&; عنها &; إلتفت بعدما رمي لها نظرة حادة إستشفتها دون أن تبرر له ككل مرة&; مد يديه يفتح الباب &; وما أن فتح نظر أمامه ووجد من كان لا يتوقع بأنه الطارق أبدا&;!!
_"أهلا يا أم عز &; إتفضلي &; ايه النور دا !!"
بالفعل كانت "حنان" وبجانبها "وردة" التي صعدت معها تساندها كي تعلمها شقتهم التي ودت زيارتها بذوق&; &; إبتسمت "حنان" ببشاشة&; وهي تصافحه حتى دخلت&; ورحبت بها "نيروز", بلطافة&; ثم حثتها هي وهو على الدخول لغرفة الضيوف &; ثم تركتهم "نيروز" لاعداد ضيافة لها وانسحبت خلفها "وردة" في المطبخ ترى إستغراب "نيروز" من الزيارة فردت "وردة" دون أن تسمع السؤال :
_"جت من شويه وقالتلي إنها عايزه تزوركم. بما انكم عرسان وهي مجتش بسبب ظروفنا وكنان ظروفهم!!"
أومأت لها"نيروز" بتفهم&; وهي تفتح الثلاجة تزامنا&; مع ردها :
_" طنط طيبه اوي&; كتر خيرها .. هو محدش جه تحت&;&;"
_"لا ...حتى "ياسمين" نايمة هبطانه على رجل ماما تحت عند طنط عايدة &; وطنط دلال فالمطبخ مع طنط عايدة &; وحازم فالشغل لسه وبدر قاعد مع عمو حامد .. وجميلة فالامتحان زي ما إنتي عارفه بقالها كان يوم بتمتحن بس لسه مجتش لحد دلوقتي!!"
_" يا سلام على تفاصيلك يا وردة ..بس طمنتيني قربت أحس اني قليلة الذوق لما حسيت اني أتأخرت عليكم&; بس يادوب خلصت اللي روايا !"
تذكرت توتر "جميلة" التي تشاركها كل شئ دائما&; لم تكف عن ان تطمئنها وتطمئن لطالما"عز", زوجها يساندها بهذه الأيام &; رددتها "نيروز" بخفة&; وهي تساعد "وردة" في حمل الاطباق وكوب العصير&; متجهين معا&; ناحية الغرفة &; التي جلست بها "حنان" ترد علي ترحيب "غسان" بلطف&; &; فسألها هو بابتسامة هادئة :
_"أومال "عز" فين &; مطلعش معاكي ليه ولا لسه مجاش&;"
حركت رأسها إيجابا&; وهي تبتسم ثم قالت بتوضيح&; :
_"لا راح لـ "جميلة" يستناها لما تخرج من الامتحان مش عارفه يمكن إتأخر بس مسيره يجي!!"
حرك رأسه بتفهم&; ثم جاب عينيه هي وشقيقته وهي تدخل تضع كرم الضيافة أمامها علي الطاولة الانيقه &; فردت "حنان" بشكر&; :
_" مش عارفه بتتعبي نفسك ليه يا بنتي &; أنا مش ضيفه &; أنا جاية أزور ابني وبنتي &; ولا انتي بقا عندك كلام تاني &;!"
نفت "نيروز" بلهفة&; ك&;برى&; وهي تجلس بجانبها بإحترام مردده بسرعه :
_" لا طبعا&; يا طنط.. البيت بيتك ..ومنورانا !!"
إبتسمت لها "حنان", ببشاشة&; ثم نظرت نحو "غسان" وهي تشاكسه بحديث نسائى مرح :
_"عروستك حلوه خد بالك منها &; هم كده ولاد الأصول ربنا بيعوضهم بحد حلو زيهم !!"
قصدت وقوفه بجانب"عز" فإبتسم&; تحت ضحكة "وردة" الهادئة و ابتسامة "نيروز". الخجولة !! &; فشربت القليل من العصير ثم نهضت بذوق&; تقول بوداع&; مؤقت:
_" يلا أستأذن انا بقا وهسبقكم على تحت !!"
_" انتي جاية فـ ايه و ماشية فـ ايه يا ام عز &; أقعدي شوية!!"
قالها "غسان" بعشم&; &; فأيدته "نيروز"و"وردة" فعادت تتأبط ذراع "وردة" بخفة&; ثم قالت :
_" معلش نجيلكم مره تانية بقا !!"
رد "غسان" بتلقائية وهو يبتسم عليها وعلى طبيعة حديثها العفوي:
_" طب امته &;"
رفعت كفها هذه المره تربت علي كتفيه بود&; ثم قالت بإحترافية في الرد وهي توزع نظراتها بينه وبين "نيروز" :
_'' لما ربنا يكرمك إن شاء الله وتشيل عيالك!!"
طالعتها "نيروز", بخجل&; وهي تسير خلفها حتى تخرج من الشقة مع هبوط "غسان" معها وظلت "وردة" عندما أشار لها بأنه هو من سيندها &; هبط المصعد ودخلت "نيروز" ترتب ما أعدته وهي تحمله ناحية المطبخ مع "وردة" التي سألتها باهتمام&; غلفه الحزن المدفون :
_"مالك يا "نيروز" حاسة انك مكبوته كده وزعلانه من حاجة !!"
تنهدت "نيروز" تخرج أنفاسها بثقل&; ثم إبتسمت بتكلفة&; تنفي وهي تلتفت بعدما وضعت مابيديها بمكانه :
_" أنا كويسة يا" وردة ". متشيليش همي &; أنا بخير!!"
_"مش باين يا "نيروز" ..مع انك بتحاولي تظهري عكس كده &; أوقات بقعد مع نفسي وأبقى فخورة بيكي أوي عشان إستحمتلي كل اللي فات دا &; وأوقات تانية ببص لـ "غسان", نظرة امتنان عشان لولا وجوده جنبك مكنش كل دا عدى بسرعة &; أيا&; كان اللي حاصل معاكي فإعقليها يا نيروز وفكري وعيشي حياتك وإفرحي عشان فرصة إننا نفرح دي بتضيع علينا وإحنا لسه بنبكي على اللي راح ..فبنلاقي وقت الفرحه قصير اوي وياريت بنعيشه&; فهماني فاهمه أختك&;&; !!"
قالتها لها وهي تقف بمواجهتها الٱن في الصاله &; أتريد أن ترسل لها رساله جاهله هي عنها وهي التي تردفها&;&; تحاول الإصلاح على الرغم من انها لا تعلم ماذا حدث &; وجدتها تفتح ذراعيها لها فدخلت"نيروز" بينهما تعانقها عل أنفاسها تخرج براحة&; كبرى ولكن مهلا&;&; هذه ليست أحضانه &; مهما حدث لم تستكين إلا بين ذراعيه هو !! &; خرجت من أحضانها وهي تحرك رأسها لها بتأييد&; وتأكيد&; وطاعة للحديث بإيماءه بسيطة منها فابتسمت"وردة" وهي تحثها علي الهبوط كي يخرجا معا&; من الشقة &; ولولا وجود العائلة بلحظات&; يفارق بها الخ&;ل مؤقتا&; لما إستمر الوضع &;غالبا&; وليس دائما&; تكون العائلة مهمه &; لها دور هام لا يستطيع أحدهم تعويضه وأوقات أخرى تصبح العائلة محل هدم الأنفس ودمارها&; لتجعل الفرد منتظرا&; بفارغ الصبر على أن يفارق من كثرة ما رأى &; أو لر&;بما لم تكن العائلة عادلة يوما&; معه !, ولا نسيان لهذة العقبه التي تلازم المرء اينما حل&; !!!!
_________________________________________
&;إن شئت&; أن أ&;نسى... ت&;ذ&;ك&;&;ر&;ت&;
ا&;متلأت&; بحاضري&; واخترت&; يوم&;
ولادتي ... لأرت&;&;ب النسيان&;..&;
- محمود درويش -
كيف تنسى&;&;! وهو من أنجبها&; كيف تنسي وتريده بأن يشاركها حتى وإن لم ترى منه شئ سوى الظ&;لم والقهر!!, تشعر بالتخبط بأخذها لهذا القرار &; رغم حث شقيقها على أن تفعل ذلك لينعموا بحياة هادئه خارجة عن التذكير بالحزن وبالحسره عندما يرونه !! &; عصته &; وعصاها قلبها وشعورها &;إبتلعت "جميلة" ريقها بصعوبة&; ومازالت شاردة الذهن منذ أن خرجت من الإمتحان وركبت معه السيارة عند الوجهه التي لم تجد مثله ليشاركها بها عندما تذهب إلى هذا المكان !! &; تسير الٱن هذا الطريق الذي يقترب أكثر باكثر ليعصر قبضة قلبها !! تكابر &;&;. أم تذهب على أمل سماع كلمة جيدة منه &;!
يلاحظ "عز" شرودها ذلك ويتوجع كل الوجع لأجلها الٱن &; حتى أنه توقف فجأة&; عن السير ومن ثم أمسك معصمها فتوقفت وهي تخرج من شرودها تنظر له &; فوجدته يردد بنبرة&; هادئة :
_"مكنتش اعرف إن دا هيبقي حالك حتي قبل ما تشوفيه لسه مش وانتي راحاله كمان!!!&; أنا مش عايزك تتوجعي يا "جميلة" &; تعالى نمشي !!"
ساندها أولا&; في القرار ولكن عندما رٱها كذلك رجع بقراره سريعا&; &; أدمعت عينيها وهي تنظر له ومن ثم ليديه الممسكة بيديها بحزم&; فردت بانهزام&; وبنبرة متوجعة وصلت له بقوة :
_" أنا معرفتش "حازم" إن راحة زيارة ليه &; لو عرف يا "عز", هيسمعني كلام يوجعني &; أنا ملقتش غيرك يسندني &;. متقفش فطريقي أرجوك !!"
_" يسمعك كلام يوجعك يا جميلة ولا أبوكي يسمعك كلام إنتي راحه وإنتي عارفه إنك مش هتاخديه منه يا بنت الناس &;!&; بلاش تعملي فنفسك كده &;&; أنا عارف إنه ابوكي ووافقت وجيت معاكي لحد هنا علشان مبقاش مانعك عنه قدام ربنا وقدام نفسك &; بس لو هو والتفكير فيه قبل ما تشوفيه يعمل فيكي كده بلاها منها زيارة !!"
هبطتت دمعتها &; فرفع "عز", أنامله يمسح وجهها برفق&; حتى قالت هي بتشتت&; :
_"يمكن يقولي إنه نفسه يكون معايا فوقت زي ده &; يمكن يا عز ساعتها هحس إنه كان هيعمل حاجه تفرحني رغم اني عارفه إن مكانش هيحصل ده &; سيبني أشوفه حاسه إنه واحشني رغم اني معرفتش لسه أسامحه &;. حاسة إني عايزه أشوفه وأحضنه &; مكنتش أعرف ان الدم بيحن اوي كده غصب عن عين الواحد !!"
ضمها بهذه اللحظة في الشارع على فجأه غير عابئا&; بمن حوله &;ضمها عندما استشعر وجعها فبكت بصوت&; مكتوم وهو يربت على ظهرها بمواساة&; شلت من لسانه الذي عجز عن ارداف كلمات حانيه &; بل وجدها تقسم بوجع&; قبل أن تدخل:
_"انا استاهل والله العظيم يا عز &;أستاهل يكون أبويا جنبي وساندني استاهل يكونلى اب كويس معايا وحنين عليا !!"
لم تشعر بمدي قوته وهو يشدد من العناق ممسكا&; بذراعه الٱخر رأسها يضمه ناحية صدرة أيضا&; &; صدرة الذي ضاق وهو يرد بكل لهفة عليها سريعا&; :
_" وانا ابوكي .. انا ابوكي والله العظيم!!"
خرجت تمسح وجهها تحث نفسها على التماسك وكانت سهلة عليها قولها عندما صححت له القول بـضعف&; :
_" إنت أحسن منه !"
أمسكت كفه بعدها تدخل إلى الداخل &; "السجن" بزياراته &;&; &; فعلتها ودخلت تعلمهم هويتها وهوية من معها &; حينها سارت لمكان معين به أشخاص كثيرة بزيارات عائلتهم لهم وأصدقائهم &; جلست على مقعد متهالك وبجانبها "عز" الذي أمسك كفها بين كفه بتشبت&; وما أسوء الانتظار!!
مرت الدقائق من بين نظراتها المتعلقة بعيني "عز" الذي سألها بتيهه من بين نظرته لعينيها الدافئة :
_" تحبي نقوم نمشي &;!"
_" هستنى حتي لو مجاش !!"
تصر على الوجع وهذا الشعور رغما&; عنها لم تستطع التحكم به &; تمسكت بكفه وتارة تضغط عليه بقوة&; من توترها ..خوفها ..انتظارها..صبرها &;. كل ذلك كافيا&; لغرز أصابعها مره أخرى بكفه عندما جاءها صوته من أمامها بملابسه الييضاء ..مرددا&; على مسامعها جملة احتارت في ان تترجمها بالسئ او الجيد:
_"متوقعتش حد يعملها غيرك !!"
رفعت رأسها تنظر بإندفاع&; ويديها وأصابعها تغرزها بين كف الٱخر الذي صمت يتحمل ما بها رغما&; عنه &; جلس "سليم". دون حتى أن يرفع ذراعه يحتضنها&; لم يعتاد ذلك !! &; حسنا&; الوضع ساخر بعد كونه موجع بالنسبة لها &; طالت النظرات بينهم وكان هو المتحدث مره ثانية عندما قال :
_" أنا فاكر إنك مش عارفه تسامحيني يا "جميلة" &; جاية ليه&;!"
الصعب بأنها لا تستطع فهمه إلى الان يندم أم لا&;&; &; إبتلعت ريقها ثم وزعت نظراتها بينهما حتى قالت محاوله التماسك وقد غلبها الحنين الغبي&; وهذا ما اطلقته علي شعورها &; شعور غبي&;! :
_" كان نفسي أشوفك ..و .و اقولك إني قربت اتجوز وان ..كان نفسي تكون معايا زي أي اب بيكون ساند بنته فوقت زي...ده !!"
ربت "عز" بلهفة على كفها عندما وجد تعلثم كلماتها الغير مرتب تماما&; &; تنفس "سليم" وهو ينظر لها مبتسما&; بسخرية&; منه وهو يقول :
_"وإنتي شوفتي مني ايه عشان دا يكون رد فعلك معايا &; مظنش إني عملت حاجة تخليكي تيجي لحد هنا وتقولي كده &; مش معقول يكون المتر موافقك تيجي للوجع برجلك أو حتى أختك اللي أمها ملت القسوة فقلبها فكان سهل عليها تمشي ومترجعش تاني هنا زيك &; بس لسه فيكي من عايدة &; خدي بالك لو فضلتي كده هتتعبي اووي !!"
ووجه عينيه نحو"عز" بصمت&; يراقبه ثم قال بفتور&; :
_" غريبه تجيلي بعد ما اللي عملته مع اختك و..أخوك !!"
رفع"عز" عينيه الحادة ينظر بها نحو عينيه بقوة&; متشبتا&; بيدي "جميلة" وهو يرد على حديثه بجدية&; وصدق غلف هذه الجديه :
_"أنا مش جاي عشان حد&; أنا جاي عشان مراتي اللي قادر أمنعها عنك لانك مصدر وجع وقلق ليها وبس !!"
حرك رأسه بغير اهتمام &; ثم نظر نحو"جميلة" بسكون مره ٱخرى فوجدها تتشبت بيدي الٱخر &; علم بأنها وجدته بشخص ٱخر غيره &; لطالما تشبتها به كمن طفلة صغيره تتمسك بيد والدها من خوفها &; لاحت ابتسامة صغيره علي زاوية فمه وهو. ينهض ممرا&; عينيه عليهما حتى ثبتهما علي ابنته وهو يقول :
_"إمشي يا جميلة!!"
قالها بصلابة&; وداخله يخجل من رؤيتها كذلك أمامه &; نهضت مع "عز" وهو يحاوط كتفيها بإسناد&; &; فتركته "جميلة" بهذه اللحظة وهي التي ارتمت بأحضان "والدها" الحقيقي الذي أنجبها &; تريد شعور الاحتواء منه حتي ولو وكان غصب&;&; &; هكذا علم "عز" &; عندما وجدها تبكي بإحضان ٱخرى غيره&; صعب من الصعب ان يعوض أحدهم مكان الأب &; هو خير من يعلم ذلك..بل وهو الذي عاش أب يكافح!! &; تردد "سليم" برفع ذراعيه ولكنه رفعهما عليها على أية حال على ظهرها وهو يهتف بتقطع&; متنفسا&; بصوت&; تزامنا&; مع قوله :
_"مش عارف أقولك سامحيني حتى &; وانا عارف انك مش هتعرفي تعمليها ..إمشي ومتجيش تاني هنا!!!"
يصر على الجمود لطالما هذا وضعه وطبعه &; خرجت بحزي&; قبل أن ترتمي باحضانه وهي تعلم بأنها ان دخلت ستخرج بنفس الانهزام &; ساندها "عز" سريعا&; وهو يمسح دموعها بخوف&; من ذلك الإنهيار وهو يختفي من أمام أعينه شئ فشئ &; سحبها معه بعيدا&; عن هذا المكان &; وتقابلت عينيه معه وهو يجلس مع أحدهم من على ب&;عد يراقب وينظر بتشفي بنفس الملابس البيضاء &; "شريف"!! &; لم يعيره "عز" إنتباه يحاول محو الوجع والشر الذي نبت بداخله في هذه اللحظه عندما شعر بأنه يأذيه بطريقة غير مباشرة &; متذكرا&;. حالة "فرح" وثباتها علي عدم قول أي حرف يخرج منها !! &;
أرسل له "شريف" ق&;بلة في الهواء بكيد&; من على ب&;عد ولو كان ما يود فعله قانونا&; لاقترف جرما&; بقتله الٱن بين كل هذه الاشخاص &; بل تعمد التحمل والذهاب من أمام عينيه ومن المكان الذي يجلس به لطالما يعلم أنه ما ان يفعل ذلك سيكون معه بنفس المكان!! ..
سارا معا&; إلى أن خرجا إلى الخارج وهي تتمسك بكفه وكأنه سيهرب منها لو سيود الفرار بعدما رٱه&;&; &; توقف وأسند يديه على ذقنها يرفع وجهها يلومهها بنفس وجعها:
_"علشان كده مكنتش عايزك تدخلي من أصله يا "جميلة"&; مش قادر أقولك كفايه الوجع اللي عندك وعندي &; محدش بيحب يتوجع بس إنتي بتثبتيلي إنك قوية أوي وعندك استعداد تيجي على نفسك عشان اي حد حتى ولو أذاكي فيوم &; عهد ووعد يا "جميلة" ومبقاش "عز" لو سيبت وسمحت لحد يجي عليكي فيوم بعد كده حتى ولو كان هو مين اللي واقف قدامي&; حطي ايدك فإيدي وحاولي تسيبك حتى لو صعب تنسي بس كونك معايا هيخليكي تحاولي تتخلى &; معلش هتتخلى عن حد غالي بس مقدمناش حل وأنا مش هسمح تتوجعي تاني &; أنا بحبك وان حبيتك مش هعرف أسمح للأذى يطولك !!"
كلماته جعلتها تنظر بتأثر&; وتومأ بحركة رأسها له حتى سردت ما تود قوله وما لا يمل هو من السماع لها :
_"مش عارفه أتخطى &; مش عارفه حتى وهو بعيد ٱذينا وأذاه طايلني وطايل فريدة اللي بتعمل مش فارق معاها وجوده &; وطايل "حازم" لدرجة إنه مبقاش يروح الشغل اوي زي الأول بسبب الكلام اللي بيتقال. وقف حال ولقمة عيش أخويا اللي ملوش غيرها حتى ولو الكل عارف ان حازم عنده ضمير بس دايما&; الناس بتتكلم &; حازم شايل كتير اوي يا عز &; كتير اوي جواه !!"
رفع يديه يمررها على ظهرها وهو يحثها على السير &; فسارت تزامنا&; مع قوله المطمئن لها :
_"وحياتك عندي يا "جميلة" كل دا هيعدي !!
_"بيك هعدي كل حاجة!!"
قالتها وهي تمسح أنفها بالمنشفه الورقية &; حتى مسح هو وجهها بيديه الخشنه التي تستشعرها علي وجهها الناعم&; قشعرت من لمساته علي وجهها بخجل&; خاصة&; أنه يمسح وجهها بالكامل بحنو&; وكأنه يوزع الأمان بيديه الذي يمررها &; فغير مجري الحديث وهو يرفع يديه يرجع طرف الحجاب كما كان بعدما تطير من ٱثر الهواء :
_"قولتيلي عملتي ايه فالامتحان .&;"
تصنع بأنه قد نسي ليجعلها تنخرط &; فإبتسمت"جميلة" وهي تتفهم حتى قالت ما عكس الذي يظهر عليها :
_"سيبت سؤالين!"
ضحك بخفة&; وهو يسألها بمرح&; محاوط كتفيها مره أخرى وهو يسير:
_" طب ومالك مبسوطة ليه كده انك سيبتي سؤالين !!"
لم تكن سعيدة بل هو من قصد ذلك ليجعلها تضحك &;يسألها لما هي سعيدة وردت بما ثبته :
_" علشان انت&; معايا!!"
_"وإنت&; معايا تسيبي الاسأله اللي انتي عايزاها أصلا&;..المهم الصحة والنفسية ولا ايه يا جميل &;!"
تظاهر بالبساطة والغريب بأن عدم إهتمامه الزائف أثار ضحكها فضحكت بصوت&; هذه المره وهي تمسح وجهها مره ٱخرى ترفع عينيها نحو عينيه التي تحاصرها بنظراتها &; وردت بتأكيد&;:
_" أنا بحبك اوي يا "عز"!!"
لم تكن سهله القول رغم اعترافها من قبل &; وبهذه اللحظه يستشعر حرجها الذي يزول وخبرتها في الحديث المعسول تظهر ولو ذره &; توسعت بسمته وهو يشير لسيارة أجرة حتى أجابها بصدق&; يعترف بما تعرفه هى:
_" وعز بيحبك من قبل ما انت&; تحبيه!!"
وأخيرا&; تجد السند به &; تجد الظهر الذي بإمكانها الاستناد عليه بثقة&; بالغه بأنه لم ولن ينحني مهما حدث له &; هو "عز" وجاء ليعزز نفسها وثقتها وأيامها وهي "جميلة" جاءت له لتجمل أيامه الجافه عليه وكأنها زرع يريد الماء وأرتوي من جماله بعدما تجرع يمحي ظمأ الجمال الذي كان يفتقده !!!
__________________________________________
إجتمع الك&;ل في شقة "عايدة"الواسعة &; التي أخذت الجميع بأركان مختلفة &; عدا "عايدة"و"دلال" في المطبخ ومعهم "وردة"و"نيروز" وفي الخارج جاء "حامد" ٱخيرا&; يجلس مع "بدر"و"شادي" وحتى "طارق" المدعو هو الٱخر و "غسان" الذي جلس معهم &; وعلى ب&;عد&; قليل جلست "فريدة" مع "حنان" و"سمية" "و"ياسمين"و"منة" التي كانت تسأل بتلهف على "فرح"&; ودخل "حازم" قبل قليل بعدما أتى من الخارج ودخلت "وسام" هى الٱخرى مع الفتيات &; بينما في المطبخ وقفت "عايدة" تبتسم بسعادة وهي ترد ببهجة:
_" أيوة الحمد لله إن الشقة عرفنا نخلصها فالأيام اللي فاتت دي &; ناقص بس نحط الهدوم بتاعت الدولاب وتبقي كده خلصت&; احنا كنا فين وبقينا فين !!"
ضحكت "دلال" تجاملها بحديث نسائي :
_" الشهادة لله يا "عايدة" إنتي طلعتي جايبه لـ "جميلة" حاجات كتير الله أكبر &;,يلا عقبال" فريدة " يارب !!"
لم تتدخل أي من "نيروز" و"وردة" التي خرجت تنظر على "يامن" في الخارج &; بينما التفتت عيني"عايدة " إلى "نيروز " التي تذويب "الشوربه" بهدوء&; وصمت &; فتوجهت نحوها تساعدها وهي تشاكسها بخفة&; :
_" مفيش حاجة كده ولا كده جاية فالسكة !!"
ضحكت "دلال" بيأس&; من لهفة "عايدة" الدائمة لانجاب الاطفال &; أبهذه السرعة &; توردت وجنتي "نيروز" وهي ترفع عينيها تبرر لها بتوتر&; :
_" أنا لسه متجوزة يا طنط &; بس ان شاء الله ربنا يكرمنا &; إدعيلنا !!"
دعت لها بعفوية وتلقائية &; فشاكستها "دلال" وهي تقف قائلة بمرح&; :
_" جرا ايه يا "عايدة" دا انا حماتها ومقولتش حاجة مستعجلة على ايه يختي !!"
_" إخص عليكي يا دلال دي "نيروز" دي بنتي من حقي اطمن عليها بردو !!"
إبتسمت لهم "نيروز" بحب&; حتى إنتهت بما تفعله &; وعندما نظرت نحو عتبة المطبخ وجدت "فريدة" تأتي مبتسمة وهي تخبرهم :
_" جميلة وعز جم برا !!"
بينما في الخارج &; جاء "عز" مع"جميلة" ودخلا معا&; إلى الداخل تحت مشاكسات وحديث الشباب مع "عز" &; ودخلت "جميلة" ترحب بـ "حنان" بحرارة&; حتى جلست وانخرطت معهن في الحديث غافلة عن اعين "حازم" التي تترصد ناحية وجهها وخاصة عينيها الحمراء وأنفها مما يعني بأنها كانت تبكي!!
_"إفرشي المفرش يلا يا "نيروز " على ما نحضر احنا الأكل هنا !!"
قالتها "وردة" &; فأومأت لها "نيروز" بخفة&; وهي تأخذ منها المفرش الطويل جدا&; &; خرجت فوجدت الجميع يستعد &; ولحسن حظها كان من يقف ليحثها على فرد المفرش كالعادة كان هو "غسان" &; مد يديه يأخذ طرفيه وكأن المشهد يعيد نفسه منذ فترة طويلة &; ساعدته بهدوء&; حتى إنتهت وهي تلتفت فإصطدمت به كالعادة وهو يقف ..إبتعدت عنه سريعا&; دون إعطاء فرصه له ولنفسها للنظرات &;أما هو فزفر بصوت&; من صبره وثقل&; من ما تعاند به !! &; وبدأت الفتيات في حمل الأطباق بالفعل &; ومعهم "حازم" الذي حث "ياسمين" على الجلوس &; في حين إلتفوا جميعا&; حول السفرة الكبيرة &;ومازالت إلى الٱن نظرات "حازم" المهتمه ينظر بها نحو "جميلة"!!
وجلس الجميع ٱخيرا&; &; وكل واحد يجلس بجانب من يهمه!!&; من "عز"و"جميلة"و"شادي"و"منة"&; و"ياسمين"و"حازم"&; و"بدر"و"وردة", وبجانبهما "يامن" الذي جلس بجانبه"غسان" التي تعمدت "نيروز" عدم الجلوس بجانبه هروبا&; من توترها ومن ما تشعر به رغما&; عنها !!
وتفكير "حامد" الذي يجلس بين "غسان"و"نيروز" لا يهدأ &; منشغل بكيف لم يهتم ولده ليسأل ومن ثم ليعلم بما حدث له &; خذله بعدم اهتمامه مره ثانية بعد غيابه لاسبوع ثم ليظهر ومن ثم يغيب لما يقارب اسبوع ٱخر !!! الا بضعه ايام قليلة!! &; خرج من شروده ثم ابتسم لهم وهو يقول بلطافه :
_" متجمعين دايما&; في الفرح ان شاء الله!!"
ردو عليه ببهجة&; والكل منشغل في الطعام &; إلى أن سألت "س&;مية" باهتمام:
_"خلاص لقيتو القاعه وحجزوا الفساتين ولا لسه في حاجة ناقصه ي حبايبي &;!"
إبتسامة"شادي " كانت الأولى وكانت السريعه كما كان رده بتفسير&; :
_" لقينا القاعة خلاص أنا و"عز" &; بس الفساتين لسه هنروح النهاردة بليل نشوفها تاني&; كتر خيرها "جميلة" اختارت فستان وخلصتنا مش زي ناس طلعت روحنا وبردو مفيش حاجة عجباهم !!"
دعت لهم بالتسهيل وهي تضحك &; فنظرت "منة" له بصدمة&; وهي تضرب ساقه من أسفل السفره &; فتأوي هو بخفوت&; وهو يضحك تحت الضحكات &; ومن بينها هتف "طارق" بضجر&; زائف :
_"أبوها قاعد يا "شادي" لسه ممشاش &; وبصراحة بقا هي دي "منة" بنتي مترددة دايما&; فاختيار اللبس !!"
فتحت عينيها بصدمة أخرى من رد "والدها " &; وضحك الجميع عليها &; وإنشغلوا في الحديث مره أخرى&; فمال "حامد" يتحدث بجانب أذن "غسان" بصوت&; منخفض:
_" هو أخوك مكلمكش&;."
نظر له "غسان" بعجز&; وحزن بنفس ذات الوقت ومن ثم الخوف عندما تنحنح يجلي حنجرته الخشنه وهو يقول :
_"متشغلش بالك ولا تركز معاه يا حج عشان متتعبش &; مسيره يرجع عن اللي فعقله &; ك&;ل ..أهم حاجة صحتك انت&;!!.."
صمت بإنهزام &; وعاطفة الابوة تغلبه مهما تظاهر بالقسوة&; سمعت "نيروز " حديثهم وتظاهرت بعدم الإنصات ولكن لوهله شعرت بمدي الثقل الذي يحمله كما كانت الضغوط &; تراه جبلا&; شامخا&; في حين انه ضعيف كل الضعف من الداخل يتحمل إلى كثير&; &; زفرت بصوت&; وشعور بأنها مذنبه وتخطأ بحقه يداهمها وتكره هي ذلك الشعور &; لذا ستواجهه&;&; &; ام ستسكن كما كانت&;.
مر&; الوقت وانسحب واحد تلو الٱخر من سفرة الطعام &; حتى نهض الجميع&; وجاء أذان العصر تزامنا&; مع ذلك &; فهبط "حامد" بعدما توضأ &; هبط إلى المسجد مع "بدر"و"شادي" و"طارق" &; ووقف "غسان" يغتسل ويتوضأ في حين وصل إلى مسامعه في أحد الأركان القريبه منه سؤال "حازم" لها وهو يهبط أكمامه ٱثر الوضوء :
_" جاية من برا معيطة ليه يا جميله!!"
حاصرها بوقوفه المتهم لسؤاله ورأت "عز" ينتظر "غسان" بعدما توضأ هو الٱخر &; فترددت نظراتها &; وللمفاجأه وجدت "حازم " يسألها مره ٱخرى أمام أنظار"عز" الذي جاء و وقف بجانبها:
_" في حد مزعلك ولا الإمتحان مكنش حلو &;"
_"هو حد يقدر يزعلها بردو وأنا موجود يا حازم &; عيب منك !!"
استنكر رده وحتي نظراتها المتردده &; وفرك يديها &; فقال باستنكار&; وهو ينظر له ولها :
_"اومال مالها &; وشها احمر وعينيها &; معني كده إنها كاننت مموته نفسها من العياط انا مش عارف اختي من امبارح لسه &; هو فيه حاجه مخبينها عليا ولا ايه &;!!"
إبتلعت ريقها &; ومن سواها غير بارع في الكذب &; لذا إندفعت تقول بصراحة&; تعترف:
_" أه ..!"
نظر لها "عز" بترقب&; وإنتظار قليل الحيلة بتلقائيتها في الصراحة &; فعادت تكمل هي بتعلثم&; أمام نظراته :
_" أصل.."
توقفت "جميلة" عن الحديث فعقد هو ما بين حاجبيه بانتظار حتي واصلت تكمل بما لم تتحمل إخفاءه وكأنها تخونه:
_"أصل..أنا روحت السجن فزيارة .. النهاردة لـ با با و .."
وقبل أن تكمل وجدت ملامحه تتشنج وتنكمش بانفعال&; مكبوت &; حتى نظر لها بلوم&; جامد وابتلع الغصه المريره بحلقه عندما شعر بوجع ما يشعره كلما يتخيل بأن يزوره ولم يقدر على فعلها بل والوجع عندما يتذكر أخر مره قابله بالفعل كيف فعلتها وهو يعلم مدي مرارة ما تشعره &; كيف فعلتها وهو يحذرهل خوفا&; عليها &;&; أظهر بأنه هو الضعيف عنها &;.أم أنه يتوجع لاجلها&;&;&; أمسك يديها يهزها على فجأه وهو يسألها من بين ضغطه علي فكه :
_" ليـــه&;!!!"
لم تتفاجأ من غضبه &; بل قالها لها بضغط&; وهو يحرك جسدها بمسكه لمعصمها فنزلت خصلاته هو على وجهه المتشنج &; تأوت بوجع&; وهبطتت الدموع من عينيها بدون صوت &; وهو يسألها مجددا&; ضاغطا&; على يديها وهو يحركها :
_" ليــه بقولك &;&; عايزه توجعي نفسك من تاني وتوجعينا معاكي ليه &; أنا مش شيلتك من كل ده وقولتلك بلاش من زمان اوي &;!!"
هز يديها مجددا&; بنبره أكثر إرتفاعا&; جعلت "غسان" ينتبه وهو يتوجه لهم :
_" ما تنطقي سكتي ليه &;!"
من بين تأويها بضغف&; ووجع&; وجد من يضع يديه علي معصمه الرجولي بحزم&; وهو يردد بجدية&; يحاول فصله عن زوجته:
_" سيــبها يا حازم !!"
إستمر غير عابئا. بقول "عز" المحذر الهادئ &; وزاد حتى صرخت بوجع&; جعل"غسان" يدفع "حازم" بانتباه &; فرد "عز" يحذره بقوله وهو يفصله عنها رغما&; عنه:
_" بــــقـــولك سيـــبــها ..متمسكهاش كده و ابعد!"
فصلهما "غسان" وأخذ "حازم" بيديه &; فوقف"حازم " بعناد يردد لـ "عز" الذي وقف يحاوط كتفيها ومن ثم ضمها إليه بعد صراخه بالٱخر :
_", انت بتزغقلي&;&; إنت اللي هتقولي اتعامل مع أختي ازاي يا عز &;"
زفر "عز" أنفاسه المكتومه بغيظ&; من ما فعله ثم رفع رأسه يؤكد بجرأه :
_" هقولك ازاي تتعامل مع مراتي &; اللي مش هسمحلك توجعها كده &; حتى لو ليك الحق تمد ايدك عليها فمعتش منه خلاص وأنا مش هسكت على ده !!"
تحامل "حازم" على نفسه بصبر&; فدفعه "غسان" بعيدا&; وهو يقول بهدوء محاولا&; تخفيف الجو المشحون:
_'' تعالى بس كده يا "حازم" وإستهدي بالله!!!!"
إلتفت ليجد النساء والفتيات مجتمعين بانتباه لصوت"عز"و"حازم", المرتفع منذ فتره &; اشار"غسان" لهن بالانسحاب ومهلا&; اين هي "نيروز"&;!! &; أخذ "غسان" "حازم", بركن ٱخر هادئ &; ووقفت "جميلة" تبكي بأحضان "عز" الذي ربت علي ظهرها بتعب&; مرددا&; بإطمئان وخوف&; يبث بها الٱمان :
_"متعيطيش .. أنا معاكي!!"
تشبتت في قميصة من الخلف وهرولت "عايدة" تستعلم عن ما حدث وهي تدفعها باحضانها هي بلهفة&; &; وقفت "حنان" تنظر ناحية "عز" الذي وقف ينظر نحوها وهي ترتمي بأحضان والدتها &; في حين ذهبت "ياسمين" لتقف معهما بجرٱة&; تسمتع لحديث "حازم ر" لـ "غسان" باختصار عن ما حدث &; توجهن الفتيات يواسون "جميلة" وانسحب "عز" يقف بالشرفه بعدما علم بأن موعد الصلاة ضاع عليه بالمسجد !!
..الوضع كلما يمر يتأزم في كل شئ يحدث يراه أحدهما بسيط والٱخر يراه عكس ذلك!! ..
_"ما إنت متتغاشمش كدة يا "حازم " أختك مهما كان بنت وعايزه تحس بوجود ابوها جنبها مهما عمل &; صدقني غصب عنها أصلا&; دا بدل ما تفهمها تروح تعمل كده &;&; مالك يا "حازم" انت مكنتش غشيم ومتسرع كده!!"
وقف "حازم" يستمع إلى حديثه فحاول "غسان" ان يخفف عنه وهو يردد مره ثانية :
_" كل مره بكتشف والله ان انت و"نيروز " فصيله واحده !!"
شهقت "ياسمين" بإعتراض&; &; فضحك "غسان" بخفة&; وهو يسمعها ترد بتبجح&; :
_" ومالها اختي ان شاء الله ولا ماله جوزي ما توزن كلامك كدة وتبص لنفسك الأول !"
ضرب "غسان" كف بكف&; وهو يقول بيأس&; موزعا&; نظراته بينها وبين "حازم" الذي نظر لها بحزم&; :
_"مش عارف أنا ايه اللي مصبره عليكي ده !!"
ثم وقف بإعتدال يضرب كتف "حازم" بتخفيز&; ثم نظر نحو "ياسمين" وهو يقول :
_" قوليله وعقليه على الصح&; عما أصلي العصر اللي ضيعتوه علي أمي ده!!"
ضحك "حازم" بإنهزام&; وهو واقف مستندا&; على العمود &; منصتا&; لبقية حديثه المتبجح :
_" يعني مش كفاية باخد ذنوب فيكم &; لا دا كمان بتضيعوا عليا الصلاه !"
تركهما وهو يخرج من غرفة الضيوف عندما أخذه بمكان بعيد &; خرج يبحث عن سجادة صلاة ليؤدي فرضه &; في حين وقفت"ياسمين" تمسك كف"حازم" باحتواء وهي تقول :
_" أنا عارفه إنك خايف عليها وان كلامك كان فمصلحتها ..بس بردو عارفه إن قلبك رهيف بالذات قصادهم &; روح راضيها يا حازم وح&;ن &; انت مش عارف شعور الإحتياج دا ببقى صعب اوي ازاي بالذات لو كان للأب..عشان انا حسيت بيه بس كنت متأكده ان ابويا عمره ما هيرجع &; لكن دي متشتته وضايعه ومستنية رضاه ورجوعه وبتمسك فأمل مش موجود اصلا&; والكل عارف كده حتي هي بس هي غصب عنها زي ما غسان قالك "
لم يكن سهل عليه الاقتناع بسرعه برأي أحدهم &; ولكنه يعلم بأنه كان شديد في رد فعله &; ولكن بحجة الخوف ولم تكن حجه بل حقيقه &; تنفس بصوت&; ثم قال :
_", طب اطلعي شوفيها على ما أصلي واطلعلكم !!"
أومأت له وقبل أن تسير توقفت تقبل وجنتيه وهي تقترب بمرح&;&; استطاعت ان تخرجه من حالته بافعالها المرحه&; ضحكت على ضحكاته وهي تخرج لهم بالخارج ..
وبعد دقائق &; انتهي "غسان" من صلاة العصر &; وتوجه بنفسه وبمفردة ناحية الشرقة الذي وقف بها "عز" ينفث دخان سيجارته &; وقف "غسان" خلفه وهو يلوي فمه بسخرية&; مرددا&; :
_' وأنا اللي اتخميت فيك وكنت فاكرك مبتشربش!!"
رأي إهتزاز كتفيه العريض من أثر ضحكه فعلم أنه يضحك على حديثه &; فتوجه يقف بجانبه وهو يأخذ السيجارة من بين يديه ومن ثم وضعها بفمة بغير اكتراث مصححا&; بشقاوة&; :
_" كنت فاكرك مبتشربش مع حد * دا كان قصدي اومال انت فاكر ايه!!"
تفاجئ "عز" من فعلته هذه &; وأول مره يعلم. بأنه يدخن بالفعل &; برر وهو يبتسم بثقل&; مفسرا&; بسخرية:
_" عايز ايه من واحد خارج للدنيا يتعامل معاها قبل أوانه &; ولف على ور&;ش المناطق كلها .. أكيد جربت السجاير ..وبشربها بس بقصد مشربهاش فبيتنا قدام أمي واختي ٱو حتى قدام ناس أكبر مني للإحترام يعني زي ما انت فاهم &; بيني وبينك بحس انها الحاجه اللي بخرج فيها همي بس عمري ما جربت اللي أشد منها ولا حاجة غيرها الصراحة!!"
غمز له "غسان" وهو ينفث الدخان ساندا&; على السور مرددا&; بتساهل معجبا&; بحديثه :
_" على وضعك !!"
وأكمل سريعا&; يفسر له هو الٱخر :
_" أخوك بقا شربها من زمان فبداية الشباب كده أنا وشادي&; بعد كده بطلنا مع بعض بوعد زي ما طول عمرنا بنشد بعض للحلو &; بطلها هو خالص وأنا بس لفتره ورجعت كل ما احس اني مهموم او مدايق او متعصب بفتح وأشرب واطلع فيها همي زي ما بطلع فيها همك بالظبط!!"..
إبتسم "غسان " بسخرية&; ثم واصل يكمل بتهكم&; مشيرا&; بيديه التي يمسك بها اللفافه نحوهما :
_" الحال من بعضه يعني!"
صمت "عز" يستمع له بإهتمام وعقب ما انتهى زفر بصوت&; وشرود تام &; فتحدث "غسان" بنبره هادئه مفطفئا&; ما بيديه :
_" متزقش من"حازم" يا عز &; "حازم" شاف كتير أوي &; وكل دا خوف على أخته &; مكنش هيعمل فيها حاجة متخافش &; دا هو اللي عاش طول عمره يشيلها من بين ايد ابوه &; مش هيجي بعد كل ده ويمد ايده عليها عشان خايف عليها!!! متجييش دي يا صاحبي "
_" كل اللي شاغل بالي إنها متتضغطش ولا تتوجع &; كفايه عليها لحد كده أوي &;أنا راجل يا غسان وغصب عني الدم جرى فعروقي وأنا شايفه كان خلاص هيمد ايده عليها وماسك أيدها وهي بتتوجع وأنا واقف جنبها والمفروض بيقولوا جوزها &; كنت أعمل ايه &; أنا معملتش حاجة &; دي مش حاجة عشان دا لو مش "حازم" كان قال على نفسه يا رحمان يارحيم !!"
كاد أن يكمل ولكن جاءه نبرة"حازم " الساخره من خلفه وهو يقول:
_" والمفروض بقا اخاف وأكش منك ياض..صح &;!"
ضحك "غسان" &; فالتفت "عز" ينظر له مؤكد&;ا برأسه بجرٱة&;&; فربت علي كتفيه"حازم" وهو يقول بتفسير:
_"وأنا عمري ما هأذي اختي يا عز &; وان مكنش. دا رد فعلك كنت هٱمن علي اختي معاك ازاي !"
عانق الإثنان بعضهما &; والمبهج بأن الكل كان أمام الشرفه حتى من جاء من الصلاة &; وعلموا مختصر الوضع &;صفقوا لهما بحرارة&; وصفر "شادي" بفمه &; فضحك"غسان" وهو يشير على رأسه مرددا&; لـ "عز" الذي نظر له من خلف ظهر الٱخر :
_" ع&;يلة مطرقعه والله !!"
سمعوا قوله فضحكوا بخفة&; &; وعادوا جالسين مره أخرى بالصالة &; وبين حديث والٱخر ونظرات والأخرى &; بحث عنها بعينيه ولم يجدها &; اين هي&;&; أين من أهلكت قلبي بالحب ثم بالشوق ثم بالعناد والإصرار &;&; &; وقف يبحث ناحية المطبخ فوجد "ياسمين" تقف بجانب"وردة" التي تصب أكواب الشاي والأخرى تقضم بأسنانها خياره !! &; نظر "غسان" لهما وهو يتنحنح يجلي حنجرته قبل الدخول فرفعت "ياسمين", حجابها&; تزامنا&; مع سؤاله باهتمام:
_" أومال فين "نيروز "&;!"
وقبل أن ترد "وردة" قلبت "ياسمين" عينيها بملل&; ثم ردت بما أثار استفزازه :
_"هي مش مراتك &;&; المفروض احنا اللي نسالك عليها مش إنت !!"
وجه عينيه ناحيتها &; ثم نظر لها بسخرية&; مرددا&; بإستنكار&; تحت ضحكات "وردة":
_"وإنتي بقا بتخليها مراتي بمزاجك وأختك فالوقت اللي تحبيه &;!"
أكدت له بثقة&; ثم قالت بغطرسة&; ناظره له :
&;_" أه ..وانت المسئول عنها لو تاهت &; دمك خفيف اوي &; هتكون راحت فين يعني.&; اكيد طلعت فوق شقتكم ...ياجوزها !!
حرك رأسه بصبر&; &;حتى وجد "وردة" تنظر لها بقلة حيلة ثم ردت عليه قائلة :
_"قالتلي آنها طالعه من شويه علشان تصلي العصر وتغير لبسها بسبب المطبخ !!"
حرك "غسان" رأسه إيجايا&; وكاد أن يسير ولكن مهلا&;&;. ينقصه شئ&;. نعم رده المتبجح واسترداد حقه في الرد منها &; عندما وقف ينظر لها وهي تلتهم الخيارة باستمتاع &; فتحدث باستفزاز يحثها بيديه علي أن تبطئ وهو يقول :
_" براحة علي نفسك شوية !!
وعاد يكمل بابتسامة متسلية :
_", الخيارة مش هطير &; حاسبي تشرقي!!"
_"لا انت اللي هتطير حالا&; عشان انا مباكلش ببؤك ولا من تلاجتك يا خفيف إنت!"
حدجتها "وردة" بتعنيف&; &; فعاد "غسان" يحرك رأسه بثبات&; وهو يرد :
_" هطير أدعيلك &; عارفه ليه&;.!"
صمتت تنظر وهي تعقد حاجبيها فرد وهو يبتسم بإتساع&; :
_" عشان ميطلعش مفجوع زي امه!!"
لم يعطها فرصة بالرد بل خرج من المطبخ تحت ضحكات "وردة" التي تعالت بإستمتاع&; عندما أخذ حقه بالرد &; فنظرت "ياسمين" لها وهي تعنفها مرددة بجدية&; :
_" بتضحكي على ايه &;. ما هو بني ٱدم مستفز &; معرفش اختك بتحبه على ايه دا &;!"
عادت تشهدها بحزن&; من اضطراب مشاعرها بسبب هرمونات حملها :
_"هو انا فعلا&; مفجوعة &;!"
مهلا&; &;. دموع بعينيها &;&; الهذه الدرجة حساسة&;&; &; إحتضنتها "وردة" سريعا&; وهي تكبت ضحكتها عليها ومردده بدفاع&; سريع :
_" فشر .. وبعدين انتي تاكلي اللي تعوزيه مادام زي القمر ومش بييان عليكي &; طب علفكره بقا الحمل محليكي اوي !!"
_" بجد &;&; ماما بتقولي كده بردو هي وطنط عايدة &; فكرك هجيب بنت زي ما بيقولوا&;&; "
قالتها بلهفة&; فضحكت "وردة" وهي تؤكد بحيرة:
_", لو بنت..فأكيد هتبقي عسل زيك &; ويارب تبقي بنت عشان أجوزها لـ "يامن" بقا ويبقي زيتنا فدقيقنا !&;"
نفت "ياسمين" بتبجح&; ثم قالت بخفة&; تصارحها وكأن الأمر جاد وبشدة :
_" لا يا حبيبتي مبحبش جواز القرايب ده !!"
ص&;دمت من ردها &; أكانت مخطأه وهي تراضيها الٱن.&; بل وهل تنسي هي الاخرى بأنها متزوجه من ابن عمها &;! &;ضحكت "وردة" وهي تحمل الأكواب ثم قالت تنبهها :
_"طيب خدي بالك بقا &; انك متجوزه ابن عمك &;لو كنتي ناسية!!'
خرجت وتركت الٱخرى تستوعب ما قالته &; وعلمت بأن "غسان" صعد عندما خرجت من المطبخ ..
___________________________________________
- بينما في الٱعلى&; :
دخل "غسان" الشقة يبحث عنها وعندما وجد السكون &; أثاره الريبه &; بحث في المطبخ وجميع الغرف لم يجدها &; بل وبحث في المرحاض بعدما دق عليه ففتحه ببطئ لم يجدها أيضا&; &; توجه للمرحاض الٱخر يدق نفس دقاته &; وعندما لم يتحمل الإنتظار فتح الباب ولم يجدها &; كما بحث في الشرفتين من قبل &; وجد بالمرحاض الٱخر ملابسها التي كانت ترتديها &; قد خلعتها هي ووضعتها في المرحاض الخارجي كي لا ينتبه أم ماذا تقصد.&;!
خفق قلبه وهو يبتلع ريقه بصعوبة&; ناظرا&; بضياع&; من حوله&; بل ولم يعلم أحد بأنها لم تكن موجوده في الاعلي &; وهي من أخبرتهم بأنها ستصعد &; أين يمكنها بأن تخرج وتتركه دون علمه أو حتي الإستئذان منه &;&;. شقة "سمية" مغلقه ولم يكن بها أحد كمثل شقة والده .&; كلما يتضح الٱمر بأنها رحلت خارج المبني بأكمله يستنكر عقله &; هرول سريعا&; يفتح باب الشقة وهو يسرع كي يرى بأن تكون من الممكن تقف بـ "محل الورد" !!! &; رغم علمه بأنها لم تفتحه اليوم!!
رفض أن يقلق أحدهم وهو يهبط &; بل استمر في البحث بمفرده &; وحدسه القوي يضغط عليه بأنها لم ولن تكون في "محل الورد" ابتلع ريقه من التخيل وهو في المصعد ينظر في المرٱه بتوتر&; &; ففراقها حتى المجهول يؤثر به دون أن يعلم وما يضغطه ويثير خوفه بأنها ترحل دون عمله وهما على خلاف!!!!&; كيف ترحل ولم يجدها ودقات قلبه تتسارع بهذه الطريقة&;!&; كل توتره الماضى شئ وتوتره وخوفه في هذه اللحظة شئ ٱخر تماما&; فأين ذهبت تلك التي لا تكف عن الوجع &;!
________________________________________
&;قلت&; :
_" هل ما زلت&; موجودا&; هنا &; أ&;أ&;نا طليق&; أ&;و سجين&; دون أن أدري &; وهذا البحر&; خلف السور بحري &; "
قال لي :
_"أ&;نت&; السجين&; &; سجين&; نفس&;ك&; والحنين&; &; وم&;ن&; تراه&; الآن ليس أ&;نا &; أ&;نا ش&;ب&;حي !!"
فقلت&; م&;ح&;د&;&;ثا&; نفسي :
_"أ&;نا حي&;&;"
وقلت&; :
_"إذا التقى ش&;ب&;حان&; في الصحراء &; هل يتقاسمان&; الرمل&; &; أ&;م يتنافسان على احتكار الليل &; "&;
- محمود درويش-
تصارع نفسها والشئ الذي لا يوجد به صراع الآن أنها تجلس على سجادة الصلاة &; تشرد بألم&; وتتحسر كلما تذكرت بأنها ر&;فضت من أول شخص طلبت منه المسامحة !!&; تحن لشخصية قديمة &; فلو كانت مثل الق&;دم كانت قد ردت وهدمت كل ما يفعلونه &;&; استغفرت سريعا&; وهي تتذكر اسناد "فريدة" وبقاءها معها ورفضها تركها رغم عرض "حازم" عليها ومن ثم تركها علي راحتها &; الوضع صعب &; صعب جدا&; وهي تجاهد على أن لا تعود لشخصها القديم!! &; إستغفىرت عند هذه الأفكار كلما تذكرت قول "فريدة" لها بأن تفعل ذلك وعلى ذلك القول وجد صوت بابا الشقه يغلق ومن ثم خطواتها تقترب عليها وهي جالسه &; مسحت "زينات" دموعها وهي ترفع راسها تبتسم حتى كادت أن تنهض لتجلس بجانب "فريدة" على الفراش &; فمنذ ما حدث والاثنان يغفلا بجانب بعضهما علي فراش واحد.. واحدة تنعم بالحنان والاخرى تنعم بالرحة والامان !! &; أوقفتها "فريدة" وهي تبتسم لها برداءها الواسع حتى جلست هي بجانبها أرضا&; وهي ترفع يديها الحانية الصغيره تمسح وجه والداها بحنو&; أصبح معهود &; ابتسمت قائله بتفهم لهذه الحالة :
_" مفيش أحسن من ان دموعك تنزل وانتي على سجادة الصلاه &; لما نعيط واحنا اقرب لربنا فالمكان ده &; وبنشكي ليه هو بس &; أنا حاسة بيكي &; وفخوره بيكي اوي يا ماما &;. عايزاكي تعرفي حاجة مهمه اوي!!"
أسندتها "زينات" رأس"فريدة" نحو صدرها متنفسة بعمق&; وهي تقول بتحشرج&; :
_"قولي يا حبيبة أمك !!"
قالتها بتأثر&; فابتسمت "فريدة" وهي ترد بصدق&; وثقه :
_" عايزه أقولك ان انا معاكي انتي ومختاراكي ومقدرش اختار غيرك &; وعمري ما هسيبك لنفسك .. معاكي طول ما انتي بتحاولي وهفضل جنبك لحد ما كل حاجة تبقي تمام !!"
وبالطريقه وجهت لها كم من الأمان لا تعلم كيف اخترق سهام قلبها بهذه الطريقه &; تنفست "زينات " بتعلثم&; وهي تضمها أكثر بحب&; مردده بتساءل متخوف :
_" تفتكري لسه في أمل &;!"
_" لسه في أمل طول ما إحنا عايشين &; لسه في طول ما ربنا موجود وقادر يعمل اي حاجة &; تفتكري انتي لسه في اجابة تانية بعد الاجابه دي &;!"
نفت "زينات " بلهفة&; فعادت "فريدة" تسرد بوضوح وكأنها تشاركها ما لم تحضره وكأنها فرد مهم واجب عليه الحضور :
_"تعرفي ان الأكل النهاردة كان حلو اوي &;&; بس طبعا&; مش احلى من أكلك &; وجميلة جابت الفستان صحيح نسيت أقولك &; لسه منة خطبية شادي مختارتهوش هتختاره النهارده بليل &; وأنا كمان هروح مع "حازم" أنا و"ياسمين" عشان نشوف الفساتين&; واتفقنا النهارده اننا نقدم معاد الحنه ونخليه بعد بكره حتى ولو الحنه قبل الفرح بكذا يوم عادي &; اهو نفرح براحتنا &;بس قولنا مش هنجيب لبس للحنة بما انها بنات بس و"منة". على الضيق &;. هتيجي هنا مع "جميلة" كأنها حنه واحدة &; هتكون فشقة ماما عايدة &; و الرجالة بردو هيحتفلوا على الضيق كده فشقة عمو "حامد" &; تفتكري اجيب فستان للحنه ولا بلاش&;&;"
قالتها لها بتفكير&; &; فابتسمت"زينات " وهي تقول بكرم&; ولهفه:
_" براحتك يا حبيبتي &; لو عايزه تعالي ننزل نشتري واحد. دلوقتي &; "حازم" بعتلي ظرف بالفلوس امبارح وأنا رفضت اخده بس هو صمم وسابه ومشى&;"
_" ليه يا ماما &;مكنتيش تاخديه&; أنا عاملة حسابي اصلا&; أدور علي شغل غير محل الورد ده&; عشان يبقي معاه وأسند &; بس خايفه افاتح حازم يزعقلي !!"
صمتت "زينات" بحيرة&; ثم قالت هي تعلمها :
_" ولا أنا موافقه أنا خايفه عليكي وكويس اوي ان محل الورد دا تبعنا وأمان &; وانتي عارفه ان انا معايا فلوسي اللي بتجيلي كل شهر &; ولو علي فلوس ابوكي اللي راحت فمش عايزينها &; ما كله مال حرام وكمان اتسحبت&; ان زنقت اوي هنزل انا اشتغل عشان برضو رافضه ان حازم يعطينا فلوس &; مهما كان لسه فأول حياته ومراته حامل يعني في ولادة وعلاج ومصاريف جامدة "
تفكيرها تغير جذريا&; وهذا ما تلاحظه الٱخري &; ابتسمت "فريدة" ولم تعقب على أي حديث بل ارتمت بأحضان "والدتها", على فجأه ثم قالت بمرح&;:
_"بحبك اوي يا زينات !!"
ابتسمت وهي ترد بسعادة&; &; السعادة الوحيدة التي كانت تنقصها هي أحضان وحب وكلمات ابنتها لها &; وحل ٱخر &; عندما تكون العائلة غير عادله فتصبح عادله بفعل ومحاولة أحدهما ولا حرج ان كان أحدهما هو الابن !!!
________________________________________
&;_&;"أيقتلك الغياب &;"
_"أنا يقتلني الحضور الباهت الذي يشبه&; الع&;دم." &;
- محمود درويش-
يقتلها حضور كلماته وأفعاله &; وطباعه &; ونصائحه &; وكل شئ كل شئ ! &; عندما تتذكر بأن لا شئ يستطيع ولا أحد يستطع ملئ مكانه &; تبتلع الغصه المريره في حلقها وهي تذرف الدموع أضعاف ما كانت تتوقع بأنها ستهبط!!, يا للهول هل تبكين علي فراقه الي الٱن يا صغيرة &;! &; سألها عقلها ورد قلبها على ذلك الصوت الساخر : " انه أبى !!"&; كل يوم يمر عليها كأنه أول يوم علمت بأنها فقدته به &; هبطتت الدموع من "نيروز", وهي تتحسس القبر جالسة على الصخره غير عابئة بالماره من حولها &; فقط كل شرودها معه ومع ذكرياته وماضيها الذي لم يكن به شئ جيد س&;واه هو !!"سالم" التي كانت به وبوجوده سال&;مة !! &; وكيف هي الٱن&;&; عندما شعرت بضغط&; ذهبت إليه تركت كل شئ وذهبت له هو &; إلى ذراعه الخيالي التي تستند عليه فيخونها تخيلها وتجد نفسها تستند علي ٱوهام &; تستند على هواء متبخر &; فقط ما يثبت لها وجوده ذلك القبر !! &; تركت العنان لدموعها حتى خرجت كلماتها الباكية بإنهزام&; لكل شئ تعلنه له هو وحده فقط وكأنه أمامها بالفعل !! :
_" وحشت&;ن&;ي أوي يا "بابا" &; انا عارفة إن انت زعلان مني علشان مجتلكش بقالي فترة &; أصل حصلي حاجات كتير اوي من غيرك!! &; إتجوزت من غيرك وكنت بتمني تكون موجود معايا فاليوم ده &; ماما عملت عملية القلب وكنت خايفه اوي تجيلك &; كنت أنانية اوي أنا عارفه &; عارفه انك بتحبها أوي &;أنا عيشت فترة صعبه من غيرك وأنا مستنية بكل خوف إنها تفوق &; عارف لو كانت راحت أنا كنت روحت معاها &; أصل معتش فيا عقل ولا حتى طاقة &; كل حاجة لسه كئيبة&; ووحشه عشان انت مش موجود &; محدش عرف يملى مكانك كله زي ما كنت إنت&; &; فرحتي اتكسرت وراحت مني فلحظة وكنت مستنية حضنك انت وانت بتقولي متخافيش كل دا هيعدي &; عمري ما سمعتها بنفس الطريقه اللي كنت بتقولهالي وكنت أنا بصدقها منك وبثق فيها اوي &; عمري ما سمعتها الا من "غسان" اللي ملى حاجات كتير اوي كانت فاضيه من غيره &; أنا بحبه اوي ي بابا &; بس ساعات مبفهمهوش &; بتدايق لما الاقيه فاهمني أكتر من نفسي فأوقات مببقاش فاهمه فيها حد &; بس انت على بالي كل لحظة مبتغيبش أبدا&; حتى وأنا بشوفك فعمو "حامد" &; انا خوفت عليه اوي لما اغمى عليه مره واحده &; خوفت خوف زي خوفي عليك&; شوفتك فيه بكل حاجه &; كلامه وحنيته وطباعه &; ساعات بزعل لما ألاقيه حاضن وسام وبفتكرك اوي &; بس عارف &; حتي هو مبيسبش فرصه للزعل بيعاملني كأني بنته بالظبط!!"
وأكملت بعد كل ذلك السرد الذي خرج منها باهتمام وبكاء :
_" هو قالي متدخليش فمشاكلنا طرف تالت بس هحكيلك &; هحكيلك إنت&; &; اتخانقنت انا وهو بقالنا كام يوم &; انا حاسه ان فيه حاجه مزعلاه &; فيه حاجه كاسراه وماشي رغم الكسر ومكمل من غير ما يحس أنه مكشوف بالنسبالي &; بس انا ملحقتش اقول حاجه &; ملحقتش لما لقيت كارت الدكتور&; يمكن اتسرعت زي ما كنت بتقولي اني متسرعه ومندفعة بس غصب عني لقيتني اتقهرت وانا بربط كل حاجة ببعضها &; غصب عني وانا مش عايزاه يشوفني مجنونة &; بعده عني صعب اوي &; كل مره فعلا&; كان بيعديلي &; المرادي حاسه بالذنب ومعرفش ليه ومن ايه &; يمكن عشان في حاجه وجعاه معرفش ايه هي &;. بقا مبيكلمنيش غير فين وفين &; لما الدنيا تضيق بيا كنت بترمي فحضنه ويطمني المرادي معرفتش &; معرفتش وانا مستنيه منه تبرير ومبررش وكل واحد فينا واقف مكانه &; فجيتلك &; جيتلك عشان انت فاتح دراعك ليا فأي وقت حتى لو كنت زعلان مني عشان اتاخرت عليك !!"
وأكملت بنفس النبرة الباكية :
_"تعرف ان عيد ميلادي عدى&;. عملي ٱكتر مفاجٱه ممكن تفرحني &; وتفرحك علشان انت بتحب الورد زيي &; كنت مبسوطة وفرحانة اوي &; حتى افتكرت انه عيد ميلادي ومرضتش أضغط حد أو أفكره انه نسى بسبب الظروف &; بس طلعوا مش ناسيين &; وهو ..هو مكنش ناسي من زمان اوي &; فتحلي محل ورد جميل &; جميل عشان هو اللي عامله &; بس حتى فرحتي بيه ملحقتش &; زي كل حاجة مبلحقش فيها أفرح !!!"
توقفت عن أرداف. الحديث أكثر وهي تمسح وجهها ومن ثم تنهمر الدموع مره أخرى &; بل سألته هذه المره بتشتت وغير وعي:
_"هو انا ليه بيحصلي كل ده يا "بابا" &; ليه دايما&; الفرحة مستكتره نفسها عليا &;!"
تذكرت كل شئ سئ مر عليها &; والان تنتظر الجواب وكأنه سيجيبها. تنتظر &; وبهذه اللحظه جاءها جواب من خلفها يقول بثقة&; ونبرة متحشرجة :
_" علشان ربنا بيحبك !!"
توقف القائل عن قول الكلمات ثم عاد يكمل بإعتراف:
_" وعلشان انا جنبك وبحبك!!"
لم يكن سوى "غسان " الذي خمن المكان سريعا&; &; الذي سمع كل حرف أردفته هي &; التفتت بسرعه تنظر فوجدته واقف &; وثمة شئ يلمع على وجهه &; هل هذه دموع .&; &;أم دمعه &; وقفت بإندفاع&; باكية تئن بانهزام&; وهي تسمعه يقول تزامنا&; مع فردة لذراعيه :
_"أنا دايما&; جنبك وساندك وكتفي هيشيلك لو ميلتي عليه !!"
ذكرها بقول كان قد قاله في الماضي وعاد يكمل تحديدا&; عندما رفع ذراعيه مكملا&; بتحشرج&; يعمل علي زواله وثبات الشموخ كي تتماسك هي :
_" وحضني قدامك فأي وقت حتى ولو كنا على خلاف مع بعض!!"
نظرت له وهي تخرج صوت شهقة مزقت منه وهو يحثها بتعب&; مشيرا&; لها :
_" تعالي!"
ومن ثم &;! ارتمت بأحضانه باندفاع&; &; حتى إصطدمت رأسها بصدرة وكتفه .. ضمها بقوة&; متماسكا&; بٱخر ذرة به كي لا يبكي مثلها &; ضمها وللمره الثانية يضمها بهذا المكان &; ضمها غير عابئا&; بالقيل والقال من حوله &; كل ما يهمه هي وفقط &; "نيروز الح&;ب" الذي كان وسيكون هو قائد معركتها دائما&; ممسكا&; بزمام الأمور &; يحتويها يواسيها &; يرسل لها الأمان عندما يأخذ الخوف والحزن ويبدله للإطمئنان &; ضمها وتمسكت به هي عندما حاوطت ظهره بأمان&; متنفسه بعمق&; وهي تشهق بصوت&; مسموع &; وعندما وجد الانظار عليه المتساءله بها من بأحضانه بخير &; فحرك رأسه لهم بإطمئنان وأخذ زجاجة مياه من أحدهم &; ومازالت هي بين ذراعيه يضمها وكأنها ستهرب للتو !!
لم تنعم بهذه الاحضان منذ فتره&; وهو &; هو يشتاق إليها هو الٱخر وكأن العناق جعل النيران التي تندلع في صدره&; تهدأ والأفكار المتضاربه ت&;رتب والكسر الذي ك&;سر به تصلحه هي بعناقها له وانفاسها الساخنه التي تلفح ما بجانب موضع قلبه وكأنها تهمس له بأنها عادت فقط بلحظة متأثرة ولكن ماذا بعد &;&; &; خرجت من بين أحضانه متنفسه بتعلثم&; تمسح وجهها وهي تحاول أخذ أنفاسها &; فوجدته يعدل حركة رأسها وهو يحثها على أن تشرب المياه منه &; وبحركة ٱخرى مسح على وجهها بكفه الذي غمره بالمياه ليمسح عينيها والكحل الذي سال ولطخ ما بجانب عينيها &; وأنفها وكأنها طفلة صغيؤة وحتى فمها ووجنتيها &; الذي لثمها هو بعدما انتهي وهو يسألها بحنان&; :
_"بقيتي احسن &;"
حركت رأسها بنعم&; &; ثم اعتدلت عندما وجدته يعتدل ليقرأ القاتحة &; قرأتها معه بسرها وعندما انتهي دعا له بصمت&; دام لدقائق حتى عاد يمسك يدها برفق&; وهو يقول :
_"يلا نمشي&;"
سألها وهو الذي يتمنى الهروب من ذلك المكان الذي يجعلها في كل مره تنهار انهيار شامل أوله بكاء وثانية كلمات مؤلمة وثالثه بكاء ٱخر مخيب ٱمال عدم عودة من فارقها يوما&; &; هزت رأسها بموافقة&; ترد بنعم&; لنسير معا&; مودعين من فارقني ويصر على عدم الرجوع !! &; سارا معا&; إلى الخارج وبصمت فقط يسألها عن حالها ليطمئن &; وركن العتاب لوقت لاحق &; بكيف تخرج دون إذن وعتاب ٱخر طويل يؤلمه!!
_____________________________________________
&;لا أتذكر قلبي إلا إذا شقه الحب نصفين أو جف من عطش الحب!!&;
- محمود درويش
الغ&;ريب بأن هذا الحال هو حالين معا&; الٱن" هو وأخرى مجهولة "!!!
البداية به هو &;&; &; وهو جالس بمنزل "بدر" بشقة "ٱدم" منذ ٱخر مره حدث بها ما حدث مع عائلته &; ولم يفتح هاتفه لم يجرب أن يصنع إتصالا&; يهتم به ويتساءل &; ط&;عن بقلبه ور&;فض والساخر بأنه ر&;فض من شقيقها وليس منها هي &; كيف ذاق مرارة البعد &;&; أم انه غير معتادا&; على رؤيتها وهذا ما يؤلمه &; يجعل به من الأرق والتشتت ما يكفي لعدم قدرته بشرح ما يشعر به &; كل الاركان ترفضه &; ترفضه &; يشعر بأنه منبوذ من الجميع حتى وان ندم بما تفيد العودة بعد الرحيل&;&;!.. &; لا ينكر بأن حديثه مع شقيقه واردافه لسهام&; اخترقت قلب الاخر بشدة&; حتى جرحته فرأي الدماء بنظرة عينيه وليس موضع السهم الذي ألقاه &;أم ان الدماء تنزف داخليا&; &;&;&;متسرع وأهوج في الحديث بشدة&; وهذا لن يغير شئ &; فما قاله قاله لا محال!! &; من بقدرته تغير الماضي بكل أوجاعه &;&; &; من بقدرته ان يرجع إلى الخلف بغير قرارات كان قد اخذها وهو اعمى البصر و ..البصيره !!&; كيف له بأن يرجع ينفي ويمحي وجود "تاج" التي غيرت من شخصيه وتفكيره وطباعه تغير جذري ملحوظ لم يظهر عليه الا بعدما علم حقيقتها الموجعه التي كسرته &; كيف له بأن يرجع إلى الماضي وينفي تفكيره بكل مره حثه قلبه وعقله للذهاب كي يطمئن على "فرح" في غرفة المستشفي &; كيف&;&;&; سجين الأوجاع ولا يعلم هو بأن من يشعر تجاهها بشئ وجعلته سجين اوجاع كهذه &; سجنية هي ٱخرى لاوجاع &; بل سجينة بالفعل وبمكان عمله دون دراية منه &; بالفعل&;&; أم أنه يتظاهر ذلك &;!..
والثانية بعد البداية ..ٱخرى مجهولة لا تشعر بقلبها سوى عندما شقه الحب نصفين أم عندما جف من عطش الح&;ب &;! &;
بالفعل كانت هى&; وهي تحاوط صغارها بيديها ناظره لهم وهما بجانبها ثم أدخلت المفتاح بالباب حامله ببديها حقيبة ملابسهم ودموعها لم تجف ولم تتوقف عن التوقف &; عندما حثتهم بنبرتها الضعيفة :
_" إدخلوا يا حبايبي&; على ما اشوفلكم حاجة تاكلوها من جوه!!"
أردفت "فاطمة" حديثها ببكاء&; ورفعت يديها أخيرا&; تمسح وجهها &; أغلقت الباب حتي سمع هو صوته من الداخل &; فإنحنت تحاوطهما &; تحاوط توأميها بوراثة چينات من عائلة والدها &; كمثل عمهاا الذي انجب توأمان وراثة&; عن جدها &; نظرت نحوهما بحزن&; حاولت إخفاءة &; فردد أحدهما بحزن&; :
_" هو إحنا كده مش هنرجع لـ "بابا". تاني يا ماما &;&; "
لثمت وجنتي صغيرها بحب&; ولهفة تكذب شعورها وهي تقول :
_" لا يا حبيبي متقولش كده &; هتشوف بابا عادي &; بابا بيحبك هو بس كان بيهزر معايا !!"
أي مزاح ووجهها ملطخ بالكدمات&;&; وقف "بسام" ينظر بصدمة. من رؤيتها بملابسه المنزلية هذه &; حتى صاح يردد بمفاجأه :
_" فاطمة!!!"
انتفضت هي وصغارها &; حتي وقفت تنظر بمفاجأه وهي تبتلع ريقها بصعوبة&; بغير فهم &; حتى انها من عزم ما بها لم تستطع ان تحدد من هو ببنهما &;. &; توجه "بسام" تحت تأثير صدمته ناظرا&; نحو وجهها مرددا&; بشرر&; لا يخرج آلا بالقليل وحاول هو كتمه وزوال الحرج عندما ردد :
_" مين اللي عمل فيكي كدة يا فاطمة &;!"
وضعت يديها علي وجهها ولاحظ جروح يديها هو الٱخر صمتت والدموع تتجمع في عينيها من جديد &; فتفهم حالتها وهو يوزع نظراته بين الصغار &; حينها هبط يسند على ركبيته مرددا&; بابتسامة وتذكر لاسم واحد منهما:
_"مين فيك&;م "يوسف&;!" "
_"أنا"
قالها "يوسف" ببراءه وهو يرفع يديه بحماس&; فقبل "بسام", وجنتيه وهو يسأل الٱخر بتذكر&; :
_" وانت" أدهم " صح &;"
_"صح"
قبله هو الٱخر بحب&; برئ ثم إعتدل يقف مشيرا&; لهم نحو الداخل وهو يقول :
&;_" الاوضه اللي هناك دي فيها تليفزيون لو فتحتوه هتلاقوا الكرتون شغال علطول &;. افتحوه على ما أجيلكم اتفرج معاكم &; موافقين &;!"
لم يسمع منهم الرد سوي بالركض وكأنهما يتسابقان معا&; &; استطاع أن يوزعهما &;&; ثم وقف يحمحم بحرج&; مرددا&; لها وهي تقف بجانب المقعد :
_"ارتاحي يا "فاطـمة" وقوليلي .."عارف". اللي عمل فيكي كده &;!"
هربت بعينيها وهي تجلس&;. محاولة على أن لا تذرف الدموع &; صمت يري دموعها وهي تؤكد بخزي&; ثم قالت بضعف&;:
_"أنا عايزة بنتي &; عايزة "جنة" بنتي يا "غسان" !!"
وكأن الكل يستنجد به كونه معروف بطبيعته هذه &; المساندة والمساع&;ده &; تنهد يخرج أنفاسه ثم قال بحمقة&; لرجل م&;تعصب لأهله :
_" هي فين يا فاطمة &; قوليلي !!"
"جنة " سمتها بذلك على إسم والدتها أو شق من الاسم فقط"جنات"!! &; تنهدت بثقل&; وبكاء&; وهي تقول مفسره بضعف:
_" عارف هو اللي مد ايديه عليا لحد ما عدمني العافيه وشايل مني التليفون بقاله كام يوم &; ولما خرج راح الشغل النهارده متأخر طلعت بسرعه من البيت واخدت يوسف وأدهم &; و"جنة" كانت قاعده عند حماتي&; فاتهم م&;لو دماغها بكلام عليا &; بس انا عايزة بنتي مليش دعوه &; عايزاها يا "غسان " &; كلم "بدر" خليه يجي عشان خاطري وهاتوهالي منهم !!"
وكأنها تستنجد مره أخرى&; به ولم يكن هو &; إبتلع ريقه بشفقة&; وغيظ مكتوم &; ثم نهض يقف أمامها مطمئنها بحديثه وهو يقول :
_' ارتاحي يا فاطمة وبنتك هترجعللك &; قومي إغسلي وشك وانا هخرج أشتريلك مرهم ومسكن &; وكمان أكل للحلوين اللي هناك دول &; ومتزعليش نفسك إنتي فضهرك رجالة اوعي تنسي دا !!"..
نظرت له بإمتنان ووجهها يتشنج تعبا&; والان أصبح لا يصح له المكوث بهذا البيت !! &; زفر بصوت&; مسموع يخرج غضبه بمظهرها كذلك وهو الذي عاش ينظر للمرأه بأنها ذات قيمة مدلله &;. ربما هذا في ع&;رف "حامد البدري", وفقط&;&;&; وضع يديه على جيبه ليستشعر وجود الٱموال وما ان شعر بها &; خرج مستأذنا&; لوقت مؤقت ومن ثم ليعود!!
________________________________________________
صعدا معا&; قبل وقت&; بعدما أتت معه من الخارج &; على الرغم من ان ملابسها جميعها سوداء ولكنها دخلت شقة "عايدة" معه , مع "غسان" الذي قصد فعل ذلك لتنخرط في الحديث معهم &; وعلى الرغم من ذهاب "شادي"و"منة" لآختيار فستان الزفاف مبكرا&; ولو بقليل عن وقت المساء الشديد بسبب قرار "طارق" بذلك حاسما&; الٱمر &; ولم تكن "فريدة" بينهن &; وحتى "&;وسام"ذهبت لتذاكر بسبب اقتراب موعد امتحاناتها النهائية &; فقط كانت "حنان " تجلس تتحدث مع "جميلة" التي اندمجت هي الٱخرى تحت أنظار "عز " الحانية عليها &; وكان"بدر" يجلس بجانب "غسان" الذي مال عليه مرددا&; بعجالة&; :
_" مش يلا &;&; "
سيأخذه مره ثانية معه نحو منزل شقيقته &;&; &; أومأ له بموافقة&; &; فتدخل "حامد" بتحذير&; :
_" متحطوش نفسكم فمشاكل لو مفيش حاجه يا "بدر"&; وعقل اللي جنبك أصل الواحد مش مطمنله !!"
أومأ له "بدر" ضاحكا&; وهو يومأ له &; ونظر له "غسان" باستنكار&; وهو يردد :
_" متقلقش ي حج !"
_" لا والله قلقان وما ليك عليا حلفان !!"
ضحك عليه بخفة&; وعلى كلماته المرحه&; فنهض معه &; وسار الإثنان معا&; بعد الإستئذان &; فطالعته "نيروز" متساءله بعينيها &;حينها اقترب هو منها دون خجل وهو ينحني يتحدث بنبرة منخفضه :
_"احسن دلوقتي&;&;"
أومٱت وهي تبتلع ريقها ثم قالت تسأله بغرابة&; :
_"رايح فين &;!"
_"رايح مشوار صغير مع "بدر" ومش هتأخر&; وياريت لما اجي الاقيكي فالمكان اللي انا ماشي وسايبك فيه &; مش تمشي وكإني سوسن هنا !!"
تنحنحت بحرج&; &; وهي تهرب بأنظارها ثم وجدته يحثها بحنو&; ولين قد غلبه مثلما غلبه الشوق:
_"خدي بالك من نفسك على ما ٱجي !"
إعتدل بعدها يستقيم ثم شملها بنظراته &; حتى عاد يخرج &; فنظرت هي نحو الضحكات فوجدت "حنان" تشاكسها بالنظرات مع "ياسمين" المرحه مثلها تماما&; !! &; خجلت ودت لو تعلمهم بأن الحديث كان نصفه ساخرا&; ومتوعدا&; منه !!..
علمت "وردة" بأين سيتجه فأخذت "يامن" الباكي بسبب رحيل "بدر" وهي تداعبه كي لا يحزن تحت نظرات "عز" الذي. وبعد ان ودعهما مؤقتا&; &;. اتجه ناحية " وردة" يمد يديه أمامها بحرج&; رجولي وهو يقول :
_" هاتيه يقعد معايا فالبلكونة شوية !"
أخذه من بين ذراعيها وهي تبتسم له بحرج&; &;فحمله يداعبه بمرح&; ثم توجه به ناحية الشرفه يريه ما خلف السور وهو يتمسك به بيديه الصلبه كي لا ينفلت منه لاحظ وجودها بجانبه وهي تبتسم له ببشاشة&; مردده بحب&; :
_"شكلك حلو اوي وانت شايله يا عز "
_"وهيبقي أحلى لو شيلت عيالي منك !!"
توسعت بسمتها من غزله لها بحب&; وصدق&; &; فتوجهت تقبل "يامن" بحنو&; &; فرد "عز" بطلب ناظرا&; اليها ببراءة رجل عبثي خبيث :
_"طب وأنا يا جميل &;&; مليش نصيب&;&;"
خجلت من طلبه المرواغ&; حتي أنها تعلثمت في نظراتها وتوردت وجنتيها بطريقة ملحوظه &; فعاد يكمل بنفس البراءه ومازل الصغير على يديه :
_" أنا جوزك والله وفي فتوه كمان بتقول انه حلال !!"
ضحكت من حديثه المرح &; فردت بمراوغه خجوله:
_" وفي فتوة بتقول انه محرج اوي !!"
_"محرج&;&; دا بوسة بريئه في الخد &; مش مثلا&; أ..."
بترت حديثه عندما إحمرت وجنتيها بشدة&; وكي لا تجعله يكمل قبلته بسرعه كي يصمت &; لامست شفتيها بشرته السمراء ولحيته الخفيفه &; فابتسم وهو يحرك عينيه نحوها عندما اعتدلا سريعا&; مره. ٱخرى &; فغمز لها وهو يردد بجرأه :
_" ايوة كده &; المكسوف ميجبوش غير الكسوف !!"
نظرت له بحب&; وفعل هو ما يجعلها تخرج من حالتها الحزينه &; كما كان هو ووالدته يتحملان ويتماسكان رغم حالة "فرح" ..&; ردد مره ثانية بحنجرة رجولية يدندن وهو يحرك "يامن" على ذراعيه بميلان وعينيه لا تفارق عينيها المتركزه نحوه :
_&;"أبيض ويا&; يا لون الياسمين
يللي على خد&;&;ك شك&;&;ل ورد
وحياة خدودك والجبين
إني أسير المود&;&;ة
ما ضن&; قلبي تنساني
وتزيد في حب&;&;ك أشجاني
ع&;د يا جميل ع&;د&; لي تاني
من كثر شوقي عليك ما بنام"&;..
ردد كلمات ٱغنية ي&;حبها ويردد شطرا&; منها دائما&; لها وعاد عقب ما انتهي يرد بصدق&; بها يؤكد لها مدي صدق الكلمات:
_ "حبيت جميل ويارتني ض&;له"
أسرتها كلماته وحتي نبرة صوته الهادئه الفاشله في الغناء فقط ما يجعل نبرته هادئه ي&;فضل سماعها بدون لحن &; بأن اللحن هو حبه لها &; والكلمات تخرج بمصداقية&; من شخص قلبه ي&;غمره السعادة فقط بوجودها ولأنها هنا ..بجانبه مهما حدث له !!!
_________________________________________________
&;&;إنني أحتفل اليوم
بمرور يوم على اليوم السابق
و أحتفل غد&;ا
بمرور يومين على الأمس
و أشرب نخب الأمس
ذكرى اليوم القادم
وهكذا .. أواصل حياتي!&;
- محمود درويش-
لا ي&;صدق نفسه الٱن وهو ينظر من شرفة سيارة الأجرة الذي ركبها فور خروجه &; أيام كثيرة مرت لم ينظر للأشجار &;للجو &; السماء&; يتنفس من هواء الخارج الح&;ر &; أصبح هو الٱخر ح&;ر الٱن مثله تماما&; !! &; ابتسم بفرحة&; من كونه أصبح شخص جديد الٱن غير الذي كان عليه في القدم &; يحتفل بمرور&; الأيام العصيبه القاسية !! تمسك بحقيبة الظهر عندما أشار للسائق بأن يقف بركن ما &; يعلم بأن "بدر" يعلم بخروجه وهو من حثهم عى اخباره حينما يخرج ولكن رفض "ٱدم" فعلهم ذلك وتولى المسئولية عندما خرج ح&;ر نفسه متحملا&; المسئولية هذه المره &; وتركوه فهذا الموعد المحدد والٱخر ثقتهم بأنه الأن م&;عافى تماما&; من هذل الهلاك الذي كان يجري بعروقه ..
لحظة&; لما رائحة الجو جميلة&;&; أم انها رائحة الأمل الذي يغمره من جديد &;&; &; إبتلع ريقه بعمق&; وهو يري السياره تسير من أمامه &; فطالع بوابة المنزل التي د&;هنت بلون ٱخر. غير الذي كان عليه &; والغريب بأن شباب المنطقة يرددون عليه بالترحيب الشبابي دون علمهم اين كان هو &; رد عليهم من بعيد بإشارة يديه بشبابية&; &; ثم وضع يديه بأحد جيوب الحقيبه ليخرج مفتاح المنزل &; وجده وأمسكه وتوجه ناحية الباب الذي ي&;دخل لشقته الذي كان يمكث بها &; وضع المفتاح في الباب حتى فتحه ولم يثير غرابته صوت التلفاز &; علم من "بدر" ان"بسام" يمكث مكانه بسبب مشكلة لم يكن لديه فضول لمعرفتها !! فصمت راضيا&; لطالما هو "بسام" وليس الٱخر !! &; ولكنه بنفس الوقت يشعر بالحنين والأصل للٱخر الذي أصبح يدين له بالكثير
_" خالو جه يا ماما !!"
أهذه الأصوات حقيقه&;. &; نظر بغرابة&; أمامه فوجدهما ينظران له &; وأحدهم هرول &; فإنحني يقبله ويعانقه دون فهم &; ولم يكن سوي "ٱدهم" &; ألتقارب الأسماء يحبه &;! &; أشار "ٱدم" بذراعه الٱخر للٱخر الذي وقف ينظر بتردد إلى أن جاء مهرولا&; فعانقهما "ٱدم", بحب&; تحت صوت "فاطمة" التي خرجت من المطبخ تردد باستنكار متلهف:
_" خالو مين يا "ٱدهم" بـد..&;!"
قبل أن تكمل وقفت تنظر بصدمة وشوق وحنين له هو خصيصا&; &; نحل جسدة بطريبة ملحوظه &; وعينيه &; عينيه غريبه ووجهه أصفر &; ألا يطعمونه هناك&;. تساءلت وهي تعلم من "بدر" ما كان به شقيقها الٱخر &; ٱدمعت عينيها وهي تركض كالصفار ترتمي باحضانه ببكاء&; بعدما نهض مفزوعا&; من كدمات وجهها وصدمته بشكلها وجسدها الذي هبط وزنه!! &; على الرغم من أنها أكبر منه سننا&; ولكنها تشعر بهذه اللحظه بأن أحضانه بمثابة أحضان والدها &; ضمها وهو يمرر يديه على ظهرها ورحل الطفلان ناحية التلفاز مره أخرى في الداخل &; تربطهم به علاقه ولم تكن قوية جدا&; بسبب بعده في الفتره الاخيره &; خرجت من أحضانه وهو يسحبها ممسكا&; بيديها التي تضعها علي وجهها بألم&; &; وجدها تتحدث من قبله بشوق&; :
_" وحشتني أوي يا "ٱدم" !!"
لم يردد بالمثل &; بل نظر بملامح وجه جامدة&; يسألها بحدة&; قابضا&; على كفها بين يديه :
_" "عارف "اللي عمل فيكي كده صح &;&;"
صمتت فهز يديها ليحثها على الرد بحزم&; وهو يردد بنفس الحدة:
_" ردي عليا يا فاطمة !!"
أومأت برأسها ودموعها تهبط دون توقف &; فضم رأسها على فجأه. متنفسا&; بصوت&; عال&; &; والشرر بهذه اللحظة يتطاير من عينيه &; رجع لسابق عهده &;&; شقيا&;&;. وقحا&; &;. أم ان المخدرات جعلت منه شخص بارد متبلد المشاعر وحتي الحديث والحركة!! &; ضمها باحتواء وجاهد على أن تخرج نبرته بحنو&; وهو يطمئنها :
_"متعيطيش يا فاطمة &; أنا هرجعلك حقك وهخلي راسك مرفوعه وسط العالم الو*** دي تاني!!"
إستغفر سريعا&; ثم وقف معتدلا&; &; باحثا&; بعينيه عن ابنتها البكرية وهو يقول :
_" أومال فين "جنة" &;!"
_" هناك &; خدوها &; رجعهالي يا ٱدم عشان خاطري لو بتحبني&; أنا عايزه بنتي !!"..
ربت علي رأسها وهو يقبل قمتها &; ثم إعتدل وهو يقف مرددا&; بشرود&; :
_" معاكي مفتاح بيتك&;!"
_" اه"
_" ادخلي هاتيه !!"
نهضت تجلبه بغير فهم. &; فقط تريد ابنتها ليس إلا !! &; وقف معتدلا&; وهو يرسل رسالة لـ"بدر" بأنه خرج إلى المنزل ليعلمه بها كذلك &; التفت سريعا&; &; عندما وجد الباب يغلق ويتنحنح بحنجرته بخجل&; &; رفع عينيه نحو عيني "بسام" الذي نظر له متفاجئا&; بوجوده ولكنه لم يستنكر بل توجه يعانقه بتلقائية وهو يردد يترحيب&; تاركا&; الأكياس :
_"حمد لله عالسلاامه يا ٱدم !!"
ربت "ٱدم" على ظهره بابتسامة متكلفه&; ثم رد عليه الترحيب بحرارة &; التفت يأخذ المفتاح من بين يديها عندما جاءت تعطيه إليه بحسرة مخفيه على ذهابها وترك ابنتها هناك معهم !! &; اعتدل ينظر ناحية "بسام" بثقة&; منه وهو يقول :
_" خليك هنا يا "بسام " وخلي بالك منهم علي ما ارجع!!"
_" انت رايح فين دلوقتي&;!!"
سأله بإندفاع&;&; فرد عليه "ٱدم" وهو يترك حقيبته على الطاوله:
_" هجيب "جنة"!!"
_" بس&;"
_" والله هو ونصيبه بقا !!"
قالها ببساطه&; فإندفع "بسام" يقول بسرعه :
_" طيب انا هاجي معاك مش هسيبك لوحدك "
_"لا لازم تخليك هنا عشان متبقاش لوحدها &; وعشان نشوف اللي فوشها دا &;مش انت دكتور !!"
قالها بجمود&; وكاد أن يستسلم فرد "ٱدم" مره ثانية وهو يقول بإصرار :
_" اسمع اللي بقولك عليه يا "بسام" &; انا مش هتأخر انا هجيب البت واجي انت مش شايف اختي عاملة ازاي !!&;"
قالها باندفاع وهو يراوغ فهو يتلهف شرا&; للذهاب &; ومن حسن الحظ أنه سيسير بسبب قرب المكان ولكن ليس بشدة &; فاق على صوت اغلاق "الباب" بشدة&; من خلف "ادم " فخرجت "فاطمة " من المطبخ بكوب من الشاي كانت قد اعدته له ولكنه رحل &;&; &; نظرت بحزن&; &; فأشار لها "بسام" بحرج&; كي تجلس ثم قال بطلب&; :
_" هاتي ايدك"
أمسك يديها بحرج&; وهو يخرج ما بالاكياس يداويها &; وجدها حزينه ذابلة من جديد &; اكانت كل هذه الفتره كذلك &;! انتهي من لف يديها بشاش&; فعاد يحثها مره ٱخرى :
_" شوفي كده عارفه تحركيها ولا اغير الربطة &;"
_" لا تمام &; شكرا&; يا "غسان" كتر خيرك !"
نظر مستنكرا&; &; وهو يرفع عينيه نحوها مرددا&; بابتسامة هادئه يصحح لها:
_" وان قولتلك اني "بسام" تمشي بردو ولا متمشيش&;&;"
ضحكت بخفة&; وهي تحرك رأسها بسخرية كيف لم تستطيع التركيز ولا التفريق وهي التي كانت تفرق بينهم بسهوله بسبب قرب "غسان " منها والتي كانت صديقه قوية له كما كان هو قبل زواجها من "عارف"!!!
_"طب ارفعي وشك بقا وبصي يمين !!"
__________________________________________
هاجت الدماء بعروقه منذ أن رٱها بذلك الشكل &; كيف &; كيف تصبر كل ذلك&; وهو الذي عارض ما يفعله زوجها معها &; كيف كان لا يهمه وهي معه بهذا الشكل &; جز على أسنانه بضغط&; وهو يدخل من البوابة الخلفيه للمنزل ثم نظر تحت سور الس&;لم الكبير الصاعد لشقة "بدر", في الأعلى &; نظر ناحية الشئ الكبير المخفي بغطاء أسود عليه من الاتربه ما يكفي لـ ت&;رى بالعين المجرده !!
تلك الدراجة البخارية الذي أقسم شقيقه عليه بأن لا يركبها مره ثانية!!&; عندما فعل حادث شنيع أدى إلى خياطة ساقه بالطول من الأسفل &; الهذا ر&;فض في الجيش&;&; وأخذ إعفاء&;&; &; اليوم سيعود لسابق عهده من جديد &; كشف الغطاء بأعصاب مشدودة وهو يحاول تحريكها &; يعلم بأنه قام بتصليحها ومن ثم ركنها بسبب قرار شقيقه واليوم لم ولن يسير على قدمية أبدا&; &; سرعته ورغبته في سرعة أخذ حقها تلح عليه وعلى دماءة الحمراء النافره بعروقه !!!!
أخرجها إلى الخارج وهو يحاول تشغيلها ولم يلبث دقائق وكان قد ركبها على الفور فاعلا&; إحتكاك أولا&; قاصد به كي يري مدي قوتها ومن ثم الآحتكاك الٱخر كان بقصد&; من أعصابه ليس آلا عندما اختفي عن مرمي أنظار من حوله!!, الأشقاء !! لم يكونوا يوما&; مجرد إسم &; ي&;نجبوا ليكونوا سندا&; في الد&;نيا &; ظهرا&; ان ك&;سر ظهرهم &; ان ك&;سر من أنجبهم وكان عادل سوى !!
وبخفة&; ك&;برى وصل &; والمدهش بأنه وصل من قبل حتي ٱخرين كان من المفترض بأن يصلوا !!! &; ركن الدراجة أمام س&;لم المنزل بجانبه &; ثم وضع يديه بجيب بنطالة يخرج المفتاح التي جذبته له شقيقته &; يتمني بأن يكون بالداخل وليس في العمل !!&; فتحه بخفة&; ثم أغلقه مره أخرى خلفه بهدوء برع به وكأنها شقته هو ليفعل هذا بثقة&; كبرى !!
_" فين أمك يا بت إنطقي بقولك &;&;&; راحت فين&;&;&; "
جملة صارخة صرخ بها "عارف" بإبنته التي جهلت عن إين ذهبت من خلفه &; أعلنت جهلها بسرعه وخوف وهي تنظر إليه برعب&; مرددة بتفسير متلهف خائف :
_"والله العظيم ما أعرفش يا بابا &; أنا كنت عند تيته!!"..
كاد أن يرفع يديه يصفعها لمجرد أنه يري بأنها كاذبه خدعته في القول كما خدعته والدتها وذهبت دون إذن!! &; و قبضة يد فولاذيه تترصد وتمسك يديه &; رفع عينيه فوجده يقف أمامه ناظرا&; بحدة&; &; هل كانت خطواته خفيفه كي لا يسمعه &;&; &; مد "ٱدم" ذراعه يأخذ "جنة" الصغيره خلفه ومازال ممسك بيد الٱخر وهو يشدد مسكته مرددا&; من بين ضغطه علي معصمه :
_"ملقتش أمها تتشطر عليها ..فبتتشطر على البت مش كده &;!!"
لم يهابه &; كان جبانا&; ولكنه لم يهابه كونه يعلم بأنه يتجرع دمارا&; أهلك عقله قبل جسده&; ابتسم بسخريه وهو يحاول نفض يدي الٱخر مرددا&; بترحيب ساخر غير مباليا&; بكيف دخل من الأساس :
_" أهلا&; بالشمام بتاعنا منورنا !!"
دفعه "آدم" بغضب&; بعدما أشار لـ "جنة" بأن تخرج إلى الخارج&; لصق ظهره على الحائط وحاصره بقوة&; حتى تألم من عظام ظهره التي ارتطمت بقوة &;فأمسكه "آدم" من تلابيبه مرددا&; بنبرة&; مرتفعه :
_" بتمد إيدك على أختي ليه يا *** &; فاكر مين مش وراها رجالة يا عرة الرجالة&; دا أنا أدفنك هنا وقتي لحد ما تقول حقي برقبتي يا*** "
لم يعطه فرصة للرد بل داهمه بلكمة قوية أسفل عينيه &;حتى تأوي بصراخ&; وهو يحاول دفعه عنه &;فسقط"عارف " أرضا&; بسبب عرقلة "ٱدم" الذي فعلها سريعا&; عند وضعه يديه على وجهه&; جثي فوقه ضاربا&; بكفه علي وجه الٱخر مرددا&; بصراخ&; :
_"عليا النعمه من نعمة ربـــنـا &; ان ما خليتك تقول أنا مرا مبقاش أنا" ٱدم "&; بتمد ايدك عليها ليه يا زباله &; هــا &; بتتشطر علي النسوان اللي زيك يا *** "
سبه بحالة غضب ك&;برى &; والٱخر يصرخ أسفل يديه &; بينما نهض ضاربا&; بساقه معدته حتى تأوى منكمشا&; &; فنظر "آدم " له بتشفي ناظرا&; أسفل حزامه مرددا&; بوقاحة&; :
_" أنا هخليك متنفعش تاني يا بن الكلب يا *** , واختي دي معدتش هتقعد معاك لحظة واحدة يا و*** من دلوقتي !! "
وقبل أن يضرب بأضعف منطقه إنكمش "عارف" يعتدل سريعا&; &; فابتسم"ٱدم" بسخرية&; لاذعة وهو يراه منسحبا&; إلى الخلف بإرتعاب&; ساندا&; ظهره علي الحائط غير مباليا&; بسقوط المقعد الخشبي &; فأقترب "ٱدم" جاثيا&; أمامه مرددا&; بسؤال&; يصرخ به بعدما أمسكه من تلابيبه :
_"إيه اللي خلاك تضربها الضرب دا كله &; بتتشطر عليها ليه وانت عارف ان وراها رجالة يا روح أمك!!!!"
واصل بعدها بصراخ ينتظر الإجابة :
_"إنــــطــق!!!!!"
أمسكة من تلابيبه &;وكأنه ينتظر الإجابة بالفعل &; عندما هزه من بين مسكته &; فمسك "عارف" وجهه صارخا&; بتأوى وهو يقول بخوف&;:
_"هقول ..هقولك ..ك&;نت..ك&;نت عايز اتجوز عليها ولما رفضت قـ..."
وقبل أن يكمل ذلك الحديث الذي جعل النيران تتٱكل بالٱخر مره ٱخرى وكأنه يشعر بالنقص الذي شعرت به شقيقته &; هاجت الدماء مره أخرى بعروقه وهو يضربه بوجهه ومعدته مرددا&; بصراخ&; :
_"يا بجاحتك يا ٱخي &; وكمان هتديلي أسباب &; تتجوز على مين يا زبالة &; وربنا المعبود لأعلم عليك وأعرفك &; تعالالي بقا !!"
نهض يسحبه بإنفعال&; موزعا&; لكمات في جسدة من الأعلى&; غير عابئا&; بدق جرس المنزل التى توجهت تفتحه "جنة" الباكية &; تعلمهم بخوف&; عن ما يحدث في الداخل&; دخل "بدر" مهرولا&; وسار "غسان" ببرود وكأن شئ لم يكن&; وقف على أعتاب باب الغرفه ينظر نحو "ٱدم" الهائج &; حتى ابتسم وهو يردد ببساطة وكأنه يستمتع بمشاهده فيلم أكشن عنيف :
_" دا رجع الأسد اللهم لا حسد !!"
اقترب من بعدها يقف ساحبا&; "آدم" عنه بهدوء&; كما فعل "بدر" ذلك بسرعة مندفعة &; صرخ "ٱدم" به علي ان يتوقف ممليا&; عليه بعض من الكلمات أحدهما جمله ٱتت بعد سبه له :
_" سيبني عليه &; سيبني على اللي مبهدل وش أختك وضاربها &; وعايز يتجوز عليها زي الـ*** "
فتح "بدر" عينيه بصدمة&; من ما سمعه &; يعلم بأنه يضربها &; ولكن هذه المره قول "ٱدم" يعني ان الضرب قوي &;&; مهلا&; وزواج &;&; &; لم يتفاجئ "غسان" بل دفع "ٱدم" بعيدا&; وهو يرى "بدر" يمسك الآخر من تلابيبه مرددا&; بفحيح&; :
_" الكلام ده صح &;&;"
وكأنه ينتظر الإجابه من شخص أشبه بالأموات أسفل يديه. &; لم يجيبه &; بل صرخ "ٱدم" من بين يدي "غسان" :
_" بتسأله ..بتسأله لسه &;&;&; سبوني عليه بقولكم !!!!"
تأوي "عارف" وخارت قواه دون فعل واجب "غسان"و"بدر" &; فسقط يسند على ركبتيه بضغط وهو يتأوي من ألم جسدة &; فإنحني "بدر" يهمس له بجانب أذنه بشر&; ظهر أخيرا&; وهو يمسك تلابيبه مقربه من وجهه كي يسمع :
_"الكلام دا لو طلع بجد &; أنا هبيعك اللي وراك واللي قدامك &; هخليك تمشي تلف حوالين نفسك وتتمني ضافر أختي من تاني !!"
جثى على ساقه أكثر ثم هزه بعنف&; وهو يردد مره أخرى أمام الاثنان والصغيره التي تجلس القرفصاء في الخارج:
_"فاطمة البدري عيلتها كلها رجالة &; يعني لما ناسبتنا من زمان سألت كويس علينا &; بس شكلك سقعت ودانك بقصد لما عرفت إن رجالة "البدري" مبيسبوش حقهم ولما عرفت ان لما بنسيب بنسيب بمزاجنا&;. عشان خاطر اللي مننا &; لكن المرادي لو أختي عملت ايه ولو انت اتشقلبت كده مفيهاش رجوع يا روح أمك &; سامع&;&;&;&;!!"
وكأنه قطعه باليه. دفعه حتى سقط على ظهره متأوي &; تقزز منه وهو ينهض &; ناظرا&; نحو ",ٱدم" الذي سكن بين يدي "غسان" &; حتى قال لهم وهو يشير :
_''يلا !!"
_" وهتسيبه &;&;"
سأله "غسان" باستنكار&; قبل أن ينفعل "ٱدم" الذي غمز له "غسان" بأن يهدأ فرد "بدر" بشرر&; :
_" مش هنسيب حد &; أنا عارف هعمل ايه فيه كويس بس مش وقته &; يلا نمشي هنقعد نح&;ك&;&;ي مع بعض هنا&; اخلصـوا !!!!"
قالها بآنفعال&; مكتوم وسبق إلى الخارج يحمل "جنة" رابتا&; عليها باطمئنان&; في حين وقف "غسان" ينظر بتفكير&; وهو ينظر نحو "ٱدم" ونحو المستلقي أرضا&; بلا قوة :
_" طب وهاخد نصيبي ازاي دلوقتي&;&; مسيبتليش حقي ليه &;&; "
وكأن هذا ينقصه &; ولكنه ضحك بخفوت&; وهو ينظر نحوه &; وسمعه يكمل مره ٱخرى بتبجح&; :
_"مع انك مش نتن يعني !!"
_"في الحاجات اللي زي دي أحب مديش لحد حاجه&; أنا اللي ٱخد كل حاجة!!"
غمز له "غسان" وهو يشير له بأن يخرجا نحو الخارج تزامنا&; مع قوله المعروف :
_" لأ..عال ٱوي كده ..تعجبني !!"
خرجا معا&; تاركينه ملقي أرضا&; &; ركب "غسان" سيارته ومعه "بدر" الذي أجلس "جنة" على ساقه &; ثم فتح الشرفه يحذر ذلك الذي ركب الدراجة البخاريه :
_"براحة ها !!"
لم يسمع الرد بل نظر له "ٱدم" بغير اكتراث&; مؤقت &; ثم فعل احتكاك&; خفيف مختفيا&; من أمامهم عائدا&; مره ٱخرى &; زفر "بدر" بصوت&; وهو يربت على ظهر "جنة" بأمان ثم قال بابتسامة هادئة :
_" متخافيش يا حبيبتي&; خالو وخالو كمان معاكي وهيودوكي لماما بسرعه خالص !!"
لانت بسمة "غسان" وهو يحرك السيارة يقودها. &; ثم حرك عينيه نحوها وهي تستريح براسها على صدر "بدر" الذي ربت عليها برفق&; &; فمد"غسان" ذراعه الٱخر يداعب أنفها بمشاكسة&; وهو يقول بخفة&; :
_" بقيتي شبه فاطمة بالظبط !!"
ابتسم "بدر", وهو ينظر نحو ملامحها الصغيره &; بالفعل تشبه والدتها بشكل&; كبير &; بشعرها الأسود الناعم &; واهدابها الكثيفه السوداء وبشرتها القمحية الهادئه. كمثل ملامحها الصغيره وخاصة&; أنفها وفمها !!&; بالفعل "فاطمة" جميلة ودفن جمالها هذا مع شخص لا يستحق ولم يقدر هذا الجمال الأنثوي التي بسببه كانت تدق العرسان بابها منذ الصغر!!!
____________________________________________
_" تحبي أعملك شاي ولا ليمون يهدي أعصابك المشدوده &;"
سألها "بسام" برفق&; &; فحركت "فاطمة" عينيها ناحيته وهي تقول بحرج&; محاوله دفع "يوسف" المستند علي فخذها وهي جالسه :
_" لا خليك انا هقوم أعملكم عشا&; عشان" ٱدم " يجي وياكل معاكم بالمره!!"
حاولت النهوض&; فتحرك "يوسف" ووقف "بسام " يردد بابتسامة هادئة بسيطة :
_" لا متتعبيش نفسك &; أنا هعمل انا العشا &; واهو تقوليلي رايك فأكلي ..بعرف أطبخ علفكرة !!"
ضحكت "فاطمة", وهي تقف ثم قالت بحديث خفيف تشاكسه :
_" دا يبختها بقا !"
زفر بصوت&; بصوت مسموع ثم قال بتنهيدة&; ينفي برأسه بشرود&; :
_", ولا يبختها ولا حاجه &; محدش يتمني يبقي مكانها والله!!"
شعرت بمدى ثقل كلماته &; فصمتت وهي &; حتى تحركت بطريقة ملحوظة تدخل هي المطبخ &; علم بأنها وضعته أمام الامر الواقع &; فجلس بجانب "يوسف" الذي جلس بإعتدال &; وضع"بسام" ذراعه على كتفه بود&; ثم قال يشاكسه :
_" ايه يا بطل &; مش هتقوم تساعد ماما عشان ايدها &;!"
حرجه منعه من الدخول معها بنفس المطبخ &; وخاصة&; وهو الرجل الغريب في هذا البيت &; لذا سيجعل أحدهم يساعدها بطريقته &; &; هتف"يوسف" يخبره بما رٱه :
_" ٱدهم راح معاها&; انا شوفته!!"
_" طب انت زعلان من حاجة صح &;"
سأله ببراءة وبطريقه تجعله يتحدث &; فحرك "يوسف" رأسه وهو يقول بحزن&;
_" زعلان عشان عايز"جنة" !!"
وهذا كان تزامنا&; مع فتح الباب من الخارج بواسطة "ٱدم" الذي سمعه وابتسم وهو يقول بشقاوة&; :
_" طب واللي يجيبلك "جنة " لحد عندك يا سوفا &;!"
إندفع "يوسف"ووقف "بسام", عندما رأى "جنة" تدخل وهي تمسك يد "بدر" الذي دخل خلفه "غسان" &; رحبوا به بحرارة&; وبالأخص هي &; وخرجت "فاطمة" تهرول من كي تأخذها بأحضانها ووقف "بدر" و"غسان" ينظران لها بشفقة&; ومن ثم انفعال&; كتموه ما ان رأوها كذلك!!
عانقت "بدر" ببكاء&; وضمها هو &;هذه المره هو شقيقها الأكبر &; بكت بخذلان بين ذراعيه فتوجه "ٱدم" يرفع ذراعيه الاثنان يضمها هو له يبث لهم مدي اشتيابه لتجمعهم هم الثلاثه عندما كانو صغارا&; &; الوضع معكوس فكان "ٱدم" هو الأصغر بينهما وهي الأوسط و"بدر", الاكبر يحميهم دائما&; بذراعيه كمثل الٱن عندما بدل هو الوضع !! &; إذن الوضع متأثر!!
متأثر جدا&; &; بالنسبة لـ "غسان"و"بسام"&; اللذان تبادلا النظرات معا&; &; نظرات نادمة مكتومه عن ما قاله له وٱخرى كانت نظرات خائبه مكسورة &; حاول جاهدا&; على عن لا تظهر وبالفعل لم تظهر سوى له هو سوى لـ "بسام"!!..
دخلت "فاطمة" سريعا&; المطبخ &; تخرج لهم علي السفره ما أعدته بسرعه &; في حين جلس الشباب بجانب بعضهم وبينهم الصغار &; وساعدت "جنة" والدتها !!
_" انت بتهزر&;&; هتمشي فين دلوقتي&; خليك مستني وانا هقوم معاك كمان شويه!!"
كان هذا قول "بدر", لـ "غسان" الذي نهض يعلمهم بالانصراف &; فرد عليه مبتسما&; بحجة&; فخوفه وقلقه عليها يسيطران عليه حتى بوقته هذا :
_" معلش يا "بدر" انا لازم امشي انا في حاجة كدة لازم اعملها &; لو مش هتيجي هاجيلك تاني اخدك عادي !"
رد "آدم" عليه بهدوء وهو ينظر نحو شقيقه :
_" لا أنا هبقى أوصله بالموتوسيكل دا لو مقعدش النهارده معانا ييات &;!!"
_"لا يا حبيبي انا مقدرش ابعد عن مراتي وابني &; علشان كده هجيبهم هنا بكره نبات وسطكم ونقضي اليوم ونبات معاكم &; ايه رايك!!"
لاقت الفكرة استحسانه وفرحته&; ووقف"غسان ", ينظر نحو "بسام" بانتظار &; ولكن استشف "ٱدم" ما يحدث وخمن ان هناك مشكله بينهما فصاح بنبرة مرتفعه :
_"وكمان "بسام" هيبات النهاردة معايا فالأوضه نونس بعض&; بقالي كتير محدش ونسني وانا لوحدي بين اربع حيطان!!"
لطالما رجلا&; معه في المنزل لا مانع &; &; إبتسم له "بسام " وكاد ان ينفي ولكن نظرة"بدر"له على ان يوافق جعلته يصمت &; فانحني "غسان" يقبل التوأمان بوداع&; &; ثم استقام ملوحا&; بيديه كي يذهب فأومأوا له !!!
______________________________________________
&;&;فبعضي لدي&; وبعضي لديك&; وبعضي م&;شتاق&; لبعضي&; فهل&;ا أتيت&;&;
- محمود درويش
م&;شتاقة هي لعبثه ومرحه وخفته وحتى غزله المضحك !! &; ما حدث عند القبر كان بمثابة شئ ثم س&;لب منها &; تريد العتاب كي ترجع الي أحضانه مره ثانية وليس كوقت مؤقت !! &; بعدما ودعت "والدةعز" قبل وقت ورحلت بالفعل مع "عز" بعد ذلك اليوم &; رحلت هي الٱخرى من شقة "عايدة" آلى شقة والد زوجها "حامد" &; جلست "نيروز" &; كما كانت تجلس شاردة الذهن وبجانبها "حامد" يتحدث مع "دلال" و "وسام" بغرفتها !! &;. إبتلعت"نيروز" ريقها وهي تتنهد ثم وجهت رأسها ناحيته وهي تسأله بترقب&; عنه :
_" أومال غسان لسه مجاش ليه لحد دلوقتي يا عمو &;"
إلتفت لها "حامد" مبتسما&; بلطف&; وهو يقول :
_" فاته جاي فالطريق يا حبيبتي !!"
تلهفت عندما سمعت صوت دقات الباب &; ونهضت معتقدة أنه هو &; توجهت لتفتحه&; فوجدته "شادي" وليس هو &; إبتسمت له بتكلفة&;. فدخل هو سريعا&; يجلس بإنهاك&; على الأريكة بجانب"حامد" الذي سأله بخفة&; :
_'' خلصتوا لف&;"
_"أخ يا حامد رجلي عايزه تتحط فشوية ماية وملح كده&; حسبي الله ونعم الوكيل في المشي مع الستات!!"
قهقه "حامد" مع "دلال" وضحكت "نيروز", بخفة&; &;فردت "دلال" تقول بلهفة&; :
_" طب خليك يا حبيبي وانا اجبلك ماية وملح تحط رجلك فيهم !"
_"لأ.. سيبي الحركة دي لـ "منة" وربنا لاربيها بعد الجواز &; الصبر بس !!"
_" هي عامله فيك ايه ياض!!"
قالها "حامد" بضحك&;&; فرد "شادي" معلنا&; بقلة حيلة متفهما&;. ما كانت تفعله معه :
_" بتاخد حقها مني وطلعت عين اللي خلفوني ..بس بحبها!!"
استمرت الضحكات عليه مره ٱخرى &; فنظر بترقب&; يسألهم بإهتمام&; :
_" أومال فين "غسان "&;!"
ولم يأخذ الرد سوى&; منه وهو يفتح باب الشقة بالمفتاح &; حتي دخل يخلع حذاءه ناظرا&; عليهم وهم جالسين &; ابتسم ببشاشة&; ثم دخل يجلس بإرهاق&; غير غافلا&; عن نظراتها المتلهفه ما أن رأته يعود !!, نظرت له "دلال" بشفقة&; وهي تقول:
_"مالك يا حبيبي شكلك هبطان كده ليه &;!"
_" عندي صداع يا دلال مش قادر !!"
قالها وهو يمسك رأسه فوضع "شادي" ذراعه بمرح&; على كتفيه &; تزامنا&; مع رد "دلال,", وهي تحاول النهوض:
_" استنى اعملك كوباية شاي تظبط دماغك !&;"
_",لا ..لا خليكي يا طنط انا هعمله أنا !!".
لم يرفع عينيه لها بل نظر نحو عيني "حامد" المتشككه&; فبادر "غسان" بالسؤال وهو يسأله بابتسامة صغيرة :
_" خدت العلاج ي حج &;"
نفى برأسه&; فنهضت "دلال" تسند يديه بلهفة وهي تقول بخوف&; :
_'' اخص عليك يا حامد انا مش قولتلك &; قوم تعالي عشان تاخده وترتاح "
سند الإثنان بعضهما بحب&; ناحية الغرفه &; فضحك "شادي " و"غسان" معا&; &; تزامنا&; مع قول "شادي" المرح :
_" ربع شقاوة ابوك وهو بيتدلع عشان يشوف خوفها!!"
ضرب "غسان "ساقه بضحك&; خفيف &; ثم إعتدل يريح ظهره بتنهيدة&; &; حتى وجد"شادي" يقول :
_" انا المرادي مش سايبك وماشي غير وانت معرفني مالك!"..
وضع يديه على كتفيه يحثه بتأثر&; ثم قال مجددا&; :
_" مالك يا غسان فيك ايه يا صاحبي احكيلي !"
ٱخرج تنهيدة حارة ثقيلة إستشعرها "شادي" بغير فهم&; &; ونظر له "غسان" منهزما&; ظاهرا&; كسرته التي يخفيها بعينيه&; زفر بصوت&;. وعلم بأن هذه النحلة لن تخف عن زنها سوى ان قص هو له المختصر بعيدا&; عن موضوعه مع زوجته &; إنتظره "شادي " بأن يتحدث &; وبالفعل بدأ بأول كلماته عندما قال بقلة حيلة يائسة مخزية :
_" بسـام !!"
_" ماله &;"
..
وعلى ب&;عد&; قليل منهم وقفت "نيروز" تعد كوبين من "الشاي" له ولـ. "شادي" كي لا تفعل واحد فقط لاحدهما !!, شردت بقوله المتعب المنهك كما لملامح وجهه الحزينه التي تستشفها هي وحده &; ولمعة عينيه &; عينيه تلمع ولا تعلم ما هذه اللمعه ألمعتها دموع &;. أم لمعة إنكسار طويلة لتلازم نظرة عينيه &; أم قاصدا&; بها ان تراه كذلك كي تشفق &; وللحق هي تشفق &; ويؤلمها قلبها ولكن جرح ما رأته دون أن يبذل جهده في التبرير يؤلمها ..
أيبرر لك&; وانت&; من تسرعتي يا هذه &;!!
أيأتي ليعانقك&; وانت&; الفاتره الجافه علي قلبه دون صبر &;&;
أيأتي لك&; وأنت&; من سرقتي كل فرصه منه &;&;
أيأتي بأوجاعه المجهولة ليأخذ وجع ٱخر منك&;&;!
هزت رأسها نفيا&; بأفكارها هذه &; وادمعت عينيها من جديد وهي تتذكر عناقه وحنوه في وقت خصامة حتي !!
لما يتعمد قلبك&; القسوة&;
أم أنك ج&;رحتي جرحا&; قويا&;. لم تستطيعي التعافي منه فـ بتي تتعمدي القوه حتى علي من يظهر اللين بطريقة لم تريها من قبل&;&;!
أجابت بنعم&; &;&; ثم استمعت لصوتها الداخلي مره ٱخري :
لما تشعرين بالندم &;&; وأنت&; بنظر نفسك المظلومه &;&;
ربما شعورك من ما تجدينه بنظرة عينيه &;&;
أم بملامحه وما يقصد عدم ظهوره &;&;
ابارعه في كشف ما يعجز عنه غيرك&;.
وان كنت&;ي بارعة لما العناد &;&;
لما&;&;
ربما بسبب الفتور وتوقف الحال عن الحديث دون براهين&;&;
أو لأن قلبك اللعين يترجم هذا شفقة&; للحب&;&;
وصرخ الصوت العنيد :
كفى يا هذا &; اتركها تفعل ما تشاء بقلبها !!
قلبها اللعين&;&; الذي يمحى كبرياؤها &;!
مازال الصوت يلح عليها الصوت الجاهل عن الشعور &; مدت يديها تمسح وجهها بالمياه علها تفوق من هذه الدوامه &; ثم حملت الصينيه الصغير وكادت أن ترفع الستار &; وما أوقفها هو نبرته المنهزمة عندما اكمل وهو يقص عليه :
_" وقابلت الدكتور اللي كان بيروح عنده قبل ما يقولي الكلام ده &; كنت واقف عاجز ومصدوم وأنا بسمع من واحد كنت بخاف عليه اكتر من نفسي &; بيقولي اني خربتله حياته وإني مفتري ومبعملش حاجه غير اني ببوظ وبس &; بيقولي ابعد &; كان معاهد ميعرفنيش تاني لو قولت لـ عز يرفضه &; وكآني مش أخوه !! &; أنا لما قابلت الدكتور فالمستشفي وانا بالعجز اللي كان قبل كل ده &;. كان بيكلمني كلام صعب افهمه وكإني مبفهمش &; حسيت ان الوضع معقد &; لدرجة وهو بيديني الكارت خدته وكإني بفكر اروحله أنا وأنا خالي من عقدي وبفكر فـ عقد غيري ..طب ازاي ..!"
استنكر بوجع وكسرة وألم &; ربما الصديق يتوجب عليه الوجود بهذا الوقت عندما إنحني "شادي " يحتضنه بين ذراعيه بقوه &; مشددا&; في عناقه وعناق رأسه الدافئه بذراعيه القويتين &; كدرع&;. للحماية &; يسب شقيق من يضمه بسره ويعلم بأنه غبي متسرع&; ولكن لا يتوجب عليه قول ذلك ..بل صمت
صمت بعجز&; &;. وهو الذي ليس بارعا&; فشئ سوى بالحديث والكلمات !!
ظلمته &;&; للمره التي لاتعرف عددها &;&; وصوت قلبها كان الصواب&;&; &; تشمئز من نفسها &; تود الركض بكل سرعة كي تدفع "شادي" عنه وتحتضنه هي &; هو لها وحدها &; لها وحدها بأوجاعه وألمه &; وحتي دموعه التي تأبى أن تهبط أمام الجميع عداها هي!! &; وضعت يديها تكمم فمها كي لا تخرج شهقتها &; ثم رجعت إلى الخلف لتأخذ أنفاسها بصوت&; تحث نفسها علي الصمود إلى حين الصعود !!&; توقفت تنظر من خلف الستار وكأنها سارقه &; ولكن سارقه تود سرقته الٱن وأخذه من بين ذراعي صديقه &; صديقه الذي يدين له "غسان" بالكثير !! &; والذي انهزم وهو يعتدل ينظر ناحية عينيه المتوجهه نحوه بأهتمام&; &; ينصت له &; عندما هتف "غسان" بيأس&; وندم ليس له به يد &; هتف بجملة&; تهشم من قلبه وعلى الرغم من شموخه الزائف أردفها :
_"الموضوع صعب لما تقعد كل شويه تسأل نفسك وأنا كان المفروض اعمل ايه ومعملتهوش!!!!"
وعاد يكمل بعدما زفر وٱخرج أنفاسه بصوت&; متحسسا&; جيب بنطاله ليخرج الهاتف تزامنا&; مع قوله الهازئ بعقله :
_"حاسس اني مبقتش فاهم حاجة يا شادي &; شكل كده عقلي بقا على قدي ومبقتش افهم الصح من المتعب واللي مش متعب !!"
نفى "شادي" برأسه وهو يبتسم بوجع&; مخفي لما يشعره &; سبق وشعر بجفاء الإخوه من قبله ووجده بجانبه كمثل الٱن يسنده &; هو تاره وهو الٱخر تاره, آبتلع ريقه ببطئ&; وهو يرد بتفسير&; يصارحه :
_"بالعكس انت فاهم وفاهم أوي يا غسان ..و الفهمان تعبان والدنيا دي للعبيط جنة !!"..
إلى هنا وكفى ستخرج &; ستخرج مندفعة من الداخل كي لا يطيل أكثر بهذه الكلمات المتوجعه &; التي توجعها قبل أن توجعه &; تنحنحت وهي تزفر بصوت&; حتى ازاحت الستار ومن ثم ظهرت لهما&; رفع "غسان" عينيه عليها&; ونظر"شادي" لها حتى تعمد وهو يقول بسخرية:
_'' دا انا قولت الشاي ده عجوز اوي !!
ضحك غسان" على سخريته من بطئها ورمشت هي بملل&; تلقائي عفوي خرج منها كما خرج من حديثها وهي تقدم الكوب لـ "غسان" :
_" انت مطلبتش شاي أصلا&; !!
_" ال&;&; هتذليني من الشاي فبيت أبويا &; اومال لو طلعتلكم فوق هتعملي ايه&;!"
_" بيت أخوك ياض."
وأكمل "غسان" بنفس النبره الضاحكة يدافع عنها :
_". بس هي متقصدش !!"
ابتسم له مشيرا&; بتفهم&; ثم أخذ منها الك&;وب &; شعرت بالحرج من نظرات "غسان " الثاقبه المترصده. نحوها بشدة&; وكأنه لا يسمع حديث من بجانبه وكأنها وحدها معه في المكان &; ترجمت نظراته باللوم &; ترجمتها بالطلب عندما خانته كرامته بنظرة عينيه شديدة اللين لها ..&; تنحنحت بحرج&; وهي تضع الصينيه أمامهم &; ومن ثم إنسحبت تشير له بأنها ستصعد &; حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها ..
_"انتوا متخانقين ولا ايه&;!"
سأله عندما لاحظ سكونه معها &; بالطبع لم يقص جزءها &; عندما رأت بطاقة الطبيب &; بل والذي تعمد فعله هو أنه لم يجازف بها وبشكلها عندما يعلم أحدهم بأنها تذهب لطبيبا&; نفسيا&; حتى ولو كان الٱخر يفهم ان هذا ليس جرما&; وحتى شقيقه كان لم يجازف به رغم ق&;رب "شادي" وما جعله يسرد عليه أن الٱخر كان يعلم بأنه يذهب لطبييبا&; نفسيا&; قبل ذلك ! &; وضع الكوب على الصينيه مع وضع كوب "غسان" &; حتى حمل الصينيه بخفة&; ثم قال له بتفهم&; :
_" طب م&;د اطلع انت بقا &; وأنا هغسل دول أنا وهمشي !!"
تركه يذهب إليها &; يعلم بأن في حضرتها معه يذهب الوجع لطالما هو الح&;ب !!&; نهض وهو يومأ له معدلا&; من هيأته &; حتى توجه ناحية الباب وهو يسمعه يكمل من المطبخ:
_" ولما كلمك رد &;عشان ابقي اطمن عليك علي ما اجي بعد بكره !!"
همهم "غسان" ومن ثم أغلق الباب خلفه &; وهو يقف منتظرا&; المصعد بصبر&; &; توقف وف&;تح له حينها دخل وصعد إلى الطابق السابع &; وبعد لحظات&; وقف أمام باب الشقة يفتحه حتى دخل وأغلقه خلفه بساقه بإنهاك&; بعدما خلع نعليه &; خلع سترته قبل حتى الدخول إلى الغرفه &; وجدها فالمرحاض ٱثر الصوت بالمياه الذي يسمعها &; خلع ملابسه بغير اكتراث مبدلها لٱخرى مريحة تاركا&; الجزء العلوي مكشوف&; بحرارة &; يعلم بأنها حرارة الوجع وليس الجو !! &; وما سمعه كان صحيح وجعل حواسه تترقب &;صوت شهقاتها&;
هذه التي تعشق البكاء &; ام ان ما ذهبت اليه اليوم يجعلها تبكي&;. ام انها نادمه &; عند هذه الكلمة ابتسم بسخرية &; ثم توجه يقف رافعا&; يديه يدق بها على الباب وهو ينبس بقلق لم تسمعه هي :
_" نيروز &;&; إنت&; جوه &; إنت&; كويسه &;"
سؤالان غير بعضهما من اهتزازه بصوت شهقاتها &; التي لم تسمع هي منها قوله ولهفته &; دق مره اخرى بهدوء&; &; وعندما لم يتحمل الانتظار فتحه بإندفاع مره واحده غير مباليا&; بكيف سيكون الوضع !! أهذه جرأه &; سألت نفسها بهذا وهي تلتفت تنظر له بإندفاع بأعين باكية وملامح مدهوشة &; ولم تشعر بنفسها الا وهي تردد بعدما التفتت حينما كانت تنظر لصورتها بالمرٱه وهي واقفه :
_"مبتعرقش تخبط &;&; ولا قلة الادب اسلوب حياه عندك !!"
توقفت لبرهه تعود سريعا&; من غيظها تنظر له &; عندما دخل ينظر بملامح وجه خاليه من التعابير وظهرت التعابير في نبرته وهو يسألها بجدية&; وكأنها لا تسمع بالفعل&;! :
_"إنتي مبتسمعيش&;!"
رفعت عينيها تنظر نحوه مدققه النظر به كي تجيب &; وهكذا وجدت من ذلك الوقح &; عندما دخل دون إستئذان أو هكذا تعتقد &; وعندما وجدت عينيه ت&;مر على جسدها من أعلاها لأسفلها بنظرة صامته عجزت عن فهمها &; نظر "غسان" إليها وهو يمرر النظر على قميصها القصير والتي تنحنحت هي بصوت&; تجيبه بتوضيح&; :
_" أنا مسمعتش لو كنت خبطت &; ودا ميدكش الحق تفتح الباب بالهمجيه دي!!"
وقف معتدلا&; يستند بكتفيه على الحائط ينصت لها بإنتظار وما أن إنتهت حرك رأسه ومط شفتيه يسألها بإهتمام&; وكأن الحوار حوار هام :
_" والله أومال تدي الحق لمين بقا &;!"
إعتدلت بتوتر&; تحاول محوه وهي تمسح وجهها بيديها &; حتى بدأت لستعد بالسير خطوه واحده لتتخطاه &; أمسك يديها قبل أن تسير ثم وبخها بجمود&;:
_" هو في حد عاقل بيعيط فالحمام !!"
نفضت يديه بطريقة ملحوظه فـ إلى الان لن تتهاون بضغطه عليها وحتي كلماته وافعاله وقربه حتى ولو كانت هي المخطئه &; تركته وخرجت دون ٱن ترد داخل المرحاض وخرج هو بعدها بهدوء&; يقف وهي توليه ظهرها ترد:
_" أنا "
وبخفة&; وجدته يقف أمامها منتظرا&; حديثها &; فشاحت بوجهها بعيدا&; عنه كي لا تتقابل عينيها مع عينيه. &; فعاد يسألها بتوبيخ&; ٱخر :
_"لا مش إنتي &; عشان آنتي مش عاقله&; وبعدين بتعيطي على ايه &;&; يكون علشان مثلا&; خرجتي من غير اذني وأنا فضلت أدور عليكي زي المجنون&;&; ولا يكون عشان قرطستيني وانتي ماشيه كده بدماغك !!"
إبتلعت ريقها بوهن ثم تعلقت عينيها بعينيه الداكنه بلونها &; وردت هي هذه المرة بإعتراف هادئ صادق متحشرج :
_" علشان ظلمتك !"
_''عادتك ولا هتشتريها !"
أشار ملوحا&; بيديه بغير إكتراث زائف يهرب من هذه النظرة الذي علم بأنه ان انتظر سيهزم &; لذا حاول السير من جانبها &; فوقفت سريعا&; تنظر له بوجع&; ممسكة بذراعه الصلب:
_"ليه مقولتليش &;&; ليه مبررتش وليه مجتش تترمي فحضني حتى ولو كان بينا خناق زي ما عملت انت&; &; ليه لما كان ممكن الشد اللي كان بينا كان يبقي عتاب مش خوف وكلام محدش عمل ليه حساب هو خارج ازاي وأمته ولمين وليه !!"
ماهذه السخرية&;&; أهي من تردف هذه الكلمات &;&; تنفس بصوت&; مسموع وهو ينظر لها بقوة مرددا&; بنبرة ساخره متوجعه :
_"مبررتش عشان إنتي إتهمتيني حتى من غير ما تدي فرصه مع اني قادر أخرسك وقولتهالك , ومترمتش فحضنك عشان لما جيت لقيتك مش جاهزه تاخديني فيه وكأنك بتدوري علي ٱكتر وقت موجوع فيه وتزيدي عليا &; كل مره ببقى محتاجلك تمشي انتي فيها &; تمشي فٱكتر وقت صعب بيمر عليا!!"
صمت يلومها وكانت تكتم هي الدموع بعينيها&; وسمعته يكمل على بقية حديثها بسخرية تؤلمها :
_"وبعدين مين اللي معملش حساب للكلام&;&; أنا الأول ولا إنتي&;&;&; وكان فين العتاب اللي بتقوليه ده لما كنتي إنتي واققه ترمي عليا ت&;هم وكأني قاتلك قتيل &; رغم ان القتيل مكنش يخصك انتي أصلا&; !!"
هبطتت دموعها من كلماته التي كانت جامدة علي قلبها &; ولم ترد سوى بتحشرج عندما قالت وهي تنظر نحو معصمها الملفوف :
_" إنت وجعنتني !!"
_"وانتي كل مره بتوجعيني حتي في الايام اللي فاتت واللي متكلمناش فيها &; نظرة عينك وترددك بردو بيوجعني وإنتي واقفه عايزه تعملي الصح واللي حاسه بيه بس مش قادره &; كرامتك منعتك مع انك هادرة كرامتي معاكي أوي وانتي متعرفيش ده !!"
أيدخر لها الكثير&;&;&; ابتسم بصوت&; وهو يعتدل ناظر&;ا. لها بإعجاب&; عجز عن إخفاءه مفسرا&; لها :
_"حلو ان الست تبقي كرامتها فوق أي حاجة &; بس مش للدرجة دي!!"
وأضاف سريعا&; واضعا&; يديه على شفتيها يقطع ما كانت ستتحدث به وأكمل بقية حديثه :
_" مش لدرجة ان لما جوزها يكون محتاجها ومحتاج حضنها بس وهي عارفه وشايفه انه تعبان بس كابرت ..رفضت !"
أهبط"غسان" كفه ومازال يبتسم بنفس الألم حتى واصل يكمل بما يراه :
_" دا لو جوزها بس يا نيروز &; عشان اللي بينا أكتر بكتير من الكلمة دي !!"
حركت رأسها نفيا&; &; وبارع هو أليس كذلك&; لامها ولم يفوت أي تفصيلة وستفعل هي مثله عندما ردت عليه بنفس اللوم ولكن الباكي منها :
_" إنت بتلومني على كل حاجة من غير ما تشوف إنت عملت ايه وقولتلي ايه&; بتعرف تقلب الترابيزه اوي يا بن البدري !!"
قالتها ببكاء&; ممزوج بالسخرية الطفيفه&; حتى بما لقبته به والوضع مختلف &; ضحك بإستهزاء&; ثم قال ببراعة&; في الرد عليها :
_"بنتعلم منك !"
نظر لها عقب قوله فوجدها تمسح وجهها وهي تقف أمامه فواصل يكمل بسخرية&; لاذعه يوضح ٱكثر :
_"مع اني رفضت أتعلم منك اي حاجة شديدة ..ولما خدتي مني إنتي بردو معرفتيش تاخدي اللي كنت عايزه انا منك !"
وماذا بعد كل هذا اللوم ايها الأحمق. ايتها الحمقاء &;&; &; سؤال ملح يسأله قلب كل منهما &; والكبرياء سيدهم الٱن &; او لربما أحدهم &;&;&; تنفست بصوت حتى خرجت شهقتها بانهزام&; وهي ترد بإصرار:
_" مخدتش منك كلام بيجرح فالتاني &; زي بالظبط الكلام اللي قولتهولي &; وكانك بتهددني وبتخليني أخاف منك &; مع ان عمري ما خوفت منك&; لما عرفت انك ممكن تعمل أكتر من ضغطك علي ايدي وتجرحني&; ولما عرفت إنك كنت مقرب عشان تـ .."
بتر حديثها عندما علم بماذا ستكمل &; أمسك يديها بقوة&; ثم قال بتحذير&; غير غافلا&; عن إتهامها مره ٱخرى :
_"إياكي تنطقيهاا..ولا كلمة زيادة سامعة&;&;&;!!"
لم يكن قاصدا&; القرب حينها لما فهمته &; أهكذا صحح عقلها لها بالخطأ&;&; &; وأكمل بنفس الحزم مفسرا&; بإنفعال&; في كلماته :
_" كان نفسي اقولك عمري ما مديت ايدي على واحدة ست &;انا مديت ايدي علي واحدة ست من قبلك وضربتها بالقلم &; واحدة ست قادرة وجابت قلب واحد قريب مني الأرض يعني بردو مش أنا &; ضربتها وهي كانت بتتفرعن وشايفه اني مش ممكن اعمل حاجة زي دي&; لكن انتي عملتي قد ما عملتي معايا أنا لكن عمري ما كنت همد ايدي عليكي مع اني قادر اعملها &; ولا حتي كنت هقرب منك واخدك غصب &; مش أنا اللي اعمل القرف اللي دماغك الخايبه دي بترجمه!!"
نفض يديها بقسوة&; ثم احتدت عينيه ن اتهامها الموجع لرجل مثله &;حتى واصل يكمل بسخرية&; يشهدها :
_"عشان لم ابقى اقولك إعرفي انتي بتخرج&;ي ايه قبل ما يطلع منك &;تبقي تفهمي انك غبيه ومتسرعة!!'
تعمد عدم الضغط علي معصمها وعندما تذكر "تاج" بحديثه إنفعل ولا يعلم لما &; أوجد بها نفس الجبروت الذي يظهر للٱخر بأنها تصر على الخطأ رغم معرفة انه خطأ&;&; تركته يكمل ويمسك يديها وتعلم بأنها كان يتوجب عليها عدم قول ذلك &; ولكن هبطتت دموعها وهي تراه ينظر لها بصمت&; و بإنتظار قاس&; منها ومنه &; طالعها بمشاعر عديدة مختلطة &; يشتاق ولا يشتاق &; يريد أحضانها ولا يرد بنفس ذات الوقت وهي &;&; هي ماذا فعلت&;&; &; رفعت يديها بضعف&; من بكاءها مره ثانية وهي تتمسك بكتفيه المكشوفين&; ثم ضمت نفسها داخل أحضانه بمفردها دون أن يفتح هو ذراعيه لها &; استشعر خصلاتها على ج&;ل&;د&;ه وأنفاسها الساخنه التي تلفح جسده &; إبتلع ريقه بصعوبة&; وهو يندفع اللى الخلف ما أن دفعت نفسها بهذه الطريقه &; تعلمه بأن يأتي إلي أحضانها وهي من دخلت بنفسها &; تعلم أنها اذا فتحت ذراعها تطلب منه المجئ سيرفض بمثل هذا الشكل &; شهقت وتردد هو بأن يرفع ذراعيه يضمها بل تركهما م&;هبطين وهي التي حاوطت خصره تشبك يديها ببعضها من الخلف&; سمعها تردد ببكاء&; تفسر له بلهفة وصدق :
_" والله العظيم ما خوفتش منك تعمل كده. &; أنا ..أنا عارفه إنك مستحيل تعمل كده ..أنا ٱسفه ..بس انت وجعتني ٱوي !!"
رأى تعلثم كلماتها وحديثها ونبرتها الباكية &; سقط قلبها صريع بألم&; عنيف في كرامتها وكبرياءها الذي تعمد تقليله&;&; &; شعرت بذلك عندما وجد يديه كما هما ر&;فضها &; رفض أحضانها وقربها &;&; &; ألهذا الحد أهلكت قلبه &; أم ان قلبه متهالك بما فيه الكفاية &;
يتأثر بشدة من قربها هذا لذا لم يستطع رفع يديه كي لا يضعف بل ظل كما هو صامتا&; إلى أن تهدأ روعتها ومن حالها هذا المنهار بنسبة&; ما , كمن لدغتها حيه عندما وجدته فاتر لم يؤثر به شئ &; لذا ابتعدت سريعا&; وكأنها إنتفضت بفعل شئ على فجأه &; لا تعلم بأنه يتأثر بشدة من أقل تفصيله بها &; راقب ب&;عدها بهذا الاندفاع وهذه السرعة !!
تعلثمت في خطواتها وهي تشيح بوجهها بعيدا&; ومن ثم جسدها بالكامل عندما خرجت من الغرفه بعيدا&; عن مرمى أنظاره .. وقف صامتا&; ومنعته كرامته عن الحركه خلفها &; الشئ الذي تحرك له هي الشرفه عندما جذب علبة سجائره من جيب بنطاله الخاص بالخروج غير الرياضي الذي يرتديه الٱن &; أغلق الشرفه خلفه بصوت&; عال&; ثم وقف يرفع الستار المحكمه بشدة عن غيرها وأشعل قداحته لهذه اللفافه الذي امسكها بين اصبعيه بغير إكتراث &; دخنها بشراهة&; وكأنه يخرج ما بداخله&; النار للنار&;!&; بداخله نيران لا يعلم كيف ستخمد &; وبما تندلع هي من أسباب&; من بعدها&; أم فتوره إلى الٱن وجفاءه ذلك &;&; ..
منذ متى وهو يرفض من ٱتي إليه &; منذ متى يتعمد القسوة وهو ليس من أنصار ذلك &; منذ متى وهو يحذرها بحديث فهمته خطأ &; منذ متى يقصد ذلك &; منذ متي وهو يجرح غيره &; وغيره كانت هى&; ! أنثي&;! أنثي وهو الذي يتعامل معهن طوال حياته بطرق خاصه حانية بالود والهدوء وحسن الحديث اللطيف الذي يجعل شباكه واسعه كبيره ليقع بها الكثير &; بارع في الحديث وفهمهن &; وجاء عندها هي ووجدها مختلفه كل الاختلاف عنهن &; أهذا الإختلاف هو الح&;ب&;!.. أم الح&;ب هو الاختلاف &;! ..
و بعد وقت قليل نهض زافر&;ا أنفاسه بصوت&; مسموع يفتح باب الشرفه من الداخل كي يخرج وهو يغلقها خلفه &; خرج منتشلا&; تيشرت بسيط كي يرتديه ليتوضأ كي يؤدي فرضه الذي تأخر هو عنه &; خرج من الغرفه بأكملها متوجها&; نحو المرحاض الٱخر !!
لم يتفاجأ من عدم وجودها بالصالة وغرفة النوم الخاصه بهما &; بل منذ ما حدث قبل أيام وهي تنام في غرفة الٱطفال بعيدا&; عنه &; كان يسخر من والده بشدة عندما تبيت والداته خارج المنزل لدي شقيقها الذي لم يكن موجود كل الوقت بسبب سفره كان يسخر من قوله عندما ردد بأنه لا ينعم براحة&; في نومه لطالما هي ليست بجانبه &; شعر بالمثل تماما&; &; عندما افتقد قربها وأحضانها الدافئة !! &; وقف بعد دقائق في صالة المنزل يؤدي فرضه متنفسا&; بعمق&; تحت تأثير الصلاة &; وبعد دقائق انتهي ونهض يطوي السجادة يضعها على المقعد &; ثم وبخفة خلع التيشيرت مره ٱخرى بضيق&; يم قذقه بإهمال على الأريكة !!
وقبل أن يدخل غرفته توجه يسترق السمع من خلف الباب الخاص بغرفة الأطفال او ربما سيلين&;! يسمع حركة ولكن ما يود سماعه هو أتبكي وتشهق أم لا.&; لم يستطع السمع وعلى فجأه وجدها تفتح الباب لتخرج فإصطدمت بصدره بقوة&; حتى تأوت وهي تمسك وجهها بألم&; مردده بنبرة متحشرجة تسأل محاوله الابتعاد :
_" انت بتعمل ايه هنـ .."
ب&;ترت جملتها عندما وجدته مصمما&; على عدم الابتعاد عنها وعنه &; وقفت ترفع عينيها ناحيته فوجدت نظرة عينيه دافئة بشدة&; تعهدها &; أعقله قد لان &; ام أنها مجرد لحظة تٱثر&;&; &; ابتلعت ريقها بصعوبة&; عندما وجدت نفسها م&;حاصره بظهرها من ذراعه الذي رفعه تلقائيا&; يحاوطه بها ما إن اصطدمت به&; ومهلا&; قربها منه &;&; وهو يهمس بتحشرج&; يحاول إخفاءه نبرته المهزوزه :
_"بشوفك لتعيطي ولا لأ ..!!"
وكأنه يجاوب ويسأل بنفس ذات الوقت وعندما وجدته لا يفصل عنها شئ ارتبكت خاصة&; أن وجهه الٱن أمام وجهها ولا يفصله عنها سوى إنش واحد فقط &; حينها تأثرت بالمثل وهي تنظر لعينيه اللينة وملامح وجهه التي تراخت من بين نظرته لها وحينها كان على حافة تقبيلها بعمق&; والصادم بالنسبه للإثنان معا&; أنها دارت وجهها سريعا&; وهي تنفي بإندفاع&; :
_" لا !!"
وكأنها تجيب علي سؤاله وتعلمه بنفس الوقت أنه لا وألف لا..عندما شعرت بجرح أنوثتها لسببين ..الأول أنها ر&;فضت منه قبل نصف ساعه بالضبط والثاني بأنها تشعر ان قربه هذا مجرد تأثر رغما&; عنه بقربها &; ولا لن تقبل بهذه الطريقة !!!
ص&;دم من ردها واندفاعها وكأنه الحية التي لدغتها او ان هذا القرب أصبح يثير الاشمئزاز &; &; هكذا ترى هذه التي لا تكف عن الوجع &; وهو الذي كان قاصدا&; فعلها عندما شعر بلين قلبه تجاهها ككل مره &; وخاصة ان هذه المره بعد صلاته !! &; ماذا تفعل &;&; وماذا فعل هو&;&;..
ضغط على فكة بضغط&; من هذا الرفض كما أخفى صدمته واندهاشه ووجعه الفطرى عندما شعر وسمع رفضه وهذا يعد مؤلما&; لأي رجل &; تنهد وهو يعتدل كي يسير بعيدا&; عنها بعد ان قال بنبره شديدة الهدوء مخفيا&; مرارة كلمتها عليه:
_"براحتك يا" نيروز "!!"
لم تجده بعدها &; دخل الغرفه الٱخرى غالقا&; الباب خلفه بصوت&; هادئ جدا&; كصوت كسر قلبه ببطئ شديد &; واما هي فبكت مره ٱخرى وذلك الشعور الذي يتوغل داخلها يعذبها !!, يعذبها شعورها بالذنب وتري بأنها لم تقترف شئ له &; له هو &; هو الذي ما أن دخل الغرفه أغلق الإضاءة ثم أسند رأسه على الوسادة بثقل&; غير واعيا&; بأنه ر&;فض! &; وعندما سبح عقله لكثير&; شعر بدماءة الساخنه أعلى فمه كالعادة وأسفل أنفه &; ابتسم ساخرا&; وهو يتحسس بأصابعه وجهه&; حتى مد يديه أسفل الوسادة ليٱتي بالمناشف الوقيه الذي قصد وضعها بهذا المكان لتكرار هذه الحاله على مر الأيام التي مرت والتي تمر !! &; مسح أنفه &; والدماء تنزف ٱثر الضغط &; وكل الامور عاجز هو عن حلها الٱن بهذه اللحظة &; أك&;ل هذا الحب منه لها ومنها له هو الٱخر ولا يستطيعان التأقلم &; والتكيف&;&;
حينها تيقن بتأكيد&; ساخر أن :"الح&;ب وحده لا يكفي" !!"
رواية عودة الوصال الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سارة ناصر
علم أن اليوم وما بعده مر بسبب وجوده معهم في المنزل. يذهب إلى عمله أمس وعاد ليلاً. يقيم معه بغرفته. واليوم سيقيم في المستشفى حتى الصباح. لم يتحدثا معاً كثيراً. ولا ينكر أنه في اليوم الذي مضى شعر بأجواء العائلة الذي حُرم منها لفترة كبيرة بالنسبة له وحتى بالنسبة لآدم. هو الآخر عندما وفى بدر بوعده وجاء ليبيت معهم في المنزل من الأسفل هو ووردة ويامن. واجتمعت عائلتهم الصغيرة باجتماع آدم وفاطمة وأولادها. ومعهم كان بسام الذي زال حرجه بسبب قرب بدر منه ومساندته له بالحديث والكلمات مع آدم حتى ولو بقليل.
فقط منذ الأحداث الكثيرة على الكل بآخر مرة. مر يوم واحد فقط عليهم. لذا من المفترض بأن اليوم هو يوم حنة العروسين والعريسان معاً. وبهذا الصباح استند بسام على الفراش بإجهاد من أرقه النفسي ليس إلا. مشاعر مختلطة تداهمه وأهمها الندم. والاشتياق والشرود لها وبها. لا فائدة إذن منه. تذكر قدوم غسان في الأمس ليقضي معهم اليوم. كم كان الوقت لطيف وكان سيكون ألطف عندما يكونا هما معاً كمن قبل. أصوات الأطفال ولعبهم وحتى اندماج يامن معهم. وحديث فاطمة ووردة معاً بركن غير الركن الذي كان يجلس به بسام وغسان وبدر وآدم. كل هذه أحداث حدثت.
أما الآن فهو يجلس حزيناً شارداً الذهن. لا يعلم هو إلى الآن بأن والده مر بأزمة. لم يتعمد بدر القول كي لا يربكه. وبالآخر غسان الذي تردد وحسم أمره عندما قرر عدم قوله كي يعود شقيقه من تلقاء نفسه بكل ثقة ويقين. إلى الآن يغلق هاتفه. وإلى الآن لم يكن لديه أي شغف تجاه أي شيء. إلى الآن يتذكر كسرته بالرفض. يشعر بأنه لا يستحق إلا الرفض من الجميع. ولكن يسأل نفسه لماذا. يشعر بأنه رجل يُرفض وفقط. ألا يحق لقلبي المسكين الحب. ألا يحق أن ينعم بالراحة وأمان الحب. أبله لو يعلم ما يمر شقيقه به بسبب الحب لفر هارباً من الشعور هذا. كم حاول عدم التفكير بها. والي الآن مازالت عالقة بذهنه بملامحها البسيطة وخصلات شعرها السوداء الذي انتبه هو لخروجها من الحجاب بغير اهتمام. رغم غض بصره ولكن نظرات الحب والشوق تهزمه. ليس سبباً أيها الأبله لقد كنت مستقيماً. تعلم ما يحل لك وما يُحرم. ماذا حدث لعقلك المراهق كي يتذكرها بكل تفاصيلها. ألهذا الحب دون مسمى حرام. حرك رأسه للأصوات التي بداخله. وعندما شعر بأنه قليل جداً. وقل هو من شأنه أمام حديث عز له بمنتهى البساطة. ماذا تريد الحياة منه.
"بقولك يا بسام.. فاطمة بتحضر الفطـ.."
وجد الجملة من آدم الذي دخل غرفته. فرآه جالساً مستيقظاً بالفعل وشارد الذهن ومهلاً عينيه لامعة. دخل آدم إلى الداخل يقف أمامه وهو يلوح بيده أمام وجه الآخر مردداً كي يلفت انتباهه.
"انت سامعني؟"
خرج بسام من شروده سريعاً. ثم تنفس بصوت مسموع بثقل وهو يومأ له بابتسامة باهته. وقبل أن يجيب بنعم. سأله آدم بغرابة وهو يطالع وجهه.
"هو انت عندك حساسية في عينك.. مدمعة؟"
عقله لم يستوعب بأنه من الممكن أن يبكي في هذا الوقت. لذا سأله بتلقائية وهو يجلس بجانبه. فحرك بسام رأسه نفياً وهو يمسح عينيه. ثم قال ببساطة هادئة.
"لا متخدش في بالك!"
"وان خدت بالي. على قد ما انت هادي ودي طبيعتك قدام الناس بس بردو متغير وشكلك مش عاجبني. يمكن مش قريبين من بعض كفاية تحكيلي بس أنا سامعك يعني لو عايز تتكلم في حاجة."
قال آدم بهدوء وهو يربت على ساقه. فابتسم بسام له بإمتنان ولم يرد. ورغم طبيعته غير المثرثرة بالحديث مع من لا يربطه بهم علاقة قوية، لكنه تنفس بعمق وهو ينظر له متسائلاً بسخرية:
"ومين حاله عاجبه يا آدم في الدنيا دي أصلًا؟"
أراح آدم ظهره على الفراش بأريحية وهو يرد عليه بنبرة بطيئة أثر مط جسده:
"ده إنت شكلك معبي وشايل بقى!"
"كلنا شايلين ومعبيين، ما الدنيا مش سهلة يعني ولا أيامها بتعدي كده!"
اردفها بسام بعمق. فابتسم آدم برضا ثم رد عليه وهو يدير وجهه ينظر له:
"مش سهلة ولا بتدي فعلًا اللي إحنا عايزينه ونفسنا فيه، يمكن فاهمك في دي أنا مجرب. مجربتش أتعب، بس عارف.. حتى ممكن ميجيلكش اللي أنت عايزه، بس هيجيلك اللي أنت تستحقه. مبناخدش دايما اللي بنتمناه يا بسام، بس بناخد اللي محتاجينه حتى ولو مش هو. بص بنظرة تانية حلوة!"
أُعجب بحديثه حتى ظهر ذلك في نظرته له. طالعه الآخر بصمت. فرد بسام وهو يزفر أنفاسه الحارة:
"ولا حتى اللي محتاجينه يا آدم. أنا تقريبًا فوقت كل حاجة ضايعة مني فيه. حاسس إني مليش لازمة ولا عملت لحد دلوقتي حاجة مفيدة تنفعني في حياتي، حاسس كده إن كل حاجة في الدنيا دي رافضاني وكأني منبوذ من كل حاجة!"
وأكمل بتعب عندما وجد نفسه اندمج في ذلك الحوار المتعب:
"عارف لما تبقى حاسس إنك مالكش مكان وسط أي حد وفأي حاجة أساسًا؟"
هذه الجملة خرجت منه بتعلثم مما ضاق به صدره. ولأن من أمامه به أمل جديد قد خُلق به وعاش تجربة قاسية، تفهم حديثه الموجع وهو يرمقه بفهم. حتى خرجت منه نبرته المتعقلة كمثل تفكيره الذي أصبح كذلك، غير طباعه التي لم تتغير كليًا:
"عارف وحاسس. مكنش ليا مكان يا بسام وسط اللي كنت في وسطهم. كنت متأكد مليون في المية إني مش شبههم، بس بقيت سهل أتأقلم. المدهش في الحوار إن الواحد سهل أوي يدمج نفسه مع وضع وحش حتى لو مش شبهه، وكأن النفس وحشة أوي ومستنية هلاكها بإيدها. اتكيفت بسرعة معاهم حتى وأنا مش واعي، فضلت حاسس إني مش في مكاني بردو، وكأن دي الحاجة الوحيدة اللي الواحد بيحسها أوي حتى ولو في أسوأ أوقاته!"
تركه بسام يتحدث بأريحية لطالما أخذ راحته كذلك. ووجده يواصل بقية حديثه بابتسامة أخرى وهو يقول بتنهيدة متعبة مما يبدو أن الاثنين فتحا لبعضهما أبواب الوجع بهذه اللحظة رغم عدم حديثهما بوقتهم الذي مضى:
"بعد كده عرفت إن النفس أمارة وميالة لكل حاجة وحشة، وكأنك في امتحان والشاطر بقى اللي يمنع نفسه وينجدها من كل ده. وعرفت بردو إن مهما كان المكان والأشخاص مش ليك ومش شبهك، مسيرك هتطلع من بينهم أو ربنا هيبعدهم عنك بأي شكل. المهم إن كل حاجة بتحصلنا بيبقى فيها عبرة وحكمة، مفيش حاجة أبدًا بتمشي كده بالحب. يعني كل المسألة مكتوبة ومحكومة بأدق التفاصيل. كله مقدر ومكتوب!"
أُعجب بحديثه بشدة، وكأنه يشرح نصف وضعه. ولم يتوقف آدم إلى ذلك بل أكمل بتفاصيل أكثر يعلن له ما يعجز كل شخص عن تفسيره:
"بس ساعات كده الواحد بيقف عند حاجات معينة وكأن دماغه بتتربس وتتقفل، والوقت بيقف عنده وهو واقف يستوعب أنا كنت إزاي كده وكنت إزاي بحب دول وأقعد مع دول.. كنت إزاي عاطي الأمان لـ دول. وبردو بتقف بيك اللحظة التانية وأنت واقف عند الحاجة اللي كنت بتتمناها وغيرك شايف إنها عادي، غيرك رافضها ودماغك تقعد تودي وتجيب هو هما اللي صح ولا أنا اللي غلط. وتعيش في دوامة مع إن الحكاية مش مستاهلة، بس إحنا بنحب نصعبها أوي على نفسنا. أنا كنت واحد ميت ميت بمعنى الكلمة، بس صحيت تاني بأعجوبة، وما بين الأحلام اللي ماتت معايا ومصحيتش، صحي منها أحلام أقل بس شغف ضايع وتفكير مستسلم إن خلاص معتش له قيمة. مفيش فايدة، اللي راح واللي بيرجع تاني. جربت إنت تمنع نفسك عن حاجة كنت بتفكر فيها وعاوزها؟ حاسس باللي بقوله لما أكون سايب أحلام وعارف إنها مش ليا ومش أنا اللي أحلم بكده بس اتمسكت وبردو مكنش تمسك يليق براجل. يمكن مكنش عندي الإصرار لأني كنت رامي توبتي، بس لما الواحد يرجع للحياة تاني وحاسس إن الأمل ماليه من تاني عقله بيسوحه أوي ما بين حاجات كان نفسك تعملها بس الوقت بيعدي من غير ما تحس والعمر السن بيفوت كده عن حاجات كنت المفروض تعملها فيه بس محصلش!"
حديث تلقائي نصفه يشرح وضعه بشدة لذا تترقب ملامحه بقوة. والآخر الذي عاش معاناة سرية وجهرية بنفس الوقت يسرد تارة بأمل وتارة أخرى بوجع! نظر له بسام بملامح هادئة ارتسمت على وجهه وهو يرد على سؤاله من بين الحديث:
"بس أنا جربت أمنع نفسي عن حاجة نفسي فيها وعايزها بس معرفتش. مقدرتش أمنع نفسي ولما خدت خطوة عشان أنهي دماغي والهيصة اللي بتعملهالي خدت خطوة بس اترفضت. دي المرة التانية. المرة الأولى جربت بردو أمنع نفسي بس العكس في دي. شيلت من دماغي الأفكار دي وكملت وفالآخر بردو اترفضت بطريقة مش مباشرة لما فجأة لقيت نفسي لوحدي وأنا مش فاهم اتسابت ليه؟ طب أنا عملت إيه؟ طب واللي بينا؟ كان قليل أوي عشان دماغي تقعد تودي وتجيب إن أنا كان فيا إيه وحش عشان يبعدوا عني؟ كان ولسه فيا إيه وحش عشان أفضل مرفوض كده!"
تذكر كل شيء حدث له. هكذا كان شعوره والآخر يتابعه باهتمام موجع يشعر ببعض من وجعه هذا الذي ظهر في نبرته حتى وهو يحاول التماسك عندما أكمل بقوله الهادئ:
"بس برضو عرفت أتخطى حاجات كتير بس لسه مش عارف أنسى وفي فرق كبير أوي بين إن الواحد ينسى وإن الواحد يتخطى. كل حاجة مرت عليا ووجعتني لسه فاكرها. وحتى وأنا بقعد مع نفسي كل مرة، وزي ما أنا قاعد دلوقتي بفتكر ذكريات وأيام عدت عليا وخدت مني كتير أوي. حتى طاقتي اللي صحيت في يوم متأكد إنها رجعت وأنا مش واخد بالي لما حبيت تاني!"
ترقبت ملامح آدم بإنتباه شديد وتفاجئ من سرده وقوله حتى أنه يعلم بأنه كان يحب "تاج" كثيراً، ولكن لم تظل علاقتهما وهذا أقصى ما علمه. ربما يجمع الأسباب الآن. رد بتعجب عليه يردد نفس كلماته باستنكار وفضول:
"حبيت تاني؟"
بوعيه كان هو بوعيه وهو يخرج ما بداخله. ربما وجد أحدهم غير شقيقه يتصرف بحياته وكأنه هو! هذه المرة كان مع شخص ذاق مرارة البعد والفراق والتشتت والضياع حتى وإن لم يكن نفس الوضع. ربما نفس الشعور أو جزء منه:
"آه حبيت تاني. بس أنا كنت فاكر إنه مجرد إعجاب وهيروح. معرفتش بقى إنه من الأول خالص وأنا كنت لقيت نفسي معاها. واحدة بسيطة عانت بردو بحياتها زي ما كل واحد بيعاني والتاني ميعرفش عنه حاجة. من أول حتى وأنا ببصلها وحاسس إني عايز أجري عليها أقولها كل اللي حاسس بيه من وجع ومن تعب قبل ما أعرف إني بحب وقبل ما أحس إني عايز أجري بردو أعترف بده. حتى من أول ما بدأت أتوجع في كل مرة وهي بتحكي إزاي عاشت حياتها، إزاي بتعاني من حاجات معرفتش ليها أسباب لحد دلوقتي. مرة ومرة ومرة وأنا ناسي حاجة مهمة أوي، نسيت إن كل ده وأنا بقابلها في مكان أنا كمان محتاج أروح فيه زيها، عشان أطلع خالي من كل الندبات دي. ونسيت إن هي كمان عندها ندبات عايزة تتشال!"
وأكمل وواصل دون توقف بسخرية مؤلمة:
"كنت فاكر إني عايز أشيلهالها أنا وأعوضها، بس حتى مخدتش الفرصة. فرصتي ضاعت في لحظة تهور وأنا بعاند كلام غسان الأول إنه فعلاً هو صح ولازم يبقى فيه وقت وإني مشغلش بالي الوقتي، لكن معرفتش واندفعت أكتر من مرة وأنا بعاند نفسي وبعد كده بعاندهم لدرجة إني بعدت عنهم خالص أفكر هو أنا غلط ولا هما. ومع إني كنت مشتت بس عملت اللي في دماغي في لحظة تسرع ولقيت نفسي مرفوض بعد كل ده. جيت من صدمة رفضي قولت كلام وحش. صعب أوي على أي حد. مش عارف غسان استحمله إزاي. للأسف نصه صح. يمكن هو متصرف صح بس مش صح معايا أنا. مش صح على وجعي اللي محدش عمل ليه حساب. أنا تايه وضايع وعمري ما هلقي مكاني غير في وسطهم بس المرادي كبرت مني أوي وكبرت منهم ومنه هو كمان!"
استرسل في كلماته هذه بكل وجع واستطاع الآخر فهم ما يمر به. لذا رفع يديه يضعها على كتف بسام بإحتواء وهو يطمئنه وكأنهما بهذه اللحظة صديقان مرت على صداقتهما أيام عجز الكل عن عددها بسبب كثرتها:
"ده إنت جبل أوي ياض يا بسام! بس متقلقش كل ده هيعدي اسمع مني. وخد نصيحة حتى من واحد عاند عيلته وبعد وفكر إنه كده صح بس رجع فالآخر حتى لو أبويا وأمي ميتين بس حاسس الوقتي واليوم اللي فات ده إني رجعت وسط عيلتي من تاني. وعالفكرة أخوك غسان ده بيحبك أوي هو صحيح شاغل باله دايماً كده زي اللي فاضي وموراهوش حاجة بس حتى لو صعب فالنهاية قلبه طيب وطلع بيفكر في كل اللي حواليه. لدرجة إنه جابلي شغل وأنا قاعد بتعذب هناك بين أربع حيطان مش ضامن هطلع ولا لأ. آه والله.. عامل زي أبوك."
جدع أوي، مع إني الصراحة، ومن غير ما نخبي على بعض، أنا كنت بقابلك عنه كتير. أنا مكنتش بطيق سيرة أخوك ده، ودايمًا باعد عن إني أعمل مشكلة معاه، حتى لو كنت فيوم بتاع مشاكل.
هز كتفه بمواساة وإنهزام. "بسام" وهو بيضحك على حديثه المشاكس له. فعاد "آدم" يكمل بنبرة هادية جادة:
انت تركن كل ده على جنب وتفكر في إنك تصلح اللي باظ. أول حاجة فكرت أعملها إني أروح الجامع. لقيت هناك شيخ شكله كده يريح البال والعقل. مع إننا روحنا نصلي امبارح مع بعض، بس استقربنا الجامع التاني. النهارده هاخدك عند الجامع اللي روحتُه، وكان بداية لرجوع عقلي. هيدلك من غير كلام. هيرميك كلمتين حتى من غير ما يعرف الوضع. الأهم إنه بيعرف يطمن أوي. مع إن الحال مش من بعضه، وانت قريب من ربنا مش زي ما كنت أنا. بس الراحة في مكان واحد. تيجي النهارده نروح مع بعض، لما أرجع من هناك أغير لبسي عشان الحنة.
هز رأسه موافقًا بثبات. فحرك "آدم" رأسه بثقة من قراره. حتى تحدث مرة أخرى محاولًا تغيير مجرى الحديث:
وعلى كده بقا محل الورد بتاع مرات أخوك ده حلو. الصراحة هو قالي امبارح وأنا مدتش رفض ولا موافقة. بس عايز أبدأ صح. ودا اللي مخليني مستنيه يتفتح. بيقول هيفتحوه النهارده بعد شوية، فهروح بعد الفطار. بس هو مش النهارده الحنة هيفتحوه إزاي؟
ملحقتش أشوفه، بس كنت عارف إنه بيجهز ليه. وبعدين متقلقش، طالما غسان جايبلك شغلانة، يبقى عارف إنها هتناسبك. أما بقا الحنة دي، فأنا مش عارف هيفتحوه إزاي. ممكن عشان هتبقى على قدهم. فاليوم هيمشي عادي لحد المغرب.
هز رأسه موافقًا متفهمًا حديثه. فزفر "آدم" بصوت. ثم وجد "أدهم" مهرولًا ناحية الداخل بسرعة وهو يصيح عاليًا:
يلا يا خالو، الفطار جهز بتقولك "ماما"!!
اشطا يا "دوما"، يلا بينا.
أومأ له وهو يبتسم له باتساع. ثم أشار لـ "بسام" فنهض هو الآخر نحو الخارج معه وهو يغلق سحاب سترته. خرجوا من الغرفة حتى وجدوا الجالسين على مائدة الطعام من "جنة" و"يوسف". فجلس "بسام" معهم. في حين خرج "بدر" من الغرفة راكضًا خلف "يامن" الضاحك بصوت عالٍ حتى حمله متوجهًا به ليجلس بجانب "بسام". ودخل "آدم" المطبخ حتى وجد "فاطمة" تقف تساعد "وردة" وهما يحملان الأطباق معًا. تنحنح يجلي حنجرته وهو يدخل ثم قال بابتسامة واسعة:
هاتوا أساعدكم يلا أنا و"أدهم"!!
نظرت ناحيته "فاطمة" بسعادة من هذا التغير الجذري. وبدأ بالفعل هو والآخر في حمل الأشياء. تمتن لهذه اللحظات جيدًا، حتى وإن تعمد شقيقها وشقيقها الآخر عدم فتح حوارها إلى الآن. وبعد لحظات، اجتمعوا معًا فالخارج ملتفين نحو السفرة المتوسطة في الحجم. وبدأوا في تناول الإفطار تزامناً مع حديث "فاطمة" المبتسم الهادئ لهم:
بالهنا والشفا!!
نظر "بدر" ناحيتها بامتنان على الرغم من شعوره بالندم ناحيتها، ولكنه يصبر حين ينفرد ليحدثها. وإندمج الكل في تناول الطعام. فتحدث "بدر" يحثهم وهو يقول:
اعملوا حسابكم بقا بعد الفطار، كله يدخل يلبس عشان هنروح هناك العمارة كلنا نقعد معاهم. عشان الحنة بتاعت بليل دي!!
هلل الأطفال ببراءة. واللطيف أن "يامن" صفق دون فهم قوي لمعني كل الكلمات. ولكنه فعل مثل الأطفال. فضحك الكل عليه بحب وسعادة. تدوم رغم حمل ضغوط وحمول عن البعض يجهل عنها البعض الآخر. أو ربما يعلمها. للحظة سعادة دائمة ولا لحظة حزن تدوم للأبد. ثمة تغيير فطري يحدث حتى في أكثر الأوقات سعادة. وأكثر الأوقات حزنًا. نثق بأنه لم ولن يزول، وكالعادة تدخلات الخالق تبهرنا دائمًا بالتغيير إلى الأفضل.
علمت بأنه هرب منها أمس بقضاء الوقت أمس مع "بدر" و"آدم" هناك بمنزلهم. وظلت هي في مكانها تقضي اليوم مع شقيقاتها ووالدتها والتجهيز للمناسبة الخاصة باليوم، "حنة العروسين معًا". قصد عدم المكوث معها بمكان واحد. حتى هرب. وهرب وهو الذي كان غير لائق عليه الهروب. ومنذ أن عرفها بأوقات وجعه تعمد الهرب من عينيها التي تجعله يستسلم أمامها في كل مرة. وتعمد الهرب منها كونها فعلت ما فعلته معه. تتلهف لعناقه. ونهرت نفسها لأكثر من مرة. ولكن مبدأها برفضها كان ثابت قوي. حتى ألمته. بين الحين والآخر لا تجد سوى البكاء. طوال اليوم في الأمس لم يجلس في المنزل. وعندما صعدت لتنام، غفت. وأتى بعدما غفت هي. وحتى في الصباح استيقظت حتى وجدته ذهب إلى العمل قبل أن تستيقظ. الغريب أن الفتيات في الأسفل مع النساء. والتي صعدت على راحتها كانت "سمية". لم تثر غرابة "نيروز" كونها والدتها. ولكنها جلست معها بالشقة مستندة على الأريكة تساعدها في خياطة بعض الملابس وطوي التي تركتهم هي دون طوي. شردت وكل مرة تشرد وتتلهف لعودته رغم ما فعلته به.
بالأساس رغم تعب "سمية"، ولكنها صعدت لها تجلس معها في هذا الصباح ثم لتهبط. ومنذ وقت كبير تجلس تساعدها دون حديث. الحديث كان مقتضب. وقامت "نيروز" بتشغيل التلفاز لتلهي والدتها وأنظارها هذه عنها.
مش ناوية تقولي لأمك فيكي إيه؟
خرجت "نيروز" من شرودها وهي تبتسم لها بإطمئنان. فعادت "سمية" تسألها بلين وهي تربت على ساقها وهي جالسة بجانبها:
فيكي إيه يا بنتي؟ مالك؟ متقنعنيش إن دي نيروز بنتي اللي أعرفها. فيكي حاجة متغيرة. مش دي نيروز اللي أعرفها، ولا دي نيروز اللي المفروض تكون لسه عروسة ومبسوطة؟
عروس؟ الوضع ساخر إذن. هذه الأنظار وتلك الجلسة تعلمها جيدًا. لا تريد الاستسلام أمامها كي تخبرها. لا تريد ذلك. ولا تعلم لما أدمعت عينيها أمام سحرها هذا. ثم نفت وكأنها تردف بعكس ما يهبط منها من دموع:
مـ ـفيش!
تنفي مع بكائها وهبوط الدموع. تركت "سمية" ما بيديها بلهفة. ثم ضمتها سريعًا بخوف ناحية صدرها وهي تربت عليها مرددة بنبرة سريعة مندفعة:
مالك يا حبيبتي بسم الله الرحمن الرحيم!
بكت بأحضانها. وربما هذه هي اللحظة التي سترتاح بها. شهقت بصوت وهي تستند عليها مرددة بنبرة باكية تعلن ما تكبته لها وحدها:
أنا تعبت أوي يا ماما.. مش عارفة ليه بيحصل معايا كده!
أعلنت إنهيارها وضغطها المدفون بداخلها. مهما أرهقت نفسها بالبكاء، فالآن البكاء شيء آخر. ضمتها "سمية" بلهفة كبرى وهي تمسح على خصلاتها ورأسها مرددة آيات من القرآن الكريم بسرعة وخوف. في حين أخذت تشهق الأخرى تحت يديها بتقطع. إلى أن مرت الدقائق وهي على نفس الحال. وداهمها سؤال "سمية" السريع بخوف عليها:
مالك يا ضنايا؟ فيكي إيه يا حبيبتي قوليلي وردي على أمك؟
زفرت "نيروز" بصوت. مازالت الدموع تنهمر. وكلما تحاول قول كلمة واحدة لن تستطع فعلها. ذلك الثقل الذي على قلبها لا تعلم له سبب محدد واحد، بل من أسباب عدة كثيرة. وفي الآونة الأخيرة أصبحت تبكي بكثرة، مما جعلها منطوية الملامح وحتى القلب. أسندتها "سمية" سريعًا بعدما توقعت ما قد حل بها بجهل من ما حدث معها. بل نهضت بعدها بسرعة تجلب المحرك لتقوم بتشغيل إذاعة القرآن الكريم بصوت عالٍ. عل قلب ابنتها يهدأ وعينيها تتوقف عن البكاء. والشهقات. هذه الشهقات التي تمزق منها قلبها ليست هينة على أي أم دون أن تعلم ما الحال من الأساس. جلست مرة ثانية تردد عليها وهي تمسد على خصلاتها البنية وهي تضمها مرة أخرى إلى صدرها. والآخرة تارة تشهق وتارة تتنفس بصوت. وتارة أخرى تبكي.
قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد.
أخذت ترددها بكثرة عليها. وتارة أخرى تقوم بالدعاء وفرق يديها بين كفها المجعد. إلى أن شعرت بانتظام أنفاسها.
"هل ستغفوا بهذا الوقت؟ أم أن الآيات لها مفعول سحري مع أحضان والدتها؟"
ربتت "سمية" على كتفيها وظهرها بحنو. لمعت عينيها بالدموع ما أن شعرت بأنها قد غفت بهذه السرعة. "أم من عزم الوجع؟ أم أنها منهكة بما فيه الكفاية؟"
نزلت دمعتها شفقة عليها بعجز وحسرة. تلك التي عانت من وجهة نظرها. لم ترى راحة بسبب التعلق. "أهذه بداية الأمر؟"
تذكرت زوجها وكيف كانوا عائلة هادئة لطيفة في الصغر. وفتياتها وكل أمورهن التافهة التي كانت يتوجب عليها الاهتمام بها كمثله هو. كمثل زوجها الذي لم يمل يوما منهن. والذي لم يلومها بتاتا على إنجابها لفتيات فقط. لم يعترض. بل كانت تشعر به أنه يرضى رضا لن ولن تراه هي من قبل. ترحمت عليه وهي تبكي شوقا له. "تبا للفراق ولكنها سنة هذه الحياة!!"
لا تعلم كم من الوقت مر وهي على هذه الجلسة. شعرت بأحدهم يضع المفتاح بالباب. ولم يكن سوى هو من سيفتح شقته!!
فتح "غسان" الشقة حتى أغلقها خلفه بعدما خلع ما بقديم. رفع رأسه يبحث عنها خلسة. ولكنه رأى "سمية" تجلس على أريكة الصالة وعلى ساقيها وصدرها تستند "نيروز" غافية بعالم آخر!!
عقد ما بين حاجبيه ونسى الترحيب بها وتوجه هو بنفسه يضع كفه على وجهها. "لم ولن تنام بهذا الوقت. ماذا حل لها؟"
إعتدل يرفع رأسه وهو يعتدل ثم سألها بقلق:
"مالها نايمة كده ليه؟ هي كويسة؟"
أدمعت عينيها دون سبب ثم حركت رأسها نفيا وهي تحاول الاعتدال مرددة بعجز عن فهم هذه الحالة:
"مش عارفة يا يبني. فجأة لقيتها بتعيط أوي ومش عارفة تاخد نفسها من العياط. سندتها وقرأت شوية قرآن وشغلته كمان لحد ما نامت مكانها زي ما انت شايف كده!!"
لاحظ دموعها. فزفر "غسان" يأخذ أنفاسه وهو يطالعهما. فعادت "سمية" تسأله بلهفة رغم علمها بأنه منتظم بصلاته:
"إنت بتصلي با بني؟"
إستنكر سؤالها ولكنه رد مختصرا وهو يعدل رأس "نيروز" كي لا تؤلمها:
"الحمد لله!!"
تنهدت "سمية"، تأخذ أنفاسها ثم سألته مجددا بحسرة تخمن:
"يبقي إنتوا متخانقين مع بعض. بنتي مش طبيعية. فيها حاجة؟!"
هذه الحالة التي بها زادت من خلافهما والأصل بأن كل مرة تزور بها والدها المقابر تأتي ثم تجلس يومين متتاليين على هذه الحالة المختنقة بأنفاسها!! علم ذلك رغم أنهما متزوجين من فترة ليست كبيرة وهي من أعلمته هذه الحالة عنها!! انحنى متجاهلا حديثها كي يضع ذراعيه أسفل ساقها حتى يحملها. وبالفعل حملها ببطء ثم استقام حتى سار ناحية غرفتهما معا. نهضت "سمية" خلفه ببطء تعدل رأسها من على كتفيه من الخلف. إلى أن همهم "غسان" بالدخول كي تدخل إلى الداخل دون حرج. دائما ما تفهم بآداب الذوق العام حتى ولو الأمر يخص ابنتها الآن. فلا يخصها وحدها!! تزامنا مع ذلك أسندها هو على الفراش برفق. فإنكمشت ملامحها بضيق وآثار الدموع إلى الآن على وجهها. جلس بجانبها على طرف الفراش يرفع أنامله يمسح وجهها بشرود. وكلما تظلمت وتأتي عليه مجبر هو على الذهاب إليها مهما فعلت يبقي هو الذي يذهب لها الطريق!! كمثل الآن حتى بعدما رفضته جلس بجانبها يمسد على خصلات شعرها. حتى خرج من شروده على فرد "سمية" للغطاء بحنو عليها بعدما جذبت قميصها المنزلي على ساقها أكثر ثم رتبت وضعها بالغطاء. حتى وقفت باعتدال وهي تقول:
"سيبها نايمة ومش مهم تنزل النهارده تعمل حاجة. خليها تنزل على الحنة علطول براحتها!!"
وبعد ذلك سارت ببطء كي تخرج إلى الخارج. فقاطعها هو سريعا ثم قال:
"استني. رايحة فين؟ خليكي قاعدة!!"
"لا معلش أنا تحت معاكم لو في حاجة ناديني. ولا إنت عايز تنزل بقا ومتخانقين مع بعض؟!"
هذه المرأة تتدخل بآشياء لا تعنيها؟ أم أن ابنتها تعنيها بهذه القوة؟ سأله عقله. وزفر بصبر وهو يحرك عينيه ناحيتها وكأنها تنتظر الجواب بالفعل. بل رد هو بإيجاز ينهي هذا بتلاعبه في الحديث:
"هو في حد يزعل من بنتك بردو؟"
ابتسمت على مرواغته ثم رفعت عينيها تطالع وجهها النائم وهي ترد عليه بحديث اعتبره جرئ منها:
"وأنا بنتي مش ملاك يا بني. بنتي صعبة وأنا عارفة دا. بس بردو بتحبك!!"
زفر بصوت عال يخرج ضغطه وشعر بإنسحابها فصمت وهو يعتدل يطالع وجهها. ملاك بملامحها وشرسة بطباعها. كيف يحكم عليها؟ لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيه ناظرًا نحو وجنتيها الحمراء من أثر البكاء. هبط برأسه يقبل واحدة منهما. ثم اعتدل يرتب خصلاتها الطائرة كي يمسد عليها!!
غلبة شوقه لها. ويغلبه في كل مرة حتى انه يسأل نفسه. ماذا فعلت به هي؟ ماذا فعلت كي تهدر شخصيته بهذه الطريقة ولا يستطع هو فراقها؟ كان عاقلا ثابتا. حتى أنه بعد فعلتها لم يفكر بقرار طلاقهما. ولو كان الأمر عكسي لفعلت أكثر من ذلك!! رفع يديه ينظر بالساعة المعلقة بمعصمه. بغير اكتراث. بل نهض يطفئ الضوء ثم حاول أن يتسطح بجانبها محاصرها بأحضانها مره أخرى وكأنه يزيل شوقه بهذا فقط إلى الآن. شرد وهو ينظر برأسه نحوها مرددًا بهمس متعب:
"على رأي الست. انت فين والحب فين ظالمه ليه دايما معاك!!!"
يسخر بهذا الوضع؟ كان يريد البعد عنها مؤقتا عندما يهبط إلى الأسفل معهم ويتركها. الآن الاثنان محاصران. لاحظ انكماش ملامحها بقلق. يعلم بأنها لم تنام بهذا الوقت وستستيقظ. لاحظ ضم إهدابها بقوة. ثم فتحتها بتشوش وهي تتحرك بقلق. إلى أن أصبح وجهها ناظرًا ناحيته. وعلى فجأه ما إن نظرت ناحية وجهه انتفضت بطريقة خافتة استطاعت التحكم بها. فرد هو ساخرًا وهو يطالع وجهها بدهشة مصطنعة وحديث ساخر:
"يا شيخة. شكلي يخض أوي كده!"
رفع ذراعه من على خصرها وهو يعتدل جالسًا. فاعتدلت هي بعده وهي تطالعه بحرج من ما فعلته هي. ابتلعت ريقها بغير وعي ولاحظ هو تشتتها. عندما سألته هي بإستفهام:
"هو ايه اللي حصل وايه اللي جابني هنا كده؟!"
لم يجيبها هو بل نهض يرفع الغطاء عنه. فلاحظت ملابس العمل خاصته. نهض غير مهتمًا بحديثها حتى جذب ملابس أخرى من الدولاب أمام عينيها. وبخفة وجدها تقف خلفه تسأله بأعين دامعة:
"انت مش سامعني؟!"
التفت "غسان" حاملا ملابسه بين يديه. وأصبح بمواجهتها وهو يطالع وجهها مرددًا بوضوح وصراحة برده عليها:
"سامعك بس مش عايز أرد!"
تهجمت ملامحها بتعب. ثم وقفت تنظر إلى ملامحه بتمعن كما كان ينظر هو. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تسأله مجددا رغم انها تعلم الجواب:
"ليه بيحصل معانا كدة؟ أنا نفسي أرتاح واعيش فهدوء!!"
"إسألي نفسك يا نيروز. لان إنتي أول واحدة مش مريحة نفسك!!"
داهمها قوله بتعب منه هو وحده ثم أخذته منه بعد ذلك. أدمعت عينيها بتعب من كم هذه الضغوط ثم رفعتها تنظر نحو عينيه التي تحاصرها:
"أنا آسفة!!"
خرجت منها بعد كل ذلك. أكانت سهلة القول؟ ابتسم بتهكم وهو يقول بسخرية لاذعة:
"على ايه ولا على ايه بقا؟"
صمت ثم واصل بإنهاك ساخر وكأنه فاض به:
"إنتي بتتعبي نفسك كل مره وتتعبيني معاكي لما كان الموضوع كان ممكن يعدي عادي جدا. بس كل مره مبتعرفيش تظلمي حد غيري. مع ان لو حد غيرك أنا كنت دفنته تحت رجلي من أول مره حسيت إنه مش جاي معايا سكة. لكن أنا سكت عشانك وعشان قلبي حبك غصب عن عيني. كل اللي عملتيه دا كوم واللي عملتيه أول امبارح كوم تاني خالص!!"
سكن يري ملامحها ودموعها التي تهبط وكأنها تستخدم سلاح الآن ليجعله يستسلم ولكنه لم يتوقف إلى هنا بل واصل يكمل بتعب آخر:
"لما أول مره طلبتي مني الطلاق وسيبتيني فأصعب وقت ممكن يكون مر عليا. كنت تحت صدمه ان ازاي تسيبيني فوقت زي ده حتي ولو كنتي خايفه. عشان عارفك ترجمت خوفك إنه عليا أنا مش عليكي إنتي. بس عدت. عدت لما اتكسرت منك وقومت وقومتك معايا وصالحتك بطريقة يعجز من يشوفها عن التصديق. علشان رجعتي ليا ولحضني فلحظة انهيار منك وكأنك كنتي هتروحي خلاص فيها وأنا واقف مخضوض أول مره أشوفك فيها كده."
وتاني مره زي لما رفضتيني وانا جايلك بعد وقت ما قعدت ما نفسي وصليت وهديت، اترددت اجي بس خاني قلبي وقالي انك بتحبيني زي ما انا بحبك. بس مجرد ما قربت منك رفضتيني وكإن قربي مقرف للدرجة دي. إنتي لو مش عايزاني نبعد حتى ولو هنتعب، بس أنا كراجل مش هقبل على نفسي يحصل معايا زي اللي حصل ده!
داهمها بأقوال كثيرة، جامدة وبعضها حانية. سقطت دموعها بكثرة وهي تنفي برأسها ما سمعته منه، وكأنها تكذب شيئًا حقيقيًا. وجدها ترد بتقطع في كلماتها وهي تقول بلهفة، مع نبرتها الباكية:
"أنا بحبك ومستحيل كنت أفكر كده. مينفعش أسيبك.. معنديش استعداد.. حتى ولو عندك انت بالسهولة دي!"
"مفيش حاجة سهلة عليا، حتى حبي ليكي دا صعب. أصعب حاجة غيرتني وأنا اللي كنت مش فارق معايا أي حاجة مكنتش بعمل نفسي مش فارق زي الوقتي كده. وكل ما بعمل نفسي مش فارق بتضغطي عليا أكتر وكإني مبحسش. مش لازم أقعد أعيط وأتحسر على حالي زي النسوان. مين فينا الراجل؟ ومين فينا يحاول يحتوي مين؟ مع إنّي بحاول أعمل ده بكل الطرق وكل ما أستنى منك مبلاقيش. وأنا مش هقعد أتحسرلك عشان تحسي بيا. بعدت يبقي سيبني أهدي وأروق. لا دا كل مرة بتتعمدي تتكلمي كل ما بسكت وتيجي ورايا كل ما بمشي مع إنّي محذرك تعملي كده عشان الموضوع بيوصل لحاجات بنعجز إحنا الاتنين عن حلها. وبردو كابرتي وعاندتي!"
توقف عن كلماته الجامدة الموبخة لها وهو يراها مازلت تذرف الدموع بقهر تعجز عن الرد بإرادتها وفقط. ابتلعت ريقها وهي تضع يديها على أذنها وكأن الأصوات التي بداخلها تعلو مثله تمامًا. هي التي تفعل أفعال صغيرة ثم تتركها معه ومع الوقت لتكبر ومن ثم يأتي كل ذلك فوق رأسها هي! رفعت عينيها ورأسها تواجهه وهي تسأله بخوف، في هذه اللحظة مع نبرته الضعيفة المهزوزة:
"يعني إنت.. إنت مش مرتاح معايا ومش.. عايزني؟"
ماذا تفعل وماذا تسأل؟ علم مخزى سؤالها لذا صمت قليلاً. يرى ارتجافة يديها حتى رفع عينيه ناحية عينيها مرددًا، بقلة حيلة رغماً عنه وعن قلبه مع نبرته المتنهدة بيأس وتعب:
"أنا مرتاحتش إلا معاكي يا نيروز ولا كنت عايز غيرك ومازلت!"
صمت قليلاً، ثم واصل مع تنهيدة حارة:
"بس شكلك انتي كمان مستكتره عليا دا!"
نفت وهي تندفع نحو أحضانه باكية بصوت عالٍ هذه المرة وهي تردد بتقطع وبكاء:
"محصلش.. محصلش والله العظيم!"
رفع ذراعيه يضمها وهو يربت على ظهرها بشدة، مشددًا بذلك العناق وهي تشهق مع سماعه لذلك بتعب. رفع كفه يقرب رأسها من قمة صدره ولم يخفى نبرته الضعيفة عندما قال بيأس منهك:
"تعبتيني معاكي يا بنت الحلال!"
لم تسمع قوله المتعب بل ظلت تشهق شهقات متقطعة متشبثة بملابسه بقوة، وكأنها تخرج جميع الضغوط التي رأتها وشعرت بها منذ فترة. كل هذه تراكمات والبكاء كان لا يفعل شيئًا معها. لديها طاقة تحمل ولكن لينها معه قليل وهذا ما يصعد الأمر دائمًا ليصلوا في كل مرة إلى عقبات تعجز عن فهمها وحلها معها! هذه المرة رفع ذراعه يضمها ولم يرفضها بسبب حالتها هذه!
أما عنها فبكت وهي تحاول أخذ أنفاسها. سقطت الملابس التي كانت بين يديه أرضًا. حتى وقف بصبر وتحمل يتحملها إلى أن تنتهي. وما أن شعر بأنها هدأت تنفس بعمق، حتى تحركت بخفوت فوجدته مشددًا بعناقه لها. حتى أنه انحنى يجلب زجاجة المياه التي كانت على الطاولة الصغيرة على بعد منه. فتحها وهي تعتدل تمسح وجهها ببطء، فوجدته يقدمها لها برفق، مرددًا بلين يطلب منها:
"إشربي!"
نظرت له بصمت، فوجهها لتشرب منها حتى شربت بالفعل. عاد يضعها بموضعها ثم سحب كفها ليجلسها على المقعد هو ينظر نحو وجهها المرهق وعينيها الحمراء ودموعها الغزيرة:
"كل مرة مبتفشليش تتعبي وتضغطي نفسك. خليكي فاكرة إنك هتتحاسبي على نفسك وعلى اللي بتعمليه فيها!"
اندفعت رغم دموعها تلومه بتوبيخ مماثل له:
"وانت مش هتتحاسب اللي علمته فيا؟"
زفر بصوت، تصر كل مرة على التعب والعراك بالحديث بينهما. تنفس بصوت مسموع حتى وقف يطالعها بصمت، ومن ثم أخرج حديثه لها بوضوح:
"انتي كل مرة بتغلطي ومبتجيش تتأسفي إلا خلاص لما دماغك مبتسكتش عليكي. بس أنا مقولتش إنّي مش غلطان فحقك. بس غلطك غطى على غلطي كتير أوي يا نيروز!!"
هذه المرة رفع أنامله يمسح وجهها برفق. فأمسكت كفه وهي تتشبث به بقوة، حتى هتفت بنبرة هادئة تسأله وتلومه بوجع:
"إنت عمرك ما قاطعتني كل المده دي، ولا كان الخلاف اللي بينا بيطول كده. إنت تجاهلتني ودي أسوء حاجة ممكن أحس بيها منك. أنا مبقتش قادرة أستحمل وكل حاجة بتزيد عليا وأنا مبكونش في وقت لسه من اللي حصل قبلها. أنا كل ما بفتكر إن دي المفروض تبقي الأيام اللي أكون مبسوطة فيها معاك وفحياتنا وأيام هترجع للذكرى بتقهر أوي يا غسان!"
أدمعت عينيها بحزن، حتى سقطت دمعتها على كفه وهي تكمل بلوم:
"انت سيبتني لدماغي تاني لوحدنا مع إنّي قولتلك إن دي حاجة وحشة أوي!"
سحب كفه من كفها كي يمسح دموعها برفق، ومن ثم أنهى الحوار بكلماته الآتية لها:
"خلاص يا نيروز!"
حاول النهوض من جانبها وهو يطالع وجهها وجلستها بجسدها هذا وانكماشها بحزن. توجه ثم انحنى ليجلب الملابس التي وقعت أرضًا منه فابتلعت ريقها ترد على جملته بـ:
"يعني إيه خلاص!"
اعتدل ثم حرك عينيه نحوها وهو يرد بإيجاز:
"يعني خلاص الوقتي. كفاية كلام وعياط عليكي لحد كده. عايزة تتعبي نفسك معاكي تاني؟ وحشتك الدموع في الكام ثانية دول مش كده؟"
ومن بين هذا لم تفشل في أن ترمقه نظرة حادة بدلاً من حديث سليط تعلم بأنه لو خرج لفعل هو شيئًا آخر! نهضت مندفعة بغيظ، حاولت إخفاءه كي تتظاهر بالبرود المماثل لديه تمامًا. وأما عنه فقصد اللعب على ما تفعله بتهويل من كرامتها التي تراها شيئًا آخر. عمل على تقليلها بالمتوسط كي تعلم بأنه قادر على الفتور واللا مبالاة! دخل المرحاض كي يبدل ملابسه، في حين مسحت هي وجهها بانفعال من ما فعله مرة ثانية عليها. أخذت عباءتها المختلفة هذه المرة كي ترتديها لتهبط إلى أسفل مع حجابها كي تضعه على رأسها. واستطاعت بأن تغير حالها مائة وثمانون درجة. لا تعلم بأنه هو الذي قصد فعل ذلك ليخرج شراستها كي تغفل عن الحزن والدموع المرهقين لها وله وللجو بالسلبية هذه!
"يا أنا يا إنت!"
خرجت الكلمات من شخصها الشرس المنفعل بفكرة رفضها مرة أخرى. يرد لها الرفض. ولكن ما فعلته هذه كان آخر تمامًا عن ذلك. جرح يعد جرحًا بشموخ رجولته وهي تعلم ذلك تمام العلم. وإن لم تعلم لما فعلت كل ذلك مما يوحي بالأسف والندم! نظرت نحو باب المرحاض وهي تتوجه على عجالة من أمرها كي تحكم الحجاب كي تهبط بسرعة قاصدة عدم الاستئذان منه. أغمضت عينيها بقوة وانهزام عندما وجدت أنه يفتح الباب مرتدياً بنطال رياضي وسترة مماثلة له. أغلق سحاب سترته بغير اكتراث وهو يلاحظ سرعتها التي هدأت في الحركة. رمى لها نظرة هادئة وهو يتخطاها مرددًا بغير اهتمام دون النظر لها:
"براحة على نفسك بس.. ياريت بعد كل الاستعجال ده شعرك ميبانش!"
تصنعت عدم الاستماع له وهي تنتهي لآخر حركة بحجابها ثم التفتت لتخرج بعيدًا.
عنه فلاحظ هو فتح سحاب عباءتها المختلفه هذه وقاطع سيرها بكلمته :
_" إستني !"
وقفت بنفاد صبرٍ ، فوجدته يتوجه ليقف أمامها وهو يتحدث لينبهها لشئ :
_" هتمشي والسوسته مفتوحه وضهرك باين كده ؟!"
_" مخدتش بالي وملكش دعوه !!"
رفعت يديها خلف ظهرها بطريقة مضحكة كي لا تطلب مساعدته ، تزامناً مع رده المتبجح :
_"انتي كده مبتقفليهاش إنتي كده عندك جرب!!"
نظرت له وهي تقلب عينيها بمللٍ ثم حاولت السير لتتخطاه كي تقوم بتغيرها لٱخرى مع ردها المتبحح المماثل له :
_" ملكش دعوه بردو ، ولو ٱخر واحد فمش هخليك تقفلهالي مش من قلة اللبس يعني!!"
أمسك معصمها ولاق إستحسانه ما تفعله من لعبة قط وفأر لا مانع إذن ، أدرارها بذراعه وهي تحاول أن تنفلت من أسفل يديه، فكتف يديها خلف ظهرها بكفه ومن ثم رفع بالٱخر السحاب الطويل إلى أن أغلفها. فمال من خلفها بوجهه للأمام حتى أهبط رأسه وقبل إحدى وجنتيها تزامناً مع رده الوقح :
_" أنا لو عايز حاجة باخدها بس بمزاجي !"
دفعته عنها وهي تتركه وتترك الغرفه بأكملها ، فإبتسم وهو يتفحص بعينيه مكان الهاتف تزامناً مع همسه لنفسه بيأسٍ منها :
_" مجنونة!!!"
وهكذا الحال الذي إنقلب سريعاً من وجع لـ مراوغه ومشاكسة كانت بدايتها من ما تعمد فعله معها كي يظهر كل ذلك ، بيديه حل الأمور وكبريائه منعه مثلها تماماً في تخطي الأمر بهذه السهولة ، حتى تيقن وعلم بٱن لا مانع من تجربة هذه اللعبه بينهما إلى أن يلين عقلها بنضجٍ شامل هادئ ليس تحت أي تأثير ، مثله هو الٱخر !!
____________________________________________
بعدما تركتهما قبل وقت هبطت تجلس في شقة "عايدة" مع النساء ، منتظرين هذه المره قدوم "حنان" والدة "عز" الذي لم يكن موجوداً هو الٱخر ، ورغم ان اليوم حنة العروس ، لكن كان هناك اختبار توجب الذهاب إليه ، ولأنها حنه صغيره فكان الجميع بحياته العملية عادية !! ، فقط الأقارب أي العائلة وبعض الأصدقاء في المساء ، وقفت "عايدة" مع "دلال" وجلست "سُمية" بشرودٍ لحالة ابنتها هذه ، في حين فتحت "فريدة" محل الورد في الأسفل وكانت "وسام" تذاكر دروسها ، تنفست بصوتٍ عالٍ حتى شعرت باحداهن تجلس بجانبها بإنهاكٍ. فدرات "سمية" وجهها حتى وجدت "دلال" تبتسم لها بحبٍ وهي تربت علي كفها مع قولها الحاني لها:
_" مالك يا سُمية سرحانه فـ ايه كده !!!"
زفرت "سمية" بصوتٍ وهي تتنهد ثم نفت تحرك رأسها وهي تجيبها قائلة بنبره هادئه :
_" مفيش مش عارفه البت نيروز مالها كده حالها مش عاجبني!!"
_"مالها كفا الله الشر ,صحيح هي منزلتش ليه ، دا غسان جاي بدري من الشغل اوي وقولت هيجيبها وينزل !!"
قالتها بإستفهامٍ فوجدت الجهل يرتسم على ملامحها او ربما هي من تعمدت فعل ذلك كي لا تثير الحديث والثرثره على ابنتها ، وجدتها تضع يديها مره ٱخرى لتربت علي ساقها وهي تبتسم لها بإطمئنانٍ مردده :
_"وحتى لو ..متقلقيش طالما غسان معاها يبقي هتبقي زي الفل !!"
إبتسمت لها "سمية" بلطفٍ ثم شاكستها بقولها :
_" والله ما باين لكلامك ملامح ، حاسة ان في بينهم مشاكل!!"
_" يختي محدش بيسلم من المشاكل ، كنت الاول ممكن أشغل بالي ، الوقتي لو حامد عرف حاجة زي دي يحذرني ويزعقلي ويقولي ملكيش دعوه هم أحرار مع بعض ويمكن دي الحاجة اللي مخلياني ساكته مش عارفه ٱتكلم فكرك يعني ٱنا مش واخده بالي من ابني ؟!"
قالتها "دلال" بقلة حيلة ثم واصلت تكمل بثقةٍ وإطمئنان :
_" بس متقلقيش غسان بيحب نيروز بنتك ، ابني حنين والله يا سمية وطيب غيرش بس لما يتعصب ويزعل الكل ياخد جنب بعيد عنه لحد ما يهدىٰ"
زفرت بصوتٍ مره أخرى وترقبت ملامحها بلهفةٍ ما أن وجدت"نيروز" تدخل عليهما مبتسمة ، دخلت حتى جلست بجانب "سمية" التي صمتت عن الحديث بما حدث ، فتعمدت "دلال" تركهما مع بعضهما وهي تبتسم لـ "نيروز" ،، فذهبت ناحية المطبخ ، ومن ثم خرج حديث"سمية". الموبخ :
_" نزلتي ليه يا نيروز .؟ كنتي خليكي مرتاحة يا بنتي!!'
_"أنا كويسة يا ماما متقلقيش،. انتي ازاي تنزلي لوحدك من غير ما حد يسندك مصحتنيش ليه ؟!"
لامتها "نيروز" فإبتسمت "سمية", معقبه بنبره هادئة :
_" واهو نزلت وخلاص ، المهم انتي بقيتي أحسن؟!"
لن تترك الفرصه للرد بل سألتها بقلق مره أخري :
_"..إنتي متخانقه مع جوزك ؟!"
نفت وقبل أن ترد وجدت أصوات متداخله كثيرة عشوائية من بينها صوت "دلال" و"عايدة " وهم يرحبان بحرارة :
_" أدخلي يا فاطمه تعالي ، أدخلي يا حبببتي "
بالفعل كانت "فاطمة " مع صغارها و"بدر" الذي دخل معها مرحباً بهم فلم يراهم منذ يوم واحد ومعه كانت"وردة" التي دخلت مهروله ناحية"سمية" و"نيروز", وهما الأخرتان كانا قد نهضا ليرحبوا بهم بحرارة وحبٍ ..
جلسه جديدة بأشخاص جدد ولكنهم منذ القدم، ربما ذكريات ومودة ستتٱلف بينهم ، خاصةً عند اجتماع العائلة بأكلمها من جديد ، حتى بـ "حامد" الذي دخل سريعاً من باب المنزل مع "وسام" كي يرحبان بمن ٱتو. بعدما علم هو أن "بدر" قد جاء وهناك رجل فالمنزل فـ"حازم" ٱتٍ في الطريق هو و"ياسمين"..، ولم يتوقف القادمين للشقه عندهم بل هبط"غسان" هو الٱخر مرحباً بهم ثم ليجلس مع والده و"بدر" وابنة عمه ومن ثم اللعب مع الصغار بمشاكسة ، الأطفال كثيرة عن المعتاد والبهجة تعود فقط لان اليوم حنة العروس!! العروس التي لم تكن موجوده !!
_____________________________________________
قبل دقائق تردد في الدخول ولكنه وقف تارك البقية يصعدوا ومن ثم وقف هو يأخذ أنفاسه بصوتٍ عالٍ ، اليوم سيبدأ فأول خطوه بنفسه للعمل ، حتى وإن كان عمل يحتاج لعمل ٱخر معه ولكنه سيتعب وهذه هي النقطة الذي يريدها بنفسه ، وقف "ٱدم" ينظر إلى شاشة هاتفه وعندما وجد التأكيد من "غسان". على الذهاب والدخول ، تنفس بعمقٍ ثم رفع عينيه على لافتة "عودة الوصال" الكبيرة حتى لاحت إبتسامة صغيره علي شفتيه ، عدل ملابسه الفوقية "ياقته" ، ثم بدأ في أول خطواته للسير نحو المحل صاعداً الدرج الصغير إلى أن دخل وبحث بعينيه عن "نيروز" فقد علم أن "غسان" ليس موجود بالفعل وسيٱتي بعد قليل للاسفل ، دخل إلى الداخل بذلك المكان الذي يراه هادئ وبشدة ، جاب عينيه كل شئ وبتلقائية مسك الورود الخارجه عن موضعها بشرودٍ وهو يتعمق ٱكثر إلى أن نظر على بعدٍ وفالبداية إعتقدها هي , إعتقدها "نيروز" حتى تعمد أن يتنحنح ليجلي حنجرته الخشنة كي تلتفت ، وأما عنها فما أن سمعت الصوت إلتفتت معتقدة بأنه زبون ورسمت إبتسامه التي وسرعان ما تلاشت كما وقف هو مشدوهاً بها وبتغيرها الجذري ، كيف؟؟ من تظهر خصلاتها ترتدي حجاب محكم وملابس طويلة واسعه لا تظهر هذا الجسد التي كانت تتعمد رسمة بالملابس الضيقه كي يظهر قوامها الرشيق الأنثوي مما يُعرف عنها بأنها تلفت إنتباه الرجال دائماً بمظهرها حتى وبجسدها وان لم ترتدي ملابس ضيقه ، وهذا ما كان يلتفت له هو كأي شاب في سنة ،، بل والعجيب أنه لم يشعر بشئ سوى بالاعجاب وهذا سره الذي أخفاه بداخله كي لا يخسر صديقه ما أن فاتحه بهذا الموضوع في البداية ورفض بطريقة غير مباشرة !!، كل ذلك لأنها لفتت انتباهه وليس ليشعر بالحب اتجاهها ، طالعها من أعلاها لأسفلها بغير تصديق لم يعلم هو ٱخر التغيرات ولا الذي حدث لها من الأصل!!
رمش بأهدابه وكأنه يرى شيئًا مستحيلًا. على الرغم من أنه تغير، لما يريد التغيير وحده. ابتلع ريقه وهو يسألها بغير وعي:
"هو أنا دخلت مكان غلط؟"
علمت مخزي سؤاله ومظهره يذكرها بشقيقها، لذا يثار شراستها بغير سبب محدد له. علمت ما يريد قوله، فحدقته بقوة وهي تسأله بجدية بالغة:
"قصدك إيه؟"
وقف "آدم" ولم ينبس بأي حرف. بل ابتسم بجرأة وهو يسألها بوضوح دون المراوغة:
"قصدي إيه التغيير ده؟"
تحلت "فريدة" بالصبر وهي تزفر بصوت، ثم اعتدلت تسير كي تقف بمواجهته تزامناً مع ردها الجامد:
"أظن دي حاجة ملكش الحق إنك تسأل فيها!"
رفع عينيه يقابل عينيها القوية. ما زلت هذه النظرة تلازمها مهما فعلت ومهما تغيرت. حرك رأسه متحلياً بالتجاهل الزائف ومن ثم نظر على الورود والمكان هاتفا باهتمام وهو يعود ينظر لها برأسه:
"المفروض يعني بيقولوا إني هشتغل هنا!"
"آه.. للأسف بس مكنتش أعرف إنك هتيجي بالسرعة دي!"
قالتها بضيق ظاهر على ملامحها، فعقد ما بين حاجبيه بغرابة من أسلوبها الفظ هذا وهو لم يفعل لها شيئاً. اعتدل مشيراً بيديه كي تنتبه له تزامناً مع قوله المتبجح:
"أظن وشنا هيبقى فوش بعض على طول، فياريت لو متدايقة مني في حاجة متقوليهاش وابعدي!"
"أنا مقصدتش أنفعل عليك يا بني آدم انت. أنا هادية خالص. ولو سمحت اتكلم معايا بإسلوب أحسن عشان أنا قادرة أتكلم معاك أوحش من كده بس ساكتين عشان ربنا اللي بيهدي!"
قالتها بغيظ، فنظر لها متشككاً هو يحرك رأسه بسخرية مردداً بتهكم:
"آه ما أنا عارف الأوحش ده هتقوليلي!"
"انت قليل الأدب!"
حرك رأسه مؤكداً وهو يتخطاها مردداً باختصار بارد:
"حصل."
ودت لو تأخذ إحدى الزهريات كي تكسرها على رأسه. ذلك المتبجح تعلمه منذ زمن، وما يثير ضيقها أنه يذكرها بشقيقها وبقوة! علم ما مهمته فبدأ بفعل ما يراه ناقص بالمكان بالفعل، وهو يرفع ساعديه منظفاً مكان معين من الأتربة بحامل معين حتى انتهى وهو يعتدل ليستقيم فوجدها تقف خلفه. فمد ذراعه لها بحامل الأتربة وهو يقول بفظاظة:
"خدي ارميها وتعالي يلا!"
فتحت عينيها على وسعها من تبجحه ذلك. تعلم بأنه قصد فعلها كي يردها لها. والمعهود منها والثابت بشخصها القديم أنها دفعت ما بيديه يقع أرضاً. فقد اعتبرتها إهانة منه. لم يتفاجأ بل وجدها تردد بإنفعال:
"انت مجنون ولا مفكرني شغالة عندك.. فوق شوية!"
حرك رأسه ينظر على ما وقع أرضاً بملامح خالية من التعابير. ثم حرك عينيه نحو عينيها الجامدة ومن ثم خرج حديثه المهدد المبطن لها:
"شوفي.. لو كان الشغل ده مش على هوايا.. فأنا هقعد فيها لحد ما أطفشك منها. واللي عندك اعمليه يا فريدة!"
أردف اسمها ببطء، فأنفعلت أكثر وهي ترد عليه بغيظ:
"مت'قولش اسمي كده واحترم نفسك انت مش هتهددني!"
"عايزاني أقولك إيه؟ فوفو ولا فوفه ولا آنسة فريدة؟"
قالها بتفكير، وهو يبتسم بلين. وعند الكلمة الأخيرة التي قالها بعفوية، نزلت عليها بقسوة لا يعرفها هو. حاولت أن تتماسك فعاد هو يشرح بضمير وكأن الأمر هام:
"بصي.. فوفو دي بتاعت العيال التوتو. وفوفه بتاعت اللي عايزين مصلحة وكلمة تقيلة. وآنسة فريدة دي بتاعت المحترمين.. أنا آه ربنا هداني وبحاول أكون محترم بس العرق دساس واللي فيه طبع مابيتغيرش. بس الحلال حلال والحرام حرام.. لو حرام أقولك فريدة بس يبقي متكررش تاني يستي!"
حدقته ببلاهة. فقد زاد بروده عن المعتاد. نظرت له بتشكك وضجر ظهر على ملامحها بشدة. ثم سألته بتبجح وكأنها لا تسبه للتو:
"عالفكرة انت مستفز جداً."
"حصل!"
أيدها بصراحة شديدة وهو يعود يندمج بعمله من المفترض. فضغطت على فكها بضغط حتى كادت أن تتحرك ولكن قاطعها نبرته وهو منحني مردداً لها بتذكر:
"اللي بيوقع حاجة بيشيلها تاني وينضف وراه. متنسيش!"
الآن هو منحني وهي أعلى منه. ماذا لو دفعته بساقها؟ نفضت أفكارها المضحكة الشريره. وقفت بمكانها صامتة فجاءها صوته الموبخ لها بهدوء:
"عالفكرة إحنا كده مش هنعمر مع بعض!"
"قال يعني أنا نفسي!"
رددتها بتهكم. فاعتدل واقفا يضع ما بيديه مكانه دون النظر لها مع رده الجرئ:
"بس أنا نفسي!"
لم تتفاجأ من عبث شخص مثله. ولم تتفاجأ أن حدث شيء غير ذلك. تنفست بصوت وهي ترد بصوت مرتفع:
"اسمع!! انت تلزم حدودك هنا معايا فاهم ولا مش فاهم يا بتاع انت!"
"آدم.. معايا آدم!"
دخل على هذه الأصوات "غسان" الذي هبط ودخل. وما إن دخل على قولها ورده الأخير، ردد بإستفهام مستنكر:
"هو في إيه؟"
طالعه "آدم" بإبتسامة هادئة غير عابئاً برد الأخرى المنفعل للآخر وهي تقول:
"لو هيشتغل هنا يبقى يجي وهو عارف إنه لازم يلزم حدوده ويبطل يبقى مستفز!"
رجعت كي تقف لمكانها الأول ثم تركته واقفا ينظر على أثرها بإبتسامة. وعندما رحلت فلتت منه ضحكة خفيفة محركاً رأسه بيأس. إلى أن وجد نظرات "غسان" له محاصرة ومواجهة له بقوة. ومن ثم أتى الحديث الجاد منه له:
"أنا جايبك هنا يا آدم عشان تشتغل وتشوف نفسك وحياتك مش عشان اللي جه في دماغي ودماغك دلوقتي حالا. لو ناويها كده من الأول يبقى بالسلامة سامعني ولا أعيدلك تاني!"
لم يستنكر طريقه المتبجحة ولأنه يقاربه في الطباع بقلة. ترك ما بيديه متذمراً بإعتراض:
"انت هتذلني طب ما أنا أمشي عادي إيه اللي هيحصل يعني وبعدين أنا معملتش ولا قولت ليها ولا محتاج أبررلك أصلاً. أنا لو عايز اللي في دماغي ودماغك كنت خدته من بدري!"
"مكنتش مستني الرد ده. لو راجل بقا ابقى اخرج من المحل ده وعارضني وعارض أخوك من تاني!"
"انت عارف إني ممكن أعملها عادي بس أنا ببدأ صفحة جديدة!"
طالعه "غسان". بنفاذ صبر حتى رد عليه حديثه بـ:
"أنا مبهددش يا حبيب أخوك.. ففكر في نفسك واعقل وملكش دعوة بـ "فريدة". ومن أولها كده متمشيش ورا اللي انت عايزه من غير ما تفهم حاجة.. ده كل اللي عندي ليك دلوقتي وتفهم زي ما تفهمها بقا.. وعايز تمشي الباب يفوت جمل وجبل كمان مبتقفش على حد!"
قالها "غسان" بحزم. فوجدته برمقه بجمود. ثم تخطاه منحنياً ليكمل ما يفعله. ابتسم "غسان" خلسة عليه وعلى رد فعله الهادئ المضطر لبدء حياة جديدة بالفعل. بينما توجه هو بخطوات ثابتة ناحيتها وهي تجلس من على بعد. حينها وقف ناظراً إليها. وفي هذه اللحظة تذكرت لقبه التلقائي والذي أتى وضغط على جرحها وبقوة. أحقا كانت تستحق ما حدث لها؟ تسأل نفسها بقهر وحسرة وكسرة كبرياء وهذا هو حالها. ولكن الآن وجدت ضغط بمجرد كلمة فهبطت دموعها في العلن! وجدته يتنحنح يجلي حنجرته كي تنتبه. مسحت دموعها سريعاً.
وهي تعتدل ثم سمعته يسألها بلين وترقب:
"لو قالك حاجه ..أي حاجة دايقتك تعالى قوليلي !!"
وقف بصفها دون أن يعلم بأنها هي من كانت أشرس منه أو هكذا تخمن هي. يعلم هو بأنها ليست هينة لذا اختارها تقف بعمل كهذا. ستستطيع مسك زمام الأمور حتى عن "نيروز" نفسها. توترت بالخفاء ثم تنفست بعمق. وهي ترسم ابتسامة هادئة تنفي ما يفهمه:
"لا أبدا. مفيش ..حصل خير ..هو بس يلزم حدوده وكل حاجة هتبقي تمام !!"
زفر "غسان" وهو يومأ لها برأسه ثم عاد ينظر ناحية "آدم" الذي انشغل فيما يفعله. وعندما حاول النهوض بعدما كان منحني اصطدمت رأسه بخشب السور الخشبي الموضوع حتى تأوى بصوت. وهو يمسك رأسه. فكبت "غسان" ضحكته كما ضحكت "فريدة" بصوت جعله ينظر لها بحدة. محذرها بنظراته الجامدة المغتاظة. في حين أشار "غسان" لها ناحية رأسه من ما يعني أنه يرسل لها بأن الآخر مختل عقلياً. فحركت رأسها تؤيد مع كبتها لضحكتها. فعاد يردد هو من على البعد بتبجح صريح هذه المرة:
"هزي راسك كمان ..محدش تعبان فمخه هنا غيرك عشان تكوني عارفه!!"
إغتاظت منه من جديد حتى بدأت في السير ناحيته بغضب. فقاطع "غسان" سيرها وهو يقف بطوله أمامها كي لا تستطيع السير ثم حذرها بنظراته غامزًا يحثها على الصبر:
"سيبك منه وارجعي مكانك !"
وجدت الإصرار في نبرته فتحركت بعدما رمت للآخر نظرة حادة. فالتفت "غسان" ينظر له فوجد عينيه مترصدة نحوها هي وهي تقف من على بعد بالمكان التي كانت تقف هي به. وحرب النظرات تبدأ بين طرف شرس وآخر بارد متبجح بطريقة هادئة تجعل من أمامه يستشيط غضباً. خرج "غسان" بعدما التفت وهو يبتسم بشرود. ولاق استحيانه ما حدث من عبث بين الطرفين. وسأل نفسه ما هو القادم وبالأخص مع "آدم" الذي يجهل كل الجهل عن ما حدث لها. ومن ناحية أخرى سبب لذلك أنه قطع أي صلة كان يربطه بـ "شريف". ولكن عقله مازال منشغلًا بـ "حسن" بأين هو وكيف حاله. المرعب بأنه إن عاد له مجددًا فسيعود معه لما كان عليه وهذه نقطة تقف بطريقه بين اهتمامه به وتعمده للتجاهل كي يبدأ حياة جديدة نظيفة!!!!
بعدما خرجت من الاختبار وكان هو ينتظرها ذهبا معًا إلى المستشفى حيث "فرح". كانت معها في الغرفة كما كان "عز" و"والدته" التي كانت موجودة من وقت مبكر. كان جالسًا. ممسك كفها بحنو. وهو يتطلع إلى ملامحها بينما ينصت باهتمام لـ "جميلة" وهي تجلس على حافة الفراش ممسكة بيديها بحب. وهي تردد بشغف:
"أنا عارفه إنك مبسوطة عشاني أوي على فكرة. وأنا كمان مبسوطة كنت هتبسط أكتر لما كنتي تبقي معايا في يوم زي ده. بس زي ما اتفقت معاكي هتبقي معايا لحظة بلحظة على التليفون. هرن عليكي فيديو كول وهتحضري كل حاجة وانتي قاعدة. أنا فرحانة أوي علشان بيقولوا إن في تحسن. أنا فخورة بيكي أوي عشان بتمري بكل ده. بس حاولي تنسي اللي فات وساعدي نفسك لو بتحبيني وبتحبي عز وماما حنان..!"
توقفت "جميلة" عن الحديث فوجدتها تنظر لها. وكان "عز" ينتظر بشوق على أن تتحدث ولم تفعل ككل مرة. بينما كانت "حنان" تكتم دموعها تتظاهر بالتماسك مؤقتًا. في حين أكملت "جميلة" وهي تسرد عليها بحماس وشغف:
"بجد مش هتصدقي إن أنا عروسة. أنا ومنة وروحنا الامتحان. كان امتحان بايخ أوي. فاكرة؟ فاكرة لما كنا بنخرج من الامتحانات وتقعدي تعيطي شوية وأنا شوية. كنت ببقى خايفة ومتوترة وكنت بقرفك معايا أوي. بس دلوقتي بقيت بخرج وحتى لو مش واثقة إن حليت كويس بس ببقى خارجة مطمنة. إحساس الاطمئنان والأمان بقى ملازمني عشان "عز" معايا وواقف جنبي. بحس إني مفيش زيي وهو بيقولي إغلطي براحتك وكأنه يعني عميد الكلية !!"
أثارت كلماتها ضحكتهم بصوت. وابتسمت "فرح" فقط. فضحكت "جميلة" معهم. وحينها واصل "عز" رداً عليها:
"يبقى عيب منكم تقلقوا وجنبكم "عز" ده مش كلام!!"
"واحلى عز يا حبيبي.. الكل يتمناك يا حبيب أمك اومال ايه راجل ومحدش يقلق وانت جنبه أبدا!!"
عظمت به بمرح وعفوية. فضحك "عز" بصوت عالٍ وهو يغمز لـ "جميلة" مرددًا بعبث:
"ايه رايك ..الكل يتمناني مش كده !!"
"يا خويا بتلعب على غيرة مين ..هي كده كده واقعة فيك وبتحبك وباين فعنيها ..ياما نفسي تفرحوا بقى وتقوميلنا يا فرح بألف سلامة !!"
رددت حديثها مرة أخرى أوله مشاكسة وآخره تمني بحزن ورجاء. خجلت "جميلة" من تصريحها هذا. وتعمد "عز" عدم الضغط على حديث والدته أمام "فرح". فعاد يوّكز كف "فرح" بخفة. وهو يردد لها بمشاكسة كي تشارك ولو بالنظرات:
"ايه رايك يا فرح. أخوكي يتحب بردو صح. بصيليها أزغريلها بيني كده إنك غيرانة عليا. لاحسن أنا حاسس بقى إن أنا غلبان ومليش حد !!"
قال حديثه بدراما. فرفعت "فرح" ذراعها لتحتضنه وتفاجئوا من فعلتها كما تفاجأ من حوله. ضمها بلهفة. فأسندت رأسها على كتفه بأمان. وكأنها ترسل له رسالة مكشوفة. بأنه غالٍ عليها وبشدة. في حين قلبت "جميلة" الحوار لمرح. وهي تقول بضجر زائف:
"انتوا هتعملوا على رباطية بقى. أنا كده أخاف أجي البيت وأتجوز مش هلاقي حد فصفي !!"
قالتها بدراما مماثلة. فتحركت "فرح". تنظر ناحيتها بابتسامة باهتة. فردت "حنان" عليها بلهفة كبرى:
"مين دا اللي مش هتلاقي حد فصفك وأنا روحت فين يا بت يا جميلة. ليكي عندي لو عز ابني غلطلك وداسلك على طرف هعرفهولك. يعني هيكبر على أمه!"
ضحكت بقوة. وهي ترمق "عز" بشماته. فتنحنح "عز" يحذرها بطريقة زائفة مرحة بالجدية المغشوشة:
"خدي بالك. انتي بتضيعي الهيبة يا أم عز كده!!"
ضحكت "حنان" وهي تحاوطهم بنظراتها بدفء وحب. تتمني أن تجتمع به بحال أفضل وأن ترى عوض "عز" كما تتمني أن تحمل أطفاله بأقرب وقت كي يعم منزلها البهجة التي لم تزوره من فترة كبيرة. دائمًا ما كان السكون يحل محلهم!! اعتدلت "فرح" في جلستها وهي تتنفس بعمق. ولأول مرة منذ فترة كبيرة تستطع أن تأخذ أنفاسها بهذه الراحة ربما لأنها لا تحمل هم أو ذنب أحدهم الآن. طالعتها "حنان" بتمعن. في حين وزع "عز" نظراته بينهن. ثم ثبتها على "جميلة" ودموعها العالقة بعينيها شفقًا وحزنًا على حال "فرح". لامس قلبه كل ما تفعله. بداية من رغبتها العارمة في أن تضحي بسعادتها لأجله وأجل حزنه. دموعها وقلبها اللين الرقيق ودموعها الدافئة ولين قلبها كما كانت لينة في المعاملة. خجلها الزائد عن حده بهذا الزمن الغريب الذي رأى به مختلف الأشكال والألوان من البشر وطباعهم. كل شيء بها مختلف. وشعور الراحة منه لها وعند وجودها واختيارها دائمًا لا يفارقه لا يفارقه فخره بنفسه عندما اختار واحدة مثلها هي. هي التي تعتبر فريدة من نوعها. عينيها.. ملامحها.. خصلاتها الذي يتمني رؤيتها بشغف. ود لو يطلب منها هذا ولكنه صمت كي لا تهابه. أفكاره كرجل عبثي بما يريده بمشاكسة طفيفة يوترها. يوترها ويخجلها أقل شيء يفعله هو. لا ينكر بأن هذا الخجل لاق استحسانه وبقوة. احمرت وجنتيها عندما وجدته شاردًا بها كمن ثبت ليلتقط له أحدهم صورة وهو هائمًا بها بهذه الطريقة. تنحنت تشير بيديها أمام وجهه وهي تقول:
"عز انت معانا؟ بقولك الزيارة وقتها انتهت. يلا قوم ودعها عشان نخرج!!"
بالفعل خرج من شروده ونظر تجاه شقيقته فوجد "والدته" تحتضنها بالوداع. نهضت "جميلة" تجلب هاتف "فرح" تضعه بين كفيها ثم قالت لها بابتسامة واسعة قبل أن تحتضنها وتعتدل لتخرج:
"متنسيش تفتحي عليا.. علشان أحس إنك معايا.. انتي فارقالي أوي يا فرح ووجودك فارق معايا..أنا بحبك أوي!!"
كانت هذه جملتها بعدها احتضنتها بحب. فرفعت "فرح" يديها تمررها على ظهر "جميلة". ووقف "عز" منحنيًا كي يقبل قمة رأسها ومن ثم إحدى وجنتيها برفق وهو ينظر نحو ملامحها الباهته حتى قال بتحشرج:
"هستناكي يا فرح. هفضل مستني تكوني بخير وعمري ما همل. خلي بالك من نفسك. مش هتأخر عليكي. عز الرجال ملوش غيرك يا بنت حنان فرحيه بقا وحاولي تردي وتكوني."
كويسه!
ابتسمت له بهدوء. فعانقها هو وهو يشدد في عانقها. وعندما لاحظ خروجهما، وقف معتدلاً. كي يسير. وسرعان ما وقف متصنعاً التذكر وهو يسألها:
"زعلان إنك مش هتختاريلي لبسي النهارده. بس أنا هقولك!"
وقف معتدلاً. ثم إقترب يردد بتساؤل وكأنه يشاركها أدق تفاصيله:
"البس قميص إبيض على بنطلون بيچ ولا ألبس بنطلون إسود وقميص أبيض؟"
سألها باهتمام. وهو يبتسم وعقب ما ابتسم وقف منتظراً. ثم قال مرة أخرى يخيرها:
"الأول ولا التاني؟ شاوريلي بآيدك وهعتمد علطول يلا!"
توسعت بسمتها هذه المرة. وحركت كفها ببطئ وهي ترفع إصبعها السبابة مما يعني الاختيار رقم واحد. ضحك بخفة. ثم أشار نحو عينيه مردداً بسعادة:
"خلاص اعتمدنا الكلام. هبعتلك صورتي أول ما أجهز عشان تكوني أول واحدة تشوفيني. ماشي؟"
حركت رأسها إيجاباً. فأشار لها بالوداع. ورغم ان اختيارها مثل "جميلة" ولكنه لم يردد ذلك بل ود ليشعرها بأنها تختلف عنهن عنده هو. بأنها قريبة لقلبه قبلها. حدسه يحثه بأن ثمة شعور لديها بالغيرة الطفيفة يداهمها ربما لانها بعيد والأخرى الأقرب ولكنه عمل على زوال ذلك الشعور حتى وان كان غير مؤذي لأحد!
بينما في شقة "عايدة" الٱن وبعد مرور وقت. جلس الشباب مع بعضهم حتى بعدما جاء "حازم" مع "ياسمين". وقفت النساء في المطبخ وإنخرطت "فاطمة" في الحديث معهن بحب. وتلقائية. في حين جلست "نيروز" معهم تستمع فقط دون حديث وتارة تلاعب "يامن" بسعادة من رؤيته يضحك وسط الأطفال. على بعد منهم كانت جلسة الشباب مع "حامد" هو الٱخر. وعينيها هي لا تفارقه تارة تنظر له بشوق وتارة أخرى تحدجه بحدة. لا تعلم من أين أتت ولكنه يعلم بأن عنادها ليس له مثيل. كانت "ياسمين" تتحدث مع "فاطمة". وذهبت "وردة" هي الأخرى إلى المطبخ. وكان من بين الشباب "شادي" الذي أتي هو الٱخر.
إقترب موعد الغداء ولم تأتى "جميلة" بعد هي و"عز" ووالدته. و"فريدة" هي الأخرى مازالت في الأسفل. أو هكذا يعتقدون. بل هي الٱن أغلقت المحل بالفعل قبل أن تقف هي وهو أمام المصعد. سرق النظر إليها فوجدها تقف صامتة. فعاد ينتظر المصعد بينما تفاجأ من قولها الجرئ مرة واحدة بإندفاع دون مبررات:
"لو سمحت متركبش معايا الاسانسير. شوف التاني او اطلع على رجلك. أنا مش هدي الأمان لواحد زيك!"
تلك الجريئة المتبجحة بطباعها الثابتة. لم يتفاجأ "ٱدم" بل ظل واقفاً. متنظراً المصعد دون ان ينظر إليها وتزامناً مع ذلك إشارته لها بغير اكتراث عندما قال بوقاحة:
"قال يعني وانتي الملفته اوي. اتلهي!"
فتحت عينيها من وقاحته. وكان كاذباً بهذه الجملة. ملفته حتى وان استقامت واعتدلت بملابسها وهذا ما يثير حيرته بها. ضغطت على فكها ثم دارت رأسها تحدجه بغضب. مرددة بتعنيف:
"علفكرة انت قليل الأدب ومتربتش!"
"حصل"
ودت لو ترفع يديها تصفعه الٱن من هذا البرود. وقبل أن ترد من بين سهام نظراتها وجدت "جميلة" تدخل عليهما هي و"عز" و"حنان". دارت وجهها ناحية "جميلة". فابتسمت بلهفة سريعا. تزامناً. مع ترحيب "عز" لـ "ٱدم". فسألتها "جميلة" التي لاحظت تهجم ملامحها:
"مالك كده في ايه؟"
حدجت "ٱدم" بقوه ثم عادت تنظر لها وهي تقول بجدية بالغة امتزجت بحدتها في الرد رغماً عنها:
"مفيش!"
"فيه ان الآنسة فريدة مش عايزاني أركب معاها الأسانسير مع إني والله متوضي كمان."
قالها "ٱدم" بإستفزاز. فتوترت ملامحها عند هذا اللقب مجدداً. وصمتت "حنان" بتفهم. مع نظرات "عز" المهزوزة ناحية "جميلة" التي وضعت يديها على كتف "فريدة" برفق. ثم نظرت ناحيته متمتمة بأسف:
"معلش. متقصدش اللي انت فهمته!!"
"انتي بتتأسفيله على ايه؟ دا بني آدم قليل الادب!!"
قالتها "فريدة" بانفعال. فتصنع "آدم" البراءة وهو ينظر وكأنه يشهدهم على اسلوبها. وقبل أن يرد أحد. هتف "عز" عالياً. ينهي هذا:
"خلاص حصل خير. تعالى ي ٱدم نطلع إحنا على السلم لان التاني مشغول وهم هيطلعوا فـ ده وخلاص!"
قالها عندما لاحظ فتح المصعد أخيراً. ركبن به. تزامناً مع صعود "عز" و "ٱدم" على السلم. وبعد مرور لحظات وصل المصعد وخرجت "فريدة" بغيظ. مع "جميلة" مستمعين لحديث "حنان" لها وهي تبتسم لها:
"براحة يا بنتي. الحياه مبيتاخدش كل حاجه فيها قفش كده حتى علشان نفسك!!"
نظرت لها "فريدة" وهي صامتة تحت ضحكات "جميلة" المكبوته. فحدجتها "فريدة" بغيظ. فقد قصت المختصر. ومنذ لحظات تضحك بخفوت:
"انت بتضحكي على ايه!!"
"طب والله دمه خفيف!!"
قالتها "جميلة" بضحك. فلاحظت ظهور "عز" و "ٱدم". فخرجت كلمة "فريدة" وهي تطالعه بسخط:
"دا يلطش!!"
لاحظ "عز" شراستها ومقارنة بـ "جميلة" فسيحمد ربه عليها فالحال. إعتلت الضحكات ودقت "جميلة" على الباب بيأس. منها وهي تضحك. فنظر "ٱدم" لها بكيد. وهو واقف بجانبها ينتظر فتح الباب. وعلى سهوه دون إنتباه انحنى يهمس لها وهو واقف بجانبها:
"براحة على نفسك بس أصل يطق لك عرق!!"
لم يعطها من فتح الباب فرصة للرد. بل فتحه "حازم" ورحب بالجميع بحرارة وهم يدلفوا إلى الداخل. حتى انخرطوا في الحديث. وجلست "جميلة" بجانب "نيروز" التي شاكستها بغمزة مرحة هادئة:
"الحب بينور!!"
رمقتها "جميلة" بملل. ثم ضحكت بإنهزام وهي تؤيد. في حين جلست "فريدة" بغيظ. بجانب "وسام" التي رمقتها بغرابة. من حالها هذا. وقبل أن تسأل سمعوا صوت ضحكات الشباب عالياً. ومعهم ضحكة "آدم" الذي نظر بعشوائية فتقابلت عينيه معها. فحركت هي عينيها ببطئ. مع نظرتها الجامدة. فإبتسم هو بإصفرار. وكان يجلس بجانبه "عز" الذي مال يهمس لـ "غسان" بضحك. يعلمه ما لا يتوقع أنه لم يعلمه:
"انت كنت فين دا كان في عاركة دلوقتي بين ٱدم وفريدة!!"
لم يتفاجأ بل ضحك "غسان" بخفة. ثم قال له بغير اهتمام يعلمه بأن هذا أصبح طبيعياً:
"عدي يا عز. لازم تعدي ي برنس طالما مناسب واحدة من عيلة الأكرمي. متلاقيش حد هنا سهل..آدم يستاهل يتربي منها ومن لسانها ما اصلها مش سهله وأنا عارف!!"
تفاجئ من حديثه الواثق هذا. وكأنه يقول شيئاً عادياً. لم يري من "جميلة" شيئاً ليس هيناً إلى الٱن. ربما سيظهر في القادم. شرد للحظات. وأخرجه "غسان" بتفهم. وهو يضحك:
"لا متفكرش كتير هنا كلهم كيدهن عظيم..!!"
أثار الحديث انتباه "شادي". الجالس بجانبهم. فرد سريعا. على حديث "غسان" بعفوية:
"مفيش ست سهله ي معلم. إسألني أنا!!"
"في ست سهله عادي بس لما الراجل يكون فاهم مخارجها ومداخلها كويس. إركن إنت..دا احنا هنشوف العجب فيك!!"
قالها "غسان" بضحك. ثم عاد يميل ليهمس بجانب إذن "عز". وهو يشاكس الٱخر:
"شايف الكدمة الزرقا الخفيفة اللي تحت عينه دي. دي من "منة" خد بالك. كل يوم بتصبحني بعلقة وتمسيني بعلقة. وجاي تدينا نصايح للستات!!"
قهقه "عز" عالياً. بصوت. وهو يضرب كف "غسان" الذي ضحك وهو ينظر بكيد. ناحية "شادي" الذي تنحنح بحرج. زائف مردداً:
_" عادي براحتها .!!"
_"إخص على الرجالة !"
هتف بها "آدم" بتقزز، فضحك "غسان" و"عز" هذه المرة بصوت عالٍ مما جعل "حامد" ينتبه لهم هو و"بدر" الذي ضحك على ضحكهم دون فهم هو و"حازم". وكأن الوضع جاد. ونظرات "آدم" المشمئزة ناحية "شادي" الذي رمقه بغرابة وهو يرد عليه بجدية زائفة:
_" إنت بتبصلي كده ليه يعم انت !!"
تتزايد الضحكات منهما هما.. اللذان هولا الوضع بتهليل وشر بخبث كلماتهم "غسان" و"عز". ظلا ينظران بتسلية. فرد "آدم" بجدية يشير له بيديه:
_" يجدع الراجل مننا ملوش غير هييته !!"
كبت "غسان" ضحكاته ثم نبس بسخرية مضحكة:
_" شوف مين بيتكلم !!"
ضحك "عز" هذه المرة بتفهم لما يلمح له. فنظر "آدم" بغيظ تحت ضحكات الجميع:
_" علفكرة أنا قادر أبعتر كرامتها بس أنا محترم نفسي!!"
فتح "عز" عينيه وهو يغمز له بتحذير من وجود "حازم". فعقد "بدر" حاجبيه وهو يسأله:
_" هي مين دي يآدم؟"
توترت ملامحهم ولأن قول "آدم" عالٍ سمعته "فريدة" والفتيات اللاتي لاحظن صوت ضحك الشباب العالي. والصادم أنها وقفت تنظر بغيظ وهي ترد عليهم بوقفتها أمامهم مرددة بجرأة:
_" أنا !!"
فتحت الأعين وصدم البعض والبعض الآخر ينظر بغير فهم. وتوترت الملامح عداه هو وهو يشير لها بغير اكتراث مرددًا:
_" والله اللي على راسه بطحه بقا !!"
حذره "بدر" وضغط "عز" على كف "آدم" كي يصمت في حين سأل "حازم" بجدية:
_" هو في إيه؟"
_" مفيش يا حازم بيهزروا مع بعض يعم !!"
قالها "بدر" كي ينهي الحوار. ولأن "آدم" يعتبر في منزله فإلتزم الصمت وهو يحدج "فريدة" بحدة فتراخت وهي تسير من أمامهم مرة أخرى. واستطاع "حامد" تخمين الوضع. وهذه المرة حذر "غسان" بنظراته عندما علم بأنه المتسبب في تصعيد الأمر بهذه الدرجة. فتخطي جلوس "بدر" بجانبه ثم همس لـ "غسان" بتحذير:
_" ياريت تعقل شوية !"
تصنع عدم الإنصات حتى نهض وهو يكبت ضحكاته كي يقف بجانبها هي وهي تنظر له من على بعد. في حين تحرك "عز" ناحية الشرفة كي يقف بها ليدخن سيجارته براحة كبرى. وتفاجئ بها تقف بجانبه وهي تردد بيأس تسأله:
_" مش بتفكر تبطلها يا عز؟"
لم يثير غرابته هذا السؤال. بل تنفس بعمق وهو ينفي برأسه بقلة حيلة. فأخذتها هي من بين يديه تطفئها ببطء. فقال هو بمراوغة:
_" انتي عارفه لو حد غيرك كان هيحصل فيه إيه؟"
_" ممكن أعرف أنا مين غيري هيتجرأ يقرب منك كده وياخدها من ايدك!"
_" أي حد عايز يخمس معايا فيها. سهلة !!"
حرك كتفيه ببساطة وهو يرد. فضحكت هي بخفة ثم ردت عليه بمشاكسة:
_" بس أنا مش عايزه أخمس فيها. أنا عايزة صحتك تكون كويسة. إحنا خلاص الغدا هيتحط فملوش لازمة تشربها دلوقتي !!"
وقبل أن يرد سمع صوت دقات هاتفه في جيب بنطاله فاعتدل يخرجه. وما أن ظهر الاسم تأفف بملامحه وتردد في أن يجيب. ولكنها لاحظت فنظرت بجرأة ناحية الشاشة إلى أن وجدت الاسم. عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل:
_" مين مدام أماني دي؟"
ستبدأ الغيرة! تنهد "عز" يخرج أنفاسه وهو يرد عليها بنبرة هادئة مختصره:
_" زبونة ليها عربية إتأخرت في التصليح!!"
_" ومسجلها ليه؟"
ما هذا السؤال الغريب. رفع حاجبه الأيسر باستنكار ثم رد على حديثها بـ:
_" علشان تعرف هي اتصلحت ولا لا. وبعدين دي زبونه قديمة معانا من زمان !!"
قلبت عينيها بصبر وهي تهمهم بثبات مرده بنبرة هادئة عكس ردها:
_" عشرة عمر من زمان يعني"
صمت "عز" قليلا وهو يحرك رأسه بغير وعي لردها. فإنقلب الحوار والتعامل لآخر بارد منها. فسألها بتلقائية ووضوح:
_" هو انتي غيرانه؟"
وقبل أن ترد عليه وجدت الهاتف يدق مرة أخرى بعلو. فتحدثت بنبرة هادئة تحثه مرة أخرى:
_" ما ترد متسيبهاش ترن عليك كتير ولا كأنها حبيبتك مثلا!!"
تنفس "عز" بصوت متحليًا بالصبر حتى رد بجمود يخبرها:
_" أنا مليش فـ كده يا جميلة وانتي عارفه كده كويس!!"
فتح الهاتف وفتح مكبر الصوت كما هو معتاد والآخر كي يثبت لها. فردت المتصلة على الجهة الأخرى:
_"هاي يا عز"
_"أهلا يا مدام أماني أخبارك"
_"كويسه يا عز يسلملي سؤالك. أنا عايزه اعرف العربيه إتصلحت ولا وصلت فيها لحد فين كده مش تطمني وترن عليا كده وتعرفني ولا انت بقا مش معتبرني صاحبة ليك. دا أنا معاك من زمان يعني يا مان المفروض تبقي جدع معايا وتخلصها بسرعه عشان خاطري عندك حتي!"
أما سمعته صحيح! لأنه لا يري سوي من تقف أمامه لم ينتبه أن هذا الحديث لعوب. أنثى مثلها من تعلم هذا. صدم من تحرك "جميلة" بصمت وسكون لخارج الشرفة. تتركه. وهي تتوجه ناحية المطبخ لتعد معهم وترص الطعام على السفرة. رد عليها "عز" بإيجاز واختصار بحجة أنه منشغل بالفعل بهذه الأيام التي تعد قبل زواجه. وأغلق الخط بضيق. فقد فهمت الأخرى بمعني خاطئ وإتضح بأنها ليست من النوع التي تهاجم وتواجه بل تأخذ الانطباع بصمت وتصمت بتجاهل!!!
وأما عنها فهي وهي تحول الأطباق شردت بأفكارها. أيمكن أن تكون قد عظمت الوضع والحديث.
ولكن حدسها كأنثى يشعرها بأن هذه التي ترد عليه بتمايع في الحديث ورقة مبالغ بها، كل ذلك يثير غيرتها وهي التي لم تستطع فعل ذلك معه. أيمكن أن يلتفت لها لأنه لم يجد ذلك بها؟
جلس الجميع على سفرة الطعام الكبيرة ملتفين حول بعضهم، وكل منهم جلس بجانب من يهمه. حتى وجدت "جميلة" نفسها جالسة بجانبه بعدما هتف الشباب باسمه كي يأتي من الشرفة. حدجها بنظرات مهتمة ومال يسألها باستفهام كي يأتي منها الحديث:
"ممكن أفهم مشيتي ليه؟"
"عشان أسيبك براحتك مع مدام أماني!"
قالتها ببساطة وهي تندمج في الطعام. فرمقها بنفاذ صبر قليل ما يظهر عليه وهو يرد:
"بلاش الطريقة دي يا جميلة، مفيش حاجة من اللي فدماغك دي!"
حرك عينيه من عليها مندمجاً في تناول الطعام، بينما صمتت هي بضيق. في حين كانت تجلس "نيروز" بجانب "يوسف" الذي جلس بجانبه "والدته"، فأطعمته "نيروز" بحنو، وهي تحثه بلهفة على أن يأكل موزعة نظراتها بحب بينه وبين توأمه الآخر الذي جلس بجانب "آدم" الذي كان ينظر لـ"فريدة" بين الحين والآخر باستفزاز مماثل لها. مال "غسان" بعدما نظر لها بلطف، وهي تهتم برقة بالأطفال شفقة لما علمته عنهم وعن والدهم بمعاملته. في حين همس هو لها بتهكم:
"مش لما تهتمي باللي عندك الأول!"
قالها بمشاكسة مدفونة. فردت هي بغير اكتراث وهي تبتسم لـ"جنة" حتى عادت تنظر له تزامناً مع قولها:
"خليك فحالك!"
"إنت حالي!"
رددها "غسان" بلين معهود لم تراه من فترة. إنهزم بشوقه لها ولا ينكر ذلك. لم ينهر نفسه على جملته بل انخرط في الطعام كما فعلت هي وهي تتصنع التجاهل. في حين تحدثت "عايدة" بأسف لـ"شادي":
"أنا عزمت منة وباباها بس رفضوا وقالولي هيجوا على الحنة علطول!"
حرك رأسه مبتسماً ثم رد عليها يوضح لها:
"أصلهم المفروض هيخرجوا مع بعض يتغدوا برا بعد الامتحان!"
تفهمت وتفهمت أكثر حرج "طارق". نهضوا واحد تلو الآخر من على الطعام. وحولت الفتيات الأطباق، فوقت "غسان" يساعدهم مع "حازم" وتوجه بقية الشباب ليغتسلوا مع تنظيف "جميلة" المكان بعد الطعام وكنس "وردة" ودخول "نيروز" المطبخ معهم كي تساعدهم. عاد الشباب مرة أخرى وجلس معهم "عز" الذي حاوط "جميلة" بنظراته وعندما وجدها تجمع مفرش ما من على الأرض للتوجه به ناحية الشرفة نهض خلفها مباشرة. في حين جلس "غسان" بجانبهم مرة أخرى، وتلك المرة جلست بعض النساء والفتيات مع الشباب متحدين مع بعضهم بأصوات تعلو بعشوائية في الحديث بكل طرف مع طرف آخر غير أطراف أخرى!!
بينما في الشرفة انتفضت هي عندما شعرت بأحدهم خلفها ولا يفصله شيء عنها. لم تتوقع شخص غيره شعرت بالحرج وهي تتزحزح تعدل ما بيديها لتضعه على السور ثم اعتدلت تدفعه عنها برفق كي تقف براحة:
"لو سمحت ابعد شوية مينفعش كده!"
"عند عز ينفع!"
قالها وهو يخرج لفافة من جيبه ليشعلها. بينما وقفت هي صامتة. فعاد يتحدث بوضوح وتعقل:
"اتكلمي يا جميلة بكل صراحة وبلاش الطريقة دي معايا، أنا مش محتاج أقولك إن مفيش حاجة أصلاً تخليكي تعملي كده!!"
اعتدلت "جميلة" تخرج أنفاسها ببطء ثم قالت بنبرة هادئة توبخه بهدوء:
"دي مش طريقة زبونة عندك يا عز، انت مش شايف بتتمايع عليك إزاي وكلامها كله متصنع، دي بتقولك بالحداقة عايزاك تبقى صاحبها، صاحبها إزاي يعني مش فاهمة؟"
أخرجت شراستها الطفيفة بآخر حديثها. فاعتدل محاولاً إنهاء الحوار وهو يقول بمشاكسة ممسكاً باللفافة بين يديه:
"صدقيني أنا مش واخد بالي من مياعة غيرك عليا!!"
تورّدت وجنتيها من حديثه العفوي المشاكس. فعاد هو يوضح بابتسامة تسحرها:
"مع إن مبشوفش المياعة دي بس مسيرها يعم الجميل!!"
أراد أن يبعد عن الحوار ووضع يديه على كتفيها موضحاً أكثر بتفهم:
"والله العظيم يستي ما حد شاغلني غيرك انتي، ولا أنا لعوب وبتاع بنات عشان عيني تروح كده ولا كده، العين والقلب بيحبوكي انتي يا جميل وربنا!!"
لانت سريعاً وهي تبتسم له بحب وخجل. فعاد هو يتحدث مرة أخرى بجدية بالغة:
"وبعدين أنا فاضي يا بنت الناس للكلام ده عشان أجري ورا الزباين، طبيعي هلاقي أشكال وألوان فشغلي، بس شكلك ولونك ثابت عندي مبيتغيرش، كان فاتني عرفت استغني وبعدت بس مقدرتش، أي نعم غيرتك حلوة أوي بس يضايقني أشوفك بتبصيلي على إني غلطت في حقك مع إن معرفتش أعمل كده ولا هعرف!!"
خبير.. خبير هو في قول الحديث المعسول وهي العكس تماماً، كلما تتأثر تصمت ولكن جاء على خاطرها سؤال متأثر خائف آتٍ من توترها وفقدان ثقتها بمن حولها خاصة بعد تجربة والدها في حياتها الطويلة:
"عز هو إنت ممكن تسيبني؟ ممكن تمل مني ومن حبي.. وتعايرني في يوم؟"
تفاجأ من سؤالها ويثير حسرته عدم ثقتها هذه التي ظهرت. أطفأ ما بيديه بطريقة ملحوظة ثم تنهد وهو يفتح ذراعيه لها على فجأة مردداً يحثها:
"تعالي!"
ترددت ولكنها دخلت بين أحضانه فضمها أكثر وهو يتنفس بعمق ثم رد عليها وصوته يأتي من الخلف بجانب أذنها عندما همس هو لها بحب:
"عبيط وخايب وميعرفش حاجة اللي يمل ويسيب ويعاير الجمال، مش هقولك مستحيل بس أنا حاسس إني هفضل أحبك لكثير أوي ومش همل، يمكن عشان دُقت المر فبعدك ومعرفش أبعد وأمل مع إن ساعتها كان أمر واقع من غير أمل.. توعديني انتي متمليش مني ومن العيشة معايا وتتحملي حتى لو جه علينا أيام صعبة؟!"
خرجت من بين ذراعيه تؤكد برأسها وحينها هتفت بعمق وصراحة:
"أنا معاك دايماً على المر قبل الحلو، معاك طول ما انت مصدر أمان مشوفتوش قبل كده ولا هشوفه غير معاك انت بس!!"
وبلحظة كهذه تمعن النظر بملامحها الجميلة مثل اسمها. وعندما اقترب برأسه ليقبل إحدى وجنتيها، انتفض الاثنان معاً عندما صرخ أحدهم يوقف ما يفعلانه:
"اقف عندك!!"
كان "حازم" والذي بخفة كبرياء وقف حاجزاً بينهما وهو يمسك "عز" من ياقته مردداً بتعنيف:
"انت هتحترم نفسك امته!"
كبتت "جميلة" ضحكتها. فهتف "شادي" وهو يدخل بجانب "غسان" الضاحك:
"لما يتجوز يا حازم!"
حرك "غسان" رأسه نفياً بيأس من أفعال "حازم" التي تأتي من غيرته رغم ثباته وعقله. في حين أهبط "عز" يدي "حازم" وهو يرد بثبات:
"معنديش ميعاد محدد، بس أوعدك لما أحترمها هقولك!"
احمرّت وجنتيها بخجل عندما وجدت نفسها محاصرة في الشرفة بينهم. فابتسم "عز" لها وهي تهبط عينيها كي تخرج إلى الخارج عندما أفسح لها "بدر" و"آدم" المكان بلباقة. فدخلوا وهم يرون نظرات "حازم" الحانقة لـ"عز" الذي برر له بضجر:
"أنا مش فاهم عايز ايه مني. اختك مراتي.. مراتي يا جدع ارحم امي بقى!"
ضحك الشباب حتى "حامد" الذي دخل مع قول "غسان" المشاكس له:
"حازم مجربش مشاعر."
كتب الكتاب ملحقش يعيني مش حاسس بيك يا عز أعذره مش زيي ولا زيك معاشش كل ده قدره!
رمقهم "حازم" بحنق، ثم قال بعقل،
"كنت خاطب مده طويلة بس كنت محترم حتى بعد كتب الكتاب اللي كان فترته قصيره!"
أشار "ٱدم" بغير اهتمام وهو يرد بوقاحة:
"انت متربي عشرين مره يا حازم، دا أنا لما أكتب كتابي ههيص وأعيش، وبص هـ.."
كمم "بدر" فمه بكفه تحت ضحكات الشباب و"حامد"،
فرد "عز" بنبرة ضاحكة يرد عليه:
"حاسك إندمجت يا ٱدم وانت أصلا لسه سينجل!"
حمحم بحرج زائف،
فتحدث "بدر" هذه المره بابتسامة هادئه:
"ايوة.. بس عايزين نشوفله عروسه بقا إيه رأيكم، محدش عنده واحده حلوه كده ليه تشغله!"
ضحكوا بخفة،
فتعالي صوت "حامد" بتعقل:
"ومالوا بس يكون قادر يفتح بيت ويشيل مسئولية فعلا!"
هنا وتحدث "ٱدم" بنبره هادئه مستندا بأريحية على السور:
"حاسس إني لسه عايز أتعب أكتر عشان أخد القرار ده يا عمي!"
أعجب بعقله،
فنظره له "بدر" بيأس، ونجده من يأسه حديث "حامد" الهادئ بـ:
"خلاص سيبه على راحته يا بدر، لحد ما يجيلك وهو مختار عروسته بنفسه الأمور دي بتيجي بالرضا يبني عشان مفيش حاجة تفشل، مش لازم الرضا يكون من العروسه ايا كان، لازم بردو الرضا يكون من الراجل عشان لما يدخل ع المسئولية يدخل وهو متقبل ده مش متخبط ومتردد او مش راضي أصلا ولا حاسس بإن دي مسئولية وحياه!"
كان حديثه متعقل بما فيه الكفايه،
فرد "عز" بشرود يجيبه بتأييد:
"لو كل الناس بتفكر زيك كده يا ابو غسان مكنتش الدنيا لطمت حد ولا كان في ناس إتولدوا مجبورين على شيل المسئولية بدري عن ابوهم وامهم، بس هي كده الدنيا مبتديش الواحد العقل الا لما يتقرص منها!"
أيدوه بشدة،
وشعر "غسان" و"حازم" بثقل كلماته هذه،
فتحدث "شادي" بابتسامة متحمسه:
"ان شاء الله نتجوز يا عز انا وانت ونخش دنيا بقا ونهيص!"
ضحكوا عليه بخفة،
فرد "غسان" بسخرية مع نبرته الضاحكه:
"قاعدين لا بينا ولا علينا، فجأه يخش يقولك أنا عايز اخش دنيا، لا اله الا الله، خليك كده من غير ما تخش دنيا، الجواز تلت تربعه نكد خد بالك بقا انا محذرك اهو وجايلك من المستقبل!"
توقفت الضحكات عندما وجدوا "نيروز" تقف من خلفه وهي تحمل صينية بأكواب الشاي،
وقفت تنصت لأول حديثه،
فحمحم "شادي" بحنجرته كي ينبهه وهو يشير خلفه بنظرة عينيه تحت كبت الجميع ضحكاتهم،
فإلتفت ينظر مدعيا الدهشة وهو يصحح مره أخرى بسرعه:
"الجواز دا أكتر حاجة جميلة فالدنيا، بالذات لو مع الشخص اللي بتحبه واختاره قلبك!"
كانت صادقة منه رغم انها مرحه،
لاحظت مرحه وصدقه بنفس ذات الوقت،
فابتسمت وهي تحدجه بتحذير،
فمد يديه يحمل منها الصينية وهو يهمس لها بتهكم:
"تجربة متمنهاش لألد أعدائي!"
فتحت عينيها على وسعها بذهول،
فعاد هو يهمس بعمق وهو يكمل:
"أصلها حلوه أوي وأنا متمناش لعدوي الحلو أبدا!"
إحمرت وجنتيها،
ثم ردت عليه وهي تعتدل قائلة بنبره هادئه:
"ياريت تحاول تخلص بدري عشان تطلع تشوف هتلبس ايه، لاني مش هكويلك حاجة!"
تركته بعدها ينظر لها ولشراستها المخفيه بغير تصديق،
ثم عاد يوزع أكواب الشاي عليهم وهو يندمج في الحديث،
في حين كانت النساء فالخارج يتجهزن لارتداء الملابس تزامنا مع إستعداد "حنان" كي تذهب إلى منزلها مع "عز" لتبديل ملابسها،
دخلت "ياسمين" الغرفة وذهبت "وسام" إلي شقتهم مع "دلال"،
في حين وقفت "فريدة" تعبث بهاتفها بملل كي تخرج من الشقة،
فلاحظت هي صوته يأتي من خلفها مرددا:
"ياريت أسرع، عايز أروح ألبس وٱجي!"
التفتت برأسها تنظر له بغير اهتمام حتى خرجت،
ثم نظرت له قائلة بتبجح:
"ياريت متجيش أصلا!"
"مقبوله منك، هتلبسي ايه بقا؟"
سألها باهتمام يثير استفزازها به،
ففتحت عينيها بدهشة،
وهي ترد بتبجح مره أخرى:
"انت مجنون يبني انت، انت مالك أصلا، وبتاع ايه تسألني سؤال زي ده!"
صمت "ٱدم" بثبات،
ثم أخرج أنفاسه بصوت وهو يقول بجدية:
"الصراحة انا نفسي أسألك سؤال تاني بعيد عن كل ده!"
رددت بفظاظة تشير له:
"نعم؟"
"متعرفيش حاجة عن حسن ولاحتى مكانه فين دلوقتي؟"
أثار إنفعالها سؤاله، وتقهر من شقيقها بقوه وهو يذكرها به،
ردت بانفعال تشير له بجهل:
"معرفش حاجة عنه وياريت متسألنيش عنه تاني لاني مش هقدر أفيدك كده كده عشان مبيربطنيش بيه غير الدم والإسم بعد اللي عمله فيا!"
أثار فضوله سؤالها وهو يقف الٱن أمام شقتها،
فرد يسألها باهتمام:
"عملك ايه؟"
"كان هيموتني بالمطوه اللي كانت تحت رقبتي وفتح رجلي بيها وكـ انت مالك انت ليه تعرف حاجة زي دي.. بتسأل ليه!"
ردت بتلقائية مقهورة فالبداية ثم قلبت الحديث لمنفعل،
فرد هو بتبرير رغم حزنه ودهشته بما سمعه:
"أكيد مكنش فوعيه يا فريدة، لو تعرفي مكانه فين قوليلي يمكن أقدر أساعده للمره الٱخيره و.."
قاطعته بحزم وقسوة اتت من داخلها:
"معرفش ومش عايزة أعرف ولو أعرف مش هقول، انا مش عايزاه يكون أحسن، هو كده وعمره ما هيتغير وانت زيه!"
يتحملها لكثير،
كور قبضته بإنفعال عليها حاول اخفاءه وهو يرد عليها بنبره حاده غليظة:
"أنا مبقتش زيه.. أنا إتغيرت، بس لو هتشبهيني بيه من ناحية تانيه فأنا مش زعلان، حسن عمره ما كان وحش الدنيا اللي جت عليه وخليته كده من صغره، بس بقا وحش ومرتاح على كده ومش عايز يتغير، ولعلمك دا لو اتغير هيبقي بني ٱدم تاني خالص، يمكن كمان يكون أحسن منك انتي شخصيا، خلي فقلبك رحمة، ولو انتي قاسيه أوي كده فحاولي تبيني العكس وانتي بتتكلمي عن اخوكي اللي من دمك مع حد غريب عنكم، وانا اتغيرت وكل واحد بيغلط فحياته.. ايه مغلطتيش قبل كده!"
قالها بإستنكار ودفاع عن نفسه وعن شخص "حسن" القديم،
أثار قهرها دفاعه عن شقيقها منها وتجمعت الدموع التي ابت ان تهبطها وهي ترد بإنهزام على ٱخر حديثه:
"غلطت.. بس بحاول أتغير وكإني مغلطتش ومش عارفه، أكيد هتفهم لانك مريت بتجريه صعبه، بس عمرك ما هتجرب إحساس ان اخوك المفروض يكون جنبك وبيحبك ومن دمك. يسندك يكون هو اول شخص كارهك ومش عايزك ولا عمرك شوفت منه شي كويس فحياتك. إنت جربت؟ مجربتش، متلومنيش على كلامي عليه وإحساسي اللي غصب عني اتزرع جوايا واتعلم عليا منه من برا ومن جوه، لو سمحت اسكت ومتشاورش للقهر يظهر وبلاش نتكلم فالموضوع دا تاني، ولو كنت دايقتك فحقك عليا ي ٱدم!"
تعتذر، عندما شعرت بالكسرة.
أشفق عليها ولم ينبس بأي حرف. سمع قولها وهي تستأذن كي تغلق الباب، فابتلع ريقه باهتزاز. شعر بأحدهم يهتف من على بعد وهو يخرج من شقة "حامد":
"خالو!"
انحنى "آدم" يحتضنه وهو يقبله، ثم قال:
"خليك هنا وادخل البس يلا جوه، فاطمة جايبه لبسكم وهي جاية. أنا هروح أغير هدومي وهرجع علطول.. اتفقنا يا دوما؟"
"اشطا يا خالو!"
قالها بنفس طريقة "آدم"، فضحك وهو يشير له بالوداع، منتظراً المصعد. في حين دخل الصغير إلى الشقة ورحل "عز" هو الآخر مع "حنان". وصعدت "نيروز" إلى شقتها، حيث عاد كل منهم إلى شقته ليتجهز. حتى "وردة" رحلت مع "بدر" و"يامن". وركب "غسان" المصعد حتى خرج واضعاً المفتاح في باب شقته ودخل إلى الداخل. بحث عنها بعينيه فلم يجدها. دخل الغرفة فوجدها تخرج فستاناً قماشياً هادئاً من اللون الفضي الفاتح دون لمعة به. وضعته على الفراش بطوله وحذر. فوقف مستنداً وهو يعقد حاجبيه باستنكار:
"وأنا هلبس إيه يعني!"
انتفضت بفزع من صوته. كانت شاردة للدرجة التي جعلتها لم تنتبه له ولغلق الباب وصوته. وضعت يديها على قمة صدرها مبتلعة ريقها ببطء، حتى حدقته بغيظ وهي تقول:
"ابقى اتكلم ولا أعمل أي حاجة بدل قطع الخلف ده!!!"
تنفس بصوت. وعلى فجأة وجدته يتوجه ليقف أمامها بسكون، حتى هبط برأسه يهمس بجانب أذنها قائلاً بعبث:
"طب وليه قطع الخلف؟ أنا نفسي أبقى أب أوي!"
ضغطها بما فيه الكفاية الفترة التي مضت. فحاول اللعب على أعصابها التي تتوتر بقربه. فدفعته عنها ببطء وهي تدير وجهها تنظر على بعد، مشيرة له وهي تقول بسكون:
"ع فكرة أنا طلعتلك لبس هناك أهو، ومش متكسر ولا محتاج مكواة!"
ابتسم على اهتمامها هذا، حتى حرك عينيه نحو وضعها للملابس. فعادت تتعلق عينيها بعينيه وتناست ما عاهدت به نفسها على أن تكون شرسة أكثر. بل كفى عليه هذا منها. ابتلعت ريقها بضعف، ثم قالت بأسف وعينيها تتجمع بها الدموع وكأن الإثنين يريدان اللين معاً وطاقة تحملهما في البعد تنفذ:
"متزعلش مني.. أنا حضني مفتوحلك في أي وقت. صدقني مكنتش أقصد أضغطك، رغم إنك بتضغط معايا غصب عنك أو بإرادتك في كل مرة. بس أنا.. أنا..."
توقفت بجهل. ماذا تقول؟ لم تعد تعلم كيف تجمع الحديث. بل ونظرة الحزن الذي يحاول إخفاءها بالمرح تقهرها هي وليس هو. قاطعها بصدق نبع منه وهو يقول بيأس وتنهيدته الحارة المنهكة تشرح وضعه لها:
"إنت صعبة.. بس أنا بحبك!!"
صمتت عندما وجدت حزنه منها بهذا الشكل الذي وضح بقوة لها. فوجدها تتنفس بصوت عالٍ تحاول كتم الدموع بغير فهم لكل المشاعر التي تشعر بها من تناقض يحدث داخلها للتو. تهاب أن يرفضها ويرفض اعتذارها ككل مرة. لذا جلست مكانها على الفراش وهي تسحب الفستان بعيداً قليلاً. جلست بصمت عندما استشعرت صمته هذا. وللصدمة أنه انحنى كي يجلس بجانبها.
طالع وجهها بصمت للحظات، واللحظات تصبح دقائق والعجز عن الحديث رفيقهم. ولكنه انهزم بكل تعبه لها وأمامها عندما انتهى الوضع وهو يقترب ثم أسند رأسه على صدرها. فرفعت يديها سريعاً تضمه باحتواء وقد شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح رقبتها وهو يتنفس بعمق، مردداً بتحشرج من بين عناقها له:
"أنا تعبت أوي يا نيروز من غير ما ألاقي سبب واحد لكل اللي بيحصلي ده. أنا مبقتش فاهم حاجة ومش عارف أنا الصح ولا الغلط. أنا مش لاقي حد جنبي ينصفني وينصف عقلي من أفكاره وهو كل شوية صوته بيعلي جوايا ويقولي إني وحش وبخرب على غيري.. حتى بعدك كان صعب بكل اللي حصل ده وكان عندي الأصعب من ده. فمعرفتش أفصل بس متأكد إني تعبان أوي من كل حاجة!"
صارحها أخيراً، وهو الذي يحتوي دائماً. الآن الأمر عكسي. تلهفت وهي تضمه أكثر، تكتم الدموع بمقلتيها دون رد. فأسند رأسه بإريحيه وهو يرفع ساقيه على الفراش ممداً بإنهاك متعب وهو يواصل:
"بس أنا عارف إني كنت صعب معاكي زي ما كنتي انتي. أنا كان نفسي بس حضنك ده يهون عليا اللي حاسس بيه. غير كده بكل اللي عملته أنا آسف!"
تأسف صراحة وتفاجأت وعلمت أنه يشعر بالكثير. اعتدل يمسك معصمها المجروح ثم قبله برفق ولين وهو يردد مرة أخرى بإهتزاز أمام عينيها البنية التي تهزمه في كل مرة:
"حقك عليا يا نيروز!"
"ينفع أقولك أنا.. إن حقك انت عليا من كل حاجة شوفتها وسمعتها مني ومن أي حد غيري!"
سألته هي بنبرة باكية متعاطفة مشفقة. فأكد وهو يحرك رأسه بنعم، مانعاً ثباته بأن يهتز أمامها أكثر من ذلك. ولكن هزمته دموع عينيها الذي يراها تسقط وصوت شهقتها الباكية بلوم له يعلو بعقله الآن ومنظر والده وهو بين الحياة والموت يتعلق بذهنه. كل هذه ندبات لم يتعافى منها حتى ولو أن أحد الأمور قد تخطاه. ولكن هي وأحضانها حينها لم تكن موجودة، فكيف سيتخطى بدونها كل ذلك؟ أكد برأسه بضعف تراه لأول مرة. وهذه المرة هزمت بنفسها كل الأصوات التي بداخلها وهي تتوجه لتقبل قمة رأسه بحب. ومن ثم تشبثت بيديه وهي تقول بدموعها هذه تبث به ثقة واطمئنان:
"أنا كان نفسي يكونلي أخ زيك أوي يا غسان. كان نفسي عشان عمري ما شوفت أخ حنين زيك كده. بس ربنا كرمني وخلاك ليا أخ وأب وزوج وصاحب كمان. ففرحت ويا بخت اللي انت فحياته. أنا مقدرش أستغني عنك. أنا بحبك أوي ومهما كان فالبعد عنك صعب أوي. صعب بعد ما الواحد يجرب حنيتك وحبك ووجودك فحياته. أنا.. كل ما بحس إن انت متدايق ومكسور بعيط وكإني بعيطلك وانت حابس دموعك ومش عايزها تنزل. بتضغط ليك ونفسي أفضل مضغوطة ليك لو هتبقى بخير!"
تبدل الوضع هذه المرة وضمها هو بشدة، محاوط كتفيها بقوة قوية من ذراعيه لم تتأوى من ضمه رغم شدته. وكأنها تفهم بأنه يخرج كسرته بضمها له. أسندت رأسها عليه حتى أسند ذقنه على خصلاتها وجرت أنفاسه الساخنة بفروة رأسها. فأخذت أنفاسها بتنهيدة حارة وهي تغمض عينيها بثقل، وكأنها تخرج طاقتها السلبية بين أحضانه هي الأخرى. وجدته يردد على وضعه هذا وهو يقول بإشتياق:
"أول مرة أحس إنك وحشاني وإنتي جنبي بس أنا اتكسرت منك انتي بالذات يا نيروز!"
رفعت رأسها تنظر إلى اللوم في عينيه بصمت. فعاد هو يكمل من جديد بتعب والوضع لم ينتهي إلى هنا:
"أنا مش مصدق لحد دلوقتي انك رفضتيني وأنا جايلك بليني عليكي وهو غالب عليا زي كل مرة. لما قولتي لا.. حسيت إنك بقيتي تقرفي مني ومش عايزاني. بمجرد كلمة حرقت قلبي وأنا عارف إنها خرجت بأسباب بس مقدرتش أفكر غير كده."
وواصل بعدها بإنهاك يلومها مجدداً:
"ليه يا نيروز؟ ليه بتعاندي اللي جواكي يظهر؟ أنا كنت عايزك وأنا هادي وجايلك بعد ما صليت وهديت عشان الدنيا تمشي. عشان بحبك. جيت على نفسي عشانك بردو. بس ساعتها جيت على نفسي وأنا راضي رضا مشوفتوش غير معاكي. أنا كل ما بفتكر كسرتك بكل فرحة بتيجي ومبتكملش بتقهر مكانك. عايز أعدي كل كده. نفسي تكوني مبسوطة بس كل مرة حاجة تقف فطريقنا ومبتعديش بسبب حد فينا!!"
لامها بصراحة وجرأه دون أن يخفي شيئاً وتركها تعتدل بعدما تحركت. فتنفس هو بصوت متهدج معتدلاً في جلسته هذه ناظراً لدموعها التي سقطت من لومه وهي ترد بتبرير:
"مكنش قصدي كل اللي انت فهمته ده. صدقني أنا اتوجعت أوي لما اترميت فحضنك وانت رفضتني!"
"كان نفس احساسي في كل مرة كنت اجي مهموم ومبلاقيش حضنك. إنتي عملتي أكتر من كده وانتي مش حاسة!"
صمتت بانهزام أمام كلماته. وعلمت بأنه يريد راحتها النفسيه أكثر من أي شئ عندما لامها مجدداً بلين فقط هذه المرة دون تخطي الأمر. إلى متى لم يتخط هو؟ طال الوقت وطال الهجر! أومأت له دون حديث بدموعها وهي تحاول الاعتدال كي تنهض. وبعدما نهضت ردت عليه بنبرة هادئة منهكة راضية مقتنعة بشدة:
"عالعموم أنا آسفة يا غسان وبررتلك ومبعدتش من غير ما أبرر عشان الفجوة متكبرش بينا زي ما حصل منك لما تجاهلتني. المرادي أنا مش معترضة على كلامك بس حضني موجود حتى لو انت مش عارف تغفر اللي حصل."
وأي حاجة عايز تشاركها ومخبيها جواك أنا عندي استعداد أسمعك ومش همل ولو عايز تاخد فتره نبعد نرتاح نفسي.
قاطع حديثها عندما وقف ببطء وهو يرد بإستسلام، يبتر جملتها:
"ياريت أعرف أرتاح بعيد عنك، بس مينفعش.. مينفعش عشان مشوفتش الراحة إلا فوجودك."
وقفت بحيرة منه، لا تعلم ماذا يود هو، يتأرجح بين ثباته وبين رغبته في وقف الأمر إلى هنا. ابتسمت ابتسامة باهته وقبل أن تسير ناحية المرحاض كي تبدل ملابسها أمسك هو معصمها مرددًا باعتراف يعلن إنهزامه، مكملاً بنبرة مهزوزة أمام عينيها التي تضعفه:
"بس وحشتيني!!"
ارتجفت يديها وهي ترفع عينيها تقابل عينيه ونظرتها اللينة لها منه. ابتلعت ريقها وهي ترد بتحشرج، تمسح دموع عينيها ببطء:
"وأنت كمان أوي!!"
دخلت بين أحضانه بصمت، وهذه المرة قرر الاثنان إنهاء الوضع والموقف للمرة الأخيرة. حينها استندت عليه وهو واقف حتى سمعت خفقات قلبه واستشعرتها. حينها حاوط هو أيضًا خصرها بحب عفوي منه خرج أخيرًا مع همسه أيضًا وهو يسألها، يبعد عن الجو المتأثر، يخفي اهتزازه منها:
"بس عارفه الست قالت إيه؟!"
خرجت من بين أحضانه وهي تمسح دموعها ثم ردت بابتسامة مشرقة من جديد:
"إيه؟"
أشار إلى عينيها وقال بصدق هذه المرة:
"كلموني تاني عنك، فكروني، فكروني، صحوا نار الشوق، الشوق فقلبي وفعيوني!!"
توسعت بسمتها وتنفست براحة كبرى عندما قبل قمة رأسها ببر وحب. فنظرت له بأسف وخجل بنفس الوقت، وترها قربه التي لم تنعم به هي لفترة. بل ابتلعت ريقها وهي تسمعه يقول بغمزة عين:
"يحلاوة القلب لما يدق يدق!!"
توسعت بسمتها إلى أن انقلبت بضحكة خافتة. دقق هو النظر بعمق تفاصيلها براحة هذه المرة وكأنه ينظر دون حذر بأن تكشفه هي وتكشف شوقه. هذه المرة أعلن شوقه لها عندما اقترب فرجعت هي خطوة إلى الخلف وهي تخبره:
"عايزين نلبس عشان الحنة!"
اقترب أكثر، فوجدت نفسها محاصرة ونظرة العبث في عينيه توترها وفاجئها هو وهو يرفع أنامله يمسح كحل عينيها الذي سال من دموعها ثم قال ببراءة ناظرًا نحو خصلاتها البنية:
"دا الكحل كان سايح!!"
رفعت يديها تلقائيًا، تمسح أسفل عينيها. فانحني مقبلاً رقبتها قبلة سطحية واضعًا يديه على مؤخرة رأسها بخصلاتها ومن ثم اعتدل مرة أخرى وهو يتوجه ليأخذ ملابسه كي يبدلها. وعندما شعرت بأنه سيبدلها في الغرفة أخذت ملابسها ناحية المرحاض وهي تغلقه خلفها. تنفس براحة، لم يشعر بهذه الراحة من فترة كما كانت هي!!!
وكالعادة يبقى عتاب الشخص على قدر محبته، وتعاتبا هما كثيرًا، حتى أنهما في كل مرة لم يتوصلا لحل. وهذه المرة كان الحل منهما معًا، بكل صراحة بأنهما مخطئان وانهما متأسفان. حينها تيقن بأن قلبه هو لا يجلب له سوى التعب، حتى وإن يقلل من شأنه وشأنها في بعض الأوقات ولكنه يعلم بأن قلبه لا يريد سواها بجانبه. لم يشعر بالراحة أبدًا لو ظل بمفرده غير منعماً بقربها وعبثه وكلماته ومرحه وحبه الظاهر دون حرج وتبجحه ووقاحته في بعض الأحيان أو لربما أغلبها!! أحكم قميصه وهو يعدله جيدًا بعدما انتهى حتى فتح من أزراره أمام المرآة بإنجذاب. وعندما شعر بأن عقدة السوار الذي بيديه قد اتسع عقده من جديد، سوارها التي ابتاعته معه وهي تعلقها بمعصمه منذ فترة كبيرة، حروف كلمة واسم "نيروز"، المعلق بمعصمه الأيمن، كما كان في اليد اليسرى دبلة زواجه السوداء. جذب هاتفه من جيب البنطال الذي وضعه على الأريكة حتى نظر إلى شاشته كي يري الساعة ومن ثم وضعه بجيب بنطاله وهو يحمل مشط الرأس ليمشط خصلاته، تزامناً مع خروجها من المرحاض بذلك الثوب الذي يراها به لأول مرة، ثوب من ملابس الزواج التي اشتريتها للخروج. نظر إلى طيفها وهي تخرج وعندما وقفت بجانبه دار وجهه ينظر لها متفحصًا، ثم رجع برأسه إلى الخلف كي يراه بالكامل على جسدها الممشوق. نظرت له بغرابة عندما وجدته يعقد حاجبيه معقبًا:
"مش ملاحظة أنه ضيق شوية؟!"
"مكنتش أعرف وحتي لو خسيت بس بعد الجواز زدت وأنا مش واخده بالي. أنا مش هخرج بيه إحنا بنات مع بعض تحت بس!!"
قالتها بتبرير تعلم أنه ضيق وتفاجأت بهذا. حرك رأسه وهو يمشط خصلاته أمام المرآة معقبًا مرة أخرى كي تنتبه:
"لا مش بنات، أكيد هنيجي فالآخر عشان عز يرقص ونصوره مع جميلة هو وشادي ومنه، دول إيه؟! مش رجالة؟!"
لم تريد أن يحدث مشكلة أخرى ولا هو لذا اعتدل متنهدًا وهو يضع المشط مكانه ثم التفت يسألها بحنو، قاصدًا ذلك كي لا يحطم سعادتها بذلك الثوب الجديد والمناسبة:
"ملهوش حل؟"
صمتت "نيروز" بيأس، وهي تحرك رأسها نفيًا وهي تنظر باهتمام في المرآة تتفحص مظهرها بإهتزاز وهي تسأله بتلقائية وحزن حاولت إخفاءه:
"هو أنا تخنت أوي؟"
لم تكن ثمينة بل كان جسدها متناسق. رد هو سريعًا بابتسامة صغيرة وهو يغمز لها بوقاحة:
"ودي تيجي؟ بطل تخين إزاي؟ قولي هو أنا حلوة؟ جامدة؟ مزة؟"
عزز ثقتها بنفسها بمرح، وكان قاصدًا فعل ذلك. فعادت هي ترد بخجل:
"ثبتني.. هو ممكن أرجع الطرحة لورا وأجيبها قدام فنفس الوقت؟!"
"خلاص اعمليها كده لو هتغطي عادي!"
قالها برضا وهو يفسح لها المجال فبدأت هي بفعل ذلك، وتتمنى بداخلها ان تفعلها بطريقة صحيحة كي لا تظهر مفاتنها ويرضى هو دون نقد. أمسك هاتفه منشغلاً به كي تنتهي هي حتى لا يمل من الانتظار. وعندما انتهت، التفتت بسرعه وهي تسأله بابتسامة متحمسة:
"ها إيه رأيك؟"
رفع رأسه ينظر على طريقة لفها للحجاب فكان طويلًا من الخلف ويسترها بنفس الوقت من الأمام بطريقة ملحوظة تنسجم مع قصة هذا الفستان الهادئ. ابتسم برضا وهو يحرك رأسه إيجابًا وهو يغمز لها مرددًا بقوله المعهود رافعًا أنامله يدخل خصلاتها الصغيرة التي تظهر رغما عنها:
"كده أحلى.. كده بطل!!"
التفتت بسعادة بعدما بادلته الغمزة، حتى وضعت كحل أعين ومرطب شفاه وبعض من الحمرة على وجنتيها كي يظهر جمال بشرتها وملامحها. وعندما انتهت، التفتت تنظر له فوجدته يحاول الاتصال بهاتف شقيقه بعدما هزمه عقله وحثه على ذلك رغم كسرته. رسم الحزن على ملامحها وهي تسأله بيأس:
"مش بيرد بردو؟"
حرك رأسه بنعم وشاركها همه عندما قال بوضوح ثقيل على قلبه:
"المشكلة إن أبويا متعشم أوي ييجي يشوفه ويسأل عليه حتى لو ميعرفش اللي حصله بس مستنيه. كأنه خايف يحصله كده تاني ويروح فيها وهو زعلان منه. زعله عمل فيه كل ده ولسه زعلان. وخوفي ليتعب أكثر وفأي لحظة مبيفارقنيش. غيابه مر عليا أوي مش هستحمله بعد ما استحملته الكام دقيقة اللي كان فعالم تاني فيهم دول يا نيروز!!!"
قالها باعتراف، فأمسكت كفه هي بتحفيز، وهي تقول:
"متقلقش.. هو هيبقي كويس. وبسام هيرجع من تاني وكل حاجة هتبقي تمام."
ابتسم على قولها المحفز وكأنه هو الصغير. والآن قد حان الوقت لإظهار شكره لها لأول مرة والذي كان لا يستطع قوله بسبب الخلاف وما ظهر منها بوقت الخلاف كان شئ أسعده وبشدة من أصلها. لثم وجنتيها وهو يعتدل ناظرًا لها بحنو، ثم قال بصدق:
"يمكن الحاجة اللي خلتني فخور بقلبي أنه اختارك واللي عرفتها حتى فوقت خلافنا هو وقوفك جنب أبويا، لما راعيتيه وكأنك بنته. ولما حسيت انك بتعملي كده منك لنفسك مش عشان امي مش موجودة أو حتى علشاني. أنا لو كنت بحبك فبعد دا حبيتك أكتر ومعرفتش أعبرلك عن شكري فالوقت دا. مهما كان بينا ومهما كان مفيش شكر بينا. بس دي شكرا الأولي مني ليكي!!"
تعجبت من حديثه التي اعتبرته لبقًا بعيدًا.
قبل كفها بحب، فابتسمت هي بتفاجئ من انتباهه لكل ذلك وعقبت على حديثه بصدق:
"عمو حامد هو بابا التاني يا غسان، مينفعش تشكرني عشان عملت كده، أنا بحبه أوي، أنا عمري ما كنت اتخيل إني أشوف بابا في حد غيره، لحد ما شوفته فيه بكل حاجة.. هو غالي أوي بجد عليا، أنا كنت مرعوبة لما شوفته كده!!"
"قدرت زعلك وكسرتك بفراق أبوكي لحد دلوقتي بنفس القوة اللي مش بتخف، اللي بتزيد يوم عن يوم، الأب يستحق يتزعل عليه عمر بحاله، وحقك بس بلاش كل فترة قصيرة والتانية تروحي توجعي نفسك هناك، أنا بقيت بخاف، بخاف عليكي لما بتروحي هناك أو لما تفكري تعملي ده، بلاش يا نيروز، بلاش عشان انتي عارفه وقايلالي إنك بتتتعبي بعد ما تروحي كل مرة، خليها مرة واحدة بين كل فترة والتانية مش علطول بعلمي أو من غير علمي!!"
حركت رأسها تهرب من عينيه ثم نفت وهي تعدل حجابها بيديها بتلقائية تنهي الحوار مما يظهر توترها بذلك:
"أنا مبرتاحش إلا أما أروح هناك وأحكيله كل حاجة، أكيد مش همنعني عن حاجة بلقى راحتي فيها حتى لو في تعب!!"
"احكيلي وأنا سامعك، عالأقل هحاول أساعدك لما أحس إنك تعبانة!!"
ابتلعت نيروز ريقها ببطء حتى رمقته بجدية وهي تشير له متفهمة حديثه:
"عالفكرة أنا مش مجنونة وعارفة إنه ميت ومش هيرجع تاني، ويمكن كمان ميكونش سامعني وإن كل دي تخاريف بس أنا برتاح في كده، متقلقش أنا واعية كفاية للي بتحاول توصلهولي!!"
زفر بنفاذ صبر ثم شهدها على نفسها بحدة وهو يقول بجمود:
"شايفة بنرجع تاني لنقطة الصفر بتسرعك في التفكير إزاي؟ عايزه تبرير بقا المرادي مني ليكي وأقعد أقولك إني مش قاصد وقاصد تكوني بخير وإن أزمة نفسك مبتجيش غير بعد ما بتروحي هناك؟"
وأكمل بغير وعي يخبرها بما وصل له عقل والدتها:
"ولعلمك أمك كانت هتموت من القلق عليكي ومعرفتش انتي مالك ولا ده كان من إيه وفضلت مشغلة القرآن، دي سألتني بصلي ولا لأ.. شوفي بقا لدرجة إيه!!"
كان حديثه موبخاً ولا تعلم لما أثار ضحكها فضحكت على آخر حديثه وهي تشير له بغير اكتراث تبعدهما عن الحديث المشحون بالحدة:
"هي دي ماما، أكيد خايفة من حسد أو أي حاجة بتحصل عند كل الأمهات يعني، وبعدين هي متقصدش هي أكيد عارفة إنك بتصلي!!"
ابتسم بقلة حيلة وهو يضع هاتفه بجيب بنطاله ثم أشار لها كي تخرج، فخرج الاثنان وارتدى كل منهما ما يخصه بحذاء في قدميه حتى اعتدي، ينظر بالمرآة الطويلة بجانب الباب. وهذه المرة أخرج هاتفه ثم جذبها من خصرها برفق، سانداً يديه عليها بتملك، حتى أخذ الصورة باحترافية، فأمسكته منه وهي تقول بحزم:
"نزلها استوري بقا وخلي إنجي الجامدة تشوف إنك متجوز وبتحب مراتك."
"بردو حاطة إنجي الجامدة في دماغك؟ بقولك ولا هي في دماغي ولا أنا في دماغها كله شغل وانتي شوفتي بنفسك محاولتش يعني تتقرب ولا تتمسح فيا، مش كل مديرة ولا سكرتيرة بيبقوا وحشين يعني شيلي أم التفكير دا من دماغك وبطلي تتفرجي على مسلسلات تركي كتير!!"
نظرت له بتشكك حتى خرج حديثها بإندفاع أتى من غيرتها:
"يعني انت مش بتشوفها أحلى مني؟ عشان يعني طويلة وحلوة وبشعرها وجميلة ومفيهاش غلطة؟"
ضحك بخفة على عفويتها بغيظ منها طالعها بحب وهو وينفي ولم يغفل عن غيرتها وملاحظتها لجمال الأخرى، فرد هو بوقاحة مصارحها:
"الصراحة هي حلوة أوي فعلاً، بس مفيش في القلب غيرك!!"
وكزته في كتفيه بغيظ ثم ردت بانفعال تكمل كلماته:
"والعين كمان عايزاها متشوفش غيري، مش فاهمة هتفضل بصباص كده لحد إمتة؟!"
كبت غسان ضحكته ثم حاوط كتفيها وهو يميل هامساً بعبث يردد جملته المتكررة لها من قبل ذلك:
"ما قولتلك.. فوجود غيرك عيني مبتشوفش غيرك يا بنت الأكرمي!!"
ثبتها بقوله فغمزت له بثبات وهي تمد يدها تفتح الباب تزامناً مع قولها المتكرر هي الأخرى:
"ثبتني يا بن البدري!"
__________________________________________
بينما في الأسفل تجهز كل منهم وبالأخص عايدة التي ارتدت عباءة ملونة هادئة كملامحها وحازم وياسمين أيضاً، وجاء لهم بدر مع وردة ومن ثم وسام التي دخلت الغرفة مع جميلة وفريدة.. وكانت فاطمة تلبس أطفالها بشقة حامد في حين تجهز حامد هو الآخر جالسًا منتظرًا بالصالة بجانب جنة التي كانت جالسة بهدوء تنظر على شاشة التلفاز بإندماج، وضع حامد ذراعه على كتفيها الصغير ثم سألها بحب يشاكسها:
"حبيبة جدو عاملة إيه في المدرسة؟ شطورة ولا لأ؟"
ضحكت جنة بخفوت وهي تدير وجهها تؤكد بحماس أنها جادة، فقبل وجنتيها بحب وتعاطف، إلى أن وجد باب الشقة يفتح أولاً من غسان الذي دخل هو ونيروز شقة حامد، أول شئ ابتسم حامد باتساع وهو يراهم يقتربان منه، في حين انحني غسان يشاكس جنة تحت نظرات نيروز المبتسمة بهدوء مع غمزة حامد له وهو يثير غيرته:
"والله أنا خايف يجي عريس لمراتك، بقا واخد الجمال دا كله لوحدك ياض؟"
ضحك بعدها بشدة، وخجلت نيروز وهي تتنحنح بحرج، فاعتدل غسان ناظرًا له بغير اكتراث مرددًا بثبات:
"عريسها غسان البدري وبس يا حامد، وبعدين عيب عليك ابنك بردو ميختارش أي حد!!"
أمسك غسان كفها يديرها بحب، فدارت هي بخجل تزامناً مع قوله وهو يضع كلتا ذراعيه عليها يحتضنها بكيد، ورد بوقاحة:
"عينك بس من علينا.. محناش ناقصين والله!!"
ضحك حامد بيأس، وخرج شادي من غرفة غسان، متجهزًا، فأطلق غسان صافرة من بين شفتيه وهو يتطلع إلى مظهره بغمزة عين مرددًا بمشاكسة:
"أجمد عريس في الدنيا.. حاسب بقا لتتشقط مني!!"
ضحكوا عليه بخفة، فنظر له شادي ضاحكًا مرددًا له بهمس من جنون الأخرى:
"ربنا يستر!"
"نفسي تعمل لنفسك شخصية يا راجل!!"
قالها حامد بضجر، وقبل أن يرد شادي أجاب غسان، وهو يحاوط بذراعه خلف رقبته بشبابية مرحة:
"لا يا حامد دا شادي راجل.. وراجل أوي، ميغركش اللي سمعته، بكره يثبتلنا ده، ولا إيه يشوشو؟!"
بادله الغمزة بتردد وهو يتحسس مكان ضربتها الأخيرة دون سبب، تنفس بعمق، ووقفت نيروز تبتسم لدلال التي خرجت للشقة الأخرى، ووقفت فاطمة تترك يد يوسف كي يذهب لأدهم للعب ببراءة، وكانت قد تجهزت هي، ابتسم لها حامد باتساع وقبل أن يتحدث، تحدث غسان بمشاكسة أخوية يرفع من معنوياتها:
"إيه دا يا فطوم إيه الحلاوة دي؟ ما تيجي نسيبنا من كل ده ونشوفلك عريس بقا؟!"
ضحكت على خفته ولم تتحسس من مرحه، كان كذلك معها دوماً، ابتسمت له بيأس ثم حركت رأسها تعنفه:
"طول عمرك بكاش وبتلعب بالكلام لعب يا غسان!!"
توقفت عن الحديث ثم نظرت له بتأثر، ترد على ما فعله بعفوية، وكأنها شقيقته:
"ربنا يجبر بخاطرك يا حبيبي ويسعدك!!"
ضحكوا على قولها الأول، وهناك من ظهر بداخلها شئ من الغيرة، حينها اعتدلت تخفي هذا وهي تتصنع غير الاهتمام، حتى ابتسمت بتكلفة، وهي تقول بإذن:
"أنا هستأذن أنا علشان أكون مع."
نظر ناحيتها بتمعن فوجدها تقلب عينيها بجمود. من عليه استشفه على الفور. فضحك بخفة. مرة أخرى عندما أغلقت الباب خلفها. تعالت ضحكته أكثر عندما تنحنت فاطمة بحرج وهي تقول بحدسها الانثوي:
"شكلها زعلت يا غسان. بتغيير صح؟"
ابتسم حامد على بساطتها وطيبتها. فعاد غسان يبرر بإطمئنان:
"لا متاخديش فبالك. هي بس متعرفش اننا اخوات أوي. وبعدين نيروز طيبه أوي. هي بس عايزه شوية وقت وهتلاقيها خدت عليكي!"
حركت رأسها تؤكد وهي تقول:
"أخدت بالي!"
لاحظ تنهديتها. فجلس جوار والده. في حين دخل شادي يرد علي هاتفه في الشرفه التي توجد بالصاله. ومن بين جلوسه كانت هي تجلس بجانبه أيضا. فتنفس بصوت مسموع ثم قال:
"احنا سايبينك لحد دلوقتي يا فاطمة ومش عايزين نضغط عليكي. بس عايزين نفهم فيه ايه بيحصل. كل ما أدم يتهور وهو هيموت ويعرف ايه الحوار بنمنعه أنا وبدر. بس قولنا نقعد معاكي دلوقتي وبدر جاي وٱدم في الطريق. وتقوللنا بقا يا بنت الحلال حياتك دي ٱخرها إيه وجوزك كلامه صح ولا ايه النظام. واركني خوفك يا فاطمة على جنب واركني حبك. عشان دا واحد محافظش عليكي ولا قدرك يا بنت عمي!"
أيده حامد وهو يضع كفه علي كفها ثم ربت عليه بحنو وهو يقول:
"أنا عارف انك خايفه. وعارف انك بتتهربي عشان حاسه ان دي الناهية. بس عايزين منك الصراحة وسيبي الرجالة تتصرف. وصدقيني عمري ما هقبل إن بنتي تخرج خسرانه!"
أدمعت عينيها بتأثر. فضمها حامد. ناحية صدره بعاطفة إبوة جياشة ظهرت لها وكأنها ابنته وليست ابنة أخيه. شهقت بأحضانه تحت نظرات غسان. العاجزة والمشتعله بنفس الوقت لها وبسبب ما تفعله دون اسباب واضحة وبقوه. نهض بعدها يفتح الباب الذي دق بعد دقائق. وما أن وقف يمد يديه ليفتحه وجد ٱخر من توقعه أن يأتي بجانب ما ينتظره وخلفه بدر. كان بسام الذي تنفس بتقطع وهو يطالع وجه شقيقه. وكأنها مرٱه تعكس الأوجاع قبل ان تعكس نفس الملامح!!!. ابتلع غسان ريقه بسرعه وهو يحرك نظراته من عليه ثم نظر نحو ٱدم الذي تأفف بضيق من الآنتظار وهو. يقول بتبجح:
"ها هتاخد الصورة ألوان ولا سادة؟"
قالها بسخرية وهو يتخطاه. فرد غسان وهو يلتفت كي يدخل:
"صورة بخفة الدم!"
همهم آدم بغير إكتراث وهو يدخل ومن ثم تبعه بدر و"بسام" الذي دخل الشقة هذه المره ووقف ينظر لـ والده الذي وما ان رفع رأسه وجد نظرات التأثر واللوم بعينيه. وقابلها بسام بخزي وندم لم بظهر بصورة ملحوظه. لم يستطع ان يمد يديه ليرحب به بل وكأنه يبيت بأحضانه. وقف ساكنا. وهو يري غسان يعتدل ثم مد ذراعه يسند حامد كي ينهض معه تزامنا. مع رده:
"تعالوا نخش الصالون عشان نبقي على راحتنا فالكلام. واهو علي ما عز يجي!"
أومأوا له وسبقوا. ووقف بسام يستنكر إسناد غسان لـ حامد. وما ان وقف تركه يسير ومن ثم كان هو ٱخر واحد من خلفهم يدخل الغرفه. وخرج شادي ذاهبا. إلى حازم حين قدوم عز كما ذهبت جنة خلف أشقاءها للشقة الٱخرى.
بينما في الغرفه ترصصوا جميعهم بجانب بعضهم. وجلست فاطمة بجانب حامد ومن الناحية الٱخرى بدر ومن ثم ٱدم وغسان وبسام. تنهد حامد يأخذ أنفاسه اولا. ثم بدأ كونه كبير هذه الجلسه مقاما. وسنا:
"إتكلمي يا فاطمة. قوليلنا يا يبنتي ايه اللي يوصل جوزك انه يضربك الضرب ده كله بالقوه دي!"
إبتلعت ريقها وأكثر من كانت ملامحه منكمشة بإنفعال من صمتها كان ٱدم الذي صمت بنفاذ صبر يحاول به أن يصبر أكثر. بينما ترقبت بدر. وعندما وجدها صامته رد هو بوضوح. يسألها:
"عارف عايز يتجوز عليكي مش كده؟"
تعلم أن اجابت بنعم. لسيأخذ بدر طريقا. ومنحى ٱخر غير هدوءه وثباته. نظر لها بإهتمام كما كان الجميع في حين ابتلعت ريقها بخوف. ثم نفت بطريقة ملحوظه. فخرج صوت آدم المنفعل:
"هتقولي لا وهتسكتي زي كل مره بردو؟ انتي مفيش فايدة فيكي!!!"
إهتزت بخوف. من نبرته الحاده. فحدجة بدر. بتحذير. وصمت غسان يسمع ما يقوله. وعقب ما إنتهي تحدث غسان لها يوضح هو الٱخر:
"اسمعي الكلام وريحينا يا فاطمة. ولو مخبيه حاجة قولهالنا خلينا نلحق نتصرف!"
هنا ووجدت بصيص الأمل في حديثه الجاد. فوزعت نظراتها بينهم بتشتت وهي تقول بتخبط:
"أنا خايفه على عيالي..خايفه أبعد ياخدهم غصب ويبعدهم عني. وخايفه على مستقبلهم وحياتهم. أنا مش عيزاهم بعيد عن ابوهم من حقهم يكونوا كويسين. بس هم شافوا كتير اوي. وأنا ..أنا مبقتس اقدر اجي علي نفسي ٱكتر من كده!"
إنتهى حديثها ببكاء. فضمها بدر بحنو. تزامنا. مع قول آدم. المندفع:
"يبعدهم عنك.!!! هي سايبه ولا ايه؟ ولا انتي مش عارفه ان فضهرك رجالة مش هيسمحوا بـ كده. قولي انك بتحبيه وقلبك مايل واخد على عشرته بالذل يا فاطمة. عليا الحلال من دينـ..."
"أسكت للٱخر قولتلك!!"
قالها بدر بحزم. فوقف آدم مندفعا. وحينها وقف بسام يمسك ذراعه يهدأه. وظل غسان ساكنا. غير راضيا. عن الطرفين وما يفعلانه هو وهي. يعلم ان حديث آدم صحيح لذا تعمد الصمت. خرجت نبرة حامد الحاسمة وهو يشير اليه بثبات. مرددا. بٱمر:
"أقعد يا ٱدم. واسمع اختك للٱخر!"
صمت حامد ثم وزع نظراته بينهم جميعا. وهو يشير بجدية:
"والقعدة دي مش هتنتهي غير بحل عادل ليها قبلكم. وفنفس الوقت مش هقبل بإهانتها!"
ثم أشار بكفة لـ فاطمة يحثها بحرص. وجدية بالغه:
"إتكلمي يا فاطمة متخافيش.. قولي كل اللي عندك!"
رفعت عينيها تنظر نحو عيني آدم الجامدة. فتنفست هي بعمق. وحينها وضع بدر يديه علي يديها ثم ربت عليها بإطمئنان مرددا:
"أنا جنبك يا فاطمة ولو ليكي أي حق هيرجع وزيادة. زيادة عشان انتي قيمتك غاليه. بس أنا ساكت عشانك. ساكت مع اني قادر أجرجر عارف واخليه يلف وميلاقيش نفسه..اتكلمي يافاطمة اهو يبقي أحسن ما أخد رد فعل من غير ما افهم الحكاية كاملة!"
لاحظ غسان لعبه بالحديث كي تأتي هي به. وتنفس بصوت. وهو يسند ظهره بإنتظار. فبدأت هي تبتلع ريقها بتردد وهي تقص عليهم بخوف وضعف:
"هو ..هو فعلا. عايز يتجوز عليا. بنت خالته اللي اتطلقت ومعاها ولدين. لما جه فاتحني اول مره عارضت ولما عارضت مد ايده عليا. بعدها سكت من غير ما نفتح الموضوع. بعد كده حماتي جتلي البيت وقالتلي على الموضوع ده ووقفت تشاورلي بكل جبروت ان رأيي من مهم ان ولو موافقتش هتخلية يطلقني وهتاخك هي العيال تربيها. قصدت تبينلي إن اربي عيالي بهدوء وانا زوجه تانية احسن ما يتاخدوا مني غصب ويبعدوا عن حضني. ساعتها قالتلي انا عارفه انك مش هتقدري تعملي حاجة لا انتي ولا للي يتشددلك. صممت علي رأيي وعدا كام يوم وجنة بدأت تندمج هناك معاهم أكتر وكانوا ببخلوها تبات عندهم هناك!"
صمتت تري اندماجهم ثم أخذت نفسا. وهي تكمل بنفس الضعف:
"مع انهم بيكرهوا ولادي بس قصدت تهددني ان هي قادرة تحببهم فيها اكتر مني. خوفت ولما منعت جنة تروح بحجة المدرسه جه عارف وعدمني العافيه عشان حماتي قالتله اني بمنع ولاده يشوفوها. بس انا كنت خايفه. قالي هتجوزها وهاخد عيالي منك اذ كان عاجبك وشتمني وهاني ساعتها رديت عليه وانا فحمقتي وقولتله لو عملتها مش هتعرفلي طريق لا انا ولا لعيالك ولا هتعرف تاخدهم مني. اتعصب وضربني اكتر وهددني انه مش هيطلقني وهسيبني على ذمته وهيقهرني وهو بيجيب مراته تعيش معايا فنفس البيت بعد ما يتجوزها كمان فتره صغيره. قهرني بكلامه ومشي وكسر جسمي بالضرب وذق ٱدهم ويوسف لحد ما وقعوا. ساعتها حسيت لاول مره انه بايع اي حاجة فالدنيا حتي عياله وحسيت انه لو رجع معتش هعرف انفد بجلدي.
فمشيت وأنا مقهورة، بنص عقل من غير جنة اللي كنت خايفة عليها منهم، بس آدم رجعهالي.
كل دي حقائق، ذل، مهانة، تحت مسمى الحب والتحمل لأجل الأطفال. كيف أتتها الجرأة تسرد بكم هذه التفاصيل؟ تحامل بدر بإنفعال مكتوم على نفسه. في حين صرخ آدم بها على فجأة وهو يقترب منها:
"عرفتي إنك السبب في كل ده من أول مرة رضيتي فيها بكده وقبلتي على نفسك الذل وفضلتيه علينا؟!"
اقترب منها وهو يندفع. فنهض غسان مع بسام يبعدانه تحت بكاءها المرير الموجع. وظل حامد، جالس بحزن وضغط وغضب مكتوم هو الآخر. في حين تحامل بدر على نفسه وهو يتلّع ريقه بتعب، مردداً لها بلوم:
"ليه كده يا فاطمة؟ ليه تشيلي كل ده لوحدك؟ ليه توصّليلهم فكرة إن مالكيش حد يقف فضهرك ولا يجيب حقك؟ إنتي عاوزاني أعملك إيه بعد كل ده؟ ترجعيله؟ عايزة كده؟"
صمتت بخزي، دموعها تهبط. وسألها هو بحدة بآخر حديثه. فاندفع آدم يصرخ به مجدداً بحمقة، محاولاً التملص من بين ذراعي غسان وبسام:
"بتسألها؟ بتسألها لسه؟ وحياة أمك لأربّيها لتكون طالق منه! مش هسيبها ترجعله حتى لو غصب عنها... أنا بقولكم اهو!"
وقف حامد بإندفاع، ثم وبخه بنبرة حادة مرتفعة:
"لو ناوي تفضل مش محترمني وأنا قاعد وصوتك هيفضل عالي كده، يبقى تمشي من هنا لحد ما تتعلم الاحترام. بُعدك عننا مينسّكش مبادئ عمك، أولهم الأسلوب. فاهم ولا لأ؟"
وقف الجميع ينظر تجاه آدم، التي اعتلت أنفاسه وتحرك صدره منها بطريقة ملحوظة. نفض ذراعي بسام وغسان، ثم خرج مندفعاً من الغرفة ومن الشقة بأكملها. في حين التفت حامد يجلس من جديد. ثم نظر ناحيتها وهو يرد بحزم:
"سكوت الست عن الإهانة مش حلو. وأخوكي معاه حق، إنتي سبب كبير في اللي بيحصلك، عشان إنتي مش قليلة ولا من عيلة قليلة يا فاطمة. أما بقا سؤال بدر، فأنا مستني إجابته، وكلنا مستنين إجابته منك!"
ابتلعت ريقها وهز بدر ساقه بانفعال. فردت هي بارتباك وخوف فطري على صغارها:
"أنا خايفة... خايفة على ولادي!"
انفعل غسان هذه المرة في الحديث عندما رد عليها بجدية بالغة:
"برضه مش مقتنعة إن مسألة عيالك مش حاجة طول ما معاكي رجالة يجبولك حقك. قولي مش عايزاه وسيبّي الباقي علينا. ومحدش يقدر يمس شعرة من عيالك. معاكي لحد الآخر، لحد حتى لو رفعتي قضية، يبقى حازم موجود. ده في حالة لو هو مش راضي يطلق. بس تعرف عيلة البدري محدش يمشي كلمته علينا. إحنا نخليه يعمل اللي إحنا عايزينه وهو بيبوس رجلينا. دي أمور رجالة هتمشي بمعرفتنا. اللي عايزينه منك هو قرارك النهائي اللي إنتي عارفاه، بس برضه مش هنضغط عليكي، هنسيبك تقولي براحتك!"
"بس أنا فكرت!"
قالتها بتلقائية، تختار صغارها عنه، وكل خوفها عليهم. وعندما وجدت الوضع كهذا، صمتت على القرار، تقتل شعور قلبها بيديها وعقلها. ابتلعت ريقها بوجع، فسألها بسام بنبرة هادئة مشفقة:
"وصلتي لإيه؟"
تاهت بين النظرات المترصدة عليها، والتي تركتها تختار بمفردها دون ضغط. فأخرجت هي تنهيدة حارة، ثم قالت بصدق رغم ألمها:
"مش عايزاه!"
تحركت الرؤوس بتفهم، وبدأ بدر بالحديث وهو يقول مع نظرته في عينيها:
"ومش هتندمي يا فاطمة على ده. وعيالك هيبقوا مرتاحين وفأمان، زي ما هتكوني إنتي معززة مكرمة في بيت أبوكي من تاني، وإنتي بتمليه بهجة بصوت عيالك بعد ما كان كئيب. سيبّي الباقي عليا، وأنا صدقيني مش هحرمهم من حاجة ولا هقصر معاكم!"
قصد اللين وظهوره رغم غضبه منها ومنه وعليها وحزنه بنفس الوقت. تنفس غسان براحة وهو يبتسم بانتصار، ثم قال بشرود:
"كده يبقى الجاي لينا احنا بقا!"
ضمه حامد بحنو، ثم ربّت على ظهرها بحنان، مردداً بثقل:
"أنا عارف يا حبيبتي إنه مش سهل عليكي، بس إحنا كلنا معاكي ومش هنسيبك. مع إن خراب البيوت وأنا أعداء، بس صدقيني ده القرار الصح اللي جه بعد تعب كتير أوي منك. إنتي تستاهلي تتحبي وتتقدري، تستاهلي تتشافي ملكة، وتستاهلي متدفنيش جمالك بالحياة وإنتي يائسة. إنتي صح يا بنتي!"
تنفست بعمق، وهي ترفع يدها تمسح دموعها بإنهاك. فنهض بدر متنهداً وهو يشير لـ غسان وبسام نحو الخارج. وحثها حامد على غسل وجهها كي تذهب متأبطة ذراعه لحنة العروس، ومن ثم سيعود هو مع الشباب.
وقبل دقائق، قابله وهو يخرج من مندفعاً متجهاً ناحية المصعد بشرر وانفعال، عندما خرجت هي كي تتوجه لشقتها تجلب شيئاً ثم تعود. حينها اصطدمت به وهو يندفع بسرعة، فوقعت أرضاً متأوية برأسها وجسدها. تلقائياً انحنى آدم على ركبتيه بسرعة وهو يحاول مساعدها، مردداً بنبرة سريعة:
"مخدتش بالي... أنا آسـ..."
وبترت هي حديثه عندما دفعته عنها بغضب، مستندة على يديها كي تنهض، ثم قالت بصوت مرتفع توبخه:
"هو انت طلعتلي منين يا أخي بقا؟!"
قالتها فريدة قاصدة كل ما حدث منذ الصباح. ثم عادت تشير بانفعال أكثر وهي تقول:
"وبعدين إيه اللي مكنش قصدك دي؟ في حد بيمشي بوشه مش شايف قدامه كده؟ قدر يا بني آدم إنت إن في ناس وفي حاجة اسمها على مهلك، وفي جسم أقل وأضعف من جسمك اللي فارده علينا ده. فاكرني قدك؟"
صرخت به بآخر حديثها وهي تهبط يديها تمسح ملابسها الأنيقة تحسباً إن اتسخت من أتربة ناعمة. رجع حجابها إلى الخلف ورغماً عنه ورغم محاولة غض بصره، ولكنه تاه بين خصلاتها الناعمة التي كانت تتعمد أن تظهرها هي في البداية، وكانت تفعلها بطريقة تجذب الأنظار. تحرك الحجاب فتحرك معه سحاب الثوب، فظهر بياض عنقها بعظمتها البارزة الجذابة. أهبط عينيه بغير وعي ولم يرد على حديثها، بل تيقن وكان يعلم بالفعل أنها تخفي جمال تحت ملابسها الواسعة، جمال كان يراه من قبل مرسوماً بملابسها الضيقة.
وعلى فجأة وجد صفعة نزلت على صفحة وجهه بصوت جعلته يرفع أنظاره لها بدهشة، وتحولت ملامحه إلى الغضب الذي تزايد عندما صرخ بها بانفعال:
"إنت مجنونة؟ بتمدي إيدك عليا أنا؟"
لا تنكر بأن صراخه هذا أثار خوفها، بل وثبتت هي بمكانها عندما وجدته يقترب أكثر بانفعال. فحثت نفسها على الشراسة عندما وبخته بصراخ هي الأخرى، وخرج كل من بالشقق على صوتهم:
"آه عشان إنت قليل الأدب ومتربتش.. ولا إنت فاكرني هسكتلك وهتحرج منك؟ لا فوق يا حيلتها. أنا مش هسمحلك ولا هسيبك تسرح وتبـ.."
وجدتـه يمسك معصمها، ثم قال متفاجئاً من جرأتها، مردداً بانفعال، ضاغطاً على فكه كي لا يخرج ما بداخله من غضب عليها الآن:
"ولما أنا قليل الأدب، تبقي إنتي إيه؟!"
فتحت عينيها ودفعته هي عنها بيديها الأخرى بعزم ما لديها، وهي ترفع ساقها على فجأة حتى ضربته بساقه كي يبتعد. فتأوى وهو يتركها، ثم كاد أن يقترب منها أكثر، ولكن أعاقه جسد حازم الذي وقف حائلاً بينهم، ومن بين خروج الجميع بصدمة من الذي يحدث:
"إنت جرا لمخك حاجة؟ إنت عايز تمد إيدك على أختي وسط بيتها وأهلها وأنا موجود كمان؟"
قالها بحدة، فأشار له آدم منفعلاً بيديه:
"الأستاذة أختك هي اللي مدت إيدها على واحد مجاش جنبها، لما رفعت إيدها تضربني بالقلم!"
شهقت جميلة ونيروز، ونظرت ياسمين بتسلية. ففصل شادي وبدر وغسان آدم عن حازم، الذي أمسك ذراعه بسام كي يبعده. فنفض حازم ذراعه وهو يلتفت لها يسألها بجدية:
"الكلام ده صح؟ إنتي ضربتيه بالقلم فعلاً؟"
سألها وترقبت الأنظار بقوة. فابتلعت ريقها من نظراته الحادة ناحيتها. وعندما أشارت له بارتباك ترد بتعلثم أمام جدية حازم هذه وصرامته:
"ما هو الـ.."
"ادخلي جوه!"
أمرها بلهجة حادة ثم ضغط على فكه وهو يرمقها بحدة. وكانت "زينات" هذه المرة واقفة تنظر بغير فهم. ولم تتدخل عندما تحدث "حازم". تصرفت هذه المرة بعقلها رغم دب الشرر بها دون علم بما حدث من الأساس. وقف "آدم" يتنفس بصوت ملحوظ من أثر انفعاله.
عاد "حازم" يوزع نظراته بين الكل بينما دخلت الفتيات إلى الداخل. اقترب حينها من "غسان"، وهو يرمق "آدم" بجدية قائلاً له:
"أنا مش عبيط عشان ماخدش بالي. إن في حاجة من الصبح مش مظبوطة. ولو الدنيا مش سالكة بينك وبينها يبقى بلاها منه شغل. إنت أولى تقف في محل الورد ده. وكويس إن حصل دا كله من يوم واحد عشان نعرف بسرعة!"
ضغط "غسان" على فكه من قراره السريع. في حين تدخل "حامد" يهدأ الوضع بحديثه الآتي:
"يبني متكبرش الموضوع. ما حصلش حاجة!"
"وحتى لو حصل.. أنا ما قولت حاجة غلط. أنا ببعد أختي عن أي مشاكل. ومن غير ما نخبي على بعض الكل عارف إنها مش هتكسب ولا هنخلص طالما البداية كانت كده!"
قالها بحزم. فعاد "آدم" يرد بهجوم:
"انت فاكر أختك ملاك ومبتغلطش.. ما طظ في محل الورد وفكله!!"
أنهى كلمته بكلمة اعتراض خرجت من بين شفتيه بوقاحة. كل مرة يردف حديث دون وعي منه. تدخل "غسان" يبعده عنه في الوقت الحالي. في حين عنفه "حامد" بنبرة منفعلة:
"انت هتتظبط امتى بقى، اخرس خالص دلوقتي!!"
صمت "حازم" ينظر له بصمت. في حين تدخل "بسام" هذه المرة يهدأ الوضع وهو يقف بجانب "شادي" و"غسان" الممسكان بـ "آدم" الذي مال عليه شقيقه يحذره. تزامنًا مع قول "بسام":
"أهدي يا حازم وإهدي يا آدم. ما حصلش حاجة لكل ده. وبلاش يا حازم الكلام ده. غسان مش هيرد عليك يقولك كده بس أنا بقولك إن أختك مش مجرد واحدة شغالة في محل الورد زي ما الكلمة خرجت منك. بلاش تعمل رسميات وتكبر الموضوع. آدم راجل ولو مش ماشية معاه الشغلانة دي يبقى هو اللي يدور على شغل تاني ويتعب. عشان دا راجل وأختك تبقي وتفضل موجودة على دماغنا عمرنا ما نقبل بحاجة غير كده..!!"
من المفترض بأنه من يضحي وليست هي. صمت "آدم" ثم تركهم باندفاع هابطًا على السلم تاركًا إياهم واقفين. في حين نظر "غسان" نحو "حازم" بسكون ثم قال:
"انت بتعمل حواجز بينا يا حازم مع إن مافيش بينا الكلام ده. وفريدة أختي ومكنتش هقبل عدم راحتها.. بس براحتك اعمل اللي يريحك ي صاحبي!!"
تركه ودخل إلى الشقة. فزفر "حازم" بصوت مسموع حتى وجد بجانبه "حامد" يقف بجانب "بسام" وزع بينهم النظرات ثم قال بعاطفة لما يشعره بعدما شعر بخلو المكان:
"أنا مقدر يا بني اللي بتحاول تعمله. غسان قصد يساعد اتنين عايزين يتغيروا. مكنش كل دا من كام ساعة يعني، لكن تحسبها كده بالتسرع ده من غير ما تصبر على حكم غيرك بأسباب يبقى كده إحنا مش غالين عندك. ابني عمره ما اعتبرها شغالة عنده ولا حتى كان هيسكت. بس انت أخوها وادري بيها وعارف إنك بتحاول تبعدها عن أصغر حاجة بدل ما تكبر.. وبالذات هي.. حقك!."
تركه بعدها ودخل بعده "بسام" فوجد "حازم" نفسه بمفرده وأمامه "بدر" التي ارتسمت علامات اليأس على ملامحه خوفًا من تهور "آدم" اللحظي. اتجه حينها مقتربًا منه ثم وضع يديه على كتفه معترفًا:
"بقولك إيه يا حازم.. أنا عارف إن أخويا مش سهل وأكيد عمل حاجة تخليها تتعامل معاه كده.. بس صدقني هو طيب... وأمان على أختك.. مش عيب على فكرة تقولي إنك خايف منه عليها طبيعي تخاف بعد اللي حصلها وطبيعي تفكر زي ما فكرت إن أخويا يطلع منه أي حاجة. بس صدقني هو اتغير وبيتغير. يمكن عشان بيتغير بقا تايه بين حاجات بطلها وحاجات لا.. لكن الثابت طيبة قلبه وأصله. لو غلط في حق أختك يرجع من غير نقاش. وقبله حقك على دماغي من غير ما أعرف أسباب.. لكن الكلام اللي طلع منك وكأن غسان مشغلها عنده بيومية مش حلو منك إحنا مش عيلة مع بعض."
حرك رأسه بسكون وخرج من قراءة الآخر لأفكاره. فزفر مطولاً بعمق ثم قال بنبرة هادئة:
"حصل خير يا بدر. أخوك أخويا. وعشان أخويا حسن فأنا بقيت أخاف بعد آخر مرة كان خطر عليهم هنا وأنا مش موجود. كل حاجة بقت تطلع منه عادي. متزعلش مني يا بدر أنا واحد خايف على أهل بيته من أخوه هعمل إيه مع الغريب. أنا شايل وخايف ومحدش داري. وفريدة عمرها ما كانت ولا هتكون سهلة بعد اللي حصل فيها وقبله كمان. أختي لو اتسابت على أخوك مش عايز أقولك إيه هيحصل وهي كده مش هنكر بس صدقني أنا ببعد مشاكل كبيرة بدل ما تحصل أو قبل ما تحصل!!"
زفر "بدر" متفهمًا ثم وضع ذراعه على كتفه يربت عليه باطمئنان وهو يحثه:
"طب تعالي ندخل يلا نستنى عز وسيبك من أي حاجة!!"
بينما بين الفتيات جلست "فريدة" بصمت ساكنة لم تريد التحدث تحت نظرات وضغط "جميلة" و"نيروز" وحتى "ياسمين". في حين ربتت "عايدة" على ظهرها وهي واقفة ثم قالت بنبرة هادئة:
"متزعليش نفسك يا حبيبتي طلعي من دماغك أي حاجة واتبسطي دلوقتي!"
طالعتها بصمت وملامح وجهها الخالية من التعابير. بينما الغير معقول أن "زينات" تقف بجانب "فريدة". الآن تنظر لها بصمت حتى وجدتهم واقفين وما أن صمتوا انحنت تحثها قائلة:
"تعالى يا فريدة نروح الشقة تهدي وبعد كده ترجعي!"
"أنا هادية!!!"
قالتها بحزم ثم وقفت تطالع "جميلة" وهي تقول:
"ما هتشغلوا أغاني بقى بدل الفصلان دا؟"
ضحكن عليها بخفة، حتى "زينات" التي وقفت تتابع مشاكستهن لها خاصة "ياسمين" التي غمّزت لها وهي تقول بمرح:
"أيوه كده فكي.. محدش واخد منها حاجة.. بس خدي بالك ما محبة إلا بعد عداوة.!!"
"بلاش قرف اسكتي!!"
ضحكن عليها بيأس. في حين تدخلت "وردة" وهي تردد بجدية مرحة تلومها:
"خدي بالك بقى إنك بتغلطي كده في أخو جوزي وأنا واقفة!!"
ضحك الجميع بشدة، وبدأت الأغاني في الصدوح عالياً تحت مسك "جميلة" الهاتف لتدق على "فرح". في حين دخلت عليهم "منة" وهي تتراقص بمرح فهللوا جميعاً بالزغاريد لقدوم العروس الثانية "منة" التي احتضنت الجميع وهي تضحك بسعادة. وبالفعل تجتمع النساء بأكملهن ويأتي إليهم عدد قليل من سكان العمارة من النساء اللواتي تربطهن علاقة طيبة مع "عايدة"، ومعارف "جميلة"، من الفتيات وفقط كما كانت "ياسمين". وقفت "عايدة" تصفق بحرارة وسعادة وهي تراقب سعادة ابنتها. في حين تمايلت "فريدة" متناسية ما حدث تحت أنظار "زينات" التي جلست بركن ما تراقب ولأول مرة ترسم على ملامحها سعادة حقيقية نظيفة ولكن البعض لا يستطيع تصديق ذلك!!!
بينما على الجانب الآخر في جهة الرجال شقة "حامد".. جلس هو على الأريكة وبجانبه الشباب ملتفين. حتى "حازم" الذي كان يضحك أثر ما يتحدث به "شادي" له ولـ "غسان" حتى يندمجا وينسيا الذي مضى. وهيهات من حدة الشباب الذي أخذ موقفًا ساكنًا منه دون إبداء عشم. في حين نظر له "حازم" مطولاً ليتفهم الأمر والنظرات كانت تعني بعد هذه الليلة سيتحدثا معًا كي لا يركن العتاب بعتاب أكبر ويتركوا مشكلة من لا مشكلة كي تكبر مع الأيام!!! صاح "شادي" مهللاً بحماس:
"يا جماعة ما تقوموا نهيص بقى مستنين إيه!!!"
ضحكوا عليه ضحكات رجولية مشاكسة. في حين ضحك "طارق" عليه بحماس غريب هو الآخر. رؤيته سعيداً بحماس ليرتبط بابنته يثير سعادته ولا ينكر بأنه يثير حقنه أحياناً. رد "حامد" عليه بضحك ونبرة أتت من ضحكه:
"مستنين العريس التاني ياض!!"
صفقوا بحماس وحرارة وعاد الجميع منشغلاً بالحديث الشبابي بينهم وبين بعضهم. حينها كانت "دلال" تنتظره في المطبخ. لذا نهض واعيًا نظراتها المتشوقة له قبل قليل. دخل فوجدها تقف وتحبس الدموع بعينيها ولم تكن سوى "دلال" التي كانت تقف بجانبها "وسام". أدمعت عينيها وهي تقف ثم لامته موبخة بنبرة ضعيفة تعلن حزنها منه:
"هان عليك وجع قلبي. هان عليك أمك عشان تبعد عنها كل ده."
وقف "بسام" ينظر لها بصمت. وشعور الخزي بداخله يظهر لها وحدها كونها تؤثر عليه بنظراتها هذه. بل واصلت تكمل بحسرة:
"هان عليك يا بسام أقعد أطلبك وأرن عليك وأنت تقفل تليفونك ومبتردش ولا نعرف عنك حاجة. ولا هان عليك أكتر وقت كنا محتاجينك فيه ومكنتش موجود!!"
أنا أول مرة أزعل منك أوي كده بالشكل ده. طول عمرك كنت مريحني وأقولك يمين تروح يمين، حتى لو كبرت وبقيت راجل. متعودتش منك يبني على كل ده. ليه توجعني فيك وتحسّرني على كل اللي بيحصل ده؟
قالت كلماتها تحت حبس دموع. عدم وجوده بأزمة والده ترك لهم علامة بداخلهم، حتى وإن كان لا يعلم. فوجوده كان له فائدة كبرى. الأول لأنه طبيب، والثاني أن أزمة والده لم تحدث إلا بسببه هو وفقط. وقف مبتلعًا ريقه بصعوبة. ونصف حديثها لا يعلم هو ما مفتاذه الحقيقي. خمّنه كله بفراقه لهم ليس إلا. اقترب ناظرًا إلى ملامح وجهها التي كانت ملامحه مشابهة لها قليلًا. حتى خرجت نبرته المتحشرجة يبرر لها بألم:
"أنا محدش حاسس بيا.. ولا حد هيحس. أنا تعبت ومن غير ما تسأليني ليه.. بس أنا.. أنا تايه.. تايه أوي!"
قالها بتشتت وشعرت بمدى ثقله دون أن تعلم ماذا حل له وبه. في حين أدمعت عينيه. فردت هي بعاطفة أمومة غلبتها:
"تتوه وإنت بعيد عننا يا بسام. هي دي التوهة لما تبعد عن أهلك وتمشي وتفارق أيام كتيرة بعد ما كنت إنت اللي مستحيل أخمن إنك تبعد وتمشي وتسيب البيت!"
وقف ظاهرًا لهما الخزي والكسرة الذي عاش يخفيها طول فترة غيابه بالعناد وفقط أمامهم. ابتلع ريقه بوهن. ثم قال وهو يقترب سانداً رأسه على كتفها:
"مش لاقي نفسي يا.. ماما.. مش لاقيها ولا هلقاها غير هنا.."
توقف يرفع ذراعيه يحاوط ظهرها مرددًا بضعف:
"مش هلقاها غير فحضنك.. أنا تعبان أوي!"
رفعت ذراعيها تضمه ودموعها تهبط بصمت. لم تردد أي حديث وتناست أحضان شقيقته ووجودها من الأساس. بل حاولت الانسحاب من هذا المشهد المتأثر كي تخرج من المطبخ ومن الشقة ناحية الفتيات. خرجت فوجدت الشباب بالصالة وكان غسان جالسًا بين شادي وبدر. رفع عينيه عليها وهي تخرج بسكون من باب الشقة. بينما قاطع دخولها دخول عز بهيئته الجذابة والذي سرعان ما انتفض الشباب أجمعهم بتهليل وهم يسحبونه بضحك مداعبينه بمرح. فصاح شادي عاليًا لحازم الضاحك بقوة:
"رقصنا يا عم.. رقص العريسين بقا وهييص خلينا نعيش!"
انخرط عز معهم بالحركات وما إن اعتلى صوت الأغاني وقف يترقص معهم بشعبية مندمجًا بقوة وصوت الضحكات يعلو ببهجة كبرى والكل يشارك تزامنا مع خروج دلال من باب الشقة بانسحاب ناحية الشقة الأخرى وخروج بسام من المطبخ متظاهرًا باللاشيء بعد ترحيبه بعز الذي رحب به. وحاول الاثنان معًا نسيان الأمر المحرج الذي حدث بينهما فسبب حساسية بعلاقتهما. كان يعلم عز بأن مهما وصلت علاقته به فشعور الحدود والحواجز لا يمحى بسهولة خاصة لدى بسام مع الغريب. بينما الآخر انخرط معه بسهولة مواكبًا عقله وأفكاره. في حين بأن تعارفه في البداية كان مع بسام أول شيء وليس غسان.
تراقصن الفتيات مع بعضهن وكل ذلك أثناء مكالمة فرح بالفيديو. كان الجو مبهج لحد كبير. والأكثر سعادة لكل هذا الاهتمام من جميلة كانت حنان، التي كانت بإمكانها أن ترسم لوالدة زوج شديدة الطباع. بإمكانها فعل ذلك تحت مسمى العفوية. ولكن جميلة تثير تعاطفها وحبها وأحيانًا شفقتها وخزيها مما فعلته ابنتها معها. جلست فريدة بإنهاك بعدما قامت بالرقص. بينما ظلت جميلة ترقص بفستانها الوردي الخافت بخفة. تشعر بالسعادة الآن. وأيضًا كانت ملامح نيروز هادئة سعيدة شغوفة حتى وهي تقف تحاول التمايل معهن. رغم أنها هادئة غالبًا. ولكنها حاولت فعل ذلك لتظهر السعادة لجميلة. بينما جلست ياسمين عابسة الوجه بين سمية وعايدة بسبب توصية حازم لهما بأن لا تتحرك هذه من مكانها.
تحركت فريدة ناحية الشرفة لتأخذ أنفاسها كي تخرج الثقل الذي بداخلها. زفرت أنفاسها بصوت وهي تستند على السوار. وما أثار سمعها كي تنتبه وتنظر أسفل ما تقف هو صوت الأطفال أدهم ويوسف كيف يهبطا لأسفل بمفردهما. كادت أن تصيح عليهم ولكن لاحظ استناد آدم معهم على إحدى السيارات يلاعبهم ألعاب شبابية وهو يقف. عندما هبط يخرج كبته لغضبه لوقت ثم ليعود. زفرت بملل منه ومن ما يفعله. شعورها بلذة الانتصار من آخر صفعة قد صفعتها له ليس سيئ. تريد بكل الطرق أن تجعله يترك محل الورد. لا تريد رؤيته يذكرها بالفعل بشقيقها.
"حتى وأنا واقفة مع نفسي ط
"بدر" سحبه معه من ذراعه هو و"غسان". وقف "شادي" يضحك مع "عز" وبقية الرجال. حاول "آدم" دفعهم عنه وهو يردد بنبرة مرتفعة:
"وسعوا كده أما نشوف جرأتها هتاخدها لحد فين تاني!"
سحبوه بالقوة رغماً عنه إلى الداخل كي لا يتأزم الوضع. دخل الشباب من خلفه، بينما نظرت هي بتشفٍ، ونظرة عينيها الخبيثة لا تفارق عينيها. لاحظت انسحاب الفتيات مرة أخرى، وحتى النساء. في حين كان هو الذي يقاطع نظرة عينيها عندما حدجها بصمت محذراً بقوله:
"إنتي لو متظبطيش أنا هظبطك بمعرفتي يا فريدة!"
اهتزت نظراتها من حديث "حازم" الذي توجه يمسك معصمها بحزم، ثم قال بحدة:
"الربع اللي طاير من عقلك دا يهدي وتهدي انتي كمان معاه. أول مرة سكت وعدينا، فتيجي المرادي تغلطي نفسك وتغلطينا معاكي يبقي لا!"
ترك معصمها ثم رمى لها نظرة جادة قوية تحذيرية. ابتلعت ريقها وهي تنسحب إلى الداخل بصمت. هو الوحيد التي تهابه من بين الجميع. أخذ أنفاسه بصوت بعدما نظر على أثر اختفائها. كان يشعر بالغرابة في بداية سكونها، لا يمكن لأحدهم بأن يتغير بهذه السرعة من كل الطباع، ولكنه الآن تيقن جيداً ما الوضع. استدار هو الآخر ليدخل الشقة الأخرى.
عندما دخل من بابها المفتوح، وجد الضحكات على منظر "آدم" تعلو حتى من "حامد" و"طارق" معاً بسخرية عليه. كانت ملامحه شبه خالية من التعابير، بل أخذ يمسح بيديه آثار المياه التي كانت على سترته الأنيقة وحتى على خصلات شعره الذي رفع يديه يرجعها إلى الخلف. وعندما رفع عينيه من وسط هذه الضحكات مع نظرات "حازم" المتأسفة، هتف بنبرة هادئة:
"متزعلش يا آدم. حقك عليا فـ دي!"
لم يستطع بعدما كبت ضحكته بعد كل هذه الصرامة، بل خرجت ضحكته عالياً وهو يحاول إخفاءها. والمضحك أن ضحكات الآخرين قد تعالت أيضاً، حتى وقع "شادي" أرضاً من كثرة الضحك بعدما كان جالساً. في حين نظر إليهم "آدم" باستخفاف، حتى تركهم ليقف بالشرفة بمفرده. وسط هذه الضحكات، ومن أتى خلفه كان "غسان" و"بدر" فقط، اللذان وقفا بجانبه وهما يسعلان من كثرة الضحك. وعيني "غسان" التي ادمعت من كثرة الضحك، رفع يديه يمسح عينيه وجسده يهتز من هذا الضحك الهيستيري، حتى شاكسه بخفة ونبرة بها أثر الضحك:
"كده إتنين ي معلم.. مرة القلم ومرة الماية!"
ضحك بعد قولها باستخفاف. فنفض "آدم" يديهما معاً، وقد تعمد الصمت بعدما رمى إليهما نظرة حادة. فعاد "غسان" يغمز له وهو يلتفت حوله كي لا يسمع "حازم" مشاكسه:
"بس حلوة والله، حقاً لنجوزهالك."
قالها بسخرية، غامزاً له بمشاكسة. فعاد "بدر" يضحك بشدة مع سخريته وهو يقول بنبرة ضاحكة:
"اوبا.. كده لقينا العروسة اللي بندور عليها، وذوقك ي معلم.. عارفك أنا مش هتختار إلا اللي حلوة يصايع!"
انكمشت ملامحه متظاهراً بغير الاهتمام، حتى رد بفظاظة:
"معتش إلا دي.. اسكتوا بلاش تقل دم!"
صفق "غسان" بمرح، ثم غمز له وهو يوكز ذراعه مرة أخرى مردداً كي يثير حنقه:
"طب والله شكلك واقع والبت حلوة بقولك!"
قاطعه "آدم" سريعاً بغيظ وهو يرد له ضربة ذراعه:
"ما تخف.. انت مش متجوز ما تعقل!"
استنكره بهذا، فضحك "غسان" مع حديثه لـ "بدر"، وهو يشهده على حديثه:
"انت ايه رايك ي بدر. بذمتك ما حلوة وآدم يستاهلها؟"
زفر "بدر" متظاهراً بالمشاكسة، غير الذي جاء على خاطره. فرد لـ "غسان" الغمزة وهو يقول:
"الصراحة أنا محبش أقول كده ووردة مراتي.. بس هي جميلة أه!"
رمى لهما "آدم" نظرة حادة أخرستهما، تزامناً مع خروجه من الشرفة ذاهباً لهم ولرقصهم بالخارج. في حين زفر "بدر" بصوت. فعاد "غسان" يسأله بجدية هذه المرة:
"تفتكر الكلام ممكن يقلب جد فعلاً؟"
"مش عارف يا غسان.. آدم شكله كده ميعرفش اللي فيها. بس حازم عنده حق، إحنا نبعد آدم عنها بدل المشاكل. دا قعدوا كام ساعة واديك شايف.. وآدم أخويا لو ليه حق هيجييه ذوق أو عافية. وإحنا مش عايزين الدنيا تكبر بينهم، فإحنا نبعده ونشوفله شغلانة تانية!"
قالها بتنهيدة. فحرك "غسان" رأسه بشرود. ثم خطرت على باله فكرة، حينها أمسك ذراع "بدر" وهو ينبهه:
"أنا هقولك.. أنا فاكر أنه كان اشتغل في ورشة ميكانيكا العربيات قبل كده، بس معمرش.. إحنا نشغله مع عز. مش هيقول حاجة، وكده كده كان حاكيلي إن واحد عنده ساب الورشة!"
صمت يفكر بتمعن. في حين نظر له "بدر" بصمت لوقت قليل، ثم قال بعدها بنبرة هادئة:
"عز ابن حلال.. بس مضمنش آدم يبقي وضعه إيه مع الناس اللي هناك!"
علم "غسان" مخزى حديثه وسرعان ما رد بدفاع يعلمه:
"لا دماغك متروحش بعيد.. عز معندوش هناك حد شمال. كلهم شباب محترمة بتوع شغل. آخرهم سجاير، أنا روحت هناك كذا مرة ومن كلامه يعني وضحلي ده!"
تنهد بحرارة ثم زفر أنفاسه وهو يقول:
"ربنا يسهل نبقي نشوف آدم ونشوف عز بردو بعد الظروف دي!"
أشار له بعدها كي يدخلا الشرفة. فوجدا هذه المرة "بسام" يرقص مع "شادي" و"عز" و"طارق" هذه المرة. واستمر الوضع بالفعل بالرقص بينهم، إلى أن هتف "شادي" سريعاً بإستعجال:
"طب ما تيجوا يلا نروحلهم!"
ضحكوا عليه بخفة. فشاكشه "حامد" بمرح:
"مستعجل على إيه ياض!"
وقف ينظر له بضيق تحت ضحكات الشباب. ولم يلبثوا سوى دقائق، وتجمعوا أمام شقة "عايدة". حتى دق "حازم" الباب. حينها وخلال لحظات، فتحت "ياسمين" الباب له وهي تبتسم بإتساع. دخل الجميع وتعالت الأغاني هذه المرة بصوت أعلى. وحينها وقف "عز" ينظر بإنبهار لها ولفستانها الوردي الهادئ. هذه الجميلة من وجهة نظره تبدو أكثر جمالاً على جمالها في أي لون فاتح. ابتلع ريقه وهو يمسك يديها يديرها أمام الجميع. فعادت تسأله هي بخجل وارتباك:
"شكلي حلو؟"
ثبت نظراته نحو وجهها وقال بغير وعي كلمات تتواكب مع شطر من أغنية يعرفها:
"دا القمر هو حبيبي.."
وعاد ناظراً ناحية عينيها بقوة. عينيها اللامعة التي تقابل عينيه الأكثر لمعاناً. أكمل بتلقائية وتأثر:
"والنجوم دي عيون حبيبي!"
توردت وجنتيها بحمرة الخجل الذي يظهر عليها. أينما قال هو، اندمج في النظرات. في حين وقف "شادي" مبتسماً بإتساع لـ "منة" التي كانت تتراقص مع "وسام" بخفة. وعندما شعرت بأنها مراقبة منه، اقتربت تقف أمامه. فهز رأسه لها متسائلاً.
"هنكتب الكتاب إمته يا ام عيون قناصة. ياما نفسي أحضن وأبوس!"
ضربت كتفه بعفوية وهي تحدجه بتحذير ثم قالت بتعنيف:
"احترم نفسك!"
"عيب أوي، عيب شادي يحترم نفسه متجيش والله.. ما تجيبي بوسة بقا أنا تعبت!"
حدجته بتحذير مرة أخرى وكبتت ضحكتها وهي تمسك يديه كي تتراقص رقص غير خادش للحياء. حينها رحب بما فعلته وهو يتراقص معها تزامناً مع رقص "جميلة" مع "عز". ووقف "غسان" ينظر على الجو المبهج بفرحة لرؤية فرحة "شادي". في حين وقف "آدم"، يداعب "يوسف" و"أدهم" و"يامن" بالرقص معهم بشبابية. وانخرط "بدر" معهم بسعادة ممسكاً يد "فاطمة" كي يخرجها من حالتها هذه. والنقي بالمشهد أن "آدم" من أمسك يديها أولاً كي يجعلها تتراقص بخفة معه مشيراً لها بأن تتعلم التخطي بغير اكتراث مضحك. وجلست النساء ينظرن على السعادة البالغة التي تحدث. وعندما حاول "بسام" الجلوس كي يستند رآها بمكالمة الفيديو. أيمكن أن تكون هي؟ بعدما حاول أن يتجاهل سؤال عقله بأين هي ولما لم تأتي؟ مهلاً، وهذه الغرفة غرفه يعلم ديكورها جيداً!
تسرق النظر له بين الحين والآخر. ترى سعادته هذه المرة بصديقه. ودت لو تصنع لنفسها ولأيامها صديقاً مثل صديق زوجها. توجهت لتقف بجانبه كي تشاركه الفرحة وهو يقف يتابع بسعادة. بينما لاحظ تحركها. فزفر بصوت وهو يبتسم مديراً رأسه ناحيتها ثم سألها بتلقائية هادئة بسيطة:
"حد قالك قبل كده يا نيروز. إنك بتبقي هادية أوي زيادة عن اللزوم؟"
أثار غرابتها سؤاله ولم يسأل هذا السؤال إلا عندما قارن تحركاتها بكل مناسبة لم تتعمد الرقص بهمجية أو التحدث بصوت مرتفع بل دائماً هادئة ساكنة كثيراً. ما يطمح الشاب بأنثى عاقلة مثل هذه. بينما هو... ضحك وهو يعتدل ثم قال باستنكار:
"بس متجوزة واحد مش عايز كده الصراحة يا رزقه. مش معقول كل مرة هاجي أطلب منك تفكي وترقصي معايا وترفضي أو تتحرجي!"
تعمد اللباقة في الأسلوب. بينما فهمت هي مخزي حديثه. لذا ضحكت بخفة ثم قالت بوضوح:
"بس أنا فرحانة فعلاً ومبسوطة.. الفكرة إني بتكسف!"
تعلقت عينيه بنيتها وتاه بينها ولم يعلم هو أنه بين الجميع بل تاه وشعور الشوق بداخله اتجاهها يظهر عندما. حرك عينيه عليهم ثم عاد ينظر له مردداً بصدق وتأثر:
"وحشتيني يا بنت الأكرمي!"
استغربت جملته. ولكنها نظرت له بخجل. على أية حال وهذه المرة أمسكت كفه ثم طلبت منه برفق:
"تعالى نرقص!"
رحب بالفكره الذي كان يريدها من الأساس. ولعقله الذي لا يغفل عن التفاصيل. أدراها كي يجعل وجهها ناحيتهم وجسدها ناحية النساء بسبب فستانها حتى ولو كانت سترت هي ما تود ستره. تفهمت ما فعله وهي تتراقص معه فغمزت له مرددة بمشاكسة طفيفة وهي تضحك:
"راجل شرقي غيور أوي... بس أنا بحبك!"
توسعت بسمته قليلاً. ما تردف حديث مشاكس بمسمى الحب غالباً ما تسخر منه!! استمر الوضع كذلك. واللطيف أن "أدهم" ذهب لـ "فريدة" وهو يمد كفه الصغير لها بطبيعته الرومانسية البريئة اللطيفة وهو يطلب منها بعفوية:
"ممكن ترقصي معايا يطنط فريدة؟"
شهقت بسرعة وهي تنهض من مكانها ثم قالت توضح له سريعاً بضحكة واسعة:
"يا خبر هو أنا أطول أرقص معاك أصلاً.. بس بلاش طنط.. قولي فريدة أو فيفي. اتفقنا؟"
"اتفقنا يا فيفي!"
ضحكت وهي تمسك كفه الصغير تتحرك معه بمرح. ثم سألته وهي تمط شفتيها بتفكير:
"أنت مين بقا علشان مش عارفة افرق؟"
"أنا أدهم وممكن تقوليلي دوما كمان!"
ضحكت وهي تنحني ثم طبعت قبلة على خده ثم اعتدلت ترقص معه من جديد تحت أنظار "آدم" الذي ابتسم تلقائياً ثم قال بسخرية من الصغير:
"يختك يا بن المحظوظة!!"
"مين يا خالو؟"
قالها "يوسف" ببراءة فأهبط "آدم" ذراعيه كي يحمله وهو يدور به بمرح فضحك الصغير بصوت عالٍ تحت انتباه "أدهم" الذي ركض سريعاً تاركاً "فريدة" كي يفعل ما فعله "يوسف" بواسطة "آدم". ضحكت بخفة عليهم. ثم نظرت ناحية "جنة" التي أمسكت يد "حامد" كي يتراقص معها. وبالفعل فعلها. الجميع يتمايل على اللحن والكل سعيد ووقت الفرحة يمر والغريب بأنه يمر بسرعة. أسرع من أوقات الحزن!!!
"لو قالولي إن كل اللي كان بيحصلي فحياتي عشان بس أوصل للحظات دي معاكي.. كنت هوافق تتكرر عليا تاني وتالت وعاشر ومليون. مادام فالآخر هتكوني بين إيدي. أنا بسأل نفسي إنت عملت إيه يمعلم عز عشان ربنا يعوضك بأجمل واحدة شافتها عينك اللي معرفتش تشوف غيرها. تفتكري انتي أنا عملت إيه عشان أستاهلك ي جميلة؟"
حديث عميق متأثر قاله لها وهو يتحرك معها بخفة على اللحن الهادئ الرومانسي هذه المرة. تأثرت حتى لاحظ رعشة يديها. وتيقن بأن كل مرحلة تدخل عليهم بهذا الارتباك يزيده صعوبة ولكنه قادر على محو هذه الحواجز التي تحاول هي الأخرى فك قيدها الذي حكم رغماً عنها. ابتلعت ريقها ومن حديثه تجمعت الدموع في مقلتيها وهي ترد بتحشرج:
"انت اللي كتير عليا أوي يا عز.. أنا.. أنا مش مصدقة ولا عارفة أصدق إنك نصيبي الحلو اللي فالدنيا دي بعد كل ده!!"
عانقها آنذاك بعمق وهو يمرر يديه على ظهرها بحنو. ثم همس جوار أذنها بصراحة تأسرها:
"إنتي اللي كتير على 'عز' يا حرم 'عز'!!"
ابتسمت بتأثر من خلف ظهره وهي ترفع يديها تضعها على ظهره الصلب. بينما أمسك "شادي" هاتفه وهو يقوم بالتصوير معها. وعندما شعرت باقترابه أو أنها على وشك أن يحتضنها. ثبتت رغماً عنها كي ترى مدى التزامه بالوعد. وبالفعل لم يفعلها. نظرت له بحب وهي تعتدل. وعندما انسحبت معه ناحية الشرفة وقفت تطالع وجهه بسعادة. ثم سألته سؤال غير هين أتى من تقلب مزاجها:
"بتحبني قد إيه يا شادي؟ امتحان مفاجئ ولو مقولتش قد اللي فدماغي يبقى مفيهاش جواز!"
ابتلع ريقه بصعوبة من تجمد ملامحها. وكأن الوضع جاد وليس مثيراً للضحك. تنفس بعمق. ثم قال ببراعة في الرد أو بما يسمي "بالمحن" في الحب:
"بحبك قد عدد خصلات شعرك اللي سحرتلي وقد عدد كل رمشة رمشتيها بقنصاتك!!"
ابتسمت بخجل واعجاب ولأول مرة يروق لها غزله المبالغ به. راقبهم "طارق" بحب من على بعد. والكل يجلس مرة أخرى بعد مرور الوقت. ووقفت "نيروز" بجانب "غسان" يلتقطان بعض الصور بالهاتف. وعندما شعرت بإنكماش ملامحه بإرهاق. أمسكت كفه وهي تسأله بلين:
"لسه الصداع مش بيسيبك بردو؟"
حرك رأسه نفياً بكذب. وهو يبتسم بإطمئنان. وعندما شعرت بسكون المكان لحظياً. وأن هذه هي الأوقات الأخيرة في هذه السهرة. هتقت تقترح عليه:
"طب هو خلاص تقريباً.. معتش في حاجة. تيجي نطلع؟"
حرك رأسه بسكون دون رد. وهو يغمز لها مردداً بوقاحة يبعدها عن الحوار وعن قلقها:
"ما تجيبي بوسة!!"
ابتعدت عنه وهي ترمقه بيأس من وقاحته. ولاحظت جلوس "حنان". واستعداد "طارق" للرحيل بمفرده ومن ثم تاركاً "منة" مع صديقتها ومعه لوقت. ووقف "حامد" بعدها مستأذناً للإنصراف بقوله:
"معلش هنروح نرتاح إحنا بقا.. وأهو نسيبهم مع بعضهم بردو يتكلموا براحتهم فاللي جاي..
أسنده "غسان" بخفة وهو يراه يحاول النهوض حتى فتح باب الشقة كي ينصرف ومعه هذه المرة كانت "دلال" و"وسام" معه. ومن ثم وقفت "نيروز" تشير لهم بالوداع مؤقتاً كي تذهب خلفه وخلف عائلته.
أومأت لها "سمية" بحب متفهمة ما تفعله وأشارت لها "وردة" و"ياسمين" و"جميلة" التي كانت تقف مع "عز" الذي ابتسم بشرود وهي تردده باستغراب:
"ساعات بحس إن نيروز بنت عمك دي مش لايقة على غسان!!"
قالها متفاجئاً منذ فترة، فضحكت وهي تحرك رأسها نفياً وقد فهمت مغزى حديثه فردت توضح له:
"بالعكس دول لايقين على بعض من صغرهم حتى.. وبعدين نيروز مش زي ما الكل شايفها كده، هي مش متقفلة ولا هو العكس.. هي بس بتاخد على الجو بمزاجها وعلى راحتها وقت ما تحب ومع الناس اللي تحبهم.. وبعدين لو هم مش لايقين معنى كده إننا مش لايقين!!!"
"ليه؟ هم حاجة وإحنا حاجة.. وإنتِ تقريباً مش شايفك زي نيروز في حاجة!!"
قالها بابتسامة هادئة، يستجوبها بنبرة هادئة لينة، فحركت رأسها نفياً بدفاع فطري عن رفيقة دربها:
"أنا وروز واحد!!"
"إنتِ أطيب إنتي وقلبك!!"
قالها بهدوء وانتباه لفارق ما بينهما، فتحدثت بغرابة تسأله:
"ليه بتقول كده؟"
"شفتك وإنتي سامحتي مرات أبوكي أو حتى بتفكري تديها فرصة.. هي معملتش كده وكان الموضوع هيكبر لما غسان جه واتدخل وفكرها أذتها وهي كانت جاية تطلب المسامحة ومخدتهاش في الآخر!!"
تفهمت حديثه، فأخرجت أنفاسها بصوت وهي ترفع عينيها تنظر له مبررة بصدق وشفقة:
"متقولش كده يا عز، نيروز اتأذت من مرات بابا كتير أوي، عملت فيها حاجات كتير تأذي وتكسر أي بني آدم زي ما عملت كمان في أخواتها.. نيروز بتعدي وطيبة والله بس هتحتاج وقت عشان تتخطى لكن عمرها ما هتنسى!!"
"شكلك بتحبيها أوي أوي!!"
"نيروز دي معايا في كل صغيرة وكبيرة من واحنا صغيرين، كل حاجة بشاركها معاها.. دي اللي الكلام معاها بيخرج من غير حساب أو من غير ما تخاف لتفهم غلط.. دي اللي قالوا عليها عاقلة بس عمرها ما تكون ضعيفة.. ودي كمان اللي لو حد زعلني وهي عرفت ده بتتحول مية وتمانين درجة عشاني بس في الآخر كنا بنكفي خيرنا شرنا.. ودي اللي أسراري ينفع تكون معاها هي وبس.. دي كمان اللي حضنها حضن مختلف عن أي حضن.. يعني حضن ضامناه إنه مش هيروح ويسبني وهيفضل جنبي.. إنت ممكن متفهمنيش غلط.. لما أقولك إني لقيت فيك اللي لقيته في نيروز بس على شكل عز.. عز الرجال يعني!!"
ضحكت بآخر حديثها، وهذه المرة تجرأت عندما رفعت ذراعيها تحاوط ظهره حتى أسندت رأسها على كتفه وهي تردد بتحشرج:
"أنا في اللحظة دي حسيتك أبويا مش جوزي ولا حتى اللي قلبي اختاره فيوم.. عينك بتقول كده أوي.. حتى لو مش بعرف أقول كلام حلو بس كفاية عيني اللي بتضحك زي قلبي بمجرد ما بلاقيك وأشوفك جنبي!!"
كانت نظراته لها كمن يكون أب ينظر نحو شغف ابنته في الحديث عن شيء وشخص تحبه، ضمها بعمق، ثم قال بتنهيدة حارة محاولاً زرع ما فقدته بها:
"وإنتِ بنتي يا جميلة، ومش غريبة عليا أحس الإحساس ده معاكي.. أنا كنت ومازلت أب حتى لفرح ومبسوط إني مش عاجز ولا جاهل عن اللي المفروض يظهرلك وأعمله.. أنا هنا معاكي وجنبك طول الوقت ومش همشي.. براهنك حالا على اللي يسيب.. ولو على الرهان فهيفضل متعلق كده لحد ما العالم يقرر يغير نفسه مع نفسه لكن إحنا هنفضل كده زي ما إحنا دلوقتي!!"
وأكمل بصدق ونبرة متأثرة عميقة:
"هنفضل كل واحد في ضمة التاني!!"
بينما كانت النظرات الموجودة ما بين جلوس "وردة" بجانب "بدر" و"ياسمين" بجانب "حازم"، و"آدم" الذي جلس هذه المرة بجانبها بجانب "فريدة"، سرق النظرات لها من أسفل أهدابه فوجدها تداعب "يامن" الجالس على ساق "وردة" بجانبها. نهض متنفساً بصوت مسموع ثم قال على فجأة:
"أنا ماشي أنا بقا يا بدر.. مش يلا يا فاطمة؟"
وجه نظرة عينيه لشقيقته التي كانت تجلس بجانب "سمية"، كانت تجهز أشياءها للرحيل بالفعل ولكن عاقها قرار أحدهم. ابتسمت له بهدوء وكادت أن تجيب بينما قاطعه "بدر" نهوضها بقوله:
"عمك قال إنها تبات وتقعد عنده.. هو راح وسابها ترجع براحتها طالما قاعدة معايا.. اتوكل إنت وخلي بالك من نفسك!!"
صمت توجب عليه الصمت طالما وافق شقيقه وهذا قرار عمه. نظر ناحيتها فوجدها تنظر له بسكون وخزي لما حدث. أومأ برأسه وقبل أن يتوجه ناحية الباب اقترب أكثر يقف أمامها وهي جالسة فوقفت عندما تيقنت بأنه لم ولن يذهب سوى عندما يفعلها. فرد ذراعيه لها ثم ضمها بحنان ظهر وبشدة لكل من حوله عندما قال بنبرة هادئة يخفي بها اهتزازه وضعفه ناحيتها ويظهر أسفه على كلماته الذي رددها على مسامعها قبل ساعات:
"متزعليش مني يا فاطمة حقك على راسي وعليا.. أنا خايف عليكي وبحبك نفسي تفهمي ده!!"
كان همساً مسموعاً ولامس قلب "فريدة" فعلته هذه، في حين مرت "فاطمة" يديها على ظهره ببطء ثم أجابته قائلة بتأثر:
"عمري ما أزعل منك يا آدم.. إنت أخويا وابني وقبل كل دا رغم السن بس بحسك أبويا.. متحرمش منك أبداً.. ولا من خوفك عليا!!"
ابتسم وهو يقبل يديها وقمة رأسها ثم انحنى ليقبل "جنة" مثلها ومعها التوأمان تزامناً مع إشارة "فريدة" لـ "حازم" ولهم بأنها سترحل إلى شقتها بصمت، فحركوا رؤوسهم بانتباه، وتوجهت لتفتح باب الشقة ومن ثم أغلقته خلفها تزامناً مع وداع "آدم" لهم ولـ "عز" و"شادي"، حتى فتح الباب ليخرج منه ومن ثم أغلقه خلفه. وجدها تقف بظهرها ترفع يديها على ما يبدو تمسح آثار دموع قبل أن تدخل. تنحنح يجلي حنجرته وهو يلتفت ثم تصنع الدهشة ما أن نظر ناحية وجهها مردداً بغير تصديق:
"إيه ده؟ إنتي بتعيطي زينا؟"
لا تعلم لما أثار قوله ضحكتها الخفيفة وشرد بهذه الضحكة رغماً عنه حتى وقف معتدلاً متنفساً براحة ما أن ردت هي بتبجح:
"لا بعمل مية بسكر.. ظريف أوي إنت وبتستخف دمك مع إنه يلطش وملح زيك!"
نظر لها بصمت غير مهتم بكل ما قيل، بل سألها بتلقائية أثارت حيرتها:
"بس بتعيطي ليه برضو؟"
كيف ستظهر أن رددت كل ما شعرت به؟ كانت تود شقيقاً مهما كان جافاً يكون حنوناً في وقت غضبه وانفعاله، لا تنكر ما يفعله "حازم" ولكنها كانت بالبداية تتصنع البعد وتعتمد فعل ذلك باعتباره ليس شقيقاً لها من والديها معاً، حجج.. أسباب.. كي تهبط دموعها مما حدث بالكامل رغم أنها المنتصرة بأفعالها المتسلية!! وكيف يقف معها الآن من الأساس وهي من فعلت به كل ذلك؟ ابتلعت ريقها ببطء ثم التفتت متصنعة عدم الاهتمام وهي ترد:
"مفيش!"
"طب متعيطيش تاني بقا عشان شكلك ببقي وحش وإنتي بتعيطي!!"
فتحت عينيها على وقاحته هذه في الرد وكاد أن يضغط كي ينتظر المصعد بينما ردت هي بفظاظة تنقد نفسها من انتصاره عليها:
"محدش طلب رأيك!!"
"رأيي أمر مفروض.. إجباري يعني يا شاطرة!"
دخل المصعد بعدها ثم أغلق تلقائياً تحت إنهزامها في الرد. الغريب بأنها تشعر بأنه يثق بنفسه ثقة عمياء ليس لها مثيل في حين تتظاهر هي بذلك ولكن ليست كذلك بتاتاً. ثمة الشعور الذي يتوغل داخلها بأنها ليست كاملة دون مسمى.. بأنها كسرت وتلطخت بدناءة أحدهم يشعرها بالقهر. كتمت دمعتها مرة أخرى وهي تخرج المفتاح كي تفتح الباب!
علم بأنه صعد فور إسناده لوالده إلى غرفته والإطمئنان عليه، ليس لمجرد أنه يشعر بصداع رأس، بل يهرب من مواجهته مع "شقيقه"، من مواجهة لا يريدها، فيصبح منهزماً، يحتوي غيره ويضغط من جديد، ولم يعد لديه طاقة لذلك.
الآن في شقته، هو في شقة "غسان" الذي دخل المرحاض يبدل ملابسه لأخرى مريحة ويغتسل بمياه دافئة يريح جسده، ومن ثم ليخرج.
كان هذا بعدها هي، عندما بدلت ملابسها وجلست تفتح التلفاز العريض الذي يوجد بغرفتهما معاً.
أتت اليوم بعد غيابها لأيام بالغرفة الأخرى.
فتحت على القرآن.
على ما تراه بعينيه من حزن مخفي يهدأ أو يختفي صدقاً، وليس بطريقة زائفة.
زفرت بصوت، وأتى بعقلها مكوث فاطمة معهم في الأسفل.
كيف كانت ستشعر هي لو كانت تمكث وهو معها بالأسفل؟
نفضت من عقلها هذه الأفكار التي تأتي رغماً عنها، دون تدخل، بل أتت من غيرتها في رؤيتها للتعامل بينهما بأريحية كبرى لم تعتدها قط.
خرجت من شردوها عندما وجدته واقفاً، يضع عطراً هادئاً مع تمشيطه لخصلاته بغير اهتمام.
لم يتحدث ولم يتفوه بشيء.
بل التقت هذه المرة وهو يبتسم.
ثم تزحزحت قليلاً وهي تبتسم، فمال يجلس بأريحية وهو ينظر ناحية التلفاز والقرآن الهادئ الذي يخرج عنه.
ودار رأسه ببطء عندما وضعت كفها على كفه وهي تسأله بتلقائية:
"إنت كويس؟"
حرك رأسه بنعم، وضم رأسها ناحيته مستنداً بذقنه على قمة رأسها، حتى لفحت أنفاسه الساخنة خصلاتها.
تستشعر سخونة جسده العاري من فوق.
اعتادت على فعلته هذه، وعلمت أن جسده في جميع الأحوال يبث حرارة لا يتحملها بملابس فوقية.
وجدته يبعد عن الحوار تدريجياً، وهو يشاكسها مردداً بمرح يسألها:
"مش ناوية تروحي الأوضة التانية ولا إيه؟ أنا كنت مرتاح أوي وأنا واخد راحتي لوحدي هنا!!"
خرجت بإندفاع، تنظر له بغيظ، ونظرة عينيها تجعله يكبت الضحكات.
بينما سألته هي بحساسية:
"ده بجد؟"
قهقه "غسان" عالياً وهو ينفي برأسه، ثم قال بصدق:
"أبقى كذاب لو قولت إنه بجد!"
ابتسمت بخجل، وهي ترمش بأهدابها، ثم عنفته وهي تضرب كتفه:
"كنت بحسب!"
صمتت "نيروز" تنظر ناحية عينيه المتعلقة بها بشغف.
وسرعان ما سألته بحزن مخفي:
"انت زعلان ليه؟"
اقترب "غسان" أكثر وهو يبتسم، ثم رفع يده يحاوط وجنتيها، حتى قبلها بمرح وهو يهمس:
"ده أنا مبسوط، انتي مش مبسوطة؟"
"ليه؟"
سألته وهي تعتدل.
فحرك رأسه وهو يضحك، ثم غمز لها بوقاحة، وهو يعتدل هو الآخر مردداً:
"عشان بقت عال، وهنجيب عيال!"
ضحكت بيأس منه، وانخرطت في كلماته الذي بعدت كل البعد عن جو حزن مشحون.
كفى بعد وكفى فراق.. وكفى حزن وكسرة وقهر.
كفى شوق لهذه الدرجة وكفى هجر لها أيضاً.
ابتلع ريقه وهو ينظر لضحكتها الواسعة، وسرعان ما خفق قلبه، ولأول مرة يظهر عليه بأن قلبه قد خفق بسعادة وحب.
كثيراً ما يبرع في إخفاء ذلك، رغم أنها قريبة أغلب الوقت، وفي كل موقف يخفق قلبه سعادة بوجودها، كمثل الآن وبقوة، عندما قالت هي بلين عندما رفعت يديها تزيح خصلاته السوداء كي ترجعها إلى الخلف بترتيب، مرددة بتأثر وعمق يأثر به حتماً:
"وحشتني أوي يا بن البدري..!!"
توسعت بسمته وهو يرفع يديه يمسك يديها برفق.
فأكملت هي بصدق، تعلن موافقتها الذي تردد هو بقربه إلى الآن منذ آخر رفض على يديها هي:
"ووحشتني الست وكلام الست وهمس الست كمان!!!"
همس الهمس الذي يأسرها ويؤثر بها.
ابتلع ريقه ببطء، ووضع كفه متشبتًا بكفها، وهو يقربها منه كي يسألها عن قرب:
"الست قالت كلام كتير أوي، بس عارفه المرادي قالت إيه؟"
توقف عندما اقترب يهمس بجانب أذنها، ويديها الأخرى خلف ظهرها يربت عليها بحنو ولين:
"ابتديت دلوقتي بس أحب عمري.. ابتديت دلوقتي أخاف.. أخاف للعمر يجري!!"
بالفعل خاف وهاب أن يمر الوقت ويجري منه على خصامهما دون عيش حياتهما معاً.
أين الحب من الأساس في كل هذه الأيام التي كانت تفرق بينهما تحت مسمى العناد والخلاف.
الآن يذهب أي خلاف، وربما هذه المرة تختلف عن أي مرة أخرى.
بعد الخلاف كان حب ومودة ورحمة ولين وتفهم.
لا تنكر بأن حبه بقلبها يزداد يوماً عن يوم.
هي.. هي التي لم تتخيل في يوم أن تعشق أحدهم بهذه الطريقة، ولا يظهر ذلك عليها.
وعلى الرغم من بطئها في التعبير وخروج كل هذه المشاعر دفعة واحدة، إلا أنها تخاف وتهاب أن يمسه ضر، وكل حالها السيء كان عليه هو، أكثر منها.
عندما شعرت بأنه يكسر ولا تعلم لما ومن ماذا.
عندما شعرت بحزنه ولم تستطع فعل شيء سوى بأحضانها، والآن بقربها.
لبت ندائه وأعطته القبول.
قبول دخوله قلبها منذ زمن، وقبول حبه وحبها في كل وقت يمر.
هو وهي.. قصة تُقص عن عودة وصالهما بعد قطع الحبال لسنوات طويلة.
وفي كل مرة يكاد أن يقطع الحبل رغم قربهما، يزداد قوة.
واتضح أن الحب أحياناً يصبح كل شيء.
يصبح كل شيء مع اللين والتفهم.
عندما لانت العقول ولانت القلوب، مر الوضع وكأنه لم يكن.
تطلب فقط لين وتفهم وعقل تحت مسمى الحب، الذي بدونه لما حدث كل ذلك.
وقف في المطبخ يعد شطائر وأكواب "شاي" ساخنة.
بعد ساعة واحدة من الآن سيذهب كي يقيم في المشفي إلى اليوم الثاني.
وهو الآن يشعر بالراحة ولو بقليل فقط لأنه في منزله وسط رائحة عائلته.
استشعر هروب شقيقه منه وكسرته من كلماته.
لا ينكر بأن كلماته كانت صعبة، ولكنه إلى الآن يقنتع بأن نصفها صواباً.
أخذ راحته في الحركة عندما علم بقدوم "فاطمة".
ومن ثم دخلت مع أطفالها غرفة "غسان" كي تقيم بها.
لذا خلع ملابسه براحة.
لم تكن عادته فعل ذلك، ولكن شعور النيران التي تتآكل بداخله بحرارة وتعب جعله يخلع ملابسه العلوية.
فقط ظل بتيشرت محكم على تفاصيل جسده، والذي أظهر كتفيه وصدره وحتى جزء من أسفل رقبته وظهره من الخلف، مع المنشفة التي كانت على رقبته بإهمال.
شرد عقله برؤيتها في المكالمة، ولم يكن أحمق كي لا يفهم الذي حدث.
توقعه بخفة وسهولة، وحاول الظهور باللاشيء، رغم أن هذا يعد صعباً على قلبه الأحمق الذي يشعر بأشياء رغماً عنه، ليس له يد بها.
وقف أمام غرفة "وسام" يدقها، حتى فتحها ثم دخل بصينية صغيرة عليها شطائر صغيرة مع كوب الشاي الخاص بها الذي أعده.
ابتسمت له وهي تنهض من على مكتبها.
فوقف هو يسند الصينية، ثم رفع عينيه ناحيتها وناحية ملامحها التي تشبه والده لحد كبير.
ابتلع ريقه وهو يرفع كفه يزيح خصلاتها السوداء إلى الجانبين.
فتعلقت عينيها بعينيه وهي تقول بمشاكسة متأثرة:
"ع فكرة كان وحشني شايك وسندوتشاتك وكل حاجة.. كل حاجة!!"
ارتمت بنفسها بإحضانه، فشدد بعناقه لها وهو يتأسف بصراحة:
"أنا آسف.. متزعليش مني!!"
ربت "بسام" على ظهرها برفق.
فخرجت ببطء وهي تنظر له بشوق.
ثم قالت بتلقائية:
"الأسف ده مش بتاعي يا بسام.. مش ليا أنا!!"
صمت عاجزاً عن القول والرد، بل أشار لها أن تتناول الطعام، ناظراً ناحية الكتب ومكتبها، ثم إلى ملامحها التي كانت مترقبة ناحيته.
فعاد يتنفس بعمق، وهو يقول:
"شوفي اللي وراكي يا وسام.. وكلي السندوتشات دي أكيد وحشتك مني!!"
"كل حاجة وحشتني منك.. حتى لو غسان كان بيحاول يعمل زي ما كنت أنت بتعمل.. بس صدقني شايه ميتشربش ولا حتى سندوتشاته تتاكل."
قالتها بحزن.
فخرجت ضحكاته بشدة.
حتى ضحكت وهي تكمل بنفس النبرة الضاحكة:
"بس اوعي تقوله كده.!!"
نظر لها وهو ينفي برأسه.
اشتاق لمشاكستها وكلماتها المرحة ومشاكلها الذي يعتبرها تافهة، ولكن يتوجب عليه السمع والإهتمام بكل حب.
قبل قمة رأسها وهو يرد بنفس المشاكسة:
"لا مش هقول عشان هو عارف وكلنا عارفين إنه مببعرفش يعمل حاجة.. محدش بيعرف يعمل أكل زي دكتور بيسو بردو ولا إيه يا ويسو؟"
حركت رأسها تؤكد، ثم حذرته بمرح كي تخفف عنه كما يفعل ليخفف عنها هو.
"او عي تكون بتسجلي ولا بتاخدني على قد عقلي؟ لو وقعت في إيده مش هيرحمني.. بس عارف؟ حتى محاولته إنه يعمل حاجات مش عارف يعملها دي لوحدها طعمها حلو أوي عندي.. بس أنا مش عايزة أكل ولا محاولات، أنا عايزانا نرجع مع بعض زي الأول من غير مشاكل ولا خناق ولا خلاف!"
نظر لها باطمئنان ثم حمل الكوب كي يضعه في يديها تزامناً مع تنهدته الحارة وهو يردد بابتسامة باهتة:
"إن شاء الله خير!"
علمت أنه إذا أغلق الحديث إذن لم ولن يفتح، ولا يود هو ذلك. وليس كمثل الآخر الذي يأتي لها من بين كل همومه ومن ثم يشاركها ولو بشيء خفيف. أحياناً يشعرها بأنها أكبر منه سناً، بل وهو الكتوم، وإن أخرج نصف حرف لن يكون سوى لها هي. تنفست بحرارة وتنهدت بيأس عندما وجدته رحل وأغلق باب الغرفة خلفه بعدما حمل الكوب الآخر الذي يخصه هو.
لم يفتح غرفته، بل كانت مفتوحة. من الذي يجلس بداخلها؟ دخل باهتمام عاقداً حاجبيه فوجد "دلال" تقف تعدل فراشه بحماس وتخرج له ملابس مريحة. فابتسم من خلفها ثم رد بنبرة خشنة بعدما تنحنح يجلي حنجرته يخبّرها:
"بس أنا ماشي.. هبات في المستشفى!"
التفتت بسرعة تنظر له بابتسامة صغيرة ووجد اليأس على ملامحها. فاقترب أكثر يسند الكوب على الطاولة ثم حاوط وجنتيها بحنان وهو يقبل قمة رأسها. فضمته هي لها بعناق هادئ ثم همست من خلف ظهره على فجأة:
"أبوك كان هيروح فيها يا بسام.. كان هيروح فيها بسبب زعله عليك!"
انتفض وهو يخرج من أحضانها ناظراً بصدمة غير مفهومة. فتحركت رأسها إيجاباً. ولم يلبث هو وقت كي يفهم، بل التفت يسير ناحية غرفة "حامد"، حتى وقف يدقها ولم يسمع هو إذن الدخول، ولكنه فتح الباب على أية حال فوجده جالساً على الفراش ممسكاً بسبحته مستغفراً بها وهو ينظر لكفه. والمفاجئ بأنه ردد من بين نظراته لسبحته دون أن يرفع عينيه ناحية الذي فتح الباب دون إذنه:
"مقولتلكش تدخل!"
دخل وهو يغلق الباب قليلاً وليس كاملاً. في حين رفع "حامد" عينيه ينظر له. فوقف "بسام" ثم تحرك بعدها مقترباً منه وجلس على طرف الفراش موجهاً كفه ناحية كف "حامد" يسأله بخوف وقلق:
"انت صحتك كويسة؟"
رفع عينيه ينظر ناحية وجعه والقلق الذي ظهر عليه، بينما همس بعدها بنبرة هادئة:
"كان ساعتها فرق معاك، ورفعت سماعة تليفونك تطمن على أبوك وأمك أو حتى تكلم اختك تطمن علينا من ورانا. إنت قلبك جامد أوي يا بسام. جبت الجمود ده كله منين؟ أنا عمري ما عودتكم على كده يا بني!"
وبخه بحسرة وانهزم في اللوم وهو يبتلع ريقه بآخر حديثه. فنظر له "بسام" بتيه وهو يتنفس بتعب ثم قال:
"عمري قلبي ما كان جامد.. أنا قلبي تايه مبقاش عارف الطريق. الطريق الوحيد اللي عرفه دلوقتي هو طريق برك ورضاك.. حقك على راسي يا بابا!"
سيضعف. حاول التظاهر بالجمود ثم نفى برأسه يعلمه ما أظهره ذكياً:
"عملت إيه لأخوك يا بسام؟ عملتله وقولتله إيه يخليه مطفي ومش شايفك للدرجة دي؟"
صمت بخزي هارباً بعينيه لمكان آخر. فابتسم "حامد" وهو يكمل:
"عايزني أسامحك إزاي وإنت نفسك مش مسامح نفسك ولا عاطيها فرصة تتصالح معاها وتشوف الصح من الغلط أو حتى الأصول واللي مش الأصول. مسامح يا ابني، بس قولي أشوفك إزاي كده ومزعلش. أشوفكم كمان متفرقين كده إزاي ومزعلش؟ هو ده اللي لما أموت هلاقيكم شادين بعض وفضهر بعض من بعدي؟"
صمت يلومه ثم تجمعت الدموع بمقلتيه بصدق هذه المرة وهو ينظر ناحية عينيه:
"لما وقعت ملقتكش جنبي يا بسام.. لقيت أخوك لوحده معايا ومعانا هنا، بدور عليك في وشه مش لاقيك.. ولما ملقتكش فيه عرفت إنك كاسره وجيت عليه!"
تحدث بعمق مما جعل "بسام" يبلع ريقه بصعوبة وهو يقول باهتزاز مع نبرته المتحشرجة:
"ابنك بوظلي حاجات كتير في حياتي من غير ما يعمل حساب للي هحس بيه واللي هيحصلي. مكانتش غلطته كانت غلطتك يا بابا!"
صمت يلومه هو الآخر ولم يتفاجأ "حامد" صمت ينظر بإنهزام أمام حديثه الآتي:
"لما خليته يتدخل في كل حاجة تخصنا وكإنه حارس بيحرسني مش أخويا. بسام اتضرب في المدرسة فأخوه يقفله يجيبله حقه ويرد عنه. بسام كان مش عارف مين وقفه وقاله كذا فوقف هو واتصرف. بسام اللي عاش حقه ميجبهوش بإيده. صغرتني وصغرني قدام نفسي إني مقدرش مع إن اللي عمله حاجة متزعلنيش.. بسام حقه لما يتهدر وحد يجي عليه يحل محله غسان. لحد النهارده كل حاجة عايز يعملهالي هو ويتصرف فيها كإني عيل صغير. كل حاجة هو اللي يعمل وهو اللي يتصرف وهو اللي يقف وهو اللي يستحمل.. ظالم نفسه وطاقته قبل ما تظلمني وأنت كمان ظلمتني لما خليته وحسسته إنه ماسك كل حاجة. من كتر ما بيشوفلي الصح من الغلط والأنفع والوحش بقيت حاسة إني مجبر معترضش عشان هبقى بعارضك إنت وبقف في وشك إنت. وقفت في وشه آه.. وقولتله كلام صعب حد يستحمله.. كسرته غصب عني عشان أنا ذات نفسي مكسور مش حاسس بحاجة. اتكسرنا احنا الاتنين وعرفت إنه مظلوم وبيتظلم بس حتى وأنا ساكت برضه بظلم نفسي وبظلمه.. توهت ومبقتش فاهم أي حاجة. أنا أستاهل ده؟ هو يستاهل ده؟"
نزلت دمعة "حامد" وهو يستمع إلى حديثه وصمت للحظات بعجز ثم رد بنبرة متعبة:
"مقصديش أخليه مسيطر عليك، ولا حتى عايز أقولك إنك كنت إنت كده بنفسك من صغرك. أهم حاجة كانت عندي ولسه عندي إن كل واحد فيكم يشيل التاني ويتعود على كده. عشان الدنيا عمر ما كان ليها أمان، ياما فرقت بين إخوات نفس الدم.. أنا مش عايز كده.. مش عايز لو أخوك مكانش اتعود على كده مكنش يهمه أنتم. مش عايز النقطة دي لا عندك ولا عنده. أنا مظلمتش حد. مظلمتكش ولا ظلمته.. أو يمكن أكون ظلمته هو عشان أنتم كان ليكم هو وهو ملقاش فيكم اللي إنتوا لقيتوه فيه. أنا عايزكم إيد واحدة ميفرقوش أي حاجة!"
أخرج أنفاسه بثقل وهو يستمع له. نظر بكسرة وهو ينحني يسند رأسه بين كفي والده مردداً بقهر:
"أنا حاسس إني مرفوض.. مرفوض من كل حاجة حواليا. مفيش حاجة واحدة عايزاني وقبلاني!"
وضع "حامد" كفه بعدها عندما استشعر مدى تعبه، بل واهتزاز رأسه بسكون مما يعني أنه يكتم شهقته كي لا تظهر. ترك السبحة من يديه بألم ثم مرر كفه المجعد المنكش على خصلات ولده مردداً بعض الآيات القرآنية بصوت مسموع ممراً يديه على وجهه عندما استند برأسه على ساقه المفرودة على الفراش. أخذ المنشفة يضعها بعيداً ثم مرر يديه بداية من خصلاته إلى وجهه أسفل رقبته وذقنه وحتى ظهره باحتواء مردداً آيات الذكر بإنهاك عليه ومنه، حتى زفر الآخر بصوت وهو يرفع عينيه الحمراء ينظر بها لأعلى حيث وجه والده وهو يجلس. أغمض عينيه مشدداً عليها بضغط وهو يسمعه يتلو بعد الآيات والأدعية ثم ملس على لحيته الخفيفة وملامح وجهه كي يستكين بين ما يفعله والده هذه المرة وما بعد إغماض عينيه الغفوة التي أتت رغماً عنه رغم موعد عمله، ولكنه غاص بـ أنفاس يرتاح بها سانداً رأسه على ساق والده تحت وقوف "دلال" من الخارج تهبط منها الدموع بعجز. وعندما شعرت بثقل أنفاسه وملامح "حامد" الباهتة دخلت وهي تطالع المشهد بتأثر. مهما كبر المرء وأصبح عاقلاً ناضجاً قادراً على حمل المسؤولية لا يكبر على والديه وعلى واجباتهم نحوه. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تمرر يديها على كتفه المكشوف. وسرعان ما اهتزت ساعة يد "بسام" فانتفض بسرعة وهو يفتح عينيه على فجأة ثم اعتدل سانداً ظهره ببطء ناظراً نحو ساعة يديه كي يرى ما الوقت. في حين هتفت "دلال" تخبره:
"طلعتلك لبس عشان تجهز وتروح شغلك يا حبيبي. ابقي خد حاجة تتقل بيها بليل!"
اعتدل كي ينهض سانداً على ذراعيه بتعب. حتى نهض أخيراً ثم وقف معتدلاً مبتسماً لهما دون أن يتفوه أي حرف. التفت كي يخرج بهدوء غالقا الباب خلفه بسكون متجهاً ناحية غرفته.. يتوجب عليه السعي رغم الإنهاك وتلك هي حالة معروفة!
المشاهد التي لا تغيب عن ذهنه، في حين الكل منشغل بهذه الليلة وهذا اليوم. أتت خطته الثانية في الرغبة على التنفيذ. لم تكن ستغفل له عين اليوم عندما ينفذ ما كان ينتظره منذ وقت. لا مانع من أخذ روحه وهو معه بنفس هذا المكان. القتل؟ ولم يكن لديه سواه بهذه الأوقات القاسية والتي ستصبح أكثر قسوة على غيره. برع في اختيار الوقت المناسب لديه بينما لم يكن مناسب حينها. لم يكن مناسب عليهم هم، وهم لا يتوقعون هذه العقبة الشديدة التي ستأتي عليهم كمن أكثر صدمة يمكنها أن تقتل المرء حياً حتى بأسعد أوقاته. فعلها وفعلها قبلها بوقت بدقته في حساب كل شيء. هذا الذي يسمى بالوجع اتضح أنه لم ينتهي بعد عليهم. ومن لم يذوقه سيتذوقه هذه المرة!
اعتبرها آخر ما يود أخذه هذه المرة، ومن ثم لم يعد يبقي شيء لديه لم يفعله. غالبًا سيؤدي ما فعله إلى الهلاك، ومؤكدًا إلى الموت بأكثر طريقة بشعة يمكن أن يراها المرء. ولكن المريح بالنسبة لعقله أنه أخذ آخر حق، وكان حق بكل الحقوق التي سُلبت منه. حق غير كل ما فعل، هذه المرة كان لم يكن بعده شيء ليأخذه.. كان "الحق الأخير".
واليوم يوم ليس عاديًا. اليوم يوم زفاف "شادي" و"عز". معا، فكان مناسب خروجه كي يقضي الوقت دون حدود وساعات معينة يتطلبها عمله. ومن ناحية أخرى علم أن مكوثه في المستشفى شيء جيد بسبب إصرار "حامد" على مكوث "فاطمة" وأطفالها معه في الشقة. حتى أنه أصر أيضًا على ذهاب الأطفال في المدرسة من العمارة ومن ثم يأتون مرة ثانية على شقته هو بعد جلب "بدر" ملابسهم من منزل "والده". ورغم رفض "آدم" لأنه يريدها أن تجلس معه في المنزل هي وأطفالها. ولكن "حامد" طلب منه ذلك كي تريح نفسيتها وعقلها مع الفتيات بهذا الوقت. واليومين الماضيين حتى أن كانت الفتيات فيهم تقوم بتشغيل الأغاني للرقص والتمايل مع بعضهن فقط ببهجة دون تدخل أي شخص غريب عن العائلة أو حتى تدخل رجال وشباب العائلة. ولذلك لم يأتِ "آدم" بعدها بل ظل هناك ولم يذهب لعمل محل الورد ثانية بسبب إغلاقه لأن "فريدة" و"نيروز" ذهبا مع "عايدة" و"دلال" لشقة "جميلة" في منزل العروس كي يضعن لها ملابسها واللمسات الأخيرة. وفعلوا المثل مع "منة" عندما أخذهن "شادي" في سيارته مع "منة" نفسها و"طارق" كي يفعلان لها اللمسات الأخيرة ولسهولة وضعها بعدم فرش وشراء أي جهاز. ولكن ذهبت مع "منة" "جميلة" و"والدتها" و"نيروز" كي يشتروا لها بعض من ملابس الزواج والخروج وغيرها. وانتهى كل شيء خلال اليومين الماضيين.
والقرار الأخير بعض تزاحم الأحداث أن عقد القران الخاص بـ "شادي" سيكون اليوم على عجالة من أمرهم، حتى أنها بعده ستذهب إلى السنتر التجميلي كعروس هي و"جميلة".
بينما الآن في طابق العائلتين "الأكرمي" و"البدري".. خاصة في شقة "حامد". كانت "دلال" بالمطبخ. ولم يذهب "غسان" اليوم إلى عمله. في حين أنه يقف الآن بالشرفة شارد الذهن. وهي كانت مع "دلال" بالمطبخ هي و"فاطمة". يثار حنقها في الفترة الأخيرة من طبيعة حديثها العفوي مع "غسان". تنهدت وهي تذوب السكر بأكواب الشاي. ثم حملت الصينية كي تخرج بها مبتسمة للانصراف. خرجت "نيروز" تعطي الكوب لـ "حامد" وهي تبتسم بلطف. فوجدته متجهزًا للخروج لعقد القران. مما وضح لها بأنه بدل ملابسه بسهولة. أخذه منها وهو ينظر لها بإمتنان. بينما مال يتحدث لـ "وسام" التي كانت مندمجة بمشاهدة التلفاز:
"قومي يا وسام شوفي هتلبسي إيه عشان منتأخرش. وقولي لأمك تلبس بقى كفاية عطلة هي وفاطمة!"
تيقنت "نيروز" في هذه اللحظة بأنها قد تأخرت هي الأخرى عن ارتداء ملابس الخروج. في حين بأنها قبل ساعات قليلة كانت مع "جميلة" تفهم منها المختصر لهذا اليوم. حتى أنها وجدتها متوترة وعندما توجب على "نيروز" الذهاب لشقة عائلته وعدتها بأنها سوف تراها مرة ثانية للحديث معها والوقت قد سرقها إذن. دخلت "نيروز" الشرفة وهي تخرج أنفاسها. حتى حملت الكوب من على الصينية وهي توكز كتفه فاستدار "غسان" برأسه ينظر لها مبتسمًا بهدوء وهو يأخذه منها تزامنا مع قولها:
"سرحان في إيه لوحدك وسايبني!"
ضحك "غسان" بخفة على ضجرها المخفي منه حتى غمز لها بمشاكسة وهو يردد:
"هو أنا أقدر أسيبك برضه؟"
طالعته ببسمة هادئة. حتى وجدته يندمج في ارتشافه من الكوب. وقبل أن يضع يديه على جيبه كي يتحسس علبة سجائره تفهمت ما سيفعله لانتباهها لذلك منذ الصباح الباكر ومنذ أمس. يشربها بشراهة غير معهودة. قاطعت فعلته بمسك ذراعه وهي تحثه بقولها الهادئ:
"مش ملاحظ إنك بقيت بتشربها كتير قوي قوي عن العادي!!"
تعمد تجاهل هذه الجملة. فقد شرد عقله بدوامة حوار آخر تاه به. فوضعت هي يديها على كتفه برفق وهي تقول بلين:
"من ساعة ما روحت سلمت على أخوات شادي امبارح وانت متغير. هو في حاجة حصلت؟!"
صمت يخرج الثقل الذي على قلبه وصدره. ثم تنهد يخرج أنفاسه بصوت وهو ينظر أمامه بشرود. ثم قال بصراحة، يسرد عليها هي وحدها:
"مش عارف.. بس شادي مش مبسوط وكأنه إخواته جم مروا عليه جوازته وفرحته بكلامهم وردودهم وأسلوبهم وحتى تعاملهم معاه. كانوا وهم بعيد مرتاح لكن لما يرجعوا يقربوا تاني بيحس كأنه مكسور من جديد. محدش ساعده في أي حاجة ونزلوا وعايزين يبقوا هما اللي في الصورة وهما اللي خيرهم عليه. أنا وقفت امبارح مش عارف أعمله حاجة وإخوه ومراته بيقولوا له في وسط الكلام إن "منة" مش قد المقام. مش فاهم بيقولوا ليه كده ليه وهو خلاص لقى نصيبه معاها. مش دول اللي كانوا معانا فيديو كول وظاهرين إنهم مبسوطين بيه. يرجع الكلام اللي في وسط الكلام ده عامل زي السم. هم كده لازم يسموا بدنه ويقتلوا شغفه في حاجة فرحان لها!!"
شعرت الآن بكيف سيكون شعور "شادي" لطالما كان يتقلل منها بكل شيء تفعله خاصة من "عمها". نظرت له بشفقة. ثم قالت له بمواساة طبيعية تخرج من أي شخص يوضع مكانها:
"هو ممكن يعدي كل ده وميحطش في دماغه. هتبقى أسهل عليه لو عمل كده. أصل الواحد مبيسلمش من كلام اللي حواليه مهما كان وضعه عامل إزاي!!"
"ده لما يكون شادي بيعدي. لكن ده منساش ليهم أي حاجة، منساش لما سابوه لوحده ومشوا. منساش تخليهم عنه. كان متعود بقاله فترة كبيرة على راحة الدماغ بس لما يرجعوا أكيد وطبيعي هيحس بإحساس وحش أوي. إزاي يعني يكونوا معاه في الفرح والوحش لا؟! السؤال ده كفيل يخلي الواحد دماغه تطق ويستنكر كل اللي حواليه ومش هيهدي البال لو كانوا إخواته مش مجرد ناس سابته في المر ونزلت معاه ع الحلو بس!!"
الموضوع هين هين على أي شخص غير "شادي". هو وحده من يشعر بالوحدة والخزي منهم هم. ابتلعت ريقها متفهمة الوضع ولو ذرة بالشيء. وحينها أمسكت كفه الحرة وقد تعمدت رسم بسمة واسعة وهي تردف بحديث أشبه بالمرح:
"شادي بيعرف يبسط نفسه بنفسه. وبالذات لو في يوم زي النهارده. ولو هو فاهم كويس هيحاول يضغط نفسه ويتجاهل لحد ما كل واحد فيهم يرجع زي ما كان. ساعتها هو اللي هيبقى كسبان بعد مشيهم المرة دي. لأن هيبقى معاه حد يشاركه حياته بعد كده بكل الحلو والمر اللي فيها. معتش هيبقى لوحده!!"
صمتت قليلا، تنظر إلى ملامحه التي تحفظها عن ظهر قلب. ثم قالت بحب وظهرت محاولتها في أن تطمئنه بعينيها البنية الذي تاه هو بها الآن:
"ومن قبل كده عمره ما كان لوحده. لأن كان جنبه أطيب وأحن وأجدع صاحب في الدنيا يا بن البدري!!"
تأثر من قولها وهو الذي شعر بالعجز لصديقه كان يحتاج من يثبت له بأنه ليس مقصر بحقه. أو ماذا عليه ليفعل هو له بهذا الوقت. أشقاء بين بعضهم وإن تدخل لن يجد قبول من أشقاءه وبنفس الوقت الآخر لم يكن ليقبل أن يجعل من أشقاءه خصم له عندما يتحالف مع آخر غريب عنهم هم. ولكن قربه منه هو أقرب منهم هم حتى!!! نظر ناحيتها ببسمة هادئة ورفع عينيه ينظر نحو خصلاتها المكشوفة لعدم وجود غريب عنها بالمنزل الآن لذا خلعته على كتفيها وتركته. تنفس "غسان" بعمق، وهو يحرك رأسه ناحية الكوب حتى حمله بهدوء. تزامنا مع تعمده لقلب الوضع لآخر عندما غمز لها بوقاحة، ممررا عينيه عليها:
"حلوة واحلويتي وبتحلوي طول ما انتي معايا يا رزقة!"
فهمت مخزي حديثه. فوكزته بخجل. ثم أخذت مفهوم آخر من حديثه عندما قالت بحنق ساخر:
"تواضع شوية عشان ربنا يكرمك!!!"
"كرمني بيكي يا بنت الأكرمي. ونفسي يكرمني بطفل منك حلو زيك كده!!"
احتضنت عينيه عينيها بهذه الأمنية. وهذه اللحظة تمنت بأن تنجب بالفعل بعيدًا عن الخوف أو غيره. ربما تقارن معاملة آخرين وشغف آخرين عن الأطفال. بل وفي الأوقات الماضية تعلقت بـ "يوسف" و"أدهم" كثيرًا. كما بـ "جنة" مراحلهم مختلفة عن مرحلة "يامن" والأطفال في العموم تغيرت فكرتها عنهم عن ما كانت في البداية. نظرت إلى السماء بشرود. وهي تخرج أنفاسها واعتدلت كي تخبره بأن يتعجل كي يصعدا ليبدلا ملابسهما. فلاحظت دخول "فاطمة" الشرفة بابتسامتها الهادئة. وعقب ما دخلت هتفت بصوت هادئ تخبرهم خاصة عندما وجهت النظر لـ "غسان" تخبره ما قاله لها "حامد" بأن تقوله:
"بيقولك عمو اطلعوا البسوا يلا. لأن شادي على وصول على هناك!!"
"ماشي يا فطوم!!"
لما يدلل اسم آخر غير اسمها؟ وكيف يخرج منه بكم هذا اللطف؟ وقبل أن تلتفت "فاطمة" لتخرج أوقفها سؤاله المهتم:
"عيالك هيجوا من المدرسة إمتى؟"
بعد ما نيجي من كتب الكتاب، هيكون الباص جايبهم على هنا زي كل مرة، متقلقش!
ابتسمت بنقاء، ثم نظرت ناحية "نيروز" وهي تضحك بخفة، ثم قالت عندما تذكرت قول "يوسف":
"يوسف حب سندوتشاتك أوي، عشان كده النهارده صمم تعمليله الصبح قبل ما يمشي!"
توسعت بسمتها بسعادة، ثم أشارت لهم كي تخرج لترتدي ملابسها. فنظر هو ناحيتها وجدتها تبتسم بخفة، ثم شاكسها بقوله العبثي:
"دا احنا كلنا متفقين على حبك بقا!"
"عندك شك؟"
سألته بسخرية، فحرك رأسه متفاجئًا من ردها، مرددًا بغير تصديق:
"لا إله إلا الله. دا أنا بدلعك وبتغزل فيكي!"
إعتدلت تنظر له بغيظ، ثم لوت فمها تلمح لما يثير غيرتها:
"اه ما انت شاطر تدلع في أي حد يقابلك!"
سبقت وهي تخرج من الشرفة قبل أن ترد عليه، فضحك بخفة وهو يحمل الكوب خارجًا خلفها كي يضعه على رخام المطبخ، ومن ثم ليصعد معها كي يبدلا ملابسهما للمناسبة السريعة هذه. لاحظ حديثها على عجالة من أمرها عندما ذهبت تقف أمام غرفة "وسام" تختار معها لون حجاب للثوب الخاص بها من بين ثلاثة ألوان. فاختارت ثم تحرك تزامناً مع خروجه من المطبخ كي يصعدا معاً إلى شقتهما!
***
وقفت "جميلة" تضع آخر لمسة بحجابها أمام المرآة بعدما رتبت حقيبتها التي ستأخذها معها بالسنتر بعدما تخرج من موعد عقد القران الخاص بـ "منة". ناهيك عن توترها الذي جعل معدتها تتألم دون سبب واضح. تحاول تجاهل ذلك بالتظاهر باللاشيء، ولكن يظهر على ملامحها الارتباك جداً. زفرت بصوت، وهي تلتفت حتى وجدت "فريدة" تقف مجهزة بجانب "ياسمين". ومن ثم تعالت الزغاريد بقوة منهما معاً، حتى تعلى صوت "ياسمين" بمرح:
"أحلى عروسة، يا بخته عز والله!"
ضحكوا عليها بخفة، تزامناً مع دخول "عايدة" الغرفة مع "حازم"، هو الآخر الذي وقف شارداً بها وبملامحها، يستنكر عقله كبرها بهذه السرعة كي يسلمها بنفسه لعريسها. يتأثر وغيرته تغلي بالداخل ووضح ذلك فالفترة السابقة، أما اليوم فهو استثناء شيء آخر ورغماً عنه سيتركها معه هو، مع من اختاره قلبها. ابتلع ريقه وهو ينظر نحو أحضانهن لبعضهن بحب وتأثر، خاصة أنه الآن يرى دمعة "جميلة" بعينيها عندما خرجت من أحضان "عايدة" المتأثرة. وقف بعيداً، لا يقوى على الاقتراب، لأول مرة يعيش هذه المشاعر وكأنه أب بهذه اللحظة وليس شقيق. رفعت عينيها تنظر نحوه وهو يراقب أصغر تفصيلة بها. تقدم أخيراً بضع خطوات، ثم تنحنح يجلي حنجرته كي لا يظهر الاختناق بصوته عندما قال بعدها مباشرة، وهو يطالعها بتأثر:
"أنا مش مصدق عيني يا "جميلة". جوايا كلام كتير أوي عايز أقوله. أهمهم إنك غالية أوي وإني بردو مش عارف امتى وإزاي كبرتي بالسرعة دي عشان تبقي عروسة وأسلمك بنفسي لعريسك. أنا عارف إنك تستاهلي كل خير. عشان كده أنا واثق إن عز هو الاختيار الصح بعد كل اللي حصل ده. خلي بالك من نفسك عشان خاطري وٱوعي تسكتي فيوم وتقولي إنك ملكيش حد. أنا معاكي وجنبك علطول وطول ما أنا موجود في الدنيا لو ضاقت بيكي هفضل مستنيكي تجيلي حتي لو كان في غيري تروحيله دلوقتي!"
امسك وجهها بين كفيه كي يقبل قمة رأسها، فسقطت دمعتها وهي تطالعه بتأثر، ثم رفعت ذراعيها تحتضنه بتأثر، وهي تقول بنبرة متحشرجة:
"أنا بحبك أوي يا حازم ومكانتك هتفضل ثابتة عندي عمرها ما هتتغير. إنت أبويا وكل حاجة ليا ربنا يخليك لينا ويقوم ياسمين بالف سلامة هي والنونة بتاعتكم!"
ابتسم لها وهو يشدد بعناقها، وفجأة وجد من يدخلان معهما بالقوة بمرح. ولم تكن سوى "ياسمين" التي شاركتهم الأحضان، والأخرى كانت "فريدة". ضحكت "عايدة" بصوت، ووضعها يعكس ذلك فقد كانت تهبط دموعها على وجنتيها. ضحكت عليهم بيأس. وفرد "حازم" ذراعيه لهن وهو يشير لـ "والدته" حتى أتت بين أحضانه بجانبهن. فردد هو بابتسامة هادئة كمثل نبرته وهو يقول بعمق وحب:
"إنتوا كل حاجة ليا في الدنيا ومعنديش أغلى منكم. يارب أعيش وأقدر أبسطكم وأفرحكم دايماً!"
صمت يوزع نظراته بحب. ثم ثبتها عند "فريدة" وهو يكمل بأمنيته الثانية:
"ويارب أعيش نفس اللحظة دي وأنا بسلمك بإيدي يا فريدة لـ نصيبك انت كمان!"
ابتسمت بألم، وهي تعتدل ثم قالت باختصار، موزعة النظر بينهن متعمده عدم الاهتمام:
"مش عايزة.. معتقدش أصلاً. أنا كده أحسن!"
وجدته يمسك كفها يحنو ورفق، ثم رفع كفه الآخر يربت به على وجنتيها مرددًا بوجع مخفي:
"أنا مش عايزك تقولي كده ولا تفكري في كده من أصله. لإن انتي تستاهلي حد يحبك وتستاهلي تفتحي بيت وتعملي أسرة. متخافيش وخليكي عارفة اني عمري ما هقبل أنا بأي حد والسلام. لإن بنتنا غالية وقيمتها عالية!"
ابتلعت ريقها بتأثر، وهي ترفع ذراعها على كتفيه وخلف رأسه كي تعانقه بتأثر تحت نظراتهن الموجوعة بالخفاء لأجلها ولأجل ما تشعر به. بلحظة كهذه لم تريد أن تجعل الوضع حزيناً، فكتمت بكائها بدفن رأسها في أحضانه دون صوت. وكي تجعل "ياسمين" الوضع مرحاً، فصلتها عنه بتبجح، ثم قالت بكيد لها:
"ابعدي يا حبيبتي. المكان دا مكاني لوحدي!"
عبس وجه "فريدة" تحت ضحكاتهم. فردت باستنكار وهي ترفع شفتيها:
"دا اخويا!"
"وجوزي وحطي تحت دي كام خط!"
صمتت ثم حذرتهم بعينيها ويديها مجدداً:
"أشوف واحدة فيكم ساحباه ترقص معاه كده ولا كده. مش عشان حامل ومش هرقص تاخدوه مني كده لا.. وبعدين أنا خايفة عليه يتشقط مني بصراحة عشان الناس اللي تبع منة صاحبتك دي يا جميلة فيهم شلة بنات كده صورم وعينهم على رجالتنا هنا ولو حصل النهارده كده هيزعلوا مني!"
أظهرت الشراسة من بين حديثها المضحك، الذي أضحكهم بخفة عليها. فاعتدل هو متنحنحاً بحرج زائف وهو يقول بسخرية منها:
"ٱتشقط! أنا اتشقط على آخر الزمن!"
شهقت "ياسمين" بشعبية، ثم وزعت النظرات بينه وبين "والدته":
"ومتتشقطش ليه ان شاء الله؟ شاب طول بعرض ووسيم وجميل وعسل وشبه أمك عايز إيه تاني؟ لا أنا مش بقرون يا حبيبي تقعد جنبي لحد ما الفرح يخلص خالص سامعني ولا لاء!!"
ضحكوا عليها. فأمسك رأسها بين ذراعه بمشاكسة شبابية وبيأس منها تحت ضحكاتهم تزامناً مع قوله القليل الحيلة لهم:
"مضطر أستحمل هرمونات الحمل. لكن أنا راجل والله!"
ضحكت "جميلة" وهي تعتدل ثم قالت بسخرية مضحكة:
"اه ما أنا عارفة انت هتقولي!"
إعتدلت بعد دقائق كي تخرج من الغرفة ومن ثم هم بعدها حتى تفتح باب الشقة تستقبل من ينتظر البقية وكانت "وردة" معهم تقف على أعتاب الباب مبتسمة الوجه وهي تحث "يامن" على عدم الاقتراب من الدرج كي لا يسقط. وفتح باب شقة "حامد" حتى خرج منه هو الآخر مع "دلال" و"وسام" التي خرجت معه وانحنت لتلاعب "يامن" بخفة. طالع "حامد" وقوف "بدر" بأحد الجوانب يتحدث باتصال ما. وعندما أغلقه وهو يقترب منهم بملابسه الأنيقة المناسبة للمناسبة هذه ابتسم لـ "عمه" ولـ "فاطمة" التي كانت بمظهر جميل هادئ مثلها. بالأساس هو الآخر يحمل ثقل على قلبه لا يعلم كيف سيفاتحها به واقترب الموعد جداً. ولا أحد يعلم سره سوى "غسان" و"حامد" و"آدم" فقط!
ابتسم بهدوء وتقابلت عيناه معها فتنفس بعمق وهو ينتظر هبوط "غسان" مع "نيروز".
بينما سألت "فريدة" بإهتمام:
"هو أنتي هتقعدي مع طنط سمية يا ماما عايدة صح؟"
"أيوه يا حبيبتي، ملهاش لزوم وإن شاء الله هنتجمع في القاعة بالليل!!"
تفهمت مقصدها وهي تقف تنتظرهم. وعلى مرة واحدة خرج صوت "حازم" موضحاً لهم:
"طب أنا هنزل أخرج العربية وأسخنها كده على ما تخلصوا!!"
أومأوا له وهبط معه "حامد" و"بدر" إلى الأسفل. فبقيت الفتيات ومعهن "فاطمة" التي وقفت تتحدث مع "فريدة" و"ياسمين" و"وردة". ودخلت "جميلة" إلى الداخل تنتظرهم.
وبنفس الوقت هبط المصعد بهما معاً، بـ "نيروز" و"غسان" اللذان ارتديا ملابسهما بخفة وتجهزا أخيراً. ففتح المصعد وخرج وهي تتأبط ذراعه بطريقة أنيقة إلى أن نظرت لهما "ياسمين" بمشاكسة وهي تغمز لـ "نيروز" التي تركته سريعاً بعدما مالت عليه تعلمه بهمس:
"أنا هدخل أنا لـ "جميلة"، اسبق تحت وأنا هحصلك. شكلهم نزلوا!!"
تزامناً مع ذلك دق هاتفه فحرك رأسه إيجاباً لها وهو يرد على المتصل تزامناً مع انتظاره المصعد. وهذه المرة ركبت معه "فريدة" و"فاطمة" كي يستعدا للهبوط معه هو الآخر بعدما هبطت "دلال" و"وسام" أيضاً.
بينما في الداخل وقفت "نيروز" تمسك زجاجة المياه بغرفة "جميلة" وهي تحثها برفق وحنو:
"إشربي وخدي نفسك براحة.. أكيد ده تعب توتر وإرهاق متقلقيش طبيعي!!"
أخذت منها "جميلة" الزجاجة وهي تشرب بتمهل، ثم أمسكت مكان موضع قلبها بتعب خفيف متحدثة بقلق ظهر على ملامحها:
"في شكة هنا بجد مش مريحاني، مش عارفة من إيه، يمكن عشان منمتش بقالي كتير نومي مش متظبط!!"
مسدت "نيروز" على وجنتيها برفق ثم عانقتها بدفء واحتواء دون نطق حديث. حتى ابتسمت بعدها وهي تغمز لها بمشاكسة:
"كل حاجة هتبقى فل.. حتى شكلك في الميكاب كمان اللي انتي خايفة ليكون مش أوي.. هيبقى عسل والله وكله هيعدي متتوتريش!!"
ابتسمت باتساع. ثم أشارت لها "نيروز" كي تخرج. وهذه المرة حملت معها حقيبة اليد الخاصة بها هي كي تسير حرة بسيب رجفة يديها. خرجا معاً ولاحظن وقوف "ياسمين" مع "عايدة" التي كانت تتناولها دوائها قبل أن ترحل. توجهت "نيروز" لتفتح الباب كي تهبط إلى أسفل في حين ودعت "ياسمين" "عايدة" التي خرجت معها لتتجه ناحية شقة "سمية" كي تدخل بها إلى الداخل.
ولأن "بدر" معه سيارة قام بتأجيرها قبل يومين، فانتظر قدوم "آدم" كي يركب معه هو الآخر ومعه "وردة" وشقيقته "فاطمة" و"يامن" صغيره.
كما أن سيارة "حازم" سيركب بها "ياسمين" و"جميلة" و"فريدة". وسيارة "غسان" كان هو و"نيروز" و"والديه وشقيقته". اجتمع الجميع في الأسفل أمام الثلاث سيارات وأنهى "غسان" مكالمته مع "شادي". كما كانت "جميلة" تستمع إلى حديث "عز" بهاتفه أنه الآن بطريقه لمنزل "منة". أغلقت الخطوط وجاء "آدم" أخيراً يرحب بهم بحرارة. كان أنيقاً باختيار ملابسه الشبابية عندما وقف يحمل "يامن" ينتظر انتهاء حديث الرجال والاتفاقات كي تتحرك السيارات. ومن بين هذا لم تفشل عينيه بسرقة النظر لها وهي تقف تتحدث مع "نيروز"، غير منتبهه له من الأساس أو هكذا أظهرت هي عندما رفعت عينيها فوجدت نفسها محاصرة بنظراته الغريبة لها. إلى الآن لا تستطيع تفسير نظراته هذه نحوها. حرك عينيه ببطء من عليها وثبات غير متحسباً بأن تراه يراقبها أم لا. بل يريد مداهمتها بنظرة عينيها والحقيقة بأن شعوره كرجل بمثل هذه الأنثى التي لا تهابه ولحظة لا تخجل منه ولا من نظراته، بل جريئة جرأة لم يراها من قبل وهذا ما يجعل الوضع لديه أشبه بالعناد كي يقف بطريقها كل مرة إلا أن يظهر ضعفها أمامه. فصيلة معروفة واشبه بالمشهورة عند معظمهم لا يريد تفوق أنثى بكبريائها وقوة شخصيتها وردودها عليه. ومن بين ذلك وجدها ترمقه بحدة ظهرت في نظراتها قبل أن تركب السيارة آخر واحدة. بالطبع خمن حدتها بسبب إطالته النظر بها بتتمعن دون حرج رجولي منه.
وجد "بدر" يضرب كتفيه بشقاوة ثم أشار له ملوحاً بخبث ليثير حنقه رغم أنه يعلم بأن الوضع عكس ذلك تماماً وأن الآن بمواجهة أشبه بالمصارعة معها هي لطالما هزمته بأكثر من جولة والآن لم يرد حقه حتى ولو بطريقة خبيثة تليق بأنثى غير رد الحق بنفس الطريقة.
"بقولك يلا خلينا نتحرك.. انت مش سامعني؟.. اللي واخده عقلك يا عم!!"
طالعة بسخافة من هذه المشاكسة. وسرعان ما ركب السيارة حاملاً "يامن" على ساقه وهو يشاكسه بمرح حتى ضحكوا على صوت ضحكات "يامن" العالية البريئة. وبخفة أخرى سارت السيارة خلف السيارتين. ومنزل الأخرى ليس بعيد كي يقطعوا مسافة كبيرة. بل خلال دقائق سيصلوا إلى المنزل.
وفي سيارة "غسان" دق هاتف "حامد" عالياً. فاعتدل يتنهد وهو يخرجه من جيب بنطاله. وما إن وجده "بسام" تنهد يخرج أنفاسه وقد لاحظ تحليهم بالصمت احتراما لرده على المكالمة. وبالفعل أجاب وهو يضع الهاتف على أذنه مردداً بنبرة هادئة جعلت "غسان" ينتبه بعينيه:
"أيوه يا "بسام".. لا إحنا لسه في الطريق.. اه.. لا تعالى على هناك على طول وخلاص!!"
صمت يسمع حديثه ورده عليه وسرعان ما أغلق الخط بعد لحظات. ومن بين ذلك لم تستطع "دلال" إخفاء بسمتها الواسعة بقدومه أخيراً بعد غيابه في المستشفى وسيحضر المناسبة. طالع "غسان" فرحتها الهادئة بالمرآة ولاحظ شرود "نيروز" من الشرفة كما كانت "وسام" يظهر عليها قلق الامتحانات التي تقترب شيئاً فشيئاً ويوم عن يوم. وأن استطاعت هي إخفاء ذلك على الكل فعليه هو لم ولن تستطع.
"حلو أوي الدريس ده يا نيروز.. شكلك حلو فيه!!"
انتبهت "نيروز" على حديث "وسام" فالتفتت تنظر لها ببسمة واسعة. وقبل أن ترد رد "غسان" عليها بإبتسامة هادئة يصحح لها ما جعلها تلفت انتباهها لملابسها وهو وسع ملابسها هذه المرة حيث أن هذا الفستان الهادئ كان مفصل بفعل خياط ما وكان الرداء واسع بطريقة أنيقة حديثة وبيس محكم بقوة.
"عشان واسع ومختلف.. قوللها بقى عشان هي مش مقتنعة إنه حلو عليها!"
ضحكت "دلال" بخفة ثم نهرته بنظراتها كي لا يحرجها أكثر. فردت بدفاع تضع يديها على ساق "نيروز":
"روز حلوة وأي لبس بيبقى حلو عليها يا واد!!"
غمز "غسان" لـ "نيروز" بالمرآة فطالعته هي بخجل. ثم قالت بلباقة لها:
"شكراً يا طنط انتِ اللي حلوة!!"
"صح. يا روز اختيار عمك حامد دايماً حلو!"
قالها "حامد" بمرح مع نبرته الضاحكة. فضحكت هي بيأس من طبيعة حديثه. ولم تغفل الأخرى عن مجاملته بالحديث عن ملابس ابنة عمه هي الأخرى. أحياناً تشعر بأنها تعطي الوضع أكبر من حجمه وأحياناً أخرى لا تشعر بذلك وكأنه عادياً. ومنذ أيام تتجاهل الوضع رغم ضيقها. إلى متى ستتحلى بالصبر؟ رفعت إصبعها تعدل حجابها أكثر. ثم نظرت ناحية الشرفة صامتة عن حديثهم العشوائي. ومن هنا لاحظ هو فعلتها ولاحظ ضيقها التي تحاول هي إخفاءه. وخلال دقائق همهم لهم بالاستعداد كي يهبطوا من السيارة التي ستقف أمام منزل "طارق" في الحال.
وفي السيارة الأخرى التي وقفت بجانب سيارة حازم، هبط منها الجميع واستعدوا للصعود تزامناً مع وقوف سيارة غسان ليخرجوا منها هم الآخرون. وبخفة، سارت جميلة مع ياسمين، ووردة، وقفت فريدة تعدل من ملابسها التي انكمشت بسبب جلستها هذه. وما إن اعتدلت وجدته يقف عاقداً حاجبيه باستنكار، ثم قال بخفة وفظاظة كي يجعلها تنفعل:
"البتاع ده مش حلو خالص الصراحة!!"
ترتدي فستاناً بأكمام واسعة مع ربطة من خصرها بعقدة ليست ضيقة وحجاب محكم ظاهر جمال بشرتها البيضاء وملامحها الصغيرة دون ظهور خصلاتها، بل وفرد الحجاب خلف ظهرها بطريقة حديثة ظاهراً قمة صدرها من الفستان من الأمام بإنكماش القماش بطريقة أنيقة وحقيبة اليد الحديثة التي تتناسق مع اللون السماوي الهادئ التي تبدو جميلة به وفريدة من نوعها كمثل اسمها. رفعت شفتيها باستنكار، وقلبت عينيها بسذاجة، وهي ترد في تبجح وجمود محاولة بأن تتخطاه بعدما لاحظت تحرك الكل للصعود:
"مطلبتش رأيك على فكرة!"
"بس أنا قلتلك قبل كده.. إن رأيي إجباري يا شاطرة!!"
طريقته بقولها مستفزة وأثارت حنقها بشدة، فتشنجت ملامحها بغيظ، وهي تحذره:
"أنا مش شاطرة ومتاخدش عليا كده!"
"ولما إنتي مش شاطرة عاملة شاطرة فيها ليه لما ضربتيني بالقلم ورشيتي المايه وغرقتيني يا شاطرة؟!"
أردف آدم جملته بتلاعب، واقتربت هي خطوة واحدة ترد بجدية:
"علشان انت تستاهل أول مرة لما قعدت تبص عليا و.."
عندما علمت أن الوضع لا يسمح وأن الحديث أيضاً ليس وقته بل ومحرج، لم تتوقع بأنها ستخجل من قولها بهذه الطريقة. أين الجرأة أمام عينيه؟ ابتلعت ريقها وهي تحاول السير بكعب حذائها العالي. فتقدم سريعاً يكمل بتساؤل غير هين:
"وتـ.. إيه؟ كملي سامعك أنا!!"
لم ترفع عينيها ناحية عينيه بل حاولت السير في طريقها كي تصعد على السلم الطويل وهذه المرة تهرب من الرد. قبل كانت ترد بهجوم، أما الآن خمنت ما بها بأن الوقت ليس وقته. وقف يطالعها بصمت، ببسمة هادئة. وشعر أخيراً بأنها اهتزت أمام نظراته الجريئة غير الحرجة. يتنافس معها وتيقن بأنها انهزمت في حين بأنها عكس ذلك بتاتاً وسيرى في اللاحق! صعد هو الآخر خلفها ووجد الشباب يرحبون بمن في الداخل. أجمعهم منهم شادي وأشقاءه الذين كانوا هناك من قبل. جلسوا متراصين بجانب بعضهم. كما كانت بحجرة الفتيات تجلس منة بتوتر ومشاعر مختلطة رغم محاولة شادي في أن يطمئنها بالحديث، ولكن نظرات أشقائه وزوجة أحدهم لها ليست مريحة تماماً! تتحلى بالجرأة كي لا تقلق والدها هو الآخر.
سمير وفتحي أشقاء شادي، بترتيب أعمارهم. جلس الثلاثة بجانب بعضهم في حضرة المأذون الذي استعد على الطاولة برؤيته كل الأوراق المطلوبة. شهوده أشقاءه وإن تطلب غيرهم فكان بالفعل غسان موجوداً سندا له. دخل بعد كل هذه الدقائق من الانتظار بسام الذي كان يسرع بأقصى ما لديه كي يلحق، وبالفعل دخل وجلس بعدما رحب بعينيه عليهم بسرعة وذلك بسبب حديث وخطبة المأذون التي اعتلت بالمكان والتي كانت مراقبة من على بعد. لم تحصل جميلة على وقت لتتحدث به مع عز بل رأته من على بعد والآن تراه يجلس بين الرجال والشباب بصمت ليستمع إلى الخطبة بهدوء. كما أن حنان لم تأتي معه بسبب وجودها في المستشفى مع فرح والتي ستتركها بعد وقت كي تعود إلى منزلها أو هكذا يعتقدون!
"إمسك فإيد حماك يـا عريس!!"
جملة خرجت من المأذون لشادي الذي كان يشعر لأول مرة بمشاعر مختلفة لم يشعرها من قبل. حاوطه غسان بنظراته بلطف وسعادة حقيقة نبعت من فؤاده بنقاء دون ذرة تعكر واحدة أو حقد حتى! بل فتح هاتفه يقوم بتصوير هذه اللحظة للتذكار ولا يعلم لما بهذه اللحظة بالتحديد يشعر بأنه كمن يكون والده الذي يفتخر به وليس مجرد صديق أو كتف صديق يسنده! ماذا به حدة الشباب؟ منذ متى يهلل الوضع بهذه الطريقة وخاصة بمشاعره الغير مفهومة؟ حاول تجاهل ذلك عندما سأل نفسه ولم يعلم هو بأنه بالتأكيد محاصر من ذلك الشعور إن لم يكن الآن فسيكون في اللاحق عندما يرتدي الآخر حلة زفافه بواسطته هو! صمت الكل في سعادة وبهجة يسمعون حديث المأذون. وقبل ذلك دخلت منة بخجل تقوم بالإمضاء وعيني شادي تحاصرها وكأنها ستهرب منه في الحال. لما يخاف؟ لأنه شعر بالحب. هذا هو قولها وليس قوله. امتزج بها وبخوفها وبطباعها. اليوم سيستطيع أن يعانقها براحة. لم تعطيه ذلك في البداية دون مسمى وينتظر هو لذة الانتظار والانتصار معاً. ود ليقص عليها كل أوجاعه الذي يخفيها تحت مسمى المرح بطباعه التي تخفي كل ذلك. ود أن يشعر بكيف يشعر المحب بأحضان من يحب. اليوم سيجرب. وبعد هذه الجملة وبعد أن ردد الاثنان معاً خلف المأذون من طارق وشادي. وخلال دقائق معدودة اعتلى صوت المأذون وصوتهم جميعاً عندما وقفت النساء والفتيات بازدحام أمام غرفة الرجال يرددون خلف المأذون في سعادة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير!!"
وماذا بعد وهي واقفة تنظر بتأثر وعيني يفيض بها الدمع المتأثر بهذه القوة. تركهم شادي كالآهوج المختل عندما سحب نفسه وهو يتوجه لها حتى دفعها بأحضانه ودخلت هي بمنتهى الرضا ولم تتفاجئ من اندفاعه ذلك. ضحك الكل عليه بصوت عال. ووسط عناق الشباب لبعضها ولوالدها كان هو يشدد في عناقها بقوة عندما حاوط خصرها بذراعه الأيسر ودار بها وبفستانها الأبيض البسيط الغرفة كدائرة وصورهما كل من كان يحاول فعل ذلك بسعادة ونقاء. وعندما انتهى شدد بها. وقربها وهمس وهو ينحني بسبب قصرها الشديد عنه هو. همس بحب واختناق من سعادته:
"أم عيون قناصة بقت مرات شادي وحلال شادي وحبيبة شادي. ألف مبروك يا مراتي!!"
شددت هي الأخرى بعناقه وهي تتنفس بعمق. وعندما خرجت ببطء تنظر نحو عينيه التي ظهرت بها السعادة البالغة رددت باختناق هي الأخرى:
"مبروك عليا شادي وحضن شادي بيه!!"
حينها أهبط وجهه وفعل ما كان يتمنى بأن يفعله عندما قبل وجنتيها بحب شديد ثم غمز لها مردداً بوقاحة:
"وبوس شادي بيه اوعي تنسي.. دي
احنا ولاد ناس بردو!
ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه وحينها استأذن كي يبتعد عنهم، وخلال ذلك توجه ناحية شرفة صغيرة لم يكن بها أحد. وأبان ذلك وقف "غسان" على مقربة منهم بجانب "حامد"، وحينها سمع هذا الحوار المستفز عندما كان يتفحص هاتفه بملل، وجاءت هي تقف بجانبه وهي تحاول رسم ابتسامة هادئة عندما لاحظت ضيقه. وعند ذلك التفت "فتحي" ينظر بعينيه بتقزز مخفي على ديكور هذه الشقة والغرفة، وعندما وقعت عينيه على "غسان" الذي كان يقف بجانب "نيروز" سأله باهتمام وعينيه على "نيروز":
"مراتك دي؟"
حاول "غسان" التحلي بالصبر عندما رفع أنامله بخفة يدير ذقن الآخر كي تصبح أنظاره بمواجهته، وهو يرد بإيجاز يوضح عدم قبوله للآخر:
"مراتي آه!"
ضحك "فتحي" بخفة وهو يطالع خجل "نيروز"، وهروبها بالنظرات، فعاد يرد عليه وعلى فعلته:
"شكلك بتغير أوي يا غسان.. بس معذور لسه في أول جوازك وشغفك عالي انت وشادي، شوية كده وهتحس إنك عايز تتجوز تاني وإنك زهقت. اسأل واحد متجوز اتنين لحد دلوقتي وبيدور على التالتة!"
فتحت "نيروز" عينيها على وسعها من حديثه، كانت تعتقد بأن كل الناس تستطيع اختيار الحديث بلباقة، وخاصة كشخص مثل ذلك يظهر عليه اللباقة والأناقة في كل شيء عدا الحديث، اتضح ذلك. رد "غسان" على نقطة حب الرجل لأكثر من امرأة وليس الزواج لأكثر من واحدة، فقد حث الشرع على ذلك دون وجود شيء محرم يحرم ذلك، بينما الحب؟ الحب لواحدة فقط!
"الكلام ده لمؤاخذة يعني يا فتحي عند اللي مش رجالة.. أما الراجل فقلبه بتبقى واحدة بس، واسمحلي أقولك إني راجل قلبه مفهوش غير مراتي!"
تزامناً مع ذلك وضع "غسان" يديه على كتفها بخفة، وكيداً له، فطالعه "فتحي" بملل وهو يخرج سيجارته من فمه ممراً عينيه عليه متغاضياً عن تلميحة الجرأة بإنعدام رجولته بنظراته ونزواته. وعندما تحرك بطريقة ملحوظة، زفر "غسان" بنفاذ صبر عندما لاحظ نظرات زوجة "سمير" تتوجه ناحية "نيروز" عندما سألتها وهي تنظر نحو ثوبها الهادئ:
"زوقك ده.. براند؟"
توترت ملامح "نيروز" وهي التي لم تشعر بالراحة لها أبداً، رفعت عينيها نحو "غسان" فحثها هو على الرد بعينيه، حينها أجابت باهتزاز وصراحة:
"لا تفصيل.. مفصلاه من زمان!"
مطت شفتيها واعتبرت قولها قول قديم عفى عليه الزمن!
"هو لسه في حد بيعمل كده؟ غريبة!"
رفعت "نيروز" عينيها على خصلات شعرها المتروكة بطريقة مثيرة هادئة بنعومة، وعندما وجدت قولها الثاني ساخر لهذا الحد، كانت سترد، وكان رد "غسان" هو الذي سبقها عندما رد بوقف ما تفعله وتبجح:
"الغريب إن لسه في ناس مش لاقية مكان مناخيرها فين! مع إنه في وشها!"
احمر وجهها من قوله وحاولت رسم ابتسامة واسعة على طرفته هذه دون رد، وحينها طالعته من رأسه إلى قدميه وهي تردد بغيظ كتمته:
"ستايلك شيك حاول تعلم مراتك بقا تلبس ازاي!"
ضغط على أسنانه، ولأول مرة يحاول التغاضي عن أقوال كي لا تهدم سعادة صديقه، حرك رأسه موافقاً مع رده المبتسم البارد:
"مش قبل ما تدوري على مكان مناخيرك يا هانم، وبعدها نتعلم إزاي نتكلم مع غيرنا!"
أمسك كف "نيروز" كي يسحبها معه بعيداً عن هذه المنطقة، محاولاً الصبر لأقصى حد، حينها أمسك كفها وهو يحثها بجمود يشير لها بأن تتحرك نحو غرفة أخرى كانت تجلس بها "دلال":
"روحي اقعدي هناك وياريت متحركيش أما نشوف آخره اللي إحنا فيه ده إيه!"
ترك كفها ولم تتعمد الرد، لم تستنكر غضبه، تعلم أن نظرات ما يسمي "فتحي" نحوها غير مريحة بتاتاً، ولما هي؟ توجهت سريعاً تجلس مع الفتيات ووقف هو مع الرجال، أخرج سيجارته وقبل أن يشعلها أشعلها له "عز" الذي لاحظ تهجم ملامحه بطريقة ملحوظة، فهتف من بين ما يفعله له:
"روق يا غسان.. كلها شوية وماشيين وعدي زي ما عديت يعم!"
لاحظ قوله، فرفع "غسان" رأسه يخرج اللفافة من بين شفتيه مع قوله الساخر بابتسامة متهكمة:
"ما شاء الله هم طالوك انت كمان؟"
ضحك "عز" بيأس، ثم قال بجدية مضحكة:
"بتقول لمراتي انتي إزاي دكتورة وتتجوزي واحد بالشغلانة دي؟ جيت من وراها وقولتلها من غيري يا مدام مش هتعرفي تسوقي عربيتك وتتفشخري بيها تاني!"
ضحك "غسان" بصوت عالٍ وهو يضرب كفه بمرح، ثم قال بنبرة ضاحكة وكأن قوله قد خفف عنه:
"عال العال والله... معلم!"
ومن بين ذلك عندما دخلت الشرفة معه وقفت تكتم الدموع بعينيها وهي تبرر له قبل أي حديث وبنبرة سريعة متحشرجة أتت من حرج الموقف بالنسبة لها:
"هم بيعملوا كده ليه يا شادي؟ والله العظيم إحنا مش طمعانين فيك، إحنا عينينا مليانة ومـ..."
تبرر بالقسم ماذا حدث لقوتها؟ أم أنها كسرت أمام عينيه بمجرد حديث؟ قاطعها عندما وضع إصبعه على فمها يوقف قولها بقوله الهادئ المتفهم وهو يمسك كفها بين كفه:
"من غير ما تحلفي ولا تبرري أنا فاهم ده وعارفه كويس. أنا مستنتش أتأكد من ده، لأن أنا اللي أجبرت وصمتت في سرعة إني أجي أتقدم وإني بردو تيجي بيتي من غير أي حاجة. كل ده مجرد كلام يسم البدن وخلاص، أنا بس كل اللي طالباه منك إنك تستحملي الفترة دي بس عشان خاطري، وبلاش تحطي كلامهم في دماغك."
عدي حتى عشاني، أنا عديت كتير أوي يا منة والله العظيم ما كان سهل عليا.
أنا ما صدقت لقيت اللي ارتاحلها وترتاحلي، ما صدقت لقيت الونس يا ونسي.
ممكن متزعليش، وحقك عليا أنا.
استشعرت ضغط كلماته وسقطت دمعتها بكسرة. كما أنها تشعر بضيق منذ فترة بسبب فقدان والدتها وشعور الفقدان التي تشعر به بقوة بوقت وفترة كهذه.
حركت رأسها بنعم، توافق على حديثه دون قول شيء.
فوضع يديه خلف خصلاتها مقربًا رأسها كي يقبل قمتها برقة، وهو يردد بهمس أثر قربها هذا:
"بحبك!"
خرجت منه دون مرح ودون مشاكسة. حاولت أخذ أنفاسها ببطء هذه المرة، أمعنت النظر بملامحه التي تعتبر وسمية عنهم كثيرًا.
تنفست بعمق، وهي تبتسم. فاعتدل يرفع أنامله يزيح خصلاتها السوداء إلى الجانبين كي ينظر ناحية عينيها ثم قال بصدق نبع من فؤاده:
"ووالله العظيم ما هسمح لحد يجي عليكي، ولا هسمح ان حد يقل منك أبدا، طول ما انتي معايا خليكي عارفه دا كويس!"
تجرأت ولمست وجهه بحنو، ترفع خصلاته هو الآخر مع قولها الواثق به:
"أنا واثقه من ده وواثقة فيك!!"
وبقرب كهذا، أخفض عينيه ينظر ناحية ملامحها ويديه خلف رأسها، وكذلك هي يديها هي على خصلاته. وكشخص لعوب مثله اعتاد في الماضي على فعل ذلك بخفة. ذلك الذي لم يستطع فعلها معها بسبب حواجزها. الآن ماذا سيمنعه عنها؟ وكيف أيها المختل وأنت بمنزلها وبشرفتها وخلفك الجميع؟
رد قلبه بـ "لا يهم" لطالما أصبحت زوجته. أهبط رأسه مقتربًا من وجهها. وعندما خمنت ما سيفعله حاولت دفعه عنها. وتزامنًا مع ذلك، انتفض أثر صوت "آدم" الذي دق على باب الشرفة ينبهه بمشاكسة:
"أبوها واقف هناك وعمال أعطله من ساعتها!!"
وأكمل بمراوغة حيث كان بالفعل "طارق" يراقبهم:
"معرفتش تخلص نفسك بسرعه! أهو الوقت فات وكله بيجهز عشان يمشي، والعروسة التانية مستنية العروسة اللي فايدك مش يلا؟"
خجلت "منة" مع ضجر "شادي" عندما انسحبت بخجل، تخرج إلى الخارج. فتعالت ضحكات "آدم" وهو يغمز له قائلاً بوقاحة:
"ايه يا عريس.. ما تصبر علي الرزق يعم!"
تخطاه وهو يرمقه بسخافة، فقد قطع عليه اللحظة. خرج "شادي" وهو ينظر بشاشة هاتفه كي يرى الساعة. وعندما لاحظ هبوط الجميع لأسفل وجد "طارق" يقطع طريقه وهو يطالعه بصمت. وتمعن حينها رفع يديه يضعها على كتفه برفق، ثم قال:
"مش محتاج أقولك إن بنتي أمانه فرقبتك يا شادي.. مش عايزها فيوم تيجي زعلانه ومكسورة منك. أنا عارف إنك طيب وجدع وابن أصول وهتحافظ عليها. بنتي غالية أوي ومعنديش غيرها بس حسيت انك كمان ابني اللي مخلفتوش فالفترة اللي فاتت دي.. هتحافظ على الامانه."
تأثر "شادي" وهو يطالعه، ورد بتلقائية وصراحة:
"أمانتك معروفه هتتحفظ إزاي من أول يوم دخلت فيه بيتك وطلبتها منك بالأصول. متقلقش.. شادي ابنك أمين وهيحافظ علي أمانتك اللي معندكش غيرها.. عشان هو كمان مبقاش عنده غيرها."
عانق الاثنان بعضهما بتأثر وحب. بينما في الأسفل ركب "عز" سيارة "شادي" وكانت "جميلة" معه بحقائبها، كما ركبت "منه" بجانبها منتظرينه بأن يهبط. ووقف "آدم" ينظر حوله بانتظار. وقاطع عينيه نظرات "فتحي" ناحية "فريدة" بأعين لامعة لا يفهمها سوى رجل مثله. حينها اقترب "فتحي" مبتسمًا بلباقة وهو يسألها بلطف:
"تسمحيلي أبدي أعجابي بيكي وبملامحك يا.."
وقف عن الحديث ثم سألها بلطف مرة أخرى:
"هي الـ آنسه إسمها ايه؟ ولا مدام؟ حابب أتعرف عليكي من باب اننا قرايب فبعض!"
رفعت "فريدة" حاجبيها باستنكار. ونعم هي.. هي التي ستهزمهم في الرد على وقاحتهم هذه. ردت بجدية وحدة ولم تغفل عن ملاحظتها بنظراته لها:
"وحضرتك تقولي كلام زي ده تحت عنوان ايه؟ مسمحلكش. إبعد عني بهدوء أحسن. الأحترام حلو!"
ابتسم متظاهرًا بالثبات ثم قال بإعجاب:
"مجرد قرايب عن بعد عادي مافيهاش حاجة يعني!!"
حاولت أن تتخطاه كي تسير بعيدًا عنه ناحية السيارات التي كانت على بعد. فأمسك هو معصمها بتلقائية وهو يردد:
"طب مفيش فرصة نتعرف طيب و.."
قاطع جملته قبل حتى أن تلتفت تنهره بشراسة، فصل يديه عن معصمها بمسك "آدم" لمعصمه بجمود، وهو يردد بثبات:
"ايه يا باشا في حاجة؟"
وأكمل ينظر بعينيه بقوة وتحدي:
"لو محتاج حاجه قولي. الرجالة هنا كتير.. بس متحطش ايدك على حاجة متخصكش!"
نفض "آدم" يديه من بين معصمه، فرفع "فتحي" عينيه يطالعه باستهزاء، وهو يقول:
"وانت مين بالظبط يعني مش فاهم أنا!!!"
وقفت "فريدة" تراقب الوضع بتوتر. وحينها حرك "آدم" رأسه نحوها يشير لها بالإبتعاد. ولا تعلم كيف أنصاعت له لتبعد عنهم ومازالت بعيدة عن التجمع والسيارات. فعاد هو ينظر له بقوة مرددًا بوضوح وفظاظة:
"اسمع بقا يا وحش. احنا لسه قدامنا فرح وليله كبيرة. يعني اللي فيها لو عينك اتحركت نحيتها هتزعل أو لو شوفتك موقفها تاني كده وبتحاول تجر كلام هتزعل بردو نفس الزعل."
وأضاف بصرامة لا تخلو من ابتسامته الغير هينة:
"..ومع اي واحدة عامتا تخصنا هنا. وخليك عارف يعني ان كل الرجالة بتاعت نسوان اه بس انت الصراحة مش حريف ولا بتعرف تدخل بالطريقة الصح. اوعي تكون فاكر اني مش واخد بالي من عينك اللي لفت ودارت علي كل واحده هنا.. لا اصحي كده من واحد عارف اللي فيها وخد كلمة مني فمصلحتك.. محدش هنا هيسكتلك علي اللي بتعمله ده.. واه احنا هنا بنقول يا شكل."
داهمه بأقوال كثيرة جريئة جعلته يفتح عينيه بمفاجأة. فعاد "آدم" يسخر منه وهو يكمل:
"وبعدين دي صغيره عايزة شاب صغير كده مش واحد فنص أو آخر شبابة...وغير كده دي بالذات خط أحمر يابرنس. اشطا ولا انت مش معايا ع الخط ولا ايه حكايتك؟"
لم ينتظر الرد بل تركه حينها عندما غمز له بتسلية، معدلاً من ياقة ملابسه. فلاحظ الآخر صوت شقيقه وزوجة شقيقه يناديان عليه. وسار "آدم" بطريقه ناحيتهم. وعندما وجدها واقفه طالعها باستنكار من مراقبتها له، فعادت هي تردد بضيق:
"انت واقف بتعمل ايه معاه كل ده؟"
"بندردش مع بعض كده ومن بينها قولتله ميكلمكيش ولا ليه دعوة بيكي!"
قالت بإستنكار لم تستطع إخفاءه:
"بمناسبة ايه؟"
حرك "آدم" كتفيه ببساطة، ثم قال باختصار، مقلبًا عينيه بثقة:
"أخوكي"
حركت رأسها تومئ دون صوت، ثم قالت بعدها بعناد:
"تمام.. مع اني مبحبش حد يجيبلي حقي ولا يرد عني، بس شكرا."
"انتي خيخة وطرية أصلا.. ولا بتعرفي تاخدي حق ولا باطل اركني فجنب بقا ومتصدعناش!"
نظرت له "فريدة" بغيظ، ثم قالت باستنكار:
"أنا؟"
"لا أمي هي اللي خرجت من تربتها وسابته يمسك إيدها وهي واقفه متنحة.. كان فين يختي التتنيح ده ولا شاطرة بس تتشطري على الغلبان يا... شاطرة!"
قالها بسخرية.
منها وانتصار. فردت هي بانفعال تشير له بانفعال:
"أنا مسمحلكش تلمح بكلامك ده عليا. أنا مسيبتش حد يمسكني. ثم ان انت مالك أصلا. يخصك فإيه وايه اللي مزعلك فكدة؟"
اهتز جسدها بانفعال مع يديها التي تشير بها. طالع ثوبها الهادئ الجميل وكان كاذبا بقوله عليه بالعكس تماما. تاه بين التفاصيل وهو يحرك رأسه بمكان اخر غيرها مرددا بغير اكتراث:
"أخوكي. إعتبريني زي أخوكي 'حسن'. لو مكاني أكيد هيعمل كده وهيخاف عليكي!!"
"لا هو لو مكانك كان هيسيبني أو يبيعني قدام أي قرش للقرف اللي بيتذل ليه. مصمم تشبه نفسك بواحد مقرف. مع انك بتقول انك اتغيرت. مستبعدش انك لسه زيه!!"
التفتت بغضب كي تختفي من أمامه. في حين لم تصدق فعلته عندما أمسك ذراعها بشدة من المنتصف مستغلا عدم رؤية أحد له. حتى دفعها فتقدمت ناحيته بصدمة. حينها ردد هو بنبرة شديدة الهدوء يحذرها:
"مش هسمحلك كتير تتكلمي معايا بالطريقة دي. وخلي عندك أصل بدل القرف اللي انتي فيه ده وانتي بتتكلمي عن اخوكي!!"
نفضت يديها من بين مسكته القوية التي وجعتها. وظهر في انفراج شفتيها بألم. لم ترد عليه بسبب سماعها لصوت "حازم" الذي جهل عن مكانها. كانت تخفيه شجرة وهو يقف معها. لذا ظل واقفا بمكانه بعدما تحركت هي. في كل مره تثير ثورة انفعاله كي تخرج ولم تخرج عليها. يتحامل بالصبر على تلك الفظة المتبجحة بالكلمات. استغفر ربه سريعا. ونهر نفسه على مسكها بمثل هذه الطريقة. دون وعي منه بسبب غضبه المكتوم. تحرك هو الٱخر عندما لاحظ أن شقيقه يقوم بالدق عليه. وبلحظات خفيفة ركب السيارة بعد ركوب "شادي" معهم في سيارته كي يوصلهم مع "عز" إلى السنتر التجميلي. وسارت السيارتين باتجاه المبني مرة ٱخري!
كيف تجلس الٱن أمامهم بكل هذا الارتباك لأول مرة؟! عندما قررت المجيء لطلب العفو منها. فتحت لها "عايدة" الباب الخاص بشقة "سمية". والٱن يجلس ثلاثتهم أمام بعضهم. تنفست "سمية" بعمق. فتحدثت "عايدة" للأخرى:
"قولي يا زينات عايزة تقولي ايه؟"
قالتها بجهل وتخمين لكل ما فعلته. بينما اعتدلت "سمية" بترقب. تنظر ناحية "زينات" التي بدأت في أخذ أنفاسها ببطء كي تبدأ الحديث بـ:
"أنا جاية وعارفة إني غلطت كتير في حقكم. بس جيتلك يا سمية للمرة التانية بعد ما قعدت أقول لا. بس كل مرة قلبي بيوجعني وضميري بينقح عليا. منكرش إني ارتحت شوية لما حسيت ان عايدة قبلاني ومرحبة بيا وكأنه مفيش حاجة حصلت وعدت اللي فات هي وبنتها. بس مش قادرة لسه وأنا شايفه بناتك مش عاطينلي فرصة. مع ان المرادي أقسم لك بالله نفسي تسامحوني من كل قلبكم عشان أرتاح!"
رفعت "سمية" عينيها ببطء. تحركها نحوها وهي تنصت لحديثها الٱخر التي أكلمته للتو:
"أنا عارفه اني أذيتكم بالجامد. بس قررت اني مش همل طول ما أنا موجودة لسه وطول ما ربنا غفور بيسامح. أنا جيالك أقولك حقك على راسي وسامحيني يمكن قلبي وبالي يهدوا شوية. خلينا نبدأ صفحة جديدة مع بعض ونمسح كل اللي فات!"
ابتلعت "سمية" ريقها. وبهذه اللحظة أدمعت عينيها بحزن تحاول إخفاءه. أم وبالطبع ستتذكر كل ما حدث لهن!! بعضها بل وأكثرها منذ زمن وسنوات من المعايرة والحديث المريض المؤذي الذي طال "نيروز ووردة". أكثر اثنتين. ولأن الثانية سافرت لبلاد أخرى كانت من وجه المدفع "نيروز". التي أخذت منها ما يكفي لجعل الندبات بداخلها لم ولن تزول بسهولة. أخذت أنفاسها ببطء. وصوت مسموع. ثم حاولت التحدث بثبات وصدق. تعلمها ما لا تعلمه هي:
"اللي متعرفيهوش يا زينات إن قبل ما أدخل العمليات سامحتك. ومكنش في قلبي ذرة حاجة وحشة ليكي أو أني أفضل أشيل. كنت عايزة أدخل خفيفة وأخرج منها خفيفة لو ربنا أراد ياخدني عنده. ولما خرجت حاولت أنسي طول ما انتي في وشي. عديت بس منستش. منستش تعب وقهر بناتي على يدك ويد جوزك. بس عديت وحاولت أسامح لحد ما سامحتك ومبقتش شايلة جوايا حاجة وحشة ليكي. اتمنيت ودعيتلك وسط كل ده أن ربنا يهديكي. ويفتح عينك لما حسيت أنك في الفترة الأخيرة بقيتي كده. وشوفت ٱخر موقف مدعيتش تاني غير بحاجة واحدة بس مليش يد فيها. أن ربنا يحنن قلب بناتي عليكي ويسامحوكي زي ما حاولت أسامحك!"
قالت حديثها بعقل. فتوسعت بسمة "زينات" بأمل. وهي تحرك رأسها بغير تصديق:
"بجد يعني انتي مسامحاني؟"
أيدت برأسها. وهذه المرة تحركت "زينات" كي تعانقها بامتنان وشكر. ضمتها "سمية". وهذا هو قلبها الصافي مثل نفسها السمحة. وما أن اعتدلت حاولت التحدث بلهفة مرة ٱخري تعلمها:
"وأنا هحاول تاني وتالت وعاشر أن أخليهم يسامحوني!"
"قولي بإذن الله يا زينات. ربنا بيسامح وبيعدي. وأنا شايفة أنك مش محتاجة عزومة. بس لازم تيجي تحضري فرح بنتك جميلة. مش عايزة أنك تقعدي لوحدك زي ما كنتي قاعدة في فرح نيروز مكسوفة حتى تيجي. أنا بقولك أنك صاحبة فرح!"
كان قول "عايدة". تأثرت من حديثها. حرمة بيت مثلها ضاع منها زوجها وأولادها بطريقة موجعة لأي امرأة حتى. وإن كانت جامدة قاسية. وبطريقة أخرى عادت ابنتها إلى أحضانها. ولكنها عادت مكسورة بشدة بما فعل بها. وما فعل بها ووضعها كأم ترى ابنتها في وضع كهذا ليس هين. أصبحت محط شفقة وتعاطف لهن وهن يرونها كذلك. حتى وإن ظلمت جميع الأنفس فبقت هي المظلومة بالنهاية عندما خسرت كل شيء. وكأن هذا عقاب الله لها!!
نهضت "عايدة" تفتح الباب فوجدتهم جميعا مجتمعين. من "ياسمين" و "حازم" و "نيروز" وحتى "غسان". بينما ذهب "حامد" إلى شقته هو والبقية. دخلت "وردة" بصحبة "يامن" و "بدر" أول شي. ولم يغفل الجميع عن وجود "زينات" التي وقفت بجانبها "فريدة" الٱن. لاحظتها "نيروز" التي دخلت تجلس على المقعد وجلس بجانبها "غسان" الذي لاحظ تهجم ملامحها. في حين وقف "حازم" يتحدث مع "بدر" بحديث عشوائي. ومن بين ذلك تقدمت "زينات" تحت الأنظار تقف بمقابلة "وردة" التي وقفت تنظر لها باهتزاز. وهي ترفع زجاجة المياه نحو فم الصغير. بل وقابلت عيني "سمية" مع عينيها. فوجدتها تحثها على الثبات. في حين خرج صوت "زينات" منها وهي تقول:
"أنا جاية أطلب منك السماح يا وردة. سامحيني على أي كلمة وحشة خرجت مني ليكي. أنا آسفة ومستعدة أعملك أي حاجة عشان بس ننسى اللي فات ونبدأ من جديد!"
راقبها الكل بنظراتهم. وآثار قولها انفعال "نيروز" المبطن. وهي تحرك عينيها نحو الجميع. ثم ضغطت على يديها بارتباك مخفي. وهي تهمس لنفسها بحدة. وصلت لمسامع "غسان":
"فاكرة كل حاجة بتعدي سهلة كده!"
الغير متوقع أنها حاولت النهوض لتقف فقط تتابع بحرقة داخلية. وإذ بيد "غسان" منعتها بحزم. كي لا تنهض وتقطع أمل خلقه غيرها لفرصة جديدة لم تكن لها بها شأن. نظرت له بغير تصديق لما فعله. عندما اندفعت تجلس بمكانها أثر يديه التي منعتها. ثم وجدت نبرته المنخفضة تحذرها بهدوء:
"اقعدي مكانك وملكيش دعوة باللي بيحصل طالما ميخصكيش إنتي واللي حصلك. لما تبقي تيجي تكلمك ابقي اتصرفي زي ما انتي عايزة!!"
حاولت الحديث بتعجب. لحزمه ورفضه لأول مرة يقف ضدها بشيء أمام الأخرى. أم أنه شعر بأنها ستعيق شيئا رآه باهتزاز وعيني "وردة". تأوت من مسكته. فترك معصمها ببطء. وهو يؤكد برأسه مرة ٱخرى مرددا يكرر على مسامعها:
"متتحركيش من جنبي. ومتدخليش في حاجة متخصكيش!!"
حبست الدموع بعينيها بحرقة. ألا يشعر بها؟! كذلك سألت نفسها. ما تعرضت له لم يكن سهلا. ولكنها لا تعلم بأن قلب الأخرى ليس كمثل قلبها. حبست أنفاس "زينات" عندما وجدتها صامتة للحظات.
"أنا مش عارفه أقولك إيه، بس.. بس أنا لسه لحد دلوقتي بحس بالنقص من كلامك اللي علّم جوايا. كنت واثقة في بدر، بس كل يوم كنت بنام خايفة وحاطة إيدي على قلبي، ليكون زي كل الرجالة ويروح يتجوز عليا عشان خلاص أمل إني أجيب طفل تاني اتمسح. حسستيني إني مبخلفش بكلامك، مش بس جايبة "يامن" وربنا كرمني بيه. علّمتي جوايا علامات صعب تتمسح. ودايمًا بحمد ربنا على بدر وعلى يامن. وأوقات بتقهر من العياط وأنا بفتكر كلامك وببقى خايفة وصدا صوتك بيسمع جوايا إنه هيسيبني وهيقولي في يوم إني ناقصة مش كاملة مهما خلفتله العيل. صدا صوتك وإنتي بتقوليلي إنه راجل وهيجي عليه وقت ويقول إنه عايز يخاوي ابنه عشان مش هيعيش له ولا أنا هعيش له العمر كله. خليتي حتى شيطاني جوايا صوته يعلى ويخوفني أكتر لما بدر يغيب عني أو لما حتى يامن يتعب، لاحسن يجراله حاجة، ساعتها هبقى لوحدي والأمل هيتقطع خالص. إنتي أذيتي دماغي وعقلي أوي، وهو والله كان ضعيف وبيتلكك لأي حاجة عشان يعملي دوشة بأفكاره اللي زي دي. مقدرتيش إني كنت بموت من الزعل وولادتي كانت صعبة وأنا كنت بعيد لما بابا مات ومعرفتش حتى أنزل أودعه. مات وهو بعيد عني ونفسيتي كانت مدمرة، ولما حملت وولدت راح اللي بتعايريني بيه، وراح غصب عني، وبالنسبة لأي واحدة يضيع منها اللي ضاع مني مكنش ولا بيكون سهل وأنا في بداية حياتي!"
لما تنادي الوجع لهم. سقطت دموعها ودموع "سمية"، ووقف "حازم" صامتًا بجانب "ياسمين" التي كانت تنصت بألم تحاول ضبط أعصابها. بل و"نيروز" التي بكت بصمت. فحاوط "غسان" كتفيها وهو يمسح دموعها برفق. فوقف "بدر" أمامهم يحتضن "وردة" باختناق، مشددًا بعناقه لها وبينهم صغيرهم، حتى قال بقسم لها يبرر لدموعها وقهرها هذا:
"والله العظيم يا وردة أنا بحبك. إنتي مراتي وأم ابني وحبيبتي. عمري ما هفكر ولا فكرت أتجوّز غيرك!"
شهقت بأحضانه. فتقدمت "ياسمين" بعدما حاولت أن تصمت لأجل "فريدة" ليس إلا:
"إنت كمان مش حاسة بقهر اللي عملتيه! أنا عشت أقف قصادك وإنتي بتحاولي تقهريهم، كنت بحاول أمنع ده يحصل قدامي على قد ما أقدر. بس كفاية.. كفاية وبقولهالك بكل هدوء.. هي لو ناوية تسامحك هتقولك وهتجيلك، بس بلاش تنكدي علينا عيشتنا تاني!"
أدمعت عينيها، فتلهف "حازم" بسبب حملها، لذا حثها على الابتعاد. وكل مرة تجد الإحباط فتقرر الرحيل مخذولة، تجر أذيال الخيبة خلفها دون أمل، تحت نظرة "فريدة" المتحسرة الحزينة العاجزة عن فعل شيء. بينما خرجت "وردة" من أحضان "بدر" تمسح دموعها، ثم انحنت تهبط "يامن" أرضًا، حتى استقامت مرة أخرى تزامناً مع وقوف "نيروز" هذه المرة، تحت أنظار "غسان" عندما وقفت "زينات" تردد بتحشرج لها تسألها:
"مفيش أمل نمسح اللي فات؟"
احتدمت نظراتها حتى مسحت عينيها بشدة وهي تنفي برأسها، بينما وجدت "زينات" "وردة" توكز كتفها من الخلف، فالتفتت تنظر بخزي حتى وجدتها تبتلع ريقها سريعًا وهي تكمل ما لم تكمله:
"بس أنا بحاول أنسى اللي فات وهعديه. العمر مش مستاهل أقعد أبكي وأندب على اللي راح. بس أنا هرد بعد كل الكلام اللي قولتهولك ده وهقولك إني هحاول أفتح صفحة جديدة معاكي!"
لامتها بقهر، ثم جاءت لها بالجملة التي تريدها. أدمعت عيني "زينات" منها، ثم ضمتها هذه المرة نحو أحضانها تحت نظرات البعض المتعجبة. لم يتعجب كل من يعرف قلب "وردة" النقي جيدًا. لذا دخلت بترحاب بين ذراعيها، فرددت الأخرى عليها كلمات الأسف بلهفة، تحت بسمة "فريدة" التي زارها الأمل من جديد بعدما سلب وهرب منها في الحال. وقف "بدر" غير مصدوم، بل توقع فعل ذلك. ورغم عدم قبوله لـ "زينات"، ولكنه أخيرًا وجدها لحظة مناسبة هو الآخر، حتى إن رحل وتركها لن يحمل همًا لها كبيرًا كمثل السابق. يرحل؟ أي رحيل؟ خرجت من بين أحضانها وهي تحرك رأسها على كلماتها تحت نظرات الكل. بينما لم تتحرك "نيروز" من مكانها خطوة واحدة، هي التي تعمدت أن تصدها مرة أخرى دون تقدير لها. بل بهذه اللحظة سبقت ناحية باب المنزل قبل أن تتحدث "زينات" لها مرة أخرى. كفى ما تشعر به هي الأخرى لعدم علم أحد منهم بما داهم قلبها منذ الصباح. تنفس "غسان" بصوت مسموع. ووجدت "زينات" الخيبة بأملها في "نيروز"، لذا انصرفت بعدها ببطء ناحية شقتها وذهبت خلفها "فريدة". قرر "غسان" الرحيل خلفها، ولكن أوقفته نبرة "سمية" الهادئة وهي تقول بعد رحيل "نيروز":
"شوفها يبني.. أنا عارفة إن محدش بإيده يخلي حد يسامح التاني، بس الكلام العاقل بيفرق في وقت زي ده!"
لم يجب على حديثها، صمت يستمع فقط، ممراً عينيه ناحيتهم جميعًا، ثم حرك رأسه بخفوت كعلامة بالاستئذان، وبعدها خرج صاعدًا إلى أعلى. في حين جلست "ياسمين" بأريحية وإنهاك على الأريكة وبيأس من ما يحدث:
"تعالي يا وردة نروح لهم عند عمي نقعد هناك شوية!"
أومأت له وقصد الجلوس مع شقيقه وشقيقته هناك. في حين زفرت "سمية" بصوت مسموع وهي تمرر عينيها نحو "ياسمين" التي استندت برأسها على كتف "حازم" بتعب، وعينيها تدور مما يعني رغبتها في النوم المفاجئ. حملها مرهق ومتعب وحساس إذن! ابتسمت "سمية" عليها وهي تأخذ الهاتف من بين يدي "حازم" بغيظ وهي تقول:
"اهتم بيا شوية وسيب البتاع ده من إيدك!"
"بشوف عز وصل لحد فين وجميلة عملت إيه!"
أعطته له بشفقة زائفة وبراءة، فضحك وهو يأخذه منها تحت ضحكات "عايدة" و"سمية" بقلة حيلة عليها وعلى مرحها الدائم مهما كان الوضع!
دخل بخطوات هادئة يبحث عنها، فوجدها تقف بالمطبخ تحاول إعداد الغداء. فاليوم كل منهم بمنزله إلى حين الاجتماع مع بعضهم كالعادة. كان لديها طعام منذ أمس، لذا وقفت تقوم بتسخينه بشرود. شعرت به يقف خلفها عندما وضع يديه على كتفها كي يديرها له، حينها سألها بجدية عندما رأى رغبتها في ضغط حالها:
"إنتِ ليه يا نيروز بتحبي تضغطي نفسك؟ وكأنك بتحبي تنغصي على حياتك!"
رفعت عينيها تنظر نحو عينيه التي تلومها، فردت وهي تترك ما بيديها وهي تتنهد:
"أنا مش فاهمة انت عايزني أعمل إيه!"
قالتها وهي تحاول رص الأطباق على طاولة المطبخ الحديثة. فتركها تفعل ما تفعله، ثم قال بلين يعلمها:
"عايزك مرتاحة، حتى ولو مش ناوية تسامحي دلوقتي، بس على الأقل مش كل مرة يتفتح فيها الموضوع تنكدي على نفسك وتفتكري كل اللي حصل. إحنا دلوقتي في النهاردة، سيبك من إمبارح واللي حصل فيه!"
وقفت مكانها، ثم التفتت ترفع وجهها لتقابل عينيه المتفهمة. وما أن انتهى، ردت هي بنبرة مختنقة لن يشعر بها سواها وحدها مما مر عليها:
"بس أنا أي حاجة عدت عليا معدتش بسهولة كده!"
لثم "غسان" وجنتيها بين كفيه، ووجد الدموع المحبوسة بمقلتيها، فضم رأسها ناحية صدره برفق، ثم قال وهو يمرر يديه على كتفيها وظهرها متنهدًا بحرارة:
"أنا عارف ده، بس في نفس الوقت عايزك مبسوطة، مش موقفة نفسك عند حاجات حصلت وراحت. كل ده بياخد من طاقتك ونفسيتك!"
تنفست بعمق، ولفحت أنفاسها الساخنة قمة صدره. لا تنكر بأن حديثه بوقت كهذا كطوق للنجاة. يعلم بأنها تحزن لشيء آخر جهل عن معرفته. متأكد من أنها تخفي شيئًا ثقيلًا تحمله وحدها. لذا حاوطت هي بذراعها ظهره، ثم قالت بضعف وانهزام:
"أنا زعلانة أوي إن جميلة هتمشي ومش هتبقي موجودة زي الأول!"
الآن علم بأن عناقه جعلها تنهزم وتخرج بالثقل الذي كان عليها غير الذي رآه وسمعه منها. حقيقة موجعة أتت من مدى غلو قيمة "جميلة" لديها. وبهذه اللحظة سقطت دمعتها وعلم بأنها تتعلق بها أكثر مما يتخيل هو. ربت على ظهرها بحنان، متفهمًا شعورها هذا، ثم قال يطمئنها:
"هي أكيد مبسوطة وإنتِ لازم تكوني مبسوطة عشانها. مش أنا قولتلك قبل كده إن ده طبيعي وإن دي سنة الحياة؟ ما هي لازم تعمل بيت وأسرة وتشيل مسئولية زي ما بقيتي إنتِ دلوقتي!"
خرجت من بين ذراعيه تطالعه، ثم نفت برأسها وهي تقول بتفسير:
"أنا عارفة.. أنا كنت بقول إن كل واحدة فينا هتخرج بعيد عن التانية. بس أنا فضلت في نفس المكان وهي اللي هتمشي. حاسة إني هفقدها!"
سحبها لتجلس على المقعد، ثم جلس بجانبها تزامناً مع بسمته الهادئة وهو يغمز لها كي يبدل الوضع لآخر:
"ما بلاش الكلام اللي يخليني أجيب "عز" من رقبته يعيش معانا هنا، ولا إني أشوفك زعلانة يا رزقة!"
استطاع أن يجعلها تضحك بخفة. وهي.
رفعت يديها تمسح وجهها ثم قالت بسخرية وسط حديثها تلمح بقول كانت قالته له "فاطمة":
"على رأي ناس.. بكاش وبتاع كلام!"
غمز لها محاولاً تجاهل سخريتها. وعندما أمسك الملعقة قدم لها واحدة يحثها على تناول الطعام تزامناً مع سؤاله المهتم:
"ممكن أفهم ليه مرضتيش تخليني أحجزلك مع جميلة في السنتر؟"
تحرجت من سؤاله وبهذا الوضع وهذه الحالة قدرته كثيراً عندما اشترت الفستان وكان باهظاً. ولم تنسَ هي تكلفته الكثيرة بمحل الورد الخاص بها، وأيضاً مساعدته لمنزل والده ببعض المشتريات على مساعدة والده والتي كانت تجهل عن هذا السر وعلمته عقب زواجها وإقامتها معهم وقت أكثر. اتضح لها أنه يحمل مسؤولية مجهولة ومعلومة بنفس الوقت. ومن الناحية الٱخري يساعد شقيقه البيت أيضاً بوسط هذا الغلاء. ولكن غياب الٱخر جعل الحمل يثقل. وسنة دراسية كسنة شقيقته تتطلب أموال كثيرة. شعرت بثقل كل ذلك واقتنعت أن كل بيت له أسرار مهما حدث لا تخرج ولا يظهر إلا ما يريدون ظهوره فقط. هربت بعينيها محاولة أن تتناول ما أمامها ثم قالت بتقدير:
"حسيت إن كتير فوسط المصاريف دي فالفتره الٱخيرة. حتى فريدة هي كمان عملت زيي لما مرضتش تعمل كده وتكلف حازم. بس ياسمين بتعرف تعمل ميكب هادي وحلو هنعمل هنا مع بعض ونبقي نروحلها بدري نبقي معاها!"
تعلو بنظرة كل مرة. ورغم عدم رغبته في أن تضع هي مساحيق تجميل كثيرة، ولكنه لم يعقب على هذه النقطة بل نفى برأسه بجدية وهو يرفع عينيه ينظر لها:
"متحسيبهاش كده يا نيروز. أنا قولتلك طول ما أنا قادر أعملك كل اللي انتي عاوزاه يبقي مفيش حاجة كتيرة عليكي. وبعدين مجتش من يوم مش هيتكرر!"
قالها بهدوء. ولم يغفل عن كثرة المصروفات الخاصة بالمنزل لحياتهما فقط والذي اكتشف أنها كثيرة عن ما كان يتوقع، بل وهو الذي لم يكن ليوضح ذلك أمامها. كانت ذكية في تفهم الوضع. فوجدته يوضح لها مرة ثانية من مقارنتها بـ الٱخري ووضح يخفف عن ما جاء على خاطرها من كثرة المسؤوليات:
"وبعدين فريدة عملت كده عشان حازم مسؤلياته كترت فقدرت الوضع. لكن انتي مين ليكي غيري يعني تطلبي منه اللي تعوزيه. أنا مش لسه هعرفك إني جوزك وان دلوقتي كل حاجة مسئولة مني أنا. بعيداً عن نقطة السنتر. كلامي ده فالعموم!"
حاصرها بالحديث، كانت تتمنى أن تذهب معها ولكن أسباب كثيرة منعتها. هو عدم ترك شقيقاتها بمفردها ومساعدة "فريدة" هي الٱخري بأخذ هذا القرار بسبب كثرة مصاريف "حازم" في الفترة الأخيرة.
"عديها يا غسان. ياما بيحصل. صدقني الستنر ده مش أمر مهم عندي. ما ياسمين مراحتش ففرحي هي ووردة وعادي. الفكرة مش فكده. المهم نتبسط فالٱخر واليوم يعدي على خير. لاحسن أنا كمان قلقانه لـ "منة" بعد اللي شوفته النهارده من اخوات شادي!!"
قلب عينيه من هروبها من الحديث ثم اندمج في الطعام تزامناً مع رده على ٱخر حديثها بانتباه:
"هي تعدي على خير فعلاً. بسماجتهم دي. وتعدي اكتر معايا على "فتحي" ده اللي مش جايبها لبر!!"
"هو ايه اللي حصل؟"
قالتها متسائلة عن ما فعله الإسم. فرد هو بإيجاز مشيراً لها بغير اكتراث:
"محصلش. وحاولي تبعدي عنهم بدل ما نرتكب جريمة الليلادي. بالذات فتحي ده لو وقفك متتكلميش ولا تتعاملي معاه!!"
صمتت بفهم لمعرفتها لمعني حديثه. لم تغفل عن وقاحة الآخر بالنظرات ومحاولته لخلق أي حديث مع أي أنثى تقابله. اهتز هاتفه بجيب بنطاله فنهض كي يغتسل حتى يجيب. وخلال لحظات قام بتجفيف يديه وهو يحاول إخراج الهاتف أمام عينيها عندما سألته بإستفهام:
"مين؟"
"بدر"
وقتها فتح الخط ثم وضع هاتفه على أذنه مردداً بنبره هادئه:
"ايوه يا "بدر" "
"ايوة يا غسان بقولك انزل بسرعه كده"
"خير.. في حاجة ولا ايه؟"
"ايوه انزلي كدة!"
حينها سمع صوت إغلاق الخط فعقد ما بين حاجبيه باستغراب وهو يمسك الهاتف بشرود. وقتها نهضت لتغسل الأطباق، فهتف هو من خلفها:
"أنا نازل يا نيروز. ابقي خلصي وتعالي تحت!"
همهمت موافقة لم تنتبه لرده. ما إن علمت أنه الٱخر حولت الأطباق لتغسلها. سمعت صوت إغلاق الباب وانخرطت فيما تفعله هي.
وخلال دقائق اجتمع الكل بشقة "حامد" بعد قلقهم الظاهر. ودموع "فاطمة" التي انسابت بخوف. ماذا حدث خلال هذا الوقت القليل؟ عقلها يضرب أفكار كثيرة. وضعت "وردة" كفها على كتفيها ثم قالت بإطمئنان:
"متقلقيش كده يا فاطمة تلاقي الباص اتأخر شويه وزمانهم جايين. بتحصل!"
"عمرهم ما اتأخروا أوي كده عليا. اليومين الل فاتو كانوا بيجوا فنفس الميعاد. عماله أصبر ومفكرش. بس انا خايفه خايفه ليكون "عارف" أخدهم!!"
صرحت بما لديها. وفتح الكل عينيه بصدمة. فكان "ٱدم" موجود منذ ان عاد معهم. لذا اندفع يرد بإنفعال عليها:
"يعني ايه خدهم هي وكالة من غير بواب. ما قولتلك هروح أشوفهم خدهم ولا لأ قوليتلي لا متروحش زمانهم جايين. بتلعبي بيا لايه خايفه علي مين بالظبط يا فاطمة؟!!!"
قالها بتوبيخ. ومسك "بسام" و"حازم" ذراعيه كي لا يندفع بغضب. فزفر "حامد" يرد على حديثهم بهدوء:
"قولتلك يا ٱدم ان حتي ولو هو خدهم ملكش تاخدهم منه غصب دا ابوهم. اكيد بنسبة كبيرة ان مجوش يبقي هو اللي خدهم من هناك من بدري. الوقتي الحكاية عايزة صبر"
"اي صبر يا عمي؟ دا كام دقيقه ومش شايف حالة فاطمة. المرادي مش هسكت وهحكمها بالعقل. اختي عيالها هيرجعولها دلوقتي. انا بعت لـ "غسان"ينزل عشان نروحله وقفلوا على أي كلام طالما هو مش راجل وبيلعب بالطريقه دي معانا!"
قالها "بدر" بجدية. فصرخ "ٱدم" وهو يسب زوجها:
"أنا عارف ان الو*** ده مش هيجيبها لبر!!!"
حدجه "حامد" بتحذير. ودخل "غسان" على سبة. فأشار "بدر" لـ" فاطمة" بقوله:
"قومي البسي يا فاطمة عشان تيجي معانا!!"
نهضت و"ووردة" تسندها مع "وسام" و"ياسمين". ووقف "غسان" يستمع المختصر من "بدر". فتهجمت ملامحه. وحينها سأل "حازم" "بدر" بترقب:
"وآخرة دا ايه يا بدر هتعمل ايه؟"
"هخليه يرمي عليها يمين الطلاق النهارده بعد كده يمشي الوضع بما يرضي الله واللي هو يستحقه. لو هو عايز يعيش اللي باقيله من حياته بدل ما أنهيهاله انا!!"
كانت عينيه حادة جامدة. وملامحه متصلبة. نظر "حامد" بيأس لهم. وخرجت "فاطمة" مرتدية عباءه وحجاب. ثم استعدت. فسبق "غسان" لأسفل مع "ٱدم" و"بسام". وأسند "بدر" "فاطمة" وهو يودعهم بنظراته مؤقتاً. ناظراً نحو "حازم" وهو يحثه:
"خليك انت يا حازم ولو احتجتلك فحاجة زي ما قولتلك هرن عليك!"
أومأ له متفهماً حديثه. وبعدها هبط "بدر" هو وشقيقته. وعادت "وردة" تجلس بخيبة معهم بإنتظار. وما أسوء الانتظار!!!
لمحة من وقتهما وقت العريسان "عز وشادي". خرجا معاً من صالون الحلاقة بعدما حددا ذقنهما وصففا خصلاتهما بترتيب. والآن سيوصل "شادي" "عز" نحو منزله ثم ليعود ناحية شقة "حامد" يرتدي حلته الذي وضعها هناك مع "غسان" والشباب!! وسينتظروا قدوم "عز" كي يشاركهم الوقت هو الٱخر بسعادة. وهم بجانبه وكأنهم أشقائه!!
بعد خمسة عشر دقيقة، وصلت السيارتان ناحية منزل "عارف" زوج "فاطمة". هبط الجميع بحذر. "بدر" رمى "آدم" بنظراته. وقف "غسان" بجانبهم ثم مد يده ليطرق على الباب بخفة وهدوء، عكس ما بداخله.
فتحت "فاطمة" عينيها عندما اخترق سمعها صوت بكاء "أدهم". شعورها كأم ستميزه ولو كان بين ألف شخص. زفر "بسام" بغضب وقال:
"هو مفيش حد جوه ولا إيه؟ خدتهم فين البني آدم ده بعد ما خدته الجرأة؟"
إنفعل لها قبلهم، وظهر هذا بعد كبته للغضب لفترة. نفت "فاطمة" بلهفة وهي تنظر بحسرة، تقسم وكأنها لا تثق بوقوفهم:
"لا.. لا، هم جوه. أنا سامعة صوت ابني بيعيط. سامعة صوت أدهم يا بدر. افسخ الباب يا غسان عشان خاطري. هاتولي ولادي!"
بكت بإنهيار عندما استشعرت الخطر. فأمسكها "آدم" كي يجعلها تهدأ، ثم ربت "غسان" على رأسها بحجابها بإطمئنان، تزامناً مع صوت دقات الباب التي أصبحت قوية بفعل "بدر" الذي زاد انفعاله مع "بسام". لم يفتح أحد من الداخل الباب وتعالى صراخ "جنة"، فإنتفضت "فاطمة" بصراخ هي الأخرى:
"بــنتي!!!!!"
أمسكها "آدم" قبل أن تسقط من بين ذراعيه، يحثها على الصمود بخوف. فاندفع "بدر" بجانب "غسان" و"بسام" ليفسخا الباب بقوة بجسدهم الصلب. وبالفعل، خلال لحظات، فُتح الباب بقوة بل وكُسر. حينها هرول الجميع إلى الداخل، وآخرهم كان "آدم" الذي أسند "فاطمة". وعندما وقفوا يطالعون المشهد، زادت حدتهم عندما وجدوه يجلس ممسكاً بسكين قد أشعلها، وهو يمسك ذراع "جنة". والآخران، أحدهم يبكي بصوت، والآخر ينظر بصدمة جعلت دموعه لا تسقط.
وقف "عارف" مندفعاً، وحينها لم يأخذ فرصته في الحديث أو المفاجأة، بل اندفع نحوه "بدر" يمسكه من تلابيبه وهو يصرخ به بصوت مرتفع:
"إنت بتعمل إيه فيهم يا مريض؟ بتعمل إيه فيهم انطق؟!!!!"
هرول "بسام" يحمي التوأم كي يخرجهما بعيداً في السيارة. وانحنى "غسان" يتفحص ذراع "جنة" بقلق ولهفة. وعندما لاحظ ارتجافتها، رفع ذراعيه يحملها نحو الخارج، وهو يردد كلمات الإطمئنان التي تواكب صغيره مثلها، نشأت على أذية جسديه دون فهم.
وقفت "فاطمة" بغير وعي تنظر بصدمة. أيمكن أن يؤذي أطفاله؟ لا تستبعد أن يؤذيها هو، ولكن هؤلاء أطفاله من صلبه هو ودمه! تركها "آدم" الذي هرول يرفع ساقه حتى دفعه ووقع أرضاً، يسبه بأفظع الشتائم. فحرك "عارف" رأسه بألم. وعاد "بدر" يصرخ به مجدداً:
"كنت بتعمل فيهم إيه يا قذر؟ قول!!"
استند على ذراعيه ولاحظ وقوف "غسان" و"بسام" من جديد. حينها تحامل كي يقف مستنداً، وهو يتقطع أثر الدماء التي تنزف من شفتيه:
"محدش فيهم رضى ينطق ويقولي فاطمة كانت فين لما روحت بيتكم وملقتهاش هناك. كـ..كنت عايزهم يختاروني.. أنا بالقوة!!"
أيعقل أن يفعل المريض هذا؟ وجد الكره منهم وبنظراتهم منذ آخر مرة ضرب والدتهم بها. وجد نفسه يختنق أثر مسكة يد "بسام" الذي انفعل يردد بغير تصديق:
"في عيالك يا متخلف؟ بتطلع مرضك النفسي على عيالك لما ملقتش مراتك تطلعوا عليها. دول أطفال أطفال يا قذر يا زبالة يا ***!!"
صدم الجميع من سبه الأخير، وتركوه يضغط على رقبته. فدفعه "غسان" عندما أمسك ياقته بيديه الاثنتين، مردداً من بين ضغطة على أسنانه:
"عليا الطلاق ما هتطول شعرة منهم تاني. ولا هتطول أمهم. إرمي عليها اليمين يا ***، إرمي عليها اليـمـــين بــقولك!!"
قالها وهو يهزه من بين يديه بعنف. فحرك رأسه نفياً وهو يلهث. حينها فتح عينيه على وسعها عندما وجد "آدم" يندفع نحوه بمطفأة السجائر الزجاجية. فأهبط "عارف" رأسه سريعاً، تزامناً مع "غسان" وهو يلتفت أثر ركلة "عارف" له، فاصطدم حاجبه الأيسر بها ونزفت الدماء، تزامناً مع تأوهه وهو يرجع إلى الخلف واضعاً يده على حاجبيه بوجع.
وقف "آدم" مصدوماً من خطأ ما حدث للتو. وهرول "بسام" يتفقد جرح "غسان" بخوف، مع مسكة "بدر" لـ "عارف" وهو يصرخ به بعنف تحت أنظار "فاطمة":
"طلقها.. إرمي عليها يمين الطلاق حالا، لإما هد فـنك تحت رجلي!!"
ابتلع "عارف" ريقه بخوف، وتقابلت عينيه مع "فاطمة" التي انهمرت منها الدموع بقوة. وحينها رد هو بإهتزاز:
"أنا مش عايز أطلقها. هي عافية!!"
"عافية ياروح أمك يا و***. تعالالي بقا!!"
أمسكه "غسان" يبرحه ضرباً إلى أن سقط، وسقطت دماء حاجبة على وجه "عارف" الذي جثى فوقه "غسان" لاكماً إياه بوجهه بشدة. وعندما مد "عارف" يديه ليأخذ المطفأة التي وقعت أرضاً بجانب يديه كي يضرب "غسان" بمؤخرة رأسه، اندفع "بسام" يضغط على كفه بحذائه، ثم انحنى يردد بجانب أذنه بفحيح أظهر شره بنظراته:
"كانت تيجي فيه وساعتها هعملك عملية بإيدي دي تشيلك كلمة ذكر من البطاقة ونستغل الشغلانة صح!"
احمر وجهه غضباً. وحاول "بدر" فصل "غسان" عنه حتى تأوى "عارف" بوجع وهو يمسك عظامه ووجهه. واعتدل "بسام" تزامناً مع ركلة "آدم" باندفاع له بساقه، مردداً بسباب:
"إخلص يا روح أمك وارمي عليها يمين الطلاق بدل ما نطلقك إحنا المرادي بمعرفتنا!!"
قوله كان وقحاً ولم يستنكر أحد. بل تقدمت "فاطمة" خطوات حتى وقفت أمامه وهو مستلقي أرضاً، وقالت بمنتهى الهدوء:
"طلقني يا عارف!!"
صمتت تنتظر قوله. فاعتدل هو ينظر بخوف حوله، ثم تأوى بصوت تزامناً مع جلوس "بدر" على قدميه بحذائه أمام جلسة الـآخر المتألمة، وأمسك رأسه حينها يحركها بضغط، وهو يردد بلهجة أمره:
"يلا يا حيلتها نفذ!"
اعتدل ينظر بعينيها بوجع لم يستطع إخفاءه.
تيقن بأن والدته من خربت عليه حياته بالأكمل.
ابتلع ريقه ثم هتف بها أخيرًا عندما نزلت عليها كمثل أي أنثى تقهر بهذه اللحظة الصعبة:
"إنت طالق يا فاطمة!!"
أخيرًا قد تم فك حصارها من الذل والمهانة ومن لعنة حبه الأعمى.
وجد "آدم" يركله ثم قال بإندفاع يحثه:
"بالثلاثة يا روح أمك!!"
كأي أنثى كانت تود ثباته على المبدأ يشعرها بأنها غالية وقيمتها ثمينة حتى وإن لم تعد تريده. ولكن لوهلة كانت تريد بأن لا تشعر بالنقص. طلقها تحت ضغط ومن عائلتها لم يترك شيئًا للغريب إذن.
ابتلع ريقه ورد سريعا عندما وجد الركلة الثانية من "بسام" الذي أمسك رأس "غسان" يتفحصها مرة أخرى:
"إنت طالق.. طالق بالثلاثة يا فاطمة!!"
اهتز جسدها بوجع. حاولت الاستناد كي تخرج بصمت كاسر. لم تعاتبه حتى خرجت إلى الخارج حيث أطفالها بالسيارة الذي أغلقها "غسان".
انحنى "غسان" يمسكه من تلابيبه ثم قال بتقزز وتعالي لجلسته بانهزام:
"عرفت آخرك معانا كان إيه؟ تبقي تحت رجلنا مذلول وانت بتطلقها وكمان مش بمزاجك. غلطة عمرك لما فكرت تيجي على بنت عيلة البدري يا عارف. ومش بس لحد هنا.. دا اللي جاي أحلى!!"
نفض يديه بتقزز. وانحنى "بدر" بعدها يمسك ياقته بقرف وهو يهدده:
"ورقتها توصلها في أقرب وقت. عيالك ومش هتشوفهم ولا هتستاهل إنك تتمنى تبص حتى عليهم. وخليك فاكر إنك أنت اللي بدأت المعركة دي مع ولاد البدري. وإحنا بنمشي بالأصول مع ولاد الأصول وبس.. مش مع ولاد أمهم!!"
هدده بشدة وابتلع الآخر ريقه ببطء. فضغط "آدم" على كفه المستند به على الأرض مع قوله الهازئ منه مكملاً بقية حديث شقيقه:
"وابن أمه بنسيبه لأمه يا بن الـ***"
ذلك الوقح. لم يكف عن قول أشياء بذيئة كانت تتوافق معه قديمًا. خرج بعدها بعدما بصق عليه بفمه. خرج بعد خروج "غسان". واعتدل "بدر" ينظر ناحية "بسام" الذي ابتسم بألم وهو يردد بنبرة ساخرة:
"مش صعبان عليا قد اللحظة اللي عيالك هيكبروا فيها ويفهموا كل ده. وفكرة إنهم يواجهوك مش مستحيلة. مسيرك هتقابلهم في يوم. ساعتها هتتقهر منهم قهرة عمرك وهم كارهينك كره معداش على حد. لو أنا مكانك هتمنى أموت قبل ما اللحظة دي تيجي. سلام يا حيلة ماما!!"
خرج بعدها. ووقف "بدر" يردد مرة ثانية بتحذير:
"كل اللي قولته يتنفذ بالحرف. ونفسي أشم بس ريحة إنك بتفكر بس إنك عايز تشوف عيالك في المدرسة. أنا قادر أنقلهم أحسن مدارس ومدارس متعرفش ليها طريق جرة. بس كل ده قش بالنسبالي أنا أسيب كل حاجة مكانها وأحذر بمزاجي ويا ويله اللي يخالف كلامي ساعتها هتشوف بدر غير اللي شوفته وغير اللي بتشوفه. اسلك معايا عشان أمور المحاكم دي تمشي من غير شوشرة يا روح نجاة!!"
والدته "نجاة" الوضع ساخر مضحك بوجع. قذف المطفأة على الأرض بقدمه وحذائه عندما ركلها مثل الكرة فاصطدمت بأصابع قدم الآخر وهو يجلس لا حول له ولا قوة. خرج بعدها ووجد التجمع من الناس على بعد دون تدخل منهم. فرمقهم بغير اكتراث وهو يقلب عينيه بجمود. مرا عينيه على السيارة التي معه فكان بها "غسان" و"فاطمة" التي نقل أطفالها من السيارة الأخرى بواسطة "غسان" الذي رفض "بسام" قيادته بهذا الشكل. وقاد السيارة الأخرى "بسام" وبجانبه "آدم" كان على ساق "آدم" "أدهم" الذي كان قريب منه بشدة أخذ يطمئنه بخوف وقلق عليه مع نبرة "بسام" الذي حاول تشتيته كي لا يدخل بصدمة.
والصدمة كانت بالسيارة الأخرى عندما كان بها "يوسف" يجلس على ساق "غسان". الذي حاول أن يخرجه من شروده وعندما صرخ الصغير على فجأة زفر "غسان" أنفاسه براحة هو و"بدر" عندما سمعوا بكائه الذي أخيراً خرج. وكانت "جنة" بين أحضان "فاطمة" تضمها بخوف وحنان وهي تدلك كفها وجسدها الصغير الذي يرتعش.
كيف ينسى شقيقته بيوم كهذا. المفاجئ بأنه طلب مجيئها الزفاف وهي على هذا الوضع تحت مسؤوليته. لم يعلم أحد بأنها خرجت من المستشفى مع "حنان" إلى المنزل تنتظر قدوم "عز". لا ينكر أنه يعلم بأن حالتها تتحسن ولكن ليست إلى النهاية. وقف. يضع آخر لمسات حلته عندما قرر الارتداء بوقت مبكر أكثر. كان "عز" جذاباً أنيقاً. شاب يستحق أن يطلق عليه هذا المصطلح في ريعان شبابه بالفعل. نظر لنفسه برضا وسعادة. ثم التفت كي يخرج من الغرفة متوجهاً حيث غرفة "فرح". دق الباب بيديه دقات هادئة حتى أذنت "حنان" له بالدخول. وعندما دخل يتطلع على فستانها الذي كان من اختياره هو لها. كانت جميلة وحاولت "حنان". رغم جهلها ان تجعلها تضع مساحيق تجميل خفيفة وهي من عقدت حجابها. أدمعت عيني "حنان" وهي تنظر لهيأته ومنظرة. كان يخطف القلوب بالمعنى الحرفي. أدمعت عينيها بتأثر. ثم دعت له خوفاً عليه:
"ربنا يحميك لشبابك يا بني!!"
وضع رأسها بين كفيه ثم قبل قمتها ببر. حتى ضمته هي إليها بحب وسعادة وهي تقول:
"ربنا يسعدك يا حبيبي ويهنيك بحياتك معاها!!"
"آمين يا أم عز.. بس إيه الحلاوة دي!!"
قالها وهو ينظر نحو عباءتها السمراء. فنظرت له بتشكك من مجاملته فوجدته يؤكد برأسه. التفت برأسه ناحية "فرح" حتى أمسك كفها بين كفيه وحاول أن يديرها كعروس رقيقة بين يديه أو كفراشة ستتحرك معه بخفة. تحركت معه بالفعل بهدوء شديد ثم أدمعت عينيها وهي تسمع حديثه:
"أجمل وأول واحدة حلوة تشوقها عيني يا فرح. أنا خايف بصراحة كده تتخطفى مننا النهارده بعريس كده ولا كده. بس أنا مبسوط وفرحان إني قدرت أخيرًا بعد كل ده أخليكي تحضري الفرح ومش هاممني كلام الناس ولا كلام أي حد قد ما مهم عندي تشاركيني حاجة زي دي. نفسي تردي عليا أوي بس أنا متأكد إن ده مسيره يحصل وقرب يحصل. جميلة هتفرح أوي لما تلاقيكي جاية هناك معايا عند السنتر تشوفيها مع البنات. عيطت عشانك قبل ما تدخلي هناك وقالتلي إنها كان نفسها تكوني معاها في لحظة زي دي!!"
كان صادقاً. ويحاول خلق الحب بينهم رغم أنه يعلم بأنه موجود بالفعل. وزع نظراته بينهم ثم عاد يتحدث بشكر للذي يحدث:
"أنا بشكر ربنا إنكم في حياتي. ومبسوط أوي إنها بتحبك ولسه بتحبك وبتتأثر عشانك. أنا ربنا وقعني في ناس جميلة أوي يا فرح!!"
ضم رأسها ناحية صدره ثم ربت على كتفيها يسألها:
"تيجي بقا معايا دلوقتي نروح عندهم في محل الورد نختار أنا وانتي بوكيه لـ جميلة؟"
خرجت تبتسم بحماس قليل ما يظهر. ثم قال وهو يضع ذراعه الآخر يحاوط به كتف "حنان":
"وأحلى وردة كمان لام عز. وبالمرة نزوق العربية. ما أنا جبتها تحت من كام ساعة بس متحركتش بيها عشان شادي كان معاه عربيته!!"
"ومالو يلا بينا يا حبيبي واهو نلحق نقعد هناك معاهم شوية قبل ما نتجمع ونروح القاعة!"
كان لا يود فعل ذلك خاصة عندما كان يريد أن يبعد شقيقته عن "بسام" باقتناع منه هو وليس من أي شخص غيره. زفر بانهزام. ويبدو أنه مضطر لفعل ذلك طالما أصبح من ضمن العائلة..!! حاول أن يستعد وأسند "فرح". بذراع والذراع الآخر كانت تتأبطه "حنان" ببهجة. وهذا هو "عز الرجال" سندهم منذ أن وعى على هذه الحياة. هو من يسند دائماً. لا يُسند أبداً. وغالباً. لم تعطيه الحياة فرحته بشيء الفرحة الكاملة. بينما اليوم بماذا يشعر؟ شعر بأن اليوم مختلف!!
وصلوا بالطبع قبل قليل. ودخل الشقة أولاً "بسام" ويسير خلف "آدم" الذي كان يحمل "أدهم" على ذراعه وقد غفى الصغير على كتفه. هرول الكل ناحيتهم يتفحصونهم ودخلت "فاطمة" بخواء. فقط كان بها خوف على أطفالها. تركت "جنة" ليحملها "غسان" وحمل "بدر" "يوسف" الذي يبكي إلى الآن بعد خروجه من صدمته. التفت الجميع حولهم. وهرولت "نيروز" بخوف. عندما شهقت وهي ترى دماء حاجبه جافة على وجهه. حينها أعطى "جنة" لـ "حامد". وانسحب ناحية المرحاض بغرفته وهي من خلفه كي تمسح له وجهه بقلق وخوف. جلست "فاطمة" وصغارها بين أحضانها. وعندما وقف "بسام" يحمل "أدهم" كي يسنده على فراشه. وقف "آدم" يسنده بعدما علم الجميع مختصر ما حدث من "بدر" الذي جلس يضم "فاطمة" بحنو. فأصبح الوضع هو يحتضنها وهي تحتضن صغارها.
يامن يقبل جنة التي ابتسمت ببراءة له وضحك الجميع بخفة على لطفه. واستمر الحديث الهادئ والصامت.
حينها وقف حامد يحثها قائلاً:
"أدخلي يا فاطمة.. ادخلي يا حبيبتي اغسلي وغيريلهم ومعاكي دلال عشان نخرج!"
أومأت له وهي تنهض برفقة وسام ودلال. وخرج بسام من غرفته آخذاً ملابسه الذي سيرتديها كي يترك لها المساحة الخاصة. وأخذ حازم ياسمين كي يستعدان هما الآخران. ووقف بدر حاملاً الصغير متوجهاً ناحية وردة كي يرحل معها للشقة الأخرى ليرتدي ملابسه بعد حث حامد له بذلك.
لاحظ وقوف آدم وهو يحبس الدموع بعينيه، فوجد حامد يضع يديه على كتفه العريض من الخلف ثم قال بتفهم:
"متخافش يا آدم!"
التفت آدم، وبهذه اللحظة شعر بمدى ثقل ما حدث. لم يكن سهلاً بتاتاً، بل وشعر بمدى المسؤولية الذي سيوضع هو بها. ورحب شعوره بذلك عندما فكر بأبناء شقيقته بكفاح. اهتزت نبرته أمامه وأمام بسام الواقف وهو يقول:
"العيال ميستاهلوش كل ده، ولا حتى أنا خايف عليهم!"
"انت راجل يا بني ومن ضهر راجل لازم تحس بكده.. ومش هتسيب بدر فالمدفع لوحده لازم تساعده. انت كمان وقبل كل ده تكونلهم الأب لأن انت اللي هتكون معاهم أكتر منه!"
حرك رأسه بتأييد، ثم اعتدل بعد لحظات. يستأذن بهدوء:
"انا هروح البس وهاجي علطول!"
وافق وأومأ بنظراته هو وبسام. ثم سمعوا صوت إغلاق باب الشقة. حينها التفت حامد برأسه يحث الآخر:
"خش شوف جرح أخوك، شنطتك على الترابيزة هناك اهي!"
أشار بإصبعه. فتحرج بسام وهو يقول:
"كنت ناوي بس مراته معاه جوه!"
"اخترعوا باب نخبط عليه، وخلي فبالك انا مش هعيشلكم كتير عشان اشوفكم لسه لحد دلوقتي بالمنظر ده!"
كان الحزم شديداً بحديثه عندما قالها وتركه متجهاً نحو غرفته. توجه بسام بانهزام يمسك الحقيبة. ثم وقف بحرج يدق الباب. فتقدمت نيروز لتفتح الباب. حينها وقف هو مهبطاً عينيه إلى أن سمحت له بالدخول. فدخل ووجده جالساً بأريحية على المقعد مريحاً ظهره رافعاً رأسه لأعلى وهو يضع القماشة التي أعطتها له نيروز. وقبل أن يتحدث ويفتح فمه استشعره غسان وقال باندفاع مرة واحدة يخمن ما سيفعله ويود فعله:
"شكراً، مش عايز حاجة!"
اهتزت نظراته بحرج أمام نيروز. ومع ذلك وقف غسان ينظر ثم سأل نفسه بصوت عالٍ وهو يتحسس جيب بنطاله بتيه:
"فين التليفون؟ شادي اتأخر ومجاش ليه لحد دلوقتي؟"
أمسكت نيروز هاتفه من مكان جلسته ثم أعطته له. ولم يرفع هو رأسه عندما سمع نبرة شقيقه الهادئة بقوله:
"خليني أشوف جرحك يا غسان!"
قال بغير اكتراث وهو يضع الهاتف على أذنه بانتظار:
"ما انت شوفته واتوصيت بيه عالآخر!"
سخر قاصداً جرحه من كلماته. وقف بخزي. وعندما وجده يقترب بخفة كي يمسك وجهه أمسك حينها معصمه بقوة وهو يردد بانفعال كتمه:
"أنا مش قولتلك لا!"
أمسكت نيروز ذراع غسان كي تهدأه وهي تقول بهمس:
"خلاص يا غسان!"
"وانا بقولك سيبني أشوفه وبطل عناد!"
لم يترك معصمه بل نزلت خصلاته وهو يطالع عيني شقيقه بتمعن. يطالع ملامحه هو. حبة من الفول وانقسمت إلى قسمين متشابهين. رمش بسام ببطء عندما سمعه يحذره رداً على حديثه:
"ملكش دعوة وخليك فنفسك!"
فصلت نيروز ذراعه عنه ثم نظرت لـ بسام وهي تشير له بصمت هي يعطيها ما أخرجه بكفه. فقدمه لها تزامناً مع نظرته لمسك الآخر لمعصمه بحزم. تركه غسان وهو يحاول الدق على هاتف شادي. فوجدها هي تعقم الجرح بخفة وهي تمسح عليه. ثم بخفة وضعت لاصق طبي على حاجبه. ووقف هو منتظراً حين أن تنتهي. لاحظ خروج شقيقه من الغرفة بعدما انتهت. فسألته هي بتعب تعلم أنه مكسور منه ولكن إلى الآن لا يعلم أحدهم ماذا فعل شقيقه له بالتحديد من قول كلمات:
"ليه كده؟"
"ملكيش دعوة!"
إغتاظت من حديثه وعنفته بنبرة هادئة كي ينتبه لما يفعله هو الآن:
"أنا بكلمك بإسلوب كويس ياريت تكلمني بيه وتبطل قلة ذوق!"
"مش انتي اللي هتعلميني اتكلم ازاي كمان؟ اسكتي وابعدي عني دلوقتي!"
تهجمت ملامحها وهي تعتدل ثم قالت بإقتضاب:
"تمام، براحتك يا غسان!"
تركته حينها وهي تخرج من الغرفة. وكلما يهدأ الوضع بينهما تأتي عقبة تعكره. تعلم بأنه بمزاج غير رائق لذا عذرته وهي تبتعد. توفي بالوعد وبحديثه لها أن تبتعد عنه عندما يكون منفعلًا. سمع صوت إغلاق باب الشقة. فتنهد هو يخرج أنفاسه بصوت مسموع وهو يرفع رأسه للأعلى كعلامة لإخراج الطاقة السلبية التي توجد به. ومن ثم تحرك بعدها ليصعد خلفها محاولًا الوصول لـ شادي الذي لم يجيب عليه إلى الآن.
كل منهم يتجهز لإرتداء الملابس بشقته حتى هما عندما صعدت هي لتأخذ الفستان كي ترتدي في الأسفل مع ياسمين. وعندما أخرجت ملابسها وتوجهت نحو الدولاب تخرج الحجاب وما يخصه. علمت بأنه بالشقة بعدما سمعت صوت غلق الباب قبل دقائق. حولت كل شيء يخصها بحقيبة بلاستيكية كبيرة.
ثم طالعت ملابسه التي وضعتها علي حامل. حلته التي كانت سترتها من نفس لون فستانها أو من أحد درجاته. حملت حقيبتها ثم توجهت لتعدل ملابسه أكثر كي لا تنكمش. حملت الحقيبه ثم رفعت عينيها نحو باب الغرفة فوجدته يقف مستندًا يراقبها. لم تبتسم له إلا بسمة باهته وهي تحاول أن تتخطاه مع قولها الهادئ تخبره:
"أنا نازله تاني عشان البس مع ياسمين وفـ ..."
قاطع جملتها عندما رفع ذراعه يحاوط كتفيها وهو يميل عليها ثم همس لها بإنهاك وأسف على أسلوبه بينما كانت هي تحاول فقط فهم ما به:
"حقك عليا متزعليش مني!"
هي التي حاوطت ظهره كي تدخل بين أحضانه وتركت الحقيبه تسقط. عندما استشعرت مدي ثقله وضغطه. تنفست بعمق. ثم رددت بنبره هادئه لينه:
"أنا مش زعلانة أنا نفسي متحطش جواك لوحدك. يعني ريح قلبك. أنا عايزاك مرتاح ومشوفش النظرة دي فعينك كل ما تشوفه!!"
أراح رأسه علي كتفيها بعمق. وهو يتنهد ثم إعتدل بعد لحظة ينحني وهو يمسك الحقيبه ثم حاوط كتفيها وهو يتوجه ناحية باب الشقة ثم قال وهو يقدمها لها:
"لما تخلصي انزلي افتحي محل الورد عشان تظبطيلهم الحاجه انتي وفريدة. شادي جه تحت وعز ومامته فالطريق!!"
ابتسمت بحماس. وهي تتناولها منه ثم أومأت له وقد تعمد هو الابتسامة الواسعه. حينها فتح الباب وتقدمت هي أكثر كي تقبله من وجنتيه بحب. بادلها القبله برقة. ثم غمز لها كعادته وهو يقول:
"يلا يا بطل!"
في الأسفل كانت "ياسمين" تتجهز بشقة "سمية" مع "فريدة" و"وردة" ورحلت إليهم "فاطمة" مع "وسام" بضغط الٱخيرة عليها. ينتظرن قدوم "نيروز" فقد تأخرت عليهن. تجهز "حازم" وحتى "بدر" فقررا اصطحاب بعضهما لشقة "حامد" الذي جلس هو بها الٱن بجانب "دلال" بعد دخول "شادي" مهرولًا ناحية غرفة "غسان". وبعد خمسة عشر دقيقه. إجتمع الشباب مع بعضهم وعندما دخل "عز" هللو به ببهجة. وهبط "غسان" أخيراً ينظر نحوهم وهو يدخل بينهم يهلل هو الٱخر وعندما وقف أمام "عز" يعانقه ابتسم بحب. ثم قال:
"الف مبروك يا عز. انت تستاهل تفرح يا صاحبي. ربنا يكملها على خير ويسعدكم مع بعض!!"
عانقه "عز" بتأثر. وحينها دخل الشباب معه في الأحضان خاصة. بعد قدوم "ٱدم" الذي قابله "أدهم" على السلم بحلته الصغيره اللطيفه حمله وهو يقف يتابع مشاكسة الشباب لبعضهم. وحينها هتف "عز" يخبرهم:
"طب أنا هنزل أنا اتابع الورد بيقولوا انهم خلصوا ونازلين!!"
أومأ له "حامد" ونزل معه "بدر" و"يامن" و"ٱدم" و"حازم". وفتح "غسان" غرفته حتي وجد "شادي" يمشط خصلاته دخل بعده "بسام" و"حامد" وقد هبط الٱخرين كي ينجزوا بهذا الوقت لاشراف "عز" عن تنظيم السيارات واختيار الورد. في حين التفت "شادي" ينظر نحوهم وخاصة عندما دخلت "دلال" هي الأخرى. وٱدمعت عينيه فرحًا. وضع يديه علي رأسه بيأس. ثم وجه إصبعه يحذرهم بمرح:
"لا وحياة ابوكم أنا مش عايز عياط النهارده فرح يعني انبساط وبس بلاش بقا الدموع دي!!"
توجهت ناحيته فتوجه يقبل قمة رأسها ببر. وقد تحشرجت نبرته ونظراته عندما ضمته هي بعاطفة أم جياشة مردده بتأثر:
"أنا فرحانه عشانك أوي يا شادي. مش متخيل انا مبسوطة بيك قد ايه. بالله عليك اوعي تتأخر عننا مش عشان هتتجوز تتلهي عن اهلك وناسك!!"
طالعها بنظرات يحاول بها إخفاء الدموع وهو يربط على ظهرها ثم رفع ذراعه يأخذ "حامد" أسفله بتأثر وضمهما الإثنان بحب. ثم قال بنبره مختنقه لا تتماشي مع طبيعة حديثه المرح:
"خلاص بقا يولاد اللذينه هتضيعوا هيبتي وهتنزلوا دموعي مني!!"
سقطت دمعته. وللحق دمعته قريبه رفع "حامد" يديه يمسح أثار دمعته ثم طالعه بحب صادق وهو يردف بحديثه المتأثر:
"انت غالي يا شادي زيك زي غسان وبسام بالظبط. انت عارف انا بحبك قد ايه حتي ولو كلامي ليك ببقي شديد بس انت ابني اللي مخلفتوش. انت ابني اللي ربيته!!"
أمسك "شادي" كفه يقبله ببر. ثم رد بحديث جاد متٱثر:
"والأب هو اللي ربي مش اللي خلف يا حامد"
عانقه حين إذن بعمق. وحاولت "دلال" الهرب من هذا المشهد الموجع بفرحته بالنسبه لها. وخرج "حامد" من أحضانه يطالع نظراته نحو التوأمان. خاصة نظرة عينيه نحو "غسان" الذي هرب بها وهو يعانق "بسام" بتأثر. تحت نظراتهم ثم قال "بسام" بحب:
"الف مبروك يا شادي ..الف مبروك يا "خويا". ربنا يكمل فرحتك على خير ويسعدك فحياتك ويرزقك بالذريه الصالحه اللي انت متعرفش عنها حاجه!!"
قصد قلة تربيته. ضحك بخفة. تحت ابتسامة الآخرين الواسعة. فربت الاثنان على ظهر بعضهما. كان يريد الإثنان ان يرتدي ستره حلته بواسطتهم وعندما وجد "حامد" الكلمات العالقه بعيني كل من "غسان" و"شادي". استند على "بسام" ليخرج من الغرفه. حينها انحني "غسان" يشير له بأن يلتفت كي يجعله يرتدي الستره. وبالفعل ارتداها وعينيه الممتنه لا تفارق عينيه. وجد ان لا مفر من التٱثر عندما وقف سانداً كفيه علي ذراع الٱخر ثم قال بعمق وصدق:
"الف مبروك يا شادي ..ألف مبروك يا خُلي الوَفي!!"
تأثر "شادي" وعانقه بعمق. وردد بنبره مختنقه من خلف ظهر "غسان" وهو يربت عليه:
"مش عارف أقولك ايه يا غسان. اللي بينا ٱكتر من كلام يتقال. بس انت الحاجه الوحيدة اللي عرفت اطلع بيها من الدنيا دي. انت الحلو اللي كان بين مُر الايام. وحتى السند اللي عمره فيوم مـا مال. عند وعدك يا صاحبي ان عمر فيوم ما نتفرق غير ع الموت!!"
أمسك كفه يسلم عليه كعلامه لتجديد الوعد مره أخرى. صداقه قوية مر عليها الكثير ومر عليها اصدقاء غيرهم معهم وذهب من ذهب وبقا هما ثابتين من البداية رغم قسوة ما يمر في الحياه ليفرقهما. شددو بترحيب بعضهما ونبس "غسان" بنبره هادئه عميقه:
"ربنا يديمك ليا يا شادي!!"
ابتسم ولم يلبث "غسان" لحظة حتى بدل الوضع عندما ضربه بكتفه ثم أكمل بغمزة وقحة:
"وترفع راسي"
رد له "شادي" وقاحته. عندما رفع رأسه بشموخ زائف ثم سبق تزامناً مع قوله المرح:
"دا أنا هشرفك!"
اجتمع الجميع قبل ذلك في الأسفل أمام "محل الورد" ولٱنه رأي فيديوهات تخص ما يحدث من تنسيق بالورد على السيارات وقف "ٱدم" يساعدهم محاولا عدم اتساخ ملابسه. رتب سيارة"شادي". و"عز" والى الٱن يحاول وتساعده "نيروز" التي تجهزت هي الأخري. في حين وقفت "فريدة"في الداخل تساعد "عز" في اختيار بوكية ورد لـ "جميلة". وعندما هبط "شادي" مع "غسان" دخل ليقوم باختيار المثل لـ "منة". واستمر الوضع ٱنذلك بذلك. ولم يغفل "غسان" عن جمالها في هذا الفستان الرقيق مثلها عندما وقف بجانبها يغمز لها بمشاكسة ثم قال بعبث:
"يخربيت حلاوتك يا رزة!"
طالعته "نيروز" بخجل. وهي تترك ما بيديها ثم خلعت القفازات تزامناً مع حديثها:
"فكرتك مش واخد بالك!!"
"ودي تيجي من واحد بيحب واحدة حلوه. انتي طالعه من ديزني كالعاده!!"
توردت وجنتيها وهي تمد يدها تعدل ياقة قميصه من أسفل الحلة ثم سألته برقة مرة أخري عن رأيه:
"طب وايه رايك في الميكاب؟"
طالع وجهها ذو الملامح الهادئه وتاه به كما تاه بعينيها من أول مره رأها. ابتسم بخفة. وهو يتنحنح ثم أمسك يديها يرد علي حديثها:
"جميل وانتي اللي مخلياه جميل مش هو اللي مجملك. بس ما تخففي الروچ ده!!"
فتحت عينيها بدهشة. منه لم ينتبه سوى لشفتيها وما وُضع عليها.
تذكرت أنها عادة أغلب الرجال. أخرج منشفة ورقية يعطيها لها برفق، وهو يشير مع قوله اللين:
_"خففيه لاحسن تقيل وميلفت!"
وتزامناً مع ذلك، قبل وجنتيها بحب. فوجد كتفه يُضرب من "آدم" الذي غمز له بوقاحة. وقد خففت "نيروز" ما قاله لها باقتناع، عندما أصرت "ياسمين" على وضعه لها بكثرة، والآخرى رفضت، وبالنهاية أجبرتها. وعندما التفت "آدم" برأسه، وجدها تستنشق إحدى الورود بعدما انتهت من تنسيق الباقات لهم. حينها اقترب منها يأخذ الوردة من يديها ثم قال بشفرة، ولم يغفل عن جمالها الواضح بفستانها الفضي اللامع المنفوش:
_"ريحتها وشكلها يخطف القلب أوي صح؟"
ماذا يقصد؟ على أي حال، نظرت له باستنكار، وبالنهاية أومأت له دون صوت. فعاد هو يردد بلين:
_"زيك!"
عنفّته "فريدة" بنظراتها ثم قالت بحدة:
_"وبعدين معاك بقا.. ما تخلي الدنيا تمشي بهدوء وبلاش اللي كان!!"
تنحنح "آدم" يجلي حنجرته بصوت، ثم جاب عينيه تقاسيم وجهها وهو يسألها باهتمام:
_"عايزة الصراحة؟"
_"أي صراحة؟"
سألته بغير فهم. فراقب المكان ووجده خلا بالفعل منهم عدا "نيروز" و"غسان". فعاد هو يتنفس ويردد بصدق وصراحة من وجهة نظره:
_"الصراحة بتاعت إنك أحلى واحدة هنا. دا تقيمي ورأيي يعني!!"
بالفعل كانت كذلك، كانت أجملهم. لم تريد أن تقلب الوضع لعراك، لذا نظرت له بسخافة ثم قالت بتبجح:
_"بس محدش طلب رأيك برضو!"
_"ما أنا قولتلك!"
قالها وهو يعقد حاجبيه. فسألته بتلقائية:
_"قولت إيه؟"
_"إن رأيي أمر مفروض.. إجباري يعني يا.. "حلوة""
ذلك اللقب الأخير بدله بصدق، وهو يغمز لها. وجدته يذهب بعيداً عنها. وإن لم ننس، فقد كانت "فرح" معهم تظهر على ملامحها السعادة، ولأن "عز" جعلها تركب السيارة في الأمام معه، لم يركز "بسام" كثيراً، والذي أخذ النساء بسيارة شقيقه كي يوصلهم القاعة، وكان من بينهم "حنان".
لاحظ "غسان" رحيل "شادي" و"عز" بسياراتهما نحو سنتر التجميل. وبقي "حازم" سيركب معه "ياسمين" و"فريدة"، و"غسان" ينتظر قدوم سيارته من "بسام" كي يركب بها هو الآخر مع "نيروز" و"وسام" بعد توصيل "بدر" والديه معه و"آدم" إلى القاعة، ثم سيخرج منها ناحية السنتر التجميلي دون أن يعود هنا.
_"بسام لسه مجاش؟"
سألته "نيروز" وهي تنتظر الآن بمفردهما أمام محل الورد. فرد هو باختصار، يلاحظ وقوف شقيقته بالداخل:
_"فالطريق!!"
لاحظ سكون المكان المريب. فغمز لها بعبث ثم قال بمشاعر فياضة:
_"ما تيجي أخطفك وتخطفيني ونروح مكان محدش يعرفه غيرنا!!"
_"موافقة طالما هبقى معاك!"
قالتها بحب، وعادت تسأله بمشاكسة:
_"نروح فين؟"
سألته بضحكة خافتة. فتعلقت عينيه بعينيها ثم رد بمرح هادئ:
_"حفلة للست!"
إعتلت ضحكتها هذه المرة لقوله شيئاً مستحيلاً الآن أن يحدث وبهذا الزمن! فمرر يديه على ملامح وتقاسيم وجهها بحنو، ثم قال بصدق وتأثر:
_"ضحكتك وملامحك حلوين أوي يا نيروز!"
_"دا بس عشان بتشوفني بقلبك!"
كانت الجملة عفوية تلقائية. فأمسكت كفه تتشبت به بسعادة، ثم التفتت ترفع رأسها تنظر نحو اللافتة التي باتت تحفظها عن ظهر قلب بكل تفاصيلها الذي صممها هو بنفسه وبفكرته هو. لافتة "عودة الوصال"!!! حينها تفهم ما فعلته. فاقترب غير عابئ بالشارع والماره، وقبل إحدى وجنتيها بحب. شهقت هي، تعنفه، ووجد شقيقته تضرب كتفيه من الخلف وهي تقول:
_"نفسي تبقي محترم في مرة. لو مش عشان الناس.. حتى عشاني وأنا محشورة وسط المشاعر الفياضة دي!!"
لاحظ خجل "نيروز" وهو يضحك. وجلست "وسام" بجانبهم على الدرج. بوقت قوله وهو يغمز لها:
_"ما أصل المشاعر دي وقتها غريب الصراحة.. بس مقولش ليها لأ أبدا!!"
ضغطت "نيروز" على كفه بتعنيف من وضعه لها بوضع محرج. وتعالت ضحكة "وسام" وهي تشاكس "نيروز":
_"يا بختك يا روز.. أخدتي الحب كله ليكي لوحدك. يارب حد يحبني زي ما أخويا بيحبك ولن واشكي ولن أبكي والله!!"
تعالت ضحكة "نيروز". فحاوط "غسان" بذراعيه الاثنان وهو يقرب رأسهما ناحيته مردداً وهو يخرج أنفاسه رداً على حديث "وسام":
_"أتمني براحتك. أنا كده كده مش هوافق على عرسان أنا!"
_"خدي بالك يا نيروز قبل عليكي حاجة مش قابلها على أخته. نكدي عليه!"
قالتها بخبث. فتحركت "نيروز" تضحك بقوة وهي تحرك رأسها بغير اكتراث، توبخها:
_"انتي الكسبانة يا حبيتي.. الجواز دا حوراته كتيرة."
صمتت ثم تعلقت عينيها بعينيه الضاحكة وأكملت بعدها بصدق:
_"بس أحلى حاجة لو مع الشخص اللي بتحبيه!!"
ضحك بسعادة وهو يضمها زافراً براحة تغمره. وقليل ما يحدث ذلك. بينما الآن بين ذراعيه أكثر الأشخاص يكن لهن حباً. وكان ركن والدته محفوظاً. لطالما هن المؤنسات الغاليات والأقرب لقلبه مهما حدث. كل منهن يحمل اتجاهها حب مختلف تماماً عن الأخرى!!
وقفت السيارتين أولاً. سيارة "عز" و"شادي" اللذان هبطا معاً بتناسق. ووقف الاثنان للاستعداد للدخول هما أولاً. لحظة توتر.. ارتباك.. مشاعر مضطربة من الاثنين. كما كان هما الاثنان في الداخل، كل واحدة تستعد لمواجهة من اختاره قلبها. كان السنتر من الخارج منظماً بأبواب كثيرة ثم التقابل عن نقطة واحدة من الداخل. وقف "شادي" عند ستار وباب ملتصق بباب وستار. يقف أمامه "عز". وعلى بعد منهم كانت سيارة "حازم" تقف. ووقف مع شقيقته وزوجته مع "فرح" لانتظار التخطي لهذه اللحظة الخاصة بالعروسين معاً.
بدأ العد من منظمة اللقاء الأول يعلو من الداخل. من واحد واثنان وثلاثة، حتى بدأ كل واحد منهما بالدخول بقدمه اليمنى ليجد كل منهما العروس الخاصة به توليه ظهرها.
خفقات قلبه تزداد. لا يصدق أنه الآن ترتدي له الأبيض. بل والأبيض الذي ظل يراها أجمل من ترتديه وكأنها ملاك! ولكن مهلاً. لم يستطع رؤية وجهها. ولكن اتضح أن هذا الأبيض يختلف تماماً عن الأبيض التي كانت ترتديه. يا لتوتر اللحظة بالنسبة لها. تقدم "عز" مع تقدم "شادي" بجانبه هو الآخر. وبخفة، التفتت "جميلة" و"منة" بنفس ذات الوقت مع اللحن الهادئ. حينها انبهار "شادي" كان لا يقل عن انبهار "عز" الذي نظر بدهشة لمظهرها وكأنها أميرة جميلة بملامحها التي لم تختلف كثيراً. وأيضاً فستانها كان أنيق عليها بشدة. أدمعت عينيها بتأثر وهو يمد يديه يعطي لها البوكيه تزامناً مع مسكة لكفيها الباردين. ثم نبس بعدما ابتلع ريقه بصعوبة:
_"لما رأيته.."
"ملك فؤادي!"
رمشت "جميلة" بأهدابها بتأثر، ثم بعدها كان العناق المشدد منه لها وهي تربط على ظهره ورقبته من الخلف.
"لحظة بكل اللحظات. لم ولن تتكرر."
وهو يعلم ذلك. عندما خرج ينظر بغير تصديق وأكمل بعدها بقية حديثه العميق:
"ملك فؤادي الجميل اللي عيشت طول عمري نفسي أبقى ضل ليه.. إيه الحلاوة دي كلها.. مش معقول كل ده ليا لوحدي!"
تمسكت بكفه وعينيها تترقرق بها الدمع، ثم سألته بتحشرج:
"بجد أنا شكلي جميل؟"
"جميلة وجمالك مش إسما بس. والأبيض ده غير كل الأبيض اللي شوفتك بيه.. مش قولتلك إنك كتير عليا أوي؟"
قالها بتأثر، ومن ثم عانقته هي وهي تردد بنبرة أشبه بالباكية:
"أنا بحبك أوي.. أوي يا عز والله!"
عانقها بحب وهو يردد عليها كلمات معسولة صادقة نبعت من داخله.
بينما وقفت لحظة "شادي" عندما أطال النظر بها بتمعن وأمسك كفها. وبالآخر مسد به على خصلاتها وهو يقول بانبهار:
"مشوفتش فجمالك يا ام عيون قناصة. خطفتي قلبي بطولك. هتعملي فيا إيه تاني.. إرحميني عشان أنا تعبت خلاص من جمالك!"
قال "شادي" آخر حديثه بتعب، تزامناً مع تقبيله لكف يديها برقة، ثم أدخلها بأحضانه.
حينها كانت تحت لحظة تأثر من كم هذه الفرحة، وردت عليه باهتزاز عندما تحرك يقبل وجنتيها بحب:
"مكنتش اتخيل إن كل ده يحصل يا "شادي" بس.. بس أنا مبسوطة. ومبسوطة عشان بحبك!"
قبل قمة رأسها بطاعة. وحينها بدأت الكاميرا في تصوير العروسين الآخران بخفة قبل الخروج، ثم هما من بعدهم.
طالع خصلاتها وملامحها بشغف، وعينيها التي قنصته بخفة، كما كانت "جميلة" تأخذ وضع تقابل الرؤوس مع بعضها كي تأخذ الصورة مع "عز".
حينها تقابلت عينيه مع عينيها وسمعت همسه العبثي لها وهو يبتسم حتى أخذت الصورة وهو يعازلها بهمسه من تلك الأغنية التي تتعلق بذهنه كلما يراها:
"آه يا حلو ويا مسليني!"
بينما في الخارج جاء "غسان" و"نيروز" معه والكل ينتظر خروجهم. وحينها كانت الفتيات والشباب مجتمعين.
من بين "ياسمين" وحث "حازم" لها على أن تجلس على المقعد المريح أمام السنتر. ووقف "آدم" يراقب الأجواء، كان معه الصغيران متعلقان به، وخاصة "أدهم" الذي أمسك الهاتف يقوم بالتقاط الصور ببراءة.
وعندما رأى "فريدة" هتف يناديها من على بعد ببراءة:
"فيفي. تعالي اتصوري معانا!!"
تركت "فريدة" حديثها مع "وردة" وسارت بخطوات هادئة كي لا تتعرقل بفستانها المنفوش. وعندما قال "أدهم" كذلك، ضحك "آدم" بخبث وهو ينحني كي يصور معهم.
وقفت هي ثم انحنت فوجدته ينحني بجانبها ورأسه بجانب رأسه. حينها أخذت الهاتف من "أدهم" كي تتحكم بمسكته، ثم ابتسمت باتساع.
ولاحظت ما فعله "آدم" فحاولت التجاهل، ثم أخذت الصورة فتعالى صوت "آدم" بضحكة خفيفة:
"زي العسل!"
قالها وهو يتعمق النظر بها ووجهها. فسأل "يوسف":
"هي إيه دي يا خالو!"
"الصورة يا سوفا.. الصورة!!"
ابتسمت للتوأمان وانحنت حينها تقبلهم بحب، وبادلوها القبلة ببراءة.
فرد "آدم" بغمزة وقحة وقال بجرأة لم تندهش منها:
"دوري بقى!"
"إحترم نفسك وبلاش الجو ده!"
تنحنح يجلي حنجرته، وقبل أن ترد وجد الكل يجتمع حول العروسين. فوجدها تتوجه بسرعة كي ترى "جميلة" شقيقتها.
وعندما ذهبت وجدت الكل يرحب بهم، ومن بين الأحضان المتأثرة كانت من "جميلة" و"نيروز"، و"جميلة" و"فرح".
حينها وقفت "فريدة" تنظر بانبهار نحوها، كما كانت نظرات "حازم" المتأثرة.
عانقوا بعضهم بحب. وحاولت "فريدة" أن لا تردد حديثاً متأثراً كي لا تهبط الدموع كفى حزنها لفراقها.
بينما وقفت "نيروز" تعانق "منة" التي بحثت عن "والدها" بعينيها ولم تجده.
وبخفة وجدته يأتي من بينهم، ثم تجمعت الدموع بمقلتيه وهو يمسك كفيها ممراً عينيه عليها وهو يقول بنبرة مختنقة:
"زي القمر يا حبيبة قلبي. ربنا يحميكي يا بنتي!"
قبلت كفه ببر، وسقطت دمعتها فمسحها "شادي" بالمنشفة برفق، وهو يربت على ذراعها.
وعندما استعد كل منهم للركوب السيارة ساعدت الفتيات العروستين بفستانهما كي يستطيعان الجلوس.
وبالفعل أُغلقت سيارة "شادي" والذي قادها "بسام". وأُغلقت سيارة "عز" والذي قادها "حازم".
ومن بعد ذلك ركب الجميع كل الأماكن التي تخصهم بكل من سيارة "حازم" الذي قادها "آدم" هذه المرة، وسيارة "بدر"، وحتى "غسان".
كان رحيل العروسين على مكان مخصص لأخذ الصور، لذا سيسير الجميع على قاعة الزفاف التي كانت بها النساء متراصين هناك على الطاولات.
وبالفعل بقاعة الزفاف كان يجلس "حامد" على الطاولة مغلقاً الخط مع "غسان" عندما علم أنه بالطريق على وصول.
كانت بجانبه "دلال" و"سمية" بجانبها، ومن ثم "عايدة" و"حنان" وحتى "فاطمة" التي تركت صغارها يذهبون مع خالهم.
تنفست "حنان" بعمق حتى وجدت "عايدة" تربت على ساقها بهدوء ثم قالت بقلق مخفي:
"أنا عايزة أقولك حاجة كده مش عارفة أخبيها جوايا يا حنان. هتقدري كلامي؟"
تلهفت "حنان" بقوة حتى مدت يديها تضعها على كف "عايدة" ثم قالت بسرعة:
"ده كلام يا عايدة. قولي طبعاً يا ام العروسة!"
"أنا بس عايزاكي تعاملي جميلة بما يرضي الله. والله بنتي دي طيبة وغلبانة وقلبها أبيض. متجيش عليها يا ام عز فيوم. وخلي بالك منها وكونيلها أم. والله العظيم هي بتحبك أوي وبتحب فرح وعز. أنا عارفة إنه هيراعي ربنا فيها. وعارفة إنكم ناس أصيلة بس انتوا عارفين اللي فيها. جميلة معاشتش حياة عادلة ولا عرفت تتبسط باللي يبسط. مقدرش أقول إن خاطرها كان دايماً مكسور بس على إيد عز بسرعة بقت حاجة تانية. بالله عليكي ما تندموها وراعوا ربنا فيها وهي كمان هتعمل كده أنا متأكدة!"
نظرت إليها بلهفة وتأثر ثم قالت بدفاع سريع:
"لولا إني حاسة بيكي وبكلامك كنت زعلت. بس أنا فاهمة اللي انتي فيه ده. متخافيش عليها بنتك داخلة بيت ناس طيبين والله ورأسها دايماً هتبقى مرفوعة محدش يقدر يكسرها ولا يزعلها أبداً. إطمني!"
وعلى سهوة وجدت من تميل على "عايدة" وكانت "زينات" التي تقابلت مع "فريدة" عند بوابة الدخول. ابتسمت لها بترحيب ثم جلست.
وقفت "حنان" تأخذ يد "فرح" من "وردة" و"نيروز" التي أسندتها. جلست "فرح" وجلست بجانبها "ياسمين" وتجمعت الفتيات على طاولة واحدة.
ووقفت "نيروز" تبحث بعينيها عنه حتى وجدته يقف مع "آدم" و"بدر". كان "غسان" يحمل "يامن" على ذراعه بخفة وهو يشاكسه.
اختار "بسام" أن يذهب مع "شادي" ليقود له السيارة كي يهرب من وجود "فرح" الذي منع نفسه بأعجوبة على أن لا يتوجه ناحيتها.
وعلم بأنها فقدت النطق بينما نظراته لها كانت قوية تحاوطها وشعرت هي بذلك فتعمد الهروب من مشاعره الذي لم يعد يتفهمها.
جلست "نيروز" بجانب "سمية" التي كانت تتهامس مع "دلال". وحينها ابتسمت بحب لابنتها ثم قالت تشاكسها:
"طالعة زي القمر يا حبيبتي!"
"إنت اللي حلوة أوي يا ماما!!"
عانقتها "نيروز" بسعادة وقد أخرجت هاتفها كي تقوم بالتقاط صورة معها تحت أنظار "دلال" و"حامد" المبتسمة بلطف.
حينها وجدته ينحني بـ"يامن" ثم مد ذراعه يقرب "والديه" و"وسام" التي كانت تقف بجانبه. حتى قال بخفة يحثها على أن تأخذ الصورة على هذا الوضع:
"يلا يا رزقة خدي الصورة بسرعة!!"
أخذتها وهي تضحك بملء شدقيها كما كان يضحك الجميع. ثم اعتدل وأخذت "وسام" "يامن" منه. فعاد هو يقف مع "بدر".
جلس "آدم" بملل واضح على ملامحه وقصد الجلوس بجانبها وهي تشرد بالمكان وتنظيمه. انتفضت بسرعة عندما وجدته يهمس بجانب أذنها بملل:
"هو مفيش أكل ولا إيه؟"
حركت "فريدة" رأسها تنظر بدهشة ثم قالت بغير تصديق:
"هو ده كل اللي هامك دلوقتي؟"
سخرت "فريدة" بحديثها، فحرك رأسه يؤكد. فرمقته بعدها باستخفاف، وحركت عينيها نحو حلته الأنيقة عليه وسلسلته العالقة برقته. فتح أزرار قميصه، ما أثار انتباهها هي السلسلة. فردت تخبره بهدوء:
"عالفكرة السلسلة للرجالة حرام.. المفروض إني ملاحظة إنك بقيت ملتزم شوية، مش فاهمة إزاي معرفتش حاجة زي دي!"
عقد ما بين حاجبيه من حديثها بملاحظتها لالتزامه، بل وتارة لا تثق بتغيره وتارة أخرى تثق. رفع عينيه نحوها يطالعها ثم قال باعتراف:
"الصراحة دي مش منظر ولا شبحنة.. دي أنا لابسها من زمان وفيها صورة أمي!"
ضمت شفتيها بأسف ظهر على ملامحها واعتدلت أكثر في جلستها، تردد بتفهم:
"ربنا يرحمها.. بس على ما أعتقد حرام بردو!"
"دي غالية عليا أوي.. بدر كان جايبها لي بعيد ميلادي من زمان أوي مبقلعهاش لحظة واحدة.. بس لو حرام تتقلع ونختار الآخرة يا.. شاطرة!"
غمز لها بآخر حديثه، فعنفته بنظراته وهي تطالع القلادة مرة أخرى مع حلته بسترتها. فسألها بمشاكسة:
"حلوة البدلة صح؟"
"مش أوي!"
قالتها بصراحة واستنكار، وحركت عينيها بمكان آخر فوجدت "زينات" تبتسم لها باتساع وسعادة. فهمس هو من جديد:
"عالفكرة انتي شكلك حلو من غير مكياج!"
عقدت ما بين حاجبيها ثم زفرت بنفاذ صبر، تردد بجدية:
"وبعدين معاك بقى!"
"ما تخلينا صحاب وقرايب مع بعض كده وهدي اللعب شوية. أنا لو وقفت ورديت على كل كلمة هتخرج منك مش هنخلص. وأنا بصراحة نفسي منخلصش!"
"مبقاش ليا فجو المعاكسة والكلام الناعم ده. اشغل بالك بأي واحدة غيري، البنات كتير. لكن أنا لا.. ومش عايزة أديك أمل عالفاضي. عشان أنا مش عبيطة إني ملاحظش نظراتك وكلامك مهما حصل من خلاف!"
قالت حديثها بصراحة شديدة دون توتر، بالفعل لا تريد بأن تعطيه أمل، وهو يشعر تجاهها بإعجاب فقط. وشعرت هي بذلك. لم يتفاجأ من حديثها ولكنه نظر لها بثبات، ثم سأل بنبرة هادئة واثقة:
"ليه؟"
ماذا تقول هي الأخرى؟ في القدم كانت لم تنتبه لإعجابه، وكان هو لا يشغل عقله كثيراً. بينما الآن خلق من جديد وبحياة جديدة يحاول التألم بها، ويشاء القدر أن تكون هي بهذه الحياة كل يوم أو بعض الأيام، وليست مثل من قبل كان لا يراها إلا مرة من بين شهور غير معدودة. وتعمد فعل ذلك عندما رفض من شقيقها بطريقة غير مباشرة. ماذا تفعل هي الآن؟ وللحق لو كانت فريدة السابقة، كانت لم تفوت فرصة كهذه، خاصة أنه ملفت للأنظار، يظهر عليه الثبات والوسامة القليلة التي انتبهت لها منذ زمن. لو كانت السابقة لاعطته فرصة للتقرب دون مسمى، والآن هي قد تغيرت بطباعها ومبادئها، وحتى ما حدث لها غيرها للعكس تماماً. ناحية الجنس الآخر في العموم. حاولت أن تخفي دمعتها من سؤاله ثم أخذت نفسها بعمق وصوت. وانتظر هو الجواب، بينما أجابت هي بضعف تحاول إخفاءه:
"عشان مش لازم أنا.. ومش هينفع!"
حاول تخطي الجواب منها. وحرك عينيه نحو الجالسين، وكان يراقبه بنظراته "بدر" الذي نظر بتمعن نحو ملامح وجهه الجامدة. لم يتعمد الجواب، بل ابتسم يذكرها بقول قد قاله بفتور:
"وأنا قولتلك إن انتي اختي عادي.. إنسي!"
ابتسمت بخفة، ابتسامة باهتة، ولاحظت سؤاله الثاني المهتم:
"أنا ملاحظ يعني إنك مبقتيش تروحي الجامعة!!"
"على شهر الامتحانات هنزل.."
قطعت حديثها. وانتظرها أن تكمل. وعندما توقفت زفر بصوت مسموع وهو يحرك رأسه متفهماً. ولاحظ اقتراب "أدهم" منه فحمله بمرح ليجلسه على الطاولة أمامه، ثم قبله بحب، محاولاً نسيان ما حدث.
بينما جلس "غسان" أخيراً بجانب مقعد "نيروز" التي كانت تحاول خلق أي حديث بتفهم لحالة "فرح"، والأخرى كانت تركز معها. ابتسم على حنوها، فمال يهمس بجوار أذنها بعبث:
"فاكرة يوم فرحنا؟"
طالعت عينيه بسعادة ثم ابتسمت برقة وهي تهز رأسها بنعم، مرددة:
"عمري ما أنساه بكل تفاصيله..!"
صمتت وسط هذه الأصوات العشوائية، ثم حركت عينيها عليهم حتى عادت تقابل عينيها مع عينيه، فوجدته يحاوطها بنظراته. المدهش أنها سألته بتأثر من لحظة فراقهما، سواء كان قدر أو نهاية حياة أحدهما:
"هو انت ممكن تنساني في يوم؟"
يالقسوة هذه الفكرة في العموم. ابتلع ريقه بدهشة من سؤالها المفاجئ، وهو الذي وجد أن الصراحة بهذا الوقت كانت مطلوبة. نفى "غسان" بصدق، ثم قال ونظرة عينيه الدافئة تحاوط عينيها التي تسحره:
"أنا ممكن أنسى أي حاجة في الدنيا إلا نيروز..!"
خفق قلبها وجاء هو بالتبرير الثاني عندما وضع كفه على كفها بعشق، فاض من عينيه وحتى قلبه:
"العقل بيجيله وقته وعمر وبيخيب.. بس القلب عمره ما بينسي حبيبه!"
وسألها بنبرة أعمق عن ذاكرة القلب في العموم:
"تفتكري انتي القلب ممكن يخيب وينسي بعد ما كان عاشق مبيدقش غير لواحدة اختارها من بين كتير أوي؟"
أجابت على قلبه هو، حينما تمسكت بأنامله وهي ترد عليه بصراحة عميقة:
"عمره ما يخيب لو زي قلبك.. قلب عمري فحياتي ما توقعت ألاقيه!"
وصمتت تخرج بمشاعرها الفياضة أكثر، ثم أكملت:
"أنا بس ملقتهوش لا دا كمان اختارني من بين ناس كتير أوي وميزني فعز ما كنت بحس إن مش أنا اللي بتعمل عشاني كل ده!"
توسعت بسمته الهادئة وهو يطالع تقاسيم وجهها، ورد بصراحة يعلمها ما تشك هي به، رغم عبثه الدائم في الظهور لها أنه يرى آخرين سواها:
"مهما حصل مش عارف أشوف غيرك ولا قلبي اختار ولا هيختار غيرك إنت.."
وسألها بتيه وتعجب وكأنه يستوعب:
"إنتي عملتي إيه فيا ووقعتيني فيكي إزاي!"
واضاف باعترافات كثيرة لطالما الآن تحت سلاح نظرات عينيها البنية:
"ده أنا اتسحلت سحلة منتهتش إلا بوجودك في بيتي وحضني، وياريتني لسه عارف أخف، لا ده أنا عامل زي المراهق اللي بيحب جديد لأول مرة. ده أنا حتى خايف.. خايف عليكي. خايف أنساكي مع إن متأكد إني مش هعرف!"
داهمها بالصراحة وقليل ما يتحدث بصدق دون مرح ومشاكسة. ابتسمت بإتساع، وحينها قالت رداً على حديثه بصراحة:
"بس أنا مش خايفة."
مع إن كوكب أرضك قالت "بخاف عليك وبخاف تنساني".
لم يأخذ فرصته بالرد بالشطر الآخر من الأغنية بغمزة عينه كالعادة، بل حرك عينيه نحو الذي مال ليجلس بجانبه ولم يكن سوى "فتحي" شقيق "شادي". سحبت "نيروز" يديها وهي تعتدل تنظر بمكان آخر غيرهما، ولكن اخترق قوله مسامعها عندما شاكس "غسان":
"في شوية عرايس بالفرح دول حلوين أوي... قوم نقيلك واحدة وعيش واتبسط".
فتحت عينيها بمفاجأة من وقاحته بحديث كهذا أمامها، يجرح أنوثتها بطريقة غير مباشرة. حاولت النهوض وعاقها ذراع "غسان" الذي وضع على كتفيها وهو يرد عليه:
"ما قولتلك يا فتحي، ثانيًا إني راجل، وثالثًا إني مش شايف غير مراتي".
صمت ينظر نحو نظرات الآخر السمجة، والتقط السؤال الذي سأله بعينيه، فأضاف "غسان" مكملاً حديثه بتبجح:
"هتسألني عن أولًا، فهقولك إنك تخليك فحالك، وقبل دا تحترم وجود مراتي. شد أنت يلا واختار عروستك التالتة يمكن ربنا يكرمك ببنت حلال شبهك!".
طرده بتبجح كعلامة بأن ينهض من هذا المكان. اغتاظ "فتحي" من حديثه وأخرج اللفافة من فمه، ويصمم هو على أن يُهان عندما عانده كي لا يهزمه. ونظر ناحية "نيروز" الصامتة، ثم ردد بسخرية مخفية:
"شكلك غالية أوي عنده يا مدام... عملاله عمل ولا إيه!".
قهقه بعدها بسخافة. وجاء رد زوجة "سمير" التي جاءت لتقف وهي تسمع آخر جملة، فمررت يديها على خصلات شعرها بتعالي، ثم ردت هي بوقاحة:
"متكسفهاش بقا يا فتحي، دي حاجات ستات ومش عيب يعني الست تحافظ على جوزها وتخليه ميشوفش غيرها حتى ولو بأي طريقة!".
"أنا مسمحكليش!".
قالتها "نيروز" وهي تندفع واقفة بشرر يتطاير من عينيها. وحينها انتبه من يجلس على الطاولة، وابتسم "فتحي" بانتصار لما حدث. فتجاهلت الأخرى اندفاعها هذا وهي تكمل حديثها ممررة عينيها عليها:
"لا بس حاجة زي دي تحتاج كده فعلًا... أصلك يعني مش مـ...".
قاطع حديثها اقتراب "ياسمين" التي سمعت قولها كما الآخرين، وردت هي بتبجح رد أخرسها:
"واحنا هناخد كلام من واحدة شادة ونافخة؟ وكمان اسمها دولت".
كبت "غسان" ضحكته ولم يرد أن يتدخل بسبب أمور السيدات هذه، ولكن إن زاد الوضع عن حده فكان سيتدخل على الفور. وكان تدخل "ياسمين" كان قبله وسبق ما كان سيرد به. احمر وجه "دولت" بغيظ، حتى رمقتهما بتقزز وهي تحاول الابتعاد ناحية زوجها الذي كان يقف مع بعض الرجال بعد قولها لها بابتسامة مستفزة:
"دمك مش خفيف بس شكل خضار عينك مقوي قلبك!".
قالتها بسخرية، فحركت "ياسمين" شفتيها باستنكار وهي ترد بصوت مرتفع ليصل لها بعدما ذهبت "دولت"، ولكنها ردت، رغم تحذير "سمية" بنظراتها:
"عالاقل مش لينسزز وماشية أتمختر وأتفشخر... رباني يا حبيبتي ها!".
قابل "فتحي" عيني "غسان" التي تحدته عندما انحني يهمس بتهديد صريح:
"اللي بتحاول تعمله دا مفقوس أوي، خليك بعيد ومتتكش أوي عشان ساعتها هتكتشف إني أعرف عنك حاجات إنت نفسك متعرفهاش".
أشار ناحية يديه كعلامة للأموال، وفتح "فتحي" عينيه بصدمة حاول إخفاءها عندما حاول الآخر أن يلمح له بتزوير الأموال. طالعه "غسان" بتسلية، ولم يتفوه الآخر بأي شيء، بل انسحب ببطء. ولاحظ هو جلوس "نيروز" من جديد بصمت هادئ.
"وليه حرباية!".
قالتها "فريدة" بغضب أمام "آدم" الجالس يتابع بصمت وتسلي هو الآخر. وضحك بخفة على ما قالته للتو. نظر نحوها بسكون ثم قال بوقاحة قصد إظهارها:
"بس جامدة!".
اندفعت تنظر برأسها باستنكار، ثم رفعت شفتيها باعتراض وهي تسأله بسخرية:
"إنت أعمى فنظرك؟ ولا أقول إيه العين مبتشوفش غير اللي شبهها!".
"العين بتحب الجمال أوي... من غير ما تبص ع الجوهر، بس القلب غير!".
تهكمت أكثر وهي تشير له بغير اكتراث مرددة:
"آه وإنت قلبك دليلك أوي!".
"عمره ما كان دليلي، أصل غلطي كان إني كنت بشوف بعيني وبس، بس الوقتي الوضع اتغير!".
اهتزت نظراتها وسألته بجدية وقتها:
"بتقول كلام عميق أوي بس مش لايق عليك!".
ضحك "آدم" بخفة، ثم قال وهو يرجع خصلاته إلى الخلف باهتمام:
"مفيش حاجة مبتليقش عليا، العبد لله بيليق عليه كل حاجة، تنكري؟".
"وأنا كنت معاشراك وعارفاك لما هتشهدني؟".
"إنت عارفاني من زمان يا فريدة، كله شايفك متغيرة، بس أنا لسه شايف فيكي واحدة من زمان أوي بس مطفية عن الأول كتير. أول ما رجعت أشوفك لقيت نظرة صعبة فعينك فكرت إنها وقتها بس لسه ملازماكي، إنت مكنتش كده!".
كيف فهمها بهذه الطريقة، ارتبكت أمامه وهربت بنظراتها عندما شعرت بأنها مكشوفة. حينها سألته بأعين لمعت من كتم الدموع:
"أنا مش عارفة إنت طلعتلي منين، إنت عاوز إيه مني؟".
لاحظ تحولها الغريب، فنظر لها بضيق من ما قاله هو بنفسه، ثم قال يوضح لها بنبرة هادئة:
"عايز الحاجة اللي كسراكي، وطفت منك الشقاوة والبهجة اللي كانت فروحك!".
"إنت تعرفني منين عشان تقول كده!".
"عارفك من زمان، والوقتي حتى بعد ما اتغيرتي!".
لم يكف عن إرداف حديث يجعلها ترتبك. وعندما شعرت بأن قربه سيهزمها بهذه الكلمات نهضت تختفي من أمام نظراته، وحينها زفر هو بيأس لما يشعر هو به هو الآخر. تخبط، وأفكار متضاربة تصارعه.
ولحظات قليلة وترقب الجميع وهم ينهضون ليقفوا عندما أعلن منظم الحفل بدخولهم. حينها دخل "حازم" مع "بسام" ووقفوا مع "طارق" والعائلة من على بعد، وفتحت البوابة ودخل "عز" و"شادي" يقفان بمنتصف الساحة بمفردهما ينتظران قدوم العروسين كما صمم المنظم بدخولهما بمفردهما لكل واحد منهما. أمسك كل منهم الباقة الخاصة بعروسه، ثم وقفا ينتظران مع تهليل الجميع وصوت الصافرات التي تخرج من فم "غسان" و"بسام" وحتى "بدر" و"حازم" و"آدم" الذي نهض بحماس يفعل مثلهم، وأصدقاء ورشة "عز" والمعازيم عندما تعالت الزغاريد من الفتيات أجمع وأصدقاء العروسين معا. ولحظة العد من واحد إلى ثلاثة وفتحت البوابة مرة أخرى وظهر العروسين "جميلة" و"منة" بالسير في خطواتهم البطيئة وكل الكاميرات تتوجه ناحية هذا المشهد عندما اعتلت الموسيقى بقوة تزامنا مع سير كل منهما لهما.
"ادخلي عمري بخطوتك اليمين
اضوي أيامي وعتمات السنين
قرت عيوني بشوق مقبلة
يالملاك اللين العذب الرزين"
ما هي سوى كلمات تتوافق بشدة معهما مع "شادي" و"منة" هذه المرة عندما.
تطابقت الكلمات مع حياة "شادي" الهادئة الساكنة بالوحدة. اليوم ستدخل حياته وتضيؤها بالفعل. انبهر الجميع بجمالهما، كل منهما تختلف بجمالها عن الأخرى. بكت "عايدة" بتأثر كما فعلت "نيروز" بهذه اللحظة مع "فريدة".
"اسمعي نبضي ورا صوت الدفوف
من لمحتك ضيع الشوق الحروف
يا ضيا عيني والله ما تشوف
اضحكي يا نور عيني واسعدي
خلي الفرحة في عمري تبتدي
العمر قبلك وهن ما يحتسب
هذي الليلة ترى ها مولدي
في وسط قلبي حفرت اسمك هنا
نورا بن تركي تراها لي انا
نصفي الثاني وفرحة دنيتي
دامي دام لي حياتي في هنا"
هذه المرة الكلمات تتوافق مع "عز" و "جميلة". في كل مرة يراها يخفق قلبه، واليوم بسعادته هذه بالنيل بها يعتبر مختلف أشد الاختلاف. لا يصدق حاله هذا إلى الآن.
أمسكت كل أميرة بيد أميرها وتأبطت كل منهما ذراعهما وسارا معاً ناحية مقعد كل اثنان. وصوت هذه الأغنية يعلو ويكمل بالانتهاء عندما جلسوا بالمكان المنظم بالورد الأبيض الأنيق. حينها توجهت النساء للترحيب بهم، وكانت من بينهم "عايدة" و "حنان". وقفت "نيروز" تنظر بتأثر وحركت وجهها نحوه فحرك رأسه يجيب على أفكارها.
"ايوه كانت ساعة فرحك زيك كده بالظبط. الفرق بس ان كان محطوط عليها ساعتها بالجامد لما سابت عز. شوفتي النصيب فالآخِر عمل إيه؟ جمعهم في كوشة واحدة. اختيارات ربنا دايماً هي الأجمل وهي الصح!"
ابتسمت حتى ظهرت أسنانها، ولم يغفل هو عن من انسحب من خلفه يتحرك ناحيتها وهي تجلس بجانب فاطمة بسكون، فقط تنظر بابتسامة صغيرة بين الحين والآخر. رفعت "فرح" عينيها تنظر نحوه. انهزم هو. انهزم "بسام" وهو يجلس على المقعد الذي بجانبها حتى ابتلع ريقه ينظر نحو ملامحها الهادئة. حينها لم يمنع سؤاله أن يخرج عندما قال:
"إزيك يا فرح؟ أتمنى تكوني سامعاني ومركزة معايا. أنا.. أنا عرفت اللي حصل. علفكرة إنتي قوية أوي عشان تستحملي كل ده لوحدك!"
لم تدمع عينيها الآن. لم تغفل أنه بكل مرة يهوّن عليها بالحديث، علمت أنه هو لطالما الآخر يقف برفقة زوجته. رمشت بأهدابها لثوانٍ بعشوائية. وعندما تحركت تعلقت مع نظرة عينيه التي شملتها لأول مرة تشعر بذلك الماس الكهربائي الذي قشعر بدنها بجهل. ربما خجل. تعلقت الأعين بحديث جاهل وصامت، وتحدث قلبه حينها بلغة مفهومة: أن هذه الأنثى أخذت قلبه بالفعل دون دراية منه كيف ومتى ولما هي من الأساس. فارق وتعمد البعد ومنع نفسه عنها وعن رؤيتها، والآن تأتي هي له بكل سهولة. تحركت عينيه بعشوائية وهو يتنحنح بحرج. ثم قابل عيني "غسان" التي تراقبه. وعندما لاحظ قدوم "حنان" من بعيد ونظرات "عز" الذي لم يغفل عن شيء كهذا مهما كان وضعه. حينها أشار له "غسان" بأن ينهض بنظرة عينيه. علم أن قربه بجلسته مشكوك به، فنهض رغماً عنه يقف مع "وسام" و "جنة".
وقف الشباب مع زوجاتهم ووقفوا جميعاً. في العموم، عندما اعتلت الموسيقى بقوة في المكان تعلن الرقص الصاخب للعروسين مع رقص المعازيم والشباب حولهم ببهجة. نهضت الفتيات، وجلست "ياسمين" بضجر بجانب والدتها مع نظرات "حازم" المحذرة لها، حتى وعدها أنه سيرقص معها على لحن هادئ وليس صاخب. ونهضت "نيروز" تقف مع "فريدة" و "وردة" حول "جميلة" و "منة". ونهض "بدر" و "حازم" ناحية الشباب ليقرصوا مع "عز" و "شادي". بينما جلست "فاطمة" بصمت، صمت لشعور ما حدث بكسرة عليها، وإلى الآن يتوجب عليها الصمود. وجدت "آدم" يقف أمامها ثم مد يديه لها برفق وهو يقول:
"قومي يا فاطمة مع البنات. عيشي ومتوقفيش حياتك على حاجة كانت صح إنها تحصل!"
نظرت نحو كفه وترددت بأن تتمسك به. بل بهذه اللحظة لم تهتم للناس ولا النظرات ولا المناسبة، بل أدمعت عينيها وهي تصارحه بما تحمل همه:
"خايفة أبقى حمل تقيل أوي عليك أنا وهم وعلى بدر. أنا دماغي تعبانة أوي يا آدم. دماغي وقفت ومش عارفة أفكر في حاجة!"
أمسكت حينها بكفه ودفعها لتقف بمواجهته برفق. ابتسم ببساطة وهو يمسح على وجهها ومسح بإصبعه ما بجانب أهدابها ثم قال بتنهيدة يطمئنها:
"وأنا مش عايز دماغك تفكر أصلاً. بس خليكي عارفة إن كل حاجة هتبقى كويسة. أوعدك إن مفيش حاجة هتتأثر باللي حصل وحبايبك في الحفظ والصون. الحاجة الوحيدة اللي عايزك تفكري فيها وتعرفيها إنك لما تكوني وسط إخواتك وعيلتك متشيليش أي هم!"
حركت رأسها وهي تبتسم بهدوء. وجعلها تتأبط ذراعه وهو يطالع فستانها القماشي الهادئ. وقتها كان قد غمز مع صافرة يشاكسها بحب وهو يقول:
"حلاوة فطوم لا يعلى عليها كدة كدة!"
ضحكت بخفة واستطاع أن يهوّن عليها ولو بذرة واحدة. سارت معه ناحية منصة الرقص الكبيرة التي كفت كل من تبع العروسين والعروسين الأخريين. ومن لاحظ احتواء "آدم" كان "حامد" الذي تنهد وهو يتنفس بصوت مسموع.
تلك الفكرة الموجودة دائماً في الحياة أن في لحظات السعادة دائماً ما نجد لحظة حزن يمكنها بأن تختفي، أو لربما ستأتي بعد ذلك. كل منهم لديه الحزين والسعيد. وأن وقت الحزن سيأتي له وقت وسيتحول الوضع للحظة واحدة من الفرح من المحتمل. تغير الأقدار المفاجئ حينها قد يكون أجمل شيء، ووقت آخر قد يكون أصعب ما يمر على الإنسان حينها.
تجمعات وأصوات داخلية وخارجية. شخص يحمل هم لحياته القادمة، وشخص آخر مضطرب بشعوره ومشاعره، أو لربما شخصان من نفس العائلة. وشخص آخر يتمنى دوام الحال على هذه اللحظات دون تغير. وآخر به بعض القلق لأن الحياة لم تقف معه، وأن وقفت بلحظة ما تسلب منه كل ذلك بغمضة عين. وآخرون وآخرون. وآخرهم شخص يسوده التوتر لما هو قادم من تحديد مصير لحياته. كل منهم يحمل داخله أكثر مما يظهر عليه. دائماً ما تكون المظاهر خداعة وبقوة. يستمر الوضع بالرقص معهم تارة، والرقص بمفردهم تارة أخرى. ومن ضمن رقص العروسين رقص هادئ، والآن هو يضع يديه على خصرها وهي على كتفيه. تتعلق الأعين، ومعهما هما تتحدث بحديث معلوم ومكشوف. تنهد "عز" بحرارة وهو يطالع وجهها وعينيها وقال جملته الذي كررها كثيراً منذ بداية اليوم:
"أنا مش مصدق نفسي وربنا. خايف ليكون كل ده حلم. حلم جميل!"
يهزمها دائماً بالحديث. وهي التي إلى الآن تجهل هذه الأمور. تشعر بالتوتر والارتباك وأشياء كثيرة، ولكن لطالما هي بين أحضانه وكل الأنظار عليها، ونظرتها هي لم تكن إلا عليه. هو حينها رددت بسعادة بالغة:
"بس أنا صدقت. بقيت بصدق أي حاجة حلوة من غير خوف. من ساعة ما بقيت من نصيب عز الرجال!"
أقل حرف بمشاعر يؤثر به. يحمد الله أنها ليست بارعة كي لا يفعل تأثره أي تهور منه. ابتسم بإتساع وشعر بأنه يملك العالم وما عليه. فقط يتمنى أن تنتهي هذه اللحظات معه على خير، وأن تقف معه الحياة ولو مرة واحدة بالخير إلى النهاية.
"ليه خايفة؟"
سأل "شادي" سؤاله بلين وهو يتمايل معها بهدوء وسكون. طالعته وهي تبتلع ريقها وعينيها التي تتحرك نحو عائلته من شقيقه وشقيقه الآخر، وحتى زوجته وبعض من أولادهم الشباب التي لم تتعرف عليهم، ولأول مرة تراهم بالزفاف بسبب عدم مجيئهم عقد القران ولا زيارة لها. فقط علمت من إشارته لها وهو يعلمها. لم تستطع الجواب، ولكن عدم الراحة الذي بداخلها يداهمها بقوة. فهمها لذا ردد وهو يشدد مسكته بكفها:
"متركزيش مع حد. خليكي معايا أنا ومتخافيش!"
"مكنتش بخاف. دلوقتي بس ابتديت أخاف. لما حبيتك. ولما حسيت إنك شايل كتير جواك ومخبيه!"
فهمها وفهمته دون حديث كثير. لم يرد أن يفتح حديث، إن فتحه سيفح باب الوجع معه. فقط ينظر لها بعمق. فتقابلت عينيها مع عيني "والدها" الذي كان يقف على بعد، وعينيه الآن تهبط الدمعة الذي لم يستطع حبسها. وقتها كان يقف بجانبه "حامد" الذي ربت على كتفه بمواساة وحديث عادي بفهمه لهذه الحالة.
وقتها اعتلى صوت المنظم برقص العروس مع والدها وشقيقها. وذهب "حازم" ليمسك يدي "جميلة" بسعادة كما مسك "طارق" يدي "منة". ورقصوا معاً على لحن الكلمات. كما تقدم "عز" هبوطاً من على المنصة ليأخذ يد "فرح" شقيقته ليرقص معها. وأمسك "بدر" يدي "فاطمة" ليرقص معها. ووقفت "نيروز" تنظر بتأثر بجانب "غسان" الذي علم أن هذه الأغنية ستسقط دموعها لا محال. لم يتركها. ومن رقص مع "وسام" كان "بسام". وجلس "شادي" بركن يمسح عرق وجهه بإنهاك. أخرجت "فريدة" هاتفها تقوم بتصوير هذه اللحظة تزامناً مع دموعها التي تسقط بسعادة وتأثر. والآن تعي كيف ستفارقها شقيقتها من المنزل.
أخرج "آدم" منشفة ورقية من جيب بدلته ثم وجدته يقف بجانبها ويداه تمتد لها بالمنديل. فأخذته وهي تغلق الهاتف مع قولها العفوي المتحشرج:
"مش عارفة بنموت في النكد ليه!"
قالتها بضحكة رقيقة مع دموعها، فوقف هو ينظر لها بصمت وهو يبتسم فقط ابتسامة صغيرة. حتى انتهت، فرد بتلقائية:
"مافيش حاجة تستاهل إن دموعك دي تنزل!"
"جميلة تستاهل، أنا اتعلقت بيها أوي في الفترة اللي فاتت، مش عايزها تمشي بس لازم!!"
رقيقة عندما تكون هادئة بأسلوب جديد وليس منفعل جامد حاد. ربما حدث ذلك بسبب الدموع. ضحك بخفة كي يواسيها ثم قال:
"صح لازم، أكيد هيجي يوم وتطلعي إنتي كمان من البيت!"
اهتزت نظراتها وحاولت إخفاء ذلك، ثم ردت عليه عندما شعرت بأنها محاصرة بالرد:
"مش عايزة.. مش بفكر في ده دلوقتي!"
تحاول جاهدة أن تقطع أي أمل تركته وتحركت من جانبه. فوجد هو "غسان" يميل عليه مردداً بكلمات مشفرة على فجأة:
"مفيش حاجة بتيجي بالساهل خد بالك، أوقات الصبر بيكون حلو!"
علم أنه كان ينتبه معهم. كان يقف بجانبه. حرك "آدم" رأسه باندفاع ناحيته يستفهم، وما أن علم معنى قوله رد بيأس:
"مش مهم!"
كابر كونه يقتنع أن الذي حل به كان مجرد إعجاب ليس أكثر. طالعه "غسان" بتشكك، ولم يتعمد الإطالة بذلك الحوار. بل وجد "نيروز"، تجفف دموعها وتغلق هاتفها، ثم حركت رأسها فوجدته يسألها باهتمام وكأن الأمر عادياً:
"ها خلصتي عياط؟"
ضحكت من بين عينيها اللامعة ورمشت بأهدابها ترد بنعم مع هزة رأسها، فاعتلت ضحكاته بقلة حيلة وهو يمسح أسفل عينيها أثر الكحل.
كان الرقص في البداية صاخب مع الشباب وتارة مع العروسين، وانتهت برقصهم مع فقرة الأب والأخ، وحتى الأم وهذه التي كانت متأثرة بكثرة. وأخيراً أعلن المنظم عن انتهاء الحفل وأخذ صورة جماعية! ونهض الكل يرحل وقت مع وقت حتى خلت القاعة نسبياً، ووقف الكل بالخارج أمام السيارات الكثيرة يودعون العروسين.
كان الاجتماع من العائلة فقط، عندما وقفت الفتيات والنساء بحديث عشوائي متداخل أمام "منة" و"جميلة"، وكذلك الشباب والرجال مع "عز" و"شادي" بحديث شبابي شقي ومتبجح، وتارة أخرى وقح بينهم وبين بعضهم!
"عليا النعمة يا عز لو أختي جت زعلانة في يوم هزعلك!!"
كان قول "حازم" مضحكاً بعد كونه متأثراً ولم يرد قول حديث كهذا بهروبه من مشاعره المتداخلة بفراقها. ضحك الشباب والرجال عليه، وكذلك رد "طارق" بخبث لـ "شادي":
"مش محتاج أوصيك يا شادي على بنتي.. منة أنا مربيها كويس أي حد يزعلها تزعله الضعف!!"
وضع "شادي" يديه على وجهه بكل ركن كانت قد ضربته ولكمته به من قبل، ذلك ورد بخوف واستسلام زائف:
"أنا عارف يا عمي.. إنت هتقولي.. فاهمك فاهمك!!"
ضحك من فهم. وبعد دقائق اعتلى صوت هاتف "حازم" على فجأة تزامناً مع قول "ياسمين" التي نبهته بصوت مرتفع:
"ما تيجي يا حازم تكلم جميلة عايزة تحضنك قبل ما نركبها العربية يلا!!"
أشار لها بيديه بالصبر، وبهذه اللحظة الكل كان يترقب ما يفعله من تجاهل كي لا تسقط دموعه. أخرج هاتفه تزامناً مع قوله وهو يرد عليهم وعلى من اعتلى صوتهم ليشجعونه على عناقها بعدما فهموا ما يفعله من هروب:
"استنوا بس هرد على التليفون وساعتها هحضنها وهرجعها معانا البيت كمان ومش مهم عز ماشي!"
أيدوه ببهجة وصوت عالٍ ونفى فقط "عز" بضحك هو و"غسان" و"حنان". وقبل هذا القول بدقيقتين ركبت "منة" السيارة بفستانها الضخم بعد وداع الفتيات لها وكذلك "والدها" الذي عانقها بشدة حتى ركبت وانحنى يردد ويحثها على أن تنتبه على نفسها. ومع ذلك احتضن الشباب "شادي" وخاصة "حامد" الذي أوصاه بالتعقل والتفهم والصبر. حينها أمسك يد "دلال" ورحل إليهم مرة أخرى بعدها. فوقف "غسان" يخرج من أحضانه حتى ربت على ظهره بتشجيع ثم قال:
"خلي بالك وإنت سايق، قدامك يجي ساعة وأكتر على ما توصل، إبقي طمنيني عليك!!"
أومأ له والآخر يعلم بأنه سيتجاهله ولم يفعل ذلك. فغمز له "غسان" بوقاحة ثم دفعه بمشاكسة وهو يقول:
"يلا يا عريس.. ربنا معاك ومع ألف سلامة!"
بادله الغمزة وركب بجانب "منة" في الأمام وهو يدفع فستانها الضخم بضيق، حتى ركب أخيراً وهو من سيقود في العودة سيارته هو. ضحكت على دفعه لها بفستانها وهو يقول:
"كل ده فستان.. حوارتكم طول عمرها كبيرة.. بس أحبكم أنا!!"
غمز لها بمراوغة فاعتلت ضحكتها وتزامناً مع ذلك تحركت السيارة مع ردها المحذر بمرح:
"متجمعش يا حبيبي.. إنت تحبني أنا وبس!!"
.. عودة للدقائق الأخيرة عندما رد "حازم":
"استنوا بس هرد على التليفون وساعتها هحضنها وهرجعها معايا البيت كمان ومش مهم عز ماشي!"
حينها عاد "غسان" يقف بجانب "نيروز" متابعاً ما يحدث. وعندما أخرج "حازم" هاتفه زفر بملل. ولأن وقفته كانت بجانب "بدر" سأله باهتمام:
"مالك قرفان ليه؟"
"الرقم ده قاعد يرن عليا من العصر ومكنتش فاضيله ومعرفش مين ده أصلاً!"
أشار له "حامد" وهو يحثه بعقل:
"رد يبني يمكن حاجة مهمة ولا شغل ورزق جايلك، مش هتخسر حاجة يلا خلينا نمشي وإختك تروح مع جوزها.. بلاش الحركات اللي مخلية الواد عز يقف على أعصابه كده!"
ضحك "عز" وهو ينظر نحو "حامد" بقلة حيلة، فوضع "حامد" يديه على كتفه بحب وفهم "عز" نظراته له جيداً. فتح "حازم" الخط بعدها سمع حديث "حامد" وأيده بيأس تحت النظرات المهتمة، وضع الهاتف بجانب أذنه يرد مشيراً لهم بإخفاض صوتهم أو التوقف عن الحديث ليسمع الطرف الآخر، ولبوا ما فعله وما يريده عندما سكن المكان والحديث ورد "حازم" بنبرة هادئة:
"ألوو!"
جاء صوت الطرف الآخر برسمية:
"معايا أستاذ حازم سليم الأكرمي ابن المحامي السابق سليم الأكرمي؟"
عقد ما بين حاجبيه وأجاب بنبرة عادية يؤكد يحاول عدم القلق الذي دب به:
"آه أنا خير؟!"
"إحنا بنطلبك بقالنا كتير عشان تيجي تستلم جثة والدك و..."
صدمة! ردد هذه الجملة القاسية عليه دون شفقة وعدم اكتراث الطرف الآخر لاعتياده على ذلك. وبالنسبة له هو ففتح عينيه بصدمة وتحولت ملامح وجهه للشحوب. لا ما سمعه ليس صحيحاً أبداً، عن أي جثة يردد؟ عينيه المفتوحة واهتز جسده الذي جعل يديه ترتجف وهو يحاول جاهداً مسك الهاتف بما يملكه من قوة. قوة تبخرت في الحال عندما لاحظ الكل اهتزاز جسده الذي مال إلى الخلف وأسنده "غسان" حينها بسرعة بغرابة. أين الدموع؟ وأين عقله وأين ذهب تركيزه في عدم السماع للحديث الذي يكمله عليه الطرف الآخر بالتفاصيل. حرك رأسه نفياً. وسألته "عايدة" باندفاع عندما لاحظت تغير حاله وبقلق:
"مالك يا بني؟ ومين ده اللي بيكلمك؟ خير في إيه؟!"
توجهت حينها تقف بجانبه بقلق وردد الشباب حديثهم بتساؤل متداخل. فحرك رأسه بتيه وهو يسمع الطرف الآخر يردد بنفاذ صبر:
"إنت معايا يا أستاذ؟"
تاه وجاهد على أن تخرج منه الكلمات رغم شعور أنفاسه الآن بأنها تُسرق. حينها وقفت "ياسمين" تضع يديها على ذراعه تستعلم عن وضعه المقلق بالنسبة لهم. فرد هو باهتزاز على المتصل وصوته المتقطع المتحشرج أثار ربيتهم:
"قولـ.. قولتلي أجي استلم الـ.."
الجثة أبوكي مات
كانت الكلمات قاسية، ونظروا جميعًا بغير فهم. وعند كلمة جثة، ظهر خوف الكل. ومن انتبه لهذه الكلمة بتخمينهم صعق. أي جثة هو مسؤول منها سوى "سليم" و"حسن" المتغيبين عنهم كعائلة؟
شحب وجه "جميلة" وهي تتأبط ذراع "عز". عندما سألته بخوف وهي تبتلع ريقها:
"جـ جـثة مين يا حازم اللي هتستلمها؟"
سألته بخوف، ونظر الكل بترقب. ووقفت "فريدة" بجانب "آدم" و"زينات" بملامح وجه جاهلة، قالقة. فرفع "حازم" عينيه يأمر "عز" بنبرة خاوية عندما أغلق الطرف الآخر الخط:
"خد جميلة وامشي يا عز!"
"ماهذا القلق والتوتر؟" سأله "عز" بقلق ظاهر:
"في إيه يا حازم؟"
"بقولك خدها... وإمشي يلا!"
قاله بنبرة مختنقة. فحاوطته "ياسمين" بذراعها تسأله بخوف:
"في إيه يا حازم مالك؟"
وقف بخواء. وبهذه اللحظة لم تقو قدميه على التقدم نحو "جميلة" التي وقفت ولم تتحرك تنتظر فقط رده معهم. نزلت دمعته بغير تصديق، وأمسك رأسه. فسحب "بسام" مقعدًا سريعًا ليجعله يجلس. وقبل أن يجلس، لمعت عينيه ثم خرجت منه شهقة رجولية ظهرت وهو يقابل عيني "فريدة" التي سألته بخوف:
"جثة مين يا حازم رد علينا عشان خاطري!"
تقدمت "جميلة" تمسك كفه والدموع تتجمع بمقلتيها على حاله دون فهم. ورفع رأسه بعينيه التي احمرت ونظر بقوة في عيني "فريدة" وهو يردد بنبرة مبحوحة مختنقة ضعيفة تائهة منهزمة:
"أبوكي مات"
شهق الجميع. ولحظات من الاستيعاب إلى أن صرخت "عايدة" بغير تصديق كما صرخت "زينات". ووقفت "جميلة" تحرك رأسها بنفي، تنفي بهستيرية. الجملة وقعت عليها كسيف ضربها من خلف ظهرها دون دراية منها ولا حساب لذلك. يوم زفافها! في يوم زفافها يرحل والدها. كيف؟ ولما لم تعدل الحياة معها؟ ولما هو يظلمها دائمًا؟ حيا أو ميتًا؟ هبطت الدموع منها وسط هذا الصراخ ونفت وهي تردد بنبرة باكية متقطعة:
"لا.. انت بتهزر.. صح؟ قولي ونبي وإنك بتهزر... يا حازم ارجوك..!"
حاول "عز" السيطرة سريعًا، وصدمته مما يراه ويسمعه موجودة. في حين سقطت "فريدة" مغشيًا عليها في الحال. ولحقها ذراعي "آدم" الذي حملها بخوف متجها بها نحو أي طاولة من الداخل. وهرولت خلفه "فاطمة" التي بكت بغير تصديق. لم ينتبه الكل بسبب ما هم به من صدمة. ووضعت "نيروز" يديها على أذنها كي لا تسمع الأصوات وبكت بخيبة. لم تراها من قبل. كيف؟ كيف ذلك؟ حاول "غسان" إخراجها من هذه الحالة ولكنها دفعته عنها بعزم ما لديها وهي تركض لتدخل بين أحضان "جميلة" ببكاء شديد. ووقفت "وردة" تبكي وهي تدفع "زينات" كي تكف عن البكاء. بينما انحنت "ياسمين" بصدمة تنظر نحوه وهو جالس بعالم غير هذا العالم. انحنت تضم رأسه ناحية صدرها وحينها هبطت دمعتها بقهر عليه أكثر من قهر الموقف وقهر ما سمعته. إلى متى سيتحمل؟ إلى متى؟ حاول "عز" السيطرة على حركة "جميلة" وبكاؤها. حينها وقفت "حنان" تحث "عز" بلهفة على الهروب من ذلك الموقف بها. عندما رأت حالتها هذه، حثته على الرحيل في الحال كما حثه "حامد" باختناق. أبت السير معه ولكنها تحركت بغير وعي في النهاية وهي تشهق بتمزق تنفي فقط بهزة رأسها وكأن وضعها وعقلها يستنكر ذلك بقوة. انحنت "عايدة" تجلس على الدرج من خلفها ووقعت بين أحضان النساء المواسيات كما كانت "زينات". لم تفوق "فريدة" وهرول بها "آدم" مع "فاطمة" ناحية أحد السيارات ومعهم الأطفال للرحيل. وجلس "حازم" ساكنًا بأحضانها يستنكر ما حدث ودموعه تردف شيئًا آخر بتاتًا. والآن "نيروز" تبكي بأحضان "وسام" و"غسان". وذهب "بسام" سريعًا خلف من أُغشي عليها. جاءت لحظة الوجع ولم يستنكر الجميع ظلم الحياة معهم دائمًا. الكل بحالة من الصدمة مهما فعله الآخر ولكن ما حدث وما سمعوه بوقت كهذا يكسر الكل بطريقة قاسية.. قاسية جدًا..
"قوم ي بني.. قوم لازم تبقى جامد. قوم خد عزا أبوك وخلي بالك من أخواتك وأمك.. انت اللي باقيلهم!!"
قالها "حامد" بمواساة. وهرول "بدر" يفتح السيارات كي يرحل الكل من هنا. وتزامنًا مع وقوف بعض من فريق تنظيم القاعة يسندونهم ويواسونهم بعدما علموا الوضع الكاسر هذا. نهض "حازم" بقهر وعينيه لا ترى سوى وجه والده في آخر مرة كان قد رآه بها. وعندما تركته ينهض واعتدلت هي تبكي بوجع، وجد "غسان" يدفعه بأحضان فبكى الجبل ونهار حتى خرجت شهقاته بقوة وهو يردد بنبرته الباكية المقهورة:
"راح يا غسان.. راح وأنا اللي كنت قاسي عليه فالآخر ومعملتش.. حسابي إن ده يحصل بدري كده..!"
ضمه "غسان" بوجع وسقطت دمعته الموجوعة لأجله ليس لشيء آخر. ضمه وهو يشدد بعناقه، رابطًا على رأسه وظهره. والكل يسند من يجده أمامه للرحيل. من المفترض أن الرحيل في هذا اليوم كان بكل سعادة وبهجة. الآن الرحيل بكل هذا الوجع شيء آخر. وكان هذا الرحيل "رحيل غير متوقع".
كانت حالتهما معًا عندما ربط القلبين بحب. اختارته رغم قوانين حياتها الموضوعة بحزم. فتاة رياضية حازمة لم تكن يوميًا لديها علاقات، عكسه هو. ورغم أنه كذلك لم يشعر مع غيرها بما شعره معها. هناك ثمة شيء يأتي على الإنسان بشعوره عند النظر لأحدهم. شعور الدفء حتى وإن لم يكن الحديث بينهما كذلك. شعور الأمان والإطمئنان. حياته كانت قاسية بالشعور رغم حالته الجيدة لم يعانِ يومًا من المعيشة، ولم تكن هذه النقطة كل شيء حتى ينعم بالراحة. شعور الوحدة والغربة رغم من حوله سئ. سئ ذلك الشعور وإن نظر بجانبه فلم يجد هو أحد! أين من البداية أشقائه؟ تحمل كثير واقتنع أن هذه هي الحياة معه ورضا بها كون ليس بيديه شيء ليفعله. لم يستسلم إلا للشعور بما الحياة جاهد بها إلا أن وصل بنفسه دون مساعدتهم. ولولا كتف الصديق آنذاك وبعد الآن وحتى الآن لما تجاوز هذه المحن. بينما هي كانت وحيدة بالمعنى الحرفي لم يكن لديها أم تقترب منها بالهمسات والحديث والعقل والتفهم. كان والدها لها كل شيء ورغم أن لديها أصدقاء ولكن دائمًا ما تعتبر بأنها تختلف عن الآخرون. ليس تعالي، ربما كان شعور سيء يجتاحها بين الحين والآخر. وعندما تقابلت عينيها معه منذ أن تخلل قلبها حبه شعرت بالإحتواء وأن ذراعيه الوهمية تحوطها. ربما عاش حياة تتشابه معها باختلاف عدة نقاط. وبالنهاية الزواج ألفة وقرار جيد نافع نقي وحماية للروح من المعاصي وبدء حياة جديدة معه كانت النهاية لوحدتها بشعورها وكانت النهاية لوحدته الجدية بالفعل!
عقلهما مغيب عن ما يمكن أن يحدث أو ما حدث بالفعل دون علمهما قبل هذه الساعات التي قضيت بمفردهما. حيث وقتها أو ما بعد هذه العقبة عندما وصلا شقتهما وقضى الوقت بعدها بتوتر سائد من الطرفين. بينما هي لأول مرة تفارق "والدها". أين هي الآن؟ وكيف تجلس في شقته معه بمفردها؟ يسأل عقلها الحازم الذي كان دومًا يضع الحدود. أمسكت الهاتف كي تدق على "طارق" والدها وتطمئن عليه. في هذا الوقت؟ أم أن عقلها يستنكر وخائف؟ حينها تتذكر بأن من قاطع فعلتها هذه صوت دقات الباب الهادئة. فهتف هو من خلف الباب حينها همت له بالدخول وهي تعتدل تخفي الهاتف. وجدته يدخل ممسكًا بزجاجة مياه صغيرة بيديه. وقف يتطلع مظهرها بخصلاتها القصيرة وحتى عينيها التي تدور بمكان آخر غيره وتشبتها بالهاتف بين يديها ومهلًا عينيها لامعة. تلهف وهو يترك الزجاجة ثم جلس. فتحركت هي بعفوية بعيدًا قليلًا. بينما حاوطها هو بذراعه من ناحيته وهو يسألها بقلق ظاهر:
"إيه دا؟ انتِ معيطة؟"
خجلت من ذراعيه الذي يتملكها بكتفيها وظهرها مقربًا منها ناحية صدره كي تستند براحة. بينما حاولت هي التحرك تمسح عينيها ثم أجابت بابتسامة مهزوزة:
"لا مكنتش بعيط!"
اعتدل "شادي" ينظر ناحية عينيها ثم قال بعمق وهو يمد كفه يحتوي كفها بين يديه:
"مبعرفوش يكذبوا يا منة.. انتِ خايفة مني؟"
شعر بخوفها من ارتباطها به بحياتها القادمة. حرك عينيه نحو يديه التي تمسك بيديها ثم تشبثت هي بأنامله ورفعت عينيها تقابل عينيه وهي تجيب بصدق:
"بالعكس.. أنا بقيت مطمنة.. بس قلقانة..!"
وأكملت وهي تنظر حولها وكأنها تستوعب للتو:
"عمري ما نمت برا بيتنا أو عمري حتى ما عدى يوم من غير حضن بابا اللي قبل النوم.."
أنا بس داخلة على حاجات كتير وجديدة مخلياني تايهة.
ابتلعت ريقها ونظرت نحو عينيه، نظرة وكأنها تخاف أن يفهم حديثها بأنه حديث فارغ ليس له معنى. قالت مخاوفها بصراحة، علم بأنها تملكها ببراعة لذا أحب صراحتها كثيراً ووضوحها. كانت تتحدث وكأنها طفلة صغيرة تردد أشياء عدة بترتيبها، وكأنها كانت تعتاد على نمط معين وحُرمت منه.
رفع يديه يمررها على خصلاتها القصيرة ثم قال بنبرة رجولية هادئة:
"مش عايزك تايهة وأنتي معايا يا "منة". مش عدل، عشان أنا كنت تايه قبل ما أشوف عينك، لكن بعد ما شوفتها كل حاجة اتغيرت."
يغازلها بتأثر وشعر بعينيها اللامعة المتأثرة بكلماته. أخذت أنفاسها ببطء، ففرد ذراعيه يحتضنها وهو يربت على ظهرها مردداً مرة أخرى يشعرها بالأمان:
"يمكن ساعات بعرف أقول كلام حلو، وساعات تانية بقول كلام مفيشوش ريحة الجد. ويمكن ده كمان يزهقك ويحسسك إن مشاعري واقفة أو مبحبكيش إلا لأسباب معينة.. بس والله العظيم أنا بحبك وعمري ما هأذيكي. ومبسوط عشان بعد كده اللي جاي في حياتي هيكون مع "منة" وهشارك فيه "منة"."
حركها بخفة فأصبحت جالسة بمواجهته، فاعتدل هو وهو يمسك وجهها بين كفيه مردداً مرة أخرى بصدق غلفه حبه لها:
"منة اللي هي منة من ربنا ليا وجت في وقت مكنتش عارف فيه أنا مين. بس هي عرفتني إن الحياة سند وحب مش بس من الناس اللي من دمك. من الناس اللي قلبك يختارهم عشان يكملوا معاك للآخر!!"
سألها وكأنه لم يتزوجها وانتهى به الحال بوجودها في منزله:
"موافقة تكملي معايا اللي جاي من عمرنا؟"
أدمعت عينيها بتأثر وهزت رأسها بنعم، ورفعت وجهها أكثر وسألته بخوف، لأول مرة يظهر عليها:
"هتستحملني ومش هتزهق مني؟"
"أنا استحملت كتير وأنا لوحدي وكافحت مع ناس عشان مبقاش لوحدي وفي الآخر سابوني لوحدي. تفتكري انتي بعد ما ربنا هداني أجمل هدية وأجمل ونس هضيعه من إيدي وأرجع أبقى لوحدي تاني؟"
نفت برأسها، وحينها رفعت ذراعيها تحاوط ظهره بتشبث وأسندت رأسها على كتفيه تسأله بجدية عميقة:
"ممكن بعد كده تشاركني وجعك؟ وجعك اللي خفيته، حتى لو عدى عليه كتير. بس أنا هبقى عايزة أسمعك!!"
تحثه بحنو وتأثر من شعورها به. حينها حاوط ظهرها هو الآخر بذراع واحد ثم قال باعتراف صريح:
"انتي الوحيدة اللي بقى ينفع أشاركها كل حاجة. زي ما انتي الوحيدة اللي خليتي شادي بيه بتاعك خرج وبقى أغلب كلامه جد زي دلوقتي كده. جد من أول ما خليتيه يدخل بيتكم من بابه وياخدك بالحلال."
ضحكت بخفة، واحتضنت عينيه عيناها بحب، بينما بهذه اللحظة تفحصها بشغف وحب ظهر بعينيه عندما اقترب يقبل إحدى وجنتيها من الأسفل قليلاً، ممراً يديه على خصلاتها يرجعها إلى الخلف. وبعدما اعتدل ردد هو بمشاكسة:
"ده شادي بيه بقى يقرب من غير ما يتصد ولا يتضرب. لقد هرمنا خدي بالك!"
صمت قبل أن تجيب وقال بصراحة يعترف لها ما يشعره:
"بصراحة الحلال حلو بردو. يعني لما آخد حاجة بالحلال وأقعد أستنى كده ولما بقي ينفع.. أحس بلذة الانتصار والانتظار. عرفت إن كل حاجة في وقتها صح. هاتي بوسة بقى من غير ضرب عشان خاطري!!"
مرح بآخر حديثه يخفي توترها، وضحكت بقوة رغم خجلها، وضحك هو على ضحكتها العالية حتى هبطت خصلاتها فوق عينيها فرفعت يديها ترجع خصلاتها متمعنة النظر بعينيه وتقاسيم وجهه الرجولية وقالت بابتسامة واسعة راضية:
"وأم عيون قناصة بقت بتسكت وتعديها. وهديك بوسة عادي ما انت جوزي بقا. ي بيه!!"
لم تخجل وما فعله جعلها تندمج في الحديث. اقتربت تقبل وجنتيه لأول مرة فاستشعرت أنفاسه الساخنة على مقربة منها، ويديه التي تحتضنها برفق، عندما اقترب يقبلها بالمثل حتى ظنت أنه سيبتعد مرة أخرى. بينما بعد هذه اللحظة لم تتذكر إلا لحظة الاستسلام له ولمشاعره. رحبت بندائه ولبته تحت شعار الحب وعلى كل ما حلله الدين، لأنها بالفعل بعد هذه المشاعر أصبحت الأرواح واحدة كما أصبح الجسد جسد واحد على كتاب الله سنة الله ورسوله، وجعلها زوجته.
كانت تتوقعه شخص مختل عقلياً أو ماشابه متسرع بحماس غريب بكل شيء يفعله، بينما كان معها يرفق بها، وعهدت منه الحنو واللطف واللين كما عهدت منه الحب من قبل ومن بعد.
أما الٱن
فشرودها كله كان بسير اليوم الخاص بزفافها من بدايته لنهايته كان أشبه بحلم وردي عاشته بالفعل. ومن بين نظراتها الٱن لخلو الغرفة بمثل هذا الصباح وبعد خروجه للمرحاض وقعت عينيها عليه بعد لحظات وهو يعود ممسكاً بهاتفه وملامح وجه كانت متحوّلة مائة وثمانون درجة حينها تيقنت بأن ثمة شيء قد حدث بطريقة لمسك الهاتف بهذه الطريقة. قاومت خجلها بوضعها هذا، وابتلعت ريقها وهي تزيح الغطاء وكادت أن تنهض بينما توجه بملابسه الرياضية الذي بدلها قبل قليل وجلس بجانبها على حافة الفراش بسكون هادئ وعينيه تنظر بشرود. فرفعت هي عينيها متخلية عن أي شعور تشعره، ثم سألته بترقب وهي تضع يديها على كتفيه برفق:
"في إيه يا "شادي" مالك؟"
بينما كان هو بلحظة غير استيعاب عندما رأى نعي الشباب على الحالات دون أن يعلمه أحدهم بسبب مناسبته وما هو به. في حين ابتلع ريقه وأشفق عليها كما أشفق على صديقتها. وسأل كيف سيخبرها الٱن أن والد صديقتها قد توفي. وكيف سيخبرها مرة أخرى أن والدها عندما هاتفه وطلبه قبل قليل حثه على القدوم لمساندة الشباب دون أن يأتي بـ "منة" معه نظراً لهذه الظروف ونظراً لعدم وجود "جميلة" بنفس الطريقة في بيت العائلة. وضعت يديها أسفل ذقنه كي ترفع رأسه ثم سألته مرة أخرى بقلق ظهر على تقاسيم وجهها أكثر عندما وجدته بهذه الحالة:
"مالك حصل إيه؟"
عقد العزم على أن يخبرها لم يكن لديه خيار آخر. بينما هي فوقتها وانخراطها وانشغالها وحتى نومها المتأخر واستيقاظها مبكراً مثله جعلها لا تمسك هاتفها تتفحص به وتاهت عن فعل ذلك. وإن امسكته الٱن لعلمت ما حدث. اعتدل يتنهد بصوت، ثم أخذ أنفاسه مستعداً لقولها بهدوء وتمهيد كي لا تنصدم، بينما يعلم أن القادم ليس هيناً أبداً، لا عليها ولا عليه ولا حتى عليهم وعلى العائلة بأكملها.
***
تشهد بأن قلبها قد كُسر في وقت كانت به السعادة تغمرها بقوة فقط لأنها أصبحت مع من هون عليها الحياة. بلحظة واحدة وأقل من هذه اللحظة ضاعت منها السعادة بغمضة عين وحل محلها الوجع والحزن. أي حزن وهي بفستان زفافها تبكي بحرقة، تارة وغير تصديق تارة أخرى. أي حرقة من الأساس وكان هذا وضعها بأكثر يوم يمكن أن يسعد به الإنسان خاصةً إن كان يتلهف حتى يكون مع من يحب. كيف الحال ودموعها تنساب بغير تصديق. كيف حالها وكيف ستشرحة عندما شعرت بأنه حي يؤذيها وميت يؤذيها. لم تعد تعلم من أين ستأتي لها الراحة مرة أخرى، أو من المرة الأولى. لم يكن لديها قدر من سعادة ما بأي شيء. ملت من ذرف الدموع في الحياة. تحاول تذكر شيء جيد كان حدث لها. وجهها الأحمر وعينيها التي كانت بنفس الحالة وحتى وجهها الشاحب الذي لطخ نسبياً بمساحيق التجميل، عقلها مغيب عن كل شيء حولها فقط تشرد بنفي ما يحدث لها بكل وجع وألم. هو الذي يتذكر كل ذلك، عندما كانت الغصة المريرة تتوقف بحلقه ولا يستطيع ابتلاعها.
عندما أخذها وذهب، رحل إلى شقتهما فوق شقة والدته. الشقة التي كانت من المفترض أن تدخل بها ووجهها يغمره السعادة. لا يعلم هو كيف استجمع قوته وأسندها إلى أن دخلت حتى مرت الدقائق وكانت تجلس القرفصاء تنكس برأسها وصوت شهقاتها يمزقه من الداخل. هبطت دمعته على حالتها وحاول التقرب منها كي يرفع رأسها وعلى فجأة رددت هي بصراخ لا تستوعبه هي نفسها:
"لا.. مـــماتـش.. مــمــاتش يا عـــز!!!"
حرك "عز" رأسه بنعم متلهفة كي تهدأ حتى خلع سترته يضعها على الفراش وجلس بجانبها يضم رأسها ناحية صدره بألم. ودخلت هي تبكي بحرقة وصوت شهقاتها يقتله حياً في الحال. أنِت بتعب وضّمها أكثر وهي تبكي بصوتها هذا وهتفت بصوت يغمره البكاء المنهار:
"أنا ملحقتش.. والله العظيم ما لحقت أفرح.. ملحقتش حتى أشوفه مرة كمان أودعه... كل ده مش حقيقة."
مش حقيقي يا عز، رد عليا ونبي!
قالت الكلمات ببكاء وحرقة، فشدد بعناقه لها وأنسابت دمعته وهو يواسيها بأعجوبة. وخرجت الكلمات بثقل شديد:
"ادعيله يا جميلة.. ادعيله ربنا يسامحه ويدخل الجنة!"
تشبثت بقميصه ووجهها غارق بالدموع. وكان تحرك رأسها من أثر البكاء يحتك بصدره، حينها صرخت بآهات الألم العاجزة عن كبتها. فشدد من قربها بخوف وردد بلهفة مع نبرته المختنقة كي تكف عن الصراخ الظاهر والتي تكبته بوجع عندما تنفث أنفاسها بقوة ناحية صدره التي تلتصق به برأسها:
"خلاص عشان خاطري متعمليش كده في نفسك.. اهدى.. اهدى عشان خاطري يا جميلة!"
خرج بكاؤها المنهزم المعترف بالحقيقة، حقيقة أنه رحل. تركت تمسكها بقميصه ووضعت يديها الاثنتين على وجهها تبكي بألم. طالعها بألم وشفقة، ولأول مرة يعجز عن قول الحديث المواسي أو أن يطمئنها. حالته من الداخل كانت لا تختلف عن حالها. صوت شهقاتها يخدره تمامًا. لا يقوى على النهوض ولكنه فعلها. ولاحظ ارتعاش جسدها بالكامل فوقف بخوف يسندها. وحينها وقفت معه تسير بجهل للطريق، بينما كان يعلم هو أين سيتجه. أجلسها ومد يده المرتعشة يفك عقدة حجابها الأبيض عنها. وكانت مخدرة تمامًا، تبكي ولا ترى من بين دموعها سوى طيف والدها. أصبحت بخصلاتها المعقودة بدائرة خلف رأسها، وهو من فك كل ذلك بأعجوبة. لم تسعفه ساقه للتوجه ناحية المرحاض كي لا تقع بأي لحظة بكل ذلك الفستان الضخم. من بين بكاؤها وشهقاتها، وجدته يرفع ذراعيها ويرجع إلى الخلف كي يقوم بفتح سحاب الفستان. وعندما فتحه سحبه ببطء من أسفل ذراعيها حتى أسندها لتقف ووقع على شكل دائرة. انحنى ليحمله بقهر حتى وضعه على أحد المقاعد. وعندما وجد ملابسها الملتصقة على جسدها من أسفله شعر بإختناقها وجلوسها مرة أخرى بغير وعي لكل الذي يحدث عندما ضمت نفسها بتعب، تكاد لا ترى من كثرة الدموع. حينها كان بقدرته حملها ناحية المرحاض. انحنى يفرد ذراعيه تحت ساقها ثم حملها برفق. وسقطت دمعته هو على وجهها بهذه اللحظة، الباكي بسكون وكسرة، لا يعلم عنها أحد كان هو. وهي لديه شئ آخر!
أجلسها على حافة حوض الاستحمام وفتح صنبور المياه عندما أسندها وهي تبكي، لا تتوقف عن البكاء. مسح على وجهها يمسح آثار ما به ومسح على خصلاتها. ومد يديه يأخذ المنشفة كي يمسح وجهها من آثار مساحيق التجميل. وعندما وجد الملابس التي كانت من المفترض أن ترتديها عندما وجدها معلقة خلف الباب. جذبها وبهذه اللحظة يبحث عن آخر مراحل الراحة وهي أن تغفو حتى تهرب من الوجع. مد يديه يلتقطه وعقد العزم على أن يبدل ملابسها لطالما يحق له، ولأن حالتها يرثى لها مغيبة عن فعل كل ذلك. تتحرك معه بكل سهولة وفقط حتى خلع عنها ملابسها دون أن يفكر بعقل رجل لا يرى سوى الجسد! بل خلعها ببطء وجعلها تعتدل أكثر كي ترتدي الملابس التي بين يديه بخوف منه ولهفة كي يصل للحظة نومها واطمئنانها وراحتها رغم أن ذلك صعب الحدوث بحالتها هذه!
وخلال دقائق كانت بالفعل ترتدي ملابس مريحة ناعمة. حينها مد يديه يمسح على وجهها مرة أخرى وهو يهمس لها برفق من بين همساته:
"بس.. بس اهدى!"
وعندما انتهى حاوط بذراعه خصرها وبالآخر جذب ذراعها يضعه على رقبته كي يسندها إلى الخارج. وقفت بقوة معدومة القوة، تسير. وعندما شعر بأن ساقيها لا تحملها. انحنى يحملها رغم أعصابه المتروكة هو الآخر. وأسندها على الفراش حتى جلس بجانبها يدفعها بداخل أحضانه. وهذه المرة بكى الاثنان معًا بصوت مختنق. يديها المرتجفة وجسدها المرتعش يزداد برعشته. فمد ذراعه يجذب الغطاء سريعا وفرده عليهما حتى باتت بأحضانه يردد عليها الكلمات المختنقة المواسية. ومن بين كل ذلك البكاء شعر بتمسكها بقميصه وهي تغمض عينيها ثم هتفت بتقطع تطلب منه بخوف شديد:
"متسبـ ـنـيش.. متمـ ـشـ ـيش!!!"
كيف سيستطيع تركها على أي حال اعتبر الجملة له وهو يتملكها بذراعه مقربها منه أكثر. ثم هتف بلهفة واختناق:
"مقدرش والله العظيم ما هقدر أسيبك.. متخافيش أنا جنبك!"
آخر ما يتذكره هي انتفاضة جسدها بين ذراعيه وتشبتها بأحضانه بخوف ودموعها التي تهبط حتى من بين غفوتها من كثرة الإنهاك. وعندما شعر بأنها غفت قليلا دون صوت حينها بكى بقهر وانسابت دموعه لأجلها. هبطت منه بخوف أخفاه وكسرة حاول أخفاءها أمام عينيها وهي بهذه الحالة. ظل كما هو بهيأته وملابسه. فقط لم يخرجها من بين ذراعيه وأحضانه طوال الليلة الماضية!
كل ذلك يعود إلى ذاكرته بوجع. وتذكر بأنه لم يتركها إلا في هذا الصباح الباكر عندما كان جالسا في الخارج ينفث دخان سيجارته بوجع.
"أما الآن" فنهض يسير ببطء وخطوات هادئة يفتح الغرفة بهدوء. فوجدها نائمة لا حول لها ولا قوة ينتظر فقط استيقاظها كي يطمئن عليها حتى يخرج. مسح على وجهه بتنهيدة حارة ودق الباب بدقات هادئة. فتوجه ناحية باب الشقة بهيأته هذه يفتح للطارق وما أن وجد "حنان" تقابله بنظراتها المشفقة وهي تتطلع ملابسه وجهه. هتف بنبرة مختنقة ضعيفة يحثها على الدخول عندما سبق ليدخل:
"ادخلي يا ماما.. تعالي!"
دخلت خلفه والتفتت كي تصبح بمقابلة وجهه. ورفعت عينيها تنظر نحوه بحزن. ثم سألته عليها بقلق:
"هي عاملة إيه دلوقتي؟"
"نايمة. بس أنا مستنيها تصحى عشان أطمن عليها قبل ما أمشي!"
اقتربت "حنان" منه وهي تحبس الدموع بمقلتيها ثم قالت بشفقة على حاله هو أيضا:
"هتمشي كده يا بني؟ روح غير هدومك واغسل وشك وفوق وأنا معاها متخافش!"
ابتلع "عز" ريقه ببطء. فجهل عن حاله واهتم بها بخوف. حرك رأسه ينظر نحو صوت شهقاتها العالية بالداخل. حينها أسرع على الفور يفتح الباب فوجدها تجلس القرفصاء على الفراش تدفن وجهها بين يديها وساقيها. تبكي بعد الاستيعاب وعلمت بكل هزيمة أنها امتنعت حتى عن مشاركتهم الأحزان عندما وجدت نفسها في شقته. لم ترفع رأسها بل وجدت ذراعه على ظهرها وخصرها يقربها منه وهو يستند بذقنه على فروة رأسها بخصلاتها. حينها هتف بتحشرج وصوته عن قرب من أذنيها:
"ادعيله يا جميلة. ادعيله وشدي نفسك وقومي صلي واقرأيله قرآن. بس متقعديش مكسورة كده. متعطيش بقهرتك دي عشان أنا بتوجع فيكي يا بنت الناس والله..!"
أمسك ذراعيها بشدة وكأنه يكتم دموعه أمامها. راقبت "حنان" الوضع من على الأعتاب وأنسابت دموعها. عندما رفعت "جميلة" رأسها بعينيها الحمراء تردد بألم ووجع:
"مشى! مشى وسابني يا "عز". كسرني تاني بس المرة دي الكسرة أصعب حتى ولو كان هو طول عمره صعب!"
هبطت دموعها بكثرة وهي تطالع وجهه الذي هبطت منه الدموع. ثم قالت باختناق وهي ترفع أناملها تمسح وجهه من بين التي هي به:
"أنا اتكسرت أوي وفرحتي كمان اتكسرت. قلبي واجعني أوي يا عز ومعتش ليا حد في الدنيا دي!"
حاوط ذراعه كتفيها وربت على فروة رأسها بلهفة. وهو ينفي بثقة حتى قال بثبات حاول إظهاره مع نبرة كتم بها البكاء من جديد:
"والله ما حد هيكسرِك طول ما أنا موجود. انتِ مش لوحدك... مش لوحدك يا جميلة أنا جنبك صدقيني وعمري ما هسيبك!"
لم تتفوه بأي حرف بل فقط تنساب دموعها بتيقن ما حدث لها. حركت رأسها تنظر بتيهة نحوه ونحو أرجاء الغرفة ونحو ملابسها التي لو كانت بوضع آخر لماتت خجلاً. ليس إلا. وجدته يمسك كفها بين يديه ثم قال بهدوء:
"أنا همشي دلوقتي عشان أكون معاهم. على عيني أسيبك غصب عني. مش هتأخر عليكي وأمي معاكي وفـ.."
قاطعت جملته ببكاء عندما قالت بخوف تزيد قوة مسكتها بكفه:
"متـمشيش يا عز. متسبنيش..."
خدي معاك عشان خاطري!
نفى رأسه بقلة حيلة ثم قال بقسم يعلن قلة حيلته لها:
"والله العظيم ما ينفع، هنا أريحلك، خليكي ولو عاوزه الدنيا كلها أجبهالك بس بلاش تيجي، أنا عارف ان نفسك تروحي بس بلاش منه.. بلاش عشانك وعشان حتى حلفان حازم وأمك!"
صمتت بهزيمة لم تقوى على الإصرار، خارت قواها بالحديث. رفع يديه يمسح وجهها برفق، ثم لاحظ تقدم حنان وهي تفتح ذراعيها لها. حينها تركت عز وارتمت بين ذراعيها تبكي بحسرة وكسرة. طالعها عز بألم، وابتلع ريقه بصعوبة، عندما وقف يفتح الخزانة كي يختار ملابس تليق بالخروج ويبدل حلته الذي لم يخلع منها قميصه المفتوح وبنطاله منذ أمس.
***
"لم أكن حاضرًا، لم أكن غائبًا، كنت بين الحضور و بين الغياب."
- محمود درويش-
كان بالفعل بين الغياب والحضور، خاصة بعقله. عاش يتحمل لكثير. ماذا أهدته الحياة؟ يعيش دومًا دور المكافح بشعوره ليس إلا. طاقة تحمله كجبل، ود لو ينهار من كثرة شموخه. الآن يعلن قهره وقلة حيلته وكسرته. موت الأب كسرة لم ولن يشعر بها سوى من شعرها بالفعل. بينما هو، لم يتوقع بأنه سيكسر كذلك، ولا حتى شقيقته الأخرى التي كانت تتعمد القسوة دون حساب لذلك. وبين جلوسه الآن بخواء، بعدما فعل آخر إجراءات الخروج، لم يشعر بأي شيء حتى بعد علمه بكيف مات والده. جلس بخواء، والصمت كاسر بينهم، بين الجميع. والكل يجلس بشقة عايدة الآن. جلس على المقعد بشرود، وصوت القرآن فقط هو من كان مرتفعًا بالمكان. يستمع إليه الكل بدموعهم وهم متراصين بجانب بعضهم من حامد ودلال وعايدة وزينات وسمية، وحتى وردة وياسمين، ونيروز التي نظرت ناحية غسان الذي وقف أمام حازم هو وشقيقه وحثوه على النهوض. لم يستمع لأي شيء، والكل بحالة غير طبيعية. هبطت دموع ياسمين وهي تنظر بوجع وعجز، لم تستطع فعل شيء له لأول مرة تراه بهذه الحالة الصعبة والساكنة بنفس ذات الوقت.
الملابس السوداء دائمًا ما تشرح الحزن، وأحيانًا أخرى تظهر الوقار والهيبة. بينما هم، هم جميعًا، كانت ملابسهم سوداء، خاصة النساء بملابسهم الطويلة الواسعة. أخرجت نيروز منشفة ورقية لتمسح دموع ياسمين وهي تسندها معها ناحية المرحاض كي تغسل وجهها لتأخذ أنفاسها. حالتها كانت صعبة لأنثى تحمل بأحشائها جنينًا، والعجيب بأن الآن من تسند ليست هي بل نيروز التي تتماسك لأجلهم. لم يغفل الكل بهذه الليلة القاسية، بقوا بجانب بعضهم على هذا الحال، تارة تتبدل الأماكن وتارة يجلس آخرون يواسون ثم ينهضون ويجلس غيرهم بجانب أفراد عائلة المتوفي. وقف بدر يمسك ذراع حازم وهو يحثه بصوت هادئ غلفته الشفقة:
"قوم يا حازم اغسل وشك وفوق كدة.. قدامك يوم طويل لازم تجمد فيه!"
لم يرد، وكأن الحديث سُلب منه، بل تاه وهو الذي يتوجب عليه الصمود. إلى متى؟ إلى متى أيتها الحياة؟ كانت صوت شهقات عايدة لا تختلف عن زينات، مهما حدث ومهما فعل هو لهما فقد تأثرا، إن لم يكن بالحب، فقد كان من معاشرته لسنوات كثيرة مضى عليها الكثير. تبحث عن ابنتها بعينيها كي ترتمي بأحضانها، بينما تعلم بأنها مع فاطمة عندما أخذها آدم ناحية منزله. أسرع بغفوتها هذه وفقدانها للوعي، وكان معه بسام الذي تفحصها وعاد وطمأنها بالمختصر. جلست هناك معهم حتى الصباح وحتى اليوم الثاني، بعيدًا عن كل ذلك، بينما والدتها تريدها الآن وبقوة.
أما الأخرى فقد كانت تبكي بقهر مرتين، مرة على زوجها الذي رحل، ومرة أخرى عندما تتذكر كيف تلاشت فرحة ابنتها وكيف تلطخت سعادتها بهذه الطريقة وهذا الخبر الذي كسرها، وآخر ما رأته بعينيها قبل أن تذهب بعيدًا عنها هي نظرة القهر والكسرة. حينها تبدلت نظرات عايدة للحسرة عليها عندما كانت تستمع لحديث حنان المواسي عن حالهم.
وجدوا عز يدق الجرس ودخل دون حتى أن يأذن له أحدهم، بل عندما رأى تجمعهم دخل. تلهفت عايدة والفتيات سريعًا، ونهضت عايدة تمسك كتفيه وهي تسأله بخوف مع نبرتها الباكية:
"طمني يا بني وريح قلبي.. بنتي عاملة إيه؟!"
بماذا يجيب عليها بهذه الحالة؟ حرك عز عينيه نحوهم ثم عاد يرد وهو يربت على كفها بإطمئنان:
"متشيليش همها.. ربنا يصبرها ويصبركم!"
لم يعطها جوابًا نافعًا عن حالتها، وهرب من عينيها الباكية كما كانوا هم. وحينها وقف بجانب الشباب، وتلاقت عينيه مع عيني حازم حتى قال له بوجع:
"حقك تتوجع يا حازم.. موت الأب كسرة أنا مجربها من وأنا قد كده.. بس كل دا هيعدي صدقني.. أمر الله ومش هيتعز على اللي خلقه.. ادعيله بالرحمة!"
ابتلع ريقه بصعوبة، وتلاقت الأعين بعضها مكسور وبعضها متأسف. لا يشعر ناحيته سوى بالأسف عن ما حدث، ووجده بجانبه الآن كما كان يتأكد من أنه سيسند شقيقته وسيجعلها أقوى.
"خليك جنب أختي يا عز.. امشي وكأنك موجود!"
قال حازم جملته وترقب الكل للحديث. فعاد ينفي عز برأسه ثم وضع كفه على كتف حازم يحثه:
"أنا جنبها وعمري ما هسيبها بس لازم أفضل في نفس الوقت هنا معاكم.. متقلقوش عليها معاها أمي وفرح طلعت لها تقعد معاها وأنا جاي.. المهم تقف انت على رجلك يا حازم!"
حرك رأسه وهو يومئ له، وعندما حاول النهوض أسنده ذراع غسان الذي هتف يردد باختناق:
"اصلب طولك يا صاحبي.. الحياة لسه عايزاك!"
اعتبره قولًا متأثرًا، وأيد بدر حديث غسان هو وبسام. فعاد حازم يعلن قلة حيلته هذه المرة بصوت مبحوح ظهر للكل:
"أنا اللي مبقتش عايز الحياة.. بس مجبر زي كل مرة بقع وببقى مجبر أقوم وأكمل.. بس المرة دي أنا تعبان.. معتش فيا قوة يا غسان!"
هبطت دموعه واعتلى بكاء عايدة عليه هي وياسمين التي عادت مع نيروز تستند عليها بحرص، تسمع لحديثه المتألم. بينما وجد حازم ذراعي حامد تحتويه بعاطفة أبوة ثم رد على حديثه بوجع لأجله يحثه:
"قوتك فينا يا حازم يا ابني.. إحنا جنبك وبنقويك وقبل كل ده ربك اللي بيقوي.. ارضي وأصبر وربك مبينساش عبد اتكسر خاطره كتير!!"
تنفس بأحضانها بأريحية وخرج حينها متجهًا ليغسل وجهه. وقفت نيروز تكتم شهقاتها وعندما وجدت ملامح وجه ياسمين تتحول للتشنج اتجهت تسألها عن حالها سريعًا. أمسكت أسفل معدتها بألم وهي تجلس وحينها قلقت سمية وهي تمسد على رأسها بحنو ورفق. نظرت بشفقة، وحاولت أن تنسحب كي تقف بالشرفة. حينها سمحت لشهقاتها بأن تعلو، من عاش يظلمها تبكي الآن بحرقة عليه. يا لسخرية ما يجري بعروقها حتى يحن ويحزن ويقهر بهذه الطريقة. سعلت نيروز مع بكائها وقبل أن ترفع يديها لتمسح وجهها وجدت كفه يسبقها وهو يمسح وجهها برفق، وأمسك وجهها بين يديه يحثها بهدوء:
"بس.. بس متعيطيش!"
سعلت أكثر ومرر غسان يديه على ظهرها يحثها على أن تأخذ أنفاسها ببطء، فأخذت أنفاسها مع مسحة لأنفها وفمها وحتى عينيها. حينها رفعت عينيها الباكية تصارحه بقهر:
"أنا بقيت أخاف أوي.. بقيت أخاف أفرح يا غسان.. أنا تعبت!!"
ضم رأسها ومسد على حجاب رأسها وظهرها. حينها تركها تخرج ما بداخلها من بكاء علها تريح قلبها.
الكل يجلس بخواء، والعقارب لا تمر بسهولة أبدًا. الانتظار مهلك ومتعب، والفقدان أقسى منه، والبكاء الشئ الوحيد المباح. بعد ذهاب البعض لأداءهم ركعات لله مع الدعاء وفعل ذلك بسام وحازم وعايدة وزينات، وحتى سمية، بينما جلس البقية يواسون بعضهم تارة برضا وتارة أخرى بقهر وعدم تصديق. الغير تصديق أن أحدهم قرر العودة بهذا الوقت أو ربما بعده دون دراية، وكأن القلوب تشعر قبل أن تدرك العقول.
***
هناك عقارب الساعة مرت. وبين نومها بهذه الطريقة بعدما فقدت الوعي وحقن بها بسام محلول سريع كي تقوى. أما هو، فعندما سقطت بين ذراعيه كان لم يشعر إلا بالخوف. ربما جاء ذلك من توتره. جلس آدم بالصالة يتجهز للخروج كي يتوجه ناحية العمارة لهم ليبقي معهم قبل هذه الساعة التي قبل الصلاة. لم يتحرك وكل ذلك كان ينتظر بأن تفوق من غفوتها ولم تفتح عينيها بعد. كانت تساندها في الغرفة فاطمة وكانت ترعاها، بينما هو كان يطمئن عليها بين الحين والآخر منها.
يرى دموع شقيقته وجلوس الأطفال بغرفة أخرى في الداخل. ومن بين جلوسه قبل الرحيل، سأل للمرة التي لا يعرف عددها:
"مفقتش بردو يا فاطمة؟"
"مش عارفه يا آدم. المفروض لأ. ربنا يكون في عونها!"
قالتها بتحشرج. فنظر بحزن، ونظر نحو ساعة معصمه ووجد أنه تأخر عليهم، لذا حاول أن ينهض ثم قال لها بهدوء:
"أنا المفروض أمشي. خليكي قاعده عشان العيال وعشان بردو لما هي تفوق. خلي بالك!"
أومأت برأسها. وقبل أن ينهض، وجدها تخرج من الغرفة وقد خلعت المحاليل والإبر من يديها. طالعها بصدمة، فقد خرجت هي مصدومة وعينيها بها من الدموع ما هبطت منها. تنظر ناحية ملابسها بغير فهم. تلك ليست بيجامتها، ولما شعرها ليس معقود ومفرود خلفها، وليست شقتها، وأيضًا لم تكن هذه حالتها. ماذا كانت آخر الأحداث؟ وعندما استوعبت، حركت رأسها بضعف، وسقطت الدموع منها بصمت، وهي تتقدم ناحية فاطمة التي اندفعت تقف كي تتوجه ناحيتها، بينما الأخرى لم تتوجه لها أولًا، تسألها بخوف وتقطع لا تعي كيف ترتب الكلمات:
"أنا.. قـ.. قوليلي يا فاطمة إن اللي حصل ده حلم.."
نفت فاطمة برأسها. بينما الأخرى يستنكر عقلها بخيبة. لم تتوقع بأن تتأثر على موته، وهي التي أقسمت له على أن لا تسامحه وعلى أن لا تغفر له. كيف يرحل؟ نفت برأسها وجلست على ركبتها بغير تصديق، وعينيها يفيض بها الدمع، ورددت بنبرة منهزمة تخبرهم بما يؤلمها الآن:
"إزاي؟ إزاي يمشي؟ أنا مسامحتوش. والله ما عرفت أعملها.. مشى بسرعه ليه؟"
قالتها بتنهد، وجسدها يهتز من البكاء. حينها انحنت فاطمة مع انحناء آدم الذي أسرع. فرددت فاطمة تواسيها بحزن وشفقة:
"ادعيله يا حبيبتي.. ادعيله بالرحمة وسامحيه. محدش بيكره أبوه مهما حصل!!"
لا تعلم هي ما فعله بها أو ما السبب الذي جعلها كذلك، ولا حتى هو. تركت يديها وتحولت جلستها إلى القرفصاء تبكي بوهن، وخصلاتها السوداء خلف ظهرها وأمام وجهها تخفيها. فشلت فاطمة في مواساتها وحثتها على النهوض، بينما استند آدم على ركبتيه يردد بإهتزاز وهو يسمعها تئن ببكاء:
"إنتِ أقوى من كده يا فريدة.. خليكي ثابته وقومي وشدي حيلك. راح عند الأحسن مني ومنك!!"
لم ترفع رأسها، بل مد يديه يربت على كتفيها بمواساة تحت تأثر. حينها انتفضت تعي ما يحدث من جلوسها كذلك أمامه بخصلاتها وهذه الملابس التي كانت تسترها، بينما لا يليق الجلوس بها أمامه. حاولت النهوض، فأسرع يسندها مع شقيقته حتى وقفت تنظر بضياع، ثم قالت وهي تحث نفسها على مسح الدموع:
"أنا عايزة أمشي من هنا.. عايزة أروح!!"
أومأ لها آدم بلهفة، وابتلع ريقه بسرعة، وهو يحث شقيقته قائلاً بنبرة سريعة:
"حاضر هروحك. اسنديها يا فاطمة وساعديها تلبس على ما أطلع الموتوسيكل عشان أخدها معايا!!"
حركت رأسها بموافقة، وأسندتها بالفعل نحو الغرفة كي تساعدها في ارتداء ملابس من عندها هي سريعة كي ترحل نحو منزلها وعائلتها. بينما خرج هو يجهز دراجته البخارية، شارداً بحالها وما فعلته وحتى ما أدرفته. أخرجها بعد قليل حتى قام بتشغيلها بالفعل وهو يستند عليها، والتقط الهاتف من جيب بنطاله كي يجيب على شقيقه. وبعد دقائق معدودة، وجدها تخرج برفقة شقيقته وهي ترتدي عباءة سوداء وحجاب من نفس اللون، في أسوأ حالاتها، ومع ذلك يراها جميلة. نفض من عقله هذه الأفكار وهو يبتلع ريقه، ينظر نحو أنفها الصغير الأحمر وحتى وجنتيها، عندما سألته بنبرة ضعيفة مبحوحة تترك يد الأخرى:
"أنا.. هركب هنا؟"
سألته وهي تشير على المقعد الخلفي، فهز رأسه بنعم، وهو يستعد للركوب. ورغم حرجها، ولكنها بحالة لا تسمح على الاعتراض أو الحدة. بل حاولت الركوب خلفه بعدما استندت على ذراع فاطمة وركبت أخيرًا بطريقة صحيحة. فسألها هو باهتمام وهو يأخذ وضع الاستعداد:
"ماسكة نفسك كويس؟"
"أه."
قالتها فريدة بصوت مبحوح مجددًا، وأسندت يديها على الحديد من خلفها كي لا تتمسك به. ولوحت لها فاطمة بابتسامة باهته، فودعتها بعينيها الأخرى، وانطلقت الدراجة البخارية بواسطته هو نحو العمارة. بينما بقت الأخرى ترعى الصغار كي لا يتوجهون بمناسبة حزينة كهذه، ومع أطفالها كان ابن شقيقها.
***
بينما في الطابق الآخر، اجتمع الجميع وجاء شادي هو الآخر حتى دخل يواسي حازم ويقوم بتعزيته كي يقف بمساندته. وقف الشباب يستعدون للوضوء حتى يلحقوا خطبة الجمعة والصلاة قبل أن تبدأ. ووقفت نيروز، بجانب ياسمين وهي تمسك صحن به طعام صحي لها هي، ويديها الأخرى بها علبة الدواء. تحاول جاهدة بأن تجعلها تأكل، بينما الأخرى ترفض. وحاولت وردة هي الأخرى ولم تقبل بعد. وعندما لاحظت سمية، نهضت هي لتأخذ الصحن من بين يديها كي تطعمها وكأنها صغيرة، حتى سحبتها معها كي تجلسها بجانبها.
"لازم تأكلي يا حبيبتي عشان صحتك وعشان اللي في بطنك!!"
نفت بضعف، تحاول إخفاء ألم معدتها وهي ترفع عينيها تنظر نحو حازم، الذي يهبط أكمامه بعد الوضوء ومع انتظار الشباب له. وقفت تنظر له متفحصة النظر بملامحه المنطفئة. حينها لاحظها ولاحظ مسكها لمعدتها بهذه الطريقة، فتوجه يردد بإختناق، وهو يمسك كفها يعود بها لتجلس بجانب والدتها مرة أخرى:
"أنا كويس يا ياسمين والله.. بس كُلي انتِ وخذي العلاج ومتعمليش كده في نفسك. انتِ لو حصلت حاجة هتكون دي نهايتي اللي بجد. اسمعي الكلام وريحي قلبي وقلبهم!!"
خافت من حديثه ونزلت دمعتها وهي تومأ. فربت على كفها وهو يشير لها بأن تطمئن. وقتها جلست بجانب والدتها بصمت، تأخذ من بين يديها الدواء. ووقفت زينات مندفعة عندما ركضت فريدة من على الباب وأرمت بأحضانها ببكاء. حتى عاد البكاء منهن جميعًا مرة أخرى. شهقت بتمزق، وقالت بتقطع وهي بأحضان وضم والدتها:
"بابا مات يا ماما.. راح بسرعه أوي. راح قبل ما أقوله إني هسامحه!!"
بكت بقهر، وضمتها زينات بألم، تحت الأنظار المتألمة لها. تحركت عندما شعرت به يقف خلفها. التفتت تنظر نحو حازم بوهن، ثم قالت تصارحه وهي تشير على موضع قلبها:
"قلبي واجعني أوي يا حازم.. هنا هيقف من كتر القهرة. إزاي؟ قولي إزاي بالله عليك!!"
تسأل بكيف مات والدها ولم يسأله أحدهم. فقط ردد لهم بأنه أمر الله. ماذا سيقول؟ وكيف سيقول لها بالتحديد؟ لن يفعل ذلك، لن يكرر الأوجاع عليها ولا عليهم. سيتخذ الإجراءات بصمت، دون دراية أحد سوى القتلة. القتلة الذين كانوا معه من غسان وبدر وبسام. دفعها كي يضمها هو الآخر، ثم قال بمواساة صعبة خرجت منه بثقل:
"أمر ربنا يا فريدة.. ربنا عاوز كده. ربنا يسامحه ويرحمه!"
خرجت تبكي بوجع، أمام أنظار آدم هو الآخر. وعندما بدأ حازم في السير للخروج، كان خلفه حامد وطارق والشباب. حيث صدح صوت الخطيب على المنبر ببدء الخطبة، حتى كان هذا يوم الجمعة. جلست النساء بالصالة، وجلست فريدة بضعف وقهر عندما استوعبت بماذا يمكن أن تشعر شقيقتها الآن.
غريب الموت وليس غريب. تأتي أرواح بنفس اللحظة التي تؤخذ بها الأرواح المقابلة في الدنيا. إما روح كُتبت لها الجنة منذ أن خُلقت حتى الممات، أو روح كُتبت بأنها عاصية وآثمة، ليس لها إلا النار. يُكتب قدر المرء قبل حتى خوض الحياة بإمتحاناتها. بينما هي اختبار، اختبار يختبر به المرء من كل شيء. وبنهاية المطاف، لم يكن أمامه سوى طريقين: الخير والشر، الجنة والنار. كان سهل هذا الشر، كانت سهلة السيئات، بينما الخير يراه العاصي أمر صعب للسير على نهجه أو للوصول لنتيجته. كم من خير وجد الجنة بالنهاية، وكم من روح خبيثة لم تجد إلا النار. ومن ثم يظهر قول:
"ياليتني قدمت لحياتي"!!
فانية هذه الدنيا وليست باقية لأحد، وهذه سنة الحياة المعروفة. وهم..
علموا بأن هذه المحنة سيتخطونها سريعًا، فقط عندما يخرجون من صدمتهم.
كان موجودًا وغير موجود، بينما الآن لم يكن موجودًا بالفعل.
ظلم الكثير ولم يندم.
قسى على البعض ولم يشعر بالشفقة عليهم يومًا.
ظلم أنفسًا بريئة لم يكن لها سوى العيش بحرية.
لطخ براءتها وجعل أيامها أشد قسوة.
ثمة قضية معينة فعلها منذ زمن وعاش بعدها بأريحية، ثم عاد الحق ليرد من جديد.
أُخذ الحق منه بطريقة بشعة بأبنائه، ثم منه هو شخصيًا.
عندما قُتل بأداة حادة، ذبحت رقبته بعدما خنقه وكتفه أحدهم بكيس بلاستيكي.
مات بعد أن مات.
كان يخطط لذلك منذ زمن.
كان يقوم بعد الأيام منذ أن اجتمع معه بسجن واحد.
كتلة الشر، والذي عُرف سريعًا واعترف بكل بساطة، فلم يعد لديه شيء ليبقى عليه هو.
بينما حُبس، حُبس انفراديًا إلى حين جلسة أخيرة ستحدد مصيره المعروف.. الإعدام!
الإعدام الحقيقي له هو، ومجازيًا لـ "حازم" الذي ما أن نظر على جثة "والده" بثلاجة الموتى، مغتسلًا جاهزًا، وجرح رقبته الأبيض الذي جف من برودة وضعه بهذا المكان القاسي، والذي إن شرح بكيف كان وضعه وهو به لاختنقت ملامحه مرة أخرى كما كانت.
لم يستطع "غسان" الدخول معه حينها.
جسده لم يتحمل رؤية هذا.
ومن أتى لهم بهذه الليلة وتجرأ على الدخول بعدما خرج من منزل عمه كان "بسام" الجرئ بأشياء كهذه بطبيعة عمله.
كان سرًا وما زال سرًا، لم ولن يعلمه أحد غيرهما، حتى المواجهة مع القاتل ستكون منهم فقط أو بعضهم دون دراية العائلة.
قاتله "شريف"، ولم يعمل يومًا باسمه، بل كانت الدناءة تسقط من كثرتها منه.
والحقد كما كان المرض.
بينما قدرته على الوعي وهو يخطط ويفعل كل ذلك كانت موجودة، أما قلبه فيتشكك البعض بأن كان بموضعه أم مات منذ سنوات كثيرة.
لم يكن كل ما يشعر به هو سوء الشعور بالفقدان.
الآن تتضح الحقائق، ربما ما رآه لا يغيب عن عقله المشفق على قلبه الذي لا يكف عن الدق قهرًا لكل شيء وكل عقبة تحدث له.
بينما هو، هو الصبور دائمًا، حتى ولو كان "حازم" بأموره.
هو الثابت العاقل الذي وُصف بالعقل والهدوء.
ولكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا.
داخله الآن ثورات تتعارك مع بعضها.
وعقل أبله يريد فقط التوقف عن تصور المشهد أمامه لأكثر من مرة.
يريد التوقف عن التفكير والتخيل، فقط يريد الراحة والسكون.
متى هذا؟
عقارب الساعة لمرة أخرى تصارع نفسها، ولكن هذه المرة تمر بسرعة وكأنها تتلهف لقهره.
سيارة الإسعاف تقف أمام المسجد، وبداخلها جثته الذي سيسير خلفها هو والرجال والشباب لدفنه بسكون بسبب مفاجأة موته.
خطبة المسجد تخللت روحه وعقله كما تتخلل روحهن وعقلهن وهم يستمعن من بين جلوسهن بالمنزل.
"قال تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)، يا عباد الله، إذا حضر الموت لا يقوى أحد على تغيير وقته أو تأجيله ليتدارك ما فاته ويعمل صالحًا. فصلاح الآخرة ما هو إلا الغرس الصالح في الدنيا، فكم من أموات كانوا عن ذكر الله وعن عبادته معرضين، وفي اللهو واللعب منغمسين، وفي ملذاتهم ومصالحهم غارقين غافلين، فلم يلبثوا إلا وفجأة الموت تحضرهم، فإذا بهم لا يتمنون إلا ساعة في دنياهم ليحسنوا ويصلحوا ويبذلوا في سبيل الله. قال تعالى: (حتى إذا جاء أحدَهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)."
كلمات توجعه وتصبره من بين مواساة الشباب وهم يضعون يديهم باحتواء على كتفيه.
وأخذ يكمل الخطيب حديثه إلى أن ترقبت ملامحه عندما تحدث عن الصبر في الابتلاءات.
"ثم يا عبد الله، شيء لا دخل لك فيه جاء ووقع عليك، مصيبة من المصائب، ومن منا لم يصب بمصيبة، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، يصاب الإنسان في نفسه، يصاب بالجرح بالألم، بالمرض، ويصاب بالهم والحزن، وضيق النفس، كلها مصائب. ويصاب الإنسان في زوجه، في أهله، ويصاب في ولده، ويصاب في ماله، مصائب. ويسميها العلماء مصائب دنيوية. هذه المصائب على العبد المؤمن ماحية للسيئات، فكل مصيبة على قدرها، وقد لا يكون عند الإنسان أي سيئة، ومع ذلك يصاب بمصيبة، كما حدث مع أيوب عليه السلام، الذي بقي في مصابه وآلامه وأمراضه أكثر من سبعة عشر عامًا، ولكنه كان يذكر الله، ويحمد الله، ويستغفر الله، وهكذا العبد المؤمن. يقول صلى الله عليه وسلم: 'ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله له بها من خطاياه'."
وأكمل بيقين وصوته يصل للجميع وأقربهم كانت الشباب والرجال في المسجد.
"توبة، واستغفار، وحسنات، ومصائب دنيوية، ودعاء المؤمنين، هذه في الدنيا، وفي القبر اثنتان: فتنة القبر وعذابه، وما يهدى للميت بعد موته في الآخرة، ثلاث أهوال وشدائد يوم القيامة، من الخروج من القبور إلى القنطرة، ثم القنطرة، وبقيت شفاعة الشافعين، انتهى وشفع كل إنسان، وشفع كل ملك، وشفع كل نبي، وبقيت بقية من هذه الأمة أمة محمد المرحومة صلى الله عليه وسلم، بقيت بقية، بقيت مجموعة.. ألف ألفان، ثلاثة آلاف. الحديث ما بين.. فهؤلاء بقوا في جهنم، من كثرة ذنوبهم وخطاياهم، هل ينساهم الرحمن؟ والله لا ينساهم الرحمن، هم من لهم! لهم الله!"
الحديث الذي أراح قلبه وطمأنه ولو بقليل.
نزلت دمعته بتأثر وهو يستمع إلى بقية حديثه.
"فماذا يقول الله في الحديث القدسي: 'شفع النبيون، وشفع المؤمنون، وشفعت الملائكة، وبقيت أنا أرحم الراحمين'. أقبلوا على الرحيم، أقبلوا إلى الرحمن، يقبل الرحمن عليكم، رحمهم مع أن ذنوبهم كثيرة جدًا، فيأذن بأن يخرجوا من هذه النار، فيخرج سبحانه بيده، كما ورد في الحديث: 'ثلاث حثيات..'"
أخذ يكمل الخطبة بيقين ونهاها بالدعاء والكل يردد آمين حتى تراصت الصفوف لأداء فرض الله.
ونعم، ولو بقليل، بالراحة.
مد "غسان" يديه له كي يستند عليه ليقف، وبالفعل استند عليه وحينها وجد ما لم يجده كثيرًا: رجل يمسح دموعه.
مسح "غسان" دموعه بيديه، ثم ضرب كتفه بحثه على الثبات بمرح طفيف باهت، وابتسم حينها باستسلام وزفر براحة، فقط لأنه في بيت الله وسيؤدي فرضه، فسيصبح بين يدي الله يدعو ويبوح عما بداخله.
في غصة الصوت دموع خفية، فانتبه لها.
من بين العقارب التي تتحرك والوقت الذي يسير بسباق، كان هو يختار الأوقات المناسبة ليتخفى وكأنه يتخفى ليلاً، مثل السارق، بينما يعلم بأن هذا الوقت لم يكن به شخص يفعل له حساب بالطابق.
يسير متخفيًا، مرة أخرى عودة بعد غياب طال هذه المرة.
واضعًا الشال القماشي على وجهه.
عندما وقف أمام المصعد، فُتح له، دخل على الفور حتى صعد به لأعلى.
أخذ أنفاسه، وفُتح المصعد له، وتخلل مسامعه صوت القرآن العالي.
وباب شقة "عايدة" المفتوح على وسعه، اعتبرها عقبة، حيث تعد قبل شقته، فإن مر، وإن كان أحد يجلس أمام الباب سيراه ولا مفر.
جابت مسامعه مرة أخرى أصوات البكاء والهمهمات، حينها ابتلع ريقه وتجرأ وتقدم خطوات إلى أن وقف أمام الباب يطالع من بالداخل وما الذي يحدث من الأساس.
هيئته بعينيه التي تدور وقواه التي تنفذ يومًا عن يوم تشرح الكثير.
بينما إلى الآن يوجد به ذرة عقل ليخمن ما الذي يحدث.
ماذا بهن يلبسن ثيابًا سوداء وبكاء؟ أي عزاء؟
تقدم إلى الداخل دون حتى أن يتنحنح ووقف بعدما دخل بخطوات مهزوزة، حينها طالعه الكل بصدمة.
وقفت "نيروز" باندفاع، كما وقفت "زينات" و"فريدة".
جلست "ياسمين" مكانها بخواء، وطالعته "عايدة" بحسرة، كما كانت "سمية" و"دلال"، وحتى نظرات "وسام" المتخوفة مما هو آت عندما رأته بهذه الطريقة.
جاب عينيه الكل وسأل دون حتى ترحيب، سأل بإستفهام غريب مستنكر وصوته حتى يتغير أثر ضعف بيانه:
"هو في ايه؟"
لم يتوقع بأن تندفع "زينات" نحوه بهذه الطريقة وعينيه لا تفارق عيني "نيروز" بشوق، عقله يهمس له بأن كل مرة ينظر إلى ملامحها تغمره الراحة الغريبة، ولكن يستطيع هو تركها والبعد عنها؟ لم يكن حب أبداً ولم يقتنع هو بذلك. لاحظ عينيها الباكية المتورمة ولم ينظر ناحية "فريدة" بتمعن كما نظر لها وحاول الإقتراب وخانته نفسه بينما أوقفته أحضان "زينات" الباكية بكسرة وهي تقول بنبرة باكية ضعيفة تصارحه بالحقيقة وتعطيه الرد:
"أبوك مات يا حسن!!!"
من كثرة بكاءها ورغم انعدام الإنسانية كان سيرفع يديه بتلقائية على ظهرها كتعبير عن رد العناق، بينما ما إن سمع جملتها وقف متصلب الملامح والوجه وترقبت ملامح الكل ناحيته، بينما عينيه العالقة بـ "نيروز" لم تتحرك رغم صدمته، بل فتحها نسبياً وحركها ناحية "والدته" التي خرجت تنظر نحو وجهه. إبتلع هو ريقه ورغم أن الجملة قاسية صعبة عليه حتى ولو كان يملك آخر ذرة شعور بينما هتف بخواء وقسوة في القول رغم رغبته في الصراخ عالياً الآن ليخرج ما أجتاح شعوره الغريب المتناقض الذي لم يفهمه:
"وزعلانين ليه!!"
سأل بسخرية متألمة وهو الذي تحشرجت نبرته وكان على مشارف البكاء، ردّان فعل يصدموهن، الأول يصدمهم والثاني يصدمهن أيضاً، بينما ماذا يفعل هو؟ رفع رأسه يبتسم بتهكم، ولمعت عينيه وهو يكمل ليعارض ما شعر به للتو:
" عايشين الدور ليه؟ دا حتى عمره ما عمل حاجة واحدة عدلة لحد فيكم!!"
مرر عينيه على الكل وقال مجدداً بتهكم موجع والذكريات تداهمه الآن:
"معملش حسابه حتى إنه هيمشي ومحتاج مسامحتكم!!"
وأكمل بضحكة يكابر بها رغم علم الجميع الآن بأنه موجوع:
"غلابه!!"
ضحك ونزلت دمعته وكأنه يستوعب للتو وينفي ويحاول معارضة ما شعر به من خذلان وكسرة:
"ولا يفرق معايا اللي سمعته ده ولا حتى فارق معايا شكلكم، ومش مهتم أعرف مات إزاي وإمتى، فـ داهية.. عقبال كل اللي زيه!!!"
ومسح وجهه بعنف، مع نظرتهم الخائبة، وتقدم ناحية "نيروز" مع بكاء الكل، حينها رجعت خطوات إلى الخلف بإقترابه، فهتفت "سمية" بلهجة مختنقة:
"ابعد عن بنتي يا حسن!"
وقف وعندما وجدت الجدار خلفها ظلت تطالعه وهو ينظر لها متحلية بالجرأة، ولم يفعل لها شيئ هذه المرة بل سألها بهدوء شديد يحاول رفع يديه ناحية وجهها كي يمسح لها الدموع:
"بتعيطي؟ إنت نسيتي كل اللي عمله فيكي بالسرعة دي!!"
كلما تنسى يذكرها أحدهم أو قول أحدهم أو حتى عقبه تأتي، فتذكرها بالقهر، أدمعت عينيها وهبطت الدموع وغمضت عينيها بشدة عندما شعرت أنه سيرفع كفه يمسح ويمسد على وجهها حاولت التحرك بينما كان يمنعه جسده ومن بين هذه اللحظة قبل أن يتقرب الجميع وجد "فريدة" تمسك يديه تمنعه بهدوء وهي تنفي برأسها فنفض يديها وابتسم بتهكم وهو يلتفت كي يطالع وجهها بسخرية من دموعها عليه.
فهتفت "عايدة" تقطع كل ذلك عندما شعرت باقتراب مجيء الشباب:
"امشي يا حسن من هنا قبل ما حد يجي، احنا مش ناقصين يبني كفاية اللي احنا فيه!"
ورددت "نيروز" بعدها بخوف واهتزاز تحذره وصدرها يعلو ويهبط:
"امشي عشان "غسان" مش ناسي انت عملت فيه إيه آخر مرة!!"
ونظرت ناحية الباب بترقب، وقالت مجدداً بنفس الخوف:
"لو باقي على نفسك امشي من هنا دلوقتي!!"
قالتها بخوف، ولم تقوِ تلك القوية "ياسمين" عن إرداف أي حديث بل ما زالت جالسة بخواء، ووقفت "وردة" تتابع بقلق، من بين دموعها المنسابة، حبست أنفاسها عندما وجدته يقترب مرة أخرى وهو يردد بغير وعي ويأس رغم تدليله باسمها بينما هذه المرة كان دلال اسمها منه موجع بالقوة:
"أنا مش باقي حتى على نفسي يا "نيروزة"، بس ممكن لحد دلوقتي أعمل أي حاجة عشانك إنت بس، همشي بس تعالي معايا!!"
حالة اللاوعي إلى أي درجة وصلت؟ أمسك معصمها وحاولت هي التملص بخوف، فتعمد اللين وهو يهتف من بين نظراته لعينيها بلوم، وكأن لومه المرات السابقة لها لا يكفيه:
"اختارييني مرة واحدة بس ومش هتندمي!!"
رفع يديه يمسد على وجنتيها وقال بتأثر، وغير وعي:
"حبيني بس زي ما بحبك ساعتها هتغير عشانك وهعمل أي حاجة انتي عايزاها!!"
وضعت كف يديها الآخر على أذنها بإنهيار، وهي تنفي، ووجدت "سمية" تدفعه مع "فريدة" كمحاولة لبعده عنها بينما صرخ هو وهو يشدد من بين مسكته لكفها معارضاً ما يفعلانه:
"مش سايـبها!!"
من أخرجهم بركض من المصعد كان هذا الصراخ الرجولي الذي أسمع من بالخارج بعضهم صعد على السلم من البداية وبعضهم خرج من المصعد للتو، حينها دخل "حازم" بسرعة مع "آدم" و"غسان" وعندما استوعب "غسان" ما يحدث هرول يدفعه عنها وهو يمسكه من تلابيبه مردداً بشر غير عابئ بالحالة:
"انت مقرب منها كده ليه يا و***"
وأكمل صارخاً به بإنفعال:
"انت ليك عين؟ ليك عين تيجي بعد اللي حصل يا ناقص!!"
فصله "آدم" عنها ومن بين ذلك شدد "حسن" من مسكه لكفها رغم محاولة البعض بالفصل بعد دخول الشباب بالكامل وحتى الرجال، حينها ترك يديها بفعل ضربة "غسان" بكفه بقوة، واندفعت هي بنفسها تبكي بين أحضانه ضمها وهو يربت على كفيه وعينيه تراقب مسك "آدم" لـ "حسن" هو و"حازم" ووقوف البقية بخوف وترقب!!
صدره يعلو ويهبط الآن في كل مرة يتعمد أخذ حقه دون أن يضغط بقوة في ذلك وآخر مرة تركه كي تسير حياته مع "نيروز" بهدوء دون حدوث مشاكل تؤدي لانفصالهما، بينما الآن يضغط نفسه بصبر عليه بسبب حالة شقيقه وعائلته وبهذا الوضع إن كان مختلفاً لجعله ميتاً هذه المرة كي لا يعود ويدمرها كذلك وهي بأحضانه كما يدمر الوضع.
ترقبت عيني "زينات" في حين وبخه "حازم" بصوت مرتفع رغم ما هو به:
"انت يا اخي مش هتتظبط بقا حرام عليك!! كفاية بقا كفاية، كل مرة بقول يمكن تتعدل ومبتتعدلش، بقيت ماشي ألف وراك في كل حتة عشان بردو مش قادر أسيبك كده، حلفت ما ليا دعوة بيك، ورغم كل ده لفيت الدنيا عليك وملقتكش، هتبطل تظهر تبوظ حاجات وتمشي تاني إمتى، ناوي تتعدل إمتى بقا!"
صرخ به ووبخه وبالفعل كان عاجزاً عن أن يجده، سكن "حسن" من بين يديه وهو يطالع كفي شقيقه تتمسك بياقته وشاله، إبتلع ريقه بسرعة، ونظر بعينيه وهو يسمعه يردد بـ وجع:
"إمشي يا حسن دلوقتي.. إمشي وابقى ارجع بعدين لو مش ناوي تاخد عزا أبوك!!"
نفض يديه بإنفعال، ونظر ناحية الكل بتفحص وجوههم واحد تلو الآخر ونظر نحو عيني "غسان" بتحدي بعد ضمانه لعدم الاقترب منه، وقال برفض:
"مش ماشي.. أنا هروح أقعد في بيتي اللي من حقي أقعد فيه وملكش أي حق إنك تطردني منه، ومش واخد عزا حد مليش فشغل الصعبنيات اللي بيتعمل ده!!"
طالعوه بقهر، وتعلقت عينيه بعيني "غسان" الجامدة وقال بجبن مخفي:
"هروح بيتي والدكر يقربلي ويوريني مقامه!!"
"أنا ليا مقام في غيابي... مبتخدوش انت في حضورك يا ناقص!!!"
حاول "غسان" الإندفاع نحوه بغضب عقب إرداف جملته المنفعلة وقال مجدداً بنبرة مرتفعة يحاول الإندفاع ناحيته:
"تعالى.. تعالى ياض أوريك مقامك!!"
فصله "بدر" و"بسام" و"عز" له، في حين حاول "آدم" أن يسحب "حسن" ناحية شقة "زينات" مشيراً لها هي و"فريدة" بأن يأتون لفتح الشقة، فتحتها "زينات" بالفعل وهي تقف بجانب "فريدة" التي دخلت معها ووقف "حسن" وقتها بمقابلة "آدم" في الصالة حينها سأله "آدم" بلوم:
"ليه كده يا حسن؟ ليه؟"
"مش لو كنت وافقت كان فات الحال بقا غير!"
قصد رحلة التعافي بمصحة، ابتسم "حسن" بسخرية. وقبل أن يتحدث، تحدثت "فريدة" بتقزز:
"انت بتلوم واحد مقرف عمره ما هيتغير ازاي!"
تشنجت ملامحه وأمسك حجابها بشدة، وهو يردد من بين ضغطه على أسنانه بحديث لم يخرج من رجل أبداً، ولا حتى بأشباه الرجال:
"جرا ايه يا بت! إنتي شوفتي نفسك ولا ايه! نسيتي انك كارت محروق ومعتيش نافعة. نسيتي الراجل بيبص الوقتي لواحدة زيك ازاي!"
تأوه وأنصدم "آدم" من الكلمات، ففصله عنها بمساعدة "زينات" وردد وهو يعنفه من بين مسكة بملابسه بغير تصديق:
"انت بتقول ايه يا ***! انت بتقول ايه لاختك يا قذر يا زبالة! إنت نسيت نفسك! فوق يالا!"
سبه بأفظع الشتائم عندما سمعه يردد على شقيقته ذلك. لا، لم تُرِد أن تكسر بعيني شخص وجدت به الإعجاب بعدما حدث لها. رغبتها كامرأة في أن لا يُحطّم كبرياؤها عند آخر شخص يجهل عن حادثها تلح الآن وتهابها. ابتسم "حسن" بسخرية ثم قال وهو يطالع وجه "آدم" الغاضب:
"ابعد ايدك دي عني، وملكش دعوه، متتدخلش بينا!"
أخذ أنفاسه ونظر ناحيتها بعينيها وقال بضغط عليها:
"مدخلش نفسك فوسط واحدة رخيصة باعت نفسها لواحد وخد الـ..."
بتر حديثه عندما اندفع "آدم" يصفع وجهه موجهاً له لكمات منفعلة من فكرة قوله لكلمات قاسية بذيئة. بكت "فريدة" بكسرة ووجع، وتركت "زينات" "آدم" يؤدبه بطريقته. حينها جثى فوقه يمسكه من تلاييبه وهو يردد بوعيد:
"أقسم بدين الله لو حالتك كانت تسمح إنك تستحمل أكتر من كده لكنت مموتك يا ناقص يا رخيص يا ***! اللي يقول كلام زي ده على حرمة بيته يبقى واحد ***!"
أمسك "آدم" خصلاته بقوة، حتى تأوى "حسن". فردد "آدم" من جديد بنبرة مرتفعة:
"أختك يا زبالة! عارف يعني ايه اختك! يعني أي حاجة بتقولها عليها بتبقى فوشك قبلها يا قذر! دا أنا مصدقتش كرهها ليك بالطريقة دي وقولت لنفسي عملتلها ايه يا حسن. بس مجاش على بالي وساختك دي!"
ضحك من بين مسكة لخصلاته بهذه الطريقة وأكمل من بين دناءته يخبره بما لا يعلمه هو:
"الحمقة خدّاك ومعرفتش زي ما الكل عرف إن شريف خدها عنده وعلم عليها بالقوة. لا وكمان هي اللي راحت لـ..."
قاطع جملته لكمة قوية بوجهه بغير تصديق من "آدم" وصراخ "فريدة" بقوة عندما قاطعته بقهر:
"إخرس.. إخرس يا حيوان يا زبالة!"
ركضت تركله بمعدته وهي تصرخ مجدداً، مع دخول الشباب من الباب:
"أسكت.. ولا كلمة يا قذر إخرس خالص يا ***!"
سبه ولم ينصدم أحد سوى الفتيات من سبها. كانت تركله بهستيرية وصرخ هو أسفل قدمها من ركلها بشدة له. وفصلها بذراعها عندما أمسك إحدى ذراعيها "عز". و"شادي" يفصلانها بعيد. وعندما أمسكوا ذراعيها دون حملها ارتفعت هي عن الأرض سنتيمترات قليلة. انحنى "حازم" بغير فهم ينظر نحوه فوجده يحاول الاستناد وهو يسبهم. لم يعد لديه القدرة ليضرب منه. ود لو يصفعه رغم جهله بما حدث. ولكن أبعده "بسام" و"حامد" عن المكان للخارج مرة أخرى. وأخذ "طارق" يد "آدم" يبعده للخارج هو الآخر. وترك "غسان" "نيروز" المتمسكة به وانحنى أمام النساء والفتيات يمسك وجهه بعنف من بين يديه حتى سالت دماء الآخر من أنفه وجانب فمه!
"بتلعب في عداد موتك يا بن سليم وشكلك هتحصله قريب!"
ابتسم "حسن" بوجع، وهو يرفع يديه يتنفس بصوت ليمسح وجهه من الدماء وقال بتقطع يصر على توجيه الكره له:
"هنشوف مين بالظبط اللي بيلعب في عداد موته!"
توقف وأكمل بتأوه ومازال يكابر في إرداف حديث حاقد:
"انت اللي لعبت في عدادك من ساعة ما خدت حاجة مش بتاعتك ولا من حقك!"
ضغط على فكه بصبر، يتحلى بآخر ذرة منه لديه ونظر نحو وضعه وشكله وقال بتشفي ثابت يسخر منه:
"إكبر في عيني الأول عشان أعرف أشوفك وأخد حقي منك!"
اقترب "غسان" حينها يهمس جوار أذنه بفحيح:
"وأنا هكون إنسان وهقدر حالتك، وهستناك تداوي كل جروحك دي، وبعدها ألمحك ونتقابل عشان آخد حق دمي اللي وقعته وهربت زي النسوان. وقبل ده حق مراتي اللي سبق وحذرتك إنك ملكش دعوة بيها ولسانك ده يبطل يتكلم عنها!"
وأكمل بقية حديثه الذي هدده به:
"..وساعتها يا قاتل يا مقتول!"
نهض عندما دفع رأسه فاستند الآخر بتعب على الأرض تزامناً مع وداع "غسان" الشامت المتقزز:
"يا مـقـتـول يا حسن!"
قالها بتقطع والتفت يحاوط كتف "نيروز" التي ترتعش بالخوف. وخرج وخرجت خلفه النساء والفتيات. وأسندت "زينات" "حسن" كي ينهض رغماً عنها حتى توصله ناحية غرفته دون حتى أن تتفوه بأي حرف له!
كانوا مجتمعين كل جماعة نحو طرف، ووقف "آدم" بشرفة شقة "عايدة" يتنفس بصوت مسموع. تركهم وصدره يعلو ويهبط من عزم الانفعال. عقله مشتت بالصدمة ومن ما سمعه من الآخر. لم يستطع إجماع الحديث وربطه ببعضه كي يصل للنهاية! ما علاقة "شريف" بها؟ وكيف أخذها غصباً من الأساس وهو من قال أنها باعت نفسها له بإرادتها؟ كيف اغتصبت منه؟ ألهذا يرى نظرة الانكسار بعينيها؟ لما يحترق قلبه الآن بل وجسده بالكامل؟ رآها لا ترفض الحديث فقط اندفعت كي تجعله يصمت! تنهد تنهيدة حارة وعقله لا يستوعب إلى الآن كل ذلك!
بينما وقف "حازم" بإنهاك من كم هذه الضغوط والأحداث عليه. رغم أن القادمين للعزاء لا يعتبر بهم أحد ولكنه عقد عزمه على أن يفعل عزاء له ولو صغير يأتي فقط به بعض الرجال وسكان هذه العمارة والمعارف من بداية الغد! أمسك رأسه بتعب بين كفيه وأذنيه تصل بمسامعها إلى حديثهم وهم ملتفين حول "فريدة" المنهارة بالبكاء ومن بين الحديث هتفت "عايدة" بضعف تضمها نحو أحضانها بحسرة لها:
"حقك عليا أنا يا بنتي!"
قالتها ونزلت دموعها في الحال واستمرت الشهقات بالبكاء من "فريدة". بينما جلس "حازم" عاجزاً عن تسعفه قدمه للنهوض مرة أخرى. كان منهكاً نفسياً وجسدياً بما به الكفاية وعندما خرجت "فريدة" قبل دقائق من ضمه لها ضمتها "عايدة" وذهب ليجلس هو بتعب. لم يقو على الاستمرار في الوقوف. هو الآن من يحتاج أن يساند من يحتاج المواساة والاحتواء!
بينما بركن أمامهم وقف "غسان" يدلك كفها بين يديه برفق، رابتاً على ظهرها بخوف من هذه الحالة. ساندها وساعده في أن يجعلها تتجرع المياه وغسل وجهها وهو يمسد عليه. كان "حامد" و"سمية" و"وردة" وحتى "ياسمين" التي وقفت تنظر بقلق وحزن. انطفأت لأجله مرات ومن أجل ما حدث وما يحدث مرات أخرى لم يعد لديها طاقة للتحمل فأصبحت ساكنة هادئة عكس ما كانت هي عليه!
ساندهم "عز" وهو يذهب بكوب من مشروب ساخن ناحية "حازم" مع شطيرة بسيطة أعطتها له "دلال" وأشارت له "عايدة" بأن يتوجه بها نحو "حازم" الذي انقطع عن تناول الطعام!
"إمسك يا حازم كل السندوتش ده وأشرب القهوة دي عشان تقدر تقف على رجلك ودماغك توزنك كده!"
نفي برأسه ويديه ومد يديه يستند بذراعه على الخشب الخاص بالمقعد ثم نهض وهو يخبره رغم عدم مقدرته:
"أنا عايز أشوف أختي يا عز!"
لم يقدر على فعلها. لم يقدر على أن يجلس كل هذا الوقت وبهذا الحال من دونها ودون أن يرى ما حالها. تفحصه "عز" بنظراته وقال بتعقل:
"انت تيجي فأي وقت يا حازم."
بس صدقني أنا معاها متخافش وكمان الوقتي خليك عشان لو حد جه ياخد عزاه!
"أختي أهم من الناس بيتك ميتوهش يا عز أنا هروحلها عشان بالي يهدى!"
قالها بحزم رغم اختناقه وسمعه الشباب وحتي والدته والنساء. إعتدل "عز" سريعا يمسك ذراعه كي يسير معه بلهفة ثم قال كي لا يفهمه خطأ:
"بيتك يا حازم ..أنا هاجي معاك يلا!"
تلهفت "عايدة" ونفى "حازم" برأسه قبل أن تتحدث كي لا ينهار الاثنان عندما يرا بعضهما. خرج دون وداع. خرج بخواء. ومعه "عز". ووقف الكل بقلة حيلة. وعندما حاولت "وردة" إسناد "فريدة" لتقف. منعتها بهدوء ثم قالت بصوتها المبحوح الضعيف:
"سيبيني يا وردة ..أنا عايزة أقف لوحدي فالبلكونة!"
تركتها بقلة حيلة. ونهضت تستند بنفسها بحرص من رأسها التي تدور وعندما وصلت إلى الشرفه. سمحت لشهقاتها بأن تخرج مره أخرى وتوقفت على فجأه وهي تضع يديها على فمها ببطئ. وعينيها تمسح وجهها عندما وجدته يقف يولي ظهره للقادم من الخارج. حينها سمعها وإلتفت سريعا. ولم تتحرك هي. بل رفعت عينيها تطالع عينيه اللامعة بخزي. بينما هتف بما لم تتوقعه ابدا عندما إقترب يقف بمواجهتها ثم قال بأسف لها عن كل مره كان يقف ويجرحها بحديث عندما كانت تتحدث عن شقيقها بسوء:
"أنا آسف!"
وضعت يديها علي وجهها بكسرة. وعلمت بأنه علم السر الذي لم يكن سر بتاتا. بل سر كان يخفي عليه وكانت تعلم بأنه يجهله ولم ولن يردد له أحد عن كل ما حدث لها كونها باتت تعلمهم جيدا. علم هو أنه على مشارف الوقوع بها بجدية هذه المره. لذا إهتزت نظراته وهرب بعينيه من بكاءها وعندما حاولت الهروب من أمامه قاطع سيرها بالوقوف بكامل جسدة أمامها وقال بنبره مختنقة يسألها:
"ليه مقولتيش!"
كيف ستقول؟ وتحت أي مسمي؟ إنهارت أكثر في البكاء ورفعت رٱسها تطالعه بنظرة عينيها المكسورة وتعمدت وقتها الجمود والثبات في القول عندما قالت بإيجاز تخبره:
"عشان مينفعش..وعشان مفيش حاجه بينا تخليني أتكلم فـ ..."
كانت تردد بنبره متحشرجه إلى أن قطع حديثها الجدي الهادئ الباكي بنبرته الهادئه يسألها مجددا بقهر مخفي:
"عشان كده صدتيني؟"
حاولت الهروب أكثر فمنعها بسرعه وهو يتقدم أمامها خطوه واحدة يسألها بنفس اللين السابق:
"عشان كده كنتي بترفضي تقابلي مني أي كلمة؟"
إنهزمت لا تريد أن يلين قلبها لهذا الحديث لا تريد كل هذه المشاعر لا تريد أي شئ. لم يعد لديها ثقه. لا تريد خوض تجربه مثل هذه. لا تريد أن تستكشف جنس ٱخر وحتى لو بمجرد حديث عابر!! رددت بضعف وحديثها يأخذ نغمة بكاء ضعيف:
"لو سمحـ.."
يخترق قلبه كل هذا. وفكرة ضياع شرفها تطعنه الٱن عندما تأكد. استنكر حاله عندما لم يتردد ولم ينظر ولم يـصـد او تتغير الفكره لدية. لا ينكر بأنه اهتز قليلا. وكان متسرعا. دون حساب أي شئ بحياته ولا حتي لها. كان مندفعا. عندما قال بسرعة يبتر حديثها بـ جملته المماثله لها في القول قبل ان تكمله:
"لو سمحتي إنت..أنا شكلي هحبك.. غصب عني!"
إندهشت من بين البكاء. ورفعت يديها بجرأه تدفعه عنها بحدة. ثم قالت وهي تمسح وجهها بعنف:
"قولتلك مينفعش!!"
وأشارت بيديها تحثه بوجع:
"ابعد عني وملكش دعوة بيا بقا!!"
خرجت من الشرفه بإندفاع. تركض نحو شقة "زينات" حينها هرولت خلفها "وردة" بغير فهم. ووقف هو بالشرفه يضع يديه علي وجهه بثقل. لم يختار حتى الوقت المناسب. يعلم أنه تسرع حتي قبل أن يتأكد ان كان سيقع بها ام لا. هذه المره ستعتبرها شفقة منه ليس إلا بعد كونها ترفض أي شئ الٱن!!
"قولتلها ايه ي ٱدم؟"
كان هذا قول "بدر" الذي وقف بجانبه "بسام" و"غسان" الذي لاحظ ركضها فترك "نيروز" مع والدتها وشقيقتها الٱخري ودخل مع الٱخران الشرفه. إندفع "ٱدم" بحدة. يوبخ شقيقه وهو يشير له مرددا بجمود:
"انت مقولتليش على اللي حصلها.."
وأكمل بإندفاع يردد اللقب الذي يفتك بها وبه الٱن:
"ليه مقولتش ان هي مـ.."
وقبل أن يكمل الحديث هتف "غسان" بتحذير:
"إسكت متنطقهاش!!.."
طالعه بإستنكار. رغم وجعه. وإقترب "غسان" يتحدث بصوت اقل انخفاضا يحذره:
"ميحقلكش تسأل بكلمة زي دي عليها ولا على اي واحدة!!"
أمسك"بسام" ذراعه كي يجعله يهدأ في حين كان الاخر يسأل بوقاحة مخفية في القول. إبتلع ريقه واهتزت نظراته وهو يتركهم متوجها نحو الخارج ذاهبا إلى حيث منزله بعيدا عن المكان الوجع ومكان إكتشاف وجعها قبل أن يصبح وجعه. زفر "بدر" بصوت مسموع. واعتدل "غسان" كي يخرج نحوهم مره أخرى في حين نظر "بسام" ناحية "بدر" وهو يحثه على الخروج!!
"بقيتي أحسن؟"
سألها"غسان" برفق. فهزت رأسها بسكون وهي تمسح وجهها. ومن بين نظراتها على الجالسين وجدت "ياسمين" تتمسك بمعدتها بتحمل ووجهها أحمر متعرق. تمعنت النظر ناحيتها حينها إلتفت "غسان" برأسه فوجدها تنهض ببطئ تتوجه ناحية طرقة المرحاض ناحية الحوض وفي طريقها انحنت تتأوي بصوت. ومن بين انحناءها كادت أن تسقط أرضا. ولحقها ذراع"غسان" بصدمة. ونهض الجميع بعد نهوضه بإندفاع. حينها صرخت "ياسمين" صرخة دبت بأرجاء المنزل. وهرول الكل ناحيتها وهي تستند أرضا تستند علي ذراع واحد من ذراعي "غسان" الذي انحني بغير فهم ووعي لسرعة ما حدث الٱن!!
"يـــاســمـــيــن!!!"
قالتها "سمية" مع "نيروز" بصراخ. وحتى "وردة" والبقية. وعند صرخة الٱخرى وهي تحاول التحرك بمساندة "غسان" سريعا. وانحناء "نيروز" بخوف. انصعقت عندما وجدت بقعة الدماء تسيل من أسفلها. حينها صرخت تدفع "غسان" كي يحملها ثم قالت بخوف ونبره عالية مصعوقة:
"دي ...دي بتنزف!!"
قالتها بصوت مرتفع ووقف الكل بخوف. بينما حثه "بسام" سريعا. وهو يركض يفتح باب المنزل مع "دلال":
"هاتها. شيلها يا "غسان" بسرعة. نوديها المستشفي. قبل ما يحصل حاجة!!"
وقف "غسان" بها عندما وضع ذراعه أسفل قدميها وهرول بها من بين تشنج وجهها بألم. ودموعها التي تهبط. توقفت عن الصراخ وسقطت رأسها بعالم غير عالمهم عندما لاحظت الدماء. دماءها؟ أم جنينها؟ عند هذه النقطة فقدت الوعي. وهرولت "نيروز" ببكاء خلفهم هي و"سمية". وظلت "دلال" تردد بذكر الله بخوف. وذهبت "عايدة" سريعا تحت خروج "وردة" بسرعه من الشقه الأخري بغير لهم هي وزوجة عمها وحتي ابنة عمها!!
بكت "وسام" بصوت عال بانهيار. ودفعتها "دلال" نحو أحضانها سريعا. والوضع كلما يمر يتأزم. وعندما يأتي السئ لم يتوقع أحد بأنه يوجد الأسوء منه. حينها يتوجب الرضا والقناعه والصبر على الإبتلاء. تبدل الحال بلحظات قليلة جدا. والخوف الٱن يرافق القلق ويغلفهما الحزن والقهر!!
بالفعل كان لا يعلم. من كثرة الشعور أردا الذهاب من الشقة بأكملها. من كثرة الثقل على قلبه والضغط. دفن والده بيديه ورأي شقيقه يخرب الوضع أكثر وهو العاجز الغير واعي بماذا عليه أن يفعل بعد الآن بماذا يتوجب عليه الفعل وهو بهذه الحالة!! ولو يعلم هو ما حدث لها لأعلن رغبته في الاستسلام والإختفاء من هذه الحياه لعدم قدرته!!
جلس "حازم" على أريكة حديثه وحيدًا أمام شاشة تلفاز مشغل بالقرآن بصالة شقة "عز". جلس ينتظر خروجها بعدما دخل "عز" يحثها على الخروج. وخرجت "حنان" لتعزية "حازم" والجلوس برفقته إلى حين خروج شقيقته. كانت تجلس بجانبها "فرح" حزينة العينين المتعكرتين بالدموع دون حتى أن تهتف حرفًا واحدًا.
وقف بإندفاع من هذا الانتظار عندما وجدها تخرج مع "عز" بمساندته، وهو يمسك ذراعيها برفق كي تخرج. وما أن خرجت وهي تمسح وجهها، وقعت عيناها عليه. وحينها تركت "عز" وهرولت ترتمي بين أحضان شقيقها بإنهيار أمام نظراتهم المشفقة الحزينة. قررت "حنان" تركهما وتوجهت ناحية الباب تهبط عندما تذكرت بأنها تترك طعامًا على النار في الأسفل قبل وقت. أشارت لـ "عز" فأومأ لها وهو ينظر نحوها بوجع. إلى الآن تبكي بين أحضان شقيقها ولم تخرج بعد.
نهضت "فرح" ببطء تسير خلف "عز" الذي دخل مدخل المطبخ ينفرد بنفسه قليلاً. وعندما دخل فتح صنبور المياه يمسح على خصلاته بإنهاك وأغمض عينيه بقوة. وانتفض بخفة خفيفة عندما وجد يد أحدهم توضع على كتفيه. كيف لم يعرف هو أناملها الذي يفتقدها قبل فترة، ويفتقد احتواءها له! التفت ينظر لها وضَمَّته هي بين ذراعيها وهي تربت على ظهره بقوة. كانت على مشارف النطق بينما تحاول جاهدة ولم تستطع أيضًا. حينها هتف هو بتحشرج وهو بين ذراعيها:
"أنا تعبان أوي يا فرح.. مش قادر!"
أكمل سريعًا، يخرج هواء أنفاسه بحسرة، ثم قال بخيبة وقهر لها:
"مش قادر أشوفها كده!"
شددت بعناقه بقوة، وخفتها في الاستيعاب تزداد كما في الحركة، وهذا يعني قرب الحالة بالنطق من جديد. حينها فتحت صنبور المياه من بين دموعها تمسد على خصلاته وأمسكت كفه بتشبث، حتى قبلته بأسف. كل هذه الحركات خلف بعضها تثير دهشته بعد ابتسامته الباهتة وعانقها هو هذه المرة بتأثر.
وكما كان يعانقها، خرجت أخرى من العناق. خرجت "جميلة" تستمع إلى حديث "حازم":
"ربنا يرحمه ويغفر له يا جميلة. البكاء مش هيعمل حاجة. صلي وادعي له واصبري."
مسحت وجهها بصمت، وجلست بجانبه عندما دفعها برفق لتجلس وحاوط كتفيها وضَمَّ رأسها ناحيته وقال مرة أخرى بهدوء:
"هوني على نفسك، عشان الأيام تعدي. عارف إن كل حاجة دلوقتي صعبة عليكي، وعارف إن فرحتك راحت بسرعة أوي قبل ما تكمل للآخر. بس عشان خاطري إجمِدي يا جميلة. أنا ثابت بثباتكم أنتم. أنا عارف إن فريدة هتمسك نفسها بعد كده شوية لكن انتي أوعديني تصبري ومتعمليش في نفسك كده."
وجدت نبرته تبح وتتحشرج، وهيأته ونبرته يمزقان بها بقوة. حركت رأسها تومئ وفقط، فأمسك هو يديها وأهبط رأسه يقبل قمة رأسها. ووجد "عز" يقف أمامه وبجانبه "فرح". حينها وقف وهو يمسك يد "جميلة" حتى وقفت معه ونظر لها بابتسامة هادئة صغيرة كي يبث بها بعض الثبات. وأشار لـ "عز" كي يحدثه على انفراد. حينها وقف أمامه واهتزت عيناه بينما لم يتردد بل هتف بلهجة هادئة عميقة وشقيقات كل منهما تقف على بعد تواسي واحدة الأخرى بالأحضان والنظرات مع محاولتها الجاهدة بخروج الحروف من بين شفتيها:
"متسيبهاش يا عز. جميلة مش هتقوى غير بيك!"
وقبل أن يكمل "حازم" أكثر، تفهم وضعه كرجل لحدوث كل ذلك به بلحظة سعادة. لذا حدثه بحديث متفهم من رجل لرجل آخر. عاد "حازم" يكمل وهو يضع ذراعه على كتف "عز":
"أنا عارف إنك ملحقتش تفرح زيك زيها بالظبط. بس انت ابن حلال. عايزك تصبر عليها وتستنى..."
تفهم "عز" طبيعة حديث "حازم" عن إتمام زواجه بها وقاطعه بجدية شديدة وهو يطيل النظر بعينيه حتى قال بجدية متعقلة متفهمة:
"أنا فاهم يا حازم من غير ما تقول. وعيب كلامك ده إحنا رجالة بتفهم وبنقدر. وأنا أهم حاجة عندي راحة أختك متقلقش."
وأكمل يطالع طيفها وهي تجلس بجانب شقيقته وعاد ينظر ناحية شقيقها مضيفًا:
"أنا بحب جميلة وبراعي ربنا فيها. ولو كانت الحالة من غير حب فبرضه كنت هراعي ربنا فيها وهراعي ظروفها عشان مراتي. اطمن!"
"مش عارف أرد أقولك إيه يا عز. كتر خيرك حتى لو كان واجبك. بس أنا بشكرك!"
عنفه "عز" بنظراته فربت "حازم" على كتفه بإمتنان وتوجه بعدها ناحية شقيقته يحتضنها بوداع. فردت هي بضعف تسأله وهي تراه يعتدل:
"خليني أشوفك تاني يا حازم. وخليني أشوف ماما وفريدة ونيروز. وكلهم. قولهم يجولي طالما محدش راضي يخليني أروحلهم."
"حاضر. هخليهم يجولك في أقرب وقت. متخافيش انتي وإطمني وخلي بالك من نفسك ومن حالك. ادعي له واصبري زي ما قولتلك. اتفقنا؟"
أومأت بحزن وابتسم مرة أخرى بطريقة زائفة كي يشعرها بالأمان وتوجه تزامناً مع دقات هاتفه الذي تعمد تجاهلها فوجد "عز" يأتي خلفه حتى قاطعه هو وهو يلتفت يشير له نفياً:
"أنا عارف السكة كويس يا عز. خليك جنبها انت زي ما قولتلك وإسمع الكلام."
وجد الإصرار منه فحرك رأسه إيجاباً وقال قبل أن يغلق "حازم" خلفه الباب:
"هبقى أكلمك أطمن عليك."
همهم الآخر وزفر بنفاذ صبر عندما وجد الهاتف يدق مرة أخرى. بينما توجهت "جميلة" ناحية التلفاز كي تقوم بتعليّة صوت القرآن أكثر وجلست تستمع فوجدته يجلس وهو يرفع يديه يزيح خصلاتها إلى الخلف وردد بهدوء كي يخفف عنها:
"جميلة وميليقش عليكي الحزن أبدًا يا جميلة."
طالعته بملامح هادئة حتى وجدته يرفع يديها ناحية فمه يقبلها برفق ولين وعمق حتى بنظراته. فتحت "فرح" الباب عندما وجدت الجرس يرن وظهرت "حنان" بصينية طعام ساخن من ضمنه حساء لها. دخلت بخطوات هادئة ووضعت الصينية على الطاولة تحت إسنادها برأسها على كتف "عز" وما أن وجدتها تقترب وهي تمد يديها المجعدة بقولها:
"قومي يلا يا حبيبتي كُلي لكِ لقمة!"
ترددت بنظراتها ونظرت لكفها ثم لعيني "عز" الذي قال لها بابتسامة يحثها:
"هتكسفي أم عز؟"
"لأ.. بس.. بس أنا مش قادرة ومـ..."
وجدت "فرح" تمد لها كفها هي الأخرى فعاد "عز" يسألها بمشاكسة طفيفة ليخفف عنها:
"هتكسفي أخت عز؟"
ضحكت "حنان" بخفة وابتسمت "فرح" فنفت "جميلة" بتعب:
"مليش نفس آكل يا عز.. مش هقدر عـ..."
بتر حديثها عندما وقف "عز" ممسكاً بيديها فظلت هي جالسة تطالع يديها المعلقة فسأل هو بخفة مرة أخرى:
"طب وهتكسفي عز؟ حبيبك؟"
خجلت من بين حالتها وكادت أن تعارض فحاول "عز" أن ينحني ليحملها فوقفت هي بإندفاع عندما شعرت بما سيفعله حتى فتحت عينيها على وسعها. ضحك بخفة وابتسامة خجل زينت محياها الباهت وثمة أفعال بسيطة تُفعل كي تهون عليها. وجدت "فرح" تحتضنها للمرة التي لا تعرف عددها ومن بين محاولتها هتفت بجانب أذنها ببطء وتقطع:
"جمـ ـيـلة!!"
قالتها بتقطع ولم تتوقع "فرح" نفسها بأن حديثها الصامت التي تتحدث به بصمت عاجز خرج أخيرًا. فتحت "جميلة" عينيها على وسعها كما صُدم "عز" وانفرجت شفتي "حنان" بابتسامة واسعة. فردت "جميلة" بغير تصديق:
"فرح!!!"
انتي اتكلمي يا فرح.
"اللي أنا سمعته دا حقيقي يا فرح؟ قولي إنه بجد! اتكلمي تاني كدة!"
نطقها عز بسعادة مصدومة وصدمة حنان جعلت الحديث يهرب منها. في حين توسعت بسمة فرح بغير تصديق ثم قالت وهي تحرك رأسها بغير وعي للذي يحدث:
"عز أنا.."
لم تكمل الكلمات ورغم أن حديثها بطيء ولكنها تتحدث الآن. بطيء بسبب توقفها عن الحديث لفترة كبيرة. ربما سيكون كذلك في البداية. وجدت نفسها تندفع بأحضان حنان الفرحة وأدمعت عينيها تأثراً. في حين نظرت جميلة بدهشة ناحية عز الذي تيقن بهذه اللحظة أن البلاء يأتي ومن الناحية الأخرى يأتي فك كرب وبلاء آخر.
ربما هذا هو الشئ الوحيد الجيد بهذا اليوم الملئ بأحداث صعبة. ومن بين أحضان لأخرى وآخرهم كان عناق عز بفرحة لم يستطع إخفاءها ووقتها نظرت جميلة بتأثر ناحيته وفي الحال وجدت كفه يحتوي كفها مع قوله الهادئ:
"مهما كان فإنت وشك حلو وهيفضل حلو عليا يا جميلة!"
ابتسمت بابتسامة باهته وقرأ هو المسطور بعينيها عندما كانت تنظر له بشفقة على ما يحدث. فهمها وفهم حديثها وبرر سريعاً. قبل أن تنتكس. وجدته يسحبها برفق كي تجلس على الطاولة. كانت تأبى أن تأكل بينما تأخذ بعض لقيمات صغيرة من بين يديه تارة ومن بين يدي فرح تارة وحتى حنان كانت تطعمها وكأنها صغيرة. وقعت وسط عائلة حنونة تعشق البساطة. فرحتهم كانت تأتي بأبسط شئ يمكن فعله.
"الحمد لله ربنا ستر. والبيبي بخير. مجرد ضغوط نفسية جت بإنذار إجهاض. هي حالتها مش أحسن حاجة ولازم تفضل فالسرير متتحركش منه مع شوية مثبتات لازم تمشي عليها الفترة دي."
عادت الأنفاس بعدما سُرقت ووقف الكل يسمع الطبيب. وعندما أكمل بهاتفه لأسماء أدوية ركز معه بسام واحتضنت نيروز غسان وكأنها تحتفل بالإطمئنان عليها وعلى الجنين الذي مازال برحمها إلى الآن. كانت كلمات الحمد والشكر لله عالية منهم جميعاً. وهرولت سيمة نحو الداخل بإطمئنان. حتى وجدت مغذي يحقن بها بين عروقها. دماءها التي نزفتها لم تكن كثيرة بينما كانت ظاهرة أسفلها بقعة معينة جعلت الكل ينصدم كونها حامل. وقف الكل يأخذ أنفاسه. ورد بدر على وردة بينما أخبر غسان حازم بطريقة تجعله يطمئن قبل قليل. فاتفق الكل على أن يعلم لأن لا مفر من ذلك. حينها تذكر لهفته وصوته الخائف وهو يستعلم عن أي مستشفى هم. أستند غسان بظهره على الحائط ونظر ناحية ذراعه وكفه وحتى أزارار قميصه التي فُتحت بإهمال. توجه ناحية المرحاض بعدما أخبر نيروز فدخلت نيروز مع عايدة إلى الداخل. ووقف شادي بجانب حامد ينظر بأسف على حالهم كما كان بدر يطمئنهم.
"روح يا بني بقا لمراتك. متسييهاش كل ده لوحدها!"
كان معهم طارق يساندهم ووصل إلى مسامعه قول حامد للآخر فرد شادي بنبرة هادئة يوضح:
"مكنتش عايز أسيبها بعد ما انهارت من العياط بس مضطر!"
"طب إستأذن يبني وروحلها لسه قدامك طريق. وأنا خايف على بنتي!"
قالها طارق بقلق. فرد شادي بتفهم:
"أنا عارف يا عمي وبحاول متأخرش عليها متقلقش. حازم يجي بس وهمشي علطول!"
وجده يهرول من نهاية الطرقة ممسكاً الهاتف على أذنه. كان ركض كمن يركض بتيه في هذا الوضع. قابله شادي وبدر سريعاً يطمئنه ومن قبل أن يتحدثوا سأل هو بخوف ولهفة عليها:
"هي فين.. حصل ايه.. طمني يا بدر.. حد يرد عليا!"
"أهدي يا بني. متخافش هي كويسة أدخلها هي جوه!"
قالها حامد وهو يربت على ذراعه بينما تركه مهرولاً ناحية الداخل بخوف ويديه ترتجف الآن لأول مرة لأجلها هي. دخل ووجدها نائمة بعالم غير هذا العالم ووقفت سمية تطمئنه عقب دخوله. بينما كانت تجلس نيروز على المقعد بجوار الفراش التي تتسطح هي عليه. هرول يجلس على المقعد بخوف. ثم أمسك كفها المحقون به الإبر يمسد عليه بخوف. وهبطت دموعه الآن وهو يردد باختناق وكأنها تسمعه:
"ليه كدة يا ياسمين. لو حصلك حاجة أنا روحي هتروح فيها!"
قالها باختناق وشعر بهذه اللحظة أن الأبواب تُغلق بوجهه من جميع النواحي. أدمعت عينيه أكثر وإستند برأسه وهو ينحني على الفراش بتعب. مقدمة رأسه بجانب كفها الموضوع. وهو يزفر أنفاسه بصوت كي يخرج الثقل الذي على قلبه وصدره. شعر بإنسحاب الكل من الغرفة وبعد دقائق من هذا الوضع وجد كفها يمرر على رأسه وخصلاته. حينها تلهف فوجدها تنظر بتشوش. وعندما نظرت ناحيته حاولت التركيز أكثر وإنتفضت بفزع تتمسك بمعدتها فنهض سريعاً ينظر نحوها. أدمعت عينيها وهي ترجع ظهرها ثم سألته من بين جلوسه بجانبها يحاول سندها كي لا تتحرك:
"منزلش يا حازم صح؟ قولي والنبي إني مسقطتش عشان خاطري!"
قالتها ببكاء وهي تتحسس بيديها موضع معدتها فربت هو على معدتها بحنو. ثم انحني يقبل مكان لمسته وهو يقول بتحشرج يقطع حديثها:
"الحمد لله.. الحمد لله يا ياسمين. ربنا كتبله يعيش ويكمل. بس أنا أهم حاجة عندي إنت. إنت متتعوضيش عشان خاطري خدي بالك من نفسك ومن صحتك. مبقتش قادر.. مش هبقى حمل ضربة تانية وأنا كدة."
رفعت يديها تمسح دموعه وبكت بضعف وهي تحرك رأسها فاعتدل بجلسته ينتظر هذا المحلول كي ينتهي. ومن بينه اقترب كي يسند رأسها على كتفه وهو يربت على ظهرها كطفلة صغيرة بين يدي والدها يطمئنها بأن ليس بها مكروه. وأن ما بها مجرد "شكة من دبوس" بهذه اللغة فيما بينهم.
في الخارج وقف بدر كي يساعد حازم في الرحيل. وعقد حامد العزم على أن يجعلهم يرحلوا من غسان ونيروز وسمية وحتى طارق الذي رحل وهو يوصي شادي. وقف شادي من على الأعتاب يودع حازم الذي أومأ له برأسه بتفهم. فرحل هو الآخر وهذه المرة بسيارته نحو منزله هو. بينما في أقل من ساعة سيكون حازم عائد إلى المبنى ومعه ياسمين بمساعدة بدر. في حين أن البقية رحلوا قبل وقت.
كانت وردة تنتظر بقلق وخوف على ياسمين ولولا أنها إطمأنت هي وزينات وفريدة وحتى دلال وابنتها وسام لما كانت حالتهم ستكون كذلك أبداً. من بين جلستها الآن على سجادة الصلاة بغرفة جميلة. تبكي للخالق وحده. أغلقت المصحف وهي تمسح دموعها ثم رفعت يديها كعلامة للدعاء وهي تقول دعاء فك الكرب والتهوين لكل ما يحدث:
"اللهم إليك أشكو ضعفي قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني. أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا ابالي. غير ان عافيتك هي اوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة. أن يحل على غضبك. أو ينزل بي سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك."
إستمرت في الدعاء وكانت تقف على أعتاب باب الغرفة زينات التي رفعت يديها تفعل مثلها وهي تردد "آمين" بوجع. سمعت صوت الحديث العشوائي وعلمت أنهم أتوا من الخارج فمسحت وجهها وهي تنهض حتى خرجت بعدما خرجت زينات بلهفة ووجدت حامد يطمئنهم بالحديث. ومن بين كل ذلك إنسحب غسان مع نيروز للأعلى عندما شعر بأن طاقتها تنتهي بالفعل. جلست دلال بإنهاك. وإستندت وسام على كتف حامد فربت هو على رأسها بحنو وهو يحثها على النهوض نحو شقتهم. في حين وقفت وردة تنتظر قدوم بدر ومن الجهة الأخرى تشتاق لصغيرها والتي لم تراه منذ ما حدث فقد أخذته فاطمة وقتها مع الأطفال في السيارة وجلس معهم من وقتها هناك بعيداً عن هذه الأجواء المشحونة بالحزن والسلبية.
مرت دقائق كثيرة وصداع رأسها لا يتركها من كم الجهد التي بذلته بنفسيتها وضغطها. وقفت نيروز تبدل ملابسها لأخرى مريحة في المرحاض. حتى مدت يديها تمسح وتغسل وجهها بقوة. تجهد وبوادر دور الزكام تظهر من جديد عليها. اعتدلت تمسح وجهها وخرجت فوجدته يدخل الغرفة مع دخولها وهو يعد كوب من المشروب الساخن مع شطيرة صغيرة ووضعها على الطاولة الصغيرة الحديثة. فخرجت تبتسم له بإمتنان وإرهاق. فوقف هو كي يخفف عنها والتفت خلفها كي يترك عقدة شعرها. أن تُترك خصلاتها دون عقدها فستشعر بالراحة ولو قليل بعد كونه يفضل تركها لخصلاتها بهذه الطريقة. ابتسمت له وهي تسير حتى جلست على مقعد مريح وجلس هو بجانبها. تعلقت عينيها بعينيه بإمتنان وقالت بشكر تحت تأثر لما فعله:
"أنا مش عارفه أقولك ايه يا غسان.."
كل مرة بتقف جنبي وجنبنا للآخر. ربنا يخليك ليا!
أدمعت عينيها بتأثر. فابتسم يشاكسها كي يخفف عنها، ورفع كفه يمسح على خصلاتها مع قوله اللين المشاكس كي يخفف عنها:
"قولي بحبك!"
ضحكت بيأس منه كي تراضيه، ونظرت بحب هادئ. ومن ثم حركت عينيها نحو الكوب وأخذته من بين يديه دون معارضة. هي تعلم الآن بأنها بنهاية الأمر تنهزم أمام إصراره. تجرعت منه بهدوء مع قضمها، رغم أنها لا تقوى على تناول طعام مهما كان حجمه. ولكنه يصر الآن بنظراته!
"استنى ثواني أخرجلك لبس عشان تغير!"
قالتها وهي تحاول النهوض عندما وجدته يعتدل، ولاحظت ملابسه التي ظهر عليها الانكماش والإهمال. أمسك معصمها يقاطع نهوضها، ثم قال بابتسامة هادئة وهو يقوم بفك الأزرار أكثر كي يخلعه:
"سهلة خالص... أهو!"
قذف القميص على بُعد. واستند بجسده بإريحية وهو يحاوط كتفيها. فابتسمت وركزت بعينيها نحو جرح جانبه الذي طُعن به من "حسن". تركت الكوب أخيرًا حتى وضعته بجانبها، واستندت برأسها على كتفه بتلقائية. فلمس وجهها كتفه العاري الجامد بعظمته. ولكنها على أية حال تشعر بالراحة عند الاستناد عليه:
"طلع كتفك شيال وبيسند أي حد يميل عليه... وعمره في يوم ما مال هو!"
قصدت مساندته للكل غالبًا! ابتسم وهو يخرج أنفاسه ورد بعمق وهو يمرر يديه على ذراعها محاوطًا كتفيها:
"ولا هيميل طول ما 'نيروز' ساندة عليه!"
ابتسمت ابتسامة باهته وأغمضت عينيها بإرهاق. ثم فتحتها، فحاول هو التخفيف عنها عندما قال بمرح كي يجعلها تضحك رغم هذه الظروف:
"أنا... عايز خناقة كده ولا كام كلمة من بتوعك يسخنوا الدنيا بدل الهدوء ده. أنا مش متعود على كده. أنا... فين النكد؟!"
ضحكت بخفة. ولم يفشل هو بالتخفيف عنها، بل نجح رغم وجعها وحزنها. ولكنها ضحكت ربما بألم. جاب عينيه تقاسيم وجهها فردت هي بهدوء تعترف له:
"مبحبش خناقنا ولا بُعدنا. بس عايزة أقولك إني بحبك أوي. وأي حد غيرك كان فاته اتخلى عني بقاله كتير عند أول حاجة حصلت من ساعة ما دخلت حياته. وكإني بوظتها عالآخر! انت استحملت معايا... وبتستحمل كتير أوي. أنا... أنا آسفة!"
عقلها لا يتذكر إلا صبره على "حسن"، ولامس قلبها إنسانيته رغم ما فعله ورغم شخصيته التي لا تظهر بأنها كذلك!
"أنا أستحمل أي حاجة عشان بنت الأكرمي!"
أهبط شفتيه يقبل كتفها برفق. واعتدل يمسك وجهها بين يديه حتى طالع عينيها الحزينة وملامحها وهتف بلين يأثر بها:
"ملامحك متستاهلش تبهت كده يا نيروز. الموت حق، وحتي الحياة ابتلائات واختبارات من ربنا لينا. مش محتاجين غير الصبر. الصبر من غير ما نجهد نفسنا!"
ابتسمت له بإطمئنان. ومسحت لحيته الخفيفة بيديها. ثم مررت يديها على خصلاته ترتبها. ومن بين اندماجها قبل وجنتيها بمشاكسة. فضحكت هي بيأس منه. ثم قالت بصوت مختنق تحاول به أن تثبت وتظهر له الاطمئنان:
"تعرف إنك قليل الأدب... بس بحبك ويطمن فوجودك!"
ضحك بخفة، يؤكد وغمز لها بمشاكسة طفيفة. ونهض يشير لها بأن تنهض وحثها على أن تنهض. وفتح ذراعيه على آخرهما يشير لها بالدخول بين ذراعيه. فعل كذلك كونه يشعر بكبتها. دخلت بتأثر بين ذراعيه ولم تنهمر الدموع هذه المرة، بل أدمعت عينيها تأثرًا. ومرر هو يديه على ظهرها ومؤخرة رأسها بخصلاتها. فردد هو وهي تحاوط خصره بذراعيها تعقده بتشبث، وكأن هذه هي لحظة الأمان والحماية من قسوة من بالخارج بالنسبة لها:
"ابن البدري مش على بعضه عشانك والله!"
صارحها بوجعه هو الآخر وحزنه لأجل حزنها. فاستمرت هي تشدد بعناقه كما كان هو يحتجزها بين ذراعيه باحتواء!
...
بينما في الأسفل:
دخلت "زينات" شقتها وخلفها "فريدة". عندما وجدوا أن الكل يحتاج راحة أو قسطًا منها على الأقل. الجميع حتى بعد قدوم "حازم" و"ياسمين" و"بدر". واطمأن الجميع عليها ونامت هي بسبات عميق بين أحضانه بغرفته. جلست "عايدة" بغرفتها تهاتف رقم "جميلة" بلهفة كي تطمئن عليها!
ووقف "حامد" بصالة شقته ينظر ناحية "بدر" الشارد وقال بدون مقدمات:
"مقولتلهاش لسه يا بدر؟"
رفع رأسه ينظر بيأس وهو ينفي. فزفر "حامد" بصوت ثم قال يوبخه:
"انت غلطان عشان زنقت نفسك وحتى ممهدتلهاش إن ده هيحصل. حتى الوقتي صعب تمهد!"
وضع "بدر" كفيه على رأسه بثقل. وحينها وجد ذراعي "دلال" تحتضنه بعاطفة أمومة. لم ينعم بذلك منذ مدة كبيرة. دخل بين ذراعيها بإستسلام فربتت "دلال" عليه بحنو ثم قالت بإطمئنان:
"متخافش يا حبيبي... هي هتفهم الوضع والدنيا هتمشي وكله بيعدي!"
لم ينبس بأي حرف. وراقب "حامد" ما يحدث بقلة حيلة. بينما كان "بسام" بغرفته واستطاع بأن ينفرد ليقوم بمذاكرة لم تنته بعد لمهنة الطب التي لا تنتهي أبدًا. سيحاول التركيز على أية حال إن لم يقطعه شيء أو صراخ أو ماشابه من عائلة الأكرمي!
...
الساعات تمر وروحه الآن إما أن تخرج إلى الأبد أو ستبقى بين الحياة والموت. سيلفظ أنفاسه الأخيرة. أم أن استسلام جسده بهذه الطريقة سيجعل عقله كذلك من كثرة ما يتجرعه الآن لا يقدر على النهوض بل ولا على فتح عينيه. الآن الموت يقترب منه وهو على الفراش دون أن يعلم أحد. أُغشي عليه بغيبوبة أتت من ضعف جسده. وإن لم يلحقه أحد لذهب في سبات عميق لا نهوض منه أبدًا إلا يوم الساعة!
"ازاي تسيبني واقفة على الباب أصلًا كدة يا 'سمير'؟ أنا وانت ومترضاش تفتح؟ دا ايه ده؟ دي مش قلة ذوق؟ أدي مجايب أخوك يا سيدي. حاجة تعر والعوج اشتغل من الصباحية!"
كان الحديث يخرج غضبًا من "دولت" التي قالت كل ذلك بمنتصف شقة "شادي" بمنتهى التبجح. شادي الذي جاء قبل ساعات وبقي معها وعندما جاءوا مرة أخرى فتح لهم يرحب بهم!
كانت "منة" تقف خلف باب الغرفة. تمسح وجهها ودموعها. تتذكر كيف كانت تهاب بأن تفتح لهم وهي بمفردها دون وجود "شادي". لا تثق بهم ولم تعطيهم الأمان. وعلمت "دولت" بحدسها الأنثوي المتفهم أمور النساء هذه!
وقف "شادي" يستمع إلى هذه الكلمات وأمامه "سمير" و"فتحي" الغاضبان أيضًا!
"جرا إيه يا 'شادي'؟ مراتك مش عطيانا الأمان وخايفة مننا لإيه؟ بنعض إحنا ولا إيه؟ وبعدين خارج رايح فين وسايبها يوم صباحيتك؟"
وأكمل "سمير" بقية كلماته بإنفعال يخرج له بما يكبته:
"ورا الواد اللي اسمه 'غسان' بردو؟ خد بالك الواد ده طمعان فيك و..."
"سيبه يا سمير... مهما تقول مش هيسمعك. بيدخل من هنا ويخرج من هنا زي دخان السيجارة دي بالظبط!"
قولان خلف بعضهما وقبل ذلك قول "دولت". تشنجت ملامح "شادي" بإنفعال. وإلى الآن يحاول أن يحترمهم. ردد بنبرة هادئة أو ربما هذا الهدوء هو هدوء ما يسبق العاصفة:
"خلصتم؟ ولا لسه في حاجة تاني عايزين تقولها؟"
"روح يا أخويا إتشطر على مراتك. عملالك إيه كده لدرجة إنك مش شايفها غلطانة؟ لحقت تسقيك إيه دي؟"
قالتها "دولت" وهي تلوي شفتيها بتبرم. فاحتدت عينيه ونظر ناحيتها وقال محذرًا.
"إنتي واقفة في بيتي وبيت صاحبته بقت منة مراتي. يعني تحترميها وتقفي تتكلمي عليها بشكل أحسن من ده، سامعة ولا مش سامعة يا مرات أخويا؟"
اندفع سمير يردد بغضب: "انت هتعلم مراتي الأدب قدامي كمان؟"
وجدوا منة أمامهم، فنظر ناحيتها شادي مردداً بأمر: "ادخلي جوه يا منة!"
"لا مش داخلة.. مش داخلة وخليهم يقولوا هم جايين عايزين إيه منك، ما كفاية بقى!"
صرخت بهم بأخر حديثها لأجله، فأغمض عينيه بنفاذ صبر وسمع صوت دولت الساخر: "ما شاء الله طلعلك صوت أهو وبتخربشي كمان بالكلام. كان فين ده؟ دا أنا قولت إنك صعبة وما خرجتش يعني ولا شوفت!"
تشنجت ملامح منة وردت بانفعال على حديثها: "انت لسه متعرفنيش لحد دلوقتي؟ بس أنا متربية على مبادئ وأصول مينفعش أتخطاها، بالذات لو على ضيوف في بيتي!"
قذفت الحديث بمنتصف وجهها، وإنصدمت الأخرى بجرأة ما قالته، تعتبرها ضيفة؟ صاح سمير بانفعال له: "سامع مراتك يا شادي؟ سامعها وهي بتقول على أخواتك ضيوف في بيتهم؟ ولا عامل نفسك أطرش دلوقتي؟"
وأكمل فتحي على نفس نهج حديث شقيقه الآخر مردداً بتهكم: "ولسه ياما هنشوف يا عريس..!"
رفع شادي عينيه بتحمل ينظر ناحيتهم، ثم توجه كي يتمسك بمعصمها ليسحبها خلفه حتى دخلت الغرفة وأغلق هو الغرفة خلفها. فاقترب فتحي يردد بسخرية مرة أخرى: "لا راجل أوي يا خويا.. خليها تتفرعن علينا كمان كمان. انت مش هتـ..."
بتر الحديث عندما صرخ شادي بقوة وعنف: "كــــفـــاية بقا.. إخرســـوا..!!"
قالها بانفعال وتوجه بخطوات سريعة يقترب وهو يسرد بوجع وصوت مرتفع: "كل مرة بكبركم وبرضه بتصغروني قصادكم وقصاد نفسي.. أنا مش عايز منكم حاجة.. مش محتاج حاجة. كل واحد يخلي لسانه جوه بؤه ومسمعش ولا كلمة!"
"وايه كمان يا بن أمي وأبويا؟ وايه كمان بتبقى مراتك على أخواتك؟"
قالها سمير، فأكمل شادي حديثه بوجع: "محدش بقالي منكم عشان أبقيه.. واللي فيها خلي كل حاجة ترجع زي ما كانت. كل واحد يرجع سفره تاني وحلوا عني وعن دماغي وسبوني في حالي. مش حتى الونس اللي ما صدقت لقيته مستكترينه عليا؟ كفاية بقى سيبوا الواحد في حاله زي ما سبتوه من قبل!"
اقترب فتحي ينظر ناحيته حتى هتف باستهزاء: "فرق السن اللي بينك وبينا يا باش محاسب، مينسكش إزاي تتكلم مع أخواتك الكبار!"
لوي شادي فمه بنفس الاستهزاء وقال يقلل منه بتعمد: "الكبير كبير بأفعاله يا فتحي يا خويا.. بس انت بقى معرفتش تكون كبير بالحرام اللي انت عايش فيه. خليني ساكت أحسـ..!!"
وقبل أن يكمل كلماته، أثارت الكلمات غيظ فتحي وانفعاله. وعلى فجأة، قبل أن يكمل شادي كلمته الأخيرة، صفعه الآخر على صفحة وجهه بقسوة، حتى شهقت دولت رغم جبروتها واندفع سمير يفصل فتحي عنه. بينما وقف شادي بخواء وكأنه لم يتلق صفعة الآن، صفع منهم من قبل بقلبه، فلما التأثر؟ ابتلع ريقه بثبات زائف، وسمعت منة من الداخل كل ذلك ولم تستطع الخروج بسبب إغلاق شادي الباب عليها.
"بتقولي حرام وحلال؟ ما تعلمني كمان الأدب يا ضنايا!!"
هدر بها بانفعال، ونظر له شادي بخيبة وقال بكل هدوء يرد على حديثه: "مش شرط الكبير يعلم الصغير الأدب يا فتحي.. أنا صغير عنكم بس قادر أعلم كل واحد الأدب وأخليه يلزم حده. بس عيب مني وفي حقي أرفع إيدي على أخويا الكبير. عندي حل تاني لو محدش عمله دلوقتي وسمع كلامي فيه، هتشوفوا وش شادي التاني، اللهم بلغت!!!"
"هتعمل إيه يعني؟ انت بتهددنا؟"
هدر فتحي بانفعال، والآخر يمسك ذراعه كي لا يندفع. بينما فتح شادي هاتفه يهوش به وقال بتبجح جريء يساومه بطريقة ما: "هبلغ عنك!"
فتح فتحي عينيه بصدمة، ولوهلة شعر بالخوف من فكرة فعلها والبلاغ عنه بتزوير الأموال. وقبل أن يتحدث أحدهم بنفس الصدمة رغم علمهم، توجه شادي ناحية الباب بتبجح لم يكن هين عليه هو: "من غير مطرود واجبكم وصل. وأخوكم عريس وراجل ورفع راسكم. أظن مفيش حاجة تانية محتاجة تتقال ولا حتى تتعرف!"
فتح سمير عينيه بذهول، ثم قال: "انت بتطردنا يا شادي؟ بتطرد أخواتك؟"
وسأل فتحي بسخرية مجدداً، ضامناً عدم فعل الآخر عن ما هدد به: "بتطردنا عشان دي؟"
"دي اللي هي مراتي. مع السلامة.. والكحك هيبقى يوصلكم قبل ما تسافروا!"
فتحت دولت عينيها بدهشة من وقاحته، واندفعت بخطواتها تخرج إلى الخارج وانسحب خلفها زوجها والآخر من بين نظرات الغضب الموجهة له بشدة. أغلق الباب واغمض عينيه بضغط. كان يعتقد بأنه انتهى من كل ذلك. ما الذي حل عليه الآن؟ توجه يفتح الغرفة فوجدها تجلس القرفصاء وحاولت التحرك سريعاً عندما دخل، وعندما استمعت إلى كل كلمة كان قد قالها، حتى وإن فقد القدرة على العتاب والحديث به لهم. بينما تعلم أن هذا لا فائدة منه الآن. وجدته يتوجه ويرتمي بجانبها بإنهاك، حتى دفن رأسه بين أحضانها بإستسلام، فضمته باحتواء وهي تشعر بمدى ثقله. فقال هو بقلة حيلة لها: "شادي بيه بتاعك.. تعب وجاب آخره يا منة!"
رغم أن الحديث مرح، ولكنه ردده بوجع واهتزاز. فأدمعت عينيها لأجله ومسحت على رأسه وهي تهبط رأسها كي تقبل قمة رأسه وهي تقول بأسف عن ما يحدث له: "أنا آسفة حقك على راسي أنا والله!!!"
"مش عايز حقي يا منة.. أنا عايز أرتاح.. ينفع أرتاح؟!"
حركت رأسها إيجاباً. والآن هي من تواسي وتحتوي. فرد الغطاء عليه بتعب، وكل ما يشعر به من خذلان تحاول هي محوه وهي تربت عليه بلهفة. والأوقات التي من المفترض أن تنقضي بسعادة وحب تنقضي بوجع لدى الجميع دون استثناء. حتى معهما. بينما هي ستحاول جاهدة أن تخرجه من هذه الحالة.
المساء ساكن مثل سكونهم، وكل منهم يجلس بتيهه إما برفقة أحد أو بمفردهم. ومن بين هذا، هناك في شقة عز، كانت هي تنهض الآن من على سجادة الصلاة تطويها بصمت. وخلعت عنها ملابس الصلاة وفاقت نسبياً فقط بعد قدوم شقيقها وبعد ما حدث لفرح، وحتى بعدما هاتفت والدتها. وقبل أن تجلس وجدته يدخل الغرفة بابتسامته الهادئة. يعلم أن موعد امتحاناتها النهائي بعد فترة من زواجهما، وكانت هي ستحاول أن توفق الوقت على أية حال. بينما الآن؟ كيف ستفعلها؟ عندما شعر بأنها بدت منتبهة عن البداية، أراد تشتيتها عن الأفكار وعن البكاء. لذا ابتسم لها الآن وهو يتوجه ليمسك يديها برفق وسألها بحب: "انتي ليه حلوة حتى وانتي معيطة بقى؟"
ابتسمت على حديثه وسحبها خلفه حتى جلست وجلس هو بجانبها. وتزامناً مع ذلك رددت هي بألم: "أنا عارفة إنك مجبر تستحمل حاجات معايا مش لازم إنك تستحملها. أنا عايزة أتأسفك على اللي بتمر بيه معايا بس والله أنـ.."
قاطع عز حديثها بلين شديد وهو يقترب يقبل إحدى وجنتيها بهدوء ثم قال يكمل هو حديثها: "بس والله بحبك ومستعد أفوت في أي حاجة عشانك!"
لا تعلم لما خجلت من قربه. يكفي أنها طالعت ملابسها قبل وقت واكتشفت بأنه بدلها لها بالكامل. أين كانت هي؟ أين كان عقلها؟ سألت نفسها وتوردت وجنتيها رغم ملامحها الباهتة وأخذت نفساً.
عميقاً أمام عينيه التي تحاصرها، وقالت:
"أنا مش مصدقة أي حاجة بتحصل حواليا غير... غير بس وجودك جنبي!"
عانقها وسند ظهره على خشب الفراش الحديث، فاستندت هي تقاوم شعورها، فوجدته يردد من بين احتوائه لها:
"مش مهم... المهم إن أنا جنبك ومش هسيبك!"
تنفست بعمق، ووجدته يعتدل، فاعتدلت تنظر له بتركيز، عندما بدأ هو مردفاً بحديثه الهادئ العقلاني:
"والمهم كمان إنك في أقرب وقت تقعدي تذاكري وتشوفي اللي وراكي عشان الامتحانات!"
أومأت له. وعندما شعرت بأنه تسطح على الفراش، تحرجت. بل وهي التي غفت في أحضانه بانهيار. كيف تخجل الآن؟ فرد ذراعه وابتسم باتساع، يشجعها:
"تعالي!"
أمسكت الغطاء بكفيها بارتجاف، وانحنت تستند برأسها على ذراعه تزامناً مع فرد الغطاء، وساعدها هو بذلك. وما إن انتهت، اعتدل على جانبه الأيمن وقرب رأسها من صدره، فباتت أنفاسه الساخنة تلفح فروة رأسها بخصلاتها السوداء المعقودة على شكل كعكة كبيرة. وبيديه اليسرى حاوط خصرها برفق، وهمس بجوار أذنها بحب، عندما شعر بتوتر أنفاسها غير المنتظمة، مما يعني أنها على مشارف البكاء أو على مشارف الارتباك بوسواس عقلها:
"نامي ومتخافيش... متفكريش في أي حاجة!"
انهزمت وبكت بصمت. وشعر هو بذلك، فرفع ذراعه يحاوط كتفيها من الأمام، وحركها كي تلتفت، فالتفتت بانهزام، ووجهها بمقابلة وجهه. وحاوط ظهرها هذه المرة، وهو يسمعها تردد بخوف، من فقدان شخص آخر:
"أنا خايفة!"
لصق رأسها بصدره وشدد بعناقه لها باحتواء، وسألها بعمق شديد:
"بس أنا بقيت ضلك خلاص. ينفع تخافي؟"
نفت بعينيها، وعينيها التائهه تغفو بإنهاك تحت يديه التي يمررها على ظهرها بأمان، وحتى على رأسها، وتارة يحتوي خصرها كي يثبت لها بأنها محاوطة بالأمان، بأمانه هو! شعر بانتظام أنفاسها، بينما عينيها تتشنج وكتفها يرتعش بين الحين والآخر. رفع كفه يضعه على رأسها بشفقة، وهمس ببعض آيات الذكر وأذكار معينة كي تستكين وتهدأ، حتى في أحلامها. ومن بين ذلك، لم يفشل وضعها في أن يجعل عينيه تدمع الآن وتلمع بدموع لأجلها. بل وبعد وقت، غفى هو الآخر وهو يحاصرها بأحضانه بشدة، وكأنها ستهرب منه في الحال. لا يعلم بأنها هربت من الجميع وأصبحت معه هو. غفى هو الآخر وعقله يفكر بالراحة لها وليس له هو. هو المكافح المجاهد. يبقى الكل عليه، وتصبح نفسه الغير أنانية آخر اهتماماته. هو الأب قبل أوانه، والزوج أيضاً قبل أوانه. فلم يستنكر كل الذي يحدث!
هل يوجد أمر يصعق أحدهم أكثر مما هو به؟ تحمل لكثير. موت والده، حالة أشقائه، وحتى وضع زوجته الآن باحتمالية ضياع جنينها منها المرة القادمة إن لم تأخذ الراحة الكافية بنفسيتها قبل جسدها! نهض بخفة من على الفراش متوجهاً ناحية الباب كي يفتحه، ومن ثم أغلقه خلفه ببطء، كي لا تستيقظ. وجد "سمية" تجلس برفقة "عايدة" بصمت في الصالة. أخرج أنفاسه بصوت. ووجد "بدر" يدخل من الباب برفقة "وردة"، حتى جلست هي بجانبهن. ووقف "بدر" بجانب "حازم".
بعد أن اطمأنت "نيروز" على شقيقتها، لم تهبط هي ولا حتى هو. وهو من أصر على ذلك كي ترتاح، وبقي بجانبها إلى أن غفت بعالم آخر. وهبط هو الآن كي يطمئن على "حازم" صديقه، ولكنه لم يدخل الشقة، بل أشار أنه قادم بعد دقائق. وبحث بجيب بنطاله عن مفتاح باب الشقة. فتح شقة "حامد" ودخلها. وقبل أن يخطو أكثر ليطمئن عليهم بعد هذا الوقت، وجد غرفة شقيقته مفتوحة، فتقدم ينظر، وجدها تستند برأسها بين ذراعي "بسام". علم أنها مضغوطة، بل والتوتر الخاص باختباراتها يزداد في عز هذه الأوضاع الموجعة المشوشة للعقل. اعتدلت ما أن وجدته يقف على أعتاب باب الغرفة، وابتسمت له، فاعتدل "بسام" ينظر له بصمت، تحت سؤال "وسام" باهتمام:
"نيروز عاملة إيه دلوقتي؟"
"كويسة!"
قالها بابتسامة حانية وهو يرفع يديه يمررها على خصلاتها. فحاولت التحرك كي تجلس على المكتب. ونظر لها هما بتفهم، ونظراتهم المشجعة التقطتها منهم، حتى ابتسمت تهز رأسها بإيمان قوي على أنها قادرة. خرج وخرج الآخر وهو يغلق الغرفة خلفه. وقبل أن يتوجه إلى الخارج، قاطعه "بسام" سيره بسؤاله الذي ظهر به الخزي:
"إيه يا "غسان"؟ هنفضل كده لحد امتى؟"
جابه عينيه ملامحه بتمعن، وابتسم بسخرية، وهو يشير بغير اهتمام:
"علطول، عشان تبقي مرتاح بعيد عني وأنا كمان كده، وكل واحد يخليه في نفسه وحياته، بدل ما أخربها لك بالقوي المرة الجاية. أنت بتنسي كلامك ولا إيه يا دكتور بسام؟ مش ده كلامك برضه؟"
وجد الألم بعينيه مخفي. واقترب "بسام" يبتلع ريقه، حتى ظهر الأسف بعينيه، وحتى حديثه الموجوع وهو يبرر ككل مرة يبرر بعد أن يكسر قلبه:
"أنا مكنش قصدي أقولك كل الكلام ده... م..."
بترت جملته عندما خرج صوت "غسان" بانفعال، وهو يشير له مندفعاً بحديثه الصادق يوقف مبرراته الخادعة لقلبه:
"لأ كان قصدك. كان قصدك كل حرف قولته وخرج منك في لحظة زي دي!!"
توقف وأكمل بعدها بتهكم، يصحح له:
"ما هو الكلام اللي الواحد نفسه يقوله وشايله بقاله كتير جواه... بيخرجه في الوقت ده. فإنت مش محتاج تبرر ولا محتاج تقول مكنش قصدك!!"
"بس أنا مش ندمان على اللي قولته. يمكن طريقتي صعبة، واختارت الكلام الأصعب. بس كل حرف قولته أنت متعرفش كان خارج مني إزاي. أنت محسستش بيا وأنت بتعمل اللي في دماغك أنت وكأن أنا أنت!!"
قالها بهدوء، وابتلع ريقه بوجع، وهو يردد بنفس الجملة الذي قالها له من قبل ولكن بانفعال، بينما الآن قالها بكسرة:
"وأنا مش أنت، ولا حتى أنت زيي!!"
وقف "حامد" بجوار "دلال" من على بعد، يتابعان الحوار المهلك لهم قبل توأميهم. بينما وقفت "وسام" خلف الباب تستمع وتتمنى بأن يتخطى "غسان" ما حدث كي يعود لسابق عهده. ضحك "غسان" باستهزاء، ثم سرد عليه بوضوح:
"سيبك من كل الكلام ده يا بسام. عارف هتسيبك ليه المرة دي؟... عشان أنا مش هعدي ولا هاجي على نفسي وهمحي زعلي منك بسرعة زي ما بيحصل. وع فكرة أنت برضه بتخربها لي بس مبقولكش كده. وفاكر لك برضه المرات اللي خربتها لي. بس أنت دايماً كده مبتعرفش تختار الوقت المناسب ومن بين كل الناس مبترجعش تيجي غير عليا. مبتجيش غير على أكتر واحد بيخاف عليك وعلى حياتك ومصلحتك!!"
توقف يمرر عينيه بخذلان، ثم أكمل بتفسير:
"واعرف إنك أنت اللي بتخرب على نفسك حياتك مش أنا. أنا حتى وصلت إني أحميك من دماغك وتفكيرك وقراراتك اللي بتخرج في لحظة ضعف أو لحظة تسرع. مش فاكر أول مرة رفضت فرح مبدئياً، قولتلك إيه؟ قفلت الكلام بإيه؟ أقولك أنا؟... أقولك إني رفضتها لحد ما اللي إحنا فيه يعدي وتحاول تتأكد من مشاعرك وتبعد تكون هي كمان اتحسنت للأفضل. عاندت قصادي زي كل مرة وقبل ده قولتلك جملة أنت حتى مفتكرتهاش. قولتلك أصبر ولو ربنا عايز حاجة هتكون..."
بس عاندت ووقفت قدامي بكل الطرق عشان بس تنفذ اللي فدماغك وتعارضني وخلاص. بس أخرك إيه؟ تقف قصاد الكل عشان تثبت إنك صح في حاجة إنت مش عارفها أصلاً!
طالعة بصمت، يستمع إلى كل حرف يردده الآخر على مسامعه. وسمعه يكمل مرة أخرى:
"مشيت وعاندت وقصدت الجحود على أمك واختك وأبوك اللي كان هيروح فيها بسبب زعله عليك وهو شايفك تايه ومتغير ومش عارف إنت بتعمل إيه. جينا ندور ملقينكش جنبنا. ده إنت حتى لما وقفت جنبي وحاولت تمنع عني حاجة كنت هضيع نفسي بسببها بوظت الدنيا وقولت كلام لمراتي في عز ما كانت مش شايفة قدامها بسبب زعلها على أمها. زي كل مرة بتقول كلام وتيجي في الآخر تقول مكنش قصدي. بس أنا عديت وخلاص ومرة ومرة والتانية، بس المرادي لا تأذيني ولا أذيك، خليني في حالي وخليك في حالك. ابعدوا عن بعض وعن حياة بعض زي ما إنت عايز بردو بالظبط!"
صمت يتنفس بصوت مسموع بعد كل هذا الحديث الذي خرج دفعة واحدة. واقترب "حامد" مع رد "بسام" الهادئ:
"ماشي يا غسان. معاك إني غلطت ومعاك في كل حاجة، بس قدام أمك وأبوك عايز أقولك حاجة بقت فيك وإنت مش واخد بالك. وحاجة كمان مخلياك مش عارف تصفي بحجة إني قولتلك كلام كسرك. إنت مش عارف تعدي أي حاجة عشان نيروز عندك بقت في كفة وإحنا كلنا في كفة تانية!"
تفاجأت "دلال" من حديثه وحتى "حامد" بينما الآخر وقف يطالعه بصمت. وسأل عقله بكيف يترجم الأمور لهذه الدرجة وهذه الجملة؟ وما دخل الآخر بذلك؟ أم أنه قارن كل شيء يحدث وأغلب ما يحدث تكون هي الأحداث؟
"دخلتها في كلامك ليه وهي ملهاش علاقة باللي حصل؟ أنا بحذرك تاني، ملكش دعوة بيا ولا بحياتي ولا حتى بمراتي!"
قالها "غسان" متحلياً بآخر ذرة صبر لديه، فرد الآخر مبرهناً بوضوح:
"أنا مليش دعوة بحاجة. أنا بقول اللي أنا شايفه، عشان إنت معدتش وراكمت كل اللي حصل من أول ما حصلت مشكلة مراتك معايا!"
ربما حديثه من وجعه بعدم رؤيته أن علاقتهما ليست كما كانت من قبل في السابق قبل حتى ظهور "نيروز" وظهور حبها. زفر "غسان" بصوت مسموع وتهجمت ملامحه بطريقة ملحوظة وهو يرد عليه حديثه بسؤال جامد:
"وإيه اللي مزعلك من مراتي ومخليك مش قابلها كده عشان أكون فاهم وواعي للكلام بردو؟"
فهمه بالخطأ مرة أخرى، فرد "بسام" يبرر بصدق:
"إنت بردو مش عارف تفهمني ولا تفهم كلامي!"
كاد أن يسترسل، فوقف "حامد" يقطع حديثهما بهدوء:
"شوف يا غسان، إنت رايح فين يلا!"
قال حديثه بخوف مخفي كي لا يتأزم الوضع بينهما رغم رغبته في أن يتصافيان. ابتسم "غسان" من زاوية فمه بسخرية ثم قال:
"لا مش متحرك من هنا. خلي بالك إنت بس على نفسك أصل معاك حيطة مايلة!"
حول خوفه بترك "والده" معه بطريقة أخرى ساخرة رغم قلقه على صحته وعلى أن ينفعل "بسام" عليه في غيابه. تشنجت ملامح "بسام" ورد بسؤال جامد:
"إنت تقصد إيه بالكلام ده؟"
أخرج علبة سجائره من جيب بنطاله بتبجح أمام الكل ورد بغير اكتراث:
"أقصد اللي أقصدُه، مش هتحاسبني على اللي عايز أقوله!"
وأشعل قداحته وأكمل بصراحة:
"أصل مش هخاف أقول إني مبقتش ضامن أسيبك مع أبوك لأحسن يحصله حاجة بسببك. فأنا قاعد واللي عايز يمشي يتفضل يلا من غير مطرود. عشان عالأقل كده أضمن إن أبويا ميجرالوش حاجة من مجرد كلام بايخ هتقوله الوقتي أو بعدين!"
إغتاظ "حامد" من طريقته وأمسك ذراع "بسام" مع "دلال" عندما اندفع "بسام" يقول بصوت عال:
"إنت هتخاف على أبويا مني؟ وكمان بتطردني من بيته؟ إنت اتجننت؟"
حرك "غسان" رأسه بنعم ثم قال بهدوء شديد مختصراً الرد بـ:
"أه!"
أدمعت عيني "دلال" بحسرة، بينما وقف "حامد" يمسك موضع قلبه بألم، فأسنده "بسام" سريعاً. وأندفع "غسان" هو الآخر يسنده بكفه بقلق حتى جلس "حامد" على الأريكة بتعب يحاول إخفاءه. ومن بين هذا لم يفشل "غسان" في النظر نحو وجه شقيقه بحدة. وقد تعمد الاثنان الصمت وهما يطالعان وجه "حامد" التي جلست بجانبه "دلال" وخرجت "وسام" بلهفة تنظر.
"إنتوا عايزين تموتوا أبوكم؟ حرام عليكم بقى، حرام!"
إنفجرت "دلال" تصرخ بهما ولأول مرة تندفع بهما بهذه الطريقة. صمت "بسام" بسكون وطالعها "غسان" بتمعن وهي تردد مجدداً تحت نظرات "حامد" الذي عجز عن قول شيء:
"إنتوا جرالكم إيه؟ مستحيل تكونوا ولادي اللي خلفتهم وربيتهم! أنا مش شايفة فيكم حاجة واحدة حلوة كانت موجودة فيكم زمان. إيه غيركم بالسرعة دي؟ ليه بقيتوا مع بعض كده؟ قاصدين متريحوش قلبي أنا وأبوكم؟ عايزين تموتونا بحسرتنا واحنا بنقول معرفناش نخليهم يحبوا بعض ويسندوا بعض؟ روحوا ربنا يسامحكم على اللي بتعملوه فينا ده!"
رددت اللوم بصراخ وهي تبكي، وتمسكت بكف "حامد" الذي أشار لها بأن تصمت. وبالفعل صمتت تحت نظراتهم الساكنة. توبخهم وكأنهم صغار وخرج صوت "غسان" وهو يسأل "حامد" متعمداً عدم الرد عليها كي لا تصرخ به مرة أخرى:
"إنت خدت دواك يا حج النهارده؟"
إندفعت "دلال" تدفع كفه عن "حامد" بشراسة قليلاً ما تظهر وعاندت قبالهم وهي تردد مجدداً بصراخ آخر:
"ملكش دعوة! معتش حد ليه دعوة. سيبوه في حاله. إحنا لسه محتاجينه. محناش زيكم كل واحد مبقاش همه غير نفسه وبس!"
نزلت دموعها وحاولت مساندة "حامد" كي يقف. ونزلت دموع "وسام" بينما نظر "غسان" لـ "والدته" وردد بنبرة هادئة كي تهدأ وتتفهم:
"متخديش حد بذنب حد. قدري وافهمي مرة واحدة في حياتك إن غسان مش مجبر يعدي على طول في كل مرة أي حاجة بتحصل هنا!"
قال حديثه بهدوء شديد، فرفعت "دلال" وجهها تنظر له بعينين خائبة وهي تقول:
"إسكت.. إسكت بقى.. أنا مش فاهمة حاجة غير إن الحياة مستاهلش نضيع منها أيام على زعل ممكن يروح في ثانية قصاد بس إنكم تكونوا في كتف بعض!"
وأكملت بعتاب موجع:
"ليه بتعملوا فينا وفنفسكم كده؟ وعشان إيه ومين؟ يخسارة عليكم!"
تركت يد "حامد" ونظرت نحو عيني "بسام" و"غسان" ثم قالت تخرج بحديث على صدرها تكتمه:
"يا خسارة من أول ما عاندت وخرجت عن طوعنا ومشيت عايز تعمل حاجة عارضها أبوك في الأول. ويا خسارة عشان اخترت غيرنا وفاكرنا مش فاهمين اللي فيها. قسوة قلبك وبعدك وكل حاجة. حتى كلامك لأخوك اللي أول مرة أحس إنه عايز يعديلك حاجات بس مش عارف. كلام إيه اللي موقف الحال بينكم كده؟ كلام إيه يا بسام اللي كسرت بيه أخوك؟"
كان حديثها ناحية "بسام" وعادت تلوم "غسان" مرة أخرى:
"وخسارة عليك إنت كمان وعلى عقلك. عشان حتى برغم إنك مسبتناش بس مش عارف توزن حياتك لا مع أخوك ولا مع مراتك وسايب الدنيا عايمة مش مفهومة مين غلطان ومين لأ وكله اتراكم ومحدش صفى من ناحية التاني. ولا عارف تختار وقت مناسب شاطر بس تقول خايف على أبوك. فين خوفك ده وانت بتعمل وبتقول اللي قولته دلوقتي؟ جرا لقلبك إيه؟ رد!"
رفع "غسان" عينيه نحوها ورد يعارض جزء من حديثها:
"أنا مقولتلوش حاجة غلط ومعرفش هو شايل إيه منها أنا معرفوش!"
"وقلبي زي ما هو، بس المرة اللي وقفت أصد حاجة بتوجعه من حد فيكم شوفتوني اتغيرت؟"
"انت الكبير، انت العاقل، ملكش حد غير إخواتك في الدنيا دي!"
قالتها ببكاء، تعلم بأن الآخر إن تحدث سيدمر الوضع، لذا تترجى "غسان" بطريقة غير مباشرة، فهم معنى حديثها فرد على حديثها بوجع:
"أنا مش الكبير ولا حتى العاقل، خليكي عادلة ومتجيش عليا وأنتي بتحاولي تخليني أعدي حاجة وجعتني!"
ابتلعت ريقها وتقابلت عينيها مع عيني "بسام" الصامت، حتى أشارت له بعينيها توبخه:
"يارب تكون مبسوط كده!"
"سبيهم يا دلال، هما أحرار، معتش كلام يجيب نتيجة، إسنديني خليني أقوم!"
قالها "حامد" بإنهاك، ولم ينحني "غسان" ليسنده عندما تفهم بأنه رفضهما الآن، بينما انحنى "بسام" بخوف يسنده. حينها عارض "حامد" وهو يستند على زوجته وابنته، تاركهم خلفه قاصدًا وصول رسالة معينة لهم.
بأنه الآن يستند على نساء وليس رجال قام بتربيتهما على المساندة. انسحب "بسام" ناحية غرفته، وقبل أن يفتحها وجد "غسان" يركض ناحية باب الشقة عندما سمع صراخ "زينات" وهي تقول:
"إلحقني يا حازم، إلحق حسن، أخوك مبينطقش وقاطع النفس!"
أخذت تصرخ بالنجدة، وفتحت الشقق وهرول الجميع ناحية الداخل. بينما وقف "غسان" ينظر بعدما ركض، فوجد "حازم" يهرول ناحية الداخل بخوف فطري على شقيقه، وحتى "عايدة" و"فريدة" التي وقفت تنظر بسكون. فركض "بسام" يتفحصه سريعا وهو يضع يديه نحو رقبته وأنفاسه وحتى يديه ورأسه، وصاح عندما وجد أن نبضه ضعيف وبقوة عندما أهبط رأسه ناحية موضع قلبه. نهض باندفاع وهو يصيح عاليا ليحث "بدر" وهو يقول:
"اطلب الإسعاف بسرعة يا بدر!"
قصد أن تأتي سيارة الإسعاف لهذه المستشفى القريبة لسوء وضعه. بينما وقف "حازم" ينظر بتيه وهو يهز شقيقه بغير وعي. حاول "بسام" فعل أي شيء كي لا يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن بين ذلك طلب "بدر" سيارة الإسعاف. ووقفت "فريدة" إلى الآن بسكون مريب تنظر بجسد أجبر على التصلب عند حدوث شيء لذلك الشخص. بكت "زينات" بحرقة، لا تريد خسارته هو أيضًا مهما فعل، ولدها وفلذة كبدها وعاطفة الأمومة رغما عنها تدب بها بقوة.
بينما هو استسلم لغيبوبة إجبارية، وبين الحياة والموت كان هو هذه المرة. من بين هزات شقيقه وبكاء النساء بشفقة حوله، وتوتر البعض وكان البعض الآخر يجهل عن كل ذلك من "ياسمين" و"نيروز" و"جميلة" هي الأخرى. الوضع مؤلم، وخاصة بهذا اليوم العصيب الملئ بالأحداث الموجعة لهم. للعائلة التي كتب عليها المعاناة، كتب عليها الوجع بلا استثناء، البؤس، العسر، العناء، كل هذا ينطبق عليهم بشدة. وإن تطلب الأمر لسردت قصتهم في كتاب عنوانه "الوجع" وستحكى القصة عن "شقاء عائلة!".
رواية عودة الوصال الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سارة ناصر
يلاحظ انسحاب الكل عداها، شيئًا فشئ. رحلت عائلته بنفس طريقة الآخرين. هي تقف الآن بجانب والدتها التي تبكي شوقًا لحبيب عمرها. شعر بأنها لحظة خاصة بينهما. حتى جاب عينيه رحيل وردة مع بدر، وحازم الذي رحل مع والديه دون وجود ياسمين التي جلست برفقتها وسام وزينات التي كانت غير قادرة على المجيء بنفسيتها على ولدها وعلى ما حدث من عقبات خلف بعضها عليها.
سمع صوت شهقات أخرى لم تختف، شهقات غير شهقات زوجته ووالدتها. شهقات فريدة التي كانت تمنع نفسها عن البكاء. وعندما لاحظت رحيل الأغلب، أخرجت الكلمات التي تعد ثقلاً عليها وبصوت عالٍ قليلاً باعتقادها أنه يستمع إليها الآن، رغم أنه ظلمها وتركها مظلومة كالعادة. ولكن هذه المرة تركها دون عودة، دون أمل في التغيير.
"أنا مكنش ليا ذنب في حاجة حصلتلي سواء منك أو من غيرك. أنا كان نفسي بس أعيش صح، أعيش حياتي صح. حتي في عز ما كنت وحشة كنت بردو عايزة أعيشها صح. مقبلتش منك غير الغلط، ومشيت معاك للآخر لحد ما غلطت بنفسي وقررت أمشي. ساعتها كان جوايا إحساس إني عايزة أمشي من الدنيا، مش بس من بيت عمري ما شفت فيه غير القهر والظلم. غلطت.. أنا عارفة إنّي غلطت لما عملت حاجة زي دي. غلطانة لما وثقت ومشيت ورا علاقة وهمية اتخدعت فيها. بعد كده عرفت إن كل حاجة بتبدأ مش راضية ربنا.. نهايتها هتبقى مش مرضية ليا.. بس عارف!"
توقفت عن إكمال الحديث وهي تمسح وجهها برفق، حتى أكملت بوجع:
"أنا راضية، بس وجعني أوي إن كل اللي حصل كان مترتب ليك بسببك إنت. أنا ضيعت نفسي بنفسي بس إنت كنت بردو سبب. قررت أنسى، بس الحاجة الوحيدة اللي واقفة ومش عايزة تعدي نظرتي لنفسي، مش الناس ليا.. لا دا نظرتي لنفسي بأني مش كاملة في عيني ولا حتى في عين اللي يعرف الحقيقة كاملة. قهرتي وأنا بشوف نفسي بتدفن بالبطيء وأنا والله كان لسه بدري أوي عليا!"
أقسمت بآخر حديثها ووجدت من يتمسك بذراعيها برفق، حتى وجدته حازم الذي عاد مجددًا لها. أكملت دون أن تعطي اهتمامًا لوجوده بوقف الكلمات، بل أكملت بوجع:
"بس أنا معتش يفرق معايا أي حاجة في الدنيا. طول عمرك بتجبرني بطريقة مباشرة أو مش مباشرة على إني أعمل حاجة إنت عايزها. حتى المرادي وأنت هنا وأنا واقفة وبقولك إني سامحتك عشان بس إنت بقيت في مكان تاني. سامحتك بس المرادي أنا مش مجبرة منك، أنا بقولها برضا تام من جوايا إني مسامحة، بس مش هنسى عشان ده صعب أوي عليا!"
لاحظت سحب حازم لها، فردت قبل أن تستدير:
"أرجوك افهمني إني مش هقدر أنسى.. بس والله العظيم سامحتك.. مع السلامة!"
قالت وداعها عندما وجدت نفسها تُجبر على الرحيل منه هو، ومن شقيقها الذي خاف لحظة الانهيار بأن تأتي منها. رحلت معه إلى الخارج، بينما وقف غسان على بعد يراقب، وخُرة بقلبه المجيء لهذا المكان من الأساس رغم علمه بأن نهايته لا محالة ستكون هنا. وقف بجانب نيروز وهتف بلين لها وهي تحتوي والدتها:
"مش كفاية كده؟"
حركت رأسها بنعم وهي تنظر له بتفهم. توقفت قبل وقت عن ذرف الدموع، بينما هي متعبة وظهر ذلك عليها. الآن تبكي والدتها. ساند غسان يد سمية من الناحية الأخرى مثلها كي تسير معه بعيدًا عن هذا المكان المؤلم.
كانت المقابر قريبة نسبيًا من المبنى، معه سيارة قام بتأجيرها هو الآخر كي يأخذ بها جميلة زوجته وحتى والدته وشقيقته في يوم كهذا. قبل دقائق ركبوا معًا السيارة التي تخص عز عقب خروجهم، ووقفت عقب دقائق أمام المبنى الخاص بأهل زوجته.
بينما في الأعلى استندت ياسمين بأريحيه على الفراش ومعها كانت وسام التي نظرت لها بحب وهي تحثها:
"بقيتي أحسن من الأول لما بدأتي تاكلي وتريحي جسمك على فكرة. كلي بقا اللي قدامك ده على ما ييجوا واسمعي الكلام. أنا واحدة ثانوية عامة يعني لازم مترفضليش طلب عشان والله أنا غلبانة!"
تصنعت الدراما في آخر حديثها فضحكت ياسمين بصوت عالٍ، ورغم ما حدث ولكن نفسيتها تتحسن بسب وجود الكل بجانبها وبسبب حازم الذي يفوق تدريجيًا عندما يرى بسمتها الواسعة له وحالها الجيد دون أن يمسها سوء أو مكروه.
"صعبتي عليا يا ويسو. من عيوني هاكل والله. بس قومي زي ما قولتلك هاتي كتبك وزاكري هنا عشان الوقت كده بيضيع عليكي بسببي. لاحسن بعد كده يقولوا كله من ياسمين.. بالذات أخوكي غسان أول واحد هيرمي عليا اللوم. فخلينا حبايب وقومي اسمعي الكلام!"
كبتت وسام ضحكتها بخفة، ثم قالت ردًا على حديثها وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها الواسع:
"جبت ده معايا. هشوف المراجعة أونلاين متقلقيش!"
غمزت لها فبادلت ياسمين الغمزة وهي تحاول النهوض. فمنعتها وسام قائلة:
"انتي رايحة فين؟ أنا سمعت الباب وهروح أفتحه أنا ارتاحي!"
"دول أكيد هما. فخليني أقوم وخليكي ذاكري عشان متتعطليش!"
وجدت الإصرار في نظراتها فنفت وسام وهي تسندها من كفها بيديها وخرجا معًا من الغرفة حتى أجلست وسام ياسمين في الصالة وهرولت ناحية الباب سريعًا كي تفتحه. وجدت أمامها جميلة فعانقتها وسام على الفور وهي تحثهم على الدخول. دخلت حنان وفرح وبقت وسام تعانق جميلة تحت نظرات عز المراقبة للوضع.
"وحشتيني أوي يا جميلة.. أوي بجد!"
"وإنت كمان يا وسام. بس هقعد معاكم النهاردة نزيل الشوق ده!"
مرحت رغم ألمها فضحكت وسام بتفهم. ورحبت بعز بعينيها فأومأ برأسه ودخل. وعندما وجد جميلة تندفع بسرعة ناحية ياسمين أخفض نظراته على الفور عندما لاحظ بأن ياسمين بخصلاتها دون وعي منها عندما خرجت من الغرفة. تفهمت فرح وقوف عز، فنهضت ببطء تلتقط حجاب موضوع على الأريكة ووضعته على رأس ياسمين التي اندمجت في عناق جميلة الطويل. وجاهد الاثنان على عدم هبوط الدموع وكل واحدة تفكر بالآخر. أخرى بموت والدها فلا تريد أن تضغط عليها، وأخرى لا تريد الضغط على زوجة أخيها بسبب حالتها وما حدث لها من إنذار بالإجهاض. فبقوا صامتين ولغة العيون والاحتواء هي من تتحدث وليست الأفواه إلا بجملة الاشتياق!
"وحشتيني يا بنت عايدة الحلوة!"
ضحكت جميلة بيأس وهي ترد بالمثل، بينما دخل من الباب المفتوح حازم وفريدة وعايدة وحتى شادي برفقة منة ومعهم طارق السيارتين الذين وصلوا مع بعضهما وتبعهم سيارة بدر المأجرة إلى الآن وخلفه غسان.
جلس عز بجانب حازم وجلست الفتيات بجانب بعضهن. بينما دخلت عايدة المطبخ فدلف خلفها جميلة التي نهضت تجلب زجاجة مياه لهم بالخارج. التفتت عايدة سريعًا فوجدت جميلة تطالعها بإبتسامة هادئة وهي تجلب الزجاجة. فمدت عايدة ذراعها وهي تتنفس بعمق، مرددة برفق تعاتبها:
"أنا ليا عتاب عليكي. بردو لبستي أسود وإنتي عروسة ومسمعتيش كلامي!"
نصحتها بالفعل بأن ترتدي ألوان داكنة ولكن ليس كل ما ترتديه أسود حتى لحذاء قدمها. طالعتها جميلة بصمت للحظات، ثم زفرت بصوت تراضيها:
"مينفعش يا ماما. الحزن مش في اللبس بس مكنتش هبقى مرتاحة لو عملت غير كده. بعد إذنك متضغطييش وسيبيني بيه الفترة اللي ألبسه فيها براحتي من غير كلام!"
طاقتها تنفذ وظهر ذلك بحديثها مع والدتها الآن. زفرت عايدة بيأس وهي تطالعها بشفقة، والأخرى لا تريد هذه النظرة أبدًا. لذا تركتها بعد ابتسامة تجاملها بها وخرجت، تعطيها لـ عز وحازم الذي شملها بنظراته وربت على كفها فور التقاطه الزجاجة منها. ابتسمت ترد له ابتسامته الذي يحفزها بها بالصمود. وسمعت الأصوات تعلو عندما صعود البقية من غسان ونيروز ووالدته وحتى والديه وبدر ووردة. وقفت جميلة بالشرفة مع فريدة التي انزوت بنفسها بعيدًا عنهم تحاول إخراج الثقل الذي على قلبها. بينما لم يترك شادي منة حتى وهي تستند الآن عليه. عبس وجهه وحاول أن يخفف من الوضع عندما قال:
"جرى إيه يا عمي أنت واكل الجو مني على الآخر!"
ضحك الشباب عليه وكذلك الرجال. فابتسمت هي وعينيها تتعلق بعينيه حينها رد والدها بنبرة هادئة واثقة:
"في فرق معاملة يا حبيب عمك بالفطرة. مليش دخل فيها أنا!"
إبتسم له بثبات وتركها معه واتجه أكثر ناحية الشباب. وعندما.
خرجت فريدة تغسل وجهها كما حثتها شقيقتها، وجدت عز ينسحب كي يدخل إلى الشرفة لها وهو يراقبها بعينيه.
التفتت جميلة بترقب تنظر من القادم حتى وجدته، فابتسمت.
تقدم هو ليقف بجانبها وطالع الجو بنظرة أخرى، حتى عاد ينظر إليها بالكامل فوجد وجهها يطالع وجهه بحب وتقدير لم يراه من قبل.
"تعرفي أنك حتى في الأسود حلوة برضه."
طالعته بخجل وارتبكت نظراتها منه بالحرج، فمد يديه يقرب رأسها منه وهو يربت عليه مكملاً:
"جميلة في كل حاجة.. ولما سألتك أول مرة عن سر خلطة جمالك مردتيش!"
رفعت عينيها له، عينيها التي تبتسم تلقائياً لرؤيته، ضحك بخفة على ملامح وجهها وقال مباشرة بيقين:
"بس دلوقتي عرفت السر!"
سألته بتيه وهو يتأمل النظر بها، حينها أمسكت ياقته كالعادة تعدلها، وسألته بجدية هادئة:
"إيه هو؟"
"السر في جمال قلبك.."
وأكمل بصدق شديد على نقاءها:
"اللي حلو من جوه بيبقى حلو من بره أوي!"
أدمعت عينيها تأثراً وقالت بعفوية شديدة:
"انت بتقول كلام حلو أوي.. وأنا.. أنا ببقى قصاده مبعرفش أرد، انت بتعجزني!!"
اندهش من دموعها العاجزة بشيء كهذا، فأمسك يديها وهو يبتسم بإطمئنان مردداً بنبرة سريعة يمنع دموعها بلهفة:
"مش مهم والله.. كفاية نظرة عيونك دي ليا!"
ضحكت على لهفته كي لا تذرف الدموع، حالتها متناقضة جداً. مسح وجهها بأصبعيه برفق، فحثته هي برفق مبدئياً:
"عز ممكن أقولك حاجة؟"
"نفسي تقولي والله!"
ابتسمت بلطف على مداعبته الدائمة بهذا القول، أخذت نفساً عميقاً ثم بدأت في الحديث قائلة:
"أنا عايزك تنزل الشغل بقى، أنا كويسة وبقيت أحسن من الأول شوية، ومامتك معايا.. وفرح كمان بعد ما بتيجي من المستشفى بتطلع تقعد شوية معايا، كل دي حاجات توضحلك اني تمام، بلاش تعطل نفسك عشاني وعشان تقعد معايا!"
"دي مش مجاملة بتقوليلي معملهاش، إنتي مراتي ودا حقك مني، وبعدين الشغل آآدم دخل مع الشباب واشتغل معاهم يعني لو نقصوا فجه مكاني على ما أرجع لهم تاني.. مقفلتش الورشة أنا سيبتها مفتوحة عشان أكل العيش بردو بس قولت آخد إجازة كده كده كنت هاخدها عشان الجواز! بس طولتها عشانك لإني مكنتش هقدر أسيبك وإنت كده!"
حركت عينيها بارتباك خفي، واعتدلت أكثر حتى رفعت عينيها تنظر له مجدداً تسأله باهتمام:
"يعني هتنزل وهتشوف شغلك؟"
وجد الخوف على مستقبل حياته بعينيها، وعلى عدم وقوف حياته وعمله عن شيء يخصها. حرك رأسه بعبث وخيرها بخبث:
"هنزل لما ألاقيكي مبطلة عياط وكلام ملوش أي لازمة بعد الساعة ١٢ بليل عن إني مش ملزم استحمل واستحلمت كتير وصبرت عليكي ولسه صابر واني إزاي كده، هنزل لما ألاقيكي نشيطة كده وبصحتك وأدخل فمرة ألاقي كتبك حواليكي وبتذاكري!"
ضحكت من حديثه المستاء من ما تفعله وتردده على مسامعه، فلتت منها ضحكة عليه. أما هو فبهذه الحالة كان يأخذ أدواراً كثيرة غير دور الزوج، ربما الأب التي حرمت منه!
"أنا عايزك قوية وناجحة، عايز أحس إني ساندك للآخر لحد ما تاخدي شهادتك بإيدك، ساعتها هكون أكتر بني آدم سعيد في الدنيا هحس إني عملت حاجة معرفتش أعملها لنفسي، اللي متعرفيهوش إني فخور بيكي أوي وكل يوم بفتخر بيكي أكتر من اليوم اللي قبله، كمان عايز عيالنا يجوا يفتخروا بيكي كده زي ما أنا فخور بيكي!"
كانت تعتقد بأن رجل مثله كان قد انقرض من هذا العالم وهذا الواقع، أما هو فهي تعلم بأنه آخر رجل من نوعه بطباعه ومشاعره وتفهمه رغم عدم تعليمه! مدت يديها تحتوي كفه وهاجس الأفكار في بداية علاقتهما كان يلح عليها بقوة بأنه سيرى نفسه قليلاً بجانبها لذا سيمنعها عن ما هي به. مهلاً، هو الذي جعلها تفكر بمجالها بطريقة أخرى، جعلها تحبه ولو شيئاً، جعلها تفعل ذلك بفخره لها!
"هانت كلها كام شهر ويعملوا حفلة تخرج بتاعت سنة خامسة، أوعدك إني لما أتخرج هلبسك الطاقية والروب وهمسكك الشهادة في إيدك!"
كانت صادقة فقد كانت حفلة التخرج للطب من السنة الخامسة بينما بقية السنتين تقضيهم خارج الجامعة بالتدريب. ضحك بخفة ثم ردد بمشاكسة متشككة:
"يا شيخة دول سبع سنين طب، بالسهولة دي؟!!!"
"أنا في سنة خمسة ولسه سنتين امتياز بس، متأكدة إنهم معاك هيبقوا حاجة تانية، وأه بسهولة، وحتي لو صعبة، فأنا أضحي عشانك وأستغنى عن حاجات كتير وأختارك أنت بس!!"
رددت حديثاً معسولاً أتى من قلبها أخيراً، خفق قلبه ولم يكن لديه خيار سوى أنه دفعها بسرعة كي يعانقها تأثراً من حديثها هذا. ضمها بحب فياض وتمسكت هي بيديها خلف ظهره، اللحظة التي لا تتمنى زوالها ولولا هو بجانبها لأختلف الوضع تماماً.
بينما في الخارج كانت ملامحها مرهقة منهكة بسبب حزنها، وبسبب هدوء غسان اللحظي قبل أيام كثيرة، ترجمت ذلك بأنه حزن لحازم ولكنها رأت بأن ذلك قد طال حتى ولو تعمد المرح ولكن نظرة عينيه تحفظها عن ظهر قلب، ولأن بها دور إعياء صعب من الزكام وألم في جسدها وحتى معدتها بتغير الأجواء المفاجئ. جلست ولم تفعل شيئاً مع الفتيات بالمطبخ. جلست بجانب ياسمين التي ابتسمت تشاكسها بمرح طفيف. وجدت من يهرول سريعاً من الباب إليها وكان يوسف الذي احتضن نيروز بينما ركض أدهم نحو فريدة، احتضنوهم بحب ولهفة ودخلت جنة مع آدم وفاطمة. وعندما وقفت فريدة لترحب بها تعلقت عينيها بعينيه بطريقة غريبة، بالفعل وجدت به الانطفاء الذي ظهر على ملامحه. كان يشغل نفسه بالعمل وتعمد كل مرة أن يطمئن على حازم دون أن تكون موجودة. هرب بنفسه ومن شعوره من آخر مرة واجهها بالكلمات منذ أسبوعين كاملين لم يراها بعد الحقيقة الموجعة الذي علمها عنها. رحبت فاطمة بهم كما رحبوا بها، حتى جلست بينهن ووقف هو مع الشباب خاصة بعد خروج عز الذي توجه ناحيته يرحب به مستفهماً عن أحوال العمل الذي اكتسب خبرة من الشباب أكثر وأكثر خلال الأيام الماضية.
لاحظ احمرار أنفها ووجنتيها من الزكام وحتى عينيها التي تدور بتعب، فتوجه غسان يميل عليها متسائلاً بقلق:
"نيروز. انت كويسة؟ لو مش قادرة تعالي نطلع نرتاح!"
نفت برأسها بحنو وسعلت بيديها وبالمنديل الورقي ثم رفعت عينيها تجاوبه بإطمئنان:
"لا.. لا أنا أخدت الدوا قبل ما أنزل وشوية وهفوق أكتر. متشغلش بالك!"
لاحظ سعالها المتكرر وفجوتها في المساحة بينها وبين ياسمين كي لا تلتقط الأخرى منها الدور. طالعها بيأس من إصرارها فوجدها تؤكد برأسها بإطمئنان حتى استقام ينظر نحو شادي الذي هتف باسمه كي يتقدم ناحيته. في حين تدخلت منة بترقب تحثها برفق كونها طبيبة:
"قومي بس اغسلي وشك بماية فاترة عشان درجة الحرارة تنزل وتفوقي أكتر قبل ما العلاج يعمل مفعول كمان!"
أومأت لها نيروز وهي تبتسم حتى نهضت وتبعتها وسام خوفاً بأن تقع بالطريق فلم تعد تثق بثبات أحد بعد الذي حدث!
هدوء حامد وحديثه المقتضب كمثل ما تفعل دلال يؤثران به جداً. يعاقب كأنه صغير بل وهو الذي لم يخطأ بشقيقه هكذا رأى هو. ورغم غياب شقيقه بسبب عمله ولكنه يرى الفتور من والديه معاً. وتلاحظه نيروز التي سألته مرة واحدة فقط حينها شتتها ولم يعطيها الجواب!
انسحبت مع الصغير ناحية الشرفة تسمعه وهو يقص عليها يومياته في المدرسة وما يحدث. كانت فريدة تشاركه الحديث بحماس كي لا يمل بينما كان هو بريئاً. تاهت بملامحه اللطيفة وعلمت بأن هذا الصغير أحد التوأمان يحمل قلباً نقياً. لم يكن سوى أدهم التي وجدت به اللين عن الآخر ومن بين الحديث وجدته يردد بجملة عفوية أثارت اندهاشها منه:
"وكمان.."
انتي جميلة أوي يا فيفي، لما أكبر هتجوز واحدة حلوة زيك كده.
ضحكت بخفة وهي تقرص وجنتيه ثم قالت وهي تعقد حاجبيها باستنكار تمثيلي:
"انت بتعاكسني صح؟"
"يعني ايه بعاكسك؟"
سألها باهتمام، فضحكت بيأس وشعرت بدخول أحدهم الشرفة. اعتدلت بعدما كانت منحنية، وعندما وجدته برفقة "يوسف" أخذ الصغار بعضهما نحو الخارج بركض، يلعبان ببراءة. بينما وقف هو لثوان، يطالعها بتمعن وسألها بتلقائية:
"عاملة ايه؟"
أما هي فكانت تظن أنه سيحاصرها بوجوده في الأيام الماضية، وعندما لم تراه شعرت بأن هذا جيد وسيء بنفس الوقت. عقب حديثه المندفع لم تراه، وخمنت بأنه ندم ورحل عندما علم الحقيقة الموجعة بالنسبة لها.
"الحمد لله!"
ردت باقتضاب، وحاولت أن تفر من أمامه. ببنما كالعادة قاطع سيرها وهو يقف وردد بإنهزام، يسألها بصراحة، ناظراً نحو عينيها التائِهة كمثل شعوره:
"أنا معرفتش لسه.. ليه بضعف قدامك؟"
تفاجأت من سؤاله حيث يصارح ويسأل بنفس الوقت، وإحتدت عينيها لثوان، حتى رفعتها تحذره:
"لوسمحت أنا مش هسمح بكلام من النوع ده، إبعد!"
"أنا عايزك تجاوبيني لاني مش لاقي الجواب!"
قالها "ٱدم" بيأس، فتراخت ملامحها وأدمعت عينيها بقهر داخلي. حينها اعتدلت ورددت دون خفاء:
"يمكن عشان صعبت عليك، أو يمكن تكون ضعيف عشان فكرت اني هستسلم لكلامك حتى بعد ما بعدت ورجعت وعايز تتكلم بكلام ملوش لازمة عشان أجاريك. إنت عاوز ايه مني بقا.. سيبني فحالي!"
سألته بإنهزام، ووضعت يديها تمسح وجهها، بينما تفاجأ هو من حديثها فرد بتبرير سريع:
"مبعدتش عشان عرفت الحقيقة.. بعدت عشان آخر مرة قولتيلي ابعد عنك.. قولتيها بعزم ما عندك، واما واجهتك وسألتك مردتيش حتى لما قولتلك اني شكلي هحبك غصب عني!"
"وليه غصب؟ انت كداب. وزيك زيهم، عايزني استسلم لكلامك الحلو اللي بتدخله فوسط الكلام؟ عايزني أصدق انك متصدمتش ومفكرتش تفكير تاني خالص صح؟ عايزني أقف أبص عليك وانت بتشفق عليا؟ مشيت بمزاجك ورجعت بردو بمزاجك. بتضحك على عقل مين بالظبط؟"
قالتها بهجوم، لم يستنكر شئ كهذا بعد حادثها المؤلم، بل نفى بكل ثبات، وحرك رأسه ناحيتها أكثر وقال بصراحة، رغم أنها تلقي التهم عليه دون صبر:
"أنا كنت بقول كلامي ده قبل حتى ما أعرف اللي حصل. أنا مبلعبش.. أنا جيتلك أقول اللي حاسه بصراحة حتى قبل ما يحصل!"
إبتلعت غصة مريرة وقالت بإنكسار شديد:
"بس أنا قولتلك لأ.. قولتلك مينفعش وإبعد. ودلوقتي بقولك امشي قبل ما يحصل اللي انت حاسس بيه، وامشي كمان قبل تفهم وتحدد اللي انت فيه ده إيه، عشان صدقني انت مش هتبقى مبسوط!"
"أنا مش زيهم!"
ضحكت "فريدة" بسخرية مؤلمة ولوت شفتيها بألم متهكم، حتى ردت بفقدان ثقة ظهر له بقوة:
"اه ما كلهم بيقولوا كده وبيطلعوا أوحش بكتير منهم فالآخر!"
زفر "ٱدم" بوجع منها، إلى الآن لم يرد عن سبها له من بين الحديث، تركها لأجل ألمها، ولكنه تنهد بعد لحظات، وسألها بجدية صادقة:
"فرصة أثبتلك اني مبقتش منهم ولا زيهم. تقدري؟"
سألها بصراحة، عن إعطاء فرصة له، وقفت لبرهة تستوعب ونفت برأسها بوجع، وهي تسمعه يكمل بشغف لم تراه به من قبل، حتى هو يتعجب من إصراره:
"فرصة مش هتخسرك ولا هتخسرني. بس اديهاني وأنا هدخل البيت من بابه وأخطبك ونتعرف من أول وجديد. حتى لو مفيش حب بس أنا متأكد إنه هيجي مع الوقت واحنا بنفهم بعض!"
وأكمل بتفسير هادئ كنبرته:
"وأعطي نفسك انتي كمان فرصة قبل ما تديهاني. ولو وافقتي أنا عندي كلام كتير أقولهولك حتى لو مش هتصدقيه بس مستعد أقوله ساعتها!"
أخرجت أنفاسها بتهدج، وقالت بضعف ظهر في نبرتها المكسورة:
"انت مش فاهم حاجة يا ٱدم. كل دا مينفعش عشان هيبقي فوق طاقتي. بعد ما هيبقي فوق طاقتك انت كمان. مش لازم أنا يا بن الناس. أنا مكسورة كفاية من الدنيا ومش هتسحمل وجع تاني!"
"هشيل عنك وجعك. هحاول أعمل ده. ثقي فيا وفنفسك وسيبي الباقي يجي زي ما يجي. بدر قرب يمشي وكل شوية يقولي أنا عندي ليك عروسة. بس أنا فالآخر مبقتش أفكر غير فيكي انتي. أنا شايفك تنفعي أبني بيت معاكي ونبدأ من جديد. كل واحد فينا حياته كانت صعبة. كل واحد غلط وبيتغير حتى لو اتظلمنا بس عندنا قوة نقوم من تاني. والا مكنش ربنا اختار لينا كل ده من الأول. "بدر" عايزني أستقر وكإن دي الحاجة اللي هتثبتله اني اتغيرت خالص للأبد عشان اتشغل وأحس بالمسئولية. ميهمنيش طالما ملقتش بنت الحلال. بس أنا دلوقتي مش هسيبه يختار. أنا دلوقتي عارف انا عايز مين وفاهم مين."
وقبل أن يكمل حديثه وجد الدموع تنهمر منها وهي ترفض بقوة:
"مينفعش والله العظيم. انت من حقك تستقر مع حد غيري. أنا مش جاهزة ومش قادرة أدخل فعلاقة. ولا حتى انت ليك ذنب تاخد مـ..."
بتر حديثها بجمود، عندما اقترب أكثر وهو يردد بنبرة قوية:
"ملككيش دعوة. أنا راضي.. راضيها وقابلها. وفكرت أنا مش متسرع أنا فكرت كويس فالأيام اللي فاتت. والله العظيم ما بتاع معايرة ولا هفتح الحوار ده. وحتي فالبعدين مش حسسك بكدة أبدا. إنت ليه خايفة؟"
سألها بإنهزام، فمسحت عينيها بوجع، وهي تردد بقهر:
"معتش أمان بالنسبالي. صدقني أنا مش هقـ..!"
"لا.. دوري كويس هتلاقي ان لسه في خير. بصي أنا مش عايز ردك دلوقتي. بس فكري وردي براحتك. وأنا مش هفتح الموضوع تاني من عندي!"
كادت أن تجيب بالرفض مرة أخرى ولكنها توقفت عندما رأته ينسحب إلى خارج الشرفة. العجيب أنها وجدت "فاطمة" فجأة أمامها وربتت على ذراعها بمواساة، حتى عانقتها بتشبت، وهي تسرد بألم وشغف بنفس ذات الوقت:
"هتصدقيني لو قولتلك اني قولتله بلاش يقولك كده دلوقتي. هو حكالي وأنا قولتله ان مش سهل وفهمتك أكتر من أي حاجة. مع ان نفسي أوي تبدأي من جديد وتوافقي. الظاهر انه حبك يا فريدة. كل مرة كنت بكلمك اطمن عليكي كان هو اللي بيقولي اعمل كده عشان يشوف حالتك بقت عاملة ازاي. أنا مش عارفه ليه بيحصل كده وليه مفيش حاجة بسهولة بس والله العظيم ما هتندمي عليه. ٱدم حنين أوي وطيب أوي.. بس مش هنضغطك. فكري بس!"
قالت حديثها من بين عناقها لها وتحت سماع الأخرى لهذه الكلمات، بينما تشد بعناقها بتشبت، وكأنها تريد ولا تريد!
تجهزت سفرة الطعام بواسطة الفتيات والنساء ورص الشباب المقاعد بجوار بعضها. وجلست "نيروز" بهدوء بجانب "غسان" الذي راقبها بنظراته. وضعت النساء الطعام والأطباق حتى تجهزت بالكامل، وجلس الشباب منتظرين قدوم "بسام" الذي قال بأنه جاء في الأسفل وسيصعد فقط بالمصعد. جلست "جميلة" بجانب "عز" وكل منهم بجانب الآخر، ودخل "بسام" مرحبا بهم أخيرا، حتى جلس بجانب "ٱدم" الذي احتضنه بحب. تجمعهم كان ليس بالفرح فقط بل التجمع كان من الحزن أيضا!
بدأ الكل في تناول الطعام وتقابلت أعين "بسام" معها وخفق قلبه في الحال عندما مالت تهمس بجوار أذن "منة" بحديث هادئ. دقت طبول الفرح والسعادة والكل كان قد علم عداه هو!
بينما كانت "نيروز" غير قادرة على تناول الطعام، مال "غسان" برأسه يسألها باهتمام:
"كلي يا نيروز.. مبتاكليش ليه؟"
لم تتحرج من قولها، ولم تستطع أن تردفها لأحد غيره، ردت عليه بنفس الهمس:
"مش هقدر.. لو أكلت وأنا تعبانة كده ممكن أرجع!"
لم يتقزز من كلمتها، بل نظر لها ولملامحها المتعبة، ثم مد يديه يأتي بليمونة صغيرة حتى عصرها على طعامها وأشار لها بأن تأكل برفق:
"طب كلي كده ولو حاجة بسيطة.. ما انتي لازم تأكلي عشان تاخدي بقية العلاج!"
طالعته وهي تومئ له، تجاري ما يردده على مسامعها باهتمام، بينما اندمج الكل في تناول الطعام. ونظرات "آدم" لا تفارقها حتى وإن وجد الرفض منها، ولكنه يأمل بخلق فرصة بينهما حتى وإن كانت بهذه السرعة. تجرعت "نيروز" فقط من الحساء وتناولت طعامًا بسيطًا. ونهضت بعد دقائق منه تنسحب دون أن ينتبه لها الكل. في حين شعر "غسان" بالقلق وحاول الاندماج أكثر مع الشباب وحديثهم حتى نهض من كان على سفرة الغداء شخص فشخص. سمع سعالها من جديد. وبينما كانت النساء تحول الأطباق ناحية المطبخ، انسحب كي يراها فوجدها تقف بركن تمسك رأسها بتعب. من بين سعالها زفر بصوت ووقف حتى تهجمت ملامحه وهو يحثها بجدية:
"ما تسمعي الكلام وتعالي نطلع يا نيروز. انتي مش شايفة نفسك عاملة إزاي؟"
مسحت وجهها وهي تبتسم بتعب، حتى نفت بإصرار، وتمسكت بكفه فوقف يسندها برفق حتى خرجت تجلس مع من كان يجلس في الصالة. لاحظ تجمع الشباب من جديد ومن ناحية أخرى الفتيات. بينما عقب ما اغتسلت "جميلة" من يديها جففتهما وخرجت تنظر فوجدته يجلس بين الشباب مبتسمًا بهدوء يشارك حديثهم. لملمت أثر وضع السفرة وما عليها. ولاحظت تجمع النساء في المطبخ. حتى "حنان" والدة "عز". في حين وقفت "وسام" تأخذ هاتفها وهي تشير لهم بالوداع ناحية شقتها. بينما صاحت "دلال" في المطبخ بصوت عالٍ:
"اسكتي انتي يا عايدة. الكوبايات مش هتكفي وانتي شايفة العدد ما شاء الله. دا غير اللي اتكسروا في العزا. أنا هندهلك "وسام" تجيب من عندي كام كوباية كده!!"
صمتت "عايدة" ودخلت "فرح" على الجملة الأخيرة. حتى ابتسمت لها بهدوء وهي تصحح لها:
"وسام مشت يا طنط. حضرتك محتاجة حاجة؟"
قالتها بلباقة وابتسمت لها بلطف. حتى نفت وحاولت أن تخرج لتحث أحد توأميها حتى أوقفتها "حنان" بتفهم سريع:
"راحة فين يختي. سيبي الرجالة مع بعضهم. روحي يا فرح انتي لـ وسام واشتالي معاها كام طقم كوبايات كده وتعالي!!"
قالتها بعشم. وكانت "سمية" مندمجة مع "زينات" في غسل الأطباق. فقالت "دلال" بحرج لـ "حنان":
"أنا قولت هتتحرج مني تروح!!"
رسمت "فرح" ابتسامة هادئة عليها وأومأت بصمت. حتى انسحبت تنفذ ما قالته لها. لم تكن تريد "دلال" قول ذلك كي لا تخجلها. بينما تفهمت "حنان" حرجها. وأن "وردة" رحلت لتبدل ثياب صغيرها كما كانت "نيروز" منهكة و"جميلة" حالها معروف. ورغم أن الشقق متقاربة. ولكن كانت النساء تساعد بعضها بسرعة كي ينتهوا بسرعة من هذه الأعمال. أكملن الحديث بحب وتفهم من هذا الموقف. وثرثرت "حنان" عن طبيعة ابنتها الخدومة دون معارضة حيث طوال عمرها لم ترفض كون حالتهم معروفة وبالأخرى مرضها الأخير الذي غير من الأوضاع وجعلها كذلك.
كان الشباب جالسين مع بعضهم وكل طرف يتحدث مع آخر غيره بعشوائية. ما لا تعلمه من بالداخل أن أحد التوأمان رحل ليبدل ملابسه الذي جاء بها سريعًا من العمل على سفرة الغداء. والآن مقابلته مع "فرح" ستكون إجبارية بالحرج من الطرفين كونه يخجل خجل رجولي لطيف وهرب بالأساس من عينيه التي تحاطها رغما عنه. انسحب "عز" يقف مع "جميلة" وهي تمسك طبق من بقية أطباق "الأرز باللبن" الذي تم توزيعه في المقابر على روح والدها. حاولت أطعامه بخجل بسبب من تقف على بعد منها كانت "منة" التي تحاوط "شادي" بنظراتها. إلى الآن تستنكر كيف يظهر بهذا الثبات رغم ما بداخله من ثورات ومعارك بين العقل والشعور وما يريده من اللا شعور بأشقائه. لا تنكر بأن حبها له قد زاد في الأيام الماضية وحاولت فعل كل شيء كي تخرجه من آخر حالة كانت لديه. بينما هو كان بارعًا في إخفاء وجعه.
"مال قنصاتك منزلتش من عليا يعني؟"
قال "شادي" غزله بها. وضحكت هي وهي تستند على السور الحديدي الخاص بالشرفة الكبيرة التي وجدت بالصالة. تعلقت عينيها بعينيه وقالت بلين ليس معهود منها كل الوقت:
"جوزي بقى. ولا عندك مانع؟"
ضحك بخفة وشعر بنظراتها المتأسفة له. والتي أصبحت طبيعة نظراتها له في الفترة الأخيرة بعد ما حدث. جاب عينيه المكان ومن بين ذلك جابت نظراته من بالخارج فوجد "والدها" ينظر إليهم من ضمن حديثه مع "حامد". ضحك وهو يعود بنظراته وقال بمرح:
"معنديش أي مانع. الظاهر إن أبوكي هو اللي عنده حتى بصي!"
أشار لها بعينيه. فضحك ضحكة خفيفة وأخذت نفسًا عميقًا وهي تنظر لعينيه ثم قالت بصدق:
"دا بس عشان حاسس إني مرتاحة. أصل سألني انتي مبسوطة؟"
ابتلع ريقه ولا يعلم لما ارتبك. بل سألها باهتزاز وعقله لا يفارق صدماتها بما حدث من موقف آخر مرة:
"وقولتيله إيه؟"
قلبت عينيها بمكر. ورفعت شفتيها بتسلية وهي تنظر بالمكان بتلاعب حتى قالت بخبث:
"تفتكر إنت أنا قولتله إيه؟"
"مش عارف.. ومش ضامنك عشان إنت مش سهلة بنقنصاتك دي!"
حاولت ألا تخرج ضحكاتها بصوت. بل ضحكت وتعمدت مسك يديه. فاحتوى هو كفه أناملها وهو يستمع لحديثها الجاد الصادق:
"قولتله إني مبسوطة أوي وأنا معاك.. مش بس عشان اتجوزت واستقريت. لا أنا مبسوطة عشان معايا راجل استحمل كتير أوي. راجل قوي يعني!"
وكأنها ترسل له رسالة مشفرة تشجعه بها. سعد وخفق قلبه وتحولت اللحظة لمرح. حتى سألها بنبرة ضاحكة متشككة:
"قولتله اني قوي يعني؟"
حركت رأسها بنعم. فغمز لها بمشاكسة. حتى صمتت عندما وجدت "غسان" يقترب ضاربًا الآخر على كتفه من الخلف وقال بتبجح:
"ما تخف محن وتلزيق يلا!"
"عريس ي حبيبي. خف انت!"
ضحك ونظر ناحيته بتشكك. فإلى الآن لم يصارحه بما يضيق صدره ويعلم جيدًا حالته عندما يخفي شيئًا عليه. اعتدل ورفع الملعقة يأكل من العلبة الصغيرة التي توجد بيديه وقال بمشاكسة هو الآخر:
"طب ما أنا كمان عريس!"
قالها بغمزة مراوغة. فانسحبت "منة" بهدوء تقف بجانب "جميلة" عندما اقترب "عز" من الآخران. واقترب على رد "شادي" وهو يكيده:
"لا يا "غس" راحت عليك خلاص. انت مدقق بقالك شوية بردو فالشغلانة!"
"غيركم لسه مدققش!"
كان قول "عز" الأخير. فضرب "غسان" "شادي" بمرح. وضحك "عز" بخفة. حتى شاكسه "شادي" هو الآخر بوقاحة شبابية. في حين كان بالخارج "بدر" وهو يجلس بجانب "آدم" والذي ينظر إليها من على بعد وهي تتحدث مع "ياسمين" و"نيروز".
وقبل دقائق خرجت "فرح" تقف أمام شقة "حامد" حتى دقت الباب دقتين ولم تجد رد. وعندما دقت الجرس وقفت قليلا تنتظر حتى فتح لها الباب أخيرًا بعد لحظات مع قوله الذي ظهر به الضيق وهو يضع المنشفة على رقبته مرتديا ملابس قطنية ملتصقة على جسده من الجزء العلوي دون أكمام.
"يعني مش سامعة الباب يا وسام. لازم أخرج من الحمـ.."
صمت سريعًا عندما شهقت هي بخفوت. وأهبطت نظراتها. على الرغم من أنه ليس به شيء كي يخفيه بنسبة لعورة رجل. ولكن مشهد كهذا بهذه المفاجأة غير المتوقعة جعله يتنحنح بحرج سريعًا يتأكد من دقها الجرس على شقتهم.
قال بمفاجأة من قدومها:
"فرح!!!!"
واصل سريعا بحرج وارتباك:
"أهلا أهلا يا فرح ..إتفضلي !!"
أردفها "بسام" بلباقة، وهو يرجع إلى الخلف قليلا. فرفعت "فرح" وجهها بخجل، وهي تنظر على المكان من الداخل فردد هو سريعا بارتباك وكأنه يريدها بأن تدخل:
"وسام اختي جوه، تعالي، وأنا همـشي أهو!"
ترددت عينيها في النظر بينما طالعت وجهه بثبات، مهزوز وقالت بنبره هادئة:
"أنا بس جيت أخد كوبايات زيادة عشان اللي هناك مش هتكفي، طنط دلال اللي بعتتني!!"
"طب تعالي ادخلي المطبخ اهو، خدي اللي يعجبك..خدي اللي تحبيه!"
تأخد ما يعجبها، لا تعلم لما ضحكت بخفة، على تعلثمه وحماسه الغير مفهوم، فإرتبك هو سريعا، وهو يتنحنح بحنجرته، حتي أشار لها بذراعه فدخلت بخطوات هادئة وأرجع ذراعه كي يدفع الباب حتي يبقي مفتوحا، في وجودها بأدب، منه. ابتلع ريقه بغير تصديق من كل ذلك المشهد من بدايته. وبخفة، إرتدي تيشرته الموضوع على مقبض غرفته وهو من وضعه بهذه الطريقه كي يخرج يرتديه بسرعه ليذهب مجددا. دخلت المطبخ تنتظر قدوم "وسام". ووضعت بوضع محرج جدا، فركت يديها بتوتر، من وجودها بٱخر مكان غير متوقع، المطبخ. تقف في المطبخ تنتظر صاحبة هذا المنزل. أما هو فدخل سريعا، حتي وجدها بموضعها واقفه، فخرج صوته يسألها سريعا:
"مخدتيش ليه اللي انتي عايزاه. أساعدك؟"
اقترب حتي دخل، فرجعت هي إلى الخلف بعفوية، تسأله بتردد:
"المفروض "وسام" هي اللي تعرف، فأنا كنت مستنياها وكده زي ما مامتك قالت!"
طالع وجهها بتمعن، وليست بغبية كي لا تلاحظ نظراته إليها كل مره. ابتلع ريقه وقال بنبره هادئة شديدة:
"هي ..هي بتذاكر..أنا ممكن اساعدك انا .. أنا بفهم في المطبخ علفكرة!"
إبتسمت بحرج. فتحرك هو سريعا، يرفع يديه يشير لها عن الاكواب المخصصه فحركت رأسها بممكن. حتي جذب واحد تلو الٱخر وقام برصهم بخفة. فاقتربت تساعدة حتي جذبت معه من منظم الأكواب، النوع الذي يأخذ هو منه. تلامست يديها معه بعفوية، فتحرك هو على الفور كي لا يوضع بوضع سئ حتي بالٱفكار. خجلت وهي تهبط يديها سريعا، حتي انتهوا من جذب الٱكواب وقال هو يحثها بتوتر خفي:
"سبيهم هشتالهم أنا عادي!"
حركت رأسها نفيا، وقالت بارتباك مخفي تبرر له سريعا:
"لا دول كتير، وانا كنت جاية عشان أشتال معاها، هساعدك!"
وعندما إنحنت بيديها وجسدها قليلا، لتجلب عدد من الأكواب لتحملهم، أوقفها حديثه التائه وهو يعتدل ينظر لها:
"أنا فرحت أوي إنك اتكلمتي وبقيتي أحسن!"
صمت قليلا. ولأول مره يقاوم خجله من حديث عابر مع أنثى وقال يصارحها:
"شوفتك امبارح في المستشفي بعد ما خلصتي الجلسة وماشية!"
عاهد على ان لا يتقرب ولكنها من جاءت له هذه المره. إعتدلت سريعا، تنظر له بحرج، وهي تبتسم. وقالت حينها بما أثار تعجبه من عدم نسيانها لحديثه قبل وقت طويل:
"أيوة، بكمل الجلسات للٱخر عشان اكون أحسن. عطيت لنفسي فرصة، واقتنعت ان الرحلة مش كلها حلوه زي ما قولتلي لازم تكون شاقه بس أكون قدها!!"
شعرت بهذه اللحظة ان شكرها له حان قوله. حيث كل مره كانت تجده في الحديث المطمئن. ابتسمت وقالت وهي تحث نفسها علي الثبات:
"مكنتش بلحق كل مره اقوللك شكرا، علي كل كلمة كنت بتقولها ليا فوقت صعب. بس هو انت ممكن تقولي بتجيب الكلام ده منين؟"
تتضح بأنها عفوية كمثل والدتها تماما. بل وما أخذه عنها من أول انطباع. ولكنه عاد بتذكر بأنه رٱها في وقت صعب عليها أول مره. كان يبتسم كالأبلة. هل حقا، تتحدث له بهذ ا الحديث؟ لا يعلم هو بأنه حديث عادي جدا. بينما بالنسبة له كان يتمني فقط حرف منها قبل هذا الوقت. تنحنح يجلي حنجرته وتاهت منه الكلمات وقبل أن يتحدث بالرد عليها. كانت "وسام" قد دخلت تقف بصدمة لم تمنع تلقائيتها في ان تردد جملتها:
"انتوا بتعملوا ايه فالمطبخ؟"
انتفضت "فرح" بخفة، بينما ارتبكت نظراته وهو يحمل الاكواب مرددا بتبرير:
"فرح كانت جاية تاخد كوبايات من عندنا، وخبطت على الباب بس انتي مسمعتيش!"
نظرت له بتشكك. فحذرها بعينيه حتي ابتسمت لها بلطف، وهي تقول بمكر داخلي:
"منوره شقتنا بجد يا فرح!"
"منوره بأهلها!"
قالته "فرح" بلباقة. وتاه هو بالنظر لها فتنحنت حتي نظرت نحوه واقتربت تدفعه برفق، كي تخرجه من هذه الحالة. فتنحنح هو يجلي حنجرته وترك الأكواب لها. وقبل أن يخرج التفت مبتسما، وهو يقول:
"هي معاكي أهي. بس لو احتاجتي حاجة تعاليلي تاني!!"
فتحت "وسام" عينيها على وسعها. فردد هو سريعا بوضوح ببرر صدمة ما قاله للتو:
"قصدي يعني تعالي خدي اللي انتي عايزاه وهي معاكي. البيت بيتك!"
حملت "وسام" الأكواب وهي تكبت ضحكاتها تحت حرج "فرح". وعندما ابتعد هو عنهما رددت "وسام" بقلة حيلة زائفة لها:
"الدكاتره دول عليهم حاجات كده ايـه!!"
لم تفهم معني حديثها ولكنها رددت بتلقائية وهي تسير بجانبها إلى الخارج:
"زي ايه؟ أنا كمان دكتورة!!"
توقفت تحرك رأسها كي تنظر لها وكأنها تستوعب للتو. حتي وقفت "فرح" تنظر بغير فهم. وتلقت السؤال العبثي منها:
"انت عارفه ده معناه ايه؟"
حركت "فرح" عينيها بعشوائية جاهله عن فهم مقصدها ولكنها ردت بجهل:
"ايه؟"
هزت "وسام" كتفيها بغير علم وانفجرت ضاحكة بخبث، منها هي وحدها. وبعد ذلك تعالت ضحكات "فرح" عليها وعلي صوتها دون فهم للذي يحدث. فقد علمت للتو بأن الٱخري شخصية مرحة تختفي عن من لا تعرفهم ببنما الٱن تتعرف عليها أكثر. فما القادم؟
دخلت على الفور ناحية المطبخ كي يعدوا أكواب الشاي والعصائر لهم جميعا. دخلت "فرح" مع "وسام". وتبعهما بعد ذلك "بسام" الذي دخل بين الشباب الجالسة وجلس بجانب مقعد "ٱدم" علاقته به تطورت قليلا. حتي ان "بسام" بين الحين والٱخر يذهب معه إلى الشيخ في المسجد. مال "بسام" يهمس جوار أذنه باهتمام:
"عملت ايه؟"
ترقبت عينيه وإعتدل "ٱدم" ينظر له بصمت، للحظات. حتي تنهد مرددا بـ:
"قولتلها تعطينا فرصة. مصممة على الرفض بس أخر حاجه قولتلها مش عاوز رد دلوقتي مع اني سمعت الرفض منها أكتر من كام مره!"
وجد اليأس علي ملامحه. وتفهم هذه الحالة جيدا. يقدر بقوة، معني أن يرفض المرء حتي وان لم يتخلل قلبه الحب. فالرفض وحده شئ قاسي وثقيل!
متستعجلش يا آدم ومتضغطهاش، سيبها براحتها على الآخر، عشان عارف إنك زي أخويا وهتفهمني. الكلام ده لإني عايز أقولك إن اللي حصل ليها مش سهل خالص على أي واحدة. واضح إنها متأثرة، بس شخصيتها مش ضعيفة، بالعكس دي قوية، لأنها ساعدت نفسها تقوم من تاني وتتعامل بشكل طبيعي، حتى لو ظاهرياً. فبرضه تعتبر صعبة إنها تحصل. وعايزك تفهم كمان إن الموضوع ده حساس. يعني لو حصل نصيب بينكم لازم جداً تكون متفهم لأقصى حد ممكن توصله لحد ما هي تاخد على طبعك وكلامك. يعني خلقك الضيق ده مش هينفع معاها خالص، وفي حاجات معينة لازم تعقل وتصبر فيها، ولو حتى بمجرد كلام.
كان حديث بسام متعقلاً، لم يتحرج من قول ذلك، بل اعتبرها نصيحة من شقيق أكبر لشقيق أصغر سناً، كون الآخر يجهل أشياء كثيرة. وجده يزفر بصوت وهو يحرك رأسه متفهماً، وقال بقلة بنبرة صادقة تعلن عن مدى اهتمامه:
أنا قولتلها هشيل عنها وجعها وهحاول أعمل ده، بس الظاهر إنها فاقدة الثقة في كل حاجة حواليها. مش فاهم ليه بتبص ليا على إني كداب ولسه على طريق الشمال، مع إني اتغيرت وبحاول أتغير أكتر.
ما مش حاجة عجيبة ولا غريبة، وصدقني في دي عشان أسأل مجرب. الواحد لما بيخرج من أي علاقة أو أي حاجة مخذول ومش مستوعب ده حصل إزاي وأنا قدمت كل حاجة وإزاي كنت بعمل كده معاهم، كل ده في الآخر العقل بيتصدم منه. بيخلي الواحد شايف كل الناس زيهم وبيفقد الثقة تماماً، وبيخاف. بيخاف أوي يدخل علاقة تانية ويقدم كل اللي بيقدمه ليتخذل تاني. هي خايفة وفاقدة الثقة ومكسورة. بس في الآخر بنقابل ناس بيغيرولنا الفكرة. بنقابل الناس الصح، بس الوقت بيبقى غلط والشخص اللي بيبقى غلط ساعتها هو إحنا، هو اللي خارج من كل ده مش مستوعب ومصدوم وبيتعب أوي على ما يتأقلم من جديد من غير شك ولا فقدان ثقة وخوف من خذلان.
قال كل ما يريد قوله من تجاربه الكلية، وآخرهم قارن نفسه برؤيتها عندما شعر بأن هذه عززت به نفسه وثقته، هي التي فعلت بدون مجهود ما كان يعاني منه ويرفضه ويرفض الشعور به. وبالنهاية استخدم الطريقة الخاطئة وفعل بعناد ما جعله يخسرها دون حتى الاعتراف ودون حتى علمها. بينما الآن ثمة شعور بداخله خلق بأن يلزم الاقتراب منها بجدية هذه المرة. نظر بسام لوجه الآخر عقب حديثه، حتى سمعه يتنهد تنهيدة حارة، فواصل يكمل وهو يعطيه الأمل بتعقل:
انت بإيدك تغير الفكرة دي، بس من غير ضغط ولا غصب، فاهم؟
حرك رأسه بنعم، واعتدل عندما وجد دلال تتوجه ناحيتهم بالأكواب، في حين توجهت عايدة بصينية أكواب أخرى ناحية الشرفة الذي وقف بها البقية. أخذ عز منها الكوب وهو يشكرها، حتى قدم ما بيديه لجميلة أولاً، ثم من بعد ذلك أخذ واحد له. نظرت له عايدة بحب وتقدير، حتى توجهت للآخرين تعطيهم ما أعطته لعز، الذي ابتسم لها بحب. فرفعت هي عينيها تقابل عينيه التي تراقبها، وقالت بتلقائية:
عارف نفسي في إيه يا عز؟
غمز لها بمشاكسة، وتجرع من الكوب وهو يردد سريعاً:
لأ بس هموت وأعرف والله!
ضحكت عليه بخفة. ومنذ أن شعرت بالثقل الذي عليها، تود أن تجلس أمام مكان تفضله كثيراً. تنهدت تردد بملامح هادئة تطلب منه:
نفسي أروح أقعد قدام البحر على الكورنيش شوية!
لم يتعجب، علم أنها تريد الهروب من المشاعر الحزينة. ابتلع ريقه وقال بترحاب لفكرتها:
بس كده؟ تعالي يلا.
تفاجأت من سرعته. حتى نظرت حولها بترقب، وعادت تردد بصوت منخفض:
بس إحنا جايين نقعد معاهم شوية ونمشي، ممكن يزعلوا، وكمان مقعدتش مع نيروز وشكلها تعبانة!
وقف لبرهة ينتظرها بأن تنتهي، حتى اعتدل يبتسم لها، نابساً بصوت هادئ:
كلهم هنا محتاجين القاعدة دي. نخرج نقعد على الكورنيش شوية نغير جو، وبعد كده هم يروحوا مشوارهم ونرجع إحنا ناخد أمي ونروح، إيه رأيك؟
قصد ترك الكبار، وأخذ الشباب والفتيات بخروجة هادئة بسيطة. لاقت الفكرة استحساناً منها. وصمتت بعجز، غير قادرة على قولها لأحد خروج، ووالدها متوفي، تعتبرها جريمة. بينما هي بالأساس مجرد جلسة على كورنيش هادئة لتغيير نمط النفسية السيئة. وجدته يتوجه ناحية الشباب كي يخبرهم، والخارج أيضاً. لا تنكر أنها تفاجأت من سرعته، ووقفت حتى وجدت نفسها بصالة المنزل تستمع لترحيب الشباب بهذه الفكرة.
وافق النساء على الجلوس حين عودتهم، وأصر شادي على مجيء حامد معهم لملاحظته بالتغير. في حين انسحب غسان يقف بجانب نيروز كي يسألها برفق:
هتقدري ننزل ولا نخلينا قاعدين؟
تحمست للفكره من الأساس رغم تعبها. نظرت نحو مرآة طاولة في الصالة تعدل حجاب رأسها أكثر، ثم قالت بابتسامة هادئة:
لأ خلينا ننزل نغير جو معاهم.
تمعن النظر لها بمقدرتها ورأى رغبتها في النزول. فحرك عينيه بموافقة، حتى سمع الحديث العشوائي، وكل منهم كان يرتدي ملابس لائقة نسبياً، للهبوط أمام المبنى ناحية الكورنيش.
تعالى يا فريدة!
حثتها جميلة بابتسامة هادئة، وعندما شعرت بأنها سترفض، جذبتها من ذراعها بخفة، حتى نهضت. ولاحظ عز فعلتها فضحك بخفة. فقد تركته وتأبطت ذراع شقيقتها، وهو المرحب بالفكره والتنفيذ. حرك رأسه بقلة حيلة عليها وابتسم وهو يمد ذراعه لفرح كي تتأبطه، وبالفعل تأبطته وخرجت معه كي ينتظروهم في الأسفل. ابتسم غسان لها وهو يمسك يديها كي تسير معه. في حين وقف حازم ينظر نحو ملامح ياسمين الحزينة الضجرة، حتى مد يديه بحنو، يحذرها:
خلاص موافق، بس متسوقيش الجنان. امشي براحتك معايا، كده كده هم خطوتين، قومي يلا!
تلهفت وكأنها طفلة للتو، ونهضت بسرعة، تنتفض حتى ضحك عليها وهو يحذرها من اندفاعها هذا. سارت معه وحثتها سمية على التمهل بحذر. في حين سبقت فاطمة والأطفال مع آدم وبدر ووردة.
عندما انسحب يأتي بشقيقته كي تهبط معهم، تلهفت وارتدت حجابها على ملابسها التي كانت تجلس بها وسط الشباب والعائلة ولم تبدلها.
بجد يا بيسو هتخرجوني؟
رددتها وسام، وهي ترتدي حجابها بسرعة. فضحك وهو يضرب وجنتيها بخفة، ثم قال:
خروج إيه يا هبلة؟ دا تحت البيت شوية وراجعين. ها خلصتي؟
تطلعت على نفسها وكانت متجهزة بالفعل. من البداية كانت تريد شيئاً كهذا يخفف عنها التوتر. اقتربت تقبل وجهه وتمنت بداخلها أن ترجع علاقته بغسان كمثل من قبل. فمنذ ما حدث وأيضاً لم يتواجهان مرة ثانية رغم حديث والديهم المقتضب معهما.
ضحك وفرد ذراعه كي تتأبطه حتى أغلق باب الشقة خلفه ولاحظ هبوطهم جميعًا.
فابتسمت وهي تركب المصعد حتى نظرت له وقالت بخبث:
"عينك لمعت أوي وانت معاها!"
ابتلع ريقه ضاغطًا على الزر واحمر وجهه حرجًا من حديثها الذي فهم معناه. قلب عينيه فوجدها توكزه بكتفيه بضحك خفيف ثم قالت بتبجح:
"بس عارف بقيت ابلعها عن الأول!"
تلهف عندما وجدها تردد بذلك وتزامنًا مع خروجها ردد هو بغير تصديق ودهشة:
"بجد. هي طيبة أوي والله!!"
من أين علم؟ أم أن العاشق يدافع بدون براهين وأسباب؟ نظرت له بتعجب وانفجرت في الضحك بصوت حتى كمم هو فمها بريبة عندما سار بجانبها ووجد الكل ينتظرهما. وعندما كتمت صوتها اقتربت أكثر تهمس له من بين سيرها بجانبه:
"انت اللي طيب أوي يا دكتور بيسو. أوي يعني!"
قالتها بابتسامة غير هينة جعلته ينظر لها بغير فهم. أما هي فلم تسطع إعطاء قبول لها بقوة، فقط بنسبة بسيطة مقارنة بـ "نيروز" فهي شيء آخر بل و"وسام" كشخصية ليست متهاونة للدرجة التي تجعلها تنسى أن الخلاف كله من بدايته لآخره كان بسببها هي بسبب "فرح" ولكن ما ذنب الأخرى من هذا التفكير؟
"يلا بينا!!"
رددها "شادي" بابتسامة هادئة وأمسك كل طرف بيد من يخصه حتى تخطوا الطريق ناحية الاستراحات من على بعد. وجلس من جلس على الاستراحات وتقدم البقية ناحية البحر أكثر وكورنيشه الطويل أمام المارة والاستراحات. الذي يجلس عليها الناس بأشكالهم وأحوالهم المختلفة.
وقفت "نيروز" تتنفس بعمق وراحة وهو بجانبها وعلى بعد منهم كان كل اثنان بمفردهما وثالثهما الحب. حركت عينيها ناحيته فوجدته يشملها بنظراته فابتسمت تسأله بمشاكسة ظهر بصوتها التعب من الزكام:
"بتبصلي كده ليه؟"
تنهد "غسان" يخرج أنفاسه حتى ابتسم ابتسامة هادئة وقال وهو يرفع ذراعه يحاوط كتفيها يسألها برده وكأنه يراوغ في الرد عليها بسهولة. عادةً ما تفهم طريقته في تعمده لمشاكستها حتى بمجرد حديث!
"بس عارفه الست قالت إيه بقا؟"
ابتهجت ملامحها لم تتذكر آخر مرة كان قد قالها. لذا ترقبت ملامحها وهي تسأله بلين رقيق عهده منها:
"إيه؟"
"مقولش في حبك غير .. الله .. الله الله .. على حبك يا حبيبي الله!!"
استندت برأسها حتى سعلت فمرر يديه على كتفها كي تهدأ قليلًا. ابتسمت عقب ما انتهت وقالت بتعب وهي ترفع رأسها تواجه عينيه الدافئة:
"ثبتني يا بن البدري!"
من يجد الجملة يجدها صحيحة دون تقطع. بينما قالتها هي بسعال فنظر لها بقلق حتى استندت عليه براحة وقالت تلهيه عن ما يريده من رحيل:
"طلع تليفونك نتصور!"
جلس "طارق" بجانب "حامد" وفي الفترة الأخيرة أصبحا قريبين من بعضهما بلطف. انشغلا في الحديث. في حين بقوا الأطفال يلعبون. و"فاطمة" تقف بجانب "فريدة" وثالثهما على الهامش كان "آدم" الذي سمع "فريدة" تردد لشقيقته:
"بس تربية التوأم صعبة أوي بجد. ربنا يكون في عونك. بس جنة عسولة وهادية أوي مش شقية زيهم!!"
ابتسمت "فاطمة" ورفعت يديها تربت على كتف "فريدة" وهي تسرد:
"جنة عاقلة زي خالها "بدر" واخده منه كتير أوي بس لما بتتعصب بتبقى واحدة تانية. أنا بقا التوأم متعبين آه بس يهون تعبهم لو هم حتى منك. أنا مبقتش عايزة حاجة غير إني أعيش ليهم وأقدر أربيهم كويس. وعقبال ياستي ما تجيبي توأم كده وتتعبي معاهم!!"
قالت آخر حديثها بمرح فحركت "فريدة" رأسها نفيًا وهي تقول باندفاع:
"لا توأم إيه. أنا عارفة تربيتهم بتبقى صعبة إزاي. وبعدين أنا بحب البنات أوي. نفسي أول ما أجيب أجيب بنت!!"
اندمجت في الحديث وهي تسرد وكأنها لا ترفض شيئًا كهذا. وجدته يميل مرددًا بعبث وكأنه موجود بعروق شباب هذه العائلة:
"لو تبقى شبهك كمان بقا. هتبقى حلوة أوي!"
ارتبكت بعد أن عاهدت نفسها على أن لا تكون حادة جامدة معه وتبتعد عنه. كبتت "فاطمة" ضحكتها وذهبت لتجلس بجانب "حامد". وحاولت "فريدة" التصنع بالتجاهل فوجدته يعتدل وهو يردد مجددًا:
"بس اشمعنى بتحبي البنات وعايزة أول خلفتك بنت يعني؟"
تنفست بعمق وحاولت زوال ما جاء بتفكيرها كي تتعامل طبيعيًا. ابتسمت بتكلفة وقالت بتوضيح:
"الرسول صلى الله عليه وسلم قال خيركم من بُشر بأنثى. وكمان بحس إنهم بيجوا بخيرهم ورزقهم على أهلهم. عامةً الأطفال رزق على فكرة. بحبهم!!"
ابتسم "آدم" بإعجاب وقال بتيهة ناظرًا نحو عينيها بقوة كي ترتبك منه:
"هم فعلًا رزق. وحلوين أوي أوي!"
حركت نظراتها بارتباك قليل ما يظهر. وسألته باهتزاز تحاول النظر بمكان آخر غير عينيه:
"هما إيه؟"
"البنات. بالذات لو بنات فريدة من نوعها كده!"
هل ذكر اسمها بشفرة ما؟ تجاهلت ما حدث واستغل نقطة التعامل المتغير لديها لصالحه. علّ ما بعقلها يلين تجاهه. وسيحاول. هكذا أردف لنفسه عندما وجدها تتجه ناحية "جميلة" و"عز".
وقف "بسام" بجانب "وسام" التي وقفت بجانبها "فرح" تستمع لحديثهم المرح مع بعضهم. أخذت معها بعض الصور. ومن بينها هتفت "وسام" بخبث له:
"تعالى يا بيسو اتصور معايا!"
حدجها بقوة وتحذير. فرددت هي بتعلثم مرة أخرى زائف:
"قصدي يا دكتور بسام يعني!"
تعالت ضحكات "فرح" وأمسكت الهاتف كي تقوم بتصويرهما معًا. وعندما انتهت انتفضت "وسام" تردد:
"أنا واقفة بين اتنين دكاترة مبعرفوش ياخدوا وضعيات تصوير. إيه ده!"
توجهت برأسها ناحية "فرح" تسألها بجدية سؤال ليس له علاقة بوضعهم:
"هو انت دحيحة يا فرح؟"
عقدت ما بين حاجبيها بغرابة من سؤالها بينما رد هو ببراعة:
"أي دكتور بيبقى دحيح. بيفضلوا يذاكروا لحد آخر عمرهم تقريبًا. عايزة إيه بعد كده يعني!"
مطت شفتيها ونظرت ببراءة نحوهما وهي تتصنع التذكر لهذه العادة:
"فعلاً. عندهم عادات وطقوس طويلة حتى كمان مبياكلش وأغلبهم بيروحوا يتجوزوا دكاترة زيهم ولا إيه يا بيـ .. يا بسام!"
ما تريد هي منه؟ أم منهما؟ لم يستطع فهم ما بعقلها منذ أن بدأت. نظر بثبات وقال بمرواغة ينظر نحو الأخرى:
"كنت الأول بقول مش مهم. بس دلوقتي.."
توقف عن الحديث ونظر حوله بتيهة. وسرعان ما أكمل بصراحة:
"بس دلوقتي حسيت إني بحب دكتورة!"
اتسعت حدقتي "وسام" من حديثه التائه وتنحنت بحنجرتها. بينما الأخرى لم تتوقع بأن الحديث لها بل ابتسمت بلطف وهي تقول بغباء:
"ربنا يديمكم لبعض. أكيد شغالة معاك في المستشفى!"
ابتلع "بسام" ريقه بترقب وحرك رأسه نفيًا. بينما الأخرى تتابع بصمت وشفقة لوهلة شعرت بشقيقها وقلبه.
"الحقيقة هي مش شغالة. لسه متوظفتش بس مسيرها تكمل وتشتغل.."
أنتِ بردو حاطة خطة لارتباطك وجوازك من دكتور في المستقبل ولا سيباها كده عادي؟
توترت حدقتاها من السؤال، هكذا شعرت. ابتلعت ريقها ونفت بابتسامة هادئة تجيبه:
"لا... أنا.. أنا مش حاطة كده الصراحة. عز اللي عنده المبادئ دي، يعني يغيّب ويقولي أنا مش هقبل بأقل من دكتور. وساعات يقولي أهم حاجة يكون ابن ناس ومحترم ومش مهم الباقي. والاختيار التاني الصراحة هو اللي غالب. حتى بعد تجربته مع جميلة وبعد ما ناسب حازم وكده. مش لازم دكتور لدكتورة ولا مهندس لمهندسة أو العكس لبعض. بحسها شكليات وناس مش بتعرف تفكر غير في المناظر والطبقات. يعني يمكن لو ركزوا على الأصل والأخلاق مكنتش حالات الطلاق هتزيد بالشكل ده كل يوم!"
استرسلت في الحديث واندَمَجَت حتى نظر لها بإعجاب وأفكارها تواكب أفكاره، هو الآخر يريدها، يريدها.
"شكلك عاقلة يا فرح ودماغك تقيلة تتوزن بذهب!"
رددتها وسام بمشاكسة، فضحكت بخفة. ووجدت عز يتقرب منها متعمدًا الاقتراب وهو يهتف قائلًا بصوت مسموع:
"كلمي جميلة يا فرح!"
تحرك بسام بطريقة خافتة كي لا يوضع في موضع محرج معه، فاقترب تزامناً مع تحركها لزوجته، فوقف هو يوزع النظرات عليهم بتركيز، حتى تقابلت عيناه مع وسام وقال بهدوء ممتن:
"شكل فرح ارتاحتلك على الآخر، دي مكانتش عايزة تيجي!"
تحرجت من قوله اللطيف، حتى رفعت رأسها تردد بلباقة:
"وأنا كمان ارتحت لها وبعدين إحنا عيلة في بعض بقا خلاص!"
حرك عينيه نحو بسام فوجده يعبث بهاتفه، لا يريد لشقيقته بأن تختلط وتتعلق دون مسمى، وعلى الرغم من أنه رفضه، إلا أن الحال الآن حال آخر بعد اندماج العائلة مع بعضها وكأن شيئًا لم يكن! والآخر يأخذ ركنًا منه منذ آخر رفض! فقط الحديث مقتضب بينهما.
"يلا يا فاطمة. يلا يا جماعة خلونا نروح عشان المأذون زمانه على وصول هناك. لازم نمشي!"
موعد طلاقها؟ هكذا أردف بدر حتى اقترب الجميع بتفهم من بعضهم، ووقف حامد ينتظر عودتهم بعدما تذهب الفتيات مرة أخرى. ابتسمت ياسمين وهي تحتضن فاطمة وهمست لها جوار أذنها بـ:
"مع السلامة يا فطوم. أنا عارفة إنك قوية وقدها. كفاية إنك هتختاري الصح ليكي ولولادك!"
ابتسمت لها فاطمة بامتنان وأشارت لها بيديها وهي تلوح لها حتى أمسكت يد نيروز التي نظرت ناحية غسان وهي تقول:
"متتأخرش بقا!"
أومأ لها بابتسامة هادئة، وسارت مع نيروز، بينما أخذ عز جميلة وفرح ناحية المبنى كي ينتظر هبوط والدته للرحيل. وقف بسام ينظر على أثرها من على بعد، فضربه شادي بمشاكسة وهو يردد:
"عينك يا بس!"
نظر له بسام بسرعة، وكأنه يستوعب للتو، قلب عينيه بسخافة منه حتى أشار له قائلًا:
"امشي بقا يا شادي. انت طولت الصراحة، مع السلامة يلا. خد بعضك وروح!"
كبتت منة ضحكتها على إحراجه، فوقت يشير لها بأن تذهب مع فريدة تزامناً مع قوله:
"لا امشي إيه.. أنا جاي معاكم عشان بعد الحوار ده لينا قاعدة كده مع بعض لأن الحال معتش عاجبني الصراحة!"
حاول الهروب من نظراته ووجد الاثنان غسان يركب السيارة من على بعد يقترب كي يركب معه حامد، بينما سار شادي ناحية سيارته كي يركبها. وخلال ثوان، وقف حامد ينظر ناحية غسان الذي ينتظر قدومه وقد تعمد تركه بحدة، وهو يتوجه ناحية سيارة شادي. ذُهل بسام من فعلته وتنحنح سريعًا كي يركب بسيارة غسان في الخلف، فرد الآخر بغيظ من الموقف:
"اطلع قدام يا روح أمك، مش سواق أهلك أنا!"
ضغط بسام على فكه من أسلوبه وصفع الباب حتى ركب في الأمام وهو يرد عليه بجمود:
"خلي كلامك معايا يبقي أحسن من كده عشان منزلش من بعض!"
لوح غسان بذراعه تزامناً مع انطلاق السيارة بسرعة مع قوله الهازئ:
"ده أسلوبي وإن كان عاجب!"
وأكمل بسخرية لاذعة دون النظر ناحيته:
"وبعدين إحنا لسه هنزعل من بعض، فوق يا دكتور!"
"ما كله بسببك!"
وكأن هذه المواجهة الثانية بعد آخر مواجهة، قلب غسان عينيه بحدة ورد بإندفاع:
"قصر معايا عشان مقلبش العربية دي بينا."
وأضاف بنظرة جامدة له:
"ساعتها هيبقى بسببي فعلاً!"
وجد التهور في نظراته يهدده، ألهذا الحد كلماته كانت قاسية حتى أنه لا يستطيع تخطي الوضع منذ فترة؟ تعمد الصمت وهو يخرج هاتفه كي لا يجاريه بتهوره. تنفس بسام بعمق وردد بخفوت من بين مسكته لهاتفه كي لا ينهزم أمامه بحديثه المتبجح له:
"أنا مجيبش ورا يا غسان، ومش أنا!"
"طظ!"
رددها غسان بوقاحة بعد صوت فمه وأنفه معًا بالاعتراض. ضغط على هاتفه بعصبية مكتومة وندم لوهلة أنه ركب معه بمفرده! كي يصبح الوضع كذلك. صمت بضغط كي لا يتعاركا على الطريق حتى يصلا بخير!
صعدت الفتيات وصعد عز عندما تيقن بأن والدته ستراوغ إن لم يعجلها هو، حديث نساء ولم ينتهي ولن ينتهي كهذا. أردف بينه وبين نفسه، دخل الكل شقة عايدة ولم تكن وردة موجودة، بل ذهبت مع بدر وفاطمة. وقف عز ينتظر انتهاءها من الحديث تحت نظرات جميلة الضاحكة عليه وهو ينتظر بصبر شديد لآخر ذرة تمسك لديه.
"انت مستعجل على إيه يا عز؟ شكلك متحكم بقى ومش هتخليني أقعد ولا أروح لماما علطول!"
شاكسته بخفة، فنظر لها بتشكك من عينيه وقال بجدية:
"يا شيخة، بقا شكلي يدي كده؟"
"خالص، بس مستعجل ليه؟"
لاحظ قدوم والدته مع شقيقته من على بعد فتنفس بعمق، يوضح لها:
"البيت مفهوش راجل، وكمان عشان امتحانك بكرة فعشان تلحقي تذاكري!"
لا تغيب عن باله التفاصيل المفصلة عنها، ابتسمت بحنو حتى شملته بأنظارها أمامهن. تقدمت "حنان" ناحية الخارج وتبعتها "فرح" التي ودعتها "وسام" و"فريدة"، في حين عانقت "جميلة" البقية بوداع. حتى كانت آخر الكلمات لها من والدتها:
"خلي بالك من نفسك ي حبيبتي، هبقى أكلمك أطمن عليكي، كلي كويس وركزي عشان امتحان بكرة، ربنا معاكي ي ضنايا!!"
تتأثر كونها أول مرة ستخرج لاختبار بعيدة عنها، لم تشاركها التوتر، لن تعد لها طعام وهي جالسة بين كتبها. ضحكت "جميلة" بخفة، وودعت "منة" و"نيروز" و"ياسمين" التي غمزت لها بمرح، وهي تردد بغير اكتراث:
"سيبك يبت من الامتحانات، أهم حاجة صحتك متجيش على نفسك لو مش قادرة ي عمة ابني يا حرباية!"
تلقت قبلة منها طائرة فضحك الكل عليها حتى "جميلة" وهي تبادلها القبلة الطائرة، تحت ابتسامة "عز" الواسعة على حديث الأخيرة. أغلقت الباب خلفها مع دخول "زينات" وهي ترتدي ملابس خروج تناسبها وحقيبة. وقفت تبتسم لهم ابتسامة باهتة رغم ملامحها الحزينة وقالت رافضة الجلوس:
"أنا رايحة المستشفى لحسن شوية، يمكن يفوق، محتاجين حاجة أجبهالكم وأنا جاية؟"
رفض الكل بابتسامة هادئة حزينة مشفقة عليها، فالأخيرة حالتها النفسية سيئة بسبب ولدها مهما فعل، يظل شعورها رغماً عنها!!
"لا كتر خيرك، بس استني شوية حازم يرجع ويجي معاكي مستعجلة لايه؟!"
"لا الطريق ميتوهش يا عايدة، مع السلامة!"
قالتها مشيرة بالوداع حتى أومأت لها "فريدة" بهدوء. أغمضت "نيروز" عينيها بإنهاك، حتى وقفت "سمية" تتجهز للرحيل ناحية شقتها عندما رحلت "منة" مع "دلال":
"قومي يا نيروز ارتاحي عندي عما جوزك يجي شكلك تعبانة، وانتِ يا ياسمين قومي خدي علاجك ونامي على السرير بدل ما نرجع نحتاس تاني يا بنتي!"
"حاضر يا ماما قايمة، كده كده عايدة مش هتسيبني فحالي انتوا هتمشوا من هنا وهي هتقعد تزغطني زي البط من هنا وتنيني زي العيال الصغيرة!"
ضحكن عليها بخفة، حتى "عايدة" التي أشارت لها باهتمام وهي تضع كفها على ساقها فاحتضنتها "ياسمين" بحب. وقبل دقائق كانت قد رحلت "دلال" فانسحبت "وسام" هي الأخرى بعد وداعها لـ "فرح" و"جميلة".
نهضت "نيروز" تستند على "سمية" و"سمية" تستند عليها في حين قاطعتها "فريدة" بحرج، تستأذنها:
"بقولك يا نيروز.. أنا كنت يعني عايزة أقعد مع نفسي شوية، فبطلب منك افتحي المحل وكده!"
لامتها "نيروز" بنظراتها، وإن كان الحال غير هذا الحال لاهتمت "نيروز" بالمحل ولكنها كل مرة يحدث عواقب تعطلها وآخرهم صحتها ووفاة عمها. ابتسمت لها وقالت بصدق:
"المفروض متقوليش حاجة زي دي، المفتاح معاكي والمحل بتاعك افتحيه فأي وقت تحبيه، لو كنت أقدر أنزل تاني كنت نزلت بس حقيقي أنا تعبانة أوي ومش قادرة!"
عانقتها "فريدة" بتأثر، حتى أُغلق باب شقة "عايدة". وركبت "فريدة" المصعد ودخلت "نيروز" بعد "سمية" التي فتحت الشقة مع قولها بملاحظتها:
"فيها حاجة متغيرة بردو!"
تنفست "نيروز" بعمق، حتى جلست على الأريكة بتعب، وهي توضح لها بشفقة:
"هي دي الحقيقة يا ماما. اللي حصلها مش شوية، انطفت بدري أوي بس صبرها ده هيغيرها للأحسن أنا متأكدة!"
كانت تتحدث بأريحية واستندت بظهرها ووالدتها تستمع إلى حديثها وهي تعود من آخر الطرقة بعدما جذبت علبة الدواء التي هبطت بها الأخرى في الصباح.
"ربنا يجبر بخاطرها وخاطركم ويراضيكم ويسترها عليكم يارب!"
أعطت لها الدواء عقب هذا الحديث فأخذته "نيروز" منها بامتنان، حتى جلست "سمية" بجانبها وأمسكت رأسها كي تستند الأخرى ناحية صدرها. ربتت على رأسها بحنان وتنهدت تأخذ أنفاسها بصوت، وهي تسألها:
"وانتِ مالك بقا زعلانة من إيه كده ومش ناوية تحكي لأمك!"
عقدت "نيروز" ما بين حاجبيها باستغراب طفيف وعلمت أن والدتها تعرفها أكثر من ذاتها. ضحكت بخفة، وهي تستند عليها أكثر ثم قالت بمشاكسة:
"طول عمرك شقية يا سمية وبتعرفيني بسرعة!"
"طبعاً، مش بنتي وضنايا وحتة مني!!"
ابتسمت لها واستندت بجسدها بالكامل على الأريكة وهي تسعل حتى انتهت تأخذ أنفاسها مع ربت والدتها بيدها عليها. أخذت نفساً عميقاً وأخرجت ما يجعلها متناقضة لا تفهم ما يحدث.
"مش عارفة.. بس حاسة "غسان" متغير معايا اليومين دول. اتعودت مسألوش مالك كتير عشان مبيقولش غير لما هو يكون عاوز كده، بس سألته وتوه، حتى كلامه قليل مع اللي حواليه بردو. تفتكري بيخوني؟"
سألتها بمرح، فتعالت ضحكات "سمية" بصوت ويأس، وهي تجيبها:
"يا بت حرام عليكي بلاش سوء الظن ده.. وبعدين تلاقيه زعلان من حاجة معينة. اعرفي يا حبيبتي إن الرجالة دول مجانين ساعة حلوين وساعة مش طايقين الدنيا باللي فيها وهنا يفوزوا أكتر كمان في النقطة دي عن الست.. يعني بطرق كتيرة مسيرة هيتكلم وتعرفي ماله. انتِ بس اللي لسه مش متعودة!"
"هو معملش حاجة والله، أنا بس اللي زعلانة عشانه ومش عارفة أقوله كده عشان مفيش سبب ظاهر يوضح ده، فهماني؟"
أومأت لها "سمية" بتفهم، وقبل أن ترد وجدت الحيرة بنبرة "نيروز" وهي تكمل:
"كمان عيد ميلاده كمان يومين.. كنت عايزة أعمله حاجة حلوة زي ما عملي بس الظروف الأخيرة مش سامحة وأخاف أعمل حاجة تجمعنا "جميلة" تزعل أو "حازم" عشان حالة الوفاة!"
"سبيها لله ي حبيبتي، بتدبر من عند ربنا مش لازم حاجة كبيرة، بيحبك وهيتراضى بأي حاجة حتى لو كلمة..!"
قالتها بتعقل، ولم تعقب عن خوف الأخيرة من آداب الذوق العام عند حالة الوفاة فمعها كل الحق.
سعلت أكثر حتى اعتدلت تحاول أخذ أنفاسها، فمسحت "سمية" على وجهها بقلق، قائلة:
"إشربي ماية يا نيروز.. امسكي على مهلك!"
أعطتها الزجاجة، فأمسكتها "نيروز" وهي تردد بإنهاك قبل أن تشرب:
"أنا قلت له مش هقدر ولو أكلت هتعب مرضـ..."
نهضت سريعًا، وكأنها كانت تشعر من عزم دور الزكام الذي وصل لمعدتها، هرولت ناحية المرحاض وهي تضع يديها على فمها بتعب، ووجه أحمر متشنج مع سعال صعب والقئ يداهمها. انتفضت "سمية" وهي تحمل الزجاجة قبل أن تقع على الأرض، حتى نهضت باندفاع خلفها تسير بخطوات سريعة قلقة.
***
وفي المنزل على بعد آخر، دخل الجميع منزل والد "بدر"، وقد جاء بالفعل المأذون مع "عارف" ووالدته التي أصرت على القدوم معه. كان بالغرفة ومعه "المأذون" ومن تبعه. وقف "غسان" ينظر ناحية "فاطمة" التي جلست بأعصاب مفقودة ويتمسك بيديها "بدر"، وأمامها وقف "آدم". وعلى بعد بحجره معينة وقف "بسام" مع الأطفال يلهيهم عن هذه المناسبة التعيسة لهم في المستقبل إن علموا. كان "حازم" في الداخل يتطلع على الأوراق الخاصة بقدومها مع "عارف" وأيضًا المأذون.
"إيه يا فاطمة فين اللي اتفقنا عليه.. مش كده.. لازم تكوني قوية!"
حثها "بدر" بثبات، في حين تمسكت هي بكفه ببكاء وهي ترد عليه بنبرة ضعيفة:
"غصب عني يا بدر.. معلش استني خمس دقايق كمان أخذ نفسي فيهم!"
ترواغ أم ماذا تفعل؟ زفر بصبر، تركها واعتدل يشير لـ "وردة" بأن تعد أكواب من الشاي لهم، في حين زفر "آدم" بصوت أنفاسه الدافئة وردد بحدة ظهرت في حديثه لها:
"جرى إيه يا فاطمة.. بتتلكعي ليه.. اللي زي ده ميستاهلش حبك افهمي بقا وقومي وأصلي طولك ده!"
هو المندفع دائمًا. ترقبت ملامح الشباب حتى "شادي"، فوكزه "حامد" بتحذير، واقترب يمسك كفها كي يساعدها على النهوض، ونهضت بالفعل حتى دفعها هو بين أحضانه الحنونة رابتا على ظهرها برفق وهو يقول:
"يا حبيتي إحنا جنبك وهنسندك.. دا الصح ليكي ولعيالك وانت بنفسك قولتي كده.. إجمِدي كده.. بنت عيلة البدري لازم تكون جامدة ميهزهاش حاجة زي عمك حامد كده!!"
خرجت ضحكتها الخافتة واستطاع أن يخفف عنها توترها. تنفست بعمق وهي تحرك رأسها تومئ بطاعة. واعتدلت حتى تمسك "آدم" بكفها مع خروج قوله اللين:
"وحياة أغلى حاجة فحياتي ماهخليكم محتاجين حاجة بس ساعديني يا فاطمة.. ساعديني وساعدي نفسك عشان نتعود على حياة جديدة صح ليكي وليهم!"
رفعت كفه تقبله بأسف، وكأنها تثبت له أنه صحيحًا بتأثر. وجدت الخوف عليها وعلى أولادها بنبرته. اقترب "غسان" يدفع "آدم" بمرح طفيف ثم غمز لها بمشاكسة يخفف عنها كطبع من أنجبه:
"عليا الطلاق ما عارف الجمال ده كله مش عايز يقاطع الزبالة اللي هناك دول إزاي.. فوقي يا فطوم.. إنت قيمتك عالية معدتش تنفع مع الواطيين دول!!"
ضحكت بخفة وهي تنظر له نفس النظرة المتشككة. تعلم أنه بارع في تثبيت من أمامه بالحديث المعسول. ضحك الكل عليه بخفة وتشجعت هي أكثر وهي تأخذ أنفاسها قائلة بصوت جدي مستسلم:
"عندك حق!"
هلل الكل بصوت مرح وكأنها ليست مناسبة تدعي الحزن! ابتسمت لهم بامتنان. واقترب "بدر" يمسك كفها ومن الناحية الأخرى تمسكت هي بـ "حامد" كي يتوجهوا نحو الداخل حيث الغرفة. دخل خلفهم "غسان" و"شادي" وحتى "بسام"، بينما بقيت "وردة" مع الأطفال.
دخلت بخطوات مرتبكة وتقابلت عينيها مع عيني "نجاة" والدة "عارف". جلست بجسد خاوي خائف بجانبها أشقائها، في حين تحركت عيني "عارف" نحوها وهو يسألها وكأن شيئًا لم يحدث:
"إزيك يا فاطمة؟!"
لم ترفع عينيها نحوه. ضغط "آدم" على فكه وقبل أن يرد الكبار، رد هو عليه بنبرة جامدة متبجحة:
"أحسن منك ومن أمك يخويا.. خليك فحالك!"
احتَدت عيني "نجاة" وحدّج "حامد" بتحذير كما فعل "بدر"، بينما شجعه "غسان" بنظراته بتشفي للآخر الذي إلى الآن علامات الضرب واللكم بوجهه لم تختفِ نهائيًا. أخذ "حامد" نفسًا عميقًا ثم بدأ بحديثه الآتي:
"كويسة يا بني.. ومن غير ما ندخل في كلام كتير هتبقى كويسة هي وعيالها من غيرك.. طالما معرفتش تصونها ولا تحافظ عليها.. خراب البيوت مش بالساهل بس هو ده الحل الأنسب و.."
قاطعته "نجاة" بجمود امرأة ظهر ذلك على ملامحها القوية الكبيرة سنًا:
"مين اللي معرفش يحافظ على مين؟ بدل ما تعرفوها إنها قصرت ومن حقه يتجوز تاني!!"
تشنجت ملامح "بدر" وقاطع حديث المأذون بالهدوء حديث "غسان" السريع لها بوقاحة:
"إيه ده دا في حريم في القعدة!! لمؤاخذة افتكرتك راجل.. أصل القعدة دي للرجالة بس مع إن ابنك ميتحسبش منهم بس هي كده ولـ وصاحبة الشأن.. إنتِ إيه بقا اللي مقعدك وسطنا؟"
"إنتِ إيه يا ست انتِ خربتي على أختي ولسه عايزة تخربي بكلامك ده؟ حطي لسانك جوا بؤك بدل ما وربنا اللي خلق الخلق ما تخرجي إنتِ وابنك سلام من هنا!!"
كان قول "بدر" المنفعل، فنهض "آدم" باندفاع يمسك تلابيب "عارف" بانفعال وهو يردد بنبرة مرتفعة:
"انت جايب أمك في ديلك ترد عنك وانت جاي يا حيلتها؟ إحنا مبندمش إيدنا على حريم بس أمد إيدي أنا عادي عليك مادام نفس العينة الو***"
فصل "غسان" سريعًا عنه هو و"شادي" وأشار "حامد" له بحزم ليجلس. حتى اعتلى صوت المأذون مرددًا بعقل:
"مش كده يا جماعة.. إهدوا شوية.. ولو حد عنده كلمة يحل ويرجع الماية لمجاريها يبقى جزاه الله كل الخير!"
أشار "حازم" بيديه للمأذون قائلاً بتفهم:
"معلوم يا عم الشيخ.. خلينا نبدأ"
ابتلع البعض ريقه بترقب، و"برطمت" نجاة بغيظ، في حين كانت حرب النظرات بين "عارف" وبقية الشباب خاصة "آدم" تزامنا مع صوت المأذون وهو يقول مجددًا:
"راجعوا نفسكم كويس للمرة الأخيرة.. إن أبغض الحلال عند الله الطلاق!"
تحركت عيني "غسان" نحوه كي يعجله بقوله:
"ونعمة بالله.. بس ملوش لزوم كل ده يعم الشيخ.. خلينا نبدأ علطول!"
زفر بيأس وفتح دفتره الكبير يبدأ تزامنا مع قول "عارف" الذي ظهر به الندم من فقدانها:
"فكري يا فاطمة.. أنا بحبك والله.. ومش حابب أطلقك.. فكري عشان عيالنا حتى وأنا هعملك كل اللي تعوزيه!"
رفعت عينيها الباكية الآن نحوه وتنهدت بوجع، تنفي قبل أن ينفي أحد الجالسين:
"علشان عيالنا لازم ننفصل وتبعد عننا يا عارف.. انت قادر وقاسي وعمرك ما حبيتنا.. انت مش شايف جروا إزاي أول ما شافوك ودخلوا جوه؟ قلبك موجعكش ولا ندمت على اللي عملته فيهم وفـ 'جنة' وانت عارف إنها تعبانة؟ كان فين عقلك وانت بتستقوي عليهم من غير سبب؟ لحد الآن علامة حرقك لـ 'جنة' في كتفها.. انت اتجننت خلاص بسبب أمك وكلامها اللي طيرلك عقلك وخلاك مبقتش باقي بعد ما كان فيك أمل الأول.. حرام عليك وعليها ربنا يسامحكم روحوا!"
اندفعت "نجاة" تردد بتبرم واستهزاء:
"حوش حوش البت طلع لها لسان وبتقوله أمك علمت وسوت.. دا انتـ.."
"إخرسي يا ولية بدل ما أقطعلك لسانك.. أقطمي!"
رددها "آدم" بلهجة آمرة حتى نظرت له بانفعال، وقبل أن ترد عليه هتف "عارف" بيأس:
"ابدأ يعم الشيخ.."
وكأنه ينتظر الوقت لينفصل.
"بهذه السهولة؟" هكذا رددت لنفسها ولا تعلم ماذا تريد بالتحديد.
صرخت نجاة بولدها بانفعال قبل قول كلمات الشيخ:
"هتسيبه يغلط في أمك كده هو وأخته؟ مش بدل ما تقوم تسفخها قلمين وهي على ذمتك ترد مقام أمك اللي سندتك وجت معاك؟"
إندفع غسان يفتح باب الغرفة بنفاذ صبر حتى قال متظاهراً بالبساطة:
"أنا بقول تطلعي برا، أصل أنا بمد إيدي على حريم عادي مش زيهم!"
فتحت عينيها بغضب ونهضت كما نهض الكل بإندفاع وهي تتحدث بصوت عالٍ رداً على حديثه المتبجح:
"انت هتهددني يخويا ولا إيه؟ قال تمد إيدك عليّ؟ أصل هسكتلك أنا!"
صمت الكل بعجز، وخرج صوت بسام بسخرية يردد قبل أن يردد شقيقه:
"ما إنت لو معاكي راجل! بس نقول إيه!"
إقترب غسان منها حتى أشار لها بيديه كي تخرج تزامناً مع خروج صوت عارف المنفعل:
"قصدك إيه يجدع إنت؟ أنا ساكت من الصبح عشان نمشي الدنيا، لكن تقلي مني ومن أمي مش هسكت!"
وقف بدر بغضب، يمسك وجه عارف بقوة بين يديه وهو يحركه بعصبية مردداً بنفس الانفعال:
"طب سكت أمك كده ياروح أمك، وخلينا نخرج منها بالمعروف واتقي الشر!"
إلتف الجميع حولهم وعارف يحاول الفصل بين يدي الآخر عنه، فصلوهم بهدوء حتى عاد الكل يجلس بعد قول المأذون بنفاذ صبر منهم:
"يا خوانا مينفعش كده!"
"ما تخلصنا وتبدأ يا عم الشيخ بقا!"
قالها شادي بصبر قد نفذ هو الآخر، وافق المأذون برأسه وبدأ في تجهيز الكلمات والأوراق التي تتوجب الإمضاء، في حين اقتربت وردة بصينية الشاي من الباب حتى حرك بدر عينيه لها بأن تقف وتمتنع عن الدخول، ليس ضامناً كلمات نجاة القاسية. وقفت بغير فهم، حتى وقف غسان مقترباً منها يأخذ الصينية منها ويتوجه ناحية كل منهم يعطيهم الكوب. جاء عندها عندما وجدت نظرة الاشمئزاز منها، ابتسم بإستفزاز يهمس لها من بين الحديث الآخر:
"بالسم الهاري!"
أخذته بتعمد ولم ترفض، وحركت رأسها تنظر ناحية فاطمة، التي تحركت لتمضي كما كان يوجد شهود منهم. وعندما نهضت لتقف تقترب أكثر كي تمضي بتوتر، وشجعها بنظراتها الكل فعلتها بوجع، بعدما سمعت كلمات الطلاق منه مرة أخرى بطريقة شرعية قانونية. رأت أن هذا الأنسب رغم أنه الموجع. إستقامت تعتدل تخفي دموعها هذه المرة كي لا يرى كسرتها، وفي عودتها كي تجلس مرة أخرى، عرقلتها نجاة فعاق سيرها ووقع الشاي عليها، حينها تأوهت بوجع من سخونة المشروب. كتمت صرختها ووقف الكل بمفاجأة، وأندفع آدم يمسك نجاة من حجاب رأسها الأسود مردداً بسب بذئ:
"يا بنت الـ***"
صرخ بها واقترب بدر بخوف ناحية فاطمة كما اقترب الكل يسندونها كي تقف، في حين أمسك آدم رأسها بانفعال، حتى رجعت هي إلى الخلف وإصطدم رأسها في الشرفة. صرخت بألم، وانقض آدم عليها وكأنها فريسة، وفصله عنها بأعجوبة شادي وحازم. في حين خرج بدر وحامد بفاطمة نحو الخارج، حيث أنها بكت وليس من الألم بل بكت بكسرة. لم تكن لتستحق كل ذلك. أمسك غسان عارف صارخاً به بشدة منفعلة:
"إحنا سكتنالك كتير أوي بس مش هتبقي إنت وأمك يا روح أمك!!!"
صفعه على وجهه، وعندما وجد المأذون الوضع كذلك، فر هارباً نحو الخارج مردداً آيات ذكر بدعاء مصدوم من الذي يحدث بين هذه العائلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!"
خرج وكان هروبه بخوف مضحك غير مناسب للوضع تماماً. ضرب غسان عارف فداره للوضع المتعاكس حتى اصطدمت رأس غسان بالخشب الموضوع كديكور. وعند هذه الدفعة زنت رأسه بقوة حتى شعر بآختلال توازنه فأسنده بسام سريعاً. عندما وجد أنفه تنزف الدماء أثر اصطدام رأسه القوي، أسنده بخوف، ناهيك عن جرح الخشب لوجه عارف حتى أن بسام دفعه بساقه فوقع عارف نصف وقعه ولحق نفسه في الحال وهو يتوجه باندفاع يخلص والدته من بين أيدي آدم المصمم على عدم تركها رغم الآخرين.
شعر بشقيقه يغمض عينيه بقوة كي يخفي تشوشه ونفض رأسه وهو يدفعه كي يتوجه ناحية عارف، بينما كانت قوة بسام أكثر منه عندما سحبه رغماً عنه نحو الخارج.
"إمشي... إمشي وخد أمك من هنا بدل ما تخرج ميتة!"
ردد حازم جملته بجمود، مع مسك شادي لآدم رددها متخوفاً من ما يمكن أن يفعله بدر بغضبه عندما يأتي مجدداً. أمسك عارف يد والدته التي صرخت بألم رأسها. عدلت الحجاب وأخيراً ظهرت معالم الخوف عليها منهم، لذا سارت نحو الخارج خلف عارف قبل أن يكمل آدم ويعود بدر.
وفي طريق خروج عارف اندفع غسان بكوب المياه نحوه كي يهشمه على رأسه، حاول بسام منعه بينما أصر الآخر فأمسك عارف معصم غسان بشدة وهو يدفعه عنه. تعمد الوقوف بجمود وتصنع الذكاء عندما تركها تقع من بين كفه وهو ممسك من الآخر فوقعت على رأس عارف كونه أقصر منه. تأوي بارتفاع، لم تتهشم الكوب لأن المسافة قريبة ولكن صوت وقوعها على جبهته يكفي لجعله يتألم. دفعه عنه وهو يمسك رأسه حتى دفعته ونجاة وهي تحثه على الخروج من هذا المنزل، مع مسك بسام لغسان. خرج بقية الشباب من الغرفة وصدر آدم يعلو ويهبط.
ووردة تغلق على نفسها وعلى الأطفال الباب بخوف كما صرخ بها بسام قبل قليل وهو يخرج من الغرفة مع شقيقه بالغصب. لم يفهم الأطفال ما يحدث ولكن كان هناك أصوات بكاء البعض وصمت البعض الآخر. بكى أدهم بخوف مع جنة كونهما رأوا والدهم وابتعدوا عنه بخوف. أما يوسف فكان حينها يلعب مع يامن لذلك صمت بغير فهم وهو يربت ببراءة على ظهر أشقائه بخوف. ضمتهم وردة عندما وجدت الكل خائف حتى رددت بنبرة هادئة تطمئنهم:
"بس... بس متخافوش يا حبايبي، مفيش حاجة!"
"هو فين؟ راح فين هو وأمه!!!"
ردد بها بدر بتشنج بعد مرور دقائق من وجوده بالداخل، ففهم حامد ما حدث من ذهاب الآخرين حتى قال له كي يهدأ وعينيه لا تغفل عن مسح بسام أنف غسان برفق بالمنديل الورقي:
"أكيد واضح إنهم مشوا ومشي معاهم اللي كان بينكم. اعقل يا بدر، خلاص الموضوع خلص!"
"لا مخلصش يا عمي، إنت مش شايف إيه اللي حصل لفاطمة؟"
"شايف، بس عارف بردو إنك بتعرف تأذي، لكن إحنا مش بتوع كده. خلينا في حالنا وخلاص. شوية وهتبقى كويسة، كهن ستات بيحصل بلاش نورط نفسنا مادام كل حاجة انتهت وكويس أوي إنها خلاص معادش يربطها بيه حاجة. اعتبرها علامة من عند ربنا إن القرار صح فعلاً."
صمت بإنهزام أمام الأنظار، وصمت آدم هو الآخر يسأله عنها:
"فاطمة فين؟"
"دهنتلها مرهم على رجلها وقالتلي إنها عايزة تنام!"
علم أنها تتهرب من الوجع والكسرة كما علم الكل. تنحنح شادي بحرج حتى حاول الانسحاب مع حازم مشيراً لهم بالانتظار في الخارج كي تستعد السيارات عندما حثه حامد على أن يرحل معه لذا خرج هو يقوم بتشغيل السيارة حين خروجه.
توقف بسام عن مسح وجه الآخر عندما ردد بخفوت له:
"كفاية، مش عيل صغير في إيدك أنا!"
"لا عيل، وعيل أوي كمان!"
وكأنه يرد باستفزاز كي يثير حنقه. حدجة غسان بغيظ وهو يدفعه بطريقة غير مباشرة عنه، فابتسم بسام باستفزاز له. إعتدل حامد عندما فتحت غرفة الأطفال وخرجت منها وردة والأطفال، حيث حث بدر قائلاً:
"أنا بقول تخليك النهاردة بايت هنا إنت ومراتك مع أختك وعيالها!"
أيده بإيجاز وهو يحمل يامن على ساقه بملامح خالية من التعابير:
"كنت هعمل كده!"
علمت وردة بأنه في حالة ليست جيدة بأعصابه، ولكن تبدلت ملامحه للحنو عندما احتوى جنة برفق بين ذراعيه يطمئنها رداً عليها عندما سألت عن والدتها، في حين انحنى آدم.
يقبل التوأمان بحب.
فزفر "حامد" وهو يبتسم مودعاً لهم:
"إحنا ماشيين، خلي بالك من أختك يا بدر، متسيبهاش فالأوضة كتير لوحدها!"
"حاضر يا عمي!"
ردد جملته بطاعة وانسحب "حامد" بعدما أشار لـ "غسان" وهو يقترب منهما مردداً بنبرة هادئة منخفضة:
"يلا ولا ناوين تباتوا هنا؟ خلو عندكم دم ولا خلاص مبقاش من ريحته فكل حاجة!"
وكأنه يخرج انفعال ما رآه عليهما، نظرا الاثنان لبعضهما بغرابة من أسلوبه المندفع. قد تعمد تجاهلهم الأيام الماضية منذ آخر ما حدث، بينما الآن صبره على ما يفعلانه انتهى! خرج نحو سيارة "شادي"، وركب بها هو و"حازم" في حين خرج هما بعدما ودعوهم بهدوء.
التفت الأطفال حول "وردة" التي أخرجت لهم حلوى من الكيس البلاستيكي ترضيهم. وانسحب "آدم" هو الآخر ناحية الباب، فأوقفه قول "بدر" الحازم:
"رايح فين؟"
"هخرج أفك عن نفسي شوية، ولا حرام!"
تعمد "بدر" تجاهله كي لا يتعارك معه، تركه يخرج ولم يلاحظ أن الباب أغلق خلفه سوى من الصغير الذي خرج معه وهو يمسح وجهه من الدموع العالقة آثارها، مردداً بطلب بريء طفولي:
"عايز أجي معاك يا خالو!"
ظهرت ابتسامة حانية على وجه "آدم" وعلم أن شقيقه هو من أرسله خلفه كي لا يتهور الآخر بفعل شيء. ضحك بيأس وهو يمرر يديه على خصلاته ثم قال بموافقة:
"موافق يادوما، يلا بينا!"
ولأنه خرج من الباب الخلفي، أزاح الغطاء عن الدراجة البخارية. حينها صفق "أدهم" بسعادة وحماس وتبدل وضعه وحاله بسرعة. فضحك "آدم" وهو يخرجها حتى خرج الصغير خلفه وركب "آدم" أولاً، ثم أخفض ذراعيه يحمله كي يضعه في الأمام خوفاً عليه أن ركب في الخلف. دارها بسرعة وسارت تزامناً مع قول "أدهم" له:
"سوق بسرعة يا خالو!"
لم يخف هذا الصغير. ضحك "آدم" بخفة وقال بسخرية له:
"أه لو "بدر" سمعك، هيعلقنا سوا!"
ضحك الصغير ببراءة ونظر حوله مع تطاير خصلاته من الهواء كما تتطاير خصلات "آدم" الذي سمعه يسأل بثرثرة يعلم أنها لن تنتهي:
"إحنا رايحين فين؟"
"مش عارف!"
"تعالى نجيب آيس كريم ونروح لفيفي!"
"فيفي مين؟"
سأله بتيه مشوش بعقله بسبب آخر ما حدث من انفعال، وجده يرد عليه بتفسير طفولي:
"فريدة!"
ابتلع "آدم" ريقه ببطء ورد عليه بابتسامة واسعة:
"غالي والطلب غالي، والغالي للغالي!"
صمت حيث قالها بحماس، وواصل يسأله باهتمام:
"قولتلي بتحب آيس كريم بطعم إيه؟"
"الشيكولاتة، وهي بتحب الفانيليا!"
"هي مين؟"
"فيفي يا خالو، الله بقى!!"
تأفف الصغير وقهقه "آدم" بصوت عالٍ عليه وعلى طريقته. كيف علم تفاصيلها وهو الذي يحاول فعل ذلك ولم يستطع إلى الآن؟ صغير مشاكس ليس هين إذن!
"دا أنت شكلك كده يا حبيبي خالك هتنفعني عالآخر وبالجامد!"
توقفت السيارات أمام المبنى حتى ركنت وصعد الكل رغم انتباههم لمحل الورد المفتوح، ولكن لم يقترب إلا "غسان" وحده بعد قول "شادي" قبل أن يصعد وهو يحثه:
"إحنا فوق متتأخرش عشان عايزك فكلمتين، وهسبق أنا!"
وافق برأسه وصعد "شادي" مع "بسام" و"حامد" و"حازم". اقترب "غسان" يدخل المحل حتى وجدها تجلس ترتب بشرود الصناديق الموضوع بها الورد الذي دبل بعضه وبقي الآخر. صفت بخفة البقية وكانت تنحني. وقف خلفها يتنحنح بحنجرته كي تنتبه، حتى نهضت سريعاً تلتفت بحرج. فسألها دون مقدمات عنها:
"نيروز مش هنا؟"
"لا، أنا اللي نزلت لوحدي!"
حرك رأسه متفهماً، ونظر ناحية الورد حتى أخذ بيديه واحدة يستنشقها متسائلاً بغرابة:
"مش عارف بيبهركم إزاي ده!"
ضحكت بخفة على حديثه وقالت ببراعة في الرد:
"مش لازم ننبهربيه، بس إحنا بننبهر بيه عشان اللي بيجيبه ويختاره لينا!"
ابتسم نصف ابتسامة هادئة ورد عليها بنبرة هادئة قبل أن يلتفت لينظر نحو محل الصوت:
"وجهة نظر!"
التفت بعدها برأسه ينظر نحو الدراجة البخارية التي وقفت، وقبلها ركض الصغير نحو "فريدة" التي ابتسمت بمفاجأة فقد حمل لها آيس كريم بحماس. تقابل "آدم" معه وعلم من البداية أنها في الداخل عندما رآها، فركن الدراجة. حاول الهروب بعينيه من "غسان" الذي ضحك وكأنه يفهم تدريجياً ما يحدث، وخلال انشغال الإثنين في الحديث الطفولي، ضربه على كتفيه بخفة وهو يردد:
"لا دا أنت الله يكون فعونك.. هو لسه بدري أوي كده؟"
زفر "آدم" بيأس وقال رداً عليه:
"لسة بدري أوي، بس بحاول!"
تنفس بعمق، ولم تختف الابتسامة من وجهه حينما قال قبل أن يخرج من المحل مع غمزته المشاكسة:
"مساءك فريد!"
ضحك على قوله وهو يحرك رأسه ينظر نحو أثره، وعندما خرج تماماً، ابتسم لها وهي تقبل وجنتي الصغير برقة، حتى اعتدلت تنظر له. لم يترك فرصة للنظرات بل قال مفسراً:
"قالي إنك بتحبي الفانيليا، عقبالي!"
ابتسمت إلى أن نظرت له بغير فهم. فقال هو مصححاً:
"عقبال ما أحب الفانيليا، أصلي مبستطعمهاش!"
تشككت في حديثه وزفرت بصوت تخبره:
"ع فكرة طعمها لذيذ!"
"زي أحدهم!"
لم تتعمد الهجوم، بل لاحظا اندماج الصغير في السير بالمكان باستكشاف. فابتسمت عليه وعلى حنوه وتذكره لها. فوجدت "آدم" يردد من جديد:
"مش كان فاتي شغال هنا؟"
ردت باستفزاز منتصر:
"معلش!"
وكأنها ترد الكلمة له ببرود، ضحك عليها وعلى طريقتها في قولها واستند يجلس على المقعد تزامناً مع جلوسها هي الأخرى. وبدأ يخبرها بنبرة لينة يفتح معها الحديث:
"بس أنا اشتغلت شغل تاني كنت شغال فيه قبل كده، والصراحة الناس اللي هناك مية مية، عز دا برضو معلم."
ابتسمت وقالت بتلقائية وكأنها لا تردف حديث متبجح للتو:
"بس أنا مسألتكش إنت اشتغلت إيه وفين!"
"عارف، بس بحب أحكي لك."
ماطل في قولها وتصنعت عدم سماع ذلك. راقبت الصغير بعينيها، فعاد يسألها هو بملاحظة:
"بس أدهم طلع بيحبك أوي!"
"أنا بردو بحبه جداً، أصله حنين أوي!"
مال كي يتقرب أكثر لتسمع نبرته اللينة.
"زي خاله!"
"أه وردة بتقول إن بدر حنين!"
فتح عينيه مدهوشًا من تعمدها لإحراجه، وسرعان ما أخفى ذلك وهو يصحح لها بتبرم:
"قصدي خاله التاني!"
كبتت الضحكة وهي تتصنع عدم الاستماع، دارت وجهها كي لا يراها، بينما ردد هو بوضوح يطلب منها:
"ما تسبيها تطلع واضْحَكِي، اجبري بخاطري حتى ياستي!"
دارت وجهها تبتسم بهدوء حتى ردت بتبجح معهود:
"سوري.. أنا مش بتاعت مجاملة!"
"أومال بتاعت إيه؟"
قصدت أن تخبره بطريقة غير مباشرة كي لا يجرح منها مجددًا، عارضت على أن لا تردفها ولكنها عاندت نفسها بقولها:
"مش بتاعت حاجة ولا بتاعت حد!"
"ليه؟ لما ممكن تكوني بتاعت حد بالحلال!"
رددها بجدية دون ضغط وأمسك الوردة يستنشقها، فردت هي عليه بوضوح:
"مش لازم، كده أحسن، ممكن تفهم ده؟"
رفع عينيه ينظر نحو عينيها بمواجهة طويلة صامتة، ما وجده بعينيها لم يجده بآخر، ربما الكسرة وليست نظرة الإعجاب يا أبلة! هكذا ردد له عقله، فعارضه واستمع لما أملاه له قلبه وهو يردد بنبرة هادئة ونظرته بعينيها لم تتحرك بعد:
"مع إن عينك بتقول حاجات تانية!"
رمشت "فريدة" بأهدابها تحرك عينيها بمكان آخر، حتى تنهدت تصارحه بجدية:
"بتكذب عليك!"
نفى برأسه وقال بصدق يمدحها:
"اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا!"
نهضت من على المقعد وأعطته ظهرها تتوجه ناحية الخارج متصنعة عدم الاهتمام مع قولها الهازئ به في الخفاء:
"انت مش واقعي خالص على فكرة!"
تركته ولم يتحرك من مكانه، وعندما وقفت بشرود، جاءها رده بعد لحظات:
"ولا انتي على فكرة!"
اقترب يقف بجانبها فحركت رأسها تنظر له بتشكك، حتى عادت تنظر برأسها ناحية الدراجة البخارية تسأله بابتسامة ساخرة:
"مش دي اللي كانت هتموتك؟"
جلست على السلم وتقدم الصغير يلعب أمامهم على الطريق الترابي البعيد عن سير السيارات، فجلس "آدم" يرد عليها بشرود مع تنهيدة حارة:
"لسه فاكرة؟"
"وهنسى إزاي.. حاجب حسن متعلم لحد دلوقتي بسببها، أنا فاكرة كمان إنه كان اتكسر بايده ورجله وانت اللي اتدشملت على الآخر!"
ضحك "آدم" على حديثها واعتدل يحرك رأسه بنعم، ثم أوضح لها بانتصار:
"بس كله خير، ما رضوش يقبلوني في الجيش بسبب جرح رجلي!"
توقف ثم سرد أكثر بوضوح:
"غلطان برضو، ما أصلي مسمعتش كلام حسن لما قالي هدي السرعة!"
"ومين يسمع كلام واحد زيه!!!"
قالتها بقهر مخفي وهي تنظر نحو "أدهم"، فعاد "آدم" يرد بتفهم لحديثها بعد الآن:
"كل ده مش فوعيه صدقيني، عارفة لو فاق هيتغير أو هيحاول يتغير!"
ابتسمت "فريدة" بألم ورددت بكبر تخفي وجعها منه وعليه:
"مبقاش يهمني إذا كان هيفوق ولا لأ.. عادي!!"
"بتهيألك.. أنا لما كنت في طريق وحش مكنش هاممني الدنيا بحالها، بس لما فقت ورجعت لعقلي رجعت كمان لإخواتي وعلاقتي بيهم بقت أحسن زي زمان بعد ما كنت بايع الدنيا بحالها فـ.."
بترت حديثه بإندفاع وهي تصحح له:
"اديك قُلتها زي زمان.. لكن أنا وحسن مفيش بينا زمان يرجع أحسن زي ما كان، عشان مكنش فيه الأحسن أصلًا..!"
صمت بإنهزام أمامها وأمام حديثها الذي جعلها صادقة في القول، فابتسمت بسخرية تشهده على الوضع لتثبت له صحة قولها:
"شوفت؟ إحنا بعاد أوي!"
كيف يبدل اليأس عندها بأمل وشغف؟ حديثها كمن ليس له فائدة يأخذها من الحياة، كمن خسر كل شيء، ابتلع ريقه بثبات ثم قال بمعارضة:
"بالعكس إحنا قريبين أوي!"
"مش بقولك مش واقعي!"
هذه المرة سخرت منه، تجاهلها وهو يرفع رأسه ناحية السماء، حلت بدايات المساء والنجوم تظهر كما القمر في الأعلى، زفر بصوت يجيبها بمراوغة:
"فعلاً مش واقعي، تحبي أثبتلك كمان؟"
همهمت بانتظار، فأشار لها بعبث كي تنظر نحو السماء، رفعت رأسها تتمعن النظر، حتى سمعته يقترح بمراوغة رجل دب بقلبه بدايات الحب:
"تيجي نتقاسم السما بنجومها والقمر؟"
"إزاي ده!!!"
عقدت حاجبيها بغرابة وهي تسأله باستنكار تستخف بعقله وكلماته، فوجدته يتزحزح قليلاً وهمس جوار رأسها بعبث شديد اللين:
"انت تاخدي النجوم، وأنا آخدك انت!"
هل قصد أنها القمر بنفسه لتوه؟ شعرت بأن وجهها قد تصبغ بحمرة الخجل، ثبتها بقوله، ابتعدت عنه بخجل، لم تريد ظهوره، بل ضحكت وهي تنهض تحرك رأسها بقلة حيلة تؤكد للمرة التي لا تعرف عددها:
"فعلاً.. مش واقعي أبدًا!"
ضحك بصوت وفتح ذراعيه لـ"أدهم" حتى جاء له يعانقه بسعادة، راقبت الوضع وهربت من نظراته، أما هو فعلم أن لديه القدرة على إيقاعها خاصةً أن قلبه يؤكد لعقله أن هذه الفتاة عينيها تنظر بنظرة الإعجاب له، فلما الهروب والرفض؟ وكأنها تريده ولا تريده بنفس الوقت..!!!
بينما في الأعلى.. بعد استرجاع ما تناولته في معدتها قبل وقت جعلتها "سمية" تمدد على فراشها، وأصرت الأخرى على أن لا تقلق أحدهم، فجلست "سمية" بجانبها تمسد على خصلات شعرها برفق متسائلة بقلق:
"بقيّتي أحسن دلوقتي؟"
اعتدلت "نيروز" تبتسم بلين ثم أجابتها بإطمئنان لتأمن:
"أحسن الحمدلله، لسه بتخافي عليا يا سمية حتى بعد ما اتجوزت وبعدت عنك شوية؟"
حديث عابر عادي يردفه الجاهل عن عاطفة الأم، ضحكت "سمية" بقلة حيلة حتى أخذت نفسًا عميقًا تجيبها بعقل ووضوح:
"غلبانة يا نيروز لو فاكرة إن بمجرد ما البنت تبعد عن أمها شوية ولا تتجوز الحب بيقل والخوف عليها يروح، الضنا يا حبيبتي حبه مبيروحش ولا بيقل دا الحاجة الوحيدة اللي حبها بيزيد كمان، مش هتعرفي كلامي ده غير لما تخلفي إن شاء الله وتبقي أم!!"
اعتدلت "نيروز"، بملامحها الباهتة قليلاً، ترفع وجهها وذراعيها ناحية والدتها حتى عانقتها بتأثر تردد بعمق:
"أنا بحبك أوي يا ماما، بحمد ربنا كل ثانية عليكي، وبشكره إنه استجاب لدعائي وبارك فعمرك ليا، من غيرك معرفش هعيش إزاي!"
ضمتها سمية بحب فطري شديد وتنفست بهدوء ترد على حديثها بمشاكسة أم طبيعية:
"يا بت هتعيشي عادي طالما الحكاية بقا فيها غسان!!"
شهقت نيروز كعلامة على لومها حتى خرجت ضحكتها تعلن ضجرها:
"ولا أي حد فالدنيا يقدر ياخد مكانك!"
قبلتها بقمة رأسها وتمعنت سمية النظر ناحيتها وناحية جسدها حتى عينيها. ابتسمت بهدوء وقاطعت نهوض الأخرى وهي تردد:
"استني انتي أنا اللي هفتح الباب!"
نهضت سمية وقاطعتها نيروز سريعاً تهتف عالياً:
"ماما!!"
توقفت الأخرى تدير رأسها بهمهمة منخفضة. فأكدت نيروز عليها بحرص:
"لو غسان ملوش لزوم تقوليله عشان بيقلق. أنا بقيت تمام!"
أصبحت بحالة أحسن وهي كذلك. سعلت من بين الحديث. أومأت سمية بقلة حيلة توافقها حتى تقدمت ناحية الباب. فاعتدلت نيروز تقف ناحية المرآة وعادة. عندما تجد نفسها مرهقة بملامح باهتة تضع كحل العيون كي يخفي ارهاق عينيها. وضعته بحذر وأصبحت كالعادة ملفته جميلة واسعة. تبتسم كل مرة عندما يردد هو لها بأن كحل أعينها ينهكه كليا. عبثي ولم ولن تقابل شخص يفوق عليه بعبثه واختياره لكلمات معسولة مشاكسة لطيفة.
"نيروز"
آلتفتت على محل هذا الصوت. فكان صوت وسام التي وقفت على أعتاب باب الغرفة ودخلت عندما وجدتها واقفة. ابتسمت لها نيروز بلطف ثم قالت تحثها بلباقة:
"تعالي يا وسام أقعدي.. تعالي!!!"
"كان نفسي بس بابا عايزك هناك عندنا!"
لم تتفاجأ. فهي أصبحت تذهب لهم كثيراً حتى أكثر من شقتها في الأعلى وأكثر من جلوسها عند والدتها. أومأت لها بطاعة. فوجدت سمية تناولها الحجاب بابتسامة هادئة. أخذته هي وعقدته بإحكام ثم استعدت أمام الأنظار كي تخرج. فأوقفتها والدتها وهي تخبرها:
"لما تخلصي تعالي تاني عشان عايزاكي فحاجة مهمة!"
أومأت لها هي الأخرى وسارت مع وسام حتى أغلقت سمية باب الشقة خلفهم بنفسها. تنفست بعمق. ومدت يديها على الهاتف الأرضي تطلب رقم الصيدلية لطلب دواء ما حتى يأتي لها بواسطة أي عامل منهم لعدم وجود أحدهم يلبي لها ما تريد الآن وللحق رغم بدر يفارق بسبب السفر إلا أنها تعتمد عليه بأشياء كثيرة كي لا تضغط من هو مضغوط حازم. علمت قبل قليل من خلال مكالمة هي ونيروز أن وردة وصغيرها وبدر سيقيمون هذه الليلة معهم.
"أعمل فروالة ي طنط ولا مانجا؟!"
رددتها منة الواقفة بمطبخ دلال تساعدها منذ ان رحل وعاد الآخرين. لم تتعمد الأخرى ان تفعل شي. بل كل مرة تعارض وهذه المرة عارضت بتوبيخ:
"يا حبيبتي انتي عروسة. متعمليش حاجة. وبعدين أقعدي فاتك متوترة عشان امتحان بكرة ده. مش انتي بردو مع جميلة؟!"
ابتسمت منة بلطف حتى أومأت تجيب بتصحيح أكثر:
"آه نفس القسم!"
"جراحة عامة بردو؟"
أومأت وهي تضحك على أسلوبها. فلوت دلال شفتيها بتبرم وأسى وهي تتذكر ولدها:
"يختي دا وجع وتعب. دا بسام يحبه عيني لا ببنام ولا بياكل كويس. مهو بردو كان نفس القسم ده. وتيجي تكلميه يقولك اصل فرصة كتيرة وأنا حابب ده!!"
تعالت ضحكات منة وهي ترتب لها أعداد الاكواب تزامناً مع ردها الهادئ:
"هو فعلاً حلو وليه فرص كتيرة. والأهم من ده لو اللي داخله بيحبه يبقي يهون بقا التعب ده!!"
"ربنا يوفقكم وينجحكم يحبايب قلبي!"
كانوا جالسين بغرفة مجتمعين بإصرار من شادي وحتى حامد الذي قرر إنهاء ما بيديه فعله. دقت نيروز الباب حتى أذن لها حامد بالدخول. وعندما فتحته وجدتهم متراصين بجانب بعضهم بترقب كبير مما وترها قليلاً. من حامد وشادي وبسام. وغسان الذي رفع عينيه ناحيتها بتمعن ولاحظ هو اصفرار وجهها الغير ظاهر إلا له كونه يحفظها عن ظهر قلب.
"تعالي يا روز أقعدي!"
أشار لها بالجلوس. واستشعرتها جلسة رجال جدية وليست كعائلة. وجهت عينيها ناحية غسان فوجدته يومأ لها. فآقتربت تجلس بجانبه وهي تفرك يديها حتى سعلت مرة أخرى فوضع هو كفه على ظهرها. ناول بسام كوب الماء لغسان كي يعطيه لها وبالفعل أخذه وهو يحثها على ان تشرب بتمهل تحت قول حامد الحاني:
"ألف سلامة عليكي يا حبيبتي!"
نظرت له بإمتنان. حتى حاولت أخذ أنفاسها ببطء. ترقب الكل وخرج صوت حامد وهو يفسر لها غرابتها بنبرة هادئة:
"كلهم مستغربين بردو زيك كده. بس أنا قررت أخلى الزعل على المكشوف ويظهر بدل ما كل واحد شايل من التاني يا بنتي. قوليلى يا نيروز هو حد مزعلك هنا؟"
ابتلعت ريقها بتوتر. ونظرت بريبة طفيفة وغير فهم تنفي بخفوت. حتى خرج صوتها الهادئ تبرر له:
"لا.. ليه بتقول كدة يا عمو. انتوا عيلتي التانية و..غسان عارف ده!"
تعلقت عينيها بعينيه بآخر حديثها. حتى عادت تسأل بخوف داخلي:
"هو أنا عملت حاجة تزعلكم؟"
"لا يا حبيبتي. إحنا بنفضفض مع بعض. وعشان بردة الصراحة حلوة. فإنتِ اكيد عارفه زيك زينا ان ولادي مقاطعين بعض!"
دهش الإثنان من وضوحه الشديد بل وهو الذي يخفي كي لا تصعد المشاكل لأعلى الآن يوضح ويوضح لشخص آخر كان بيوم من الأيام ليس بينهم بينما الآن!!
"آه إنتِ مش غريبة ودلوقتي واحدة متجوزة ومتجوزة ابني. أكيد مش هنخبي عليكي ولا هنشيل من بعض طالما احنا عيلة زي ما بتقولي..عشان كده مقعدلك بسام بنفسه معانا وتشوفي مزعلك في ايه بكل وضوح وهو بردو يقول انتي زعلتيه فحاجة ولا لأ!"
توترت أكثر وظهر بحدقتيها الخوف المرتبك وكأنها فعلت جريمة للتو. حاول بسام الثبات والصبر وعدم الغيظ من ما وضعه به والده الآن كما كانت حالة غسان. الذي تحلى بالصبر إلى النهاية مع قول شادي المشجع لحامد:
"عين العقل ي حج حامد. وعداك العيب!"
أخذ بسام أنفاسه بصوت يخرج ما على صدره. وتقابلت عينيه معها وهي تنظر له بإرتباك. حينها رددت بهدوء من بين يدي غسان. الذي ربت بها على ساقها كي تهدأ:
"أنا مش زعلانة من حاجة ولا من حد!"
"يبقي هو اللي زعلان!"
قالها حامد بتخمين. فخرج صوت بسام الذي صدمها للتو:
"آه كنت واخد موقف وكنت فاكر اني عديتها بس معدتش. فكرتها هتفهم ده وتعتذر بس محصلش فطنشت..بس عادي بـ..."
بتر غسان جملته بحزم. وقال بجدية شديدة:
"لا مش عادي وخلاص..قول اللي مزعلك منها وخليك صريح!"
ابتلعت ريقها رغم انها لا تخاف منهم ولكن الموقف بنفسه يرهبها. وكأنها فعلت جريمة بحقه دون وعي لدرجة الشك بنفسها. رفعت عينيها تردد بتحشرج لغسان كي لا يأخذ موقف منها:
"أنا معملتش حاجة يا غسان.. والله!!"
"متخافيش يا نيروز.."
أنا عارف بس اصبري نشوف حصل إيه. منعرفوش.
سعلت مجددًا، فأخذ "حامد" أنفاسه بهدوء، يشير بكفه له وهو يقول:
"قول يا دكتور!"
"دكتور" لا يرددها له إلا عندما يكون مشجعًا له بموقف ما، عندما يعلمه بطريقة ما أنه صواب بهذا القرار. رغم تعجب "بسام" إلا أنه علم أن والده سيعلم ما سيقوله للتو، بل ويقف معه به، ولكن بعقل كي لا تتأزم الأمور.
شك "غسان" في نظرات "حامد" للآخر، وخلال ثوانٍ، كان حديث "بسام" قد خرج بصدق وهو يطالعها:
"أنا عذرتها بعدين عشان أنا كمان كنت جيت عليها في وقت صعب زي هي جت عليا. بس أنا قولت هي واحدة بواحدة وربنا بياخد حقها مني!"
تحركت الأعين حول بعضها ولبعضها، وعادت تترقب عندما سرد هو بنبرة هادئة:
"يوم مشكلتي مع بابا وغسان، لما اتعصبت وضربنا بعض وقولت كلام مكنش لازم يتقال، فالحج طردني من البيت ساعتها. وقتها هي قالت كلام ليا أنا اتفاجئت منه، حتى لو كان خوف على غسان ودفاع عنه. بس صدمني!"
ابتلعت ريقها هذه المرة وتذكرت كل ما أدرفته له من سب وتوبيخ بصراخ. بالفعل يتذكر "حامد". عقد "غسان" ما بين حاجبيه بجهل، فتعالى صوت "حامد" بعقل لها:
"لو فاكرة يا نيروز إنتي قولتي إيه ساعتها تبقي غلطانة. أما بقا لو مش فاكرة يبقي كلامك كان ساعة غضب وراح لحاله من غير وعي منك!"
ستصارحهم أم ستكذب؟ كيف ستقول إنها تتذكر كل حرف رددته له خوفًا على زوجها ودفاعًا عنه؟ ابتلعت ريقها ووجدت السؤال في عين "غسان"، فرفعت رأسها بجرأة وصراحة تردد مع دخول "منة" وهي تعطي لهم الأكواب ومن ثم خرجت مرة أخرى بهدوء واحترام لخصوصيتهم:
"آه.. أنا.. أنا فاكرة!"
ابتسم "حامد" على صراحتها، واحترم "شادي" ذلك. في حين سألها "غسان" بنبرة جادة:
"وكنتي قولتي له إيه ساعتها؟"
الكلمات تتردد في أذنها بصوت عالٍ، وإن رددتها الآن ستكون هي التي على خطأ غير أردفها في الموقف من الأساس! كيف لها بأن تدخل بينهما؟
"هو إنت إيه؟ مش بتحس بأخوك؟ مش شايفه وهو خايف عليك وبيفكر لك تكون مرتاح إزاي؟ كل شوية غاوي تكسره؟ إنت إنسان أناني ومبتحبش غير نفسك وغبي ومش فاهم أي حاجة بتحصل حواليك!"
وضعت يديها على رأسها ثم أخفضتها ورفعت رأسها تردد بصراحة لهم:
"كـ..كنت قولتلُه إنه مبيحسش بـ "غسان" ومبيخافش عليه، وإنه غاوي يكسره وبس.."
توقفت كي تواصل بأكثر صراحة وصدق، وهي ترفع عينيها الخائفة نحو "غسان":
"ساعتها شتمته غصب عني من حمقتي وقولتله إنه.. إنه أناني ومبيفهمش وغبي!"
تقطعت في آخر حديثها. ورغم صدمته بكلماتها إلا أنه تعمد الصبر والسكون. بل عادت وكأنها تقسم على أن تردد بكل شيء حدث وقتها:
"وساعتها بصيتلهم وزعقت وأنا مقهورة عشانك وقولتلهم كفاية اللي بيعملوه فيك ومعتش حد ليه دعوة بيك.. بس ساعتها أنا كـ...ـنـ..."
قاطع "غسان" جملتها بصرامة، وهو يسألها بحدة بالغة:
"ورفعتي صوتك على أبويا وأمي؟"
ابتلعت ريقها برهبة، فعارض "حامد" بسرعة في الرد:
"لا محصلش يبني!!"
رددها كي لا يتأزم الوضع من ناحية أخرى. يعلم أن صراخها الثاني كان بغير وعي من عزم الانهيار، حتى أنها صفعت الباب خلفها. تنحنحت وهي تكتم الدموع بعينيها حتى قالت باعتراف له:
"أنا عارفه إني غلطت فيك. ملقتكش ساعتها لما فوقت وكنت إنت مشيت خالص. بس دا مش سبب إني معترفش بغلطي. أنا آسفة حقك عليا!"
وكأنه يريد سماع ذلك فقط منها بطبيعته الهادئة المتعقلة:
"وأنا نسيت خلاص. لو عندك حاجة شيلاها مني قولي عشان نقفل الموضوع ده للآخر!"
نفت برأسها بخفوت، فأومأ "حامد" لها حتى وجدها تردد بإهتزاز مرة أخرى:
"مش زعلانة. وأنا.. مش نفسي يفضلوا كده. أنا كمان عايزاهم يرجعوا زي الأول.. ولو اللي بينهم رجع يكون بسببي فأنا آسفة مقصد..."
وقبل أن تكمل كلماتها تحدث "حامد" بحنو ينفي ما قالته:
"لا يا بنتي مفيش حاجة بسببك. أنا جبتك بعيد عن زعلهم عشان الدنيا تصفي. غير كده ملكيش يد ولا ذنب. إشربي بقا العصير وقومي ارتاحي!"
حثها بحنو مرة أخرى، فهزت رأسها بنعم. في حين نظر هو بتخبط لعدم تصديقه ما حدث من حديث قاله له والده. تعمد السكون لأجل حالتها وهابت هي مقاطعته لها. ولكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيها عندما أخذ "غسان" الكوب من بين الحديث الآخر كي تشرب هي. نفت برأسها بسبب ألم زكامها. فوجدت الإصرار منه حتى رفعته ناحية فمها تتجرع منه بصمت، حتى تنتهي وتخرج. وعلى الرغم من أن "حامد" لن يغفل عن عدم نهوضها إلا أنه حرك رأسه لـ "شادي" يوافق ما سيقوله بيأس فقده معهما.
"دلوقتي بقا لازم يبقي في نهاية للي إنتوا فيه ده!"
اعتدل "غسان" محركًا عينيه بتجاهل. حتى قال بلا مبالاة تعمد ظهورها:
"إحنا مين؟"
زفر "حامد" بيأس منه، وحاول النهوض بحزن داخلي ولكن قاطعه نهوضه "شادي" وهو يشير له بأن يصبر. نهضت "نيروز" بتوتر، ولم تكمل الكوب بل تركته حتى استأذنت بعينيها منهم وخرجت من الباب وقد أغلقته خلفها تزامنا مع رد "شادي" المغتاظ:
"بلاش يا غسان الطريقة دي. وعبر كلامنا وإتصافى مع أخوك جد من جد. ريح أبوك بقا معتش حد فيهم حمل كده ولا حتى الأيام مستاهله الزعل ده!"
تنفس بصوت مسموع. واعتدل "بسام" يرمي بحديث مغتاظ هو الآخر:
"عادته ولا هيشتريها. هو علطول مستفز مفيش جديد يا شادي. مع إنّي حاولت أعتذرله بس كل مرة هو اللي بيعكها!"
ترقبت عيني "حامد". والتفت "غسان" برأسه ناحية "بسام" مبتسمًا بسخرية امتزجت بحديثه الذي خرج وقتها:
"حلوة منك بس مني أشيك!"
رمى له بحديث مستفز ولن تنتهي الجلسة بعد بشيء جيد! حرك "حامد" رأسه بقلة حيلة منه. فعاد "شادي" يتحدث بوضوح:
"عدي يا غسان. عديها لأخوك. ملكوش غير بعض يا صاحبي. متخلوش الأيام والزعل يعمل فجوة بينكم. خافوا من الأيام عشان لما بتغيب مبترجعش الناس زي الأول تاني بنفس الود حتي الأخوات. حسوا باللي بيحصل في الدنيا.. معتش أمان واللي بيروح فيها الأيام دي معتش بيرجع!"
قال حديثه بتأثر. فتراخت ملامح "بسام" الذي شعر بالخيبة التي بداخله وقال بتفسير غير عابئ بشيء:
"أنا قولت إني عارف إني كنت صعب. بس مقولتش إني بعده وحش. حتى بعد ما قولتلُه يبعد وملوش دعوة بيا. كل مرة كنت عارف إنه بيرجع بعد أي خناقة ويشغل باله بيا وخوفنا على بعض بيرجع تاني. بس المرادي كل حاجة اتغيرت وعرفت إني كسرته. بس قولت عشان هو "غسان" فهيعدهالي ونرجع زي الأول!"
توقف وقبل أن يكمل واجهه "غسان" بالحقيقة الساخرة الموجعة:
"إنت ضمنتني يا بسام. ضمنت أعديلك عادي زي كل مرة وكإني مش بني آدم بحس وعندي دم. مجربتش تقول لابوك إنت قولتلي إيه كده؟ ما شادي عارف! ورغم إنه عارف جاي بردو يجي عليا أنا!"
حاول "شادي" التبرير. فرد "بسام" يصارحه بنفس الوجع:
"عرف.. ولما رجعت كنت همشي تاني ساعتها.. بس قعدت وعرفته اللي حصل. واللي متعرفوش إني اديته وعد أواجهك بس كل مرة بتعمل فيها مش فارق وبتصدني!"
"وعد؟ يعني جاي تواجهني من نفسك فبتقل من نفسك!!"
صبر رغم جرأة الحديث. سمعه يردد له بكلمات تثير انفعاله. فهتف "حامد" بتفهم صريح:
"حقك تزعل.. اللي مكنش من حقك ساعتها تعمله إنك تكلم "عز"!!"
نهض "غسان" يردد بإنفعال:
"كمان هتغلطني؟ إنت متعرفش ابنك واللي كان هيعمله ساعتها؟ كنت عايزه يروح يعصيك ويتقدم من ورانا؟ ومش بس كده دا كان هيترفض كمان! انتوا محدش فاهم حاجة!"
نهض "شادي" يمسكه كي يجلس مجددا، وظل "حامد" كأن شئ لم يكن وقال بعد كل ذلك بنبرته الهادئة:
"لو كان اترفض كان هيرجع مكسور وعارف انه غلط لما كان هيمشي ويعارض. وهو عمل كده وكلم "عز" ورفضه بردو. ساعتها عرف ان الرفض التاني أهون من اللي كان هيحصل في الأول. انت شيلت عنه صحيح بس أنا كنت عايزك تسيبه يتعلم ويرجع ندمان حتى لو اتكسر!"
رفع "غسان" عينيه يواجه عيني "حامد" وهو يردد بإنهزام:
"وأنا معرفتش أسيبه فالأخر. خوفت عليه يتكسر ويتوجع تاني وحاولت أشيله من كل ده. رفض هو فالأخر وكأني بأذيه ورجع بردو موجوع وشيلني شيلته وقالي إن أنا السبب. مع كلام تاني خايب مش عايز افتكره!"
ظهر الوجع في نبرته أخيرًا. وشعر "بسام"، بما فعله به من كسره بكلمات قاسية كمثل السهام، في حين كان الآخر يبحث عن راحته حتى بعدما قام بضربه ورحل...
"أنا قولتلكم قبل كده.. إن محدش فيكم بيفكر زي ما بفكر ولا بيشيل الهم زيي. وفالآخر ببقى بردو غسان اللي غلطان وغسان اللي مكنش ينفع يعمل كده. غسان اللي بترموله اللوم!"
وواصل يكمل بحزم وهو يوزع نظراته بينهم:
"عشان كده أنا ماغلطتش لما حاولت أسمع كلامه وأبعد وكل واحد يخليه فحاله. بس بردو محدش سابني فحالي. ولا هو حب حاله وهو كده. ولا عارف هو نفسه عاوز إيه!!"
نهض "بسام" يقف أمامه وهو جالس بصمت. صوت أنفاسه فقط التي تعلو بإنهزام. ابتلع ريقه وانحنى أمامه يعترف له رغم وجود والده:
"إنت أبويا يا غسان. مينفعش تبعد ولا تسيبني فحالي. إنت مخربتش والله إنت بس حكمت على الحاجة من عندك إنت وسيبتني. مزعلتش على زعلي وقهرتي. معترفتش بحبي. قارنت كل حاجة بموضوعي الأولاني ومفرقتش أنا كنت فإيه الأول ودلوقتي بقيت إيه!"
لا يريد الضعف. لا يريد الاستسلام له في كل مرة ليضمنه الآخر في النهاية ومن ثم يعود ضحية له ولكلماته. لم يرفع رأسه بل همهم بدعاء يختصر:
"الله يصلح حالك يا بسام. إنت كبير كفاية تاخد بالك من نفسك وتعرف إنت عايز إيه ومش عايز إيه. سيبني فحالي وفحياتي خلينا كده أحسن!"
لمعت عيني "بسام" من حديثه ورد بإنهزام:
"أنا عايز أخويا.."
وأكمل بنبرة جاهد بها أن يثبت رغم عدم رفع "غسان" رأسه له:
"عايز أخويا معايا غسان. عايز نرجع زي الأول. إحنا عمرنا ما كنا كده ولا وصلنا للي إحنا فيه ده. عايز "غسان" عشان أحكيله على كل حاجة بتحصلي وحاسس بيها وعايز أعملها زي الأول. عايز صاحبي وصاحب أيامي الوحيد عشان أيامي مش ماشية زي ما كانت!"
تأثر "حامد" من مشهدهما معًا، وعلم أن لين قلبهما مهما فعلا هما يغلب عليهما. بينما من بين عناد الاثنين يوجد بينهما شخص لا يتهاون في كسرته. شخص يخفي مشاعره ولا يظهرها أبدًا. مما جعلهم يأخذون الانطباع في تحميله كل شيء أو ليجعلانه يتخطى دون النظر لحاله السري غير المعلوم! والآخر بمشاعره المكتومة يرحل بعيدًا عنهم ثم يعود. أما هو؟ فلم ولن يتركهم أبدًا مهما كان به. والفترة الذي رحل بها عند صديقه أعلمهم على الفور أنه بمنزل "شادي" حينها من نبرة والدته في الهاتف. ضعيف القلب. يتظاهر بأنه قوي. أما في الداخل فكان العكس تمامًا.
تنفس "غسان" بثقل. ورفع رأسه يجيبه بنبرة هادئة خالية ومجهولة من مشاعره:
"أخوك موجود يا بسام. ممشيتش ومش همشي ولا عمري في يوم رفضتك ولا رفضت كلام عايز تقولهولي. أنا موجود فأي وقت!"
نهض على الفور يهرب منه عندما وجد أنه على حافة الاستسلام. تجاهل مناداة "شادي" له وأغلق الباب خلفه. في حين ابتسم "حامد" بتفهم وقال:
"كده يبقى عدى وسامح. وبهرب قبل ما يضعف. سيبه يومين وهتلاقي كلامه معاك رجع عادي من غير حاجة!"
يعلم هو الآخر طبيعة شقيقه. زفر بصوت. وتنفس "حامد" بالنصف في الاطمئنان. أولا. كان يرى الجحود. بينما الآن يرى بوادر الضعف من الاثنان نحو بعضهما! احتضن "شادي" "بسام" بحب أخوي وشدد بعناقه بمشاكسة. حتى ضحك "بسام" فهمس الآخر جوار أذنه بـ:
"لا بس فرح عامله عمايلها بردو!"
ضربه "بسام" بتحذير. ولاحظ خروج "حامد" إلى الخارج وهو يطمئن "دلال" في حين ظل "غسان" بغرفته حتى دخل المرحاض وقرر الوقوف بشرفته قليلا قبل الرحيل.
"أحب الحديث معك رغم أني لا أملك ما أقول" - محمود درويش
جلست على المقعد وأمامها الكتب. منذ أن عادت وهي تجلس تذاكر مادة غدًا. تركه كي تنتهي على راحتها بتركيز. ولولا تشجيعه لما كانت تذاكر من الأساس. تنفست "جميلة" بعمق عندما ضاق بها كل شيء. توترها يشعرها بأنها قد تناست ما ذاكرته. أم أن نفسيتها كذلك. لمعت عينيها بالدموع وقبل أن تنهض وجدت أنه يفتح الباب حاملاً كوب وطبق به شطائر لها. ابتسمت على حنوه ومسحت عينيها على الفور وهي تنهض كي تأخذ منه ما بيديه مرددة بلوم:
"أنا كنت هقوم أعملنا سوا!"
ابتسم "عز" وهو يضع ما بيديه على مكتبها حتى رفع رأسه يحرك رأسه مرددًا بنبرة هادئة:
"وأديني عملت أنا. ركزي إنتِ فاللي إنتِ فيه. وصلتي لحد فين؟"
أخرجت أنفاسها وقالت تعلن قلة حيلتها:
"راجعت بس حاسة إني ناسيه. بس هو توتر ونفسية مش أكتر!"
تمعن النظر بوجهها باهتمام. بينما كانت تطالعه بابتسامة هادئة كملامحها حتى سحبت كفه كي يجلس أمامها على المقعد وناولته شطيرة كما أخذت هي. بدأ في تناولها وقالت بتردد:
"عز هو إنت متدايق بسبب حوار المذاكرة ده!"
ابتلع ما بفمه بهدوء. ونفى برأسه قائلاً بصراحة شديدة:
"لا مش متدايق. أنا واخدك كدة يا جميلة وبلاش القلق الزيادة اللي إنتي فيه ده. أنا فاهم ومقدر!"
تعمدت الصمت وهي تنظر له بتمعن. حتى ابتلعت ريقها ونهضت بخفة تجلب شيئًا من على بعد. حينها وقفت تقابل المرآة فنظرت نحو وجهها الذي فاق من شحوبه شيئًا فشئ. أخذت نفسًا عميقًا وكادت أن تلتفت لتعود له ما بيديها ولكنها لاحظت نظراته لها وعليها في المرآة وهي تقف توليه ظهرها. استدارت بابتسامة حرجة وتوجهت تمسك كفه بغيظ هادئ تعلمه:
"لقيت الدبلة مقلوعة في الحمام وناسيها!"
توسعت بسمته وصدم رأسه بتذكر بكف يديه وقال بتبرير:
"كنت بتوضا فقولت أقلعها عشان زنقت عليا ونسيت ألبسها تاني!"
عنفنه بنظراتها واقتربت تقف كي تنحني لتمسك كفه حتى تلبسه إياها برفق وهي تهتف بتنعنيف:
"بلاش تنساها تاني. وكويس أوي إنك منزلش الورشة من غيرها!"
كانت تظن أنها ستعتدل لتستقيم كي تقف وتعود لمقعدها. بينما حاوط هو بذراعه ظهرها من الخلف وهبطت خصلاتها أمام عينيها. فابتلع ريقه وهمس أمام وجهها بعمق وهو يزيح خصلاتها عنها:
"مقدرش. أصلي بحب صاحبتها أوي!"
توترت من حديثه وحتى همسه. فوجدته يقترب مقبلاً إحدى وجنتيها بهدوء. وهو ينهض فاعتدلت هي تقف حتى أنها مازالت محاصرة من ذراعه. مرر يديه على ظهرها يشجعها بحب. مقرراً.
"يلا كملي مذاكرة، ربنا معاكي!"
تعمد تركها، فهتفت هي تقطع سيره حتى التفت ينظر عندما نادت عليه تقترب:
"عز!!"
التفت بكامل جسده، واقتربت هي حتى وجد بعينيها نظرة الأسف لعدم أخذ حقوقه إلى الآن. ورغم مرور أسبوعين وعدة أيام تكفي، بينما تركها هو وقرر بأنه لم يقربها إلا عندما تصبح بنفسية أفضل. في البداية كان يرى خوفها وتوترها، ورغم أنه لاحظ قبولها عندما اقترب يقبل وجنتيها قبل لحظات، إلا أنه تجاهل ذلك تعمداً، كي يقدر حالتها أكثر وأن تنتهي من كل ذلك أولاً، كي لا يصبح ثقلاً ومسؤولية عليها من بين كل هذا، حتى في الاختبارات من بين حزنها. تلعثمت في الحديث، وأثارت شفقتها عليه بتحمله لعقبات كثيرة معها. علم على الفور ما تود قوله، ولكنه أمسك رأسها بين كفيه وقال بحديث واضح مكشوف هذه المرة:
"ولا يهمك يا جميلة، أنا قررت إني مش هقرب غير لما تفوقي وتبقي في أحسن حالة، أنا فاهم كويس اللي بتمري بيه ومش متقل من ده ولا متدايق، أنا أهم حاجة عندي راحتك!!"
طالعته بخجل، تحاول الثبات، فاقترب يقبلها بين عينيها برفق، وأشار بعينيه على الكتب، فتحركت رأسها بطاعة، وعاد هو يخرج من الغرفة بأكملها يشجع حاله على الصبر والثبات فقط لأجلها وأجل حالها.
***
رحل شادي قبل قليل هو ومنة، ووقف غسان يودعهما للمرة الأخيرة قبل أن يركبا المصعد. أشار لهما بالوداع أخيراً، واعتدل يأخذ أنفاسه وهو يتقدم ناحية شقة سمية كي يدقها من أجل نيروز. وخلال ثوانٍ، فتح له الباب بواسطة سمية التي ابتسمت له بلين وهي تقول:
"ادخل يا حبيبي، كوباية الشاي شكلها عايزاك هناك أهيه!"
تعمدت قولها كي يدخل ولا يتسبب في إحراجها. دخل وهو يبتسم لها متسائلاً:
"أومال نيروز فين؟"
"هندهالك حاضر، بس اقعد اشرب الشاي، تحب أعملك حاجة تاكلها؟"
نفى بلباقة، وهو يجلس حتى حمل الكوب واليد الأخرى حمل الهاتف يتصفح به إلى حين خروجها. بينما وقفت نيروز، ترتدي الحجاب مرة أخرى، فدخلت عليها سمية تخبرها بقدومه قائلة:
"طلع غسان!"
"حاضر هخرج أهو عشان نطلع!"
توقفت تحكم حجابها أكثر، فوجدت والدتها تمعن النظر بها بقوة، فتذكرت نيروز على الفور قولها لها، فقالت تذكرها بفضول:
"صحيح كنتي بتقولي إنك عايزاني في حاجة ومقولتيش!"
سعلت مرة أخرى فور هذه الكلمات، فأخرجت سمية الكيس من بين يديها وأعطته لها وهي تحثها بتفسير:
"بعت أجيب لك دوا الترجيع من الصيدلية ودول!"
أمسكت الكيس حتى نظرت به وفتحت عينيها على وسعها بذهول، حتى سألتها بغير وعي:
"إيه دول يا ماما!"
وضعت سمية يدها على كتف نيروز بحنو، حتى قالت بتفسير تخبرها بصحة ما رأته:
"ده اختبار حمل، عايزاكي تطلعي تعمليه وبكرة طمنيني!"
حركت رأسها بغير استيعاب، ومن ثم ظهرت ابتسامة ساخرة مع ضحكتها بقولها:
"حمل إيه يا ماما انت بتهزري؟ مش عشان رجعت أبقى حامل يعني، ما انت عارفة إني عندي برد وتعبانة..!"
قاطعتها بجدية، تردد بحدس أمومي معروف:
"لا مش عشان رجعتي، أنا عندي شك، انتي شكلك متغيره كده، راجعي نفسك كده، مش يمكن؟"
توقفت تتذكر آخر مرة قد جاءت لها ضيفتها. كادت أن ترفض بتردد. بينما قاطعتها الأخرى بتفسير جريء عن زيادة أماكن معينة في جسدها كعلامة للحمل! احمرت وجنتيها، وانتهى قول سمية بـ:
"واسمعي كلام أمك واعمليه مش هتخسري حاجة، وارجعي اتأكدي تاني بالاختبار التاني.. وبكرة ابقي قوليلي إن شاء الله، متقوليش لحد ولا حتى تعرفي جوزك.. بس شوفي كده من باب الإحساس والتأكيد بردو!"
تجهل عن أشياء كثيرة، وقفت تستمتع بمفاجأة، ورغم أنها تتشكك بأن ما تقوله ليس صحيحاً، ولكنها وافقت بقلة حيلة من ضغطها:
"حاضر يا ماما مع إني مش مقتنعة بكلامك ده على فكرة!"
"يا بنتي هو انتي هتخسري حاجة، يلا اطلعي شوفي جوزك قاعد بره مستنيكي!!"
أومأت وهي تضع الكيس بكفها تخفيه كما نصحتها والدتها، وخرجت تبتسم له، فنظر هو لها بصمت، حتى نهض بعجالة، ينظر نحو ملامحها الباهتة مردداً بتساؤل:
"خدتي علاجك؟"
"أه!"
أكدت بابتسامة هادئة، فأومأ هو وهو يحاوط كتفيها كالعادة، هاتفاً ناحية الأخرى:
"إحنا طالعين يا حماتي، عاوزة حاجة؟"
"لا يا حبيبي كتر خيرك، خد بالك منها!"
أشار ناحية عينيه بمرح طفيف، حتى حركت رأسها، فوجدت والدتها تشجعها بنظراتها على فعل ما بين كفها. وخلال دقائق صعد المصعد بهما، وأغلقت الأخرى الباب خلفهم.
***
"مش ناوي تمشي بقا؟ ولا هتفضل قاعد كده كتير؟"
رددتها فريدة بتبجح، فحرك آدم كتفيه ببساطة مجيباً على حديثها ببرود:
"أنا أقعد في الحتة اللي تعجبني، براحتي."
ابتسمت برفق على حديثه، ونظرت أمامها بشرود، كما كانت، وسألته أغرب سؤال وأكثر سؤال كان لا يتوقعه منها:
"قولي لي كدة الحب بالنسبالك إيه؟"
حرك رأسه باندفاع نحوها، فوجد ملامحها ثابتة تنتظر منه الجواب. من يربك من الآن؟ من يتعمد أن يوتر من؟ غير هينة هي بالمرة. ابتسم محاولاً الثبات وأجاب بوضوح صادق يسرد:
"مجربتش الصراحة إني أحب. ممكن كنت عايش على إعجاب واحدة تلفتني بشكلها، تانية بجسمها، غيرها بروحها، وعرفت إن مفيش حد كامل. بس وصلت لحاجة فالآخر كده عرفتني إني لما أحب هشوف اللي بحبه كامل وحلو في كل حاجة. ساعات كنت بتجنن وروحت أعمل حاجة طايشة كده وارتبطت بس مفهمتنيش واختارت واحدة مش شبهي، غير إني عرفت بعد كده إن الارتباط ده حرام وأي كلام وذنوب على الفاضي. بس قررت أكتر على حد شبهي وملقتش. الحب هو إنك تشوفي اللي قدامك كأنك بتبصي لمرايا، تبقي على طبيعتك معاه وكأنك قاعدة مع نفسك، ويعني الأمان. بس بالنسبالي مبقتش أفرق امتى أكون مطمن وإمتى لا، غير مؤخراً، يعني بدأت أحس إني معجب غير كل الإعجاب اللي شوفته في حياتي. تفتكري ده حب؟"
سألها بمراوغة، وأعجبت بكلماته، راوغت مثله تماماً، ونفت قائلة تصده:
"وحتي لو، ما قولتك مينفعش!!"
زفر بصوت عالٍ، وتعمد تجاهل ما قالته وسألها عن رأيها هي الأخرى:
"طب وانت؟ الحب بالنسبالك إيه؟"
حركت كتفيها بجهل، وهي تنهض ببطء، تزامناً مع ردها الهادئ:
"مبقتش عارفة!"
نهض هو الآخر واقترب أدهم منهم، فرد عليها بتساؤل جاد وكأنه ينتظر الجواب:
"طب وهتعرفي امتى؟"
"لما أحب بجد... مش حب احتياج!"
ربما كانت تقصد حبها لشريف، الذي يمنع هو الحديث عن موضوعه بمنتهى الصبر كي لا يجرحها. ابتلع ريقه وشعر بقهر لحاله عندما فهم حديثها. أغلقت الإضاءة، وكان هو يساعدها، وعندما انتهت خرج.
هو أولاً يركب الدراجة البخارية حاملاً الصغير أمامه. أغلقت المحل بحذر وهبطت السلم. ابتسمت لهم بلطف.
فقال هو قبل أن تودعهم:
"على فكرة أنا مكنتش عارف أروح فين، بس قلبي جابني هنا!"
رددت بجرأة، رغم أنها لا تغازله، بل كررت قوله وهي تنظر نحو عينيه:
"اللي عينهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا."
اندهش من قولها. فنظرت مجدداً نحو الصغير ثم رفعت عينيها تنظر نحو أهدابه الكثيفة. كانت عينيه كمثل عيني "غسان" برسمتها الموضوعة بتناسق مع ملامحهم الرجولية بوسامة بسيطة جداً. الملفت كانت الأعين ليست إلا. واصلت تكمل بوضوح، وهي تصحح له:
"أدهم اللي قالك، هو قالي كده وعينيه حلوة فمعرفش يكذب!"
قلبت الجملة وحولتها لشخص آخر ببراعة. تتلاعب به. ضحك بصوت متوسط في الارتفاع وقال يجاريها:
"مقبولة منك، ما اللي عينيهم حلوة ربنا عاطيلهم قبول برضو!!"
انحنت تقبل وجنتي الصغير بحب، حتى اعتدلت تشير لهما بيديها وهي تسير ناحية مدخل العمارة:
"سلام!"
أشار لها "أدهم" بيديه الصغيرتين بوداع. حتى ابتسم "أدم" بسمة هادئة لينة مريحة لا تحدث إلا قليلاً عندما تخرج منه بمثل هذه الأريحية الصادقة. انطلقت الدراجة بسرعة وحماس منه. جلوسه معها كل هذا الوقت غير بحالة الكثير كما غير من نفسية الصغير الذي كان خائفاً باكياً قبل خروجه من المنزل والذهاب إلى هنا. ربما كتب على قلب صغير وقلب أكبر معرفة طريق الراحة عند الإنهاك. بينما قلبها هي مشتت بين شعورها بالراحة واللامبالاة. أحياناً أخرى تكون اللامبالاة لديها زائفة.
***
أما في الأعلى، خاصة شقة "غسان"، جلس هو على الفراش بعدما بدل ملابسه. أمسك هاتفه يطمئن على سير صديقه في الطريق كي يهاتفه. في حين انتظرها في أن تخرج. بدلت "نيروز" ملابسها وخرجت أخيراً. تحاول التماسك وتجاهل شعور رغبتها في استرجاع ما تناولته من عصير بمعدتها. خرجت من المرحاض كي تفعل ما نصحتها به والدتها في المرحاض الآخر بعيداً عنه. وعندما وجدته جالساً يغلق المكالمة، أشار لها بالاقتراب. فحاصرها وجلست على حافة الفراش. مسح على وجهه برفق وهو يسألها بقلق، ملاحظاً تغيرها الشديد فكل مرة يزداد وجهها شحوباً:
"شكلك متغير كده ليه؟ لازم تيجي نكشف بكرة!"
ابتسمت بحنو، تطمئنه بابتسامة هادئة راضية:
"أنا كويسة متقلقش، بتحصل عادي!"
صمت ينظر باهتمام. وغمز لها بمشاكسة، حتى مرر عينيه عليها بالكامل قاصداً العبث بكلماته وهو يردف بمرح طفيف يخفف عنها تعبها:
"آه ما إنتي كويسة وحلوة كده كده على طول.. حتى زدتي وبقيتي بطل!!"
زيادة أخرى؟ ابتلعت ريقها سريعاً. وعادت كلمات والدتها تتردد في أذنها. ابتسمت بإهتزاز ودارت وجهها بخجل، تهتف برقة وبسمة هادئة:
"اللي انت شايفه مادام حلوة في نظرك!"
ضحك "غسان" بصوت عالٍ وقال بعبث مجدداً ممسكاً بكفها:
"ومحدش غيرك عارف يبقى حلو في نظري، إلا انت!!"
قاومت شعورها ورددت بتقطع متعب:
"ثبتني يا بن الـ..."
توقفت عن الحديث عندما شعرت بالقئ يداهمها من جديد. هرولت بعدما نهضت باندفاع تتقيأ ناحية الحوض في المرحاض. حينها انتفض بخوف يهرول خلفها ووقف واضعاً يديها على ظهرها وهي تنحني. حاولت دفعه وهي تستمر فيما تفعله رغماً عنها. بينما وضع هو كلتا كفيه يضغط بهما على رأسها كطريقة لجلب ما يؤلم معدتها. استمرت حتى انتهت وخارت قواها من هذا. شعرت أن قدميها لا تحملها فقررت الجلوس على أرض المرحاض ولكنه سندها سريعاً مردداً يهدئها رغم خوفه:
"خلاص.. خلاص.. مفيش حاجة. استحملي على ما أغسل وشك!"
غسل وجهها بالماء وهو يسندها بذراعه. حتى انتهى فسندها معه ناحية الخارج إلى أن وضعها على الفراش بقلق. جذب الغطاء وانحنى يضع يديه على معدتها مردداً بلهفة شديدة:
"خليكي كده على ما أنادي بسام يشوفك بسرعة!"
أمسكت ذراعه تقطع سيره ناحية الهاتف وقالت وهي تستند على نفسها كي تجلس ببطء ومنعته بتعب قائلة:
"لا، أنا حصل معايا كده تحت وماما جابتلي علاج الترجيع وأخدته لسه هيعمل مفعوله!"
وقف ينظر لها بتوبيخ وقال مشيراً لها وهو يقترب:
"وليه مقولتيش!!!!"
وضعت يديها على معدتها تستلقي بتعب. ولم تجبه بسبب إنهاكها. فالتفت يجلس بخوف رابتاً عليها كي تنعم الراحة. فردت هي عندما شعرت بقدرتها على الحديث:
"غطيني بس كويس يا غسان معلش واطفي النور عشان أرتاح!!"
سعلت مجدداً. وعندما شعر بتعبها فعل ما قالته له. ولولا أنها أخذت الدواء الآخر لما وافقها. شعر بسكون جسدها فاطمئن قليلاً. حتى حاوطها بيديه مقرباً منها له مردداً بنبرة هادئة هامسة يسألها:
"طب بقيتي أحسن؟"
"آه."
قالتها بهمس هي الأخرى تحاول النوم. في حين رد هو يحثها بجدية:
"لو حسيتي بتعب تاني، هقوم نلبس ونكشف دلوقتي!"
"لا متقلقش، بقيت أحسن والله. والصبح إن شاء الله هبقى تمام!"
عانقها بخوف أخفاه. فحاوطت ظهره بذراعها كما فعل هو. وقبل هو كتفها بلين وهو يربت عليها حتى شعر بصمت الوضع وسكن. وبدأت عيناه في الإغفال وهي بين يديه كما تود الإغفال هي ولكنها تقاوم إلى حين أن يذهب هو لعالم آخر بأحلامه كي تنهض وتفعل ما حثته عليها والدتها. وبعد القئ الأخير ووجع جسدها ومعدتها ودوار رأسها مع الزكام زادت الشكوك برأسها وأفكارها تذهب هنا وهناك وتأتي بفكرة واحدة: هل حقاً أحمل برحمي جنيناً منه؟ أم مجرد علامات لحمل كاذب وعلامات أخرى لدور زكام شديد بمثل هذه القوة. قاوم النعاس وخرج صوته المبحوح يسألها بقلق:
"كويسة؟"
ابتسمت بحنو وتأثر على خوفه وأسندت رأسها على صدره عندما اعتدل وأجابت بإطمئنان كي لا يقلق:
"آه."
وواصلت بتردد تسأله عن ما حدث بين عائلته:
"هو انت زعلان مني؟"
علم مخزي حديثها وقرر من قبل مواجهتها بوقت لاحق. بينما صمت للحظات وهمهم ثم قال ينبهها:
"لأ.. بس خليكي عارفة إن أمي وأبويا خط أحمر!"
لا تعلم لماذا استشعرت الحدة في نبرته. ورغم أنه يريد النوم وشعر بالنعاس ولكنه يقاوم لوقت كي يتأكد من استقرار حالتها. ابتسم وقال بنفس الصوت الهادئ يسألها بعبث كي يبعد توترها وخوفها بسبب تعبها حتى لا تضغط:
"عارفة الست قالت إيه؟"
ابتلعت "نيروز" ريقها وأسندت كفها على معدته وأجابت بتساؤل شغوف بسماع الآتي منه:
"إيه؟"
شدد من احتضانها أكثر وقال جوار أذنها قبل أن تنتظم أنفاسه عقب وقت من آخر قول قاله. وكان قوله شطر من أحد أغاني كوكب أرضه ورداً على سؤالها.. أجابها بنفس ذات الوقت بعدما ضمها أكثر نحوه متنفساً بعمق شديد مستنشقاً رائحتها بين ذراعيه التي تحتويها بتملك ورفق:
"قربك نعيم الروح."
عقل مشوش كعقلها يستنزف الكثير من طاقتها في الأيام الماضية. لن تردد لأحدهم بأنه عرض عليها هذا العرض قبل أيام. كلما تصل لنقطة فارقة بقوله. أي أنها فعلياً تفكر كيف ستكون الفرصة. العجيب من شخصية كشخصيتها أنها لا تشفق على نفسها أولاً، بل عليه هو. ليس مجبر تماماً أن يرتبط ويخوض تجربة مع أنثى حدث لها ما حدث.
وماذا بي؟ تسأل نفسها بكبرياء أنثى. صوتين عكس بعضهما، وإلى الآن لا تعلم من هو المنتصر الذي يعلو بداخل عقلها، ومن هو الذي على صواب؟
بوقت كهذا كانت تجلس "بمحل الورد" بمفردها، ترتشف من كوب القهوة التي أعدته بنفسها. ومن خلال الأيام التي مرت، زاد حماسها بزيادة الزوار للمحل بالفعل. كان في البداية غير معروف لأنه فُتح وأُغلق قليلاً. وعلى الرغم من أنها تواظب على فتحه بنفسها، إلا أنها تستنكر انشغال وقت "نيروز". في الأيام الماضية، رغم أنها شُفيت قليلاً وليس بالكامل من دور الزكام، راعتها وقدرت أن امرأة متزوجة مثلها لديها واجبات يلزم فعلها في شقتها، وليس كل الوقت وقت العمل في الخارج دون الاهتمام بما يتوجب عليها فعله.
ورغم أن "فريدة" تُعد فتاة ذكية، إلا أنها لم تتوقع في كل مرة مجيئه بدراجته وسرده عليها لمختصر يومه بآخره، حيث عمله. جاء مرتين، ومرة أخرى، وكانت أول مرة مع الصغير. تحاول تجاهله كثيراً، لكنه لا يترك لها مجالاً بأن تتجاهله. يجبرها بأفعاله وكلماته بأن تنتظر وتجيب على حديثه العميق، وبالأخير الخيالي التي تسخر منه دوماً بقولها:
"أنت مش واقعي على فكرة."
عهد هذه الجملة منها، وأصبح ينتهز الفرص كي يرددها هي. أما هي فكانت أخذت العهد على أن تحسن المعاملة كي يرحل عنها، وكأنها تتأكد من أن أسلوبها المتحدي لشخصية مثله كان يجذبه لها أكثر. أما الآن، فتتعمد الصمت والتجاهل والرد على حجم الحديث بحجم أقل مختصر، رغم محاولته لخلق الحديث، ولكنها تتجاهل. ولجانب آخر ليس هين، أخبرها شعور كبرياء أنثى أن الذي يفعله معها لاقى استحسانها، حتى وإن تعمدت هدم الأمل والشغف به بقولها المقتضب في الرد. جانب داخله يعلن له بأن بها علامات حمراء تمنع عنها الاقتراب، بينما هو كان يتيقن بأنها من الداخل ليست كذلك. ويعلم بأنها ترفض لأسباب أصبحت مكشوفة، وأول الأسباب سببها هي. سببها الكبير الموجع. أخفى داخله حرقته منذ أن علم ورحل لشيخ المسجد عندما كان متخبطاً في التمسك. لم يعطه الآخر الحل، بل أعطاه منظوراً آخر. عمق الإيمان في قلبه أكثر. لطالما كانت هي الضحية. وإن استطاع هو أن يتخطى ما حدث كي يريدها كما هي، محاولاً تناسي ما حدث، فقد وصل إلى المكانة الجيدة من النضج. رجال آخرون لا تقتنع ولا تحبذ ولا ترضى على نفسها ذلك. أما هو، فتفكيره يتغير شيئاً فشئ، رغم أنه في البداية كان عكس ذلك تماماً، تماماً.
"اللي بيسرح ده يا بيحب يا إما بيحب!"
انتفضت على هذا القول بخفوت، ودارت المقعد المتحرك كما دارت وجهها، تنظر حتى وجدتـه واقفاً أمامها بهيئته. ربما يوجد أمر غريب هذه المرة. نعم، الملابس الذي يرتديها، ملابس العمل متسخة بشحم طفيف وزيوت سيارات معروفة. رفعت عينيها تنظر ناحية وجهه ولم ترحب به، بل حركت رأسها بغير اهتمام وهي تجلس مجدداً، حتى ردت على جملته بـ:
"مش لازم على فكرة!"
ورفعت "فريدة" عينيها مجدداً، تكمل قولها بتعمد:
"أنت بس اللي عاوز تشوف كده!"
حرك رأسه بإقتناع، وإستند بذراعه ينظر حوله. فقاطعته هي بتبجح في القول:
"إنت إيه اللي جايبك دلوقتي وبلبس الشغل!"
"في أسلوب أحسن؟ في نورت المكان يا 'آدم'. في إتفضل أقعد أعملك حاجة تشربها يا آدم؟ في حاجات حلوة كتير لآدم!!"
كان قوله بحنق. فابتسمت هي بتهكم وقالت بسخرية تقلل منه:
"ليه يعني شخصية آدم ده؟"
لقبها بالمستفزة التي تثير حمقته. كل مرة يتعمد الصبر لشكه بأنها تختبره. إبتلع ريقه بثبات، كما هز رأسه بنعم وقال بثقة:
"آه شخصية وانت عارفة!"
وضعت الكوب بغير اكتراث، تسأله بإهمال لعدم الاهتمام بقوله:
"عارفه إيه بقا؟"
"عارفه إني شخصية ومعجبة كمان!"
قول بثقة جديدة مرة أخرى منه، حتى أنه مد يديه يتلمس الباقات مع ردها الضاحك بإستهزاء:
"غلبان أوي!"
أخرج أنفاسه بصوت، وتعمد تغيير الحوار مجيباً على حديثها محاولاً الاهتمام بالتفاصيل في أي حديث تردفه هي، كي تنتبه له:
"عالعموم أنا خلصت شغل بدري النهارده وعز بردو مشي، فقولت أمشي أنا كمان بدري عشان أجيب أدهم ويوسف من المدرسة!"
حركت "فريدة" رأسها بتفهم، وقامت بصب "كوب شاي" ساخن تزامناً مع ردها المتسائل بملاحظة:
"أنا فاكرة إن ليهم باص بيجوا فيه، حتى كان بينزلهم هنا لما كانوا قاعدين معانا. ليه رايح تجيبهم بنفسك؟"
لم يجلس على المقعد كي لا يتسخ من ملابسه. لاحظت هي فعلته، حتى أنه رجع بقراره ووقف يجيب بنبرة جادة هادئة يذكرها:
"فاطمة بقت تخاف من ساعة ما ننوس عين أمه خدهم من هناك. ساعتها قعدت يومين أوديهم وأجيبهم، ولما اطمنت رجع الباص ياخدهم. بس من ساعة حوار المأذون والطلاق واللي حصل زي ما حكيتلك، ورجعت تخاف تاني. و'جنة' تعبانة بقالها يومين مراحتش كمان!"
استرسل في الحديث وكأنها شخصه المفضل يروي لها كل تفاصيل حياته. لاحظت هذه العادة، حيث قص ما لم يتعمد الآخر قصه على العائلة بأكملها، بل جزء علم وجزء يجهل. حركت رأسها متفهمة وهي تنصت، وما أن انتهى قالت هي مفسرة:
"من ساعة آخر مرة روحت لفاطمة ولاحظت إن جنة تعبانة وعينيها متغيرة. بس كلمتهم واطمنت عليهم، وكده كده جايين بعد العصر والعيلة هتتجمع عند عمو حامد... إمسك إشرب الشاي!"
قالتها بآخر حديثها بنبرة هادئة. ابتسم بلطف على اهتمامها وتغيرها الجذري. مد يديه يحمله من بين يديها، حتى لامست أصابعه كفها فابتعدت هي على الفور. وعلى الرغم من أنه لم يتعمد فعل ذلك، ولكن راق له خجلها التي تحاول محوه، مدعية الجرأة والثبات. تنحنح بحنجرته يرتشف من الكوب وأجاب عليها بوضوح، يخبرها عن قدومه بعد ساعات:
"آه عرفت منهم. إن شاء الله هنيجي كلنا. حتى 'عز' بردو راح يجيب 'جميلة' من الامتحان وقال هيتغدوا ويجوا كلهم..!"
تنفست بعمق وهي تحرك رأسها بإنصات. حتى أشارت له بأن يجلس على المقعد وهي تردد:
"عالفكرة مش حرام يعني تقعد.. ما تقعد!"
ضحك "آدم" بخفة، ونفى برأسه وهو يهبط الكوب من على شفتيه، ثم سنده وهو يعتدل هاتفا بنبرته الهادئة يعلمها:
"لا.. لا لازم أمشي عشان أجيبهم من المدرسة زي ما قولتلك. سلام يا شاطرة!"
أشار لها ملوحاً بيديه، فردت له الإشارة بعينيها فقط، رغم حنقها من اللقب الأخير، حتى وجدته يلتفت ونبس بنبرة مراوغة يخبـرها:
"عالفكرة أنا عطيت الفانيليا الفرصة واستطعمتها.. عقبالك!"
قصد بأن تعطيه هو الفرصة، ولمح بذلك بوضوح عندما غمز لها وخرج سريعاً قبل أن ترد بقول يهشم أمله وانتظاره.
ابتسمت بأثره واعتدلت سريعاً، ترفض هذه الابتسامة، ولاحظت وقوفه لحظات، حتى سارت الدراجة، فتحركت قليلاً تنظر على القادم من الخارج، فوجدتها "نيروز"، التي دخلت تبتسم باتساع. وعلى ما يبدو عليها أنها كانت بالخارج بل وبمفردها.
_" ايه يا روز كنتي فين كده؟ والله أكبر وشك منور مش خير؟"
ضحكت "نيروز" وقبل أن تجيب وجدت علب كرتونية بيديها مغلفة، فسألتها بمشاكسة مرة أخرى:
_" خارجة تشتري هدايا لمين ومكلفة كده!"
وكزتها في كتفها، فتعالت ضحكات "نيروز"، وفسرت بنفس النبرة الضاحكة تجيب بتأكيد:
_" عيد ميلاد غسان النهاردة، فخرجت قبل ما يجي من الشغل!"
_" كل سنة وهو طيب.. ربنا يخليكم لبعض!"
قالتها بلطف، فاعتدلت "نيروز" تحمل ما بيديها باعتدال، ورددت تخبرها:
_" هطلع الحاجات دي وأغير، ولو غسان مجاش هنزل أقعد معاكي!"
ابتسمت "فريدة" وهي تومئ لها بالإيجاب وقالت بتفهم:
_" براحتك كده كده!"
تستنكر قبولها في الحديث وتفسيرها عادةً ما يُعرف عن "نيروز"، أنها ثقيلة لا يعلم عنها أحد شيئًا كونها قليلة الحديث عن نفسها، بينما الآن تتحمس والإشراق على وجهها عكس الأيام الماضية التي كانت بها متعبة. خمنت أنه الحب ومن ثم السعادة والحماس بعيد مولد من اختاره قلبها! ألهذا الحد يغير الحب طباع الإنسان؟ سألت وحركت رأسها بإعجاب.
تزامناً مع صعود "نيروز" في المصعد، لم تستطع الخروج في الأيام التي مرت بسبب وجوده وعودته مبكرًا قبل أن تقرر حتى الهبوط لفعل ما توده أو لشراء هدية له كي تحفظها حين اليوم المعهود! لم تتعمد الصعود للطابق الثالث حيث شقة والدتها ووالدته ووالده بل صعدت نحو طابقهم السابع حيث شقتها كي تستطيع تبديل ملابسها سريعًا قبل أن يأتي، فقد تأخر قليلاً عن الأيام الماضية! وضعت المفتاح في الباب ودخلت حتى خلعت حذاءها بإنهاك ووضعت ما بيديها على الطاولة في الصالة حتى أخرجت هاتفها وطلبت رقم "سمية" بأيدي ترتجف. ابتلعت ريقها تنتظر الرد وعندما سمعت صوتها قالت بنبرة سريعة:
_" أيوة يا ماما.. أه أنا جيت.. تعالي يلا، هغير هدومي على ما تطلعي!"
عندما سمعت الرد ردت برد تلقائي عليها وأغلقت الخط على الفور. دخلت الغرفة تخلع حجابها أولاً ثم ملابسها حتى فتحت الخزانة تجلب ملابس بيتيه مريحة وبدلتها في الغرفة سريعًا حتى وقفت أمام المرآة تنظر نحو وجهها وجسدها. ابتلعت ريقها بخوف أتى من توترها وسمعت جرس الشقة فعلمت أن "والدتها" قد جاءت بالفعل. سارت بخطوات سريعة ناحية الباب حتى فتحته فدخلت "سمية" بلهفة تسألها:
_" طمنيني يا حبيبتي النتيجة طلعت إيه؟"
إندفعت "نيروز"، نحو أحضانها بسرعة حتى اختنقت وخلال لحظات أدمعت عينيها وهي تعتدل واقفة تنظر نحو وجه "والدتها" المنتظر بترقب. ابتلعت ريقها بصعوبة وهبطت دمعتها باستيعاب وهي تتنفس بعمق وقالت تصارحها بالحقيقة عندما أمسكت كفها بأصابعها الباردة عكس جملتها التي غمرت الأخرى بالدفء:
_" أنا حامل يا ماما.. أنا مش مصدقة إنه طلع بجد!!"
وقفت "سمية" تنتظر وما إن سمعت جملتها دفعتها بفرحة شديدة داخل أحضانها وتأكدت بإحساسها الآن! عندما استطاعت أن تخرج الأخرى أخيرًا بمفردها تفعل تحليل الدم بعد أن ظهر الحمل صادق باختبار وكاذب متردد بآخر. حينها جلست يومين بتوتر لم تستطع بهم الخروج بسببه وبسبب تعبها أما الآن فتأكدت. أخرجتها "سمية" وهي تردد بتلهف تتلمس كتفي الأخرى بتأثر شديد:
_" الحمد لله يارب.. الحمد لله.. كنت حاسة والله كنت حاسة.. زي ما قولتلك.. ربنا يكملك على خير يا حبيبتي ويقومك بألف سلامة!"
ابتسمت "نيروز" من بين دموعها وإلى الآن لا تستطيع تصديق ذلك. ابتلعت ريقها ونظرت بسعادة بالغة لأول مرة تعيش هذا الشعور وبالفعل كان حديثه صحيحًا وقتها عندما أخبرها أن فكرتها ستتغير كليًا وأن قرار تأجيل الحمل كان من خوفها أيام ضغوط عليها ليس إلا حتى أنها ظنت أن هذه الأيام ستستمر كذلك بهذه الضغوط! تلمست معدتها بحرص وغير تصديق بينما مسحت "سمية" على وجهها برفق وقالت بنفس اللهفة:
_" كده عرفتي هتفاجئيه بإيه بدل ما انتي موترانا معاكي أنا واخواتك.. أقعدي ومتتعبيش نفسك ومتعلميش حاجة!"
حركت رأسها بموافقة، وابتسامتها لم ولن تزول إلى الآن. تمسكت "سمية" بذراعها وحثتها على الجلوس وهي تخبرها بلين مرة أخرى:
_" على ما يجي بقا قوليله بينك وبينه بلاش تبقي عبيطة زي أختك ياسمين.. الحاجات دي فرحتها الأول بتبقي بين الواحد والواحدة وبعد كده ابقي عرفي الباقي.. إن شاء الله كلهم هيتجمعوا تحت بعد شوية تبقي تقوليلهم وتعرفيهم بقا."
نصحتها مجددًا وتسير خلفها في كل نصيحة. هزت رأسها بالإيجاب، وتحركت نحو المطبخ. فرددت "نيروز" بنبرة هادئة كونها فهمت ما ستفعله الأخرى:
_" مفيش مواعين يا ماما.. ارتاحي.. غسان غسلهم وكان بيغسلهم الأيام اللي فاتت لما كنت تعبانه.. متتعبيش نفسك."
توقفت "سمية" وهي تبتسم ببشاشة حتى التفتت ترد من بين ضحكتها:
_" غسيل دا إيه يا بنتي.. دا الكوباية ريحتها كانت زفرة لما جيت أشرب فيها امبارح!"
قهقهت "نيروز" هذه المرة وضحكت "سمية" بصوت عال مع رد "نيروز" الضاحك بدفاعها عنه:
_" على قده بقا يا ماما كتر خيره.. كلنا عارفين انه مبيعرفش يعمل حاجة بس عالأقل بيحاول!"
نطقت جملتها بضحك وإلى الآن الفراشات تحلق فوق رأسها من كم السعادة وعدم الاستيعاب. ضحكت "والدتها" بيأس وحركت رأسها بتفهم حتى اقتربت منها تنظر نحو ملامحها بتأثر شديد. تلك الصغيرة كيف لها بأن تصبح أم خلال أشهر؟ بل وكيف تحمل بأحشائها جنين صغير على كل ذلك! متى كبرت؟ أدمعت عينيها وضمتها إلى صدرها بسعادة بالغة واختنقت نبرتها وهي تتحدث لها بجملتها المتأثرة:
_" الأيام بتجري بسرعة أوي يا نيروز بس بردو مش عارفه اشوفك كبيرة في عيني."
لسه هتفضلي الصغيرة!
قبلت "نيروز" كفها ببركة وتنفست بعناقها براحة للحظات، حتى اعتدلت "سمية" تحثها برفق:
"أنا هنزل أنا فات جوزك على وصول، قومي انتِ شوفي هتعمليله إيه وخلي بالك على نفسك ومتوطيش!"
حركت رأسها توافق قولها بطاعة، حتى نهضت بعدما ربتت على ساقها، فاقت على إغلاقها الباب، فنهضت تضع يديها على فمها وهي تبتسم بفرح وتتخيل رد فعله عندما يعلم. شعرت هي الأخرى باقتراب موعد مجيئه فرتبت العلب الموضوعة على الطاولة في الداخل حيث غرفتهما معًا، وأخرجت ما صنعته بنفسها من الدرج ووضعته وأغلقت باب الغرفة جيدًا كي لا يأتي مندفعًا. تعمدت أن تجعله يتجهز للمفاجأة. وقفت أمام المرآة تمشط خصلاتها بترتيب، حتى تركتها خلفها بحرية، وخلعت عنها سترة الملابس البيتيه عندما شعرت بالاختناق. وضعت كحل الأعين وابتسامتها الهادئة لا تود أن تختفي. تنفست بعمق، حتى وضعت مرطب الشفاه. تحاول تجاهل النظر نحو موضع كتفها المكشوف والذي به أثر طعن سكين "حسن" لا تريد تذكره الآن بين لحظاتها السعيدة. انتفضت بتوتر عندما سمعت صوت إغلاق باب شقتها، واعتدلت تنظر نحو نفسها بحماس ولهفة كبرى. أخرجت الشمعة سريعًا وأشعلت القداحة التي ابتاعتها تزامناً مع هتفه من خلف الباب وهو يحاول فتحه بغرابة:
"نيروز، إنتِ جوه؟"
"أيوة، ثواني!"
قالتها كي ينتظر، وعندما سمع صوت القداحة، شهق محاولًا فتح الباب مرة أخرى:
"إنتِ بتشربي سجاير من ورايا؟"
وعاد يسأل ببوادر قلق غير مفهوم وجاب عقله آخر مرة داهمها القيء:
"إفتحي كدة، قافلة على نفسك ليه؟ إنتي كويسة؟"
ضحكت عاليًا حيث علمت أنه ردد جملته الأولى عندما سمع صوت إشعالها القداحة. أخرجت الكعكة الصغيرة التي ابتاعتها وجهزت كل شيء وتوجهت نحو الباب بخطى حذرة ثابتة وهتفت باسمه كي يترقب:
"غسان!"
همهم بصبر حتى كاد أن يحثها على الفتح عندما شعر ببوادر القلق من حدوث شيء غريب. فوجدها تحثه بنبرة لطيفة ناعمة:
"أنا هفتح بس ممكن تغمض عينك الأول؟"
"ليه؟ قالعه؟"
فتحت عينيها على وسعها من وقاحته، بينما رددها هو بوقاحة تلقائية. صمتت بحياء وغيظ بنفس ذات الوقت. علم سريعًا ما وضعها، فوافق بقلة حيلة ونفاذ صبر في الخفاء:
"ماشي غمضتها!"
وضعت يديها تفتح الباب المغلق وثوانٍ ونظرت ناحيته بحب فياض. أمسكت كفه تدخله وهي تحسبه داخل الغرفة فسار وهو يضع يديه على عينيه وقال بمرح:
"هتشوحيني من البلكونة ولا إيه؟ لسه بدري عليا يرزقة، لو زعلتك في حاجة قوليلي وبلاش الكلام اللي يزعل ده!"
ضحكت "نيروز" بخفة ووقفت أمامه وأمام الطاولة، حتى رفعت يديها تزيح كفه من على وجهه ففتح هو عينيه ينظر وأول ما وقعت عينيه كان عليها هي بملامحها الواضحة التي سلبته وظهرت أكثر بمساحيق التجميل الخفيفة، وكتفيها وعنقها المكشوفين بانجذاب، وخصلاتها. كل شيء بها يؤثر به. تنفس بعمق واتسعت ابتسامته عندما ابتسمت له هي بخجل وهي تشير بعينيها إلى الجانب الآخر. حرك رأسه ونظر باهتمام، حتى همهم متفاجئًا وهو يطيل النظر بالكعكة الصغيرة والشموع وأيضاً الورود، مع كلمة عيد الميلاد باللغة الإنجليزية. حرك رأسه متأثراً منها وسألها بعمق شديد وبغير تصديق:
"إنتي فاكرة؟"
"وازاي هنسى؟"
رفع ذراعيه بحب يضمها بسعادة بالغة كتعبير بالامتنان، بينما همست هي بعمق ومشاعر واضحة صريحة:
"كل سنة وانت معايا ومنتفرقش أبداً، وكل سنة وأنا بحبك كل يوم أكتر من اللي قبله يا بن البدري!!"
ما زال يضمها بتأثر. أبسط الأشياء تسعده، ويسعده أكثر اهتمامها. ابتلع ريقه وقبل قمة رأسها بحب، حتى قال هو الآخر بغمزة عين حولت الوضع سريعًا:
"إيه الحلاوة دي!"
نظرت له "نيروز" بتعالي زائف وهتفت بمرح تزامناً مع جلوسه على المقعد كما جلست هي بجانبه:
"شوفت بنعرف نفاجئ احنا كمان!"
"أحلى مفاجأة في حياتي يا رزقة!"
نظرت له بتشكك وقالت بشفرة وهي تناوله العلب ترسل له أحد الألغاز الذي سيحلها بعد دقائق:
"متأكدة إنها هتبقى أحلى مفاجأة في حياتك بس بعد ما تفتح دول!"
نظر "غسان" بابتسامة هادئة نحو العلب، حتى ضحك غامزًا مرة أخرى وقال بنبرة درامية متأثرة زائفة:
"أأاه يا فلوسك يا غسان!!"
ضحكت بقوة، وبدأ يفتح العلبة الأولى حتى وجد بها مرسال مع ساعة فضية أنيقة. سعد بما رآه وقال يظهر لها رضاه وفرحته:
"جميلة أوي يا رزقة بس مش أجمل منك!"
ابتسمت بحب له ولكلماته التي تعجبها حتى وإن كانت سريعة مشاكسة غير عميقة. فأشارت له يفتح المرسال الأول الذي يوجد بجانب الساعة. حتى أمسكه بحماس قليل ما يظهر وأمسكت هي العلبة الثانية بين كفها تنظر نحو ملامحه وهو يقرأ:
"إلى ذلك الرجل الذي اختاره قلبي رغماً عن كل شيء ورغماً عن كل الظروف والعقبات.."
"ظننت أن حبال براءتنا قد ذابت، وذكريات مأوانا ردمت، وأن حب طفولتنا البريء دفن مع الزمان. وحين شاءت الأقدار، عدت أنت لتتذكرني وأتذكرك أنا من جديد، أنت وتفاصيلك، وكأن ما حدث حدث ليلة أمس.
أما عني، فكنت أنا الغير مهتمة بإدعائي ذلك. وأما عما بداخلي.. فكنت وما زلت أتذكر أدق الأشياء في طفولتنا، يحفر بي كلمات خطاباتك البريئة. أتذكر كم عدد نقاط الحروف في كل خطاب كنت تلقيه بشرفتي. ومر الزمان حتى عدت جاري وجار قلبي، إلى أن تخلله حبك الأبدي. وبين أنا وأنت قصة وحبل وصال كُتب عليه بالعودة، حتى دام وسيدوم."
كان يقرأ اللغة التي تعشقها، أثر به كل حرف كان يقرأه. ولم ينتهي بعد، ابتلع ريقه وشجعته على أن يكمل القراءة بالمواصلة.
"بينما اليوم سيقوى الوصال بيننا أكثر هذه المرة. سيقوى بحبل صغير، نصفه أنت والنصف الآخر أنا!"
وكأنها لا تهنئه على عيد مولده، بل تتحدث عن الهدية. أما هو، ففهم الكلمات بلغة الحب، وليس ما كانت تقصده في كلماتها الأخيرة. ابتلع ريقه وأسند المرسال على الطاولة، ورفع ذراعه بتأثر يقربها منه، وقبل خصلاتها بتأثر أشد، وقال بإهتزاز:
"كلامك ده كتير عليا أوي يا نيروز!"
رفع كفها يقبله برفق، وابتسامته المتأثرة تظهر لها. فنظرت هي تنفي قوله برأسها، وقالت بلهفة وحماس:
"جاهز تشوف الهدية التانية؟"
"لسه كمان؟ أنا كده مش هستحمل والله!"
قالها بحرارة، فضحكت بخفة. ومدت يديها بالعلبة الصغيرة تحثه قائلة بحماس شديد:
"لازم تستحمل، لأن دي أحلى هدية هتشوفها في حياتك. سمي الله الأول وافتحها يلا!"
أمسكها بحرص، وعقد بين حاجبيه بغرابة. بماذا يمكن أن تجلب له شيئاً بهذه العلبة الصغيرة جداً؟ تنفس بعمق، وفتحها. وحرك عينيه داخلها أكثر حتى برزت حدقتاه بذهول، وهو يرى اختبار الحمل الذي عرفه على الفور. أمسكه بلهفة سريعة، ينظر جيداً. وحرك رأسها ناحيتها، بغير تصديق شديد. لأول مرة يراه بهذه الحالة. ابتسمت باتساع شديد، وتأثرت أكثر عندما رأته يبتلع ريقه محاولاً إخراج الحديث، بعدما وجد البطاقة الصغيرة المكتوب بها: (كل سنة وانت طيب يا)
قصدت أن تكتبها بالنسبة لطفله. انتفض يقف بإندفاع، وهو يمسك كفها. ووقع كل ذلك من يديه عندما أمسك كلتا يديها يسألها بنبرة متقطعة شديدة الذهول:
"إحلفي كده يا نيروز؟ ده بجد صح؟ انتي مبتهزريش أكيد!!"
نفت بسعادة. فشدد مسكته ليديها، ودفعها بقوة حتى ضمها بسعادة بالغة، يردد كلمات الشكر بصوت مهزوز متأثر. أدمعت عينيها، وظل وضعهما كذلك للحظات، حتى تحركت تعتدل من بين نظراته لها. أدمعت عينيه، وقال بتحشرج لم يستطع إخفاءه:
"أنا مش مصدق وربنا!"
ضحك بخفوت، والسعادة تغمره، وقال قول معهود بشدة منه، وكأنه يذكرها ببداية تحقيقه، بينما الآن مختلف عن كل مرة كان يرددها لها:
"يعني كده بقت عال وهنجيب عيال خلاص؟"
أكدت، وضحكت بخفة. وأمسكت كفه تضعه على معدتها، وقالت بنبرة شديدة العمق:
"آه.. وأنا كمان مكنتش مصدقة، بس صدقت.. وانت كمان لازم تصدق. هنا حتة منك بتكبر، وكمان شهور هتيجي، وبعدها بشوية هتسمع أحلى كلمة بابا ممكن تسمعها في حياتك!"
ابتلع غسان ريقه ببطء، وقال باستيعاب متأثر، يمسح دمعتها التي فرت منها للتو:
"أنا فرحان.. قلبي فرحان أوي يا نيروز!"
"وأنا كمان والله!"
أقسمت لتظهر له السعادة المماثلة. رفع رأسه يخرج أنفاسه المتوترة، وما زال يتمسك بيديها. فابتسمت هي بسعادة، حتى أسندت رأسها ناحية قمة صدره. فمرر يديه على ظهرها برفق، وقال بنبرة هادئة يغمرها البهجة:
"مبروك يا رزقة!"
كان قوله هادئاً ليس مرحاً. شعرت بسعادته البالغة، ولم ترد، بل حاوطت ظهره بحب، وكأنها تتأكد من هذه اللحظة. وبينما شيء صغير منه ومنها ينمو بالمنتصف، لا تستطيع وصف مشاعر هذه اللحظة. أخرجها من دوامة مشاعرها عندما انتفض بلهفة، مردداً لها بعجالة متحمسة:
"تعالي يلا.. يلا ننزل نقول لأمي وأبويا وإخواتي. دول هيفرحوا أوي!"
"هنقولهم حاضر، بس أما نتجمع كلنا مع بعض عشان نعرفهم!"
عانقها مجدداً بفرح. وتنفست هي بعمق، وهي تخبره تفاصيل ما فعلته. تذكر هو القئ وتعبها، وربط الأحداث ببعضها على الفور. أخذ أنفاسه ببطء، ونظر ناحية ملامحها وهي تجلس الآن تناوله من قطعة الكعكة. تناولها منها بصدر رحب، ودقات قلبه تتسارع. حينها مال يقبل رقبتها برقة، وهمس جوار أذنها بنبرة عميقة، وكأنه بهذه اللحظة استوعب:
"هتبقي أحلى أم شوفتها في حياتي!"
طالعته هي بسعادة عندما اعتدل. وتوقف كل منهم عن تناول الكعك، كي يستطيعا تناول الطعام الخاص بالغداء منذ أمس. نهض بعدها ونهضت هي، وقبل أن يتحدث، قالت هي بلطف، وهي تنظر نحو ملابس العمل الرسمية:
"غير هدومك على ما أجهز الغدا!"
صُدمت من صوت اعتراضه بموضع كهذا. لا يكف عن الوقاحة. اعتدل يتحدث بحزم:
"تحضري إيه؟ انتي لازم ترتاحي على ما نشوف دكتورة نتابع معاها. وخليني أنا هحط الغدا أنا!"
نظرت له بتردد، وقالت بضيق، وكأنها جهلت عن خوفه، وتمسكت بشيء آخر:
"يا غسان انت مبتعرفش تجهز حاجة وبتبهدل الدنيا وبرجع أنضف وراك. آخر مرة وقعت رز على الأرض ولزق الدنيا، وهرجع أوطي أمسح وأكنـ"
توقفت عندما سار متجاهلاً حديثها، بعدما دفعها برفق كي تجلس. حتى جلست، أثر يديه التي دفعتها بحرص. وسار وكأنها لم تتحدث بأي شيء. نظرت بدهشة لبروده وتحوله، من شخص متحمس لآخر لا يبالي. بينما لا تعلم هي كيف يخفق قلبه بسعادة إلى الآن، وما تمناه حدث بعد دعائه المجهول بأن يهديه طفلاً. رغم أن الوقت لم يتأخر في الإنجاب، ولكنه يحب الأطفال كثيراً، حتى أكثر منها هي شخصياً!
"خلاص بقا يا جميلة؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش قولتلك بلاش تراجعي؟ هتعدي والله، فكي بقا!!"
لم تتفوه بأي حرف عندما خرجت ورأته بعد الاختبار. بينما الآن، بعدما رحلت لشقتهما، جلست تبكي بصمت، وهي تطالع ورقة الامتحان بين يديها، وكأنها تستوعب ما فعلته. حاوط عز كتفيها برفق، مع هتفه لهذه الكلمات. أما هي، فمسحت وجهها بخيبة، وقالت بحزن:
"مش خلاص يا عز؟ أنا عايزة أجيب تقدير ومعرفش مالي. كل ما بذاكر كإن مفيش حاجة ثبتت أول ما شوفت ورقة الامتحان."
ذاكرتها أصبحت أضعف قليلاً عما كانت من قبل. وأما عنها، فتعتبر متفوقة طوال حياتها بسبب ضغط والدها عليها. ابتلعت ريقها بحزن. وفهم هو ما بها من تأخر وتوتر بسبب وفاة والدها وكل العقبات الأخيرة. رغم أنها تحاول أن تصبح أفضل. ظل يواسيها، وقبل يديها وجنتيها بمشاكسة، حتى ضحكت. فقال هو بمرح:
"والله العظيم شكلك أحلى وانت بتضحكي. متزعليش نفسك بقا!"
نظرت بخجل، وابتلعت ريقها ببطء.
وهي تنظر مجددًا نحو الورقة وكأنها تستوعب.
هتفت باستسلام مجددًا:
"ما هو أصلًا كان امتحان صعب والله!"
التقط الورقة من بين يديها وقطعها على الفور بفتور. حتى انحنى يضعها بسلة المهملات تحت دهشتها. فاعتدل هو بحزم مع قوله غير المبالي:
"خلاص انتهت، فكري بقى فاللي بعده!"
ابتسمت "جميلة" بقلة حيلة وزفرت بصوت عالٍ تحت نظراته الهادئة لها. رفع هو ذراعه يقربها منه حتى استندت عليه باستسلام ورددت تلومه:
"مكنش لازم تقول لطنط تتعب نفسها وتطبخ، كنت هصحى بدري أعمل أكل قبل ما أمشي زي اليومين اللي فاتوا."
ابتسم براحة على عقلها. فاعتدلت تنظر له بترقب لرده. حتى اعتدل هو الآخر يطالع وجهها المستدير بجواب على حديثها مفسرًا:
"أم عز عزمانا نقول لأ يعني. وبعدين كويس لإني حاسس إن مفكيش أعصاب تحطي أكل وتغسلي وتعملي بسبب أم الامتحان ده. قومي البسي عبايتك خلينا ننزل نتغدى يلا وبعد كده نبقى نطلع نغير عشان نروح عندكم!"
اقتربت بجرأة تقبل وجنتيه بحب وامتنان. رغم أنه يعلم أنها تخجل وبشدة، لكنها كانت حركة عفوية منها ردًا على حديثه العقلاني المتفهم وعلى احتواءه. تلمس وجنتيه بسعادة طفيفة. وفاق على نهوضها من جانبه. نهض هو الآخر ممسكًا بهاتفه يرد عن اتصال خاص بالعمل حين انتهائها. وبعد دقائق فتحت الغرفة وهي تحكم ارتداء حجابها الأسود كمثل عباءتها التي جعلته يقف ممعنًا النظر لتفاصيل جسدها لأول مرة. ابتسمت وهي تقترب حتى سألته بفضول أنثوي:
"كنت بتكلم مين؟"
كيف سيجيب بأنها نفس الشخص التي فعلت مشكلة بينهما من قبل؟ ابتلع ريقه لا يفضل الكذب ولكنه لم يتردد بقولها لطالما لم يفعل شيئًا خطأ بحقها:
"واحدة عربيتها عطلانة وخلصت فبتتصل عشان تيجي تاخدها وقت نكون فاتحين فيه. انتِ عارفة المواعيد مبقتش زي الأول!"
تنفست بصوت منخفض وسألته بوجه خالٍ من التعابير:
"مش ملاحظ إن كل اللي بيكلموك على شغلهم ستات؟"
أثارت غرابته ردها. علم مؤخرًا أنها غيورة بالخفاء. استنكر قولها وسألها بجدية جامدة:
"قصدك إيه يا جميلة يعني؟"
"قصدي إن هي دي اللي كانت اتصلت بيك قبل كده، ودي اللي فضلت تتصل من شوية واحنا برا وانت تعمدت متردش قدامي. مش قادرة تفهم إن في حاجة اسمها ذوق وإن مردتش عليها من أول مرة يبقى تبطل تتصل؟"
اندفعت تواجهه بكلمات تكتمها. تلاحظ اتصالاتها المتكررة عليه. أدمعت عينيها في الخفاء. فابتلع ريقه بسرعة يرد عليها بهدوء متماسك:
"مردتش عشان متزعليش إني معاكي ومش معاكي. وأنا قولتلك قبل كده اللي بيني وبينها شغل وبس وزبونة قديمة. ليه حاطاها في دماغك؟"
"محطتهاش في دماغي، بس الظاهر كده إن عربيتها بتبوظ أكتر ما بتركبها ولا إيه رأيك؟ ولا تكون برضو مش ملاحظ ده؟"
لمحت له بخبث الأخرى في ملاحقته. وقف ينظر لها مطولًا ولأول مرة يرى اندفاعها بهذه الطريقة. حرك رأسه ينفي وقال محاولًا إنهاء الحوار:
"بلاش تظلمي حد يا جميلة. عدّي الحوار مش مستاهل. يلا ننزل!"
كتمت الدموع بعينيها وقالت بصراحة:
"مش بظلم حد بس أنا مسمعتش كلامها معاك مرة واحدة بس وعدّيت رغم إني لاحظت. طريقتها معاك مش كويسة. بترمي نفسها عليك أنا حاسة بده. طب قولي ليه مجتش تاخد عربيتها رغم إنها خلصت؟ أقولك أنا ليه؟ عشان أنت مكنتش موجود ومنزلتش عشان الظروف. ولما نزلت بقت تتصل تتحجج إنها مكانتش فاضية بس بقت فاضية لما أنت نزلت تشتغل من تاني صح؟"
صمت يستمع لحديثها المختنق وقد شتت تفكيره. وما إن انتهت تنهد بصوت وصبر ورد عليها بتعقل:
"أنا مفيش في دماغي كل الكلام ده. أنا مش شايف إلا انتي وده شغل ولو مش مرتاحة همسك شغلها لغيري عشان نفضها سيرة لكن مش هينفع أقولها متجيش أو متكلمنيش أصل مراتي بتغير. متجيش دي!!"
وقفت مشدوهة من قوله المتخبط والمتردد بفهمها. تأخذ أي معنى منه؟ لم تغفل هي عن غيرتها ناحية الأخرى بصوتها وكلماتها الناعمة له وأيضًا تحترق تفكيرًا بهذه اللحظة بأن ماذا لو كانت هي الأجمل؟ شيطان الأنثى في الغيرة يغير أعقلهن ويجعل من بينهن الهادئة الساكنة أكثر من تختل عقليًا!! ابتلعت ريقها تواجهه مجددًا بقولها الساكن بشدة:
"يعني إنت مش شايف غير غيرتي وبس؟ مش شايف إنها مش مظبوطة معاك وبتتمايع وتمط في الكلام عشان يطول وميخلصش سواء كان كلام أو شغل؟"
زفر "عز" بصوت محاولًا تجاهل هذا الحديث مرددًا لها بإشارة كفه وقد تعمد اللين للهدوء كي لا ينقلب حالهما لآخر:
"استهدي بالله يا جميلة عشان مفيش حاجة مستاهلة كل ده، ويلا ننزل!!"
وقفت بسكون تعاند نفسها على عدم ذرف أي دمعة. ثمة شعور سيء يداهمها ولم تعلم هي من قبل أن شعور الغيرة والحدس الأنثوي يكون بمثل هذا الضيق الشديد التي تحاول إخفاءه وفشلت هذه المرة. أشار لها مجددًا وسار يفتح باب الشقة حتى اعتدلت تتنفس بصوت مسموع ورحلت هي الأخرى ترتدي حذاء خفيف أمام الشقة. أغلق الباب بيديه وانتظرها حتى هبطا سويًا ودخل هو أولًا من باب شقة والدته المفتوح دائمًا. وجد "فرح" تساعدها في وضع الأطباق على سفرة الطعام حتى صاحت من على بعد:
"ما لسه بدري يا عز الرجال انت وهي.. ولا انت بقى متأخر عشان متساعدناش؟"
ضحك على قول شقيقته واقترب يرفع ذراعه يضمها بشدة مرحة حتى تأوهت وهي تضحك بملء شدقيها. بينما وقفت الأخرى تنظر وهي تتابع من على بعد حتى انسحبت بصمت تحمل وتساعد "حنان" في الداخل.
عقدت "فرح" ما بين حاجبيها بغرابة وسألته وهو يعدل المقاعد بجانب بعضها:
"هو في حاجة ولا إيه يا عز؟ أنتم متخانقين؟"
"لأ.. مفيش حاجة ما انتِ عارفه وشوفتيها وهي جاية متدايقة من الامتحان. شوية وهتفك. خشي هاتي بس فوطة عشان لسه مغير هدومي من شوية وهتتوسخ قبل ما أمشي كده!"
أومأت له بطاعة ودخلت تجلب له ما قاله لها. دخل المطبخ فوجدها تحمل الصحون وقول "حنان" يعلو بحماس وهي تخرج ناحية السفرة تضع ما بيديها:
"كده خلاص، تعالوا يلا.. سموا بالهنا والشفا!"
أمسك من بين كفيها الطبق الساخن وأعطته له مبتسمة بمجاملة فقط. حتى تركته وخرجت وخرج هو بعدها. وخلال لحظات جلسوا بجانب بعضهم وخرجت "فرح" إليهم وبدأوا الطعام. مع سؤال "حنان" لها بتلقائية:
"وانتِ بقى بتعرفي تطبخي يا جميلة ولا الواد عز هيقعد ينزل لي كل شوية ومش هرتاح في حياتي بقى؟"
ضحكت على قولها وضحك "عز" عليها. بينما أجابت هي بحرج صريح:
"آه بعرف بس مش كل حاجة الصراحة. حتى فرح عارفة!!"
بتقولي فيها دي بقت خايبة من ساعة ما بقيت بصحتي من تاني واعتمدت عليا في كل حاجة زي الأول مش عارفه هتتجوز إزاي دي!
طالعتها فرح بضيق تحت ضحكاتهم وقالت بعفوية في الرد:
هتجوز عادي، دي مش مشكلة وبعدين قوام بتنسي كده، أومال مين اللي كان شايل البيت من فترة، اخص يا أم عز اخص!
ضحكت وهي تشملها بنظراتها الحنونة، تعلم ذلك ولكنها تشاكسها. ابتسم عز باتساع وقال هو الآخر بمشاكسة لها:
ومالك بتقوليها بثقة كده ليه يا فروحة؟ متقدملك عريس وأنا معرفش؟
وكان رد جميلة السريع عليه هو عندما قالت بمراوغة تسأله:
وايه يعني لو جالها عريس؟ عندك مشكلة!
تلقت قبلة طائرة من فرح، فضحك الكل ورد هو بمرح صريح:
آه عندي، فرح دي مش هفرط فيها أبداً، دي بنتي!
نظرت له بتشكك وابتسمت بحب عندما وجدتها ترد عليه بسعادة من قوله فقط، وتحت دعاء حنان لهم هي الأخرى. مرت عشر دقائق وكان الكل قد نهض من على سفرة الطعام وحولوا الأطباق ناحية المطبخ، ودخلت فرح تبدل ملابسها في حين قالت حنان لها بلطف:
مش مستاهلين يا بنتي، اطلعي غيري انتي لاحسن قاعدين يرنوا على عز عشان مستنين!
حينها ابتسمت بحب وصعدت بمفردها. وقف عز خلف والدته في المطبخ وما أثار غرابته أنها قالت وهي واقفة توليه ظهرها بخبرة سيدة كبيرة:
مراتك زعلانة ليه يا عز؟ أنا قولت ما صدقت فاقت شوية من ساعة موت أبوها، بس النهارده واحنا قاعدين نظراتها مش مريحة كده وهي بتبصلك يخويا، انت مزعلها ولا إيه يا واد؟
تجرع من زجاجة المياه وانتهى حتى ابتسم بهدوء وقال ببساطة شديدة:
مقدرش يا أم عز، هي بس دماغها بتفكر من زاوية تانية، أنا مليش فيها!
يا خويا، أيا كان بيتضحك عليهم بكلمتين حلوين. اوعي يا واد تكون عبيط ومفكر إنك هتعيش معاها كده على الحب والأيام هتبقى عسل وبس، لازم تقابلوا مشاكل يا حبيبي، وخد لعلمك بقا المشاكل دي هي اللي بتحلي الحياة بينكم وبتقوي علاقتكم ببعضها، بس الجدع اللي يفهم. مع إنها بنت ناس ومحترمة وعاقلة يعني، إن زعلت منك بقا يبقى انت اللي غلطان!
ابتسم على حديثها الهادئ وحاوط كتفيها من الخلف وهي توليه ظهرها حتى طبع قبلة على خدها برفق وقال بمرح طفيف:
شكلك كده يا أم عز هتقفي في صفها من بدري وتبعيني!
مقدرش أبيع حبيب عمري، انت كل حاجة حلوة شفتها يا عز. ربنا يسعدك ويهنيك ويريح قلبك يا حبيب أمك!
ابتسم لها وتحرك ينتظر هبوطها بعد تبديل ملابسها. وقف في الصالة وسمع صوت دقات هاتف فرح يعلو فتوجه يمسكه وهو يردد عالياً كي تسمعه:
تليفونك بيرن يا فرح!
التقطه تزامناً مع فتحها باب غرفتها وهي تخرج منه فالتفت يردد بغرابة يخبرها بهوية المتصل:
دي وسام، دا انتوا شكلكم قربتم جامد من بعض!
ابتسمت بإهتزاز وهي تتفحص الهاتف وعندما امسكته توقف الاتصال من تلقاء نفسه. رفعت رأسها تؤكد وقالت بصدق:
آه طيبة أوي وبحبها، وكمان ثانوية عامة ربنا معاها!
همهم وهو يبتسم بتعجب من اختلاف الشخصيات وكذلك الأعمار، بينما زفرت هي براحة من عدم وجود رسائل على الشاشة الرئيسية منه كي لا يراها عز ويظن بها السوء. وأما عنها فلم تشعر أنها تفعل شيئاً خطأ. فقط أرسل لها بسام مرتين رسائل يطمئن بها عليها وعلى حالتها وأخبرها عن جلساتها الأخيرة. وكانت ترد عليه هي في الآونة الأخيرة عكس من قبل! وعلى الرغم من أنها لم تغفل عن قوله بأنه معجب ويحب طبيبة، ولكنها اعتبرت سؤاله عليها من باب القرابة والشهامة حيث أن بداية تعارفهم به كان من شهامته!
أنا خلصت!
رددتها جميلة وهي تدخل في حين كانت قد دخلت حنان لتبدل ملابسها. اتسعت ابتسامة عز وهو يقترب من وقفتها مردداً بمشاكسة كي يجعلها تلين:
أجمل جميل يخلص!
تجاهلت قوله ابتسمت بتكلفة فقط، حتى اقتربت من فرح التي أرسلت رسائل لوسام ترد عن عدم استطاعتها على الرد قبل أن تغلق الأخرى الخط بيأس!
اللي شاغل الحلوة؟
شاكستها جميلة فضحكت فرح بسخرية وهي تريها صفحة المحادثة بحسرة زائفة حتى خرجت الضحكات العالية منهما تزامناً مع خروج حنان وهي تبحث عن الحذاء فقابلها به عز وهو ينحني يضعه أمام قدميها. عهدت منه الرفق فنظرت بتأثر كما تنظر كل مرة بحب. ربتت بيديها على ظهره حتى نهض باعتدال ينظر لها بابتسامته الصافية ولاحظ لطفه بها جميلة التي ابتسمت بتلقائية وكل مرة تتأكد من صحة اختيارها له تتأكد كل مرة بأنه عز الرجال، بينما بموقفها الأخير لم يثبت لها ذلك بالكامل!
ردت ولا لسه؟
سألها بسام بنبرة متلهفة، فنظرت وسام نحو هاتفها بانتظار إلى أن أغلقت هي المكالمة بعد أن فهمت أن الأخرى ليست متفرغة. قررت إرسال لها رسائل. زفرت بصوت وحركت عينيها بخبث ناحيته، فكل مرة يتلهف لسماع صوتها في المكالمة وجعل الوسيط بينهما وسام شقيقته!
دا انت الطرف الأكثر حماساً وعبطاً شكلك كده!
سبته بمرح، فعنفها بنظراته وضحك بالنهاية وهو يؤكد بيأس. شعرت به وتوجهت تقترب كي تجلس على المقعد حتى نظرت له بتفهم وقالت بوضوح:
بعتلها ماسدج وهترد، بس هي قالت لي امبارح إنها هتيجي معاهم، اطمن!
تلهف بحماس وابتلع ريقه يحث نفسه على الانتظار، بينما سألته هي بخبث أخوي بهذه الأشياء:
لما انت واقع كده ليه مفتحتش الموضوع تاني؟
قال بإنهزام يجيبها ولم يخجل من قولها بل رددها بصراحة وهو ينظر بعمق عيني شقيقته:
خايف!
لا تعلم لما مشاعرها تتضامن معه هو وليس البقية. منذ أن حدث ما حدث، ابتلعت ريقها بصعوبة كي تسأله مجدداً وهي تري نظرته الموجعة، بينما واصل هو يكمل بتفسير متخوف من القادم بسبب الماضي:
أنا حاسس إني بعلق نفسي بأمل ضعيف، بس في نفس الوقت مش قادر أبطل تفكير، وخايف اترفض تاني، علشان أنا مش هقدر لو خدت خطوة تانية واترفضت برضو، بس في نفس الوقت بفكر إن السبب اللي كنت اترفضت عشانه راح وبقت محبوبة ومقبولة من الكل وأخدت فرصتها، ومن ناحية تانية بفكر في رفض بابا وغسان، مش عارف لسه مصممين ولا لأ. وأنا مش حمل خسارة ليهم وبقعد. أنا تايه أوي يا وسام بس اتأكدت إني بحب بجد مش مجرد كلام ومشاعر فاضية!
لا تصدق بأنه أخرج لها ما بداخله قليلاً. ما يحدث ذلك؟ لم تعهد ذلك منه هو بل تعهد ذلك من الآخر!
حاولت إخفاء دمعتها المشفقة وابتسمت بمشاكسة. تتصنع الريبة وهي تنظر حولها حتى اقتربت تهمس بجوار أذنه بمكر:
"طب واللي يقولك على حاجة هتساعدك هتديله كام؟"
تعالت ضحكاته على الفور وقال بنفس الهمس يسخر منها:
"أنا برضه اللي أدي ولا إنت؟ ده حتى النهاردة عيد ميلادي!"
رفعت ذراعها تشاكسه وعانقته وهي تضمه بحب وقالت من بين ضحكاته تخبره:
"مستحيل أنسى عيد ميلادكم.. هديتكم عندي بس لما غسان ينزل ونتجمع!"
"فرحتك هديتي يا وسام، عايزك دايماً فرحانة وراضية، وإن شاء الله تحققي حلمك قريب. أنا فخور بيكي وبتعبك عشان عارف إنك بتعملي اللي عليكي. التوفيق من عند ربنا، بلاش خوفك الزيادة ده، هو طبيعي بس اذكري ربنا على طول والهي نفسك عشان ميأثرش عليكي توترك ده!"
ابتسمت له بتأثر وانحنت تجلب مشط الرأس من على الطاولة أمام المرآة التي توجد بغرفتها. حتى أعطته له واستدارت. فاعتدل يقوم بفك خصلاتها عن بعضها تزامناً مع قولها المشاكس من جديد:
"تفتكر لما تتجوز هتبعد وهتبطل تسرحلي شعري كده؟"
"إنت بتهزر؟ أكيد طبعاً، هسرح لشعري مراتي وأدلعها بقى وأعيش حياتي!"
قالها بمرح. فهمهمت بضجر إلى أن خرج صوت ضحكاته بصوت عالٍ ونفى بطيبة ولين:
"إنت هبلة صح؟ إزاي هبعد يعني قوليلي؟ وأول ما اتعلمت أسرح كان على يدك إنت وشعرك إنت. إنت شكلك هتتعبيني بغيرتك دي خدي بالك!"
"حقي يا بيسو لأن إنت صاحبي اللي بيشاركني كل حاجة حتى هبلي، فتقوم واحدة تيجي تشاركك معايا؟ لا ده كده مش عدل بقى!"
لا يعلم لما قال بإندفاع، وكأنه يريد تحقيق ذلك مع هذه التي نطق اسمها بلين شديد يسأل بها:
"حتى لو اللي هتشاركك دي فرح؟"
صمتت هي قليلاً ولم تعطه الجواب. بينما استمر هو يمشط خصلاتها حتى وجدها تلتفت وهي تسأله بجدية هذه المرة تذكره:
"مش عايز برضه تعرف الحاجة اللي هتساعدك؟"
"نفسي طبعاً، قوليلى!"
ردد كلماته بقلة حيلة، ولا يعلم هو أن الآتي منها سيغير وضعه تماماً. ابتلعت ريقها بسرعة ورجعت من خصلاتها خلف أذنها وهي تقول بدراما مكشوفة:
"أيوة.. بس كده هبقى فتّانة وهطلع وحشة أوي فنظر..."
"ده إحنا دفنينه سوا يا ويسو عليا أنا برضه الكلام ده، طلعي اللي عندك وبلاش الدور المفقوس ده!"
كان قوله مرحاً مما جعلها تضحك بخفة. فاعتدلت تتنفس بعمق وأخفضت صوتها رغم أن باب غرفتها مغلق ولم يكن معهما أحد غيرهما فقط.
"بص.. إمبارح وإنت فالشغل لما ماما قفلت معاك عشان تعرف هترجع إمتى على الغدا، كان غسان قاعد معانا وبابا كمان. فهي لما قفلت قعدوا كده يجيبوا سيرتك، وبابا قعد يقول لغسان إنه يمشي الدنيا أكتر وميعاندش بقى مادام هو ضعف كده واتكشف والدنيا هدت شوية. فضحكوا والكلام جاب بعضه.. وجابوا سيرة فرح."
ابتهجت ملامحه وانتظرها تكمل. فواصلت تكمل بنفس التفصيل الممل المضحك:
"المهم. ماما قعدت تقول إنها طيبة وبنت حلال ومامتها كمان وغسان اتكلم عن عز أخوها برضه. فغسان لمحله كده بمكر إن يعني هيبقي رد فعله إيه لو إنت فتحت الموضوع تاني وروحت قولت إنك عايز تتقدملها. سكت شوية وقال وهو بيتريق حاجة كده مش فكراها أوي بس كان بيقول تقريباً: على الله ميقولش غصب عنك. بس هي حاجة ليها علاقة بكلامك وأسلوبك معاه آخر مرة اتخانقتم. غسان قعد يهوش ويلين كده فالكلام ودافع إنك مكنش قصدك وإن أسلوبك حاجة ودي حاجة تانية وشوية كلام كده عن النصيب بقى والبتاع!"
أعطته أملاً. اتسعت ابتسامته واقترب يقبل وجنتيها بقوة. فتقززت هي. نظر حوله بغير تصديق حتى هتف بفرحة ظاهرة:
"إنت عارفة ده يعني إيه؟ يعني أنا كده هيبقي ليا عين أفتح الموضوع اللي كنت خايف أفتحه!"
"غسان"! وأه منه. فكر سريعاً به بتأثر. فالآخر لا يكف عن مساندته حتى ولو وجعه. وكأن شقيقته تفكر بما يفكر به هو الآخر فوكزت كتفه بمشاكسة وقالت بغمزة عين:
"اشكر غسان بقى.. وأشكرني كمان عشان نقلتلك الكلام وهتدخلني النار!"
ضحك بإنهزام وأمسك ماسيعقد به خصلاتها حتى فعلها وسمع أصوات في الخارج فاعتدلت تنهض وهي تخمن له:
"شكل شادي ومنة جم بره، يلا نطلع!"
خرج هو أولاً وتركها ترتدي شيئاً يسترها كمحجبة أمام غريب عنها. سمع صوت دلال وهي توبخ شادي بصوت عالٍ:
"كده برضه يا شادي؟ أنا مش محلفاك يا واد متجيبش حاجة!"
جاء وابتاع علبة من الجاتوه بسبب عيد ميلادهم واجتماع العائلة بعد قليل. رد عليها بمرح ودخل يسند الأكياس والعلب في المطبخ كما دخل بسام يرحب به ويساعده. جلست منة في الصالة وخرج حامد من غرفته حتى اقترب يرحب بها بلطف وقال بلين يسألها باهتمام:
"عملتي إيه فالامتحان يا حبيبتي؟ باباكِ كان بيقول إنك مكلمه وأنتِ متوترة!"
ابتسمت له بتقدير. فتحركت حتى جلست بجانبها وأجابته وهي تخرج أنفاسها بصوت:
"والله أنا عملت اللي أقدر عليه بس كان صعب جداً والدفعة خارجة معيطة حتى جميلة!"
طمأنها بأمان. ظهر في نبرته واقترب شادي يجلس بإنهاك وهو يسمعه يطمئنها حتى شجع حامد بقوله:
"قولها يا حامد قولها فاكرة الامتحان نهاية العالم! بقنع فيها من ساعتها إن امتحان الآخرة ونجاحها في بيت جوزها أهم مش مصدقاني!"
ضحكت عليه حتى غمزلها بمشاكسة تحت ضحكات حامد. اقترب بسام يجلس وخرجت وسام واقتربت دلال هي الأخرى مع سؤال شادي المتهم:
"أومال فين أبو الغساسين؟"
وكأن كان ينتظر السؤال كي يدق على الباب. نهض بسام يفتح الباب وما أن وجده نبس حامد من خلفه بضيق له:
"إنت غاوي تعب يا بني؟ مش المفتاح معاك؟"
كانت نيروز تتأبط ذراعه فدخل معها والسعادة تظهر بعينيه بشدة وعلى وجهه. كبرت دلال ما أن رأته كذلك. فوقف هو تحت ضحكة نيروز الواسعة وهو يتهف لوالده بحماس:
"استني بس يا حامد، أعصابي مش فيا، جايبالكم حتة خبر هيموتكم من الفرحة!"
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. يموتنا ليه بس يا بني؟ خير إن شاء الله!"
قالتها دلال تحت ترقب الكل. فابتلع ريقه وتعلقت عيناه بعينيها وقد قرر إخبار عائلته بشكل خاص غير العائلة في العموم. جيد أن صديقه هو الآخر هنا. ترقب شادي ومنة ووسام وبسام، وحتى والديه معاً. فأعطته القبول بخجل كي يرددها هو لهم. وقفت.
تنفّس بعمق ونظر نحو وجه "حامد" و"دلال". رمى قنبلته لهم بقوله الذي ظهرت به السعادة:
"هتبقوا جدو وتيتة قريب!"
ثم واصل بنبرة أكثر ارتفاعاً يؤكد صدمتهم الفرحة:
"نيروز حامل!"
شهقت "وسام" بفرحة، ونظرت "دلال" بسعادة بالغة. كما توسعت بسمة "بسام" و"شادي" بغير تصديق. نظر "حامد" بقوة في عينيه كي يتأكد من أنه لا يمزح. في حين أدمعت عيني "نيروز"، وهي تسمع سؤال "دلال" بفرحتها الكبرى:
"ونبي صحيح الكلام دا يا نيروز؟!"
حركت "نيروز" رأسها بنعم. فدفع "شادي" "غسان" بشبابية داخل أحضانه حتى انضم لهم "بسام" وهم يهللون بصوت عالٍ فرحاً وسعيداً. في حين عانقت "منة" و"وسام" "نيروز". وخرجت تحتضن "دلال" التي ضمتها بسعادة وهي تردد بتلقائية:
"تصدقي اني كنت حاسة ان في حاجة حلوه هتحصل. الحمد والشكر لله يارب!"
أما هو، فنظرت له "دلال" بسعادة وضمه بعاطفة جياشة. إلى أن قبّل رأسها ببرٍّ تحت عناق "نيروز" لـ"حامد" وهو يردد لها:
"ألف مبروك يا حبيبتي ربنا يقومك بألف سلامة وتجيبلنا حفيدنا سالم معافي وشبهك كده وحلو زيك بالظبط!"
تأثرت في حين كان تصفيق "شادي" بحماس هو و"بسام" مبهج وكأنهما يحتفلان بإنجاز عظيم. ضحك "غسان" عليهم من بين مسكة ليد والدته التي أدمعت عينيها بحب وقالت بتأثر:
"هتكبر أمك يا غسان.. هتكبرها يا واد.. الف مبروك يا حبيب قلبي يجي بألف سلامة ويتربي فعزك يارب!"
عانقها مجدداً بغير تصديق، وتوجه بنفسه ناحية أشقائه يحتضنهما معاً. وقال بمشاكسة متأثرة:
"هتبقي عم يا بسام.. وانت كمان يا وسام هتبقي عمه حرباية من اللي بيقولوا عليها دي!"
نزلت دمعتها بتأثر وقالت بصدق:
"أي حاجة منك مستحيل أبقي وحشه فحقها يا غسان. ربنا يقومها بالف سلامه هي والنونة. ساعتها هثبتلك اني مش هبقى حرباية!"
ابتسم وقبّل رأسها. في حين رفع "بسام" كفه يضعه على كتفه وقال بنبرة مهزوزة متأثرة:
"أنا مبسوط أوي يا غسان. مبروك وان شاء الله يجي بخير ويبقي ذرية صالحة. هتخليني عم يا عم!"
وقبل أن يرد عليه تدخل "شادي" يرد هو الآخر:
"وهيخليني عم أنا كمان يا عم!"
عانقهما "غسان" بكلتا ذراعيه ونظر ناحية "حامد" الذي تمعن النظر بولده بفرحة لسعادته الشديدة. وضع كفه على كتفه بتأثر وقال بنبرة هادئة يبارك له:
"مبروك يا حبيبي!"
لم يستطع قول أكثر من ذلك من شدة التأثر. وعلم "غسان" ما يمر به في الحال فتوجه برأسه يقبّل قمة رأسه وغمز يغير الوضع عندما قال بمشاكسة:
"ابسط يا حامد. حققتلك أمنيتك!"
التف الكل حول "نيروز" التي ابتسمت لـ"منة" بسعادة من قولها وردت بحب وطيبة:
"وعقبالك يا منة انت كمان يارب!"
ردت لها لطفها في الحديث ومن مشاكسته لهم في ضربهم بخفة شبابية. تعلقت عينيه بعينيها وأدهشها رد فعله وحماسه المفاجئ. علمت أنه كل يوم يسرق منها قلبها أكثر. شردت بملامحه وتمسكت بدور من تحمل برحمها جنين بالنظر نحوه كي يأتي طفلها شبيهاً لوالده. غمز لها فحركت رأسها بحياء. وقد سمعت عراك والدتها مع "وسام" على طبيعة جنس المولود وجلوسه معها ام معهم ام شبيهاً لها ولهم؟ كل ذلك وهي التي اكتشفت اليوم بصحة حملها. ضحكت وهي تسمع الأصوات المتداخلة بين بعضها وغمرتها السعادة من جديد حتى انتبهت على ضحكات "منة" عليهم وفاقت على قول "دلال" المتلهف:
"اسمعي بقا يا حبيبتي. انتي متعمليش حاجة أبد وتخلي بالك من نفسك كده وبلاش تتعبي نفسك!"
أومأت دون حديث فقط تنظر بخجل خاصة من عينيه التي تحاوطها. تحركت قليلاً إلى أن دخل "غسان" خلف "دلال" المطبخ ولحقهما "شادي" و"بسام". في حين طالعها "حامد" بحب وظهرت السعادة على محياه وهو يبدأ بقوله الذي أثر بها:
"قعدت يومين مش فاهم سبب زيارة ابوكي الله يرحمة ليا فالحلم. بس دلوقتي كل حاجة بانت. سبحان الله!"
ترقبت ملامحها وقالت بلهفة:
"بجد؟ شوفته؟ قالك ايه؟ إحكيلي لو ينفع!"
أثر به لهفتها على والدها حتى بأحلام! أثار شفقته وعطفه أحياناً. لاحظ اقتراب "غسان" وحده كي يجلس بجانبها وبدأ هو في اكمال حديثه:
"أه شوفت سالم الله يرحمه. كان لابس أبيض وماسك لفتين على دراعاته الاتنين وجه من بعيد وأنا كنت قاعد بصلي الفجر فالمسجد. دخل من الباب وهو على دراعاته لفتين بيض وكانوا أطفال صغيره لسه مولوده وبتعيط. ولما سألته مين دول قرب يعطيهملي وسند واحد على رجلي والتاني سابه على الأرض وضحكلي ومشي من غير ما يجاوب!!"
أدمعت عينيها حتى هبطت دمعتها. فابتلع "غسان" ريقه ببطء وهو ينظر لها حتى رفع أنامله يمسح دموعها وقال بمشاكسة يخفف عنها:
"بتعيطي ليه دلوقتي دا بيقولك لفتين. ليكونوا توأم!!"
ضحكت من بين دموعها. ونظرت له باستخفاف أيمكن أن يتحقق الحلم بالتفصيل وليس جزء منه او الرسالة! ضحك وهو يضم رأسها ناحيته داعياً لوالدها بالرحمة. وحمل طبق الحلوى يعطي لها برفق وهو يحثها على تذوقه. اقترب "شادي" مع "بسام" وانحنى أمام ركبتي "غسان" يردد بمرح:
"خد يا غس هديتك. كل سنة وإنت طيب والسنة الجاية يكون فوسطنا حبيب عمه يحتفل معانا بيك!"
أمسك منه الكيس حتى نظر كي يرى ما محتوى الهدية. إلى أن وجد هيئة طقم كلاسيكي كامل. هكذا اعتادوا على جلب هدايا حتى ولو بسيطة. ابتسم له بحب وقال بتقدير:
"مقبولة منك يا شوشو. وأنا اللي قولت هتزودلي المرتب وهتدلعني."
يمرح لا أكثر لأنه يعلم بأن لا دخل به بمرتبات الموظفين. ضحك الآخر وغمز له وقال وهو ينظر لهم جميعاً:
"نزودله المرتب ومالو. غلبان وداخل علي بامبرز ولبن وسيريلاك ودكاترة وحوارات!"
نظر بريئه وفرحته جعلته يتناسى كل ذلك. ضحك الجميع بيأس منه. وبالتأكيد قد جلب "شادي" هدية أخرى لـ"بسام" هو الآخر.
وخلال دقائق اعتلى جرس المنزل. فنهض "بسام" يفتحه حتى وجدهم أمامه مجتمعين. من "حازم" و"ياسمين" و"فريدة" وحتى "بدر" و"وردة" و"يامن" وكذلك "عز" الذي جاء ومعه عائلته الصغيرة من شقيقته وزوجته ووالدته. كما دخلت "سمية" هي الأخرى تجلس بجانب إبنتها برفق تسأل عن حالها. وتبعهم "عايدة". جلس الكل بصالة المنزل وتقابلت عيني "بسام" معها فـهربت من نظراته وهي ترحب من "وسام". فـاعتلى صوت "حامد" وهو يسأل:
"أومال آدام وفاطمة إتأخروا ليه كده؟"
أجابه "بدر" بأنهم في الطريق. بينما وقف "غسان" يردد بحماس قد ظهر:
"إحنا عاوزينكم تتجمعوا كده عشان عندنا ليكم خبر حلو!"
"خير يارب!"
هتف بها البعض. وجلس مجدداً يتحدث مع "عز" في حين جلست "جميلة" بجانب "نيروز" تتحدث معها بعشوائية وعينيها لا تغفل عن "عز" الذي وبسهولة تجاهل شعورها بالغيرة والخوف عليه كزوج! ما هذا البرود؟!
"شكلك حلو أوي النهاردة!"
من قال؟ "بسام"؟
منذ متى وهو بارع في قول كلمات بثبات؟ لأنثى، ورغم أنه عاش تجربة سابقة إلا أنه يشعر بأنها أول من يشعر اتجاهها بهذه المشاعر المختلفة والمتخبطة. تورّدت وجنتا "فرح" ونظرت له باضطراب حتى قالت بتعلثم:
"شكرًا، ده من ذوقك يا دكتور!"
"ما بلاش دكتور، يعني أنا بحب التواضع والله. قولولي بسام ماشي."
ضحكت بينما كان يتحدث بجدية عفوية غير قاصدًا مشاكساتها كونه يتحرج دون وجود مسمى بينهما. فيقل هو من نظرها. تأمل ضحكتها الواسعة وهي تحرك رأسها بموافقة وتأخذ عليه وقت بعد وقت:
"حاضر يا بسام!"
اسمه منها لحن، أم أنه يبالغ؟ هذا هو الحب. خفق قلبه بسعادة. ولو جلس يشرح لأحدهم عن أن عينيها جميلة جمال مبهر حتى تُرسم بلوحة ما بنفس النمط لم تظهر بنفس هذا الجمال، هكذا يراها. وعلى الرغم من أن ملامحها تكاد تكون عادية جداً، إلا أن ما يميزها هو سمار بشرتها الخفيف مع أهدابها الكثيفة السوداء الكحيلة ومدى وسعها ولون عدستها الداكن المائل إلى السواد بينما لم يكن كذلك. كما أن خصلاتها نفس الشيء شديدة السواد والنعومة! نسخة ثانية مصغرة من والدتها ولاحظ هو ذلك. كلما تسحبه أفكاره وشروده بها يستغفر في الحال. حتى أن شيطانه جعله يقيمها بالكامل حتى من نمط جسدها الممشوق وأنها فتاة متوسطة الطول. وجد من يشير له أمام وجهه وكان "غسان" الذي نظر له بتوبيخ غلفه المشاكسة حيث أن الأخرى قد اختفت من أمام أنظاره. علم أنه قرر نسيان ما حدث بينهما. فضحك على نظرة شقيقه ووجده يقول بنبرة خبيثة:
"مش بطلنا شغل المراهقين ده من زمان!"
شاكس "غسان" بتعنيف وأرسل له تحذيراً مبطناً. فتنحنح "بسام" بيأس واقترب يقول باستسلام:
"مش عارف يا غسان بقا مالي كده. بس صدقني المرادي، أنا بحبها بجد ومش طايل حتى ألمحلها بـ دا!!"
يتشتت له وإلى الآن لم يقتنع بصورة كاملة. ربت "غسان" على كتفيه وقال مردداً يحثه:
"الصبر... الصبر يا بسام وصدقني إنت لو هي ليك، محدش هيقف فطريقكم!"
زفر بصوت عالٍ وتركه حتى وجد "عز" ينفرد بنفسه ناحية شرفة صالة شقتهم كي يدخن سيجارته. اعتلى صوت هاتفه من جديد فزفر بملل وحديث "جميلة" يتردد بأذنيه بقوة. سمعت صوت دقات هاتفه التي تحفظها. فنهضت تنسحب حتى دخلت عليه. لم يدير وجهه لها بل هي من اقتربت تسأله بهدوء شديد:
"هي تاني، صح؟"
قرر عدم الرد كي لا يلفت الأنظار لهما بشيء خاص كهذا. لذا نفث دخان سيجارته ببطء وهو يضع الهاتف بجيب بنطاله. فتوقفت يديه عن حفظ الهاتف عندما أخذته منه بهدوء شديد تنظر نحو الشاشة وما إن وجدت اسمها نظرت بخيبة وابتسمت بسخرية من عدم أخذه لموقف إلى الآن.
"مردتش عليها ليه؟ ما ترد، ولا خايف تجرح مشاعرها ومشاعري أنا مش مهم؟!"
ابتلع ريقه وكشخص صبور مثله تحمل إلى أن أخذ الهاتف من بين يديها وحثها قبل أن تظهر حدته:
"هاتي يا جميلة ربنا يهديكي. هي قفلت خلاص. اسكتي بقا وريحي دماغك وأطلعي اقعدي معاهم على ما أجي وراكي!"
وضع الهاتف بجيب بنطاله. فأدمعت عينيها بحزن وقالت تواجهه:
"انت بتتعامل كده ليه؟ ليه مش مقدر مشاعري؟!"
تعمد الصمت وهو ينظر نحو عينيها وعندما شعرت بأنه عجز عن قول شيء، حركت رأسها بتفهم وحاولت الانسحاب فأمسك هو معصمها يقاطع سيرها بقوله:
"يا جميلة إفهمي أنا..."
وقبل أن يكمل واجهته بصراحة هادئة تخبره بضيق قلبها قبل ضيق ملامحها ومشاعرها:
"انت شايف مفيش حاجة تستاهل مع إن مشاعري تستاهل يا عز!"
حاول "عز" مقاطعتها كما قاطعته هي وردد يبرر لها مباشرة:
"إنت شايفه الموضوع من نحية تانية، أنـ.."
فصلت يديه عنها وشعرت بأنها يجب الانسحاب ومعاقبته بالصمت. كان من المفترض أن يرد ويخبرها بأنه سيحول مسؤولية العمل تبعها لغيره كما قال، لما لم يفعل ذلك؟ تركته وخرجت من الشرفة قبل أن يكمل فأخرج أنفاسه بإنهزام ولأول مرة يوضع بموضع كهذا. أما عنه فهو ليس بلعوب ليفعل شيء عكس ذلك وإنما يحافظ على زبون عمله منذ فترات كبيرة. مخلص ولكن تراه هو بأنه لا يجب أن يكون مخلص لهذا الحد خاصة بعدما تزوجها! خرجت نحو المرحاض كي تغسل وجهها لتفوق أكثر. هي الأخرى لأول مرة تجرب هذه المشاعر لذا كان سهل عليها أن تبكي. ومن بين الحديث العشوائي، فتح الباب ودخل "آدم" و"فاطمة" وصغارها الثلاثة. هرول الصغار إلى الداخل ودخلت هي ترحب بهم. في حين اقترب هو من جلوس "فريدة" التي انحنت تقبل وجنتي "أدهم".
وعلى بعد قليل دخلت "فرح" تساعد "دلال" في المطبخ بعدما نادتها الأخرى بخبث كي ترى مستقبل ولدها. تعمدت فعل ذلك وهي تتمنى بأن يأخذ "بسام" الفرصة ولأنها تتلهف لذلك بعدما عرفت طبيعة شخصية "حنان" الطيبة. سألتها وهي تقف معها تساعدها بحرج يزول تدريجياً:
"قوليلي يا حبيبتي هو في حد كده ولا كده فحياتك؟ ولا حد متكلم عليكي؟ محجوزة يعني؟"
نظرت "فرح" بخجل وهي تناولها الأطباق وقالت بصراحة:
"لا يا طنط مفيش، مفكرتش قبل كده يعني."
همهمت بمكر واستأذنت تجلب منشفة للأطباق وتركتها ترص الأكواب. ومن بين ذلك كان منهم كوب له حد بسبب كسر لم ينتبه له أحد فأصيب إصبعها حتى تأوهت وهي تحركه بجانب بعيداً عنهم. تخلل أذنها صوته وهو يرد على أحدهم في طريقه إليها:
"ثواني جايلك أهو!"
دخل "بسام" وهو يرفع الستار وتوتر على الفور عندما وجدها تقف كذلك بحرج. رفعت وجهها وحركت يديها كي تخفيها عنه بحرج، ولكنه انتبه وبلمح البصر اقترب يسألها بلهفة حاول اخفاءها:
"من ايه الدم ده؟ انتي كويسة؟"
"أه.. الكوباية بس كانت مكسورة ومخدتش بالي!"
ورغم إرتباكها قالتها. نظر نحو الكوب والتقطه كي يضعه في سلة المهملات. وجذب منديل ورقي من على الطاولة حتى مد يديه لتعطيه كفها. ترددت وحبست أنفاسها عندما مد يديه هو يضع المنديل الورقي على أصبعها كي تكتم الدماء. رفعت رأسها وتمسكت بيديها وهي تبتسم بإهتزاز مرددة له بامتنان:
"شكراً."
ابتلع "بسام" ريقه ووقف يجلب زجاجة المياه الذي كان يدخل لأجلها. وابتسم لها بإتساع وقال ببشاشة يشملها بنظراته:
"خلي بالك من نفسك كده. دا إنت غالية بردو مهما كان. وبعدين إيه اللي مدخلك المطبخ؟ بتحبيه ولا إيه؟"
قالها بمرح وحرجة يزول بمرور الوقت. فضحكت بخفة وهي تجيب بتلقائية:
"لا.. بس مامتك قالتلي أساعدها عادي أنا متعودة على كده!"
جاب أفكاره لؤم والدته في الحال. وشعر بأن الأمل يزداد. ضحك بخفة وقال يشاكسها في الخفاء يحاول زوال التوتر شيئاً فشئ:
"تبقي بتحبك. خدي بالك محدش بيدخل مطبخ أمي ألا اللي بتحبه!"
اعتلت ضحكتها الخفيفة ودخلت "دلال" حتى توقفت بغرابة. مسحتها من على وجهها في الحال تتصنع المفاجأة وهي تقترب منه مرددة:
"انت هنا ي حبيبي!"
دار رأسه ينظر وهو يومئ لها. وجد المكر على ملامح وجهها وتجاهل ذلك وهو ينسحب بحرج إلى الخارج.
تزامناً مع جلوسهم جميعهم مع بعضهم، جلس "غسان" بجانبها واضعاً ذراعه عليها مع الحديث العشوائي بينهم وبين بعضهم. في حين سمعوا صوت دقات الباب، فتوجهت "دلال" تخرج من المطبخ سريعاً قبلهم كي تفتح، كونها من دعتها بلباقة.
فتحت الباب بسرعة فوجدتها تقف بحرج، حتى رفعت رأسها تبتسم لها. فردت "دلال" بحرارة ترحب بها:
"أدخلي يا زينات، تعالي اتفضلي!"
رغم غرابة البعض، ولكن تجاهل من انتبه، عدا "نيروز" التي ابتلعت ريقها وهي ترفع رأسها تنظر ناحيته. فوجدته ينظر بغير اهتمام، حتى مال يهمس بجوار أذنها بما لا يغفل عنه:
"انتي خوفتي ليه كده؟"
بالفعل وجد الخوف في عينيها، خاصة بأنهما سيعلنان بعد قليل خبر حملها. ابتلعت ريقها وقالت تصارحه بالحقيقة:
"علشان هتعرف، وأنا.. أنا لسه مش عاطياها الأمان!"
زفر بصوت عالٍ ولاحظ جلوسها بجانب "فريدة" بحرج، فعاد ينظر ناحيتها وأخفض صوته وقال بجدية يطمئنها:
"محدش يقدر يمسك بسوء طول ما أنا جنبك. والله ما هيكفيني فيهم حاجة لو حد جرب يعملك حاجة، متخافيش!"
ونظر نحو معدتها التي لم يظهر عليها شيء، وعاد ينظر بعينيها. ففهمت أن شيئاً كهذا لا يستطيع أي منهما إخفاؤه، خارج مقدرتهما، خاصة أن ما هي سوى أشهر وستبرز بطنها. ابتلعت ريقها وأومأت، ولم تشعر بحديثه إلا بالأمان، لطالما معه لن يمسها أحد بسوء. حركت رأسها بابتسامة هادئة، ولاحظ جلوس شقيقه بجانبها هذه المرة.
بينما نهضت "نيروز" برفق، ولم تغفل عن انسحاب "جميلة"، فانسحبت ترى لما تأخرت. شملها بنظراته والسعادة لا تتركه بخبر كهذا. بينما جلست بجانبه هذه المرة "سمية" التي ربتت على ساقه ونظرت له بفرحة، وقالت بصوت منخفض:
"ألف مبروك يا بني، ربنا يكملها على خير ويتربى فعزك يارب!"
ابتسم لها بفرحة، وربت على كفها بإمتنان. حتى خرج "عز" من الشرفة وتقابلت عينيه مع شقيقته التي تندمج بالحديث معه ومع شقيقته. شملها بنظرات متفقدة. وقبل أن يتحدث، مد "غسان" ذراعه بمرح، حتى اندفع "عز" يجلس بجانبه، فمال يهمس بملاحظة:
"مالك يا عزوة مش فالمود ليه؟"
زفر "عز" بصوت عالٍ، فعاد "غسان" يخمن بمرح:
"أستنى أنا قربت أفهم، دا نكد صح؟ متنكد عليك يمعلم!"
ضحك "عز" بخفة وأكد بسخرية. فعاد "غسان" يردد بحسرة مضحكة:
"أيوة عارف أنا النكد ده، بس انت ملحقتش يعني ولا العرك ناطط لسابع جد في العيلة دي!!"
لوي فمه بسخرية مرة أخرى وأشار له مردداً بحديث شبابي:
"هو أنا كنت لحقت أولاني أصلاً؟ بس شكلك كده عندك حق، هو باين عرق ودساس!!"
ضحك عليه بخفة، وسرعان ما وجد "جميلة" تخرج مع "نيروز"، فمال يهمس بجوار أذن "غسان":
"مراتك بتهدي الدنيا، ولا كل حاجة هتفضل زي ما هي؟"
سأله بترقب، فضحك "غسان" بقوة، ورد عليه بحديث لم يطمئن الآخر تماماً:
"أحب أقولك إنها هتولع عالآخر يا عزوة!"
شهق بطريقة مضحكة، فشاكس الإثنان بعضهما بمرح، وخفف عنه "غسان" ينصحه بالتمهل دون فهم شيء. بينما ردد ذلك كونه لم ينس ما عانته "جميلة". وجد "والده" يشير له تزامناً مع تقديم العصير لهم والحلوي. فإعتلى صوت "بدر":
"كل سنة وأنتوا طيبين، ان شاء الله تبقي سنة كل واحد فيكم يكون محقق اللي هو عاوزه!"
ردو عليه ووجدوا الكلمات اللطيفة من الكل. فخرج صوت "غسان" مردداً بالبشارة:
"السنة الجاية ان شاء الله يكون معانا ضيف جديد، وبما انكم متجمعين فعاوز أقولكم على الخبر!!"
ترقبت أنظار الكل، فوقف هو يردد بشموخ وسعادة ظهرت في نبرته:
"عاوز أقولكم إن.. غسان البدري هيبقي أب يجدعان!"
فتحت الأفواه واندهش الجميع مع أصوات التهليل العالية. بينما هي وجدت "جميلة" تشهق بصوت مسموع وهي تندفع بأحضانها. وركضت "ياسمين" كالمخلته تسألها بلهفة:
"بجد؟ بجد يا نيروز؟"
أومأت لها وهي تضحك بملء شدقيها، فعانقتها. وإلتفت النساء حولها كما الفتيات، حتى "فرح" و"فريدة" و"زينات" التي ابتسمت بلطف عندما سمعت للتو. في حين وقف "بدر" بفرحة عارمة يضم الآخر بصلابة، وهو يقول بنبرة مهزوزة من الفرحة:
"ألف مبروك يا غسان، ألف مبروك يا حبيبي، ربنا يباركلكم ويكمل حملها على خير ويقومولك بألف سلامة!"
شدد من عناقه، كما عانقه "آدم" بمشاكسة وهو يردد بمرح:
"هبقي عم للمرة التانية يا غسان يا بدري!"
غمز له بإعجاب، فوجد "عز" يبتسم بسعادة من بين الحديث الشديد وقال وهو يقترب ليحتضنه بمباركة:
"مبروك ي صاحبي!"
ردد له المباركة وشعر "حامد" بمعنى الفرحة، رغم أنه لم يواجهه بحديث متأثر، إلا أنه يسعد لأجله بقوة. لأول مرة يطالع فرحته بهذه الدرجة. فرحت "وردة" كثيراً، كما كانت "عايدة" التي تحب التساؤل عن هذه الأشياء. ووقفت "زينات" أمام "نيروز" كما هي. بينما هذه المرة قالت بنبرة هادئة نقية:
"مبروك يا نيروز. وربنا يقومك بالسلامة ويعدي شهور حملك على خير!"
أومأت لها بابتسامة متكلفة ولم تنظر بعشم كي ترمي بأحضانها، بل أومأت فقط. تحت فرحة "حازم" الشديدة بالخبر وهو يعانق "غسان". كما سعدت "حنان"، وهي تتحدث بلهفة عن الخبر مع "دلال" والنساء. في حين تمسكت "ياسمين" التي برزت معدتها قليلاً، وقالت بفرحة شديدة:
"أنا مش مصدقة خالص بجد يا نيروز!"
عانقتها عقب قولها هذا. فردت "وردة" بمرح:
"أنا بقا مصدقة أوي ان اخواتي الاتنين حوامل وزي القمر، ربنا يقومكم بألف سلامة ومشوفش فيكم حاجة وحشة أبداً!"
عانقتهم وهبطت دمعتها بتأثر، كانت تضمهم بذراعيها كونها الكبرى. في حين ابتلع "بدر" ريقه بصعوبة وهو ينظر إليها متفهماً هذه اللحظة بقوة. بل ورغم أنها راضية، ولكن أخبار كهذه بالتأكيد توجعها من الداخل، حتى وإن كانت تحب الخير لهما، ولكنها بالنهاية حرمت من الإنجاب والحمل مرة أخرى غير مرتها الأولى الصعبة جداً!!
وكأن خبر "نيروز" بحملها جعل "جميلة" تغير قليلا من سكونها بموقف "عز" معها، ضحكت بسعادة وتلاقت عينيها معه وهو يطالعها بشغف، وكأنه يتمنى هذه اللحظة ولكن لهما هما في المرة القادمة. هربت بعينيها منه في حين كانت تجلس "وسام" بينهما حيث "بسام وفرح".
فقالت بلؤم:
"عقبالك انت كمان يا بيسو لما تتجوز كده وتخليني عمتو بقا!"
أصبح يفهم كل تلميحاتها الماكرة، ومؤخرا كل تمليحاتها تنصفه وتساعده. ابتسمت "فرح" لهما بلطف، فعاد هو يتحدث بهيام:
"يارب يا ويسو، ويحنن قلب الدكتورة بقا وتاخد بالها إني بحبها!"
كان ينظر ناحيتها وعندما رفعت عينيها بغرابة نحوه، حرك عينيه نحو شقيقته فوجد السؤال منها بتلقائية تستنكر:
"هي متعرفش؟"
ابتسم بلطافة ونفي برأسه. ولأول مرة تتعمق هي في النظر نحو ملامحه لما تسألين؟ وبخت نفسها ولكن وجد الرد من "وسام" وهي تجيب بنفس اللؤم:
"لأ يا فرح، بجد صعبان عليا اوي تخيلي اللي بيحبها متعرفش إنه بيحبها أصلا."
شعرت بالحرج من دخولها المفاجئ بشئ خاص كهذا، ولكنها نظرت بأسف لـ "بسام" وقالت له بإحترام في الرد كي لا تتدخل أكثر:
"ان شاء الله تبقوا من نصيب بعض!"
"تفتكري!"
قالها وهو يحمل الكوب يعطيه لها، فأخذته وشقيقته تجلس في المنتصف بشكل مضحك بهذا الوضع. ابتسمت له بإمتنان وردت بإندماج، فعله أسلوبه معها وغير من الوضع تماما:
"اه طبعا، إنت محترم جدا وممكن تعترف ليها بشكل كويس زي أخلاقك ساعتها هتفهمك وان شاء الله تكون بتبادلك نفس الشعور!"
أخرج "بسام" أنفاسه بإهتزاز وقال وهو يجلي حنجرته متنحنحا بصوت:
"دا ياريت والله تكون بتبادلني نفس الشعور، شكلها كده مش واخده بالها من أي حاجة. عندك أفكار ازاي أعترف لها وأمهد الموضوع على ما أدخل البيت من بابه وأتقدم لو هي وافقت!!"
حاصرها وتوجب عليها الرد بالاقتراح! نظرت بعشوائية من وضعها بمثل هذا الموقف الذي يحتاج حديث مرتب وصمتت قليلا أمام نظرات "وسام" التي تكتم الضحكات. فردت هي بصوت هادئ:
"بصراحة مش عارفة، لإن كل واحدة بتختلف عن غيرها. يعني مقدرش أقولك تقابلها تفتح معاها الموضوع ممكن تكون مش سامحة بكده، ومقدرتش أقولك مثلا تكلمها فتكون مش بترد علي حد غريب أو عاملة حدود!!!"
وكأنها تفكر له بعشم، اندفعت في القول وهي تسأله مجددا:
"هي.. هي تعرفك واتكلمت معاك قبل كده ولا مفيش بينكم كلام خالص؟ دي تفرق بردو!"
وجد نفسه يحاصر بالحديث، فتنهد بارتباك. وكان رد شقيقته المندفع قبله وهي تقول:
"عارفاه يا فروحة طبعًا، وبتتكلم معاه بس فاكرة انه بيحب واحدة تانية غيرها!"
فتح عينيه على وسعها ووكزها في الخفاء، بينما انتظرتها الأخرى تكمل. وعندما انتهت نظرت بغير فهم لتبدل ملامحه. ابتلعت ريقها وشعرت بأن الحديث مشكوك به قليلا. تمسكت بالكوب بحرج من شعورها بأنهما يخفيان على بعضها تعابير وجه أمامها. فنظرت ناحية الجميع حتى وجدت كل منهم منشغل في الحديث. إبتلعت ريقها وسألته كي لا يفكر بأنها لا تود مساعدته:
"طب دا سهل شوية عن انها متعرفهوش، هي اسمها ايه؟"
هما من وضعا نفسهما بهذا الوضع السخيف المحرج والمربك. تركته شقيقته بندالة وهي تنهض وتمسك هو بيديها ولكنها تركته ربما تعمدت أن يواجهها. ولكنه حرك عينيه بعشوائية وابتلع ريقه كي يجيب بصراحة دون كذب:
"اسمها فرح!"
إهتز الكوب من يديها بطريقة ملحوظة، ولم توجه عينيها له إلا عندما ردد سريعا عندما شعر بتوترها:
"صدفة صح؟ أصلها زي اسمك!"
جاب عقلها عملها؟ لم تعمل معه ولم تكمل دراستها؟ هكذا قال. حاولت تجاهل ذلك وهي تبتلع ريقها ببطء، ثم قالت بنبرة مهزوزة:
"اه.. صدفة حلوه واسم حلو مع اني بحبه بس مش اوي!"
"ليه مبتحبيش اسمك؟"
سألها بلين، فعادت تجيب بصدق مضحك:
"مش لايق عليا!"
حرك عينيه حوله ولاحظ تحرك الشباب ناحية الشرفة، فاقترب أكثر حتى أصبح جالس بجانبها ورد عليها بصراحة متعبه له:
"غريبة مع إني شايفه لايق عليكي أوي، 'فرح' يعني نفس الوقت فرح وبهجة، وإنتِ يعني أي حد يشوفك بيحس ببهجة!"
ماذا يفعل هو؟ كيف يردد كل مرة بحديث أجرأ من الذي قبله؟ اهتزت ملامحها وحتى عدستيها وهي تبتسم بخجل مرددة بشكر رسمي:
"شكرا!"
نهض تزامنا مع بسمته الهادئة يتحرك نحوهم في الداخل، أما هي فشعرت بسخونة وجهها من كثرة توتر الموقف. ورغم ان الفكرة لم تصلها بالكامل إلا أنها تحاول التجاهل. إقتربت من الفتيات، بينما جلس "أدهم" بجانب "فريدة" ممسكا هاتفها. وخرج "آدم" منسحبا حتى جلس بجانبها بأريحية واقترب يهمس بجدية:
"ما تيجي ننزل نفتح المحل سوا!"
شعرت "فريدة" بالعبث في نبرته وتحركت كي تبتعد عن قربه منها، حتى نفت بإحراج إذا فعلتها:
"حد يسيبهم بعد الخبر ده برضو!"
ابتسم يجاريها عندما شعر بسعادتها وقال بمراوغة:
"لا، عقبالك!"
استشعرت تلميحه المبطن، فابتلعت ريقها كي تتجاهل ما قاله لها لتوه. فعاد يتحدث بتأثر وهزمه قراره في عدم فتح الحوار من جديد:
"فريدة.."
دارت وجهها تردد:
"نعم!"
ٱخرج أنفاسه بصوت مسموع ووزع عينيها عليها وعلى الصغير الذي يستند على فخذها برأسه ممسكا بالهاتف. حتى رفع عينه ينظر داخل عمق عينيها وقال بفشل في اخفاء ما يجري بداخله:
"ما تريحي قلبي!"
نهضت برفق حتى ابتعد الصغير عنها. وقفت كي تنسحب بهروب، فأمسك معصمها بغير وعي حتى وجدها تدير رأسها تنظر بحدة له وهي توزع النظر بينه وبين معصمها الممسوك منه. تركها برفق وسارت هي ناحية البقية، فزفر هو بصوت عال بيأس. حتى ظهر على معالم وجه الخيبة يشعر بمشاعر مضطربة، والآن تأكد أنه يحبها بصدق، لما لم تشعر هي به؟ لما لم تود إعطاء فرصة له؟
جلست بجانب "زينات" التي ضيقت عينيها وهي تنظر نحوها ونحو "آدم" حتى سألتها بنبرة مندفعة متشككة:
"إيه اللي بينك وبين آدم يا فريدة؟"
تصنعت عدم الاهتمام ونفت باختصار:
"مفيش حاجة بيني وبينه يا ماما، عادي!!"
صمتت تنظر نحو ملامح وجهها بشرود، حتى عادت تنظر نحوه فوجدته يراقبها بعينيه، قررت أن تواجهها بوقت لاحق. في حين على الناحية الأخرى وقف "حامد" يربت على ذراع "بدر" وهو معه في الشرفة، وخرجت نبرته المطمئنة بقوله:
"يبقى قولها النهارده عشان الميعاد قرب يا ابني، ربنا معاك!"
أومأ له بثقل وهو يبتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه، خرج الشباب من المكان ناحية الخارج، فانسحب "بدر" خلف "عمه"، وقبل أن يجلس الجميع سمعوا صوت دقات الباب العالية في الخارج. نظر الكل حول بعضهم، وتقدم "غسان" بجانب "حازم" كي يفتح الباب وخلفهم الشباب البقية، مع قول "عايدة" بقلق:
"خير يا رب، مين اللي بيخبط كده؟ وعلى باب مين؟"
أيدتها "زينات" بغرابة:
"مش عارفة، ومحدش هناك، كله هنا!"
نهضت عندما استشعرت بالقلق، وعندما فتح الباب، صُدم "حازم" من ما رآه للتو من آخر أشخاص كان يتوقع قدومهم!
"عمتي!!"
لم تكن عمته مباشرة، بل شقيقة "زينات" ابنة عم والده. ابتلع ريقه بصعوبة، فهذه المرأة، "زينات" بجبروتها سابقًا، تعد نقطة ببحرها هي، متحكمة لحد كبير، ومن كبار العائلة. اقتربت "زينات" إلى الخارج، واهتزت ملامح "عايدة" و"سمية" وبالأخرى "نيروز"، التي رجعت خطوات إلى الخلف. كيف تنسى؟ من قاسمت إرث الفتيات مع عمها؟ هي من فعلت ذلك، ورغم أنها وأشقاءها أخذن حقهن، إلا أنهم ظلموا ولم يأخذ الحق وقتها كاملاً بسبب عمها. كيف تنسى "وردة" التي تبدلت ملامحها إلى الشحوب؟ هذه المرأة وابنتها من ضغطا على "زينات" بقولها كي يتزوج "بدر" ابنتها بسبب حالة "وردة" بعد إنجاب "يامن" وفقدان رحمها! كيف تنسى "سمية" وهي التي تعلم تمام العلم بأنها مكروهة منها وتُظلم بسبب تلقي التهم منها بأنها من وضعت علاقة "سالم" بـ "سليم" على الهامش منذ أن تزوجها "سالم". كل منهم يشهد لها شيء بحياته. أين كانت هي عند العقبات؟ أين كانت عند موت والده وعلم الكل بهذا الخبر؟ لم تستطع القدوم من سفرها، ولكنها الآن جاءت هي وأولادها! اقتربت "زينات" ترحب بهم بحرارة رغم خوفها مما هو آتٍ، بينما بعدما انتهت هي من ترحيبهم، نظرت نحو "حازم" وبقية عائلة الأكرمي، ورددت بنبرة قوية دون حرج:
"إيه هتفضلوا واقفين متنحين كده؟ مش بدل ما تجروا على عمتكم وتسلموا؟ ولا خلاص اللي كان عايش مربيكم على الأدب راح!"
اقترب "حازم" يرحب بهم وكأن قدومها كان ينقص الوضع. وقف "غسان" ينظر بترقب، وفتحت شقة "زينات" كي يدخل "سامر" يحمل الحقائب، وشقيقته تساعدانه. فقاطعهما "حازم" وهو يحمل عنهما الحقائب، ورددت "دلال" بلباقة قبل أن يرد عليها ويقترب أحد ليرحب:
"اتفضلي عندنا الأول يا ست زهور، ميصحش تقفي تسلمي عليهم كده!"
ورغم أنها كانت ستلتفت لتدخل شقة شقيقتها، ولكنها ابتسمت ابتسامة مصطنعة ودخلت عندما أشارت لها "دلال". لم تخلع حذاءها ودخلت بوقاحة، تجلس على المقعد وتبعها فتياتها. وعقب ذلك دخل "سامر" ومعه "حازم"، بعدما جاءت "زينات" تنتظر نهوضها كي تذهب معها نحو شقتها. وقفت بالركن، وترصصت "وردة" بجانب "ياسمين" و"جميلة" و"فريدة" ليرحبن بهم. كل منهم رحبت بها. وعند ترحيب "ياسمين"، نظرت "زهور" عمتها نحو بطنها البارزة قليلًا، وابتسمت بسخرية، تردد:
"وطلعتي حامل كمان.. لا دي في حاجات كتير الظاهر إني معرفهاش وكأني غريبة!"
وقفت تلك المتبجة دوماً، ونظرت نحو عينيها بجرأة، وكالعادة كانت "ياسمين" التي ابتسمت تردد ببساطة جريئة:
"غريبة فعلاً يا عمتي لما متجيش عزاء ابن عمك اللي بقرب أخوكي الله يرحمه. أما الحمل فدي حاجة منحَبش كل الناس تعرفها، أصلي بخاف من الحسد. حتى اسألي حازم جوزي!"
اغتظت ملامح "زهور" ونظرت بحدة نحوهم، حتى عادت ترد بنبرة قوية مجددًا:
"لسه لسانك طويل وعايز قطعه يا بنت سالم!"
"مش أطول من عمرك يا عمتي، ربنا يخليكي!"
تجاهلتها ونظرت نحو "جميلة" الواقفة بجانب "عز" وشقيقته ووالدته، حتى ابتسمت مرة أخرى بسخرية وهي تعود بنظراتها نحو "عايدة":
"لا بس يا عايدة، لعبيتها صح وكنتي قليلة الذوق لما متصلتيش تعزميني على فرح بنتك. عالأقل كانت عزومة مركبية طالما جوزك كان في السجن. مع إني اسمع إن الجوازة دي مكنش موافق عليها المرحوم ودا فيه كلام بعدين!!!"
اهتزت ملامح "جميلة" رغم تحول ملامح "عز" للاستنكار. وردت "عايدة" تتحلى بالجرأة:
"الظروف مكنتش أحسن حاجة ومكنش جوزي ساعتها يا زهور. ابن عمك طلقني قبل ما يدخل السجن، يعني طلقني قبل فرح جميلة بفترة!"
رمشت "زهور" بغير اهتمام وأخذت الكوب من "دلال" التي قدمته لها بلباقة كونها ضيفة. أهبطت أنفها تشم قبل أن تتجرع منه بتبجح، وملامحها تنكمش تلقائيًا. وقف "سامر" ينظر ناحية "فريدة" بتسلية، كبرياء، وإلى الآن يتذكر دناءة فعلته المتهورة قبل سنوات. هربت بعينيها منه وحاولت الانسحاب كي تهبط لمحل الورد دون أن يلاحظ أحد. وقاطعها نبرة "مروة" ابنة "زهور":
"رايحة فين يا فوفو؟ مش هتقعدي ترحبي بخالتك وولادها؟"
"دي لسه ليها حساب عسير.. صحيح يا بت اللي سمعته ده؟"
رددتها "زهور" بجرأة دون أن تفعل حساب للجميع. فقاطعتها "زينات" بحزم:
"زهور!! بلاش الكلام ده.. لينا بيت نتكلم فيه مش وقـ"
"اسكتي إنتي يا خايبة.. ليكي عين تتكلمي يا زينات بعد ما ضيعتي بيتك وولادك من إيدك. ما انتي ما لو مربياها مكنتش فلتت من تحت إيدك ومشيت زي ما سمعت، لكن نقول إيه.. مياعة وقلة أدب!"
اندفعت "فريدة" تصرخ بها على فجأة:
"بس.. متقوليش عليا كده! مش هسمحلك تتكلمي في حقي!"
ترقبت الأعين بترقب وخوف لما هو آتٍ. واقترب "سامر" بجرأة يضحك باستفزاز حتى ردد بتهكم:
"جرا إيه يا فوفة؟ إيه اللي حصل بس؟ مش دي كانت خالتك حبيبتك ولا الدنيا جت عليكي أوي كده!"
اقترب "حازم" قبل أن ترد عليه حتى أشار لها بنبرة منخفضة:
"امشي يا فريدة من هنا دلوقتي، انزلي اقعدي في المحل!"
سمعت حديثه ولبته، وعاد يلتفت ليردد بحدة لها:
"لاحظي إنك بتتكلمي في حق أختي، الكلام ده مينفعش!"
نهضت ونهضت بناتها معها، فابتسمت باستهزاء ترد عليه:
"أختك؟ كنت فين يا بتاع أختك ساعة اللي جرا؟ عنده حق أبوك لما قالي إنك خيبت من زمان أوي وطلعت عن طوعه لما اتجوزت بنت سمية اللي خربت من قبل.. طالعة زي أمها مراتك ميتخياروش عن بعض!"
كادت أن تتحدث فأمسك "حازم" "ياسمين"، وأخذ أنفاسه بصوت ليهدأ الوضع:
"الكلام ده مش حلو في حقنا دلوقتي ومعادش ينفع وأنا هسكت وهعدي وهعملك خاطر يا عمتي. اتفضلي روحي ارتاحي وبعدين نبقى نشوف حوراتكم دي!"
اقتربت "زينات" أمام الأنظار تجلب يديها لتسندها بطاعة. سبقت بناتها، ووقف "آدم" ينظر بغيظ لها من ما فعلته مع "فريدة". في حين كان "غسان" كمثل عائلته ينظرون بغير وعي. وعندما سارت "زهور" قاطع سيرها وقوف "نيروز" وهي تتابع من على بعد. انسحب "غسان" ليقف بجانبها، فابتسمت هي بتهكم وهي تطالع وجهها:
"مجتيش تسلمي على عمتك ليه يا نيروز؟ 'البدري' جمدوا قلبك؟"
توقفت عاجزة عن الرد ونظرت نحو "غسان" الذي وضع ذراعه عليها بتملك كي يوصل لها رسالة مشفرة مع نظراته الجامدة ناحيتها بغير راحة. فتحركت عينيها باستهزاء وقالت بجرأة:
"مش ابن عمك كان أولى بردو يا بنت سمية؟ ولا."
للغريب تحلى.
الآن تقف معها. الشيء المفيد التي كانت تفعله أنها كانت ترفض زواج "حسن" منها بغيرتها الشديدة، كانت تريده بأن يختار ابنتها الصغرى ولكنه كان يرفض. أما الآن، لا تحبذ هي بناتها بسبب غيرتهم وطبعهم المماثل لها.
تحولت ملامح "غسان" للحدة من وقاحتها المبطنة وردد بنبرة مرتفعة يوبخها:
"إنت بتقولي إيه يا ست إنتي لمراتي؟"
قلبت عينيها بينما لم يقبل هو حديثها الوقح الذي يقلل من رجولته، فهتف يحذرها قبل أن تتمادى أكثر:
"خدي بالك من كلامك عشان رد فعلي هيزعلك!"
تدخل "حامد" يتحدث بهدوء ينبهها:
"ميصحش الكلام ده يا ست زهور. نيروز بقت واحدة متجوزة ودا جوزها. عيب الكلام ده!"
تركت يد "زينات"، والتفتت تنظر نحو "حامد" حتى قالت بتقليل:
"وانت اللي هتقولي العيب ومش العيب؟ واحدة وعمتها بيتكلموا مع بعض متحشروش نفسكم بينا!"
وقبل أن يندفع "غسان"، تحركت "نيروز"، تتمسك بذراع "حامد" بجرأة وردت عليها كي توقفها عند حدها وترفع من قيمتهم، خاصة "حامد":
"عمو حامد بابايا. أنا راضية يتكلم ويرد عني في كل الأحوال."
رفعت حاجبها بدهشة واحتواها "حامد" أسفل ذراعه. فتدخل "غسان" بتبجح:
"متحشريش نفسك إنتي وسطنا. خليكي في حالك. والمرة الجاية لما تيجي تتكلمي مع أبويا كبير البيت تتكلمي بشكل أحسن من كده. خصوصاً إني مش محتاج أفكرك إنك واقفة في بيته. شرفتي!"
يطردها بلباقة. نظرت حولها بإستخفاف وتركته دون رد كي تخرج من الباب لترحل ناحية شقة "زينات". ابتلعت "نيروز" ريقها وحاول "حازم" منع "ياسمين" عن قول شيء. في حين اقترب من "عز"، وحثه قائلاً بعقل:
"بقولك إيه يا عز. روح اختي وامشوا من هنا. لآني عارف إنها مش هتخلص على كده ولسه قدامنا وجع دماغ. أنا مش مستعد أي حد فيهم يرجع للحالة اللي كان فيها."
حرك "عز" رأسه موافقاً من أجل نفسية "جميلة" وقال موضحاً:
"ماشي يا حازم، لو في حاجة رن عليا!"
حرك رأسه بالإيجاب، وتوجه يودع الكل كي يرحل مع "جميلة" التي عانقت "والدتها" بخوف وقالت تحثها:
"بلاش تحتكي معاهم كتير يا ماما عشان خاطري. أنا مش عايز اكي تزعلي من كلمة كده ولا كده!"
"متقلقيش ي حبيبتي. مع السلامة انتي وخلي بالك من نفسك!"
أشارت لها بالوداع وهي تسير معها ناحية السلم، بعد أن ودعت "نيروز" والفتيات. دخلت بعد ذلك شقتها وتبعتهما "ياسمين" مع "حازم" في حين جلست "نيروز" بأعصاب مفقودة، فناولتها "وسام" كوب ماء، وحثتها "سمية" بخوف:
"بلاش توتري نفسك ي بنتي عشان اللي في بطنك."
شعر "غسان" بالقلق وجلس بجانبها يطمئنها. في حين وقف "أدم" جوار "فاطمة" وأولادها. بينما سأل "بدر" بضيق واضح:
"إيه اللي جابها دي دلوقتي؟ هي ناقصاها هي وولادها كمان!"
صمت الكل والكل يحمل هم الآن بقدوم هذه العقبة. ظنوا أن الحياة ستبتسم لهم من جديد. بينما بوجود فرد كهذة. انسحبت "سمية" مع "وردة" التي تمسكت بصغيرها باحتواء، كما رحلت "ياسمين" من قبل مع "حازم" و"عايدة". وقف "بسام" يسأل "والده" بغرابة:
"هي لسه قوية ومستقوية كده يا بابا؟ أنا مشوفتهاش من زمان أوي!"
نظر له بأسى وكأنه يؤكد له جبروتها. أشار بقلة حيلة على ما فعلته هي بهم خلال دقائق معدودة فقط، وقال:
"أديك شوفت اللي حصل!"
وقف بصمت يتابع النظرات، في حين أمسك "غسان" كف "نيروز". فرددت "دلال" بلهفة:
"على مهلك ي بنتي. متحطيش في بالك عشان صحتك. خدها يا غسان وارتاحوا جوا في أوضتك!"
رددت آخر حديثها بلهفة. فأومأ "غسان" برأسه حتى سارت معه ناحية غرفته. والحال بعد أن كان مبهجاً بهم تفرق الكل من جديد بوقت مبكر. وقف "أدم" ينظر بغير وعي لما يحدث، وعندما لاحظ انسحاب الكل وقف يتنحنح بحرج. ثم وجد أن شقيقته وأولادها رحلوا مع "بدر" في الشقة الأخرى الخاصة بـ "سمية". وأين هي؟ رحلت من البداية عندما حثها شقيقها على ذلك. خفق قلبه في الحال عندما لاحظ أن ولد هذه المرأة "سامر" رحل واختفى أيضاً، حتى بعد مكوث والدته وشقيقاته أكثر. أغلق سحاب سترته بغير اهتمام وتحرك بعجالة. يردد من على بعد لـ عمه بعدما خمن أنه انسحب خلفها!!:
"أنا همشي أنا يعمي!!"
أغلق الباب خلفه، مهرولاً ناحية الأسفل من فكرة انسحاب الآخر خلفها هي. ولما هي؟ ابتلع ريقه بصعوبة. وها قد دقت طبول الخوف ثم الغيرة وحتى الخطر القادم بعد قليل!!!
قبل وقت من الأحداث الأخيرة. هبطت تحبس الدموع في عينيها بكسرة. كلما تشعر بأنها تتناسى يذكرها مرارة كلمات أحدهم. وأحدهم هذه المرة كانت "خالتها" ذات الملامح القوية التي تدل على حدة كلماتها. وهي هي لم تعد تتحمل أي شيء، يكفي إخفاؤها قهرها بما حدث لها. تستمر للتعايش بسلام بينما الآخرون وكلماتهم لا يودون تركها حرة. لوهلة شعرت بأنها تشفق على حالها بقوة وهن. كل مرة يقلل أحد منها أمام غرباء. هو يعد غريب، وتلقت الخذلان من كلمات شقيقها أمامه في المرة الأخيرة. بينما الآن علم القريب والبعيد وحتى الغريب. لذا تركها وحثها "حازم" على الرحيل بعيداً قبل أن يحدث شيء بكلمات هذه المرأة الغير هينة. فتحت المحل بأيدي ترتجف. للمرة التي لا تعرف عددها تشعر بالتقليل من شأنها. في كل مرة تتحمل وكأن العقبات الأخيرة تأتي واحدة تلو الأخرى عليها. وبوجوه مثل هذه الوجوه التي رأتها قبل قليل لم تمر عقبتها على خير. هابت أن تفضح ويعلم من لا يعلم. وتعلم هي أن والدتها تنساق وراء كلمات شقيقتها الكبرى وكأنها عمياء لا ترى، بل وتهاب. بعد أن كانت لا تهاب أحد إلا شقيقتها. شقيقتها التي حكمت مع بقية العائلة زواج "سليم" منها بعد أن طلقت "زينات" من زوجها الأول لعدم قدرته على الإنجاب. وذكر ذلك من قبل.
توقفت "فريدة" تأخذ أنفاسها وكلما تنسى ما كانت تفعله تشمئز من حالها وجاءوا هم يذكرونها. كم مرة اتحدت مع بنات خالتها لقهر بنات عمها بالحديث السام المتسلط. كم مرة كانت تقف مع "زهور" وهي تتعمد القوة. كم مرة حاولت التحدث كي تعلمهم عن دناءة "سامر" معها ولكنها صمتت بسبب والدها الذي لم يكن سيصدق ما ستقوله بسبب سيطرة "زهور" عليه. "سليم وزهور" كانا مقربين من بعضهما لحد كبير بسبب تقارب العمر أيضاً!!
نزلت دمعتها كلما تذكرت نظرة عينيها التي تقابلت مع "آدم" عند حديث الآخرة عليها. تعجز عن وصف ما بداخلها لكنها لا تود الظهور أمامه كذلك أبداً. حتى ولو كان يعلم الحقيقة الموجعة. كما تعنف نفسها بنفس ذات الوقت ألا تنساق وراء مشاعره وبالأخرى مشاعرها الأخيرة المضطربة تجاهه تارة تشتد وتارة أخرى ترخي المعاملة. ماذا يريد قلبها وماذا يريد عقلها؟
صدرها يعلو ويهبط من فرط ما تكنه الآن بداخلها. مسحت بيديها وجهها وهي تحث نفسها على القوة. منذ متى وهي تعلن انهيارها أمام أحد؟ يكفي كوابيسها كل ليلة منذ ليلة اغتصابها على يد الحقير المحكوم عليه بالإعدام دون أن تعلم هي ذلك ولا حتى بقية العائلة. يكفي وجع! انحنت تحمل المنديل الورقي ربما وقع من أحد الزبائن وهي من تعمل على تنظيف المكان. انتشلته كي تضعه بسلة المهملات وفجأة وجدت حذاءه الأسود أمامها. رحل خلفها؟ يود تذكيرها؟ ماذا يريد منها؟ فإن كانت تتحد مع والدته وشقيقاته فظل هو التي كانت تبغضه بسبب أفعاله معها في الخفاء وهي التي توجب عليها الصمت!!
انتفضت "فريدة" تقف سريعا وهي تنظر له بعينيه بجرأة دون خوف حتي رددت بنبرة حادة تعنفه:
"إنت إيه اللي جايبك ورايا يا بني ادم انت؟"
وأما عن "سامر" فكان يكبر "حازم" بعامين. ملامحه رجولية بشدة، كانت تشبهه بطباعه كمثل شقيقها "حسن". ورغم ذلك تزوج وفشل في زواجه ولم يفعلها ثانية. نظر لها "سامر" بتسلية واقترب أكثر يردد بنبرة صوت ظهر بها خبث رجل لعوب لم ولن ينسي محاولته في الاقتراب منها بيوم ما:
"إيه يا فوفه مالك مش طيقاني ليه؟ قوام نسيتي اللي كان بينا يا ..بنت خالتي!"
تشنجت ملامحها بطريقة ملحوظة ولاحظت قربه فرجعت إلى الخلف أكثر ورددت تشير بيديها بانفعال صريح:
"هو أنا كان بيني وبينك ايه؟ لو سمحت امشي من هنا وسيبني فحالي. بدل ما هتشوف وش تاني عمرك ما شوفته. إبـــعد عني!"
دفعته عنها عندما حاول الاقتراب فأمسك معصمها ومازال يبتسم حتي اقترب يردد بنبرة جادة غير مبالية:
"لا دا انتي إيدك تقلت أوي. ولا إسمه إيه دمرك أوي كدة؟"
كان قوله وقح صريح واضح بذلك. فتحت عينيها بصدمة من قوله وحاولت دفعه عنها بغضب حتي رجع إلى الخلف أثر دفعها له ورددت هي بنبره أكثر إرتفاع:
"إخرس يا حيوان وابعد. بدل ما أفضحك فيها وأقول علي اللي كان. أنا لســـة منستش!"
السئ بالنسبة لها أنها وجدته يضحك بغير اهتمام كي يجعلها تقهر أكثر. ابتلعت ريقها بصعوبة عندما وجدته يقترب مجددا. وهذه المره لم ترجع إلى الخلف ولكنه هتف يجاريها ببرود:
"لسه منستيش ايه بقا؟"
غمز لها بوقاحة مره أخرى. حبست الدموع في عينيها وحاولت الثبات ولأول مره تواجهه بها:
"منستش قرفك لما كنت بتيجي عندنا وكل شوية كنت بتيجي ورايا تتلزق فيا وتحاول تتحرش بيا زي القذر المقرف. لسه فاكره كام مره اتحرشت بيا فيهم وكام مره حاولت تقرب وأنا مش فاهمه. ولما فهمت رفضتك بالقوة وكنت هوديك فداهية لو حد كان عرف."
لم يهتز من كلماتها بل مد ذراعه يستند على السور الخشبي من خلفها وحاصرها فوقفت بثبات تبتلع ريقها وأكمل هو بقية الحديث بثقة:
"ومتكلمتيش ولا ودتيني فداهية عشان محدش كان هيصدقك مش كده؟"
بالفعل ان كانت تحدثت وقتها لما كان سيقف بصفها أحد. حتي والدها كان سيلقي اللوم عليها هي. وان حدث شئ كان سيتطور الوضع بزواجها منه من قرار "زهور" التي كانت ستأخذة وقتها. ذكية من صغرها ووضعت تحسبات عديدة ونسيت حقها الأساسي ولكن أين من كان سينصفها؟ خاصة ان "حازم" كانت هي سيئه بحقه وقتها. وجدته يكمل مره ٱخري بوقاحة شديدة جريئة:
"ولا متكلمتيش عشان الحوار كان علي هواكي؟"
صدمت مره أخري ودفعته عنها بكلتا يديها وهي تصرخ به هذه المره بصوت عال:
"إخـــرس يا قـــذر يا زبـــالة!"
حاصرها بمسك كلتا يديها وحاول الإقتراب. وقد تحولت ملامحه للغضب هذه المره من جرأتها في سبه ومد يديها عليه. حركها بعنف وقال بهمس يهددها:
"إنت اللي قذرة وزبالة. فوقي يا بت. ها.. فوقي عشان لو مفوقتيش رجعلك اللي يفوقك منها ويعلمك الٱدب من جديد!"
حاولت دفعه عنها بانفعال وهي تسبه ومن بين ذلك كان مصر على عدم تركها. هنا وبهذا الوقت كان يركض للحاق بها عندما تأكد من انسحاب الٱخر خلفها دون انتباه ٱحد. دخل "ٱدم" بإندفاع فاتحا الباب أكثر الباب الذي أغلقه "سامر" خلفه نصف غلقة فقط. ركض ناحيتهم بسرعة ووقف ينظر بغير وعي إلى أن اندفع يفصله عنها بقوة مرددا بحدة يصرخ به:
"سـيبها يا.. ابـــعد عنها!"
تعمد "سامر" عدم تركها بينما فصله "ٱدم" عنها ووقفت هي تذرف الدموع بانهيار تحت مسك "سامر" تلابيب "آدم " بقوة وهو يردد له:
"وانت مال أهلك بيها!"
"انا هقولك ياروح أمك. تعالى!"
سحبه "ٱدم" ناحية الخارج خلفه وهو يتمسك به وكأنه سلالة من إحدي الحيوانات العنيفه. أخرجه بمنتصف الشارع أمام المحل حتي بدأ بالعراك معه وبدٱ "ٱدم" بتوجية لكمة قوية أسفل عينيه حتي تأوي الٱخر فأمسك رأسه يدفعها برأسه تحت صراخ "فريدة " بإنهيار شديد إلى ان تجمع الناس يفصلوهما عن بعضهما. ولم يسمع من فالطابق الثالث شئ حتي أن الصراخ لم يكن عاليًا هذه المره. ابتلعت ريقها بضفف عندما وقف "ٱدم" ينظر بعصبية مفرطة ورجلان يمسكان ذراعيه كي لا يتوجه ناحيته في حين فعل الٱخر كذلك. والذي وقف بإنفعال يردد له بغضب من بين إمساك ٱخرين له أيضا:
"وحياة أمك لهعرفك!"
سبه "ٱدم" وحاول التقدم ناحيته بنفس الصراخ:
"ما تيجي ياض. تعالى عرفني يلا أنا واقفلك أهو. تعالى يا و**!"
منعه الرجلان حتي نفض يديهما وتعمد "سامر" الرد بطريقة ٱخري غير ذلك تمامًا عندما توقف على فجأه يأخذ أنفاسه وهو يدفع عنه من يمسكانه حتي التفت بإنفعال يدخل مدخل العماره وكأنه لم يفعل شئ للتو. ابتسم "ٱدم" باستهزاء ولاحظ انسحاب الكل بينما وقفت هي تتنفس بصوت وهي تهبط الدموع. دفع عنه الرجلان برفق اللذان ظلا معه وردد لهما بنبره هادئة على وعده لعدم فعل شئ حتي تركانه وسمع صوت ٱذان المغرب.
اقترب منها حتي تمسك بيديها بلهفة يسألها بخوف:
"فريدة ..انت كويسة؟ عملك حاجه الواد ده؟ قرب منك؟"
نفت بانهيار من الدموع وحركت رأسها بـ "لا" تمسك بمعصمها برفق وهو يسحبها نحو الداخل حتي أجلسها علي المقعد وجذب زجاجة المياه يحثها علي ان تشرب منها وعندما لم تستجيب وضع بكفه القليل ومسح وجهها بجرأة حتي أخذت أنفاسها ببطئ ورددت بتقطع حديث غير مفهوم. حتي حاول تهدأتها وهو يقول بقلق يطمأنها:
"إهدي متخافيش!"
وقف يطالع وجهها لوقت كي تستعيد قوتها وتماسكها. كانت يديها ترتجف فإبتلع ريقه بعجز عن عدم مقدرته علي احتوائها. انحني أمام مقعدها دون ان يتلسمها وردد بخوف من حالتها هذه:
"إهدي عشان خاطري.. متخافيش. مفيش حاجة. أنا موجود معاكي. مش هيحصل حاجة تاني متقلقيش!"
كل هذه كلمات كي تطمئن ابتلعت ريقها وهي تنظر له ومن بين ملاحظتها هتفت بتعلثم تخبره بنبره منخفضه:
"شـفـتك بتجيب دم!!!"
ابتسم بحب لها ظهر في نظرة عينيه لم يصعق ولم يتلمس فمه بل هتف بنبره خشنة وهو يطالع وجهها ولأول مره يري ضعفها الظاهر بقوة كهذه المره:
"مش مهم. الأهم إنت تكوني بخير. بـخير!"
سألها باهتمام وابتلعت ريقها تعي كل خوفه واهتمامه لأجلها. انتفض جسدها برعشة فأمسك يديها بتلقائية حتي بعدته هي عنها.
فتحنح بحرج وهو يعتدل حتى وقف يعرض عليها:
"طب تعالي أطلعك ونقفل المحل!"
وقفت "فريدة" تحاول أن تستند وقالت بنبرة مبحوحة:
"أنا هقدر أطلع.. مـ مـتتعبش نفسك، روح صلي انت!"
وقف وكأنه يتأكد من قولها إلا أن حركت رأسها له تؤكد بأنها أصبحت بخير قليلاً. تنفس بصوت مسموع وسمع أذان الإقامة، فرد يسألها بتشكك:
"متأكدة؟"
"أه، روح قبل ما الصلاة تفوتك!"
حرك رأسه موافق، ثم اعتدل ينظر لها بتفقد لمرة أخيرة قبل الرحيل. لاحظ خروجها بعده وهي تجلب المفتاح، فأمسكه منها كي يغلق المحل. وعندما خرجت أغلقه هو وأعطاها المفتاح، حتى أشار لها يحثها بلين:
"إمْسِكِي براحتك وإنتِ طالعة!"
ابتسمت نصف ابتسامة. لم يلبثا ثوانٍ حتى وجدت الشباب يجتمعون للذهاب إلى الصلاة ومعهم "حامد" هذه المرة. هرول "حازم" يمسك كفها بخوف، ما إن رأى ملامح وجهها الشاحبة حتى سألها بقلق:
"مالك يافريدة؟ في ايه؟"
وقف كلا من "حامد" و"غسان" و"بسام" و"شادي" و"بدر" يترقبون الرد. فرد "آدم" سريعًا بنبرة هادئة يوقف اندفاع شقيقه الذي رأى دماء فمه:
"كويسة يا حازم ربنا ستر، تعالوا بس نصلي وهحكيلم أنا على كل حاجة، وسيبوها تطلع هي بقت تمام!!"
لم تكن لديها القدرة للرد بوضوح، لذا نظرت له بامتنان. فربت "حازم" على كفها بغير فهم، حيث أنه خمن في البداية كلمات عمته وقرر تأجيل المواجهة معها والعتاب، بينما الآن يبدو أن الوضع أكثر شدة. انسحبت وهي تشير له بأنها بخير، حتى أومأ يحثها على التمهل واقترب مع قول "حامد" الذي ظهر به القلق وهو يرى "بدر" يخرج منديلًا ورقيًا يمسح به فم الآخر بحنو:
"خير يا بني ايه اللي حصل قلقتنا؟"
"انت متخانق مع مين يآدم؟ ومالها فريدة عاملة كده ليه؟"
سأله "غسان" بغرابة، وقبل أن يسأل "حازم" مجددًا، أشار لهم "آدم" بعجالة:
"هقولكم والله على اللي فيها، بس نصلي الأول ونشوف الحوار ده!"
وأما عنها فعندما ركبت المصعد صعد بها نحو طابقها. ابتلعت ريقها بتفكير منهك عندما فتح وقررت عدم الذهاب ناحية شقة "والدتها"، لذا دقت جرس شقة "سمية" التي فتحت هي لها الباب وما إن رأت عينيها الباكية بآثار الدموع والشحوب، طالعتها بلهفة وهي تسألها عندما أمسكت ذراعها تُدخلها نحوهم في الداخل من تجمعهم لديها بشقتها بعد رحيل الرجال للصلاة. ذهبن النساء والفتيات لشقة "سمية":
"مالك يا بنتي حصلك ايه؟"
التفت الفتيات حولها، ونهضت "نيروز" مع "ياسمين" وعلى مقربة منهم كانت "فاطمة" و"وردة" وحتى "منة" ومعهم "عايدة" و"دلال" و"وسام".
"مفيش.. حصل خناقة تحت بيني وبين سامر فـ.. فـ آدم اتدخل!"
شهقت "فاطمة" بخوف، لطالما علمت اندفاع شقيقها وغضبه السريع. فردت "عايدة" وهي تضمها ناحية صدرها:
"من ايه ده يا بنتي؟ طب انتي كويسة؟"
"أه."
رددتها بخواء، ولأول مرة تهاب وتخاف الذهاب لشقتهم. تعلم تمام العلم بأنهم سيقيمون عندهم ولم تقبل هذه المرة النوم بنفس الشقة التي هم بها. جلسن بجانبها الفتيات يحاولن مواساتها بفهم أكثر عن الذي حدث، فابتلعت ريقها بصمت ولم ترد بسبب ما بها من فقدان أعصاب. ما رآته بعيني "سامر" رأته من قبل عندما اقترب منها "شريف" ما قبل الواقعة الموجعة بالنسبة لها، و"سامر" يتوقع منه فعل أي شيء لذا تخاف القادم خاصة أنه ليس من أنصار ترك الحق والهروب، وهرب هو من "آدم" بعد العراك والتهويش. تتوقع حدوث وتدبير شيء منه لطالما تعلم شخصيته وطباعه عن ظهر قلب، كيف تنسى. انتفضت عندما سمعت صوت إغلاق باب الشقة الخاصة بـ "زينات" وعلمت أنه هبط إلى الأسفل مجددًا. هرولت تقف خلف الباب تحت غرابة الكل ونظرت من خلف العدسة ووجدت "والدتها" تقف مع "زهور" وحولهم فتيات خالتها. ابتلعت ريقها عندما وجدت "زينات" تحاول إمساك "زهور" كي تهدأها، فردت "زهور" بشموخ شديد:
"اسكتي يا زينات، سايبة بنتك تنزل وتقعد لوحدها بعد اللي حصل، أهو سهل يقرب منها أي واحد بعد ما بقت سهلة في نظر الكل، صبرك عليا نشوف كلام سامر ده!"
"يا زهور افهمي ابنك فاهم غلط، آدم وفريدة مفيش بينهم حاجة كده أبدًا، آدم بيشتغل مع فريدة في المحل ده وتلاقيه كان مقرب يساعدها مش اللي في دماغكم!"
جحظت عينا "فريدة" بصدمة. ماذا قال هذا الحقير عنها؟ خاض بها، تخلصت من شقيقها وجاء هو. انهارت أعصابها والتفتت تجلس على المقعد وهي تضع يديها على فمها بخوف، تحت تجمع الآخرين حولها. فردت "نيروز" بخوف، والتي وقفت تستمع بجانبها:
"ايه الكلام اللي سمعته دا يا فريدة؟ هو ايه اللي حصل لكل ده؟"
كانت معالم الدهشة على وجوههم ولم تترك "فريدة" لهم الفرصة للسؤال، بل أجابت على حديث الأخيرة برهبة مخفية:
"سامر حط بصماته، شـ...شكله طلع عليا كلام مش كويس أنا وآدم."
صُدم الكل ولم تترك لهم مرة أخرى فرصة بأن تظهر صدمتهم واعتراضهم في الحديث، بل رددت بنبرة مختنقة وهي تجلس القرفصاء ولأول مرة يظهر الضعف أمام الكل عندما أعلنت الاستسلام بالبكاء والحديث وهي تشهق، تدفن رأسها بين كفيها وهي تستند على ساقيها:
"أنا.. أنا تعبت والله، مبقتش حمل حاجة أقسم بالله!"
رددتها بوهن جعلت البعض يندفع نحوها لاسنادها كي تقف وتجلس على المقعد مع مواساتهم. بينما وقفت "سمية" بأعين دامعة لأجلها، وبكت "وسام" بشفقة. كما ربتت كل من "نيروز" و"ياسمين" و"ووردة" عليها كي تهدأ وجلبت "منة" لها كوب ماء بسرعة كي تأخذ أنفاسها. لم تمر دقائق وسمعوا صوت همهمات عالية بالخارج، بالتأكيد كان "سامر" الذي صعد مرة أخرى عندما وجد المحل مغلقًا. هرولت "نيروز" تستمع بقلق، وبجانبها كانت "ياسمين" تسترق السمع، وكانت بقية الفتيات في الخلفية مع النساء ومراعاتهم لـ "فريدة" التي هابت عودة "سامر".
"بقولكم مش تحت مبتسمعوش، يعني أكيد مشت معاه أو طلعت تاني، خبطي يا مروة على القطران ده!"
يسب الباب باب شقة "حامد"! فقدت "زينات" السيطرة. في حين دقت الشقيقة الأخرى له "أسماء" باب شقة "عايدة". استندت "زهور" على عصاها بشدة وأشارت له بهدوء شديد:
"خبط هنا.. على سمية يا سامر!"
تدخل بقوة في حياتهم رغم أنها لا تملك عليهم أي حق وهذا هو طبعها عندما تعود. هتفت "زينات" بضيق لشقيقتها:
"يا زهور ادخلي ربنا يهديكي، فريدة مستحيل تعمل كده وبعدين يعني ايه مش تحت أكيد بتشتري حاجة من الصيدلية أو حاجة وهتيجي أنا عارفه أنا، أنا أمها وعارفه أنا بقولك إيه، بنتي متعملش كده أبدًا، اوزني عقلك شوية!"
"قولتلك اقطمي يا زينات، طلعتي خايبة ومش عارفة أي حاجة، بس أنا رجعتلك أهو أشوف حياتك اللي انخربت دي وإنتِ قاعدة ساكتة ولا كأن حاجة بتحصل، قال واثقة أوي من بنتك، يشيخة روحي مش كان فاتك محافظة عليها وعلى بيتك بدل اللي حصل!"
كل مرة تضغط عليها بالحديث ولم تعاتبها بالكامل بعد كل ذلك. عادت لتحاسبها على كل شيء حتى طلبها لطلاقها من "سليم" قبل الحبس. زفرت "مروة" بضيق:
"محدش بيرد!"
"وهنا كمان يا سامر بردو!"
كان قول "أسماء" هو الأخير. فـ تجاهلهم ورفع يديه يدق باب شقة "سمية" التي كانت بداخلها تقف كلا من "نيروز" و"ياسمين" خلف الباب يتابعان الذي يحدث بالخارج بصدمة. في حين الحديث الأخير كان بصوت عالٍ فسمعن النساء بالكامل والفتيات. أخرجت "نيروز" هاتفها من جيب عباءتها وهي تبتلع ريقها برهبة كي تطلب رقم "غسان" رغم أنه في المسجد.
، حاولت "ياسمين" الاندفاع بشراسةٍ كي تفتح الباب بينما منعتها "سمية"و"عايدة" بخوفٍ وهما يسحبونها ناحية الداخل تزامناً مع قول "سامر" الهازئ :
_" عرفنا إنكم ورا الباب ومحدش قلبه جايبه يفتح ، بس طلعولنا كده الحلوة اللي مستخبية جوه دي نتفاهم معاها ونعرف ازاي المحترمة بنت الناس المحترمين ، كانت فوضع مخل مع اللي اسمه" ٱدم " في المحل ، اصله كان ز...!"
كان سيكمل بكل وقاحة حديث جارح؟؟؟ لا يصح سماعه خاصة لهن؟؟وعلى فجأه لم يشعر هو بقدومهم سمع صوت دقات هاتف "غسان " الذي صعد على السُلم مع "حازم " و"شادي" والبقية كانوا ينتظرون المصعد ، وبالوقت نفسه سمع"حازم" قوله الٱخير ، فاقترب بإندفاعٍ يمسك ياقة قميصه من غلو الدماء بعروقه علي ما سمعه للتو:
_" انت بتقول ايه على اختي يا"سامر" ؟؟ انت اتجننت؟؟؟!"
وقف ثابتاً لم يهزه شئ وخرج البقية من المصعد ، حتي اغلق"غسان" الخط على "نيروز " عندما تفهم ما حدث ، تنهد "سامر" بصوتٍ مسموع بينما دقت "زهور" بعصاها الأرض وهي تقترب مردفة بحزمٍ :
_'' جرا ايه يا حازم ، إعمل احترام للكبيرة حتى !"
لوي فمه بإستهزاءٍ وردد تزامناً مع اقتراب "ٱدم" بشرر:
_" كان هو عمل احترام الأول ، انتِ مش سامعة قال ايه؟؟؟؟"
زفرت بنفاذ صبر ، وابتلعت النساء ريقها بصعوبةٍ فالداخل ، في حين دقت "زهور" الباب بحزمٍ متجاهلة صوت "زينات " في الخلفية و تردد بالصبر بينما قالت هى بجديةٍ شديدة:
_" افتحوا ياللي جوه وقدروا اللي واقفين دول ، احنا مش بتوع شر ،اخرجي يا فريدة وقولي اللي حصل!"
اهتز جسدها في الداخل في حين اندفع"ٱدم" يردد عندما فهم رمي البلاء عليه من الكلمات وكانت همسات شقيقة بالتحذير، لكنه تجاهل وردد بإنفعالٍ:
_" بقولكوا ايــه ..انتوا هتعيشوا الدور ، هو رمي بلى وخلاص ، عليا الحـ.."
بتر "بدر" حديثه عندما وقف بحزمٍ ينظر لها ولولدها مردداً بنبره قوية كي يخرس ألسنتهم :
_"خدوا بالكم من كلامكم ، مش كل مره نعديلكم بلوه ومصيبه ، كفاية المره اللي فاتت بعدت عنكم وعن محاولتكم فانكم تخربوا حياتي وتجوزيلي بنتك علي مراتي ، مش هيبقي اخويا المرادي كمان!!!!"
توقف لبرهه ثم قال مجدداً بهدوءٍ :
_" ٱدم ميعملش كده ، وقبل دا ،. فريدة أخلاقها متسمحش بالقرف اللي بتفكروا فيه !!"
تدخل "حامد" يسأل"سامر" بعقلٍ كي يهدأ الوضع :
_" هو حصل ايه يابني لكل ده ، شوفتهم بإيه يعني ، ما تخزي الشيطان واسكت خلي الدنيا هادية !"
إعتدل"سامر" ينفض يدي "حازم " وتوجه بعينيه وحديثه لـ "حامد " غافلاً عن عيني "غسان" التي تراقب تحركاته بالتفصيل لعدم ثقته بالقادم منه :
_"معلش يحج حامد ، ما انت مش هتصدق عشان ده ابن اخوك ، بس الأستاذ كان واقف ومقرب منها وبيحاول لمؤاخذه يعني .. بس أنا عشان ابن ناس حاولت ابعده عنها ولما رفض بالقوة اتعاركنا حتي بس على الضرب اللي فوشه ووشي لو مش مصدق !!.."
شهق البعض ، فصرخ "ٱدم" به بشدةٍ :
_" انت عقلك فوت ياض انتَ ؟؟؟ بتكذب الكذبه وتصدقها انت وأمك يا***"
سبه فحاول الٱخر الآندفاع هو و"حازم " وفصلاهما "بسام"و"شادي" في حين رد "حامد " بجدية:
_" أنا اللي بقول الكلام ده ميطلعش لا من ٱدم ولا من فريدة اللي كلنا عارفين أخلاقها ، إعقل يبني ولم الدور وادخل الشقة من تاني واخزي الشيطان!!"
تعالت ضحكات "مروة " بشماتةٍ وكبتتها علي الفور عندما واصلت "زهور" بجمودٍ :
_" طلع اختك ي حازم تتكلم ، طالما مخفية وخايفة تطلع يبقي الكلام صح !"
_" أنا لحد الٱن محترم سنك وصلة الرحم وحتي الدم ، بلاش تجبريني أتخلى عن كل دول ، ٱنا اختي متخافش طالما معملتش حاجة ومش محتاج منك تحكمي وتخليها تطلع تقول الحق ، هي كده كده معاها حق! من غير تبرير !!"
رددها بحزمٍ ، وقبل ان تجيب ردد "سامر" بإستفزازٍ جاد :
_" يا جدع دا أنا شايفهم بعيني دول ، متخيبش وخليك راجل كده علي أخواتك متبقاش بقرون !! ."
حاول "حازم " الإندفاع نحوه بشررٍ و"بدر" من أمسكة بقوة مع "شادي"و"بسام" بينما اقترب "غسان " يضرب بأنامله بخفةٍ على كتف "سامر" مردداً بفظاظةٍ يختصر رده علي حديثه :
_"يبقي مبتشوفش كويس ومحتاج نضارة ،غير كده مفيش!"
صمت "غسان" يشملهم بنظراته وحرك رأسه يحثه بجديةٍ :
_" وشِد يلا من هنا وخليك انت الراجل وخد عيلتك المقطقطة دي وارجع الشقة أو مكان ما جيتم ، تبقوا ريحتوا واستريحتوا !"
إغتاظ ونفض يديه من على كتفه ورد بخشونةٍ فظة كمثل الٱخير :
_"بلاش انت وخليك لطيف زي ما كنت وابعد!"
حاول "غسان" الثبات أمام الأعين التي تترقب وقال بثباتٍ مجدداً يسأله :
_" هو أنا مقولتلكش؟"
_"لا مقولتش "
رددها "سامر" باستخفافٍ ، فعاد "غسان" يجيبه متحلياً بالصبر :
_" لا إعرف بقا إن الوجه لطيف والعقل مخيف والفعل هسيبك تجربه وتحكم بنفسك"
وواصل يكمل بتبجحٍ يثير استفزاز الٱخر :
_" أصل اللي بيتكلم مببعملش ، واللي بيعمل مبيتكلمش!!"
ضغط على فكه عقب قولها وأمسكه بقوةٍ على فجأه يحاصره مستنداّ على الباب المغلق حتي انتفض من.
"غسان" قال محذراً:
"مش عايز أقولك هيبقي إزاي، عشان ده حازم عامل احترام لعمته وصلة القرابة. أما بقا غيره لو مد إيده هيغلط نفسه أكتر ما إنت بتحاول تغلطه. وغيرهم، هما الاتنين لو اتلموا مع بعض كده عليك هتطلع فالآخر..."
اقترب يهمس جوار أذنه بسباب بذئ، حتى دفعه الآخر عنه بعصبية. فتعمد "غسان" الضحك كي يثير استفزازه، وردد مرة أخرى يكمل وهو يشير إليه بعينيه ساخراً:
"خد ماما يلا يا حبيب ماما وخش، وابقى اسأل ابن خالتك قبل ما تقف فمكان اتعلم فيه قبل كده وبرضه ملقاش غير أمه تسنده زي النسوان. تحب تجرب وأمك تسندك؟!"
ورفع "غسان" كفيه مدعياً البراءة:
"أنا معنديش مانع تجرب!"
أوقفته "زهور" بعصاها تمنع ابنها عن التوجه نحو "غسان" الذي كان مستفزاً له لحد كبير. ورددت بصرامة لـ "حازم":
"وقوفك مع الغريب علينا مش صح فحقك وحقنا يا بن سليم. وطالما أختك مطلعتش يبقى كان اللي كان وغلطت للمرة التانية!"
تشنجت ملامحه، وتدخل "بسام" يردف بجدية من قبله:
"عيب يا ست تقولي كده، مش بدل ما تعاتبي ابنك على كل اللي قاله وحش فحقها؟ ما هو قالك هو واثق في أخته ومعملتش كده، يبقى ارجعي لرؤى وسيبك من اللي حصل، إذ كان أمها منطقتش ولا صدقت بالكلام اللي اتقال!"
حولت نظراتها بينه وبين "غسان" وابتسمت باستهزاء، حتى رددت بافتراء كاذب:
"أمها صدقت وسابت الكبير يحكم عليها مادام عجزت عن التربية!"
نظر الجميع لها بخيبة، ولم تستطع النفي بسبب سيطرة الأخرى عليها. فُتح الباب باندفاع، رغم رفض البعض والبعض الآخر أيد خروجها كي يسكن الوضع. هلت "فريدة" من خلفه بملامح باهتة تنظر ناحية الكل. نظرت "مروة" إليها قائلة بلؤم تتصنع البراءة:
"تعالي يا فريدة، شوفي اللي بيحصل. هو حقاً إنتِ كـ..."
كانت تحاول التماسك والصد لهم والرد، لذا اقتربت منها تشير بيديها بانفعال كي تحرجها:
"وإنتي مالك؟ مليكيش دعوة!"
اقتربت "زينات" منها بخوف، فتعالى صوت "زهور" وهي تهتف بسؤال صريح:
"صحيح يا بت الكلام ده؟ إنتِ كنتي فعلاً مع الواد ده تحت وكان مقرب منك!"
إغتاظ "حازم" من إصرارها، فنظر "حامد" حوله بضيق، وقال محاولاً تهدئة الوضع وعدم التصعيد من حجمه للمرة الأخيرة:
"مينفعش يا جماعة كلامكم على السلم كده ميصحش، ادخلوا أي شقة مفتوحة واتكلموا!"
كان التجمع قريب من شقة "سمية"، وخلال لحظات دخل الكل ملتفين حول بعضهم في الصالة. في حين وقف "حازم" يشير إليهم بانفعال صريح:
"هو مفيش كلام هيتقال أصلاً، ورغم إننا دخلنا بس أنا ماشي أنا وأختي ســ..."
وقبل أن يهتف بالوداع، فصلت "زهور" يديه عن "فريدة" مرددة بحزم:
"إلزم حدك يا حازم وسيب كبيرك يتصرف، مش هتعرف مصلحة أختك أكتر مني!"
نفضت "فريدة" ذراعها بنفور، وقالت بنبرة مرتفعة:
"ابعدي عني بقى، أنا معملتش حاجة، ولا آدم قرب مني، ابنك هو اللي مقرف وهو اللي كان بيحاول يعمل كده..."
زدفعتها عنها بانهيار، ورددت بصراخ لهم عندما فاض بها الكيل:
"سيبوني فحالي بقى حرام عليكم!!!"
احتواها "حازم" بخوف مع "عايدة" و"زينات"، في حين اندفع "سامر" بتمثيل وهو يصرخ بها:
"بترمي بلاكي عليا دلوقتي يا بنت خالتي؟ بقا دي آخرتها لما أجي ألحقك وأقول على اللي فيها تدبسيني أنا؟!"
هدأ ببراعة في التمثيل، وقال بخبث شيطان برع في إتقان الدور:
"عالعموم قابلها منك مع إن الظلم وحش، الحركات القذرة دي متخرجش مني، بس هحل الوضع ده كله وهنقذه..!!"
وقف الكل ينظر نحو حديثه بشك، عدا من تبعه. فعاد يلقي بمفاجئته:
"هنقذه يا مه، كده كده، ومن الحاجات اللي جايين عشانها اللي هقوله ده، بس الظاهر أن أوانه يجي قبل نصيبه. ورغم إنه افترى منك عليا، بس أنا بطلب إيدها منك يا مه عشان... ننهي الموضوع ده!"
فتح الكل عينيه بصدمة، وأشارت له "زهور" بالصبر. في حين اندفع "حازم" مردداً برفض شديد:
"على جثتي لو ده حصل، سامع!!"
تصنع البراءة وأتقن دور المظلوم الذي على حق عندما قال يفتري عليها:
"يبقى اللي شوفته صح ومكنتش محتاج نضارة، يبقى في بينه وبينها حاجة!!"
كادت أن تتحدث "زهور" فصرخت "زينات" بصوت عال:
"بس بقى اسكتوا، كفاية!!!!"
تجاهلتها "زهور" ونهضت تشير على من تبعها، حتى قالت بهدوء شديد:
"لحد هنا وكل واحد يحط لسانه جوه بؤه، الموضوع لسه مخلصش بس مسيرة يتفتح من تاني قريب، يلا!!"
أشارت لولدها وبناتها. في حين كاد أن يرفض "سامر" فواصلت "زهور":
"يلا كلامنا ده هيبقى بعدين، لما تفوق بنتك يا زينات، ويفوق الباقي لما كل واحد يبطل يتدخل فاللي ملوش فيه!!"
سارت قبل أن يندفع أحدهم بالكلمات. خرجت ناحية شقة "زينات" وتبعها أولادها. في حين بكت "فريدة" بانهيار في أحضان "حازم" الذي وقف مصدوماً من تغير الحال بمثل هذه الطريقة. بينما كان هو في خبيته وعجزه وصمته وحتى حرقته عندما سمع طلبها للزواج من "سامر" أيعقل؟! جلست "ياسمين" بجانب "سمية" بخواء، في حين وقفت "نيروز" بعينين دامعتين على حال "فريدة" حتى احتواها "غسان" برفق.
لحظات صمت متعبة ومنهكة للكل وصوت شهقاتها يمزق منهم جميعاً. تلاقت عيني "منة" مع "شادي" والتي انسحبت تبكي على هذا الحال المتعب. أشار "حامد" لهم بالانسحاب، حتى رحل "بسام" مع "شادي" ناحية الشقة الأخرى. ووقف "بدر" مع الصغار بعيداً كي يشتتهم عن الجو المشحون بالتوتر. كما أن "حازم" قد ضمها بقوة وهو يهتف بخوف عليها:
"بالله عليكي يا فريدة ما تعملي كده، خليكي ثابتة عشان خاطري ومتخافيش والله ما حد هيقدر يقربلك طول ما أنا على وش الأرض!"
بكت بقوة وانهارت أكثر والأصوات تتداخل في عقلها رأسها تعلو ومشاهدها الموجعة تراها أمام عينيها وهي تنفي. لحظة هجومه عليها. لحظة تكتيفه لها وهو يعتدي عليها. بكاءها. انهيارها. توسلها. أسفها كي يتركها. خذلانها. قهرها. حسرتها. تنفي برأسها. كانت تظن بأنها قوية بينما الآن هي أضعف ما يكون. سُرقت قوتها وضاع ثباتها وانهارت حتى وقعت من بين يديه مغشية عليها. كما حدث يوم تلقيها خبر وفاة والدها. صرخت "زينات" بخوف واندفع "آدم" نحوها بخوف وهلع كما هتف الجميع باسمها. رحل "بسام"!!!! أين "منة" الطبيبة؟ اقتربت تهرول في حين انحنى "حازم" يلتقطها بين ذراعيه عندما شعر بانهيار جسدها بضعف موجع مستسلمة للسحابة السوداء. انحنى وهي على الأرض معه، ضارباً وجنتيها وهو يردد بلهفة مختنقة:
"فريدة! فوقي.. فوقي عشان خاطري.. ردي عليا!"
سقطت دمعته بضعف. وبكت "زينات" بأعصاب منهارة تجلس على بعد غير قادرة على الاقتراب عندما هرول "غسان" مع "آدم" يحثان "حازم" على حملها ناحية أي غرفة في الداخل من الغرف الأربعة. حملها بقوة لا يعلم من أين أتت ربما من خوفه. في حين وقف الشباب غير قادرين على الدخول كمل دخلت النساء والفتيات. وهرولت "وسام" تنادي "بسام" كي يساعد "منة" في الكشف على "فريدة"!!
لم تستطع "نيروز" الاقتراب ناحية الداخل بل وقفت تضع يديها على أذنها ببوادر انهيار لحقه "غسان" على الفور عندما دفعها ناحية أحضانه يردد عليها كي يخرجها من حالتها هذه:
"أنا جنبك..
متخافيش مفيش حاجة!
صدرها يعلو يهبط وخرجت من حالة اللاوعي وهي تتمسك بذراعية تردد بخوف:
"أنا خايفة أوي يا غسان عايزه امشي .. مشيني من هنا عشان خاطري !!"
أرادت البعد ورغم خوفها على "فريدة" الا انها تود الرحيل من مكان العقبات كي يتغير القدر والظروف كي تتغير رجفة يديها كي لا تفقد جنينها!!!! التي علمت بوجوده برحمها اليوم قبل ساعات فقط !!! ولم تستمر الفرحة لها كما لم تستمر كل مره ، سحبها بخوف ناحية الخارج يساندها ناحية شقة "والده" تزامنا مع اصطدامه بجسد "بسام" الذي هرول بسرعة ناحية الداخل ووقف "شادي" ينتظر مع "بدر" و"ٱدم" الذي كان في أعلى مراحل الخوف الذي لم يشعره من قبل ..
في المره السابقه عندما اغشي عليها خاف وهاب ولكن لم تكن بنفس هذه القوة والشدة في درجة الخوف!!! الٱن يتأكد من حبها الذي تخلل قلبه واقتحمه دون استئذان ، ذاق مرارة الخوف الشديد من الفقدان للمره الثانية ، حيث لم تكن بمثل هذه القوه إلا عندما شعر بٱنه سيفقد "والدته " وهذة كانت المره الأولى!!!
خرجت "فاطمة" من الداخل تعطي"ٱدم" وهو أول من وجدته يقترب منها ، أعطته إسم محلول دواء كي يجلبه من الصيدلية بسرعة ، أخذ الورقه الذي كتبها "بسام" وسألها بلهفة وهو يأخذه منها:
"طب هي ..هي فاقت ولا ايه .. طمنيني يا فاطمة ونبي !!"
نظرت له بخوف من قلقها وقلقه وعجلته قائلة أمام الأنظار:
"لسه ي ٱدم بس لازم تاخد الجهاز ده عشان تقدر تفوق و تشد نفسها روح بس بسرعه هاته !"
سار يهرول سريعا في طريقه ، ودقات قلبه تتنافس على التسارع فيما بينها ، الح يأتي خلفه الخوف ! ومن ثم إما قرار الخذلان أو الٱمان!! ثم يعود الخوف لأكثر درجة يرتفع وهذه المره يعلو بسؤاله هل سأشعر بالخذلان ؟ أم سأنعم بالٱمان ؟.. سؤال محير وياليت الطرق تخبرنا بنهايتها قبل ان نسلكها ، دخلت "زينات" الغرفة معهم لها ، وتوجه "بدر" ناحية الغرفة مشيرا للأطفال كي يذهبوا خلفه ومعهم كان "يامن" ، وقف "شادي" بركن ما ينتظر خروج "منة" كما كان يجلس "حامد" بقلق ممسكا بسبحته يستغفر بنية فك هذه العقبة الشديدة المفاجئة لهم والسريعة بأحداثها عليهم!!..
تتأكد تماما أن قلبه لها ولكنها لا تثق بمن حوله وحولها ، لا تعلم لم تبكي بسبب هذا الموقف وهذه المشاعر التي تشعرها معه لأول مره ، شعور جيد لكنه متعب!! تشعر بأنها ستسلبه منها وهي الجاهلة عن فعل دلال النساء ، ومن بين حديث لحديث نسائي تعلمه عن عين الرجال التي تخون رغما عنهم كانت هي واقعه بالمنتصف لا تريد ضياعه بينما هو يفكر بطريقة ٱخري أنه لايري إلا هي ، ولم يختار إلا هي أيضا في النهاية ماذا تريد بعد ذلك؟؟
الإثنان لم يفهما بعضهما ، ولكنها طرفان عاقلين إلى حد مما جعل الٱمر هادئ ساكن ، ولكن أحيانا السكون يعد انذار بالخطر لبعض العلاقات! تتوتر بسبب قدوم أقاربها ولم يسألها عنهم إلا بالمقتضب حينها تركته يجلس في الأسفل وصعدت تبدل ملابسها ومنذ وقتها تذاكر ولم تلبث وقت بالمذاكرة إلا قليل جدا حيث أنها نهضت تبدل ثيابها لٱخري وهي تأخذ دور استحمام كي تفوق من دوامتها هذه !!
خرجت "جميلة " من المرحاض تضع شعرها بمنشفة طويلة كما ارتدت ملابسها وعليها شئ يستر كتفيها وظهرها وحتي ساقيها ، تركت الر بط الخاص بخصرها ولم تعقده حتي أنها سارت ناحية الغرفة كي تفرد خصلاتها وتنظر نحو ملامحها بالمرٱه ، ورغم انها جميلة شكلا واسما إلان ارهاقها وحزنها ظهر علي ملامحها ، ورغم انه لم يتقرب منها إلا انها تراعي موقفه جيدا كما يراعي ويقدر هو ! يا هذه من يتحملك كل هذا لا يستطيع خيانتك ؟ أكدت قول قلبها وأصوات العقل توسوس لها ، زفرت بصوت عال ، لم لم يحاول ويردد لهذه المرٱه بأن تهاتف أحد غيره متحجج بأي حجة كي يراضيها ؟ يراضي الٱخرين علي حسابها ؟ الآخرين ؟ بل ونساء ؟ لم تكن تعلم بأنها ستعاني لهذا الحد ، أحبته وكانت الطرف الٱكثر شعور بالتملك ! ربما معاملة والدها معها جعلتها كذلك تخاف وتهاب كل شئ!!! وضعت المنشفة علي المقعد الحديث أمام المرٱه وتركت خصلاتها خلفها ، كانت خصلاتها السوداء طويلة أسفل ظهرها كمثل شعر شقيقتها تماما ، أكثر من وصفا بجمال الشعر كانا هما ، ومن خلفهما "نيروز" مباشرة ولكن "نيروز" لم يكن شعرها ناعما مسترسلا كمثلهما !! وصفا هما بالسواد وهي بلون القهوة!! ..
إنتفضت بفزع عندما وجدته يفتح الغرفة بتلقائية لم تسمع صوت باب شقتها ، متي جاء. اتضح انه أتي منذ دقائق حتي أنها التفتت تنظر فوجدت أزرار قميصه جميعها مفتوحه وظهر جزئه العلوي لأول مره أمام عينيها الخجولة ، اتضح بأنه دخل متأكدا بعدم وجودها ..
طالعته بإرتباك في حين نظر هو ناحية المرٱه التي عكست ظهرها بخصلات شعرها الطويلة الذي يكتشفها هو ايضا لأول مرة ، تعمد اللباقة في القول وهو يقترب متنحنحا ثم قال:
"مكنتش اعرف إنك موجودة !"
لم يعتذر كونها زوجته لكنه برر عندما وجدها تنظر بفزع من اندفاعه لفتح الباب ، حثت نفسها على الثبات حتي أمام هيئته وتنفست بعمق ، تردد بغير اهتمام هادئ جدا:
"عادي ، محصلش حاجة !"
عاديا بالطبع ؟ ما المشكلة ؟ حركت كتفيها ببساطة والتفتت كأن شئ لم يكن وبدأت في تمشيط خصلاتها ، بينما نظر هو بتمعن لها ، تهلكه حتي بأفعالها كي تعاقبه بالصمت ؟!
وقف خلفها ونظر لها بالمرآة يطلب منها بلطف:
"طب عاتبيني تاني ومتسكتيش كدة.. يمكن المرادي عندي كلام أقوله مع اني مغلطش فحاجة!"
لم تلتفت ناحيته، بل ردت بنبرة مهزوزة خانتها:
"براحتك طالما مش شايف إنك لازم تقدر مشاعري!"
"أنا مقدرها جداً، انتِ اللي مش مقدراها والله!"
لم تفهم قوله، ربما يقصد شئ آخر تجهل عنه بطبيعة أخلاقها المنغلقة بقوة وجهل. لم تجبه رغم أن هذه تهمة يلقيها عليها، ولكنها استشعرت ذهاب محور الحديث لموضع آخر. لذا وضع ذراعه على كتفيها يحتضنها من الخلف كي ينعم بالراحة. توقفت عن تمشيط خصلاتها بينما ردد هو بصوت هادئ:
"لما فكرت فيها من شوية قولت إن لازم نظرتي تتغير شوية بعد ما اتجوزت. هخلي اتصالات استلام شغل الحريم لواحد غيري. وعشان تكوني عارفة هي رنت وأنا تحت وقولتلها شغلك مبقاش فإيدي وعطيتها رقم أحمد اللي معايا فالورشة. مرضية."
وكأي رجل لا يود الاعتراف بأنه هو المخطئ، خاصة أن المتصلة بررت له في آخر مكالمة بجرأة أنها تريده هو من يتولى سيارتها. هنا تأكد بأن شعور "جميلة" كان صادق. قبل إحدى وجنتيها فالتفتت تنظر له بسكون. فاعتدل هو وهو يبتسم لها حتى ظهرت ابتسامة هادئة على شفتيها. احتوى كفيها بين يديه وقال بصدق:
"أنا ملقتكيش بسهولة ومستحيل أفرط فيكي بسهولة. والله يا يستي لو ألف واحدة غيرك فمش هبص ولا عايز غيرك انتِ بس. أنا مش طماع. أنا معايا أجمل واحدة في الدنيا ومالية عيني كمان أوي!"
توسعت بسمتها من حديثه المعسول فقبل كفيها برفق. ورددت هي بهدوء:
"أقولك حاجة؟"
"نفسي تقولي والله!"
ضحكت بيأس منه فتشبثت بيديه وقالت بثقة من طبعه اللين اللبق:
"كنت عارفة إن مش هيهون عليك زعلي!"
"زعلك وحش يا جميلة وصعب عليا. انتِ بتسكتي ومش بتواجهي علطول ودا غلط!"
صمتت بانهزام. فزفر هو بصوت يسألها باهتمام يغير مجرى الحديث:
"زاكرتي؟"
"أه شوية صغيرين كده وبعد كده قومت أستحمي وأغير هدومي!"
نظر نحو ملابسها بعفوية، وكلما يحاول الاقتراب يرى عقبة تحزنها وتغير وضعهما. جابت عينيه تفاصيلها بهدوء. فحاولت هي إغلاق أزرار قميصه بتلقائية ولكنه أمسك يديها مردداً يرفض بابتسامة هادئة:
"لا أنا هغير!"
طالعته بسكون ونظرت نحو عينيه بشدة. كونها بالنهاية حزنت ورضيت وبهذه اللحظة شعرت بأن كل شيء عليها حتى خوفها من قدوم أفراد لم تأتِ منذ فترة. دفعت نفسها بأحضانه كي تشعر بالأمان. تفاجأ من فعلتها. ولم يتردد في رفع ذراعه يضمها أكثر مشدداً في العناق. يشعر بهروبها من الجميع وتلجأ إليه هو إلا بالراحة. أنها تأمنه ولا تهابه. تثق به! تنفست بعمق. ومرر هو يديه على ظهرها برفق. حينها هتف باسمها بنبرة اهتزت رغماً عنه:
"جميلة.."
رفعت "جميلة" عينيها ناحيته بتردد. وثبتت نظراتها بنظراته. حينها ابتلعت ريقها براحة. ورمشت بأهدابها تقاوم حرجها. في حين سألها هو بتيه ولكن كانت نبرته صريحة واعية لما هو آتٍ بموافقتها:
"انتي حاسة أنك أحسن؟ قادرة؟"
علمت أنه يسأل عن حالتها النفسية وقدرتها في خوض التجارب، خاصة التجربة الذي يسألها هو عنها برفق لها. ورغم أنه وجد القبول بعينيها لكنه يريد الجواب. فسألها مجدداً بصراحة أكثر:
"مستعدة أقرب ولا.. مش جاهزة؟"
وبرر سريعاً بتقدير قبل أن تجيب:
"أنا.. أنا مش عايز أحطك تحت ضغط!"
طالعته بصمت. وابتلعت ريقها بارتباك. وسألها بعينيه الشغوفة نظرة فهمتها سريعاً. فحركت رأسها بالإيجاب تقبل وقالت بنبرة هادئة تعطيه القبول صراحة:
"موافقة. ولو كل حاجة ضغطاني فانت الحاجة الوحيدة اللي مبتضغطنيش ولا بتيجي عليا!"
لم يصدق ذلك ولكنها قاومت كل الخوف وأكدت وهي تتمسك بأنامله تحرك رأسها بنعم تعطيه القبول والتصريح للقرب. لم يكن يعلم بأنه سيتبسم بسعادة تخونه. وقف يعتدل وقال بابتسامة حانية يطلب منها:
"طب ممكن أعمل حاجة كان نفسي اعملها. هي حركة قدمت بس أنا كنت مقرر أحققها من زمان!"
طالعته بغرابة. فأمسك هو كفها يسحبها خلفه ناحية الخارج. فتح الباب ورغم أنها بملابس بيتية ألا أنه يعلم أن البيت لم يكن به سوى هما وشقيقته ووالدته في الأسفل وحتى الشرفة مغلقة. سحبها ناحية الخارج وابتسم باتساع لها عندما انحنى يحملها بذراعيه. وكأنه يحملها بفستان زفافها التي لم تسعد به. شهقت بقوة من مفاجأته لحملها بهذه الطريقة. واعتدل هو يقف حتى سار وأغلق الباب خلفه بطريقة مضحكة. حتى سار ناحية الغرفة مرة أخرى وكأنه مختل عقلي للتو. أهبطها حتى جلست على طرف الفراش فوقفت تعتدل بذهول وهي تسأله بضحك:
"إيه اللي انت عملته ده؟"
ضحك على نبرتها الضاحكة ووقف يسرد بتلقائية:
"شيلتك كإني شايلك يوم فرحنا. أم عز مبتبطلش تحكيلنا على أبو شـ.. على أبو عز لما شالها وضهره وجعه. وكانت كل شوية تقولي لما تتجوز ابقى شيل عروستك عشان تبقى انت المسيطر!"
ضحكت بقوة. وتراجع عن قول اسم شقيقه هذه المرة لأجلها. ضحك وهو يؤكد. ولكنه اقترب يسحبها حتى جلست بجانبه على الفراش وأكمل يصارحها بالبقية:
"بس عز بقا ضهره موجعوش. علشان انتِ في خفة الفراشة بالظبط. خفيفة في كل حتة وكل مكان حتى على قلبي!"
احمرت وجنتيها وردت على حديثه بحياء تعجز عن الرد:
"انت بتعجزني أوي وأنا.."
قاطع "عز" حديثها عندما اقترب يقبل قمة رأسها برفق شديد وقال بنبرة هادئة محبة لها وبها:
"مش مهم. المهم إني بحبك وكلامي بيربكك ويلغبطك زي كل مرة بشوفك فيها وبتلخبطيني كأنها أول مرة!"
ماذا يريد!! ماذا يريد هو. يكفي قول كلمات تفتك بها وبقلبها الجاهل. مرر يديه على ظهرها بحنان. وقال بنبرة يغمرها الحب يدندن لها بمرح طفيف يخفف عنها ما تشعر به:
"أه يا حلو يا مسليني
يلي بنار الهجر كاويني
إملا المدام يا جميل واسقيني
من كثر شوقي عليك ما بنام
حبيت جميل يا ريتني ضلّه
حاز الجمال والحسن كلّه
لما رأيت ملك فؤادي
صبرت قلبي وحملت ذلّه"
وكأن الكلمات تشرح حاله. وعلم ببراعة كيف يجعلها تتأثر. وعقب ما انتهى اقترب منها يميل هامساً ببحة رجولية هائمة بها:
"حبيت جميل وبقيت وهبقي ضله علطول!"
تعلقت عينيها بعينيه وجابت عينيه تقاسيم وجهها الجميلة. وحتى خصلاتها الذي يمرر يديه عليها الآن وكأنه يمشطها بيديه بعمق. حينها كان على وشك تقبيلها بكل لطف. كيف لها بأن لا تستسلم له بعد كل هذه الكلمات والأفعال منذ أن عرفته!!
خاصة الأفعال التي تؤثر في فتاة مثلها لم تعتد يوم على هذا النوع من الحديث. بينما الآن تتأثر كونها لم تحب أحد مثلما أحبته هي. وأكثر ما قدرته بأفعاله هو صبره حتى صبره لآخر لحظة. وكان يستعد للرفض وعدم القبول متقبلاً ذلك إلى أن تشفى هي نفسياً بالكامل. أعطته القبول وأخذ هو الفرصة. وبعد كل ذلك وبعد هذه المشاعر وحتى الوقت. جعلها ملكاً له. ملكاً لـ "عز الرجال" وتأكدت بأنها لم ولن تندم على حدوث كل ذلك عندما عهدت أضعاف الحب منه هو. عندما وجدت اللطف والحنو. والأسف!!
همسات الأسف على كل ما رأته بحياتها، وعلى كل ما شعرت به من كسرة، وعلى كل خذلان ذاقته بمرارة، وعلى كل بحة صوت مقهورة بعد كل ظلم تلقته. أسف على كل شيء عدا اختيارها له. عند هذه النقطة، ردد بهمس الوعد على أن يجعلها سعيدة راضية، وعلى أن ينفذ وصية رسول الله في معاشرتها بحياتهما معًا. "جميلة" جملت حياته، وكان هو "عز" حيث عزز الثقة وعزز كل شيء كانت تشعر بقلته.
وكأنهم يخرجون من عقبه وتأتي غيرها، ولم يقدر أي منهم على التحمل فتزول بعقبه أخرى أشد. وكأن الاختبار يعاهد على أن لا ينتهي سوى عندما يجد بأعين الجميع الرضا التام. رغمًا عن المرء يشعر بالوجع في كل شيء، حتى بأبسط الأشياء عليه. طاقة التحمل تهلك، والمطلوب كان الصبر حتى في أشد الأوقات وجعًا. مرت عقارب الساعة بسرعة، وقبل وقت هبط الكل لتأدية صلاة العشاء، ومن ثم عادوا مرة ثانية. وهذه المرة عاد الكل يجلس بشقة "سمية"، ورغم أن "آدم" جلب الدواء، ولكن أعطاه لها "بسام" و"منة"، وتركوها تستوعب تدريجيًا وهم ينتظرون بالخارج.
بينما هو وقف في الشرفة، ولأول مرة يدعو لها بالسجود بكل خوف على أن تصبح بخير حتى وإن لم تكن له. هبطت دمعته وتيقن بأن هذه الدمعة ما هي إلا دمعة الحب الذي امتزج بالخوف. رفع يديه يمسح وجهه بيأس، داعيًا بينه وبين نفسه على أن تكون بأفضل حال.
لم يكن "غسان" هنا، ورغم أنه هبط، ولكنه لم يعد إلى الشقة، بل ظل معها هناك يبعدها عن جو التوتر. جلس "حازم" بصمت ينتظرها بأن تفوق، بينما لم تفتح عينيها إلى الآن، وكانت معها بالداخل "وردة" و"عايدة". وجلست "زينات" ببكاء صامت عاجز. وترقبت أنظار الكل عندما خرج صوته بجدية يحذرها:
"لو مشيتي ورا كلام أختك مش هتشوفي مني عدل يا مرات أبويا. مفيش جواز منها لسامر، وبكل احترام قولي لها تمشي مطرح ما جت. مبقناش محتاجين كبير، إحنا كبار كفاية وعايشين ومسؤولين. عشان كده لو أختي جرالها حاجة، أو لو حد فكر يقرب منها ويغصبها على حاجة مش عايزاها، هتشوفوا وش حازم التاني اللي لا هيعمل احترام لكبير ولا صغير ولا لأم ولا لميت حتى!"
هبطت دموع "زينات"، والتزم الجميع الصمت، بينما رددت هي بنبرة باكية تبرر له:
"والله العظيم ما أعرف حاجة عن موضوع سامر ده، أنا زي زيكم أول مرة أعرف. وبعدين أنا.. أنا مش موافقة، مش عايزة غير بنتي وراحتها وبس، مش محتاجة حاجة تاني، ولا قلت غير كده!"
خرجت نبرة "ياسمين" بجرأة في التدخل وهي تلومها بجمود:
"لا، انتِ مقولتيش كده يا مرات عمي. إنتِ مجربتيش تتكلمي وترفضي أصلاً. وسيبتيهم يتكلموا عنها ويحكموا وكأنها هي اللي ليها حكم عليكي وعليها!"
"مبقفش لزهور فحاجة. هي طول عمرها كده. مقدرش أقول لا أو أعارضها. بسـ..."
وقبل أن تكمل تبريراتها، هتف "حازم" بإندفاع يقاطعها:
"بس دي بنتك! إنتي واعية؟ بلاش تخربي اللي حاولتي تصلحيه مع فريدة بطلوع الروح. المرادي مش هتسامحك ولا هتعديهالك!"
كلما يزيد الحديث تبكي بوهن وضعف وقلة حيلة. ابتلعت ريقها بخوف من القادم. في حين أمسكت "ياسمين" كفه كي يهدأ. راقب "بدر" وقوف "آدم" على باب الشرفة يتابع بصمت. بينما تدخل "حامد" يهدأ من كبر الحوار:
"إهدى ي بني، وفكر بالعقل. كده كده دي كبيرة عيلتكم دلوقتي، يعني مهما قدرت مش هتعرف تمشيها إلا ما تمشي هي من هنا. متركبش نفسك الغلط في فترة قعادهم. اللي أقصدُه يعني خليك هادي وعاقل قبل ما تعمل أي حاجة!"
حرك رأسه يومئ بتقدير لحديثه، وأخذ أنفاسه بصوت وهو يحرك عينيه نحو "بسام" وسأله بقلق:
"هتفوق إمتى يا بسام؟"
"المفروض تكون فاقت دلوقتي أو بتفوق لسة. متقلقش!"
وقف "حازم" يبتسم بتكلفة لوقوف "شادي" خلف مقعد "منة" حتى ربت على كتفيه وقال يحثه بلين:
"روح انت ي شادي. لسه قدامك طريق والدنيا ليل!"
استشعر انتظاره لأجله، فنفى بشهامة:
"إزاي بس ي حازم؟ معاك لحد ما تفوق ونطمّن عليها!"
"اسمع كلامي ي شادي. كتر خيرك لحد هنا. مش عارف أقولك إيه ولا لمنة، وحتى لبسام كمان!"
عنفه "بسام" بلوم، في حين حرك "شادي" رأسه يومئ بطاعة. ونهضت "منة" توصيهم على أن يهاتفوها عندما تفوق الأخرى. ودعتهم بالأحضان، حتى "دلال" التي استشعرت بها وكأنها والدة زوجها. أشارت لهم بسكون، وأمسك هو هاتفه يرسل لـ "غسان" بأنه سيرحل. فتح الباب ورحلا الاثنان بعدما ركبا المصعد. ولم يلبث ثوانٍ إلا اعتلى صوت جرس الشقة. فتقدم "بدر" يفتح الباب، وخرجت "وردة" من الغرفة. وعندما فتح هو الباب، نظر بضيق واضح لها، ولم تكن سوى "مروة" التي عرضت عليه للزواج منها. بل وبسبب طمع "زهور" به كونه مهندس بالسفر والخارج. لا تعلم هي أصل الحكاية!! تصنعت الرقة المبالغ بها وهي تسأله:
"ممكن أدخل؟ عايزة خالتو زينات ضروري!"
أفسح لها بصمت، ووجد نظرات "وردة" المهتمة والتي تتابع بوجع كلما تتذكر. وقفت "مروة" بالمنتصف ونظرت ناحية "زينات" وهي تهتف:
"كلمي ماما ي خالتو. بتقولك ناوية تباتي هنا ولا إيه؟"
لا تقدر؟ لا تقدر بأن ابنتها مسها الضرر؟ ابتلعت ريقها ببطء، وقالت أن لا مانع من الذهاب لمعرفة ماذا تريد كي تعود مجددًا مرة أخرى. سارت "زينات" قبلها، بينما كان "بدر" يقف بجانب باب الشقة. ولاحظت "مروة" خروج "يامن" من إحدى الغرف، وعندما هرول ناحية والده، لحقته هي وهي تنحني بدلال تحمله متصنعة البراءة وهي تقبله. حتى التقتت متعمدة وضع "وردة" على الهامش:
"يامن كبر وبقى عسول قوي يا بدر!"
وقفت "ياسمين" تأخذه منها برفق، ورددت بتبجح لها:
"قولي الله أكبر بس. عشان العين فلقت الحجر يا مروة!"
وضعت يديها على صدرها بشهقة، وقالت بلؤم وهي توزع نظراتها بينهم:
"صحيح عندك حق. عليا دي. سهيت واتلهيت. أصل فعلاً لازم نقول الله أكبر بالذات لو على واحد وحيد أمه وأبوه زي يامن كده ومش هيتخاوى أبداً!"
وقحة وفظة وجريئة عن حتى شقيقتها الأخرى، والكبرى التي تزوجت ولم تأتِ معهم. شحبت ملامح "وردة" حتى أنها سمعت صوت كسر قلبها. ارتجف جسدها بوهن من رهبة ما سمعته من جرح لها، فوقفت "سمية" سريعًا تحتويها مع قول "بدر" الجامد لها:
"بلاش شغل المداري ده. خلينا على المكشوف لإني بحذرك تتطاولي بالكلام. وملكش دعوة أنا حابب ابني يبقى وحيد وحابب مراتي. وأحب أقولك ريحي نفسك انتي واللي بعتاكي. عشان وردة مراتي الأولى والأخيرة. ودا كلامي للمرة الأخيرة بالحسنى، غير كده هتشوفي وحش!"
قلبت عينها بغير اهتمام، ونظرت نحو "وردة" بنظرة وضحت لها بأنها تقلل من شأنها. لي حين اقتربت "ياسمين" تردد لها بجمود مستفز:
"برا ي ميمي بقا. أصلك شايفة العدد ما شاء الله وانتِ مزحمة المكان أوي وأنا حامل ومش قادرة آخد نفسي. فضي مكان وخلي سرسوب الهوا يدخل من الباب اللي انتي واقفة قدامه ده!"
اغتاظت، فأشارت لها "ياسمين" مرة أخرى بكيد. حتى نظرت لها "مروة" بحدة وهي تلتفت لتخرج من الباب. في حين حاول "حازم" و"بدر" و"حامد" و"وسام"، وحتى "بسام" على عدم الضحك لما أدرفته "ياسمين"، ولكنهم فشلوا وخرجت الضحكات رغم الموقف الصعب، ولكنهم ضحكوا بيأس. فرددت هي بشموخ وهي تضع يديها على معدتها البارزة قليلًا بتعب، وقالت بغرور زائف مع اتجاهها لتجلس:
"مش عارفة من غيري كنتوا هتعيشوا إزاي في النكد ده!"
أمسك "حازم" يديها ليسندها بيأس لتجلس وهو يضحك مع رد "حامد" الهادئ بابتسامة واسعة:
"عندك حق يا بنتي. على رأي أبوكي الله يرحمه. ياسمين فاكهة البيت!"
ابتسامة تأثر زينت محياها، في نفس الوقت التي خرجت "عايدة" بها من الغرفة. ترقبت أنظار الكل، في حين هتفت "عايدة" بنبرة هادئة متلهفة:
"فريدة فاقت!"
نهض البعض، وتقدم "آدم" بعفوية. ومنعته أنظار "بدر" الذي وقف بجانب "حامد" الذي وقف يستأذن لطالما فاقت هي، مقرراً.
الزيارة بوقت آخر مادامت أصبحت بخير. خرج بهدوء ودخلت الفتيات ناحية الداخل مع النساء وحازم، في حين رحل حامد. ودخل بدر الشرفة يشير لآدم بأن يدخل معه أكثر. وقف ينظر نحو ملامحه باستفهام وسأله بجدية، يواجهه بدون مقدمات:
"إنت حبيتها ولا إيه؟"
وقف آدم يبتلع ريقه بصعوبة، في حين وجد أن الصراحة تطلب نفسها بهذا الوقت. نظر بتيهه وتعلقت عيناه بعيني شقيقه للحظات، إلى أن صارحه وهو يؤكد بقلة حيلة يعلن انهزامه أمام هذه الجريئة صاحبة الأعين التي لا تعرف الكذب، الأعين التي عجزت عن إخفاء نظرة الإعجاب منها له وتصر على العناد:
"غصب عني يا بدر، مش بإيدي!"
كان يتوقع شيئًا كهذا، ظنه يلعب في البداية كعادته. ابتلع بدر ريقه ورفع يديه على رأس آدم يمرر خصلاته وهو يزفر بصوت، من هذا الحال الذي وقع به. وسأله مرة أخرى بتوبيخ متعب لأجله:
"طب ليه مقلتش؟ ليه مكلمتش حازم من الأول وتبقى راجل يدخل بيتها من بابه؟ انت عارف الوقتي إحنا وقعنا في إيه؟ عارف لو جيت تطلب إيدها وتتقدم هيتقال إيه؟ والكلام هيتأكد إنه صح إزاي؟"
لعبها سامر ببراعة إذن. نظر بتيهه واختنقت نبرته وهو يبرر له بعجز:
"كنت ناوي أدخل البيت من بابه، بس هي مكانتش مستعدة وأنا عذرتها وصبرت. الأول مكنتش عارف ولا حاسس بحب، إنما دلوقتي أنا خايف!"
رددها باستسلام واقترب يرفع عينيه ناحية أخرى كي يخفي دمعته وهو يكمل بوجع:
"خايف تروح مني ولغيري!"
صمت بدر بعجز هو الآخر، وتنفس بصوت مسموع وهو يلين بنبرته يسأله عنها:
"طب وهي يا آدم، بتبادلك نفس الشعور؟ ولا بتوجع نفسك على الفاضي يا بن أمي وأبويا؟"
"معرفش!"
إلى الآن يجهل، قالها بسكون. وعاد يردد ما يستشعره:
"بس أنا.. حاسس إنها بدأت تعجب بيا وتتكلم معايا أحسن من كلامها في الأول، حاسس إنها ارتاحتلي وقبلتني، بس برضو لسة تايهة وبتوهني معاها!"
ابتلع غصة مريرة بحلقه عقب هذه الكلمات ووجد ذراع شقيقه تلتف حول كتفيه بمواساة وهدوء. يربت برفق، هامساً بشرود:
"اصبر يا آدم، مسير الحال يتعدل وهتمشي بتدابير ربنا!"
استند الآخر على كتفيه بتعب من كم التفكير، بينما خرجت الفتيات والنساء منسحبين. حتى ياسمين سارت لشقة عايدة معها لإعداد طعام صحي لها. في حين انسحبت وردة تنز بوجعها. وجلست فاطمة تطعم كل الصغار حتى يامن التي تركته وردة بنفسيتها التي ساءت من مجرد حديث جارح وقاسي يذكرها بالماضي كما ذكرها عودتهم. وحتى سمية التي توجهت ناحية غرفتها لتستريح. ولأن فريدة كانت بغرفة ياسمين، فكان حازم يجلس بأريحية أكثر. وعندما شعر بإنسحاب الكل، نهض يجلس برفقتها على الفراش ممسكاً كفه الدافئ، بينما هي تنظر ناحية سقف الغرفة بشرود. عندما وجدته يدلك كفها الحر غير المعلق به الإبر، ابتسمت بحنو وابتلعت ريقها تطلب منه بأعين باكية:
"متسبنيش ليهم يا حازم، أنا تعبت أوي ومش حمل وجع من تاني!"
وجعت نبرتها وتوسلها بالخفاء. ابتلع ريقه ومرر يديه على خصلات رأسها التي كشفت وقال بنبرة مطمئنة:
"مين دا اللي يسيب بنته للغريب يا فريدة؟ بقا دا كلام؟ وحياتك عندي ما حد يقدر يقرب منك ولا يغصبك على حاجة مش عايزاها وأنا موجود!"
ابتسمت على مشاكسته في طريقته لإدراج الحديث. وقرر مشاكستها أكثر عندما مال يهمس بمرح:
"طب أقولك حاجة؟ أنا عايز ياسمين تقعد تبص ليكي كده علطول عشان اللي فبطنها يطلع شبهك. عندي إحساس إنه بنت وكلهم برضو بيقولوا كده. تفتكري؟"
استطاع أن يلهيها عن تذكر الألم. ابتسمت بخفة ونظرت له بحب رغم الوجع وقالت تجاوبه:
"للدرجادي؟"
"انتي مستقلية بنفسك ولا إيه؟ متخلنيش بقا أسميها فريدة لو جت بنت!"
نفت بلهفة وهي تبتسم من بين مسكه لكفها برفق:
"لا بلاش فريدة عشان خاطري!"
ابتسم بتفهم وأهبط شفتيه يقبل رأسها برفق وقال بلطف هادئ كنبرته:
"خلاص يبقى انتي اللي تسميها لو جت بنت إيه رأيك؟"
اعتدلت تحاول الجلوس أكثر فساعدها ببطء، تزامناً مع قولها المنصدم:
"بجد؟ ياسمين هتوافق؟"
ضحك وهو يعتدل وظهرت الخشونة الزائفة في صوته وهو يجيبها بمرح:
"ومتوافقش ليه؟ خدي بالك أنا مسيطر أوي، إحنا رجالة بردو مش أي كلام. قولي بس اللي نفسك فيه ويحصل علطول!"
رفعت ذراعها الحر تعانقه بتلقائية وأعين يفيض بها الدمع. ورددت بتحشرج متأثر:
"ربنا يخليك ليا يا حازم، وتفضل سندي طول العمر!"
مرر يديه عليها بحنان. واعتدلت هي تسند رأسها على الوسادة من خلف ظهرها. شعرت بالخزي من عدم قدوم والدتها إلى الآن ولكنها تقدر ورأت بأن من الأفضل عدم قدومها كي لا تسحبهم خلفها ويحدث عواقب. نهض يفصل المحلول وامسك يدها يحرص، يخرج الإبرة عندما لاحظ الانتهاء. وضع كل ذلك بكيس بلاستيكي ولم يتعمد وضعها بالسلة بسبب الصغار. لذا اعتدل يخبرها:
"هرميهم وأشوف أكل عايدة إتأخر ليه وهرجعلك!"
هزت رأسها توافقه، وخرج حتى وجد بدر يقف مع آدم، ويبدو أنهما كانا على وشك الدق على الباب. تفهم ما يريدانه فالتفت يشير لها على حجاب رأسها فمدت يديها بتعب تضعه على رأسها. وسار هو بطريقه وهو يحثهم برفق وثقة منهم:
"ادخلوا، راجعالكم اهو!"
وقف بدر بعدما دخل وتبعه آدم الذي انهزم وجلس على الفور بقلق متفحصاً تعابير وجهها الشاحب. وردد باهتزاز تراه به لأول مرة بعدما ردد الآخر لها بحديث لبق:
"ألف سلامة عليكي يا فريدة!"
ابتسمت بتعب ولاحظت ابتعاد بدر بقصد كي يترك فرصة له عندما وجده موجوع بهذا الشكل. تعلقت عيناه بها بشدة وهمس بها يترقب باهتمام. في حين اهتزت هي أمام أنظاره وتحركت عينيها بعشوائية وبدأت تقرر بأن تعتذر:
"آدم.. أنا آسفة على كلام سامر وافتراه عليك. أنا حاولت أتكلم وأقول الحقيقة، لأنك اتدبست بمصيبة عاوز يلفقهالي بأي طريق.."
بتر آدم جملتها عندما هتف هو برضا تام:
"أنا مستعد أقع في ألف مصيبة عشانك، وألف مشكلة كمان، مادام الحل هو انت ومعايا!"
تسارعت دقات قلبها بتوتر. ولما الآن؟ لما يوترها الآن. ابتلعت ريقها بتعلثم. وعاد يسألها هو بوضوح:
"إنت موافقة على الكلام اللي اتقال ده؟"
"لأ."
نفت بإيجاز تعمدت عدم النظر ناحية وجهه وخاصة عينيه التي تشعر أمامها بأنها مكشوفة. لا يريد التهور في القول والحديث لذا لم يعد لديه القدرة على قول وترتيب الكلمات. ماذا يفعل بوضع كهذا. وجدها تتحدث مرة أخرى توضح وكأن ضميرها أوجعها كي لا تتركه مع أفكاره وحده بأذى:
"مستحيل أوافق حتى لو كلهم موافقين وواقفين ضدي. مش عايزاه حتى لو موت نفسه بمحاولاته القذرة دي!"
ربما تعطيك الأمل يا هذا. تجرأ وهيا. نفى بتردد كي يفي بوعده لعدم فتح الحوار إلى أن تصارحه بردها وموافقتها. تعمدت على أن تكشف أوراقه بطبع غير هين عندما سألته بجرأة:
"ليه بتسأل ومهتم؟"
تتصنع الغباء. ياهذه! ألا تتذكرين الموضوع الذي تم فتحه معك وذاق الرفض على يديك، بينما أصر ولم يتركك حتى عندما سمع رفضه.
أين الفرصة؟
"علشان أنا طالبك وراغبك! عشان أنا اللي عايزك وشاري!"
أخرجت الثقل الذي على صدرها بأنفاسها ونفت رغم صوتها الداخلي الذي يحثها على القبول هذه المرة:
"مش هقدر يا آدم. أنا كل حاجة جت وجاية على بقسوة. مفيش حاجة رحمتني. وخايفة.. خايفة أدخل تجربة زي دي وأظلم وأتظلم. خايفة متستحملنيش. خايفة من حاجات كتير الماضي عملهالي عقَد مبتتحلش!"
اندفع يردد بنبرة صادقة بشدة:
"حلها عندي. إديني الفرصة وشوفيني من جديد!"
وصارح بالغير مباشر:
"أنا كمان خايف. بس خايف تبقي لغيري. أنا عايزك إنتِ وموافقتك ومش عايز حاجة تاني منك بعد كده!"
ردد بطلب القبول منها من دون المشاعر. من دون الحب! هبطت دمعتها بتحسر على حالها وتشتت. وقبل أن يتحدث أكثر، دخل "حازم" مع "ياسمين" و"زينات" الغرفة! انسحب ببطء ونظر لها نظرة أخيرة يودعها بها للمرة الثانية وهو يطلب منها التفكير في الأمر! خرج إلى الخارج ووقف مع "بدر" وأغلق الحديث بإنهاك عندما قال يعلمه:
"أنا همشي يا بدر. أنا وفاطمة والعيال. ابقى طمني!"
وافق على الفور يمليه على أن يأخذ حرصه وأشار لشقيقته التي خرجت بعدما ودعت "فريدة" هي والصغار. وعقب ما خرجت زفرت "فريدة" بصوت متعب وكان صوتها الواضح ظاهر لهم عندما رددت لـ "زينات" بنفي:
"ما قولتلك لا يا ماما مش هاجي معاكي. ولا هبات هناك. أنا هفضل قاعدة هنا!"
وافقتها "ياسمين" كونها بغرفتها أمام أنظار "حازم":
"خلاص خليكي وأنا هنام جنبك!"
كادت أن تعارض "زينات" بينما وقف "حازم" قبلها يشير بحزم:
"خلاص. خليها قاعدة مرتاحة. روحي لهم انتي.. وياسمين جنبها!"
صمتت رغما عنها. واعتدلت "فريدة" كي تستلقي أكثر بتعب. فحاولت "عايدة" الخروج وهي تسحب "زينات". ووقف "حازم" يشير لـ "ياسمين":
"الأكل أهو خليها تاكل. وأنا هناك عند عايدة. لو تعبت أو في حاجة اتصلي بيا!"
"ماشي يا حبيبتي!"
رددتها بمرح. فضحك هو عليها وسمع صوت ضحكات "فريدة" اليائسة منها. توجه يعانقها بحب. وهمست هي له بمشاكسة:
"هتوحشني يا حازومي. بس يلا كله يهون عشان عمتو العقربة!"
صمتت الأخرى بضحك. وقبل هو قمة رأسها يحثها مرة أخرى:
"خدي بالك من نفسك وبلاش تتحركي كتير. خليها تاكل بس ونامي على طول!"
أشارت على عينيها بطاعة. وخرج هو إلى الخارج خلف "والدته" وزوجة أبيه. حيث إن قد خلا المكان من التجمع قليلا وكل منهم ذهب لشقته وغرفته!
"لا لسه نايمة مصحتش!"
أجاب "غسان" بذلك وهو يجلس بينهم وهذه المرة كانت جلستهم كمثل في السابق. كعائلة دافئة تنعم بالحب في التجمع رغم الصعاب. خرج قبل قليل وجلس معهم في غرفة "حامد" الذي جلس على الفراش بحانب "دلال". وفي المنتصف بشكل مضحك كانت تجلس "وسام" وعلى كل طرف من الفراش كان يجلس أحدهما. ناحية "والده" وكان "غسان" ومن الناحية الأخرى كان "بسام".
زفر "حامد" بصوت بينما رددت "دلال" تواسيه:
_"تنام براحتها يا حبيبي، خد بالك منها بس، ربنا يقومها بألف سلامة ويعدي الأيام على خير يا رب!"
مد "غسان" يديه مقترباً ليقبل كفها ببر، فمسحت على خصلاته تحت ابتسامتهم المريحة. اعتدل أكثر عندما هتفت "وسام" بسعادة رغم ما حدث:
_"بس أنا فرحانة أوي يا غسان بجد، مبسوطة وطايرة من الفرحة!"
توسعت بسمته لأجل سعادتها، وأكمل "بسام" هذه المرة بفرحة ظهرت في نبرته:
_"وأنا كمان، كلنا طايرين من الفرحة عشان الخبر ده، تخيل كده يا غسان تخلف وعيالك يفتكروني أبوهم، ياااه!!"
شعر بنشوة الشر الزائف وهو يرددها، ضحكوا عليه بقوة، ووكزت "دلال" ساقه من بين ضحكاتها العالية، فردد "غسان" له هذه المرة بلين عكس كل مرة كان يجيب بها بالتبجح وحتى المرح:
_"حد يطول تبقى أبوه يا بسام، عقبال ما تلاقي بنت الحلال ويرزقك بعيل بردو يفتكرني أبوه وداين تِدَان بقا!"
_" لا ونبي بلاش أنت، هتبوظهملي!!"
أدرفها بخوف زائف، فتعلقت عينهما معاً، وشيء كهذا انتبه له الجميع بفرحة. في حين لاحظت "دلال" سكون "حامد"، فرددت تشاكسه بمرح:
_"مالك يا حج، ساكت ليه كده ما تشاركنا اومال!"
توجهت الأنظار ناحيته، فاعتدل أكثر بملامح وجهه المريحة ووضع كفه على ساق "غسان" مردداً بصدق وسعادة:
_"أنا بس فرحان، رغم اللي حصل ده كله، بس فرحة قلبي مكانها، مبسوط ليه ومبسوط لـ "نيروز" بنتي وحبيبتي!"
تأثر "غسان" منه وقبل رأسه بتأثر تحت ابتسامة الكل، ثم عاد سريعاً يخرج من التأثر بمرح وهو يشاكسه:
_"جرى إيه يا حامد، نيروز نيروز، شكيت يا جدع إنك بتحبها أكتر مني!"
اندفعت "وسام" بمشاكسة غيورة:
_"ومني!"
من بداية الجلسة ترد له الضربات على ساقه فيرد لها. وكان "بسام" الذي عاد يضربها بمرح وطفولية هذه المرة فاندجت معه، بينما رد "حامد" عليه بصدق. وهذه المرة وقفت هي بحرج خلف الباب تخجل من الدق عليه:
_"طبعاً، بحبها، نيروز دي بنت حلال وطيبة، ربنا يصلح حالها وحالكم، يمكن مبتعرفش تعبر عن حبها أوي غير فالوقت الشديد، بس هي بقلبها ده نعمة اسألني أنا، محتاجة بس اللي يفهمها، غياب أبوها مأثر بردو، بس أنا بحاول أملى مكانه، واللي ردت بيه النهارده قدام زهور عشان تعزز كرامتي وتخلي قيمتي عندها وقصاد الكل كبيرة.. قادر يزود معزتها عندي أضعاف، لأن هي كده كده غالية!"
يلاحظ ردها هو الآخر، لكنه لم يشكرها ولم يواجهها بسبب الأحداث. تفاجأت من حديثه وأدمعت عينيها. فردد "بسام" قبل أن يهتف أحدهم بحديث آخر:
_"ربنا يخليكم لبعض يا غس، خلي بالك منها، الحمل فالأول شهور مببقاش ثابت أوي فمتضغطهاش وخليها تريح نفسها!!"
أومأ بطاعة، وعاد "غسان" يردد له بحماس غريب:
_"إحجزلي بكرة عند دكتورة شاطرة كده نتابع عندها، المفروض نروح نكشف بكرة!"
_" عيني ليك يا غس انت وابنك بس كده!"
مد ذراعه يشاكسه وهو يضم رأسه بمرح فضحكوا بخفة تحت دقات الباب من "نيروز". هتف "حامد" كونه الأكبر بامتلاكه للغرفة:
_"تعالي يا بنتي!"
علم أنها هي، من سيكون غيرها في الشقة. دخلت "نيروز" بخطوات هادئة تبتسم بهدوء. فنهض "غسان" وقاطع نهوضه إمساك والده له، عندما أشار لها وهو يتزحزح قليلاً من أسفل الغطاء يشير لهن بأن يزيحن مكان أكثر:
_"تعالي يا حبيبتي، اقعدي هنا جنبي!"
ترددت بحرج، ووقفت تنفي بخجل:
_"لا أنا هقعد على الكرسي هنا عادي، عشان تبقوا براحتكم!!"
وقبل أن يقاطع "حامد" وعائلته، هتف "بسام" بمرح يشجعها:
_"روحي دا محدش بيقعد جنبه على السرير إلا الغالي بس، حتى شوفي قعدتنا أنا وجوزك!!!!"
ضحكت كما ضحك الكل وتوجهت تحت عيني "غسان" التي تشجعها وجلست أخيراً. فرفع "حامد" ذراعه يربت على كتفها يسألها بحنو:
_"بقيتي كويسة؟"
حركت رأسها ورغم أن حملها يتضح بأنه يتضمن القيء حتى يثبت، إلا أنها تقاوم هذا الشعور، خاصة أن الأحداث الأخيرة توترها فيداهمها شعور القيء من جديد. ولكنها أومأت كي لا تقلقهم بقولها:
_"الحمد لله كويسة، متحرمش من سؤالك يا عمو!"
توجه برأسه يقبل قمتها ببر ورفق، فاعتلى صوت "غسان" بحنق زائف:
_"لا بقا كده بقا أنا هغيّر!"
ضحكوا عليه بخفة، وقالت "دلال" تشاكسه:
_"إيه يا حج، ما تسيبله مراته الله!!"
وكانت الضحكات سيدة الموقف. جذب "غسان" مقعداً كي يجلس بجانب جلستها على الفراش ووضع ذراعه عليها يحتويها بحب، بينما توردت وجنتيها بخجل. فمال يهمس من بين ضحكات وحديث الآخرين:
_"يحلاوة قلب اللي هتبقى أم لما يدق يدق!!"
اهتز ثباتها من كلماته وابتسمت حتى رفعت عينيها تنظر له وهي تردد بنبرة لينة هادئة:
_"أنا فرحانة أوي عشان انت كمان فرحان!"
لاحظ كتم تعابير وجهها، فابتسم وسرعان ما تحدث عندما لاحظ تعابيرها:
_"إنت تعبانة لسه؟!"
نفت وحاولت أخذ أنفاسها. في حين أخفض "بسام" هاتفه من على أذنيه وقال بنبرة مرتفعة يخبره:
_"حجزتلكم يا غس، بكرة إن شاء الله تروحوا على خير تكشفوا ونطمن!"
ابتسمت له بامتنان تحت حماس الكل، وأجابت "نيروز" عليه هي هذه المرة:
_"شكراً يا بسام!"
وقبل أن يجيبها بلطف، ومن بين نظراتهم انتفض الكل عندما نهضت تضع يديها على فمها بسرعة. انتفض "غسان" بخوف، بينما نهضت هي تسير بسرعة نحو الخارج. حاول "حامد" النهوض كما حاولت "دلال" وهي تردد بخوف:
_"بسم الله الرحمن الرحيم!"
هرول خلفها "غسان" بينما دخلت هي المرحاض تغلق الباب خلفها كي لا يتقزز أحدهم. في حين حاول "غسان" فتحه بسرعة وقلق، ووقفت "وسام" خلفه وتجمع الكل في الطرقة. ومع نبرة "حامد" القلقة وهو يهتف باسمها كما فعل "غسان" وهو يتحدث بلهفة من أمام الباب:
_"افتحي يا نيروز، خليني أشوف مالك!!!"
وضع "بسام" يديه على كتف "غسان" وتعمد الهدوء والسكون كي يشعره بأنه أمر طبيعي ليحدث:
_"متخافش يا غسان، ده أمر طبيعي فأول الحمل لحد وقت معين وهتبقى تمام، حصل كده قبل كده؟"
هز رأسه بنعم بلهفة، فأشار له مردداً بنبرة هادئة:
_"طب اطمن عليها، على ما أجيب لها برشام يهديها وميكونش مضر للحمل وعلى ما تكشفوا بكرة.. ثواني!!!"
تركته بسرعة ودخل غرفته، في حين وقفت "دلال" خلفه مع "حامد". وردد "غسان" بإنفعال بها هذه المرة وهو يطرق على الباب:
_"ما تفتحي يا نيروز الزفت ده، بلاش أم القلق ده على المسا..!!"
أمسكت "دلال" ذراعه كي يهدأ قلقه وقالت تخبره بسكون:
_"براحة يا بني، تلاقيها اتحرجت حد منا يقرف، أنا هروح أفتح أوضتك وأوضب سريريك كده ووسام هتعمل لها حاجة تشربها وخليك معاها وهي هتفتح لما متلاقيش غيرك!"
أشارت لـ "حامد" فتفهم وسارت "وسام" سريعاً ناحية المطبخ، في حين ردد هو بلين أهدأ من السابق:
_"يا نيروز افتحي خليني أطمن عليكي، محدش معايا كلـ.."
وقبل أن يكمل فتحت الباب بملامح مرهقة فأسندها على الفور بلهفة. بينما أدمعت عينيها من عزم التعب والإنهاك. لم تكن لتعلم أن الحمل متعب لهذه الدرجة. أسندها بخوف وهو يمرر يديه على ظهرها حتى دخل بها ناحية الغرفة. أجلسها على الفراش برفق. ومدت "دلال" كفها تزيح حجاب رأسها بحرص وهي تطمئنها:
_"معلش يا حبيتي، كل ده بيحصل فأول الحمل لبعض الناس، استحملي ربنا معاكي يا بنتي!"
ابتسمت لها بإنهاك، وأشارت لـ "غسان" كي يساعدها في أن يخلعا عنها عباءتها.
وبالفعل خلعها الاثنان بحذر. وتمددت هي على الفراش بمساعدته رغم حرجها. فردت عليها "دلال" الغطاء. بينما جلس "غسان" واضعاً كفه على معدتها والآخر على جبهتها يسألها بخوف وقلق:
"حاسة إنك أحسن؟"
أومأت. ودخلت "وسام" سريعاً تناولها كوب المشروب الساخن. فنظر لها بإمتنان. ولاحظت "دلال" مناداة "بسام" من على بعد. وقبل أن تتوجه أخذ "حامد" منه الدواء ودخل هو يعطيه له بلهفة وهو يحثه:
"اعطوهالها يبني وخليها ترتاح عالآخر. خليكم بايتين هنا النهاردة!"
"هعمل كده!"
وافقه "غسان" بكلماته هذه. وانسحب الكل وأغلق "حامد" الغرفة ليتركهما. بينما ساعدها "غسان" سريعاً بأن تجلس باعتدال حتى جلست وتجرعت من الكوب ومن ثم أخذت القرص بهدوء. إلى أن اعتدل وجعلها تعتدل لتستلقي مجدداً. نظرت بخجل على الموقف وحتى ما فعلته. علم ما تفكر به هي وما شعرت به فأهبط شفتيه يقبل رأسها برفق وقال يطمئنها:
"دي حاجة غصب عنك. ارتاحي وبكرة إن شاء الله هنروح نكشف ونطمن!"
لاحظ اصفرار وجهها من جديد. ونظر بشفقة لها فمسد على خصلاتها برفق. بينما ردت هي بلطف شديد تحث نفسها على التحمل كما تحثه بطريقة غير مباشرة:
"كله يهون قصاد إن اللي فبطني يكون بخير ويجي بالسلامة!"
ضحكت بخفة. وتعب واعتدل هو يستلقي بجانبها ينظر لها باهتمام. وواصلت تكمل بمشاكسة طفيفة تخبره:
"مافيش حاجة ببلاش يابن البدري!"
ابتسم وعادت أنفاسه بعد الحبس. واستند يقرب رأسها منه لتستند على كتفه وردد هو بصراحة بالغة:
"عندك حق. بس انت وصحتك عندي بالدنيا. يمكن مش حاسس بيكي بس خايف عليكي أكتر من أي حاجة. ربنا يهون عليكي أيامك يا نيروز!"
دعا لها وردد اسمها بهدوء متخوف دون سخرية. ابتسمت بحب وحاوطت كتفيه من الأمام بذراعها وهي تستند بتعب. ورددت بنبرة منخفضة منهكة:
"بحبك وانت بتخاف عليا أوي!!"
شاكسها بمرح، نابساً بنبرة خشنة هادئة:
"دا أنا خوفت والست خافت وكلنا خوفنا!"
"الست؟"
رددتها باستنكار. وأكد هو وهو يحتويها بذراعه مردداً بهدوء يسألها بعدما أكد:
"آه. عارفة قالت إيه؟"
"إيه؟"
رددت بتعب وهي تبتسم بارتياح. ودندن هو بهدوء يخبرها:
"وبين الليل وآلامه..وبين الخوف وأوهامه..بخاف عليك وبخاف تنساني
والشوق إليك على طول صحاني!!"
ابتسمت "نيروز" بلطف. وقالت بحب شديد له كالعادة:
"ثبتني يا بن البدري. بس إنت عرفت خلاص. أنا عمري ما هنساك!"
توقفت عن الحديث ثم رفعت عينيها لأعلى حيث عينيه بعدما كانت تستند عليه وسألته بجدية شغوفة:
"عارف ليه؟"
أجاب "غسان" بنعم هادئ وهو يحرك كفه:
"آه عرفت!!"
كان واثقاً عندما حرك كفه يجيب بنعم ويؤكد عندما وضع يديه على معدتها. فابتسمت تؤكد وتثبت ما جاء بعقله بقولها المفسر:
"بالظبط. علشان اللي موجود هنا منك. فبقى صعب أنساك. وحبل القرب اتربط بالقوي المرادي يابن حامد البدري!!"
حديثها أصبح غير هين على قلبه الضعيف تجاهها. خاصة أن مشاعره مختلطة بفرحته المختلفة الذي يجربها ويعيشها لأول مرة. كل مرة ينعم بها وبقربها بعيداً عن أي جو مشحون بالسوء والشدة وينجح هو في كل مرة بأن يكون معها وأن يجعلها بعيدة عن مكان الوجع. كل مرة يمتن للقدر الذي جمعه بها حتى ولو كانت ليست هينة بطباعها وانهزم هو بعدم قدرته على كره ذلك بها. ورغم أنه يخاف ويهاب من القادم وبالأخص بسبب عودة أقاربها إلا أنه يطمئن كونها معه. يسعد لشعور بأنه في المستقبل سيكون أب لطفل مجهول جنسه. يختلف وحياته تختلف جذرياً معها وبسببها هي ولا شيء يضاهي لحظة الاطمئنان وهو جوارها وهي جواره. بل ويطمئن أكثر من ناحية أخرى وبكل فرح عندما سمع الآن بطريقة ما أنه أصبح صعب نسيانه. أصبح صعب نسيان حدة الشباب هذه المرة.
حالها ينقلب وأمس غير اليوم. تتسلل بمثل هذا الصباح كي لا يراها أحد وهي ترحل. ربما هروب منهم أو من مكان الوجع أو هروب من ما هو آت. أم ماذا؟
وبنفس المكان التي تسللت به وقفت به العائلة بأكملها بخوف من عدم وجودها بمفاجأة. كانت هنا أمس أين ذهبت؟ أين رحلت مجدداً؟ حتى هو لا يعي ما يحدث. أين ذهبت هي ولما يشعر بالخوف الشديد هذه المرة؟ وكيف ترحل بعد حالتها في الأمس؟
وهل فقدها أم ستعود؟
وكأن الكلمات لها هي التي تعاني سراً وجهراً. الاثنان معاً. ما حدث لها أمس متعب ومنهك لأعصابها. عودتهم في السابق كانت لا تؤثر بها بينما الآن كل شيء تغير حتى عودتهم بالنسبة لها أمر بات صعب عليها بعد أن كان العكس تماماً. من ناحية "زهور" وفتياتها أما هو فكانت ومازالت تبغضه بسبب ما كان يحاول فعله بالخفاء. دناءته تفوح منه منذ زمن. خاصة أنها تغيرت وتتغير ومازالت تخفي لهم أسرار من نواحي أخرى لا يعلمها سواهم.
حالها ينقلب وأمس غير اليوم. تتسلل بمثل هذا الصباح كي لا يراها أحد وهي ترحل. ربما هروب منهم أو من مكان الوجع أو هروب من ما هو آت. أم ماذا؟ باتت لا تعلم ما يجري داخلها من تناقض وياليتها تعلم نهاية هذا المطاف. الهواء المنعش الآن يداعب بشرتها يشعرها بالأمان قليلاً بعدما استيقظت في الصباح الباكر تتسل كي تخرج إلى الخارج بمفردها. تعلم أن حركة مثل هذه ستقلب الحال ولكنها فاض بها فأرادت الجلوس بمفردها بعد كم الضغوط التي رأتها وشهدتها معهم وعليهم. ساعدها نوم "ياسمين" الثقيل وكانت هي ترتدي ملابسها المناسبة للخروج لذا ارتدت حجابها عليها فقط وخرجت بعيداً عن المبنى حيث جلسة تريح بها العقل. ولكن كيف؟ بات مستحيل راحته وحتى القلب أيضاً لم يهدأ بعد منذ أن سلب منها أعز ما تملك.
تركت الكل واختارت نفسها ولكن هل ذلك الذي جاء على فجأة سيختارها ويتمسك بها بالإجبار؟ أم ماذا؟ كلما ينشغل عقلها بهذه الأسئلة يضيق صدرها. ورغم أنها تعلم أن "حازم" لم ولن يتركها إلا أنها تفكر جدياً في عرض "آدم" عليها. والآن تفكر للمرة الثانية بطريقة مختلفة ولكن الثابت كمثل طريقتها الأولى أنها ستظلمه. قارنت ووضعت الأمران أمام بعضهما.
سامر لا يؤتمن بينما الآخر تري به سكون. رجل يفعل الآن المستحيل من أجل شقيقته وأولادها ويتمسك بها هي من ناحية أخرى بعد حادثها الأليم. تري به خصال لم تراها حتى في شقيقها من الوالدين وبعضها كان لا يوجد في والدها أيضاً. لما يتمسك رغم أنها تختلق أعذار؟ لما يصر على العرض والطلب بينما هي لا تمل ولا تكل في ترديد حديث جاد جامد بالرفض؟ وأحياناً أخرى يكون حديث قاس موجع مؤلم ليتراجع. ماذا ماذا فعل هو؟ ماذا يريد منها كي يتحلى بكل هذا الإصرار؟ بالنسبة لها أمره عجيب بعد فقدانها الثقة والأمان بصنف الرجال أجمع. صعب. صعب جداً أن ترد هذه الثقة بسهولة.
شبه ابتسامة ساخرة تظهر كلما تقارن مرة أخرى. في السابق كانت سجينة تود الخروج والهروب من مكان اعتدى عليها فيه. بينما الآن سجينة الخوف لمرة أخرى. سجينة الأفكار على الرغم من أنها حرة تستنشق الهواء الحر.
اتسع صدرها من هذا الهواء وتنفست بصوت مسموع، وملابسها تتطاير منه. وهي تقف تنظر ناحية البحر، والتي اختارت له مكانًا أبعد من المبنى كي تنفرد بنفسها. فرت دمعة منها وهي تتذكر كل شيء بأسى.
"بحر علم الله أحمد كل من يلقاه يسعد
حوضك الصافي المبرد للذي يعشق محمد
يفتح الله الله العوالم في إمام للمكارم لجميع الرسل خاتم الحبيب مولاي محمد خير خلق الله طه مثل شمس في ضحاها
هذه الدنيا نراها في ضياء من محمد
أكحل العينين أدعج نوره المحبوب أبلج
أشنب الأسنان افلج فاق رسل الله محمد وجهه يا ناس نائر سيدي مولى مولى البشائر
دخرنا نور البصائر اسمه الهادي محمد
قدره العالي المفضل وصفة الغالي الغالي المكمل
وحي ربي قد تنزل للحبيب مولاي محمد فضله عم النواحي لظلام الكفر ماحي
في الصحارى والبطاحي اشرقت
أنوار محمد صلي يا ربي وسلم على النبي خير البرية."
"عليه أفضل الصلاة والسلام."
الصوت العذب كان بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم. التفتت بكامل جسدها تنظر نحو العربة التي، وللجمال، تمتلكها سيدة خمسينية بشوشة الوجه. تملك العربة التي كانت عليها أسماء مزخرفة عربية، لتُعلق بميدالية خشبية أو بشيء بسيط. ورائحة الدخان المعطر التي تشعله هي تتخلل أنفها بعد أن تخلل سمعها مدح المصطفى. أسندت السيدة العربة على بعد قليل من وقفة "فريدة" التي ما زالت تستمع إلى المدح للنبي. فرت منها دموعها هذه المرة ربما تأثرًا أو يقينًا، لا تعلم. لكنها تعلم أن الحال يضيق، والله يسمح لها بأن يشرح صدرها بهذه الكلمات الطيبة مع المنظر الرائع في هذا الصباح البهيج. تفاجأت بعد لحظات من الشرود بها وهي تمد يديها لها بزجاجة مياه صغيرة بلاستيكية مع قولها اللين الطيب:
"إمسكي يا بنتي اغسلي وشك وفوّقي كده، محدش واخد منها حاجة!"
فعلتها بمنتهى البساطة. مسحت "فريدة" وجهها بسرعة، والتقطت منها الزجاجة بغرابة من فعلتها الهادئة. لم تسألها مثلاً ماذا حل بها؟ هكذا جاء بعقلها. بينما وكأن الأخرى تعتاد على ذلك. زفرت السيدة بصوت مسموع وابتسمت بهدوء كنبرتها التي خرجت:
"لما كل يوم ألاقي ناس بنفس الحال دا كده واقفة تبص للبحر والدموع بتنزل من غير استئذان!"
انصتت بإندماج، في حين تابعت السيدة تكمل حديثها:
"تبقى صعبة الدنيا أوي وبرغم وسعها بس ضاقت على كتير أوي. وما ضاقت إلا وربنا فرجها."
أشارت بذراعها ناحية البحر بغير اهتمام، وركزت عينيها نحو عيني "فريدة" تخبرها بأسى داخلي وهي تشير لها ناحية البحر بأمواجه الهادئة بشدة:
"صاحب الأيام والشقى بس محبوش!"
حديثها عشوائي لحد كبير. ربما لها أسبابها الخاصة. ترقبت "فريدة" لحديثها الواثق، وفهمت مغزى حديثها فردت بحرج تبرر لها:
"منظرة بيريح الواحد."
ابتسمت وقالت وهي تسحب المقعد الخشبي لتجلس عليه:
"بس ملهوش أمان زي الدنيا بالظبط، وفي الآخر البني آدم بيزعل وهو عارف من الأول إنهم بياخدوا أكتر ما بيدوا."
يتضح بأنها تحمل بين طيات حديثها الكثير والكثير. ابتلعت ريقها وأكملت ثرثرتها التي سلبت تركيز "فريدة" إليها:
"البحر ده خد مني الضنا. ابني كان شاب جميل وحليوة كده. أما الدنيا بقا فـ دي بعدت عني بنتي اللي من ساعة ما وعيت وهي شايفة إن عيشة أهلها مش عدل لحد ما اتجوزت ومشيت وكأنها ما صدقت تستعار مننا ومتعرفناش تاني!"
ابتلعت "فريدة" ريقها بشفقة، وتفاجأت من ثبات هذه السيدة. وبخفة وجدتها ترفع يديها تقبل باطنها وكفها مرددة برضا تام:
"بس عمري ما قولت غير الحمد لله رضا. أصله ساترني مش حاوجني ومهما خد مني ببقى عارفة إنه هيراضيني!"
ربما هذه رسالة لها. أعجبت بحديثها العميق وتجرعت من الزجاجة بسكون حتى انتهت، فأخذتها منها السيدة ونبست بنبرة مشرقة:
"صباحك سعيد. ولا أي حاجة تستاهل دموعك تنزل!"
توسعت ابتسامتها ووجدت الأمل من حديثها الجاهل عن حالها. ربما أرسلها الله في طريقها. نظرت لها بإمتنان، وقالت بشكر:
"شكرًا!"
تلاحظ دقات الهاتف التي تتعمد تجاهله. لم تضغط عليها السيدة بل ابتسمت بلطف. في حين ترقبت عيني "فريدة" باهتمام وهي تسألها:
"ممكن أشوف الأسماء دي!"
"يادي الكسوف لكاكه أنا دايماً كده وأخدتك فدوكة. قومي طبعاً بينا نشوف.. بس ألا صحيح هو إنتي اسمك إيه؟"
ابتسمت "فريدة" وهي تنهض محركة عينيها على المساحة التي توجد بها ما تبيعه السيدة. وردت على سؤالها وهي تتعمق النظر بالبحث عن اسم معين:
"فريـــدة!!"
"اللهم صلي على النبي. اسمك جميل يا فريدة. هدورلك عليه. تعالي!"
اتجهت أكثر، وعلى الرغم من أن هاتفها يدق عالياً، إلا أنها تتجاهله. تنفست بعمق، ووجدت الأخرى تمط شفتيها بأسف:
"مش موجود. إنتي عارفة؟ أنا بشطب آخر اللي معايا عشان أروح أجيب شغل جديد تاني!"
أثارت شفقتها، ومدت يديها تأخذ البخور المعطر بين يديها بابتسامة لطيفة وقالت بنبرة هادئة:
"ولا يهمك هاخد دول!"
اتسعت ابتسامة السيدة وسرعان ما عاق أنظارها مرة أخرى اسمه هو! هل يوجد اسمه ولا يوجد أسماء توأم شقيقته؟ بحثت عنهما ولم تجدهما. وعندما ترقبت أنظارها بلهفة لوجود "أدهم" لم تجده بل كان "آدم"! وبكل تلقائية مدت يديها تلتقط اسم "آدم" ثم رفعت عينيها تكمل:
"وده كمان هاخده!"
"إنت تاخدي اللي انتِ عايزاه يا حلوة. العربية كلها تحت أمر عيونك!"
ابتسمت بحب لها ووضعت يديها خلف حافظ الهاتف، تخرج بالأموال منه بعدما رأت هوية المتصل وتجاهلت مرة أخرى. مدت يدها للآخري كي تأخذ منها، بينما نظرت لها بسعادة. فبخفة راضتها في حين اتجهت هي الأولى لتراضيها. أخذت منها وهي تقبل يديها من الأمام والظهر علامة على شكر الله على هذه النعمة في الصباح. تمسكت "فريدة" بهم جيداً، ووقفت وقبل أن تتحدث وجدت الهاتف يدق مرة أخرى. لذا تنهدت الثانية تنظر لها بلطف، ثم قالت تنصحها:
"ردي يا بنتي. طمنيهم عليكي. ريحيهم ترتاحي!"
زفرت بصوت يعلن عن مدى إنهاكها، واعتدلت تؤدي بعدما أومأت بالإيجاب:
"شكراً لإنك خففتي عني. عاوزة حاجة قبل ما أمشي؟"
"آه.. عاوزة أجي المرة الجاية ألاقيكي بتضحكي وبتشاركي البحر فرحك ويا سلام لو مش لوحدك! الدنيا دي يبنتي عايزة ونس. صاحب كده لو ميتلي يشيلك. الوحدة وحشة أوي. الرحلة محتاجة اللي يخفف عنا مش اللي يوقع دموعنا. فهماني يا فريدة؟"
أدمعت عينيها وكأن الأخرى تشعر بما يجتاح عقلها وقلبها. أومأت بنعم، وتحركت عينيها نحو كفها الذي يتمسك باسمه وكأنه معها. لا تعلم لما اختارت اسمه ولما قررت بإندفاع أن تبتاعه. ربما قدر ونصيب!
لوحت لها بيديها تشير لها بالوداع وعقدت العزم على أن تأتي هنا مرة أخرى كي تراها مجدداً. كانت تعتقد بأن الأمل زال من الحياة، أو الأمان في الناس قد اختفى، ذرة الخير ضاعت! ولكنها تيقنت بأن هناك ما تبقي من ذرة الخير في أشخاص قلة. أشخاص قلة يساعدونها على أخذ قرار لشخص آخر لا يعلمون عنه شيئاً، وهي من تعلم عنه وحدها كل شيء!
رفعت الهاتف بيأس كي تجيب وهي تسير في طريقها إلى حيث ما أتت منه.
"ألو.. أيوة يا حازم!"
"إنت فين ومبترديش على الزفت اللي في إيدك ليه من أول مرة؟"
صرخ عليها أمام كل الواقفين بشقة "سمية" في هذا الوقت المبكر. حالته مفزوعة بطريقة هادئة مريبة عندما جاب عقله كل شيء، خاصة هروبها قبل فترة لهلاكها. وبنفس المكان التي تسللت به وقفت به العائلة بأكملها بخوف من عدم وجودها. بمفاجأة، كانت هنا أمس. أين ذهبت؟ أين رحلت مجددًا؟ حتى هو لا يعي ما يحدث. أين ذهبت هي، ولماذا يشعر بالخوف الشديد هذه المرة؟ وكيف ترحل بعد حالتها في الأمس؟ وهل فقدها أم ستعود؟ عقلهم مشتت، وبالأخص عند تذكرهم لحالتها المرضية أمس. حتى "زينات" التي انسحبت تراها ولم تجدها، فزع الجميع. حتى أن من كثرة تأخير ردها، دق على هاتف "آدم" ربما فعل فعلة مجنونة وسارت معه لخروج غير مفهوم. يعلم طبيعة اندفاع "آدم" جيدًا، كما يلاحظ قربه من شقيقته، ولكنه تركها كي يأتي بنهايتها. وقفت "ياسمين" بخوف من تحول "حازم" الغريب، وحتى "حامد" الذي جاء معه "بسام" و"دلال" و"نيروز" مع "غسان" عندما علموا الخبر من شقيقتها ووالدتها. ونهضت مع عائلته بنهاية تناول الإفطار معهم. أجابت "فريدة" على الجانب الآخر بخوف متلعلثم من لهجته الصارخة المرتفعة:
"إهدي يا حـ..."
"في لحظة تكوني موجودة قدامي، سامعة ولا مش سامعة؟"
"حاضر قولتلك جاية في الطريق وقربت."
أمرها مجددًا بلهجة أمره وزفر بصوت مسموع حتى أغلق الخط. رفع يديه يمررها بخصلاته وهو يرى بكاء "زينات" منذ أن علمت الخبر. وضعت "عايدة" يديها على كتفيه كي يهدأ وهي تردد بنبرة هادئة:
"إهدي ي بني الحمد لله إنها ردت وطلع خير، متخافش!"
وقفت بصمت يحرك عينيه على الجميع. فبلحظة كل شيء انقلب مرة أخرى، وجيد أن الآخرين لم يستيقظوا بعد حتى يشمتوا بخروجها دون علمهم وخوفهم بهذه الطريقة يثير لشماتتهم بقوة. حرك عينيه بجمود وأجاب بإنفعال ظهر في كلماته ولم يدرك أن الواقفة أمامه هي والدته:
"المفروض أعمل إيه لما نصحى مش على بعضنا ونتفاجئ إن الأبلة مشت؟ ما عملتش حساب لأخوها تستأذن مش بدل ما تقع من طولها في أي حتة بره ومحدش يعرف عنها حاجة. إحنا كنا فين وبقينا في إيه؟ دا كتر خير الدنيا بقا على كده إن عمتي وولادها مش صاحين وإلا كان الكلام طلع واتحرف عليها. وهي عارفه دا. محدش يجي جنبي بقا لما تجيلي. عايزة تخرج تفك عن نفسها أخرجها أنا. لكن متنساش إن امبارح كان متعلق لها محاليل ولسة في حوار كشف وفحص، والنهاردة راحة تخرج في الدُرى وسايبة الواحد مع دماغه يفكر هي فين وحصلها إيه وكمان مردتش إلا بطلوع الروح!!!"
عنفها في عدم وجودها وكل ذلك كان خوف عليها لا أكثر. ابتلعت "ياسمين" ريقها وأثار غرابتها ذلك ولكنها منفعل بشدة قوية لهذا السبب وأسباب أخرى منها توجب ذهابه اليوم بالمحكمة مع الشباب لحكم الإعدام على "شريف" دون علم أحد من العائلة.
وعلى حديثه الأخير دخل "آدم" مهرولًا من باب الشقة بعدما جاء منذ أن أغلق الهاتف. دخل يسأل شقيقه بلهفة عليها. فسحبه خلفه بعيدًا كي لا يلاحظ أحدهم هذا الاندفاع. ابتلعت "نيروز" ريقها ووجد البعض أن معه كل الحق. في حين اقترب "غسان" يمسك يديه كي يجلسه على المقعد مرددًا بحزم:
"إهدي ي حازم خلاص بقى. كويس إنها تمام. لما تيجي ابقى عاتبها بينك وبينها. إنت دلوقتي بتزعق ومحموق على أمك وهي أصلا مش موجودة. روق دمك وبراحة!"
نظرت "عايدة" بعجز وهي تربت على ظهر "زينات" بمواساة كي تهدأ. في حين أيد "حامد" و"بسام" الحديث. أسندت "وردة" "ياسمين"، لتجلس. في حين أشار "غسان" لـ "نيروز" بأن ترتاح. صمت "حازم" متحليًا بالسكون على الرغم من أن خوفه عليها كان السبب الأول، ولكنه يشعر بضيق الأركان عليه. يتحمل لكثير ولديه ندبات ظاهرة وأخرى مخفية لا يريد أن يظهرها كي لا يعلم أحدهم. ومع ذلك يتوجب عليه التحمل وحماية من حوله حتى بنفسيتهم.
"خلاص ي جماعة مش مستاهلة كل القلق ده. الحمد لله إنها طلعت بخير ومحصلهاش حاجة وكمان قريبة من هنا وجاية في الطريق!"
حاول "بسام" قولها كي يهدأ الوضع أكثر. في حين خرج "آدم" مع "بدر" من الشرفة وسأل "حازم" بإهتمام:
"لسه مجتش؟"
"لأ!"
رددها بإقتضاب. تزامناً مع خروجها من المصعد وهي تبتلع ريقها بخوف. دخلت "فريدة" بخطوات هادئة ساكنة. وعندما نظر لها الكل ابتهجت ملامحهم. في حين قبل أن يقترب أحد، وقف "حازم" بإندفاع ليقترب منها حتى أمسك معصمها يسألها بحدة:
"كنتي فين؟"
تعلثمت من منظره وحتى لهجته التي تثير خوفها. في حين حاولت إخراج الحديث منها بغير فهم لهذه الحالة وقالت بارتباك كي يهدأ هو:
"إهدي بس ومتتعصـ.."
"بقـــولك كنتي فين؟!!"
قاطعها بحزم واقترب الشباب و"حامد" بترقب. أما هي فتجمعت الدموع بمقلتيها من طريقته ورددت تجيبه بصراحة:
"خرجت أتمشى شوية لوحدي أشم شوية هوا."
لم يترك معصمها بل وبخها بجدية صارمة:
"من غير ما تعملي حساب لينا. تشمي هوا عادي جداً وتسيبينا لدماغنا تودي وتجيب. ما هو لو كنتي بتردي بسرعة ومتقلقيناش مكنش دا بقا الحال. خارجة إزاي يعني كده من دماغك ومنك لنفسك؟ إنتي ناسيه إنتي كنتي في إيه امبارح وحالتك كانت عاملة إزاي؟!!"
هبطت دمعها تنفي وقالت بتبرير عندما ترك معصمها بفصل "غسان" كفه عنها:
"مقصدتش أقلق حد عليا. أنا كويسة محصلش حاجة. لكن مفكرتش إن حد هيقلق عليا أوي كده. أنا كنت بس عايزة أقعد لوحدي شوية!!"
"يا بنتي هو حد يعمل اللي عملتيه دا فوقت زي ده. عالأقل كنتي ردي حرام عليكي قلبي نشفتي دمي. ربنا يسامحك!"
رددتها "زينات" وهي تتوجه تقف بالمنتصف وبطريقة ما جعلته يبتعد عنها عندما دفعتها بأحضانها كي لا تبكي. في حين وقف "غسان" يوبخه في نظراته مع الآخرين حتى وقف يستمع للحديث دون أن ينبس شيئًا. أما هي فجلست بأحضان والدتها وتوقفت عن البكاء وهي تمسح وجهها برفق. في حين جلبت لها "وردة" كوب من المياه وبقية أقراص لم تأخذها أمس. حثتها على أخذها برفق. في حين انسحب "حازم" معهم ناحية الشرفة ووقف ينصت لقول "حامد" المتعقل:
"إهدي يبني وهدي نفسك مفيش حاجة مستاهلة. ومتخليش اللي مش موجود يبقى موجود ويكبر الموضوع على حاجة انتهت خلاص!"
برر "حازم" سريعًا بخوف مستسلم بعد كل هذا الإنفعال:
"ي حج حامد أنا خايف عليها. بقيت بخاف عليهم. لإني مش حمل إني أتوجع فحد تاني والله!!"
ربت على كتفيه بتفهم. في حين خرج صوت "بدر" بعقل هو الآخر:
"خلاص يعم الموضوع انتهى. قوم يلا عشان نفطر ونقعدلنا شوية حلوين كده تروق فيهم وبعد كده نروح المحكمة معاك!"
أيدوه حيث يعلم الجميع. في حين تعالى صوت "غسان" بخبرهم:
"أنا هروح أنا ونيروز نكشف. استنوا على ما نيجي عشان نمشي سوا بإذن الله!".
حرك رأسه مؤيدًا ونهض يخرج معهم. في حين وقف "آدم" يبتلع ريقه وللمرة الثانية على التوالي تحبس أنفاسه بسببها هي. لا تود الراحة أبداً.
"قومي يا ياسمين عشان تاخدي علاجك. تعالي!"
رددها "حازم" وهو يساندها برفق للشقة الأخرى تبعته "عايدة" ولم تغفل "فريدة" عن.
نظراته المتساءلة منها سيأخذ موقف. على أية حال سندها ورحل مع والدته.
وبقت هي جالسة بعدما انسحبت "وردة" مع "سمية" إلى المطبخ لإعداد الفطور.
بينما نهضت "زينات" بعد قولها المحفز لها وهي تنظر إليها بإهتمام:
"قومي يا فريدة. قومي غيري هدومك دي يلا. شكلك مبهدل من إمبارح ي بنتي!"
رفضت بحزم وهي تصر على الجلوس.
ولاحظت خروج "دلال" و "حامد" و "بسام" من الباب.
رفعت عينيها تواجه عيني "والدتها" وقالت بصراحة شديدة ترفض:
"أنا قولت مش هدخل الشقة دي طول ما هم موجودين فيها. سيبني فحالي بقا!"
رددتها بإستسلام للتعب وضيق مرة أخرى.
فأشارت لها بلهفة كي لا تنهار مرة أخرى ووقفت باعتدال تخبرها:
"خلاص.. خلاص خليكي أنا هجيبلك غيار من هناك تغيري هنا. خليكي شوية وهرجعلك."
هرولت سريعا.
وكل ما تريده هي ان ترضيها خاصة أنها تلاحظ إنهاكها بنفسيتها ولا تود خسارتها مرة أخرى.
خرجت وأغلقت الباب خلفها.
بينما اقتربت "نيروز" تحاوط كتفيها بإحتواء.
وبهذه اللحظة تشعر بها كثيرا عندما تذكرت كل رغباتها في الخروج لتبقى بمفردها:
"متزعليش. أنا حاسة بيكي والله. أوقات الواحد بزهق من كل حاجة ويبقى عايز يمشي لمكان محدش يعرفه لمجرد بس إنه ينفرد بنفسه. أنا كنت كده. وحازم مش قاصد حاجة. حازم واحنا كنا هنموت من القلق عليكي ي هبلة انتي!"
أخرجت "فريدة" أنفاسها بصوت عال وهي تتنهد بتعب وقالت بيقين من إنفعال شقيقها:
"أنا عارفه يا نيروز ده. بس أنا فعلا مش قادرة حاسة إن كل حاجة متقفلة فوشي. أنا تعبت ومبقتش قادرة أستحمل أي حاجة!"
لم ترفع يديها تبادلها العناق بسبب تمسكها بكفها إلى الآن باسمه بين يديها.
لذا لم تستطيع أن تربت عليها ولا تريد أن تكشف.
وكأنها تعتبره سر لا تعلم هي بأن من حولها بعضهم يعلم ما يشعره "آدم" تجاهها.
حتى بمجرد النظرات التي كشفته أمامهم.
مثل الٱن عندما كانت تخمن بأن من تعانقها لا تعلم.
بينما مالت "نيروز" تهمس جوار أذنها بـ:
"طب بصي وراكي كدة!"
التفتت بحركة تلقائية تنظر حتى وجدت "غسان".
يقف بجانب "آدم" يحدث أحدهم على الهاتف من المحتمل مقر عمله.
بينما "ٱدم" ينظر إليها بشرود عميق.
حتى أنهما ينظران وهو لا يلاحظ ذلك بل يشرد بها من على بعد.
ارتبكت في الخفاء وهي تعود برأسها تنظر مدعية عدم الفهم.
في حين نهضت "نيروز" بعدما غمزت لها بخفة تخبرها ما تعلم أن الٱخري تعلمه وتشتت به أيضا:
"وقع خلاص!"
حركت أنظارها بعشوائية حتى عادت تقابل عدسة "نيروز" البنية التي تواجهها.
فرددت وهي تنهض تهرب من الحديث:
"هو مين ده أصلا!"
ودلاله على عدم الاعتراف بذلك لم تنتظر الرد على السؤال بل انصرفت بعيدا مدعية النظر بمرآة ما توجد في الصالة كي تعدل الحجاب.
ضحكت "نيروز" بخفة.
ووجدته يودع "ٱدم" ويتوجه ناحيتها حتى قال مرددا بهدوء:
"يلا احنا نطلع علشان نغير ونلحق نكشف!"
وقفت "نيروز" تبتسم له بلطف.
وجدته يشملها بنظراتها ووجدت الأسف في عدم قدرته على الاحتفال بشكل ألطف بسبب الظروف!!
نظرت نحو كفه وسألته بفضول ولم تغفل عن حديثه الهادئ اللطيف في الهاتف:
"كنت بتكلم مين؟"
إعتدل "غسان" يضع الهاتف بجيب بنطاله الرياضي المريح وحاوط كتفيها حتى سار معها إلى الخارج تزامنا مع رده الصادق:
"إنچي. لإني مش هعرف أروح الشغل النهاردة!"
اغتاظت بطريقة ليست ملحوظة وتنفست بهدوء تام وقالت تسأله بنبره هادئة بشدة كي تخفي مشاعرها:
"بجد؟ وقولتلها ايه بقى؟"
إلتقط غيرتها التي مازالت إلى الآن ورغم أنها خفت تجاه المدعوة بـ "انجي".
الا أنه يري غيظها باختلاطه في العمل مع صنف النساء خاصة الفتيات التي من نفس عمرها وأكبر.
فهن يتدربن تحت ادراته هو!
التقت "غسان" غيرتها بعدستيها ونظر بتسلية وهو يتصنع عدم الاهتمام وقال مبتسماً على فجأة يخبرها بجرأة صريحة:
"قولتلها إني معجب!"
والعادي بالنسبة لعقل تمتلكه هي حاولت كتم غيظها ونظرت ببرود يعتاده منها أغلب الوقت، بل والمفاجئ هذه المرة أنها صمتت لم تجب، تحلت بالصمت وتجاهلته، فعاد هو يردد مجدداً يضغط نقطة ما بداخلها تحاول اخفاءها هي:
"وقولتلها كمان إني بحب وواقع!"
حركت "نيروز" كتفيها ببساطة وبرعت في ردها عليه هذه المرة بـ:
"وتقولها ليه؟ ما هي عارفة!"
"عارفة إيه؟"
تنهدت تتحلى بالثقة أكثر والثقل الذي يليق له، وابتلعت ريقها تتوجه برأسها ناحيته أكثر ورفعت بنيتها تهتف جملتها بثبات، أخذته منه:
"عارفة إنك معجب وواقع وبتحب، بس مش فانچي بنت أم إنچي!!"
كانت عفوية بطلاقة لذا أطلق ضحكة رجولية عالية وسألها بمراوغة:
"أومال في بنت مين؟"
قلبت عينيها باستخفاف، تكتم ضحكتها على ضحكته وحركت رأسها تجيبه بغرور زائف مقلدة نبرته في قول هذا اللقب لها بطريقته:
"في بنت الأكرمي!!"
غمز لها "غسان"، في الحال بإعجاب، وردد بعبث يجاريها:
"طب وربنا صادقة!"
كاد أن يقترب ليقبل وجنتيها ولكنها أخفت قناع المرح الذي يجتاحها بالضحك على عبثه وقدمت سوارها على فجأة ناحية عنقه فتوقف سريعاً ينظر لها بذهول، وقبل أن تتحدث هي بتعنف سبق هو وردد بجملة يرددها لها ماضي وحاضر:
"قلبك أسود أوي يا بنت الأكرمي!"
"مش أسود من قلبك يا بن البدري!"
انحنى برأسه يقبل يديها المعلق بها السوار الحاد فتراخت على الفور وهي تعود لسابق عهدها، وابتسمت من هذه المشادة العبثية، وحركت عينيها ناحية الداخل فلم تجد أحد يتابع، عادت تنظر بعينيه وهو يبتسم يشير لها بالخروج، فسألته هي بجدية هذه المرة:
"قولتلي بقا هتروح فين مع حازم وبدر بعد ما نكشف؟"
كادت أن تسأله مجدداً وهو يدخل المصعد بعدما فتح حتى دخلت هي معه وأغلق عليهما ولكنه رأى الفضول بعينيها عن ما يخص ذهابه مع "حازم" والشباب بعد الكشف لذا خرج عن محور هذه النظرات وشاكسها بقوله يبعدها عن الحوار بتشتيته:
"لا بس انت حلوة أوي النهاردة كدة ليه؟"
"قصدك إني مش حلوة طول؟"
وكأنها تتحدث بجدية شديدة، كيف؟ هرمونات الحمل وبهذه السرعة؟ لا يعقل، حديث بينه وبين نفسه عندما كبت ضحكته ينفي يجاري عقلها وهو يفتح باب الشقة بالمفتاح:
"إنت حلوة فكل الأوقات يا رزقة!"
"ثبتني يا بن البدري!"
قالتها بخجل وهي تغلق الباب خلفها، واستطاع أن يغير مجرى الحديث في حين بأنها ليست هينة، ولم تغفل عن قرارها بأن تسأله مجدداً!!!
بينما في الأسفل، وجد نفسه بمفرده في الشرفة أما هي فكانت تقف تطالع ملامح وجهها بالمرآة تعدل الحجاب أكثر، ابتلعت ريقها وهي تتذكر تلميح "نيروز"، لها، ألهذا الحد يتضح عليه وهي تتعمد تجاهله بكل جمود؟ ومنذ متى تشفقين على مشاعر لا تهمك من الأساس؟ حركت كتفيها بغير علم للسؤال، وتنفست بصوت مسموع ونظرت نحو اسمه الذي يوجد بين كفها، لاحت ابتسامة عفوية عليها وكلما تشعر بأنها تنساق وراء مشاعر لا تود تحديها من الأساس تنهر نفسها.
وعلى الرغم من أنها تعلم بأنه في الشرفة إلا أنها اتجهت تدخلها بثقة، فوجدته يوليها ظهره ناظراً بشرود آخر، ودت مشاكسته ولكن بجدية شديدة عندما كررت جملته الذي قالها لها من قبل في صباح الأمس:
"اللي بيسرح دا يا بيحب يا إما بيحب!"
علم أنها خلفه منذ لحظات، ضحك عندما علم مخزي حديثها وأخفى بسمته الواسعة سريعاً وهو يلتفت، ونهرها بتلقائية، ويبدو أن هو الآخر تفكيره من نفس تفكير "حازم" في شعوره بالخوف عليها:
"إنت إزاي تنزلي كدة من غير ما تقولي لحد وتسبيهم قلقانين عليكي؟"
"وانت مالك!"
عادت تكرر الردود بتبجح واستفزاز، زفر بصوت مسموع يخفي عيظه من برودها وعاد يصارح بكلمات قليلة:
"إنت تهميني!!"
يود أن يربكها، باتت ترتبك في حضرته بسهولة نظرت "فريدة" أمامها بصمت، وتعمدت عدم النظر له ولا لوجهه وخاصة عينيه، حينها أجابته بجرأة لحديث صريح تخبره به:
"أنا قولتلك اللي عندي، وحتى لسه مدتكش الرد اللي مستنيه لو مكنتش سمعت الرد أصلاً!"
في حين بأنها تشتت وتشعر بأشياء لم تفهمها إلا أنها تضغط نفسها بوجع مخفي كي تردد هذه الكلمات التي بدت قاسية عليه، إندفع يشير بيديه وكأنه ينفجر بما يتحمله لأجلها من حديث:
"هو انتي بتعملي فيا كده ليه؟"
هزمها نبرته التي ظهر بها الألم ولم تستطع تعمد التبجح في الرد هذه المرة بل رددت بأعين لامعة من الدموع العالقة التي لا تود هبوطها، رددت بكل صراحة واستسلام تخبره بكلمتان فهم مخزاهم جيداً:
"علشان تبعد!"
أخرج أنفاسه ومرر يديه على وجهه بتيه وردد بنبرة مختنقة من الرفض:
"بس أنا مش عاوز ابعد، افهمي ده، افهمي اني عايزك ومش عايز غيري يفكر فيكي ولا يطلبك حتي لو ده مش هيحصل، أنا حاسس انك بتعلقيني فالفاضي شوية كلام هادي وشوية ترفضي حتي البصة فوشي، انتي مش عارفه انتي عايزه إيه.. بس لو قدامك فرصة توجعيني بكلمة مبتفوتيهاش يا فريدة!!"
وأكمل يصارحها دون حرج، يخرج بما يشعره صراحة:
"مع اني متمسك بيكي بس انتي بتعلقيني بيكي ساعة وساعة تانية تبعديني، أنا مش عايز كدة ي بنت الحلال أنا مقدرش على التعب ده وبرغم كل ده عايزك ومش قادر اتخلى عشان فاهمك وعارف انه مش بمزاجك!"
كيف يدخر كل هذه المشاعر المختنقة ومنذ متى من الأساس؟ غريب هو وهي من سألت نفسها وأجابت رغم ألمها هو الآخر، فرت دمعتها بوجع وصارحته مجدداً بما لا يعرفه:
"أنا معلقتكش بيا انت اللي مصمم وكل اللي حصل مني أنا عملته عشان مش عايزة أوجعك بعدين، إرحمني يا آدم، أنا خايفة، خايفة أوي لإن الماضي مرحمنيش وسايب أثر فيا مش قادرة أشيله، متلومنيش على كل ده. أنا واحدة اتكسرت من الدنيا ومحدش حاسس بكسرتي دي من كل النواحي، أنا مش قابلالك واحدة زيي يا بن الناس!"
مسحت دموعها باستسلام في آخر حديثها، وابتلعت ريقها، وسمعته يردد بنبرة شديدة الهدوء يخبرها مجدداً للمرة الذي لا يعرف عددها:
"أنا قابلك بكل عيوبك اللي انتي شايفاها سبب للبعد، قابلك زي ما انت كدة، عايزك على الحال ده."
بس ادي نفسك فرصة واديني أنا كمان الفرصة
متوقفيش نفسك على اللي فات
فكري فبكره
وان جيتي معايا لبكره وايدك مسكت فإيدي عمري ما هخليكي تندمي
ودا وعد مني ليكي ولأي حد يعارض
يتمسك بطريقة غير طبيعية هكذا تري وتري ان خسارته كبيرة
ولكنها لا تريد ضغطه
إبتلعت ريقها بتعب
وصمتت عكس المرات السابقه التي كانت تردد بها بالرفض دون الاستماع لباقي الحديث
أخرج علبة المناشف الورقية وقدمها لها بلطف
وقال بنبره هادئه خاليه من مشاعر مؤلمة يشعرها الٱن
امسكي امسحي وشك
قدمت كفها الذي يوجد به إسمه
ولٱن أعصابها تفقدها بطريقة ليست ملحوظة حاولت التوازن بين العلبة وبين القطعة الخشبية التي توجد بكفها وعليها اسمه ولكنها وقعت منها أرضا
كانت لا تود ان يراها ولكنه حرك عينيه نحو ما وقع وانحني سريعا
بتلقائية ينظر نحوها وآلتقطعها بخفقات قلب عالية لا تسمعها هي
بل رفع رأسه بغير تصديق يسألها بنبره ظهرت بها مشاعره اتجاهها
دي عشاني؟
نفت سريعا
بإرتباك شديد تحاول اخفاءه تحاول أخذها منه باندفاع
ولكنه أبعد يديه على الفور
لأ!
عادت تسكن بعد حركته هذه
وهربت بعينيها وهي تمسح وجهها تخفي توترها الذي أصبح يظهر أمامه بسهولة
بينما نظر هو لها بتمعن وقال بنبره مبتسمة هادئة لينة يكرر ما قاله لها من قبل
اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكدبوا!
لا بيعرفوا!
رددتها بإصرار دون النظر له
فأشار لها بنفس الإصرار وهو يهتف بطلب
طب عيني فعينك كدة!
كانت لا تعلم كيف لبت غرضه وطلبه ونظرت له بعمق عينيه
طالت النظرات بينهما وردد هو بحديث ٱخر تحت تأثره بالنظر لها ولعينيها التي زينت بلمعة الدموع
سألها بلهفة محب يريد سماع الجواب لطلبه وعرضه
صدقيني أنا مش عايز غيرك
امسكي فإيدي بس واديني الأمان وعمري ما هسيبها
بس ترتاحي وتقولي ارتاحت ووثقت
سيبيلي فرصة بس اخليكي تاخدي كل ده!!
ابتلعت ريقها بصعوبة
تحت تأثير كلماته
وكأنه شعر بلحظة شرودها فردد يسألها بلين كي ترضخ وتأمن وتترك المتبقي له هو
إمتى هتريحي قلبي وتديني ردك؟
تعلقت عينيها بعينيه
ورفعت يديها ببطئ تمسح وجهها برفق
وقالت بتلقائية دون التفكير بذلك ولكنها تعلم أنها لن تندم على إجابتها هذه والتي كانت
بليل
بعد ما تيجي من الشغل
تحت فمحل الورد!
تحركت شفتيه بابتسامة هادئة
وحرك رأسه بقبول وانتظار مع قوله الهادئ
يبقى اتفقنا!
تنحنت بحنجرتها ومسحت انفها وكأنها جعلته يصمت الٱن عنها لا تعلم هي ما القادم لها
فتحت عينيها بذهول
عندما سمعته يردد لها بكل تبجح
بس أنا لسه عند رأيي
شكلك مش حلو وانتي بتعيطي!
وكأنه كلما يمر الوقت بينما يردد لها بحديث كان قد قاله لها من قبل
أخفت ذهولها المستنكر لقوله بهذه الكلمات في هذه اللحظة تحديدا
وقالت هي الٱخري بإستخفاف
وانا لسه عند كلامي
محدش طلب رأيك!
وأنا بردو قولتلك..
تناست طبيعة رده في هذا الحديث وقالت بتلقائية تعلن غرابتها وهي تسأله
قولتلي ايه؟
ان رأيي أمر مفروض
إجباري يعني يا شاطرة!
ضحك بإستفزاز بعد هذا القول وخرج وتركها بعدما نجح في ان يثير غيظها
وقفت تنظر نحو أثره بابتسامة لطيفة لا تعلم كيف خرجت
ولكنها سمعت قول "سمية" المتلهف له بعد حديث "بدر" له بأن يجلس قليلا
ما تقعد ي بني إفطر
دقيقتين والفطار يجهز!
أنا الحمد لله فطرت من بدري
ولازم أروح الورشه دلوقتي
مع السلامة
ابقي كلمني يا بدر لما تيجي تجهز انت و حازم!
أشار له بالوداع وأغلق الباب خلفه وهو يتمسك ويتشبت بالقطعة الخشبية بين يديه بابتسامة هادئة غريبة قليل ما تظهر على شفتيه
تجاهلت "وردة" قوله الٱخير رغم فضولها ولكنها تتجنبه منذ أمس
رغم انه لا يوجد لدية ذنب ولكنها جرحت من الكلمات السامة أمامه وإمامهم بكل وجع
خرجت "فريدة" من الشرفه ونادت "وردة" عليها بعدما ذهبت "سمية" ناحية المطبخ
تعالى ي فوفو أقعدي علشان نفطر يلا!
رددتها بلطف
فأومأت لها "فريدة" بموافقة
تزامنا
مع توجها بمرح
وهي تنحني لتحمل "يامن" لتقبله بحب
حيث كان يتوجه ليتمسك بساق والدته بينما هي لحقته تحت بسمة "بدر"
الهادئة وهو يقترب حتي جلس على مقعد السفرة مرددا بتعقل
لها
متزعليش من حازم يا فريدة
كان خايف عليكي
شوية ويرجع يهدي
انت عارفه لما يتعصب ببقى عامل ازاي
بلاش تحطي فنفسك انتي عشان متتعبيش تاني ويحصللك حاجة
الحمد لله عدت على خير وخلاص!
ابتسمت وهي تجلس على المقعد الذي أمامه ووضعت الصغير بمرح
أمامها بحب
تداعبه مع ردها الهادئ
عارفه يا بدر
شكرا على كلامك ده
أنا فاهمه أنه كان خايف
يمكن انا غلطت اني طنشت فعلا
ومردتش على اتصالاتكم أنا ٱسفه بس كنت محتاجة وقت مع نفسي شوية أقعد فيه!
نظر لها بتفهم
وقدم ذراعه لـ "يامن" كي يأتي له في حين سمعتها "سمية"و",وردة" وهما يأتيان ببقية الصحون من على بعد
وخرج صوت "سمية" لها بلطف
متزعليش يا حبيبتي
كله بيعدي ولا كأن اللي حصل حصل
كلي انتي بس عشان صحتك
يلا بالهنا والشفا
وأيدت "وردة" بعشم
وحب صادق لها
أيوة. ولإن في علاج بتاخديه بعد الأكل برضو
ربنا يشفيكي ويخفف عنك يا حبيبتي!
نظرت لهم بإمتنان ولو شعرت بشئ في هذه اللحظة لشعرت بالندم على عدم استيعابها لنقاؤهم وحبهم لها منذ زمن
وان كانت تعي وقتها لما كان حالها هو حالها الحالي التي تحاول التعايش والتأقلم به
توقعت بأن الحياة ستقف عن كسرها عند هذه النقطة ولكن لا تعلم هي بأن نهاية هذا اليوم خاصة
عليها هي ليس هين!!
ماذا الٱن؟
لاشيء
ان ارتاح في أحضانك
هذا هو الحال!!-من رسائل كافكا إلى ميلينا-
لم تنعم هي براحة إلا بين ذراعيه بين أحضانه وإحتوائه لها
صدق من سماه عز الرجال في الأخلاق وحتي طريقته وطباعه وخصاله
لم تشعر تجاه أحد من قبل كمثل ما تشعر تجاهه
بدأا حياتهما كأي زوجين طبيعين والألطف بالنسبة لها عندما تذكرت أنها شاركته في الصلاة ووقف هو إمام بها
صوته هادئ في القرٱن
خاشع متيقن
كان لٱخر لحظة لا يربد ضغطها بينما هي من عرضت عليه القبول أكثر من مره
ورغم انها جاهلة بمشاعر كثيرة إلا أن حبها له يظهر بصدق
في عينيها الذي يشعر وكأنه تائه عند النظر إليها
لم تعهد منه منذ ان عرفته إلا اللين
لم يحدثها بطريقة ليست محببه لها
لم يصرخ عليها لأسباب قد فعلتها تثير حنقه
كل ما يفعله هو تعمد الصبر الشديد وكما كان من قبل تعمد عليها الصبر أيضا بشدة هذه الفتره
والٱن بهذه الساعة وهذه اللحظة جابت عينيها تنظر ولم تجده بجانبها
علمت أنه إستقيظ ليهبط او للمرحاض من المحتمل!
ومن ما تشعر به من حرج قررت عدم النهوض خلفه ربما ذهب ليدخن سيجارته كعادته فالخارج بعيدا
عن الغرفة وعنها.
تنفست "جميلة" بعمق
ونهضت ببطئ
من على الفراش حتي انحنت تعدله بترتيب
وحرص إلى ان طوت الغطاء بتناسق ووضعته علي. حافة الفراش
عدلت ملابسها التي ترتديها أكثر
ومرت يديها على خصلاتها التي تركتها خلفها كي تجف
ووقفت لبرهه أمام المرٱه تنظر نحو وجهها المتورد وحتي ملامحها التي تعود للإشراق مجددا
الشئ التي تتأكد منه أنها لم ولن تندم على خوض هذه التجربة بوقت كهذا
تتأكد بأنها تتعافي وقت بوقت وهو بالٱخص لا يعد حملا عليها
بل هو الذي يخفف عنها الأحمال والأثقال بمجرد إحتوائه لها وهي تتنفس براحة بين ذراعيه تسند رأسها على كتفه وكأنها تملك الحياة وما عليها من طمأنينة!
لم ترد الخروج رغم أنها أخرجت ملابس بيتيه لترتديها ولكنها جلست مجددا على الفراش تحاول الإتصال بوالدتها وعقلها منشغل به: أين هو؟ ولم تأخر؟ لم تخرج هي من الأساس؟
وعندما لم تجيب والدتها على الإتصال، نهضت تفتح باب الغرفة لتبحث عنه حتى سمعت صوت بالمطبخ فتوجهت بهدوء. حتى نظرت له بابتسامة هادئة وهو يوليها ظهره بكتفيه وذراعيه المكشوفتين بسمار بشرته.
"ويا ترى بقا هتفضل كده علطول ولا فالاول بس؟"
إلتفت "عز" وكانت اللفافه بين شفتيه وكأنه لا يترك الفرصه. ترك المقلاة من بين يديه وابتسم باتساع، يطفئ سيجارته واقترب بسعادة ينظر نحو وجهها ممعنا النظر لتقاسيم وجهها وردد وهو يمد كفه يتمسك بيديها والٱخر يمرره على خصلات شعرها:
"ده صباحية مباركة يا عروسة!"
إبتسمت بحياء، ورفعت عينيها تنظر له بصمت، إلى أن عاد يرد علي حديثها بصراحة:
"مش عارف بصراحة، بس قولت أعمل زي ما بيعملوا فالأفلام والمسلسلات!"
شاكسته بحياء يروق له عندما توسعت ابتسامتها وجلست على المقعد في المطبخ:
"يعني مش عشان خاطري؟"
ضحكت عقب ما قالتها، بينما جلس هو أمامها مستندا وتلمس بشرتها بحب، حتى قال بصدق نابع لمشاعره التي ظهرت في نبرته لها:
"وعشان خاطر المدام طبعا، أنا مبسوط أوي والله، يارب تكوني إنتي كمان مبسوطة زيي ي جميلة!"
تمسكت بكفه فرفعه هو الى شفتيه يقبل باطنه تزامنا مع قولها وهي تنهض لتقف:
"أنا كمان مبسوطة، عشان معاك وليك يا عز، ربنا يخليك ليا وتفضل كده متتغيرش، إنت العوض من ربنا ليا، كل يوم بحمد ربنا عليك."
هابت فراقه كهوس بعد فقدان والدها فجأة، توجهت برأسها تستند على كتفيه المكشوف وقالت بنبره متحشرجة:
"يارب منخسرش بعض ولا نتوجع فبعض ونفضل مع بعض طول العمر!"
مرر يديه على ظهرها بنعومة ملابسها و برفق وشعر بها، ضمها بشدة بكلتا ذراعيه وتنفس بصوت مسموع وهمس جوار أذنها وهي تستند عليه:
"عمري ما اسيب الجميل اللي بقيت ليه ضل!"
تحركت "جميلة" ترفع رأسها لتنظر له بينما مال هو يقبل وجنتيها بحب وقال يحثها برفق:
"يلا نفطر، تحبي ناكل هنا ولا فالأوضه!"
"أي مكان، المهم تفطر كويس انت علشان تنزل شغلك، أكيد إتأخرت النهاردة!"
رددت ٱخر حديثها بخجل، بينما وضع هو الصينينة على طاولة المطبخ وجلس وهو يدفعها برفق لتجلس تزامنا مع قوله المفسر:
"لا مش رايح النهاردة!"
علمت أنه أخذ عطلة قصيرة، ابتسمت برضا وتفهم، ومدت يديها تبدأ بالبسملة، في حين حثها هو برفق:
"وميمنعش بردو تذاكري مادتك الجاية دي ولا ايه؟"
يحثها برفق على الإهتمام بمستقبلها، ابتسمت بحب على إهتمامه وتناولت معه الطعام برفق وهي تومأ بطاعة، في حين رددت هي بتلقائية قلقة:
"عارف، م.."
"لا بس هموت وأعرف والله!"
ضحكت بصوت عال على مشاكسته، وعادت تردد من بين نبرتها الضاحكة:
"ماما مش بترد عليا، مع انها بتصحي بدري جدا، قلقانة يكون حصل حاجة من عمتي وولادها!"
سردت عليه مختصر أقاربها بعد صلاة الفجر وهما يجلسان سويا، لذا تفهم وقال بنبره مطمئنة:
"متخافيش تلاقيها مش سامعة التليفون بس، سيبك من قرايبك دول وفكك منهم خالص، دا الحمد لله انك بقيتي فبيت عز الرجال بعيد عنهم!"
ضحكت مره أخرى بيأس، وناولها بيديه لقمة صغيره حتي تناولتها من بين أنامله بهدوء، وعادت تسأل هي بإهتمام:
"ليه فرح مطلعتش زي كل يوم قبل ما تروح المستشفى؟ هي مش هنا ولا ايه؟"
ابتسم "عز" على سؤالها وعاد يناولها مجددا وشاكسها مره أخري بجدية مرحة:
"لا موجودة، بس محدش بيزور العرايس فالصباحية بدري كده!"
ابتلعت ما بفمها ولم تتعمد النظر إليه بل ٱخبرها وبطريقة ما أنه أخبر والدته بإتمام زواجه، نهضت تلتفت كي تغسل يديها تزامنا مع قولها الهادئ دون النظر له:
"أنا الحمد لله شبعت!"
كاد أن يعترض بينما لم تعطه الفرصه، اتجهت ناحية الغرفه سريعا كي تجلب ملابسها لتبدلها لتقابل من يأتي بعدما علمت"حنان"!! نهض يغتسل ورحل خلفها حتي دفع باب الغرفه برفق ووجدها تقف تتمسك بملابسها بيديها، وضع كفية على كتفيها ولا حظ هو خجلها الزائد الأقرب إلى الخوف ولكن ليس منه بل من الفكرة نفسها التي أصبحت مكشوفة قليلا، بينما لا تعلم هي بعاداتهم رغم انها أقرب من طبقته إلا أنها فعليا تسكن بحارة شعبية عكس عمارتها التي كانت بها. وقبل أن يتحدث بشئ يخفف عنها وجدت الهاتف يدق عاليا، ابتسمت له بحرج، بينما انحني هو ليلتقطه ونظر بعفوية ناحية اسم المتصل فوجده "والدتها" ابتسم وهو يعطيه لها وقال يخبرها:
"دي مامتك، هسيبك تكلميها براحتك!!"
تنهد بصوت وأشار لها بأنه سيخرج في حين خرج وأغلق الباب خلفه تاركا لها الخصوصية لتتحدث مع والدتها في الهاتف ولأنها تقترب من فهم ما حدث لـ العادت جيدا، علمت أن من المفترض ان تأتي والدتها بزيارة ومشتريات عدة لوالدة "عز"، بعد كل ذلك الوقت من بعد وفاة والدتها وبالٱخص بعدما أصبحت زوجته فعليا، نوت إخبارها على أية حال كي تسير وتأخذ التقاليد مجراها بينهم وكي لا تستنكر والدة "عز" شئ لهم!!
"ما قولتلك مشوار يا نيروز، اسكتي بقا، من امته وانتي عايزه تعرفي كل حاجة كدة!!!!"
ليس من طبعها الفضول! تأفف منها. نظرت له "نيروز" بحزن وهي تقف بمنتصف الغرفة بعدما تجهزت قبل وقت للخروج، وقف "غسان" يضع مشط الرأس تزامنا مع هذه الكلمات بينما رددت هي بغير راحة له:
"علشان عندي احساس بعدم الراحة ي غسان، حاساك مخبي عليا حاجة!!"
جاب عينيه وجهها وجسدها بالكامل بنظرة ساكنة وتنهد يخرج أنفاسه بهدوء مرددا بإقتضاب يحاول تجنب الضرر لها بأقل شئ وأقل حديث:
"يلا عشان بسام مستني تحت!"
يتجاهل. إغتاظت من طريقته ورفعت يديها تشير له بإنفعال:
"انت بتتجاهلني ليه؟ ما ترد عليا وتعبرني!!!"
زفر "غسان" بصوت مسموع، ولأول مره يتغاضي عن حركة يديها التي تثير انفعاله بل أمسك يديها برفق يحتويها بين كفه وقال يجاريها كي لا تتعب مجددا:
"مش بتجاهلك يا نيروز، بس إفهمي انه موضوع كدة بنخلصه سوا بعيد عن العيلة والحوارات ووجع الدماغ، ومتقلقيش مفيش حاجة تقلق ولا رايح أخونك من ورا ضهرك، مرضية كدة؟"
يفهم معنى نظراتها جيدا، تركت كفة بجفاء ورفعت عينيها تواجهه بإصرار:
"انت بتاخدني على قد عقلي؟"
أغمض "غسان" عينيه بنفاذ صبر واعتدل يدخل هاتفه بجيب بنطاله وقال بتأفف صريح:
"لا، دا لو الحمل بيعمل كده واحنا لسه فالأول فكده هيبقي كتير أوي، كتير!!"
تركها وخرج من الغرفة يخرج حذائه كي يرتديه، اما هي فتجمعت الدموع بمقلتيها كيف يتجاهل حديثها بها الضيق، لم لم يفهمها بهدوء، مسحت دمعتها الحساسة وهي تنسحب خلفه تسأله باختناق:
"انت مش مستحملني ليه ي غسان، انت بردو مفهمتش اني مش عايزه أقعد في البيت طول ما هم هنا وانت مش موجود معايا، متسبنيش!!!"
لم ترددها صراحة، لم تصارح بخوفها مباشرة!!
ابتلع ريقه ووقف لبرهة يعي ما قالته.
"تخاف في عدم وجوده؟"
ابتلع ريقه وتقدم يمسك رأسها بحنو. حتى اقترب يقبل قمة رأسها برفق. وقال يطمئنها بإندفاع يخفف عنها:
"خايفة من إيه يا رزقة؟ عليا الطلاق لو حد لمس شعرة منك لأدفنه هنا في شقة زينات!"
ورغم أن قوله مرح وجاد بنفس ذات الوقت إلا أنها نفت بسرعة تخبره:
"مش عايزة كده. أنا مش عايزة أتأخر. مش عايزة أقعد مش مطمنة!"
رددتها بحدس أنثوي لم يهتم لهذا الحدس بما هو قادم. بل تنهد واهتم لقلقها وهي بهذا الوضع. حتى ابتسم يحاوط كتفيها يحاول مراضاتها بكل الطرق:
"خلاص. هوديكي عند جميلة بعد ما نكشف تقعدي معاها شوية. وأما نرجع هاخدك. مرضية تاني كده؟"
بالفعل تريد الجلوس معها منذ فترة تفتقدها. ابتسمت وهي تومئ له بينما مال هو حتى اقترب يقبل وجنتيها بمرح. وغمز لها بمشاكسة. يردف لها:
"ابقى تعالي دوغري يا بطل ومتلفيش وتدوري. مش حمل اللف والدوران أنا. كفايا دوخاني في حبك!"
ضحكت كالمختلة وعينيها تلمع إلى الآن بدموعها. أمسك "غسان" يديها يديرها بحرص. لفستانها الهادئ بلونه الداكن وقال يغير من نمط نفسيتها الحالية:
"بس إيه الحلاوة دي!"
ابتسمت "نيروز"، بخجل. وتأثرت من محاولاته الكثيرة للتخفيف عنها بسبب إعياءها وحملها. لذا ابتلعت ريقها ببطء. وقالت قولها المعهود بتأثر:
"ثبتني يا بن البدري!"
ضحك "غسان" بخفة. وهبطت عينيه لمعدتها الغير بارزة. بل وضع هو كفه هذه المرة ليمرره على معدتها بسعادة. فوضعت يديها على يديه وسألته قائلة بحماس:
"مبسوط؟"
نظر لمشهدهما في المرآة وركز ببطء عندما همس ووجدته يميل برأسه من خلفها يردد بجانب أذنها:
"إنت شايفة إيه؟"
"شايفاك أول مرة تكون بالحماس والسعادة دي. رد فعلك فاجئني علشان دايماً بيقولوا الأب مش بيحس بالأحاسيس دي إلا لما يشيل طفله على إيديه لأول مرة. لكن الأم فرحتها وحبها فطرة. بس أنا فرحانة أوي لكن مش قادرة أعبر زيك. إنت فاهمني صح؟"
محققة بقولها. ابتلع ريقه بهدوء. وصمت يستوعب ما قالته. ربما معها حق وسعادته هذه شيء وعندما يحمل طفله شيء آخر.
"فاهمك ومبسوط مش بس عشان هبقى أب زي ما بتقولي. سر سعادتي أكتر إن أي كان اللي هيجي ويخليني أب فهو منك إنت مش من حد غيرك!!"
أدمعت عينيها بتأثر من عمق كلماته التي تزيد من خفقات قلبها وكأنها مراهقة الآن بين ذراعيه يحتضنها لأول مرة!! مشاعر متضاربة وهي هي الوسيط التي تتشتت ولكنها سعيدة وفقط حتى بسعادته. هذه. حركت رأسها ناحية رأسه بالجانب فوجدته يؤكد حديثه بنظرة عينيه على هذا الحال. فتعلقت عيناهما معا. وحاوط هو بذراعه منتصف جسدها بمعدتها وخصرها. أما هي فنطقت بأمنياتها على هذا الحال وهي تري وضعهما في المرآة:
"إحنا حلوين أوي يا غسان واحنا مع بعض. متبعدش"
قصدت فراقه بأي طريقة؟ ابتسم وقال بثبات. هادئ يطالع عينيها مردداً. بثقة:
"مش هبعد. أثبتلك؟"
لم يعطها فرصتها بل بات اقترابه منها بشدة. قاربت على فهم ما يرمي إليه بحديثه العبثي الذي يثبتها كالبلهاء لا تستطع فعل شيء. اندمجت بما فعله على فجأة رغم صدمتها في البداية. عالم آخر وردي اندمجت في قبلته لها وعقلها يخيل شكلهما بالمستقبل وهم بأطفال معا. أما هو فكانت هذه الطريقة الوحيدة بهذا الاندفاع كي يثبت لها قوله. قليل ما ترى منه حديث غزل جاد هائم بل عادة ما يكون مرح مشاكس وعبثي لذا لا تتسارع دقات قلبها على الدوام. بينما بالجدية تعتقد بأنها مازلت فتاة لا تتخطى الخمسة عشر عام!!! فعلة جريئة كهذه وهما على وشك الخروج جعلتها ترتبك في الحال ولكنها لم تمنع. لذا في انخراطها بهذه المشاعر وأفكارها سندها بذراعه وعندما ابتعد قليلا. بوجهه نظر ناحية المرآة وصوت أنفاسه يلفح بشرتها. أما هي فحاولت إخراج هاتفها تهرب بعينيها منه وصوت أنفاسها العالية يسمعه هو. سألها بعبث شديد وهو يطالع وجهها:
"إتأكدتي؟"
تورّدت وجنتيها ورفعت رأسها تتحلى بالثبات وقاومت حتى ردت بحديث آخر:
"إتأكدت من حاجة واحدة بس كنت متأكدة منها!"
تتمسك بتعابير وجه ليست من حالها الآن. حركت عينيها ببطء. تنظر ناحية الهاتف فعاد هو يسألها بضحكة خافتة متسلية:
"إيه هي؟"
"إنك قليل الأدب يا بن البدري!"
إعتلت ضحكات "غسان" الرجولية بصوت. بينما هي من أخرجت هاتفها من حقيبتها هذه المرة. ووقفت تعتدل على هذا الوضع حتى اخذت الصورة بحب. إعتدل بعدها. وإنحني يبحث عن حذائها حتى كادت أن تنحني فمنعها سريعاً بلهفة:
"خليكي أنا هجيبه. متوطيش!"
مد ذراعه يسحبه. سحب أول ما وجده دون أن يخيرها. حتى جلس مستنداً. ليضعه أمام قدمها في الأسفل. ابتسمت بتأثر له وإرتدت بمساعدت يديه الحانية وحينها مررت يديها بخصلاته إلى ان إعتدل وهو ينهض مردداً. بابتسامة عابثة:
"مرتاحة فيها؟ ولا أشيلك جوه قلبي وخلاص؟"
قهقهت بصوت مسموع من مداعبته هذه في الحديث. ولأن قليل ما تخرج ضحكتها بقوة. ولكن اذا ضحكت تجعل من أمامها يضحك على صوتها دون سبب وهكذا ضحك هو بسعادة. فعادت تتحدث بنبرة بها أثر الضحك:
"مرتاحة كده وانت شايلني جوه قلبك. الاتنين يا غسان!"
عانقته عقب كلماتها هذه. فعانقها هو بحب. دون ان يشد بعناقه لأجل ما بها. وخرجت تقبل وجنتيه بسعادة. وشعر هو بحماسها الذي يخلق بسبب حملها وسعادتها. لذا حاول ان يميل ليقبلها بمرح. هذه المرة بينما فعلت هي مالا يتوقعه. عندما فتحت سوارها الحاد. ووضعته أسفل رقبته بشراسة. وقالت بنبرة غير هينة تخبره:
"بسام مستني تحت!!"
تفاجئ من فعلتها وأمسك يديها حتى عاد الطرف الحاد لمكانه. فغمز لها بمشاكسة. وقال وهو يسحبها برفق. خلفه:
"كده غلط على الزلط يرجع الرمل يزعل!!"
ضحكت بخفة. وأغلق هو الباب خلفه بهدوء. فقالت هي بحزم. تقلد نبرته الخشنة في المعارضة والهروب وأشارت بنفس إشارة يديه عندما يتصنع التجاهل:
"أهو ده اللي عندي. وإسكتي بقا!"
ضحك "غسان" عليها وعلم بأنها في حالة مزاجية جيدة تمنى بأن تستمر دون حدوث شيء. فمنذ ان علمها وحالها هذا لا يستمر إلى النهاية أبداً. وكأنها بنفسها تشعر وتنفي ما تشعر به بهذا المرح المفاجئ:
"اسكتي!! أنا تقوليلي اسكتي!! وبعدين."
"لا انا مبقولش كدة متحوريش!"
"يا شيخ طب عال أوي مسيري اثبتلك انك بتقولها كتير!"
رددت كلمته المعهودة دائماً. فقال هو بعبث وهو ينتظر المصعد معها:
"لا ده كدة عال أوي وهنجيب عيال تربية غسان البدري بصحيح!!"
***
تعالت زغروطة عفوية جداً من فم "عايدة" قبل قليل حتي اجتمع الكل بشقتها وعلموا ما سبب هذه الفعله. وقف "حازم" بجانب "ياسمين" و"بدر" الذي وقف يتابع دخول البعض من باب الشقة. وحينما علم الكل هتفت "عايدة" تخبر "حازم":
"عايزين نبقى ننزل نشتري الحاجات قبل ما نروح زيارة لأختك!"
أومأ لها بطاعة. وقال يختصر مقدراً صبر "عز" كل هذه الفترة متذكراً كلماته وهو يوصيه على شقيقته:
"حاضر. على ما آجي من مشواري هشوف الموضوع ده!"
دخل بعد ذلك الشرفة وشعرت "فريدة" بأنه مستاء منها في حين تجمعت النساء ليباركن لـ "عايدة" بشئ كهذا. في حين عندما سمعوا صوت الزغاريد منها هم الكل في الشقة الأخرى لارتداء ملابسهم وتجمعوا أمام باب شقة "عايدة" التي أغلقتها "وردة" و"دلال" عقب الدخول. وتزامناً مع ذلك وقفت "زهور" بغيظ تكتمه قبل أن تدق الباب. وقفت بجانبها "زينات" بقلق وهي تسمعها تردد لها وهي تنفض ذراعها عنها لتتركها وبجانبها كان "سامر" وخلفه شقيقتيه:
"إسكتي يا زينات. بيزغرطوا على ايه دول؟ على عمرهم؟ مش مراعين موت الراجل اللي لسه يدوب مكمل شهر؟ ايه قلة الحيا دي!!!"
وقبل ان ترفع كفها المجعد لتدق الباب فتح المصعد وخرجت منه "نيروز" مع "غسان" الذي زفر بضيق زائف ما إن رآهم. وقصد فعلها أمام أنظارهم لاحظتها "نيروز" عندما وجدهم متجمعين أمام الباب. وتزامناً مع ذلك خرج "بسام" غالقا باب شقتهم خلفه وهو يصفر برواقة إلا أن انتفض ووقف مرة واحدة ينظر بغرابة. في حين سألهم "غسان" بنبرة هادئة شبيهة للبرود:
"مش خير؟"
ابتلعت "نيروز" ريقها ناهيك عن نظرات الفتيات الحقودة اتجاهها. صمتت "زهور" تدق باب المنزل بعصبية. في حين قبل أن يوبخها "غسان" بالتمهل لهذا الاندفاع نطق "سامر" يجيبه باستخفاف:
"خليك في حالك وملكش فيه!"
"بيتك باللي فيه!"
نطقها "غسان" ببساطة شديدة تحت ذهول "نيروز" بفتح عينيها من سبه في الخفاء بهذه البساطة الشديدة. بينما كبت "بسام" ضحكته على رد شقيقه. تشنجت ملامح "سامر" في حين التفتت "زهور" تنظر بوجهها ناحيته تجيبه على وقاحته هذه خاصة أنها وبهذه اللحظة وهذا الوضع رأته ما هو إلا شخص قادم لآفتعال شجار للتسلية ليس إلا:
"قلة الأدب ليها ناسها. فـ مش هنقول ونعيد كتير!"
صمتت وحركت عينيها نحو "نيروز" وقالت باستخفاف:
"مش نسأل بردو قبل ما نناسب؟ أدي آخرة اللي يعارض عمه وعيلته كلها ويبيعها ويشتري الغريب!"
تعالى صوت "مروة" بحقد تؤيد أكثر وهي تتضامن مع كلمات والدتها:
"كان ماله حسن؟ دا حتي كان دايب فيكي دوب كدة. كان بيعشق التراب اللي بتمشي عليه!!"
ضحك "سامر" باستفزاز. وتشنجت ملامح "نيروز" وهي تهدر بإنفعال للأخيرة:
"إخرسي يا بتاعة انتي. انتي بتقولي ايه؟ أنا واحدة متجوزة وبحب جوزي. متجيبيش سيرتي على لسانك سامعة!!"
حركت "مروة" عينيها بترقب. في حين وقفت "زينات" بخوف. وفتح الباب تزامناً مع خوف "بسام" عندما وجد سكون "غسان" بهذه الطريقة. ولم تجيب النساء بل من رد على "نيروز" كان "سامر" الذي قال بوقاحة يقلل منها ومن وجود "غسان":
"سيرة ايه يا نيروز بقا؟ دا حسن لمؤاخذة مكنش بيبطل يجيب سيرتك بـ.."
دفعه "غسان" بغضب حتى إصطدم الٱخر بمن خلفه واستند على باب الشقة المفتوح بصوت حتى تأوه من ظهره. رفع "غسان" كفه أسفل رقبة الٱخر يخنقه بإنفعال من ترديده كلمات وقحة لعرض زوجته. وردد بشرر وهو يضغط على رقبة الٱخر باختناق:
"أنا مش حذرتك وقولتلك كان لازم تسأل قبل ما تيجي. متخافش بقا يروح أمك عشان انت جيت لقبرك برجلك!!!!!"
وأكمل وهو يزيد عليه بضغطة يديه مردداً بصراخ:
"قولت سألت ولا أمسح بيك الأسفلت؟ فعملتلي فيها جامد؟ تعالالي بقا!!!"
سدد له لكمة قوية بوجهه وقبل أن يندمج أكثر فصل الشباب "غسان" عنه بصدمة قبل أن يلفظ الٱخر أنفاسه الٱخيرة أسفل يديه. صرخت "نيروز" بخوف وتمسكت بمعدتها وكأنها تهاب سقوط الجنين من أحشاءها لا تود أي خسارة. لا تود ذلك!!! لاحظت "مروة" تمسكها بمعدتها وعلمت على الفور بملاحظة. ومن بين هذه الأصوات بين النساء والرجال بفصلهم عن بعضهما توجهت "مروة" تدفع "نيروز" بخبث دون أن تفعل هذا صراحة. تحركت من جانبها لتدخل بين الزحام فإصطدمت بجسد "نيروز" بشدة حتى فقدت "نيروز" توازنها وصرخت قبل أن تقع بـ أه عالية مرتفعة:
"ااااه!"
بعدها وقعت على الأرض تصطدم ونزلت الدموع بألم من وقعتها هذه تلهفت "سمية" بخوف. بينما من بين مسك الشباب جسد "غسان" ترك التركيز معهم والتفت برأسه ينظر نحوها حتى لمح بعينيه جسدها وهي تحاول بضعف الاستناد لتقف بينما لم تساعدها أعصابها بالخوف. هتف بخوف وهو يدفعهم عنه بقوة:
"نيروز!!!!"
تركهم وتقدم ناحية الخارج أكثر حتى إنحنى بإندفاع يسندها كي تنهض بخوف ولهفة مع يدي "سمية" و"بسام" الذي ركض على الفور ناحيتها. خرجت "وسام" تنظر من الشقة بصدمة من كل هذا التجمع. بينما وقفت "نيروز" بمساعدتهم تقدمت تدخل شقة "سمية" مع "وردة" التي هرولت بسرعة مع "ياسمين" من الشقة الٱخرى. أخذ "حازم" "سامر" ناحية الداخل بانفعال كما سحبت "زهور" ولدها معه بمشاعر خوف أت باللحظة الٱخيرة من تهور "غسان" المفاجئ بعد كم البرود التي عهدته منه. وقفت "فريدة" تبتلع ريقها بجانب "زينات" التي وجدت بعينيها الخوف. فوقفت "عايدة" تنظر بقلق نحو "سامر" الذي تمسك "حازم" بملابسه من فوق وهو يحركه بغيظ مردداً بانفعال منه:
"انت ايه ي بني انت؟ ماشي تقول يا شكل للبيع؟ أنا مش محذركم من المشاكل؟ أنا مليش دعوه لا بيك ولا بأمك وأخواتك لو غسان فضى دماغه ليك!"
فـ حلو عننا بقا كفاية مشاكل. الواحد ما صدق يخرج من الهم اللي كان فيه. لو جايين تخربوا أنا مش هسمح بـ كده عشان تبقوا واعيين!
وقفت "زهور" تنظر بأنفاس مسموعة، بينما دفع "سامر" يد "حازم" عنه وقال بفظاظة ينفعل:
"هنخاف منك ومنه يعني ولا إيه؟ ما فداهية. وبعدين قبل ما تتحمق كده وتقولي بقول شكل للبيع كنت شوفهم وهما جايين علينا الأول!"
تدخلت "فريدة" بدفاع، تردد بصلابة في كلماتها:
"نيروز عمرها ما تعمل حاجة تجر شكل حد بيها، ولا جوزها طالما هي معاه. أكيد حد فيكم سمعهم كلمتين ملهمش لازمة!"
لوت "زهور" شفتيها بتهكم، وهي تراقب الأنظار، وعندما انتهت "فريدة" ردت هي عليها بجمود تسخر:
"الله دا انتي كمان طلعللك صوت أهو. مش بدل ما تتكسفي على دمك وتسكتي من ساعة حوار امبارح. أوعي يا بت تكوني فكراني ناسية. أنا سكت بس بمزاجي ومن هنا ورايح ضلعك المعوج ده أنا اللي هعدلهولك بدل ما انتي ماشية تتمايعي كده على خلق الله!"
شهقت "عايدة"، وقبل أن يتهور "حازم" في الرد تهورت "فريدة" من قبله وهي تصرخ بها ترد على الحديث بحديث أوقح:
"أنا بردو اللي ماشية اتمايع ولا بنتك هي اللي مايعة وماشية تتلزق في واحد مش عايزها. محدش ليه كلمة عليا فيكـ.."
إغتاظت "مروة" وتقدمت بتهور تمسكها من شعرها من الخلف أسفل الحجاب حتى تأوهت "فريدة"، والآخرى تسبها بحقد:
"بتقولي على مين كده ي بت انتي. انتي نسيتي نفسك ونسيتي انتي راجعة بـ إيه. نسيتي.. ولا بت إيه بقا المفروض نقول مدام!"
أسرع الكل يفصلاهما عن بعضهما، بينما رغم وجع الكلمات إلا أن "فريدة" اندفعت تركلها في معدتها وهي تدفعها لتقع أرضا، حتى تبرك فوقها بشرر، وكأن بهذه اللحظة ستخرج كل ما بها عليها من طاقة سلبية.
"أقسم بالله ما انتي فالتة من تحت إيدي فيومك!"
وكأنهما بالعامية تربيا في الشارع وليس مكان آخر غيره من سبهما لبعضهما. وقف "سامر" ينظر بشماتة، عندما وجد "مروة" مسيطرة في البداية، ومن ثم عندما دفعتها "فريدة". وكأن الكل يعي تدريجيا ما يحدث. ركض "حازم" ناحيتهم كما ركضت "زينات" و "عايدة". دفع شقيقته من على "مروة" وهو يتسمك بمعصمها بقوة، وانفعال يمنع "فريدة" عنها. يعلم أن تركت عليها لصعدت روح الأخرى في الحال!
والغريب أن بجبروت مثل جبروت "زهور"، وقفت تتابع بصمت وسكون، لطالما تعلم أن "حازم" لم يرضي هذه الإهانة وقلة القيمة للعائلة. في حين أشارت لـ "اسماء" ابنتها الصغرى بعدم التدخل. وقف "حازم" بينهما بأنفاس مسموعة يدفع الإثنان عن بعضهما بعدما حاولت كل منهما لمس الأخرى مرة أخرى.
"بس خلاص!"
رددها بأمر وتمسك بيد "فريدة"، في حين حدج "سامر" "مروة" بأن تقف صامتة. خرج صوت "حازم" الموبخ للاثنين:
"إيه القرف اللي حصل ده؟ إيه ده أنا عايز أفهم دلوقتي حالا. إيه؟ تربية شوارع؟!"
تدخلت "مروة" بوقاحة توقفه عند حده:
"اتكلم عنك وعن اختك!"
زفر بصوت مسموع ومازال يمسك بشقيقته، وكان قد قرر الهدوء ولكن بعد كلماتها الأخيرة له، تشنجت ملامحه وهدر بغيظ واضح من وقاحتها:
"أنا كنت ناوي اجيبلك حقك مع أنك غلطتي فيها الأول، وكنت ناوي بردو احاسبكم أنتم الاتنين. بس بعد قلة أدبك دي فأنا مش شايف حاجة غير غلطتك فأختي. وأقسم بالله العظيم لو كلامك ده خرج من لسانك ليها تاني ما هعمل حساب لامك اللي واقفه دي!"
تدخلت "زهور"، تهدر بصوت عال تشير لإبنتها:
"تعالي يا مروة هنا!"
سارت وهي تعدل حجابها وملابسها ورمقت الأخرى بغل. والعجيب بأن "زهور" تصمت. تعمدت الصمت أكثر وغيرت مجرى الحديث مما أثار ريبتهم:
"خلينا فالمهم. مش عيب تكون راجل بيتك ويطلع حركة خايبة زي دي وأبوك لسه ميت!"
عقد ما بين حاجبيه بغرابة من قولها، ونظرت "عايدة" بغير فهم حتى تدخلت تسألها بإستنكار:
"تقصدي إيه يا زهور بكلامك ده؟ حازم ابني راجل غصب عن عين أي حد!"
"أقصد فراغة عينك وقلة ذوقك ي عايدة، لما الزغاريط تخرج من دارك وجوزك لسه متحللش فتربته!"
إغتاظت ملامحها وهدرت بصوت تنفي قولها:
"قولتلك مكنش جوزي!"
رفعت "زهور" عينيها تحدجها بقوة. في حين تدخلت "زينات" تهدأ من روعة الوضع:
"أكيد متقصدش يا زهور. ما تصبري نشوف يمكن عندهم خبر حلو. الله!"
أشار "حازم" بيديه هذه المرة وترك معصم "فريدة" واقترب يوضح لها بخشونة:
"ولو مسهيناش. مش شايف إنها حركة بايخة. ابويا مات ووقت حداده كمان يعتبر عدى. واللي راح راح وربنا يسامحه. مش هنقعد طول الحياة نبكي ونشكي ونوقف حياتنا على كده. حركة زي دي تحرق دمنا عنك انتي شخصيا. فخلي كل واحد فحاله مرتاح!"
عارضت قوله بحزم شديد:
"لا تبكو وتشكوا. لو اللي راح دا سليم ابوك اللي رباك. زغاريط وفرحة إيه دي. يكونش بتجوزوا حد ولا بتحتفلوا بطلب جواز سامر من فريدة ان شاء الله! يكون كده يعني!"
رددت آخرها بسخرية لاذعة. ابتهجت ملامح "سامر" بخبث. بينما اندفعت "فريدة" تردد برفض قاطع:
"دا على جثتي لو اتجوزت إبنك ده. اقسم بالله العظيم على جثتي سامعة!"
تجاهلت قولها وعادت "عايدة" تبرر لها كطبيعة شخصيتها التي تعود لينة في كل مشادة كلامية لتهدئة الوضع لا أكثر من ذلك:
"لا مش عشان جواز سامر اللي أصلا إترفض ي زهور. والموضوع ده منتهى!"
ترقبت عيني "زينات" وتصنعت "زهور" الإهمال في الإنصات وقالت وهي تشير بفظاظة:
"أومال على إيه. خير يعني في إيه تفرحوا عليه. من ساعة ما جينا وهلينا عليكم وانتوا لاويين وشكم ومعقدين الدنيا!"
لم تحبذ "فريدة" سرد تفاصيل عن شئ كهذا خاص بـ "جميلة". بينما بهذا الموضع كان يجب الكل أن يعلم للمباركة لا أكثر. وهذا كان من تقاليد "عز" ووالدته بذهاب لهم زيارة كاملة مبهجة لحياة شعبية بسيطة بحارة شعبية كذلك. بينما في زواج "غسان" و"حازم" لم يكن الأمر مفسرا بهذه الدرجة. كان بين أطراف معينة في العائلة وليس بأكملها! أنسحبت بضيق ناحية الشرفة واذنها تتردد بها كلمات "مروة"!! في حين وقف "حازم" يتابع "عايدة" التي قررت إخبارهم بإختصار لما حدث كي يتركوهم بوضعهم دون مشاكل!!!
جلست والكل ملتف حولها تتجرع من كوب المياه ببطئ. مسح "غسان" على وجهها برفق وخوف. بينما تشبتت ببطنها وفهم "بسام" معنى خوفها فاقترب ومد يديه يأخذ الكوب من بين يديها ونظر لـ "غسان" نظرة فهم معناها سريعا. بينما كانت تجلس "سمية" من الناحية الأخرى تحتوي ذراعها بخوف. ووقفت كل من "ياسمين" و "وردة" يتابعان مع "بدر" هو الآخر من بين قلق "حامد" و "دلال" ووقوف "وسام" بجانب شقيقها.
"متخافيش ان شاء الله هيكون بخير. قادرة تقفي؟"
كان ذلك قول "بسام" وليس "غسان" الذي هاب وخاف وحبست أنفاسه فقط يحتويها ويتمسك بكفها بخوف دون قدرة على قول شيء بعد صدمته بوقوعها وهي بموضع كهذا! عرف "بسام" كيف يحتوي الموقف وهو يشير على بطنها بإطمئنان. وعندما سمعت حديثه أومأت بنعم، فخرج صوت "غسان" أخيرا بلهفة بعدما أكدت هي:
"طب قومي.. قومي عشان نطمن يا نيروز يلا!"
قالها وهو يبتلع ريقه ونهض تزامنا مع نهوضها. إنكمشت ملامحها بألم. ووقفت "ياسمين" تمرر يديها على كتفيها بقلق. حتى عانقتها بعفوية شديدة. رفعت "نيروز" ذراعها تمرره على ظهرها وهي تردد بتقطع من أثر صدمتها بما حدث:
"أنا كويسة."
"متخافيش!"
انحنت "وردة" تنفض رداء "نيروز" بحنو، كي تزيل أي أثر من أتربة ناعمة كانت قد وقعت عليها. وجاءت عند ربطة خصرها وعقدته ببطء، وايدي ترتجف تحت نظرة "نيروز" التائهة.
"أنا هسبق يا غسان أخرج العربية على ما تيجوا، على مهلكم!"
أومأ له "غسان" وأخرج المفتاح من جيبه يعطيه له. وسار "بسام" بعدها سريعا ناحية الأسفل. في حين اختل توازن "نيروز" بقلة، حتي أسندها "غسان" بذراعه بإندفاع. وسألها بلهفة مرة أخرى:
"نيروز!!! انتي كويسة؟"
أومأت وهي تمسك رأسها. وانتبهت لتقدم "دلال" وهي تعدل حجاب رأسها أكثر لها. وربت على رأسها بحنان دون نطق حديث. فشجعت "سمية" "غسان" على السير كي يطمئن:
"اسندها ي بني وحاولوا تروحوا بسرعة تطمنوا!!"
تلهفت "وردة" قبل أن تردد "ياسمين":
"استنى، انا هاجي معاكم!"
نفى "غسان" سريعا وهو يسحبها برفق في طريقه ناحية الخارج:
"لا، لا خليكي يا وردة. أنا معاها وبسام معايا كمان متتعبيش نفسك وأنا هتصل أطمنكم ان شاء الله بعد ما نخرج من عند الدكتورة!"
حركت رأسها تومئ كما أومأ الكل. وحثه "حامد" بنظراته على أن ينتبه لها بشدة، كي لا تقع منه. فهم ووافق بعينيه وخرج يقف أمام المصعد يسندها بذراع ويضغط على الزر بأنامل يد الذراع الآخر. تنهدت بتقطع، وكأنها لا تستطيع أخذ أنفاسها باختناق وهي ترى مكان ما وقعت به. لم ترى دفع الأخرى لها بالخفاء وتستنكر كيف حدث هذا. إلا أن الجميع يعتقد بأنها من وقعت واختل توازنها. بينما هو يشك بهذا الوضع الذي حدث بين تجمع وكانت هي منه بينه بجانب زوجته ولم يغفل عن شيء كهذا.
هبط المصعد بهما بعد لحظات. وخرجت هي معه تتأبط ذراعه وهو يحاوط بذراعه كتفيها يتولي زمام سيرها بطريقة ليست مباشرة كي لا تقع. وقف يفتح لها الباب الأمامي. وردد "بسام" له وهو يهبط المقعد الأمامي:
"خليها تركب قدام ي غسان وانا هنزلها الكرسي عشان تقدر تقعد مرتاحة في الطريق!"
صمت وصمته تعني موافقته دون جهد. جهز لها "بسام" المقعد. في حين سحبها "غسان" برفق لتجلس على المقعد. حتى جلست تنظر له بابتسامة هادئة تطمئنه. أراحت ظهرها قليلا، وتنفست بصوت، تحاول تحمل الوجع الذي انتشر بجسدها من وقعتها هذه. في حين وقف "بسام" يمرر كفه على ذراع "غسان" يحثه بلين:
"خليك أنا هسوق. أقعد انت ورا كرسيها وخليك متابع كده يمكن ترجع ودا طبيعي يعني عشان متقلقش بس!!"
زفر بصوت مسموع يتحمل ضغوط كل مرة دون تفسير لكنه لا يريد شعور ذلك، خوفا عليها. فتح الباب الخلفي وجلس ينظر نحو المقعد الذي مال عاق ساقيه من الخلف. حتى أسندت هي رأسها فمد كفه يمسح وجهها برفق، يسألها للمرة الأخيرة قبل أن تسير السيارة بواسطة "بسام":
"حاسة بوجع؟"
في كل مرة لا تكتمل فرحتها إلى النهاية! خبر حملها لم ينتهي بخير بسبب عواقب أمس. وهذه المرة كانت تتلهف لذهاب أول مرة عند طبيبة ما لتتابع حملها معه هو مع شريكها. بينما الآن تذهب للمرة الأولى لتتابع ولكن مع وجود شك أنها تذهب لتتأكد من وجوده وعدم وجود ضرر بها أو بالجنين الذي يعد غير ثابت بشدة. ووقعة كهذه من المحتمل أن تؤثر عليه! لم تسقط دمعتها بسبب تحليها بالثبات أمامه. أخذت أنفاسها بتقطع ولم تغفل عن خوفه عليها ورجفة يديه التي قليل ما تحدث. في حين أجابته بنبرة حاولت أن تكون ثابتة بها:
"لا أنا كويسة متقلقش!"
قالتها وهي ترفع عينيها مستندة بأريحية وقاومت أي خجل بسبب تعبها هذا. تقابلت عينيها مع رأسه وعينيه هو بصورة مقلوبة. فابتسم وهو يمرر أنامله على وجهها ورفع عينيه ناحية "بسام" يحثه بنبرته الهادئة:
"إفتح الشباك اللي جنبها ده ي بسام شوية!"
فتحه قليلا من المحرك بجانبه بضغطة، وفتح حتى دخل الهواء يداعب بشرتها. وتحرك قفصها الصدري بهبوط وصعود كما كانت عينيها شاردتين وهي تنظر نحو الخارج، تفكر ككل مرة تحاول التفكير وتهرب كي لا تعترض. لما لم تكتمل فرحتها إلى النهاية؟ حركت رأسها تبتسم باتساع شديد عندما تعمد "بسام" تشغيل أغنية لـ "أم كلثوم" واعتلت الكلمات من نصف الأغنية تقريبا:
"ونظرتك سحر وإلهام وبسمتك فرحة قلبين عايشين علي الأمل البسام"
ضحكت عندما مال "غسان" برأسه عليها من الخلف يردد بمرح كي يخفف عنها:
"بيفهم الواد ده برضو!"
"أي خدمة يا غس!"
رددها "بسام" وهو يغمز له فبادله "غسان" الغمزة. فمال "غسان" يهمس مجددا بمشاكسة عابثة تزامنا مع قول الست نفس الكلمات:
"ونظرتك سحر وإلهام.."
رددها ببطء كما كانت الكلمات وتعلقت عينيها بعينيه بخجل. فنظر لها بإطمئنان ومد ذراعه يضع كفه على معدتها التي كانت تضع هي عليها كفها وقال مجددا يطمئنها بثقة:
"ان شاء الله انتوا الاتنين بخير ومحصلكوش اي حاجة. أنا متأكد. متخافيش!"
تمسكت بأنامله ووجدت الترجي بالدعاء في عينيها. فزفر بصوت يدعو بينه وبين نفسه وبين خالقه. كما تأثر "بسام" من توترها الزائد بفقدان ما بأحشائها. وسبحان الخالق يخلق الغريزة من بداية وضع الجنين برحم الأم. وكأن الخوف وقتها شيء فطري لا يلزمه مقدمات وقوانين لوضعه أو حتى زواله!
"وازاي الحكاية دي متمتش من أول يوم. ايه الخيابة دي!"
نطقت "زهور" بهذه الكلمات بتبجح، وكأنها تستغل الحديث كي تعارض وفقط. كادت أن تبرهن "عايدة" عليها. بينما هتف "حازم" بحزم:
"والله دي حاجة متخصناش. وانتي نفسك عارفه كويس ان عرفنا خبر موته يوم فرح جميلة!"
وقبل أن تتطاول بالحديث ردد "حازم" مجددا بصرامة:
"والموضوع ده انتهي وبلاش نفتحه تاني. عندك كلمة تقوليها ي عمتي تبقي تدعي لأختي وجوزها ان ربنا يسعدهم غير كده بلاش!"
تأففت من ضيق أفقه وقالت بحدة تعبر عن معالم وجهها المتشنجة بمحاصرته لها بالحديث:
"انت هتعدل عليا ولا ايه؟"
"لأ مبعدلش. أنا بقول كلام في الأصول لازم نعمل بيه ومنلتش فيه لت النسوان الحوار انتهي. اتفضلي اقعدي او ارجعي الشقة التانية زي ما تحبي البيت بيتك!"
حدجه "سامر" بضيق، ودخل غرفته مشيرا لوالدته بأن تدخل خلفه كي يرحلون هم. وبالفعل، التفتت "زهور" بهدوء تشير لشقيقتها وأولادها للرحيل خلفها. بعدما نظر "سامر" بشرود ناحية الشرفة التي تقف بها "فريدة"، وقال بهمس منخفض قبل أن ينسحب للخارج:
"ومالو من حق الفريد يتدلع. كلها ساعات وهصدمك وأكسر عينك الجامدة اللي مبقاش يهمها حد دي!"
قالها بشرود يرتبط بسكون "زهور" وكأنهما يدبران لأمر مدهش وصادم. فما القادم؟ انتفضت على صوت إغلاق باب الشقة بقوة. وعلمت أن "والدتها" رحلت معهم ولم تبق معها كي لا تثير الأنظار ناحيتها مجددا وتثير العراك بين أي طرف وهي! نزلت دموعها الساخنة على وجنتيها بسبب لقب الأخرى الوقح لها. كلما شاءت بأن تتخطى تتعثر بكلمات ونظرات أحدهم. سارت القشعريرة بجسدها وانتفضت بخفوت طفيف عندما جابت ذاكرتها مجددا تفاصيل اليوم المشهود بالوجع الشديد. اليوم الذي غير حياتها كليا. يوم اعتدائه عليها. في الفترات الأخيرة أصبحت تتذكر كثيرا وتلبسها هذه الحالة ربما من الضغوط. شهقت بخوف وصرخت بصوت مبحوح وهي داخل أفكارها عندما وجدت يد أحدهم توضع على كتفيها من الخلف. انتفضت مع صراخها هذا وعندما وجدته هو ارتمت بنفسها في أحضانه تعلن دموعها ببكاءها بعد صراخها. لم يتفاجئ "حازم" من رد فعلها. بل يتوجع بشدة ما تمر هي به يؤلم فؤاده. اختنقت أنفاسه وهي تشهق تتشبت في قميصه من الخلف. مرر يديه على ظهرها وربط يديه معا يضمها بوجع. واليوم سيلقي الآخر عقابه بكل ما فعله بها وبوالده وبهم.
لكنه لم يقدر على قول ذلك لها رغم أنها هي الأولى التي يحق لها بأن تعلم نهاية الشخص الذي فعل بها فعلته الشنيعة وإلى الآن تعاني.
شهقت بتمزق وضم رأسها ناحيته وخرجت نبرته أخيرًا باختناق شديد:
"وحياة أغلى حاجة عندك ما تعملي فنفسك كده يا فريدة، متوجعيش في قلبك وقلبي يا بنت أبويا!"
شهقت بوجع وقالت بتقطع، تعلن استسلامها:
"أنا تعبت، تعبت يا حازم ومبقتش حمل أي حاجة، نفسي الدنيا تسيبني في حالي بقى، والله العظيم ندمانة وبندم، بقيت بتمني كنت أموت ساعتها ولا يحصل كده، ليه محدش بيسيبني في حالي، ليه الكل عايز يوجعني، وأنا موجوعة والله كفاية من الدنيا دي، نفسي أرتاح بقى نفسي يا حازم والله العظيم نفسي أنا تعبت!!!"
نزلت دمعته على قولها الذي بح بصوت فتاة ظُلمت بعدما سمحت للخطأ دون أن تعلم بأنه خطأ. اختنق صدره وضاق وهي تتشبث وخلفهم "عايدة" تنظر بأعين باكية تتابع الوضع بينهما. تمسك برأسها وأخرجها ورأت حينها دموعه فرفعت يديها بلهفة تمسح وجهه وكأنها تندم على وجعه من أجلها. رددت بأسف موجع له:
"أنا آسفة والله العظيم آسفة، بس أنا معتش قادرة والله، متزعلش أنا.."
بتر حديثها وقال بضعف شديد ظهر في نبرته عندما احتوى رأسها بين كفيه:
"إنت راسك دايما مرفوعة، ودايما هتقدري بوقوفنا جنبك وطول ما انتي ماشية صح، مش عايز أشوفك مكسورة كده تاني فاهمة؟ أنا أختي تبقى جامدة وقوية وميهزهاش أي حاجة!!"
ابتسمت "فريدة" بألم من بين دموعها وقالت بيأس مخذول:
"كنت، كنت يا حازم، دلوقتي صدقني متماسكة بالعافية، مش ضامنة أقع في أي وقت وكل حاجة تخوني حتى نفسي!!"
ورددت بالبقية تتوسل إليه مجددًا:
"عشان كده أمانة عليك ما تسيبني ليهم، أمانة عليك ما تسيبني لسامر، أنا بكرهه، مبحبوش ومش عايزاه، دا إنسان زبالة صدقني، متخليهمش يضغطوني ويضغطوك عشان خاطري يا حازم مشيهم من هنا لو بتحبني أنا كنت كويسة من غيرهم والله، مش عارفة ليه بيحصل كده!!"
كانت كلماتها متقطعة بخوف إلى أن ضم رأسها ناحية صدره يحثها على الهدوء. تنفست بين احتواءه لها وردد يجيب هو بنبرة متلهفة صادقة:
"وحياتك عندي ما هسيبهم يجبروكي على حاجة مش عايزاها، ولا هسلمك لأي حد كده والسلام، بنتنا ياخدها أحسن من أحسن واحد، أوعي تفكري إني هقبل بكده، مستحيل أفرط فيكي وأبيعك يا هبلة انتي!!"
ابتسمت على آخر ما قاله كما كان يبتسم هو بوجع وبسمتهما هذه المرة كانت قاسية على قلب كل منهما فهو يتوجع لأجل أنها تردد دائمًا وكأنها لا تثق وبكل يأس يعلم أن والده السبب في ذلك وبقوة. أما هي فعلمت نفس علمه أن كل ما يجتاح عقلها وقلبها بفقدان الأمان في البداية كان من والدها التي وإن وضعت بهذا الوضع وهو على قيد الحياة لتركها تتزوج تخفي العار التي فعلته به وبالعائلة من وجهة نظره. لكنه لم يلحق ذلك وتولى زمام الأمور الجبل الشامخ الذي كلما تثقل عليه أحمال الحياة يقوى ولا يضعف أبدًا وكأن أضعف ضعف يزيده قوة!!
***
بينما في شقة "سمية" جلست بإنهاك تستريح وبجانبها والدتها وانسحب "حامد" ومن يتبعه. في حين لاحظ "بدر" انسحاب "وردة" ناحية الغرفة. كل مرة ينوي بها قول ما يريد قوله لا يستطيع والموعد بات قريب. تنفس بصوت مسموع ولأن "سمية" تعلم، ففي كل مرة تسأله إن كان أخبرها أم لا. سمع صوت بكاء "يامن"، فاستأذن بعينيه حتى دخل وفتح الغرفة ومن ثم أغلقها خلفه وجدها تلاعبه بحنو ولم تعطي اهتمامًا شديدًا لدخوله من الأساس. يلاحظ ذلك منذ أمس ولكنه تعمد أن لا يركز بقوة مع أفعالها بعد كلمات "مروة"، السامة لها.
"بابا!"
رددها "يامن" بطفولية فابتسم "بدر" باتساع وهو يجلس بجانبها مال يطبع قبلة على وجنتي الصغير بمشاكسة يداعبه حتى ضحك من جديد. عانقه "بدر" بقوة ولاحظت هي أن العناق مختلف عن كل مرة. أما هو ففي هذه اللحظة لا يتخيل بأنه سيفارق لفترة. رفع ذراعه يضم "وردة" ناحيته وبينهما صغيرهما وبدأ هو بالحديث عندما سألها باهتمام:
"مالك يا وردة؟"
نفت بابتسامة متكلفة وتصنعت النظر نحو صغيرهما وهي تجيبه:
"عادي مفيش حاجة!"
نهض بدون مقدمات يحمل "يامن" حتى فتح باب الغرفة وهمس جوار أذنه بـ:
"روح لتيتة بسرعة!"
أهبطه أرضًا وركض حتى ضحك "بدر" عليه ومن ثم أغلق الباب وهو يقترب. أما هي فحاولت النهوض بينما قاطعه هو نهوضها بيديه التي تمسكت بمعصمها بهدوء شديد. رفعت عينيها الحزينة تقابل وجهه بتعب وتجمعت الدموع وكأنها هشة ضعيفة تنتظر فقط نظرة أحدهم المتفهمه لحالها. وهو كان أحدهم. ورغم أنهما غير مركز عليهما ولأن بهذا تعد العقبات والمشاكل قليلة بينهما بينما الآن وجد بينهما مشكلة لا يريد هو قولها بسببها.
وقبل أن تهبط دموعها منها رفع يديه يقرب رأسها من كتفيه فمالت تستند بإستسلام تزامناً مع قوله المفسر لها والمتفهم الهادئ الظاهر بحنوه:
"أعملك إيه بس يا وردة عشان تصدقي إني بحبك ومستحيل أتخلى عنك ولا عن ابني؟ والله العظيم أنا راضي ومش زعلان. أنا مبسوط عشان إنتي في حياتي وجبتيلي أحلى حاجة في دنيتي. ربنا يقدرنا ويعينا على تربيته سوا!"
هبطت دمعة "وردة" وهي تستند عليه وخرجت ترفع رأسها له وقالت بتحشرج تبرر له:
"أنا مصدقاك يا بدر بس أنا مكسورة. كل ما بحاول أنسى وأعيش وأشوف إنك قابل ومتمسك حد يجي يشككني في نفسي ويكسر خاطري بكلام ملوش لازمة. أنا تعبانة يا بدر والله ومليش أي ذنب في كده. دي حكمة ربنا وأنا مش معترضة بس حواليا أسباب بتلعب في دماغي ومبقتش قادرة أفكر.."
صمت يستمع إلى أن تنتهي دون أن يقاطع. صمت يأتي بٱخرها للنهاية علها تستريح في حين تحركت تردد بلهفة سريعة وكأن الخوف يلح عليها ويعطيها الشك:
"بس إنت فاهم ده صح؟ مش هتسيبني وتتجوزها عليا صح؟"
سألته بلهفة شديدة وتفاجأ هو من خوفها الشديد. تنهد يأخذ أنفاسه ورفع يديه يمسح وجهها برفق وقال بصدق شديد هادئ عكس لهفتها هذه:
"أنا فاهم ده من زمان والموضوع ده بالنسبالي مقفول. ومستعد أحلفلك على كتاب ربنا دلوقتي إنه مبجيش في دماغي لمجرد إني بفكر فيه حتى. يا وردة أنا مش عايز من الدنيا غيرك وغير ابني. ولا أي واحدة في الدنيا تقدر تاخد مكانك ولا تملى عيني زيك يا أم يامن!"
دللها بٱخر حديثها فابتسمت من بين دموعها وقهرها. تنفست ببطء. وكلما يقلل أحدهم ثقتها بنفسها يعود هو ويعزز ذلك بقوة. جابت عينيه حنايا وجهها بحب وطالعها بقوة وكأنه يملي عينيه منها. لاحظت نظراته فتمسكت بكفه ومدت ذراعها تجلبه هي ناحية أحضانها حتى أسند رأسه على كتفها كما أسندت رأسها على كتفه وقالت بأسف:
"أنا بحبك أوي يا بدر. إنت مستحمل ظروف دايمة مش أي حد يقدر يعيشها. مقدرش أعيش من غيرك والله!"
ابتسم بحب على عقلها الدائم في التراجع وأكملت هي تفسر وتبرر أكثر:
"كفاية بس إنك مسبتنيش ولا أجبرتني أقعد في بيتنا. كفاية إنك خليتني أقعد هنا معاهم ومسيبهومش ولا لحظة وانت كمان قعدت معايا علشان خاطري وأنا عارفة ده. أنا نفسي منسافرش تاني بس أنا عارفه إنه مش هينفع!"
وكأنها تمهد ليفتح هو الحوار منه. مرر يديه على ظهرها وقال رداً على حديثها:
"أنا عشانك أعمل أي حاجة يا وردة بس ياريت كان ليا فرصة هنا أو حتى حد كان يديني فرصة شغل هنا. بس إنتي عارفة كل حاجة هناك. والأجازة الطويلة دي عملتلي مشاكل في الفترة الأخيرة ومبقتش فاهم حاجة!"
خرجت تنظر له بخوف فلأول مرة يخبرها بأن عطلتهما سببت له شئ. ابتلعت ريقها وهي تسأله بقلق. وكان هو ذكياً بهذه اللحظة عندما إسترسل يخبرها تدريجياً:
"البديل اللي كان مكاني بعد فترة الإجازة مشى من هناك وبعدها مش لاقي حد والإجازة إنتي عارفه معادها انتهى وكل ده من غير مرتب. بس أنا مش هاممني الفلوس زي ما هاممني شغلي اللي قرب يضيع مني واسمي ينزل تاني بعد ما طلعت واشتغلت أكبره. حتى الشركة مبقتش تعذر ده وقالتلي لازم أحجز في أقرب وقت عشان أرجع أشتغل على مشروع معين شهر ولو في بديل معايا ممكن كام إسبوع بس!!!"
صدمت وارتجفت يديها بتوتر. وابتلعت ريقها بقلق وسألته بتيهه شديدة:
"قـ.. قصدك إننا هنسافر قريب؟"
تمعن النظر لتغير معالم وجهها. ومد يده يمسك كفها بين كفه الأكبر ونفى برأسه يرمي لها بقنبلته:
"لأ. أنا بس اللي هسافر لوحدي!"
أدمعت عيني "وردة", مجدداً وكأنها تنفي ما قاله بذهول. لأول مرة يفعلها منذ زواجهما!! أردفت بتعلثم تسأله وكأنها لا تريد التصديق:
"وهتسيبنا؟"
تريد السفر معه ولا تريد السفر من الأساس تتخبط بشدة. وجعه سؤالها وكأنه سيتخلى بإرادته تعلم أنه أمر مرغوم عليه ولكنه برر بلهفة يسكنها:
"غصب عني يا وردة. بعد كده هترفد من شغلي خالص وانتي عارفه إنه مهم أوي ودي حاجة مجبر عليها. ومن ناحية تانية الظروف إنتي عارفه مبقتش زي الأول. أنا صرفت كتير أوي فالأجازة دي بسبب الشقة اللي عدلتها لآدم وكمان فاطمة وولادها محتاجين مجهود حتى لو عارف ده هيبعت فلوس بس معادش حاجة بتكفي. الحمل زاد عليا أوي يا وردة وٱدم بيساعد بس اكتشفت إن مفيش حاجة بتخلص وكل حاجة كتير أوي دا غير فلوس تأجير العربيات وفجأة لقيتني فدوامة ومينفعش أقعد أكتر وجت من عند الشغل نفسه. أنا عارف إن كل حاجة برزقها بس بدعي ربنا يقدرني ويرزقني برزقهم!"
فتح عقلها لأشياء كثيرة. ورغم أن حالته المادية جيدة إلا أن في الفترة الأخيرة ساءت قليلاً. أدمعت عينيها بهذه اللحظة شفقة عليه وتمسكت بكفه تبرر له قبل أن يفهم أنها أنانية لنفسها وولدها:
"يمكن مش حاسة بيك وبالضغط ده بس والله مش زعلانه غير على إني هبقى من غيرك. أنا ويامن. إنت عارف إحنا عمرنا ما جربنا نقعد من غيرك لحظة وانت في مكان وإحنا مكان تاني. أقولك؟"
رددت حديثها بلهفة. وٱخره سألته سريعاً دون التفكير وعادت تحثه وكأنها غفت أن هذا يتطلب مصاريف أكثر وأكثر وترتيبات:
"أنا موافقه أمشي. عادي احجزلنا أنا ويامن وهاجي معاك!"
ضم عينيه بأسى وكان يتوقع شئ كهذا منها. ابتلع ريقه واحتوي كتفيها بيديه يخبرها بالصادم بالنسبة لها:
"مينفعش يا وردة المرادي. صدقيني مينفعش. أنا حجزت وهمشي قريب ومينفعش أخدك من الأساس السفر تبع الشغل مش سفر إقامة شوية وراجع زي الأول. و زي ما قولتلك يمكن شهر ويمكن إسبوعين لو إسبوعين هنزلكم تاني. لو شهر هجدد من هناك وابعتلك إنتي ويامن تجولي هناك عشان نقعد زي ما كنا. ساعتها مش هسيبكم لوحدكم وغسان هيبقي يمشي في الإجراءات بس صدقيني أنا لسه مش عارف تحديد لده. مش عارف هقعد وابعتلكم ولا هنزل شوية معاكم ونرجع تاني!!"
هبطت الدموع منها بكثرة. ونظرت له بلوم وهي تضع كلتا كفيها على وجهها تردد بنبرة باكية من بين بكاءها بغير تصديق:
"ليه يا بدر ليه مقولتليش وجاي تفاجئني دلوقتي!!"
ضمها إليه بتحشرج وابتلع ريقه بأسف يخبرها عن أن الأمر خارج مقدرته:
"والله العظيم غصب عني أنا أسف حقك عليا!"
وواصل مجدداً يحثها بطلب رفيق بها:
"وحياتي عندك ما تعملي في نفسك كده. خليني أطمن إني همشي وإنتوا بخير!"
مش هسيبكم ولا لحظة والله. هتصل بيكي علطول وهبقى معاكي إنتي ويامن كإني هنا بالظبط.
تركت هي وجهها، ومسح هو دموعها، وحاولت أخذ أنفاسها وهي تشهق بصوت مسموع. عانقها مجددًا بشدة، فحاوطت هي ظهره بتشبث وكأنها تخاف وتهاب أن يتركها في هذه اللحظة. أوصاها على الثبات مرة أخرى من بين عناقه لها:
"متخافيش بقا لو بتحبيني. اجمدي كده وخلي بالك من نفسك ومن يامن. ولو في أي حاجة وأنا مش هنا، متتردديش لحظة تكلمي غسان، هو فاهم كل حاجة. أنا سايبكم أمانة عنده وهو مش هيُهملكم، صدقيني!"
حركت رأسها بصمت، ورددت بإيجاز بصوت مبحوح. فداعب هو وجنتيها كي يخفف عنها، وقال مرة أخرى:
"خلاص بقا يا وردة عشان خاطري، فكي وسيبيني أقعد اليومين أملى عيني من ضحكتك الحلوة دي!"
ابتسمت كي تراضيه وكأنه يضغط عليها ولا يخفف عنها في الحال. تنفست بصوت، وكعقل أنثى جالت أفكارها رحيله في وجود "مروة". وكأن الأمور ترتبط ببعضها البعض. جيد من ناحية، وناحية أخرى عكس ذلك. ولكنها ستحاول جاهدة على الصمود وعدم الاعتماد عليه كي تثبت بوجوده. هي أم، ويجب أن تفعل بهذه الكلمة. حركت رأسها تؤكد أفكارها، وزفرت بصوت عالٍ، وقالت بجدية شديدة:
"حاضر. بس ده ميشيلش زعلي منك أبدًا. إنت بتحطني قدام الأمر الواقع ومقولتليش، وكإني عيلة صغيرة قد ابنك يا بدر!"
"كان لازم أعمل كده. أنا بضعف قدام أم يامن، ولو كل ده كان حصل قبل ما أحجز، كنت هبيع الدنيا باللي فيها!"
يتلاعب بالحديث كطبع عائلته هو الآخر. نظرت له بتشكك بعدستيها الخضراء كمثل شقيقتها ووالدها. أعين لامعة تتشكك في حديثه المعسول بشكل مرح بالنسبة له فقط. عادت تنظر له بجدية، وقالت بسخرية هادئة:
"بتضحك عليا بالكلام ومفكرني هبلة!"
ضحك بخفة، وشدد من عناقه لها، وقال بمرح يخفف عنها ما تشعر به:
"مستحيل. إزاي هضحك على أعقل وأهدى واحدة شفتها عيني. هو أنا وقعت فيكي من قليل!"
انهزمت بطيبة أمام حديثه، ومررت كفها على ظهره فوجدته يميل ليطبع قبلة على خدها الذي احمر من البكاء. ابتسمت بحنو، وكطبيعتها اللينة بشدة والحنونة، دعت له مرددة برفق وصدق:
"تروح وترجع لينا بألف سلامة!"
مرر يديه على شعرها بحب، وثمة ابتسامة مريحة زينت محياه وكأن الثقل الذي على قلبه قد زاح. بينما ردد هو بنفس اللين ينظر نحو عينيها بعمق:
"ربنا يخليكي ليا يا وردة إنتي ويامن. هتوحشوني، بس أنا عارف إني سايبكم في حفظ الله ومطمن. مفيش حاجة عنده بتروح ولا بتتأذى أبدًا!"
قبل قمة رأسها ببر، فتقدمت تقبل وجنتيه بهدوء، وهي تبتسم له. فضحك وهو يشاكسها بالكلمات كي لا تفكر كثيرًا. بينما هي بدأت تفكر كيف لها بأن تحيا من دونه. علاقتهما كتبت معًا، ولم يترك أي منهما الآخر. بينما الآن يتوجب عليها تحمل هذا الاختبار الصعب وتتيقن بأن سهولته ستنعم بها لطالما بجانبها عائلتها الصغيرة. والدتها، شقيقتها، شقيقتها الأخرى، عم زوجها وولده التي وضعت أمانة لديه. وحتى البقية التي كانت تفكر بوجع كيف ستتركهم وترحل معه مرة أخرى!
***
انتظرهما "بسام" بالخارج وهما بغرفة الكشف معًا. فقط ذهب ليرتدي بالطو الطب الأبيض كي لا يُجازى رفض طلب إذنه للرحيل مع "حازم" والشباب. المستشفيات الخاصة تشتد في التعليمات، وأن رحل سيُخصم منه اليوم وكأنه بعشرة أيام. عبس وجهه من حديثه قبل قليل مع المتولي لزمام أمور هذه الإجراءات، وعلم أن كل شيء ليس بهذه السهولة. استغفر ونظر نحو شاشة هاتفه يرسل لـ "حازم" اعتذاره بعدم مقدرته على القدوم.
في حين كانت "نيروز" تعتدل في الداخل لترتيب ملابسها، وهي تسمع الطبيبة تملي عليها نصائح هي و"غسان" الذي وقف بإهتمام يسأل الطبيبة للمرة التي لا يعرف عددها:
"يعني هما الاتنين كويسين يا دكتورة؟ محصلش حاجة صح؟"
وأجابت حينها الطبيبة برسمية لبقة:
"لا الحمد لله بخير، وإديك شوفت في السونار. ألف مبروك، بس زي ما قولتلكم تنام على ضهرها الفترة دي لحد ما الحمل يثبت. وفي شوية مثبتات هكتبلكم عليها. وبخصوص الدوخة اللي قولتي عليها، المثبتات بتوطي الضغط، فخلي بالك يا مدام لم تيجي تقومي وتمشي. لكن المغص ده عادي في الأول!"
تنفست "نيروز" بإطمئنان. وأمسك "غسان" كفها محاوطًا كتفيها كي يسندها، وأخذ من الطبيبة الورقة ناظرًا لها بإمتنان ونطق بـ:
"شكرًا."
"على إيه يا أستاذ. متنسوش الكلام اللي قولته وخلوا بالكم. وبالنسبة للترجيع فده أمر طبيعي وفي علاج هيقلله!"
أومأت لها "نيروز" بحرج. وتلاقت عينيها مع "غسان" الذي مد يديه ليُهبط حجابها الذي رجع إلى الخلف أثر نومها. ابتلع ريقه مبتسمًا، وسحبها معه نحو الخارج حتى أغلق الباب خلفه مع قوله لها:
"شوفتي كنت متأكد إنكم بخير. مبروك يا رزقة!"
وكأنه يبارك للمرة الأولى. تأثرت من خوفه، وخرج معها بسعادة هادئة إلى أن جلست وجلس هو بجانبها يبحث عن شقيقه الذي كان هنا قبل دقائق. ومن بين نظراتها بعشوائية، أمسك كفها وغمز لها بمرح يُذكرها:
"فاكرة لما قولتلك هنا... عقبال ما تعملي سونار ابننا؟"
تذكرت، وكيف لها بأن تنسى عبثه. ضحكت "نيروز" بخفة، وأكدت برأسها قائلة بصراحة تسخر منه، ولم تغفل عن سبب قدومها من ضرب "زينات" لها:
"آه فاكرة. هنسى إزاي حاجة زي دي. بعد كتب كتابنا بيوم رايح تقولي كده!"
أكد برأسه بثقة، وهو يضحك وكأنه يستوعب إلى الآن. فوجدها تتمسك بأنامله بخوف، وقالت مجددًا:
"حلوين وإحنا مع بعض، متبعدش ومتعملش حاجة تخلي فيه أسباب للبعد، عشان خاطري!"
أثارت غرابته كلماته، ولكنه ابتسم لها بلطف، وقال بلين شديد ينفي ما قالته:
"وإزاي هنبعد، مش قولتي الحبل اتربط المرادي بالقوي؟"
تمعنت "نيروز" النظر نحو تقاسيم وجهه، وخاصة عينيه. حينها أكدت برأسها وقالت بصراحة تكشف خوفها:
"أيوة. بس النهاردة خوفت أوي!"
علم لهفتها وخوفها بفقدان ما بداخلها منه. تنفس بصوت مسموع، وحرك رأسه بأمان وقال يُطمئنها بحديث هادئ:
"لا متخافيش طول ما أنا معاكي!"
شعرت بالخطر عليه. لطالما يتحالف "سامر" وشقيقته مع والدتهما ويثيرون المشاكل. آخر ما رأته غضب "غسان" على كلمات بدأت بها "زهور" ومن ابنتها، وأكمل بعدهما "سامر". نفت بإندفاع توصيه:
"لا خايفة. أنا مش عايزة إك يبقى ليك علاقة بسامر وأخته وحتى عمتي. متردش عليهم عشان خاطري وابعد نفسك عنهم. سامر ده مؤذي قوي زي عمتي بالظبط، إنت متعرفهمش!!!"
تعود مجددًا بالخوف عليه. نظر لها بصمت، وإلى الآن يخفي انفعاله بالكلمات التي قالتها عمتها وأولادها. وبقول كهذا رد هو عليه بحدة:
"عايزاني أعمل إيه؟ لما ألاقي كلام مش ولابد على مراتي؟ أقف ساكت وأسقفلهم؟ فوقي يا نيروز وافهمي إن الكلام اللي اتقال ده فيه قطع رقاب، وأنا مش قرني عشان أقف أسمعهم ومردش بإيدي. دا مش عدل ليكي عشان أنا مطيقش على مراتي نص كلمة بالذات اللي سمعناه ده، بعد ما بيجي على كرامتي كرجل!"
"يـا غسـ.."
بتر حديثها عندما أغلق الموضوع بحزم. ولاحظ قدوم شقيقه من على بعد:
"اقفلي الموضوع ده دلوقتي. خلصنا!"
نظرت له "نيروز" وهي تتحلى بالصمت. وجاء "بسام" يستعلم على كشفهما، وقال يسألهم بإهتمام ولهفة:
"طمنوني قالتلكم إيه؟"
الحمد لله هي واللي فبطنها بخير وكتبت لينا على شوية أدوية كدة.
مد "بسام" يديه يأخذ الورقة ليقرأ ما محتوى الأدوية، وعندما مرر عينيه زفر بصوت وهو يحاول طي الورقة مردداً يخبره:
"طب سيبها وأنا هجيبهم من صيدلية قريب."
أخذ "غسان" الورقة سريعاً ووقف يعتدل مردداً يخبره بما سيفعله بإختصار:
"لا سيبهم، أنا كده كده هعدي أجيب المرتب وأشتريهم. انت مش هتستأذن وجاي ولا نظامك ايه؟"
نفى "بسام" بأسف وتنفس بصوت يخبره بتفسير:
"للأسف مش هعرف أستأذن النهاردة، حتى أنا متضايق، بس أنا كلمت حازم أفهمه على الحوار و.."
وقبل أن يكمل بتفسير، حذره "غسان" بعينيه من أن يكمل بتفسير أمام "نيروز"، فغير هو مجرى الحديث وهو يخرج بطاقة بلاستيكية من جيب بنطاله:
"خد هاتلي مرتبى أنا كمان طالما وإنت رايح، انت عارف كده كده كلمة السر!"
أخذها منه موافقاً، وضرب كتفه بمواساة يحثه قائلاً برفق:
"ماشي متشيلش هم انت ومتتصدرش بدماغك لحد هنا عشان شغلك، أنا هرسي الدنيا وهو هيقدر!"
تابعت "نيروز" الحديث بينهما ووقفت عندما نادت إحدى الممرضات على "بسام"، فأشار له الٱخر بالوداع ممسكاً بيدي "نيروز"، كي ينصرفا. هم الٱخرين ابتلعت ريقها وهي تنتظر معه بصمت وسألته قائلة بترقب:
"هو إحنا رايحين فين دلوقتي؟"
أجابها باختصار وهو يدخل معها المصعد:
"هجيب العلاج والفلوس دي وهوديكى عند جميلة وأمشي!"
وافقت بنظراتها وهبط المصعد بهما، في حين وقف "بسام" ينظر بغير تصديق لما أرسلت الممرضة. "فرح" أتت وانتهت الجلسة وقاربت على الرحيل. تنفست بصوت متقطع من تسرعها ولكنها قالت تفسر له بإرتباك:
"أنا قولت أشوفك موجود ولا لأ وكده طالما أنا هنا. وعموماً، شكراً على سؤالك عليا بعد كل جلسة!"
هذا ليس تفسير ولكنه فرح بشدة، ابتهجت ملامحه ووضع يديه بنفس الإرتباك في جيب البالطو وقال بغير وعي ببلاهة:
"شكر إيه يا فرح شكر إيه بس!!"
وكأنه يقولها بتعب، فعلته هب بفؤاده، عقدت ما بين حاجبيها بغرابة قبل أن تضحك على قوله بخفة تحاول إخفاء ذلك، سألته متنحنة بحرج حتى قالت بلباقة:
"هو انتوا مش جايين النهاردة لـ "جميلة وعز"؟"
قوس حاجبيه وسألها بجهل:
"ليه؟"
وضعت نفسها بموضع محرج جداً، ابتلعت ريقها ودق هاتفها برقم "والدتها" ينقذها، فأشارت له بعجالة:
"طيب أا لازم أمشي، هستأذن أنا!"
وقف "بسام" يقاطعها بسرعة حتى سألها بجرأة:
"طب مش هشوفك تاني؟"
على مشارف قوله لها بأنه يريد أن يفتح معها موضوع ما، بينما لم يفاتح هو أهله أولاً كيف؟ ابتسمت بلطف وقالت وهي تضغط على زر اخفاض الصوت:
"آه، إن شاء الله، ما أنا معاكم هنا لحد ما أنتهي من الجلسات دي!"
"أنا مش قصدي الجلسات بس إنتي قدها عموماً يا فرح!"
قالها بابتسامة هادئة هائمة، تعلقت عينيها به بطريقة غريبة وسرعان ما حركتها بابتسامة هادئة تمتن له بعينيها، فقال هو من جديد يفسح لها المجال:
"آه معلش اتفضلي!"
أشارت له بالوداع فلوح لها بتيه، وهي من بدأت هذه المرة! ربما بعفوية شديدة منها كونها تأخذ عليه وقت بعد وقت هو وشقيقته! ابتلع ريقه وتنهد بتعب وقال بصوت مسموع به وبين نفسه:
"توهتيني يا فرح، مش عارف هتوديني على فين بعد كده، يخربيت عقلك!!"
هي من تعيده لسابق عهده تدريجياً بعدما أصبح منطفي، في حين أن المرح كان لا يفارقه حتى بينه وبين نفسه!!
وبعد مرور بعض الوقت الأقرب لساعة إلا بضعة دقائق كانت مازالت معه في السيارة، ابتاع العلاج ووقف كثيراً إلى أن وجده بدوره، في حين مل من البحث عن وجود ماكينة بها أموال ليجلب راتبه الشهري له ولشقيقه، ومن بين انتظارها الٱن وهي تنظر بالشرفة تترقب وهو يقف يوليها ظهره، تنفست بعمق تنتظر، وعندما وجدته يلتفت ليضع الأموال بجيبه، ابتسمت برضا ودخل هو يركب بجانبها في الأمام، حينها سألته لتتأكد:
"جبتهم؟"
"أه، عايزين بس نعدي نجيب حاجة في إيدينا واحنا رايحين لـ "عز" و"جميلة"!"
ابتسمت على لطفه ولباقته وشردت مرة أخرى وهي تنظر ناحية الشرفة، وسارت السيارة من جديد بقيادته هو، في حين صب تركيزه على الطريق الذي علم حواريّه مقرراً الوقوف على إحدى الجوانب أمام محل "حلوى". تنفست بصوت مسموع وأدمعت عينيها لسبب مجهول أتى من شعورها بتلقائية وهي تفكر، ترددت رغم أنها تعلم الرد منه، ولكنها حثت نفسها على الشجاعة وهي تلتفت برأسها تفرك بيديها الذي لاحظها هو وعلم أنها تريد قول شيء:
"غسان!"
همهم بإنتظار، ونظر بعشوائية، وعندما نظر نحو المرآة التي بجانبها ليرى من خلفه من السيارات، نظر نحو وجهها ووجد عينيها اللامعة تقابل عينيه، حينها ترقب باهتمام ثم سألها بقلق:
"مالك؟ إيه اللي حصل؟ حاسة بوجع ولا إيه؟"
نفت سريعاً، ترخي ملامحه بقلقه وقالت بصراحة:
"لا متخافش أنا كويسة، أنا بس كنت عاوزة أطلب منك طلب بس خايفة ترفض!"
صمت قليلا ينظر نحوها، وتحركت السيارة من جديد، وعندما استخدم عقله نفى صراحة دون رفق:
"لأ يا نيروز، لو اللي في دماغي فـ هيبقى لأ!!"
انكمشت ملامحها بحزن، كانت تتوقع شيئاً كهذا، في حين أدمعت عينيها أكثر وهي تسأله بلوم هادئ:
"ليه يا غسان؟ وديني ومش هيحصل حاجة صدقني أوعدك!!"
تتلهف لزيارة كهذه؟ ماذا تريد هذه التي لا تكف عن الوجع؟ هذا السؤال الذي يعهده قلبه منها في بعض الأحوال تعمد تجاهلها كي لا تبكي ويتشاجر حتى لو بكلمات هادئة، ولكنها يبدو أنها تصر عندما رددت توبخه عن تجاهلها:
"إنت مش بترد عليا ليه؟"
وبعد محاولة فاشلة منه في تعمد الصمت، هدمتها هي فالحال عندما اندفع يوضح بتفسير جامد:
"ولا هرد ومش موافق يا نيروز، لأن إنتي مبتشوفيش نفسك ولا بتستوعبي إيه اللي بيجرالك لما بتروحي تزوريه في المقابر. ولا أنا. عايز أفكرك بعدها بيحصلك إيه لمدة كام يوم. إنتي دلوقتي وضعك اتغير كمان وحالتك متسمحش للحالة اللي بتجيبيها لنفسك دي. إنتي ناسيه الدكتورة قالت إيه؟ أهم حاجة صحتك النفسية، وأنا مش هجازف بيكم. عايزة تشاركيه وماله بينك وبينه وإنتي مع نفسك وهيحس بيكي!"
هبطت دمعتها بحزن، وابتلعت ريقها تردد بنبرة يغمرها الحزن:
"إنت مش حاسس بيا ولا حتى فاهمني، إنت بترفض وخلاص!"
"لا فاهمك وحافظك، وعشان كده قولتلك بلاش!"
رددها بحزم، وصب أنظاره على الطريق مرة أخرى، في حين رددت هي بانكسار من تخبطها بمشاعر الحمل وتغير هرمونات جسدها الذي يتضح شيئاً فشئ:
"قلت بلاش عشان مش خايف عليا أنا يا غسان، أنا وإنت عارفين كويس إنت رفضت وبقيت خايف على مين بالظبط!"
من متى وهو الذي يلحقها بذراعيه كلما تنهار في هذه الزيارة الموجعة؟ علم تخبطها ومشاعرها، ولم يتعمد الانفعال. بل ضغط نفسه من عدم الرد بالكلمات الساخرة، وصمت ينظر ناحيتها يعي ما قالته جيدًا. وبرر بكلمات مقتضبة عكس معناها:
"اللي تشوفيه يا نيروز، مع إن محدش هاممني في كل ده غيرك أنت. بس اللي يريحك طالما شايفه كده، فالحالتين كده كده مش هتروحي، وانتهينا يا بنت الناس من الموضوع ده!"
ركن السيارة تزامناً مع هذه الكلمات. وعاندت مشاعرها التي تفيض بالدموع منذ كتير. بل ومنذ متى وهي تتعمد الضعف أمامه؟ التقطت منديل ورقي تمسح وجهها، متحاشية النظر إليه بعد هذا الرفض الصريح، رغم أنها كانت تتوقع كلمات حادة ساخرة على آخر قول قالته يثير غيظه. بينما لم يفعل ذلك ولم يرغب في شجار ترغبه هي. هبط من السيارة يدخل هذا المحل ليجلب زيارة لبقة لـ "عز" ووالدته. هي الأخرى وجدت اتصال آخر من "زينات"، رغم أن "غسان" طمأن عائلتها. بينما لم تهاتفها "زينات". لتثبت لها أنها تغيرت حالتها الآن لا تسمح الرد بصوتها المختنق من آخر نبرة وحديث باكي رددته له. وعلى أية حال انقطع الاتصال. فدخلت هي على صفحة رسائل ما بينها وبين "جميلة" تخبرها بأنها قادمة قبل أن تأتي فجأة! ولا تعلم هي ما حدث من تطورات بينها وبين "عز"، لا هي ولا "غسان"، حيث علم الكل عداهم وهم كانا بالأعلى! وبعد دقائق وجدته يضع الأكياس في الخلف، وتقدم ليركب في الأمام، حتى قدم لها علبة صغيرة بحنو، يحثها على أن تتناول ما بها:
"امسكي، كلي!"
أمسكته دون النظر له، تأخذ منه موقف. في حين أخرج هو من الكيس الآخر مشروب الليمون بالنعناع لها وله. فتح لها أحدهما وقدمه لها برفق، يحثها على أن تشربه:
"واشربي ده كـمـ..!"
"مبحبوش!"
فتح "غسان" فاهه بصدمة وضحك على الفور، يردد بغير تصديق:
"يا شيخة!"
"أه ومش عايزة شكراً!"
كانت تتوقع بأنه سيضغط عليها كزوج حنون، بينما أخذه وأشار لها بغير اهتمام، مردداً بتبجح:
"أحسن وفرتي!"
طالعته بذهول واغتاظت ملامحها، فابتسم بإستفزاز وهو يتجرع منه، حتى دار محرك السيارة. وأشار بإصبعه مجدداً على العلبة التي تركتها على ساقها بعناد:
"لو مش ناوية تاخدي دي كمان هاتيها!"
هذه المرة توسعت عينيها أكثر، ووضعت العلبة على ساقه هو دون حديث، فضحك يحرك رأسه، مردداً بخفوت:
"مجنونة والله!!"
"والله عال، دا كمان شوية هتجوعني أنا واللي فبطني! أنا باكل لإتنين دلوقتي وانت بايع خالص ومش مهتم ومريح دماغك!"
رددتها بحنق، وتارة تكون هادئة وأخرى شرسة، لم يستطع فهمها. ابتسم ابتسامه واسعة وغمز لها، مردداً بعبث، يجاري تغير مزاجها:
"مقدرش أبيعكم، دا انتو اللي جوا القلب! أنا كلي ليكم!"
ابتسمت بتهكم. متى لحق أن يجمعها بجملة واحدة مع من بأحشائها؟ حركت عينيها بإستخفاف، تنظر نحو الشرفة، تعود لفكرة رغبتها في زيارة المقابر. بينما لم يتركها هو مع نفسها. فتح لها العلبة عند إشارة توقف السيارات، وفتح لها علبة مشروب الليمون بالنعناع، وقدمهما لها بيديه، يحاول الوزن بينهما، مردداً يحثها بلين:
"خدي بقا يا رزقة ومتبقيش قفوشة! وبعدين مش انتي اللي اتقمصتي وقولتي مش عايزة ومبحبوش؟!"
أعطته زاوية كتفها بضيق. فمد ذراعه أكثر يحثها مجدداً:
"إمسك بقا يبطل!"
نظرت له بطرف عينيها وابتلعت ريقها، حتى تنهدت تردد بإستسلام له، تستغل تغير طريقه في الحديث بمحاولته لإرضائها:
"وافق ي غسان بس المرادي عشـ.."
تأفف من ضغطها وإصرارها، وترك العلبة على ساقها، وقال بحزم صارم يغلق محور هذا الحديث:
"إحنا قفلنا الحوار ده وخلصنا منه، ومتفتحيهوش تاني عشان أنا ساكت عشانك!"
وعاد برأسه ينظر ناحية الطريق، وقال باختصار يكمل:
"وأنا صبري مش طويل!"
نظرت له متمعنة، تنتظر أن يلتفت لتتقابل عينيه معها، ربما يضغف. لكنه لم يحرك رأسه وظل الصمت بينهما. إلى أن ركن السيارة، فهبطت هي بعد أن نزل وفتح الباب في الخلف يحمل العلبة بين يديه. سارت بتمهل معه، حتى وجدت بوابة المنزل مفتوحة، فدخل يدق باب شقة "حنان" أولاً. وانتظر بعدها بدقائق إلى أن فتحت له "حنان"، وتوسعت بسمتها بفرحة أكثر من التي كانت بها، وهي تردد بترحيب حار:
"أهلاً أهلاً! ايه النور ده! ادخلو تعالوا يا دي الهنا!!"
وقف بعدما رحب عليها وأهبط بعض من الأكياس بجانب بابها في الداخل، وهو يرى "نيروز" تعانقها. بينما ردد هو قبل أن تصر على قولها:
"كتر خيرك ي أم عز، بس هنطلع احنا أصل مستعجلين. عز فوق."
"ايوة فوق ي حبيبي، عريس بقا منزلش الشغل النهاردة!"
ورغم عفويتها، ولكن تشكك "غسان" من قولها. ولم تنتبه "نيروز" للتفاصيل. فأومأ ولو يشير لـ "نيروز" التي ودعتها سريعاً، وهي تشير كي تصعد السلم. حمل ما بيديه بذراع، وبالآخر يترقب به صعودها على السلم بجانبه. إلى أن وقفت وهو بجانبها، ووضع يديه يدق الجرس بانتظار. حينها سمع أذان الظهر، ووجد أن الوقت يضيق به. انتظر قليلاً إلى أن فتح "عز". وما إن وجده توسعت ابتسامته، فاعتلى صوت "غسان" يشاكسه:
"ايه ي عزوة كل ده على ما تفتح!"
"حبيبي، منور والله، تعالو اتفضلوا!"
خلع "غسان" حذاءه وانتظرها حتى خلعته دون أن تنحني. وعندما دخل بجانبها وأمامها "عز"، ناوله "غسان" ما بيديه، فعنفه "عز" بلطف على تكلفته هذه. واتجه ناحية المطبخ يضعهم، في حين جلست "نيروز" بجانبه. فالتفت بوجهه يحثها بسخرية:
"افردي وشك ده شوية، حرام عليكي انتي جاية لعرسان لسه!"
نظرت له بحدة، وقالت ترمي اللوم عليه:
"كله بسببك، لو كنت وافقت مكنش حـ.."
قاطع "غسان" حديثها بحدة بالغة، يحذرها هذه المرة:
"هنقعد نعيد ونزيد تاني! اسكتي بقا!"
التزمت الصمت. وعندما وجدت "جميلة" تدخل بسرعة بفرح لها، تهتف بإسمها، وخلفها كان "عز". نهضت "نيروز" بإندفاع، ترمي بأحضانها بترحيب حار. ووقف "غسان" يعنف نهوضها بهذا الشكل:
"براحة على نفسك ي مجنونة انتي!!"
لم تعطي له اهتماماً. بينما ضحكت "جميلة" وهي ترحب به، فرحب بها بعينيه بلباقة. واقترب "عز" يجلس بجانبه، بعدما دفعه ليجلس مع قول "جميلة" له بأسف:
"معلش ي غسان أصلها وحشتني!"
اعتلى صوته بسخرية، يخبرها:
"لحقت يعني دا انتوا لسه كنتوا عندنا امبارح!!"
تعمدت عدم الاهتمام ولا النظر ناحيته. في حين سحبتها "جميلة" معها ناحية المطبخ. وبقى "عز" مع "غسان" الذي ضرب ساقه بخفة، يسأله:
"عامل ايه يا عز، ايه الدنيا!"
ابتسم "عز".
بسعادة لقدومه، وقبل أن يطمئنه، سأله "غسان" بمشاكسة:
"اتصالحتوا والدنيا هدت ولا ولعت من مراتي زي ما قولتلك!"
ضحك "عز" وأجابه هذه المرة بعكس ما يتوقع سماعه:
"لا الصراحة دا بالعكس الدنيا بقت فل بينا عالاخر، بارك لاخوك بقا!"
فهم "غسان" على الفور وعانقه بسعادة. ولوهلة شعر بالحرج من قدومه دون علم هو و"نيروز". ربت من بين احتضانه له وقال يبارك:
"ألف مبروك يا عزة، ربنا يسعدكم!"
ونهض بعدها يحثه بعجالة:
"تعالى ننزل نصلي الضهر عشان عندي مشوار كده وهضطر أسيب نيروز معاكم شوية، ولا أخدها وأفلسع؟"
"انت بتقول إيه، يا عم! البيت بيتها، كده كده أنا نازل تحت أقعد وهسيبهم بقا مع بعضهم شوية، بس انت رايح فين كده؟"
لا يعلم هو بأن شقيقه المتسبب بذلك، وعارض "حازم" كي لا يحدث مشكلة بين شقيقته بحساسية بينهما. نفى برأسه، يعلمه بنبرة هادئة:
"لا دا مشوار كده مع حازم وبدر ومش هنتأخر يعني متخدش فبالك!"
وقبل أن يرد "عز" عليه، دخلت "جميلة"، بالضيافة له. ولاحظت نهوضه فرددت تقاطع سيرهما:
"انتوا رايحين فين؟ اشرب العصير الأول يا غسان اتفضل!"
رفض "غسان" بحرج رجولي هادئ:
"لا معلش تتعوض، أنا نازل أصلي وأكيد نيروز قالتلك إنها هتقعد معاكي شوية على ما أرجع آخدها. خدي بالك منها يا جميلة دي هبلة وممكن تقع منك في أي لحظة!"
اغتاظت ملامح "نيروز" بينما تفهمت "جميلة" ونظرت تطمئنه. وقبل أن تتحدث، ردت "نيروز" عليه بابتسامة مستفزة:
"أنا مش هبلة!"
أشار لها بفظاظة أمامهم، فضحك "عز"، مع قول "جميلة" الضاحك عليهما:
"متقلقش في عيني، اطمن!"
اعتدل بوقفته. ووقف "عز" ينظر تجاه "جميلة" في حين اقترب "غسان" يحثها برفق:
"خلي بالك من نفسك على ما أرجع يا.. هبلة!"
حركت عينيها تسخر منه مجددا، وقالت تلومه بتوبيخ مبطن:
"أخلي بالي من نفسي برضه؟"
توجه يقبل رأسها برفق، وهو يؤكد بنفس استفزازها. واعتدل يسير خلف "عز" حتى لاحظت إغلاق باب الشقة. زفرت "نيروز" بضيق، في حين عنفتها "جميلة" بجدية:
"انتي مستفزة ليه يا نيروز بجد؟"
كانت تعتقد بأنها ستوبخها بجدية، بينما ضحكت وهي تتحرك معها ناحية المطبخ. وفي طريقها ردت عليها "نيروز" باستنكار:
"أنا برضه اللي مستفزة؟"
انحنت "جميلة" تضع طبق الغسيل أمام غسالة الملابس وأخرجت منها الملابس تزامنا مع قولها الصريح:
"أه انتي على فكرة، وهو عنده حق ميودكيش هناك خايف عليكي، افهمي!"
انحنت تحمل الطبق، ثم توجهت نحو شرفة المطبخ تفتحها ووضعت الطبق على مقعد عال. وناولتها "نيروز" بعفوية كي تنشر الأخرى بتناسق، في حين أكملت "جميلة":
"وأنا معاه جدا، لأن نفسيتك دلوقتي أهم حاجة في الحمل، ولا ناسية ياسمين كان جراها إيه من فترة؟"
زفرت "نيروز" بضيق، ووضعت أمامها علبة المشابك، في حين ردت "نيروز" بتلقائية:
"وانتي الصادقة كنت هحصلي اللي حصلها النهاردة لولا ستر ربنا! الحمد لله."
ترقبت ملامح "جميلة" باهتمام وسألتها بقلق، وهي تلتفت بكامل جسدها لها:
"ليه خير حصل إيه؟"
كيف تخفي عليها وهي رفيقة الدرب؟ جلست "نيروز"، وقررت سرد المختصر عليها، ولكن بطريقة تطمئنها كي لا تأتي هي و"عز" بهذه الأوقات. وبدأت قبل أن تسرد وهي تخرج أنفاسها بتنهيدة:
"أقولك إيه ولا إيه؟ حصل شوية حاجات كده لغبطت الدنيا.. هحكيلك!"
ترقبت حواس الأخرى بفضول، ولم تنتبه لقلق ما ردته "نيروز"، بل قالت هي بالمثل:
"وأنا كمان عايزة أقولك على حاجة. بس بعد ما تحكي انتي. قولي يلا وأنا سمعاكي. وسيبى الطبق أنا هجيب منه أنا.. عشان متدوخيش انتي!"
زفرت بصوت، وكل واحدة تترقب. بينما بدأت "نيروز" في سرد مختصر لآخر الأحداث كي تسمع قول الأخرى لتخبرها بالمقتضب أنها أصبحت زوجته بالفعل. وظل الاثنان معا يتسامران تحت قلق "جميلة" ولهفتها على شقيقتها وهي تستمع لكل ذلك، بينما الأخرى تعلم جيدًا كيف ستطمئنها حتى لا تقلق!
"السلام عليكم ورحمة الله... السلام عليكم ورحمة الله!"
حرك "آدم" رأسه بخشوع خلف الإمام بعد انتهاء صلاة الظهر. رحل من عمله وبدل ملابسه لذهابه مع "حازم" والبقية. غمرته الراحة وتغمره في كل مرة عندما يجد نفسه على طريق الاستقامة. ابتلع ريقه ورفع عينيه بترجٍ وانتظار القبول كما حثته هي. يشعر بثقل على قلبه شديد وكأن كل الأمور تعانده. زفر بصوت، وكل مرة تتغير ملامحه من مجرد تخيله بأنها لم تكن له. أيمكن أن تكون من نصيب الآخر؟ في كل مرة يلقى على يديها الرفض يتمسك أكثر من السابق. وبالنسبة له هو، فهذا الأمر ينهكه من الداخل وينهك رجولته. الشيء الذي يجعله يتمسك هي تلك النظرة الذي يراها بعينيها التي تلمع. وأوقات أخرى يهيئ له عقله بأنها ترفض لأنها لا تتقبله وأن ما يراه مجرد خرافات يبرهنها ويبررها له قلبه. كان لا يحكم بقلبه، بينما في الآونة الأخيرة لا يفعل إلا ما يشعر به فؤاده. فؤاده يريدها حتى بعدما ظُلمت هي. تنفس بصوت مسموع يحاول ابتلاع الغصة المريرة بحلقه كلما تذكر دموعها المنكسرة وهو العاجز حتى عن دفعها بأحضانه أو الذهاب للذي فعل ذلك بها وجعله يذيق مرارة الإعدام على يديه هو بكل غضب وليس على حبل مشنقة قانوني. أين حقها هي؟ حقها يجب أن تأخذه بيديها! هكذا هتف صوت الشر الذي بداخله. ومن ناحية أخرى، لا يلاحق عن تكليفات المنزل لدى شقيقته وأولادها رغم أن "بدر" يساعد هو الآخر، ولكن المسئولية كبيرة. كبيرة جدًا أكثر ما كان يعتقد ولكنه يكافح!
تحركت عينيه سريعًا على الشيخ الذي كان أحد أسباب قربه من الله واستقامته. ربع الشيخ ساقيه أمامه وتنفس بعمق وهو يربت على ساق "آدم" مرددًا له بنبرة هادئة مع ملامح وجه بشوشة:
"شايل الهم ليه يا بني وربك موجود؟"
وكأنه أتى له كما يأتي في كل مرة لينقذه من بئر أفكاره الغويطة. حفرة تكاد توجهه ناحية الاعتراض، ولكنه يعود سريعًا بالشكر كلما قارن حاله بداية ونهاية! زفر "آدم" بصوت، وكانت حالته ضيقة وكأنه الوقت الذي يشعر به المرء أن الحياة تغلق أبوابها في وجهه من أكثر من ناحية. كان يظن أن الأمل في روحه سيستمر بقوته الأولى، بينما الآن يرى في كل خطوة شيئًا صعبًا يتعثر. وما تعثرت إلا وفرجت، هكذا شجع حاله، بينما ما جاء على عقله بصوته المتحشرج لشيخه الذي جلس ينتظر بفارغ الصبر رده. ورد "آدم" عليه بأنفاس ضيقة وملامح قد تراخت من رؤيته له:
"اختبارات ربنا والحمل زاد أوي يا عم الشيخ. حاسس إني مش قادر للحمل ده بس مكمل عشان ده واجبي. مكمل لله عشان عارف إنه هيجازيني في الآخر ومش هيرضي بكسرتي وضعفي. بس الدنيا صعبة أوي!"
أدمعت عينيه بآخر ما أردفه من حديث مختنق مهتز. ربت الشيخ على ساقه بيقين وكأنه يحثه على الصبر وأخذ نفسًا طويلًا بثبات هادئ ووقار وقال يبدأ في حديثه ليترقب الآخر:
"والله أرحم بالفتى من نفسه، فاعمل فما كلفت ما لم تستطع."
قال جملته بثقة بالغة في الله. كلمات مذكورة فعليًا لـ - أبو العتاهية. حينها فهم "آدم" وترقبت جميع حواسه عندما واصل الشيخ بقية حديثه بأمل ويقين:
"الدنيا أه صعبة، وربنا نزلنا يختبرنا فيها عشان نهايتها يا جنة يا نار. قبل كل ده بنلاقي اختبارات وابتلاءات ربنا بيحطها في طريقنا ومن قبلها سبحانه وتعالى بيكون عارف وفاهم إيه هي آخرتنا."
ولكن ربك بيقول إيه؟ اسعى ي عبدي وأنا هسعى معاك. وعمره أبداً ما يحمل البني آدم فوق طاقته. طالما حطك في اختبار وامتحان أو حتى ابتلاء، بيبقى عارف إنك قده علشان كده وضعك فيه. لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
سارت القشعريرة في جسده في الحال، عنده أنصت لآخر حديثه والذي كان آيات بينات معطرة بالإيمان، وكأن حواسه تترقب لسماع المزيد. ردد بنبرة منخفضة قبل أن يكمل الآخر:
"ونعم بالله العلي العظيم، الحمدلله على كل حال!"
"صح، لازم نحمد ربنا على كل حال، وخليك دايماً كده فاهم وعارف إن سبحانه وتعالى بيحبك مادام وقعك في اختباره، يتوجب عليك الصبر والتحمل ولك الآخرة الحسنة، شوف."
أشار بآخر حديثه كي ينتبه أكثر، وابتسم ببشاشة كبيرة وهو يكمل بما جعل الآخر يبتسم تلقائياً وعينيه تلمع بلمعة الإيمان والأمل المتجدد:
"عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقارير)!"
وعندما انتهى بسرد ما ردده من علمه المتواضع، قال مرة ثانية بإيمان:
"ده حديث، وجالك تاني حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)!"
صمت بإنهزام أمام المصادر الموثوقة بحديث يردده بكل يقين وتقوى. زفر بصوت مريح وسمعه يكمل وهو يربت على كف "آدم":
"ربنا معاك ي بني، معاك في كل مكان ومش هيسيبك. توكل أنت على الله وأشكره علطول. خلي دايماً ذكره على لسانك تنزاح همومك!"
ابتسم واتسعت ابتسامته وحرك رأسه يومئ بطاعة، وحاول النهوض ولكن ليس قبل حديثه المتأثر له:
"كتر خيرك يعم الشيخ، ربنا دايمًا بيحطك في طريقي، شكرًا ليك!"
"الشكر لله ي عم آدم، اسعى أنت وسيب كل حاجة على ربنا!"
نهض بعدها يعدل سترته وملابسه وتحسس هاتفه الذي دق، وتبسم بلطف له وعاد يخرج هاتفه وهو يشير للآخر بأنه سيرحل، وثمة أمل وشعور جيد يغمره من جديد!! حينها أجاب على شقيقه بأنه سيتجه إليهم بأقرب وقت!!
***
بينما في شقة "سمية" تجهز "بدر" و"حازم"، ينتظران قدوم "آدم" و"غسان" وفهم "حازم" عذر "بسام". دخلت "فريدة" ترد على الهاتف التي هاتفتها به "جميلة" لتطمئن بعدما علمت ما حدث بهدوء بواسطة "نيروز". وعلمت العائلة أن "نيروز" تجلس مع "جميلة" في شقتها هناك. أما هنا ذهبت "دلال" شقتها تعد وجبة الغداء في حين فعلت المثل "عايدة" وتركت "سمية" تستريح لتعد لها هي الأخرى مثلها كما يتقاسما دائمًا هذه الأشياء العائلية البسيطة. وشاركتهم "دلال" في شراء نفس الصنف من الطعام. جلست "وردة" تتسامر مع والدتها و"ياسمين" وعلمت أن الكل كان يعلم عداها هي وكانوا ينتظرون فقط لحظة اخبارها بواسطة "بدر".
أهبط "حازم" الهاتف من على أذنه ونظر ناحية الجميع بعشوائية، في حين لم يجد "حامد" هنا فقد ظل في المسجد ورحلوا هم.
"جاهزين كده ننزل؟"
حرك "بدر" رأسه موافقاً وقال يؤيده:
"أيوه خلينا ننزل نستناهم تحت علشان نمشي علطول!"
تحرك معه ونظر "حازم" لـ "ياسمين" نظرة تعهدها منه في قلقه وحثه على أن تهتم بحالها. ابتسمت بإطمئنان وتحركت نحوه تغلق أزرار لم يغلقها هو، وعنفته بعينيها بلؤم وقالت بمرح شرس في لحظة انشغال الجميع في الحديث:
"مش عايز تقولي رايح فين وعديناها لكن وحياة أمك عايدة لو طلعت بتخوني ولا رايح تلعب بديلك أنت وهم هنزعل من بعض!!"
لم يكن تهديد بتاتاً، قصدت ذلك للتهوين عليه بطبعها المرح. تصنع الريبة ونظر حوله بخوف حتى أهبط يديها برفق وضحك بيأس منها ينفي وهو يجيب:
"ي ستار يارب نزعل من بعض! دا أنا قولت هتقطعيني حتت كده زي الفيديو اللي بعتهولي على التيك توك!"
انكمشت ملامحها بضجر ونظرت له تردد بحنق:
"علفكرة أنت بقيت بطنش ومش بتشوفهم كلهم زي أيام الخطوبة!"
حرك رأسه بقلة حيلة عليها، وتمسك بكفها يخبرها بجدية هادئة:
"أنا لا رايح أخونك ولا ألعب بديلي معاهم، بس كل اللي عايزه منك تدعيلي وخلاص، ممكن؟"
"عيوني ليك يمتر، بدعيلك علطول من كل قلبي!"
ابتسمت "ياسمين" في هذه اللحظة تنظر نحو عدستيه الحزينة في الخفاء. تساءلت ربما من الأحداث الأخيرة ولا تعلم هي ما سيذهب إليه بعد دقائق. تنفست بعمق وأخرجها من شرودها رده على حديثها بابتسامة هادئة:
"ما بلاش عيونك!"
"ليه؟"
"بتوه فيها والله وبغرق، ومبلاقيش حد يطلعني من خضرتها وأنا دلوقتي مستعجل جداً!"
ضحكت وقبل أن تجيب، ضرب "بدر" كتفيه بسخرية يعجله:
"ما تـ يلا ي عم حازم، مش وقته غرق وعوم، مش مصيف هو!"
بهذه اللحظة كان يترقب الكل فضحك الجميع وتحول الوضع بخفة لبهجة بسيطة بعد وقت توتر وحزن. أومأ وهو يرد له ضربته على كتفيه وأشار لهم بالوداع وسار هو و"بدر" معاً. وبوقتها توجهت "ياسمين" لتجلس على المقعد بتعب بجانب شقيقتها وقبل أن تقترب من "يامن" لتداعبه وجدت جرس المنزل يدق. حينها وقفت "سمية" تفتحه وبعد لحظات وجدت "زينات" أمامها، فابتسمت بترحيب واحترام تحثها على الدخول ولم تغفل عن ملابسها التي ترتديها للخروج!!:
"تعالي ي زينات أدخلي!"
دخلت بالفعل وهي تتمسك بالهاتف وعادت "سمية" تجلس وهي تشير لها أمام فتياتها لتجلس. وبالفعل جلست "زينات" ورفعت رأسها بترقب. حينها خرجت "فريدة" من الشرفة وسمعت "والدتها" تردف بسؤال مهتم يعلن عن قلقها الواضح الصادق:
"أنا.. كلمت نيروز كذا مرة بس مش بترد. كنت قلقانة وعايزة اطمن الدكتورة قالتلها إيه والوقعة أثرت ولا هي كويسة؟"
نظرت "وردة" بلين بينما ظهر حرج "سمية" على معالم وجهها عندما علمت ما تقصد فعله ابنتها. تعلم أن "نيروز" ليس من أنصار الغفران بسهولة وبساطة. ستأخذ وقتها بتأكيد ولكن من بين هذا الوقت تتعمد فعل أشياء لا يتوجب عليها فعلها هكذا رأت هي. تأسفت بعشم وهي ترد عليها تحت انصات "ياسمين" و "فريدة" التي جلست بجانبها:
"معلش ي زينات تلاقيها مسمعتش التليفون. بس الحمد لله يارب ربنا ستر وهي بخير هي واللي في بطنها دعواتك ربنا يكمل حملها على خير وتقوملنا بألف سلامة!"
ابتسمت بإطمئنان. في حين لانت شفتي "ياسمين" بسعادة من تغيرها هذا ونظرت "فريدة" لها بحب تحت رد "زينات" المتلهف:
"بدعيلها ربنا يكملها على خير هي وياسمين ويقوموا بألف سلامة يارب!"
ابتسمن جميعاً عليها في حين استمر الحديث بينهم بعشوائية وهذه المرة بادرت "زينات" بحمل "يامن" كي تشاكسه مشاكسة امرأة أو لربما جدة. هكذا شعرت هي وهي تنظر نحو "فريدة" التي علمت أنها تخفي قهرها بحديثها وابتسامتها هذه!!
وأه لو تعلم هي ما يخطط لإبنتها من خلف ظهرها، لو تعلم ما القادم بفعل شقيقتها وولدها!
"انت جهزت بس اللي اتفقنا عليه؟"
رددت هذه الجملة على الجانب الآخر بشقة "زينات" التي بها في غرفة تجلس بها "زهور" وحولها "سامر" و"مروة" و"أسماء". ترك "سامر" الهاتف من بين يديه ونظر ناحية الباب كي يتأكد من عدم وجودها، ومن ثم أجاب بحماس غريب:
"أه ظبطت كل حاجة!"
عقدت "أسماء" ما بين حاجبيها وهي تتساءل بجهل عن محور حديثهم:
"هو ايه ده اللي اتفقتوا عليه؟"
لمعت عيني "سامر" بخبث، في حين نظرت "زهور" لها باستخفاف وهي تتجاهلها معقبة على "سامر" مجددًا:
"أهم حاجة ميكونش حد من الرجالة موجود زي ما قولتلي، متأكد من الحكاية دي يا سامر؟"
ابتلعت "أسماء" ريقها بتوجس، في حين ترقبت عيني "مروة" بانتظار متشفي. وكان رد "سامر" المقلق عندما أجاب بعينين شاردتين:
"متقلقيش ياما مفيش حد فيهم هنا، وأنا سامعه بودني دي وهو بيتكلم في البلكونة على الحوار اللي كلمتك فيه ده. مالك من ساعتها كده وانتي مش تمام؟"
ضغطت على فكها تتذكر صدمة ما علمته، وخرجت نبرتها الصريحة بشرر تخبره وتخبر من كان لا يعلم:
"الموضوع ده مش لازم يتسكت عليه، يعني ايه يخبى علينا إن سليم ميت مقتول؟ الحكاية بتوسع منه أوي عشان نشيل إيدنا من كل حاجة بس كله إلا إنه يداري خبر زي ده!"
شهقت "أسماء" بمفاجأة، في حين علم الجميع كل ذلك وهو يتصنت عليه وعلى الجانب الآخر مصادره التي باتت مهمة مترقبة لأخبار لا تعلمها العائلة حتى. كيف؟ يبدو أنهم الخطر نفسه عليهم! اعتدل "سامر" وهو يلتفت برأسه مبتسمًا بتهكم شديد وبدأ بشفرة في حديثه أثارت فضول الجميع:
"ومش بس كده، دا انتي هتتصدمي لو عرفتي مين القاتل ياما!"
كانت حزينة على وفاته والأكثر وفاته بهذا الشكل ورغبتها في الشجار والحدة كانت تفوق كل ذلك، لذا قوست حاجبيها باستغراب وسألته بنبرة لا تطيق الانتظار أكثر:
"لو عندك حاجة ياريت تقول علطول وبلاش اللف والدوران ده!"
وقف "سامر" وكأن الشر الذي بداخله يتشفى لأضعفهم. ابتلع ريقه وأخذ أنفاسه يخبرها بالصادم بالنسبة لها:
"اللي قتله يبقى أخو جوز جميلة!"
جهلت عن سبب دخوله السجن من الأساس، وامتلئ عقلها بقضية تدخل بها مع أشخاص ذات منصب عالٍ. لذا تأذت! بينما لم تسأل بعد ذلك وبعد حديث "سليم" معها على أنه يرفض زواج "عز" من "جميلة" أقنعها بأنه مجرد فرق طبقات وحالة التعليم! فتحت عينيها على وسعها ونهضت بعدما استندت على عصاها تردد بنبرة قوية ترفض تصديق ذلك:
"ايه اللي انت بتقوله ده يا سامر؟ الكلام ده صح فعلاً ولا بتهري في الفاضي؟"
"وعهد ربنا زي ما بقولك كده ياما!!"
ورغم صدمة الآخرين إلا أن واحدة صدمت وواحدة تشفت بما هو قادم. أما هو فاقترب يؤيد وهو يحرك رأسه بالإيجاب. ومفاجأة هذا الخبر عليها جعلتها تبتلع ريقها بشرود! حركت عينيها نحو الباب سريعًا وضربت بعصاها الأرض وهي تقترب منهم حتى التفوا حولها ورددت مبدئيًا:
"اسمعوا، ولا كأنكم سمعتوا أي حاجة لحد ما موضوع سامر وفريدة يحصل، بعدها نشوف الحكاية دي ونحاسب اللي متحاسبش!!"
ردد آخر حديثها بتفكير شارد مغتاظ من كل ما يحدث من خلف ظهرها وهي التي تعتبر نفسها كبيرة هذه العائلة. عادت "زهور" تسأله مجددًا بنبرة حازمة:
"المأذون والناس اللي معاه هييجوا إمته؟"
"نصاية كده وكل حاجة تمشي وتحصل زي ما رتبنالها!"
مأذون؟ زواج بالإكراه؟ ربط من لا يعلم الأمور ببعضها، وخافت "أسماء" القادم. في حين ابتسمت "مروة" قائلة والحقد يظهر في خيوط نبرتها الناعمة التي تخفي طيات الكره المفاجئ بالخفاء:
"أحسن خليها تتربي وتعرف مقامها!"
صاحت "زهور" تردد هي الأخرى عقب قول ابنتها الأخير:
"البت دي مش هتتظبط غير بالجواز من بعد ما حصل اللي حصل، لو حد عرف باللي كان.. منظر العيلة هيبقي في الأرض، كويس إنهم قدروا يلموا الحوار ده ويخبوه بأي حكاية. ناصح ابن عايدة بس مش أنصح من زهور. الصبر.. لازم كل واحد يعرف مقامه كويس بعد كده!"
وقبل أن يرد أي منهم بحديث آخر، سمعوا صوت إغلاق باب الشقة. خرجوا بالتدريج من الغرفة ووجدوا "زينات" تدخل الغرفة بملابسها التي كانت ترتديها للخروج وذهبت لشقة "سمية" أولاً. خرجت بعد لحظات تجلب حقيبتها ووقفت تنظر لوقوفهم حتى ابتسمت بتكلفة تخبرهم:
"أنا رايحة المستشفى لـ حسن يا زهور. خدي راحتك البيت بتاعك. عايزة حاجة أجبهالك وأنا جاية؟"
حضورها من الأساس كان لا يهمها مثل عدم حضورها. جيد بنسبة ما أنها سترحل من الأساس. الأخرى تسيطر بالكامل عليها. حركت رأسها نفيًا وقالت تشير لها بحزم:
"لا بالسلامة انتي يازينات!"
"فريدة جاية معاكي ي خالتو؟"
كان هذا قول "مروة" بطريقتها الهادئة المتصنعة. ورغم غيظ "زينات" منها بما فعلته مع ابنتها إلا أنها لا تستطيع قول أو نقد شيء لأجل شقيقتها والدة الأخيرة. نفت برأسها فقط وأشارت لهم بالوداع حتى أغلقت باب الشقة خلفها وخرجت أنفاس "سامر" براحة من سير كل شيء كما هو. وعلى فجأة تعالى صوت "أسماء" وهي تسأل شقيقها باستفهام لما تراه بالنسبة لفتاة في سنها وسن "فريدة":
"بس مش انت كبير شوية على فريدة يا سامر؟ فرق السن تقريبًا حوالي حداشر سنة، مش ظلم ده؟"
ردت "زهور" بحدة تخرسها:
"اخرسي يابت! هي هتلاقي اللي يتستر على الفضيحة اللي حصلت دي فين؟ دا كويس أوي إن أخوكي هياخدها ويتستر عليها ويقبل بيها وعايزها. على الله يعلمها إن الله حق!"
رفعت "مروة" كفها على وجه "أسماء" برفق مستفزة تردد لها بحديث عادة ما تردده وهي تتصنع البراءة وهدوء ما قبل التحول:
"قلبك رهيف كدة علطول ي ٱسموءة؟!"
وعلى فجأة احتدمت نبرة "مروة" بأعين شرانية وهي تخبرها بجدية جامدة في الحديث:
"فوقي يختي دي كانت هتموت اختك تحت إيدها. حني هنا وفكك منهم. اللي زي دي مبقتش تبقى على حاجة بعد اللي راح منها. مبقتش زي الأول ولو كانت كويسة معاكي فدلوقتي لو في فرصة قدامها تبيعك وتموتك هتعملها!!"
"انتوا اللي بتبيعوها، حرام عليكم علفكرة. ايه يعني اتقدملها سامر ورفضت؟ ما يمكن بكرة يجيلها واحد يقبلها ويعوضها ويرضى بحالها؟ حطوا نفسكم مكانها. لو أنا هتخليني آخد واحد غصب كده يا سامر؟"
وعلى غير العادي من هذا الدفاع المستميت بالنسبة لأعينهم التي ترى، رفع "سامر" يديه يدفع ذراعها بقوة وملامح متشنجة أمامهن حتى حركها بإنفعال يردد من بين ضغطه على فكه:
"تحطوا نفسكم مكان مين؟ فوقي يا بت انتي لو كنتي مكانها انتي واختك أنا كنت دفنتكم بالحيا. مش بدل ما تقولي بنعمل فيها جميلة، اخرسي ودخلي لسانك جوا بؤك بدل ما أزعلك!!"
تأوهت بذراعها وتركت "زهور" ولدها يتعامل معها بسلبية امرأة تقف دائمًا مع الظلم وتترك الحق. تشجعت "أسماء" رغم أعينها اللامعة بالدموع وقالت بإندفاع وقح لطالما الوقاحة شيء معهود بالنسبة لشخصياتهم هذه:
"لا مش جميلة يا سامر إنت اللي ***. كلنا عارفين انت عايزها أوي كده، مش آخر البنات الحلوين هي."
كفاية اللي حصلها، حس لأول مرة في حياتك أنت وأختك وأمك بقا!
"انت بتشتميني يروح أمك؟ بتشتميني ي بت عشان واحدة زي دي؟!"
حاولت ألا تنفلت تأوهاتها بالوجع من مسكته، ولكن تحشرجت نبرتها وهي تكابر بعنادها في الرد أمام أعين غير راضية تمامًا عن دفاعها هذا بحق الأخرى:
"آه بشتمك عشان انت كدة فعلًا ومش عايزها غير عشان بس جـ.."
بتّرت جملتها عندما تلقت صفعة قوية على وجهها، فانفجرت باكية وكادت أن تدفعه عنها باندفاع. فانفعل أكثر تحت صمت "مروة" المريب، وكاد أن يصفعها على وجهها مرة أخرى. ولكن اقتربت "زهور" بذكاء، تقف في المنتصف واقتربت تخفض صوتها بثبات، تحذرها هذه المرة:
"قسماً عظماً يا أسماء، لو كلمة من اللي اتقالت هنا خرجت قبل ما كل حاجة تحصل، مش هتشوفي خير مني يا بنت بطني. فاهمة؟ ولا نعيدو تاني؟!"
من بين دموعها شحبت ملامحها جراء هذا التهديد الصريح، بملامح مثل ملامح وجه والدتها الصارمة التي لا تتحدث عبثًا أبدًا. ابتلعت ريقها بخوف، وتعمدت الصمت حتى نفض "سامر" ذراعه من عليها بضيق، ومسح على وجهه. ومن ثم ترقب الكل مرة أخرى عندما اعتلى صوت هاتفه في جيب بنطاله، وقبل أن يجيب، أشار بإصبعه ناحية "مروة" مرددًا بصرامة:
"خليها تهدي على نفسها كدة وتقول هديت، عشان بعد ما أخلص المكالمة هاجيلها أقولها تعمل إيه. وياويلها لو لقيت غلطة، بموتها تحت إيدي!"
***
وعلى الجانب الآخر.. وقفت "فريدة" تبتسم بحب، وهي تحمل "يامن" تطعمه بين ذراعيها وكأنها تعتاد على ذلك. تعلقت به كما تعلقت بـ "يوسف وأدهم" في الآونة الأخيرة، ولربما تعلقت بشبه اسم الثاني. لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تتوجه برأسها تقبل خده الممتلئ قليلاً. وعقلها لا يغفل على إعطاء أحدهم موعد، بداية من الآن تتوتر ولا تعلم كيف ستعطيه الرد أو ما هو الرد من الأساس. القبول؟ أم الرفض للمرة الأخيرة؟ بداخلها مشاعر تنمو تجاهه، ولكن لا تستطيع فهمها. تارة شفقة وتارة إعجاب، وتتخبط هي بين الاثنين. كيف ستعيش مع شخص تشفق عليه؟ كان يهمها الحب في البداية، ولكن الآن لم يكن من مطالبها الأولى! بعد ما حدث لها من وجع، لا تقدر هي على نسيانه!
الحب عندما يسير المرء خلف هذا اللقب وما يفعله بالفؤاد، تبدأ الخيبة الكبرى.. إما الراحة الأبدية! وهي.. هي لم ترتاح أبدًا، وحتى لم تشعر بخيبة الحبيب. هو لم يكن حبيب بل كان مخادعًا، يخدعها. كان يسير خلف فكرة انتقام قوية انتهت بما لا تعلمه هي! انتهت بإعدامه. وأه لو علمت ما نهاية هذا المخادع!! لا تستطيع التعافي إلى الآن. كيف ستقبل هذه المشاعر من آخر دون اهتزاز بالثقة وشعور النقص؟ كيف ستتحمل وهي التي طاقتها نفذت؟ كيف ستقبل على خطوة تعارف وعقلها لا يهيئ لها ذلك؟ والكاسر بنسبة لفتاة مثلها، كيف بعد كل ذلك ستنجرف وراء فكرة الزواج؟ القرب! الحياة! الشراكة... كيف وهي التي كرّهت أفكارها عن كل ذلك؟ تهاب هذه الفكرة أيضًا منذ لحظة اعتداءه عليها. نفت وهي تغمض عينيها بقوة، ووسواس عقلها بالخوف والانهيار على كل خطوة سوف تقبل عليها يلح عليها. تنفي برأسها بقوة - لا. لن يحدث كل ذلك مرة أخرى!
- لا.. لا أريد هذا الوجع مجددًا.
تنفي برأسها بقوة شديدة، وعادت تسكن رأسها وعينيها تغمض وتفيض بالدمع عندما توصلت مرة أخرى لصوت اعتلى بعقلها:
- لكنه آدم!
- وماذا تعني بـ "آدم"؟
- الراحة التي شعرت بها في وجوده، وإلى الآن عقلك يصر على استنكار ذلك!
- كفى ألم.
- هو الدواء لداء الألم الذي بداخلك!
- دائي ليس له دواء!
- له دواء واحد فقط!
فتحت عينيها وشهقت مرة أخرى حتى انفجرت باكية. في الآونة الأخيرة نفسيتها لم تكن طبيعية كذلك. ماذا حدث؟ الصغير لم يكن بين ذراعيها، والآن تجد نفسها بين أحضان "سمية" و"ياسمين" و"وردة" يمسح على وجهها بالمياه. كيف حدث؟ تحلم وهي مستيقظة؟ أم أنها بوادر اختلال عقلي؟
مجنونة! بكت أكثر وتلعن نفسها التي تظهر الضعف. منذ متى؟ من قبل حتى بعدما حدث كانت تتماسك!! يبدو أن الأحداث الأخيرة جعلتها تنفجر على أتفه الأشياء.!!
"الله أكبر.. بسم الله الرحمن الرحيم!!!!"
رددتها "سمية" بآيات ذكر بنبرتها المختنقة بشفقة. في حين وقفت "ياسمين" ولأول مرة تدمع عينيها بطريقة صريحة على حالها. ليس هين.. ليس هين أبدًا ما بها. وقفت "وردة" تمسح وجهها بأيدي ترتجف، ومدت "ياسمين" كفيها تحتوي أيدي "فريدة" الباردة تدلكها برفق، وهي تملي عليها كلمات كي تهدأ من روعها:
"اهدي.. اهدي خلاص مفيش حاجة من اللي انتي شوفتيها دي!"
اعتقدت بأنها تذكرت بعقل ذكي لطالما تعلم هذه الحالة التي قد حدثت لـ "نيروز" من قبل. بينما هي لم تتخيل، هي فقط فاض بها!! تنفست بصوت مسموع وهدأ انهيارها شيئًا فشئ، وسمعوا هم صوت دقات الباب العالية. توجهت "وردة" لتفتح الباب. وكانوا هن في الخلفية خلفها يراعون تلك التي تشعر بالكسرة. وجدت أمامها "أسماء"، وعلى ما يبدو يظهر على ملامحها التوتر غير المفهوم والغير ظاهر لهم. نظرت "وردة" بملامح متصلبة، فرددت "أسماء" باهتزاز:
"بقولك يا وردة، ممكن أدخل أعمل تليفون من عند أي حد فيكم؟ أصل مفيش شبكة هناك!"
تركت الباب مفتوح وأومأت دون صوت. فدخلت "أسماء" واعتدلت "فريدة" بتعب، وهي تتحامل كي لا تلاحظ الأخرى ما حدث. في حين وقفت تطلب من "وردة" بحرج زائف:
"ممكن تليفونك؟"
أخذته من "يامن" وأعطته لها. فابتسمت هي تتقدم ناحية الشرفة تقف بأنفاس محبوسة. قد حثها شقيقها على أخذ الهواتف منهن بأي طريقة كي لا يصل الشباب في الوقت المعهود بفعل أي واحدة منهن. تصنعت بخوف أنها تهاتف رقم أحدهم وأغلقت الهاتف بيديها مطولاً حتى وضعته بجيبها، وهي تقترب منهم مرة أخرى تتحدث بأسف مخادع:
"مش بتجمع أو في مشكلة في تليفونك. ممكن تليفونك يا ياسمين!"
أجابت "ياسمين" بفظاظة تقلب عينيها بتبجح:
"لأ!"
ذهلت من قولها المتبجح، ولكنها تحملت ورددت مرة أخرى بلطف:
"أنا آسفة خلاص. أنا بس كنت عايزة أكلم واحدة صاحبتي في حاجة مهمة!"
أخرجته "ياسمين" من جيبها وأعطته لها بتأفف، ورأت أنها لم ترى أذية صريحة منها، فما الرفض؟
"امسكي ومتاخديش عليها كتير!"
أخذته منها وابتلعت ريقها وهي تتوجه مجددًا ناحية الشرفة. وفي طريقها وجدت على الطاولة هاتف خمنت بأنه هاتف "فريدة"، وآخر بأزرار ليس حديث بالطبع يخص "سمية". التفتت برأسها تبتلع ريقها بتوجس وأخذتهم بخفة معها ناحية الشرفة تقوم بتخبأتهم بأي شيء، ورددت بصوت منخفض وهي تنحني:
"يارب تيجي بسرعة يا سامر وتلحق الدنيا قبل ما اتفضح."
كانت يداها ترتجف، في حين تزامناً مع دق باب الشقة. نهضت "فريدة" تدخل غرفة "نيروز" هذه المرة عندما وجهتها "سمية"، وهي تسندها تركتها ودخلت تغلق الباب، وعادت "سمية" تفتح الباب. حتى وجدت "زهور" وبجانبها "مروة". ابتلعت ريقها بتوتر هادئ. وتحدثت "زهور" بحديث معهود:
"جرا إيه ي سمية؟ هتسيبيني واقفة على الباب كدة؟ لسه قلة الذوق بتجري في دمك؟"
"أمي عمرها ما كانت قليلة الذوق زي ناس كده. عايزين إيه؟ مش كفاية اللي حصل الصبح!"
كان ذلك قول "ياسمين" بضجر واضح. ودخلت "زهور" تبتسم بكيد، حتى جلست بتبجح دون استئذان، وبجانبها جلست "مروة" تحت أنظارهم المترقبة. ووقفت "وردة" تراقب ما يحدث بارتباك، كثير ما يداهمها بهذه اللحظات. ابتلعت "سمية" ريقها بترقب. في حين نظرت "زهور" لهن بتفحص وجابت عينيها تفاصيل "ياسمين".
وقالت بفظاظة تشير لها:
"بلاش انتي عشان حملك، خليكي فجنب!"
تشنجت ملامح "ياسمين" وهي تقترب ثم وقفت تردد بوقاحة:
"الجنب ده اللي انتوا هتقعدوا فيه، إيه البجاحة دي؟ داخلين بيتنا تقعدوا بعد ما بسببكم كل حاجة بتتدمر، مش كفاية اختي اللي وقعت من طولها بسببكم ولا البت الغلبانة اللي مبقتش حمل حاجة كمان عايزين تاخدوها غصب، ربنا ينتقم منكم!"
ضحكت "مروة" باستفزاز وأشارت لها بتمهل تكيدها بحديث بارد يشعل من أعصابها:
"بلاش انتي ياياسو، أعصابك مش كدة عشان اللي في بطنك، بعدين حازم نحسبوا علينا عيل زي أمه!"
تسبها في الخفاء إقتربت "ياسمين" وانحنت تهمس بكل وقاحة:
"وبلاش انتي يامروة عشان وانتي بتحاسبي اختي على نسبها انتي وأمك نسيتوا حاجة مهمة أوي!"
إغتاظت ولكن إستمرت "ياسمين" بكيد. تردد:
"إنها نفس العيلة اللي عينكم كانت هتتقلع كده من مكانها على جوز أختي التانية، ولا نسيتوا؟ أنا مبنساش!"
جزت أسنان من الإثنان معا. أكملت "ياسمين" بوقاحة أكثر ترد عن نفسها بعدما ردت عن شقيقتيها:
"وبعدين نحسبوا عيل زي أمه عادي، ماهو أصل العيلة أحسن بكتير من واحدة ومن غير لمؤاخذه و***"
وكأن ما يحدث عاديا. تحكمت في تعابير وجهها بعد سبها. شهقت "وردة" من الخطر القادم بعد هذه السبة النابية من فم كان يعرف دائما بالوقاحة ولكن ليس بهذه وأمام كبيرة عائلة حتى ولو إسما. فهي تسب ابنتها. وقبل أن تنفعل "زهور". ردت "سمية" لابنتها:
"ارجعي يا ياسمين!"
"لا والنبي قوام أخدتي بالك إنها ناقصة رباية؟"
ابتسمت "ياسمين" هذه المرة لعمتها واستقامت تردد ببساطة وكأن الحديث ليس لأكبر منها سنا:
"بس أحسن من الرخص يا عمتي، بالذات لو واحدة بترمي نفسها على واحد متجوز وكمان مخلف. عارفة دي بيقولوا عليها إيه؟!"
كل ذلك تترقب "فريدة" من خلف الباب باستسلام لا تقوى على الصد أو الشجار. كل ما يهمها الراحة. تابعت الآتي عندما وقفت "مروة" تستند بأريحية مع حديثها المبهم:
"الرخيص هنا عارفين هو مين كويس أوي، يلا كلها دقايق كدة وتتلم!!"
علمت أن الحديث على "فريدة". فاقتربت "وردة" أولا تردد بتساؤل:
"قصدك إيه يامروة ما توضحي!"
دقت "زهور" بعصاها وقامت تهتف بوضوح:
"تقصد إن سامر طالع دلوقتي وفإيده مأذون وشهود عشان هيكتب كتابه على الهانم اللي حطت راسنا فالأرض، خشوا نادوها تجهز!"
وأشارت بيديها بفظاظة رغم صدمتهم جميعا واعينهم التي اتسعت:
"ومن غير صوت وكلام كتير، خليها تحضر بسكات!"
صرخت "ياسمين" بإنفعال وكأنها لا تعي ما يحدث وما وضعن به من عدم وجود سند من الشباب الٱن:
"إنت بتقولي إيه ي خرفانة انتي!!"
شهقت "مروة" هذه المرة من ما سبته "ياسمين" لها. في حين اقتربت "سمية" مع رفع "زهور" عصاها ببطء مهدد على بطن "ياسمين" البارزة وقالت بنبرة هادئة تحذرها:
"صوتك ولسانك احفظيهم، بدل ما يطلعوا في حاجة تانية وانتي فاهماني كويس!!"
ركضت "سمية" بخوف تسحب "ياسمين" بهلع قبل أن يحدث ما تنوي الأخرى فعله للتهويش. اتسعت عيني "وردة" كما اتسعت عيني "فريدة" في الداخل بغير تصديق. ومن بين ذلك خرجت "دلال" بسرعة مع "وسام" و"عايدة" يدخلن من الباب الشقة بغير فهم. وتعالى صوت "سمية" برفض وهي تتشبت في جسد ابنتها "ياسمين":
"مستحيل اللي بتقولي عليه ده يحصل، مأذون مين وجواز إيه، انتي اتجننتي يا زهور؟!"
شهقت "عايدة" مع "دلال". في حين سألت "وسام" "وردة" عن ما حدث بخوف شديد. بينما تعالى صوت "مروة" ترد على "سمية":
"لا هيحصل وابقي شوفي مين هيقف في طريقنا والجنان ده من غير لمؤاخذه زي ما بنتك بتقول، سيبناه ليكي انتي وهي!!"
كثرت الوقاحة بشكل لا يليق. وقبل أن تتدخل أي منهم. دخل من الباب "سامر" و"المأذون" وبعض من الشباب الشهود. نزلت دموع "وردة" وحتى "سمية". في حين وقفت "عايدة" تصد طريقهم وهي تردد بنبرة جاهدت بأن تكون بها ثابتة:
"على جثتي لو ده حصل ي سامر!"
ضحك "سامر" وأشار للبقية في الدخول نحو الداخل. ووقف هو يبتسم باستفزاز يرد بجرأة:
"ومالو ننفذلك كلامك!"
نفخ في وجهها حتى تطايرت خصلات شعرها البيضاء التي خرجت بها بخوف دون أن تسترها. دخل ودفع كتفها بحقارة. ونظر لكل الواقفين وعلى وجوههم الصدمة وسأل عنها بإهتمام:
"هي فين؟ خرجوها يلا حالا، بدل ما أوريكوا الوش اللي عاينه لحاجة زي دي من ناس زيكم كده!"
لم تجب أي واحدة منهن وكل منهن وقفت تنظر وكأن دلو من الماء البارد سقط في الحال على رؤوسهن. تبدل الحال مرة أخرى. يا لوجع هذه الحياة ويا لعدم ثبات شئ بهذه الدنيا. نزلت الدموع. ولو كان "حامد" هنا لكان الأمر هين عن ذلك بطريقة بسيطة. بينما جلس هو بالمسجد ولم يأتي. ردد مرة أخرى بصراخ يسألهم:
"فريــــدة فين ما تنطقوا!!"
انتفضت الأجساد برهبة من تحوله. ووقفت شقيقته "أسماء" تردد بخوف شديد تشير له بإصبعها ناحية غرفة "نيروز":
"هـ..هنا في الأوضه..دي!"
رددتها بتعلثم. ونظرت لها "ياسمين" بذهول عندما تفهمت بداية كل ما حدث. فهي الٱن تتحسس جيب تنورتها الطويلة. ولم تجد هاتفها كي تستنجد بأحدهم عندما شعرت بالعجز. وقفت "وسام" بوجه شاحب وحاولت التسلل ناحية باب الشقة دون أن ينتبه لها أحد. في حين توجهت "مروة" مسرعة ناحية باب غرفة "نيروز" والكل حولها ينظر بخوف شديد والبعض أوجه مبللة بدموع عاجزة عن فعل شئ في هذه اللحظات الضيقة.
ومن بين جلستها كذلك بأريحية شديدة عندما خلعت حجابها وتناولت من كوب العصير التي أعدته لها "جميلة". وكما علمت آخر التطورات وسعدت لأجلها بشدة. تسامرا قليلا بحديث عشوائي. ومن بين جلوسها وهي بجانبها. سألتها "نيروز" باهتمام:
"وعلى كده طنط حماتك حلوة معاكي ولا مش اللي هي؟"
ابتسمت "جميلة" لها وحركت رأسها تسرد عليها بصراحة:
"لا كويسة الحمد لله، مش صعبة ويارب تفضل كدة علطول. د أنا بسمع إن هنا حوالينا مشاكل كتير من النوع ده!"
حركت "نيروز" رأسها توافقها. في حين نظرت لها "جميلة" بإهتمام وعبرت عن فرحتها قائلة:
"سيبك انتي، أنا فرحانة أوي إني هبقي خالتو، هتبقي أم عسولة أوي يا نيروز!"
لانت شفتيها بحب. وقبل أن ترد لها لهفتها سمعت صوت جرس المنزل. فنهضت "جميلة" تنظر من العدسة حتى وجدت "عز". تعمد دق الجرس تحسبا لجلوس "نيروز".
ابتسمت وهي تدير رأسها ناحية "نيروز" تخبرها:
"دا عز!"
التقطت حجاب رأسها تضعه عليها تخفي خصلاتها، في حين لم تتعمد "جميلة" وضع شيء يستر كتفيها أو حتى ساقيها وخصلاتها. بل فتحت الباب بابتسامة صافية إلى أن تنحنح هو بحرج، فحثته على الدخول. ودخل هو يقف بطاقمه الرياضي المريح، يخبرهم:
"أم عز جهزت الغدا تحت ومستنياكم!"
نظرت "جميلة" بمفاجأة، في حين خجلت "نيروز" وقالت بحرج:
"تسلموا، بس ملوش لزوم، شكلنا جينا ورطناكم!"
ابتسم بخفة، ونفى قائلاً بلباقة:
"متقوليش كده، وبعدين دي بعتاني مخصوص، ولا عاوزه تزعلي أمي بقا؟"
ضحكت بخفة مع "جميلة" ونفت وهي تنهض بخجل، فاقتربت "جميلة" تردد له بتفسير:
"مكنش ليه لزوم يا عز، عندنا أكل من امبارح!"
"عروسة بقا مينفعش تعملي حاجة، ولا انتي إيه رايك؟"
ابتسمت بحياء، وهي تؤكد، والتقطت عباءتها ترتديها وتركت خصلاتها لطالما لا يوجد أحد في الأسفل. أشارت لـ "نيروز" واقتربت ولكنها تعرقلت بساق خشبية لأحد المقاعد، وقبل أن تقع سندتها "جميلة"، وانحنى "عز" سريعا تحسبا لشيء. إلى أن تأوهت وهي تعتدل، واعتدل "عز" سريعا يردد بجدية مرحة يحذرها بخوف زائف:
"لا لا خدي بالك، دا انتي أمانة، دي فيها موتي دي من غسان!"
احمرت وجنتيها من موقفها هذا، حتى ضحكت بخفة، وسندتها "جميلة" بخوف وهي تسألها:
"انتي كويسة؟ ولا حاسة إنك دايخة؟"
"لا أنا كويسة، أنا بس اتعنئلت!"
أومأت بيأس منها، وتقدم "عز" وهما خلفه، إلى أن أغلقت "جميلة" الباب بذراعها، ومن بين هبوطهم سألته "جميلة" باهتمام:
"أومال فرح لسه مجتش ولا إيه؟"
"جت من زمان بس قالت تسيبكم مع بعض على راحتكم!"
وعند هذا الحديث دخل من باب شقة "والدته"، حينها نهضت "فرح" بابتسامة واسعة ترحب بـ"نيروز" بحرارة وهي تعانقها. تركتهم "جميلة" كي تدخل لتساعد "حنان" في رص الأطباق، ودخلت تردد بقولها المحرج:
"تعبتي نفسك ليه بس ي طنط!"
اندفعت وهي تلتفت، فهي لم تراها منذ الصباح، وبعد أن علمت، عانقتها وهي تردد عليها بالمباركة. تركتها بخجل بعد ذلك، ومدت يديها تحمل الأطباق نحو الخارج، حتى قابلت "عز" الذي ضحك بحب وهو يتخطاها بعد قوله الهادئ اللين الذي سلب قلبها:
"آه يا حلو ويا مسليني!"
ضحكت بخفة عليه، وجلست "نيروز" مع "فرح" التي حدثتها عن "وسام"، فأكدت "نيروز" قولها بلطف:
"هي فعلاً عسولة ودمها خفيف، شكلكوا بقيتوا صحاب."
"آه ساعات بكلمها أطمن عليها على الدراسة وحالها وكده، وهي بردو بتبقى تكلمني!"
تشككت "نيروز" في طبيعة "وسام"، ليست هينة كمثل "غسان" تماما، بالتأكيد يتم التخطيط لشيء ما! حركت رأسها وخلف هذا تلغي تفكيرها وتخفيه، حتى جلس الجميع على مائدة الطعام، وصاحت "حنان" بسعادة طيبة:
"منورانا يا نيروز والله.."
وعادت تشير لها بلهفة، سيدة كبيرة خبيرة بما ينفع الحمل:
"كلي يحبيبتي، ربنا يعينك ويكملك على خير، اشربي الشوربة دي مفيدة ليكي، اشربي!"
تورّدت وجنتيها بالحرج، في حين ابتسمت "جميلة" وتلاقت عيناها معه، هو وهو يتخيلها تحمل برحمها جنين في القادم! ستصبح أجمل مما هي عليه. حرك رأسه مؤكدا، وتيقن بأن كل شيء بأوانه.
وبعد ما يقارب العشر دقائق نهض الكل بالتدريج، ووقفت "فرح" تحمل مع والدتها بعدما أقسمت "حنان" على "جميلة" و"نيروز" بعدم فعل شيء. انسحب "عز" ناحية الشرفة التي بغرفة "فرح" كي يدخن سيجارته بأريحية، وبقت "نيروز" مع "جميلة" وانضمت إليهم "فرح" في النهاية.
"أخبار جلساتك إيه يا فرح؟"
ابتسمت "فرح" على اهتمامها وردت بهدوء، تخبرها:
"الحمد لله، قربت انتهي منها على خير!"
حركت "نيروز" رأسها، وتزامنا مع ذلك خرج "عز" من غرفتها بهاتف "فرح" الذي اعتلى صوته في الداخل وهي لا تسمعه. حينها أخذه وخرج يردد وهو يقترب منهن:
"تليفونك بيرن يا فرح، وسام!!"
وسام؟ بهذا الوقت؟ ابتسمت بعفوية تحت غرابة "نيروز" في حين ترقبت "جميلة" وتلاقت أعينهما مع بعضهما بغير علم من الطرفين. وأجابت هي على المكالمة ولم تجد صوت في البداية.
"ألوو... وسام؟"
صمتت تستمع إلى أصوات بعيدة عشوائية، ورددت مجددا بعدما فتحت مكبر الصوت كي تسمع بوضوح، والكل يسمع معها الآن:
"وسام؟ انتي سمعاني؟ ألو؟!"
__________________________________________
توقفت اللحظة عند توجه "مروة" لدخول الغرفة تقتحمها، في حين حاولت "وسام" الانسحاب إلى أن خرجت دون أن يراها أحد. واقترب "سامر" من الباب بعدها يغلقه وهو يقف أمامهم مرددا بتحذير:
"اللي هيحاول يخرج منكم هقطع رجله!"
ترقب الكل وثبتت الأقدام بخوف، عداها هي التي تحاول التملص من بين ذراعي والدتها التي تسحبها كي لا تنفعل، بينما لم تستطع إمساك لسانها الذي ردد بوقاحة له:
"انت فاكر نفسك راجل كده يعني يا زبالة انت؟!"
أثارت غضبه بشدة، وقبل أن يقترب سمع الكل شهقة "مروة" العالية مع صراخها بفزع وهي ترى آخر ما جاء على عقلهم!! هرول الكل ناحية الغرفة تزامنا مع صوت صراخ "مروة":
"الحقني يا سامر، الحق بسرعة!!"
وتوقف تنظر بأعين منصدمة تشير لها بأيدي ترتعش وهي تراها بوضعها ذلك تحذرها كي تهدأ:
"انتي بتعملي ايه؟"
بتعملي إيه يا مجنونة؟
دخل الكل على الفور بخوف، واتسعت العيون وكل منهم قد تسمر بمكانه. تشنج جسد "عايدة" وفقدت "سمية" أعصابها، وصرخت "وردة" بصوت عالٍ بجانب "ياسمين" التي ارتجفت أوصالها عندما وجدوا "فريدة" تقف على سور الشرفة بعدم اتزان، تهددهم برمي نفسها من الطابق الثالث. لربما قررت فعلها دون تهديد. تعالى صراخ "وردة" بالبكاء وهي تهدهدها بهلع تحت صدمة "سامر".
ومن خلفه:
"إعقلي يا فريدة، إعقلي وانزلي بالله عليكي!"
تقدمت وهي تسير على حافة السور، تمسح وجهها بعنف وحالة اللا وعي تسيطر عليها في الحال بما وصلت له نفسيتها. أسرع "سامر" يقترب، ولكنها صرخت به وهي تقف وبصوت مرتفع كاد أن يقطع من أحبالها الصوتية، رددت به بصراخ:
"إرجع، إرجع بقولك، هموت نفسي!"
حبست الأنفاس ووقف هو بخوف، يشير لها بيديه بتهدل وهو يقول بتقطع من أثر ما يراه:
"اهدي بس اهدي وانزلي ومـ..."
قاطعت حديثه بصراخ جعل "وسام" تترك الرد على المكالمة التي طلبتها. طلبت شقيقها ولم يجب، والآخر هاتفه مغلق. بمن تجيب ووالدها يترك هاتفه في المنزل. سمعت أن "عز" لم يرحل، مهم لذا ضغطت على رقم "فرح". وانتفضت بفزع عندما غيرت طريقها وهي تذهب ناحية الصوت من شقتها، هي ناحية غرفة "غسان" التي فتحتها تحت صوت "فرح" في الهاتف وهي تطلب منها الرد بقلق للمرة التي لا تعلم عددها.
"بس ولا كلمة بقا حرام عليكم!"
توقف متسمراً بمكانه عندما وجد توازنها يختل، وعادت تصرخ مجدداً بانهيار قبل أن يتحدث أحد بخوف:
"أنا هريحكم مني، والله العظيم لأريحكم مني عشان تسيبوني فحالي بقا!"
ارتجفت يدي "وسام" وجحظت عينيها بذهول عندما نظرت على المشهد من أمامها بعدما دخلت شرفة غرفة شقيقها. وعلى هذا الصراخ تجمع عدد من الناس ينظرون بذهول في الأسفل. الوضع يتأزم. صرخت "عايدة" بالنجدة بصوت عالٍ جعلت "جميلة" على الجانب الآخر تنتفض بفزع وخوف مع "نيروز" التي استمعت لنبرة "سمية" الباكية بعجز:
"انزلي يا بنتي، انزلي يا فريدة حرام عليكي. قربي انزلي ومحدش هيهوب ناحيتك بس انزلي بس!"
نفت وهي تبكي وتضحك بهستيرية بنفس الوقت عندما رأت اهتزاز "زهور" وأولادها. وعلى الجانب الآخر هلع الكل، حتى "عز" الذي خمن ما جاء بعقله من أين تهبط؟ ماذا تحاول هي؟ يعلم بأن لا أحد من الشباب هناك. ولكن ماذا يجري؟ يختل توازنها أكثر والأصوات في الأسفل تردد لها بالتراجع. ولحظة كهذه لا تسمع إلا لصوت عقلها وشيطانها الذي تغلب بأفكارها. لا ترى من كثرة دموعها. حاولت "ياسمين" الاقتراب مع "أسماء" التي كانت ترتجف مثل الأولى تماماً، ولكن أشارت لهن هي وهي تصرخ بصوت أعلى من السابق:
"قلت محدش يقرب، سامعين؟ هموت نفسي، هشوح نفسي لو حد قرب أكتر، امشوا، إمشوا من هنا وسيبوني فحالي بقا حرام عليكم!"
خرج صوت "زهور" برهبة، قد شعرت بها أخيرًا، وقالت بما لا يتوافق مع طباعها:
"انتي اللي حرام عليكي ي بنتي، انزلي، انزلي بقولك وهنتفاهم!"
اندفعت تلتفت وكادت أن تقع بالفعل، ولكنها تمسكت بنفسها تحت أجسادهم التي انتفضت برهبة. والتفتت تنظر بعينيها وأخذت وضع الوقوع والسقوط بظهرها، ورددت على آخر حديث قد سمعته من الأخيرة بصراخ كل فترة يعلو عن ما كان:
"اسكتي، سامعة؟ اسكـتي خالص وامشي من هنا، مش عايزة أسمع حاجة من حد! أنا بكرهكم، وبكره نفسي وبكره كل حاجة حواليا!"
كان لا ينتظر هو على الجانب الآخر، لمح زوجته تصعد لترتدي سريعا بخوف وفزع تحت صوت "فرح" المذهول وهي تترجى "وسام" تجيبها على الناحية الأخرى. في حين ضربت "حنان" صدرها بحسرة وعينيها قد هبطت منها الدموع. وعندما وجدتها "نيروز" كذلك، وضعت يديها على أذنها تنفي برهبة وضعف وخفقات قلبها تزداد بسرعة قياسية. كمن تهرب من أحدهم يود اللحاق بها بأخذ وحبس أنفاسها. أنفاسها؟ وهل ظلت كي لا تحبس؟ قد حبست الأنفاس من الناحيتين. جهة يقف الكل بخوف وعجز من الاقتراب خوفاً من تنفيذ ما قالته هذه الذي رأى البعض بأنها فقدت عقلها. وجهة وصلت لهم الفكرة جيداً ويودون اللحاق والسير مع من أخرج هاتفه يقوم بعدة اتصالات قبل أن يخرج مهرولاً ناحية الخارج لهم!
أما هي فأصبحت لا تريد شيئاً من الحياة. أصوات عقلها تتداخل وعينيها تغلق بتشوش. وبهذه اللحظة كيف لا تسترجع ذاكرتها كل شيء موجع حدث لها، خاصة الحادثة. صوت بكاءها يتداخل مع صوت بكاءهم وصوتهم بأن تتراجع. وأصوات أخرى تتعالى وتتهامس في الأسفل. وأخرى كانت تدق على الأبواب في يوم صراخها على اعتداءه عليها. وأخرى بجانبها من الشرفة المجاورة للمباني الجانبية. ورعشة جسدها في الحالتين بعد انتهائه من الاعتداء. والآن ترتجف ما إن سمعت الأصوات تعلو حتى بصوت "حامد" الذي جاء وميزته على الفور. لم تستطع أن تخرج من كل ذلك. تفتح عينيها وتغلقها وتلعن الحياة بعد أن كانت تستقيم تعاهد على التحمل، ولكن فاض بها. فما الحل؟ سألت نفسها وسالت الدموع. ولو شرح الوضع أكثر لشعرت أن هذه الدموع بمثابة نزف دماء. دماء القهر والوجع والكسرة والضعف وهي تضرب وجنتيها الآن بغير استيعاب. من أوصلها لهذه الحالة؟ الآن لا تريد شيئاً سوى الراحة. واعتقدت بأنها سترتاح إلى الأبد عندما تلقي بنفسها من هنا. باتت لا ترى الآن سوى أنها سوف تلقي بنفسها كي يفتح لها الموت ذراعيه. اعتقدت بشيء لا يحدث. اعتقدت من كثرة الوجع بأنها ستقابل الراحة الأبدية بمحاولة فعل شيء قررته بداخلها بعزم، وكأنها لا تهاب. عندما قررت الانتحار. انتحار؟ وماذا يجلب هو غير العذاب؟ بعيد كل البعد عن الراحة الأبدية. وبعقل أصبح ضعيف من التحمل كانت هي تعتقد ذلك. وفي البداية كانت تعتقد أن كتمانها ليس مؤذياً وأنها تتخطى بالفعل. بينما الآن الشيء الوحيد الذي ينتبه له الجزء العاقل من عقلها. أن التظاهر باللاشيء والتعامل بطريقة عادية ليس طبيعي أبداً. تأكدت أن عدم التأثر في البداية ليس شيئاً مفرح وأن الكتمان كان أكبر خطر!
رواية عودة الوصال الفصل الأربعون 40 - بقلم سارة ناصر
فاته كل شيء، وتوجب عليه دائمًا الثبات. واليوم يرافع برفقة من سانده، ومعه كلاً من "غسان" و"بدر" و"آدم". الموضوع منهك بشدة. تقسو عليه، ولو يعلم هو ما يدور من خلفه، وما توصلت له شقيقته، لانهار بنفس اللحظة.
سمع صوت القاضي بالإعدام، بعد مرته الأولى بإحالة أوراقه إلى قضية المفتي، ومن ثم دلت البراهين على أنه المتسبب، رغم اعترافه من الأساس. وانتهت بحكم الإعدام. هذه نهايته. نهايته هنا، بمكان وضع به أكثر شخص يكرهه، وبمكان وضعت به شقيقته بالظلم!
يلاحظ انسحاب القضاة، ولم يكن هناك أشخاص بالقاعة سواهم. لذا، وقبل أن يخرج "شريف" مع أحدهم إلى حيث ما أتى، تقابلت عينيه مع كل منهم. كل منهم يحمل تجاهه كره مختلف.
لم يستطع "حازم" الوقوف أكثر، لذا قبل أن يخرج من هذا المكان، اقترب وهو يبتلع ريقه، ينظر داخل عيني "شريف" بقوة. والذي قابل نظراته بصمت مريب لفترة، حتى خرجت نبرته يخبره بأن كل ما حدث لا يثير له اهتمام.
"فكرك كل دا مآثر فيا؟"
ابتسم وكأنه مختل عقلي للتو، ونفى برأسه بلامبالاة وقال:
"ولا الهوا يا متر. بس انت شكلك ارتاحت!"
احتدمت عيني "حازم" تحت ترقب "غسان" و"بدر" و"آدم"، واندفع يردد من بين ضغطه على فكه:
"راحة عمرك ما جربتها ولا هتجربها وانت حي ولا وانت ميت."
وصمت يلمح له بقصد:
"..قصدي مشنوق!"
لم يعطه فرصة للحديث أكثر. ود لو يفر هارباً، للبكاء. يريد البكاء وبصوت عالٍ، ولولا نظرة بأنه رجل لفعلها في الحال، بإنهيار صارخ بكل من يقف أمامه. لذا سارع بخطوات منفعلة ناحية الخارج دون حتى أن يشير للشباب!
انسحب "بدر" على الفور خلفه عندما رأى حالته هذه. في حين اقترب "آدم"، فتمعن "شريف" النظر نحو معالم وجهه التي تغيرت، وضحك باستهزاء وقال يستخف به:
"الكيف بيجهد ويتعب بردو يا آدم. بس طلعت ناصح أنصح من صاحبك!"
تشنجت تعابير وجهه منذ أن رآه. لم يغفل عن أن من أمامه هو من جعلها تعاني. هو من فعل بها ما لا تستحقه أي فتاة! هو من دمرها وقهرها.
ابتلع "آدم" ريقه بسرعة، ورد مندفعاً يوبخه صراحة:
"صاحبي اللي ضحكت عليه ووديتني فداهية زي ما ودّيتني معاه، ولا أخته اللي اغتصبتها يا قذر يا بن الـ ***"
سبه سبة نابية بذيئة لم تغير الوضع. وتابع "غسان" بترقب، في حين اعتلت ضحكات "شريف" بتشفي يخبره ما لا يعلم بأنه يخبره:
"تصدق إني كنت عارف إنك بتحبها وهتموت عليها؟ بس أقولك؟ انت خسارة فيها. وحتى خسارة صحوبيتك لأخوها. الواد يبقى لاطك معاه في مصيبة سودة وبردو متعرفش تبعد وتقوله لأ. ياخي لو كان عندي ربع ولائك وإخلاصك، وربنا ما كنت زماني هنا!"
يسخر منه بشدة. في حين أخذ أنفاسه يكمل كي يضغط على جرحه أكثر:
"لا بس البت اتدمرت. اتدمرت يعني بالجامد. مع إنك خسارة في واحدة زيها، بس هي بردو بت حلوة وتستاهل، وخسارة حتى لو خسرت. إسأل مجـ..."
أمسك "غسان" ذراع "آدم" الذي ما إن تقدم أكثر سيكون معه بنفس المكان لا محال. حاول الاندفاع، فنظر له "غسان" نظرة فهم معناها. ولكنه لم يستطع منه لسانه عن سبه سبات نابية بالقرب منه، وأكمل بعدها بانفعال:
"..
قسما برب الكعبة لو كنت قدامي يا بن الكلب يا *** لـ كنت موتك بعد ما اخليك عبرة فنظر الكل!
ابتسم "شريف" باستفزاز وأشار برأسه بغير اهتمام وقال ببرود يرد:
"فات أوانه الكلام ده مع السلامة يلا وبقولك.."
رفع رأسه بعينيه الحادة ينظر وهو ينصت من بين مسك "غسان" له، فأكمل "شريف" بغمزة وقحة:
"لو مصمم يعني فإنت هتبسط خد مني ومتراجعـ.."
ولولا القفص لانقض "أدم" عليه اندفع يدفع "غسان" بشرر وتمسك بالقفص بعصبية يهتف بكلمات مضغوطة وعروق رقبته تظهر من كتمان انفعاله:
"اخرس يا يا قذر يا زبالة يا و** عليا النعمة لأقتلك ياض هقتلك وأشرب من دمك النجـ.س ده..."
وقبل أن يكمل أكثر أبعده "غسان" بتحكم ورفع عينيه ناحية الٱخر يردد بإستهزاء:
"بقولك ايه ..كفاية عليك اللي انت داخل عليه لو منك اجري اعمل لٱخرتي المهببة دي روح اقرألك قرٱن وصليلك ركعتين كده بدل القرف اللي انت فيه كتر خير الدنيا اللي مجمعتكش بـ عز وأهله!"
لم يجيبه بل حرك رأسه ببرود. وعند كلمات شقيقه اعتلى صوته يحاول بالإيقاع بينهم لٱخر فرصة ينتهزها:
"عز وأهله .. معاكم عذركم ما أصلكم لسه هتشوفوا اللي محدش شافه على يد أمه وأخته هي مش أخته بردو اللي باعت البت اللي تبعكم!!"
كان رد "غسان" الأسرع في الضغط عليه عندما قال بوقاحة شديدة:
"لا بت ايه بقا دي مدام عقبالك"
تجمدت ملامح الٱخر من وقاحته في حين أكمل "غسان", بنفس الضغط عندما علم بأن هذه النقطة هي التي ستثير انفعاله:
"أصل هي واخوك دلوقتي متجوزين وقريب هيجيبوا عيال ..عقبـ .."
توقف "غسان" عن الحديث وتصنع الشفقة ليهزمه ببروده الأكثر واستخدم نظرية محاربة البرود بالبرود:
"ولا عقبالك ايه ما انت كدة كدة ميت !!"
أكثر ما يثير استفزازه هو البرود المماثل لما يفعله كي يشعل من غضب من أمامه أما الٱن فهو يواجه شخص قد تغلب عليه بها او لربما فهم ما يفعله اغتاظت ملامحه وتمسك بالقفص يهتف بغل:
"كل اللي حصل ليكم دا انتوا تستاهلوه وأكتر كل واحد اخذ جزائه أنا مش خايف من الموت سامعين مش خايف طالما خدت بتاري بإيدي ودوقت كل واحد من نفس الكاس وبردت دمي اللي فضل يغلى لسنين!!"
هز القفص بعصبية بالغة فسحبة العكسري على الفور بسرعة ناحية الداخل ووقف "غسان" يخرج أنفاسه بتنهيدة مسموعة وهو ينظر بأثرة بتقزز. حرك عينيه صوب "أدم" الذي وقف وكأنه الهش الضعيف وعلم أن الجرح الذي بداخله لأجلها شعر به عند هذه المشاركة بشئ كهذا. يتألم لأجلها وللمره الذي لا يعلم عددها حتي وهي لم تكن موجوده أمامه الٱن ولكنه يشعر بالعجز. ضرب "غسان" كتفيه كي يعي. في حين حرك هو رأسه يرفعه تجاهه فوجده يحثه بأنظاره وقال يحثه كي لا يتغير نمط تفكيره بما حدث لها:
"متخليش كلام واحد مقرف زي ده يأثر علي دماغك!"
أغمض جفنيه بسرعة وفتحهما واجاب بنبرة خاوية يخفي اهتزازه:
"مأثرش!"
علم "غسان" تخبطه بهذه اللحظة وهذا الوضع. قرر ان يجاريه بالمكشوف وقال يصارحه بجرأة:
"لا أثر ودماغك غصب عنك بتراجع نفسها فاللي كان ان ازاي كانت مشت وراحت وقعدت معاه فشقة واحدة قبل كل ده ما يحصـل!"
كأي رجل طبيعي عقله كان سيراجع هذه الأشياء رغما عنه. مع أنه يريد التمسك بالفعل ومازال ولكنه يريد محو هذه الأفكار. ربما الٱتي من أحداث سيثبت له أن هذه الأفكار لديه هو بالأخص ليس لها معني. وجد "غسان" يردد مره أخرى بوضوح أكثر:
"قررت تتمسك يبقي تاخدها على كدة صعب عليك متفكرش فاللي حصل بس لازم تعمل كدة وده مش أمر إجباري عشان لو مش هتعرف تتحكم فدماغك ومشاعرك دي يبقي تبعد احسن وتسيبها وبلاش تقرب منها!"
بطريقة ما جعله يستكشف أمر ٱخر بأنه لم ولن يستطع التخلى ٱكثر من قبل. ابتلع غصة مريرة بحلقه ورفع عينيه الحزينة يخبره بإستسلام:
"مش قادر أبعد بسببي.. ولا عارف أقرب بسببها!"
سارا معا ببطئ ناحية الخارج ومن بين هذا الحوار الكاسر لأحدهم. زفر "غسان" بصوته وهو يحرك رأسه وعقب ما انتهى الٱخر من ترديد كلماته هتف "غسان" من بعده مباشرة:
"سببك كراجل مقدور عليه. لكن هي أنا متأكد إنها كارهه الصنف بحاله وقبل كل ده خايفة. وطالما قررت تقرب يبقي تشيل ترددك ده عشان لو لسه موجود جواك هي هتفضل لسه خايفة وبالذات منك ومن دخولها علاقة مع واحد بصفحة جديدة. يعني انت بإيدك تمسح لها اللي فات ي ٱدم!"
"مش عاطيالي فرصة!"
"هتعطيك لما تفضل مكانك مستنيها ومتتحركش من مجرد فكرة أو كلام أو حتي مشكلة. لكن انت دلوقتي اتهزيت!"
وقفا على بعد من السيارة وإلتفت "ٱدم" برأسه يبتلع ريقه وقال يخبره بصراحة خائبة:
"غصب عني!"
"عارف. وعارف كمان انه مش سهل عليك. بس في سؤال يجاوب على كل ده بـ اه تفضل ولا لا متفضلش!"
قرأ المسطور في عينيه بالسؤال. فزفر "غسان" بصوت وابتسم يسأله:
"بتحبها ولا مـ.عجب بيها ولا. متعلق و مشدود ليها وبيها؟"
الثلاثة اختيارات يشتتون! استبعد الإختيار الثاني. وفكر فالأول والٱخير. خاصة الٱخير الذي هز كيانه بينما الأول يشعر به منذ فتره ورددها على مسامع شقيقه بتسرع. وجده "غسان" متخبط شارد. فمد كفه يربت على كتفيه برفق وقال يحثه بنبرته الهادئة في هذا الوضع:
"أنا كدة كدة مش محتاج جواب. بس فكر براحتك و جاوب علي نفسك!"
"وان معرفتش؟"
حرك "غسان" كتفية ببساطة وقال يخبره بجهل البشر عن القادم:
"ومين عالم ما يمكن يحصل أي حاجة توضحلك موقفك ايه!! انت اللي مستعجل بس!"
وجد التشتت رفيقه ورفع عينيه يسأله بنبره هادئة أشبه بالمستسلمة:
"انت شايف كده؟"
حرك "غسان" رأسه تأكيدا تزامنا مع اقترابهم من السيارة التي جلس بها "حازم و. بدر". ولم يغفل "غسان" عن ذهاب ذاكرته بالصمت نحو موقفه مع "نيروز" وظلت مشاعره تتلاعب به حتي وان اعترف بينما لم يأخذ الفرصه الحاسمة له إلا عندما حدثت عقبة زواجها من غريب مجهول بتدبير عمها. هنا ولم يتحمل وفكر بأي طريقة واجهته كي تصبح له هو وحده. لم يكن ليتخيلها مع غيره أبدا!!! ركب السيارة وكانت سيارة "غسان".
الذين ركبوا بها وجاءوا بها أيضاً. وهذه المرة، من قاد السيارة ليتشتت عقله كان آدم.
وركب في الخلف غسان مع حازم، وهو يملي عليه كلمات هادئة مواسية.
في حين تحرك بدر للجلوس في الأمام وعينيه تراقب تعابير وجه كل من حازم، وكذلك آدم الصامت في الأمام الذي ركز عينيه على الطريق.
حاول بدر التخفيف عنهما، فردد بسخرية.
يخبرهم في الخلف:
"ملقيتوش غير آدم اللي يسوق. دا مجنون وممكن يموتنا، ولا ناسين اللي حصل!"
ضحك غسان، وكذلك خرجت ضحكة حازم.
فابتسم آدم باستفزاز وأسرع من سرعة السيارة وهو يشير ناحية عينيه لشقيقه:
"من عيني يا بدر. ننولهالك. ودعت ابنك ومراتك قبل ما تخرج، ولا هتروح كده وهم واحشينك!"
هنا وتذكر بدر حديث حازم مع ياسمين. وتحت الضحكات والحماس بزيادة السرعة، رد بدر يشاكس حازم الذي يحمل له معزة خاصة بقلبه ولم يفعل كل ذلك إلا للتهوين عليه:
"لا مودعتش. الواد حازم ابن المحظوظة هو اللي ودع بالجامد!"
تعالت ضحكات غسان، في حين اندفع حازم يشير من بين ضحكاته:
"ونبي يا بدر تسيبني فحالي. مش ناقصة قر!"
"ماشي يعم الله يسهلك."
رددها بدر له، فضحك الكل عليه تزامناً مع قول غسان المرح لآدم:
"هدي بقا يعم انت السرعة دي. عندنا عيال وفي عيال لسه جاية فالسكة. الدنيا لسه عايزانا!!"
لبى غرضه، وكذلك حثه بدر. فابتسم بإستسلام.
واستمر الحديث بينهم بعشوائية. وقرروا الذهاب والعودة ناحية المبنى ليهبطوا، ومن ثم ليقود من بعدها غسان للرحيل نحو منزل عز كي يأتي بنيروز، أو هكذا قرر دون أن يعلم ما القادم!
***
تقاوم نفسها ولم ترد مساعدتها. حالة أشبه بالإختلال والجنون. وكأنها تنهار عصبياً وتزيل بنفسها آخر ذرة من العقل كانت قد بها. باتت لا ترى الآن سوى أنها سوف تلقي بنفسها كي يفتح لها الموت ذراعيه. اعتقدت بشيء لا يحدث. اعتقدت من كثرة الوجع بأنها ستقابل الراحة الأبدية بمحاولة فعل شيء قررته بداخلها بعزم. وكأنها لا تهاب. عندما قررت الإنتحار. انتحار! وماذا يجلب هو غير العذاب؟ بعيد كل البعد عن الراحة الأبدية. وبعقل أصبح ضعيف من التحمل كانت هي تعتقد ذلك. وفي البداية كانت تعتقد أن كتمانها ليس مؤذياً وأنها تتخطى بالفعل، بينما الآن الشيء الوحيد الذي ينتبه له الجزء العاقل من عقلها.. أن التظاهر باللاشيء والتعامل بطريقة عادية ليس طبيعي أبداً. تأكدت أن عدم التأثر في البداية ليس شيئاً مفرحاً وأن الكتمان كان أكبر خطر! وللمرة الثانية تسأل نفسها: لما الحياة وأنا بلا حياة؟
الأصوات تتداخل، الوقت يمر واللحظات تتخطى. وهي تقف تغمض عينيها تارة وتفتحها تارة، تحذرهم من الاقتراب. دخل حامد بخوف، يحذرها وتصلبت ملامحه برهبة رجل سنه لا يسمح بهذا الفزع المميت. الكل يصرخ ببكاء، والهواتف تقوم بالتصوير في الأسفل، والناس تصرخ عليها وتهتف في الأسفل بأن تتراجع. أما هي فلا حياة لمن تنادي، لا حياة لها من الأساس. نزلت دموعها وركزت بعينيها ناحية الصراخ وسارت رهبة بجسدها وتشنج من هذه الأصوات المتداخلة. فرفعت رأسها أكثر وهي تتمسك بنفسها لآخر لحظة وصرخت بصوت عالٍ تخرس صراخهم وبكاءهم:
"بــــس. قــــولت بـــس اخرسوا!!"
وضعت كف واحد على أذنها، فابتلع الكل ريقه بخوف. وحاول حامد الاقتراب يشير لها بيديه المجعدة يحثها بتقطع مهتز:
"إعقلي يا بنتي وارجعي. ارجعي حرام عليكي. اللي بتعمله ده حسابه عظيم عند ربنا. حرام والله. ارجعي!!"
نفت فريدة برأسها وتجمعت الدموع أكثر بمقلتيها وأشارت بكفها الآخر له كي يتراجع، فوقف مكانه عندما شعر بأن من الممكن أن يختل توازنها. كانت عايدة تبكي مع سمية وردة، والخوف كان رفيق ياسمين وزهور ومروة، وفي الخلف سامر يقف يترقب بعينيه بفزع مماثل لفزع وسام في الشرفة وهي تقف بجسد متصلب بعدما وقع الهاتف من يديها ولم تقو على الانحناء لحمله! نفت فريدة، بقهر وخرجت نبرتها الباكية تزامناً مع وصول عز وحده في الأسفل. خرج من السيارة بركض ودفع الناس بيديه بقوة وهو يرفع رأسه ينظر بهلع. ركض بأقسى سرعة كي يصعد. في حين وقفت هي تردد بخواء:
"ومش حرام عليها الدنيا؟ أنا نفسي ارتاح بقا. نفسي ارتاح. سيبوني أموت وأريحكم مني انتوا والدنيا اللي مسابتنيش ولا عايزة تسيبني فحالي!!!!!"
إندفعت ياسمين في بكاءها تردد هذه المرة بنبرة باكية ضعيفة:
"مش حل. ده مش حل والله العظيم. ونبي عشان خاطري تنزلي. إحنا منقدرش نعيش من غيرك!!"
وافقتها وردة تؤيد بكلمة واحدة مؤيدة والاثنتان يحتضنان بعضهما بخوف. ابتلعت دلال ريقها وهي تتمسك بجسد حامد من الخلف كي لا يقترب حتى لا تفعل الأخرى ما أقسمت عليه. وبادرت زهور بصوت مرتفع تشير بعصاها أكثر وهي تقترب:
"يابنتي انزلي و مـ ..."
"إرجــعي ورا. إرجــــعـــي!!"
دوت الصرخة ترن بأذنهم ووصل صراخها إلى الأسفل كما أن الوقت يضيق. انسحبت عايدة بركض لتفتح الباب الذي كانت دقاته عالية بقوة من الطارق. أبعد جمع الناس المتجمعة بفظاظة رغماً عنه بهذا الوضع كي لا يتأزم. وبقي هو. وكان عز الذي كان يلهث بأنفاس عالية. وما إن فتح الباب ركض بسرعة ناحية الداخل يدفع من قابله بطريقة إلى أن وقف واعتلى ضغط دمه بهذا الحال المرعب لأقواهم ما إن يرى ذلك. إلتفتت جميع الوجوه له وإقترب بحذر يشير لها بذراعيه الإثنان برهبة يجاريها بذكاء لم يفعله أي منهم من قبله:
"بصي..
اهدي.. اهدي بس واثبتي وقوليلي. قوليلي عايزه ايه وهعملهولك حالا.
ابتسمت بسخرية للشبه الذي بينه وبين من كان أحد أسباب وصولها لهذه الحالة الصعبة. أغمضت جفنيها تتجنب النظر له وابتلعت ريقها تجيب وهي تتحرك باهتزاز. حرك موضع قلوبهم من أماكنها في الحال:
"عايزة أموت!"
بحت نبرتها بوجع شديد. فابتلع "عز" ريقه يجيبها بإختناق:
"حرام!"
نفت بإندفاع منهار ودموعها تسيل على وجنتيها:
"لا حق!"
إبتلع "عز" ريقه من إصرارها هذا. وأجاب "حامد" هذه المرة يخبرها بسكون يمنع نفسه عن الإقتراب:
"بس مش بالطريقة دي. حق بس بأمر الله ي بنتي. ارجعي واخزي الشيطان. ارجعي بالله عليكي!"
سكنت وكأن العالم أغلق جميع أبوابه لها. يرتجف جسدها أكثر وأكثر وكل فترة ثباتها يهتز شئ فشئ. وقبل ان يحاول "عز" ايجاد الحل بشمله لنظرات الغرفة او الشرفة. تابع "سامر" بهجوم رغم خوفه ولكنه اعتقد ان قوله هذا سيجعلها تتراجع باهتزاز:
"ارجعي لانك جبانه ومش هتعملي كده. انزلي!"
لم يكن وقته بتاتا قول هذه الكلمات. وقبل أن تمنعه والدته. فتحت الٱعين بفزع من تحركها. فعاد "عز" يندفع نحوه بإنفعال مرددا يوبخه:
"انت بتقول ايه ي غبي انت. اخرس خالص مسمعش أم صوتك ده فاهم!!!!"
كانا على مشارف الإمساك ببعضهما بشجار. في حين تعالى البكاء أكثر وهي ترد عليه بنبره جامدة رغم الدموع وأظهرت مدي عنادها بقوة:
"أنا مش جبانة. سامع. مش جبانة!!!!"
كانت تنفعل بهستيرية في حين أشار لها الكل بأن تسكن بريبة. تحت لهفة "وسام" برؤية سيارة "غسان" تقف في الأسفل وهي تنظر من شرفتها.
خرج بسرعة الأربعه من السيارة ينظرون نحو النظرات والتجمع. ورفع "غسان" رأسه مع "حازم" و"بدر" ٱدم. وأذن الثاني تستمع لكل شخص يهتف باسمه بخوف من على بعد يخبره دون فهم. وعندما وجد جسدها. انتفض جسده وأذنية لا تسمع أي شئ. سارت القشعريرة ببدنه وفتح عينيه بقوة حتي خفقات قلبه تسارعت كمن تسابق أحدهم على الموت. حالته كانت مثل حالة "ٱدم" الذي انصعق وهو يردد بإسمها بإستيعاب:
"فــريدة!!!"
ركض على الفور وركض معه "بدر" في حين شحب وجه "حازم" و"غسان" الذي دفعه بقوة كي يستوعب. فنفى "حازم" بصراخ شديد ينفي وهو يرفع ذراعه لأعلى برأسه:
"لا. لا متعمليــش كدة أبوس إيديكي!!!!"
ركض ركض الوحوش في البرية. أو بغابة واسعه لا يري بها شئ في حين ان الناس تهاتفه وتردد باسمه. دفع الكل بيديه ووقع من وقع بسبب هذا الحشد ودخل من البوابة الكبيرة للمبني بهلع يركض بأقسي سرعة. سرعة قياسية سبقها "غسان" عندما لم يأت برد فعل منه في البداية بسبب صدمته!!. لم ينتظر أي من الذي دخل المصعد بل ركضوا بهرولة ناحية الٱعلى على السلم. كي يصعدوا بأنفاس لاهثه عالية!!...
وهي. هي بالأعلى شهدت اندفاع "ٱدم" و"بدر" الٱن بهذه السرعة في داخل الغرفة. وقف "بدر" متسمرا. وهرولت "وردة" باندفاغ تلقي بنفسها بين ذراعيه في حين آقترب "ٱدم" يسألها بنبره شارفت علي الإنهيار بعدم التصديق:
"انتــي بتعملــي ايه!!! بتــعمــلي ايه يا فريدة!!!"
فاقت على نبرته وتمسكت بالعمود الجانبي أكثر وابتلعت ريقها. ودموعها لا تتوقف عن الهبوط. حركت رأسها بأسى. وصارحته بما جعل قلبه يخفق بقوة عليه:
"هموت نفسي!"
وقف يلهث بأنفاس عالية ودخل "غسان" هذه المرة عندما وصل قبل "حازم". دفع "سامر" وحتى جسد "مروة" و"سمية" دون التركيز واقترب يقف بصدمة ظهرت علي ملامحه. في حين اختنقت نبرة "ٱدم" برهبة موجعة:
"مينفعش. مينفعش ارجعي عشان خاطري. إحنا عايزينك. عايزينك أقسم بالله. قوليلي بس ايه يراضيكي ومتعمليش فنفسك كدة. هعملك اللي انتي عايزاه بس بلاش. بلاش ونبي!!!!"
صرخت بإنهيار. تمسك رأسها بكفيها وشعرها يتطاير بفعل الهواء وتناست بأنها الٱن تفقد توازنها. صرخ الكل في حين كان صوتها الأعلى حتى كادت ان تقطع احبالها الصوتية:
"أنا مــــش عايــزة حاجــة سيـــبوني فحـــالي بقـا !!!!"
انتفض البعض علي صراخها. فحاول "غسان" تهدئة الوضع بسرعة. حتي جذب ذراع "حازم" بقوة يخرجه من حالته الضعيفه يقربه من وقفة "ٱدم" وفتح باب غرفة "نيروز" على مصرعيه. وردد بصوت مرتفع:
"إطــلعوا برا"
وقف الكل بصدمة من ما قاله للتو. فصرخ بهم كي يسرعوا:
"بــــرا !!!"
دفع بيديه بغير احترام جسد "زهور" حتي خرجت من بين صدمتها ومعها فتياتها. وأشار بعينيه لـ "بدر" الذي فهمه ودفع "وردة" ناحية الخارج. وحرك "غسان" يديه على كتفي "دلال" و"سمية" يحثهم بحدة تلازم نبرته ونظرة عينيه. بقت"عايدة" مع الشباب والرجال وأغلق "غسان" الباب. ونجح في تركيزها مع خروج من تبغضهم في حين كان يحاول ان تصب تركيزها مع من يهمها أمرهم أكثر من بين كل ذلك الحشد. ورغم الطرقات على الباب ولكنه وقف يتابع بأعصاب هشة يحاول تماسكها. في حين أدمعت عينيها. وهي تتمسك بالعمود بذراع واحد تردد كلمة الأسف له هو لمن يستحقها. لـ شقيقها "حازم":
"أنــا ٱسفـة !!"
نزلت دموع "حازم" فالحال دون حرج. واقترب أكثر فلم تمنع هي اقترابه إلى أن أخذ تحسباته ووقف على اعتاب باب الشرفة وبخفة كان بجانبه "ٱدم". فركز "حازم" عينيه وخرجت نبرته الخاوية ينفي برأسه يخبرها بوجع:
"مش هستحمل صدقيني. متوجعنيش فيكي وارجعي. أنا بحبك ومش هخلي حد يأذيكي أقسم بالله. بس ارجعي عشان خاطري. وحياة أغلى حاجة عندك فحياتك. أنا هموت وراكي يا فريدة. هموت والله العظيم ما هقدر!!"
نزلت دموعه مع. دموعها وأكملت هي تقاطعه بوجع ونبره أهدأ تردد بكلمات مؤلمة:
"أنا نفسي أرتاح بقا نفسي أموت وارتاح ..قولي ليه الدنيا بتعمل فيا كدة!! انا عملت ايه عشان يحصل فيا كل ده !! أنا عمري ما خدت حاجة عوزتها. عمري ما لقيت اللي محتاجاه.ليه كل حاجة مبتراضنيش مع اني بحاول ارضي!! ليه بيجيوا عليا دايما!! ليه الماضي مش راحمني ولا عايزني اعيش زي الناس. انا مبقتش حاسة بأي حاجة أنا نفسي أموت أنا مبقاش ليا لازمة. كل حاجة ضاعت مني حتي أغلى حاجة عندي راحت بسبب أخوه!!"
أشارت بيديها ناحية "عز" بوجع. تسمر جسده بألم لأجلها ولو كان لا يحبذ القدوم في التجمعات فكان هذا بسببها هي. لانه يشعر تجاهها بالأسى ويحاول محو هذا الشعور من أجل التعايش. ولكنه لم ولن ينسي ما حدث لها على يد شقيقه بينما يود الٱن ان يقسم بأنه ليس لديه ذنب. أكملت بوجع مره أخري تخرج بكل شئ كان ومازال بداخلها:
"خد مني اللي أي واحد دلوقتي شايفني من غيره وحشة. عارف أنا سمعت إني بيتقال عليا ايه. عارف شريف القذر وصل خبري على لسان مين. بعت مين يوصيهم بالكلام عني. عارف أنا كان بيجيلي رسايل من الجامعة واللي اعرفهم ازاي. عارف أنا قفلت كل حاجة ليها علاقة بالتواصل معاهم ليه. عرفت مبنزلش الجامعة ليه وبطلت أقابل صحابي ليه."
صدم من حديثها بقوة. كما صدم البعض. تلومه ولم تشاركه من الأساس بل كانت تكتم وتكتم بعيد عنه كي لا تذكرهم بما حدث من قهر لهم وللعائلة!
حرك رأسه بإنهيار وتصلب جسد "آدم" وقال قول حل محل شقيقها:
"طب ارجعي وأنا هجيبلك حقك من كل واحدة اتكلمت عليكي، أوعدك اني مش هسيب الموضوع ده يعدي كدة بس انزلي لو بتحبي ربنا يشيخة!!"
ردد آخرها بضعف، فهبطت دموعها واقترب "غسان" بسكون يقف بجانبهما وقال يحثها مبتلعاً ريقه:
"لو نزلتي هاخدك معايا ومع حازم تجيبي حقك من أتخن تخين اتجرأ وجاب سيرتك، هجيب إيدك تحطيها فعنيهم وتقطعي لسانهم اللي اتكلم عنك بنفسك، قربي واسمعي الكلام وثقي فينا، بس انزلي!!!"
نفت برأسها ووجهت عينيها نحو شقيقها الصامت برهبة وتجاهلتهم وهي توجه له حديثها تلومه بقهر:
"انت ضحكت عليا ومشيت وسيبتني، مع اني قولتلك متسبنيش لـ سامر وكنت مرعوبة، معملتش حساب للحظة اللي كنت خايفه منها لما جاب المأذون والشهود وغضب عن عين الكل عايز يتجوزني غصب فغيابكم، محدش عرف يوصلك ولا يوصلهم، سيبتني ومشيت ليه، أنا زعلانة منك أوي لو كان خدني غصب مكنتش هسامحك ي حازم!!!!"
سألته بنبرة باكية بشدة، صدم الكل من حديثها المندفع، فقال هو برهبة يحاول الاقتراب أكثر:
"أنا آسف، آسف والله العظيم، بس انزلي وهجيبلك حقك!!!"
ابتسمت بألم وعندما شعرت بإقترابه أشارت بإنفعال منهيار تحثه:
"ارجع، ارجع هرمي نفسي لو قربت!!"
وقف بخوف منهار وأمسك رأسه بإنهاك منهار يحاول وجود حل بعدما هرب الحديث منه، وقف "آدم" يخبرها عندما جاء بعقله شئ ما:
"لو رميتي نفسك من هنا أنا هحصلك يا فريدة!"
كانت نبرته جادة، انصعق "بدر" في حين اقترب "غسان" على فهم ما ينوي فعله من تهديد لها لتتراجع، بينما "آدم" لم يقل ذلك عبثاً أو حتى ليكن مختل عقلي بل قالها لوجود تلك النظرة منها له، نظرة لأول مره يتلقاها منها غير نظرة الاعجاب الذي كان يشك بها، نظرة الآن جعلته يرتجف وكأنها تبث شوقها إليه قبل أن تلقي بنفسها، وداع للمره الأخيرة. قاطع حينها النظرة هذه بقوله ذلك، فابتلعت ريقها بتصديق لم تكن لتتوقع ذلك، نفت برأسها وقالت بنبره خاوية:
"متقدرش، سيبني فحالي وارجع، لو قربت تطلع هنا هرمي نفسي علطول من قبلك!!"
قالتها بتقطع متلهف متخوف، في حين ترقبت الأنظار واقترب بعناد من الناحية الأخرى والعائلة تتابع من الشرف المربعة الجانبية كما أن في الأسفل الكل يتابع إلى الآن، شهقت من محاولته في التسلق تحت تركيز "غسان" على معالم وجهها وعندما وجد الخوف رفع عينيه نحو "آدم"، حاول "عز" الاندفاع فمد "غسان" ذراعه يوقفه مع صراخ "بدر" بصدمة:
"انت بتعمل ايه يا مجنون؟!"
نظر "غسان" ناحيته يشير بعينيه على الصمت، فوقف يفتح فوهه بصدمة تحت نظرات "عايدة" الغائمة بالدموع والجهل والخوف. وخرج صوت "حامد" يوبخه بخوف:
"انت ساكت ليه؟ ساكت ليه؟!"
"اهدوا واستنوا"
رددها "غسان" بهمس وقصد إيصاله لهم جميعاً حتى لـ "عايدة"، سمع الكل صوت دقات الباب العالية من الخارج بصراخ وعلم الكل بأنه صراخ "زينات":
"بنتي!! افتحولي اشوف بنتي!! فريدة!! انزلي يا فريدة ونبي، بلاش تعملي كدة فقلبي!! افتحوا!! افتحولي بقولكم حرام عليكم عايزة اشوف بنتي!!"
ذهبت بنوبة بكاء هستيري بعد تجاهل الكل لها في الداخل وتوجه لها بعض من الخارج يلحقون بسقوط أعصابها بهذا الإنهيار التي تحاول تماسكها ولكنها فشلت وتفشل. بينما في الداخل تسلق "آدم" ووقف على بعد منها، تسلقها بسهولة وبساطة شديدة لطالما يعتاد على هذه الأفعال بالماضي. ابتلعت ريقها بهلع وقال هو بملامح جادة صادقة:
"عرفتي اني أقدر؟!"
زاغت عيني "فريدة" بالدموع، وأشار "غسان" لـ "عز" بمسك "بدر" كي لا يندفع في حين مد "غسان" ذراعيه يبعد "حامد" أكثر وأشار لـ "عايدة" بالصمت تحت صراخ الناس بالأسفل وصراخ العائلة من الشرف وخوف "وسام" التي تتابع كل ذلك من البداية بجسد متصلب!!
"إنزل حالا، انزل بسرعة بقولك هرمي نفسي!"
"لأ مش نازل!"
رددها بعناد لها، وابتلع ريقه وأخذ أنفاسه وتقابلت عينيها معه، فحاول تشتيتها بالإقتراب الأكثر منها يحاول ترك العمود وهذه تعد منطقة أكثر خطورة! جحظت عينيها بفزع، فهو معرض للسقوط عنها بأي لحظة لم يكن بجانبه أي عمود ليستند بل يتقدم ويسير بغير توازن!!! وانتفضت ولكنها لم تترك العمود بجانبها، فأشار لها بيديه يحاول وزن جسده بالوقوف والسير بحذر:
"فاكرة لما قولتيلي بليل فمحل الورد هتديني ردك ونتقابل؟"
أكدت بهلفة كي يهدأ ويسكن. لكنه حاول الاقتراب دون تعلثم وواصل يكمل بعدما سلب تركيزها:
"اهو احنا دلوقتي اتقابلنا بس هنا على السور، بس أنا قررت أرمي نفسي زيك بالظبط وقبلك كمان عشان الدنيا كانت وحشة معايا بردو!!"
خرجت نبرتها الباكية بإنهيار خائف هذه المرة ورفعت يديها تمسح وجهها تردد بلهفة:
"انت.. انت مش فاهم حاجة خالص!!!"
"أنا فاهم كل حاجة، وعايز أقولك حاجة واحدة بس قبل ما أرمي نفسي من هنا قبلك!"
جحظت عيني من بالداخل، فرمق "غسان" بطرف عينيه وفهم على الفور أنه يشتتها. اقترب وكادت أن تتعثر قدمه فصرخت هي بسرعة:
"حــاســب، حـــاسـب!!"
حاول التوازن، وواصل بلعبته في التشتيت:
"مش قبل ما أقولك أهم حاجة نفسي تعرفيها، والا هرمي نفسي من قبلك بسرعة لو مسمعتنيش!"
انتفضت بفزع تشير برهبة تحت ذهول "حازم" ومحاولته هو الآخر في الاقتراب مع الآخران:
"لا، لا قول، قول بسرعة!!"
ابتلع ريقه وبات قريباً يقف بجانبها، وتحسباً للفشل، مد ذراعه وهو يقف بهذا القرب وحاوط كتفيها للدلالة على الاقتراب لقول ما يريد قوله. انتفض جسدها وتمسكت بالعمود أكثر واهتزت قدميها عندما تحرك جسده باختلال وهو يمسك بكف يديها الأخرى. كف يديها الذي يوجد ناحيته مغمض العينين يتحاشى النظر ناحية الأسفل كي لا يقع وقبل ذلك حثها برفق تحت تيهتها:
"هاتي ايدك بسرعة، هقع"
قدمت كفها بفزع، وباليد الأخرى تتمسك بالعمود. وذراعه الآخر يحاوطها به، فاقترب "بدر" مع "عز" ناحية "آدم" الذي يسلب التركيز منها له. وإقترب "غسان" مع "حازم"، أشار لهم "غسان" وهو يحرك رأسه، فمد "غسان" ذراعيه الاثنان مع ذراعي "حازم" يجذبان جسد "فريدة" بقوة عليهم ناحية الداخل، وبعزم ما لديهما من قوة دفوعها، كما فعل "عز" و"بدر" مع "آدم". وقعت "فريدة" ناحية الداخل عليهم بشدة، مع وقوع "غسان" على ظهره بألم، وكذلك "حازم" وهي معهم وسحبت بكف يديها "آدم" الذي لحقه الإثنان الآخران، ووقعت الستة أجساد بصوت واحد في أرض الشرفة، تأوى الكل. وشهقت "فريدة" برهبة وجسدها يرتعش. حاول "غسان" التحرك فتحركت هي فالبداية بغير تصديق فاعتدل "حازم" يتشبت بها بقوة وهو يركع حتى اندفعت داخل ذراعيه بإنهيار شديد تحاول التحرك ولكنن يحكم بذراعيه عليها بوجع شديد، تحت اعتدال البقية.
هلل الكل في الأسفل بفرحة عندما اندفعت الأجساد ناحية الداخل وتعالت أصوات العائلة في الداخل وكذلك الشرف، في حين وقف "آدم" بوجع. وهنا سمح لهبوط دمعته على هذا الإنهيار التي توصلت له، أعصابه لم تعد لتتحمل. يصعب عليه الرحيل ولكنه أسرع في خطواته سريعاً، يختلي بنفسه بعيداً. هرول هرولة غريبة أشبه بالركض وهو ينفض ذراعي "بدر" عنه وفتح باب الغرفة كي يهرب من المبنى بأكمله بعيد لمكان لا يعرفه أحد دخل الكل ناحية الشرفة بعيداً. ووقف "غسان" بوجع في عظامه ينظر نحوهم ولاحظ عدم دخول "زهور" وعائلتها. تحرك قليلاً ناحية الخارج حتى وجد شقيقته تندفع ناحية الداخل بفزع، فلحقها بين ذراعيه في الحال وبكت هي بين أحضانه فردد عليها كلمات ساكنة. كل منهم يبكي الآن بأحضان غيره عندما خرجوا متجمعين في الصالة وبقى "حازم" معها ساحباً إياها بين ذراعيه ناحية الفراش ومعه "ياسمين" تبكي مع "عايدة" و"زينات" التي تصرخ بولولة فازعة إلا أن سكنت عندما ضمتها "ياسمين" في الحال.
اقترب "حامد" يضم ابنته بلهفة، فتركها "غسان" له وهو يشير له بأن يأخذها لشقتهم يبعد.
نفسيتها عن كل ذلك. لا يعلم هو بأنها تابعت كل شيء. وجد "جميلة" و"فرح" يصعدون على السلم بركض، وعينيهم وملامحهم تشرح الكثير. عندما انتهوا من ارتداء الملابس، وعندما وقفوا لإيجاد سيارة أجرة، وعندما استوعبوا من الأساس أخذ كل ذلك منهم وقت.
دخلت "جميلة" بسرعة، حتى كادت أن تتعثر، فلحقها ذراع "عز" وهو يسمع نبرتها الباكية بفزع تحاول إبعاده عنها:
"فريدة! فريدة يا عز. هي فين؟ هي فين؟ رد عليا ونبي بسرعة!"
وقفت "فرح" وصعدت "نيروز" بركض، إلى أن هرول "غسان" ناحيتها هي و"حنان" على السلم. ما أثار ذهوله أنها تصعد وهي تمسك أسفل معدتها وملامحها تتشنج مع بكاءها وهي تنفي برأسها. قابلها بأحضان في الحال، وارتمت هي تبكي بصوت عالٍ، انخرطت بنوبة بكاء بعدم تصديق وقدمها لم تعد تتحمل السير أكثر عليها.
"بس... بس، اهدي."
ربت عليها وأخفى جسدها يضمها إليه، مخفيًا ما تبقى منها بذراعيه وهو يربطهما معًا بحذر، ملاحظًا انسحاب "حنان" وبقاء قلة ينظرون إليه وهو يحتويها بعد إغلاق باب شقة "سمية". حرك رأسه بعشوائية، وعندما ضمت ظهره بيديها بشدة، أخفى وجعه ووجع عموده الفقري متحملًا، وهو ينظر فوجد بعض الأشخاص واقفين. تنحنح، يحركها برفق، متحاشيًا النظر لغيرها وسحبها معه. كان يود أخذها بعيدًا عند شقة والده أو شقتهم هم بالأعلى، ولكنها وقفت بإصرار تتركه وهي تدق باب شقة "سمية". فوقف معها بإستسلام، يسندها بذراعه. فُتح لهما الباب بواسطة "سمية" التي كانت عينيها متورمة من كثرة البكاء. اندفعت "نيروز" بداخل أحضانها، ودخل "غسان" غالبًا الباب خلفه ولاحظ وجودهم بالصالة بسكون، عدا "وردة" التي رحلت الغرفة لصغيرها مع "بدر". انتظر "عز" "جميلة" كي تخرج، ووقف بالخارج معهم. خرجت "عايدة" من الغرفة وحاولت أن ترحب بوالدة "عز" وأن تسحبهم معها ناحية شقتها، ولكن كان السؤال الأكثر لها منهم عن حال "فريدة":
"فريدة عاملة إيه دلوقتي؟"
ترقبت الأنظار فوقفت بملامح متعبة تطمئنهم مع خروج "زينات" و"ياسمين":
"فريدة نامت في حضن حازم مش حاسة بحاجة من بعد ما الكل دخل."
أخرجت أنفاسها تسحب يد "حنان" برفق، لبق وأسف وهي تتجه ناحية باب الشقة معها. وقفت "ياسمين" تسند "زينات" كي تجلس على المقعد بسكون، في حين اندفعت "نيروز" بخوف تفتح باب الغرفة عليهم دون حتى الدق وتوقفت بوجع على الأعتاب عندما وجدت "فريدة" بالمنتصف تغفو بين "حازم" ومن الناحية الأخرى ضمتها "جميلة" بذراعها ببكاء صامت كاسر. توجهت أكثر تستمع إلى بكاء الاثنين وأدمعت عينيها وهي تنحني على الأرض تحتضن جسد "جميلة" بذراعها تاركة باب الغرفة مفتوح تشاركهم الوجع. مشهد موجع تسلل إلى عين "غسان" و"عز" الذي شعر بضيق صدره. فتقدم "غسان" ينظر ناحيتها حتى وجدها اعتدلت تجلس على طرف الفراش. وعلى الرغم من وجود "حازم" إلا أنه يتشبث بها بذراعه يرفض تركها وهو يذرف دموعه بصمت شديد. أدمعت عيني "غسان". في حين اقترب "عز" يغلق الباب بذراعه عليهم بعدما كان سيقترب "غسان" لغلقه من الأساس بسبب نومهما بهذه الطريقة. زفر بصوت وهو يسحب "عز" معه ناحية الخارج ووقف الاثنان أمام الشقق. فهتف "غسان" يحثه:
"تعالى ادخل يا عز!"
"لا أنا هشوف أمي واختي هنا. ارتاح انت وخلى حد يدهن لك مرهم على ضهرك ده!"
أومأ له ورآه يتوجه ناحية شقة "عايدة"، في حين فتح هو باب شقة "والده" وعقله لا يغيب عن من لاذوا بالفرار لوقت معين. في حين كيف لم يدق هاتف أي منهم بالنجدة؟ لا يعلم هو ما حدث وما الذي تدبر من خلفهم. دخل بهدوء يغلق الباب خلفه حتى وجد شقيقته تجلس بين ذراعي "دلال" هذه المرة وهي تبكي مفزوعة، وكأنها تستوعب تدريجيًا ما حدث. اقترب يجلس بجانبهم ورفع يديه يمسح دموع وجه "وسام" المستندة برأسها على قمة صدر "والدتها". مسحها برفق، ومسد على خصلاتها بحنان، وقال بصوت هادئ يهدأها:
"خلاص مفيش حاجة يا وسام. اهدي عشان اعصابك!"
توقفت عن البكاء ووالدتها تمرر كفها على خصلاتها. فتصنع "غسان" الغيرة ليخفف عنهم هذا الثقل حتى حاول دفعها من أحضان والدتها وقال بضيق زائف:
"وبعدين ابعدي كدة. هو كله ليكي لوحدك انتي بس ولا إيه؟"
ابتسمت وهي تلبي غرضه وابتعدت قليلا، فتأوى وتشنجت ملامحه بتعب، وهو يستلقي بظهره على الأريكة الواسعة وسند رأسه على فخذ والدته بتعب، وكأنه يأخذ منها الأمان ليعطيه باللاحق لـ"نيروز" الذي تعمد تركها معهم كما تود لتهدأ نفسها بحضورهم ساكنين بهذه الطريقة. علم الكل ما فعله من محاولة بدأت من عقله مع عقل "آدم". زفرت "دلال" بصوت مسموع وغرزت يديها في خصلاته داعية له بتأثر:
"ربنا يريح قلبك يبني ويجعلك دايما سبب في كل خير!"
أغمض عينيه وفتحها على وجه والدته وشقيقته التي نهضت تقابل "حامد" الذي أتى من المطبخ فعل مشروب ساخن لها. أخذته منه وبعفوية، التقطت كفه تقبله بتأثر وهي تقول:
"شكرًا يا بابا. ربنا يخليك ليا!"
مرر "حامد" يديه على تقاسيم وجهها بحنو، ورفض أخذ الكوب منها بل سار برفقتها لغرفتها كي تستريح. وتعالت انفاس "غسان" بهدوء، وهو يتابع. حاول عدم التفكير بأي شيء وهو يمد يديه يخرج بمحفظته حتى فتحها أمام أنظار والدته واعتدل بتعب، يأخذ منها مقدمها ناحيتها يحثها بهدوء:
"أنا عارف إني اتأخرت عليكم المرادي. بس خدي دول على ما بسام ييجي وهيعطيكي الباقي!"
رفضت تأخذ منه شيئًا ونظرت له تخبره بحزم بما أخبرها "حامد" به:
"مش هاخد منك حاجة. معتش ينفع يبني. انت بقيت فاتح بيت ومسؤول عنه والمصاريف بتزيد عليك. انت عارف معاش أبوك بيقضينا وبسام هيساعد زي العادي واهي ماشية الحمد لله!"
"مفرقتش كتير يا أم غسان، أنا مبعدتش للدرجادي!"
لا يوجد بينهم حساسية ولكن بالفترة الأخيرة ستصبح تستشعر ضغطه. رفضت متحاشية النظر إليه، فحاول مسك كفها يضعهم به وقاطع فعلته وقوف "والده" وهو يخبره بلين:
"خلي فلوسك معاك يا غسان. الحال مبقاش زي الأول يبني. اسمع الكلام الله يهديك. ربك ساترها معانا ولو زنقت بتفرج!"
رفض "غسان" ووقف يردد له بجدية:
"جرا إيه يا بابا من امتى واحنا بينا الحساسية والحاجات دي؟ ما كلنا بنساعد بعض واحنا عارفين إن الحالة مبقتش قد كده!!"
"من النهاردة. انت مراتك حامل وقدامك علاج وكشف ومتابعة ربنا يعينك ويقدرك!!"
وقف "غسان" يلومه بنظراته، واقترب برأسه يقبل جبهة والده وأخفض عينيه وهو يعتدل ثم قال بوضوح:
"احنا كنا كدة ومع بعض وهنفضل كدة ومع بعض وعلى الحال ده!"
اعتدل يضع ما بيديه في جيب قميص "حامد" من الأمام وأمسك كفيه بمرح، قبل أن يرفعهم وقال يشاكسه بمراوغة:
"خلاص بقى متعدهمش هنا. عدّهم جوه!"
ضحكت "دلال" عليه بصوت عالٍ وتراخت يدي "حامد"، بإنهازام مقررًا التدخل في كشفه على "نيروز" بعض المرات وهو مرات أخرى لطالما فعل ذلك. ابتسم بتأثر، وهو ينظر له بحنو، حتى رفع ذراعه على كتفيه يربت عليه وقال:
"مش عارف أصدقك. عارفك دماغك ناشفة. بس عارف برضه إنك راجل وتحل محلي في أي حاجة وأي وقت لو حصلي حاجة!"
أمسك "غسان" يديه بحب، وقبل كفه برفق، وقال بابتسامة هادئة:
"ألف بعد الشر عليك يا حامد!"
زفر بصوت مريح فتأوى من ظهره بوجع مخفي، وفهم "حامد" على الفور لطالما كان يشهد ما فعله. ابتلع ريقه ونظر ناحية "دلال" وعقب يحثها:
"قومي يا دلال هاتي مرهم العضم وادهنيله ضهره!"
نهضت بلهفة تجلبه. فابتسم هو وهو يتحسس جيب بنطاله على هاتفه حتى يرى الساعة. ضاعت عليه صلاة العصر والمغرب على مشارف الدخول. أما "حامد" فكبت مشاعره، تارة يشعر بالعجز من ضيق الحال في بعض الأوقات وأوقات أخرى يرى بأن الله يفرجها. رغم أن أمواله تناسب، ولكن مؤخرًا بعد غلو كل شيء ومصروفات "وسام" بات كل شيء صعب عليه. توجه غرفة "وسام"، بهدوء كي يعطي لها مصروفات المراجعات النهائية. لاحظ "غسان" دخوله مجددًا لشقيقته وعلم ما سيفعله. حينها ابتلع ريقه متنهدًا براحة، رغم شعور الضيق الذي دب بداخله بسبب نظرة والده له والذي لم يراها به من قبل. الآخر يشعر بأنه عاطل على الرغم من أنه يساعد، ولكن كل ذلك ولا يكفي.
وضع محفظته في جيبه ودخل غرفته يخلع ملابسه الفوقية، حتى نظر في المرآة ومرّ بعينيه على جرح جانب معدته الذي فعله "حسن". زفر بصوتٍ مكتومًا من تخطي وكتم سلب حقه إلى الآن، وعقله تائه بين أشياء كثيرة أهمها "نيروز" الآن. قرر بأن ينتهي ويذهب إليها.
التفت بوجهه ناحية الباب التي دخلت منها "دلال"، فابتسم برفقٍ لها. فدخلت هي تهتف بلهفةٍ وهي تقترب:
"يلهوي دا مزروق يبني! قرب قرب فاته وجعك بالقوي يحبه عيني!"
بالفعل يشعر بالألم الشديد، ابتسم على لهفتها هذه واقترب منها كي تساعده بوضع الدهان على ظهره.
"خففي إيدك يا دلال!"
ضحكت على مرحه المشاكس لها كي يبعد عنها حالة توترها وخوفها، في حين ضربته على ظهره بخفةٍ بطيئة ثم قالت تشاكسه هي الأخرى:
"اخص عليك يا واد، بقى أنا إيدي تقيلة؟ مش مستحمل إيدي؟ وأنا اللي شيلتك أنت وأخوك ومعاكم التالتة في بطن واحدة تسع شهور!"
لا يود الضغط على جرحها الآن. ضحك مخفيًا معالم وجهه المتعبة وقال بمرحٍ آخر:
"بهزر معاكي يستي. دا أنت إيدك دي أخف من الريشة. طب دا أنا مروحتش لـ نيروز تدهنهولي وجيتلك أنت عشان أنت البركة يا ست الكل!"
استمرت فيما تفعله ولاحت شبه ابتسامة حانية على وجهها، وسرعان ما رددت بها بما لا يتوافق مع هذه الابتسامة الهادئة:
"بكاش ويتاع كلام زي أبوك يا حبيب أمك!"
انتهت واعتدلت في جلستها، فاعتدل هو الآخر وهو يضحك حتى بات وجهه بمقابلة وجهها. أمسك يديها وقبّل كفها بإمتنانٍ مع قوله:
"تسلم إيدك يا أم غسان!"
"بالشفاء يا حبيبي. خليك مكانك دقيقتين كدة، وقوم بيا نصلي العصر جماعة، أنا كمان مصلتش والمغرب قرب!"
***
"شريف"! ماذا أتى به إلى هنا؟ وكيف؟ وكيف لها بأن تذهب إليه مجددًا؟ لماذا يظلم المكان؟ ما هذا الظلام؟ على الرغم من أنني أرى وجه ذلك البغيض، وشبه ابتسامة ليست هينة تعلو ثغره. تحاول التحرك ولكنها مكتفة. يقترب منها مجددًا يريد النيل منها هذه المرة دون أن تتملص أسفل يديه. تحاول أن تصرخ ولكنها تشعر بـ أحدهم يكمم فمها! أين هي؟ بات قريبًا منها بشدة ودفع المقعد التي تربط عليه بإحكام. يحاول فتح أزرار ملابسها بهجوم. ماذا الآن؟
كابوس مجددًا، ولم يأتها في الليل بل كان الآن وهي تتشنج أسفل يدي "حازم" ببكاء. تئن وتهتف وتهذي بكلماتٍ غير مفهومة. تود الحديث ولا تستطع. نظرت "جميلة" بخوفٍ وهي تحاول أن تحتويها ودموعها تهبط، في حين كانت هي بين ذراعي "حازم" يردد عليها بخوفٍ:
"فريدة! فريدة! فوقي مفيش حاجة من اللي أنتِ بتشوفيها دي. أنا جنبك. أنا حازم أهو!"
رددها بلهفة. وعندما شعر برهبة "جميلة" وهي على مشارف البكاء الصارخ، هتف يحثها بصوتٍ عالٍ حازم:
"اطلعي برا! اطلعي برا يا جميلة!"
وقفت "جميلة" بخوفٍ من هذه الحالة تتراجع بخطواتها بريبة. نظرت حولها بخوفٍ وفتحت الباب وكأنها تهرب هي الأخرى من كابوس آخر. ركضت تفتح باب الشقة حتى أغلقته خلفها ودقت جرس شقة "عايدة" بأيدي ترتجف. جسدها يرتعش بشدة وكأن الخوف التي كانت تداريه ظهر الآن. لحظات، ولحسن حظها فتح لها "عز" الباب هذه المرة. وما أن وجدته اندفعت بنوبة بكاء ترتمي بين ذراعيه. ورغم خوفه ولكنه كان ينتظر ذلك. أغلق الباب بذراعه والتفت الجميع حوله. أما هي فبكت حتى ضمها وهو يشير لهم بالتراجع. فهرولت "عايدة" تشير له ناحية غرفتها كي يدخل بها. أومأ وربت بيديه على ظهرها يطمئنها:
"إهدي يا جميلة. اهدي علشان خاطري!"
لم تستجب وجسدها لم يتحرك معه، بل وقفت تبكي بصمتٍ وصوتٍ تحت اقتراب "فرح" و"حنان"، و"عايدة" مرة أخرى. ولكنها مازالت على هذا الحال. انحنى "عز" بذراعيه يحملها ببطءٍ، إلى أن رفعها متوجهًا بها بسرعةٍ ناحية غرفتها التي سبقت "عايدة" تشير له بخوفٍ. أما "حنان" فوقفت تنظر بحزن وحسرة تحت تغير معالم وجه "فرح" بالخوف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله!"
وضعها على الفراش وجلس يميل عليها يحتضن رأسها يضمه إليه إلى أن سكنت. خرجت "عايدة" تعد لها كوب ليمون لتهدأ، غالقة الباب خلفها. أما هي فسكنت تدريجيًا وهي تتمسك بظهره بتشبث. مسح بأصابعه الخشنة وجهها برفقٍ، مستغفرًا مرددًا بعد آيات الذكر. وبالفعل هدأت وسكنت واحتواها بين ذراعيه حتى باتت تسمع خفقات قلبه العالية من هذه الحسرة.
"متخافيش أنا معاكي!"
حاولت أخذ أنفاسها فرفع ذقنها كي تقابل عينيه حتى وجد عينيها الحمراء تشرح الكثير ورددت هي بتقطع في كلماتها:
"أنا خوفت.. خوفت.. أوي يا عز.. تروح مني.. خوفت عليها.. أنا.. أنا مش عايزها تمشي وتسيبني زي بابا بسرعة كدة.. أنا مش عايزة أخسرها!"
ضمها بخوفٍ من نبرتها هذه وقال بلهفةٍ يخبرها:
"متخافيش. متخافيش والله هي هتبقى كويسة وموجودة وسطنا خلاص وربنا ستر!"
لم تمنع نفسها في أن تسرد أكثر بخوفٍ، وكأنها تعي وهي تحرر نفسها من بين أحضانه ترفع رأسها له كي تكمل:
"لا.. لا مش كويسة دي.. دي كانت بتتشنج ووشها أزرق وجسمها كله مشدود. أنا خوفت عليها أوي. شكلها.. شكلها كان صعب أوي يا عز!"
ربما تشنجات شقيقتها هذه المرة أصعب! مرر يده على خصلاتها وقبل أن يطمئنها رددت هي تشرح له أكثر:
"ملقتش حد جنبي. ملقتكش أدخل فحضنك ومشوفش كل ده. حتى نيروز قالتلي إنها هتمشي عند عمو حامد لـ غسان. أنا.. أنا.. احضني يا عز متسبنيش ونبي!"
علم حالتها بمثل هذا الخوف وهذه الرهبة. لبى غرضها وضمها أكثر بين أحضانه الدافئة، يغمرها بالأمان هامسًا بجانب رأسها:
"مش هسيبك والله متخافيش. هسيبك إزاي وأنا ضلك!"
مرر يديه على ظهرها وهي التي خلعت عباءتها هناك وخرجت بمثل هذه الملابس التي أسفلها دون وعي، حتى حجابها سقط وخصلاتها الطويلة خلفها بغير اهتمام وإهمال. مرر يديه على ظهرها وخصلاتها المفرودة عليه. ولاحظ نعومة ثوبها فنظر بدهشةٍ لهذا الحال الذي لبسها. كبح مشاعره وعلم أنه رغما عنها رغم ضيقه بمن رآها بمثل هذه الملابس التي تكشف جسدها بكتفيها وساقها. جمع خصلاتها وربطهم دون أن يعقدهم بشيء وتناسى أمر خصلاتها التي سقطت للأمام. وعندما شعر بتحسنها قليلًا، تركها ونهض يبحث بعينيه ناحية الخزانة حتى وجدها فتحها بجهلٍ والتقط بيجامة قطنية لا يعلم أتخصها أم تخص شقيقتها ولكنهما بنفس الجسد والوزن وحتى الملامح. أخذها ولم يخجل من التقاط ملابس أخرى للداخل أسفل بيجاماتها. واقترب منها برفقٍ يساندها حتى وقفت، وقال يحثها:
"لازم تقومي تغسلي وتفوقي كدة. ماشي؟"
أكدت برأسها وابتلعت ريقها بحرجٍ. ما إن وجدته يعدل وضع الملابس بين يديه ورفع رأسه يسألها بإهتمامٍ:
"أنا نسيت فين الحمام. هو فين؟"
"بـ..بـرا على الشمال!"
أومأ وسندها معه ناحية الخارج حتى وجدهن يقتربن. واقتربت "عايدة" بخوفٍ مع الكوب الذي بين يديها تقدمه ناحية فمها مرددة بلهفة:
"اشربي.."
اشربي يا حبيبتي على مهلك، يهدي أعصابك ويروق دمك.
تفحصها عز، وهي تتجرع برفق. اعتدل يتحدث بنبرته الهادئة:
"عايزين بس الحمام علشان تغسلي وتغيري وتفوقي كده."
لاحت ابتسامة حانية على لينة وحنوه، والتقطت الملابس من بين يديه، ترددت بمساعدة:
"عنك يا حبيبي، أنا هساعدها."
وكأن عايدة رفعت الحرج عن جميلة دون أن تشعر، رغم أنه زوجها، ولكنها خجولة بدرجة كبيرة. أومأ بموافقة، وأخذت فرح الكوب منها وهي تمرر يديها على وجهها تطمئن مع حنان. وبعد ذلك أخذت الكوب ناحية المطبخ. وهناك وقفت تراعي ذلك الطعام الذي كان يُطهى.
توجهت عايدة بابنتها ناحية المرحاض، في حين أمسك عز يد حنان يسحبها لتستريح على المقعد. فربتت على كفه عندما شعرت بثقله وقالت بأعين لامعة وشفقة:
"ربنا يريح قلبك وقلبها يا بني."
***
كم من أسرار تُخفى، ومن بين هذه الأسرار كان سِرُّه هو، التي أخفته زينات عليهم خوفًا من غسان. تذهب إليه بين وقت وآخر بمفردها، لذا لم يعلم أحدهم بأنه فاق ويعي ما يحدث. حتى أنه في كل مرة يجلس بمقابلة والدته لوقت ثم ترحل هي وتتركه مجددًا. اليوم سمح له بالخروج تحت مسئوليتها هي بأي وقت. تركته غير عابئة بأنه سيرحل من خلفها لأي مكان. لا يتجرأ على الذهاب نحو المبنى للعائلة، لا يضمن بماذا يمكن أن يفعل به غسان. هو الآن يشعر بمشاعر متخبطة وعقله يتشتت. كما أن أصبحت حالته محيرة، هل سيتوقف عقله وجسده عن طلب المخدر؟
الغيبوبة هي حالة سبات كامل من اللاوعي لا يستطيع المريض فيها التفكير أو الإحساس بالألم ولا يستجيب للمؤثرات الخارجية المختلفة. ونشاط دماغه متضائل جدًا. لا يمكنه، ولكن إذا أفاق من الغيبوبة قبل أن يتم تطهير جسده كاملًا من المادة المخدرة، عندما يستيقظ سيجد نفسه مازال مدمنًا.
وإذا حُقن بمادة مضادة للتعاطي أثناء الغيبوبة لمدة كافية لخروج هذه المادة من جسده، فسوف يتعافى. وهذا ما حدث بوقت ما كان يرقد. هذا السر المخفي أخفته، ولكن لم يكن منذ كدة طويلة. ولأن يعتبر خروجه خطرًا، أجبرها على أن تضمن خروجه بعد الآن بأي لحظة.
وكأن الحياة تقف معه ولا تقف. وكأن مرة أخرى القدر يسلب من ناحية ويعوض من ناحية أخرى. ناحيته هو. ولكن الأمر بات بيد شخص طباعه لا يعلم لها شخص تحديد أو مصير. يعي تدريجيًا كل ما حدث وما يحدث. وسيبدأ في الاتجاه نحو وجهة كان لا يتوقع أبدًا أنه سيتوجه إليها من الأساس، ولكنه سيبدأ بها.
جابت عينيه الضعيفة بالإنهاك والإعياء اللائحة المضاءة قبل أن يخطو منها ناحية الخارج بملابسه هذه التي ابتاعتها زينات تحسبًا لكل لحظات إفاقته وتبديله طوال فترة رُقاده. ولكن يلازمه إلى الآن الوشاح الرجالي المربع بمكعبات سوداء وبيضاء مختلطة. بينما هذه المرة! لم يضعه على وجهه، بل كان على كتفيه بإهمال، خاصةً أن جسده بات أنحف من ذي قبل ولأن وظائف جسده متخبطة. أسفل ذلك الوشاح الرجالي كان يرتدي سترة ضخمة قليلًا بلونها الأزرق الداكن تعطيه كتفين أعلى من كتفيه.
Exit gate • بوابة الخروج
***
اعتدل غسان يمسح وجهه بعدما انتهى من آخر ما كان به. قرر النهوض كي يراها الآن، خاصةً أن لها دواء من المفترض بأن تأخذه. ومن ناحية أخرى، يكفي عليها كل ذلك من أجل صحتها النفسية. خرج من غرفته وقاطعته دلال وهي تحمل آخر طبق تتوج به ناحية السفرة. التفت بوجهه ينظر، فوجد حامد بجانب وسام الذي يقنعها والدها بتناول أي شيء لأجل خاطره هو.
"اقعد كُل لك لقمة يا بني."
نفى بإبتسامة هادئة واعتدل يحك أنفه موزّعًا بينهم الأنظار مع قوله الموضح لهم:
"نيروز أهم، هروح أشوفها بس الأول."
التقط حامد القلق في نظرته، فحدّج زوجته بالصمت وأومأ محركًا رأسه بموافقة وقال يسمح له:
"ماشي، شوفها. ولو عايزة ترجع تقعد هاتها وتعالى. ولو تعبانة خدها واطلعوا خليها ترتاح."
لم يجبه سوى بإيماءة بسيطة وفتح الباب يرتدي حذاءه كي يتوجه ناحية الباب الآخر، مغلقًا الباب خلفه تاركًا دلال تلتزم الصمت. فابتسم حامد عليها متفهمًا حتى قال:
"يا ولية بطلي اللي انتي فيه ده. دا حتى مراته تعبانة. الله يهديكي يا أم غسان!"
نظرت له بدهشة وقالت تعارض بحنق:
"وأنا كنت عملت إيه يا حامد يعني؟ دا أنا بناديه ياكل حرام؟!"
"خفّي غيرة واعقلي شوية. عارف إنك بتحبي نيروز، بس بلاش الشيطان يلعب في دماغك عشان اهتمام ابنك بيها. الواد من حقه يخاف ويتشغل ليها. البنت حملها صعب وصحتها على قدها. كفاية اللي حصل النهاردة، ينشف الدم!"
هربت بعينيها. كانت تحاول أن تجعله يصب تركيزه واهتمامه مثل البداية بالفعل، ولكنها لم تقصد قوله هذا. وقبل أن تبرر، مسح هو وجهها بنظراته بنظرة حنونة متفهمة وردد قبل أن تردد:
"يلا، بسم الله."
بدأت بحرج ممزوج بالضجر، في حين هنا وكبحت وسام ضحكتها أخيرًا بعد هذا الحال الذي كان يتملكها. مال حامد يهمس بقلة حيلة جوار أذن وسام:
"والله الواحد مبقاش عارف أمك دي حالها إيه بالظبط."
تغاضت عن همسهم وهي توزع الطعام عليهم برفق، متحاشية النظر تجاهه. فابتسمت وسام تخفف عنها مشاعرها هذه التي تشعر بها هي الأخرى في الخفاء. رغم فرحتهم بمولود قادم ورغم حبهم لـ نيروز، إلا أن غسان لديهم شخص آخر.
"تسلم إيدك يا مرات أبويا."
انفلتت ضحكات دلال على هذا اللقب المعهود منها. وضحك حامد يراضيها كي لا تحزن:
"بس يابنتي، متقوليلهاش كده. قولي يا حُب عمر أبويا."
***
فُتح له الباب بواسطة ياسمين، التي ابتسمت له تشير بالدخول. فدخل بهدوء يبحث بعينيه. مسح بنظرة على المكان وثبتها على غرفتها المغلقة والذي يخرج منها أنين بكاء ميز على الفور بأنه ليس لها بل لـ فريدة. كانت زينات في غرفة ياسمين. وتزامنًا مع خروج سمية من المطبخ، سأل غسان عنها باستفهام:
"أومال فين نيروز؟"
كانت لا تعلم ياسمين، في حين قوّست سمية حاجبيها بغرابة تخبره:
"خرجت من شوية من الأوضة وقالت إنها جايا لك عند دلال."
كانت ملامحه جادة إلى أن استمع. ابتلع ريقه بتشتت لما كذبت؟ شعر بالقلق المفاجئ يداهمه، في حين قبل أن يغوص بأفكاره، توقع وجودها في الأعلى أو في الأسفل حيث محل الورد. انتشلته من خوفه بوادر سؤال ياسمين الذي غمره القلق:
"هي مش هناك ولا إيه؟"
نظر غسان بعشوائية ووجد نفسه محاصرًا. لا يود أن يقلقهم، في حين هو الذي يجد نفسه بوجه المدفع. هو أصبح المسؤول وهي أغلب الوقت برفقته. ولكنه تركها هنا! كاد أن يلحق ذاته بأي تبرير إلى أن أنقذته صوت هاتفه في جيب بنطاله. انتشله سريعًا ووجده شادي، فحرك رأسه متصنعًا العجالة وهو يلتفت ليخرج مرددًا:
"طب أنا شوية وراجع."
فتح الباب وأغلقه خلفه قبل أن يقاطعه سيره أحد منهما. تبدلت ملامحه للشرود وهو يدخل المصعد بسرعة، ناظرًا نحو شاشة هاتفه حتى أغلقه دون أن يرد. فُتح المصعد بعد لحظات وأخرج المفتاح من جيب بنطاله يفتح شقته حتى دخلها مهرولًا يبحث عنها بكل الأماكن حتى بالمرحاض هاتفًا بصوت عالٍ:
"نيــروز!"
لم يجدها ولم يجد أي رد. ومهلًا، هذا المشهد تكرر على ذاكرته من قبل. ابتلع ريقه بصعوبة وأغمض عينيه بصبر وقلق، تاركًا المرحاض الآخر حيث آخر مكان بحث عنها به. توجه سريعًا نحو باب الشقة الذي تركه مفتوحًا وصفعه خلفه بقوة مسرعًا كما جاء، ولكن هذه المرة للأسفل آخره! بين لحظة وأخرى يبتلع ريقه بصعوبة. وهي من فعلت ذلك عمدًا. لما؟
رغم أنه يتأكد من عدم وجودها في محل الورد، ولكنه يقنع نفسه مراراً وتكراراً على أنها بالأسفل.
ولم تعصِ كلماته وقراره الحاسم الذي جاء من الخوف عليها.
لا يعلم هو بأنها ضربت بكل ذلك عرض الحائط ورحلت لنفس المكان الذي رفض رحيلها إليه.
وفي القادم سيعلم أنها لم تفعل ذلك فقط، بل ستفعل وستسبب بأكثر من ذلك.
وهو الواقف بضياع وخوف لأجلها، ماذا فعلت هي؟
ضغط على فكه وجز على صف أسنانه السفلي حتى أغمض جفنيه بقوة، معتصراً قبضته الذي ضمها.
والآن علم أين سيجدها، رغم تأخر الوقت وضوء النهار على مشارف الاختفاء، كي يؤذن أذان المغرب.
وبهذا الوقت لم تستمع لأحد ورحلت من خلفه وخلف الجميع، تاركة الكل خلفها بجهل.
وتركته هو بين التشتت والخوف والقلق!
هنا حيث الألم والوجع، عندما ضاقت بها الأركان رحلت إليه، أو لربما أقنعت نفسها بذلك.
كانت تود هذا من البداية.
لم تخف من عدم وجود أشخاص بهذا الوقت في المقابر، بل وقفت تبكي وتشهق بخفوت، تنظر نحو القبر.
وعلى لسانها منذ أن جاءت، لا تعلم ماذا تردد.
هي له، بات عمها رفيقاً له بالقبر.
هكذا سألت وابتسامة سخرية من عقلها اعتلت وجهها وزينت شفتيها بألم.
ورغم ألم جسدها ومعدتها، وتركها لدواءها، وحتى تركها له، وهي تعلم أن الأمر لن يتخطاه.
ولكنها تغفل عن القادم.
فلم يتخطاه لسبب آخر قوي عجزت هي عنه!
نزلت دموعها وأخبرته بينها وبين نفسها أنها تحمل في رحمها طفل، كانت تود مشاركته.
ولكنها الآن يغمرها الإنهاك، لذا رددت بوجع كما تردد كل مرة:
"أنا تعبانة أوي ي بابا من غيرك، ياريتك ما كنت مشيت من الدنيا دي.
أنا مبقتش عارفة أفرح ولا أتأقلم.
كل حاجة بتنزل عليا بصعوبة أوي ومش بتكمل.
ليه ي بابا؟ أنا مستاهلش كل ده!"
تجمعت الدموع مرة أخرى، وهي تقف تنظر بشرود، وأكملت بنفس الإنهاك:
"انت وحشتني أوي، والحياة صعبة من غيرك."
تفقده وتفتقده بكل معاني الكلمة.
وضعت يديها على وجهها تجهش في البكاء بصوت هذه المرة، وعقلها يسترجع كل الذكريات.
ولن تغفل عن حسرتها اليوم بالأحداث الصعبة التي تلقتها مثل الصفعات واحدة تلو الأخرى، ولم تأخذ فرصتها بأخذ أنفاسها براحة حتى.
شعرت بالضيق والإختناق، ولأول مرة تريد الهروب وعدم العودة.
إن عادت فقط ستعود لأحضانه.
تتخبط وتتحسر وتتقهر، كل ذلك ضغط عليها بدون سبب محدد واحد.
الأسباب كثيرة، وهي في المنتصف ضعيفة لا تتحمل، لكن توجب عليها التحمل!
كان كتفاها يهتزان من البكاء وعيناها تسيل بالدموع.
وانتفضت على الفور عندما شعرت بيد أحدهم توضع على كتفيها لتحاوطها!
من هو؟ مثل كل مرة.
أبعدت يديها عن وجهها والتفتت خلفها، حتى جحظت عيناها بهلع، وهي تحاول الرجوع إلى الخلف تنظر بغير تصديق.
كيف؟
تعلثمت مع شحوب وجهها واستناد ظهرها بحجر القبر، وشفتيها تحاول إخراج الكلمات، حتى خرجت بتقطع أخيراً له:
"ا.. إنت.. إزا.."
لم تتمكن من قول المزيد، بل صمتت بخوف تطالعه.
أما هو، فكانت هذه الوجهة الأولى الذي يود الرحيل إليها.
قبر والده هو الآخر!
نظر "حسن" إليها بتمعن، يملي عينيه منها بغرابة وشوق لها.
وهي تستنكر بهلع، كيف له بأن يكون متماسكاً ويفوق؟ وكيف يأتي هنا؟
تنفس بصوت ينفي برأسه، وخرجت نبرته الهادئة ينفي أفكارها التي صعدت لرأسها هروباً من رهبة الموقف:
"آه أنا ي نيروز، ولا ده مش حلم.
أنا فقت من فترة، ولما خرجت لقيت نفسي جاي على هنا.
بس مش زيك جاي أعايط عشان يرجعلي.
أنا جيت أعاتب وأقوله إني لسه كارهه!"
يسرد عليها بمنتهى الهدوء.
نزلت دموعها من تأكدها من وجودها، ووضعت يديها على بطنها بألم تحاول إخفاءه.
ابتلعت ريقها تردد بنبرتها الباكية:
"لو سمحت.. ابعد عني.. عديني!"
حاولت "نيروز" دفعه عنها بهدوء، ولكنه وقف حائل يقطع أي طريق لها بالهروب والتحرك.
هي الآن محاصرة.
لم تخفها نظرة عينيه هذه المرة، بل رفض بجسده أن ترحل، وأكمل بتراهات يقتنع بها وحده:
"بس لسه ما كرهتكيش.
ولو في حاجة حلوة حصلت، فهي إني جيت وشوفتك!"
هابت كلماته التي دوماً ما كانت تستمع إليها تحت غير وعي منه.
نفت برأسها بشحوب، وتصلب جسدها عندما رفع يديه يمسح دموعها برفق من على وجهها، ومرر يديه على وجهها الناعم المبلل بالدموع.
تمرير بالأسف والمشاعر المكبوتة بداخله، والتي لم يستطع هو تحويلها لأي شيء، بل ظلت في حين أن كرهه أصبح صريحاً للجميع عداها هي.
ارتجف جسدها أسفل يديه بخوف.
وأكمل هو لومه الموجع:
"ليه؟"
عن ماذا يسألها هذا المختل؟ سألت نفسها، وحاولت جاهدة أن تتحرك، وباتت محاولتها فاشلة عندما حاصرها مجدداً رافضاً التحرك، وكفه على وجهها يكمل:
"ليه مختارتنيش يا نيروز؟
أنا كنت مستعد أعملك أي حاجة، أي حاجة بس تكوني ليا وقابلاني.
أنا كرهت حياتي وكرهت كل حاجة عشان بس نظرة الكره والرفض اللي في عينك ليا.
خليتي غيري ياخدك وياخد اللي كان المفروض يبقى ليا وحقي أنا.
أنا لسه بحبك ومش عارف أكرهك!"
طرف ثالث يلاحظ بوجه مصدوم وجسد سارت به البرودة، وتوقف عن الاقتراب، مشعراً بطعنة رجولته!
أما هي، فأغمضت عينيها بألم طغى عليه الخوف، ورددت بريبة تبرر له وكأن الموضوع جاد:
"انت.. انت اللي خليتني أعمل كده.
فيا وفيك وفيهم كلهم.
أنا.. أنا معرفتش أحبك بسببك وبسببك وبسبب اللي كنت عايشة فيه عشانكم ومنكم!"
وكأن فرصتها في إخراج الحديث جاءت، ولكن في الوقت الخطأ والوضع الأكثر خطورة.
تبرر؟ وهي امرأة متزوجة؟ تحمل في رحمها طفله هو!
لم تضع احتمال لذلك.
لن تفعل تقدير له.
تزيل اسمه التي هي أصبحت عليه.
تقلل من قيمته بهذا الحال والوضع.
كرامته هبطت في الأسفل، وابتلع غصة مريرة بحلقه بغير تصديق موجع لفؤاده.
ساقيه الشديدة لا تتحمل الوقوف.
يرى من كان يريد أخذ الحق منه، ولم تسعفه قدمه الآن على السير والركض للنيل منه.
ماذا حدث لحدة الشباب؟
الآن بحالة ذهول هادئ ساكن، وثمة شيء كسر بداخله.
هذه امرأته؟ تقف أمام غريب يعد عدواً لرجلها.
تكسر أي حدود وكلمات ليس من حقها الآن قولها.
بل وتخترق قوانين الكرامة لها وله ولهم معاً!
وكأنه يعي أن كل ذلك منها.
على مقربة منهم، ولم يأخذ أي منهما انتباه له.
واصلت ببكاء مرير، وعقلها يغفل عن كف "حسن" الذي يمسح وجهها بغير وعي ورفق بها:
"انتوا اللي خليتوا الخوف يفضل ملازمني وميفارقش.
انت اللي خليتني أخاف منك ومحبكش.
مكنتش عايزاك، محبتكش وفضلت ورايا ساعة تروح وساعة مش هنا، بس رعبي منك موجود حتى لو انت مش هنا!"
"أنا منعت عنك كتير انتي مش عارفاه.
الحاجة الوحيدة اللي كنت عايزها كانت انتي، حتى لو كنتي هتبقي ليا بطريقة انتي هتكرهيها.
غير دا أنا كنت ساندك في الدُرى في وجودي.
شوفي كده في وجودي قبل غسان ما يرجع هو وعيلته، كان بيطولك أذى وأنا موجود؟ مكانش.. عشان أنا كنت حاميكي من أمي واختي، بس مكنتش ليا كلام على أبويا اللي أذاه طالك وطالنا كلنا.
أنا كرهته عشانك ي نيروز.
كرهته عشان كان قادر ياخدك ليا بالقوة ومعملش كده!"
يبرر لها ليعطيها فرصة لتقبله من جديد، وهي هي التي يخلل قلبها حب رجل يتابع بعينين مضمومتين بكسرة.
كسرة رجل صعبة لا يستطيع تحملها في الحال.
حتى الدماء التي تغلي بعروقه كسرته الآن، غلبتها بشدة.
شيء يمنعه من التدخل والاقتراب بهمجية، ولكنه لا يستطيع!
ارتجف جسدها أسفل كفه، وسرعان ما أهبط يديه يمسك مصمها يحاول الاقتراب للنيل من شفتيها تحت تأثر.
فجحظت عيناها برهبة، ودفعت وجهه بسرعة، ولكنه تمالك الوضع ولم يترك لها الفرصة، بل قال بلهفة وكأنه مختل في الحال:
"بس تعالي.. تعالي معايا وأنا أوعدك هعوضك عن كل اللي شوفتيه بسببي و بسببهم.
اختارييني بس عشان خاطري اختاريني مرة واحدة وأنا أوعدك إني هتغير عشانك انتي بس وعـ..."
وضعت "نيروز" يديها الأخرى على أذنها بانهيار، تنفي وتئن بغير تصديق.
وفجأة صرخت بقوة، ورفعت ذراعيها تدفعه عنها بعزم ما لديها، ولكنه تماسك ولم يندفع، فرفعت عينيها تتحلى بالجرأة وهي تصرخ معنفة إياه:
"بس.."
"بس اخرس وابعد ابعد عني!"
وقف بعناد والترجي على ملامحه، فنفت تستسلم لعدم الصراخ وحاولت أن تجاري أفكاره المجنونة وهي تحثه بنبرة أهدأ كي يبتعد حتى لا يجرب خطر القادم، لطالما تعلم تهوره:
"ابعد يا حسـ..."
توقفت شفتيها عن الحديث، بل تحركت برهبة من وجود "غسان" فجأة بعدما اقترب يقف خلف جسد "حسن" الذي كان في عالم آخر. سارت القشعريرة بجسدها وتراخت يديها بوجه شاحب أكثر وهي ترى سكونه الغريب، تاركة إياه يمسك معصمها بقوة عندما حاولت هي منعه ولم يستجب:
"غـ ـسـان!"
حاولت الحديث وعيناه الساكنة لا تفارق عينيها الخائفة. فتح "حسن" عينيه على وسعها بصدمة من ترديدها لاسمه وشعر بأن أحدهم خلفه، حتى أنه يسمع للتو صوت أنفاس رجل عالية تعلو تارة عن تارة! تراخت قبضته عنها. واهتز جسده بجبن. وتنفس بصوت مكتوم مقرراً. أخذ وضعية الركض بسرعة قبل أن يعي الآخر. التفت بجسده يبتعد قبل أن يركض كي يفسح مجالاً بنفسه ليستطيع فعل ذلك، وتزامناً مع التفاتته بجسده ورأسه باغته "غسان" بلكمة قوية في وجهه جعلته يرجع خطوات إلى الخلف مترنحاً حتى تعرقلت قدميه بحجر صغير أمام القبر جعله على مشارف الوقوع لولا اقتراب "نيروز" خوفاً من تهور "غسان" وفردت ذراعيها أمامه تردد له بصراخ كي يبتعد حتى لا يتهور:
"خلاص ..خلاص يا غسان ونبي ابعد ..ابعد عشان خاطري ارجـ...!"
بتر جملتها الخائفة المتلهفة صراخ شديد وهما الثلاثة الآن بمفردهم في هذا المكان الذي أظلم بعد أذان المغرب. فقط هناك إضاءة خافتة تريهم الوجوه والأجساد!
"إبــــعــــدي!"
نفت "نيروز" برأسها، وبهذه اللحظة هذا التدخل لم يكن لصالحها أبداً. هل تحاول الدفاع عنه؟ تشنجت ملامحه بقوة وهدر بانفعال شديد أكثر من ذي قبل. انفعال لم تراه حتى من بين كل انفعال كان يخرج منه في السابق.
"بـــــقولك إبــــــعدي!"
انتفض جسدها تزامناً مع محاولة "حسن" النهوض. لم تستجب لقول "غسان" الصارخ فمد ذراعه يدفعها حتى اصطدمت بظهرها في القبر من خلفها، تأوهت بوجع. بينما وجعها الداخلي كان أقوى. نزلت دموعها وهي تضع يديها على رأسها بخوف منهار عندما وجدت الاثنين يمسكان ببعضهما يحاول كل منهم الإيقاع بالآخر. لم يكن لديها خيار آخر سوى الصراخ. الصراخ وفقط بأعلى صوت!
وهو هو يلكمه بوجهه غير عابئ بأي شيء. الآن يطفئ نيران اندلعت بداخله يشفي غليله من كل شيء قد فعله. وبهذه الحالة كان ما فعله كله شيء ومقابلته لها وقوله لكلمات شاركت هي بها مستسلمة سامحة لشيء لا يصح كان شيء آخر بالنسبة له! ضربه ولم يمنع "حسن" نفسه من ضربه بوجهه هو الآخر ولأن جسده ضعيف كان لن يستمر واقفاً متحملاً محاولته في الإيقاع به كل هذه الفترة. بل وقع متأوهاً على ظهره وجثى "غسان" فوقه يلكمه وكل الألفاظ البذيئة خرجت من فمه بهذا الوضع. سبه نابية هنا. ثم لكمة ثم صفعة والآخر يحاول أيضاً. فعل ما يفعله "غسان" وكل منهما ينجح والآخر يفشل مرة وعلى العكس كان وضعهما مع صراخ "نيروز". شعرت بأحدهم بجلباب يركض من على بعد. وبهذه اللحظة مد "حسن" يديه التي سقطت عليها دماء أنف "غسان" ووجهه عليه. التقط الحجر الطوبي الصلب محاولاً وزنه بين كفه وهي في الخلفية لا ترى تصرخ وتنظر نحو القادم بركض رجل مسن من على بعد تردد له بالنجدة والسرعة.
دفع "حسن" الحجر بكفه لآخر ما يتمكن حتى ضرب به بقوة مؤخرة رأس "غسان" الذي توقف في الحال صارخاً بألم اخترق قلب "نيروز" وهو يمسك رأسه الذي اعتلى بها صوت صافرة عليه بها وبأذنيه والرؤية تتشوش في الحال مع رؤيته لوجود الدماء بيديه بعد أن تحسس بها رأسه!
أما "حسن" فدفعه عنه بيديه وساقه وعندما جابت عينيه تقدم "نيروز" منه وقدوم الرجل المسؤول عن هذا المكان. استند بأنفاس لاهثة. حتى وقف يشملهم بنظرة سريعة راهبة وركض عكس الاتجاه هارباً بسرعة قبل أن يتورط!
"غسان!!! غسان ونبي بصلي بصلي عشان خاطري لا متعملش كدة بالله عليك لا!"
كان بين ذراعيها لا يقوى على الرؤية بين ذراعيها وهي تبكي بوهن بعد كل هذا الشجار العنيف. حاول تماسك ذاته ودفعها الرجل برفق يرى جرح رأسه من الخلف بالفعل وجد وجود الدماء تسيل بجرح لم يكن عميق ولكن ليس كبير ليفزع هذه الفتاة! أما عنه فدفع الرجل عنه بذراعه محاولاً الاستناد على نفسه لينهض. استند على القبر بأعين تتشوش بها الرؤية. حاول الآخر الاقتراب منه ولكنه أشار له بصراخ مع أنفاسه العالية:
"ارجــع عني!"
دفعه بغير وعي بذراعه ولبسته حالة انهيار بالأعصاب المنفعلة هابها الرجل بشدة وحاول الاقتراب من جلوس "نيروز" بضعف ليسندها تحت محاولة "غسان" إخراج هاتفه وقبل أن يخرجه من جيبه سمع تأوهها العالي بألم فاندفع يركع بسرعة وكأنه يعي ما يحدث. أخذها بين ذراعيه عندما شعر بأن قوتها تستنزف. في حين أخرج هاتفه بذراعه الآخر بصوت أنفاسه العالية يحاول طلب "بسام" في الحال!
_________________________________
وقف يستمع إلى حديث "والده ووالدته" عن كل ما حدث بملامح مصدومة. ووجد "وسام" تجلس مبتلعة ريقها. كل ذلك حدث كيف؟
"طب حازم وفريدة عاملين ايه دلوقتي؟"
طمأنه "حامد" بهدوء يرد:
"من ساعتها محدش ظهر بس خير الحمد لله!"
أومأ "بسام" بصمت وعقله يتشتت الآن بضياع من حدوث كل ذلك. تقدم ناحية جلوس "وسام" حتى احتواها بين ذراعيه فأشار "حامد" لـ "دلال" يحثها بلين قائلاً:
"حطيله الغدا يا دلال فـاتـه تعبان من الشغل وجعان ومكلش!"
تلهفت تهرول بسرعة عندما جعلها تنتبه لذلك. بينما هو مرر يديه على ظهر شقيقته مردداً بتساؤل عندما رأى ملامح وجهها:
"انتِ كويسة؟"
أكدت برأسها وقبل أن ترد وجد "حامد" الباب يدق دقات هادئة خافتة فتقدم يشير لـ "بسام" بالجلوس كما هو. فتح الباب وابتسم باتساع يرحب بها:
"أهلاً أهلاً يا فرح. ادخلي تعالي اتفضلي!"
دخلت بحرج وسألت عنها بلهفة طيبة:
"أنا آسفة إني جيت في وقت زي ده ومجتش علطول بس كنت عايزة أطمن على وسام. أنا اتلهيت خالص فـ جميلة واللي هناك!!"
أشار لها بالتقدم أكثر مراعياً قولها:
"ولا يهمك يا بنتي تعالي اقعدي. ادخلي!"
وعندما سمع هو اسمها انتفض بخفوت من خلف وقوف "والده". شعرت "وسام" به وضحكت بخفة من بين حالتها تبتسم عليه ما إن علمت ما احتل الآن من مشاعر. اعتدل "بسام" في جلسته بسرعة. ولامس قلبه هرولة "وسام" لتعانقها بخوف تأخذها بين ذراعيها بقلق. حررتها من أحضانها وسألتها قائلة بقلق ظهر عليها:
"انتِ كويسة؟"
ابتسمت "وسام" بتأثر منها وأومأت بملامح ابتهجت من هذا الاهتمام والخوف وأشارت لها بالجلوس. في حين انسحب "حامد" ليخبر "دلال". ترقبت "فرح" جلوسه. فقالت بقليل من الحرج:
"مساء الخير يا بسام. معلش مخدتش بالي!"
رسم ابتسامة بلهاء على شفتيه يردد لها بلهفة مبرراً لها اعتذارها:
"ولا يهمك انتِ تعملي اللي انتي عايزاه يا فرح!"
ارتبكت ملامحها وتنحنحت "وسام" بحنجرتها كي يأخذ انتباهه. ونهضت تنسحب تترك له فرصته تدعي نسيان شيء. وكأنه فهم ليمتن لها بهذه اللحظة وشعرت بأنفاسه التي تسمعها للدلالة على تمهيده لقول شيء وبالفعل حركت رأسها تنصت باهتمام عندما قال هو بمرح طفيف:
"مكنتش أعرف إني هشوفك تاني بالسرعة دي!"
ابتسمت هي باتساع تجاريه برضاها:
"شوفت النصيب بقى!"
"ياريت النصيب دا يكمل جميله!"
قالها قاصداً تلميحاته بسكون. اهتزت ملامحها وأنقذتها "دلال" التي خرجت أولاً بكوب عصير تردد لها بحرارة:
"يادي النور. يادي النور!"
وقفت احتراماً لها فرحبت "دلال".
بكفها وأعطتها بالكف الآخر بإصرار، فأخذته وهي تجلس برفقتها تشكرها على قدومها بلباقة للاطمئنان على ابنتها.
سرقت تركيزه ونهرته عيني "حامد" الذي وقف يردد له بإستفزاز:
"قوم ياض وسيب الحريم تقعد مع بعضها!"
اهتزت ملامح "بسام"، فاقتربت "وسام" تردد لـ "حامد":
"بابا ممكن تيجي أقولك حاجة على جنب!"
عقد ما بين حاجبيه وهو يتوجه معها، وإلتفتت برأسها تردد بعلو لـ "دلال" التي تثرثر:
"ماما الأكل إللي عالنار مش بيتسخن أكيد.. دا بيتحرق!"
ضربت "دلال" على مقدمة صدرها مرددة بعفوية وهي تنهض مهرولة:
"ي مصيبتي نسيتيه يا دلال، دا خيبة عليا وعلى سنيني!!"
تعالت ضحكات "بسام" والتقط غمزة "وسام" قبل أن تسحب ذراع والدها، لم يبادلها الغمزة كي لا تنتبه، ولكن هيهات من "فرح" التي انتبهت وسألته بعفوية:
"هي بتغمزلك ليه؟"
رددتها بضحك، وتاه في ضحكتها الخافتة، فخجلت من عينيه التي تشملها، ولكنه تعمد الصراحة هذه المرة وقصد رده:
"لأنها وزعتهم عشان تخليني أقعد معاكي!"
زحفت الحمرة إلى وجنتيها وابتلعت ريقها، والشكوك تزداد بداخلها ناحيته. وعلى فجأة داهمها بأجرأ سؤال لم تكن لتتوقعه منه:
"فرح هو انتِ في حد حياتك؟ معجبة أو بتحبي؟"
برقت عدستيها الداكنة ولاحظ فعلتها، ولكنه بقى ثابتاً، وقبل أن تنقذ رد فعلها المُخجل وترد بالصراحة البالغة عليه، اعتلى صوت دقات هاتفه بجيي بنطاله، سَبَباً لبقاً منه هذه المرة وهو يضغط على أسنانه مبتسماً لها ببشاشة، ملتقطاً هاتفه كي يرى من ذلك الذي قطع عليه اللحظة المهمة الفاصلة، وجده شقيقه فردد بصوت خافت من أسفل فكه:
"طول عمرك مستفز بتيجي فالأوقات الغير مناسبة بالمرة ياشيخ، الله يسامحك ويسامح أهلك!!!"
لاحظت "فرح" حديثه المنخفض، وقبل أن تردد بشيء، وجدته ينهض وصوته الذي كان بينه وبين نفسه سمعته هذه المرة:
"طب أقول لوسام توزعك إزاي دلوقتي يا مستفز انت!!"
ابتلعت ريقها بحرج، وسألته قائلة بلباقة:
"هو في مشكلة؟"
"لا لا مفيش هرد بس بسرعة معلش وهرجع!"
ابتعد يسير وهو يفتح الخط، حتى وجد نفسه بجانب باب الشقة وبين غرفة الضيوف. ردد بصبر على شقيقه:
"إيه ياعس الزفت انت مش.."
توقف يستمع إلى حديث شقيقه اللاهث، وانتفض بعد لحظات يهدأ بقوله الجاد:
"أهدي بس وقولي كده انت فين ومالك بتنهج كده ليه، في إيه يا غسان؟!"
لم يستمع إلا للمكان، وحثه على الهرولة إليه بسرعة يخبره بأنه معه السيارة هناك، فقط يريده، وبعد ذلك أطلق لفظ عليه عندما وجده يسأل، فردد بقوله المنفعل بعد هذا اللهاث:
"مش وقته تعالى بسرعة زي ما قولتلك إخلص إيه، انت لسه فاتح ام الخط؟!"
نجح في توتره بشدة، ولكنه أسرع يرتدي أي حذاء سريع وفتح الباب تحت أنظار "فرح" فقط، وهو يسرع على السلم بالهبوط دون أن يتحمل انتظار المصعد. ابتلع ريقه بخوف من صوت أنفاس "غسان" العالية وصوت أنين وبكاء "نيروز" وشهقاتها!!!
---
كتم الرجل جرح رأس "غسان" من الخلف ببعض من القهوة وقماشة، وضعها بضغط كي يتوقف عن نزف الدماء، كما تحرك "غسان" ساندًا "نيروز" التي تئن بضعف تشهق رغماً عنها. وقف الرجل يعطيه زجاجة المياه كي يشرب منها بتمهل، ولكنه قدمها ناحية "نيروز" بصمت وقلق أولاً، يضعها على فمها، استجابت، فوضع بين كفه يمسح على وجهها، حاولت التحدث للمرة الثانية، ولكنه أخرسها بنظرة حادة جعلتها ساكنة ترتعب لم تراها منه من قبل. لاحظ الرجل النظرات بينهم وبين بعضهم، فتدخل يخبرهم بتفسير:
"أنا مش عارف سهيت إزاي ده كله في الحمام وسيبت اللي يدخل فالوقت ده، وهو ممنوع عشان الأعمال والقرف اللي الناس بتيجي تدسها فالليل ربنا يهديهم. فين وفين عما سمعت صوت الصريخ منك يبنتي، أعذريني، أنا.. أنا شوفتك وبشوفك كتير وعارفك، ونصيحة مني بلاش تيجي بعد كدة فالوقت ده."
طالع "غسان" بتمعن وتفحص بنظراته، حتى فهم أنه يهاب قولهم لإدارة البلدة! نظر له بإطمئنان ووضع يديه على كتفه، ففهم الرجل نظراته، وابتلع ريقه. أما هي فلم تحاول التبرير، فقط تبتلع ريقها وحلقها الذي جف.
لا تختلف عن حالة "غسان" الذي يخفي بداخله الكثير من الألم والوجع، يقسم بأن أجمعه منها هي وحدها. أخرج مفتاح سيارته من جيب بنطاله متحاشياً النظر إليها وهي جالسة الآن على المقعد الخاص بالرجل المسؤول عن المقابر. استشعر تأخير شقيقه، فزفر بنفاذ صبر يحاول الهروب من أفكاره. جاءهم "بسام" بركض سريع مع صوت أنفاسه العالية. اقترب منهم بخوف، ولاحظ الرجل الشبه الشديد بينهما، فترقب قول "بسام" المتلهف وهو يتلمس جسد "غسان" ووجهه:
"غسان!! إيه اللي حصل؟ إيه اللي عمل فيك كده؟ رد عليا!!!"
صمت يبتلع ريقه، وجحظت عينيه عندما رأى شقيقته يهبط ذراعه بالقماشة الغارقة بالدماء، يحثه قائلاً:
"خد افتح العربية بسرعة!"
أخذه منه ولم يعطيه الآخر فرصة، بل سار يفتحها بخوف كي يأتي بشقيقه. أخرج ورقة مالية يدسها في كف الرجل، ثم قال بإمتنان:
"شكراً يا راجل يا طيب، وأنا آسف لو كنت زقيتك فحالتي دي غصب عني، حقك عليا!!"
تفهم الرجل وربت على ظهره، مملياً عليه كلمات طيبة جعلته يبتسم له ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه. انحنى يساندها مردداً بنبرة جادة:
"قومي معايا يلا!"
كانت تشرد بوجع وندم، هي من أوصلت نفسها وأوصلته لهذه الحالة، والعقبة. انتفضت تتفقد وجهه بخوف، ونهضت ببطء، يسندها هو، سارت معه، وعاد "بسام" بلهفة يتفقده، حتى اندفع يسند "نيروز" من الناحية الأخرى بتلقائية عندما شعر بتعلثم خطواتها أكثر من مرة. وقف الثلاثة أمام السيارة، وجلست هي كما جلست اليوم في الصباح على المقعد في الأمام. تفقد "بسام" من خلف ظهر الآخر جرحه بخوف ولهفة، حتى أشار له "غسان" بالقيادة، فتوجه يركب بسرعة، حتى ركب "غسان" في الخلف كما كان من قبل. أُغلقت الأبواب، وكان بابه يصفع بشدة، أتت من كبت انهياره منها هي وحدها. كتم وأبى بكبرياء أن تهبط أي دمعة منه. في حين انطلقا السيارة، وسمع "بسام" صوت شهقات "نيروز"، وقبل أن يسألها بقلق، وجدها تلتفت برأسها تحاول التبرير بنبرة باكية:
"غسان والله العظيم مـ...."
اندفع مردداً بعكس ما كانت تعتقده، اعتقدت بأنه سيصرخ، ولكنه نبس بنبرة ساكنة عكس محتوى ما بها من كلمات جامدة عليها:
"مش عايز أسمع منك ولا كلمة!!"
حاولت التحدث مجدداً وهي تهتف باسمه بخوف وبكاء يسمعه الاثنان، ولكنه صرخ هذه المرة بقوة بها:
"انتي تسكتي خالص سامعة؟!"
انتفضت على صراخه الأخير، ونظر له "بسام" نظرة يحثه بها على الهدوء بغير فهم. أغمض "غسان" جفنيه بوهن من كل ذلك، يتذكر كل مشهدها معه من بدايته لنهايته، كانت تبرر له وتعطيه أسباب كرهها، تتركه يتلمس وجهها وهي ملك رجل آخر غير الذي كان يقف يتعامل معها وكأنه هو، بل وهي التي تستسلم له بمنتهى البساطة. أجرمت بحقه وحق رجولته، ماذا يتوجب عليه الآن فعله؟ تريد أن يسمع منها تبريرات؟ أي تبريرات؟ ابتلع غصة مريرة بحلقه، ولم يشعر هو بأن ملامحه تتشنج، وكل ما يفعله يراقبه شقيقه في المرآة بدقة، وعلم أن "غسان" بحالة يرثى لها!!!
"بسام" قدم لها مناشف ورقية يحثها على مسح دموعها برفق. أخوه ظهر في عينيه من أجلها وأجل من بأحشائها.
صف السيارة وركن أمام المبنى، وهبط مع هبوط "بسام". توقف "غسان" وفتح الباب حتى مد يديه لها لتسند كي تخرج. خرجت بالفعل والتفتت بخبر شقيقه باختصار:
"أنا مش عايز أمك وأبوك ولا أي حد يعرف اللي حصل ده. أنا هطلع على فوق على طول وانت هات شنطتك وتعالى شوف دماغي!"
تفحصه وهو يردد هذه الكلمات بإيجاز ونبرته المهزوزة تظهر بشدة. وافقه بشرود خفيف ونظر ناحية "نيروز" التي لا حول لها ولا قوة. وقال يحثه بقلق عندما شعر بجموده:
"براحة عليها يا غسان. مراتك حامل وانت شادد أوي. أي كان المشكلة اللي بينكم واللي حصلت بس إعقل دي ممكن في أي لحظة حالها يتشقلب!"
فهم معني كلماته ونظر له بصمت. حتى اقترب ينحني يحمل كيس دوائها بين يديه الذي كان معه في الصباح. وأغلق الباب يسندها وخلفهم كان "بسام" يترقب بقلق لعدم توازنها وتوازنه هو الآخر أيضا. وبعد لحظات، وقف الثلاثة ينتظرون المصعد. ولاحظ "بسام" نظرات الناس حولهم وبالأخص هو في حين بأن شقيقه هو من المفترض بأن يسرق الأنظار لنفسه. تنفس وهو يحرك رأسه بغرابة. فوجد "غسان" بملامح وجه مجهولة ينتظر ومن بين عينيه التي تتحرك اعتدل "بسام" يسأله بغرابة:
"هي الناس بتبص عليا كده ليه؟ إشمعنا أنا؟"
حرك "غسان" عينيه بعشوائية غير غافلة عنها وهي شاردة بعالم آخر تقف تستند وهو خلفها يترقب ثباتها التي تحاول التماسك به. حرك رأسه ينظر حوله ونظر ناحية شقيقه وهتف يخبره رداً على حديثه بإيجاز يشير بعينيه نحو قدم "بسام":
"يمكن عشان شبشب أمك اللي في رجليك!"
فتح "بسام" عينيه بصدمة وهو يهبط أنظاره نحو قدميه فمن عجالته وخوفه فر سريعاً مهرولاً دون النظر لما ارتداه. شهق ووضع يديه على فمه وانحنى سريعاً يخلعه وهو يحاول إخفاءه تحت ابتسامة "غسان" عليه والتي لم تصل لنصف عينيه ولو كان الوضع يتحمل لكان رد فعله شيئاً آخر!
فتح المصعد ودخلت هي أولاً سانداً كفها يدفعها برفق حانٍ عكس ما بداخله. دخل الثلاثة وكانت هي شاردة بعينيها في حين احمر وجه "بسام" حرجا. توقف المصعد نحو طابق "والده" فخرج وكادت هي أن تخرج مبتلعة ريقها فأحكم قبضته على معصمها يدفعها ناحية الداخل حتى تأوهت من مسكة يديه لمعصمها ورددت تجيبه بخوف متقطع لأول مرة يظهر عليها بل ومنه هو ومن هذه اللحظة علمت أن جانبه الآخر يخفيه عنها وأنه لديه عكس ما يظهره من لين وهي من فعلت ذلك بنفسها. فلو كان فظاً حاداً وقحاً مع الكل كان معها هي غير ذلك تماماً:
"أنا.. عـ عايزه أخرج هـ ـنـا!!!"
لم يجبها بل أغلق الباب وضغط على عدد طابقهما معاً. التزمت هي الصمت تخفي ما اعتراها من ملامح متخبطة ظهرت أكثر عليها. أما هو فحفظ تعابيره بصعوبة. إلى أن فتح المصعد واقتربا معاً ليفتح الباب بعدما خرج بمفتاحه من جيب بنطاله. دخلت ودخل معها حتى أغلق الباب خلفه متحاشياً النظر إليها في هذا الوقت. لاذ بالبعد كي لا يقدمه انفعاله على فعل شيء يندم عليه ولكن وجعه منها ومن الموقف التي وضعته به ينهكه بالكامل. شعر بضيق أنفاسه الآن وهو يتقدم ليبدل ملابسه في المرحاض الخارجي بعيداً عن الغرفة التي دخلتها الآن لتفعل نفس ما يفعله. ولكنها لم تقدر على ذلك بل خلعت ملابسها بتعب وأيدي ترتجف حتى أصبحت بمنامتها الهادئة الناعمة. غسلت وجهها بالماء كي تستطيع أخذ أنفاسها وعقلها لا يتوقف عن التفكير. كما أنها تتخبط لأسباب كثيرة تود التبرير عنها وهو لم يعطيها الفرصة!
خرجت "نيروز" بعد دقائق تجلس على طرف الفراش حتى دفنت وجهها بين كفيها تبكي بصمت هادئ ساكن على كل مرت به اليوم من مشاحنات تضغطها وتضغط قوتها ونفسيتها وبالأخرى صحتها بالكامل هي ومن تحمله!
كما خرج هو الآخر ملقياً المنشقة على أحد المقاعد الخشبية يهرب من ما بداخله بتشتيت ومن ناحية أخرى كي لا يقترب منها بهذا الوقت! ضمت ملامحه بأنين تعب من وجع رأسه وجسده بالكامل ناهيك عن ألم ظهره الذي لم يشف! صداع رأسه ينهكه من ما فعله الآخر به. بينما أنين قلبه هو الأعلى. والأعلى من كل ذلك أنين كرامته الذي تخطى لها منها الكثير لأجلها! سار بخطوات هادئة يفتح الباب وتركه بفتور حتى تقدم يجلس بإنهاك على الأريكة المريحة وجاب سمعه إغلاق الباب بواسطة "بسام" الذي ركض يتفحص جروح وجهه والتفت بسكون يتفقد جرح رأسه وعادت انفاسه عندما علم بأنه لم يفتح ولكن يجب الكشف عليها كي يطمئن للاحتياط. داوى جروحه ولكنه لم يستطع أن يداوي جرحه الداخلي وهو يراه يشغل قداحته بضغطة يديه ونفث دخانه من أنفه وفمه يشرد. لمعت عينيه من الألم الخاص بالجروح مرتبطاً هذا بالشعور لم تكن دموع ربما ضعف مدركات الإحساس! فتح اللاصق الأبيض يضعه بلصق على مؤخرة رأسه الممتلئة بخصلاته السوداء الكثيفة. لاحظ تعابيره المتعبة. وأخيراً زفر "بسام" هذه المرة مبتلعاً ريقه يسأله وهو يجلس بجانبه غالقا حقيبته:
"مالك يا غسان؟ احكيلي مالك إيه اللي حصل؟"
ردد كلماته بخوف عندما أدرك أن شقيقه بحالة صامتة ساكنة موجعة له من الداخل. الآن علم سبب ضيق أفقه هو في العمل والشعور بالضيق الذي تخلله. هو الطرف الذي يشعر بالتوأم الآخر! حرك "غسان" عينيه ناحية وجه "بسام" الذي انتشل اللفافة من بين أنامله يطفئها مراقباً لصمت شقيقه الغريب والمريب.
بما سيردد له؟ بما سيجيب؟ هو لم يظن بها السوء ولكن ما سمحت به أن يحدث يراه غيرها شيئاً آخر. كيف سيقلل من شأنها حتى وإن لم تكن خائنة؟ هو يعلم ذلك ولم يتوجع من هذه النقطة بتاتاً. ألمه كان من كبريائه من عدم توقعه لفعل ما فعلته والصمت قبال الآخر باستسلام لا يراه بها كثيراً حتى معه!
"مش عايز أتكلم!"
أدرك بوجود مشكلة كبرى بشدة حتى يصبح شقيقه بهذه الحالة والغريب بالنسبة لطبع "غسان" أنه استسلم وهو الذي مال على كتف شقيقه هذه المرة عكس كل المرات السابقة. شعر "بسام" بالقلق وتركه يستند حتى أراح الاثنان ظهرهما تزامناً مع قول "بسام" المضطر:
"زي ما تحب. بس عدّي يا غسان كل حاجة بتعدي. مش عايز أعرف كل ده عايز أفهم حاجة واحدة بس!! مين اللي عمل فيك كده!!"
التزم "غسان" الصمت وغير مجرى الحديث عندما أخبره بإيجاز:
"مش عايز حد يعرف إن في مشكلة بينا. ولا كأنك سمعت ولا شوفت حاجة لحد ما ربنا يفرجها بقى!!"
ابتلع ريقه بقلق عند آخر كلماته. إلى أين سيصل معها بهذه المشكلة المجهولة؟ بما يفكر؟
"اعقل يا غسان مفيش حاجة..."
قطع حديثه خروجها من الغرفة مرتدية إسدال الصلاة على منامتها. توجهت بخطوات سريعة ناحيته تتلمس وجهه وجروحه فأنزل يديها من عليه بسكون معقباً بفتور وهو يعتدل:
"افتحي كيس الدوا وخدي علاجك وروحي نامي!"
شعرت بفتوره الشديد. فنهض "بسام" يلتقط الكيس سريعاً. عندما علم بوجوده من نظرات عيني "غسان" الذي تجاهلها وهي تقف تنظر له بحزن. تلتزم الصمت ولم تحرك عينيها من على وجهه.
نظر "بسام" لمحتوى الدواء مرة أخرى. وأسرع ناحية المطبخ يحاول جلب أي طعام خفيف لاشتراط أخذ الدواء على معدة ممتلئة. وجد شطائر جاهزة على الطاولة وكوب حليب في الثلاجة. حملهما وهو يقترب حتى شمله "غسان" بنظراته. ورغم حرجه ولكنه يريد تهدئة الوضع ومجاراة شقيقه ورضاها كي لا تتعب من ناحية أخرى لأجل شقيقه أيضاً.
"لازم تاخدي الدوا على معدة مليانة. كُلي دول وخديه!"
التفتت تنظر نحو يديه فخرج صوت "غسان" يحثها بحزم وهو ينهض ليرفع الحرج عن شقيقه عندما أمسكت الكيس تخرج الدواء تنوي أخذه دون تناول طعام:
"إيه مبتسمعيش؟ ما قالك على معدة مليانة!!"
ترقرقت الدموع بعينيها ونهره "بسام" على جموده. انتشلت الكوب والشطيرة وجلست على الطاولة تضعهم على المقعد تحت تناولها بوجع. هي الأخرى انتشر في جسدها بسبب حالتها النفسية هذه! سحب "بسام" ذراع "غسان" بعيداً عنه ونهره بهدوء شديد يوصيه:
"مينفعش الطريقة اللي بتتعامل بيها دي. مراتك حامل وانت مش حمل اللي هيحصل لو حالتها ساءت. مش قادر تتعامل معاها كويس نزلها أمها تراعيها لحد ما تبقي انت تمام من نحيتها. نيروز حملها متعب وده باين عليها أوي. أنا بنصحك قبل ما تندم يا غسان وانت حر!!!"
ماذا فعل؟ سأل بسخرية نفسه عن ما فعله. لم يواجهها ولم يعاتبها!
لاحظ انتهاءها ودخولها المطبخ تضع ما بيديها وانسحبت بخواء ناحية الغرفة مرة أخرى. حاول "بسام" سحبه معه للأسفل حين يهدأ.
"تعالى معايا الوقتي على ما تهدا كده وتسيبك الجنان ده، تعالى!"
نفض يديه بحدة، ورفع رأسه يخبره بفظاظة:
"ملكش دعوة ي بسام متتدخلش وانت مش فاهم حاجة، وامشي يلا!"
لم يحزن من طرده، انتهز الفرصة متصنعاً الدراما وهو يشير على نفسه بجدية زائفة:
"انت بتطردني ي غسان؟ بتطرد توأمك وأخوك وابن أمك وأبوك؟"
التقط "غسان" تمثيله وابتسم بسخرية، فشاكسه "بسام" مردداً ليخفف عنه:
"ايوه. ي عم اضحك كده. كدة شكلك أحلى. مع اني متدايق منك ضيعت عليا فرصة من دهب وقطعتلي الخلف وأنا كان نفسي اجيب منها عيال!"
شاكسه بمرح، ورغم تشتت الآخر إلا أنه علم أنه يعود لسابق عهده المرح بعد غيابه منخرطاً في الوجع والذكريات المؤلمة! يسمعه يهذي بتراهات فارغة كي يشتته ولكنه تركه بتبجح يتحدث في نصف الصالة ودخل غرفته غالقا الباب خلفه. ابتلع "بسام" ريقه بتصديق من وقاحة شقيقه والتفت يردد بأنفاس خرجت متنهدة منه:
"ربنا يستر."
أغلق باب الشقة خلفه تاركاً شقيقه ودعوته. لا يعلم هو بأنه دخل ناحية الشرفة بعيداً عنها يدخن سيجارته بعيد عن مرمى أنظارها قبل أن ينفجر بها تاركاً إياها تترقب عتابه والخوف رفيقاً لها!
في حين هبط "بسام" في المصعد حتى خرج وجاب مسامعه صوت ترجي "سمية" "حازم" بالتوقف عن الاندفاع نحو شقة "زينات" والتي لم تكن بها بل كانت "زينات" بداخل شقة "سمية" ودخلت لابنتها تجلس برفقتها تطعمها ما أعدته "سمية" قبل وقت لها. وقف "بسام" ناظراً نحو باب الشقة الذي فُتِح بانفعال تحت تشجيع "ياسمين" بشرر وهي تخرج من خلفه:
"أحسن. لازم المقرفين دول ياخدوا جزاءهم ويغوروا عننا بقا بلاش قرف!!!"
نهرتها "سمية" بخوف من اندفاع "حازم" بحالته هذه:
"يا شيخة اسكتي حرام عليكي مش بدل ما تهدي جوزك فحالته دي. ربنا يهديكي روحي ربنا يهديكي يبنتي قادر يا كريم!"
تركتها "ياسمين" تندب وخرجت حتى وجدت "بسام" يمنع "حازم" بالقوة مردداً له كي يهدأه:
"اهدي ي حازم اهدي بس دلوقتي محدش بيقولك سيب حقك. بس مش ف حالتك دي تروح واخده!"
حاول "بسام" منعه وحده وعلم أن "بدر" وزوجته وولده رحلوا قبل وقت عندما قابلهم في الأسفل حينما عاد من عمله!
"ابعد عني يا بسام بقولك.. ابعد عني الساعة دي أنا زهقت وتعبت بقا من الهم ده. مكانتش ناقصاهم كمان عايزين يموتوا أختي. والله ما هسيب اللي حصل ده يعدي كده سامعين؟ سامعين ي اللي قافلين الباب عليكم ي جبنة؟!"
خرجت "عايدة" مهرولة بسرعة ناحية الباب تفتحه ومعها "حنان" وخرجت "فرخ" هي الأخرى تنظر تحت ذهول "جميلة" التي خرجت مع "عز" الذي اندفع يمسك "حازم" مع "بسام" يحاولان فصله كي لا يقترب من باب شقة "زينات" الذي كان يقف خلفه "سامر" محاولاً اخفاء اهتزازه. ابتلع ريقه وخلفه كانت تقف شقيقتيه ووالدته التي شعرت بأن الخطر قادم وسيطولهم!
"وعزة وجلالة الله لهموتك يا سامر. هموتك وأشرب من دمك يا زبالة يا تربية الزبالة!"
فاض به وسب كبار العائلة غير مبالياً بعد الآن بشيء. اغتاظت "زهور" من سبابه الذي لم يتوقف إلى هنا بل أكمل بأبشع الألفاظ والذي كان لا يتوقعها البعض من شخص مثله تماماً. تجرأت "ياسمين" بعصبية تدق الباب بعزم مالديها من قوة تحت أنظار الكل حتى أنظار "حامد" ومن خرج معه من شقته!
"بتعملي ايه يا بنتي حارم عليكي اعقلي شوية بقا!"
صرخت "سمية" بهذه الكلمات ولكن لم تعطيها "ياسمين" اهتمام بل أكملت هي هذه المرة وهي تدق على الباب بقوة:
"اخرجي يا بت... اخرجي انتي وامك واللي عاملي فيها راجل ده. على آخر الزمن ي عيلة واطية تستغفلونا. بتبعتلي اختك يا قذر تاخد تليفونتنا وتخبيها عشان الجو يهدالك. ما انت مش راجل ومش هتقدر على غيرك. بتتشطر على النسوان وانت واحد منهم يا زبالة. اخرجوا بقولكم. اخرجي ي اللي عملالنا فيها كبيرة العيلة!"
كانت فظة بقول كلمات كهذه أمام الجميع. اندفعت "عايدة" مع "حنان" تبعدها ولكن لم تمنع لسانها من قول ما جعل "حازم" يستشيط غضباً مرة أخرى:
"اخرجي دلوقتي عامله فيها بتخافي. بتخافي يا ست يا مهزأة. بتهدديني تضربيني وتنزلي اللي فبطني. متعرفيش اني أقتلك وادفنك جمب اللي عامله نفسك مقهورة عليه وانـ..."
كممت "جميلة" فمها بسرعة قبل ان يتبدل الوضع لشجار بينها وبين شقيقها قبل ان تسب والدهما بوقاحتها هذه. الذي يراها البعض بها محقه وآخرون يروا أنها لا يتوجب عليها فعل ذلك! سحبوها داخل شقة "سمية" في حين دفعهم "حازم" عنه هذه المرة ورفع يديه يدفع الباب بساقه مردداً بغضب وأعصاب منفلته:
"كمان عايزين تموتوا اللي فبطن مراتي يولاد الكلب يا زبالة!"
وقف "حامد" يشعر بالضياع. باتت هذه العائلة محلاً للوجع والعراك دائماً. حتى ان سكان هذه العماره يعتادون على ذلك. لذا قليل ما يخرج احدهم ليتدخل بينهم. يعلمون تمام العلم أن هناك ثمة أفراد فظة تجعلهم يندمون على التدخل بسبب سبباهم لهم بالابتعاد كان منهم "سليم" و"زينات" واحياناً أخرى "فريدة" و"ياسمين" التي قليلاً ما كانت تفعل ذلك مع الغير لولا حالتها الغير واعية وهي تتشاجر! عائلة الأكرمي عائلة مختلة عقلياً. همسات هنا وهناك عليهم بهذا المبنى الطويل المحمل بشقق كثيرة وسكان أكثر لا يبالون بكل ذلك الصراخ. استمر الدق على الباب ووقف "عز" و"بسام" خلقه بيأس من إصراره لطالما يأسوا من فتح الباب. راقب "سامر" الوضع من خلف الباب. تزامناً مع قول "حامد" لكلماته بسكون:
"ارجع ي حازم وإعقل يبني. واهدي واتكلم لما تهدي معاهم. اللي زي دول مش هيهربوا. هيفضلوا اسمع مني!"
وكأن الكلمات جعلته يسكن قليلاً. توجهت "فريدة" بجسدها من الداخل تركض حتى وقفت أمام "حازم" لتدفعه بين ذراعيها هي هذه المرة. أدمعت عينيه بتعب. إلى متى سيتحمل كل ذلك؟ ضمته إليها بصمت. وأنسابت دموعها. لفظ الكل انفاسه عندما سكن هو تدريجياً بين ذراعيها يهمس لها بالأسف وتهمس له بأن يهدأ ويسكن وسترضى مؤقتاً هي!
لمعت أعين البعض بترقب. وأمسك "بسام" كتفيه بوجع من اصطدامه في الحائط وهو يحاول منع الآخر. لاحظه "عز" فحاول السير معه ناحية شقة "حامد" الذي دخلها مستغفراً عقب ما دخلت "فريدة" معه نحو شقة "عايدة" هذه المرة! كانت "زينات" تتابع ساكنة هادئة مكسورة. وإلى الآن ترتجف أطرافها من خوفها على ما حدث لابنتها!!!
دهشت "حنان" بهذا الوضع. كانت تعتقد ان مشاكلها مع "شريف" ليس لها مثيل ولكنها لم تتوقع هذا أبداً. حتى بمبنى كهذا بمنطقة بعيدة عن حيهم الشعبي أكثر منهم ببساطة قليلة. الحياة أسرار!
توزعوا على الشقق الثلاث.
دخل بسام بحقيبته يضعها على المقعد الذي بجانب الباب ولم يغفل عن ترك فرح لهم وانسحابها وراء شقيقها بتلقائية.
وقف عز يربت على كتفي بسام، فقد تأوى قبل وقت من وجع كتفيه.
جاءت دلال سريعا بنفس دهان ما وضعته على ظهر غسان وحثته على خلع قميصه.
ظهر كتفيه العالي أمام عينيها تشنجت ملامحه بصلابة وتحرجت وهي تشيح بوجهها بعيدا.
كما سارت لأبعد من ذلك عندما وجدت وسام تدخل المطبخ تحاول إعداد أكواب ليمون تهدأهم وتضايف الغريب بالنسبة لها عندما حثتها دلال بعينيها.
دخلت تساعدها تزامنا مع قول عز بلباقة:
"بسيطة يا بسام، معلش حازم كان متعصب أوي انت اكيد عارفه اكتر مني حتى، اعذره!!"
اعتلى صوت بسام يخبره بتفهم:
"انا فاهم يا عز متقلقش مفيش حاجة!!"
بعدما هدأت أنفاس حامد سأل بإهتمام تلقائي خرج للتو:
"أومال بدر فين مش ظاهر؟"
"راح لأخواته هو ومراته وابنه من شوية يابابا!!"
بذلك أجاب بسام، فحاول عز الاعتداال ليتحرك ولكن أوقفه إشارة حامد:
"أقعد ي عز مش هتمشي قبل ما تشرب العصير، مستعجل ليه!!"
جلس مجددا بحرج والتقط بعينيه قدوم فرح مع وسام وهما يحملان صينية صغيرة بيد كل منهما.
قدمت الأكواب وكذلك فعلت وسام.
في حين انحنت فرح بحرج تعطي بسام الكوب فتعلقت عينيه بعينيها التى اخفضتها على الفور ما ان رأت جسده الملتصق عليه ملابسه الداخلية من الأعلى بحمالات عريضه تكشف عظامه الصلبة.
قرص حامد فخذه حتي ينتبه والده هو الٱخر ينتبه يالهذا الخجل لم ينتبه عز الذي انشغل مع حديث دلال له.
في حين عندما انتفض بسام وقع القليل من الكوب على ملابسها وهي تقدمه لها.
شهقت فكان ثوبها يظهر عليه سريعا البقع.
لاحظت دلال ذلك و نهضت تردد لها:
"معلش ي حبيبتي بسيطة، إقلعيه اغسلهولك والبسي حاجة من عند وسام على ما ينشف!!"
فتحت عينيها بخجل من ما تلفظت به وتواجهت عيني عز معها والذي نفي بهدوء:
"لا مش مستاهلة متتعبيش نفسك، هنروح عند جميلة تغير وتشوف عندهـ.."
"اخص عليك ي واد يا عز احنا يعني قليلين؟!!"
رددتها دلال بحديث يليق بسيدة مثلها رفض قولها بعفوية عندما اساءت فهمه:
"لا مش القصد ي أم غسان أنا ٱسف مش قصدي كده!"
وقبل أن يتحدث سحبتها وسام معها ناحية غرفتها تقطع أي رفض منه.
هو لم يغفل عن طلب بسام والذي يراه إلى الٱن داخل عينيه كلما ينظر له.
وجد عز هاتفه يدق برقم جميلة التي طلبته يأتي كي يجلس مع حازم حتي لا ينهض مرة ٱخري دون وجود رجل معهم وهم نساء يقدر عليهم حازم مهما فعلوا.
نهض مستأذنا عندما وجد رسالتها قبل ان تدق وعلم محتواها.
"معلش هستأذن اشوف حازم عايزني فإيه، عن اذنكم!"
نهض يتجه ناحية الباب حتي أغلقه مسرعا كي لا ينفلت حازم بأعصابه مره أخري.
زفر حامد بصوت مسموع حتي وجد دلال تنظر ناحيته بغرابة.
فقال هو بقلة حيلة لها يخبرها:
"الواد ابنك بسام شكله بيخيب بعد ما عقل!"
"بيحب ي خويا ولا انت مبتحبش بقا ومش مجرب؟"
شاكسته فضحك ببشاشة متسغلا رحيل بسام ناحية غرفته عقب رحيل عز.
رفع يديه يضعها على كفها وقال مرددا بمرح:
"مجربتش ازاي بس ي دلال، دا الحـب كله محبيتوش غير فيكي انتي وبس!"
أشارت له بخجل زائف تجاريه متناسية حنقها منه قبل ساعات:
"يوه متكسفنيش بقا يحج، دا انت هتبقي جد، اتهد بقى!"
تنهد بسعادة من قولها واعتدل يتخيل بلهفة وحماس ليوم وضع نيروز حملها:
"أنا مبسوط أوي ي دلال، متخيلة اني حابب ولاد غسان قبل ما يجيوا؟!"
"اعز الولد وولد الولد ي ابو غسان، ربنا يقومها بألف سلامة ويكمل لها على خير لاحسن نيروز دي طرية أوي ومش ماسكة نفسها كدة الواحد يخاف عليها بردك!!"
ابتسم على قولها العفوي وعلى بعد في غرفة وسام.
تأسفت لها قائلة:
"معلش ي فرح!"
"ولا يهمك بسيطة!!"
"طب بصي انت مش اتخن مني بكتير يعني، فالدولاب أهو وفتحتهولك كمان نقي اللي يعجبك والبسيه على ما نغسل لبسك ده ولو هتمشي بسرعه ابقي خدية مره تانية!!"
رددتها بعشم كي لا تشعرها بالحرج.
وبالفعل ابتسمت فرح تردد دون النظر نحو الخزانة:
"بصي هاتي انتي أي حاجة وانا هلبسها عادي مش هدقق والله!!"
دفعتها وسام بمرح ثم قالت بفظاظة جلعتها تشعر بأنها شقيقتها:
"يستي احنا لسه هنعزم على بعض، اديكي واقفه قدام الدولاب ٱهو وأنا هخرج، خمسة ألاقيكي منقية ولابسه ي فروحة، ماشي؟"
أومأت لها وخرجت وسام تغلق الباب خلفها تزامنا مع خروج بسام من غرفته بعدما بدل ملابسه.
نظر بحرج فغمزت له وسام بلؤم:
"أه ي لئيم بقا تعمل كده وتخرج البت علـشـ..."
قاطع حديثها بصدمة وهو يبرر:
"بس بس اسكتي، عملت ايه، معملتش حاجة أبوكي اللي قرصني وخلى منظري زفت واخوكي يقطع عني اللحظة وانتي تتهميني وعز يزغرلي من تحت لتحت وأمك تدعكلي كتفي جامد، انتوا عيلة ظالمة!!!"
احتضنته على الفور ما ان وجدته يتحدث بعفوية مرحة.
أشهر لم تلبسه هذه الحالة.
مرر يديه على ظهرها بحنان وتأثر.
وخرجت هي تغمز له مجددا بقولها المرح:
"دا شكل فرح دي داخله ببركتها ي بيسو!!"
وقبل ان يجيب فتحت فرح الغرفة بحرج وظهرت وهي تتقدم.
التفتت وسام تنظر ناهيك عن نظراته هو الٱخر التي وقعت عليها بتلقائية من ظهورها فقد ارتدت فستان بسيط محكم من المتنتصف بلونه السماوي على بشرتها الخمرية التي حبست أنفاسه هو.
شاح بوجهه بعيدا ينهر نفسه يثبت مباءئه على الاحترام.
في حين ابتسمت بخجل مع صافرة وسام وهي تشاكسها:
"يخربيت القمر، دا عليكي أحلى من عليا، خليه ليكي بقا خالص الدريسات حلوه عليكي أوي!!"
عانقتها فرح بعفوية وكانت رأسها تستند على كتفيها بمواجهته وهو يحاول عدم النظر.
لكنه شعر بأنه مراقب، لذا انهزم ونظر. وغلبته ابتسامتها فابتسم لها.
حاولت "وسام" التحجج مرة أخرى كي تترك له الفرصة، وغمزت له مجددًا. فضحكت "فرح" بغباء، تردد له بتلقائية:
"دي بتغمزلك تاني، بدأت أستغرب!"
كان قولها مرحًا، وكان مرحًا في رده مثلها عندما قال بابتسامة هادئة، يخبرها بنبرة هادئة لا تتوافق مع حديثه المرح:
"إحنا كده عيلة بنحب نغمز لبعض!"
كل مرة تشعر بأنه معها، يرتبك ويحاول إخفاء ذلك مثلها. لا تريد أن تنساق وراء ما تشعر به، ولكنها لم تمنع نفسها من سؤالها الذي باغته بمرح آخر، وتعتاد عليه هي أكثر:
"ليه بقا؟"
"عندنا ضعف نظر!"
تعالت ضحكتها على طرافته هذه، فشعر بالحرج والارتباك معًا. كما أنه لأول مرة يسمع صوت ضحكتها الواسعة هذه المرة. ابتلع ريقه. وعندما انتبهت، توقفت بالتدريج، تبتسم بصمت. قطعه هو على الفور مرددًا بأسف:
"أنا آسف، مكنتش أقصد!!"
وقبل أن ترد، سمع الاثنان معًا صوت ضحكة "دلال" وهي تشاكس "حامد":
"يوه يا حج، بطل تكسفني أومال. وبعدين أنا بحب البنات أوي. عايزاها تيجي بنت تروح تقولي شبهك؟ هو أنا حلوة كده؟!"
"إنتي أحلى من كده، مفيش حد حلو زيك وزي قلبك يا أم غسان!"
رددها منشغلًا بها، فضحكت بخجل تحت ضحكة "فرح" المعجبة بشدة. وترقب "بسام" لهم باشمئزاز داخلي. أشار بيديه بغير اهتمام وقال يخبرها بقليل من الحرج:
"هم كده على الحال ده على طول!!"
"ربنا يخليهم لبعض، ماشاء الله. شكل باباك بيحب طنط أوي!"
هذه المرة ابتلع ريقه يجيبها بغير وعي:
"فعلاً، بيحبك أوي!"
توترت ملامحها، وفسرت بحرج متوتر:
"قصدي مامتك!"
"آه ماما، أيوه. واخدين بعض عن حب أثري من زمان أوي، عقبالك!!"
وقبل أن يداهمها بآخر سؤال، كان قد قطعه عنه اتصال شقيقه. اقتربت "دلال" تردد هذه المرة:
"الله أكبر، زي القمر ي حبيبتي. فين بقا لبسك أغسله؟ دي تبقي عيبة في وشي والله!"
ضغط "بسام" على فكه، متنفساً بقلة حيلة مرددًا بخفوت:
"الله يسامحكم عيلة فصيلها!"
تركهم ودخل غرفته عندما وجد والدته تنسحب معها ناحية الغرفة الخاصة بابنتها، ومن ثم المطبخ وهي تتحدث معها، تجاري عقلها كي تفهمها بلؤم أم ماكرة تود الاطمئنان على ما سيدخل به ولدها. وعلى فجأة صاحت باستنكار عالٍ كي تصل له جملتها:
"واد يا بسام، انت مأكلتش ليه؟ سيبت الأكل وروحت فين؟!"
***
"ده لسه مجاش لحد دلوقتي. أنا بدأت أقلق ي بدر، أنا خايفة عليه أوي. خايفة يروح يرجع للي كان ليه في لحظة زي دي. أخوك متمسك بفريدة وبيحبها أوي!"
أثارت "فاطمة" قلقه بعدما قصت عليه المختصر. تعمد الصمت وهو يطلب رقمه، ولكنه وجده مغلقًا. إلى أين رحل ولم يعد إلى الآن؟ كانت "وردة" تعد للأطفال عشاء، في حين تتابع بقلق ما يحدث من سكون "بدر" الذي كان يثق باستقامة شقيقه. والآن تدب به بعض الشكوك بالخوف والقلق. نظر بترقب ناحية الأطفال المجتمعين ناحية التلفاز، ونادى بأقربهم من "آدم" ولم يكن سوى "أدهم".
"خد ي أدهم، تعالى عايز أقولك حاجة. بسرعة اجري!"
شجعه وهرول "أدهم" ناحيته مرددًا بنعم:
"نعم ي خالو!"
وقبل أن يتحدث، مسح بعينيه على المكان الفارغ الذي يشمل جلوس "فاطمة" فقط، وعاد يسأل بعدسة عين متلهفة بالإهتمام:
"هو خالو آدم لسه مجاش؟"
قرر "بدر" مجاراته كي يأخذ منه المفيد، كي يعلم أكثر الأماكن التي يذهب إليها مع شقيقه.
***
وبعد صلاة العشاء، وعلى مقربة من المنزل، خاصة الجامع الذي يفضل الذهاب إليه، كان هناك يقبع بوجه كلما يتذكر رهبة الموقف الذي وضع به. وعلى الرغم من أنه كان على مشارف السقوط لأجلها، ولكنه لم يهتم لحاله ووجد السؤال وإجابته لم يتعلق، بل يحب. يخفق قلبه باسم الحب الذي جهل عنه من قبل تحت شعار التسلية. هبطت دمعته بوجع لأجلها. لم تكن لتستحق كل ذلك. كما أن أعصابه تشتد كلما تذكر كلماتها بما فعله "سامر" وعائلته معها. وجاءت فكرته باحتمالية ضياعها منه بهذه الطريقة. انتشل القطعة الخشبية من جيبه الحاملة لاسمه وابتسم بخفة، متذكرًا هروبها بنظراتها منه وارتباكها وحتى خجلها.
ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه، وردد بصوت مسموع متذكرًا ما فعله لأجلها اليوم:
"طلع عندك حق. أنا مش واقعي فعلاً!"
مقنعًا ذاته بعد هذا القول بأن من المستحيل أن يعرض المرء ذاته للخطر لأجل شخص آخر. ولكنه وجد الجواب سريعًا عندما يكون الشخص الآخر غير كل الأشخاص. يعرض نفسه للخطر دون أن يشعر، ويصبح الأمر واقعي بالنسبة للطرفان معًا.
قضى الصلوات أجمعها التي كانت بعد هذه العقبة، وظل جالسًا بالمسجد لم يتحرك. أغلق المصحف الذي تركه مفتوحًا، وابتلع ريقه يدعو بينه وبين نفسه. فلا شيء أمامه سوى الدعاء والثقة بالله والتفاؤل بالخير كي يحدث.
وصل إلى مسامعه صوت يعلمه جيداً، وصوت ركض بعد هذا القول:
"خـــالو!!!"
التفت برأسه حتى وجد نفسه يندفع من أحضان "أدهم"، التي واجهته، ضحك بخفة عليه وضمه بحب تحت وقوف "بدر"، وأنظاره بتأثر لمكان جلوس شقيقه، ابتسم يقبل وجنتي الصغير وقال يشاكسه:
"ايه لحقت أوحشك يامعلم؟"
"أيوة أنا قعدت أستناك كتير أوي، وخالو كان قاعد مستنيك برضو ورن عليك بس انت مردتش، هو انت ليه قاعد هنا؟ هو الفجر قرب يأذن؟"
ضحك عليه ممرراً يديه على خصلاته ونفى مردداً بتفسير:
"لا مقربش لسه بدري، بس لما يقرب هصحيك زي كل يوم انت ويوسف عشان نيجي نصلي مع بعض وتاخد شيكولاتك زي كل يوم انت ويوسف من عمو دعاء بتاع الجامع!"
تلهف وتحمس، واستند يقف يطالع وجه "بدر" الساكن، مد ذراعه يشير لـ "أدم" بالإقتراب، فحمل الصغير بمرح كما يعتاد، وكي يهرب من اللحظة دخل بين ذراعي "بدر" وبينهما الصغير يضحك من ضم "بدر" لهم بمرح، أهبط الصغير أرضاً، فأخذ "بدر" أنفاسه يسأله بنبرته الهادئة:
"بتقلقنا عليك ليه يـ "أدم"؟ مرجعتش البيت ليه؟"
"تعبان ومخنوق أوي يا "بدر"، حسيت الدنيا كلها اتقفلت في وشي، ومن ساعتها وأنا هنا، لما لقيت شيطاني بيلعب في دماغي عشان أروح القهوة أرجع لصحابي اللي مشوفتهومش بقالي فترة، أنا تعبان أوي، مش قادر أتحمل كل اللي جوايا دا، أنا مش حمل مرمطة الدنيا دي، بس والله بحاول عشاني وعشان فاطمة وعيالها وعشانك وعشان حياتي اللي عايز أبدأها صح، بس مفيش حاجة سهلة!!"
شعر "بدر" بثقل كلماته وعانقه مشدداً في العناق، فخوراً به وبما أخذه من قرار لعدم الاقتراب لأصحاب السوء مجدداً، تنفس "أدم" بأحضانه براحة، وحرر "أدم" نفسه ناظراً نحو وجه "بدر" الذي التزم الصمت وكأنه يشعر بما يشعر به شقيقه والذي تعمد عدم سرده:
"وعد مني ليك لما الحال يهدي، هشدك من قفاك ندخل بيت "حازم" من بابه زي الغرب نطلبها ليك، بس الأيام دي تعدي وهي تبقي أحسن بس!!"
رغم فرحته برضاه، ولكنه ابتلع ريقه يسأل بخوف لم يستطع إخفاءه:
"تفتكر هتوافق؟"
اليوم وجد الجواب الذي كان يشتت شقيقه، حرك رأسه ينسحب معه ناحية الخارج وقال موضحاً ما جعل الطمأنينة والتشتت يلازمان شقيقه:
"اللي عملته وحصل منها النهاردة يأكدلي إنها هتوافق، مهما عملت من خوف حاولت بيه ترفضك، بس هي متلخبطة، دي اتلهت عن الكل ورفضت قرب أي حد ما عدا أنت، طلعت وقربت وخدت انتباهها وتركيزها كله ليك وسابتك تقرب وخافت عشانك!"
سار وبجانبه "أدم" المستمع له وهو يمسك كف الصغر بين يده، ثمة أمل يغمره، وخرج من أفكاره عند صوت "بدر" الذي توقف يخبرهم مقترباً من السوبر ماركت:
"تعالوا نجيب حاجة حلوة ليهم في البيت، يلا يا "دوما" اختار بس بلاش اندومي ماشي!"
أومأ وهو يهرول بلهفة وسعادة تحت ضحكة "أدم" الذي نظر باستنكار نحو "بدر" الذي قال:
"واختار انت كمان!"
ردد مستنكراً بقليل من المرح:
"صغير أنا بقا!"
"أه صغير في عيني، مش شايفك غير ابني "يامن"، ايه رأيك؟"
قالها بتأثر وهو يشمله بعينيه، وقبل أن ينخرط بهذا التأثر واصل بمرح مشاكس له:
"وبعدين اختار يعم، دا أنا اللي هدفع فرصة متتعوضش بقولك!!"
ضحك بصوت عالٍ ووقف بشموخ يردد بما لم يفهمه الآخر، حيث قال ما تفضله هي:
"حيث كدة بقا، هاتلي آيس كريم بالفانيليا!!!"
ما الحقيقة الموجعة بالنسبة له هو؟ أشياء كثيرة تتداخل، وإلى الآن مازال يدخن بشراهة وكأنه يخرج ما بداخله بذلك! مازال يقف في الشرفة بعدما أدى آخر فرض في الشقة ولم يهبط، تكاد تسمع هي صوت أنفاسه العالية من الداخل، لم تستطع النوم أو أن تغفل عينيها، بل بقت تنتظره بخوف منه وعليه بنفس ذات الوقت، أما هو فلو كان الحال غير هذا لانفعل وثار عليها، ولكن كيف وهي لديها عذر يمنعه من فعل ذلك بخوف؟ ويقسم هو أن ما الخوف إلا عليها هي أولاً قبل على من بأحشائها، كيف له فعل ذلك ومن الأساس مجبر وهو الذي يرى بأن لديه كل الأحقية في أن يتألم بسبب ما حدث عنها وعن ألمها، انتهت اللفافة وفتح العلبة يخرج منها أخرى تليها دون راحة، تلك هي حالته منذ أن وقف، منعته يديها بعد أن غفل عن دخولها الشرفة، نظر نحو كفها ورفع رأسه ينظر نحو وجهها، فردت بخوف عليه وهي تحاول أن تنتشل ما بيديه بعيداً عنه:
"كفاية يـ "غسان"، من ساعتها وانت بتشرب واحدة ورا التانية من غير ما تاخد نفسك، حرام عليك نفسك!!"
نفض يديها، تخاف عليه الآن؟ سخر بنظرة عينيه وتركها ودخل بعد أن التفت وقال مقتضباً في رده عليها:
"وانت مالك، ميخصكيش!"
سارت خلفه بملامح متعبة تقف بمنتصف الغرفة الذي وقف هو بها يخلع تيشرته كي يبقى عاري الجزعين والصدر، تجمعت الدموع بعينيها وقالت بنبرة مختنقة:
"لا يخصني لإني بحبك وبخاف عليك!"
تشنجت ملامحه من قولها وألقى ملابسه الفوقية بإهمال تحت أنظارها، فاقتربت تضع كفها على كتفه وهو يوليها ظهرها، ولكنه التفت ينفض يديها بعصبية، وهذه المرة ضغط على ذراعها من الأعلى فتأوهت بوجع تزامناً مع رده المندفع:
"بتحبيني وبتخافي عليا؟ مش كدة؟ يعني اللي حصل النهارده دا كان برا خوفك وحبك ليا صح؟ انت بتضحكي عليا ولا بتضحكي على نفسك؟"
دب بها الرعب من نبرته التي تغيرت كلياً عن أكثر الأوقات كان ينفعل هو بها عليها، ابتلعت ريقها وهي تنفي برأسها تحاول التبرير بسرعة قبل أن يقطع عليها فرصتها بهذا الشكل:
"والله العظيم انت فاهم غلط، أنا مفيش بيني وبينه حاجة ولا أعرف انه كان جاي هناك، أقسملك بالله أنا ما خاينـ..."
ترك ذراعها بغير تصديق، حرك رأسه بتعجب ساخر، تظن بأنه يراها خائنة؟ نفى برأسه بغير تصديق ونهرها بصوته المرتفع يقاطع جملتها:
"انت سامعة نفسك بتقولي ايه؟ سامعة نفسك بتبرري لإيه؟ كمان فاكراني شايفك خاينة؟ ومش فاهمة انتي عملتي ايه لحد دلوقتي! أنا لو شايفك خاينة ولو واحد في المية كنت دفنتك انتي وهو مع أبوكي وعمك ورجعت فاضي زي ما كنت رايح فاضي بخوفي عليكي!!!"
لم يصمت لهذا الحد، بل وكأنه ثار الآن وأخرج كل ما كان يحاول مداراته، وأضاف بصراخ آخر:
"خيانتك مكانتش في أنك واقفه معاه وأنا جيت شوفتكم، لا دا انتي بكل بساطة سيباه يمسك ايدك ويقرب منك ويكلمك في كلام مش من حقك تسمعيه ولا تسيبيله فرصة يقوله، سايباله باب يدخل منه بجُبنك وبتبرريله وانتي على ذمتي، انتي محبتيهوش ليه!"
بتوضحيله وكأنه من حقه يسمع كلامك ده، كلام واحدة متجوزة على ذمة راجل محترمتش اسمه اللي عليه وقللت منه في نظر نفسه ونظر اللي كان معاكي!
داهمها بأقوال كثيرة، كان رغماً عنها حاولت التبرير وهي ترد عليه بلهفة متسرعة:
"والله العظيم خوفت، خوفت منه و.."
لم يتركها تتحدث وتكمل، بل تحدث مردداً بانفعال يسخر من قولها الذي أصبح يلازمها مثل اسمها تبرر به متى ما تشاء:
"انت كده كل ما تزنق معاكي قولي خوفت، خوفك مبرر تسيبيه كده ولا خوفك مبرر لسكوتك يا مدام يا اللي متجوزة راجل ضربتي بكل كلامه الأرض ومهمكيش أني رفضت مراوحك لهناك، وقعتي كلمتي الأرض وكأني أراجوز ومعبرتيش وبدأتي بغلطة زي دي وروحت لغلط أكبر وأكتر!"
لم تستطع الرد، بل انهارت باكية. وأمسك معصمها بقوة يحركها بإنفعال كلما يتذكر مشهدها معه:
"على آخر الزمن تيجي واحدة زيك تخليني أشوف نفسي قليل في عين نفسي، وأنا بشوف مراتي اللي حامل كمان مني واقفة وسايبة راجل غريب يمسكها ويلمسها وكأنها عايز يبوسها وهي ولا حياة لمن تنادي!"
فتحت عينيها من قوله، بمثابة صفعات تتلقاها على قلبها. نفت برأسها وكأنها لا تصدق ما فعلته، وقلبت الوضع سريعاً عليه بانهيار عندما نفضت يديه تردد بصوت مندفع شرس هذه المرة:
"انت إزاي شايف إنّي وحشة أوي كده؟ انت إزاي كده؟"
ضغط "غسان" على فكه بإنفعال واقترب يصرخ بغير تصديق من ما فعلته بتعابيرها:
"انتي اللي إزاي كده؟ بتقلبي الترابيزة عليا ومش شايفة نفسك غلطتي؟ وأه وحشة عشان جبانة وضعيفة ومفلحتيش غير إنك توقعي نفسك في الغلط اللي أنا منعتك عنه في الأول قبل ما كل ده يحصل!"
وكأنه لا يكف عن قول كل شيء، بل ردد مرة أخرى بنفس الصوت المرتفع ينبّها على تغير الوضع:
"وانتي اللي بجحة ومش شايفة أي حاجة غلط انتي عملتيها تستحق كل ده، مش شايفة ولا عارفة إن لو حد شافكم كده والوقت كان غير ده كان اتقال عليكي إيه؟ عارفة الست اللي تقف وتسمح لواحد غير جوزها يتكلم ويحب ويقرب بيقولوا عليها إيه؟ حتى لو هي مقصدتش ده؟ طب عارفة أنا لو مكنتش جيت كان حسن عمل فيكي إيه وكان شدك معاك وخدك غصب إزاي زي ما كان ناوي وانتي واقفة مستسلمة بين إيديه؟ ولا عارفة المشكلة دي لو حد خد خبر بيها إيه اللي هيحصل؟"
يلومها بقوة مع تهديد أخير. ابتلعت ريقها بألم وهي تسمع جانب حديثه الذي قلل بها منه. سمحت بالفعل ولكن لم تعلم أن كل ذلك يراه غيرها من ناحية أخرى. نفت برأسها ووجع كرامتها ضغط عليها من كلماته حتى اندفعت صارخة على فجأة تحاول الاقتراب بهستيرية منه تمسك وجهه كي يركز بين كلماتها المنصدمة الموجعة:
"طلقني، طلقني يا غسان!"
صمتت تضع يديها على وجهها بألم من كلماته ومن ما فعلته، ولكن هيهات للاعتراف بنفسها وبالخطأ بعدما قال ما قاله بوضوح موجع لها:
"طلقني بعد كل الكلام اللي انت قلته ده، طالما شايف إنك متستاهلنيش بعد كل اللي عملته. أنا.. أنا قللت منك، قللت.. طلقني عشان خاطري!"
شعر بالكلمات نصفها التي كانت عليه غير مقتنعة بها، ولهفتها في الفرار بآخر ما تبقى لها من كرامة لحديثه الموجع كان صادقاً! ابتلع ريقه بألم، لم تحاول الأسف، لم تحاول الفرار بعيداً، لم تحاول الصمت لتعبر له بأنها نادمة، بل بكل اندفاع ترددت بالانفصال والتخلي بأقصى سرعة للمرة الثانية!
"انتي عارفة لو أي راجل مكاني كان فاته رمي اليمين على مراته وسابها، يسيبها بعد كل اللي خليته يحس بيه؟ انتي عارفة انتي خلتيني أحس بإيه؟ عارفة أنا وقفت عاجز حاسس إني اتبخرت ورجلي اتجمدت بعافر أقرب أقتله أول ما شفته ومعرفتش! انتي حسستيني إني راجل في نظر نفسي ونظرك ونظر الراجل اللي شاف وشهد كل حاجة، خلتيني أهرب من عين واحد غريب مترصدالي بإستفهام محدش هيعرفه غير الرجالة لبعضهم وبس!"
صمت بإنهزام، وسقطت دمعته بهذا الوقت رغم رفضه على أن تهبط، لكنها وقعت بوخزة في قلبه كما وخزته وطعنته كبرياؤه أمام نفسه وأمام عينيها البريئة الضعيفة:
"انت وجعتيني!"
عجزت هي على أن ترفع يديها وتمسح وجهه الذي ظهر عليه معالم الإنكسار المتعاكس لحالته ومعها قبل قليل. ألهذا الحد قللت منه ومن شأنه؟ اقتربت تردد ببحة صوت عاجز عن الحديث المماثل للومه وكأن لا يوجد على لسانها غيرها:
"طلقني يا غسان!"
وجعه أكثر إصرارها بجحود لأول مرة يراه هو وحده. لم تحاول من أجله وهو المظلوم من وجهته. داهم عقله كل مرة يتخطى المحن والعقبات لأجلها، داهم قلبه الوجع في كل مرة كان يحاول على أن يخسرها في الماضي بعقباته. داهمه طلبها للطلاق بوقت كان به منكسراً وأردت تركه بضغط. داهم كبرياؤه وعزة نفسه عينيها المصّرة على الانفصال ورغبتها في البعد عنه في الحال! ابتسم بإستهزاء من توقعاته وردد لنفسه بأنه غبي ومختل كيف لها بأن تساندك وتمسح بأناملها دموع كسرتك في حين بأنك أنت التي اعتادت على ذلك أنت وأناملك وذراعيك الملبية لها بكل وقت! نهر مشاعره وحل محله كبرياؤه وردد بنبرة خاوية مقتضبة مسالمة توافق قولها ورفض شعور الرفض:
"ما أنا هعمل كده متستعجليش!"
جحظت عينيها بقوة لم تكن لتتوقع ردة فعلها هي ولا قوله هذا. وهنا ردد لنفسه بغير تصديق من طبعها بأنها تريده هو من يتذلل ويرفض وهي التي تصر وتصمت. ألهذا الحد كان مغفلاً؟ سمع صوت دقات هاتفه وانحنى يحمله فوجده "بسام" قذفه على الفراش بخواء وفتح الخزانة يجلب علبة سجائر أخرى مع بعض الملابس كي لا يدخل لها مجددا وحمل الهاتف مرة أخرى ليخرج حتى أنه لم يتوقف عندما رددت هي بتقطع موجع تعاند مشاعرها برفض وأخبرته من خلف ظهره:
"أنا عايزة أنزل دلوقتي عند ماما، مش قاعدة!"
وجد أن الوقت قد مر وتوقف على الأعتاب يخبرها بإقتضاب يختصر:
"تقومي من بكرة الصبح وتاخدي بعضك وتمشي زي ما انتي عايزة!"
فتحت فوهها وتجمعت الدموع بعينيها بقهر من عدم تمسكه بها. وأي قوة بها لترفض وتهبط في الحال تبخرت. لم تسعفها قدمها على الهبوط، بل جلست بخواء على الفراش وبألم تبكي بصمت وكسرة وعينيها تدور بإنهاك.
لم تختلف عن حالته كثيراً، وهو من ترك لها هذه المرة الغرفة وتوجه ناحية الغرفة الثانية. جلس على الفراش وقبل أن تلمع عينيه دفع المقعد بساقه يخرج مشاعره الموجوعة وجلس بإنهاك يضع كفيه ورأسه في المنتصف بخيبة رجل أحب أكثر وكان الطرف الذي يكافح ويتخطى لأجلها بينما انتظر كما فعل ولم يجد! هل كانت تخدعه عندما رددت بأن من الصعب نسيانه وأن الفراق بات صعباً واحتمال ضعيف! عنفه عقله بمنتهى الإستهزاء وردد له بأن الآن أصبح فراقهما شئ مؤكد وأن ما كان بينهما مجرد حبل، سهل عليه أن يتمزق حتى وإن عُقد بقوة، مجرد حبل وصال!
طوال الليلة الماضية لم يغفل له رمش واحد. حالته ليست هينة مثلها تماماً، وانقلب الحال بينهما في غمضة عين. حال هي من بدأته وبدأت معه فتح باب الوجع للإثنان معاً، هو وهي! يتذكر كل كلماتها التي ألقتها على مسامعه بالطلاق، حتى لم تحاول أن تحتوي الموقف بتبرير حاني على قلبه، وهى تراه أخذ منها صدمة كبيرة لا يستطيع أن يتخطاها وكلماته تردد في أذنها وكالعادة الموجعة ضغطت عليها كرامتها طالبة الانفصال عنه حيث رأت بعينيه نظرة وخزتها لم تراها من قبل، نظرات خائبة ضائعة ومنكسرة تحت مسمى حديث رأته جرحها! هو يراها جرحته وهي تراه جرحها. هو يود أن تحاول مثلما يفعل وهي ترى أن حاولت لم يلين أو أن حاولت فلم تستطع بسبب ما قاله من حديث وقف حائل وفاصل بينهما!
تشرد كثيراً بعدما انتهت دموعها لا تصدق أنه جاراها ووافق على طلبها. لا تعلم هي نفسها ماذا تريد بالتحديد. فقط تنهَر نفسها بندم شديد يؤلمها بسؤال: لما ذهبت من البداية؟ أخذت دواء حملها وحملت العلبة بكيس صغير بين يديها بعدما ارتدت ملابسها. قررت الهبوط والرحيل من هذه الشقة للمرة الأخيرة. لم تسعفها أي قوة بأن تحمل حقائب لتجمع ملابسها بها، بل قررت أن تحث شقيقتها أو والدتها بعد أن تخبرهم بقرارها الصادم، متسرعة وهذا ما يُعرف عنها! حملت هاتفها وكيس الدواء ومسحت وجهها برفق بعد أن ارتدت حجابها وخرجت من الغرفة. ناهيك عن وجع جسدها لكنها تكابر. فالآن يداهمها ندم آخر بأنها ظلت معه بنفس الشقة ولم تهبط. بماذا تفكر؟
ومن أي زاوية، هكذا يراها هو. خرجت حتى وجدته يغلق سحاب سترته بعدما قابلها وهو يخرج من مرحاض الطرقة. رفعت عينيها تنظر نحو وجهه وملامحه، خاصة عينيه. أما هو فلم يحرك ساكناً، إلا عندما قذف المنشفة، تزامناً مع قولها المتحشرج الضعيف بعد لحظات:
"انت كويس؟"
تسأله. ظهرت ابتسامة ساخرة على شفتيه وحرك عينيه كما التفت يلتقط هاتفه من على السفرة، مردداً بخواء:
"ٱصل انت يهمك أوي إذا كنت كويس ولا لأ!"
وبقوة لا تعلم كيف خرجت، ولكنها ودت رد فتوره بفتور أكبر:
"يهمني عشان حتي بعد قرارنا ده هتفضل أبو اللي فبطني!"
من أين برعت في الرد؟ منه. ضغط على فكه وأخرج أنفاسه يبادلها القسوة التي ظهرت في رده:
"أه ما هو ده اللي بقا يهمني وبس، غير كده بطلناها!"
شعرت الٱن بوجع رده وعلمت أن ردها وجعه في الخفاء. سهولة التخلي تظهر حتى، ولكن بخداع من الطرفان. بدأت تتحدث هذه المرة بقولها الذي يلقي عليه اللوم:
"انت كمان وجعتني بردو بكلامك ونظرتك ليا، حسستني إني قليلة أنا كمان زيك بالظبط. وشوفت فيك وفعينك إنك كتير عليا. مقدرتش تفهمني ولا حتى تراعي حالتي. مصـبـ.."
قاطع جملتها ونجحت في إثارة انفعاله كالعادة عندما اقترب يمسك ذراعها مثل المرة السابقة وهدر بانفعال من ما يراه يجبروت بها:
"إنك تحاولي تقلبي الترابيزة عليا ده مبيمشيش معايا عشان هلبسك التربيزه ببعضها فوشك، سامعة؟!!!!"
انتفضت على صوته الذي اعتلى فجأة. سالت دموعها وهي تدفعه عنها ولكنه لم يتركها حتى عندما رددت بنبرة باكية منهارة:
"ابعد عني حرام عليك، سيبني!!!!"
تألمت من مسكته خاصة أن جسدها يشتد عليها وجعاً، بينما لم تصمت آنذاك بل رددت بصراخ آخر تشير بيديها الأخرى وسرعان ما وضعتها على معدتها:
"ابعد بقولك!!! أنا مش مستعدة أسقط عشان مجنون زيك!!!"
ودفعته بعنفوان بذراعها الٱخر تردد بنبرة باكية ضعيفة:
"سيبنــي بـــقا !!"
نظر بذهول لها بينما لم يمسكها بضغط هو. بكت بقوة وعلم أن كل ذلك لم يخرج منه بل من حالتها النفسية. صمت وصوت أنفاسه يعلو بمقدمة صدره وهو يتابع بكاءها المرير ولم تنتظر أكثر بل رددت وهي تضع كفيها على وجهها بتعب تئن بضعف من بين الدموع والحديث:
"طلقني، طلقني يا غسان، إحنا مننفعش لبعض والله العظيم!!!"
لو تعلم أن حالها وبكاءها يهز ثباته الزائف. ابتلع غصة مريرة بحلقه، وضاع عقله بينما إعتدلت بملامح تتشنج من وجعها وانحنت تحمل هاتفها بينما لم يتركها تنحني أوقفها يلتقطه كما يتلقط علب الدواء التي وقعت بكيسها، وإعتدل يعطيهم لها بصمت مع ملامح جهلت عن تفسيرها، بل ردد بعدها بمنتهي الخواء الثابت الساكن:
"وهو نصيب ي بنت الناس. امسكي!!"
وأكمل يوضح بنبرة هادئة هدوء مريب بالنسبة لها:
"وأنا مضحكتش عليكي أنا قولتلك إني هعمل كده!!"
الٱن يعلم بأنه يخدع نفسه والخداع إقترب من حقيقة ملموسة تودها هي. بكت وهي تأخذ منه ما يقدمه لها ورددت بغير وعي تسأله بنفس النبرة الباكية:
"..يعني ..ايه !!"
شملها بنظراته مبتلعاً ريقه بوجع وركز عينيه نحو معدتها حتى تنهد بصوت وإلتفت يتقدم ناحية باب الشقة حتى خرج وأغلقه خلفه دون أي رد. لم يصفعه بل كان غلقه هادئاً جداً مثل كسرته منها ببطئ شديد بهذه اللحظة يعد لها العد في عداد الصبر، ولم تقدر هي بالنهاية كم مرة إلى الٱن تطلب منه الطلاق وكأن ليس على لسانها غيرها. هكذا جاب عقله وشعر بكثرة الضغط عليه دون أدنى شعور أو شفقة منها!!!!
خـراب كثير على الأغلب، وخاصة هما "حازم" الذي صبر بأعجوبة على مرور الليلة واليوم عامة بكل هذه الأحداث التي حدثت. وهي هي لم ترحل من بين ٱحضانه وكأنها الصغيرة التي تتشبت في أحضان والدها. تهاب قسوة العالم من حولها والمكان الٱمن كان ذراعيه وأحضانه. باتت في أحضانه ساكنة يرمي عليها كلمات هامسه بالأمان في غرفته هو ولم يتركها حيث لم يغفل بسبب خوفه من أن تفعل شئ يقدم على الخطر مره أخرى.
وبعد إصرار من "عايدة" على إقامة "حنان"و"فرح" في شقتها حتى وافقوا ووافق "عز" الذي كان صعب عليه ترك "جميلة" هنا خاصة أنها رفضت الرحيل ولم يستطع هو الرحيل من دونها ومن ناحية أخرى كيف ستقيم "والدته وشقيقته" في المنزل دون وجود رجل؟ "عايدة" من حلت هذه العقدة ومرت الليلة بهدوء على الأغلب!
في حين ظلت "زينات" بإنهيار في أعصابها ما ان تتذكر مشهد ابنتها وهي تهرول من الأسفل إلى الأعلى. بمثابة صدمة لم تستطع الخروج منها بسرعة وللطف بقت بجانبها "ياسمين" التي شعرت بها الأمان وراعتها بأقوالها التي طمئنتها! في حين ظل "بدر" هناك مع أشقائة و"وردة"و"يامن" ليبعدهم عن ذلك الجو المتوتر خاصة أن موعد سفره بات قريب ولا يريد أن يتأذى بهما حتى ولو نفسياً. ومن ناحية أخرى لقضاء معهم وقت عائلى هادئ بين أشقائه والأطفال!
كانت "عايدة" تقف بالمطبخ ومعها بعد إصرار كانت تساعدها "حنان" في إعداد الافطار. في حين خرجت "فرح" من غرفتها تتمسك برداء "وسام" وهي ترتدي عباءة أنيقة خاصة بـ "جميلة" كي تستطيع الجلوس بها معهم. طوتها ووقفت على أعتاب المطبخ تردد:
"صباح الخير!"
التفتت "عايدة" تردد بلهفة تعلن عن طيبتها:
"دا صباح الجمال يحبيبتي. اقعدي يلا على السفره علي ما نحضر الفطار!!"
"حاضر. بس ممكن معلش ي ماما هروح اودي الـ dress بتاع وسام وهرجع علطول يكون الباقي صحى؟"
سالتها بهدوء وأخبرت "عايدة" حنان من ضمن الثرثره عن ان "حامد"و"دلال" يستيقظان مبكراً. أومأت لها وهي تحرك رأسها فرحلت "فرح" بخطوات هادئة كي تعطيه لها وتجلب ملابسها لترتديها كي تستطيع السير للخارج بها والعودة لمنزلها. في حين ان رداء "وسام" كان محكماً من ناحية الخصر بارزاً.
"صاحية؟"
سألها "عز" وهي تستند على قمة صدره بأنفاس تلفح جسده. همهمت بالإيجاب واعتدلت حتى جلست على الفراش، فتحرك هو ببطء، يرفع رأسه ناحيتها وهو يبتسم مرددًا للتخفيف عنها:
"أحلى حاجة أصبحت عليها من بعد ما بقيتي في بيتي هو وشك بملامحك دي!"
ابتسمت بخجل وتنحنحت بحنجرتها، ترجع خصلاتها خلف أذنها حتى نظرت له بأسف، تبرر له:
"أنا آسفة بجد يا عز إني خليتك مضطر تبات، وكمان هما خايفة يكونوا ارتاحوش زي ما خايفة تكوني ارتاحتي انت في نومتك دي. السرير صغير أنا عارفة!"
لم تفعل كلماتها سوى أنها أخرجت ضحكاته العالية وهو يعتدل أكثر، ناظرًا نحو وجهها ببساطة، حتى قال بجدية مرحة:
"لا، مرتاح. أنا أرتاح في أي مكان بشرط تكوني موجودة فيه!"
زحفت الحمرة لوجنتيها، فتقدم ينال من خديها قبلة هادئة سطحية، حتى ابتسمت له باتساع وهي تجيب على حديثه:
"كلامك الحلو بقا كتير أوي، انت بتعجزني على فكرة!"
"أنا مش بعجزك، أنا بحبك."
قالها بمرح، فضحكت تبدأ في الحديث كي تمتنه له، وبدأت قائلة ولم تكن تعلم هي أنه سيقاطعها بجملته المعتادة:
"بس عارف..."
ضحك "عز" يقترب وهو يميل مشاكساً إياها بمرح هادئ:
"لا مش عارف، بس هموت وأعرف والله!"
اعتلت ضحكتها تستشعر قربه بأنفاسه التي لفحت بشرتها، فحاولت الثبات وهي تبتسم بتأثر من كلماته التي تسلبها، وأكملت:
"كنت بقولك إن وجودك فارق معايا أوي يا عز، أنا حاسة بالأمان وأنا معاك في أكتر الأوقات صعوبة. انت متعرفش أنا بخاف إزاي على فريدة، لولا وجود حازم جنبها أنا كنت نمت معاها وهي في حضني ومسبتهاش!"
"عارف إنك بتحبيها، بس والله ما تخافي، هي بقت أحسن، بس عايزة شوية مراقبة كده منكم. كله متفاجئ من اللي هي عملته، بس أنا عرفت وحسيت إن طاقتها خلصت خلاص وانفجرت مرة واحدة. عارفة انتي؟ أنا لما كنت بعدي وأعدي لحد ما أحس إني مش تمام وهنفجر في حد، كنت باخد نفسي وأبعد، أروح عالجامع على طول أصلي ركعتين لله وأرتاح. الدنيا دي صعبة ومش بتعلم حد ببلاش. مع إني ببقى قاصد إنها متشوفنيش عشان متفتكرش اللي عمله شريف، بس هي عندي زي فرح، ولو قدامي فرصة أشوف شريف محدش هيجيب حقها غيري أنا. عارف ومقدر خوف حازم عليها عشان حسيته في فرح اللي مكنش ليها غيري. بس هتعدي والله!"
رفعت ذراعيها تعانقه بتأثر من كلماته الصادقة، والذي مهما حاول ترتيبها لم يستطع، فكان حديثه يحتوي على أجزاء كثيرة دون شرح بعجز منه، خاصة جزء شقيقه وما فعله. مرر يديه على ظهرها بحب، وسمع صوتها الهادئ بجملة تمنى لو يسمعها كثيراً طوال حياته:
"أنا فاهماك، فاهماك والله يا عز من غير ما تشرح!"
لا يود السير وراء هذه النقطة من الحديث، بل نهض بالتدريج ونهضت هي أيضاً. فلاحظ خصلاتها المفرودة والطويلة على ظهرها إلى الآن ولم تعقدها. كان يود قول ذلك بقضاءه الوقت معها، ولكن القدر غير كل ذلك. ابتلع ريقه واقترب يستأذن ببراءة زائفة:
"ممكن أقولك حاجة بقا؟"
توسعت بسمة "جميلة" ومرحت وهي تردد بعشم:
"ممكن طبعاً يا عز الرجال!"
"انت شعرك حلو أوي!"
خجلت وهي تبتلع ريقها، فسألها بجدية يود الاستفسار عن طريقتها بالاهتمام به:
"وكمان ملاحظك بتهتمي بيه أوي صح؟"
أكدت تحاول إخفاء حرجها ووضحت بتفسير قبل أن تقترب من باب الغرفة بعده:
"دي حقيقة، ماما عودتني على كده، هي اللي كانت بتهتم بيه أوي، أهم حاجة عندها شعري، ياما اشترت زيوت وحاجات مفيدة، ومكنتش بتشتريلي لوحدي رغم أن فريدة كانت بعيدة، بس كانت برضه بتجيب لها معايا!"
وأجاب بما لا يتحسب له عند قوله بتلقائية شديدة:
"آه منا خدت بالي إن شعرها حلو زيك!"
عقدت ما بين حاجبيها، ولم تغفل من ثرثرة "نيروز" عن "غسان" هو الآخر بأنه من صنف الرجال الذين يملكون قوة الملاحظة. لا تعلم هو بأن الآخر قوي الملاحظة بكل شيء، خاصة لأمور الفتيات، أما "عز"، فكان بالفطرة من بين هذا الانتباه. سألته بغيظ من قوله دون مراعاة وقوفها واستماعها لإجابته:
"وانت واخد بالك أوي بقا؟"
حرك رأسه باندفاع وضحك بغير تصديق ينفي بيديه سريعا وهو يوضح:
"مش اللي في دماغك والله، خدت بالي امبارح بس، لإن شعرها وهي بتقع على حازم وغسان دخل في عيني من الناحية التانية وأنا بشد آدم!"
كانت بدون حجاب حينها عندما جلست بغرفة "نيروز". قررت تخطي الأمر كي ترفع عنه هذا، وابتسمت بتصديق وهي تؤكد قائلة:
"محترم يعني!"
أجاب بوقاحة مخفية وهو يخرج من باب الغرفة بعدما فتحه:
"ده بس مع كله إلا انت!"
كانت جملته تلقائية وهو يوليها ظهره ناظرًا بطرف عينيه لها بخبث عندما سمع شهقتها الخافتة على حديثه!
"صباح الخير يا حبيبتي، تعالي ادخلي افطري، حماتك دي بتحبك أوي!"
رددتها "دلال" عندما فتحت لـ "فرح" الباب. ابتسمت لها "فرح" بحرج تحت ترقب "بسام" من الداخل. دخلت عدة خطوات حتى سألت عن "وسام" بعد قولها:
"صباح النور يا طنط، أومال فين وسام؟ كنت عايزة أديها ده!"
وقبل أن تجيب اعتلى صوت "حامد" من.
هتف بحبور:
"تعالي بس أقعدي افطري ميصحش تقفي كدة، تعالي!"
رفضت بحرج وهي توزع الأنظار عليهم قائلة:
"أيوة بس انا استأذنت أروح أعطي ده وارجع، هم مستنيني هناك على الفطار أنا آسفة!!"
أمسكت "دلال" يديها تأخذ منها الرداء ثم سحبتها معها برفق تزامناً مع قولها الغير قابل للنقاش:
"والله ما هينفع تمشي، يلا تعالي بسم الله يلا!!"
إضطرت للرضوخ خاصة عندما وجدت الإصرار ونظرة "حامد" هو الآخر. ولحسن حظها جلست بالمقعد الفارغ الذي يوجد بحانب "بسام" الذي ابتسم لها بلهفة عندما اقترب تجلس معه قائلاً:
"صباح الخير!"
"صباح النور يا بسام، عامل ايه؟"
سألته بحرج وعيني "دلال" تراقبهما بفرحة عفوية تحت اندماج "حامد" ورد "بسام" بمرواغة هادئة يجيبها مطولاً النظر داخل عينيها:
"أنا كويس، كويس أوي الحمد لله!"
خجلت حينها ومنعت نفسها من رفع عينيها ناحية وجهه، في حين تعالى صوت "دلال" تخبرها بنبرة هادئة مع ابتسامة صغيرة:
"غسلتلك لبسك ونشف كمان، هقوم أجبهولك بعد ما تفطري، بس كلي مبتاكليش ليه؟"
نفت "فرح" بلهفة وهي توزع نظراتها بينهما:
"لا باكل ي طنط تسلم ايدك على الأكل!"
صمتت "دلال" تنشغل مع الآخر بتناول الطعام، وحينها اقترب "بسام" يجيبها بدلاً عنها:
"أنا اللي عامله"
رفعت "فرح" حاجبيها بإعجاب وقالت مدهوشة:
"بجد؟"
أكد بإبتسامة واسعة وما يميزه عن شقيقه أن بجانب إحدي وجنتيه توجد "غمازة" صغيرة ناحية اليسار. حركت عينيها بحرج وقالت مجدداً له:
"تسلم ايدك!"
"انتِ مسكينة أوي!"
قالها بشفقة فسألت هي بغرابة قائلة:
"ليه؟"
"علشان فاكرة ان وسام بتصحى دلوقتي!"
قوله كان بضحك خفيف جعلها تضحك مندمجة وقالت تعبر عن ما فكرت به:
"أنا قولت انها ثانوية عامة وبتذاكر للصبح مثلاً وتسهر وكدة!!"
وقبل أن يرد عليها كانت ابتسامة "حامد" الواسعة وهو ينهض مردداً لها بلطف:
"الحمد لله، كملي أكلك ي حبيبتي افطري كويس!"
حركت "فرح" رأسها بموافقة محرجة. ولم ينهض ذلك الذي يجلس بجانبها. لا تدري لما ودت أمس واليوم الذهاب لهذه الشقة بحجج. أصلها هي وما تشعره بتخبط. أيقنت أنها معجبة ولكن تترك هذه المشاعر وتتخبط على الفور عندما تتذكر بأنه عاشق لأخرى لا تعلم عنها شئ. وبنفس الوقت تشك وهو من جعلها تشك ليسلب منها تركيزها! هيهات من شبيه حدة الشباب! إن تركت هي لمشاعرها وازدادت لجعلتها تنساق بعفوية خلف شئ لم تتأكد منه. بل وبمثل هذه العفوية إن أحبته فمن المضحك أن تعترف له أولاً بعفويتها وتلقائيتها هذه! إذن يجب عليها الابتعاد وعدم الرد عليه والتجاهل كي لا تنساق وراء شئ احتمال كبير أنه ليس لها. وهذه تراهات بين عقلها وما تفعله!
لاحظ شرودها هو الآخر فابتلع ما بفمه واعتلى صوت دقات هاتفه فنظرت هي بترقب فنهض كي يجلبه من جيب بنطاله حتى وجد الاتصال خاص بالمستشفى. زفر بضيق ونظر نحو الساعة فلم يتأخر بعد!
"في حاجة معاك ولا ايه؟"
رفع "بسام" رأسه يبتسم لها ثم قال يوضح بصدق:
"لا دا اتصال خاص بالشغل، تلاقي في متابعة أو حاجة فعشان كدة لازم أمشي بدري شوية!"
أومأت بتفهم وهي تنهض تحمل الأطباق. وقبل أن تفعل وجدت باب الشقة يفتح بهدوء حتى أغلقه "غسان" خلفه مع رفع نظراته لينظر فوجدها برفقة شقيقه. وقبل أن يتحدث أي منهم خرجت "دلال" تبتسم باتساع له تسأله بلهفة:
"صباح الخير يا حبيبي، فطرت ولا تقعد تفطر؟"
خرج "حامد" هو الآخر ينظر. بينما صمت "غسان" وتوقف عن الرد لبره. وجدت "دلال" دمعة عالقة بعينيه لم يتركها هو أكثر لتتمعن بل سار بخطوات هادئة يغلق الباب خلفه في وجوههم جميعاً. تحرجت "فرح" من فعلته بينما قلقت "دلال" تردد وهي تنظر نحو زوجها:
"بسم الله، ماله الواد!!"
ألم تنتبه لجروح وجهه أم أن الآخر هرب قبل أن تلاحظ؟ شعر "بسام" بأن المشكلة لم تحل. فتوقفت "فرح" بحرج عن رفع الأطباق بل توجهت بما بيديها للداخل وخرجت تبتسم لها قائلة:
"هستأذن أنا يطنط، عايزة حاجة؟"
قصدت عدم حمل البقية ولا غسل شئ للمساعدة بسبب ما استشعرته من أمر خاص بينهما. لم ترفض "دلال" أومأت حتى انسحبت "فرح" تخرج من الباب تحت تقدم "دلال" كي تدق على باب غرفة "غسان". وقف "حامد" يستشعر حدوث شئ. في حين سمع الاثنان صوت "دلال" القلق وهي تدق الباب دقات متتالية:
"افتح كده ي غسان، مالك ي بني، فيك ايه؟ افتحلي كده سمعني صوتك!"
لم يأتيها الرد بل وقف خلفها "حامد" يترقب في حين تقدم "بسام" يوقفها:
"سيبيه ي ماما تلاقيه مخنوق من حاجة وهيفك، سيبيه مع نفسه شوية!!"
هو الوحيد بين أشقائه الذي يظهر عليه تخبطه وعدم قدرته على الكذب والمراوغة. لذا علم "حامد" أنه يعلم. لو لم يكن كذلك لوقف أولاً يري ماذا حل بشقيقه.
"رد على امك ي بني وريح قلبي، مالك فيك ايه ومروحتش الشغل ليه طيب!!!"
زفر "بسام" منها في حين تقدم "حامد" يحاول فتح باب الغرفة. لم تفتحه الأخرى كي لا ينفعل عليها من بالداخل بينما فتحه حتى وجده يقف مولياً ظهره لهما. تقدم "حامد" يتنحنح ثم قال قبل أن يتقدم:
"مبتردش على أمك ليه ي غسان؟"
وقبل أن تتقدم "دلال" أشار لها "حامد" بالتراجع وبالفعل تراجعت بقلق تخرج وهذه المرة.
دخل "بسام" غالقًا الباب خلفه، ولكن ليس بالكامل.
في عُرفهم، ليس عيبًا أن يهبط الرجل دموعه. اعتاد الثلاثة على ذلك. فعندما التفت "حامد"، وجد دمعة واحدة تسيل على وجنتيه بخواء. نظر بذهول وقلق. هو ليس سهلًا أن تهبط دموعه بهذه السرعة. رفع "حامد" كفه بلهفة، يرفع رأس الآخر، تحت خوف "بسام" الذي وقف بجانب والده. بينما سأله "حامد" بلهفة:
"مالك يابني فيك إيه، قولي؟"
عندما دفع ذقنه، نظر "غسان" بعينيه والتفت يهرب، مجيبًا باقتضاب:
"مفيش!"
نظر "حامد" و"بسام" إلى بعضهما. بينما خلع "غسان" ملابسه العلوية، يفتح الخزانة كي يبحث عن ملابس بقت هنا. وردد بما صدمهم وشل ألسنتهم:
"اعملوا حسابكم إني هطلق نيروز، عشان يبقي عندكم خبر بده!"
صُدم "حامد". في حين نظر "بسام" بغير تصديق. ووقفت "دلال" مكانها بصدمة، بعدما كانت تحمل كوب مشروبها المفضل لتراضيه وكأنه صغير. شهقت، تدفع صدرها بيديها، وقالت بحسرة مصدومة وهي تدخل من الباب:
"يا لهوي!!"
اعتلى صوت "حامد" في الحال، ينهره بغير تصديق:
"انت مجنون تطلق مين وليه؟ هو إيه اللي كان حصل؟ هو شغل جنان، ما انتوا كنتوا حلوين مع بعض!"
قذف "غسان" الملابس أرضًا بانفعال، وردد يخبرهم بما يغلق هذا الحوار:
"هو ده اللي عندي، ومن غير ليه!"
"طب قولي بس يابني إيه اللي حصل وإيه لازمة شقلبة الحال دي، حرام عليكم!"
بما سيعطيهم من أسباب. ابتلع ريقه وتقدم ناحية الشرفة، مرددًا باختصار وهم خلف ظهره:
"معنديش أسباب تتقال. عادي، ملناش نصيب مع بعض!"
كانت جملته موجعة. دخل وهو يحمل علبة سجائر بيديه. وجلست "دلال" بغير تصديق على فراشه، حتى سالت منها دمعتها بحسرة وهي تندب. في حين تقدم "بسام" خلفه يسأله، ومعالم الصدمة لم تختفِ:
"يعني إيه يغسان الكلام ده؟ هو أي مشكلة بينكم حلها هيبقى الطلاق؟ إعقل واهدي كده ومـ..."
"ده آخر كلام عندي، ودي حياتي وأنا حر فيها!"
قاطعه قبل أن ينهار، يكابر بخداع. بينما تقدم "حامد" بغضب هذه المرة، يمسك ذراع "غسان" يسحبه معه ناحية الداخل مرة أخرى، حتى اندفع بيديه يلتقط العلبة من بين يديه وقذفها أرضًا، مع قوله المنفعل:
"يعني إيه انت حر؟ انت مش حر لوحدك، ولا مراتك دي جاية من الشارع من غير أهل. لازم تفهمني السبب وتحترموا الناس الكبيرة اللي بينكم. وبعدين إزاي، فهمني كده وانت مراتك حامل؟ هتسيبها كده إزاي!"
وبخه بصوت منفعل، بينما هو تعمد البرود كي يرحلوا من فوق رأسه. عندما نظر لـ"بسام" وأردف بلامبالاة زائفة:
"خدّهم يا بسام الله يسترك وحلّوا عني وعن دماغي، يلا!"
تقدم ناحية "والدته" ينتشل الكوب من بين يديها كي يتجرع منه، تحت ذهول "بسام" و"دلال" التي توقفت عن البكاء. في حين نظر "حامد" له بصمت، وردد بنبرة أهدأ من قبل يسأله:
"يعني انت مش هامك حتى إنك داخل على مسؤولية، ولا كنت في مسؤولية؟"
أسند "غسان" الكوب ورفع عينيه، يبتلع ريقه. وجد "حامد" أن هذه النظرة تخفي الكثير. بينما ردد الآخر بنبرة جاهد بها الثبات:
"أنا متخليتش عن مسؤولية اللي جاي. كل اللي قولته إن ملناش نصيب مع بعض وكل واحد هيروح لحاله!"
تعالى نحيب وبكاء "دلال". في حين نفى "حامد" بيأس من الذي يصر على الوجع. في حين اندفع "بسام" ينهره:
"انت غبي! إحنا بنقولك اعقل وفكر بالهداوة، تقول هطلق؟ طب بتظلم اللي في بطنها معاكم ليه؟ ليه قررتوا تخلفوا وانتوا الاتنين مش ناوين تعقلوا؟ اعقل يا غسان، الطلاق مش بالبساطة دي، انتوا في بينكم طفل، حرام عليكم تظلموه!"
أشار "غسان" بعدها ببوادر انفعال، يخبرهم بما ينهي هذا النقاش:
"وأنا قولت ده اللي عندي وأسبابي متنفعش تتقال، ومحدش يتدخل فحياتي!"
خرج من الغرفة بانفعال، حتى دخل مرحاض الطرقة وأغلق الباب خلفه، سامحًا لسقوط ذلك القناع الزائف الذي رسمه للقوة كي يخبرهم، حتى لا يندفع أحدهم بإلقاء اللوم عليها هي. ملامحه المنكسرة لو رآها أحد أفراد عائلته، سيصبح اللوم متوجهًا لها هي وحدها، خاصةً أن انكساره لا يظهر إلا عندما يكون الوضع صعبًا للغاية. سالت دموع "دلال" وهي تنهض خلفه، فأغلق هو باب المرحاض، ولكنها هرولت ناحية غرفتها تلتقط هاتفها، كي يأتي له ذلك الذي يبرع في التعامل معه، ولم يكن سوى "شادي" صديق أيامه.
التفت "حامد" ناحية وجه "بسام" وتنهد بتعب، يسأله بنبرة لا تحمل النقاش:
"انت عارف اللي حصل؟"
اهتزت ملامحه وقال ينفي بصراحة:
"لا معرفش السبب!"
شعر إنه يجب عليه التحدث بما رآه أمس، رغم تحذيرات شقيقه، ولكنه لم يرَ سوى شيء واحد، وهو وجود حل لهذه المعضلة. واصل يكمل بارتباك:
"بس حصل حاجة مش فاهمها لحد دلوقتي!"
"قولي يا بسام اللي حصل وإخوك راسه مبطوحة من إيه ووشه عامل كده ليه؟"
لم تأخذ "دلال" انتباهًا، بل انشغلت في أمره منذ أن رأت وجهه منطفئ هذه المرة. في حين صمت "حامد" ينتظر. فأومأ "بسام" يتنفس بصوت، وهو يمسك يد "والده" يسنده ناحية غرفته، مع قوله الهادئ:
"حاضر هقولك على اللي شوفته يا بابا، بس ياريت نلاقي حل بسرعة!"
وعلى بعد منها، كان صوتها الباكي يجيب على الاتصال:
"بسرعة يا شادي، أنا مش عارفة إيه اللي حصل، تعالى له عشان خاطري في أسرع وقت، انت اللي هتعرف تتعامل معاه..."
وبعد وقت، كما أخبرهم هو، وقفت هي تخبرهم بالمثل. حينها سمعت صوت شهقة "سمية" ووقوف "ياسمين" باندفاع، مع "حازم" الذي تركهم بعد تناول الإفطار ورحل يرى "ياسمين". صرخت "سمية" في ابنتها بصوت عالٍ، وجابت بصوتها مسامع "عايدة" في شقتها التي انتفضت:
"يا مصيبتي، انتي بتقولي إيه يابنتي؟ بتقولي إيه؟"
سقطت دمعة "نيروز" وهي تحرك رأسها لتؤكد، تزامناً مع خروج "زينات" من الغرفة بسرعة. حينها سمعت قول "نيروز" المتألم:
"بقول اللي سمعتيه يا ماما، أنا وغسان هنطلق!"
اقتربت "ياسمين" بملامح متشنجة، واندفع الغضب لرأسها عندما سألها بتوبيخ مع صوتها العالي:
"انتي مجنونة؟ طلاق إيه اللي بتقولي عليه ده؟ ما الدنيا كانت فل بينكم، إيه اللي حصل؟"
جلست بانهيار على المقعد، ونفت تضرب ساقها بانهزام، كي يتركوها مع وجعها:
"معرفش، معرفش، ومحدش يضغط عليا بقى، أنا حرة في حياتي، وده قراري!"
وضعت "سمية" كفيها على رأسها بتعب، ورددت بغير تصديق، تزامناً مع اقتراب "حازم" من "نيروز" بقلق أخوي عليها:
"يخيبتك في بناتك ياسمية، يخيبتك واحدة مجنونة عايزة جوزها يدب خناق لرب السما وهي مش عارفة شر اللي قصادها، والتانية جاية تقولك هتطلق وهي حامل مكملتش كام شهر جواز!"
نزلت دموعها حينها، وقبل أن تتحدث أكثر. جلس "حازم" يشير لـ"نيروز" برفق، كي تنتبه، حتى قال بهدوء يتعاكس مع حال زوجته ووالدتها:
"اهدي بس يا نيروز وقوليلي إيه اللي حصل، احكيلي يمكن نلاقي حل مع بعض، مش كل حاجة طلاق، الطلاق مش بالساهل، خصوصاً إن في بينكم طفل جاي!"
وانتي وغسان بتحبوا بعض، إيه اللي حصل؟
بكت بانهيار. فربت على كتفها، بينما بكت هي ولم ترد بأي حديث. تزامناً مع فتح "سمية" باب الشقة وصرخت "ياسمين" لها كي تنتبه بقولها:
"ما تردي تفهمينا إيه اللي حصل؟ اتكلمي!"
وعقب ذلك القول دخلت "عايدة" مسرعة وخلفها "جميلة" و"عز" و"فريدة" وحتى "حنان" و"فرح". وهتفت "سمية" بتحسر وتقطع مقهور على الحال وهي تجذب انتباه "عايدة"، أقرب المقربين إليها:
"تعالي يا عايدة شوفي خيبتي في بنتي. تعالي شوفي نيروز اللي غاوية وجع قلب وبتقولي هتطلق. طلاق إيه؟ طلاق إيه يبنتي حرام عليكي!"
وقف "عز" مصدوماً بجانب "حنان"، بينما هرولت "جميلة" و"فريدة" و"فرح" باتجاه "نيروز" التي كانت تبكي بصمت كاسر، وكأنها هي التي لم تفتح هذا الباب من الوجع مجدداً للمرة الثانية. عانقتها "ياسمين" بإستسلام عندما رأتها بهذه الحالة. ونظرت "جميلة" و"فريدة" لـ "حازم" فبادلهم النظرة بجهل شديد عن ما حدث بينها وبين "غسان". احتوت "حنان" و"عايدة" "سمية" في حين وقف يدق "حامد" مع "بسام" جرس شقة "سمية". وعقب ذلك دخلوا مهرولين عندما رأوا هذا التجمع. وقفت "سمية" بإندفاع تسأل "حامد" هذه المرة بتحسر:
"يعني إيه ابنك هيطلقها يا حامد؟ حد يقولي يعني إيه ويفهمني أنا دماغي خلاص حرام عليكم!"
وقف الكل يترقب قوله. في حين أخذ "حامد" أنفاسه ببطء ورفع رأسه أكثر يخبرهم بهدوء:
"ممكن تسيبوني مع نيروز شوية لوحدنا؟"
تبادلوا النظرات. وخرج "عز" ساحباً يد "حنان" معه واليد الأخرى كانت بها "جميلة" التي خافت من رؤية "نيروز" بهذا الشكل. بينما هربت "فريدة" كي لا تسوء حالتها من هذه الأجواء التي لا تنتهي هذه المرة. هرولت تجلس بمحل الورد في الأسفل. وبخفة كانت "ياسمين" تجلس بالخارج برفقة "سمية" التي كانت تنهرها "ياسمين" على بكاءها هذا. ووقف "بسام" بجانب "حازم" وهم يرون الآن انسحاب "نيروز" ناحية غرفتها مع "حامد" كي تقص عليه بنفسها ما حدث بكل هدوء.
ابتلعت "زينات" ريقها بتوتر عندما لاحظت انسحاب "فريدة". ولكن نظرة "حازم" طمئنتها لأنه هو من حثها على الذهاب من هنا. إلتفت "حازم" برأسه يسأل "بسام" بترقب:
"خير ي بسام إيه اللي حصل ي بني لكل ده؟ وفين غسان؟"
وجد الحزن على ملامحه عندما رفع "بسام" رأسه وهو يتنهد ثم قال يجيبه:
"صدقني معرفش اللي حصل. وغسان مش شايف قدامه ولا عايز يتكلم ومش طايق لحد كلمة!"
زفر بصوت وسحب "بسام" معه بذراعه تجاه شقة "حامد". حتى دق الباب بهدوء. غير غافلاً عن أنه إلى الآن لم يأخذ حقوقه من الشقة المقابلة لشقة "حامد". لحظات وفتحت لهم "دلال" بعينيها الباكية. دخل "بسام" مع "حازم" تزامناً مع إرتداء "غسان" قميصه على نصفه العاري دون غلق الأزار. واللفافة لا تفارق شفتيه. جلس يرتدي حذاءه بغير اهتمام أمام أعينهم. وبعدما انحنى اعتدل يغلق أزاراه نافثاً دخان سيجارته بشراهة. ومن ثم اعتدل ينهض وهو يغلق هاتفه. وقبل أن يخطو أكثر ركز عينيه على الثلاثة. وسأله "بسام" بإستفهام:
"انت رايح فين دلوقتي ي غسان؟"
تركهم مولياً ظهره ليفتح الباب مردداً بفظاظة يختصر الرد بـ:
"فـ داهية!"
وضع "حازم" يديه على الباب يرفض خروجه. فأغمض "غسان" عينيه بنفاذ صبر. وكما فعل تقدم "بسام" يكمل ما فعله "حازم" ولكن بالقول:
"مش قبل ما تشوف مشكلتك مع مراتك. روحلها هناك طيب واتكلمو أكيد هتلاقوا حل وأبوك هناك. الدنيا مقلوبة وانت مش حاسس!"
"تتقلب محدش ليه دعوة. دي حاجة بيني وبينها ومتفقناش يبقي خلاص!"
صمت "بسام" مضطراً كي لا ينفعل. بينما مال "حازم" ينظر بقوة داخل عينيه. كيف لا يعلمه وهو صديقه هو الآخر. هتف بجملة واحدة أراد بها أن يهز ثباته الزائف أمام أعينهم:
"انت مصدق نفسك؟"
حاول "غسان" فتح الباب. ولم تقترب "دلال" كونها تعلم حالته. هذه المرة لم ينصت أي منهم لتركه عندما يكون كذلك. بل إقتربوا وما فعلوه لا يختلف عن "نيروز" التي لم تتركه هي الأخرى بوقت انفعاله. ولكن الأمر يتطلب التدخل. دفع الباب وضربه بساقه حتى رفع عينيه يردد للآخر بحدة:
"ابعد ي حازم خليني امشي!"
نظر "حازم" نحو أزرار قميصه المفتوح أكثر من أن يغلق وجسده الذي يظهر. فردد يشتته كي يهدأ:
"هتمشي كده؟"
وقفت "وسام" في الخلف بغير فهم عندما استيقظت على هذه الأصوات. ركضت نحو "والدتها" الباكية التي رددت عليها بحسرة ما حدث تحت مسامع "غسان" الذي تشنجت ملامحه أكثر وهو يحاول دفع الباب:
"بقولك ابعد. انت هتحبسني!"
بينما من جهة أخرى لم تصدق "وسام" ما ارتمى على مسامعها. تعلم هذه الحالة التي لبسته الآن من انفعال. ابتلعت ريقها وهي تركض ناحيتهم أكثر تحت إصرار "حازم" عليه بعدم الخروج ومساعدة "بسام" له إلى أن يأتي "حامد" أو "شادي" على الأقل. بينما هتفت "وسام" من خلف ظهره عندما وجدته يدفع الباب بغضب:
"غسان!"
هي من احتوتنه في قرار الطلاق الأول. ولم يسرد لأحد سواها على ما اعتراه من مشاعر موجعة. تنفس بصوت مسموع والتفت برأسه لها فوجدها تردد بنبرة على وشك البكاء:
"بلاش يا غسان.. نيروز حامل!"
وكأنها تخبره لأول مرة. رأى دمعتها الصادقة في خوفها من الخراب. حرك عينيه بعشوائية وضيق مع لمحة من الحزن التي ظهرت في تنهيدته. وعقله لا يتوقف عن قول جملة بأنهم لا يعلمون ما حدث فعلى ماذا يحكمون دون علم. وبين قلبه الذي يرفض. بينما كرامته كرجل طغت على كل ذلك عندما تهجمت ملامحه يدفع بذراعه "حازم" و"بسام" مردداً لهم بنبره جادة جامدة:
"ٱنا مش فاضي لشغل العيال بتاعكم ده. عدوني ورايا زفت شغل!"
دفعهم وفتح الباب حتى خرج بإندفاع وهم خلفه. وأوقفه عن التقدم ناحية المصعد خروج "حامد" الذي نظر له وهو يرحل.
الغريب أنه تركه يرحل. وأشار لـ "بسام" هو الآخر باقتضاب وكأن شيئاً لم يكن:
"سيبوه. وروح شغلك انت كمان يلا عشان ميحصلكش مشاكل. انت اتأخرت!"
وقف حائراً من الذي يحدث. بينما انسحب "حازم" بيأس ينظر نحوهن في داخل شقة "سمية". ودخل "حامد" شقته حتى وقف. وقبل أن يسأل أي منهم ردد بحزم:
"أنا مش عايز لك وكلام كتير. الموضوع مش عايزه يكبر أكتر من كده. خدي بنتك واعقلي ومتفرجيش حد علينا. وابنك هيجي ويهدي ونتفاهم. خلصنا!"
دخل يتركهم ناحية غرفته. بعدما ترك "بسام" يقف متعجباً من الحالة التي لبسته هو الآخر. وظهرت بوادر الضيق عليه عندما اندفع هو الآخر بغير رضا للذي يحدث ورحل من الشقة ناحية عمله.
انصاعت "دلال" و"وسام" لحديث "حامد" الحازم. تركته "دلال" وهي تجلس بقهر تنتظر قدوم "شادي" على أخر من الجمر.
وقف "حامد" بتخبط وشفقة عندما قصت عليه "نيروز" ما حدث بكل صدق. هي أخطأت وهو الآخر مخطئ، بينما خطأها أكثر منه. ابتلع ريقه يحاول أخذ أنفاسه، وعلم الآن ما يجتاح صدر ولده من مشاعر موجعة لرجل يحب، وانخفضت كرامته للأسفل. يعلم تمام العلم أنه مهما كان صوابًا، يظهر بأنه المخطئ بسبب أفعاله وأقواله. ثم ليزيد الخطأ عليه أكثر في حين بأن من البداية لم يكن عليه ولو ذرة لوم، بأنه الخطأ.
---
وقفت تحاول إلهاء نفسها بأنفاس لاهثة تهرب من أفكار كثيرة تداهمها عندما ترى بأن الوضع يضيق. تحاول الهرب من نفسها ومن عقلها، وهذا موجع موجع جدًا. أعدت كوبًا من الشاي هذه المرة. ووجدت أحدهم يدلف إلى الداخل كي يبتاع باقة زهور أو ماشابه. رحبت بالزبون بحرارة، وتركته يختار دون مساعدة. وشردت مرة أخرى كلما تتذكر ما حدث لها وما كانت ستقدم عليه من انهيار. لا تصدق بأن عقلها اختل لهذه الدرجة. باتت تكرههم بشدة، ولولا هو لما نجت من هذا الضياع والهلاك التي كانت ستذهب له دون رحمة.
أنقذها. وكأنها تسأل ولا تصدق بأنه كان على حافة السقوط من أجلها. تعثرت قدمه أكثر من مرة. ولأن أمس لم تستطع تذكر التفاصيل، بينما الآن من بداية اليوم تتذكر وتعي ما حدث. أخذت أنفاسها بهدوء، تهرب من ما تكنه له. باتت لا تفهم، وبعد ما فعلته بنفسها بلحظة انهيار، الكل سيرى أنها مختلة عقلية، لا يصح لها إلا مستشفى الأمراض العقلية.
جزء من كبريائها يهاتفها الآن كأنثى تتحسب النظرات في عين الغير تجاهها، ولم يهمها سواه. هل هرب ولم يطمئن عليها لأنها باتت لا تصلح له؟ نفضت من عقلها عندما حثتها الفتاة على أن تغلف لها ما قدمته أمامها، وسألتها عن السعر. ابتسمت بترحاب أكثر كي تكسبها لتأتي مرة ثانية. وهي من انتشلتها من أفكارها المتداخلة والتي على وشك الاعتراف لنفسها بأنها بالتأكيد أصبحت تكن له شيئًا بداخلها. وبين استنكار وخداع لنفسها، رفضت وهي تعلم بأنه يخدع قلبها. لا تعلم هي بأن القلب قادر على كشف أي خداع، ولا يعرف طريقًا إلا للصدق.
وعلى فجأة جاب سمعها صوت دراجته البخارية. هو هنا؟ جاء؟ أم أنها كلما تفكر بشخص يأتي؟ تقدمت على أطراف قدمها أكثر كي ترى من بالخارج. فلاحظت الفتاة ذلك وابتعدت بلطف كي تستطيع "فريدة" أن ترى. ويديها تعملان على تغليفه ما لديها. انتهت تتصنع عدم رؤيته عندما دخل، وصوت مفتاح الدراجة مع مفاتيح أخرى يتسلل لأذنيها. أخبرتها بالسعر وأخذته، وشكرتها الفتاة ورحلت من جانب "آدم" الذي وقع بصره عليها بتلقائية. ولاحظت "فريدة" تمعنه.
والغريب بأنه تعمد عدم تذكر أمس بكل ما حدث منها. رغم خوفه، ولكن تراقصت دقات قلبه فرحًا برؤيتها كذلك. تقدم "آدم" يبتسم باتساع، وتفاجئ بشدة من اندفاعها وهي تسأله بآخر ما كان يتوقع سماعه من هذه الشرسة:
"حلوة؟"
سألته عن الفتاة ورواغ بابتسامة واسعة عكس ما احتلّه من مشاعر الآن. بل سلط نظرة على عينيها وقال بعمق، يقصد عدستيها بخبث:
"أوي!"
اهتزت عينيها ورأت دموعها بها، كما نظرتها هذه تظهر الحزن المفاجئ. ابتلعت ريقها ومحت تورطها من عينيه التي تحاوطها، وقالت:
"إيه اللي جابك؟"
"تعرفي؟ بيقولوا الملافظ سعد."
تعمدت تجاهله كما تتعمد كل مرة، وأشارت بعينيها بغير اهتمام حتى رفعت الكوب تنجرع منه، ونفت باختصار:
"لأ معرفش!"
هبطت عينيها ناحية المفتاح وما علقه به. المفتاح الذي بيديه معه ميدالية اسم آدم التي ابتاعته له مثل البلهاء دون مسمى. نهرت نفسها سرًا من تسرعها. وكأنه أدرك ما تفكر به حيث قال بسعادة هادئة عبثية:
"عمري ما هفرط فيها أبدًا!"
"مكنتش جايباهالك. اتلخبطت وجبت آدم بدل أدهم!"
هربت بعينيها كي لا يكتشف كذبها، بينما نبس هو بضحكة عالية أثارت انتباهها بغير وعي:
"كذابة."
"لأ مش كذابة."
اندفعت ترددها له تحت بسمتها التي خرجت على ضحكته، فتاه بين ملامحها وقال قوله المعهود:
"اللي عينيهم حلوة مبيعرفوش يكذبوا."
وكالعادة أجابت بعناد:
"لأ بيعرفوا."
"طب عيني في عينك كده!!"
هذه المرة أثار تحديها، ونهرت نفسها وقررت مواجهته، وقبل ذلك مواجهة نفسها كي تثبت لكل أفكارها بأنها لا تحمل تجاهه أي مشاعر. وعندما رفعت عينيها، صمتت العيون بحديث عاجز، وتحدثت القلوب عندما خفق قلبها بشدة من عينيها التي تعلقت به. كيف حدث؟ ليس هذا السؤال الذي جاء على عقلها، بل لا تدري كيف اقترب وباتت عينيه داخل عينيها بنظراتها هذه. وللحظات، توقف ينظر نحو جرأتها الزائفة، وحزن للحزن الذي بات رفيقًا لعدستيها. والغريب بأنه استشف ذلك الحزن من قبل، وسألها دون أن يعلم كل ما حدث. وعلم بالنهاية أن حديث القلب والعين يتوافق، بينما العقل خبيث يشتت صاحبه. رمش بأهدبه يردد باسمها بتيهان كي يعترف:
"فريدة!"
وكأنه أخرجها من دوامتها. ابتلعت ريقها من ما فعلته، وهربت بعينيها تلتفت وهي تردد بتخبط مهتز ظهر له وٱخيرًا استطاع أن يلجم حديثها. حديث هذه المندفعة بشراسة التي تحاول محو طيبتها، رغم أنها تظهر وهو وحده أمام عينيها خبير:
"نعم!"
توقف وأراد أن تلتفت كي يعترف وهي تنظر له، بينما لم تلتفت هي. ولكنه ردد بحديث آخر مختلف:
"أنا عايز أقولك إني خوفت أوي امبارح!"
ابتلعت "فريدة" ريقها وهي تلتفت تنصت باهتمام، وواصل هو بصدق شديد:
"تاني خوف حسيته بعد خوفي من إني أخسر أمي!"
وأكمل بعمق وتأثر تحت ملامحها التي تتراخى باندماج واهتمام وهي تنصت:
"بس هي مشت وسابتني متعلق ومخذول. انت هتمشي؟"
أصبحت تتأثر، وكلما تريد أن تثبت العكس لنفسها، هي من تخذلها وليس آخر سواها. تقطعت أنفاسها من ما شعرت به من خذلان لأجل ما فقده. وابتلعت ريقها، ولكن لم يخرج الحديث، بل خرجت هزة رأس خافتة جدًا تنفي بها. تهللت أساريره في الخفاء، وعاد يسأل:
"ولا هتسيبيني متعلق حتى؟"
تاهت عينيها بتقاسيم وجهه، ولمعت بدمعة تشتت، وقالت بجهل ظهر بوضوح:
"مش عارفة!"
اقترب "آدم" يخطو أكثر حتى وقف أمامها وقال يذكرها:
"طب فاكرة لما سألتيني الحب بالنسبالي إيه؟"
أكدت هي برأسها بابتسامة صغيرة، وأخذ "آدم" نفسًا عميقًا يسرد باقي ما بدأه:
"ساعتها جاوبت وسألتك زي ما سألتيني، بس مكنتيش عارفة الجواب. بس عايز أعرف عرفتيه دلوقتي ولا لسه مش عارفاه؟"
وصمت مقررًا قول الآتي بصدق:
"لو لسه مش عارفة، أوعدك إني مش هفتح الموضوع ده تاني وهبعد عنك!"
كان صريحًا. فقد كل ما أصبح يهمه هو راحتها، واعتبر نفسه عبئًا عليها. رغم أنه طلبها دون مشاعر تكنها له، ولكنها استشعرت ضغطها منه. لا يعلم هو الآتي منها. صمت ينتظر الجواب لفترة. ورغم حالتها النفسية، ولكنها تشتت كلما تهرب من الحقيقة تواجه بها إما مع نفسها أو معه هو، ومع عينيه الجادة الحازمة التي تغلب عينيها وتجعلها تتعلق بها دون وعي منها. أهذا هو الحب؟
أهذا هو عندما يتعرض للخطر من أجل آخر لم يعطه أي جواب لمشاعره؟
أهذا هو التخبط الذي بداخلها؟
أهذا مع نظرة عينيها التائهة؟
وحديث قلبها الذي ود لو يصرخ لينفعل من كثرة إشاراته ودقاته تحت مسمى الحب لاسم من ثلاثة حروف؟
آدم.
"آدم" انتظرها فترة ولم تجب. أعطاها المهلة الكافية وعلم أنه يضغطها، لذا ابتسم بألم داخلي. ولكنه ضغط نفسه لأجلها كي يصبر، وقال متخليًا بفقدان أمل:
"ولا يهمك لو معندكيش الرد خلاص، أنا مش حابب أضغطك وهمشي عشانك قبل عشاني. بس عايز أقولك إنك مش قليلة على أي حد، انتِ كتيرة أوي وحلوة كمان ومش أي حد يستاهلك. يا بختي في الوقت اللي راح ده عشان كنت معاكي، حتى لو بخناق. فـمـ..."
الصادم هو الآتي. الصادم له ولها. عندما ابتلعت ريقها، غمضت عينيها وهتفت بإعتراف، ولم تعِ بأنها الآن من بدأت قول شيء قبله هو شخصيًا:
"آدم.. أنا بحبك!"
انتفض بغير تصديق، وبرزت حدقتاه بذهول. هذه المتنحة المستفزة كما يلقبها، والثقيلة التي تتجاهله، تعترف قبل أن يعترف هو؟ ماذا حدث؟ ارتجفت أوصاله بدلًا منها، وكأن الوضع معكوس بطريقة ساخرة مضحكة. ابتلع ريقه بغير تصديق، وحك أذنه بذهول، مرددًا:
"قولي تاني كده!"
"لأ!"
التفتت تهرب على الفور وهي تدخل إلى الداخل أكثر، ولكنه قاطع هذا بلمح البصر وهو يقف حتى قال يسألها بمواجهة. وقبل أن يسأل، وجد دموعها تهبط. تلهف، وبدلًا من أن يتأكد، سألها بقلق:
"مالك طيب إيه اللي حصل؟ دا أنا ملحقتش أفرح!!"
وب تلقائية كشفت أوراقها، تخبره بصراحة:
"مش عارفة ده حصل امتى وإزاي!!!"
وأكملت بضعف ظهر أخيرًا أمام عينيه:
"وخايفة!"
"مني؟"
سألها بابتسامة صافية حانية. فنفت تسرد بصدق أكثر:
"من الأيام لو جمعتني بيك!"
"واثقة تحطي إيدك في إيدي وتسيبي الباقي عليا؟"
تشتت وسالت دموعها تداهمه بأوجاعها:
"خايفة توجعني بأي كلمة ومتستحملنيش!"
حاول التخفيف عنها، ومال يلتقط وردة صغيرة هادئة مختلفة، واعتدل يجيبها تزامناً مع تقديمه الوردة لها:
"دا أنا أبقى ابن كلب لو عملت كدة لواحدة حلوة أوي كده زيك!"
ظهر خجلها، وانتشلت من بين يديه الوردة، ترددت بتهكم، غير غافلة بأنها اعترفت قلبه وتنتظر اعترافه، رغم أن تمسكه وكلماته تظهر لها اعترافه، ولكنها تريدها منه كي تطمئن:
"بتعاكسني زي أدهم؟"
تحدث بعدما ضحك بغير تصديق، وقال مع ضحكته الهادئة:
"هو أدهم عاكسك قبل كده؟"
أكدت وهي تستنشق الوردة مع ابتسامة جميلة زينت وجهها:
"آه"
"عنده نظر!"
قالها "آدم" بفخر. فضحكت "فريدة" من بين دموعها، ومسحت وجهها برفق، وارتبكت من قربه. ولكنه عاد يبتسم باتساع. فرفعت عينيها حتى تعلقت بعينيه، وهو يضع يديه في جيب بنطاله:
"معايا حاجة إترددت أوريهالك وألبسها، بس انتي سبقتيني وادتيني الميدالية، مع إني عاملها قبلك بس مش في مفتاح!!"
ترددت نظراتها، وأخرج ما صدمها من جيبه عندما قدمها أمام عينيها، وابتسم يفسر ليخرجها من حالتها هذه:
"فاكرة يوم ما اتصورتي معايا أنا وأدهم وأنا نزلت أخذ الصورة معاكم، لما كنتي ماسكة تليفوني وانتِ اللي اخدتي الصورة؟"
ابتسمت بتأثر، وهي تؤكد. ففسر مجددًا:
"اليوم ده قصيت صورة عينيكي صورة لوحدها، وبعدها قررت أعملها حاجة تتلبس في الإيد وعملتها. كنت ناوي ألبسها لو كنتي قبلتي يوم ما قولتيلي هديك ردي في محل الورد بليل، بس محصلش. بس بعد اعترافك ده..."
توقف ينظر نحو ملامحها، وبدأ بفك القفل الصغير من هذا السلسال الخاص بالسوار المعلق به صورة أعينها على خشب أنيق صغير بطريقة حديثة:
"بس بعد اعترافك ده، عيونك هتبقى في إيدي، وهحافظ عليها!!"
ربما قوله بقصد لشيء آخر. تخللتها شعور السعادة والإطمئنان، توسعت بسمتها أكثر وهي تراه يرتديها ببسمة هادئة على شفتيه. وجاء عند غلقها، وقدم كفه بمعصمه لها يشير لها بأن تغلقه. ارتجفت يداها، وعملت على إغلاقه وهي تنظر باهتمام لكفه، في حين بدأ يتحدث من جديد كي ترفع عينيها له:
"فريدة!"
همهمت بانتباه، ورفعت رأسها تنظر بعينيها داخل عينيه. وهيهات من عقل مثل عقله عندما قرر الاعتراف على سهوة غير متوقعة، ليشعرها بسعادة ما شعرها من فعلتها واعترافها المفاجئ والغير متوقع:
"أنا بحبك!"
لم تكن تعلم بأن ضربات قلبها ستتسارع بمثل هذه السرعة. شعرت بسخونة أذنها أسفل حجابها. ابتعدت عنه تمسك السلة الصغيرة لتراعي الورود، بينما أحاطها بعينيه وتنهد يشاكسها من خلف ظهرها عندما تذكر دموعها قبل لحظات:
"بس علفكرة، أنا لسه مصمم إن شكلك مش حلو وانتِ بتعيطي!"
أتاه ردها المعهود وهي تعطيه ظهرها بغير اهتمام زائف:
"محدش طلب منك تعطينا رأيك!"
وقبل أن يردد بالجملة المعتادة، اندفعت تقترب وهي تنفي بنفاذ صبر تشير له قبل أن يتحدث هو:
"ولا..."
رأيك مش أمر مفروض ولا أنا شاطرة. ارتاحت!
آقترب يهمس قبل ان يعتدل ليتجهز للخروج:
"آه، النهار ده بس ارتاحت وقلبي كمان ارتاح!"
واعتدل مع فعل صوت لمفتاحه بين يديه فترقبت تسأله:
"انت ماشي؟"
"مفيش شغل النهاردة الورشة متفتحتش. أنا كنت جاي اطمن عليكي!"
ابتسمت ببساطة وسهولة هذه المرة. ووجد لمحة الحزن في عينيها فاقترب يسألها:
"بس مش همشي قبل ما أعرف سبب زعلك المختلف اللي باين فعنيكي!"
تنهدت تخبره بما صدمه في الحال:
"نيروز وغسان هيطلقوا!"
قوس "ٱدم" حاجبيه بغرابة وهتف بغير تصديق:
"ازاي؟ دوا بيحبوا بعض أوي. وامته لحق يحصل ده؟"
"معرفش. مره واحدة لقينا الدنيا بتتقلب بالكلام ده. خدت بعضي ونزلت عن الدوشة والصريخ!"
ود ان يطمئنها فقال بملامح تراخت:
"أقولك على حاجة؟"
وجد الفضول في عينيها فقال جملة لم تتأكد منها بالقوة، عندما قال يخبرها:
"غسان ده بؤ. فمتخافيش. كل حاجة هتبقي تمام!"
"مش باينلها كدة. ونيروز منهارة حتى معرفتش ولا قدرت أعملها حاجة!"
كان سيذهب ولكنه دب به بعد القلق من أن تقدم على خطوه أخرى خطره بسبب هذا الضغط الذي وجده بين حديثها وتنهيدتها. فجلس على المقعد يلهيها وقال:
"ايه رايك اساعدك النهاردة وأشتغل معاكي شوية؟"
نفت برأسها وعادت تتجاهله. لا تعلم بأن التجاهل يزيده قربا منها. دنت تحمل السلة ووضعتها حتي التفتت تجلس وقالت ترفض بفظاظة:
"مش موافقة!"
توسعت ابتسامته وهو ينهض يحمل السلة وقال وكأنها لم ترفض:
"كنت متأكد. علشان كدة هقعد. أنا مش مؤمن بحرية الرأي. رفضتي نقعد وافقتي برضو نقعد. عادي مفيش ورانا حاجة!"
ضحكت خلسة من خلفه فابتسم شاعرا بأن الحياة تفتح إليه ذراعيها للمره الثانية بعد تعافيه. وعلم بطريقة ما ان الله يحبه ليعطيه ما يريده ويقربه منه!
"دمي خفيف؟"
سخرت من قوله واقتربت تلقي الورد الذي دبل بالسلة التي بين يديه وقالت بتهكم غير صادق بالمرة:
"تقيل. أتقل حاجة شوفتها!"
"كدابة!"
"لا صادقة ومتقوليش عينـ.."
بتر جملتها وقال قوله المتكرر يطلب منها:
"طب عيني فعينك كده؟"
رفضت "فريدة" وضحكت بإستسلام وابتعدت تجلب ورد ٱخر قد دبل وتركته رافضه النظر داخل عينيه لأنها بالتأكيد باتت تعلم بأنها ستنهزم!
_____________________________________
لم تستطع التوقف عن البكاء بقهر. عن ما توصلت إليه رغم احتواء "حامد" لها ولكنها وجدت بين حديثه كلمات لامتها بأنها من عصت أولا وعارضت قوله حتى جلبت كل ذلك. أغلقت غرفتها ترفض أن يدخل عليها ٱحد. حاولت "سمية" وبعد ان جاءت "وردة" مع "بدر" علموا. وانصدمت "وردة" حتى اندفعت تطرق باب غرفة "نيروز" ولم تفتح أيضا. بينما إنسحب "بدر" إلى الشقة الٱخري وعلى أذنيه يضع هاتفه يطلب رقم "غسان" المغلق!
"قولت مش عايزه أتكلم مع حد. سيبوني فحالي بقا!!!!"
هتفت بها "نيروز" بنبرة باكية صارخة. أمسكت معدتها بألم وأراحت ظهرها على الفراش كي تطبق ما قالته الطبيبة ولكن كيف وحالتها النفسية تسوء؟ مسحت دموعها بكسرة. لا تختلف عن كسرته هو الٱخر عندما رحل تاركا كل شئ يهرب من وجعه. لا يعلم بٱنه ذهب لينفرد به وحده دون أدنى شعور منه!
أمسكت "سمية" رٱسها بتعب وساندتها "زينات". بينما ظلت "ياسمين" تحرك قدمها بغيظ وتخبط فمد "حازم" ذراعه يحثها قائلا كي تهدأ وتسكن حركتها:
"ما تهدي ي ياسمين!"
"أهدى ازاي؟ عايزني ٱهدي ازاي وهي بتعيده تاني؟ نيروز مش حمل كل ده. وكمان حامل. فاهم يعني ايه؟ يعني لو فضلت على الحال ده هيحصلها اللي حصلي بس مش هتقوم بحالها ده! ويعني ايه كمان هو التاني يسيبها كده ويمشي؟ هو بيستهبل؟ مش حاسس باللي هما اتحطوا فيه؟"
كانت كلماتها بانفعال، تترقب قدومه بأي لحظة لتخرج شراستها. زفر "حازم" بضيق وخرجت كلماته يحذرها من التدخل بطريقة غير مباشرة:
"ياسمين..انت متعرفيش اللي حصل بينهم فمتتدخليش من غير ما تفهمي اللي فيها!!"
إندفعت تقف تخرج له كلماتها هي الٱخري بإنفعال سببه الأول حملها:
"لا هتدخل ي حازم عشان دي أختي ولازم ٱعرف ايه اللي غير الحال بينهم كده. دا غير البني الٱدم اللي مشى ومعندوش ريحة الدم انه يجي. لا دا سابها وسابنا احنا كمان بدماغنا!!!"
ووقف يخبرها بنفس الضيق يشير لها هو الٱخر:
"لا فكري صح. ومتحكميش من غير ما تعرفي. ما يمكن اللي حصل بدايته من عند نيروز. انتي عارفه أختك!!"
"انت بتدافع عنه؟"
نهرته بتعجب وملامح تشنجت فرفض بخبرها بعلمه لهوية الٱخر:
"لا مبدافعش. نيروز اختي وغسان بردو اخويا وصاحبي قبل ما يبقي جوزها. وزي ما عارفها عارفه هو كمان وعارف إنه مش متسرع في انه ياخد قرار زي ده. انتي ناسيه بيحبها ازاي؟"
لم يعجبها ذلك الحديث كونها تأخذ صف شقيقتها بالفطره. تنفست بصوت مسموع تتدافع هي الٱخري بإستماتة:
"طب ما هي بتحبه!!"
إقترب كي لا يثير القيل والقال وهمس بصوت منخفض يخبرها بما جعلها تسكن بتشتت مقررة فهم ما حدث بينهما:
"انا كراجل بقولك ان غسان بيحبها ٱكتر!!"
قلبت عينيها بضيق. وتقدمت تطرق باب الغرفة مجددا بجانب شقيقتها. في حين حمل "حازم" "يامن" يداعبه بعيدا عن هذا الجو المشحون. وبقت "سمية" تندب باكية بغير تصديق إلى الٱن لهذا الحال!!!
_________________________________________
"فهمني بس ي."
عمي حصل إيه؟ أنا لسه جايل ومش فاهم حاجة، وبرن على غسان تليفونه مقفول!
رددها "بدر" بقلق، وخلفه كانت تقف "دلال" مع "وسام". زفر "حامد" بصوت مسموع وردد بنبرة هادئة جداً يجيبه وهو ينهض يضع هاتفه ومفتاحه بجيب بنطاله القماشي:
"أهو اللي سمعته يا بدر، وغسان مشى ومـ..."
قطع حديثه صوت دقات الباب والجرس. توقعت "دلال" من القادم وهرولت تفتح الباب، فوجدته "شادي" الذي كان يتلهف. دخل ورأى دموعها على وجهها لم تجف إلى الآن، لذا دفع رأسها ناحية أحضانه يعانقها ليبث بها الاطمئنان وقال برفق:
"متقلقيش.. كله هيبقي زي الفل والله، ما انتي عارفة غسان وجنانه!"
أغلق الباب بقدمه ودخل يسحبها معه برفق، حتى أجلسها على المقعد. واقترب يعانق "حامد" و"بدر" ورحب بـ "وسام". وقف "حامد" بعدها يخبرهم:
"أنا نازل أقعد في المحل شوية، هاتلي يا وسام مصحفي!"
استنكر "بدر" رد فعله وكذلك "شادي" الذي اقترب منه يسأله بلين:
"أومال غسان فين؟"
ردت "دلال" هذه المرة تخبره بنفس النبرة الضعيفة:
"راح الشغل!"
اختفت ابتسامته واقترب يخفض صوته كي لا تسمعه "دلال" ووزع نظراته بين "حامد" و"بدر" وقال يصحح قولها:
"أنا لسه مكلم الفرع وقالولي إنه مش موجود، ومراحش امبارح برضو!"
أمس لأنه ظل برفقته ورفقة "حازم" بينما اليوم أين رحل؟ استنكروا أيضاً رد فعل "حامد" الذي أومأ بصمت هادئ وأخذ المصحف من بين يدي ابنته وفتح الباب ورحل منه بعد أن ارتدي حذاءه.
قصدت "دلال" الجلوس بشقتها وعدم الذهاب ناحية "سمية" بأي وجه ستراها وجهها. ظلت واحتوتها "وسام" لتهدأ، بينما حرك "بدر" رأسه ناحية "شادي" الذي سأله بتعجب:
"هو في إيه بيحصل؟ وماله؟"
"مش عارف يا شادي، يمكن عارف مكانه عشان كده سكت!"
صمت بحيرة وتقدم "بدر" من زوجة عمه يهدأها، بينما تقدم "شادي" هذه المرة يخرج يعتصر ذهنه عند أكثر مكان كان يتحدث عنه الآخر معه، أماكن يذهب إليها وحده، أي شيء! آخر ما رآه من حالة مشابهة لهذه كان يقف عند البحر كالعادة بالكورنيش، ولكنه تذكر مكان ما، عندما أخذ "غسان" بعض الصور لنفسه وهو يجلس أسفل الكورنيش من الأسفل عن البحر على أحد الصخور، وأمام مقهى على النيل مباشرة! أسرع كي يبحث، يكفيه شرف المحاولة حتى وإن لم يجده. وهبط كما هبط "حامد" قبل دقائق.
"إزيك يا عمي؟"
رحب "آدم" به وعانقه حتى بادله "حامد" العناق بترحاب، ورد على سؤاله بحمد لله وأشار له قائلاً بهدوء يطلب منه:
"هاتلي كرسي كده حطه هنا!"
مد "آدم" ذراعه يحمله بعدما كان يستند عليه وتقدم يضعه حتى جلس "حامد" وهو يمتن له بنظراته، فتقدمت "فريدة" تسأله بلطف:
"تحب أعملك حاجة تشربها يا عمو؟"
ابتسم بلطف وقرر التخفيف عنها وراضي قولها ظاهراً الحماس:
"لو كوباية شاي فريدة زيك كده يبقى يا سلام!"
توسعت بسمة "فريدة" من مجاملته أمام نظرات "آدم" الذي جلس هو الآخر مع عمه. وقعت عيني "حامد" على سعادته الظاهرة على ملامح وجهه وعندما رفع الآخر يديه يمسح خصلاته انتبه لما يرتديه على الفور، ابتسم بنفسه ولنفسه وأخذ نفساً عميقاً ثم قال:
"انت عارف ياواد يا آدم.. إن العيون بتتكلم من غير كلام؟ ولما بتتكلم كلامها بيغلب أحلى كلام، عنوان القلب وطلائع القلوب، ومهما كانت جريئة السر فيها مكشوف!"
تحركت عيني "آدم" تلقائياً نحوها هي وهو يسمع حديث "حامد" وعقب ما انتهى هاتفاً بتنهيدة يجيبه:
"عارف آه!"
"عارف إيه يخويا؟"
شاكسه "حامد" بسخرية غير غافل عن تيهته بها وعدم تركيزه. وعندما سمع سؤال عمه أجاب وهو يتفحصها بنظراته كي تلتفت وما إن التفتت رد عليه بـ:
"عارف إن عينيها خبيثة، بتثبت وترمي السهم يرشق في القلب وتهرب!"
لحظات وتوردت وجنتيها بتوتر، تعيش أجوائه لمرات قليلة وكان هو السبب. كان هو سبب في ضحكات "حامد" وهو يلتقط منها الكوب، تزامناً مع رده الخبيث:
"عين مين دي اللي خبيثة ووقعتك؟"
التفت "آدم" وقال بتلقائية مع ابتسامة بلهاء:
"اللي بحبها"
فسأله "حامد" بمشاكسة يريد منه الوضوح كي يتولى زمام الأمور مع "بدر" في اللاحق:
"هي مين؟"
"واحدة حلوة فريدة من نوعها، شوفت قبلها وشوفت بعدها بس الفريد فريد، كاريزما ومبيتغيرش!"
هربت "فريدة" مع دقات قلبها لناحية أخرى بعيد، وضحك "حامد" بخفة، ومد كفه يربت على ساق الآخر مردداً بهدوء يتذكر طباع "غسان" ولده التي تشابهها طباع من يجلس أمامه وخاصة في العبث:
"إهدى انت بس على نفسك، وعمك هيطلبهالك!"
تلهف بحماس وشعر بأن وجود شخص كعمه بشيء كهذا سيعزز من موافقة شقيقها. فنبس بحماس:
"بجد؟"
سبه "حامد" هذه المرة وقال يشير على نفسه بمرح:
"أنا عمري قولت كلمة ورجعت فيها يا بن الكلب؟"
ضحك "آدم" بخفة وهو ينفي برأسه. فندم "حامد" مستغفراً ثم قال:
"شوفت؟ خليتني أغلط في أبوك، الله يرحمه. اتحرك فز ارفع إيدك نقرأ الفاتحة على روحه!"
نظر "آدم" يرمقه بترجٍ مرح:
"طب ما تيجي نقرأ فاتحتي عليها!!"
ضحك "حامد" بيأس ورفع يديه مباشرة يقرأها على شقيقه ووالد الآخر الذي ضحك محركاً عينيه ناحيتها وهي تضحك عليه بخفوت من على بعد. فضحك بخفوت مثلها تحت تحدي "حامد" له محذراً بالالتزام عند قراءة الفاتحة.
لحظات الوجع تأتي بينما التفكير والمواجهة يجهل عنها. يريد أن تسقط دموعه وهو وحده ولكن لا يستطع ولا يعلم. جهل عن مشاعره السيئة المؤلمة التي تجتاحه ولكن ثمة شيء يكسره من الداخل لا يريده أن يتخطى هذا الوضع. نظرته لنفسه خائبة وهو الذي إن حدث غير ذلك يتباهى بما لديه حتى لو بمرح، بينما في الداخل إن بحث بنفسه لم يجد إلا الخراب. سيتركها بعد أن حملت في أحشائها قطعة منه. هذا الحوار المتعب المنهك بين عقله وقلبه لا يتوقف. لكنه يعلم وبات يفهم أن كبرياءه سيغلبهم بقول كلمات أخيرة يفهمها جيداً، بل وبه لمحة من الاقتناع.
لم يجد على لسانها سوى كلمة طلاق وفراق وانفصال وكأن الأمر هين على الاثنان. وجد الأمر هين عليها بمنتهى البساطة وكأنها كانت مجبرة على العيش معه. لم تواجه أكثر، تبرر، تحتويه، تعطيه كلمات يقتنع بها، كلمات تتلهف بها كي تظهر له بأنها تتمسك مثله تماماً. كل مرة يقارن وهذه المرة قارن تمسكه في كل مرة كي يتخطى لها الوجع ويستمر. والمرة الوحيدة الذي وقف بها ساكنًا يأتي بكلماتها الحزينة بعد أن كسرت شيئًا بداخله لم تفعلها، ولم تتمسك ولم تصمت ولم تبتعد كي يهدأ ويسكن الوضع، بل بكل جبروت رآه هو بها بهذه اللحظة رددت بالانفصال والفراق. هل سهل؟
سهل هذا الوجع عليها؟ أم أنه هو وحده الذي وقع بها وقعة لم يستطع النهوض منها وبها؟ وكالعادة أفكاره تهزمه. وكالعادة مرة أخرى عندما يحزن يستدعي بهذا الحزن كل حزن حزنه من قبل.
ما ينهكه أنه لا يستطيع شرح ما يشعر به، ولا يستطيع أن يبرر ويوضح أسباب لغيره! كل ما بات يعلم طريقه حيث الراحة كان أحضانها. أين هي؟
حتى لم تحاول أخذه بها بطريقة ما كي تسكنه وتسكن وجعه، حتى هذا كان سيعتبر تبريرًا هادئًا سيفهمه عندما يرى اللهفة بها.
- وهل رأيت؟
سأله العقل المؤلم الموبخ الحاد، ونفى قلبه، ولأول مرة يصدق معه.
- لا، لم أرى.
قال القلب بخيبة، رغم قهره. وكأن القلب يعلن وجعه له. المرة الوحيدة الذي نكس بها رأسه بخذلان، كان دائمًا يكابر كي لا يرى لعقله بأنه هو الصواب. جاء دور الوجه عندما أشار له العقل بأن يبتسم بسخرية لاذعة من هذا الحال. الغريب أنها لأول مرة تكون محقة عند قولها، وهي تخبره بتأجيل الإنجاب. بينما هو لم يرى حينها سوى الحب واللهفة والحماس بإنجاب طفل عندما تسنح الفرصة. من أكثرهن أثرت بقلبه ورمت شباكها ووقع بها، عكس كل مرة كان يعلم بها أنهن لن تكن حالة مستمرة بحياته، إلا هي... "نيروز الحب".
ألقى السنارة بعدما علق الطعم، وعيناه لا تفك عن الشرف المفتوحة والأصوات العالية بذلك المقهى الذي يوجد أسفل الكورنيش، يطل على ماء النيل مباشرة بشكل أنيق. ترك كل شيء وجلس على صخرة على بعد من هذا. ومن بين ما يفعله عقله يشرد. سمع أحدهم خلف ظهره يهبط بحذر كي لا تتعثر خطواته وقدميه ليقع. حينها إن تدحرج سيقع بالماء! لم يلقي بالا، بل شغله وجعه، بينما هتف الآخر من خلف ظهره:
"حسيت إني هلاقيك هنا بردو!"
لم يكن هذا القول سوى من "شادي" الذي بحث عنه ومن قبل هذا المكان، ولكنه وجد سيارته فأخذ يبحث بعينيه إلى أن وجد ظهره له. لم يلتفت "غسان"، استمر بما يفعله وقال ساخرًا من أمر قديم كان سبب في كل ذلك:
"ومين يرجع لنا أماكنا القديمة؟"
ورفع ذراعه يأتي بالسنارة ناحيته أكثر، حتى سأله تزامنا مع تقدم "شادي" ليجلس بجانبه بحذر:
"إيه اللي جابك؟"
حرك رأسه بعدها فوجده يرمقه بتفحص وتمعن لهذه الجروح التي وجدت في وجهه، وخاصة أنه انتبه لجرح رأسه من الخلف. صمت لم يجبه، بل راوغ بسؤال آخر:
"مروحتش الشغل ليه؟ وسيبت البيت ليه؟ وأمك ساييها بتعيط ليه؟ وايه اللي أنا سمعته ده؟"
داهمه بأسئلة كثيرة، في حين طالعه "غسان" بغير اهتمام وألقى ما بيديه مرة أخرى بصبر وقال متهكمًا يسأله:
"وأنا مطلوب مني أجاوبك على كل ده بقى؟"
"أه مطلوب، لأن كل سؤال سيبت وراه مشاكل ومشيت. طلاق إيه يا غسان اللي بتقول عليه؟"
حرك رأسه وقال بلامبالاة يهرب من ضغط الآخر:
"انزل من على وداني ي شادي، أنا مش ناقصك!"
أخذ السنارة من بين يديه وأمسك ذراعه بحزم وجدية قليل ما تظهر وقال يوبخه:
"لأ ناقص، ناقص عقل. انت مش واعي إنت قلبت الدنيا ومشيت إزاي؟ ولا حتى واعي إن مراتك حامل. إيه مش فاكر كنت مبسوط إزاي؟ إيه اللي كان حصل لكل ده مش فاهم، فهمني؟"
ابتلع "غسان" ريقه وقال يبرر بصدق لما فعله:
"أنا معملتش حاجة غير إني عطيتهم خبر باللي هيحصل. مش فاهم أنا ليه مكبرين الموضوع!"
استنكر "شادي" بساطة حديثه، وعلم أن بين الكلمات وطياتها يوجد وجع لا حدود له. لانت نبرته وسكن قوله بمواجهة له ناظرًا له بعدستيه:
"عينك بتقول غير كده!"
انتشل "غسان" ما أخذه منه وقال بضيق يشيح بوجهه بعيدًا عنه:
"اه انت فاضي بقا!!!"
"اتكلم واحكيلي إيه اللي جرا واتغير ومين مبهدل وشك وباطحك كده!"
تصنع عدم الإنصات وصمت يشعل لفافة. فإنتظر "شادي" الرد ولكنه بعد عن محور الحديث عندما سمعه يشير وهو ينفث دخان سيجارته:
"من ساعة ما جيت والبت اللي هناك دي عينها عليك. بص كده!!"
زفر "شادي" بنفاذ صبر وقال بعدما سبه سب خافت وصل إلى مسامع الآخر:
"بت وايه وزفت إيه دلوقتي؟ ما تركز معايا!"
"ما أنا مركز معاك أنا والبت. بص كده دا شعرها أصفر بص ياض!"
ضغط "شادي" على أسنانه بضغط من تصنعه اللامبالاة. يريده يواجه وطالما تهرب أيقن أن الحوار كبير عن ما كان يتوقع. وعلى فجأة مد "شادي" كفه يمسك ياقة قميص "غسان" بعنفوان كي ينتبه له وقال بغيظ:
"الشغل ده ميمشيش مع شادي يا حيلتها. إحنا مش صحبة يومين. إنطق حصل إيه معاك وبلاش اللف والدوران ده!!!"
هبطت عيني "غسان" على يديه التي تتمسك به بهذا الإنفعال المبطن. ودفع يدي الآخر بذراعه حتى رجع إلى الخلف مع قوله الهادئ:
"متختبرش صبري ي شادي. وإبعد عني لأن كدة كدة مش هتاخد مني كلمة!"
أخذ أنفاسه يتحلى بالصبر واستخدم طريقة أخرى يحثه بها وهو يشير:
"طب قوم بينا نروح!"
"مش عايز"
"ليه؟"
صمت "غسان"، ووقف "شادي" بعد ذلك قاصدًا قول الآتي بجدية يواجهه:
"أقولك أنا ليه؟ عشان مش عايز تحط عينك فعين مراتك وكل كلامك دا بلح. يا أخي مش قد القول بتقلب الدنيا وتمشي ليه؟ ويكون في علمك بقا تيجي متجيش ميهمنيش. أبوك زعلان وأمك زعلانه. ولو حامد جراله حاجة المرادي كمان يا غسان هيبقي بسببك انت ومحدش هيسامحك!!!"
ولم ينتظر الرد بل أشار بيديه بإهمال يتركه:
"سلام!!"
نظر بطرف عينيه بخبث قبل أن يوليه ظهره، بينما الآخر شعر ببوادر القلق تداهمه على "والده" كيف لم يفكر بما حدث له بسبب حزنه على "بسام"!!
التفت برأسه فوجد "شادي"، بطريقه للأعلى كي يخرج. بينما نظر بساعة معصمه وزفر بصوت عالٍ ود لو يضرب رأسه من تشتت أفكاره. بينما لم يستطع فعلها وقرر النهوض غافلا عن سيطرة الآخر الغير مباشرة عليه. أما غيره كانت تعلم بأنه يبرع في التعامل معه!!
وبعد لحظات، ركب "شادي" سيارته بعدما ركنها على بعد وانتظر دقائق بعدما أغلق الاتصال مع "دلال". نظر بالمرآة بتمعن حتى وجد جسده بظهره يخرج من المكان متحسسًا مفتاحه بجيب بنطاله وهو يمرر عينيه على صف السيارات كي يتذكر مكان سيارته. ركبها وبعد دقائق رجع بظهر السيارة إلى الخلف وسار. وعلى غير العادي كانت سرعته في القيادة سريعة هذه المرة وما يعرف عنه عكس ذلك. لم يكن بمتهور في حين علم من يراقبه وسار خلفه أنه يخفي ضغط بأعصابه كي لا يخرج، بينما ملامح التعب تظهر للمقربين منه!!
تلك المرة قررت "فرح" الهبوط لمحل الورد لتجلس مع "فريدة" بعدما علمت وتيقنت بأن جلوسهم سيطول مع "عز" شقيقها. وهم، وبقت "حنان" تتولى زمام أمور الطهي في حين تقدمت "عايدة" ناحية شقة "سمية" لتواسيها وتسكنها من روعتها. وبقت "دلال" في الداخل تنتظر ومنعت "وسام" من الاتجاه نحو شقة "سمية" كي تتقابل مع "نيروز". تهاب رمي حديث معين ومن ثم لا يصلح الوضع بل يعقده وهو معقد من الأساس. تقدمت "جميلة" بجانب "وردة" تدق باب غرفة "نيروز". وبقت "ياسمين" تنتظر في الخلفية وعلى بعد وقف "عز" مع "بدر" والإثنان يتشتتان، وأحدهما تشتت عن أخذ حق كان يصمم على أخذه اليوم!!
لكن يتضح أن العقبات لا تترك راحة لغيرها كي تتولى مكانها، بل واحدة مع الأخرى بنفس زمنها، أو واحدة تلي الأخرى دون راحة، أو دون أن تعطيهم فرصة لأخذ أنفاسهم.
وفي "محل الورد" في الأسفل، اندمج "آدم" في العمل بجدية كي يساعدها ويخفف عنها ما تحمله. وتنحني تلتقطه، يكفي ثقل وضغط ما حدث بالأمس. في حين منذ فترة بدأ المحل يعرف، لذا بين دقائق وبين وقت والآخر يدخل زبون لهم. و"حامد" يجلس أمام المحل على الشارع الترابي للسير، وعلى بعد كان كورنيش البحر أمامه والهواء يداعب بشرته وهو يقرأ من مصحفه، ينتظر قدوم "غسان" الذي يعلم بأنه سيأتي بواسطة "شادي" الذي سيدبر الأمر كي يجعله يأتي بأي طريقة حتى ولو بخداع.
وفي الداخل، ساعدت "فرح" "فريدة" ووقف الاثنان يتسامران، وعلى بعد كان يتابع "آدم" ما يفعله بدلاً عنها. ابتعدت "فرح" قليلاً تجلس مع "حامد" بالخارج، في حين كان قد دخل المحل شاب من بين الذين يدخلون. ترقبت وابتسمت "فريدة" تسأله بعدما ألقى عليها التحية وكلمات أخرى:
"أهلاً بك، اتفضل حضرتك محتاج إيه؟ تحب أساعدك في حاجة؟"
وبذكاء من الذي يتابع من على بعد، تشككت في هيئته وشكله الكامل، رغم أن هناك شباب دخلت وساعدهما وهي أيضاً، ولكن هذا يختلف ولم تشعر بالراحة. وفهم نظراته جيداً، لذا اقترب "آدم" يتابع بتفحص وتمعن. في حين لم يغفل بنفس الوقت عن جمالها وحتى ضحكتها الرسمية التي تبتسمها للزبون فتزيدها أناقة رغم انطفاء ملامحها بحالتها النفسية. لكن ما يعرف عنها بأنها أجمل فتيات العائلة، وبجانبها "جميلة" وتليهم "ياسمين". والمتوقع بأن يجيب الشاب بابتسامة عبثية:
"ياريت والله واحدة زيك تساعدني، أنا موافق جداً."
لم تهتز ملامحها، تعرضت من قبل ذلك لهذه الكلمات، لذا تحاملت وصبرت. ابتلعت ريقها تبتسم فقط. فوقف هو يتابع وجهها هذه المرة دون أن ينبس بأي حرف، واللحظات تمر. اقترب "آدم" هذه المرة ودخل يقف بجانبها ودفعها بكتفيه وهو يمر بقصد، حتى ابتعدت قليلاً بغرابة. وسمعته يردد بنبرة جادة وابتسامة زائفة صغيرة جداً، بمجاملة:
"أؤمر ياباشا، أنا معاك أهو. محتاج إيه أساعدك فيه؟"
رأى الشاب نظرة عينيه التي كشفته، فاهتزت نظراته وسأل بسؤال غريب جعل "فريدة" تكتم ضحكاتها مع "فرح" التي وقفت تتابع من على بعد:
"عندكم ورد؟"
ما هذا السؤال؟ استغرب "آدم" ورفع شفتيه باستنكار يجيبه:
"نعم يا خويا.. لا معندناش."
"أنا آسف جداً، أنا متابع المحل من فترة وعارف إن الآنسة واقفة فيه بقالها شوية، ومعجب جداً بنظامها للمكان وشكله."
يراوغ؟ بل وتجرأ أمامه هو؟ أخرج "آدم" أنفاسه ببطء، وعلم ما ينويه الآخر، لذا قتل آماله بجملته الآتية بصبر:
"في الحقيقة عندك معلومات غلط، لأن اللي بتقول عنها آنسة مراتي يا باشا، وده محل أخويا وبتساعده فيه هي ومراته. ها تحب تشوف هتاخد إيه؟ ولا؟"
قتل أمله بعد فترة مراقبة. تراخت ملامحه بحرج، وحرك رأسه بنعم وهو يبتعد يختار أي شيء من على بعد كي يخفي إحراجه بهذا الشكل. ناهيك عن صدمتها بما قاله، حتى التفتت تنظر له بذهول، مرددة:
"انت قولت إيه؟"
التفت برأسه هذه المرة يرى ما جذبه ناحيتها. لم تضع أي مساحيق تجميل مثلما كانت تضع، وحتى خصلاتها مخفية وملابسها طويلة. ووجنتيها لم يوجد عليها شيء. رفع عينيه ناحية شيء آخر وقال يختصر:
"مقولتش."
بارعة في كل ذلك من قبل، وعلمت ما يحتله الآن من مشاعر. تصنعت الجهل والبراءة وقلبت عينيها تشير له بطريقة غير مباشرة بأنها ستسير ناحيته:
"طب عديني كده أساعده، شكله غلبان ومش عارف حاجة."
رمقها "آدم" بطرف عينيه وتابع تبجحه الذي خرج يقف أمامها بابتسامة عبثية يعلن لها ما يعلمه من ما تفكر هي به:
"وأنا معنديش مانع أقول إني بغير على مراتي لو حابة تسمعي ده يعني!"
فاندفعت بقولها تهرب من نظراته:
"أنا مش مراتك!"
اقترب "آدم" يهمس عندما وجد الأنظار ناحيتهما وقال بإيجاز تحت ثباتها تستمع:
"مستقبلاً إن شاء الله!"
ابتعدت "فريدة" قليلاً تخفي ارتباكها وأشارت برفض زائف:
"انت مصدق بقا اللي بتقوله ده؟ انسى اللي قولتهولك!"
تصنع "آدم" الذهول وأشفق وهو يشير يسرق انتباهها عن الآخر:
"هو أنا مقولتلكيش؟"
سخرت هي ولوت شفتيها بتهكم تنفي قائلة:
"قولتلي إيه ان شاء الله؟"
"اني مبعرفش أنسى، وبالذات الكلام الحلو اللي من ناس حلوة!"
اهتزت نظراتها وعينيها، وكذلك خرج الشاب يهرب دون أن ينتبه له أحد. تابعتهما "فرح" من الخارج باهتمام وإعجاب.
"ميمنعش انك بتغير وبتشيط كمان وانت واقف مكانك!"
تذكر أمر الفتاة قبل ساعات، فضحك يخبرها بما سهت عنه:
"عملتيها قبلي، ولا ناسية.. حلوة؟"
قلد نبرتها وإشارة يديها بالتفصيل، حتى قهقهت هذه المرة بقوة. تفحص ضحكتها بسعادة من سعادتها التي تظهر معه الآن. وتلقائياً تمعن النظر بتيهان، حتى هتف بعدما انتهت تتعلق عينيها معه:
"حتى ضحكتك فريدة من نوعها!"
تذكرت عبثه من قبل ذلك ومسحت الطاولة التي تقف أمامها بقماشة وتصنعت عدم الاهتمام وسألته بخبث:
"وقولتها لكام واحدة قبلي؟"
حرك "آدم" كتفيه ببساطة ورد:
"ولا واحدة، معرفتش واحدة اسمها فريدة قبل كده!"
علمت أنه يبرع في التلاعب معها بكلمات متأثرة تارة، وتارة يقتل أملها في قولها الشيء التي تتأكد منه أنه دوماً ما يخالف توقعاتها ويأتي بحديث لا تعلمه، ناهيك عن سؤال عينيها المعهود منه وحتى رأيه المفروض ولقبها بالـ "شاطرة"! لاحظت نهوض "فرح" وهي تقترب، ومن خلفها وقف "غسان" بعدما اقترب من "حامد"، يقف أمامه ينظر بتمعن يراجع نفسه عن ما فعله من تركه ولم يتحسب لتعبه.
رفع "حامد" عينيه وأغلق المصحف حتى وجده يقف بصمت، فقط يسمع صوت أنفاسه وملامح وجهه. ابتسم على غير العادي ابتسامة هادئة يقدم له كفه كي يسنده. وبالفعل لبى "غسان" غرضه وأمسك يديه يدفعه برفق إلى أن وقف. عجز الآخر عن قول شيء ونظرات والده له كمن يرى نفسه مكشوف. ولم يبدأ الحديث برسمية عن حاله الآن، بل قال فجأة وهو يقف أمامه:
"موجوع منها ومشيت وسيبت الدنيا، يبقي بتحبها وأوي كمان. ليه عايز تطلقها؟"
هو من أراد. أخرج "غسان" تنهيدة حارة ورفع عينيه يحركها بعشوائية وانهزم عندما عاد ينظر تجاه وجه والده وقال رداً عليه بوجع قد كشف له وحده:
"علشان تعبت يا بابا، ومبقتش قادر أحط نفسي دايماً تحت ضغط. ليه أنا اللي أجازف وليه أنا اللي بفضل أحاول وليه أنا اللي بحب أكتر وأنا اللي مضطر أعدي حتى لو مجبتش على حد!"
عمم بحديثه كي يبعد عن هذا الحوار المنهك، خاصة أمام عيني "حامد" المشفقة والمتفهمة لما حدث له. سارا معاً أثناء هذا الحديث ناحية كورنيش البحر تقدما مع قولهما.
"حامد" وهو يستند، محركاً نظراته نحو البحر:
"عارف يا غسان انت بتصعب عليا ليه؟"
لم يجب "والده"، بأي حرف بل سكن ينظر بشرود أمامه حتى واصل "حامد" يكمل بعقل:
"علشان مهما كنت على حق بتغلط نفسك وغلبان. تمد ايدك بقا تقول كلمة كده ولا كدة، بصة شتيمة من لسانك الطويل، برودك، فأوقات غلط وقراراتك فأوقات أغلط زي دلوقتي كده!"
وأكمل بيقين يهون على قلبه:
"مع ان الأساس انت مبتكونش غلطان. وممكن تفضل مش غلطان لحد ما تعاند قصاد اللي قدامك وخلاص!"
أخرج "غسان" لفافة يشعلها أمام والده بتعب وهو يستمع. تركه "حامد" يخرج ضغطه وابتلع ريقه يحثه:
"اتكلم ي غسان!"
وبغير وعي أجاب بإقتضاب وهو ينفث دخانه، ولكنه لم يكن يعلم أن نبرته ستخونه عندما ظهر العجز بها:
"مش عايز ومش عارف!"
أخرج "حامد" أنفاسه ونظر ناحية وجهه وقال يخبره:
"بس أنا عرفت. وحاسس كمان باللي انت حاسس بيه ومقدرك. مش عشان انت ابني، عشان أنا كمان راجل ومعرض اتحط فالموقف اللي انت اتحطيت فيه. انت عارف الغلط فين؟ إنها اتسرعت وإنت وافقتها وسكت!"
لم يتفاجئ من علمه. بالتأكيد أخبره "بسام" النصف والنصف الٱخر منها بالتفسير. ابتلع ريقه ولم ينظر إلا عند أخر حديثه والتفت يلقي السيجارة هادراً بوجع ظهر بين تفاصيل الحروف المؤلمة:
"مطلوب مني موافقهاش علطول واسكت؟ مطلوب مني بقا اجاريها بالرفض وهي كل مره بتتسرع فالغلط وهو غلط. ليه متغيرش طبعها ومتتسرعش هي زي كل مره؟ ولا أنا اللي لازم أعدي وأصبر كل شوية!!!"
"كونك راجل تقدر وتصبر بس مش كل مره زي ما بتقول. انت حاولت وبتحاول تمسك الموقف كل مره وجيت عند المره اللي المفروض تقف فيها وتمسكه وتعاند بالصح. وسكت! لأنك مش واعي إنك هتبقي أب في المستقبل ومراتك حامل بعيدا عن عنادها وسكوتك."
"وأنا مقولتش اني هأثر فحق ابني اللي جاي. وهي كمان اللي طلبت الطلاق مش أنا. أنا متهورتش. بس هي اللي أصرت تقول مننفعش لبعض وإنها عايزه تتطلق عشان مبقتش عايزاني. وعمرك ما هتتخيل أنا شوفت ايه فعينها لما سمعت. يعني مش عايزاني وأنا كمان مش هفضل مع واحدة مش عايزاني. أنا كفاية اللي اتبقى من كرامتي. أنا عايش عليها وعايش راجل بمبدأ قلبي يبقي تحت رجلي وكرامتي فوق الكل!!"
وضع "حامد" كفه يربت عليه وقال يسكنه:
"بص يبني بإيدك تعاقبها أي عقاب لكن بلاش الطلاق ده اهدي واسمع الكلام. دا أبغض الحلال عند ربنا الطلاق ده. ربنا يهديك أقعد واهدى وفكر مع نفسك كده!"
ينصح وكأنه الذي طلب الانفصال. قرر تجاهل قول "والده" بالصمت فقط ودس يديه بجيي بنطاله حتى نظر "حامد" بابتسامة واسعة لـ "شادي" الذي وقف من خلف ظهر الٱخر. بينما هتف "غسان" له بثبات:
"شايفك. بشوف بضهري كمان انا!"
إقترب "شادي" وهو يضحك مع ضحكات "حامد" فردد هو بمرح يخرجه من حالته هذه:
"ليه؟ جامد للدرجادي؟"
حرك "غسان" رأسه يؤكد دون النظر له فأكمل "شادي"، بمرح:
"طب ما تخف جمدان ينجم!"
إلتفت "غسان" قبل أن يرد "حامد" وقال يرد على حديثه بـ:
"حاولت مبقاش جامد بس الطبع غلاب انت عارف!!"
صفق "شادي" وضربه يضم رأسه بين ذراعه تحت نظرات "حامد" المتأثرة. فدفعه "غسان" عنه بنفور زائف وهو يقول:
"ابعد ي زنان. يا لزقة!"
"متسيبهوش يا شادي وتعالوا يلا نطلع!!"
سار قبلهما ناحية المبنى هذه المرة بينما سار "شادي" يجذب "غسان" معه بمشاكسة ينصحه بالهدوء. إلى أن وقف بمفاجأة من وجودها هنا. بالفعل جلبها معه ولكن أوصلها عن والدها. كانت "منة" تقترب منهما بسرعة وملامحها ما يبدو عليها التشنج. نظر "غسان" له فوجده يبتلع ريقه بريبة مردداً بخفوت:
"ايه اللي جاب بنت المجانين دي هنا الوقتي؟ أنا مش موديها عند أبوها؟"
هبطت قبل وقت من منزل والدها وعلمت بما فعله هو، لذا لم تتردد لحظة في التوجه نحو مكان ما تعلم بأنه به. وجدها تقف وخصلاتها تناثرت للأمام عندما حركت رأسها تشير له بإنفعال:
"هو ايه اللي أنا سمعته ده ي شادي؟ ايه الكلام ده وازاي تعمل حاجة زي دي من غير ما ترجعلي؟ انت اتجننت؟"
كان يقف ساكناً، في حين تابع "غسان" ما يحدث بغرابة. ووزع نظراته بينهما بينما تصنع "شادي" الجهل عندما هتف يتساءل بغير اهتمام:
"ايه عملت ايه؟"
"انت كده واو يعني. لما تروح تلغي اشتراك الجيم وكمان تمرين البوكس اللي فالنادي. انت ازاي متقوليش علي حاجة زي دي قبل ما تقرر تعمل كده؟"
اقترب يطالعها بحدة من صوتها المرتفع. ووقف يخبرها بردح:
"أومال عايزاني كل يوم اجيبك وأوصلك وارجع أرجعك ليه ان شاء الله السواق اللي ابوكي جابهولك. اسمعي ما اقولك بقى فضناها وهناك ابقي اشتركلك فكل ده من جديد عشان المسافة دي مش جاية معايا!!!"
اقتربت ترفع عينيها بغيظ وهدرت بإنفعال:
"وأنا فين يا بني ادم انت؟ بتمسح شخصيتي ورأيي. أنا اللي المفروض أخد قرار زي ده مش انت. أنا مش موافقه. أنا متعودة على هنا ومش هغير أي أماكن!!!"
يؤلمان رأسه أكثر مما هو مؤلم. نظر بعشوائية فوجد "فرح" و"فريدة" و"آدم". هو الٱخر الكل يتابع. بينما أمسك "شادي" معصمها يوبخها بجدية هذه المرة:
"انتي ازاي تعلي صوتك وتيجي تتكلمي كده فوسط الشارع؟ احنا هنخيب ولا ايه ما تتظبطي وإطلعي بدل ما ازعلك مني المرادي بجد يا منة!!"
دفعت "منة" يديه بضيق وعنفوان وتركته تدخل المبني حتى هرولت خلفها "فرح" وذهبت "فريدة" تغلق المحل كي تصعد هي الٱخري. في حين زفر "شادي" بصوت ووضع يديه بنتصف خصره. والتفت برأسه ناحية "غسان" يضع كفه على كتفيه وقال بتشتت:
"ها كنا بنقول ايه؟"
وكأنه تذكر للتو فضرب كتف "غسان" بتذكر ودفع بإصبعه بجانب رأسه وكأن عادت له الذاكرة وقال بما لا يتوافق معه:
"أه.. افتكرت. خليك حنين بقولك مع نيروز وهدي أعصابك خالص مش كل شوية خناق و شد لأن مـ...."
توقف عن الحديث عندما وجد "آدم" يضحك بقوة عليه. من ينصح الٱن؟ نظر "غسان" ناحية "آدم" الذي. ضرب ركبتيه من كثرة الضحك. فابتسم "غسان" بسخرية ثم أشار ناحية عقله كدلاله علي أن "شادي" مختل عقليا بالفعل حتى سبقهما وتركهما مع بعضهما ودخل هو المبنى!!
"أنا مسيطر على فكرة، أنت بس مش فاهم الموضوع!"
تشكك "آدم" من بين ضحكاته وهز رأسه يجاريه بمجاملة:
"آه منا شفت، ومصدقك من غير ما تحلف كمان!!"
وأضاف وهو يشير له باستفزاز بهاتفه:
"دا أنا حتى هسميك شادي سيطرة!!"
طالع "شادي" بسخط وتركه كي يصعد هو الآخر. سار "آدم" خلفه بعدما راقبها بتمعن قبل قليل عندما صعدت. دخل الاثنان المصعد تزامناً مع فتح الآخر الذي خرج منه "غسان" ووجد باب شقة "سمية" مفتوحاً وبه يجلس "والده" مع "سمية" يهدئها من لهفتها الحزينة المتحسرة. وما أن وجدت هيئته وقف بسرعة، خاصة أن ملابسه لا توحي بأنه الآخر بل هو. سارت بسرعة وخلفها "ياسمين" التي طالعت "والدتها" بغرابة، وكأن هذا ينقصه. لا يريد من الأساس المواجهة معهم كي لا يخرج عن شعوره وبالنهاية يُلقب بالوقح!!
وقف يطالع وجهها عندما خرجت تسأله بلهفة:
"إيه اللي أنا سمعته ده يبني؟ قولي فيه إيه بينكم يوصل للطلاق كده؟ أنا قلبي معتش يستحمل كل ده يا غسان، بنتي عملت إيه؟ قولي؟"
سألته ووجد بين طيات حديثها شعورها بأن ابنتها من اندفعت لفعل شيء. تنفس بصوت مكتوم وصمت، يتابع اندفاع "ياسمين" وهي توبخه:
"إنت إزاي تسيبها وهي كده؟ إنت مفيش دم خالص ولا بتحس؟ مش جاي معاك إنها حامل وهتتعب؟"
ظهر من خلفها "حازم" و"بدر" و"عز" هو الآخر. حاول "حازم" سحب ذراع "ياسمين" بينما نفضته هي وهي ترى صمته الغريب، حتى وقوف "حامد" في الداخل بترقب لهم جميعاً.
قرر تركهما تزامناً مع ظهور "شادي" و"آدم". سار "غسان" بخطوات هادئة ناحية باب شقة "حامد" كي يخرج بالمفتاح من جيب بنطاله بصمت مريب بالنسبة لهم. في حين اندفعت تقترب وهي تهتف بغيظ من تبجحه حتى في عدم الرد عليها وعلى والدتها وتجاهلهما:
"أطرش؟ ولا أطرش؟ إحنا مش بنكلمك؟ مش بترد ليه؟ إيه كل دي كاريزما يعني؟"
سخرت منه تحت نظرة "حازم" وهو يضغط على معصمها. وقبل أن يوبخها، التفت "غسان" ينظر داخل عينيها الخضراء وردد بآخر ما كانت تتوقعه هي:
"أه.. العين مش خضرا بس الكاريزما حاضرة!!"
استخفت بقوله تحت مسك "حازم" لها. وقبل أن تردد هي بتبجح مرة أخرى، عنفها "حازم" بـ:
"بس.. اسكتي وادخلي جوه!"
كادت أن تتحدث مجدداً، بينما هتف هو بصراخ لتلبي قوله:
"قولت ادخلي جوه حالا!!"
تركته رغماً عنها ودب الخوف بها من نبرته. ولبت غرضه ودخلت نحو الفتيات. في حين كانت عائلة "زهور" تتابع كل ذلك من خلف باب الشقة. اقتربت "سمية" ببكاء هذه المرة تسأله قبل أن يلتفت ليفتح الباب:
"قولي يابني فيه إيه؟"
"معنديش كلام يتقال، اسألي بنتك!"
فتح الباب بعدها حتى وجد "دلال" برفقة "منة" الملتف حولها الفتيات من "وسام" و"فريدة" و"فرح". دخل "حامد" والشباب من خلفه عدا "حازم" الذي قرر محاسبتها.
دخل خلفها ومازالت تقف خلف من تدق باب غرفة "نيروز"، حيث "وردة" و"جميلة". وحتى "زينات" التي وقفت تتابع بملامح مت حسرة، لا تعلم هي بأن ما حدث بسبب ولدها. تسمع كل منهم شهقاتها تارة وتارة تسكن دون صوت. في حين سار "حازم" يمسك مرفقها بعصبية ثم قال يعنفها أمام نظراتهن:
"أنا مش قولتلك زفت متتدخليش؟ إيه؟ بتموتي في خراب البيوت؟"
نظرت "ياسمين" بغير تصديق له وأشارت بيديها الأخرى على نفسها تردد باندهاش تلومه:
"أنا عايزة أخرب على أختي ياحازم؟"
"أه ومش بس كده، سايقة البجاحة كمان على الراجل، هو كان عملك إيه عشان تتزفتي تكلميه بالطريقة دي؟ دا مردش وبردو مكملة فبجاحتك وقلة ذوقك من غير ما تفهمي اللي حصل بينهم. هتبطلي إمتى اندفاعك بالغباء ده؟"
نفضت يديه عنها وردت تبرهن له بصوت عالٍ دون تدخل الآخرين:
"أنا مش غبية، إنت اللي مش فاهم ولا حاسس باللي أنا حاساه عشان أختي. دي نيروز وأنا عارفاها أكتر من أي حد. ومش عايز اها ترجع لحالة هي بطلتها من زمان. وحتى هو بايع ومش قادر يفهم إن مش تعبها في حملها وبس، دا ساب إيديه من كل حاجة ومطري دماغه!!"
"اسكتي.. تعرفي تعملي كده ولا مبتعرفيش؟ إنتي مجربتيش حتى تقفي فوق راس أختك لحد ما تقولك الموضوع فيه إيه. لا دا وإنتي مغمضة راحة ترمي عليه اللوم وسيبتيها. فوقي يا ياسمينا وبطلي شغل الجنان ده ومتدخليش فاللي ميخصكيش طالما مش هتعرفي تحلي وهتخربي بإسلوبك ده!!!"
وقبل أن تتحدث بنفس الانفعال، ردت "سمية" بيأس منها:
"ربنا يهديكي ويحط فدماغك شوية عقل!!"
تركتهم وتقدمت هذه المرة تدق باب الغرفة بإصرار وأعلى في الصوت تحت ترقب البقية. اعتلى صوتها وهي تردد لها بالداخل:
"افتحي يا نيروز، افتحي خلينا نتكلم!!!"
فتح باب شقة "حامد" كي يخرج منه بعضهم. في حين بنفس ذات الوقت صرخت "نيروز" وهي تقترب تهيج بهم بعدما فتحت الباب بانفعال:
"انتوا عايزين مني إيه بقا؟ عايزين إيه؟ سيبوني فحالي مش عايزة أتكلم مش عايزة أشوف حد!!"
وكالعادة أكثر من تصرخ كانت هي. رددت حديثها ببكاء صارخ صدم البعض ودفعتها "جميلة" تهدأها بلهفة في أحضانها. فبكت "نيروز" بعد هذا الصراخ الذي جعل من في الشقة الأخرى يخرج. والمفاجئ بأن "زهور" فتحت باب الشقة تخرج منه سريعاً على الصوت وخلفها فتياتها وأخيراً المتشبه بالرجال "سامر". وقبل ذلك هرولت "الفتيات" مع "دلال" التي أخيراً خرجت. بعد أن سار "غسان" بخطوات سريعة بعد أن هزمه خوفه عليها واخترق قلبه صراخها المنهار. ارتجفت بين ذراعي "جميلة" ترفع رأسها ببكاء أكثر حينها وقعت عينيها على الجميع وامسكت رأسها وهي تسمع الأحاديث بحسرة من طرف وغرابة من آخر وآخرون!!
"بـــــس، بـــــس بقا!!"
صرخت بقوة وصراخ آخر جعل الكل يتلهف بقلق، وأولهم هو. وقبل أن يقترب، تحولت ملامح "زينات" للخوف ورددت لها كي تهدأ:
"اهدي يا بنتي، اهدي خلاص!!"
الصادم هو الآتي عندما اندفعت "نيروز" بشراسة تلقي اللوم عليها هي. اقتربت بعنفوان تردد بهيجة أعصاب ثائرة على الكل، خاصة هي وأمام عينيه هو. هتفت بنبرة قوية لها:
"بس اسكتي خالص، كله بسببك إنتي، كله بسببك ربنا ينتقم منك ومن ابنك ومنكم كلكم عشان أرتاح!!!"
رددتها ببكاء مع انفعالها. عقد البعض ما بين حاجبيه وشعر "غسان" بأنها ستكشف الذي تعمد ستره هو لأجلهما ولأجلها هي خاصة. اقترب يمسك ذراعيها برفق كي يسحبها، فانتفضت هي تصرخ عليه مرددة:
"ابعد عني، متلمسنيش!!!"
ومن بعدما اقترب، عندما وجدت الخوف على ملامح الأخرى وبين الملامح المنصدمة، هدرت هي بقوة أخرى لا تعلم من أين جاءت بها:
"ليه؟ حرام عليكم أنا عملت فيكم إيه؟ لما كل شويه تخربولي حياتي بالشكل ده؟ خبيتي ليه إن حسن فاق وبقا كويس ها؟"
وبختها وسمعت "زينات" شهقات النساء حتى "زهور" نفسها لم تكن تعلم هذا. ابتلعت ريقها ونظرت ناحية "حازم" بخوف، والذي يطمئن عليه منها. واتضح بأنها أخفت عليه هي الأخرى. حاولت التبرير ولكن قطع حديثها قبل خروجه صراخ "نيروز" الآخر:
"ليه؟ ردي عليا. خرج وخربلي الدنيا ومشي زي ما بيخربها وكل مرة يمشي!!!"
المرة الأولى كان السبب وبردو هو السبب في المرة دي. أنا عملت لكم إيه عشان يحصل فيا كل ده؟
ابتلعت ريقها ووقفت فريدة مصدومة من هذا الخبر. وبجانبها وقف آدم، هو الآخر آخر مرة سأل عنه زاره كان بها غافية ولم يذهب بعدها.
أغمض غسان جفنيه بصعوبة من ما فعلته بتهور. الآن إن تركت الألسنة للحديث من زهور وفتياتها لن يحدث خيرا. خاف وهاب سمعتها لأقصى حد، لذا لم يتعمد حتى السرد لشقيقه وهي هي تقوم بذلك أمام العائلة ببساطة. تظن نفسها ستتركهم دون التفاصيل؟ هو من سيفعل ذلك قبل أن تسرد أكثر. مد يديه يمسك معصمها وهو يتحامل على ذاته وهدر بأمر:
"تعالي معايا!"
حاولت نيروز أن تترك يديه ولكنه أمسكها بحزم، يدفعها بضغط، مرددا مرة أخرى:
"قولت تعالي معايا.. اخلصي!"
وقفت تأبى حدوث شيء، وكل ما فعلته يشعره بأنه لا يوجد أمامه سوى أن يصفعها صفعة، علها تفوق. بينما لم يقدر على فعلها. لم ولن يفعل ذلك. سحبها ولكنها وقفت بعناد، تحاول تركه بعنفوان. وهو الذي يجبرها الآن أمام الأعين. علم حازم ما يفعله غسان بتفكيره. لذا اقترب وحل محل شقيقها الأكبر، أو لربما والدها، عندما نظر لها مرددا بلهجة آمرة مع نظرته الجامدة:
"اسمعي الكلام وامشي معاه!"
حركت عينيها ونظرت نحو عيني غسان التي تحذرها من فعل أو قول أي شيء. سارت رغما عنها معه ناحية شقة حامد الذي انسحب خلفهما تحسبا لأي تهور. في حين جلست سمية بغير فهم تقهر على هذا الحال وحولها النساء. بينما هذه المرة رمقهم حازم بتفحص وجاءت اللحظة الحاسمة. اقترب من الباب وأخذ المفتاح من على الطاولة ووضعه في الباب حتى جابت مسامع الكل إغلاقه بالقفل.
اندفع سامر برأسه فوجد حازم، يتابع بملامح وجه جادة يوزعها بينهم بتفحص، وبين فريدة التي تقف بجانب آدم. وردد بنبرة ليست هينة بالمرة:
"نيجي بقا للحق اللي لسه مرجعش!"
وأكمل بابتسامة صفراء يدعي البراءة:
"ايه؟ فاكرني نسيت ولا إيه؟"
ابتلعت أسماء ريقها، في حين تجمدت ملامح زهور مع سامر. ورغم شماتة مروة، إلا أنها نظرت بترقب له وهو ينفي برده على حاله بنبرة جادة وبشدة:
"لا دا حازم ابن سليم مبينساش وبيعرف يأذي زي أبوه كمان."
هنا توسعت ابتسامته أكثر وقال يعترف بخصال الشر المكبوتة:
"أصل العرق دساس!"
وكان بعد هذا القول ترقب من الكل. انتظر آدم اللحظة وجاءت له على طبق من ذهب. وخافت النساء والفتيات عداها هي، عدا ياسمين التي وقفت تتابع بملامح هادئة ساكنة لتترقب في الآتي منهم، ومعها فريدة التي تود الشعور بالانتشاء بطبع مثل طبع الأخرى. و عز الذي تفحص ملامح وجه حازم، بينما لم ترى عايدة وزينات بهذه اللحظة في النظر نحو ملامح وجه حازم وحديثه الغير هين الجاد بقدرته على الأذى سوى أنه لم يكن بهذه اللحظة إلا سليم. سليم الأكرمي الراحل.
***
صفع باب غرفته خلفه بقوة، تاركا من انسحب خلفه يقف. ومن سحب نفسه خلف حامد كان بدر وشادي ودلال ووسام. وقفوا بتوتر، وتركوه معها بالداخل. أما هي فانتفضت على صفعة الباب، وأول ما وجده أمامه كانت زهرية أنيقة على طاولة طويلة بجانب الباب. وكي لا يرفع ذراعه عليها، مد ذراعه يدفعها بإنفعال، حتى وقعت أرضا بقوة وتهشمت أمام شهقتها وهي تتراجع إلى الخلف مع أنفاسها العالية. خفق قلب من بالخارج، بينما فهم حامد ما فعله من إخراج الانفعال. توقف ولم يتحرك، وكذا هم. في حين شحب وجهها بربضة، وهو يعطيها ظهره ساندًا بذراعه على الباب الذي أغلقه هو.
صوت أنفاسه العالية يظهر هو الآخر، وهي تستمر في التراجع بعيدا عنه، حتى وقفت وخلفها المقعد الخشبي. حاولت أن تخرج الحديث ولكنها عجزت وشُل لسانها. بينما اعتدل غسان يلتفت بتعابير وجه مشدودة متصلبة. اقترب وزاد خوفها من إقترابه، حتى بات قريبا منها فسقطت بجلوس على المقعد وهي ترفع عينيها بتيهة مريبة تنظر له. أما هو فسألها سؤال واحد هادئ يحاول محو أي انفعال كي لا تخسر ويخسر هو الآخر:
"ايه اللي انتي عملتيه ده؟"
وصرخ بصوت أعلى:
"ردي!"
انتفضت وحاولت تحريك شفتيها وحثت نفسها على الثبات، رغم أن الآن تود الصراخ. تقطعت كلماتها وهي تبرر:
"مـ..مـعملـ ـتـ.."
توقفت عن قول أي شيء عندما وضعت يديها على معدتها لشعور الألم الذي يداهمها في بداية شهور الحمل. وتشنجت ملامحها. بينما صبر هو إلى النهاية ورد على تقطعها هذا بـ:
"معملتيش.. للمرة التانية شايفة نفسك مش غلطانة وبتقولي معملتيش."
توقف وسألها بلوم جامد ظهر بحدته في نبرته المماثلة له:
"كنتي جاهزة يطلع عليكي كلام من أي نوع؟ ولا مش عارفه بردو إنك كنتي هتفتحي على نفسك فاتحة ملهاش آخر بكلام ناس ملهومش أي ستين لازمة!"
وجد دموعها تتجمع في عينيها الفاتحة، وقبل أن تبرر بتراهات يراها هو بعينيها، صرخ هو بصوت عال:
"مـــش عارفــــة كان هيتــقال ايـــه!"
أهبط كفه وهو ينحني برأسه ومسك كفها كي تقف لتواجهه. ووقفت تضم عينيها بتعب. فواصل صراخه المنفعل ينهرها:
"سيـــرتك سهلة تتجــاب. سهل عليكي تتجاب بالوحش يا غبية!!!"
حرك معصمها واهتز جسدها بالكامل وهو ينهرها مرة أخرى:
"هتفضلي لحد امته كده؟ هتفضلي لحد امته متسرعة وكل الغباء مراحش غير ليكي لوحدك وبس!!!!"
وأكمل بظهر لها إنهاكه منها:
"كل مشكلة تبوظيها بغبائك وتمشي عاملة حسابك ان في حد ضامناه وراكي هيصلحلك. المفروض مطلوب مني ايه المرادي!!! ردي!"
اعتلى صوته أكثر، وشعرت بضغطه منها إلى كثير. سالت دموعها أمامه وكأنها تنتظر السؤال. من قبل ومن بعد. عندما شعرت بثقل كلماته وضغطه منها قالت بخواء كاسر ردا على آخر حديثه ببكاء شديد:
"تطلقني. تطلقني يا غسان. إحنا حتى لو رجعنا بعد كل ده أنا مش هقدر أشوف في عينك بصتك دي. بصتك دي بتكسرني وبتدبحني. أنا تعبت.. كفاية عليا كده حرام. حرام والله. أنا كنت مستنية اليوم ده. مستنياه بكل خوف وكنت عارفه إنه هيجي. مسيرة كان جاي وفرحتنا دي كانت هتقع في أي لحظة. أنا كده وانت أخدتني كده بس اللي فات كوم ودا كوم تاني. كوم تاني بكسرتك اللي أول مرة أشوفها. أنا حتى مبقاش عندي طاقة أقولك لا. ولا كان عندي. المرادي ابعد. أنا بقولك ابعد عني وسيبني. سيبني بقا!!"
كلماتها موجعة كاسرة. في حين بنفس ذات الوقت أبعدته عن محور الوجع الرئيسي. لذا أنهكت ملامحه وحاول الحديث بتعب، فقاطعته هي مرددة:
"طلقني. طلقني بقا!!"
رددتها ببكاء وكأن ليس على لسانها غيرها. وهو الذي يتوجب عليه التحمل إلى متى أيها القلب اللعين؟ سأل العقل وأجاب الفؤاد بنظرة.
خاوية لمعت بها عينيه وهو ينظر لخاصتها مرددًا بنفس الإنهاك الذي احتلها:
"أنا بضرب قلبي ده مية قلم إنه حبك ودق ليكي انتي بالذات، قلب عمره ما قسى ولما كان بيجمد يرخى علطول عشان ضعيف قصادك، سألت نفسي امتى أنا كنت ضعيف كدة، امتى كنت غبي واتخدعت ورا شوية مشاعر جابوني الأرض وكسروني، كان ليه الحب مادام مش قد وجعه؟!"
واجابت بنبرتها الخاوية الباكية وهي تنظر لمعالم وجه وكأنها تشبع نفسها من رؤيتها:
"نصيب!"
"بس أنا مش مسامح النصيب ده!"
صدمة قلبها الهش هي نبرته في قولها، ورغم أنه وجد الإصرار في عينيها، تجمدت دموعه في لحظة الوداع، ما يظهر في عينيها الآن عكس ما كان يتوقعه منها في كل مرة، هي من أرادت وكفى ضغط منها على كرامته، الحوار من بدايته لنهايته مسموع منهم بالخارج.
الموجع له ولقلبه الذي خانه أنه دفعها بين ذراعيه بقوة وكأنه يخرج بها كل كبت من مشاعره الثائرة بالانفعال، ضمها وتوجعت بعظامها أما هو فتلمس معدته بذراعه برفق، يودع صغيره هو مستنشقًا تلك الرائحة الخافته التي تتسلل منها، وبالذراع الآخر يضم جسدها ساندًا رأسه على كتفيها بإنهاك، حينها بكت بشدة تركته يفعل ما يشاء غافلة عن الآتي، تنفس براحة، للمرة الأخيرة وهي في ضمته وهمست بنفس الطلب بإصرار من بين بكاءها، فابتلع ريقه يومأ بعينيه دون أن تراه سقطت دموعها مع سقوط دمعته فرفع ذراعه يمسح وجهه واعتدل ينظر لها وردد هو أخيرًا، ردد بالقول الذي فارق معه روحه، القول الذي أعلن الفراق بينهما ومن قبل هذا كان فراق روحهما معًا، وحبس أنفاسها هي:
"إنتِ طالق!"
رددها، أغمضت عينيها ونفت برأسها بوجع، تحت شهقات من بالخارج بصدمة، ابتلع ريقه ينظر نحوها أهذا ما كانت تريده؟، ود لو يقسم بهذه اللحظة أن ملامحها التي شحبت بهذه الطريقة التي لم تكن تتخيل بأن هذه الحالة ستلبسها عند سماعها لذلك، لما قالها هو من الأساس!، لحظات تستوعب وشددت في ضم عينيها وهي تنفي بكسرة وخرت قلبه، ولكنه وقف صامتًا، ساكنًا، موجعًا، ودموعه تنزف بالداخل.
انتفضت عندما ركضت تفتح باب الغرفة بسرعة وفتحته ناهيك عن ركضها على الذي هشمه هو بنفسه لم تتأوَّه بل وجعها الداخلي كان أقوى من ذلك، لم تستمع لأي منهم بل رحلت، رحلت بركض سريع حتى أغلقت باب الشقة بنفسها رافضة هرولة الكل خلفها.
أما هو فأغلق باب الغرفة بسرعة بالمفتاح قبل أن يدخل عليه أحدهم ووقف لم يحرك ساكنًا، بل الآن دموعه من تهبط على وجنتيه وتتحدث بدلًا عنه وعن الذي بداخله، سمع صوت دقات الباب وصوت "دلال" يتداخل مع "حامد" و"بدر" و"شادي" و"وسام" ببكاءها هي الأخرى.
أما هو فأمسك رأسه بين كفيه لا يطيق سماع هذه الأصوات المتداخلة ومن بين الأصوات صوتها المُصر على الانفصال طوال الوقت، أحنى رأسه وضعها بين كفيه وهو يقف وهنا رأى قطرات الدماء التي سقطت أرضًا أمام عينيه الزائغة، وضربات قلبه التي تسارعت وضع يديه على موضع قلبه يحاول تحمل كل هذا مُجبرًا.
بينما في الخارج أمسك "شادي"، يديها يوجهها ناحية الغرفة يحاول التهوين عليها بعدما فقدوا الأمل في أن يفتح هو الباب، ووقف "حامد" بهذه اللحظة شاعرًا بألم ولده، ضاق صدره وجلس على الأريكة بينما نجده أحضان "وسام" وهي تتلهف له ببكاء في أن لا يحزن لأجل خاطرها، بينما وقف "بدر" يحاول للمرة الأخيرة أن يدق الباب بقوة أكثر ليراه، والآخر بعالم موجع أكثر من عالمهم المؤلم، فالألم عليه كان أضعاف مضاعفة.
حُبست الأنفاس عند هذه النقطة عندما اندفع "حازم" يمسك "سامر" بين ذراعيه بقوة، يُحرّكه بانفعال، مرددًا بعدما قام بضربه على وجهه:
"جواز وغصب ومأذون من ورايا يا روح أمك. بتتصرف من دماغ أهلك على أختي اللي حذرتك من القرب منها بعد ما رفضتك؟"
كانت "فريدة" في قمة سعادتها عندما وجدت "حازم" لم ينسى وعلى عكس العادة تركوه الجميع يتصرف بإرادته تحت خوف "زهور" بينما اقتربت "ياسمين" تمسك "مروة" من ياقنتها وهي تردد بتوبيخ:
"كنتي بتقولي إيه بقا يا حلوة؟ فكريني كده كل القديم عشان ذاكرتي بعافية معلش!!!"
كُبِتت الضحكات على غير العادة وحاولت "مروة" دفعها بينما صفعتها "ياسمين" على صفحة وجهها وقفت "زينات" بدهشة مع "حنان" و"عايدة" و"سمية" في حين الكل يتابع انقلاب الوضع بأخذ كل طرف لطرف آخر بشر، وكما هم توجهت "فريدة" هذه المرة أمام "أسماء" تمسكها كما فعلت "ياسمين" ورددت لها من أسفل فكها:
"بتستغفلينا. بتاخدي التليفونات وتخبيها يا بت. فكرانا عبيطة إحنا. صح؟ لا فوقي. فوقي كده وصحصحي!!!"
ابتسم "آدم" باتساع وفخر بها وجاب عينيه ملامح وجه "زهور" عندما شهقت تحت سكون "عز" مع "جميلة" و"فرح" و"منة" بينما لكم "حازم" "سامر" بوجهه بقوة وأحكم مسكه وأمسكه "آدم" بتشفي من الناحية الأخرى وهنا ضربات وهناك صفعات تتلقاها "مروة" من "ياسمين" التي هرولت ناحيتها "وردة" وعندما شعرت "وردة" بخطر ما تفعله الأخرى بأسفل معدة شقيقتها دفعتها بفزع حتى وقعت أرضًا. نظرت "ياسمين" بذهول لما كانت مقبلة عليه من ضرب لتهبط ما في رحمها بينما جثت فوقها بقوة وشرر تضربها وكأن بهذه اللحظة ولدت هذه العائلة في الشارع! حيث التشرد.
"أنا مغصبتهاش، مغصبتهاش صدقـ.."
وقبل أن يكمل "سامر" وهو محكم بالمسك من ذراعي "آدم" و"حازم" الذي يضربه لم يتركه بعدها بل ضربه وقاطع جملته بصراخ آخر:
"إخرس!!!"
هرولت "زهور" لتدفع "ياسمين" عنها بينما فصلت "جميلة" "فريدة" عن "أسماء" تحت ترقب الكل، تحاملت "زهور" وهي تسند "مروة" التي نزلت دموعها بوجع في جسدها وخدوش يديها تنزف دمًا، كما الدماء التي بجانب فمها، مسحت فمها بألم، وجذبت العصا من يد "زهور" على فجأة بقوة، وقبل أن تضربها مدت "منة" ذراعها بسرعة تأخذه منها بقوة وهي تردد بإشمئزاز:
"إنتي مبتحرميش يا بت. إيه راحة فين تاني؟!"
ذهلت "ياسمين" مرة أخرى وحاولت أن تنقض عليها بينما أبعدتها "وردة" بأعجوبة كما أبعدت "جميلة" "ياسمين"، التسلية كلها كانت في نظرات "عز" الذي جلس براحة يتابع بتمعن ما يحدث وكأنه فيلم بتصنيف أكشن! أشارت له "جميلة" كي ينقذ الوضع بينما اندمج "حازم" بغضب يصبه لوجه الآخر وحتى معدته، الثلاثة تأذوا اليوم، ترك "آدم" "سامر" حتى وقع أرضًا على ركبتيه ينهج وهو يمسح وجهه الذي كان به دماء أثر خاتم "حازم" الذي يرتديه وقام بجرحه! بينما صرخت "زهور" على فجأة:
"بس كفاية!!!"
اقترب "حازم" هذه المرة أمام عينيها يردد بانفعال:
"لا مش كفاية. إنتي تاخدي بعضك إنتي وولادك وتغوروا فستين داهية بدل ما أوديكم أنا فداهية وأنا قادر أعملها كويس أوي. برا.. ومعاكم وقتكم تلموا بعضكم وتمشوا!!!"
اغتاظت من طريقته. ورددت تجيبه بتهديد وهي تسند فتياتها بنفسها:
".
مش هسيبك كده يا حازم وبكرة نشوف!
لم يعطِ بالا لقولها، ورغم أن لديه قوة أكثر من تلك في أخذ الحق، ولكنه أتى بآخره، قدرته على التحمل أصبحت معدومة. ابتلع ريقه ووقف يتابعهم، في حين وقفت "ياسمين" في الخلف تردد لها:
"استني، خدي بنتك التالتة اللي بدقن دي!"
لم يمنع "عز" و"آدم" بأن تخرج ضحكاتهم بصوت عالٍ، وكذلك الفتيات على قولها. نظرت بشرر تحت بسمة "حازم" الجانبية الهادئة بتهكم وهو يقف، في حين اعتلى صوت "آدم" بسعادة غريبة:
"عندها حق، وربنا خسارة فيك العيون الخضرا، مكنتش تجيبهالي والله كنت وقعت كام واحدة فحبي بدل ما أوقعهم في وسـ.."
صمت ببراءة ووضع كفه على فمه مرددًا بغيظ له وهو يراه يتحامل على نفسه كي يقف:
"اسكت ي بؤي بقا، في ستات، وست تانية مش قادرة تقوم!"
تشنجت ملامح "سامر" من الإهانة وعلم بأنه يرد له ما فعله به. ضغط على فكه ماسحًا وجهه بتشنج وألم. ووقف "آدم" يطالع أجسادهم وهم يقفون ينتظرون فتح الباب:
"بقولكم!"
نظروا بحقد والغل يظهر في عينيهم، بينما تابع "آدم" بمنتهى الثبات بخبرهم:
"انتوا اللي علمكوا الأصول كان راجل مسطول صح!"
كيد عائلة البدري! ضحك البعض بقصد وأيدت "ياسمين" قوله بفظاظة:
"هو مفيش أصول من أصله، ده أصل عيلة ناقص مع عدا أبويا، معرفش إزاي قدر يعاشر ناس زيكم جاتكم القرف!"
نهرتها "جميلة" بعينيها، فأشارت "ياسمين" برأسها. ووقفت "زهور" تردد بحزم:
"ما تجيبوا المفتاح ولا ناوين تحبسونا؟"
ذكرت "حنان" ربها من اختلال عقل هذه العائلة! ووقفت مصدومة، ناهيك عن صدمة "فرح" هي الأخرى. بينما "منة" تعتاد والآن تضحك بإندماج وهي تراقص حاجبيها لـ "مروة"!!! اقتربت "فريدة" منهم تنظر بشمامة وظهرت ابتسامتها الواسعة تردد:
"أنا مش قادرة أعبرلكم عن سعادتي اللي أنا فيها دلوقتي، أصل العرق دساس زي ما انتوا فاهمين وزي ما حازم قال، فـ شر ولاد سليم موجود وعلى أي حد يجي علينا بيطلع حتى لو كان مين، معلش عيلة وملهاش عزيز ومعروف عنها كده.. ودا ميمنعش بقا نخرج الأسرار عشان الناس تاخذ حذرها.."
في تلك اللحظة كان يقف "بدر" خلف الباب بالخارج قبل أن يدق سمع هذه الأقوال، خاصة الآتي:
"ابقي خدي بالك ي وردة على جوزك، أصل الست زهور وبنتها جايين زي ما بيجوا كل مرة بأعمالهم عشان يدسوها ويشربوها لجوزك وبيفشلوا، يا شيخة دول طلبوا مني قبل كده من سنة أجي هنا وأجيب حاجة من قطرة، مع إني مكنتش أطيقكم بس أصدمهم بقا باللي عملته ساعتها لما جبتلهم أي قماشة ملهاش أي ستين لازمة، ما أنا بردو كان عندي رحمة ومصعبش عليا حد غير الواد الصغير يامن حبيب قلبي، وزي ما عملوا كده عايزين يعملوا كده مع حسن عشان يقع فـ إسماء بس أنا مسمحتش ليهم وزي المغفلة مقولتش لامي اني سمعت خططهم دي وخبيت عشان موقعش اختين فبعض، ألا من حق ي خالتي هو حسن موقعش على عينه ليه لحد دلوقتي مع أسماء؟"
لم تترك لهم فرصة للحديث بل واصلت بتفسير أمامهم جميعًا:
"دلوقتي بس يعرفوا بنفسهم ليه بتكرهي نيروز أوي كده ومش بعيد حياتها بتتخرب بسبب عينك أو الله أعلم يمكن عاملالها عمل ما انت رجلك بقت حافظة طريق الشيخة خديجة المغربية لرد الحبيب وجلب الزبيب واللي مش عارف إيه!!!!"
أسرار أخرى تكشف!! صدم الكل وشحب وجه "وردة" و"سمية" في حين إقتربت "أسماء" بذهول لم تكن لتعلم بأن والدتها فعلت ذلك! بينما صاحت "فريدة" هذه المرة بتقزز لـ "أسماء":
"أه يا غبية بقا بذمتك حد يحب واحد زي حسن؟ إهربي نصيحة مني لأنه زي ما عرفنا هو فاق ولو رجع ووقعتيه فيكي قولي على نفسك يا رحمان يا رحيم بعد كده معاه!!!"
تكن له حب سري لم تكن تعلم بأنه مكشوف أمامهن!!. ذُهل الكل مع دقات الباب بعصبية من "بدر" ولكن اندمج الكل في صدمته واقتربت "زينات" تهتف لها بنبرة مصدومة:
"إنتي كنتي بتعملي أعمال لآبني يا زهور؟"
وردت "مروة" حينها رغم تشنج وجهها بالألم:
"إيه ما انتي كنتي معاها عالخط وقاعدين مش سابين غيركم فحالهم ولا بتنسي يا خالتي؟"
كانت الأقوال أشبه بـ:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!"
"حسبي الله ونعم الوكيل"
كانت الأقوال بعد تلقي الصدمات. اقترب "حازم" غير المقتنع بهذه التراهات التي تفعل من النساء لذا لم يشغل باله وقرر محاسبة زوجة أبيه بوقت لاحق. أخرج المفتاح من جيب بنطاله ودفعهم بفظاظة كي يفتحه تحت توجه الشرر. ولكن ما يغفل عنه وما توقف عنه بذهول أن بعدما استوعبت "ياسمين" الآن ما كان يُدبر منها لشقيقتها التي ارتجفت أوصالها بخوف. ركضت تنقض، وهذه المرة لم تنقض سوى على "زهور" التي اختل توازنها بعيدًا عن العصا ووقعت أرضًا وبرزت حدقات الكل بصدمة كبيرة من ما فعلته تلك الفظة للتو! وقبل أن تضربها دفعها "حازم" عنها مع فتيات الـ أخري وهما يسمعونها تهتف بـ:
"أه يا بنت الكلب يا واطية! بتعملي أعمال لأختي وجوزها يا قذرة يا زبالة! وديني لآعرفك يا***"
يتأزم الوضع كل مرة وهذه المرة سبتها سبه نابيه غير لائقة بتاتا أمام الجميع وخاصة الرجال. خرجت وسبه كهذه أمام الرجال! قرر "سامر" المراوغة حيث لديه معلومات لم تفصح بعد ولكنه سيفعلها حتى وهو على مشارف الرحيل بوقت لاحق لم يترك حقه. هكذا!!!
تفاجأ "عز" و"حنان" من طبيعة "ياسمين" الشرسة!! وتخلل "عز" من الداخل شعور عدم الاستحسان لما رددته للتو من سبة نابية رغم أنه يؤمن بأنها لديها الحق في فعل أكثر من ذلك. نظر تجاه "جميلة" التي نظرت بضياع وحسرة وبالآخر حرج من وجوده ووجود عائلته للتدخل في هذه المشاكل الصعبة بينهم وبين عائلتها التي لا تكف عن المشاكل. مشهدها أمامه الآن لا تريده يكفي أنهما بينهما ماضي من العائلة واستمرا رغم كل ذلك!! ابتلعت ريقها تمسح دموعها بكسرة. أبعد "حازم" "ياسمين" بإنفعال بعدما فتح الباب وسحبها بقوة ناحية غرفتها وصفع الباب خلفه بقوة هزت أرجاء المنزل!! انتفض البعض. وقابلت بوجهها "بدر" وفتياتها يساندونها. فوقف يتحامل على نفسه يسألها بهدوء ما قبل العاصفة:
"هو سؤال واحد بس.. إنتي لسه شغالة فالقرف ده؟ لسه موجود؟"
نفت بوجع في جسدها. وسارت بخوف تحاول إخفاءه وخلفها كان "سامر" يسير بعدم توازن. في حين الشئ الوحيد الذي يطمئن "بدر" أنه يواظب على الصلاة وقراءة الأذكار والقرآن مثل "وردة"!!! لذا لم يطولهما الأذى!!
دخل بلهفة فوجدها تركض ناحية الغرفة وهي تضع يديها على وجهها تخفي دموعها الخائبة ويديها التي ترتجف. أشار لهم بالتوقف ورحل هو خلفها بسرعة مقرراً إنقاذ الوضع بالبراهين!!..
وقفت "فريدة" تنظر بصمت بعدما حدث. وبعد كل ذلك اعتادت على الهروب لأسفل كي لا تصعد حالتها لشئ تعجز عنه. ركضت على عكس مشهدها وهي تفعل ما فعلته ولكنه الآن بات يعلم أن قوتها زائفة. انسحب "آدم" خلفها. ووقفت "عايدة" تود حفظ ماء وجهها من عائلة "عز". نظرت إلى "حنان" بأسف. ولكن الأخرى بادلتها النظرة بتفهم وحنو. آقترب "عز" يمسك يدي "جميلة" التي كانت تبكي وفقط. وسحبها معه ناحية شقة "عايدة" التي استأذنت من "سمية", بحرج فتفهمت وأشارت لها بأن تأخذهم ناحية شقتها. خرجت "حنان" ومعها "فرح" تسندها. بينما وقفت "زينات" ورغم كل ما فعلته إلا أنها تابت وندمت ولكنها قررت على الرحيل ناحية شقتها حيث غرفتها دون ان تحدثهم. وسارت أمامها حتى بقت "منة" مع "سمية" تحاول مواساتها!!!!
السؤال هو أين ركضت وذهبت وشقة والدتها كانت مغلقة يخرج منها أصوات عالية. بهذا الشكل بعدما سمعت كلمة الطلاق سار الألم في قلبها الهش وجسدها الضعيف. لم تجد أمامها سوى الركض حتى لم تنتظر المصعد. ركضت تهبط على السلم إلى أن ألمتها قدمها التي تنزف الدماء. جلست على إحدى الدرجات تبكي بصمت موجع. الدرجات التي تصعد لأول الطابق الثالث حيث هم وعائلته هو! إن صعد أحدهم سيجدها هكذا بهذا الشكل! جلست تضم ركبتيها تبكي وسالت دموعها بغزارة ناهيك عن بصمات الدماء التي خلفها على درجات السلم من السير عقب ما هبطت أول درجة بقوة.
حينها بدأت قدمها تنزف من الزجاج الذي تهشم وسارت هي عليه بغير وعي. كيف ستعيش مع كل هذا الألم، ليس ألم قدمها بل ألمها الداخلي. لم تكن لتتخيل بأنها ستوجع بهذه الطريقة. هي من بدأت بالوجع ومن طلبت الألم في كؤوس لتتجرعه دفعة واحدة بعدما كان الحال بينهما هادئ ساكن من الطرفان بدفء والدين ينتظران قدوم طفلهما.
أين والده؟
أين الدفء والانتماء؟
أين حبه؟
أين تمسكها؟
هل كنت أستمر في قدرتي على التحمل كي تبقى هذه هي النهاية؟
هل نهايتي هنا؟
حيث الوجع؟
وحيدة؟
شهقات تمزقها، وسمعت صوت قطع الكهرباء بالسكون، خاصة سكون المصعد! لم تعِ بأن من سيصعد سيصعد عليها بهذا الشكل. هي ظلت بعباءتها، ولكن ما تغفل هي عنه وما غفل هو الآخر عنه، خصلاتها التي انْكَشَفَت دون ستر بالكامل! لو يعلم هو حالها الآن لركض إليها دون أدنى شك، بينما أين رحل هو؟ أم أنها هي التي رحلت؟ اهتز جسدها من البكاء وصوتها العالي يتخلل لأذن أول من صعد. سمعت خطواته وهو يصعد، وما إن التفت ليصل الطبقة الأخرى وجد جسدها يَنْضَم بهذه الطريقة. هذا الجسد يعلم هيئته! نيروز، زوجة شقيقه.
فتح "بسام" عينيه بصدمة من حالها، وجاب عينيه قطرات الماء. تلهف بخوف عليها واندفع بيديه يرفع رأسها مرددًا بتيه وعدم استيعاب:
"نيروز! نيروز!"
رفعت رأسها بتعب، وعينيها الزائغة تدور، وما إن وجدت وجهه تمعنت وعلمت أنه ليس هو. صمتت بإستسلام ودموعها تهبط. فسألها وهو يتفحصها بنظراته كي يعلم مكان نزف هذا الدم، ولوهلة انتقض ماذا لو كانت هذه الدماء نزيف جنينها وطفل شقيقه! حبست أنفاسه وعادت عندما جلس بسرعة يمد يديه على جرح قدمها بقلق.
"أخوي صافي." ابتلع ريقه وسألها باندفاع:
"إيه ده من إيه؟ قومي. قومي معايا بسرعة!"
تبخرت أي قوة بها ونزلت الدموع وكأنها تعي للتو، وأخبرته كي تثبت لنفسها بأنه حقيقة:
"غسان طلقني!"
نبرتها الخاوية الباكية صعبة أشفق، بعدما انتفض بصدمة، مغمضًا عينيه بضغط من كل هذا. ربما رحيله للعمل وتركهم هو، اعتقد بأنها مشكلة وستُحَل، بينما ما يسمعه الآن صدمة. قرر التحامل على كل ذلك، ونهض يتلمس ذراعها كي يسندها متخليًا عن الحرج وهو يقول:
"قومي معايا. قومي يا نيروز!"
حاولت النهوض ولكنها لم تقدر. سندها بيديها ونهضت تستند على سور السلم، ولكنها ما إن وقفت على قدميها كان سيختل توازنها من الألم والزجاج الذي بقدمها. أسند ظهرها بسرعة من عدم تماسكها وسألها وكأنه لا يرى:
"إنتِ ماسكة نفسك ولا لأ؟"
نفت وهي تغمض عينيها بألم. فردد لها بحرج:
"طب أنا آسف.. مش من حقي بس مضطر!!!"
لم تفهم قوله، ولكنه قاوم أي شيء وأهبط ذراعيه يحملها، مشيحًا بوجهه بعيدًا عن وجهها وصعد بسرعة كي ينقذ جرحها هذا. حالها لم يصدمها كثيرًا، ولكنه دق باب شقة "حامد" بقدمه بقوة حتى هرول "شادي" يفتح الباب، وما إن فتحه صدم بقوة. هرول بها بسرعة ناحية الأريكة الطويلة يسندها تحت ركض "حامد" بألم من ساقه. ما إن وجد المشهد، انحنى يتلمس وجهها وهو يسأل بقلق:
"مالها؟ مالها يبني؟"
لم يجب، وشهق "حامد" بسرعة ما إن وجد دماء قدمها. أسرع "بسام" يجلب حقيبته وجلس يتفقد جرح قدمها. أما هي فعينيها الزائغة تدور وهي توزع النظرات بين "شادي" و"حامد". لم تستطع التركيز، بل فقط ترديد كلمة طلاقها تعلو في أذنيها فتهبط دموعها وتنفي بسكون. وقف "حامد" يتابع بخوف، والآخر يطهر جرحها ويخرج منه ما دخل به. في حين وقف "شادي" ينظر نحو باب غرفة "غسان" الذي لم يخرج منه أي صوت.
كانت "وسام" تجلس مع والدتها في الغرفة غافلتان عن كل ذلك، في حين انتهى "بسام" بعد وقت من ما فعله. ناهيك عن عينيه المحرجة الذي كان يبعدها عن ساقها، الذي وكأن "حامد" تفهم الوضع بينهم فمد يديه يدفع طرف عباءتها أكثر على ساقها كي لا ينكشف. أما هي فحاولت أن تعتدل وهي ترفع يديها تضعها على وجهها تخفيه بكسرة. ابتعد "بسام" ما إن شعر بتحركها، فنهضت هي وتقابلت عينيها مع عيني "حامد" الحزينة.
الغريب والموجع بنفس ذات الوقت أنها وقفت على ساق واحدة تستند به ونظرت نحو وجهه تحاول فرك عينيها بإنهاك، ولكنها وجدت وجه والدها به. الملامح تتداخل وعقلها يتشوش وانتفض قلبها وهي تدفع نفسها بين أحضانه بقوة حتى اندفع "حامد" إلى الخلف، ولكنه ربط ذراعيه يضمها بحنان وشفقة تحت تفهمه لما يجري معها الآن.
بينما صدم "بسام وشادي" من ما فعلته، ولكن بمثابة سهم اخترق قلوب الثلاثة عندما رددت بتحشرج وبكاء ضعيف يعلن عن هشاشتها:
"متسبنيش تاني يا بابا.. متسبنيش.. أنا تعبانة من غيرك أوي والله.. متمشيش!"
لمعت عيني "شادي" من هذا الاحتياج الذي يفتقده هو الآخر منذ أن كان أصغر. فقدان لا يشعره سوي من جربه بالفعل. أما الآخر فابتلع المرارة بحلقه على حالها، وهي لم تختل لتراه هو، بل تعلم وبكل وجع تجاري عينيها وعقلها بذل لتنعم بهذه اللحظة حتى ولو كان ليس هو.
سقطت دمعة "حامد" على وجهه ومرر ذراعه على ظهرها بشفقة وحزن. ولم يرغب في الحديث كي لا تنصعق ويخيب رجاءها الخائب من الأساس.
وكأنها تعي الآن عندما حررت نفسها تنظر حولها برهبة. رفعت يديها تمسح وجهها التائه وثبتت عينيها على غرفته الساكنة. آخر ما نظرت له وبعدها حاولت السير بسرعة كي تخرج من الشقة تحت قول "بسام":
"يا نيروز استنـ.."
قطعت قوله إغلاق باب الشقة خلفها بسكون. حيث حاولت دخول الشقة الأخرى. جلس "حامد" على المقعد بسكون، ووقف "شادي" بتشتت مع "بسام". وإلى الآن غرفته ساكنة من الداخل. فتح "شادي" الشرفة أكثر وأكثر كي ينير المكان. في حين انسحب "بسام" يدق باب غرفة "غسان" مع دق جرس المنزل. تقدم "شادي" يفتحه، بينما ما إن وجدها تدخل تمسك كفه بلهفة تسأله:
"إيه ده يا شادي نيروز مالها وطلاق إيه اللي حصل. دي مامتها منهارة وهي مدتش فرصة لحد ودخلت قفلت على نفسها!"
سحبها لتجلس كي يغلق الباب ورأت العجز في عينيه. توجهت تنظر بصمت. وهي تسمع صوت "بسام" القلق:
"غسان!.. انت سامعني؟"
لم يأخذ أي رد سوى الصمت. السكون المريب. بينما وقف "حامد" يحثه على التراجع وقال يخبره:
"سيبه يا بسام. سيبه وبلاش حد منكم يقوله على اللي حصل. خلاص!"
قطع أي حديث كان سيُقال. بينما وقف "حامد" يخبر "شادي":
"روح وروح مراتك يا شادي يلا!"
"أنا مستني هنا مش همشي إلا ما أطمن عليه!"
"مش هيطلع. أنا بقولك إن أنا أبوه ومش هيطلع إلا ما ربنا يسهل. مراتك واحدة وراها امتحانات ومحتاجة تذاكر ولازم تكون كمان معاها. يلا ومتقلقش هطمنك!"
وجد العجز بعينيه. ونظر صوب "منة" التي حدقته بصمت. ووقفت ما إن وجدته يومئ رغما عنه. اعتدل يودعهم كي يرحل. وكما سيرحل هو. كانت قد عقدت "عايدة" عزمها على أن ابنتها "جميلة" يستوجب عليها الرحيل مع زوجها وعائلته وأن لا تجلس وسط هذه الأحداث وبالنهاية تحت مسمى عروس. رغم تلقي خبر الطلاق ومحاولتهم في الوصول لها صعبة بعدما أغلقت على نفسها تنفرد بالوجع.
وحتى "سمية" يأست وذهبت لغرفتها تنزوي بوجعها كما كان غيرها. وآخر ما سمعته من صوت "حازم" وهو بنهرها بالصمت ومن ثم قرر الصمت معها لمعاقبتها دون تبرير وهيهات من تلك الشرسة.
وكما صمتا هما صمتت "وردة" تكتم كالعادة تجاري الحديث لحديث آخر بعدما أنهكت نفسها في البكاء والخوف عليه هو وعلى حياتهما سويًا. وبكاء آخر على حال شقيقتها.
وان امتزجت مياه دموعه مع مياه الاستحمام، فكيف سيميز على أية حال؟ الاثنان يهبطان بغزارة، أخرى تلبي غرضها وأخرى تعبر عن غرضها.
وما الغرض؟ العودة لنهر مشاعره التي تجتاح صدره، وخاصة قلبه، ذلك العضو الضعيف تجاهها، يضخ بحروف اسمها، تشبيه ساخر، ساخر جدا منه ومن حاله المؤلم. يرى بأنها تساهلت وتخلت، وكذلك تري هي. على الرغم من أنها طلبت، ولكنها لم تتردد بالعكس أبدا. ربما كان يريد منها رؤية التمسك الذي عاش يفعله. وعلى الرغم مرة أخرى من أنها ليست مقارنة بينهما، ولكنه سأل سؤال واحد رغما عنه:
- لم لم نأخذ مثلما نعطي؟
ثم سؤال آخر:
- لم دائما لا تريدنا الأشياء التي نريدها؟
ثم:
- لم الوجع؟
وبعده:
- لم العودة؟ ولما الوصال من الأساس؟
وصال، "وصال" وصاله الذي عاد معها، وبعد ذلك رددت له في أواخر علاقتهما بأن حبل هذا الوصال ربط بشدة وصعب فكه، صعب البعد، صعب الفراق، وليس هين الانفصال.
هل كانت تكذب؟ تخادع؟ ترمي مجرد كلمات تحت مسمى الهوى؟
منذ متى يردد العاشق بكلمات ليست صادقة؟ أحيانا يتم ترديد كلمات الحب بنغمة معينة لم يفهمها سوى الطرفان وفقط، بينما الآخرون سيرون أن هذه مجرد تراهات. هل كانت آخرون؟ طوال هذه الفترة؟
أسئلة كثيرة ليس لها جواب وعقله على وشك الانفجار. كما أن قلبه كذلك، حتى من قبل الانفصال، ترى ماذا سيفعل به قلبه في اللاحق؟ مجبر وسيجبره على التحمل لا محال، ليس لديه خيار آخر. وجد جوابا يهزه من الداخل بأن إن خالفت الظروف، يتخلى طرف عن طرف لأجل آخر. لأجله. نفض ذلك وقال ناهرا هذا الجانب الذي يلين ويتحلى بالوفاء تجاهها:
مجرد تراهات، من يحب لا يتخلى، ومن يهوى لم ولن يقدر على الفراق.
من بين الوقت خرج بعدما ارتدى ملابس مريحة بالنسبة لعضلات جسده المتشددة بصلابة من هذا الضغط. رفه يديه يرجع خصلاته المبللة إلى الخلف، وانحنى يلتقط ذلك الزجاج الذي هشمه بغير وعي. التقطه، يضع ما بيديه في سلة المهملات بحذر. ونهض بعدها. من بين مرور الوقت شعر بإنسحاب الكل. بينما لم يهون على والده تركه بعدما حث الكل بحزم على ذلك. بل ما أوقفه في منتصف الغرفة وهو يلقي المنشفة بإهمال، دقة واحدة خافتة مع قوله الذي ظهر به القلق عليه:
- أنا عارف إنك صاحي وسامعني، بس افتح كلمني دقيقة بس واقفل تاني زي ما انت عايز، بس اشوفك يا بني.
شعر باختناق نبرة والده. أدمعت عينيه بلمعة غريبة وهو يتوجه يلتقط السجادة الخاصة بالصلاة من جانب الباب المغلق وقال مختصرا بنبرة جاهد بأن تخرج، ثم لتخرج ثابتة بعدما تخرج:
- أنا كويس يا حج حامد وهنام، تصبح على خير.
ومع الأسف الشديد شعر والده بثقل جملته. بينما ما بيده حيلة. توجه يجبر أذيال الخيبة مع اليأس في الجلوس معه وأدرك أنه سيتعامل عكس من قبل، بالتجاهل وكأن شيئا لم يكن. منع عنه الكل ليهدأ كي لا تلبسه هذه الحالة، ولكنها لبسته. بينما قبل وقت ومن بداية اليوم كان يطمئن عليه رغم أنه كان يرى الانفعال، بينما الآن يرى به الكسرة الذي قرر دفنها بقوة. وهل لا يشعر والديه؟ أما هو، فعند السجود أطال، وهنا سمح في أن تهبط دموعه خلف بعضها، دمعة خيبة ودمعة وجع ودمعة قسوة. قسوة يتمناها. هل يتمنى المرء القسوة؟ تمناها هو لقلبه كي يستطيع التعايش بأخذ أنفاسه. حتى الأمل اختفى. فقط تمنى بهذه اللحظة أن ينعم بالراحة وليس الوجع. ثم المسامحة. من يسامح؟ هي؟ أم طفله الذي تركه رغما عنه قبل أن يعيش أجواء فرحته بقدومه. وبين مشاعر وأقوال تذكر بسخرية مؤلمة قول أحدهم الساخر من بين الحديث أن لا تقع بالحب، فكل ما يقع يكسر. وكسر حيث كان هو، قابل للكسر.